{"ً":{"ٌ":132524,"ٍ":"المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"شروح الحديث/المفهم لما أشكل من كتاب تلخيص مسلم - القرطبي - ط ابن كثير 1-7","files":["00_84101.pdf|الغلاف","01_84101.pdf","02_84102.pdf","03_84103.pdf","04_84104.pdf","05_84105.pdf","06_84106.pdf","07_84107.pdf"]},"ّ":"الكتاب: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم\nالمؤلف: أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي (٥٧٨ - ٦٥٦ هـ)\nحققه وعلق عليه وقدم له: محيي الدين ديب ميستو - أحمد محمد السيد - يوسف علي بديوي - محمود إبراهيم بزال\nالناشر: (دار ابن كثير، دمشق - بيروت)، (دار الكلم الطيب، دمشق - بيروت)\nالطبعة: الأولى، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م\nعدد الأجزاء: ٧\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.1","ٔ":2928,"ٕ":7,"ٖ":1770156180,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6","7"],"ٚ":[{"title":"[مقدمة التحقيق]","level":1,"page":2},{"title":"الفهرس الألفبائي للكتب الواردة في تلخيص مسلم والمفهم","level":2,"page":2},{"title":"كلمة الناشر","level":2,"page":5},{"title":"(١) مقدمة التحقيق","level":2,"page":7},{"title":"(٢) توثيق التلخيص والمفهم ومنهج المؤلف فيهما","level":2,"page":13},{"title":"أولا - التوثيق","level":3,"page":13},{"title":"ثانيا - المنهج والأسلوب","level":3,"page":13},{"title":"(٣) فوائد إخراج كتاب \"المفهم\"","level":2,"page":16},{"title":"• مكانته في شرح صحيح مسلم","level":3,"page":16},{"title":"• أهميته في شرح غريب الأحاديث","level":3,"page":16},{"title":"• تفرده في تدوين فوائد الأحاديث","level":3,"page":17},{"title":"• أسبقيته في حل الأحاديث المشكلة","level":3,"page":17},{"title":"• إنصافه في عرض الآراء المذهبية","level":3,"page":17},{"title":"• لماذا هذه الطبعة؟ وما فائدتها؟","level":3,"page":17},{"title":"(٤) وصف النسخ الخطية المعتمدة وخطة التحقيق","level":2,"page":18},{"title":"أولا - نسخ التلخيص","level":3,"page":18},{"title":"ثانيا - نسخ المفهم","level":3,"page":19},{"title":"ثالثا - خطة تحقيق كتاب \"المفهم\"","level":3,"page":28},{"title":"(٥) ترجمة المؤلف (*)","level":2,"page":30},{"title":"١ - نسبه ونشأته","level":3,"page":30},{"title":"٢ - عالم الإسكندرية","level":3,"page":31},{"title":"٣ - الفقيه المحدث","level":3,"page":32},{"title":"- مواقفه وآراؤه","level":3,"page":33},{"title":"٥ - شيوخه وتلاميذه","level":3,"page":35},{"title":"٦ - كتبه","level":3,"page":37},{"title":"٧ - وفاته","level":3,"page":39},{"title":"صور النسخ المخطوطة","level":2,"page":40},{"title":"مقدمة كتاب المفهم","level":1,"page":79},{"title":"مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم","level":1,"page":81},{"title":"(١) باب ما تضمنته خطبة الكتاب وصدره من المعاني والغريب","level":2,"page":81},{"title":"(٢) باب","level":2,"page":102},{"title":"(٣) باب النهي عن أن يحدث محدث بكل ما سمع","level":2,"page":111},{"title":"(٤) باب التحذير من الكذابين","level":2,"page":113},{"title":"(٥) باب الإسناد من الدين","level":2,"page":116},{"title":"(٦) باب الأمر بتنزيل الناس منازلهم ووجوب الكشف عمن له عيب من رواة الحديث","level":2,"page":120},{"title":"(١) كتاب الإيمان","level":1,"page":125},{"title":"(١) باب معاني الإيمان والإسلام والإحسان شرعا","level":2,"page":125},{"title":"(٢) باب وجوب التزام شرائع الإسلام","level":2,"page":151},{"title":"(٣) باب من اقتصر على فعل ما وجب عليه وانتهى عما حرم عليه دخل الجنة","level":2,"page":160},{"title":"(٤) باب مباني الإسلام","level":2,"page":162},{"title":"(٥) باب إطلاق اسم الإيمان على ما جعله في حديث جبريل إسلاما","level":2,"page":165},{"title":"(٦) باب أول ما يجب على المكلفين","level":2,"page":175},{"title":"(٧) باب يقاتل الناس إلى أن يوحدوا الله ويلتزموا شرائع دينه","level":2,"page":179},{"title":"(٨) باب في قوله تعالى: إنك لا تهدي من أحببت","level":2,"page":186},{"title":"(٩) باب من لقي الله تعالى عالما به، دخل الجنة","level":2,"page":190},{"title":"(١٠) باب حق الله تعالى على العباد","level":2,"page":196},{"title":"(١١) باب لا يكفي مجرد التلفظ بالشهادتين، بل لا بد من استيقان القلب","level":2,"page":198},{"title":"(١٢) باب من يذوق طعم الإيمان وحلاوته","level":2,"page":204},{"title":"(١٣) باب الإيمان شعب، والحياء شعبة منها","level":2,"page":210},{"title":"(١٤) باب الاستقامة في الإسلام، وأي خصاله خير","level":2,"page":215},{"title":"(١٥) باب لا يصح الإيمان حتى تكون محبة رسول الله - ﷺ - راجحة على كل محبوب من الخلق","level":2,"page":219},{"title":"(١٦) باب حسن الجوار وإكرام الضيف من الإيمان","level":2,"page":222},{"title":"(١٧) باب تغيير المنكر من الإيمان","level":2,"page":225},{"title":"(١٨) باب الإيمان يمان، والحكمة يمانية","level":2,"page":230},{"title":"(١٩) باب المحبة في الله تعالى والنصح من الإيمان","level":2,"page":236},{"title":"(٢٠) باب لا يزني الزاني حين يزني وهو كامل الإيمان","level":2,"page":239},{"title":"(٢١) باب علامات النفاق","level":2,"page":243},{"title":"(٢٢) باب إثم من كفر مسلما أو كفر حقه","level":2,"page":246},{"title":"(٢٣) باب نسبة الاختراع لغير الله حقيقة كفر","level":2,"page":252},{"title":"(٢٤) باب حب علي والأنصار آية الإيمان، وبغضهم آية النفاق","level":2,"page":258},{"title":"(٢٥) باب كفران العشير، وكفر دون كفر","level":2,"page":262},{"title":"(٢٦) باب ترك الصلاة جحدا أو تسفيها للأمر كفر","level":2,"page":265},{"title":"(٢٧) باب الإيمان بالله أفضل الأعمال","level":2,"page":269},{"title":"(٢٨) باب أي الأعمال أفضل بعد الإيمان؟","level":2,"page":272},{"title":"(٢٩) باب أي الذنب أعظم؟ وذكر الكبائر","level":2,"page":274},{"title":"(٣٠) باب لا يدخل الجنة من في قلبه كبر","level":2,"page":280},{"title":"(٣١) باب ركوب الكبائر غير مخرج للمؤمن من إيمانه","level":2,"page":285},{"title":"(٣٢) باب يكتفى بظاهر الإسلام، ولا يبقر عما في القلوب","level":2,"page":287},{"title":"(٣٣) باب من تبرأ منه النبي - ﷺ -","level":2,"page":293},{"title":"(٣٤) باب من لا يكلمه الله يوم القيامة ولا ينظر إليه","level":2,"page":296},{"title":"(٣٥) باب من قتل نفسه بشيء عذب به","level":2,"page":304},{"title":"(٣٦) باب لا يغتر بعمل عامل حتى ينظر بما يختم له","level":2,"page":311},{"title":"(٣٧) باب قتل الإنسان نفسه ليس بكفر","level":2,"page":316},{"title":"(٣٨) باب ما يخاف من سرعة سلب الإيمان","level":2,"page":319},{"title":"(٣٩) باب الإسلام إذا حسن، هدم ما قبله من الآثام، وأحرز ما قبله من البر","level":2,"page":321},{"title":"(٤٠) باب ظلم دون ظلم","level":2,"page":328},{"title":"(٤١) باب في قوله ﷿: لله ما في السماوات وما في الأرض إلى آخر السورة","level":2,"page":329},{"title":"(٤٢) باب ما يهم به العبد من الحسنة والسيئة","level":2,"page":336},{"title":"(٤٣) باب استعظام الوسوسة والنفرة منها خالص الإيمان والأمر بالاستعاذة عند وقوعها","level":2,"page":338},{"title":"(٤٤) باب إثم من اقتطع حق امرئ بيمينه","level":2,"page":341},{"title":"(٤٥) باب من قتل دون ماله، فهو شهيد","level":2,"page":346},{"title":"(٤٦) باب من استرعي رعية، فلم يجتهد، ولم ينصح لهم لم يدخل الجنة، ومن نم الحديث لم يدخل الجنة","level":2,"page":347},{"title":"(٤٧) باب في رفع الأمانة والإيمان من القلوب، وعرض الفتن عليها","level":2,"page":349},{"title":"(٤٨) باب كيف بدأ الإسلام وكيف يعود؟","level":2,"page":356},{"title":"(٤٩) باب إعطاء من يخاف على إيمانه","level":2,"page":360},{"title":"(٥٠) باب مضاعفة أجر الكتابي إذا آمن بالنبي - ﷺ - وشدة عذابه إذا لم يؤمن","level":2,"page":362},{"title":"(٥١) باب ما جاء في نزول عيسى ابن مريم وما ينزل به","level":2,"page":364},{"title":"(٥٢) باب في قوله تعالى: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها الآية","level":2,"page":367},{"title":"(٥٣) باب كيف كان ابتداء الوحي لرسول الله - ﷺ - وانتهاؤه","level":2,"page":368},{"title":"(٥٤) باب في شق صدر النبي - ﷺ - في صغره واستخراج حظ الشيطان من قلبه","level":2,"page":376},{"title":"(٥٥) باب في شق صدر النبي - ﷺ - ثانية، وتطهير قلبه، وحشوه حكمة وإيمانا عند الإسراء","level":2,"page":378},{"title":"(٥٦) باب ما خص الله به محمدا نبينا - ﷺ - من كرامة الإسراء","level":2,"page":381},{"title":"(٥٧) باب رؤية النبي - ﷺ - للأنبياء، ووصفه لهم وصلاتهم وذكر الدجال","level":2,"page":390},{"title":"(٥٨) باب هل رأى محمد - ﷺ - ربه؟","level":2,"page":395},{"title":"(٥٩) باب ما جاء في رؤية الله تعالى في الدار الآخرة","level":2,"page":406},{"title":"(٦٠) باب ما خص به نبينا محمد - ﷺ - من الشفاعة العامة لأهل المحشر","level":2,"page":420},{"title":"(٦١) باب شفاعة النبي - ﷺ - لمن أدخل النار من الموحدين","level":2,"page":435},{"title":"(٦٢) باب شفاعة الملائكة والنبيين والمؤمنين","level":2,"page":438},{"title":"(٦٣) باب كيفية عذاب من يعذب من الموحدين وكيفية خروجهم من النار","level":2,"page":445},{"title":"(٦٤) باب النبي - ﷺ - أكثر الأنبياء أتباعا وأولهم تفتح له الجنة، وأولهم شفاعة، واختباء دعوته شفاعة لأمته","level":2,"page":446},{"title":"(٦٥) باب شفاعة النبي - ﷺ - لعمه في التخفيف عنه","level":2,"page":450},{"title":"(٦٦) باب من لم يؤمن لم ينفعه عمل صالح ولا قربة في الآخرة","level":2,"page":453},{"title":"(٦٧) باب يدخل الجنة من أمة النبي - ﷺ - سبعون ألفا بغير حساب","level":2,"page":456},{"title":"(٦٨) باب أمة محمد - ﷺ - شطر أهل الجنة","level":2,"page":464},{"title":"(٢) كتاب الطهارة","level":1,"page":467},{"title":"(١) باب فضل الطهارة وشرطها في الصلاة","level":2,"page":467},{"title":"(٢) باب في صفة الوضوء","level":2,"page":474},{"title":"(٣) باب فضل تحسين الوضوء والمحافظة على الصلوات","level":2,"page":484},{"title":"(٤) باب ما يقال بعد الوضوء","level":2,"page":488},{"title":"(٥) باب توعد من لم يسبغ، وغسله ما ترك، وإعادته الصلاة","level":2,"page":489},{"title":"(٦) باب الغرة والتحجيل من الإسباغ وأين تبلغ الحلية وفضل الإسباغ على المكاره","level":2,"page":492},{"title":"(٧) باب السواك عند كل صلاة والتيمن في الطهور","level":2,"page":502},{"title":"(٨) باب خصال الفطرة والتوقيت فيها","level":2,"page":505},{"title":"(٩) باب ما يستنجى به والنهي عن الاستنجاء باليمين","level":2,"page":510},{"title":"(١٠) باب ما جاء في استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط والنهي عن التخلي في الطرق والظلال","level":2,"page":515},{"title":"(١١) باب ما جاء في البول قائما","level":2,"page":519},{"title":"(١٢) باب المسح على الخفين والتوقيت فيه","level":2,"page":521},{"title":"(١٣) باب المسح على الناصية والعمامة والخمار","level":2,"page":526},{"title":"(١٤) باب فعل الصلوات بوضوء واحد، وغسل اليدين عند القيام من النوم، وأن النوم ليس بحدث","level":2,"page":529},{"title":"(١٥) باب إذا ولغ الكلب في الإناء أريق الماء، وغسل الإناء سبع مرات","level":2,"page":532},{"title":"(١٦) باب النهي أن يبال في الماء الراكد وصب الماء على البول في المسجد","level":2,"page":535},{"title":"(١٧) باب نضح بول الرضيع","level":2,"page":539},{"title":"(١٨) باب غسل المني من الثوب وغسل دم الحيض","level":2,"page":542},{"title":"(١٩) باب في الاستبراء من البول والتستر وما يقول إذا دخل الخلاء","level":2,"page":545},{"title":"(٢٠) باب ما يحل من الحائض","level":2,"page":549},{"title":"(٢١) باب في الوضوء من المذي وغسل الذكر منه","level":2,"page":556},{"title":"(٢٢) باب وضوء الجنب إذا أراد النوم أو معاودة أهله","level":2,"page":558},{"title":"(٢٣) باب وجوب الغسل على المرأة إذا رأت في المنام مثل ما يرى الرجل","level":2,"page":562},{"title":"(٢٤) باب الولد من ماء الرجل وماء المرأة","level":2,"page":567},{"title":"(٢٥) باب في صفة غسله - ﵊ - من الجنابة","level":2,"page":570},{"title":"(٢٦) باب قدر الماء الذي يغتسل به ويتوضأ به واغتسال الرجل وامرأته من إناء واحد، واغتساله بفضلها","level":2,"page":574},{"title":"(٢٧) باب كم يصب على الرأس، والتخفيف في ترك نقض الضفر","level":2,"page":579},{"title":"(٢٨) باب صفة غسل المرأة من الحيض","level":2,"page":582},{"title":"(٢٩) باب في الفرق بين دم الحيض والاستحاضة وغسل المستحاضة","level":2,"page":584},{"title":"(٣٠) باب لا تقضي الحائض الصلاة","level":2,"page":589},{"title":"(٣١) باب سترة المغتسل والنهي عن النظر إلى العورة","level":2,"page":590},{"title":"(٣٢) باب ما يستتر به لقضاء الحاجة","level":2,"page":593},{"title":"(٣٣) باب ما جاء في الرجل يطأ ثم لا ينزل","level":2,"page":593},{"title":"(٣٤) باب الأمر بالوضوء مما مست النار ونسخه","level":2,"page":597},{"title":"(٣٥) باب الوضوء من لحوم الإبل والمضمضة من اللبن","level":2,"page":599},{"title":"(٣٦) باب في الذي يخيل إليه أنه خرج منه حدث","level":2,"page":601},{"title":"(٣٧) باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت","level":2,"page":603},{"title":"(٣٨) باب ما جاء في التيمم","level":2,"page":604},{"title":"(٣٩) باب تيمم الجنب والتيمم لرد السلام","level":2,"page":607},{"title":"(٤٠) باب المؤمن لا ينجس، وذكر الله تعالى على كل حال، وما يتوضأ له","level":2,"page":612},{"title":"(٣) كتاب الصلاة","level":1,"page":614},{"title":"(١) باب ما جاء في الأذان والإقامة","level":2,"page":614},{"title":"(٢) باب الأذان أمان من الغارة، وما جاء في اتخاذ مؤذنين","level":2,"page":619},{"title":"(٣) باب إذا سمع المؤذن قال مثل ما قال، وفضل ذلك، وما يقول بعد الأذان","level":2,"page":620},{"title":"(٤) باب فضل الأذان وما يصيب الشيطان عنده","level":2,"page":624},{"title":"(٥) باب رفع اليدين في الصلاة، ومتى يرفعهما؟ وإلى أين؟","level":2,"page":627},{"title":"(٦) باب التكبير في الصلاة","level":2,"page":631},{"title":"(٧) باب ما جاء في القراءة في الصلاة وبيان أركانها","level":2,"page":633},{"title":"(٨) باب ترك قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة","level":2,"page":640},{"title":"(٩) باب حجة من قال: البسملة آية من أول كل سورة سوى براءة","level":2,"page":641},{"title":"(١٠) باب التشهد في الصلاة","level":2,"page":643},{"title":"(١١) باب الصلاة على النبي ﷺ","level":2,"page":649},{"title":"(١٢) باب التحميد والتأمين","level":2,"page":653},{"title":"(١٣) باب إنما جعل الإمام ليؤتم به","level":2,"page":655},{"title":"(١٤) باب استخلاف الإمام إذا مرض، وجواز ائتمام القائم بالقاعد","level":2,"page":658},{"title":"(١٥) باب العمل القليل في الصلاة لا يضرها","level":2,"page":662},{"title":"(١٦) باب إذا ناب الإمام شيء فليسبح الرجال وليصفق النساء","level":2,"page":664},{"title":"(١٧) باب الأمر بتحسين الصلاة، والنهي عن مسابقة الإمام","level":2,"page":666},{"title":"(١٨) باب النهي عن رفع الرأس قبل الإمام، وعن رفع البصر إلى السماء في الصلاة، والأمر بالسكون فيها","level":2,"page":668},{"title":"(١٩) باب الأمر بتسوية الصفوف، ومن يلي الإمام","level":2,"page":671},{"title":"(٢٠) باب في صفوف النساء وخروجهن إلى المساجد","level":2,"page":676},{"title":"(٢١) باب في قوله تعالى: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾","level":2,"page":679},{"title":"(٢٢) باب القراءة في الظهر والعصر","level":2,"page":680},{"title":"(٢٣) باب القراءة في الصبح","level":2,"page":682},{"title":"(٢٤) باب القراءة في المغرب والعشاء","level":2,"page":684},{"title":"(٢٥) باب أمر الأئمة بالتخفيف في تمام","level":2,"page":687},{"title":"(٢٦) باب في اعتدال الصلاة وتقارب أركانها","level":2,"page":689},{"title":"(٢٧) باب اتباع الإمام والعمل بعده","level":2,"page":691},{"title":"(٢٨) باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع","level":2,"page":692},{"title":"(٢٩) باب النهي عن القراءة في الركوع والسجود","level":2,"page":694},{"title":"(٣٠) باب ما يقال في الركوع والسجود","level":2,"page":696},{"title":"(٣١) باب الترغيب في كثرة السجود، وعلى كم يسجد؟ وفيمن صلى معقوص الشعر","level":2,"page":701},{"title":"(٣٢) باب كيفية السجود","level":2,"page":705},{"title":"(٣٣) باب تحريم الصلاة التكبير، وتحليلها التسليم","level":2,"page":707},{"title":"(٣٤) باب في سترة المصلي وأحكامها","level":2,"page":709},{"title":"(٣٥) باب منع المصلي من مر بين يديه، والتغليظ في المرور بين يدي المصلي","level":2,"page":713},{"title":"(٣٦) باب دنو المصلي من سترته وما جاء فيما يقطع الصلاة","level":2,"page":716},{"title":"(٣٧) باب اعتراض المرأة بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة","level":2,"page":719},{"title":"(٣٨) باب الصلاة بالثوب الواحد على الحصير","level":2,"page":720},{"title":"(٣٩) باب أول مسجد وضع في الأرض، وما جاء أن الأرض كلها مسجد","level":2,"page":723},{"title":"(٤٠) باب ابتناء مسجد النبي - ﷺ -","level":2,"page":729},{"title":"(٤١) باب تحويل القبلة من الشام إلى الكعبة، والنهي عن بناء المساجد على القبور وعن التصاوير فيها","level":2,"page":734},{"title":"(٤٢) باب ثواب من بنى لله مسجدا","level":2,"page":739},{"title":"(٤٣) باب التطبيق في الركوع وما ثبت من نسخه","level":2,"page":741},{"title":"(٤٤) باب [جواز الإقعاء على العقبين]","level":2,"page":745},{"title":"(٤٥) باب نسخ الكلام في الصلاة","level":2,"page":746},{"title":"(٤٦) باب جواز الإشارة بالسلام في الصلاة، ولعن الشيطان","level":2,"page":757},{"title":"(٤٧) باب جواز حمل الصغير في الصلاة، وجواز التقدم والتأخر، ومن صلى على موضع أرفع من موضع المأموم","level":2,"page":761},{"title":"(٤٨) باب النهي عن الاختصار في الصلاة، وما يجوز من مس الحصى فيها، وما جاء في البصاق في المسجد","level":2,"page":764},{"title":"(٤٩) باب الصلاة في النعلين والثوب المعلم وبحضرة الطعام","level":2,"page":770},{"title":"(٥٠) باب النهي عن إتيان المساجد لمن أكل الثوم أو البصل، وإخراج من وجد منه ريحها من المسجد","level":2,"page":775},{"title":"(٥١) باب النهي عن أن تنشد الضالة في المسجد","level":2,"page":783},{"title":"(٥٢) باب الأمر بسجود السهو، وما جاء فيمن سها عن الجلسة الوسطى","level":2,"page":785},{"title":"(٥٣) باب فيمن لم يدر كم صلى؟","level":2,"page":789},{"title":"(٥٤) باب فيمن سلم من اثنتين أو ثلاث","level":2,"page":796},{"title":"(٥٥) باب ما جاء في سجود القرآن","level":2,"page":803},{"title":"(٥٦) باب كيفية الجلوس للتشهد","level":2,"page":809},{"title":"(٥٧) باب كم يسلم من الصلاة، وبأي شيء كان يعرف انقضاء صلاة رسول الله - ﷺ -؟","level":2,"page":812},{"title":"(٥٨) باب الاستعاذة في الصلاة من عذاب القبر وغيره","level":2,"page":816},{"title":"(٥٩) باب قدر ما يقعد الإمام بعد السلام وما يقال بعده","level":2,"page":819},{"title":"(٦٠) باب السكوت بين التكبير والقراءة في الركعة الأولى وما يقال فيه","level":2,"page":825},{"title":"(٦١) باب فضل التحميد في الصلاة","level":2,"page":826},{"title":"(٦٢) باب إتيان الصلاة بالسكينة، ومتى تقام؟ ومتى يقام لها؟ وإتمام المسبوق","level":2,"page":828},{"title":"(٦٣) باب من أدرك ركعة من فعل الصلاة أو وقتها فقد أدركها","level":2,"page":832},{"title":"(٦٤) باب إذا ذكر الإمام أنه محدث خرج فأمرهم بانتظاره","level":2,"page":837},{"title":"(٦٥) باب أوقات الصلوات","level":2,"page":840},{"title":"(٦٦) باب الإبراد بالظهر في شدة الحر","level":2,"page":852},{"title":"(٦٧) باب تعجيل الظهر بعد الإبراد وفي زمن البرد","level":2,"page":855},{"title":"(٦٨) باب تعجيل صلاة العصر","level":2,"page":857},{"title":"(٦٩) باب ما جاء في الصلاة الوسطى","level":2,"page":862},{"title":"(٧٠) باب من فاتته صلوات كيف يقضيها؟","level":2,"page":868},{"title":"(٧١) باب المحافظة على الصبح والعصر","level":2,"page":869},{"title":"(٧٢) باب تعجيل صلاة المغرب","level":2,"page":872},{"title":"(٧٣) باب تأخير العشاء الآخرة","level":2,"page":873},{"title":"(٧٤) باب التغليس بصلاة الصبح","level":2,"page":878},{"title":"(٧٥) باب المنع من إخراج الصلاة عن وقتها","level":2,"page":881},{"title":"(٧٦) باب صلاة الفذ جائزة، والجماعة أفضل","level":2,"page":883},{"title":"(٧٧) باب التغليظ في التخلف عن الجماعة والجمعة","level":2,"page":885},{"title":"(٧٨) باب النهي عن الخروج من المسجد بعد الأذان، وفضل العشاء والصبح في جماعة","level":2,"page":890},{"title":"(٧٩) باب الرخصة في التخلف عن الجماعة للعذر","level":2,"page":892},{"title":"(٨٠) باب صلاة النفل في جماعة، والصلاة على البسط وإن عتقت وامتهنت","level":2,"page":894},{"title":"(٨١) باب فضل انتظار الصلاة في المسجد","level":2,"page":898},{"title":"(٨٢) باب من كانت داره عن المسجد أبعد كان ثوابه في إتيانه أكثر","level":2,"page":900},{"title":"(٨٣) باب المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا وترفع به الدرجات","level":2,"page":902},{"title":"(٨٤) باب الجلوس في المصلى بعد صلاة الصبح","level":2,"page":904},{"title":"(٨٥) باب في الإمامة، ومن أحق بها","level":2,"page":905},{"title":"(٨٦) باب ما جاء في القنوت والدعاء للمعين وعليه في الصلاة","level":2,"page":910},{"title":"(٨٧) باب من نام عن صلاة أو نسيها","level":2,"page":915},{"title":"(٨٨) باب من نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس فله أن يؤذن إذا كان في جماعة، ويصلي ركعتي الفجر","level":2,"page":922},{"title":"(٨٩) باب ما جاء في حكم قصر الصلاة في السفر","level":2,"page":932},{"title":"(٩٠) باب من أين يبدأ بالقصر إذا خرج من وطنه، واستمراره على القصر ما لم ينو إقامة","level":2,"page":940},{"title":"(٩١) باب قصر الصلاة بمنى","level":2,"page":943},{"title":"(٩٢) باب جواز التخلف عن صلاة الجماعة والجمعة لعذر المطر","level":2,"page":946},{"title":"(٩٣) باب التنفل والوتر على الراحلة في السفر","level":2,"page":949},{"title":"(٩٤) باب الجمع بين الصلاتين في السفر والحضر","level":2,"page":952},{"title":"(٩٥) باب الانصراف من الصلاة عن اليمين والشمال","level":2,"page":957},{"title":"(٩٦) باب إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة","level":2,"page":958},{"title":"(٩٧) باب ما يقول عند دخول المسجد، والأمر بتحيته","level":2,"page":961},{"title":"(٩٨) باب في صلاة الضحى","level":2,"page":964},{"title":"(٩٩) باب الوصية بالضحى وأقله ركعتان","level":2,"page":968},{"title":"(١٠٠) باب ما جاء في ركعتي الفجر","level":2,"page":970},{"title":"(١٠١) باب رواتب الفرائض وفضلها","level":2,"page":973},{"title":"(١٠٢) باب في صلاة النفل قائما وقاعدا","level":2,"page":978},{"title":"(١٠٣) باب كيف صلاة الليل وكم عددها؟","level":2,"page":982},{"title":"(١٠٤) باب في صلاة الوتر","level":2,"page":985},{"title":"(١٠٥) باب فيمن غلب عن حزبه، وفيمن خاف أن يغلب عن وتره، وفضل طول القنوت وآخر الليل","level":2,"page":992},{"title":"(١٠٦) باب الترغيب في قيام رمضان وليلة القدر وكيفية القيام","level":2,"page":997},{"title":"(١٠٧) باب في كيفية صلاة رسول الله - ﷺ - بالليل، وتبتله ودعائه","level":2,"page":1001},{"title":"(١٠٨) باب ترتيل القراءة والجهر بها في صلاة الليل وتطويلها","level":2,"page":1014},{"title":"(١٠٩) باب استغراق الليل بالنوم من آثار الشيطان","level":2,"page":1016},{"title":"(١١٠) باب أفضل النوافل ما صلي في البيت","level":2,"page":1020},{"title":"(١١١) باب أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل، وكراهية التعمق والتشديد","level":2,"page":1022},{"title":"أبواب فضائل القرآن وما يتعلق بها","level":2,"page":1026},{"title":"(١١٢) باب الأمر بتعاهد القرآن، وذم من فرط فيه حتى نسي","level":2,"page":1026},{"title":"(١١٣) باب تحسين الصوت بالقراءة والترجيع فيها","level":2,"page":1030},{"title":"(١١٤) باب إقراء النبي - ﷺ - القرآن وتعليمه كيفية الأداء","level":2,"page":1035},{"title":"(١١٥) باب فضل تعلم القرآن وقراءته وفضل سورة البقرة وآل عمران","level":2,"page":1038},{"title":"(١١٦) باب فضل فاتحة الكتاب وآية الكرسي وخواتيم سورة البقرة","level":2,"page":1043},{"title":"(١١٧) باب فضل سورة الكهف، وتنزل السكينة عند قراءتها","level":2,"page":1046},{"title":"(١١٨) باب فضل قراءة ﴿قل هو الله أحد﴾","level":2,"page":1050},{"title":"(١١٩) باب فضل قراءة المعوذتين","level":2,"page":1053},{"title":"(١٢٠) باب لا حسد إلا في اثنتين، ومن يرفع بالقرآن","level":2,"page":1054},{"title":"(١٢١) باب إنزال القرآن على سبعة أحرف","level":2,"page":1056},{"title":"(١٢٢) باب قراءة سورتين في ركعة من النوافل","level":2,"page":1062},{"title":"(١٢٣) باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها","level":2,"page":1065},{"title":"(١٢٤) باب في الركعتين بعد العصر","level":2,"page":1073},{"title":"(١٢٥) باب الركوع بعد الغروب وقبل المغرب","level":2,"page":1076},{"title":"(١٢٦) باب صلاة الخوف","level":2,"page":1077},{"title":"(٤) كتاب الجمعة","level":1,"page":1087},{"title":"(١) باب فضل الغسل للجمعة وتأكيده، ومن اقتصر على الوضوء أجزأه","level":2,"page":1087},{"title":"(٢) باب فضل يوم الجمعة، والساعة التي فيه","level":2,"page":1098},{"title":"(٣) باب فضل التهجير للجمعة ووقتها","level":2,"page":1104},{"title":"(٤) باب الإنصات للخطبة وفضله","level":2,"page":1106},{"title":"(٥) باب الخطبة، والقيام لها، والجلوس بين الخطبتين، والإشارة باليد","level":2,"page":1107},{"title":"(٦) باب ما يقال في الخطبة ورفع الصوت بها","level":2,"page":1115},{"title":"(٧) باب ركوع من دخل والإمام يخطب، والتعليم في حالة الخطبة","level":2,"page":1122},{"title":"(٨) باب ما يقرأ به في صلاة الجمعة، وفي صبح يومها","level":2,"page":1125},{"title":"(٩) باب ما جاء في التنفل بعد الجمعة","level":2,"page":1127},{"title":"(١٠) باب التغليظ في ترك الجمعة","level":2,"page":1130},{"title":"(٥) أبواب صلاة العيدين","level":1,"page":1132},{"title":"(١) باب الخروج إلى المصلى في العيدين، وخروج النساء","level":2,"page":1132},{"title":"(٢) باب لا صلاة قبل صلاة العيدين في المصلى، ولا أذان ولا إقامة","level":2,"page":1135},{"title":"(٣) باب الصلاة فيهما قبل الخطبة","level":2,"page":1137},{"title":"(٤) باب ما يقال في الخطبة","level":2,"page":1140},{"title":"(٥) باب ما يقرأ في صلاة العيدين","level":2,"page":1141},{"title":"(٦) باب الفرح واللعب في أيام الأعياد","level":2,"page":1142},{"title":"(٦) أبواب الاستسقاء","level":1,"page":1147},{"title":"(١) باب الخروج إلى المصلى لصلاة الاستسقاء، وكيفية العمل فيها","level":2,"page":1147},{"title":"(٢) باب الدعاء في السقيا في المسجد وبغير صلاة","level":2,"page":1151},{"title":"(٣) باب التبرك بالمطر، والفرح به، والتعوذ عند الريح والغيم","level":2,"page":1155},{"title":"(٧) أبواب كسوف الشمس والقمر","level":1,"page":1158},{"title":"(١) باب الأمر بالصلاة والذكر والصدقة عند الكسوف","level":2,"page":1158},{"title":"(٢) باب كيفية العمل فيها، وأنها ركوعان في كل ركعة","level":2,"page":1160},{"title":"(٣) باب ما جاء أن في كل ركعة ثلاث ركعات","level":2,"page":1167},{"title":"(٤) باب ما جاء أن في كل ركعة أربع ركعات","level":2,"page":1171},{"title":"(٥) باب يطول سجودها كما يطول ركوعها","level":2,"page":1172},{"title":"(٦) باب ما جاء أن صلاة الكسوف ركعتان كسائر النوافل","level":2,"page":1172},{"title":"(٧) باب شهود النساء صلاة الكسوف","level":2,"page":1174},{"title":"(٨) كتاب الجنائز","level":1,"page":1178},{"title":"(١) باب تلقين الموتى، وما يقال عند المصيبة، وعند حضور المرضى والموتى","level":2,"page":1178},{"title":"(٢) باب في إغماض الميت، والدعاء له","level":2,"page":1181},{"title":"(٣) باب ما جاء في البكاء على الميت، وعنده","level":2,"page":1183},{"title":"(٤) باب في عيادة المريض، والصبر عند الصدمة الأولى","level":2,"page":1187},{"title":"(٥) باب ما جاء أن الميت ليعذب ببكاء الحي عليه","level":2,"page":1189},{"title":"(٦) باب التشديد في النياحة، وما جاء في اتباع الجنائز","level":2,"page":1196},{"title":"(٧) باب الأمر بغسل الميت وكيفيته","level":2,"page":1201},{"title":"(٨) باب في تكفين الميت وتسجيته، والأمر بتحسين الكفن","level":2,"page":1206},{"title":"(٩) باب الإسراع بالجنازة، وفضل الصلاة عليها، واتباعها","level":2,"page":1211},{"title":"(١٠) باب الاستشفاع للميت، وأن الثناء عليه شهادة له، وأنه مستريح ومستراح منه","level":2,"page":1214},{"title":"(١١) باب الأمر بالصلاة على الميت، وكيفية الصلاة عليه، وكم التكبيرات","level":2,"page":1218},{"title":"(١٢) باب الدعاء للميت، وأين يقوم الإمام من المرأة","level":2,"page":1223},{"title":"(١٣) باب ما جاء في الصلاة على القبر","level":2,"page":1225},{"title":"(١٤) باب الأمر بالقيام للجنازة ونسخه","level":2,"page":1228},{"title":"(١٥) باب ركوب المتبع للجنازة إذا انصرف منها","level":2,"page":1231},{"title":"(١٦) باب في كيفية القبور وكراهية تجصيصها والبناء عليها، وهل يجعل في القبر شيء؟","level":2,"page":1233},{"title":"(١٧) باب النهي عن الجلوس على القبور والصلاة إليها","level":2,"page":1237},{"title":"(١٨) باب الصلاة على الميت في المسجد","level":2,"page":1238},{"title":"(١٩) باب زيارة القبور والتسليم عليها، والدعاء والاستغفار للموتى","level":2,"page":1241},{"title":"(٢٠) باب من لا يصلى عليه","level":2,"page":1246},{"title":"(٢١) باب النهي عن تمني الموت لضر نزل به","level":2,"page":1251},{"title":"(٢٢) باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه","level":2,"page":1252},{"title":"(٩) كتاب الزكاة","level":1,"page":1254},{"title":"(١) باب ما تجب فيه الزكاة، وكم مقدار ما يخرج","level":2,"page":1254},{"title":"(٢) باب ليس فيما اتخذ للقنية صدقة وتقديم الصدقة وتحملها عمن وجبت عليه","level":2,"page":1263},{"title":"(٣) باب الأمر بزكاة الفطر، وعمن تخرج، ومماذا تخرج، ومتى تخرج؟","level":2,"page":1268},{"title":"(٤) باب وجوب الزكاة في البقر والغنم، وإثم مانع الزكاة","level":2,"page":1273},{"title":"(٥) باب الحض على الصدقة والنفقة على العيال والأقربين","level":2,"page":1285},{"title":"(٦) باب فضل الصدقة على الزوج والولد اليتيم والأخوال","level":2,"page":1293},{"title":"(٧) باب الصدقة على الأم المشركة، وعن الأم الميتة","level":2,"page":1297},{"title":"(٨) باب الابتداء في الصدقة بالأهم فالأهم","level":2,"page":1299},{"title":"(٩) باب أعمال البر صدقات","level":2,"page":1300},{"title":"(١٠) باب الدعاء للمنفق وعلى الممسك، والأمر بالمبادرة للصدقة قبل فوتها","level":2,"page":1304},{"title":"(١١) باب لا يقبل الله الصدقة إلا من الكسب الطيب","level":2,"page":1307},{"title":"(١٢) باب الصدقة وقاية من النار","level":2,"page":1310},{"title":"(١٣) باب حث الإمام الناس على الصدقة إذا عنت فاقة","level":2,"page":1311},{"title":"(١٤) باب النهي عن لمز المتصدق والترغيب في صدقة المنحة","level":2,"page":1313},{"title":"(١٥) باب مثل المتصدق والبخيل، وقبول الصدقة تقع عند غير مستحق","level":2,"page":1315},{"title":"(١٦) باب أجر الخازن الأمين والمرأة تتصدق من كسب زوجها والعبد من مال سيده","level":2,"page":1317},{"title":"(١٧) باب أجر من أنفق شيئين في سبيل الله وعظم منزلة من اجتمعت فيه خصال من الخير","level":2,"page":1319},{"title":"(١٨) باب من أحصى أحصي عليه والنهي عن احتقار قليل الصدقة وفضل إخفائها","level":2,"page":1322},{"title":"(١٩) باب أي الصدقة أفضل وفضل اليد العليا والتعفف عن المسألة","level":2,"page":1327},{"title":"(٢٠) باب من أحق باسم المسكنة وكراهة المسألة للناس","level":2,"page":1333},{"title":"(٢١) باب من تحل له المسألة؟","level":2,"page":1336},{"title":"(٢٢) باب إباحة الأخذ لمن أعطي من غير سؤال ولا استشراف","level":2,"page":1338},{"title":"(٢٣) باب كراهية الحرص على المال والعمر","level":2,"page":1341},{"title":"(٢٤) باب الغنى غنى النفس وما يخاف من زهرة الدنيا وفضل التعفف والقناعة","level":2,"page":1344},{"title":"(٢٥) باب إعطاء السائل ولو أفحش في المسألة","level":2,"page":1349},{"title":"(٢٦) باب إعطاء المؤلفة قلوبهم","level":2,"page":1351},{"title":"(٢٧) باب يجب الرضا بما قسم رسول الله - ﷺ - وبما أعطى ويكفر من نسب إليه جورا وذكر الخوارج","level":2,"page":1357},{"title":"(٢٨) باب لا تحل الصدقة لمحمد ولا لآل محمد، ومن يستعمل على الصدقة","level":2,"page":1372},{"title":"(٢٩) ومن باب: الصدقة إذا بلغت محلها","level":2,"page":1378},{"title":"(٣٠) باب دعاء المصدق لمن جاء بصدقته، والوصاة بالمصدق","level":2,"page":1380},{"title":"(١٠) كتاب الصوم","level":1,"page":1384},{"title":"(١) باب فضل شهر رمضان والصوم والفطر لرؤية الهلال","level":2,"page":1384},{"title":"(٢) باب لأهل كل بلد رؤيتهم عند التباعد وفي الهلال يرى كبيرا وشهران لا ينقصان والنهي عن أن يتقدم رمضان بصوم","level":2,"page":1390},{"title":"(٣) باب في قوله تعالى: ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ وقوله ﵊: إن بلالا ينادي بليل","level":2,"page":1396},{"title":"(٤) باب الحث على السحور، وتأخيره وتعجيل الإفطار","level":2,"page":1404},{"title":"(٥) باب إذا أقبل الليل وغابت الشمس أفطر الصائم","level":2,"page":1407},{"title":"(٦) باب النهي عن الوصال في الصوم","level":2,"page":1409},{"title":"(٧) باب ما جاء في القبلة للصائم","level":2,"page":1412},{"title":"(٨) باب صوم من أدركه الفجر وهو جنب","level":2,"page":1415},{"title":"(٩) باب كفارة من أفطر متعمدا في رمضان","level":2,"page":1418},{"title":"(١٠) باب جواز الصوم، والفطر في السفر والتخيير في ذلك","level":2,"page":1424},{"title":"(١١) باب من أجهده الصوم حتى خاف على نفسه وجب عليه الفطر","level":2,"page":1429},{"title":"(١٢) باب الفطر أفضل لمن تأهب إلى لقاء العدو","level":2,"page":1431},{"title":"(١٣) باب فضل صيام يوم عرفة وترك صيامه لمن كان بعرفة","level":2,"page":1434},{"title":"(١٤) باب في صيام يوم عاشوراء وفضله","level":2,"page":1439},{"title":"(١٥) باب النهي عن صيام يوم الفطر ويوم الأضحى وكراهية صوم أيام التشريق","level":2,"page":1446},{"title":"(١٦) باب النهي عن اختصاص يوم الجمعة بصيام واختصاص ليلته بقيام","level":2,"page":1449},{"title":"(١٧) باب نسخ الفدية، ومتى يقضى رمضان","level":2,"page":1451},{"title":"(١٨) باب قضاء الصيام عن الميت","level":2,"page":1457},{"title":"(١٩) باب فضل الصيام، والأمر بالتحفظ به من الجهل والرفث","level":2,"page":1460},{"title":"(٢٠) باب فيمن أصبح صائما متطوعا ثم يفطر وفيمن أكل ناسيا","level":2,"page":1467},{"title":"(٢١) باب كيف كان صوم رسول الله -ﷺ- في التطوع؟","level":2,"page":1471},{"title":"(٢٢) باب كراهية سرد الصوم، وبيان أفضل الص","level":2,"page":1473},{"title":"(٢٣) باب فضل صوم ثلاثة أيام من كل شهر وسرر شعبان، وصوم المحرم وستة أيام من شوال","level":2,"page":1481},{"title":"(١١) أبواب الاعتكاف وليلة القدر","level":1,"page":1489},{"title":"(١) باب لا اعتكاف إلا في مسجد وبصوم","level":2,"page":1489},{"title":"(٢) باب للمعتكف أن يختص بموضع من المسجد فيضرب خيمة ومتى يدخلها، واعتكاف النساء في المسجد وأن المعتكف لا يخرج من معتكفه إلا لحاجته الضرورية","level":2,"page":1493},{"title":"(٣) باب اعتكاف العشر الأواخر من رمضان","level":2,"page":1496},{"title":"(٤) باب الأمر بالتماس ليلة القدر","level":2,"page":1499},{"title":"(٥) باب ليلة القدر ليلة ثلاث وعشرين","level":2,"page":1501},{"title":"(٦) باب ليلة القدر ليلة سبع وعشرين وما جاء في علاماتها","level":2,"page":1502},{"title":"(١٢) كتاب الحج","level":1,"page":1504},{"title":"(١) باب ما يجتنبه المحرم من اللباس والطيب","level":2,"page":1504},{"title":"(٢) باب المواقيت في الحج والعمرة","level":2,"page":1511},{"title":"(٣) باب الإحرام والتلبية","level":2,"page":1515},{"title":"(٤) باب بيان المحل الذي أهل منه رسول الله - ﷺ -","level":2,"page":1519},{"title":"(٥) باب تطيب المحرم قبل الإحرام","level":2,"page":1523},{"title":"(٦) باب ما جاء في الصيد، وفي لحمه للمحرم","level":2,"page":1526},{"title":"(٧) باب ما يقتل المحرم من الدواب","level":2,"page":1533},{"title":"(٨) باب الفدية للمحرم","level":2,"page":1536},{"title":"(٩) باب جواز مداواة المحرم بالحجامة وغيرها مما ليس فيه طيب","level":2,"page":1538},{"title":"(١٠) باب غسل المحرم رأسه","level":2,"page":1540},{"title":"(١١) باب المحرم يموت، ما يفعل به؟ وهل للحاج أن يشترط؟","level":2,"page":1542},{"title":"(١٢) باب يغتسل المحرم على كل حال ولو كان امرأة حائضا، وإرداف الحائض","level":2,"page":1545},{"title":"(١٣) باب تفعل الحائض والنفساء جميع المناسك إلا الطواف بالبيت","level":2,"page":1554},{"title":"(١٤) باب أنواع الإحرام ثلاثة","level":2,"page":1557},{"title":"(١٥) باب ما جاء في فسخ الحج في العمرة وأن ذلك كان خاصا بهم","level":2,"page":1560},{"title":"(١٦) باب يجزئ القارن بحجه وعمرته طواف واحد وسعي واحد","level":2,"page":1568},{"title":"(١٧) باب في حجة النبي - ﷺ -","level":2,"page":1570},{"title":"(١٨) باب في قوله تعالى: ﴿أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾","level":2,"page":1593},{"title":"(١٩) باب الإهلال بما أهل به الإمام","level":2,"page":1595},{"title":"(٢٠) باب الاختلاف في أي أنواع الإحرام أفضل","level":2,"page":1598},{"title":"(٢١) باب الهدي للمتمتع والقارن","level":2,"page":1601},{"title":"(٢٢) باب الاختلاف فيما به أحرم النبي - ﷺ -","level":2,"page":1607},{"title":"(٢٣) باب الطواف عند القدوم","level":2,"page":1609},{"title":"(٢٤) باب إباحة العمرة في أشهر الحج","level":2,"page":1612},{"title":"(٢٥) باب تقليد الهدي وإشعاره عند الإحرام","level":2,"page":1613},{"title":"(٢٦) باب كم اعتمر النبي - ﷺ - وكم حج؟","level":2,"page":1615},{"title":"(٢٧) باب فضل العمرة في رمضان","level":2,"page":1617},{"title":"(٢٨) باب من أين دخل النبي - ﷺ - مكة والمدينة، ومن أين خرج؟","level":2,"page":1619},{"title":"(٢٩) باب المبيت بذي طوى، والاغتسال قبل دخول مكة، وتعيين مصلى رسول الله - ﷺ -","level":2,"page":1621},{"title":"(٣٠) باب الرمل في الطواف والسعي","level":2,"page":1623},{"title":"(٣١) باب استلام الركنين اليمانيين وتقبيل الحجر الأسود","level":2,"page":1626},{"title":"(٣٢) باب الطواف على الراحلة لعذر، واستلام الركن بالمحجن","level":2,"page":1628},{"title":"(٣٣) باب في قوله تعالى: إن الصفا والمروة من شعائر الله","level":2,"page":1631},{"title":"(٣٤) باب متى يقطع الحاج التلبية؟","level":2,"page":1635},{"title":"(٣٥) باب ما يقال في الغدو من منى إلى عرفات","level":2,"page":1637},{"title":"(٣٦) باب الإفاضة من عرفة والصلاة بمزدلفة","level":2,"page":1639},{"title":"(٣٧) باب التغليس بصلاة الصبح بالمزدلفة والإفاضة منها، وتقديم الظغن والضعفة","level":2,"page":1642},{"title":"(٣٨) باب رمي جمرة العقبة","level":2,"page":1647},{"title":"(٣٩) باب في الحلاق والتقصير","level":2,"page":1652},{"title":"(٤٠) باب من حلق قبل النحر ونحر قبل الرمي","level":2,"page":1657},{"title":"(٤١) باب طواف الإفاضة يوم النحر ونزول المحصب يوم النفر","level":2,"page":1659},{"title":"(٤٢) باب الرخصة في ترك البيتوتة بمنى لأهل السقاية","level":2,"page":1663},{"title":"(٤٣) باب التصدق بلحوم الهدايا وجلودها وأجلتها والاشتراك فيها","level":2,"page":1664},{"title":"(٤٤) باب من بعث بهدي لا يلزمه أن يجتنب ما يجتنبه المحرم، وفي ركوب الهدي","level":2,"page":1670},{"title":"(٤٥) باب ما عطب من هدي التطوع قبل محله","level":2,"page":1673},{"title":"(٤٦) باب ما جاء في طواف الوداع","level":2,"page":1676},{"title":"(٤٧) باب ما جاء في دخول النبي - ﷺ - الكعبة وفي صلاته فيها","level":2,"page":1678},{"title":"(٤٨) باب في نقض الكعبة وبنائها","level":2,"page":1682},{"title":"(٤٩) باب الحج عن المعضوب والصبي","level":2,"page":1690},{"title":"(٥٠) باب فرض الحج مرة في العمر","level":2,"page":1696},{"title":"(٥١) باب ما جاء أن المحرم من الاستطاعة","level":2,"page":1698},{"title":"(٥٢) باب ما يقال عند الخروج إلى السفر وعند الرجوع","level":2,"page":1702},{"title":"(٥٣) باب التعريس بذي الحليفة إذا صدر من الحج أو العمرة","level":2,"page":1707},{"title":"(٥٤) باب في فضل يوم عرفة ويوم الحج الأكبر","level":2,"page":1708},{"title":"(٥٥) باب ثواب الحج والعمرة","level":2,"page":1710},{"title":"(٥٦) باب تملك دور مكة ورباعها وكم كان مكث المهاجر بها؟","level":2,"page":1713},{"title":"(٥٧) باب تحريم مكة وصيدها وشجرها ولقطتها","level":2,"page":1717},{"title":"(٥٨) باب تحريم المدينة وصيدها وشجرها والدعاء لها","level":2,"page":1728},{"title":"(٥٩) باب الترغيب في سكنى المدينة والصبر على لأوائها","level":2,"page":1739},{"title":"(٦٠) باب المدينة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال، وتنفي الأشرار","level":2,"page":1744},{"title":"(٦١) باب إثم من أراد أهل المدينة بسوء والترغيب فيها عند فتح الأمصار","level":2,"page":1748},{"title":"(٦٢) باب فضل المنبر والقبر وما بينهما، وفضل أحد","level":2,"page":1751},{"title":"(٦٣) باب فضل مسجد رسول الله ﷺ والمسجد الحرام، وما تشد الرحال إليه، والمسجد الذي أسس على التقوى، وإتيان قباء","level":2,"page":1753},{"title":"(١٣) كتاب الجهاد والسير","level":1,"page":1760},{"title":"(١) باب في التأمير على الجيوش والسرايا ووصيتهم، والدعوة قبل القتال","level":2,"page":1760},{"title":"(٢) باب النهي عن الغدر، وما جاء أن الحرب خدعة","level":2,"page":1769},{"title":"(٣) باب النهي عن تمني لقاء العدو والصبر عند اللقاء والدعاء بالنصر","level":2,"page":1772},{"title":"(٤) باب النهي عن قتل النساء والصبيان وجواز ما يصاب منهم إذا بيتوا وقطع نخيلهم وتحريقها","level":2,"page":1776},{"title":"(٥) باب تخصيص هذه الأمة بتحليل الغنائم","level":2,"page":1780},{"title":"(٦) باب في قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأنفال﴾","level":2,"page":1783},{"title":"(٧) باب للإمام أن يخص (ل اتل بالسلب","level":2,"page":1789},{"title":"(٨) باب لا يستحق القاتل السلب بنفس القتل","level":2,"page":1796},{"title":"(٩) باب في التنفيل بالأسارى، وفداء المسلمين بهم","level":2,"page":1802},{"title":"(١٠) باب ما يخمس من الغنيمة وما لا يخمس وكم يسهم للفرس والرجل","level":2,"page":1804},{"title":"(١١) باب بيان ما يصرف فيه الفيء والخمس","level":2,"page":1809},{"title":"(١٢) باب تصدق رسول الله - ﷺ - بما وصل إليه من الفيء ومن سهمه","level":2,"page":1816},{"title":"(١٣) باب الإمام مخير في الأسارى وذكر وقعة يوم بدر، وتحليل الغنيمة","level":2,"page":1821},{"title":"(١٤) باب في المن على الأسارى","level":2,"page":1832},{"title":"(١٥) باب إجلاء اليهود والنصارى من المدينة ومن جزيرة العرب","level":2,"page":1836},{"title":"(١٦) باب إذا نزل العدو على حكم الإمام فله أن يرد الحكم إلى غيره ممن له أهلية ذلك","level":2,"page":1839},{"title":"(١٧) باب أخذ الطعام والعلوفة من غير تخميس","level":2,"page":1848},{"title":"(١٨) باب كتاب النبي -ﷺ- إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام","level":2,"page":1850},{"title":"(١٩) باب كتب النبي -ﷺ- إلى الملوك يدعوهم","level":2,"page":1861},{"title":"(٢٠) باب في غزاة حنين وما تضمنته من الأحكام","level":2,"page":1862},{"title":"(٢١) باب في محاصرة العدو، وجواز ضرب الأسير وطرف من غزوة الطائف","level":2,"page":1873},{"title":"(٢٢) باب ما جاء أن فتح مكة عنوة وقوله ﵊: لا يقتل قرشي صبرا بعد اليوم","level":2,"page":1877},{"title":"(٢٣) باب صلح الحديبية وقوله تعالى: ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا﴾","level":2,"page":1884},{"title":"(٢٤) باب في التحصين بالقلع والخنادق عند الضعف عن مقاومة العدو وطرف من غزوة الأحزاب","level":2,"page":1892},{"title":"(٢٥) باب في اقتحام الواحد على جمع العدو، وذكر غزوة أحد وما أصاب فيها النبي - ﷺ -","level":2,"page":1897},{"title":"(٢٦) باب فيما لقي النبي -ﷺ- من أذى قريش","level":2,"page":1901},{"title":"(٢٧) باب دعاء النبي -ﷺ- إلى الله وصبره على الجفاء والأذى","level":2,"page":1905},{"title":"(٢٨) باب جواز إعمال الحيلة في قتل الكفار وذكر قتل كعب بن الأشرف","level":2,"page":1908},{"title":"(٢٩) باب في غزوة خيبر وما اشتملت عليه من الأحكام","level":2,"page":1912},{"title":"(٣٠) باب في غزوة ذي قرد وما تضمنته من الأحكام","level":2,"page":1918},{"title":"(٣١) باب خروج النساء في الغزو","level":2,"page":1933},{"title":"(٣٢) باب لا يسهم للنساء في الغنيمة بل يحذين منه","level":2,"page":1936},{"title":"(٣٣) باب عدد غزوات رسول الله -ﷺ-","level":2,"page":1940},{"title":"(٣٤) باب في غزوة ذات الرقاع","level":2,"page":1942},{"title":"(٣٥) باب ترك الاستعانة بالمشركين","level":2,"page":1944},{"title":"(٣٦) باب السن الذي يجاز في القتال","level":2,"page":1945},{"title":"(٣٧) باب النهي عن أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو","level":2,"page":1947},{"title":"(٣٨) باب في المسابقة بالخيل، وأنها معقود في نواصيها الخير، وما يكره منها","level":2,"page":1949},{"title":"(٣٩) باب الترغيب في الجهاد وفضله","level":2,"page":1954},{"title":"(٤٠) باب فضل القتل في سبيل الله تعالى","level":2,"page":1961},{"title":"(٤١) باب في قوله تعالى: ﴿أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام﴾ الآية","level":2,"page":1969},{"title":"(٤٢) باب في رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة، وفيمن قتل كافرا","level":2,"page":1973},{"title":"(٤٣) باب فضل الحمل في سبيل الله والجهاد ومن دل على خير","level":2,"page":1975},{"title":"(٤٤) باب في البعوث ونيابة الخارج عن القاعد وفيمن خلف غازيا في أهله بخير أو بشر","level":2,"page":1980},{"title":"(٤٥) باب في قوله تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون﴾ الآية","level":2,"page":1982},{"title":"(٤٦) باب بعث العيون في الغزو وما جاء: أن الجنة تحت ظلال السيوف","level":2,"page":1983},{"title":"(٤٧) باب في قوله تعالى: ﴿رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾","level":2,"page":1987},{"title":"(٤٨) باب الإخلاص وحسن النية في الجهاد","level":2,"page":1991},{"title":"(٤٩) باب إثم من لم يخلص في الجهاد وأعمال البر","level":2,"page":1995},{"title":"(٥٠) باب الغنيمة نقصان من الأجر وفيمن مات ولم ينو الغزو وفيمن تمنى الشهادة","level":2,"page":1997},{"title":"(٥١) باب الغزو في البحر","level":2,"page":2000},{"title":"(٥٢) باب في فضل الرباط، وكم الشهداء؟","level":2,"page":2004},{"title":"(٥٣) باب في قوله تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم﴾","level":2,"page":2008},{"title":"(٥٤) باب في قوله -﵊ -: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين)","level":2,"page":2010},{"title":"(٥٥) باب من آداب السفر","level":2,"page":2014},{"title":"(١٤) كتاب الإمارة والبيعة","level":1,"page":2017},{"title":"(١) باب اشتراط نسب قريش في الخلافة","level":2,"page":2017},{"title":"(٢) باب في جواز ترك الاستخلاف","level":2,"page":2024},{"title":"(٣) باب النهي عن سؤال الإمارة والحرص عليها وأن من كان منه ذلك لا يولاها","level":2,"page":2028},{"title":"(٤) باب فضل الإمام المقسط وإثم القاسط وقوله كلكم راع","level":2,"page":2034},{"title":"(٥) باب تغليظ أمر الغلول","level":2,"page":2040},{"title":"(٦) باب ما جاء في هدايا الأمراء","level":2,"page":2043},{"title":"(٧) باب قوله تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾","level":2,"page":2046},{"title":"(٨) باب إنما الطاعة ما لم يأمر بمعصية","level":2,"page":2050},{"title":"(٩) باب في البيعة على ماذا تكون","level":2,"page":2056},{"title":"(١٠) باب الأمر بالوفاء ببيعة الأول ويضرب عنق الآخر","level":2,"page":2059},{"title":"(١١) باب يصبر على أذاهم وتؤدى حقوقهم","level":2,"page":2066},{"title":"(١٢) باب فيمن خلع يدا من طاعة وفارق الجماعة","level":2,"page":2071},{"title":"(١٣) باب في حكم من فرق أمر هذه الأمة وهي جميع","level":2,"page":2074},{"title":"(١٤) باب في الإنكار على الأمراء وبيان خيارهم وشرارهم","level":2,"page":2076},{"title":"(١٥) باب مبايعة الإمام على عدم الفرار وعلى الموت","level":2,"page":2078},{"title":"(١٦) باب لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وعمل صالح","level":2,"page":2081},{"title":"(١٧) باب في بيعة النساء والمجذوم وكيفيتها","level":2,"page":2085},{"title":"(١٨) باب وفاء الإمام بما عقده غيره إذا كان العقد جائزا ومتابعة سيد القوم عنهم","level":2,"page":2088},{"title":"(١٩) باب جواز أمان المرأة","level":2,"page":2091},{"title":"(١٥) كتاب النكاح","level":1,"page":2092},{"title":"(١) باب الترغيب في النكاح وكراهية التبتل","level":2,"page":2092},{"title":"(٢) باب رد ما يقع في النفس بمواقعة الزوجة","level":2,"page":2102},{"title":"(٣) باب ما كان أبيح في أول الإسلام من نكاح المتعة","level":2,"page":2104},{"title":"(٤) باب نسخ نكاح المتعة","level":2,"page":2108},{"title":"(٥) باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها وما جاء في نكاح المحرم","level":2,"page":2113},{"title":"(٦) باب النهي عن خطبة الرجل على خطبة أخيه وعن الشغار وعن الشرط في النكاح","level":2,"page":2119},{"title":"(٧) باب استئمار الثيب واستئذان البكر والصغيرة يزوجها أبوها","level":2,"page":2126},{"title":"(٨) باب النظر إلى المخطوبة","level":2,"page":2137},{"title":"(٩) باب في اشتراط الصداق في النكاح وجواز كونه منافع","level":2,"page":2139},{"title":"(١٠) باب كم أصدق النبي ﷺ لأزواجه؟ وجواز الأكثر من ذلك والأقل والأمر بالوليمة","level":2,"page":2145},{"title":"(١١) باب عتق الأمة وتزويجها وهل يصح أن يجعل العتق صداقا؟","level":2,"page":2149},{"title":"(١٢) باب تزويج زينب ونزول الحجاب","level":2,"page":2158},{"title":"(١٣) باب الهدية للعروس في حال خلوته","level":2,"page":2162},{"title":"(١٤) باب إجابة دعوة النكاح","level":2,"page":2164},{"title":"(١٥) باب في قوله تعالى: (نساؤكم حرث لكم) الآية وما يقال عند الجماع","level":2,"page":2168},{"title":"(١٦) باب تحريم امتناع المرأة على زوجها إذا أرادها، ونشر أحدهما سر الآخر","level":2,"page":2172},{"title":"(١٧) باب في العزل عن المرأة","level":2,"page":2175},{"title":"(١٨) باب تحريم وطء الحامل من غيره حتى تضع، وذكر الغيل","level":2,"page":2183},{"title":"أبواب الرضاع","level":2,"page":2188},{"title":"(١٩) باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة","level":2,"page":2188},{"title":"(٢٠) باب التحريم من قبل الفحل","level":2,"page":2190},{"title":"(٢١) باب تحريم الأخت وبنت الأخ من الرضاعة","level":2,"page":2192},{"title":"(٢٢) باب لا تحرم المصة ولا المصتان","level":2,"page":2195},{"title":"(٢٣) باب نسخ عشر رضعات بخمس، ورضاعة الكبير","level":2,"page":2198},{"title":"(٢٤) باب إنما الرضاعة من المجاعة","level":2,"page":2202},{"title":"(٢٥) باب في قوله تعالى: (والمحصنات من النساء)","level":2,"page":2203},{"title":"(٢٦) باب الولد للفراش","level":2,"page":2206},{"title":"(٢٧) باب قبول قول القافة في الولد","level":2,"page":2210},{"title":"(٢٨) باب المقام عند البكر والثيب","level":2,"page":2214},{"title":"(٢٩) باب في القسم بين النساء وفي جواز هبة المرأة يومها لضرتها","level":2,"page":2217},{"title":"(٣٠) باب في قوله تعالى: ﴿ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء﴾","level":2,"page":2221},{"title":"(٣١) باب الحث على نكاح الأبكار وذوات الدين","level":2,"page":2225},{"title":"(٣٢) باب من قدم من سفر فلا يعجل بالدخول على أهله فإذا دخل فالكيس الكيس","level":2,"page":2230},{"title":"(٣٣) باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة، ومداراة النساء","level":2,"page":2233},{"title":"(١٦) كتاب الطلاق","level":1,"page":2236},{"title":"(١) باب في طلاق السنة","level":2,"page":2236},{"title":"(٢) باب ما يحل المطلقة ثلاثا","level":2,"page":2246},{"title":"(٣) باب إمضاء الطلاق الثلاث من كلمة","level":2,"page":2249},{"title":"(٤) باب في قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك﴾","level":2,"page":2258},{"title":"(٥) باب في قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا﴾ الآية.","level":2,"page":2267},{"title":"(٦) باب إيلاء الرجل من نسائه وتأديبهن باعتزالهن مدة","level":2,"page":2271},{"title":"(٧) باب فيمن قال: إن المطلقة البائن لا نفقة لها ولا سكنى","level":2,"page":2278},{"title":"(٨) باب فيمن قال: لها السكنى والنفقة","level":2,"page":2286},{"title":"(٩) باب لا تخرج المطلقة من بيتها حتى تنقضي عدتها إلا إن اضطرت إلى ذلك","level":2,"page":2288},{"title":"(١٠) باب ما جاء أن الحامل إذا وضعت حملها فقد انقضت عدتها","level":2,"page":2292},{"title":"(١١) باب في الإحداد على الميت في العدة","level":2,"page":2294},{"title":"(١٢) باب ما جاء في اللعان","level":2,"page":2302},{"title":"(١٣) باب كيفية اللعان ووعظ المتلاعنين","level":2,"page":2306},{"title":"(١٤) باب ما يتبع اللعان إذا كمل من الأحكام","level":2,"page":2311},{"title":"(١٥) باب لا ينفى الولد لمخالفة لون أو شبه","level":2,"page":2319},{"title":"(١٧) كتاب العتق","level":1,"page":2321},{"title":"(١) باب فيمن أعتق شركا له في عبد وذكر الاستسعاء","level":2,"page":2321},{"title":"(٢) باب إنما الولاء لمن أعتق","level":2,"page":2330},{"title":"(٣) باب كان في بريرة ثلاث سنن","level":2,"page":2346},{"title":"(٤) باب النهي عن بيع الولاء وعن هبته وفي إثم من تولى غير مواليه","level":2,"page":2351},{"title":"(٥) باب ما جاء في فضل عتق الرقبة المؤمنة وفي عتق الوالد","level":2,"page":2354},{"title":"(٦) باب تحسين صحبة ملك اليمين، والتغليظ على سيده في لطمه، أو ضربه في غير حد ولا أدب، أو قذفه بالزنا","level":2,"page":2359},{"title":"(٧) باب إطعام المملوك مما يأكل ولباسه مما يلبس، ولا يكلف ما يغلبه","level":2,"page":2363},{"title":"(٨) باب في مضاعفة أجر العبد الصالح","level":2,"page":2366},{"title":"(٩) باب فيمن أعتق عبيده عند موته وهم كل ماله","level":2,"page":2368},{"title":"(١٠) باب ما جاء في التدبير وبيع المدبر","level":2,"page":2370},{"title":"(١٨) كتاب البيوع","level":1,"page":2372},{"title":"(١) باب النهي عن الملامسة، والمنابذة، وبيع الحصاة، والغرر","level":2,"page":2372},{"title":"(٢) باب النهي عن أن يبيع الرجل على بيع أخيه، وعن تلقي الجلب، وعن التصرية، وعن النجش","level":2,"page":2376},{"title":"(٣) باب لا يبع حاضر لباد","level":2,"page":2379},{"title":"(٤) باب ما جاء: أن التصرية عيب يوجب الخيار","level":2,"page":2385},{"title":"(٥) باب النهي عن بيع الطعام قبل أن يقبض أو ينقل","level":2,"page":2387},{"title":"(٦) باب بيع الخيار، والصدق في البيع، وترك الخديعة","level":2,"page":2393},{"title":"(٧) باب النهي عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها","level":2,"page":2399},{"title":"(٨) باب النهي عن المزابنة","level":2,"page":2402},{"title":"(٩) باب الرخصة في بيع العرية بخرصها تمرا","level":2,"page":2404},{"title":"(١٠) باب فيمن باع نخلا فيه تمر، أو عبدا وله مال","level":2,"page":2409},{"title":"(١١) باب النهي عن المحاقلة والمخابرة والمعاومة","level":2,"page":2413},{"title":"(١٢) باب ما جاء في كراء الأرض","level":2,"page":2418},{"title":"(١٣) باب فيمن رأى أن النهي عن كراء الأرض إنما هو من باب الإرشاد إلى الأفضل","level":2,"page":2424},{"title":"(١٤) باب المساقاة على جزء من الثمر والزرع","level":2,"page":2425},{"title":"(١٥) باب في فضل من غرس غرسا","level":2,"page":2433},{"title":"(١٦) باب في وضع الجائحة","level":2,"page":2435},{"title":"(١٧) باب قسم مال المفلس، والحث على وضع بعض الدين","level":2,"page":2439},{"title":"(١٨) باب من أدرك ماله عند مفلس","level":2,"page":2442},{"title":"(١٩) باب في إنظار المعسر والتجاوز عنه ومطل الغني ظلم، والحوالة","level":2,"page":2448},{"title":"(٢٠) باب النهي عن بيع فضل الماء، وإثم منعه","level":2,"page":2453},{"title":"(٢١) باب النهي عن ثمن الكلب، والسنور، وحلوان الكاهن، وكسب الحجام","level":2,"page":2455},{"title":"(٢٢) باب ما جاء في قتل الكلاب واقتنائها","level":2,"page":2460},{"title":"(٢٣) باب في إباحة أجرة الحجام","level":2,"page":2465},{"title":"(٢٤) باب تحريم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام","level":2,"page":2467},{"title":"أبواب الصرف والربا","level":2,"page":2480},{"title":"(٢٥) باب تحريم التفاضل والنساء في الذهب بالذهب والورق بالورق","level":2,"page":2480},{"title":"(٢٦) باب تحريم الربا في البر والشعير والتمر والملح","level":2,"page":2484},{"title":"(٢٧) باب بيع القلادة فيها خرز وذهب بذهب","level":2,"page":2489},{"title":"(٢٨) باب من قال: إن البر والشعير صنف واحد","level":2,"page":2492},{"title":"(٢٩) باب فسخ صفقة الربا","level":2,"page":2493},{"title":"(٣٠) باب ترك قول من قال: لا ربا إلا في النسيئة","level":2,"page":2496},{"title":"(٣١) باب اتقاء الشبهات ولعن المقدم على الربا","level":2,"page":2500},{"title":"(٣٢) باب بيع البعير واستثناء حملانه","level":2,"page":2513},{"title":"(٣٣) باب الاستقراض وحسن القضاء فيه","level":2,"page":2517},{"title":"(٣٤) باب في السلم والرهن في البيع","level":2,"page":2526},{"title":"(٣٥) باب النهي عن الحكرة، وعن الحلف في البيع","level":2,"page":2532},{"title":"(٣٦) باب الشفعة","level":2,"page":2535},{"title":"(٣٧) باب غرز الخشب في جدار الغير، وإذا اختلف في الطريق","level":2,"page":2542},{"title":"(٣٨) باب إثم من غصب شيئا من الأرض","level":2,"page":2546},{"title":"(١٩) كتاب الوصايا والفرائض","level":1,"page":2551},{"title":"(١) باب الحث على الوصية وأنها بالثلث لا يتجاوز","level":2,"page":2551},{"title":"(٢) باب الصدقة عمن لم يوص، وما ينتفع به الإنسان بعد موته","level":2,"page":2564},{"title":"(٣) باب ما وصى به النبي ﷺ عند موته","level":2,"page":2567},{"title":"(٤) باب ألحقوا الفرائض بأهلها، ولا يرث المسلم الكافر","level":2,"page":2576},{"title":"(٥) باب ميراث الكلالة","level":2,"page":2581},{"title":"(٦) باب من ترك مالا فلورثته وعصبته","level":2,"page":2586},{"title":"(٧) باب قوله ﵊: لا نورث","level":2,"page":2588},{"title":"(٢٠) كتاب الصدقة والهبة والحبس","level":1,"page":2590},{"title":"(١) باب النهي عن العود في الصدقة","level":2,"page":2590},{"title":"(٢) باب فيمن نحل بعض ولده دون بعض","level":2,"page":2596},{"title":"(٣) باب المنحة مردودة","level":2,"page":2601},{"title":"(٤) باب ما جاء في العمرى","level":2,"page":2604},{"title":"(٥) باب فيما جاء في الحبس","level":2,"page":2611},{"title":"(٢١) كتاب النذور والأيمان","level":1,"page":2616},{"title":"(١) باب الوفاء بالنذر، وأنه لا يرد من قدر الله شيئا","level":2,"page":2616},{"title":"(٢) باب لا وفاء لنذر في معصية، ولا فيما لا يملك العبد","level":2,"page":2621},{"title":"(٣) باب فيمن نذر أن يمشي إلى الكعبة","level":2,"page":2628},{"title":"(٤) باب كفارة النذر غير المسمى كفارة يمين، والنهي عن الحلف بغير الله تعالى","level":2,"page":2632},{"title":"(٥) باب النهي عن الحلف بالطواغي، ومن حلف باللات فليقل: لا إله إلا الله","level":2,"page":2636},{"title":"(٦) باب من حلف على يمين فرأى خيرا منها فليكفر","level":2,"page":2639},{"title":"(٧) باب اليمين على نية المستحلف والاستثناء فيه","level":2,"page":2645},{"title":"(٨) باب ما يخاف من اللجاج في اليمين، وفيمن نذر قربة في الجاهلية","level":2,"page":2655},{"title":"(٢٢) كتاب القسامة والقصاص والديات","level":1,"page":2659},{"title":"(١) باب في كيفية القسامة وأحكامها","level":2,"page":2659},{"title":"(٢) باب القصاص في العين وحكم المرتد","level":2,"page":2672},{"title":"(٣) باب القصاص في النفس بالحجر","level":2,"page":2678},{"title":"(٤) باب من عض يد رجل فانتزع يده فسقطت ثنية العاض","level":2,"page":2685},{"title":"(٥) باب القصاص في الجراح","level":2,"page":2688},{"title":"(٦) باب لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، وتكرار إثم من سن القتل، وأنه أول ما يقضى فيه","level":2,"page":2692},{"title":"(٧) باب تحريم الدماء والأموال والأعراض","level":2,"page":2696},{"title":"(٨) باب الحث على العفو عن القصاص بعد وجوبه","level":2,"page":2706},{"title":"(٩) باب دية الخطأ على عاقلة القاتل، وما جاء في دية الجنين","level":2,"page":2713},{"title":"(٢٣) كتاب الحدود","level":1,"page":2724},{"title":"(١) باب حد السرقة وما يقطع فيه","level":2,"page":2724},{"title":"(٢) باب النهي عن الشفاعة في الحدود إذا بلغت الإمام","level":2,"page":2731},{"title":"(٣) باب حد البكر والثيب إذا زنيا","level":2,"page":2734},{"title":"(٤) باب إقامة الحد على من اعترف على نفسه بالزنا","level":2,"page":2742},{"title":"(٥) باب يحفر للمرجوم حفرة إلى صدره وتشد عليه ثيابه","level":2,"page":2752},{"title":"(٦) باب من روى أن ماعزا لم يحفر له ولا شد ولا استغفر له","level":2,"page":2754},{"title":"(٧) باب لا تغريب على امرأة ويقتصر على رجم الزاني الثيب ولا يجلد قبل الرجم","level":2,"page":2758},{"title":"(٨) باب إقامة حكم الرجم على من ترافع إلينا من زناة أهل الذمة","level":2,"page":2762},{"title":"(٩) باب إقامة السادة الحد على الأرقاء","level":2,"page":2773},{"title":"(١٠) باب الحد في الخمر وما جاء في جلد التعزير","level":2,"page":2781},{"title":"(١١) باب من أقيم عليه الحد فهو كفارة له","level":2,"page":2793},{"title":"(١٢) باب الجبار الذي لا دية فيه ومن ظهرت براءته مما اتهم به لم يحبس ولم يعزر","level":2,"page":2797},{"title":"(٢٤) كتاب الأقضية","level":1,"page":2801},{"title":"(١) باب اليمين على المدعى عليه والقضاء باليمين والشاهد","level":2,"page":2801},{"title":"(٢) باب حكم الحاكم في الظاهر لا يغير حكم الباطن والحكم على الغائب","level":2,"page":2807},{"title":"(٣) باب الاعتصام بحبل الله وأن الحاكم المجتهد له أجران في الإصابة وأجر في الخطأ","level":2,"page":2816},{"title":"(٤) باب لا يقضي القاضي وهو على حال تشوش عليه فكره، ورد المحدثات، ومن خير الشهداء؟","level":2,"page":2824},{"title":"(٥) باب تسويغ الاجتهاد","level":2,"page":2828},{"title":"(٦) باب اختلاف المجتهدين في الحكم لا ينكر","level":2,"page":2829},{"title":"(٧) باب للحاكم أن يصلح بين الخصوم، وإثم الخصم الألد","level":2,"page":2832},{"title":"(٨) باب الحكم في اللقطة والضوال","level":2,"page":2835},{"title":"(٩) باب الاستظهار في التعريف بزيادة على السنة إذا ارتجى ربها","level":2,"page":2845},{"title":"(١٠) باب النهي عن لقطة الحاج وعن أن يحلب أحد ماشية أحد إلا بإذنه","level":2,"page":2847},{"title":"(١١) باب الأمر بالضيافة والحكم فيمن منعها","level":2,"page":2851},{"title":"(١٢) باب الأمر بالمواساة بالفضل وجمع الأزواد إذا قلت","level":2,"page":2855},{"title":"(٢٥) كتاب الصيد والذبائح وما يحل أكله من الحيوان وما لا يحل","level":1,"page":2858},{"title":"(١) باب الصيد بالجوارح وشروطها","level":2,"page":2858},{"title":"(٢) باب الصيد بالسهم ومحدد السلاح وإذا غاب الصيد","level":2,"page":2866},{"title":"(٣) باب النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير","level":2,"page":2868},{"title":"(٤) باب إباحة أكل ميتة البحر وإن طفت","level":2,"page":2872},{"title":"(٥) باب النهي عن لحوم الحمر الأهلية، والأمر بإكفاء القدور منها","level":2,"page":2877},{"title":"(٦) باب في إباحة لحوم الخيل وحمر الوحش","level":2,"page":2882},{"title":"(٧) باب ما جاء في أكل الضب","level":2,"page":2884},{"title":"(٨) باب ما جاء في أن الضب والفأر يتوقع أن يكونا مما مسخ","level":2,"page":2888},{"title":"(٩) باب أكل الجراد والأرانب","level":2,"page":2891},{"title":"(١٠) باب الأمر بإحسان الذبح وحد الشفرة","level":2,"page":2894},{"title":"(١١) باب النهي عن صبر البهائم وعن اتخاذها غرضا وعن الخذف","level":2,"page":2895},{"title":"(١٢) باب من ذبح لغير الله ولعنه","level":2,"page":2898},{"title":"(٢٦) كتاب الأشربة","level":1,"page":2900},{"title":"(١) باب تحريم الخمر","level":2,"page":2900},{"title":"(٢) باب الخمر من النخيل والعنب","level":2,"page":2911},{"title":"(٣) باب النهي عن اتخاذ الخمر خلا، وعن التداوي بها، وعن خلط شيئين مما يبغي أحدهما على الآخر","level":2,"page":2913},{"title":"(٤) باب النهي عما ينتبذ فيه","level":2,"page":2917},{"title":"(٥) باب نسخ ذلك والنهي عن كل مسكر","level":2,"page":2920},{"title":"(٦) باب كل شراب مسكر خمر وحرام وما جاء في إثم من شربه","level":2,"page":2921},{"title":"(٧) باب كم المدة التي يشرب إليها النبيذ","level":2,"page":2925},{"title":"(٨) باب كيفية النبيذ الذي يجوز شربه","level":2,"page":2927},{"title":"(٩) باب استدعاء الشراب من الخادم والشرب في القدح","level":2,"page":2929},{"title":"(١٠) باب شرب اللبن، وتناوله من أيدي الرعاء من غير بحث عن كونهم مالكين","level":2,"page":2931},{"title":"(١١) باب الأمر بتغطية الإناء، وإيكاء السقاء، وذكر الله تعالى عليهما","level":2,"page":2934},{"title":"(١٢) باب بيان أن الأمر بذلك من باب الإرشاد إلى المصلحة وأن ترك ذلك لا يمنع الشرب من ذلك الإناء","level":2,"page":2937},{"title":"(١٣) باب النهي عن الشرب قائما، وعن اختناث الأسقية، والشرب من أفواهها","level":2,"page":2939},{"title":"(١٤) باب النهي عن التنفس في الإناء وفي مناولة الشراب الأيمن فالأيمن","level":2,"page":2942},{"title":"(٢٧) كتاب آداب الأطعمة","level":1,"page":2947},{"title":"(١) باب التسمية على الطعام","level":2,"page":2947},{"title":"(٢) باب الأمر بالأكل باليمين والنهي عن الأكل بالشمال","level":2,"page":2949},{"title":"(٣) باب الأكل مما يليه والأكل بثلاث أصابع","level":2,"page":2951},{"title":"(٤) باب لعق الأصابع والصحفة وأكل اللقمة إذا سقطت","level":2,"page":2953},{"title":"(٥) باب من دعي إلى الطعام فتبعه غيره","level":2,"page":2956},{"title":"(٦) باب إباحة تطييب الطعام وعرض من لم يدع","level":2,"page":2957},{"title":"(٧) باب من اشتد جوعه تعين عليه أن يرتاد ما يرد به جوعه","level":2,"page":2959},{"title":"(٨) باب جعل الله تعالى قليل الطعام كثيرا ببركة رسول الله ﷺ، وذكر كثير من آداب الأكل","level":2,"page":2962},{"title":"(٩) باب في أكل الدباء والقديد","level":2,"page":2968},{"title":"(١٠) باب في أكل التمر مقعيا، وإلقاء النوى بين إصبعين، وأكل القثاء بالرطب","level":2,"page":2969},{"title":"(١١) باب النهي عن القران في التمر عند الجهد","level":2,"page":2972},{"title":"(١٢) باب بركة عجوة المدينة وأنها دواء","level":2,"page":2975},{"title":"(١٣) باب الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين، واجتناء الكباث الأسود","level":2,"page":2977},{"title":"(١٤) باب نعم الإدام الخل","level":2,"page":2979},{"title":"(١٥) باب كراهية النبي ﷺ الثوم","level":2,"page":2983},{"title":"(١٦) باب الأكل مع المحتاج بالإيثار","level":2,"page":2984},{"title":"(١٧) باب إطعام الجائع وقسمة الطعام على الأضياف عند قلته، وبركة النبي ﷺ","level":2,"page":2985},{"title":"(١٨) باب يخبأ لمن غاب من الجماعة نصيبه","level":2,"page":2989},{"title":"(١٩) باب الحض على تشريك الفقير الجائع في طعام الواحد وإن كان دون الكفاي","level":2,"page":2990},{"title":"(٢٠) باب المؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء","level":2,"page":2996},{"title":"(٢١) باب النهي عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة","level":2,"page":2999},{"title":"(٢٨) كتاب الأضاحي","level":1,"page":3001},{"title":"(١) باب في التسمية على الأضحية وفي وقتها وأن من ذبح قبله أعاد","level":2,"page":3001},{"title":"(٢) باب إعادة ما ذبح بعد الصلاة وقبل ذبح الإمام","level":2,"page":3011},{"title":"(٣) باب ما يجوز في الأضاحي من السن","level":2,"page":3011},{"title":"(٤) باب ما يختار في الأضحية","level":2,"page":3014},{"title":"(٥) باب الذبح بما أنهر الدم والنهي عن السن والظفر","level":2,"page":3021},{"title":"(٦) باب النهي عن أكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث","level":2,"page":3030},{"title":"(٧) باب الرخصة في ذلك","level":2,"page":3031},{"title":"(٨) باب إذا دخل العشر وأراد أن يضحي فلا يمس من شعره ولا بشره","level":2,"page":3036},{"title":"(٢٩) كتاب اللباس","level":1,"page":3039},{"title":"(١) باب تحريم لباس الحرير والتغليظ فيه على الرجال وإباحته للنساء","level":2,"page":3039},{"title":"(٢) باب ما يرخص فيه من الحرير","level":2,"page":3046},{"title":"(٣) باب من لبس ثوب حرير غلطا أو سهوا نزعه أول أوقات إمكانه","level":2,"page":3051},{"title":"(٤) باب الرخصة في لبس الحرير للعلة","level":2,"page":3052},{"title":"(٥) باب النهي عن لبس القسي والمعصفر","level":2,"page":3053},{"title":"(٦) باب لباس الحبرة والإزار الغليظ والمرط المرحل","level":2,"page":3055},{"title":"(٧) باب اتخاذ الوساد والفراش من أدم والأنماط ولم يجوز أن يتخذ من الفرش؟","level":2,"page":3056},{"title":"(٨) باب إثم من جر ثوبه خيلاء ومن تبختر وإلى أين يرفع الإزار","level":2,"page":3059},{"title":"(٩) باب إرخاء طرفي العمامة بين الكتفين","level":2,"page":3061},{"title":"(١٠) باب النهي عن تختم الرجال بالذهب وطرحه إن لبس","level":2,"page":3062},{"title":"(١١) باب لبس الخاتم الورق وأين يجعل؟","level":2,"page":3064},{"title":"(١٢) باب في الانتعال وآدابه","level":2,"page":3068},{"title":"(١٣) باب النهي عن اشتمال الصماء والاحتباء في ثوب واحد وفي وضع إحدى الرجلين على الأخرى مستلقيا","level":2,"page":3070},{"title":"(١٤) باب ما جاء في صبغ الشعر والنهي عن تسويده والتزعفر","level":2,"page":3072},{"title":"(١٥) باب لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة إلا أن تكون الصورة رقما","level":2,"page":3075},{"title":"(١٦) باب كراهية الستر فيه تماثيل وهتكه وجعله وسائد وكراهية كسوة الجدر","level":2,"page":3079},{"title":"(١٧) باب أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون","level":2,"page":3084},{"title":"(١٨) باب في الأجراس والقلائد في أعناق الدواب","level":2,"page":3088},{"title":"(١٩) باب النهي عن وسم الوجوه وأين يجوز الوسم؟","level":2,"page":3091},{"title":"(٢٠) باب النهي عن القزع وعن وصل شعر المرأة","level":2,"page":3095},{"title":"(٢١) باب في لعن المتنمصات والمتفلجات للحسن","level":2,"page":3098},{"title":"(٢٢) باب النهي عن الزور وهو ما يكثرن به الشعور وذم الكاسيات العاريات والمتشبع بما لم يعط","level":2,"page":3101},{"title":"(٣٠) كتاب الأدب","level":1,"page":3107},{"title":"(١) باب في أحب الأسماء إلى الله وأبغضها إليه","level":2,"page":3107},{"title":"(٢) باب قوله ﵊: تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي، وفي التسمية بأسماء الأنبياء والصالحين","level":2,"page":3110},{"title":"(٣) باب ما يكره أن يسمى به الرقيق","level":2,"page":3115},{"title":"(٤) باب في تغيير الاسم بما هو أولى والنهي عن الاسم المقتضي للتزكية","level":2,"page":3118},{"title":"(٥) باب تسمية الصغير وتحنيكه والدعاء له","level":2,"page":3120},{"title":"(٦) باب تكنية الصغير وندائه بيا بني","level":2,"page":3125},{"title":"(٧) باب الاستئذان وكيفيته وعدده","level":2,"page":3127},{"title":"(٨) باب كراهية أن يقول: أنا، عند الاستئذان، والنهي عن الاطلاع في البيت وحكم المطلع إن فقئت عينه","level":2,"page":3132},{"title":"(٩) باب نظرة الفجأة، وتسليم الراكب على الماشي، وحق الطريق","level":2,"page":3136},{"title":"(١٠) باب حق المسلم على المسلم، والسلام على الغلمان","level":2,"page":3142},{"title":"(١١) باب لا يبدأ أهل الذمة بالسلام وكيفية الرد عليهم إذا سلموا","level":2,"page":3144},{"title":"(١٢) باب في احتجاب النساء وما يخفف عنهن من ذلك","level":2,"page":3148},{"title":"(١٣) باب النهي عن المبيت عند غير ذات محرم وعن الدخول على المغيبات","level":2,"page":3154},{"title":"(١٤) باب اجتناب ما يوقع في التهم ويجر إليه","level":2,"page":3157},{"title":"(١٥) باب من رأى فرجة في الحلقة جلس فيها وإلا جلس خلفهم","level":2,"page":3161},{"title":"(١٦) باب النهي عن أن يقام الرجل من مجلسه، ومن قام من مجلسه ثم رجع إليه عن قرب فهو أحق به","level":2,"page":3163},{"title":"(١٧) باب الزجر عن دخول المخنثين على النساء","level":2,"page":3166},{"title":"(١٨) باب امتهان ذات القدر نفسها في خدمة زوجها وفرسه؛ لا يغض من قدرها","level":2,"page":3170},{"title":"(١٩) باب النهي عن مناجاة الاثنين دون الثالث","level":2,"page":3178},{"title":"(٢٠) باب جواز إنشاد الشعر وكراهية الإكثار منه","level":2,"page":3180},{"title":"(٢١) باب في قتل الحيات وذي الطفيتين والأبتر","level":2,"page":3184},{"title":"(٢٢) باب المبادرة بقتل الحيات إلا أن تكون من ذوات البيوت؛ فلا تقتل حتى تستأذن ثلاثا","level":2,"page":3189},{"title":"(٢٣) باب قتل الأوزاغ وكثرة ثوابه في أول ضربة","level":2,"page":3193},{"title":"(٢٤) باب كراهية قتل النمل إلا أن يكثر ضررها","level":2,"page":3196},{"title":"(٢٥) باب فيمن حبس الهر","level":2,"page":3198},{"title":"(٢٦) باب في كل ذي كبد أجر","level":2,"page":3199},{"title":"(٢٧) باب النهي عن سب الدهر","level":2,"page":3201},{"title":"(٢٨) باب النهي عن تسمية العنب كرما","level":2,"page":3204},{"title":"(٢٩) باب النهي عن أن يقول سيد: عبدي وأمتي، أو غلام: ربي أو ربك","level":2,"page":3207},{"title":"(٣٠) باب لا يقل أحد: خبثت نفسي وما جاء أن المسك أطيب الطيب","level":2,"page":3210},{"title":"(٣١) باب من عرض عليه طيب أو ريحان فلا يرده، وبماذا يستجمر؟","level":2,"page":3212},{"title":"(٣٢) باب تحريم اللعب بالنرد","level":2,"page":3214},{"title":"(٣٣) باب مناولة السواك الأكبر","level":2,"page":3215},{"title":"(٣١) كتاب: الرقى والطب","level":1,"page":3217},{"title":"(١) باب في رقية جبريل النبي ﷺ","level":2,"page":3217},{"title":"(٢) باب العين حق، والسحر حق، واغتسال العائن","level":2,"page":3219},{"title":"(٣) باب ما جاء أن السموم وغيرها لا تؤثر بذاتها","level":2,"page":3229},{"title":"(٤) باب ما كان يرقي به رسول الله ﷺ المرضى، وكيفية ذلك","level":2,"page":3231},{"title":"(٥) باب مماذا يرقى؟","level":2,"page":3234},{"title":"(٦) باب لا يرقى برقى الجاهلية ولا بما لا يفهم","level":2,"page":3238},{"title":"(٧) باب أم القرآن رقية من كل شيء","level":2,"page":3239},{"title":"(٨) باب الرقية بأسماء الله والتعويذ","level":2,"page":3243},{"title":"(٩) باب لكل داء دواء، والتداوي بالحجامة","level":2,"page":3246},{"title":"(١٠) باب التداوي بقطع العرق والكي والسعوط","level":2,"page":3251},{"title":"(١١) باب الحمى من فيح جهنم، فابردوها بالماء","level":2,"page":3253},{"title":"(١٢) باب التداوي باللدود والعود الهندي","level":2,"page":3255},{"title":"(١٣) باب التداوي بالشونيز والتلبينة","level":2,"page":3259},{"title":"(١٤) باب التداوي بالعسل","level":2,"page":3262},{"title":"(١٥) باب ما جاء أن الطاعون إذا وقع بأرض فلا يخرج منها فرارا، ولا يقدم عليها","level":2,"page":3265},{"title":"(١٦) باب لا عدوى ولا طيرة ولا صفر ولا هامة ولا نوء ولا غول","level":2,"page":3274},{"title":"(١٧) باب لا يورد ممرض على مصح","level":2,"page":3278},{"title":"(١٨) باب في الفأل الصالح وفي الشؤم","level":2,"page":3280},{"title":"(١٩) باب النهي عن الكهانة، وعن إتيان الكهان، وما جاء في الخط","level":2,"page":3286},{"title":"(٢٠) باب في رمي النجوم للشياطين عند استراق السمع","level":2,"page":3291},{"title":"(٣٢) كتاب الرؤيا","level":1,"page":3294},{"title":"(١) باب الرؤيا الصادقة من الله والحلم من الشيطان وما يفعل عند رؤية ما يكره","level":2,"page":3294},{"title":"(٢) باب أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا","level":2,"page":3299},{"title":"(٣) باب الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة","level":2,"page":3310},{"title":"(٤) باب رؤية النبي ﷺ","level":2,"page":3311},{"title":"(٥) باب لا يخبر بتلعب الشيطان به","level":2,"page":3316},{"title":"(٦) باب استدعاء العابر ما يعبر، وتعبير من لم يسأل","level":2,"page":3318},{"title":"(٧) باب فيما رأى النبي ﷺ في نومه","level":2,"page":3323},{"title":"(٣٣) كتاب النبوات وفضائل نبينا محمد ﷺ","level":1,"page":3335},{"title":"(١) باب كونه مختارا من خيار الناس في الدنيا وسيدهم يوم القيامة","level":2,"page":3335},{"title":"(٢) باب من شواهد نبوته ﷺ وبركته","level":2,"page":3340},{"title":"(٣) باب في عصمة الله تعالى لنبيه ﵊ ممن أراد قتله","level":2,"page":3350},{"title":"(٤) باب ذكر بعض كرامات رسول الله ﷺ في حال هجرته وفي غيرها","level":2,"page":3353},{"title":"(٥) باب مثل ما بعث به النبي ﷺ من الهدى والعلم","level":2,"page":3371},{"title":"(٦) باب مثل النبي ﷺ مع الأنبياء","level":2,"page":3376},{"title":"(٧) باب إذا رحم الله أمة قبض نبيها قبلها","level":2,"page":3377},{"title":"(٨) باب ما خص به النبي ﷺ من الحوض المورود ومن أنه أعطي مفاتيح خزائن الأرض","level":2,"page":3379},{"title":"(٩) باب في عظم حوض النبي ﷺ ومقداره وكبره وآنيته","level":2,"page":3384},{"title":"(١٠) باب شجاعة النبي ﷺ وإمداده بالملائكة","level":2,"page":3388},{"title":"(١١) باب كان رسول الله ﷺ أجود الناس وأحسن الناس خلقا","level":2,"page":3390},{"title":"(١٢) باب ما سئل رسول الله ﷺ شيئا وقال: لا. وفي كثرة عطائه","level":2,"page":3394},{"title":"(١٣) باب في رحمة رسول الله ﷺ للصبيان والعيال والرقيق","level":2,"page":3397},{"title":"(١٤) باب في شدة حياء النبي ﷺ وكيفية ضحكه","level":2,"page":3403},{"title":"(١٥) باب بعد النبي ﷺ من الإثم، وقيامه لمحارم الله ﷿، وصيانته عما كانت عليه الجاهلية من صغره","level":2,"page":3407},{"title":"(١٦) باب طيب رائحة النبي ﷺ وعرقه ولين مسه","level":2,"page":3410},{"title":"(١٧) باب في شعر رسول الله ﷺ وكيفيته","level":2,"page":3413},{"title":"(١٨) باب في شيب رسول الله ﷺ وخضابه","level":2,"page":3417},{"title":"(١٩) باب في حسن أوصاف النبي ﷺ","level":2,"page":3418},{"title":"(٢٠) باب في خاتم النبوة","level":2,"page":3430},{"title":"(٢١) باب كم كان سن رسول الله ﷺ يوم قبض؟ وكم أقام بمكة؟","level":2,"page":3431},{"title":"(٢٢) باب عدد أسماء النبي ﷺ","level":2,"page":3434},{"title":"(٢٣) باب كان النبي ﷺ أعلم الناس بالله وأشدهم له خشية","level":2,"page":3439},{"title":"(٢٤) باب وجوب الإذعان لحكم رسول الله ﷺ والانتهاء عما نهى عنه","level":2,"page":3442},{"title":"(٢٥) باب ترك الإكثار من مساءلة رسول الله ﷺ توقيرا له واحتراما","level":2,"page":3447},{"title":"(٢٦) باب عصمة رسول الله ﷺ عن الخطأ فيما يبلغه عن الله تعالى.","level":2,"page":3456},{"title":"(٢٧) باب كيف كان يأتيه الوحي؟","level":2,"page":3460},{"title":"(٢٨) باب في ذكر عيسى ابن مريم ﵉","level":2,"page":3464},{"title":"(٢٩) باب في ذكر إبراهيم ﵇","level":2,"page":3469},{"title":"(٣٠) باب","level":2,"page":3478},{"title":"(٣١) باب قصة موسى مع الخضر ﵇","level":2,"page":3482},{"title":"(٣٢) باب في وفاة موسى ﵇","level":2,"page":3509},{"title":"(٣٣) باب في ذكر يونس ويوسف وزكريا ﵈","level":2,"page":3512},{"title":"(٣٤) باب في قول النبي ﷺ: لا تخيروا بين الأنبياء","level":2,"page":3517},{"title":"(٣٥) باب فضائل أبي بكر الصديق واستخلافه - ﵁ -","level":2,"page":3525},{"title":"(٣٦) باب فضائل عمر بن الخطاب","level":2,"page":3540},{"title":"(٣٧) باب فضائل عثمان - ﵁ -","level":2,"page":3551},{"title":"(٣٨) باب فضائل علي بن أبي طالب - ﵁ -","level":2,"page":3557},{"title":"(٣٩) باب فضائل سعد بن أبي وقاص","level":2,"page":3568},{"title":"(٤٠) باب فضائل طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وأبي عبيدة بن الجراح - ﵃ -","level":2,"page":3575},{"title":"(٤١) باب فضائل الحسن والحسين","level":2,"page":3584},{"title":"(٤٢) باب فضائل أهل البيت - ﵃ -","level":2,"page":3590},{"title":"(٤٣) باب فضائل زيد بن حارثة وأسامة بن زيد","level":2,"page":3595},{"title":"(٤٤) باب فضائل عبد الله بن جعفر","level":2,"page":3600},{"title":"(٤٥) باب فضائل خديجة بنت خويلد","level":2,"page":3602},{"title":"(٤٦) باب فضائل عائشة زوج النبي ﷺ ومريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون","level":2,"page":3609},{"title":"(٤٧) باب ذكر حديث أم زرع","level":2,"page":3622},{"title":"(٤٨) باب فضائل فاطمة بنت النبي ﷺ","level":2,"page":3640},{"title":"(٤٩) باب فضائل أم سلمة وزينب زوجي النبي ﷺ","level":2,"page":3646},{"title":"(٥٠) باب فضائل أم أيمن مولاة النبي ﷺ وأم سليم، أم أنس بن مالك","level":2,"page":3650},{"title":"(٥١) باب فضائل أبي طلحة الأنصار","level":2,"page":3653},{"title":"(٥٢) باب فضائل بلال بن رباح","level":2,"page":3656},{"title":"(٥٣) باب فضائل عبد الله بن مسعود","level":2,"page":3659},{"title":"(٥٤) باب فضائل أبي بن كعب","level":2,"page":3667},{"title":"(٥٥) باب فضائل سعد بن معاذ","level":2,"page":3671},{"title":"(٥٦) باب فضائل أبي دجانة سماك بن خرشة، وعبد الله بن عمرو بن حرام","level":2,"page":3674},{"title":"(٥٧) باب فضائل جليبيب","level":2,"page":3677},{"title":"(٥٨) باب فضائل أبي ذر الغفاري","level":2,"page":3679},{"title":"(٥٩) باب فضائل جرير بن عبد الله ﵁","level":2,"page":3691},{"title":"(٦٠) باب فضائل عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر","level":2,"page":3694},{"title":"(٦١) باب فضائل أنس بن مالك","level":2,"page":3699},{"title":"(٦٢) باب فضائل عبد الله بن سلام","level":2,"page":3702},{"title":"(٦٣) باب فضائل حسان بن ثابت","level":2,"page":3706},{"title":"(٦٤) باب فضائل أبي هريرة ﵁","level":2,"page":3723},{"title":"(٦٥) باب قصة حاطب بن أبي بلتعة وفضل أهل بدر وأصحاب الشجرة","level":2,"page":3727},{"title":"(٦٦) باب في فضائل أبي موسى الأشعري والأشعريين","level":2,"page":3734},{"title":"(٦٧) باب فضائل أبي سفيان بن حرب - ﵁ -","level":2,"page":3742},{"title":"(٦٨) باب فضائل جعفر بن أبي طالب وأسماء بنت عميس وأصحاب السفينة","level":2,"page":3746},{"title":"(٦٩) باب فضائل سلمان وصهيب - ﵄ -","level":2,"page":3751},{"title":"(٧٠) باب فضائل الأنصار - ﵃ -","level":2,"page":3755},{"title":"(٧١) باب خير دور الأنصار - ﵃ -","level":2,"page":3759},{"title":"(٧٢) باب دعاء النبي ﷺ لغفار وأسلم","level":2,"page":3760},{"title":"(٧٣) باب فضل مزينة وجهينة وأشجع وبني عبد الله","level":2,"page":3762},{"title":"(٧٤) باب ما ذكر في طيئ ودوس","level":2,"page":3764},{"title":"(٧٥) باب ما ذكر في بني تميم","level":2,"page":3765},{"title":"(٧٦) باب خيار الناس","level":2,"page":3766},{"title":"(٧٧) باب ما ورد في نساء قريش","level":2,"page":3767},{"title":"(٧٨) باب في المؤاخاة التي كانت بين المهاجرين والأنصار.","level":2,"page":3768},{"title":"(٧٩) باب قول النبي ﷺ: أنا أمنة لأصحابي وأصحابي أمنة لأمتي","level":2,"page":3773},{"title":"(٨٠) باب خير القرون قرن الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم","level":2,"page":3774},{"title":"(٨١) باب وجوب احترام أصحاب النبي ﷺ والنهي عن سبهم","level":2,"page":3781},{"title":"(٨٢) باب ما ذكر في فضل أويس القرني - ﵁ -","level":2,"page":3784},{"title":"(٨٣) باب ما ذكر في مصر وأهلها وفي عمان","level":2,"page":3788},{"title":"(٨٤) باب في ثقيف كذاب ومبير","level":2,"page":3791},{"title":"(٨٥) باب ما ذكر في فارس","level":2,"page":3794},{"title":"(٨٦) باب","level":2,"page":3795},{"title":"(٣٤) كتاب البر والصلة","level":1,"page":3797},{"title":"(١) باب في بر الوالدين وما للأم من البر","level":2,"page":3797},{"title":"(٢) باب ما يتقى من دعاء الأم","level":2,"page":3800},{"title":"(٣) باب المبالغة في بر الوالدين عند الكبر وبر أهل ودهما","level":2,"page":3807},{"title":"(٤) باب في البر والإثم","level":2,"page":3810},{"title":"(٥) باب في وجوب صلة الرحم وثوابها","level":2,"page":3813},{"title":"(٦) باب النهي عن التحاسد والتدابر والتباغض وإلى كم تجوز الهجرة؟","level":2,"page":3820},{"title":"(٧) باب النهي عن التجسس والتنافس والظن السيئ وما يحرم على المسلم من المسلم","level":2,"page":3823},{"title":"(٨) باب لا يغفر للمتشاحنين حتى يصطلحا","level":2,"page":3828},{"title":"(٩) باب التحاب والتزاور في الله ﷿","level":2,"page":3830},{"title":"(١٠) باب في ثواب المرضى وذوي الآفات إذا صبروا","level":2,"page":3833},{"title":"(١١) باب الترغيب في عيادة المرضى وفعل الخير","level":2,"page":3838},{"title":"(١٢) باب تحريم الظلم والتحذير منه وأخذ الظالم","level":2,"page":3841},{"title":"(١٣) باب الأخذ على يد الظالم ونصر المظلوم","level":2,"page":3847},{"title":"(١٤) باب من استطال حقوق الناس اقتص من حسناته يوم القيامة","level":2,"page":3849},{"title":"(١٥) باب النهي عن دعوى الجاهلية","level":2,"page":3850},{"title":"(١٦) باب مثل المؤمنين","level":2,"page":3854},{"title":"(١٧) باب تحريم السباب والغيبة ومن تجوز غيبته","level":2,"page":3855},{"title":"(١٨) باب الترغيب في العفو والستر على المسلم","level":2,"page":3863},{"title":"(١٩) باب الحث على الرفق ومن حرمه حرم الخير","level":2,"page":3865},{"title":"(٢٠) باب لا ينبغي للمؤمن أن يكون لعانا والتغليظ على من لعن بهيمة","level":2,"page":3868},{"title":"(٢١) باب لم يبعث النبي ﷺ لعانا وإنما بعث رحمة، وما جاء من أن دعاءه على المسلم أو سبه له طهور وزكاة ورحمة","level":2,"page":3871},{"title":"(٢٢) باب ما ذكر في ذي الوجهين وفي النميمة","level":2,"page":3878},{"title":"(٢٣) باب الأمر بالصدق والتحذير عن الكذب وما يباح منه","level":2,"page":3879},{"title":"(٢٤) باب ما يقال عند الغضب ومدح من يملك نفسه عنده","level":2,"page":3883},{"title":"(٢٥) باب النهي عن ضرب الوجه وفي وعيد الذين يعذبون الناس","level":2,"page":3886},{"title":"(٢٦) باب النهي أن يشير الرجل بالسلاح على أخيه والأمر بإمساك السلاح بنصولها","level":2,"page":3889},{"title":"(٢٧) باب ثواب من نحى الأذى عن طريق المسلمين","level":2,"page":3892},{"title":"(٢٨) باب عذبت امرأة في هرة","level":2,"page":3894},{"title":"(٢٩) باب في عذاب المتكبر والمتألي على الله، وإثم من قال: هلك الناس، ومدح المتواضع الخامل","level":2,"page":3895},{"title":"(٣٠) باب الوصية بالجار وتعاهده بالإحسان","level":2,"page":3899},{"title":"(٣١) باب فضل السعي على الأرملة وكفالة اليتيم","level":2,"page":3902},{"title":"(٣٢) باب التحذير من الرياء والسمعة ومن كثرة الكلام ومن الإجهار","level":2,"page":3904},{"title":"(٣٣) باب تغليظ عقوبة من أمر بمعروف ولم يأته ونهى عن المنكر وأتاه","level":2,"page":3908},{"title":"(٣٤) باب في تشميت العاطس إذا حمد الله تعالى","level":2,"page":3911},{"title":"(٣٥) باب في التثاؤب وكظمه","level":2,"page":3914},{"title":"(٣٦) باب كراهية المدح وفي حثو التراب في وجوه المداحين","level":2,"page":3916},{"title":"(٣٧) باب ما جاء أن أمر المسلم كله له خير ولا يلدغ من جحر مرتين","level":2,"page":3919},{"title":"(٣٨) باب اشفعوا تؤجروا ومثل الجليس الصالح والسيئ","level":2,"page":3921},{"title":"(٣٩) باب ثواب من ابتلي بشيء من البنات وأحسن إليهن","level":2,"page":3925},{"title":"(٤٠) باب من يموت له شيء من الولد فيحتسبهم","level":2,"page":3927},{"title":"(٤١) باب إذا أحب الله عبدا حببه إلى عباده والأرواح أجناد","level":2,"page":3932},{"title":"(٤٢) باب المرء مع من أحب وفي الثناء على الرجل الصالح","level":2,"page":3935},{"title":"(٣٥) كتاب القدر","level":1,"page":3938},{"title":"(١) باب في كيفية خلق ابن آدم","level":2,"page":3938},{"title":"(٢) باب السعيد سعيد في بطن أمه والشقي شقي في بطن أمه","level":2,"page":3943},{"title":"(٣) باب كل ميسر لما خلق له","level":2,"page":3946},{"title":"(٤) باب في قوله تعالى: ﴿ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها﴾","level":2,"page":3950},{"title":"(٥) باب الأعمال بالخواتيم","level":2,"page":3953},{"title":"(٦) باب محاجة آدم موسى ﵉","level":2,"page":3954},{"title":"(٧) باب كتب الله المقادير قبل الخلق وكل شيء بقدر","level":2,"page":3957},{"title":"(٨) باب تصريف الله تعالى القلوب وكتب على ابن آدم حظه من الزنا","level":2,"page":3961},{"title":"(٩) باب كل مولود يولد على الفطرة وما جاء في أولاد المشركين وغيرهم، وفي الغلام الذي قتله الخضر","level":2,"page":3964},{"title":"(١٠) باب الآجال محدودة والأرزاق مقسومة","level":2,"page":3969},{"title":"(١١) باب الأمر بالتقوى والحرص على ما ينفع وترك التفاخر","level":2,"page":3971},{"title":"(٣٦) كتاب العلم","level":1,"page":3973},{"title":"(١) باب فضل من تعلم وتفقه في القرآن","level":2,"page":3973},{"title":"(٢) باب كراهة الخصومة في الدين والغلو في التأويل والتحذير من اتباع الأهواء","level":2,"page":3978},{"title":"(٣) باب كيفية التفقه في كتاب الله والتحذير من اتباع ما تشابه منه وعن المماراة فيه","level":2,"page":3984},{"title":"(٤) باب إثم من طلب العلم لغير الله","level":2,"page":3989},{"title":"(٥) باب طرح العالم المسألة على أصحابه ليختبرهم والتخول بالموعظة والعلم خوف الملل","level":2,"page":3990},{"title":"(٦) باب النهي عن أن يكتب عن النبي ﷺ شيء غير القرآن ونسخ ذلك","level":2,"page":3992},{"title":"(٧) باب في رفع العلم وظهور الجهل","level":2,"page":3993},{"title":"(٨) باب في كيفية رفع العلم","level":2,"page":3996},{"title":"(٩) باب ثواب من دعا إلى الهدى أو سن سنة حسنة","level":2,"page":3996},{"title":"(١٠) باب تقليل الحديث حال الرواية وتبيانه","level":2,"page":3998},{"title":"(١١) باب تعليم الجاهل","level":2,"page":3999},{"title":"(١٢) باب إقرار النبي ﷺ حجة","level":2,"page":4002},{"title":"(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات","level":1,"page":4003},{"title":"(١) باب الترغيب في ذكر الله تعالى","level":2,"page":4003},{"title":"(٢) باب فضل مجالس الذكر والاستغفار","level":2,"page":4009},{"title":"(٣) باب فضل إحصاء أسماء الله تعالى","level":2,"page":4012},{"title":"(٤) باب فضل قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له","level":2,"page":4017},{"title":"(٥) باب فضل التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير","level":2,"page":4020},{"title":"(٦) باب يذكر الله تعالى بوقار وتعظيم وفضل لا حول ولا قوة إلا بالله","level":2,"page":4023},{"title":"(٧) باب تجديد الاستغفار والتوبة في اليوم مائة مرة","level":2,"page":4024},{"title":"(٨) باب ليحقق الداعي طلبته وليعزم في دعائه","level":2,"page":4027},{"title":"(٩) باب في أكثر ما كان يدعو به النبي ﷺ","level":2,"page":4028},{"title":"(١٠) باب ما يدعى به وما يتعوذ منه","level":2,"page":4030},{"title":"(١١) باب ما يقول إذا نزل منزلا وإذا أمسى","level":2,"page":4034},{"title":"(١٢) باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع وما بعد ذلك","level":2,"page":4035},{"title":"(١٣) باب مجموعة أدعية كان النبي ﷺ يدعو بها","level":2,"page":4043},{"title":"(١٤) باب: ما يقال عند الصباح وعند المساء","level":2,"page":4049},{"title":"(١٥) باب كثرة ثواب الدعوات الجوامع وما جاء في أن الداعي يستحضر معاني دعواته في قلبه","level":2,"page":4050},{"title":"(١٦) باب التسلي عند الفاقات بالأذكار وما يدعى به عند الكرب","level":2,"page":4052},{"title":"(١٧) باب ما يقال عند صراخ الديكة ونهيق الحمير","level":2,"page":4055},{"title":"(١٨) باب أحب الكلام إلى الله تعالى","level":2,"page":4056},{"title":"(١٩) باب ما يقال عند الأكل والشرب والدعاء للمسلم بظهر الغيب","level":2,"page":4058},{"title":"(٢٠) باب يستجاب للعبد ما لم يعجل أو يدعو بإثم","level":2,"page":4060},{"title":"(٢١) باب الدعاء بصالح ما عمل من الأعمال","level":2,"page":4062},{"title":"(٢٢) باب فضل الدوام على الذكر","level":2,"page":4064},{"title":"(٣٨) كتاب الرقاق","level":1,"page":4067},{"title":"(١) باب وجوب التوبة وفضلها","level":2,"page":4067},{"title":"(٢) باب ما يخاف من عقاب الله على المعاصي","level":2,"page":4072},{"title":"(٣) باب في رجاء مغفرة الله تعالى وسعة رحمته","level":2,"page":4077},{"title":"(٤) باب من عاد إلى الذنب فليعد إلى الاستغفار","level":2,"page":4083},{"title":"(٥) باب في قوله تعالى: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾","level":2,"page":4085},{"title":"(٦) باب لا ييأس من قبول التوبة ولو قتل مائة نفس","level":2,"page":4087},{"title":"(٧) باب يهجر من ظهرت معصيته حتى تتحقق توبته وقبول الله تعالى للتوبة الصادقة وكيف تكون أحوال التائب","level":2,"page":4092},{"title":"(٨) باب تقبل التوبة ما لم تطلع الشمس من مغربها","level":2,"page":4103},{"title":"(٣٩) كتاب الزهد","level":1,"page":4105},{"title":"(١) باب هوان الدنيا على الله تعالى وأنها سجن المؤمن","level":2,"page":4105},{"title":"(٢) باب ما للعبد من ماله وما الذي يبقى عليه في قبره","level":2,"page":4108},{"title":"(٣) باب ما يحذر من بسط الدنيا ومن التنافس","level":2,"page":4110},{"title":"(٤) باب لا تنظر إلى من فضل الله عليك في الدنيا وانظر إلى من فضلت عليه","level":2,"page":4113},{"title":"(٥) باب في الابتلاء بالدنيا وكيف يعمل فيها","level":2,"page":4114},{"title":"(٦) باب الخمول في الدنيا والتقلل منها","level":2,"page":4117},{"title":"(٧) باب التزهيد في الدنيا والاجتزاء في الملبس والمطعم باليسير الخشن","level":2,"page":4120},{"title":"(٨) باب ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل الإصبع في اليم وما جاء أن المؤمن فيه كخامة الزرع","level":2,"page":4123},{"title":"(٩) باب شدة عيش النبي ﷺ وقوله: اللهم اجعل رزق آل محمد كفافا","level":2,"page":4125},{"title":"(١٠) باب سبق فقراء المهاجرين إلى الجنة، ومن الفقير السابق","level":2,"page":4129},{"title":"(١١) باب كرامة من قنع بالكفاف وتصدق بالفضل","level":2,"page":4135},{"title":"(١٢) باب الاجتهاد في العبادة والدوام على ذلك، ولن ينجي أحدا منكم عمله","level":2,"page":4136},{"title":"(١٣) باب في التواضع","level":2,"page":4138},{"title":"(٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده","level":1,"page":4140},{"title":"(١) باب الأمر بحسن الظن بالله عند الموت وما جاء: أن كل عبد يبعث على ما مات عليه","level":2,"page":4140},{"title":"(٢) باب إذا مات المرء عرض عليه مقعده وما جاء في عذاب القبر","level":2,"page":4142},{"title":"(٣) باب سؤال الملكين للعبد حين يوضع في القبر وقوله تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾","level":2,"page":4145},{"title":"(٤) باب في أرواح المؤمنين وأرواح الكافرين","level":2,"page":4147},{"title":"(٥) باب ما جاء أن الميت ليسمع ما يقال","level":2,"page":4148},{"title":"(٦) باب في الحشر وكيفيته","level":2,"page":4150},{"title":"(٧) باب دنو الشمس من الخلائق في المحشر وكونهم في العرق على قدر أعمالهم","level":2,"page":4153},{"title":"(٨) باب في المحاسبة ومن نوقش هلك","level":2,"page":4155},{"title":"(٩) باب حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات وصفة أهل الجنة وصفة أهل النار","level":2,"page":4159},{"title":"(١٠) باب في صفة الجنة وما أعد الله فيها","level":2,"page":4170},{"title":"(١١) باب في غرف الجنة وتربتها وأسواقها","level":2,"page":4173},{"title":"(١٢) باب في الجنة أكل وشرب ونكاح حقيقة ولا قذر فيها ولا نقص","level":2,"page":4177},{"title":"(١٣) باب في حسن صورة أهل الجنة وطولهم وشبابهم وثيابهم وأن كل ما في الجنة دائم لا يفنى","level":2,"page":4181},{"title":"(١٤) باب في خيام الجنة وما في الدنيا من أنهار الجنة","level":2,"page":4183},{"title":"(١٥) باب في صفة جهنم وحرها وأهوالها وبعد قعرها، أعاذنا الله منها","level":2,"page":4184},{"title":"(١٦) باب تعظيم جسد الكافر وتوزيع العذاب بحسب أعمال الأعضاء","level":2,"page":4186},{"title":"(١٧) باب ذبح الموت وخلود أهل الجنة وأهل النار","level":2,"page":4188},{"title":"(١٨) باب محاجة الجنة والنار","level":2,"page":4190},{"title":"(١٩) باب شهادة أركان الكافر عليه يوم القيامة وكيف يحشر","level":2,"page":4194},{"title":"(٢٠) باب أكثر أهل الجنة وأكثر أهل النار","level":2,"page":4198},{"title":"(٢١) باب لكل مسلم فداء من النار من الكفار","level":2,"page":4198},{"title":"(٢٢) باب آخر من يخرج من النار وآخر من يدخل الجنة وما لأدنى أهل الجنة منزلة وما لأعلاهم","level":2,"page":4200},{"title":"(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة","level":1,"page":4204},{"title":"(١) باب إقبال الفتن ونزولها كمواقع القطر ومن أين تجيء","level":2,"page":4204},{"title":"(٢) باب الفرار من الفتن وكسر السلاح فيها وما جاء: أن القاتل والمقتول في النار","level":2,"page":4209},{"title":"(٣) باب لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، وحتى يكثر الهرج وجعل بأس هذه الأمة بينها","level":2,"page":4213},{"title":"(٤) باب إخبار النبي ﷺ بما يكون إلى قيام الساعة","level":2,"page":4218},{"title":"(٥) باب في الفتنة التي تموج موج البحر وفي ثلاث فتن لا يكدن يذرن شيئا","level":2,"page":4220},{"title":"(٦) باب ما فتح من ردم يأجوج ومأجوج، ويغزو البيت جيش فيخسف به","level":2,"page":4223},{"title":"(٧) باب لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب، وحتى يمنع أهل العراق ومصر والشام ما عليهم","level":2,"page":4226},{"title":"(٨) باب لا تقوم الساعة حتى تفتح قسطنطينية، وتكون ملحمة عظيمة، ويخرج الدجال ويقتله عيسى ابن مريم.","level":2,"page":4229},{"title":"(٩) باب تقوم الساعة والروم أكثر الناس وما يفتح للمسلمين مع ذلك","level":2,"page":4233},{"title":"(١٠) باب الآيات العشر التي تكون قبل الساعة وبيان أولها","level":2,"page":4236},{"title":"(١١) باب: أمور تكون بين يدي الساعة","level":2,"page":4239},{"title":"(١٢) باب الخليفة الكائن في آخر الزمان وفيمن يهلك أمة النبي ﷺ وتقتل عمارا الفئة الباغية وإخماد الفتنة الباغية ولتفنى كنوز كسرى في سبيل الله","level":2,"page":4250},{"title":"(١٣) باب ما ذكر من أن ابن صياد: الدجال","level":2,"page":4260},{"title":"(١٤) باب في صفة الدجال وما يجيء معه من الفتن","level":2,"page":4271},{"title":"(١٥) باب: في هوان الدجال على الله تعالى وأنه لا يدخل مكة والمدينة ومن يتبعه من اليهود","level":2,"page":4290},{"title":"(١٦) باب حديث الجساسة وما فيه من ذكر الدجال","level":2,"page":4292},{"title":"(١٧) باب كيف يكون انقراض هذا الخلق وتقريب الساعة وكم بين النفختين","level":2,"page":4299},{"title":"(١٨) باب المبادرة بالعمل الصالح والفتن وفضل العبادة في الهرج","level":2,"page":4306},{"title":"(١٩) باب إغراء الشيطان بالفتن","level":2,"page":4308},{"title":"(٢٠) باب في قوله ﵊: لتتبعن سنن الذين من قبلكم، وهلك المتنطعون آخر الفتن","level":2,"page":4309},{"title":"(٤٢) كتاب التفسير","level":1,"page":4312},{"title":"(١) باب من فاتحة الكتاب","level":2,"page":4312},{"title":"(٢) ومن سورة البقرة","level":2,"page":4313},{"title":"(٣) ومن سورة آل عمران","level":2,"page":4321},{"title":"(٤) ومن سورة النساء","level":2,"page":4323},{"title":"(٥) ومن سورة العقود","level":2,"page":4337},{"title":"(٦) ومن سورة الأنعام","level":2,"page":4340},{"title":"(٧) ومن سورة الأعراف","level":2,"page":4344},{"title":"(٨) ومن سورة الأنفال وبراءة","level":2,"page":4345},{"title":"(٩) ومن سورة إبراهيم","level":2,"page":4348},{"title":"(١٠) ومن سورة الحجر","level":2,"page":4352},{"title":"(١١) ومن سورة الإسراء","level":2,"page":4354},{"title":"(١٢) ومن سورة الكهف","level":2,"page":4357},{"title":"(١٣) ومن سورة مريم","level":2,"page":4359},{"title":"(١٤) ومن سورة الأنبياء","level":2,"page":4360},{"title":"(١٥) ومن سورة الحج","level":2,"page":4361},{"title":"(١٦) ومن سورة النور","level":2,"page":4363},{"title":"(١٧) ومن سورة الفرقان","level":2,"page":4380},{"title":"(١٨) ومن سورة الشعراء","level":2,"page":4382},{"title":"(١٩) ومن سورة: الم السجدة","level":2,"page":4385},{"title":"(٢٠) ومن سورة الأحزاب","level":2,"page":4386},{"title":"(٢١) ومن سورة تنزيل","level":2,"page":4387},{"title":"(٢٢) ومن سورة حم السجدة","level":2,"page":4392},{"title":"(٢٣) ومن سورة الدخان","level":2,"page":4393},{"title":"(٢٤) ومن سورة الحجرات","level":2,"page":4396},{"title":"(٢٥) ومن سورة ق","level":2,"page":4399},{"title":"(٢٦) ومن سورة القمر","level":2,"page":4401},{"title":"(٢٧) ومن سورة الحديد والحشر","level":2,"page":4404},{"title":"(٢٨) ومن سورة المنافقين","level":2,"page":4406},{"title":"(٢٩) باب: من أخبار المنافقين","level":2,"page":4409},{"title":"(٣٠) ومن سورة التحريم","level":2,"page":4412},{"title":"(٣١) ومن سورة الجن","level":2,"page":4416},{"title":"(٣٢) ومن سورة المدثر","level":2,"page":4420},{"title":"(٣٣) ومن سورة القيامة","level":2,"page":4421},{"title":"(٣٤) ومن سورة الأخدود","level":2,"page":4422},{"title":"(٣٥) ومن سورة الشمس وضحاها","level":2,"page":4427},{"title":"(٣٦) ومن سورة الليل","level":2,"page":4428},{"title":"(٣٧) ومن سورة الضحى","level":2,"page":4429},{"title":"(٣٨) ومن سورة اقرأ باسم ربك","level":2,"page":4431},{"title":"(٣٩) ومن سورة النصر","level":2,"page":4434}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":29,"1,31":30,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,36":35,"1,37":36,"1,38":37,"1,39":38,"1,40":39,"1,41":40,"1,43":41,"1,44":42,"1,45":43,"1,46":44,"1,47":45,"1,48":46,"1,49":47,"1,50":48,"1,51":49,"1,52":50,"1,53":51,"1,54":52,"1,55":53,"1,56":54,"1,57":55,"1,58":56,"1,59":57,"1,60":58,"1,61":59,"1,62":60,"1,63":61,"1,64":62,"1,65":63,"1,66":64,"1,67":65,"1,68":66,"1,69":67,"1,70":68,"1,71":69,"1,72":70,"1,73":71,"1,74":72,"1,75":73,"1,76":74,"1,77":75,"1,78":76,"1,79":77,"1,80":78,"1,83":79,"1,84":80,"1,85":81,"1,86":82,"1,87":83,"1,88":84,"1,89":85,"1,90":86,"1,91":87,"1,92":88,"1,93":89,"1,94":90,"1,95":91,"1,96":92,"1,97":93,"1,98":94,"1,99":95,"1,100":96,"1,101":97,"1,102":98,"1,103":99,"1,104":100,"1,105":101,"1,107":102,"1,108":103,"1,109":104,"1,110":105,"1,111":106,"1,112":107,"1,113":108,"1,114":109,"1,115":110,"1,116":111,"1,117":112,"1,118":113,"1,119":114,"1,120":115,"1,121":116,"1,122":117,"1,123":118,"1,124":119,"1,125":120,"1,126":121,"1,127":122,"1,128":123,"1,129":124,"1,131":125,"1,132":126,"1,133":127,"1,134":128,"1,135":129,"1,136":130,"1,137":131,"1,138":132,"1,139":133,"1,140":134,"1,141":135,"1,142":136,"1,143":137,"1,144":138,"1,145":139,"1,146":140,"1,147":141,"1,148":142,"1,149":143,"1,150":144,"1,151":145,"1,152":146,"1,153":147,"1,154":148,"1,155":149,"1,156":150,"1,157":151,"1,158":152,"1,159":153,"1,160":154,"1,161":155,"1,162":156,"1,163":157,"1,164":158,"1,165":159,"1,166":160,"1,167":161,"1,168":162,"1,169":163,"1,170":164,"1,171":165,"1,172":166,"1,173":167,"1,174":168,"1,175":169,"1,176":170,"1,177":171,"1,178":172,"1,179":173,"1,180":174,"1,181":175,"1,182":176,"1,183":177,"1,184":178,"1,185":179,"1,186":180,"1,187":181,"1,188":182,"1,189":183,"1,190":184,"1,191":185,"1,192":186,"1,193":187,"1,194":188,"1,195":189,"1,196":190,"1,197":191,"1,198":192,"1,199":193,"1,200":194,"1,201":195,"1,202":196,"1,203":197,"1,204":198,"1,205":199,"1,206":200,"1,207":201,"1,208":202,"1,209":203,"1,210":204,"1,211":205,"1,212":206,"1,213":207,"1,214":208,"1,215":209,"1,216":210,"1,217":211,"1,218":212,"1,219":213,"1,220":214,"1,221":215,"1,222":216,"1,223":217,"1,224":218,"1,225":219,"1,226":220,"1,227":221,"1,228":222,"1,229":223,"1,230":224,"1,231":225,"1,232":226,"1,233":227,"1,234":228,"1,235":229,"1,236":230,"1,237":231,"1,238":232,"1,239":233,"1,240":234,"1,241":235,"1,242":236,"1,243":237,"1,244":238,"1,245":239,"1,246":240,"1,247":241,"1,248":242,"1,249":243,"1,250":244,"1,251":245,"1,252":246,"1,253":247,"1,254":248,"1,255":249,"1,256":250,"1,257":251,"1,258":252,"1,259":253,"1,260":254,"1,261":255,"1,262":256,"1,263":257,"1,264":258,"1,265":259,"1,266":260,"1,267":261,"1,268":262,"1,269":263,"1,270":264,"1,271":265,"1,272":266,"1,273":267,"1,274":268,"1,275":269,"1,276":270,"1,277":271,"1,278":272,"1,279":273,"1,280":274,"1,281":275,"1,282":276,"1,283":277,"1,284":278,"1,285":279,"1,286":280,"1,287":281,"1,288":282,"1,289":283,"1,290":284,"1,291":285,"1,292":286,"1,293":287,"1,294":288,"1,295":289,"1,296":290,"1,297":291,"1,298":292,"1,299":293,"1,300":294,"1,301":295,"1,302":296,"1,303":297,"1,304":298,"1,305":299,"1,306":300,"1,307":301,"1,308":302,"1,309":303,"1,310":304,"1,311":305,"1,312":306,"1,313":307,"1,314":308,"1,315":309,"1,316":310,"1,317":311,"1,318":312,"1,319":313,"1,320":314,"1,321":315,"1,322":316,"1,323":317,"1,324":318,"1,325":319,"1,326":320,"1,327":321,"1,328":322,"1,329":323,"1,330":324,"1,331":325,"1,332":326,"1,333":327,"1,334":328,"1,335":329,"1,336":330,"1,337":331,"1,338":332,"1,339":333,"1,340":334,"1,341":335,"1,342":336,"1,343":337,"1,344":338,"1,345":339,"1,346":340,"1,347":341,"1,348":342,"1,349":343,"1,350":344,"1,351":345,"1,352":346,"1,353":347,"1,354":348,"1,355":349,"1,356":350,"1,357":351,"1,358":352,"1,359":353,"1,360":354,"1,361":355,"1,362":356,"1,363":357,"1,364":358,"1,365":359,"1,366":360,"1,367":361,"1,368":362,"1,369":363,"1,370":364,"1,371":365,"1,372":366,"1,373":367,"1,374":368,"1,375":369,"1,376":370,"1,377":371,"1,378":372,"1,379":373,"1,380":374,"1,381":375,"1,382":376,"1,383":377,"1,384":378,"1,385":379,"1,386":380,"1,387":381,"1,388":382,"1,389":383,"1,390":384,"1,391":385,"1,392":386,"1,393":387,"1,394":388,"1,395":389,"1,396":390,"1,397":391,"1,398":392,"1,399":393,"1,400":394,"1,401":395,"1,402":396,"1,403":397,"1,404":398,"1,405":399,"1,406":400,"1,407":401,"1,408":402,"1,409":403,"1,410":404,"1,411":405,"1,412":406,"1,413":407,"1,414":408,"1,415":409,"1,416":410,"1,417":411,"1,418":412,"1,419":413,"1,420":414,"1,421":415,"1,422":416,"1,423":417,"1,424":418,"1,425":419,"1,426":420,"1,427":421,"1,428":422,"1,429":423,"1,430":424,"1,431":425,"1,432":426,"1,433":427,"1,434":428,"1,435":429,"1,436":430,"1,437":431,"1,438":432,"1,439":433,"1,440":434,"1,441":435,"1,442":436,"1,443":437,"1,444":438,"1,445":439,"1,446":440,"1,447":441,"1,448":442,"1,449":443,"1,450":444,"1,451":445,"1,452":446,"1,453":447,"1,454":448,"1,455":449,"1,456":450,"1,457":451,"1,458":452,"1,459":453,"1,460":454,"1,461":455,"1,462":456,"1,463":457,"1,464":458,"1,465":459,"1,466":460,"1,467":461,"1,468":462,"1,469":463,"1,470":464,"1,471":465,"1,472":466,"1,473":467,"1,474":468,"1,475":469,"1,476":470,"1,477":471,"1,478":472,"1,479":473,"1,480":474,"1,481":475,"1,482":476,"1,483":477,"1,484":478,"1,485":479,"1,486":480,"1,487":481,"1,488":482,"1,489":483,"1,490":484,"1,491":485,"1,492":486,"1,493":487,"1,494":488,"1,495":489,"1,496":490,"1,497":491,"1,498":492,"1,499":493,"1,500":494,"1,501":495,"1,502":496,"1,503":497,"1,504":498,"1,505":499,"1,506":500,"1,507":501,"1,508":502,"1,509":503,"1,510":504,"1,511":505,"1,512":506,"1,513":507,"1,514":508,"1,515":509,"1,516":510,"1,517":511,"1,518":512,"1,519":513,"1,520":514,"1,521":515,"1,522":516,"1,523":517,"1,524":518,"1,525":519,"1,526":520,"1,527":521,"1,528":522,"1,529":523,"1,530":524,"1,531":525,"1,532":526,"1,533":527,"1,534":528,"1,535":529,"1,536":530,"1,537":531,"1,538":532,"1,539":533,"1,540":534,"1,541":535,"1,542":536,"1,543":537,"1,544":538,"1,545":539,"1,546":540,"1,547":541,"1,548":542,"1,549":543,"1,550":544,"1,551":545,"1,552":546,"1,553":547,"1,554":548,"1,555":549,"1,556":550,"1,557":551,"1,558":552,"1,559":553,"1,560":554,"1,561":555,"1,562":556,"1,563":557,"1,564":558,"1,565":559,"1,566":560,"1,567":561,"1,568":562,"1,569":563,"1,570":564,"1,571":565,"1,572":566,"1,573":567,"1,574":568,"1,575":569,"1,576":570,"1,577":571,"1,578":572,"1,579":573,"1,580":574,"1,581":575,"1,582":576,"1,583":577,"1,584":578,"1,585":579,"1,586":580,"1,587":581,"1,588":582,"1,589":583,"1,590":584,"1,591":585,"1,592":586,"1,593":587,"1,594":588,"1,595":589,"1,596":590,"1,597":591,"1,598":592,"1,599":593,"1,600":594,"1,601":595,"1,602":596,"1,603":597,"1,604":598,"1,605":599,"1,606":600,"1,607":601,"1,608":602,"1,609":603,"1,610":604,"1,611":605,"1,612":606,"1,613":607,"1,614":608,"1,615":609,"1,616":610,"1,617":611,"1,618":612,"2,619":613,"2,5":614,"2,6":615,"2,7":616,"2,8":617,"2,9":618,"2,10":619,"2,11":620,"2,12":621,"2,13":622,"2,14":623,"2,15":624,"2,16":625,"2,17":626,"2,18":627,"2,19":628,"2,20":629,"2,21":630,"2,22":631,"2,23":632,"2,24":633,"2,25":634,"2,26":635,"2,27":636,"2,28":637,"2,29":638,"2,30":639,"2,31":640,"2,32":641,"2,33":642,"2,34":643,"2,35":644,"2,36":645,"2,37":646,"2,38":647,"2,39":648,"2,40":649,"2,41":650,"2,42":651,"2,43":652,"2,44":653,"2,45":654,"2,46":655,"2,47":656,"2,48":657,"2,49":658,"2,50":659,"2,51":660,"2,52":661,"2,53":662,"2,54":663,"2,55":664,"2,56":665,"2,57":666,"2,58":667,"2,59":668,"2,60":669,"2,61":670,"2,62":671,"2,63":672,"2,64":673,"2,65":674,"2,66":675,"2,67":676,"2,68":677,"2,69":678,"2,70":679,"2,71":680,"2,72":681,"2,73":682,"2,74":683,"2,75":684,"2,76":685,"2,77":686,"2,78":687,"2,79":688,"2,80":689,"2,81":690,"2,82":691,"2,83":692,"2,84":693,"2,85":694,"2,86":695,"2,87":696,"2,88":697,"2,89":698,"2,90":699,"2,91":700,"2,92":701,"2,93":702,"2,94":703,"2,95":704,"2,96":705,"2,97":706,"2,98":707,"2,99":708,"2,100":709,"2,101":710,"2,102":711,"2,103":712,"2,104":713,"2,105":714,"2,106":715,"2,107":716,"2,108":717,"2,109":718,"2,110":719,"2,111":720,"2,112":721,"2,113":722,"2,114":723,"2,115":724,"2,116":725,"2,117":726,"2,118":727,"2,119":728,"2,120":729,"2,121":730,"2,122":731,"2,123":732,"2,124":733,"2,125":734,"2,126":735,"2,127":736,"2,128":737,"2,129":738,"2,130":739,"2,131":740,"2,132":741,"2,133":742,"2,134":743,"2,135":744,"2,136":745,"2,137":746,"2,138":747,"2,139":748,"2,140":749,"2,141":750,"2,142":751,"2,143":752,"2,144":753,"2,145":754,"2,146":755,"2,147":756,"2,148":757,"2,149":758,"2,150":759,"2,151":760,"2,152":761,"2,153":762,"2,154":763,"2,155":764,"2,156":765,"2,157":766,"2,158":767,"2,159":768,"2,160":769,"2,161":770,"2,162":771,"2,163":772,"2,164":773,"2,165":774,"2,166":775,"2,167":776,"2,168":777,"2,169":778,"2,170":779,"2,171":780,"2,172":781,"2,173":782,"2,174":783,"2,175":784,"2,176":785,"2,177":786,"2,178":787,"2,179":788,"2,180":789,"2,181":790,"2,182":791,"2,183":792,"2,184":793,"2,185":794,"2,186":795,"2,187":796,"2,188":797,"2,189":798,"2,190":799,"2,191":800,"2,192":801,"2,193":802,"2,194":803,"2,195":804,"2,196":805,"2,197":806,"2,198":807,"2,199":808,"2,200":809,"2,201":810,"2,202":811,"2,203":812,"2,204":813,"2,205":814,"2,206":815,"2,207":816,"2,208":817,"2,209":818,"2,210":819,"2,211":820,"2,212":821,"2,213":822,"2,214":823,"2,215":824,"2,216":825,"2,217":826,"2,218":827,"2,219":828,"2,220":829,"2,221":830,"2,222":831,"2,223":832,"2,224":833,"2,225":834,"2,226":835,"2,227":836,"2,228":837,"2,229":838,"2,230":839,"2,231":840,"2,232":841,"2,233":842,"2,234":843,"2,235":844,"2,236":845,"2,237":846,"2,238":847,"2,239":848,"2,240":849,"2,241":850,"2,242":851,"2,243":852,"2,244":853,"2,245":854,"2,246":855,"2,247":856,"2,248":857,"2,249":858,"2,250":859,"2,251":860,"2,252":861,"2,253":862,"2,254":863,"2,255":864,"2,256":865,"2,257":866,"2,258":867,"2,259":868,"2,260":869,"2,261":870,"2,262":871,"2,263":872,"2,264":873,"2,265":874,"2,266":875,"2,267":876,"2,268":877,"2,269":878,"2,270":879,"2,271":880,"2,272":881,"2,273":882,"2,274":883,"2,275":884,"2,276":885,"2,277":886,"2,278":887,"2,279":888,"2,280":889,"2,281":890,"2,282":891,"2,283":892,"2,284":893,"2,285":894,"2,286":895,"2,287":896,"2,288":897,"2,289":898,"2,290":899,"2,291":900,"2,292":901,"2,293":902,"2,294":903,"2,295":904,"2,296":905,"2,297":906,"2,298":907,"2,299":908,"2,300":909,"2,301":910,"2,302":911,"2,303":912,"2,304":913,"2,305":914,"2,306":915,"2,307":916,"2,308":917,"2,309":918,"2,310":919,"2,311":920,"2,312":921,"2,313":922,"2,314":923,"2,315":924,"2,316":925,"2,317":926,"2,318":927,"2,319":928,"2,320":929,"2,321":930,"2,322":931,"2,323":932,"2,324":933,"2,325":934,"2,326":935,"2,327":936,"2,328":937,"2,329":938,"2,330":939,"2,331":940,"2,332":941,"2,333":942,"2,334":943,"2,335":944,"2,336":945,"2,337":946,"2,338":947,"2,339":948,"2,340":949,"2,341":950,"2,342":951,"2,343":952,"2,344":953,"2,345":954,"2,346":955,"2,347":956,"2,348":957,"2,349":958,"2,350":959,"2,351":960,"2,352":961,"2,353":962,"2,354":963,"2,355":964,"2,356":965,"2,357":966,"2,358":967,"2,359":968,"2,360":969,"2,361":970,"2,362":971,"2,363":972,"2,364":973,"2,365":974,"2,366":975,"2,367":976,"2,368":977,"2,369":978,"2,370":979,"2,371":980,"2,372":981,"2,373":982,"2,374":983,"2,375":984,"2,376":985,"2,377":986,"2,378":987,"2,379":988,"2,380":989,"2,381":990,"2,382":991,"2,383":992,"2,384":993,"2,385":994,"2,386":995,"2,387":996,"2,388":997,"2,389":998,"2,390":999,"2,391":1000,"2,392":1001,"2,393":1002,"2,394":1003,"2,395":1004,"2,396":1005,"2,397":1006,"2,398":1007,"2,399":1008,"2,400":1009,"2,401":1010,"2,402":1011,"2,403":1012,"2,404":1013,"2,405":1014,"2,406":1015,"2,407":1016,"2,408":1017,"2,409":1018,"2,410":1019,"2,411":1020,"2,412":1021,"2,413":1022,"2,414":1023,"2,415":1024,"2,416":1025,"2,417":1026,"2,418":1027,"2,419":1028,"2,420":1029,"2,421":1030,"2,422":1031,"2,423":1032,"2,424":1033,"2,425":1034,"2,426":1035,"2,427":1036,"2,428":1037,"2,429":1038,"2,430":1039,"2,431":1040,"2,432":1041,"2,433":1042,"2,434":1043,"2,435":1044,"2,436":1045,"2,437":1046,"2,438":1047,"2,439":1048,"2,440":1049,"2,441":1050,"2,442":1051,"2,443":1052,"2,444":1053,"2,445":1054,"2,446":1055,"2,447":1056,"2,448":1057,"2,449":1058,"2,450":1059,"2,451":1060,"2,452":1061,"2,453":1062,"2,454":1063,"2,455":1064,"2,456":1065,"2,457":1066,"2,458":1067,"2,459":1068,"2,460":1069,"2,461":1070,"2,462":1071,"2,463":1072,"2,464":1073,"2,465":1074,"2,466":1075,"2,467":1076,"2,468":1077,"2,469":1078,"2,470":1079,"2,471":1080,"2,472":1081,"2,473":1082,"2,474":1083,"2,475":1084,"2,476":1085,"2,477":1086,"2,478":1087,"2,479":1088,"2,480":1089,"2,481":1090,"2,482":1091,"2,483":1092,"2,484":1093,"2,485":1094,"2,486":1095,"2,487":1096,"2,488":1097,"2,489":1098,"2,490":1099,"2,491":1100,"2,492":1101,"2,493":1102,"2,494":1103,"2,495":1104,"2,496":1105,"2,497":1106,"2,498":1107,"2,499":1108,"2,500":1109,"2,501":1110,"2,502":1111,"2,503":1112,"2,504":1113,"2,505":1114,"2,506":1115,"2,507":1116,"2,508":1117,"2,509":1118,"2,510":1119,"2,511":1120,"2,512":1121,"2,513":1122,"2,514":1123,"2,515":1124,"2,516":1125,"2,517":1126,"2,518":1127,"2,519":1128,"2,520":1129,"2,521":1130,"2,522":1131,"2,523":1132,"2,524":1133,"2,525":1134,"2,526":1135,"2,527":1136,"2,528":1137,"2,529":1138,"2,530":1139,"2,531":1140,"2,532":1141,"2,533":1142,"2,534":1143,"2,535":1144,"2,536":1145,"2,537":1146,"2,538":1147,"2,539":1148,"2,540":1149,"2,541":1150,"2,542":1151,"2,543":1152,"2,544":1153,"2,545":1154,"2,546":1155,"2,547":1156,"2,548":1157,"2,549":1158,"2,550":1159,"2,551":1160,"2,552":1161,"2,553":1162,"2,554":1163,"2,555":1164,"2,556":1165,"2,557":1166,"2,558":1167,"2,559":1168,"2,560":1169,"2,561":1170,"2,562":1171,"2,563":1172,"2,564":1173,"2,565":1174,"2,566":1175,"2,567":1176,"2,568":1177,"2,569":1178,"2,570":1179,"2,571":1180,"2,572":1181,"2,573":1182,"2,574":1183,"2,575":1184,"2,576":1185,"2,577":1186,"2,578":1187,"2,579":1188,"2,580":1189,"2,581":1190,"2,582":1191,"2,583":1192,"2,584":1193,"2,585":1194,"2,586":1195,"2,587":1196,"2,588":1197,"2,589":1198,"2,590":1199,"2,591":1200,"2,592":1201,"2,593":1202,"2,594":1203,"2,595":1204,"2,596":1205,"2,597":1206,"2,598":1207,"2,599":1208,"2,600":1209,"2,601":1210,"2,602":1211,"2,603":1212,"2,604":1213,"2,605":1214,"2,606":1215,"2,607":1216,"2,608":1217,"2,609":1218,"2,610":1219,"2,611":1220,"2,612":1221,"2,613":1222,"2,614":1223,"2,615":1224,"2,616":1225,"2,617":1226,"2,618":1227,"2,620":1229,"2,621":1230,"2,622":1231,"2,623":1232,"2,624":1233,"2,625":1234,"2,626":1235,"2,627":1236,"2,628":1237,"2,629":1238,"2,630":1239,"2,631":1240,"2,632":1241,"2,633":1242,"2,634":1243,"2,635":1244,"2,636":1245,"2,637":1246,"2,638":1247,"2,639":1248,"2,640":1249,"2,641":1250,"2,642":1251,"2,643":1252,"3,644":1253,"3,5":1254,"3,6":1255,"3,7":1256,"3,8":1257,"3,9":1258,"3,10":1259,"3,11":1260,"3,12":1261,"3,13":1262,"3,14":1263,"3,15":1264,"3,16":1265,"3,17":1266,"3,18":1267,"3,19":1268,"3,20":1269,"3,21":1270,"3,22":1271,"3,23":1272,"3,24":1273,"3,25":1274,"3,26":1275,"3,27":1276,"3,28":1277,"3,29":1278,"3,30":1279,"3,31":1280,"3,32":1281,"3,33":1282,"3,34":1283,"3,35":1284,"3,36":1285,"3,37":1286,"3,38":1287,"3,39":1288,"3,40":1289,"3,41":1290,"3,42":1291,"3,43":1292,"3,44":1293,"3,45":1294,"3,46":1295,"3,47":1296,"3,48":1297,"3,49":1298,"3,50":1299,"3,51":1300,"3,52":1301,"3,53":1302,"3,54":1303,"3,55":1304,"3,56":1305,"3,57":1306,"3,58":1307,"3,59":1308,"3,60":1309,"3,61":1310,"3,62":1311,"3,63":1312,"3,64":1313,"3,65":1314,"3,66":1315,"3,67":1316,"3,68":1317,"3,69":1318,"3,70":1319,"3,71":1320,"3,72":1321,"3,73":1322,"3,74":1323,"3,75":1324,"3,76":1325,"3,77":1326,"3,78":1327,"3,79":1328,"3,80":1329,"3,81":1330,"3,82":1331,"3,83":1332,"3,84":1333,"3,85":1334,"3,86":1335,"3,87":1336,"3,88":1337,"3,89":1338,"3,90":1339,"3,91":1340,"3,92":1341,"3,93":1342,"3,94":1343,"3,95":1344,"3,96":1345,"3,97":1346,"3,98":1347,"3,99":1348,"3,100":1349,"3,101":1350,"3,102":1351,"3,103":1352,"3,104":1353,"3,105":1354,"3,106":1355,"3,107":1356,"3,108":1357,"3,109":1358,"3,110":1359,"3,111":1360,"3,112":1361,"3,113":1362,"3,114":1363,"3,115":1364,"3,116":1365,"3,117":1366,"3,118":1367,"3,119":1368,"3,120":1369,"3,121":1370,"3,122":1371,"3,123":1372,"3,124":1373,"3,125":1374,"3,126":1375,"3,127":1376,"3,128":1377,"3,129":1378,"3,130":1379,"3,131":1380,"3,132":1381,"3,133":1382,"3,134":1383,"3,135":1384,"3,136":1385,"3,137":1386,"3,138":1387,"3,139":1388,"3,140":1389,"3,141":1390,"3,142":1391,"3,143":1392,"3,144":1393,"3,145":1394,"3,146":1395,"3,147":1396,"3,148":1397,"3,149":1398,"3,150":1399,"3,151":1400,"3,152":1401,"3,153":1402,"3,154":1403,"3,155":1404,"3,156":1405,"3,157":1406,"3,158":1407,"3,159":1408,"3,160":1409,"3,161":1410,"3,162":1411,"3,163":1412,"3,164":1413,"3,165":1414,"3,166":1415,"3,167":1416,"3,168":1417,"3,169":1418,"3,170":1419,"3,171":1420,"3,172":1421,"3,173":1422,"3,174":1423,"3,175":1424,"3,176":1425,"3,177":1426,"3,178":1427,"3,179":1428,"3,180":1429,"3,181":1430,"3,182":1431,"3,183":1432,"3,184":1433,"3,185":1434,"3,186":1435,"3,187":1436,"3,188":1437,"3,189":1438,"3,190":1439,"3,191":1440,"3,192":1441,"3,193":1442,"3,194":1443,"3,195":1444,"3,196":1445,"3,197":1446,"3,198":1447,"3,199":1448,"3,200":1449,"3,201":1450,"3,202":1451,"3,203":1452,"3,204":1453,"3,205":1454,"3,206":1455,"3,207":1456,"3,208":1457,"3,209":1458,"3,210":1459,"3,211":1460,"3,212":1461,"3,213":1462,"3,214":1463,"3,215":1464,"3,216":1465,"3,217":1466,"3,218":1467,"3,219":1468,"3,220":1469,"3,221":1470,"3,222":1471,"3,223":1472,"3,224":1473,"3,225":1474,"3,226":1475,"3,227":1476,"3,228":1477,"3,229":1478,"3,230":1479,"3,231":1480,"3,232":1481,"3,233":1482,"3,234":1483,"3,235":1484,"3,236":1485,"3,237":1486,"3,238":1487,"3,239":1488,"3,240":1489,"3,241":1490,"3,242":1491,"3,243":1492,"3,244":1493,"3,245":1494,"3,246":1495,"3,247":1496,"3,248":1497,"3,249":1498,"3,250":1499,"3,251":1500,"3,252":1501,"3,253":1502,"3,254":1503,"3,255":1504,"3,256":1505,"3,257":1506,"3,258":1507,"3,259":1508,"3,260":1509,"3,261":1510,"3,262":1511,"3,263":1512,"3,264":1513,"3,265":1514,"3,266":1515,"3,267":1516,"3,268":1517,"3,269":1518,"3,270":1519,"3,271":1520,"3,272":1521,"3,273":1522,"3,274":1523,"3,275":1524,"3,276":1525,"3,277":1526,"3,278":1527,"3,279":1528,"3,280":1529,"3,281":1530,"3,282":1531,"3,283":1532,"3,284":1533,"3,285":1534,"3,286":1535,"3,287":1536,"3,288":1537,"3,289":1538,"3,290":1539,"3,291":1540,"3,292":1541,"3,293":1542,"3,294":1543,"3,295":1544,"3,296":1545,"3,297":1546,"3,298":1547,"3,299":1548,"3,300":1549,"3,301":1550,"3,302":1551,"3,303":1552,"3,304":1553,"3,305":1554,"3,306":1555,"3,307":1556,"3,308":1557,"3,309":1558,"3,310":1559,"3,311":1560,"3,312":1561,"3,313":1562,"3,314":1563,"3,315":1564,"3,316":1565,"3,317":1566,"3,318":1567,"3,319":1568,"3,320":1569,"3,321":1570,"3,322":1571,"3,323":1572,"3,324":1573,"3,325":1574,"3,326":1575,"3,327":1576,"3,328":1577,"3,329":1578,"3,330":1579,"3,331":1580,"3,332":1581,"3,333":1582,"3,334":1583,"3,335":1584,"3,336":1585,"3,337":1586,"3,338":1587,"3,339":1588,"3,340":1589,"3,341":1590,"3,342":1591,"3,343":1592,"3,344":1593,"3,345":1594,"3,346":1595,"3,347":1596,"3,348":1597,"3,349":1598,"3,350":1599,"3,351":1600,"3,352":1601,"3,353":1602,"3,354":1603,"3,355":1604,"3,356":1605,"3,357":1606,"3,358":1607,"3,359":1608,"3,360":1609,"3,361":1610,"3,362":1611,"3,363":1612,"3,364":1613,"3,365":1614,"3,366":1615,"3,367":1616,"3,368":1617,"3,369":1618,"3,370":1619,"3,371":1620,"3,372":1621,"3,373":1622,"3,374":1623,"3,375":1624,"3,376":1625,"3,377":1626,"3,378":1627,"3,379":1628,"3,380":1629,"3,381":1630,"3,382":1631,"3,383":1632,"3,384":1633,"3,385":1634,"3,386":1635,"3,387":1636,"3,388":1637,"3,389":1638,"3,390":1639,"3,391":1640,"3,392":1641,"3,393":1642,"3,394":1643,"3,395":1644,"3,396":1645,"3,397":1646,"3,398":1647,"3,399":1648,"3,400":1649,"3,401":1650,"3,402":1651,"3,403":1652,"3,404":1653,"3,405":1654,"3,406":1655,"3,407":1656,"3,408":1657,"3,409":1658,"3,410":1659,"3,411":1660,"3,412":1661,"3,413":1662,"3,414":1663,"3,415":1664,"3,416":1665,"3,417":1666,"3,418":1667,"3,419":1668,"3,420":1669,"3,421":1670,"3,422":1671,"3,423":1672,"3,424":1673,"3,425":1674,"3,426":1675,"3,427":1676,"3,428":1677,"3,429":1678,"3,430":1679,"3,431":1680,"3,432":1681,"3,433":1682,"3,434":1683,"3,435":1684,"3,436":1685,"3,437":1686,"3,438":1687,"3,439":1688,"3,440":1689,"3,441":1690,"3,442":1691,"3,443":1692,"3,444":1693,"3,445":1694,"3,446":1695,"3,447":1696,"3,448":1697,"3,449":1698,"3,450":1699,"3,451":1700,"3,452":1701,"3,453":1702,"3,454":1703,"3,455":1704,"3,456":1705,"3,457":1706,"3,458":1707,"3,459":1708,"3,460":1709,"3,461":1710,"3,462":1711,"3,463":1712,"3,464":1713,"3,465":1714,"3,466":1715,"3,467":1716,"3,468":1717,"3,469":1718,"3,470":1719,"3,471":1720,"3,472":1721,"3,473":1722,"3,474":1723,"3,475":1724,"3,476":1725,"3,477":1726,"3,478":1727,"3,479":1728,"3,480":1729,"3,481":1730,"3,482":1731,"3,483":1732,"3,484":1733,"3,485":1734,"3,486":1735,"3,487":1736,"3,488":1737,"3,489":1738,"3,490":1739,"3,491":1740,"3,492":1741,"3,493":1742,"3,494":1743,"3,495":1744,"3,496":1745,"3,497":1746,"3,498":1747,"3,499":1748,"3,500":1749,"3,501":1750,"3,502":1751,"3,503":1752,"3,504":1753,"3,505":1754,"3,506":1755,"3,507":1756,"3,508":1757,"3,509":1758,"3,510":1759,"3,511":1760,"3,512":1761,"3,513":1762,"3,514":1763,"3,515":1764,"3,516":1765,"3,517":1766,"3,518":1767,"3,519":1768,"3,520":1769,"3,521":1770,"3,522":1771,"3,523":1772,"3,524":1773,"3,525":1774,"3,526":1775,"3,527":1776,"3,528":1777,"3,529":1778,"3,530":1779,"3,531":1780,"3,532":1781,"3,533":1782,"3,534":1783,"3,535":1784,"3,536":1785,"3,537":1786,"3,538":1787,"3,539":1788,"3,540":1789,"3,541":1790,"3,542":1791,"3,543":1792,"3,544":1793,"3,545":1794,"3,546":1795,"3,547":1796,"3,548":1797,"3,549":1798,"3,550":1799,"3,551":1800,"3,552":1801,"3,553":1802,"3,554":1803,"3,555":1804,"3,556":1805,"3,557":1806,"3,558":1807,"3,559":1808,"3,560":1809,"3,561":1810,"3,562":1811,"3,563":1812,"3,564":1813,"3,565":1814,"3,566":1815,"3,567":1816,"3,568":1817,"3,569":1818,"3,570":1819,"3,571":1820,"3,572":1821,"3,573":1822,"3,574":1823,"3,575":1824,"3,576":1825,"3,577":1826,"3,578":1827,"3,579":1828,"3,580":1829,"3,581":1830,"3,582":1831,"3,583":1832,"3,584":1833,"3,585":1834,"3,586":1835,"3,587":1836,"3,588":1837,"3,589":1838,"3,590":1839,"3,591":1840,"3,592":1841,"3,593":1842,"3,594":1843,"3,595":1844,"3,596":1845,"3,597":1846,"3,598":1847,"3,599":1848,"3,600":1849,"3,601":1850,"3,602":1851,"3,603":1852,"3,604":1853,"3,605":1854,"3,606":1855,"3,607":1856,"3,608":1857,"3,609":1858,"3,610":1859,"3,611":1860,"3,612":1861,"3,613":1862,"3,614":1863,"3,615":1864,"3,616":1865,"3,617":1866,"3,618":1867,"3,619":1868,"3,620":1869,"3,621":1870,"3,622":1871,"3,623":1872,"3,624":1873,"3,625":1874,"3,626":1875,"3,627":1876,"3,628":1877,"3,629":1878,"3,630":1879,"3,631":1880,"3,632":1881,"3,633":1882,"3,634":1883,"3,635":1884,"3,636":1885,"3,637":1886,"3,638":1887,"3,639":1888,"3,640":1889,"3,641":1890,"3,642":1891,"3,643":1892,"3,645":1894,"3,646":1895,"3,647":1896,"3,648":1897,"3,649":1898,"3,650":1899,"3,651":1900,"3,652":1901,"3,653":1902,"3,654":1903,"3,655":1904,"3,656":1905,"3,657":1906,"3,658":1907,"3,659":1908,"3,660":1909,"3,661":1910,"3,662":1911,"3,663":1912,"3,664":1913,"3,665":1914,"3,666":1915,"3,667":1916,"3,668":1917,"3,669":1918,"3,670":1919,"3,671":1920,"3,672":1921,"3,673":1922,"3,674":1923,"3,675":1924,"3,676":1925,"3,677":1926,"3,678":1927,"3,679":1928,"3,680":1929,"3,681":1930,"3,682":1931,"3,683":1932,"3,684":1933,"3,685":1934,"3,686":1935,"3,687":1936,"3,688":1937,"3,689":1938,"3,690":1939,"3,691":1940,"3,692":1941,"3,693":1942,"3,694":1943,"3,695":1944,"3,696":1945,"3,697":1946,"3,698":1947,"3,699":1948,"3,700":1949,"3,701":1950,"3,702":1951,"3,703":1952,"3,704":1953,"3,705":1954,"3,706":1955,"3,707":1956,"3,708":1957,"3,709":1958,"3,710":1959,"3,711":1960,"3,712":1961,"3,713":1962,"3,714":1963,"3,715":1964,"3,716":1965,"3,717":1966,"3,718":1967,"3,719":1968,"3,720":1969,"3,721":1970,"3,722":1971,"3,723":1972,"3,724":1973,"3,725":1974,"3,726":1975,"3,727":1976,"3,728":1977,"3,729":1978,"3,730":1979,"3,731":1980,"3,732":1981,"3,733":1982,"3,734":1983,"3,735":1984,"3,736":1985,"3,737":1986,"3,738":1987,"3,739":1988,"3,740":1989,"3,741":1990,"3,742":1991,"3,743":1992,"3,744":1993,"3,745":1994,"3,746":1995,"3,747":1996,"3,748":1997,"3,749":1998,"3,750":1999,"3,751":2000,"3,752":2001,"3,753":2002,"3,754":2003,"3,755":2004,"3,756":2005,"3,757":2006,"3,758":2007,"3,759":2008,"3,760":2009,"3,761":2010,"3,762":2011,"3,763":2012,"3,764":2013,"3,765":2014,"3,766":2015,"4,767":2016,"4,5":2017,"4,6":2018,"4,7":2019,"4,8":2020,"4,9":2021,"4,10":2022,"4,11":2023,"4,12":2024,"4,13":2025,"4,14":2026,"4,15":2027,"4,16":2028,"4,17":2029,"4,18":2030,"4,19":2031,"4,20":2032,"4,21":2033,"4,22":2034,"4,23":2035,"4,24":2036,"4,25":2037,"4,26":2038,"4,27":2039,"4,28":2040,"4,29":2041,"4,30":2042,"4,31":2043,"4,32":2044,"4,33":2045,"4,34":2046,"4,35":2047,"4,36":2048,"4,37":2049,"4,38":2050,"4,39":2051,"4,40":2052,"4,41":2053,"4,42":2054,"4,43":2055,"4,44":2056,"4,45":2057,"4,46":2058,"4,47":2059,"4,48":2060,"4,49":2061,"4,50":2062,"4,51":2063,"4,52":2064,"4,53":2065,"4,54":2066,"4,55":2067,"4,56":2068,"4,57":2069,"4,58":2070,"4,59":2071,"4,60":2072,"4,61":2073,"4,62":2074,"4,63":2075,"4,64":2076,"4,65":2077,"4,66":2078,"4,67":2079,"4,68":2080,"4,69":2081,"4,70":2082,"4,71":2083,"4,72":2084,"4,73":2085,"4,74":2086,"4,75":2087,"4,76":2088,"4,77":2089,"4,78":2090,"4,79":2091,"4,80":2092,"4,81":2093,"4,82":2094,"4,83":2095,"4,84":2096,"4,85":2097,"4,86":2098,"4,87":2099,"4,88":2100,"4,89":2101,"4,90":2102,"4,91":2103,"4,92":2104,"4,93":2105,"4,94":2106,"4,95":2107,"4,96":2108,"4,97":2109,"4,98":2110,"4,99":2111,"4,100":2112,"4,101":2113,"4,102":2114,"4,103":2115,"4,104":2116,"4,105":2117,"4,106":2118,"4,107":2119,"4,108":2120,"4,109":2121,"4,110":2122,"4,111":2123,"4,112":2124,"4,113":2125,"4,114":2126,"4,115":2127,"4,116":2128,"4,117":2129,"4,118":2130,"4,119":2131,"4,120":2132,"4,121":2133,"4,122":2134,"4,123":2135,"4,124":2136,"4,125":2137,"4,126":2138,"4,127":2139,"4,128":2140,"4,129":2141,"4,130":2142,"4,131":2143,"4,132":2144,"4,133":2145,"4,134":2146,"4,135":2147,"4,136":2148,"4,137":2149,"4,138":2150,"4,139":2151,"4,140":2152,"4,141":2153,"4,142":2154,"4,143":2155,"4,144":2156,"4,145":2157,"4,146":2158,"4,147":2159,"4,148":2160,"4,149":2161,"4,150":2162,"4,151":2163,"4,152":2164,"4,153":2165,"4,154":2166,"4,155":2167,"4,156":2168,"4,157":2169,"4,158":2170,"4,159":2171,"4,160":2172,"4,161":2173,"4,162":2174,"4,163":2175,"4,164":2176,"4,165":2177,"4,166":2178,"4,167":2179,"4,168":2180,"4,169":2181,"4,170":2182,"4,171":2183,"4,172":2184,"4,173":2185,"4,174":2186,"4,175":2187,"4,176":2188,"4,177":2189,"4,178":2190,"4,179":2191,"4,180":2192,"4,181":2193,"4,182":2194,"4,183":2195,"4,184":2196,"4,185":2197,"4,186":2198,"4,187":2199,"4,188":2200,"4,189":2201,"4,190":2202,"4,191":2203,"4,192":2204,"4,193":2205,"4,194":2206,"4,195":2207,"4,196":2208,"4,197":2209,"4,198":2210,"4,199":2211,"4,200":2212,"4,201":2213,"4,202":2214,"4,203":2215,"4,204":2216,"4,205":2217,"4,206":2218,"4,207":2219,"4,208":2220,"4,209":2221,"4,210":2222,"4,211":2223,"4,212":2224,"4,213":2225,"4,214":2226,"4,215":2227,"4,216":2228,"4,217":2229,"4,218":2230,"4,219":2231,"4,220":2232,"4,221":2233,"4,222":2234,"4,223":2235,"4,224":2236,"4,225":2237,"4,226":2238,"4,227":2239,"4,228":2240,"4,229":2241,"4,230":2242,"4,231":2243,"4,232":2244,"4,233":2245,"4,234":2246,"4,235":2247,"4,236":2248,"4,237":2249,"4,238":2250,"4,239":2251,"4,240":2252,"4,241":2253,"4,242":2254,"4,243":2255,"4,244":2256,"4,245":2257,"4,246":2258,"4,247":2259,"4,248":2260,"4,249":2261,"4,250":2262,"4,251":2263,"4,252":2264,"4,253":2265,"4,254":2266,"4,255":2267,"4,256":2268,"4,257":2269,"4,258":2270,"4,259":2271,"4,260":2272,"4,261":2273,"4,262":2274,"4,263":2275,"4,264":2276,"4,265":2277,"4,266":2278,"4,267":2279,"4,268":2280,"4,269":2281,"4,270":2282,"4,271":2283,"4,272":2284,"4,273":2285,"4,274":2286,"4,275":2287,"4,276":2288,"4,277":2289,"4,278":2290,"4,279":2291,"4,280":2292,"4,281":2293,"4,282":2294,"4,283":2295,"4,284":2296,"4,285":2297,"4,286":2298,"4,287":2299,"4,288":2300,"4,289":2301,"4,290":2302,"4,291":2303,"4,292":2304,"4,293":2305,"4,294":2306,"4,295":2307,"4,296":2308,"4,297":2309,"4,298":2310,"4,299":2311,"4,300":2312,"4,301":2313,"4,302":2314,"4,303":2315,"4,304":2316,"4,305":2317,"4,306":2318,"4,307":2319,"4,308":2320,"4,309":2321,"4,310":2322,"4,311":2323,"4,312":2324,"4,313":2325,"4,314":2326,"4,315":2327,"4,316":2328,"4,317":2329,"4,318":2330,"4,319":2331,"4,320":2332,"4,321":2333,"4,322":2334,"4,323":2335,"4,324":2336,"4,325":2337,"4,326":2338,"4,327":2339,"4,328":2340,"4,329":2341,"4,330":2342,"4,331":2343,"4,332":2344,"4,333":2345,"4,334":2346,"4,335":2347,"4,336":2348,"4,337":2349,"4,338":2350,"4,339":2351,"4,340":2352,"4,341":2353,"4,342":2354,"4,343":2355,"4,344":2356,"4,345":2357,"4,346":2358,"4,347":2359,"4,348":2360,"4,349":2361,"4,350":2362,"4,351":2363,"4,352":2364,"4,353":2365,"4,354":2366,"4,355":2367,"4,356":2368,"4,357":2369,"4,358":2370,"4,359":2371,"4,360":2372,"4,361":2373,"4,362":2374,"4,363":2375,"4,364":2376,"4,365":2377,"4,366":2378,"4,367":2379,"4,368":2380,"4,369":2381,"4,370":2382,"4,371":2383,"4,372":2384,"4,373":2385,"4,374":2386,"4,375":2387,"4,376":2388,"4,377":2389,"4,378":2390,"4,379":2391,"4,380":2392,"4,381":2393,"4,382":2394,"4,383":2395,"4,384":2396,"4,385":2397,"4,386":2398,"4,387":2399,"4,388":2400,"4,389":2401,"4,390":2402,"4,391":2403,"4,392":2404,"4,393":2405,"4,394":2406,"4,395":2407,"4,396":2408,"4,397":2409,"4,398":2410,"4,399":2411,"4,400":2412,"4,401":2413,"4,402":2414,"4,403":2415,"4,404":2416,"4,405":2417,"4,406":2418,"4,407":2419,"4,408":2420,"4,409":2421,"4,410":2422,"4,411":2423,"4,412":2424,"4,413":2425,"4,414":2426,"4,415":2427,"4,416":2428,"4,417":2429,"4,418":2430,"4,419":2431,"4,420":2432,"4,421":2433,"4,422":2434,"4,423":2435,"4,424":2436,"4,425":2437,"4,426":2438,"4,427":2439,"4,428":2440,"4,429":2441,"4,430":2442,"4,431":2443,"4,432":2444,"4,433":2445,"4,434":2446,"4,435":2447,"4,436":2448,"4,437":2449,"4,438":2450,"4,439":2451,"4,440":2452,"4,441":2453,"4,442":2454,"4,443":2455,"4,444":2456,"4,445":2457,"4,446":2458,"4,447":2459,"4,448":2460,"4,449":2461,"4,450":2462,"4,451":2463,"4,452":2464,"4,453":2465,"4,454":2466,"4,455":2467,"4,456":2468,"4,457":2469,"4,458":2470,"4,459":2471,"4,460":2472,"4,461":2473,"4,462":2474,"4,463":2475,"4,464":2476,"4,465":2477,"4,466":2478,"4,467":2479,"4,468":2480,"4,469":2481,"4,470":2482,"4,471":2483,"4,472":2484,"4,473":2485,"4,474":2486,"4,475":2487,"4,476":2488,"4,477":2489,"4,478":2490,"4,479":2491,"4,480":2492,"4,481":2493,"4,482":2494,"4,483":2495,"4,484":2496,"4,485":2497,"4,486":2498,"4,487":2499,"4,488":2500,"4,489":2501,"4,490":2502,"4,491":2503,"4,492":2504,"4,493":2505,"4,494":2506,"4,495":2507,"4,496":2508,"4,497":2509,"4,498":2510,"4,499":2511,"4,500":2512,"4,501":2513,"4,502":2514,"4,503":2515,"4,504":2516,"4,505":2517,"4,506":2518,"4,507":2519,"4,508":2520,"4,509":2521,"4,510":2522,"4,511":2523,"4,512":2524,"4,513":2525,"4,514":2526,"4,515":2527,"4,516":2528,"4,517":2529,"4,518":2530,"4,519":2531,"4,520":2532,"4,521":2533,"4,522":2534,"4,523":2535,"4,524":2536,"4,525":2537,"4,526":2538,"4,527":2539,"4,528":2540,"4,529":2541,"4,530":2542,"4,531":2543,"4,532":2544,"4,533":2545,"4,534":2546,"4,535":2547,"4,536":2548,"4,537":2549,"4,538":2550,"4,539":2551,"4,540":2552,"4,541":2553,"4,542":2554,"4,543":2555,"4,544":2556,"4,545":2557,"4,546":2558,"4,547":2559,"4,548":2560,"4,549":2561,"4,550":2562,"4,551":2563,"4,552":2564,"4,553":2565,"4,554":2566,"4,555":2567,"4,556":2568,"4,557":2569,"4,558":2570,"4,559":2571,"4,560":2572,"4,561":2573,"4,562":2574,"4,563":2575,"4,564":2576,"4,565":2577,"4,566":2578,"4,567":2579,"4,568":2580,"4,569":2581,"4,570":2582,"4,571":2583,"4,572":2584,"4,573":2585,"4,574":2586,"4,575":2587,"4,576":2588,"4,577":2589,"4,578":2590,"4,579":2591,"4,580":2592,"4,581":2593,"4,582":2594,"4,583":2595,"4,584":2596,"4,585":2597,"4,586":2598,"4,587":2599,"4,588":2600,"4,589":2601,"4,590":2602,"4,591":2603,"4,592":2604,"4,593":2605,"4,594":2606,"4,595":2607,"4,596":2608,"4,597":2609,"4,598":2610,"4,599":2611,"4,600":2612,"4,601":2613,"4,602":2614,"4,603":2615,"4,604":2616,"4,605":2617,"4,606":2618,"4,607":2619,"4,608":2620,"4,609":2621,"4,610":2622,"4,611":2623,"4,612":2624,"4,613":2625,"4,614":2626,"4,615":2627,"4,616":2628,"4,617":2629,"4,618":2630,"4,619":2631,"4,620":2632,"4,621":2633,"4,622":2634,"4,623":2635,"4,624":2636,"4,625":2637,"4,626":2638,"4,627":2639,"4,628":2640,"4,629":2641,"4,630":2642,"4,631":2643,"4,632":2644,"4,633":2645,"4,634":2646,"4,635":2647,"4,636":2648,"4,637":2649,"4,638":2650,"4,639":2651,"4,640":2652,"4,641":2653,"4,642":2654,"4,643":2655,"4,644":2656,"4,645":2657,"5,646":2658,"5,5":2659,"5,6":2660,"5,7":2661,"5,8":2662,"5,9":2663,"5,10":2664,"5,11":2665,"5,12":2666,"5,13":2667,"5,14":2668,"5,15":2669,"5,16":2670,"5,17":2671,"5,18":2672,"5,19":2673,"5,20":2674,"5,21":2675,"5,22":2676,"5,23":2677,"5,24":2678,"5,25":2679,"5,26":2680,"5,27":2681,"5,28":2682,"5,29":2683,"5,30":2684,"5,31":2685,"5,32":2686,"5,33":2687,"5,34":2688,"5,35":2689,"5,36":2690,"5,37":2691,"5,38":2692,"5,39":2693,"5,40":2694,"5,41":2695,"5,42":2696,"5,43":2697,"5,44":2698,"5,45":2699,"5,46":2700,"5,47":2701,"5,48":2702,"5,49":2703,"5,50":2704,"5,51":2705,"5,52":2706,"5,53":2707,"5,54":2708,"5,55":2709,"5,56":2710,"5,57":2711,"5,58":2712,"5,59":2713,"5,60":2714,"5,61":2715,"5,62":2716,"5,63":2717,"5,64":2718,"5,65":2719,"5,66":2720,"5,67":2721,"5,68":2722,"5,69":2723,"5,70":2724,"5,71":2725,"5,72":2726,"5,73":2727,"5,74":2728,"5,75":2729,"5,76":2730,"5,77":2731,"5,78":2732,"5,79":2733,"5,80":2734,"5,81":2735,"5,82":2736,"5,83":2737,"5,84":2738,"5,85":2739,"5,86":2740,"5,87":2741,"5,88":2742,"5,89":2743,"5,90":2744,"5,91":2745,"5,92":2746,"5,93":2747,"5,94":2748,"5,95":2749,"5,96":2750,"5,97":2751,"5,98":2752,"5,99":2753,"5,100":2754,"5,101":2755,"5,102":2756,"5,103":2757,"5,104":2758,"5,105":2759,"5,106":2760,"5,107":2761,"5,108":2762,"5,109":2763,"5,110":2764,"5,111":2765,"5,112":2766,"5,113":2767,"5,114":2768,"5,115":2769,"5,116":2770,"5,117":2771,"5,118":2772,"5,119":2773,"5,120":2774,"5,121":2775,"5,122":2776,"5,123":2777,"5,124":2778,"5,125":2779,"5,126":2780,"5,127":2781,"5,128":2782,"5,129":2783,"5,130":2784,"5,131":2785,"5,132":2786,"5,133":2787,"5,134":2788,"5,135":2789,"5,136":2790,"5,137":2791,"5,138":2792,"5,139":2793,"5,140":2794,"5,141":2795,"5,142":2796,"5,143":2797,"5,144":2798,"5,145":2799,"5,146":2800,"5,147":2801,"5,148":2802,"5,149":2803,"5,150":2804,"5,151":2805,"5,152":2806,"5,153":2807,"5,154":2808,"5,155":2809,"5,156":2810,"5,157":2811,"5,158":2812,"5,159":2813,"5,160":2814,"5,161":2815,"5,162":2816,"5,163":2817,"5,164":2818,"5,165":2819,"5,166":2820,"5,167":2821,"5,168":2822,"5,169":2823,"5,170":2824,"5,171":2825,"5,172":2826,"5,173":2827,"5,174":2828,"5,175":2829,"5,176":2830,"5,177":2831,"5,178":2832,"5,179":2833,"5,180":2834,"5,181":2835,"5,182":2836,"5,183":2837,"5,184":2838,"5,185":2839,"5,186":2840,"5,187":2841,"5,188":2842,"5,189":2843,"5,190":2844,"5,191":2845,"5,192":2846,"5,193":2847,"5,194":2848,"5,195":2849,"5,196":2850,"5,197":2851,"5,198":2852,"5,199":2853,"5,200":2854,"5,201":2855,"5,202":2856,"5,203":2857,"5,204":2858,"5,205":2859,"5,206":2860,"5,207":2861,"5,208":2862,"5,209":2863,"5,210":2864,"5,211":2865,"5,212":2866,"5,213":2867,"5,214":2868,"5,215":2869,"5,216":2870,"5,217":2871,"5,218":2872,"5,219":2873,"5,220":2874,"5,221":2875,"5,222":2876,"5,223":2877,"5,224":2878,"5,225":2879,"5,226":2880,"5,227":2881,"5,228":2882,"5,229":2883,"5,230":2884,"5,231":2885,"5,232":2886,"5,233":2887,"5,234":2888,"5,235":2889,"5,236":2890,"5,237":2891,"5,238":2892,"5,239":2893,"5,240":2894,"5,241":2895,"5,242":2896,"5,243":2897,"5,244":2898,"5,245":2899,"5,246":2900,"5,247":2901,"5,248":2902,"5,249":2903,"5,250":2904,"5,251":2905,"5,252":2906,"5,253":2907,"5,254":2908,"5,255":2909,"5,256":2910,"5,257":2911,"5,258":2912,"5,259":2913,"5,260":2914,"5,261":2915,"5,262":2916,"5,263":2917,"5,264":2918,"5,265":2919,"5,266":2920,"5,267":2921,"5,268":2922,"5,269":2923,"5,270":2924,"5,271":2925,"5,272":2926,"5,273":2927,"5,274":2928,"5,275":2929,"5,276":2930,"5,277":2931,"5,278":2932,"5,279":2933,"5,280":2934,"5,281":2935,"5,282":2936,"5,283":2937,"5,284":2938,"5,285":2939,"5,286":2940,"5,287":2941,"5,288":2942,"5,289":2943,"5,290":2944,"5,291":2945,"5,292":2946,"5,293":2947,"5,294":2948,"5,295":2949,"5,296":2950,"5,297":2951,"5,298":2952,"5,299":2953,"5,300":2954,"5,301":2955,"5,302":2956,"5,303":2957,"5,304":2958,"5,305":2959,"5,306":2960,"5,307":2961,"5,308":2962,"5,309":2963,"5,310":2964,"5,311":2965,"5,312":2966,"5,313":2967,"5,314":2968,"5,315":2969,"5,316":2970,"5,317":2971,"5,318":2972,"5,319":2973,"5,320":2974,"5,321":2975,"5,322":2976,"5,323":2977,"5,324":2978,"5,325":2979,"5,326":2980,"5,327":2981,"5,328":2982,"5,329":2983,"5,330":2984,"5,331":2985,"5,332":2986,"5,333":2987,"5,334":2988,"5,335":2989,"5,336":2990,"5,337":2991,"5,338":2992,"5,339":2993,"5,340":2994,"5,341":2995,"5,342":2996,"5,343":2997,"5,344":2998,"5,345":2999,"5,346":3000,"5,347":3001,"5,348":3002,"5,349":3003,"5,350":3004,"5,351":3005,"5,352":3006,"5,353":3007,"5,354":3008,"5,355":3009,"5,356":3010,"5,357":3011,"5,358":3012,"5,359":3013,"5,360":3014,"5,361":3015,"5,362":3016,"5,363":3017,"5,364":3018,"5,365":3019,"5,366":3020,"5,367":3021,"5,368":3022,"5,369":3023,"5,370":3024,"5,371":3025,"5,372":3026,"5,373":3027,"5,374":3028,"5,375":3029,"5,376":3030,"5,377":3031,"5,378":3032,"5,379":3033,"5,380":3034,"5,381":3035,"5,382":3036,"5,383":3037,"5,384":3038,"5,385":3039,"5,386":3040,"5,387":3041,"5,388":3042,"5,389":3043,"5,390":3044,"5,391":3045,"5,392":3046,"5,393":3047,"5,394":3048,"5,395":3049,"5,396":3050,"5,397":3051,"5,398":3052,"5,399":3053,"5,400":3054,"5,401":3055,"5,402":3056,"5,403":3057,"5,404":3058,"5,405":3059,"5,406":3060,"5,407":3061,"5,408":3062,"5,409":3063,"5,410":3064,"5,411":3065,"5,412":3066,"5,413":3067,"5,414":3068,"5,415":3069,"5,416":3070,"5,417":3071,"5,418":3072,"5,419":3073,"5,420":3074,"5,421":3075,"5,422":3076,"5,423":3077,"5,424":3078,"5,425":3079,"5,426":3080,"5,427":3081,"5,428":3082,"5,429":3083,"5,430":3084,"5,431":3085,"5,432":3086,"5,433":3087,"5,434":3088,"5,435":3089,"5,436":3090,"5,437":3091,"5,438":3092,"5,439":3093,"5,440":3094,"5,441":3095,"5,442":3096,"5,443":3097,"5,444":3098,"5,445":3099,"5,446":3100,"5,447":3101,"5,448":3102,"5,449":3103,"5,450":3104,"5,451":3105,"5,452":3106,"5,453":3107,"5,454":3108,"5,455":3109,"5,456":3110,"5,457":3111,"5,458":3112,"5,459":3113,"5,460":3114,"5,461":3115,"5,462":3116,"5,463":3117,"5,464":3118,"5,465":3119,"5,466":3120,"5,467":3121,"5,468":3122,"5,469":3123,"5,470":3124,"5,471":3125,"5,472":3126,"5,473":3127,"5,474":3128,"5,475":3129,"5,476":3130,"5,477":3131,"5,478":3132,"5,479":3133,"5,480":3134,"5,481":3135,"5,482":3136,"5,483":3137,"5,484":3138,"5,485":3139,"5,486":3140,"5,487":3141,"5,488":3142,"5,489":3143,"5,490":3144,"5,491":3145,"5,492":3146,"5,493":3147,"5,494":3148,"5,495":3149,"5,496":3150,"5,497":3151,"5,498":3152,"5,499":3153,"5,500":3154,"5,501":3155,"5,502":3156,"5,503":3157,"5,504":3158,"5,505":3159,"5,506":3160,"5,507":3161,"5,508":3162,"5,509":3163,"5,510":3164,"5,511":3165,"5,512":3166,"5,513":3167,"5,514":3168,"5,515":3169,"5,516":3170,"5,517":3171,"5,518":3172,"5,519":3173,"5,520":3174,"5,521":3175,"5,522":3176,"5,523":3177,"5,524":3178,"5,525":3179,"5,526":3180,"5,527":3181,"5,528":3182,"5,529":3183,"5,530":3184,"5,531":3185,"5,532":3186,"5,533":3187,"5,534":3188,"5,535":3189,"5,536":3190,"5,537":3191,"5,538":3192,"5,539":3193,"5,540":3194,"5,541":3195,"5,542":3196,"5,543":3197,"5,544":3198,"5,545":3199,"5,546":3200,"5,547":3201,"5,548":3202,"5,549":3203,"5,550":3204,"5,551":3205,"5,552":3206,"5,553":3207,"5,554":3208,"5,555":3209,"5,556":3210,"5,557":3211,"5,558":3212,"5,559":3213,"5,560":3214,"5,561":3215,"5,562":3216,"5,563":3217,"5,564":3218,"5,565":3219,"5,566":3220,"5,567":3221,"5,568":3222,"5,569":3223,"5,570":3224,"5,571":3225,"5,572":3226,"5,573":3227,"5,574":3228,"5,575":3229,"5,576":3230,"5,577":3231,"5,578":3232,"5,579":3233,"5,580":3234,"5,581":3235,"5,582":3236,"5,583":3237,"5,584":3238,"5,585":3239,"5,586":3240,"5,587":3241,"5,588":3242,"5,589":3243,"5,590":3244,"5,591":3245,"5,592":3246,"5,593":3247,"5,594":3248,"5,595":3249,"5,596":3250,"5,597":3251,"5,598":3252,"5,599":3253,"5,600":3254,"5,601":3255,"5,602":3256,"5,603":3257,"5,604":3258,"5,605":3259,"5,606":3260,"5,607":3261,"5,608":3262,"5,609":3263,"5,610":3264,"5,611":3265,"5,612":3266,"5,613":3267,"5,614":3268,"5,615":3269,"5,616":3270,"5,617":3271,"5,618":3272,"5,619":3273,"5,620":3274,"5,621":3275,"5,622":3276,"5,623":3277,"5,624":3278,"5,625":3279,"5,626":3280,"5,627":3281,"5,628":3282,"5,629":3283,"5,630":3284,"5,631":3285,"5,632":3286,"5,633":3287,"5,634":3288,"5,635":3289,"5,636":3290,"5,637":3291,"5,638":3292,"6,639":3293,"6,5":3294,"6,6":3295,"6,7":3296,"6,8":3297,"6,9":3298,"6,10":3299,"6,11":3300,"6,12":3301,"6,13":3302,"6,14":3303,"6,15":3304,"6,16":3305,"6,17":3306,"6,18":3307,"6,19":3308,"6,20":3309,"6,21":3310,"6,22":3311,"6,23":3312,"6,24":3313,"6,25":3314,"6,26":3315,"6,27":3316,"6,28":3317,"6,29":3318,"6,30":3319,"6,31":3320,"6,32":3321,"6,33":3322,"6,34":3323,"6,35":3324,"6,36":3325,"6,37":3326,"6,38":3327,"6,39":3328,"6,40":3329,"6,41":3330,"6,42":3331,"6,43":3332,"6,44":3333,"6,45":3334,"6,46":3335,"6,47":3336,"6,48":3337,"6,49":3338,"6,50":3339,"6,51":3340,"6,52":3341,"6,53":3342,"6,54":3343,"6,55":3344,"6,56":3345,"6,57":3346,"6,58":3347,"6,59":3348,"6,60":3349,"6,61":3350,"6,62":3351,"6,63":3352,"6,64":3353,"6,65":3354,"6,66":3355,"6,67":3356,"6,68":3357,"6,69":3358,"6,70":3359,"6,71":3360,"6,72":3361,"6,73":3362,"6,74":3363,"6,75":3364,"6,76":3365,"6,77":3366,"6,78":3367,"6,79":3368,"6,80":3369,"6,81":3370,"6,82":3371,"6,83":3372,"6,84":3373,"6,85":3374,"6,86":3375,"6,87":3376,"6,88":3377,"6,89":3378,"6,90":3379,"6,91":3380,"6,92":3381,"6,93":3382,"6,94":3383,"6,95":3384,"6,96":3385,"6,97":3386,"6,98":3387,"6,99":3388,"6,100":3389,"6,101":3390,"6,102":3391,"6,103":3392,"6,104":3393,"6,105":3394,"6,106":3395,"6,107":3396,"6,108":3397,"6,109":3398,"6,110":3399,"6,111":3400,"6,112":3401,"6,113":3402,"6,114":3403,"6,115":3404,"6,116":3405,"6,117":3406,"6,118":3407,"6,119":3408,"6,120":3409,"6,121":3410,"6,122":3411,"6,123":3412,"6,124":3413,"6,125":3414,"6,126":3415,"6,127":3416,"6,128":3417,"6,129":3418,"6,130":3419,"6,131":3420,"6,132":3421,"6,133":3422,"6,134":3423,"6,135":3424,"6,136":3425,"6,137":3426,"6,138":3427,"6,139":3428,"6,140":3429,"6,141":3430,"6,142":3431,"6,143":3432,"6,144":3433,"6,145":3434,"6,146":3435,"6,147":3436,"6,148":3437,"6,149":3438,"6,150":3439,"6,151":3440,"6,152":3441,"6,153":3442,"6,154":3443,"6,155":3444,"6,156":3445,"6,157":3446,"6,158":3447,"6,159":3448,"6,160":3449,"6,161":3450,"6,162":3451,"6,163":3452,"6,164":3453,"6,165":3454,"6,166":3455,"6,167":3456,"6,168":3457,"6,169":3458,"6,170":3459,"6,171":3460,"6,172":3461,"6,173":3462,"6,174":3463,"6,175":3464,"6,176":3465,"6,177":3466,"6,178":3467,"6,179":3468,"6,180":3469,"6,181":3470,"6,182":3471,"6,183":3472,"6,184":3473,"6,185":3474,"6,186":3475,"6,187":3476,"6,188":3477,"6,189":3478,"6,190":3479,"6,191":3480,"6,192":3481,"6,193":3482,"6,194":3483,"6,195":3484,"6,196":3485,"6,197":3486,"6,198":3487,"6,199":3488,"6,200":3489,"6,201":3490,"6,202":3491,"6,203":3492,"6,204":3493,"6,205":3494,"6,206":3495,"6,207":3496,"6,208":3497,"6,209":3498,"6,210":3499,"6,211":3500,"6,212":3501,"6,213":3502,"6,214":3503,"6,215":3504,"6,216":3505,"6,217":3506,"6,218":3507,"6,219":3508,"6,220":3509,"6,221":3510,"6,222":3511,"6,223":3512,"6,224":3513,"6,225":3514,"6,226":3515,"6,227":3516,"6,228":3517,"6,229":3518,"6,230":3519,"6,231":3520,"6,232":3521,"6,233":3522,"6,234":3523,"6,235":3524,"6,236":3525,"6,237":3526,"6,238":3527,"6,239":3528,"6,240":3529,"6,241":3530,"6,242":3531,"6,243":3532,"6,244":3533,"6,245":3534,"6,246":3535,"6,247":3536,"6,248":3537,"6,249":3538,"6,250":3539,"6,251":3540,"6,252":3541,"6,253":3542,"6,254":3543,"6,255":3544,"6,256":3545,"6,257":3546,"6,258":3547,"6,259":3548,"6,260":3549,"6,261":3550,"6,262":3551,"6,263":3552,"6,264":3553,"6,265":3554,"6,266":3555,"6,267":3556,"6,268":3557,"6,269":3558,"6,270":3559,"6,271":3560,"6,272":3561,"6,273":3562,"6,274":3563,"6,275":3564,"6,276":3565,"6,277":3566,"6,278":3567,"6,279":3568,"6,280":3569,"6,281":3570,"6,282":3571,"6,283":3572,"6,284":3573,"6,285":3574,"6,286":3575,"6,287":3576,"6,288":3577,"6,289":3578,"6,290":3579,"6,291":3580,"6,292":3581,"6,293":3582,"6,294":3583,"6,295":3584,"6,296":3585,"6,297":3586,"6,298":3587,"6,299":3588,"6,300":3589,"6,301":3590,"6,302":3591,"6,303":3592,"6,304":3593,"6,305":3594,"6,306":3595,"6,307":3596,"6,308":3597,"6,309":3598,"6,310":3599,"6,311":3600,"6,312":3601,"6,313":3602,"6,314":3603,"6,315":3604,"6,316":3605,"6,317":3606,"6,318":3607,"6,319":3608,"6,320":3609,"6,321":3610,"6,322":3611,"6,323":3612,"6,324":3613,"6,325":3614,"6,326":3615,"6,327":3616,"6,328":3617,"6,329":3618,"6,330":3619,"6,331":3620,"6,332":3621,"6,333":3622,"6,334":3623,"6,335":3624,"6,336":3625,"6,337":3626,"6,338":3627,"6,339":3628,"6,340":3629,"6,341":3630,"6,342":3631,"6,343":3632,"6,344":3633,"6,345":3634,"6,346":3635,"6,347":3636,"6,348":3637,"6,349":3638,"6,350":3639,"6,351":3640,"6,352":3641,"6,353":3642,"6,354":3643,"6,355":3644,"6,356":3645,"6,357":3646,"6,358":3647,"6,359":3648,"6,360":3649,"6,361":3650,"6,362":3651,"6,363":3652,"6,364":3653,"6,365":3654,"6,366":3655,"6,367":3656,"6,368":3657,"6,369":3658,"6,370":3659,"6,371":3660,"6,372":3661,"6,373":3662,"6,374":3663,"6,375":3664,"6,376":3665,"6,377":3666,"6,378":3667,"6,379":3668,"6,380":3669,"6,381":3670,"6,382":3671,"6,383":3672,"6,384":3673,"6,385":3674,"6,386":3675,"6,387":3676,"6,388":3677,"6,389":3678,"6,390":3679,"6,391":3680,"6,392":3681,"6,393":3682,"6,394":3683,"6,395":3684,"6,396":3685,"6,397":3686,"6,398":3687,"6,399":3688,"6,400":3689,"6,401":3690,"6,402":3691,"6,403":3692,"6,404":3693,"6,405":3694,"6,406":3695,"6,407":3696,"6,408":3697,"6,409":3698,"6,410":3699,"6,411":3700,"6,412":3701,"6,413":3702,"6,414":3703,"6,415":3704,"6,416":3705,"6,417":3706,"6,418":3707,"6,419":3708,"6,420":3709,"6,421":3710,"6,422":3711,"6,423":3712,"6,424":3713,"6,425":3714,"6,426":3715,"6,427":3716,"6,428":3717,"6,429":3718,"6,430":3719,"6,431":3720,"6,432":3721,"6,433":3722,"6,434":3723,"6,435":3724,"6,436":3725,"6,437":3726,"6,438":3727,"6,439":3728,"6,440":3729,"6,441":3730,"6,442":3731,"6,443":3732,"6,444":3733,"6,445":3734,"6,446":3735,"6,447":3736,"6,448":3737,"6,449":3738,"6,450":3739,"6,451":3740,"6,452":3741,"6,453":3742,"6,454":3743,"6,455":3744,"6,456":3745,"6,457":3746,"6,458":3747,"6,459":3748,"6,460":3749,"6,461":3750,"6,462":3751,"6,463":3752,"6,464":3753,"6,465":3754,"6,466":3755,"6,467":3756,"6,468":3757,"6,469":3758,"6,470":3759,"6,471":3760,"6,472":3761,"6,473":3762,"6,474":3763,"6,475":3764,"6,476":3765,"6,477":3766,"6,478":3767,"6,479":3768,"6,480":3769,"6,481":3770,"6,482":3771,"6,483":3772,"6,484":3773,"6,485":3774,"6,486":3775,"6,487":3776,"6,488":3777,"6,489":3778,"6,490":3779,"6,491":3780,"6,492":3781,"6,493":3782,"6,494":3783,"6,495":3784,"6,496":3785,"6,497":3786,"6,498":3787,"6,499":3788,"6,500":3789,"6,501":3790,"6,502":3791,"6,503":3792,"6,504":3793,"6,505":3794,"6,506":3795,"6,507":3796,"6,508":3797,"6,509":3798,"6,510":3799,"6,511":3800,"6,512":3801,"6,513":3802,"6,514":3803,"6,515":3804,"6,516":3805,"6,517":3806,"6,518":3807,"6,519":3808,"6,520":3809,"6,521":3810,"6,522":3811,"6,523":3812,"6,524":3813,"6,525":3814,"6,526":3815,"6,527":3816,"6,528":3817,"6,529":3818,"6,530":3819,"6,531":3820,"6,532":3821,"6,533":3822,"6,534":3823,"6,535":3824,"6,536":3825,"6,537":3826,"6,538":3827,"6,539":3828,"6,540":3829,"6,541":3830,"6,542":3831,"6,543":3832,"6,544":3833,"6,545":3834,"6,546":3835,"6,547":3836,"6,548":3837,"6,549":3838,"6,550":3839,"6,551":3840,"6,552":3841,"6,553":3842,"6,554":3843,"6,555":3844,"6,556":3845,"6,557":3846,"6,558":3847,"6,559":3848,"6,560":3849,"6,561":3850,"6,562":3851,"6,563":3852,"6,564":3853,"6,565":3854,"6,566":3855,"6,567":3856,"6,568":3857,"6,569":3858,"6,570":3859,"6,571":3860,"6,572":3861,"6,573":3862,"6,574":3863,"6,575":3864,"6,576":3865,"6,577":3866,"6,578":3867,"6,579":3868,"6,580":3869,"6,581":3870,"6,582":3871,"6,583":3872,"6,584":3873,"6,585":3874,"6,586":3875,"6,587":3876,"6,588":3877,"6,589":3878,"6,590":3879,"6,591":3880,"6,592":3881,"6,593":3882,"6,594":3883,"6,595":3884,"6,596":3885,"6,597":3886,"6,598":3887,"6,599":3888,"6,600":3889,"6,601":3890,"6,602":3891,"6,603":3892,"6,604":3893,"6,605":3894,"6,606":3895,"6,607":3896,"6,608":3897,"6,609":3898,"6,610":3899,"6,611":3900,"6,612":3901,"6,613":3902,"6,614":3903,"6,615":3904,"6,616":3905,"6,617":3906,"6,618":3907,"6,619":3908,"6,620":3909,"6,621":3910,"6,622":3911,"6,623":3912,"6,624":3913,"6,625":3914,"6,626":3915,"6,627":3916,"6,628":3917,"6,629":3918,"6,630":3919,"6,631":3920,"6,632":3921,"6,633":3922,"6,634":3923,"6,635":3924,"6,636":3925,"6,637":3926,"6,638":3927,"6,640":3929,"6,641":3930,"6,642":3931,"6,643":3932,"6,644":3933,"6,645":3934,"6,646":3935,"6,647":3936,"6,648":3937,"6,649":3938,"6,650":3939,"6,651":3940,"6,652":3941,"6,653":3942,"6,654":3943,"6,655":3944,"6,656":3945,"6,657":3946,"6,658":3947,"6,659":3948,"6,660":3949,"6,661":3950,"6,662":3951,"6,663":3952,"6,664":3953,"6,665":3954,"6,666":3955,"6,667":3956,"6,668":3957,"6,669":3958,"6,670":3959,"6,671":3960,"6,672":3961,"6,673":3962,"6,674":3963,"6,675":3964,"6,676":3965,"6,677":3966,"6,678":3967,"6,679":3968,"6,680":3969,"6,681":3970,"6,682":3971,"6,683":3972,"6,684":3973,"6,685":3974,"6,686":3975,"6,687":3976,"6,688":3977,"6,689":3978,"6,690":3979,"6,691":3980,"6,692":3981,"6,693":3982,"6,694":3983,"6,695":3984,"6,696":3985,"6,697":3986,"6,698":3987,"6,699":3988,"6,700":3989,"6,701":3990,"6,702":3991,"6,703":3992,"6,704":3993,"6,705":3994,"6,706":3995,"6,707":3996,"6,708":3997,"6,709":3998,"6,710":3999,"6,711":4000,"6,712":4001,"7,713":4002,"7,5":4003,"7,6":4004,"7,7":4005,"7,8":4006,"7,9":4007,"7,10":4008,"7,11":4009,"7,12":4010,"7,13":4011,"7,14":4012,"7,15":4013,"7,16":4014,"7,17":4015,"7,18":4016,"7,19":4017,"7,20":4018,"7,21":4019,"7,22":4020,"7,23":4021,"7,24":4022,"7,25":4023,"7,26":4024,"7,27":4025,"7,28":4026,"7,29":4027,"7,30":4028,"7,31":4029,"7,32":4030,"7,33":4031,"7,34":4032,"7,35":4033,"7,36":4034,"7,37":4035,"7,38":4036,"7,39":4037,"7,40":4038,"7,41":4039,"7,42":4040,"7,43":4041,"7,44":4042,"7,45":4043,"7,46":4044,"7,47":4045,"7,48":4046,"7,49":4047,"7,50":4048,"7,51":4049,"7,52":4050,"7,53":4051,"7,54":4052,"7,55":4053,"7,56":4054,"7,57":4055,"7,58":4056,"7,59":4057,"7,60":4058,"7,61":4059,"7,62":4060,"7,63":4061,"7,64":4062,"7,65":4063,"7,66":4064,"7,67":4065,"7,68":4066,"7,69":4067,"7,70":4068,"7,71":4069,"7,72":4070,"7,73":4071,"7,74":4072,"7,75":4073,"7,76":4074,"7,77":4075,"7,78":4076,"7,79":4077,"7,80":4078,"7,81":4079,"7,82":4080,"7,83":4081,"7,84":4082,"7,85":4083,"7,86":4084,"7,87":4085,"7,88":4086,"7,89":4087,"7,90":4088,"7,91":4089,"7,92":4090,"7,93":4091,"7,94":4092,"7,95":4093,"7,96":4094,"7,97":4095,"7,98":4096,"7,99":4097,"7,100":4098,"7,101":4099,"7,102":4100,"7,103":4101,"7,104":4102,"7,105":4103,"7,106":4104,"7,107":4105,"7,108":4106,"7,109":4107,"7,110":4108,"7,111":4109,"7,112":4110,"7,113":4111,"7,114":4112,"7,115":4113,"7,116":4114,"7,117":4115,"7,118":4116,"7,119":4117,"7,120":4118,"7,121":4119,"7,122":4120,"7,123":4121,"7,124":4122,"7,125":4123,"7,126":4124,"7,127":4125,"7,128":4126,"7,129":4127,"7,130":4128,"7,131":4129,"7,132":4130,"7,133":4131,"7,134":4132,"7,135":4133,"7,136":4134,"7,137":4135,"7,138":4136,"7,139":4137,"7,140":4138,"7,141":4139,"7,142":4140,"7,143":4141,"7,144":4142,"7,145":4143,"7,146":4144,"7,147":4145,"7,148":4146,"7,149":4147,"7,150":4148,"7,151":4149,"7,152":4150,"7,153":4151,"7,154":4152,"7,155":4153,"7,156":4154,"7,157":4155,"7,158":4156,"7,159":4157,"7,160":4158,"7,161":4159,"7,162":4160,"7,163":4161,"7,164":4162,"7,165":4163,"7,166":4164,"7,167":4165,"7,168":4166,"7,169":4167,"7,170":4168,"7,171":4169,"7,172":4170,"7,173":4171,"7,174":4172,"7,175":4173,"7,176":4174,"7,177":4175,"7,178":4176,"7,179":4177,"7,180":4178,"7,181":4179,"7,182":4180,"7,183":4181,"7,184":4182,"7,185":4183,"7,186":4184,"7,187":4185,"7,188":4186,"7,189":4187,"7,190":4188,"7,191":4189,"7,192":4190,"7,193":4191,"7,194":4192,"7,195":4193,"7,196":4194,"7,197":4195,"7,198":4196,"7,199":4197,"7,200":4198,"7,201":4199,"7,202":4200,"7,203":4201,"7,204":4202,"7,205":4203,"7,206":4204,"7,207":4205,"7,208":4206,"7,209":4207,"7,210":4208,"7,211":4209,"7,212":4210,"7,213":4211,"7,214":4212,"7,215":4213,"7,216":4214,"7,217":4215,"7,218":4216,"7,219":4217,"7,220":4218,"7,221":4219,"7,222":4220,"7,223":4221,"7,224":4222,"7,225":4223,"7,226":4224,"7,227":4225,"7,228":4226,"7,229":4227,"7,230":4228,"7,231":4229,"7,232":4230,"7,233":4231,"7,234":4232,"7,235":4233,"7,236":4234,"7,237":4235,"7,238":4236,"7,239":4237,"7,240":4238,"7,241":4239,"7,242":4240,"7,243":4241,"7,244":4242,"7,245":4243,"7,246":4244,"7,247":4245,"7,248":4246,"7,249":4247,"7,250":4248,"7,251":4249,"7,252":4250,"7,253":4251,"7,254":4252,"7,255":4253,"7,256":4254,"7,257":4255,"7,258":4256,"7,259":4257,"7,260":4258,"7,261":4259,"7,262":4260,"7,263":4261,"7,264":4262,"7,265":4263,"7,266":4264,"7,267":4265,"7,268":4266,"7,269":4267,"7,270":4268,"7,271":4269,"7,272":4270,"7,273":4271,"7,274":4272,"7,275":4273,"7,276":4274,"7,277":4275,"7,278":4276,"7,279":4277,"7,280":4278,"7,281":4279,"7,282":4280,"7,283":4281,"7,284":4282,"7,285":4283,"7,286":4284,"7,287":4285,"7,288":4286,"7,289":4287,"7,290":4288,"7,291":4289,"7,292":4290,"7,293":4291,"7,294":4292,"7,295":4293,"7,296":4294,"7,297":4295,"7,298":4296,"7,299":4297,"7,300":4298,"7,301":4299,"7,302":4300,"7,303":4301,"7,304":4302,"7,305":4303,"7,306":4304,"7,307":4305,"7,308":4306,"7,309":4307,"7,310":4308,"7,311":4309,"7,312":4310,"7,313":4311,"7,314":4312,"7,315":4313,"7,316":4314,"7,317":4315,"7,318":4316,"7,319":4317,"7,320":4318,"7,321":4319,"7,322":4320,"7,323":4321,"7,324":4322,"7,325":4323,"7,326":4324,"7,327":4325,"7,328":4326,"7,329":4327,"7,330":4328,"7,331":4329,"7,332":4330,"7,333":4331,"7,334":4332,"7,335":4333,"7,336":4334,"7,337":4335,"7,338":4336,"7,339":4337,"7,340":4338,"7,341":4339,"7,342":4340,"7,343":4341,"7,344":4342,"7,345":4343,"7,346":4344,"7,347":4345,"7,348":4346,"7,349":4347,"7,350":4348,"7,351":4349,"7,352":4350,"7,353":4351,"7,354":4352,"7,355":4353,"7,356":4354,"7,357":4355,"7,358":4356,"7,359":4357,"7,360":4358,"7,361":4359,"7,362":4360,"7,363":4361,"7,364":4362,"7,365":4363,"7,366":4364,"7,367":4365,"7,368":4366,"7,369":4367,"7,370":4368,"7,371":4369,"7,372":4370,"7,373":4371,"7,374":4372,"7,375":4373,"7,376":4374,"7,377":4375,"7,378":4376,"7,379":4377,"7,380":4378,"7,381":4379,"7,382":4380,"7,383":4381,"7,384":4382,"7,385":4383,"7,386":4384,"7,387":4385,"7,388":4386,"7,389":4387,"7,390":4388,"7,391":4389,"7,392":4390,"7,393":4391,"7,394":4392,"7,395":4393,"7,396":4394,"7,397":4395,"7,398":4396,"7,399":4397,"7,400":4398,"7,401":4399,"7,402":4400,"7,403":4401,"7,404":4402,"7,405":4403,"7,406":4404,"7,407":4405,"7,408":4406,"7,409":4407,"7,410":4408,"7,411":4409,"7,412":4410,"7,413":4411,"7,414":4412,"7,415":4413,"7,416":4414,"7,417":4415,"7,418":4416,"7,419":4417,"7,420":4418,"7,421":4419,"7,422":4420,"7,423":4421,"7,424":4422,"7,425":4423,"7,426":4424,"7,427":4425,"7,428":4426,"7,429":4427,"7,430":4428,"7,431":4429,"7,432":4430,"7,433":4431,"7,434":4432,"7,435":4433,"7,436":4434,"7,437":4435,"7,438":4436},"ٜ":{"1":[1,618],"2":[619,643],"3":[644,766],"4":[767,645],"5":[646,638],"6":[639,712],"7":[713,438]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","2,619","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","2,506","2,507","2,508","2,509","2,510","2,511","2,512","2,513","2,514","2,515","2,516","2,517","2,518","2,519","2,520","2,521","2,522","2,523","2,524","2,525","2,526","2,527","2,528","2,529","2,530","2,531","2,532","2,533","2,534","2,535","2,536","2,537","2,538","2,539","2,540","2,541","2,542","2,543","2,544","2,545","2,546","2,547","2,548","2,549","2,550","2,551","2,552","2,553","2,554","2,555","2,556","2,557","2,558","2,559","2,560","2,561","2,562","2,563","2,564","2,565","2,566","2,567","2,568","2,569","2,570","2,571","2,572","2,573","2,574","2,575","2,576","2,577","2,578","2,579","2,580","2,581","2,582","2,583","2,584","2,585","2,586","2,587","2,588","2,589","2,590","2,591","2,592","2,593","2,594","2,595","2,596","2,597","2,598","2,599","2,600","2,601","2,602","2,603","2,604","2,605","2,606","2,607","2,608","2,609","2,610","2,611","2,612","2,613","2,614","2,615","2,616","2,617","2,618","2,619","2,620","2,621","2,622","2,623","2,624","2,625","2,626","2,627","2,628","2,629","2,630","2,631","2,632","2,633","2,634","2,635","2,636","2,637","2,638","2,639","2,640","2,641","2,642","2,643","3,644","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,366","3,367","3,368","3,369","3,370","3,371","3,372","3,373","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,386","3,387","3,388","3,389","3,390","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","3,396","3,397","3,398","3,399","3,400","3,401","3,402","3,403","3,404","3,405","3,406","3,407","3,408","3,409","3,410","3,411","3,412","3,413","3,414","3,415","3,416","3,417","3,418","3,419","3,420","3,421","3,422","3,423","3,424","3,425","3,426","3,427","3,428","3,429","3,430","3,431","3,432","3,433","3,434","3,435","3,436","3,437","3,438","3,439","3,440","3,441","3,442","3,443","3,444","3,445","3,446","3,447","3,448","3,449","3,450","3,451","3,452","3,453","3,454","3,455","3,456","3,457","3,458","3,459","3,460","3,461","3,462","3,463","3,464","3,465","3,466","3,467","3,468","3,469","3,470","3,471","3,472","3,473","3,474","3,475","3,476","3,477","3,478","3,479","3,480","3,481","3,482","3,483","3,484","3,485","3,486","3,487","3,488","3,489","3,490","3,491","3,492","3,493","3,494","3,495","3,496","3,497","3,498","3,499","3,500","3,501","3,502","3,503","3,504","3,505","3,506","3,507","3,508","3,509","3,510","3,511","3,512","3,513","3,514","3,515","3,516","3,517","3,518","3,519","3,520","3,521","3,522","3,523","3,524","3,525","3,526","3,527","3,528","3,529","3,530","3,531","3,532","3,533","3,534","3,535","3,536","3,537","3,538","3,539","3,540","3,541","3,542","3,543","3,544","3,545","3,546","3,547","3,548","3,549","3,550","3,551","3,552","3,553","3,554","3,555","3,556","3,557","3,558","3,559","3,560","3,561","3,562","3,563","3,564","3,565","3,566","3,567","3,568","3,569","3,570","3,571","3,572","3,573","3,574","3,575","3,576","3,577","3,578","3,579","3,580","3,581","3,582","3,583","3,584","3,585","3,586","3,587","3,588","3,589","3,590","3,591","3,592","3,593","3,594","3,595","3,596","3,597","3,598","3,599","3,600","3,601","3,602","3,603","3,604","3,605","3,606","3,607","3,608","3,609","3,610","3,611","3,612","3,613","3,614","3,615","3,616","3,617","3,618","3,619","3,620","3,621","3,622","3,623","3,624","3,625","3,626","3,627","3,628","3,629","3,630","3,631","3,632","3,633","3,634","3,635","3,636","3,637","3,638","3,639","3,640","3,641","3,642","3,643","3,644","3,645","3,646","3,647","3,648","3,649","3,650","3,651","3,652","3,653","3,654","3,655","3,656","3,657","3,658","3,659","3,660","3,661","3,662","3,663","3,664","3,665","3,666","3,667","3,668","3,669","3,670","3,671","3,672","3,673","3,674","3,675","3,676","3,677","3,678","3,679","3,680","3,681","3,682","3,683","3,684","3,685","3,686","3,687","3,688","3,689","3,690","3,691","3,692","3,693","3,694","3,695","3,696","3,697","3,698","3,699","3,700","3,701","3,702","3,703","3,704","3,705","3,706","3,707","3,708","3,709","3,710","3,711","3,712","3,713","3,714","3,715","3,716","3,717","3,718","3,719","3,720","3,721","3,722","3,723","3,724","3,725","3,726","3,727","3,728","3,729","3,730","3,731","3,732","3,733","3,734","3,735","3,736","3,737","3,738","3,739","3,740","3,741","3,742","3,743","3,744","3,745","3,746","3,747","3,748","3,749","3,750","3,751","3,752","3,753","3,754","3,755","3,756","3,757","3,758","3,759","3,760","3,761","3,762","3,763","3,764","3,765","3,766","4,767","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,42","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,102","4,103","4,104","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,121","4,122","4,123","4,124","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,156","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,165","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,212","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,220","4,221","4,222","4,223","4,224","4,225","4,226","4,227","4,228","4,229","4,230","4,231","4,232","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,240","4,241","4,242","4,243","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,258","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,266","4,267","4,268","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,274","4,275","4,276","4,277","4,278","4,279","4,280","4,281","4,282","4,283","4,284","4,285","4,286","4,287","4,288","4,289","4,290","4,291","4,292","4,293","4,294","4,295","4,296","4,297","4,298","4,299","4,300","4,301","4,302","4,303","4,304","4,305","4,306","4,307","4,308","4,309","4,310","4,311","4,312","4,313","4,314","4,315","4,316","4,317","4,318","4,319","4,320","4,321","4,322","4,323","4,324","4,325","4,326","4,327","4,328","4,329","4,330","4,331","4,332","4,333","4,334","4,335","4,336","4,337","4,338","4,339","4,340","4,341","4,342","4,343","4,344","4,345","4,346","4,347","4,348","4,349","4,350","4,351","4,352","4,353","4,354","4,355","4,356","4,357","4,358","4,359","4,360","4,361","4,362","4,363","4,364","4,365","4,366","4,367","4,368","4,369","4,370","4,371","4,372","4,373","4,374","4,375","4,376","4,377","4,378","4,379","4,380","4,381","4,382","4,383","4,384","4,385","4,386","4,387","4,388","4,389","4,390","4,391","4,392","4,393","4,394","4,395","4,396","4,397","4,398","4,399","4,400","4,401","4,402","4,403","4,404","4,405","4,406","4,407","4,408","4,409","4,410","4,411","4,412","4,413","4,414","4,415","4,416","4,417","4,418","4,419","4,420","4,421","4,422","4,423","4,424","4,425","4,426","4,427","4,428","4,429","4,430","4,431","4,432","4,433","4,434","4,435","4,436","4,437","4,438","4,439","4,440","4,441","4,442","4,443","4,444","4,445","4,446","4,447","4,448","4,449","4,450","4,451","4,452","4,453","4,454","4,455","4,456","4,457","4,458","4,459","4,460","4,461","4,462","4,463","4,464","4,465","4,466","4,467","4,468","4,469","4,470","4,471","4,472","4,473","4,474","4,475","4,476","4,477","4,478","4,479","4,480","4,481","4,482","4,483","4,484","4,485","4,486","4,487","4,488","4,489","4,490","4,491","4,492","4,493","4,494","4,495","4,496","4,497","4,498","4,499","4,500","4,501","4,502","4,503","4,504","4,505","4,506","4,507","4,508","4,509","4,510","4,511","4,512","4,513","4,514","4,515","4,516","4,517","4,518","4,519","4,520","4,521","4,522","4,523","4,524","4,525","4,526","4,527","4,528","4,529","4,530","4,531","4,532","4,533","4,534","4,535","4,536","4,537","4,538","4,539","4,540","4,541","4,542","4,543","4,544","4,545","4,546","4,547","4,548","4,549","4,550","4,551","4,552","4,553","4,554","4,555","4,556","4,557","4,558","4,559","4,560","4,561","4,562","4,563","4,564","4,565","4,566","4,567","4,568","4,569","4,570","4,571","4,572","4,573","4,574","4,575","4,576","4,577","4,578","4,579","4,580","4,581","4,582","4,583","4,584","4,585","4,586","4,587","4,588","4,589","4,590","4,591","4,592","4,593","4,594","4,595","4,596","4,597","4,598","4,599","4,600","4,601","4,602","4,603","4,604","4,605","4,606","4,607","4,608","4,609","4,610","4,611","4,612","4,613","4,614","4,615","4,616","4,617","4,618","4,619","4,620","4,621","4,622","4,623","4,624","4,625","4,626","4,627","4,628","4,629","4,630","4,631","4,632","4,633","4,634","4,635","4,636","4,637","4,638","4,639","4,640","4,641","4,642","4,643","4,644","4,645","5,646","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","5,14","5,15","5,16","5,17","5,18","5,19","5,20","5,21","5,22","5,23","5,24","5,25","5,26","5,27","5,28","5,29","5,30","5,31","5,32","5,33","5,34","5,35","5,36","5,37","5,38","5,39","5,40","5,41","5,42","5,43","5,44","5,45","5,46","5,47","5,48","5,49","5,50","5,51","5,52","5,53","5,54","5,55","5,56","5,57","5,58","5,59","5,60","5,61","5,62","5,63","5,64","5,65","5,66","5,67","5,68","5,69","5,70","5,71","5,72","5,73","5,74","5,75","5,76","5,77","5,78","5,79","5,80","5,81","5,82","5,83","5,84","5,85","5,86","5,87","5,88","5,89","5,90","5,91","5,92","5,93","5,94","5,95","5,96","5,97","5,98","5,99","5,100","5,101","5,102","5,103","5,104","5,105","5,106","5,107","5,108","5,109","5,110","5,111","5,112","5,113","5,114","5,115","5,116","5,117","5,118","5,119","5,120","5,121","5,122","5,123","5,124","5,125","5,126","5,127","5,128","5,129","5,130","5,131","5,132","5,133","5,134","5,135","5,136","5,137","5,138","5,139","5,140","5,141","5,142","5,143","5,144","5,145","5,146","5,147","5,148","5,149","5,150","5,151","5,152","5,153","5,154","5,155","5,156","5,157","5,158","5,159","5,160","5,161","5,162","5,163","5,164","5,165","5,166","5,167","5,168","5,169","5,170","5,171","5,172","5,173","5,174","5,175","5,176","5,177","5,178","5,179","5,180","5,181","5,182","5,183","5,184","5,185","5,186","5,187","5,188","5,189","5,190","5,191","5,192","5,193","5,194","5,195","5,196","5,197","5,198","5,199","5,200","5,201","5,202","5,203","5,204","5,205","5,206","5,207","5,208","5,209","5,210","5,211","5,212","5,213","5,214","5,215","5,216","5,217","5,218","5,219","5,220","5,221","5,222","5,223","5,224","5,225","5,226","5,227","5,228","5,229","5,230","5,231","5,232","5,233","5,234","5,235","5,236","5,237","5,238","5,239","5,240","5,241","5,242","5,243","5,244","5,245","5,246","5,247","5,248","5,249","5,250","5,251","5,252","5,253","5,254","5,255","5,256","5,257","5,258","5,259","5,260","5,261","5,262","5,263","5,264","5,265","5,266","5,267","5,268","5,269","5,270","5,271","5,272","5,273","5,274","5,275","5,276","5,277","5,278","5,279","5,280","5,281","5,282","5,283","5,284","5,285","5,286","5,287","5,288","5,289","5,290","5,291","5,292","5,293","5,294","5,295","5,296","5,297","5,298","5,299","5,300","5,301","5,302","5,303","5,304","5,305","5,306","5,307","5,308","5,309","5,310","5,311","5,312","5,313","5,314","5,315","5,316","5,317","5,318","5,319","5,320","5,321","5,322","5,323","5,324","5,325","5,326","5,327","5,328","5,329","5,330","5,331","5,332","5,333","5,334","5,335","5,336","5,337","5,338","5,339","5,340","5,341","5,342","5,343","5,344","5,345","5,346","5,347","5,348","5,349","5,350","5,351","5,352","5,353","5,354","5,355","5,356","5,357","5,358","5,359","5,360","5,361","5,362","5,363","5,364","5,365","5,366","5,367","5,368","5,369","5,370","5,371","5,372","5,373","5,374","5,375","5,376","5,377","5,378","5,379","5,380","5,381","5,382","5,383","5,384","5,385","5,386","5,387","5,388","5,389","5,390","5,391","5,392","5,393","5,394","5,395","5,396","5,397","5,398","5,399","5,400","5,401","5,402","5,403","5,404","5,405","5,406","5,407","5,408","5,409","5,410","5,411","5,412","5,413","5,414","5,415","5,416","5,417","5,418","5,419","5,420","5,421","5,422","5,423","5,424","5,425","5,426","5,427","5,428","5,429","5,430","5,431","5,432","5,433","5,434","5,435","5,436","5,437","5,438","5,439","5,440","5,441","5,442","5,443","5,444","5,445","5,446","5,447","5,448","5,449","5,450","5,451","5,452","5,453","5,454","5,455","5,456","5,457","5,458","5,459","5,460","5,461","5,462","5,463","5,464","5,465","5,466","5,467","5,468","5,469","5,470","5,471","5,472","5,473","5,474","5,475","5,476","5,477","5,478","5,479","5,480","5,481","5,482","5,483","5,484","5,485","5,486","5,487","5,488","5,489","5,490","5,491","5,492","5,493","5,494","5,495","5,496","5,497","5,498","5,499","5,500","5,501","5,502","5,503","5,504","5,505","5,506","5,507","5,508","5,509","5,510","5,511","5,512","5,513","5,514","5,515","5,516","5,517","5,518","5,519","5,520","5,521","5,522","5,523","5,524","5,525","5,526","5,527","5,528","5,529","5,530","5,531","5,532","5,533","5,534","5,535","5,536","5,537","5,538","5,539","5,540","5,541","5,542","5,543","5,544","5,545","5,546","5,547","5,548","5,549","5,550","5,551","5,552","5,553","5,554","5,555","5,556","5,557","5,558","5,559","5,560","5,561","5,562","5,563","5,564","5,565","5,566","5,567","5,568","5,569","5,570","5,571","5,572","5,573","5,574","5,575","5,576","5,577","5,578","5,579","5,580","5,581","5,582","5,583","5,584","5,585","5,586","5,587","5,588","5,589","5,590","5,591","5,592","5,593","5,594","5,595","5,596","5,597","5,598","5,599","5,600","5,601","5,602","5,603","5,604","5,605","5,606","5,607","5,608","5,609","5,610","5,611","5,612","5,613","5,614","5,615","5,616","5,617","5,618","5,619","5,620","5,621","5,622","5,623","5,624","5,625","5,626","5,627","5,628","5,629","5,630","5,631","5,632","5,633","5,634","5,635","5,636","5,637","5,638","6,639","6,5","6,6","6,7","6,8","6,9","6,10","6,11","6,12","6,13","6,14","6,15","6,16","6,17","6,18","6,19","6,20","6,21","6,22","6,23","6,24","6,25","6,26","6,27","6,28","6,29","6,30","6,31","6,32","6,33","6,34","6,35","6,36","6,37","6,38","6,39","6,40","6,41","6,42","6,43","6,44","6,45","6,46","6,47","6,48","6,49","6,50","6,51","6,52","6,53","6,54","6,55","6,56","6,57","6,58","6,59","6,60","6,61","6,62","6,63","6,64","6,65","6,66","6,67","6,68","6,69","6,70","6,71","6,72","6,73","6,74","6,75","6,76","6,77","6,78","6,79","6,80","6,81","6,82","6,83","6,84","6,85","6,86","6,87","6,88","6,89","6,90","6,91","6,92","6,93","6,94","6,95","6,96","6,97","6,98","6,99","6,100","6,101","6,102","6,103","6,104","6,105","6,106","6,107","6,108","6,109","6,110","6,111","6,112","6,113","6,114","6,115","6,116","6,117","6,118","6,119","6,120","6,121","6,122","6,123","6,124","6,125","6,126","6,127","6,128","6,129","6,130","6,131","6,132","6,133","6,134","6,135","6,136","6,137","6,138","6,139","6,140","6,141","6,142","6,143","6,144","6,145","6,146","6,147","6,148","6,149","6,150","6,151","6,152","6,153","6,154","6,155","6,156","6,157","6,158","6,159","6,160","6,161","6,162","6,163","6,164","6,165","6,166","6,167","6,168","6,169","6,170","6,171","6,172","6,173","6,174","6,175","6,176","6,177","6,178","6,179","6,180","6,181","6,182","6,183","6,184","6,185","6,186","6,187","6,188","6,189","6,190","6,191","6,192","6,193","6,194","6,195","6,196","6,197","6,198","6,199","6,200","6,201","6,202","6,203","6,204","6,205","6,206","6,207","6,208","6,209","6,210","6,211","6,212","6,213","6,214","6,215","6,216","6,217","6,218","6,219","6,220","6,221","6,222","6,223","6,224","6,225","6,226","6,227","6,228","6,229","6,230","6,231","6,232","6,233","6,234","6,235","6,236","6,237","6,238","6,239","6,240","6,241","6,242","6,243","6,244","6,245","6,246","6,247","6,248","6,249","6,250","6,251","6,252","6,253","6,254","6,255","6,256","6,257","6,258","6,259","6,260","6,261","6,262","6,263","6,264","6,265","6,266","6,267","6,268","6,269","6,270","6,271","6,272","6,273","6,274","6,275","6,276","6,277","6,278","6,279","6,280","6,281","6,282","6,283","6,284","6,285","6,286","6,287","6,288","6,289","6,290","6,291","6,292","6,293","6,294","6,295","6,296","6,297","6,298","6,299","6,300","6,301","6,302","6,303","6,304","6,305","6,306","6,307","6,308","6,309","6,310","6,311","6,312","6,313","6,314","6,315","6,316","6,317","6,318","6,319","6,320","6,321","6,322","6,323","6,324","6,325","6,326","6,327","6,328","6,329","6,330","6,331","6,332","6,333","6,334","6,335","6,336","6,337","6,338","6,339","6,340","6,341","6,342","6,343","6,344","6,345","6,346","6,347","6,348","6,349","6,350","6,351","6,352","6,353","6,354","6,355","6,356","6,357","6,358","6,359","6,360","6,361","6,362","6,363","6,364","6,365","6,366","6,367","6,368","6,369","6,370","6,371","6,372","6,373","6,374","6,375","6,376","6,377","6,378","6,379","6,380","6,381","6,382","6,383","6,384","6,385","6,386","6,387","6,388","6,389","6,390","6,391","6,392","6,393","6,394","6,395","6,396","6,397","6,398","6,399","6,400","6,401","6,402","6,403","6,404","6,405","6,406","6,407","6,408","6,409","6,410","6,411","6,412","6,413","6,414","6,415","6,416","6,417","6,418","6,419","6,420","6,421","6,422","6,423","6,424","6,425","6,426","6,427","6,428","6,429","6,430","6,431","6,432","6,433","6,434","6,435","6,436","6,437","6,438","6,439","6,440","6,441","6,442","6,443","6,444","6,445","6,446","6,447","6,448","6,449","6,450","6,451","6,452","6,453","6,454","6,455","6,456","6,457","6,458","6,459","6,460","6,461","6,462","6,463","6,464","6,465","6,466","6,467","6,468","6,469","6,470","6,471","6,472","6,473","6,474","6,475","6,476","6,477","6,478","6,479","6,480","6,481","6,482","6,483","6,484","6,485","6,486","6,487","6,488","6,489","6,490","6,491","6,492","6,493","6,494","6,495","6,496","6,497","6,498","6,499","6,500","6,501","6,502","6,503","6,504","6,505","6,506","6,507","6,508","6,509","6,510","6,511","6,512","6,513","6,514","6,515","6,516","6,517","6,518","6,519","6,520","6,521","6,522","6,523","6,524","6,525","6,526","6,527","6,528","6,529","6,530","6,531","6,532","6,533","6,534","6,535","6,536","6,537","6,538","6,539","6,540","6,541","6,542","6,543","6,544","6,545","6,546","6,547","6,548","6,549","6,550","6,551","6,552","6,553","6,554","6,555","6,556","6,557","6,558","6,559","6,560","6,561","6,562","6,563","6,564","6,565","6,566","6,567","6,568","6,569","6,570","6,571","6,572","6,573","6,574","6,575","6,576","6,577","6,578","6,579","6,580","6,581","6,582","6,583","6,584","6,585","6,586","6,587","6,588","6,589","6,590","6,591","6,592","6,593","6,594","6,595","6,596","6,597","6,598","6,599","6,600","6,601","6,602","6,603","6,604","6,605","6,606","6,607","6,608","6,609","6,610","6,611","6,612","6,613","6,614","6,615","6,616","6,617","6,618","6,619","6,620","6,621","6,622","6,623","6,624","6,625","6,626","6,627","6,628","6,629","6,630","6,631","6,632","6,633","6,634","6,635","6,636","6,637","6,638","6,639","6,640","6,641","6,642","6,643","6,644","6,645","6,646","6,647","6,648","6,649","6,650","6,651","6,652","6,653","6,654","6,655","6,656","6,657","6,658","6,659","6,660","6,661","6,662","6,663","6,664","6,665","6,666","6,667","6,668","6,669","6,670","6,671","6,672","6,673","6,674","6,675","6,676","6,677","6,678","6,679","6,680","6,681","6,682","6,683","6,684","6,685","6,686","6,687","6,688","6,689","6,690","6,691","6,692","6,693","6,694","6,695","6,696","6,697","6,698","6,699","6,700","6,701","6,702","6,703","6,704","6,705","6,706","6,707","6,708","6,709","6,710","6,711","6,712","7,713","7,5","7,6","7,7","7,8","7,9","7,10","7,11","7,12","7,13","7,14","7,15","7,16","7,17","7,18","7,19","7,20","7,21","7,22","7,23","7,24","7,25","7,26","7,27","7,28","7,29","7,30","7,31","7,32","7,33","7,34","7,35","7,36","7,37","7,38","7,39","7,40","7,41","7,42","7,43","7,44","7,45","7,46","7,47","7,48","7,49","7,50","7,51","7,52","7,53","7,54","7,55","7,56","7,57","7,58","7,59","7,60","7,61","7,62","7,63","7,64","7,65","7,66","7,67","7,68","7,69","7,70","7,71","7,72","7,73","7,74","7,75","7,76","7,77","7,78","7,79","7,80","7,81","7,82","7,83","7,84","7,85","7,86","7,87","7,88","7,89","7,90","7,91","7,92","7,93","7,94","7,95","7,96","7,97","7,98","7,99","7,100","7,101","7,102","7,103","7,104","7,105","7,106","7,107","7,108","7,109","7,110","7,111","7,112","7,113","7,114","7,115","7,116","7,117","7,118","7,119","7,120","7,121","7,122","7,123","7,124","7,125","7,126","7,127","7,128","7,129","7,130","7,131","7,132","7,133","7,134","7,135","7,136","7,137","7,138","7,139","7,140","7,141","7,142","7,143","7,144","7,145","7,146","7,147","7,148","7,149","7,150","7,151","7,152","7,153","7,154","7,155","7,156","7,157","7,158","7,159","7,160","7,161","7,162","7,163","7,164","7,165","7,166","7,167","7,168","7,169","7,170","7,171","7,172","7,173","7,174","7,175","7,176","7,177","7,178","7,179","7,180","7,181","7,182","7,183","7,184","7,185","7,186","7,187","7,188","7,189","7,190","7,191","7,192","7,193","7,194","7,195","7,196","7,197","7,198","7,199","7,200","7,201","7,202","7,203","7,204","7,205","7,206","7,207","7,208","7,209","7,210","7,211","7,212","7,213","7,214","7,215","7,216","7,217","7,218","7,219","7,220","7,221","7,222","7,223","7,224","7,225","7,226","7,227","7,228","7,229","7,230","7,231","7,232","7,233","7,234","7,235","7,236","7,237","7,238","7,239","7,240","7,241","7,242","7,243","7,244","7,245","7,246","7,247","7,248","7,249","7,250","7,251","7,252","7,253","7,254","7,255","7,256","7,257","7,258","7,259","7,260","7,261","7,262","7,263","7,264","7,265","7,266","7,267","7,268","7,269","7,270","7,271","7,272","7,273","7,274","7,275","7,276","7,277","7,278","7,279","7,280","7,281","7,282","7,283","7,284","7,285","7,286","7,287","7,288","7,289","7,290","7,291","7,292","7,293","7,294","7,295","7,296","7,297","7,298","7,299","7,300","7,301","7,302","7,303","7,304","7,305","7,306","7,307","7,308","7,309","7,310","7,311","7,312","7,313","7,314","7,315","7,316","7,317","7,318","7,319","7,320","7,321","7,322","7,323","7,324","7,325","7,326","7,327","7,328","7,329","7,330","7,331","7,332","7,333","7,334","7,335","7,336","7,337","7,338","7,339","7,340","7,341","7,342","7,343","7,344","7,345","7,346","7,347","7,348","7,349","7,350","7,351","7,352","7,353","7,354","7,355","7,356","7,357","7,358","7,359","7,360","7,361","7,362","7,363","7,364","7,365","7,366","7,367","7,368","7,369","7,370","7,371","7,372","7,373","7,374","7,375","7,376","7,377","7,378","7,379","7,380","7,381","7,382","7,383","7,384","7,385","7,386","7,387","7,388","7,389","7,390","7,391","7,392","7,393","7,394","7,395","7,396","7,397","7,398","7,399","7,400","7,401","7,402","7,403","7,404","7,405","7,406","7,407","7,408","7,409","7,410","7,411","7,412","7,413","7,414","7,415","7,416","7,417","7,418","7,419","7,420","7,421","7,422","7,423","7,424","7,425","7,426","7,427","7,428","7,429","7,430","7,431","7,432","7,433","7,434","7,435","7,436","7,437","7,438"],"ٞ":{"2":[1,2],"5":[3],"7":[4],"13":[5,6,7],"16":[8,9,10],"17":[11,12,13,14],"18":[15,16],"19":[17],"28":[18],"30":[19,20],"31":[21],"32":[22],"33":[23],"35":[24],"37":[25],"39":[26],"40":[27],"79":[28],"81":[29,30],"102":[31],"111":[32],"113":[33],"116":[34],"120":[35],"125":[36,37],"151":[38],"160":[39],"162":[40],"165":[41],"175":[42],"179":[43],"186":[44],"190":[45],"196":[46],"198":[47],"204":[48],"210":[49],"215":[50],"219":[51],"222":[52],"225":[53],"230":[54],"236":[55],"239":[56],"243":[57],"246":[58],"252":[59],"258":[60],"262":[61],"265":[62],"269":[63],"272":[64],"274":[65],"280":[66],"285":[67],"287":[68],"293":[69],"296":[70],"304":[71],"311":[72],"316":[73],"319":[74],"321":[75],"328":[76],"329":[77],"336":[78],"338":[79],"341":[80],"346":[81],"347":[82],"349":[83],"356":[84],"360":[85],"362":[86],"364":[87],"367":[88],"368":[89],"376":[90],"378":[91],"381":[92],"390":[93],"395":[94],"406":[95],"420":[96],"435":[97],"438":[98],"445":[99],"446":[100],"450":[101],"453":[102],"456":[103],"464":[104],"467":[105,106],"474":[107],"484":[108],"488":[109],"489":[110],"492":[111],"502":[112],"505":[113],"510":[114],"515":[115],"519":[116],"521":[117],"526":[118],"529":[119],"532":[120],"535":[121],"539":[122],"542":[123],"545":[124],"549":[125],"556":[126],"558":[127],"562":[128],"567":[129],"570":[130],"574":[131],"579":[132],"582":[133],"584":[134],"589":[135],"590":[136],"593":[137,138],"597":[139],"599":[140],"601":[141],"603":[142],"604":[143],"607":[144],"612":[145],"614":[146,147],"619":[148],"620":[149],"624":[150],"627":[151],"631":[152],"633":[153],"640":[154],"641":[155],"643":[156],"649":[157],"653":[158],"655":[159],"658":[160],"662":[161],"664":[162],"666":[163],"668":[164],"671":[165],"676":[166],"679":[167],"680":[168],"682":[169],"684":[170],"687":[171],"689":[172],"691":[173],"692":[174],"694":[175],"696":[176],"701":[177],"705":[178],"707":[179],"709":[180],"713":[181],"716":[182],"719":[183],"720":[184],"723":[185],"729":[186],"734":[187],"739":[188],"741":[189],"745":[190],"746":[191],"757":[192],"761":[193],"764":[194],"770":[195],"775":[196],"783":[197],"785":[198],"789":[199],"796":[200],"803":[201],"809":[202],"812":[203],"816":[204],"819":[205],"825":[206],"826":[207],"828":[208],"832":[209],"837":[210],"840":[211],"852":[212],"855":[213],"857":[214],"862":[215],"868":[216],"869":[217],"872":[218],"873":[219],"878":[220],"881":[221],"883":[222],"885":[223],"890":[224],"892":[225],"894":[226],"898":[227],"900":[228],"902":[229],"904":[230],"905":[231],"910":[232],"915":[233],"922":[234],"932":[235],"940":[236],"943":[237],"946":[238],"949":[239],"952":[240],"957":[241],"958":[242],"961":[243],"964":[244],"968":[245],"970":[246],"973":[247],"978":[248],"982":[249],"985":[250],"992":[251],"997":[252],"1001":[253],"1014":[254],"1016":[255],"1020":[256],"1022":[257],"1026":[258,259],"1030":[260],"1035":[261],"1038":[262],"1043":[263],"1046":[264],"1050":[265],"1053":[266],"1054":[267],"1056":[268],"1062":[269],"1065":[270],"1073":[271],"1076":[272],"1077":[273],"1087":[274,275],"1098":[276],"1104":[277],"1106":[278],"1107":[279],"1115":[280],"1122":[281],"1125":[282],"1127":[283],"1130":[284],"1132":[285,286],"1135":[287],"1137":[288],"1140":[289],"1141":[290],"1142":[291],"1147":[292,293],"1151":[294],"1155":[295],"1158":[296,297],"1160":[298],"1167":[299],"1171":[300],"1172":[301,302],"1174":[303],"1178":[304,305],"1181":[306],"1183":[307],"1187":[308],"1189":[309],"1196":[310],"1201":[311],"1206":[312],"1211":[313],"1214":[314],"1218":[315],"1223":[316],"1225":[317],"1228":[318],"1231":[319],"1233":[320],"1237":[321],"1238":[322],"1241":[323],"1246":[324],"1251":[325],"1252":[326],"1254":[327,328],"1263":[329],"1268":[330],"1273":[331],"1285":[332],"1293":[333],"1297":[334],"1299":[335],"1300":[336],"1304":[337],"1307":[338],"1310":[339],"1311":[340],"1313":[341],"1315":[342],"1317":[343],"1319":[344],"1322":[345],"1327":[346],"1333":[347],"1336":[348],"1338":[349],"1341":[350],"1344":[351],"1349":[352],"1351":[353],"1357":[354],"1372":[355],"1378":[356],"1380":[357],"1384":[358,359],"1390":[360],"1396":[361],"1404":[362],"1407":[363],"1409":[364],"1412":[365],"1415":[366],"1418":[367],"1424":[368],"1429":[369],"1431":[370],"1434":[371],"1439":[372],"1446":[373],"1449":[374],"1451":[375],"1457":[376],"1460":[377],"1467":[378],"1471":[379],"1473":[380],"1481":[381],"1489":[382,383],"1493":[384],"1496":[385],"1499":[386],"1501":[387],"1502":[388],"1504":[389,390],"1511":[391],"1515":[392],"1519":[393],"1523":[394],"1526":[395],"1533":[396],"1536":[397],"1538":[398],"1540":[399],"1542":[400],"1545":[401],"1554":[402],"1557":[403],"1560":[404],"1568":[405],"1570":[406],"1593":[407],"1595":[408],"1598":[409],"1601":[410],"1607":[411],"1609":[412],"1612":[413],"1613":[414],"1615":[415],"1617":[416],"1619":[417],"1621":[418],"1623":[419],"1626":[420],"1628":[421],"1631":[422],"1635":[423],"1637":[424],"1639":[425],"1642":[426],"1647":[427],"1652":[428],"1657":[429],"1659":[430],"1663":[431],"1664":[432],"1670":[433],"1673":[434],"1676":[435],"1678":[436],"1682":[437],"1690":[438],"1696":[439],"1698":[440],"1702":[441],"1707":[442],"1708":[443],"1710":[444],"1713":[445],"1717":[446],"1728":[447],"1739":[448],"1744":[449],"1748":[450],"1751":[451],"1753":[452],"1760":[453,454],"1769":[455],"1772":[456],"1776":[457],"1780":[458],"1783":[459],"1789":[460],"1796":[461],"1802":[462],"1804":[463],"1809":[464],"1816":[465],"1821":[466],"1832":[467],"1836":[468],"1839":[469],"1848":[470],"1850":[471],"1861":[472],"1862":[473],"1873":[474],"1877":[475],"1884":[476],"1892":[477],"1897":[478],"1901":[479],"1905":[480],"1908":[481],"1912":[482],"1918":[483],"1933":[484],"1936":[485],"1940":[486],"1942":[487],"1944":[488],"1945":[489],"1947":[490],"1949":[491],"1954":[492],"1961":[493],"1969":[494],"1973":[495],"1975":[496],"1980":[497],"1982":[498],"1983":[499],"1987":[500],"1991":[501],"1995":[502],"1997":[503],"2000":[504],"2004":[505],"2008":[506],"2010":[507],"2014":[508],"2017":[509,510],"2024":[511],"2028":[512],"2034":[513],"2040":[514],"2043":[515],"2046":[516],"2050":[517],"2056":[518],"2059":[519],"2066":[520],"2071":[521],"2074":[522],"2076":[523],"2078":[524],"2081":[525],"2085":[526],"2088":[527],"2091":[528],"2092":[529,530],"2102":[531],"2104":[532],"2108":[533],"2113":[534],"2119":[535],"2126":[536],"2137":[537],"2139":[538],"2145":[539],"2149":[540],"2158":[541],"2162":[542],"2164":[543],"2168":[544],"2172":[545],"2175":[546],"2183":[547],"2188":[548,549],"2190":[550],"2192":[551],"2195":[552],"2198":[553],"2202":[554],"2203":[555],"2206":[556],"2210":[557],"2214":[558],"2217":[559],"2221":[560],"2225":[561],"2230":[562],"2233":[563],"2236":[564,565],"2246":[566],"2249":[567],"2258":[568],"2267":[569],"2271":[570],"2278":[571],"2286":[572],"2288":[573],"2292":[574],"2294":[575],"2302":[576],"2306":[577],"2311":[578],"2319":[579],"2321":[580,581],"2330":[582],"2346":[583],"2351":[584],"2354":[585],"2359":[586],"2363":[587],"2366":[588],"2368":[589],"2370":[590],"2372":[591,592],"2376":[593],"2379":[594],"2385":[595],"2387":[596],"2393":[597],"2399":[598],"2402":[599],"2404":[600],"2409":[601],"2413":[602],"2418":[603],"2424":[604],"2425":[605],"2433":[606],"2435":[607],"2439":[608],"2442":[609],"2448":[610],"2453":[611],"2455":[612],"2460":[613],"2465":[614],"2467":[615],"2480":[616,617],"2484":[618],"2489":[619],"2492":[620],"2493":[621],"2496":[622],"2500":[623],"2513":[624],"2517":[625],"2526":[626],"2532":[627],"2535":[628],"2542":[629],"2546":[630],"2551":[631,632],"2564":[633],"2567":[634],"2576":[635],"2581":[636],"2586":[637],"2588":[638],"2590":[639,640],"2596":[641],"2601":[642],"2604":[643],"2611":[644],"2616":[645,646],"2621":[647],"2628":[648],"2632":[649],"2636":[650],"2639":[651],"2645":[652],"2655":[653],"2659":[654,655],"2672":[656],"2678":[657],"2685":[658],"2688":[659],"2692":[660],"2696":[661],"2706":[662],"2713":[663],"2724":[664,665],"2731":[666],"2734":[667],"2742":[668],"2752":[669],"2754":[670],"2758":[671],"2762":[672],"2773":[673],"2781":[674],"2793":[675],"2797":[676],"2801":[677,678],"2807":[679],"2816":[680],"2824":[681],"2828":[682],"2829":[683],"2832":[684],"2835":[685],"2845":[686],"2847":[687],"2851":[688],"2855":[689],"2858":[690,691],"2866":[692],"2868":[693],"2872":[694],"2877":[695],"2882":[696],"2884":[697],"2888":[698],"2891":[699],"2894":[700],"2895":[701],"2898":[702],"2900":[703,704],"2911":[705],"2913":[706],"2917":[707],"2920":[708],"2921":[709],"2925":[710],"2927":[711],"2929":[712],"2931":[713],"2934":[714],"2937":[715],"2939":[716],"2942":[717],"2947":[718,719],"2949":[720],"2951":[721],"2953":[722],"2956":[723],"2957":[724],"2959":[725],"2962":[726],"2968":[727],"2969":[728],"2972":[729],"2975":[730],"2977":[731],"2979":[732],"2983":[733],"2984":[734],"2985":[735],"2989":[736],"2990":[737],"2996":[738],"2999":[739],"3001":[740,741],"3011":[742,743],"3014":[744],"3021":[745],"3030":[746],"3031":[747],"3036":[748],"3039":[749,750],"3046":[751],"3051":[752],"3052":[753],"3053":[754],"3055":[755],"3056":[756],"3059":[757],"3061":[758],"3062":[759],"3064":[760],"3068":[761],"3070":[762],"3072":[763],"3075":[764],"3079":[765],"3084":[766],"3088":[767],"3091":[768],"3095":[769],"3098":[770],"3101":[771],"3107":[772,773],"3110":[774],"3115":[775],"3118":[776],"3120":[777],"3125":[778],"3127":[779],"3132":[780],"3136":[781],"3142":[782],"3144":[783],"3148":[784],"3154":[785],"3157":[786],"3161":[787],"3163":[788],"3166":[789],"3170":[790],"3178":[791],"3180":[792],"3184":[793],"3189":[794],"3193":[795],"3196":[796],"3198":[797],"3199":[798],"3201":[799],"3204":[800],"3207":[801],"3210":[802],"3212":[803],"3214":[804],"3215":[805],"3217":[806,807],"3219":[808],"3229":[809],"3231":[810],"3234":[811],"3238":[812],"3239":[813],"3243":[814],"3246":[815],"3251":[816],"3253":[817],"3255":[818],"3259":[819],"3262":[820],"3265":[821],"3274":[822],"3278":[823],"3280":[824],"3286":[825],"3291":[826],"3294":[827,828],"3299":[829],"3310":[830],"3311":[831],"3316":[832],"3318":[833],"3323":[834],"3335":[835,836],"3340":[837],"3350":[838],"3353":[839],"3371":[840],"3376":[841],"3377":[842],"3379":[843],"3384":[844],"3388":[845],"3390":[846],"3394":[847],"3397":[848],"3403":[849],"3407":[850],"3410":[851],"3413":[852],"3417":[853],"3418":[854],"3430":[855],"3431":[856],"3434":[857],"3439":[858],"3442":[859],"3447":[860],"3456":[861],"3460":[862],"3464":[863],"3469":[864],"3478":[865],"3482":[866],"3509":[867],"3512":[868],"3517":[869],"3525":[870],"3540":[871],"3551":[872],"3557":[873],"3568":[874],"3575":[875],"3584":[876],"3590":[877],"3595":[878],"3600":[879],"3602":[880],"3609":[881],"3622":[882],"3640":[883],"3646":[884],"3650":[885],"3653":[886],"3656":[887],"3659":[888],"3667":[889],"3671":[890],"3674":[891],"3677":[892],"3679":[893],"3691":[894],"3694":[895],"3699":[896],"3702":[897],"3706":[898],"3723":[899],"3727":[900],"3734":[901],"3742":[902],"3746":[903],"3751":[904],"3755":[905],"3759":[906],"3760":[907],"3762":[908],"3764":[909],"3765":[910],"3766":[911],"3767":[912],"3768":[913],"3773":[914],"3774":[915],"3781":[916],"3784":[917],"3788":[918],"3791":[919],"3794":[920],"3795":[921],"3797":[922,923],"3800":[924],"3807":[925],"3810":[926],"3813":[927],"3820":[928],"3823":[929],"3828":[930],"3830":[931],"3833":[932],"3838":[933],"3841":[934],"3847":[935],"3849":[936],"3850":[937],"3854":[938],"3855":[939],"3863":[940],"3865":[941],"3868":[942],"3871":[943],"3878":[944],"3879":[945],"3883":[946],"3886":[947],"3889":[948],"3892":[949],"3894":[950],"3895":[951],"3899":[952],"3902":[953],"3904":[954],"3908":[955],"3911":[956],"3914":[957],"3916":[958],"3919":[959],"3921":[960],"3925":[961],"3927":[962],"3932":[963],"3935":[964],"3938":[965,966],"3943":[967],"3946":[968],"3950":[969],"3953":[970],"3954":[971],"3957":[972],"3961":[973],"3964":[974],"3969":[975],"3971":[976],"3973":[977,978],"3978":[979],"3984":[980],"3989":[981],"3990":[982],"3992":[983],"3993":[984],"3996":[985,986],"3998":[987],"3999":[988],"4002":[989],"4003":[990,991],"4009":[992],"4012":[993],"4017":[994],"4020":[995],"4023":[996],"4024":[997],"4027":[998],"4028":[999],"4030":[1000],"4034":[1001],"4035":[1002],"4043":[1003],"4049":[1004],"4050":[1005],"4052":[1006],"4055":[1007],"4056":[1008],"4058":[1009],"4060":[1010],"4062":[1011],"4064":[1012],"4067":[1013,1014],"4072":[1015],"4077":[1016],"4083":[1017],"4085":[1018],"4087":[1019],"4092":[1020],"4103":[1021],"4105":[1022,1023],"4108":[1024],"4110":[1025],"4113":[1026],"4114":[1027],"4117":[1028],"4120":[1029],"4123":[1030],"4125":[1031],"4129":[1032],"4135":[1033],"4136":[1034],"4138":[1035],"4140":[1036,1037],"4142":[1038],"4145":[1039],"4147":[1040],"4148":[1041],"4150":[1042],"4153":[1043],"4155":[1044],"4159":[1045],"4170":[1046],"4173":[1047],"4177":[1048],"4181":[1049],"4183":[1050],"4184":[1051],"4186":[1052],"4188":[1053],"4190":[1054],"4194":[1055],"4198":[1056,1057],"4200":[1058],"4204":[1059,1060],"4209":[1061],"4213":[1062],"4218":[1063],"4220":[1064],"4223":[1065],"4226":[1066],"4229":[1067],"4233":[1068],"4236":[1069],"4239":[1070],"4250":[1071],"4260":[1072],"4271":[1073],"4290":[1074],"4292":[1075],"4299":[1076],"4306":[1077],"4308":[1078],"4309":[1079],"4312":[1080,1081],"4313":[1082],"4321":[1083],"4323":[1084],"4337":[1085],"4340":[1086],"4344":[1087],"4345":[1088],"4348":[1089],"4352":[1090],"4354":[1091],"4357":[1092],"4359":[1093],"4360":[1094],"4361":[1095],"4363":[1096],"4380":[1097],"4382":[1098],"4385":[1099],"4386":[1100],"4387":[1101],"4392":[1102],"4393":[1103],"4396":[1104],"4399":[1105],"4401":[1106],"4404":[1107],"4406":[1108],"4409":[1109],"4412":[1110],"4416":[1111],"4420":[1112],"4421":[1113],"4422":[1114],"4427":[1115],"4428":[1116],"4429":[1117],"4431":[1118],"4434":[1119]},"ٟ":[],"numbers":{"1":105,"2":108,"3":109,"4":111,"5":111,"6":111,"7":113,"8":146,"9":151,"10":155,"11":160,"12":161,"13":161,"14":161,"15":161,"16":162,"17":179,"18":185,"19":186,"20":188,"21":188,"22":188,"23":188,"24":188,"25":188,"26":190,"27":204,"28":205,"29":210,"30":213,"31":214,"32":215,"33":216,"34":217,"35":219,"36":221,"37":222,"38":223,"39":225,"40":228,"41":230,"42":233,"43":235,"44":236,"45":237,"46":237,"47":239,"48":243,"49":245,"50":246,"51":248,"52":249,"53":249,"54":250,"55":250,"56":251,"57":252,"58":254,"59":258,"60":259,"61":260,"62":262,"63":265,"64":266,"65":269,"66":271,"67":272,"68":274,"69":276,"70":276,"71":279,"72":280,"73":284,"74":284,"75":284,"76":284,"77":284,"78":284,"79":284,"80":284,"81":284,"82":284,"83":284,"84":284,"85":284,"86":284,"87":284,"88":284,"89":284,"90":284,"91":284,"92":284,"93":284,"94":285,"95":322,"96":325,"97":325,"98":328,"99":329,"100":334,"101":336,"102":338,"103":338,"104":339,"105":341,"106":341,"107":344,"108":346,"109":347,"110":347,"111":348,"112":349,"113":352,"114":356,"115":357,"116":357,"117":358,"118":359,"119":360,"120":362,"121":363,"122":363,"123":363,"124":363,"125":363,"126":363,"127":363,"128":363,"129":363,"130":363,"131":363,"132":363,"133":363,"134":363,"135":363,"136":363,"137":363,"138":363,"139":363,"140":363,"141":363,"142":363,"143":363,"144":363,"145":363,"146":363,"147":363,"148":363,"149":363,"150":363,"151":363,"152":363,"153":363,"154":363,"155":364,"156":364,"157":364,"158":364,"159":364,"160":364,"161":364,"162":364,"163":364,"164":364,"165":364,"166":364,"167":364,"168":364,"169":364,"170":364,"171":364,"172":364,"173":364,"174":364,"175":364,"176":364,"177":395,"178":395,"179":395,"180":395,"181":395,"182":395,"183":395,"184":395,"185":395,"186":395,"187":395,"188":395,"189":395,"190":395,"191":395,"192":395,"193":395,"194":395,"195":395,"196":395,"197":395,"198":395,"199":395,"200":395,"201":395,"202":395,"203":395,"204":395,"205":395,"206":395,"207":395,"208":395,"209":395,"210":395,"211":395,"212":395,"213":395,"214":453,"215":453,"216":453,"217":453,"218":453,"219":453,"220":453,"221":453,"222":453,"223":453,"224":453,"225":453,"226":453,"227":453,"228":453,"229":453,"230":453,"231":453,"232":453,"233":453,"234":453,"235":453,"236":453,"237":453,"238":453,"239":453,"240":453,"241":453,"242":453,"243":453,"244":453,"245":453,"246":492,"247":492,"248":492,"249":492,"250":492,"251":492,"252":492,"253":492,"254":492,"255":492,"256":492,"257":492,"258":492,"259":492,"260":492,"261":492,"262":492,"263":492,"264":492,"265":492,"266":492,"267":492,"268":492,"269":492,"270":492,"271":492,"272":492,"273":492,"274":492,"275":492,"276":492,"277":492,"278":492,"279":492,"280":492,"281":492,"282":535,"283":535,"284":535,"285":535,"286":535,"287":535,"288":535,"289":535,"290":535,"291":535,"292":535,"293":549,"294":549,"295":549,"296":549,"297":549,"298":549,"299":549,"300":549,"301":549,"302":549,"303":556,"304":556,"305":556,"306":556,"307":556,"308":556,"309":556,"310":556,"311":556,"312":556,"313":556,"314":556,"315":556,"316":556,"317":556,"318":556,"319":556,"320":556,"321":556,"322":556,"323":556,"324":556,"325":556,"326":556,"327":579,"328":656,"329":657,"330":658,"331":662,"332":664,"333":665,"334":666,"335":666,"336":667,"337":667,"338":668,"339":669,"340":670,"341":670,"342":671,"343":672,"344":672,"345":673,"346":673,"347":673,"348":675,"349":676,"350":677,"351":677,"352":678,"353":678,"354":678,"355":679,"356":680,"357":680,"358":681,"359":682,"360":683,"361":683,"362":683,"363":684,"364":684,"365":684,"366":684,"367":687,"368":687,"369":687,"370":688,"371":688,"372":689,"373":690,"374":691,"375":692,"376":693,"377":694,"378":695,"379":695,"380":697,"381":698,"382":699,"383":700,"384":700,"385":701,"386":702,"387":703,"388":704,"389":705,"390":705,"391":706,"392":706,"393":707,"394":707,"395":709,"396":710,"397":710,"398":711,"399":711,"400":712,"401":713,"402":714,"403":715,"404":716,"405":716,"406":717,"407":718,"408":719,"409":720,"410":721,"411":721,"412":722,"413":723,"414":724,"415":726,"416":728,"417":728,"418":728,"419":734,"420":736,"421":736,"422":737,"423":738,"424":738,"425":739,"426":741,"427":743,"428":745,"429":746,"430":755,"431":756,"432":757,"433":757,"434":759,"435":761,"436":762,"437":764,"438":765,"439":766,"440":766,"441":768,"442":769,"443":769,"444":770,"445":770,"446":771,"447":772,"448":773,"449":773,"450":775,"451":775,"452":776,"453":776,"454":777,"455":778,"456":783,"457":783,"458":785,"459":788,"460":789,"461":792,"462":796,"463":801,"464":803,"465":806,"466":807,"467":808,"468":809,"469":810,"470":812,"471":814,"472":815,"473":815,"474":816,"475":817,"476":817,"477":818,"478":818,"479":820,"480":821,"481":821,"482":821,"483":823,"484":824,"485":825,"486":825,"487":827,"488":827,"489":830,"490":830,"491":830,"492":831,"493":831,"494":832,"495":833,"496":836,"497":837,"498":840,"499":843,"500":850,"501":852,"502":852,"503":854,"504":855,"505":856,"506":857,"507":857,"508":858,"509":859,"510":859,"511":860,"512":862,"513":866,"514":866,"515":867,"516":868,"517":869,"518":870,"519":871,"520":871,"521":872,"522":872,"523":873,"524":874,"525":875,"526":875,"527":876,"528":876,"529":878,"530":879,"531":879,"532":881,"533":882,"534":883,"535":884,"536":885,"537":887,"538":888,"539":888,"540":890,"541":890,"542":891,"543":892,"544":894,"545":896,"546":896,"547":898,"548":898,"549":900,"550":900,"551":900,"552":900,"553":902,"554":903,"555":903,"556":904,"557":905,"558":906,"559":909,"560":909,"561":910,"562":914,"563":914,"564":914,"565":915,"566":921,"567":922,"568":927,"569":937,"570":938,"571":938,"572":940,"573":941,"574":941,"575":943,"576":945,"577":946,"578":947,"579":947,"580":949,"581":950,"582":951,"583":952,"584":954,"585":955,"586":955,"587":956,"588":956,"589":957,"590":957,"591":958,"592":958,"593":959,"594":960,"595":961,"596":961,"597":963,"598":963,"599":964,"600":965,"601":966,"602":966,"603":967,"604":968,"605":969,"606":971,"607":972,"608":972,"609":972,"610":973,"611":973,"612":974,"613":976,"614":978,"615":978,"616":979,"617":979,"618":980,"619":982,"620":982,"621":983,"622":983,"623":984,"624":984,"625":985,"626":985,"627":986,"628":986,"629":989,"630":989,"631":990,"632":990,"633":992,"634":993,"635":994,"636":995,"637":995,"638":996,"639":997,"640":999,"641":1000,"642":1001,"643":1004,"644":1005,"645":1009,"646":1009,"647":1014,"648":1014,"649":1015,"650":1016,"651":1017,"652":1017,"653":1020,"654":1020,"655":1021,"656":1021,"657":1021,"658":1022,"659":1023,"660":1024,"661":1024,"662":1024,"663":1025,"664":1026,"665":1026,"666":1026,"667":1030,"668":1032,"669":1033,"670":1033,"671":1035,"672":1036,"673":1037,"674":1038,"675":1039,"676":1040,"677":1041,"678":1043,"679":1044,"680":1044,"681":1046,"682":1047,"683":1048,"684":1050,"685":1051,"686":1052,"687":1053,"688":1054,"689":1055,"690":1055,"691":1056,"692":1060,"693":1062,"694":1065,"695":1065,"696":1066,"697":1066,"698":1066,"699":1067,"700":1068,"701":1073,"702":1075,"703":1075,"704":1076,"705":1077,"706":1077,"707":1077,"708":1083,"709":1084,"710":1085,"711":1085,"712":1087,"713":1088,"714":1090,"715":1091,"716":1092,"717":1092,"718":1093,"719":1095,"720":1098,"721":1100,"722":1102,"723":1102,"724":1103,"725":1104,"726":1104,"727":1105,"728":1105,"729":1106,"730":1106,"731":1107,"732":1110,"733":1111,"734":1111,"735":1111,"736":1112,"737":1112,"738":1114,"739":1115,"740":1118,"741":1119,"742":1121,"743":1121,"744":1122,"745":1123,"746":1125,"747":1126,"748":1127,"749":1127,"750":1128,"751":1129,"752":1133,"753":1135,"754":1136,"755":1137,"756":1137,"757":1139,"758":1139,"759":1140,"760":1141,"761":1142,"762":1145,"763":1146,"764":1147,"765":1150,"766":1151,"767":1153,"768":1155,"769":1156,"770":1156,"771":1157,"772":1157,"773":1158,"774":1159,"775":1160,"776":1160,"777":1167,"778":1168,"779":1170,"780":1171,"781":1171,"782":1172,"783":1172,"784":1174,"785":1176,"786":1178,"787":1179,"788":1180,"789":1181,"790":1182,"791":1182,"792":1184,"793":1185,"794":1187,"795":1188,"796":1189,"797":1192,"798":1193,"799":1194,"800":1194,"801":1195,"802":1195,"803":1196,"804":1197,"805":1198,"806":1200,"807":1201,"808":1206,"809":1208,"810":1209,"811":1210,"812":1211,"813":1212,"814":1213,"815":1214,"816":1214,"817":1215,"818":1216,"819":1218,"820":1219,"821":1221,"822":1223,"823":1224,"824":1225,"825":1226,"826":1228,"827":1229,"828":1229,"829":1230,"830":1230,"831":1231,"832":1233,"833":1234,"834":1234,"835":1235,"836":1236,"837":1237,"838":1237,"839":1238,"840":1241,"841":1241,"842":1243,"843":1246,"844":1247,"845":1251,"846":1251,"847":1252,"848":1254,"849":1259,"850":1262,"851":1263,"852":1264,"853":1268,"854":1271,"855":1272,"856":1273,"857":1278,"858":1281,"859":1285,"860":1286,"861":1289,"862":1289,"863":1289,"864":1292,"865":1293,"866":1296,"867":1296,"868":1297,"869":1297,"870":1298,"871":1299,"872":1300,"873":1301,"874":1303,"875":1303,"876":1304,"877":1305,"878":1305,"879":1306,"880":1306,"881":1307,"882":1308,"883":1310,"884":1311,"885":1313,"886":1314,"887":1314,"888":1315,"889":1315,"890":1317,"891":1318,"892":1319,"893":1319,"894":1319,"895":1321,"896":1322,"897":1323,"898":1323,"899":1324,"900":1327,"901":1328,"902":1329,"903":1330,"904":1331,"905":1332,"906":1333,"907":1333,"908":1334,"909":1335,"910":1335,"911":1336,"912":1338,"913":1340,"914":1341,"915":1341,"916":1342,"917":1342,"918":1344,"919":1345,"920":1348,"921":1348,"922":1349,"923":1349,"924":1350,"925":1350,"926":1352,"927":1355,"928":1355,"929":1357,"930":1359,"931":1360,"932":1362,"933":1365,"934":1366,"935":1367,"936":1370,"937":1370,"938":1370,"939":1372,"940":1372,"941":1373,"942":1374,"943":1378,"944":1379,"945":1379,"946":1380,"947":1380,"948":1382,"949":1384,"950":1386,"951":1387,"952":1387,"953":1389,"954":1390,"955":1390,"956":1392,"957":1394,"958":1395,"959":1396,"960":1398,"961":1399,"962":1402,"963":1403,"964":1404,"965":1404,"966":1405,"967":1405,"968":1406,"969":1407,"970":1408,"971":1409,"972":1410,"973":1411,"974":1412,"975":1413,"976":1415,"977":1417,"978":1417,"979":1418,"980":1423,"981":1423,"982":1424,"983":1426,"984":1427,"985":1427,"986":1428,"987":1429,"988":1430,"989":1431,"990":1431,"991":1433,"992":1434,"993":1438,"994":1439,"995":1440,"996":1441,"997":1441,"998":1442,"999":1442,"1000":1443,"1001":1444,"1002":1446,"1003":1447,"1004":1447,"1005":1447,"1006":1447,"1007":1448,"1008":1449,"1009":1449,"1010":1450,"1011":1451,"1012":1454,"1013":1456,"1014":1457,"1015":1458,"1016":1459,"1017":1459,"1018":1460,"1019":1465,"1020":1466,"1021":1467,"1022":1469,"1023":1470,"1024":1471,"1025":1472,"1026":1473,"1027":1476,"1028":1479,"1029":1479,"1030":1481,"1031":1483,"1032":1484,"1033":1485,"1034":1489,"1035":1492,"1036":1493,"1037":1495,"1038":1496,"1039":1497,"1040":1498,"1041":1499,"1042":1500,"1043":1501,"1044":1502,"1045":1502,"1046":1502,"1047":1504,"1048":1507,"1049":1507,"1050":1511,"1051":1514,"1052":1514,"1053":1515,"1054":1518,"1055":1518,"1056":1519,"1057":1520,"1058":1522,"1059":1522,"1060":1523,"1061":1524,"1062":1524,"1063":1526,"1064":1528,"1065":1529,"1066":1531,"1067":1532,"1068":1533,"1069":1534,"1070":1535,"1071":1536,"1072":1538,"1073":1538,"1074":1539,"1075":1540,"1076":1542,"1077":1544,"1078":1545,"1079":1546,"1080":1554,"1081":1557,"1082":1559,"1083":1560,"1084":1563,"1085":1565,"1086":1566,"1087":1567,"1088":1567,"1089":1568,"1090":1568,"1091":1568,"1092":1569,"1093":1569,"1094":1570,"1095":1593,"1096":1595,"1097":1598,"1098":1599,"1099":1601,"1100":1603,"1101":1604,"1102":1607,"1103":1608,"1104":1609,"1105":1609,"1106":1609,"1107":1610,"1108":1612,"1109":1613,"1110":1614,"1111":1615,"1112":1616,"1113":1616,"1114":1617,"1115":1619,"1116":1621,"1117":1621,"1118":1622,"1119":1622,"1120":1623,"1121":1624,"1122":1625,"1123":1626,"1124":1626,"1125":1628,"1126":1628,"1127":1629,"1128":1630,"1129":1630,"1130":1630,"1131":1631,"1132":1635,"1133":1635,"1134":1636,"1135":1637,"1136":1637,"1137":1638,"1138":1639,"1139":1640,"1140":1641,"1141":1642,"1142":1643,"1143":1644,"1144":1645,"1145":1646,"1146":1646,"1147":1647,"1148":1648,"1149":1649,"1150":1650,"1151":1650,"1152":1651,"1153":1652,"1154":1654,"1155":1654,"1156":1654,"1157":1655,"1158":1657,"1159":1658,"1160":1659,"1161":1659,"1162":1660,"1163":1660,"1164":1661,"1165":1662,"1166":1662,"1167":1662,"1168":1663,"1169":1663,"1170":1664,"1171":1666,"1172":1667,"1173":1668,"1174":1669,"1175":1669,"1176":1670,"1177":1672,"1178":1672,"1179":1673,"1180":1676,"1181":1676,"1182":1677,"1183":1678,"1184":1680,"1185":1681,"1186":1681,"1187":1682,"1188":1682,"1189":1683,"1190":1685,"1191":1688,"1192":1689,"1193":1690,"1194":1694,"1195":1696,"1196":1698,"1197":1700,"1198":1701,"1199":1701,"1200":1702,"1201":1704,"1202":1704,"1203":1706,"1204":1707,"1205":1707,"1206":1708,"1207":1709,"1208":1710,"1209":1712,"1210":1713,"1211":1715,"1212":1717,"1213":1722,"1214":1724,"1215":1726,"1216":1726,"1217":1727,"1218":1728,"1219":1728,"1220":1729,"1221":1732,"1222":1733,"1223":1733,"1224":1735,"1225":1735,"1226":1737,"1227":1738,"1228":1739,"1229":1741,"1230":1742,"1231":1743,"1232":1744,"1233":1745,"1234":1745,"1235":1746,"1236":1747,"1237":1748,"1238":1748,"1239":1748,"1240":1749,"1241":1749,"1242":1750,"1243":1751,"1244":1752,"1245":1752,"1246":1753,"1247":1755,"1248":1756,"1249":1756,"1250":1759,"1251":1760,"1252":1766,"1253":1766,"1254":1766,"1255":1769,"1256":1769,"1257":1771,"1258":1772,"1259":1773,"1260":1775,"1261":1776,"1262":1777,"1263":1778,"1264":1780,"1265":1783,"1266":1786,"1267":1788,"1268":1788,"1269":1789,"1270":1794,"1271":1796,"1272":1799,"1273":1802,"1274":1804,"1275":1806,"1276":1807,"1277":1809,"1278":1816,"1279":1821,"1280":1830,"1281":1832,"1282":1836,"1283":1837,"1284":1838,"1285":1839,"1286":1841,"1287":1844,"1288":1848,"1289":1850,"1290":1861,"1291":1862,"1292":1867,"1293":1870,"1294":1871,"1295":1873,"1296":1874,"1297":1877,"1298":1882,"1299":1882,"1300":1884,"1301":1886,"1302":1888,"1303":1891,"1304":1892,"1305":1894,"1306":1895,"1307":1897,"1308":1898,"1309":1899,"1310":1899,"1311":1900,"1312":1901,"1313":1903,"1314":1904,"1315":1905,"1316":1907,"1317":1908,"1318":1912,"1319":1916,"1320":1918,"1321":1933,"1322":1934,"1323":1934,"1324":1935,"1325":1936,"1326":1938,"1327":1940,"1328":1941,"1329":1942,"1330":1942,"1331":1942,"1332":1944,"1333":1945,"1334":1947,"1335":1947,"1336":1949,"1337":1952,"1338":1952,"1339":1953,"1340":1953,"1341":1954,"1342":1956,"1343":1957,"1344":1957,"1345":1958,"1346":1959,"1347":1959,"1348":1961,"1349":1961,"1350":1963,"1351":1964,"1352":1968,"1353":1968,"1354":1969,"1355":1971,"1356":1971,"1357":1973,"1358":1973,"1359":1975,"1360":1976,"1361":1977,"1362":1979,"1363":1980,"1364":1980,"1365":1982,"1366":1982,"1367":1983,"1368":1985,"1369":1987,"1370":1989,"1371":1991,"1372":1993,"1373":1994,"1374":1995,"1375":1997,"1376":1999,"1377":2000,"1378":2000,"1379":2000,"1380":2004,"1381":2005,"1382":2006,"1383":2007,"1384":2008,"1385":2009,"1386":2009,"1387":2010,"1388":2011,"1389":2011,"1390":2013,"1391":2014,"1392":2015,"1393":2015,"1394":2015,"1395":2017,"1396":2018,"1397":2018,"1398":2019,"1399":2024,"1400":2026,"1401":2028,"1402":2028,"1403":2032,"1404":2033,"1405":2034,"1406":2035,"1407":2036,"1408":2037,"1409":2039,"1410":2040,"1411":2043,"1412":2045,"1413":2046,"1414":2047,"1415":2048,"1416":2049,"1417":2050,"1418":2050,"1419":2051,"1420":2056,"1421":2058,"1422":2059,"1423":2062,"1424":2066,"1425":2066,"1426":2067,"1427":2071,"1428":2073,"1429":2073,"1430":2074,"1431":2075,"1432":2076,"1433":2077,"1434":2078,"1435":2080,"1436":2080,"1437":2080,"1438":2081,"1439":2082,"1440":2083,"1441":2084,"1442":2085,"1443":2087,"1444":2088,"1445":2089,"1446":2091,"1447":2092,"1448":2097,"1449":2100,"1450":2102,"1451":2104,"1452":2106,"1453":2106,"1454":2107,"1455":2108,"1456":2108,"1457":2109,"1458":2110,"1459":2112,"1460":2113,"1461":2115,"1462":2116,"1463":2117,"1464":2118,"1465":2119,"1466":2120,"1467":2122,"1468":2123,"1469":2123,"1470":2124,"1471":2126,"1472":2126,"1473":2132,"1474":2135,"1475":2135,"1476":2137,"1477":2139,"1478":2139,"1479":2146,"1480":2149,"1481":2154,"1482":2157,"1483":2158,"1484":2161,"1485":2162,"1486":2164,"1487":2165,"1488":2165,"1489":2166,"1490":2166,"1491":2166,"1492":2171,"1493":2172,"1494":2173,"1495":2175,"1496":2179,"1497":2180,"1498":2180,"1499":2181,"1500":2181,"1501":2182,"1502":2183,"1503":2185,"1504":2186,"1505":2188,"1506":2189,"1507":2190,"1508":2192,"1509":2192,"1510":2193,"1511":2193,"1512":2195,"1513":2195,"1514":2197,"1515":2198,"1516":2198,"1517":2200,"1518":2201,"1519":2202,"1520":2203,"1521":2206,"1522":2210,"1523":2214,"1524":2216,"1525":2217,"1526":2220,"1527":2221,"1528":2224,"1529":2225,"1530":2227,"1531":2229,"1532":2230,"1533":2233,"1534":2233,"1535":2234,"1536":2234,"1537":2235,"1538":2236,"1539":2246,"1540":2248,"1541":2249,"1542":2257,"1543":2257,"1544":2258,"1545":2265,"1546":2266,"1547":2267,"1548":2269,"1549":2271,"1550":2278,"1551":2286,"1552":2288,"1553":2289,"1554":2290,"1555":2291,"1556":2292,"1557":2293,"1558":2294,"1559":2300,"1560":2300,"1561":2302,"1562":2306,"1563":2311,"1564":2312,"1565":2314,"1566":2316,"1567":2316,"1568":2319,"1569":2321,"1570":2322,"1571":2330,"1572":2346,"1573":2350,"1574":2351,"1575":2352,"1576":2353,"1577":2354,"1578":2355,"1579":2359,"1580":2360,"1581":2360,"1582":2361,"1583":2362,"1584":2362,"1585":2363,"1586":2365,"1587":2365,"1588":2366,"1589":2366,"1590":2366,"1591":2367,"1592":2368,"1593":2370,"1594":2372,"1595":2373,"1596":2374,"1597":2375,"1598":2376,"1599":2376,"1600":2377,"1601":2377,"1602":2377,"1603":2379,"1604":2379,"1605":2381,"1606":2385,"1607":2387,"1608":2388,"1609":2389,"1610":2390,"1611":2391,"1612":2393,"1613":2395,"1614":2396,"1615":2397,"1616":2399,"1617":2400,"1618":2401,"1619":2402,"1620":2403,"1621":2403,"1622":2404,"1623":2407,"1624":2407,"1625":2409,"1626":2413,"1627":2415,"1628":2418,"1629":2418,"1630":2420,"1631":2422,"1632":2422,"1633":2423,"1634":2423,"1635":2424,"1636":2424,"1637":2425,"1638":2425,"1639":2428,"1640":2433,"1641":2434,"1642":2435,"1643":2435,"1644":2436,"1645":2438,"1646":2439,"1647":2440,"1648":2441,"1649":2442,"1650":2444,"1651":2448,"1652":2449,"1653":2450,"1654":2450,"1655":2453,"1656":2454,"1657":2454,"1658":2455,"1659":2456,"1660":2458,"1661":2459,"1662":2460,"1663":2461,"1664":2462,"1665":2463,"1666":2463,"1667":2464,"1668":2465,"1669":2466,"1670":2466,"1671":2467,"1672":2469,"1673":2472,"1674":2473,"1675":2479,"1676":2480,"1677":2482,"1678":2482,"1679":2484,"1680":2489,"1681":2491,"1682":2491,"1683":2492,"1684":2493,"1685":2494,"1686":2495,"1687":2496,"1688":2498,"1689":2500,"1690":2511,"1691":2513,"1692":2517,"1693":2521,"1694":2522,"1695":2526,"1696":2529,"1697":2532,"1698":2533,"1699":2534,"1700":2535,"1701":2542,"1702":2545,"1703":2546,"1704":2550,"1705":2550,"1706":2551,"1707":2554,"1708":2562,"1709":2563,"1710":2564,"1711":2565,"1712":2566,"1713":2567,"1714":2568,"1715":2569,"1716":2570,"1717":2575,"1718":2576,"1719":2578,"1720":2581,"1721":2584,"1722":2585,"1723":2586,"1724":2586,"1725":2588,"1726":2589,"1727":2590,"1728":2593,"1729":2596,"1730":2598,"1731":2601,"1732":2603,"1733":2604,"1734":2608,"1735":2610,"1736":2611,"1737":2616,"1738":2617,"1739":2618,"1740":2619,"1741":2621,"1742":2628,"1743":2629,"1744":2631,"1745":2632,"1746":2633,"1747":2635,"1748":2636,"1749":2637,"1750":2639,"1751":2643,"1752":2644,"1753":2645,"1754":2645,"1755":2646,"1756":2647,"1757":2655,"1758":2656,"1759":2659,"1760":2670,"1761":2672,"1762":2677,"1763":2678,"1764":2684,"1765":2685,"1766":2688,"1767":2692,"1768":2694,"1769":2696,"1770":2696,"1771":2706,"1772":2713,"1773":2722,"1774":2724,"1775":2725,"1776":2726,"1777":2727,"1778":2731,"1779":2734,"1780":2734,"1781":2739,"1782":2742,"1783":2752,"1784":2754,"1785":2754,"1786":2756,"1787":2758,"1788":2762,"1789":2771,"1790":2773,"1791":2775,"1792":2777,"1793":2781,"1794":2785,"1795":2787,"1796":2791,"1797":2792,"1798":2793,"1799":2796,"1800":2797,"1801":2797,"1802":2801,"1803":2802,"1804":2804,"1805":2807,"1806":2813,"1807":2816,"1808":2819,"1809":2820,"1810":2824,"1811":2825,"1812":2826,"1813":2828,"1814":2829,"1815":2832,"1816":2834,"1817":2835,"1818":2842,"1819":2845,"1820":2847,"1821":2847,"1822":2848,"1823":2851,"1824":2853,"1825":2854,"1826":2855,"1827":2856,"1828":2858,"1829":2864,"1830":2866,"1831":2867,"1832":2868,"1833":2870,"1834":2870,"1835":2872,"1836":2877,"1837":2878,"1838":2879,"1839":2879,"1840":2880,"1841":2880,"1842":2881,"1843":2882,"1844":2883,"1845":2884,"1846":2885,"1847":2886,"1848":2888,"1849":2888,"1850":2888,"1851":2890,"1852":2891,"1853":2892,"1854":2894,"1855":2895,"1856":2896,"1857":2896,"1858":2897,"1859":2897,"1860":2898,"1861":2900,"1862":2905,"1863":2906,"1864":2909,"1865":2911,"1866":2912,"1867":2913,"1868":2914,"1869":2916,"1870":2916,"1871":2916,"1872":2917,"1873":2917,"1874":2917,"1875":2918,"1876":2919,"1877":2919,"1878":2920,"1879":2920,"1880":2921,"1881":2921,"1882":2922,"1883":2923,"1884":2925,"1885":2926,"1886":2926,"1887":2927,"1888":2929,"1889":2930,"1890":2931,"1891":2933,"1892":2934,"1893":2935,"1894":2936,"1895":2936,"1896":2937,"1897":2937,"1898":2938,"1899":2938,"1900":2939,"1901":2940,"1902":2940,"1903":2941,"1904":2941,"1905":2942,"1906":2943,"1907":2944,"1908":2945,"1909":2947,"1910":2948,"1911":2949,"1912":2950,"1913":2951,"1914":2951,"1915":2953,"1916":2953,"1917":2954,"1918":2954,"1919":2955,"1920":2956,"1921":2956,"1922":2957,"1923":2959,"1924":2962,"1925":2964,"1926":2967,"1927":2968,"1928":2969,"1929":2970,"1930":2970,"1931":2971,"1932":2972,"1933":2974,"1934":2975,"1935":2976,"1936":2977,"1937":2978,"1938":2979,"1939":2980,"1940":2983,"1941":2984,"1942":2985,"1943":2989,"1944":2990,"1945":2993,"1946":2995,"1947":2995,"1948":2996,"1949":2997,"1950":2998,"1951":2999,"1952":3000,"1953":3001,"1954":3009,"1955":3011,"1956":3011,"1957":3012,"1958":3012,"1959":3014,"1960":3015,"1961":3021,"1962":3028,"1963":3030,"1964":3031,"1965":3031,"1966":3034,"1967":3034,"1968":3035,"1969":3036,"1970":3037,"1971":3037,"1972":3039,"1973":3042,"1974":3042,"1975":3043,"1976":3046,"1977":3048,"1978":3050,"1979":3051,"1980":3052,"1981":3052,"1982":3053,"1983":3055,"1984":3055,"1985":3056,"1986":3056,"1987":3056,"1988":3057,"1989":3057,"1990":3058,"1991":3059,"1992":3060,"1993":3060,"1994":3060,"1995":3061,"1996":3062,"1997":3062,"1998":3063,"1999":3064,"2000":3064,"2001":3065,"2002":3065,"2003":3066,"2004":3066,"2005":3067,"2006":3067,"2007":3068,"2008":3068,"2009":3069,"2010":3070,"2011":3071,"2012":3072,"2013":3073,"2014":3074,"2015":3075,"2016":3076,"2017":3077,"2018":3079,"2019":3083,"2020":3083,"2021":3083,"2022":3084,"2023":3085,"2024":3087,"2025":3088,"2026":3089,"2027":3089,"2028":3091,"2029":3092,"2030":3093,"2031":3094,"2032":3095,"2033":3096,"2034":3096,"2035":3097,"2036":3098,"2037":3101,"2038":3103,"2039":3103,"2040":3105,"2041":3107,"2042":3108,"2043":3110,"2044":3111,"2045":3112,"2046":3113,"2047":3114,"2048":3115,"2049":3117,"2050":3118,"2051":3119,"2052":3120,"2053":3120,"2054":3122,"2055":3122,"2056":3124,"2057":3125,"2058":3125,"2059":3126,"2060":3127,"2061":3130,"2062":3130,"2063":3132,"2064":3132,"2065":3134,"2066":3135,"2067":3135,"2068":3136,"2069":3137,"2070":3138,"2071":3141,"2072":3142,"2073":3143,"2074":3144,"2075":3145,"2076":3145,"2077":3146,"2078":3147,"2079":3148,"2080":3151,"2081":3153,"2082":3154,"2083":3154,"2084":3156,"2085":3157,"2086":3161,"2087":3163,"2088":3164,"2089":3165,"2090":3166,"2091":3168,"2092":3170,"2093":3175,"2094":3178,"2095":3178,"2096":3180,"2097":3181,"2098":3182,"2099":3182,"2100":3184,"2101":3189,"2102":3189,"2103":3190,"2104":3192,"2105":3193,"2106":3194,"2107":3194,"2108":3194,"2109":3196,"2110":3198,"2111":3199,"2112":3200,"2113":3201,"2114":3203,"2115":3204,"2116":3206,"2117":3206,"2118":3207,"2119":3207,"2120":3210,"2121":3210,"2122":3212,"2123":3213,"2124":3214,"2125":3215,"2126":3217,"2127":3218,"2128":3219,"2129":3222,"2130":3229,"2131":3231,"2132":3233,"2133":3234,"2134":3235,"2135":3235,"2136":3236,"2137":3237,"2138":3238,"2139":3238,"2140":3239,"2141":3243,"2142":3244,"2143":3246,"2144":3247,"2145":3250,"2146":3251,"2147":3252,"2148":3252,"2149":3253,"2150":3254,"2151":3254,"2152":3255,"2153":3256,"2154":3259,"2155":3260,"2156":3262,"2157":3265,"2158":3269,"2159":3269,"2160":3274,"2161":3277,"2162":3278,"2163":3280,"2164":3281,"2165":3282,"2166":3285,"2167":3285,"2168":3286,"2169":3287,"2170":3289,"2171":3289,"2172":3291,"2173":3294,"2174":3298,"2175":3299,"2176":3310,"2177":3310,"2178":3310,"2179":3311,"2180":3316,"2181":3316,"2182":3318,"2183":3319,"2184":3323,"2185":3324,"2186":3324,"2187":3328,"2188":3333,"2189":3335,"2190":3336,"2191":3339,"2192":3340,"2193":3341,"2194":3342,"2195":3343,"2196":3343,"2197":3343,"2198":3346,"2199":3350,"2200":3353,"2201":3359,"2202":3371,"2203":3374,"2204":3375,"2205":3375,"2206":3376,"2207":3376,"2208":3377,"2209":3378,"2210":3378,"2211":3379,"2212":3382,"2213":3384,"2214":3384,"2215":3384,"2216":3385,"2217":3387,"2218":3387,"2219":3388,"2220":3389,"2221":3390,"2222":3392,"2223":3392,"2224":3394,"2225":3394,"2226":3395,"2227":3395,"2228":3397,"2229":3398,"2230":3399,"2231":3401,"2232":3401,"2233":3402,"2234":3402,"2235":3403,"2236":3404,"2237":3406,"2238":3407,"2239":3408,"2240":3409,"2241":3410,"2242":3411,"2243":3412,"2244":3413,"2245":3413,"2246":3416,"2247":3416,"2248":3417,"2249":3417,"2250":3417,"2251":3418,"2252":3418,"2253":3418,"2254":3419,"2255":3422,"2256":3428,"2257":3430,"2258":3430,"2259":3431,"2260":3431,"2261":3431,"2262":3433,"2263":3434,"2264":3436,"2265":3439,"2266":3442,"2267":3446,"2268":3447,"2269":3454,"2270":3455,"2271":3456,"2272":3458,"2273":3459,"2274":3460,"2275":3462,"2276":3463,"2277":3464,"2278":3467,"2279":3468,"2280":3469,"2281":3471,"2282":3473,"2283":3478,"2284":3481,"2285":3482,"2286":3509,"2287":3512,"2288":3514,"2289":3515,"2290":3516,"2291":3517,"2292":3525,"2293":3529,"2294":3531,"2295":3533,"2296":3533,"2297":3534,"2298":3536,"2299":3537,"2300":3538,"2301":3540,"2302":3541,"2303":3542,"2304":3543,"2305":3545,"2306":3545,"2307":3546,"2308":3547,"2309":3547,"2310":3548,"2311":3550,"2312":3551,"2313":3553,"2314":3557,"2315":3561,"2316":3563,"2317":3566,"2318":3568,"2319":3570,"2320":3570,"2321":3573,"2322":3575,"2323":3578,"2324":3578,"2325":3579,"2326":3580,"2327":3581,"2328":3583,"2329":3583,"2330":3584,"2331":3585,"2332":3589,"2333":3590,"2334":3590,"2335":3591,"2336":3595,"2337":3597,"2338":3600,"2339":3601,"2340":3602,"2341":3604,"2342":3605,"2343":3606,"2344":3606,"2345":3608,"2346":3609,"2347":3611,"2348":3612,"2349":3613,"2350":3613,"2351":3616,"2352":3617,"2353":3617,"2354":3618,"2355":3620,"2356":3621,"2357":3622,"2358":3640,"2359":3644,"2360":3646,"2361":3649,"2362":3650,"2363":3650,"2364":3651,"2365":3652,"2366":3653,"2367":3653,"2368":3656,"2369":3659,"2370":3661,"2371":3661,"2372":3662,"2373":3664,"2374":3664,"2375":3667,"2376":3670,"2377":3671,"2378":3672,"2379":3674,"2380":3676,"2381":3677,"2382":3679,"2383":3689,"2384":3691,"2385":3693,"2386":3694,"2387":3697,"2388":3698,"2389":3699,"2390":3700,"2391":3701,"2392":3702,"2393":3703,"2394":3706,"2395":3708,"2396":3709,"2397":3712,"2398":3712,"2399":3723,"2400":3725,"2401":3725,"2402":3727,"2403":3731,"2404":3732,"2405":3734,"2406":3737,"2407":3740,"2408":3741,"2409":3742,"2410":3746,"2411":3751,"2412":3755,"2413":3757,"2414":3757,"2415":3757,"2416":3757,"2417":3758,"2418":3758,"2419":3759,"2420":3760,"2421":3760,"2422":3761,"2423":3761,"2424":3761,"2425":3762,"2426":3763,"2427":3763,"2428":3764,"2429":3764,"2430":3765,"2431":3765,"2432":3765,"2433":3767,"2434":3768,"2435":3769,"2436":3772,"2437":3773,"2438":3774,"2439":3776,"2440":3777,"2441":3778,"2442":3780,"2443":3780,"2444":3781,"2445":3782,"2446":3784,"2447":3785,"2448":3788,"2449":3790,"2450":3791,"2451":3794,"2452":3795,"2453":3795,"2454":3797,"2455":3798,"2456":3799,"2457":3800,"2458":3807,"2459":3809,"2460":3810,"2461":3813,"2462":3815,"2463":3815,"2464":3817,"2465":3817,"2466":3818,"2467":3820,"2468":3822,"2469":3822,"2470":3823,"2471":3824,"2472":3826,"2473":3828,"2474":3830,"2475":3832,"2476":3833,"2477":3834,"2478":3834,"2479":3835,"2480":3835,"2481":3836,"2482":3838,"2483":3838,"2484":3839,"2485":3841,"2486":3845,"2487":3845,"2488":3846,"2489":3847,"2490":3849,"2491":3849,"2492":3850,"2493":3854,"2494":3854,"2495":3855,"2496":3858,"2497":3861,"2498":3863,"2499":3864,"2500":3865,"2501":3866,"2502":3867,"2503":3868,"2504":3869,"2505":3869,"2506":3870,"2507":3871,"2508":3872,"2509":3873,"2510":3874,"2511":3876,"2512":3878,"2513":3879,"2514":3879,"2515":3880,"2516":3883,"2517":3885,"2518":3885,"2519":3885,"2520":3886,"2521":3887,"2522":3889,"2523":3889,"2524":3890,"2525":3890,"2526":3891,"2527":3892,"2528":3892,"2529":3892,"2530":3894,"2531":3894,"2532":3895,"2533":3896,"2534":3897,"2535":3898,"2536":3899,"2537":3900,"2538":3900,"2539":3901,"2540":3902,"2541":3903,"2542":3904,"2543":3905,"2544":3905,"2545":3906,"2546":3908,"2547":3911,"2548":3911,"2549":3913,"2550":3914,"2551":3915,"2552":3916,"2553":3917,"2554":3917,"2555":3919,"2556":3920,"2557":3921,"2558":3922,"2559":3925,"2560":3926,"2561":3926,"2562":3929,"2563":3929,"2564":3931,"2565":3932,"2566":3933,"2567":3935,"2568":3937,"2569":3937,"2570":3938,"2571":3943,"2572":3946,"2573":3946,"2574":3948,"2575":3949,"2576":3950,"2577":3953,"2578":3954,"2579":3954,"2580":3957,"2581":3959,"2582":3960,"2583":3961,"2584":3962,"2585":3963,"2586":3964,"2587":3967,"2588":3968,"2589":3968,"2590":3969,"2591":3971,"2592":3973,"2593":3977,"2594":3978,"2595":3983,"2596":3984,"2597":3987,"2598":3988,"2599":3989,"2600":3990,"2601":3991,"2602":3992,"2603":3993,"2604":3993,"2605":3995,"2606":3995,"2607":3996,"2608":3996,"2609":3997,"2610":3998,"2611":3999,"2612":4002,"2613":4003,"2614":4007,"2615":4009,"2616":4012,"2617":4017,"2618":4019,"2619":4020,"2620":4020,"2621":4020,"2622":4021,"2623":4022,"2624":4023,"2625":4024,"2626":4025,"2627":4027,"2628":4028,"2629":4028,"2630":4029,"2631":4030,"2632":4031,"2633":4032,"2634":4033,"2635":4034,"2636":4035,"2637":4035,"2638":4038,"2639":4039,"2640":4039,"2641":4041,"2642":4041,"2643":4042,"2644":4043,"2645":4044,"2646":4044,"2647":4045,"2648":4046,"2649":4047,"2650":4047,"2651":4048,"2652":4048,"2653":4049,"2654":4050,"2655":4051,"2656":4052,"2657":4054,"2658":4055,"2659":4056,"2660":4058,"2661":4059,"2662":4060,"2663":4060,"2664":4062,"2665":4064,"2666":4067,"2667":4071,"2668":4072,"2669":4072,"2670":4075,"2671":4077,"2672":4078,"2673":4078,"2674":4079,"2675":4079,"2676":4080,"2677":4081,"2678":4082,"2679":4083,"2680":4085,"2681":4086,"2682":4087,"2683":4087,"2684":4092,"2685":4103,"2686":4104,"2687":4105,"2688":4107,"2689":4108,"2690":4109,"2691":4109,"2692":4110,"2693":4111,"2694":4113,"2695":4114,"2696":4114,"2697":4117,"2698":4118,"2699":4120,"2700":4123,"2701":4124,"2702":4125,"2703":4125,"2704":4126,"2705":4126,"2706":4127,"2707":4127,"2708":4127,"2709":4128,"2710":4128,"2711":4129,"2712":4135,"2713":4136,"2714":4137,"2715":4138,"2716":4138,"2717":4138,"2718":4140,"2719":4141,"2720":4141,"2721":4142,"2722":4143,"2723":4144,"2724":4145,"2725":4146,"2726":4147,"2727":4148,"2728":4149,"2729":4149,"2730":4150,"2731":4150,"2732":4151,"2733":4153,"2734":4154,"2735":4154,"2736":4155,"2737":4156,"2738":4157,"2739":4159,"2740":4159,"2741":4166,"2742":4168,"2743":4169,"2744":4170,"2745":4171,"2746":4171,"2747":4171,"2748":4172,"2749":4173,"2750":4175,"2751":4175,"2752":4175,"2753":4177,"2754":4181,"2755":4181,"2756":4182,"2757":4183,"2758":4183,"2759":4183,"2760":4184,"2761":4185,"2762":4185,"2763":4186,"2764":4187,"2765":4188,"2766":4190,"2767":4191,"2768":4194,"2769":4197,"2770":4197,"2771":4198,"2772":4198,"2773":4198,"2774":4200,"2775":4201,"2776":4202,"2777":4204,"2778":4207,"2779":4207,"2780":4207,"2781":4209,"2782":4209,"2783":4211,"2784":4212,"2785":4213,"2786":4214,"2787":4214,"2788":4216,"2789":4218,"2790":4220,"2791":4220,"2792":4221,"2793":4223,"2794":4223,"2795":4225,"2796":4225,"2797":4225,"2798":4226,"2799":4227,"2800":4227,"2801":4229,"2802":4231,"2803":4233,"2804":4235,"2805":4236,"2806":4239,"2807":4239,"2808":4241,"2809":4242,"2810":4242,"2811":4243,"2812":4244,"2813":4244,"2814":4245,"2815":4246,"2816":4248,"2817":4249,"2818":4250,"2819":4252,"2820":4253,"2821":4256,"2822":4257,"2823":4258,"2824":4260,"2825":4262,"2826":4267,"2827":4268,"2828":4271,"2829":4273,"2830":4285,"2831":4288,"2832":4291,"2833":4291,"2834":4292,"2835":4292,"2836":4299,"2837":4302,"2838":4303,"2839":4303,"2840":4303,"2841":4304,"2842":4306,"2843":4307,"2844":4308,"2845":4308,"2846":4309,"2847":4310,"2848":4310,"2849":4310,"2850":4311,"2851":4313,"2852":4313,"2853":4314,"2854":4318,"2855":4319,"2856":4321,"2857":4322,"2858":4323,"2859":4323,"2860":4329,"2861":4330,"2862":4331,"2863":4332,"2864":4333,"2865":4335,"2866":4336,"2867":4337,"2868":4338,"2869":4338,"2870":4339,"2871":4340,"2872":4341,"2873":4343,"2874":4344,"2875":4345,"2876":4346,"2877":4347,"2878":4348,"2879":4348,"2880":4350,"2881":4351,"2882":4352,"2883":4352,"2884":4354,"2885":4355,"2886":4356,"2887":4357,"2888":4358,"2889":4359,"2890":4360,"2891":4361,"2892":4361,"2893":4363,"2894":4379,"2895":4380,"2896":4382,"2897":4382,"2898":4383,"2899":4385,"2900":4386,"2901":4387,"2902":4390,"2903":4390,"2904":4391,"2905":4392,"2906":4393,"2907":4396,"2908":4399,"2909":4400,"2910":4401,"2911":4402,"2912":4402,"2913":4404,"2914":4405,"2915":4406,"2916":4407,"2917":4409,"2918":4410,"2919":4411,"2920":4411,"2921":4412,"2922":4416,"2923":4418,"2924":4420,"2925":4420,"2926":4421,"2927":4422,"2928":4427,"2929":4428,"2930":4429,"2931":4430,"2932":4431,"2933":4434,"2934":4435},"number_max":2934,"number_pages":{"105":1,"108":2,"109":3,"111":6,"113":7,"146":8,"151":9,"155":10,"160":11,"161":15,"162":16,"179":17,"185":18,"186":19,"188":25,"190":26,"204":27,"205":28,"210":29,"213":30,"214":31,"215":32,"216":33,"217":34,"219":35,"221":36,"222":37,"223":38,"225":39,"228":40,"230":41,"233":42,"235":43,"236":44,"237":46,"239":47,"243":48,"245":49,"246":50,"248":51,"249":53,"250":55,"251":56,"252":57,"254":58,"258":59,"259":60,"260":61,"262":62,"265":63,"266":64,"269":65,"271":66,"272":67,"274":68,"276":70,"279":71,"280":72,"284":93,"285":94,"322":95,"325":97,"328":98,"329":99,"334":100,"336":101,"338":103,"339":104,"341":106,"344":107,"346":108,"347":110,"348":111,"349":112,"352":113,"356":114,"357":116,"358":117,"359":118,"360":119,"362":120,"363":154,"364":176,"395":213,"453":245,"492":281,"535":292,"549":302,"556":326,"579":327,"656":328,"657":329,"658":330,"662":331,"664":332,"665":333,"666":335,"667":337,"668":338,"669":339,"670":341,"671":342,"672":344,"673":347,"675":348,"676":349,"677":351,"678":354,"679":355,"680":357,"681":358,"682":359,"683":362,"684":366,"687":369,"688":371,"689":372,"690":373,"691":374,"692":375,"693":376,"694":377,"695":379,"697":380,"698":381,"699":382,"700":384,"701":385,"702":386,"703":387,"704":388,"705":390,"706":392,"707":394,"709":395,"710":397,"711":399,"712":400,"713":401,"714":402,"715":403,"716":405,"717":406,"718":407,"719":408,"720":409,"721":411,"722":412,"723":413,"724":414,"726":415,"728":418,"734":419,"736":421,"737":422,"738":424,"739":425,"741":426,"743":427,"745":428,"746":429,"755":430,"756":431,"757":433,"759":434,"761":435,"762":436,"764":437,"765":438,"766":440,"768":441,"769":443,"770":445,"771":446,"772":447,"773":449,"775":451,"776":453,"777":454,"778":455,"783":457,"785":458,"788":459,"789":460,"792":461,"796":462,"801":463,"803":464,"806":465,"807":466,"808":467,"809":468,"810":469,"812":470,"814":471,"815":473,"816":474,"817":476,"818":478,"820":479,"821":482,"823":483,"824":484,"825":486,"827":488,"830":491,"831":493,"832":494,"833":495,"836":496,"837":497,"840":498,"843":499,"850":500,"852":502,"854":503,"855":504,"856":505,"857":507,"858":508,"859":510,"860":511,"862":512,"866":514,"867":515,"868":516,"869":517,"870":518,"871":520,"872":522,"873":523,"874":524,"875":526,"876":528,"878":529,"879":531,"881":532,"882":533,"883":534,"884":535,"885":536,"887":537,"888":539,"890":541,"891":542,"892":543,"894":544,"896":546,"898":548,"900":552,"902":553,"903":555,"904":556,"905":557,"906":558,"909":560,"910":561,"914":564,"915":565,"921":566,"922":567,"927":568,"937":569,"938":571,"940":572,"941":574,"943":575,"945":576,"946":577,"947":579,"949":580,"950":581,"951":582,"952":583,"954":584,"955":586,"956":588,"957":590,"958":592,"959":593,"960":594,"961":596,"963":598,"964":599,"965":600,"966":602,"967":603,"968":604,"969":605,"971":606,"972":609,"973":611,"974":612,"976":613,"978":615,"979":617,"980":618,"982":620,"983":622,"984":624,"985":626,"986":628,"989":630,"990":632,"992":633,"993":634,"994":635,"995":637,"996":638,"997":639,"999":640,"1000":641,"1001":642,"1004":643,"1005":644,"1009":646,"1014":648,"1015":649,"1016":650,"1017":652,"1020":654,"1021":657,"1022":658,"1023":659,"1024":662,"1025":663,"1026":666,"1030":667,"1032":668,"1033":670,"1035":671,"1036":672,"1037":673,"1038":674,"1039":675,"1040":676,"1041":677,"1043":678,"1044":680,"1046":681,"1047":682,"1048":683,"1050":684,"1051":685,"1052":686,"1053":687,"1054":688,"1055":690,"1056":691,"1060":692,"1062":693,"1065":695,"1066":698,"1067":699,"1068":700,"1073":701,"1075":703,"1076":704,"1077":707,"1083":708,"1084":709,"1085":711,"1087":712,"1088":713,"1090":714,"1091":715,"1092":717,"1093":718,"1095":719,"1098":720,"1100":721,"1102":723,"1103":724,"1104":726,"1105":728,"1106":730,"1107":731,"1110":732,"1111":735,"1112":737,"1114":738,"1115":739,"1118":740,"1119":741,"1121":743,"1122":744,"1123":745,"1125":746,"1126":747,"1127":749,"1128":750,"1129":751,"1133":752,"1135":753,"1136":754,"1137":756,"1139":758,"1140":759,"1141":760,"1142":761,"1145":762,"1146":763,"1147":764,"1150":765,"1151":766,"1153":767,"1155":768,"1156":770,"1157":772,"1158":773,"1159":774,"1160":776,"1167":777,"1168":778,"1170":779,"1171":781,"1172":783,"1174":784,"1176":785,"1178":786,"1179":787,"1180":788,"1181":789,"1182":791,"1184":792,"1185":793,"1187":794,"1188":795,"1189":796,"1192":797,"1193":798,"1194":800,"1195":802,"1196":803,"1197":804,"1198":805,"1200":806,"1201":807,"1206":808,"1208":809,"1209":810,"1210":811,"1211":812,"1212":813,"1213":814,"1214":816,"1215":817,"1216":818,"1218":819,"1219":820,"1221":821,"1223":822,"1224":823,"1225":824,"1226":825,"1228":826,"1229":828,"1230":830,"1231":831,"1233":832,"1234":834,"1235":835,"1236":836,"1237":838,"1238":839,"1241":841,"1243":842,"1246":843,"1247":844,"1251":846,"1252":847,"1254":848,"1259":849,"1262":850,"1263":851,"1264":852,"1268":853,"1271":854,"1272":855,"1273":856,"1278":857,"1281":858,"1285":859,"1286":860,"1289":863,"1292":864,"1293":865,"1296":867,"1297":869,"1298":870,"1299":871,"1300":872,"1301":873,"1303":875,"1304":876,"1305":878,"1306":880,"1307":881,"1308":882,"1310":883,"1311":884,"1313":885,"1314":887,"1315":889,"1317":890,"1318":891,"1319":894,"1321":895,"1322":896,"1323":898,"1324":899,"1327":900,"1328":901,"1329":902,"1330":903,"1331":904,"1332":905,"1333":907,"1334":908,"1335":910,"1336":911,"1338":912,"1340":913,"1341":915,"1342":917,"1344":918,"1345":919,"1348":921,"1349":923,"1350":925,"1352":926,"1355":928,"1357":929,"1359":930,"1360":931,"1362":932,"1365":933,"1366":934,"1367":935,"1370":938,"1372":940,"1373":941,"1374":942,"1378":943,"1379":945,"1380":947,"1382":948,"1384":949,"1386":950,"1387":952,"1389":953,"1390":955,"1392":956,"1394":957,"1395":958,"1396":959,"1398":960,"1399":961,"1402":962,"1403":963,"1404":965,"1405":967,"1406":968,"1407":969,"1408":970,"1409":971,"1410":972,"1411":973,"1412":974,"1413":975,"1415":976,"1417":978,"1418":979,"1423":981,"1424":982,"1426":983,"1427":985,"1428":986,"1429":987,"1430":988,"1431":990,"1433":991,"1434":992,"1438":993,"1439":994,"1440":995,"1441":997,"1442":999,"1443":1000,"1444":1001,"1446":1002,"1447":1006,"1448":1007,"1449":1009,"1450":1010,"1451":1011,"1454":1012,"1456":1013,"1457":1014,"1458":1015,"1459":1017,"1460":1018,"1465":1019,"1466":1020,"1467":1021,"1469":1022,"1470":1023,"1471":1024,"1472":1025,"1473":1026,"1476":1027,"1479":1029,"1481":1030,"1483":1031,"1484":1032,"1485":1033,"1489":1034,"1492":1035,"1493":1036,"1495":1037,"1496":1038,"1497":1039,"1498":1040,"1499":1041,"1500":1042,"1501":1043,"1502":1046,"1504":1047,"1507":1049,"1511":1050,"1514":1052,"1515":1053,"1518":1055,"1519":1056,"1520":1057,"1522":1059,"1523":1060,"1524":1062,"1526":1063,"1528":1064,"1529":1065,"1531":1066,"1532":1067,"1533":1068,"1534":1069,"1535":1070,"1536":1071,"1538":1073,"1539":1074,"1540":1075,"1542":1076,"1544":1077,"1545":1078,"1546":1079,"1554":1080,"1557":1081,"1559":1082,"1560":1083,"1563":1084,"1565":1085,"1566":1086,"1567":1088,"1568":1091,"1569":1093,"1570":1094,"1593":1095,"1595":1096,"1598":1097,"1599":1098,"1601":1099,"1603":1100,"1604":1101,"1607":1102,"1608":1103,"1609":1106,"1610":1107,"1612":1108,"1613":1109,"1614":1110,"1615":1111,"1616":1113,"1617":1114,"1619":1115,"1621":1117,"1622":1119,"1623":1120,"1624":1121,"1625":1122,"1626":1124,"1628":1126,"1629":1127,"1630":1130,"1631":1131,"1635":1133,"1636":1134,"1637":1136,"1638":1137,"1639":1138,"1640":1139,"1641":1140,"1642":1141,"1643":1142,"1644":1143,"1645":1144,"1646":1146,"1647":1147,"1648":1148,"1649":1149,"1650":1151,"1651":1152,"1652":1153,"1654":1156,"1655":1157,"1657":1158,"1658":1159,"1659":1161,"1660":1163,"1661":1164,"1662":1167,"1663":1169,"1664":1170,"1666":1171,"1667":1172,"1668":1173,"1669":1175,"1670":1176,"1672":1178,"1673":1179,"1676":1181,"1677":1182,"1678":1183,"1680":1184,"1681":1186,"1682":1188,"1683":1189,"1685":1190,"1688":1191,"1689":1192,"1690":1193,"1694":1194,"1696":1195,"1698":1196,"1700":1197,"1701":1199,"1702":1200,"1704":1202,"1706":1203,"1707":1205,"1708":1206,"1709":1207,"1710":1208,"1712":1209,"1713":1210,"1715":1211,"1717":1212,"1722":1213,"1724":1214,"1726":1216,"1727":1217,"1728":1219,"1729":1220,"1732":1221,"1733":1223,"1735":1225,"1737":1226,"1738":1227,"1739":1228,"1741":1229,"1742":1230,"1743":1231,"1744":1232,"1745":1234,"1746":1235,"1747":1236,"1748":1239,"1749":1241,"1750":1242,"1751":1243,"1752":1245,"1753":1246,"1755":1247,"1756":1249,"1759":1250,"1760":1251,"1766":1254,"1769":1256,"1771":1257,"1772":1258,"1773":1259,"1775":1260,"1776":1261,"1777":1262,"1778":1263,"1780":1264,"1783":1265,"1786":1266,"1788":1268,"1789":1269,"1794":1270,"1796":1271,"1799":1272,"1802":1273,"1804":1274,"1806":1275,"1807":1276,"1809":1277,"1816":1278,"1821":1279,"1830":1280,"1832":1281,"1836":1282,"1837":1283,"1838":1284,"1839":1285,"1841":1286,"1844":1287,"1848":1288,"1850":1289,"1861":1290,"1862":1291,"1867":1292,"1870":1293,"1871":1294,"1873":1295,"1874":1296,"1877":1297,"1882":1299,"1884":1300,"1886":1301,"1888":1302,"1891":1303,"1892":1304,"1894":1305,"1895":1306,"1897":1307,"1898":1308,"1899":1310,"1900":1311,"1901":1312,"1903":1313,"1904":1314,"1905":1315,"1907":1316,"1908":1317,"1912":1318,"1916":1319,"1918":1320,"1933":1321,"1934":1323,"1935":1324,"1936":1325,"1938":1326,"1940":1327,"1941":1328,"1942":1331,"1944":1332,"1945":1333,"1947":1335,"1949":1336,"1952":1338,"1953":1340,"1954":1341,"1956":1342,"1957":1344,"1958":1345,"1959":1347,"1961":1349,"1963":1350,"1964":1351,"1968":1353,"1969":1354,"1971":1356,"1973":1358,"1975":1359,"1976":1360,"1977":1361,"1979":1362,"1980":1364,"1982":1366,"1983":1367,"1985":1368,"1987":1369,"1989":1370,"1991":1371,"1993":1372,"1994":1373,"1995":1374,"1997":1375,"1999":1376,"2000":1379,"2004":1380,"2005":1381,"2006":1382,"2007":1383,"2008":1384,"2009":1386,"2010":1387,"2011":1389,"2013":1390,"2014":1391,"2015":1394,"2017":1395,"2018":1397,"2019":1398,"2024":1399,"2026":1400,"2028":1402,"2032":1403,"2033":1404,"2034":1405,"2035":1406,"2036":1407,"2037":1408,"2039":1409,"2040":1410,"2043":1411,"2045":1412,"2046":1413,"2047":1414,"2048":1415,"2049":1416,"2050":1418,"2051":1419,"2056":1420,"2058":1421,"2059":1422,"2062":1423,"2066":1425,"2067":1426,"2071":1427,"2073":1429,"2074":1430,"2075":1431,"2076":1432,"2077":1433,"2078":1434,"2080":1437,"2081":1438,"2082":1439,"2083":1440,"2084":1441,"2085":1442,"2087":1443,"2088":1444,"2089":1445,"2091":1446,"2092":1447,"2097":1448,"2100":1449,"2102":1450,"2104":1451,"2106":1453,"2107":1454,"2108":1456,"2109":1457,"2110":1458,"2112":1459,"2113":1460,"2115":1461,"2116":1462,"2117":1463,"2118":1464,"2119":1465,"2120":1466,"2122":1467,"2123":1469,"2124":1470,"2126":1472,"2132":1473,"2135":1475,"2137":1476,"2139":1478,"2146":1479,"2149":1480,"2154":1481,"2157":1482,"2158":1483,"2161":1484,"2162":1485,"2164":1486,"2165":1488,"2166":1491,"2171":1492,"2172":1493,"2173":1494,"2175":1495,"2179":1496,"2180":1498,"2181":1500,"2182":1501,"2183":1502,"2185":1503,"2186":1504,"2188":1505,"2189":1506,"2190":1507,"2192":1509,"2193":1511,"2195":1513,"2197":1514,"2198":1516,"2200":1517,"2201":1518,"2202":1519,"2203":1520,"2206":1521,"2210":1522,"2214":1523,"2216":1524,"2217":1525,"2220":1526,"2221":1527,"2224":1528,"2225":1529,"2227":1530,"2229":1531,"2230":1532,"2233":1534,"2234":1536,"2235":1537,"2236":1538,"2246":1539,"2248":1540,"2249":1541,"2257":1543,"2258":1544,"2265":1545,"2266":1546,"2267":1547,"2269":1548,"2271":1549,"2278":1550,"2286":1551,"2288":1552,"2289":1553,"2290":1554,"2291":1555,"2292":1556,"2293":1557,"2294":1558,"2300":1560,"2302":1561,"2306":1562,"2311":1563,"2312":1564,"2314":1565,"2316":1567,"2319":1568,"2321":1569,"2322":1570,"2330":1571,"2346":1572,"2350":1573,"2351":1574,"2352":1575,"2353":1576,"2354":1577,"2355":1578,"2359":1579,"2360":1581,"2361":1582,"2362":1584,"2363":1585,"2365":1587,"2366":1590,"2367":1591,"2368":1592,"2370":1593,"2372":1594,"2373":1595,"2374":1596,"2375":1597,"2376":1599,"2377":1602,"2379":1604,"2381":1605,"2385":1606,"2387":1607,"2388":1608,"2389":1609,"2390":1610,"2391":1611,"2393":1612,"2395":1613,"2396":1614,"2397":1615,"2399":1616,"2400":1617,"2401":1618,"2402":1619,"2403":1621,"2404":1622,"2407":1624,"2409":1625,"2413":1626,"2415":1627,"2418":1629,"2420":1630,"2422":1632,"2423":1634,"2424":1636,"2425":1638,"2428":1639,"2433":1640,"2434":1641,"2435":1643,"2436":1644,"2438":1645,"2439":1646,"2440":1647,"2441":1648,"2442":1649,"2444":1650,"2448":1651,"2449":1652,"2450":1654,"2453":1655,"2454":1657,"2455":1658,"2456":1659,"2458":1660,"2459":1661,"2460":1662,"2461":1663,"2462":1664,"2463":1666,"2464":1667,"2465":1668,"2466":1670,"2467":1671,"2469":1672,"2472":1673,"2473":1674,"2479":1675,"2480":1676,"2482":1678,"2484":1679,"2489":1680,"2491":1682,"2492":1683,"2493":1684,"2494":1685,"2495":1686,"2496":1687,"2498":1688,"2500":1689,"2511":1690,"2513":1691,"2517":1692,"2521":1693,"2522":1694,"2526":1695,"2529":1696,"2532":1697,"2533":1698,"2534":1699,"2535":1700,"2542":1701,"2545":1702,"2546":1703,"2550":1705,"2551":1706,"2554":1707,"2562":1708,"2563":1709,"2564":1710,"2565":1711,"2566":1712,"2567":1713,"2568":1714,"2569":1715,"2570":1716,"2575":1717,"2576":1718,"2578":1719,"2581":1720,"2584":1721,"2585":1722,"2586":1724,"2588":1725,"2589":1726,"2590":1727,"2593":1728,"2596":1729,"2598":1730,"2601":1731,"2603":1732,"2604":1733,"2608":1734,"2610":1735,"2611":1736,"2616":1737,"2617":1738,"2618":1739,"2619":1740,"2621":1741,"2628":1742,"2629":1743,"2631":1744,"2632":1745,"2633":1746,"2635":1747,"2636":1748,"2637":1749,"2639":1750,"2643":1751,"2644":1752,"2645":1754,"2646":1755,"2647":1756,"2655":1757,"2656":1758,"2659":1759,"2670":1760,"2672":1761,"2677":1762,"2678":1763,"2684":1764,"2685":1765,"2688":1766,"2692":1767,"2694":1768,"2696":1770,"2706":1771,"2713":1772,"2722":1773,"2724":1774,"2725":1775,"2726":1776,"2727":1777,"2731":1778,"2734":1780,"2739":1781,"2742":1782,"2752":1783,"2754":1785,"2756":1786,"2758":1787,"2762":1788,"2771":1789,"2773":1790,"2775":1791,"2777":1792,"2781":1793,"2785":1794,"2787":1795,"2791":1796,"2792":1797,"2793":1798,"2796":1799,"2797":1801,"2801":1802,"2802":1803,"2804":1804,"2807":1805,"2813":1806,"2816":1807,"2819":1808,"2820":1809,"2824":1810,"2825":1811,"2826":1812,"2828":1813,"2829":1814,"2832":1815,"2834":1816,"2835":1817,"2842":1818,"2845":1819,"2847":1821,"2848":1822,"2851":1823,"2853":1824,"2854":1825,"2855":1826,"2856":1827,"2858":1828,"2864":1829,"2866":1830,"2867":1831,"2868":1832,"2870":1834,"2872":1835,"2877":1836,"2878":1837,"2879":1839,"2880":1841,"2881":1842,"2882":1843,"2883":1844,"2884":1845,"2885":1846,"2886":1847,"2888":1850,"2890":1851,"2891":1852,"2892":1853,"2894":1854,"2895":1855,"2896":1857,"2897":1859,"2898":1860,"2900":1861,"2905":1862,"2906":1863,"2909":1864,"2911":1865,"2912":1866,"2913":1867,"2914":1868,"2916":1871,"2917":1874,"2918":1875,"2919":1877,"2920":1879,"2921":1881,"2922":1882,"2923":1883,"2925":1884,"2926":1886,"2927":1887,"2929":1888,"2930":1889,"2931":1890,"2933":1891,"2934":1892,"2935":1893,"2936":1895,"2937":1897,"2938":1899,"2939":1900,"2940":1902,"2941":1904,"2942":1905,"2943":1906,"2944":1907,"2945":1908,"2947":1909,"2948":1910,"2949":1911,"2950":1912,"2951":1914,"2953":1916,"2954":1918,"2955":1919,"2956":1921,"2957":1922,"2959":1923,"2962":1924,"2964":1925,"2967":1926,"2968":1927,"2969":1928,"2970":1930,"2971":1931,"2972":1932,"2974":1933,"2975":1934,"2976":1935,"2977":1936,"2978":1937,"2979":1938,"2980":1939,"2983":1940,"2984":1941,"2985":1942,"2989":1943,"2990":1944,"2993":1945,"2995":1947,"2996":1948,"2997":1949,"2998":1950,"2999":1951,"3000":1952,"3001":1953,"3009":1954,"3011":1956,"3012":1958,"3014":1959,"3015":1960,"3021":1961,"3028":1962,"3030":1963,"3031":1965,"3034":1967,"3035":1968,"3036":1969,"3037":1971,"3039":1972,"3042":1974,"3043":1975,"3046":1976,"3048":1977,"3050":1978,"3051":1979,"3052":1981,"3053":1982,"3055":1984,"3056":1987,"3057":1989,"3058":1990,"3059":1991,"3060":1994,"3061":1995,"3062":1997,"3063":1998,"3064":2000,"3065":2002,"3066":2004,"3067":2006,"3068":2008,"3069":2009,"3070":2010,"3071":2011,"3072":2012,"3073":2013,"3074":2014,"3075":2015,"3076":2016,"3077":2017,"3079":2018,"3083":2021,"3084":2022,"3085":2023,"3087":2024,"3088":2025,"3089":2027,"3091":2028,"3092":2029,"3093":2030,"3094":2031,"3095":2032,"3096":2034,"3097":2035,"3098":2036,"3101":2037,"3103":2039,"3105":2040,"3107":2041,"3108":2042,"3110":2043,"3111":2044,"3112":2045,"3113":2046,"3114":2047,"3115":2048,"3117":2049,"3118":2050,"3119":2051,"3120":2053,"3122":2055,"3124":2056,"3125":2058,"3126":2059,"3127":2060,"3130":2062,"3132":2064,"3134":2065,"3135":2067,"3136":2068,"3137":2069,"3138":2070,"3141":2071,"3142":2072,"3143":2073,"3144":2074,"3145":2076,"3146":2077,"3147":2078,"3148":2079,"3151":2080,"3153":2081,"3154":2083,"3156":2084,"3157":2085,"3161":2086,"3163":2087,"3164":2088,"3165":2089,"3166":2090,"3168":2091,"3170":2092,"3175":2093,"3178":2095,"3180":2096,"3181":2097,"3182":2099,"3184":2100,"3189":2102,"3190":2103,"3192":2104,"3193":2105,"3194":2108,"3196":2109,"3198":2110,"3199":2111,"3200":2112,"3201":2113,"3203":2114,"3204":2115,"3206":2117,"3207":2119,"3210":2121,"3212":2122,"3213":2123,"3214":2124,"3215":2125,"3217":2126,"3218":2127,"3219":2128,"3222":2129,"3229":2130,"3231":2131,"3233":2132,"3234":2133,"3235":2135,"3236":2136,"3237":2137,"3238":2139,"3239":2140,"3243":2141,"3244":2142,"3246":2143,"3247":2144,"3250":2145,"3251":2146,"3252":2148,"3253":2149,"3254":2151,"3255":2152,"3256":2153,"3259":2154,"3260":2155,"3262":2156,"3265":2157,"3269":2159,"3274":2160,"3277":2161,"3278":2162,"3280":2163,"3281":2164,"3282":2165,"3285":2167,"3286":2168,"3287":2169,"3289":2171,"3291":2172,"3294":2173,"3298":2174,"3299":2175,"3310":2178,"3311":2179,"3316":2181,"3318":2182,"3319":2183,"3323":2184,"3324":2186,"3328":2187,"3333":2188,"3335":2189,"3336":2190,"3339":2191,"3340":2192,"3341":2193,"3342":2194,"3343":2197,"3346":2198,"3350":2199,"3353":2200,"3359":2201,"3371":2202,"3374":2203,"3375":2205,"3376":2207,"3377":2208,"3378":2210,"3379":2211,"3382":2212,"3384":2215,"3385":2216,"3387":2218,"3388":2219,"3389":2220,"3390":2221,"3392":2223,"3394":2225,"3395":2227,"3397":2228,"3398":2229,"3399":2230,"3401":2232,"3402":2234,"3403":2235,"3404":2236,"3406":2237,"3407":2238,"3408":2239,"3409":2240,"3410":2241,"3411":2242,"3412":2243,"3413":2245,"3416":2247,"3417":2250,"3418":2253,"3419":2254,"3422":2255,"3428":2256,"3430":2258,"3431":2261,"3433":2262,"3434":2263,"3436":2264,"3439":2265,"3442":2266,"3446":2267,"3447":2268,"3454":2269,"3455":2270,"3456":2271,"3458":2272,"3459":2273,"3460":2274,"3462":2275,"3463":2276,"3464":2277,"3467":2278,"3468":2279,"3469":2280,"3471":2281,"3473":2282,"3478":2283,"3481":2284,"3482":2285,"3509":2286,"3512":2287,"3514":2288,"3515":2289,"3516":2290,"3517":2291,"3525":2292,"3529":2293,"3531":2294,"3533":2296,"3534":2297,"3536":2298,"3537":2299,"3538":2300,"3540":2301,"3541":2302,"3542":2303,"3543":2304,"3545":2306,"3546":2307,"3547":2309,"3548":2310,"3550":2311,"3551":2312,"3553":2313,"3557":2314,"3561":2315,"3563":2316,"3566":2317,"3568":2318,"3570":2320,"3573":2321,"3575":2322,"3578":2324,"3579":2325,"3580":2326,"3581":2327,"3583":2329,"3584":2330,"3585":2331,"3589":2332,"3590":2334,"3591":2335,"3595":2336,"3597":2337,"3600":2338,"3601":2339,"3602":2340,"3604":2341,"3605":2342,"3606":2344,"3608":2345,"3609":2346,"3611":2347,"3612":2348,"3613":2350,"3616":2351,"3617":2353,"3618":2354,"3620":2355,"3621":2356,"3622":2357,"3640":2358,"3644":2359,"3646":2360,"3649":2361,"3650":2363,"3651":2364,"3652":2365,"3653":2367,"3656":2368,"3659":2369,"3661":2371,"3662":2372,"3664":2374,"3667":2375,"3670":2376,"3671":2377,"3672":2378,"3674":2379,"3676":2380,"3677":2381,"3679":2382,"3689":2383,"3691":2384,"3693":2385,"3694":2386,"3697":2387,"3698":2388,"3699":2389,"3700":2390,"3701":2391,"3702":2392,"3703":2393,"3706":2394,"3708":2395,"3709":2396,"3712":2398,"3723":2399,"3725":2401,"3727":2402,"3731":2403,"3732":2404,"3734":2405,"3737":2406,"3740":2407,"3741":2408,"3742":2409,"3746":2410,"3751":2411,"3755":2412,"3757":2416,"3758":2418,"3759":2419,"3760":2421,"3761":2424,"3762":2425,"3763":2427,"3764":2429,"3765":2432,"3767":2433,"3768":2434,"3769":2435,"3772":2436,"3773":2437,"3774":2438,"3776":2439,"3777":2440,"3778":2441,"3780":2443,"3781":2444,"3782":2445,"3784":2446,"3785":2447,"3788":2448,"3790":2449,"3791":2450,"3794":2451,"3795":2453,"3797":2454,"3798":2455,"3799":2456,"3800":2457,"3807":2458,"3809":2459,"3810":2460,"3813":2461,"3815":2463,"3817":2465,"3818":2466,"3820":2467,"3822":2469,"3823":2470,"3824":2471,"3826":2472,"3828":2473,"3830":2474,"3832":2475,"3833":2476,"3834":2478,"3835":2480,"3836":2481,"3838":2483,"3839":2484,"3841":2485,"3845":2487,"3846":2488,"3847":2489,"3849":2491,"3850":2492,"3854":2494,"3855":2495,"3858":2496,"3861":2497,"3863":2498,"3864":2499,"3865":2500,"3866":2501,"3867":2502,"3868":2503,"3869":2505,"3870":2506,"3871":2507,"3872":2508,"3873":2509,"3874":2510,"3876":2511,"3878":2512,"3879":2514,"3880":2515,"3883":2516,"3885":2519,"3886":2520,"3887":2521,"3889":2523,"3890":2525,"3891":2526,"3892":2529,"3894":2531,"3895":2532,"3896":2533,"3897":2534,"3898":2535,"3899":2536,"3900":2538,"3901":2539,"3902":2540,"3903":2541,"3904":2542,"3905":2544,"3906":2545,"3908":2546,"3911":2548,"3913":2549,"3914":2550,"3915":2551,"3916":2552,"3917":2554,"3919":2555,"3920":2556,"3921":2557,"3922":2558,"3925":2559,"3926":2561,"3929":2563,"3931":2564,"3932":2565,"3933":2566,"3935":2567,"3937":2569,"3938":2570,"3943":2571,"3946":2573,"3948":2574,"3949":2575,"3950":2576,"3953":2577,"3954":2579,"3957":2580,"3959":2581,"3960":2582,"3961":2583,"3962":2584,"3963":2585,"3964":2586,"3967":2587,"3968":2589,"3969":2590,"3971":2591,"3973":2592,"3977":2593,"3978":2594,"3983":2595,"3984":2596,"3987":2597,"3988":2598,"3989":2599,"3990":2600,"3991":2601,"3992":2602,"3993":2604,"3995":2606,"3996":2608,"3997":2609,"3998":2610,"3999":2611,"4002":2612,"4003":2613,"4007":2614,"4009":2615,"4012":2616,"4017":2617,"4019":2618,"4020":2621,"4021":2622,"4022":2623,"4023":2624,"4024":2625,"4025":2626,"4027":2627,"4028":2629,"4029":2630,"4030":2631,"4031":2632,"4032":2633,"4033":2634,"4034":2635,"4035":2637,"4038":2638,"4039":2640,"4041":2642,"4042":2643,"4043":2644,"4044":2646,"4045":2647,"4046":2648,"4047":2650,"4048":2652,"4049":2653,"4050":2654,"4051":2655,"4052":2656,"4054":2657,"4055":2658,"4056":2659,"4058":2660,"4059":2661,"4060":2663,"4062":2664,"4064":2665,"4067":2666,"4071":2667,"4072":2669,"4075":2670,"4077":2671,"4078":2673,"4079":2675,"4080":2676,"4081":2677,"4082":2678,"4083":2679,"4085":2680,"4086":2681,"4087":2683,"4092":2684,"4103":2685,"4104":2686,"4105":2687,"4107":2688,"4108":2689,"4109":2691,"4110":2692,"4111":2693,"4113":2694,"4114":2696,"4117":2697,"4118":2698,"4120":2699,"4123":2700,"4124":2701,"4125":2703,"4126":2705,"4127":2708,"4128":2710,"4129":2711,"4135":2712,"4136":2713,"4137":2714,"4138":2717,"4140":2718,"4141":2720,"4142":2721,"4143":2722,"4144":2723,"4145":2724,"4146":2725,"4147":2726,"4148":2727,"4149":2729,"4150":2731,"4151":2732,"4153":2733,"4154":2735,"4155":2736,"4156":2737,"4157":2738,"4159":2740,"4166":2741,"4168":2742,"4169":2743,"4170":2744,"4171":2747,"4172":2748,"4173":2749,"4175":2752,"4177":2753,"4181":2755,"4182":2756,"4183":2759,"4184":2760,"4185":2762,"4186":2763,"4187":2764,"4188":2765,"4190":2766,"4191":2767,"4194":2768,"4197":2770,"4198":2773,"4200":2774,"4201":2775,"4202":2776,"4204":2777,"4207":2780,"4209":2782,"4211":2783,"4212":2784,"4213":2785,"4214":2787,"4216":2788,"4218":2789,"4220":2791,"4221":2792,"4223":2794,"4225":2797,"4226":2798,"4227":2800,"4229":2801,"4231":2802,"4233":2803,"4235":2804,"4236":2805,"4239":2807,"4241":2808,"4242":2810,"4243":2811,"4244":2813,"4245":2814,"4246":2815,"4248":2816,"4249":2817,"4250":2818,"4252":2819,"4253":2820,"4256":2821,"4257":2822,"4258":2823,"4260":2824,"4262":2825,"4267":2826,"4268":2827,"4271":2828,"4273":2829,"4285":2830,"4288":2831,"4291":2833,"4292":2835,"4299":2836,"4302":2837,"4303":2840,"4304":2841,"4306":2842,"4307":2843,"4308":2845,"4309":2846,"4310":2849,"4311":2850,"4313":2852,"4314":2853,"4318":2854,"4319":2855,"4321":2856,"4322":2857,"4323":2859,"4329":2860,"4330":2861,"4331":2862,"4332":2863,"4333":2864,"4335":2865,"4336":2866,"4337":2867,"4338":2869,"4339":2870,"4340":2871,"4341":2872,"4343":2873,"4344":2874,"4345":2875,"4346":2876,"4347":2877,"4348":2879,"4350":2880,"4351":2881,"4352":2883,"4354":2884,"4355":2885,"4356":2886,"4357":2887,"4358":2888,"4359":2889,"4360":2890,"4361":2892,"4363":2893,"4379":2894,"4380":2895,"4382":2897,"4383":2898,"4385":2899,"4386":2900,"4387":2901,"4390":2903,"4391":2904,"4392":2905,"4393":2906,"4396":2907,"4399":2908,"4400":2909,"4401":2910,"4402":2912,"4404":2913,"4405":2914,"4406":2915,"4407":2916,"4409":2917,"4410":2918,"4411":2920,"4412":2921,"4416":2922,"4418":2923,"4420":2925,"4421":2926,"4422":2927,"4427":2928,"4428":2929,"4429":2930,"4430":2931,"4431":2932,"4434":2933,"4435":2934}},"pages":[{"text":"المُفْهِم لما أَشْكَلَ من تلخيص كتاب مسلم\n\nتأليف\nالإمام الحافظ أبي العبَّاس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي\n(٥٧٨ - ٦٥٦ هجرية)\n\nالجزء الأول\n\nحققة وعلق عليه وقدم له:\nمحيي الدين ديب مستو - يوسف علي بديوي\nأحمد محمّد السيّد - محمود إبراهيم بزّال\n\nدار ابن كثير\nدمشق - بيروت\n\nدار الكلمة الطيب\nدمشق - بيروت","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الفهرس الألفبائي للكتب الواردة في تلخيص مسلم والمفهم</span>\nاسم الكتاب ورقمه ... الجزء والصفحة\nآداب الأطعمة (٢٧) ... ٥/ ٢٩٣\nالاستسقاء (٦) ... ٢/ ٣٥٨\nالاعتكاف وليلة القدر (١١) ... ٣/ ٢٤٠\nالأدب (٣٠) ... ٥/ ٤٥٣\nالأذكار والدعوات (٣٧) ... ٧/ ٥\nالأشربة (٢٦) ... ٥/ ٢٤٦\nالأضاحي (٢٨) ... ٥/ ٣٤٧\nالأقضية (٢٤) ... ٥/ ١٤٧\nالإمارة والبيعة (١٤) ... ٤/ ٥\nالإيمان (١) ... ١/ ١٣١\nالبر والصلة (٣٤) ... ٦/ ٥٠٨\nالبيوع (١٨) ... ٤/ ٣٦٠\nالتفسير (٤٢) ... ٧/ ٣١٤\nالجمعة (٤) ... ٢/ ٤٧٨\nالجنائز (٨) ... ٢/ ٥٦٩\nالجهاد والسير (١٣) ... ٣/ ٥١١\nالحج (١٢) ... ٣/ ٢٥٥\nالحدود (٢٣) ... ٥/ ٧٠\nذكر الموت وما بعده (٤٠) ٧/ ١٤٢\nالرقاق (٣٨) ... ٧/ ٦٩\nالرقى والطب (٣١) ... ٥/ ٥٦٣\nالرؤيا (٣٢) ... ٦/ ٥\nالزكاة (٩) ... ٣/ ٥\nالزهد (٣٩) ... ٧/ ١٠٧\nالصدقة والهبة والحبس (٢٠) ... ٤/ ٥٧٨\nالصلاة (٣) ... ٢/ ٥\nصلاة العيدين (٥) ... ٢/ ٥٢٣\nالصوم (١٠) ... ٣/ ١٣٥\nالصيد والذبائح (٢٥) ... ٥/ ٢٠٤\nالطلاق (١٦) ... ٤/ ٢٢٤\nالطهارة (٢) ... ١/ ٤٧٣\nالعتق (١٧) ... ٤/ ٣٠٩\nالعلم (٣٦) ... ٦/ ٦٨٤\nالفتن وأشراط الساعة (٤١) ... ٧/ ٢٠٦\nالقدر (٣٥) ... ٦/ ٦٤٩\nالقسامة والقصاص والديات (٢٢) ... ٥/ ٥\nكسوف الشمس والقمر (٧) ... ٢/ ٥٤٩\nاللباس (٢٩) ... ٥/ ٣٨٥\nالنبوات (٣٣) ... ٦/ ٤٦\nالنذور والأيمان (٢١) ... ٤/ ٦٠٤\nالنكاح (١٥) ... ٤/ ٨٠\nالوصايا والفرائض (١٩) ٤/ ٥٣٩","vol":"1","page":2},{"text":"المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم","vol":"1","page":3},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nحقوق الطبع والتصوير محفوظة للناشرين\nالطبعة الأولى\n١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م\nدار ابن كثير للطباعة والنشر والتوزيع\nدمشق - حلبوني - جادة ابن سينا - بناء الجابي\nص. ب: ٣١١ - تلفون: ٢٢٢٥٨٧٧ - ٢٢٤٣٥٠٢\nبيروت - برج أبي حيْدر - خلف دبوس الأصلي\nص. ب: ٦٣١٨/ ١١٣ تلفون: ٨١٧٨٥٧ - ٢٠٤٤٥٩ - ٠٣\nدار الكلم الطيب للطباعة والنشر والتوزيع\nدمشق - حلبوني - شارع مسلّم البارودي\nهاتف: ٢١٢٩٨٨٦ ص. ب ٣٠٥٥٢ - بيروت ص. ب: ٦٣١٨/ ١١٣","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>كلمة الناشر</span>\nالحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وأفضلُ الصَّلاةِ وأَتَمُّ التسليم على سيدنا محمد وعلى آلهِ وأصحابِه، ومَنِ اهتدى بهديه وعملَ بسنته إلى يوم الدِّين.\nوبعد:\nفإن كتابَ \"الجامع الصحيح\" للإمام مسلم بن الحجَّاج القُشَيْرِيَ النيسابوري المتوفى سنة (٢٦١ هـ) رحمه الله تعالى، هو الثاني من الكتب الستة، التي تُعَدُّ من أهمِّ دواوين السُّنَّة المطهَّرة، وأحدُ الصحيحين اللَّذين هما أصحُّ الكتب بعد القرآن الكريم، والجمهور على تقديم صحيح البخاريِّ في الفضل والصِّحة، وبعضُ العلماء المغاربة فضَّلُوا صحيحَ مسلم، وموقفُهم محمولٌ على ما يرجعُ إليه كتابُ مسلم من حُسن السِّياق، وجودة الوضع والترتيب.\nولقد لقيَ هذان السِّفران العظيمان، اهتمامَ كبار العلماء، وعناية جَهابذة الحفَّاظ، فأقبلوا عليهما روايةً، وحفظًا في الصدور، ونسخًا في السُّطور، واستدراكًا عليهما، وشروحًا واختصارًا لهما، وتعريفًا برجال ورُواة كلٍّ منهما. ويهمُّنا هنا أن نتعرَّف إلى أشهر الكتب المؤلَّفة في شرح صحيح مسلم، وهي ستة:\n١ - المُعْلم في شرح صحيح مسلم، للمازري المتوفى سنة (٥٣٦ هـ)، وقد طُبع حديثًا في دار الغرب الإسلامي - في بيروت.\n٢ - إكمال المُعْلم في شرح صحيح مسلم، للقاضي عياض المتوفى سنة (٥٤٤ هـ)، ولم يصلنا بعد.\n٣ - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم؛ للإمام أبي العباس القرطبي المتوفى سنة (٦٥٦ هـ). وهو كتابنا هذا.","vol":"1","page":5},{"text":"٤ - \"المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج\"، للنووي المتوفى سنة (٦٧٦ هـ)، وهو مطبوع.\n٥ - إكمال إكمال المعلم في شرح صحيح مسلم، للأُبِّيِّ المتوفى سنة (٨٢٧ هـ)، وهو مطبوع في دار السعادة بمصر.\n٦ - مكمّل إكمال الإكمال؛ للسنوسي المتوفى سنة (٨٩٥ هـ) وهو مطبوع بهامش إكمال إكمال المعلم، للأُبِّيّ، ومطبوع في دار السعادة بمصر.\nويسرُّ دار ابن كثير ودار الكلم الطيب أن تُقدِّما هذا الكتاب \"المفهم\" للقراء الكرام في العالمين: العربي والإسلامي، بعد أن حَشَدتا لهذا العمل الحديثيِّ العظيم صورًا لمخطوطاتٍ عديدة؛ مَشرقيةٍ ومَغربيةٍ، وأسندتا تحقيقَه والتعليق عليه إلى نُخبةٍ من الأساتذة الثقات؛ المتخصصينَ في علوم الشريعة واللغة العربية، وسيراه القارئ - إن شاء الله تعالى - في أبهى مَظْهرٍ، وأصدقِ مَخْبر، مع الفهارس العلمية الوافية.\nوالله الموفّق، وهو من وراء القصد، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.\nالناشر\nدار ابن كثير ودار الكلم الطيب\nدمشق - بيروت","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>(١) مقدمة التحقيق</span>\nالحمدُ لله الذي بَعَثَ في الأميِّين رسولًا منهم يتلو عليهم آياته، ويُزكيهم، ويُعلِّمهم الكتابَ والحكمة، وإن كانوا من قبلُ لفي ضلالٍ مبين.\nوالصَّلاةُ والسَّلام الأتمَّان الأكملان على سيدنا محمد؛ الذي بَعَثَه اللَّهُ تعالى خاتَمًا للنبيِّين، وعلى آله وصحبه والتابعين والعلماء العاملين؛ الذين رفعوا منارة الهدى والدِّين، وحملوا راية السُّنة النبوية بصدقٍ ويقين، ونفوا عنها تحريفَ الغالين، وتأويل الجاهلين.\nأمَّا بعد:\nفإن اللَّهَ تعالى أرسل رُسُلَه الكرام ليدعوا الناسَ إلى عبادته سُبحانه، وألَّا يُشركوا به شيئًا، فكانوا دُعاةً إلى الحق، آمرين بالأخلاق الصالحة، ناهينَ عن الفساد والمنكر، داعين إلى إصلاح المعاملات بين البشر.\nوكان النبي محمد - ﷺ - اللبنةَ الأخيرة في بناء صَرْح النبوات، فقام بالدَّعوة إلى الله، مؤكدًا أن صحَّةَ العقيدة، والتجمُّل بالأخلاق، وسلامة المنهج في التعامل، هي الأسسُ القويمةُ في بناء الفرد الصَّالح والمجتمع السَّليم.\nوكانت السُّنَّة النبوية رافدًا رئيسًا في الدعوة الإسلامية، ومرآةً صادقةً تعكسُ الواقع العملي لنداء القرآن، ومنهج السماء.\n* * *","vol":"1","page":7},{"text":"والحديثُ النبويُّ هو الأصلُ الثَّاني للشريعة الإسلامية بعد القرآن الكريم، فكثير من الآيات الكريمة جاءتْ مجملةً أو عامة، فأتى الحديثُ الشريفُ مُبَيِّنًا أو مُخَصِّصًا لها. وقد تَعْرِضُ حوادثُ وأمورٌ في حياة الرسول - ﷺ -، فإذا لم ينزل القرآنُ، يأتي الحديثُ له القولُ الفَصْل في هذه القضية وتلك الحادثة.\nثم إنَّ الحديثَ النبويَّ يعكسُ بكلِّ واقعيَّة وصدق سيرة النبي - ﷺ -، فهو يُوضِّح مجريات السيرة، ويرسمُ أبعادَها، ويُجلِّي مكارمَ خُلُق النبي الكريم - ﷺ - ونُصْحَه، وإرشادَه؛ وصولًا إلى مجتمع يقومُ على أصول الحقِّ والخير.\nلهذا وغيره عُني المسلمون بحديث رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، وولعوا بذلك، واعتقدوا أن الاشتغال بعلم الحديث مِن أجلِّ الخدمات التي يُقدِّمونها، وأعظمِ القُرَب التي يفعلونها، حتى قال قائلهم:\nلم أسمُ في طَلَبِ الحديثِ لسمعةٍ ... أو لاجتماعِ قديمِه وحديثِه\nلكنْ إذا فاتَ المحبَّ لقاءُ مَن ... يَهوى تعلَّل باستماع حديثِه\nوجاء العلماءُ العاملون يرعون السُّنَّة حق رعايتها، فحفظوها في الصدور، ودوَّنوها في ثنايا السطور، ورحلوا في طلب الأحاديث، وكانت لهم أيادٍ بيضاءُ في خدمة السُّنَّة، ومعرفة الرجال، والبحث عن العلل.\nوقد تحمَّل العلماءُ الصِّعابَ، وتجشَموا عناءَ طلب العلم، فكانوا يرحلون المسافات الطويلة، ويقطعون المفاوزَ الشاسعة، كي يُحصِّلوا حديثًا من هنا، ويسمعوا حديثًا من هناك، وهم مغتبطون في قرارة أنفسهم، ولسانُ حالِ أحدهم يقول:\nيلومُ عليَّ أنْ رُحْتُ للعلم طالبًا ... أجمعُ مِن عند الرُّواةِ فُنُونَه\nفيا لائمي دَعْنِي أُغالي بقيمتِي ... فقيمةُ كلِّ النَّاسِ ما يُحْسِنُونَه\nوكان من نتيجة تلك الرحلات المتلاحقة، والدَّأب المتواصل، أن حفظ التاريخُ لنا آثارًا جليلةً في علم الحديث النبوي، وصارت المصنَّفاتُ الحديثية دُرَّةً","vol":"1","page":8},{"text":"متألِّقةً في جبين الزمن، حتى إنَّ هذه الكتبَ التي دُوّنت في الحديث لتعدُّ من أكبر مفاخر هذه الأمّة على الإطلاق.\n* * *\nوإذا يمَّمنا وجوهَنا شطرَ القرن الثاني من الهجرة، يُطالعنا اسمُ الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز؛ إذ عرضتْ له فكرةُ تدوين الحديث النبويِّ، فأوعز إلى ابن شهاب الزهري يأمرُه بتدوين حديث رسول الله - ﷺ -، وجَمْعه. كما كتب إلى قاضي المدينة أبي بكر بن حزم الأنصاري قائلًا: \"انظرْ ما كانَ من حديث رسول الله - صلي الله عليه وسلم - فاكْتُبْهُ\".\n* * *\nويُعَدُّ موطَأُ الإمام مالك - ﵀ - من أهمِّ كتب الحديث المدوَّنة، ومن أقدمها في القرن الهجري الثاني.\nوقد نَضِجَ عِلمُ الحديثِ في القرن الهجري الثالث؛ إذ يُعتبر العصرَ الذَّهبي لتدوين الحديث، وجَمْعه. وقام بذلك علماءُ جهابذةٌ، مما جعل أسسَ الحديث تترسَّخُ، إذ تمَّ تشييدُ صَرْحه على المسانيد أو الأبواب.\nوظهرت الكتب الستة، وتلقَّت الأمةُ بالقبول والصحة كلًّا من صحيحي البخاري ومسلم، وقد خُدِما كثيرًا: شرحًا، وتهذيبًا، واختصارًا، واستخراجًا عليهما؛ مما يُنبئ بالمكانة العليا التي انتهيا إليها في مختلف مراكز الإشعاع العلمي في الدولة الإسلامية.\n* * *\nوظهر الإمام مسلم في العصر الذهبي للفكر الإسلامي، حيث ازدهرت الثقافةُ العربية الإسلامية، وترعرعت العلوم، وتوهَّجت المعرفة، ولمعت شخصياتُ كبارِ","vol":"1","page":9},{"text":"جهابذة العلم في مختلف الأصقاع العربية والإسلامية. إنه عصرُ أئمةِ الحديث النبوي، والأدب العربي، والتاريخ المجيد.\n* * *\nوحاز \"صحيح مسلم\" المكانةَ اللائقةَ به بين مُصنَّفات الحديث، وتربَّع سُدَّةً عاليةً من التقدير والعناية، فكثرت حوله الشروح حتى بلغت أكثر من خمسين شرحًا، واختلفت طولًا وقصرًا. ومن تلك الشروح المشرقية:\n١ - المفصح المفهم والموضح الملهم لمعاني صحيح مسلم: لمحمد بن يحيى الأنصاري (٦٤٦ هـ).\n٢ - إكمال الإكمال: لعيسى بن مسعود الزواوي (٧٤٤ هـ).\n٣ - فضل المنعم في شرح صحيح مسلم: لشمس الدين بن عبد الله بن عطاء الله الرازي (٨٢٩ هـ).\n٤ - غُنية المحتاج في ختم صحيح مسلم بن الحجاج: لمحمد بن عبد الرحمن السخاوي (٩٠٢ هـ).\n٥ - الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج: للسيوطي (٩١١ هـ).\n٦ - شرح صحيح مسلم: لعبد الرؤوف المناوي (١٠٣١ هـ).\n٧ - عناية المنعم لشرح صحيح مسلم: لعبد الله بن محمد يوسف أفندي زاده حلمي (١١٦٧ هـ).\n٨ - وشي الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج: لعلي بن سليمان البَجَمْعَوي (كان حيًّا سنة ١٢٩٩ هـ).\nهذه بعضُ شروح كتاب الإمام مسلم، وهي مع غيرها من شروح علماء أهل المغرب، تدلُّ على عظيم المكانة التي نالها هذا الكتاب، وتؤكِّد أهميته عند العلماء، وذلك لما يتمتع به من خصائص حسنة ومزايا متفرِّدة.\nونظرًا لأهمية صحيح مسلم، وما يتَّصف به من سهولة تناول الأحاديث،","vol":"1","page":10},{"text":"والتحرز في الألفاظ، والتحري في السياق، وحُسْنِ الوَضْع، وجودة الترتيب .. ونحو ذلك، فإن بعضَ العلماء يُفَضِّلونه على صحيح البخاري من هذه الناحية، وهذه الوجهةُ من النظر هي التي سادت لدى علماء المغرب العربيّ.\n* * *\nوقد اختصر صحيحَ مسلم طائفةٌ من العلماء، ونذكر من هذه المختصرات:\n١ - مختصر أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن تومرت (٥٢٤ هـ).\n٢ - الجامع المُعْلِم بمقاصد جامع مسلم: لعبد العظيم بن عبد القوي المنذري (٦٥٦ هـ). وهو مطبوع. وقد شرحه محمد صديق حسن خان بـ (السراج الوهاج في كشف مطالب مختصر صحيح مسلم بن الحجاج\" وهو مطبوع في الهند قديمًا.\n٣ - تلخيص صحيح مسلم: لأحمد بن عمر القرطبي (٦٥٦ هـ).\nوغير ذلك كثير.\n* * *\nهذا، وقد أضاف الإمامُ القرطبيُّ - رحمه الله تعالى - إلى تلخيص صحيح مسلم عملًا علميًّا، إذ وَضَع عليه شرحًا لما أشكل في تلك الأحاديث من معنى غامض، أو لفظة غريبة، ونبَّه على نكَتٍ من إعرابه، وعلى وجوه الاستدلال بحديثه. ويكفيه أهميةً ومكانةً أن اعتمده الإمامان: النووي والحافظ ابن حجر كمصدر مهمٍّ في شرحيهما على الصَّحيحين.\nولا شكَّ إن العلماءَ اهتموا فيما بعد بكتاب \"المفهم\" اهتمامًا واضحًا، فها نحن نجدُ بصماته عميقة فيما أُلِّفَ بعده، عند:\n- الزواوي في كتابه\"إكمال الإكمال\" الذي جمع فيه بين المُعْلِم والإكمال والمفهم والمنهاج.","vol":"1","page":11},{"text":"- الأُبِّي في كتابه: \"إكمال إكمال المعلم\" الذي ذكر فيه أنه ضمَّنه كتب شُرَّاحه الأربعة: المازري وعياض والقرطبي والنووي.\nثم يطالعنا التاريخُ بكتاب \"مكمِّل إكمال الإكمال\" للسنوسي، وغير ذلك من المصنَّفات التي اعتمدت كتاب \"المفهم\" واستفادت منه في حلِّ المشكلات وفي الشرح.\n* * *\nوكتابُنا الذي نصدره اليوم - بعون الله تعالى - يجمعُ بين تلخيص كتاب مسلم، وبين شرح ما أشكل منه، في كتابٍ واحدٍ، رغبةً في تقريب الزاد العلمي للإمام القرطبي لطلاب العلم، والمتخصِّصين، والمثقفين على تنوُّع مشاربهم، وتعدُّد ألوان معارفهم، ففي هذا الكتاب صنوف مختلفة من أنواع العلوم، يجمع بينها الاندغام والتآلف في الفكرة والهدف.\nولا غَرْوَ أن نجدَ الانسجام بين التلخيص والمفهم في الأبواب والأحاديث، فالمؤلِّف واحد، فلا خلافَ في العنوانات، وإن طالت أحيانًا وقصرت أحيانًا أخرى، كما نجد شخصية الإمام القرطبي واضحةً بين السطور، كيف لا؟ ! وهو العالمُ الثبت، والثقة العدل في روايته ودرايته.\n* * *","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>(٢) توثيق التلخيص والمفهم ومنهج المؤلف فيهما</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>أولًا - التوثيق:</span>\nتبدأ عناية أبي العباس القرطبي - ﵀ - بصحيح مسلم من قرطبة، فيرويه قراءةً وسماعًا وإجازةً، عن شيخين كبيرين من شيوخ قرطبة في مجالسَ آخرُها سنة ٦٠٧ هـ. ثم رواه في مصر عن الشيخ المأموني راوي صحيح مسلم في مصر، وكأن الشيخ القرطبي كان يحرصُ منذ شبابه أن يرتبطَ اسمُه بهذا الكتاب العظيم من كتب السُّنَّة المشرَّفة، فصنعَ له تلخيصًا متميزًا، وضبطَ ألفاظه بالرواية السماعية، ثم شرحَ مشكلاته بما رواه عن مشايخه، وبما فتحَ الله عليه من الفهم والإدراك الذاتيِّ. وشخصيته - رحمه الله تعالى - ظاهرة في مقدمة التلخيص والمفهم، وفي المنهج والأسلوب في كلا الكتابين، بالإضافة إلى صور النسخ المخطوطة الموثقة بالكتابة والسَّماعات، والتي اعتمدناها في تحقيق التلخيص والمفهم. كل ذلك يجعلنا واثقين كل الثقة بحول الله وقوته - ونحن ننفضُ غبارَ السِّنين عن كتاب المفهم ونربطه بالتلخيص مباشرةً في أحدث طباعة وأكمل إخراج - من ظهور طَيْف المؤلف القرطبِّي - رحمه الله تعالى - اسمًا وفكرًا ومنهجًا في كل صفحة وفي كل فقرة، حتى آخر كلمة من الكتاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>ثانيًا - المنهج والأسلوب:</span>\nأ - في تلخيص صحيح مسلم: وضع القرطبي لنفسه منهجًا، نوضحه من خلال مقدمته على التلخيص بالفقرات التالية:","vol":"1","page":13},{"text":"١ - اختصارُ الأسانيد من جميع الأحاديث والروايات والاكتفاء بذكر الصحابي، وأحيانًا التابعي الذي روى عنه.\n٢ - حذفُ المكرر من الأحاديث، وذكرها في موضع واحد حسب موضوعها.\n٣ - ترجمة الأبواب بعناوين وافية ودقيقة.\nوكان قصدُه - ﵀ - تقريبَ \"صحيح مسلم\" لمن أراد حفظَه، وتيسيرَه لمن أراد التفقُّه فيه، مع ملاحظة تقاصُر الهمم في زمانه. ومن الإنصاف أن نذكرَ ميزتين لهذا التلخيص تجعله وافيًا ومحيطًا بما حواه الأصل من معارف، ومحقِّقًا لغرض مؤلفه، وهما:\nالأولى: اختياره للحديث وفق أتم الروايات وأكملها، ثم إيراد بعض الروايات إن كان فيها زيادة في المعنى.\nالثانية: اتباعه لترتيب كتاب مسلم، ولم يُخالف إلا في نقل بعض الأحاديث من أماكنها، وإيرادها في المكان الأكثر ملاءمة مع موضوعها، ونقل كتاب الجهاد من مكانه في الصحيح، ووضعه بعد الحج، إظهارًا لأهميته، واقتناعًا بما يعتبره بعض العلماء من أن الجهاد في سبيل الله هو الركن السادس من أركان الإسلام بعد الشهادتين والعبادات الأربع.\nب - وفي \"المفهم\" رأى المؤلف - ﵀ - أن يكمل إفادة الطالبين للتلخيص، بشرح غريبه، والتنبيه على نكت من إعرابه، وعلى وجوه الاستدلال بأحاديثه، وايضاح مشكلاته.\nوقد وفَّى - رحمه الله تعالى - بهذا كله وزاد عليه، ونستطيع من خلال \"المفهم\" أن نسجل حول منهجه وأسلوبه الملاحظات التالية:\n١ - بالنسبة للألفاظ الغريبة، يبدأ المؤلف - ﵀ - بضبطها، ثم يستعرض أقوال علماء اللغة في شرحها، ويشير إلى الأرجح منها، ولكنه يُوردُ بعضَ الألفاظ من صحيح مسلم، ويقول: جاء في \"الأم\". وفي بعض الأحيان تدخلُ عليه بعض","vol":"1","page":14},{"text":"الألفاظ من صحيح البخاري أو من غيره من الكتب دون أن يشير إلى ذلك، ولعل سبب ذلك الاستقصاء أو توارد حفظه أثناء التأليف.\n٢ - الأحكام الفقهية، المستنبطة من الأحاديث ظاهرة في الشرح، وطرائق الفقهاء في الاستدلال والاستنباط واضحة، مع البدء والتركيز على مذهب مالك - ﵀ - أولًا.\n٣ - تأويل المختلف، وحل المشكل، في بعض الأحاديث، يُظهر قدرة المؤلف - ﵀ - على عرض الاحتمالات والافتراضات، ويساعده على ذلك اشتغاله في أول حياته بالمعقول، وفي الغالب تكون توجيهاته لإزالة التناقض أو التصادم بين الأدلة مفيدة.\n٤ - يختم كثيرًا من الأحاديث، وأحيانًا فقرات الحديث الواحد، باستنباط توجيهات وإرشادات مفيدة جدًّا، نتمنى أن لو زاد منها وأكثر.\n٥ - تَرِدُ أبوابٌ في \"التلخيص\" لم يتعرّض المؤلفُ - ﵀ - إلى شرحِ شيء منها في \"المفهم\" لأنه لم يَجدْ فيها إشكالًا يحتاج إلى الشرح.\n٦ - يمتاز أسلوب القرطبي - رحمه الله تعالى - بالرشاقة وحسن السَّبْك، مع البعد عن التقعر أو التكلف، وترد الجمل المتقابلة أو المسجوعة في كلامه، ولكن من غير تكلُّف ظاهر، وبالجمدة فإن عنايته باللغة والبلاغة من مطلع حياته، جعلت أسلوبه رائقًا وسلسًا، ومقدمتاه للتلخيص والمفهم والنهايات التي كان يختم بها شروح الأحاديث تؤكد ما ذهبنا إليه.\n* * *","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>(٣) فوائد إخراج كتاب \"المفهم</span>\"\nثمة فوائد كثيرة لهذا الكتاب، نُجمل فيما يأتي أهمَّها:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-9> مكانته في شرح صحيح مسلم:</span>\nيُعَدُّ كتابُ المفهم\" - تجوّزًا - شرحًا واضحًا، ذا أهمية بالغة لصحيح الإمام مسلم، فهو حلقةُ وصل لا بُدَّ منها بين المازري والقاضي عياض من جهة، وبين مَن جاء بعد أبي العباس القرطبي كالأبي والسنوسي.\nذلك أن المازري - ﵀ - شَرَح صحيح مسلم بكتابه \"المعلم\" شرحًا مختصرًا، أكمله القاضي عياض بأوسع منه، لكنه لم يصلنا. ووَصَفَهُ العلماء بأنه عمدةٌ في بابه، ويحتوي على عبارات غامضة مستغلقة في المعنى كما أشار إلى ذلك الأُبِّي نقلًا عن شيخه ابن عرفة (١). وجاء الإمام القرطبي، واستفاد من سابقَيْه، وأدلى بالجديد بعبارةٍ مفهومة سلسلة من باب ما يُوصف بالسهل الممتنع.\nثم جاء الأُبيُّ والسنوسيُّ بعد القرطبي، واستفادا من الشروح التي سبقتهم، وأضافا إضافاتٍ مفيدة، تُغني شرحَ مسلم، وتُوضح المستغلق منه.\nوبذا يُعتبر القرطبي حلقةَ وَصْل متألّقة في رحاب شروح صحيح مسلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-10> أهميته في شرح غريب الأحاديث:</span>\nيعتني القرطبي - ﵀ - عنايةً فائقةً بشرح الكلمات اللغوية، وإيراد تفاصيل حول الكلمة الواردة، من خلال عَرْضه لروايات الحديث المتعدِّدة في كتاب مسلم وغيره من كتب السُّنة، مستدلًا عليها بالآيات القرآنية، ومستشهدًا لها\n_________\n(١) إكمال إكمال المعلم (١/ ٤٧).","vol":"1","page":17},{"text":"بالشعر العربي، والأمثال، والحِكَم، ومن خلال ذِكْره لأسماءِ كتبِ لم تصلنا، فيُعَدُّ كتابُ \"المفهم\" حافظًا لما عَدَا عليه الزَّمن، وأتلفه الأعداء من تراثنا العربيِّ والإسلامي.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-11> تفرّده في تدوين فوائد الأحاديث:</span>\n\" المفهم\" مرجعٌ غنيٌّ ومهمٌّ في التقاط ما يُستفاد من الأحاديث الواردة في صحيح مسلم، حيث أدلى القرطبي دلوه في هذا المجال، بعبارةٍ رصينةٍ موجزةٍ، تُعطي المدلولَ، وتؤدّي المعنى؛ ممَّا يدلُّ على فَهْم واضحٍ وعميقٍ لروح الشريعة الإسلامية، ومقاصد الشارع الحكيم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-12> أسبقيته في حل الأحاديث المشكلة:</span>\nيُعتبر كتابُ \"المفهم\" خيرَ كتابٍ، في حل الأحاديث المشكِلة في صحيح مسلم، وإزالة ما بينها من تعارضٍ في الظاهر، أو تناقضٍ في الحُكْم يبدو لأول وهلة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-13> إنصافه في عَرْض الآراء المذهبية:</span>\nيعرضُ القرطبي الخلافات المذهبية، والآراء الاجتهادية، في فروع الشريعة، ويبرز مذهبَ الإمام مالك، ويُفصِّل فيه، وقد يكونُ له رأي مُتفرِّد.\nوقد اتَّسم القرطبي برحابة الصَّدْر، وسعة الأفق الفكري، فلم يتعصَّبْ لمذهبه المالكي، لكنه عارَضَ بشدَّة أهلَ البِدَع والأباطيل، وبيَّن بُعْدَهم عن الشريعة، وغلوَّهم فيما يذهبون إليه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-14> لماذا هذه الطبعة؟ وما فائدتها</span>؟:\nأصبح نَشْرُ \"التلخيص\" و\"المفهم\" واجبًا لا بُدَّ منه، بعد أن تمَّ اكتشافُ مخطوطاتهما المتناثرة في أنحاء العالم، والتي يكمِّل بعضُها بعضًا، وكان تحقيقُ هذا الأمر حُلُمًا في الماضي، وسيصبحُ - بإذن الله تعالى - في طبعتنا هذه حقيقةً واقعةً، ينالُها كل طالب علم، ومحقق وباحث في عالم المعرفة والتراث.","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>(٤) وصف النسخ الخطية المعتمدة وخطة التحقيق</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>أولًا - نسخ التلخيص:</span>\nاعتمدنا - بحول الله تعالى وقوته - على نسختين خطيتين لتلخيص صحيح الإمام مسلم.\nالأولى: نسخة شستربتي (ش):\nتتألف من (٢٦١) ورقة. قياس (٢٣× ١٤) سم. في الصفحة (٢٢) سطرًا. في السطر (١١ - ١٥) كلمة.\nالخطّ نسخ واضح، والكلمات مضبوطة بالشكل. والنسخة كاملة، مُقابَلة، مُصحَّحة؛ لذا اعتمدناها النسخة الأم.\nوفي آخرها: تمَّ هذا الكتاب الشريف، وهو تلخيص كتاب مسلم، وهو آخر الكتاب. والحمد لله حق حمده، وصلواته على سيدنا محمد وآله وأصحابه وسلامه. وكان الفراغ منه في الثامن من شهر شعبان المكرم سنة سبع وثلاثين وستمئة.\nأي: إن هذه النسخة كُتبت في عصر المؤلف، وقبل وفاته بنحو ثلاثين عامًا.\nالثانية: نسخة دار الكتب المصرية (ك):\nنسخة مُصوَّرة من دار الكتب المصرية برقم (٧٣١٥). عدد أوراقها (١٦٣). قياس (٢١ × ١٤) سم. في الصفحة (٢٣) سطرًا. في السطر (١٧) كلمة.","vol":"1","page":19},{"text":"الخط واضح. وعلى الغلاف عدَّة تملُّكات.\nوهذه النسخة مُقابلة مُصحَّحة، وهي الجزء الثاني من التلخيص. وفيها من الأبواب من كتاب: النكاح إلى كتاب التفسير.\nوفي نهاية النسخة: هذا آخر الملخص من صحيح مسلم ... كتبه العبد الفقير إلى رحمة ربِّه وعفوه ومغفرته: علي بن أبي بكر زعاد الخصوصي الأنصاري. وافق الفراغ من كتابته: الرابع من شهر صفر من سنة ثمان وثلاثين وسبعمئة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>ثانيًا - نُسَخ المفهم:</span>\nبعون الله تعالى وحُسن توفيقه حَشَدنا أكبر عددٍ مُمكن من النُّسخ المصورة لكتاب \"المفهم في شرح ما أشكل من صحيح مسلم\"، وكان ذلك عَوْنًا لنا في إيجاد طبعةٍ مُوثقةٍ مضبوطة، أقرب ما تكون إلى ما صَنَعَهُ الإمامُ القرطبي - ﵀ -.\nويُمكن أن نعتبر النسخةَ العثمانية نسخةً متكاملة بأجزائها الأربعة، فاعتمدناها كأصلٍ، نَسَخْنا عنه كتابَ \"المفهم\". ثم قابَلْنا ذلك ببقيَّة النسخ المتوفرة، فخرج الكتابُ - بفضل الله - كأحسن ما يكون، وعلى أتمِّ مرادٍ مأمول.\nوقد اعتمدنا في التحقيق والتوثيق على النسخ التالية:\n١ - النسخة العثمانية (ع):\nهي النسخة الأم المعتمدة، مصوَّرة من مكتبة الأسد العامرة بدمشق، رقمها (١٢٣٠) خاص. وتقع في أربعة أجزاء، قياس (١٩× ١٣) سم، في الصفحة (٢٢ - ٢٤) سطرًا، في السطر (١٣ - ١٦) كلمة. كُتبت بخط نسخ مقروء، وفي بعض الصفحات كلمات غير واضحة بسبب الرطوبة.","vol":"1","page":20},{"text":"وتُمثل هذه النسخة نصًّا كاملًا لكتاب \"المفهم\" على الرغم من النقص الموجود في ثنايا أجزائها، والذي استدركناه من بقية النسخ.\nوعلى الغلاف ثلاثة أبيات شعرية للإمام الحافظ السِّلَفي:\nليس حُسنُ الحديثِ قُرْبَ رجالٍ ... عند أربابِ عِلْمِه النُّقَّادِ\nبل عُلُوُّ الحديثِ عند أولي الإتـ ... ـقانِ والضَّبط صحَّة الإسنادِ\nفإذا ما تجمَّعا في حديثٍ ... فاغْتَنِمْهُ فَذَاكَ أقْصَى المرادِ\nوعلى الغلاف أيضًا ترجمةٌ موجزةٌ للإمام القرطبي، وهي بتمامها:\nوُلِد المؤلفُ سنة (٥٩٨) أو (٥٧٨) في الأندلس، وتوفي في الإسكندرية سنة (٦٥٦) كما في ترجمته في \"الديباج المذهب\" لابن فرحون المالكي ص (٦٩). وذكر فيه أن مِن تلاميذه أبا عبد الله القرطبي المفسِّر، صاحب التفسير المشهور. كتبه عبد الفتاح بن محمد أبو غدة الحلبي - عفا الله عنهما -. ٢٧/ ١٢/ ١٣٦٦.\nوهذه النسخة تتوزع على أربعة أجزاء:\nالجزء الأول: من أول الكتاب إلى نهاية باب: مَن أحبَّ لقاء الله أحبَّ اللهُ لقاءه. ويتألف هذا الجزء من (٢٥١) ورقة. وفيه نقص عدَّة ورقات من كتاب الإيمان.\nالجزء الثاني: من أول كتاب الزكاة إلى آخر باب: تحريم بيع الخمر. ويتألف من (٢٥٤) ورقة. وعليه تملُّك باسم: أحمد الشراباتي، وتملك ومطالعة باسم: إبراهيم بن أحمد بن الملا محمد. وفرغ ناسخه من كتابته يوم الأربعاء السادس عشر من جمادى الآخرة سنة (٧١٨ هـ).\nالجزء الثالث: من أول باب: الصرف والربا إلى نهاية باب: قول النبي - ﷺ -: \"لا تخيِّروا بين الأنبياء\". ويتألف هذا الجزء من (٢٧٥) ورقة. وعليه تملُّك ومطالعة باسم: إبراهيم بن أحمد بن الملا محمد سنة (١٠٠٤). وفي هذا الجزء خمسة كتب ناقصة هي: الحدود، الأقضية، الصيد والذبائح، الأشربة، الأطعمة.","vol":"1","page":21},{"text":"الجزء الرابع: من أول كتاب: فضائل أبي بكر إلى نهاية كتاب: التفسير. ويتألف من (٢٠١) ورقة.\nوقد سُطِّر في الصفحة الأخيرة منه ما نصُّه: تمَّ الجزءُ الرابع من كتاب \"المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم\" وبتمامه تمَّ - إن شاء الله تعالى - جميعُ الدِّيوان، واللهُ المستعان، وذلك في شهر شوال سنة أربع وعشرين وسبعمئة على يد الفقير إلى الله تعالى: محمد بن عيسى بن محمد بن رزيك الشافعي مذهبًا، الغسَّاني نسبًا، رحمهم الله تعالى برحمته الواسعة وسائر المسلمين.\n٢ - النسخة المغربية الرباط (م):\nمُصوَّرة من الخزانة العامة بالرباط برقم (٢٥٣). قياس (٢١× ١٣) سم، في الصفحة (٢٦) سطرًا، في السطر (١١ - ١٥) كلمة.\nوالخط نسخ واضح. وعدد صفحاتها (٦٣٤). وفيها اختصار ونقص لعددٍ من الأبواب. وفي أولها نقصٌ بسيط في خطبة المؤلِّف، حيث تبدأ النسخة بقوله: يقال: ناط الشيء ينوطه نوطًا؛ إذا علقه. وقَبْلَ هذا الكلام سطر أثَّرتْ فيه الرطوبة.\nتنتهي هذه النسخة بكتاب الأقضية، باب: الأمر بالمواساة وجَمْع الأزواد.\nوفي نهايتها: آخر النصف الأول من كتاب \"المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب صحيح الإمام مسلم\" تصنيف الإمام القرطبي - رحمه الله تعالى - يتلوه أول النصف الثاني: كتاب الضحايا.\nوفي الصفحة (٢٥٧): تمَّ الجزءُ الأول من شرح غريب مسلم للقرطبي، وبدأ الجزءُ الثاني بباب: التغليظ في تفويت صلاة العصر.\n٣ - النسخة المغربية - الرباط (ط):\nمُصوَّرة من الخزانة العامة بالرباط برقم (٤١). وهي (٥٦٩) صفحة. قياس (٢٠× ١٣) سم. في الصفحة (٢٥) سطرًا. في السطر (١٠ - ١٥) كلمة.\nوالخط واضح مقروء، وفيها ضبطٌ لبعض الكلمات.","vol":"1","page":22},{"text":"هذه النسخةُ مقابلةٌ، وهي الجزء الثاني من \"المفهم\" من باب: أوقات الصلاة إلى باب: خروج النساء في الغزو. من كتاب الجهاد.\nوتمَّ الفراغُ مِن نَسْخ هذه المخطوطة على يد: محمود بن عبد الغفور بن يوسف بن عبد العزيز بن عمر العجمي، وذلك بالقدس الشريف في أواخر شهر رمضان المبارك سنة (٦٩٦ هـ).\n٤ - النسخة المغربية - الرباط (م ١):\nمُصوَّرة من الخزانة العامة بالرباط برقم (٢٥٤). وهي (٢٧٦) صفحة. قياس (١٩ × ١٣) سم. في الصفحة (٢٣) سطرًا. في السطر (٤ ١ - ١٨) كلمة. والخط واضح مقروء. وفيها ضَبْطٌ لبعض الكلمات.\nوفي هذا الجزء نقص ثلاثة كتب، هي: الصيد، الأشربة، الأطعمة.\nوجاء على الغلاف: الجزء الثالث من كتاب: \"المفهم في حلِّ ما أشكل من صحيح الإمام مسلم\" للعلامة القرطبي - نفع به. آمين -.\nوفي الصفحة الأخيرة: تمَّ الجزءُ بحمد الله وعونه، والحمدُ لله وحده. يتلوه في أول الجزء الذي يليه: كتاب الصيد والذبائح .. إلى آخره.\n٥ - النسخة المغربية - الرباط (م ٢):\nمُصوَّرة من الخزانة العامة بالرباط برقم (٦٥). وهي (٤٥٠) صفحة. قياس (٢٠ × ١٤) سم. في الصفحة (٢٣) سطرًا. في السطر (٩ - ١٢) كلمة.\nوالخط واضح مقروء.\nوهذه النسخةُ هي الجزء الرابع من كتابا \"المفهم\" بدءًا من كتاب: الحدود إلى كتاب النبوات، باب: ذكر إبراهيم ﵇.\n٦ - النسخة المغربية - الرباط (م ٣):\nمُصوَّرة من الخزانة العامة بالرباط برقم (٤٢). وهي (٢٩٤) صفحة. قياس (٢٠× ١٣) سم. في الصفحة (٣١) سطرًا. في السطر (١٤ - ١٧) كلمة.","vol":"1","page":23},{"text":"والخط نسخ واضح.\nهذه النسخة مقابلة، وتُمثِّل الجزء الرابع من كتاب \"المفهم\" من أول كتاب: الحدود إلى نهاية كتاب: فضائل سعد بن أبي وقاص.\nوفي الصفحة الأخيرة عبارة: تمَّ الجزء الرابع، وكان الفراغ منه في يوم الخميس المبارك ثامن شهر صفر الخير من شهور سنة (٩٧٨). بلغ مقابلة حسب الطاقة. كتبه محمد الزعيم.\n٧ - النسخة المغربية - الرباط (م ٤):\nمُصوَّرة من الخزانة العامة بالرباط برقم (١٣). وهي (٥٦٨) صفحة. قياس (٢٠× ١٥) سم. في الصفحة (٢٣) سطرًا. في السطر (١١ - ١٤) كلمة.\nوالخط واضح مقروء.\nهذه النسخة هي الجزء الخامس من \"المفهم\" من كتاب: النبوات، باب: موسى ﵇ إلى آخر كتاب: التفسير.\nوفي الصفحة الأخيرة: تمَّ الجزءُ الخامس بحمد الله ومنَّته على يد أضعف عباد الله وأرجاهم لثوابه: محمد بن عمر بن مسافد الغزي الشافعي، يوم الإثنين حادي عشر رجب الفرد من سنة أربع عشرة وسبعمئة.\n٨ - نسخة الحرم النبوي الشريف (ح):\nرقمها (١٠٣/ ٢١٣). عدد أوراقها (٢٢٨). قياس (٢١×١٤) سم. في الصفحة (٢٥) سطرًا. في السطر (١١ - ١٥) كلمة.\nوالخط مغربي. وفيها عناوين جانبية دالَّة على المضمون.\nوهذه النسخة من أول كتاب \"المفهم\" إلى نهاية باب: تحسين الصوت بالقراءة، من كتاب: الصلاة.\nوليس هناك اسم كاتب ولا تاريخ للنسخ. وعلى الغلاف تملُّك باسم: باشا رايلي عثمان خليفة.","vol":"1","page":24},{"text":"٩ - النسخة الألمانية (ل):\nتقع في (٢١٩) صفحة. قياس (١٩× ١٣) سم. في الصفحة (٢٢) سطرًا.\nفي السطر (١٢ - ١٤) كلمة. الخط مقروء.\nوالنسخة مقابلة، وتبدأ من أول الكتاب إلى نهاية باب: إذا ذكر الإمام أنه مُحْدِث، من كتاب: الصلاة. إلا أنه في أولها نقصٌ، بحيث تبدأ قبل باب: وجوب الأخذ عن الثقات، بقليل.\nوفي الصفحة الأخيرة: آخر المجلدة الأولى من كتاب \"المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم\" يتلوه في أوَّل الثانية - إن شاء الله -: ومن باب أوقات الصلوات.\n١٠ - النسخة الظاهرية (ظ):\nتُعتبر هذه النسخة مُكمِّلة للنسخة السابقة، فهي مكتوبة بالخط نفسه الذي كُتبت به النسخة الألمانية (ل).\nتقع هذه النسخة في (٢٣٩) ورقة. قياس (١٦× ١١) سم. في الصفحة (٢٢) سطرًا. في السطر (٩ - ١٢) كلمة. الخط مقروء. والنسخة مقابلة، وعليها تملُّك.\nتبدأ من أول باب: أوقات الصلوات إلى نهاية باب: التغليس بصلاة الصبح بالمزدلفة، من كتاب الحج.\nوفي الصفحة الأخيرة: آخر المجلدة الثانية من كتاب: \"المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم\" يتلوه في أول المجلدة الثالثة: ومن باب: رمي جمرة العقبة. في رابع عشر من شهر رمضان المعظم سنة اثنتين وتسعين وسبعمئة.\n١١ - النسخة الألمانية (ل ١):\nهي الجزء الثاني والثالث من كتاب \"المفهم\". وتقع في (٢١٠) ورقات. قياس (١٧× ١٢) سم. في الصفحة (٢٥) سطرًا. في السطر (٢٢) كلمة. الخط","vol":"1","page":25},{"text":"مقروء، والنسخة مضبوطة بالشكل، وعليها تملُّك باسم حامد بن إسماعيل التقي، من السيد طالب السرايري في شهر رجب سنة (١٢٢٨).\nتبدأ هذه النسخة من كتاب: النكاح، باب: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ إلى نهاية باب: التداوي باللدود، من كتاب: الطب.\nوفي الورقة (٧٩) ما يشير إلى أن هذه النسخة مأخوذة عن نسخة لابن فرح، وهو القرطبي صاحب التفسير (ت ٦٧١ هـ). وعلى صفحة الغلاف: الجزء الثاني من \"المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم\".\nوفي الصفحة الأخيرة: تمَّ الجزء الثالث، ويتلوه الجزء الرابع: ومن باب: التداوي بالشونيز والتلبينة.\n١٢ - النسخة الهندية (هـ):\nمُصوَّرة عن النسخة الهندية المحفوظة بالمكتبة الناصرية بلكنؤ، رقم (٧٨٦). وهي الجزء الثاني من \"المفهم\". تقع في (٣٠٣) ورقات. قياس (٢٠ × ١١) سم. في الصفحة (٢١) سطرًا. في السطر (١٠ - ١٢) كلمة.\nالخط واضح مع بعض الضبط، والنسخة مقابلة ومصحَّحة، وعليها وقف. تبدأ من باب: إقراء النبي - ﷺ -، من كتاب: الصلاة، إلى نهاية باب: لا يسهم للنساء من الغنيمة، من كتاب: الجهاد.\nوفي الصفحة الأخيرة: وافق الفراغ منه على يد أضعف عِباد الله، وأرجاهم لثوابه، العبد الفقير: موسى بن سليمان بن صادق بن بلال العجمي الشافعي، وذلك ضُحى الأحد لثاني عشرة ليلة خَلَتْ من شهر رجب الفرد سنة إحدى وثلاثين وسبعمئة.\n١٣ - النسخة الأزهرية (ز):\nتقع في (٣٣٠) ورقة. قياس (٢٣ × ١٥) سم. في الصفحة (٢٥) سطرًا. في السطر (١٧ - ٢٠) كلمة.","vol":"1","page":26},{"text":"الخط مغربي. وفي أولها نقص. وتتألف من:\nأ - المجلدة الأولى: تبدأ من أول كتاب: الحج إلى نهاية كتاب: الأضاحي. عدد الورقات (١٠١). فيها نقص من باب: غزوة ذات الرقاع، من كتاب: الجهاد، إلى باب: الحث على العفو، من كتاب: القسامة. وكذا فيها نقص كتاب الأقضية، ما عدا باب: الأمر بالمواساة وجَمْع الأزواد.\nفرغ من كتابتها في (٢) جمادى الأولى سنة (٧٢٧ هـ) على يد محمد بن عبد الله بن بطوطة الطنجي.\nب - المجلدة الثانية: تبدأ من كتاب: اللباس إلى نهاية الكتاب، عدد الورقات (٢٢٩). وقد فُرغ من كتابتها يوم الإثنين في (١٨) جمادى الآخرة سنة (٧٢٧) بمدرسة العزيزية بدمشق، بيد الكاتب: محمد بن عبد الله بن بطوطة الطنجي، عن نسخة السخاوي المتوفى سنة (٦٤٦ هـ).\n١٤ - نسخة جامعة الإمام (ج ١):\nتتألف من جزأين:\nالأول: يقع في (٣٢٨) ورقة. قياس (٢٤× ١٥) سم. في الصفحة (٢٣) سطرًا. في السطر (١٠ - ١٤) كلمة.\nالخط مختلف، لكنه واضح مقروء، والكلمات مضبوطة غالبًا، والنسخة مقابلة، تبدأ من البداية إلى كتاب الحج، باب: طواف الوداع.\nوفي الورقة (١٥١): كمل الجزء بحمد الله وعونه على يد مالكه العبد الفقير إلى عفْو ربِّه: محمد بن عبد الرحمن بن عوض بن عبد الخالق بن عبد المنعم بن يحيى البكري القرشي ثم الدمروطي. وذلك وقت الضحى يوم الجمعة سابع عشر شهر صفر من شهور سنة تسع وثلاثين وسبعمئة.\nوفي نهاية الورقة الأخيرة: يتلوه: باب: دخول النبي - ﷺ - الكعبة. بلغ مقابلة.","vol":"1","page":27},{"text":"الثاني: يقع في (٣٢٨) ورقة. قياس (٢٤× ١٦) سم. في الصفحة (٣٨) سطرًا. في السطر نحو (١٦) كلمة.\nالخط مختلف، لكنه واضح مقروء، والكلمات مضبوطة غالبًا. وعلى الهامش بعض التصحيحات.\nوالنسخة مقابلة، تبدأ من كتاب: الحج، باب: دخول النبي - ﷺ - الكعبة، حتى كتاب: النبوات، باب: أحاديث حوض النبي - ﷺ -\nوفي الورقة (٧٢): كمل السفر الثالث من المفهم ... وذلك في سادس عشر من شهر رمضان المعظم، أحد شهور سنة تسع وثلاثين وسبعمئة.\nوفي نهاية النسخة: كمل السفر السادس، يتلوه في السابع: ومن باب: شجاعة النبي - ﷺ - وكان ذلك عشية السابع من شهر جمادى الآخرة من سنة تسع وعشرين وسبعمئة.\n١٥ - نسخة جامعة الإمام (ج ٢):\nتقع في (٢٣٩) ورقة. قياس (٢١ × ١٤) سم. في الصفحة (٢١) سطرًا. في السطر نحو (١٣) كلمة.\nالخط واضح مضبوط. وعلى الغلاف أكثر من تملُّك.\nتبدأ النسخة من أول كتاب: الزكاة إلى باب: المقام عند البكر والثيب.\n١٦ - نسخة شستربتي (ش):\nتقع في (٢٩٨) ورقة. قياس (١٤ ×٩) سم. في الصفحة (٢١) سطرًا. في السطر (١١ - ١٤) كلمة. والصفحات الأولى أثَّرتْ فيها الرطوبة، فأساءت إلى بعض الكلمات. الخط واضح، مضبوط قليلًا.\nتبدأ النسخة من كتاب الإيمان إلى باب: التشديد في النياحة، مع بعض النقص في أولها.","vol":"1","page":28},{"text":"وفي نهاية النسخة: تمَّ الجزء [الأول] من \"المفهم لشرح صحيح الإمام مسلم\" للعلامة القرطبي. ويتلوه أول الثاني: باب: الأمر بغسل الميت ... إلى آخره.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>ثالثًا - خطة تحقيق كتاب \"المفهم</span>\":\n١ - نَسَخْنا \"تلخيص كتاب مسلم\" من نسختي شسشربتي ودار الكتب المصرية، واستفدنا من صحيح مسلم (طبعة عيسى الحلبي بالقاهرة) (١)، وتلخيص مسلم (طبعة دار السلام بالقاهرة) (٢) وضبطنا نصوصَ الأحاديث بالشكل، ورجَّحنا عند الاختلاف رواية المؤلف التي اعتمدها في الشرح، ورقَّمنا الأبواب والأحاديث، ووضعنا التلخيص في أعلى الصفحات، وفصلنا بينه وبين الشرح بخط أسود.\n٢ - نَسَخْنا \"المفهم\" من \"ع\"، واستدركنا النقص من باقي النسخ، وتبلغ عندنا (١٦) نسخة، منها كامل، ومنها ناقص أو مخروم، وقد قابلنا الأصل المعتمد على جميع ما توفر لدينا من نسخ مخطوطة، وأثبتنا الفروق الجوهرية بعد محاكمات ومناقشات، ورجوع إلى المصادر الحديثية، أو الفقهية، أو اللغوية المتعلقة بالموضوع.\n٣ - ضَبَطْنا كثيرًا من الأسماء والكنى والأنساب والأحرف المشددة والألفاظ المحتملة لأكثر من وجه بالشكل في أصل النص.\n٤ - ضَبَطنا الشعر، وبذلنا قصارى جهدنا في معرفة القائل والمصدر.\n٥ - وحَّدنا أرقام الكتب والأبواب في التلخيص والشرح، ووضعنا عنوان\n_________\n(١) تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.\n(٢) تحقيق د. رفعت فوزي وأحمد محمد الخولي.","vol":"1","page":29},{"text":"الباب في وسط الصفحة بخط أسود مسبوقًا بالرقم بين قوسين صغيرين هكذا ()، وبدأنا أرقام أبواب كل كتاب برقم (١).\n٦ - جمعنا بين الصلاة والتسليم على رسول الله - صلي الله عليه وسلم - في كتاب المفهم كلما وجدت ومهما تكررت.\n٧ - تبدأ الكتب في التلخيص والشرح بصفحة جديدة، أما الأبواب فتأتي فيهما متتابعة ومتلاحقة.\n٨ - عزونا الآيات إلى مواضعها من السور، وذكرنا أرقامها ضمن قوسين هكذا [] بعد نهاية كل آية.\n٩ - خرَّجنا أحاديث التلخيص في الكتب الستة ومسند الإمام أحمد.\n١٠ - شرحنا الكلمات الغريبة في المفهم وخرَّجنا الأحاديث الواردة فيه، وعرَّفنا ببعض الأعلام، وذكرنا الفروق الجوهرية بين النسخ.\n١١ - وضعنا الفقرات المأخوذة من التلخيص في \"المفهم\"، والمبدوءة بكلمة \"قوله\" بين قوسين كبيرين هكذا () مع البدء في أول السطر.\n١٢ - وضعنا فهارس علمية للأحاديث الواردة في التلخيص، وللأحاديث الشواهد الواردة في المفهم، وفهرسًا للأشعار، وفهرسًا للموضوعات.\n١٣ - قام الأستاذ محمد كمال المغربي (أبو أحمد) بتصحيح التجربة الثالثة والأخيرة، وأفاد بملاحظاته القيِّمة، فجزاه الله خيرًا.\nوكلُّنا أملٌ في أن تكون هذه الخطّة مُحقِّقةً لمبتغانا في إخراج طبعة علمية، تُغني وتُفيد.\nوآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.\n* * *","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>(٥) ترجمة المؤلف </span>(*)\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>١ - نسبُه ونشأته:</span>\nهو أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر، الأنصاريّ الأندلسيّ القرطبي المالكيّ، ضياء الدين أبو العباس. الإمام الفقيه، المُحدِّث، المدرس، الشاهد بالإسكندرية. ولد سنة ٥٧٨ هـ في قرطبة، المدينة الأندلسية الكبيرة، وهي معدنُ الفضلاء، ومنبعُ النبلاء، وإليها ينتسب كثير من كبار العلماء، كبقيٍّ بن مخلد المتوفى سنة ٢٧٦ هـ، وابن عبد البر المتوفى سنة ٤٦٣ هـ، وأبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن المفسر المتوفى سنة ٦٧١ هـ .. وغيرهم.\nولم تُسعفنا كتبُ التراجم بدقائق نشأةِ أبي العبَّاس القرطبيّ، إلا أننا نجدُ أنه عُرِفَ بابن المُزَيِّن (١)، ومن المرجَّح أن يكونَ هذا المُزيِّنُ (الحلَّاق) هو أحد أجدادِه، ونعرفُ أنه رحلَ مع أبيه من الأندلس في سن الصِّغَر (٢)، ولعلَّ هذه الرحلة كانت بقصد السَّماع من علماء المغرب، ونستشفُّ منها اهتمامَ الأب وحرصه على متابعة ابنه التحصيلَ العلميّ، بعد أن لمسَ منه الاستعداد والنبوغ.\n_________\n(*) انظر ترجمته في: الديباج المذهب (ص ٦٨ - ٧٠)، تذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٣٨)، نفح الطيب (٢/ ٦١٥)، الوافي بالوفيات (٧/ ٢٩٥)، العبر (٥/ ٢٢٦ - ٢٢٧)، البداية والنهاية (١٣/ ٢١٣)، حسن المحاضرة (١/ ٧٦٠)، شذرات الذهب (٧/ ٤٧٣).\n(١) الديباج المذهب، لابن فرحون ص ٦٨، وقد عرف بهذا اللقب كثير ممن تقدموه.\n(٢) المصدر السابق.","vol":"1","page":31},{"text":"ثم هاجرَ القرطبيُّ من الأندلس بعد أن أتمَّ سماعَه من شيوخ قرطبة.\nوبعد أن بلغَ شأوًا من العلم، يُتيح له أن يتصدَّر حلقاتِ العلم في دَوْحات قرطبة الخضراء، وفي حلقات مساجدها الجميلة مدرِّسًا ومُحدِّثًا (١).\nولا شد أنه أتمَّ في طريق هجرته سماعَه على الشيوخ الكبار في كلٍّ من فاس وتلمسان (٢) وغيرهما من مدن المغرب، قبلَ أن يُلْقيَ عَصا التَّسيارُ في الإسكندرية.\nولم يتحدَّثْ القرطبي عن الأندلس في كتابه \"المفهم\" إلا في مناسبة واحدة، أشارَ فيها إلى أحوال أهلها التي أدَّتْ إلى سقوطها وضياعها:\n\"وقد كثر ذلك - أي: إخافة الطرق بإظهار السِّلاح قصدًا للغلبة على الفروج - في بلاد الأندلس، في هذه المدة القريبة، وظهرَ فيهم ظهورًا فاحشًا، بحيث اشتركَ فيه الشبَّانُ بالفعل، وأشياخهم بالإقرار عليه، وترك الإنكار، فسلَّطَ الله عليهم عدوَّهم، فأهلكهم، واستولى على بلادهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>٢ - عالم الإسكندرية:</span>\nاستقرَّ المقام بأبي العبَّاس في ثغر الإسكندرية مُطِّلًا على البحر الكبير (المتوسط) يتنسَّمُ من رَوْح شواطئه الرحبة عبيرَ الأندلس الحبيب، وأريجَ المغرب العربي الكبير.\nوقدْ شمَّر القرطبي في موطنه الأخير الإسكندرية، عن ساعد الجد والاجتهاد في طلب العلم من علماء المشرق، وتحصيل السماعات والإجازات\n_________\n(١) الوافي بالوفيات؛ للصفدي (٧/ ٢٦٥).\n(٢) الديباج، لابن فرحون (ص ٦٩).","vol":"1","page":32},{"text":"في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، والقدس، والقاهرة، حتى اكتملَ له نصابُ المعرفة والحفظ، وتسنَّم عن جدارة منصبَ المدرس البليغ في علوم العربية، والمحدِّث الثبت في علوم الحديث رواية ودراية، والفقيه المستحضر في المذاهب الفقهية، والشاهد العدل في الحياة العلمية والاجتماعية. وأصبحَ بعد هذا التحصيل العلميّ والثقافيّ، منارة شامخة للعلم والمعرفة، تتوسط بين مشرق العالم العربي ومغربه، ويرتحل الناس إليه من جميع الأقطار، يأخذون عنه العلم والسماع، وينتفعون بكتبه (١) ومروياته، فاستحق ما أطلقه عليه الذهبي بحق \"عالم الإسكندرية\" (٢) بلا منافس ولا منازع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>٣ - الفقيه المُحدِّث:</span>\nنستطيعُ بكل ثقة أن نعدَّ أبا العبَّاس القرطبيّ من العلماء الجامعيين الذين وَعَوْا في صدورهم وعقولهم علومًا عديدة ومعارف متنوِّعة، تشملُ الفقه وأصوله، والحديث ورجاله، والعربية وعلومها المتعدِّدة، والتفسير والقراءات.\nويظهرُ هذا واضحًا من خلال عنوانات كتبه، ونلمسُه من ثنايا كتابه \"المفهم\"، وهو الوحيد الذي وصلَنا حتى الآن من مؤلفاته، إذ نجدُه يُمسِكُ بعِنانِ قلمه، وهو يَستنتجُ قاعدةً أصولية، أو يَشرح كلمةً غريبة، أو يُفسِّر آيةً قرآنية، أو يُوضِح حكمًا فقهيًا؛ فيوقفُ دفقَ معلوماته الغزيرة في المكان والزمان المناسب، حتى لا يضيعَ المُتلقِّي في استطراداتِ مملَّة، ويُصرِّح جازمًا: \"وهذا مكان استيفائه في كتب الفروع\" .. أو \"وهذا استقصيناه في كتابنا الأصول\".\nومع ذلك فنستطيعُ أن نقطعَ جازمين، من خبرة سنوات ثلاث، رافقنا فيها ضياء الدين القرطبي، وعشنا معه في علمه الغزير، وفكره الثاقب، وغيرته المُتَّقِدَة على الاسلام والمسلمين؛ أنه أولًا: نقيه مالكيٌّ بارعٌ ومتمكِّن، بل عُدَّ\n_________\n(١) الديباج المذهب (ص ٧٠).\n(٢) نفح الطيب (٢/ ٦١٥).","vol":"1","page":33},{"text":"من أعيان المذهب، وهذا واضحٌ في \"المفهم\" عندما يعرضُ لمذهب مالكٍ وطريقتِه في الاستدلال، ثم المذاهب الفقهية الموافقة والمخالفة، وطرق استدلالها، ويُعلنُ أبو العبَّاس في كثير من الأحيان رأيَه الحرّ من خلال الدليل، مؤيِّدًا أو مُعارِضًا، مُستَشْهِدًا بالأدلة الواضحة والرَّاجحة.\nوأنه ثانيًا: محدِّث عارفٌ، وحافظ عدلٌ، تَلقَّى مرويَّاتِه، وبخاصة الصحيحين؛ سماعًا وقراءةً على الشيوخ الأثبات، وكان حرصه ظاهرًا على رواية كلَ لفظة بالضبط التام، وهذا من أعظم مميزات شرح المشكل من تلخيص كتاب مسلم كما سنرى في منهج المؤلف رحمه الله تعالى في كتابها \"المفهم\".\n\n٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-23> مواقفه وآراؤه:</span>\nنسخنا، وضبطنا، عشرَ مجلدات كاملة، تزيد صفحاتها على أربعة آلاف، وكنا نُنصتُ للإمام أحمد بن عمر بيقظة تامة وحضور كامل، وهو يشرحُ كلمةً غريبة، بعد إيراد روايته لها، واستعراضِ أصلها وأوجه اشتقاقها، وتعدُّد معانيها، واختيار الأقرب والأنسب. أو وهو يتصدَّى للروايات المتعدّدة، لاستبعاد المشكل، وتأويل المختلف منها. أو وهو يكشفُ بنور إيمانه الوضَّاء ظلماتِ الأهواء الضالَّة، والدعواتِ الفاسدة.\nونتمنى في غمرة ذلك كلِّه أن يُطِلَّ علينا الإمام القرطبي بشخصه، ليُحدِّثنا عن نفسه في أي جانب من جوانب حياته الخاصَّة والعامَّة، وكان هذا قليلًا ونادرًا، وكم أثلجَ صُدورنا عندما أعلنَ في شرحه لمشكل كتاب الرؤيا أنه تردَّد في السفر من تونس إلى مصر، وهو في طريقه إلى الحجِّ، بسبب الأخبار السيئة التي سمعها عن البلاد المصرية من جهة العدو الذي غلب على دمياط. ثم رأى في المنام كأنه في مسجد النبي - ﷺ - وأنه قريب من منبره .. ثم عزم على السفر، ووصل المدينة المنورة، ورأى المسجد والقبر وقال: فرأيته والله في اليقظة على النحو الذي رأيته في المنام من غير زيادة ولا نقصان.\nوكان هدفنا أن نصل إلى استكشاف شخصيته من كلامه، وأن نؤرِّخَ له من خلال","vol":"1","page":34},{"text":"ذكرياتِه واعترافاته، وعلى الرغم من موضوعيته الحازمة وانصرافه الجَادِّ إلى شرح ما أشكلَ من تلخيص صحيح مسلم؛ فإننا أمسكنا بشيء قليل من ملامح محدَّدة عن بعض مواقفه وآرائه:\nأ - هو أشعريٌّ في اعتقاده، لا يقولُ بالعلوِّ، ويَرى التأويلَ في صفات الله تعالى.\nب - ومالكيٌّ متضلِّع في مذهب الإمام مالك، ومستحضرٌ لأقواله وأدلته، ولكنه يقفُ في بعض الأحيان مع الدليل، ويُصرِّح بمعارضته لمالك فيما ذهب إليه، لأن الحجَّةَ مع الشافعيِّ، أو مع أصحاب الحديث.\nجـ - وعالم عامل وملتزمٌ بأحكام الشريعة، يعرفُ الله تعالى ويعبده في ضوء هدي كتاب الله وسُنَّة رسوله - ﷺ -.\nويُشرعُ قلمَه كالسَّيف الصَّارم في وجوه أصحاب الشَّطْح والمَخْرقة من أدعياء الصوفية، وقد كثر أمثالُ هؤلاء في المغرب، فقيَّضَ الله من المغرب نفسه علماءَ أفذاذًا يُنافحون عن هذا الدين، ويُعيدون له صفاءَه وجِدَّته:\n١ - فهو ينعي على جُهَّال العَوامِّ والمبتدعة زعيقَهم وزفيرَهم وشهيقَهم، واصفًا ذلك بأنه يُشبه نهيقَ الحمير. وذلك، لأنهم لم يُدركوا حقيقةَ الوجد والخشوع عند ذكر الله تعالى.\n٢ - ويعيبُ على الذين إذا سمعوا القرآنَ صاحوا صيحاتٍ غير متزنة، مدَّعِين الخشوعَ والتأثر، ظانِّين أنهم يقتدون بذلك ببعض الصحابة الكرام والعلماء الأفاضل. ويقول: \"أين الدرُّ من الصَّدَف؟ ! والمِسْك من الجيف؟ ! هيهات قياس الملائكة بالحدَّادين، والمحقِّقين بالممخرِقين! ! \".\n٣ - ويصبُّ جامَ غضبه على من يدّعي أن الأحكام والتكاليف الموجودة في القرآن والسُّنَّة إنما هي للعوام! أما الخواصُّ الأصفياءُ؛ فهؤلاء فوقَ التكليف،","vol":"1","page":35},{"text":"وأحكامهم تنبعُ من قلوبهم \"حدثني قلبي عن ربي\".\nويقررُ أن من يقولُ هذا كافرٌ يُقتل ولا يُستتاب ..\nد - وهو عالم غيور، ومؤمنٌ صادق، يُعيدُ برأيه الشديد كلَّ من حادَ عن الجادة أو جانبَ الصواب، فيقول: \"مهما كنتَ لاعبًا بشيء فإيَّاك أن تلعبَ بدينك\".\nويستهجنُ، بل ويُسخِّف بكل رأي مخالف ومتهافت كقول الحريري في تسويغ التسوُّل والإلحاح فيه قياسًا على سؤال موسى ﵇ والخضر طعام الضيافة من أهل القرية؛ عندما يقول:\nفإنْ رُدِدْتَ فما بالردِّ مَنْقَصَةٌ ... عليكَ قد رُدَّ موسى قبلُ والخضِرُ\nويردُّ بالحجج المتلاحقة على من فضَّل الخَضِر على موسى ﵇.\nوأمثال هذه المواقف الشجاعة كثيرة النظائر؛ اكتفينا بإيراد بعضها لئلا نُطيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>٥ - شيوخه وتلاميذه:</span>\nأ - شيوخه:\n١ - أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن حفص اليحصبي، وصفَه القرطبي: بالشيخ الفقيه القاضي المحدث الثقة الثبت. قرأ عليه \"صحيح مسلم\"، والشيخ يُمسك أصله نحو المرتين بقرطبة، في مدة آخرها شعبان سنة ٦٠٧ هـ.\n٢ - أبو محمد عبد الله بن سليمان بن داود بن حوط الله، المتوفى سنة ٦١٢ هـ، وصفه بالشيخ الفقيه القاضي الأعدل، العلم الأعلم. وروى عنه \"صحيح مسلم\"، قراءة عليه، وسماعًا لكثير منه، وإجازة لسائره، وذلك بقرطبة في مدة آخرها سنة ٦١٢ هـ. ثم سمع منه بتلمسان.","vol":"1","page":36},{"text":"٣ - أبو إبراهيم عوض بن محمود تقي الدين. وصفه بالشيخ الفقيه الزاهد الفاضل. قرأ عليه \"صحيح مسلم\" كله بمصر.\n٤ - أبو الحسين مرتضى بن العفيف المقدسي، ووصفه بالشيخ الفقيه المحدث الزاهد التلَّاء للقرآن.\nلقيه بقرافة مصر، وسمع عليه، وقرأ عليه، وأجاز له جميع رواياته.\n٥ - أبو الفضل بن الحباب، القاضي فخر القضاة، أجاز له.\nوهؤلاء المشايخ الثلاثة، روَوْا \"صحيح مسلم\" عن الشيخ أبي المفاخر المأموني، راوي \"صحيح مسلم\" بمصر والمتوفى سنة ٥٧٦ هـ.\n٦ - أبو ذر بن محمد بن مسعود الخشني المتوفى سنة ٦٠٤ هـ. ذكره في كتاب \"المفهم\" كثيرًا بقوله: \"شيخنا\" ونقل عنه ضبط كثير من الألفاظ الغريبة.\n٧ - أبو الصبر أيوب بن محمد الفهري السبتي. قال في \"المفهم\": وقد وجدت في أصل شيخنا أبي الصبر.\n٨ - أبو القاسم عبد الرحمن بن عيسى بن الملجوم الأزدي، التقى به بفاس (١).\n٩ - أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن التُّجيبي المتوفى سنة ٦١٠ هـ. وسمع منه بتلمسان.\nب - تلاميذه:\nذاع صيت أبي العباس في المغرب والمشرق، وطبَّقت شهرته الآفاق في الفقه والحديث، وأخذ عنه العلم سماعًا وإجازة تلاميذ كثيرون، نبغ منهم مصنفون كبار، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر:\n_________\n(١) انظر الديباج المذهب (ص ٦٩).","vol":"1","page":37},{"text":"١ - أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح القرطبي المتوفى سنة ٦٧١ هـ. وهو صاحب كتاب الجامع لأحكام القرآن، وكتاب التذكرة في بيان أحوال الآخرة. وقد نقل من كتاب المفهم في تفسيره نقولًا كثيرة، وذكره في شيوخه وحدث عنه (١).\n٢ - أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي المتوفى سنة ٧٠٥ هـ، قال عن شيخه أبي العباس: أخذت عنه، وأجاز لي مصنفاته (٢).\n٣ - أبو الحسن بن يحيى القرشي، وقد ذكره في معجم شيوخه، وقال عنه: اجتمعت به وأخذتُ عنه شيئًا (٣).\nأما أسرته: فلم نجد عنها أخبارًا، سوى أنه تزوَّج امرأة، وقبل الدخول بها حُدِّث عن صفتها ما أوقع في قلبه نفرةً، فأُريها في النوم على الصفة التي كانت عليها في بيتها، ثم إنه لما اجتمع بها وجدها هي التي أُريها في النوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>٦ - كتبه:</span>\n١ - المفهم في شرح ما أشكل من تلخيص كتاب مسلم. وهو من أشهر كتبه وهو كتابنا هذا الذي نقوم بتحقيقه على (١٦) نسخة خطيَّة، وقال عنه ابن فرحون: وهو من أجل الكتب، ويكفيه شرفًا اعتماد الإمام النووي عليه في شرحه لصحيح مسلم.\n٢ - تلخيص صحيح مسلم، طُبع بالقاهرة محققًا، ونقوم بتحقيقه على أصلين خطيين، وطبعه من جديد مع المفهم.\n_________\n(١) الديباج المذهب (ص ٦٩ - ٧٠).\n(٢) الديباج المذهب (ص ٦٩ - ٧٠).\n(٣) المصدر السابق.","vol":"1","page":38},{"text":"٣ - مختصر البخاري، ذكره ابن فرحون، وأوله: باب إسلام عمر بن الخطاب.\n٤ - كتاب في أصول الفقه، ذكره مرارًا في كتاب \"المفهم\" وأحال عليه كثيرًا.\n٥ - الإعلام بمعجزات النبي ﵊، ذكره كثيرًا في كتاب النبوات، وأحال عليه في باب ذكر إبراهيم ﵇، وفي باب ميراث الكلالة، وباب كونه - ﷺ - مختارًا من خيار الناس (١) ...\n٦ - كشف القناع عن حكم مسائل الوجد والسماع، ذكره ابن فرحون في الديباج المذهب، قول المقري عنه: أجاد فيه وأحسن. وذكره القرطبي في \"المفهم\" في كتاب الجهاد (باب التحصن وحفر الخنادق).\n٧ - جزء حديثي في إظهار إدبار من أباح الوطأ بالأدبار، ذكره في \"المفهم\" في كتاب النكاح (باب قوله تعالى: نساؤكم حرث لكم).\n٨ - جزء حسن في حديث أن شارب الخمر لا تُقبل منه صلاة أربعين يومًا. ذكره في كتاب الإيمان (باب رقم ٢٢).\n٩ - جزء في حكم الطلاق ثلاثًا بلفظة واحدة، اتبع فيه طريقة السؤال والجواب. ذكره في كتاب \"المفهم\" في كتاب الطلاق (باب إمضاء الطلاق الثلاث من كلمة).\n١٠ - كتاب شرح التلقين، ذكره في \"المفهم\" في كتاب الطهارة (باب رقم (٥) وقال: أعان الله على إتمامه). ولعله شرح لكتاب \"التلقين في الفروع\" للقاضي عبد الوهاب بن علي البغدادي المالكي المتوفى سنة ٤٢٢ هـ.\n_________\n(١) انظر المفهم في كتاب النبوات: (باب رؤية النبي - ﷺ -).","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>٧ - وفاته:</span>\nوفي ٤ ذي القعدة من عام ٦٥٦ هـ حُمَّ القضاء وبلغ الكتاب أجله، وتوفي أبو العباس القرطبي، ودفن بالإسكندرية رحمه الله تعالى وأرضاه، ورحم الله أبا العتاهية حين يقول:\nأيا هادم اللذات! ما منك مهربٌ ... تحاذر نفسي منك ما سيُصيبها\nرأيت المنايا قُسِّمت بين أنفسٍ ... ونفسي سيأتي بعدهن نصيبُها","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>صور النسخ المخطوطة</span>\n١ - صور مخطوطات \"التلخيص\".\n٢ - صور مخطوطات \"المفهم\".","vol":"1","page":41},{"text":"صورة الصفحة الأولى من نسخة التلخيص (ش).","vol":"1","page":43},{"text":"صورة الصفحة الأخيرة من نسخة التلخيص (ش)","vol":"1","page":44},{"text":"صورة الصفحة الأولى من نسخة التلخيص (ك)","vol":"1","page":45},{"text":"صورة الصفحة الأخيرة من نسخة التلخيص (ك)","vol":"1","page":46},{"text":"صورة الصفحة الأولى من نسخة المفهم (ع)","vol":"1","page":47},{"text":"صورة الصفحة الأولى من نسخة المفهم (ع)","vol":"1","page":48},{"text":"صورة الصفحة الأخيرة من نسخة المفهم (م)","vol":"1","page":49},{"text":"صورة الصفحة الأولى من نسخة المفهم (م)","vol":"1","page":50},{"text":"صورة الصفحة الأخيرة من نسخة المفهم (ط)","vol":"1","page":51},{"text":"صورة الصفحة الأولى من نسخة المفهم (ط)","vol":"1","page":52},{"text":"صورة الصفحة الأولى من نسخة المفهم (م ١)","vol":"1","page":53},{"text":"صورة الصفحة الأخيرة من نسخة المفهم (م ١)","vol":"1","page":54},{"text":"صورة الصفحة الأولى من نسخة المفهم (م ٢)","vol":"1","page":55},{"text":"صورة الصفحة الأخيرة من نسخة المفهم (م ٢)","vol":"1","page":56},{"text":"صورة الصفحة الأولى من نسخة المفهم (م ٣)","vol":"1","page":57},{"text":"صورة الصفحة الأخيرة من نسخة المفهم (م ٣)","vol":"1","page":58},{"text":"صورة الصفحة الأولى من نسخة المفهم (م ٤)","vol":"1","page":59},{"text":"صورة الصفحة الأخيرة من نسخة المفهم (م ٤)","vol":"1","page":60},{"text":"صورة الصفحة الأولى من نسخة المفهم (ح)","vol":"1","page":61},{"text":"صورة الصفحة الأخيرة من نسخة المفهم (ح)","vol":"1","page":62},{"text":"صورة الصفحة الأولى من نسخة المفهم (ل)","vol":"1","page":63},{"text":"صورة الصفحة الأخيرة من نسخة المفهم (ل)","vol":"1","page":64},{"text":"صورة الصفحة الأولى من نسخة المفهم (ظ)","vol":"1","page":65},{"text":"صورة الصفحة الأخيرة من نسخة المفهم (ظ)","vol":"1","page":66},{"text":"صورة الصفحة الأولى من نسخة المفهم (ل ١)","vol":"1","page":67},{"text":"صورة الصفحة الأخيرة من نسخة المفهم (ل ١)","vol":"1","page":68},{"text":"صورة الصفحة الأولى من نسخة المفهم (هـ)","vol":"1","page":69},{"text":"صورة الصفحة الأخيرة من نسخة المفهم (هـ)","vol":"1","page":70},{"text":"صورة الصفحة الأولى من نسخة المفهم (ز)","vol":"1","page":71},{"text":"صورة الصفحة الأخيرة من نسخة المفهم (ز)","vol":"1","page":72},{"text":"صورة الصفحة الأولى من نسخة المفهم (ج ١)","vol":"1","page":73},{"text":"صورة الصفحة الأخيرة من نسخة المفهم (ج ١)","vol":"1","page":74},{"text":"صورة الصفحة الأولى من نسخة المفهم (ج ١)","vol":"1","page":75},{"text":"صورة الصفحة الأخيرة من نسخة المفهم (ج ١)","vol":"1","page":76},{"text":"صورة الصفحة الأولى من نسخة المفهم (ج ٢)","vol":"1","page":77},{"text":"صورة الصفحة الأخيرة من نسخة المفهم (ج ٢)","vol":"1","page":78},{"text":"صورة الصفحة الأولى من نسخة المفهم (ش)","vol":"1","page":79},{"text":"صورة الصفحة الأخيرة من نسخة المفهم (ش)","vol":"1","page":80},{"text":"بِسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>مقدمة كتاب المفهم</span>\nصلَّى اللَّهُ على سيِّدنا محمَّدٍ وآلِهِ وصحبِهِ وسلَّم.\nقال الشيخُ الفقيهُ الإمام الحافظ أبو العبَّاس أحمَدُ بنُ عُمَرَ بنِ إبراهيمَ، الأنصاريُّ القرطبيُّ، ﵀:\nالحمدُ للهِ كما وَجَب لكبريائهِ وجلالِه، والشُّكرُ له على ما غَمَرنا به من نَعمِه وآلائه، أَحمَدُهُ حَمدَ مَن غاصَ في بحار معرفة أسمائِه وجَمالِه، وأشكُرُه شُكرَ مَن عَلِمَ أنَّ شُكرَهُ مِن جُملةِ آلائِه وأفضالِه.\nوأشهَدُ أن لا إله إلا الله وحدَهُ لا نظيرَ له في ذاته ولا شريكَ له في أفعالِه، وأشهَدُ أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله، رسولٌ خُصَّ من الإرسالِ الإلهيِّ بعمومِهِ وخِتامِهِ وكَمالِه، ومِنَ الحقِّ المُبين بصَفوِهِ ومَحضِهِ وزُلالِه، وخُصَّ مَن أطاعَهُ واتَّبعه في أقوالِهِ وأفعالِه بمحبَّةِ الله وهدايتِه الشَّامِلةِ له في جميعِ أحوالِه، وبالفَوزِ بالنَّعيم الأكبر، يومَ يَجِدُ كُلُّ عاملٍ مَغَبَّةَ أعمالِه، صلَّى الله عليه وعلى آله الطَّيِّبِينَ الأكرَمين أهله وآلِه، ورَضِيَ الله عن صَحابَته المُصطفَينَ لإظهارِ الدِّين وإكمالِه، وبعد:\nفلمَّا حَصَلَ من تلخيص كتاب مسلم وترتيبه وتبويبه المَأمُول، وسَهُلَ إلى حفظِه وتحصيلِه الوصول: رأينا أن نُكَمِّلَ فائدتَهُ للطالبين، ونُسهِّلَ","vol":"1","page":83},{"text":"السبيلَ إليه على الباحثين؛ بشَرحِ غريبه، والتَّنبيهِ على نُكَتٍ من إعرابِه، وعلى وجوهِ الاستدلالِ بأحاديثِه، وإيضاحِ مُشكِلاتِه حَسَبَ تبويبِه، وعلى مَسَاق ترتيبِه، فنجمَعَ فيه ما سمعناه من مشايخنا، أو وقَفنا عليه في كتب أئمَّتنا، أو تفضَّلَ الكريمُ الوهَّابُ بفهمه علينا على طريق الاختصار، ما لم يَدعُ الكَشفُ إلى التطويلِ والإكثار، حرصًا على التقريبِ والتسهيل، وعونًا على التفهمِ والتَّحصيل، وسمَّيته بـ:\nالمُفهِم لِمَا أَشكَلَ مِن تلخيصِ كتابِ مُسلِم.\nوقد اجتهدتُّ في تصحيحِ ما نَقَلتُ ورأيت، حسَبَ وُسعِي فيما عَلِمت، غيرَ مدَّعٍ عِصمَة، ولا متبرِّئٍ من زَلَّة، والعصمةُ من الله، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله، ووجهَ اللهِ الكريمِ لا غيرَهُ قصدتّ، وثوابَهُ أردتّ، وهو المسؤولُ في المعونةِ عليه، والانتفاعِ به؛ إنه طيِّبُ الأسماء، سميعُ الدعاء.\nفلنشرع فيما ذكرناه، مستعينين بالله تعالى.\n* * *","vol":"1","page":84},{"text":"بِسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ\n\n(١)<span data-type=\"title\" id=toc-29> مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم</span>\nقال الشَّيخُ الفقيه، الإمامُ العالمُ المُحدِّث، أبو العبَّاس ابنُ الشَّيخِ الفَقيهِ أبي حَفصٍ عُمَرَ، الأنصاريُّ القُرطُبيُّ - ﵀ -:\nالحمدُ لله بمَجامِع مَحامِده\nــ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>(١) بابُ ما تضمَّنتهُ خُطبَةُ الكتابِ وصدرُهُ من المعاني والغريب</span>\n(قوله: الحمد لله) الحمدُ لغةً: هو الثناءُ على مُثنًى عليه بما فيه من أوصاف الجلال والكمال.\nوالشكر والثناءُ بما أَولَى من الإنعام والإفضال، وقد يوضع الحمدُ موضعَ الشكر، ولا ينعكس؛ والشكرُ يكونُ بالقلب واللسان والجوارح.\nقال الشاعر:\nأَفَادَتكُمُ النَّعماءُ مِنِّي ثَلاثَةً ... يَدِي ولِسَانِي والضَّمِيرَ المُحَجَّبَا\nقال ابن الأنباري: الحمدُ مقلوبُ المدح، والألفُ واللامُ في الحمد: إذا نُسبتا إلى الله تعالى: للجنس، أي: الحمدُ كلُّه له؛ وهذا أولى مِن قول مَن قال: إنَّهما للعهد؛ بدليل خصوصيَّة نسبتِه إلى هذا الاسمِ الذي هو أعمُّ الأسماء دَلالةً وأشهَرُها استعمالًا؛ ألا ترى أنَّهم لم يقولوا: الحمد للمَلِكِ، ولا للحقِّ؟ ! ولأنَّه لم يجر ذكرُ معهودٍ قبله فيُحمَلَ عليه.","vol":"1","page":85},{"text":"التي لا يُبلَغُ مُنتَهاها،\nــ\nوالمحامد: جمع مَحمِدَة، بكسر الميم؛ كما قال الأحنف بن قيس: ألا أدلُّكم على المَحمِدَةِ بلا مَريَة؟ الخُلُقُ السَّجِيح (١) والكفُّ عن القبيح.\nوكان قياسُ ميم المَحمِدَة التي هي عينُ الفعل: أن تكونَ مفتوحة؛ لأنَّ قياسَ الأفعالِ الثلاثيَّة التي يكون الماضي منها على فَعِلَ مكسور العين: أن يكون الفعلُ منها مفتوحَ العين في المصدر والزمان والمكان؛ كالمَشرَب، والمَعلَم، والمَجهَل، لكن شذَّت عنهم كلمات.\nقال أبو عمرَ الزاهدُ: لم يأت على مثال فَعِلتُ مَفعِلَةً إلَاّ قولهم: حَمِدتُّ مَحمِدَةً، وحَمِيتُ مَحمِيَةً، أي: عصمت، وحَسِبتُ مَحسِبَةً، ووَدِدتُّ مَودِدَةً، وأنشد الراجز:\nمَا لِيَ في صُدُورِهِم مِن مَودِدَة\nوزاد غيره: كَبِرتُ مَكبِرَةً ومَكبِرًا؛ كما قال أعشى هَمدان:\nطَلَبتَ الصِّبَا لما عَلاني المَكبِرُ\nوحكى ابنُ البياتِيّ في كتابه الكبير في ميم المحمدة الفتحَ، ونقل عن ابن دُرَيدٍ: مَحمِدَة ومَحمَدة، بالكسر والفتح، وقاله أيضًا ابن سِيدَه.\nوقال بعضهم: إنَّ المحامدَ جمع حَمدٍ على غير قياس؛ كالمَفَاقِر جمع فَقر، والأوَّل أولى؛ لأنّ ما ليس بقياسٍ لا يقاسُ عليه؛ إذ الجمعُ بينهما متناقض، وقد جُمِعَ الحمدُ جمعَ القِلَّةِ في قول الشاعر:\nوَأَبلَجَ مَحمُودِ الثَّنايا خَصَصتُهُ ... بأَفضَلِ أَقوَالِي وَأَفضَلِ أَحمُدِ\nو(قوله: التي لا يُبلَغُ مُنتهاها) أي: لَعجِز البشر عن الإحصاء؛ لقصور علمهم\n_________\n(١) \"الخُلُق السَّجيح\": الليِّن السهل.","vol":"1","page":86},{"text":"والشُّكرُ له على آلائِهِ، وإن لم يَكُن أحدٌ أحصاها.\nوأشهدُ أن لا إله إلَاّ الله وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهادَةَ مُحَقِّقٍ أصُولِهَا\nــ\nعن الإحاطة بصفات الحق تعالى وأسمائه؛ كما قال - ﵊ -: لَا أُحصِي ثَنَاءً عَلَيكَ أَنتَ كَمَا أَثنَيتَ عَلَى نَفسِكَ (١).\nوالآلاء: النِّعَم، واحده: إلى؛ كمِعًى وأمعاء، وقيل: أَلىً؛ كقَفًا وأَقفاء؛ قال الشاعر:\nأَبيَضُ لا يَرهَبُ الهُزَالَ وَلا ... يَقطَعُ رِحمًا وَلا يَحوز إِلًى\nيُروى بالوجهين، وقيل: إليٌ؛ كحِسيٍ وأَحسَاء.\nو(قوله: وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له) أي: أنطِقُ بما أعلمُهُ وأتحقَّقُهُ.\nوأصلُ الشهادة: الإخبارُ عمَّا شاهد المخبِرُ بحسِّه، ثُمَّ قد يقال على ما يحقّقه الإنسانُ ويتقَّنَهُ وإن لم يكن شاهدًا للحِسِّ؛ لأنَّ المحقَّقَ علمًا كالمدرَكِ حِسًّا ومشاهدةً.\nو(قوله: شهادةَ محقِّقٍ أصولها، محيطٍ بمعناها):\nأصولُ الشهادة: أدلَّتُها العقليَّة والسمعيَّة.\nوالإحاطةُ تعني هاهنا: العلمَ بمعناها في اللغة، وفي عُرفِ الاستعمال.\nومُحَمَّدٌ: مُفَعَّل من الحمد، وهو الذي كثُرت خصالُهُ المحمودة؛ قال الشاعر:\n. . . . . . . . ... إِلَى المَاجِدِ القَرمِ الجَوَادِ المُحَمَّدِ (٢)\nولمَّا لم يكن في الأنبياء ولا في الرسل مَن له من الخصالِ المحمودةِ ما\n_________\n(١) رواه مسلم (٤٨٦)، والموطأ (١/ ٢١٤)، وأبو داود (٨٧٩)، والترمذي (٣٤٩١)، والنسائي (٢/ ٢٢٥)، وابن ماجه (٣٨٤١).\n(٢) هذا عجز بيت للأعشى، وصدره:\nإليكَ -أبيتَ اللَّعْنَ- كان كَلَالُها","vol":"1","page":87},{"text":"مُحيطٍ بِمَعنَاهَا، وَأَشهَدُ أنَّ محمَّدًا رَسُولٌ حَلَّ مِن رُبَا النبوَّةِ أَعلَاهَا فَعَلَاهَا، وَحَمَلَ مِن أَعبَاءِ الرِّسَالَة إِدَّهَا، فَاضطلَعَ بِهَا وَأَدَّاهَا، فجلا اللهُ بِهِ عن البصائرِ\nــ\nلنبيِّنا - ﷺ -، خصَّه الله مِن بينهم بهذا الاسم؛ كيف لا، وهو الذي يَحمَدُهُ أهلُ المحشر كلُّهم، وبيده لواءُ الحمد، تحته آدمُ فَمَن دونَهُ؛ على ما يأتي؟ !\nوالرُّبَا: جمع رَبوة، وهو ما ارتفع من الأرض وطاف، وفيها لغات: فتحُ الراء وضمُّها وكسرُها، وقد قرئ بها.\nوقيل: رَبَاوة: بفتح الراء وزيادة الألف، قال الشاعر:\nمِن مَنزِلي فِي عَرصَةٍ بِرَبَاوَةٍ ... بَينَ النُّخَيلِ إِلَى بَقِيع الغَرقَدِ\nوالنُّبُوَّة: مأخوذة من النبأ، وهو الخبر، فأصلها إِذَا الهمزُ، ثمَّ سُهِّلت كما سهَّلوا خابية، وهي من خَبَأتُ، وقيل: هي مأخوذةٌ من النَّبوَة، وهو المرتفعُ عن الأرض.\nوالأعباء: جمع عِبء، وهو الثِّقل، وأصله: ما يحمله الإنسانُ مما يَشُقُّ ويثقُلُ من عزم أو مشقَّة.\nوإِدُّها: أثقلُهَا وأشقُّها؛ في الصحاح: آدَنِي الحِملُ يَؤُودُني، أي: أثقلني، ومَؤدد مثل مَقُول، يقالُ: ما آدني فهو لي آئدٌ.\nقلتُ: ومنه قوله تعالى: وَلَا يَئُودُهُ حِفظُهُمَا أي: لا يُثقِله ولا يَشُقُّ عليه.\nو(قوله: فاضطلع بها) أي: قام بها وقَوِيَ عليها، وهو بالضاد المعجمة أخت الصاد؛ من قولهم: ضَلُعَ الرجلُ - بضمِّ اللام - ضَلاعةً، فهو ضَلِيع، أي: قوي وصُلبٌ. فأما ضَلَع - بفتح اللام - فمعناه: اعوج، ومصدره: الضَّلَع بفتحها، واسمُ الفاعلِ مِن هذا أو من الذي قبله: ضالعٌ.\nوجَلَا معناه: كشف، ومنه: جلَوتُ السيفَ والعروسَ جِلَاءً.\nوالبصائر: جمع بصيرة، وهي عبارةٌ عن سرعة إدراك المعاني وجَودَةِ فهمها.","vol":"1","page":88},{"text":"رَينَهَا، وعن الأبصارِ عَشَاهَا، صَلَّى اللهُ عليه من الصلواتِ أفضَلَهَا وأزكَاهَا، وأبلَغَهُ عنَّا من التحياتِ أكمَلَهَا وأَولَاهَا، ورَضِيَ اللهُ عن عِترَتِهِ وأزواجِهِ وصحابتِهِ ما سَفَرَت شمسٌ عن ضُحَاهَا، وبعدُ:\nــ\nورَينُ القلبِ: ما يَغلِبُ عليه مما يُفسِدُهُ ويُقَسِّيه، وهو المعبَّر عنه بالطَّبعِ والخَتم في قول أهل السنة.\nوالعَشَا بفتح العين والقصر: ضَعفٌ في البصر، وبكسرها والمد: الوقتُ المعروف، وبفتحها والمد: ما يؤكَلُ في هذا الوقت، مقابلَ الغَدَاء.\nوأزكاها: أكثرُها وأنماها؛ من قولهم: زَكا الزرعُ يَزكُو.\nوالتحيَّات: جمع تحيَّة؛ وهي هنا السلام، وأصلُ التحية: المُلكُ، ومنه قولهم: حيَّاك الله، أي: مَلَّكك الله، قاله القُتَبِيُّ.\nوالعِترة: الذرية والعشيرة، القُربى والبُعدى، وليس مخصوصًا بالذرية؛ كما قد ذهب إليه بعضهم حتى قال: إنَّ عترةَ رسولِ الله - ﷺ - هي وَلَدُ فاطمة خاصَّةً.\nويدلُّ على صحة القولِ الأوَّل: قولُ أبي بكر - ﵁ - فيما رواه ابنُ قُتَيبَةَ: نَحنُ عِترَةُ رسولِ الله - ﷺ - التي خَرَجَ منها، وبَيضَتُهُ التي تفقَّأَت عنه، وإنما جِيبَتِ عنا كما جِيبَتِ الرَّحَا عن قُطبِها (١).\nوسَفَرَت: كشفَت، يقال: سفَرتُ الشيءَ سَفرًا كشفتُهُ؛ ومنه سَفَرَتِ المرأةُ عن وجهها سُفُورًا: إذا أزالت خمارها، وأما أسفر الصبحُ: فأضاء، وأَسفَرَ القوم: ساروا في إسفارٍ من الصبح.\nوالضُّحَى: صدرُ النهار، بالضم والقصر، وهي حين شروقِ الشمس، وهي مؤنَّثة، فأمَّا الضَّحاءُ، بالمد: فارتفاع النهار الأعلى، وهو مذكَّر؛ قاله أبو عُبَيد.\nوالنتائج جمع نتيجة، وكُنّىَ بها هنا عن البراهين العقلية، فإنها قضت بما ذكرَناه جوازًا وإمكانًا.\nوأدلة الشرع: هي أخباره الصادقة؛ فإنها قضَت بذلك وقوعًا وعِيَانًا.\n_________\n(١) انظر النهاية لابن الأثير (٣/ ١٧٧).\n\"جيبت\": أبعدت. \"قطبها\": القطب: حديدة في الطبق الأسفل من الرحا، يدور عليها الطبق الأعلى.","vol":"1","page":89},{"text":"فلمَّا قَضَت نتائِجُ العُقول، وأدلَّةُ الشَّرعِ المَنقُول: أن سَعادَةَ الدَّارَينِ مَنُوطَةٌ بمُتابَعَةِ هذا الرَّسول، وأنَّ المحبةَ الحَقيقِيَّةَ باقتِفاءِ سَبيلِهِ وَاجِبَةُ الحُصُول ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١] انتَهَضَت هِمَمُ أعلامِ العُلَماء، والسَّادَةُ الفُضلاء، إلى البَحثِ عَن آثارِه: أقوالِهِ وأفعالِهِ وإِقرارِه، فحَصَّلُوا ذَلِك ضَبطًا وحِفظًا، وبلَّغُوهُ إلى غَيرِهِم مُشافَهَةً ونَقلًا. ومَيَّزوا صَحيحَهُ مِن سَقيمِه،\nــ\nوسعادة الدارين: هي نيلُ مراتبهما ومصالحهما، ونفيُ مفاسدهما.\nومنوطة: معلَّقة، يقال: ناط الشيءَ يَنُوطُهُ: إذا علَّقه؛ والإشارة به إلى نحو قوله تعالى: ﴿قُل إِن كُنتُم تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحبِبكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] والهداية الحقيقية هي فعلُ الطاعاتِ الشرعيَّة، والحصولُ على ما وعَدَ عليها من الدرجات الأخروية؛ والإشارةُ إلى نحو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤]؛ وتجوز بالحقيقَة عن الهداية التي هي مجرَّدُ الإرشادِ والدَّلالَةِ التي هي نحو قولِهِ تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت: ١٧].\nوالاقتفاء: التَّتَبُّع؛ من قولهم: اقتفيتُ أثَرَه وقفوتُهُ، وأصله من القَفَا والقافية.\nو(قوله: واجبة الحصول) أي: بحسَبِ الوعدِ الصدق والاشتراطِ الحق؛ نحو ما تقدَّم. ولا يجبُ على الله تعالى شيء، لا بالعقلِ ولا بالشرع؛ فإنَّ ذلك كلَّه محالٌ على ما يعُرف في علم الكلام.\nوالأعلام: المشاهير، جمع عَلَمٍ.\nوالسَّادة: جمع سيِّد، وهو الذي يَسُودُ غيره، أي: يتقدَّم عليه بما فيه مِن خصال الكمال والشرف. وآثار النبي - ﷺ -: هي ما يُؤثَرُ عنه وينقل، أي: يُتَحَدَّث بما فيه من حسن خصال الكمال من قولهم: أَثَرتُ الحديثَ أثرة.\nو(قوله: وميَّزوا صحيحَه من سقيمِه): اختلفت عباراتُ المحدِّثين في أقسام الحديث، فقال أبو عبد الله محمد بنُ عبد الله الحاكمُ النيسابوريُّ: وهو المعروفُ بابن","vol":"1","page":90},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالبَيِّع في كتاب المَدخَل له: الصحيحُ من الحديث على عشرة أقسام؛ خمسةٌ مُتَّفَقٌ عليها، وخمسةٌ مُختَلَفٌ فيها:\nفالأول: من المتفَّق عليه: اختيارُ البخاريِّ ومسلم، وهو ألَاّ يَذكُرا من الحديث إلا ما رواه صحابيٌّ مشهورٌ عن رسول الله - ﷺ -، له راويان فأكثر، ثم يرويه عنه تابعيٌّ مشهورُ الرواية عن الصحابة، له هو أيضًا راويان فأكثر؛ وكذلك مَن بعدهم، حتى ينتهي الحديثُ إليهما.\nقال: والأحاديثُ المرويَّةُ بهذه الشريطةِ لا يبلُغُ عددها عَشَرَةَ آلاف.\nالثاني: مِثلُ الأول؛ لكن ليس لراويه من الصحابة إلا راو واحد.\nالثالث: مثله؛ إلا أنَّ راويَهُ ليس له من التابعين إلا راو واحدٌ.\nالرابع: الأحاديثُ الأفرادُ الغرائبُ التي رواها الثقاتُ العدول.\nالخامس: أحاديثُ جماعةٍ من الأئمَّةِ عن آبائهم عن أجدادهم، ولم تتواتَرِ الروايةُ عن آبائِهِم وأجدادِهِم إلا عنهم؛ كصحيفة عمرو بن شُعَيب، وبهز بن حَكِيم، عن أبيه، عن جَدِّه، وأبان بن معاوية بن قُرَّة، عن أبيه، عن جده، وأجدادُهُم صحابةٌ، وأحفادهم ثقات.\nقال: فهذه الأقسام الخمسة مخرَّجة في كتب الأئمة، محتجٌّ بها؛ وإن لم يخرَّج في الصحيحين منها شيء. قلتُ: يعني غَيرَ القسم الأول.\nقال الحاكم: والخمسةُ المختَلُف فيها: المراسيل. وأحاديث المدلِّسين إذا لم يَذكُروا سماعاتهم، وما أسنده ثقةٌ وأرسلَهُ جماعةٌ من الثقاتِ غيرُهُ. وروايةُ الثقاتِ عن الحُفَّاظ العارفين. وروايةُ المبتدعة إذا كانوا صادقين.\nقلتُ: هذا تلخيصُ ما ذكره، وعليه فيه مؤاخذاتٌ سيأتي بعضها.\nوأشبَهُ مِن تقسيمه: ما قاله الخَطَّابيُّ أبو سليمان، قال: الحديثُ عند أهله على ثلاثة أقسام: صحيحٌ، وحَسَنٌ، وسقيم:\nفالصحيح: ما اتصَلَ سنده، وعُدِّلَت نَقَلَتُهُ.\nوالحسن: ما عُرِفَ مَخرَجُهُ؛","vol":"1","page":91},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n\nواشتَهَر رجاله؛ وعليه مدارُ أكثرِ الحديث، وهو الذي نقله العلماء، ويستعملُهُ عامَّةُ الفقهاء.\nوالسقيم: على طبقات، شرُّها الموضوعُ والمقلوبُ، ثم المجهول.\nوقال أبو عيسى الترمذي: كلُّ حديثٍ حَسُنَ إسنادُهُ، ولا يكونُ في إسناده مَن يُتَّهَمُ بالكذب، ولا يكونُ الحديثُ شاذًّا، ورُوِيَ عن غير وجه ونحو ذلك: فهو عندنا حسن.\nوقال أبو عليٍّ الغَسَّانيُّ: الناقلون سبع طبقات:\nالأولى: أئمة الحديث وحُفَّاظه، وهم الحُجَّة على مَن خالفهم، ويُقبَلُ انفرادُهم.\nالثانية: دونهم في الحفظ والضبط؛ ولكنَّهم لَحِقَهم في بعض روايتهم وَهَمٌ وغَلَطٌ. والغالبُ على حديثهم الصِّحَّة، ويُصحَّحُ ما وَهِمُوا فيه من رواية الطبقة الأولى، وهم لاحقون بهم.\nالثالثة: جَنَحَت إلى مذاهبَ مِنَ الأهواء غير غالية ولا داعية، وصَحَّ حديثها، وثَبَتَ صدقها، وقَلَّ وَهَمُها؛ فهذه الطبقة احتمَلَ أهلُ الحديث الروايةَ عنهم.\nقال: وعلى هذه الطبقاتِ الثلاثِ يدورُ الحديثُ؛ وإليها أشار مسلم في صدر كتابه لمَّا قَسَّم الحديثَ على ثلاثة أقسام، وثلاثِ طبقات، فلم يُقَدَّر له إلا الفراغُ من الطبقة الأولى، واخترمتهُ المنيَّة.\nوثلاثُ طبقات أسقطَهُم أهلُ المعرفة:\nالأولى: مَن وُسِم بالكذب، وَوَضع الحديث.\nالثانية: مَن غَلَب عليهم الوَهَمُ والغَلَطُ حتى تستغرق روايتهم.\nالثالثة: مَن غلا في البدعة، ودعا إليها، وحَرَّفَ الرواية ليحتجُّوا بها.\nوالسابعة: قومٌ مجهولون، انفردوا بروايات لم يتابَعُوا عليها؛ فقبلهم قومٌ، ووقفهم آخرون.\nقلت: وهذا التقسيمُ أشبهُ ممَّا قبله.","vol":"1","page":92},{"text":"ومُعوَجَّهُ مِن مُستَقيمِه، إلى أن انتَهى ذلك إلى إمَامَي عُلَماءِ الصَّحيح، المُبَرِّزَينِ في عِلمِ التَّعديلِ والتَّجريح: أبي عبد الله محمَّد بن\nــ\nوعليه: فالصحيحُ: حديثُ الطبقة الأولى، والحسَنُ: حديثُ الطبقة الثانية، وهو حجةٌ؛ لسلامته عن القوادح المعتبرة، وأمَّا حديثُ الطبقة الثالثة: فاختُلِفَ في حديثها؛ على ما يأتي.\nوأما الطبقاتُ الثلاثُ بعدها فهم متروكون، ولا يُحتَجُّ بشيء من حديثهم، ولا يُختَلَف في ذلك.\nويلحق بهم السابعةُ في الترك، ولا يُبالَى بقولِ مَن قَبلَهم؛ إذ لا طرائقَ إلى ظَنِّ صدقهم؛ إذ لا تُعرَفُ روايتُهُم ولا أحوالهم؛ ومع ذلك فقد أَتَوا بالغرائبِ والمناكِير، فإحدى العلتين كافية في الرد، فكيف إذا اجتمعتا؟ !\nو(قوله: ومُعوَجَّهُ من مستقيمه): أشار بالمُعوَجِّ إلى ما كان منها منكرَ المتن، ولم يشبه كلامَ النبي - ﷺ -؛ كما قال أبو الفرج ابن الجوزيُّ في كتاب العلل المتناهية في الأحاديث الواهية: إن من الأحاديثِ الموضوعاتِ أحاديثَ طِوَالًا لا يخفى وضعها، وبرودةُ لفظها؛ فهي تنطق بأنها موضوعة، وأنَّ حاشيةَ رسول الله - ﷺ - ترق عنها.\nوقال الشيخ: وإلى هذا النحو أشار النبيُ - ﷺ - بقوله: إذا حُدِّثتُم عني بحديثٍ تَعرِفُونَهُ ولا تُنكِرُونَهُ، فصدِّقوا به، وما تنكرونه، فكذِّبوا به؛ فأنا أقولُ ما يُعرَفُ ولا يُنكَر، ولا أقولُ ما يُنكَرُ ولا يُعرَف (١)؛ خرَّجه الدَّارقُطنيُّ؛ من حديث ابن أبي ذئب، عن المَقبُريِّ، عن أبيه، عن أبي هريرة.\nوالمبرِّز: هو المُطِلُّ على الشيءِ الخارجُ عنه، وهو اسمُ فاعلٍ من بَرَّزَ\n_________\n(١) رواه الدارقطني في السنن (٤/ ٢٠٨)، والعقيلي في الضعفاءالكبير (١/ ٣٢) في ترجمة: أشعث بن بَرَاز الهُجَيْمي، وقال: ليس لهذا اللفظ عن النبي - ﷺ - إسناد يصح.\nوأشعث هذا: منكر الحديث. انظر: ميزان الاعتدال (١/ ٢٦٢).","vol":"1","page":93},{"text":"إسماعيل الجُعفيِّ البُخاريّ،\nــ\nمُشدَّدَ الراء، وأصله من بَرَزَ حقيقة، بمعنى: خرج إلى البَراز - بفتح الباء -، وهو الفضاءُ المتسع من الأرض، وضوعف تكبيرًا.\nالبخاري: هو أبو عبد الله محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيمَ بن المُغِيرَة بن بَردِزبَه، وبردزبه: مجوسيٌّ مات عليها، والمغيرة بن بردزبه أسلم على يدي يمان البخاري الجعفي والي بخارى، ولذلك نُسبَ أبو عبد الله البخاري، فقيل فيه: جُعفِيُّ، فهو الجعفيُّ ولاءً، والبخاري بلدًا. وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواءَ علمِ الحديثِ المنشور، صاحب التاريخ الصحيح، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أَحَدُ حُفَّاظِ الإسلام، ومَن حَفِظَ الله به حديثَ رسوله ﵊، رحَلَ في طلب الحديثِ إلى القُرَى والأمصار، وبالَغَ في الجمعِ منه والإكثار، لقي مَن كان في عصره من العلماء والمحدِّثين، وأدرَكَ جماعةً أدركوا التابعين؛ كَمَكِّيِّ بن إبراهيمَ البَلخِيّ، وأبي عاصمٍ النبيل، ومحمَّدِ بنِ عبدِ الله الأنصاريّ، وعصامِ بنِ خالدٍ الحِمصِيّ، وهم أدركوا متأخِّري التابعين. ارتحَلَ إلى عراقِ العربِ والعَجَم، وإلى مصرَ والحجازِ واليَمَن، وسمع بها مِن خلقٍ كثير رُبَّمَا يزيدون على الألفِ باليسير. قال جعفرُ بنُ محمَّد بن القَطَّانُ: سمعتُ محمدَ بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ أو أكثر، ما عندي حديثٌ إلا أذكُرُ إسناده.\nرَوَى عنه جمعٌ كبيرٌ من الأئمة الحُفَّاظ؛ كأبي حاتم الرازي، ومسلم بن الحَجَّاج القُشَيري، وأبي عيسى التَّرمِذِيّ، ومحمد بن إسحاق بن خُزَيمة، وأبي حامدِ بنِ الشَّرقيِّ، وإبراهيمَ بنِ إسحاقَ الحَربي، في آخرين يطولُ ذكرهم.\nوروى عنه الجامعَ الصحيحَ: أبو حيان مَهِيبُ بن سُلَيمٍ الدَّقَّاق، وإبراهيمُ بنُ مَعقِلٍ النَّسَفِيُّ، ومحمد بن يوسف بن مَطَرٍ الفَرَبرِيُّ، وهو آخرهم، وقال محمد بن يوسفَ الفَربريُّ: سمع كتابَ البخاريِّ تسعون ألف رجل، فما بقي أحدٌ يرويه غيري.\nومولُد البخاريِّ يوم الجمعة بعد صلاتها لثلاثَ عَشَرَةَ ليلةً خلت من شَوَّال","vol":"1","page":94},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nسنة أربع وتسعين ومائة، وتوفِّي ليلةَ السبتِ عند صلاة العشاء من ليلة الفطر من شوال، سنة ست وخمسين ومائتين، وعمره: اثنتان وسِتُّون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا.\nشَهِدَ له أئمَّةُ عصره بالإمامة في حفظ الحديث ونقله، وشهدَت له تراجمُ كتابه بفهمه وفقهه.\nقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيمة: ما تحت أديمِ السماء أعلَمُ بالحديث من البخاري.\nوقال له مسلم بن الحَجَّاج، وقد سأله عن عِلل الأحاديث، فأجابه، فقال له: لا يَبغُضُكَ إلا حاسد، وأشهَدُ أن ليس في الدنيا مثلك.\nوقال أبو بكرٍ الجَوزَقي: سمعتُ أبا حامدِ بنَ الشَّرقي أو غيره يقولُ: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يَدَيِ البخاريِّ كالصبيِّ بين يدي معلِّمه.\nوقال حامد بن أحمد: ذُكِرَ لعليِّ بنِ المَدِيِنيِّ قولُ محمد بن إسماعيل البخاري: ما تصاغَرتُ نفسي عند أحدٍ إلا عند عليِّ ابن المديني، فقال: ذروا قوله هو، ما رأى مِثلَ نفسه.\nوذكر أبو أحمدَ بنُ عَدِيٍّ: أَنَّ البخاري لمَّا قدم بغداد امتحنه المحدِّثون بأن قلبوا أسانيد مائةِ حديثٍ، فخالفوا بينها وبين متونها، ثم دفعوها لِعَشَرةِ أنفس، لكلِّ واحدٍ عشرةُ أحاديث، فلمَّا استَقَرَّ به المجلس، قام إليه واحد من العشرة، فذَكَر له حديثًا مِن عَشَرَتِهِ المقلوبة، فسأله عنه، فقال له البخاري: لا أعرف هذا. ثم سأله عن بقيَّةِ العَشَرة واحدًا واحدًا، وهو في كلِّ ذلك يقول: لا أعرف. ثم قام بعده ثانٍ ففعل له مثلَ ذلك، ثم قام ثالثٌ كذلك، حتى كمَّل العشرةُ المائة الحديثِ. فلمَّا فرغوا، دعا بالأوَّل، فَرَدَّ ما ذَكَرَ له من الأحاديث إلى أسانيدها، ثم فَعَلَ ببقيَّةِ العشرة كذلك، إلى أن رَدَّ كلَّ متن إلى سنده، وكُلَّ سند إلى متنه، فبُهِتَ الحاضرون، وأُعجِبَ بذلك السامعون، وسلَّموا لحفظه، واعترفوا بفضله.\nوقال الدارقطني: لولا البخاريُّ ما ذَهَبَ مسلمٌ ولا جاء.\nوقال أحمد بن محمد الكراسي: رحم الله الإمامَ أبا عبد الله البخاريَّ، فإنَّه الذي ألَّف الأصول، وبيَّن للناس، وكلُّ مَن عمل بعده فإنما أخَذَه مِن كتابه؛ كمسلم بن الحجاج، فرَّقَ كتابه في","vol":"1","page":95},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nكتبه، وتجلَّد فيه حَقَّ الجلادة، حيثُ لم يَنسُبهُ إلى قائله، ومنهم مَن أَخَذَ كتابه فنقله بعينه؛ كأبي زرعة، وأبي حاتم.\nفقال محمدُ بنُ الأزهرِ السِّجزِيُّ: كنتُ بالبصرة في مجلسِ سليمانَ بنِ حرب، والبخاريُّ جالس لا يكتب، فقال بعضهم: ما له لا يكتب؟ فقال: يرجع إلى بخارَى فيكتب مِن حفظه.\nوقال محمد بن حَمدَوَيهِ: سمعتُ البخاريَّ يقول: أحفظ مائة ألفِ حديثٍ صحيح، وأعرفُ مائتَي ألفِ حديثٍ غير صحيح.\nوأخبارُهُ كثيرة، ومناقبُهُ شهيرة، وإمامته وعدالته وأمانته متواترة، كُلُّ ذلك مِن حاله معروف، ومِن فضله موصوف.\nوالعجبُ مما ذكره أبو محمدِ بنُ أبي حاتم في ترجمة البخاري، فقال: إنَّ أبي وأبا زرعة تركاه - يعني البخاري - لأنه قال: لفظي بالقرآن مخلوق، ولم ينقُل شيئًا من فضائله، وكأنَّه أعرَضَ عنه وصغَّرَ أمره.\nقلتُ: وهذا تركٌ يجبُ تَركُه، وتصغيرٌ يتعيَّن ضِدُّه، كيف يُنزل مثلُ هذا الإمام، لحقٍّ أظهَرَهُ في الأنام، وتطاعُ فيه أهواءُ الطَّغَام (١)؟ !\nوقد ذَكَر ابن عدي هذه القصَّة، فقال: عُقِدَ له المجلسُ بنيسابور، فدُسَّ عليه سائل، فقال: يا أبا عبد الله، ما تقول: لفظي بالقرآن مخلوق؟ فأعرض عنه، فأَلَحَّ عليه، فقال: القرآنُ قد تم غيرُ مخلوق، وأفعالُ العباد مخلوقة، والسؤالُ عنه بِدعة.\nوهذا الذي قاله - ﵁ - هو غايةُ التحقيق والتحرُّز، ولكن نسألُ الله العافيةَ مِن إصابة عينِ الحُسَّاد، ومناكَدَةِ الأضداد ولا شكَّ، إلا أن الرجلَ عُلِمَ فضلُهُ، وكَثُرَ الناسُ عليه فحُسِدَ.\nقال عليُّ بنُ صالحِ بنِ محمدٍ البغداديُّ مستَملي البخاري: كان يجتمعُ في مجلس البخاريِّ أكثَرُ من عشرين ألفًا.\nقال المصعب: محمدُ بنُ إسماعيلَ أفقهُ عندنا مِن أحمدَ بنِ حنبل، ولو أدركتَ مالكًا ونظَرتَ إلى وجهه، ووَجهِ محمدِ بنِ\n_________\n(١) \"الطعام\": أرْذال الناس وأوغادهم.","vol":"1","page":96},{"text":"وأبي الحُسَين مُسلِم بن الحجَّاج القُشَيريِّ النَّيسابُوريّ، فجَمَعَا كِتابَيهِما عَلَى شَرطِ الصِّحَّة،\nــ\nإسماعيل، لقلتَ: كلاهما في الفقهِ والحديثِ واحد.\nوقال يعقوبُ بنُ إبراهيمَ الدَّورَقيُّ: محمدُ بن إسماعيل فقيهُ هذه الأمة.\nوأما مسلم: فيكنى أبا الحسين بن الحَجَّاج، قُشَيرِيُّ النسب، نَيسَابوري الدار.\nوقد ذكر في صدر الكتاب الملخَّص - الذي هذا شرحُهُ - من أقوال العلماء في مسلم من الثناءِ عليه وعلى كتابه: جملةً صالحة، بحيث إذا قوبلت بما قيل في البخاري وفي كتابه كانت مكافئةً لها أو راجحةً عليها.\nوالحاصلُ من معرفة أحوالهما أنهما فَرَسا رِهان، وأنَّهما ليس لأحد في حَلبتهما بمسابقتهما ولا مساوقتهما يدان. سمع مسلمٌ بخراسان، وارتحَلَ إلى العراق والحجاز والشام ومصر كارتحال البخاريِّ.\nوسمع من يحيى بن يحيى التميمي، وقتيبة بن سعيد البلخي، وإسحاقَ بنِ راهَوَيهِ، وأحمدَ بنِ حنبل، ويحيى بن مَعِين، والقَعنَبِيِّ، ومسلمِ بنِ إبراهيم، وأبي بكر بن أبي شيبة، ومحمدِ بن بَشَّار، ومحمدِ بنِ المثنى، وخلقًا كثيرًا يطول ذكرهم.\nرَوَى عنه: إبراهيمُ بن سفيان الزاهدُ المَروَزِيُّ، وأبو محمدٍ أحمدُ بنُ عليِّ بنِ الحسن القَلَانِسِيُّ، ولا يُروَى كتابُهُ إلا من طريقهما. وروى عنه أيضًا: مكي بن عَبدَان، ويحيى بن محمد بن صاعد، ومحمد بن مَخلَد، وآخرون.\nتوفِّي عشيةَ يوم الأحد، ودُفِنَ يوم الإثنين لخمسٍ بَقِينَ من رجب سنةَ إحدى وستين ومائتين، وقد وافى سِنَّ الكهولة، مات وهو ابنُ خمس وخمسين سنة.\nو(قوله: فجمعا كتابيهما على شرط الصحة): هذا هو الصحيحُ الحاصلُ من أشراط البخاريِّ ومسلم في كتابيهما. قال إبراهيمُ بن مَعقِل: سمعتُ البخاريَّ","vol":"1","page":97},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nيقول: ما أدخلتُ في كتاب الجامع الصحيح إلا ما صَحَّ، وقد تركتُ من الصحيح خوفًا من التطويل.\nوقال أبو الفرج بن الجوزي: ونُقِلَ عن محمد بن إسماعيل أنه قال: صَنَّفتُ كتاب الصحيح في سِتَّ عَشرَةَ سنةً مِن سِتِّمائة ألف حديث، وجعلته حجةً بيني وبين الله تعالى.\nوقال لي الفربري: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وضعتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك، وصلَّيتُ ركعتين.\nوقال عبد القُدُّوس بن هشام: سمعت عشرةً من المشايخ يقولون: دوَّن محمد بن إسماعيل تراجمَ جامعِهِ بين قبر النبيِّ - ﷺ - وبين منبره، وكان يصلِّي لكل ترجمة ركعتين.\nوقال الحسين بن محمد الماسَرجِسِيُّ: سمعتُ أبي يقولُ: سمعتُ مسلمَ بنَ الحَجَّاج يقولُ: صَنَّفتُ هذا المسنَدَ الصحيحَ من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة.\nوقال إبراهيم بن سفيان: قال لي مسلم: ليس كلُّ صحيحٍ وضعتُ هنا، وإنما وضعتُ ما أجمعوا عليه.\nفهذه نُصُوصُهُمَا على أنَّ شرطهما إنما هو الصحيحُ فقط.\nوأما ما ادّعاه الحاكمُ عليهما مِنَ الشرط الذي قدَّمنا حكايته عنهما: فشيءٌ لم يصحَّ نقله عنهما، ولا سَلَّمَ له النقَّادُ ذلك؛ بَل قد قال أبو علي الجَيَّاني لمَّا حَكَى عنه ما ادَّعاه من الشرط: ليس مراده به أن يكون كلُّ خبر روياه يجتمع فيه راويان عن صحابيِّيه وتابعيِّيه ومَن بعده؛ فإن ذلك يَعِزُّ وجوده، وإنما المراد: أن هذا الصحابيَّ وهذا التابعيَّ قد روى عنه رجلان خَرَجَ بهما عن حَدِّ الجهالة.\nقلتُ: فقد بطَلَ ظاهرُ ما قاله الحاكمُ بما قاله أبو علي؛ فإنَّ حاصل ما قاله أبو علي: أنهما لم يُخَرِّجا عن مجهول من الرواة، على أنَّ أبا أحمدَ بنَ عَدِيٍّ ذكَرَ شيوخَ البخاري، وذكر منهم أقوامًا لم يَرو عنهم إلا راو واحدٌ، وسمَّاهم عينًا عينًا، وقال: لم يرو عنهم إلَاّ راو واحد، وليسوا بمعروفين، فلولا التطويل لنقلنا (١) عنه ما قاله.\nوعلى هذا: فشرطهما: أن يخرِّجا في كتابيهما ما صَحَّ عندهما وفي ظنونهما، ولا يلزم مِن\n_________\n(١) في (م) لقلنا.","vol":"1","page":98},{"text":"وبَذَلا جُهدَهُما في تَبرِئَتِهِما مِن كُلِّ عِلَّة، فتمَّ لهُما المُرادُ، وانعَقَدَ الإجماعُ على تَلقِيبِهِما باسمِ الصَّحيحَين أَو كاد، فجَازاهُما الله عَنِ الإسلامِ أَفضَلَ الجَزاء، وَوَفَّاهُما مِن أَجرِ مَنِ انتَفَعَ بِكِتابَيهِما أَفضَلَ الإجزَاء.\nــ\nذلك نفيُ المطاعن عن كُلِّ مَن تضمَّنه كتاباهما؛ فقد يظهَرُ لغيرهما من النُّقَّاد ما خفي عنهما، لكنَّ هذا المعنى المشارَ إليه قليل نادرٌ لا اعتبارَ به لندوره.\nو(قوله: وبذلا جهدهما في تبرئتهما من كل علة): الجُهد، بضمِّ الجيم: الطاقةُ والوُسع، وبفتحها: المَشَقَّة، ويعني بذلك: أنَّهما قد اجتهدا في تصحيح أحاديث كتابَيهِمَا غايةَ الاجتهاد، غير أنَّ الإحاطةَ والكمال، لم يَكمُلَا إلَاّ لذي العظمة والجلال، فقد خَرَّجَ النقاد - كأبي الحسن الدَّارَقُطنِيّ وأبي عليٍّ الجَيَّانيّ - عليهما في كتابيهما أحاديثَ ضعيفةً وأسانيدَ عليلة، لكنَّها نادرة قليلة، وليس فيها حديث متّفق على تركه، ولا إسناد مجمَع على ضعفه، لكنّها ممَّا اختُلِفَ فيه، ولم يَلُح لواحدٍ منهما في شيء منها قدحٌ فيخفيه، بل ذلك على حَسِبَ ما غلَبَ على ظَنِّه، وحصل في علمه، وأكثرُ ذلك ممّا أردفاه على إسناد صحيح قبله؛ زيادةً في الاستظهار، وتنبيهًا على الإشهار، والله أعلم.\nوسيأتي التنبيه على بعض تلك الأحاديث، إن شاء الله تعالى.\n(فقوله: فتمَّ لهما المراد، وانعقَدَ الإجماعُ على تلقيبهما باسم الصحيحين أو كاد): هذه أو كاد: معطوفة على تَمَّ لهما المراد، وتحرَّزنا بها عن الأحاديثِ المُعلّلةِ المنتَقَدةِ عليهما؛ كما ذكرناه آنفًا.\nوأمَّا انعقادُ الإجماعِ على تسميتهما بالصحيحَين: فلا شَكَّ فيه؛ بل قد صار ذِكرُ الصحيح عَلَمًا لهما، وإن كان غيرهما بعدهما قد جمَعَ الصحيح (١) واشترَطَ الصِّحَّةَ؛ كأبي بكرٍ الإسماعيلي الجُرجَانيِّ،\n_________\n(١) في (ع) الصحيحين.","vol":"1","page":99},{"text":"غَيرَ أنه قد ظَهَرَ لكثيرٍ من أئمَّة النقلِ، وَجَهَابِذَةِ النَّقد: أنَّ لمسلمٍ ولكتابهِ من المَزِيَّة؛ ما يُوجِبُ لهما أَولَوِيَّة؛ فَقَد حَكَى القَاضِي أَبُو الفَضل عِيَاضٌ الإِجماعَ عَلَى إمامتِهِ وتقديمِهِ، وصِحَّةِ حديثِهِ، وتمَيزِهِ، وثقتِهِ، وقَبُولِ كِتَابِهِ. وكان أَبُو زُرعَةَ وأبُو حَاتِمٍ يُقَدِّمانِهِ في الحديثِ على مشايِخِ عَصرِهِمَا.\nوَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الحسَنُ بنُ عَلِيٍّ النَّيسَابُورِيُّ: مَا تَحتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ أَصَحُّ مِن كِتَابِ مُسلِمٍ.\nوقَالَ أَبُو مَروانَ الطّيبيُّ: كان من شُيوخِي من يفضِّل كتابَ مُسلِمٍ عَلَى كِتَابِ البُخَارِيِّ.\nوَقَالَ مسلم بنُ قَاسِمٍ فِي تَارِيخِهِ: مُسلِمٌ جَلِيلُ القَدرِ، ثِقَةٌ، مِن أَئِمَّةِ المُحَدِّثِينَ، وَذَكَرَ كِتَابَهُ فِي الصَّحِيحِ، فقَالَ: لَم يَضَع أَحَدٌ مِثلَهُ.\nــ\nوأبي الشيخ ابن حَيَّان الأصبهانيِّ، وأبي بكرٍ البَرقَانيّ، والحاكمِ أبي عبد الله، وإبراهيمَ بن حمزة، وأبي ذرٍّ الهَرَوِيِّ، وغيرهم، لكنِ الإمامان أَحرَزَا قَصَبَ السِّبَاق، ولُقِّبَ كتاباهما بالصحيحَين بالاتِّفاق؛ قال أبو عبد الله الحاكم: أهلُ الحجازِ والعراقِ والشامِ يَشهَدون لأهلِ خراسان بالتقدُّمِ في معرفةِ الحديث؛ لِسَبقِ الإمامَينِ: البخاريِّ ومسلم إليه، وتفرُّدِهِمَا بهذا النوع.\nوالجهابذة: جمع جِهبِذ، وهو: الحاذقُ بالعملِ، الماهرُ فيه.\nوقول مسلم: ليس كلُّ الصحيح وضعتُ هنا، وإنَّمَا وضعتُ ما أجمَعُوا عليه، يعني به - والله أعلم -: مَن لقيه مِن أهل النقد والعلم بالحديث، والله أعلم.","vol":"1","page":100},{"text":"وَقَالَ أَبُو حَامِدِ بنُ الشَّرقِيِّ: سَمِعتُ مُسلِمًا يَقُولُ: مَا وَضَعتُ شَيئًا فِي هَذَا المُسنَدِ إِلَاّ بِحُجَّةٍ، وَمَا أَسقَطتُ مِنهُ إِلَاّ بِحُجَّةٍ.\nوَقَالَ ابنُ سُفيَانَ: قَالَ مُسلِمٌ: لَيسَ كُلُّ الصَحِيحٍ وَضَعتُ هُنَا، إِنَّمَا وَضَعتُ مَا أَجمَعُوا عَلَيهِ.\nوقَالَ مُسلِمٌ: لَو أَنَّ أَهلَ الحَدِيثِ يَكتُبُونَ الحَدِيثَ مِائَتَي سَنَةٍ، فَمَدَارُهُم عَلَى هَذَا المُسنَدِ، وَلَقَد عَرَضتُ كِتَابِي هذَا عَلَى أَبِي زُرعَةَ الرَّازِيِّ؛ فَكُلَّ مَا أَشَارَ إِلَى أَنَّ لَهُ عِلَّةً تَرَكتُهُ، وَمَا قَالَ: هُوَ صَحِيحٌ لَيسَ لَهُ عِلَّةٌ أَخرَجَتهُ.\nهَذَا مَعَ أَنَّ الكِتَابَ أَحسَنُ الأَحَادِيثِ مَسَاقًا، وَأَكمَلُ سِيَاقًا، وَأَقَلّ تَكرَارًا، وَأَتقَنُ اعتِبَارًا، وَأَيسَرُ لِلحِفظِ، وَأَسرَعُ لِلضّبطِ، مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ صَدرًا مِن عِلمِ الحَدِيث، وَمَيَّزَ طبَقَاتِ المُحَدِّثِينَ فِي القَدِيمِ وَالحَدِيث.\nوَلَمَّا كَانَ هَذَا الكِتَابُ بِهَذِهِ الصِّفَة، وَمُصَنِّفُهُ بِهَذِهِ الحَالَة، ينبغِيَ أَن يَخُصَّ بِفَضلِ عِنَايَة؛ مِن تَصحِيحٍ وَضَبطٍ وَرِوَايَة؛ وَحِفظٍ وَتَفَقُّهٍ وَدِرَايَة.\nإِذِ الاعتِنَاءُ بِحَدِيثِ رَسُولِ الله - ﷺ - يُشَرِّفُ الأَقدَار؛ وَيُنهِضُ الحُجَّةَ وَيُسَدِّدُ\nــ\nو(قوله: وَمَيَّزَ طبَقَاتِ المُحَدِّثِينَ فِي القَدِيمِ وَالحَدِيث): يعني بالقديم: من تقدّم زمان مسلم، وبالحديث: زمانَ مَن أدركه.\nوهذا إشارةٌ إلى قول مسلم في صدر كتابه: أنَّه يعمَدُ إلى جملةِ ما أُسنِدَ من الأخبار عن رسول الله - ﷺ -، فَيَقسِمُهَا على ثلاثة أقسام، وثلاثِ طبقات، قال: أمَّا القسمُ الأوَّلُ، فإنَّا نتوخَّى أن نقدِّمَ الأخبارَ التي هي أسلَمُ من العيوب من غيرها وأنقَى؛ مِن أن يكونَ ناقلوها أهلَ استقامة في الحديث، وإتقان (١) لما نقلوا، لم يوجد في روايتهم اختلافٌ شديد، ولا تخليطٌ متفاحش.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من الأصول، واستدركناه من مقدمة مسلم (ص ٥).","vol":"1","page":101},{"text":"الاعتِبَار؛ وينفع البَصَائِرَ، وَيَفتَحُ الأَبصَار؛ وَيُمَيِّزُ عَنِ الجَهلَةِ، ويُلحِقُ بِالأَئِمَّةِ الأَبرَار، وَيُدخِلُ الجَنَّةَ وَيُنجِي مِنَ النَّار.\nــ\nوإذا نحن تقصَّينَا أخبارَ هذا الصِّنفِ، أتبعناها أخبارًا في إسنادها بعضُ مَن ليس بالموصوفِ بالحِفظِ والإتقانِ، كالضَّربِ المتقدِّم، على أنّهم - وإن كانوا فيما وصفنا دونهم - فإنَّ اسم السَّترِ وتعاطي العلمِ والصِّدقِ يشملهم؛ كعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، ولَيث بن أبي سُلَيم، فغيرُهُم من أقرانهم مِمَّن عندهم ما ذكرنا من الإتقان والاستقامة في الرواية، يَفضُلُونَهُم في المنزلة والحال؛ ألا ترى أنّك إذا وازنتَ هؤلاءِ الثلاثةَ، عطاءً، ويزيدَ، وليثًا، بمنصور بن المُعتَمِرِ وسليمانَ الأعمشِ، وإسماعيلَ بن أبي خالد، وجدتَّهم مباينين لهم في المنزلة لا يدانونهم، لا شَكَّ عند العلماء في ذلك. وذكر كلامًا في معناه إلى أن قال: فأما ما كان منها عن قومٍ هم عند أهل الحديث مُتَّهَمُونَ، أو عند الأكثر، فلسنا نتشاغَلُ بتخريج حديثهم؛ كعبد الله بن مِسوَرٍ أبي جعفرٍ المداينيِّ، وعمرو بن خالد، وعبد القُدُّوس الشامي، ومحمدِ بنِ سعِيدٍ المَصلُوب، وغِيَاثِ بن إبراهيم، وسليمان بن عَمرو، وأبي داودَ النَّخَعِيِّ وأشباهِهِم ممن اتُّهمَ بوضع الحديث، وتوليد الأخبار، وكذلك مَنِ الغالبُ على حديثه المنكَرُ أو الغلطُ، أمسكنا عنهم.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: وظاهرُ هذا أن مسلمًا أدخَلَ في كتابه الطبقتين المتقدِّمتين: الأولى والثانية، غير أنَّ أبا عبد الله الحاكم قال: إنَّ مسلمًا لم يُدخِل في كتابه إلا أحاديث الطبقة الأولى فقط (١)، وأما الثانية والثالثة: فكان قد عزَمَ على أن يخرِّج حديثهما، فلم يُقَدَّر له إلا الفراغُ من الطبقة الأولى، واخترمته المنية.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: ومَسَاقُ كلامِهِ لا يقبَلُ ما قاله الحاكم؛ فتأمَّله.\n_________\n(١) من (م).","vol":"1","page":102},{"text":"وَقَد أَعَانَ الكَرِيمُ الوَهَّابُ عَلَى الاعتِنَاءِ بِهَذَا الكِتَاب، فَتَلَقَّيتُهُ رِوَايَةً وَتَقيِيدًا عَن جَمَاعَةٍ مِن أَعلَامِ العُلَمَاء؛ وثَافَنتُ (١) فِي التَّفَقُّهِ فِيهِ بَعضَ سَادَاتِ الفُقَهَاء.\nفَممن رَوَيتُ عَنهُ:\nالشَّيخُ الفَقِيهُ القَاضِي المُحَدِّثُ الثِّقَةُ الثَّبتُ، أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ ابنُ الشَّيخِ الزّاهِدِ الفَاضِلِ، المُحَدِّثِ المُقِيدِ؛ أَبِي عبد الله مُحَمَّدِ بنِ عَلِيِّ بنِ حَفصٍ اليَحصِبِيُّ، قِرَاءَةً عَلَيهِ، وَهُوَ يُمسِكُ أَصلَهُ نَحوَ المَرَّتَينِ، فِي مُدَّةٍ آخِرُهَا شَعبَانُ سَنَةَ سَبعٍ وَسِتُّمَائَةٍ.\nوَالشَّيخُ الفَقِيهُ القَاضِي الأعدَلُ، العَلَمُ الأَعلَمُ، أَبُو مُحَمَّدٍ عبد الله بنُ سُلَيمَانَ بنِ دَاوُدَ بنِ حَوطِ الله، قِرَاءَةً عَلَيهِ، وَسَمَاعًا لِكَثِيرٍ مِنهُ، وَإِجَازَةً لِسَائِرِهِ، وَذَلِكَ بِقُرطُبَةَ فِي مُدَّةٍ آخِرُهَا مَا تَقَدَّمَ:\nقَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا الشَّيخُ الإِمَامُ الحَافِظُ، أَبُو القَاسِمِ خَلَفُ بنُ عَبدِ المَلِكِ بنِ مَسعُودِ بنِ بَشكُوَالَ، قِرَاءَةً عَلَيهِ، عَن أَبِي بَحرٍ بن سُفيَانَ بنِ القَاضِي، سَمَاعًا لِجَميعِهِ إِلَاّ وَرَقَاتٍ مِن آخِرِها أَجَازَهَا لَهُ، عَن أَبِي العَبَّاسِ العُذرِيِّ، قِرَاءَةً غَيرَ مَرَّةٍ، عَن أَبِي العَبَّاسِ بنِ بُندَارَ الرَّازِيِّ، سَمَاعًا بِمَكَّةَ، قَالَ:\nــ\nو(قوله: وثَافَنتُ فِي التَّفَقُّهِ فِيهِ بَعضَ سَادَاتِ الفُقَهَاء) أي: جالستُ، وأصله من الثَّفِنَات، وهو ما يتناثر من الرِّجلَين والرُّكبتين واليدين من تكرار الجلوس والعمل؛ يقال: ثَفِنَتِ اليدُ ثَفَنًا: غَلُظَت من العمل، وواحدُ الثفنات: ثَفِنَة، وأصلها: ما يقعُ من البعير على الأرض، ويَغلُظُ عند الإشاخة.\n_________\n(١) \"ثافنت الرجل مثافنةً\": أي: صاحبته بحيث لا يخفى عليَّ شيء من أمره.","vol":"1","page":103},{"text":"حَدَّثَنَا أَبُو أَحمَدَ بنُ عَمرُوَيه بن الجُلُودِيُّ، عَن إِبرَاهِيمَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ سُفيَانَ، عَن أَبِي الحُسَينِ مُسلِمٍ ﵏.\nوَقَد رُوِّيتُهُ عَن غَيرِ وَاحِدٍ مِنَ الثِّقَاتِ الأَعلَامِ، قِرَاءَةً وَإِجَازَةً بِمِصرَ وَغَيرِهَا، عَنِ الشَّيخِ الشَّرِيفِ أَبِي المَفَاخِرِ سَعِيدِ بنِ الحُسَينِ المَأمُونِيِّ (١) الهَاشِمِيِّ سَمَاعًا، عَنِ الشَّيخِ الإِمَامِ أَبِي عبد الله مُحَمَّدِ بنِ الفَضلِ بنِ أَحمَدَ الصَّاعِدِيِّ الفَرَاوِيِّ، سَمَاعًا، عَنِ الشَّيخِ أَبِي الحُسَينِ عَبدِ الغَافِرِ الفَارِسِيِّ، سَمَاعًا، عَن أَبِي أَحمَدَ؛ كَمَا تَقَدَّمَ.\nوَقَد رُوِّيتُهُ عَن جَمَاعَةٍ كَثِيرَة؛ بِأَسَانِيدَ عَدِيدَة، وَفِيمَا ذَكَرنَاهُ كِفَايَة، وَالله المُوَفِّقُ لِلهِدَايَة.\nوَلَمَّا تَقَاصَرَتِ الهِمَمُ فِي هَذَا الزَّمَانِ عَن بُلُوغِ الغَايَات؛ مِن حِفظِ جَمِيعِ هَذَا الكِتَابِ؛ بِمَا اشتَمَلَ عَلَيهِ مِنَ الأَسَانِيدِ وَالرِّوَايَات، أَشَارَ مَن إِشَارَتُهُ غُنم؛ وَطَاعَتُهُ حَتم إِلَى تَقرِيبِهِ عَلَى المُتَحَفِّظ؛ وَتَيسِيرِهِ عَلَى المُتَفَقِّه؛ بِأَن نختَصَرَ أَسَانِيدُهُ، وَنحذَفَ تَكرَارُه، وَنُنَبَّه عَلَى مَا تَضَمَّنَتهُ أَحَادِيثُهُ بِتَرَاجِمَ تُسفِرُ عَن مَعنَاهَا، وَتَدُلُّ الطَّالِبَ عَلَى مَوضِعِهَا وَفَحوَاهَا.\nــ\nو(قولنا: وَقَد رُوِّيتُهُ عَن غَيرِ وَاحِدٍ مِنَ الثِّقَاتِ الأَعلَامِ، قِرَاءَةً وَإِجَازَةً): أعني بذلك: أنِّي قرأته كلَّه على الشيخِ الفقيهِ الزاهِدِ الفاضلِ، تَقِيِّ الدين أبي إبراهيمَ عَوَضِ بنِ محمود، بمصر.\nوممن أجازه لي: الشيخُ الفقيهُ المحدِّث، الزاهدُ التَّلَاّءُ للقرآن، أبو الحسين مرتضَى بنُ العفيفِ المقدسي، لَقِيتُهُ بِقَرَافة مصر، وسمعتُ عليه، وقرأتُ عليه، وأجاز لي جميعَ رواياته.\nومنهم: القاضي فخرُ القضاةِ أبو الفضلِ بنُ الحباب، أجازه لي.\nوكلُّهم يحدِّث به عن الشيخ أبي المفاخر المأمونيِّ بالسند المذكور في أصل التلخيص.\n_________\n(١) هو راوي \"صحيح مسلم\" بمصر، توفي سنة ٥٧٦ هـ. العبر (٤/ ٢٢٩).","vol":"1","page":104},{"text":"فَاستَعَنتُ بِالله تَعَالَى، وَبَادَرتُ إِلَى مُقتَضَى الإِشَارَة؛ بَعدَ أَن قَدَّمتُ فِي ذَلِكَ دُعَاءَ النَّفعِ بِهِ وَالاستِخَارَة، فَاقتَصَرتُ مِنَ الإِسنَادِ عَلَى ذِكرِ الصَّاحِبِ إِلَاّ أَن تَدعُوَ الحَاجَة إِلى ذِكرِ غَيرِهِ فَأَذكُرُهُ لِزِيَادَةِ فَائِدَة؛ وَحُصُولِ عَائِدَة، وَمِن تَكرَارِ المُتُونِ عَلَى أَكمِلِهَا مَسَاقًا، وَأَحسَنِهَا سِيَاقًا، مُلحِقًا بِهِ مَا فِي غَيرِهِ مِنَ الرواية؛ مُحَافِظًا إِن شَاءَ الله تَعَالَى أَلاّ أُغفِلَ مِنهُ شَيئًا مِن مُهِمَّاتٍ الفَوَائِدِ؛ فَإِذَا قُلتُ: عَن أَبِي هُرَيرَةَ مَثَلًا، وَأَفرُغُ مِن مَسَاقِ مَتنِهِ، وَقُلتُ: وَفِي رِوَايَةَ؛ فَأَعنِي: أَنَّهُ عَنُ ذَلِكَ الصَّاحِبِ المُتَقَدِّمِ مِن غَيرِ ذَلِكَ الطَّرِيق. وَرُبَّمَا قَدّمتُ بَعضَ الأَحَادِيثِ وَأَخَّرَت حَيثَمَا إِلَيهِ اضطُرِرت؛ حِرصًا عَلَى ضَمِّ الشَّيءِ لِمُشَاكِلِهِ؛ وَتَقرِيبًا لَهُ عَلَى مُتَنَاوِلِه.\nوَقَدِ اجتَهَدتُ؛ فِيمَا رَوَيتُ وَرَأَيتُ؛ وَوَجهَ الله الكَرِيمِ قَصَدتُّ، وَهُوَ المَسؤُولُ؛ فِي أَن يَنفَعَنِي بِهِ وَكُلَّ مَنِ اشتَغَلَ بِهِ، وَيُبَلِّغَنَا المَأمُول، وَأَن يَجعَلَنَا وَإِيَّاهُ مِنَ العُلَمَاءِ العَامِلِينَ؛ الهُدَاةِ المُهتَدِينَ، وَهُوَ المُستَعَانُ، وَعَلَيهِ التُّكُلَانُ، وَهُوَ حَسبُنَا وَنِعمَ الوَكِيلُ.\n* * *","vol":"1","page":105},{"text":"المقدمة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>(٢) بَابُ</span>\nوُجُوبِ الأخذِ عَنِ الثِّقَاتِ، والتَّحذيرِ مِنَ الكَذِبِ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ\nقَالَ الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا. . .﴾ الآية، [الحجرات: ٦]\nــ\n(٢) ومِن بابِ: وجوبِ الأَخذِ عن الثقاتِ والتحذيرِ\nمن الكذبِ على رسولِ الله - ﷺ -\nالكَذِبُ لغةً: هو الخَبَرُ عن الشيء على خلافِ ما هو به، غير أنَّ المحرَّم شرعًا، المستقبَحَ عادةً: هو العمدُ المقصود، إلا ما استُثنِيَ على ما يأتي.\nويقال: كَذَبَ، بمعنى: أخطأ.\nوأصلُ الكذبِ في الماضي والخُلفُ في المستقبل؛ قاله ابنُ قُتَيبَة؛ وقد جاء الكذب في المستقبل؛ قال الله تعالى: ذَلِكَ وَعدٌ غَيرُ مَكذُوبٍ.\nويقال: كَذَبَ الرجلُ، بفتح العين (١)، يَكذِبُ، بكسرها، كِذبًا، بكسر الكاف وسكون الذال، وكَذِبًا، بفتح الكاف وكسر الذال، فأمَّا كِذَّاب المشدَّدُ الذال، فأحدُ مصادر كَذَّبَ بالتشديد.\nقوله تعالى: إِن جَاءَكُم فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا. الفاسقُ في أصل اللغة: هو الخارجُ مطلقًا، والفِسقُ والفُسُوق: الخروجُ، ومنه قولهم: فَسَقَت الرُّطَبَةُ: إذا خرجَت مِن قِشرها الأعلى، ومنه سُمِّيَتِ الفأرة: فُوَيسِقةً؛ لأنها تخرُجُ من جحرها للفساد.\nوهو في الشرع: خروجٌ مذمومٌ بحسب المخروج منه، فإن كان\n_________\n(١) أي: عين الفعل، وهو حرف الذال.","vol":"1","page":107},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nإيمانًا، فذلك الفسق كُفرا، وإن كان غَيرَ إيمان، فذلك الفِسقُ معصية.\nوقرئ في السبع: فَتَبَيَّنُوا: من البيان، وتَثَبَّتُوا؛ من التثبُّت، وكلاهما بمعنى متقاربٍ.\nولم يختلف النَّقَلَةُ - فيما عَلِمتُ أَنَّ هذه الآية نزلَت بسبب الوليد بن عقبة، بعثَهُ رسولُ الله - ﷺ - إلى بني المصطَلِقِ مصدِّقًا، فلمَّا أبصروه، أقبلوا نحوه، فهابهم لإحنةٍ (١) كانت بينهم في الجاهلية، وقيل: إنَّهم لم يخرُجُوا إليه، وأخبر أنهم ارتدُّوا؛ ذكره أبو عمر بنُ عبد البر، فرجَعَ إلى النبي - ﷺ -، فأخبَرَه أنَّهُمُ ارتَدُّوا ومنعوا الزكاة، فبعَثَ النبيُّ - ﷺ - خالد بن الوليد، وأمره بالتثبُّت في أمرهم، فأتاهم ليلًا، فسمعَ الأذان، ووجَدَهُم يصلُّون، وقالوا له: قد استبطأنا المصدِّقَ، وخفنا غضَبَ رسول الله - ﷺ -، فرجَعَ خالدٌ إلى النبيِّ - ﷺ -، فأخبره بذلك؛ فنزلَتِ الآية.\nومقتضى الآية أنَّ الفاسق لا يُقبَلُ خبرُهُ، روايةً كان أو شهادةً، وهو مُجمَعٌ عليه في غير المتأوِّل، ما خلا ما حُكِيَ عن أبي حنيفة من حكمه بصحَّةِ عقدِ النكاحِ الواقعِ بشهادة فاسقَين. وحكمةُ ذلك أن الخبر أمانة، والفسق خيانة، ولا يوثَقُ بِخَؤون.\nوقال الفقهاء: لا يقبل قوله؛ لأنَّ جُرأَته على الفسق تَخرِمُ الثقةَ بقوله، فقد يجترئ على الكذب كما اجترَأَ على الفسق.\nفأمَّا الفاسق المتأوِّلُ الذي لا يعرف فِسقَ نفسه، ولا يكفرُ ببدعته: فقد اختُلِفَ في قَبُول قوله، فَقَبِلَ الشافعيُّ شهادته (٢)، وردَّها القاضي أبو بكر (٣). وفرَّقَ مالكٌ بين أن يدعُو إلى بدعة فلا تُقبَلُ، أو لا يدعُو فتقبَلُ، ورُوِيَ عنه: أنه لا تقبَلُ شهادتهم مطلقًا.\nوكلُّهم اتفقوا على أنَّ مَن كانت بدعته تُجرِّئُهُ على الكذب كالخَطَّابية من الرافضة، لم تقبَل روايته ولا شهادته، ولبسط حُجَجِ هذه المذاهب موضعٌ آخر.\n_________\n(١) \"الإحْنَةُ\": الحِقْد والغضب.\n(٢) في (ع) قبول الشافعي شهادة الفاسق المتأول.\n(٣) ابن العربي المعافري صاحب \"العواصم\".","vol":"1","page":108},{"text":"وقال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وقال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].\nــ\nو(قوله: ﴿وَأَشهِدُوا ذَوَي عَدلٍ مِنكُم﴾ [الطلاق: ٢]: دليلٌ على اشتراط العدالة في الشهادة، ومعناها في اللغة: الاستقامةُ، والاعتدالُ ضِدَّ الاعوجاج، ويقال: عدلٌ مِنَ العدالةِ والعُدُولةِ، ويقال: عدلٌ، للواحد وللاثنين ولجماعة المذكَّرِ والمؤنَّث، بلفظ واحد؛ إذا قُصِدَ به قُصِدَ المصدر، وإذا قُصِدَ به الصفة، ثُنِّيَ وجُمِعَ، وذُكّر وأُنِّث.\nوهي عند أئمَّتنا: اجتنابُ الكبائر، واتِّقَاءُ الصغائر وما يناقضُ المروءةَ، ويُزرِي بالمناصب الدينيَّة، والعبارةُ الوجيزةُ عنها هي: حُسنُ السيرة، واستقامةُ السريرة شرعًا في ظَنِّ المعدَّل، وتفصيلُهَا في الفروع. وهل يكتفى في ظَنِّ حصول تلك الأحوال في العدل بظاهر الإسلام، مع عدم الاطَّلَاعِ على فسق ظاهر، أو لا بدّ من اختبارِ حاله حتَّى يُظَنُّ حصولُ تِلك الأمور في المعدّل؟ قولانِ لأهل العلم:\nالأوَّلُ: مذهبُ أبي حنيفة.\nوالثاني: مذهبُ مالكٍ، والشافعيِّ، والجمهور، وهو مرويٌّ عن عمر بن الخَطَّاب ﵁.\nوعلى مذهب أبي حنيفة: فشهادةُ المسلمِ المجهولِ الحال مقبولةٌ، وهي على مذهب الجمهور مردودةٌ. وقد ذكرنا حُجَجَ الفريقَين في كتابنا: الجامع لمقاصد علم الأصول.\nو(قوله: ﴿مِمَّن تَرضَونَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الظاهرُ مِن هذا الخطابِ: أنَّهُ لمن افتتَحَ الكلامَ معهم في أوَّل الآية في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكتُبُوهُ﴾ وهم: المخاطَبون بقوله: ﴿وَأَشهِدُوا إِذَا تَبَايَعتُم﴾","vol":"1","page":109},{"text":"[١] عَنِ المُغِيرَةِ بنِ شُعبَةَ، وَسَمُرَةَ بنِ جُندَبٍ، قَالا: قَالَ\nــ\nوبقوله: ﴿وَاستَشهِدُوا شَهِيدَينِ مِن رِجَالِكُم﴾ وعلى هذا الظاهر وكُلُّ مَن رضيه المتداينان والمتبايعان فأشهداه، حصَلَ به مقتضى الخطاب؛ غير أنَّهُمَا قد يرضيان بِمَن لا يرضى به الحاكم، ولا يسمَعُ شهادته، فلا ينتفعان بالإشهاد، ولا يحصُلُ مقصودُ الشرع من الاستيثاقِ بالشهادة؛ إذ لم يثبُت بما فعلاه عَقدٌ، ولا يُحفَظُ به مال.\nولما كان ذلك قال العلماء: إن المخاطَبَ بذلك الحُكَّامُ؛ إذ هم الذين يَعرِفون المرضيَّ شرعًا من غيره، فتثبُتُ بمن يرضَونَهُ العقود، وتحفظ الأموال والدماء والأبضاع، ويحصل الفصل بين الخصوم فيما يتنازعون فيه من الحقوق، وذلك هو مقصود الشرع من قاعدة الشهادة قطعًا، ولا يحصُلُ ذلك برِضَا غيرهم؛ فتعيَّنَ الحكامُ لهذا الخطاب الذي هو قوله: ﴿مِمَّن تَرضَونَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾.\nوإذا تقرَّر هذا، فالذي يرضاه الحاكم: هو العَدلُ الذي انتفَت عنه التُّهَمُ القادحةُ في الشهادة (١)؛ كالقرابة القريبة، وجَرِّ المنفعة لنفسه أو لولده أو لزوجته، وكالعداوةِ البيِّنة، والصداقةِ المُفرِطة - على تفصيلٍ وخلافٍ يعرف في الفقه - فقد أفادتِ الآيتان معنَيينِ:\nأحدهما: اعتبارُ اجتماعِ أوصافِ العدالة التي إذا اجتمعَت، صدَقَ على الموصوفِ بهما أنه عدل.\nوالثاني: اعتبارُ نَفيِ القوادح التي إذا انتفَت، صدَقَ على من انتفت عنه أنّه مَرضِيّ.\nفلا بدَّ من اجتماع الأمرَين في قبول الشهادة؛ ولذلك لا يُكتَفَى عندنا في التزكية بأن يقول المزكِّي: هو عدلٌ فقط، بل (٢) حتى يقولَ: هو عدلٌ مَرضِيٌّ؛ فيجمعَ بينهما.\nوأما في الأخبار: فلا بُدَّ من اعتبار المعنى الأول، ولا يشترطُ الثاني\n_________\n(١) في (ع) العدالة، والمثبت من (م) و(ل).\n(٢) من (ل).","vol":"1","page":110},{"text":"رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: مَن حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ، فهو أَحَدُ الكَذابِينَ.\nــ\nفيها؛ إذ يجوز قَبُولُ أخبار رسول الله - ﷺ - من الراوي لها العدلِ، وإن جَرَّ لنفسه بذلك نفعًا، أو لولده، أو ساقَ بذلك مضرةً لعدوِّه؛ كأخبار عليٍّ - ﵁ - عن الخوارج.\nوسِرّ الفرق: أنه لا يتَّهم أحدٌ من أهل العدالة والدِّين بأن يكذبَ على رسولِ الله - ﷺ - بشيء من ذلك، فكيف يقتحمُ أحدٌ من أهل العدالة والدِّين لشيء من ذلك مع قول (١) رسول الله - ﷺ -: إنَّ كَذِبًا عليَّ ليس كَكَذِبٍ على أحدٍ؛ فَمَن كَذَبَ عليَّ، فليتبوَّأ مَقعَدَهُ من النار (٢).\nوالخبر والشهادة؛ وإنِ اتفقا في أصلِ اشتراط العدالة، فقد يفترقان في أمور عديدة؛ كما فصَّلناه في الأصول.\nوعلى الجملة: فشوائبُ المتعبّدات (٣) ومراعاةُ المناصب في الشهادات أغلب، ومراعاة ظنّ الصدق في الرواية أغلب، والله تعالى أعلم.\nو(قوله ﵊: مَن حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ، فهو أَحَدُ الكَذابِينَ): قيَّدناه عن مشايخنا: يُرَى مبنيًّا للفاعل والمفعول: فيَرَى بالفتح، بمعنى: يعلَمُ المتعدِّية لمفعولَين، وأنَّ سدَّت مسدَّهما. وماضي يَرَى: رَأَى مهموزًا، وإنما تركتِ العربُ همزَ المضارع؛ لكثرة الاستعمال، وقد نطقوا به على الأصل مهموزًا في قولهم:\nألم تر ما لاقَيتُ والدَّهرُ أعصُرُ ... ومَن يَتَمَنَّى (٤) العَيشَ يَرأَى وَيَسمَعُ\nوربَّما تركوا همزَ الماضي في مثل قولهم:\nصَاحِ هل رَيتَ أو سَمِعتَ براعٍ ... رَدَّ في الضَّرع ما قَرَا في الحِلَابِ (٥)؟\n_________\n(١) في (ع) وقد قال، والمثبت من (م) و(ل).\n(٢) انظره مع تخريجه في التلخيص برقم (٣).\n(٣) في (ع) العبارات، وفي (ل) التعبدات.\n(٤) في (م) يتملّى.\n(٥) في اللسان وحاشية (م): ويُروى: في العلاب.","vol":"1","page":111},{"text":"رواه أحمد (٤/ ٢٥٢)، ومسلم (١/ ٩ - المقدمة)، والترمذي (٢٦٦٢)، وابن ماجه (٣٩).\nــ\nويحتمل ما في الحديث أن يكونَ بمعنى الرأي؛ فيكون ظنًّا من قولهم: رأيتُ كذا، أي (١): ظهَرَ لي. وعليهما يكونُ المقصودُ بالذَّمِّ الذي في الحديث: المتعمِّدَ للكذب علمًا أو ظنًّا.\nوأما يُرَى بالضمِّ: فهو مبنيٌّ لما لم يسمَّ فاعله، ومعناها: الظَّنُّ، وإن كان أصلها مُعَدًّى بالهمزة من رأى، إلا أنَّ استعمالَهُ في الظَّنِّ أكثرُ وأشهر.\nو(قوله: فهو أحد الكذابين): رُوِّينَاهُ بكسر الباء على الجمع؛ فيكون معناه: أنه أحد الكذابِين على رسول الله - ﷺ - الذين قال الله تعالى في حقهم: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠] الآية؛ لأنَّ الكذبَ على رسول اللهِ - ﷺ - كذبٌ على الله تعالى.\nورُوِّيناه أيضًا - بفتح الباء على التثنية؛ ويكون معناه: أنَّ المُحدِّث، والمُحدَّث بما يظنَّان أو يعلمان كذبَهُ كاذبان؛ هذا بما حدَّثَ، والآخرُ بما تحمَّل من الكذب مع علمه أو ظنِّه لذلك.\nويفيد الحديثُ: التحذيرَ عن أن يحدِّثَ أحدٌ عن رسول الله - ﷺ - إلا بما تحقق صدقَهُ علمًا أو ظنًّا، إلا أن يحدّث بذلك على جهة إظهار الكذب؛ فإنه لا يتناوَلُهُ الحديث.\nوفي كتاب الترمذيِّ، عن ابن عباس - ﵄ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: اتقوا الحديثَ عنِّي إلا ما عَلِمتُم، فَمَن كَذَبَ عليَّ متعمِّدًا، فليتبوَّأ مَقعَدَهُ من النار، ومَن قال في القرآن برأيه، فليتبوَّأ مَقعَدَهُ من النار (٢)، وقال: هذا حديثٌ حسن.\n_________\n(١) من (م).\n(٢) رواه الترمذي (٢٩٥١).","vol":"1","page":112},{"text":"[٢] وَعَن عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: لَا تَكذِبُوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّهُ مَن يَكذِب عَلَيَّ يَلِجِ النَّارَ.\nــ\nو(قوله: لَا تَكذِبُوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّهُ مَن يَكذِب عَلَيَّ يَلِجِ النَّارَ) أي: يدخلها، وماضيه: وَلَجَ، ومصدره: الوُلُوج؛ ومنه قوله تعالى: يُولِجُ اللَّيلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيلِ.\nوصَدرُ هذا الحديث نهيٌ، وعجزه وعيدٌ شديد، وهو عامٌّ في كلِّ كاذبٍ على رسول الله - ﷺ -، ومطلقٌ في أنواعِ الكذب.\nولمَّا كان كذلك، هابَ قومٌ من السلف الحديثَ عن رسولِ الله - ﷺ - كعمر، والزبير بن العَوَّام، وأنس بن مالك، وابن هرمز - ﵃ أجمعين -؛ فإن هؤلاء سمعوا كثيرًا وحدَّثوا قليلًا؛ كما قد صرَّح الزبير - رضي الله تعالى عنه - بذلك؛ لمّا قال له ابنه عبد الله - ﵁ -: إني لا أَسمَعُكَ تحدِّثُ عن رسول اللهِ - ﷺ - كما يُحَدِّثُ فلانٌ وفلان؟ فقال: أَمَا إنِّي لم أكن أفارقهُ، ولكني سمعته يقول: مَن كَذَبَ عليَّ، فليتبوَّأ مقعدَهُ من النار (١). وقال أنس: إنَّه يمنعني أن أحدِّثَكُم حديثًا كثيرًا أنَّ رسولَ الله - ﷺ - قال: من كَذَبَ عليَّ. . (٢) الحديث.\nومنهم: مَن سَمِعَ وسكت؛ كعبد الملك بن إياس، وكأنَّ هؤلاءِ تخوَّفوا مِنُ إكثار الحديث الوقوعَ في الكذب والغلط؛ فقلَّلوا، أو سَكَتوا.\nغير أنَّ الجمهور: خصَّصوا عموم هذا الحديث، وقيَّدوا مطلقَهُ بالأحاديث التي ذُكِرَ فيها: متعمِّدًا؛ فإنَّهُ يُفهَمُ منها أنَّ ذلك الوعيدَ الشديدَ إنما يتوجَّه لمن تعمَّد الكذبَ على رسول اللهِ - ﷺ -؛ وهذه الطريقة هي المرضيَّة؛ فإنَّها تجمعُ بين مختلفاتِ الأحاديث؛ إذ هي تخصيصُ العموم، وحملُ المطلق على المقيَّدِ مع اتحادِ المُوجِب والمُوجَب، كما قرَّرناه في الأصول.\nهذا مع أنَّ القاعدةَ الشرعيَّةَ القطعيَّةَ تقتضي أنَّ المخطئ والناسي غيرُ آثمَينِ ولا مؤاخَذينِ، لا سيَّما بعد التحرُّز والحذر.\n_________\n(١) رواه البخاري (١٠٧)، وأبو داود (٣٦٥١).\n(٢) رواه مسلم (٢)، والترمذي (٢٦٦٣).","vol":"1","page":113},{"text":"رواه البخاري (١٠٦)، ومسلم (١)، والترمذي (٢٦٦٠)، وابن ماجه (٣١).\n[٣] وَعَنِ المُغِيرَةَ، قَالَ: سَمِعتُ رسولَ الله ﷺ، يَقُولُ: إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ؛ فَمَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَليَتَبَوَّأ مَقعَدَهُ مِنَ النَّارِ.\nرواه أحمد (٤/ ٢٤٥ و٢٥٢)، والبخاري (١٢٩١)، ومسلم (٤).\n* * *\nــ\nو(قوله: إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ) أي: إنَّ العقاب عليه أشَدُّ؛ لأنَّ الجرأةَ منه على الكذب أعظمُ، والمفسدةُ الحاصلةُ بذلك أشَدُّ؛ فإنَّه كذبٌ على الله، ووَضعُ شرعٍ، أو تغييرُهُ.\nو(قوله: فَمَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَليَتَبَوَّأ مَقعَدَهُ مِنَ النَّارِ) أي: لِيَتَّخِذ فيها منزلًا؛ فإنها مقرُّه ومسكنه، يقال: تبوَّأَتُ منزلًا، أي: اتَّخَذتُهُ ونزلتُهُ، وبوَّأتُ الرجلَ منزلًا، أي: هَيَّأتُهُ له، ومصدره: بَاءَة ومَبَاءَة (١).\nوهذه صيغةُ أمرٍ، والمراد بها: التهديدُ والوعيد، وقيل: معناها: الدعاء، أي: بوَّأَهُ اللهُ ذلك، وقيل: معناها الإخبارُ بوقوعِ العذاب به في نار جهنم، وكذلك القولُ في حديث عليٍّ الذي قال فيه: يَلِج (٢) النارَ.\nوقد روى أبو بكرٍ البَزَّارُ هذا الحديثَ من طريق عبد الله بن مسعود، وزاد: لِيُضِلَّ به (٣).\nوقد اغترَّ بهذه الزيادةِ أناسٌ ممَّن يقصدُ الخيرَ ولا\n_________\n(١) في هامش (م): جعلهما صاحب القاموس اسمًا كالبينة.\n(٢) في (ع) و(م): فليلج، وأثبتنا ما في صحيح مسلم والتلخيص.\n(٣) رواه البزار كما في كشف الأستار (٢٠٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٤٤): رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح.","vol":"1","page":114},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nيعرفُهُ؛ فظَنَّ أنَّ هذا الوعيدَ إنما يتناوُل مَن قصَدَ الإضلَال بالكذب على رسول الله - ﷺ -، فأَمَّا مَن قصدَ الترغيب في الأعمال الصالحة، وتقويةَ مذاهبِ أهل السنة، فلا يتناوُلُهُ؛ فوضَعَ الأحاديث لذلك.\nوهذه جهالةٌ؛ لأن هذه الزيادةَ تُروَى عن الأعمش، ولا تصحُّ عنه، وليست معروفةً عند نَقَلِةِ ذلك (١) الحديثِ مع شهرته، وقد رواها أبو عبد الله الحاكمُ - المعروفُ بابن البَيِّعِ - من طُرُقٍ كثيرة، وقال: إنَّها واهيةٌ لا يصحُّ منها شيء.\nقال الشيخ رحمه الله تعالى: ولو صحَّت، لما كان لها دليلُ خطابٍ، وإنما كانت تكونُ تأكيدًا؛ لقوله تعالى: فَمَن أَظلَمُ مِمَّنِ افتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيرِ عِلمٍ.\nوافتراءُ الكذبِ على الله محرَّمٌ مطلقًا، قصَدَ به الإضلالَ أو لم يقصد؛ قاله الطحاويُّ. ولأنَّ وَضعَ الخبر الذي يُقصَدُ به الترغيبُ كذِبٌ على الله تعالى في وضعِ الأحكام؛ فإنَّ المندوبَ قِسمٌ من أقسام الأحكام الشرعية، وإخبارٌ عن أنَّ الله تعالى وَعَدَ على ذلك العملِ بذلك الثواب، فكلُّ ذلك كذِبٌ وافتراءٌ على الله تعالى؛ فيتناوله عمومُ قوله تعالى: فَمَن أَظلَمُ مِمَّنِ افتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا.\nوقد استجازَ بعضُ فقهاءِ العراق نسبةَ الحكمِ الذي دَلَّ عليه القياسُ إلى رسولِ الله - ﷺ - نسبةً قوليَّة، وحكايةً نقليَّة، فيقول في ذلك: قال رسول الله - ﷺ - كذا وكذا؛ ولذلك ترى كتبهم مشحونةً بأحاديثَ مرفوعة، تشهدُ متونُها بأنَّهَا موضوعَة؛ لأنَّهَا تُشبِهُ فتاوى الفقهاء، ولا تليقُ بجزالة سيِّد الأنبياء، مع أَنَّهُم لا يقيمون لها صحيحَ سَنَد، ولا يُسنِدونها من أئمَّةِ النقل إلى كبير أَحَد، فهؤلاء قد خالفوا ذلك النهي الأكيد، وشَمِلَهُم ذلك الذَّمُّ والوعيد.\nولا شَكَّ في أنَّ تكذيبَ رسولِ الله - ﷺ - كُفر، وأمَّا الكَذِبُ عليه: فإن كان ذلك الكاذبُ مستحلًّا لذلك، فهو كافر، وإن كان غيرَ مستحلٍّ، فهو مرتكبُ كبيرةٍ، وهل يكفُرُ أم لا؟ اختُلِف فيه على ما مَرَّ.\n_________\n(١) من (م).","vol":"1","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>(٣) بَابُ\nالنَّهيِ عَن أَن يُحَدِّثَ مُحَدِّثٌ بِكُلِّ مَا سَمِعَ</span>\n[٤] عَن حَفصِ بنِ عَاصِمٍ، عَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: كَفَى بِالمَرءِ كَذِبًا أَن يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ.\nقُلتُ: أَكثَرُ النَّاسِ يُرسِلهُ عَن حَفصٍ: لا يَذكُرُ أَبَا هُرَيرَةَ، فَأَسنَدَهُ الرَّازِي وَحدَهُ وهو ثِقَة.\nوَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، وابنُ مَسعُودٍ: بِحَسبِ المَرءِ مِنَ الكَذِبِ أن يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ.\nوَقَالَ مَالِكٌ: اِعلَم أَنَّه لَيسَ يَسلَمُ رَجُلٌ حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ، وَلَا يَكُونُ إِمَامًا أَبَدًا وهو يُحَدِّثُ بِكُلِّ مَا سَمِعَ.\nــ\n(٣) ومِن بَابُ النَّهيِ عَن أَن يُحَدِّثَ مُحَدِّثٌ بِكُلِّ مَا سَمِعَ.\n(قولُهُ ﵊: كَفَى بِالمَرءِ كَذِبًا أَن يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ): هذا الحديث رواه مسلم في كتابه من طريقين:\nأحدهما: طريق عبد الرحمن بن مَهدِيِّ، عن خُبيبِ بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، قال: قال رسول الله - ﷺ -: كفى بالمرء كذِبًا. الحديثَ مرسلا عن حفص، ولم يذكُر أبا هريرة؛ هكذا وقع عند كافَّة رواة كتاب مسلم، ووقَعَ عند أبي العَبَّاس الرازيِّ - وحده - في هذا الإسناد: عن أبي هريرة، فأسنده.\nثمَّ أردَفَ مسلمٌ الطريق الآخر: عن عليِّ بنِ حَفص المدائنيِّ، عن شعبة، عن خُبَيب، عن حفص، عن أبي هريرة، عن النبيّ - ﷺ - مثله، قال عليّ بن عمر الدَّارَقُطنِيُّ: والصوابُ المرسل.","vol":"1","page":116},{"text":"- وَعَن سُفيَانَ بنِ حُسَينٍ، قالَ: سَأَلَنِي إِيَاسُ بنُ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: إِنِّي أَرَاكَ قَد كَلِفتَ بِعِلمِ القُرآنِ، فَاقرَأ عَلَيَّ سُورَةً وَفَسِّر؛ حَتَّى أَنظُرَ فِيمَا عَلِمتَ، قَالَ: فَفَعَلتُ، فَقَالَ لِيَ: احفَظ عَلَيَّ مَا أَقُولُ لَكَ: إِياَّكَ وَالشَّنَاعَةَ فِي الحَدِيثِ! فَإِنَّهُ قلَّمَا حَمَلَهَا أَحَدٌ إِلَاّ ذَلَّ فِي نَفسِهِ، وَكُذِّبَ فِي حَدِيثِه.\nــ\nوالباء في بالمرء: زائدةٌ هنا على المفعول، وفاعل كفى: أن يحدِّث، وقد ترد هذه الباء على فاعل كفى؛ كقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩] وكذبًا وشهيدًا: منصوبان على التمييز.\nومعنى الحديث: أنَّ مَن حدَّث بكلِّ ما سمع، حصَلَ له الحظُّ الكافي من الكذب؛ فإنَّ الإنسان يسمعُ الغَثَّ والسمين، والصحيح والسقيم، فإذا حدَّث بكل ذلك، حدَّثَ بالسقيم وبالكذب، ثم يُحمل عنه، فيَكذِبُ في نفسه أو يُكذب بسببه.\nولهذا أشار مالك بقوله: لَيسَ يَسلَمُ رَجُلٌ حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ، وَلَا يَكُونُ إِمَامًا أَبَدًا، أي إذا وُجِدَ الكَذِبُ في روايته، لم يوثَقُ بحديثه، وكان ذلك جَرحه فيه؛ فلا يصلحُ ليقتدي به أحدٌ ولو كان عالمًا، فلو بيَّن الصحيحَ من السقيم، والصادقَ من الكاذب سَلِمَ من ذلك، وتقصَّى عن عُهدَةِ ما يجبُ عليه من النصيحة الدينيَّة.\nو(قوله: إِنِّي أَرَاكَ قَد كَلِفتَ بِعِلمِ القُرآنِ) هو بكسر اللام من الكَلَفِ بالشيء، وهو الوَلُوعُ به، والمحبَّةُ له، والاعتناءُ به؛ وهكذا صحَّت روايتُنا فيه، وقد رُويَ من طريق الطبريِّ: عَلِقتَ، وهو من العَلَاقة، وهي المحبة.\nوالشناعة في الحديث: هو ما يُستَقبَحُ، ويُستنكر؛ يقال: شَنِعتُ بالشيء، أي: أنكرتُهُ، بكسر النون، وشَنُعَ الشيءُ بضمها: قَبُحَ في نفسه، وشَنَّعتُ على الرجل مشدَّدًا: إذا ذَكَرتَ عنه قبيحًا؛ حذَّره بهذا القولِ عن أن يحدِّثَ الأحاديث المنكرة، فيُكَذَّبُ وَيَزلُّ.","vol":"1","page":117},{"text":"- وَعَن عَبدِ اللهِ بنِ مِسعُودٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَنتَ بِمُحَدِّثٍ قَومًا حَدِيثًا لَا تَبلُغُهُ عُقُولُهُم، إِلَاّ كَانَ لِبَعضِهِم فِتنَةً.\nرواه مسلم (٥)، وأبو داود (٤٩٩٢).\nومعنى بحسب المرء: يكفيه ذلك من الكذب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>(٤) بَابُ\nالتَّحذِيرِ مِنَ الكَذَّابِينَ</span>\n٧ - [٥] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، يَأتُونَكُم مِنَ الأَحَادِيثِ بِمَا لَم تَسمَعُوا أَنتُم\nــ\nو(قوله: مَا أَنتَ بِمُحَدِّثٍ قَومًا حَدِيثًا لَا تَبلُغُهُ عُقُولُهُم، إِلَاّ كَانَ لِبَعضِهِم فِتنَةً) أي: حديثًا لا يفهمونَهُ ولا يُدرِكون معناه.\nوالفتنة هنا: الضلالُ والحيرة، وهي تتصرَّف في القرآن على أوجه متعدِّدة، وأصلها: الامتحان والاختبار؛ ومنه قولهم: فَتَنتُ الذهبَ بالنار: إذا اختبرتَهُ بها، وهذا نحو مما قال في حديث آخر: حَدِّثوا الناسَ بما يفهمون؛ أتريدون أن يُكَذَّبَ اللهُ ورسولُهُ (١)؟ !\n(٤) وَمِن بَابِ التَّحذِيرِ مِنَ الكَذَّابِينَ\nو(قوله: يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ) الحديث. الدَّجَّال: هو الكَذَّابُ، المَمَوِّهُ بكذبه، الملبِّسُ به، يقال: دَجَلَ الحقَّ بباطله، أي: غطَّاه، ودجَلَ، أي: مَوَّهَ وكَذب به؛ وبه سمي الكذَّابُ الأعور، وقيل: سُمِّيَ بذلك؛ لضربه في\n_________\n(١) رواه البخاري تعليقًا (١/ ٢٢٥) من حديث علي (﵁)؛ بلفظ: \"حدِّثوا الناس بما يعرفون. .\".","vol":"1","page":118},{"text":"وَلَا آبَاؤُكُم، فَإِيَّاكُم وَإِيَّاهُم! لا يُضِلُّونَكُم، وَلَا يَفتِنُونَكُم.\n- وَقَالَ عبد الله: إِنَّ الشَّيطَانَ لَيَتَمَثَّلُ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ، فَيَأتِي القَومَ فَيُحَدِّثُهُم بِالحَدِيثِ مِنَ الكَذِبِ، فَيَتَفَرَّقُونَ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنهُم: سَمِعتُ رَجُلًا - أَعرِفُ وَجهَهُ، وَلَا أَدرِي مَا اسمُهُ - يُحَدِّثُ.\nــ\nالأرض وقطعه نواحيَهَا، يقال: دَجُلَ الرجلُ، بالفتح والضم: إذا فعل ذلك؛ حكاه ثعلب.\nوهذا الحديثُ إخبارٌ من النبيِّ - ﷺ - بأنّه سيُوجَدُ بعده كذّابون عليه، يُضِلُّونَ الناسَ بما يضعونه ويختلقونه، وقد وُجِدَ ذلك على نحو ما قاله؛ فكان هذا الحديثُ، مِن دلائلِ صدقه، ذكر أبو عُمَرَ بنُ عبد البَرِّ، عن حَمَّاد بن زيد أنَّه قال: وضعتِ الزنادقةُ على رسولِ الله - ﷺ - اثنَي عشَرَ ألفَ حديثٍ، بَثُّوهَا في الناس.\nوحُكِى عن بعضِ الوضَّاعين: أنه تاب فبكى، وقال: أَنَّى لي بالتوبةِ؟ وقد وَضَعتُ اثنَي عَشَرَ ألفَ حديثٍ على رسول الله - ﷺ - كُلُّهَا يُعمَلُ بها؟ !\nوقد كتب أئمَّةُ الحديث كتبًا كثيرة، بيّنوا فيها كثيرًا من الأحاديث الموضوعةِ المنتشرةِ في الوجود، قد عمل بها كثيرٌ من الفقهاء الذين لا عِلمَ عندهم (١) برجال الحديث.\nو(قوله: فَإِيَّاكُم وَإِيَّاهُم! لا يُضِلُّونَكُم، وَلَا يَفتِنُونَكُم) كذا صحَّتِ الروايةُ فيه بإثبات النون، والصوابُ حذفها؛ لأنَّ ثبوتها يقتضي أن تكون خبرًا عن نَفي وقوعِ الإضلالِ والفتنة، وهو نقيضُ المقصود، فإذا حُذِفَت، احتَمَل حذفُهَا وجهين:\nأحدهما: أن يكون ذلك مجزومًا على جواب الأمر الذي تضمَّنَهُ إيَّاكم؛ فكأنه قال: أحذّركم لا يضلُّوكم ولا يفتنوكم.\nوثانيهما: أن يكونَ قوله: لا يضلوكم نهيًا، ويكون ذلك من باب قولهم: لا أَرَيَنَّكَ هاهنا، أي: لا تتعرَّضوا لإضلالهم ولا لفتنتهم.\n_________\n(١) في (م): لهم.","vol":"1","page":119},{"text":"- وَقَالَ عَبدُ اللهِ بنُ عَمرِو بنِ العَاصِ: إِنَّ فِي البَحرِ شَيَاطِينَ مَسجُونَةً، أَوثَقَهَا سُلَيمَانُ؛ يُوشِكُ أَن تَخرُجَ فَتَقرَأَ عَلَى النَّاسِ قُرآنًا.\nرواه مسلم (٧).\n* * *\nــ\nو(قوله: إِنَّ فِي البَحرِ شَيَاطِينَ مَسجُونَةً، أَوثَقَهَا سُلَيمَانُ) الحديثَ، هذا ونحوه لا يتوصَّلُ إليه بالرأي والاجتهاد، بل بالسمع. والظاهر أن الصحابة إنما تستنُد في هذا للنبيِ - ﷺ -، مع أنه يحتملُ أن يحدِّثَ به (١) عن بعضِ أهل الكتاب.\nو(قوله: يُوشِكُ أَن تَخرُجَ فَتَقرَأَ عَلَى النَّاسِ قُرآنًا): يُوشِكُ بكسر الشين، وهي من أفعال المقاربة، وماضيها: أَوشَكَ، ومعناه: مقاربة وقوعِ الشيء وإسراعُهُ، والوَشكُ، بفتح الواو: السرعةُ، وأنكر الأصمعيُّ الكسر فيها، وحكى الجوهري الضَّمَّ فيها.\nويستعمل يوشك على وجهَين: ناقصةٍ تفتقر إلى اسم وخبر، وتامَّةٍ تستقلُّ باسمٍ واحد:\nفالناقصة: يلزَمُ خبرهَا أن غالبًا؛ لما فيها من تراخي الوقوع، وتكونُ بتأويلِ المصدر؛ كقولك: يُوشِكُ زيدٌ أن يذهب، أي: قارَبَ زيدٌ الذَّهَابَ، وربَّما حذفت أن؛ تشبيهًا لها بكاد؛ كقول الشاعر:\nيُوشِكُ مَن فَرَّ مِن مَنِيَّتِهِ ... فِي بَعضِ غِرَّاتِهِ يُوَافِقُهَا\nوالتامَّةُ: تكتفي باسم واحد، وهو أن مع الفعلِ بتأويلِ المصدر، بمعنى قَرُبَ؛ كما في خبر عمرو.\nهذا والقرآن أصله الجمع؛ ومنه قولُ مَن مدح ناقته فقال:\n. . . . . . . . . . . ... هِجَانِ اللَّونِ لم تَقرَأ جَنِينَا (٢)\n_________\n(١) في (م): بذلك.\n(٢) هذا عجز بيت لعمرو بن كلثوم، وصدره:\nذِراعي عَيطَلٍ أدْماءَ بِكْرٍ.","vol":"1","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>(٥) بَاب\nالإِسنَادِ مِنَ الدِّينِ</span>\n- قَالَ مُحَمَّدُ بنُ سِيرِينَ: إِنَّ هذَا العِلمَ دِينٌ؛ فَانظُرُوا عَمَّن تَأخُذُونَ دِينَكُم.\nــ\nوبه سُمِّيَ كتابُ الله قرآنًا؛ لِمَا جمَعَ من المعاني الشريفة، ثم قد يقال مصدرًا بمعنى القراءة؛ كما قال الشاعر في عثمان:\n. . . . . . . . . . . . ... يُقَطِّعُ اللَّيلَ تَسبِيحًا وَقُرآنَا (١)\nأي: قراءةً. ومعنى هذا الحديث الإخبارُ بأنَّ الشياطين المسجونَة ستخرُجُ، فتُمَوِّهُ على الجهلة بشيء نقرؤهُ عليهم، وتلبِّس به؛ حتى يحسبوا أنه قرآن، كما فعله مسيلمة، أو تسرُدُ عليهم أحاديث تسندها للنبي ﷺ كاذبةً، وسميت قرآنًا؛ لما جمعوا فيها من الباطل. وعلى هذا الوجه يستفاد من الحديث التحذيرُ من قَبُول حديث من لا يُعرَفُ.\n(٥) ومِن بَاب الإِسنَادِ مِنَ الدِّينِ\nأي: مِن أصوله؛ لأنَّهُ لمَّا كان مرجعُ الدينِ إلى الكتابِ والسُّنَّة، والسنَّةُ لا تؤخذ عن كُلِّ أحد: تعيَّنَ النظرُ في حال النَّقَلَةِ، واتِّصَالِ روايتهم، ولولا ذلك، لاختلط الصادقُ بالكاذب، والحقُّ بالباطل، ولمَّا وجَبَ الفرقُ بينهما، وجَبَ النظرُ في الأسانيد. وهذا الذي قاله ابنُ المبارك، قد قاله أنسُ بنُ مالك، وأبو هريرة، ونافعٌ مولى ابن عمر، وغيرهم، وهو أمرٌ واضحُ الوجوب لا يُختَلَفُ فيه. وقال عقبةُ بن نافع\n_________\n(١) هذا عجز بيت لحسّان، وصدره:\nضَحّوا بأشمطَ عنوانُ السُّجودِ له.","vol":"1","page":121},{"text":"- وَقَالَ: لَم يَكُونُوا يَسأَلُونَ عَنِ الإِسنَادِ، فَلمَّا وَقَعَتِ الفِتنَةُ قَالُوا: سَمُّوا لَناَ رِجَاَلكُم: فَيُنظَرُ إِلى أَهلِ السُّنَّةِ فَيُؤخَذُ حَدِيثُهُم، وَيُنُظَرُ إِلَى أَهلِ البِدَعِ فَلَا يُؤخَذُ حَدِيثُهُم.\nــ\nلبنيه: يا بَنِيَّ، لا تقبلوا الحديثَ إلا مِن ثقة. وقال ابن معين: كان فيما أوصى به صُهَيبٌ بنيه أن قال: يا بَنِيَّ، لا تَقبَلُوا الحديثَ عن رسول الله - ﷺ - إلا مِن ثقة. وقال ابن عَون: لا تأخذوا العلمَ إلا ممن يُشهَدُ له بالطلب. وقال سليمانُ بن موسى: لا يؤخذُ العلمُ مِن صَحَفِيٍّ (١)، وقال أيضًا: قلتُ لطاوسٍ: إنَّ فلانًا حدَّثني بكذا وكذا، فقال: إن كان مثبتا (٢)، فَخُذ عنه.\nو(قوله: لَم يَكُونُوا يَسأَلُونَ عَنِ الإِسنَادِ)؛ يعني بذلك: مَن أدرَكَ من الصحابة وكبراء التابعين. أما الصحابة فلا فرق بين إسنادهم وإرسالهم؛ إذ الكلُّ عدولٌ على مذهب أهل الحَقِّ، كما أوضحناه في الأصول، وكذلك: كُلُّ من خالَفَ في قبول مراسيل غير الصحابة وافَقَ على قبولِ مراسيل الصحابة. وأما كُبَرَاءُ التابعين ومتقدِّموهم فالظاهر من حالهم أنهم يحدِّثون عن الصحابة إذا أرسلوا، فتُقبَلُ مراسيلهم، ولا ينبغي أن يُختَلَفَ فيها؛ لأنَّ المسكوتَ عنه صحابيٌّ، وهم عدول، وهؤلاء التابعون هم: كعروةَ بن الزُّبَيرِ، وسعيد بن المسيِّب، ونافعٍ مولى ابن عمر، ومحمد بن سِيرِينَ، وغيرهم مِمَّن هو في طبقتهم.\nوأمَّا من تأخَّر عنهم ممن حدَّثَ عن متأخِّرِي الصحابة وعن التابعين؛ فذلك محلُّ الخلاف، والصواب: قَبُولُ المراسيل إذا كان المُرسِلُ مشهورَ المذهب في الجرح والتعديل، وكان لا يحدِّثُ إلا عن العدول؛ كما أوضحناه في الأصول.\nو(قوله: فَلمَّا وَقَعَتِ الفِتنَةُ قَالُوا: سَمُّوا لَناَ رِجَاَلكُم) هذه الفتنة يعني بها\n_________\n(١) \"الصَّحَفي\": من يُخطئ في قراءة الصحيفة، ومن يعتمد في رواياته على الصُّحف دون الرجال.\n(٢) في (م) وإكمال إكمال المعلم (١/ ٢٤): مليئًا.","vol":"1","page":122},{"text":"- وَقَالَ عَبدُ اللهِ بنُ المُبَارَكِ: الإِسنَادُ مِنَ الدِّينِ، وَلَولَا الإِسنَادُ لَقَالَ مَن شَاءَ مَا شَاءَ.\n- وَقَالَ: بَينَنَا وَبَينَ القَومِ القَوَائِمُ، يَعني: الإِسنَادَ.\n- وَعَن مُجَاهِدٍ، قَالَ: جَاءَ بُشَيرٌ العَدَوِيُّ إِلَى ابنِ عَبَّاسٍ، فَجَعَلَ يُحَدِّثُ وَيَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -، قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ - قَالَ: فَجَعَلَ ابنُ عَبَّاسٍ لَا يَأذَنُ لِحَدِيثِهِ، وَلَا يَنظُرُ إِلَيهِ، فَقَالَ: يَا ابنَ عَبَّاسٍ! مَا لِي لَا أَرَاكَ\nــ\n- والله أعلم -: فتنةَ قتلِ عثمان، وفتنةَ خروجِ الخوارجِ على عليٍّ ومعاوية؛ فإنَّهم كفَّروهما حتى استحلُّوا الدماءَ والأموال.\nوقد اختُلِفَ في تكفير هؤلاء، ولا يشَكَّ في أنَّ من كفَّرهم لم يَقبَل حديثهم، ومن لم يكفِّرهُم اختلفوا في قَبُولِ حديثهم؛ كما بَيَّنَّاهُ فيما تقدَّم. فيعني بذلك - والله أعلم -: أنَّ قَتَلَةَ عثمان والخوارجَ لَمَّا كانوا فُسَّاقًا قطعًا، واختلطَت أخبارهم بأخبار مَن لم يكن منهم، وجَبَ أن يُبحَثَ عن أخبارهم فَتُرَدُّ، وعن أخبار غيرهم ممَّن ليس منهم فتُقبَلُ، ثم يجري الحُكمُ من غيرهم من أهل البدعِ كذلك.\nولا يَظُنُّ أحدٌ له فَهمٌ أنَّهُ يعني بالفتنة فتنةَ عليٍّ وعائشةَ ومعاويةَ؛ إذ لا يصحُّ أن يقال في أحدٍ منهم: مبتدعٌ، ولا فاسقٌ، بل كلٌّ منهم مجتهدٌ عَمِلَ على حسب ظنِّه، وهُم في ذلك على ما أجمَعَ عليه المسلمون في المجتهدين من القاعدة المعلومة، وهي أنَّ كلَّ مجتهدٍ مأجورٌ غيرُ مأثوم؛ على ما مهَّدناه في الأصول.\nو(قوله: جَاءَ بُشَيرٌ العَدَوِيُّ إِلَى ابنِ عَبَّاسٍ) بُشَيرٌ: بضم الباء، وفتح الشين، وياء التصغير بعدها، وهو عدويٌّ بصريٌّ يكنى أبا أَيُّوب، حدَّث عن أبي ذر، وأبي هريرة، وأبي الدرداء، وحدَّث عنه: عبد الله بن بُديل، وطَلقُ بن حَبِيب، والعلاءُ بن زياد.\nو(قوله: فجعَلَ لا يَأذَنُ لحديثِهِ) أي: لا يُصغِي إليه بِأُذُنه، ولا يستمعه؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَذِنَت لِرَبِّهَا وَحُقَّت﴾ [الانشقاق: ٢].","vol":"1","page":123},{"text":"تَسمَعُ لِحَدِيثِي؟ ! أُحَدِّثُكَ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَا تَسمَعُ؟ ! فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: إِنَّا كُنَّا مَرَّةً إِذَا سَمِعنَا رَجُلًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ - ابتَدَرَتهُ أَبصَارُنَا، وَأَصغَينَا إِلَيهِ بِآذَانِنَا، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعبَ وَالذَّلُولَ، لَم نَأخُذ مِنَ النَّاسِ إِلَاّ مَا نَعرِفُ.\n- وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: إِنَّا كُنَّا نُحَدَّثُ عَن رَسُولِ الله - ﷺ - إِذ لَم يَكُن يُكذَبُ عَلَيهِ، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعبَ وَالذَّلُولَ تَرَكنَا الحَدِيثَ عَنهُ.\n* الآثار الواردة في هذا الباب انظرها في صحيح مسلم (١/ ١٣ - ١٥ المقدمة).\n* * *\nــ\nو(قوله: كُنَّا إِذَا سَمِعنَا رَجُلًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ - ابتَدَرَتهُ أَبصَارُنَا، وَأَصغَينَا إِلَيهِ بِآذَانِنَا) أي: قَبِلنَا منه، وأَخَذنَا عنه.\nهذا الذي قاله ابن عبَّاس يشهَدُ بصحة ما تأوَّلنا عليه قولَ ابنِ سيرين؛ فإنَّ ابن عبَّاس كان في أوَّل مرة يحدِّثُ عن الصحابة، ويأخذ عنهم؛ لأنَّ سماعَهُ من رسول الله - ﷺ - كان قليلًا؛ لصغر سنه، فكان حاله مع الصحابة كما قال، فلمَّا تلاحَقَ التابعون وحدَّثوا، وظهر له ما يوجبُ الرِّيبَةَ، لم يأخذ عنهم؛ كما فعل مع بُشَير العدوي.\nو(قوله: فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعبَ وَالذَّلُولَ، لَم نَأخُذ مِنَ النَّاسِ إِلَاّ مَا نَعرِفُ) هذا مَثَلٌ، وأصلُهُ في الإبل، ومعناه: أن الناس تسامَحُوا في الحديثِ عن رسول الله - ﷺ -، واجترؤوا عليه؛ فتحدَّثوا بالمرضيِّ عنه، الذي مثَّله بالذَّلُولِ من الإبل، وبالمنكرِ منه الممثَّلِ بالصعبِ من الإبل.","vol":"1","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>(٦) بَابُ الأَمرِ بِتَنزِيلِ النَّاسِ مَنَازِلَهُم وَوُجُوبِ الكَشفِ عَمَّن لَهُ عَيبٌ مِن رُوَاةِ الحَدِيثِ</span>\n[٦] عَن عَائِشَة؛ أَنَّهَا قَالَت: أَمَرَنَا رَسُولُ الله - ﷺ - أَن نُنَزِّلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُم.\n\nــ\nو(قوله: لَم نَأخُذ مِنَ النَّاسِ إِلَاّ مَا نَعرِفُ) أي: إلا ما نَعرِفُ ثقةَ نَقَلَتِهِ، وصحةَ مَخرَجِهِ.\nو(قوله: إِنَّا كُنَّا نُحَدَّثُ عَن رَسُولِ الله - ﷺ -) الصحيحُ في: نُحَدَّثُ بضم النون، وفتح الدال مشدَّدة؛ مبنيًّا للمفعول؛ ويؤيِّده: قوله في الرواية الأخرى: كُنَّا إِذَا سَمِعنَا رَجُلًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -؛ ابتَدَرَتهُ أَبصَارُنَا وَأَصغَينَا إِلَيهِ بِآذَانِنَا. وكذلك وجدتُّه مقيدًا بخط مَن يُعتَمَدُ على عِلمِهِ وتقييده، وقد وجدتُّهُ في بعضِ النسخِ بكسر الدال، وفيه بُعدٌ، ولعلَّه لا يَصِحُّ.\n(٦) وَمِن بَابُ: الأَمرِ بِتَنزِيلِ النَّاسِ مَنَازِلَهُم\nوَوُجُوبِ الكَشفِ عَمَّن لَهُ عَيبٌ مِن رُوَاةِ الحَدِيثِ\n(قولُ عائشة - ﵂ -: أَمَرَنَا رَسُولُ الله - ﷺ - أَن نُنَزِّلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُم). استدلالُ مسلمٍ بهذا الحديث يدُلُّ ظاهرًا على أَنَّه لا بأسَ به، وأنّه ممّا يحتجُّ به عنده، وإنما لم يُسنِده في كتابه؛ لأنَّه ليس على شَرطِ كتابه.\nوقد أسنده أبو بكر البزَّار في مسنده، عن ميمونِ بنِ أبي شَبِيبٍ، عن عائشة، عن النبيِ - ﷺ -، وقال: لا يُعلَمُ عن النبيِّ - ﷺ - إلاّ مِن هذا الوجه، وقد رُويَ عن عائشة من غير هذا الوجه موقوفًا.\nوقد ذكَرَهُ أبو داود في مصنَّفه، فقال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي خَلَف؛ أنَّ يحيى بن يَمَانٍ أخبرهم، عن سفيان، عن حَبيبِ بن أبي ثابت، عن ميمونِ بنِ","vol":"1","page":125},{"text":"استَدَلَّ بِهِ مُسلِمٌ هَكَذَا وَلَم يُسنِدهُ، وَقَد ذَكَرَهُ أبو دَاوُد فِي مُصَنَّفِه، وَأَبُو بَكرٍ البَزَّارُ فِي مُسنَدِه، وَقَالَ: لا يُعلَمُ إِلا مِن حَدِيثِ مَيمُون بنِ أَبِي شَبِيبٍ، عَن عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.\n- وَعَن أَبِي عَقِيلٍ يَحيَى بنِ المُتَوَكِّلِ صَاحِبِ بُهَيَّةَ، قَالَ: كُنتُ جَالِسًا عِندَ القَاسِمِ بنِ عُبَيدِ اللهِ، وَيَحيَى بنِ سَعِيدٍ، وقَالَ يَحيَى لِلقَاسِمِ: يَا أَباَ مُحَمَّدٍ، إِنَّهُ قَبِيحٌ - عَلَى مِثلِكَ - عَظِيمٌ أَن تُسأَلَ عَن شَيءٍ مِن أَمرِ هَذَا الدِّينِ، فَلَا يُوجَدَ عِندَكَ مِنهُ عِلمٌ وَلَا فَرَجٌ، أو عِلمٌ وَلَا مَخرَجٌ. فَقَالَ لَهُ القَاسِمُ: وَعَمَّ ذَاكَ؟ قَالَ: لأَنَّكَ ابنُ إِمَامَي هُدًى؛ ابنُ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ، قَالَ: يَقُولُ لَهُ القَاسِمُ: أَقبَحُ مِن ذَلِكَ عِندَ مَن عَقَلَ عَنِ اللهِ أَن أَقُولَ بِغَيرِ عِلمٍ، أو آخُذَ عَن غَيرِ ثِقَةٍ، قَالَ: فَسَكَتَ فَمَا أَجَابَهُ.\n- وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ لَهُ يَحيَى بنُ سَعِيدٍ: إِنِّي لأُعظِمُ أَن يَكُونَ مِثلُكَ - وَأَنتَ ابنُ إِمَامَي الهُدَى؛ يَعنِي عُمَرَ وَابنَ عُمَرَ - تُسأَلُ عَن أَمرٍ لَيسَ\nــ\nأبي شبيب؛ أنَّ عائشة مَرَّ بها سائلٌ فأعطَتهُ كِسرةً، ومَرَّ بها رجلٌ عليه ثيابٌ زاهية، فأقعدتهُ فأكَلَ، فقيل لها في ذلك، فقالت: قال رسولُ الله - ﷺ -: أَنزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُم. قال ابن الأعرابي: قال أبو داود: ميمونٌ لم يَرَ عائشة (١).\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: وعلى هذا، فالحديثُ منقطعٌ؛ فقد ظهر لأبي داود من هذا الحديث ما لم يظهَر لمسلم، ولو ظهَرَ له ذلك، لما جاز له أن يستَدِلَّ به، إلا أن يكونَ يعملُ بالمراسيل، والله أعلم أنَّ (٢) مسلمًا إنَّما قال: وذُكِرَ عن عائشة، وهو مشعرٌ بضعفه، وأنَّهُ لم يكن عنده ممَّا يعتمده.\n_________\n(١) انظر سنن أبي داود (٥/ ١٧٣) رقم الحديث (٤٨٤٢).\n(٢) في (ع) و(م): على أن.\nقال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: أضيف هنا في النسخة المصورة تعليق بخط اليد نصه: \"وهي أصح بل المثبت لا معنى له! \"","vol":"1","page":126},{"text":"عِندَكَ فيه عِلمٌ، فَقَالَ: أَعظَمُ مِن ذَلِكَ عِندَ اللهِ، وَعِندَ مَن عَقَلَ عَنِ اللهِ، أَن أَقُولَ بِغَيرِ عِلمٍ، أو آخذ عَن غَيرِ ثِقَةٍ.\n- وَقَاَلَ يَحيَى بنُ سَعِيدٍ القَطَّانُ: لَم نَرَ أَهلَ الخَيرِ فِي شَيءٍ أَكذَبَ مِنهُم فِي الحَدِيثِ.\nــ\nومعنى هذا الحديث: الحَضُّ على مراعاةِ مقادير الناس، ومراتبهم، ومناصبهم، فيعامل كلُّ أحد منهم بما يليقُ بحاله، وبما يلائمُ منصبه في الدينِ والعلمِ والشَّرَفِ والمرتبة؛ فإنَّ الله تعالى قد رتَّبَ عبيده وخَلقَه، وأعطى كلَّ ذي حَقٍّ حَقَّه، وقد قال ﷺ: خيارُهُم في الجاهليَّةِ خيارُهُم في الإسلام إذا فقُهُوا (١).\nوأبو عَقِيل هو: بفتح العين وكسر القاف، واسمه: يحيى بن المتوكِّل؛ كما ذكره في الأصل.\nوبُهَيَّة بضم الباء، وفتح الهاء، وما بعدها، تصغير بَهيَة، وهي امرأة كانت تروي عن عائشة أمِ المؤمنين، وهي التي سمَّتها بهذا الاسم، وكان هذا أبو عَقِيلٍ قد روى عنها، وعُرِفَ بها؛ فنُسِبَ إلى صحبتها، وقد خَرَّجَ عنها أبو داود.\nو(قولُ يحيى بن سعيدٍ الأنصاريِّ للقاسم: إنَّكَ ابنُ أبي بَكرٍ وعُمَرَ) إنما صحَّتِ النسبتان على القاسم؛ لأنَّ أباه هو عُبَيدُ الله بن عبد الله بن عمر، وأُمُّه هي ابنةُ القاسم بن محمد بن أبي بكر، وباسم جَدِّهِ هذا، كان يكنَّى؛ فـ عمر جَدُّهُ لأبيه الأعلى، وأبو بكر جَدُّه لأمِّه؛ فصدَقَت عليه النسبتان.\nو(قولُ يحيى القَطَّان: لم ير أهلَ الخير في شَيءٍ أكذَبَ مِنهُم في الحديثِ) يعني به: الغلَطَ والخطَأَ؛ كما فسَّره مسلم. وسببُ هذا: أنَّ أهلَ الخير هؤلاء المعنيِّين غَلَبَت عليهم العبادة، فاشتغلوا بها عن الرواية، فَنَسُوا الحديثَ، ثم إنَّهم\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٣٨٣)، ومسلم (٢٦٣٨) (١٦٠) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":127},{"text":"قَالَ مُسلِمٌ: يَقُولُ: يَجرِي الكَذِبُ عَلَى لِسَانِهِم، وَلَا يَتَعَمَّدُونَ الكَذِبَ.\n- وَقَالَ أبو الزِّنَادِ: أَدرَكتُ بِالمَدِينَةِ مِائةً، كُلُّهُم مَأمُونٌ، مَا يُؤخَذُ عَنهُمُ الحَدِيثُ، يُقَالُ: لَيسَ مِن أَهلِهِ.\n- وَقَالَ يَحيَى بنُ سَعِيدٍ: سَأَلتُ سُفيَانَ الثَّورِيَّ، وَشُعبَةَ، وَمَالِكًا، وَابنَ عُيَينَةَ، عَنِ الرَّجُلِ لَا يَكُونُ ثَبتًا فِي الحَدِيثِ، فَيأتِينِي الرَّجُلُ فَيَسأَلُنِي عَنهُ؟ فَقَالُوا: أَخبِر عَنهُ أَنَّهُ لَيسَ بِثَبتٍ.\n- وَذَكَرَ مُسلِمٌ عَن جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ السَّلَفِ كَابنِ المُبَارَكِ، وَالشَّعبِيِّ، وإِبرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَأَيُّوبَ السَّختِيَانِيِّ، وَغَيرِهِم: التَّنصِيصَ عَلَى عُيُوبِ أَقوَامٍ بِأَعيَانِهِم، وَذَكَرَ كَذِبَ بَعضِهِم، والتَّحذِيرَ عَنِ الرِّوَايَةِ عَنهُم: بَابًا طَوِيلًا قَالَ فِي آخِرِهِ: وَإِنَّمَا أَلزَمُوا أَنفُسَهُمُ الكَشفَ عَن مَعَايِبِ رُوَاةِ الحَدِيثِ، وَنَاقِلِي الأَخبَارِ، وَأَفتَوا بِذَلِكَ حِينَ سُئِلُوا، لِمَا فِيهِ مِن عَظِيمِ الخَطَرِ؛ إِذِ الأَخبَارُ فِي أَمرِ الدِّيِنِ إِنَّمَا تَأتِي بِتَحلِيلٍ أو تَحرِيمٍ، أو أَمرٍ أو نَهيٍ، أو تَرغِيبٍ أو تَرهِيبٍ؛ فَإِذَا كَانَ الرَّاوِي لَهَا لَيسَ بِمَعدِنٍ الصِّدقِ وَالأَمَانَةِ، ثُمَّ أَقدَمَ عَلَى الرِّوَايَةِ عَنهُ مَن قَد عَرَفَهُ، وَلَم يُبَيِّن مَا فِيهِ لِغَيرِهِ مِمَّن جَهِلَ مَعرِفَتَهُ: كَانَ آثِمًا بِفِعلِهِ ذَلِكَ، غَاشًّا لِعَوَامِّ المُسلِمِينَ؛ إِذ لا يُؤمَنُ\nــ\nتعرَّضوا للحديث فَغَلِطُوا، أو كَثُرَ عليهم الوَهَمُ فتُرِكَ حديثهم، كما اتفق للعُمَرِيِّ، وفَرقَدٍ السبخيّ، وغيرِهِما.\nو(قولُ أبي الزِّنَادِ: أدركتُ بالمدينة مائةً كلُّهم مأمون) يعني: أَنَّهم كانوا موثوقًا بهم في دينهم وأمانتهم، غير أنّهم لم يكونوا حفَّاظًا للحديث، ولا متقنين لروايته، ولا متحرِّزين فيه؛ فلم تكن لهم أهليَّةُ الأخذ عنهم، وإن كانوا قد تعاطَوُا الحديثَ والرواية.","vol":"1","page":128},{"text":"عَلَى بَعضِ مَن سَمِعَ تِلكَ الأَخبَار أَن يَستَعمِلَهَا، أو يَستَعمِلَ بَعضَهَا، وَلَعَلَّهَا أو أَكثَرَهَا أحاديث أَكَاذِيبُ لَا أَصلَ لَهَا.\nفَهَذَا البَابُ مَا ذَكَرَهُ فِي صَدرِ كِتَابِهِ.\nرواه مسلم (١/ ٦ - المقدمة)، وأبو داود (٤٨٤٢) مرفوعًا من قوله - ﷺ - بلفظ: \"أنزلوا الناسَ مَنَازلَهُم\" وفيه انقطاع.\n* * *\nــ\nوفُتيَا سفيان ومَن بعده هي التي يجبُ العملُ بها. ولا يختلفُ المسلمون في ذلك؛ كما ذكره مسلمٌ بعدَ هذا وأوضحَهُ.\nوحاصلُهُ أَنَّ ذِكرَ مساوئِ الراوي والشاهِدِ القادحةِ في عدالتهما وفي روايتهما: أمرٌ ضروريٌّ؛ فيجب ذلك؛ فإنه إن لم يُفعَل ذلك، قُبِلَ خبرُ الكذاب، وشهادةُ الفاسق، وغُشَّ المسلمون، وفسدَتِ الدنيا والدين. ولا يُلتَفَتُ لقولِ غبيٍّ جاهلٍ يقول: ذلك غِيبَةٌ؛ لأنَّهَا وإن كانت مِن جنس الغِيبة، فهي واجبةٌ بالأدلَّةِ القاطعة، والبراهينِ الصادعة؛ فهي مستثناةٌ مِن تلك القواعد (١)؛ للضرورةِ الداعية.\n* * *\n_________\n(١) في (م): القاعدة.","vol":"1","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>(١) كِتَابُ الإِيمَانِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>(١) بَابُ مَعَانِي الإِيمَانِ وَالإِسلَامِ وَالإِحسَانِ شَرعًا</span>\n[٧] عَن يَحيَى بنِ يَعمَرَ، قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَن قَالَ فِي القَدَرِ بِالبَصرَةِ\n\nــ\n(١) كتَابُ الإِيمَانِ\n(١) ومِن بَابِ مَعَانِي الإِيمَانِ وَالإِسلَامِ وَالإِحسَانِ شَرعًا\nمقصودُ هذا الباب: إيضاحُ معاني هذه الأسماءِ في الشَّرعِ دون اللغة؛ فإنَّ الشرعَ قد تصرَّفَ فيها على ما يأتي بيانه.\nو(قولُ يحيى بنِ يَعمَر: كَانَ أَوَّلَ مَن قَالَ فِي القَدَرِ بِالبَصرَةِ مَعبَدٌ الجُهَنِيُّ) معبدٌ هذا: هو معبدُ بنُ عبد الله بن محمَّدٍ، وقيل: معبدُ (١) بنُ خالد، والصحيحُ: أن لا يُنسَب. وهو بصريٌّ، روَى عن عمرَ مرسلًا، وعن عِمرَانَ، وروى عنه: قتادةُ، ومالكُ بن دينارٍ، وعَوفٌ الأعرابيُّ.\nقال أبو حاتم: وكان صدوقًا في الحديث، ورأسًا في القَدَر، قَدِمَ المدينة فأفسَدَ فيها ما شاء الله، وقال يحيى بن معين: هو ثقة.\n_________\n(١) من (م).","vol":"1","page":131},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالقَدَر: مصدرُ قَدَرتُ الشيءَ - خفيفة الدال، أقدِرُهُ، وأقدُرُه قَدرًا وقُدَرًا: إذا أحَطتَ بمقداره، ويقال فيه: قدَّرتُ أُقَدِّرُ تقديرًا، مشدَّدَ الدالِ للتضعيف؛ فإذا قلنا: إنَّ الله تعالى قدَّرَ الأشياءَ، فمعناه: أنَّهُ تعالى علِمَ مقاديرها وأحوالَهَا وأزمانَهَا (١) قبل إيجادها، ثُمَّ أوجَدَ منها ما سبَقَ في علمه أنَّهُ يُوجِدُهُ على نحو ما سبَقَ في علمه؛ فلا مُحدَثَ في العالمِ العُلويِّ والسُّفليِّ إلَاّ وهو صادرٌ عن علمِه تعالى وقدرتِه وإرادتِه.\nهذا هو المعلومُ من دِينِ السلف الماضين، والذي دلَّت عليه البراهين. وقد حكى أربابُ المقالاتِ عن طوائفَ من القدريَّةِ إنكارَ كونِ البارئ تعالى عالمًا بشيءٍ من أعمال العباد قبل وقوعها منهم، وإنَّمَا يَعلَمُهَا بعد كونها، قالوا: لأنَّه لا فائدةَ لِعِلمِهِ بها قبل إيجادها، وهو عَبَثٌ، وهو على الله محال.\nقال الشيخ - رحمه الله تعالى -: وقد رُويَ عن مالكٍ أنه فسَّرَ مذهبَ القَدَريَّة بنحو ذلك، وهذا المذهَبُ هو الذي وقَعَ لأهل البصرة، وهو الذي أنكَرَهُ ابنُ عمر.\nولا شكَّ في تكفير من يذهبُ إلى ذلك، فإنَّه جَحدُ معلومٍ من الشرع ضرورةً؛ ولذلك تبرَّأ منهم ابنُ عمر، وأفتى بأنَّهم لا تُقبَلُ منهم أعمالُهُم ولا نفقاتُهُم، وأنّهم كمَا قال الله تعالى فيهم: ﴿وَمَا مَنَعَهُم أَن تُقبَلَ مِنهُم نَفَقَاتُهُم إِلا أَنَّهُم كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ وهذا المذهب هو مذهب طائفةٍ منهم تسمَّى السكبيّة (٢)، وقد تُرِكَ اليومَ، فلا يُعرف مَن يُنسب إليه من المتأخرين مِن أهل البدع المشهورين.\nوالقدرية اليومَ: مُطبِقون على أنَّ الله تعالى عالمٌ بأفعالِ العباد قبلَ وقوعها؛\n_________\n(١) من هنا وحتى ص (٧٨) انقطاع في النسخة العثمانية، واستدرك من النسخة المغربية.\n(٢) كذا في (ع)، وفي (ط): السكيتية، ولم نجد في كتاب \"الملل والنِّحل\" فرقةً لهم بهذا الاسم.","vol":"1","page":132},{"text":"مَعبَدٌ الجُهَنِيُّ، فَانطَلَقتُ أَنَا وَحُمَيدُ بنُ عَبدِ الرَّحمنِ الحِميَرِيُّ - حَاجَّينِ أو مُعتَمِرَينِ - فَقُلنَا: لَو لَقِينَا أَحَدًا مِن أَصحَابِ رَسُولِ الله - ﷺ - فَسَأَلنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلاءِ فِي القَدَرِ! فَوُفِّقَ لَنَا عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ دَاخِلًا المَسجِدَ،\nــ\nومعنى القدر عند القائلين به اليوم: أنَّ أفعالَ العباد مقدورةٌ لهم، وواقعةٌ منهم بِقُدرَتِهم ومشيئتِهم، على جهة الاستقلال، وأنّها ليست مقدورةً لله تعالى ولا مخلوقةً له، وهو مذهبٌ مبتدَعٌ باطلٌ بالأدلّةِ العقليَّةِ والسمعيَّةِ المذكورةِ في كتب أئمَّتنا المتكلِّمين.\nو(قوله: فانطلقتُ أنا وحُمَيدُ بنُ عبد الرحمن الحميري (١) حاجَّينِ أو معتمرَينِ) كذا الروايةُ الصحيحة بـ أو التي للشَّكِّ؛ فكأنَّه عرَضَ له شكٌّ في حالهما، هل كانا حاجَّينِ أو كانا معتمرَينِ؟ وأجيب: بأَنَّهُ وقَعَ في بعض النسخ: حاجَّينِ ومعتمرَينِ بالواو الجامعةِ؛ على أنَّهما كانا قارنينِ، وفيه بُعدٌ، والصحيحُ الأوَّل، والله أعلم.\nو(قوله: لو لَقِينَا أحدًا من أصحاب رسول الله - ﷺ -) لو هنا بمعنى ليت؛ وهي نحو قولِهِ تعالى: رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَو كَانُوا مُسلِمِينَ ونحو قولِ امرئ القيس:\n. . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . لو يشرونَ مَقتَلِي (٢)\n_________\n(١) ساقطة بن (ع) و(ط)، وأثبتناها من تلخيص مسلم.\n(٢) هذا القول جزء من بيت لامرئ القيس، وتمامه:\nتجاوزتُ أَحْراسًا إليها ومَعْشَرًا ... عليّ حِراصًا لو يشرون مقتلي\nويروى: لو يسرُّون مقتلي، كما في (م). انظر: شرح المعلقات السبع للزوزني ص (٤٧)، طبعة دار ابن كثير.","vol":"1","page":133},{"text":"فَاكتَنَفتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي، أَحَدُنَا عَن يَمِينِهِ، وَالآخَرُ عَن شِمَالِهِ، فَظَنَنتُ أَنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الكَلامَ إِلَيَّ، فَقُلتُ: أَبَا عَبدِ الرَّحمَنِ،\nــ\nويأتي لامتناعِ الامتناعِ وهو أصلُهَا، وبمعنى: إن؛ كقوله تعالى: وَلَو أَعجَبَتكُم وللتقليل؛ كقوله ﵊: التَمِس ولو خاتَمًا مِن حديدٍ (١).\nو(قوله: فاكتنفتُهُ أنا وصاحبي) أي: صرنا بِكَنَفَيه. والكَنَفُ والكَنِيف (٢): الساتر؛ ومنه قول العرب: أنا في كنَفِكَ، أي: في سترك.\nوإنَّمَا جاءاه كذلك تأدُّبًا واحترامًا؛ إذ لو قاما أمامه، لمنعاه المشي، ولو صارا له من جانبٍ واحد، لكلَّفاه الميل إليهما، وكانت هذه الهيئةُ أحسنَ ما أمكنهما.\nو(قوله: فَظَنَنتُ أنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الكَلَامَ إِلَيَّ) هذا منه اعتذارٌ عن توهُّمِ اعتراضٍ يُنسَبُ إليه فيه قلَّةُ المبالاةِ بصاحبه، واستِئثَارُهُ عليه بالمسابقة إلى الكلام؛ فبيَّنَ وجهَ اعتذارِهِ عن ذلك؛ وذلك أنَّهُ عَلِمَ من صاحبه أنَّهُ يكلُ الكلامَ إليه: فإمَّا لكونه أحسنَ منه سؤالًا وأبلغَ بيانًا، وإمَّا لحياءٍ يَلحَقُ صاحبَهُ يمنعه من السؤال، وإمَّا إيثارًا له، والله أعلم.\nو(قوله: يا أبا عبدِ الرحمن: فيه دليلٌ على ما كانوا عليه من الاقتصاد في كلماتهم، وتركِ الإطراء والمدح وإن كان حقًّا، فقد كان ابنُ عمر مِن أعلمِ الناس وأفضلهم، وابنَ أميرِ المؤمنين عمر بن الخَطَّاب، ومع ذلك فلم يمدحوه بشيء مِن ذلك مع جلالتِهِ ولا أَطرَوهُ؛ محاسبةً منهم لأنفسهم على ألفاظهم، واكتِفاءً بما\n_________\n(١) رواه البخاري (٥١٣٥)، وأبو داود (٢١١١)، والترمذي (١١١٤)، والنسائي (٦/ ١٢٣)، وأحمد (٥/ ٣٣٦).\n(٢) من (ط).","vol":"1","page":134},{"text":"إِنَّهُ قَد ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ يَقرَؤونَ القُرآنَ، وَيَتَقَفَّرُونَ العِلمَ - وَذَكَرَ مِن شَأنِهِم: وَأَنَّهُم يَزعُمُونَ أَن لَا قَدَرَ، وَأَنَّ الأَمرَ أُنُفٌ.\nــ\nيُعلَمُ من فضائل الرجل عن القول والمدح الذي يُخاف منه الفتنة على المادح والممدوح.\nو(قوله: إنَّهُ قد ظهر قِبَلَنَا ناسٌ) أي: فشا مذهبُهُم وانتشر، وهو مِنَ الظهورِ الذي يُضَادُّ الخفاء.\nو(قوله: يقرؤون القرآنَ، ويتقَفَّرُونَ العِلمَ)؛ وهذه اللفظةَ بتقديمِ القافِ وتأخير الفاء، أي: يَتَّبِعون ويجمعون، يقال: اقتَفَر أثرَهُ، أي: تَتَبَّعه. ورواها أبو العلاء بن ماهان بتقديم الفاء وتأخير القاف، أي: إنَّهُم يُخرِجون غامضَه، ويبحثون عن أسراره، ومنه قولُ عمر بن الخَطَّاب - وذكر امرَأَ القَيس - فقال: افتقَرَ عن معانٍ عُورٍ أصَحَّ بَصَرٍ، أي: فتح عن معانٍ غامضةٍ مبصرًا (١).\nوروي - في غير كتاب مسلم -: يَتَقَفَّونَ بواو مكان الراء، من قَفَوتُ أثرَهُ، أي: تتبَّعتُهُ، وهو من القَفَاء، وكلُّها واضحُ.\nو(قوله: وذكَرَ من شأنهم) أي: عظمِ أمرهم في الذكاء، والجِدِّ في طلب العلم، وإنما ذَكَرَ له ذلك من أوصافهم؛ تنبيهًا له على الاعتناءِ بمقالتهم والبحث عنها؛ ليوضِّحَ أمرها؛ فإنّ كلامَهم قد وقع من القلوب بالموقع الذي لا يزيله إلا إيضاح بالغ، وبرهانٌ واضح، ولمَّا فَهِمَ ابن عمر ذلك أفتى بإبطالِ مذهبهم وفَسَادِه، وحكَمَ بِكُفرهم، وتبرَّأ منهم، واستدلَّ على ذلك بالدليل القاطع عنده.\nو(قوله: إنَّ الأَمرَ أُنُفٌ) أي: مستَأنَفٌ، ومعناه عندهم: أنَّهُ لم تسبِق به سابقةُ علمِ الله ولا مشيئتِهِ، وإنما أفعالُ الإنسان موجودةٌ بعلم الإنسان واختيارِهِ؛ كما تقدَّم من مذهبهم.\nوأَنفُ كلِّ شيء: أوَّلُهُ، ومنه: أنفُ الوجه؛ لأنَّه أوَّلُ\n_________\n(١) انظر: لسان العرب مادة (فقر).","vol":"1","page":135},{"text":"فقَالَ: إِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخبِرهُم أَنِّي بَرِيءٌ مِنهُم، وَأَنَّهُم بُرَآءُ مِنِّي، وَالَّذِي يَحلِفُ بِهِ عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ! لَو أَنَّ لِأَحَدِهِم مِثلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنفَقَهُ، مَا قَبِلَ اللهُ مِنهُ حَتَّى يُؤمِنَ بِالقَدَرِ. ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، قَالَ: بَينَما نَحنُ عِندَ رَسُولِ الله - ﷺ - ذَاتَ يَومٍ،\nــ\nالأعضاء في الشخوص، وأَنفُ السيل: أَوَّلُهُ؛ كما قال امرؤ القيس:\nقَد غَدَا يَحمِلُنِي في أَنفِهِ ... لَاحِقُ الأيطل مَحبُوكٌ مُمَرّ (١)\nوروضٌ أنفٌ: لم يُرعَ قَبلُ، وكذلك كأسٌ أُنُفٌ: لم يُشرَب قبلُ؛ ومنه قوله تعالى: مَاذَا قَالَ آنِفًا أي: هذه الساعةَ المستأنفةَ.\nو(قوله: والذي يحلف به عبد الله بن عمر) هذه كنايةٌ عن الحلف باسم الله؛ فإنَّه هو الذي كان يَحلِفُ به غالبًا، ولم يتلفَّظ به؛ إجلالًا لأسماء الله تعالى عن أن تُتَّخَذَ عُرضَةً لكثرة الأيمان بها، والله أعلم.\nو(قوله: لو أنّ لِأَحَدِهِم مِثلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنفَقَه ما قَبِلَ الله منه حتى يؤمن بالقدر) هذا صريحٌ في أنَّه كفَّرَهُم بذلك القولِ المحكيِّ عنهم؛ لأنَّهُ حكَمَ عليهم بما حكَمَ الله به على الكفَّارِ في الآية المتقدِّمة، وقد قلنا: إنَّ تكفيرَ هذه الطائفة مقطوعٌ به؛ لأنَّهم أنكروا معلومًا ضروريًّا من الشرع.\nو(قوله: بينما نحن عند رسول الله ﷺ) بينا هذه هي الظرفية، زِيدَت عليها الألف؛ لتكفَّها عن عملها الذي هو الخفض، كما قد زيدَت عليها أيضًا ما لذلك، وما بعدها مرفوعٌ بالابتداء في اللغة المشهورة. ومنهم مَن خَفَضَ ما بعد الألف على الأصل؛ فقال (٢):\n_________\n(١) في (ط):\n. . . . . . . . . . . . . . . . . ... لاحق الأطلين واهٍ منهمر\n(٢) القائل هو أبو ذؤيب.","vol":"1","page":136},{"text":"إِذ طَلَعَ عَلَينَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعرِ، لَا يُرَى عَلَيهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلا يَعرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ،\nــ\nبَينَا تَعَانُقِه الكُمَاةُ وَرَوغِهِ ... يَومًا أُتِيحَ لَهُ جَرِيءٌ سَلفَعُ\nوروي بخفض تعانقِهِ ورفعه؛ وعلى هذا فالألفُ والميم ليستا للكَفِّ، لكن لتمكن النطق.\nوقد ذهَبَ بعضُ النحويِّين إلى أنَّها للتأنيث في الوجهين، وهي عنده فَعلَى كـ: شَروَى.\nوعند: من ظروف الأمكنة غير المتمكِّنة، يقال لما مُلِكَ أو اختُصَّ به حاضرًا كان أو غائبًا، ومثلها لدى، إلَاّ أَنَّها تختصُّ بالحاضر، وفي لدى لغاتٌ ثمانٍ مذكورةٌ في كتب النحو.\nو(قوله: إِذ طَلَعَ عَلَينَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعرِ): إذ وإذا أصلهما ظرفان غير متمكِّنَينِ، يضافان إلى الجمل، إلَاّ أنَّ إذ: لما مضى، وتضاف للجملتَينِ الفعليَّةِ والاسميَّة. وإذا: لما يُستَقبَلُ، ولا تُضافُ إلَاّ إلى الفعليَّة، وفيها معنى الشرط، وليس ذلك في إذ، إلاّ إذا دخلَت عليها ما؛ كقولهم:\nإِذ ما أَتَيتَ عَلَى الرَّسُولِ فَقُل لَهُ ... . . . . . . . . . .\nوقد يقعان للمفاجأة، كما وقعَت إذ هاهنا. وأمّا إذا للمفاجأة، ففي قوله تعالى: فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِن عِبَادِهِ إِذَا هُم يَستَبشِرُونَ فـ إذا الأولى ظرفيَّةٌ، والثانية مفاجِئَةٌ، ونحوُهُ في القرآن كثيرٌ.\nوفيه دليلٌ على استحبابِ تحسينِ الثيابِ والهيئة والنظافةِ عند الدخولِ على العلماءِ والفُضَلاءِ والملوك؛ فإنَّ جبريل ﵇ أتى معلِّمًا للناس بحالِهِ ومقاله.\nو(قوله: لا يُرَى عليه أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ)؛ هكذا مشهورُ رواية هذا","vol":"1","page":137},{"text":"حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَأَسنَدَ رُكبَتَيهِ إِلَى رُكبَتَيهِ، وَوَضَعَ كَفَّيهِ عَلَى فَخِذَيهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَخبِرنِي عَنِ الإِسلامِ. فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -:\nــ\nاللفظ: يُرَى مبنيًّا لِمَا لم يُسَمَّ فاعلُهُ، بالياء باثنتَينِ من تحتها، ولا يعرفه بالياء أيضًا. وقد رواه أبو حازم العُذرِيُّ: لا نَرَى عليه أَثَرَ السَّفَرِ ولا نَعرِفُهُ بالنون فيهما، مبنيًّا لفعل الجماعة، وكلاهما واضح المعنى.\nو(قوله: حتَّى جلَسَ إلى النبيِّ - ﷺ -، فأسنَدَ ركبتَيهِ إلى رُكبَتَيهِ، ووضَعَ كَفَّيهِ عَلَى فَخِذَيهِ، وقال: يا محمَّد)؛ هكذا مشهورُ هذا الحديثِ في الصحيحين (١) من حديث ابن عمر.\nوقد روى النَّسائيُّ هذا الحديثَ من حديث أبي هريرة، وأبي ذَرٍّ، وزاد فيه زيادةً حسنةً، فقالا: كان رسول الله - ﷺ - يَجلِسُ بين ظَهرَانَي أصحابه فيجيءُ الغريبُ، فلا يَدرِي أهو هو حتَّى يَسأَلَ، فطلبنا لرسولِ الله ﷺ أن نجعَلَ له مجلسًا يَعرِفُهُ الغريبُ إذا أتاه، فَبَنَينَا له دُكَّانًا (٢) من طِينٍ يَجلِسُ عليه، إنَّا لجلوسٌ عنده ورسولُ الله - ﷺ - في مجلسه؛ إذ أقبَلَ رجلٌ أحسَنُ الناسِ وجهًا، وأطيَبُ الناسِ رِيحًا، كأنَّ ثيابَهُ لم يَمَسَّهَا دَنَسٌ، حتَّى سَلمَ من طَرَفِ السِّمَاطِ (٣)، فقال: السَّلَامُ عليكم يا محمَّدُ، فرَدَّ ﵇، قال: أَدنُو يا محمَّدُ؟ قال: ادنُهُ، فما زال يقول: أدنو؟ مرارًا، ويقول له: ادنُ، حتَّى وضَعَ يدَيهِ على ركبتَيِ النبيِّ - ﷺ - (٤). . . وذكر نحو حديث مسلم.\nففيه من الفقه: ابتداءُ الداخلِ بالسلام على جميع مَن دخل عليه، وإقبالُهُ\n_________\n(١) لم يروه البخاري من حديث ابن عمر، بل اتّفقا على روايته من حديث أبي هريرة.\n(٢) \"الدّكان\": الدّكة المبنية للجلوس عليها.\n(٣) \"السِّماط\": الصفّ من الناس.\n(٤) رواه النسائي (٨/ ١٠١).","vol":"1","page":138},{"text":"الإِسلامُ أَن تَشهَدَ أَن لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ،\nــ\nعلى رأس القوم؛ فإنه قال: السلامُ عليكم، فعَمَّ، ثم قال: يا محمَّد، فخَصَّ.\nوفيه: الاستئذانُ في القُربِ من الإمام مرارًا، وإن كان الإمامُ في موضعٍ مأذونٍ في دخوله. وفيه: تركُ الاكتفاءِ بالاستئذان مرةً أو مرتَينِ على جهة التعظيم والاحترام.\nوفيه: جوازُ اختصاصِ العالم بموضعٍ مرتفِعٍ من المسجد، إذا دعت إلى ذلك ضرورةُ تعليمٍ أو غيرِهِ. وقد بيَّن فيه: أنَّ جبريل وضع يدَيه على رُكبَتَي رسول الله - ﷺ -، فارتفع الاحتمال الذي في لفظ كتاب مسلم؛ فإنَّه قال فيه: فوضع كَفَّيهِ على فَخِذَيهِ، وهو محتمل، وإنما فعل جبريلُ ذلك - والله أعلم -؛ تنبيهًا على ما ينبغي للسائل من قوَّةِ النَّفس عند السؤال، وعدمِ المبالاة بما يقطع عليه خاطره، وإن كان المسؤول مِمَّن يُحتَرَمُ ويُهَاب، وعلى ما ينبغي للمسؤولِ مِنَ التواضعِ والصَّفحِ عن السائل، وإن تعدَّى على ما ينبغي من الاحترام والأدب. ونداءُ جبريل للنبي - ﷺ - كما يناديه الأعرابُ: يا محمَّد، تعميةٌ على حاله.\nالإسلام في اللغة هو: الاستسلامُ والانقيادُ؛ ومنه قوله تعالى: قُل لَم تُؤمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسلَمنَا أي: اِنقَدنا، وهو في الشرع: الانقيادُ بالأفعالِ الظاهرة الشرعيَّة، ولذلك قال - ﷺ - فيما رواه أنس عنه: الإسلامُ علانيَةٌ، والإيمانُ في القَلب (١)؛ ذكره ابن أبي شَيبَةَ في مصنفه (٢).\nوالإيمان لغةً: هو التصديقُ مطلقًا، وفي الشرع: التصديقُ بالقواعد الشرعيَّة؛ كما نبَّه عليه النبيُّ - ﷺ -، في حديثِ أنسٍ هذا.\n_________\n(١) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (١١/ ١١).\n(٢) في (ط) مسنده.","vol":"1","page":139},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوقد تنافس علماءُ الأصول في هذه الأسماء الشرعيَّة تنافسًا لا طائلَ له، إذا حُقِّقَ الأمرُ فيه؛ وذلك أنَّهم مُتَّفِقُونَ على أنَّها لا يستفادُ منها في الشرع زيادةٌ على أصل الوضع، وهل ذلك المعنى يُصَيِّرُ تلك الأسماءَ موضوعةً كالوضع الابتدائيِّ مِن قِبَلِ الشرع، أو هي مبقاةٌ على الوضعِ اللغويِّ، والشرعُ إنما تصرَّفَ في شروطها وأحكامها، هنا تنافسهُم في الأمر قريب.\nوالحاصل: أنَّ الشرعَ تصرَّف في حال هذه الأسماء التي في أصلِ وضعها، فخصّص عامًّا، كالحال في الإسلام والإيمان؛ فإنّهما بحكم الوضع يَعُمَّانِ كلَّ انقياد، وكلَّ تصديق، لكن قَصَرَها الشرعُ على تصديقٍ مخصوص وانقيادٍ مخصوص؛ وكذلك فعلَتِ العربُ في لغتها في الأسماء العُرفيَّة، كالدابَّةِ: فإنَّها في الأصل لكلِّ ما يَدِبُّ، ثمَّ عُرفُهُم خصَّصها ببعض ما يَدِبُّ؛ فالأسماءُ الشرعيَّةُ كالأسماء العرفيَّة في هذا التصرُّف، والله أعلم.\nوقد استفدنا من هذا البحث: أنّ الإيمانَ والإسلامَ حقيقتان متباينتان لغةً وشرعًا؛ كما دلَّ عليه حديثُ جبريلَ هذا وغيرُهُ؛ وهذا هو الأصلُ في الأسماء المختلفة - أعني: أن يَدُلَّ كُلُّ واحد منها على خلافِ ما يَدُلُّ عليه الآخر - غير أنَّهُ قد توسَّعَ الشرعُ فيهما: فأطلَقَ اسمَ الإيمانِ على حقيقة الإسلام؛ كما في حديث وَفدِ عبد القَيسِ الآتي بعد هذا (١)، وكقوله: الإيمانُ بِضعٌ وسبعون بابًا، أدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأرفعها قولُ: لا إله إلا الله (٢). وقد أطلَقَ الإسلامَ مريدًا به مسمَّى الإسلامِ والإيمان، بمعنى التداخُلِ، كقوله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسلَامُ.\n_________\n(١) سيأتي في التلخيص برقم (١٤).\n(٢) روى البخاري (٧) الجملة الأولى منه. ورواه مسلم كلّه (٣٥)، وأبو داود (٤٦٧٦)، والترمذي (٢٦١٤)، والنسائي (٨/ ١١٠)، وابن ماجه (٥٧)، كلهم من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":140},{"text":"وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤتِيَ الزَّكَاةَ،\nــ\nوقد أطلَقَ الإيمانَ كذلك أيضًا؛ كما رُوِيَ من حديثِ عليٍّ مرفوعًا: الإيمَانُ اعتِقَادٌ بِالقَلبِ، وإقرارٌ باللِّسَان، وعَمَلٌ بالأَركَان (١).\nوهذه الإطلاقاتُ الثلاثُ من باب التجوُّز والتوسُّع على عادة العرب في ذلك، وهذا إذا حُقِّقَ يريحُ مِن كثيرٍ من الإشكال الناشئ مِن ذلك الاستعمال.\nوالصلاة لغةً: الدعاءُ؛ ومنه قوله تعالى: وَصَلِّ عَلَيهِم أي: ادعُ؛ قال الأعشى:\nعَلَيكِ مِثلُ الَّذِي صَلَّيتِ فَاغتَمِضِي ... نَومًا فَإِنَّ لِجَنبِ المَرءِ مُضطَجَعا\nوقيل: إنَّهَا مأخوذةٌ من الصَّلَا، والصلا: عِرقٌ عند أصل الذَّنَب، ومنه قيل للفرس الثاني في الحَلبة: مُصَلٍّ؛ لأنَّ رأسَهُ عند صَلَا السابق؛ قال الشاعر:\nفَصَلَّى أَبُوهُ لَهُ سَابِقٌ ... بِأَن قِيل: فَاتَ العِذَارُ (٢) العِذَارَا\nوالأوّل: أولى وأشهر. وهي في الشرع: أفعالٌ مخصوصةٌ، بشروطٍ مخصوصة، الدعاءُ جزءٌ منها.\nلغةً: هي النماء والزيادة، يقال: زكا الزرعُ والمالُ، وسمِّي أخذُ جزءٍ من مالِ المسلم الحُرِّ زكاةً؛ لأَنَّها إنما تؤخذُ من الأموال النامية، أو لأنّها قد نَمَت وبلغتِ النصاب، أو لأنّها تنمِّي الأموالَ بالبركة، وحسناتِ مؤدِّيها بالتكثير.\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (٦٥)، والخطيب في تاريخه (٩/ ٣٨٦)، وذكره السيوطي في اللآلئ (١/ ٣٣ - ٣٦)، وفيه: أبو الصلت، عبد السلام بن صالح؛ ضعيف.\n(٢) \"العذار\": ما سال على خدِّ الفرس من اللِّجام.","vol":"1","page":141},{"text":"وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ البَيتَ إِنِ استَطَعتَ إِلَيهِ سَبِيلًا. قَالَ: صَدَقتَ.\nــ\nوالصوم: هو (١) الإمساكُ مطلقًا؛ ومنه قوله تعالى: إِنِّي نَذَرتُ لِلرَّحمَنِ صَومًا، أي: إمساكًا عن الكلام؛ قال الشاعر (٢):\nخَيلٌ صِيَامٌ وَخَيلٌ غَيرُ صَائِمَةٍ ... تَحتَ العَجَاجِ وَأُخرَى تَعلُكُ اللُّجُمَا\nأي: ممسكةٌ عن الحركة.\nوهو في الشرع: إمساكٌ جميعِ أجزاءِ اليومِ عن أشياءَ مخصوصةٍ، بشرطٍ مخصوص، على ما يأتي.\nوالحج: هو القصدُ المتكرِّر في اللغة؛ قال الشاعر (٣):\nوأَشهَدُ مِن عوفٍ حُلُولًا (٤) كَثِيرَةً ... يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبرِقَانِ المُزَعفَرَا\nوهو في الشرع: القصدُ إلى بيت الله المعظَّم؛ لفعل عبادة مخصوصة.\nوالحَجُّ بالفتح: المصدر، وبالكسر: الاسم، وقُرئ بهما: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيتِ.\nوالاستطاعة: هي القوةُ على الشيء، والتمكُّنُ منه؛ ومنه قوله تعالى: فَمَا اسطَاعُوا أَن يَظهَرُوهُ وَمَا استَطَاعُوا لَهُ نَقبًا، وسيأتي اختلاف العلماء فيها.\nوالإحسان: هو مصدر أحسَنَ يُحسِنُ إحسانًا، ويقال على معنيَينِ:\n_________\n(١) من (ط).\n(٢) هو النابغة الذبياني.\n(٣) هو المخبّل السعدي.\n(٤) \"الحلول\": الأحياء المجتمعة. \"السِّبُّ\": الثوب الرقيق أو العمامة. وفي (مر): بدل (سب): \"هو الخمار\".","vol":"1","page":142},{"text":"قَالَ: فَعَجِبنَا لَهُ يَسأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ!\nــ\nأحدهما: متعدٍّ بنفسه؛ كقولك: أحسنتُ كذا وفي كذا، إذا حَسَّنتَهُ وكمَّلتَهُ، وهو منقولٌ بالهمزة من حَسُنَ الشيءُ.\nوثانيهما: متعدٍّ بحرف جرٍّ؛ كقولك: أحسنتُ إلى كذا، أي: أوصَلتُ إليه ما يَنتَفعُ به، وهو في هذا الحديث بالمعنى الأوَّل، لا بالمعنى الثاني؛ إذ حاصلُهُ راجعٌ إلى إتقانِ العبادات، ومراعاة حقوق الله تعالى فيها، ومراقبته، واستحضارِ عظمتِهِ وجلاله حالةَ الشروع، وحالةَ الاستمرار فيها.\nوأربابُ القلوب في هذه المراقبة على حالين:\nأحدهما: غالبٌ عليه مشاهدةُ الحقِّ، فكأنَّهُ يراه؛ ولعلَّ النبيِّ - ﷺ - أشار إلى هذه الحالة بقوله: وجُعِلت قُرَّةُ عيني في عبادة ربي (١).\nوثانيهما: لا ينتمي إلى هذه الحالة، لكن يغلب عليه أنَّ الحقَّ سبحانه مطَّلِعٌ عليه ومشاهدٌ له؛ وإليه الإشارةُ بقوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ وبقولِهِ: وَمَا تَتلُو مِنهُ مِن قُرآنٍ وَلَا تَعمَلُونَ مِن عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيكُم شُهُودًا إِذ تُفِيضُونَ فِيهِ.\nوهاتان الحالتان ثمرةُ معرفةِ الله تعالى وخشيتِهِ؛ ولذلك فسَّر الإحسانَ في حديث أبي هريرة بقوله: أَن تخشى اللهَ كأَنَّك تراه (٢)؛ فعبَّرَ عن المسبَّب باسم السَّبَب توسُّعًا، والألفُ واللامُ اللذان في الإحسان المسؤول عنه للعهد، وهو الذي قال الله تعالى فيه: لِلَّذِينَ أَحسَنُوا الحُسنَى وَزِيَادَةٌ، و: هَل جَزَاءُ الإِحسَانِ إِلَّا الإِحسَانُ، و: وَأَحسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحسِنِينَ.\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ١٢٨ و١٩٩ و٢٨٥)، والنسائي (٧/ ٦٢)، ولفظه: \"وجُعلت قُرَّة عيني في الصَّلاة\" وكذا في هاش (ل).\n(٢) حديث أبي هريرة سيأتي في التلخيص برقم (٨).","vol":"1","page":143},{"text":"قَالَ: فَأَخبِرنِي عَنِ الإِيمَانِ؟ قَالَ: أَن تُؤمِنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ\n\nــ\nولمَّا تكرَّر الإحسانُ في القرآن، وترتَّب عليه هذا الثوابُ العظيم، سألَ عنه جبريلُ النبيَّ - ﷺ -، فأجابه ببيانه؛ ليعمَلَ الناسُ عليه، فيحصُلُ لهم هذا الحظُّ العظيم.\nوسؤالُ جبريل ﵇ عن الإيمانِ والإسلام بلفظ: ما كما في حديث أبي هريرة (١)، يدُلُّ على أنَّهُ إنما سأل عن حقيقتهما عنده، لا عن شَرحِ لفظهما في اللغة، ولا عن حُكمِهما؛ لأنّ ما في أصلها إنما يُسأَلُ بها عن الحقائق والماهيات. ولذلك أجابه النبيُّ - ﷺ - بقوله: أن تُؤمِنَ بالله وبكذا وكذا؛ فلو كان سائلًا عن شرح لفظهما في اللغة لَمَا كان هذا جوابًا له؛ لأنَّ المذكورَ في الجواب هو المذكورُ في السؤال، ولمّا كان الإيمانُ في اللغة معلومًا عندهما، أعاد في الجوابِ لفظَهُ، وبيَّنَ له متعلَّقاتِهِ، وأنَّهُ قصره على تصديقٍ بأمورٍ مخصوصة.\nوالإيمانُ بالله: هو التصديقُ بوجوده تعالى، وأنَّه لا يجوزُ عليه العدم، وأنه تعالى موصوفٌ بصفاتِ الجلال والكمال مِنَ: العلم، والقدرة، والإرادة، والكلام، والسمع، والبصر، والحياة، وأنَّهُ تعالى منزَّهٌ عن صفاتِ النقصِ التي هي أضدادُ تلك الصفات، وعن صفاتِ الأجسامِ والمتحيِّزات، وأنَّهُ واحدٌ صمدٌ (٢)، فَردٌ، خالقُ جميعِ المخلوقات، متصرِّفٌ فيها بما يشاء من التصرُّفات، يفعلُ في ملكه ما يريد، ويحكُمُ في خلقه ما يشاء.\nوالإيمان بالملائكة: هو التصديقُ بأنَّهم: عِبَادٌ مُكرَمُونَ ﴿لا يَسبِقُونَهُ بِالقَولِ وَهُم بِأَمرِهِ يَعمَلُونَ﴾، لَا يَعصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُم\n_________\n(١) سيأتي حديث أبي هريرة قريبًا في تلخيص مسلم برقم (٨).\n(٢) في (ط): حق.","vol":"1","page":144},{"text":"وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَومِ الآخِرِ، وَتُؤمِنَ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ. قَالَ: صَدَقتَ.\nــ\nوَيَفعَلُونَ مَا يُؤمَرُونَ، و: يُسَبِّحُونَ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفتُرُونَ، وأَنَّهُم سُفَرَاءُ الله بينه وبين رسله، والمتصرِّفون كما أَذِنَ لهم في خلقه.\nبكتب الله: هو التصديقُ بأنَّها كلامُ الله، ومِن عِندِهِ، وأنَّ ما تضمَّنَته حقٌّ، وأنَّ الله تعالى تعبَّد خلقه بأحكامها وفَهمِ معانيها.\nبرسل الله: هو أَنَّهُم صادقون فيما أخبروا به عن الله تعالى، وأنَّ الله تعالى أيَّدَهُم بالمعجزاتِ الدالَّةِ على صدقهم، وأنَّهم بلَّغوا عن الله رسالاتِه، وبيَّنوا للمكلَّفين ما أمرهم الله بنيانه، وأنَّهُ يجبُ احترامُهُم، وألا يفرِّقَ بين أحدٍ منهُم.\nوالإيمانُ باليوم الآخر: هو التصديقُ بيوم القيامة، وما اشتمَلَ عليه من الإعادةِ بعد الموت، والنَّشرِ، والحشر، والحساب والميزان والصِّرَاط، والجنة والنار، وأنهما دارا ثوابِهِ وجزائِهِ للمُحسِنين والمُسِيئين، إلى غير ذلك مما صَحَّ نصُّه، وثبَتَ نقله.\nوالإيمانُ بالقدر: هو التصديقُ بما تقدَّم ذكره، وحاصله: هو ما دلّ عليه قوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُم وَمَا تَعمَلُونَ وقوله: إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقنَاهُ بِقَدَرٍ وقوله: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وإجماعُ السلف والخلف على صِدقِ قول القائل: ما شاء الله كان، وما لم يَشَأ لم يكن، وقولِهِ ﵊: كُلُّ شَيءٍ بِقَدرٍ حتَّى العَجزُ والكَيسُ (١).\nتنبيه:\nمذهبُ السلفِ وأئمَّةِ الفتوى من الخَلَف: أنَّ من صدَّق بهذه الأمور تصديقًا جَزمًا لا ريبَ فيه ولا تردُّدَ ولا توقُّف، كان مؤمنًا حقيقةً، وسواءٌ كان ذلك عن براهينَ ناصعة، أو عن اعتقاداتٍ جازمة.\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٦٥٥)، ومالك في الموطأ (٢/ ٨٩٩) من حديث ابن عمر ﵄.","vol":"1","page":145},{"text":"قَالَ: فَأَخبِرنِي عَنِ الإِحسَانِ؟ قَالَ: أن تَعبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِن لَم تَكُن تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ.\n\nــ\nعلى هذا انقرضَتِ الأعصارُ الكريمة، وبها صرَّحت فتاوى أئمة الهدى المستقيمة، حتى حدثَت مذاهبُ المعتزلة المبتدعة، فقالوا: إنَّهُ لا يصحُّ الإيمانُ الشرعيُّ إلا بعد الإحاطةِ بالبراهينِ العقليَّةِ والسمعيَّة، وحصولِ العلمِ بنتائجها ومطالبها، ومَن لم يحصُل إيمانه كذلك فليس بمؤمن، ولا يجزئ إيمانُهُ بغير ذلك؛ وتبعهم على ذلك جماعةٌ من متكلِّمي أصحابنا؛ كالقاضي أبي بكر، وأبي إسحاقَ الإسفَرَايِينِيِّ، وأبي المَعَالِي في أوَّل قولَيهِ.\nوالأولُ هو الصحيح؛ إذ المطلوب من المكلَّفين ما يقال عليه: إيمان؛ كقوله تعالى: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَن لَم يُؤمِن بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ.\nوالإيمانُ: هو التصديقُ لغةً وشرعًا؛ فمَن صدَّق بذلك كلِّه، ولم يُجَوِّز نقيضَ شيء من ذلك: فقد عَمِلَ بمقتضى ما أمره الله به على نحو ما أمره الله تعالى، ومَن كان كذلك، فقد تَقصَّى عن عُهدَةِ الخطاب؛ إذ قد عمل بمقتضى السُّنَّةِ والكتاب، ولأنَّ رسولَ الله - ﷺ - وأصحابَهُ بعده حكموا بصحَّةِ إيمانِ كُلِّ مَن آمن وصدَّق بما ذكرناه، ولم يفرِّقوا بين مَن آمن عن برهان أو عن غيره؛ ولأنَّهم لم يأمروا أجلافَ العربِ بترديد النظر، ولا سألوهم عن أدلَّةِ تصديقهم، ولا أرجؤوا إيمانَهُم حتى ينظروا، وتحاشَوا عن إطلاق الكفر على أحدٍ منهم، بل سَمَّوهُمُ المؤمنين والمسلمين، وأَجرَوا عليهم أحكامَ الإيمان والإسلام، ولأنَّ البراهين التي حرَّرها المتكلِّمون، ورتَّبها الجَدَليُّون، إنما أحدثها المتأخِّرون، ولم يَخُض في شيء من تلك الأساليب السلَفُ الماضون؛ فمِنَ المحال والهذيان: أن يُشتَرَطَ في صحة الإيمان، ما لم يكن معروفًا ولا معمولًا به لأهلِ ذلك الزمان، وهم مَن هم فَهمًا عن الله، وأخذًا عن رسول الله ﷺ، وتبليغًا لشريعتِهِ، وبيانًا لسنته وطريقتِهِ، وسيأتي قولٌ شافٍ في ذلك إن شاء الله.","vol":"1","page":146},{"text":"قَالَ: فَأَخبِرنِي عَنِ السَّاعَةِ؟ قَالَ: مَا المَسؤُولُ عَنهَا بِأَعلَمَ مِنَ السَّائِلِ. قَالَ: فَأَخبِرنِي عَن أَمَاراتِهَا؟\nــ\nوالملائكة: جمعُ مَلَك، وقد اختُلِفَ في اشتقاقه ووزنه؛ فقال ابن شُميل: لا اشتقاقَ له، وقال ابن كَيسَانَ: وزنه: فَعَلٌ من المُلكِ، وقال أبو عُبَيدَة: هو مَفعَلٌ من: لَأَكَ، أي: أرسَلَ، وقال غيره: إنه مأخوذٌ من الأَلُوكَة، وهي الرسالة، فكأنها تؤلك في الفم، قال لَبِيدٌ:\nوَغُلَامٍ أَرسَلَتهُ أُمُّهُ ... بِأَلُوكٍ فَبَذَلنَا ما سَأَل\nفأصله على هذا: مَألَكٌ؛ فالهمزة فاءُ الفعل، لكنَّهم قلبوها إلى عينه، فقالوا: مَلأَكٌ، ثم سهَّلوه، فقالوا: مَلَاكٌ، وقد جاء على أصله في الشعر؛ قال (١):\nفَلَستَ لِإِنسِيٍّ ولَكِن لِمَلأَكٍ ... تَنَزَّلَ مِن جَو السَّمَاءِ يَصُوبُ\nوقيل: هو مَلكٌ من مَلَكَ، نحو: شَمَلٍ من شَمَلَ.\nوالساعة في أصل الوضع: مقدارٌ مَّا من الزمان، غيرُ معيَّن ولا محدود؛ لقوله تعالى: مَا لَبِثُوا غَيرَ سَاعَةٍ.\nوفي عرف أهل الشرع: عبارةٌ عن يوم القيامة. وفي عرف المعدِّلين (٢): جزءٌ من أربعة وعشرين جزءا من أوقاتِ الليل والنهار.\nوالأشراط: هي الأَماراتُ والعلامات (٣)؛ ومنه قوله تعالى: فَقَد جَاءَ أَشرَاطُهَا وبها سمي الشُّرَطُ؛ لأنَّهم يُعلِمُون أنفسَهُم بعلامات يُعرَفون بها.\n_________\n(١) القائل هو رجل من عبد القيس، جاهلي يمدح بعض الملوك، وقال ابن السيرافي: هو لأبي وَجْزَة يمدح به عبد الله بن الزبير، كما في اللسان.\n(٢) \"المعدِّلون\": المشتغلون بالحساب وتقدير الزَّمَن.\n(٣) هنا ينتهي الانقطاع في النسخة العثمانية.","vol":"1","page":147},{"text":"قَالَ: أَن تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا،\nــ\nوالأمَة هنا هي: الجاريةُ المستَولَدَة، وربَّها سَيِّدها، وقد سُمِّي بعلا في الرواية الأخرى، كما سماه الله تعالى بعلا في قوله: أَتَدعُونَ بَعلًا وَتَذَرُونَ أَحسَنَ الخَالِقِينَ. في قول ابن عباس، وحُكِيَ عنه أنه قال: لم أدر ما البَعلُ حتَّى قلتُ لأعرابيٍّ: لِمَن هذه الناقةُ؟ فقال: أنا بَعلُها. وقد سُمِّي الزوجُ بَعلًا، ويجمع: بُعُولة؛ كما قال تعالى: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا بَعلِي شَيخًا ورَبَّتها: تأنيثُ رَبٍّ.\nواختُلِف في معنى (قوله: أن تلد الأمةُ رَبَّتهَا) على ثلاثة أقوال:\nأحدها: أن المراد به: أن يستولي المسلمون على بلاد الكُفرِ، فيكثُرُ التسرِّي؛ فيكونُ ولَدُ الأَمَةِ من سيِّدها بمنزلة سيِّدها؛ لشرفِهِ بأبيه، وعلى هذا: فالذي يكون مِن أشراطِ الساعة: استيلاءُ المسلمين على المشركين، وكَثرَةُ الفتوح والتسرِّي.\nوثانيها: أن يبيعَ السادةُ أمّهاتِ أولادهم، ويكثُرَ ذلك؛ فتتداوَلُ الأمهات المستولَدَةَ، فربَّما يشتريها ولدها أو ابنتها ولا يشعر بذلك؛ فيصيرُ ولدُهَا ربَّها، وعلى هذا: فالذي يكون من الأشراط: غلبةُ الجهلِ بتحريمِ بيعِ أُمَّهَاتِ الأولاد، والاستهانةُ بالأحكام الشرعيَّة؛ وهذا على قولِ مَن يرى تحريمَ بيعِ أُمَّهاتِ الأولاد، وهم الجمهور؛ ويصحُّ أن يحمَلَ ذلك على بيعهنَّ في حال حَملِهِنَّ، وهو محرَّمٌ بالإجماع.\nوثالثها: أن يكثُرَ العقوقُ في الأولاد، فيُعَامِلَ الولدُ أُمَّهُ معاملةَ السيِّد أمَتَهُ من الإهانة والسَّبِّ؛ ويشهدُ لهذا قولُهُ في حديث أبي هريرة: المَرأَة مكان الأَمَة. وقولُهُ - ﷺ -: لا تقومُ الساعةُ حتَّى يكونَ الوَلَدُ غَيظًا (١).\n_________\n(١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٣٢٥): رواه الطبراني في الأوسط، وفيه جماعة لم أعرفهم.","vol":"1","page":148},{"text":"وَأَن تَرَى الحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي البُنيَانِ.\nــ\nو(قوله: وَأَن تَرَى الحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي البُنيَانِ).\nالحُفَاةُ: جمعُ حافٍ، وهو الذي لا يلبس في رِجلهِ شيئًا. والعُرَاة: جمعُ عارٍ، وهو الذي لا يلبس على جَسَدِهِ ثوبًا. والعَالَةُ مخفَّفةَ اللام: جمع عائل، وهو الفقير، والعَيلة: الفقر؛ يقال: عال الرجلُ يَعِيل عَيلَةً: إذا افتقر، وأَعال يُعِيلُ: إذا كَثُرَ عياله، وهذه الأوصاف هي غالبة على أهل البادية، وقد وصفهم في حديث أبي هريرة بأنهم صُمٌّ بكم عمي، ويعني بذلك - والله تعالى أعلم -: أنهم جَهَلَةٌ رَعَاعٌ، لم يستعملوا أسماعهم ولا كلامهم في عِلمٍ ولا في شيء من أمر دينهم، وهذا نحو قوله تعالى: صُمٌّ بُكمٌ عُميٌ فَهُم لَا يَعقِلُونَ؛ أطلَقَ ذلك عليهم مع أنَّهم كانت لهم أسماعٌ وأبصار، ولكنَّهم لما لم تحصُل لهم ثمراتُ تلك الإدراكات، صاروا كأنَّهم عَدِمُوا أصلَهَا، وقد أوضح هذا المعنى قولُهُ تعالى: لَهُم قُلُوبٌ لَا يَفقَهُونَ بِهَا وَلَهُم أَعيُنٌ لَا يُبصِرُونَ بِهَا وَلَهُم آذَانٌ لَا يَسمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنعَامِ بَل هُم أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ.\nومقصودُ هذا الحديث: الإخبارُ عن تبدُّلِ الحال وتغيُّره؛ بأن يستولي أهلُ الباديةِ الذين هذه صفاتُهم على أهل الحاضرة، ويتملَّكوا بالقهر والغلبة، فتكثُرَ أموالُهُم، وتتسعَ في حُطَامِ الدنيا آمالُهُم، فتنصرفَ هِممهُم إلى تشييد المَبانِي، وهَدمِ الدين وشريفِ المعاني، وأنَّ ذلك إذا وُجِدَ، كان من أشراط الساعة.\nويؤيِّد هذا: ما ذُكِرَ عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: لا تقومُ الساعةُ حتى يكونَ أَسعَدَ الناسِ بالدنيا لُكَعُ بنُ لُكَعَ (١) وقد شوهد هذا (٢) كلُّه (٣) عِيَانَا، فكان ذلك على صِدقِ رسول الله - ﷺ - وعلى قرب الساعة حُجَّةً\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٣٨٩)، والترمذي (٢٢١٠).\n\"اللكع\": اللئيم.\n(٢) في (ط) و(ل): ذلك.\n(٣) من (ل).","vol":"1","page":149},{"text":"قَالَ: ثُمَّ انطَلَقَ،\nــ\nوبرهانَا، وفيه: دليلٌ على كراهية ما لا تدعو الحاجةُ إليه مِن تطويلِ البناء وتشييدِه؛ وقد قال - ﵊ -: يُؤجَرُ ابنُ آدَمَ في كلِّ شيء إلا ما يَضَعُهُ في هذا التراب (١) ومات رسولُ الله - ﷺ - ولم يَضَع حَجَرًا على حجرِ، ولا لَبِنَةً على لبنة، أي: لم يشيِّد بناءً، ولا طوَّله، ولا تأنَّق فيه.\nوالرِّعَاء: جمعُ راع، وأصلُ الرعي: الحفظ. والشاء: جمع شاة، وهو من الجمعِ الذي بينه وبين واحده الهاء، وهو كثيرٌ فيما كان خِلقَةً لله تعالى؛ كشَجَرَةٍ وشَجَر، وثَمَرَةٍ وثَمَر، وإنما خَصَّ رِعَاءَ الشاء بالذِّكر؛ لأنهم أضعفُ أهلِ البادية.\nوالبَهم بفتح الباء: جمعُ بَهيمَة، وأصلها: صغار الضَّأن والمَعز، وقد يختصُّ بالمعز، وأصله من استبهَمَ عن الكلام، ومنه البهيمة.\nووقع في البخاري: رِعَاءُ الإبلِ البُهمُ بضم الباء، جمع بَهِم، وهو: الأسود الذي لا يخالطه لونٌ آخر، وقُيِّدَت ميم البُهم بالكسر والضم، فمَن كسرها جعلها صفةً للإبل، ومن رفعها جعلها صفةً للرعاء، وقيل: معناه: لا شيءَ لهم؛ كما قال - ﵊ -: يُحشَرُ الناسُ يومَ القيامة حُفَاةً عُرَاةً غرلا (٢).\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: وهذا التأويلُ فيه نظر (٣)؛ لأنه قد نَسَبَ لهم إِبِلًا، وظاهرها المِلكُ، وقال الخَطَّابيُّ: هو جمعُ بَهِيمٍ، وهو المجهولُ الذي لا يُعرَف. قال المؤلف رحمه الله تعالى: والأَولَى أن يُحمَلَ على أنَّهم سودُ الألوان؛ لأن الأَدَمَةَ غالبة على ألوانهم، وروايةُ مسلم في رعاء البَهمِ من غير ذكر الإبل أولى؛ لأنَّها الأنسب لِمَسَاقِ الحديث ولمقصوده؛ فإنَّ مقصودَهُ، أنَّ أضعف\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٦٧٢) بلفظ: \"إنّ المسلم ليؤجر في كلِّ شيء ينفقه؛ إلا في شيء يجعله في هذا التراب\".\n(٢) رواه البخاري (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩) من حديث عائشة ﵂.\n(٣) في (ط) و(ل): بعد.","vol":"1","page":150},{"text":"فَلَبِثتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ: يَا عُمَرُ، أَتَدرِي مَنِ السَّائِلُ؟ قُلتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ.\nــ\nأهل البادية وهم رعاء الشاء، سينقلب بِهِمُ الحال إلى أن يصيروا ملوكًا مع ضعفهم وبُعدِهِم عن أسباب ذلك، وأمَّا أصحابُ الإبل فهم أهلُ الفخرِ والخُيَلَاء؛ فإنَّ الإبل عِزُّ أهلها، ولأنَّ أهلَ الإبل ليسوا عالةً ولا فقراءَ غالبًا.\nو(قوله: وَتُؤمِن بالبعثِ الآخِرِ) وصفُ البعثِ بالآخر يَحتَمِلُ أن يكون (١) على جهة التأكيد، كما قالوا: أَمسِ الدابرُ، وأَمسِ الذاهبُ. ويَحتمل أن يقال: إن البعث: إحياءٌ بعد إماتة، وقد فعل الله ذلك مرتين؛ فأحيانًا بعد أَن كنَّا نُطَفًا وعَلَقًا ومُضَغًا وهي أمواتٌ، ثم يحيينا ليومِ القيامة وهو البَعثُ الآخِر؛ كما قال الله تعالى: كَيفَ تَكفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُم أَموَاتًا فَأَحيَاكُم ثُمَّ يُمِيتُكُم ثُمَّ يُحيِيكُم قال أهلُ التفسير: أمواتًا في حال كوننا نُطفًا وعَلَقًا في الأرحام، ثُمَّ نفخَ الرُّوحَ وأحيا.\nو(قوله: فعجبنا له يَسأَلُهُ ويُصَدِّقُهُ)؛ إنَّما تعجَّبوا من ذلك؛ لأنَّ ما جاء به النبي - ﷺ - لا يُعرَفُ إلا مِن جهته، وليس هذا السائلُ مِمَّن عُرِفَ بلقاءِ النبيِّ - ﷺ -، ولا بالسَّمَاعِ منه، ثم هو قد سأل سؤالَ عارفٍ محقِّقٍ مصدِّقٍ؛ فتعجَّبوا من ذلك تعجُّبَ المُستَبعِدِ لأن يكونَ أحدٌ يعرف تلك الأمورَ المسؤولَ عنها من غير جهة النبي - ﷺ -.\nو(قوله: فَلَبِثَ مليًّا) أي: أقام بعد انصرافه حينًا، يعني: النبيَّ - ﷺ -، ويُروى: فَلَبِثتُ بتاء مضمومة للمتكلِّم، فيكونُ عمر هو الذي أخبَرَ بذلك عن نفسه، وكلاهما صحيحُ المعنى.\n_________\n(١) قوله: (أن يكون) من (مر) و(ل).","vol":"1","page":151},{"text":"قَالَ: فَإِنَّهُ جِبرِيلُ؛ أَتَاكُم يُعَلِّمُكُم دِينَكُم\n[٨] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: سَلُونِي، فَهَابُوهُ أَن يَسأَلُوهُ،\nــ\nو(قوله: إنَّه جبريل) دليلٌ على أنَّ الله تعالى مكَّنَ الملائكةَ من أن يتمثَّلوا فيما شاؤوا من صور بني آدم؛ كما قد نصّ الله تعالى على ذلك في قوله تعالى: فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا.\nوقد كان جبريلُ يتمثَّلُ للنبيِّ - ﷺ - في صورة دِحيَةَ بنِ خَلِيفَة، وقد كان لجبريل صورةٌ خاصَّة خُلِقَ عليها لم يَرَهُ النبيُّ - ﷺ - عليها غير مرتين؛ كما صحَّ الحديث بذلك؛ وهذا يدلُّ على أنَّ النبيَّ - ﷺ - عرَفَ جبريلَ لكن في آخر الأمر، فأمَّا قبلَ ذلك، فقد جاء في كتاب البخاري: التصريحُ بأنَّه لم يَعرِف أنَّهُ جبريلُ إلا في آخر الأمر.\nو(قوله: أتاكم يُعلِّمُكُم دِينَكُم) أي: قواعدَ دينكم، أو كُلِّيَّاتِ دينكم؛ قال القاضي (١): وهذا الحديث قد اشتمل على جميعِ وظائف العبادات الظاهرة والباطنة؛ مِن عقودِ الإيمان، وأعمالِ الجوارح، وإخلاصِ السرائر، والتحفُّظِ مِن آفاتِ الأعمال، حتى إنَّ علومَ الشريعة كُلَّهَا راجعةٌ إليه، ومتشعِّبَةٌ منه.\nقال المؤلف - رحمه الله تعالى -: فيصلُحُ هذا الحديث أن يقالَ فيه: إنه أُمُّ السُّنَّة؛ لما تضمَّنه مِن جُمَلِ عِلمِ السُّنَّة، كما سُمِّيَتِ الفاتحةُ: أُمُّ الكتاب؛ لما تضمَّنته مِن جملِ معاني القرآن، كما سيأتي بيانُهَا، إن شاء الله تعالى.\n(قوله ﵊ -: سَلُونِي؛ فَهَابُوهُ أَن يَسأَلُوهُ) كان هذا منه لمَّا\n_________\n(١) أي: القاضي عياض -﵀-.","vol":"1","page":152},{"text":"قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ فَجَلَسَ عِندَ رُكبَتَيهِ، فَقَالَ: يَا رسولَ الله، مَا الإِسلَامُ؟ قَالَ: أَلَاّ تُشرِكَ بِاللهِ شَيئًا - فِي رِوَايَةٍ: تَعبُدُ اللهَ، لَا تُشرِكُ بِهِ شَيئًا - وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ - فِي رِوَايَةٍ: المَكتُوبَةَ - وَتُؤتِي الزَّكَاةَ - فِي رِوَايَةٍ: المَفرُوضَةَ -\nــ\nأكثروا عليه من الأسئلة، واستشعروا أنّه كان هناك مَن سأل تعنتًا وتجهيلًا، فَغَضِبَ لذلك حتى احمَرَّ وجهُهُ، وجعَلَ يقول: سلوني سلوني؛ فوالله لا تسألوني عن شَيءٍ إلا أخبرتُكُم به ما دُمتُ في مقامي هذا فدخل الناسَ مِن ذلك خوفٌ، فلم يَزَل كذلك حتَّى بَرَكَ عمَرُ بين يدَيهِ، وجعل يقول: رَضِينَا باللهِ رَبًّا، وبالإسلامِ دِينًا، وبمحمَّدٍ رسولًا، حتى سكَنَ غضبه - ﷺ -، وسيأتي الحديث بكماله (١).\nوفي ذلك الوقت أنزَلَ اللهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسأَلُوا عَن أَشيَاءَ إِن تُبدَ لَكُم تَسُؤكُم﴾؛ فانكفَّ الناسُ عن سؤالِ النبيِّ - ﷺ -؛ ولذلك قال: نُهِينَا أن نسأَلَ رسولَ الله - ﷺ - عن شيء؛ فلمَّا انكفُّوا عن ذلك؛ امتثالًا لأمر الله تعالى، وتعظيمًا لحرمة رسول الله - ﷺ -، عَلِمَ اللهُ ذلك منهم، فأرسَلَ السائلَ البصير، فأجابه العالِمُ الخبير، فجعلَ العلم للسامعينَ الممتثلينَ مِن غير سؤال، كما قد كَفَى اللهُ المؤمنينَ القتالَ، وقد نبَّه على ذلك النبي - ﷺ - بقوله: هذا جِبرِيلُ؛ أَرَادَ أَن تَعَلَّمُوا إِذ لَم تَسأَلُوا.\nوقولُهُ في حديث أبي هريرة ﵁ في جوابه عن الإسلام: تعبُدُ الله لا تُشرِكُ بِهِ شَيئًا، بدَلَ قوله في حديث عمر: أن تَشهَدَ أن لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ. . . إلى آخره، فهو نقلٌ بالمعنى، وحديثُ عمر نَقلٌ باللفظ، والله أعلم.\nوتقييدُهُ في هذا الحديث الصلاةَ بالمكتوبة، والزكاةَ بالمفروضة: دليلٌ على أنَّ النوافلَ لا تدخُلُ في مسمَّى الإسلامِ الشرعيِّ، فيخرُجُ منه الصلواتُ المسنونات وغيرها، وزكاةُ الفِطرِ على قولِ مَن يَرى أنها سنَّة، وصدقاتُ التطوُّع، وهذا كلّه يدور على القولِ بدليلِ الخطاب على ما أوضَحناه في الأصول.\n_________\n(١) انظر الحديث في تلخيص مسلم برقم (٢٩٧٦).","vol":"1","page":153},{"text":"وَتَصُومُ رَمَضَانَ. قَالَ: صَدَقتَ. قَالَ: يَا رسولَ الله، مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: أَن تُؤمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكِتَابِهِ وَلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ، وَتُؤمِنَ بِالبَعثِ الآخر، وَتُؤمِنَ بِالقَدَرِ كُلِّهِ. قَالَ: صَدَقتَ. قَالَ: يَا رسولَ الله، مَا الإِحسَانُ؟ قَالَ: أَن تَخشَى اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ؛ فَإِنَّكَ إِن لَا تَكُن تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ. قَالَ: صَدَقتَ. قَالَ: يَا رسولَ الله، مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ؟ قَالَ: مَا المَسؤُولُ عَنهَا بِأَعلَمَ مِنَ السَّائِلِ،\nــ\nو(قوله: وَتَصُومُ رَمَضَانَ) دليلٌ على جواز قول القائل: رمضانُ، من غير إضافة الشهر إليه؛ خلافًا لمن يقول: لا يقالُ إلا شَهرُ رمضان؛ متمسكًا في ذلك بحديثٍ لا يَصِحُّ، وهو أنَّه يروى عن النبيِّ - ﷺ - أنَّه قال: لا تقولوا رمضانُ، فإنَّ رَمَضَانَ اسمٌ من أسماء الله تعالى. خرَّجه ابنُ عَدِيٍّ مِن حديثِ أبي مَعشَرٍ نَجِيحٍ، ولا يُحتَجُّ به.\nولو سلَّمنا صِحَّته، لكانت الأحاديث التي فيها ذِكرُ رمضان من غير شهر الأولى؛ لأنّها أصحُّ وأشهر، ولأنَّ مثبته منكر؛ إذ لم يُوجَد في شيءٍ من أسماء الله تعالى رمضان، ولأنَّ المعنى الذي اشتُقَّ منه رمضان محالٌ على الله تعالى (١).\nوحُكِيَ عن القاضي أبي بكر بنِ الطَّيِّبِ (٢) أنه قال: إنما يُكرَهُ ذلك فيما يُدخل في الكلام لَبسًا؛ مِثلُ: جاء رَمضانٌ، ودخل رمضانُ، وأما: صُمنَا رمضانَ، فلا بأس به.\nو(قوله: متى تقومُ السَّاعَةُ؟) مقصودُ هذا السؤالِ امتناعُ السامعين مِنَ السؤال عنها؛ إذ قد كانوا أكثروا السؤال عن تعيينِ وقتها؛ كما قال تعالى: يَسأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرسَاهَا ويَسأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ وهو كثيرٌ في الكتابِ والسنَّة، فلمَّا أجابه النبي - ﷺ - بأنّه لا يَعلَمُها إلا الله، يَئِسَ السائلون مِن معرفتها، فانكفُّوا عن السؤال عنها، وهذا بخلاف الأَسئلَةِ الأُخَرِ؛ فإنَّ\n_________\n(١) رواه ابن عدي في الكامل (٧/ ٢٥١٧).\n(٢) الإمام الباقلاني.","vol":"1","page":154},{"text":"وَسَأُحَدِّثُكَ عَن أَشرَاطِهَا: إِذَا رَأَيتَ المَرأَةَ تَلِدُ رَبَّهَا، فَذَاكَ مِن أَشرَاطِهَا، وَإِذَا رَأَيتَ الحُفَاةَ العُرَاةَ الصُّمَّ البُكمَ مُلُوكَ الأَرضِ، فَذَاكَ مِن أَشرَاطِهَا، وَإِذَا رَأَيتَ رِعَاءَ البَهمِ يَتَطَاوَلُونَ فِي البُنيَانِ، فَذَاكَ مِن أَشرَاطِهَا، فِي خَمسٍ مِنَ الغَيبِ لا يَعلَمُهُنَّ إِلا اللهُ، ثُمَّ قَرَأَ: إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيثَ وَيَعلَمُ مَا فِي الأَرحَامِ وَمَا تَدرِي نَفسٌ مَاذَا تَكسِبُ غَدًا وَمَا تَدرِي نَفسٌ بِأَيِّ أَرضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ\nــ\nمقصودها: استخراجُ الأجوبةِ عنها ليستعملها السامعون، ويعمل بها العاملون.\nو(قوله: سَأُحَدِّثُكَ عَن أَشرَاطِهَا) وفي حديث عمر قال: فَأَخبِرنِي عَن أَمَارَتِهَا، ووجه التلفيق: أنَّه لم يقل له النبي - ﷺ -: سَأُحَدِّثُك عَن أَشرَاطِهَا، حتَّى قال له جبريلُ: فَأَخبِرني عَن أَمَارَتِهَا؛ فذكر في إحدى الروايَتَينِ السؤالَ والجواب، وفي الأخرى الجوابَ فقط، والله أعلم.\nوقد اقتصَرَ في هذا الحديث على ذِكرِ بعضِ الأشراط التي يكونُ وقوعُهَا قريبًا مِن زمانه، وإِلَاّ فالشروطُ كثيرةٌ، وهي أكثَرُ مما ذكر هنا؛ كما دَلَّ عليه الكتاب والسنة.\nثم إنها منقسمةٌ إلى ما يكونُ مِن نوعِ المعتاد: كهذه الأشراطِ المذكورة في هذا الحديث، وكرفع العِلمِ وظهورِ الجهل وكثرةِ الزنى وشربِ الخمر إلى غير ذلك، وأما التي ليست من النوع المعتاد: فكخروج الدَّجَّال، ونزولِ عيسى ابنِ مريم، وخروجِ يأجوجَ ومأجوجَ، ودابَّةِ الأرض، وطلوعِ الشمس من مَغرِبها، والدُّخَانِ، والنَّارِ التي تسوقُ الناسَ وتحشُرُهم؛ على ما يأتي.\nو(قوله: في خَمسٍ مِنَ الغَيبِ لَا يَعلَمُهَا إِلَاّ اللهُ) فيه حذفٌ وتوسُّع، أي: هي من الخَمس التي قد (١) انفرَدَ الله بعلمها، أو في عددهنَّ؛ فلا مطمَعَ لأحدٍ في عِلمِ شيء من هذه الأمور الخمس، ولقوله تعالى: وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغَيبِ\n_________\n(١) ساقطة من (ع).","vol":"1","page":155},{"text":"ثُمَّ قَامَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: رُدُّوهُ عَلَيَّ، فَالتُمِسَ فَلَم يَجِدُوهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: هَذَا جِبرِيلُ، أَرَادَ أَن تَعَلَّمُوا إِذ لَم تَسأَلُوا.\nوَفِي رِوَايَةٍ: إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ بَعلَهَا يَعنِي: السَّرَارِيَّ.\nرواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩) و(١٠)، وأبو داود (٤٦٩٨)، والنسائي (٨/ ١٠١).\n* * *\nــ\nلَا يَعلَمُهَا إِلَّا هُوَ؛ فلا طريقَ لِعِلمِ شيءٍ من ذلك إلا أن يُعلِمَ اللهُ تعالى بذلك - أو بشيءٍ منه - أحدًا ممن شاءه؛ كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الغَيبِ فَلا يُظهِرُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا﴾ إِلَّا مَنِ ارتَضَى مِن رَسُولٍ.\nفمَنِ ادعَى عِلمَ شيء من هذه الأمور، كان في دعواه كاذبًا، إلا أن يُسنِدَ ذلك إلى رسولٍ بطريقٍ تُفيدُ العِلمَ القطعيَّ؛ ووجودُ ذلك متعذِّر بل ممتنعٌ.\nوأما ظنُّ الغيب فلم يتعرَّض شيءٌ من الشرع لنفيِهِ ولا لإثباته؛ فقد يجوزُ أن يَظُنَّ المنجِّمُ - أو صاحبُ خَطِّ الرَّملِ، أو نحو هذا - شيئًا مما يقعُ في المستقبل، فَيَقَعَ على ما ظنّه؛ فيكونُ ذلك ظنًّا صادقًا، إذا كان عن مُوجِبٍ عاديٍّ يقتضي ذلك الظَّنَّ، وليس بِعِلمٍ، فيفهم هذا منه؛ فإنَّه موضعٌ غَلِطَ بسببه رجال، وأُكِلَت به أموال، ثم اعلم أنّ أَخذَ الأجرةِ والجُعلِ على ادِّعَاءِ عِلمِ الغيبِ أو ظَنِّهِ لا يجوزُ بالإجماع؛ على ما حكاه أبو عُمَرَ بنُ عبدِ البَرِّ.\nوفي الحديث أبوابٌ من الفقه وأبحاثٌ يَطُولُ تَتَبُّعُهَا، والله أعلم.","vol":"1","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>(٢) بَابُ وُجُوبِ التِزَامِ شَرَائِعِ الإِسلَامِ</span>\n[٩] عَن طَلحَةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ، قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ الله - ﷺ - مِن أَهلِ نَجدٍ، ثَائِرُ الرَّأسِ،\nــ\n(٢) ومِن بَابِ وُجُوبِ التِزَامِ شَرَائِعِ الإِسلَامِ\nالشرائع: جمع شَرِيعَةٍ، وهي في أصل اللغة: مَشرَعَةُ الماء، وهي مَورِدُ الشارعة، فسمِّيَت شرائعُ الإسلام بذلك؛ لأنَّهَا الأحكامُ التي لا بُدَّ للمكلَّفين من الورود عليها والعمل بها.\nو(قوله: جاء رَجُلٌ مِن أهل نَجدٍ ثَائِرُ الرَّأسِ) قيل: إن هذا الرجل هو ضِمَامُ بنُ ثَعلَبَةَ الذي سمَّاه البخاريُّ في حديث أنسٍ المذكورِ بعدَ هذا، وإنَّ الحديثَين حديثٌ واحد، وهذا فيه بُعدٌ؛ لاختلافِ مساقهما، وتباينِ الأَسئلَةِ فيهما، ولزيادةِ الحجِّ في حديث أنس، ويبعُدُ الجَمعُ بينهما؛ فالأَولَى أن يقال: هما حديثانِ مختلفانِ، وكذلك القَولُ في كُلِّ ما يَرِدُ من الأحاديث التي فيها الأسئلةُ المختلفة؛ كحديث أبي أيُّوبَ، وجابرٍ، وغيرِهما ممّا يُذكَرُ بعد هذا. وقد رام بعضُ العلماءِ الجَمعَ بينها، وزَعَم أنَّها كلَّها حديثٌ واحد، فادَّعَى فَرَطَا، وتكلَّف شَطَطَا، من غير ضرورةٍ نقليّةٍ، ولا عقليّةٍ.\nوالنَّجدُ: المرتفعُ من الأرض، والغَورُ: المنخفض منها، وهما بحكم العرف جهتانِ مخصوصتان.\nوثائرُ الرأس: منتفشُ الشَّعرِ مرتفعُهُ، مِن قولهم: ثار الشَّيءُ: إذا ارتفَعَ، ومنه: ثارَتِ الفتنةُ، وهذه صفةُ أهلِ البادية غالبًا.","vol":"1","page":157},{"text":"يُسمَعُ دَوِيُّ صَوتِهِ، وَلا يُفقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَإِذَا هو يَسأَلُ عَنِ الإِسلامِ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: خَمسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَومِ وَاللَّيلَةِ، فَقَالَ: هَل عَلَيَّ غَيرُهُنَّ؟\nــ\nو(قوله: نسمَعُ دَوِيّ صَوتِهِ ولا نفقَهُ مَا يَقُولُ) رويناه: يُسمَع، ويُفقَه بالياء اثنتين من تحتها مبنيًّا لِمَا لم يُسَمَّ فاعلُهُ، وبالنون فيهما للفاعل، وكلاهما واضحُ الصحَّة، وإنَّمَا لم يفهموا ما يقولُ؛ لأنَّه نادى مِن بُعدٍ، فلمَّا دنا فهموه؛ كما قال: حتَّى دَنَا مِن رَسُولِ اللهِ - ﷺ -.\nو(قوله: فَإِذَا هو يَسأَلُ عَنِ الإِسلَامِ) إذا هذه هي المفَاجِئَةُ التي تقدَّم ذِكرها.\nوهذا السائلُ إنَّما سَأَلَ عن شرائعِ الإسلام، لا عن حقيقة الإسلام؛ إذ لو كان ذلك، لأجَابَهُ بما أجاب به جبريلَ - ﵇ - في حديثه، ولِمَا رواه البخاريُّ (١) في هذا الحديث؛ فإنَّه قال: فأخبرَهُ رسولُ الله - ﷺ - بشرائعِ الإسلام، وكأنّ النبيَّ - ﷺ - فَهِمَ عنه أَنَّهُ إِنَّما (٢) سأل عمَّا تعيَّن فعلُهُ مِن شرائعِ الإسلام الفعليَّة لا القلبيَّة؛ ولذلك لم يذكُر له: أَن تشهَدَ أن لا إِلَهَ إلَاّ الله، وأنَّ محمَّدًا رسول الله، وكذلك لم يذكُر له الحَجَّ؛ لأَنَّهُ لم يكن واجبًا عليه؛ لأنَّه غيرُ مستطيع، أو لأنَّ الحجَّ على التراخي، أو لأنَّهُ كان قبل فَرضِ الحجِّ، والله أعلم، وسيأتي ذكر (٣) الاختلافُ في وقت فرضِ الحجِّ.\nو(قوله: خمسُ صَلَواتٍ فِي اليَومِ واللَّيلَةِ، فَقَالَ: هَل عَلَيَّ غَيرُهُنَّ؟ فقال: لَا يدُلُّ هذا على أنَّ الوِترَ ليس بلازمٍ ولا واجب؛ وهو مذهبُ الجمهور، وخالفهم\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٦٧٨).\n(٢) ساقطة من (ع).\n(٣) من (ع).","vol":"1","page":158},{"text":"فَقَالَ: لا، إِلَاّ أَن تَطَّوَّعَ، وَصِيَامُ شَهرِ رَمَضَانَ، فَقَالَ: هَل عَلَيَّ غَيرُهُ؟ قَالَ: لا، إِلاّ أَن تَطَّوَّعَ، وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ الله - ﷺ - الزَّكَاةَ، فقَالَ: هَل عَلَيَّ غَيرُهَا؟ قَالَ: لا، إِلاّ أَن تَطَّوَّعَ، قَالَ: فَأَدبَرَ الرَّجُلُ وهو يَقُولُ: وَالله، لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا، وَلَا أَنقُصُ مِنهُ! !\nــ\nأبو حنيفة، فقال: إنَّه واجبٌ، ولا يسمِّيه فرضًا؛ لأنَّ الفرضَ عنده ما كان مقطوعًا بلزومه؛ كالصلوات الخمس.\nو(قوله: هَل عَلَيَّ غَيرُهُنَّ؟ فَقَالَ: لَا، إِلَاّ أَن تَطَّوَّعَ) ظاهرٌ في أنَّ معنى هذا الكلامِ: هل يجبُ عليَّ مِن تطوعِ الصلواتِ شيءٌ غيرُ هذه الخَمس؟ فأجابه: بأَنَّهُ لا يَجِبُ عليه شيءٌ، إلَاّ أن تَطَّوَّعَ، فَيَجِبُ عليك.\nوهذا ظاهرٌ؛ لأنَّ أصلَ الاستثناءِ من الجنس، والاستثناءُ من غير الجنس مُختَلَفٌ فيه، ثُمَّ هو مَجَازٌ عند القائلِ به. فإذا حَمَلنَاه على الاستثناءِ المتَّصِل، لَزِمَ منه أن يكون التطوُّعُ واجبًا، ولا قائلَ به؛ لاستحالتِهِ وتناقُضِهِ، فلم يَبقَ إلَاّ ما ذهب إليه مالكٌ، وهو أنَّ التطوُّعَ يصيرُ واجبًا بنفس الشروع فيه، كما يصير واجبًا بالنذر؛ فالشروعُ فيه التزامٌ له؛ وحينئذٍ: يكونُ معنى قوله: أن تَطَّوَّعَ: أن تشرَعَ فيه وتبتدئه، ومن ادَّعى أنَّه استثناءٌ من غير الجنسِ، طولبَ بتصحيحِ ما ادَّعاه، وتمسَّك مانعُهُ بالأصل الذي قرَّرناه.\nو(قوله: فأدبر الرجل وهو يقول: واللهِ لا أزيد على هذا ولا أنقص) قيل معناه: لا أُغيِّر الفروض المذكورة بزيادة فيها ولا نقصان منها. ولا يصحّ أن يقال: إنّ معناه: لا أفعل شيئًا زائدًا على هذه الفرائض المذكورة من السنن، ولا من فروض أُخَر إن فُرضت، فإنّ ذلك لا يجوزُ أن يقوله ولا يعتقده؛ لأنَّهُ مُنكَرٌ، والنبيُّ - ﷺ - لا يُقِرُّ على مثله.","vol":"1","page":159},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: أَفلَحَ إِن صَدَقَ.\n\nــ\nو(قوله: أَفلَحَ وأَبِيهِ إن صَدَقَ) أي: فاز بمطلوبه؛ قال الهَرَوِيُّ: العرب تقول لكلِّ من أصاب خيرًا: مُفلِح، قال ابنُ دُرَيدٍ: أَفلَحَ الرجلُ وأَنجَحَ: إذا أدرَكَ مطلوبَهُ. وأصلُ الفلاح الشَّقُّ والقطع؛ قال الشاعر:\n. . . . . . . . . . . ... إِنَّ الحَدِيدَ بِالحَدِيدِ يُفلَحُ (١)\nأي: يُشَقّ؛ فكأنَّ المُفلِحَ قد قطَعَ المصاعبَ حتَّى نال مطلوبَهُ. وقد استُعمِلَ الفلاحُ في البقاء. كما قال:\nلَو كَانَ حَيٌّ مُدرِكَ الفَلَاحِ ... أدرَكَهَا مُلاعِبُ الرِّمَاحِ\nوقال آخر:\nنَحُلُّ بِلَادًا كُلُّهَا حُلَّ قَبلَنَا ... وَنَرجُو الفَلَاحَ بَعدَ عَادٍ وَحِميَرِ\nو(قوله: وأبيه) الروايةُ الصحيحةُ التي لا يُعرَفُ غيرُها هكذا، بصيغة القسم بالأب. وقال بعضهم: إنَّما هي: واللهِ وصُحِّفَت بأَن قُصِرَتِ اللامان؛ فالتبسَت بأبيه؛ وهذا لا يُلتَفَتُ إليه؛ لأَنَّهُ تقديرٌ يَخرِمُ الثقةَ برواية الثقاتِ الأثبات.\nوإنَّما صار هذا القائلُ إلى هذا الاحتمال؛ لِمَا عارضَهُ عنده مِن نهيه - ﷺ - عن الحلف بالآباء؛ حيثُ قال: لَا تَحلِفُوا بِآبَائِكُم؛ مَن كاَنَ حَالِفًا فَليَحلِف باللهِ أو لِيَصمُت (٢). وَيُنفَصَلُ عن هَذَا مِن وجهين:\nأحدهما: أَن يقال: إنَّ هذا كان قبل النَّهيِ عن ذلك.\nوالثاني: أن يكونَ ذلك جَرَى على اللسان بِحُكمِ السَّبقِ مِن غَيرِ قَصدٍ\n_________\n(١) هذا عجز بيت، وصدره:\nقد عَلِمَتْ خيلُكَ أنِّي الصَّحْصَحُ.\n(٢) رواه البخاري (٦٦٤٦)، ومسلم (١٦٤٦) من حديث ابن عمر ﵄.","vol":"1","page":160},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: أَفلَحَ وَأَبِيهِ إِن صَدَقَ، أو: دَخَلَ الجَنَّةَ وَأَبِيهِ إِن صَدَقَ.\nرواه البخاري (٢٦٧٨)، ومسلم (١١)، وأبو داود (٣٩١)، والنسائي (١/ ٢٢٧) و(١٨/ ١١٨).\n[١٠] وَعَن أَنَسِ بنِ مَالِك، قَالَ: نُهِينَا أَن نَسأَلَ رسولَ الله - ﷺ - عَن شَيءٍ، فَكَانَ يُعجِبُنَا أَن يَجِيءَ الرَّجُلُ مِن أهل البَادِيَةِ العَاقِلُ، فَيَسأَلَهُ وَنَحنُ نَسمَعُ،\nــ\nللحَلِفِ به، كما جَرَى منه: تَرِبَت يمِينُكِ، وعَقرَى حَلقَى (١)، وهذه عادةٌ عربيَّةٌ بشريَّةٌ لا مؤاخذةَ عليها، ولا ذمَّ يتعلَّق بها.\nوقد جاء في هذا الحديث: الصدقُ في الخبر المستقبل، وهو رَدٌّ على ابن قتيبة إذ قال: الصِّدقَ إنّما يدخُلُ على الماضي، والخُلفَ في المستقبل، ويَرُدُّ عليه أيضًا قولُهُ تعالى: ذَلِكَ وَعدٌ غَيرُ مَكذُوبٍ (٢).\nو(قوله: أَفلَحَ وَأَبِيهِ إِن صَدَقَ أو: دَخَلَ الجَنَّةَ وَأَبِيهِ إِن صَدَقَ) هذا شكٌّ من بعض الرواة في هذا الطريق، وقد جاء طريقٌ آخَرُ بالجزم على أحدهما؛ كما تقدَّم. ثم معنى اللفظَين واحدٌ، فلا يَضُرُّ (٣) الشكّ، وإنَّما ذكره الراوي متحرِّيًا.\nو(قوله: نُهِينَا أَن نَسأَلَ رسولَ الله ﷺ - في القرآن - عَن شَيءٍ) يعني بذلك قولَهُ تعالى: لَا تَسأَلُوا عَن أَشيَاءَ إِن تُبدَ لَكُم تَسُؤكُم وقد تقدَّمَ سببُ ذلك، وسيأتي تكميله.\n_________\n(١) \"عقرى\": أي: عَقَرَها الله وأصابها بعَقر في جَسَدها. و\"حلقى\": أي: أصابها وَجَع في حَلْقها.\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (م) و(ط) و(ل)، وأثبتناه من (ع).\n(٣) في (ع): يضير.","vol":"1","page":161},{"text":"فَجَاءَ رَجُلٌ مِن أهل البَادِيَةِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَتَانَا رَسُولُكَ فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزعُمُ أَنَّ اللهَ أَرسَلَكَ. قَالَ: صَدَقَ. قَالَ: فَمَن خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ: اللهُ. قَالَ: فَمَن خَلَقَ الأَرضَ؟ قَالَ: اللهُ. قَالَ: فَمَن نَصَبَ هَذِهِ الجِبَالَ، وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ؟ قَالَ: اللهُ. قَالَ: فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ، وَخَلَقَ الأَرضَ، وَنَصَبَ هَذِهِ الجِبَالَ، آللهُ أَرسَلَكَ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَينَا خَمسَ صَلَوَاتٍ فِي يَومِنَا وَلَيلَتِنَا. قَالَ: صَدَقَ. قَالَ: فَبِالَّذِي أَرسَلَكَ، آللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَينَا زَكَاةً فِي أَموَالِنَا؟\nــ\nو(قوله: فَجَاءَ رَجُلٌ) هذا الرجلُ هو ضِمَامُ بن ثَعلَبَةَ أخو بني سعد بن بكر، قَدِمَ على رسول الله - ﷺ - سنَةَ تِسع؛ قاله أبو عُبَيدَ، وقيل: سنةَ سَبع، وقال محمَّد بن حَبِيب: سنةَ خَمس، وهو أبعدها؛ لأنَّ فرض الحَجِّ لم يكن نزل إذ ذاك، والله أعلم، وسيأتي ذلك في الحجِّ إن شاء الله تعالى.\nوقد خرَّج البخاريُّ هذا الحديثَ، وقال فيه: عن أنس - ﵁ -: بَينَمَا نَحنُ جُلُوسٌ فِي المَسجِدِ، دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ، فَأَنَاخَهُ فِي المَسجِدِ، ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: أيُّكم محمَّدٌ بن عبد الله؟ وَالنَّبيُّ - ﷺ - بين ظَهرانيهم، فقُلنا: هذا الرجل الأبيضُ المُتَّكِئُ، فقَالَ الرَّجُلُ: ابنَ عبدِ المُطَّلب؟ فقال لَهُ النَّبيُّ - ﷺ -: قَد أَجَبتُكَ، فقالَ الرَّجُلُ: إنِّي سَائِلُك فمُشَدِّدٌ عَلَيك في المَسأَلةِ، فلا تجِد عليَّ في نفسِكَ، فقَالَ: سَل عَمَّا بَدَا لَكَ فَقَال: أَسأَلُكَ بربِّكَ ورَبِّ مَن قَبلَكَ، آللهُ أرسَلَكَ إلَى النّاس كُلِّهِم؟ فقال: اللَّهُمَّ نعم. وذكر نحو حديثِ مسلم.\nوقد فَهِمَ البخاريُّ مِن هذا الحديثِ: أنَّ هذا الرجُلَ قد كان أسلَمَ على يدَي رسول رسولِ الله - ﷺ - حين جاءهم، وصَحَّ إيمانه، وحَفِظَ شرائعه، ثُمَّ جاء يَعرِضها على النبيّ - ﷺ -؛ أَلَا تَرَى البخاريّ كيف بوَّب على هذا بابُ: القِرَاءَةِ وَالعَرضِ على المحدِّث؟ وكأنَّ البخاريَّ أخذ هذا المعنى من قولِ الرجل في آخر الحديث: آمَنتُ","vol":"1","page":162},{"text":"قَالَ: صَدَقَ. قَالَ: فَبِالَّذِي أَرسَلَكَ، آللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَم. قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا. قال: صدق. قال:\nــ\nبما جِئتَ بِهِ، وَأَنَا رَسُولُ مَن وَرَائِي مِن قَومِي، وفيه نَظَرٌ.\nوأمَّا مساقُ حديثِ مسلم: فظاهره أنَّ الرجُلَ لم يَشَرِح صدرُهُ للإسلامِ بَعدُ، وأنَّه بَقِيَت في قلبه منازعاتٌ وشكوكٌ، فجاء مجيءَ الباحثِ المستَثبِت؛ أَلَا تراه (١) يقولُ: يا محمَّدُ، أتانا رسُولُكَ فزَعَمَ لنا أَنَّكَ تزعُمُ أنَّ الله أَرسَلَكَ؛ فإنَّ الزَّعم قولٌ لا يُوثَقُ به.\nقاله ابن السِّكِّيتِ وغيرُهُ، غير أنَّ هذا الرجُلَ كان كاملَ العَقل، وقد كان نظر بعقله في المخلوقات، فَدَلَّهُ ذلك على أنَّ لها خالقًا خلقها (٢)؛ ألا ترى أنَّهُ استفهَمَ النبيَّ - ﷺ - عن خالقِ المخلوقاتِ استفهامَ تقريرٍ للقاعدة التي لا يَصِحُّ العلمُ بالرسول إلَاّ بعد حصولها، وهي التي تفيدُ العِلمَ بالمُرسِلِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمَّا وافقَهُ على ما شَهِدَ به العقلُ، وأنَّ الله تعالى هو المُنفَرِدُ بِخَلقِ هذه المخلوقات: أقسَمَ عليه وسأله به: هل أرسلَهُ؟\nثمَّ إنَّ الرجُلَ استمرَّ على أَسئلتِه، إلى أن حَصَلَ على طَلِبَتِه، فانشرَحَ صدرُهُ للإسلام، وزاحَت عنه الشكوك والأوهام، وذلك ببركَةِ مشاهدِته أنوارِ رسولِ الله - ﷺ -؛ فلقد كان كثيرٌ من العقلاء يحصُلُ لهم العلمُ بصحَّةِ رسالَتِه، بنفسِ رؤيتِهِ ومشاهدتِه قبلَ النظر في معجزتِه؛ كما قال أبو ذرٍّ: فَلَمَّا رَأَيتُهُ عَلِمتُ أنَّ وَجهَهُ لَيسَ بِوَجهِ كَذَّابٍ، حتَّى قال بعضهم:\nلَو لَم تَكُن فِيهِ آيَاتٌ مُبَيِّنَةٌ ... لَكَانَ مَنظَرُهُ يُنبِيكَ بِالخَبَرِ\nوالحاصلُ: مِن حال هذا السائل أنَّهُ حصَلَ له العلمُ بصدقِ رسولِ الله - ﷺ -، وبصحَّةِ رسالتِهِ لمجموع قرائن لا تتعيَّنُ إحداها ولا تنحصرُ أعدادها.\n_________\n(١) قوله: (ألا تراه) ساقط من (ع).\n(٢) ساقط من (ع).","vol":"1","page":163},{"text":"فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا. قال: صدق، قال: ثم ولى، قال:\nــ\nويستفادُ من هذا الحديث: أنَّ الشرع إنَّما طلَبَ مِنَ المكلَّفين التصديقَ الجزم بالحقِّ، كيف حَصَل، وبأيِّ وجهٍ ثَبَت، ولم يَقصُرهُم في ذلك على النظر في دلالةٍ معيَّنة، ولا معجزةٍ ولا غيرها، بل كُلُّ مَن حصَلَ له اليقينُ بِصِدقِهِ: بمشاهدةِ وجهه، أو بالنظرِ في (١) معجزتِه، أو بتحليفهِ، أو بقرينةٍ لَاحَت له كان من المؤمنين، وكان مِن جُملَةِ عبادِ الله المخلصين؛ لكن دلالاتُ المعجزات هي الخاصَّةُ بالأنبياء، والطرقُ العامَّةُ للعقلاء.\nوقد روى ابنُ عبَّاس - ﵄ - حديثَ ضِمَامٍ هذا بأكملَ مِن هذا، وقال فيه ما يَدُلُّ على أنَّ ضِمَامًا إِنَّما أسلَمَ بعد أن أجابه رسول الله - ﷺ - على أسئلته المتقدِّمة، فلمَّا أن فرَغَ، قال ضِمَام: أَشهدُ أَن لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ، وَأَشهَدُ أنَّ محمّدًا رسولُ اللهِ، وَسَأُؤدِّي هذه الفرائضَ، وَأَجتَنِبُ ما نهَيتَنِي عنه، ثمّ لا أزيد ولا أنقُصُ، فقال رسولُ الله - ﷺ -: إِن يَصدُق ذُو العَقِيصَتَينِ (٢) يَدخُلِ الجَنَّة (٣) ثُمَّ قَدِمَ عَلَى أهلِهِ، فَعَرَضَ عَلَيهِمُ الإِسلَامَ، فَمَا أَمسَى ذَلِكَ اليَومُ في حَاضرِهِ مِن رجُلٍ ولا امرأةٍ إلَاّ مسلمًا، قال ابنُ عَبَّاسٍ: فَمَا سَمِعنَا بِوَافِدٍ قَطُّ كَانَ أَفضَلَ مِن ضِمَامٍ.\nونادى هذا الرجلِ النبيّ - ﷺ - يا محمَّد، ويا ابنَ عَبدِ المطَّلب، ولم ينادِه بالنبوَّةِ ولا بالرسالة، إمَّا لأنَّهُ لم يؤمن بَعدُ؛ كما قلناه، وإمَّا لأنَّهُ باقٍ على صفة أهلِ الباديةِ والأعراب؛ إذ لم يتأدَّب بَعدُ بشيء من آداب الشرع، ولَا عَلِمَ ما يجبُ عليه مِن تَعزِيرِ النبيِّ - ﷺ - وتوقيره؛ فإنّ اللهَ تعالى قد نهى أن ينادَى النبيُّ - ﷺ -: يا محمَّدُ، حين","vol":"1","page":164},{"text":"والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن، ولا أنقص منهن، فقال رسول الله ﷺ: إن صدق ليدخلن الجنة.\nوَفِي رِوَايَةٍ: كُنَّا نُهِينَا فِي القُرآنِ أَن نَسأَل. . . وَذَكَرَهُ.\nرواه أحمد (٣/ ١٩٣)، والبخاري (٦٣)، ومسلم (١٢)، وأبو داود (٤٨٦)، والترمذي (٦١٤)، والنسائي (٤/ ١٢١ - ١٢٤).\n* * *\nــ\nقال تعالى: لَا تَجعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَينَكُم كَدُعَاءِ بَعضِكُم بَعضًا، وأَولَى ما يقال: إنّ ضِمَامًا قَدِمَ على النبي - ﷺ - سنة تِسعٍ؛ كما قاله أبو عُبَيدَةَ وغيرُهُ من أهل التواريخ، ولأنَّها كانت سنةَ الوفود؛ وذلك أنَّ الله تعالى لمَّا فتَحَ على رسول الله - ﷺ - مَكَّةَ، وهزَمَ جَمعَ هَوَازِنَ، وأسلَمت قريشٌ كلُّها -: دوَّخَ اللهُ العرَبَ، ونصَرَ نبيَّه - ﷺ -، وذلك سنةَ ثمانٍ من الهجرة؛ فدخَلَ الناسُ في دين الله أفواجًا، وقَدِمَ رؤساءُ العربِ وفودا (١) على النبيِّ - ﷺ - سنة تسع، فَسُمِّيَت: سنةَ الوفود لذلك. وفي هذا الحديث أبوابٌ من الفقه لا تخفَى يطولُ تتبُّعُهَا.\n* * *\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"1","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>(٣) بَابُ مَنِ اقتَصَرَ عَلَى فِعلِ مَا وَجَبَ عَلَيهِ وَانتَهَى عَمَّا حُرِّمَ عَلَيهِ دَخَلَ الجَنَّةَ</span>\n[١١] عَن أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ أَعمَلُهُ يُدنِينِي مِنَ الجَنَّةِ، وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ، قَالَ: تَعبُدُ اللهَ\nــ\n(٣) ومن بَاب مَنِ اقتَصَرَ عَلَى فِعلِ مَا وَجَبَ عَلَيهِ، وَانتَهَى عَمَّا حُرِّمَ عَلَيهِ دَخَلَ الجَنَّةَ\nهذه الترجمةُ يشهدُ بصحَّتها الحديثان المذكورانِ تحتها؛ فأمَّا حديثُ أبي أَيُّوبَ، فمِن حيثُ إنَّ النبيَّ - ﷺ - دلَّ السائلَ على فِعلِ ما وجَبَ عليه، وقال: إن تَمَسَّكَ بِمَا أَمَر بهُ دَخَلَ الجَنَّةَ.\nوأمَّا حديثُ جابرٍ فمِن حيثُ إنّ السائل إنّما سأله عن دخولِ - مَن فَعَلَ ما يجبُ عليه، وَانتَهَى عمَّا حُرِّمَ عليه - الجَنَّةَ، فأجابه بـ نعم، ولم يَذكُر لهما في هذَين الحديثين شيئًا مِن فعل التطوُّعات؛ فدَلّ على صِحَّةِ ما ذكرناه، وعلى جواز ترك التطوُّعاتِ على الجملة، لكن مَن تركها ولم يعمل شيئًا منها، فقد فوَّت على نفسه ربحًا عَظِيمًا، وثوابًا جسيمَا، ومَن داوم على ترك شيءٍ من السنن، كان ذلك نقصًا في دينه، وقدحًا في عدالته، فإن كان ترَكَهُ تهاوُنًا به ورغبةً عنها، كان ذلك فِسقًا يستحقُّ به ذمًّا.\nوقال علماؤنا: لو أنَّ أهلَ بلدةٍ تواصلوا على ترك سنة، لقوتلوا عليها حتى يرجعوا، ولقد كان صَدرُ الصحابة ومَن بعدهم يثابرون على فعل السنن والفضائل مثابرتَهُم على الفرائض، ولم يكونوا يفرِّقون بينهما في اغتنامِ ثوابهما؛ وإنما احتاج أئمَّةُ الفقهاء إلى ذِكرِ الفرق بينهما؛ لما يترتَّب عليه مِن وجوبِ الإعادةِ وتركها، وخَوفِ العقابِ على الترك، ونَفيِهِ إِن حصل تركٌ ما بوجهٍ ما.\nوإنما سكَتَ النبيُّ - ﷺ - لهؤلاء السائلين عن","vol":"1","page":166},{"text":"لا تُشرِكُ بِهِ شَيئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ ذَا رَحِمِكَ، فَلَمَّا أَدبَرَ، قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: إِن تَمَسَّكَ بِمَا أَمَر بهُ، دَخَلَ الجَنَّةَ.\nرواه البخاري (١٣٩٦)، ومسلم (١٣)، والنسائي (١/ ٣٤).\n[١٢] وَعَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ؛ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رسولَ الله - ﷺ -، فَقَالَ: أَرَأَيتَ إِذَا صَلَّيتُ الصَّلَوَاتِ المَكتُوبَاتِ، وَصُمتُ رَمَضَانَ، وَأَحلَلتُ الحَلَالَ، وَحَرَّمتُ الحَرَامَ،\nــ\nذِكرِ التطوُّعات، ولم يذكُرهَا لهم كما ذكرها في حديث طلحة بن عبيد الله؛ لأنَّ هؤلاءِ - والله أعلم - كانوا حديثي عهدٍ بإسلام؛ فاكتفى منهم بفعل ما وجب عليهم في تلك الحال؛ لئلَاّ يَثقُلَ ذلك عليهم فيَمَلُّوا، أو لِئَلَاّ يعتقدوا أنَّ تلك السنن والتطوُّعاتِ واجبة، فتركَهُم إلى أن تنشرحَ صدورهم بالفهم عنه، والحرصِ على تحصيلِ ثوابِ تلك المندوبات؛ فتسهل عليهم. ومن المعلوم أنَّ هؤلاءِ ما سُوغُ لهم تركُ الوتر ولا صلاةِ العيدَين، ولا غير ذلك، مِمَّا فعله النبيُّ - ﷺ - في جماعة المسلمين، ولا يجترئون على ترك ذلك؛ للذي يُعلَمُ مِن حرصهم على الاقتداء بالنبي - ﷺ -، وعلى تحصيل الثواب، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: وَتَصِلُ ذَا رَحِمِكَ) يعني: قرابتَكَ؛ وعلى هذا؛ فتكون القرابة جنسًا مضافًا إلى ذي؛ فإنَّ حكمها أن تضافَ إلى الأجناس. وهذا أَولَى مِن قول من قال: إنَّ الرحم هنا اسمُ عَين، وإنّها هنا بمنزلة قولهم: ذو نُوَاسٍ، وذو يَزَنَ، وذو عَينٍ؛ لأنَّ هذه أسماءُ أعلامٍ لا أسماءُ أجناس، وذو بمعنى صاحب، وهي من الأسماء الستَّة التي اعتلَّت بحذف لاماتها في الإفراد، ورفعُهَا بالواو، ونصبُهَا بالألف، وخفضها بالياء، وقد ذَكَرَ النحويون أوزانَهَا وأحكامها.\nو(قوله: أَرَأَيتَ إِذَا أَحلَلتُ الحَلَالَ، وَحَرَّمتُ الحَرَامَ) يعني: اكتسبتُ الحلال، وامتَنَعتُ مِن كسب الحرام، هذا عرفُ الحلالِ والحرامِ في الشرع. وأمَّا","vol":"1","page":167},{"text":"وَلَم أَزِد عَلَى ذَلِكَ شَيئًا، أَأَدخُلُ الجَنَّةَ؟ قَالَ: نَعَم، قَالَ: وَاللهِ، لا أَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ شَيئًا.\nرواه أحمد (٣/ ٣٤٨)، ومسلم (١٥).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>(٤) بَابُ مَبَانِي الإِسلَامِ</span>\n١٦ - [١٣] عَنِ ابنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: بُنِيَ الإِسلامُ عَلَى خَمسٍ: شَهَادَةِ أَن لَا إِلهَ إِلا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ البَيتِ، وَصَومِ رَمَضَانَ.\nــ\nفي أصل الوضع: فيصلُحُ أن يطلق الحلالُ على كلِّ ما للإنسان أن يفعلَهُ شرعًا، ولا يُمتنَعَ منه، والحرامُ على ما منَعُ الإنسانُ من فعله مطلقًا.\nو(قوله: وَلَم أَزِد عَلَى ذَلِكَ شَيئًا) يصلُحُ أن يُحمَلَ على ما ذكرناه آنفًا، وَيَحتَمِلُ أن يكون قال ذلك؛ لأنَّه لم يتفرّغ لفعلِ شيء من النوافل في تلك الحال: إمَّا لِشَغله بالجهاد، أو لغيره من أعمال الدين، والله تعالى أعلم.\n(٤) وَمِن بَابِ مَبَانِي الإِسلَامِ\n(قوله - ﵊ -: بُنِيَ الإِسلامُ عَلَى خَمسٍ) يعني: أن هذه الخمس أساسُ دين الإسلام، وقواعدُه عليها تنبني، وبها تقوم، وإنما خَصَّ هذه بالذكر ولم يذكُر معها الجهاد، مع أنه به ظهر الدين، وانقمع به عُتَاةُ الكافرين؛ لأنَّ هذه الخمس فرضٌ دائم على الأعيان، ولا تسقطُ عمَّن اتَّصَفَ بشروط ذلك، والجهادُ من فروض الكفايات، وقد يسقُطُ في بعض الأوقات، بل وقد صار جماعةٌ","vol":"1","page":168},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَالحَجِّ. فَقَالَ رَجُلٌ: الحَجِّ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ؟ قَالَ: لا، صِيَامِ رَمَضَانَ، وَالحَجِّ، هكَذَا سَمِعتُهُ مِن رَسُولِ الله - ﷺ -.\nــ\nكثيرةٌ إلى: أنّ فرضَ الجهاد قد سقَطَ بعد فتح مكَّة، وذُكرَ أنَّه مذهبُ ابنِ عمر، والثوري، وابن سِيرِينَ، ونحوُهُ لسُحنُون من أصحابنا، إلا أن ينزلَ العَدُو بقوم، أو يأمر الإمامُ بالجهاد، فيلزمُ عند ذلك.\nوقد ظهَرَ مِن عدولِ ابن عمر عن جواب الذي قال له: ألا تغزو؟ إلى جوابه بقول النبيِّ - ﷺ -: بُنِيَ الإِسلامُ عَلَى خَمسٍ، أنَّه كان لا يرى فرضيَّةَ الجهاد في ذلك الوقت خاصَّةً، أو على أنَّهُ يرى سقوطَهُ مطلقًا؛ كما نُقِلَ عنه.\nوحديث ابن عمر هذا قد روي من طرق: ففي بعضها: شَهَادَةِ أَن لَا إِلهَ إِلا اللهُ، وفي بعضها: على أن تعبَدَ اللهُ، وتكفَرَ بما دونه، فالأُولَى نَقلٌ للفظ، والأخرى نقلُ بالمعنى، والأصل نقل اللفظ، وهو المتفق عليه.\nوقد اختُلِفَ في جواز نقل الحديثِ بالمعنى مِنَ العالِمِ بمواقعِ الكلم، وتركيبها على قولين: الجواز، والمنع. وأما مَن لا يَعرِف، فلا خلافَ في تحريمِ ذلك عليه، وقد أوضحنا المسألةَ في الأصول.\nوقد وقع في بعضِ الرواياتِ في الأصل تقديمُ الحجِّ على الصوم، وهي وَهَمٌ، والله أعلم؛ لأنَّ ابن عمر لمَّا سَمِعَ المستعيدَ يُقدِّمُ الحجَّ على الصوم، زجَرَهُ ونهاه عن ذلك، وقدَّم الصومَ على الحجِّ، وقال: هكَذَا سَمِعتُهُ مِن رَسُولِ الله - ﷺ -. ولا شك في أنَّ نقل اللفظ كما سُمِعَ هو الأَولَى والأسلم، والأعظم للأجر؛ لقوله - ﵊ -: نَضَّرَ اللهُ امرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا، ثُمَّ أَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا؛ فَرُبَّ حَامِلِ فِقهٍ إِلَى مَن هو أَفقَهُ مِنهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقهٍ لَيسَ بِفَقِيهٍ (١). ويَحتَمِلُ أن\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٦٦٠)، والترمذي (٢٦٥٨) من حديث زيد بن ثابت ﵁.\n\"نضّر الله امرأً\": دُعاء له بالنّضارة، وهي النِّعمة والبهجة.","vol":"1","page":169},{"text":"وَفِي أُخرَى: بُنِيَ الإِسلَامُ عَلَى خَمسٍ: عَلَى أَن يُعبَدَ اللهُ، ويُكفَرَ بِمَا دُونَهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ. . . الحَدِيثَ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٦ و٩٣)، والبخاري (٨)، ومسلم (١٦)، والترمذي (٢٧٣٦)، والنسائي (٨/ ١٠٧).\n* * *\nــ\nيكون محافظةُ النبيِّ - ﷺ - على ترتيب هذه القواعد؛ لأنَّها نزلَت كذلك: الصلاةُ أولًا، ثُمَّ الزكاةُ، ثُمَّ الصوم، ثُمَّ الحج.\nوَيَحتَمِلُ ذلك أن يكونَ لإفادة الأوكد فالأوكد؛ فقد يَستَنبِطُ الناظرُ في ذلك الترتيب تقديمَ الأوكدِ على ما هو دونَهُ إذا تعذَّر الجمعُ بينهما؛ كمن ضاق عليه وقتُ الصلاة، وتعيَّن عليه في ذلك الوقتِ أداءُ الزكاة لضرورة المستَحِقِّ؛ فيبدأ بالصلاة، أو كما إذا ضاق وقتُ الصلاة على الحَاجِّ، فيتذكَّرُ العشاءَ الآخرة، وقد بقي عليه مِن وقت صلاة العشاء الآخرة ما لو فعلَهُ فاته الوقوفُ بِعَرَفَةَ، فقد قال بعضُ العلماء: إنَّه يبدأُ بالصلاة وإن فاته الوقوفُ؛ نظرًا إلى ما ذكرناه، وقيل: يبدأ بالوقوف؛ للمشقَّةِ في استئناف الحَجِّ.\nومن ذلك: لو رجلٌ بزكاةٍ فرَّط في أدائها، وبكفَّارةِ فِطرٍ من رمضان، وضاقَ الثلثُ عنهما، بدَأَ بالزكاة أولا لأوكديَّتها على الصوم، وكذلك: لو بكفَّارةِ الفطر وبَهديٍ واجبٍ في الحَجِّ، قدَّمَ كَفَّارَةَ الفِطر؛ وهذا كلُّه على أصل مالك، فإنَّ ذلك كلَّه يُخرَجُ من الثلث، وأمّا مَن ذهب إلى أنَّ ذلك يُخرَجُ من رأس المال، فلا تفريعَ على ذلك بشيء ممَّا ذكرناه، والله تعالى أعلم.\n* * *","vol":"1","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>(٥) بَابُ إِطلَاقِ اسمِ الإِيمَانِ عَلَى مَا جَعَلَهُ فِي حَدِيثِ جِبرِيلَ إِسلَامًا</span>\n[١٤] عَن أَبِي جَمرَةَ، قَالَ: كُنتُ أُتَرجِمُ بَينَ يَدَيِ ابنِ عَبَّاسٍ وَبَينَ النَّاسِ، فَأَتَتهُ امرَأَةٌ فَسَأَلَتهُ عَن نَبِيذِ الجَرِّ؟ فَقَالَ: إِنَّ وَفدَ عَبدِ القَيسِ أَتَوا\nــ\n(٥) وَمِن بَابُ إِطلَاقِ اسمِ الإِيمَانِ عَلَى مَا جَعَلَهُ فِي حَدِيثِ جِبرِيلَ إِسلَامًا\nمعنى جَعَلَ في هذه الترجمة: سمّى، كما قال تعالى: وَجَعَلُوا المَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُم عِبَادُ الرَّحمَنِ إِنَاثًا ويصلُحُ أن يكون بمعنى: صيَّر؛ كما تقول العرب: جعلتُ حُسنَ فلانٍ قبحًا، أي: صيَّرتُهُ، وقد تقدَّم القولُ في الإيمان والإسلام من حديث جبريل.\n(قوله: أبو جمرة) هذا الذي يروي عن ابن عبَّاسٍ حديثَ وَفدِ عبد القَيس، هو بالجيم والراء، واسمه: نَصرُ بنُ عِمرَانَ الضُّبَعِيُّ، وقد روى عن ابنِ عبَّاسٍ رجلٌ آخر يقالُ له: أبو حَمزةَ - بالحاء المهملة والزاي - واسمه: عِمرَانُ بنُ أبي عطاءٍ القَصَّابُ (١).\nو(قوله: كُنتُ أُتَرجِمُ بَينَ يَدَيِ ابنِ عَبَّاسٍ وبَينَ النَّاسِ) أي: أبلِّغُ كلامه، وأفسِّره لِمَن لا يفهمه، وعُرفُ الترجمةِ: التعبيرُ بلغةٍ عن لغةٍ لمن لا يفهم، وقيل كان أبو جمرة يتكلَّم بالفارسيَّة. وفيه دليلٌ على أنَّ ابنَ عبَّاس كان يكتفي في الترجمة بواحد؛ لأنَّهُ مُخبِرٌ، وقد اختُلِفَ فيه، فقيل: لا يكفي الواحدُ، بل لا بدَّ من اثنين؛ لأنَّها شهادة.\nو(قوله: فَأَتَتهُ امرَأَةٌ فَسَأَلَتهُ عَن نَبِيذِ الجَرِّ) وهي: جمعُ جَرَّةٍ، وهي: قِلَالٌ من\n_________\n(١) في (ع): والراء بدل والزاي، وعطاء بدل من أبي عطاء، والتصحيح من تقريب التهذيب وبقية النسخ.","vol":"1","page":171},{"text":"رسولَ الله - ﷺ -، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: مَنِ الوَفدُ؟ - أو: مَنِ القَومُ؟ - قَالُوا: رَبِيعَةُ، قَالَ: مَرحَبًا بِالقَومِ - أو بِالوَفدِ - غَيرَ خَزَايَا وَلا النَّدَامَى، قَالَ: فَقَالُوا: يَا رسولَ الله، إِنَّا نَأتِيكَ مِن شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ، وَإِنَّ بَينَنَا وَبَينَكَ هَذَا الحَيَّ\nــ\nفَخَّارٍ، غير أنها مَطلِيَّةٌ بالزجاج، وهو الحَنتَمُ، ونبيذُ الجرِّ: هو ما يُنبَذُ فيها من التمر وغيره. وإنما سأَلَتهُ عن حكم النبيذ في الجِرَارِ: هل يَحِلُّ أم لا؟ فذكَرَ لها ما يدُلُّ على منع ذلك، ثم أخذ في ذكر الحديث بقصَّته. ففيه: ما يدلُّ على أن المفتي يجوز (١) له أن يذكر الدليلَ مستغنيًا به عن النصِّ على الفتيا إذا كان السائلُ بصيرًا بموضع الحُجَّة.\nو(قوله - ﵊ -: مَنِ القَومُ؟ أو مَنِ الوَفدُ؟) هذا شَكٌّ من بعض الرواة. والوَفد: الوافدون، وهم القادمون والزائرون، يقال: وَفَدَ يَفِدُ، فهو وافد، والجمع: وَافِدونَ وَوُفُود، والقوم وَفدٌ، وقال ابنُ عبَّاسِ - ﵄ - في قوله تعالى: يَومَ نَحشُرُ المُتَّقِينَ إِلَى الرَّحمَنِ وَفدًا رُكبانًا.\nو(قوله: مَرحَبًا) هو من الرُّحب - بضمِّ الراء - وهو السعة، والرَّحبُ - بفتح الراء -: هو الشيءُ الواسع، وهو منصوبٌ بفعلٍ مضمَرٍ، لا يُستعمل إظهارُهُ، أي: صادفتَ رُحبًا، أو أتيتَ رَحبًا؛ فاستَأنِس ولا تَستَوحِش. والخَزَايَا جمع خَزيَان؛ مثلُ: نَدمَان ونَدَامَى، وسَكران وسَكَارَى؛ كما قال تأَبَّطَ شَرًّا:\n. . . . . . . . . ... . . . . . . وَالمَوتُ خَزيَانُ يَنظُرُ (٢)\nخَزِيَ الرجلُ يَخزَى خِزيًا؛ إذا ذَلَّ، وخَزَايَةً: إذَا خَجِلَ واستحيى. والنَّدَامَى هنا: جمعُ نادمٍ؛ لكنَّه على غير قياس؛ لأنَّ قياس نَدَامَى أن يكون جمع نَدمَان، كما\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) البيت بتمامه:\nفخالط سهلٌ الأرضَ لم يكدحِ الصّفا ... به كدحة والموت خزيانُ ينظرُ","vol":"1","page":172},{"text":"مِن كُفَّارِ مُضَرَ، وَإِنَّا لا نَستَطِيعُ أَن نَأتِيَكَ إِلَاّ فِي شَهرِ الحَرَامِ،\nــ\nقلناه، والندمان: هم المُجَاليِسُ على الخمر وساقيها؛ كما قال الشاعر:\nفَإِن كُنتَ نَدمَانِي فَبِالأَكبَرِ اسقِنِي ... وَلَا تَسقِني بِالأَصغَرِ المُتَثَلِّمِ\nوليس مرادًا هاهنا، وإِنَّمَا جَمَعَ نَادِمًا هذا على نَدَامَى؛ إتباعًا لخَزَايَا؛ على عادتهم في إتباع اللفظِ اللفظَ، وإن لم يكن بمعناه؛ كما قالوا: إنِّي لآتيه بالغَدَايَا والعَشَايَا؛ فجمعوا الغُدوَةَ: غَدَايَا؛ لمَّا ضمَّوه إلى العشايا؛ كما قال شاعرهم:\nهَتَّاكِ أَخبِيَةٍ وَلاجِ أَبويَةٍ (١) ... . . . . . . . . . . . .\nفجمَعَ البابَ على أَبوِيةً، لَمَّا أتبعَهُ أَخبِيَة، ولو أفرده لما جاز ذلك، ومن هذا النوع: قولُهُ - ﵊ - للنساء المتَّبعات للجنازة: ارجِعنَ مَأزُورَاتٍ غَيرَ مَأجُورَاتٍ (٢)، ولولا مراعاةُ الإتباع قال: مَوزُورات بالواو؛ لأنه من الوِزرِ. وقال القَزَّاز (٣) في جامعه: يقال في النادم: نَدمَانُ؛ فيكون نَدَامَى على القياس، ومعنى هذا القول: التأنيسُ، والإكرامُ والثناءُ عليهم بأنَّهم بادروا بإسلامهم طائِعِينَ من غيرِ خِزيٍ لَحِقَهُم من قَهرٍ ولا سِبَاء، ثُمَّ إنَّهم لمَّا أسلموا كذلك احتُرِمُوا وأُكرِموا وأُحِبُّوا، فلم يَندَمُوا على ذلك، بل انشرحَت صدورهم للإسلام، وتنوَّرَت قلوبُهُم بالإيمان.\nوغَيرَ خزايا: منصوبٌ على الحال، أي: أتيتُم في هذه الحال. وروي: ولا الندامى، ولا ندامى، معرَّفًا وغير مُعَرَّف؛ وهما بمعنىً واحدٍ. والشُّقَّة البعيدة: المسافةُ البعيدة الصعبة. والحَيُّ: القبيل، وربيعة: هو خبَرُ مبتدأ محذوف؛ أي: نحنُ بنو ربيعة.\nو(قوله: وَإِنَّا لا نَستَطِيعُ أَن نَأتِيَكَ إِلَاّ فِي شَهرِ الحَرَامِ) كذا الرواية الصحيحة\n_________\n(١) هذا صَدْرُ بيت للقُلاخِ بن حُبَابة، وقيل: لابن مُقبِل، وعجزه:\nيَخلِطُ بِالبِرِّ منه الجِدَّ واللِّينا.\n(٢) رواه ابن ماجه (١٥٧٨) وَفي إسناده: دينار بن عمر، ضعيف.\n(٣) هو محمد بن جعفر القيرواني النحوي، عالم باللغة. له كتاب \"الجامع\" توفي سنة =","vol":"1","page":173},{"text":"فَمُرنَا بِأَمرٍ فَصلٍ نُخبِرُ بِهِ مَن وَرَاءَنَا نَدخُل بِهِ الجَنَّةَ، قَالَ: فَأَمَرَهُم بِأَربَعٍ، وَنَهَاهُم عَن أَربَعٍ؛\nــ\nبتعريف الحرام، وإضافة الشهر إليه، وهو من باب إضافةِ الشيء إلى صفته؛ كما قالوا: مسجدُ الجامع، وصلاةُ الأُولَى؛ وقال تعالى: وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيرٌ وهو على تقدير محذوف؛ فكأنّه قال: شَهرٌ الوقتِ الحرامِ، ومسجدُ المكانِ الجامعِ، ولدارُ الحالةِ الآخِرَةِ، ونحوه.\nويعنون بشَهرِ الحرامِ: رجبًا؛ لأنَّه متفردٌ بالتحريم من شهور الحِلِّ، بخلاف سائر الأشهر الحُرُم؛ فإنَّها متوالية؛ ولذلك قال فيها: ثلاثةٌ سَرد، وواحدٌ فَرد، يعنون به: رجبًا، وهو الذي قال النبي - ﷺ -: إنَّهُ شَهرُ مُضَرَ (١)، وإنما نسبُهُ إليهم: إمَّا لأنَّها انفردَت بابتداء احترامه، أو لتخصيص الاحترامِ به، أو بزيادةِ التعظيمِ له على غيرهم، والله تعالى أعلم.\nوقد وقع في بعض النسخ: في شهرٍ حَرَامٍ، وهو يصلُحُ لرجبٍ وحدَهُ، ولجميعِ الأشهُرِ الحُرُمِ، وحاصلُ قولهم هذا أنه اعتذارٌ عن امتناعِ تكرُّرِ قدومهم عليه.\nو(قوله: فَمُرنَا بِأَمرٍ فَصلٍ نُخبِرُ بِهِ مَن وَرَاءَنَا، نَدخُل بِهِ الجَنَّةَ) قيّدناه على مَن يُوثَقُ بعلمِه: نُخبِر بهُ مرفوعًا، وندخل مرفوعًا ومجزومًا؛ فرفعهما على الصفة لأَمر، وجزمُ ندخُل على جوابِ الأمرِ المتضمِّنِ للجزاء؛ فكأنَّه قال: إن أمرتَنَا بأمرٍ واضحٍ، فعلنا به، ورجَونَا دخولَ الجنة بذلك الفعل.\nوالقولُ الفصلُ: هو الواضحُ البليغُ الذي يَفصِلُ بين الحقِّ والباطل؛ كما قال تعالى: إِنَّهُ لَقَولٌ فَصلٌ.\nو(قوله: فَأَمَرَهُم بِأَربَعٍ، وَنَهَاهُم عَن أَربَعٍ) ثُمَّ إنَّه ذكر خمسًا: فقيل في ذلك:\n_________\n= (٤١٢ هـ). انظر: (سير أعلام النبلاء ١٧/ ٣٢٦).\n(١) رواه البخاري (١٧٤١)، ومسلم (١٦٧٩)، وأبو داود (١٩٤٧).","vol":"1","page":174},{"text":"قَالَ: أَمَرَهُم بِالإِيمَانِ بِاللهِ وَحدَهُ، وَقَالَ: هَل تَدرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللهِ؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ، قَالَ: شَهَادَةُ أَن لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَومُ رَمَضَانَ، وَأَن تُؤَدُّوا خُمُسًا مِنَ المَغنَمِ، وَنَهَاهُم عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالحَنتَمِ، وَالمُزَفَّتِ - وَرُبَّمَا قَالَ: المُقَيَّرِ، وَرُبَّمَا قَالَ: النَّقِيرِ - وَقَالَ: احفَظُوهُ، وَأَخبِرُوا بِهِ مِن وَرَائِكُم.\nوَفِي رِوَايَةٍ: مَن وَرَاءَكُم.\nرواه البخاري (٥٣)، ومسلم (١٧)، وأبو داود (٣٦٩٢) و(٣٦٩٤) و(٣٦٩٦)، والترمذي (٢٦١٤)، والنسائي (٨/ ٣٢٣).\n[١٥] وعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ؛ أَنَّ نَاسًا مِن عَبدِ القَيسِ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ - وَذَكَر نَحو مَا تَقَدَّمَ، وَفِيهِ: فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: آمُرُكُم بِأَربَعٍ، وَأَنهَاكُم عَن أَربَعٍ: اعبُدُوا اللهَ، وَلَا تُشرِكُوا بِهِ شَيئًا، وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ،\nــ\nإنَّ أَوَّلَى الأربعِ الموعود بها: هو إقامُ الصلاة، في ذكَرَ كلمةَ التوحيد؛ تبرُّكًا بها، وتشريفًا لها ... كما قيل ذلك في قوله تعالى: فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ في قولِ كثيرٍ من أهل العلم. وقيل: إنما قصد إلى ذِكرِ الأركان الأربع التي هي: التوحيدُ، والصلاة، والصوم، والزكاة، ثم ظهر له أنَّهُم أهلُ غزو وجهاد، فَبَيَّنَ لهم وجوبَ أداءِ الخُمُسِ، والله أعلم.\nوإنما لم يذكُر لهم الحجَّ؛ لأنَّهم لم يكن لهم إليه سبيلٌ من أجلِ كُفَّارِ مُضَرَ، أو لأَنَّ وجوبَ الحجِّ على التراخي، والله تعالى أعلم. وقد تقدَّم القولُ في الإيمان والإسلام، وأنَّهما حقيقتان متباينتانِ في الأصل، وقد يُتَوَسَّعُ فَيُطلَقُ أحدها على الآخر، كما جاء هنا؛ فإنَّهُ أطلَقَ الإيمانَ على الإسلام؛ لأنَّهُ عنه يكون غالبًا، وهو مُظهِرُهُ.\nو(قوله: وَأَنهَاكُم عَن أَربَعٍ) أي: عن الانتباذِ في هذه الأواني الأربع؛ فالمنهيُّ عنه واحدٌ بالنوع، وهو الانتباذُ، ثمَّ إنَّه تعدَّد بحَسَبِ هذه الأوعية الأربعِ","vol":"1","page":175},{"text":"وَآتُوا الزَّكَاةَ، وَصُومُوا رَمَضَانَ، وَأَعطُوا الخُمُسَ مِنَ الغَنَائِمِ، وَأَنهَاكُم عَن أَربَعٍ: عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالحَنتَمِ، وَالمُزَفَّتِ، وَالنَّقِيرِ، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، مَا عِلمُكَ بِالنَّقِيرِ؟ قَالَ: بَلَى؛ جِذعٌ تَنقُرُونَهُ، فَتَقذِفُونَ فِيهِ مِنَ القُطَيعَاءِ - أو قَالَ: مِنَ التَّمرِ - ثُمَّ تَصُبُّونَ فِيهِ مِنَ المَاءِ، حَتَّى إِذَا سَكَنَ غَلَيَانُهُ شَرِبتُمُوهُ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَكُم - أو إِنَّ أَحَدَهُم - لَيَضرِبُ ابنَ عَمِّهِ بِالسَّيفِ، قَال: وَفِي القَومِ رَجُلٌ\nــ\nالتي هي: الدُّبَّاء، والحَنتَم، والمزفَّت، والنَّقِير، وخَصَّ هذه بالنهي؛ لأنَّها أوانيهم التي كانوا ينتبذون فيها: فالدُّبَّاء ممدودًا، وهي: القَرعَةُ كانت يُنبَذُ فيها فيضَرَّى (١)؛ قاله الهروي.\nوالحَنتَمُ: أَصَحُّ ما قيلَ فيها: إنَّها كانت جِرَارًا مَطلِيَّةً بالحَنتَمِ المعمولِ من الزجاجِ، كانت الخمرُ تُحمَلُ فيها، ونُهُوا عن الانتباذ فيها؛ لأنَّها تعجِّلُ إسكارَ النبيذ كالدُّبَّاء، وقال عطاءٌ: كانت تُعمَلُ مِن طين يعجن بالدم والشعر؛ وعلى هذا يكونُ النهيُ عنها؛ لأجل أصل النجاسة، والأوَّل أعرفُ وأصحُّ.\nوالمُزَفَّت: المطليُّ بالقارِ، وهو نوعٌ من الزِّفت. والنَّقِيرُ: مفسَّر في الحديث. والجِذع: أصل النخلة، ويجمع على جذوع. وتَقذِفُون: تجعلون وترمون، وأصل القذف: الرمي. والقُطَيعَاء: نوعٌ من التمر يقال له: الشِّهرِيز.\nوفي رواية أخرى: وتُدِيفُونَ مِنَ القُطَيعَاءِ، والرواية: مضموم التاء رباعيًّا، وبالدال المهملة، وقد حكى ابن دُرَيد: دُفتُ الدَّوَاءَ وغيرَهُ بالماء أَدُوفُهُ، بإهمال الدال، وحكى غيره أنه (٢) يقال: ذُفتُه أَذُوفُهُ، وسُمٌّ مَذُوفٌ ومَذِيفٌ، ومُذَوَّوفٌ، ومُذَافٌ، بالذال المعجمة، وحكى غيره أنه يقال: أَدافَ الدواءَ بالدواء؛ فالروايةُ على هذا صحيحةٌ، ومعناه: خَلَطَ ومزَجَ. والأَسقِية: جمعُ سِقَاءٍ، وهو الإناءُ من الجِلدِ. والأَدَمُ: جمع أَديم، وهو الجلدُ أيضًا.\n_________\n(١) \" فيضرى\": أي: يشتدّ.\n(٢) من (ل).","vol":"1","page":176},{"text":"أَصَابَتهُ جِرَاحَةٌ كَذَلِكَ، وَكُنتُ أَخبَأُهَا حَيَاءً مِن رَسُولِ الله - ﷺ -، فَقُلتُ: فَفِيمَ نَشرَبُ يا رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ: فِي أَسقِيَةِ الأَدَمِ الَّتِي تُلاثُ عَلَى أَفوَاهِهَا، فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّ أَرضَنَا كَثِيرَةُ الجِرذَانِ، وَلَا تَبقَى فيِهَا أَسقِيَةُ الأَدَمِ،\nــ\nو(تُلَاثُ عَلَى (١) أَفوَاهِهَا) أي: تُشَدُّ وتُربَط. قال القُتَبِيُّ (٢): أصلُ اللَّوثِ: الطَّيُّ، ولُثتُ العمامةَ: لَفَفتُها؛ وهذا نحو ممَّا يقال: عليكم بالمُوكَى بالقصر، أي: السقاء الذي يُربَطُ فوه بالوِكَاء، وهو الخيط.\nوالجِرذَان جمعُ جُرَذٍ، وهو الفأر، وإنما حضَّهم على الانتباذ في الأسقية؛ لأنها إذا غلا فيها النبيذُ انشقَّت لرقَّةِ (٣) الجلود خلافِ الأواني المذكورةِ؛ قيلُ: فإنها تعجِّل الشدَّةَ وتُخفِيهَا.\nو(قولهم: إِنَّ أَرضَنَا كَثِيرَةُ الجِرذَانِ، وَلَا تَبقَى فيِهَا أَسقِيَةُ الأَدَمِ) أي: لأنَّ الجِرذَانَ تأكلها؛ ولذلك قال لهم: وَإِن أَكَلَتهَا الجِرذَانُ، ولم يعذرهم بذلك؛ لأنَّهم يمكنهم التحرُّزُ بتعليق الأَسقية، أو باتِّخَاذِ ما يُهلِكُ الفئران مِن حيوانٍ أو غيره، والله تعالى أعلم.\nوقد تمسَّكَ بعض أهل العلم بظاهر هذا النهي عن الانتباذ في تلك الظروف؛ فحمله على التحريم، ومِمَّن قال هذا: ابن عمر، وابن عباس، على ما يأتي في الأشربة؛ فسنبيِّن هنالك - إن شاء الله تعالى - أنَّ ذلك منسوخٌ بقوله ﵊: كنتُ نَهَيتُكُم عَنِ الاِنتِبَاذِ إِلَاّ فِي الأسِقَية، فَانتَبِذُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ غَيرَ أَلَاّ تَشرَبُوا مُسكِرًا (٤).\n_________\n(١) في (ع) و(م): و.\n(٢) كذا في (ع) و(م) و(ل)، وفي اللسان (ابن قتيبة)، انظر: مادة (لوث).\n(٣) في (ع): لقوة، والتصحيح من (ل) و(م) وشرح النووي لصحيح مسلم.\n(٤) رواه مسلم (٩٧٧) من حديث بُريدة ﵁.","vol":"1","page":177},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: وَإِن أَكَلَتهَا الجِرذَانُ! وَإِن أَكَلَتهَا الجِرذَانُ! وَإِن أَكَلَتهَا الجِرذَانُ! قَالَ: وَقَالَ نبي الله - ﷺ - لِأُشَجِّ عَبدِ القَيسِ: إِنَّ فِيكَ لَخَصلَتَينِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الحِلمُ وَالأَنَاةُ.\nرواه أحمد (٣/ ٢٣)، ومسلم (١٨)، والنسائي (٨/ ٣٠٦).\n* * *\nــ\nوأشجُّ عبد القيس اسمه: المنذر بن عائذ، بالذال المعجمة، وقيل: المنذر بن الحارث، وقيل: هو عبد الله بنُ عَوف، وقيل: قيس، والأوَّلُ أصحُّ.\nوقد روى أبو داودَ، من حديثِ أُمِّ أَبَانَ بنتِ الوازعِ بن زارع، عن جَدِّها زارع، وكان في وَفدِ عبد القيس، قال: فلمَّا قَدِمنَا المدينةَ، تبادَرنَا مِن رواحلنا نُقبِّلُ يدَ النبيِّ - ﷺ - وَرِجلَهُ، وانتظَرَ المنذرُ حتى أتى عَيبَتَهُ (١)، فَلَبِسَ ثوبه، ثم أتى النبيَّ - ﷺ -، فقال له: إِنَّ فِيكَ لَخَصلَتَينِ يُحِبُّهُمَا اللهُ ورسوله: الحِلمُ، والأَنَاةُ، فَقَالَ: يَا رسولَ الله، أَنَا أَتَخَلَّقُ بِهِمَا، أَمِ اللهُ جَبَلَنِي عَلَيهِمَا؟ فَقَالَ: بَلِ اللهُ جَبَلَكَ عَلَيهِمَا، قَالَ: الحَمدُ للهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خُلُقَينِ يُحِبُّهُمَا اللهُ وَرَسُولُهُ (٢).\nوالحِلمُ هنا: هو العَقلَ، وهو بكسر الحاء؛ يقال منه: حَلُمَ الرجلُ يَحلُمُ، بضم اللام: إذا صار حليمًا، وتحلَّم: إذا تكلَّف ذلك. والأناة: الرفقُ والتثبُّت في الأمور؛ يقال منه: تأنَّى الرجل يتأنَّى تَأَنِّيًا؛ ومنه قولُ الشاعر:\nأَنَاةً وحِلمًا وانتِظَارًا بِهِم غَدًا\nوقد يقال الحِلمُ على الأناة. وقد ظهَرَ من حديث أبي داود: أنّ نبي الله - ﷺ - إنما قال ذلك للأشَجِّ؛ لِمَا ظَهَرَ له منه مِن رِفقِهِ وتَركِ عجلته. وقد رُوي في غير\n_________\n(١) \"العَيْبَة\": وعاء يُوضع فيه الثياب، ثم يُوضع على الرحل، وقيل: هو الخُرْج.\n(٢) رواه أبو داود (٥٢٢٥).","vol":"1","page":178},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nكتاب أبي داود: أنَّه لمَّا بادَرَ قومُهُ إلى نبي الله - ﷺ - تأنَّى هو، حتَّى جمَعَ رحالَهُم، وعقَلَ ناقته، ولَبِسَ ثيابًا جُدُدًا، ثم أقبَلَ إلى النبيِّ - ﷺ - على حالِ هدوءٍ وسكينة، فأجلَسَهُ النبيُّ - ﷺ - إلى جانبه، ثم إنَّ النبيَّ - ﷺ - قال لِوَفدِ عبد القيس: تُبَايِعُونَ عَلَى أَنفُسِكُم وَعَلَى قَومِكُم؟ فقال القومُ: نَعَم، فقال الأَشَجُّ: يا رسولَ الله، إِنَّكَ لم تُزَاوِلِ الرَّجُلَ عَلَى أَشَدَّ عَلَيهِ مِن دِينِهِ، نُبَايِعُكَ عَلَى أَنفُسِنَا، وتُرسِلُ معنا مَن يَدعُوهُم، فمَنِ اتَّبَعَنَا كَانَ مِنَّا، ومَن أَبَى قَاتَلنَاهُ، قال: صَدَقتَ؛ إِنَّ فِيكَ لَخَصلَتَينِ. . الحديثَ (١).\nفالأُولى: هي الأناة، والثانية: هي العقل. وفيه من الفقه: جَوَازُ مدحِ الرجلِ مشافهةً بما فيه إذا أُمِنَت عليه الفتنةُ، والأصلُ منعُ ذلك؛ لقوله - ﵊ -: إِيَّاكُم والمَدح فَإِنَّهُ الذَّبح (٢)، ولقوله للمادح: وَيلَكَ! قَطَعتَ عُنُقَ أَخِيكَ (٣)، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.\nو(قوله: وَفِي القَومِ رَجُلٌ أَصَابَتهُ جِرَاحَةٌ كَذَلك) قيل: اسمُ هذا الرجل: جَهمُ بن قُثَمَ؛ قاله ابن أبي خَيثَمَةَ، وقيل: كانت الجراحةُ في ساقه.\nقال المؤلِّف رحمه الله تعالى: وهذا الرجل ليس هو أشج عبد القيس؛ لأن اسمهما مختلف كما ذكر هنا وفيما تقدم؛ ولأنَّ الأصل في الشِّجاجِ لا يكون إلا في الرأس والوجه. وفي الصحاح: رَجُلٌ أَشَجُّ بيِّنُ الشَّجَجِ: إذا كان في جبينه أَثَرُ الشَّجَّةِ؛ وعلى هذا: يدُلُّ كونُ هذا الرجل غلب عليه الأشَجُّ؛ لأنَّهُ إنَّما يغلبُ على\n_________\n(١) انظر روايات الحديث في مجمع الزوائد (٩/ ٣٨٧ - ٣٩٠).\n(٢) رواه أحمد (٤/ ٩٩)، وابن ماجه (٣٧٤٣) كلاهما من حديث معاوية ﵁، وانظر فتح الباري (١٠/ ٤٧٨).\n(٣) رواه البخاري (٢٦٦٢) في الشهادات، ومسلم (٣٠٠٠) في الزهد.","vol":"1","page":179},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالإنسان ما كان ظاهرًا من أمره، ولمَّا كانت ظاهرةً في وجهه، نسَبَهُ إليها كُلُّ من كان رآه منه؛ فغلب عليه ذلك، ولو كانت في ساقه، لَمَا غلَبَ عليه ذلك، والله أعلم. وأصلُ الشَّجِّ القطعُ والشَّقُّ؛ ومنه قولهم: شَجَّتِ السفينةُ البحرَ؛ أي: شَقَّتهُ، وشَجَجتُ المفازة: قطعتُهَا؛ قال الشاعر:\nتَشُجُّ بِيَ العَوجَاءُ كُلَّ تَنُوفَةٍ ... كَأَنَّ لَهَا بَوًّا بِنِهيٍ تُغَاوِلُه (١)\nوتعريف النبي - ﷺ - بحالِ ذلك الرجل يَدُلُّ على أنَّه عَرَفَهُ بعينه؛ غير أنه لم يواجههُ بذلك؛ حُسنَ عِشرةٍ منه - ﷺ - على مقتضى كَرَمِ خُلُقه؛ فإنّهُ كَانَ لَا يُوَاجِهُ أَحَدًا بِمَا يَكرُهُه.\nوإنَّما خَصَّ النبيُّ - ﷺ - هذه الأربعَ الأواني بالذكر؛ لأنها أغلب أوانيهم، ويلحق بها في النهي ما كان في معناها؛ كأواني الزُّجَاج، والحديد، والنُّحَاس، وغير ذلك مما تعجِّل الإسكار؛ بدليل قوله - ﵊ - في جواب قولهم: فِبمَ نَشرَبُ يَا رسولَ الله؟ فَقَالَ: في أَسقِيةِ الأَدَمِ، وبدليلِ قوله في حديث بُرَيدَةَ: وكُنتُ نَهَيتُكُم عَنِ النَّبِيذِ إِلَاّ فِي سِقَاءٍ، ولأنَّ ما عدا تلك الأربعَ في معناها، فَيُلحَقُ بها على طريقة نَفيِ الفارق، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(١) \"تنوفة\": القَفْر من الأرض. \"البوّ\": وَلَد الناقة. \"النهي\": الغدير. \"تغاوله\": تأخذه من حيث لم يَدْرِ.","vol":"1","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>(٦) بَابُ أَوَّلِ مَا يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِينَ</span>\n[١٦] عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رسولَ الله ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ قَالَ: إِنَّكَ سَتَقدَمُ عَلَى قَومٍ أهل كِتَابٍ، فَليَكُن أَوَّلَ مَا تَدعُوهُم إِلَيهِ عِبَادَةُ اللهِ ﷿، فَإِذَا عَرَفُوا اللهَ فَأَخبِرهُم\nــ\n(٦) وَمِن بَابِ أَوَّلِ مَا يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِينَ\n(قوله: إِنَّكَ سَتَقدَمُ عَلَى قَومٍ أهل كِتَابٍ) يعني به: اليهودَ والنصارى؛ لأنهم كانوا في اليمنِ أكثرَ مِن مشركي العَرَبِ أو أغلَبَ، وإنما نبَّهه على هذا؛ ليتهيَّأَ لمناظرتهم، ويُعِدَّ الأدلَّةَ لإفحامهم؛ لأنَّهم أهلُ عِلمٍ سابقٍ، بخلافِ المُشرِكين وعَبَدَةِ الأوثان.\nو(قوله: فَليَكُن أَوَّلَ مَا تَدعُوهُم إِلَيهِ عِبَادَةُ اللهِ) قد تقدَّم أنَّ أصلَ العبادةِ التذلُّلُ والخضوع، وسُمِّيَت وظائفُ الشرعِ على المكلَّفين: عباداتٍ؛ لأنَّهم يلتزمونها ويفعلونها خاضعين متذلِّلين لله تعالى. والمراد بالعبادة هنا: هو النطقُ بشهادة أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمَّدًا رسولُ الله؛ كما جاء في الرواية الأخرى مفسَّرًا: فَادعُهُم إِلَى شَهَادَةِ أَن لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ.\nو(قوله: فَإِذَا عَرَفُوا اللهَ، فَأَخبِرهُم) أي: إن أطاعوا بالنطق بذلك، أي: بكلمتي التوحيد؛ كما قال في الرواية الأخرى: فَإِن هُم أَطَاعُوا بذَلِكَ فَأَعلِمهُم، فسمَّى الطواعية بذلك والنطقَ به: معرفةً؛ لأنَّه لا يكونُ غالبًا إلا عن المعرفة. وهذا الذي أَمَرَ النبيُّ - ﷺ - به معاذًا، هو الدَّعوَةُ قبلَ القتالِ؛ التي كان النبيُّ - ﷺ - يُوصِي بها أُمَرَاءَهُ، وقد اختُلِفَ في حُكمها على ما يأتي في الجهاد.\nوعلى هذا فلا يكونُ في حديث معاذٍ حُجَّةٌ لمن تمسَّكَ به من المتكلِّمين على أنَّ أوَّلَ واجبٍ على كلِّ مكلَّفٍ: معرفةُ الله تعالى بالدليل والبرهان، بل هو حُجَّةٌ لمن يقول: إنَّ أَوَّلَ","vol":"1","page":181},{"text":"أَنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيهِم خَمسَ صَلَوَاتٍ فِي يَومِهِم وَلَيلَتِهِم، فَإِذَا فَعَلُوا،\nــ\nالواجباتِ التلفُّظُ بكلمتَيِ الشهادةِ، مُصَدِّقًا بها.\nوقد اختلف المتكلِّمون في أوَّل الواجبات على أقوالٍ كثيرةٍ، منها ما يَشنُعُ ذكره، ومنها ما ظَهَرَ ضعفه، والذي عليه أئمَّةُ الفتوى، وبهم يُقتَدَى كمالكٍ، والشافعيِّ، وأبي حنيفةَ، وأحمدَ بن حنبل، وغيرِهِم من أئمَّةِ السلف: أنَّ أوَّلَ الواجباتِ على المكلَّف: الإيمانُ التصديقيُّ الجَزمِيُّ الذي لا رَيبَ معه بالله تعالى ورسلِهِ وكُتُبِه، وما جاءت به الرسلُ، على ما تقرَّرَ في حديثِ جبريلَ، كيفما حصَلَ ذلك الإيمان، وبأيِّ (١) طريقٍ إليه تُوُصِّلَ، وأما النطقُ باللسان: فمُظهِرٌ لما استَقَرَّ في القلب من الإيمان، وسَبَبٌ ظاهرٌ تترتَّبُ عليه أحكامُ الإسلام. وتفصيلُ ما أجملناه يستدعي تفصيلًا وتطويلًا يُخرِجُ عن المقصود، ولعلَّنَا بِعَونِ الله تعالى نكتُبُ في هذه المسألة جزءًا؛ فإنها حَرِيَّةٌ بذلك.\nوقد احتَجَّ بهذا الحديث مَن قال بأنَّ الكفَّارَ ليسوا مخاطَبِينَ بفروع الشريعة؛ وهو أحدُ القولَينِ لأصحابنا وغيرِهم؛ من حيثُ إنّهُ - ﵊ - إنما خاطبهم بالتوحيد أوَّلًا، فلمَّا التزموا ذلك خاطبهم بالفروع التي هي الصلاةُ والزكاة، وهذا لا حجة فيه؛ لوجهين:\nأحدهما: أنّه لم يَنُصَّ النبيُّ - ﷺ - على أنَّه إنما قدّم الخطابَ بالتوحيد لِمَا ذكروه، بل يَحتَمِلُ ذلك، ويحتملُ أن يقال: إنَّه إنَّما قدَّمه لكونِ الإيمانِ شَرطًا مصحِّحًا للأعمالِ الفروعيَّة، لا للخطابِ بالفروع؛ إذ لا يَصِحُّ فِعلُهَا شرعًا إلا بتقدُّم وجوده، ويصحُّ الخطابُ بالإيمانِ وبالفروعِ معًا في وقتٍ واحد، وإن كانت في الوجودِ متعاقبةً؛ كما بيَّناه في الأصول؛ وهذا الاحتمالُ أظهَرُ مما تمسَّكوا به، ولو لم يكن أظهَرَ، فهو مساو له؛ فيكونُ ذلك الخطابُ مجمَلًا بالنسبةِ إلى هذا الحكم.\nوثانيهما: أنَّ النبيَّ - ﷺ - إنما رتَّب هذه القواعدَ؛ ليبيِّن الأوكَدَ فالأوكد، والأهَمَّ فالأهم؛ كما بيَّنَّاه في حديثِ ابن عمر الذي قبل هذا، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) في (ع): ومن أي.","vol":"1","page":182},{"text":"فَأَخبِرهُم أَنَّ اللهَ قَد فَرَضَ عَلَيهِم زَكَاةً تُؤخَذُ مِن أَغنِيَائِهِم، وتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِم، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا، فَخُذ مِنهُم وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَموَالِهِم.\n\nــ\nواقتصارُ النبي - ﷺ - على ذِكرِ القواعد الثلاث؛ لأنَّها كانت هي المتعيِّنَةَ عليهم في ذلك الوقتِ المتأكِّدَ فيه؛ ولا يُظَنُّ أنّ الصومَ والحجَّ لم يكونا فُرِضَا إذ ذاك؛ لأنَّ إرسالَ معاذٍ إلى اليمن كان في سنة تِسعٍ، وقد كان فُرِضَ الحَجُّ، وأما الصوم: ففُرِضَ في السنة الثانية من الهجرة، ومات النبي - ﷺ - ومعاذٌ باليمن على الصحيح.\nوقولُ مَن قال: إنَّ الرواةَ سَكَتُوا عن ذكر الصومِ والحجِّ؛ قولٌ فاسد؛ لأنَّ الحديث قد اشتهر، واعتنى الناسُ بنقله سلفًا وخلفًا؛ فلو ذكر رسولُ الله - ﷺ - له شيئًا مِن ذلك لَنُقِلَ.\nو(قوله: إنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيهِم زَكَاةً تُؤخَذُ مِن أَغنِيَائِهِم، فتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِم) دليلٌ لمالك على أنَّ الزكاةَ لا تجبُ قِسمتها على الأصنافِ المذكورين في الآية، وأنَّه يجوزُ للإمامِ أن يصرفها إلى صِنفٍ (١) واحد من الأصناف المذكورين في الآية (٢)؛ إذا رآه نَظَرًا ومصلحةً دينيَّة، وسيأتي هذا كاملا (٣) في كتاب الزكاة، إن شاء الله تعالى.\nوفيه دليلٌ لمن يقول: يدفعها مَن وجبَت عليه للإمامِ العدل، الذي يضعها مواضعها، ولا يجوزُ لمن وجبَت عليه أن يَلِيَ تفرقتَهَا بنفسه إذا أقام الإمامُ من تُدفَعُ إليه، ومن ذلك تفصيلٌ يُعرَفُ في الفروع.\nو(قوله: وَإيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَموَالِهِم) أي: خيارَهَا ونفائسَهَا؛ حذَّرَهُ مِن ذلك؛ نظرًا لأربابِ الأموال، ورِفقًا بهم، وكذلك أيضا: لا يأخُذُ مِن شرارِ المال ولا مَعِيبِهِ؛ نظرًا للفقراء؛ فلو طابَت نفسُ رَبِّ المال بشيءٍ من كرائم أمواله؛ جاز\n_________\n(١) فى (ط): جنس.\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٣) زيادة من (ع).","vol":"1","page":183},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، عَن مُعَاذٍ، قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ الله - ﷺ - فَقَالَ: إِنَّكَ تَأتِي قَومًا مِن أهل الكِتَابِ، فَادعُهُم إِلَى شَهَادَةِ أَن لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، فَإِن هُم أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعلِمهُم أَنَّ اللهَ افتَرَضَ. . . وَذَكَرَ الحَدِيثَ نَحوَهُ، وَزَادَ: وَاتَّقِ دَعوَةَ المَظلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيسَ بَينَهَا وَبَينَ اللهِ حِجَابٌ.\nرواه أحمد (١/ ٢٣٣)، والبخاري (١٤٥٨) و(٤٣٤٧) و(٧٣٧١)، ومسلم (١٩)، وأبو داود (١٥٨٤)، والترمذي (٦٢٥)، والنسائي (٥/ ٥٢ و٥٥)، وابن ماجه (١٧٨٣).\n* * *\nــ\nللمُصَدِّقِ أخذُهَا منه، ولو أن المُصَدِّقُ رأى أن يَأخُذَ مَعِيبَةً على وجه النظر والمصلحةِ للفقراء جاز.\nو(قوله: وَاتَّقِ دَعوَةَ المَظلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيسَ بَينَهَا وَبَينَ اللهِ حِجَابٌ) الروايةُ الصحيحة في فإنَّه بضمير المذكَّر؛ على أن يكونَ ضميرَ الأمر والشأن، ويَحتملُ: أن يعودَ على مذكَّرِ الدعوة؛ فإنَّ الدعوةَ دعاءٌ.\nووقع في بعض النسخ: فإنَّها بهاء التأنيث، وهو عائدٌ على لفظ الدعوة. ويستفادُ منه: تحريمُ الظُّلمِ، وتخويفُ الظالم، الدعاء للمظلوم عليه، والوَعدُ الصِّدقُ بأنَّ الله تعالى يستجيبُ للمظلومِ فيه، غيرَ أنَّهُ قد تعجِّلُ الإجابةَ فيه، وقد يؤخِّرها إملاءً للظالم؛ كما قال - ﵊ -: إِنَّ اللهَ يُملِي للِظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَم يُفلِتهُ (١)، ثُمَّ قرأ: وَكَذَلِكَ أَخذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ، وكما قد رُوِيَ عن النبي - ﷺ - أنه قال: إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَرفَعُ دَعوَةَ المَظلُومِ عَلَى الغَمَامِ، وَيَقُولُ لَهَا: لَأَنصُرَنَّكِ وَلَو بَعدَ حِينٍ (٢).\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٥٨٣)، والترمذي (٣١١٠)، وابن ماجه (٤٠١٨) من حديث أبي موسى ﵁.\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٣٠٥ و٤٤٥)، والترمذي (٢٥٢٦)، وابن ماجه (١٧٥٢) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>(٧) بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ إِلَى أَن يُوَحِّدُوا الله وَيَلتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ</span>\n[١٧] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ الله - ﷺ - وَاستُخلِفَ أبو بَكرٍ - ﵁ - بَعدَهُ، وَكَفَرَ مَن كَفَرَ مِنَ العَرَبِ،\nــ\n\n(٧) ومِن بَابٍ يُقَاتَلُ النَّاسُ إِلَى أَن يُوَحِّدُوا الله، وَيَلتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ\n(قوله: وَكَفَرَ مَن كَفَرَ مِنَ العَرَبِ) قال ابنُ إسحاق: لمَّا قُبِضَ رسولُ الله - ﷺ - ارتدَّتِ العربُ إلَاّ ثلاثةَ مساجدَ: مسجدَ المدينةِ، ومسجدَ مَكَّةَ، ومسجدَ جُؤاثَا.\nقال القاضي أبو الفضلِ عِيَاضٌ: كان أهلُ الردَّةِ ثلاثةَ أصناف: فصنفٌ كفَرَ بعد إسلامه، وعاد لجاهليته، واتَّبَعَ مُسَيلِمَة والعَنسِيَّ، وصدَّقَ بهما. وصنفٌ أقرَّ بالإسلام إلا الزكاة فجحدها، وتأوَّلَ بعضُهُم أنَّ ذلك كان خاصًّا للنبيِّ - ﷺ -؛ لقولِهِ تعالى: خُذ مِن أَموَالِهِم صَدَقَةً تُطَهِّرُهُم وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيهِم إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُم وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، وصنفٌ اعترَفَ بوجوبِها، ولكنِ امتنع مِن دفعها إلى أبي بكر، فقال: إنما كان قَبضُهَا للنبيِّ - ﷺ - خاصَّةً لا لغيره، وفرَّقوا صدقاتِهم بأيديهم، فرأى أبو بَكرٍ والصحابةُ قتالَ جميعِهم، الصِّنفانِ الأَوَّلانِ لِكُفرهم، والثالثُ لامتناعهم.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: وهذا الصنفُ الثالثُ هم الذين أشكَلَ أمرُهم على عمر، فباحَثَ أبا بكرٍ في ذلك حتَّى ظهَرَ له الحقُّ الذي كان ظاهرًا لأبي بكر، فوافقه على ذلك؛ ولذلك قال: فَوَاللهِ! مَا هو إِلا أَن رَأَيتُ اللهَ قَد شَرَحَ صَدرَ أَبِي بَكرٍ لِلقِتَالِ؛ فَعَرَفتُ أنّهُ الحَقُّ، أي: ظَهَرَ له من الدليل، وحصَلَ له من ثَلَجِ الصدر وانشراحِهِ لذلك، مثلُ الذي حصَلَ لأبي بكر، لأنَّه قلَّده واتَّبَعَهُ بعد ظهور الدليل؛ لأنَّ التقليد لا ينشرحُ به الصدرُ، ولا يُعرَفُ به الحقُّ، ولأنه لا يجوزُ لمجتهدٍ أن","vol":"1","page":185},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nيقلِّد مجتهدًا عند تمكُّنِهِ من الاجتهادِ؛ كما بيَّنَّاه في أصول الفقه، ثُمَّ إنَّ أبا بكر قاتَلَ جميعَ المرتدِّين الثلاثة الأصناف (١)، وسَبَى ذراريهم؛ قال القاضي: وحكَمَ فيهم بحكم الناقضين للعهد، فلمَّا تُوُفِّيَ أبو بكرٍ ووَلِيَ عمر رَدَّ عليهم سَبيَهُم، وحكَمَ عليهم (٢) بحكم المرتدِّين، وكان أبو بكر يرى سَبيَ أولاد المرتدِّين؛ وبذلك قال أصبَغُ بن الفَرَجِ (٣) من أصحابنا، وكان عمر يرى أنهم لا يُسبَونَ، ولذلك ردَّ سبيهم؛ وبهذا قال جمهورُ العلماءِ وأئمَّةُ الفتوى.\nويستفاد مِن فعل عمر وحُكمِهِ: أنَّ الإمام المجتِهدَ العدلَ إذا أمَرَ بأمر، أو حكم بحكم، وجبَت موافقتُهُ على الجميع، وإن كان فيهم مَن يرى خلافَ رأيه، بل يجبُ عليه تركُ العمل والفُتيَا بما عنده، وإن اعتقَدَ صِحَّته، فإن عاد الأمرُ إليه، عَمِلَ على رأيه الذي كان يعتقده صوابًا.\nويحصَّل من قضيَّة أبي بكر وعمر: أنَّ سَبيَ أولادِ المرتدِّين لم يكن مُجمَعًا عليه، وأنَّ عمر إنَّما وافق أبا بكرٍ ظاهرًا وباطنًا على قتال الجميعِ لا غيرُ، وأمَّا سبيُ الذراري، فلم يوافقهُ عليه عمرُ باطنًا، لكنَّه تركَ العملَ بما ظهَرَ له والفُتيَا به؛ لِمَا يجبُ عليه مِن طاعة الإمام وموافقتِهِ، فلمَّا وَلِيَ عمل بما كان عنده؛ هذا هو الظاهرُ من حال عمر. ولا يجوزُ أن يقال: إنَّهُ كان قد ظهَرَ له مِن جواز السَّبيِ ما ظهر لأبي بكر، ثمّ تغيَّر اجتهاده؛ لأنّ ذلك يلزمُ منه خرقُ إجماعِ الصحابة السابق؛ فإنَّهم كانوا قد أجمعوا مع أبي بكر على السَّبيِ، وَعَمِلُوا بذلك مِن غير مخالفة ظهرَت من أحد منهم ولا إنكارٍ ظاهرٍ؛ غير أنَّهم منقسمون في ذلك إلى\n_________\n(١) قوله: الثلاثة الأصناف ساقط من (ع)، ومستدرك من (م) و(ط) و(ل).\n(٢) في (ع): فيهم.\n(٣) هو فقيه مالكي مصري ثقة، له تصانيف. توفي سنة (٢٢٥ هـ).","vol":"1","page":186},{"text":"قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ - ﵁ - لأبِي بَكر - ﵁ -: كَيفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَد قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: أُمِرتُ أَن أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إِلهَ إِلا اللهُ، فَمَن قَالَ: لا إِلهَ إِلا اللهُ،\nــ\nمَن ظَهَرَ له جوازُ ذلك؛ فسكَتَ لذلك، ومنهم: مَن ظهر له خلافُ ذلك؛ فسكَتَ بحكم ترجيحِ قول الإمام العدل المجتَهِدِ على رأيه، ولوجوبِ اتَّبَاعِ الإمامِ على ما يراه، والعمل به؛ فإذا فُقِدَ ذلك الإمامُ، تعيَّن على ذلك المجتهدِ أن يعمَلَ على ما كان قد ظهر له، لكن بعد تجديد النظر، لا أنّه يعتمدُ على ذلك الرأيِ الأوَّلِ مِن غير إعادة البحث ثانيةً؛ لإمكانِ التغييُّر على ما بَيَّنتُه في عِلم الأصول.\nوقد حكى بعضُ الناس: أنّ الإجماع انعقد بعد أبي بكر على أنّ المرتدَّ لا يُسبَى؛ وليس ذلك بصحيح؛ لوجودِ الخلاف في ذلك؛ كما قد حكيناه عن أصبَغَ، ولأنَّه يؤدِّي إلى تناقُضِ الإجماعَينِ، وهو محالٌ؛ كما يُعرَفُ في الأصول. ولمَّا اعتقَدَ بعضُ الأصوليِّين في هذه المسألة إجماعَين متناقَضَين رأى أنَّ المُخَلِّصَ من ذلك: اشتراطُ انقراضِ العَصرِ في صحَّة الإجماع، فلم ينعقد عند هذا القائل فيها إجماعٌ أوَّلًا ولا آخرًا؛ لأنَّ عصر الصحابة لم يكنِ انقرَضَ في زمان عمر.\nقال المؤلف - رحمه الله تعالى -: واشتراطُ انقراضِ العصر في دلالة الإجماعِ باطلٌ؛ لأنَّهُ زيادةُ شرطٍ في دلالات الإجماعِ الصحيحِة، من غير أن يَشهَدَ لتلك الزيادةِ عَقلٌ ولا نقل، والصحيحُ من هذه المسألة: أنَّه لا إجماعَ فيها أوَّلًا ولا آخِرًا؛ لإضمارِ الخلاف فيها في عَصرِ أبي بكر، والتصريح به بعده، والله تعالى أعلم.\nو(قولُ عمر لأبي بكر: كَيفَ تُقَاتِلُ النَّاس وَقَد قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: أُمِرتُ أَن أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلهَ إلا اللهُ)؟ ظاهره: أنَّ مَن نطق بكلمة التوحيد فقط حُكِمَ له بِحُكمِ الإسلام. وهذا الظاهرُ متروكٌ قطعًا؛ إذ لا بدَّ مع ذلك من","vol":"1","page":187},{"text":"فَقَد عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفسَهُ، إِلَاّ بِحَقِّهِ،\nــ\nالنطقِ بالشهادة بالرسالةِ أو بما يدلُّ عليها، لكنَّهُ سكَتَ عن كلمة الرسالة؛ لدلالة كلمة التوحيد عليها؛ لأنَّهما متلازمان، فهي مرادةٌ قطعًا.\nثُمَّ النطقُ بالشهادتَين يدلُّ على الدخولِ في الدِّينِ والتصديقِ بكلِّ ما تضمَّنه؛ وعلى هذا: فالنطقُ بالكلمةِ الأولى يفيدُ إرادةَ الثانية، كما يقال: قرأتُ: الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ والمرادُ جميعُ السورة. ويدلُّ على صِحَّةِ ما قلناه: الرواياتُ الأُخَرُ التي فيها: أُمِرتُ أَن أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشهَدُوا أَن لا إِلهَ إِلا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤتُوا الزَّكَاةَ، وفي لفظٍ آخر: أُمِرتُ أَن أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشهَدُوا أَن لا إِلهَ إِلا اللهُ، وَيُؤمِنُوا بِي، وَبِمَا جِئتُ بِهِ. غير أنَّ أبا بكر وعمر لم يَحضر لهما في وقتِ هذه المناظرة غيرُ ذلك اللفظِ الذي ذكراه؛ إذ لو حضر لهما قولُهُ - ﵊ -: أُمِرتُ أَن أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشهَدُوا أَن لا إِلهَ إِلا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤتُوا الزَّكَاةَ، لارتفَعَ البحثُ بينهما؛ لأنَّ هذا اللفظَ نَصُّ في المطلوب، وأوضَحُ في الدلالة ممَّا استدَلَّ به أبو بكر مِن قوله: لَأُقَاتِلَنَّ مَن فَرَّقَ بَينَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ.\nويعني بهذا أبو بكر - واللهُ أعلَم -: أنَّ الله تعالى قد سوَّى بين الصلاة والزكاة في الوجوب في قولِهِ تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ؛ وفي غيرها، فقد جمَعَ اللهُ تعالى بينهما في الأمر بهما، والصلاةُ المأمورُ بها واجبةٌ قطعًا؛ فالزكاةُ مثلُهَا، فمَن فرَّقَ بينهما قُوتِلَ.\nويمكنُ أَن نشِيرَ بذلك إلى قولِهِ تعالى: فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُم، ودليلُ خطابها: أنَّ مَن لم يفعَل جميعَ ذلك لَم يُخَلَّ سبيلُهُ، فيقاتَلُ إلى أن يُقتَلَ أو يتوبَ، وبهذه الآية وبذلك الحديث استدلَّ الشافعيُّ ومالك ومَن قال بقولهما على قَتلِ تاركِ الصلاة وإن كان معتقدًا لوجوبها؛ على ما يأتي إن شاء الله تعالى.\nو(قوله: فَقَد عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ ونَفسَهُ إِلَاّ بِحَقِّهِ) عصَمَ: منع، وَالعِصمَةُ: المنعُ والاِمتناع، والعِصَامُ: الخيطُ الذي يُشَدُّ به فَمُ القِربةِ، سُمِّيَ بذلك؛ لمنعه الماءَ","vol":"1","page":188},{"text":"وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ، فَقَالَ أبو بَكرٍ - ﵁ -: وَاللهِ! لَأُقَاتِلَنَّ مَن فَرَّقَ بَينَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ؛ فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، وَاللهِ! لَو مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ الله - ﷺ - لَقَاتَلتُهُم عَلَى مَنعِهِ، فَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: فَوَاللهِ مَا هو إِلَاّ أَن رَأَيتُ اللهَ - ﷿ - قَد شَرَحَ صَدرَ أَبِي بَكرٍ لِلقِتَالِ؛ فَعَرَفتُ أَنَّهُ الحَقُّ.\n\nــ\nمن السَّيلان، والحقُّ المستثنَى: هو ما بيَّنه - ﷺ - في الحديث الآخر بقوله: زنًى بَعدَ إِحصَانٍ، أو كُفرٌ بَعدَ إِيمَانٍ، أو قَتلُ النَّفسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ (١)، وسيأتي ذكره في الحدود.\nو(قوله: وَحِسَابُهُم عَلَى اللهِ) أي: حسابُ سرائرهم على الله؛ لأنَّه تعالى هو المُطَّلِعُ عليها؛ فَمَن أخلَصَ في إيمانه وأعماله جازاه الله عليها جزاءَ المُخلِصين، ومن لم يُخلِص في ذلك كان من المنافقين، يُحكَمُ له في الدنيا بأحكامِ المسلمين، وهو عند الله مِن أسوأ الكافرين.\nويستفادُ منه: أنَّ أحكامَ الإسلامِ إِنَّما تُدَارُ على الظواهرِ الجليَّة، لا الأسرارِ الخفيَّة.\nو(قوله: وَاللهِ لَو مَنَعَونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلى رَسُولِ الله - ﷺ - لَقَاتَلتُهُم عَلى مَنعِهِ) اختُلِفَ في هذا العِقَال على أقوال: أولها: أنه الفريضةُ من الإبل؛ رواه ابن وَهبٍ عن مالك، وقاله النَّضرُ بن شُمَيل. وثانيها: أنَّه صَدَقةُ عامٍ؛ قاله الكسائيُّ؛ وأنشد:\nسَعَى عِقَالًا فَلَم يَترُك لَنَا سَبَدًا (٢) ... فَكَيفَ لَو قَد سَعَى عَمرٌو عِقَالَين؟ !\n_________\n(١) لم نجده في كتاب الحدود، وهو عند الدارمي (٢/ ١٧١).\n(٢) \"سعى\": على الصدقة: عَمِل في أَخْذها مِن أربابها. \"السَّبَد\": البقية من النَّبت، والقليل من الشَّعْر.","vol":"1","page":189},{"text":"وعنه، عَن رَسُولِ الله - ﷺ - قَالَ: أُمِرتُ أَن أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشهَدُوا أَن لا إِلهَ إِلا اللهُ، وَيُؤمِنُوا بِي، وَبِمَا جِئتُ بِهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُم وَأَموَالَهُم، إِلا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُم عَلَى اللهِ.\nرواه أحمد (٣٧٧/ ٢ و٤٢٣ و٤٧٥ و٥٠٢ و٥٢٧ و٥٢٨)، والبخاري (٢٩٤٦)، ومسمم (٢١)، وأبو داود (١٥٥٦) و(٢٦٤٠)، والترمذي (٢٦١٠)، والنسائي (٥/ ١٤)، وابن ماجه (٣٩٢٧).\nــ\nوثالثهما: أنَّه كُلُّ شيءٍ يؤخذُ في الزكاةِ مِن أنعامٍ وثمار؛ لأنَّهُ يُعقَلُ عن مالكه؛ قاله أبو سَعِيدٍ الضريرُ.\nورابعها: هو ما يأخُذُهُ المصدِّق من الصدقة بعينها، فإن أخَذَ عِوَضَها، قيل: أخَذَ نقدًا؛ ومنه قولُ الشاعر:\nوَلَم يَأخُذ عِقَالًا وَلَا نَقدًا\nوخامسها: أنه اسمٌ لما يُعقَلُ به البعير؛ قاله أبو عُبَيد، وقال: قد بعَثَ رسول الله - ﷺ - محمَّد بن مَسلَمة على الصدقة، فكان يأخذ مع كُلِّ قَرينَينِ عِقَالًا ورِوَاءً (١).\nقال المؤلف - رحمه الله تعالى -: والأشبه بمساق قول أبي بكر أن يراد بالعِقَال: ما يُعقَلُ به البعير؛ لأنه خرج مَخرَجَ التقليل، والله أعلم.\nوقد رُوِيَ في غير كتاب مسلم (٢): لَو مَنَعُونِي عَنَاقًا مكان عِقَالًا، وهو الجَذَعُ مِن أولاد المَعز. وقد روي: جَذعًا مكانَ عَنَاقًا، وهو تفسيرٌ له، والجذَعُ من أولاد الغنم: هو الذي جاوز ستةَ أشهر إلى آخر السنة، ثم هو ثَنِيٌّ. وبهذه الروايةِ تمسَّك مَن أجاز أَخذَ الجذَعَ\n_________\n(١) \"الرواء\": الحبل الذي تربط به المزادتان، والمزادة: الرَّاوية التي يُنقل بها الماء.\n(٢) رواه أحمد (١/ ١٩، ٣٦، ٤٨، و٢/ ٥٢٩)، والبخاري (١٤٥٦)، وأبو داود (١٥٥٦)، والنساني (٧/ ٧٨).","vol":"1","page":190},{"text":"[١٨] وَفِي رِوَايَةِ ابنِ عُمَرَ: حَتَّى يَشهَدُوا أَن لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُم وَأَموَالَهُم، وَحِسَابُهُم عَلَى اللهِ.\nرواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢).\n* * *\nــ\nمن المعز في الزكاة إذا كانت سِخَالًا كلُّها؛ وهو قولُ الشافعيِّ، وأحدُ قولَي مالك، وليس بالمشهور عنه. ولا حُجَّةَ في ذلك؛ لأنَّه خرج مَخرَجَ التقليل؛ فإنَّ عادةَ العرب إذا أَغيَت (١) تقليل شيء، ذَكَرَت في كلامها ما لا يكونُ مقصودًا؛ كما قال رسول الله - ﷺ -: لَا تَحقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَو فِرسِنَ شَاةٍ (٢)، وفي أخرى: وَلَو ظِلفًا مُحرَقًا (٣)، وليسا مما ينتفعُ به، وكذلك قولُهُ - ﵊ -: مَن بَنَى مَسجِدًا لله وَلَو مِثلَ مَفحَصِ قَطَاةٍ (٤)؛ وذلك القَدرُ لا يكونُ مسجدًا، ونحو من هذا في الإغيَاء قولُ امرئ القيس:\nمِنَ القَاصِرَاتِ الطَّرفِ لَو دَبَّ مُحوِلٌ ... مِنَ الذَّرِّ فَوقَ الإتبِ مِنهَا لأثَّرا\nونحوُهُ كثيرٌ في كلامهم في التقليل والتكثيرُ والتعظيم والتحقير.\nوفي الحديث: حُجَّةٌ على أنَّ الزكاةَ لا تسقُطُ عن المرتدِّ بردَّته، بل يؤخذُ منه ما وجَبَ عليه منها، فإن تاب، وإلا قُتِلَ وكان ماله فَيئًا.\n_________\n(١) \"أغيت\": بلغت الغاية.\n(٢) رواه البخاري (٢٥٦٦ و٦٠١٧)، ومسلم (١٠٣٠).\n\"الفِرْسَن\": ظلف الشاة، أي: مؤخرة الرِّجل.\n(٣) رواه أبو داود (١٦٦٧)، والترمذي (١٦٦٥)، والنسائي (٥/ ٨١).\n\"المفحص\": عش القطاة الذي تبيت فيه. والقطاة: طائر.\n(٤) رواه البيهقي في سننه الكبرى (٢/ ٤٣٧) من حديث أبي ذر ﵁.","vol":"1","page":191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>(٨) بَابٌ فِي قَولِهِ تَعَالَى: إِنَّكَ لَا تَهدِي مَن أَحبَبتَ</span>\n[١٩] عَن سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ، عَن أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا حَضَرَت أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ، جَاءَهُ رَسُولُ الله - ﷺ -، فَوَجَدَ عِندَهُ أَبَا جَهلٍ، وَعَبدَ اللهِ بنَ أَبِي أُمَيَّةَ بنِ\nــ\n(٨) وَمِن بَابِ قَولِهِ تَعَالَى: إِنَّكَ لَا تَهدِي مَن أَحبَبتَ\n(قوله: لَمَّا حَضَرَت أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ) أبو طالب هذا: هو ابنُ عبد المطَّلبِ بنِ هاشمِ بنِ عبدِ مَنَافِ بنِ قُصَيٍّ، وهو عمُّ النبيِّ - ﷺ -، ووالدُ عليّ بن أبي طالبِ، واسمُهُ: عبد مناف، وقيل: اسمه كنيته، والأوَّل أصحّ، واسمُ عبد المطَّلب: شَيبَةُ، وكان يُقالُ له: شيبةُ الحمد، واسمُ هاشمٍ: عمرو، وهاشمٌ لَقَبٌ له؛ لأنَّه أوّلُ من هَشَمَ الثريدَ لقومه. واسمُ عبد منافٍ: المغيرة، واسمُ قُصَيٍّ: زيدٌ، وقيل له: مجمِّعٌ؛ لأنَّه جَمَّعَ إليه قومَهُ.\nوكان والدُ النبيِّ - ﷺ - وهو عبدُ الله قد توفِّيَ ورسولُ الله - ﷺ - حَملٌ في بطنِ أمِّه على الأصحِّ، فوُلِدَ رسولُ الله - ﷺ -، ونشَأَ في كَفَالَةِ جَدِّهِ عبد المُطَّلِبِ إلى أن تُوُفِّي، فكفله عمُّه أبو طالب، ولم يَزَل يحبُّه حُبًّا شديدًا، ويحوطُهُ ويحفظه إلى أن بعَثَ اللهُ محمَّدًا - ﷺ - بالنبوَّة، فنصره أبو طالب وأعانه وأجارَهُ ممَّن يريدُ به سوءًا، وقامَ دونه، وعادى في حَقَّهِ قريشًا وجميعَ العرب، إلى أن ناصبوه القتالَ وجاهروه بالعداوة والأذى؛ وطلبوا أن يُسَلِّمَهُ لهم، فلم يفعَل. ثُمَّ إنَّ قريشًا وجميعَ أهلِ مَكَّةَ تعاقدوا فيما بينهم، وتحالفوا على هَجرِهِ وجميعِ بني هاشمٍ ومقاطعتهم، وعلى ألَاّ يقاربوهم، ولا يناكحوهم، ولا يبايعوهم، ولا يَصِلُوهُم بشيء من وجوه الرفق كلِّها، حتَّى يُسَلِّموا إليهم رسولَ الله - ﷺ -، وكتبوا بذلك صحيفةً وعلَّقوها في الكعبة، فانحاز أبو طالب وبنو هاشم في شِعبهم، وأقاموا على ذلك نحو ثَلَاثِ سنين في جَهدٍ جهيد، وحالٍ شديد، إلى أن نقَضَ اللهُ أمرَ الصحيفة، وأظهر أمرَ نبيِّه على ما هو مذكورٌ في كتب","vol":"1","page":192},{"text":"المُغِيرَةِ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: يَا عَمِّ، قُل: لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ، كَلِمَةً أَشهَد لَكَ بِهَا عِندَ اللهِ، فَقَالَ أبو جَهلٍ وَعَبدُ اللهِ بنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرغَبُ عَن مِلَّةِ عَبدِ المُطَّلِبِ؟ ! فَلَم يَزَل رَسُولُ الله - ﷺ - يَعرِضُهَا عَلَيهِ، وَيُعِيدُ لَهُ تِلكَ المَقَالَةَ، حَتَّى قَالَ أبو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُم: هو عَلَى مِلَّةِ عَبدِ المُطَّلِبِ، وَأَبَى أَن يَقُولَ: لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: أَمَا وَاللهِ لأستَغفِرَنَّ لَكَ\nــ\nالسير. وكان أبو طالب يَعرِفُ صدقَ رسول الله - ﷺ - في كلِّ ما يقوله، ويقولُ لقريش: تَعلمُون واللهِ أنّ محمّدًا لم يكذب قطُّ، ويقولُ لابنه عليٍّ: اتَّبِعهُ، فإنَّه على الحقِّ. غير أنَّه لم يدخُل في الإسلام، ولم يَتَلفَّظ به، ولم يَزَل على ذلك إلى أن حَضَرتهُ الوفاةُ، فدخل عليه رسولُ الله - ﷺ - طامعًا في إسلامه، وحريصًا عليه، باذلًا في ذلك جُهده، مستفرغًا ما عنده، لكن عاقت عن ذلك عوائقُ الأقدار، التي لا ينفَعُ معها حرصٌ ولا اقتدار.\nو(قوله: يَا عَمِّ، قُل: لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ، كَلِمَةً أَشهَد لَكَ بِهَا عِندَ اللهِ) أحسنُ ما تُقيَّد به كلمة النصبُ؛ على أن تكون بدلًا من لا إله إلاّ الله، ويجوزُ رفعُها (١) على إضمار المبتدأ. وأَشهَد: مجزومٌ على جواب الأمر، أي: إن تقل أشهد.\nوكلُّ ذلك ترغيبٌ وتذكيرٌ لأبي طالب، وحِرصٌ على نجاته، ويأبى الله إلَاّ ما يريد.\nو(قوله: فَلَم يَزَل رَسُولُ الله - ﷺ - يَعرِضُهَا عَلَيهِ، وَيُعِيدُ لَهُ تِلكَ المَقَالَةَ) هكذا هو في الأصول وعند أكثر الشيوخ، ويعني بذلك أنَّ النبيَّ - ﷺ - أقبَلَ على أبي طالب يعرضُ عليه الشهادة، ويكرِّرها عليه.\nووقع في بعض النسخ: وَيُعِيدَانِ لَهُ تِلكَ المَقَالَةَ، ووجههما: أنّ أبا جهل وعبد الله بن أبي أُميَّة أعادا على أبي طالب قولهما له: أَتَرغَبُ عَن مِلَّةِ عَبدِ المُطَّلِبِ؟ ! حتَّى أجابهما إلى ذلك.\nو(قوله: وأبى أن يقولَ: لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ، أي: امتنع من قولها.\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"1","page":193},{"text":"مَا لَم أُنهَ عَنكَ، فَأَنزَلَ اللهُ ﷿: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَستَغفِرُوا لِلمُشرِكِينَ وَلَو كَانُوا أُولِي قُربَى مِن بَعدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُم أَنَّهُم أَصحَابُ الجَحِيمِ، وَأَنزَلَ اللهُ فِي أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لِرَسُولِ الله - ﷺ -: إِنَّكَ لَا تَهدِي مَن أَحبَبتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعلَمُ بِالمُهتَدِينَ.\nرواه البخاري (٤٦٧٥)، ومسلم (٢٤)، والنسائي (٤/ ٩٠ - ٩١).\n[٢٠] وَفِي رِوَايَةٍ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ: قَالَ أبو طَالِبٍ: لَولَا أَن تُعَيِّرَنِي قُرَيشٌ؛ يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الجَزَعُ، لَأَقرَرتُ بِهَا عَينَكَ،\nــ\nو(قوله: يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الجَزَعُ) (١) بالجيم والزاي: صحيحُ لرواية؛ لا يُعرَفُ في كتاب مسلم غيرها، وهو بمعنى: الخَوفِ من الموت.\nوفي كتاب أبي عُبَيد: الخَرَع - بالخاء المعجمة والراء المهملة - وقال: يعني: الضعفَ والخَوَر، وكذلك قال ثعلبٌ وفسَّره به، قال شَمِرٌ: يقال: جزعَ الرجلُ؛ إذا ضَعُف، وكلُّ رِخو ضعيفٍ: خَريعٌ وخرِعٌ، والخَرِعُ: الفصيلُ الضعيف، قال: والخَرَعُ: الدَّهَشُ. وفي الصحاح: الخَرَعُ، بالتحريك: الرَّخَاوة في الشيء، وقد خَرِعَ الرجلُ، بالكسر، أي: ضَعُف، فهو خَرِعٌ، ويقال لِمِشفَرِ البعير إذا تدلَّى: خَرِيعٌ.\nو(قوله: لَولَا أَن تُعَيِّرَنِي قُرَيشٌ؛ لَأَقرَرتُ بِهَا عَينَكَ) أي: تَسُبَّني وتقبِّحَ عليَّ؛ يقال: عَيَّرتُهُ بكذا تعييرا، والعامَّةُ تقولُ بالباء، والأوَّل كلامُ العرب؛ كما قال النابغة:\nوَعَيَّرَتنِي بَنُو ذُبيَانَ خَشيَتَهُ ... وَمَا عَلَيَّ بِأَن أَخشَاكَ مِن عَارِ\n_________\n(١) في (ع): حمله ذلك على الجزع.","vol":"1","page":194},{"text":"فَأَنزَلَ اللهُ: إِنَّكَ لَا تَهدِي مَن أَحبَبتَ الآية.\nرواه مسلم (٢٥)، والترمذي (٣١٨٧).\n* * *\nــ\nومعنى: أقرَرتُ عينَك بها، أي: سرَرتُك بقولها، وأبلغتُكَ أُمنيتك: قال ثعلب: يقال: أقرَّ اللهُ عينَكَ، أي: بلَّغه أمنيتَهُ حتَّى ترضَى نفسُهُ، وتَقرَّ عيناُهُ؛ ومنه قولهم فيمن أدرَكَ ثأرَهُ: وَقَعتَ بِقُرِّك، أي: أدرَكَ قلبُكَ ما كان يتمنَّى. وقال الأصمعيُّ: معناه: بَرَّدَ الله دمعته؛ لأنَّ دمعةَ الفرح باردةٌ.\nقال غيره: ودمعةُ الحزن حارَّة؛ ولذلك يقال: أسخَنَ اللهُ عينَهُ، أي: أراه ما يسوؤُهُ فيبكي فتَسخَنُ عينُهُ.\nوقوله: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَستَغفِرُوا لِلمُشرِكِينَ أي: ما يجوزُ ولا ينبغي لهم ذلك، مِن بَعدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُم أَنَّهُم أَصحَابُ الجَحِيمِ أي: الموت على الكفر.\nوالجحيمُ: اسمٌ من أسماء النار المُعَدَّة للكفَّار، وكل نارٍ في مَهواة، فهي جحيمٌ؛ ومنه قوله تعالى: ابنُوا لَهُ بُنيَانًا فَأَلقُوهُ فِي الجَحِيمِ. والجاحمُ: المكانُ الشديد الحرِّ، وأصحابُ الجحيم مَستَحِقُّوها وملازموها.\nثَمَّ بيَّن الله عُذرَ إبراهيم عن استغفاره في قوله: وَاغفِر لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ بأنَّ ذلك: إنما كان منه لأجلِ وَعدِ إبراهيمَ لأبيه حين قال له سَأَستَغفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا وقيل: إنَّ الموعدة هي مِن أبي إبراهيم له بِأن يُسلِم، فلمَّا لم يَفِ بها، وتبيَّن له أنَّه لا يُسلِم إمَّا بالوحي وإمَّا بموته على الكفر؛ تبرَّأ منه، كما قال تعالى: فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنهُ، والقولان لأهل التفسير.\nقال القاضي أبو بَكرِ بنُ العَرَبِيِّ: يروى عن عمرو بن دينار أنَّ النَّبي - ﷺ - قال: استغفَرَ إبراهيمُ لأبيه وهو مشركٌ؛ فلا أَزَالُ أستغفرُ لأبي طالبٍ حتّى ينهاني الله (١)، وقال أصحابُهُ: استغفِرُوا\n_________\n(١) أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ١٠٢١).","vol":"1","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>(٩) بَابُ مَن لَقِيَ اللهَ تَعَالَى عَالِمًا بِهِ، دَخَلَ الجَنَّةَ</span>\n٢٦ - [٢١] عَن عُثمَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: مَن مَاتَ وهو يَعلَمُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ دَخَلَ الجَنَّةَ.\nرواه أحمد (١/ ٦٥ و٦٩)، ومسلم (٢٦).\nــ\nلآبائكم كما استغفَرَ النبيُّ - ﷺ - لأبي طالب عمِّه، فأنزَلَ الله تعالى: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا الآية. . .\nوقوله تعالى: إِنَّكَ لَا تَهدِي مَن أَحبَبتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهدِي مَن يَشَاءُ أي: لا تقدرُ على توفيقِ مَن أراد الله خِذلانه، وكَشفُ ذلك: بأنَّ الهداية الحقيقيَّة هي خلقُ القُدرَة على الطاعة، وقبولُهَا، وليس ذلك إلاّ لله تعالى، والهدايةُ التي تَصِحُّ نسبتُها لغير الله تعالى بوجهٍ ما: هي الإرشادُ والدَّلَالَة؛ كما قال تعالى: وَإِنَّكَ لَتَهدِي إِلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ أي: ترشدُ وتبيِّن؛ كما قال: إِن عَلَيكَ إِلَّا البَلَاغُ و: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِم وما ذكرناه: هو مذهبُ أهلِ السُّنَّةِ والجماعة، وهو الذي تدُلُّ عليه البراهينُ القاطعة.\n(٩) وَمِن بَابِ مَن لَقِيَ اللهَ عَالِمًا بِهِ، دَخَلَ الجَنَّةَ\n(قوله: مَن مَاتَ وهو يَعلَمُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلا اللهُ دَخَلَ الجَنَّةَ) حقيقةُ العلم: هي وضوحُ أمرٍ ما، وانكشافُهُ على غايته، بحيثُ لا يَبقَى له بعد ذلك غايةٌ في الوضوح،","vol":"1","page":196},{"text":"[٢٢] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي مَسِيرٍ، قَالَ: فَنَفِدَت أَزوَادُ القَومِ، حَتَّى هَمَّ بِنَحرِ بَعضِ حَمَائِلِهِم، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ! لَو جَمَعتَ مَا بَقِيَ مِن أَزوَادِ القَومِ، فَدَعَوتَ اللهَ عَلَيهَا، قَالَ:\nــ\nولا شكَّ في أنَّ من كانت معرفتُهُ بالله تعالى ورسولِهِ كذلك، كان في أعلى درجات الجَنَّة، وهذه الحالةُ هي حالةُ (١) النبيِّين والصِّدِّيقين. ولا يلزمُ فيمن لم يكن كذلك ألَاّ يدخُلُ الجَنَّة؛ فإنَّ من اعتقد الحقَّ وصدَّقَ به تصديقًا جازمًا لا شَكَّ فيه ولا ريبَ، دخل الجَنَّةَ؛ كما قدَّمناه، وكما دَلَّ عليه قولُهُ - ﵊ - في حديث أبي هريرة: مَن لَقِيَ اللهَ وهو يشهَدُ أن لا إلهَ إلَاّ اللهُ وأَنِّي رسولُ الله غَيرَ شَاكٍّ فيهما، دخَلَ الجَنَّةَ. وكما قال: مَن كَانَ آخِرَ قوله: لَا إلهَ إلَاّ اللهُ دخَلَ الجَنَّةَ (٢).\nفحاصلُ هذَينِ الحديثَين: أنَّ مَن لقي الله تعالى وهو موصوفٌ بالحالة الأولى والثانية دخَلَ الجنَّة؛ غير أنَّ هناك فرقا (٣) بين الدرجتَينِ كما بين الحالتَين، كما صرَّحَت به الآياتُ الواضحات؛ كقوله تعالى: يَرفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلمَ دَرَجَاتٍ.\nو(قوله: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي مَسِيرٍ، فَنَفِدَت أَزوَادُ القَومِ) المسير: السيرُ، يريدُ به السفر، ونَفدَت: فَرَغَت وفَنِيَت؛ ومنه قولُهُ تعالى: لَنَفِدَ البَحرُ قَبلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي.\nوالحمائلُ جمع حَمُولَةٍ بفتح الحاء؛ ومنه قوله تعالى ﴿حَمُولَةً وَفَرشًا﴾، وهي: الإبلُ التي تُحمَلُ عليها الأثقالُ، وتسمَّى رواحلَ؛ لأنها يُرحَلُ عليها، وتسمَّى نواضحَ؛ إذا استُقِيَ عليها.\nوالبعيرُ ناضحٌ، والناقةُ ناضحةٌ؛ قاله أبو عُبَيد.\n_________\n(١) قوله: (هي حالة) ساقط من (ع).\n(٢) رواه أبو داود (٣١١٦) من حديث معاذ بن جبل ﵁.\n(٣) في (م) و(ط) و(ل): غير أن ما.","vol":"1","page":197},{"text":"فَفَعَلَ، قَالَ: فَجَاءَ ذُو البُرِّ بِبُرِّهِ، وَذُو التَّمرِ بِتَمرِهِ، قَالَ: وَذُو النَّوَاةِ بِنَوَاهُ، قُلتُ: وَمَا كَانُوا يَصنَعُونَ بِالنَّوَاةِ؟ قَالَ: يَمُصُّونَهُ وَيَشرَبُونَ عَلَيهِ المَاءَ، قَالَ: فَدَعَا عَلَيهَا، حَتَّى مَلأ القَومُ أَزوِدَتَهُم، قَالَ: فَقَالَ عِندَ ذَلِكَ: أَشهَدُ أَن لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، لَا يَلقَى اللهَ بِهِمَا عَبدٌ غَيرَ شَاكٍّ فِيهِمَا، إِلا دَخَلَ الجَنَّةَ.\n\nــ\nو(قوله: وَذُو النَّوَاةِ بِنَوَاهُ) كذا الرواية، ووجهُهُ: وذو النَّوَى بنواه، كما قال: وذُو البُرِّ بِبُرِّهِ، وَذُو التَّمرِ بِتَمرِهِ.\nو(قوله: حَتَّى مَلأ القَومُ أَزوِدَتَهُم) هكذا الرواية، وصوابُهُ: مَزَاوِدَهُم؛ فإنّها هي التي تُملَأُ بالأَزوِدة، وهي جمعُ زاد، فسمَّى المزاودَ أزودةً باسمها؛ لأنَّها تُجعَلُ فيها على عادتهم في تَسمِيَتِهِمُ الشيءَ باسمِ الشيء إذا جاوره، أو كان منه بسبب، وقد عبَّر عنها في الرواية الأخرى بالأَوعِيَةِ.\nو(قوله: حَتَّى هَمَّ بِنَحرِ بَعضِ حَمَائِلِهِم) يعني: النبيَّ - ﷺ -، كان هذا الهمُّ من النبي - ﷺ - بحكم النظر المَصلَحيِّ لا بالوحي؛ أَلَا تَرَى كيف عرَضَ عمرُ بن الخطَّاب عليه مصلحةً أخرى، ظهر للنبيِّ - ﷺ - (١) رجحانُهَا؛ فوافقَهُ عليها وعمل بها.\nففيه: دليلٌ على العمل بالصالح، وعلى سماعِ رأي أهلِ العَقل والتجارب، وعلى أنَّ الأزواد والمياه إذا نَفِدَت أو قلَّت، جمَعَ الإمامُ ما بقي منها، وقَوَّتَهُم به شرعًا سواءً؛ وهذا كنحو ما مدَحَ به النبيُّ - ﷺ - الأشعريِّين، فقال: الأَشعَرِيُّونَ إذا قَلَّ زَادُهُم، جَمَعُوهُ، فَاقتَسَمُوهُ بَينَهُم بِالسَّوِيَّةِ، فَهُم مِنِّي وَأَنَا مِنهُم (٢)، وسيأتي إن شاء الله تعالى.\nو(قوله: لَا يَلقَى اللهَ بِهِمَا عَبدٌ غَيرَ شَاكٍّ فِيهِمَا، فَيُحجَبَ عَنِ الجَنَّةِ) يعني: كلمتَيِ التوحيدِ المتقدِّمَتَينِ. ويُحجَبُ: يُمنَع، ورويناه بفتح الباء ورفعها، فالنصبُ\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٢) انظره برقم (٢٤٠٨).","vol":"1","page":198},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: فَجَاءَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رسولَ الله، إِن فَعَلتَ، قَلَّ الظَّهرُ، وَلَكِنِ ادعُهُم بِفَضلِ أَزوَادِهِم، ثُمَّ ادعُ اللهَ لَهُم عَلَيهَا بِالبَرَكَةِ. وفيها: حَتَّى اجتَمَعَ عَلَى النِّطَعِ مِن ذَلِكَ شَيءٌ يَسِيرٌ، قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ الله - ﷺ - بِالبَرَكَةِ، ثُمَّ قَالَ لَهم: خُذُوا فِي أَوعِيَتِكُم، قَالَ: فَأَخَذُوا فِي أَوعِيَتِهِم حَتَّى مَا تَرَكُوا فِي العَسكَرِ وِعَاءً إِلا مَلَؤوهُ، قَالَ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، وَفَضَلَت فَضلَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: أَشهَدُ أَن لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، لَا يَلقَى اللهَ بِهِمَا عَبدٌ غَيرَ شَاكٍّ، فَيُحجَبَ عَنِ الجَنَّةِ.\nرواه مسلم (٢٧).\nــ\nبإضمار أن بعد الفاء في جواب النفي، وهو الأظهر والأجود، وفي الرفع إشكال؛ لأنه يرتفعُ على أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوفٍ تقديره: فهو يُحجَبُ، وهو نقيضُ المقصود، فلا يستقيمُ المعنى حتى تقدَّر لا النافيةُ، أي: فهو لا يُحجَبُ، ولا تحذف لا النافية في مِثلِ هذا، والله أعلم.\nوظاهرُ هذا الحديث: أنَّ مَن لقي الله وهو يشهَدُ أن لا إله إلا الله وحده (١)، دخَلَ الجنة، ولا يدخُلُ النار، وهذا صحيحٌ فيمن لقي اللهَ تعالى بَرِيئا من الكبائر. فأمَّا مَن لقي الله تعالى مرتكبَ كبيرةٍ ولم يَتُب منها، فهو في مشيئة الله تعالى التي دَلَّ عليها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغفِرُ أَن يُشرَكَ بِهِ وَيَغفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ وقد جاءتِ الأحاديثُ الكثيرة الصحيحة المفيدةُ بكثرتها حصولَ العلم القطعيِّ: أنَّ طائفةً كثيرة مِن أهلِ التوحيد يَدخُلُونَ النار، ثُمَّ يُخرَجُونَ منها بالشفاعةِ، أو بالتفضُّلِ المعبَّرِ عنه بالقَبضَةِ في الحديث الصحيح (٢)، أو بما شاء الله تعالى، فدلَّ ذلك على أنَّ الحديثَ المتقدِّمَ ليس على ظاهره، فيتعيَّن تأويلُهُ، ولأهل العلم فيه تأويلان:\n_________\n(١) من (ط).\n(٢) رواه البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.","vol":"1","page":199},{"text":"[٢٣] وعَن عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: مَن قَالَ أَشهَدُ أَن لَا إِلهَ إِلا اللهُ وَحدَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبدُ اللهِ، وَابنُ أَمَتِهِ، وَكَلِمَتُهُ أَلقَاهَا إِلَى مَريَمَ، وَرُوحٌ مِنهُ، وَأَنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ\nــ\nأحدهما: أنَّ هذا العموم يرادُ به الخصوصُ مِمَّن يعفو اللهُ تعالى عنه مِن أهلِ الكبائر ممَّن يشاء الله تعالى أن يَغفِرَ له ابتداءً مِن غير توبةٍ كانت منهم، ولا سَبَبٍ يقتضي ذلك غيرَ محضِ كَرَمِ الله تعالى وفضله؛ كما دَلَّ عليه قوله تعالى: وَيَغفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ. وهذا على مذهبِ أهلِ السُّنَّة والجماعة؛ خلافًا للمبتدعة المانعين تَفَضُّلَ الله تعالى بذلك، وهو مذهبٌ مردودٌ بالأدلَّة القطعية العقليَّة والنقلية، وبسطُ ذلك في عِلمِ الكلام.\nوثانيهما: أنَّهم لا يُحجَبون عن الجنّةِ بعد الخروج من النار، وتكونُ فائدتُهُ الإخبارَ بخلودِ كلِّ مَن دخل الجنةَ فيها، وأنَّه لا يُحجَبُ عنها، ولا عن شيءٍ مِن نعيمها، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: وَأَنَّ عِيسَى عَبدُ اللهِ، وَابنُ أَمَتِهِ، وَكَلِمَتُهُ أَلقَاهَا إِلَى مَريَمَ) هذا الحديثُ مقصودُهُ إفادةُ التنبيه على ما وقَعَ للنصارَى من الغلط في عيسى وأُمِّهِ ﵉، والتحذيرُ عن ذلك، بأنَّ عيسى عبد الله لا إلهٌ ولا وَلَدٌ، وأُمُّهُ أَمَةٌ الله تعالى، ومملوكةٌ له لا زوجةٌ، تعالى الله عما يقولُ الجاهلون علوًّا كبيرًا! .\nويستفادُ من هذا ما يُلَقَّنُهُ النصرانيُّ إذا أسلم. وقد اختُلِفَ في وصف عيسى بكونِهِ كلمةً، فقيل: لأنَّه تكوَّنَ بكلمة كن من غير أبٍ. وقيل: لأنَّ المَلَكَ جاء أُمَّهُ بكلمة البِشَارة به عن أمر الله تعالى. وهذان القولان أشبَهُ ما قيل في ذلك.\nومعنى ألقاها، أي: أعلَمَهَا بها، يقالُ: ألقَيتُ عليكَ كلمةً، أي: أعلمتُكَ بها.\nوسمِّي عيسى رُوحَ الله؛ لأنَّه حدَثَ عن نَفخَةِ المَلَك، وإضافَة الله تعالى إليه؛ لأنَّ ذلك النفخَ كان عَن أمره وقدره، وسُمِّيَ (١) النفخُ رُوحًا؛ لأنّه ريحٌ يخرُجُ من\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"1","page":200},{"text":"حَقٌّ، أَدخَلَهُ اللهُ مِن أَيِّ أَبوَابِ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: عَلَى مَا كَانَ مِن عَمَلٍ.\nرواه مسلم (٢٨).\n* * *\nــ\nالرُّوح؛ قاله المَكِّيُّون. وقيل: سُمِّي بذلك عيسى؛ لأنَّه رُوحٌ لمن اتَّبعه. وقيل: لأنَّه تعالى خلَقَ فيه الرُّوحَ مِن غير واسطة أب؛ كما قال في آدم: وَنَفَختُ فِيهِ مِن رُوحِي قاله الحَربِيُّ.\nو(قوله: أَدخَلَهُ اللهُ مِن أَيِّ أَبوَابِ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ) ظاهر هذا يقتضي أنَّ قولَ هذه الكلماتِ يقتضي دخولَ الجنَّة، والتخييرَ في أبوابها، وذلك بخلافِ ما ظَهَر من حديث أبي هريرة الآتي في كتاب الزكاة؛ فإنَّ فيه ما يقتضي أنَّ كلَّ مَن كان مِن أهل الجنَّة إنما يدخُلُ من الباب المعيَّن للعمل الذي كان يعمله غالبًا الداخُل؛ فإنَّه قال فيه: فَمَن كَانَ مِن أهل الصَّلَاةِ، دُعِيَ مِن بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَن كَانَ مِن أهل الصِّيَامِ، دُعِيَ مِن بَابِ الصِّيَامِ، وَهَكَذَا الجِهَادُ (١).\nوالتوفيقُ بين الظاهرَين: أنَّ كُلَّ مَن يدخلُ الجَنَّةَ مخيَّرٌ في الدخول من أيِّ بابٍ شاء، غيرَ أنَّهُ إذا عُرِضَ عليه الأفضلُ في حقِّه، دخَلَ منه مختارًا للدخولِ منه مِن غير جَبرٍ عليه، ولا مَنعٍ له مِنَ الدخولِ من غيره؛ ولذلك قال أبو بكر - ﵁ -: مَا عَلَى مَن يُدعَى مِن تِلكَ الأَبوابِ مِن ضُرُورَةٍ، والله أعلم.\nو(قوله: عَلَى مَا كَانَ مِن عَمَلٍ) أي: يدخُله الجنَّةَ ولا بُدَّ، سواء كان عملُهُ صالحًا أو سيِّئًا، وذلك بأن يَغفِرَ له السَّيِّئ؛ بسبب هذه الأقوال، أو يُربِيَ ثوابَهَا على ذلك العمل السيِّئ. وكُلُّ ذلك يحصُلُ إن شاء الله لمن مات على تلك الأقوال، إمَّا مع السلامة المُطلَقَةِ، وإمَّا بعد المؤاخَذَة بالكبائِرِ على ما قرَّرناه آنفًا.\n_________\n(١) رواه البخاري (١٨٩٧)، ومسلم (١٠٢٧) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>(١٠) بَابُ حَقِّ الله تعالى عَلَى العِبَادِ</span>\n[٢٤] عَن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ، قَالَ: كُنتُ رِدفَ النَّبِيِّ - ﷺ - لَيسَ بَينِي وَبَينَهُ إِلَاّ مُؤَخَّرَةُ الرَّحلِ - وَفِي رِوَايَةٍ: عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ: عُفَيرٌ، ولَم يَذكُر: لَيسَ بَينِي وَبَينَهُ إِلا مُؤَخَّرَةُ الرَّحلِ - فَقَالَ: يَا مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ! قُلتُ:\nــ\n\n(١٠) وَمِن بَابِ حَقِّ الله عَلَى العِبَادِ\n(قوله: كُنتُ رِدفَ رَسُول الله - ﷺ -) يُروَى: رِدفَ بسكون الدال من غير ياء، وبكسر الراء، ويُروَى: رَدِيفَ بفتح الراء وكسر الدال وياء بعدها، وكلاهما صحيحٌ روايةً ولغةً، وهما اسمان للراكب خَلفَ الراكب، يقالُ منه: رَدِفتُهُ أَردَفُهُ، بكسر الدال في الماضي، وفتحها في المستقبل، وأَردَفتُهُ أنا بألفٍ، وذلك الموضعُ يسمَّى الرِّدف. ورواه الطبريُّ: رَدِف بفتح الراء وكسر الدال مِن غير ياء، كـ: عَجِل وحذِر وزمِن، وليس بمعروفٍ في الأسماء.\nو(قوله: لَيسَ بَينِي وَبَينَهُ إِلا مُؤَخَّرَةُ الرَّحلِ) كذا وقع هاهنا: مُؤَخَّرة، وقَرَأنَاه على مَن يُوثَقُ بعلمه بضمِّ الميم، وفتح الراء، والخاءُ مشدَّدة على أنَّه اسمُ مفعولٍ؛ لأنَّها تؤخَّر. وأنكَرَ هذا اللفظ يعقوب، وابنُ قُتَيبة، وقالا: المعروفُ عند العرب: أخِرَةُ الرَّحل، وهي العُودُ الذي خَلفَ الراكب، وتقابله: قادِمَتُهُ. وقيل فيها: مُؤخِرَةٌ، بهمزِ الواو خفيفةً وكسرِ الخاء، حكاها صاحبُ الصحاح، وأبو عُبَيد. والرَّحلُ للبعير كالسَّرجِ للفَرَس، والإكافِ للحمار.\nوعُفَير: تصغيرُ أَعفَرَ تصغيرَ الترخيم؛ كَسُوَيد تصغيرُ أسود، وتصغيره غير مرخم: أعيفر. والعُفرة: بياضٌ يخالطه صُفرة كعُفرة الأرض والظِّبَاء. والمشهورُ في اسمِ حمارِ النبيِّ - ﷺ - يَعفُور.","vol":"1","page":202},{"text":"لَبَّيكَ رسولَ الله وَسَعدَيكَ! ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ! قُلتُ: لَبَّيكَ رسولَ الله وَسَعدَيكَ! ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ! قُلتُ: لَبَّيكَ رسولَ الله وَسَعدَيكَ! قَالَ: هَل تَدرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى العِبَادِ؟ قَالَ: قُلتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى العِبَادِ: أَن يَعبُدُوهُ وَلا يُشرِكُوا بِهِ شَيئًا، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ! قُلتُ: لَبَّيكَ رسولَ الله وَسَعدَيكَ، قَالَ: هَل تَدرِي مَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟ قَالَ: قُلتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ، قَالَ: أَلَاّ يُعَذِّبَهُم.\nرواه أحمد (٥/ ٢٣٨)، والبخاري (٧٣٧٣)، ومسلم (٣٠)، والترمذي (٢٦٤٥)، وابن ماجه (٤٢٩٦).\n* * *\nــ\nتنبيه: إِن كانت هاتان الروايتان قضيةً واحدةً، فقد تجَوَّزَ بعضُ الرواة في تسميته الإكافِ رَحلًا، ويَحتَمِلُ أن تكونَ تلك قضيةً واحدةً تكرَّرت مرتين، والله أعلم.\nوفيه ما يدلُّ على جواز ركوبِ اثنَينِ على حمار، وعلى تواضع النبي - ﷺ -، وإنما كرّر النبي - ﷺ - نداءَ معاذ ثلاثًا (١)؛ ليستحضرَ ذهنَهُ وفهمه، ولِيُشعِرَه بِعِظَمِ ما يلقيه عليه.\nوحقُّ الله على عباده: ما أوجبَهُ عليهم بحُكمه، وألزمهم إيّاه بخطابه. وحقُّ العبادِ على الله: هو ما وعدَهُم به مِنَ الثواب والجزاء؛ فحَقَّ ذلك ووجَبَ بحكم وعده الصِّدقِ، وقولِهِ الحقِّ الذي لا يجوزُ عليه الكذبُ في الخبر، ولا الخُلفُ في الوعد؛ فالله تعالى لا يجبُ عليه شيءٌ بِحُكمِ الأمر؛ إذ لا أمرَ فوقه، ولا بحُكمِ العقل؛ إِذِ العقلُ كاشفٌ لا مُوجِبٌ، كما بيَّنَّاهُ في الأصول.\n_________\n(١) من (م).","vol":"1","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>(١١) بَابٌ لَا يَكفِي مُجَرَّدُ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَينِ، بَل لَا بُدَّ مِنِ استِيقَانِ القَلبِ</span>\n[٢٥] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: كُنَّا قُعُودًا حَولَ رَسُولِ الله - ﷺ -، مَعَنَا أبو بَكرٍ وَعُمَرُ - ﵄ - فِي نَفَرٍ، فَقَامَ رَسُولُ الله - ﷺ - مِن بَينِ أَظهُرِنَا، فَأَبطَأَ عَلَينَا، وَخَشِينَا أَن يُقتَطَعَ دُونَنَا، فَفَزِعنَا وَقُمنَا، فَكُنتُ أَوَّلَ مَن فَزِعَ، فَخَرَجتُ أَبتَغِي رسولَ الله - ﷺ - حَتَّى أَتَيتُ حَائِطًا لِلأنصَارِ لِبَنِي\nــ\n\n(١١) وَمِن بابِ لَا يَكفِي مُجَرَّدُ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَينِ، بَل لَا بُدَّ مِنِ استِيقَانِ القَلبِ\nهذه الترجمةُ تنبيهٌ على فسادِ مذهبِ غُلَاةِ المرجئةِ القائلين: إنَّ التلفُّظَ بالشهادتين كافٍ في الإيمان، وأحاديثُ هذا الباب تَدُلُّ على فساده، بل هو مذهبٌ معلومٌ الفساد من الشريعة لمن وَقَفَ عليها، ولأنَّهُ يَلزَمُ منه تسويغُ النفاقِ، والحُكمُ للمنافق بالإيمانِ الصحيح، وهو باطلٌ قطعًا.\nو(قوله: وَخَشِينَا أَن يُقتَطَعَ دُونَنَا) أي: يحالَ بيننا وبينه بِأَخذٍ أو هلاك.\nو(قوله: فَفَزِعنَا وَقُمنَا) أي: تَرَكنَا ما كنا فيه، وأقبلنا على طلبه؛ من قولهم: فَزِعتُ إلى كذا: إذا أقبَلتَ عليه، وتفرَّغتَ له؛ ومنه قول الشاعر:\nفَزِعتُ إليكُم من بَلَايَا تَنُوبُنِي ... فَأَلفَيتُكُم منها كَرِيمًا مُمَجَّدَا\nوقد دلَّ على ذلك قوله: فَكُنتُ أَوَّلَ مَن فَزِعَ، أي: أوَّلَ مَن أخذ في طلبه، وليس هو من الفَزَعِ الذي هو (١) الذُّعرُ والخوف؛ لأنَّه قد قال قبل هذا: فَخَشِينَا أَن\n_________\n(١) في (ع): هو ضد، وهو خطأ.","vol":"1","page":204},{"text":"النَّجَّارِ، فَدُرتُ بِهِ، هَل أَجِدُ لَهُ بَابًا؟ فَلَم أَجِد، فَإِذَا رَبِيعٌ يَدخُلُ فِي جَوفِ حَائِطٍ مِن بِئرٍ خَارِجَةٍ - وَالرَّبِيعُ: الجَدوَلُ - فَاحتَفَزتُ، فَدَخَلتُ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ -، فَقَالَ: أبو هُرَيرةَ؟ فَقُلتُ: نَعَم يَا رسولَ الله، قَالَ: مَا شَأنُكَ؟ قُلتُ: كُنتَ بَينَ أَظهُرِنَا، فَقُمتَ، فَأَبطَأتَ عَلَينَا، فَخَشِينَا أَن تُقتَطَعَ دُونَنَا، فَفَزِعنَا، فَكُنتُ أَوَّلَ مَن فَزِعَ، فَأَتَيتُ هَذَا الحَائِطَ، فَاحتَفَزتُ كَمَا يَحتَفِزُ الثَّعلَبُ، وَهَؤُلاءِ النَّاسُ وَرَائِي، فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيرَةَ! - وَأَعطَانِي\nــ\nيُقتَطَعَ دُونَنَا، ثم رتَّب فَزِعنَا عليه بفاء التعقيب المُشعِرَةِ بالتسبُّب، والفَزَعُ: لفظٌ مشترك ينطلقُ على ذَينِكَ المعنيَينِ، وعلى الإغاثة.\nو(قوله: فَاحتَفَزتُ كَمَا يَحتَفِزُ الثَّعلَبُ) رواه عامَّةُ الشيوخ في المواضع الثلاثة بالراء من الحَفر، ورُوِيَ عن الجُلُوديِّ: بالزاي؛ وكأنَّه الصواب، ويعني به: أنَّه تضامَمَ وتصاغَرَ ليسعه الجدول، ومنه حديث عليٍّ: إذا صَلَّتِ المرأةُ، فلتحتَفِز (١)، أي: لِتَضَامَّ وتَنزَو (٢) إذا سجدَت.\nو(قوله: كُنتَ بَينَ أَظهُرِنَا) أي: بيننا، ورواه الفارسي: ظَهرَينَا. وقال الأصمعي: العربُ تقولُ: بين ظَهرَيكُم وظَهرَانَيكُم؛ قال الخليل: أي: بينكم.\nو(قوله: وَهَؤُلاءِ النَّاسُ من وَرَائِي) يعني به: النفر الذين كانوا مع النبي - ﷺ -، فقام عنهم، وأخذوا في طلبه، وهم المعنيُّون للنبيِّ - ﷺ تسليما كثيرا - بقوله: فَمَن لَقِيتَ مِن وَرَاءِ هَذَا الحَائِطِ يَشهَدُ أَن لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ مُستَيقِنًا بِهَا قَلبُهُ، فَبَشِّرهُ بِالجَنَّةِ؛ فإنَّه قيَّده بقوله: مَن لَقِيتَ مِن وَرَاءِ هَذَا الحَائِطِ، ولا شكَّ في أنَّ أولئك هم (٣) مِن\n_________\n(١) ذكره أبو عبيد في غريبه (٢/ ٣٠٥) والزمخشري في الفائق (١/ ٤٠٢) وابن الأثير في النهاية (١/ ٤٠٧).\n(٢) \"تنزو\": تجتمع وتتضام بعضها إلى بعض.\n(٣) من (م) و(ط).","vol":"1","page":205},{"text":"نَعلَيهِ - فقَالَ: اذهَب بِنَعلَيَّ هَاتَينِ، فَمَن لَقِيتَ مِن وَرَاءِ هَذَا الحَائِطِ يَشهَدُ أَن لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ مُستَيقِنًا بِهَا قَلبُهُ، فَبَشِّرهُ بِالجَنَّةِ، وكَانَ أَوَّلَ مَن لَقِيتُ عُمَرُ، فَقَالَ: مَا هَاتَانِ النَّعلَانِ يَا أَبَا هُرَيرَةَ؟ ! قُلتُ: هَاتَانِ نَعلَا رَسُولِ الله - ﷺ -، بَعَثَنِي بِهِمَا، مَن لَقِيتُ يَشهَدُ أَن لا إِلهَ إِلا اللهُ مُستَيقِنًا بِهَا قَلبُهُ، بَشَّرتُهُ بِالجَنَّةِ. قَالَ: فَضَرَبَ عُمَرُ بِيَدِيهِ بَينَ ثَديَيَّ، فَخَرَرتُ لاِستِي، فَقَالَ: ارجِع يَا أَبَا هُرَيرَةَ! فَرَجَعتُ إِلَى رَسُولِ الله - ﷺ -، فَأَجهَشتُ بُكَاءً، وَرَكِبَنِي عُمَرُ، فَإِذَا هو عَلَى أَثَرِي، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: مَا لَكَ يَا أَبَا هُرَيرَةَ؟ ! قُلتُ: لَقِيتُ عُمَرَ،\nــ\nأهل الجنة، وهذا ظاهرُ اللفظ. ويَحتمِلُ أن يقال: إنَّ ذلك القيدَ مُلغًى، والمراد: هم وكُلُّ مَن شاركهم في التَّلفُّظِ بالشهادتَينِ واستيقانِ القلبِ بهما؛ وحينئذٍ: يُرجَعُ إلى التأصيلِ والتفصيل الذي ذكرناه في البابِ قبلَ هذا.\nوفي دفع النبيِّ - ﷺ - لأبي هريرة بنعلَيه: دليلٌ على جوازِ عَضدِ المُخبِرِ الواحد بالقرائن؛ تقويةً لخبره وإن كان لا يُتَّهَمُ. وفيه اعتبارُ القرائنِ والعلامات، والعملُ على ما يقتضيه من الأعمالِ والأحكام.\nواليَقِينُ: هو العلمُ الراسخُ في القلب الثابتُ فيه، يقال منه: يقِنتُ الأمرَ، بالكسر، معناه أيقنتُ واستيقَنتُ وتيقَّنتُ، كلُّه بمعنًى واحدٍ، وربَّما عبَّروا عن الظنِّ باليقين، وباليقين عن الظن؛ قال الشاعر (١):\nتَحَسَّبَ هَوَّاسٌ وَأَيقَنَ أَنَّنِي ... بِهَا مُفتَدٍ مِن وَاحِدٍ لَا أُغَامِرُه\nيقولُ: تشمَّم الأَسَدُ ناقتي يظُنُّ أنَّني أفتدي بها مِنهُ وأتركُهَا له ولا أقاتلُهُ، قاله الجوهريُّ.\nوقال غيره: اليقينُ هو السكونُ مع الوضوح؛ يقال: يَقِنَ الماءُ، أي: سَكَنَ وظهَرَ ما تحته.\nو(قوله: وَرَكِبَنِي عُمَرُ) أي: اتَّبَعَنِي في الحالِ مِن غير تربُّص، وضَربُ عُمَرَ\n_________\n(١) هو أبو مسعدة الأسدي، ويقال: الهجيمي.","vol":"1","page":206},{"text":"فَأَخبَرتُهُ بِالَّذِي بَعَثتَنِي بِهِ، فَضَرَبَ بَينَ ثَديَيَّ ضَربَةً خَرَرتُ لاِستِي، فقَالَ: ارجِع، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: يَا عُمَرُ، مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلتَ؟ فقَالَ: يَا رسولَ الله - بِأَبِي أَنتَ وَأُمِّي! - أَبَعَثتَ أَبَا هُرَيرَةَ بِنَعلَيكَ: مَن لَقِيَ يَشهَدُ أَن لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ مُستَيقِنًا بِهَا قَلبُهُ، بَشَّرَهُ بِالجَنَّةِ؟ قَالَ: نَعَم، قَالَ: فَلا تَفعَل؛ فَإِنِّي أَخشَى أَن يَتَّكِلَ النَّاسُ عَلَيهَا، فَخَلِّهِم يَعمَلُونَ! قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: فَخَلِّهِم.\nرواه مسلم (٣١).\nــ\nأبي هريرةَ حتى سقطَ لم يكن ليؤذيَهُ ويوقعه، لكن إنما كان ليوقفَهُ ويمنَعَهُ من النهوضِ بالبشرى حتى يراجعَ النبيَّ - ﷺ -، ولم يكن ذلك من عمر اعتراضًا على رسول الله - ﷺ -، ولا ردًّا لأمره، وإنما كان ذلك سعيًا في استكشافٍ عَن مصلحةٍ ظهرَت له، لم يعارض بها حكمًا ولا شرعًا؛ إذ ليس فيما أَمَرَهُ به إلا تطييبُ قلوب أصحابه أو أمَّته بتلك البشرى، فرأى عُمَرُ أنَّ السكوتَ عن تلك البشرى أصلَحَ لهم؛ لئلا يتَّكلوا على ذلك، فتقلَّ أعمالهم وأجورهم.\nولعلَّ عمر قد كان سَمِعَ ذلك من النبي - ﷺ - كما سمعه معاذٌ على ما يأتي في حديثه (١)، فيكونَ ذلك تذكيرًا للنبيِّ - ﷺ - بما قد سمع منه، ويكونُ سكوت النبيِّ - ﷺ - عن ذلك تعديلًا على ما قد كان تعذر لهم تبيانه لذلك، ويكونُ عمر لِمَا خصَّه الله تعالى به من الفِطنة وحضور الذهن تذكَّر ذلك. واستبلَدَ أبا هريرة؛ إذ لم يتفطَّن لذلك ولا تذكره، فضربه تلك الضربةَ؛ تأديبًا وتذكيرًا، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: فَخَرِرتُ لاِستِي) أي: على استي؛ كما قال تعالى: يَخِرُّونَ لِلأَذقَانِ أي: عليها، وكأنَّه وَكَزَهُ في صدره فوقَعَ على استه، وليس قولُ من قال: خرَّ على وَجهه بشيء.\n_________\n(١) أى: حديث معاذ الآتي.","vol":"1","page":207},{"text":"[٢٦] وعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - وَمُعَاذُ بنُ جَبَلٍ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحلِ - قَالَ: يَا مُعَاذُ، قَالَ: لَبَّيكَ رسولَ الله وَسَعدَيكَ! قَالَ: يَا مُعَاذُ، قَالَ: لَبَّيكَ رسولَ الله وَسَعدَيكَ! قَالَ: يَا مُعَاذُ، قَالَ: لَبَّيكَ رسولَ الله وَسَعدَيكَ! قَالَ: مَا مِن عَبدٍ يَشهَدُ أَن لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ - فِي البُخَارِيِّ: صِدقًا مِن قَلبِهِ - إِلَاّ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّار،\nــ\nو(قوله: أَجهَشتُ بُكَاءً) أي: تهيَّأتُ له وأخذتُ فيه؛ قال أبو عُبَيد: الجَهشُ: أن يفزعَ الإنسانُ إلى الإنسان مريدًا للبكاء؛ كالصبيِّ يَفزَعُ لأمه، فقال: جَهَشتُ، وأجهشتُ: لغتان، وقال أبو زيد: جَهَشتُ للبكاء والحُزنِ والشوقِ جُهُوشًا.\nوفي هذا الحديث: دليلٌ على جواز تخصيصِ العموم بالمصلحةِ المشهودِ لها بالاعتبار، وقد اختلَفَ فيه الأصوليُّون، وفيه: عَرضُ المصالح على الإمام وإن لم يستَدعِ ذلك، وفيه أبوابٌ لا تخفى.\nو(قوله في حديث معاذ: مَا مِن عَبدٍ يَشهَدُ أَن لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلَاّ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّار) هكذا وقع هذا الحديث في كتاب مسلم عن جميع رواته فيما عَلِمتُهُ، وقد زاد البخاريُّ فيه: صِدقًا مِن قَلبِهِ، وهي زيادةٌ حسنةٌ تنُصُّ على صحَّةِ ما تضمَّنَتهُ الترجمة المتقدِّمة، وعلى فساد مذهب المرجئة؛ كما قد قدَّمناه.\nومعنى صدق القلب: تصديقُهُ الجازمُ بحيث لا يخطُرُ له نقيضُ ما صدَّق به، وذلك إمَّا عن برهان، فيكونُ عِلمًا، أو عن غيره، فيكونُ اعتقادًا جَزمًا. ويجوز: أن يحرِّم اللهُ مَن مات على الشهادتين على النار مطلقًا، ومَن دخلَ النارَ مِن أهل الشهادتين بكبائرِهِ، حرَّم على النارِ جميعَهُ أو بعضَهُ؛ كما قال في الحديث الآخر: فَيحَرَّمُ صُوَرُهُم على النارِ (١)، وقال: حرَّم اللهُ على النار أن تَأكُلَ أَثَرَ\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٤٣٩).","vol":"1","page":208},{"text":"قَالَ: يَا رسولَ الله، أَفَلَا أُخبِرُ بِهَا النَّاسَ فَيَستَبشِرُوا؟ قَالَ: إِذَن يَتَّكِلُوا؛ فَأَخبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِندَ مَوتِهِ تَأَثُّمًا.\nرواه البخاري (١٢٨)، ومسلم (٣٢).\n* * *\nــ\nالسجود (١). ويجوز أن يكون معناه: إنَّ الله يحرِّمه على نارِ الكفَّار التي تُنضِجُ جلودَهُم، ثمَّ تُبَدَّل بعد ذلك؛ كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَت جُلُودُهُم بَدَّلنَاهُم جُلُودًا غَيرَهَا﴾ الآية.\nوقد قال - ﷺ -: أمَّا أهلُ النار الذين هُم أهلُهَا، فإنَّهم لا يموتون فيها ولا يَحيَونَ، ولكن ناسا أصابتهم النارُ بذنوبهم، فأماتَهُم اللهُ إماتةً، حتى إذا كانوا فَحَمًا، أُذِنَ لهم في الشفاعة .. (٢) الحديثَ، وسيأتي.\nو(قوله: فَأَخبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِندَ مَوتِهِ تَأَثُّمًا) أي: تحرُّجًا من الإثم، وخوفًا منه؛ قال الهرويُّ وغيره. وتَفَعَّل كثيرًا ما يأتي لإلقاء الرَّجُل الشيءَ عن نفسه، وإزالتِهِ عنه؛ يقال: تحنَّت، وتحرَّج، وتحوَّب: إذا ألقَى عن نفسه ذلك، ومنه: فلانٌ يَتهجَّدُ، أي: يُلقِي الهُجُودَ عن نفسه، ومنه: امرأةٌ قَذُوّرٌ: إذا كانت تتَجَنَّبُ الأقذارَ؛ حكاه الثعالبيُّ.\n* * *\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٥٧٣)، ومسلم (١٨٢).\n(٢) سيأتي برقم (...).","vol":"1","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>(١٢) بَابُ مَن يَذُوقُ طَعمَ الإِيمَانِ وَحَلَاوَتَهُ</span>\n[٢٧] عَنِ العَبَّاسِ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ: ذَاقَ طَعمَ الإِيمَانِ مَن رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسلامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا.\nرواه أحمد (١/ ٢٠٨)، ومسلم (٣٤)، والترمذي (٢٧٥٨).\nــ\n(١٢) وَمِن بَابِ مَن يَذُوقُ طَعمَ الإِيمَانِ وَحَلَاوَتَهُ\n(قوله: ذَاقَ طَعمَ الإِيمَانِ) أي: وَجَدَ حَلَاوَتَهُ، كما قال في حديث أنس: ثَلَاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ، وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ، وهي عبارةٌ عمَّا يجده المؤمنُ المحقِّقُ في إيمانه، المطمئنُّ قلبه به؛ من انشراحِ صدره، وتنويرِهِ بمعرفةِ الله تعالى، ومعرفةِ رسوله، ومعرفةِ مِنَّةِ الله تعالى عليه: في أن أنعَمَ عليه بالإسلام، ونظَمَهُ في سلك أمَّةِ محمَّدٍ خيرِ الأنام، وحبَّب إليه الإيمانَ والمؤمنين، وبَغَّض إليه الكُفرَ والكافرين، وأنجَاهُ من قبيح أفعالهم، ورَكَاكةِ أحوالهم.\nوعند مطالعةِ هذه المِنَن، والوقوفِ على تفاصيل تلك النِّعَم، تطيرُ القلوبُ فرحًا وسرورَا، وتمتلئُ إشراقًا ونورَا، فيا لها مِن حلاوةٍ ما ألذَّها، وحالةٍ ما أشرفَها! ! فنسأله - الله - تعالى أن يَمُنَّ بدوامها وكمالِهَا، كما مَنَّ بابتدائها وحُصُولِهَا؛ فإنَّ المؤمن عند تذكُّرِ تلك النِّعَمِ والمِنَن لا يخلو عن إدراك تلك الحلاوة؛ غير أنَّ المؤمنين في تمكُّنها ودوامها متفاوتون، وما منهم إلا وله منها شِربٌ مَعلُوم، وذلك بِحَسَبِ ما قُسِمَ لهم من هذه المجاهدة الرياضيّة، والمِنَحِ الربَّانيَّة، وللكلام في تفاصيلِ ما أجملناه مَقَامٌ آخرُ.\nو(قوله: مَن رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا. . .) الحديثَ؛ الرضا بهذه الأمورِ الثلاثة على قسمَين:\nرِضًا عامٌّ: وهو ألا يَتَّخِذَ غيرَ الله ربًّا، ولا غيرَ دين الإسلام دينًا، ولا غيرَ محمَّد - ﷺ - رسولًا؛ وهذا الرضا لا يخلو عنه مسلم؛ إذ لا يَصِحُّ التديُّنُ بدين الإسلام إلا بذلك الرضا.","vol":"1","page":210},{"text":"[٢٨] وعَن أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: ثَلَاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ، وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ:\nــ\nوالرضا الخاصُّ: هو الذي تكلَّم فيه أربابُ القلوب، وهو ينقسم على قسمَين: رضًا بهذه الأمور، ورضًا عن مُجرِيها تعالى؛ كما قال أبو عبد الله بنُ خَفِيف (١): الرضا قسمان: رضًا به، ورضًا عنه؛ فالرضا به مدبِّرًا، والرضا عنه فيما قضى، وقال أيضًا: هو سكونُ القلب إلى أحكامِ الرَّبّ، وموافقتُهُ على ما رَضِيَ واختار، وقال الجُنَيد: الرضا رفعُ الاختيار، وقال المُحَاسِبِيُّ: هو سكونُ القلب تحتَ مجاري الأحكام، وقال أبو عليٍّ الرُّوذبَارِيُّ: ليس الرضا ألَاّ يُحِسَّ بالبلاء، إنما الرضا ألَاّ يَعتَرِضَ على الحكم.\nقال المؤلف - رحمه الله تعالى -: وما ذكره هؤلاءِ المشايخُ هو مبدأُ الرضا عندهم، وقد ينتهي الرضا إلى ما قاله النُّورِيُّ (٢): هو سرورُ القلبِ بِمُرِّ القضاء، وَسُئِلَت رابعةُ عن الرضا؟ فقالت: إذا سرَّتهُ المصيبةُ كما سرَّتهُ النعمةُ.\nوقد غلا بعضهم وهو أبو سُلَيمَانَ الداراني، فقال: أرجو أن أكونَ عَرَفتُ طَرَفًا من الرضا، لو أنَّه أدخلني النارَ، لَكُنتُ به راضيًا. وقال رُوَيم: الرضا هو: لو جعَلَ جهنَّمَ عن يمينه، ما سَأَلَ أن يحَوَّلَ عن شماله.\nقال المؤلف - رحمه الله تعالى -: وهذا غلو، وفيه إشكالٌ، والكلامُ فيه يُخرِجُ عن مقصودِ كتابنا. وعلى الجملة: فالرضا بابُ اللهِ الأعظمُ، وفيه جماعُ الخيرِ كلِّه؛ كما قال عمر لأبي موسى فيما كتب إليه: أما بعدُ! فإنَّ الخَيرَ كلَّه في الرضا؛ فإنِ استطَعَتَ أن ترضَى، وإلَاّ فاصبر.\nو(قوله: ثَلَاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ) إنما خصَّ هذه\n_________\n(١) هو محمد بن خفيف الشيرازي: من مشايخ الصوفية. توفي سنة (٣٧١ هـ).\n(٢) هو أحمد بن محمد النُّوري: من مشايخ الصوفية. توفي سنة (٢٩٥ هـ).","vol":"1","page":211},{"text":"مَن كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيهِ مِمَّا سِوَاهُمَا،\nــ\nالثلاثَ بهذا المعنى؛ لأنَّها لا توجدُ إلا ممَّن تنوَّرَ قلبُه بأنوار الإيمان واليقين، وانكشَفَت له محاسنُ تلك الأمور التي أوجَبَت له تلك المَحَبَّةَ التي هي حالُ العارفين.\nو(قوله: مَن كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيهِ مِمَّا سِوَاهُمَا) دليلٌ على جواز إضافةِ المحبَّةِ لله تعالى، وإطلاقِهَا عليه، ولا خلافَ في إطلاقِ ذلك عليه صحيح مُحِبًّا ومحبوبًا؛ كما قال تعالى: فَسَوفَ يَأتِي اللَّهُ بِقَومٍ يُحِبُّهُم وَيُحِبُّونَهُ وهو في السُّنَّة كثير.\nولا يختلف النُّظَّار من أهل السُّنَّة وغيرِهِم: أنَّها مُؤَوَّلةٌ في حق الله تعالى؛ لأنَّ المحبة المتعارَفَةَ في حقِّنا إنَّما هي مَيلٌ لما فيه غَرَضٌ يَستَكمِلُ به الإنسانُ ما نقصَهُ، وسكونٌ لما تَلتَذُّ به النفس، وتكمُلُ بحصوله، والله تعالى منزَّهٌ عن ذلك.\nوقد اختلف أئمَّتنا في تأويلها في حَقِّ الله تعالى: فمنهم مَن صرفها إلى إرادتِهِ تعالى إنعامًا مخصوصًا على مَن أخبَرَ أنَّه يحبُّه من عباده؛ وعلى هذا تَرجِعُ إلى صفة ذاته. ومنهم: مَن صرفها إلى نفس الإنعام والإكرام؛ وعلى هذا فتكون من صفات الفعل. وعلى هذا المنهاج: يتمشَّى القولُ في الرحمة والنَّعمَة والرضا، والغضبِ والسَّخَط وما كان في معناها، ولِبَسطِ ذلك موضعٌ آخر.\nفأما محبَّةِ العبد لله تعالى فقد تأوَّلها بعضُ المتكلِّمين؛ لأنَّهم فسَّروا المحبَّة بالإرادةُ، والإرادة إنما تتعلَّق بالحادث لا بالقديم، ومنهم مَن قال: لأنَّ محبتَنا إنَّما تتعلَّق بمستَلَذٍّ محسوسٍ، واللهُ تعالى منزَّهٌ (١) عن ذلك. وهؤلاءِ تأوَّلوا محبةَ العبدِ لله تعالى بطاعتِهِ له، وتعظيمِهِ إياه، وموافقتِهِ له على ما يريد منه. وأما أربابُ\n_________\n(١) في (ع): أعلى ومنزّه.","vol":"1","page":212},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالقلوب، فمنهم مَن لم يتأوَّل محبَّةَ العبدِ لله تعالى، حتى قال: المحبةُ لله تعالى هي الميلُ الدائم بالقلبِ الهائم، وقال أبو القاسم القُشَيرِيُّ: أما محبةُ العبدِ لله تعالى، فحالةٌ يجدها العبدُ من قلبه تَلطُفُ عن العبارة، وقد تحملُهُ تلك الحالةُ على التعظيمِ لله تعالى، وإيثارِ رضاه، وقلَّةِ الصبر عنه، والاحتياج إليه، وعَدَمِ الفرَارِ عنه، ووجودِ الاستئناسِ بدوامِ ذكره.\nقال المؤلف - رحمه الله تعالى -: فهؤلاءِ قد صرَّحوا بأنَّ محبَّة العبد (١) لله تعالى: هي مَيلٌ من العبد وتَوَقَان، وحالٌ يَجِدُها المُحِبُّ مِن نفسه مِن نوعِ ما يجده في محبوباتِهِ المعتادةِ له، وهو صحيحٌ.\nوالذي يوضِّحه: أنَّ الله تعالى قد جَبَلَنا على الميل إلى الحُسنِ والجمال والكمال، فبقدر ما ينكشفُ للعاقل من حُسنِ الشيء وجمالِهِ، مالَ إليه وتعلَّقَ قلبُهُ به حتى يُفضِيَ الأمرُ إلى أن يستولي ذلك المعنَى عليه؛ فلا يَقدِرُ على الصبر عنه، وربَّما لا يشتغلُ بشيءٍ دونه.\nثم الحُسنُ والكمالُ نوعان: محسوسٌ، ومعنويٌّ: فالمحسوسُ: كالصور الجميلة المشتهاة نيلِ اللذَّةِ الجِسمَانية، وهذا في حقِّ الله تعالى محالٌ قطعًا. وأما المعنويُّ: فكمَنِ اتَّصَفَ بالعلومِ الشريفة، والأفعالِ الكريمة، والأخلاقِ الحميدة، فهذا النوعُ تميلُ إليه النفوسُ الفاضلة، والقلوب الكاملة ميلًا عظيمًا؛ فترتاحُ لذكرِه، وتتنعم بخُبرِهِ وخَبَرِهِ، وتهتزّ لسماعِ أقوالِه، وتتشوَّف (٢) لمشاهدة أحواله، وتلتذُّ بذلك لذةً رُوحَانيةً لا جِسمَانِيَّةً، كما تجده عند ذِكرِ الأنبياءِ والعُلَمَاء والفُضلَاءِ والكُرَمَاء من الميلِ واللذَّة والرِّقَّة والأنس، وإن كنَّا لا نَعرِفُ صورهم المحسوسة، وربَّما قد نَسمَعُ أنَّ بعضَهم مِن غير الأنبياء قبيحُ الصورة الظاهرة أو أعمَى أو أجذَم،\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) في (ط): تتشوق.","vol":"1","page":213},{"text":"وَأَن يُحِبَّ المَرءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَاّ للهِ تعالى،\nــ\nومع ذلك: فذلك الميلُ والأُنسُ والتشوُّقُ موجودٌ لنا (١)؛ ومَن شَكَّ في وِجدانِ ذلك، أو أنكَرَهُ، كان عن جِبِلَّةِ الإنسانيَّةِ خارجَا، وفي غِمَارِ المعتوهين والجَا.\nوإذا تقرَّر ذلك: فإذا كان هذا الموصوفُ بذلك الكمال قد أحسنَ إلينا، وفاضَت نعمُهُ علينا، ووصَلَنَا ببِرِّه، وعطفِهِ ولُطفِه، تضاعَفَ ذلك الميلُ، وتجدَّد ذلك الأُنس، حتَّى لا نصبرَ عنه، بل يستغرقنا ذلك الحال، إلى أن نُذهَلَ عن جميعِ الأشغال، بل ويطرأُ على المُشتَهرِ بذلك نوعُ اختلال.\nوإذا كان ذلك في حَقِّ مَن كمالُهُ وجمالُهُ مُقيَّدًا مَشُوبًا بالنقص مُعَرَّضًا للزوال، كان مَن كمالُهُ وجمالُهُ واجبًا مطلقًا (٢) لا يشوبُهُ نقصٌ ولا يعتريه زوال، وكان إنعامُهُ وإحسانُهُ أكثرَ بحيثُ لا ينحصرُ ولا يُعَدّ، أولَى بذلك الميل وأحقَّ بذلك الحبّ، وليس ذلك إلَاّ لله وحده، ثُمَّ لمن خصَّه الله تعالى بما شاء مِن ذلك الكمال، وأكملُ نوع الإنسان محمَّدٌ عليه أفضل الصلاةِ والسلام.\nفَمَن تَحَقَّق ما ذكرناه، واتّصَفَ بما وصفناه، كان اللهُ ورسولُهُ أحبَّ إليه ممَّا سواهما، ومن كان كذلك تأهَّلَ للقائهما، بالاتِّصَافِ بما يُرضِيهما، واجتنابِ ما يُسخِطُهُمَا؛ ويستلزمُ ذلك كلُّه الإقبالَ بالكُلِّيَّة عليهما، والإعراضَ عمَّا سواهما إلاّ بإذنهما وأمرهما، ولتفصيلِ ذلك موضعٌ آخر.\nو(قوله: وَأَن يُحِبَّ المَرءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَاّ للهِ) يعني: بالمرء هنا: المُسلِمَ المؤمنَ؛ لأنَّه هو الذي يمكنُ أن يُخلَصَ لله تعالى في محبَّتِه، وأن يُتَقَرَّبَ لله تعالى باحترامِهِ وحُرمَتِه؛ فإنه هو الموصوفُ بالأخوَّة الإيمانيَّة، والمحبَّة الدينيَّة؛ كما قال تعالى: إِنَّمَا المُؤمِنُونَ إِخوَةٌ، وكما قال تعالى: فَأَصبَحتُم بِنِعمَتِهِ إِخوَانًا.\n_________\n(١) في (ع): لدينا.\n(٢) ساقط من (م).","vol":"1","page":214},{"text":"وَأَن يَكرَهَ أَن يَعُودَ فِي الكُفرِ بَعدَ أَن أَنقَذَهُ اللهُ مِنهُ كَمَا يَكرَهُ أَن يُقذَفَ فِي النَّارِ.\nرواه أحمد (٣/ ١٠٣ و١٧٤ و٢٣٠)، والبخاري (١٦)، ومسلم (٤٣)، والترمذي (٢٦٢٦)، والنسائي (٨/ ٩٦)، وابن ماجه (٤٠٣٣).\n* * *\nــ\nوقد أفاد هذا الحديثُ: أنَّ محبَّةَ المؤمنِ الموصِّلَةَ لحلاوة (١) الإيمان لا بدَّ أن تكونَ خالصةً لله تعالى، غيرَ مشوبةٍ بالأَغراض الدنيويَّة، ولا الحظوظِ البشريَّة؛ فإنَّ مَن أحبَّه لذلك، انقطعَت محبَّته إن حصَلَ له ذلك الغرَضُ أو يئِسَ مِن حصوله.\nومحبَّةُ المؤمن وظيفةٌ متعيِّنة (٢) على الدوام، وُجِدَتِ الأغراضُ أو عُدِمَت، ولمَّا كانتِ المحبَّةُ للأغراضِ هي الغالبة، قَلَّ وِجدانُ تلك الحلاوة، بل قد انعدم، لا سيَّما في هذه الأزمان التي قد امَّحَى فيها أكثَرُ رسومِ الإيمان. وعلى الجملة: فمحبَّةُ المؤمنين من العبادات، التي لا بُدَّ فيها من الإخلاصِ في حُسنِ النيَّات.\nو(قوله: وَأَن يَكرَهَ أَن يَعُودَ فِي الكُفرِ كَمَا يَكرَهُ أَن يُقذَفَ فِي النَّارِ) معنى يُقذَفَ: يُرمَى، والقذفُ: الرمي. وهذه الكراهةُ مُوحيَةٌ؛ لما انكشَفَ للمؤمن من محاسن الإسلام، ولِمَا دخَلَ قلبَهُ من نور الإيمان، ولِمَا خلّصه الله مِن رذائلِ الجهالاتِ وقُبحِ الكفران، والحمدُ لله.\n* * *\n_________\n(١) في (ع): الموصولة بحلاوة.\n(٢) في (م): فعلية.","vol":"1","page":215},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>(١٣) بَابٌ الإِيمَانُ شُعَبٌ، وَالحَيَاءُ شُعبَةٌ مِنهَا</span>\n[٢٩] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ رَسُولِ الله - ﷺ -، قَالَ: الإِيمَانُ بِضعٌ وَسَبعُونَ شُعبَةً، وَالحَيَاءُ شُعبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: بِضعٌ وَسَبعُونَ - أو بِضعٌ وَسِتُّونَ - شُعبَةً، فَأَفضَلُهَا: قَولُ لا إِلهَ إِلا اللهُ، وَأَدنَاهَا: إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ،\nــ\n(١٣) وَمِن بَابِ الإِيمَانُ شُعَبٌ، وَالحَيَاءُ شُعبَةٌ مِنهَا\n(قوله: الإِيمَانُ بِضعٌ وَسَبعُونَ شُعبَةً) الإيمانُ في هذا الحديث يرادُ به: الأعمالُ، بدليل أنَّه ذكَرَ فيه أعلى الأعمال، وهو قولُ: لا إلهَ إلَاّ الله، وأدناها، أي: أقرَبَها، وهو إماطةُ الأذى، وهما عملان؛ فما بينهما مِن قبيل الأعمال. وقد قدَّمنا القولَ في حقيقة الإيمان شرعًا ولغةً، وأنَّ الأعمالَ الشرعيَّةَ تسمَّى إيمانًا مجازًا وتوسُّعًا؛ لأنَّها عن الإيمان تكونُ غالبًا. والبِضعُ والبِضعَةُ واحدٌ، وهو من العَدَدِ بكسر الباء، وقد تُفتَح وهو قليلٌ؛ ذكره الجوهريُّ. فأمَّا مِن بَضعِ اللحم فبِفَتح الباء لا غير، والبَضعَةُ من اللحم، بالفتح القطعةُ منه، واستعملَتِ العربُ البِضعَ في المشهور مِن كلامها: فيما بين الثلاثِ إلى العَشر، وقيل: إلى التِّسع، وقال الخليلُ: البِضعُ: سبع، وقيل: هو ما بين اثنَينِ إلى عَشر، وما بين عشَرَ إلى عشرين، ولا يقالُ في أحدَ عشَرَ، ولا في اثنَي عشر، وقال الخليلُ أيضًا: هو ما بين نِصفِ العَقد، يريد مِن واحدٍ إلى أربع.\nوالشُّعبَةُ في أصلها: واحدةُ الشُّعَب، وهي أغصانُ الشجر، وهي بضمِّ الشين، فأمَّا شُعَبُ القبائل، فواحدُهَا: شَعبٌ بفتحها، وقال الخليل: الشَّعب: الاجتماعُ والافتراق. وفي الصحاح: هو من الأضداد. فيُراد بالشُّعبة في الحديث","vol":"1","page":216},{"text":"وَالحَيَاءُ شُعبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ.\nرواه أحمد (٢/ ٤١٤ و٤٤٥)، والبخاري (٩)، ومسلم (٣٥)، وأبو داود (٤٦٧٦)، والترمذي (٢٦١٤)، والنسائي (٨/ ١١٠)، وابن ماجه (٥٧).\nــ\nالخَصلة، ويعني: أنَّ الإيمانَ ذو خصال معدودة، وقد ذكَرَ الترمذيُّ هذا الحديثَ، وسمَّى الشُّعبة بابًا (١)، فقال: بِضعٌ وستون أو بضع وسَبعُونَ، ولا يُلتَفَتُ لهذا الشكِّ؛ فإنَّ غيره من الثقات قد جَزَمَ بأنَّه بِضعٌ وسبعون، وروايةُ مَن جزَمَ أولى.\nومقصودُ هذا الحديثِ: أنَّ الأعمالَ الشرعيَّةَ تسمَّى إيمانًا على ما ذكرناه آنفًا، وأنَّها منحصرةٌ في ذلك العدد، غيرَ أنَّ الشرع لم يُعيِّن ذلك العدد لنا (٢) ولا فصَّله.\nوقد تكلَّف بعضُ المتأخِّرين تعديدَ ذلك؛ فتصفَّحَ خِصَالَ الشريعةِ وعدَّدها، حتَّى انتهَى بها - في زعمه - إلى ذلك العَدَد، ولا يصحُّ له ذلك؛ لأنَّه يمكنُ الزيادةُ على ما ذكَرَ، والنقصانُ ممَّا ذكَرَ؛ ببيانِ التداخل.\nوالصحيحُ: ما صار إليه أبو سُلَيمان الخَطَّابيُّ وغيره: أنَّها منحصرةٌ في علمِ الله تعالى، وعِلمِ رسوله، وموجودةٌ في الشريعة، مفصَّلَةٌ فيها، غير أنَّ الشرعَ لم يُوقِفنَا على أشخاص تلك الأبواب، ولا عيَّن لنا عدَدَهَا، ولا كيفيَّةَ انقسامها، وذلك لا يَضُرُّنَا في عِلمنا بتفاصيلِ ما كُلِّفنا به مِن شريعتنا ولا في عملنا؛ إذ كلُّ ذلك مفصَّلٌ مُبيَّنٌ في جملةِ الشريعة، فما أُمِرنَا بالعَمَلِ به عَمِلنَاه، وما نُهِينَا عنه انتهَينَا، وإن لم نُحِط بِحَصرِ أعداد ذلك، والله تعالى أعلم.\nوالحياءُ: انقباضٌ وحِشمَةٌ يجدها الإنسانُ مِن نفسه عندما يُطَّلَعُ منه على\n_________\n(١) قوله: وسمّى الشعبة بابًا، ساقط من (ع).\n(٢) من (م) و(ط).","vol":"1","page":217},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nما يُستَقبَحُ ويُذَمُّ عليه، وأصلُهُ غريزيٌّ في الفطرة، ومنه مكتسَبٌ للإنسان؛ كما قال بعضُ الحكماء في العقل:\nرَأَيتُ العَقلَ عَقلَينِ ... فَمَطبُوعٌ وَمَصنُوعُ\nوَلَا يَنفَعُ مَصنُوعٌ ... إِذَا لَم يَكُ مَطبُوعُ\nكَمَا لَا تَنفَعُ العَينُ ... وَضَوءُ الشَّمسِ مَمنُوعُ (١)\nوهذا المكتَسَبُ: هو الذي جعلَهُ الشرعُ من الإيمان، وهو الذي يُكلَّفُ به.\nوأمَّا الغريزيُّ فلا يكلَّفُ به؛ إذ ليس ذلك مِن كسبنا، ولا في وُسعنا، ولم يكلِّفِ اللهُ نفسًا إلَاّ وسعها؛ غير أنَّ هذا الغريزيَّ يَحمِلُ على المكتسب، ويُعِينُ عليه؛ ولذلك قال ﵊: الحَيَاءُ لَا يَأتِي إِلَاّ بِخَيرٍ، والحَيَاءُ خَيرٌ كُلُّهُ (٢). وأوَّلُ الحياءِ وأَولَاه: الحياءُ من الله تعالى، وهو ألَاّ يراك حيثُ نهاك، وذلك لا يكونُ إلَاّ عن معرفةٍ بالله تعالى كاملة، ومراقبةٍ له حاصلَة، وهي المعبَّرُ عنها بقوله: أَن تَعبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ؛ فَإِن لَم تَكُن تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ (٣).\nوقد رَوَى الترمذيُّ مِن حديث ابن مسعود أَنَّهُ - ﵊ - قال: استَحيُوا مِنَ اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ، فَقَالُوا: إِنَّا نَستَحيِي وَالحَمدُ للهِ، فَقَالَ: لَيسَ ذَلِكَ، ولكنَّ الاستِحياءَ من الله حقَّ الحَيَاءِ: أَن تَحفَظَ الرَّأسَ وَمَا حَوَى، وَالبطنَ وما وَعَى، وَتَذكُرَ المَوتَ وَالبِلَى، فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ، فَقَدِ استَحيَا مِنَ اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ (٤).\n_________\n(١) الأبيات أوردها الماوردي في \"أدب الدنيا والدين\" ص (٢٩ - ٣٠) طبعة دار ابن كثير.\n(٢) رراه مسلم (٣٧) (٦١).\n(٣) سبق تخريجه برقم (٧) في تلخيص مسلم.\n(٤) رواه أحمد (١/ ٣٨٧)، والترمذي (٢٤٦٠).","vol":"1","page":218},{"text":"[٣٠] وَعَنِ ابنِ عُمَرَ، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - بِرَجُلٍ مِنَ الأَنصَارِ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الحَيَاءِ، فَقَالَ: الحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ.\nرواه أحمد (٢/ ٥٦ و١٤٧)، والبخاري (٢٤)، ومسلم (٣٦)، وأبو داود (٤٧٩٥)، والترمذي (٢٦١٨)، والنسائي (٨/ ١٢١)، وابن ماجه (٥٨).\nــ\nقال الشيخ: وأهلُ المعرفة في هذا الحياءِ منقسمون؛ كما أنّهم في أحوالهم متفاوتون كما تقدم، وقد كان النبيُّ - ﷺ - جُمِعَ له كمالُ نوعَيِ الحياء، فكان في الحياءِ الغريزيِّ أشدَّ حياءً من العَذراء في خِدرها، وفي حيائِهِ الكسبيِّ في ذِروتها.\nو(قوله: مر بِرَجُلٍ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الحَيَاءِ) أي: يَعذِلُهُ على كثرته، ويزجُرُهُ عنه.\nو(قوله - ﵊ -: دَعهُ) زجرٌ للواعظ؛ لأنَّه - ﵊ - عَلِمَ أنّ ذلك الشخصَ لا يضرُّهُ الحياءُ في دينه، بل ينفعُهُ؛ ولذلك قال له: دَعهُ، فَإِنَّ الحَيَاءَ لَا يَأتِي إِلَاّ بِخَير.\nوقد يُفرِطُ الحياءُ على بعضِ الناس، حتَّى يمنعَهُ ذلك من القيامِ بحقِّ الله تعالى من الأمرِ بالمعروفِ وتغييرِ المنكر، ويحملَهُ على المداهنة في الحَقِّ، وكلُّ ذلك حياءٌ مذمومٌ شرعًا وطبعًا (١) يحرُمُ استعمالُهُ، ويجب الانكفافُ عنه؛ فإنَّ ذلك الحياءَ أحقُّ باسم الجُبنِ والخَوَر، وأَولَى منه باسمِ الحياءِ والخَفَر.\n_________\n(١) قوله: شرعًا وطبعًا، من (م).","vol":"1","page":219},{"text":"[٣١] وعَن عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: الحَيَاءُ لَا يَأتِي إِلَاّ بِخَير، فَقَالَ بُشَيرُ بنُ كَعبٍ: إِنَّهُ مَكتُوبٌ فِي الحِكمَةِ: أَنَّ مِنهُ وَقَارًا، وَمِنهُ سَكِينَةً، فَقَالَ عِمرَانُ: أُحَدِّثُكَ عَن رَسُولِ الله - ﷺ -، وَتُحَدِّثُنِي عَن صُحُفِكَ؟ !\nرواه أحمد (٤/ ٤٢٧)، والبخاري (٦١١٧)، ومسلم (٣٧)، وأبو داود (٤٧٩٦).\n* * *\nــ\nو(قولُ بُشَير بن كعب: إِنَّ مِنهُ وَقَارًا، وَمِنهُ سَكِينَةً) يعني: إنَّ منه ما يحملُ صاحبَهُ على أن يُوَقِّرَ الناسَ ويتوقَّرُ هو في نفسه، ومنه: ما يحملُهُ على أن يَسكُنَ عن كثيرٍ ممَّا يتحرَّكُ الناسُ إليه مِنَ الأمورِ التي لا تليقُ بذوي المروءات.\nولم يُنكِر عِمرَانُ على بُشَيرٍ هذا القولَ مِن حيثُ معناه، وإنَّما أنكرَهُ عليه مِن حيثُ إنَّه (١) أتى به في مَعرِضِ مَن يعارضُ كلامَ رسولِ الله - ﷺ - بكلامِ الحكماءِ، ويقاومُهُ به؛ ولذلك قال له: أُحَدِّثُكَ عَن رَسُولِ الله - ﷺ - وَتُحَدِّثُنِي عَن صُحُفِكَ! وقيل: إنَّما (٢) أنكَرَه عليه؛ لأنَّه خافَ أن يَخلِطَ بالسُّنَّة ما ليس منها؛ فَسَدَّ ذريعةَ ذلك بالإنكار، والله تعالى أعلم.\n* * *\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) في (ط): إنه إنما.","vol":"1","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>(١٤) بَابُ الاِستِقَامَةِ فِي الإِسلَامِ، وَأَيُّ خِصَالِهِ خَيرٌ</span>\n[٣٢] عَن سُفيَانَ بنِ عَبدِ اللهِ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: قُلتُ: يَا رسولَ الله، قُل لِي فِي الإِسلَامِ قَولًا لَا أَسأَلُ عَنهُ أَحَدًا بَعدَكَ - وَفِي رِوَايَةٍ: غَيرَكَ - قَالَ: قُل: آمَنتُ بِاللهِ، ثُمَّ استَقِم.\nرواه أحمد (٣/ ٤١٣) و(٤/ ٣٨٥)، ومسلم (٣٨).\nــ\n(١٤) وَمِن بَابِ الاِستِقَامَةِ فِي الإِسلَامِ، وَأَيُّ خِصَالِهِ خَيرٌ\n(قوله: قُل لِي فِي الإِسلَامِ قَولًا لَا أَسأَلُ عَنهُ أَحَدًا بَعدَكَ) أي: علِّمني قولًا جامعًا لمعاني الإسلام، واضحًا في نفسه، بحيثُ لا يحتاجُ إلى تفسيرِ غيرك، أعمَلُ عليه، وأكتفي به؛ وهذا نحو ممَّا قاله له الآخر: عَلِّمنِي شَيئًا أَعِيشُ بِهِ فِي النَّاسِ، وَلَا تُكثِر عَلَيَّ فَأَنسَى، فَقَالَ: لَا تَغضَب (١). وهذا الجوابُ، وجوابُهُ بقوله: قُل: آمَنتُ بِاللهِ، ثُمَّ استَقِم؛ دليلٌ على أنَّ النبيَّ - ﷺ - أُوتِيَ جوامعَ الكَلِمِ، واختُصِرَ له القول اختصارًا؛ كما قال النبيُّ - ﷺ - مُخبِرًا بذلك عن نفسه (٢)؛ فإنّه - ﵊ - جمَعَ لهذا السائلِ في هاتَين الكلمتَين معانيَ الإسلام والإيمانِ كلَّها؛ فإنَّه أمره أن يجدِّدَ إيمانَهُ متذكِّرًا بقلبه، وذاكرًا بلسانه.\nويقتضي هذا استحضارَ تفصيلِ معاني الإيمانِ الشرعيِّ بقلبه، التي تقدَّم ذكرُهَا في حديثِ جبريل (٣)، وأَمرِهِ بالاِستقامةِ على\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٣٦٢، ٤٦٦، و٥/ ٣٤، ٣٧٢، ٣٧٣)، والبخاري (٦١١٦)، والترمذي (٢٠٢١)، والموطأ (٢/ ٩٠٦) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) روى أبو هريرة ﵁ عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"أوتيتُ جوامع الكلم. . .\" رواه أحمد (٢/ ٢٥٠، ٣١٤، ٤٤٢، ٥٠١)، ومسلم (٥٢٣).\n(٣) تقدّم الحديث في تلخيص مسلم برقم (٧).","vol":"1","page":221},{"text":"[٣٣] وعَن عَبدِ اللهِ بنِ عمرو؛ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رسولَ الله - ﷺ -: أَيُّ الإِسلامِ خَيرٌ؟ قَالَ: تُطعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَن عَرَفتَ وَمَن لَم تَعرِف.\nــ\nأعمال الطاعات، والانتهاءِ عن جميع المخالفات؛ إذ لا تتأتَّى الاستقامةُ مع شيء من الاعوجاج، فإنَّها ضِدُّه.\nوكأنَّ هذا القولَ منتزَعٌ من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ استَقَامُوا﴾ أي: آمَنُوا باللهِ ووحَّدوه، ثم استقاموا على ذلك وعلى طاعتِهِ إلى أن تُوُفُّوا عليها؛ كما قال عمرُ بنُ الخَطَّاب: استَقَامُوا واللهِ على طاعتِهِ، ولم يَرُوغُوا رَوَغَانَ الثعالب، وملخَّصُهُ: اعتَدَلُوا على طاعة الله تعالى، عَقدًا وقولًا وفعلًا، وداموا على ذلك.\nو(قوله: أَيُّ المُسلِمِينَ خَيرٌ) أي: أيُّ خصالهم أفضلُ؟ بدليل جوابه بقوله: تُطعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَن عَرَفتَ وَمَن لَم تَعرِف، وكأنَّه - ﵊ - فَهِمَ عن هذا السائلِ أنَّه يسألُ عن أفضلِ خصالِ المسلمين المتعدِّيَةِ النفعَ إلى الغير، فأجابَهُ بأعمِّ ذلك وأنفعِهِ في حقِّه؛ فإنَّه - ﵊ - كان يجيبُ كُلَّ سائلٍ على حَسَبِ ما يُفهَمُ منه، وبما هو الأهمُّ في حقِّه والأنفعُ له.\nو(قوله - ﵊ -: وَتَقرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَن عَرَفتَ وَمَن لَم تَعرِف) قال أبو حاتم: تقول: قَرَأَ ﵇ وأقرَأَهُ الكتابَ، ولا تقول: أَقرَأَهُ السلامَ إلَاّ في لغة سُوء، إلَاّ أن يكونَ مكتوبًا فتقول: أَقرِئهُ السلامَ، أي: اجعلهُ يقرؤه. وجمَعَ له بين الإطعامِ والإفشاء؛ لاجتماعهما في استلزام المحبَّةِ الدينيَّة، والأُلفةِ الإسلاميَّة؛ كما قال - ﵊ -: أَلَا أَدُلُّكُم عَلَى شَيءٍ إِذَا فَعَلتُمُوهُ تَحَابَبتُم؟ أَفشُوا السَّلَامَ بَينَكُم (١).\nوفيه: دليلٌ على أنَّ السلام لا يُقصَرُ\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٣٩١)، ومسلم (٥٤) من حديث أبي هريرة ﵁، والترمذي (٢٥١٢) من حديث الزبير بن العوام ﵁.","vol":"1","page":222},{"text":"وَفِي أُخرَى: أَيُّ المُسلِمِينَ خَيرٌ؟ قَالَ: مَن سَلِمَ المُسلِمُونَ مِن لِسَانِهِ وَيَدِهِ.\nرواه البخاري (١٢)، ومسلم (٣٩)، وأبو داود (٥١٩٤)، والنسائي (٨/ ١٠٧)، وابن ماجه (٣٢٥٣).\n[٣٤] وعَن جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ:\nــ\nعلى من يُعرَفُ، بل على المسلمين كافَّة؛ لأنّه كما قال - ﵊ -: السَّلَامُ شِعَارٌ لِمِلَّتِنَا، وَأَمَانٌ لِذِمَّتِنَا (١). ورَدُّ السلامِ أوكَدُ من ابتدائه، وسيأتي القولُ فيه، إن شاء الله تعالى.\nو(قوله: أَيُّ المُسلِمِينَ خَيرٌ؟ فقَالَ: مَن سَلِمَ المُسلِمُونَ مِن لِسَانِهِ وَيَدِهِ) هذا السؤالُ غيرُ السؤالِ الأوَّل وإن اتَّحَدَ لفظهما؛ بدليلِ افتراق الجواب، وكأنَّه - ﵊ - فَهِمَ عن هذا السائلِ أنه إنما سأل عن أحقِّ المسلمين باسم الخيريَّة وبالأفضليَّة، وفَهِمَ عن الأوَّل أنَّه سَأَلَ عن أحقِّ خصالِ الإسلامِ بالأفضليَّة، فأجاب كُلًاّ منهما بما يليقُ بسؤاله، والله تعالى أعلم، وهذا أولى مِن أن تقول: الخبران واحد، وإنَّما بعضُ الرواة تسامَحَ؛ لأنَّ هذا التقديرَ يرفَعُ الثقةَ بأخبارِ الأئمَّةِ الحفَّاظِ العدول، مع وجودِ مندوحةٍ عن ذلك.\n_________\n(١) رواه الطبراني في الصغير (١/ ٧٥)، بلفظ: \"السلام تحية. . .\"، وفي الكبير (٧٥١٨)، والخطيب في تاريخه (٤/ ٣٩٦)، والشهاب في مسنده (١٨٤). وفي إسناده: طلحة بن زيد، وهو متهم، قال ابن عدي: روى بهذا الإسناد ستة أحاديث موضوعة، وأورده صاحبُ \"الدر الملتقط\" برقم (١٧)، وابن الجرزي في الموضوعات (٣/ ٧٩) لأنَّ فيه عصمة وهو كذاب.","vol":"1","page":223},{"text":"المُسلِمُ مَن سَلِمَ المُسلِمُونَ مِن لِسَانِهِ وَيَدِهِ.\nرواه مسلم (٤٠).\n* * *\nــ\nو(قوله: المُسلِمُ مَن سَلِمَ المُسلِمُونَ مِن لِسَانِهِ وَيَدِهِ) أي: مَن كانت هذه حالَهُ، كان أحقَّ بهذا الاسمِ، وأمكنَهُم فيه.\nويبيِّن ذلك: أنَّه لا ينتهي الإنسانُ إلى هذا، حتَّى يتمكَّنَ خوفُ عقابِ الله تعالى مِن قلبه، ورجاءُ ثوابه، فيُكسِبُهُ ذلك وَرَعًا يحمله على ضَبطِ لسانه ويده، فلا يتكلَّمُ إلَاّ بما يعنيه، ولا يفعلُ إلَاّ ما يَسلَمُ فيه؛ ومَن كان كذلك، فهو المسلمُ الكامل، والمتَّقي الفاضل.\nويقرُبُ من هذا المعنى بل يزيدُ عليه: قولُهُ - ﵊ -: لَا يُؤمِنُ أَحَدُكُم حَتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفسِهِ (١)؛ إذ معناه: أَنَّهُ لَا يتمُّ إيمانُ أحدٍ الإيمانَ التامَّ الكامل (٢)، حتَّى يَضُمَّ إلى سلامةَ النَّاسِ منه إرادته الخيرِ لهم، والنُّصحَ لجميعهم فيما يحاوله معهم. ويستفادُ من الحديث الأوَّل: أنَّ الأصلَ في الحقوقِ النفسيَّة والماليَّة المنعُ؛ فلا يحلُّ شيءٌ منها إلَاّ بوجهٍ شرعيٍّ، واللهُ تعالى أعلَمُ بغيبه وأحكم.\n* * *\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ١٧٦، ٢٧٢، ٢٧٨)، والبخاري (١٣)، ومسلم (٤٥)، والترمذي (٢٥١٧)، والنسائي (٨/ ١١٥)، وابن ماجه (٦٦).\n(٢) قوله: الإيمان التام الكامل، من (ط).","vol":"1","page":224},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>(١٥) بَابٌ لَا يَصِحُّ الإِيمَانُ حَتَّى تَكُونَ مَحَبَّةُ رَسُولِ الله - ﷺ - رَاجِحَةً عَلَى كُلِّ مَحبُوبٍ مِنَ الخَلقِ</span>\n[٣٥] عَن أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: لَا يُؤمِنُ عَبدٌ - وَفِي رِوَايَةٍ: الرَّجُلُ - حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيهِ مِن أَهلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجمَعِينَ.\nــ\n(١٥) وَمِن بَابِ: لَا يَصِحُّ الإِيمَانُ حَتَّى تَكُونَ مَحَبَّةُ رَسُولِ الله - ﷺ - رَاجِحَةً عَلَى كُلِّ مَحبُوبٍ مِنَ الخَلقِ\n(قوله: لَا يُؤمِنُ عَبدٌ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيهِ مِن أَهلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجمَعِينَ، هذا الحديثُ على إيجازِهِ يتضمَّنُ ذكرَ أصنافِ المَحَبَّةِ؛ فإنَّها ثلاثة: محبَّةُ إجلالٍ وإعظام؛ كمحبَّةِ الوالِدِ والعلماءِ والفضلاء. ومحبَّة رحمةٍ وإشفاق؛ كمحبَّة الولد. ومحبَّةُ مشاكلةٍ واستحسان؛ كمحبَّة غير مَن ذكرنا. وإنَّ محبَّةَ رسولِ الله - ﷺ - لا بدَّ أن تكون راجحةً على ذلك كلِّه.\nوإنَّما كان ذلك؛ لأنَّ الله تعالى قد كمَّله على جميعِ جنسه، وفضَّله على سائر نوعه، بما جبله عليه مِنَ المحاسنِ الظاهرة والباطنة، وبما فضَّله مِنَ الأخلاقِ الحسنة والمناقبِ الجميلة؛ فهو أكملُ مَن وَطِئَ الثَّرى، وأفضلُ مَن رَكِبَ ومَشَى، وأكرمُ مَن وافى القيامة، وأعلاهُم منزلةً في دارِ الكرامة.\nقال القاضي أبو الفضل: فلا يصحُّ الإيمانُ إلَاّ بتحقيق إنافةِ قَدرِ النبيِّ - ﷺ - ومنزلتِهِ، على كلِّ والدٍ وولد، ومُحسِنٍ ومُفضِل، ومن لم يعتقد هذا واعتقَدَ سواه، فليس بمؤمنٍ. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وظاهرُ هذا القول أنَّه صرَفَ محبَّةَ النبيِّ - ﷺ - إلى اعتقادِ تعظيمِهِ وإجلاله، ولا شكَّ في كُفرِ مَن لا يعتقدُ عليه. غيرَ أنَّ تنزيلَ هذا الحديثِ على ذلك المعنى غيرُ صحيح؛ لأنَّ اعتقادَ الأعظَمِيَّةِ ليس بالمحبَّةِ، ولا الأحبِّيَّة، ولا مستَلزِم لها؛ إذ قد يجدُ الإنسانُ من نفسه إعظامَ أمرٍ أو","vol":"1","page":225},{"text":"وَفِي لَفظٍ آخَرَ: لَا يُؤمِنُ أَحَدُكُم حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيهِ مِن وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجمَعِينَ.\nرواه أحمد (٣/ ١٧٧ و٢٠٧ و٢٧٥)، والبخاري (١٥)، ومسلم (٤٤)، والنسائي (٨/ ١١٤ - ١١٥)، وابن ماجه (١٦٧).\nــ\nشخصٍ، ولا يجدُ محبَّته، ولأنَّ عمر لَمَّا سمع قولَ رسول الله - ﷺ -: لَا يُؤمِنُ أَحَدُكُم حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيهِ مِن نَفسِهِ وَوَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجمَعِينَ، قَال عمر: يَا رَسُولَ اللهِ! أَنتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِن كُلِّ شَيءٍ إِلَاّ نَفسِي، فَقَالَ: وَمِن نَفسِكَ يَا عُمَرُ، قَالَ: وَمِن نَفسِي، فَقَالَ: الآنَ يَا عُمَرُ (١).\nوهذا كلُّه تصريحٌ بأنَّ هذه المحبَّةَ ليست باعتقاد تعظيم، بل ميلٌ إلى المعتقَدِ وتعظيمُهُ وتعلُّقُ القلبِ به، فتأمَّل هذا الفرق؛ فإنَّه صحيحٌ، ومع ذلك فقد خَفِيَ على كثيرٍ من الناس. وعلى هذا المعنى الحديث - والله أعلم - أنَّ مَن لم يجد مِن نفسه ذلك الميلَ، وأرجحيَّتَهُ للنبيِّ - ﷺ - لم يَكمُل إيمانُهُ.\nعلى أنِّي أقولُ: إنَّ كلَّ مَن صدَّق بالنبيِّ - ﷺ -، وآمَنَ به إيمانًا صحيحًا، لم يَخلُ عن وِجدَانِ شيء من تلك المحبَّة الراجحةِ للنبيِّ - ﷺ -؛ غير أنّهم في ذلك متفاوتون؛ فمنهم: مَن أخذ تلك الأرجحيّةِ بالحظِّ الأوفى؛ كما قد اتَّفَقَ لعمر حتى قال: ومِن نَفسِي، ولهندٍ امرأةِ أبي سفيان حين قالت للنبيِّ - ﷺ -: لَقَد كَانَ وَجهُكَ أَبغَضَ الوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَيَّ، فَقَد أَصبَحَ وَجهُكَ أَحَبَّ الوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَيَّ. . الحديث، وكما قال عمرو بن العاص: لَقَد رَأَيتُنِي وَمَا أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِن رَسُولِ الله - ﷺ -، وَلَا أَجَلَّ فِي عَينِي مِنهُ، وَمَا كُنتُ أُطِيقُ أَن أَملَأَ عَينَيَّ مِنهُ إِجلَالًا لَهُ، وَلَو سُئِلتُ أَن أَصِفَهُ، مَا أَطَقتُ؛ لِأَنِّي لَم أَكُن أَملَأُ عَينَيَّ مِنهُ (٢)، ولا شَكَّ في أنَّ حظَّ أصحابِهِ من\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ٣٣٦).\n(٢) رواه مسلم (١٢١).","vol":"1","page":226},{"text":"[٣٦] عَن أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: لَا يُؤمِنُ أَحَدُكُم حَتَّى يُحِبَّ لِأخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفسِهِ.\nرواه أحمد (٣/ ١٧٦ و٢٧٢ و٢٧٨)، والبخاري (١٣)، ومسلم (٤٥)، والنسائي (٨/ ١١٥)، والترمذي (٢٥١٧)، وابن ماجه (٦٦).\n* * *\nــ\nهذا المعنى أعظَمُ؛ لأنَّ معرفتهم لقدره أعظم؛ لأن المحبَّةُ ثمرةُ المعرفة، فتقوَى وتضعُفُ بِحَسَبها.\nومن المؤمنين: من يكونُ مستغرِقًا بالشهوات، محجوبًا بالغفلات عن ذلك المعنى في أكثرِ أوقاته؛ فهذا بأخسِّ الأحوال، لكنَّه إذا ذُكِّرَ بالنبيِّ - ﷺ -، وبشيء من فضائله، اهتاجَ لذكرِهِ، واشتاقَ لرؤيته، بحيثُ يُؤثِرُ رؤيتَهُ، بل رؤيةَ قبرِهِ ومواضعِ آثاره، على أهلِهِ ومالِهِ وولدِهِ، ونفسِهِ والناسِ أجمعين، فيخطُرُ له هذا ويجدُهُ وِجدانًا لا شَكَّ فيه، غير أنَّه سريعُ الزوال والذَّهَاب؛ لغلبة الشَّهَوَاتِ، وتوالي الغَفَلَات؛ ويُخَافُ على مَن كان هذا حالُهُ ذَهَابُ أصلِ تلك المحبَّة، حتى لا يوجَدَ منها حَبَّة، فنسألُ اللهَ الكريم أن يَمُنَّ علينا بدوامها وكمالِها، ولا يَحجُبَنَا عنها.\nو(قوله: لَا يُؤمِنُ أَحَدُكُم حَتَّى يُحِبَّ لِأخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفسِهِ) أي: لا يكمُلُ إيمانه؛ كما تقدَّم؛ إذ مَن يَغُشُّ المسلمَ ولا ينصحُهُ مرتكبٌ كبيرةً، ولا يكونُ كافرًا بذلك؛ كما بيَّنَّاه غير مرَّة.\nوعلى هذا: فمعنى الحديث: أنَّ الموصوفَ بالإيمانِ الكامل: مَن كان في معاملته للناس ناصحًا لهم، مريدًا لهم ما يريده لنفسه، وكارهًا لهم ما يكرهه لنفسه، وتتضمَّنُ أن يفضِّلهم على نفسه؛ لأنَّ كلَّ أحد يُحِبُّ أن يكونَ أفضَلَ من غيره، فإذا أحَبَّ لغيره ما يحبُّ لنفسه، فقد أَحَبَّ أن يكونَ غيره أفضَلَ منه؛ وإلى هذا المعنى أشار الفُضَيلُ بنُ عِيَاض لمَّا قال لسفيانَ بنِ عُيَينة: إن كنتَ تريدُ أن يكون الناسُ مثلَكَ، فما أدَّيتَ للهِ الكريمِ النصيحة، فكيف وأنتَ تُوَدُّ أنَّهم دونك؟ !","vol":"1","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>(١٦) بَابٌ حُسنُ الجِوَارِ وَإِكرَامُ الضَّيفِ مِنَ الإِيمَانِ</span>\n[٣٧] عَن أَبِي هُرَيرَة، قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ مَن لا يَأمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٧٣)، ومسلم (٤٦).\nــ\n\n(١٦) وَمِن بَابِ حُسنُ الجِوَارِ وَإِكرَامُ الضَّيفِ مِنَ الإِيمَانِ\n(قوله: لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ مَن لا يَأمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ) الجارُ هنا: يصلُحُ للمجاوِرِ لك في مسكنك، ويصلُحُ للداخل في جوارك وحُرمتك؛ إذ كلُّ واحد منهما يجبُ الوفاءُ بحقه، وتحرمُ أَذِيَّتُهُ تحريمًا أشدَّ من تحريم أذى المسلمين مطلقًا.\nفمَن كان مع هذا التأكيد الشديد مُضِرًّا لجاره، كاشفًا لعوراته، حريصًا على إنزالِ البوائِقِ به؛ كان ذلك منه دليلًا؛ إمَّا على فسادِ اعتقادٍ ونفاق، فيكونُ كافرًا، ولا شك في أنه لا يدخُلُ الجنة.\nوإمَّا على استهانةٍ بما عظَّم اللهُ تعالى مِن حرمةِ الجار، ومِن تأكيدِ عهدِ الجوار، فيكونُ فاسقًا فِسقًا عظيمًا، ومرتكبَ كبيرةٍ، يُخَافُ عليه من الإصرار عليها أن يُختَمَ عليه بالكفر؛ فإنَّ المعاصيَ بريدُ الكُفر، فيكونُ من الصِّنفِ الأول، وإن سَلِمَ من ذلك، ومات غيرَ تائب، فأمرُهُ إلى الله تعالى، فإن عَاقَبَهُ بدخول النار، لم يدخُلِ الجَنَّةَ حين يدخلُهَا مَن لم يكن كذلك، أو لا يدخُلُ الجنَّةَ المعدَّةَ لمن قام بحقوق جاره. وعلى هذا القانون ينبغي أن يحمَلَ ما في هذا الباب مما قالَ فيه النبي - ﷺ -: إنَّ فاعله لا يدخُلُ الجنّة، مما ليس بشركٍ؛ للأدلَّةِ المتقدِّمة، ولِمَا يأتي في أحاديث الشفاعة.\nوالبوائق: جمعُ بائقة، وهي الداهيةُ التي تُوبِقُ صاحبها؛ أي: تهلِكه، وقد تقدَّم ذكرها.","vol":"1","page":228},{"text":"[٣٨] وَعَنهُ، عَن رَسُولِ الله - ﷺ -: مَن كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَليَقُل خَيرًا أو لِيَصمُت، وَمَن كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَليُكرِم جَارَهُ، وَمَن كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَليُكرِم ضَيفَهُ.\n\nــ\nو(قوله: مَن كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ، فَليَقُل خَيرًا أو لِيَصمُت) ... الحديثَ. يعني: مَن كان يؤمنُ بالله الإيمانَ الكامل، المُنجِيَ مِن عذاب الله، المُوصِلَ إلى رضوان الله؛ لأنَّ مَن آمَنَ بالله حَقَّ إيمانه، خاف وعيدَه ورجا ثوابَه، ومَن آمنَ باليومِ الآخر، استعدَّ له، واجتهَدَ في فعل ما يدفَعُ به أهوالَهُ ومكارهه، فيأتمرُ بما أُمِرَ به، وينتهي عما نُهِيَ عنه، ويتقرَّبُ إلى الله تعالى بفعلِ ما يقرِّبُ إليه، ويعلمُ أَنَّ مِن أهمِّ ما عليه ضَبطَ جوارحه التي هي رعاياه، وهو مسؤولٌ عنها جارحةً جارحةً؛ كما قال تعالى: إِنَّ السَّمعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنهُ مَسئُولًا و: مَا يَلفِظُ مِن قَولٍ إِلَّا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ، وأنَّ مِن أكثرِ المعاصي عددًا، وأيسرها فعلًا: معاصيَ اللسان، وقد استقرَأَ المحاسِبُونَ لأنفسهم آفاتِ اللسان، فوجدوها تُنَيِّفُ على العشرين. وقد أرشد النبي - ﷺ - إلى هذا جملةً؛ فقال: وَهَل يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِم فِي النَّارِ إِلَاّ حَصَائِدُ أَلسِنَتِهِم (١).\nوقال: كُلُّ كَلَامِ ابنِ آدَمَ عَلَيهِ، إِلَاّ ذِكرُ اللهِ تَعَالَى، أو أَمرٌ بِمَعرُوفٍ، أو نَهيٌ عَن مُنكَرٍ (٢).\nوقال: إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِن سَخَطِ اللهِ مَا يُلقِي لَهَا بَالًا، يَهوِي بِهَا فِي النَّارِ سَبعِينَ خَرِيفًا (٣). فَمَن علم ذلك، وآمَنَ به حقَّ إيمانه، اتَّقَى اللهَ في لسانه، فيتكلَّمَ إذا غنم، ويسَكَتَ إذا سلَمَ.\nو(قوله: وَمَن كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَليُكرِم ضَيفَهُ) الضَّيفُ: هو\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٢٣١، ٢٣٧)، والترمذي (٢٦١٦)، وابن ماجه (٣٩٧٣).\n(٢) رواه الترمذي (٢٤١٤)، وابن ماجه (٣٩٧٤).\n(٣) رواه الترمذي (٢٣١٥).","vol":"1","page":229},{"text":"وَفِي أُخرَى: مَن كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَلَا يُؤذِ جَارَهُ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٦٧ و٢٦٩ و٤٣٣ و٤٦٣)، والبخاري (٦٠١٨)، ومسلم (٤٧)، وأبو داود (٥١٥٤)، وابن ماجه (٣٩٧١).\n* * *\nــ\nالقادمُ على القومِ النازلُ بهم، ويقال: ضَيفٌ، على الواحد والجمع، ويجمع أيضًا على: أضياف، وضُيُوف، وضِيفَان، والمرأة ضَيفٌ، وضَيفَةٌ، وأَضَفتُ الرَّجُلَ وضَيَّفتُهُ: إذا أنزلتَهُ بك ضَيفًا، وضِفتُ الرجلَ ضِيَافةً: إذا نَزَلتَ عليه، وكذلك تَضَيَّفتُهُ.\nوالضيافةُ: مِن مكارم الأخلاقِ، ومن مَحَاسِنِ الدين، ومِن خُلُق النبيِّين، وليست بواجبةٍ عند عامَّةِ أهل العلم خلا اللَّيث؛ فإنه أوجبها ليلةً واحدة؛ محتجًّا بقوله - ﵊ -: لَيلَة الضَّيفِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ (١)، وبقوله: إِن نَزَلتُم بِقَومٍ فَأَمَرُوا لَكُم بِحَقِّ الضَّيفِ فَاقبَلُوهُ، وإِن لَم يَفعَلُوا، فَخُذُوا مِنهُم حَقَّ الضَّيفِ الَّذِي يَنبَغِي لَهُ (٢).\nوحُجَّةُ الجمهور: قوله - ﵊ -: جَائِزَتُهُ يَومٌ وَلَيلَةٌ (٣)، والجائزةُ: العطيَّةُ والصلةُ التي أصلُهَا على الندب، وقلَّما يستعملُ مثلُ هذا اللفظ في الواجب.\nوتأويل الجمهورُ أحاديثَ الليث بأنَّ ذلك كان في أولِ الإسلام؛ إذ كانت المواساةُ واجبة، أو كان هذا للمجاهدين في أوَّلِ الإسلام؛ لقلَّة الأزواد، أو المرادُ به: مَن لزمته الضيافةُ من أهل الذمَّة. ثُمَّ اختلفوا فيمن يخاطَبُ بالضيافة: فذهب الشافعيُّ، ومحمد بنُ عبد الحكم: إلى أن المخاطَبَ بها أهلُ الحضر والبادية. وقال مالكٌ وسُحنون: إنما ذلك على أهلِ البوادي؛ لتعذُّرِ ما يحتاجُ إليه\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٧٥١) من حديث المقدام بن معديكرب ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٢٤٦١)، ومسلم (١٧٢٧)، وأبو داود (٣٧٥٢)، والترمذي (١٥٨٩) من حديث عقبة بن عامر ﵁.\n(٣) رواه البخاري (٦٠١٩)، ومسلم (٤٨).","vol":"1","page":230},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>(١٧) بَابٌ تَغيِيرُ المُنكَرِ مِنَ الإِيمَانِ</span>\n[٣٩] وعَن طَارِقِ بنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَوَّلُ مَن بَدَأَ بِالخُطبَةِ يَومَ العِيدِ قَبلَ الصَّلَاةِ: مَروَانُ،\nــ\nالمسافرُ في البادية، ولتيسُّرِ ذلك على أهل البادية غالبًا، وتعذُّرِهِ على أهل الحَضَرِ ومشقَّتِهِ عليهم غالبًا. وقد رُوِيَ: الضَّيَافَةُ عَلَى أهل الوَبَر، وَلَيسَت عَلَى أهل المَدَر (١).\n(١٧) وَمِن بَابِ تَغيِيرُ المُنكَرِ مِنَ الإِيمَانِ\n(قوله: أَوَّلُ مَن بَدَأَ بِالخُطبَةِ يَومَ العِيدِ قَبلَ الصَّلَاةِ: مَروَانُ) هذا أصحُّ ما رُوِيَ في أَوَّلِ من قدَّم الخطبةَ على الصلاة، وقد رُوِيَ: أوَّلَ مَن فعل ذلك عمر، وقيل: عثمان، وقيل: ابن الزبير، وقيل: معاوية ﵃.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: وبعيدٌ أن يصحَّ شيءٌ مِن ذلك عن مثل هؤلاء؛ لأنَّهم شاهدوا رسولَ الله - ﷺ -، وصلَّوا معه أعيادًا كثيرة، والصحيحُ المنقولُ عنه، والمتواترُ عند أهل المدينة: تقديمُ الصلاة على الخطبة؛ فكيف يَعدِلُ أحد منهم عما فعله النبيُّ - ﷺ - وداوَمَ عليه إلى أن توفِّي؟ فإن صحَّ عن واحدٍ مِن (٢) هؤلاء أنَّه قدَّم ذلك، فلعلَّه إنما فعله لمَا رأى من انصرافِ الناسِ عن الخُطبة، تاركين\n_________\n(١) رواه القضاعي في مسند الشهاب (٢٠٢) من حديث ابن عمر، وابن عدي في الكامل (٧/ ١)، قال القاري: لا أصل له. وقال القاضي في أول شرح مسلم: إنه موضوع عند أهل المعرفة، وتبعه النووي. (كشف الخفاء ١٦٤٠).\n(٢) فى (ع): مثل.","vol":"1","page":231},{"text":"فَقَامَ إِلَيهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: الصَّلاةُ قَبلَ الخُطبَةِ، فَقَالَ: قَد تُرِكَ مَا هُنَالِكَ، فَقَالَ أبو سَعِيدٍ: أَمَّا هَذَا، فَقَد قَضَى مَا عَلَيهِ؛\nــ\nلسماعها مستعجلين، أو ليدرك الصلَاة مَن تأخَّر وبَعُدَ منزلُهُ، ومع هذين التأويلين، فلا ينبغي أن تُترَكَ سنَّةُ رسولِ الله - ﷺ - لمثل ذلك، وأولئك الملأُ أعلمُ وأجلُّ من أن يصيروا إلى ذلك، والله أعلم.\nوأمَّا مَروان وبنو أمية، فإنما قدَّموها؛ لأنَّهم كانوا في خُطَبهم ينالون من عليٍّ - كرم الله وجهه - ويُسمِعون الناسَ ذلك، فكان الناسُ إذا صلَّوا معهم، انصرفوا عن سَمَاعِ خُطَبِهِم لذلك، فلمَّا رأى مَروَانُ ذلك أو مَن شاء الله من بني أميَّة، قدَّموا الخطبة؛ لِيُسمِعُوا الناسَ مِن ذلك ما يكرهون. والصوابُ: تقديمُ الصلاةِ على الخُطبة؛ كما تقدَّم، وقد حكى فيه بعضُ علمائنا الإجماعَ.\nو(قوله: فَقَامَ إِلَيهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: الصَّلَاةُ قَبلَ الخُطبَةِ، فَقَالَ أبو سَعِيدٍ: أَمَّا هَذَا، فَقَد قَضَى مَا عَلَيهِ) مقتضَى هذا السياق أن المُنكِرَ على مَروان رجلٌ غيرُ أبي سعيد، وأنَّ أبا سعيد مصوِّبٌ للإنكار، مستدِلٌّ على صحته، وفي الرواية الأخرى: أن أبا سعيد هو المنكرُ على مروان والمستَدِلُّ.\nووجهُ التلفيقِ (١) بينهما: أَن يقال: إنَّ كلَّ واحد مِنَ الرجل وأبي سعيد أنكَرَ على مروان؛ فَرَأى بعضُ الرواةِ إنكارَ الرجل، ورأى بعضهم إنكارَ أبي سعيد. وقيل: هما واقعتان في وقتَينِ، وفيه بُعدٌ.\nوفيه من الفقه: أنَّ سنن الإسلامِ لا يجوزُ تغييرُ شيء منها ولا مِن ترتيبها، وأنَّ تغييرَ ذلك منكَرٌ يجبُ تغييره ولو على الملوكِ إذا قُدِرَ على ذلك، ولم يَدعُ إلى منكرٍ أكبَرَ من ذلك.\nوعلى الجملة: فإذا تحقَّق المنكَرُ وجَبَ تغييرُهُ على مَن رآه، وكان قادرًا على تغييره؛ وذلك كالمُحدَثَاتِ والبِدَع، والمجمعِ على أنَّه منكَر، فأمَّا\n_________\n(١) في (ع): الفرق.","vol":"1","page":232},{"text":"سَمِعتُ رسولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: مَن رَأَى مِنكُم مُنكَرًا فَليُغَيِّرهُ بِيَدِهِ، فَإِن لَم يَستَطِع فَبِلِسَانِهِ، فَإِن لَم يَستَطِع فَبِقَلبِهِ، وَذَلِكَ أَضعَفُ الإِيمَانِ.\nرواه أحمد (٣/ ١٠ و٢٠ و٤٩ و٥٤ و٩٢)، ومسلم (٤٩)، وأبو داود (١١٤٠)، والترمذي (٢١٧٣)، والنسائي (٨/ ١١١)، وابن ماجه (٤٠١٣).\nــ\nإن لم يكن كذلك، وكان مما قد صار إليه الإمام، وله وجهٌ مَّا من الشرع، فلا يجوزُ لمن رأى خلافَ ذلك (١) أن يُنكِرَ على الإمام؛ وهذا لا يُختَلَفُ فيه. وإنما اختلف العلماء: فيمن قلَّده السلطانُ الحِسبةَ في ذلك، هل يَحمِلُ الناسَ على رأيِه ومذهبِهِ أم لا؟ على قولَين.\nو(قوله: مَن رَأَى مِنكُم مُنكَرًا، فَليُغَيِّرهُ بِيَدِهِ) هذا الأمرُ على الوجوب؛ لأنَّ الأمرَ بالمعروفِ والنَّهيَ عن المنكر من واجباتِ الإيمان، ودعائمِ الإسلام، بالكتابِ والسنة وإجماع الأمة، ولا يُعتَدُّ بخلافِ الرافضة في ذلك؛ لأنَّهم إمَّا مكفَّرون؛ فليسوا من الأمة، وإمَّا مبتدعون؛ فلا يُعتَدَّ بخلافهم؛ لظهور فِسقهم؛ على ما حقَّقناه في الأصول.\nووجوبُ ذلك بالشرعِ لا بالعقل؛ خلافًا للمعتزلة القائلين بأنَّه واجبٌ عقلًا، وقد بيَّنَّا في الأصول أنَّه لا يجبُ شيءٌ بالعقل، وإنما العقلُ كاشفٌ عن ماهيَّاتِ الأمور، ومميِّزٌ لها، لا مُوجِبٌ شيئًا منها. ثم إذا قلنا: إنَّ الأمر بالمعروفِ، والنهيَ عن المنكر واجبٌ، فذلك على الكفاية، مَن قام به أجزَأَه عن غيره؛ لقوله تعالى: وَلتَكُن مِنكُم أُمَّةٌ يَدعُونَ إِلَى الخَيرِ وَيَأمُرُونَ بِالمَعرُوفِ وَيَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ ولوجوبه شرطان:\nأحدهما: العلمُ بكون ذلك الفعلِ مُنكَرًا أو معروفًا.\nوالثاني: القدرةُ على التغيير.\n_________\n(١) من (م) و(ط) و(ل).","vol":"1","page":233},{"text":"[٤٠] وعَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ؛ أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - قَالَ: مَا مِن نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ تَعَالَى فِي أُمَّةٍ قَبلِي، إِلَاّ كَانَ لَهُ مِن أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصحَابٌ؛\nــ\nفإذا كان كذلك، تعيَّن التغييرُ باليد إن كان ذلك المُنكَرُ مما يَحتَاجُ في تغييره إليها، مثلُ: كَسرِ أواني الخمر، وآلاتِ اللهو؛ كالمزاميرِ والأوتاد والكبَرِ (١)، وكمنعِ الظالمِ من الضَّربِ والقتلِ وغيرِ ذلك، فإن لم يَقدِر بنفسه، استعان بغيره، فإن خاف من ذلك ثَوَرَانَ فتنةٍ، وإشهارَ سلاح، تعيَّن رفعُ ذلك، فإن لم يَقدِر بنفسه على ذلك، غيَّر بالقولِ المرتجى نفعُهُ، مِن لين أو إغلاظ؛ حسَبَ ما يكونُ أنفع، وقد يُبلَغُ بالرِّفقِ والسياسة ما لا يُبلَغ بالسيف والرياسة.\nفإن خاف من القول القتل أو الأذى، غيَّر بقلبه، ومعناه: أن يكره ذلك الفعلَ بقلبه، ويعزمَ على أن لو قدَرَ على التغيير لغيَّره.\nوهذه آخرُ خَصلَةٍ منَ الخصالِ المتعيِّنةِ على المؤمن في تغييرِ المُنكَر، وهي المعبَّرُ عنها في الحديث بأنَّها أضعفُ الإيمان، أي: خصالِ الإيمان، ولم يبق بعدها للمؤمنِ مرتبةٌ أخرى في تغيير المنكر؛ ولذلك قال في الرواية الأخرى: لَيسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَردَلٍ (٢)، أي: لم يبق وراءَ هذه المرتبةِ رتبةٌ أخرى، والإيمانُ في هذا الحديث بمعنى الإسلام على ما تقدَّم.\nوفيه دليلٌ على أن مَن خاف على نفسه القتلَ أو الضرب سقَطَ عنه التغيير، وهو مذهبُ المحقِّقين سَلَفًا وخَلَفًا، وذهبت طائفةٌ من الغلاة: إلى أنه لا يسقُطُ وإن خاف ذلك، وسيأتي استيفاءُ هذا المعنى في الجهاد إن شاء الله تعالى.\nو(قوله: مَا مِن نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ فِي أُمَّةٍ قَبلِي، إِلَاّ كَانَ لَهُ مِن أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصحَابٌ) أي: ما من رسولٍ من الرسلِ المتقدِّمة، ويعني بذلك: غالبَ الرسل\n_________\n(١) الكِبَر: جمع كِبْر، وهو الطَّبل. ويجب إتلاف الطبل وكَسره في غير الحرب.\n(٢) جزء من حديث رواه البخاري (٥٧٠٥)، ومسلم (٢٢٠)، والترمذي (٢٤٤٨) من حديث ابن عباس ﵄.","vol":"1","page":234},{"text":"يَأخُذُونَ بِسُنَّتِهِ، وَيَقتَدُونَ بِأَمرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخلُفُ مِن بَعدِهِم خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفعَلُونَ، وَيَفعَلُونَ مَا لَا يُؤمَرُونَ؛ فَمَن جَاهَدَهُم بِيَدِهِ فهو مُؤمِنٌ، وَمَن جَاهَدَهُم بِلِسَانِهِ فهو مُؤمِنٌ، وَمَن جَاهَدَهُم بِقَلبِهِ فهو مُؤمِنٌ، ولَيسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَردَلٍ.\nرواه أحمد (١/ ٤٥٨)، ومسلم (٥٠).\n* * *\nــ\nلا كلَّهم؛ بدليل قوله - ﵊ - في الحديث الآخَرِ الذي أخبَرَ فيه عن مجيء الأنبياءِ في أممهم يوم القيامة؛ فإنَّه قال فيه: يَأتِي النَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَيَأتِي النَّبِيُّ وَلَيسَ مَعَهُ أَحَدٌ؛ فهذا العمومُ - وإن كان مؤكَّدًا مِن بعد النفي، فهو مخصَّصٌ بما ذكرناه.\nوالحواريُّون: جمع حَوَارِيٍّ، وهم خُلصَان (١) الأنبياء، الذين أخلصوا في حُبِّ أنبيائهم، وخَلَصُوا مِن كل عيب، وحُوَّارَى الدقيقِ: الدقيقُ الذي نُخِلَ؛ قاله الأزهريُّ. وقال ابن الأنباري: هم المختصُّون المفضَّلون، وسمِّي خُبزَ الحُوَّارَى؛ لأنه أشرفُ الخبز. وقيل: هم الناصرون للأنبياء؛ كما قال - ﵊ -: لكلِّ نبيٍّ مِن أمَّته حَوَارِيُّون، وحَوَارِيَّ الزبيرُ (٢). وقيل في حَوَارِي عيسى خمسةُ أقوال: قيل: هم البِيضُ الثيابِ، وقيل: المبيِّضون لها، وقيل: المجاهدون، وقيل: الصَّيَّادون، وقيل: المُخلصون.\nوالأصحاب: جمعُ صَحب، كَفَرخٍ وأَفرَاخٍ؛ قاله الجوهري، وقال غيره:\n_________\n(١) جاء في لسان العرب مادة: خلص: واستخلص الرجل؛ إذا اختصه بدخْلُلِه، وهو خالصتي وخلصاني، وهو خلصاني. يستوي فيه الواحد والجماعة. وتقول: هؤلاء خلصاني وخلصائي.\n(٢) رواه أحمد (٣/ ٣٦٥)، وابن ماجه (١٢٢) من حديث جابر ﵁.","vol":"1","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>(١٨) بَابٌ الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالحِكمَةُ يَمَانِيَةٌ</span>\n[٤١] عَن أَبِي مَسعُودٍ، قَالَ: أَشَارَ النَّبِيُّ - ﷺ - نَحو اليَمَنِ، فَقَالَ: أَلَا إِنَّ الإِيمَانَ هاهُنَا،\nــ\nأصحابٌ عند سيبوَيه: جمعُ صاحب؛ كشاهِدٍ وأشهاد، وليس جمعَ صَحب؛ لأنَّ فَعلًا لا يجمع على أفعال إلا في ألفاظ معدودة، وليس هذا منها.\nوالصُّحبَةُ: الخُلطَةُ والملابَسَةُ على جهة المحبَّة؛ يقال: صحِبَهُ يَصحَبُهُ صُحبَةً بالضم، وصَحَابةً بالفتح، وقد يراد به الأصحابُ، وجمع الصاحب: صَحبٌ؛ كراكبٍ ورَكب، وصُحبَةٌ بضم الصاد؛ كفَارِة وفُرهَة، وصِحَابٌ بالكسر؛ كجائِع وجِيَاع، وصُحبَان كشابٍّ وشُبَّان.\nو(قوله: ثُمَّ إِنَّهَا تَخلُفُ مِن بَعدِهِم خُلُوفٌ) الروايةُ: أنَّهَا بهاء التأنيث فقط، وأعادها على الأُمَّة، أو على الطائفة التي هي معنى حواريِّينَ وأصحاب، ويَحتَمِلُ أن يكون ضميرَ القِصَّة.\nوالخُلوفُ بضمِّ الخاء: جمع خَلفٍ، بفتح الخاء وسكون اللام، وهو القَرنُ بعد القرن، واللاحقُ بعد السابق؛ ومنه قولُهُ تعالى: فَخَلَفَ مِن بَعدِهِم خَلفٌ ويقالُ فيه: خَلَفٌ، بفتح اللام؛ ومنه قولُهُ - ﵊ -: يَحمِلُ هذا العِلمَ مِن كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ (١)، وحكى الفَرَّاءُ الوجهَين في الذمِّ، والفتحَ في المدحِ لا غير، وحكَى أبو زَيدٍ الوجهَين فيهما جميعًا.\n(١٨) وَمِن بَابِ الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالحِكمَةُ يَمَانِيَةٌ\n(قوله: أَشَارَ النَّبِيُّ - ﷺ - نَحو اليَمَنِ، وَقَالَ: أَلَا إِنَّ الإِيمَانَ هاهُنَا) قيل: إنَّ\n_________\n(١) رواه البيهقي كما في مشكاة المصابيح (٢٤٨).","vol":"1","page":236},{"text":"وَإِنَّ القَسوَةَ وَغِلَظَ القُلُوبِ فِي الفَدَّادِينَ عِندَ أُصُولِ أَذنَابِ الإِبِلِ،\nــ\nهذه الإشارة صدَرَت عنه - ﵊ - وهو بتَبُوكَ، وبينه وبين اليمن مكةُ والمدينة؛ ويؤيِّد هذا قولُهُ في حديث جابر: الإِيمَانُ فِي أهل الحِجَازِ، فعلى هذا: يكونُ المرادُ بأهلِ اليمن: أهلَ المدينة ومَن يليهم إلى أوائلِ اليمن.\nوقيل: كان بالمدينة؛ ويؤيِّده أنَّ كونَهُ بالمدينة كان غالبَ أحوالِهِ؛ وعلى هذا: فتكونُ الإشارة إلى سُبَّاقِ اليمن، أو إلى القبائل اليمنيَّة الذين وَفَدُوا على أبي بكر لفتحِ الشامِ وأوائلِ العراق؛ وإليهم الإشارةُ بقوله - ﵊ -: إنِّي لأَجِدُ نَفَسَ الرَّحمنِ مِن قِبَلِ اليَمَنِ (١)، أي: نَصرَهُ في حياتِهِ وتنفيسَه عنه فيها، وبعد مماته، والله تعالى أعلم. وسُمِّيَ اليَمَنُ يَمَنًا؛ لأنَّه عن يمين الكعبة، وسُمِّيَ الشامُ شامًا؛ لأنَّه عن يسارِ الكعبة، مأخوذٌ من اليدِ الشُؤمَى، وهي اليُسرَى.\nو(قوله: إِنَّ القَسوَةَ وَغِلَظَ القُلُوبِ فِي الفَدَّادِينَ عِندَ أُصُولِ أَذنَابِ الإِبِلِ) القَسوَةُ وَغِلَظَ القُلُوبِ: اسمان لمسمًّى واحدٍ، وهو نحو قولِهِ: إِنَّمَا أَشكُو بَثِّي وَحُزنِي إِلَى اللَّهِ، والبَثُّ: هو الحُزن.\nقال المؤلِّف: وَيَحتَمِلُ أن يقال: إِنَّ القسوةَ يرادُ بها: أنَّ تلك القلوبَ لا تَلِينُ لموعظة ولا تخشَعُ لِتَذكار، وغلظها: ألا تَفهَمَ ولا تَعقِل، وهذا أولى من الأوَّل.\nوالفَدَّادون مشدَّد الدال: جمعُ فَدَّاد؛ قال أبو عُبَيدٍ: هم المُكثِرون من الإبل، وهم جُفَاةٌ أهلُ خُيَلَاءَ، واحدهم: فدَّاد، وهو الذي يملكُ من المائتين إلى الألف. وقال أبو العبَّاس: هم الجَمَّالون والبَقَّارون، والحَمَّارون والرُّعيان. وقال الأصمعيُّ:\n_________\n(١) قال العراقي: لم أجد له أصلًا. (كشف الخفاء ٨٠١).","vol":"1","page":237},{"text":"حَيثُ يَطلُعُ قَرنَا الشَّيطَانِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ.\nرواه أحمد (٢/ ٥٤١)، والبخاري (٣٣٠٢)، ومسلم (٥١).\nــ\nهم الذين تعلو أصواتُهُم في حروثهم وأموالهم ومواشيهم، قال: والفديدُ: الصوت، وقد فَدَّ الرجلُ يَفِدُّ فديدًا؛ وأنشد (١):\nأَعَاذِلُ مَا يُدرِيكَ أَن رُبَّ هَجمَةٍ ... لِأَخفَافِهَا فَوقَ المِتَانِ فَدِيدُ (٢)\nورجلٌ فدَّاد: شديدُ الصوت. وأمَّا الفَدَادون بتخفيف الدال: فهي البَقَرُ التي تحرُثُ، واحدها: فَدَّانُ بالتشديد، عن أبي عمرو الشَّيبانيِّ.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: وأمَّا الحديثُ فليس فيه إلَاّ روايةُ التشديد، وهو الصحيحُ على ما قاله الأصمعيُّ وغيره.\nو(قوله: عِندَ أُصولِ أَذنَابِ الإِبِلِ) المراد به، والله أعلم: الملازمون للإبِلِ، السائقون لها. ويظهر لي: أنَّ الفَدَّادين هو العاملُ في غير مكانه. قال: المصوِّتون عند أذناب الإبِلِ سَوقًا لها، وحَدوًا بها.\nو(قوله: حَيثُ يَطلُعُ قَرنَا الشَّيطَانِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ) هذا تعيينٌ لمواضعهم؛ كما قال في الرواية الأخرى: رَأسُ الكُفرِ قِبَلَ المَشرِقِ.\nواختُلِفَ في قَرنَيِ الشيطان: فقيل: هما ناحيتا رأسِهِ العُليَا، وهذا أصلُ هذا اللفظ وظاهره؛ فإنَّ قَرنَ الشيءِ أعلاه في اللغة؛ فيكونُ معناه على هذا: أنَّ الشيطاَن ينتصبُ قائمًا مع طلوعِ الشمس لِمَن يسجد للشمس؛ لِيُسجَدَ له، ويُعبَدَ بعبادتها، ويَفعَلُ هذا في الوقت\n_________\n(١) هو الشاعر المعلوط السَّعدي.\n(٢) \"المتان\": الفلاة. قال ابن دريد: ويروى البيت: فوق الفلاة فديد.\nو\"فدَّت الإبل\": شَدَخت الأرض بخِفافها من شدّة وطئها.","vol":"1","page":238},{"text":"[٤٢] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَالَ: سَمِعتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: جَاءَ أَهلُ اليَمَنِ، هُم أَرَقُّ أَفئِدَةً، وَأَضعَفُ قُلُوبًا،\nــ\nالذي يسجُدُ لها الكُفَّار؛ كما قال - ﷺ -: إنَّ الشمسَ تَطلُعُ ومعها قَرنُ الشَّيطَان، فإذا ارتفعَت فارَقَهَا، ثُمَّ إذا استَوَت قارَنَهَا، فإذا زالَت فارَقَهَا، ثم إذا قارَبَتِ الغروبَ قارنَهَا، ثم إذا غرَبَت فارَقَهَا (١).\nوقيل: القَرنُ الجماعةُ من الناس والأُمَّة؛ ومنه قوله - ﵊ -: خَيرُ أُمَّتِي قَرنِي، ثُمَّ الذين يَلُونَهُم، ثُمَّ الذين يَلُونَهُم (٢). وعلى هذا فيكونُ معنى قَرنَيِ الشيطان في الحديث: أنَّهما أُمَّتان عظيمتان يَعبُدُونَ غيرَ الله، ولعلَّهم في ذلك الوقت ربيعةُ ومُضَرُ المذكوران في الحديث، أو أُمَّتَانِ من الفُرسِ يعبدون الشمسَ، ويَسجُدُونَ لها مِن دون الله؛ كما جاء في الحديث: وحينئذٍ يَسجُدُ لها الكُفَّارُ (٣).\nوقال الخَطَّابِي: قَرنُ الشيطانِ ضَرَبَ به المَثَلُ فيما لا يُحمَدُ من الأمور. وقيل: المرادُ بهذا الحديث: ما ظهَرَ بالعراق من الفتنِ العظيمة، والحروبِ الهائلة؛ كوقعةِ الجَمَل، وحروبِ صِفِّين، وحَرُورَاء، وفِتَنِ بني أميَّة، وخُرُوجِ الخوارج؛ فإنَّ ذلك كان أصلُهُ، ومنبعُهُ العراقَ ومَشرِقَ نَجد، وتلك مساكنُ ربيعةَ ومُضَرَ إذ ذاك، والله أعلم.\nو(قوله في أهل اليمن: هُم أَرَقُّ أَفئِدَةً، وَأَضعَفُ قُلُوبًا) يعني: مِن أهلِ المشرق، لا مِن أهل الحجاز؛ لأنَّه - ﵊ - قد قال في الحديث الآخر: وَالإِيمَانُ فِي أهل الحِجَازِ، واليَمَنُ من الحجاز؛ كما سيأتي بيانُهُ إِن شاء الله تعالى.\nوقد وصَفَ أهلَ اليمنِ في هذا الحديث بضدِّ ما وصَفَ به أهلَ العراق؛ فإنَّه قابَلَ وصفَي القسوةِ والغِلَظِ بوصفَيِ الرِّقَّةِ والضعف؛ والرقَّةُ في مقابلة القسوة،\n_________\n(١) رواه مالك في الموطأ (١/ ٢١٩)، والنسائي (١/ ٢٧٥).\n(٢) رواه البخاري (٣٦٥١)، ومسلم (٢٥٣٣)، والترمذي (٣٨٥٨).\n(٣) سبق تخريجه قبل الحديث السابق، وأوله: \"إن الشمس تطلع. .\".","vol":"1","page":239},{"text":"الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالحِكمَةُ يَمَانِيَةٌ، السَّكِينَةُ فِي أهل الغَنَمِ، وَالفَخرُ وَالخُيَلَاءُ فِي الفَدَّادِينَ أهل الوَبَرِ قِبَلَ مَطلِعِ الشَّمسِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: رَأسُ الكُفرِ قِبَلَ المَشرِقِ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٨٠ و٤٨٨)، والبخاري (٣٤٩٩)، ومسلم (٥٢).\nــ\nوالضعفُ يقابلُ الغِلَظَ، فمعنى أَرَقُّ: أخشَعُ، ومعنى أضعَفُ: أسرَعُ فَهمًا وانفعالًا للخير.\nوالأفئدة: جمعُ فؤاد، وهو القلبُ، وقيل: الفؤادُ داخلُ القلب، أي: اللطيفةُ القابلةُ للمعاني مِنَ العلومِ وغيرها.\nوقوله: الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالحِكمَةُ يَمَانِيَةٌ، قد تقدَّم القولُ في الإيمان. والحِكمَةُ عند العرب: ما منَعَ من الجهل والجفاء، والحكيم: مَن منعهُ عقلُهُ وحِلمُهُ من الجهل؛ حكاه ابنُ عَرَفة، وهو مأخوذٌ من حَكَمَةِ الدابَّة، وهي الحديدةُ التي في اللجام، سُمِّيَت بذلك؛ لأنّها تمنعها.\nوهذه الأحرف ح ك م حيثما تَصَرَّفَت فيها معنى المَنع، قال الشاعر (١):\nأَبَنِي حَنِيفَةَ أَحكِموا سُفَهَاءَكُم ... إِنِّي خَشِيتُ عَلَيكُم أن أَغضَبَا\nوقيل في قوله تعالى: يُؤتِي الحِكمَةَ مَن يَشَاءُ: إنَّها الإصابةُ في القولِ والفهم؛ قال مالك: الحِكمةُ الفِقهُ في الدين.\nو(قوله: وَالسَّكِينَةُ فِي أهل الغَنَمِ) أي: السكونُ والوَقَارُ والتواضع. والفَخرُ: التفاخرُ بالآباءِ الأشراف وكثرةِ الأموال والخَوَل (٢) والجاه، وغير\n_________\n(١) هو جرير.\n(٢) \"الخول\": الخَدَم.","vol":"1","page":240},{"text":"[٤٣] وعَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: غِلَظُ القُلُوبِ وَالجَفَاءُ فِي المَشرِقِ، وَالإِيمَانُ فِي أهل الحِجَازِ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٤٥)، ومسلم (٥٣).\n* * *\nــ\nذلك مِن مراتب أهل الدنيا. والخُيَلَاء: ممدودة وزنُهُ عند سيبويه: فُعَلَاء، وهي التكبُّرُ والتعاظم؛ يقال: خالَ الرجلُ يَخُولُ، فهو خَالٌ وذو خَالٍ ومَخِيلَةٍ؛ ومنه قولُ طلحةَ لِعُمَرَ: إنَّا لَا نَخُولُ عليك، أي: لا نتكبَّر عليك، ويقالُ: اختالَ يختالُ فهو مختالٌ؛ ومنه قولُهُ تعالى: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُختَالٍ فَخُورٍ. وأهلُ الوَبَر، يعني به: أهلَ ذات الوبر، وهي الإبلُ، والوَبَرُ للإبل كالصوفِ للغَنَمِ، والشَّعرِ للمَعز؛ ولذلك قال الله تعالى: وَمِن أَصوَافِهَا وَأَوبَارِهَا وَأَشعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ. وهذا منه - ﷺ - إخبارٌ عن أكثرِ حالِ أهلِ الغنم، وأهلِ الإبلِ وأغلبه. ورَأسُ الكُفرِ: معظمُهُ ويريدُ: أنَّ كثرةَ أهلِهِ ورياستَهُم هناك. والحجاز سُمِّيَ بذلك؛ لِحَجزه بين نَجدٍ وتِهَامَةَ؛ قاله القتبي، وقال ابنُ دُرَيد: لحجزه بين نجد والسَّرَاة، قال الأصمعي: إذا انحدَرتَ من ثنايا ذاتِ عِرق، فقد أَتهَمتَ إلى البحر، فإذا استَقبَلَكَ الحِرَارُ، فذلك الحجاز، سمِّيت بذلك؛ لأنَّها حُجِزَت بالحِرَارِ الخَمس (١)، وقيل: حَدُّ الحجاز مِن جهة الشام: شَعبٌ، ومما يلي تِهَامَةَ: بَدرٌ وعُكَاظ. قال بعضُ علمائنا: يجوزُ أن يكون المرادُ بالحجاز في هذا الحديث: المدينةَ فقط؛ لأنه - ﵊ - قال: إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأرِزُ إِلَى المَدِينَةِ (٢).\n_________\n(١) الحرار الخمس هي: حرّة شَوْران، وحرّة ليلى، وحرّة واقم، وحرّة النار، وحرّة منازل بني سليم إلى المدينة. (معجم البلدان واللسان مادة: حجاز).\n(٢) رواه البخاري (١٨٧)، ومسلم (١٤٧).\n\" يأرز\": يرجع.","vol":"1","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>(١٩) بَابٌ المَحَبَّةُ فِي اللهِ تَعَالَى وَالنُّصحُ مِنَ الإِيمَانِ</span>\n[٤٤] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: لَا تَدخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى تُؤمِنُوا، وَلَا تُؤمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُم عَلَى شَيءٍ إِذَا فَعَلتُمُوهُ تَحَابَبتُم؟ أَفشُوا السَّلَامَ بَينَكُم.\nرواه أحمد (٢/ ٣٩١)، ومسلم (٥٤)، وأبو داود (٥١٩٣)، والترمذي (٢٦٨٩).\nــ\n(١٩) وَمِن بَابٍ المَحَبَّةُ فِي اللهِ تَعَالَى وَالنُّصحُ مِنَ الإِيمَانِ\nو(قوله: لَا تَدخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى تُؤمِنُوا، وَلَا تُؤمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا) كذا صحَّت الروايةُ هنا: وَلَا تُؤمِنُوا؛ بإسقاطِ النون، والصوابُ: إثباتها كما قد وقع في بعض النسخ؛ لأنَّ لا نَفيٌ لا نهيٌ؛ فلزم إثباتها. والإيمانُ المذكورُ أوَّلًا هو: التصديقُ الشرعيُّ المذكورُ في حديث جبريل، والإيمانُ المذكور ثانيًا هو: الإيمانُ العمليُّ المذكورُ في قوله: الإيمانُ بِضعٌ وسبعون بابًا (١)، ولو كان الثاني هو الأوَّلَ، لَلَزِمَ منه أن لا يدخلَ الجَنَّةَ مَن أبغَضَ أحدًا من المؤمنين، وذلك باطلٌ قطعًا؛ فتعيَّنَ (٢) التأويلُ الذي ذكرناه.\nوإِفشَاءُ السَّلَامِ إظهارُهُ وإشاعته، وإقراؤُهُ على المعروفِ وغيرِ المعروف. ومعنى قولِهِ: لَا تُؤمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أي: لا يكمُلُ إيمانكم ولا يكونُ حالُكم حالَ مَن كَمُلَ إيمانُهُ؛ حتى تُفشُوا السلامَ الجالبَ للمحبَّة الدينيَّة، والألفةِ الشرعيَّة.\n_________\n(١) سبق تخريجه برقم (٢٩).\n(٢) قوله: \"من المؤمنين. . فتعين\" ساقط من (ع).","vol":"1","page":242},{"text":"[٤٥] وَعَن تَمِيمٍ الدَّارِيِّ؛ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلنَا: لِمَن؟ قَال: للهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، ولِأَئِمَّةِ المُسلِمِينَ وَعَامَّتِهِم.\nرواه أحمد (٤/ ١٠٢)، ومسلم (٥٥)، وأبو داود (٤٩٤٤)، والنسائي (٧/ ١٥٦).\n[٤٦] وعَن جَرِيرٍ؛ قَالَ: بَايَعتُ رسولَ الله - ﷺ - عَلَى إِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصحِ لِكُلِّ مُسلِمٍ.\n\nــ\nو(قوله: الدِّينُ النَّصِيحَةُ) هي مصدرُ: نَصَحَ يَنصَحُ، نَصِيحَةً، ونُصحًا بضم النون، فأمَّا نَصَحتُ الثوبَ، فمصدره: نَصحًا بفتح النون؛ قاله الجوهريُّ. وقال الخطَّابِيُّ: النصيحةُ كلمةٌ يعبَّر بها عن جملةِ هي إرادةِ الخَيرِ للمنصوح له، وهي في اللغةِ الإخلاصُ؛ من قولهم: نَصَحتُ العَسَلَ: إذا صَفَّيتَهُ. قال نِفطَوَيهِ: يقال: نَصَحَ له الشيءُ: إذا خَلَصَ، ونصَحَ له القولَ: أخلَصَهُ له.\nوقيل: هي مأخوذةٌ من النَّصحِ بالفتح، وهي الخِيَاطةُ، والإبرة: المِنصَحَة، والنِّصَاح: الخَيطُ، والنَّاصِحُ: الخَيَّاط؛ فكأنَّ الناصحَ لأخيه يَلُمُّ شَعَثَهُ ويَضُمُّهُ كما تَضُمُّ الإبرةُ خَرقَ الثوب.\nفالنصحُ للهِ تعالى: هو صحةُ الاعتقادِ بالوحدانيَّة لله تعالى، ووصفُهُ بصفات الإلهية، وتنزيهُهُ عن النقائص، والرغبةُ في محابِّه، والبُعدُ عن مَسَاخطه. والنُّصُحُ لكتابِ الله تعالى: هو الإيمانُ به، وتحسينُ تلاوته، وتفسير معانيه، وتدبُّرُ آياته، وتوقيرُهُ وتعظيمه، والدعاءُ إليه، والذَّبُّ عنه.\nوالنصحُ لرسولِ اللهِ - ﷺ -: هو التصديقُ بنبوَّته، والتزامُ طاعتِهِ فيما أمَرَ به ونَهَى عنه، وموالاةُ مَن والاه، ومعاداةُ مَن عاداه، وتوقيرُهُ وتعزيرُه (١)، ومحبَّتُهُ ومحبةُ آل بيته، وتعظيمُ سُنَّتِه، وإحياؤُهَا بعد موتِه، بروايَتِهَا وتصحيحها، والبَحثِ عنها والتفقُّهِ فيها، والذَّبِّ عنها ونَشرِها والدعاءِ إليها، والتخَلُّقِ بأخلاقِهِ الكريمة.\n_________\n(١) \"تعزيره\": تأييده ونصرته.","vol":"1","page":243},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: عَلَى السَّمعِ وَالطَّاعَةِ - فَلَقَّنَنِي: فِيمَا استَطَعتَ -: وَالنُّصحِ لِكُلِّ مُسلِمٍ.\nرواه أحمد (٤/ ٣٥٨ و٣٦١ و٣٦٤ و٣٦٥)، والبخاري (٥٧)، ومسلم (٥٦)، وأبو داود (٤٩٤٥)، والنسائي (٧/ ١٥٣).\n* * *\nــ\nونصيحةُ أئمَّةِ المسلمين: هي طاعتُهُم في الحقِّ، ومعونَتُهُم عليه، وتذكيرُهُم به، وإعلامُهُم بما غَفَلُوا عنه أو جهلوه في أمر دينهم ومصالح دنياهم، وبالجملة: بأَن يكونَ معهم كما قال - ﵊ -: أن تُؤتِيَهُم مَا تُحِبُّ أن يُؤتَى إِلَيكَ، وتَكرَهَ لَهُم ما تَكرَهُ لِنَفسِكَ (١). وقد تقدَّم القولُ على قولِهِ: لَا يُؤمِنُ أحدُكُم حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفسِهِ (٢). وإذا كان هذا في حَقِّ المسلمين، فالأمراءُ والأئمَّةُ بذلك أولى.\nو(قولُ جرير: بَايَعتُ رسولَ الله - ﷺ - عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصحِ لِكُلِّ مُسلِمٍ) كانت مبايَعَةُ رسول الله - ﷺ - لأصحابِهِ مرَّاتٍ متعدِّدَةً في أوقاتٍ مختلفة، بحسَبِ ما كان يحتاجُ إليه مِن تجديدِ عهدٍ، أو توكيدِ أمرٍ؛ فلذلك اختلفَت ألفاظها؛ كما دلَّت عليه الأحاديثُ الآتيةُ.\nو(قوله: فلَقَّنَني: فِيمَا استَطَعتَ) رويناه: بفتح التاء على مخاطبته إيَّاه؛ وعلى هذا: فيكونُ قوله: فِيمَا استَطَعتَ مِن قول النبيِّ - ﷺ - مخاطِبًا له به، فلا يحتاجُ جريرٌ إلى التلفُّظِ بهذا القول. ورويناه: بضمِّ التاءِ للمتكلِّم، وعلى هذا:\n_________\n(١) لم نجده في الكتب الستة بهذا اللفظ، ولعله شرح للحديث من كلام المؤلف -﵀-.\n(٢) سبق تخريجه برقم (٣٦).","vol":"1","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>(٢٠) بَابٌ لَا يَزنِي الزَّانِي حِينَ يَزنِي وهو كَامِلُ الإِيمَانِ</span>\n[٤٧] عَن أَبي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - قَالَ: لَا يَزنِي الزَّانِي حِينَ يَزنِي وهو مُؤمِنٌ، وَلَا يَسرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسرِقُ وهو مُؤمِنٌ، وَلَا يَشرَبُ الخَمرَ حِينَ يَشرَبُهَا وهو مُؤمِنٌ، وَلا يَنتَهِبُ نُهبَةً ذَاتَ شَرَفٍ يَرفَعُ النَّاسُ\nــ\nفيكون النبيُّ - ﷺ - أمرَهُ أن ينطق بهذا اللفظ؛ فكأنَّه قال له: قل: فيما استطَعتُ، وعليه فيحتاجُ جريرٌ إلى النطق بذلك امتثالًا للأمر. وعلى الوجهَين: فمقصودُ هذا القولِ التنبيهُ على أنَّ اللازمَ من الأمورِ المبايَع عليها هو ما يُطَاقُ ويُستطاع، كما هو المُشتَرَطُ في أصل التكليف؛ كما قال تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفسًا إِلَّا وُسعَهَا. ويُشعِرُ الأمرُ بقولِ ذلك اللفظِ في حال المبايعة: بالعَفو عن الهفوة والسقطة، وما وقع عن خطأٍ أو تفريط.\n(٢٠) وَمِن بَابٍ لَا يَزنِي الزَّانِي حِينَ يَزنِي وهو كَامِلُ الإِيمَانِ\nهذه الترجمةُ مشعرةٌ بأنَّ هذه الأحاديثَ المذكورةَ تحتها ليست على ظواهرها، بل متأوَّلَةٌ، وهي تحتملُ وجوهًا من التأويلات؛ أحدُهَا: ما ذُكِرَ في الترجمة، وسيأتي.\nوالزِّنَى في العُرفِ الشرعيِّ: هو إيلاجُ فَرجٍ محرَّمٍ، في فرجٍ محرَّمٍ شرعًا، مُشتَهًى طَبعًا، مِن حيثُ هو كذلك؛ فتحرَّزوا بمُشتَهًى طبعًا من اللِّوَاطِ وإتيانِ البهيمة، وبقولِهِ: مِن حَيثُ هو كَذَلِكَ عن وَطءِ المُحرِمةِ والصائمةِ والحائض؛ فإنَّه تحريم مِن جهةِ الموانعِ الخارجيَّة.\nو(قوله: وَلا يَنتَهِبُ أَحَدُكُم نُهبَةً ذَاتَ شَرَفٍ) النُّهبَةُ والنُّهبَى: اسمٌ لما يُنتَهَبُ من المال، أي: يؤخذُ من غير قَسمة ولا تقدير، ومنه سُمِّيتِ الغنيمةُ","vol":"1","page":245},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nنهبى، كما قال: وَأَصَبنَا نَهبَ إِبِلٍ (١)، أي: غنيمةَ إبل؛ لأنَّها تؤخذُ من غير تقدير، يقولُ العرب: أَنهَبَ الرجلُ مالَهُ فانتهبُوهُ ونَهَبُوهُ وناهبوه؛ قاله الجوهريُّ.\nوذَاتَ شَرَفٍ، أي: ذاتَ قَدرٍ ومالٍ ورفعة، والروايةُ الصحيحةُ بالشين المعجمة، وقد رواه الحربي: سَرَفٍ بالسين المهملة، وقال: معناه: ذاتَ مقدارٍ كثير ينكره الناس؛ كنَهبِ الفُسَّاق في الفِتَنِ الماَل العظيمَ القَدرِ مما يستعظمُهُ الناس، بخلافِ التمرةِ والفَلسِ وما لا خطَرَ له.\nومقصودُ هذا الحديثِ: التنبيهُ على جميع أنواعِ المعاصي، والتحذيرُ منها: فنبَّه بالزِّنَى على جميع الشهواتِ المحرَّمة؛ كشهوةِ النَّظَرِ، والكلامِ والسمعِ، ولمسِ اليد، ونَقلِ الخُطَا إلى مثلِ تلك الشهوة؛ كما قال - ﵊ -: زِنَى العَينين النظرُ، وزِنَى اللسانِ الكلامُ، وزِنَى اليدِ البَطشُ، وزِنَى الرِّجلِ الخُطَا، والفَرجُ يصدِّقُ ذلك أو يكذِّبه (٢). ونَبَّه بالسَّرِقَةِ على اكتسابِ المال بالحِيَلِ الخفيَّة، وبالنَّهبِ على اكتسابه على جهةِ الهَجمِ والمغالبة، وبالغلول: على أَخذِهِ على جهة الخيانة؛ هذا ما أشار إليه بعضُ علمائنا.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: وهذا تنبيهٌ لا يتمشَّى إلَاّ بالمسامحة، وأولَى منه أن يقال: إن الحديثَ يتَضَمَّنَ التحذيرَ عن ثلاثةِ أمور، وهي مِن أعظمِ أصول المفاسد، وأضدادُهَا مِن أُصولِ المصالح، وهي استباحةُ الفروجِ المحرَّمةِ، والأموالِ المحرَّمة، وما يُؤَدِّي إلى الإخلال بالعقول، وخَصَّ بالذِّكر أغلبَ الأوجه حرمة التي يؤخذ بها مال الغير بغير الحق، وظاهرُ هذا الحديث: حُجَّةٌ للخوارجِ والمعتزلةِ وغيرهم ممَّن يُخرِجُ عن الإيمانِ بارتكابِ الكبائر، غيرَ أنَّ أهلَ السنة\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٥٠٩)، ومسلم (١٩٦٨).\n(٢) رواه البخاري (٦٢٤٣)، ومسلم (٢٦٥٧)، وأبو داود (٢١٥٢).","vol":"1","page":246},{"text":"إِلَيهِ فِيهَا أَبصَارَهُم حِينَ يَنتَهِبُهَا وهو مُؤمِنٌ، وَلَا يَغُلُّ حِينَ يَغُلُّ وهو مُؤمِنٌ،\nــ\nيعارضونهم (١) بظواهرَ أُخَرَى أولى منها، كقولِهِ - ﵊ - في حديث أبي ذَرٍّ: مَن مات لا يُشرِكُ بالله شيئًا، دَخَلَ الجنةَ وإن زنَى وإِن سرَقَ (٢). وكقوله في حديثِ عُبَادَةَ بنِ الصامت: ومَن أصاب شيئًا مِن ذلك - يعني: مِنَ القتلِ والسَّرق والزنى - فعُوقِبَ به، فهو كَفَّارةٌ له، ومَن لم يُعَاقَب، فأمرُهُ إلى الله؛ إن شَاءَ عفا، وإن شَاءَ عَذَّبَهُ (٣). ويعضُدُ هذا قولُهُ تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغفِرُ أَن يُشرَكَ بِهِ وَيَغفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ، ونَحو هذا في الأحاديثِ كثيرٌ.\nولمَّا صحَّت هذه المعارضةُ، تعيَّن تأويلُ تلك الأحاديثِ الأُوَلِ وما في معناها، وقد اختلَفَ العلماءُ في ذلك؛ فقال حَبرُ القرآنِ عبد الله بنُ عبَّاس: إنَّ ذلك محمولٌ على المستحِلِّ لتلك الكبائر. وقيل: معنى ذلك: أنَّ مرتكبَ تلك الكبائرِ يُسلَبُ عنه اسمُ الإيمانِ الكاملِ أو النافعِ، الذي يفيدُ صاحبَهُ الانزِجَارَ عن هذه الكبائر.\nوقال الحسن: يُسلَبُ عنه اسمُ المدح الذي سمَّي به أولياءُ اللهِ المؤمنون، ويَستَحِقُّ اسمَ الذمِّ الذي سمَّي به المنافقون والفاسقون.\nوفي البخاري: عن ابن عبَّاس: يُنزَعُ منه نُورُ الإيمان (٤). ورَوَى في ذلك حديثًا مرفوعًا، فقال: مَن زَنَى، نزَعَ اللهُ نُورَ الإيمانِ مِن قلبه، فإن شاء أن يَرُدَّهُ إليه، رَدَّهُ (٥).\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: وكُلُّ هذه التأويلاتِ حسنةٌ، والحديثُ قابلٌ لها، وتأويلُ ابن عبَّاس هذا أحسنُهَا.\n_________\n(١) في (ع): تعارضهم.\n(٢) رواه أحمد (٥/ ١٥٩)، والبخاري (١٢٣٧)، ومسلم (٩٤)، والترمذي (٢٦٤٦).\n(٣) رواه البخاري (١٨)، ومسلم (١٧٠٩)، والترمذي (١٤٣٩)، والنسائي (٧/ ١٦١).\n(٤) رواه البخاري (١٢/ ٥٨) تعليقًا.\n(٥) رواه أبو جعفر الطبري من حديث ابن عباس مرفوعًا. (فتح الباري ١٢/ ٥٩).","vol":"1","page":247},{"text":"فَإِيَّاكُم إِيَّاكُم! وَالتَّوبَةُ مَعرُوضَةٌ بَعدُ.\nذَكَرَهُ بِأَسَانِيدَ إِلَى أَبِي هُرَيرَةَ.\nرواه أحمد (٢/ ٣١٧ و٣٨٦ و٤٧٩)، والبخاري (٥٥٧٨)، ومسلم (٥٧)، وأبو داود (٤٦٨٩)، والترمذي (٢٦٢٧)، والنسائي (٨/ ٦٤)، وابن ماجه (٣٩٣٦).\n* * *\nــ\nو(قوله: وَالتَّوبَةُ مَعرُوضَةٌ بَعدُ) هذا منه - ﷺ - إرشادٌ لمن وقَعَ في كبيرة أو كبائرَ إلى الطريقِ التي بها يتخلَّصُ، وهي التوبةُ. ومعنى كونها معروضةً، أي: عرَضَهَا الله تعالى على العباد، حيثُ أمرهم بها وأوجَبَهَا عليهم، وأخبَرَ عن نفسه أنَّه تعالى يقبلُهَا؛ كلُّ ذلك فَضلٌ من الله تعالى، ولُطفٌ بالعبد؛ لِمَا عَلِمَ الله تعالى مِن ضَعفِهِ عن مقاومةِ الحواملِ على المخالفاتِ، التي هي: النفسُ والهوَى، والشيطانُ الإنسيُّ والجِنِّيُّ، فلمَّا عَلِمَ الله تعالى أنَّه يقع في المخالفات، رحمه بِأَن أرشدَهُ إلى التوبة، فعرَضَهَا عليه وأوجبها، وأخبَرَ بِقَبُولها. وأيضًا: فإنَّه يجبُ على النُصَحاءِ أن يعرضوها على أهل المعاصي ويُعرِّفوهم بها، ويوجبوها عليهم، وبعقوبةِ الله تعالى لِمَن تركها، وذلك كلُّه لطفٌ مُتَّصِلٌ إلى طلوع الشمس مِن مغربها، أو إلى أن يُغَرغِرَ العبدُ؛ كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.\nوبَعدُ: ظرفٌ مبنيٌّ على الضمِّ؛ لقطعِهِ عن الإضافة لَفظًا، وإرادةِ المضافِ ضِمنًا، ويقابلها قَبلُ؛ كما قال الله تعالى: لِلَّهِ الأَمرُ مِن قَبلُ وَمِن بَعدُ.","vol":"1","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>(٢١) بَابُ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ</span>\n[٤٨] عَن عَبدِ اللهِ بنِ عمرو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أَربَعٌ مَن كُنَّ فِيهِ، كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَن كَانَت فِيهِ خَلَّةٌ مِنهُنَّ، كَانَت فِيهِ خَلَّةٌ مِن\nــ\n(٢١) وَمِن بَابِ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ\n(قوله: أَربَعٌ مَن كُنَّ فِيهِ، كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا) قال ابنُ الأنباريِّ: في تسميةِ المنافقِ منافقًا ثلاثةُ أقوال:\nأحدها: أنَّه سمِّي بذلك؛ لأنَّه يستُرُ كفره؛ فأشبه الداخلَ في النَّفَق، وهو السَّرَبُ.\nوثانيها: أنه شُبِّهَ باليربوعِ الذي له جُحرٌ يقال له: القَاصِعاء، وآخَرُ يقال له: النَّافِقاء، فإذا أُخِذَ عليه مِن أحدهما، خرَجَ من الآخر؛ وكذلك المنافق: يخرُجُ من الإيمانِ مِن غير الوجهِ الذي يدخُلُ فيه.\nوثالثها: أنَّه شُبِّه باليربوعِ مِن جهة أنَّ اليربوع يَخرِقُ في الأرض، حتى إذا قاربَ ظاهرَهَا، أَرَقَّ الترابَ، فإذا رَابه رَيب، دفَعَ الترابَ برأسِهِ فخرَجَ، فظاهرُ جُحرِهِ تراب، وباطنُهُ حَفر، وكذلك المنافقُ: ظاهرُهُ الإيمان، وباطنه الكفر.\nقال المؤلف - رحمه الله تعالى -: وظاهرُ هذا الحديثِ: أنَّ مَن كانت هذه الخصالُ الثلاثُ فيه، خرَجَ من الإيمان، وصار في النفاق الذي هو الكُفرُ الذي قال فيه مالكٌ: النفاقُ الذي كان (١) على عَهدِ رسول الله - ﷺ - هو الزندقةُ عندنا اليَومَ.\n_________\n(١) قوله: (الذي كان) ساقط من (ع).","vol":"1","page":249},{"text":"نِفَاقٍ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخلَفَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ.\nــ\nوليس الأمرُ على مقتضى هذا الظاهرِ؛ لِمَا قرَّرناه في أوَّلِ الكتابِ، وأَعَدناه في البابِ الذي قبلَ هذا.\nولمَّا استحالَ حملُ هذا الحديثِ على ظاهره على مذهبِ أهل السنة، اختلَفَ العلماءُ فيه على أقوال:\nأحدها: أنَّ هذا النفاقَ هو نفاقُ العملِ الذي سألَ عنه عمرُ حذيفةَ لما قال له: هل تعلَمُ فيَّ شيئًا من النفاق؟ أي: مِن صفات المنافقين الفعليَّة، ووجهُ هذا: أنَّ مَن كَانَت فيه هذه الخصالُ المذكورة، كان ساترًا لها، ومظهرًا لنقائضها؛ فصدَقَ عليه اسمُ منافق.\nوثانيها: أنّه محمولٌ على مَن غلبت عليه هذه الخصال، واتَّخَذَها عادةً، ولم يبالِ بها؛ تهاوُنًا واستخفافًا بأمرها؛ فأي مَن كان هكذا، كان فاسدَ الاِعتقادِ غالبًا، فيكونُ منافقًا خالصًا.\nوثالثها: أنَّ تلك الخصالَ كانت علامةَ المنافقين في زمانه؛ فإنَّ أصحابَ النبيِّ - ﷺ - كانوا متجنبين لتلك الخصال؛ بحيث لا تقع منهم، ولا تُعرَفُ فيما بينهم؛ وبهذا قال ابنُ عبَّاس وابنُ عمر، ورُوِيَ عنهما في ذلك حديثٌ، وهو أنهما أَتَيَا النبيَّ - ﷺ - فسألاه عن هذا الحديث، فضحكَ النبيُّ - ﷺ - وقال: ما لكم ولهنَّ، إنما خصَصتُ بهنَّ المنافقين، أنتم مِن ذلك بُرَآء (١)، وذكر الحديثَ بطولِهِ القاضي عياض، قال: وإلى هذا صارَ كثيرٌ من التابعين والأئمَّة.\nو(قوله: وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ) أي: مال عن الحَقِّ، واحتال في ردِّه وإبطاله.\n_________\n(١) رواه القاضي عياض في \"إكمال المعلم في شرح صحيح مسلم\"، ولم يصلنا.","vol":"1","page":250},{"text":"رواه أحمد (٢/ ١٨٩ و١٩٨)، والبخاري (٣٤)، ومسلم (٥٨)، وأبو داود (٤٦٨٨)، والترمذي (٢٦٣٤)، والنسائي (٨/ ١١٦).\n[٤٩] وَفِي رِوَايَةٍ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ: آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ - وَإِن صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسلِمٌ -: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخلَفَ، وَإِذَا اؤتُمِنَ خَانَ. وَلَم يَذكُر: وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٥٧)، والبخاري (٣٣)، ومسلم (٥٩)، والترمذي (٢٦٣٣)، والنسائي (٨/ ١١٧).\n* * *\nــ\nقال الهَرَوِيُّ: أصلُ الفجور: الميلُ عن القصد، وقد يكونُ الكذبَ. والخَلَّةُ بفتح الخاء: الخَصلة، وجمعها خِلَال، وبالضمِّ الصداقة. والزُّعمُ بضم الزاي قولٌ غيرُ محقَّق؛ كما تقدَّم.\nوكونُهُ - ﵊ - ذَكَرَ في حديثِ أبي هريرة: أنَّ علامةَ المنافقِ ثلاثٌ، وفي حديث ابن عمرو: أنَّها أربعٌ: يَحتَمِلُ أن يكونَ ذلك؛ لأنَّه - ﵊ - استجَدَّ من العلم بخصالِ المنافقين ما لم يكُن عنده: فإمَّا بالوحي، وإمَّا بالمشاهَدَةِ لتك منهم. وعلى مجموعِ الروايتَينِ: تكونُ خصالهم خمسًا: الكذبُ، والغَدرُ، والإخلافُ، والخيانةُ، والفجورُ في الخصومة، ولا شَكَّ في أنَّ للمنافقين خصالًا أُخَرَ مذمومةً؛ كما قد وصفهم الله تعالى حيث قال: وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا، فيحتملُ أن يقال: إنَّما خُصَّت تلك الخصالُ الخمسُ بالذِّكر؛ لأنَّها أظهرُ عليهم مِن غيرها عند مخالطتهم للمسلمين، أو لأنَّها هي التي يَضُرُّون بها المسلمين، ويقصدون بها مفسدتهم، دون غيرها مِن صفاتهم، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>(٢٢) بَابُ إِثمِ مَن كَفَّرَ مُسلِمًا أو كَفَرَ حَقَّهُ</span>\n[٥٠] عَنِ ابنِ عُمَرَ؛ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أَيُّمَا امرِئٍ قَالَ\nــ\n(٢٢) وَمِن بَابِ إِثمِ مَن كَفَّرَ مُسلِمًا أو كَفَرَ حَقَّهُ\nكَفَّرَ الأوَّلُ - مشدَّدا - ومعناه: نسبَهُ إلى الكفر، وحكَمَ عليه به، وكفَرَ الثاني - مخفَّفٌ - بمعنى: جحَدَ حقَّهُ، ولم يقم به.\nو(قوله - ﵊ -: أَيُّمَا امرِئٍ قَالَ لأخِيهِ: كَافِرٌ) صوابُ تقييده: كافرٌ بالتنوين، على أن يكون خبرَ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: أنتَ كافر، أو هو كافرٌ. وربَّما قيَّده بعضهم: كَافِرُ بغير تنوين؛ فجعله منادًى مفردًا محذوفَ حرف النداء. وهذا خطأٌ؛ إذ لا يحذفُ حرفُ النداء مع النكرات ولا مع المُبهَمات، إلَاّ فيما جرى مجرى المَثَل؛ في نحو قولهم: أَطرِق كَرَا (١)، وافتَدِ مخنوقُ (٢)، وفي حديث موسى: ثَوبِي حَجَرُ، ثَوبِي حَجَرُ (٣)، وهو قليلٌ. وأصلُ الكفر: التغطيةُ والستر؛ ومنه سُمِّيَ الزارع: كافرًا؛ ومنه قوله تعالى: أَعجَبَ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ أي: الزُّرَّاع، ومنه قول الشاعر:\n_________\n(١) \"كرا\": هو الكروان نفسه، أو مرخّم الكروان. وهذا المثلُ يُضرب للذي ليس عنده غناء ويتكلم، فيُقال له: اسكت وتوقَّ انتشار ما تلفظ به، كراهة ما يتعقبه. (مجمع الأمثال ١/ ٤٣٢).\n(٢) يُضرب هذا المثل لكل مشفوق عليه مضطر. ويروى: أفتَدى مخنوقٌ. (مجمع الأمثال ٢/ ٧٨).\n(٣) رواه البخاري (٣٤٠٤)، ومسلم (٣٣٩)، والترمذي (٣٢١٩).","vol":"1","page":252},{"text":"لأخِيهِ: كَافِرٌ، فَقَد بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا، إِن كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلاّ رَجَعَت عَلَيهِ.\nرواه أحمد (٢/ ٦٠)، ومسلم (٦٠).\nــ\n. . . . . . . . . . . ... فِي لَيلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا (١)\nأي: ستَرَ وغطَّى، والغمام: السحاب.\nوأمَّا الكفر الواقعُ في الشرع، فهو جحدُ المعلومِ منه ضرورةً شرعيَّةً، وهذا هو الذي جَرَى به العُرفُ الشرعيُّ، وقد جاء فيه الكُفرُ بمعنَى جَحدِ المُنعِم، وتَركِ الشكرِ على النِّعَم، وتركِ القيامِ بالحقوق؛ ومنه قوله - ﵊ - للنساء: يكفُرنَ الإِحسَانَ، ويكفُرنَ العَشِيرَ (٢)، أي: يَجحَدنَ حقوقَ الأزواج وإحسانهم؛ ومِن هاهنا صحَّ أن يقال: كفرٌ دون كفرٍ، وظُلمٌ دون ظلمٍ، وسيأتي لهذا مزيدُ بيان.\nو(قوله: فَقَد بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا) أي: رجَعَ بإثمها، ولازَمَ ذلك؛ قال الهرويُّ: وأصلُ البَوء: اللزوم؛ ومنه: أَبُوءُ بِنِعمَتِكَ عَلَيَّ (٣)، أي: أُقِرُّ بها وأُلزِمها نفسي، وقال غيره من أهل اللغة: إنَّ باء في اللغة: رجَعَ بِشَرٍّ.\nوالهاءُ في بها راجعٌ إلى التكفيرةِ الواحدة التي هي أقلُّ ما يدلُّ عليها لفظ كافر.\nويحتملُ أن يَعُودَ إلى الكلمة، ونعني بهذا أنَّ المقولَ له كافر إن كان كافرًا كفرًا شرعيًّا، فقد صدَقَ القائلُ له ذلك، وذهَبَ بها المقولُ له، وإن لم يكن كذلك، رجعَت للقائلِ مَعَرَّةُ (٤) ذلك\n_________\n(١) عجز بيت من معلقة لبيد، وصدره:\nيعلو طريقة مَتْنِها متواتر.\n(٢) رواه البخاري (٢٩)، ومسلم (٩٠٧ و٩٠٨ و٩٠٩)، وأبو داود (١١٨١ و١١٨٣)،\nومالك في الموطأ (١/ ١٨٦ و١٨٧).\n(٣) رواه أحمد (٤/ ١٢٢، ١٢٥ و٥/ ٣٥٦)، والبخاري (٦٣٠٦)، والترمذي (٣٣٩٠)، والنسائي (٨/ ٢٧٩)، وابن ماجه (٣٨٧٢).\n(٤) \"المعرّة\": الإثم والمَساءة والمكروه.","vol":"1","page":253},{"text":"[٥١] وَعَن أَبِي ذَرٍّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رسولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: لَيسَ مِن رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيرِ أَبِيهِ - وهو يَعلَمُهُ - إِلَاّ كَفَرَ، وَمَنِ ادَّعَى مَا لَيسَ لَهُ، فَلَيسَ مِنَّا،\nــ\nالقولِ وإثمُهُ.\nوأحدهما هنا يعني به: المقول له على كلِّ وجه؛ لقوله: إِن كَانَ كَمَا قَالَ، وأمَّا القائُل، فهو المَعنِيُّ بقوله: وَإِلَاّ رَجَعَت عَلَيهِ. وبيانُهُ بما في حديث أبي ذرٍّ الذي قال فيه: مَن دَعَا رَجُلًا بِالكُفرِ، أو قَالَ: عَدُو اللهِ ولَيسَ كَذَلِكَ، إلَاّ حَارَ عَلَيهِ (١)، أي: على القائل. وحار: رجع، ويعني بذلك وِزرَ ذلك وإثمَهُ.\nو(قوله: لَيسَ مِن رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيرِ أَبِيهِ، وهو يَعلَمُهُ، إِلَاّ كَفَرَ) أي: انتسَبَ لغير أبيه رغبةً عنه مع عِلمِه به. وهذا إنَّما يفعله أهلُ الجفاءِ والجهلِ والكِبر؛ لِخِسَّةِ مَنصِبِ الأب ودناءته؛ فيرى الانتسابَ إليه عارًا ونقصًا في حقِّه. ولا شكَّ في أنَّ هذا محرَّمٌ معلومُ التحريمِ، فمَن فعَلَ ذلك مستحلًاّ، فهو كافرٌ حقيقةً، فيبقى الحديثُ على ظاهره.\nوأمَّا إن كان غيرَ مستحلٍّ، فيكونُ الكفرُ الذي في الحديثِ محمولًا على كفرانِ النِّعَمِ والحقوقِ؛ فإنَّه قابَلَ الإحسانَ بالإساءة، ومَن كان كذلك، صدَقَ عليه اسمُ الكافر، وعلى فِعلِهِ أنَّهُ كُفرٌ؛ لغةً وشرعًا على ما قرَّرناه، ويحتملُ أن يقال: أُطلِقَ عليه ذلك؛ لأنَّه تَشَبَّهَ بالكُفَّار أهلِ الجاهليَّةِ، أهلِ الكِبرِ والأنفة؛ فإنَّهم كانوا يفعلون ذلك، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: مَنِ ادَّعَى مَا لَيسَ لَهُ، فَلَيسَ مِنَّا) ظاهره: التبرِّي المُطلَقُ، فيبقى على ظاهره في حقِّ المستحِلِّ لذلك؛ على ما تقدَّم. ويُتأوَّلُ في حقِّ غير المستحلِّ بأنَّه ليس على طريقة النبيِّ - ﷺ -، ولا على طريقةِ أهلِ دينه؛ فإنَّ ذلك ظلمٌ، وطريقةُ أهلِ الدِّينِ: العدلُ، وتركُ الظلم، ويكونُ هذا كما قال: لَيسَ مِنَّا مَن ضَرَبَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوب (٢)، ويقرُبُ منه: مَن لم يَأخُذ مِن شاربِهِ، فليس مِنَّا (٣).\n_________\n(١) سبق تخريجه برقم (٥١) في التلخيص.\n(٢) رواه البخاري (٣٥١٩)، ومسلم (١٠٣)، والترمذي (٩٩٩)، والنسائي (٤/ ٢٠).\n(٣) رواه الترمذي (٢٧٦٢)، والنسائي (١/ ١٥).","vol":"1","page":254},{"text":"وَليَتَبَوَّأ مَقعَدَهُ مِنَ النَّارِ، وَمَن دَعَا رَجُلًا بِالكُفرِ، أو قَالَ: عَدُو اللهِ وَلَيسَ كَذَلِكَ، إِلَاّ حَارَ عَلَيهِ.\nرواه أحمد (٥/ ١٦٦)، والبخاري (٣٥٠٨)، ومسلم (٦١).\n[٥٢] وَعَن سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَأَبِي بَكرَةَ، كِلَاهُمَا قَالَ: سَمِعَتهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلبِي، مُحَمَّدًا - ﷺ - يَقُولُ: مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيرِ أَبِيهِ وهو يَعلَمُ أَنَّهُ غَيرُ أَبِيهِ، فَالجَنَّةُ عَلَيهِ حَرَامٌ.\nرواه أحمد (١/ ١٧٤) و(٥/ ٤٦)، والبخاري (٦٧٦٦)، ومسلم (٦٣)، وأبو داود (٥١١٣)، وابن ماجه (٢٦١٠).\n[٥٣] وَعَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: سِبَابُ المُسلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفرٌ.\nرواه أحمد (١/ ٣٨٥ و٤٣٣ و٤٣٩ و٤٤٦ و٤٥٤ و٤٥٥)، والبخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤)، والترمذي (٢٦٣٦)، والنسائي (٧/ ١٢٢)، وابن ماجه (٦٩) و(٣٩٣٩).\nــ\nو(قوله: سَمِعَتهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلبِي: مُحَمَّدًا - ﷺ -) الضميرُ في سَمِعَتهُ ضميرُ المصدر الذي دَلَّ عليه سَمِعَتهُ، أي: سَمِعَته سمعًا أُذنَايَ؛ كما تقولُ العربُ: ظننتُهُ زيدًا قائمًا، أي: ظَنَنتُ ظنًّا زيدًا قائمًا، وهذا الوجهُ أحسنُ ما يقالُ فيه إن شاء الله تعالى. ويجوزُ: أن يكونَ الضميرُ عائدًا على معهودٍ متصوَّرٍ في نفوسهم، ومحمّد بدلٌ منه، والله أعلم.\nو(قوله: سِبَابُ المُسلِمِ فُسُوقٌ) أي: خروجٌ عن الذي يجبُ من احترامِ المسلم، وحرمةِ عِرضِهِ وسَبِّه، وقد تقدَّم القولُ في الفِسق.\nو(قوله: وَقِتَالُهُ كُفرٌ) القول فيه على نحو ما ذكرناه آنفا.","vol":"1","page":255},{"text":"[٥٤] وَعَن جَرِيرٍ، قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ: استَنصِت لِيَ النَّاسَ، ثُمَّ قَالَ: لَا تَرجِعُوا بَعدِي كُفَّارًا؛ يَضرِبُ بَعضُكُم رِقَابَ بَعضٍ.\nرواه أحمد (٤/ ٣٥٨ و٣٦٣ و٣٦٦)، والبخاري (١٢١)، ومسلم (٦٥)، والنسائي (٧/ ١٢٧ - ١٢٨)، وابن ماجه (٣٩٤٢).\n[٥٥] وَعَنهُ؛ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: أَيُّمَا عَبدٍ أَبَقَ مِن مَوَالِيهِ، فَقَد كَفَرَ، حَتَّى يَرجِعَ إِلَيهِم.\nوَفِي آخَرَ: أَيُّمَا عَبدٍ أَبَقَ، فَقَد بَرِئَت مِنهُ الذِّمَّةُ.\nــ\nو(قوله: لَا تَرجِعُوا بَعدِي كُفَّارًا؛ يَضرِبُ بَعضُكُم رِقَابَ بَعضٍ) أي: لا تَتشَبَّهُوا بالكفَّار في المقاتلةِ والمقاطعة. وفيه: ما يدلُّ على أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كان يعلم ما يكونُ بعده في أمَّته من الفتن والتقاتل، ويَدُلُّ أيضًا: على قربِ وقوعِ ذلك مِن زمانه؛ فإنَّه خاطَبَ بذلك أصحابَهُ، وظاهُرُه: أنَّه أرادهم؛ لأنَّه بهم أعنَى، وعليهم أحنَى، ويَحتَمِلُ غيرَ ذلك.\nو(قوله: أَيُّمَا عَبدٍ أَبَقَ مِن مَوَالِيهِ، فَقَد كَفَرَ) محمولٌ على ما ذكرنا.\nو(قوله: فَقَد بَرِئَت مِنهُ الذِّمَّةُ) أي: ذِمَّةُ الإيمان وعهدُهُ وخَفَارَتُهُ (١): إن كان مستحلًاّ للإباق، فيجبُ قتلُهُ بعد الاستتابة؛ لأنَّه مرتدٌّ، وإن لم يكن كذلك، فقد خرَجَ عن حُرمة المؤمنين وذِمَّتهم؛ فإنَّهُ تجوزُ عقوبتُهُ على إباقه، وليس لأحدٍ أن يحولَ بين سيَّده وبين عقوبتِهِ الجائزةِ إذا شاءها السَّيِّد. ويقال: بَرِئتُ مِنَ الرَّجُلِ والدَّينِ بَرَاءةً، وبَرئتُ أَبرَأُ إليه بُرءًا وبُرُوءًا، يقالُ أيضًا: بَرُؤتُ - بضمِّ الراء - أَبرُؤُ.\n_________\n(١) \"خفره\": أجاره وحَماه.","vol":"1","page":256},{"text":"وَفِي آخَرَ: إِذَا أَبَقَ العَبدُ، لَم تُقبَل لَهُ صَلَاةٌ.\nرواه أحمد (٤/ ٣٥٧ و٣٦٥)، ومسطم (٦٨ و٦٩ و٧٠)، وأبو داود (٤٣٦٠)، والنسائي (٧/ ١٠٢).\n[٥٦] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: اثنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِم كُفرٌ: الطَّعنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى المَيِّتِ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٩٦)، ومسلم (٦٧).\n* * *\nــ\nو(قوله: لَم تُقبَل لَهُ صَلَاةٌ) إن كان مستحلًاّ، حُمِلَ الحديثُ على ظاهره؛ لأنَّه يكون كافرًا، ولا يُقبَلُ لكافرٍ عملٌ.\nوإن لم يكن كذلك، لم تصحَّ صلاتُهُ على مذهب المتكلِّمين في الصلاة في الدار المغصوبة؛ لأنَّه منهيٌّ عن الكَونِ في المكانِ الذي يصلِّي فيه، ومأمورٌ بالرجوع إلى سيِّده، وأمَّا على مذهب الفقهاءِ المصحِّحين لتلك الصلاة، فيمكنُ أن يُحمَلَ الحديثُ على مذهبهم على أنَّ الإِثمَ الذي يلحقه في إباقِه أكثَرُ من الثواب الذي يدخُلُ عليه من جهة الصلاة؛ فكأنَّه صلاتَهُ لم تُقبَل؛ إذ لم يتخلَّص بسببها من الإثم، ولا حصَلَ له منها ثوابٌ يتخلَّصُ به من عقابِ الله على إباقه؛ فكان هذا كما قلناه في قوله - ﵊ -: إنَّ شَارِبَ الخَمرِ لَا تُقبَلُ منهُ صَلَاةٌ أَربَعِينَ يَومًا (١)، وقد كنا كتبنا في ذلك الحديثِ جزءًا حسنًا.\nو(قوله: اثنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِم كُفرٌ) أي: مِن خصالِ أهلِ الكفر؛ كما قال ﵊: أَربَعٌ فِي أُمَّتِي مِن أَمرِ الجَاهِلِيَّةِ لَا يَترُكُونَهنَّ: الطَّعنُ فِي الأحسَابِ، وَالفَخرُ بالأنسَابِ، وَالاِستِسقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ (٢).\n_________\n(١) رواه الترمذي (١٨٦٣)، والنسائي (٨/ ٣١٦) من حديث عبد الله بن عمر ﵄.\n(٢) رواه مسلم (٦٧)، والترمذي (١٠٠١) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>(٢٣) بَابٌ نِسبَةُ الاِختِرَاعِ لِغَيرِ اللهِ حَقِيقَةً كُفرٌ</span>\n[٥٧] عَن زَيدِ بنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - صَلَاةَ الصُّبحِ بِالحُدَيبِيَةِ فِي إِثرِ سَمَاءٍ كَانَت مِنَ اللَّيلِ، فَلَمَّا انصَرَفَ، أَقبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: هَل تَدرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُم؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ.\n\nــ\n\n(٢٣) وَمِن بَابِ: نِسبَةُ الاِختِرَاعِ إِلَى غَيرِ اللهِ حَقِيقَةً كُفرٌ\n(قوله: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - صَلَاةَ الصُّبحِ بِالحُدَيبِيَةِ فِي إِثرِ سَمَاءٍ كَانَت مِنَ اللَّيلِ) أكثرُ الرواة يشدِّدون ياء الحُدَيبِيَّةِ، وهي لغةُ أهلُ اليمن، وأهل العراق يخفِّفونها. والجِعِرَّانة يقولها أهلُ المدينة بكسر العين وتشديد الراء، وأهلُ العراق يُسكِنون العين ويُخفِّفون الراء، وابنُ المسيِّب وأهلُ المدينة يكسرون الياءَ مشدَّدة، وأهلُ العراق يفتحونها، وكذلك قرأتُهُ، وقيَّدته على مَن لَقِيته وقَيَّدتُّ عليه.\nوالحديبية: موضعٌ فيه ماءٌ بينه وبين مَكَّة أميال، وَصَلَ النبيُّ - ﷺ - إليه وهو مُحرِمٌ بعمرة قبل فتح مكَّة، فصدَّه المشركون عن البيت، فصالحهم وشرَطَ لهم وعليهم، ولم يدخُل مكَّةَ في تلك السنة، ورجَعَ إلى المدينة، فلمَّا كان العامُ المقبلُ، دخلها، وسيأتي تفصيلُ ذلك كلِّه، إن شاء الله تعالى.\nوإثرَ الشَّيءِ بكسرِ الهمزة وإسكانِ الثاء المثلَّثة: بَعدَهُ وعَقِبَهُ، ويقال فيه: أَثَر، بفتح الهمزة والثاء. والسَّمَاءُ هنا المطرُ، سُمِّي بذلك؛ لأنَّه من السماء ينزل، وحقيقةُ السماء: كلُّ ما علاك فأظلَّك.\nو(قوله: فَلَمَّا انصَرَفَ، أَقبَلَ عَلَى النَّاسِ) أي: انصرَفَ مِن صلاته، وفرَغَ منها؛ فظاهره: أنَّه لم يكن يثبت في مكان صلاتِهِ بعد سلامه؛ بل كان ينتقلُ عنه ويتغيَّرُ عن حالته، وهذا الذي يستحبَّهُ مالك للإمامِ في المسجد؛ كما سيأتي.","vol":"1","page":258},{"text":"قَالَ: قَالَ: أَصبَحَ مِن عِبَادِي مُؤمِنٌ بِي وَكَافِرٌ؛ فَأَمَّا مَن قَالَ: مُطِرنَا بِفَضلِ اللهِ وَرَحمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالكَوكَبِ، وَأَمَّا مَن قَالَ: مُطِرنَا بِنَوءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤمِنٌ بِالكَوكَبِ.\nرواه أحمد (٤/ ١١٧)، والبخاري (٨٤٦)، ومسلم (٧١)، وأبو داود (٣٩٠٦)، والنسائي (٣/ ١٦٥).\nــ\nو(قوله: أَصبَحَ مِن عِبَادِي مُؤمِنٌ بِي وَكَافِرٌ) ظاهره: أنَّه الكُفرُ الحقيقيُّ؛ لأنَّه قابَلَ به المؤمنَ الحقيقيَّ، فيُحمَلُ على مَنِ اعتقَدَ أنَّ المطر مِن فعل الكواكبِ وخَلقِها، لا مِن فِعلِ الله تعالى؛ كما يعتقده بعضُ جهَّال المنجِّمين والطبائعيِّين والعَرَب.\nفأمَّا من اعتقَدَ أنَّ الله تعالى هو الذي خلَقَ المَطَرَ واخترعَهُ ثُمَّ تكلَّم بذلك القولِ، فليس بكافر؛ ولكنَّه مخطئٌ من وجهَين:\nأحدهما: أنّه خالَفَ الشرع؛ فإنَّه قد حذَّر من ذلك الإطلاق.\nوثانيهما: أنَّه قد تشبَّه بأهلِ الكفر في قولهم، وذلك لا يجوزُ؛ لأنَّا قد أَمَرَنَا بمخالفتهم؛ فقال: خَالِفُوا المُشرِكين (١)، وخَالِفُوا اليَهُودَ (٢). ونُهِينَا عن التشبُّهِ بهم؛ وذلك يقتضي الأَمرَ بمخالفتهم في الأفعالِ والأقوالِ على ما يأتي إن شاء الله تعالى، ولأنّ الله تعالى قد مَنَعَنا من التشبُّهِ بهم في النطق، بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا لمَّا كان اليهودُ يقولون تلك الكلمةَ للنبيِّ - ﷺ - يقصدون ترعينَهُ (٣)، مَنَعَنَا اللهُ مِن إطلاقها، وقولِهَا للنبي - ﷺ - وإن قَصَدنا بها الخيرَ؛ سَدًّا للذريعة، ومنعًا من التشبُّهِ بهم. فلو قال غير هذا اللفظ\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٨٩٢)، ومسلم (٢٥٩) من حديث عبد الله بن عمر ﵄.\n(٢) رواه أبو داود (٦٥٢) من حديث شداد بن أوس ﵁.\n(٣) في هامش (م): يقصدون به عيبه.","vol":"1","page":259},{"text":"[٥٨] وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهدِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: أَصبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرٌ، وَمِنهُم كَافِرٌ، قَالُوا: هَذِهِ رَحمَةُ اللهِ،\nــ\nالممنوع يريدُ به الإخبارَ عمَّا أَجرَى الله به سُنَّتَهُ جاز؛ كما قال - ﵊ -: إذا نشَأَت بَحرِيَّةٌ ثُمَّ تشاءَمَت، فَتِلكَ عَينٌ غَدِيقَةٌ (١).\nو(قوله: فَأَمَّا مَن قَالَ: مُطِرنَا بِفَضلِ اللهِ وَرَحمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالكَوكَبِ) أي: مصدِّقٌ بأنَّ المطر خَلقِي لا خلقُ الكوكب، أَرحَمُ به عبادي، وأتفضَّل عليهم به، كما قال: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيثَ مِن بَعدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحمَتَهُ وَهُوَ الوَلِيُّ الحَمِيدُ.\nوالنَّوء لغةً: النهوضُ بثِقَلٍ، يقال: ناء بكذا: إذا نهَضَ به متثاقلًا؛ ومنه: لَتَنُوءُ بِالعُصبَةِ أي: لَتُثقِلُهُم عند النهوضِ بها (٢). وكانت العَرَبُ إذا طلع نجمٌ من المشرِقِ، وسقَطَ آخر من المغرب، فحدَثَ عند ذلك مطرٌ أو ريح: فمنهم مَن يَنسُبُهُ إلى الطالِعِ، ومنهم مَن ينسبه إلى الغارب (٣) الساقِطِ نِسبَةَ إيجادٍ واختراعٍ، ويُطلِقون ذلك القولَ المذكور في الحديث، فنهى الشرعُ عن إطلاقِ ذلك؛ لئلا يَعتَقِدَ أحدٌ اعتقادَهُم، ولا يتشبَّهَ بهم في نُطقهم، والله أعلم.\nو(قوله: أَصبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرٌ، وَمِنهُم كَافِرٌ) أصلُ الشكر: الظهورُ؛ ومنه قولهم: دابَّةٌ شَكُورٌ: إذا ظهر عليها من السِّمَن فوق ما تأكلُهُ من العلف. والشاكرُ: هو الذي يُثنِي بالنعمةِ ويُظهِرها ويعترفُ بها للمُنعِم، وجَحدُهَا: كفرانُهَا؛ فمَن\n_________\n(١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢١٧): رواه الطبراني في الأوسط، وقال: تفرّد به الواقدي، قلت: وفي الواقدي كلام، وقد وثّقه غير واحد، وبقية رجاله لا بأس بهم، وقد وثقوا.\n\"غُدَيقة\": أي: كثيرة الماء.\n(٢) ساقط من (ع).\n(٣) في (ط): الغايب، والمثبت من (م) و(ل). وهذا اللفظ ساقط من (ع).","vol":"1","page":260},{"text":"وَقَالَ بَعضُهُم: لَقَد صَدَقَ نَوءُ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَنَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ: فَلَا أُقسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ حَتَّى بَلَغَ: وَتَجعَلُونَ رِزقَكُم أَنَّكُم تُكَذِّبُونَ.\nرواه مسلم (٧٣).\n* * *\nــ\nنسَبَ المطَرَ إلى الله تعالى، وعرَفَ مِنَّتَهُ فيه، فقد شكَرَ الله تعالى، ومَن نسبه إلى غيره، فقد جحَدَ نعمةَ الله تعالى في ذلك، وظلَمَ بنسبتها لغير المُنعِم بها؛ فإن كان ذلك عن اعتقاد، كان كافرًا ظالمًا حقيقةً، وإن كان عن غير معتقد، فقد تشبَّهَ بأهلِ الكفر والظلمِ الحقيقيِّ؛ كما قلناه آنفًا.\nوقد قابل في هذا الحديث بين الشكر والكفر؛ فدلَّ ظاهره على أن المراد بالكفر هاهنا كفرانُ النعم، لا الكفرُ بالله تعالى.\nويحتملُ أن يكون المرادُ به الكفرَ الحقيقيَّ؛ ويؤيِّد ذلك استدلالُ النبيِّ - ﷺ - بقوله تعالى: وَتَجعَلُونَ رِزقَكُم أَنَّكُم تُكَذِّبُونَ أي: تجعلون شُكرَ رزقِكُمُ التكذيبَ؛ على حذفِ المضاف؛ قاله المفسِّرون، وقرأ عليٌّ: وَتَجعَلُونَ شُكرَكُم فعبَّر عن الرزق بالشُّكرِ، والرزقُ: الشكرُ بلغَةِ أَزدِ شَنُوءة، يقال: ما أرزقَهُ! أي: ما أشكَرهُ! وما رزَقَ فلانٌ فلانًا، أي: ما شَكَره (١).\nو(قوله: فَلَا أُقسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) أصله: للقسم؛ قاله ابنُ عبَّاس. وقرأ عيسى: لَأُقسِمُ بحذفِ الألف؛ كأنه قال: لَأُقسِمَنَّ، فحذَفَ نونَ التوكيد، وكذلك قرأ الحسَنُ والفراء (٢) في رواية البزي (٣): لأقسم\n_________\n(١) قوله: (وما رزق. . . ما شكره) ساقط من (ع).\n(٢) في (ع) و(م) و(ط)، والمثبت من (ل) وتفسير القرطبي (١٩/ ٦٢).\n(٣) هو أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم، أبو الحسن الفارسي: مقرئ مكة. توفي سنة (٢٥٠ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٠).","vol":"1","page":261},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nبيوم القيامة (١) ويلزمُ ذلك النونُ الشديدةُ أو الخفيفةُ، وحَذفُهَا شاذٌّ.\nومواقع النجوم مساقطها، وقيل: مطالعها، وقيل: انكدارُهَا وانتثارها يوم القيامة. وقيل في تأويلِ الآية: إنها قَسَمٌ بقلبِ محمد - ﷺ -، والنجومُ هي القرآن؛ لأنَّه أُنزِلَ نجومًا؛ وروي ذلك عن ابن عبَّاس، والقَسَمُ: الإيلاءُ والحَلِفُ. وهذا وأشباهه قَسَمٌ من الله تعالى على جهة التشريفِ للمقسَمِ به، والتأكيدِ للمُقسَمِ له، ولله تعالى أن يُقسِمَ بما شاء مِن أسمائه وصفاتِهِ ومخلوقاتِهِ تشريفًا وتنويهًا؛ كما قال: وَالشَّمسِ وَضُحَاهَا، وَاللَّيلِ إِذَا يَغشَى، وَالعَادِيَاتِ، وَالمُرسَلَاتِ، وَالنَّازِعَاتِ ونحو هذا.\nوقد تكلَّف بعضُ العلماء، وقال: إنَّ المقسَمَ به في مثلِ هذه المواضع محذوفٌ للعلم به؛ فكأنه قال: وربِّ الشمسِ، وربِّ الليل. والذي حمله على ذلك: أنَّه لمَّا سَمِع أنَّ الشرع قد نهانا أن نَحلِفَ بغير الله تعالى، ظنَّ أنَّ الله تعالى يمتنعُ مِن ذلك، وهذا ظن قاصر وفهمٌ غيرُ حاضر؛ إذ لا يَلزَمُ شيءٌ من ذلك؛ لأنَّ للهِ تعالى أن يحكمَ بما شاء، ويفعَلَ من ذلك (٢) ما يشاء؛ إذ لا يتوجَّهُ عليه حُكم، ولا يترتَّبُ عليه حَقٌّ. وأيضًا: فإنَّ الشرع إنما منعنا من القسمِ بغيرِ الله تعالى؛ حمايةً عن التشبُّهِ بالجاهليةِ فيما كانوا يُقسِمون به من معبوداتهم ومُعَظَّمَاتِهم الباطلةِ؛ على ما يأتي الكلامُ عليه في الأَيمَان.\nوقوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكنُونٍ﴾ الكريم: الشريفُ الكثيرُ المنافعِ السَّهلهَا. والمكنونُ: المَصُونُ المحفوظ، ويعني بالكتاب: اللوحَ المحفوظَ؛ كقوله: بَل هُوَ قُرآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوحٍ مَحفُوظٍ.\nوالمُطَهَّرُونَ بحكم عُرفِ الشرع: هم المتطهِّرون من الحدَثِ؛ وعليه فتكونُ لَا نهيًا، ويَمَسّهُ مجزومٌ بالنهي، وضُمَّت سينه لأجل الضمير؛ كما قالوا: شُرهُ ومُرهُ. ويجوزُ أن يكون خبرًا\n_________\n(١) الآية ﴿لا أقسم بيوم القيامة﴾ [القيامة: ١].\n(٢) ساقط من (ع).","vol":"1","page":262},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nعن المشروعيَّة، أي: لا يجوزُ مسُّهُ إلَاّ لمن تطهَّر من الحدث، ويكونُ هذا نحو قولِهِ تعالى: وَالوَالِدَاتُ يُرضِعنَ أَولَادَهُنَّ حَولَينِ كَامِلَينِ. وهذا تقريرُ وجهِ منِ استدلَّ بالآية على تحريمِ مَسِّ القرآنِ على غير طهارة، وهُمُ الجمهور، وأَمَّا مَن أجاز ذلك، وهم أهلُ الظاهر: فحملوا الآية على أنَّها خبرٌ عمَّا في الوجود، أي: لا يَمَسُّهُ ولا ينالُهُ ولا يباشرُهُ إلا الملائكةُ، وهم المطهَّرون بالحقيقةِ، وتكونُ هذه الآيةُ مثلَ قوله: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾؛ وإلى هذا صار مالكٌ في تفسير هذه الآية، مع أنَّ مذهبَهُ أنَّه لا يجوزُ لِمُحدِثٍ مسُّ المصحف؛ أخذًا بهذا الحكم مِنَ السُّنَّةِ الثابتة عنده، لا مِنَ الآية، والله تعالى أعلم. وقد قيل في الآية: لَا يَمَسُّهُ: لا يفهمُهُ ولا يجدُ حلاوتَهُ إلا المؤمنون المحقِّقون، والأول الظاهر.\nو(قوله: أَفَبِهَذَا الحَدِيثِ أَنتُم مُدهِنُونَ يعني بالحديث: القرآنَ؛ لأنه أحاديثُ عن الأممِ الماضيةُ والوقائعِ الآتية، والأحكامِ الجارية. ومُدهِنُونَ: مكذِّبون، وأصله من الدَّهن؛ يقال: أَدهَنَ، وداهَنَ؛ أي: ترَكَ ما هو عليه وتلبَّس بغيره.\n* * *","vol":"1","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>(٢٤) بَابٌ حُبُّ عَلِيٍّ وَالأَنصَارِ آيَةُ الإيمَانِ، وَبُغضُهُم آيَةُ النِّفَاقِ</span>\n[٥٩] عَن أَنَسٍ؛ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: حُبُّ الأَنصَارِ آيَةُ الإِيمَانِ، وَبُغضُهُم آيَةُ النِّفَاقِ.\nرواه البخاري (١٧)، ومسلم (٧٤)، والنسائي (٨/ ١١٦).\nــ\n(٢٤) وَمِن بَابِ حُبُّ عَلِيٍّ وَالأَنصَارِ مِنَ الإيمَانِ\n(قوله: آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنصَارِ) الحديث، الآيةُ: العَلَامَةُ والدَّلَالة، وقد تكون ظَنِّيَّة، وقد تكون قطعيَّة. وحُبُّ الأَنصَارِ من حيث كانوا أنصارَ الدِّينِ ومُظهِريهِ، وباذلين أموالَهُم وأَنفُسَهُم في إعزازِهِ وإعزازِ نبيِّه وإعلاءِ كلمته دلالةٌ قاطعةٌ على صِحَّةِ إيمانِ مَن كان كذلك، وصحَّةِ محبَّته للنبيِّ - ﷺ -، وبُغضُهم كذلك دلالةٌ قاطعةٌ على النفاق.\nوكذلك القولُ في حُبِّ عليٍّ وبغضه؛ فمَن أحبَّه لسابقته في الإسلام، وقِدَمِهِ في الإيمان، وغَنَائِهِ فيه، وذوده عنه وعن النبيِّ - ﷺ -، ولمكانته من النبي - ﷺ - وقرابتِهِ ومصاهرته، وعلمِهِ وفضائله، كان ذلك منه دليلًا قاطعًا على صِحَّةِ إيمانه ويقينِهِ ومحبتِهِ للنبيِّ - ﷺ -، ومَن أبغضَهُ لشيء من ذلك، كان على العكس.\nقال المؤلف - ﵀ -: وهذا المعنَى جارٍ في أعيان الصحابة كالخلفاء، والعَشَرة، والمهاجرين، بل وفي كُلِّ الصحابة؛ إذ كُلُّ واحدٍ منهم له شاهد وغَنَاءٌ في الدِّين، وأَثَرٌ حَسَنٌ فيه؛ فحبُّهم لذلك المعنى محضُ الإيمان، وبُغضُهُم له محضُ النفاق، وقد دَلَّ على صحَّة ما ذكرناه: قوله - ﵊ - فيما أخرجه","vol":"1","page":264},{"text":"[٦٠] وعَنِ البَرَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ فِي الأَنصَارِ: لَا يُحِبُّهُم إِلَاّ مُؤمِنٌ، وَلَا يُبغِضُهُم إِلَاّ مُنَافِقٌ؛\nــ\nالبَزَّار في أصحابه كلِّهم: فَمَن أحبَّهم فبحبِّي أحبَّهم، ومَن أبغضَهُم فببغضي أبغَضَهُم (١). لكنَّهم لما كانوا في سوابقهم ومراتبهم متفاوتين، فمنهم المتمكِّن الأمكن، والتالي والمقدَّم، خَصَّ الأمكَنَ منهم بالذكر في هذا الحديث، وإن كان كلٌّ منهم له في السوابق أشرَفُ حديث، وهذا كما قال العليُّ الأعلى: لَا يَستَوِي مِنكُم مَن أَنفَقَ مِن قَبلِ الفَتحِ وَقَاتَلَ، إلى قوله: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الحُسنَى.\nتنبيه: مَن أبغض بعضَ مَن ذَكَرنا من الصحابة من غير تلك الجهات التي ذكرناها، بل لأمرٍ طارئ، وحدَثٍ واقعٍ؛ من مخالفةِ غَرَضٍ، أو ضررٍ حصل، أو نحو ذلك: لم يكن كافرًا، ولا منافِقًا بسبب ذلك؛ لأنهم - رضي الله عن جميعهم - قد وقعت بينهم مخالفاتٌ عظيمة، وحروبٌ (٢) هائلة، ومع ذلك فلم يكفِّر بعضُهُم بعضًا، ولا حُكِمَ عليه بالنفاقِ لِمَا جرى بينهم من ذلك، وإنما كان حالُهُم في ذلك حالَ المجتهدين في الأحكام؛ فإمَّا أن يكونَ كلُّهم مصيبًا فيما ظهَرَ له. أو المصيبُ واحدٌ، والمخطئُ معذور، بل مخاطبٌ بالعملِ على ما يراه ويظنُّه مأجور.\nفمَن وقع له بُغضٌ في واحد منهم لشيءٍ من ذلك، فهو عاصٍ يجبُ عليه التوبةُ من ذلك، ومجاهدةُ نفسه في زوال ما وقَعَ له من ذلك، بأن يذكر فضائلَهُم وسوابقَهُم، وما لهم على كلِّ مَن بعدَهم مِنَ الحقوقِ الدينيَّةِ والدنيوية؛ إذ لم يصل أحدٌ ممن بعدهم بشيءٍ من الدنيا ولا الدِّينِ إلا بهم، وبسببهم وأدبهم وصلَت\n_________\n(١) الذي وجدنا في كشف الأستار (٦٥) حديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من أحبَّني أحب الأنصار، ومن أبغضني فقد أبغض الأنصار، لا يحبهم منافق، ولا يبغضهم مؤمن. من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله\".\n(٢) ساقط من (ع).","vol":"1","page":265},{"text":"مَن أَحَبَّهُم أَحَبَّهُ اللهُ، وَمَن أَبغَضَهُم أَبغَضَهُ اللهُ.\nرواه البخاري (٣٧٨٣)، ومسلم (٧٥)، والترمذي (٣٨٩٦).\n[٦١] وَعَن زِرٍّ، عَن عَليٍّ قَالَ: وَالَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ!\nــ\nلنا (١) كلُّ (٢) النِّعَم، واندفَعَت عنا الجهالاتُ والنِّقَم، ومَن حَصَلَت به مصالِحُ الدنيا والآخِرَة، فبغضُهُ كفرانٌ للنِّعَمِ، وصفقتُهُ خاسِرَة.\nو(قوله: فَمَن أَحَبَّهُم أَحَبَّهُ اللهُ، وَمَن أَبغَضَهُم أَبغَضَهُ اللهُ) هذا على مقابلة اللفظ باللفظ، ومعناه: أنَّ من أحبَّهم، جازاه الله على ذلك جزاءَ المحبوبِ المُحِبَّ من الإكرامِ، والتَّرفِيع، والتشفيع، وعكس ذلك في البغض. وظاهرُ هذا الكلام: أنَّه خبرٌ عن مآلِ كُلِّ واحدٍ من الصنفين. ويصلح أن يقال: إنَّ ذلك الخبر خرَجَ مخرجَ الدعاء لكلِّ واحدٍ من الصنفين؛ فكأنَّه قال: اللهمَّ، افعَل بهم ذلك، كما قال: صلَّى اللهُ على محمَّد وآله، والله أعلم.\nو(قولُ عليٍّ - ﵁ -: وَالَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ) أي: شقَّها بما يخرُجُ منها؛ كالنَّخلة من النواة، والسنبلةِ مِن حَبَّةِ الحنطة، والحَبَّة بفتح الحاء: لما يُزرَعُ ويُستَنبَتُ، وبكسرها: لبذور بُقُولِ الصحراء التي لا تزرع.\nو(قوله: وبَرَأَ النَّسَمَةَ) أي: خلقها، والنَّسَمَةُ: النَّفسُ، وقد يقال على الإنسان: نَسَمة، وقد يقال أيضًا على الرَّبو؛ ومنه الحديث: تنكَّبوا الغُبَارَ؛ فمنه تكونُ النَّسَمَةُ) (٣) أي: الرَّبو والبُهرُ، وهو امتلاءُ الجوف من الهواء.\n_________\n(١) في (ل): إلينا.\n(٢) ساقط من (ع).\n(٣) ذكره الألباني في السلسلة الضعيفة رقم (٦).","vol":"1","page":266},{"text":"إِنَّهُ لَعَهدُ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ - ﷺ - إِلَيَّ: أَلا يُحِبَّنِي إِلَاّ مُؤمِنٌ، وَلَا يُبغِضَنِي إِلَاّ مُنَافِقٌ.\nرواه مسلم (٧٨)، والترمذي (٣٧٣٧)، والنسائي (٨/ ١١٧).\n* * *\nــ\nو(قوله: إِنَّهُ لَعَهدُ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ ألَا يُحِبَّنِي إِلَاّ مُؤمِنٌ، وَلَا يُبغِضَنِي إِلَاّ مُنَافِقٌ) العهد: الميثاق. والأُمِّيُّ: هو الذي لا يَكتُبُ؛ كما قال: إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكتُبُ وَلَا نَحسُبُ (١)، وهو منسوبٌ إلى الأُمِّ؛ لأنَّه باقٍ على أصلِ وِلَادتها؛ إذ لم يتعلَّم كتابةً ولا حسابًا. وقيل: ينسبَ إلى معظمِ أُمَّةِ العرب؛ إذِ الكتابةُ كانت فيهم نادرةً. وهذا الوصفُ مِنَ الأوصافِ التي جعلها الله تعالى مِن أوصافِ كمال النبيِّ - ﷺ -، ومدَحَهُ بها، وإنَّما كان وصفَ نقصٍ في غيره؛ لأنَّ الكتابةَ والدراسةَ والدّربة على ذلك: هي الطرقُ الموصِّلَةُ إلى العلومِ التي بها تشرُفُ نفسُ الإنسان، ويعظُمُ قَدرُهَا عادةً.\nفلمَّا خَصَّ اللهُ تعالى نبيَّنا محمَّدًا - ﷺ - بعلومِ الأوَّلين والآخرين مِن غير كتابة ولا مدارسة، كان ذلك خارقًا للعادة في حقِّه، ومِن أوصافه الخاصَّةِ به، الدالَّة على صدقه، التي نُعِتَ بها في الكُتُبِ القديمة، وعُرِفَ بها في الأممِ السابقة؛ كما قال الله تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكتُوبًا عِندَهُم؛ فقد صارت الأُمِّيَّةُ في حقِّه من أعظمِ معجزاتِه، وأجلِّ كراماتِه، وهي في حَقِّ غيره نقصٌ ظاهر، وعجزٌ حاضر؛ فسبحان الذي صيَّر نقصَنَا في حقِّه كمالَا، وزادَهُ تشريفًا وجلالا.\nو(قوله: ألَا يُحِبَّنِي) بفتح همزة أَلا؛ لأنَّها همزةُ أَنِ الناصبةِ للفعل المضارع، ويَحتمِل: أن تكون المخفَّفةَ من الثقيلة؛ وكذلك روي: يُحِبُّنِي، بضمِّ الباء وفتحها، وكذلك: يُبغِضني؛ لأنَّه معطوفٌ عليه. والضميرُ في إنَّه ضميرُ الأمر والشأن، والجملةُ بعده تفسيرٌ له.\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٤٣ و٥٢ و١٢٩)، والبخاري (١٩١٣)، ومسلم (١٠٨٠)، وأبو داود (٢٣١٩ و٢٣٢٠ و٢٣٢١)، والنسائي (٤/ ١٣٩ و١٤٠) من حديث ابن عمر ﵄.","vol":"1","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>(٢٥) بَابُ كُفرَانِ العَشِيرِ، وَكُفرٍ دُونَ كُفرٍ</span>\n[٦٢] عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -؛ أَنَّهُ قَالَ: يَا مَعشَرَ النِّسَاءِ، تَصَدَّقنَ، وَأَكثِرنَ الاِستِغفَارَ؛ فَإِنِّي رَأَيتُكُنَّ أَكثَرَ أهل النَّارِ. فَقَالَتِ امرَأَةٌ مِنهُنَّ جَزلَةٌ: وَمَا لَنَا - يَا رسولَ الله - أَكثَرَ أهل النَّارِ؟ قَالَ: تُكثِرنَ اللَّعنَ،\n\nــ\n(٢٥) وَمِن بَابِ كُفرَانِ العَشِيرِ، وَكُفرٍ دُونَ كُفرٍ\n(قوله: يَا مَعشَرَ النِّسَاءِ، تَصَدَّقنَ، وَأَكثِرنَ الاِستِغفَارَ؛ فَإِنِّي رَأَيتُكُنَّ أَكثَرَ أهل النَّارِ) هذا نداءٌ لجميع (١) نساء العالم إلى يوم القيامة، وإرشادٌ لهنَّ إلى ما سيُخَلِّصُهُنَّ من النار، وهو الصدقةُ مطلقًا، واجبُهَا وتطوُّعُهَا.\nوالظاهر: أنّ المراد هنا القدرُ المشترَكُ بين الواجبِ والتطوُّع؛ لقوله في بعض طرقه: ولو مِن حُلِيِّكُنَّ (٢). والاستغفار: سؤالُ المغفرة، وقد يعبَّر به عن التوبة؛ كما قال تعالى: استَغفِرُوا رَبَّكُم إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا أي: توبوا، وإنما عبَّر عن التوبةِ بالاستغفارِ؛ لأنَّه إنَّما يصدُرُ عن الندمِ وجل الإصرار، وذلك هو التوبة. فأمَّا الاستغفارُ مع الإصرار، فحالُ المنافقين والأشرار، وهو جديرٌ بالردِّ وتكثيرِ الأوزار، وقد قال بعضُ العارفين: الاستغفارُ باللسانِ توبةُ الكذَّابين.\nو(قوله: رَأَيتُكُنَّ أَكثَرَ أهل النَّارِ) أي: اطَّلَعَ على نساءٍ آدميَّات من نوع المخاطَبَات، لا أنفس المخاطبات؛ كما قال في الرواية الأخرى: اطَّلَعتُ عَلَى\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) رواه الترمذي (٦٣٥ و٦٣٦) من حديث زينب امرأة عبد الله بن مسعود ﵄.","vol":"1","page":268},{"text":"وَتَكفُرنَ العَشِيرَ، مَا رَأَيتُ مِن نَاقِصَاتِ عَقلٍ وَدِينٍ أَذهَبَ لِذِي لُبٍّ مِنكُنَّ! قَالَت: يَا رسولَ الله وَمَا نُقصَانُ العَقلِ وَالدِّينِ؟ قَالَ: أَمَّا نُقصَانُ العَقلِ:\nــ\nالنَّارِ، فَرَأَيتُ أكثَرَ أَهلِهَا النِّسَاءَ (١). فلمَّا سمع النساءُ ذلك، عَلِمنَ أنَّ ذلك كان لسبب ذنبٍ سبَقَ لهنَّ، فبادرَت هذه المرأةُ لجزالتها وشِدَّةِ حرصها على ما يُخَلِّصُ من هذا الأمر العظيم، فسأَلَت عن ذلك، فقالت: وَمَا لَنَا أَكثَرَ أهل النَّارِ؟، فأجابها - ﷺ -: تُكثِرنَ اللَّعنَ، وتَكفُرنَ العشيرَ، أي: يدور اللعنُ على ألسنتهنَّ كثيرًا لمن لا يجوزُ لعنه؛ وكان ذلك عادةً جاريةً في نساء العرب، كما قد غَلَبَت بعد ذلك على النساءِ والرجال، حتَّى إنَّهم إذا استحسنوا شيئًا ربَّما لعنوه، فيقولون: ما أشعرَهُ! لَعَنَهُ الله! !، وقد حكى بعضهم أنَّ قصيدةَ ابنِ دُرَيدٍ كانت تسمَّى عندهم: الملعونة؛ لأنَّهم كانوا إذا سمعوها، قالوا: ما أشعرَهُ! لعَنَهُ اللهُ! !، وقد تقدَّم أنَّ أصل اللعن: الطردُ والبُعد.\nوالعَشِير: هو المعاشرُ والمخالط مطلقًا، والمرادُ به هنا: الزَّوج، والكفر: كفرانُ الحقوق؛ ويدلُّ على صحَّة الأمرين: حديثُ الموطَّأ، الذي قال فيه: لكفُرهنَ، قيل: أَيَكفُرنَ بالله؟ فقال: يَكفُرنَ العَشِيرَ، وَيَكفُرنَ الإِحسَانَ، لَو أَحسَنتَ إِلَى إِحدَاهُنَّ الدَّهرَ، ثُمَّ رَأَت مِنكَ شَيئًا، قَالَت: مَا رَأَيتُ مِنكَ خَيرًا قَطُّ (٢).\nوالجَزَالَة: الشهامةُ والجدَّة، مع العقل والرفق؛ قال ابن دُرَيد: الجزالةُ: الوقارُ والعقل، وأصلُ الجزالة: العِظَمُ من كلِّ شيء، ومنه: عطاءٌ جَزلٌ. واللُّبُّ: العقلُ، سمِّي بذلك؛ لأنَّه خلاصةُ الإنسان ولبُّه ولبابُهُ، ومنه سُمِّيَ قلب الحبّ: لُبًّا.\nوالعقلُ الذي نُقِصَهُ النساء: هو التثبُّتُ في الأمور، والتحقيقُ فيها، والبلوغُ فيها إلى غاية الكمال، وهُنَّ في ذلك غالبًا بخلافِ الرجال.\nوأصل العقل: العلمُ، وقد يقال على الهدوءِ والوقارِ والتثبُّتِ في الأمور،\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ٤٢٩ و٤٤٣)، والبخاري (٣٢٤١)، والترمذي (٢٦٠٥) من حديث عمران بن حصين ﵁.\n(٢) رواه مالك في الموطأ (١/ ١٨٧) من حديث عبد الله بن عباس ﵄.","vol":"1","page":269},{"text":"فَشَهَادَةُ امرَأَتَينِ تَعدِلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ؛ فَهَذَا نُقصَانُ العَقلِ، وَتَمكُثُ اللَّيَالِيَ وَمَا تُصَلِّي، وَتُفطِرُ فِي رَمَضَانَ؛ فَهَذَا نُقصَانُ الدِّينِ.\nرواه أحمد (٢/ ٦٦)، ومسلم (٧٩)، وابن ماجه (٤٠٠٣).\n* * *\nــ\nوللعلماءِ خلافٌ في حَدِّ العقل المشتَرَطِ في التكليف، ليس هذا موضعَ ذكره.\nوالدِّين هنا يرادُ به: العباداتُ، وليس نقصانُ ذلك في حقِّهنَّ ذمًّا لهنَّ؛ وإنَّمَا ذكر النبيُّ - ﷺ - ذلك مِن أحوالهنَّ على معنى التعجبِ من الرجال، حيثُ يغلبهم مَن نقَصَ عن درجتهم، ولم يبلُغ كمالهم؛ وذلك هو صريحُ قوله - ﵊ -: مَا رَأَيتُ مِن نَاقِصَاتِ عَقلٍ وَدِينٍ أَذهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِن إِحدَاكُنَّ (١)؛ وذلك نحوا ممَّا قاله الأعشى فيهنَّ:\nوَهُنَّ شَرُّ غَالِبٌ لِمَن غَلَب\nونحو قولهم فيما جرَى مجرى المثل: يَغلِبنَ الكِرَام، ويَغلِبُهُنَّ اللِّئَام. وفيه: ما يدلُّ على أنَّ الحائضَ لا تُصَلِّي ولا تصومُ مُدَّةَ حَيضِها، وهو مجمعٌ عليه، وسيأتي إن شاء الله تعالى.\n* * *\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.","vol":"1","page":270},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>(٢٦) بَابُ تَركُ الصَّلَاةِ جَحدًا أو تَسفِيهًا لِلأَمرِ كُفرٌ</span>\n[٦٣] عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ؛ قَالَ: سَمِعتُ رسولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: بَينَ الرَّجُلِ وَبَينَ الشِّركِ وَالكُفرِ تَركُ الصَّلاةِ.\nرواه أحمد (٣/ ٢٨٩)، ومسلم (٨٢)، وأبو داود (٤٦٧٨)، والترمذي (٢٦٢٢)، وابن ماجه (١٠٧٨).\nــ\n(٢٦) وَمِن بَابِ: تَركُ الصَّلَاةِ جَحدًا أو تَسفِيهًا لِلأَمرِ كُفرٌ\n(قوله: بَينَ الرَّجُلِ وَبَينَ الشِّركِ تَركُ الصَّلَاةِ) يعني: أَنَّ من تركَ الصلَاةَ، لم يَبقَ بينه وبين الكفر حاجزٌ يحجزه عنه، ولا مانعٌ يمنعه منه، أي: قد صار كافرًا؛ وهذا إنَّما يكونُ بالاتِّفاق فيمَن كان جاحدًا لوجوبها، فأمَّا لو كان معترِفًا بوجوبها، متهاونًا بفعلها، وتاركًا لها، فالجمهورُ: على أنَّه يُقتَلُ إذا أخرَجَهَا عن آخِرِ وقتها، ثُمَّ هل يُقتَلُ كُفرًا، أو حَدًّا؟ فممَّن ذهَبَ إلى الأوَّل: أحمدُ بنُ حنبل، وابنُ المبارك، وإسحاقُ، وابنُ حَبِيبٍ من أصحابنا، ورُوِيَ ذلك عن عليٍّ بن أبي طالب، وممن ذهَبَ إلى الثاني: مالكٌ، والشافعيُّ، وكثيرٌ من أهل العلم؛ قالوا: يقتل حَدًّا إذا عُرِضَت عليه فلم يفعلها، ثم هل يستتاب أم لا؟ قولان لأصحابنا.\nوقال الكوفيُّون: لا يقتلُ، ويؤمر بفعلها، ويعزَّرُ حتى يفعلها. والصحيحُ: أنَّه ليس بكافر؛ لأنَّ الكفر الجحد كما تقدم، وليس بجاحد، ولأنَّ رسولَ الله - ﷺ - قد قال: خَمسُ صَلَوَاتٍ افتَرَضَهُنَّ اللهُ على العِبَادِ، فَمَن جَاءَ بِهِنَّ لَم يُضَيِّع مِنهُنَّ شَيئًا، كَانَ لَهُ عِندَ اللهِ عَهدٌ أَن يَغفِرَ لَهُ، وَمَن لَم يَأتِ بِهِنَّ، فَلَيسَ لَهُ على اللهِ عَهدٌ؛ إِن شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وَإِن شَاءَ عَذَّبَهُ (١)؛ فهذا ينصٌّ على أَنَّ تركَ الصلاةِ ليس بِكُفر، وأنَّه مما دون الشِّركِ الذي قال\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٣١٧ و٣٢٢)، وأبو داود (٤٢٥)، والنسائى (١/ ٢٣٠)، ومالك في الموطأ (١/ ١٢٣).","vol":"1","page":271},{"text":"[٦٤] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِذَا قَرَأَ ابنُ آدَمَ السَّجدَةَ فَسَجَدَ، اعتَزَلَ الشَّيطَانُ يَبكِي، ويَقُولُ: يَا وَيلَهُ! - وَفِي رِوَايَةٍ:\nــ\nالله تعالى فيه: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغفِرُ أَن يُشرَكَ بِهِ وَيَغفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ. واختلف العلماء في أخواتِ الصلاة من الفرائض؛ كالزكاة، والصيام، والحج، والوضوءِ، والغُسلِ من الجنابة، هل يُقتَلُ الآبي مِن فعِلِهَا وإن اعترَفَ بوجوبها، أم يعاقبُ حتى يَفعَل؟ وهل هو كافرٌ أم عاصٍ؟ مذهب مالك: في أنَّ من قال: لا أتوضَّأُ ولا أصوم، أنَّه يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل، وإن قال: لا أُزَكِّي، أُخِذَت منه كرهًا، فإن امتنع، قوتل، فإن قال: لا أَحُجُّ، لم يُجبَر؛ لكونِ فرضِهِ على التراخي.\nقال المؤلف - ﵀ -: هكذا أطلق أئمتنا، وينبغي أن يقال: إنَّه إذا انتهى الممتنع إلى حالةٍ يخافُ معها الفَوتَ؛ كالهَرَمِ، والمرض، حُمِلَ على الفعل؛ لئلا يُخلى زمانَهُ عن الحجِّ مع استطاعته، وأما من يقول: إنَّ الحجَّ على الفور إذا حصلَت الاستطاعةُ، فقياسُ مذهبه: يقتضي أن يُحمَلَ على الفعل في تلك الحال، لكنَّ أصحابنا لم يقولوا به، ولا كفَّروه بترك الحجِّ كما فعلوا في الصلاة؛ لأنَّ كونَ وجوبِهِ على الفور ليس بمعلومِ التحديد والتوقيف مِنَ الشرع؛ كما هو في الصلاة، وإنما قيل ذلك بالاجتهادِ والظَّنِّ، والله أعلم.\nوقال ابن حَبِيب: مَن قال عند الإمام: لا أصلِّي وهي عَلَيَّ، قُتِلَ ولا يستتاب، وكذلك من قال: لا أتوضَّأ، ولا أغتسلُ من الجنابة، ولا أصوم. وقال أيضًا: مَن ترك الصلاةَ متعمِّدًا أو مُفَرِّطًا: كافرٌ، ومَن ترك أخواتِهَا متعمِّدًا؛ من زكاة، وحجٍّ، وصوم: كافر، وقاله الحَكَم بن عُتَيبة وجماعةٌ من السلف.\nو(قوله: إِذَا قَرَأَ ابنُ آدَمَ السَّجدَةَ، اعتَزَلَ الشَّيطَانُ) أصلُ السجود في اللغة: الخضوعُ والخشوع؛ قال زَيدُ الخَيلِ:","vol":"1","page":272},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nبِجَمعٍ تَصلي البُلقُ (١) فِي حَجَرَاتِه ... تَرَى الأُكمَ فِيهَا سُجَّدًا لِلحَوَافِرِ\nأي: خاضعةً. ويقالُ أيضًا: على المَيلِ؛ يقال: سجَدَتِ النخلةُ، أي: مالَت، وسجدَتِ الناقةُ: طأطأَت رأسَهَا، قال يعقوبُ: أسجَدَ الرجلُ: إذا طأطَأَ رأسه، وسجَدَ: إذا وضع جبهتَهُ في الأرض، وقال ابن دُرَيد: أصلُ السجود: إدامةُ النظر مع إطراقٍ إلى الأرض.\nقال المؤلف - ﵀ -: والحاصلُ أن أصلَ السجودِ: الخضوعُ، وسُمِّيَت هذه الأحوالُ سجودًا؛ لأنها تلازمُ الخضوع غالبًا، ثم قد صار (٢) في الشرعِ عبارةً عن وضع الجبهة على الأرض على نحو مخصوصٍ. والسجودُ المذكور في هذا الحديث: هو سجودُ التلاوة؛ لقوله: إِذَا قَرَأَ ابنُ آدَمَ السَّجدَةَ فَسَجَدَ. وقد اختُلِفَ في حُكمه:\nفذهَبَ الجمهور: إلى أنَّه مندوبٌ وفضيلة، وصار أبو حنيفة: إلى أنه واجب؛ مستدلًاّ بهذا الحديث. ووجهه: أنَّ إبليس عصَى بترك ما أُمِرَ به من السجود؛ فذُمَّ ولُعِنَ، وابنُ آدم أطاعَ بفعله؛ فمُدِحَ وأُثِيبَ بالجنَّة؛ فلو تَرَكَهُ لعصى؛ إذ السجودُ نوعٌ واحد، فلزم من ذلك كونُ السجود واجبًا. والجوابُ: أنَّ ذمَّ إبليس ولَعنَهُ لم يكن لأجلِ تَركِ السجود فقط، بل لترك السجود عُتُوًّا على الله وكِبرًا، وتسفيهًا لأمره تعالى، وبذلك كفَرَ، لا بترك العملِ بمطلق السجود؛ أَلَا ترى قوله تعالى مُخبِرًا عنه بذلك حين قال: أَبَى وَاستَكبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ، وقال: لَم أَكُن لِأَسجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقتَهُ مِن صَلصَالٍ مِن حَمَإٍ مَسنُونٍ، وقال: أَنَا خَيرٌ مِنهُ خَلَقتَنِي مِن نَارٍ وَخَلَقتَهُ مِن طِينٍ. سلَّمنا: أنَّه ذُمَّ على ترك السجود، لكن لا نُسلِّمُ أنَّ السجودَ نوعٌ واحد؛ فقد قال بعضُ المفسِّرين: إنَّ\n_________\n(١) في (ع): الخيل، والمثبت من (م) و(ل). والفرس الأبلق: ما كان فيه سواد وبياض.\n(٢) قوله: (قد صار) ساقط من (ع).","vol":"1","page":273},{"text":"يَا وَيلَتَا! - أُمِرَ ابنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ؛ فَلَهُ الجَنَّةُ، وَأُمِرتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيتُ؛ فَلِيَ النَّارُ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٤٠ و٤٤٣)، ومسلم (٨١)، وابن ماجه (١٠٥٢).\n* * *\nــ\nالسجود الذي أمَرَ اللهُ به الملائكةَ إنَّما كان طأطأةَ الرأسِ لآدمَ تحيَّةً له، وسجودُ التلاوة وَضعُ الجبهة بالأرض على كيفيَّة مخصوصة، فافترَقَا؛ سلَّمنا: أنَّه نوعٌ واحد؛ لكن منقسمٌ بالإضافة، ومتغايرٌ بها، فيصحُّ أن يُؤمَرَ بأحدها ويُنهَى عن الآخر؛ كما يؤمَرُ بالسجود لله تعالى ويُنهَى عن السجود للصنم؛ فما أُمِرَ به الملائكةُ من السجود لآدم محرَّمٌ على ذُرِّيَّته (١)، كما قد حُرِّمَ ذلك علينا؛ وكيف يُستَدَلُّ بوجوبِ أحدهما على وجوبِ الآخر؟ ! وسيأتي القولُ في سجود القرآن في بابِهِ، إن شاء الله تعالى.\nوبكاءُ إبليسَ المذكورُ في الحديث: ليس ندمًا على معصية، ولا رجوعًا عنها، وإنَّما ذلك لفرطِ حَسَده وغيظِهِ وألمِهِ مما أصابه مِن دخولِ أحدٍ من ذُرِّيَّةِ آدم الجنَّةَ ونجاتِهِ، وذلك نحو ما يعتريه عند الأذانِ والإقامةِ ويومِ عرفة؛ على ما يأتي إن شاء الله تعالى.\nو(قوله: يَا وَيلَتَا) الويلُ: الهلاك، وويلٌ: كلمةٌ تقال لمن وقَعَ في هلكة، والألف في يا ويلتا: للندبةِ والتفجُّع.\n* * *\n_________\n(١) سجود الملائكة لادم كان عبادة لله وطاعة لأمره، كما أمرنا نحن بالسجود للكعبة، أي: لجهتها تعظيمًا من الله لشأنها.","vol":"1","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>(٢٧) بَابٌ الإِيمَانُ بِاللهِ أَفضَلُ الأَعمَالِ</span>\n[٦٥] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أَيُّ الأَعمَالِ أَفضَلُ؟ قَالَ: الإِيمَانُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ،\nــ\n(٢٧) وَمِن بَابٍ الإِيمَانُ أَفضَلُ الأَعمَالِ\n(قوله - ﵊ - وقد سُئِلَ عن أفضلِ الأعمال: الإيمَانُ بِاللهِ) يدلُّ على أنَّ الإيمانَ من جملة الأعمالِ، وهي داخلٌ فيها، وهو إطلاقٌ صحيحٌ لغةً وشرعًا؛ فإنَّه عملُ القلب وكسبه، وقد بَيَّنَّا أنَّ الإيمانَ هو التصديقُ بالقلب، وأنَّهُ منقسمٌ إلى ما يكونُ عنه برهان، وعن غير برهان. ولا يُلتَفَتُ لخلافِ مَن قال: إنَّ الإيمانَ لا يسمَّى عملًا؛ لجهله بما ذكرناه. ولا يخفَى أنَّ الإيمانَ بالله تعالى أفضلُ الأعمال كلِّها (١)؛ لأنَّه متقدِّمٌ عليها، وشرطٌ في صحَّتها، ولأنَّه من الصفات المتعلِّقة، وشرفُهَا بحسب متعلَّقاتها، ومتعلَّقُ الإيمانِ هو الله تعالى، وكتبُهُ، ورسلُهُ، ولا أشرَفَ من ذلك؛ فلا أشرَفَ في الأعمال من الإيمان، ولا أفضَلَ منه.\nو(قوله: ثُمَّ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ) ظاهرُ هذا الحديثِ: أنَّ الجهاد أفضلُ من سائر الأعمال بعد الإيمان، وظاهرُ حديثِ أبي ذَرٍّ أنَّ الجهادَ مساو للإيمان في الفضل، وظاهرُ حديثِ ابن مسعود (٢) يخالفهما؛ لأنَّه أخَّر الجهادَ عن الصلاةِ، وعن بِرِّ الوالدَين، وليس هذا بتناقض؛ لأنَّه إنَّما اختلفَت أجوبتُهُ لاختلاف أحوالِ السائلين، وذلك أنَّه - ﵊ - كان يجيبُ كلَّ سائلٍ بالأفضل في حقِّه، وبالمتأكِّد\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) حديث ابن مسعود ورد برقم (٦٧).","vol":"1","page":275},{"text":"قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: حَجٌّ مَبرُورٌ.\nــ\nفي حقه؛ فمن كان متأهِّلًا للجهاد، وراغبا فيه، كان الجهادُ في حقِّه أفضلَ مِنَ الصلاةِ وغيرها، وقد يكونُ هذا الصالِحُ للجهاد له أبوانِ يحتاجان إلى قيامِهِ عليهما، ولو تركهما لضاعا؛ فيكونُ بِرُّ الوالدَينِ في حقِّه أفضَلَ من الجهاد، كما قد استأذن رجلٌ النبيَّ - ﷺ - في الجهادِ، فقال: أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ قال: نعم، قال: فَفِيهِمَا فَجَاهِد (١)، وهكذا سائرُ الأعمال.\nوقد يكونُ الجهادُ في بعضِ الأوقاتِ أفضلَ مِن سائر الأعمال، وذلك في وقتِ استيلاءِ العَدُو، وغَلَبتِهِ على المسلمين؛ كحالِ هذا الزمان، فلا يخفَى على مَن له أدنى بصيرة أنَّ الجهادَ اليومَ أوكَدُ الواجبات، وأفضلُ الأعمال؛ لما أصابَ المسلمين مِن قَهرِ الأعداء، وكثرةِ الاستيلاء، شرقًا وغربًا، جَبَرَ اللهُ صَدعنا، وجدّد نصرنا.\nوالحاصل من هذا البحث: أنَّ تلك الأفضليَّةَ تختلفُ بِحَسَبِ الأشخاصِ والأحوال، ولا بُعدَ في ذلك. فأمَّا تفصيلُ هذه القواعد مِن حيثُ هي، فعلى ما تقدَّم في حديثِ ابن عمر الذي قال فيه: بُنِيَ الإسلامُ عَلَى خَمسٍ (٢)، والله أعلم.\nوالحَجُّ المَبرُورُ: هو الذي لا يخالطُهُ شيءٌ من المأثم؛ قاله شَمِرٌ (٣)، وقيل هو المقبول، وذُكِرَ أنَّ رسولَ الله - ﷺ - قيل له: مَا بِرُّ الحَجِّ؟ فَقَالَ: إِطعَامُ الطَّعَامِ، وَطِيبُ الكَلَامِ (٤). ويقال: بُرَّ حَجُّكَ، بضمِّ الباء مبنيًّا للمفعول، وبَرَّ اللهُ حَجَّكَ بفتحها للفاعل.\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ١٦٥ و١٨٨ و١٩٣ و١٩٧ و٢٢١)، والبخاري (٣٠٠٤)، ومسلم (٢٥٤٩)، والنسائي (٦/ ١٠) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.\n(٢) سبق تخريجه برقم (١٣).\n(٣) هو شَمِر بن حَمْدَوَيْه الهروي: لغوي أديب. توفي سنة (٢٥٥ هـ).\n(٤) رواه البيهقي في السنن الكبرى (٥/ ٢٦٢)، والحاكم (١/ ٤٨٣) من حديث جابر ﵁.","vol":"1","page":276},{"text":"رواه أحمد (٢/ ٣٣٠ و٣٨٨ و٥٣١)، والبخاري (٥٠)، ومسلم (٨٣)، والترمذي (١٦٥٨)، والنسائي (٥/ ١١٣).\n[٦٦] وعَن أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قُلتُ: يَا رسولَ الله، أَيُّ الأَعمَالِ أَفضَلُ؟ قَالَ: الإِيمَانُ بِاللهِ، وَالجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ، قَالَ: قُلتُ: أَيُّ الرِّقَابِ أَفضَلُ؟ قَالَ: أَنفَسُهَا عِندَ أَهلِهَا، وَأَكثَرُهَا ثَمَنًا، قَالَ: قُلتُ: فَإِن لَم أَفعَل؟ قَالَ: تُعِينُ صانعًا، أو تَصنَعُ لِأَخرَقَ، قَالَ: قُلتُ: يَا رسولَ الله، أَرَأَيتَ إِن\nــ\nو(قوله: أَيُّ الرِّقَابِ أَفضَلُ؟) أي: في العتق. وأَنفَسُهَا: أَغبَطُها وأَرفَعُها، والمالُ النفيس: هو المرغوبُ فيه، قاله الأصمعيُّ، وأصله: من التنافُسِ في الشيء الرفيع.\nو(قوله: فَإن لَم أَفعَل) أي: لم أَقدِر عليه، ولا تيسَّرَ لي؛ لأنَّ المعلوم من أحوالهم: أنَّهم لا يمتنعون من فِعلِ مِثلِ هذا إلَاّ إذا تعذَّر عليهم.\nو(قوله: تُعِينُ صَانعًا) الروايةُ المشهورة بالضاد المعجمة، وبالياء مِن تحتها، ورواه عبد الغافرِ الفارسيُّ: صَانِعًا - بالصاد المهملة والنون -، وهو أحسَنُ؛ لمقابلتِهِ لأخرق، وهو الذي لا يُحسِنُ العَمَلَ؛ يقال: رجلٌ أخرَقُ، وامرأةٌ خَرقاء، وهو ضدِّ الحاذق بالعمل، ويقال: رجلٌ صَنَعٌ، وامرأةٌ صَنَاعٌ، بألفٍ بعد النون؛ قال أبو ذُؤَيب في المذكَّر:\nوَعَلَيهِمَا مَسرُوِدَتَانِ قَضَاهُمَا ... دَاوُدُ أو صَنَعُ السَّوَابِغِ تُبَّعُ\nوقال آخر في المؤنّث:\nصَنَاعٌ بِأشفَاهَا حَصَانٌ بِشَكرِهَا ... جَوَادٌ بِقُوتِ البَطنِ وَالعِرقُ راجز\nوالشَّكر بفتح الشين: الفَرج، وبضمِّها: الثناءُ بالمعروف كما تقدم.","vol":"1","page":277},{"text":"ضَعُفتُ عَن بَعضِ العَمَلِ؟ قَالَ: تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ؛ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ مِنكَ عَلَى نَفسِكَ.\nرواه أحمد (٥/ ١٥٠ و١٦٣ و١٧١)، والبخاري (٢٥١٨)، ومسلم (٨٤)، والنسائي (٦/ ١٩).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>(٢٨) بَابٌ أيُّ الأَعمَالِ أَفضَلُ بَعدَ الإِيمَانِ</span>؟\n[٦٧] وعَنِ ابنِ مَسعُودٍ، قَالَ: سَأَلتُ رسولَ الله - ﷺ -: أَيُّ العَمَلِ أَفضَلُ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ لِوَقتِهَا،\nــ\nو(قوله: تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ مِنكَ عَلَى نَفسِكَ) دليلٌ على أنَّ الكَفَّ فعلٌ للإنسان، داخلٌ تحت كسبه، ويؤجَرُ عليه، ويعاقَبُ على تركه؛ خلافًا لبعض الأصوليِّين القائلِ: إنَّ الترك نَفيٌ محضٌ لا يدخُلُ تحتَ التكليف ولا الكَسب؛ وهو قولٌ باطل بما ذكرناه هنا، وبما بسطناه في الأصول؛ غيرَ أنَّ الثواب لا يحصُلُ على الكَفِّ إلَاّ مع النيَّاتِ والمقصود، وأمَّا مع الغفلة والذهول فلا، والله تعالى أعلم.\n(٢٨) وَمِن بَابٍ أيُّ الأَعمَالِ أَفضَلُ بَعدَ الإِيمَانِ؟ (١)\n(قوله: الصَّلَاةُ لِوَقتِهَا) هذه اللامُ للتأقيت؛ كما قال تعالى: أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمسِ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكرِي أي: عند\n_________\n(١) سقط عنوان هذا الباب من المفهم، واستدرك من التلخيص.","vol":"1","page":278},{"text":"قَالَ: قُلتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: بِرُّ الوَالِدَينِ، قَالَ: قُلتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَمَا تَرَكتُ أَستَزِيدُهُ إِلَاّ إِرعَاءً عَلَيهِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: الصَّلَاةُ عَلَى مَوَاقِيتِهَا.\nرواه البخاري (٧٥٣٤)، ومسلم (٨٥)، والترمذي (١٨٩٩)، والنسائي (١/ ٩٣ و٩٤).\n* * *\nــ\nذلك؛ كما قال في الرواية الأخرى: الصَّلَاةُ عَلَى مَوَاقِيتِهَا. وقد روى الدَّارَقُطنِيُّ هذا الحديثَ من طريق صحيح وقال: الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقتِهَا (١)، وهو ظاهرٌ في أنَّ أوائلَ أوقاتِ الصلوات أفضلُ؛ كما ذهب إليه الشافعيُّ، وعند مالك تفصيلٌ يأتي في الأوقات، إن شاء الله تعالى.\nو(قوله: وَبِرُّ الوَالِدَينِ) هو القيامُ بحقوقهما، والتزامُ طاعتهما، والرفقُ بهما، والتذلُّلُ لهما، ومراعاةُ الأدبِ معهما في حياتهما، والترحُّمُ عليهما، والاستغفارُ لهما بعد موتهما، وإيصالُ ما أمكنَهُ من الخير والأَجرِ لهما.\nو(قوله: مَا تَرَكتُ أَستَزِيدُهُ إِلَاّ إِرعَاءً عَلَيهِ) أي: إبقاءً لئلا أُحرِجَهُ، وأنتقصَ مِن حرمته؛ قال صاحب الأفعال (٢): الإرعاءُ: الإبقاء على الإنسان. ففيه من الفقه: احترامُ العالِمِ والفاضِلِ، ورعايةُ الأدبِ معه وإن وَثِقَ بِحِلمه وصَفحه، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(١) هو ابن شهاب الهُذَليّ.\n(٢) هو علي بن جعفر، المعروف بابن القطاع، عالم بالأدب واللغة. توفي سنة (٥١٥ هـ).","vol":"1","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>(٢٩) بَابُ أَيُّ الذَّنبِ أَعظَمُ؟ وَذِكرِ الكَبَائِرِ</span>\n[٦٨] عَن عَبدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رسولَ الله، أَيُّ الذَّنبِ أَكبَرُ عِندَ اللهِ؟ قَالَ: أَن تَدعُو لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: أَن تَقتُلَ وَلَدَكَ؛ مَخَافَةَ أَن يَطعَمَ مَعَكَ، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟\nــ\n(٢٩) وَمِن بَابٍ أَيُّ الذَّنبِ أَعظَمُ؟ وَذِكرِ الكَبَائِرِ\n(قوله: أَن تَدعُو لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ) النِّدُّ: المِثلُ، وجمعه: أنداد، وهو نحو قوله تعالى: فَلَا تَجعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُم تَعلَمُونَ ومعناه: أنَّ اتِّخَاذَ الإنسانِ إلهًا غيرَ خالقِهِ المُنعِمِ عليه، مع علمه بأنَّ ذلك المُتَّخَذَ ليس هو الذي خلقَهُ، ولا الذي أنعَمَ عليه: مِن أقبَحِ القبائح، وأعظمِ الجهالات؛ وعلى هذا فذلك أكبَرُ الكبائر، وأعظَمُ العظائم.\nو(قوله: أَن تَقتُلَ وَلَدَكَ؛ مَخَافَةَ أَن يَطعَمَ مَعَكَ) هذا مِن أعظمِ الذنوب؛ لأنَّه قتلُ نفسٍ محرَّمةٍ شرعًا، محبوبةٍ طبعًا، مرحومةٍ عادةً؛ فإذا قتلها أبوها، كان ذلك دليلًا على غلبةِ الجَهلِ والبُخل، وغِلَظِ الطبعِ والقسوة، وأنَّه قد انتهَى من ذلك كلِّه إلى الغاية القُصوَى.\nوهذا نحو قوله تعالى: وَلَا تَقتُلُوا أَولَادَكُم مِن إِملَاقٍ أي: فقرٍ، وهذا خطابٌ لمن كان فقره حاصلًا في الحال، فيخفّف عنه بقتلِ ولدِهِ مؤنتُهُ مِن طعامه ولوازمه، وهذه الآية بخلافِ الآية الأخرى التي قال فيها: خَشيَةَ إِملَاقٍ؛ فإنَّه خطابٌ لمن كان واجدًا لما يُنفِقُ عليه في الحال؛ غيرَ أنَّه كان يقتله مخافةَ الفقر في ثاني حال، وكان بعضُ جفاةِ الأعرابِ وجُهَّالُهُم ربَّما يفعلون ذلك. وقد قيل: إنَّ الأولاد في هاتَينِ الآيتَينِ هم البنات، كانوا يدفنونهنَّ أحياءً؛ أَنَفَةً وكبرًا، ومخافةَ العَيلَةِ والمَعَرَّة، وهي الموءودةُ","vol":"1","page":280},{"text":"قَالَ: أَن تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ، فَأَنزَلَ اللهُ تَصدِيقَهَا: وَالَّذِينَ لَا يَدعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقتُلُونَ النَّفسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ وَلَا يَزنُونَ وَمَن يَفعَل ذَلِكَ يَلقَ أَثَامًا.\nرواه البخاري (٦٨٦١)، ومسلم (٨٦)، وأبو داود (٢٣١٠)، والترمذي (٣١٨١).\nــ\nالتي ذكر الله تعالى: ﴿وَإِذَا المَوءُودَةُ سُئِلَت * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَت﴾\nوالحاصلُ: أنَّ أهلَ الجاهليَّةِ كانوا يصنعونَ كلَّ ذلك؛ فنهى الله تعالى عن ذلك، وعظَّم الإثمَ فيه والمعاقَبَةَ عليه، وأخبَرَ النبيُّ - ﷺ - أنَّ ذلك مِن أعظمِ الكبائر.\nو(قوله: وَأَن تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ) الحَلِيلَةُ، بالحاء المهملة: هي التي يَحِلُّ وطؤها بالنكاح أو التسرِّي. والجار: المُجَاوِرُ في المسكن، والداخلُ في جوار العهد. وتُزَانِي: تحاولُ الزِّنَى، يقال: المرأةُ تزاني مُزَانَاة زنى (١)، والزِّنَى وإن كان من أكبر (٢) الكبائرِ والفواحش، لكنَّه بحليلة الجارِ أفحشُ وأقبح؛ لما ينضمُّ إليه من خيانةِ الجار، وهَتكِ ما عظَّم الله ورسولُهُ مِن حرمته، وشِدَّةِ قبح ذلك شرعًا وعادة؛ فلقد كانتِ الجاهليةُ يتمدَّحون بصون حرائمِ الجار، ويَغُضُّون دونهم الأبصار؛ كما قال عنترة:\nوَأَغُضُّ طَرفِي مَا بَدَت لِي جَارَتِي ... حَتَّى يُوَارِي جَارَتِي مَأوَاهَا\nو(قوله: فَأَنزَلَ اللهُ تَصدِيقَهَا: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقتُلُونَ النَّفسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالحَقِّ وَلا يَزنُونَ﴾ يعني إلى آخر الآية؛ ظاهِرُ هذا: أنَّ هذه الآيةَ نزلَت بسببِ هذا الذنبِ الذي ذكرَهُ النبيُّ - ﷺ -، وليس كذلك؛ لأنَّ الترمذيَّ قد روى هذا الحديثَ، وقال فيه: وتلا النبيُّ - ﷺ - هذه الآيةَ: ﴿وَالَّذِينَ لا\n_________\n(١) لفظة (زنى) من (ع)، وفي (مر) من زنى، وسقطت من (ل) و(م).\n(٢) من (ط).","vol":"1","page":281},{"text":"[٦٩] وعَن أَبِي بَكرَةَ، قَالَ: كُنَّا عِندَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: أَلَا أُنَبِّئُكُم بِأَكبَرِ الكَبَائِرِ؟ (ثَلَاثًا) الإِشرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَينِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، (أو: قَولُ الزُّورِ) وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مُتَّكِئًا، فَجَلَسَ، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلنَا: لَيتَهُ سَكَتَ! .\nرواه أحمد (٥/ ٣٦ و٣٨)، والبخاري (٢٦٥٤)، ومسلم (٨٧)، والترمذي (٢٣٠٢).\n[٧٠] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - قَالَ: اجتَنِبُوا السَّبعَ المُوبِقَاتِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّركُ بِاللهِ، وَالسِّحرُ،\nــ\nيَدعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الآيةَ، بدَلَ: فَأَنزَلَ اللهُ. .، وظاهرُهُ: أنَّه - ﵊ - قرأ بعد ذِكرِ هذا الحديث ما قد كان أُنزِلَ منها، على أَنَّ الآيةَ تضمَّنَت ما ذكره في حديثِهِ بِحُكمِ عمومها، وسيأتي الكلامُ على هذه الآية في تفسيرِ سُورَةِ الفرقان.\nو(قوله: وعُقُوقُ الوَالِدَينِ) عُقُوقُ الوَالِدَينِ عصيانُهُمَا، وقَطعُ البِرِّ الواجبِ عنهما، وأصلُ العَقِّ: الشقُّ والقطع، ومنه قيل للذبيحة عن المولود (١): عَقِيقَةٌ؛ لأنَّه يُشَقُّ حُلقُومها؛ قاله الهَرَوِيُّ وغيره.\nوشَهَادَةُ الزُّورِ الشهادةُ بالكذب والباطل، وإنما كانت مِن أكبر الكبائر؛ لأنها يتوصَّلُ بها إلى إتلاف النفوسِ والأموال، وتحليلِ ما حرَّم الله، وتحريمِ ما حَلل الله، فلا شيءَ من الكبائر أعظَمُ ضررًا، ولا أكثَرُ فسادًا منها بعد الشرك، والله أعلم.\nو(قوله: اجتَنِبُوا السَّبعَ المُوبِقَاتِ) أي: المُهلِكات، جمعُ مُوبِقَةٍ من\n_________\n(١) في (ل): الولد.","vol":"1","page":282},{"text":"وَقَتلُ النَّفسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَاّ بِالحَقِّ، وَأَكلُ الرِّبَا، وَأَكلُ مَالِ اليَتِيمِ،\nــ\nأَوبَقَ. وَوَابقَة: اسم فاعل من وَبَقَ يَبِقُ وُبُوقًا: إذا هلَكَ، والمَوبِقُ: مَفعِلٌ منه، كالمَوعِد: مَفعِلٌ من الوعد؛ ومنه قوله تعالى: وَجَعَلنَا بَينَهُم مَوبِقًا، وفيه لغة ثانية: وَبِقَ، بكسر الباء، يَوبَقُ بالفتح، وَبَقًا، وفيه لغة ثالثة: وَبِقَ يَبِقُ بالكسر فيهما، وأوبَقَهُ: أهلكه.\nوسمّيت هذه الكبائرَ مُوبِقَاتٍ؛ لأنَّها تُهلِكُ فَاعِلَهَا في الدنيا بما يترتَّب عليها (١) من العقوبات، وفي الآخرة مِنَ العذاب. ولا شكَّ في أنَّ الكبائرَ أكثَرُ مِن هذه السبع؛ بدليلِ الأحاديثِ المذكورة في هذا الباب وفي غيره؛ ولذلك قال ابن عباس حين سئل عن الكبائر، فقال: هي إلى السبعينَ أقرَبُ منها إلى السبع، وفي رواية عنه: هي إلى سبعمائةٍ أقرَبُ منها إلى سبع (٢).\nوعلى هذا: فاقتصارُهُ - ﵊ - على هذه السبعِ في هذا الحديث يَحتملُ: أن تكونَ لأنَّها هي التي أُعلِمَ بها في ذلك الوقت بالوحي، ثُمَّ بعد ذلك أُعلِمَ بغيرها. ويَحتملُ أن يكون ذلك؛ لأنَّ تلك السبع هي التي دعت الحاجةُ إليها في ذلك الوقت، أو التي سُئِلَ عنها في ذلك الوقت؛ وكذلك القولُ في كُلِّ حديثٍ خَصَّ عددًا من الكبائر، والله تعالى أعلم.\nوقد اختلفَ العلماءُ قديمًا وحديثًا في الكبائر ما هي؟ وفي الفرق بينها وبين الصغائر، فرُوِيَ عن ابن مسعود: أنَّ الكبائر: جميعُ ما نهى الله عنه من أوَّلِ سورةِ النساء إلى قوله: إِن تَجتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنهَونَ عَنهُ نُكَفِّر عَنكُم سَيِّئَاتِكُم. وعن الحسن: أنَّها كُلُّ ذنبٍ ختمه اللهُ بنارٍ أو غضبٍ أو لعنةٍ أو عذاب. وقيل: هي كلُّ ما أوعَدَ اللهُ عليه بنارٍ، أو بِحَدٍّ في الدنيا. وروي عن ابن عباس: أنَّها كُلُّ ما نَهَى الله عنه (٣).\n_________\n(١) في (ط): عليه.\n(٢) ينظر فتح الباري (١٢/ ١٨٣)، والكبائر للذهبي ص (٤٢) طبعة دار ابن كثير سنة (١٤١١ هـ).\n(٣) انظر المصدرين السابقين.","vol":"1","page":283},{"text":"وَالتَّوَلِّي يَومَ الزَّحفِ، وَقَذفُ المُحصَنَاتِ الغَافِلَاتِ المُؤمِنَاتِ.\nــ\nقال المؤلف - ﵀ -: وما أظنُّه صحيحًا عنه (١)؛ لأنَّه مخالفٌ لما في كتابِ الله تعالى من التفرقةِ بين المنهيَّاتِ، فإنَّه قد فرَّق بينها في قوله تعالى: إِن تَجتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنهَونَ عَنهُ نُكَفِّر عَنكُم سَيِّئَاتِكُم، وقوله: الَّذِينَ يَجتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثمِ وَالفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ؛ فجعَلَ من المنهيَّات: كبائِرَ وصغائر، وفرَّق بينهما في الحُكمِ لمَاَّ جعَلَ تكفيرَ السيئاتِ في الآيةِ مشروطًا باجتنابِ الكبائر، واستثنى اللَّمَمَ مِنَ الكبائرِ والفواحشِ؛ فكيف يَخفَى هذا الفَرقُ على مثل ابن عباس وهو حَبرُ القرآن؟ ! فتلك الروايةُ عن ابن عباس ضعيفةٌ، أو لا تصحُّ، وكذلك أكثَرُ ما روي عنه؛ فقد كذَبَ الناسُ عليه كثيرًا.\nقال المؤلف - ﵀ -: والصحيحُ إن شاء الله تعالى: أنَّ كلَّ ذنب أطلَقَ الشرعُ عليه أنَّهُ كبيرٌ أو عظيمٌ، أو أخبَرَ بشدَّةِ العقابِ عليه، أو علَّق عليه حَدًّا، أو شَدَّدَ النكيرَ عليه وغلَّظه، وشَهِدَ بذلك كتابُ اللهِ أو سنةٌ أو إجماعٌ: فهو كبيرة. والنظَرُ في أعيانِ الذنوب نظَرٌ طويلٌ لا يليق بهذا الكتاب، وسيأتي القولُ في السحر، إن شاء الله تعالى.\nوالزَّحفُ: القتال، وأصله: المشيء المتثاقل؛ كالصَّبِيِّ يَزحَفُ قبل أن يمشي، والبعيرِ إذا أعيا؛ فَجَرَّ فرَسَنَهُ (٢)، وقد سُمِّيَ الجيشُ بالزَّحف؛ لأنَّه يُزحَفُ فيه. والتَّوَلِّي عن القتال: إنما يكون كبيرةً إذا فَرَّ إلى غير فئة، وإذا كان العدو ضِعفَيِ المسلمين؛ على ما يأتي في الجهاد إن شاء الله تعالى.\nوقَذفُ المُحصَنَاتِ: رَميُهُنَّ بالزنى، والإحصانُ هنا: العِفَّةُ عن الفواحش، وسيأتي ذكرُهُ، والغَافِلَاتُ، يعني: عمَّا رُمِينَ به مِنَ الفاحشة، أي: هنَّ بريئات من ذلك، لا خبَرَ عندهنَّ منه، وسيأتي (٣) القولُ في الزنى.\n_________\n(١) ساقط من (ل) و(ط).\n(٢) \"فِرسنه\": أي: طَرَف خُفّه.\n(٣) قوله: (ذكره. . . وسيأتي) ساقط من (ع).","vol":"1","page":284},{"text":"رواه البخاري (٢٧٦٦)، ومسلم (٨٩)، وأبو داود (٢٨٧٤)، والنسائي (٦/ ٢٥٧).\n[٧١] وعَن عَبدِ اللهِ بنِ عمرو بنِ العَاصِ؛ أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - قَالَ: إِنَّ مِنَ الكَبَائِرِ شَتمَ الرَّجُلِ وَالِدَيه، قَالُوا: يَا رسولَ الله، وَهَل يَشتِمُ الرَّجُلُ وَالِدَيهِ؟ ! قَالَ: نَعَم، يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ؛ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ؛ فَيَسُبُّ أُمَّهُ.\nرواه أحمد (٢/ ٢١٤)، والبخاري (٥٩٧٣)، ومسلم (٩٠)، وأبو داود (٥١٤١)، والترمذي (١٩٠٣).\n* * *\nــ\nو(قوله: إِنَّ مِنَ الكَبَائِرِ شَتمَ الرَّجُلِ وَالِدَيهِ) يعني: مِن أكبرِ الكبائر؛ لأنَّ شتم المسلمِ الذي ليس بِأَبٍ كبيرةٌ، فشتمُ الآباءِ أكبَرُ منه.\nو(قوله: وَهَل يَشتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيهِ؟ !) استفهامُ إنكارٍ واستبعادٍ؛ لوقوع ذلك مِن أحدٍ من الناس، وهو دليلٌ على ما كانوا عليه من المبالغة في بِرِّ الوالدين، ومِن الملازمةِ لمكارمِ الأخلاق والآداب.\nو(قوله: يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ؛ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ؛ فَيَسُبُّ أُمَّهُ) دليلٌ على أنَّ سبب الشيء قد ينزله الشرعُ منزلةَ الشيء في المَنع؛ فيكونُ حُجَّةً لمن منَعَ بيعَ العنبِ ممَّن يعصره خمرًا، ويمنَعَ بيعَ ثيابِ الخز ممَّن يلبسها، وهي لا تَحِلُّ له، وهو أحدُ القولَين لنا. وفيه: حُجَّةٌ لمالكٍ على القولِ بِسَدِّ الذرائع، وهو مِن نحو قوله تعالى: وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدوًا بِغَيرِ عِلمٍ والذريعةُ: هي الامتناعُ مما ليس ممنوعًا في نفسه؛ مخافةَ الوقوعِ في محظورٍ؛ على ما بيَّنَّاه في الأصول.","vol":"1","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>(٣٠) بَابٌ لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ مَن فِي قَلبِهِ كِبرٌ</span>\n[٧٢] عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ مَن كَانَ فِي قَلبِهِ مِثقَالُ ذَرَّةٍ مِن كِبرٍ، فقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَن يَكُونَ\nــ\n(٣٠) وَمِن بَابٍ: لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ مَن فِي قَلبِهِ كِبرٌ\nالكِبرُ والكِبرِيَاء في اللغة: هو (١) العظمة، يقال فيه: كَبُرَ الشيءُ، بضمِّ الباء، أي: عَظُمَ، فهو كبيرٌ وكُبَار، فإذا أفرَطَ قيل: كُبَّار، بالتشديد؛ وعلى هذا فيكونُ الكِبرُ والعظمةُ اسمَين لمسمًّى واحد.\nوقد جاء في الحديث ما يُشعِر بالفرق بينهما؛ وذلك أنَّ الله تعالى قال: الكِبرِيَاءُ رِدَائِي، والعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَن نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنهُمَا، قَصَمتُهُ (٢)؛ فقد فرَّق بينهما بأن عبَّر عن أحدهما بالإزار، وعن الآخر بالرداء، وهما مختلفان، ويَدُلُّ أيضًا على ذلك قوله: فَمَن نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنهُمَا؛ إذ لو كانا واحدًا، لقال: فمَن نازعنيه. فالصحيحُ إِذَنِ الفرقُ، ووجهُهُ: أنَّ جهة الكِبرِيَاءَ: يستدعي متكبَّرًا عليه؛ ولذلك لمَّا فسَّر الكِبرَ، قال: الكِبرُ: بَطَرُ الحَقِّ، وَغَمطُ النَّاسِ، وهو احتقارُهُم، فذكَرَ المتكبَّرَ عليه، وهو الحقُّ أو الخَلقُ، والعَظَمَةُ: لا تقتضي ذلك.\nفالمتكبِّرُ يلَاحِظ ترفعَ نفسِهِ على غيره بسببِ مزيَّةِ كمالها فيما يراه، والمعظِّمُ يلَاحِظ كمالَ نفسه مِن غير ترفعٍ لها على غيره، وهذا التعظيمُ هو المعبَّرُ عنه بالعُجبِ في حقِّنا إذا انضَاف إليه نِسيانُ مِنَّةِ الله تعالى علينا فيما خصَّنا به مِن ذلك الكمال.\nوإذا تقرَّر هذا: فالكِبرِيَاءُ والعَظَمَةُ مِن أوصافِ كمالِ الله تعالى\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) رواه مسلم (٢٦٢٠)، وأبو داود (٤٠٩٠) من حديث أبي سعيد وأبي هريرة ﵄.","vol":"1","page":286},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nواجبان له؛ إذ ليست أوصافُ كمالِ (١) الله وجلالُهُ مُستفادةً مِن غيره، بل هي واجبة الوجود لذواتها، بحيثُ لا يجوزُ عليها العدَمُ ولا النقص، ولا يجوزُ عليه تعالى نقيضُ شيءٍ من ذلك، فكمالُهُ وجلالُهُ حقيقةٌ له؛ بخلاف كمالنا، فإنَّه مستفادٌ مِنَ الله تعالى، ويجوزُ عليه العدَمُ وطروءُ النقيضِ والنقصِ.\nوإذا كان هذا، فالتكبُّرُ والتعاظُمُ خُرقٌ مِنَّا، ومستحيل في حقِّنا؛ ولذلك حرَّمهما الشرع، وجعلهما من الكبائر؛ لأنَّ مَن لاحظَ كمالَ نفسه ناسيًا مِنَّةَ الله تعالى فيما خصَّه به، كان جاهلًا بنفسه وبربِّه، مغترًّا بما لا أصلَ له، وهي صفةُ إبليسَ الحاملةُ له على قوله: أَنَا خَيرٌ مِنهُ وصفةُ فرعونَ الحاملةُ له على قوله: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعلَى ولا أقبَحَ ممَّا صارا إليه؛ فلا جَرَمَ كان فرعونُ وإبليسُ أَشَدَّ أهلِ النار عذابًا؛ نعوذ بالله من الكِبرِ والكفر.\nوأمَّا مَن لاحظ مِن نفسه كمالًا، وكان ذاكرًا فيه مِنَّةَ الله تعالى عليه به، وأنَّ ذلك مِن تفضُّله تعالى ولطفه، فليس مِنَ الكِبرِ المذمومِ في شيء، ولا مِنَ التعاظُمِ المذموم، بل هو اعترافٌ بالنعمة، وشُكرٌ على المِنَّة. والتحقيقُ في هذا: أنَّ الخَلقَ كلَّهم قوالبُ وأشباح، تجري عليهم أحكامُ القُدرة؛ فمَن خصَّه الله تعالى بكمالٍ، فذلك الكمالُ يرجعُ للمكمِّلِ الجاعل، لا للقالَبِ القابل. ومع ذلك: فقد كمَّل الله الكمالَ بالجزاءِ والثناءِ عليه؛ كما قد نقَصَ النقصَ بالذمِّ والعقوبةِ عليه، فهو المُعطِي والمُثنِي، والمُبلِي والمعافي؛ كيف لا وقد قال العليُّ الأعلى: أَنَا اللهُ خَالِقُ الخَيرِ وَالشَّرِّ؛ فَطُوبَى لِمَن خَلَقتُهُ لِلخَيرِ وَقَدَرتُهُ عَلَيهِ، وَالوَيلُ لِمَن خَلَقتُهُ لِلشَّرِّ وَقَدَرتُهُ عَلَيهِ (٢)؛ فلا حِيلَةَ تعمل مع قهر؛ لَا يُسأَلُ عَمَّا يَفعَلُ وَهُم يُسأَلُونَ.\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) رواه ابن شاهين في \"شرح السنة\" عن أبي أمامة بإسناد ضعيف. (إحياء علوم الدين ٤/ ٣٣٥ - ٣٣٦)","vol":"1","page":287},{"text":"ثَوبُهُ حَسَنًا، وَنَعلُهُ حَسَنَةً؟ قَالَ: إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ؛ الكِبرُ: بَطَرُ الحَقِّ، وَغَمطُ النَّاسِ.\n\nــ\nولمَّا تقرَّر أنَّ الكِبرَ يستدعي متكبَّرًا عليه، فالمتكبَّرُ عليه إن كان هو اللهَ تعالى، أو رُسُولَهُ، أو الحَقَّ الذي جاءت به رسلُهُ؛ فذلك الكِبرُ كُفر. وإن كان غَيرَ ذلك؛ فذلك الكِبرُ معصيةٌ وكبيرة، يُخَافُ على المتلبِّس بها المُصِرِّ عليها أن تُفضِيَ به إلى الكُفر، فلا يدخُلُ الجنَّة أبدًا.\nفإن سَلِمَ مِن ذلك، ونفَذَ عليه الوعيد، عوقبَ بالإذلالِ والصَّغَار، أو بما شاء اللهُ مِن عذابِ النار، حتَّى لا يبقى في قلبه مِن ذلك الكِبرِ مثقالُ ذَرَّة، وخَلُصَ من خَبَثِ كِبره حتى يصيرَ كالذَّرَّة؛ فحينئذ يتداركُهُ الله برحمتِه، ويخلِّصُهُ بإيمانِهِ وبركتِه. وقد نصَّ على هذا المعنى النبيُّ - ﷺ - في المحبوسين على الصِّرَاط لما قال: حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا، أُذِنَ لَهُم فِي دُخُولِ الجَنَّةِ (١)، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ): الجمالُ لغةً: هو الحُسنُ؛ يقال: جَمُلَ الرجلُ يَجمُلُ بالضمِّ، جَمَالًا؛ فهو جميلٌ، والمرأةُ جميلة، ويقال: جَملَاءُ عن الكِسائيِّ.\nوهذا الحديثُ يدلُّ على أنَّ الجميل مِن أسماء الله تعالى، وقال بذلك جماعةٌ من أهل العلم، إلَاّ أنَّهم اختلفوا في معناه: فقيل: معناه معنى الجليل؛ قاله القشيريُّ.\nوقيل: معناه ذو النُّورِ والبهجة، أي: مالكُهُمَا؛ قاله الخَطَّابيّ. وقيل: جميلُ الأفعالِ بكُم والنظرِ إليكم؛ فهو يُحِبُّ التجمُّلَ منكم في قلَّةِ إظهارِ الحاجة إلى غيره؛ قاله الصَّيرَفيُّ. وقال: الجميلُ: المنزَّهُ عن النقائص، الموصوفُ بصفاتِ الكمال، الآمِرُ بالتجمُّلِ له بنظافةِ الثياب والأبدان، والنزاهةِ عن الرذائلِ والطغيان، وسيأتي القولُ في أسماء الله تعالى.\nوبَطَرُ الحقِّ: إبطالُهُ؛ من قول العرب: ذهَبَ دمُهُ بِطرًا وبُطرًا؛ أي: باطلًا.\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ١٣ و٦٣ و٧٤)، والبخاري (٦٥٣٥).","vol":"1","page":288},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: لَا يَدخُلُ النَّارَ أَحَدٌ فِي قَلبِهِ مِثقَالُ حَبَّةٍ مِن خَردَلٍ مِن إِيمَانٍ، وَلَا يَدخُلُ الجَنَّةَ أَحَدٌ فِي قَلبِهِ مِثقَالُ حَبَّةِ من خَردَلٍ مِن كِبرٍ.\nرواه أحمد (١/ ٣٩٩ و٤٥١)، ومسلم (٩١)، وأبو داود (٤٠٩١)، والترمذي (١٩٩٩)، وابن ماجه (٥٩).\nــ\nوقال الأصمعيُّ: البَطَرُ: الحَيرة، أي: يتحيَّرُ عند الحقِّ؛ فلا يراه حَقًّا. وغَمطُ النَّاسِ: احتقارُهُم واستصغارهم؛ لما يرى مِن رِفعته عليهم، وهو بالغين المعجمة والطاء المهملة. ويُروَى: غَمص بالصاد المهملة في كتاب الترمذي، ومعناهما واحد؛ يقال: غَمَطَ الناسَ وغَمَصَهُم: إذا احتقرهم. والمِثقَالُ: مِفعالٌ من الثِّقَلِ، ومِثقالُ الشيء: وزنه، يقال: هذا على مِثقَالِ هذا، أي: على وزنه.\nوالمرادُ بالإيمان في هذا الحديث: التصديقُ القلبيُّ المذكورُ في حديث جبريل، ويُستفادُ منه: أنَّ التصديق القلبيَّ على مراتب، ويزيدُ وينقصُ؛ على ما يأتي في حديث الشفاعة، إن شاء الله تعالى.\nوهذه النارُ المذكورةُ هنا: هي النارُ المُعَدَّةُ للكفَّارِ التي لا يُخرَجُ منها مَن دخلها؛ لأنَّه قد جاء في أحاديثِ الشفاعةِ المذكورةِ بعد هذا أنَّ خَلقًا كثيرًا ممَّن في قلبه ذَرَّاتٌ كثيرةٌ من الإيمانِ يدخلون النار، ثُمَّ يُخرَجون منها بالشفاعة أو بالقَبضة (١)؛ على ما يأتي، ووجهُ التلفيق: أنَّ النارَ دَرَكَاتٌ؛ كما قال الله تعالى: إِنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّركِ الأَسفَلِ مِنَ النَّارِ وأهلُهَا في العذاب على مراتبَ ودَرَكاتٍ؛ كما قال الله تعالى: أَدخِلُوا آلَ فِرعَونَ أَشَدَّ العَذَابِ، وأنَّ نارَ مَن يعذَّبُ من الموحِّدين أخفُّها عذابًا، وأقرَبُهَا خروجًا؛ فمَن أُدخِلَ النارَ من الموحِّدين، لم يُدخَل نار الكفَّار، بل نارًا أخرى يموتون فيها، ثُمَّ يُخرَجون منها؛ كما جاء في الأحاديث الصحيحة الآتية بعد هذا، إن شاء الله تعالى.\n_________\n(١) إشارة إلى ما جاء في حديث مسلم برقم (١٨٣) فانظره إن شئت.","vol":"1","page":289},{"text":"[٧٣] وَعَن جَابِرٍ، قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رسولَ الله، مَا المُوجِبَتَانِ؟ قَالَ: مَن مَاتَ لَا يُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَن مَاتَ يُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا دَخَلَ النَّارَ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٩١ - ٣٩٢)، ومسلم (٩٣).\n* * *\nــ\nو(قوله: ما المُوجِبَتَانِ؟) سؤالُ مَن سمعهما ولم يدر ما هما، فأجابَهُ النبيُّ - ﷺ - بأنَّهما: الإيمانُ، والشِّرك، وسُمِّيَا بذلك؛ لأنَّ الله تعالى أوجَبَ عليهما ما ذكره مِنَ الخلودِ في الجنة أو في النار.\nو(قوله: مَن مَاتَ لَا يُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا، دَخَلَ الجَنَّةَ) أي: من مات لا يتخذ معه شريكًا في الإلهية، ولا في الخَلقِ، ولا في العبادة. ومن المعلومِ مِنَ الشَّرعِ المجمَعِ عليه مِن أهل السنَّة: أنَّ مَن مات على ذلك فلا بدَّ له من دخول الجنَّة، وإن جرَت عليه قبل ذلك أنواعٌ من العذاب والمحنَة، وأنَّ مَن مات على الشرك لا يدخُلُ الجَنَّة، ولا يناله من الله تعالى رَحمَة، ويخلُدُ في النارِ أبدَ الآباد، مِن غيرِ انقطاعِ عذابٍ ولا تصرمِ آباد، وهذا معلومٌ ضروريٌّ من الدِّين، مجمَعٌ عليه من (١) المسلمين.\nوأما قولُ ابن مسعود المذكورُ في أصلِ كتاب مسلم، وهو قوله: قُلتُ أَنَا: وَمَن مَاتَ لَا يُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، فيعني بذلك: أنه لم يسمع هذا اللفظَ من النبيِّ - ﷺ - نصًّا، وإنما استنبطَهُ استنباطًا من الشريعة؛ فإمَّا مِن دليلِ خطابِ قولِهِ - ﵊ -: مَن مَاتَ يُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا دَخَلَ النَّارَ، أو مِن ضرورةِ انحصار الجزاءِ في الجنة والنار، أو مِن غير ذلك. وعلى الجملة فهذا الذي لم يسمعه ابنُ مسعودٍ من النبيِّ - ﷺ - هو حقٌّ في نفسه، وقد رواه جابرٌ في هذا الحديث من قول النبي - ﷺ -؛ ولذلك اكتفينا به في المختصَرِ عن نقل ابن مسعود.\n_________\n(١) في (ط): بين.","vol":"1","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>(٣١) بَابٌ رُكُوبُ الكَبَائِرِ غَيرُ مُخرِجٍ للمُؤمِنَ مِن إِيمَانِهِ</span>\n٩٤ - [٧٤] عَن أَبي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -؛ أَنَّهُ قَالَ: أَتَانِي جِبرِيلُ - ﵇ -، فَبَشَّرَنِي: أَنَّهُ مَن مَاتَ مِن أُمَّتِكَ لَا يُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، قُلتُ: وَإِن زَنَى وَإِن سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِن زَنَى، وَإِن سَرَقَ.\nــ\n(٣١) وَمِن بَابٍ رُكُوبُ الكَبَائِرِ غَيرُ مُخرِجٍ للمُؤمن مِن إِيمَانِهِ\n(قوله - ﵊ -: أَتَانِي جِبرِيلُ، فَبَشَّرَنِي: أَنَّهُ مَن مَاتَ مِن أُمَّتِكَ لَا يُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ) يدلُّ على شِدَّةِ تَهمُّمِ النبيِّ - ﷺ - بأمرِ أُمَّته، وتعلُّقِ قَلبِهِ بما يُنجِيهم، وخوفِهِ عليهم؛ ولذلك سكَّن جبريلُ قلبَهُ بهذه البشرَى. وهذا نحو مِن حديثِ عمرو بن العاص الذي يأتي بعد هذا، الذي قال فيه: إنَّ النبيَّ - ﷺ - تلا قولَ إبراهيمَ - ﵇ -: فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَن عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وقولَ عيسى: إِن تُعَذِّبهُم فَإِنَّهُم عِبَادُكَ وَإِن تَغفِر لَهُم فَإِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ. فرفَعَ النبيُّ - ﷺ - يدَيهِ وبكى (١)، وقال: رَبِّ، أُمَّتِي أُمَّتِي، فنزَلَ عليه جبريلُ، فقال له مُخبِرًا عن الله تعالى: إِنَّ الله سيُرضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا يَسُوؤُكَ (٢). وهذا منه - ﷺ - مُقتَضَى ما جبله الله تعالى عليه من الخُلُقِ الكريم، وأنَّه بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم.\nو(قوله: لَا يُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا) معناه بحكم أصلِ الوضعِ: ألَاّ يَتَّخِذَ معه شريكًا في الألوهية، ولا في الخَلقِ؛ كما قدَّمناه. لكنَّ هذا القولَ قد صار بحكمِ العُرف: عبارةً عن الإيمان الشرعي؛ أَلَا تَرَى أنَّ من وحَّد الله تعالى ولم يؤمن\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) الحديث في صحيح مسلم برقم (٢٠٢).","vol":"1","page":291},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: عَلَى رَغمِ أَنفِ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: فَخَرَجَ أبو ذَرٍّ وهو يَقُولُ: وَإِن رَغِمَ أَنفُ أَبِي ذَرٍّ.\nرواه أحمد (٥/ ٦١)، والبخاري (٢٣٨٨)، ومسلم (٩٤)، وأبو داود (٢٦٤٦).\n* * *\nــ\nبالنبيِّ - ﷺ -، لم ينفعهُ إيمانُهُ بالله تعالى، ولا توحيدُهُ، وكان من الكافرين بالإجماعِ القطعيِّ.\nو(قوله: عَلَى رَغمِ أَنفِ أَبِي ذَرٍّ) رويناه بفتح الراء، وهي إحدى لغاته؛ فإنَّه يقال بفتحها وضَمِّها وكسرها، وهو مصدرُ رَغِمَ، بفتح الغين وكسرها، وهو مأخوذٌ من الرَّغَامِ، وهو التراب، يقال: أرغَمَ اللهُ أنفه، أي: أَلصَقَهُ بالتراب، ورَغِمَ أنفي لله، أي: خضَعَ وذَلَّ؛ فكأنَّه لَصِقَ بالتراب.\nوالمراغمةُ: المغاضبة، والمُرَاغَمُ: المذهَبُ والمَهرَب، ومنه: يَجِد فِي الأَرضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً. وإنما واجَهَ النبيُّ - ﷺ - أبا ذَرٍّ بهذه الكلماتِ؛ لِمَا فهم عنه من استبعادِهِ دخولَ مَن زنى ومن سرق الجَنَّةَ، وكان وقَعَ له هذا الاستبعادُ بسببِ ظاهرِ قَولِه - ﷺ -: لَا يَزنِي الزَّانِي حِينَ يَزنِي وهو مُؤمِنٌ (١). . الحديثَ، ومما هو في معناه، فردَّ النبيُّ - ﷺ - هذا الوَهمَ وأنكره، وكان هذا الحديثُ نَصًّا (٢) في الرَّدِّ على المُكَفِّرَةِ بالكبائر؛ كما تقدَّم. وخروجُ أبي ذَرٍّ قائلًا: وَإِن رَغِمَ أَنفُ أَبِي ذَرٍّ، رجوعٌ منه عمَّا كان وقَعَ له من ذلك، وانقيادٌ للحقِّ لمَّا تبيَّن له.\n* * *\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٣١٧)، والبخاري (٢٤٧٥)، ومسلم (٥٧)، وأبو داود (٤٦٨٩)، والترمذي (٢٦٢٧)، والنسائي (٨/ ٦٤) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) ساقط من (ع).","vol":"1","page":292},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>(٣٢) بَابٌ يُكتَفَى بِظَاهِرِ الإِسلَامِ، وَلَا يُبقَّرُ عَمَّا فِي القُلُوبِ</span>\n[٧٥] عَنِ المِقدَادِ بنِ الأَسوَدِ؛ أَنَّهُ قَالَ: يَا رسولَ الله، أَرَأَيتَ إِن لَقِيتُ رَجُلًا مِنَ الكُفَّارِ، فَقَاتَلَنِي، فَضَرَبَ إِحدَى يَدَيَّ بِالسَّيفِ فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ، فَقَالَ: أَسلَمتُ لِلّهِ، أَفَأَقتُلُهُ يَا رسولَ الله، بَعدَ أَن قَالَهَا؟\nــ\n(٣٢) وَمِن بَابٍ يُكتَفَى بِظَاهِرِ الإِسلَامِ، وَلَا يُبقَّرُ (١) عَمَّا فِي القُلُوبِ\n(قوله: أَرَأَيتَ إِن جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الكُفَّارِ، فَقَاتَلَنِي؟) دليلٌ على جوازِ السؤالِ عن أحكامِ النوازلِ قبل وقوعها. وقد رُوِيَ عن بعضِ السلف: كراهيَةُ الكلامِ في النوازلِ قبل وقوعها، وهذا إِنَّما يُحمَلُ على ما إذا كانت تلك المسائلُ مما لا تقَعُ، أو تقعُ نادرًا، فأمَّا ما يتكرَّر من ذلك، ويكثُرُ وقوعه: فيجبُ بيانُ أحكامِهَا على مَن كانت له أهليةُ ذلك، إذا خِيفَ الشُّغُور (٢) عن المجتهدين والعلماءِ في الحالِ أو في الاستقبال؛ كما قد اتَّفَقَ عليه أئمَّةِ المسلمين مِنَ السلف: لما توقَّعوا ذلك، فرَّعوا الفروعَ ودوَّنوها وأجابوا عما سُئِلُوا عنه مِن ذلك؛ حِرصًا على إظهارِ الدِّين، وتقريبًا على مَن تعذَّرَت عليه شروطُ الاجتهادِ مِنَ اللاحقين.\nو(قوله: لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ) أي: استتَرَ؛ يقال: لَاذَ يَلُوذُ لِوَاذًا: إذا استتَرَ، والمَلَاذُ: ما يُستَتَرُ به.\nو(قوله: أَسلَمتُ لِلّهِ) أي: دخلتُ في دينِ الإسلامِ، وتَدَيَّنتُ به. وفيه: دليلٌ\n_________\n(١) \"بقّر\": فتح وشقّ.\n(٢) أي: خلو الزمان.","vol":"1","page":293},{"text":"قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: لَا تَقتُلهُ، قَالَ: فَقُلتُ: يَا رسولَ الله، إِنَّهُ قَد قَطَعَ يَدِي، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعدَ أَن قَطَعَهَا، أَفَأَقتُلُهُ؟ قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: لَا تَقتُلهُ؛ فَإِن قَتَلتَهُ، فَإِنَّهُ بِمَنزِلَتِكَ قَبلَ أَن تَقتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنزِلَتِهِ قَبلَ أَن يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ.\n\nــ\nعلى أَنَّ كلَّ مَن صدَرَ عنه أمرٌ مَّا يدُلُّ على الدخولِ في دينِ (١) الإسلامِ مِن قولٍ أو فعل، حُكِمَ له لذلك بالإسلام، وأنَّ ذلك ليس مقصورًا على النطقِ بكلمتَيِ الشهادة.\nوقد حكَمَ النبيُّ - ﷺ - بإسلامِ بني جَذِيمة الذين قتلهم خالدُ بنُ الوليد، وهم يقولون: صَبَأنَا صَبَأنَا، ولم يُحسِنُوا أن يقولوا: أَسلَمنَا، فلمَّا بلغ ذلك النبيَّ - ﷺ -، قال: اللَّهُمَّ، إِنِّي أَبرَأُ إِلَيكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ، رافعًا يدَيهِ إلى السماء، ثم وَدَاهُم (٢).\nعلى أنَّ قوله في هذه الرواية: أَسلَمتُ لِلّهِ يَحتملُ أن يكونَ ذلك نقلًا بالمعنى، فيكونُ بعض الرواة عبَّر عن قوله: لا إله إلا الله بأَسلَمتُ؛ كما قد جاء مفسَّرًا في رواية أخرى قال فيها: فَلَمَّا أَهوَيتُ لِأَقتُلَهُ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ.\nوأَهوَيتُ: مِلتُ لقتله؛ قال الجوهريُّ: أهوَى إليه بيده ليأخذه، وقال الأصمعيُّ: أهوَيتُ بالشيءِ: إذا أومأتُ إليه، ويقال: أهوَيتُ له بالسيف، فأمَّا هَوَى، فمعناه: سقَطَ إلى أسفل، ويقال: انهوى بمعناه، فهو مُنهَوٍ.\nو(قوله: إِن قَتَلتَهُ، فَإِنَّهُ بِمَنزِلَتِكَ قَبلَ أَن تَقتُلَهُ) يعني، والله أعلم: أنَّه بمنزلتِكَ في عِصمة الدم؛ إذ قد نطَقَ بما يوجبُ عصمتَهُ من كلمتَيِ الإسلام.\nو(قوله: وَإِنَّكَ بِمَنزِلَتِهِ قَبلَ أَن يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ) ظاهره: في الكفر، وليس ذلك بصحيح؛ لأنَّه إنَّما قتله متأوِّلًا أنَّه باقٍ على كفره؛ فلا يكونُ قتلُهُ كبيرةً؛\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) رواه أحمد (٢/ ١٥١)، والبخاري (٤٣٣٩)، والنسائي (٨/ ٢٣٧) من حديث ابن عمر ﵄.","vol":"1","page":294},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَمَّا أَهوَيتُ لِأَقتُلَهُ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ.\nرواه أحمد (٦/ ٤ - ٦)، والبخاري (٤٠١٩)، ومسلم (٩٥)، وأبو داود (٢٦٤٤).\nــ\nوإذا لم يكن قتلُهُ كبيرةً، لم يصحَّ لأحدٍ - وإن كان مكفِّرًا بالكبائر - أن يقول (١): هذا كُفرٌ بوجه؛ فدلَّ ذلك على أنَّه متأوِّل. وقد اختُلِفَ في تأويله؛ فقال أبو الحسنِ بنُ القَصَّار: هو مثلُهُ في كونِهِ غيرَ معصومِ الدمِ مُعَرَّضًا للقِصَاص.\nقال المؤلف - ﵀ -: وهذا ليس بشيء؛ لانتفاء سَبَبِ القصاص، وهو العَمدُ العدوان، وذلك منتفٍ هنا قطعًا؛ لأنَّ المقدادَ تأوَّلَ ما تأوَّله أسامةُ بن زيد: أنَّه قال ذلك خَوفًا مِنَ السِّلَاحِ؛ أَلَا تَرَى قولَ المقداد: إِنَّهُ قَد قَطَعَ يَدِي، ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ، فَلَمَّا أَهوَيتُ لِأَقتُلَهُ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَاّ الله؟ غير أنَّ هذا التأويلَ لم يُسقِط عنهما التوبيخَ والذم، ولا توقع المطالبةَ بذلك في الآخرة؛ أَلَا ترى قوله - ﵊ - لأسامة: كَيفَ تَصنَعُ (٢) بِلَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ إِذَا جَاءَت يَومَ القِيَامَةِ؟ !، وكرَّر ذلك عليه، ولم يَستغفِر له مع سؤالِ أسام ذلك من النبيِّ - ﷺ -.\nوإنما لم يُسقِط عنه التوبيخَ والتأثيمَ وإن كان متأوِّلًا؛ لأنَّه أخطَأَ في تأويله؛ وعلى هذا: يمكنُ أن يحمل قوله: إِنَّكَ بِمَنزِلَتِهِ قَبلَ أَن تَقتُلَهُ، على أنَّه بمنزلتِهِ في استحقاقِ الذمِّ والتأثيم، ويكونُ هذا هو التأويل الثاني فيه، غير أنَّ الاستحقاقَ فيهما مختلفٌ؛ فإنَّ استحقاقَ المقداد (٣) لذلك الاستحقاقُ مقصِّرٍ في اجتهاد مؤمن، والآخَرُ استحقاقُهُ استحقاقُ كافر، وإنما وقع التشبيهُ بينهما في مجرَّدِ الاستحقاقِ فقط، والله أعلم.\nالتأويلُ الثالث: أنَّه بمنزلتِهِ في إخفاءِ الإيمان، أي: لعلَّه ممن كان يخفي\n_________\n(١) في (ع): يقولوا.\n(٢) في (ل) و(ط): تصنع غدًا، ولفظة غدًا ليست في صحيح مسلم ولا التلخيص ولا (ع) ولا (م).\n(٣) في (ع): المقدام.","vol":"1","page":295},{"text":"[٧٦] وعَن أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ، قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي سَرِيَّةٍ، فَصَبَّحنَا الحُرَقَاتِ مِن جُهَينَةَ، فَأَدرَكتُ رَجُلًا، فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، فَطَعَنتُهُ، فَوَقَعَ فِي نَفسِي مِن ذَلِكَ، فَذَكَرتُهُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، وَقَتَلتَهُ؟ !، قَالَ: قُلتُ: يَا رسولَ الله، إِنَّمَا قَالَهَا خَوفًا مِنَ السِّلاحِ، قَالَ: أَفَلَا شَقَقتَ عَن قَلبِهِ حَتَّى تَعلَمَ أَقَالَهَا أَم لَا؟ ! فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ، حَتَّى تَمَنَّيتُ أَنِّي أَسلَمتُ يَومَئِذٍ.\nــ\nإيمانَهُ بين الكفَّار، فأُخرِجَ مكرهًا كما كنتَ أنت بمكَّة؛ إذ كنتَ تُخفِي إيمانك. ويَعتَضِدُ هذا التأويلُ: بما زاده البخاريُّ في هذا الحديث، من حديث ابن عبَّاسٍ؛ أنّه - ﵊ - قال للمقداد: إِذَا كَانَ مُؤمِنٌ يُخفِي إِيمَانَهُ مَعَ قَومٍ كُفَّارٍ، فَأَظهَرَ إِيمَانَهُ فَقَتَلتَهُ؟ كذلك كُنتَ تُخفِي إيمانَكَ بمكة (١).\nو(قوله: فَصَبَّحنَا الحُرَقَاتِ مِن جُهَينَةَ) رويناه بضم الراء وفتحها، وهو موضعٌ معروفٌ من بلاد جُهَينَةَ، يسمّى بجمع المؤنَّث السالم؛ كعَرَفَات، وأَذرِعَات.\nو(قوله - ﵊ - لأسامة: أَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، وَقَتَلتَهُ؟ !، وتكرارُ ذلك القولِ: إنكارٌ شديد، وزجرٌ وكيد، وإعراضٌ عن قبول عذر أسامة الذي أبداه بقوله: إِنَّمَا قَالَهَا خَوفًا مِنَ السِّلَاحِ.\nو(قوله: أَفَلَا شَقَقتَ عَن قَلبِهِ حَتَّى تَعلَمَ أَقَالَهَا أَم لَا؟ !) أي: أقالها بقلبه، وتكلَّمَ بها مع نفسه، ففيه: دليلٌ لأهل السنَّة على أنَّ حديث النَّفسِ كلام وقَول (٢)؛ فهو رَدٌّ على مَن أنكَرَ ذلك من المعتزلةِ وأهلِ البدع. وفيه: دليلٌ على ترتيبِ الأحكامِ على الأسبابِ الظاهرة الجليَّة، دون الباطنةِ الخفيَّة.\nو(قوله: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ، حَتَّى تَمَنَّيتُ أَنِّي أَسلَمتُ يَومَئِذٍ) أي: كلمةَ\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٨٦٥).\n(٢) في (ل) و(م) و(ط): على أن في النفس كلامًا وقولًا، والمثبت من (ع).","vol":"1","page":296},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ: وَلِمَ قَتَلتَهُ؟ فقَالَ: يَا رسولَ الله، أَوجَعَ فِي المُسلِمِينَ، فَقَتَلَ فُلَانًا وَفُلَانًا - وَسَمَّى لَهُ نَفَرًا - وَإِنِّي حَمَلتُ عَلَيهِ، فَلَمَّا رَأَى السَّيفَ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أَقَتَلتَهُ؟ ! قَالَ: نَعَم، قَالَ: فَكَيفَ تَصنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ إِذَا جَاءَت يَومَ القِيَامَةِ؟ ! قَالَ: يَا رسولَ الله، استَغفِر لِي، فقَالَ: فَكَيفَ تَصنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ إِذَا جَاءَت يَومَ القِيَامَةِ؟ !، قَالَ: فَجَعَلَ لَا يَزِيدُ عَلَى أَن يَقُولَ: كَيفَ تَصنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ إِذَا جَاءَت يَومَ القِيَامَةِ؟ ! .\nرواه البخاري (٤٢٦٩)، ومسلم (٩٦)، وأبو داود (٢٦٤٣).\n* * *\nــ\nالإنكار، وظاهرُ هذه الرواية: أنَّ الذي كُرِّرَ عليه إنَّما هو قولُهُ (١): أَفَلَا شَقَقتَ عَن قَلبِهِ حَتَّى تَعلَمَ أَقَالَهَا أَم لَا؟ !، وفي الرواية الأخرى أنَّ الذي كُرِّرَ عليه (٢) إنَّما هو قولُهُ (٣): كَيفَ تَصنَعُ بلَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ إِذَا جَاءَت يَومَ القِيَامَةِ؟ ! ووجهُ التلفيقِ بينهما: أن يكون النبي - ﷺ - كرَّر الكلمتَين معًا، غيرَ أنَّ بعضَ الرواةِ ذكَرَ إحدى الكلمتَين، وذكَرَ آخَرُ الأخرى.\nومعنى قوله: كَيفَ تَصنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ؟ ! أي: بماذا تحتجُّ إذا قيل لك: كيف قَتَلتَ مَن قال: لا إله إلَاّ الله، وقد حصلَت لدمِهِ حرمةُ الإسلام؟ ! وإنَّما تمنَّى أسامةُ أن يتأخَّر إسلامُهُ إلى يوم المعاتبة؛ لِيَسلَمَ من تلك الجناية السابقة، وكأنَّه استصغَرَ ما كان منه مِنَ الإسلامِ والعملِ الصالح قبل ذلك، في جَنب ما ارتكَبَه من تلك الجناية؛ لِمَا حصَلَ في نفسه من شدَّةِ إنكارِ النبيِّ - ﷺ - لذلك، وعِظَمِهِ. فإن قيل: إذا استحال أن يكونَ قتلُ أسامةَ لذلك الرجلِ عمدًا لِمَا ذكرتم، وثبَتَ أنَّه خطأ، فلِمَ\n_________\n(١) قوله: (إنما هو قوله) ساقط من (ع).\n(٢) ساقط من (ع).\n(٣) ساقط من (ع).","vol":"1","page":297},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nلم يُلزِمهُ الكَفَّارةَ، والعاقلةَ الديةَ؟ فالجوابُ: أنَّ ذلك مسكوتٌ عنه (١)، وغيرُ منقولٍ شيءٌ منه في الحديث ولا في شيءٍ من طرقه؛ فيَحتَمِلُ أن يكونَ النبي - ﷺ - حكَمَ بلزومِ ذلك أسامةَ وعاقلتِهِ ولم يُنقَل، وفيه بعد؛ إذ لو وقَعَ شيءٌ من ذلك، لَنُقِلَ في طريقٍ من الطرق، مع أنَّ العادة تقتضي التحدُّثَ بذلك والإشاعةَ. وَيَحتملُ أن يقال: إنَّ ذلك كان قبل نزولِ حُكمِ الكفَّارة والدية، والله أعلم.\nوقد أجاب أصحابنا عن عدمِ إلزامِ الدية بأجوبةٍ، نذكُرُهَا على ضَعفها:\nأحدها: إنَّها لم تَلزَمهُ ولا عاقلتَهُ؛ لأنَّه كان مأذونًا له في أصل القتال؛ فلا يكونُ عنه مِن إتلافِ نفسٍ أو مال؛ كالخاتِنِ والطَّبِيب.\nوثانيها: إنَّما لم يَلزَمهُ ذلك؛ لأنَّ المقتولَ كان من العدو وفيهم، ولم يكن له وليٌّ من المسلمين يستحقّ ديته، فلا تجبُ فيه ديةٌ؛ كما قال الله تعالى: فَإِن كَانَ مِن قَومٍ عَدُوٍّ لَكُم وَهُوَ مُؤمِنٌ فَتَحرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤمِنَةٍ ولم يحكُم فيه بسوى الكفَّارة؛ وهذا يتمشَّى على مذهب ابنِ عبَّاسٍ وجماعةٍ من أهل العلم في الآية.\nوقد ذهب بعضهم: إلى أنَّ الآية فيمن كان أولياؤُهُ مُعَانِدين، وقد ذُكِرَ عن مالك، والمشهورُ عنه: أنها فيمَن لم يهاجِر من المسلمين؛ لقوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَم يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِن وَلَايَتِهِم مِن شَيءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا.\nوثالثها: أنَّ أسامةَ اعترَفَ بالقتل، ولم تَقُم بذلك بيِّنة، ولا تَعقِلُ العاقلةُ عمدًا ولا عبدًا، ولا صُلحًا ولا اعترافًا، ولم يكن لأسامةَ مالٌ فيكونَ فيه الديةُ.\nقال المؤلف ﵀: وهذه الأوجُهُ لا تسلَمُ عن الاعتراض، وتتبُّعُ ذلك يُخرِجُ عن المقصود. ولم أجد لأحدٍ من العلماء اعتذارًا عن سقوطِ إلزامِ الكفارة؛ فالأَولى التمسُّكُ بالاحتمالَين المتقدِّمَين، والله أعلم (٢).\n_________\n(١) في (ل) و(ط): مشكوك فيه.\n(٢) في (م): والله أعلم بغيبه وأحكم.","vol":"1","page":298},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>(٣٣) بَابٌ مَن تَبَرَّأَ مِنهُ النَّبِيُّ - ﷺ </span>-\n[٧٧] عَنِ ابنِ عُمَرَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: مَن حَمَلَ عَلَينَا السِّلَاحَ فَلَيسَ مِنَّا.\nرواه أحمد (٣/ ٢ و١٦ و٥٣ و١٤٢ و١٥٠)، والبخاري (٧٠٧٠)، ومسلم (٩٨)، والنسائي (٧/ ١١٧ - ١١٨)، وابن ماجه (٢٥٧٦).\n[٧٨] وَفِي حَدِيثِ إِيَاسِ بنِ سَلَمَةَ، عَن أَبِيهِ: مَن سَلَّ عَلَينَا السَّيفَ، فَلَيسَ مِنَّا.\nرواه أحمد (٤/ ٤٦ و٥٤)، ومسلم (٩٩).\nــ\n(٣٣) وَمِن بَابِ مَن تَبَرَّأَ مِنهُ النَّبِيُّ - ﷺ -\n(قوله: مَن حَمَلَ عَلَينَا السِّلَاحَ فَلَيسَ مِنَّا) أي: مَن حَمَلَ علينا السلاحِ مقاتلًا؛ كما في الرواية الأخرى: مَن سَلَّ عَلَينَا السَّيفَ، فَلَيسَ مِنَّا، ويعني بذلك النبيُّ - ﷺ - نفسَهُ وغيرَهُ من المسلمين. ولا شكَّ في كفرِ من حارب النبيَّ - ﷺ -؛ وعلى هذا فيكونُ قوله - ﵊ -: فَلَيسَ مِنَّا، أي: ليس بمسلمٍ، بل هو كافرٌ.\nوأمَّا مَن حاربَ غيرَهُ مِنَ المسلمين متعمِّدًا مستَحِلًاّ مِن غير تأويل، فهو أيضًا كافرٌ كالأول.\nوأمَّا مَن لم يكن كذلك، فهو صاحبُ كبيرةٍ، إن لم يكن متأوِّلًا تأويلًا مسوَّغًا بوجه (١).\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"1","page":299},{"text":"[٧٩] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - مَرَّ عَلَى صُبرَةِ طَعَامٍ، فَأَدخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَت أَصَابِعُهُ بَلَلًا، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟ قَالَ: أَصَابَتهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: أَفَلَا جَعَلتَهُ فَوقَ الطَّعَامِ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ؟ ! مَن غَشَّ فَلَيسَ مِنِّي.\nرواه مسلم (١٠١)، وأبو داود (٣٤٥٢)، والترمذي (١٣١٥)، وابن ماجه (٢٢٢٤).\nــ\nوقد تقدَّم أنَّ مذهبَ أهلِ الحقِّ: لا يكفُرُ أحدٌ من المسلمين بارتكابِ كبيرةٍ ما عدا الشِّرك؛ وعلى هذا فيحمَلُ قوله - ﵊ -: لَيسَ مِنَّا في حقِّ مِثلِ هذا على معنى: ليس على طريقتنا، ولا على شريعتنا؛ إذ سُنَّةُ المسلمين وشريعتهم التواصُلُ والتراحُم، لا التقاطُعُ والتقاتل؛ ويجري هذا مَجرَى قوله - ﵊ -: مَن غَشَّنَا، فَلَيسَ مِنَّا (١)، ونظائرِهِ، وتكونُ فائدتُهُ: الرَّدعَ والزَّجرَ عن الوقوع في مثل ذلك؛ كما يقولُ الوالدُ لولدِهِ إذا سلَكَ غيرَ سبيله: لَستُ مِنكَ، ولَستَ مِنِّي!؛ كما قال الشاعر:\nإِذَا حَاوَلتَ فِي أَسَدٍ (٢) فُجُورًا ... فَإِنِّي لَستُ مِنكَ وَلَستَ مِنِّي\nوصُبرَةُ الطَّعَامِ: هي الجملةُ المصبورة، أي: المحبوسةُ للبيع، والصَّبرُ: هو الحَبس.\nوالسَّمَاءُ هنا: هو (٣) المطر، سمِّي بذلك؛ لنزوله مِنَ السماء، وأصلُ السماء: كلُّ ما علاك فأظلَّك. والغِشُّ: ضدُّ النصيحة، وهو بكسر الغين؛\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٥٠) من حديث ابن عمر ﵄، ومسلم (١٠١)، والترمذي (١٣١٥) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) في (م): أمر، وفي (ع): أحد، والمثبت من (ل) و(ط).\n(٣) من (ع).","vol":"1","page":300},{"text":"[٨٠] وعَن عَبدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: لَيسَ مِنَّا مَن ضَرَبَ الخُدُودَ، أو شَقَّ الجُيُوبَ، أو دَعَا بِدَعوَى الجَاهِلِيَّةِ.\nرواه أحمد (١/ ٤٣٢ و٤٤٢ و٤٦٥)، والبخاري (١٢٩٤ و١٢٩٨)، ومسلم (١٥٣)، والترمذي (٩٩٩)، والنسائي (٤/ ٢٠)، وابن ماجه (١٥٨٤).\n[٨١] وَعَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ يَزِيدَ، وَأَبِي بُردَةَ بنِ أَبِي مُوسَى، قَالَا: أُغمِيَ عَلَى أَبِي مُوسَى، فَأَقبَلَتِ امرَأَتُهُ أُمُّ عَبدِ اللهِ تَصِيحُ بِرَنَّةٍ، قَالَا: ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: أَلَم تَعلَمِي - وَكَانَ يُحَدِّثُهَا - أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِمَّن حَلَقَ وَسَلَقَ وَخَرَقَ.\nــ\nيقال: غَشَّهُ يَغِشُّهُ غِشًّا، وأصله من اللبن المغشوش، أي: المخلوطِ بالماءِ تدليسًا.\nودَعوَى الجَاهِلِيَّةِ هنا: هي النياحةُ، ونُدبَةُ الميِّت، والدعاءُ بالويل، والنَّعيُ، وإطراءُ الميِّت بما لم يكن فيه؛ كما كانتِ الجاهليَّةُ تفعل. وَيَحتملُ أن يراد بها: نداؤهم عند الهِيَاجِ والقتال: يا بني فلانٍ، مستَنصرًا (١) بهم في الظُّلمِ والفساد، وقد جاء النهي عنها في حديث آخر وقال: دَعُوهَا؛ فَإِنَّهَا مُنتِنَةٌ (٢)، وأمَرَ بالانتماءِ إلى الإسلامِ، فقال: ادعُوا بِدَعوَةِ المُسلِمِينَ الَّتِي سَمَّاكُمُ اللهُ بِهَا (٣).\nوالأولُ: أليقُ بهذا الحديث؛ لأنَّه قَرَنَهُ بضربِ الخدود، وشَقِّ الجيوب.\nو(قوله: أَنَا بَرِيءٌ مِمَّن حَلَقَ وَسَلَقَ وَخَرَقَ) أصلُ البراءة: الانفصالُ عن\n_________\n(١) في (ل) و(م): منتصرًا.\n(٢) رواه أحمد (٣/ ٣٣٨)، والبخاري (٤٩٠٧)، ومسلم (٢٥٨٤) من حديث جابر ﵁.\n(٣) رواه الترمذي (٢٨٦٣) من حديث الحارث الأشعري ﵁، وفيه: \". . . بدعوى. . .\".","vol":"1","page":301},{"text":"رواه البخاري (١٢٩٦)، ومسلم (١٠٤)، وأبو داود (٣١٣٠)، والنسائي (٤/ ٢٠)، وابن ماجه (١٥٨٦).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>(٣٤) بَابٌ مَن لَا يُكَلِّمُهُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ وَلَا يَنظُرُ إِلَيهِ</span>\n[٨٢] عَن أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَومَ\nــ\nالشيء، والبينونةُ منه؛ ومنه: البراءةُ من العُيُوبِ والدَّين. وَيَحتمل أن يريد به: أنَّه متبرِّئٌ من تصويبِ فِعلِهِم هذا، أو مِنَ العهدةِ اللازمةِ له في التبليغ. وحَلَقَ، أي: شَعرَهُ عند المصيبة. وسَلَقَ، أي: رفَعَ صوتَهُ بها، ويقال بالسين والصاد؛ ومنه قوله تعالى: سَلَقُوكُم بِأَلسِنَةٍ حِدَادٍ؛ ومنه قولهم: خَطِيبٌ سلَاق، وقال أبو زيد: السَّلقُ: الوَلوَلَةُ بصوتٍ شديد. وذُكِرَ عن ابن الأعرابي: أنَّه ضَربُ الوجه. والأوَّلُ: أصحُّ وأعرف (١).\n(٣٤) وَمِن بَابِ: مَن لَا يُكَلِّمُهُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ\n(قوله: لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ) أي: بكلامِ مَن يرضى عنه. ويجوز: أن يكلِّمهم بما يكلِّمُ به مَن سَخِطَ عليه؛ كما جاء في كتاب البخاري: يَقُولُ اللهُ لِمَانِعِ المَاءِ: اليَومَ أَمنَعُكَ فَضلِي؛ كَمَا مَنَعتَ فَضلَ مَا لَم تَعمَل يَدَاكَ (٢)، وقد حكى الله تعالى أنَّه يقولُ للكافرين: اخسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ. وقيل: معناه: لا يكلِّمهم بغير واسطة؛ استهانةً بهم. وقيل: معنى ذلك: الإعراضُ عنهم، والغضَبُ عليهم.\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) رواه البخاري (٢٣٦٩) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":302},{"text":"القِيَامَةِ، وَلَا يَنظُرُ إِلَيهِم، وَلَا يُزَكِّيهِم، وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ، قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ثَلَاثَ مِرَارٍ، فقَالَ أبو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا! مَن هُم يَا رسولَ الله؟ قَالَ: المُسبِلُ، وَالمَنَّانُ، وَالمُنَفِّقُ سِلعَتَهُ بِالحَلِفِ الكَاذِبِ.\nوفِي رِوَايَةٍ: المُسبِلُ إِزَارَهُ.\nرواه مسلم (١٠٦)، وأبو داود (٤٠٨٧) و(٤٠٨٨)، والترمذي (١٢١١)، والنسائي (٧/ ٢٤٥)، وابن ماجه (٢٢٠٨).\nــ\nونَظَرُ الله تعالى إلى عباده: رحمتُهُ لهم، وعطفُهُ عليهم، وإحسانُهُ إليهم، وهذا النظَرُ هو المنفيُّ في هذا الحديث.\nو(قوله: وَلَا يُزَكِّيهِم) قال الزجَّاج: لا يُثنِي عليهم، ومن لم يُثنِ عليه عذَّبه، وقيل: لا يُطَهِّرهم مِن خُبثِ أعمالهم؛ لعظيمِ جُرمهم. والعذاب الأليم: الشديدُ الألمِ المُوجِعُ.\nو(قوله: المُسبِلُ إِزَارَهُ) أي: الجارُّهُ خُيَلَاءَ؛ كما جاء في الحديث الآخر مقيَّدًا مفسَّرًا. والخُيَلَاء: الكِبرُ والعُجب. ويَدُلُّ هذا الحديثُ بمفهومه: على أنَّ مَن جَرَّ ثوبه على غير وجه الخيلاء، لم يَدخُل في هذا الوعيد؛ ولمَّا سَمِعَ أبو بكر هذا الحديثَ، قال: يا رسولَ الله، إنَّ جَانِبَ إزاري يسترخي، فقال له النبيُّ - ﷺ -: لَستَ مِنهُم يَا أَبَا بَكرٍ (١)؛ خرَّجه البخاري.\nوحُكمُ الإزارِ والرداءِ والثوبِ في ذلك سواءٌ؛ وقد روى أبو داود مِن حديثِ ابن عمر عن النبي - ﷺ - أنّه قال: الإسبَالُ في الإِزَارِ وَالقَمِيصِ وَالعِمَامَةِ؛ فَمَن جَرَّ مِنهَا خُيَلَاءَ، لَم يَنظُرِ اللهُ إِلَيهِ يَومَ القِيَامَةِ (٢)، وفي طريقٍ أخرى قال ابن عمر: ما قاله رَسُولُ اللهِ - ﷺ - في الإزارِ، فهو في القَمِيصِ (٣).\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٠٦٢) من حديث ابن عمر ﵄.\n(٢) رواه أبو داود (٤٠٩٤).\n(٣) رواه أبو داود (٤٠٩٥).","vol":"1","page":303},{"text":"[٨٣] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ\nــ\nقال المؤلف - ﵀ -: وقد بيَّن النبيُّ - ﷺ - الحدَّ الأحسَنَ والجائزَ في الإزار الذي لا يجوزُ تعدِّيه؛ فقال فيما رواه أبو داود، والنَّسَائي من حديثِ أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ: أُزرَةُ المُؤمِنِ إِلَى أَنصَافِ سَاقَيهِ، لَا جُنَاحَ عَلَيهِ فِيمَا بَينَهُ وَبَينَ الكَعبَينِ، مَا أَسفَلَ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ (١).\nوالمَنَّان: فَعَّالٌ من المَنِّ، وقد فسَّره في الحديث، فقال: هو الَّذِي لَا يُعطِي شَيئًا إِلَاّ منَّة؛ أي: إلا امتَنَّ به على المُعطَى له، ولا شَكَّ في أنَّ الامتنانَ بالعطاء، مبطلٌ لأجرِ الصدقةِ والعطاء، مُؤذٍ للمُعطَى له؛ ولذلك قال تعالى: لَا تُبطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالمَنِّ وَالأَذَى.\nوإنَّما كان المَنُّ كذلك؛ لأنَّه لا يكونُ غالبًا إلا عن البُخلِ، والعُجبِ، والكِبر، ونسيانِ مِنَّةِ الله تعالى فيما أنعَمَ به عليه؛ فالبخيلُ: يعظِّمُ في نفسه العَطِيَّةَ، وإن كانت حقيرةً في نفسها، والعُجبُ: يحمله على النظرِ لنفسه بعين العَظَمة، وأنَّه مُنعِمٌ بمالِهِ على المعطَى له، ومتفضِّلٌ عليه، وإنَّ له عليه حَقًّا يجبُ عليه مراعاتُهُ، والكِبرُ: يحمله على أن يحتقر المُعطَى له، وإن كان في نفسه فاضلًا، ومُوجِبُ ذلك كلِّه الجهلُ، ونِسيانُ مِنَّةِ الله تعالى فيما أنعَمَ به عليه؛ إذ قد أنعَمَ عليه مما يُعطِي، ولم يَحرِمهُ ذلك، وجعله ممَّن يُعطِي، ولم يجعلهُ ممَّن يَسأَل، ولو نظَرَ ببصيرة (٢) لعَلِمَ أنَّ المِنَّةَ للآخذ؛ لِمَا يُزِيلُ عن المعطي مِن إثمِ المنعِ وذَمِّ المانع، ومن الذنوب، ولِمَا يحصُلُ له من الأجرِ الجزيل، والثناءِ الجميل، ولبسط هذا موضعٌ آخر.\nوقيل: المَنَّانُ في هذا الحديث: هو مِنَ المَنِّ الذي هو القَطع؛ كما قال الله تعالى: لَهُم أَجرٌ غَيرُ مَمنُونٍ أي: غَيرُ مقطوع؛ فيكونُ معناه: البخيلَ بقطعِهِ عطاءَ ما يجبُ عليه للمستَحِقِّ؛ كما قد جاء\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٠٩٣)، والنسائي في السنن الكبرى (٩٧١٥).\n(٢) في (م) و(ط) و(ع): ببصره، والمثبت من (ل).","vol":"1","page":304},{"text":"اللهُ يَومَ القِيَامَةِ، وَلا يُزَكِّيهِم، وَلا يَنظُرُ إِلَيهِم، وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُستَكبِرٌ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٣٣)، ومسلم (١٠٧)، والنسائى (٦/ ٨٦)، وابن ماجه (٢٢٠٨).\nــ\nفي حديثٍ آخر: البَخِيلُ المَنَّانُ (١)، فنَعَتَهُ به، والتأويلُ الأوَّل أظهر.\nو(قوله: شَيخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُستَكبِرٌ) العائلُ: الفقير، والمُعِيلُ (٢): الكثيرُ العِيَال؛ يقال: عال الرجلُ فهو عائلٌ: إذا افتقَرَ، والعَيلَةُ: الفقر، وأعالَ فهو مُعِيلٌ: إذا كَثُرَ عياله. وإنما غلَّظ العقابَ على هؤلاءِ الثلاثة؛ لأنَّ الحاملَ لهم على تلك المعاصي مَحضُ المعاندة، واستخفافُ أمرِ تلك المعاصي التي اقتحموها؛ إذ لم يَحمِلهم على ذلك حاملٌ حَاجِيٌّ، ولا دعتهم إليها ضرورةٌ كما يدعو مَن لم يكن مثلهم.\nوبيانُ ذلك: أنَّ الشَّيخَ لا حاجةَ ولا داعية له تدعوه إلى الزنى؛ لضعفِ داعيةِ النكاحِ في حقِّه، ولكمالِ عَقلِه، ولقربِ أجله؛ إذ قد انتهى إلى طَرَفِ عمره. ونحو من ذلك المَلِكُ الكَذَّابُ؛ إذ لا حاجةَ له إلى الكذب؛ فإنه يمكنه أن يُمَشِّيَ أغراضَهُ بالصِّدق، فإن خاف من الصدق مفسدةً، وَرَّى.\nوأما العَائِلُ المُستَكبِرُ: فاستحقَّ ذلك؛ لغلبة الكِبرِ على نفسه؛ إذ لا سببَ له مِن خارجٍ يحملُهُ على الكبر؛ فإنَّ الكِبرَ غالبًا إنما يكونُ بالمالِ والخَوَلِ (٣) والجاه، وهو قد عَدِمَ ذلك كلَّه؛ فلا مُوجِبَ له إلا غلبةُ الكِبرِ على نفسه، وقِلَّةُ مبالاتِهِ بتحريمِهِ وتوعيدِ الشرعِ عليه، مع أنَّ اللائقَ به والمناسبَ لحالِهِ الرقة والتواضُعُ؛ لفقره وعجزه.\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ١٥١، ١٥٢، ١٧٦) من حديث أبي ذر ﵁.\n(٢) ساقط من (ع).\n(٣) \"الخول\": الخدم.","vol":"1","page":305},{"text":"[٨٤] وَعَنهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ، وَلَا يَنظُرُ إِلَيهِم، وَلَا يُزَكِّيهِم، وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضلِ مَاءٍ بِالفَلَاةِ يَمنَعُهُ ابنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا سِلعَةً بَعدَ العَصرِ\nــ\nو(قوله: ورَجُلٌ عَلَى فَضلِ مَاءٍ بِالفَلَاةِ يَمنَعُهُ مِنِ ابنِ السَّبِيلِ) يعني بفَضلِ المَاءِ: ما فضَلَ عن كفاية السابق للماءِ وأَخذِ حاجتِهِ منه؛ فمَن كان كذلك فمنَعَ ما زاد على ذلك تعلَّق به هذا الوعيد.\nوابنُ السَّبِيل: هو المسافر، والسبيلُ: الطريق، وسمِّي المسافرُ بذلك؛ لأنَّ الطريقَ تُبرِزه وتُظهِره، فكأنَّها وَلَدَتهُ، وقيل: سمِّي بذلك؛ لملازمتِهِ إياه، كما يقالُ في الغراب: ابنُ دَأيَة؛ لملازمتِهِ دَأيَةَ البعيرِ الدَّبِرِ لِيَنقُرَهَا (١).\nوالفَلَاةُ: القَفر، وهذا هو الماءُ الذي قد نَهَى النبيُّ - ﷺ - عن منعه بقوله: لَا يُمنَعُ فَضلُ المَاءِ لِيُمنَعَ بِهِ الكَلَأُ (٢)، وسيأتي الكلامُ عليه. وقد أجمَعَ المسلمون على تحريمِ ذلك؛ لأنَّه منَعَ ما لا حَقَّ له فيه مِن مستَحِقِّهِ، وربَّما أتلفَهُ أو أتلَفَ مالَهُ وبهائمه، فلو منعَهُ هذا الماءَ حتَّى مات عطشًا قِيدَ منه عند مالك؛ لأنَّه قتلَهُ، كما لو قتلَهُ بالجُوعِ أو بالسلاح.\nو(قوله: وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا سِلعَةً) رويناه سِلعَةً بغير باء، ورويناه بالباء؛ فعلى الباء: بايَعَ بمعنى ساوَمَ؛ كما جاء في الرواية الأخرى: ساوَمَ، مكان بايَعَ، وتكونُ الباء بمعنى عن؛ كما قال الشاعر:\nفَإِن تَسأَلُونِي بالنِّسَاءِ فَإِنَّنِي ... بَصِيرٌ بِأَدوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ\n_________\n(١) \"البعير الدَّبِر\": هو الذي تقرّحت دأيته. والدأية من البعير: هو الموضع الذي تقع عليه ظَلِفَةُ الرّحل فيعقره.\n(٢) رواه البخاري (٢٣٥٣)، ومسلم (١٥٦٦)، وأبو داود (٣٤٧٣)، والترمذي (١٢٧٢)، وابن ماجه (٢٤٢٨) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":306},{"text":"فَحَلَفَ لَهُ بِاللهِ، لَأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ، وهو عَلَى غَيرِ ذَلِكَ،\nــ\nأي: عن النِّسَاء. وعلى إسقاطها: يكون معنى بايع: باع؛ فيتعدَّى بنفسه، وسِلعةً: مفعولٌ.\nو(قوله: فَحَلَفَ لَهُ بِاللهِ، لَأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا) يعني: أنَّه كذَبَ فزاد في الثَّمَنِ الذي به اشتَرَى؛ فكَذَبَ واستخَفَّ باسمِ الله تعالى حين حَلَفَ به على الكذب، وأخَذَ مالَ غيرِهِ ظُلمًا؛ فقد جمع بين كبائر، فاستَحَقَّ هذا الوعيدَ الشديد. وتخصيصُهُ بما بَعدَ العَصر، يَدُلُّ على نَّ لهذا الوقتِ من الفضلِ والحُرمةِ ما ليس لغيره مِن ساعات اليوم.\nقال المؤلف - ﵀ -: ويظهرُ لي أن يقال: إنما كان ذلك؛ لأنَّه عَقِبَ الصلاةِ الوُسطَى - كما يأتي النصُّ عليه - ولمَّا كانت هذه الصلاةُ لها مِنَ الفضلِ وعظيمِ القَدرِ أكثَرُ مما لغيرها، فينبغي لمصلِّيها أن يَظهَرَ عليه عَقبهَا من التحفُّظِ على دينه، والتحرُّزِ على إيمانِهِ أكثَرُ مما ينبغي له عَقبَ غيرها؛ لأنَّ الصلاةَ حَقُّهَا أن تَنهَى عن الفحشاء والمنكر؛ كما قال الله تعالى: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنهَى عَنِ الفَحشَاءِ وَالمُنكَرِ، أي: تَحمِلُ على الامتناعِ عن ذلك، مما يحدُثُ في قلب المصلِّي بسببها من النُّورِ والانشراح، والخوفِ من الله تعالى والحياءِ منه؛ ولهذا أشار النبي - ﷺ - بقوله: مَن لم تَنهَهُ صلاتُهُ عن الفحشاءِ والمُنكَرِ، لم يَزدَد مِنَ اللهِ إلا بُعدًا (١)، وإذا كان هذا في الصلواتِ كلِّها، كانتِ الوسطى بذلك أولَى، وحقُّها في ذلك أكثرَ وأوفَى؛ فمَنِ اجترَأَ بعدها على اليمينِ الغَمُوسِ التي يأكُلُ بها مالَ الغير، كان إثمُهُ أشدَّ وقلبُهُ أَفسَدَ، والله تعالى أعلم.\nوهذا الذي ظهَرَ لي أَولَى مما قاله القاضي (٢) أبو الفَضل؛ فإنَّه قال: إنَّما كان\n_________\n(١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٥٨): رواه الطبراني في الكبير -وفيه ليث بن أبي سليم وهو ثقة، ولكنه مدلس- من حديث ابن عباس. ورواه أيضًا من حديث ابن مسعود، ورجاله رجال الصحيح.\n(٢) من (ع).","vol":"1","page":307},{"text":"وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لا يُبَايِعُهُ إِلَاّ لِدُنيَا؛\nــ\nذلك لاجتماعِ ملائكةِ الليلِ وملائكةِ النهار في ذلك الوَقتِ؛ لوجهَين:\nأحدهما: لأنَّ هذا المعنى موجودٌ في صلاة الفجر؛ لأنَّ النبيَّ - ﷺ - قال: يَتَعَاقَبُونَ فِيكُم مَلَائِكَةٌ بِاللَّيلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، ثُمَّ يَجتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ العَصرِ وَصَلَاةِ الفَجرِ (١)؛ وعلى هذا فتبطُلُ خصوصيَّةُ العصر؛ لمساواةِ الفجرِ لها في ذلك.\nوثانيهما: أنَّ حضورَ الملائكةِ واجتماعَهُم إنما هو في حالِ فعل هاتَينِ الصلاتين لا بعدهما؛ كما قد نَصَّ عليه في الحديثِ حين قال: يَجتَمِعُونَ في صلاةِ الفَجرِ وصَلَاةِ العَصرِ (١)، وتقولِ الملائكةِ: أتيناهُم وهم يُصَلُّونَ (١)، وتَرَكنَاهُم وَهُم يُصَلُّونَ، وهذا يدلُّ دلالةً واضحةً على أنَّ هؤلاءِ الملائكةَ لا يشاهدون من أعمالِ العبادِ إلا الصلواتِ فَقَط، وبها يَشهَدون. فتدبَّر ما ذكرتُهُ؛ فإنَّه الأنسَب الأسلَمُ، والله أعلم.\nو(قوله: وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَاّ لِدُنيَا) إنَّما استَحَقَّ هذا الوعيدَ الشديدَ؛ لأنَّه لم يَقُم لله تعالى بما وجَبَ عليه مِنَ البَيعةِ الدينيَّة، فإنَّها من العباداتِ التي تجبُ فيها النيَّةُ والإخلاص، فإذا فَعَلَهَا لغيرِ اللهِ تعالى مِن دنيا يَقصِدها، أو غَرَضٍ عاجلٍ يقصده، بَقِيَت عهدتُهَا عليه؛ لأنَّه منافقٌ مُرَاءٍ غَاشٌّ للإمامِ والمسلمين، غيرُ ناصحٍ في شيء من ذلك.\nومَن كان هذا حاله، كان مُثِيرًا للفتن بين المسلمين (٢)؛ بحيثُ يَسفِكُ دماءَهُم، ويستبيحُ أموالهم، ويَهتِكُ بلادهم، ويَسعَى في إهلاكهم؛ لأنَّه إنما يكونُ مع مَن بلّغهُ إلى أغراضه، فيبايعُهُ لذلك ويَنصُرُهُ، ويغضَبُ له ويقاتلُ مخالفَهُ، فينشأ من ذلك تلك المفاسد.\nوقد تكونُ هذه المخالفة في بعضِ أغراضه، فينكُثُ بيعتَه، ويطلُبُ هَلَكَتَه، كما هو حالُ أهل أكثر\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٥٥)، ومسلم (٦٣٢)، والنسائي (١/ ٢٤٠ و٢٤١).\n(٢) في (ع): ومن كان هكذا يثير الفتن، وفي (ل) و(ط): ومن كان هكذا كان مثيرًا للفتن، والمثبت من (م).","vol":"1","page":308},{"text":"فَإِن أَعطَاهُ مِنهَا وَفَى، وَإِن لَم يُعطِهِ مِنهَا لَم يَفِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: سَاوَمَ رَجُلًا بِسِلعَةٍ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٥٣)، والبخاري (٢٣٥٨)، ومسلم (١٠٨)، وأبو داود (٣٤٧٤) و(٣٤٧٥)، والنسائي (٧/ ٢٤٧).\n* * *\nــ\nهذه الأزمان، فإنَّهم قد عمَّهم الغَدرُ والخِذلَان.\nو(قوله: فَإِن أَعطَاهُ مِنهَا وَفَى، وَإِن لَم يُعطِهِ مِنهَا لَم يَفِ) هكذا الرواية وَفَى بتخفيفَ الفاء، ويَفِ محذوفَ الواو والياءِ مخفَّفًا، وهو الصحيحُ هنا روايةً ومعنًى؛ لأنَّه يقال: وَفَى بعهده يَفِي وَفَاءً، والوفاءُ ممدودٌ ضِدُّ الغدر، ويقال: أوفَى، بمعنى: وَفَى، وأما وَفَّى المشدَّدُ الفاءِ، فهي بمعنى توفيةِ الحَقِّ وإعطائِهِ؛ يقال: وفَّاه حَقَّهُ يُوَفِّيهِ تَوفِيَةً؛ ومنه قوله تعالى: وَإِبرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى، أي: قام بما كُلِّفَهُ مِنَ الأعمالِ؛ كخِصَالِ الفطرة وغيرها؛ كما قال الله تعالى: فَأَتَمَّهُنَّ، وحكى الجوهريُّ: أوفاه حقَّه.\nقال المؤلف - ﵀ -: وعلى هذا وعلى ما تقدَّم، فيكونُ أَوفَى بمعنى الوفاء بالعهد، وتوفيةِ الحق. والأصلُ في أَوفَى: أَطَلَّ على الشيء، وأشرَفَ عليه.\nو(قوله: والمُنَفِّقُ سِلعَتَهُ بِالحَلِفِ الكَاذِب) الروايةُ في المُنَفِّق: بفتح النون وكسر الفاء مشدَّدة، وهي مضاعَفُ: نَفَقَ البِيعُ يَنفُقُ نَفَاقًا: إذا خرَجَ ونفَدَ، وهو ضدُّ كَسَدَ، غيرَ أنَّ نَفَقَ المخفَّفَ لازمٌ، فإذا شُدِّد، عُدِّي إلى المفعول، ومفعولُهُ هنا سِلعة. وقد وصَفَ الحَلِف وهي مؤنَّثة، بالكاذب وهو وصفُ مذكَّرٍ، وكأنَّه ذهب بالحلفِ مذهبَ القَول فذكَّره، أو مذهَبَ المصدر، وهو مِثلُ قولهم: أتاني كِتَابُهُ فَمَزَّقتُهَا؛ ذهب بالكتابِ مذهَبَ الصَّحِيفة، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>(٣٥) بَابٌ مَن قَتَلَ نَفسَهُ بِشَيءٍ عُذِّبَ بِهِ</span>\n[٨٥] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: مَن قَتَلَ نَفسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ، يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَن شَرِبَ سُمًّا فَقَتَلَ نَفسَهُ، فهو يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَن تَرَدَّى مِن جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفسَهُ، فهو يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا.\nرواه أحمد (٢/ ٢٥٤ و٤٧٨ و٤٨٨)، والبخاري (٥٧٧٨)، ومسلم (١٠٩)، وأبو داود (٣٨٧٢)، والترمذي (٢٠٤٤) و(٢٠٤٥)، والنسائي (٤/ ٦٦ - ٦٧).\nــ\n(٣٥) وَمِن بَابِ: مَن قَتَلَ نَفسَهُ بِشَيءٍ عُذِّبَ بِهِ\n(قوله: مَن قتَلَ نَفسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ، يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا) يتوجَّأ: يطعن، وهو مهموز، من قولهم: وَجَأتُهُ بالسِّكِّينِ أَجَؤُهُ؛ أي: ضربتُهُ، ووُجِئَ هو، فهو موجوءٌ، ومصدرُهُ: وَجَئا مقصورًا مهموزًا (١)، فأما الوِجَاءُ، بكسر الواو والمَدِّ: فهو رَضُّ الأنثيين، وهو ضَربٌ من الخِصَاء.\nو(قوله: خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا) ظاهرُهُ: التخليدُ الذي لا انقطاعَ له بوجه، وهو محمولٌ على مَن كان مستَحِلًاّ لذلك، ومَن كان مُعتقِدًا لذلك، كان كافرًا. وأمَّا\n_________\n(١) قوله: (مقصورًا مهموزًا) ساقط من (ع).","vol":"1","page":310},{"text":"[٨٦] وَعَن ثَابِتِ بنِ الضَّحَّاكِ؛ أَنَّهُ بَايَعَ رسولَ الله - ﷺ - تَحتَ الشَّجَرَةِ،\nــ\nمَن قتَلَ نفسَهُ، وهو (١) غيرُ مستحلٍّ، فليس بكافر، بل يجوزُ أن يَعفُو اللهُ عنه، كما يأتي في الباب الآتي بعد هذا، في الذي قطَعَ بَرَاجِمَهُ (٢) فمات، وكما تقدَّم في حديثِ عبادة (٣) وغيره.\nويجوزُ أن يراد بقوله: خَالِدًا مخلَّدًا فِيهَا أَبَدًا تطويلُ الآمادِ، ثم يكونُ خروجُهُ مِنَ النار مِن آخر مَن يخرُجُ من أهل التوحيد؛ ويجري هذا مَجرَى المثل فتقول العرب: خَلَّدَ اللهُ مُلكَكَ، وأبَّد أيَّامك، ولا أُكَلِّمُك أَبَدَ الآبِدِين، ولا دَهرَ الداهرين، وهو ينوي أن يكلِّمَهُ بعد أزمان. ويجري هذا مجرى الإِعيَاءِ في الكلامِ على ما تقدَّم، والله تعالى أعلم.\nوالسُّمُّ: القاتلُ للحيوان، يقال بضَمِّ السين وفتحها. فأمَّا السَّمُّ الذي هو ثُقبُ الإبرة: فبالفتح لا غير.\nويَتَحَسَّاهُ: يَشربه و: يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ؛ كما قال الله تعالى.\nو(قوله: إِنَّهُ بَايَعَ رسولَ الله - ﷺ - تَحتَ الشَّجَرَةِ) وَكَانَت سَمُرَةً، وهذه بيعةُ الرضوانِ التي قال الله فيها: لَقَد رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤمِنِينَ إِذ يُبَايِعُونَكَ تَحتَ الشَّجَرَةِ. وكانت قبل فَتحِ مَكَّة في ذي القَعدَةِ سنة سِتٍّ من الهجرة. وكان سببها: أنَّ النبيَّ - ﷺ - قصَدَ إلى مَكَّةَ معتمرًا، فلمَّا بلغ الحُدَيبِيَةَ - وهي\n_________\n(١) من (ل).\n(٢) \"البراجم\": هي العُقَد التي في ظهور الأصابع.\n(٣) سبق برقم (٢٣).","vol":"1","page":311},{"text":"وَأَنَّ رسولَ الله - ﷺ - قَالَ: مَن حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيرِ الإِسلَامِ كَاذِبًا فهو كما قال - وَفِي رِوَايَةٍ: مُتَعَمِّدًا - وَمَن قَتَلَ نَفسَهُ بِشَيءٍ، عُذِّبَ بِهِ يَومَ القِيَامَةِ،\nــ\nموضعٌ فيه ماءٌ، بينه وبين مَكَّةَ نحو من أميال - صَدَّتهُ قريشٌ عن الدخولِ إلى البيت، فوجَّه لهم عثمانَ رَسُولًا، فَتُحُدِّثَ أنَّ قريشًا قتلوه، فتهيَّأَ النبيُّ - ﷺ - لحربهم، فبايَعَ أصحابَهُ تلك البيعةَ على الموت، أو على ألَاّ يَفِرُّوا؛ كما سيأتي، إن شاء الله تعالى.\nو(قوله: مَن حلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيرِ الإسلَامِ) اليمينُ هنا: يعني به المحلوفَ عليه؛ بدليلِ ذكرِهِ المحلوفَ به، وهو بملَّةٍ غيرِ الإسلام. ويجوز أن يقال: إنَّ عَلَى صِلَةٌ، وينتصبُ يَمِين على أنَّه مصدرٌ مُلَاقٍ في المعنَى لا في اللفظ.\nو(قوله: كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا) يحتملُ أن يريدَ به النبيُّ - ﷺ -: مَن كان معتقدًا لتعظيمِ تلك المِلّةِ المغايرةِ لملَّةِ الإسلام؛ وحينئذٍ يكونُ كافرًا حقيقةً، فيبقى اللفظُ على ظاهره. وكاذبًا: منصوبٌ على الحال؛ أي: في حال تعظيمِ تلك المِلَّة التي حلَفَ بها، فتكونُ هذه الحالُ من الأحوالِ اللازمة؛ كقوله تعالى: وَهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا؛ لأنَّ مَن عظَّم مِلَّةً غيرَ الإسلام، كان كاذبًا في تعظيمِهِ دائما في كلِّ حالٍ وكلِّ وقتٍ، لا ينتقلُ عن ذلك.\nولا يصلُحُ أن يقال: إنَّه يعني بكونه كاذبًا في المحلوفِ عليه؛ لأنَّه يستوي في ذَمِّهِ كونُهُ صادقًا أو كاذبًا إذا حلَفَ بِمِلَّةٍ غيرِ الإسلام؛ لأنَّه إنَّما ذمَّهُ الشرعُ مِن حيثُ إنَّه حَلَفَ بتلك الملَّةِ الباطلة، معظِّمًا لها على نحو ما تعظَّمُ به ملَّةُ الإسلامِ الحَقِّ؛ فلا فَرقَ بين أن يكونَ صادقًا أو كاذبًا في المحلوفِ عليه، والله تعالى أعلم.\nوأمَّا إن كان الحالفُ بذلك غيرَ معتقِدٍ لذلك: فهو آثمٌ مرتَكِبٌ كبيرةً؛ إذ قد نسبه في قوله لمَن يعظِّمُ تلك المِلَّةَ ويعتقدها، فغُلِّظَ عليه الوعيدُ؛ بأن صيّرَه كواحدٍ منهم، مبالغةً في الرَّدعِ والزَّجر؛ كما قال تعالى: وَمَن يَتَوَلَّهُم مِنكُم فَإِنَّهُ مِنهُم. وهل تجبُ عليه كفَّارةٌ أم لا؟ اختلَفَ العلماءُ في ذلك: فَرُوِيَ عن","vol":"1","page":312},{"text":"وَلَيسَ عَلَى رَجُلٍ نَذرٌ فِي شَيءٍ لَا يَملِكُهُ.\nــ\nابن المبارك مما ورَدَ مِثلَ هذا: أنَّ ذلك على طريقةِ التغليظ، ولا كفَّارةَ على مَن حلف بذلك وإن كان آثِمًا؛ وعليه الجمهورُ، وهو الصحيحُ؛ لقوله - ﵊ -: مَن حَلَفَ بِاللَاّتِ، فَليَقُل: لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ (١)، ولم يوجب عليه أكثَرَ من ذلك، ولو كانتِ الكفَّارةُ واجبةً، لبيَّنها النبيُّ - ﷺ - حينئذٍ؛ لأنَّه لا يجوزُ تأخيرُ البيانِ عن وقتِ الحاجة. وقد ذهب بعضُ العراقيِّين إلى وجوبِ الكفَّارة عليه، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.\nو(قوله: لَيسَ عَلَى رَجُلٍ نَذرٌ فِي شَيءٍ لَا يَملِكُهُ) هذا صحيحٌ فيما إذا باشَرَ النذرُ مِلكَ الغير؛ كما لو قال: للهِ عَلَيَّ عِتقُ عبدِ فلانٍ، أو هَديُ بَدَنَةِ فُلَان، ولم يعلِّق شيئًا مِن ذلك على مِلكِهِ له، فلا خلافَ بين العلماء أنَّ ذلك لا يلزمُه منه شيءٌ؛ غير أنَّه حُكِيَ عن ابن أبي ليلى في العتق: أنَّه إذا كان مُوسِرًا عتِقَ عليه، ثُمَّ رجَعَ عنه.\nوإنَّما اختلَفُوا فيما إذا علَّقَ العِتقَ أو الهَديَ أو الصدقةَ على المِلك؛ مِثلُ أن يقول: إن مَلَكتُ عَبدَ فلانٍ، فهو حُرٌّ، فلم يُلزمهُ الشافعيُّ شيئًا من ذلك عَمَّ أو خصَّ؛ تمسُّكًا بهذا الحديث. وألزمَهُ أبو حنيفة: كُلَّ شيء مِن ذلك عمَّ أو خصَّ؛ لأنَّه مِن بابِ العقودِ المأمورِ بالوفاءِ بها، وكأنَّه رأى أنَّ ذلك الحديثَ لا يتناوَلُ المعلَّقَ على المِلك؛ لأنَّه إنَّما يلزمُهُ عند حصولِ المِلكِ لا قبله. ووافَقَ أبا حنيفةَ مالكٌ فيما إذا خَصَّ؛ تمسُّكًا بمثل ما تمسَّكَ به أبو حنيفة، وخالَفَهُ إذا عمَّ؛ رفعًا للحَرَجِ الذي أدخَلَهُ على نفسه، ولمالكٍ قولٌ آخر مِثلُ قولِ الشافعيِّ.\nو(قوله: إِنَّ رَجُلًا مِمَّن كَانَ (٢) قَبلَكُم خَرَجَت بِوَجهِهِ قُرحَةٌ) القُرحَةُ: واحدةُ القُرَحِ والقروح، وهي الجِرَاحُ؛ يقال منه: قَرِحَ جِلدُهُ بالكسر يَقرَحُ قَرَحًا،\n_________\n(١) رواه البخاري (١١/ ٥٣٧) تعليقًا.\n(٢) ساقط من (ل) و(م) و(ط) والمثبت من (ع).","vol":"1","page":313},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nويقال: القَرحُ والقُرحُ - بفتح القاف وضمِّها - لغتان عن الأخفش، وقال غيره: القَرحُ، بالفتح: الجَرح، وبالضمِّ: ألمُ الجراح.\nو(قوله: فَنَكَأَهَا) بهمزةٍ مفتوحةٍ على الألف، أي: قَشَرها وفَجَرها.\nو(قوله: فَلَم يَرقَأِ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ) أي: لم ينقطع، وهو بالهمز؛ يقال: رَقَأ الدَّمُ يَرقَأُ: إذا انقطع؛ ويروى أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال: لَا تَسُبُّوا الإِبِلَ؛ فَإِنَّ فِيهَا رَقُوءَ الدَّمِ (١)، أي: إذا دُفِعَتِ الإبلُ في الدية، ارتفَعَ القصاصُ والقَتلُ وانقطَعَ الدم.\nوهذا الفعلُ مِن هذا الرجل يَحتملُ أن يكونَ: إنَّما حمله عليه الجزَعُ والتبرُّمُ واستعجالُ الموت؛ فيكونُ ممَّن قتَلَ نفسه بحديدةٍ؛ فيكونُ فِعله نحوًا ممَّا فعله الذي أصابتهُ جِرَاحَةٌ في الحرب، فاستعجَلَ الموتَ، فوضَعَ نَصلَ سيفه بالأرض، وذُبَابَهُ (٢) بين ثديَيهِ، فتحامَلَ عليه، فقتَلَ نفسه. ويَحتملُ أن يكونَ قصَدَ بَطَّ (٣) تلك الجراحةِ؛ ليخفف عنه الألَمُ، ففرَّطَ في التحرُّز، فعوقبَ على تفريطه. ويُستفادُ مِنَ التأويلِ الأوَّل: وجوبُ الصبرِ على الآلام، وتحريمُ استعجالِ الموتِ عند شِدَّةِ الآلام وإن أيقَنَ به. ومِنَ التأويل الثاني: وجوبُ التحرُّزِ مِنَ الأدويةِ المَخُوفَةِ والعلاجِ الخطر، وتحريمُ التقصيرِ في التحرُّزِ مِن ذلك، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: لَعنُ المُؤمِنِ كَقَتلِهِ) أي: في الإثم. ووجهه: أنَّ مَن قال لمؤمنٍ: لَعَنَهُ اللهُ، فقد تضمَّنَ قولُهُ ذلك إبعادَهُ عن رحمةِ الله تعالى التي رَحِمَ بها المسلمين، وإخراجَهُ مِن جملتهم في أحكامِ الدنيا والآخرة، ومَن كان كذلك، فقد صار بمنزلةِ المَفقُودِ عن المسلمين بعد أَن كان موجودًا فيهم؛ إذ لم يَنتفِع بما انتفَعَ به المسلمون، ولا انتفَعُوا به؛ فأشبَهَ ذلك قتلَهُ. وعلى هذا فيكونُ إثمُ اللاعنِ كَإِثمِ القاتل، غير أنَّ القاتِلَ أَدخَلُ في الإثم؛ لأنَّه أفقَدَ المقتولَ حِسًّا ومعنًى، واللاعنُ\n_________\n(١) ذكره ابن الأثير في النهاية (٢/ ٢٤٨).\n(٢) \"ذبابُ السيف\": حد طرفه الذي بين شفرتيه.\n(٣) \"بطّ الجرح\": شقّه.","vol":"1","page":314},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: وَلَعنُ المُؤمِنِ كَقَتلِهِ.\nوَفِيهَا: وَمَنِ ادَّعَى دَعوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا، لَم يَزِدهُ اللهُ إِلَاّ قِلَّةً، وَمَن حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ صَبرٍ فَاجِرَةٍ.\nــ\nأفقدَهُ معنًى، فإثمه أخفُّ منه، لكنَّهما قد اشتَرَكَا في مطلَقِ الإثمِ، فصدَقَ عليه أنَّه مِثلُهُ، والله أعلم.\nو(قوله: وَمَنِ ادَّعَى دَعوَى كَاذِبَةً (١) لِيَتَكَثَّرَ بِهَا، لَم يَزِدهُ اللهُ إِلَاّ قِلَّةً، يعني - والله أعلم -: أَنَّ مَن تظاهَرَ بشيء مِنَ الكمال، وتعاطاه، وادَّعَاهُ لنفسه، وليس موصوفًا به، لم يَحصُل له مِن ذلك إلَاّ نقيضُ مقصودِهِ، وهو النقص: فإن كان المُدَّعَى مالًا، لم يبارَك له فيه، أو علمًا، أظهَرَ اللهُ جَهلَهُ، فاحتقَرَهُ الناس، فقَلَّ مقدارُهُ عندهم.\nوكذلك لو ادَّعَى دِينًا أو نَسَبًا أو غَيرَ ذلك، فضَحَهُ اللهُ، وأظهَرَ باطلَهُ؛ فقَلَّ مقدارُهُ، وذَلَّ في نفسه؛ فحصَلَ على نقيضِ قصده؛ وهذا نحو قوله - ﵊ -: مَن أَسَرَّ سَرِيرَةً، أَلبَسَهُ اللهُ رِدَاءَهَا، ونحو منه قولُهُ تعالى: وَيُحِبُّونَ أَن يُحمَدُوا بِمَا لَم يَفعَلُوا وقولُهُ - ﵊ -: المُتَشَبِّعُ بِمَا لَم يُعطَ كَلَابِسِ ثَوبَي زُورٍ (٢).\nوفائدةُ الحديث: الزجرُ عن الرياءِ وتعاطيه، ولو كان بأمورِ الدنيا.\nو(قوله: وَمَن حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ صَبرٍ فَاجِرَةٍ) كذا صحَّتِ الروايةُ في أصلِ كتابِ مسلم لهذا الكلام، مقتصرًا على ذكر جملة الشرط مِن غير ذكرِ جملةِ الجزاء؛ فَيَحتمِلُ: أن سكَتَ عنه؛ لأنَّه عطفَهُ على مَن التي قبلها، فكأنَّه قال: ومن حلف يمينًا فاجرة، كان كذلك، أي: لم يَزِدهُ اللهُ بها إلَاّ قِلَّةً؛ قاله القاضي عِيَاض.\nقال المؤلف - ﵀ -: ويَحتمِلُ: أن يكونَ الجزاءُ محذوفًا، ويكونَ تقديره: مَن فعَلَ ذلك، غَضِبَ اللهُ عليه، أو عاقَبَهُ، أو نحو ذلك؛ كما جاء في\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) رواه مسلم (٢١٣٠)، والنسائي في السنن الكبرى (٨٩٢٠) من حديث عائشة ﵂.","vol":"1","page":315},{"text":"وَفِي أُخرَى: وَمَن ذَبَحَ نَفسَهُ بِشَيءٍ، ذُبِحَ بِهِ يَومَ القِيَامَةِ.\nرواه أحمد (٤/ ٣٣ - ٣٤)، والبخاري (٦٦٥٢)، ومسلم (١١٠)، وأبو داود (٣٢٥٧)، والترمذي (٢٦٣٨)، والنسائي (٧/ ٥ - ٦)، وابن ماجه (٢٠٩٨).\n[٨٧] وَعَن جُندَبٍ، عَن رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: إِنَّ رَجُلًا مِمَّن كَانَ قَبلَكُم خَرَجَت بِوَجهِهِ قُرحَةٌ، فَلَمَّا آذَتهُ، انتَزَعَ سَهمًا مِن كِنَانَتِهِ، فَنَكَأَهَا، فَلَم يَرقَأِ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، قَالَ رَبُّكُم: قَد حَرَّمتُ عَلَيهِ الجَنَّةَ.\nرواه البخاري (١٣٦٤)، ومسلم (١١٣).\n* * *\nــ\nالحديثِ الآخر: مَن حلَفَ عَلَى يَمِينٍ لِيَقتَطِعَ بِهَا مَالَ مُسلِمٍ، لَقِيَ اللهَ وهو عليه غَضبَانُ (١). والروايةُ في يَمِينٍ صَبرٍ بالتنوينِ على أنَّ صَبرًا صفةٌ اليَمِين، أي: ذاتِ صَبرٍ. وأصلُ الصبر: الحَبسُ؛ كما قال عنترةُ:\nفَصَبَرتُ عَارِفَةً لِذَلِكَ حُرَّةً (٢) ... . . . . . . . . . . . . .\nأي: حَبَستُ في الحربِ نَفسًا معتادةً لذلك كريمةً لا ترضَى بالفرار. وقال أبو العبَّاس (٣): الصبرُ ثلاثةُ أشياء: الحبسُ، والإكراهُ، والجرأة؛ كما قال تعالى: فَمَا أَصبَرَهُم عَلَى النَّارِ أي: ما أجرأَهُم عليها. ووُصِفَتِ اليمينُ بأنَّها ذاتُ صَبرٍ؛ لأنَّها تَحبِسُ الحالفَ لها، أو لأنَّ الحالفَ يجترئُ عليها، وذكر الصبر، وقد أجراه صفةً على اليمين، وهي مؤنَّثةٌ (٤)؛ لأنَّه قَصَدَ قَصدَ المصدرِ.\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٤٤٢)، والبخاري (٦٦٧٦)، ومسلم (١٣٨)، وأبو داود (٣٢٤٣)، والترمذي (٢٩٩٩) من حديث عبدالله بن مسعود ﵁.\n(٢) عجز البيت: تَرْسُو إذا نَفْسُ الجبانِ تَطَلَّعُ.\n(٣) أي: المؤلِّف.\n(٤) ساقط من (ع).","vol":"1","page":316},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>(٣٦) بَابُ لَا يُغتَرُّ بِعَمَلِ عَامِلٍ حَتَّى يُنظَرَ بِمَا يُختَمُ لَهُ</span>\n[٨٨] عَن سَهلِ بنِ سَعدٍ السَّاعِدِيِّ؛ أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - التَقَى هو وَالمُشرِكُونَ فَاقتَتَلُوا، فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى عَسكَرِهِ، وَمَالَ الآخَرُونَ إِلَى عَسكَرِهِم، وَفِي أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - رَجُلٌ لَا يَدَعُ لَهُم شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً إِلَاّ اتَّبَعَهَا يَضرِبُهَا بِسَيفِهِ، فَقَالُوا: مَا أَجزَأَ مِنَّا اليَومَ أَحَدٌ كَمَا أَجزَأَ فُلَانٌ،\nــ\n(٣٦) وَمِن بَابِ: لَا يُغتَرُّ بِعَمَلِ عَامِلٍ حَتَّى يُنظَرَ بِمَا يُختَمُ عليهُ\n(قوله: لَا يَدَعُ لَهُم (١) شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً) الشَّاذُّ: الخارجُ عن الجماعة، والفاذُّ: المنفرد، وأنَّث الكلمتَينِ على جهة المبالغة؛ كما قالوا: عَلَاّمَةٌ، ونَسَّابة؛ قال ابن الأعرابي: يقال: فلانٌ لا يَدَعُ لهم شَاذَّةً ولا فَاذَّةً: إذا كان شُجَاعًا لا يلقاه أحدٌ. وفيه من الفقه: ما يدلُّ على جواز الإغيَاءِ (٢) في الكلامِ والمبالغةِ فيه، إذا احتِيج إليه، ولم يكن ذلك تعمُّقًا ولا تشدُّقًا.\nو(قوله: مَا أَجزَأَ مِنَّا اليَومَ أَحَدٌ كَمَا أَجزَأَ فُلَانٌ) كذا صحَّت روايتنا فيه رباعيًّا مهموزًا، ومعناه: ما أغنَى ولا كَفَى. وفي الصحاح: أجزَأَني الشيءُ: كفاني، وجزَى عنِّي هذا الأمرُ، أي: قَضَى؛ ومنه قوله: لَا تَجزِي نَفسٌ عَن نَفسٍ شَيئًا أي: لا تَقضِي، ومنه قوله - ﵊ - لأبي بردةِ: تَجزِي عَنكَ، وَلَا تَجزِي عَن أَحَدٍ بَعدَكَ (٣)، قال: وبنو تميمٍ يقولون: أَجزَأَت عنك شاةٌ، بالهمز. وقال أبو عُبَيد: جَزَأتُ بالشيءِ وأجزَأتُ؛ أي: اكتفَيتُ به، وأنشَدَ:\n_________\n(١) في (ط): له.\n(٢) \"الإغياء\": بلوغ الغاية في الأمر.\n(٣) رواه أحمد (٤/ ٣٠٢).","vol":"1","page":317},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أَمَا إِنَّهُ مِن أهل النَّارِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَومِ: أَنَا صَاحِبُهُ أَبَدًا، قَالَ: فَخَرَجَ مَعَهُ، كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ، وَإِذَا أَسرَعَ أَسرَعَ مَعَهُ، قَالَ: فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرحًا شَدِيدًا، فَاستَعجَلَ المَوتَ، فَوَضَعَ نَصلَ سَيفِهِ بِالأَرضِ، وَذُبَابَهُ بَينَ ثَديَيهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيفِهِ فَقَتَلَ نَفسَهُ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: أَشهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرتَ آنِفًا أَنَّهُ مِن أهل النَّارِ، فَأَعظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ، فَقُلتُ: أَنَا لَكُم بِهِ، فَخَرَجتُ فِي طَلَبِهِ حَتَّى جُرِحَ جُرحًا شَدِيدًا، فَاستَعجَلَ المَوتَ، فَوَضَعَ نَصلَ سَيفِهِ بِالأَرضِ، وَذُبَابَهُ بَينَ ثَديَيهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيهِ فَقَتَلَ نَفسَهُ،\nــ\nفَإِنَّ اللُّؤمَ فِي الأَقوَامِ عَارٌ ... وَإِنَّ المَرءَ يَجزَى بِالكُرَاعِ\nوفلانٌ، قيل: هو قُزمَان. ونَصلُ السيف: حديدتُهُ كلُّها، وأنشدوا:\nكالسَّيفِ سُلَّ نَصلُهُ مِن غِمدِهِ ... . . . . . . . . . . . . . .\nويقال عليها: مُنصُلٌ، والمرادُ بالنَّصل في هذا الحديث: طَرَفُ النَّصلِ الأسفلُ الذي يسمَّى: القَبِيعة، والرئاس. وذُبَابُهُ: طَرَفُهُ الأعلى المحدَّدُ المهلَّل، وظبَتَاهُ وغَربَاه: حَدَّاهُ، وصدرُ السيفِ: مِن مَقبِضه إلى مَضرِبه، ومَضرِبُهُ: موقعُ الضَّرب منه، وهو دون الذُّبَاب بِشِبرٍ.\nو(قوله: فَأَعظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ) أي: عظَّموه وكَبُرَ عليهم؛ وإنما كان ذلك؛ لأنَّهم نظروا إلى صورةِ الحال، ولم يعرفوا الباطنَ ولا المآل، فأعلَمَ العليمُ الخبيرُ البشيرَ النذيرَ بمُغَيَّبِ الأمرِ وعاقبتِه، وكان ذلك مِن أدلَّةِ صِدقِ الرسولِ - ﷺ - وصِحَّةِ رسالتِه، ففيه التنبيهُ على تركِ الاِعتمادِ على الأعمال، والتعويلُ على فضلِ ذي العزَّةِ والجلال.","vol":"1","page":318},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عِندَ ذَلِكَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعمَلُ بعَمَل أهل الجَنَّةِ - فِيمَا يَبدُو لِلنَّاسِ - وهو مِن أهل النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعمَلُ بعَمَل أهل النَّارِ - فِيمَا يَبدُو لِلنَّاسِ - وهو مِن أهل الجَنَّةِ.\nرواه أحمد (٤/ ١٣٥)، والبخاري (٤٢٠٢)، ومسلم (١١٢).\nــ\nو(قوله: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعمَلُ بِعَمَلَ أهل الجَنَّةِ فِيمَا يَبدُو لِلنَّاسِ) دليلٌ على أنَّ ذلك الرجُلَ لم يكن مخلصًا في جهاده، وقد صرَّحَ الرجلُ بذلك فيما يروى عنه أنَّه قال: إِنَّمَا قَاتَلتُ عَن أَحسَابِ قَومِي، فيتناول هذا الخَبَرُ أهلَ الرياء. فأمَّا حديثُ أبي هريرة الذي قال فيه: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعمَلُ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ بِعَمَلِ أهل الجَنَّةِ، ثُمَّ يُختَمُ لَهُ بِعَمَلِ أهل النَّارِ فَيَدخُلُهَا (١): فإنَّما يتناوَلَ مَن كان مخلصًا في أعمالِهِ، قائمًا بها على شروطها، لكن سبَقَت عليه سابقةُ القدر، فبدَّل به عند خاتمته؛ كما يأتي بحقيقته في كتاب القدر، إن شاء الله تعالى.\nو(قوله - ﵊ -: اللهُ أَكبَرُ! أَشهَدُ أَنِّي عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ؛ عند وقوعِ ما أخبَرَ به من الغيب؛ دليلٌ على أنَّ ذلك مِن جملة معجزاته، وإن لم يقترن بها في تلك الحالِ تَحَدٍّ قوليٌّ؛ وهذا على خلافِ ما يقولُهُ المتكلِّمون: أنَّ مِن شروطِ المعجزةِ اقترانَ التحدِّي القَولِيِّ بها، فإن لم تكن كذلك، فالخارقُ كرامةٌ لا مُعجِزةٌ، والذي ينبغي أن يقال: إنَّ ذلك لا يشتَرَطُ؛ بدليلِ أنَّ الصحابةَ - ﵃ - كانوا كُلَّما ظهَرَ لهم خارقٌ للعادة على يَدَيِ النبيِّ - ﷺ -، استدلُّوا بذلك على صِدقِهِ وثبوتِ رسالته، كما قد اتَّفَقَ لعمر حين دعا رسولَ الله - ﷺ - على قليلِ الأزوادِ، فكَثُرَت فقال عند ذلك: أَشهَدُ أن لَا إِلَهَ إلا الله، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ (٢)، وكقول\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٦٥١).\n(٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٣٠٤): رواه أبو يعلى (٢٣٠) وفيه عاصم بن عبيد الله العمري، وثقه العجلي، وضعْفه جماعة، وبقيّة رجاله ثقات.","vol":"1","page":319},{"text":"[٨٩] وَفِي رِوَايَةٍ: فَأُخبِرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِذَلِكَ، فَقَالَ: اللهُ أَكبَرُ! أَشهَدُ أَنِّي عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَنَادَى فِي النَّاسِ: إنَّهُ لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ إِلَاّ نَفسٌ مُسلِمَةٌ، وَإِنَّ اللهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٠٩ - ٣١٠)، والبخاري (٤٢٠٣)، ومسلم (١١١) من حديث أبي هريرة.\nــ\nأسامةَ بنِ زيد - ﵁ -، وبدليل الاِتِّفاقِ على نَبعَ الماء مِن بين أصابعه، وتسبيحَ الحصَى في كَفِّه، وحَنِينَ الجِذع مِن أظهر معجزاته، ولم يصدُر عنه مع شيءٍ مِن ذلك تحدٍّ بالقولِ عند وقوعِ تلك الخوارق، ومع ذلك فَهِيَ معجزاتٌ. والذي ينبغي أن يقال: إنَّ اقترانَ القولِ لا يلزم، بل يكفي مِن ذلك قولٌ كليٌّ يتقدَّم الخوارقَ؛ كقولِ الرسول - ﷺ -: الدليلُ على صِدقِي ظهورُ الخوارق على يَدَيَّ؛ فإنَّ كُلَّ ما يظهَرُ على يَدَيه منها بعد ذلك يكونُ دليلًا على صِدقه وإن لم يقترن بها واحدًا واحدًا قولٌ. ويمكنُ أن يقال: إنَّ قرينةَ حاله تدلُّ على دوامِ التحدِّي، فيتنزَّلُ ذلك منزلةَ اقترانِ القول، والله أعلم.\nو(قوله: فَنَادَى فِي النَّاسِ: إِنَّهُ لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ إِلَاّ نَفسٌ مُسلِمَةٌ) أي: مؤمنة (١)؛ لأنَّ الإسلام العَرِيَّ عن الإيمانِ لا يَنفَعُ صاحبَهُ في الآخرة، ولا يُدخِلُهُ الجَنَّة؛ وذلك بخلافِ الإيمان: فإنَّ مجرَّده يَدخُلُ صاحبُهُ الجنَّةَ وإن عُوقِبَ بتركِ الأعمال على ما سنذكرُهُ إن شاءَ اللهُ تعالى؛ فدلَّ هذا على أنَّ هذا الرجُلَ كان مُرَائِيًا منافقًا؛ كما تقدَّم.\nومما يدلّ على ذلك أيضًا: قولُهُ - ﵊ -: إنَّ اللهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ (٢)، وهو الكافر؛ كما قال: وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا. ويؤيِّد: يُقَوِّي ويَعضُدُ. وأَمرُ النبيِّ - ﷺ - بلالًا أن يُنادِيَ بذلك\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) رواه البخاري (٦٦٠٦) ومسلم (١١١).","vol":"1","page":320},{"text":"[٩٠] وَعَن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَومُ خَيبَرَ، أَقبَلَ نَفَرٌ مِن صَحَابَةِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، فُلَانٌ شَهِيدٌ، حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ، فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: كَلَاّ! إِنِّي رَأَيتُهُ فِي النَّارِ، فِي بُردَةٍ غَلَّهَا، أو عَبَاءَةٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: يَا ابنَ الخَطَّابِ، اذهَب فَنَادِ فِي\nــ\nالقولِ، إنَّما كان تنبيهًا على وجوبِ الإخلاصِ في الجهادِ وأعمالِ البِرِّ، وتحذيرًا من الرِّيَاءِ والنفاق.\nو(قوله: حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ، فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ) هذا الرجلُ هو المسمَّى مِدعَم، وكان عبدًا للنبيِّ - ﷺ -، فَبَينَا هو يَحُطُّ رحلَ رسولِ الله - ﷺ -، إذ أصابه سهمٌ، فقال الناس: هنيئًا له الجَنَّةُ، فقال النبيُّ - ﷺ - هذا الكلامَ.\nوكَلَاّ: رَدعٌ وزجر. والغُلُول: الخيانةُ في المَغنَم؛ يقالُ منه: غَلَّ بفتح الغين، يَغُلُّ بضمها في المضارع؛ قال ابن قتيبة وغيره: الغُلُولُ: من الغَلَل، وهو الماءُ الجاري بين الأشجار؛ فكأنَّ (١) الغالَّ سمِّي بذلك؛ لأنَّه يُدخِلُ الغلولَ على أثناءِ راحلته، فأمَّا الغِلُّ، بكسر الغين: فهو الحِقدُ والشَّحناء.\nوالبُردَة: كساءٌ أسودُ صغيرٌ مربَّع يلبسُهُ الأعراب؛ قاله الجوهري، وقال غيره: هي الشَّملَةُ المخطَّطة، وهي كساءٌ يُؤتَزَرُ به. والعباءة ممدود: الكِسَاء.\nو(قوله: إِنِّي أُرِيتُهُ فِي النَّارِ) ظاهره: أنَّها رؤيةُ عِيَانٍ ومشاهدة، لا رؤية منام؛ فهو حُجَّةٌ لأهل السُّنَّة على قولهم: إنَّ الجَنَّةَ والنار قد خُلِقَتَا ووُجِدَتَا. وفيه: دليلٌ على أنَّ بعضَ مَن يُعَذَّبُ في النار يدخلُهَا ويعذَّبُ فيها قبلَ يوم القيامة.\nولا حُجَّةَ فيه للمُكَفِّرة بالذنوب؛ لأنَّا نقولُ: إنَّ طائفةً مِن أهلِ التوحيدِ يَدخُلُون النارَ بذنوبهم، ثُمَّ يَخرُجون منها بتوحيدهم، أو بالشفاعةِ لهم؛ كما سيأتي في الأحاديثِ الصحيحة، ويجوزُ أن يكونَ هذا الغالّ منهم، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"1","page":321},{"text":"النَّاسِ: إنَّهُ لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ إِلَاّ المُؤمِنُونَ، قَالَ: فَخَرَجتُ فَنَادَيتُ: أَلَا إِنَّهُ لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ إِلَاّ المُؤمِنُونَ.\nرواه أحمد (١/ ٣٠)، ومسلم (١١٤)، والترمذي (١٥٧٤) من حديث عبد الله بن عباس، عن عمر بن الخطاب ﵃.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>(٣٧) بَابٌ قَتلُ الإِنسَانِ نَفسَهُ لَيسَ بِكُفرٍ</span>\n[٩١] عَن جَابِرٍ؛ أَنَّ الطُّفَيلَ بنَ عمرو الدَّوسِيَّ أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رسولَ الله، هَل لَكَ فِي حِصنٍ حَصِينٍ وَمَنَعَةٍ؟ - قَالَ: حِصنٌ كَانَ لِدَوسٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ - فَأَبَى ذَلِكَ النَّبِيُّ - ﷺ -، لِلَّذِي ذَخَرَ اللهُ لِلأَنصَارِ، فَلَمَّا هَاجَرَ\nــ\n(٣٧) وَمِن بَابِ قَتلُ الإِنسَانِ نَفسَهُ لَيسَ بِكُفرٍ\n(قوله: هَل لَكَ فِي حِصنٍ حَصِينٍ وَمَنَعَةٍ؟) الحِصنُ: واحدُ الحصون، وهي القصورُ والقلاعُ التي يتحصَّن فيها، وحصين: فعيلٌ للمبالغة، أي: شديدُ المَنعِ لمن فيه. ومَنَعَة: يروى بفتح النون وسكونها، وفي الصحاح يقالُ: فلانٌ في عِزٍّ ومَنَعَةٍ بالتحريك، وقد يسكَّن عن ابن السِّكِّيت، ويقال: المَنَعَةُ بالتحريك: جمع مانعٍ، ككافرٍ وكَفَرَة، أي: هو في عِزٍّ وعشيرةٍ يمنعونه.\nو(قوله: وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِن قَومِهِ، فَاجتَوَى المَدِينَةَ، فَمَرِضَ فَجَزِعَ، فَأَخَذَ) هكذا صوابُ الرواية بتوحيد رَجُل، وعَطفِ ما بعده على ما قبله على","vol":"1","page":322},{"text":"النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَى المَدِينَةِ، هَاجَرَ إِلَيهِ الطُّفَيلُ بنُ عمرو، وَهَاجَرَ مَعَهُ رجلٌ مِن قَومِهِ، فَاجتَوَى المَدِينَةَ، فَمَرِضَ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَت يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ، فَرَآهُ الطُّفَيلُ بنُ عمرو فِي مَنَامِهِ، فَرَآهُ\nــ\nالإفراد، وهي روايةُ عبد الغافر (١)، وعند غيره تخليطٌ؛ فمنهم من جَمَعَ، فقال: رِجَالٌ، فَاجتَوَوُا المَدِينَةَ، ثم قال بعده: فَمَرِضَ فَجَزِعَ على الإفراد. والأوَّلُ: أصوب. واجتَوَى المَدِينَةَ، أي: كرهها؛ يقال: اجتَوَيتُ المدينةَ: إذا كرهتَهَا، وإن كانت موافقةً لك في بَدَنِكَ، قال الخَطَّابي: أصلُ الاِجتواءِ استِيبَالُ (٢) المكانِ، وكراهيةُ المقامِ فيه؛ لِمضرة لَحِقَتهُ، وأصلُهُ: من الجَوَى، وهو فسادُ الجَوف.\nو(قوله: فَأَخَذَ مَشَاقِصَ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ) المَشَاقِص: جمعُ مِشقَص، وهو السهمُ العريض، وقال الداوديُّ: هو السِّكِّين. والبَرَاجِمُ والرَّوَاجِب: مفاصلُ الأصابعِ كلِّها، وقال أبو مالك في كتابِ خَلقِ الإنسان: الرَّوَاجِبُ: رؤوسُ العظام في ظَهرِ الكفِّ، والبراجمُ: هي المفاصلُ التي تحتها.\nو(قوله: فشَخَبَت) بالشين المعجمة (٣)، وهو بالخاء المعجمة، وبفَتحِهَا في الماضي، وضمِّها في المضارع، وقد تُفتَحُ، ومعناه: سال، قال ابن دُرَيد: كلُّ شيءٍ سال، فهو شُخبٌ - بضم الشين وفتحها - وهو: ما خرَجَ من الضَّرع من اللبن، وكأنه الدُّفعَةُ منه، ومنه المَثَلُ: شُخبٌ في الأرضِ، وشُخبٌ في الإناء!، يقال للذي يُصِيبُ مَرَّةً، ويخطئُ في أخرى؛ تشبيهًا له بالحالب الذي يفعلُ ذلك.\n_________\n(١) هو عبد الغافر بن محمد الفارسي، أبو الحسين: ثقة، صالح. من رواة صحيح مسلم، توفي سنة (٤٤٨ هـ). (سير أعلام النبلاء ١٨/ ١٩).\n(٢) في (ل): استثقال. والمثبت من (ع) و(م) ومعنى: استوبل الأرض: لم توافقه في بدنه، وإن كان محبًّا لها.\n(٣) قوله: (بالشين المعجمة) من (ع).","vol":"1","page":323},{"text":"وَهَيئَتُهُ حَسَنَةٌ، وَرَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِهِجرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ - ﷺ - فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيكَ؟ قَالَ: قِيلَ لِي: لَن نُصلِحَ مِنكَ مَا أَفسَدتَ، فَقَصَّهَا الطُّفَيلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: اللَّهُمَّ، وَلِيَدَيهِ فَاغفِر.\nرواه أحمد (٣/ ٣٧١)، ومسلم (١١٦).\n* * *\nــ\nو(قوله: غَفَرَ لِي بِهِجرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ) دليلٌ على أن الكبائر قد تُغفَرُ بفعلِ القواعد، وفيه نَظَرٌ سيأتي في الطهارة، إن شاء الله تعالى.\nو(قوله: لَن نُصلِحَ مِنكَ مَا أَفسَدتَ) دليلٌ على أنَّ المغفرةَ قد لا تتناول محلَّ الجناية، فيحصُلُ منه توزيعُ العقاب على المعاقَبِ؛ ولذلك قال - ﵊ -: اللَّهُمَّ، وَلِيَدَيهِ فَاغفِر.\nوالظاهرُ: أنَّ هذا الرجلَ أدركتهُ بركةُ دعوةِ النبيِّ - ﷺ -، فغُفِرَ له وليدَيهِ، وكُمِّلَ له ما بقي من المغفرة عليه؛ وعلى هذا: فيكونُ قوله: لَن نُصلِحَ مِنكَ مَا أَفسَدتَ ممتدًّا إلى غايةِ دعاءِ النبيِّ - ﷺ - له؛ فكأنَّه قيل له: لن نصلحَ منك ما أفسدته ما لم يَدعُ لك النبيُّ - ﷺ -.\nوهذا الحديثُ يقتضي أنَّ قَاتِلَ نفسه ليس بكافر، وأنَّه لا يُخَلَّدُ في النار، وهو موافق لمقتضى قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغفِرُ أَن يُشرَكَ بِهِ وَيَغفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ. وهذا الرجلُ ممَّن شاء الله أن يَغفِرَ له؛ لأنَّه إنَّما أتَى بما دون الشِّرك، وهذا بخلافِ القاتلِ نفسَهُ المذكورِ في حديث جُندُب؛ فإنَّه ممَّن شاء الله أن يعذِّبه.","vol":"1","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>(٣٨) بَابُ مَا يُخَافُ مِن سُرعَةِ سَلبِ الإِيمَانِ</span>\n[٩٢] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِنَّ اللهَ يَبعَثُ رِيحًا مِنَ قبل اليَمَنِ، أَليَنَ مِنَ الحَرِيرِ، فَلَا تَدَعُ أَحَدًا فِي قَلبِهِ مِثقَالُ حَبَّةٍ - وَفِي رِوَايَةٍ: ذَرَّةٍ - مِن إِيمَانٍ إِلَاّ قَبَضَتهُ.\nرواه مسلم (١١٧).\nــ\n(٣٨) وَمِن بَابِ مَا يُخَافُ مِن سُرعَةِ سَلبِ الإِيمَانِ\n(وقوله: إِنَّ اللهَ يَبعَثُ رِيحًا مِن قِبَلِ اليَمَنِ (١)، أَليَنَ مِنَ الحَرِيرِ) هذه الريحُ إنما تُبعَثُ بعد نزولِ عيسى ابنِ مريم، وقتلِه الدَّجَّالَ، كما يأتي في حديثِ عبد الله بنِ عمرو في آخر الكتاب؛ الفتن (٢)، غير أنَّه قال هنا: رِيحًا مِن قِبَل اليَمَنِ، وفي حديث عبد الله: مِن قِبَلِ الشَّامِ؛ فيجوزُ أن يكونَ مبدؤها من قبل اليمن، ثُمَّ تَمُرُّ بالشام، فَتَهُبُّ منه على مَن يليه.\nوقَبضُ الإيمانِ في هذا الحديث هو بقبض أهله؛ كما جاء في حديث ابن عمرو، وقال فيه: ثُمَّ يُرسِلُ اللهُ رِيحًا بَارِدَةً مِن قِبَلِ الشَّامِ، فَلَا يَبقَى عَلَى وَجهِ الأَرضِ أَحَدٌ فِي قَلبِهِ مِثقَالُ ذَرَّةٍ مِن خَيرٍ أو إِيمَانٍ إِلَاّ قَبَضَتهُ، حَتَّى لَو أَنَّ أَحَدَكُم (٣) دَخَلَ فِي كَبِدِ جَبَلٍ، لَدَخَلَت عَلَيهِ حَتَّى تَقبِضَهُ، قال: فَيَبقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيرِ وَأَحلَامِ السِّبَاعِ.\n_________\n(١) في (ع): أهل اليمن، ولفظة (قبل) ساقطة من (ل) و(م) و(ط)، والمثبت من كلام المؤلف الآتي بعد قليل.\n(٢) رواه مسلم (٢٩٤٠).\n(٣) في (م) و(ل): أحدهم.","vol":"1","page":325},{"text":"[٩٣] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَيضًا؛ أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - قَالَ: بَادِرُوا بِالأَعمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيلِ المُظلِمِ، يُصبِحُ الرَّجُلُ مُؤمِنًا، وَيُمسِي كَافِرًا، ويُمسِي مُؤمِنًا، وَيُصبِحُ كَافِرًا. يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنيَا.\nرواه أحمد (٢/ ٣٠٤ و٥٢٣)، ومسلم (١١٨)، والترمذي (٢١٩٦).\n* * *\nــ\nو(قوله: بَادِرُوا بِالأَعمَالِ فِتَنًا) أي: سَابِقُوا بالأعمالِ الصالحةِ هجومَ المِحَنِ المانعةِ منها، السالبةِ لشرطها المصحِّح لها الإيمان؛ كما قال: يُصبِحُ الرَّجُلُ مُؤمِنًا، وَيُمسِي كَافِرًا، ولا إحالةَ ولا بُعدَ في حمل هذا الحديثِ على ظاهره؛ لأنَّ المِحَنَ والشدائد إذا توالَت على القلوب أفسدَتهَا بِغَلَبتها عليها، وبما تُؤَثِّرُ فيها مِنَ القَسوة. ومقصودُ هذا الحديثِ: الحَضُّ على اغتنامِ الفُرصة، والاِجتهادُ في أعمالِ الخيرِ والبِرِّ عند التمكُّنِ منها، قَبلَ هجومِ الموانع.\nو(قوله: يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنيَا) عَرَضُ الدنيا بفتح العين والراء: هو طمعها وما يَعرِضُ منها، ويدخُلُ فيه جميعُ المال؛ قاله الهَرَوِيُّ، فأمَّا العَرضُ، بإسكان الراء: فهو خلافُ الطُّول، ويقالُ على أمور كثيرة، والعِرضُ، بكسر العين وسكون الراء: هو نسَبُ الرجلِ وجسمهُ وذاتُهُ.\nومقصودُ هذا الحديثِ: الأمرُ بالتمسُّك بالدِّين، والتشدُّدُ فيه عند الفتن، والتحذيرُ مِنَ الفتنِ، ومِنَ الإقبالِ على الدنيا وعلى مَطَامِعِهَا.\n* * *","vol":"1","page":326},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>(٣٩) بَابٌ الإسلَامُ إِذَا حَسُنَ، هَدَمَ مَا قَبلَهُ مِنَ الآثَامِ، وَأَحرَزَ مَا قَبلَهُ مِنَ البِرِّ</span>\n[٩٤] عَن عَبدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ أُنَاسٌ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -: يَا رسولَ الله، أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلنَا فِي الجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: أَمَّا مَن أَحسَنَ مِنكُم فِي الإِسلَامِ، فَلَا يُؤَاخَذُ بِهَا، وَمَن أَسَاءَ، أُخِذَ بِعَمَلِهِ فِي الجَاهِلِيَّةِ وَالإِسلَامِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: وَمَن أَسَاءَ فِي الإِسلَامِ، أُخِذَ بِالأَوَّلِ وَالآخِرِ.\nرواه أحمد (١/ ٣٧٩ و٤٦٢)، والبخاري (٦٩٢١)، ومسلم (١٢٠).\nــ\n(٣٩) وَمِن بَابٍ الإِسلَامُ إِذَا حَسُنَ، هَدَمَ مَا قَبلَهُ مِنَ الآثَامِ، وَأَحرَزَ مَا قَبلَهُ مِنَ البِرِّ\n(قوله: أَمَّا مَن أَحسَنَ مِنكُم فِي الإِسلَامِ، فَلَا يُؤَاخَذُ بِهَا، وَمَن أَسَاءَ، أُخِذَ بِعَمَلِهِ فِي الجَاهِلِيَّةِ وَالإِسلَامِ) يعني بالإحسانِ هنا: تصحيحَ الدخولِ في دِينِ الإسلامِ، والإخلاصَ فيه، والدوامَ على ذلك مِن غير تبديلٍ ولا ارتداد.\nوالإساءةُ المذكورةُ في هذا الحديثِ في مقابلةِ هذا الإحسانِ: هي الكفرُ والنفاق، ولا يَصِحُّ أن يراد بالإساءةِ هنا ارتكابُ سَيِّئةٍ ومعصية؛ لأنه يلزمُ عليه ألَاّ يَهدِمَ الإسلامُ ما قبله مِنَ الآثامِ إلا لمن عُصِمَ من جميعِ السيئاتِ إلى الموت، وهو باطلٌ قطعًا؛ فتعيَّن ما قلناه.\nوالمؤاخذةُ هنا: هي العقابُ على ما فعله مِنَ السيِّئات في الجاهليَّة وفي حالِ الإسلام، وهو المعبَّرُ عنه في الروايةِ الأخرى بقوله: أُخِذَ بِالأَوَّلِ وَالآخِرِ. وإنما كان كذلك؛ لأنَّ إسلامَهُ لمَّا لم يكن صحيحًا ولا خالصًا لله تعالى، لم يَهدِم شيئًا مما سبَقَ، ثم انضافَ إلى ذلك إثمُ نفاقِهِ وسيئاتِهِ التي عَمِلَهَا في حالِ الإسلام، فاستحَقَّ العقوبةَ عليها. ومِن هنا: استَحَقَّ المنافقون أن يكونوا في الدَّركِ الأسفلِ من النار؛ كما قال الله تعالى. ويستفادُ منه أنَّ الكُفَّارَ مخاطَبُونَ بالفروع.","vol":"1","page":327},{"text":"[٩٥] وَعَنِ ابنِ شُمَاسَةَ المَهرِيِّ، قَالَ: حَضَرنَا عمرو بنَ العَاصِ وهو فِي سِيَاقَةِ المَوتِ، فَبَكَى طَوِيلًا، وَحَوَّلَ وَجهَهُ إِلَى الجِدَارِ، فَجَعَلَ ابنُهُ يَقُولُ: يَا أَبَتَاهُ، أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِكَذَا؟ ! أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِكَذَا؟ ! قَالَ: فَأَقبَلَ بِوَجهِهِ فَقَالَ: إِنَّ أَفضَلَ مَا نُعِدُّ: شَهَادَةُ أَن لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، إِنِّي كُنتُ عَلَى أَطبَاقٍ ثَلَاثَةٍ: لَقَد رَأَيتُنِي وَمَا أَحَدٌ أَشَدَّ بُغضًا لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنِّي، وَلَا أَحَبَّ إِلَيَّ مِن أَن أَكُونَ قَدِ استَمكَنتُ مِنهُ فَقَتَلتُهُ، فَلَو مُتُّ عَلَى تِلكَ الحَالِ لَكُنتُ مِن أهل النَّارِ، فَلَمَّا جَعَلَ اللهُ الإِسلَامَ فِي قَلبِي، أَتَيتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقُلتُ: ابسُط يَمِينَكَ فَلِأُبَايِعكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ، قَالَ: فَقَبَضتُ يَدِي، قَالَ: مَا لَكَ يَا عَمرُو؟ !، قَالَ: قُلتُ: أَرَدتُّ أَن أَشتَرِطَ، قَالَ: تَشتَرِطُ بمَاذَا؟ !، قُلتُ: أَن يُغفَرَ لِي، قَالَ: أَمَا عَلِمتَ أَنَّ\nــ\nوابنُ شُمَاسَةَ رُوِّيناه بفتح الشين وضمِّها، واسمُهُ: عبد الرحمن بن شُمَاسة، أبوه مِن بني مَهرة، قَبِيلٌ.\nو(قولُ عمرو بن العاص: إِنَّ أَفضَلَ مَا نُعِدُّ: شَهَادَةُ: أَن لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ) أي: أفضلُ ما نتخذه عُدَّةً لِلِقَاءِ الله تعالى: الإيمانُ بالله تعالى، وتوحيدُهُ، وتصديقُ رسوله - ﷺ -، والنطقُ بذلك. وقد تقدَّم أنَّ الإيمانَ أفضلُ الأعمالِ كلِّها، ويتأكَّدُ أمرُ النطق بالشهادتَينِ عند الموت؛ ليكونَ ذلك خَاتِمَةَ أمره، وآخِرَ كلامه.\nو(قوله: إِنِّي كُنتُ عَلَى أَطبَاقٍ ثَلَاثَةٍ) أي: أحوالٍ ومنازلَ، ومنه قوله تعالى: لَتَركَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ أي: حالًا بعد حال.\nو(قوله: ابسُط يَمِينَكَ فَلِأُبَايِعكَ) بكسر اللام وإسكان العين على الأمر، أي: أَمرِ المتكلِّمِ لنفسه، والفاءُ جوابٌ لما تضمَّنه الأمرُ الذي هو ابسُط من الشرط. ويصحُّ أن تكون اللامُ لامَ كي، وبنصبَ أُبَايِعَكَ، وتكونَ اللامُ سببية، والله أعلم.","vol":"1","page":328},{"text":"الإِسلَامَ يَهدِمُ مَا كَانَ قَبلَهُ؟ ! وَأَنَّ الهِجرَةَ تَهدِمُ مَا كَانَ قَبلَهَا؟ ! وَأَنَّ الحَجَّ يَهدِمُ مَا كَانَ قَبلَهُ؟ !، وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِن رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَلَا أَجَلَّ فِي عَينِي مِنهُ، وَمَا كُنتُ أُطِيقُ أَن أَملَأَ عَينَيَّ مِنهُ؛ إِجلَالًا لَهُ، وَلَو سُئِلتُ أَن أَصِفَهُ، مَا أَطَقتُ؛ لِأَنِّي لَم أَكُن أَملَأُ عَينَيَّ مِنهُ، وَلَو مُتُّ عَلَى تِلكَ الحَالِ،\nــ\nو(قوله: إِنَّ الإِسلَامَ يَهدِمُ مَا كَانَ قَبلَهُ، وَإِنَّ الهِجرَةَ تَهدِمُ مَا كَانَ قَبلَهَا، وَإِنَّ الحَجَّ يَهدِمُ مَا كَانَ قَبلَهُ) الهَدمُ هنا: استعارةٌ وتوسُّع، يعني به: الإذهابَ والإزالة؛ لأنَّ الجدار إذا انهدم، فقد زالَ وضعُهُ، وذهَبَ وجودُهُ، وقد عبَّر عنه في الرواية الأخرى بالجَبِّ، فقال: يَجُبُّ، أي: يَقطَعُ، ومنه المجبوبُ، وهو المقطوعُ ذَكَرُهُ.\nومعنى العبارتَينِ واحد، ومقصودُهُمَا: أنَّ هذه الأعمالَ الثلاثةَ تُسقِطُ الذنوبَ التي تقدَّمَتهَا كلَّها، صغيرَهَا وكبيرها؛ فإنَّ ألفاظَهَا عامَّةٌ خرجَت على سؤالٍ خاصٍّ؛ فإنَّ عَمرًا إنما سأل أن يغفَرَ له ذنوبُهُ السابقةُ بالإسلام، فأُجِيبَ على ذلك؛ فالذنوبُ داخلةٌ في تلك الألفاظِ العامَّةِ قطعًا، وهي بحكم عمومها صالحةٌ لتناوُلِ الحقوقِ الشرعيَّة، والحقوقِ الآدميَّة؛ وقد ثبَتَ ذلك في حَقِّ الكافر الحربيِّ إذا أسلَمَ؛ فإنَّه لا يُطَالَبُ بشيء مِن تلك الحقوق، ولو قَتَلَ وأَخَذَ الأموالَ، لم يُقتَصَّ منه بالإجماع، ولو خرجَتِ الأموالُ مِن تحت يده، لم يطالَب بشيء منها.\nولو أسلَمَ الحربيُّ وبيده مالُ مسلمٍ؛ عَبِيدٌ، أو عُرُوضٌ، أو عَينٌ؛ فمذهبُ مالك: أنَّه لا يجبُ عليه رَدُّ شيء من ذلك؛ تمسُّكًا بعمومِ هذا الحديث، وبأنَّ للكفَّارِ شبه مِلكٍ فيما حازُوهُ من أموال المسلمين وغيرهم؛ لأنَّ الله تعالى قد نسَبَ لهم أموالًا وأولادًا؛ فقال تعالى: فَلَا تُعجِبكَ أَموَالُهُم وَلَا أَولَادُهُم.\nوذهَبَ الشافعيُّ: إلى أنَّ ذلك لا يَحِلُّ لهم، وأنَّه يجبُ عليهم ردُّها إلى مَن كان يملكها مِنَ المسلمين، وأنَّهم كالغُصَّاب؛ وهذا يُبعِده: أنَّهم لو استَهلَكُوا ذلك في حالةِ كُفرهم ثُمَّ أسلموا، لم يَضمَنوا بالإجماعِ؛ على ما حكاه أبو محمَّدٍ عبدُ الوهَّاب (١).\nفأمَّا أسر المسلمين\n_________\n(١) هو عبد الوهاب بن محمد الفامي: فقيه شافعي (ت ٥٠٠ هـ).","vol":"1","page":329},{"text":"لَرَجَوتُ أَن أَكُونَ مِن أهل الجَنَّةِ، ثُمَّ وَلِينَا أَشيَاءَ مَا أَدرِي مَا حَالِي فِيهَا، فَإِذَا أَنَا مُتُّ، فَلَا تَصحَبنِي نَائِحَةٌ وَلَا نَارٌ، فَإِذَا دَفَنتُمُونِي، فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا، ثُمَّ أَقِيمُوا حَولَ قَبرِي قَدرَ مَا تُنحَرُ جَزُورٌ وَيُقسَمُ لَحمُهَا، حَتَّى أَستَأنِسَ بِكُم، وَأَنظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي.\nرواه مسلم (١٢١).\nــ\nالأحرارِ: فيجبُ عليهم رفعُ أيديهم عنهم؛ لأنَّ الحُرَّ لا يُملَكُ. وأما مَن أسلم مِن أهل الذمَّة: فلا يُسقِطُ الإسلامُ عنه حقًّا وجب عليه لأحدٍ مِن مالٍ أو دمٍ أو غيرهما؛ لأنَّ أحكام الإسلامِ جاريةٌ عليهم. واستيفاءُ الفروعِ في كتب الفقه. وأما الهجرةُ، والحَجُّ: فلا خلافَ في أنهما لا يُسقِطان إلا الذنوبَ والآثامَ السابقة، وهل يُسقِطان الكبائرَ والصغائر، أو الصغائرَ فقط؟ موضعُ نظرٍ سيأتي في كتاب الطهارة، إن شاء الله تعالى.\nو(قوله: فَإِذَا مُتُّ، فَلَا تَصحَبنِي نَائِحَةٌ وَلَا نَارٌ) إنَّما وصَّى باجتنابِ هذَين الأمرَين؛ لأنَّهما مِن عَمَلِ الجاهليَّة، ولِنَهيِ النبيِّ - ﷺ - عن ذلك.\nو(قوله: فَإِذَا دَفَنتُمُونِي، فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا) رُوِيَ هذا الحديث بالسِّين المهملة، والمعجمة، فقيل: هما بمعنًى واحدٍ، وهو الصَّبُّ، وقيل: هو بالمهملة: الصَّبُّ في سهولة، وبالمعجمةِ: صَبٌّ في تفريق. وهذه سُنَّةٌ في التراب على الميِّت في القبر؛ قاله عِيَاضٌ، وقد كره مالكٌ في العُتبِيَّةِ (١) الترصيصَ على القَبرِ بالحجارة والطُّوب.\nو(قوله: ثُمَّ أَقِيمُوا حَولَ قَبرِي قَدرَ مَا تُنحَرُ جَزُورٌ وَيُقسَمُ لَحمُهَا) الجَزُورُ بفتح الجيم: من الإبل، والجَزَرَةُ: من غيرها، وفي كتاب العين: الجَزَرَةُ من الضَّأنِ والمَعز خاصَّةً، وهي مأخوذةٌ من الجَزرِ، وهو القَطع.\n_________\n(١) \"العتبية\": مسائل في مذهب الإمام مالك، منسوبة إلى مصنِّفها محمد بن أحمد العتبي القرطبي، توفي سنة (٢٥٤ هـ).","vol":"1","page":330},{"text":"[٩٦] وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ أنَاسًا مِن أهل الشِّركِ قَتَلُوا فَأَكثَرُوا، وَزَنَوا فَأَكثَرُوا، ثم أَتَوا مُحَمَّدًا - ﷺ -، فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدعُو لَحَسَنٌ، وَلَو تُخبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلنَا كَفَّارَةً، فَنَزَلَ: وَالَّذِينَ لَا يَدعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقتُلُونَ النَّفسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ وَلَا يَزنُونَ وَمَن يَفعَل ذَلِكَ يَلقَ أَثَامًا، وَنَزَلَ: قُل يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِم لَا تَقنَطُوا مِن رَحمَةِ اللَّهِ الآيَةَ.\nرواه البخاري (٤٨١٠)، ومسلم (١٢٢)، وأبو داود (٤٢٧٣)، والنسائي (٧/ ٨٦).\n[٩٧] وَعَن حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ؛ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -: أَي رسولَ الله، أَرَأَيتَ أُمُورًا كُنتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ؛ مِن صَدَقَةٍ، أو عَتَاقَةٍ، أو صِلَةِ رَحِمٍ، أَفِيهَا أَجرٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أَسلَمتَ عَلَى مَا أَسلَفتَ مِن خَيرٍ.\nــ\nو(قوله: وَلَو تُخبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلنَا كَفَّارَةً) يَحتملُ: أن تكونَ لو هنا للامتناع، ويكونُ جوابها محذوفًا، تقديره: لَأَسلَمنا، أو نحوه. ويَحتملُ: أن يكون تمنِّيًا بمعنى ليت. والأوَّل أظهر. وقوله تعالى: وَمَن يَفعَل ذَلِكَ يَلقَ أَثَامًا يُضَاعَف لَهُ العَذَابُ يَومَ القِيَامَةِ الآية، ذا: إشارةٌ إلى واحدٍ في أصلِ وضعها، غَيرَ أنَّ الواحدَ تارةً يكونُ واحدًا بالنصِّ عليه، وتارةً يكونُ بتأويل، وإن كانت أمور متعدِّدة في اللفظِ كما في هذه الآية؛ فإنَّه ذكَرَ قَبلَ ذا أمورًا، وأعاد الإشارةَ إليها مِن حيثُ إنَّها مَذكُورةٌ أو مَقُولة؛ فكأنَّه قال: ومَن يفعلِ المذكورَ أو المقولَ. وفي هذه الآية: حُجَّةٌ لمن قال: إنَّ الكفَّار مُخَاطَبُونَ بفروعِ الشريعة، وهو الصحيحُ مِن مذهبِ مالكٍ؛ على ما ذكرناه في الأصول.\nو(قوله: أَسلَمتَ عَلَى مَا أَسلَفتَ مِن خَيرٍ) اختُلِفَ في تأويله؛ فقيل","vol":"1","page":331},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ أَعتَقَ فِي الجَاهِلِيَّةِ مِائَةَ رَقَبَةٍ، وَحَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ، ثُمَّ أَعتَقَ فِي الإِسلَامِ مِائَةَ رَقَبَةٍ، وَحَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ -. . . فَذَكَرَ نَحوَهُ.\nرواه أحمد (٣/ ٤٠٢ و٤٣٤)، والبخاري (٢٥٣٨)، ومسلم (١٢٣).\n* * *\nــ\nمعناه: إنَّك اكتسبتَ طِباعًا جميلةً، وخُلُقًا حسنةً في الجاهلية، أَكسَبَتكَ خُلُقًا جميلةً في الإسلام. وقيل: اكتسَبتَ بذلك ثناءً جميلًا، فهو باقٍ عليك في الإسلام. وقيل: معناه: ببركةِ ما سبَقَ لك مِن خيرٍ، هداك الله للإسلام. وقال الحَربِيُّ: ما تقدَّم لك مِنَ الخير الذي عَمِلتَهُ هو لك؛ كما تقول: أَسلَمتُ على ألفِ درهم، أي: على أَن أُحرِزها لنفسه.\nقال المؤلف - ﵀ -: وهذا الذي قاله الحَربِيُّ هو أشبهها وأَولَاها، وهو الذي أَشَرنا إليه في الترجمة، والله تعالى أعلم.\nوفي هذا الحديثِ - أعني حديثَ عمرو بن العاصي - فوائد:\nمنها: تبشيرُ المحتضَرِ، وتذكيرُهُ بأعمالِهِ الصالحة؛ ليقوَى رجاؤه، ويَحسُنَ باللهِ ظَنُّهُ.\nومنها: أنَّ الميِّت تُرَدُّ عليه رُوحُهُ، ويَسمَعُ حِسَّ مَن هو على قبره، وكلامَهُم، وأنَّ الملائكةَ تسألُهُ في ذلك الوقت. وهذا كلُّه إنما قاله عمرو، عن النبيِّ - ﷺ -؛ لأنَّ مِثله لا يُدرَكُ إلا مِن جهة النبي - ﷺ -، وعلى هذا فينبغي أن يُرشَدَ الميِّتُ في قبره حين وَضعِهِ فيه إلى جوابِ السؤال، ويُذكَّرَ بذلك، فيقال له: قُلِ: اللهُ ربِّي، والإسلامُ ديني، ومحمَّدٌ رسولي؛ فإنَّه عن ذلك يُسأَلُ كما جاءَت به الأحاديث","vol":"1","page":332},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nعلى ما يأتي، إن شاء الله تعالى، وقد جرى العمَلُ عندنا بِقُرطُبَةَ كذلك، فيقال: قل: هو محمَّدٌ رسولُ الله تعالى؛ وذلك عند هَيلِ التراب عليه. ولا يُعارَضُ هذا بقوله تعالى: وَمَا أَنتَ بِمُسمِعٍ مَن فِي القُبُورِ ولا بقوله: فَإِنَّكَ لَا تُسمِعُ المَوتَى؛ لأنَّ النبيَّ - ﷺ - قد نادى أهلَ القَلِيبِ وأسمعهم، وقال: مَا أَنتُم بِأَسمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنهُم، ولَكِنَّهُم لَا يَستَطِيعُونَ جَوَابًا (١)، وقد قال في الميِّت: إِنَّهُ يَسمَعُ قَرعَ نِعَالِهِم (٢)، وإنَّ هذا يكونُ في حال دون حال، ووَقتٍ دون وقت، وسيأتي استيفاءُ هذا المعنَى في الجنائز، إن شاء الله تعالى.\nوفي هذا الحديثِ: ما كانتِ الصحابةُ عليه مِن شدَّة محبَّتهم لرسولِ الله - ﷺ - وتعظيمِهِ وتوقيره.\nوفيه: الخوفُ مِن تغيُّرِ الحال، والتقصيرِ في الأعمالِ في حالِ الموت، لكن ينبغي أن يكونَ الرجاءُ هو الأغلَبَ في تلك الحال، حتَّى يَحسُنَ ظنُّهُ بالله تعالى ﷿: فيلقاه على ما أَمَرَ به رسولُ الله - ﷺ -؛ حيثُ قال: لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُم إِلَاّ وهو يُحسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ ﷿ (٣). كما تقدم (٤).\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ١١٤)، والبخاري (٣٩٨٠ و٣٩٨١)، ومسلم (٩٣٢) من حديث عبد الله بن عمر ﵄.\n(٢) رواه البخاري (١٣٧٤)، ومسلم (٢٨٧٠)، وأبو داود (٣٢٣١)، والنسائي (٤/ ٩٧ و٩٨) من حديث أنس بن مالك ﵁.\n(٣) رواه مسلم (٢٨٧٧)، وأبو داود (٣١١٣) من حديث جابر بن عبد الله ﵄.\n(٤) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"1","page":333},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>(٤٠) بَابُ ظُلمٍ دُونَ ظُلمٍ</span>\n[٩٨] عَن عَبدِ اللهِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَت: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَم يَلبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلمٍ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَقَالُوا: أَيُّنَا لا يَظلِمُ نَفسَهُ؟ ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: لَيسَ هو كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا هو كَمَا قَالَ لُقمَانُ لاِبنِهِ: يَابُنَيَّ لَا تُشرِك بِاللَّهِ إِنَّ الشِّركَ لَظُلمٌ عَظِيمٌ.\nــ\n(٤٠) وَمِن بَابِ ظُلمٍ دُونَ ظُلمٍ\n(قوله تعالى: وَلَم يَلبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلمٍ) أي: لم يَخلِطوا، يقال: لَبَستُ الأَمرَ بغيره - بفتح الباء في الماضي، وكسرها في المستقبل - لَبسًا: إذا خَلَطتَهُ، ولَبِستُ الثوبَ - بكسر الباء في الماضي، وفتحها في المستقبل - لُبسًا ولِبَاسًا. والظُّلمُ: وَضعُ الشيءِ في غير موضعه؛ ومنه قولُ النابغة:\n. . . . . . . . . . . . . . . . . ... وَالنُّؤيُ كالحَوضِ بِالمَظلُومَةِ الجَلَدِ (١)\nفسمَّى الأرضَ مظلومةً؛ لأنَّ النُّؤيَ حُفِرَ في الصُّلبِ منها، وليس موضعَ حَفر. والمرادُ به في الآية:، وهو أعظمُ الظلم؛ إذ المُشرِكُ اعتقدَ الإلهيَّةَ لغيرِ مستَحِقِّها؛ كما قال تعالى: إِنَّ الشِّركَ لَظُلمٌ عَظِيمٌ أي: لا ظُلمَ أعظَمُ منه. ويقال على المعاصي ظُلم؛ لأنَّها وُضِعَت موضعَ ما يجبُ من الطاعةِ لله تعالى، وقد يأتي الظُّلمُ ويرادُ به النقص؛ كما قال تعالى: وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُم يَظلِمُونَ أي: ما نَقَصُونا بِكُفرهم شيئًا، ولكن نَقَصُوا أنفسهم حظَّها من الخير.\n_________\n(١) أوله: إلَّا الأواريَّ لَأْيًا ما أُبَيِّنُها.","vol":"1","page":334},{"text":"رواه أحمد (١/ ٤٤٤)، والبخاري (٣٢) و(٤٧٧٦)، ومسلم (١٢٤)، والترمذي (٣٠٦٩).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>(٤١) بَابٌ فِي قَولِهِ ﷿: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرضِ إلَى آخِرِ السُّورَةِ</span>\n[٩٩] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: لَمَّا أُنزِلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: لِلَّهِ مَا فِي\nــ\nوفي هذا الحديثِ: ما يدلُّ على أنَّ النكرةَ في سياق النفي تَعُمُّ؛ لأنَّ الصحابة فَهِمَت من ذلك العمومِ كُلَّ ظلم، وأقرَّهم النبيُّ - ﷺ - على ذلك الفَهمِ، وبيَّن لهم أنَّ المراد بذلك ظُلمٌ مخصوص. وفي الآية: دليلٌ على جواز إطلاقِ اللَّفظِ العامِّ، والمرادُ به الخصوصُ.\n(٤١) ومِن بَابِ قَولِهِ تَعَالَى: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرضِ الآيَةَ\nما هذه التي في أوَّلِ الآية بمعنى الذي، وهي متناولةٌ لمن يَعقِلُ وما لا يعقل، وهي هنا عامَّةٌ لا تخصيصَ فيها بوجه؛ لأنَّ كلَّ من في السماواتِ والأرضِ وما فيهما وما بينهما: خَلقُ الله تعالى، ومِلكٌ له. وهذا إنما يتمشَّى على مذهبِ أهلِ الحَقِّ والتحقيقِ الذين يُحِيلُونَ على الله تعالى أن يكونَ في السماءِ أو في الأرضِ؛ إذ لو كان في شيء، لكان محصورًا محدودًا، ولو كان كذلك، لكان مُحدَثًا. وعلى هذه القاعدة: فقوله تعالى: أَأَمِنتُم مَن فِي السَّمَاءِ وقولُ الأَمَةِ","vol":"1","page":335},{"text":"السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرضِ وَإِن تُبدُوا مَا فِي أَنفُسِكُم أَو تُخفُوهُ يُحَاسِبكُم بِهِ اللَّهُ الآية، قَالَ: فَاشتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأَتَوا رسولَ الله - ﷺ -، ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَبِ، فَقَالُوا: أَي رسولَ الله، كُلِّفنَا مِنَ الأَعمَالِ مَا نُطِيقُ؛ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ وَالجِهَادَ وَالصَّدَقَةَ،\nــ\nللنبيِّ - ﷺ - حين قال لها: أَينَ اللهُ؟ فقالَت: فِي السَّمَاءِ (١)، ولم يُنكِر عليها ذلك، وما قد رُوِيَ عن بعض السلف أنَّهم كانوا يُطلِقون ذلك، ليس على ظاهره، بل هو مُؤَوَّلٌ تأويلاتٍ صحيحةً قد أبداها كثيرٌ من أهل العلمِ في كتبهم، لكنَّ السلَفَ - ﵃ أجمعين - كانوا يجتنبون تأويلَ المتشابهات، ولا يتعرَّضون لها، مع عِلمهم بأنَّ الله تعالى يستحيلُ عليه سِمَاتُ المُحدَثَات، ولوازمُ المخلوقات، واستيفاءُ المباحث هذه في علم الكلام.\nو(قوله: إِن تُبدُوا مَا فِي أَنفُسِكُم أَو تُخفُوهُ يُحَاسِبكُم بِهِ اللَّهُ) ما: هذه أيضًا على عمومها، فتتناولُ كلَّ ما يقع في نَفسِ الإنسانِ من الخواطر؛ ما أُطِيقَ دفعُهُ منها وما لا يطاق؛ ولذلك أَشفَقَتِ الصحابة مِن محاسبتِهِم على جميعِ ذلك ومؤاخذتِهِم به، فقالوا للنبيِّ - ﷺ -: كُلِّفنَا مَا نُطِيقُ بالصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ، وَهَذِهِ الآيةُ لَا نُطِيقُهَا.\nففيه دليلٌ على أنَّ موضوعَ ما للعموم، وأنَّه معمولٌ به فيما طريقُهُ الاعتقادُ؛ كما هو معمولٌ به فيما طريقُهُ العمل، وأنَّه لا يجبُ التوقُّفُ فيه إلى البحثِ على المخصِّص، بل يُبَادِرُ (٢) إلى استغراقِ الاعتقاد (٣) فيه، وإن جاز التخصيصُ، وهذه المسائلُ اختُلِفَ فيها؛ كما بيَّنَّاه في الأصول.\nولمَّا سمع النبيُّ - ﷺ - ذلك القولَ منهم، أجابهم بأن قال: أَتُرِيدُونَ أَن تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهلُ الكِتَاب مِن قَبلِكُم: سَمِعنَا\n_________\n(١) رواه مسلم (٥٣٧)، وأبو داود (٩٣٠ و٩٣١)، والنسائي (٣/ ١٤ - ١٨) من حديث معاوية بن الحكم السلمي ﵁.\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٣) في (ل) و(ط): اعتقاد الاستغراق.","vol":"1","page":336},{"text":"وَقَد أُنزِلَ عَلَيكَ هَذِهِ الآيَةُ، وَلَا نُطِيقُهَا! ! قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أَتُرِيدُونَ أَن تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهلُ الكِتَابَينِ مِن قَبلِكُم: سَمِعنَا وَعَصَينَا؟ ! بَل قُولُوا: سَمِعنَا وَأَطَعنَا، غُفرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيكَ المَصِيرُ، فَلَمَّا اقتَرَأَهَا القَومُ، وَذَلَّت بِهَا\nــ\nوَعَصَينَا؟ ! بَل قُولُوا: سَمِعنَا وَأَطَعنَا، فأقرَّهم النبيُّ - ﷺ - على ما فهموه، وبيَّن لهم أنَّ لله تعالى أن يُكلِّفَ عبادَهُ بما يطيقونَهُ وبما لا يطيقونه، ونهاهم عن أن يقَعَ لهم شيءٌ مما وقَعَ لضُلَاّلِ أهل الكتاب مِنَ المخالفة، وأمَرَهُم بالسَّمعِ والطاعةِ، والتسليمِ لأمر الله تعالى على ما فهموه، فسلَّم القومُ لذلك وأذعنوا، ووطَّنوا أنفسهم على أنَّهم كُلِّفُوا في الآية بما لا يطيقونَهُ، واعتقدوا ذلك، فقد عملوا بمقتضى ذلك العمومِ، وثبَتَ ووَرَدَ، فإن قدِّر رافعٌ لشيء منه، فذلك الرَّفعُ نسخٌ لا تخصيص.\nوعلى هذا: فقولُ الصحابي: فَلَمَّا فَعَلُوا نَسَخَهَا اللهُ على حقيقة النسخ، لا على جهة التخصيص؛ خلافًا لمن لم يَظهَر له ما ذكرناه، وهم كثيرٌ من المتكلِّمين على هذا الحديث، مِمَّن رأى أنَّ ذلك من باب التخصيص، لا مِن باب النسخ، وتأوَّلوا قولَ الصحابيِّ: إنَّه نَسخٌ؛ على أنَّه أراد بالنَّسخِ التخصيصَ، وقال: إنَّهم كانوا لا يفرِّقون بين النسخ والتخصيص، وقد كُنتُ على ذلك زمانًا إلى أن ظَهَرَ لي ما ذكرتُهُ، فتأمَّلهُ؛ فإنَّه الصحيح، إن شاء الله تعالى.\nو(قوله: إِنَّهُم - يعني: الصحابةَ إنهم - كانوا لا يُفرِّقون بين النسخ والتخصيص) إن أراد به: أنَّهم لم ينصُّوا على الفَرقِ فمسلَّم، وكذلك أكثرُ مسائلِ عِلمِ الأصول، بل كله؛ فإنَّهم لم ينصُّوا على شيء منها، بل فرَّعوا عليها، وعَمِلُوا على مقتضاها، من غير عبارةٍ عنها ولا نُطقٍ بها، إلى أن جاء مَن بعدهم، ففَطنُوا لذلك وعبَّروا عنه، حتى صنَّفوا فيه التصانيفَ المعروفة، وَأَوَّلُهُم في ذلك الشافعيُّ - ﵀ - فيما علمنا. وإن أراد بذلك: أنَّهم لم يكونوا يَعرِفُونَ الفرقَ بين النسخ والتخصيص (١)، ولا عَمِلُوا عليه: فقد نسبهم إلى ما يستحيلُ عليهم؛ لثقابةِ أذهانهم،\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"1","page":337},{"text":"أَلسِنَتُهُم، أَنزَلَ اللهُ فِي إِثرِهَا: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيهِ مِن رَبِّهِ وَالمُؤمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِن رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعنَا وَأَطَعنَا غُفرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيكَ المَصِيرُ فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ، نَسَخَهَا اللهُ تَعَالَى؛ فَأَنزَلَ اللهُ ﷿: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفسًا إِلَّا وُسعَهَا لَهَا مَا كَسَبَت وَعَلَيهَا مَا اكتَسَبَت رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذنَا إِن نَسِينَا أَو أَخطَأنَا قَالَ: نَعَم،\nــ\nوصحَّةِ فهومهم، وغزارةِ علومهم، وأنَّهم أَولَى بعلم ذلك مِن كل مَن بعدهم؛ كيف لا وَهُم أئمَّةُ الهدى، وبهم إلى كُلِّ العلومِ يُقتدَى، وإليهم المرتَجَع، وقولهم المُتَّبَع، وكيف يَخفَى عليهم ذلك، وهو مِنَ المبادئ الظاهرة على ما قَرَّرنَاهُ في الأصول.\nو(قوله: لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِن رُسُلِهِ) أي: يقولون: لا نفرِّقُ بين أحد منهم؛ في العلم بِصِحَّةِ رسالاتهم، وصِدقِهِم في قولهم.\nوغُفرَانَكَ: منصوبٌ على المصدر، أي: اغفر غفرانَكَ، وقيل: مفعولٌ بفعل مضمر، أي: هَب غفرانَكَ. والمَصِير: المرجع. والتَّكلِيف: إلزامٌ مَا في فعله كُلفَةٌ، وهي النَّصَبُ والمشقَّة. والوُسع: الطاقة.\nوهذه الآية تدلُّ على أنَّ لله تعالى أن يكلِّفَ عبادَهُ بما يُطِيقونه وما لا يُطِيقونه، ممكنًا كان أو غيرَ ممكن، لكنَّه تعالى تفضَّلَ بأنَّه لم يُكَلِّفنَا ما لا نطيقه، وبما لا يمكننا إيقاعُهُ، وكمَّلَ علينا بِفَضلِهِ برَفعِ الإصرِ والمشقات التي كلَّفها غيرنا. واستيفاءُ مباحثِ هذه المسألةِ في علمِ الكلامِ والأصول.\nو(قوله: لَهَا مَا كَسَبَت وَعَلَيهَا مَا اكتَسَبَت) أي: ما كسَبَت من خيرٍ، فلها ثوابه، وما اكتسَبَت من شَرٍّ، فعليها عقابُهُ. وكَسَبَ واكتَسَبَ: لغتان بمعنًى واحدٍ؛ كقَدَرَ واقتَدَرَ.\nويمكنُ أن يقال: إن هذه التاءَ تاءُ الاستفعالِ والتعاطي، ودخلَت في اكتسابِ الشَّرِّ دون كسب الخير؛ إشعارًا بأنَّ الشَّرَّ لا يؤاخَذُ به إلا بعد تعاطيه","vol":"1","page":338},{"text":"رَبَّنَا وَلَا تَحمِل عَلَينَا إِصرًا كَمَا حَمَلتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبلِنَا قَالَ: نَعَم، رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ قَالَ: نَعَم، وَاعفُ عَنَّا وَاغفِر لَنَا وَارحَمنَا أَنتَ مَولَانَا فَانصُرنَا عَلَى القَومِ الكَافِرِينَ قَالَ: نَعَم.\nرواه أحمد (٢/ ٤١٢)، ومسلم (١٢٥).\nــ\nوفعلِهِ دون الهَمِّ به؛ بخلاف الخير: فإنَّه يُكتَبُ لمن هَمَّ به وتحدَّثَ به في قلبه، كما جاء في قوله - ﵊ - مُخبِرًا عن الله تعالى: إِذَا تَحَدَّثَ عَبدِي بِأَن يَعمَلَ حَسَنَةً، فَأَنَا أَكتُبُهَا لَهُ حَسَنَةً مَا لَم يَعمَلهَا، فَإذَا عَمِلَهَا، فَأَنَا أَكتُبُهَا لَهُ بِعَشرِ أَمثَالِهَا، وإِذا تَحَدَّثَ بِأَن يَعمَلَ (١) سَيِّئَةً، فَأَنَا أَغفِرُهَا لَهُ مَا لَم يَعمَل، فَإِذَا عَمِلَهَا، فَأَنَا أَكتُبُهَا لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً (٢)، وفي لفظٍ آخَرَ: فإِذَا هَمّ بدل تَحَدَّثَ، وسيأتي إن شاء الله تعالى النظرُ في هذا الحديث (٣).\nوالإِصرُ: العهدُ الذي يُعجَزُ عنه؛ قاله ابن عباس، وقال الربيع: هو الثقلُ العظيم، وقال ابن زيد: هو الذنبُ الذي لا توبةَ له، ولا كَفَّارَةَ.\nو(قوله: وَاعفُ عَنَّا وَاغفِر لَنَا وَارحَمنَا) قيل: اعفُ عن الكبائر، واغفِرِ الصغائر، وارحَم بتثقيل الموازين، وقيل: اعفُ عن الأقوال، واغفِرِ الأفعال، وارحَم بتوالي الألطافِ وسَنِيِّ الأحوال. قلت: وأصلُ العفو: التسهيلُ، والمغفرةُ، والسترُ، والرحمةُ: إيصالُ النعمةِ إلى المحتاج.\nومولانا: وليُّنا، ومتولِّي أمورِنَا، وناصرُنَا.\nونَعَم: حرفُ جواب، وهو هنا إجابةٌ لما دَعَوا فيه، كما قال في الرواية\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٢) سيأتي تخريجه برقم (١٠١) من حديث أبي هريرة بلفظ: \"إذا تحدّث. . . \". ورواه أبو عوانة في مسنده (١/ ٨٣) بلفظ: \"إذا همّ. .\". وانظره في صحيح مسلم (١٦٢) بنحوه من حديث أنس بن مالك ﵁.\n(٣) أغفل المؤلف -﵀- شَرْح هذا الحديث.","vol":"1","page":339},{"text":"[١٠٠] وعَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَت بِهِ أَنفُسَهَا مَا لَم تَعمَل أو تَكَلَّم بِهِ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٩٣ و٤٢٥ و٤٧٤ و٤٨١)، والبخاري (٢٥٢٨)، ومسلم (١٢٧)، وأبو داود (٢٢٠٩)، والترمذي (١١٨٣)، والنسائي (٦/ ١٥٦ - ١٥٧)، وابن ماجه (٢٠٤٠).\n* * *\nــ\nالأخرى عن ابن عبَّاس: قَد فَعَلتُ بدل قوله هنا: نَعَم. وهو إخبارٌ من الله تعالى: أنَّه أجابهم في تلك الدعوات، فكلُّ داعٍ يشاركُهُم في إيمانِهِم وإخلاصِهِم واستسلامِهِم، أجابه (١) الله تعالى كإجابتهم؛ لأنَّ وَعدَه تعالى صدقٌ، وقولَهُ حقٌّ. وكان معاذ يختمُ هذه السورةَ بآمِينَ كما يختمُ الفاتحة (٢)، وهو حَسَن.\nو(قوله - ﵊ -: إِنَّ اللهَ تعالى تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَت بِهِ أَنفُسَهَا) روايتنا: نصبُ أَنفُسَهَا، على أنَّه مفعولُ حَدَّثَت، وفي حَدَّثَت ضميرُ فاعلٍ عائدٌ على الأُمَّة. وأهل اللغة يقولون: أَنفُسُهَا بالرفع على أنَّه فاعلُ حَدَّثَت، يريدون بغير اختيار؛ قاله الطحاويُّ.\nقال المؤلف - ﵀ -: يعني: أنَّ الذي لا يؤاخَذُ به هي الأحاديثُ الطارئةُ التي لا ثباتَ لها، ولا استقرارَ في النَّفسِ، ولا رُكُونَ إليها. وهذا نحو ممَّا قاله القاضي أبو بكر في قوله - ﵊ - عن الله: إِذَا هَمَّ عَبدِي بِحَسَنَةٍ، فَأَنَا أَكتُبُهَا لَهُ حَسَنَةً مَا لَم يَعمَل، فَإِذَا عَمِلَهَا، فَأَنَا أَكتُبُهَا لَهُ عَشرًا، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ، فَأَنَا أَغفِرُهَا لَهُ مَا لَم يَعمَلهَا، فَإذَا عَمِلَهَا، فَأَنَا أَكتُبُهَا لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً.\nقال القاضي: إنَّ الهمَّ هاهنا: ما يَمُرُّ بالفِكرِ من غير استقرارٍ ولا توطين، فلو استمرَّ ووطَّن نفسه عليه، لكان ذلك هو العَزمَ المؤاخَذَ به أو المثابَ عليه؛ بدليل قوله - عليه الصلاة\n_________\n(١) في (ل): أجابوا.\n(٢) رواه أبو عبيد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر. (الدر المنثور ٢/ ١٣٧).","vol":"1","page":340},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوالسلام -: إِذَا التَقَى المُسلِمَانِ بِسَيفَيهِمَا، فَالقَاتِلُ وَالمَقتُولُ فِي النَّارِ، قَالُوا: يَا رسولَ الله، هَذَا القَاتِلُ، فَمَا بَالُ المَقتُولِ؟ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتلِ صَاحِبِهِ (١).\nلا يُقَالُ: هذه المؤاخذةُ هنا إنَّما كانت لأنَّه قد عَمِلَ بما استَقَرَّ في قلبه مِن حمله السلاحَ عليه، لا بمجرَّدِ حِرصِ القلب؛ لأنَّا نقول: هذا فاسدٌ؛ لأنَّه - ﵊ - قد نصَّ على ما وقعَتِ المؤاخذةُ به، وأعرَضَ عن غيره، فقال: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتلِ صَاحِبِهِ، فلو كان حَملُ السلاحِ هو العِلَّةَ للمؤاخذةِ أو جُزءَهَا، لَمَا سكَتَ عنه، وعلَّقَ المؤاخذَةَ على غيره؛ لأنَّ ذلك خلافُ البيانِ الواجبِ عند الحاجةِ إليه، وهذا الذي صار إليه القاضي، هو الذي عليه عامَّةُ السلفِ وأهلِ العلمِ؛ من الفقهاء والمحدِّثين والمتكلِّمين.\nولا يُلتَفَتُ إلى مَن خالفهم في ذلك؛ فزعم: أنَّ ما يَهُمُّ به الإنسانُ، وإن وطَّن نفسَهُ عليه، لا يؤاخَذُ به؛ مُتَمَسِّكًا في ذلك بقوله تعالى: وَلَقَد هَمَّت بِهِ وَهَمَّ بِهَا وبقوله - ﵊ -: مَا لَم يعمَل أو يتَكَلَّم بِهِ، ومن لم يعمل بما عزَمَ عليه ولا نطَقَ به، فلا يؤاخَذُ به، وهو متجاوَزٌ عنه، والجوابُ عن الآية: أنَّ مِنَ الهمِّ ما يؤاخَذُ به، وهو ما استَقَرَّ واستوطَنَ، ومنه ما يكونُ أحاديثَ لا تستقرُّ؛ فلا يؤاخَذُ بها؛ كما شَهِدَ به الحديثُ، وما في الآية من القِسمِ الثاني لا الأوَّل، وفي الآيةِ تأويلاتٌ هذا أحَدُهَا، وبه يحصُلُ الانفصال.\nوعن قوله مَا لَم يعمَل أنَّ توطينَ النفسِ عليه عَمَلٌ يؤاخَذُ به، والذي يرفعُ الإشكالَ، ويبيِّنُ المرادَ بهذا الحديث: حديثُ أبي كَبشةَ الأنماريِّ، واسمه عُمَرُ بن سَعد - على ما قاله خَليفة بنُ خَيَّاط -: أنَّه سَمِعَ رسولَ الله - ﷺ - يقول: إِنَّمَا الدُّنيَا لِأربَعَةِ نَفَرٍ. . (٢) الحديثَ إلى آخره، وقد ذكرناه.\n_________\n(١) رواه البخاري (٣١)، ومسلم (٢٨٨٨)، وأبو داود (٤٢٦٨)، والنسائي (٧/ ١٢٥)، وابن ماجه (٣٩٦٤) من حديث أبي بكرة ﵁.\n(٢) رواه أحمد (٤/ ٢٣١)، والترمذي (٢٣٢٥)، وابن ماجه (٤٢٢٨).","vol":"1","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>(٤٢) بَابُ مَا يَهُمُّ بِهِ العَبدُ مِنَ الحَسَنَةِ وَالسَّيِّئَةِ</span>\n[١٠١] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: قَالَ اللهُ تَعَالَى: إِذَا تَحَدَّثَ عَبدِي بِأَن يَعمَلَ حَسَنَةً، فَأَنَا أَكتُبُهَا لَهُ حَسَنَةً مَا لَم يَعمَل، فَإِذَا عَمِلَهَا، فَأَنَا أَكتُبُهَا بِعَشرِ أَمثَالِهَا، وَإِذَا تَحَدَّثَ بِأَن يَعمَلَ سَيِّئَةً، فَأَنَا أَغفِرُهَا لَهُ مَا لَم يَعمَلهَا، فَإِذَا عَمِلَهَا، فَأَنَا أَكتُبُهَا لَهُ بِمِثلِهَا.\nوَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: قَالَتِ المَلائِكَةُ: رَبِّ، ذَاكَ عَبدُكَ يُرِيدُ أَن يَعمَلَ سَيِّئَةً؟ - وهو أَبصَرُ بِهِ - فَقَالَ: ارقُبُوهُ؛ فَإِن عَمِلَهَا فَاكتُبُوهَا لَهُ بِمِثلِهَا، وَإِن تَرَكَهَا فَاكتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، إِنَّمَا تَرَكَهَا مِن جَرَّايَ.\nــ\n(٤٢) ومن باب ما يهم به العبد من الحسنة والسيئة (١)\n(قوله: قَالَتِ المَلَائِكَةُ: رَبِّ، ذَاكَ عَبدُكَ يُرِيدُ أَن يَعمَلَ سَيِّئَةً - وهو أَبصَرُ -) به قال الطبريُّ (٢): فيه دليلٌ على أنَّ الحَفَظَةَ تكتُبُ أعمالَ القلوبِ؛ خلافًا لمن قال: إنَّها لا تكتُبُ إلَاّ الأعمالَ الظاهرة.\nو(قوله: إِنَّمَا تَرَكَهَا مِن جَرَّايَ) أي: مِن أجلي، وفيه لغتان: المَدُّ والقصر؛ ومنه الحديث: إنَّ امرَأَةً دَخَلَتِ النَّارَ مِن جَرَّاءِ هِرَّةٍ (٣)، أي: مِن أجلِ، وهي مشدَّدةُ الراء في اللغتين، وقد خُفِّفت معهما. ومقصودُ هذا اللفظ: أنَّ الترك للسَّيِّئةِ لا يُكتَبُ حسنةً، إلَاّ إذا كان خوفًا من الله تعالى، أو حياءً من الله، وأيُّهما كان،\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من الأصول، وأثبتناه من تلخيص مسلم.\n(٢) في (ع): الدّارقطني.\n(٣) رواه مسلم (٢٦١٩).","vol":"1","page":342},{"text":"وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِذَا أَحسَنَ أَحَدُكُم إِسلَامَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعمَلُهَا تُكتَبُ بِعَشرِ أَمثَالِهَا إِلَى سَبعِمِائَةِ ضِعفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعمَلُهَا تُكتَبُ بِمِثلِهَا حَتَّى يَلقَى اللهَ ﷿.\nوفي رواية: إذا هم مكان إذا تحدث.\nرواه أحمد (٢/ ٣١٥)، ومسلم (١٢٩).\n* * *\nــ\nفذلك التركُ هو التوبةُ من ذلك الذنبِ. وإذا كان كذلك، فالتوبةُ عبادةٌ من العبادات؛ إذا حصَلَت بشروطها، أذهبَتِ السَّيِّئات، وأعقَبَتِ الحسنات.\nوقوله تعالى: إِنَّمَا تَرَكَهَا مِن جَرَّايَ. إخبارٌ منه تعالى للملائكةِ بما لم يعلموا مِن إخلاصِ العبد في التَّرك، ومِن هنا قيل: إنَّ الملائكةَ لا تَطَّلِعُ على إخلاصِ العبد. وقد دَلَّ عليه قولُهُ - ﵊ - في حديثِ حذيفةَ، عن النبيِّ - ﷺ -، وقد سأله عن الإخلاص ما هو؟ فقال: قَالَ اللهُ ﷿: هُو سِرٌّ مِن سِرِّي، استَودَعتُهُ قَلبَ مَن أَحبَبتُ مِن عِبَادِي (١) والحديثُ الآخرُ الذي يقولُ الله فيه للملائكةِ التي تكتُبُ الأعمالَ حينَ تَعرِضها عليه: ضَعُوا هَذَا وَاقبَلُوا هَذَا، فَتَقُولُ المَلَائِكَةُ: وَعِزَّتِكَ مَا رَأَينَا إِلَاّ خَيرًا، فَيَقُولُ اللهُ: إِنَّ هَذَا كَانَ لِغَيرِي، وَلَا أَقبَلُ مِنَ العَمَلِ إِلَاّ مَا ابتُغِيَ بِهِ وَجهِي (٢).\n_________\n(١) قال العراقي: رويناه في جزء من مسلسلات القزويني. وفيه أحمد بن عطاء وعبد الواحد بن زيد، كلاهما متروك. ورواه أبو القاسم القشيري في الرسالة من حديث علي ابن أبي طالب بسند ضعيف. (إتحاف السادة المتقين ١٠/ ٤٣).\n(٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٥٠): رواه الطبراني في الأوسط بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح، ورواه البزار، والبيهقي في الشعب (٦٨٣٦).","vol":"1","page":343},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>(٤٣) بَابُ استِعظَامُ الوَسوَسَةِ وَالنُّفرَةُ مِنهَا خَالِصُ الإِيمَانِ وَالأَمرِ بِالاِستِعَاذَةِ عِندَ وُقُوعِهَا</span>\n[١٠٢] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِن أَصحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَسَأَلُوهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَن يَتَكَلَّمَ بِهِ. قَالَ: وَقَد وَجَدتُّمُوهُ؟ !، قَالُوا: نَعَم، قَالَ: ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٤١)، ومسلم (١٣٢)، وأبو داود (٥١١١)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٦٦٤).\n[١٠٣] وعَن عَبدِ اللهِ، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَنِ الوَسوَسَةِ؟ فَقَالَ: تِلكَ مَحضُ الإِيمَانِ.\nرواه مسلم (١٣٣).\nــ\n(٤٣) وَمِن بَابِ: استِعظَامُ الوَسوَسَةِ، وَالنُّفرَةُ مِنهَا خَالِصُ الإِيمَانِ\n(قوله: وَقَد وَجَدتُّمُوهُ؟ !) كذا صحَّت الروايةُ وقد بالواو، ومعنى الكلام: الاستفهامُ على جهة الإنكارِ والتعجُّبِ، فَيَحتملُ: أن تكونَ همزةُ الاستفهامِ محذوفةً، والواو للعطفِ، فيكونُ التقدير: أَوَقَد وَجَدتموه؟ ! ويَحتمل: أن تكونَ الواو عِوَضَ الهمزة؛ كما قرأ قُنبُلٌ، عن ابن كَثِيرٍ: قَالَ فِرعَونُ وَآمَنتُم بِهِ، قال أبو عمرو الداني: هي عِوَضٌ من همزة الاستفهام، وهذه الواو مثلها. والضميرُ في وَجَدتُّمُوهُ عائدٌ على التعاظم الذي دَلَّ عليه يتعاظم.\nوالصَّرِيحُ والمَحضُ: الخالصُ الصافي، وأصلُهُ في اللبن. ومعنى هذا الحديثِ: أنَّ هذه الإلقاءاتِ والوساوسَ التي تلقيها الشياطينُ في صدور المؤمنين،","vol":"1","page":344},{"text":"[١٠٤] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: يَأتِي الشَّيطَانُ أَحَدَكُم فَيَقُولُ: مَن خَلَقَ كَذَا وَكَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: مَن خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ، فَليَستَعِذ بِاللهِ وَليَنتَهِ.\nــ\nتَنفِرُ منها قلوبُهُم، ويَعظُمُ عليهم وقوعُهَا عندهم، وذلك دليل صِحَّةِ إيمانهم ويقينِهِم ومعرفتِهِم بأنَّها باطلة، ومن إلقاءاتِ الشيطان (١)، ولولا ذلك، لركنوا إليها، وَلَقَبِلوها، ولم تَعظُم عندهم، ولا سَمَّوهَا وسوسةً، ولمَّا كان ذلك التعاظُمُ، وتلك النُّفرَةُ عن ذلك الإيمانَ، عبَّر عن ذلك بأنَّه خالصُ الإيمان، ومحضُ الإيمان؛ وذلك مِن باب تسميةِ الشيءِ باسمِ الشيء؛ إذا كان مُجَاوِرًا له، أو كان منه بِسَبَبٍ.\nو(قوله: فَليَستَعِذ بِاللهِ، وَليَنتَهِ) لمَّا كانت هذه الوساوسُ مِن إلقاءِ الشيطان، ولا قُوَّةَ لأحدٍ بدفعِهِ إلا بمعونةِ الله وكفايتِهِ: أمَرَ بالالتجاءِ إليه، والتعويلِ في دفع ضرَرِهِ عليه، وذلك معنى الاستعاذةِ على ما يأتي، ثم عقَّب ذلك بالأمرِ بالانتهاءِ عن تلك الوساوسِ والخواطرِ، أي: عن الالتفاتِ إليها والإصغاءِ نحوها، بل يُعرِضُ عنها ولا يبالي بها. وليس ذلك نهيًا عن إيقاعِ ما وَقَعَ منها، ولا عن أَلَاّ يقَعَ منه؛ لأنَّ ذلك ليس داخلًا تحت الاختيار ولا الكَسب، فلا يكلَّفُ بها، والله أعلم (٢).\nو(قوله في الحديث الآخر: قُل: آمَنتُ بِاللهِ) أمرٌ بتذكُّرِ (٣) الإيمانِ الشرعيِّ، واشتغالِ القلب به؛ لِتُمحَى تلك الشبهات، وتَضمَحِلَّ تلك التُّرَّهَات. وهذه كلُّها أدويةٌ للقلوبِ السليمة، الصحيحةِ المستقيمة، التي تَعرِضُ الترهاتُ لها، ولا تَمكُثُ فيها؛ فإذا استُعمِلَت هذه الأدويةُ على نحو ما أمر به، بَقِيَتِ القلوبُ على صِحَّتها، وانحفَظَت سلامتها.\nفأمَّا القلوبُ التي تمكَّنَت منها أمراضُ الشُّبَه فيها، ولم تَقدِر على\n_________\n(١) في (ع): الشياطين.\n(٢) في (م): والله أعلم بغيبه وأحكم.\n(٣) في (ط): تذكير.","vol":"1","page":345},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: فَليَقُل: آمَنتُ بِاللهِ.\nرواه البخاري (٣٢٧٦)، ومسلم (١٣٥)، وأبو داود (٤٧٢١) و(٤٧٢٢).\n* * *\nــ\nدفع ما حَلَّ بها بتلك الأدويةِ المذكورة، فلا بُدَّ من مشافهتها بالدليلِ العقليّ، والبرهانِ القطعيّ؛ كما فعل النبي - ﷺ - مع الذي خالَطَتهُ شبهةُ الإبلِ الجُرب، حين قال النبي - ﷺ -: لَا عَدوَى، فقال أعرابيٌّ: فما بَالُ الإِبِلِ تكونُ في الرَّملِ كأنَّهَا الظِّبَاءُ، فإذا دخَلَ فيها البَعِيرُ الأَجرَبُ أَجرَبَهَا؟ فقال النبي - ﷺ -: فَمَن أَعدَى الأَوَّلَ؟ ! (١) فاستأصَلَ الشبهةَ من أصلها.\nوتحريرُ ذلك على طريقِ البرهانِ العقليِّ أن يقال: إن كان الداخلُ أجرَبَهَا، فمن أجرَبَهُ؛ فإن كان أجرَبَهُ بعيرٌ آخر كان الكلامُ فيه كالكلامِ في الأوَّل، فإمَّا أن يتسلسَلَ أو يَدُور، وكلاهما محال، فلا بُدَّ أن نقف عند بَعِيرٍ أجربَهُ الله مِن غير عَدوَى؛ وإذا كان كذلك، فاللهُ تعالى هو الذي أجرَبَهَا كلَّها، أي: خلَقَ الجَرَبَ فيها. وهذا على منهاجِ دليلِ المتكلِّمين على إبطالِ عِلَلٍ وحوادثَ لا أَوَّلَ لها على ما يُعرَفُ في كتبهم.\nوالوَسوَسَةُ وزنها: فَعلَلَة، وهي صيغةٌ مُشعِرَةٌ بالتحرُّكِ والاضطرابِ؛ كالزَّلزَلَةِ، والقَلقَلَةِ، والحَقحَقَة، وأصلُ الوسوسة: الصوتُ الخفيُّ، ومنه سمِّي صوتُ الحَليِ: الوَسوَاس.\n* * *\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٧١٧)، ومسلم (٢٢٢٠)، وأبو داود (٣٩١١ و٣٩١٢ و٣٩١٣ و٣٩١٤ و٣٩١٥).","vol":"1","page":346},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>(٤٤) بَاب إِثمِ مَنِ اقتَطَعَ حَقَّ امرِئٍ بِيَمِينِهِ</span>\n[١٠٥] عَن أَبِي أُمَامَةَ؛ أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - قَالَ: مَنِ اقتَطَعَ حَقَّ امرِئٍ مُسلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَد أَوجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيهِ الجَنَّةَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِن كَانَ شَيئًا يَسِيرًا، يَا رَسُولَ اللهِ؟ ! قَالَ: وَإِن كان قَضِيبًا مِن أَرَاكٍ.\nرواه أحمد (٥/ ٢٦٠)، ومسلم (١٣٧)، والنسائي (٨/ ٢٤٦).\n[١٠٦] وَعَن عَلقَمَةَ بنِ وَائِلٍ، عَن أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِن حَضرَمَوتَ وَرَجُلٌ مِن كِندَةَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ الحَضرَمِيُّ: يَا رسولَ الله، إِنَّ هَذَا قَد غَلَبَنِي عَلَى أَرضٍ لِي كَانَت لِأَبِي، قَالَ الكِندِيُّ:\nــ\n(٤٤) وَمِن بَابِ إِثمِ مَنِ اقتَطَعَ حَقَّ امرِئٍ بِيَمِينِهِ\nاقتَطَعَ: من القطع، وهو الأَخذُ هنا؛ لأنَّ مَن أخَذَ شيئًا لنفسه، فقد قطَعَهُ عن مالكه.\nو(قوله: فَقَد أَوجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ) أي: إن كان مستَحِلًاّ لذلك، فإن كان غيرَ مستحلٍّ، وكان ممَّن لم يغفرِ اللهُ له، فيعذِّبُهُ اللهُ في النار ما شاء من الآباد، وفيها تحرِّمُ عليه الجنةَ، ثم يكونُ حاله كحالِ أهلِ الكبائر من الموحِّدين؛ على ما تقدَّم.\nويستفادُ من هذا الحديث: أنَّ اليمينَ الغَمُوسَ لا يَرفَعُ إثمَهَا الكَفَّارةُ، بل هي أعظَمُ مِن أن يُكفِّرَهَا شيءٌ، كما هو مذهبُ مالك، على ما يأتي في الأيمان إن شاء الله تعالى.\nو(قوله: إِنَّ هَذَا قَد غَلَبَنِي عَلَى أَرضٍ لِي كَانَت لِأَبِي) وفي الرواية الأخرى: انتَزَى، بمعنى غلب، وهو من النَّزو، وهو الارتفاعُ، وهو دليلٌ على","vol":"1","page":347},{"text":"هِيَ أَرضي فِي يَدِي أَزرَعُهَا، لَيسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِلحَضرَمِيِّ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ قَال: لا، قَالَ: فَلَكَ يَمِينُهُ، قَالَ: يَا رسولَ الله،\nــ\nأنَّ المُدَّعِيَ لا يلزمُهُ تحديدُ المُدَّعَى به إن كان مما يُحَدُّ، ولا أن يصفه بجميعِ أوصافه كما يوصفُ المُسلَمُ فيه، بل يكفي من ذلك أن يتميَّز المدعَى به تمييزًا تنضبطُ به الدعوى، وهو مذهبُ مالك.\nخلافًا لما ذهَبَت الشافعيَّة إليه؛ حيثُ ألزموا المدعيَ أن يَصِفَ المُدَّعَى به (١) بحدودِهِ وأوصافِهِ المعيَّنةِ التامَّة، كما يوصفُ المُسلَمُ فيه. وهذا الحديثُ حُجَّةٌ عليهم؛ أَلَا ترى أنَّه - ﷺ - لم يُكَلِّفهُ تحديدَ الأرضِ ولا تعيينَهَا، بل لمَّا كانتِ الدعوَى متميِّزةً في نفسها، اكتفَى بذلك.\nوظاهرُ هذا الحديثِ: أنَّ والد المدَّعِي قد كان توفِّي، وأنَّ الأرضَ صارت للمدَّعِي بالميراث، ومع ذلك فلم يطالبه النبيُّ - ﷺ - بإثباتِ الموتِ ولا بِحَصرِ الورثة؛ فَيَحتملُ أن يقال: إنَّ ذلك كان معلومًا عندهم، وَيَحتملُ أن يقالَ: لا يلزمُهُ إثباتُ شيء من ذلك، ما لم يناكرهُ خَصمه، والله أعلم.\nوفيه دليلٌ على أنَّ مَن نسَبَ خَصمَهُ إلى الغَصبِ حالةَ المحاكمة، لم يُنكِرِ الحاكمُ عليه، إلا أن يكونَ المقولُ له ذلك لا يَلِيقُ به.\nو(قوله: هِيَ أَرضِي فِي يَدِي أَزرَعُهَا، لَيسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ) دليلٌ على أنَّ المدعَى فيه لا يُنتَزَعُ من يدِ صاحبِ اليدِ لمجرَّدِ الدعوَى، وأنَّه لا يُسأَلُ عن سببِ يدِهِ، ولا عن سببِ ملكه.\nوقوله للحضرمي: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ وفي الطريق الأخرى: شَاهِدَاكَ أو يَمِينُهُ، دليلٌ على أنَّ المدعي يلزمُهُ إقامةُ البيِّنة، فإن لم يُقِمهَا، حَلَفَ المدعى عليه؛ وهو أمرٌ متَّفَقٌ عليه، وهو مستفادٌ من هذا الحديث.\nفأمَّا ما يُروَى عن النبي - ﷺ - من\n_________\n(١) ما بين حاصرتين يساقط من (ع).","vol":"1","page":348},{"text":"إِنَّ الرَّجُلَ فَاجِرٌ، لَا يُبَالِي عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيهِ، وَلَيسَ يَتَوَرَّعُ مِن شَيءٍ، فَقَالَ: لَيسَ لَكَ مِنهُ إِلَاّ ذَلِكَ، فَانطَلَقَ لِيَحلِفَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -\nــ\nقوله: البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي، وَاليَمِينُ عَلَى مَن أَنكَرَ (١)، فليس بصحيحِ الرواية؛ لأنَّه يدورُ على مسلمِ بنِ خالدٍ الزَّنجِيِّ، ولا يُحتَجُّ به (٢)، لكنَّ معنى متنه صحيحٌ بشهادةِ الحديثِ المتقدِّم له، وبحديثِ ابنِ عبَّاس الذي قال النبيُّ - ﷺ - فيه: وَلَكِنِ اليَمِينُ عَلَى مَن أَنكَرَ (٣).\nوفيه: حجةٌ لمن لا يشترطُ الخِلطَةَ في توجُّه اليمينِ على المدعَى عليه، وقد اشترَطَ ذلك مالكٌ، واعتُذِرَ له عن هذا الحديث: بأنَّها قضيةٌ في عَينٍ، ولعلَّه - ﷺ - عَلِمَ بينهما خِلطةً، فلم يطالبهُ بإثباتها، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: إِنَّ الرَّجُلَ فَاجِرٌ لَا يُبَالِي مَا حَلَفَ عَلَيهِ، وَلَيسَ يَتَوَرَّعُ مِن شَيءٍ) الفاجر: هو الكاذبُ الجريءُ على الكذب، والوَرَعُ: الكَفُّ، ومنه قولُهُم: رَوِّعُوا اللِّصَّ وَلَا تُورِعُوه أي: لا تنكفُّوا عنه. وظاهر هذا الحديث: أنَّ ما يجري بين المتخاصمَينِ في مجلس الحكم مِن مثلِ هذا السَّبِّ والتقبيحِ: جائزٌ، ولا شيءَ فيه؛ إِذ لم يُنكِر ذلك النبيُّ - ﷺ -؛ وإلى هذا ذهَبَ بعضُ أهل العلم. والجمهورُ: لا يُجِيزون شيئًا من ذلك، ويَرَونَ إنكارَ ذلك ويؤدِّبون عليه؛ تمسُّكًا بقاعدةِ تحريمِ السبابِ والأعراضِ.\nواعتذَرُوا عن هذا الحديث: بأنَّه مُحتمِلٌ لأن يكونَ النبيُّ - ﷺ - علم أنَّ المقولَ له ذلك القولُ كان كما قِيلَ له؛ فكان القائلُ صادقًا ولم يَقصِد أذاه بذلك، وإنَّما قصَدَ منفعةً يستخرجها، فلعلَّه إذا شُنِّعَ عليه، فقد ينزجرُ بذلك، فيرجعُ به للحق. ويَحتملُ: أن يكون النبي - ﷺ - تركَهُ ولم يَزجُرهُ؛ لأنَّ المقولَ له لم يَطلُب حقَّه في ذلك، والله أعلم.\n_________\n(١) رواه الترمذي (١٣٤١) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.\n(٢) في هامش (م): في تقريب التهذيب: صدوق كثير الأوهام، من الثامنة، مات (١٧٩ هـ) أو بعدها.\n(٣) رواه البيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٢٥٢).","vol":"1","page":349},{"text":"لَمَّا أَدبَرَ: أَمَا لَئِن حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأكُلَهُ ظُلمًا، لَيَلقَيَنَّ اللهَ وهو عَنهُ مُعرِضٌ.\nرواه مسلم (١٣٩)، وأبو داود (٣٢٤٥)، والترمذي (١٣٤٠).\n[١٠٧] ومِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: مَن\nــ\nو(قوله: شَاهِدَاكَ أو يَمِينُهُ) دليلٌ على اشتراطِ العددِ في الشهادة، وعلى انحصارِ طُرُقِ الحِجَاجِ في الشاهد واليمين، ما لم يَنكُلِ المُدَّعَى عليه عن اليمين، فإن نَكَلَ، حلَفَ المدَّعي واستحَقَّ المدعَى فيه، فإن نكل، فلا حُكمَ، ويُترَكُ المدعَى فيه في يد مَن كان بيده، وسيأتي القولُ في الشاهد واليمين.\nو(قوله: لَيَلقَيَنَّ اللهَ وهو عَنهُ مُعرِضٌ) أي: إعراضَ الغضبان، كما قال في الحديث الآخر: وهو عَلَيهِ غَضبَانُ. وقد تقدَّم القولُ في غضبِ الله تعالى وفي رضاه، وأنَّ ذلك محمولٌ إمَّا (١) على إرادةِ عقابِ المغضوبِ عليه وإبعادِهِ، وإرادةِ إكرامِ المرضِيِّ عنه. أو على ثَواب تلك الإرادة، وهو الإكرامُ أو الانتقامُ. وفيه: دليلٌ على نَدبِيَّةِ وَعظِ المُقدِمِ على اليمين.\nو(قوله: فَانطَلَقَ لِيَحلِفَ) دليلٌ على أنَّ اليمينَ لا تُبذَلُ أمام الحاكم، بل لها موضعٌ مخصوص، وهو أعظَمُ مواضعِ ذلك البلد؛ كالبيتِ بمكَّة، ومِنبَرِ النبيِّ - ﷺ - بالمدينة، ومَسجِدِ بيت المَقدِس، وفي المساجِدِ الجامعةِ من سائرِ الأمصار؛ لكنَّ ذلك فيما ليس بتافِهٍ، وهو مما لا تُقطَعُ فيه يَدُ السارق، وهو أَقَلُّ من رُبُعِ دينار عند مالكٍ؛ فيحلَّفُ فيه حيثُ كان مستقبِلَ القبلة، وفي ربعِ الدينار فصاعدًا؛ لا يُحَلَّفُ إلا في تلك المواضع، وخالفه أبو حنيفة في ذلك، فقال: لا تكونُ اليمينُ إلا حيثُ كان الحاكم.\nوظاهرُ هذا الحديث: أنَّ المدعَى عليه إذا حلَفَ، انقطعَت حجةُ خَصمه، وبقي المدعَى فيه بيدِهِ، وعلى ملكِهِ في ظاهر الأمر، غيرَ أنَّه لا يَحكُمُ له الحاكمُ بملك ذلك؛ فإنَّ غايتَهُ أنه حائز، ولم يَجد ما يزيله عن حَوزه، فلو سأل المطلوبُ تعجيزَ الطالبِ بحيثُ لا تَبقَى له حُجَّةٌ، فهل للحاكمِ تعجيزُهُ وقطعُ حُجَّته أم لا؟ قولان بالنفي والإثبات. وفي هذا الحديثِ أبوابٌ من علمِ القَضَاءِ لا تخفَى.\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"1","page":350},{"text":"حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ صَبرٍ، يَقتَطِعُ بِهَا مَالَ امرِئٍ مُسلِمٍ، هو فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ وهو عَلَيهِ غَضبَانُ، فَنَزَلَت: إِنَّ الَّذِينَ يَشتَرُونَ بِعَهدِ اللَّهِ وَأَيمَانِهِم ثَمَنًا قَلِيلًا، إِلَى آخِرِ الآيَةِ.\nوَفِي أُخرَى: فَقَالَ: شَاهِدَاكَ أو يَمِينُهُ.\nوَفِي أُخرَى: أَنَّ الكِندِيَّ هو: امرُؤُ القَيسِ بنُ عَابِسٍ، وَخَصمُهُ: رَبِيعَةُ بنُ عِبدَانَ، ويُقَالُ: ابنُ عَيدَانَ.\nرواه أحمد (١/ ٤٢٦)، والبخاري (٦٦٧٦)، ومسلم (١٣٨)، وأبو داود (٣٢٤٣)، والترمذي (٢٩٩٩)، وابن ماجه (٢٣٢٣).\n* * *\nــ\nو(قوله: فنزلت: إِنَّ الَّذِينَ يَشتَرُونَ بِعَهدِ اللَّهِ وَأَيمَانِهِم ثَمَنًا قَلِيلًا عَهدُ اللهِ: هو ميثاقُهُ، وهو إيجابُهُ على المكلَّفين أن يقوموا بالحقِّ، ويعملوا بالعدل. والأيمانُ: جمعُ يمين، وهو الحَلِفُ بالله تعالى. ويشترون: يعتاضون؛ فكأنَّهم يُعطُونَ ما أوجَبَ الله عليهم مِن رعاية العهود والأيمان في شيءٍ قليلٍ حقيرٍ من عَرَضِ الدنيا. والخَلَاقُ: الحَظُّ والنصيب. ولَا يُكَلِّمُهُم، أي: بما يَسُرُّهم؛ إذ لا يكلِّمهم إعراضًا عنهم واحتقارًا لهم. ولا ينظُرُ إليهم نظَرَ رحمةٍ ولَا يُزَكِّيهِم، أي: لا يُثنِي عليهم كما يُثنِي على مَن تَزَكَّى، وقيل: لا يُطَهِّرهم من الذنوب. والأليم: المُوجِعُ الشديدُ الألم. وقد تقدَّم القولُ على يمين صبرٍ.\nو(قوله: إِنَّ الكِندِيَّ هو: امرُؤُ القَيسِ بنُ عَابِسٍ، وَخَصمُهُ: رَبِيعَةُ بنُ عِبدَانَ) عَابِس: بالباءِ بواحدةٍ من تحتها بالسينِ المهملة. وعِبدَان: بكسرِ العينِ المهملة وباءٍ بواحدةٍ، هي رواية زُهَير. وقال أحمد بن حنبل: عَيدَان بفتح العين المهملة وياءٍ باثنتين من تحتها، وهو الصوابُ عند النُّقَّاد (١)؛ كالدارقطنيِّ، وابنِ مَاكُولَا، وأبي عليٍّ الغَسَّانِيِّ.\n_________\n(١) ساقط من (م).","vol":"1","page":351},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>(٤٥) بَابُ مَن قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فهو شَهِيدٌ</span>\n[١٠٨] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيتَ إِن جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخذَ مَالِي؟ قَالَ: فَلَا تُعطِهِ مَالَكَ، قَالَ: أَرَأَيتَ إِن قَاتَلَنِي؟ قَالَ: قَاتِلهُ، قَالَ: أَرَأَيتَ إِن قَتَلَنِي؟ قَالَ: فَأَنتَ شَهِيدٌ، قَالَ: أَرَأَيتَ إِن قَتَلتُهُ؟ قَالَ: هو فِي النَّارِ.\nرواه مسلم (١٤٠)، والنسائي (٧/ ١١٤).\nــ\n(٤٥) وَمِن بَابِ مَن قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فهو شَهِيدٌ.\nدُونَ في أصلها ظرفُ مكانٍ، بمعنى: أَسفَلَ وتَحتَ، وهي نقيضُ فَوق، وقد استُعمِلَت في هذا الحديث بمعنى لِأَجلِ السببيةِ، وهو مجازٌ وتوسُّعٌ، ووجهه: أنَّ الذي يُقَاتِلُ على ماله، إنما يجعله خَلفَهُ أو تحته، ثم يقاتِلُ عليه.\nوالشَّهِيدُ سمِّي بذلك؛ لأنَّه حيٌّ؛ فكأنَّه يشاهدُ الأشياء؛ قاله النَّضرُ بن شُمَيل.\nوقال ابن الأنباريِّ: سمِّي بذلك؛ لأنَّ اللهَ تعالى وملائكتَهُ شَهِدُوا له الجنَّة. وقيل: لأنَّه يُشهَدُ يومَ القيامةِ مع النبيِّ - ﷺ -. وقيل: لأنَّه يُشَاهِدُ ما أَعَدَّ اللهُ له من الكرامة؛ كما قال تعالى: فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضلِهِ.\nو(قوله: لَا تُعطِهِ مَالَكَ وقَاتِلهُ) دليلٌ على أنَّ المُحَارِبَ لا يجوزُ أن يُعطي شيئًا له بالٌ من المال إذا طلبَهُ على وجه الحِرَابَةِ ما أمكن، لا قليلًا ولا كثيرًا، وأنَّ المُحَارِبَ يجبُ قتالُهُ؛ ولذلك قال مالك: قِتَالُ المحارِبِينَ جهادٌ، وقال ابن المنذر: عَوَامُّ (١) العلماءِ على قتالِ المحارِبِ على كُلِّ وجهٍ، ومدافعتِهِ عن المالِ والأهلِ والنَّفس.\n_________\n(١) \"عوام\": جمهور وجماعة.","vol":"1","page":352},{"text":"[١٠٩] وعَن عَبدِ اللهِ بنِ عمرو؛ أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - قَالَ: مَن قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فهو شَهِيدٌ.\nرواه أحمد (٢/ ١٦٣ و٢٠٦ و٢١٧)، ومسلم (١٤١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>(٤٦) بَابُ مَنِ استُرعِيَ رَعِيَّةً، فَلَم يَجتَهِد، وَلَم يَنصَح لَهُم لَم يَدخُلِ الجَنَّةَ، وَمَن نَمَّ الحَدِيثَ لَم يَدخُلِ الجَنَّةَ</span>\n١٤٢ - [١١٠] عَن مَعقِلِ بنِ يَسَارٍ، قَالَ: سَمِعتُ رسولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: مَا مِن عَبدٍ يَستَرعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَومَ يَمُوتُ وهو غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَاّ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الجَنَّةَ.\nــ\nقال المؤلف - ﵀ -: واختلَفَ مذهبنا إذا طلَبَ الشيءَ الخفيفَ كالثَّوبِ، والطعامِ - فهل يُعطُونه أم لا؟ على قولَين، وذكَرَ أصحابنا: أنَّ سبَبَ الخلافِ في ذلك: هو هل الأَمرُ بقتالهم من بابِ تغييرِ المُنكَرِ فلا يُعطَونَ ويُقَاتَلُونَ، أو هو مِن بابِ دفعِ الضَّرَر؟ وخرَّجوا من هذا الخلافِ في دعائهم قبل القتال، هل يُدعَونَ قبله (١) أم لا؟\n(٤٦) وَمِن بَابِ مَنِ استُرعِيَ رَعِيَّةً، فَلَم يَنصَح لَهُم\n(قوله: مَا مِن عَبدٍ يَستَرعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً) الحديثَ، هو لفظٌ عامٌّ في كلِّ مَن كُلِّفَ حِفظَ غيرِهِ؛ كما قال - ﵊ -: كُلُّكُم رَاعٍ، وَكُلُّكُم مَسؤُولٌ عَن\n_________\n(١) في (ع): له.","vol":"1","page":353},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: مَا مِن أَمِيرٍ يَلِي أَمرَ المُسلِمِينَ، ثُمَّ لَا يَجهَدُ لَهُم وَلا يَنصَحُ، إِلَاّ لَم يَدخُل مَعَهُمُ الجَنَّةَ.\nرواه أحمد (٥/ ٢٥ و٢٧)، والبخاري (٧١٥٠)، ومسلم (١٤٢).\n[١١١] وَعَن هَمَّامِ بنِ الحَارِثِ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَنقُلُ الحدِيثَ إِلَى الأَمِيرِ، قَالَ: فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَينَا، فَقَالَ حُذَيفَةُ: سَمِعتُ رسولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: نَمَّامٌ.\nرواه أحمد (٥/ ٣٨٢ و٣٨٩ و٣٩٧ و٤٠٣ و٤٠٤)، والبخاري (٦٠٥٦)، ومسلم (١٠٥)، وأبو داود (٤٨٧١)، والترمذي (٢٠٢٧).\n* * *\nــ\nرَعِيَّتِهِ؛ فالإمامُ الذي على الناس راعٍ، وهو مسؤولٌ عن رعيَّتِهِ (١)، وهكذا الرجلُ في أهل بيتِهِ، والوَلَدُ، والعبدُ.\nوالرعايةُ: الحِفظُ والصيانة، والغِشُّ: ضِدُّ النصيحة. وحاصلُهُ: راجعٌ إلى الزجر عن أن يضيِّع ما أُمِرَ بحفظه، وأن يقصِّر في ذلك مع التمكُّنِ من فِعلِ ما يتعيَّنُ عليه. وقد تقدَّم القولُ على قوله: حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الجَنَّةَ، وأنَّ ذلك محمولٌ على ظاهره إن كان مستحلًاّ، وإن لم يكن مُستَحِلًاّ، فأحدُ تأويلاتِهِ: أنه إن أنفَذَ اللهُ عليه الوعيدَ، أدخلَهُ النارَ آمادًا، ومنعَهُ الجنةَ وحَرَّمَهَا عليه في تلك الآمادِ، ثم تكونُ حالُهُ حالَ أهلِ الكبائر مِن أهل التوحيد؛ على ما تقدَّم.\nو(قوله: لَم يَدخُل مَعَهُمُ الجَنَّةَ) يُشِيرُ إلى صِحَّةِ (٢) ما ذكرناه مِن أنَّه\n_________\n(١) رواه البخاري (٨٩٣)، ومسلم (١٨٢٩)، وأبو داود (٢٩٢٨)، والترمذي (١٧٠٥) من حديث عبد الله بن عمر ﵄.\n(٢) في (ع): مشيرًا لصحّة، والمثبت من (م) و(ل).","vol":"1","page":354},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>(٤٧) بَابٌ فِي رَفعِ الأَمَانَةِ وَالإِيمَانِ مِنَ القُلُوبِ، وَعَرضِ الفِتَنِ عَلَيهَا</span>\n[١١٢] عَن حُذَيفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَدِيثَينِ، قَد رَأَيتُ أَحَدَهُمَا، وَأَنَا أَنتَظِرُ الآخَرَ؛ حَدَّثَنَا: أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَت فِي جَذرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ نَزَلَ القُرآنُ، فَعَلِمُوا مِنَ القُرآنِ، وَعَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ، ثُمَّ حَدَّثَنَا\nــ\nلا يدخُلُ الجنةَ في وقتٍ دون وقت، وهو تقييدٌ للرِّوَايةِ الأخرى المُطلَقَةِ التي لم يَذكُر فيها منعَهُم.\nو(قوله: لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ) أي: نَمَّامٌ، كما فسَّره في الرواية الأخرى، وفي الصِّحَاح: القَتُّ: نَمُّ الحديثِ، والقِتِّيتَى (١) مِثلَ الهِجِّيرَى: النميمةُ. والنمَّام: هو الذي يرفعُ الأحاديثَ يقتتها (٢) على وجه المفسدة، وإلقاءِ الشرور؛ قال ابنُ الأعرابي: القتّات: هو الذي ينقُلُ عنك ما تحدِّثُهُ وتستكتمُهُ، والقَسَّاسُ: هو الذي يتسمَّعُ عليكم ما تحدِّثُ به غيرَهُ، ثُمَّ ينقُلُهُ عنك.\nوفيه: دليلٌ على أنَّ النميمةَ من الكبائر، وإنما كانت كذلك؛ لما يترتَّبُ عليها من المفاسدِ والشرورِ.\n(٤٧) وَمِن بَابِ رَفعِ الأَمَانَةِ وَالإِيمَانِ مِنَ القُلُوبِ\n(قوله: إِنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَت فِي جَذرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ) جَذرُ الشيء - بالجيم المفتوحة -: أصلُهُ؛ على قولِ الأصمعيِّ، وحكى أبو عمرو كسرها، قال أبو عُبَيدٍ:\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) في (ل) و(م) و(ط): يغشيها، والمثبت من (ع).\nومعنى يقتتها: يبلّغها مكذوبةً مع سُوء القول.","vol":"1","page":355},{"text":"عَن رَفعِ الأَمَانَةِ، قَالَ: يَنَامُ الرَّجُلُ النَّومَةَ فَتُقبَضُ الأَمَانَةُ مِن قَلبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثلَ الوَكتِ، ثُمَّ يَنَامُ النَّومَةَ فَتُقبَضُ الأَمَانَةُ مِن قَلبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثلَ المَجلِ، كَجَمرٍ دَحرَجتَهُ عَلَى رِجلِكَ، فَنَفِطَ، فَتَرَاهُ مُنتَبِرًا وَلَيسَ فِيهِ شَيءٌ، ثُمَّ أَخَذَ حَصَاةً فَدَحرَجَها عَلَى رِجلِهِ، فَيُصبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ، لَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ، حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا، حَتَّى يُقَالَ لِلرَّجُلِ: مَا\nــ\nالجَذرُ: الأصلُ مِن كل شيء. ومعنى إنزالِهَا في القلوبِ: أنَّ الله تعالى جبَلَ القلوبَ الكاملةَ على القيامِ بحقِّ الأمانة؛ مِن حِفظِهَا واحترامِهَا، وأدائِهَا لمستَحِقِّها، وعلى النُّفرةِ مِنَ الخيانةِ فيها؛ لِتَنتَظِمَ المصالحُ بذلك، لا لأنَّها حَسَنَةٌ في ذاتها؛ كما يقولُهُ المعتزلةُ؛ على ما يُعرَفُ في موضعه.\nوالأَمَانَةُ: كلُّ ما يُوَكَّلُ إلى الإنسانِ حفظُهُ ويُخَلَّى بينه وبينه؛ ومِن هنا سُمِّيَ التكليفُ أمانةً في قوله تعالى: إِنَّا عَرَضنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَالجِبَالِ في قولِ كثيرٍ من المفسِّرين.\nوالوَكتُ: الأَثَرُ اليسير؛ يقال للبُسرِ إذا وقَعَت فيه نُكتةٌ من الأرطاب: قد وَكَّتَ؛ قاله الهرويُّ، وقال صاحبُ العين: الوَكتُ، بفتح الواو: نكتةٌ في العَين، وعَينٌ (١) موكوتة، والوَكتُ: سواد العين.\nوالمَجلُ: هو أن يكونَ بين الجِلدِ واللحم (٢) ماءٌ، يقالُ: مَجِلَت يَدُهُ تَمجَلُ مَجَلًا، بكسر الجيم في الماضي وفتحها في المضارع، ومَجَلَت، بالفتح في الماضي، والكسر في المضارع، أي: تَنَفَّطَت مِنَ العمل.\nومُنتَبِرًا: منتفِخًا، وأصلُهُ: الارتفاعُ، ومنه: انتَبَرَ الأميرُ: إذا صَعِدَ المِنبَرَ؛\n_________\n(١) في (ل): العين.\n(٢) في (ع): العظم.","vol":"1","page":356},{"text":"أَجلَدَهُ! مَا أَظرَفَهُ! مَا أَعقَلَهُ! وَمَا فِي قَلبِهِ مِثقَالُ حَبَّةٍ مِن خَردَلٍ مِن إِيمَانٍ.\nوَلَقَد أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَمَا أُبَالِي أَيَّكُم بَايَعتُ، لَئِن كَانَ مُسلِمًا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ دِينُهُ، وَلَئِن كَانَ نَصرَانِيًّا أو يَهُودِيًّا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ، وأَمَّا اليَومَ فَمَا كُنتُ لأُبَايِعُ مِنكُم إِلَاّ فُلَانًا وَفُلَانًا.\nرواه أحمد (٥/ ٣٨٣)، والبخاري (٦٤٩٧)، ومسلم (١٤٣)، والترمذي (٢١٨٠)، وابن ماجه (٤٠٥٣).\nــ\nوبه سمِّي المِنبَرُ، ونَبِرَ الجرحُ، أي: وَرِمَ، والنَّبرُ: نَوعٌ من الذُّبَابِ يَلسَع؛ ومنه سمِّي الهمزُ: نَبرًا، وكلُّ شيء ارتفَعَ: فقد نَبِرَ، وقال أبو عبيد: مُنتَبِرًا: مُنتَفِطًا. ولَا يَكَادُ أي: لا يقارب. وما أجلده! أي: ما أقواه! . وما أظرفه! أي: ما أحسَنَهُ! والظَّرفُ عند العرب: في اللسان والجسم، وهو حُسنُهما، وقال ابنُ الأعرابيِّ: الظَّرفُ في اللسان، والحَلَاوَةُ في العين، والمَلَاحَةُ في الفم، وقال المبرِّد: الظَّرِيفُ: مأخوذٌ من الظَّرف، وهو الوعاء، كأنَّه جُعِلَ وعاءً للآداب، وقال غيره: يقال منه: ظَرُفَ يَظرُفُ ظَرفًا، فهو ظَرِيفٌ، وَهُم ظُرَفَاء، وإنما يقال في الفِتيَانِ والفَتَيَاتِ أهلِ الخِفَّة.\nو(قوله: لَا أُبَالِي أَيَّكُم بَايَعتُ) يعني: من البيع، لا مِنَ المبايعة؛ لأنَّ اليهوديَّ والنصرانيَّ لا يبايعُ بَيعَةَ الإسلام، ولا بيعةَ الإمامة، وإنما يعني: أنَّ الأمانةَ قد رُفِعَت من الناس، فقَلَّ مَن يُؤمَنُ على البيعِ والشراء. وقد قدَّمنا أنَّ أصلَ الفِتنَة: الامتحانُ والاختبار، ثم صارَت في العُرفِ عبارةً عن: كلِّ أمرٍ كَشَفَهُ الاختبارُ عن سوء؛ قال أبو زيد: فَتِنَ الرجلُ فُتُونًا: إذا (١) وقَعَ في الفتنة، وتحوَّل عن حالٍ حسنةٍ إلى حالٍ سيئة، والأهلُ والمالُ والولدُ أمورٌ يُمتَحَنُ الإنسانُ بها، ويُختَبَرُ\n_________\n(١) في (ع): أي.","vol":"1","page":357},{"text":"[١١٣] وعَنه، قَالَ: كُنَّا عِندَ عُمَرَ، فَقَالَ: أَيُّكُم سَمِعَ رسولَ الله - ﷺ - يَذكُرُ الفِتَنَ؟ فَقَالَ قَومٌ: نَحنُ سَمِعنَاهُ، فَقَالَ: لَعَلَّكُم تَعنُونَ فِتنَةَ الرَّجُلِ فِي أهلِهِ وَجَارِهِ؟ قَالُوا: أَجَل، قَالَ: تِلكَ تُكَفِّرُهَا الصَّلاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ، وَلَكِن أَيُّكُم سَمِعَ النَّبِيَّ - ﷺ - يَذكُرُ الفِتَنَ الَّتِي تَمُوجُ مَوجَ البَحرِ؟ قَالَ حُذَيفَةُ: فَأَسكَتَ القَومُ، فَقُلتُ: أَنَا، قَالَ: أَنتَ؟ للهِ أَبُوكَ! قَالَ حُذَيفَةُ: سَمِعتُ رسولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: تُعرَضُ الفِتَنُ عَلَى القُلُوبِ كَالحَصِيرِ عُودًا عُودًا،\nــ\nعندها؛ كما قال الله تعالى: إِنَّمَا أَموَالُكُم وَأَولَادُكُم فِتنَةٌ أي: مِحنَةٌ تُمتَحَنُونَ بها حتى يَظهَرَ منكم ما هو خَفِيٌّ عمَّن يُشكِلُ عليه أمركم.\nوأَجَل بمعنى: نَعَم. وتَمُوجُ مَوجَ البَحرِ أي: تَضطرِبُ ويدفعُ بعضُها بعضًا، وكُلُّ شيءٍ اضطرَبَ: فقد ماج؛ ومنه: وَتَرَكنَا بَعضَهُم يَومَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعضٍ. وأَسكَتَ القَومُ أي: أَطرَقوا؛ قال الأصمعيُّ: سكَتَ القومُ: صَمَتُوا، وأَسكَتوا: أَطرَقوا، وقال أبو عليٍّ البغداديُّ وغيره: سكَتَ وأسكَتَ، بمعنى: صَمَتَ.\nقال الهرويُّ: ويكونُ سكَتَ بمعنى سكَنَ؛ ومنه: وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُوسَى الغَضَبُ وبمعنى انقطَعَ؛ تقول العرب: جرى الوادي ثلاثًا، ثم سكَتَ، أي: انقطَعَ، ويقال: هو السُّكُوتُ والسُّكَاتُ، وسكَتَ يَسكُتُ سَكتًا وسُكُوتًا وسُكَاتًا.\nو(قوله: كَالحَصِيرِ عُودًا عُودًا) قيد (١) ثلاثُ تقييدات، قيَّده القاضي الشَّهِيد: بفتح العينِ المهملة والذالِ المعجمة. وقيَّده أبو بحر سفيانُ بن العاصي: بضمِّ العين ودالِ المهملة. واختار أبو الحُسَينِ بنُ سِرَاجٍ: فَتحَ العينِ والدالِ المهملة. فمعنى التقييدِ الأوَّل: سؤالُ الإعاذة؛ كما يقال: غَفرًا غَفرًا، أي: اللهمَّ اغفِر، اللهم اغفر.\nوأما التقييد الثاني، فمعناه: أنَّ الفتن تتوالَى واحدةً بعد أخرى؛ كَنَسج\n_________\n(١) في (ع) و(ل): فيه، والمثبت من (م).","vol":"1","page":358},{"text":"فَأَيُّ قَلبٍ أُشرِبَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكتَةٌ سَودَاءُ، وَأَيُّ قَلبٍ أَنكَرَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكتَةٌ بَيضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلبَينِ: عَلَى أَبيَضَ مِثلِ الصَّفَا، فَلَا تَضُرُّهُ فِتنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرضُ، وَالآخَرُ أَسوَدُ مُربَادا كَالكُوزِ مُجَخِّيًا؛ لَا يَعرِفُ مَعرُوفًا، وَلا يُنكِرُ مُنكَرًا، إِلَاّ مَا أُشرِبَ مِن هَوَاهُ.\nــ\nالحصير عُودًا بإزاء عُود، وشَطبةً (١) بإزاء شَطبة، أو كما يناولُ مهيِّئ القُضبان للناسجِ عُودًا بعد عُود.\nوأما التقييدُ الثالث: فمعناه قريب مِن هذا، يعني أنَّ الفتنةَ كلَّما مضت، عادَت؛ كما يفعلُ ناسجُ الحصير: كلَّما فرَغَ من موضعِ شَطبةٍ أو عُودٍ، عاد إلى مثله. والمعنى الثاني أمكَنُ وأليقُ بالتشبيه، والله أعلم.\nوأُشرِبَهَا أي: حَلَّت فيه مَحَلَّ الشَّرب؛ كقوله تعالى: وَأُشرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ العِجلَ أي: حُبَّهُ.\nو(قوله: عَلَى قَلبَينِ: أَبيَضَ مِثلِ الصَّفَا) أي: قَلبٍ أبيضَ، فحذَفَ الموصوفَ للعِلمِ به، وأقامَ الصفةَ مُقَامَهُ. وليس تشبيهُهُ بالصَّفَا مِن جهة بياضه، ولكن مِن جهةِ صلابته على عَقدِ الإيمان، وسلامتِهِ من الخَلَلِ والفتن؛ إذ لم يلصَق به ولم يؤثِّر فيه؛ كالصَّفَا وهو الحَجَرُ الأملسُ الذي (٢) لا يَعلَقُ به شيءٌ، بخلاف القلبِ الآخَرِ الذي شبَّهه بالكُوزِ الخاوي؛ لأنه فارغٌ من الإيمانِ والأمانة.\nو(قوله: وَالآخَرُ أَسوَدُ مُربَادّا) قيد ثلاثُ تقييدات؛ مُربَادٌّ: مُفعَالٌّ، من اربَادَّ؛ مِثلَ مُصفَارٍّ من اصفَارَّ؛ وهو روايةُ الخُشَنِيِّ عن الطبريِّ. ومُربَدٌّ: مثلُ مُسوَدٍّ ومُحمَرٍّ، من اربَدَّ واسوَدَّ واحمَرَّ؛ وهو تقييدُ أبي مروانَ بنِ سِرَاجٍ. ومُربَئِدٌّ بالهمز، قيَّده العُذرِيُّ، وكأنَّه من اربَأَدَّ لغةٌ.\nوقال بعض اللغويين: احمَرَّ الشيء، فإذا قوي، قيل: احمَارَّ، فإذا زاد، قيل: احمَأَرَّ بالهمز؛ فعلى هذا تكونُ تلك\n_________\n(١) \"الشطبة\": السَّعَفة الخضراء. والسعفة: وَرَقة النَّخل.\n(٢) ساقط من (ل).","vol":"1","page":359},{"text":"قَالَ حُذَيفَةُ: وَحَدَّثتُهُ أَنَّ بَينَكَ وَبَينَهَا بَابًا مُغلَقًا يُوشِكُ أَن يُكسَرَ، قَالَ عُمَرُ: أَكَسرًا لَا أَبَا لَكَ! فَلَو أَنَّهُ فُتِحَ لَعَلَّهُ كَانَ يُعَادُ! قلت: لَا بَل يُكسَرُ، وَحَدَّثتُهُ أَنَّ ذَلِكَ البَابَ رَجُلٌ يُقتَلُ أو يَمُوتُ، حَدِيثًا لَيسَ بِالأَغَالِيطِ.\nقَالَ أبو خَالِدٍ: فَقُلتُ لِسَعدٍ: يَا أَبَا مَالِكٍ، مَا أَسوَدُ مُربَادا؟ قَالَ: شِدَّةُ البَيَاضِ فِي سَوَادٍ، قَالَ: قُلتُ: فَمَا الكُوزُ مُجَخِّيًا؟ قَالَ: مَنكُوسًا.\nرواه أحمد (٥/ ٤٠٥)، ومسلم (١٤٤).\n* * *\nــ\nالرواياتُ صوابًا كلُّها. قال أبو عبيد، عن أبي عمرو وغيره: الرُّبدَة: لَونٌ بين السواد والغُبرة، وقال ابن دُرَيد: الرُّبدة: الكُدرة، وقال الحَربِيُّ: هو لونُ النَّعَامِ؛ بعضُهُ أسودُ، وبعضُهُ أبيض، ومنه: اربَدَّ لونه؛ إذا (١) تغيَّر ودخله سواد؛ وإنما سمِّي النعام رُبدًا؛ لأنَّ أعاليَ رِيشِهَا إلى السواد، وقال نِفطَوَيهِ: المُربَدُّ: الملمَّع بسواد وبياض، ومنه: تربَّدَ لونُه، أي: تلوَّن فصار كلونِ الرماد.\nوقولُ سعدِ بنِ طارق لخالدٍ الأحمرِ في تفسير مُربَادّ: شِدَّةُ البَيَاضِ فِي سَوَادٍ، قال فيه القاضي أبو الوليدِ الكِنَانِيُّ: هذا تصحيفٌ، وأرى (٢) صوابه: شِبهُ البياضِ في سواد؛ وذلك أنَّ شِدَّةَ البياضِ في سوادٍ لا تسمَّى رُبدة، وإنما يقال لها: بَلَقٌ؛ إذا كان في الجِسم، وحَوَرٌ؛ إذا كان في العين، والرُّبدة إنما هي شيءٌ من بياضٍ يسيرٍ يخالطُه السوادَ؛ كلونِ أَكثَرِ النعام.\nو(قوله: كَالكُوزِ مُجَخِّيًا) قال الهروي: المُجَخِّي: المائلُ، وجَخَّى: إذا فتح عَضُدَيهِ في السجود، وكذلك: جَخَّ، وقال شَمِرٌ: جَخَّى في صلاته: إذا رفَعَ بطنَهُ عن الأرض في السجود، وكذلك: خَوَّى. وقال أبو عُبَيد: المجخّى: المائلُ، ولا\n_________\n(١) في (ل): أي.\n(٢) في (م): وإن.","vol":"1","page":360},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nأَحسِبُهُ أراد بميله إلا أنه منخَرِقُ الأسفلِ، شبَّه به القلبَ الذي لا يَعِي خيرًا ولا يَثبُتُ فيه، كما لا يثبُتُ الماءُ في الكُوزِ المنخرق.\nقال المؤلف - ﵀ -: ولا يحتاجُ إلى هذا التقديرِ والتكلُّف؛ فإنَّه إذا كان مقلوبًا منكوسًا - كما قال سعد - لم يَثبُت فيه شيءٌ وإن لم يكن مُنخَرِقًا، وقد فسَّره سياقُ الكلام؛ حيثُ قال: لَا يَعرِفُ مَعرُوفًا، وَلا يُنكِرُ مُنكَرًا، إِلَاّ مَا أُشرِبَ مِن هَوَاهُ.\nو(قوله: أَكَسرًا لَا أَبَا لَكَ!) استعظامٌ من عمر لكسر ذلك البابِ، وخوفٌ منه ألَاّ يَنجَبِرَ؛ لأن الكَسرَ لا يكونُ إلا عن إكراهٍ وغَلَبة؛ فكأنَّ البابَ المُغلَقَ عن دخولِ الفتن على الإسلامِ: عمر - ﵁ -، وكَسرُهُ قتله.\nواللام في لَا أَبَا لَكَ! مُقحَمَةٌ، وكذلك في قولهم: لا يَدَي لفلانٍ بهذا الأمر، ولا تريد العربُ بهذا الكلامِ نَفيَ الأبوَّةِ حقيقةً، وإنما هو كلامٌ جَرَى على ألسنتهم كالمَثَلِ. ولقد أبدَعَ البديع حيثُ قال في هذا المعنى:\nوقَد يُوحِشُ اللفظُ وكلُّه وُدّ ... ويُكره الشيء وما من فعله بُدّ\nهذه العربُ تقولُ: لا أَبَا لك للشيءِ إذا أهَمّ، وقاتَلَهُ اللهُ، ولا يريدون به الذمّ، ووَيلَ أُمِّهِ للأمر إذا تَمّ، والإلبابِ (١) في هذا الباب (٢) أن ينظُرَ إلى القولِ وقائله، فإن كان وليًّا فهو الولاءُ وإن خَشُن، وإن كان عدوًّا فهو البَلَاءُ وإن حَسُن.\nو(قوله: حَدِيثًا لَيسَ بالأَغَالِيط) أي: حَدَّثتُهُ حديثًا، فهو مصدر. والأَغَالِيطُ: جمع أُغلُوطة؛ قال ابن دُرَيد: هي التي يُغَالَطُ بها، واحدها: مَغلَطَةٌ وأُغلُوطة، وجمعها: أغاليطُ.\n_________\n(١) \"الإلباب\": اللزوم والثبات.\n(٢) ساقط من (ل).","vol":"1","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>(٤٨) باب كيف بدأ الإسلام وكيف يعود</span>؟\n[١١٤] عَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: بَدَأَ الإِسلامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلغُرَبَاء.\nرواه مسلم (١٤٥)، وابن ماجه (٣٩٨٦).\nــ\n(٤٨) ومن باب كيف بدأ الإسلام وكيف يعود؟\n(قوله: بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ) كذا روايتُه بهمز بدأ، وفيه نظر، وذلك أنّ بدأ مهموزًا متعدٍّ إلى مفعول؛ كقوله تعالى: كَمَا بَدَأنَا أَوَّلَ خَلقٍ نُعِيدُهُ قال صاحب الأفعال: يقال (١) بدأ الله الخلق بدءًا، وأبدأهم: خَلَقهم، وبدأ في الحديث لا يقتضي مفعولًا، فظهر الإشكال.\nويرتفع الإشكال بأن يحمل بدأ الذي في الحديث على طرأ فيكون لازمًا، كما قد اتّفق للعرب في كثير من الأفعال، يتعدّى حملًا على صيغةٍ، ولا يتعدّى حملًا على أخرى، كما قالوا: رجع زيد ورجعته، وفَغَرَ فَاه وفَغَرَ فُوه، وهو كثير. وقد سمعت من بعض أشياخي إنكار الهمزة، وزعم أنّه بدا بمعنى ظهر غير مهموز، وهذا فيه بعد من جهة الرواية والمعنى. فأما الرواية بالهمز، فصحيحة النقل عَمَّن يُعتمد على علمه وضبطه. وأمّا المعنى، فبعيد عن مقصود الحديث، فإنّ مقصودَه أنّ الإسلام نشأ في أول أمره في آحادٍ من الناس وقلّة، ثمّ انتشر وظهر، فأخبر - ﷺ - أنّه سيلحقه من الضعف والاختلال حتى لا يبقى إلا في آحاد وقلة كابتدائه. وأصل الغربة البعد، كما قال:\nفلا تحرميني نائلا عن جناية ... فإني امرؤٌ وَسطَ العباب غريبُ\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"1","page":362},{"text":"[١١٥] وعَنِ ابنِ عُمَرَ؛ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: إِنَّ الإِسلامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ، وهو يَأرِزُ بَينَ المَسجِدَينِ كَمَا تَأرِزُ الحَيَّةُ فِي جُحرِهَا.\nرواه مسلم (١٤٦).\n[١١٦] ومن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ: إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأرِزُ إِلَى المَدِينَةِ بنحوه.\nرواه أحمد (٢/ ٤٢٢)، والبخاري (١٨٧٦)، ومسلم (١٤٧)، وابن ماجه (٣١١١).\nــ\nويحتمل أن يراد بالحديث المهاجرون؛ إذ هم الذين تغرَّبوا عن أوطانهم فرارًا بأديانهم، فيكون معناه أنّ آخر الزمان تشتدّ فيه المحن على المسلمين، فيفرّون بأديانهم ويغتربون عن أوطانهم كما فعل المهاجرون. وقد ورد في الحديث: قيل: يا رسول الله! من الغرباء؟ قال: هم النزاع من القبائل (١)، إشارة إلى هذا المعنى، والله أعلم. ولذلك (٢) قال الهرويّ: أراد بذلك المهاجرين. والنُزَّاع جمع نزيع أو نازع، وهو الذي نزع عن أهله وعشيرته وبَعُدَ عن ذلك.\nو(قوله: الإسلام يأرِز بين المسجدين، وإنّ الإيمان ليأرِز إلى المدينة) قال أبو عبيد: أي (٣): ينضمّ ويجتمع بعضه إلى بعض كما تنضمّ الحيّة في جحرها. وقال ابن دريد: أَرَزَ الشيء يأرِز، إذا ثبت في الأرض، وشجرة أرزَة، أي: ثابتة مجتمعة.\nوهذا منه - ﷺ - إخبار بما كان في عصره وعصر من يليه من أصحابه وتابعيهم، من حيث إنّ المدينة دار هجرتهم ومقامهم، ومقصدهم وموضع رحلتهم\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٣٩٨)، وابن ماجه (٣٩٨٨) من حديث ابن مسعود ﵁.\n(٢) في (ل): لذا.\n(٣) ساقط من (ع).","vol":"1","page":363},{"text":"[١١٧] وعَن أَنَسٍ؛ أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - قَالَ: لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لا يُقَالَ فِي الأَرضِ: اللهَ، اللهَ.\nوفي أخرى: لا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ: اللهَ، اللهَ.\nرواه أحمد (٣/ ١٠٧ و٢٠١ و٢٥٩ و٢٦٨)، ومسلم (١٤٨)، والترمذي (٢٢٠٨).\nــ\nفي طلب العلم والدين، ومرجعهم فيما يحتاجون إليه من مهمّات دينهم ووقائعهم، حتّى لقد حصل للمدينة من الخصوصيّة بذلك ما لا يوجد في غيرها. وفيه حجّة على صحّة مذهب مالك في تمسُّكه بعمل أهل المدينة وكونِه حجّةً شرعيّة.\nوقال أبو مصعب الزبيريّ في معنى هذا الحديث: إنّما المراد بالمدينة أهل المدينة، وأنّه تنبيه على صحّة مذهبهم، وسلامتهم من البدع المحدثات (١)، واقتدائهم بالسنن، والإيمان مجتمع عندهم وعند من سلك سبيلهم.\nو(قوله: بين المسجدين) يعني: مسجدي مكّة والمدينة. وهو إشارة إلى أنّ مبدأ الإيمان كان بمكّة وظهوره بالمدينة.\nو(قوله: لا تقوم الساعةُ حتّى لا يقالَ في الأرض: اللهَ اللهَ) كذا صوابه بالنصب، وكذلك قيّدناه عن محقِّقي من لقيناه، ووجهه أنّ هذا مثل قول العرب: الأسدَ الأسدَ، والجدارَ الجدارَ، إذا حذّروا من الأسد المفترس والجدار المائل، فهو منصوب بفعل مضمر، كأنّهم قالوا: احذر الأسد، لكنّهم التزموا إضماره هنا؛ لتكرار الاسم ونصبه، كما قال الشاعر (٢):\nأخاكَ أخاكَ إنّ من لا أخَا له ... كساعٍ إلى الهيجا بغيرِ سلاحِ\n_________\n(١) في (ل): المحرمات.\n(٢) هو مسكين الدارمي.","vol":"1","page":364},{"text":"[١١٨] وعَن حُذَيفَةَ؛ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: أَحصُوا لِي كَم يَلفِظُ الإِسلامَ؟ قَالَ: فَقُلنَا: يَا رسولَ الله! أَتَخَافُ عَلَينَا وَنَحنُ مَا بَينَ السِّتمِائَةِ إِلَى السَّبعِمِائَةِ؟ قَالَ: إِنَّكُم لا تَدرُونَ لَعَلَّكُم أَن تُبتَلَوا.\nقَالَ: فَابتُلِينَا، حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ مِنَّا لا يُصَلِّي إِلاّ سِرًّا.\nرواه أحمد (٥/ ٣٨٤)، والبخاري (٣٠٦٠)، ومسلم (١٤٩)، وابن ماجه (٤٠٢٩).\n* * *\nــ\nفإن أفردوا، ذكروا الفعل فقالوا: اتّقِ الأسد واحذر الجدار، واحفظ أخاك.\nوقد قيَّده بعضهم اللهُ اللهُ بالرفع على الابتداء وحذف الخبر، وفيه بُعد. ولا يعارض هذا قوله - ﵊ -: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق إلى يوم القيامة (١)؛ لأنّ هذه الطائفة يقاتلون الدجّال ويجتمعون بعيسى - ﵇ -، ثمّ لا يزالون على ذلك إلى أن يقبضهم الله بالريح اليمانية التي لا تُبقِي مؤمنا إلا قبضَته، فيبقى شرارُ الخلق بعدهم ليس فيهم من يقول: الله الله، يتهارجون تهارُج الحُمُر، فعليهم تقوم الساعة، على ما يأتي في كتاب الفتن.\nو(قوله: أَحصُوا لي كَم يلفظ الإسلام) أي: عدّوا لي، ومنه: وَأَحصَى كُلَّ شَيءٍ عَدَدًا. وأصل اللفظ الرمي، ومنه: لفظه البحر، أي: رماه، وعداه بنفسه لما حذف الباء في رواية، وفي أخرى بثبوت الباء؛ لأنه محمول على تكلّم المتعدي بحرف الجرّ، فكأنه قال: عُدُّوا لي كم يتكلم بالإسلام.\nو(قول حذيفة: فابتُلِينَا حتّى جعل الرجل منّا لا يصلّي إلا سرًا) يعني بذلك - والله أعلم - ما جرى لهم في أوّل الإسلام بمكة حين كان المشركون يُؤذُونهم، ويمنعونهم من إظهار صلاتهم، حتى كانوا يُصلّون سرًّا.\n_________\n(١) رواه مسلم (١٥٦) من حديث جابر ﵁.","vol":"1","page":365},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>(٤٩) باب إعطاء من يخاف على إيمانه</span>\n[١١٩] عَن سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ؛ قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَسمًا، فَقُلتُ: يَا رسولَ الله! أَعطِ فُلانًا فَإِنَّهُ مُؤمِنٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: أو مُسلِمٌ، أَقُولُهَا ثَلاثًا، وَيُرَدِّدُهَا عَلَيَّ ثَلاثًا: أو مُسلِمٌ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لأُعطِي الرَّجُلَ\nــ\n(٤٩) ومن باب إعطاء مَن يُخاف على إيمانه\n(قوله: أعطِ فلانًا فإنّه مؤمنٌ، فقال: أو مسلم) دليل على صحّة ما قدّمناه من الفرق بين حقيقتي الإيمان والإسلام، وأن الإيمان من أعمال الباطن، وأن الإسلام من أعمال الجوارح الظاهرة، وفيه ردٌّ على غُلاة المُرجِئة والكرامية، حيث حكموا بصحّة الإيمان لمن نطق بالشهادتين وإن لم يعتقد بقلبه، وهو قولٌ باطلٌ قطعًا؛ لأنّه تسويغٌ للنفاق.\nوفيه حجّة لمن يقول: أنا مؤمن بغير (١) استثناء. وهي مسألة اختلف فيها السلف، فمنهم المجيز والمانع. وسبب الخلاف النظر إلى الحال أو إلى المآل، فمن منع خاف من حصول شك في الحال أو تزكية، ومن أجاز صرف الاستثناء إلى الاستقبال وهو غيب في الحال؛ إذ (٢) لا يدري بما يختم له. والصواب: الجوازُ إذا أُمِنَ الشكُّ والتزكيةُ، فإنّه تفويض إلى الله تعالى.\nو(قوله: أو مسلمًا) الرواية بسكون الواو، وقد غلط من فتحها وأحال المعنى؛ لأن النبي - ﷺ - لم يُرِد استفهامَه، وإنما أشار له (٣) إلى (٤) القِسمِ الآخر المختص بالظاهر الذي يمكن أن يدرك، فجاء بأو التي للتقسيم والتنويع.\n_________\n(١) في (ع): من غير.\n(٢) من (ع).\n(٣) ساقط من (ع).\n(٤) في (ل): أن.","vol":"1","page":366},{"text":"وَغَيرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنهُ، مَخَافَةَ أَن يَكُبَّهُ اللهُ فِي النَّارِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ قال: مَا لَكَ عَن فُلانٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤمِنًا.\nوفِي أُخرَى: قال: فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِيَدِهِ بَينَ عُنُقِي وَكَتِفِي، ثُمَّ قَالَ: أَقِتَالًا؟ أَي سَعدُ! إِنِّي لأُعطِي الرَّجُلَ. .، وذكر نحوه.\nرواه أحمد (١/ ١٨٢)، والبخاري (١٤٧٨)، ومسلم (١٥٠)، وأبو داود (٤٦٨٣) و(٤٦٨٤) و(٤٦٨٥)، والنسائي (٨/ ١٠٣ - ١٠٤).\n* * *\nــ\nو(قوله: مخافة أن يكبّه الله في النار، الرواية يَكُبه بفتح الياء وضمّ الكاف، من كبّ ثلاثيًا. ولا يجوز هنا غيره؛ لأنّ رباعيَّه لازم، ولم يأت في لسان (١) العرب فعلٌ ثلاثيّه متعدٍ ورباعيّه غير متعدٍ إلا كلمات قليلة، يقال: أكبَّ الرجلُ وكببتُه، وأقشعَ الغيمُ وقشعته الريح، وأنسَلَ ريشُ الطائر ووَبَرُ البعيرِ ونسلتُه أنا، وأنزفتِ البئرُ: قلَّ ماؤها ونزفتُها أنا، وأَمرَت الناقةُ: قلَّ دَرُّها ومَرَيتُها أنا، وأشنقَ البعيرُ أي: رفَع رأسَه، وشنَقتُه أنا.\nو(قوله: والله إني لأُراه مؤمنًا) الرواية بضم الهمزة، بمعنى أظنّه، وهو من سعد حلفٌ على ما ظنَّه، فكانت هذه اليمين لاغية، ولذلك لم ينكرها النبي - ﷺ -، ولا أمره بكفارة عنها، فكان فيه دليل على جواز الحلف على الظنّ، وأنّها هي اللاغية، وهو قول مالك والجمهور.\nو(قوله: أقِتَالًا؟ أي سعد!) هو مصدر، أي: أتُقَاتِلُني قتالًا؟ فحذف الفعل؛ لدلالة المصدر عليه. ومعنى القتال هنا: الدفع والمكابدة، وهذا كقوله في المارّ بين يدَي المصلِّي: فإن أبى، فَليُقَاتِله (٢)، أي: فَليُدَافعه ويمنعه من المرور.\n_________\n(١) في (ل) و(ط): لغة.\n(٢) رواه مسلم (٥٠٦) من حديث عبد الله بن عمر ﵄.","vol":"1","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>(٥٠) باب مضاعفة أجر الكتابي إذا آمن بالنبي - ﷺ - وشدة عذابه إذا لم يؤمن</span>\n[١٢٠] عَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ عَن رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؛ قَالَ: وَالَّذِي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! لا يَسمَعُ بِي أَحَدٌ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ أو نَصرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَم يُؤمِن بِالَّذِي أُرسِلتُ بِهِ، إِلاّ كَانَ مِن أَصحَابِ النَّارِ.\nرواه أحمد (٢/ ٣١٧)، ومسلم (١٥٣).\nــ\n(٥٠) ومن باب مضاعفة أجر الكتابي إذا آمن\n(قوله: لا يسمع بي أحد من هذه الأمة) الحديث. الأمّة في أصل اللغة: الجماعة من الحيوان، قال الله تعالى: وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمثَالُكُم وقال: وَجَدَ عَلَيهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يسقون ثم قد استعمل في محامل شتّى، والمراد به في هذا الحديث: كل من أُرسِلَ إليه محمد - ﷺ - ولزمته حجته، سواء صدّقه أو لم يصدّقه، ولذلك دخل فيه اليهودي والنصراني. لكن هذا على مساق حديث مسلم هذا، فإنه قال فيه: لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، بغير واو العطف، فإنّه يكون بدلًا من الأمة. وقد روى هذا الحديث عبد بن حميد، وقال: لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ولا يهوديّ ولا نصرانيّ (١)، فحينئذ لا يدخل اليهوديّ ولا النصرانيّ في الأمة المذكورة، والله تعالى أعلم.\nوفيه دليل على أنّ مَن لم تبلغه دعوةُ رسول الله - ﷺ - ولا أمره، لا عقاب عليه ولا مؤاخذة، وهذا كما قال تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبعَثَ رَسُولًا ومن لم تبلغه دعوة الرسول ولا معجزته، فكأنّه لم يُبعث إليه رسول.\n_________\n(١) رواه أبو عوانة (١/ ١٠٤).","vol":"1","page":368},{"text":"[١٢١] وعَن أَبِي مُوسَى الأشعَرِي؛ أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - قَالَ: ثَلاثَةٌ يُؤتَونَ أَجرَهُم مَرَّتَينِ: رَجُلٌ مِن أهل الكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ، وَأَدرَكَ النَّبِيَّ - ﷺ - فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ وَصَدَّقَهُ، فَلَهُ أَجرَانِ. وَعَبدٌ مَملُوكٌ أَدَّى حَقَّ اللهِ ﷿ وَحَقَّ سَيِّدِهِ، فَلَهُ أَجرَانِ. وَرَجُلٌ كَانَت لَهُ أَمَةٌ فَغَذَّاهَا فَأَحسَنَ غِذَاءَهَا، ثُمَّ أَدَّبَهَا فَأَحسَنَ أَدَبَهَا، ثُمَّ أَعتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجرَانِ.\nثُمَّ قَالَ الشَّعبِيُّ لِلخُرَاسَانِيِّ: خُذ هَذَا الحَدِيثَ بِغَيرِ شَيءٍ، فَقَد كَانَ الرَّجُلُ يَرحَلُ فِيمَا دُونَ هَذَا إِلَى المَدِينَةِ.\nرواه أحمد (٤/ ٤٠٥)، والبخاري (٣٠١١)، ومسلم (١٥٤)، والترمذي (١١١٦)، والنسائي (٦/ ١١٥).\n* * *\nــ\nوهذا الكتابيّ الذي يضاعَف أجرُه، هو الذي كان على الحقّ في شرعه عقدًا وفعلًا، ثمّ لم يزل متمسّكًا بذلك إلى أن جاء نبيّنا - ﷺ - فآمن به، واتّبع شريعته، فهذا هو الذي يؤجَر على اتّباع الحقّ الأوّل والحقّ الثاني.\nوأمّا من اعتقد الإلهيّة لغير الله تعالى، كما تعتقده النصارى اليوم، أو من لم يكن على حقّ في ذلك الشرع الذي ينتمي إليه، فإذا أسلم جبّ الإسلام ما كان عليه من الفساد والغلط، ولم يكن له حقّ يؤجر عليه إلاّ الإسلام خاصّة - والله أعلم -، وسيأتي في هذا الحديث زيادة بحث.\n* * *","vol":"1","page":369},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>(٥١) باب ما جاء في نزول عيسى ابن مريم وما ينزل به</span>\n١٥٥ - [١٢٢] عَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: وَاللهِ! لَيَنزِلَنَّ ابنُ مَريَمَ حَكَمًا عَادِلًا، فَلَيَكسِرَنَّ الصَّلِيبَ، وَلَيَقتُلَنَّ الخِنزِيرَ، وَلَيَضَعَنَّ الجِزيَةَ، وَلتَترُكَنَّ القِلاص، فَلا يُسعَى عَلَيهَا، وَلَتَذهَبَنَّ الشَّحنَاءُ وَالتَّبَاغُضُ\nــ\n(٥١) ومن باب ما جاء في نزول عيسى ابن مريم ﵇\n(قوله: لَينزلنّ فيكم ابنُ مريم حَكَمًا مُقسِطًا) وفي رواية: عادلًا - مفسّرًا -. يقال: أَقسَطَ الرجلُ يُقسِطُ؛ أي: عدل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَقسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقسِطِينَ﴾ وقَسَطَ يَقسُطُ قُسوطًا وقِسطًا؛ أي: جار، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا القَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ وقتلُ عيسى للخنزير وكسره الصليب يدلّ على أنّ شيئًا من ذلك لم يسوِّغه لهم، وأنّ ذلك لا يقر إذا تمكّن من تغييره وإزالته. وقيل معنى قوله: ويكسّر الصليب؛ أي: يبطل أمرُه ويُكسر حكمُه، كما يقال: كسر حجّته.\nو(قوله: وليضعن الجزية) قيل: يُسقطها فلا يقبلها من أحدٍ، وذلك لكثرة الأموال؛ إذ تقيء الأرض أفلاذ كبدها، فلا يكون في أخذها منفعة للمسلمين، فلا يقبل من أحد إلا الإيمان. وقيل: يضربها على كلّ صنف من الكفّار؛ إذ قد أذعن الكلّ له فإمّا بالإسلام، وإمّا بأن ألقوا بأيديهم. والتأويل الأوّل أولى؛ لقوله بعد هذا: ولتتركنّ القلاص، فلا يُسعى عليها؛ أي: لا تطلب زكاتها، كما جاء في الحديث الآخر. والقلاص: جمع قَلوص، وهي من الإبل كالفتاة من النساء والحدث من الرجال. وهذا كقوله تعالى: وَإِذَا العِشَارُ عُطِّلَت؛ أي: زُهِد فيها وتُرِكت، وإن كانت أحبَّ الأموال إليهم الآن.\nوالشحناء والتباغُض والعداوة بمعنى واحد. والتحاسد: الحسد، وهو أن","vol":"1","page":370},{"text":"وَالتَّحَاسُدُ، وَلَيَدعُوَنَّ إِلَى المَالِ فَلا يَقبَلُهُ أَحَدٌ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٩٤)، والبخاري (٣٤٤٨)، ومسلم (١٥٥)، وأبو داود (٤٣٢٤)، والترمذي (٢٢٣٤).\n[١٢٢ / م] وعَنهُ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: كَيفَ أَنتُم إِذَا نَزَلَ ابنُ مَريَمَ فِيكُم وَإِمَامُكُم مِنكُم؟\nوَفِي رِوَايَةٍ: فَأَمَّكُم مِنكُم. قَالَ ابنُ أَبِي ذِئبٍ: تَدرِي مَا أَمَّكُم مِنكُم؟ قَالَ: فَأَمَّكُم بِكِتَابِ رَبِّكُم - ﷿ - وَسُنَّةِ نَبِيِّكُم - ﷺ -.\nرواه أحمد (٢/ ٣٣٦) والبخاري (٣٤٤٩) ومسلم (١٥٥) (٢٤٥).\nــ\nيتمنّى زوالَ نعمة الله عن المسلم. والغبطة: أن تتمنّى أن يكون لك مثلها من غير أن تزول عنه، وهو التنافس أيضًا.\nو(قوله: حتّى تكونَ السجدةُ الواحدةُ خيرًا من الدنيا وما فيها) معناه: أنّ الصلاة تكون أفضلَ من الصدقة؛ لفيض المال إذ ذاك، لعدم الانتفاع به. وأهل الحجاز يُسمُّون الركعة سجدة.\nو(قوله: وإمامكم منكم وأمكم أيضًا) قد فسّره ابن أبي ذئب في الأصل، وتكميله أن عيسى - ﵇ - لا يأتي لأهل الأرض بشريعة أخرى، وإنّما يأتي مقرِّرًا لهذه الشريعة، ومجدِّدًا لها؛ لأنّ هذه الشريعة آخر الشرائع، ومحمّد - ﷺ - آخر الرسل. ويدلّ على هذا دلالةً واضحةً قولُ الأمير لعيسى: تعال صلِّ لنا، فيقول: لا، إنّ بعضَكم على بعض أمراء؛ تكرمةَ الله هذه الأمّة.\nوتكرمة منصوب على أنه مفعول من أجله. وظاهرين: غالبين عالين. ومنه قوله تعالى: لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ. وفجّ الروحاء موضع معروف.","vol":"1","page":371},{"text":"[١٢٣] وَعَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ؛ قَالَ: سَمِعتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِن أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ. قَالَ: فَيَنزِلُ عِيسَى ابنُ مَريَمَ - ﷺ -، فَيَقُولُ أَمِيرُهُم: تَعَالَ صَلِّ لَنَا، فَيَقُولُ: لا، إِنَّ بَعضَكُم عَلَى بَعضٍ أُمَرَاءُ، تَكرِمَةَ اللهِ هَذِهِ الأُمَّةَ.\nرواه مسلم (١٥٦).\n[١٢٤] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: والَّذِي نَفس محمد بِيَدِهِ! لَيُهِلَّنَّ ابنُ مَريَمَ بِفَجِّ الرَّوحَاءِ حَاجًّا أو مُعتَمِرًا أو لَيَثنِيَنَّهُمَا.\nرواه أحمد (٢/ ٥١٣)، ومسلم (١٢٥٢).\n* * *\nــ\nو(قوله: أو ليثنينّهما) يعني: ليقرننّ بينهما. أو يحتمل أن تكون إبهامًا على السامع؛ إذ ليس هذا من باب الأحكام، ولا تدعو الحاجة إلى التعيين، ويجوز بقاؤها على أصلها من الشكّ.\n* * *","vol":"1","page":372},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>(٥٢) باب في قوله تعالى: يَومَ يَأتِي بَعضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفسًا إِيمَانُهَا الآية</span>\n[١٢٥] عَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: ثَلاثٌ إِذَا خَرَجنَ لا يَنفَعُ نَفسًا إِيمَانُهَا لَم تَكُن آمَنَت مِن قَبلُ أو كَسَبَت فِي إِيمَانِهَا خَيرًا: طُلُوعُ الشَّمسِ مِن مَغرِبِهَا، وَالدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ الأَرضِ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٤٥)، ومسلم (١٥٨)، والترمذي (٣٠٧٤).\n* * *\nــ\n(٥٢) ومن باب قوله: يَومَ يَأتِي بَعضُ آيَاتِ رَبِّكَ\n(قوله: ثلاث إذا خرجن) اختلف في أوّل الآيات خروجًا، فقيل: أوّلها طلوع الشمس من مغربها، وقيل: خروج الدابّة. ومن رواية ابن أبي شيبة عن ابن عمرو مرفوعًا قال: وأيتها كانت قبل صاحبتها، فالأخرى على إثرها (١)، وفي حديث أنس: أوّل أشراط الساعة نار تخرج من اليمن (٢)، وفي حديث حُذَيفة بن أسيد آخر ذلك النار (٣). وسيأتي كلّ ذلك إن شاء الله تعالى.\nومذهب أهل السنّة حمل طلوع الشمس من مغربها وغيرها من الآيات على ظاهرها؛ إذ لا إحالة فيها، وهي أمور مُمكنة في نفسها، وقد تظاهرت الأخبار الصحيحة بها مع كثرتها وشُهرتها، فيجب التصديق بها، ولا يُلتفت لشيء من تأويلات المبتدعة لها.\n_________\n(١) رواه ابن أبي شيبة (١٩١٣٥) من حديث عبد الله بن عمرو.\n(٢) رواه مسلم (٢٩٠١)، وأبو داود (٤٣١١)، والترمذي (٢١٨٤)، وابن ماجه (٤٠٤١)\nمن حديث حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁.\n(٣) رواه مسلم (٢٩٠١)، وأبو داود (٤٣١١)، والترمذي (٢١٨٤).","vol":"1","page":373},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>(٥٣) باب كيف كان ابتداء الوحي لرسول الله - ﷺ - وانتهاؤه</span>\n[١٢٦] عَن عَائِشَةَ زَوجِ النَّبِيِّ - ﷺ -؛ أَنَّهَا قَالَت: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنَ الوَحيِ: الرُّؤيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّومِ، فَكَانَ لا يَرَى رُؤيَا إِلاّ جَاءَت مِثلَ فَلَقِ الصُّبحِ. ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيهِ الخَلاءُ، فَكَانَ يَخلو بِغَارِ حِرَاءٍ\nــ\n(٥٣) ومن باب كيف كان ابتداء الوحي وانتهاؤه\nالوحي: إلقاء الشيء في سرعة (١)، ومنه: الوحا الوحا. ويقال على الإلهام، ومنه قوله تعالى: وَأَوحَينَا إِلَى أُمِّ مُوسَى؛ أي: ألهمناها، وعلى التسخير (٢)، ومنه قوله تعالى: وَأَوحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحلِ؛ أي: سخّرها. وهو في عرف الشريعة: إعلام الله تعالى لأنبيائه بما شاء من أحكامه أو أخباره.\nوفلق الصبح وفرقه: ضياؤه؛ ومعناه: أنّها جاءت واضحة بيّنة، وهذا له - ﷺ - مبدأ من مبادئ الوحي ومقدّمة من مقدّماته.\nوقد أوحى الله تعالى إلى إبراهيم في النوم حيث قال: يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذبَحُكَ والأنبياء كما قال النبي - ﷺ -: تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم (٣). وقد كان نبيُّنا - ﷺ - في أوّل أمره يرى ضوءًا ويسمع صوتًا، ويسلِّم عليه الحجر والشجر وتناديه بالنبوّة، وهذه أمور ابتُدِئ بها تدريجيا لَمّا أراد الله به من الكرامة والنبوة، واستلطافًا له؛ لئلا يفجأه صريح الوحي، ويبغته الملك، فلا تحتمل ذلك قوّته البشريّة.\n_________\n(١) في (ل): بسرعة.\n(٢) ساقط من (ع).\n(٣) رواه البخاري (٢٠١٣) ومسلم (٧٣٨).","vol":"1","page":374},{"text":"يَتَحَنَّثُ فِيهِ - وهو التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِيَ أولاتِ العَدَدِ قَبلَ أَن يَرجِعَ إِلَى أَهلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثلِهَا، حَتَّى فَجِئَهُ الحَقُّ وهو فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ المَلَكُ فَقَالَ: اقرَأ، قَالَ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ. قَالَ:\nــ\nوحِرَاء بالمدّ: جبل بينه وبين مكّة قدر ثلاثة أميال عن يسارك إذا ذهبت إلى منى. ويجوز فيه التذكير فيُصرف على إرادة الموضع، والتأنيث (١) على إرادة البقعة. وضبطه الأَصيليّ: حَرَا بفتح الحاء والقصر. وقال الخطّابيّ: أصحاب الحديث يخطئون فيه في ثلاثة مواضع، يفتحون الحاء وهي مكسورة، ويكسرون الراء وهي مفتوحة، ويقصرون الألف وهي ممدودة.\nواختُلِف في عبادة النبيّ - ﷺ - قبل مبعثه، هل كانت لأنّه كان متعبِّدًا بشريعة مَن قبله؟ أم كانت لِمّا جعل الله في نفسه وشرح به صدره من نور المعرفة؟ ومن بغضه لِما كان عليه قومه من عبادة الأوثان وسوء السيرة وقبح الأفعال، فكان يفرّ منهم بُغضًا ويخلو بمعروفه أُنسًا؟\nثمّ الذين قالوا: إنّه كان متعبِّدًا بشريعة، فمنهم من نسبه إلى إبراهيم، ومنهم من نسبه إلى موسى، ومنهم من نسبه إلى عيسى. وكلّ هذه أقوال متعارضة لا دليلَ قاطع على صحّة شيء منها. والأصحّ القول الأول؛ لأنّه لو كان متعبِّدًا بشيء من تلك الشرائع؛ لعُلم انتماؤه لتلك الشريعة، ومحافظته على أحكامها وأصولها وفروعها، ولو عُلم شيءٌ من ذلك، لنُقِل؛ إذ العادة تقتضي ذلك؛ لأنّه - ﷺ - ممّن تتوفّر الدواعي على نقل أحواله وتتبُّعِ أموره، ولمّا لم يكن شيء من ذلك، علم صحّة القول الأول.\nو(قوله: حتّى فجئه الحقّ) أي: أتاه الوحي بغتةً، يقال: فجِئ بكسر الجيم يفجَأ، وفجَأ يفجَأ بفتحها أيضًا.\nو(قوله: ما أنا بقارئ) ما نافية، واسمها أنا، وخبرها\n_________\n(١) في (ع) و(م): والتأنيث فلا يصرف","vol":"1","page":375},{"text":"فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهدَ، ثُمَّ أَرسَلَنِي، فَقَالَ: اقرَأ. فقُلتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ. قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهدَ، ثُمَّ أَرسَلَنِي، فَقَالَ: اقرَأ، فَقُلتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ. قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهدَ، ثُمَّ أَرسَلَنِي، فَقَالَ: اقرَأ بِاسمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ\nــ\nبقارئٍ، والباء زائدة لمجرَّد النفي والتأكيد. وقال بعضهم: إنّها هنا للاستفهام، وهو خطأ؛ لأنّ هذه الباء لا تزاد على الاستفهام، وإنّما تصلح للاستفهام رواية من رواها: ما أقرأ، وتصلح أيضًا للنفي.\nو(قوله: فغطّني) أي: غمّني وعصَرني، ورواه بعضهم: فغتني، وهما بمعنى واحد. وفي العين: غَطَّه في الماء غَرَّقَه وغمسه، ويقال: غَتَّه وغطه وخنقه بمعنى واحد.\nو(قوله: حتّى بلغ منّي الجَهد) أي: غاية المشقَّة، بفتح الجيم. والجُهد - بالضمّ -: الطاقة، قاله القُتبيّ (١). وقال (٢) الشعبيّ: الجُهد في القوت (٣) والجَهد في العمل. وقيل هما بمعنى واحد، قاله البصريّون.\nوهذا الغط من جبريل للنبيّ - ﷺ - تفزيع له وإيقاظٌ، حتّى يقبل بكليته ما يُلقى إليه، وتكراره ثلاثًا مبالغة في هذا المعنى. وقال الخطّابيّ: كان ذلك ليبلو صبره ويحسن أدبه فيرتاض لتحمُّل ما كلّفه من أعباء الرسالة. وهذا الحديث نصّ في أوّل ما نزل من القرآن، وهو أولى من حديث جابر إذ قال: إن أوّل ما أُنزِل من القرآن: يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ وسياق حديث جابر لا ينصّ على ذلك، بل سكت عمّا ذكرته عائشة من نزول: اقرَأ في حراء، وذكر أنّه رجع إلى خديجة\n_________\n(١) في (ط): ابن قتيبة.\n(٢) لفظة (قال) من (ط).\n(٣) في اللسان مادة (جهد): الغنية.","vol":"1","page":376},{"text":"خَلَقَ الإِنسَانَ مِن عَلَقٍ اقرَأ وَرَبُّكَ الأَكرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَم يَعلَم. فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - تَرجُفُ بَوَادِرُهُ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ، فَقَالَ: زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي. فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنهُ الرَّوعُ، ثُمَّ قَالَ لِخَدِيجَةَ: أَي خَدِيجَةُ! مَا لِي؟ وَأَخبَرَهَا الخَبَرَ، فقَالَ: لَقَد خَشِيتُ عَلَى نَفسِي،\nــ\nفدثّروه، فأنزل الله تعالى: يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ وعائشة أخبرت بأوّل ما نزل عليه في حراء (١)، فكان قول عائشة أولى، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: ترجف بوادره) ترعد وتضطرب. والبوادر من الإنسان: اللحمة التي بين المنكب والعنق، قاله أبو عبيد في الغريب. وقد رُوي في الأمّ (٢): يرجف فؤاده، أي: قلبه، وهذا هو سبب طلبه أن يُدَّثّر ويُزّمَّل؛ أي: يغطَّى ويُلفّ؛ لشدّة ما لحقه من هول الأمر وشدّة الضغط. والتزمُّل والتدثُّر واحد، ويقال لكلّ ما يلقى على الثوب الذي يلي الجسد دثار. وأصل المزَّمِّل والمدَّثِّر: المتزمِّل والمتدثِّر، أدغمت التاء فيما بعدها، وقد جاء في أثر أنّهما من أسمائه (٣) - ﵊ -.\nو(قوله: لقد خشيتُ على نفسي) اُختُلِف في سبب هذه الخشية، وفي زمانها، فقيل: كانت عند رؤية التباشير وسمع الصوت قبل لقاء الملك، وعند هذا يجوز أن يكون شكّ في حاله ولم يتحقَّق مآله، وأمّا بعد مشافهة الملك وسماعه منه ما أخبره به وما قرأ عليه، فلا يُتصوّر في حقِّه شكٌّ في رسالته بوجه من\n_________\n(١) رواه البخاري (٤)، ومسلم (١٦١).\n(٢) أي: أصل صحيح مسلم.\n(٣) ذكرهما الصالحي الشامي في سبل الهدى والرشاد (١/ ٦٣٠ و٦٣٣). وقال ابن قيم الجوزية في زاد المعاد (١/ ٨٦): أسماؤه - ﷺ - كلها نعوت، ليست أعلامًا محضة لمجرّد التعريف، بل أسماء مشتقة من صفات قائمة به تُوجِبُ له المدحَ والكمال.","vol":"1","page":377},{"text":"فقَالَت لَهُ خَدِيجَةُ: كَلَاّ! أَبشِر، فَوَاللهِ! لا يُخزِيكَ اللهُ أَبَدًا. وَاللهِ! إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصدُقُ الحَدِيثَ، وَتَحمِلُ الكَلَّ، وَتَكسِبُ المَعدُومَ،\nــ\nالوجوه. وإن كانت الخشية حصلت منه في هذا الحال، فيحتمل أن كانت من ضعفه عن القيام بأعباء النبوّة والرسالة، وأنّه لا يقدر عليها. ويحتمل أن يكون خوفه من مباعدة قومه له ونفارهم عنه، فيُكذِّبونه ويؤذونه ويقتلونه، وهذا في أوّل أمره قبل أن يعلم بمآل حاله، وأنّ الله يعصمه من الناس، وقول خديجة يُشعِر بهذا، والله تعالى أعلم.\nو(قولها: لا يخزيك الله أبدًا) قاله معمر بالحاء المهملة والنون، وقال يونس وعقيل بالخاء المعجمة وبالياء المنقوطة باثنتين من أسفل، ومعناه: لا يفضحك ولا يهينك.\nو(قولها: وتحمل الكَلَّ) قال ابن النحّاس: الكَلُّ الثِقَل، من كلَّ شيء في المؤنة والجسم. والكَلّ أيضًا اليتيم والمسافر، وهو الذي أصابه الكلال وهو الإعياء.\nو(قولها: وتكسب المعدوم) رُوِيتُه بفتح التاء وضمّها، قال ابن النحاس: يقال: كسبتُ الرجلَ مالًا، وأكسبتُه مالًا، وأنشد:\nفأكسبَنِي مالًا وأكسبتُه حمدًا (١)\nوحكى أبو عبد الله بن القزّاز أنّ كسب حرف نادر، يقال: كسبتُ المال وكسبتُه غيري، ولا يقال: أكسبتُ. وحكى الهرويّ: كسبتُ مالًا وكسبتُه زيدًا. وحُكي عن ثعلب وابن الأعرابيّ: أكسبتُ زيدًا مالًا. ومعناه أنّه - ﵊ - كان يَكسب الناس (٢) ما لا يجدونه من معدومات الفوائد والفضائل، وهذا\n_________\n(١) أنشده ابن الأعرابي، كما في تاج العروس (كسب).\n(٢) ساقط من (ع).","vol":"1","page":378},{"text":"وَتَقرِي الضَّيفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ. فَانطَلَقَت بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَت بِهِ وَرَقَةَ بنَ نَوفَلِ بنِ أَسَدِ بنِ عَبدِ العُزَّى - وهو ابنُ عَمِّ خَدِيجَةَ أَخِي أَبِيهَا، وَكَانَ امرَأً تَنَصَّرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكتُبُ الكِتَابَ العَرَبِيَّ، وَيَكتُبُ مِنَ الإِنجِيلِ بِالعَرَبِيَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أَن يَكتُبَ، وَكَانَ شَيخًا كَبِيرًا قَد عَمِيَ -، فَقَالَت لَهُ خَدِيجَةُ: أَي عَمِّ! اسمَع مِنِ ابنِ أَخِيكَ. قَالَ وَرَقَةُ بنُ نَوفَلٍ: يَا ابنَ أَخِي! مَاذَا تَرَى؟ فَأَخبَرَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - خَبَرَ مَا رَآه، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنزِلَ عَلَى مُوسَى، يَا لَيتَنِي فِيهَا جَذَعًا، يَا لَيتَنِي أَكُونُ حَيًّا حين\nــ\nأولى في وصفه من قول من قال: إنّ خديجة مدحته باكتساب المال الكثير الذي لا يجده غيره ولا يقدر عليه.\nو(قول ورقة: هذا الناموس) قال أبو عبيد في مصنَّفه: هو جبريل - ﵇ -. قال الهرويّ: وسُمِّي جبريل ناموسًا؛ لأنّ الله خصّه بالوحي وعلم الغيب. وقال المطّرز: قال ابن الأعرابيّ: لم يأت في الكلام فاعول، لام الفعل سين إلاّ الناموس، وهو صاحب سرّ الخير، والجاسوس وهو صاحب سرّ الشرّ، والجاروس الكثير الأكل، والفاعوس الحيّة، والبابوس الصبيّ الرضيع، والراموس القبر، والقاموس وسط البحر، والقابوس الجميل الوجه، والفاطوس دابّة يُتشاءم بها، والفانوس النمّام، والجاموس ضرب من البقر. قال ابن دريد في الجمهرة: جاموس أعجميّ وقد تكلّمت به العرب، وقال غيره: الحاسوس بالحاء غيرَ معجمة من تحسّسه بمعنى الجاسوس. وقال ابن دريد: الكابوس هو الذي يقع على الإنسان في نومه، والناموس موضع الصائد، وناموس الرجل صاحب سرّه، وفي الحديث: ناعوس البحر (١)، وسيأتي إن شاء الله تعالى.\nو(قوله: يا ليتني فيها جذعًا) فـ: فيها عائد على النبوّة، يريد مدّتها، تمنّى\n_________\n(١) سيأتي في التلخيص في كتاب الجمعة برقم (٧٤٠).","vol":"1","page":379},{"text":"يُخرِجُكَ قَومُكَ. فقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أومُخرِجِيَّ هُم؟ قَالَ وَرَقَةُ: نَعَم! لَم يَأتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئتَ بِهِ إِلا عُودِيَ، وَإِن يُدرِكنِي يَومُكَ أَنصُركَ نَصرًا مُؤَزَّرًا.\nوَفِي رِوَايَةٍ: فَوَاللهِ! لا يُحزِنُكَ اللهُ أَبَدًا.\nــ\nنصرته في مدّة نبوّته. وجذعًا كذا صحّت الرواية فيه، وعند ابن ماهان جذع مرفوعًا على خبر ليت، وكذا هو في البخاريّ. ونصبه من أحد ثلاثة أوجه:\nأوّلها: أنّه خبر كان مقدَّرة؛ أي: يا ليتني أكون فيها جذعًا، وهذا على رأي الكوفيّين كما قالوا في قوله تعالى: انتَهُوا خَيرًا لَكُم؛ أي يكن خيرًا لكم، ومذهب البصريّين أنّ خيرًا إنّما انتصب بإضمار فعل دلّ عليه انتهوا، والتقدير: انتهوا وافعلوا خيرًا. وقال الفرّاء: هو نعت لمصدر محذوف، تقديره: انتهُوا انتهاءً خيرًا لكم.\nوثانيها: أنّه حال، وخبر ليت في المجرور، فيكون التقدير: ليتني كائن فيها؛ أي: مدّةَ النبوّة في هذه الحال.\nوثالثها: أن يكون ليت أُعمِلت عمل تمنّيتُ، فنصبت اسمين، كما قاله الكوفيّون، وأنشدوا عليه:\nيا ليتَ أيّامَ الصبا رواجعا (١)\nوهذا فيه نظر.\nو(قوله: أنصرك نصرًا مؤزَّرًا) كذا رويناه بالزاي المفتوحة والراء المهملة،\n_________\n(١) رجز للعجاج، وهو في الكتاب لسيبويه (١/ ٢٨٤)، والمغني (٥٢٢)، واللسان مادة (ليت).","vol":"1","page":380},{"text":"رواه أحمد (٦/ ١٥٣ و٢٣٢)، والبخاري (٣)، ومسلم (١٦٠)، والترمذي (٣٦٣٦).\n[١٢٧] وَعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: إِنَّ الله تَابَعَ الوَحيَ عَلَى رَسُولِهِ - ﷺ - قَبلَ وَفَاتِهِ حَتَّى تُوفِّيَ، وَأَكثَرُ مَا كَانَ الوَحيُ يَومَ تُوفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -.\nرواه أحمد (٣/ ٢٣٦)، والبخاري (٤٩٨٢)، ومسلم (٣٠١٦).\n* * *\nــ\nوهو الصحيح، ومعناه: قوِيًّا، مأخوذ من الأزر وهو القوّة، قال الله تعالى: اشدُد بِهِ أَزرِي. وقوله في الأمّ (١): فجثثتُ منه فرقًا، يروى بالحاء غير معجمة وبالثاءين المثلّثتين، بمعنى: أسرعتُ خوفًا منه. ويروى بالجيم المعجمة والثاءين، وجَئِثتُ (٢) بالجيم وبالهمزة المكسورة مكان الثاء الأولى، قال الهرويّ: جوث الرجل وجئث وجثّ؛ أي: أفزع.\nو(قوله في حديث أنس: إنّ الله تابع الوحي على رسوله) يعني: والى، أي: الشيء بعد الشيء. وأكثرُ ما كان مرفوع بالابتداء، وما مع الفعل بتأويل المصدر، وكان تامّة، ويوم: خبر أكثر.\n* * *\n_________\n(١) ساقط من (م).\n(٢) انظر صحيح مسلم (١/ ١٤٣).","vol":"1","page":381},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>(٥٤) باب في شق صدر النبي - ﷺ - في صغره واستخراج حظ الشيطان من قلبه</span>\n[١٢٨] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ - ﷺ - أَتَاهُ جِبرِيلُ وهو يَلعَبُ مَعَ الغِلمَانِ، فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ، فَشَقَّ عَن قَلبِهِ، فَاستَخرَجَ القَلبَ، فَاستَخرَجَ مِنهُ عَلَقَةً، فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيطَانِ مِنكَ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَستٍ مِن ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمزَمَ، ثُمَّ لأَمَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ، وَجَاءَ الغِلمَانُ يَسعَونَ إِلَى\nــ\n(٥٤) ومن باب شُقَّ صدرُ النبيّ - ﷺ - في صِغَره\n(قوله: فاستخرج منه علقة) أي: قطعة (١) دم، والعلق الدم. وهذه العلقة المنتزَعَة عنه هي القابلة للوسواس (٢) والمحرِّكة للشهوات، فأُزِيل ذلك عنه، وبذلك أُعين على شيطانه حتّى سلم منه. ولأمَه أي: ضمَّه وجمَعه، وظِئره مُرضِعَتُه، ومنتقَعٌ اللون متغيِّره، يقال: انتَقَعَ لونُه، وابتُقِعَ وامتقع؛ أي: تغيَّر عن حاله. والمخيَط ما يخاط به، وهو الخيط والإبرة. وفي الطست لغات؛ طَستٌ بفتح الطاء وكسرها، وطَسٌّ وطَسَّة، والجمع طِسَاس وطُسُوسٌ وطسَّاتٌ.\nوهذا الحديث محمول على ظاهره وحقيقته؛ إذ لا إحالةَ في متنه عقلًا، ولا يُستبعَدُ من حيثُ إنّ شقّ الصدرِ وإخراج القلب موجبٌ للموت، فإنّ ذلك أمر عاديٌّ، وكانت جُلُّ أحوالِه - ﷺ - خارقةٌ للعادة، إمّا معجزةً، وإمّا كرامةً.\nوهذا الشقّ هو خلاف الشقّ المذكور في حديث أبي ذرّ ومالك بن صعصعة؛ بدليل اختلاف الزمانين والمكانين والحالين. أمّا الزمانان، فالأوّل في صِغَره، والثاني في كِبَره.\n_________\n(١) في (م): مضغة.\n(٢) في (م): للوساوس.","vol":"1","page":382},{"text":"أُمِّهِ - يَعنِي: ظِئرَهُ - فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَد قُتِلَ، فَاستَقبَلُوهُ وهو مُنتَقِعُ اللَّونِ. قَالَ أَنَسٌ: قَد كُنتُ أَرَى أَثَرَ المِخيَطِ فِي صَدرِهِ.\nرواه أحمد (٣/ ٢٨٨)، ومسلم (١٦٢)، والنسائي (١/ ٢٢٤ - ٢٢٥).\n* * *\nــ\nوأمّا المكانان، فالأوّل كان ببعضِ جهات مكّة عند مُرضِعته، والثاني عند البيت. وأمّا الحالان، فالأوّل نُزِعَ من قلبه ما كان يَضُرُّه وغُسِل، وهو إشارة إلى عصمته، والثاني غُسِل ومُلِئ حكمةً وإيمانًا، وهو إشارة إلى التهيُّؤ إلى مشاهدته ما شاء الله أن يشهده. ولا يلتَفِت إلى قول مَن قال: إنّ ذلك كان مرّةً واحدة في صِغَرِه، وأخذ يُغَلِّط بعض الرواة الذين رووا أحد الخبرين، فإنّ الغلط به أليق، والوَهم منه أقرب، فإن رواة الحديثين أئمّةٌ مشاهير حُفَّاظ. ولا إحالةَ في شيء ممّا ذكروه، ولا معارضةَ بينهما ولا تناقُضَ، فصحّ ما قلناه. وبهذا قال جماعة من العلماء، منهم القاضي المُهلَّب بن أبي صُفرة في شرح مختصر صحيح البخاريّ. والله تعالى أعلم.\nوالحكمة أصلها ما يمنع الجهل والسفه، ومنه حكمة البعير، وكونها تملأ الطست استعارة تُفهِم أنّ المجعولَ في قلبه منها كثيرٌ شريف، وإلاّ فليست العلوم أجسامًا حتّى تملأ الطست. وقيل: إنّ القلب لمّا امتلأ حكمةً بعد غسله بملء الطست من ماء زمزم، قُدِّرت الحكمةُ بما كانت عنده، والله أعلم.\n* * *","vol":"1","page":383},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>(٥٥) باب في شق صدر النبي - ﷺ - ثانية، وتطهير قلبه، وحشوه حكمة وإيمانًا عند الإسراء</span>\n[١٢٩] عَن أَبِي ذَرٍّ؛ أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - قَالَ: فُرِجَ سَقفُ بَيتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبرِيلُ، فَفَرَجَ صَدرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ مِن مَاءِ زَمزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَستٍ مِن ذَهَبٍ مُمتَلِئٍ حِكمَةً وَإِيمَانًا، قال: فَأَفرَغَهَا فِي صَدرِي، ثُمَّ أَطبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي، فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ. . وذكر الحديث.\nرواه أحمد (٥/ ١٢٢)، والبخاري (١٦٣٦)، ومسلم (١٦٣).\nــ\n(٥٥) ومن باب الإسراء\nالإسراء سير الليل، يقال: سريتُ مَسرًى وسُرًى وأَسرَيتُ إِسراءً، بمعنى واحد، وبالألف لغة أهل الحجاز وقد جاء في القرآن، وقال حسّان:\nحَيِّ النضيرَة رَبَّةَ الخِدرِ ... أسرَت إليك ولم تكن تَسرِي (١)\nوقيل: أسرى: سار من أوّل الليل، وسَرَى: سار من آخره، والقول الأوّل أعرف. ويقال سِرينَا سَريَةً واحدةً، والاسم السُريَة بالضمّ والسُرَى. ويقال: أسراه وأسرى به، مثل. أخَذ الخطامَ وأخَذ بالخطامِ.\nواختُلِف في كيفيّة هذا الإسراء وفي زمانه، فقيل: كان كلُّه منامًا، وقيل: كان كلُّه يقظةً، وقيل: كان إلى المسجد الأقصى يقظةً، وإلى ما بعد ذلك منامًا. وكلّ تلك الأقسام جائز، ولكن الذي عليه معظم السلف والخلف أنّه أسري بجسده، وحقيقتُهُ في اليقظة إلى آخر ما انطوى عليه الإسراء، وعليه يدلّ ظاهرُ الكتاب (٢) وصحيحُ الأخبار، ومبادرةُ\n_________\n(١) في (ع) و(أ):\nحيّي النظير وربة الخدر ... أسرت إلي ولم تكن تسري\nوالمثبت من ديوان حسّان بن ثابت.\n(٢) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا. . .﴾ [الإسراء: ١].","vol":"1","page":384},{"text":"[١٣٠] وَعَن مَالِكِ بنِ صَعصَعَةَ؛ قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ -: بَينَا أَنَا عِندَ البَيتِ بَينَ النَّائِمِ وَاليَقظَانِ، إِذ سَمِعتُ قَائِلا يَقُولُ: أَحَدُ الثَّلاثَةِ بَينَ الرَّجُلَينِ، فَأُتِيتُ، فَانطُلِقَ بِي، فَأُتِيتُ بِطَستٍ مِن ذَهَبٍ فِيهَا مِن مَاءِ زَمزَمَ،\nــ\nقريش لإنكار ذلك وتكذيبه. ولو كان منامًا لما أنكروه ولما افتُتِنَ به من افتُتِنَ؛ إذ كثيرًا ما يُرى في المنام أمورٌ عجيبةٌ وأحوالٌ هائلة، فلا يُستبعَد ذلك في النوم، وإنّما يُستبعَد في اليقظة.\nولا يُعارِض ما ذكرناه إلاّ ظاهرُ قوله تعالى: وَمَا جَعَلنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَينَاكَ إِلَّا فِتنَةً لِلنَّاسِ وألفاظٌ وقعت في بعض طُرُق أحاديث الإسراء، كقوله - ﵊ -: بينا أنا نائمٌ، وقوله: فاستيقظتُ ونحو ذلك ممّا وقع في كتاب مسلم وغيرِه. وقد انفصل عن الآية بوجهين:\nأحدهما: أنّ هذه قضيّة أخرى غيرُ الإسراء على ما ذكره عكرمة، قال: هي رؤيا دخول المسجد الحرام، والفتنة: الصدّ بالحُدَيبِية.\nالثاني: أنّ الرؤيا بمعنى الرؤية والمعاينة، قاله ابن عبّاس في جماعة، والفتنة ارتداد من أنكر ذلك.\nوأمّا قوله: بينا أنا نائم يعني في أوّل القصّة، وذلك أنّه كان قد ابتدأ نومه، فأتاه المَلَك فأيقظه. وفي بعض ألفاظِه بينا أنا بين النائمِ واليقظانِ أتاني المَلَك وذكر الحديث.\nوقوله: فاستيقظتُ وأنا في المسجد الحرام؛ يحتمل أن يكون استيقاظه من نومٍ نامه بعد الإسراء؛ لأنّ إسراءه لم يكن طول ليلته، وإنّما كان في بعضها. ويحتمل أن يكون بمعنى. أفقتُ، وذلك ممّا كان غمر باطنَه من عجائب ما رأى، وطالع من ملكوت السماوات، وخامر (١) باطنَه من مشاهدة الملأ\n_________\n(١) \"خامر\": خالط وقارب.","vol":"1","page":385},{"text":"فَشُرِحَ صَدرِي إِلَى كَذَا وكذا. قَالَ قَتَادَةُ: فَقُلتُ لِلَّذِي مَعِي: مَا يَعنِي؟ قَالَ: إِلَى أَسفَلِ بَطنِهِ. فَاستُخرِجَ قَلبِي، فَغُسِلَ بِمَاءِ زَمزَمَ، ثُمَّ أُعِيدَ مَكَانَهُ، ثُمَّ حُشِيَ إِيمَانًا وَحِكمَةً، ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ أَبيَضَ، يُقَالُ لَه: البُرَاقُ. . وذكر الحديث.\nرواه أحمد (٤/ ٢٠٦)، والبخاري (٣٢٠٧)، ومسلم (١٦٤)، والترمذي (٣٣٤٣)، والنسائي (١/ ٢١٧ - ٢١٨).\n* * *\nــ\nالأعلى، وإلى هذه الإشارة بقوله تعالى: لَقَد رَأَى مِن آيَاتِ رَبِّهِ الكُبرَى فلم يستَفِق ويرجع إلى حال بشريّته إلاّ وهو بالمسجد الحرام، والله أعلم.\nوأمّا متى كان الإسراء؟ فأقلّ ما قيل فيه: إنّه كان بعد مبعثه - ﵊ - بخمسةَ عشرَ شهرًا، قاله الزهريّ. وقال الحربيّ: كان ليلةَ سبعٍ وعشرين من ربيع الآخر قبل الهجرة بسنةٍ. وقال ابن إسحاق: أُسرِيَ به وقد فشا الإسلام بمكّة والقبائل. وقال الزُهريّ: كان ذلك بعد مبعث النبيّ - ﷺ - بخمس سنين، وهذا أشبه؛ لأنّه لا خلافَ أنّ خديجة صلّت معه بعد فرض الصلاة، ولا خلافَ أنّها توفيت قبل الهجرة بمدّة قيل: بثلاث سنين، وقيل: بخمس. وقد أجمع العلماء على أنّ فرض الصلاة كان ليلة الإسراء.\n* * *","vol":"1","page":386},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>(٥٦) باب ما خَصَّ الله به محمدًا نبينا - ﷺ - من كرامة الإسراء</span>\n[١٣١] عَن ثَابِتٍ البُنَانِيِّ، عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - قَالَ: أُتِيتُ بِالبُرَاقِ - وهو دَابَّةٌ أَبيَضُ طَوِيلٌ، فَوقَ الحِمَارِ، وَدُونَ البَغلِ، يَضَعُ حَافِرَهُ عِندَ مُنتَهَى طَرفِهِ -. قَالَ: فَرَكِبتُهُ حَتَّى أَتَيتُ بَيتَ المَقدِسِ. قَالَ: فَرَبَطتُهُ بِالحَلقَةِ الَّتِي يَربِطُ بِها الأَنبِيَاءُ. قَالَ: ثُمَّ دَخَلتُ المَسجِدَ فَصَلَّيتُ فِيهِ رَكعَتَينِ، ثُمَّ خَرَجتُ، فَجَاءَنِي جِبرِيلُ - ﵇ - بِإِنَاءٍ مِن\nــ\n(٥٦) ومن باب ما خص الله به محمدا نبينا - ﷺ - من كرامة الإسراء (١)\nو(قوله في صفة البُراق: دابّة أبيض طويل) جاء بوصف المذكَّر؛ لأنّه وصفٌ للبراق، ولو أتى به على لفظ الدابّة، لقال: طويلة. والبُراق مشتقّ من البرق، قاله ابنُ دُرَيد. وقيل: هو من الشاة البَرقاء إذا كان في خلال صُوفِها الأبيض طاقاتٌ سودٌ، ومن هذا قوله - ﵊ -: أَبرِقوا، فإنّ دم عفراء عند الله أزكى من دم سَودَاوَينِ (٢)؛ أي: ضَحُّوا بالبرقاء، وهي العفراء هنا؛ فإنّ العفرة بياضٌ يخالطه يسيرُ صُفرَةٍ.\nو(قوله: عند منتهى طَرفِه) بسكون الراء، وهو العين، يعني أنّه سريعٌ بعيدُ الخطو.\n_________\n(١) لم يرد في الأصول، وأثبتناه من التلخيص.\n(٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٨): رواه الطبراني في الكبير، وفيه محمد بن سليمان بن مسمول، وهو ضعيف.","vol":"1","page":387},{"text":"خَمرٍ وَإِنَاءٍ مِن لَبَنٍ، فَاختَرتُ اللَّبَنَ، فَقَالَ جِبرِيلُ: اختَرتَ الفِطرَةَ. قَالَ: ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ، فَاستَفتَحَ جِبرِيلُ، فَقِيلَ: مَن أَنتَ؟ قَالَ: جِبرِيلُ. قِيلَ:\nــ\nو(قوله: أصبتَ الفِطرَة) أصل الفطرة: ابتداء الخِلقَةِ، ومنه: فطر ناب البعير، إذا ابتدأ خروجه، ومنه: قول الأعرابيّ المتحاكِم إلى ابن عبّاس في البئر: أنا فَطَرتُها، أي: ابتدأتُ حفرَها. وقيل في قوله تعالى: فِطرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيهَا؛ أي: جِبِلَّة الله التي جَبَلَهم عليها من التهيُّؤ لمعرفته والإقرار به (١). وقيل: هي ما أخَذ عليهم في ظهر آدم - ﵇ - من الاعتراف بربوبيّته. وقيل: الفطرة الإسلام؛ لأنّه الذي تقتضيه فطرة العقل ابتداءً. وقد حُمِل (٢) على هذا قولُه - ﵊ -: كلّ مولود يُولَدُ على الفطرة (٣). . الحديث، وقد نصّ على هذا في حديث آخر، فقال: جَبَلَ اللهُ الخلقَ على معرفته فاجتالتهم الشياطين (٤).\nوكأن معنى الحديث أنّه لمّا مال إلى ما يُتناوَل بالجبلَّة والطبع وما لا ينشأ عنه مفسدةٌ وهو اللبن، وعدل عمّا ليس كذلك مما يتَوَقَّعُ منه مفسدة أو من جنسه، وهي إذهاب العقل الموصل للمصالح، صوَّب الملك فعله ودعا له، كما قال في الرواية الأخرى: أصبتَ أصاب الله بك (٥)، ويحتمل أن يكون ذلك من باب التفاؤل والتشبيه؛ لما كان اللبن أوّلَ شيء يدخل جوف الصبيّ ويشقّ أمعاءه، فسمّي بذلك فطرةً.\n_________\n(١) من (ع).\n(٢) في (ل): دلّ.\n(٣) رواه أحمد (٢/ ٢٣٣، ٢٧٥، ٢٨٢، ٣٩٣)، والبخاري (١٣٨٥)، وأبو داود (٤٧١٤ و٤٧١٦) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) رواه مسلم (٢٨٦٥) بلفظ: \"إني خلقتُ عبادي حُنفاء كُلَّهم، وانهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم\" من حديث عياض بن حمار المجاشعي ﵁.\n(٥) انظر: صحيح مسلم (١/ ١٥١).","vol":"1","page":388},{"text":"وَمَن مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَد بُعِثَ إِلَيهِ؟ قَالَ: قَد بُعِثَ إِلَيهِ. قَالَ: فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِآدَمَ، فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخيرٍ. ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَاستَفتَحَ جِبرِيلُ، فَقِيلَ: مَن أَنتَ؟ قَالَ: جِبرِيلُ. قِيلَ: وَمَن مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَد بُعِثَ إِلَيهِ؟ قَالَ: قَد بُعِثَ إِلَيهِ. قال: فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِابنَيِ الخَالةِ عِيسَى ابنِ مَريَمَ وَيَحيَى بنِ زَكَرِيَّا - صلوات الله عليهما - فَرَحَّبَا وَدَعَوَا لِي بِخَيرٍ. ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَاستَفتَحَ جِبرِيلُ. فَقِيلَ: مَن أَنتَ؟ قَالَ: جِبرِيلُ، قِيلَ: وَمَن مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَد بُعِثَ إِلَيهِ؟ قَالَ: قَد بُعِثَ إِلَيهِ. فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِيُوسُفَ، إِذَا هو قَد أُعطِيَ شَطرَ الحُسنِ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيرٍ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ،\nــ\nو(قوله: وقد بعث إليه؟) هو استفهام من الملائكة عن بعث النبيّ - ﷺ - وإرساله إلى الخلق. وهذا يدلّ على أنّهم لم يكن عندهم علم من وقت إرساله؛ لكونهم مستغرقين بالعبادة لا يفترون عنها. وقيل: معناه استفهامهم عن إرسال الله تعالى إليه بالعروج إلى السماء.\nوالبيت المعمور سُمّي بذلك؛ لكثرة عمارته بدخول الملائكة فيه وتعبُّدهم عنده. والأسوِدَة جمع سواد، وهي الأشخاص، وسواد الإنسان شخصه، يقال: لا يفارق سوادي سوادَك، وهي هاهنا أرواح بني آدم، وقد فسّرها بنسم بنيه. والنَّسَم جمع نَسَمَة، كالشجر جمع شجرة. ولا يناقض هذا أن يُخبِر الشارع أنّ أرواح المؤمنين في الجنّة أو في الصُور الذي يُنفَخ فيه أو في القبور، وأرواح الكافرين في سجّين؛ لأنّ هذا في أحوالٍ مختلفةٍ وأوقاتٍ متغايرةٍ، والله أعلم.\nوالسِدرَةُ واحدة السِدر، وهو شجر النبق، وهو من أعظم الشجر جرمًا، وهو أكثر شجر البادية عندهم له شوك. ولأجل هذا وصفه الله بكونه مخضودًا؛ أي: منزوعَ الشوك. وقد فسّر المعنى الذي به سمّيت سدرة المنتهى في حديث عبد الله الآتي (١).\n_________\n(١) سيأتي في التلخيص برقم (١٣٣).","vol":"1","page":389},{"text":"فَاستَفتَحَ جِبرِيلُ، قِيلَ: مَن هذَا؟ قَالَ: جِبرِيلُ. قِيلَ: وَمَن مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَد بُعِثَ إِلَيهِ؟ قَالَ: قَد بُعِثَ إِلَيهِ، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِإِدرِيسَ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيرٍ، قَالَ اللهُ تَعالَى: وَرَفَعنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا. ثُمَّ عَرَجَ بِنا إِلَى السَّمَاءِ الخَامِسَةِ، فَاستَفتَحَ جِبرِيلُ، قِيلَ: مَن هذَا؟ قَالَ: جِبرِيلُ. قِيلَ: وَمَن مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَد بُعِثَ إِلَيهِ؟ قَالَ: قَد بُعِثَ إِلَيهِ. فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِهَارُونَ. قَالَ: فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيرٍ. ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَاستَفتَحَ جِبرِيلُ، قِيلَ: مَن هَذَا؟ قَالَ: جِبرِيلُ. قِيلَ: وَمَن مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَد بُعِثَ إِلَيهِ؟ قَالَ: قَد بُعِثَ إِلَيهِ. فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيرٍ. ثُمَّ عَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ السَّابعَةِ، فَاستَفتَحَ جِبرِيلُ، فَقِيلَ: مَن هَذَا؟ قَالَ: جِبرِيلُ. قِيلَ: وَمَن مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَد بُعِثَ إِلَيهِ؟ قَالَ: قَد بُعِثَ إِلَيهِ. فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِإِبرَاهِيمَ مُسنِدًا ظَهرَهُ إِلَى البَيتِ المَعمُورِ، وَإِذَا هو يَدخُلُهُ كُلَّ يَومٍ سَبعُونَ أَلفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ إِلَيهِ. ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى السِّدرَةِ المُنتَهَى، فَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الفِيَلَةِ، وَإِذَا ثَمَرُهَا كَالقِلالِ. قَالَ: فَلَمَّا غَشِيَهَا مِن أَمرِ اللهِ مَا غَشِيَ تَغَيَّرَت، فَمَا أَحَدٌ مِن خَلقِ اللهِ يَستَطِيعُ أَن يَنعَتَهَا مِن حُسنِهَا. فَأَوحَى\nــ\nو(قوله: فلمّا غَشِيَها مِن أمر الله ما غَشِيَ) يعني. من جلال الله وعظيم شأنه وسلطانه، تغيّرت؛ أي: انتقلت عن حالها الأول إلى حال أحسن منها.\nو(قوله: في حديث مالك بن صعصعة: إن سدرة المنتهى يخرج من أصلها أربعة أنهار، نهران باطنان في الجنة، ونهران ظاهران وهما النيل والفرات) يدلّ على أنّ السدرة ليست في الجنّة، بل خارجًا عنها. وعلى ذلك أيضًا يدلّ قوله تعالى: عِندَهَا جَنَّةُ المَأوَى ولكن قد جاء في حديث أبي هريرة (١):\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٢٨٩ و٤٤٠)، ومسلم (٢٨٣٩).","vol":"1","page":390},{"text":"اللهُ إِلَيَّ مَا أَوحَى، فَفَرَض عَلَيَّ خَمسِينَ صَلاةً فِي كُلِّ يَومٍ وَلَيلَةٍ. فَنَزَلتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلتُ: خَمسِينَ صَلاةً. قَالَ: ارجِع إِلَى رَبِّكَ، فَاسأَلهُ التَّخفِيفَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لا يطِيقون ذَلِكَ، فَإِنِّي قد بَلَوتُ بَنِي إِسرَائِيلَ وَخَبَرتُهُم. قَالَ: فَرَجَعتُ إِلَى رَبِّي، فَقُلتُ: يَا رَبِّ! خَفِّف عَلَى أُمَّتِي، فَحَطَّ عَنِّي خَمسًا. فَرَجَعتُ إِلَى مُوسَى، فَقُلتُ: حَطَّ عَنِّي خَمسًا. قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، فَارجِع إِلَى رَبِّكَ فَاسأَلهُ التَّخفِيفَ. قَالَ: فَلَم أَزَل أَرجِعُ بَينَ رَبِّي وَبَينَ مُوسَى، حَتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّهُنَّ خَمسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَومٍ وَلَيلَةٍ، لِكُلِّ صَلاةٍ عَشرٌ، فَذَلِكَ خَمسُونَ صَلاةً، وَمَن هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَم يَعمَلهَا كُتِبَت لَهُ حَسَنَةً، فَإِن عَمِلَهَا كُتِبَت لَهُ عَشرًا. وَمَن هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَم يَعمَلهَا لَم تُكتَب شَيئًا، فَإِن عَمِلَهَا كُتِبَت سَيِّئَةً وَاحِدَةً. قَالَ: فَنَزَلتُ حَتَّى انتَهَيتُ إِلَى مُوسَى، فَأَخبَرتُهُ، فَقَالَ: ارجِع إِلَى رَبِّكَ فَاسأَلهُ التَّخفِيفَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: قَد رَجَعتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى استَحيَيتُ مِنهُ.\nرواه مسلم (١٦٢).\n[١٢٩ / م] وَمِن حَدِيثِ أبي ذَرٍّ؛ قَالَ: فَلَمَّا عَلَونَا السَّمَاءَ الدُّنيَا فَإِذَا رَجُلٌ عَن يَمِينِهِ أَسوِدَةٌ، وَعَن يَسَارِهِ أَسوِدَةٌ. قَالَ: فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبلَ شِمَالِهِ بَكَى، فقَالَ: مَرحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالابنِ\nــ\nما يدلّ على أنّ النيل والفرات ظاهران خارجان من الجنّة. ويمكن أن يجمع بينهما؛ أنّ النيل والفرات لمّا كانا مشاركين لنهري الجنّة في أصل السدرة، أُطلِقَ عليهما أنّهما من الجنّة. وسيحان وجيحان يمكن أن يكونا تفرَّعا من النيل والفرات؛ لقرب انفجارهما من الأصل. وقيل: إنّ ذلك إنّما أُطلِق تشبيهًا لهذه الأنهار بأنهار الجنّة؛ لما فيها من شدّة عذوبتها وحسنها وبركتها، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":391},{"text":"الصَّالِحِ - وهكَذَا قَالَ إِبرَاهِيمُ، وَسَائِرُ الأَنبِيَاءِ يَقُولُونَ: مَرحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ -. قَالَ: قُلتُ: يَا جِبرِيلُ! مَن هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ، وَهَذِهِ الأَسوِدَةُ عَن يَمِينِهِ وَعَن شِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فَأَهلُ اليَمِينِ أَهلُ الجَنَّةِ، وَالأَسوِدَةُ الَّتِي عَن شِمَالِهِ أَهلُ النَّارِ. فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى. . الحديث.\nسبق تخريجه برقم (١٢٩).\n[١٣٢] وَمِن حَديثِ ابنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي حَبَّةَ الأَنصَارِيِّ؛ قَالا: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: ثُمَّ عَرَجَ بِي حَتَّى ظَهَرتُ لمُستَوًى أَسمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقلامِ.\nرواه أحمد (٥/ ١٤٤)، والبخاري (٣٤٩)، ومسلم (١٦٣).\nــ\n\nو(قوله: حتّى ظهرتُ لمُستوًى أسمعُ فيه صريفَ الأقلام) ظهرتُ: علوتُ، والمستوَى: موضعٌ مشرفٌ يُستوَى عليه، وقد يكون المستوى يراد به هنا حيث يظهر عدلُ الله وحُكمه لعباده هناك، والسواء والاستواء العدل. وصريف الأقلام: تصويتها فيما يُكتب بها فيه، ومن ذلك صريف الفحل بأنيابه، وهو صوت حَكِّ بعضها ببعض، وهذا المكتوب فيه هو اللوح المحفوظ، والله أعلم.\nولعلّ الأقلام المصوِّتة هنا هي المعبَّر عنها بالقلم المُقسَم به في قوله تعالى: ن وَالقَلَمِ ويكون القلم هنا للجنس. وكيفية الأقلام واللوح لا يعلمها إلاّ الله تعالى أو من أعلمه بذلك. وأمّا تخصيص موسى بأمره للنبيّ - ﷺ - بمراجعة الله تعالى في الحطّ من الصلوات، فلعلّه إنّما كان لأنّ أمّة موسى (١) كانت\n_________\n(١) في (ع): محمد، وهو خطأ.","vol":"1","page":392},{"text":"[١٣١ / م] وَمِن حَدِيثِ أَنَسٍ: فَقَالَ: هِيَ خَمسٌ، وَهِيَ خَمسُونَ، لا يُبَدَّلُ القَولُ لَدَيَّ. وَفِيهِ: ثُمَّ أُدخِلتُ الجَنَّةَ، فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤلُؤِ، وَإِذَا تُرَابُهَا المِسكُ.\nسبق تخريجه برقم (١٣١).\nــ\nقد كُلِّفت من الصلوات ما لم يُكَلَّف غيرها من الأمم، فثقُلَت عليهم، فخاف موسى - ﵇ - على أمّة محمّد - ﷺ - مثل ذلك. وعلى هذا يدلّ قوله: فإنّي قد بلوتُ بني إسرائيل قبلك، والله أعلم. وقيل: لأنّ موسى كان في السماء السابعة، فكان أوّل من لقي من الأنبياء، وليس بصحيح، فإنّ هذا الحديث نصّ في أنّ موسى - ﵇ - كان في السادسة وإبراهيم في السابعة، فكان يكون إبراهيم أولى بذلك. والأشبه الأوّل، والله أعلم.\nوهذا الحديث نصّ في وقوع النسخ قبل التمكّن من الامتثال، وهو ردّ على من خالف في ذلك، وهم المعتزلة.\nو(قوله: مَا يُبَدَّلُ القَولُ لَدَيَّ) دليل على استقرار هذا العدد، فلا يُزاد فيه ولا ينقص منه، وهو ردّ على أبي حنيفة في حكمه بوجوب صلاة سادسة وهي الوِتر، سيّما وقد جُعِلت هذه الخمس بمنزلة الخمسين، فلو استقرّت في علم الله ستًّا، لبُدِئ فرضها ستّين، ثمّ نقص على ستٍّ؛ إذ كلّ صلاة بعشر.\nو(قوله: ثمّ أُدخِلتُ الجنّة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ) قال ابن الأعرابيّ: الجَنبَذَةُ: القبّة، وجمعها جَنَابِذ. وقال ثابت عن يعقوب: هو ما ارتفع من البناء. ووقع في كتاب البخاريّ في كتاب الصلاة (١) حبائل اللؤلؤ، وهو تصحيف، والصحيح الأوّل على ما قاله جماعة من العلماء.\n_________\n(١) انظر: فتح الباري (١/ ٤٥٩).","vol":"1","page":393},{"text":"[١٣٠ / م] وَمِن حَدِيثِ مَالِكِ بنِ صَعصَعَةَ: قَالَ: فَلَمَّا جَاوَزتُهُ - يعني: موسى - بَكَى، فَنُودِيَ: مَا يُبكِيكَ؟ قَالَ: رَبِّ! هَذَا غُلامٌ بَعَثتَهُ بَعدِي، يَدخُلُ مِن أُمَّتِهِ الجَنَّةَ أَكثَرُ مِمَّا يَدخُلُ مِن أُمَّتِي. وَفِيهِ: وَحَدَّثَ رسول اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ رَأَى أَربَعَةَ أَنهَارٍ يَخرُجُ مِن أَصلِهَا نَهرَانِ ظَاهِرَانِ، وَنهرَانِ بَاطِنَانِ، فَقُلتُ: يَا جِبرِيلُ! مَا هَذِهِ الأَنهَارُ؟، فقَالَ: أَمَّا النَّهرَانِ البَاطِنَانِ: فَنَهرَانِ فِي الجَنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ: فَالنِّيلُ وَالفُرَاتُ.\nسبق تخريجه برقم (١٣٠).\nــ\nوأبو حبّةَ الأنصاريّ صحح اسمه بالباء بواحدة من أسفلَ، وقد رواه الفارسيّ عن المروزيِّ باثنتين، وليس بشيء. واسمه مالك بن عمرو البدريّ، وقال الغسّانيّ: اسمه عامر، وقيل: زيد، وهو يشتبه بحيّةَ بالياء، وهو حيي بن حيّةَ الثقفيّ.\nوبكاء موسى - ﵇ - إشفاق وحزن على أمّته؛ لما تقدّم من ضلالهم ولأجل ما فاته من كثرة ثواب من عساه أن يؤمنَ من أمّته به لو آمن.\nوفي حديث أنس ما يقتضي أنّ السدرة في السماء السابعة أو فوقها؛ لقوله: ثمّ ذهب بي إلى السدرة بعد أن استفتح السماء السابعة، ففتح له فدخل، وفي حديث عبد الله أنّها في السماء السادسة. وهذا تعارض لا شكّ فيه، وما في حديث أنس أصحّ، وهو قول الأكثر، والذي يقتضيه وصفُها بأنّها التي ينتهي إليها علمُ كلّ مَلَكٍ مقرَّب وكلّ نبيّ مرسل على ما قاله كعب، وقال: وما خلفها غيبٌ لا يعلمه إلاّ الله، وكذلك قال الخليل بن أحمد.\nوقيل: إليها تنتهي أرواح الشهداء. وقال ابن عبّاس: هي عن يمين العرش، وأيضًا فإنّ حديث أنس مرفوع وحديث عبد الله موقوف عليه من قوله، والمُسنَدُ المرفوعُ أولى.","vol":"1","page":394},{"text":"[١٣٣] وَعَن عَبدِ اللهِ؛ قَالَ: لَمَّا أُسرِيَ بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، انتهي به إِلَى سِدرَةِ المُنتَهَى، وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، إِلَيهَا يَنتَهِي مَا يُعرَجُ بِهِ مِنَ الأَرضِ، فَيُقبَضُ مِنهَا، وَإِلَيهَا يَنتَهِي مَا يُهبَطُ بِهِ مِن فَوقِهَا، فَيُقبَضُ مِنهَا. قَالَ: إِذ يَغشَى السِّدرَةَ مَا يَغشَى. قَالَ: فَرَاشٌ مِن ذَهَبٍ. قَالَ: فَأُعطِيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ثَلاثًا: أُعطِيَ الصَّلَوَاتِ الخَمسَ، وَأُعطِيَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ، وَغُفِرَ لِمَن لَم يُشرِك بِاللهِ مِن أُمَّتِهِ شَيئًا المُقحِمَاتُ.\nرواه أحمد (١/ ٣٨٧)، ومسلم (١٧٣)، والترمذي (٣٢٧٢)، والنسائي (١/ ٢٢٣ - ٢٢٤).\n* * *\nــ\nو(قوله: إذ يغشى السدرةَ ما يغشى) يُغَطِّي ويعلو. والفراش: كلّ ما يطير من الحشرات والديدان. وفي حديث ابن جُرَيج: وأُرخِيَت عليها ستورٌ من لؤلؤٍ وياقوتٍ وزَبَرجَد.\nو(قوله: وغفر لمن لم يشرك بالله شيئًا المُقحَماتِ) أي: الذنوب العظام التي تقحِمُهم في النار؛ أي: تُدخِلهم فيها بمشقّةٍ وكُرهٍ وشِدَّةٍ، يقال: اقتحم يقتحم؛ أي: دخل في أمر شاقّ، وأقحَمتُه أنا: أدخلتُهُ فيه.\nو(قوله: وأعطي خواتيم سورة البقرة) إنّما خصّت بذلك؛ لما تضمّنته من التخفيف عنهم والثناءِ على رسول الله - ﷺ - والمؤمنين، وإجابةِ دعواتهم ونُصرتِهم، وقد تقدَّم القول فيهما.\n* * *","vol":"1","page":395},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>(٥٧) باب رؤية النبي - ﷺ - للأنبياء، ووصفه لهم وصلاتهم وذكر الدجال</span>\n[١٣٤] عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: سِرنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بَينَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ، فَمَرَرنَا بِوَادٍ، فَقَالَ: أَيُّ وَادٍ هَذَا؟ فَقَالُوا: وَادِي الأَزرَقِ، فقالَ: كَأَنِّي أَنظُرُ إِلَى مُوسَى - فَذَكَرَ مِن لَونِهِ وَشَعَرِهِ شَيئًا لَم يَحفَظهُ دَاوُدُ - وَاضِعًا إِصبَعَيهِ فِي أُذُنَيهِ، لَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ بِالتَّلبِيَةِ، مَارًّا بِهَذَا الوَادِي. قَالَ: ثُمَّ سِرنَا حَتَّى أَتَينَا عَلَى ثَنِيَّةٍ، فَقَالَ: أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟ قَالُوا: هَرشَى أو لِفتٌ، فَقَالَ: كَأَنِّي أَنظُرُ إِلَى يُونُسَ عَلَى نَاقَةٍ حَمرَاءَ، عَلَيهِ جُبَّةُ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ لِيفٌ خُلبَةٌ مَارًّا بِهَذَا الوَادِي مُلَبِّيًا.\nرواه أحمد (١/ ٢١٥ و٢٣٢)، ومسلم (١٦٦)، وابن ماجه (٢٨٩١).\nــ\n(٥٧) ومن باب رؤيته - ﵊ - للأنبياء\n(قوله - ﵊ -: كأنّي أنظرُ إلى موسى؛ يحتمل أن يكون هذا النظر في اليقظة على ظاهره، وحقيقته ليلة الإسراء، وهو ظاهر حديث جابر وأبي هريرة الآتي، ويحتمل أن يكون ذلك كله مناما. ورؤيا الأنبياء وحيٌ، وهو نص حديث ابن عمر.\nوالجؤار رفع الصوت، وهو مهموز، ومنه قوله تعالى: فَإِلَيهِ تَجأَرُونَ. وهَرشِى بفتح الهاء وسكون الراء. جبل من بلاد تهامة على طريق الشام والمدينة قريب من الجحفة. ولَفت روي عن أبي بحرٍ أنه قاله بفتح اللام وسكون الفاء، وقاله ابن سراج بكسر اللام وسكون الفاء. وأنشد بعضهم:\nمررت بلفتٍ والثريا كأنها ... قلائد درٍ حلّ عنها نظامها","vol":"1","page":396},{"text":"[١٣٥] وَعَن جَابِرٍ؛ أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - قَالَ: عُرِضَ عَلَيَّ الأَنبِيَاءُ. فَإِذَا مُوسَى ضَربٌ مِنَ الرِّجَالِ كَأَنَّهُ مِن رِجَالِ شَنوءَةَ، وَرَأَيتُ عِيسَى ابنَ مَريَمَ، فَإِذَا أَقرَبُ مَن رَأَيتُ بِهِ شَبَهًا عُروَةُ بنُ مَسعُودٍ، وَرَأَيتُ إِبرَاهِيمَ، فَإِذَا أَقرَبُ مَن رَأَيتُ بِهِ شَبَهًا صَاحِبُكُم - يَعنِي نَفسَهُ - وَرَأَيتُ جِبرِيلَ فَإِذَا أَقرَبُ مَن رَأَيتُ بِهِ شَبَهًا دِحيَةُ بنُ خَلِيفَةَ.\nرواه مسلم (١٦٧)، والترمذي (٣٦٥١).\nــ\nبالكسر. وقاله القاضي الشهيد بفتح اللام والفاء، والخلبة وهو بضم الخاء: الليف، وفيها لغتان: ضم اللام، وسكونها. والضَّرب من الرجال الذي له جسم بين جسمين، ليس بالضخم ولا الضئيل. قال طرفة:\nأنا الرجل الضرب الذي تعرفونه (١) ... . . . . . . . . . . . . . .\nوأزد شنوءة حي من اليمن، شُبّه بهم موسى في كيفية خِلقتهم، وسموا شنوءة؛ لِشنوءتهم، وهي تباعدهم من الأنجاس، يقال: رجل فيه شنوءة؛ أي: تقزز في المباعدة عن الأقذار، حكاه الجوهري. وقال القتبي: سُموا بذلك؛ لأنهم تشانؤوا؛ أي: تباغضوا.\nتنبيه: إن تنزلنا على أن رؤيته - ﷺ - للأنبياء حقيقة في اليقظة فصلاته وصلاتهم وطوافهم (٢) بالبيت كذلك، فلا يستبعد من حيث إنهم قد ماتوا، أو من حيث إن ما بعد الموت ليس بمحل تكليف؛ لأنا نجيب عن الأول بأنهم أحياء كالشهداء، بل هم أولى.\nوعن الثاني: أنهم يُحبب إليهم ذلك ويلهمونه، فيتعبدون بما يجدون من دواعي أنفسهم، لا بما يلزمون كما يحمده ويسبّحه أهل\n_________\n(١) وعجزه: خشاش كرأس الحية المتوقِّدِ.\n(٢) ساقط من (ع) و(م).","vol":"1","page":397},{"text":"[١٣٦] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: لَقَد رَأَيتُنِي فِي الحِجرِ، وَقُرَيشٌ تَسأَلُنِي عَن مَسرَايَ، فَسَأَلَتنِي عَن أَشيَاءَ مِن بَيتِ المَقدِسِ لَم أُثبِتهَا، فَكُرِبتُ كَربة مَا كُرِبتُ مِثلَهُ قَطُّ. قَالَ: فَرَفَعَهُ اللهُ لِي أَنظُرُ إِلَيهِ، مَا يَسأَلُونِي عَن شَيءٍ إِلا أَنبَأتُهُم بِهِ. وَقَد رَأَيتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الأَنبِيَاءِ، فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي، فَإِذَا رَجُلٌ ضَربٌ جَعدٌ كَأَنَّهُ مِن رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَإِذَا عِيسَى قَائِمٌ يُصَلِّي، أَقرَبُ النَّاسِ شَبَهًا بهِ عُروَةُ بنُ مَسعُودٍ الثَّقَفِيُّ، وَإِذَا إِبرَاهِيمُ قَائِمٌ يُصَلِّي، أَشبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُم - يَعنِي نَفسَهُ -، فَحَانَتِ الصَّلاةُ فَأَمَمتُهُم، فَلَمَّا فَرَغتُ مِنَ الصَّلاةِ، قَالَ قَائِلٌ: يَا مُحَمَّدُ! هَذَا مَالِكٌ صَاحِبُ النَّارِ فَسَلِّم عَلَيهِ: فَالتَفَتُّ إِلَيه، فَبَدَأَنِي بِالسَّلامِ.\nرواه مسلم (١٦٨)، والبخاري (٣٣٩٤)، والترمذي (٣٨٢٩) بنحوه.\nــ\nالجنة، ولذلك قال - ﵊ -: يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس (١).\nوالمسيح ابن مريم لا خلاف أنه بفتح الميم، وكسر السين مخففة. وأما المسيح الدجّال، فتقييده عند أكثر العلماء مثل الأول، وقيّده أبو إسحاق بن جعفر: بكسر الميم وتشديد السين، وقاله كذلك غير واحد. وبعضهم يقوله كذلك بالخاء المنقوطة (٢)، وبعضهم يقول: مَسيحٌ بفتح الميم وبالحاء والتخفيف. واختُلِف في المسيح ابن مريم ممّاذا أُخِذ؟ فقيل: لأنه مسح الأرض؛ أي: ذهب فيها، فلم يسكن بكن (٣). وقيل: لأنه ممسوح بدهن البركة. وقيل: لأنه كان ممسوح الأخمصين.\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٣٤٩ و٣٥٤ و٣٨٤)، ومسلم (٢٨٣٥).\n(٢) في (ل): المعجمة.\n(٣) \"الكِنّ\": كلّ ما يردّ البَرْد والحرّ من الأبنية والمغاور ونحوها.","vol":"1","page":398},{"text":"[١٣٧] وَعَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ يَومًا بَينَ ظَهرَانَيِ النَّاسِ - المَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ لَيسَ بِأَعوَرَ، أَلا إِنَّ المَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعوَرُ العَينِ اليُمنَى، كَأَنَّ عَينَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ. قَالَ: وَقَالَ\nــ\nوقيل: لأنه كان لا يمسح ذا عاهةٍ إلا برأ. وقيل: لأن الجمال مسحه؛ أي: أصابه وظهر عليه. وقال ابن الأعرابي: المسيح: الصدّيق، وبه سُمي عيسى، وقيل: هو اسم سمّاه الله تعالى به؛ أي: أنه غير مشتق. وأما الدجّال، فسمّي مسيحًا؛ لأنه ممسوح العين اليُمنى، وقيل: لأنه مسح الأرض؛ أي: قطعها بالذهاب. ومن قاله بالخاء فمن المسخ.\nو(قوله: بين ظهراني الناس) أي: في الناس ومعهم، يقال: ظهراني بنون وبغير نون، وظهور، كلها بمعنى واحد.\nو(قوله في هذا الحديث: أعور العين اليُمنى) هذا هو الصحيح والمشهور، وقد وقع في رواية: اليسرى، وكأنه وهمٌ، ويمكن أن يحمل هذا على ما يتخيله بعض العامة من أن العوراء هي الصحيحة؛ إذ قد بقيت منفردة عديمة قرينتها (١)، وليس بشيء، بل العوراء التي أصابها العور؛ أي: العيب.\nو(قوله: طافية) بغير همز، وعليه أكثر الروايات، وهكذا قال الأخفش، ومعناه أنها ممتلئة قد طفت (٢) وبرزت، وقد روي بالهمز؛ أي: قد ذهب ضوؤها وتقبّضت، ويؤيد هذه الرواية قوله في أخرى: أنه ممسوح العين، وأنها ليست جحرا ولا ناتئة وأنها مطموسة، وهذه صفة حبة العنب إذا طفئت وزال ماؤها، وبهذا فسره عيسى بن دينار.\n_________\n(١) في (م): قرينها.\n(٢) في (م) طفئت، والمثبت من (ع) و(ل).","vol":"1","page":399},{"text":"رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أَرَانِي اللَّيلَةَ فِي المَنَامِ عِندَ الكَعبَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ كَأَحسَنِ مَا تَرَى مِن أُدمِ الرِّجَالِ، تَضرِبُ لِمَّتُهُ بَينَ مَنكِبَيهِ، رَجِلُ الشَّعرِ، يَقطُرُ رَأسُهُ مَاءً، وَاضِعًا يَدَيهِ عَلَى مَنكِبَي رَجُلَينِ وهو بَينَهُمَا يَطُوفُ بِالبَيتِ، فَقُلتُ: مَن هَذَا؟ فَقَالُوا: المَسِيحُ ابنُ مَريَمَ. وَرَأَيتُ وَرَاءَهُ رَجُلًا جَعدًا قَطَطًا، أَعوَرَ العَينِ اليُمنَى، كَأَشبَهِ مَن رَأَيتُ مِنَ النَّاسِ بِابنِ قَطَنٍ، وَاضِعًا يَدَيهِ عَلَى\nــ\nوقوله في وصف عيسى: آدم من الأدمة، وهو لون فوق السُّمرة ودون السحمة (١) بالسين المهملة، وكأن الأدمة يسير سوادٍ يضرب إلى الحمرة، وهو غالب ألوان العرب. ولهذا جاء في أخرى في وصف عيسى: إنه أحمر مكان آدم وعلى هذا يجتمع ما في الروايتين. وقد روى البخاري من رواية أبي هريرة في صفة عيسى: أنه أحمر، كأنما خرج من ديماس (٢)، وقد أنكر ابن عمر هذا وحلف أن النبي - ﷺ - لم يقله.\nواللمة بكسر اللام: الشعر الواصل إلى المنكب، كأنه ألمّ به؛ أي: نزل. والجُمة: الشعر الواصل إلى شحمة الأذن، وهو أيضا الوفرة. والرَّجِلُ: فوق السبط ودون الجعد، وهو الذي فيه يسير تكسُّر. والجعد الكثير التكسر والتقبّض. والقطط - بفتح الطاء وكسرها -: هو الشديد الجعودة الذي لا يطول إلا إذا جبذ، كشعور غالب السودان، وهو من وصف الدجّال.\nو(قوله: يقطر رأسه ماءً) يعني: أنه قريب عهد بغسل، وكأنه اغتسل للطواف. وفي الرواية الأخرى: ينطف، ومعناه. يقطر. وفي رواية: قد رجّلها أي: مشّطها، وشعر مرجّل؛ أي: ممشوط مسرّح. والشعر الرَّجِل منه.\n_________\n(١) \"السُّحْمة\": السَّواد.\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٢٨٢)، والبخاري (٣٣٩٤)، ومسلم (١٦٨)، والترمذي (٣٨٢٩)، و\"الديماس\": الحمّام.","vol":"1","page":400},{"text":"مَنكِبَي رَجُلَينِ، يَطُوفُ بِالبَيتِ، فَقُلتُ: مَن هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا المَسِيحُ الدَّجَّالُ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٧ و١٣١)، والبخاري (٣٤٣٩) و(٧٤٠٧)، ومسلم (١٦٩).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>(٥٨) باب هل رأى محمد - ﷺ - ربه</span>؟\n١٧٧ - [١٣٨] عَن مَسرُوقٍ؛ قَالَ: كُنتُ مُتَّكِئًا عِندَ عَائِشَةَ، فَقَالَت: يَا أَبَا\nــ\n(٥٨) ومن باب هل رأى محمد - ﷺ - ربّه؟\n(قول عائشة للذي سألها عن رؤية النبي - ﷺ - ربّه: لقد قفّ شعري لِما قلت) أي: قام من الفزع. قال أبو زيد: قفّ الرجل من البرد قفّةً، والقفوف. القشعريرة. قال الخليل بن أحمد: القفقفة. الرعدة. قال ابن الأعرابي: تقول العرب عند إنكار الشيء. قفّ شعري واقشعرّ جلدي واشمأزّت نفسي.\nواختلف قديمًا وحديثًا في جواز رؤية الله تعالى، فأكثر المبتدعة على إنكار جوازها في الدنيا والآخرة، وأهل السلف والسنة على جوازها فيهما ووقوعها في الآخرة، ثم هل رأى نبينا - ﷺ - ربّه أم لا؟ اختلف في ذلك السلف والخلف، فأنكرته عائشة وأبو هريرة وجماعة من السلف، وهو المشهور عن ابن مسعود، وإليه ذهب (١) جماعة من المتكلمين والمحدثين. وذهبت طائفة أخرى من السلف إلى\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (م).","vol":"1","page":401},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوقوعه وأنه رأى ربّه بعينيه، وإليه ذهب ابن عبّاس، وقال: اختُصّ موسى بالكلام وإبراهيم بالخلّة ومحمد - ﷺ - بالرؤية. وأبو ذرّ وكعب (١) والحسن وأحمد بن حنبل. وحُكي عن ابن مسعود وأبي هريرة في قول لهما آخر، ومثل ذلك حُكي عن أبي الحسن الأشعري وجماعة من أصحابه.\nوذهبت طائفة من المشايخ إلى الوقف (٢)، وقالوا: ليس عليه قاطع نفيًا ولا إثباتًا، ولكنه جائز عقلًا، وهذا هو الصحيح؛ إذ رؤية الله تعالى جائزة كما دلّت عليها الأدلة العقلية والنقلية، فأما العقلية، فتعرف في علم الكلام. وأما النقلية فمنها سؤال موسى رؤية ربه، ووجه التمسّك بذلك علم موسى بجواز ذلك، ولو علم استحالة ذلك، لما سأله، ومحال أن يجهل موسى جواز ذلك؛ إذ يلزم منه أن يكون مع علو منصبه في النبوة، وانتهائه إلى أن يصطفيه الله على الناس، وأن يُسمعه كلامه بلا واسطة، جاهلًا بما يجب لله تعالى ويستحيل عليه ويجوز، ومجوز هذا كافر.\nومنها قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَومَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ووجه التمسك بها امتنانه تعالى على عباده بالنظر إلى وجهه تعالى في الدار الآخرة، وإذا جاز أن يروه فيها، جاز أن يروه في الدنيا؛ لتساوي الوقتين بالنظر إلى الأحكام العقلية.\nومنها: ما تواترت جملته في صحيح الأحاديث من أخباره - ﷺ - لوقوع ذلك؛ كرامةً للمؤمنين في الدار الآخرة، فهذه الأدلة تدلّ على جواز رؤية الله تعالى في الدار الآخرة والدنيا. ثم هل وقعت رؤية الله تعالى لمحمد - ﷺ - ليلة الإسراء أو لم تقع؟ ليس في ذلك دليل قاطع، وغاية المستدل على نفي ذلك أو إثباته التمسّك\n_________\n(١) من (م).\n(٢) في (ع): الوقوف.","vol":"1","page":402},{"text":"عَائِشَةَ! ثَلاثٌ مَن تَكَلَّمَ بِوَاحِدَةٍ مِنهُنَّ فَقَد أَعظَمَ عَلَى اللهِ الفِريَةَ. قُلتُ: مَا هُنَّ؟ قَالَت: مَن زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَد أَعظَمَ عَلَى اللهِ الفِريَةَ. قَالَ: وَكُنتُ مُتَّكِئًا فَجَلَستُ، فَقُلتُ: يَا أُمَّ المُؤمِنِينَ! أَنظِرِينِي وَلا تَعجَلِيني. أَلَم يَقُلِ اللهُ ﷿: وَلَقَد رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ، وَلَقَد رَآهُ نَزلَةً أُخرَى. فَقَالَت: أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الأُمَّةِ سَأَلَ عَن ذَلِكَ رسولَ الله - ﷺ - فقال: إِنَّمَا هو جِبرِيلُ، لَم أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيهَا غَيرَ هَاتَينِ المَرَّتَينِ، رَأَيتُهُ مُنهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ، سَادًّا عِظَمُ خَلقِهِ مَا\nــ\nبظواهر متعارضة معرضة للتأويل، والمسألة ليست من باب العمليات، فيكتفى فيها بالظنون، وإنما هي من باب المعتقدات، ولا مدخل للظنون فيها؛ إذ الظنّ من باب الشك؛ لأن حقيقته تغليب أحد المُجَوَّزَين، وذلك يناقض العلم والاعتقاد.\nواختلفوا أيضا هل كلّم محمد - ﷺ - ربّه ليلة الإسراء بغير واسطة أم لا؟ فذهب ابن مسعود وابن عبّاس وجعفر بن محمد وأبو الحسن الأشعري في طائفة من المتكلمين إلى أنه كلّم الله بغير واسطة (١)، وذهبت جماعة إلى نفي ذلك. والكلام على هذه المسألة كالكلام على مسألة الرؤية سواء.\nو(قول عائشة: فقد أعظم الفِرية على الله تعالى) الفرية هي الافتراء، وهو اختلاق الكذب وما يقبُح التحدّث به.\nو(قوله تعالى: بِالأُفُقِ المُبِينِ) الأفق: الجانبُ والناحية، وجمعه آفاقٌ، ويقال: أفق بضم الفاء وسكونها. والمبين: البيّن الواضح. والضمير في وَلَقَد رَآهُ عائد إلى رسولٍ، وهو جبريل. وكذلك في قوله: وَلَقَد رَآهُ نَزلَةً أُخرَى وقد روت ذلك عائشة مرفوعًا مفسّرا على ما يأتي،\n_________\n(١) ساقط من (ل).","vol":"1","page":403},{"text":"بَينَ السَّمَاءِ وَالأَرضِ. فَقَالَت: أولَم تَسمَع أَنَّ اللهَ - ﷿ - يَقُولُ: لَا تُدرِكُهُ الأَبصَارُ وَهُوَ يُدرِكُ الأَبصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ. أولَم تَسمَع أَنَّ اللهَ يَقُولُ: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحيًا أَو مِن وَرَاءِ\nــ\nفلا يلتفت إلى ما يقال في الآية غير هذا. وأما استدلال عائشة بقوله تعالى: لَا تُدرِكُهُ الأَبصَارُ ففيه بُعد؛ إذ قد يقال بموجبه، إذ يفرق بين الإدراك والإبصار، فيكون معنى لا تدركه لا تحيط به، مع أنها تبصره، قاله سعيد بن المسيب. وقد بقيَ الإدراك مع وجود الرؤية في قول الله تعالى: فَلَمَّا تَرَاءَى الجَمعَانِ قَالَ أَصحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدرَكُونَ قَالَ كَلَّا؛ أي: لا يدركونكم. وأيضًا فإن الإبصار عموم وهو قابل للتخصيص، فيخصص بالكافرين، كما قال تعالى: كَلَّا إِنَّهُم عَن رَبِّهِم يَومَئِذٍ لَمَحجُوبُونَ ويُكرَّم المؤمنون أو من شاء الله منهم بالرؤية، كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَومَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ وبالجملة فالآية ليست نصا ولا من الظواهر الجلية، فلا حجة فيها.\nواللطيف الكثير اللطف، وهو في حق الله تعالى رفقُه بعباده وإيصاله لهم ما يصلحهم بحيث لا يشعرون، كما قال: إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ وأصله من اللطف في العمل وهو الرفق فيه، وضده العنف، والاسم منه اللطَف بتحريك الطاء، يقال: جاءتنا لطَفَةٌ من فلان؛ أي: هدية. والخبير العليم بخبرة الأمور؛ أي: ببواطنها وما يختبر منها، يقال: صدَّق الخَبر الخُبر بضم الخاء، ومنه قول أبي الدرداء. وجدت الناس اخبرُ تَقلِه (١).\nوأما استدلالها بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحيًا﴾\n_________\n(١) هذا مثل يُضرب في ذم الناس وسوء معاشرتهم. وأُخرج الكلام فيه على لفظ الأمر، ومعناه: الخبر. يريد: أنك إذا خبرتهم قليتهم، أي: أبغضتهم. انظر: (مجمع الأمثال ٢/ ٣٦٣).","vol":"1","page":404},{"text":"حِجَابٍ أَو يُرسِلَ رَسُولًا إلى قَولِهِ: عَلِيٌّ حَكِيمٌ؟ قَالَت: وَمَن زَعَمَ أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - كَتَمَ شَيئًا مِن كِتَابِ اللهِ فَقَد أَعظَمَ عَلَى اللهِ الفِريَةَ، وَاللهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغ مَا أُنزِلَ إِلَيكَ مِن رَبِّكَ وَإِن لَم تَفعَل فَمَا بَلَّغتَ رِسَالَتَهُ. قَالَت: وَمَن زَعَمَ أَنَّهُ يُخبِرُ بِمَا يَكُونُ فِي غَدٍ فَقَد أَعظَمَ عَلَى اللهِ الفِريَةَ. وَاللهُ يَقُولُ: قُل لَا يَعلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ الغَيبَ إِلَّا اللَّهُ.\nــ\nفلا حجة فيه على نفي الرؤية؛ إذ يقال بموجبها، فإن مقتضاها نفي كلامِ الله على غير هذه الأحوال الثلاثة، وإنما يصلح أن يستدل بها على نفي تكليم الله تعالى لمحمد - ﷺ - مشافهةً على ضعفٍ في ذلك لا يخفى على متأمّل، بل قد استدل بعض المشايخ بهذه الآية على أن محمدا رأى ربه وكلّمه دون واسطة، فقال: هي ثلاثة أقسام. من وراء حجاب، كتكليم موسى، وبإرسال الملائكة، كحال جميع الأنبياء. ولم يبق من تقسيم المكالمة إلا كونها مع المشاهدة، وهذا أيضا فيه نظر.\nو(قوله تعالى: ﴿فَيُوحِيَ بِإِذنِهِ مَا يَشَاءُ﴾؛ أي: بأمره، كما قال: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشفَعُ عِندَهُ إِلا بِإِذنِهِ﴾ وفي يوحي ضمير يعود على الرسول، وفي يَشَاءُ ضمير يعود على الله تعالى، ومعناه. فيُلقي الرسول إلى الموحَى إليه ما يشاؤه الله تعالى. والعَلِيّ ذو العلو، وهو الرفعة المعنويَّة في حقّه تعالى لا المكانيّة. والحكيم المُحكِم الأمور، أو الكثير الحكمة. ومعنى مساق الآية. أنّه تعالى مُنزَّه عن أن يتَنزل كلامَهُ أسماعُ كلّ السامعين، بل يُحكِمُ الله كيفية إيصاله إلى النبيّين والمرسلين.","vol":"1","page":405},{"text":"وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ، قالت: وَلَو كَانَ مُحَمَّدٌ - ﷺ - كَاتِمًا شَيئًا مِمَّا أَنزَلَ اللهُ عَلَيهِ لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ: وَإِذ تَقُولُ لِلَّذِي أَنعَمَ اللَّهُ عَلَيهِ وَأَنعَمتَ عَلَيهِ أَمسِك عَلَيكَ زَوجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخفِي فِي نَفسِكَ مَا اللَّهُ مُبدِيهِ وَتَخشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخشَاهُ.\nرواه البخاري (٤٨٥٥)، ومسلم (١٧٧)، والترمذي (٣٠٧٠).\nــ\nوقولها: ولو كان محمّد كاتمًا شيئًا لكتم هذه الآية: وَإِذ تَقُولُ لِلَّذِي أَنعَمَ اللَّهُ عَلَيهِ وَأَنعَمتَ عَلَيهِ أَمسِك عَلَيكَ زَوجَكَ، قد اجترأ بعض المفسّرين في تفسير هذه الآية ونسب إلى رسول الله - ﷺ - ما لا يليق به ويستحيل عليه؛ إذ قد عصمه الله منه، ونزّهه عن مثله، فقال: إن النبي - ﷺ - هَوِيَ زينب امرأة زيد، وربما أطلق بعض المُجّان لفظ عشق. ثم جاء زيد يريد تطليقها، فقال له: أمسك عليك زوجك واتَّقِ الله، وهو مع ذلك يحبُّ أن يطلقها ليتزوجها. وهذا القول إنما يصدر عن جاهل بعصمته - ﵊ - عن مثل هذا، أو مستخفّ بحرمته. والذي عليه أهل التحقيق من المفسرين والعلماء الراسخين أن ذلك القول الشنيع ليس بصحيح، ولا يليق بذوي المروءات، فأحرى بخير البريات، وأن تلك الآية إنما تفسيرها ما حكي عن علي بن حسين: أن الله تعالى أعلم نبيه بكونها زوجةً له، فلما شكاها زيدٌ له وأراد أن يطلقها، قال له: أمسك عليك زوجَك واتَّقِ الله، وأخفى في نفسه ما أعلمه الله به مما هو مبديه بطلاق زيدٍ لها وتزويج النبي - ﷺ - لها. ونحوه عن الزهري والقاضي بكر بن العلاء القشيري وغيرهم.\nوالذي خشيه النبي - ﷺ - إنما هو إرجاف المنافقين، وأنه نَهى عن تزويج نساء الأبناء وتزوج بزوجة ابنه، ومساق الآية يدل على صحة هذا الوجه بقوله تعالى: مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ولو كان ما ذكر أولئك، لكان فيه أعظم الحرج ولقوله: لِكَي لَا يَكُونَ عَلَى المُؤمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزوَاجِ أَدعِيَائِهِم إِذَا قَضَوا مِنهُنَّ وَطَرًا وبالله التوفيق.","vol":"1","page":406},{"text":"[١٣٩] وَعَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ؛ وَأَبِي هُرَيرَةَ؛ فِي تَفسير: وَلَقَد رَآهُ نَزلَةً أُخرَى: أنَّهُ جِبرِيلُ.\nرواه مسلم (١٧٣) عن ابن مسعود، و(١٧٥) عن أبي هريرة.\n[١٤٠] وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ: مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأَى، وَلَقَد رَآهُ نَزلَةً أُخرَى قَالَ: رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَينِ.\nرواه مسلم (١٧٦)، والترمذي (٣٢٧٥) و(٣٢٧٦) و(٣٢٧٧).\n[١٤١] وَعَن أَبِي ذَرٍّ؛ قَالَ: سَأَلتُ رسولَ الله - ﷺ -: هَل رَأَيتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: رَأَيتُ نُورًا.\nرواه مسلم (١٧٨)، والترمذي (٣٢٧٨).\nــ\nو(قوله - ﵊ -: نور أَنَّى أراه) هكذا رويناه وقيدناه برفع نور وتنوينه، وفتح أَنَّى التي بمعنى كيف الاستفهامية، ورواية من زعم أنه رواه: نورٌ إني ليست بصحيحة النقل ولا موافقة للعقل، ولعلها تصحيف. وقد أزال هذا الوهم الرواية الأخرى، حيث قال: رأيت نورًا، ورفع نور على فعل مضمر تقديره: غلبني نورٌ، أو حجبني نورٌ.\nوأَنَّى أراه استفهام على جهة الاستبعاد؛ لغلبة النور على بصره كما هي عادة الأنوار الساطعة كنور الشمس، فإنه يُعشي البصر، ويحيره (١) إذا حدّق نحوه، ولا يعارض هذا: رأيتُ نورًا، فإنه عند وقوع بصره على النور رآه، ثم غلب عليه بعد، فضعُف عنه بصره. ولا يصح أن يُعتقد أن الله نور كما اعتقده هشام الجواليقي وطائفة المجسّمة ممن قال: هو نور لا كالأنوار؛ لأن النور لون قائم بالهواء، وذلك على الله تعالى محال عقلًا ونقلا.\n_________\n(١) \"حار بصره\": عَشِي ولم يستطع متابعة النظر.","vol":"1","page":407},{"text":"[١٤٢] وَعَن أَبِي مُوسَى؛ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: بِخَمسِ\nــ\nفأما العقل فلو كان عرضًا أو جسمًا، لجاز عليه ما يجوز عليهما، ويلزم تغيّره وحدثُه. وأما النقل فقوله تعالى: لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ ولو كان جسمًا أو عرضًا لكان كل شيء منهما مماثلًا له.\nوقول هذا (١) القائل: جسم لا كالأجسام، أو نور لا كالأنوار متناقض، فإن قوله: جسم أو نور، حاكم عليه بحقيقة ذلك، وقوله: لا كالأجسام يعني لما أثبته من الجسمية والنورية، وذلك متناقض، فإن أراد أنه يساوي الأجسام من حيث الجسمية ومفارق لها من حيث وصفٌ آخر ينفرد به، لزمت تلك المحالات من حيث الجسمية، ولم يتخلص منها بذكر ذلك الوصف الخاص؛ إذ الأعمّ من الأوصاف تلزمه أحكام من حيث هو لا تلزم الأخصّ كالحيوانية والنطقية، وتتميم هذا في علم الكلام.\nو(قول ابن عباس: أنه - ﵊ - رآه بفؤاده مرتين) الفؤاد: القلب. ولا يريد بالرؤية هنا: العلم، فإنه - ﵊ - (٢) كان عالِمًا بالله على الدوام، وإنما أراد أن الرؤية التي تخلق في العين خلقت للنبي - ﷺ - في القلب. وهذا على ما يقوله أئمتنا: إن الرؤية لا يُشترط لها محل مخصوص عقلا، بل يجوز أن يخلق في أي محل كان، وإنما العادة جارية بخلقها في العين. وقول ابن عباس هذا خلاف ما حكيناه عنه من أنه رآه بعينه.\nولا يبعد الجمع بينهما في مذهبه، فيقول: إنه رآه بقلبه وعينه. فأما اسم الله تعالى: النور، فمعناه أنه هادٍ من ظلمات الجهالات، كما أن النور المحسوس هادٍ في محسوس الظلمات. وقيل: معناه أنه منوّر السماوات والأرض وخالق الأنوار فيهما.\n_________\n(١) من (ل).\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (م).","vol":"1","page":408},{"text":"كَلِمَاتٍ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ لا يَنَامُ، وَلا يَنبَغِي لَهُ أَن يَنَامَ، يَخفِضُ القِسطَ\nــ\nو(قوله: إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام) النوم عليه محال؛ لأن النوم موت، كما قال - ﷺ - حين سئل عن نوم أهل الجنة، فقال: النوم أخو الموت (١)، والجنة لا موت فيها، وأيضًا فإن النوم راحة من تعب التصرف، وذلك من تعب الأجسام.\nو(قوله: يخفض القسط ويرفعه) قال ابن قتيبة: القِسط: الميزان، وسمي بذلك؛ لأن القسط هو العدل، وذلك إنما يحصل ويُعرف بالميزان في حقوقنا، وأراد به هاهنا ما يوزن به أعمال العباد المرتفعة إليه، وأرزاقهم الواصلة إليهم، كما قال الله تعالى: وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعلُومٍ.\nوالقسطاس - بضم القاف وكسرها -: هو أقوام الموازين، وقيل: أراد بالقسط هنا الوزن الذي هو قسط كل مخلوق، يخفضه فيقتره، ويرفعه فيوسّعه. وقيل: إن القسط هو العدل نفسُهُ، ويراد به الشرائع والأحكام، كما قال الله تعالى: لَقَد أَرسَلنَا رُسُلَنَا بِالبَيِّنَاتِ وَأَنزَلنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالقِسطِ؛ أي: النصفة في الأحكام والعدل المأمور به في قوله: إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ وَالإِحسَانِ فتارة يرفعه بمعنى: يعليه ويظهره بوجود الأنبياء وأصحابهم وأتباعهم العاملين به، وتارة يخفضه بمعنى أنّه يذهبه ويخفيه بدروس الشرائع، ورجوع أكثر الناس عن المشي على منهاجها. ويحتمل أن يكون رفعها: قبضها، كما قال - ﵊ - في الأمانة: إنها ترفع من القلوب (٢)، وكما قال: أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون منه الصلاة (٣)، بل كما قال:\n_________\n(١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٤١٥) رواه الطبراني في الأوسط والبزار (٣٥١٧) -ورجال البزار رجال الصحيح- من حديث جابر ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٦٤٩٧)، ومسلم (١٤٣)، والترمذي (٢١٨٠)، وابن ماجه (٤٠٥٣) من حديث حذيفة ﵁.\n(٣) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٩٤٣١) موقوفًا من حديث ابن مسعود رضي الله=","vol":"1","page":409},{"text":"وَيَرفَعُهُ، يُرفَعُ إِلَيهِ عَمَلُ اللَّيلِ قَبلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبلَ عَمَلِ اللَّيلِ، حِجَابُهُ النُّورُ. . . . . . . . .\nــ\nعليكم بالعلم قبل أن يرفع (١)، وخفضها إيجادها في الأرض ووضعها، والله أعلم.\nو(قوله: يرفع إليه عمل النهار قبل الليل) يعني أن الملائكة الموكلين بنا تحصي علينا عمل اليوم، فترفعه في آخره لقرب الليل، وكذلك في الليل ترفعه بقرب النهار، ولذلك جاء في الرواية الأخرى: يرفع إليه عمل الليل بالنهار وعمل النهار بالليل، فجعل الباء مكان قبل. وهذا الحديث كقوله: يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار (٢). والهاء في إليه عائدة إلى الله تعالى لكن على طريقة حذف المضاف، والمراد به المحل الذي تنتهي الملائكة إليه بأعمال العباد، ولعلّه سدرة المنتهى كما تقدم في حديث الإسراء. وهذا كما تقول: رفع المال إلى الملك؛ أي إلى خزائنه. وعلى هذا يحمل قوله تعالى: إِلَيهِ يَصعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ.\nو(قوله: تَعرُجُ المَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيهِ) أي: مقاماتهم في حضرته، وإنما احتجنا إلى إبداء هذا التأويل؛ لئلا يتخيل الجاهل أنه مختصّ بجهة فوق فيلزمه التجسيم، ويكفيك مما يدل على نفي الجهة في حقه تعالى: وَهُوَ مَعَكُم أَينَ مَا كُنتُم وما في معناه.\nو(قوله: حجابه النور أو النار) الحجاب: هو المانع والساتر، ومنه سمي المانع من الأمير حاجبًا، وهو مضاف إلى الله تعالى إضافة ملكٍ\n_________\n= عنه، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٣٣٠): رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير شداد بن معقل، وهو ثقة.\n(١) رواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١/ ٢٨)، وابن عدي في الكامل (٥/ ١٨١٣) وفيه عثمان بن أبي العاتكة: ضعيف.\n(٢) سبق تخريجه ص (٣٠٨).","vol":"1","page":410},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: النَّارُ، لَو كَشَفَه لأَحرَقَت سُبُحَاتُ وَجهِهِ مَا انتَهَى إِلَيهِ بَصَرُهُ مِن خَلقِهِ.\nرواه أحمد (٤/ ٣٩٥ و٤٠٥)، ومسلم (١٧٩)، وابن ماجه (١٩٦).\n* * *\nــ\nواختراع (١)، أو إضافة تشريف، والمحجوب به العباد. وهو النور الذي بهر بصر النبي - ﷺ -، حيث قال: نورٌ أَنَّى أراه، وهو المعني بقوله في سدرة المنتهى: فغشيها ألوان لا أدري ما هي. وأما البارئ تعالى، فيستحيل عليه أن يحيط به حجاب؛ إذ يلزم منه أن يكون مقدرًا محصورًا، فيحتاج إلى مُقدّر ومخصّص، ويلزم منه حدوثه. وفي التحقيق أن الحجاب في حقوقنا الموانع التي تقوم بنا عند وجود هذه الحوائل؛ كالجسم الكثيف والشديد النور.\nو(قوله: لو كشفها) الضمير عائد على النار أو الأنوار، والحجاب؛ بمعنى: الحجب، والسبحات جمع سُبحة، وأصلها جمال الوجه وبهاؤه، ثم يُعبّر عنها عن العظمة والجلال، وفي العين والصِحاح: سبُحات وجه ربّنا جلاله. والهاء في بصره عائدة على الله تعالى على أحسن الأقوال، وهو الذي عاد عليه ضمير وجهه، وكذلك ضمير خلقه.\nومعنى الكلام: أن الله تعالى لو كشف عن خلقه ما منعهم به من رؤيته في الدنيا لما أطاقوا رؤيته، ولهلكوا من عند آخرهم، كما قال الله تعالى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا. ويفيد أن تركيب هذا الخلق وضعفهم في هذه الدار لا يحتمل رؤية الله فيها، فإذا أنشأهم الله للبقاء وقوّاهم، حملوا ذلك.\nوقد أكثر الناس في تأويل هذا الحديث وأبعدوا، لا سيما من قال: إن الهاء في وجهه تعود على المخلوق، فإنه يحيل مساق الكلام ويُخلّ بالمعنى. والأشبه ما ذكرناه، أو التوقف كما قال السلف: اقرؤوها كما جاءت)، يعنون المشكلات، وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى.\n_________\n(١) في (ل) و(ط): احترام.","vol":"1","page":411},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>(٥٩) باب ما جاء في رؤية الله تعالى في الدار الآخرة</span>\n[١٤٣] عَن أَبِي بَكرِ بنِ عَبدِ اللهِ بنِ قَيسٍ، عَن أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: جَنَّتَانِ مِن فِضَّةٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِن ذَهَبٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَينَ القَومِ وَبَينَ أَن يَنظُرُوا إِلَى رَبِّهِم إِلا رِدَاءُ الكِبرِيَاءِ عَلَى وَجهِهِ،\nــ\n(٥٩) ومن باب ما جاء في رؤية الله تعالى في الدار الآخرة\n(قوله: ما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكِبرياء على وجهه) الرداء هُنا: استعارة كَنى بها عن كبريائه وعظمته، كما قال في الحديث الآخر: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري (١) وليست العظمة والكبرياء من جنس الثياب المحسوسة، وإنّما هي توسُّعات، ووجه المناسبة أنّ الرداء والإزار لَمّا كانا ملازمين للإنسان مخصوصين به لا يشاركه فيهما غيره، عبّر عن عظمة الله وكبريائه بهما؛ لأنّهما ممّا لا يجوز مشاركة الله فيهما. ألا ترى آخرَ الحديث: فمن نازَعَني واحدًا منهما قَصَمتُه ثمّ قذفتُه في النار.\nومعنى حديث أبي موسى أنّ مقتضى جَبَرُوت الله تعالى وكبريائه وعزّته واستغنائه ألا يراه أحدٌ ولا يعبأ بأحد ولا يلتفت إليه، لكن لطفه وكرمه بعباده المؤمنين ورحمته لهم، وعوده عليهم، يقتضي أن يمنّ عليهم بأن يُريهم وجهه؛ إبلاغًا في الإنعام وإكمالًا للامتنان، فإذا كشف عنهم الموانع وأراهم وجهه الكريم، فقد فعل معهم خلاف مقتضى الكبرياء، فكأنه قد رفع عنهم حجابًا يمنعهم.\n_________\n(١) سبق تخريجه ص (٢٨٦).","vol":"1","page":412},{"text":"فِي جَنَّةِ عَدنٍ.\nرواه أحمد (٤١١)، والبخاري (٤٨٧٨) و(٧٤٤٤)، ومسلم (١٨٠)، والترمذي (٢٥٣٠)، وابن ماجه (١٨٦).\n[١٤٤] وَعَن صُهَيبٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: إِذَا دَخَلَ أهلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ اللهُ - ﵎ -: تُرِيدُونَ شَيئًا أَزِيدُكُم؟ فَيَقُولُونَ: أَلَم تُبَيِّض وُجُوهَنَا؟ أَلَم تُدخِلنَا الجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكشِفُ الحِجَابَ، فَمَا أُعطُوا شَيئًا أَحَبَّ إِلَيهِم مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِم.\nــ\nووجه الله تعالى هل هو عبارة عن وجوده المقدّس، أو عن صفة شريفة عظيمة معقولة؟ في ذلك، لأئمتنا قولان، وكذلك القول في اليد والعين والجنب المضافة إلى الله تعالى.\nو(قوله: في جنة عدن) متعلق بمحذوف في موضع الحال من القوم، فكأنه قال: كائنين في جنة عدن، ولا يكون من الله تعالى؛ لاستحالة المكان والزمان عليه.\nو(قول من يسأله الله من أهل الجنة بقوله: هل تريدون شيئًا أزيدكم؟ ألم تبيضَّ وجوهُنا وتدخلنا الجنّة وتنجِنا من النار؟) لا يليق بمن مات على كمال المعرفة والمحبة والشوق، وإنما يليق ذلك بمن مات بين الخوف والرجاء، فلما حصل على الأمن من المخوف والظفر بالمرجو الذي كان تَشَوُّقه إليه، قنِع به، ولها عن غيره. وأما من مات محبًّا لله مشتاقًا لرؤيته، فلا يكون همّه، إلا طلب النظر لوجهه الكريم لا غير. ويدلّ على صحة ما قلته أن المرء يحشر على ما يموت عليه كما علم من الشريعة، بل أقول: إن من مات مشتاقًا لرؤية الله تعالى لا ينبّه بالسؤال، بل يعطيه أمنيته ذو الفضل والإفضال، ومذهب أهل السنة بأجمعهم: أن الله تعالى ينظر إليه المؤمنون في الآخرة بأبصارهم، كما نطق بذلك الكتاب، وأجمع","vol":"1","page":413},{"text":"وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: لِلَّذِينَ أَحسَنُوا الحُسنَى وَزِيَادَةٌ.\nرواه أحمد (٤/ ٣٣٢ و٣٣٣)، ومسلم (١٨١)، والترمذي (٢٥٥٥)، وابن ماجه (١٨٧).\n[١٤٥] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ نَاسًا قَالُوا لِرَسُولِ اللهِ: يَا رَسُولَ اللهِ! هَل نَرَى رَبَّنَا يَومَ القِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: هَل تُضَارُّونَ فِي رؤية القَمَرِ لَيلَةَ البَدرِ؟ قَالُوا: لا، يَا رسولَ الله! قَالَ: هَل تُضَارُّونَ فِي الشَّمسِ لَيسَ\nــ\nعليه سلف الأمة (١)، ورواه بضعة عشر من الصحابة عن النبي - ﷺ -. ومنع ذلك فِرَقٌ من المبتدعة منهم المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة؛ بناءً منهم على أن الرؤية يلزمها شروط اعتقدوها عقلية، كاشتراط البنية المخصوصة والمقابلة، واتصال الأشعة، وزوال الموانع من القرب المفرط والبعد المفرط والحجب الحائلة في خبط لهم وتحكم. وأهل الحق لا يشترطون شيئًا من ذلك عقلًا سوى وجود المرئيّ، وأنّ الرؤية إدراك يخلقه الله تعالى للرائي، فيرى المرئي لكن يقترن بالرؤية بحكم جريان العادة أحوال يجوز في العقل شرعا تبدلها، والله أعلم، وتفصيل ذلك وتحقيقه في علم الكلام.\nو(قوله: هل تضارّون) يُروى بضم التاء وفتحها وتشديد الراء وبتخفيفها، وضم التاء والتشديد أكثر، وكلها له معنى صحيح، ووجه الأكثر أنه مضارع مبني لما لم يسمَّ فاعله. أصله تضاررون، أسكنت الراء الأولى وأدغِمت في الثانية. وأصل ماضيه ضورر، ويجوز أن يكون مبنيًّا للفاعل بمعنى: تُضارِرون، بكسر الراء، إلاّ أنّها سكنت الراء وأدغمت. وكلّه من الضرّ المشدّد. وأمّا التخفيف، فهو من ضاره، يضيره، ويضوره ضيرًا مخفّفةً، فإذا بُني لما لم يُسمَّ فاعله، قلت فيه:\n_________\n(١) في (ع): الأصحاب.","vol":"1","page":414},{"text":"دُونَهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لا. قَالَ: فَإِنَّكُم تَرَونَهُ كَذَلِكَ؛ يَجمَعُ اللهُ النَّاسَ\nــ\nيُضَار مخفَّفة، وأمّا رواية فتح التاء، فهي مبنيّة للفاعل بمعنى تتضارون، وحُذِفت إحدى التاءين؛ استثقالا لاجتماعهما، ومعنى هذا اللفظ: أن أهل الجنة إذا امتنّ الله عليهم برؤيته سبحانه تجلّى لهم ظاهرًا، بحيث لا يحجب بعضهم بعضًا ولا يضره ولا يزاحمه ولا يجادله، كما يفعل عند رؤية الأهلّة، بل كالحال عند رؤية الشمس والقمر ليلة تمامه.\nوقد حُكي: ضاررته مضارة؛ إذا خالفته، وقد رُوي: تضامّون بالميم. والقول فيه روايةً ومعنًى كالقول في تضارون، غير أن تضامّون بالتشديد من المضامّة، وهي الازدحام؛ أي: لا تزدحمون عند رؤيته تعالى كما تزدحمون عند رؤية الأهلّة. وأما بالتخفيف، فمن الضيم، وهو الذل؛ أي: لا يذلّ بعضكم بعضا بالمزاحمة والمنافسة والمنازعة.\nو(قوله: فإنكم ترونه كذلك) هذا تشبيه للرؤية ولحالة الرائي، لا المرئي. ومعناه: أنكم تستوون في رؤية الله تعالى من غير مضارّة ولا مزاحمة، كما تستوون في رؤية الشمس والبدر عِيانًا، وقد تأوّلت المعتزلة الرؤية في هذه الأحاديث بالعلم، فقالوا: إن معنى رؤيته تعالى أنه يُعلم في الآخرة ضرورة. وهذا خطأ لفظًا ومعنى.\nوأما اللفظ: فهو أنّ الرؤية بمعنى العلم تتعدّى إلى مفعولين، ولا يجوز الاقتصار على أحدهما دون الآخر، وهي قد تعدّت هنا إلى مفعول واحد، فهي للإبصار، ولا يصحّ أن يقال: إن الرؤية بمعنى المعرفة؛ لأن العرب لم تستعمل رأيت بمعنى عرفت، لكن بمعنى علمت أو أبصرت، واستعملت علمت بمعنى عرفت، لا رأيت بمعنى عرفت.\nوأما المعنى، فمن وجهين:\nأحدهما: أنه - ﵊ - شبّه رؤية الله تعالى بالشمس، وذلك التشبيه لا يصح إلا بالمعاينة.","vol":"1","page":415},{"text":"يَومَ القِيَامَةِ، فَيَقُولُ: مَن كَانَ يَعبُدُ شَيئًا فَليَتَّبِعهُ، فَيَتَّبِعُ مَن كَانَ يَعبُدُ الشَّمسَ الشَّمسَ، وَيَتَّبِعُ مَن كَانَ يَعبُدُ القَمَرَ القَمَرَ، وَيَتَّبِعُ مَن كَانَ يَعبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأتِيهِمُ اللهُ - ﵎ - فِي صُورَةٍ غَيرِ صُورَتِهِ الَّتِي يَعرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُم، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ\nــ\nوثانيهما: أن الكفّار يعلمونه تعالى في الآخرة بالضرورة، فترتفع خُصوصية المؤمنين بالكرامة وبلذة النظر، وذلك التأويل منهم تحريف حملهم عليه ارتكاب الأصول الفاسدة.\nوالطواغيت جمع طاغوت، وهو الكاهن والشيطان وكل رأسٍ في الضلال، والمراد به في الحديث الأصنام. ويكون واحدًا، كقوله تعالى: يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَد أُمِرُوا أَن يَكفُرُوا بِهِ وقد يكون جمعًا، كقوله تعالى: أَولِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخرِجُونَهُم. وطاغوت وإن جاء على وزن لاهوت، فهو مقلوب؛ لأنه من طغى، ولاهوت غير مقلوب؛ لأنه من لاهٍ، بمنزلة الرغبوت والرهبوت والرحموت، قاله في الصحاح.\nو(قوله: وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، ظنّ المنافقون أن تسترهم بالمؤمنين في الآخرة ينفعهم وينجيهم كما نفعهم في الدنيا، جهلا منهم بأن الله تعالى عالم بهم، ومطلع على ضمائرهم. وهذا كما قد أقسمت طائفة من المشركين أنهم ما كانوا مشركين، توهمًا منهم أنّ ذلك يُنجيهم. ويحتمل أن يكون حشرهم مع المسلمين لِما كانوا يُظهرونه من الإسلام، فحفظ عليهم ذلك، حتّى يميِّز الله الخبيث من الطيّب. ويحتمل أنّه لمّا قيل: تتّبعَ كلُّ أمّةٍ ما كانت تعبدُ، فاتّبع الناس معبوداتِهم، ولم يكونوا عبدوا شيئًا، فبقوا هنالك حتّى مُيِّزوا ممّن كان يعبد الله.\nو(قوله: فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون) هذا المقام مقام هائل يمتحن الله تعالى فيه عبادَه؛ ليُميِّز المُحِقّ من المُبطِل، وذلك أنّه لمّا بقي المنافقون والمُراءون متلبّسين بالمؤمنين والمخلصين، زاعمين أنّهم منهم، وأنّهم","vol":"1","page":416},{"text":"مِنكَ، هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفنَاهُ، فَيَأتِيهِمُ اللهُ فِي\nــ\nعملوا مثل أعمالهم وعرفوا اللهَ مثل معرفتهم، امتحنهم الله بأن أتاهم بصورة هائلة قالت للجميع: أنا ربُّكم، فأجاب المؤمنون بإنكار ذلك، والتعوُّذ منه؛ لما قد سبق لهم من معرفتهم بالله تعالى، وأنّه منزَّه عن صفات هذه الصورة؛ إذ سماتها سمات المُحدَثات، ولذلك قال في حديث أبي سعيد: فيقولون نعوذ بالله منك، لا نشرك بالله شيئًا مرّتين أو ثلاثًا، حتّى إنّ بعضهم ليكاد أن ينقلب. وهذا البعض الذي همّ بالانقلاب لم يكن لهم رسوخ العلماء ولا ثبوت العارفين، ولعلّ هذه الطائفة هي التي اعتقدت الحق، وجزمت عليه من غير بصيرة، ولذلك كان اعتقادهم قابلًا للانقلاب. ثم يقال بعد هذا للمؤمنين: هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساقٍ؛ أي: يوضح الحقّ ويتجلّى لهم الأمر، فيرونه حقيقة معاينة.\nوكشف الساقِ: مَثَلٌ تستعمله العرب في الأمر إذا حقّ ووضح واستقر، تقول العرب: كشفت الحرب عن ساقها، إذا زالت مخارقها (١) وحقّت حقائقها، وقال (٢):\nوكنتُ إذا جاري دَعا لِمَضُوفةٍ ... أُشَمِّرُ حتى يَنصُفَ الساقَ مِئزَري\nوعند هذا يسجد الجميع، فمن كان مخلصًا في الدنيا، صحّ له سجوده على تمامه وكماله، ومن كان منافقًا أو مرائيًا، عاد ظهره طبقةً واحدةً، كلما رام السجود، خرّ على قفاه. وعند هذا الامتحان يقع امتياز المحقّ من المبطل، فعلى هذا تكون الصورة التي لا يعرفونها مخلوقة.\nوالفاء التي دخلت عليها بمعنى الباء، ويكون معنى الكلام: إن الله تعالى يجيئهم بصورة، كما قيل في قوله تعالى: هَل يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمَامِ أي: بظلل. ويكون معنى الإتيان\n_________\n(١) في (م): مخاوفها. وزالت مخارقها: أي: ذهبت دهشة الحرب والفزع منها.\n(٢) في (ع): وأنشد. والقائل: هو أبو جندب الهذلي.","vol":"1","page":417},{"text":"صُورَتِهِ الَّتِي يَعرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُم، فَيَقُولُونَ: أَنتَ رَبُّنَا، فَيَتَّبِعُونَهُ،\nــ\nهنا: يحضر لهم تلك الصورة. وأما الصورة الثانية التي يعرفون عندما يتجلّى لهم الحقّ، فهي صفته تعالى التي لا يشاركه فيها شيء من الموجودات، ولا يشبهه بشبهها شيء من المصوّرات. وهذا الوصف هو الذي كانوا قد عرفوه في الدنيا، وهو المعبّر عنه بـ: لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ، ولذلك قالوا: إذا جاء ربّنا عرفناه. وفي حديث آخر يقال: وكيف تعرفونه؟ قالوا: إنه لا شبيه له ولا نظير. ولا يستبعد إطلاق الصورة بمعنى الصفة، فمن المتداول أن يقال: صورة هذا الأمر كذا؛ أي: صفته.\nوالإتيان والمجيء المضاف إلى الله تعالى ثانيًا هو عبارة عن تجليه لهم، فكأنه كان بعيدًا فقرُبَ، أو غائبًا فحضر. وكل ذلك خطابات مستعارة جارية على المتعارف من توسعات العرب، فإنهم يسمّون الشيء باسم الشيء إذا جاوره، أو قاربه، أو كان منه بسبب.\nو(قوله في حديث أبي سعيد (١): ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحوّل في الصورة التي رأوه فيها أول مرة) يعني: أن المؤمنين إذا رفعوا رؤوسهم، رأوا الحقّ مرة ثانية؛ إذ كانوا قد رأوه حالة قولهم: أنت ربنا، قبل السجود.\nوالتحوّل المنسوب إلى الله تعالى هنا عبارة عن إزالة تلك الصورة الأولى المتعوّذ منها، وعن إظهاره تعالى وجوده المقدّس للمؤمنين، فيكون قوله: وقد تحوّل حالًا متقدمة قبل سجودهم، بمعنى: وقد كان تحوّل؛ أي: حوّل تلك الصورة وأزالها، وتجلّى هو بنفسه، فيكون المراد بهذا الكلام. أن الحقّ سبحانه لمّا تجلّى لعباده المؤمنين أوّل مرة رأوه فيها لم يزل كذلك، لكنهم انصرفوا عن رؤيته عند سجودهم، ثم لَمّا فرغوا منه عادوا إلى رؤيته مرة ثانية.\nو(قوله في حديث أبي هريرة الأول: فيتبعونه) أي: يتبعون أمره، كما\n_________\n(١) حديث أبي سعيد يأتي في باب: شفاعة الملائكة والنبيين والمؤمنين رقم (٦٢).","vol":"1","page":418},{"text":"وَيُضرَبُ الصِّرَاطُ بَينَ ظَهرَي جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَن يُجِيزُ، وَلا\nــ\nيقال: اتبعت فلانًا على رأيه، واتبعت أمره؛ أي: انقَدتُ إليه وامتَثَلتُه، فيكون من باب الاستعارة. ويجوز أن يكون من باب حذف المضاف؛ أي: يتبعون ملائكته ورسله الذين يسوقونهم إلى الجنة، فكأنهم يتقدّمون بين أيديهم دلالة وخدمة وتأنيسًا، والله تعالى أعلم.\nتنبيه: اعلم أن الناس قد أكثروا في تأويلات هذه الأحاديث، فمِن مبعدٍ ومن محوّم، وما ذكرناه أحسنها وأقربها لمنهاج كلام العرب، ولأن يكون هو المراد. ومع ذلك فلا نقطع بأنه هو المراد. والتحقيق أن يقال: الله ورسوله أعلم. والتسليم الذي كان عليه السلف أسلم، لكن مع القطع بأن هذه الظواهر الواردة في الكتاب والسنة الموهمة للتجسيم والتشبيه يستحيل حملها على ظواهرها؛ لما يعارضها من ظواهر أخر، كما قرره أئمتنا في كتبهم، ولما دلّ العقل الصريح عليه، وقد أشرنا إلى نبذٍ من ذلك.\nو(قوله: ثم يضرب الصراط بين ظهري جهنم) الصراط في اللغة: هو الطريق، وفيه لغات: الصاد والسين والزاي، وهو هنا: الطريق من أرض المحشر إلى الجنة، وهو منصوب على متن جهنم أدقّ من الشعر وأحدّ من السيف، وهو المسمى بالجسر في الحديث الآخر (١).\nوجهنّم اسم من أسماء النار التي يُعذَّب بها في الآخرة. قال الجوهري: هو ملحقٌ بالخماسي بتشديد الحرف الثالث منه، ولا ينصرف للتعريف والتأنيث، وهو فارسي معرَّب. وركية جِهِنَّامٌ؛ أي: بعيدة القعر.\nو(قوله: فأكون أنا وأمتي أوّل من يُجيز) بضمّ أوّله رباعيًا من أجاز\n_________\n(١) رواه مسلم (٣١٥) عن ثوبان ﵁.","vol":"1","page":419},{"text":"يَتَكَلَّمُ يَومَئِذٍ إِلا الرُّسُلُ، وَدَعوَى الرُّسُلِ يَومَئِذٍ: اللهُمَّ! سَلِّم، سَلِّم. وَفِي جَهَنَّمَ كَلالِيبُ مِثلُ شَوكِ السَّعدَانِ، هَل رَأَيتُمُ السَّعدَانَ؟ قَالُوا: نَعَم يَا رسولَ الله! قَالَ: فَإِنَّهَا مِثلُ شَوكِ السَّعدَانِ، غَيرَ أَنَّهُ لا يَعلَمُ مَا قَدرُ عِظَمِهَا إِلا اللهُ، تَخطَفُ النَّاسَ بِأَعمَالِهِم، فَمِنهُمُ المُوبَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنهُمُ\nــ\nأي: يمضي عليه ويقطعه، يقال: أجزت الوادي وجُزتُه لغتان فصيحتان. وحُكي عن الأصمعي أنه قال: أجزته قطعته، وجُزته مشيت فيه.\nويحتمل أن يقال: إن الهمزة في أجاز هنا للتعدية من قولهم: أجيزي صوفة؛ أي: أجزنا، وذلك أن صوفة كان رجلًا معظمًا في قريش يُقتدى به في مناسك الحج، فلا يجوز أحدٌ في شيء من مواقفه حتى يجوز، فكان الناس يستعجلونه فيقولون: أجِز صوفةُ؛ أي: ابتدِئ بالجواز حتّى نجوز بعدك، فكان يمنعهم بوقوفه ويجيزهم بجوازه، ثمّ بقي ذلك في ولده فقيل للقبيلة: أجيزي صوفة. فكذلك الرسول - ﷺ - وأمّته على الصراط، فلا يجوز أحد حتّى يجوز هو وأمّته، فكأنّه يجيز الناسَ. ودعوى الرسل دعاؤها، جاء بالمصدر مؤنّثًا.\nو(قوله: يومئذٍ) إشارة إلى حين الجواز على الصراط، وإلا ففي وقت آخر تجادل كلّ نفس عن نفسها. والسَّعدان نبت كثير الشوك، شوكه كالخطاطيف والمحاجن.\nو(قوله: لا يعلم ما قدر عظمها إلاّ الله) قيّدناه عن بعض شيوخنا برفع الراء على أن تكون ما استفهامًا خبرًا مقدَّمًا، وقدر مبتدأ، أو بنصبها على أن تكون ما زائدة، وقدر مفعول يعلم.\nو(قوله: فمنهم الموبق بعمله) بالباء بواحدة من أسفل كذا للعذري، ومعناه: المُهلَك بعمله السيئ، وللطبري: الموثق بعمله بالثاء المثلثة من الوثاق، وللسمرقندي: المؤمن بقي بعمله وكلها صحيح، والأول أوضحها.","vol":"1","page":420},{"text":"المُجَازَى حَتَّى يُنَجَّى، حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللهُ مِنَ القَضَاءِ بَينَ العِبَادِ، وَأَرَادَ أَن يُخرِجَ بِرَحمَتِهِ مَن أَرَادَ مِن أهل النَّارِ، أَمَرَ المَلائِكَةَ أَن يُخرِجُوا مِنَ النَّارِ مَن كَانَ لا يُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا مِمَّن أَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَن يَرحَمَهُ، مِمَّن يَقُولُ: لا إِلهَ إِلا اللهُ، فَيَعرِفُونَهُم فِي النَّارِ، يَعرِفُونَهُم بِأَثَرِ السُّجُودِ؛ تَأكُلُ النَّارُ مِنِ ابنِ آدَمَ إِلا أَثَرَ السُّجُودِ، حَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّارِ أَن تَأكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ. فَيُخرَجُونَ مِنَ النَّارِ وقَدِ امتَحَشُوا، فَيُصَبُّ عَلَيهِم مَاءُ الحَيَاةِ، فَيَنبُتُونَ مِنهُ كَمَا تَنبُتُ الحِبَّةُ\nــ\nوروى العذري وغيره: ومنهم المخردل (١) مكان المجازى، ومعناه الذي تقطع الكلاليب لحمه، يقال: خردلت اللحم خراديل؛ أي: قطعته قطعًا، وهو بالدال المهملة. وحكى يعقوب أنه يقال بالذال المعجمة، وهو أيضًا بالخاء بواحدة من فوق، وقد قاله بعضهم بالجيم. والجردلة: الإشراف على الهلاك والسقوط فيه.\nو(قوله: حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد) أي: تمم عليهم حسابهم وكمّله وفصل بينهم، لا أن الله يشغله شأن عن شأن، يعني: إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، وشفع كل من له شفاعة. ألا ترى قوله: وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار. واقتصاره على لا إله إلا الله، ولم يذكر معها الشهادة بالرسالة؛ إما لأنهما لما تلازمتا في النطق، اكتفى بذكر إحداهما عن الأخرى، وإما لأنه لَمّا كانت الرسل كثيرين، ويجب على كل أحد أن يعرف برسالة رسوله، كان ذكر جميعهم يستدعي تطويلًا، فسكت عن ذكرهم؛ علمًا بهم واختصارًا لذكرهم، والله أعلم.\nو(قوله: قد امتَحَشوا) صوابه بفتح التاء والحاء، ومعناه: احترقوا، يقال: امتحش الخبز؛ أي: احترق، ويقال: محشته النارُ وأمحشته، والمعروف:\n_________\n(١) هذه اللفظة من حديث أبي سعيد الخدري. والحديث في مسلم برقم (١٨٣) ويأتي في التلخيص برقم (١٤٨) باب رقم (٦٢).","vol":"1","page":421},{"text":"فِي حَمِيلِ السَّيلِ، ثُمَّ يَفرُغُ اللهُ مِنَ القَضَاءِ بَينَ العِبَادِ، وَيَبقَى رَجُلٌ مُقبِلٌ بِوَجهِهِ عَلَى النَّارِ، وهو آخِرُ أهل الجَنَّةِ دُخُولًا الجَنَّةَ، فَيَقُولُ: أَي رَبِّ! اصرِف وَجهِي عَنِ النَّارِ، فَإِنَّهُ قَد قَشَبَنِي رِيحُهَا، وَأَحرَقَنِي ذَكَاؤُهَا، فَيَدعُو اللهَ\nــ\nأمحشه. قال صاحب العين: وقد رواه بعضهم: امتُحِشوا مبنيًا لما لم يسم فاعله؛ أي: أُحرِقوا، والصواب الأول. والحُمم (١) الفحم، واحده حممة. والحِبة - بكسر الحاء -: نور العشب، والحَبة بفتحها: من الحنطة وغيرها مما يزرع.\nوماء الحياة هو الذي من يشربه أو يطهر به لم يمت أبدًا. وحميل السيل ما يحمله من طين وغثاء، فإذا اتفق أن يكون فيه حبة، فإنها تنبت في يوم وليلة، وهي أسرع نابتة نباتا، فشبّه - ﵊ - سُرعة نبات أجسادهم بسرعة نبات تلك الحبة، وهذا معنى ما قاله الإمام أبو عبد الله (١). وبقي عليه من التشبيه المقصود بالحديث نوع آخر دلّ عليه ما في حديث أبي سعيد، حيث قال: ألا ترونها تكون إلى الحجر ما يكون منها إلى الشمس أصيفر وأخيضر، وما يكون منها إلى الظلّ يكون أبيض، وهو تنبيه على أن ما يكون إلى الجهة التي تلي الجنة منهم يسبق إليه البياض المستحسن. وما يكون منهم إلى جهة النار، يتأخر ذلك النصوع عنه، فيبقى أصيفر وأخيضر إلى أن يتلاحق البياض ويستوي الحُسن والنور ونضارة النعمة عليهم. ويحتمل أن يشير بذلك إلى أن ما يباشر الماء، تشتدّ سرعةُ نصوعه، وأنّ ما فوق ذلك يتأخر عنه البياض، لكنه يسري إليه سريعًا، والله أعلم.\nو(قوله: ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد ثانيًا) يعني: يكمل خروجَ الموحدين من النار.\nو(قوله: قَشَبني ريحها) أي: غيّر جلدي وصورتي وسوّدني وأحرقني، قاله الحربي. وقال الخطابي: قشبه الدخانُ، إذا (٢) ملأ خياشيمه وأخذ بكَظمه.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (م).\n(٢) في (ل): أي.","vol":"1","page":422},{"text":"مَا شَاءَ أَن يَدعُوَهُ، ثُمَّ يَقُولُ اللهُ - ﵎ -: هَل عَسَيتَ إِن فَعَلتُ ذَلِكَ بِكَ أَن تَسأَلَ غَيرَهُ؟ فَيَقُولُ: لا أَسأَلُكَ غَيرَهُ، وَيُعطِي رَبَّهُ مِن عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ مَا شَاءَ الله، فَيَصرِفُ اللهُ وَجهَهُ عَنِ النَّارِ، فَإِذَا أَقبَلَ عَلَى الجَنَّةِ وَرَآهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللهُ أَن يَسكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَي رَبِّ! قَدِّمنِي إِلَى بَابِ الجَنَّةِ، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: أَلَيسَ قَد أَعطَيتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ لا تَسأَلُنِي غَيرَ الَّذِي أَعطَيتُكَ؟ وَيلَكَ يَا ابنَ آدَمَ! مَا أَغدَرَكَ! فَيَقُولُ: أَي رَبِّ! يَدعُو اللهَ تعالى حَتَّى يَقُولَ لَهُ: فَهَل عَسَيتَ إِن أَعطَيتُكَ ذَلِكَ أَن تَسأَلَ غَيرَهُ؟ فَيَقُولُ: لا وَعِزَّتِكَ! فَيُعطِي رَبَّهُ مَا شَاءَ الله مِن عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ، فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الجَنَّةِ، فَإِذَا قَامَ عَلَى بَابِ الجَنَّةِ، انفَهَقَت لَهُ الجَنَّةُ، فَرَأَى مَا فِيهَا مِنَ الخَيرِ وَالسُّرُورِ، فَيَسكُتُ مَا شَاءَ اللهُ أَن يَسكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَي رَبِّ! أَدخِلنِي الجَنَّةَ، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: أَلَيسَ قَد أَعطَيتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَلا تَسأَلَ\nــ\nوقال الجوهري: قشبني يقشبني؛ أي: أذابني، كأنه قال: سمّني ريحه. قال: والقشيب السمُّ، والجمع أقشاب عن أبي عمرو. وذكاء النار شدة حرِّها بفتح الذال مقصور، وهو المشهور. وقد حكى أبو حنيفة اللغوي فيه المد، وخطأه علي بن حمزة، وقد روي هنا بالوجهين مقصورًا وممدودا.\nو(قوله: انفهقت له الجنة) أي: اتسعت وانفتحت، والمتفيهِق: المتوسع في كلامه المتكلِّف فيه.\nو(قوله: فيرى ما فيها من الخير كذا مشهور الرواية فيه (١)، وقد روي الحَبر بالحاء المهملة مفتوحة والباء بواحدة، وهي إفراط التنعم، ومنه: فَهُم فِي رَوضَةٍ يُحبَرُونَ؛ أي: يُنعمون ويسرّون. والحِبر بكسر الحاء الذي يكتب به والعالم والجمال، ومنه: ذهب حِبره وسِبره؛ أي: جماله وبهاؤه. ويقال في العالم بفتح الحاء.\n_________\n(١) من (ل) و(م).","vol":"1","page":423},{"text":"غَيرَ مَا أُعطِيتَ؟ وَيلَكَ يَا ابنَ آدَمَ! مَا أَغدَرَكَ! فَيَقُولُ: أَي رَبِّ! لا أَكُونُ أَشقَى خَلقِكَ، فَلا يَزَالُ يَدعُو اللهَ حَتَّى يَضحَكَ اللهُ مِنهُ، فَإِذَا ضَحِكَ اللهُ مِنهُ، قَالَ لَهُ: ادخُلِ الجَنَّةَ، فَإِذَا دَخَلَهَا قَالَ اللهُ لَهُ: تَمَنَّه، فَيَسأَلُ رَبَّهُ وَيَتَمَنَّى، حَتَّى إِنَّ اللهَ لَيُذَكِّرُهُ مِن كَذَا وَكَذَا، حَتَّى إِذَا انقَطَعَت بِهِ الأَمَانِيُّ، قَالَ اللهُ: ذَلِكَ لَكَ وَمِثلُهُ مَعَهُ.\nــ\nوقوله: فلا يزال يدعو الله حتى يضحكَ الله منه، فإذا ضحك الله منه قال له: ادخل الجنة، الضحك من خواص البشر، وهو تغيُّرٌ أوجَبَه سرورُ القلب بحصول كمال لم يكن حاصلًا قبل، فتثور من القلب حرارةٌ ينبسط لها الوجهُ، ويضيق عنها الفمُ، فينفتح، وهو التبسّم، فإذا زاد ولم يضبط الإنسان نفسه قهقه. وذلك كله على الله تعالى محال (١)، لكن لما كان دلالة عندنا على الرضا ومظهرًا له غالبًا، عُبّر عن سببه به، وقد قالوا: تضحك الأرض من بكاء السماء؛ أي: يظهر خيرها. وفي بعض الحديث: فيبعث الله سحابًا يضحك أحسن الضحك (٢) يعني: السحاب، ومنه قولهم:\n. . . . . . . . . . . ... ضحك المشيب برأسه فبكى (٣)\nوقال:\nفي طعنة تضحك عن نجيع\nفالضحك في هذه المواضع بمعنى الظهور، فيكون معناه في هذا الحديث: أن الله تعالى رضي عن هذا العبد، وأظهر عليه رحمتَه وفضلَه ونعمته، ولهذا حمله قوم هنا على أنّه تجلّى لهذا العبد وظهر له.\nو(قوله في الحديث الآخر: أتسخر مني؟) وفي رواية: أتستهزئ مني؟ (٤)،\n_________\n(١) مذهب السلف: إثبات الضحك لله تعالى من غير تأويل، ولا تكييف، ولا تثبيه، وهو الأسلم.\n(٢) رواه أحمد (٥/ ٤٣٥).\n(٣) البيت لِدعْبِل بن علي الخزاعي، وصدره:\nلا تَعْجبي يا سَلْمُ من رَجُلٍ\n(٤) رواه مسلم (١٨٧).","vol":"1","page":424},{"text":"قَالَ عَطَاءُ بنُ يَزِيدَ: وَأَبُو سَعِيدٍ الخُدرِيُّ مَع أَبِي هُرَيرَةَ لا يَرُدُّ عَلَيهِ مِن حَدِيثِهِ شَيئًا، حَتَّى إِذَا حَدَّثَ أبو هُرَيرَةَ: إنَّ اللهَ قَالَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ: ذَلِكَ لَكَ وَمِثلُهُ مَعَهُ، قَالَ أبو سَعِيدٍ الخُدرِيِّ: وَعَشَرَةُ أَمثَالِهِ مَعَهُ يَا أَبَا هُرَيرَةَ! قَالَ أبو هُرَيرَةَ: مَا حَفِظتُ إِلا قَولَهُ: ذَلِكَ لَكَ وَمِثلُهُ مَعَهُ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَشهَدُ أَنِّي حَفِظتُ مِن رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَولَهُ: ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمثَالِهِ مَعَهُ. قَالَ أبو هُرَيرَةَ: وَذَلِكَ الرَّجُلُ آخِرُ أهل الجَنَّةِ دُخُولًا الجَنَّةَ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٦٨)، والبخاري (٧٤٣٧)، ومسلم (١٨٢)، والترمذي (٢٥٥٧).\n* * *\nــ\nقد أكثر الناس في تأويله، ومن أشبه ما قيل فيه: إن هذا الرجل استخفّه الفرح وأدهشه، فقال ذلك غير ضابط لما يقول، كما جاء في الحديث الآخر في الذي وجد راحلته وقد أشرف على الهلاك من العطش والجوع: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، قال رسول الله - ﷺ -: أخطأ من شدّة الفرح (١).\nوقيل: إنما قال هذا الرجل ذلك على جهة أنّه خاف أن يقابله على ما كان منه في الدنيا من التساهل في الطاعات والتشبه بأحوال الساخرين والمستهزئين، فكأنه قال: أتجازيني على ما كان مني؟ وهذا كما قال تعالى: اللَّهُ يَستَهزِئُ بِهِم، وسَخِرَ اللَّهُ مِنهُم؛ أي: يجازيهم جزاء استهزائهم وسخريتهم على أحد التأويلات.\nو(قوله في حديث ابن مسعود: فيقول الله: يا ابن آدم ما يصريني منك؟) (٢) قال الحربي: إنّما هو: يصريك منّي، قال: يقال: صريتُ الشيء، إذا قطعتُه. الجوهريّ: صرى الله عنه شره: رفعه، وصريته: منعته، وصر قوله صريا: قطعه.\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٣٨٣) و(٢/ ٣١٦)، والبخاري (٦٣٠٨)، ومسلم (٢٧٤٤)، والترمذي (٢٤٩٩) و(٢٥٠٠) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.\n(٢) رواه مسلم (٣١٠).","vol":"1","page":425},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>(٦٠) باب ما خُصَّ به نبينا محمد - ﷺ - من الشفاعة العامة لأهل المحشر</span>\n[١٤٦] عَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَومًا بِلَحمٍ، فَرُفِعَ إِلَيهِ الذِّرَاعُ وَكَانَت تُعجِبُهُ، فَنَهَسَ مِنهَا نَهسَةً، فَقَالَ: أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَومَ\nــ\n(٦٠) ومن باب ما خصّ به نبينا - ﷺ - من الشفاعة العامة\n(قوله (١): فنهس منها نهسة) النهس بالسين المهملة أخذ اللحم بمقدم الأسنان، وقد يقال عليه أيضًا نهش بالمثلثة (٢)، حكاه الجوهري، وقيل: النهش بالأضراس، قاله أبو العباس، وقال غيره: هو نثر (٣) اللحم.\nو(قوله: أنا سيّد الناس) أي: المقدم عليهم. والسيّد هو الذي يسود قومه؛ أي: يفوقهم بما جمع من الخصال الحميدة، بحيث يلجأون إليه ويعوّلون عليه في مهماتهم، قال الشاعر (٤):\nفإن كنتَ سيِّدَنا سدتَنا ... وإن كنت للخال فاذهب فخِل\nوقد تحقق كمال تلك المعاني كلها لنبيِّنا محمّد - ﷺ - في ذلك المقام الذي يحمده ويغبطه فيه الأولون والآخرون، ويشهد له بذلك النبيُّون والمرسلون. وهذه حكمة عرض الشفاعة على خيار الأنبياء، فكلّهم تبرّأ منها. ودلّ على غيره، إلى أن بلغت محلّها، واستقرَّت في نصابها.\nومحبّة رسول الله - ﷺ - للذراع؛ لنضج لحمها وسُرعة استمرائها وزيادة\n_________\n(١) من هنا إلى قوله: (بالتنوين فيهما) ساقط من (ع).\n(٢) في (ل): بالمعجمة.\n(٣) في (ل): هرش.\n(٤) نسبه في اللسان إلى رجل من عبد قيس.","vol":"1","page":426},{"text":"القِيَامَةِ. وَهَل تَدرُونَ بِمَ ذلكَ؟ يَجمَعُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَيُسمِعُهُمُ الدَّاعِي وَيَنفُذُهُمُ البَصَرُ، وَتَدنُو الشَّمسُ، فَيَبلُغُ النَّاسَ مِنَ الغَمِّ وَالكَربِ مَا لا يُطِيقُونَ وَما لا يَحتَمِلُونَ، فَيَقُولُ بَعضُ النَّاسِ لِبَعضٍ: أَلا تَرَونَ مَا أَنتُم فِيهِ؟ أَلا تَرَون مَا قَد بَلَغَكُم؟ أَلا تَنظُرُونَ مَن يَشفَعُ لَكُم إِلَى رَبِّكُم؟ فَيَقُولُ بَعضُ النَّاسِ لِبَعضٍ: ائتُوا آدَمَ، فَيَأتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ! أَنتَ أبو البَشَرِ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِن رُوحِهِ،\nــ\nلذتها، ولبعدها عن موضع الأثفال (١).\nوالصعيد المستوي من الأرض. الثرى هو التراب. ثعلب: هو وجه الأرض.\nو(قوله: فيسمعهم الداعي وينفُذهم البصر) معناه: أنهم مجتمعون مهتمُّون بما هم فيه لا يخفى منهم أحد، بحيث إن دعاهم داعٍ سمعوه، وإن نظر إليهم ناظر أدركهم. ويحتمل أن يكون الداعي هو الذي يدعوهم إلى العرض والحساب أو أمر آخر، كقوله تعالى: يَومَ يَدعُو الدَّاعِي إِلَى شَيءٍ نُكُرٍ.\nو(قوله: خلقك الله بيده) اعلم أنّ الله تعالى منزّه عن يد الجارحة كما قد قدمناه. واليد في كلام العرب تطلق على القدرة والنعمة والملك. واللائق هنا حملُها على القدرة (٢)، وتكون فائدة الاختصاص لآدم: أنّه تعالى خلقه بقدرته ابتداءً من غير سبب ولا واسطة خلق ولا أطوار قلبه فيها، وذلك بخلاف غيره من ولده، ويحتمل أن يكون شرّفه بالإضافة إليه، كما قال: بَيتِيَ. وقد قدّمنا أن التسليم في المشكلات أسلم.\nو(قوله: ونفخ فيك من روحه) الروح هنا هو المذكور في قوله: تَنَزَّلُ\n_________\n(١) \"الأثفال\": الرجيع والروث.\n(٢) مذهب السلف: أنَّ لله تعالى يدًا أثبتها لنفسه من غير تأويل ولا تكلييف ولا تشبيه. وهو الأسلم.","vol":"1","page":427},{"text":"وَأَمَرَ المَلائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشفَع لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلا تَرَى إِلَى مَا نَحنُ فِيهِ؟ أَلا تَرَى إِلَى مَا قَد بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي - ﷿ - قَد غَضِبَ اليَومَ غَضَبًا لَم يَغضَب قَبلَهُ مِثلَهُ، وَلَن يَغضَبَ بَعدَهُ مِثلَهُ، وَإِنَّهُ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيتُهُ، نَفسِي، نَفسِي، اذهَبُوا إِلَى غَيرِي، اذهَبُوا إِلَى نُوحٍ. فَيَأتُونَ نُوحًا، فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ! أَنتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى الأَرضِ، وَسَمَّاكَ اللهُ عَبدًا شَكُورًا، اشفَع لَنَا إِلَى رَبِّنا، أَلا تَرَى مَا نَحنُ فِيهِ؟ أَلا تَرَى مَا قَد بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُم: إِنَّ رَبِّي قَد غَضِبَ اليَومَ غَضَبًا لَم يَغضَب قَبلَهُ مِثلَهُ، وَلَن\nــ\nالمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ ونَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ وشرّفه بالإضافة كما قال: ﴿فَنَفَخنَا فِيهِ مِن رُوحِنَا﴾ وهو جبريل على قول أكثر المفسرين؛ أي: كان كل واحد منهما من نفخة الملك، فصار المنفوخ فيه ذا روح من ريح نفخته، ولا يلتفت إلى ما يقال غير هذا. وقد تقدم أنّ غضب الله عبارة عن انتقامه وحلول عذابه.\nوالشفاعة أصلها: الضم والجمع، ومنه ناقة شَفُوع، إذا جمعت بين حلبتين في حلبة واحدة، وناقة شافع، إذا اجتمع لها حمل وولد يتبعها. والشفع ضمُّ واحدٍ إلى واحدٍ. والشفعة ضمُّ ملك الشريك إلى ملكك. فالشفاعة إذن ضم غيرك إلى جاهك ووسيلتك، فهي على التحقيق إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفِّع وإيصال منفعةٍ إلى المشفوع له، وسيأتي ذكر أقسامها.\nوالشكور الكثير الشكر، وهو من أبنية المبالغة، وأصل الشكر الظهور، ومنه دابة شَكور، إذا كانت يظهر عليها من السمن فوق ما تأكله من العلف، وأشكر الضرع، إذا ظهر امتلاؤه باللبن، والسماء بالمطر، فكأنّ الشاكر يظهر القيام بحق المنعم، ولذلك قيل: الشكور هو: الذي ظهر منه الاعتراف بالنعمة، والقيام بالخدمة، وملازمة الحرمة.","vol":"1","page":428},{"text":"يَغضَبَ بَعدَهُ مِثلَهُ.\nوَإِنَّهُ قَد كَانَت لِي دَعوَةٌ دَعَوتُ بِهَا عَلَى قَومِي، نَفسِي، نَفسِي، اذهَبُوا إِلَى إِبرَاهِيمَ. فَيَأتُونَ إِبرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ: أَنتَ نَبِيُّ اللهِ وَخَلِيلُهُ مِن أهل الأَرضِ، اشفَع لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلا تَرَى مَا نَحنُ فِيهِ؟ أَلا تَرَى مَا قَد\nــ\nو(قوله: كانت لي دعوة دعوت بها على قومي) يريد قوله: ﴿رَبِّ لا تَذَر عَلَى الأَرضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ وإبراهيم بالسريانية هو الأب الرحيم، حكاه المفسرون.\nوالخليل الصديق المخلص، والخُلَّة بضم الخاء الصداقة والمودة، ويقال فيها أيضًا. خلالة بالضم والفتح والكسر، والخَلة بفتح الخاء. الفقر والحاجة، والخِلة بكسرها واحدة خِلل السيوف وهي بطائن أغشيتها، والخلل الفرجة بين الشيئين، والجمع الخلال.\nواختُلِف في الخليل اسم إبراهيم - ﵇ - من أي هذه المعاني والألفاظ أخذ؟ فقيل: إنّه مأخوذ من الخُلّة بمعنى الصداقة، وذلك أنه صدق في محبة الله تعالى، وأخلص فيها حتى آثر محبته على كل محبوباته، فبذل ماله للضيفان وولده للقربان، وجسده للنيران. وقيل: من الخَلَّة التي بمعنى الفقر والحاجة، وذلك أنه افتقر إلى الله في حوائجه ولجأ إليه في فاقته، حتى لم يلتفت إلى غيره، بحيث آلت حاله إلى أن قال له جبريل وهو في الهواء حين رمي في المنجنيق: ألك حاجة؟ فقال: أمّا إليك، فلا. وقيل: من الخَلَل بمعنى الفرجة بين الشيئين، ذلك لما تخلل قلبه من معرفة الله تعالى ومحبته ومراقبته، حتى كأنه مُزجت أجزاء قلبه بذلك. وقد أشار إلى هذا المعنى بعض الشعراء، فقال:\nقد تخللت مسلك الروح مني ... ولذا سمي الخليل خليلًا\nولقد جمع هذه المعاني وأحسن من قال في الخلة: إنها صفاء المودّة التي توجب الاختصاص بتخلل الأسرار، والغنى عن الأغيار.\nو(قوله: إنما كنت خليلًا من وراء وراء) أي: إنما كنت خليلًا متأخرًا عن","vol":"1","page":429},{"text":"بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُم إِبرَاهِيمُ: إِنَّ رَبِّي قَد غَضِبَ اليَومَ غَضَبًا، لَم يَغضَب قَبلَهُ\nــ\nغيري؛ إشارة إلى أن كمالَ الخلّة، إنما تصح لمن يصحّ له في ذلك اليوم المقام المحمود الذي يحمده الأولون والآخرون، وذلك لم يصح ولا يصح إلَاّ لنبينا محمد - ﷺ -. وراءَ وراءَ صحيح الرواية فيه بالمد والفتح، وكأنه مبني على الفتح (١)؛ لتضمنه الحرف، كما قالت العرب: هو جاري بيتَ بيتَ؛ أي: بيته إلى بيتي، فكأنه قال في الحديث: من ورائي إلى ورائي. ونحوه: خمسة عشر، وسائر الأعداد المركبة، ومنه قولهم: هي همزة بين بين، وأتيتك صباح مساء، ويوم يوم، وتركوا البلاد حيثَ بيث، وحاث باث؛ ونحو ذلك.\nوقد زعم بعض النحويين المتأخرين أن الصواب الضم فيهما، واستدلّ على ذلك بما أنشده الجوهري في الصحاح:\nإذا أنا لم أُومن عليك ولم يكُن ... لِقاؤُكَ إلَاّ من وَراءُ وراءُ\nقلت: ولا شك أن السماع في هذا البيت بالضم فيهما، ووجهه ما نبّه عليه الأخفش؛ حيث قال: لقيته من وراء، فترفعه على الغاية، كقولك: من قبلُ ومن بعدُ، فنبّه على أن: وراء الأولى، إنما بنيت لقطعها عن الإضافة، وأما الثانية: فيحمل أن تكون كالأولى على تقدير حذف من لدلالة الأولى عليها، ويحتمل أن تكون الثانية تأكيدًا لفظيًّا للأولى. ويجوز أن تكون بدلًا منها، أو عطف بيان عليها. كما قالوا: يا نصرُ نصرٌ على تكلف. وقد وجدت في أصل شيخنا أبي الصبر أيوب بن محمد الفهري السبتي: مِن وراءَ، مِن وراءَ بتكرار مِن وفتح الهمزتين. وكان رحمه الله تعالى قد اعتنى بهذا الكتاب غاية الاعتناء، وقيده تقييدًا حسنًا.\nفلا يصح أن يقال: إن ذلك بناء على الوجه الأول، لوجود من المضمنة في الوجه الأول، وإنما محمله على أن وراء قطعت عن الإضافة، ولم تقصد قصد مضاف بعينه، فصارت كأنها اسم علم، وهي مؤنثة، فيجتمع فيها\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (م).","vol":"1","page":430},{"text":"مِثلَهُ، وَلا يَغضَبُ بَعدَهُ مِثلَهُ - وَذَكَرَ كَذَبَاتِهِ - نَفسِي. نَفسِي، اذهَبُوا إِلَى\nــ\nالتعريف والتأنيث، فيمتنع الصرف. وإنما قلنا: إن وراء مؤنثة؛ لما قال الجوهري: إنها مؤنثة لأنهم قالوا في تصغيرها: وُريِّئة. وعلى هذا: فهمزتها ليست للتأنيث، ولأن همزة التأنيث لا تقع ثالثة. وقد وجدت في بعض المعلقات بخط معتبر. قال الفراء: تقول العرب: فلان يكلمني من وراءَ وراءَ، بالنصب على الظرف، ومن وراء وراء، بجعل الأولى ظرفًا والثانية غاية. ومن وراء وراء بجعلهما غايتين. ومِن وراءِ وراء تضيف الأولى إلى الثانية وتمنع الثانية من الجر. ومن وراءِ وراءِ على البناء. وحكى ثعلب عن بعض الناس: أنهم قالوا: من وراء وراء بالتنوين فيهما (١).\nو(قوله: وذكر كذباته) قد فسّرها في الرواية الأخرى، بما ليس كذبًا على التحقيق، ونحن نذكرها ونبيّنها إن شاء الله تعالى. فمنها قوله في الكوكب: هَذَا رَبِّي ذكر المفسرون أنّ ذلك كان منه في حال الطفولية في أول حال استدلاله، ثم إنه لَمّا تكامل نظره؛ وتمّ على السداد وضح له الحق، قال: وَجَّهتُ وَجهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ حَنِيفًا.\nقال الشيخ - ﵀ -: وهذا لا يليق بالأنبياء؛ لأن الله تعالى خصهم بكمال العقل والمعرفة بالله ﷿، وسلامة الفطرة والحماية عن الجهل بالله تعالى والكفر من أول نشوئهم وإلى تناهي أمرهم، إذ لم يُسمع عن واحد منهم أنه اعتقد مع الله إلَهًا آخر، ولا اعتقد محالًا على الله تعالى، ولا ارتكب شيئًا من قبائح أممهم الذين أرسلوا إليهم، لا قبل النبوة ولا بعدها. ولو كان شيء من ذلك لقَرَّعهم بذلك أممهم لَمَّا دعوهم إلى التوحيد، ولاحتجوا عليهم بذلك، ولم ينقل شيء من ذلك. وأما بعد إرسالهم فكل (٢) ذلك محال عليهم عقلًا على ما نبينه.\n_________\n(١) من قوله: (قوله: فنهس منها نهسة) إلى هنا، ساقط من (ع).\n(٢) في (م): فكان.","vol":"1","page":431},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوقيل: إنه - ﵊ - قال ذلك لقومه على جهة الاستفهام الذي يقصد به التوبيخ لهم، والإنكار عليهم، وحذفت همزة الاستفهام اتساعًا، كما قالت العرب:\nلعمرك ما أدري وإني لحاسب ... بسبعٍ رميتُ الجمرَ أم بثمانِ (١)\nوقال آخر (٢):\nرفوني (٣) وقالوا: يا خويلد لم ترع ... فقلت: وأنكرت الوجوه هُم هُم\nأي: أهم أهم.\nوقيل: إنما قال ذلك على طريق الاحتجاج على قومه؛ تنبيهًا على أن ما يتغير لا يصلح للربوبية.\nومنها قوله لآلهتهم: ﴿بَل فَعَلَهُ كَبِيرُهُم هَذَا﴾ إنما قاله ممهدًا للاستدلال على أنها ليست آلهة، وقطعا لقومه في قولهم: إنها تضرُّ وتنفع. وهذا الاستدلال والذي قبله يتحرّر من الشرط المتصل، ولذلك أردف على قوله: بَل فَعَلَهُ كَبِيرُهُم، قوله: فَاسأَلُوهُم إِن كَانُوا يَنطِقُونَ، وعند ذلك قالوا: لَقَد عَلِمتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنطِقُونَ فقَالَ لهم: أَفَتَعبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ الآية، فحقت كلمته وظهرت حجته.\n_________\n(١) القائل: هو عمر بن أبي ربيعة.\n(٢) هو أبو خراش الهذلي.\n(٣) في (ل) و(م): رموني. والمثبت من (ع) واللسان.\nو\"رفوني\": سكَّنوني من الرعب.","vol":"1","page":432},{"text":"غَيرِي، اذهَبُوا إِلَى مُوسَى. فَيَأتُونَ مُوسَى، فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى! أَنتَ رَسُولُ اللهِ، فَضَّلَكَ اللهُ بِرِسَالاتِهِ وَبِكلامِهِ عَلَى النَّاسِ، اشفَع لَنَا إِلَى رَبِّكَ.\nــ\nومنها قوله: إِنِّي سَقِيمٌ هذا تعريض، وحقيقته أنه سيسقم، واسم الفاعل بمعنى المستقبل كثير، ويحتمل أن يريد به أنه سقيم الحجة على الخروج معكم؛ إذ كان لا يصح على جواز ذلك حجة.\nومنها ما جاء في حديث إبراهيم أنّه قال قوله لزوجه سارة حين دخل أرض الجبار فسئل عنها فقال: إنها أختي. وصدق، فإنها أخته في الإسلام، وكذلك جاء عنه منصوصًا أنّه قال: إنما أنتِ أختي في الإسلام.\nوعلى الجملة فأوجه هذه الأمور واضحة وصدقها معلوم على الأوجه المذكورة، فليس في شيء منها ما يقتضي عتابًا ولا عقابًا، لكن هول المقام وشدة الأمر حمله على ذلك (١) الخوف منها، وأيضًا فلنتبيّن درجة من يقول: نفسي نفسي من درجة من يقول: أمتي أمتي.\nوموسى سمي بذلك؛ لأنه وجد بين موشِى بالعبرية؛ أي: الماء والشجر فعرب، والجمع موسَون في الرفع، وبالياء في النصب والجر عند البصريين، وعند الكوفيين موسُون بضم السين وموسِين بكسرها.\nو(قوله: وفضلك الله برسالاته وبكلامه) هذه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِنِّي اصطَفَيتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ ولا خلاف بين أهل السنة في أن موسى سمع كلام الله الذي لا يشبهه كلام البشر الذي ليس بصوت ولا حرف، ولو سمعه بالحرف والصوت لما صحّت خصوصية الفضيلة لموسى بذلك؛ إذ قد سمع كلامه تعالى بواسطة الحرف والصوت المشترِك، كما قال تعالى: وَإِن أَحَدٌ مِنَ المُشرِكِينَ استَجَارَكَ فَأَجِرهُ حَتَّى يَسمَعَ كَلَامَ اللَّهِ واستيفاء الكلام على هذه المسألة سؤالًا وجوابًا في كتب الكلام.\n_________\n(١) من (ل).","vol":"1","page":433},{"text":"أَلا تَرَى مَا إلى نَحنُ فِيهِ؟ أَلا تَرَى إلى مَا قَد بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُم مُوسَى: إِنَّ رَبِّي قَد غَضِبَ اليَومَ غَضَبًا، لَم يَغضَب قَبلَهُ مِثلَهُ، وَلَن يَغضَبَ بَعدَهُ مِثلَهُ، وَإِنِّي قَتَلتُ نَفسًا لَم أُومَر بِقَتلِهَا، نَفسِي. نَفسِي. اذهَبُوا إِلَى عِيسَى. فَيَأتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى! أَنتَ رَسُولُ اللهِ، وَكَلَّمتَ النَّاسَ فِي المَهدِ، وَكَلِمَةٌ مِنهُ أَلقَاهَا إِلَى مَريَمَ، وَرُوحٌ مِنهُ، فَاشفَع لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلا تَرَى مَا نَحنُ فِيهِ؟ أَلا تَرَى مَا قَد بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُم عِيسَى: إِنَّ رَبِّي قَد غَضِبَ اليوم غَضَبًا، لَم يَغضَب قَبلَهُ مِثلَهُ، وَلَن يَغضَبَ بَعدَهُ مِثلَهُ. وَلَم يَذكُر لَهُ ذَنبًا، نَفسِي. نَفسِي. اذهَبُوا إِلَى غَيرِي. اذهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ - ﷺ -. فَيَأتُونِّي، فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ! أَنتَ رَسُولُ اللهِ، وَخَاتَمُ الأَنبِيَاءِ، وَغَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ. اشفَع لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلا تَرَى مَا نَحنُ فِيهِ؟\nــ\nو(قوله: وكلَّمتَ الناسَ في المهد) أي: صغيرًا في الحال الذي تمهد له فيها موضعه ليضجع عليه لصغره.\nو(قوله: وكلمة منه) قال ابن عباس: سماه كلمة؛ لأنه كان بكلّمة كن من غير أن يتقلب في أطوار الخلق كما تقلّب غيره. وألقاها إلى مريم أي: أبلغها إليها. وقد تقدم الكلام في وصفه - ﵇ - بأنه روح الله.\nو(قوله: غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر) اختلف الناس في عصمة الأنبياء من الذنوب اختلافا كثيرا. والذي ينبغي أن يقال: إنّ الأنبياء معصومون مما يناقض مدلولَ المعجزة عقلًا، كالكفر بالله تعالى، والكذب عليه، والتحريف في التبليغ والخطأ فيه، ومعصومون من الكبائر وعن الصغائر التي تزري بفاعلها، وتحطّ منزلته وتسقط مروءته إجماعًا عند القاضي أبي بكر، وعند الأستاذ أبي بكر أن ذلك مقتضى دليل المعجزة. وعند المعتزلة أن ذلك مقتضى دليل العقل على أصولهم.\nواختلف أئمتنا في وقوع الصغائر منهم، فمِن","vol":"1","page":434},{"text":"أَلا تَرَى مَا قَد بَلَغَنَا؟ فَأَنطَلِقُ فَآتِي تَحتَ العَرشِ فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي، ثُمَّ يَفتَحُ اللهُ عَلَيَّ وَيُلهِمُنِي مِن مَحَامِدِهِ وَحُسنِ الثَّنَاءِ عَلَيهِ شَيئًا لَم يَفتَحهُ لأَحَدٍ قَبلِي، ثُمَّ يقَالُ: يَا مُحَمَّدُ! ارفَع رَأسَكَ، سَل تُعطَهِ، اشفَع تُشَفَّع. فَأَرفَعُ رَأسِي\nــ\nقائل: بالوقوع، ومِن قائل بمنع ذلك. والقول الوسط في ذلك: أن الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم ونسبها إليهم وعاتبهم عليها، وأخبروا بها عن نفوسهم وتنصلوا منها واستغفروا وتابوا. وكل ذلك ورد في مواضع كثيرة لا تقبل التأويلات بجملتها، وإن قبل ذلك آحادها.\nلكن الذي ينبغي أن يقال: إنّ الذي أضيف إليهم من الذنوب ليس من قبيل الكبائر ولا مما يُزري بمناصبهم على ما تقدم، ولا كثر منهم وقوع ذلك، وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم، وعوتبوا عليها يخف أمرها بالنسبة إلى غيرهم، وإنما عُددت عليهم وعوتبوا عليها بالنسبة إلى مناصبهم وإلى علو أقدارهم؛ إذ قد يؤاخذ الوزير بما يُثاب عليه السائس (١). ولقد أحسن الجنيد (٢) حيث قال: حسنات الأبرار سيئات المقربين، فهم وإن كانوا قد شهدت النصوص بوقوع ذنوب منهم، فلم يُخِلّ ذلك بمناصبهم، ولا قدح ذلك في رتبتهم، بل قد تلافاهم واجتباهم وهداهم، ومدحهم وزكّاهم واختارهم واصطفاهم - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إلى يوم الدين - والكلام على هذه المسألة تفصيلا يستدعي تطويلا، وفيما ذكرناه كفاية، والله الموفق للهداية.\nو(قوله: فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدًا) قد زاد عليه في حديث أنس: فأنطلق فأستأذن على ربي فيؤذن لي، فأقوم بين يديه فأحمده بمحامد، ثم أخِرّ\n_________\n(١) \"السائس\": رائِض الدّواب ومُدَرِّبها.\n(٢) هو الجُنَيْدُ بن محمد الخزاز، أبو القاسم: من العلماء بالدين، ومن علماء التصوّف المشهورين. توفي سنة (٢٩٧ هـ).","vol":"1","page":435},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nساجدًا (١). وبمجموع الحديثين يكمل المعنى، ويعلم مراعاة النبي - ﷺ - لآداب الحضرة العليّة. ثم اعلم أن هذا الانطلاق من النبي - ﷺ - إنما هو إلى جنة الفردوس التي هي أعلى الجنة، وفوقها عرش الرحمن كما جاء في الصحيح؛ بناء على أن لا محل هناك إلا الجنة والنار، وعلى أنّ العرش محيط بأعلى الجنة، والله تعالى أعلم.\nولا شكّ في أن دخول الجنة هو المحلّ الكريم، لا بد فيه من استئذان الخزنة، وعن هذا عبّر بقوله - ﵊ -: فأستأذن على ربي، ولا يُفهم من هذا ما جرت به عاداتنا في أن المستأذَن عليه قد احتجب بداره وأحاطت به جهاته، فإذا استؤذن عليه فأذِن، دخل المستأذن معه فيما أحاط به؛ إذ كل ذلك على الله محال، فإنه منزّه عن الجسمية ولوازمها على ما تقدم.\nوالعرش في أصل اللغة الرفع، ومنه قوله: ﴿مَعرُوشَاتٍ وَغَيرَ مَعرُوشَاتٍ﴾؛ أي: مرفوعات القضبان، قاله ابن عباس، أو مرفوعات الحيطان على قول غيره، ومنه سمي السرير وسقف البيت عرشًا، ويقال: لما يُستظَلُّ به عرش وعريش، وإضافته إلى الله تعالى على جهة الملك أو التشريف، لا لأنّ الله استقرّ عليه أو استظلّ به كما قد توهمه بعض الجُهّال في الاستقرار، وذلك على الله محال؛ إذ يستحيل عليه الجسمية ولواحقها (٢).\nتنبيه: في حديث أبي هريرة: إن المحامد كانت بعد السجود، وفي حديث أنس قبل السجود في حالة القيام، وذلك يدل على أنه - ﵊ - أكثر من التحميد والثناء في هذا المقام كله في قيامه وسجوده إلى أن أسعف في طلبته.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٢) مذهب السلف في الصفات الإلهية إثباتُ ما أثبت الله تعالى لنفسه، دون تأويل، أو تشبيه، أو تكييف.","vol":"1","page":436},{"text":"فَأَقُولُ: يَا رَبِّ! أُمَّتِي. أُمَّتِي.\nــ\nو(قوله: فأقول يا ربِّ أمتي أمتي، فيقال: يا محمدُ، أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه) هذا يدل على أنه شفع فيما طلبه من تعجيل حساب أهل الموقفِ، فإنه لما أُمِر بإدخال من لا حساب عليه من أمته، فقد شُرِع في حساب من عليه حِساب من أمته وغيرهم، ولذلك قال في الرواية الأخرى: فيؤذن له وتُرسَل الأمانة والرحم، فيقومان جنبتي الصراط. هذا المساق أحسن من مساق حديث معبد عن أنس، فإنه ذكر فيه عقيب استشفاعه لأهل الموقف أنه أجيب بشفاعته لأمته، وليست الشفاعة العامة التي طلب منه أهل الموقف. وكأن هذا الحديث سُكِت فيه عن هذه الشفاعة فذُكِرت شفاعته لأمته؛ لأن هذه الشفاعة هي التي طلبت من أنس أن يحدّث بها في ذلك الوقت، وهي التي أنكرها أهل البدع، والله أعلم.\nقال القاضي عياض: شفاعات سيدنا محمد - ﷺ - يوم القيامة أربعٌ:\nالأولى: شفاعته العامة لأهل الموقف؛ ليعجِّل حسابهم ويُراحوا من هول موقفهم، وهي الخاصة به - ﷺ -.\nالثانية: في إدخال قوم الجنة دون حساب.\nالثالثة: في قوم من موحدي أمته استوجبوا النار بذنوبهم، فيخرجون من النار ويدخلون الجنة بشفاعته، وهذه الشفاعة هي التي أنكرتها المبتدعةُ الخوارج والمعتزلة، فمنعتها على أصولهم الفاسدة، وهي الاستحقاق العقلي المبني على التحسين والتقبيح العقليَّين، وتلك الأصول قد استأصلها أئمتنا في كتبهم أنها مصادمة لأدلة الكتاب والسنة الدالة على وقوع الشفاعة في الآخرة. ومن تصفح الشريعة والكتاب والسنة وأقوال الصحابة وابتهالهم إلى الله تعالى في الشفاعة علم على الضرورة صحة ذلك وفساد قول من خالف في ذلك.\nالرابعة: في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها وترفيعها.","vol":"1","page":437},{"text":"فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ! أَدخِلِ الجَنَّةَ مِن أُمَّتِكَ، مَن لا حِسَابَ عَلَيهِ، مِنَ البَابِ الأَيمَنِ مِن أَبوَابِ الجَنَّةِ، وَهُم شُرَكَاءُ النَّاسِ بسائر الأَبوَابِ. وَالَّذِي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! إِنَّ مَا بَينَ المِصرَاعَينِ مِن مَصَارِيعِ الجَنَّةِ لَكَمَا بَينَ مَكَّةَ وَهَجَرٍ. أو كَمَا بَينَ مَكَّةَ وَبُصرَى.\nــ\nو(قوله: أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه) يعني به - والله أعلم -: السبعين ألفًا الذين لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون. ومن الباب الأيمن هو الذي عن يمين القاصد إلى الجنة بعد جواز الصراط - والله أعلم - وكأنه أفضل الأبواب.\nو(قوله: هم شركاء الناس بسائر (١) الأبواب) يحتمل أن يعود هذا الضمير إلى الذين لا حساب عليهم، وهو الظاهر ويكون معناه أنهم لا يلجؤون إلى الدخول من الباب الأيمن، بل من أي باب شاؤوا، كما جاء (٢) في حديث أبي بكر، حيث قال: فهل على من يدعى من تلك الأبواب من ضرورة؟ فقال - ﵊ -: لا، وأرجو أن تكون منهم (٣). وكما قال - ﵊ - فيمن أسبغ الوضوء وهلّل بعده: أدخله الله من أي أبواب الجنّة الثمانية شاء (٤). ويحتمل أن يعود على الأمة، وفيه بعد. والمصرَعان ما بين عضادتي البابين، والباب: المغلقُ.\nو(قوله: لكما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرى) يحتمل أن\n_________\n(١) في (ل) و(م): في سائر.\n(٢) في (ل): قال.\n(٣) رواه البخاري (١٨٩٧)، ومسلم (١٠٢٧)، والنسائي (٦/ ٤٨) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) رواه مسلم (٢٣٤)، والترمذي (٥٥)، وابن ماجه (٤٧٠)، والنسائي في اليوم والليلة (٨٤) من حديث عمر بن الخطاب ﵁.","vol":"1","page":438},{"text":"زَادَ فِي رِوَايَة - فِي قِصَّةِ إِبرَاهِيمَ - قَالَ: وَذَكَرَ قَولَهُ فِي الكَوكَبِ: هَذَا رَبِّي وَقَوله لآلِهَتِهِم: بَل فَعَلَهُ كَبِيرُهُم هَذَا، وقوله: إِنِّي سَقِيمٌ.\nرواه البخاري (٣٣٤٠)، ومسلم (١٩٤)، والترمذي (٢٤٣٦).\n[١٤٧] وَفِي أُخرى: فَيَقُولُ إِبرَاهِيمُ: لَستُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ. إِنَّمَا كُنتُ خَلِيلًا مِن وَرَاءَ وَرَاءَ. وَفِيها: فَيَأتُونَ مُحَمَّدًا. فَيَقُومُ فَيُؤذَنُ لَهُ. وَتُرسَلُ الأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ، فَتقُومَانِ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالًا فَيَمُرُّ أَوَّلُكُم كَالبَرقِ قَالَ: قُلتُ: بِأَبِي أَنتَ وَأُمِّي! أَيُّ شَيءٍ كَمَرِّ البَرقِ؟ قَالَ: أَلَم تَرَوا إِلَى البَرقِ كَيفَ يَمُرُّ وَيَرجِعُ فِي طَرفَةِ عَينٍ؟ ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيرِ، وَشَدِّ الرِّجَالِ. تَجرِي بِهِم أَعمَالُهُم، وَنَبِيُّكُم قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ: رَبِّ!\nــ\nيكون شكًّا من بعض الرواة، ويحتمل أن يكون تنويعًا، كأنه - ﵊ - قال: إذا رأى ما بينهما، قدره راءٍ بكذا، وقدّره آخر بكذا، ويصح أن يقال: سلك بها مسلك التخيير، فكأنه قال: قدِّروها إن شئتم بكذا، وإن شئتم بكذا، وإن شئتم بكذا.\nو(قوله: تجري بهم أعمالهم) يعني: أن سرعة مرّهم على الصراط بقدر أعمالهم، ألا تراه كيف قال: حتى تعجِز أعمال العباد، وشدّ الرجال جريهم الشديد، جمع رجل. وعند ابن ماهان الرحال بالحاء المهملة، وكأنه سُميت الراحلة بالرحل ثم جمع، يريد: كجري الرواحل، وفيه بعد.\nوالزحف مشي الضعيف، يقال: زحف الصبي يزحف على الأرض قبل أن يمشي، وزحف البعيرُ إذا أَعيَا فَجَرَّ فِرسِنَه (١). والكلاليب جمع كَلُّوب على فَعُّول، نحو\n_________\n(١) \"فرسنه\": أي: خفّه.","vol":"1","page":439},{"text":"سَلِّم سَلِّم. حَتَّى تَعجِزَ أَعمَالُ العِبَادِ، حَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ فَلا يَستَطِيعُ السَّيرَ إِلا زَحفًا. قَالَ: وَفِي حَافَتَيِ الصِّرَاطِ كَلالِيبُ مُعَلَّقَةٌ، مَأمُورَةٌ بِأَخذِ مَن أُمِرَت بِهِ. فَمَخدُوشٌ نَاجٍ وَمَكردسٌ فِي النَّارِ. وَالَّذِي نَفسُ أَبِي هُرَيرَةَ بِيَدِهِ! إِنَّ قَعرَ جَهَنَّمَ لَسَبعينَ خَرِيفًا.\nورُويَ أيضًا عَن حُذيفَة.\nرواه مسلم (١٩٥) عن أبي هريرة وعن حذيفة ﵄.\n* * *\nــ\nسَفُّود، وهي التي سمّاها فيما تقدم خطاطيف ومكردس بمعنى: مكدوس، يقال: كردس الرجل خَيلَهُ إذا جمعها كراديس؛ أي: قطعًا كبارًا. ويحتمل أن يكون معناه المكسور فقار الظهر. ويحتمل أن يكون من الكردسة، وهو الوثاق، يقال: كُردِسَ الرجلُ، جُمعت يداه ورجلاه، حكاه الجوهري.\nو(قوله: لسبعين خريفًا) تفسيره في الحديث الآخر؛ إذ قال: إن الصخرة العظيمة لتلقى في شفير جهنّم، فتهوي فيها سبعين عامًا (١). والخريف أحد فصول السنة، وهو الذي تخترف (٢) فيه الثمار، والعرب تذكره كما تذكر المساناة والمشاهرة، يقال: عاملته مُخَارَفَةً؛ أي: إلى الخريف. والأجود رفع لسبعون على الخبر، وبعضهم يرويه: لسبعين يتأوّل فيه الظرف، وفيه بعد.\n* * *\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٥٧٨) من حديث عتبة بن غزوان ﵁.\n(٢) \"تُخترف\": تُجنى وتقطف.","vol":"1","page":440},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>(٦١) باب شفاعة النبي - ﷺ - لمن أدخل النار من الموحدين</span>\n[١٤٨] عَن مَعبَدِ بنِ هِلالٍ العَنَزِيُّ؛ قَالَ: انطَلَقنَا إِلَى أَنَسِ بنِ مَالِكٍ وَتَشَفَّعنَا بِثَابِتٍ. فَانتَهَينَا إِلَيهِ وهو يُصَلِّي الضُّحَى. فَاستَأذَنَ لَنَا ثَابِتٌ. فَدَخَلنَا عَلَيهِ، وَأَجلَسَ ثَابِتًا مَعَهُ عَلَى سَرِيرِهِ. فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا حَمزَةَ! إِنَّ إِخوَانَكَ مِن أهل البَصرَةِ يَسأَلُونَكَ أَن تُحَدِّثَهُم حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ. فَقَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - ﷺ - قَالَ: إِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ، مَاجَ النَّاسُ بَعضُهُم إِلَى بَعضٍ، فَيَأتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ لَهُ: اشفَع لِذُرِّيَّتِكَ. فَيَقُولُ: لَستُ لَهَا، وَلَكِن عَلَيكُم بِإِبرَاهِيمَ، فَإِنَّهُ خَلِيلُ اللهِ. فَيَأتُونَ إِبرَاهِيمَ، فَيَقُولُ: لَستُ لَهَا، وَلَكِن عَلَيكُم بِمُوسَى، فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللهِ. فَيُؤتَى مُوسَى، فَيَقُولُ: لَستُ لَهَا، وَلَكِن عَلَيكُم بِعِيسَى، فَإِنَّهُ رُوحُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ، فَيُؤتَى عِيسَى، فَيَقُولُ: لَستُ لَهَا، وَلَكِن عَلَيكُم بِمُحَمَّدٍ - ﷺ - فَأُوتَى فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا. فأَنطَلِقُ فَأَستَأذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤذَنُ لِي، فَأَقُومُ بَينَ يَدَيهِ، فَأَحمَدُهُ بِمَحَامِدَ لا أَقدِرُ عَلَيهِ الآنَ يُلهِمُنِيهِ اللهُ، ثُمَّ أَخِرُّ له سَاجِدًا. فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ! ارفَع رَأسَكَ، قُل يُسمَع لَكَ، وَسَل تُعطَه، وَاشفَع تُشَفَّع. فَأَقُولُ: يَا رَبِّ! أُمَّتِي. أُمَّتِي، فَيُقَالُ: انطَلِق فَمَن كَانَ فِي قَلبِهِ مِثقَالُ حَبَّةٍ مِن بُرَّةٍ أو شَعِيرَةٍ مِن إِيمَانٍ فَأَخرِجهُ مِنهَا. فَأَنطَلِقُ\nــ\n(٦١) ومن باب شفاعة النبي - ﷺ - لمن أد ل النار من الموحدين\n(قوله: فيقال: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبةٍ من برّة أو شعيرة من إيمان فأخرجه منها إلى أن قال: أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان) اختلف الناس في هذا الإيمان المقدّر بهذه المقادير، فمنهم من قال: هو اليقين، ورأى أنّ العلم يصحّ أن يقال فيه: إنه يزيد باعتبار توالي أمثاله على قلب المؤمن، وباعتبار دوام حضوره، وأنّه ينقص بتوالي الغفلات على قلب المؤمن.","vol":"1","page":441},{"text":"فَأَفعَلُ. ثُمَّ أَرجِعُ إِلَى رَبِّي فَأَحمَدُهُ بِتِلكَ المَحَامِدِ ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا. فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ! ارفَع رَأسَكَ، وَقُل يُسمَع لَكَ، وَسَل تُعطَه، وَاشفَع تُشَفَّع. فَأَقُولُ: أُمَّتِي. أُمَّتِي. فَيُقَالُ لِي انطَلِق فَمَن كَانَ فِي قَلبِهِ مِثقَالُ حَبَّةٍ مِن خَردَلٍ مِن إِيمَانٍ فَأَخرِجهُ مِنهَا. فَأَنطَلِقُ فَأَفعَلُ. ثُمَّ أَعُودُ إِلَى رَبِّي فَأَحمَدُهُ بِتِلكَ المَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا. فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ! ارفَع رَأسَكَ، وَقُل يُسمَع لَكَ، وَسَل تُعطَه، وَاشفَع تُشَفَّع، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ! أُمَّتِي. أُمَّتِي. فَيُقَالُ لِي: انطَلِق فَمَن كَانَ فِي قَلبِهِ أَدنَى أَدنَى أَدنَى مِن مِثقَالِ حَبَّةٍ مِن خَردَلٍ مِن إِيمَانٍ فَأَخرِجهُ مِنَ النَّارِ. فَأَنطَلِقُ فَأَفعَلُ.\nــ\nوهذا معقول، غير أنّ حملَ هذا الحديث عليه فيه بعدٌ؛ لما جاء من حديث أبي سعيد (١)، حيث قال الشافعون: لم نذر فيها خيرًا؛ مع أنه تعالى مخرج بعد ذلك جموعًا كثيرة ممن يقول: لا إله إلا الله وهم مؤمنون قطعًا، ولو لم يكونوا مؤمنين، لما خرجوا بوجهٍ من الوجوه، ولذلك قال تعالى: لأُخرّجن من قال لا إله إلا الله. وعن إخراج هؤلاء عبّر بقوله: فيقبض قبضةً فيخرج قومًا لم يعملوا خيرًا قط، فإذًا الأصحّ في تأويل هذا الحديث أن يكون الإيمان هنا أطلق على أعمال القلوب، كالنية والإخلاص والخوف والنصيحة وشبه ذلك من أعمال القلوب (٢)، وسمّاها إيمانًا؛ لكونها في محل الإيمان أو عن الإيمان، على عادة العرب في تسمية الشيء باسم الشيء إذا جاوره، أو كان منه بسبب. وإنما قلنا: أراد به أعمال القلوب هنا دون أعمال الأبدان، لقوله: من كان في قلبه ووجدتم في قلبه فخصّه بالقلب، ولا جائز أن يكون التصديق على ما تقدّم، فتعيّن ما قلناه، والله أعلم. وذكر الحبّة ونصفها والمثقال ونصفه وأدنى من ذلك، هي كلها عبارات عن كثرة تلك الأعمال وقلتها.\n_________\n(١) حديثُ أبي سعيد يأتي برقم (١٤٩).\n(٢) ساقط من (م).","vol":"1","page":442},{"text":"هَذَا حَدِيثُ مَعبَد عَن أَنَسٍ، وَزَادَ الحَسَنِ عَنهُ: ثُمَّ أَرجِعُ إِلَى رَبِّي فِي الرَّابِعَةِ، فَأَحمَدُهُ بِتِلكَ المَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ! ارفَع رَأسَكَ، وَقُل يُسمَع لَكَ، وَسَل تُعطَ، وَاشفَع تُشَفَّع، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ! ائذَن لِي فِيمَن قَالَ: لا إِلهَ إِلا اللهُ. قَالَ: لَيسَ ذَاكَ لَكَ - أو قَالَ: لَيسَ ذاكَ إِلَيكَ - وَلَكِن وَعِزَّتِي! وَكِبرِيَائِي! وَعَظَمَتِي! وَجِبرِيَائِي! لأُخرِجَنَّ مَن قَالَ: لا إِلهَ إِلا اللهُ.\nرواه البخاري (٧٥١٠)، ومسلم (١٩٣).\n* * *\nــ\nو(قوله: وعزتي وكبريائي وعظمتي) العزّة: القوة والغلبة، ومنه: وَعَزَّنِي فِي الخِطَابِ؛ أي: غلبني، ويقال أيضًا: عزَّ الشيء إذا قلّ، فلا يكاد يوجد مثله، يعِزّ عِزًّا وعزازة، وعزّ يعِزُّ عزَّةً، إذا صار قويًّا بعد ضعف وذلَّةً، فعزّة الله تعالى قهره للجبابرة وقوَّته الباهرة، وهو مع ذلك عديم المثل والنظير: لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ.\nوأما الكبرياء والكِبر، فكلاهما مصدر كَبر في نفسه يكبر، وأصله من كِبَر السن أو كِبَر الجرم، لكن صار ذلك بحكم عُرف الاستعمال عبارة عن حصول كمال الذات يستلزم ترفيعا لها على الغير. ومن هاهنا كان الكبر قبيحًا ممنوعًا في حقنا، واجبًا في حق الله تعالى. وبيانه: أنَّ الكمال الحقيقيَّ المطلق لا يصحّ إلا لله تعالى، وكمال غيره إنما هو عرض نسبيّ، فإذا وصَف الحقُ نفسَه بالكِبَر ونسبه إليه، كانت النسبة حقيقةً في حقه؛ إذ لا أكملَ منه ولا أرفعَ، فكلّ كاملٍ ناقص، وكل رفيع محتقر بالنسبة إلى كماله وجلاله. والعظمة بمعنى الكبرياء، غير أنها لا تستدعي غيرًا يُتَعاظم عليه كما يستدعيه الكِبر على ما بيّنا، وأيضًا فقد يُستعمل الكبير فيما لا يُستعمل فيه العظيم، فيقال: فلان كبير السنِّ، ولا يقال: عظيم السن.\nو(قوله: وجِبريائي بكسر الجيم، فمعناه: بجبروتي، والجبّار: العظيم","vol":"1","page":443},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>(٦٢) باب شفاعة الملائكة والنبيين والمؤمنين</span>\n[١٤٩] عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ؛ أَنَّ نَاسًا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالُوا: يَا رسولَ الله! هَل نَرَى رَبَّنَا يَومَ القِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: نَعَم قَالَ: هَل تُضَارُّونَ فِي رُؤيَةِ الشَّمسِ بِالظَّهِيرَةِ صَحوًا لَيسَ مَعَهَا سَحَابٌ؟ وَهَل تُضَارُّونَ فِي رُؤيَةِ القَمَرِ لَيلَةَ البَدرِ صَحوًا لَيسَ فِيهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لا. يَا رسولَ الله! قَالَ: مَا تُضَارُّونَ فِي رُؤيَةِ اللهِ يَومَ القِيَامَةِ إِلا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤيَةِ أَحَدِهِمَا. إِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ: لِيَتَّبِع كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَت تَعبُدُ. فَلا يَبقَى أَحَدٌ كَانَ يَعبُدُ غَيرَ اللهِ مِنَ الأَصنَامِ وَالأَنصَابِ، إِلا يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ. حَتَّى إِذَا لَم يَبقَ إِلا مَن كَانَ يَعبُدُ اللهَ مِن بَرٍّ وَفَاجِرٍ،\nــ\nالشأن الممتنع على من يرومه، ومنه نخلة جبّارة إذا فاقت الأيدي طولا، يقال منه. جبّار بيِّن الجبرية والجبروت، ولم يأت فعّال من أفعلت إلا جبَّار من أجبرت، ودرّاك وسآر. والجبروت أيضًا للمبالغة بزيادة التاء، مثل مَلَكُوت ورَحَمُوت ورَهَبوت من الملك والرحمة والرهبة.\nوجاء جبريائي هنا لمطابقة كبريائي، كما قالوا. هو يأتينا بالغدايا والعشايا. وقيل في معنى الجبّار؛ أي: المصلح، من قولهم: جبرت العظم، وذلك أنه تعالى يجبر القلوب المنكسرة من أجله، ويرحم عباده، ويسدّ خلاتهم.\n(٦٢) ومن باب شفاعة الملائكة\n(قوله: أذَّن مؤذِّنٌ) أي: نادَى منادٍ برفيع صوته؛ كي يعلم أهل الموقف. والأنصاب: جمع نَصب بفتح النون، وهو ما ينصِبَ من حجارة أو غيرها ليُعبد","vol":"1","page":444},{"text":"وَغُبَّرِ أهل الكِتَابِ. فُيدعَى اليَهُودُ فَيُقَالُ لَهُم: مَا كُنتُم تَعبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعبُدُ عُزَيرَ ابنَ اللهِ. فَيُقَالُ: كَذَبتُم، مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن صَاحِبَةٍ وَلا وَلَدٍ. فَمَاذَا تَبغُونَ؟ قَالُوا: عَطِشنَا، يَا رَبَّنَا! فَاسقِنَا. فَيُشَارُ إِلَيهِم: أَلا تَرِدُونَ؟ فَيُحشَرُونَ إِلَى النَّارِ كَأَنَّهَا سَرَابٌ، يَحطِمُ بَعضُهَا بَعضًا، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ. ثُمَّ يُدعَى النَّصَارَى. فَيُقَالُ لَهُم: مَا كُنتُم تَعبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعبُدُ المَسِيحَ ابنَ اللهِ. فَيُقَالُ لَهُم: كَذَبتُم، مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن صَاحِبَةٍ وَلا وَلَدٍ، فَيُقَالُ لَهُم: مَاذَا تَبغُونَ؟ فَيَقُولُونَ: عَطِشنَا، يَا رَبَّنَا! فَاسقِنَا. قَالَ: فَيُشَارُ إِلَيهِم: أَلا ترِدُونَ؟ فَيُحشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ كَأَنَّهَا سَرَابٌ، يَحطِمُ بَعضُهَا بَعضًا،\nــ\nمن دون الله تعالى، والأصنام: جمع صَنَم، وهو ما كان مصورًا اتُّخِذَ ليعبد. ويقال عليه: وَثَنٌ وأوثان.\nو(قوله: وغُبَّرِ أهل الكتاب) يعني: بقاياهم، وهو من غَبَر الشيء إذا بقي، ويقال أيضًا بمعنى: بعد وذهب، وهو من الأضداد، وقد جاء الأمران في كتاب الله تعالى. وعزير رجل من بني إسرائيل قيل: إنه لما حرّق بختنصّر التوراة وقتل القائمين بها والحافظين لها، قذفها الله تعالى في قلبه فقرأها عليهم، فقالت جهلة اليهود عنه: إنه ابن الله. وتبغون تطلبون. قال:\nأنشدوا الباغي يحب الوجدان (١)\nوالسراب ما تراه نصف النهار وكأنه ماءٌ. ويحطم بعضها بعضًا أي: يركب بعضها على بعض ويكثر بعضها على بعض، كما يفعل البحر إذا هاج.\nو(قوله: فيشار إليهم ألا ترِدون) لما ظنّوا أنه ماء أُسمعوا بحسب ما ظنّوا،\n_________\n(١) \"الباغي\": الذي يطلب الشيءَ الضال. والوجدان: الاهتداء إلى الضالة ووجودها.\nأي: أعْلِنُوا عن الشيء الضائع، فإنَّ الطالبَ له مُتلهِّفٌ إلى لقياه.","vol":"1","page":445},{"text":"فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ. حَتَّى إِذَا لَم يَبقَ إِلا مَن كَانَ يَعبُدُ اللهَ مِن بَرٍّ وَفَاجِرٍ، أَتَاهُم رَبُّ العَالَمِينَ فِي أَدنَى صُورَةٍ مِنِ الَّتِي رَأَوهُ فِيهَا. قَالَ: فَمَا تَنتَظِرُونَ؟ تَتبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَت تَعبُدُ. قَالُوا: يَا رَبَّنَا! فَارَقنَا النَّاسَ فِي الدُّنيَا أَفقَرَ مَا كُنَّا إِلَيهِم وَلَم نُصَاحِبهُم، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُم. فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنكَ.\nــ\nفإن الورود إنما يقال لمن قصد إلى الماء ليشرب. ويحشرون يساقون مجموعين.\nو(قوله: حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من برّ وفاجر) يعبد الله يوحده ويتذلل له. والبر ذو البر، وهو فِعل الطاعات والخير، والفجور عكسه.\nو(قوله: أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها) إتيان الله تعالى هنا هو عبارة عن إقباله عليهم وتكليمه إياهم، وأدنى بمعنى: أقرب، والصورة بمعنى: الصفة، ورأوه بمعنى (١): أبصروا غضبه.\nومعنى ذلك أنّهم لما طال عليهم قيامُهم في ذلك المقام العظيم الكرب (٢) الشديد الخوف الذي يقول فيه كل واحد من الرسل الكرام: إن ربي قد غضب غضبا لم يغضب قبله مثله، ولم يغضب بعده مثله، هالهم ذلك، وكأنهم يئسوا من انجلاء ذلك. فلمّا كشف الله عنهم ذلك، وأقبل عليهم بفضله ورحمته وكلّمهم، رأوا من صفات لطفه ومن كرمه ما هو أقرب مما رأوه أولًا من غضبه وأخذه، وإلا فهذا أول مقام كلّمهم الله فيه مشافهةً، وأرى من أراد منهم وجهَه الكريمَ، إن قلنا: إنَّ المؤمنين رأوه في هذا المقام، وقد اختلف فيه، ولم يكن تقدّم لهم قبل ذلك سماع ولا رؤية، فتعيّن ما قلناه، والله أعلم.\nو(قوله: قالوا: يا ربّنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم) الصحيح\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) في (ع): الكريم.","vol":"1","page":446},{"text":"لا نُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا - مَرَّتَينِ أو ثَلاثًا - حَتَّى إِنَّ بَعضَهُم لَيَكَادُ أَن يَنقَلِبَ. فَيَقُولُ: هَل بَينَكُم وَبَينَهُ آيَةٌ فَتَعرِفُونَهُ بِهَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَم. فَيُكشَفُ عَن سَاقٍ، فَلا يَبقَى مَن كَانَ يَسجُدُ لِلَّهِ مِن تِلقَاءِ نَفسِهِ إِلا أَذِنَ اللهُ لَهُ بِالسُّجُودِ، وَلا يَبقَى مَن كَانَ يَسجُدُ اتِّقَاءً وَرِيَاءً إِلا جَعَلَ اللهُ ظَهرَهُ طَبَقَةً وَاحِدَةً، كُلَّمَا أَرَادَ أَن يَسجُدَ خَرَّ عَلَى قَفَاهُ. ثُمَّ يَرفَعُونَ رُءُوسَهُم، وَقَد تَحَوَّلَ فِي صُورَته الَّتِي رَأَوهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ. فَيقَول: أَنَا رَبُّكُم. فَيَقُولُونَ: أَنتَ رَبُّنَا. ثُمَّ يُضرَبُ الجِسرُ عَلَى جَهَنَّمَ، وَتَحِلُّ الشَّفَاعَةُ. وَيَقُولُونَ: اللهُمَّ! سَلِّم. سَلِّم. قِيلَ: يَا رسولَ الله! وَمَا الجِسرُ؟ قَالَ: دَحضٌ مَزِلَّةٌ. فِيها خَطَاطِيفُ وَكَلالِيبُ، وَحَسَكٌ، تَكُونُ بِنَجدٍ فِيهَا شُوَيكَةٌ، يُقَالُ لَهَا السَّعدَانُ. فَيَمُرُّ المُؤمِنُونَ كَطَرفِ العَينِ وَكَالبَرقِ وَكَالرِّيحِ وَكَالطَّيرِ وَكَأَجَاوِيدِ الخَيلِ وَالرِّكَابِ. فَنَاجٍ\nــ\nمن الرواية: فَارَقنا ساكنة القاف، والناسَ منصوب على مفعول فارقنا، وهو جواب الموحدّين لمّا قيل: لِتَتَّبِع كلُّ أمَّة ما كانت تعبد، ومعناه. إنا فارقنا الناس في معبوداتهم ولم نصاحبهم على شيء منها؛ اكتفاءً بعبادتك ومُعاداةً فيك، ونحن على حال حاجة شديدة إليهم وإلى صحبتهم؛ إذ قد كانوا أهلا وعشيرة ومخالطين ومُعاملين، ومع ذلك ففارقناهم فيك وخالفناهم؛ إذ خالفوا أمرك، فليس لنا معبود ولا متبوع سواك.\nوكان هذا القول يصدر من المحق والمتشبه، فحينئذ تظهر لهم صورةٌ تقول: أنا ربكم امتحانًا واختبارًا، فيثبت المؤمنون العارفون ويتعوّذون، ويرتاب المنافقون والشاكون. ثم يؤمر الكل بالسجود على ما تقدم، وقد تقدم القول على مشكلات هذا الحديث في حديث أبي هريرة المتقدم (١).\nو(قوله: كأجاويد الخيل والركاب) هي سراعها، وهو جمع جياد، فهو\n_________\n(١) حديث أبي هريرة سبق برقم (١٤٦).","vol":"1","page":447},{"text":"مُسَلَّمٌ، وَمَخدُوشٌ مُرسَلٌ، وَمَكدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ. حَتَّى إِذَا خَلَصَ المُؤمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَوَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، مَا مِنكُم مِن أَحَدٍ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً لِلَّهِ، فِي استِقصاءِ الحَقِّ، مِنَ المُؤمِنِينَ لِلَّهِ يَومَ القِيَامَةِ لإِخوَانِهِمِ الَّذِينَ فِي النَّارِ. يَقُولُونَ: رَبَّنَا! كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا وَيُصَلُّونَ وَيَحُجُّونَ. فَيُقَالُ لَهُم: أَخرِجُوا مَن عَرَفتُم، فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُم عَلَى النَّارِ، فَيُخرِجُونَ خَلقًا كَثِيرًا. قَد أَخَذَتِ\nــ\nجمع الجمع. والركاب الإبل، ومخدوش مرسل، يعني تأخذ منه الخطاطيف حتى تقطع لحمه ثم يُخلّى، وبعد ذلك ينجو.\nو(قوله: ومكدوسٌ في نار جهنم) روايتنا فيه (١) بالسين المهملة، وروي عن العذري بالشين المثلثة (٢). ووقع في بعض نسخ كتاب مسلم: مكردس بدل مكدوس، وهي الثابتة في حديث أنس المتقدم (٣)، وقد ذكر تفسيرها فيه. والكدس بالمهملة: إسراع المُثقل في السير، يقال: تكدّس الفرس؛ إذا مشى كأنه مثقل. والكُدسُ بضم الكاف واحد أكداس الطعام. ويحتمل أن يؤخذ المكدوس من كلّ واحد منهما. وأما الشين المعجمة، فالكَدش الخدش، عن الأصمعي، وهو أيضًا السوق الشديد، وكلاهما يصحّ حملُ هذه الرواية عليه.\nو(قوله: فتحرم صورهم على النار) يعني صور المخرجين. وهذا كما قال فيما تقدم: حرّم الله تعالى على النار أن تأكل أثر السجود (٤)، وآثار السجود تكون في أعضائه السبعة ولا يقال، فقد قال عقيب هذا: فيخرجون خلقًا كثيرًا قد\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) في (ل): المعجمة.\n(٣) حديث أنس سبق برقم (١٤٨)، وليس فيه (مكردس) بل هي في حديث أبي هريرة رقم (١٤٧).\n(٤) سبق تخريجه برقم (١٤٥) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":448},{"text":"النَّارُ إِلَى نِصفِ سَاقَيهِ وَإِلَى رُكبَتَيهِ، يَقُولُونَ: رَبَّنَا! مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّن أَمَرتَنَا بِهِ. فَيَقُولُ جَلَّ وَعَزَّ: ارجِعُوا. فَمَن وَجَدتُم فِي قَلبِهِ مِثقَالَ دِينَارٍ مِن خَيرٍ فَأَخرِجُوهُ. فَيُخرِجُونَ خَلقًا كَثِيرًا. ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا! لَم نَذَر فِيهَا أَحَدًا مِمَّن أَمَرتَنَا. ثُمَّ يَقُولُ: ارجِعُوا. فَمَن وَجَدتُم فِي قَلبِهِ مِثقَالَ نِصفِ دِينَارٍ مِن خَيرٍ فَأَخرِجُوهُ. فَيُخرِجُونَ خَلقًا كَثِيرًا. ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا! لَم نَذَر فِيهَا مِمَّن أَمَرتَنَا أَحَدًا. ثُمَّ يَقُولُ: ارجِعُوا. فَمَن وَجَدتُم فِي قَلبِهِ مِثقَالَ ذَرَّةٍ مِن خَيرٍ فَأَخرِجُوهُ. فَيُخرِجُونَ خَلقًا كَثِيرًا. ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا! لَم نَذَر فِيهَا خَيرًا.\nوَكَانَ أبو سَعِيدٍ يَقُولُ: إِن لَم تُصَدِّقُونِي بِهَذَا الحَدِيثِ فَاقرَءُوا إِن شِئتُم: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظلِمُ مِثقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفهَا وَيُؤتِ مِن لَدُنهُ أَجرًا عَظِيمًا. فيَقُولُ اللهُ تَعَالىَ: شَفَعَتِ المَلائِكَةُ، وَشَفَعَ\nــ\nأخذت النار إلى أنصاف ساقيه وإلى ركبتيه. وهذا ينصّ على أنّ النار قد أخذت بعض أعضاء السجود، لأنَّا نقول: تأخذ فتغيّر ولا تأكل فتُذهب. ولا يبعد أن يقال: إنّ تحريم الصور على النار إنما يكون في حق هذه الطائفة المشفوع لهم أولًا؛ لعلو رتبتهم على من يخرج بعدهم، فتكون النار لم تقرب صُورهم ولا وجوههم بالتغيير ولا الأكل، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: مثقال ذَرّة) كذا صحّت روايتنا فيه بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء، وهي الصغيرة من النمل، ولم يختلف أنه كذلك في هذا الحديث. وقد صحّفه شعبة في حديث أنس، فقال: ذُرَة، بضم الذال وتخفيف الراء. على ما قيّده أبو علي الصدفي والسمرقندي، وفيما قيّده العُذري والخشني. دُرّة، بالدال المهملة وتشديد الراء واحدة الدُّر، وهو تصحيف التصحيف. وقول أبي سعيد: إن لم تصدّقوني فاقرؤوا، ليس على معنى أنهم اتهموه، وإنما كان منه على معنى التأكيد والعضد.","vol":"1","page":449},{"text":"النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ المُؤمِنُونَ، وَلَم يَبقَ إِلا أَرحَمُ الرَّاحِمِينَ. فَيَقبِضُ قَبضَةً مِنَ النَّارِ فَيُخرِجُ مِنهَا قَومًا لَم يَعمَلُوا خَيرًا قَطُّ، قَد عَادُوا حُمَمًا. فَيُلقِيهِم فِي نَهَرٍ فِي أَفوَاهِ الجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ نَهَرُ الحَيَاةِ، فَيَخرُجُونَ كَمَا تَخرُجُ الحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيلِ، أَلا تَرَونَهَا تَكُونُ إِلَى الحَجَرِ أو إِلَى الشَّجَرِ، مَا يَكُونُ إِلَى الشَّمسِ أُصَيفِرُ وَأُخَيضِرُ، وَمَا يَكُونُ مِنهَا إِلَى الظِّلِّ يَكُونُ أَبيَضَ؟ فَقَالُوا: يَا رسولَ الله! كَأَنَّكَ كُنتَ تَرعَى بِالبَادِيَةِ. قَالَ: فَيَخرُجُونَ كَاللُّؤلُؤِ، فِي رِقَابِهِمُ الخَوَاتِمُ، يَعرِفُهُم أَهلُ الجَنَّةِ، هَؤُلاءِ عُتَقَاءُ اللهِ، الَّذِينَ أَدخَلَهُمُ اللهُ الجَنَّةَ بِغَيرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ وَلا خَيرٍ قَدَّمُوهُ. ثُمَّ يَقُولُ: ادخُلُوا الجَنَّةَ فَمَا رَأَيتُمُوهُ فهو لَكُم. فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا أَعطَيتَنَا مَا لَم تُعطِ أَحَدًا مِنَ العَالَمِينَ.\nــ\nو(قوله: فيقبض قبضة) يعني: يجمع جماعة فيخرجهم دفعة واحدة بغير شفاعة أحد ولا ترتيب خروج، بل كما يُلقي القابض الشيء المقبوض عليه من يده في مرة واحدة.\nو(قوله: قد عادوا حُمَمًا) أي: صاروا، وليس على أصل العود الذي هو الرجوع إلى الحال الأولى، بل هذا مثل قوله تعالى: أَو لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا؛ أي: لتصيرن إليها، فإن الأنبياء لم يكونوا قط على الكفر، وكما قال الشاعر:\nتلك المكارم لا قَعبان من لبنٍ ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا (١)\nوالحمم: الفحم، واحدها: حممة.\nو(قوله: في رقابهم الخواتم) أي: الطوابع والعلامات التي بها يُعرفون.\n_________\n(١) البيت للشاعر أمية بن أبي الصَّلت. (الشعر والشعراء ص ٤٦٢).","vol":"1","page":450},{"text":"فَيقولُ: لَكُم عِندِي أَفضَلُ مِن هَذَا. فَيَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا! أَيُّ شَيءٍ أَفضَلُ مِن هَذَا؟ فَيَقُولُ: رِضَاي: فَلا أَسخَطُ عَلَيكُم بَعدَهُ أَبَدًا.\nوَفِي رِوَايَةٍ؛ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: بَلَغَنِي أَنَّ الجِسرَ أَدَقُّ مِنَ الشَّعر وَأَحَدُّ مِنَ السَّيفِ.\nرواه أحمد (٣/ ١٦)، والبخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣)، والنسائي (٨/ ١١٢ - ١١٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>(٦٣) باب كيفية عذاب من يعذب من الموحدين وكيفية خروجهم من النار</span>\n[١٥٠] عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيّ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أَمَّا أَهلُ النَّارِ الَّذِينَ هُم أهلُهَا، فَإِنَّهُم لا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلا يَحيَونَ. وَلَكِن نَاسٌ أَصَابَتهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِم - أو قَالَ: بِخَطَايَاهُم - فَأَمَاتَهُم إِمَاتَةً. حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحمًا، أذِنَ بالشَّفَاعَةِ فَجِيءَ بِهِم ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ، فَبُثُّوا عَلَى أَنهَارِ الجَنَّةِ، ثُمَّ\nــ\n(٦٣) ومن باب كيفية عذاب من يعذَّب من الموحّدين (١)\n(قوله: ضبائر ضبائر) قال الهروي: جمع ضِبارة بكسر الضاد، مثل عِمارة وعمائر، وهي الجماعة من الناس، يقال: رأيتهم ضبائر؛ أي: جماعات في تَفرِقَة. وقال غيره (٢): الصواب أضابر جمع إضبارة. وفي الصحاح: الإضبارة\n_________\n(١) في (ع): المؤمنين.\n(٢) في (ع): بعضهم.","vol":"1","page":451},{"text":"قِيلَ: يَا أَهل الجَنَّةِ! أَفِيضُوا عَلَيهِم. فَيَنبُتُونَ نَبَاتَ الحِبَّةِ تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيلِ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَومِ: كَأَنَّ رسولَ الله - ﷺ - قَد كَانَ بِالبَادِيَةِ.\nرواه أحمد (٣/ ٥ و١١)، ومسلم (١٨٥)، وابن ماجه (٤٣٠٩).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>(٦٤) باب النبي - ﷺ - أكثر الأنبياء أتباعًا وأولهم تفتح له الجنة، وأولهم شفاعة، واختباء دعوته شفاعة لأمته</span>\n[١٥١] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ يَشفَعُ فِي الجَنَّةِ، وَأَنَا أَكثَرُ الأَنبِيَاءِ تَبَعًا يَومَ القِيَامَةِ، وَأَنَا أَوَّلُ مَن يَقرَعُ بَابَ الجَنَّةِ.\nــ\nبالكسر الإضمامة، يقال: جاء فلان بإضبارةٍ من كتبٍ، وهي الأضابير، قال: والضَّبرُ الجماعة من الناس يغزُون، وضَبَرَ الفرسُ، إذا جمع قوائمه ووثب. وبُثّوا فرّقوا.\nوهذا الحديث ردّ على الخوارج والمعتزلة، حيث حكموا بخلود أهل الكبائر في النار، وأنّهم لا يخرجون منها أبدًا، وقد تقدم الكلام على الحبة.\n(٦٤) ومن باب قوله: أنا أوّل الناس يشفع في الجنّة\nأي: في دخول الجنّة قبل الناس، ويدلّ عليه قوله: وأنا أوّل من يقرع باب الجنّة، وقول الخازن: بك أُمِرتُ لا أفتح لأحدٍ قبلك، وقوله في حديث آخر: فأنطلقُ معي برجالٍ فأدخلهم الجنّة وهذه إحدى شفاعاته المتقدِّمة الذكر.\nوقوله","vol":"1","page":452},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَا أَوَّلُ شَفِيعٍ فِي الجَنَّةِ، لَم يُصَدَّق نَبِيٌّ مِنَ الأَنبِيَاءِ مَا صُدِّقتُ، وَإِنَّ مِنَ الأَنبِيَاءِ نَبِيًّا مَا يُصَدِّقُهُ مِن أُمَّتِهِ إِلا رَجُلٌ وَاحِدٌ.\nرواه البخاري (٦٣٠٥)، ومسلم (١٩٦).\n[١٥٢] وَعَنهُ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: آتِي بَابَ الجَنَّةِ يَومَ القِيَامَةِ، فَأَستَفتِحُ، فَيَقُولُ الخَازِنُ: مَن أَنتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ. فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرتُ لا أَفتَحُ لأَحَدٍ قَبلَكَ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٦)، ومسلم (١٩٧).\n[١٥٣] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعوَةٌ مُستَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعوَتَهُ، وَإِنِّي اختَبَأتُ دَعوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَومَ\nــ\nفي الرواية الأخرى: أنا أوّل شفيع في الجنّة يمكن حمله على ما تقدّم، ويحتمل أن يراد به أنّه يشفع في ترفيع منازل بعض أهل الجنّة، والأوّل أظهر.\nو(قوله: لكلّ نبيٍّ دعوة مستجابة) أي: مجابة، والسين زائدة، يقال: أجاب واستجاب، قال: فلم يستجبه عند ذلك مجيبُ. أي: لم يجبه. ومعناه: أنهم ﵈ لهم دعوة في أممهم هم على يقين في إجابتها بما أعلمهم الله تعالى، ثم خيّرهم في تعيينها، وما عداها من دعواتهم يرجون إجابتها، وإلا فكم قد وقع (١) لهم من الدعوات المجابة؟ وخصوصًا نبينا - ﷺ -، فقد دعا لأمته بألا يسلط عليهم عدوا من غيرهم، وألا يهلكهم بسنة عامة فأعطيهما. وقد منع أيضًا بعض ما دعا لهم به؛ إذ قد دعا ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعها، وهذا يحقق ما قلناه من أنّهم في دعواتهم راجون الإجابة، بخلاف هذه الدعوة الواحدة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"1","page":453},{"text":"القِيَامَةِ، فَهِيَ نَائِلَةٌ إِن شَاءَ اللهُ مَن مَاتَ مِن أُمَّتِي لا يُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا.\nرواه أحمد (٢/ ٢٧٥)، والبخاري (٦٣٠٤)، ومسلم (١٩٨)، والترمذي (٣٥٩٧)، وابن ماجه (٤٣٠٧).\n[١٥٤] وَعَن عَبدِ اللهِ بنِ عمرو بنِ العَاصِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تَلا قَولَ اللهِ ﵎ فِي إِبرَاهِيمَ: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضلَلنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ الآيَةَ، وَقَالَ عِيسَى: إِن تُعَذِّبهُم فَإِنَّهُم عِبَادُكَ وَإِن تَغفِر لَهُم فَإِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ فَرَفَعَ يَدَيهِ وَقَالَ: اللهُمَّ! أُمَّتِي. أُمَّتِي وَبَكَى، فَقَالَ اللهُ ﵎: يَا جِبرِيلُ! اذهَب إِلَى مُحَمَّدٍ، وَرَبُّكَ أَعلَمُ، فَسلهُ: مَا يُبكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جبريل فَسَأَلَهُ، فَأَخبَرَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِمَا قَالَ،\nــ\nو(قوله: فهي نائلة إن شاء الله تعالى) نائلة، وأصله من نال الشيء إذا ظفر به، ودخول الاستثناء هنا كدخوله في قوله تعالى: لَتَدخُلُنَّ المَسجِدَ الحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ وسيأتي القول فيه في قوله - ﵊ -: وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون (١) في الطهارة.\nو(قوله: وقال عيسى: إن تعذّبهم) هو مصدر معطوف على قوله: وتلا قول الله. والعرب تقول: قال يقول قولا وقالا وقيلا، فكأنه قال: وتلا قول عيسى (٢). ومعنى هاتين الآيتين أنّ كلَّ واحد من إبراهيم وعيسى لم يَجزِمَا في الدعاء لعصاة أممهما، ولم يُجهدا أنفسهما في ذلك، ولم يكن عندهما من فرط الشفقة ما كان ينبغي لهما. ألا ترى أنهما في الآيتين كأنّهما تبرأا من عصاة أممهما، ولما فهم نبينا - ﷺ - ذلك؛ انبعث بحكم ما يجده من شدة شفقته ورأفته وكثرة حرصه\n_________\n(١) سيأتي برقم (١٨٥).\n(٢) ساقط من (ع).","vol":"1","page":454},{"text":"وهو أَعلَمُ. فَقَالَ اللهُ: يَا جِبرِيلُ! اذهَب إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُل: إِنَّا سَنُرضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلا نَسُوءُكَ.\nرواه مسلم (٢٠٢).\n* * *\nــ\nعلى نجاة أمته، وبحكم ما وهبه الله تعالى من رفعة مقامه على غيره، جازمًا في الدعاء مجتهدًا فيه لهم متضرعًا باكيا مُلحًّا يقول: أمتي أمتي، فعل المحب المستهتر (١) بمحبوبه، الحريص على ما يرضيه، الشفيق عليه، اللطيف به، ثم لم يزل كذلك حتى أجابه الله فيهم، وبشّره بما بشرّه من مآل حالهم، حيث قال له تعالى: إنا سنرضيك في أمتك، وهو معنى قوله تعالى: وَلَسَوفَ يُعطِيكَ رَبُّكَ فَتَرضَى (٢).\nقال بعض العلماء: واللهِ ما يرضى محمد وواحد من أمته في النار. وهذا كلّه يدلّ على أنّ الله تعالى خصّ نبينا - ﷺ - من كرم الخُلق، ومن طيب النفس، ومن مقام الفتوة (٣) بما لم يخص به أحدا غيره، وإليه الإشارة بقوله تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ، وبقوله: لَقَد جَاءَكُم رَسُولٌ مِن أَنفُسِكُم الآية، صلى الله عليه أفضل ما صلى على أحدٍ من خليقته، وجازاه عنّا أفضل ما جازى نبيًّا عن أمته.\nوأمر الله تعالى جبريل بأن يسأل نبينا ﵊ عن سبب بكائه؛ ليعلم جبريل تمكن نبينا في مقام الفتوة، وغاية اعتنائه بأمته - ﷺ -.\n_________\n(١) \"المستهتر\": المولَع.\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٣) \"الفتوة\": حُسْن الخُلُق وبذل المعروف.","vol":"1","page":455},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>(٦٥) باب شفاعة النبي - ﷺ - لعمه في التخفيف عنه</span>\n[١٥٥] عَنِ العَبَّاسَ؛ قَالَ: قُلتُ: يَا رسولَ الله! إِنَّ أَبَا طَالِبٍ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَنصُرُكَ فَهَل نَفَعَهُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَم، وَجَدتُهُ فِي غَمَرَاتٍ مِنَ النَّارِ، فَأَخرَجتُهُ إِلَى ضَحضَاحٍ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: لَولا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّركِ الأَسفَلِ مِنَ النَّارِ.\nرواه أحمد (١/ ٢٠٦ - ٢١٠)، والبخاري (٦٢٠٨)، ومسلم (٢٠٩).\nــ\n(٦٥) ومن باب شفاعة النبي - ﷺ - لعمّه أبي طالب في التخفيف عنه\n(قوله: كان يحوطك) أي: يحفظك. وينصرك: يعينك، والنصرة. العون، تقول العرب: أرض منصورة؛ أي: معانة على إنباتها بالمطر. وقد كان أبو طالب يمنعه ممن يريد به مكروهًا، ويعينه على ما كان بصدده.\nوغَمَرات - بالميم -: جمع غمرة، وهي ما يغطي الإنسان ويغمره، مأخوذ من الماء الغَمر، وهو الكثير. وقد وقع في بعض النسخ غُبّرات، وهو تصحيف ولا معنى للغبرات هنا، والضحضاح: ما رقّ من الماء على وجه الأرض، ومنه قول عمرو في عُمر: أنه جانب غمرتها، ومشى ضحضاحها، وما ابتلّت قدماه، يعني: لم يتعلّق من الدنيا بشيء.\nوالدرك في مراتب التسفل والنزول، كالدرج في مراتب العلو والارتفاع، ويراد به آخر طبق في أسفل النار، وهو أشدّ أطباق جهنّم عذابًا، ولذلك قال تعالى: إِنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّركِ الأَسفَلِ مِنَ النَّارِ وكان أبو طالب يستحق ذلك؛ إذ كان قد عُلِم صدقُ النبي - ﷺ - في جميع حالاته، ولم يخفَ عليه شيءٌ من أموره من مولده إلى حين اكتهاله، ولذلك كان يقول لعلي ابنه: اتَّبِعه، فإنه لا يُرشِدُك إلا إلى خير أو حق أو كما قيل عنه.","vol":"1","page":456},{"text":"[١٥٦] وَعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ؛ أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - ذُكِرَ عِندَهُ عَمُّهُ أبو طَالِبٍ. فَقَالَ: لَعَلَّهُ تَنفَعُهُ شَفَاعَتِي يَومَ القِيَامَةِ، فَيُجعَلُ فِي ضَحضَاحٍ مِن النَارٍ، يَبلُغُ كَعبَيهِ، يَغلِي مِنهُ دِمَاغُهُ.\nرواه أحمد (٣/ ٩ و٥٠)، والبخاري (٣٨٨٥)، ومسلم (٢١٠).\n[١٥٧] وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - قَالَ: أَهوَنُ أهل النَّارِ عَذَابًا أبو طَالِبٍ، وهو مُنتَعِلٌ بِنَعلَينِ يَغلِي مِنهُمَا دِمَاغُهُ.\nرواه أحمد (١/ ٢٩٠)، ومسلم (٢١٢).\nــ\nو(قوله: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة) هذا المترجى في هذا الحديث قد تحقق وقوعه؛ إذ قال النبي - ﷺ -: وجدته في غمراتٍ فأخرجته إلى ضحضاح، فكأنه لما ترجى ذلك أعطيه وحقق له فأخبر به، وهل هذه الشفاعة لبيان قول محقق أو لسان حال؟ اختلف فيه، فإن تنزلنا على أنه حقيقة، وأنه - ﵊ - شفع لأبي طالب بالدعاء والرغبة حتى شُفِّع، عارضه قوله تعالى: فَمَا تَنفَعُهُم شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ وقوله: وَلَا يَشفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارتَضَى وما في معناه.\nوالجواب من أوجه؛ أقربها: أن الشفاعة المنفية إنما هي شفاعةٌ خاصةٌ، وهي التي تخلّص من العذاب. وغاية ما ذكر من المعارضة إنما هي بين خصوصٍ وعموم. ولا تعارُض بينهما؛ إذ البناء والجمع ممكن، وإن تنزّلنا على أنه لسان حال، فيكون معناه. أن أبا طالب لمّا بالغ في إكرام النبي - ﷺ - والذبّ عنه، خُفّف عنه بسبب ذلك ما كان يستحقه بسبب كفره مع ما حصل عنده من معرفته صدق النبي - ﷺ - كما قدمناه.\nولما كان ذلك بسبب وجود النبي - ﷺ - وببركة الحنو عليه؛ نسبه النبي - ﷺ - إلى نفسه. ولا يستبعد إطلاق الشفاعة على مثل هذا المعنى، فقد سلك الشعراء هذا المعنى، فقال بعضهم:\nفي وجهه شافعٌ يمحو إساءته ... إلى القلوب وجيه حيثما شفعا","vol":"1","page":457},{"text":"[١٥٨] وَعَنِ النُّعمَانَ بنَ بَشِيرٍ؛ قَالَ: سَمِعتُ رسولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: إِنَّ أَهوَنَ أهل النَّارِ عَذَابًا يَومَ القِيَامَةِ؛ لَرَجُلٌ تُوضَعُ فِي أَخمَصِ قَدَمَيهِ جَمرَتَانِ، يَغلِي مِنهُمَا دِمَاغُهُ.\nرواه أحمد (٤/ ٢٧١ و٢٧٤)، والبخاري (٦٥٦١ و٦٥٦٢)، ومسلم (٢١٣)، والترمذي (٢٦٠٧).\n* * *\nــ\nوقد يُورَد أيضًا على هذا المعنى، فيقال: هذا إثبات نَفع الكافر في الآخرة بما عمله في الدنيا. وقد نفاه النبي - ﷺ - بقوله في حديث ابن جدعان الآتي: لا ينفعه (١)، وبقوله: وأمّا الكافر، فيُعطى بحسنات ما عمل في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكن له حسنة يجزى بها (٢).\nوالجواب من وجهين؛ أحدهما: ما تقدم في بناء العام على الخاص. والثاني: أنّ المخفّف عنه لَمَّا لم يجد أثرًا لما خُفف عنه، فكأنّه لم ينتفع بذلك. ألا ترى أنه يعتقد (٣) أنّه ليس في النار أشدّ عذابًا منه، مع أنّ عذابه جمرة من جهنّم في أخمصه. وسببه أن القليل من عذاب جهنّم - أعاذنا الله منه (٤) - لا تطيقه الجبال، وخصوصًا عذاب الكافر. وإنما تظهر فائدة التخفيف لغير المعذّب، وأما المعذّب، فمشتغل بما حلّ به؛ إذ لا يخلَّى، ولا بغيره يتسلى، فيصدق عليه أنه لم ينتفع، ولم يحصل له نفع ألبتة، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(١) سيأتي تخريجه برقم (١٥٩).\n(٢) سيأتي تخريجه برقم (١٦١).\n(٣) في (ع): ألا تراه يعتقد.\n(٤) قوله: (أعاذنا الله منه) ساقط من (ع).","vol":"1","page":458},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>(٦٦) باب من لم يؤمن لم ينفعه عمل صالح ولا قربة في الآخرة</span>\n٢١٤ - [١٥٩] عَن عَائِشَةَ؛ قالت: قُلتُ: يَا رسولَ الله! ابنُ جُدعَانَ كَانَ فِي الجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ وَيُطعِمُ المِسكِينَ، فَهَل ذَلكَ نَافِعُهُ؟ قَالَ: لا يَنفَعُهُ إِنَّهُ لَم يَقُل يَومًا: رَبِّ اغفِر لِي خَطِيئَتِي يَومَ الدِّينِ.\nرواه أحمد (٦/ ٩٣ و١٢٠)، ومسلم (٢١٤).\n[١٦٠] وَعَن أَنسٍ؛ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رسولَ الله! أَينَ أَبِي؟ قَالَ: فِي النَّارِ. فَلمَا قَفى دَعَاهُ فَقَالَ: إِنَّ أبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ.\nرواه أحمد (٣/ ١١٩ و١٧٧ و٢٦٨)، ومسلم (٢٠٣)، وأبو داود (٤٧١٨).\nــ\n(٦٦) ومن باب من لم يؤمن لم ينفعه عمل صالح\n(قول عائشة: هل ذلك نافعه؟) معناه: هل ذلك مخلصه من عذاب الله المستحق بالكفر؟ فأجابها بنفي ذلك، وعلله بأنه لم يؤمن. وعبّر عن الإيمان ببعض ما يدلّ عليه وهو قوله: لم يقل: ربِّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين. ويقتبس منه أن كل لفظ يدلّ على الدخول في (١) الإسلام اكتفي به، ولا يلزم من أراد الدخول في الإسلام صيغة مخصوصة مثل كلمتي الشهادة، بل أي شيء دلّ على صحة إيمانه ومجانبة ما كان عليه اكتفي به في الدخول في الإسلام، ولا بد له مع ذلك من النطق بكلمتي الشهادة، فإن النطق بهما واجب مرة في العمر.\n_________\n(١) قوله: (الدخول في) ساقط من (ع).","vol":"1","page":459},{"text":"[١٦١] وَعَنهُ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِنَّ اللهَ لا يَظلِمُ مُؤمِنًا حَسَنَة، يُعطَى بِها فِي الدُنيا ويُجزَى بِها فِي الآخِرةِ. وأَمَّا الكَافِرُ فَيُطعَم بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ للهِ بِها فِي الدُنيَا حَتى إِذا أَفضَى إِلى الآخِرةِ لَم تَكُن لَه حَسَنَةٌ يُجزَى بها.\nرواه أحمد (٣/ ١٢٣ و٢٨٣)، ومسلم (٢٨٠٨).\nــ\nو(قوله: إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنةً) يعني: لا ينقصه ولا يمنعه ثوابها في الدار الآخرة والأولى.\nو(قوله: وأما الكافر، فيطعم بحسنات) هكذا رواه الجماعة، ورواه ابن ماهان: فيعطى بحسنات، وكلاهما صحيح المعنى. وتسمية ما يصدر عن الكافر حسنة، إنما كان بحسب ظنّ الكافر، وإلا فلا تصح منه قربة؛ لعدم شرطها الذي هو الإيمان، أو سميت حسنة؛ لأنها تشبه صورة حسنة المؤمن ظاهرًا. ثمّ هل يعطى الكافر بحسناته في الدنيا ولا بدّ، فحكم هذا الوعد الصادق؟ أو ذلك مقيَّد بمشيئة الله المذكورة في قوله تعالى: مَن كَانَ يُرِيدُ العَاجِلَةَ عَجَّلنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُرِيدُ وهذا هو الصحيح. وأمّا المؤمن، فلا بدّ له من الجزاء الأخرويّ كما قد عُلم من الشريعة.\nو(قوله في الكافر: لم تكن له حسنةٌ يجزى بها) أي: لا يتخلّص من العذاب بسببها، وأمّا التخفيف عنه بسببها، فقد يكون على ما قرّرناه، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: فلمّا قفَّى) أي: ولّى قفاه.\nو(قوله - ﵊ -: إنّ أبي وأباك في النار) جبرٌ للرجل ممّا أصابه، وأحاله على التأسّي حتّى تهون عليه مصيبته بأبيه؛ وذلك لَمَّا حفظ الحرمة، ولم يقل: أين أبوك؟ بخلاف من قال ذلك للنبيّ - ﷺ -، فقال له: حيثما مررتَ بقبر","vol":"1","page":460},{"text":"[١٦٢] وَعَن عمرو بنِ العَاصِ، قَالَ: سَمِعتُ رسولَ الله - ﷺ -، جِهَارًا غَيرَ سِرٍّ، يَقُولُ: أَلا إِنَّ آلَ أَبِي - يَعنِي فُلانًا - لَيسُوا لِي بِأَولِيَاءَ. إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللهُ وَصَالِح المُؤمِنِينَ.\nرواه أحمد (٤/ ٢٠٣)، والبخاري (٥٩٩٠)، ومسلم (٢١٥).\n* * *\nــ\nكافر فبشِّره بالنار، فكان الرجل يفعل ذلك، فشقَّ عليه حتّى قال: لقد كلَّفني رسول الله - ﷺ - شططًا، ذكره النسائيّ (١).\nو(قوله: ألا إنّ آل أبي فلان) كذا للسمرقنديّ، ولغيره: ألا إنّ آل أبي يعني: فلانًا، وفي رواية: فلانٍ على الحكاية، وهذا كناية عن قومٍ معينين كره الراوي تسميتهم؛ لما يُخاف ممّا يقع في نفوس ذراريهم المؤمنين. وقيل: إن المَكنِى عنه: هو الحكم بن أبي العاصي.\nوفائدة الحديث انقطاع الولاية بين المسلم والكافر وإن كان قريبًا حميمًا. وقد وقع في أصل كتاب مسلم موضع فلان أبيض لم يكتب عليه شيء (٢)، وفلان: كناية عن اسم علم كتب في ذلك إصلاحا له (٣).\n_________\n(١) لم يروه النسائي في المجتبى ولا في السنن الكبرى، بل رواه ابن ماجه (١٥٧٣) من حديث عبدالله بن عمر ﵄. وانظر: تحفة الأشراف (٥/ ٣٦٥).\n(٢) ساقط من (ع).\n(٣) أي: كتبت لفظة (فلان) في المكان الأبيض من أصل صحيح مسلم، مَلأً للفراغ وإصلاحًا للكتابة.","vol":"1","page":461},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>(٦٧) باب يدخل الجنة من أمة النبي - ﷺ - سبعون ألفًا بغير حساب</span>\n[١٦٣] عَن حُصَينِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ؛ قَالَ: كُنتُ عِندَ سَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ فَقَالَ: أَيُّكُم رَأَى الكَوكَبَ الَّذِي انقَضَّ البَارِحَةَ؟ قُلتُ: أَنَا. ثُمَّ قُلتُ: أَمَا إِنِّي لَم أَكُن فِي صَلاةٍ، وَلَكِنِّي لُدِغتُ. قَالَ: فَمَاذَا صَنَعتَ؟ قُلتُ: استَرقَيتُ. قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟ قُلتُ: حَدِيثٌ حَدَّثَنَاهُ الشَّعبِيُّ. فقَالَ: وَمَا حَدَّثَكُمُ الشَّعبِيُّ؟ قُلتُ: حَدَّثَنَا عَن بُرَيدَةَ بنِ حُصَيبٍ الأَسلَمِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لا رُقيَةَ إِلا مِن عَينٍ أو حُمَةٍ. فَقَالَ: قَد أَحسَنَ انتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ. وَلَكِن حَدَّثَنَا ابنُ عَبَّاسٍ؛ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنهُ قَالَ: عُرِضَت عَلَيَّ الأُمَمُ، فَرَأَيتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلانِ، وَالنَّبِيَّ لَيسَ مَعَهُ\nــ\n(٦٧) ومن باب كم يدخل الجنّة من أمّة محمد - ﷺ - بغير حساب؟\n(قوله: لا رقيةَ إلاّ من عين أو حُمَة) العين: إصابة العين، والحمة - بضمّ الحاء وفتح الميم مخفَّفة -: حرقة السُمّ ولذعه، وقيل: السُمّ نفسه.\nقال الخطّابيّ: ومعنى ذلك: لا رقيةَ أشفى وأولى من رقية العين والحُمّة. وكان - ﵊ - قد رقي ورقى، وأمر بها وأجازها، وإذا كانت بالقرآن وبأسماء الله تعالى، فهي مباحة أو مأمور بها. وإنّما جاءت الكراهية والمنع فيما كان منها بغير لسان العرب، فإنّه ربّما كان كفرًا أو قولًا يدخله الشرك.\nقال: ويحتمل أن يكون الذي يُكره من الرقية ما كان منها على مذاهب الجاهليّة التي كانوا يتعاطونها، وأنّها تَدفع عنهم الآفات، ويعتقدون أنّ ذلك من قِبَل الجنّ ومعونتهم.","vol":"1","page":462},{"text":"أَحَدٌ. إِذ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَظَنَنتُ أَنَّهُم أُمَّتِي، فَقِيلَ لِي: هَذَا مُوسَى وَقَومُهُ. وَلَكِنِ انظُر إِلَى الأُفُقِ، فَنَظَرتُ، فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ. فَقِيلَ لِي: انظُر إِلَى الأُفُقِ الآخَرِ، فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ. فَقِيلَ لِي: هَذِهِ أُمَّتُكَ، وَمَعَهُم سَبعُونَ أَلفًا يَدخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيرِ حِسَابٍ وَلا عَذَابٍ. ثُمَّ نَهَضَ فَدَخَلَ مَنزِلَهُ، فَخَاضَ النَّاسُ فِي أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيرِ حِسَابٍ وَلا عَذَابٍ، فَقَالَ بَعضُهم: فَلَعَلَّهُمِ الَّذِينَ صَحِبُوا رسولَ الله - ﷺ -. وَقَالَ بَعضُهُم: فَلَعَلَّهُم الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الإِسلامِ وَلَم يُشرِكُوا بِاللهِ، وَذَكَرُوا أَشيَاءَ. فَخَرَجَ عَلَيهِم رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: مَا الَّذِي تَخُوضُونَ فِيهِ؟ فَأَخبَرُوهُ. فَقَالَ: هُمِ الَّذِينَ لا يَرقُونَ، وَلا يَستَرقُونَ، وَلا يَتَطَيَّرُونَ،\nــ\nوقد اختلفت الرواية عن مالك في إجازة رقية أهل الكتاب للمسلم، فأجازها مرّةً إذا رقى بكتاب الله، ومنعها أخرى؛ إذ لا يُدرى ما الذي يرقي به.\nو(قوله: فإذا سواد عظيم) يعني به: أشخاصًا كثيرةً، وجمعه أَسوِدَة، وقد تقدّم.\nو(قوله: هم الذين لا يرقون ولا يستَرقَون ولا يكتوون ولا يتطيّرون) اختلف الناس في معنى هذا الحديث وعلى ماذا يُحمل؟ فحمله الإمام المازَرِيّ - ﵀ - على أنّهم الذين جانبوا اعتقاد الطبائعيّين في أنّ الأدوية تنفع بطباعها واعتقاد الجاهليّة في ذلك ورقاهم. وهذا غير لائق بمساق الحديث ولا بمعناه؛ إذ مقصوده إثبات مزيَّةٍ وخصوصيّةٍ لهؤلاء السبعين ألفًا، وما ذكره يرفع المزيّة والخصوصيّة، فإنّ مجانبة اعتقاد ذلك هو حال المسلمين كافَّةً، ومن لم يجانب اعتقاد ذلك لم يكن مسلمًا. ثمّ إنّ ظاهر لفظ الحديث إنّما هو: لا يرقون ولا يكتوون أي: لا يفعلون هذه الأمور، وما ذكره خروج عنه من غير دليل.\nوقال الداوديّ. المراد بذلك الذين يجتنبون فعله في الصحّة، فإنّه يُكره","vol":"1","page":463},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nلمن ليست به علّة أن يتّخذ التمائم ويستعمل الرقى، فأمّا من يستعمل ذلك في مرضٍ به فهو جائز. وهذا إن صحّ أن يقال في التمائم وفي بعض الرقى، فلا يصحّ أن يقال في التعويذات، وهي من باب الرقى؛ إذ قد يجوز أن يتعوّذ من الشرور كلّها قبل وقوعها. ولا يصح ذلك في التطبب، فإنه يجوز أن يتحرز من الأدواء قبل وقوعها، وأمّا الكيّ، فيأتي القول فيه إن شاء الله تعالى.\nوذهب الخطّابيّ وغيره إلى أنّ وجه ذلك أن يكون تركُها على جهة التوكّل على الله تعالى والرضا بما يقضيه من قضاء وينزل به من بلاء، قال: وهذه أرفع درجات المحقِّقين بالإيمان، قال: وإلى هذا ذهب جماعة من السلف، وسمّاهم. قال القاضي أبو الفضل عياض: وهذا هو ظاهر الحديث؛ ألا ترى قوله: وَعَلَى رَبِّهِم يَتَوَكَّلُونَ ومضمون كلامه أنّه لا فرق بين ما ذكر من الكيّ والرقى وبين سائر أبواب الطبّ.\nوقد ذهب غيره إلى أنّ استعمال الرقى والكيّ قادح في التوكّل بخلاف سائر أنواع الطبّ، فإنّها غير قادحة في التوكّل، وفرّق بين القسمين بأن قال: باب الرقى والكيّ والطِيَرة موهوم (١) فيقدح في التوكل، وما عداها غير موهوم بل محقّق، فيصير كالأكل للغذاء أو الشرب للريّ، فلا يقدح. قال الشيخ: وهذا فاسد من وجهين:\nأحدهما: أنّ أكثرَ أبواب الطبّ موهومة كالكيّ، فلا معنى لتخصيصه بالكيّ والرقى.\nوثانيهما: أنّ الرقى بأسماء الله تعالى هو غاية التوكّل على الله تعالى، فإنّه التجاء إليه، ويتضمّن ذلك رغبته له وتبرّكًا بأسمائه، والتعويل عليه في كشف الضُرّ والبلاء، فإن كان هذا قادحًا في التوكّل، فليكن الدعاء والأذكار قادحا في\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"1","page":464},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالتوكّل، ولا قائل به، وكيف يكون ذلك؟ وقد رقى النبيّ - ﷺ - واسترقى. ورقاه جبريل وغيره ورقته عائشة، وفعل ذلك الخلفاء والسلف، فإن كانت الرقى قادحة في التوكّل ومانعة من اللحوق بالسبعين ألفًا، فالتوكّل لم يتمّ للنبيّ - ﷺ - ولا لأحد من الخلفاء، ولا يكون أحد منهم في السبعين ألفًا مع أنّهم أفضل مَن وافى القيامة بعد الأنبياء، ولا يتخيل هذا عاقل (١).\nقال الشيخ - ﵀ -: والذي يظهر لي أنّ القول ما قاله الخطّابيّ وحكاه عن جماعة من السلف، وذلك ظاهر في الطيرة والكيّ، فإذا دفع الطيرة عن نفسه ولم يلتفت إليها بالتوكّل على الله تعالى، كان في المقام الأرفع من التوكّل؛ لأنّ الطيرة قد تلازم قلب الإنسان ولا يجد الانفصال (١) عنها، ولذلك قال - ﷺ - حين سئل عن الطيرة فقال: ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدّنّهم (٢) فإذا استعمل المؤمن الإعراض عنها والتفويض إلى الله في أموره، ذهب ما كان يجده منها، ولذلك قال - ﷺ - فيما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود: الطيرة شرك، الطيرة شرك - ثلاثًا - وما منّا إلا، ولكنّ الله يذهبه بالتوكّل (٣).\nو(قوله: إلاّ) يعني استثناء ما يجده الإنسان منها في نفسه الذي قال فيه: ذاك شيء يجدونه في صدورهم.\nوأمّا الكيّ، فالمأمون منه جائز، وقد كوى النبيّ - ﷺ - أُبيًّا يوم الأحزاب على\n_________\n(١) في (ل) و(م): الانفكاك.\n(٢) رواه أحمد (٥/ ٤٤٨)، ومسلم (٥٣٧)، وأبو داود (٩٣٠ و٩٣١)، والنسائي (٣/ ١٤ - ١٧) من حديث معاوية بن الحكم السلمي رض الله عنه.\n(٣) رواه أبو داود (٣٩١٠)، والترمذي (١٦١٤)\nومعنى (إلا): أي: وما منا أحد إلا ويعتريه التطير، ويسبق إلى قلبه الكراهة له.","vol":"1","page":465},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nأكحله لما رمي. وفي البخاريّ عن ابن عبّاس أنّ النبيّ - ﷺ - قال: الشفاء في ثلاث: في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كيّة بنار، وأنا أنهى أمّتي عن الكيّ (١)، وفي حديث جابر: وما أُحِبُّ أن أكتوي (٢). وعلى هذا فالمأمون من الكيّ وإن كان نافعًا - جائز، إلاّ أنّ تركه خير من فعله، وهذا معنى نهيه - ﷺ - عنه، وسببه أنّه تعذيب بعذاب الله، وقد قال - ﷺ -: لا تُعذِّبوا بعذاب الله (٣) يعني: النار. وبهذا ينفرد الكيّ ولا يُلحق به التطبُّب بغير ذلك في الكراهة، فإنّ النبيّ - ﷺ - قد تطبَّب وطبب، وأحال على الطبيب وأرشد إلى الطبّ بقوله: يا عبادَ الله! تداووا، فإنّ الذي أنزل الداء أنزل الدواء (٤).\nوأمّا الرقي والاسترقاء، فما كان منه من رقي الجاهليّة أو بما لا يعرف، فواجب اجتنابه على سائر المسلمين، وتركه حاصل من أكثرهم، فلا يكون اجتناب ذلك هو المراد هنا، ولا اجتناب الرقي بأسماء الله تعالى وبالمرويّ عن رسول الله - ﷺ -؛ لما قدّمناه من أنّه التجأ إلى الله، وتبرّك بأسمائه.\nويظهر لي - والله تعالى أعلم - أنّ المقصود: اجتناب رقي خارج عن القسمين، كالرقي بأسماء الملائكة والنبيّين والصالحين، أو بالعرش والكرسيّ والسماوات والجنّة والنار وما شاكل ذلك ممّا يعظَّم، كما قد يفعله كثير ممن يتعاطى الرقى، فهذا القسم ليس من قبيل الرقي المحظور (٥) الذي يعمّ\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٦٨٠ و٥٦٨١) وابن ماجه (٣٥٣٨).\n(٢) رواه البخاري (٥٦٨٣)، ومسلم (٢٢٠٥).\n(٣) رواه أحمد (١/ ٢٨٢)، والبخاري (٣٠١٧)، وأبو داود (٤٣٥١)، والترمذي (١٤٥٨)، والنسائي (٧/ ١٠٤ و١٠٥) من حديث ابن عباس ﵁.\n(٤) رواه أبو داود (٣٨٥٥)، والترمذي (٢٠٣٩) من حديث أسامة بن شريك ﵁.\n(٥) في (ع): المخصوص.","vol":"1","page":466},{"text":"وَعَلَى رَبِّهِم يَتَوَكَّلُونَ.\nــ\nاجتنابه، وليس من قبيل الرقي الذي هو التجاء إلى الله تعالى وتبرُّك بأسمائه، وكأنّ هذا القسم المتوسط يُلحق بما يجوز فعله، غير أنّ تركه أولى؛ من حيث إنّ الرقي بذلك تعظيم، وفيه تشبيه المَرقيِّ به بأسماء الله تعالى وكلماته، فينبغي أن يُجتنب لذلك. وهذا كما نقوله في الحلف بغير الله، فإنّه ممنوع، فإنّ فيه تعظيمًا لغير الله تعالى بمثل ما يعظّم به الله، والله أعلم.\nوهذا ما ظهر لي، فمن ظهر له ذلك فليقبله شاكرًا، وإلا فليتركه عاذرًا. وسيأتي الكلام في اشتقاق لفظ الطِيَرَة في كتاب الصلاة، إن شاء الله.\nو(قوله: وعلى ربّهم يتوكّلون) التوكّل لغةً: هو إظهار العجز عن أمر ما، والاعتماد فيه على الغير، والاسم التكلان، يقال منه: اتّكلتُ عليه في أمري، وأصله اوتَكلت، قُلبت الواو ياءً لانكسار ما قبلها، ثمّ أُبدل منها التاءُ وأُدغمت في تاء الافتعال. ويقال: وكّلتُه بأمر كذا توكيلًا، والاسم الوِكالة بكسر الواو وفتحها.\nواختلف العلماء في التوكّل وفيمن يستحِقّ اسم المتوكِّل على الله، فقالت طائفة من المتصوِّفة: لا يستحقّه إلا من لم يخالط قلبه خوف غير الله من سَبُع أو غيره، وحتّى يترك السعي في طلب الرزق؛ لضمان الله تعالى.\nوقال عامّة الفقهاء: إنّ التوكّل على الله تعالى هو الثقة بالله والإيقان بأنّ قضاءه ماضٍ، واتّباع سنّة نبيّه في السعي فيما لا بدّ منه من الأسباب من مطعم ومشرب وتحرّز من عدو وإعداد الأسلحة واستعمال ما تقتضيه سنّة الله تعالى المعتادة. وإلى هذا ذهب محقِّقو المتصوِّفة، لكنّه لا يستحقّ اسم المتوكّل عندهم مع الطمأنينة إلى تلك الأسباب، والالتفات إليها بالقلوب، فإنّها لا تجلب نفعًا ولا تدفع ضرًّا، بل السبب والمسبّب فعل الله تعالى، والكلّ منه وبمشيئته. ومتى وقع من المتوكِّل ركون إلى تلك الأسباب، فقد انسلخ عن ذلك الاسم.","vol":"1","page":467},{"text":"فَقَامَ عُكَّاشَةُ بنُ مِحصَنٍ، فَقَالَ: ادعُ اللهَ أَن يَجعَلَنِي مِنهُم. فَقَالَ: أَنتَ مِنهُم. ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ: ادعُ اللهَ أَن يَجعَلَنِي مِنهُم. فَقَالَ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ.\nرواه أحمد (١/ ٢٧١)، والبخاري (٦٥٤١)، ومسلم (٢٢٠)، والترمذي (٢٤٤٨).\nــ\nثمّ المتوكِّلون على حالين:\nالحال الأوّل: حال المتمكِّن في التوكُّل، فلا يَلتفِت إلى شيء من تلك الأسباب بقلبه، ولا يتعاطاها إلاّ بحكم الأمر.\nالحال الثاني: حال غير المتمكِّن، وهو الذي يقع له الالتفات إلى الأسباب أحيانًا، غير أنّه يدفعها عن نفسه بالطرق العلميّة والبراهين القطعيّة والأذواق الحاليّة، فلا يزال كذلك إلى أن يُرقِيَه الله بجوده إلى مقام المتمكِّنين، ويلحقه بدرجات العارفين.\nو(قوله: فقام إليه عُكّاشة بن مِحصَن فقال: ادع اللهَ أن يجعلَني منهم) عكاشة هذا هو بضمّ العين وتشديد الكاف، قال ثعلب. وقد تخفَّف. قال الشيخ - ﵀ -: ولعلّه منقول من عُكاشة اسمٍ لبيت النمل بالتخفيف، أو مأخوذ من عَكِش الشَعر وتعكَّش إذا التوى. وعُكاشة هذا من أفاضل الصحابة وخيارهم وشجعانهم، له ببدر المقام المشهود والعَلَم المنشور، وذلك أنّه ضرب بسيفه في الكفّار حتّى انقطع، فأعطاه رسول الله - ﷺ - جِزل حطب فأخذه فهزّه فعاد في يده سيفًا صارمًا، فقاتل به حتّى فتح الله على المسلمين. وكان ذلك السيف يسمَّى العون، ولم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله - ﷺ - حتّى قُتل عُكاشة في الردّة وهو عنده، قتله طُليحة الأسديّ، وهو الذي قال فيه رسول الله - ﷺ -: منّا خيرُ فارسٍ في العرب، قالوا. ومن هو يا رسول الله؟ قال:","vol":"1","page":468},{"text":"[١٦٤] وَعَن عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ؛ أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - قَالَ: يَدخُلُ الجَنَّةَ مِن أُمَّتِي سَبعُونَ أَلفًا بِغَيرِ حِسَابٍ قَالُوا: مَن هُم يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: هُمِ الَّذِينَ لا يَستَرقُونَ، وَلا يَتَطَيَّرُونَ، وَلا يَكتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِم يَتَوَكَّلُونَ.\nرواه أحمد (٤/ ٤٤٨)، ومسلم (٢١٨).\n* * *\nــ\nعُكاشة بن محصن (١). ولقوّة يقينه وشدّة حرصه على الخير ورغبته فيما عند الله سبحانه، سبق الصحابةَ كلَّهم بقوله: ادع الله أن يجعلني منهم. ولمّا لم يكن عند القائم بعده من تلك الأحوال الشريفة ما كان عند عُكاشة، قال له: سبقك بها عُكاشة، وأيضًا فلئلاّ يطلبَ كلّ من هنالك ما طلبه عُكاشة، والرجل الآخر، ويتسلسل الأمر، فسدّ رسول الله - ﷺ - الباب بما قال لعكاشة. وهذا أولى من قول من قال: إنّ ذلك الرجل كان منافقًا؛ لوجهين:\nأحدهما: أنّ الأصل في الصحابة صحة الإيمان والعدالة، فلا يُظنُّ بأحد منهم شيءٌ يقتضي خلاف ذلك الأصل، ولا يُسمع ما لا يصح نقله، ولا يجوز تقديره.\nوالثاني: أنّه قلّ أن يصدر مثل ذلك السؤال عن منافق، إذ ذلك السؤال يقتضي تصديقا صحيحا ويقينا ثابتا، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(١) ذكره ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٢٩٠).","vol":"1","page":469},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>(٦٨) باب أمة محمد - ﷺ - شطر أهل الجنة</span>\n[١٦٥] عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: يَقُولُ اللهُ: يَا آدَمُ! فَيَقُولُ: لَبَّيكَ! وَسَعدَيكَ! وَالخَيرُ فِي يَدَيكَ! قَالَ: يَقُولُ: أَخرِج بَعثَ النَّارِ. قَالَ: وَمَا بَعثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِن كُلِّ أَلفٍ تِسعَمِائَةٍ وَتِسعَةً وَتِسعِينَ. قَالَ: فَذَاكَ حِينَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَملٍ حَملَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ،\nــ\n(٦٨) ومن باب: أن أمّة محمّد - ﷺ - شطر أهل الجنّة\n(قوله تعالى لآدم: أخرج بعث النار) إنّما خصّ آدم بذلك القول؛ لأنه أب للجميع، ولأنّ الله تعالى قد جمع له نسم بنيه في السماء بين يديه، وهم الأسودة التي رآها رسول الله - ﷺ - ليلة الإسراء عن يمين آدم، وهم أهل الجنّة، وعن يساره وهم أهل النار، كما تقدّم.\nوبعث النار من يبعث إليها، وكذلك بعث أهل الجنة. ومعنى أخرج هنا ممن يخرج، ويميز بعضهم عن بعض، وذلك يكون في المحشر حيث يجتمع الناس ويختلطون، والله تعالى أعلم. ويحتمل أن يكون معنى أخرج؛ أي: احضر إخراجهم، فكأنهم يعرضون عليه بأشخاصهم وأسمائهم، كما قد عرضت عليه نسمهم.\nو(قوله: وما بعث النار؟) وضعت هنا ما موضع كم العددية؛ لأنه أجيب عنها بعدد، وأصل ما أن يسأل بها عن ذوات الأشياء وحدودها. ولَمَّا سمع أصحاب النبي - ﷺ - أن ألفًا إلا واحدًا للنار، وواحدًا للجنة، اشتد خوفهم لذلك، واستقلوا عدد أهل الجنة منهم، واستبعد كل واحد منهم أن يكون هو ذلك الواحد، فسكّن النبي - ﷺ - خوفهم، وطيَّب قلوبهم، فقال: أبشروا فإن من يأجوج ومأجوج ألفًا ومنكم رجل؛ ويعني بالألف هنا: التسعمائة والتسعة والتسعين","vol":"1","page":470},{"text":"قَالَ: فَاشتَدَّ ذَلِكَ عَلَيهِم. قَالُوا: يَا رسولَ الله! أَيُّنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ؟ فَقَالَ: أَبشِرُوا، فَإِنَّ مِن يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ أَلفًا، وَمِنكُم رَجُلٌ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ! إِنِّي لأَطمَعُ أَن تَكُونُوا رُبُعَ أهل الجَنَّةِ فَحَمِدنَا اللهَ\nــ\nالمتقدمة الذكر. ويأجوج ومأجوج خلق كفار وراء سد ذي القرنين. والمراد بهم في هذا (١) الحديث: هم ومن كان على كفرهم، كما أن المراد بقوله: منكم أصحابه ومن كان على إيمانهم؛ لأن مقصود هذا الحديث: الإخبار بقلة أهل الجنة من هذه الأمة بالنسبة إلى كثرة أهل النار من غيرها من الأمم، ألا ترى أن قوله - ﵊ -: إن مثلكم في الأمم كمثل الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالرّقمة في ذراع الحمار؛ يدل على ذلك المقصود؟ .\nوأما نسبة هذه الأمّة إلى من يدخل الجنة من الأمم، فهذه الأمة شطر أهل الجنة كما نص عليه. والشطر: النصف، ومنه يقال: شاطرتُه مُشاطَرَةً، إذا قاسمتُه فأخذتُ نصفَ ما في يديه. والرقمتان للفرس أو الحمار الأثرانِ بباطن أعضادهما، والرقمتانِ للشاة هَيئتَان في قوائمها متقابلتانِ كالظفرين. ولبّيك معناه: إجابةً لك بعد إجابة، وسَعدَيك: مساعدة بعد مساعدة، وكلاهما منصوبٌ على المصدر، ولم تستعمل العرب له فعلًا من لفظه يكون مصدره.\nو(قوله: والخير في يديك) أي: تملكه أنت لا يملكه غيرك، وهذا كقوله تعالى: بِيَدِكَ الخَيرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، أي: بيدك الخير والشرّ، ولكن سكت عن نسبة الشرّ إليه تعالى؛ مراعاة لأدب الحضرة، ولم ينسب الله لنفسه الشر؛ تعليمًا لنا مراعاة الأدب واكتفى بقوله: إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ؛ إذ قد استغرق كلّ الموجودات الممكنات.\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"1","page":471},{"text":"وَكَبَّرنَا. ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ! إِنِّي لأَطمَعُ أَن تَكُونُوا ثُلُثَ أهل الجَنَّةِ فَحَمِدنَا اللهَ وَكَبَّرنَا. ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ! إِنِّي لأَطمَعُ أَن تَكُونُوا شَطرَ أهل الجَنَّةِ. إِنَّ مَثَلَكُم فِي الأُمَمِ كَمَثَلِ الشَّعرَةِ البَيضَاءِ فِي جِلدِ الثَّورِ الأَسوَدِ، أو كَالرَّقمَةِ فِي ذِرَاعِ الحِمَارِ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٢ و٣٣)، والبخاري (٦٥٣٠)، ومسلم (٢٢٢).\n* * *\nــ\nو(قوله: إنّي لأَطمعُ أن تكونوا شطرَ أهل الجنّة) هذه الطماعية قد حُقِّقت له بقوله: وَلَسَوفَ يُعطِيكَ رَبُّكَ فَتَرضَى وبقوله: إنّا سنُرضيك في أمّتك، كما تقدّم، لكن علّق هذه البُشرى على الطمع؛ أدبًا مع الحضرة الإلهيّة ووقوفًا مع أحكام العبوديّة.\n* * *","vol":"1","page":472},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>(٢) كتاب الطهارة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>(١) باب فضل الطهارة وشرطها في الصلاة</span>\n[١٦٦] عَن أَبِي مَالِكٍ الأَشعَرِيِّ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: الطُّهُورُ شَطرُ الإِيمَانِ،\nــ\n(٢) كتاب الطهارةِ\n(١) باب: فضل الطهارة\n(قوله - ﵊ -: الطهور شطر الإيمان) الطَّهُور بفتح الطاء: الاسم، وبضمها: المصدر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾. وكذلك الوضوء والوقود والوَجور (١) والفطور (٢) الفتح للاسم، والضم للمصدر.\nوحكي عن الخليل في الوضوء الفتح فيهما، ولم يعرف الضم، قال ابن الأنباري: والأول هو المعروف والذي عليه أهل اللغة. فأما الغسل\n_________\n(١) \"الوجور\": الدواء يُصَبُّ في الحَلْق.\n(٢) ساقط من (ع).","vol":"1","page":473},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفالفتح للمصدر، والضم للماء، عكس الوضوء، على ما حكاه الجوهري، وقد قيل في الغسل ما قيل في الوضوء.\nوالطهور والطهارة مصدران بمعنى: النظافة. تقول العرب: طَهَرَ الشيء: بفتح الهاء وضمها، يطهُر بضَمِّها لا غير طهارةً وطهورًا، كما تقول: نظف ينظف نظافةً، ونزه ينزه نزاهَةً، بضمها لا غير، وهي التنزه عن المستخبثات المحسوسة والمعنوية، كما قال تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أَهلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطهِيرًا. والشطر: النصفُ، وقد تقدم، والشطر أيضًا: النحو والقَصد، ومنه: شَطرَ المَسجِدِ الحَرَامِ وقول الشاعِر (١):\nأقول لأم زنباع أقيمي ... صدُور العيس شطرَ بني تميم\nأي: نحوهم، ويقال: شطر عنه؛ أي: بعُدَ، وشطر إليهِ؛ أي: أقبل. والشاطر من الشبان: البعيد من الخير.\nوقد اختُلِف في معنى قوله - ﵊ -: الطَهُور شطر الإيمان؛ على أقوالٍ كثيرةٍ؛ أولاها: أن يقال: إنه أراد بالطهور الطهارةَ من الم تخبثات الظَاهرِة والباطنةِ. والشطرُ: النصف، والإيمان هنا: هو بالمعنى العام، كما قد دللنا عليه بقوله - ﵊ -: الإيمان تصديق بالقلب، وإقرارٌ باللسان، وعملٌ بالأركان (٢).\nولا شك أن هذا الإيمان ذو خصال كثيرة، وأحكام متعددةٍ، غير أنها منحصرةٌ فيما ينبغي التنزه والتطَهر منه، وهي كل ما نهى الشرع عنه، وفيما\n_________\n(١) هو أبو زنباع الجذامي.\n(٢) رواه الخطيبُ في تاريخه (٩/ ٣٨٦)، وفيه عبد الله بن أحمد الطائي، لم يكن بالمرضي. وذكر الذهبي أوله في ميزان الاعتدال (٢/ ٦١٦) وفيه عبد السلام بن صالح أبو الصلت الهروي، ليس بثقة.","vol":"1","page":474},{"text":"وَالحَمدُ لِلَّهِ تَملأُ المِيزَانَ، وَسُبحَانَ اللهِ وَالحَمدُ لِلَّهِ تَملآنِ - أَو تَملأُ - مَا بَينَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ،\nــ\nينبغي التلبس والاتصاف به، وهي: كل ما أمر الشَّرعُ به، فهذان الصنفان عبر عن أحدهما بالطهارة على مستعمل اللغة، وهذا كما قد روي مرفُوعًا: الإيمان نصفان: نصف شكر ونصف صبر (١)، وقد قيل: إن الطهارة الشرعية لما كانت تكفر الخطايا السابقة كانت كالإيمان الذي يجبُّ ما قبله؛ فكانت شطر الإيمان بالنسبة إلى محو الخطايا، وهذا فيه بعدٌ؛ إذ الصلاة وغيرها من الأعمال الصالحة تكفر الخطايا؛ فلا يكون لخصوصية الطهارة بذلك معنًى. ثم لا يصح أيضًا معنى كون الطهارة نصف الإيمان بذلك الاعتبار؛ لأنها إنما تكون مثلًا له في التكفير، ولا يقال على المثل للشيء: شطره، وقيل: إن الإيمان هنا يراد به الصلاة، كما قال الله تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُم؛ أي: صلاتكم على قول المفسرين، ومعناه على هذا: أن الصلاة لما كانت مفتقرة إلى الطَّهارة كانت كالشطر لها، وهذا أيضًا فاسد؛ إذ لا يكون شرط الشيء شطره لا لغة ولا معنًى، فالأولى التأويل الأول، والله أعلم.\nفإن قيل: كل ما ذكرتم مبني على أن المراد بالطهور: الطهارة، وذلك لا يصح؛ لأنه لم يروه أحدٌ فيما علمناه: الطُّهور، بالضم، وإنما روي بالفتح، فإذا هو الاسم على ما تقدم. قلنا: يصح أن يقال: يحمل هذا على مذهب الخليل كما تقدَّم، ويُمكن حمله على المعروف، ويراد به استعمال الطَّهور شطر الإيمان.\nو(قوله: والحمد لله تملأ الميزان) قد تقدم معنى الحمد، وأنه راجعٌ إلى الثناء على مُثنى مَّا بأوصاف كماله، فإذا حمد الله حامدٌ مستحضرًا معنى الحمد في\n_________\n(١) رواه الديلمي في الفردوس (٣٧٨)، والقضاعي في الشهاب (١١٢)، والبيهقي في الشعب (٩٧١٥)، وانظر: فيض القدير (٣/ ١٨٨) من حديث أنس ﵁. وفيه: عتبة بن السكن: متروك، ويزيد بن أبان: متروك أيضًا.","vol":"1","page":475},{"text":"وَالصَّلاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرهَانٌ،\nــ\nقلبه امتلأ ميزانه من الحسنات، فإن أضاف إلى ذلك: سبحان الله، الذي معناه تبرئة الله، وتنزيهه عن كل ما لا يليق به من النقائص، ملأت حسناته وثوابها زيادة (١) على ذلك ما بين السماوات والأرض؛ إذ الميزان مملوء بثواب التحميد، وذكر السماوات والأرض على جهة الإغياء (٢) على العادة العربية، والمرادُ: أن الثواب على ذلك كثيرٌ جدًّا، بحيث لو كان أجسامًا لَمَلأ ما بين السماوات والأرض.\nو(قوله: والصلاة نور) معناه: أن الصلاةَ إذا فعلت بشروطها: المصححة والمكملة نوّرت القلب؛ بحيث تشرق فيه أنوار المكاشفات والمعارف، حتى ينتهي أمر من يراعيها حق رعايتها أن يقول: وجعلت قرة عيني في الصلاة (٣). وأيضًا: فإنها تنوِّر بين يدي مراعيها يوم القيامة في تلك الظلم، وأيضًا: تنوَّر وجه المصلي يوم القيامة، فيكون ذا غرةٍ وتحجيل، كما قد ورد في حديث عبد الله بن بسر مرفوعًا: أمتي يوم القيامة غر من السجود محجلون من الوضوء (٤).\nو(قوله: والصدقة برهان) أي: على صحة إيمان المتصدق، أو على أنه ليس من المنافقين الذين يلمزون المطوّعين من المؤمنين في الصدقات، أو على صحة محبةِ المتصدق لله تعالى، ولما لديه من الثواب؛ إذ قد آثر محبة الله تعالى وابتغاء ثوابه، على ما جُبل عليه من حُبّ الذهب والفضّة؛ حتى أخرَجُه لله تعالى.\n_________\n(١) في (ع) زائد.\n(٢) \"الإغياء\": أغيا الرجل: بلغ الغاية.\n(٣) سبق تخريجه ص (١٤٣).\n(٤) رواه أبو أحمد الحاكم وقال: غريب. (كنز العمال ٣٤٥٣٤). وانظره في فيض القدير (٢/ ١٨٤).","vol":"1","page":476},{"text":"وَالصَّبرُ ضِيَاءٌ، وَالقُرآنُ حُجَّةٌ لَكَ أو عَلَيكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغدُو، فَبَائعٌ نَفسَهُ، فَمُعتِقُهَا أو مُوبِقُهَا.\nــ\nو(قوله: والصبر ضياء) كذا صحت روايتنا فيه، وقد رَوَاهُ بعض المشايخ: والصوم ضياء بالميم، ولم تقع لنا تلك الرواية، على أنه يصح أن يُعبر بالصبر عن الصوم، وقد قيل ذلك في قوله تعالى: وَاستَعِينُوا بِالصَّبرِ وَالصَّلَاةِ فإن تنزلنا على ذلك؛ فيقال في كون الصبر ضياء؛ كما قيل في كون الصلاة نورًا، وحينئذ لا يكون بين النور والضياء فرق معنوي بل لفظي. والأولى أن يقال: إن الصبر في هذا الحديث غير الصوم؛ بل هو الصَّبر على العبادات والمشاق والمصائب، والصبر عن المخالفات، والمنهيات، كاتباع هوى النفس والشهوات وغير ذلك، فمن كان صابرًا في تلك الأحوال، متثبتًا فيها، مقابلًا لكُلِّ حالٍ بما يليق به ضاءت له عواقب أحواله، ووضحت له مصالح أعماله، فظفر بمطلوبه، وحصل له من الثواب على مرغوبه، كما قيل:\nفَقَل من جدَّ في أمر تطلبه (١) ... واستعمل الصبر إلا فاز بالظفر\nو(قوله: والقرآن حجة لك أو عليك) يعني: أنك إذا امتثلت أوامره واجتنبت نواهيه كان حجَّة لك في المواقف التي تسأل فيها عنه، كمسألة الملكين في القبر، والمسألة عند الميزان، وفي عقبات الصراط، وإن لم تمتثل ذلك احتجّ به عليك، ويحتمل أن يراد به: أن القرآن هو الذي يُنتهى إليه عند التَنازُع في المباحث الشرعيَّة والوقائع الحكمية، فبه تَستَدلُّ على صحة دعواك، وبه يستدل عليك خصمك.\nو(قوله: كل الناس يغدو. . الحديث) يغدو بمعنى: يبكر، يقال:\n_________\n(١) في (ل) و(م): يطالبه، والمثبت من (ع).","vol":"1","page":477},{"text":"رواه أحمد (٥/ ٣٤٢ و٣٤٣ و٣٤٤)، ومسلم (٢٢٣)، والترمذي (٣٥١٧)، والنسائي (٥/ ٥ - ٦).\n[١٦٧] وَعَن مُصعَبِ بنِ سَعدٍ؛ قَالَ: دَخَلَ عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ عَلَى ابنِ عَامِرٍ يَعُودُهُ وهو مَرِيضٌ، فَقَالَ: أَلا تَدعُو اللهَ لِي يَا ابنَ عُمَرَ؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعتُ رسولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: لا تُقبَلُ صَلاةٌ بِغَيرِ طُهُورٍ، وَلا صَدَقَةٌ مِن\nــ\nغدا إذا خرج صباحًا في مصالحه، يغدو. وراح: إذا رجع بعشي، ومعنى ذلك أن كل إنسان يصبح ساعيًا في أموره مُتصرفًا في أغراضه، ثم إما أن تكون تصرفاته بحسب دواعي الشرع والحق، فهو الذي يبيع نفسه من الله، وهو بيع آيل إلى عتق وحرية، كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشتَرَى مِنَ المُؤمِنِينَ أَنفُسَهُم وَأَموَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ. وإما أن تكون تصرفاته بحسب دواعي الهوى والشيطان، فهو الذي باع نفسه من الشيطان فأوبقها؛ أي: أهلكها، ومنه: أَو يُوبِقهُنَّ بِمَا كَسَبُوا. ومنه قول ابن مسعود: الناس غاديان، فبائع نفسه فموبقها، أو مفاديها فمعتقها (١).\nو(قوله: لا يقبل الله صلاة بغير طهور) دليلٌ لمالكٍ وابن نافع على قولهما: إن من عدم الماء والصَعيدَ لم يصلِّ، ولم يقضِ إن خرج وقت الصلاة؛ لأن عدم قبولها لعدم شرطها يدلّ على أنه ليس مخاطبًا بها حالة عدم شرطِها فلا يترتب شيء في الذمة، فلا تقضى؛ وعلى هذا فتكون الطهارة من شروط الوجوب. واختلف أصحاب مالك في هذه المسألة لاختلافهم في هذا الأصل، وسيأتي إن شاء الله تعالى.\n_________\n(١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٣٦): رواه الطبراني، وإسناده جيد.","vol":"1","page":478},{"text":"غُلُولٍ، وَكُنتَ عَلَى البَصرَةِ.\nرواه أحمد (٢/ ٥٧)، ومسلم (٢٢٤)، والترمذي (١).\n[١٦٨] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: لا تُقبَلُ صَلاةُ أَحَدِكُم إِذَا أَحدَثَ، حَتَّى يَتَوَضَّأَ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٠٨)، والبخاري (١٣٥)، ومسلم (٢٢٥)، وأبو داود (٦٠)، والترمذي (٧٦).\n* * *\nــ\nوالغلول هنا: الخيانة مطلقًا، والمال الحرام. وذِكر ابن عمر هذا الحديث لابن عامر حين سأله في الدعاء، إنما كان على جهةِ الوعظ والتذكير، حتى يخرج عن المظالم، وكأنه يشير له إلى أن الدعاء مع الاستمرار على المظالم لا ينفع، كما لا تنفع صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول.\nو(قوله: وكنتَ على البَصرَة) تنبيه على الزمان الذي تعلقت به فيه الحقوق، حتى يحاسب نفسه على تلك المدة، فيتخلص مما ترتب عليه فيها.\nو(قوله: لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) الحدث هنا كناية عما يخرج من السبيلين معتادًا في جنسه وأوقاته (١)، عند مالكٍ وجُلِّ أصحابه، وقال ابن عبد الحكم والشافعي: المعتبر الخارج النجس من المخرجين. وقال أبو حنيفة: المعتبر الخارج النجس وحده، فمن أي مَحلٍّ خرج نقض وأوجب.\n_________\n(١) الأوقات تُطلق على الأزمان والأماكن، والمقصود بها هنا: الأماكن.","vol":"1","page":479},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>(٢) باب في صفة الوضوء</span>\n[١٦٩] عَن حُمرَانَ مَولَى عُثمَانَ؛ أَنَّ عُثمَانَ بنَ عَفَّانَ دَعَا بِوَضُوءٍ، فَتَوَضَّأَ، فَغَسَلَ كَفَّيهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ مَضمَضَ وَاستَنثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجهَهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ اليُمنَى إِلَى المِرفَق ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يده اليُسرَى مِثلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَسَحَ رَأسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجلَهُ اليُمنَى إِلَى الكَعبَينِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ اليُسرَى مِثلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيتُ رسولَ الله - ﷺ - تَوَضَّأَ نحو وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: مَن تَوَضَّأَ نحو وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكعَتَينِ، لا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ.\nقَالَ ابنُ شِهَابٍ: وَكَانَ عُلَمَاؤُنَا يَقُولُونَ: هَذَا الوُضُوءُ أَسبَغُ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ أَحَدٌ لِلصَّلاةِ.\nــ\n(٢) ومن باب صفة الوضوء\n(قوله: ثلاث مرات) هو تعديد الغسلات لا تعديد الغرفات كما ذهب إليه بعضهم، وليس بشيءٍ؛ إذ لم يجر للغرفات في هذا الحديث ذِكرٌ، وإنما قال: غسل يديه ثلاث مرات. وثلاث: منصوبٌ نصب المصدر لإضافته إليه فكأنه قال: غسلات ثلاثًا، ومن ضرورة ذلك تعديد الغرفات. والمضمضة: وضعُ الماء في الفم، وخَضخضتُهُ فيه، والاستنثار: إيصال الماء إلى الأنف ونثره منه بنَفَسٍ أو بأصبعيه، وسمي: استنثارًا بآخرِ الفعل، وقد يسمى: استنشاقًا بأولهِ، وهو استدعاء الماء بنفس الأنف.\nو(قوله: هذا الوضوء أسبغ) أي: أكمل، والدرع السابغ: الكامل، وقد يقال على هذا، فكيف يكون هذا الوضوء أسبغ ما يتوضأ به أحدٌ، ولم يذكر فيه","vol":"1","page":480},{"text":"رواه أحمد (٢/ ٥٩)، والبخاري (١٦٤)، ومسلم (٢٢٦)، وأبو داود (١٠٦ - ١١٠)، والنسائي (١/ ٦٤ - ٦٥).\n[١٧٠] وَعَن أَبِي أَنَسٍ؛ أَنَّ عُثمَانَ تَوَضَّأَ بِالمَقَاعِدِ فَقَالَ: أَلا أُرِيكُم وُضُوءَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟ ثُمَّ تَوَضَّأَ ثَلاثًا ثَلاثًا.\nرواه أحمد (١/ ٥٧)، ومسلم (٢٣٠).\nــ\nمسح الأذنين؟ والجوابُ: أن اسم الرأس تضمنهما (١)، والله أعلم. والمقاعد: دكاكين ومواضع كانوا يقعدون عليها، وكانت بقرب المسجد.\nو(قوله: ثلاثًا ثلاثًا) تمسّك به الشافعي في استحبابه تكرار مسح الرأس بمياهٍ متعددةٍ كالأعضاء المغسولة. وخالفه في ذلك مالك وأبو حنيفة، ورأيا: أن هذا اللفظ مخصصٌ، أو مبين بما ورد من حديث عثمان نفسه، حيث ذكر أعضاء الوضوء مفصلةً، وقال فيها: ثلاثًا ثلاثًا، ولم يذكر لمسح الرأس عددًا، وليس في شيء من أحاديث عثمان الصحاح؛ ذكر أنه - ﵊ - مسح رأسه ثلاثًا على ما قاله أبو داود، بل قد جاء في حديث عبد الله بن زيد: أنه مسح رأسه مرة واحدة، وعضدا هذا بإبداء مناسبةٍ، وهي: أن المسح شرع تخفيفًا، وفرض مشروعية التكرار فيه تثقيلٌ، فلا يكون مشروعًا.\nو(قوله: عن أبي أنس) هو مالك بن أبي عامر الأصبحي، قال أحمد بن حنبل: وهم وكيعٌ في قوله: عن أبي أنس، وإنما هو أبو النضر عن بشر بن سعيد عن عثمان، وقال الدارقطني: هذا مما وهم فيه وكيع عن الثوري، وخالفه بقية أصحاب الثوري الحفاظ فرووه عن الثوري، عن أبي النضر، عن بشر بن سعيد، عن عثمان.\n_________\n(١) في هامش (م): في نسخة: يعمهما.","vol":"1","page":481},{"text":"[١٧١] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ النَبي - ﷺ - قَالَ: إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُم فَلِيَجعَل فِي أَنفِهِ مَاءً، ثُمَّ لِيَنتَثِر، وَمَنِ استَجمَرَ فَليُوتِر.\nرواه أحمد (٢/ ٢٤٢ و٢٧٨)، والبخاري (١٦٢)، ومسلم (٢٣٧)، وأبو داود (١٤٠)، والنسائي (١/ ٦٦ - ٦٧).\nــ\nو(قوله: لا يحدث فيهما نفسه) أي: حديثًا مكتسبًا له؛ بحيث يتمكن من إيقاعه ودفعه، فأما ما لا يكون مكتسبًا للإنسان، فلا يتعلق عليه ثواب ولا عقاب.\nو(قوله: ثم لينتثر) متمسك لأحمد، وإسحاق، وأبي ثور على وجوب الاستنشاق في الوضوء والغسل. والجمهور على أن ذلك من السُّنن فيهما، متمسكين بأن فروض الوضوء محصورة في آية الوضوء، بدليل قول النبي - ﷺ - للأعرابي: توضأ كما أمرك الله (١). وليس في الآية ذكر الاستنثار؛ وبدليل أنه قد صح عن النبي - ﷺ - أنه اقتصر في وضوئه على الأعضاء الأربعة، ولم يزد عليها، وذلك يدل على أن غيرها من الأعضاء ليس فعله بواجبٍ، وهذه عمدة أصحابنا في حكمهم بحصر فُروض الوضوء في ستة، فإن النية مفهومة من قوله: إِذَا قُمتُم؛ أي: إذا أردتم القيام، والماء المطلق من قوله: فَلَم تَجِدُوا مَاءً، ومن تضمن الغسل له، والأربعة الأعضاء منصوص عليها في الآية، وما عدا ذلك من أحكام الوضوء مأخوذ من فعل النبي - ﷺ -، فمنه: متأكدٌ، ويسمى: سنة، وغير متأكد، ويسمى: فضيلة، كما هو معروف في كتب أصحابنا.\nو(قوله: من استجمر فليوتر) الاستجمار: هو التمسح من الغائط بالجمار، وهي: الأحجار الصغار، ومنه: الجمار التي يرمى بها في الحج، وقد نص عليها في حديث سلمان (٢)، وقال أبو الحسن بن القصار: ويجوز أن يقال:\n_________\n(١) رواه أبو داود (٨٦١) من حديث رفاعة بن رافع ﵁.\n(٢) رواه مسلم (٢٦٢)، وسيأتي في التلخيص في باب: ما يُستنجى به رقم (٩).","vol":"1","page":482},{"text":"[١٧٢] وَعَنهُ؛ عَنِ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: إِذَا استَيقَظَ أَحَدُكُم مِن مَنَامِهِ فَليَستَنثِر ثَلاثًا، فَإِنَّ الشَّيطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيَاشِيمِهِ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٩٥)، والبخاري (١٦٢)، ومسلم (٢٣٨)، وأبو داود (١٠٣ - ١٠٥)، والترمذي (٢٤)، والنسائي (٦ - ٧).\nــ\nإنه أُخذ من الاستجمار بالبخور؛ لأنه يزيل الرائحة القبيحة.\nوقد اختلف قول مالكٍ وغيره في معنى الاستجمار في هذا الحديث. فقيل ما تقدم، وقيل: هو البخور، فيجعل منه ثلاث قطعٍ، أو يأخذ منه ثلاث مرات، واحدةً بعد أخرى، والأول أظهر.\nو(قوله: فإن الشيطان يبيت على خياشيمه) هو جمع خيشوم، وهو أعلى الأنف، وقيل: الأنف كله، ويحتمل البقاء على ظاهره كما جاء: إن الشيطان يدخل إذا لم يكظم المتثائب فاه (١) ويحتمل أن يكون ذلك عبارة عما ينعقد من رطوبة الأنفِ وقَذره الموافقة للشيطان، وهذا على عادة العرب في نسبتهم المستخبث والمستشنع إلى الشيطان، كما قال تعالى: كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ وكما قال الشاعر (٢):\n. . . . . . . . . . . . . . ... ومسنونة زرقٌ كأنياب أغوالِ (٣)\nوهي الشياطينُ، ويحتمل أن يكون ذلك عبارةً عن تكسيله عن القيام إلى الصلاة كما قال ﵊: يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا\n_________\n(١) رواه أحمد (٣٧/ ٣) بلفظ: \"إذا تثاءب أحدكم في الصلاة فليضع يده على فيه؛ فإن\nالشيطان يدخل مع التثاؤب\" من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٢) هو امرؤ القيس.\n(٣) صدر البيت: أَيَقْتُلُنِي والمَشْرَفِيُّ مُضَاجِعِي.","vol":"1","page":483},{"text":"[١٧٣] وَعَن عبد الله بنِ زَيدِ بنِ عَاصِمٍ الأَنصَارِيِّ - وَكَانَت لَهُ صُحبَةٌ - قَالَ: قِيلَ لَهُ: تَوَضَّأ لَنَا وُضُوءَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. فَدَعَا بِإِنَاءٍ فَأَكفَأَ مِنه\nــ\nهو نام ثلاث عقد (١). ويكون أمره بالاستنثار أمرًا بالوضوء كما قد جاء مفسرًا في غير كتاب مسلم: فليتوضأ، وليستنثر ثلاثًا، فإن الشيطان يبيت على خياشيمه.\nو(قوله في الحديث قبله: ومن استجمر فليوتر) تمسك به من يراعي عدد الثلاث مع الإنقاء، وهو قول أبي الفرج، وابن شعبان من أصحابنا. والشافعي وأصحابه صائرين (٢) إلى أن أقل الوتر هنا ثلاث، بدليل حديث سلمان؛ حيث نهى أن يستنجى بأقل من ثلاثة أحجار (٣). والجمهور يستحبون الوتر؛ بدليل قوله: الاستجمار تَو (٤) أي: وترٌ، ولا يشترطون عددًا، بل الإنقاء إذا حصل هو المقصود الأصلي، وقد استدعى النبي - ﷺ - ثلاثة أحجار، فأتي بحجرين وروثةٍ، فأخذ الحجرين وألقى الروثة.\nوقد جاء عنه - ﵊ - في كتاب أبي داود: إذا استجمر أحدكم فليستجمر بثلاثة أحجار، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج (٥). وإنما جرى ذكر الثلاث في الأحجار، إما لأن الإنقاء يحصل بها غالبًا، وإما لأن الاثنين للصفحتين، والثالث للوسط، والله أعلم.\nو(قوله في حديث عبد الله بن زيد: وقيل له: توضأ لنا وضوء رسول الله - ﷺ -، فتوضأ. المعلم للوضوء إذا نوى به رفع الحدث أجزأه، فإن لم ينو، لم يُجزه عند من يشترط النية على ما يأتي، وكذلك المتعلمُ.\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٢٤٣)، والبخاري (١١٤٢)، ومسلم (٧٧٦)، وأبو داود (١٣٠٦)،\nوالنسائي (٣/ ٢٠٣ و٢٠٤) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) كذا في جميع النسخ، وهي حال سدَّ مسدَّ الخبر.\n(٣) يأتي برقم (١٩٩) باب رقم (٩).\n(٤) رواه مسلم (١٣٠٠).\n(٥) رواه أبو داود (٣٥) من حديث أبي هريرة ﵁. وانظر: التمهيد (١١/ ١٨).","vol":"1","page":484},{"text":"عَلَى يَدَيهِ، فَغَسَلَهُمَا ثَلاثًا، ثُمَّ أَدخَلَ يَدَهُ فَاستَخرَجَهَا، فَمَضمَضَ وَاستَنشَقَ مِن كَفٍّ وَاحِدَةٍ، ففَعَلَ ذَلِكَ ثَلاثًا، ثُمَّ أَدخَلَ يَدَهُ فَاستَخرَجَهَا فَغَسَلَ وَجهَهُ ثَلاثًا،\nــ\nو(قوله: فغسلهما ثلاثًا) حجة لأشهب في اختياره في غسلهما الإفراغ عليهما معًا، وقد روى ابن القاسم عن مالك: أنه استحب أن يفرغ على يده اليمنى فيغسلها، ثم يدخلها ويصب بها على اليسرى، محتجًّا بقوله في الموطأ في هذا الحديث: فأفرغ على يديه وغسلهما مرتين مرتين (١). وقد يكون منشأ الخلاف في هذا الفرع الخلاف في غسلهما، هل هو عادة فيغسل كل عضو منهما بانفراده كسائر الأعضاء؟ أو هو للنظافة فتغسلان مجتمعين (٢).\nو(قوله: فمضمض واستنشق من كف واحدة، فعل ذلك ثلاثًا) أي: جمع بين المضمضة والاستنشاق في كف واحدة. وفعل ذلك ثلاثًا من ثلاث غرفات، كما بينه في رواية ابن وهبٍ، فإنه قال: فمضمض واستنشق من ثلاث غرفات. وقد اختلف في الأَولى من ذلك عن مالك والشافعي، فقيل: الأولى عندهما: جمعهما في غرفة واحدة، والإتيان بها كذلك في ثلاث غرفات، وقيل: بل الأولى عندهما إفرادُ كلِّ واحدةٍ منهما متفرقين بثلاث غرفات، ويشهد للأولى رواية ابن وهب، والثاني ما في كتاب أبي داود من قوله: فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق. قيل: بل يفعلان معًا ثلاث مرات من غرفة واحدة، كما روى البخاري قال: فمضمض واستنشق ثلاثًا من غرفة.\nو(قوله: ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل وجهه) ظاهِرُه: أنه أدخل يدَهُ الواحدة في الماء فأفرغ بها على اليسرى. وهو أحد القولين عندنا، وأنه كذلك\n_________\n(١) رواه مالك في الموطأ (١/ ١٨) من حديث عبد الله بن زيد ﵁.\n(٢) في (ل): مجموعتين.","vol":"1","page":485},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nيفعل في جميع الأعضاء. وفي البخاري في بعض طرق هذا الحديث: ثم أدخل يديه فاغترف بهما. وهذا حجة لاختيار مالك في هذه المسألة، وكذلك القول في غرفة مسح الرأس.\nوفي البخاري: ثم أخذ بيديه ماء فمسح برأسه. واختلف عن مالك في حدِّ الوجه طولًا وعرضًا. فأما الطول فمن منابت شعر الرأس المعتاد إلى الذقن مُطلقًا، للأمردِ والملتحي. وقيل: إلى آخر اللحية للملتحي. وأما حدُّه عرضًا؛ فمن الأذن إلى الأذن. وقيل: من العذار (١) إلى العذار، وقيل: بالفرق بين الأمرد والملتحي، وسبب هذا الخلاف: الاختلاف في اسم الوجه والمواجهة على ماذا يقعان؟\nو(قوله: فغسل يديه إلى المرفقين) المرفق: هو العظم الناتئ في آخر الذراع، سمي بذلك؛ لأنه يرتفق عليه، أي: يُتَّكأُ ويُعتمدُ. واختلف فيهما: هل يدخُلانِ في الغسل أم لا؟\nوسببه: توهم الاشتراك في إلى وذلك (٢) أنها لانتهاء الغاية في الأصل، وقد تأتي بمعنى: مع في مثل (٢) قوله تعالى: وَلَا تَأكُلُوا أَموَالَهُم إِلَى أَموَالِكُم، وفي قوله تعالى: مَن أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ. وفي قول العرب: الذود (٣) إلى الذود إبلٌ، والأصل فيها: انتهاء الغاية، فيجب أن تحمل عليه. ويمكن أن يقال: إن إلى وإن كانت لانتهاء الغاية فهي محتملة لدخول الغاية فيما قبلها، والذي يرفع الخلاف فيها ما حكي عن سيبويه: أن الغاية إن كانت من جنس ذي الغاية دخلت فيه، وإن لم تكن لم تدخل، مثال ذلك: أن تقول: بعتك من هذه الشجرة إلى هذه الشجرة، والمبيع شجرٌ، فلا شك في دخول\n_________\n(١) \"العذار\": جانب اللحية.\n(٢) ساقط من (م).\n(٣) \"الذَّوْد\": جماعة الإبل بين الثلاث والعَشر.","vol":"1","page":486},{"text":"ثُمَّ أَدخَلَ يَدَهُ فَاستَخرَجَهَا فَغَسَلَ يَدَيهِ إِلَى المِرفَقَينِ، مَرَّتَينِ مَرَّتَينِ، ثُمَّ أَدخَلَ يَدَهُ فَاستَخرَجَهَا فَمَسَحَ بِرَأسِهِ\nــ\nالشجرتين في جملة الشجر المبيعة، وإن كان المبيع أرضًا لم يدخلا، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: فغسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين) دليل على عدم كراهة الشفع في الغسلات، ولا خلاف أنه يجوز الاقتصار على الواحدة إذا أسبغ، وأن الاثنتين أفضل من الاقتصار على الواحدة، وأن الثلاث أفضل من الاثنتين، وأن الزيادة على الثلاث ممنوعةٌ، إلا أن يفعل بنية تجديد الوضوء، فإن أبا حنيفة أجاز ذلك، وعندنا أنه لا يصح له التجديد حتى يفعل بذلك الوضوء صلاةً، وسيأتي. وقد كره مالك الاقتصار على الواحدة للجاهل؛ لما يخاف من تفريطه، وللعالم لئلا يقتدي به الجاهل.\nو(قوله: فمسح برأسه) الباء في برأسه باء التعدية؛ أي: التي يجوز حذفها وإثباتها، كقولك: مسحت برأس اليتيم، ومسحتُ رأسَهُ، وسميت ابني بمحمد ومحمدًا، ولا يصح أن تكون للتبعيض، خلافًا للشافعي؛ لأن المحققين من أئمة النحويين البصريين وأكثر الكوفيين أنكروا ذلك، ولأنها لو كانت للتبعيض لكان قولك: مسحت برأسه كقولك: مسحت ببعض رأسه، ولو كان كذلك لما حَسُنَ أن تقول: مسحت ببعض رأسه، ولا برأسه بعضه؛ لأنه كان يكون (١) تكريرًا، ولا مسحت برأسه كله؛ لأنه: كان يكون مناقضًا له، ولو كانت للتبعيض لما جاز إسقاطها هنا (٢)؛ فإنه يقال: مسحتُ برأسهِ، ومسَحت رأسَه بمعنى واحدٍ، وأيضًا فلو كانت مبعضةً في مسح الرأس في الوضوء لكانت مُبعضَةً في مسح\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) ساقط من (ع).","vol":"1","page":487},{"text":"فَأَقبَلَ بِيَدَيهِ وَأَدبَرَ، ثُمَّ غَسَلَ رِجلَيهِ إِلَى الكَعبَينِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا كَانَ وُضُوءُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -.\nــ\nالوجه في التيمم؛ لتساوي اللفظين في المحلين، ولم لا فلا (١)، ومذهب مالك ﵀ وجوب عموم (٢) مسح الرأس تمسكًا باسم الرأس، فإنه للعضو بجملته كالوجه، وتمسكًا بهذه الأحاديث، ثم نقول: نحن وإن تنزلنا على أن الباء تكون مبعضةً وغير مُبعضة، فذلك يُوجب فيها إجمالًا أزالَهُ النبي - ﷺ - بفعله، فكان فعله بيانًا لمجمل واجب، فكان مسحه كله واجبًا (٣)، وسيأتي القول في حديث المغيرة الذي ذكر فيه أنه - ﵊ -: مسح مقدم رأسه وعلى عمامته.\nو(قوله: فأقبل بيديه (٤) وأدبر) معناه: أقبل إلى جهة قفاه، والإدبار: رجوعُهُ إلى حيث بدأ، كما فسره حيث قال: فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه. وقيل: المراد: أدبر وأقبل؛ لأن الواو لا تُعطي رتبةً. وفي البخاري: فأدبر بهما وأقبل، وهذا أولى لهذا النص. وقيل: معنى أقبل: دخل في قبل الرأس، كما يقال: أنجدَ وأتهم: إذا دخل نجدًا وتهامةَ.\nوقيل: معناه: أنه ابتدأ من الناصية مقبلًا إلى الوجه، ثم ردَّهُما إلى القفا، ثم رجع إلى الناصيةِ. وهذا ظاهرُ اللفظ. والإقبال والإدبار مسحة واحدة؛ لأنها بماء واحد، والمقصود بالرَّدة على الرأس: المبالغة في استيعابه.\nو(قوله: ثم غسل رجليه إلى الكعبين) الكعب في اللغة: هو العظم الناشِز\n_________\n(١) المقصود: لمّا لم تكن كذلك في مسح الوجه في التيمّم، فلا تكون كذلك في مسح الرأس في الوضوء.\n(٢) ساقط من (ع).\n(٣) في (ع): فكان مسح جميع الرأس واجبًا.\n(٤) في (ع): بهما.","vol":"1","page":488},{"text":"زَادَ فِي أُخرى: فَأَقبَلَ بِهِمَا وَأَدبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأسِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى المَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنهُ.\nوَفِي أُخرى: فَمَضمَضَ وَاستَنشَقَ وَاستَنثَرَ مِن ثَلاثِ غَرَفَاتٍ. وَفِيها: فَمَسَحَ بِرَأسِهِ فَأَقبَلَ بِهِ وَأَدبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً.\nوَفِي أُخرى: وَمَسَحَ بِرَأسِهِ ب ماءٍ غَير فَضل يَديهِ، وَغَسَلَ رِجلَيهِ حَتى أَنقَاهُما.\nرواه أحمد (٤/ ٣٩)، والبخاري (١٨٥)، ومسلم (٢٣٥) و(٢٣٦)، وأبو داود (١١٨ - ١٢٠)، والترمذي (٣٥ و٤٧)، والنسائي (١/ ٧١ - ٧٢).\n* * *\nــ\nعند ملتقى الساق والقدم، وأنكر الأصمعي قول الناس: إن الكعب في ظهر القدم، قاله في الصحاح، والأول هو المشهور عند أهل المذهب والفقهاءِ. وقد روي عن ابن القاسم: أنه العظم الذي في ظهر القدم عند معقد الشراك، والأول هو الصحيح المعروف.\nو(قوله: ومسح رأسه بماء غير فضل يديه) دليل على مشروعية تجديد الماء لمسح الرأس، وأنه سنة، خلافًا للأوزاعي والحسن وعروة في تجويزهم مسحه ابتداءً بما فضل في يديه.\nولم يجئ في هذا الحديث ولا في حديث عثمان للأذنين ذكرٌ، ويمكن أن يكون ذلك؛ لأن اسم الرأس تضمنهما. وقد جاءت الأحاديث صحيحة في كتاب النسائي وأبي داود وغيرهما: أن النبي - ﷺ - مسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما، وأدخل أصابعه في صماخيه (١)، وسيأتي ذكرهما.\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٢٣) من حديث المقدام بن معدي كَرِب ﵁. ورواه النسائي (١٠٥) في السنن الكبرى من حديث ابن عباس ﵄.","vol":"1","page":489},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>(٣) باب فضل تحسين الوضوء والمحافظة على الصلوات</span>\n[١٧٤] عَن عُثمَانَ؛ قَالَ: قَالَ سَمِعتُ رسولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: مَا مِنِ امرِئٍ مُسلِمٍ تَحضُرُهُ صَلاةٌ مَكتُوبَةٌ، فَيُحسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا، إِلا كَانَت كَفَّارَةً لِمَا قَبلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ، مَا لَم يؤتِ كَبِيرَةً، وَذَلِكَ الدَّهرَ كُلَّهُ.\nرواه البخاري (٦٤٣٣)، ومسلم (٢٢٨)، والنسائي (١/ ٩١).\n[١٧٥] وَعَن حُمرَانَ، قَالَ: أَتَيتُ عُثمَانَ بِوَضُوءٍ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ نَاسًا يَتَحَدَّثُونَ عَن رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَحَادِيثَ، لا أَدرِي مَا هِيَ؟ ألا أَنِّي رَأَيتُ رسولَ الله - ﷺ - تَوَضَّأَ مِثلَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: مَن تَوَضَّأَ هَكَذَا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ، وَكَانَت صَلاتُهُ وَمَشيُهُ إِلَى المَسجِدِ نَافِلَةً.\nــ\nوهذه الأحاديث أعني حديث عثمان وعبد الله تدل على مراعاة الترتيب في الوضوء والموالاة. وقد اختلف أهل المذهب في ذلك وغيرهم على ثلاثة أقوال: الوجوب، والسنة، والاستحباب، والأولى القول بالسنة فيهما؛ إذ لم يصح قط عن النبي - ﷺ - أنه توضأ مُنكسًا ولا مفرقًا تفريقًا مُتفاحشًا، وليس في آية الوضوء ما يدل على وجوبهما، وما ذكر من أن الواو ترتب لا يصح، ومما يدل على بطلان ذلك وقوعها في موضع يستحيل فيه الترتيب، وذلك بابُ المفاعلة، فإنها لا تكون إلا من اثنين، فإن العرب تقولُ: تخاصم زيدٌ وعمرو، ولا يجوز أن يكون هنا ترتيبٌ، ولا أن يقع موقعها حرفٌ من حروف الترتيب بوجهٍ من الوجوه، فصح ما قلناهُ.\n(٣) ومن باب فضل تحسين الوضوء\n(قوله: وكانت صلاتُه ومشيه إلى المسجد نافلة) يعني: أن الوضوء لم يُبق","vol":"1","page":490},{"text":"رواه أحمد (١/ ٦٥ - ٦٦)، والبخاري (١٦٤)، ومسلم (٢٢٩).\n[١٧٦] وَعَن عُثمَانَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: مَن أَتَمَّ الوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ، فَالصَّلَوَاتُ المَكتُوبَاتُ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَينَهُنَّ.\nرواه أحمد (١/ ٦٦)، ومسلم (٢٣١)، وابن ماجه (٤٥٩)، والنسائي (١/ ٩١).\nــ\nعليه ذنبًا، فلما فعل بعده الصلاة كان ثوابها زيادة له على المغفرة المتقدمة. والنَّفل: الزيادة، ومنه: نفل الغنيمة؛ وهو ما يعطيه الإمام من الخمس بعد القسمة.\nوهذا الحديث يقتضي أن الوضوء بانفراده يستقل بالتكفير. وكذلك حديث أبي هريرة، فإنه قال فيه: إذا توضأ العبد المسلِمُ فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئةٍ نظر إليها بعينيه (١)، وهكذا إلى أن قال: حتى يخرج نقيًا من الذنوب، وهذا بخلاف أحاديث عثمان المتقدمة؛ إذ مضمونها: أن التكفير إنما يحصل بالوضوء إذا صلى به صلاة مكتوبةً يتم ركوعها وخشوعها. والتلفيق من وجهين:\nأحدهما: أن يرُدَّ مطلق الأحاديث إلى مُقيدِها.\nوالثاني: أن نقول: إن ذلك يختلف بحسب اختلاف أحوال الأشخاص؛ فلا بُعد في أن يكون بعض المتوضئين يحصل له من الحضور، ومراعاة الآداب المكملة ما يستقل بسببها وضوؤه بالتكفير، ورب متوضئ لا يحصل له مثل ذلك، فيكفر عنه بمجموع الوضوء والصلاة، ولا يعترض على هذا بقوله - ﵊ -: من أتم الوضوء كما أمره الله فالصلوات المكتوبة كفارات لما بينهن، لأنا نقول: من اقتصر على واجبات الوضوء فقد توضأ كما أمره الله تعالى، كما قال النبي - ﷺ - للأعرابي: توضأ كما أمرك الله، فأحاله على آية\n_________\n(١) سيأتي الحديث قريبًا برقم (١٧٨).","vol":"1","page":491},{"text":"[١٧٧] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - كَانَ يَقُولُ: الصَّلَوَاتُ الخَمسُ، وَالجُمعَةُ إِلَى الجُمعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ لمِا بَينَهُنَّ، إِذَا اجتَنَبَت الكَبَائِرَ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٥٩ و٤٠٠ و٤١٤)، ومسلم (٢٣٣)، والترمذي (٢١٤).\n[١٧٨] وَعَنه؛ أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - قَالَ: إِذَا تَوَضَّأَ العَبدُ المُسلِمُ - أو المُؤمِنُ - فَغَسَلَ وَجهَهُ،\nــ\nالوضوء، على ما قدمناه. وكذلك ذكر النسائي من حديث رفاعة بن رافع، فقال النبي - ﷺ -: إنها لم تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء، كما أمره الله تعالى، فيغسل وجهه، ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه، ورجليه إلى الكعبين (١)، ونحن إنما أردنا المحافظة على الآداب المكملة التي لا يراعيها إلا من نوَّر الله باطنه (٢) بالعلم والمراقبة، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: إذا اجتنبت الكبائر؛ يدل على أن الكبائر إنما تغفر بالتوبة المعبر (٣) عنها بالاجتناب في قوله تعالى: ﴿إِن تَجتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنهَونَ عَنهُ نُكَفِّر عَنكُم سَيِّئَاتِكُم﴾ وقد تقدم القول في الكبائر ما هي؟ فقوله: حتى يخرج نقيًّا من الذنوب يعني به: الصغائر، ولا بُعدَ في أن يكون بعض الأشخاص تغفر له الكبائر والصغائر بحسب ما يحضره من الإخلاص بالقلب (٤)، ويراعيه من الإحسان والأدب، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.\n_________\n(١) رواه النسائي (٢/ ٢٢٦).\n(٢) في (ع): قلبه.\n(٣) ساقط من (ع).\n(٤) من (م).","vol":"1","page":492},{"text":"خَرَجَ مِن وَجهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيهَا بِعَينَيهِ مَعَ المَاءِ - أو مَعَ آخِرِ قَطرِ المَاءِ -، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيهِ خَرَجَ مِن يَدَيهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتهَا يَدَاهُ مَعَ المَاءِ - أو مَعَ آخِرِ قَطرِ المَاءِ -، فَإِذَا غَسَلَ رِجلَيهِ خَرَجَت كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتهَا رِجلاهُ مَعَ المَاءِ - أو مَعَ آخِرِ قَطرِ المَاءِ - حَتَّى يَخرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٠٣)، ومسلم (٢٤٤)، والترمذي (٢).\n* * *\nــ\nو(قوله: إذا توضأ العبد المسلم، أو المؤمن) شكٌّ من بعض الرواة، وكذلك (قوله: مع الماء، أو مع آخر قطر الماء) ويدل على أنه على الشك زيادة مالك فيه: مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، أو نحو هذا، ويفهم منه: أن الغسل لا بد فيه من نقل الماء، ولا يفهم منه: أن غاية الغسل أن يقطر الماء؛ لأنه على الشك، ولما جاء: حتى يسبغ.\nو(قوله: خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه) هذه عبارةٌ مستعارة، المقصود بها الإعلام بتكفير الخطايا ومحوها، وإلا فليست الخطايا أجساما حتى يصح منها الخروج.\nوقد استدل أبو حنيفة ﵀ بهذا الحديث على نجاسة الماء المستعمل، ولا حجة له فيه لما ذكرناه، وعند مالك: أن الماء المستعمل طاهرٌ مطهرٌ؛ غير أنه يكره استعماله مع وجود غيره؛ للخلاف فيه، وعند أصبغ بن الفرج (١): أنه طاهرٌ غير مُطهرٍ. وقيل: إنه مشكوك فيه، فيجمع بينه وبين التيمم، وقد سماه بعضهم: ماء الذنوب.\nوقد روى هذا الحديث مالكٌ من رواية أبي عبد الله الصُنابحي، وهو عبد الرحمن بن عُسَيلة، ولم يدرك النبيَّ - ﷺ -، وقال فيه: فإذا\n_________\n(١) من (م).","vol":"1","page":493},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>(٤) باب ما يقال بعد الوضوء</span>\n[١٧٩] عَن عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ؛ قَالَ: كَانَت عَلَينَا رِعَايَةُ الإِبِلِ، فَجَاءَت نَوبَتِي، فَرَوَّحتُهَا بِعَشِيٍّ، فَأَدرَكتُ رسولَ الله - ﷺ - قَائِمًا يُحَدِّثُ النَّاسَ. فَأَدرَكتُ مِن قَولِهِ: مَا مِن مُسلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكعَتَينِ، مُقبِل عَلَيهِمَا بِقَلبِهِ وَوَجهِهِ، إِلا وَجَبَت لَهُ الجَنَّةُ قَالَ: فَقُلتُ: مَا أَجوَدَ هَذِهِ! فَإِذَا قَائِلٌ بَينَ يَدَيَّ يَقُولُ: الَّتِي قَبلَهَا أَجوَدُ، فَنَظَرتُ فَإِذَا عُمَرُ.\nــ\nمسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أُذُنيه؛ استدل به بعض أصحابنا على صحة قول مالك: الأذنان من الرأس، ولم يُرد بذلك أن الأذنين جزءٌ من الرأس؛ بدليل أنه لم يختلف عنه أنهما يمسحان بماء جديد، وأن من تركهما حتى صلى لم تلزمهُ إعادة، وإنما أراد مالك بقوله: الأذنان من الرأس؛ أنهما يمسحان كما يمسح الرأس، لا أنهما يغسلان كما يغسل الوجه، تحرُّزًا مما يحكى عن ابن شهاب أنه قال: إن ما أقبل منهما على الوجه هو من الوجه، فيغسل معه، وما يلي الرأس هو من الرأس، فيمسح معهُ.\n(٤) ومن باب ما يقال بعد الوضوء\n(قول عقبة: كانت علينا رعاية الإبل) يعني (١): إبل الصدقة المنتظر بها تفريقها، أو الإبل المعدة لمصالح المسلمين.\nو(قوله: فروحتُها بعشي) يعني: رددتُها إلى حيث تبيتُ. والمُراح - بضم الميم -: مبيتُ الماشية.\n_________\n(١) في (ل): أي.","vol":"1","page":494},{"text":"قَالَ: إِنِّي قَد رَأَيتُكَ جِئتَ آنِفًا. قَالَ: مَا مِنكُم مِن أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبلِغُ - أو فَيُسبِغُ - الوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشهَدُ أَن لا إِلهَ إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُ الله وَرَسُولُهُ، إِلا فُتِحَت لَهُ أَبوَابُ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدخُلُ مِن أَيِّهَا شَاءَ.\nرواه أحمد (٤/ ١٤٦ و١٥٣)، ومسلم (٢٣٤)، وأبو داود (١٦٩ و١٧٠)، والترمذي (٥٥)، والنسائي (١/ ٩٢ - ٩٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>(٥) باب توعد من لم يُسبِغ، وغسله ما ترك، وإعادته الصلاة</span>\n[١٨٠] عَن سَالِمٍ مَولَى شَدَّادٍ؛ قَالَ: دَخَلتُ عَلَى عَائِشَةَ زَوجِ النَّبِيِّ - ﷺ - يَومَ تُوُفِّيَ سَعدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ. فَدَخَلَ عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ أَبِي بَكرٍ فَتَوَضَّأَ عِندَهَا. فَقَالَت: يَا عَبدَ الرَّحمَنِ! أَسبِغِ الوُضُوءَ. فَإِنِّي سَمِعتُ رسولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: وَيلٌ لِلأعقَابِ مِنَ النَّارِ.\nرواه أحمد (٦/ ٨١ و٨٤ و٩٩ و١٩٢)، ومسلم (٢٤٠).\nــ\nوفي هذا الحديث ما يدل على أن الذكر بعد الوضوء فضيلة من فضائله، وعلى أن أبواب الجنة ثمانية لا غير، وعلى أن داخل الجنة يخير في أي الأبواب شاء، وقد تقدم استيعاب هذا المعنى.\n(٥) ومن باب توعد من لم يُسبغ\n(قوله: ويل للأعقاب من النار) ويل: كلمة عذابٍ وقبُوحٍ وهلاكٍ، مثل: ويح، وعن أبي سعيد الخدري وعطاء بن يسار: هو وادٍ في جهنم، لو أرسلت فيه الجبال لماعت من حرّه. وقال ابن مسعودٍ: صديدُ أهلِ النارِ، ويقال: وَيلٌ لزيد،","vol":"1","page":495},{"text":"[١٨١] وَعَن عَبدِ اللهِ بنِ عمرو؛ قَالَ: رَجَعنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِن مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ. حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَاءٍ بِالطَّرِيقِ. تَعَجَّلَ قَومٌ عِندَ العَصرِ، فَتَوَضَّؤوا وَهُم عِجَالٌ، فَانتَهَينَا إِلَيهِم، وَأَعقَابُهُم تَلُوحُ لَم يَمَسَّهَا المَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: وَيلٌ لِلأعقَابِ مِنَ النَّارِ. أَسبِغُوا الوُضُوءَ.\nــ\nوويلًا له بالرفع على الابتداء، والنصب على إضمارِ الفعلِ، فإن أضفته لم يَكُن إلا النصب؛ لأنك لو رفعته لم يكن له خبرٌ.\nوالأعقاب: جمع عقبٍ، وعقب كل شيء: آخره، والعراقيب: جمع عرقوب، وهو العصب الغليظ الموتر فوق عقب الإنسان، وعرقوب الدابة في رجلها بمنزلة الركبة في يَدِها، قال الأصمعي: وكل ذي أربع فعرقوباه في رجليه، وركبتاه في يديه. ومعنى ذلك: أن الأعقاب والعراقيب تعذب إن لم تعمم بالغسل.\nوهذه الأحاديث كلها تدل على أن فرض الرجلين الغسل، لا المسح، وهو مذهب جمهور السلف وأئمة الفتوى، وقد حكي عن ابن عباس وأنس وعكرمة: أن فرضهما المسح إن صح ذلك عنهما، وهو مذهب الشيعة.\nوذهب ابن جرير الطبري: إلى أن فرضهما التخيير بين الغسل والمسح، وسبب الخلاف اختلاف القراء (١)، في قوله تعالى: وَأَرجُلَكُم بالخفض والنصب، وقد أكثر الناس في تأويل هاتين القراءتين. والذي ينبغي أن يقال: إن قراءة الخفض عطف على الرأس فهما يُمسحان. لكن إذا كان عليهما خُفان، وتلقينا هذا القيد من فعل رسول الله - ﷺ -؛ إذ لم يصح عنه أنه مسح رجليه إلا وعليهما خُفان. والمتواتر عنه غسلهما، فبيّن النبي - ﷺ - بفعله الحال الذي تغسل فيه الرجل، والحال الذي تمسح فيه (٢)، فليكتف بهذا فإنه بالغ، وقد طولنا النفس في هذه المسألة في (٣) كتابنا في شرح التلقين أعان الله على تمامه.\n_________\n(١) في (ل): القراءة.\n(٢) في (ع): به.\n(٣) سقط من (ع).","vol":"1","page":496},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ؛ قَالَ: تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ - ﷺ - فِي سَفَرٍ سَافَرنَاهُ، فَأَدرَكَنَا وَقَد حَضَرَت صَلاةُ العَصرِ فَجَعَلنَا نَمسَحُ عَلَى أَرجُلِنَا، فَنَادَى: وَيلٌ لِلأعقَابِ مِنَ النَّارِ.\nرواه أحمد (٢/ ١٩٣)، والبخاري (٦٠)، ومسلم (٢٤١)، وأبو داود (٩٧)، والنسائي (١/ ٧٨).\n[١٨٢] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأَى رَجُلًا لَم يَغسِل عَقِبَيه، فَقَالَ: وَيلٌ لِلأَعقَابِ مِنَ النَّارِ.\nوَفِي أخرى: وَيلٌ لِلعَرَاقِيبِ مِنَ النَّارِ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٨٢ و٢٨٤ و٤٠٦ و٤٠٩ و٤٣٠)، والبخاري (١٦٥)، ومسلم (٢٤٢)، والترمذي (٤١)، والنسائي (١/ ٧٧).\nــ\nو(قوله: فجعلنا نمسح على أرجلنا، قد يتمسك به من قال بجواز مسح الرجلين، ولا حجة له فيه لأربعة أوجه:\nأحدها: أن المسح هنا يراد به الغسل، فمن الفاشي المستعمل في أرض الحجاز، أن يقولوا: تمسحنا للصلاة؛ أي: توضأنا.\nوثانيها: أن قوله: وأعقابهم تلُوحُ لم يمسها الماء يدل على أنهم كانوا يغسلون أرجلهم؛ إذ لو كانوا يمسحونها؛ لكانت القدم كلها لائحة، فإن المسح لا يحصل منه بَللُ الممسوح.\nوثالثها: أن هذا الحديث قد رواه أبو هريرة فقال: إن النبي - ﷺ - رأى رجلًا لم يغسل عقبه، فقال: ويل للأعقاب من النار (١).\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ٤٠٩)، والبخاري (١٦٥)، ومسلم (٢٤٢) (٢٩).","vol":"1","page":497},{"text":"[١٨٣] وَعَن عُمَر بنِ الخَطَّابِ؛ أَنَّ رَجُلًا تَوَضَّأَ فَتَرَكَ مَوضِعَ ظُفُرٍ عَلَى قَدَمِهِ، فَأَبصَرَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: ارجِع فَأَحسِن وُضُوءَكَ، فَرَجَعَ ثُمَّ صَلَّى.\nرواه أحمد (١/ ٢١ و٢٤)، ومسلم (٢٤٣)، وأبو داود (١٧٣)، وابن ماجه (٦٦٦).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>(٦) باب الغرة والتحجيل من الإسباغ وأين تبلغ الحلية وفضل الإسباغ على المكاره</span>\n٢٤٦ - [١٨٤] عَن نُعَيمِ بنِ عَبدِ اللهِ المُجمِرِ؛ قَالَ: رَأَيتُ أَبَا هُرَيرَةَ يَتَوَضَّأُ؛ فَغَسَلَ وَجهَهُ وَأَسبَغَ الوُضُوءَ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ اليُمنَى حَتَّى أَشرَعَ فِي العَضُدِ،\nــ\nورابعها: أنا لو سلمنا أنهم مسحوا، لم يضرنا ذلك، ولم تكن فيه حجة لهم؛ لأن ذلك المسح هو الذي توعد عليه بالعقاب، فلا يكون مشروعًا، والله تعالى أعلم.\nو(قوله للرجل الذي ترك موضع ظفر على قدمه: ارجع فأحسن وضوءك) دليل على استيعاب الأعضاء، ووجوب غسل الرجلين، وأن تارك بعض وضوئه جهلًا أو عمدًا يستأنفه؛ إذ لم يقل له: اغسل ذلك الموضع فقط. وقد جاء في كتاب أبي داود في هذا الحديث: أن النبي - ﷺ - أمره أن يعيد الوضوء والصلاة، وهذا نصٌّ.\n(٦) ومن باب الغرّة والتحجيل\nقوله: ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضُد) أشرع: رباعي؛ أي:","vol":"1","page":498},{"text":"ثُمَّ يَدَهُ اليُسرَى حَتَّى أَشرَعَ فِي العَضُدِ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجلَهُ اليُمنَى حَتَّى أَشرَعَ فِي السَّاقِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجلَهُ اليُسرَى حَتَّى أَشرَعَ فِي السَّاقِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيتُ رسولَ الله - ﷺ - يَتَوَضَّأُ. وَقَالَ: قَالَ\nــ\nمَدَّ يده بالغسل إلى العضُدِ، وكذلك: حتى أشرع في الساق أي: مَدَّ يدهُ إليه، من قولهم: أشرعت الرمح قِبَله؛ أي: مددته إليه، وسددته نحوهُ، وأشرع بابًا إلى الطريق؛ أي: فتحه مسددًا إليه، وليس هذا من: شرعت في هذا الأمر، ولا من: شرعت الدواب في الماء بشيء؛ لأن هذا ثلاثي وذاك رباعي. وكان أبو هريرة يبلغ بالوضوء إبطيه وساقيه، وهذا الفعل منه مذهبٌ له، ومما انفرد به، ولم يحكهِ عن النبي - ﷺ - فعلًا، وإنما استنبطه من قوله - ﵊ -: أنتم الغر المحجلون. ومن قوله: تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ منه الوضوء. قال أبو الفضل عياض: والناس مجمعون على خلاف هذا، وأن لا يتعدى بالوضوء حدوده لقوله - ﵊ -: فمن زاد فقد تعدى وظلم (١).\nوالإشراعُ المروي عن النبي - ﷺ - من حديث أبي هريرة هو محمول على استيعاب المرفقين والكعبين بالغسل، وعبر عن ذلك بالإشراع في العضد والساق؛ لأنهما مباديهما. وتطويل الغرّة والتحجيل بالمواظبة على الوضوء لكل صلاةٍ وإدامته، فتطول غرته بتقوية نور وجهه، وتحجيله بتضاعف نور أعضائه.\nقال الشيخ - ﵀ -: وأصل الغرة لمعةٌ بيضاء في جبهةِ الفرس، تزيد على قدر الدرهم، يقال منه: فرسٌ أغر، ثم قد استعمل في الجمال والشهرة وطيب الذكر، كما قال (٢):\nثياب بني عوف طهارى نقيةٌ ... وأوجههم عند المشاهد غُرَّار\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (٤٢٢) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.\n(٢) هو امرؤ القيس.","vol":"1","page":499},{"text":"رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أَنتُمُ الغُرُّ المُحَجَّلُونَ يَومَ القِيَامَةِ، مِن إِسبَاغِ الوُضُوءِ، فَمَنِ استَطَاعَ مِنكُم فَليُطِل غُرَّتَهُ وَتَحجِيلَهُ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٠٠)، والبخاري (١٣٦)، ومسلم (٢٤٦).\nــ\nوالتحجيل: بياضٌ في اليدين والرجلين من الفرس، وأصله من الحجل؛ وهو الخلخال والقيد. ولا بد أن يجاوز التحجيل الأرساغ ولا يجاوز الركبتين والعرقوبين، وهو في هذا الحديث مستعارٌ عبارةً عن النور الذي يعلو أعضاء الوضوء يوم القيامة.\nو(قوله: أتى المقبرة فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين) المقبرة: تقال بفتح الباء وضمها، وتسليمه عليهم لبيان مشروعية ذلك. وفيه معنى الدعاء لهم.\nويدل أيضًا على حسن التعاهُد وكرم العَهدِ، وعلى دوام الحُرمة، ويحتمل أن يَرد الله تعالى أرواحهم فيسمعون ويردون. وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر حديثًا صحيحًا عن أبي هريرة مرفوعًا، قال: ما من مسلم يمر بقبر أخيه المسلم كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد ﵇ من قبره (١). وإتيان النبي - ﷺ - المقبرة يدل على جواز زيارة القبور. ولا خلاف في جوازه للرجال، وأن النهي عنه قد نسخ، واختلف فيه للنساء على ما يأتي.\nو(قوله: وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) يحتمل أوجهًا:\nأحدها: أنه امتثال لقول الله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ فكان يكثر من ذلك حتى أدخله في ما لا بد منه وهو الموت.\n_________\n(١) رواه ابن عبد البر في الاستذكار والتمهيد من حديث ابن عباس ﵄. انظر: فيض القدير (٥/ ٤٨٧)، وشرح الصدور للسيوطي ص (٢٧٣).","vol":"1","page":500},{"text":"[١٨٥] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - أَتَى المَقبُرَةَ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيكُم دَارَ قَومٍ مُؤمِنِينَ، وَإِنَّا إِن شَاءَ اللهُ بِكُم لاحِقُونَ، وَدِدتُ أَنَّا قَد رَأَينَا إِخوَانَنَا، قَالُوا: أَوَلَسنَا إِخوَانَكَ يَا رسولَ الله؟ قَالَ: أَنتُم\nــ\nوثانيها: أنه يكون أراد: إنا بكم لاحقون في الإيمان، ويكون هذا قبل أن يعلم بمآل أمره، كما قال: وَمَا أَدرِي مَا يُفعَلُ بِي وَلَا بِكُم.\nوثالثها: أن يكون استثناء في الواجب، كما قال تعالى: لَتَدخُلُنَّ المَسجِدَ الحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ وتكون فائدته التفويض المطلق.\nورابعها: أن يكون أراد: لاحقون بكم في هذه البقعةِ الخاصةِ، فإنه وإن كان قد علم أنه يموت بالمدينة ويدفن بها، فإنه قد قال للأنصار: المحيا محياكم والممات مماتكم (١)، لكن لم تعين له البقعة التي يكون فيها إذ ذاك، وهذا الوجه أولى من كل ما ذكر، وكلها أقوال لعلمائنا.\nو(قوله: وددت أنا قد رأينا إخواننا) هذا يدل على جواز تمني لقاء الفضلاء والعلماء، وهذه الأخوة هي أخوة الإيمان اليقيني، والحب الصحيح للرسول - ﷺ -. وقد ورد في بعض طرق هذا الحديث: أنه - ﵊ - قال: إخواني الذين يؤمنون بي ولم يروني، ويصدقون برسالتي ولم يلقوني، يود أحدهم لو رآني بأهله وماله، وقد أخذ أبو عمر ابن عبد البر ﵀ من هذا الحديث ومن قوله - ﷺ -: إن من ورائكم أيامًا الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن أجر خمسين منكم (٢)؛ أنه يكون فيمن يأتي بعد الصحابة من يكون\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٥٣٨)، ومسلم (١٧٨٠) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه أبو داود (٤٣٤١)، والترمذي (٣٠٦٠)، وابن ماجه (٤٠١٤) من حديث أبي أمامة ﵁.","vol":"1","page":501},{"text":"أَصحَابِي. وَإِخوَانُنَا الَّذِينَ لَم يَأتُوا بَعدُ. فَقَالُوا: كَيفَ تَعرِفُ مَن لَم يَأتِ بَعدُ مِن أُمَّتِكَ يَا رسولَ الله؟ فَقَالَ: أَرَأَيتَ لَو أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ،\nــ\nأفضل ممن كان في جملة الصحابة، وذهب معظم العلماء إلى خلاف هذا، وأن من صحب النبي - ﷺ -، ورآه ولو مرة من عمره، أفضل من كل من (١) يأتي بعد، وأن فضيلة الصحبة لا يعدلها عملٌ. وهو الحق الذي لا ينبغي أن يصار لغيره؛ لأمور:\nأولها: مزية الصحبة ومشاهدة رسول الله - ﷺ -.\nوثانيها: فضيلة السبق للإسلام.\nوثالثها: خصوصية الذب (٢) عن حضرةِ رسول الله - ﷺ -.\nورابعها: فضيلة الهجرة والنصرة.\nوخامسها: ضبطهم للشريعة وحفظها عن رسول الله - ﷺ -.\nوسادسها: تبليغها لمن بعدهم.\nوسابعها: السبق في النفقة في أول الإسلام.\nوثامنها: أن كل خير وفضل وعلم وجهاد ومعروف فعل في الشريعة إلى يوم القيامة، فحظهم منه أكمل حظٍ، وثوابهم فيه أجزل ثواب؛ لأنهم سنوا سنن الخير، وافتتحوا أبوابه، وقد قال - ﷺ -: من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة (٣)، ولا شك في أنهم الذين سنوا جميع السنن،\n_________\n(١) في (ع): من كان.\n(٢) في (ل): القرب.\n(٣) رواه أحمد (٤/ ٣٥٧)، ومسلم (١٠١٧)، والنسائي (٥/ ٧٥ و٧٦) من حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁.","vol":"1","page":502},{"text":"بَينَ ظَهرَي خَيلٍ دُهمٍ بُهمٍ أَلا يَعرِفُ خَيلَهُ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رسولَ الله! قَالَ:\nــ\nوسابقوا إلى المكارم. ولو عددت مكارِمُهُم، وفسرت خواصهم، وحصرت لملأت أسفارًا، ولكلت الأعينُ بمطالعتها حيارى.\nوعن هذه الجملة قال - ﷺ - فيما أخرجه البزار عن جابر بن عبد الله مرفوعًا: إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين، واختار من أصحابي أربعة - يعني: أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا - فجعلهم أصحابي، وقال: في أصحابي كلهم خير (١). وكذلك قال - ﷺ -: اتقوا الله في أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أُحُدٍ ذَهبًا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصِيفَهُ (٢).\nوكفى من ذلك كله ثناء الله تعالى عليهم جملة وتفصيلًا، وتعيينًا وإبهامًا، ولم يحصل شيء من ذلك لمن بعدهم. فأما استدلال المخالف بقوله - ﵊ -: إخواننا فلا حجة فيه؛ لأن الصحابة قد حصل لهم من هذه الأخوة الحظ الأوفر؛ لأنها الأخوة اليقينية العامة، وانفردت الصحابة بخصوصية الصحبة.\nوأما قوله: للعامل منهم أجر خمسين منكم، فلا حجَّة فيه؛ لأن ذلك - إن صح - إنما هو في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنه قد قال - ﵊ - في آخرِه: لأنكم تجدون على الخير أعوانًا ولا يجدون، ولا بُعد في أن يكون في بعض الأعمال لغيرهم من الأجور أكثر مما لهم فيه، ولا تلزم منه الفضيلة المطلقة التي هي المطلوبة بهذا البحث، والله أعلم.\n_________\n(١) رواه البزار كما في كشف الأستار (٢٧٦٣)، وقال الهيثمي: ورجاله ثقات، وفي بعضهم خلاف (مجمع الزوائد ١٠/ ١٦).\n(٢) رواه البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١)، وأبو داود (٤٦٥٨)، والترمذي (٣٨٦٠) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.","vol":"1","page":503},{"text":"فَإِنَّهُم يَأتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُم عَلَى الحَوضِ. أَلا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَن حَوضِي كَمَا يُذَادُ البَعِيرُ الضَّالُّ. أُنَادِيهِم: أَلا هَلُمَّ! أَلا هَلُمَّ! فَيُقَالُ: إِنَّهُم قَد بَدَّلُوا بَعدَكَ.\nــ\nو(قوله: وأنا فرطُهمُ على الحوض) أي: متقدمهم إليه، يقال: فرطت القوم: إذا تقدمت لترتاد لهم الماءَ. وعلى وقعت هُنا موقع إلى ويحتمل أن يقدر هناك فعل يدل عليه مساق الكلام، تقديرهُ: فيجدوني على الحوض.\nو(قوله: ألا ليذادَنَّ) كذا روايته هاهنا من غير خلاف، واختلف فيه في الموطأ (١) فرُوي: فليذادن بلام القسم. وروي: فلا يُذادنَّ، بلا النافية، وكلاهما صحيح، فاللام على قسم محذوف تقديره: فوالله ليذادن، وبـ لا يكون من باب قولهم: لا أرينك هاهنا؛ أي: لا يتعاطى أسباب الذود عن حوضي، ومعنى ليذادن: ليدفعن. والذود: الدفع. والدهم: جمع أدهم، وهو الأسود من الخيل الذي يضرب إلى الخضرة. والبهم: جمع البهيم الذي لا لون فيه سوى الدهمة.\nو(قوله: أناديهم ألا هلم) أي: تعالوا. وفي هلم لغتان: إلحاق علامة التثنية والجمع، وبهذه اللغة جاء لفظ هذا الحديث، وبها جاء القرآن.\nو(قوله: فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك) اختلف العلماء في تأويله، فالذي صار إليه الباجي وغيره - وهو الأشبه بمساق الأحاديث -: أن هؤلاء الذين يقال لهم هذا القول ناس نافقوا، وارتدوا من الصحابة وغيرهم، فيحشرون في أمة النبي - ﷺ -، كما قد تقدم من قوله: وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، وعليهم سيماء هذه الأمة من الغرة والتحجيل، فإذا رآهم النبي - ﷺ - عرفهم بالسيماء، ومن كان من أصحابه بأعيانهم فيناديهم: ألا هلم، فإذا انطلقوا نحوه حيل بينهم وبينه، وأُخِذ بهم ذات الشمال. فيقول النبي - ﷺ -: يا رب أمتي ومن أمتي، وفي لفظٍ آخر: أصحابي،\n_________\n(١) الموطأ (١/ ٢٨ و٢٩).","vol":"1","page":504},{"text":"فَأَقُولُ: سُحقًا سُحقًا.\nرواه أحمد (٢/ ٣٧٥)، ومسلم (٢٤٩).\n[١٨٦] وَفِي رِوَايَةٍ قال: إِنَّ حَوضِي أَبعَدُ مِن أَيلَةَ إِلَى عَدَنٍ، لَهُو أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلجِ وَأَحلَى مِنَ العَسَلِ بِاللَّبَنِ، وَلآنِيَتُهُ أَكثَرُ مِن عَدَدِ\nــ\nفيقال له إذ ذاك: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، وإنهم لم يزالوا مرتدين منذ فارقتهم، فإذ ذاك تذهَبُ عنهم الغُرةُ والتحجيلُ، ويُطفأ نورُهُم، فيبقون في الظلمات، فينقطع بهم عن الورود، وعن جوازِ الصراطِ، فحينئذ يقولون للمؤمنين: انظُرُونَا نَقتَبِس مِن نُورِكُم فيقال لهم: ارجِعُوا وَرَاءَكُم فَالتَمِسُوا نُورًا، مكرًا وتنكيلًا ليتحققوا مقدار ما فاتهم، فيعظم أسفهُم وحسرتُهم، أعاذنا الله من (١) أحوال المنافقين، وألحقنا بعباده المخلصين. وقال الداودي وغيره: يحتمل أن يكون هذا في أهل الكبائر والبدع الذين لم يخرجوا عن الإيمان ببدعتهم، وبعد ذلك يتلافاهم الله برحمته، ويشفع لهم النبي - ﷺ -. قال القاضي عياض: والأول أظهر.\nو(قوله: سحقًا سحقًا) أي: بُعدًا، والمكان السحيق: البعيد، والتكرار للتاكيد.\nو(قوله: إن حوضي أبعد من أيلة إلى عدن) يريد طوله وعرضه، وقد جاء في الحديث الآخر: زواياه سواء (٢). وسيأتي الكلام على الحوض إن شاء الله تعالى.\n_________\n(١) في (م): من ذلك ومن أحوال.\n(٢) رواه أحمد (٣/ ٣٨٤)، ومسلم (٢٢٩٢) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.","vol":"1","page":505},{"text":"النُّجُومِ، وَإِنِّي لأَصُدُّ النَّاسَ عنه كَمَا يَصُدُّ الرَّجُلُ إِبِلَ النَّاسِ عَن حَوضِهِ، قَالُوا: يَا رسولَ الله! أَتَعرِفُنَا يَومَئِذٍ؟ قَالَ: نَعَم، لَكُم سِيمَا لَيسَت لأَحَدٍ مِنَ الأُمَمِ، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِن أَثَرِ الوُضُوءِ.\nرواه مسلم (٢٤٧).\nــ\nو(قوله: إني لأصد الناس) أي: لأمنع وأطرد الناس؛ بمعنى: أنه يأمر بذلك، والمطرودون هنا الذين لا سيماء لهم من غير هذه الأمة. ويحتمل أن يكون هذا الصد هو الذود الذي قال فيه في الحديث الآخر: إني لأذود الناس عن حوضي بعصاي لأهل اليمن مبالغة في إكرامهم، يعني به السُّبَّاق للإسلام من أهل اليمن، والله أعلم.\nو(قوله: كما يصد الرجل إبل الناس عن حوضه) وفي أخرى: الإبل الغريبة، وهذا كقوله: كما يذاد البعير الضال، ووجه التشبيه: أن أصحاب الإبل إذا وردوا المياه بإبلهم ازدحمت الإبل عند الورود، فيكون فيها الضال (١) والغريب، وكل واحدٍ من أصحاب الإبل يدفعه عن إبله، حتى تشرب إبله، فيكثر ضاربوه ودافعوه حتى لقد صار هذا مثلًا شائعًا. قال الحجاج لأهل العراق: لأحزمنكم حزم السلمة، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل.\nو(قوله: لكم سيماء ليست لأحد غيركم) السيماء: العلامة، يُمَد ويهمز ويقصر ويترك همزه، وهذا نص في أن الغرة والتحجيل من خواص هذه الأمة، ولا يعارضه قوله - ﵊ -: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي (٢)؛ لأن الخصوصية بالغرة والتحجيل لا بالوضوء، وهما من الله تفضل يختص به من يشاء.\n_________\n(١) ساقط من (م).\n(٢) رواه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٨٠) من حديث عبد الله بن عمر ﵄.","vol":"1","page":506},{"text":"[١٨٧] وَعَن أَبِي حَازِمٍ؛ قَالَ: كُنتُ خَلفَ أَبِي هُرَيرَةَ وهو يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاةِ، فَكَانَ يَمُدُّ يَدَهُ حَتَّى تَبلُغَ إِبطَهُ، فَقُلتُ لَهُ: يَا أَبَا هُرَيرَةَ! مَا هَذَا الوُضُوءُ؟ فَقَالَ: يَا بَنِي فَرُّوخَ! أَنتُم هَاهُنَا؟ لَو عَلِمتُ أَنَّكُم هَاهُنَا مَا تَوَضَّأتُ هَذَا الوُضُوءَ. سَمِعتُ خَلِيلِي - ﷺ - يَقُولُ: تَبلُغُ الحِليَةُ مِنَ المُؤمِنِ حَيثُ يَبلُغُ الوَضُوءُ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٧١)، ومسلم (٢٥٠)، والنسائي (١/ ٩٣).\n[١٨٨] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - قَالَ: أَلا أَدُلُّكُم عَلَى مَا يَمحُو اللهُ بِهِ الخَطَايَا وَيَرفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: إِسبَاغُ الوُضُوءِ عَند المَكَارِهِ، وَكَثرَةُ الخُطَا إِلَى المَسَاجِدِ، وَانتِظَارُ الصَّلاةِ بَعدَ الصَّلاةِ.\nــ\nوقول أبي هريرة: يا بني فروخ؛ تقييده بفتح الفاء والخاء المعجمة من فوق، وهو رجل من ولد إبراهيم بعد إسماعيل وإسحاق، كثر نسله، والعجم الذين في وسط البلاد من ولده؛ عنى به أبو هريرة: الموالي. وكان خطابه لأبي حازم سلمان الأعرج الأشجعي الكوفي مولى عزة الأشجعية، وليس بأبي حازم سلمة بن دينار، الفقيه الزاهد المدني مولى بني مخزوم، وكلاهما خرج عنه في الصحيح. وإنكارهم على أبي هريرة، واعتذاره عن إظهاره ذلك الفعل، يدل على انفراده بذلك الفعل.\nو(قوله: إسباغ الوضوء عند المكاره) أي: تكميله وإيعابه مع شدة البرد وألم الجسم ونحوه. وكثرة الخطا إلى المساجد ببعد الدار، وبكثرة التكرار.\nو(قوله: وانتظار الصلاة بعد الصلاة) قال الباجي: هذا في المشتركتين (١)\n_________\n(١) في (ع) و(ل) و(ط): المستكثرين، والمثبت من (م).","vol":"1","page":507},{"text":"فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٧٧)، ومسلم (٢٥١)، والترمذي (٥١)، والنسائي (١/ ٨٩ - ٩٠).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>(٧) باب السواك عند كل صلاة والتيمن في الطهور</span>\n[١٨٩] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: لَولا أَن أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرتُهُم بِالسِّوَاكِ عِندَ كُلِّ صَلاةٍ.\nــ\nمن الصلوات (١)، وأما غيرها فلم يكن من عمل الناس.\nو(قوله: فذلكم الرباط) أصله: الحبس على الشيء؛ كأنه حبس نفسه على هذه الطاعة، ويحتمل أنه أفضل الرباط، كما قال: الجهاد جهاد النفس (٢) والحج عرفة (٣)، ويحتمل أنه الرباط المتيسر الممكن، وتكراره تعظيم لشأنه.\n(٧) ومن باب السواك\n(قوله: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك) أي: لأوجبت ذلك عليهم؛ عبر بالأمر عن الوجوب؛ لأنه الظاهر منه. وهل المندوب مأمورٌ به أو لا؟\n_________\n(١) أي: في الوقت كالظهر والعصر، وكالمغرب والعشاء.\n(٢) قال الحافظ ابن حجر في \"تسديد القوس\": هو مشهور على الألسنة، وهو من كلام إبراهيم بن عبلة. بلفظ: \"رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر\" قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: \"جهاد القلب\". انظر: (كشف الخفاء ١/ ٤٢٤ - ٤٢٥).\n(٣) رواه أبو داود (١٩٤٩)، والترمذي (٨٨٩)، والنسائي (٥/ ٢٦٤)، وابن ماجه (٣٠١٥) من حديث عبد الرحمن بن يعمر الدِّيلي ﵁.","vol":"1","page":508},{"text":"رواه أحمد (٥/ ٤١٠)، والبخاري (٧٢٤٠)، ومسلم (٢٥٢)، وأبو داود (٤٦)، والترمذي (٢٢)، والنسائي (١/ ١٢).\n[١٩٠] وَعَنِ المِقدَامِ بنِ شُرَيحٍ؛ عَن أَبِيهِ؛ قَالَ: سَأَلتُ عَائِشَةَ. قُلتُ: بِأَيِّ شَيءٍ كَانَ يَبدَأُ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا دَخَلَ بَيتَهُ؟ قَالَت: بِالسِّوَاكِ.\nرواه أحمد (٦/ ٤١)، ومسلم (٢٥٣)، وأبو داود (٥١ و٥٦ و٥٧)، والنسائي (١/ ١٧).\n[١٩١] وَعَن حُذَيفَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا قَامَ لِيَتَهَجَّدَ،\nــ\nاختلف في ذلك أهل الأصول، والصحيح أنه مأمورٌ به؛ لأنه قد اتفق على أنه مطلوبٌ مقتضى، كما قد حكاه أبو المعالي. وهذا الحديث نصٌ في أن السواك ليس بواجب، خلافًا لداود، وهو حجةٌ عليه. وقوله - ﵊ -: ما لكم تدخلون عليّ قُلحًا؟ استاكوا (١)؛ على جهة الندب، ولم يختلف الناس في أن السواك مشروع عند الوضوء، أو عند الصلاة. وفيه حجة لمن قال: إن النبي - ﷺ - كان يجتهد في الأحكام على ما يذكر في الأصول.\nو(قول عائشة إنه - ﵊ - كان يبدأ إذا دخل بيته بالسواك) يدل على استحباب تعاهُد السواك؛ لما يكره من تغيّر رائحة الفم بالأبخرة والأطعمة وغيرها، وعلى أنه يتجنب استعمال السواك في المساجد والمحافل وحضرة الناس، ولم يرو عنه - ﷺ - أنه تسوّك في المسجد، ولا في محفل من الناس؛ لأنه من باب إزالة القذر والوسخ، ولا يليق بالمساجد ولا محاضر الناس. ولا يليق بذوي المروءات، فعل ذلك في الملأ من الناس.\nويحتمل أن يكون ابتداء النبي - ﷺ - عند دخول بيته بالسواك؛ لأنه كان يبدأ بصلاة النافلة، فقلما كان يتنفل في المسجد.\nو(قوله: كان إذا قام ليتهجد) أي: ليصلي بالليل امتثالًا لقوله تعالى: وَمِنَ\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٤٤٢) من حديث تمام بن قثم عن أبيه.","vol":"1","page":509},{"text":"يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ.\nرواه البخاري (٢٤٥)، ومسلم (٢٥٤)، وأبو داود (٥٥)، والنسائي (١/ ٨).\n[١٩٢] وَعَن ابنَ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ بَاتَ عِندَ نَبِيِّ الله - ﷺ - ذَاتَ لَيلَةٍ. فَقَامَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ - مِن آخِرِ اللَّيلِ، فَخَرَجَ فَنَظَرَ فِي السَّمَاءِ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ فِي آلِ عِمرَانَ: إِنَّ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَاختِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلبَابِ، حَتَّى بَلَغَ: فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى البَيتِ فَتَسَوَّكَ وَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، ثُمَّ اضطَجَعَ، ثُمَّ قَامَ فَخَرَجَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، ثُمَّ رَجَعَ فَتَسَوَّكَ فَتَوَضَّأَ. ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى.\nرواه أحمد (١/ ٢٢٠ و٣٥٤)، والبخاري (١١٧)، ومسلم (٢٥٦)، وأبو داود (٥٨)، والنسائي (٢/ ٣٠).\nــ\nاللَّيلِ فَتَهَجَّد بِهِ نَافِلَةً لَكَ وتهجد من الأضداد، يقال: تهجد بمعنى قام، وتهجد بمعنى نام.\nو(قولها: يشوص فاه بالسواك) قيل: هو أن يستاك عرضًا، كذلك: الموص، وقال الهروي: يغسله، وكل شيء غسلته فقد شصته ومُصتَهُ. وقال ابن الأعرابي: الشوص: الدلك، والموص: الغسل. وقال وكيع: الشوص بالطول، والموص بالعرض، وقال ابن دريد: الشوص: الاستياك من سفل إلى علو. ومنه المشوصة: ريح ترفع القلب عن موضعه. وفي الصحاح: الشوص: الغسل والتنظيف.","vol":"1","page":510},{"text":"[١٩٣] وَعَن عَائِشَةَ، قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي شَأنِهِ كُلِّهِ، فِي تَنَعُلِهِ، وَفِي تَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ.\nرواه أحمد (٦/ ٩٤ و١٣٠ و١٤٧)، والبخاري (٥٨٥٤)، ومسلم (٢٦٨)، وأبو داود (٤٤٤٠).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>(٨) باب خصال الفطرة والتوقيت فيها</span>\n[١٩٤] عَن عَائِشَةَ؛ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: عَشرٌ مِنَ الفِطرَةِ:\nــ\nو(قولها: كان يحب التيمن في شأنه كله) كان ذلك منه تبركًا باسم اليمين لإضافة الخير إليها؛ كما قال تعالى: وَأَصحَابُ اليَمِينِ مَا أَصحَابُ اليَمِينِ، وَنَادَينَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الأَيمَنِ، ولما فيه من اليمن والبركة، وهو من باب التفاؤل، ونقيضه الشمال.\nويؤخذ من هذا الحديث: احترام اليمين وإكرامها، فلا تستعمل في إزالة شيء من الأقذار، ولا في شيء من خسيس الأعمال، وقد نهى - ﷺ - عن الاستنجاء ومسّ الذكر باليمين.\n(٨) ومن باب خصال الفطرة\n(قوله: عشرٌ من الفطرة) المراد بالفطرة هنا: السنة، قاله الخطابي، وقد تقدم القول فيها عن الإسراء. وهذه الخصال هي التي ابتلى الله بها إبراهيم فأتمهن فجعله الله إمامًا، قاله ابن عباس. وهذه الخصال مجتمعة في أنها محافظةٌ على","vol":"1","page":511},{"text":"قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعفَاءُ اللِّحيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاستِنشَاقُ المَاءِ، وَقَصُّ الأَظفَارِ،\nــ\nحسن الهيئة والنظافة، وكلاهما يحصل به البقاء على أصل كمال الخلقة (١) التي خلق الإنسان عليها، وبقاء هذه الأمور وترك إزالتها يشوه الإنسان ويقبحه، بحيث يُستقذر ويجتنب، فيخرج عما تقتضيه الفطرة الأولى، فسميت هذه الخصال: فطرة لهذا المعنى، والله أعلم.\nولا تباعُد في أن يقول: هي: عشرٌ، وهي: خمسٌ؛ لاحتمال أن يكون أعلم بالخمسِ أولًا، ثم زيد عليها، قاله عياض.\nويحتمل: أن تكون الخمس المذكورة في حديث أبي هريرة هي أوكد من غيرها، فقصدنا بالذكر هنا تنبيهًا على غيرها من خصال الفطرة.\nومن في قوله: عشر من الفطرة للتبعيض؛ ولذلك لم يذكر فيها الختان، ولعله هو الذي نسيه مصعب. وقص الشارب: أن يأخذ ما يطول عن إطار الشفة بحيث لا يشوش على الآكل، ولا يجتمع فيه الوسخ. والإحفاء والجز في الشارب: هو ذلك القص المذكور، وليس بالاستئصال عند مالك وجماعة من العلماء. وهو عنده مُثلَةٌ يؤدب من فعله؛ إذ قد وجد من يقتدى به من الناس لا يُحفون جميعه ولا يستأصلون ذلك. وروي عن عمر بن الخطاب أنه كان إذا حزبه أمر فتل شاربه، ولو كان يستأصله لم يكن له ما يفتل. وذهب الكوفيون وغيرهم: إلى الاستئصال، تمسكًا بظاهر اللفظ. وذهب بعض العلماء إلى التخيير في ذلك.\nوأما إعفاء اللحية: فهو توفيرها وتكثيرها. قال أبو عبيد: يقال: عفا الشيء؛ إذا كثر وزاد. وأعفيته أنا وعفا إذا درس، وهو من الأضداد. وقال غيره: يقال: عفوت الشعر وأعفيته لغتان، فلا يجوز حلقُها، ولا نتفُها، ولا قص الكثير منها. فأما أخذ ما تطاير منها، وما يُشوِّهُ ويدعو إلى الشهرة طولًا\n_________\n(١) في (ع): أصل كمال الهيئة الخَلْقية.","vol":"1","page":512},{"text":"وَغَسلُ البَرَاجِمِ، وَنَتفُ الإِبِطِ، وَحَلقُ العَانَةِ، وَانتِقَاصُ المَاءِ.\nقَالَ مُصعَبٌ بنِ شَيبَة: وَنَسِيتُ العَاشِرَةَ إِلا أَن تَكُونَ المَضمَضَةَ. قَالَ وَكِيعٌ: انتِقَاصُ المَاءِ: يَعنِي الاستِنجَاءَ.\nرواه أحمد (٦/ ١٣٧)، ومسلم (٢٦١)، وأبو داود (٥٣)، والترمذي (٢٧٥٨)، والنسائي (٨/ ١٢٦ - ١٢٧).\n[١٩٥] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: الفِطرَةُ خَمسٌ: الاختِتَانُ، وَالاستِحدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقلِيمُ الأَظفَارِ، وَنَتفُ الإِبِطِ.\nرواه البخاري (٥٨٩١)، ومسلم (٢٥٧)، وأبو داود (٤١٩٨)، والترمذي (٢٧٥٧)، والنسائي (١/ ١٤ - ١٥).\nــ\nوعرضًا فحسنٌ عند مالك وغيره من السلف، وكان ابن عمر يأخذ من طولها ما زاد على القبضة. والبراجم: مفاصل الأصابع، وقد تقدم الكلام عليها، وهي إن لم تتعاهد بالغسل أسرع إليها الوسخ.\nوانتقاص الماء؛ قال أبو عبيد: انتقاص البول بالماء: إذا غسل مذاكيره به، وقيل: هو الانتضاح. وقال وكيع: هو الاستنجاء بالماء.\nوخرج نتف الإبط وحلق العانة على المتيسر في ذلك، ولو عكس: فحلق الإبط ونتف العانة جاز لحصول النظافة بكل ذلك، وقد قيل: لا يجوز في العانة إلا الحلق؛ لأن نتفها يؤدي إلى استرخائها، وذكره أبو بكر بن العربي.\nوالاستحداد: استعمال الحديدة في الحلق.\nوتقليم الأظفار: قصها، والقُلامَةُ: ما يزال منها.","vol":"1","page":513},{"text":"[١٩٦] وَعَنِ ابنِ عُمَرَ، قال: قال رسول الله - ﷺ -: خَالِفُوا المُشرِكِينَ، أَحفُوا الشَّوَارِبَ، وَأَوفُوا اللِّحَى.\nرواه البخاري (٥٨٩٢)، ومسلم (٢٥٩)، وأبو داود (٤١٩٩)، والترمذي (٢٧٦٤)، والنسائي (١/ ١٦).\n[١٩٧] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: جُزُّوا الشَّوَارِبَ، وَأَرخُوا اللِّحَى، خَالِفُوا المَجُوسَ.\nــ\nوأمَّا الختان: فسنةٌ منتشرة في العرب، معمول بها من لدن إبراهيم، فإنه أول من اختتن، وهو عند مالك وعامة العلماء سنة مؤكدة، وشعارٌ من شعائر الإسلام، إلا أنه لم يرد من الشرع ذم تاركه، ولا توعده بعقاب، فلا يكون واجبًا خلافًا للشافعي، وهو مقتضى قول سحنون من أصحابنا. واستدل ابن سريج على وجوبه بالإجماع على تحريم النظر إلى العورة، وقال: لولا أن الختان فرضٌ لما أبيح النظر إليها من المختُون. وأجيب: بأن مثل هذا قد يباح لمصلحة الجسم؛ كنظر الطبيب؛ على ما قد ثبت عن جماعة من السلف من إباحة ذلك، على ما حكاه أبو عمر، ولم يذكر في إباحة ذلك خلافًا، والطبُّ ليس بواجبٍ إجماعًا، فما فيه مصلحة دينية أولى بذلك.\nو(قوله: أحفوا الشوارب) بألف القطع رباعيًا، وهو المشهور فيه، وهو في أصل اللغة للمبالغة في استقصاء ذلك الشيء؛ ومنه: أحفى في المسألة، وفي الكلام: إذا أكثر من ذلك وبلغ غايته، وقد قال ابن دريد: يقال: حفا شاربه، يحفوه، حفوًا: إذا استأصل جزَّه. قال: ومنه: احفوا الشوارب، فعلى هذا يكون ثلاثيًّا، وتكون ألفه ألف وصل تبتدأ مضمومة بضم ثالث الفعل، وقد قدمنا أن هذا الظاهر غير مُراد بما تقدَّم.","vol":"1","page":514},{"text":"رواه أحمد (٢/ ٣٦٥ و٣٦٦)، ومسلم (٢٦٠).\n[١٩٨] وَعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ، وَتَقلِيمِ الأَظفَارِ، وَنَتفِ الإِبِطِ، وَحَلقِ العَانَةِ، أَلا نُترَك أَكثَرَ مِن أَربَعِينَ لَيلَةً.\nرواه أحمد (٣/ ١٢٢ و٢٠٣)، ومسلم (٢٥٨)، وأبو داود (٤٢٠٠)، والترمذي (٢٧٥٩)، والنسائي (١/ ١٥ - ١٦).\n* * *\nــ\nو(قوله: جزوا الشوارب) كذا الرواية الصحيحة عند الكافة، ووقع: خذوا الشوارب. وكأنه تصحيفٌ. ووقع لابن ماهان: ارجوا اللحى، بالجيم، وكأن هذا تصحيف، وتخريجه على أنه أراد أرجئوا من الإرجاء، فسهل الهمزة فيه.\nو(قوله: خالفوا المشركين والمجوس) دليل على اجتناب التشبه بهم.\nو(قوله في حديث أنس: وُقِّت لنا في قص الشارب. . إلى آخره) هذا تحديد أكثر المدة، والمستحب تفَقّدُ ذلك من الجمعة إلى الجمعة، وإلا فلا تحديد فيه للعلماء، إلا أنه إذا كثر ذلك أزيل.\nوهذا الحديث يرويه جعفر بن سليمان. قال العقيلي: في حديثه نظر. وقال أبو عمر فيه: ليس بحجة لسوء حفظه، وكثرة غلطه (١). قال الشيخ - ﵀ -: وفي قولهما نظر (٢).\n_________\n(١) انظر: ميزان الاعتدال (١/ ٤٠٨ - ٤١١).\n(٢) ساقط من (ع).","vol":"1","page":515},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>(٩) باب ما يُستَنجَى به والنهي عن الاستنجاء باليمين</span>\n[١٩٩] عَن سَلمَانَ؛ قَالَ: قِيلَ لَهُ: قَد عَلَّمَكُم نَبِيُّكُم - ﷺ - كُلَّ شَيءٍ حَتَّى الخِرَاءَةَ، قَالَ: فَقَالَ: أَجَل، لَقَد نَهَانَا أَن نَستَقبِلَ القِبلَةَ بِغَائِطٍ أو بَولٍ،\nــ\n(٩) ومن باب الاستنجاء\n(قوله: قد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة) هو بكسر الخاء ممدود مهموز، وهو اسم فعل الحدث، وأما الحدث نفسه فبغير تاء ممدود، وتفتح خاؤه وتكسر، ويقال: بفتحها وسكون الراء والقصر من غير مدٍّ.\nو(قوله: أجل) أي: نعم. قال الأخفش: إلا أنه أحسن من نعم في الخبر، ونعم أحسن منه في الاستفهام، وهما لتصديق ما قبلهما مطلقًا، نفيًا كان أو إيجابًا، فأما بلى فهو جواب بعد النفي عاريًا من حرف الاستفهام، أو مقرونًا به. قال الجوهري: بلى؛ إيجاب لما يقال لك؛ لأنها ترد النفي، وربما ناقضتها نعم. فإذا قال: ليس لك وديعة. فقولك: نعم، تصديق له، وبلى تكذيب له.\nو(قوله: نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بولٍ) دليل لمن ذهب إلى منع الاستقبال والاستدبار مطلقًا، وهو أحمد وأبو ثور وأبو حنيفة في المشهور عنه، وزاد النخعي وابن سيرين: منع استقبال القبلة المتقدمة واستدبارها. وكأن هؤلاء لم يبلغهم حديث ابن عمر الآتي (١)، أو لم يصلح عندهم للتخصيص؛ لأنه فعل في خلوة. وذهب ربيعة وداود: إلى جواز ذلك مطلقًا؛ متمسكين بحديث ابن عمر، وبما رواه الترمذي عن جابر قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن نستقبل القبلة ببولٍ، فرأيته قبل أن يموت بعامٍ يستقبلها (٢). قال: وقال فيه البخاري: هو صحيحٌ.\n_________\n(١) يأتي برقم (٢٠٣).\n(٢) رواه أبو داود (١٣)، والترمذي (٩).","vol":"1","page":516},{"text":"أو أَن نَستَنجِيَ بِاليَمِينِ، أو أَن نَستَنجِيَ بِأَقَلَّ مِن ثَلاثَةِ أَحجَارٍ، أو أَن نَستَنجِيَ بِرَجِيعٍ أو بِعَظمٍ.\nــ\nوذهب الشافعي إلى التفريق بين القُرى والصحارى تعويلًا على أن حديث ابن عمر مخصص لأحاديث النهي. وأما مذهب مالك فهو أنه إذا كان ساتر وكنفٌ ملجئة إلى ذلك جاز، وإن كان الساتر وحده فروايتان. وسبب هذا الاختلاف: اختلاف هذه الأحاديث، وبناء بعضها على بعض. وقد أشرنا إلى ذلك. وقد تقدم القول على قوله: وأن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار. والضابط فيما يستنجى به عندنا: كل طاهر منق، ليس بمطعوم ولا ذي حرمة، ولا تخفى قيوده.\nو(قوله: برجيع أو بعظم) الرَّجيع: العذرة، والأرواث، ولا يستنجى بها لنجاستها، ولذلك قال - ﵊ - لعبد الله بن مسعود حيث أتاه بالحجرين والروثة: إنها رجس (١)، ذكره البخاري. وقد جاء أيضًا من حديثه في كتاب أبي داود ما يدل على أنه إنما نهى عن الاستنجاء بها. وبالعظم؛ لكونهما زادا للجن. قال: قدم وفد الجن على النبي - ﷺ - فقالوا: يا محمد! انه أُمَّتَك أن يستنجوا بعظم أو روثة أو حُمَمَة؛ فإن الله جاعل لنا فيها رزقًا (٢). وكذلك جاء في البخاري من حديث أبي هريرة قال: فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفد جن نصيبين، ونعم الجن، فسألوني الزاد، فدعوت الله ألا يمروا بعظم ولا روثة إلا وجدوا عليها طعامًا (٣)، وفي بعض الحديث: وأما الروث فعلف دوابهم (٤).\n_________\n(١) رواه البخاري (١٥٦)، وفيه: \"هذا رِكْسٌ\".\n(٢) رواه أبو داود (٣٩).\n(٣) رواه البخاري (٣٨٦٠).\n(٤) رواه أحمد (١/ ٤٣٦، ٤٥٧)، ومسلم (٤٥٠)، والترمذي (٣٢٥٨) من حديث ابن مسعود ﵁.","vol":"1","page":517},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: وَنَهَانا عَنِ الرَّوثِ وَالرمة.\nرواه مسلم (٢٦٢)، وأبو داود (٧)، والترمذي (١٦)، والنسائي (١/ ٣٨ - ٣٩).\nــ\nويؤخذ من هذا الحديث: احترام أطعمة بني آدم وتنزيهها عن استعمالها في أمثال هذه القاذورات. ووجه هذا الأخذ أنه إذا منع من الاستنجاء بالعظم والروث؛ لأنها زاد الجن وطعامهم؛ فأحرى وأولى زاد الإنس وطعامهم.\nوالرِّمَّة (١) العظم البالي، وقد أطلق عليه أيضًا: الحائل؛ أي: قد أتت عليه أحوالٌ فحال، ويمكن جريان العلة المتقدمة في الرّمة من حيث هو عظم فيجدون عليها طعامًا، كما قد صح. وقيل: لأنها تتفتت فلا تثبت عند الاستنجاء بها، ولا يتأتى بها قلع ما هنالك. وقيل: لأنها تصير مثل الزجاج من حيث ملوستها فلا تقلع شيئًا.\nوالحُمم الفحم، وعلل بأنه زاد الجن، وهو أيضًا لا صلابة لأكثره، فيتفتت عند الاستنجاء، ويلوث الجسد ويسخمه (٢)، والدين مبني على النظافة.\nتنبيه:\nإن وقع الاستنجاء والإنقاء بالطاهر المنقي المنهي عن الاستنجاء به فإنه يجزئه عندنا. وهل يعيد الصلاة في الوقت أو لا؟ قولان، وكذلك مسألة من بيمينه فإنه أساء وأجزأه. وقال أهل الظاهر: لا يجزئه لاقتضاء النهي فساد المنهي عنه. وعند الجمهور لا يقتضيه، وأيضًا (٣) فإن الجمهور صرفوا هذا النهي\n_________\n(١) هذه اللفظة لم ترد في أصل مسلم، وإنّما هي من رواية أبي داود والنسائي وغيرهما، ولفظ مسلم: ونهانا عن الروث والعظام.\n(٢) \"يسخمه\": أي: يسوّده.\n(٣) ساقط من (ع).","vol":"1","page":518},{"text":"[٢٠٠] وَعَن أَبِي قَتَادَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: لا يُمسِكَنَّ أَحَدُكُم ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وهو يَبُولُ، وَلا يَتَمَسَّح مِنَ الخَلاءِ بِيَمِينِهِ، وَلا يَتَنَفَّس فِي الإِنَاءِ.\nرواه البخاري (٥٦٣٠)، ومسلم (٢٦٧)، وأبو داود (٣١)، والترمذي (١٥)، والنسائي (١/ ٢٥).\nــ\nإلى غير ذات المنهي عنه، وهو احترام المطعوم واليمين، والمطلوب - الذي هو الإنقاء - قد حصل، فيجزئ عنه. ونهيه في حديث أبي قتادة عن إمساك الذكر باليمين، وعن التمسح في الخلاء باليمين، يلزم منهما تعذُّرٌ. اختلف علماؤنا في كيفية التخلص منه؛ فقال المازري: يأخذ ذكره بشماله ثم يمسح به حجرًا ليسلم على مقتضى الحديثين. قال الشيخ - ﵀ -: وهذا إن أمكنه حجر ثابت، أو أمكنه أن يسترخي فيتمسح بالأرض؛ فأما إذا لم يمكنه شيء من ذلك؟ فقال الخطابي: يجلس على الأرض ويمسك برجليه الشيء الذي يتمسح به ويتناول ذكره بشماله.\nقال الشيخ: وقد يكون بموضع لا يتأتى له فيه الجلوس، فقال عياض: الأولى من ذلك: أن يأخذ ذكره بشماله، ثم يأخذ الحجر بيمينه، فيمسكه أمامه، ويتناول بالشمال تحريك رأس ذكره، ويمسحه بذلك، دون أن يستعمل اليمين في غير إمساك ما يتمسح به. قال الشيخ: وهذه الكيفية أحسنها لقلة تكلفها وتأتيها (١)، ولسلامتها عن ارتكاب منهي عنه؛ إذ لم يمسك ذكره باليمين ولم تمسح به، وإنما أمسك ما يتمسح به.\nو(قوله: ولا يتنفس في الإناء) هذا التأديب مبالغة في النظافة؛ إذ قد يخرج مع النفس بصاق، أو مخاط، أو بخار رديءٌ فيكسبه رائحة كريهة، فيتقذر الغير عن شربه، أو الشارب نفسه، وهذا من باب النهي عن النفخ في الشراب، ومن باب\n_________\n(١) قال في اللسان: تأتّى الرجلُ لحاجته، إذا ترفّق لها وأتاها من وجهها.","vol":"1","page":519},{"text":"[٢٠١] وَعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَتَبَرَّزُ لِحَاجَتِهِ، فَآتِيهِ بِالمَاءِ، فَيَتَغَسَّلُ بِهِ.\nــ\nالنهي عن اختناث الأسقية، وتزيد هذه مصالح أخر، يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى في مواضعها.\nو(قول أنس: كان النبي - ﷺ - يتبرز لحاجته) يتبرز: يخرج إلى البَرازِ من الأرض بحيث يبعد عمن كان معه، وقد كان يأتي المُغمس (١) لحاجته، وهو من المدينة على نحو الميلين.\nو(قوله: فآتيه بالماءِ) دليل على استعمال الخادم فيما يختفي به عن غيره، وعلى استعمال الماء في إزالة النجو (٢) عن هذين المحلين، وأن الماء ليس من قبل المطعوم فيحترم في هذا، خلافًا لمن شذ من الفقهاء، ولم ير الاستنجاء بالماء العذب؛ لأنه زعم أنه طعامٌ، وخلافًا لما قال سعيد بن المسيب في الاستنجاء بالماء: إنما ذلك وضوء النساء. ولا شك في أن الماء أولى من الحجارة؛ ولأجل هذا أنزل الله تعالى في أهل قباء: فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا، قال أبو داود: عن أبي هريرة: كانوا يستنجون بالماء، فنزلت هذه الآية فيهم (٣). وقد شذ ابن حبيب من أصحابنا، فقال: لا يجوز استعمال الأحجار مع وجود الماء. وهذا ليس بشيءٍ؛ إذ قد صح في البخاري (٤) من حديث أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - استعمل الحجارة مع وجود الماء في الإداوة مع أبي هريرة يتبعه بها. ولبُعدِ قياس إزالة النجاسة - والمقصود به النظافة - على التيمم وهو محض العبادة، والله أعلم.\n_________\n(١) \"المُغَمَّس\": مكان لقضاء حاجة الإنسان، وهو على ثلثي فرسخ من مكة. انظر: معجم البلدان (٥/ ١٦٢).\n(٢) \"النجو\": ما يخرج من البطن من ريح أو غائط.\n(٣) رواه أبو داود (٤٤)، والترمذي (٣٠٩٩).\n(٤) رواه البخاري (٣٨٦٠).","vol":"1","page":520},{"text":"رواه أحمد (٣/ ١١٢)، والبخاري (٢١٧)، ومسلم (٢٧١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>(١٠) باب ما جاء في استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط والنهي عن التخلي في الطرق والظلال</span>\n[٢٠٢] عَن أَبِي أَيُّوبَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: إِذَا أَتَيتُمُ الغَائِطَ فَلا تَستَقبِلُوا القِبلَةَ وَلا تَستَدبِرُوهَا، بِبَولٍ ولا غَائِطٍ، وَلَكِن شَرِّقُوا أو غَرِّبُوا.\nــ\nو(قوله: فيتغسل به) كذا صح بالتاء والتشديد، وهو يدل على المبالغة في غسل تلك المواضع.\nوقد روى أبو داود هذا الحديث وزاد فيه: ثم مسح يده على الأرض. وهي زيادة حسنة تدل على أنه لا بد من إزالة رائحة النجاسة في غسلها إذا أمكن ذلك، والله أعلم.\nواختلف العلماء في الاستنجاء؛ فقال أبو حنيفة: الاستنجاء ليس بفرض، وإزالة النجاسة فرض، وقال الجمهور: هو من باب إزالة النجاسة، إلا أنهم اختلفوا في حكم إزالتها على ثلاثة أقوال: هل هي فريضة مطلقًا، أو سنة مطلقًا، أو هي واجبة بشرط الذكر والقدرة؟ وهذا اختلاف أصحاب مالك عنه.\n(١٠) ومن باب ما جاء في استقبال القبلة ببول أو غائط\n(قوله: ولكن شَرِّقُوا أو غَرِّبُوا) هذا الحديث قيل لأهل المدينة ومن وراءها من أهل الشام والمغرب؛ لأنهم إذا شرقوا أو غربوا لم يستقبلوا القبلة، ولم يستدبروها، فأما من كانت الكعبة في شرق بلاده أو غربها فلا يشرق ولا يغرب إكرامًا للقبلة. واختلف أصحابنا في تعليل هذا الحكم؛ فقيل: إنه معلَّل بحرمة","vol":"1","page":521},{"text":"قَالَ أبو أَيُّوبَ: فَقَدِمنَا الشَّامَ، فَوَجَدنَا مَرَاحِيضَ قَد بُنِيَت قِبَلَ القِبلَةِ؛ فننحرف عنها، وَنَستَغفِرُ اللهَ.\nرواه أحمد (٥/ ٤٢١)، والبخاري (٣٩٤)، ومسلم (٢٦٤)، وأبو داود (٩)، والترمذي (٨)، والنسائي (١/ ٢١ - ٢٢).\n[٢٠٣] وَعَنِ ابنِ عُمَرَ؛ قَالَ: رَقِيتُ عَلَى بَيتِ أُختِي حَفصَةَ فَرَأَيتُ رسولَ الله - ﷺ - قَاعِدًا لِحَاجَتِهِ، مُستَقبِلَ الشَّامِ، مُستَدبِرَ القِبلَةِ.\nــ\nالقبلة، وقيل: بحرمة المصلين من الملائكة. والصحيح الأول، بدليل ما رواه الدارقطني مرسلًا عن طاووس مرفوعًا: إذا أتى أحدكم البراز فليكرم قبلة الله، فلا يستقبلها ولا يستدبرها (١). وقول أبي أيوب: فننحرف عنها، ونستغفر الله؛ دليل على أنه لم يبلغه حديث ابن عمر، أو لم يره مخصصًا، وحمل ما رواه على العموم.\nو(قول ابن عمر: رقيت على بيت أختي حفصة) هذا الرُّقي من ابن عمر الظاهرُ منه أنه لم يكن عن قصد الاستكشاف، وإنما كان لحاجة غير ذلك. ويحتمل أن يكون ليطلع على كيفية جلوس النبي - ﷺ - للحدث، على تقدير أن يكون قد استشعر ذلك، وأنه تحفظ من أن يطلع على ما لا يجوز له، وفي هذا الثاني بُعدٌ، وكونه - ﷺ - على لبنتين؛ يدل لمالك على قوله: إذا اجتمع المرحاض الملجِئ والسَّاتر جاز ذلك.\nواستقباله بيت المقدس يدل على خلاف ما ذهب إليه النخعي وابن سيرين، فإنهما منعا ذلك.\nوما روي من النهي عن استقبال شيء من القبلتين بالغائط لا يصح؛ لأنه من رواية عبد الله بن نافع مولى ابن عمر، وهو ضعيفٌ. وقد ذهب\n_________\n(١) رواه الدارقطني في سننه (١/ ٥٧).","vol":"1","page":522},{"text":"وفي رواية: قاعدا عَلَى لَبِنَتَينِ مُستَقبِلًا بَيت المَقدِس.\nرواه البخاري (١٤٨)، ومسلم (٢٦٦)، وأبو داود (١٢)، والترمذي (١١)، والنسائي (١/ ٢٣).\nــ\nبعض من منع استقبال القبلة واستدبارها مطلقًا: إلى أن حديث ابن عمر لا يصلح تخصيص حديث أبي أيوب؛ لأنه فعل في خلوة، وهو محتمل للخصوص، وحديث أبي أيوب قولٌ قعدت به القاعدة، فبقاؤه على عمومه أولى. والجواب عن ذلك أن نقول: أما فعله - ﵊ - فأقل مراتبه أن يحمل على الجواز؛ بدليل مطلق اقتداء الصحابة بفعله، وبدليل قوله تعالى: لَقَد كَانَ لَكُم فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسوَةٌ حَسَنَةٌ، وبدليل قوله - ﷺ - لعائشة حين سألتها المرأة عن قبلة الصائم: ألا أخبرتها أني أفعل ذلك (١)، وقالت عائشة: فعلتُهُ أنا ورسول الله - ﷺ - فاغتسلنا، يعني: التقاء الختانين (٢). وقبل ذلك الصحابة وعملوا عليه.\nوأما كون هذا الفعل في خلوة فلا يصلح مانعا من الاقتداء؛ لأن الحدث كله كذلك يفعل، ويمنع أن يفعل في الملأ، ومع ذلك فقد نقل وتحدث به، سيما وأهل بيته كانوا ينقلون ما يفعله في بيته من الأمور المشروعة (٣). وأما دعوى الخصوص فلو سمعها النبي - ﷺ - لغضب على مُدّعِيها، وأنكر ذلك (٤) كما قد غضب على من ادعى تخصيصه بجواز القُبلَة، فإنه غضب عليه؛ وأنكر ذلك، وقال: والله إني لأخشاكم لله وأعلمكم بحدوده (٥)، وكيف يجوز تَوهُّم هذا؟ وقد تبين أن\n_________\n(١) رواه مالك في الموطأ (١/ ٢٩١ و٢٩٢).\n(٢) رواه أحمد (٦/ ٢٣٩).\n(٣) في (م): الشرعية.\n(٤) من (ع).\n(٥) رواه مالك في الموطأ (١/ ٢٩٣) بلفظ: \"والله! إني لأتقاكم. . .\".","vol":"1","page":523},{"text":"[٢٠٤] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - قَالَ: اتَّقُوا اللَاّعَّنَينِ، قَالُوا: وَمَا اللَاّعَّنَانِ يَا رسولَ الله؟ قَالَ: الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أو فِي ظِلِّهِم.\nرواه أحمد (٢/ ٣٧٢)، ومسلم (٢٦٩)، وأبو داود (٢٥).\n* * *\nــ\nذلك إنما شرع إكرامًا للقبلة، وهو أعلم بحرمتها وأحق بتعظيمها، وكيف يستهين بحرمة ما حرم الله؟ هذا ما لا يصدر توهمه إلا من جاهل بما يقول، أو غافل عما كان يحترمه الرسول - ﷺ -.\nو(قوله: اتقوا اللاعنين، قالوا: وما اللاعنان؟) يروى هكذا. وصحيح روايتنا: اللعانين، قالوا: وما اللعانان؟ بالتشديد على المبالغة وكلاهما صحيح، وقد تقدم القول: أن اللعن: الطرد والبعد، وقد فسّرها: بالتخلي في الطرق والظلال. وجاء في الترمذي من حديث معاذ مرفوعًا: اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل بخرأة (١). وسميت هذه ملاعن لأنها تجلب اللعن على فاعلها العادي والشرعي؛ لأنه ضرر عظيم بالمسلمين؛ إذ يعرضهم للتنجيس، ويمنعهم من حقوقهم في الماء والاستظلال وغير ذلك.\nويفهم من هذا: تحريم التخلي في كل موضع كان للمسلمين إليه حاجة، كمجتمعاتهم، وشجرهم المثمر، وإن لم يكن له ظلال وغير ذلك.\n_________\n(١) لم يروه الترمذي، بل رواه أبو داود (٢٦)، وابن ماجه (٣٢٨) وآخره عندهما: \"في الظل\"، ورواه الحاكم (١/ ١٦٧) وآخره: \"للخرأة\".","vol":"1","page":524},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>(١١) باب ما جاء في البول قائمًا</span>\n[٢٠٥] عَن أَبِي وَائِلٍ؛ قَالَ: كَانَ أبو مُوسَى يُشَدِّدُ فِي البَولِ، وَيَبُولُ فِي قَارُورَةٍ، وَيَقُولُ: إِنَّ بَنِي إِسرَائِيلَ كَانواَ إِذَا أَصَابَ جِلدَ أَحَدِهِم بَولٌ قَرَضَهُ بِالمَقَارِيضِ. فَقَالَ حُذَيفَةُ: لَوَدِدتُ أَنَّ صَاحِبَكُم لا يُشَدِّدُ هَذَا التَّشدِيدَ، فَلَقَد رَأَيتُنِي أَنَا وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - نَتَمَاشَى، فَأَتَى سُبَاطَة قَومٍ خَلفَ\nــ\n(١١) ومن باب ما جاء في البول قائمًا\n(قول أبي موسى: إن بني إسرائيل كانوا إذا أصاب جلد أحدهم بول قرضه) يعني الجلود التي كانوا يلبسونها، وقد سمعت بعض أشياخي من يحمل هذا على ظاهره، ويقول: إن هذا كان من الإصر الذي حُمّلوُه، والله تعالى أعلم.\nوقرضه: قطعه. والسباطة: المزبلة. وقول حذيفة: فانتبذت منه أي: صرت منه بعيدًا.\nواختلف العلماء في البول قائمًا؛ فمنعه قوم مطلقًا، منهم عائشة وابن مسعود. وقد ردّ سعد بن إبراهيم شهادة من بال قائمًا؛ متمسكين في ذلك بما روي عن النبي - ﷺ -: أنه قال لعمر وقد رآه يبول قائمًا: يا عمر! لا تَبُل قائمًا، قال: فما بلت قائمًا بعد (١)، وبقول عائشة: من حدثكم أن النبي - ﷺ - كان يبول قائمًا فلا تصدقوه، وما كان يبول إلا قاعدًا (٢).\nوذهب الجمهور إلى جواز ذلك؛ إذا أمن مما يؤدي إليه: من تطاير البول، وانكشاف العورة؛ مستدلين بحديث حذيفة هذا، منفصلين عن حديث عمر، فإن في إسناده عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو ضعيف، وعلى تقدير تسليم صحته فكأن ذلك لما يؤدي إليه من التطاير\n_________\n(١) رواه الترمذي (١٢).\n(٢) رواه الترمذي (١٢)، والنسائي (١/ ٢٦).","vol":"1","page":525},{"text":"حَائِطٍ، فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُم، فَبَالَ، فَانتَبَذتُ مِنهُ، فَأَشَارَ إِلَيَّ فَجِئتُ، فَقُمتُ عِندَ عَقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ.\nزَادَ فِي رِوَايَةٍ: فَتَوَضَّأَ فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيهِ.\nرواه البخاري (٢٢٦)، ومسلم (٢٧٣)، وأبو داود (٢٣)، والترمذي (١٣)، والنسائي (١/ ٣٥).\n* * *\nــ\nوالانكشاف، وعن حديث عائشة: فإنها أخبرت عما أدركته من النبي - ﷺ -، ولا شك في أن بوله قاعدًا كان أكثر أحواله، ولا يلزم من قولها تكذيب حذيفة؛ إذ هو العَالِم العَلمُ المرجوعُ إليه في قبول الأحاديث بإجماع الصحابة. وقد انفصل المانعون عن حديث حذيفة: باحتمال أن يكون فعله لجرحٍ بمأبضيه (١)، أو لنجاسة السُّباطة، فلم يمكنه القعود فيها، أو لأنه كان بين الناس ولم يمكنه التباعد؛ لأن البول حَفَزهُ؟ فبال قائمًا؛ لئلا يخرج منه حدثٌ، كما قد جاء عنه أنه قال للذي كان معه: تنح عني، فإن كل بائلة تُفيخ (٢).\nوالجواب: أن هذه الأوجه وإن كانت محتملة، إلا أن حذيفة كان شاهدًا لحالته كلها، واستدل بهذا الفعل على جواز البول قائمًا، وعلى ترك التعمق في التحرز من النجاسة، فلو كان هناك شك من تلك الاحتمالات لما استدل به، ولنقل ذلك المعنى، والله أعلم.\nوكون النبي - ﷺ - لم يتوار على خلاف عادته؛ لأن البول حفزه، والله أعلم. ومع ذلك فارتاد لبوله السُّباطة خلف الحائط، ويقال: إنه استقبل الجدار، واستتر من المارين خلفه بحذيفة، ولذلك دعاه فقام عند عقبه حتى فرغ، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) \"المأبِض\": باطن الركبة.\n(٢) في حاشية (ل): ذكره ابن الأثير في \"النهاية\" له في مادة الباء، وعزاه إلى أبي موسى الأصبهاني. انظر: النهاية (١/ ١٦٣) وفيه: يعني أنَّ مَن يبول يخرج منه الريح.","vol":"1","page":526},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>(١٢) باب المسح على الخفين والتوقيت فيه</span>\n[٢٠٦] عَن هَمَّامٍ؛ قَالَ: بَالَ جَرِيرٌ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيهِ، فَقِيلَ: تَفعَلُ هَذَا؟ فَقَالَ: نَعَم. رأيت رسولَ الله - ﷺ - بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيهِ.\nــ\n(١٢) ومن باب المسح على الخفين\nأنكر طائفة من أهل البدع المسح على الخفين في السفر والحضر، كالخوارج؛ لأنهم لم يجدوه في القرآن، على أصلهم وردهم أخبار الآحاد، وأنكرته الشيعة؛ لما رُوي عن علي أنه كان لا يمسح. وأنكره غير هؤلاء زاعمين أن التمسك بآية الوضوء أولى؛ إما لأنها ناسخة لما تقدمها من جواز المسح الثابت بالسنة، وإما لأنها أرجح من أخبار الآحاد.\nوأما جمهور العلماء من السلف وأئمة الفتوى فالمسح عندهم جائز. قال الحسن: حدثني سبعون من أصحاب رسول الله - ﷺ - أنه مسح على الخفين، ثم إنه قد ورد من الأحاديث الصحيحة والمشهورة ما يفيد مجموعها القطع بأن النبي - ﷺ - مسح على الخفين. وقد روي عن مالك إنكار المسح على الخفين، وليس ذلك بصحيح مطلقًا، وإنما الذي صح عنه من رواية ابن وهب في هذا؛ أنه قال: لا أمسح في حضر ولا سفر، نقلها أبو محمد بن أبي زيد في نوادره وغيره. فظاهر هذا أنه اتقاه في نفسه.\nوقد روى ابن نافع في المبسوط عن (١) مالك ما يزيل كل إشكال، أنه قال له عند موته: المسح على الخفين في الحضر والسفر صحيح، يقين، ثابت، لا شك فيه، إلا أني كنت أجد في خاصة نفسي بالطهور،\n_________\n(١) ساقط من (م).","vol":"1","page":527},{"text":"قَالَ إبرَاهِيمُ: كَانَ يُعجِبُهُم هَذَا الحَدِيثُ، لأَنَّ إِسلامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعدَ نُزُولِ المَائِدَةِ.\nرواه أحمد (٤/ ٣٥٨)، والبخاري (٣٨٧)، ومسلم (٢٧٢)، وأبو داود (١٥٤)، والترمذي (٩٣)، والنسائي (١/ ٨١).\nــ\nولا أرى من مسح مقصرًا فيما يجب عليه؛ وعلى هذا حمل أحمد بن حنبل قول مالك.\nكما روي عن عمر أنه أمرهم أن يمسحوا أخفافهم، وخلع هو وتوضأ، وقال: حُبب إلي الوضوء. ونحوه عن أبي أيوب. قال الشيخ - ﵀ -: وعلى هذا يحمل ما روي عن علي. قال أحمد بن حنبل: فمن ترك ذلك على نحو ما تركه عمر، وأبو أيوب، ومالك، لم أنكره عليه، وصلينا خلفه ولم نعبه إلا أن يترك ذلك ولا يراه، كما صنع أهل البدع، فلا نصلي خلفه.\nفأما من أنكر المسح في الحضر - وهي أيضًا رواية عن مالك - فلأن أكثر أحاديث المسح إنما هي في السفر، والصحيح جواز المسح فيه، إذ هو ثابت عن النبي - ﷺ - من قوله وفعله، وحديث السُّباطة مما يدل عليه؛ حيث كانت السُّباطة خلف الحائط، بل قد روي في ذلك الحديث عن حذيفة، قال: كنت مع النبي - ﷺ - بالمدينة. . وذكر الحديث.\nوقد روى أبو داود عن بلال: أن النبي - ﷺ - دخل الأسواق لحاجته، ثم خرج فتوضأ، ومسح على خفيه (١). والأسواق: موضع بالمدينة. وسيأتي حديث عليّ في توقيت المسافر والمقيم (٢).\nو(قول النخعي: كان يُعجبُهُم) يعني: أصحاب عبد الله، وقد جاء في\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٥٣).\n(٢) يأتي برقم (٢٠٨).","vol":"1","page":528},{"text":"[٢٠٧] وَعَنِ المُغِيرَةِ؛ قَالَ: كُنتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - ذَاتَ لَيلَةٍ فِي مَسِيرٍ فَقَالَ لِي: أَمَعَكَ مَاءٌ؟ قُلتُ: نَعَم. فَنَزَلَ عَن رَاحِلَتِهِ، فَمَشَى حَتَّى تَوَارَى فِي سَوَادِ اللَّيلِ، ثُمَّ جَاءَ، فَأَفرَغتُ عَلَيهِ مِنَ الإِدَاوَةِ، فَغَسَلَ وَجهَهُ، وَعَلَيهِ جُبَّةٌ مِن صُوفٍ - وَفِي رِوَايَةٍ: شَامِيَّةٌ ضَيِّقَةُ الكُمَّينِ - فَلَم يَستَطِع أَن يُخرِجَ\nــ\nروايةٍ مفسرًا هكذا. وإنما أعجبهم ذلك؛ لأنه إنما رأى النبي - ﷺ - بعد أن أسلم، وأسلم بعد نزول المائدة، فمسح النبي - ﷺ - بعد نزول المائدة، فلا تكون آية الوضوء التي في المائدة ناسخة للسُّنة الثابتة في ذلك (١)، ولا مرجحة عليها؛ خلافًا لمن ذهب إلى ذلك.\nو(قوله في حديث المغيرة: ذات ليلة) أي: ليلة من الليالي، وهي منصوبة على الظرفية، كما تقول: ذات مرة؛ أي: مرة من المرات، ويقال للمذكر: ذا صباح وذا مساءٍ، كما قال الشاعر (٢):\nعزمت على إقامة ذي صباح ... لأمر ما يسود من يسود\nوكان هذا المسير في غزوة تبوك، كما في الموطأ. والمسير: السير، وقد يكون: الطريق الذي يسار فيه. وتوارى: غاب. والإداوة: الإناء من الجلد، وفي طريق آخر: مطهرة، وفيه حجة للجماعة في جواز صب الماء على المتوضئ. وقد رُوي عن عمر وابنه كراهة ذلك، وقد روي عنهما خلاف ذلك. فروي عن عمر: أن ابن عباس صب على يديه الوضوء. وقال ابن عمر: لا أبالي، أعانني رجل على وضوئي وركوعي وسجودي (٣). وهو الصحيح.\nوفيه دليلٌ على جواز الاقتصار على فروض الوضوء دون السنن، إذا\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) هو أنس بن نَهِيك.\n(٣) رواه أبو جعفر الطبري كما في فتح الباري (١/ ٢٨٦).","vol":"1","page":529},{"text":"ذِرَاعَيهِ مِنهَا، حَتَّى أَخرَجَهُمَا مِن أَسفَلِ الجُبَّةِ. فَغَسَلَ ذِرَاعَيهِ، وَمَسَحَ بِرَأسِهِ، ثُمَّ أَهوَيتُ لأَنزِعَ خُفَّيهِ، فَقَالَ: دَعهُمَا، فَإِنِّي أَدخَلتُهُمَا طَاهِرَتَينِ وَمَسَحَ عَلَيهِمَا.\nــ\nأرهقت إلى ذلك ضرورة. ويحتمل أن يكون النبي - ﷺ - فعلها ولم يذكرها المغيرة، والظاهر خلاف، وقد روى البخاري من حديث عبد الله بن زيد: أنه - ﵊ - اقتصر على الفروض (١)، وقد قدمنا قوله للأعرابي: توضأ كما أمرك الله (٢)، وفيه دليلٌ على أن يسير التفريق في الطهارة لا يفسدها. قال أبو محمد عبد الوهاب: لا يختلف في أن التفريق غير المتفاحش لا يُفسد الوضوء. واختلف في الكثير المتفاحش، فروي عن ابن وهب: أنه يفسده في العمد والسهو، وهو أحد قولي الشافعي، وحكي عن ابن عبد الحكم أنه لا يفسده في الوجهين، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي في قول آخر. وعند ابن القاسم: أنه يفسده مع العمد أو التفريط، ولا يفسده مع السهو.\nوقال أبو الفضل عياض: إن مشهور المذهب أن سنة، وهذا هو الصحيح؛ بناءً على ما تقدم: من أن الفرائض محصورة في الآية، وليس في الآية ما يدل على الموالاة، وإنما أخذت من فعل النبي - ﷺ -، وإذ لم يرو عنه قط أنه فرق تفريقًا متفاحشًا.\nواختلف في الفرق بين اليسير والكثير؛ فقيل: ذلك يرجع إلى الاجتهاد، وليس فيه حدٌّ، وقيل: جفاف الوضوء هو الكثير. وفيه دليلٌ على أن الصوف لا ينجس بالموت؛ لأن الجبة كانت من عمل الشام، والشام إذ ذاك بلاد الكفر والشرك من مجوس وغيرهم، وأكثر مأكلهم ميتة، ولم يسأل عن ذلك - ﷺ - ولا توقف فيه.\nوفيه دليلٌ على الضيق والتشمير للأسفار.\nو(قوله: دعهما، فإني أدخلتهما وهما طاهرتان) حمل الجمهور هذه\n_________\n(١) سبق تخريجه برقم (١٧٣).\n(٢) سبق تخريجه ص (٤٨٢).","vol":"1","page":530},{"text":"رواه أحمد (٤/ ٢٥١)، والبخاري (٥٧٩٩)، ومسلم (٢٧٤)، وأبو داود (١٤٩ و١٥٠ و١٥١)، واقرمذي (٩٧ - ١٠٠)، والنسائي (١/ ٨٢).\n[٢٠٨] وَعَن شُرَيحِ بنِ هَانِئٍ؛ قَالَ: أَتَيتُ عَائِشَةَ أَسأَلُهَا عَنِ المَسحِ عَلَى الخُفَّينِ. فَقَالَت: عَلَيكَ بِابنِ أَبِي طَالِبٍ فَسَلهُ. فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. فَسَأَلنَاهُ، فَقَالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلمُسَافِرِ، وَيَومًا وَلَيلَةً لِلمُقِيمِ.\nرواه مسلم (٢٧٦)، والنسائي (١/ ٨٤).\n* * *\nــ\nالطهارة على العرفية، وهي طهارة الحدث، وخصّوها بالماء؛ لأنه الأصل، والطهارة به هي الغالبة. ورأى أصبغ: أن طهارة التيمم تدخل تحت مطلق قوله: هما طاهرتان، وقيل عنه: إنه بناه على أن التيمم يرفع الحدث.\nوذهب داود إلى أن المراد بالطهارة هنا: هي الطهارة من النجس فقط، فإذا كانت رجلاه طاهرتين من النجاسة جاز المسح على الخفين، وسبب الخلاف: الاشتراك في اسم الطهارة.\nو(قوله (١) في حديث علي: جعل رسول الله - ﷺ - ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم) نصٌّ في اشتراط التوقيت في المسح، وبه أخذ أبو حنيفة، والثوري، وأصحاب الحديث، والشافعي، ومالك وأحمد في أحد قوليهما، ومشهور مذهب مالك: أنه لا توقيت فيه، وهو قول الأوزاعي والليث، والقول\n_________\n(١) قدّمنا هذه الفقرة من حديث علي برقم (٢٠٨) كي تتوافق مع شرح الحديث في الباب (١٢).","vol":"1","page":531},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>(١٣) باب المسح على الناصية والعمامة والخمار</span>\n[٢٠٩] عَنِ المُغِيرَةِ؛ قَالَ: تَخَلَّفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَتَخَلَّفتُ مَعَهُ. فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ، قَالَ: أَمَعَكَ مَاءٌ؟ فَأَتَيتُهُ بِمِطهَرَةٍ، فَغَسَلَ كَفَّيهِ وَوَجهَهُ، ثُمَّ ذَهَبَ يَحسِرُ عَن ذِرَاعَيهِ فَضَاقَ كُمُّ الجُبَّةِ، فَأَخرَجَ يَدَهُ مِن تَحتِ الجُبَّةِ، وَأَلقَى الجُبَّةَ عَلَى مَنكِبَيهِ، وَغَسَلَ ذِرَاعَيهِ، وَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى العِمَامَةِ\nــ\nالآخر للشافعي، وأقوى ما يتمسك به لمشهور مذهب مالك حديث عقبة بن عامر، الذي خرجه الدارقطني، وصححه، قال: خرجت من الشام إلى المدينة يوم الجمعة، فدخلت المدينة يوم الجمعة، ودخلتُ على عمر، فقال لي: متى أولجت خُفّيكَ في رجليك؟ قلت: يوم الجمعة، فقال: فهل نزعتهما؟ قلت: لا، قال: أصبت السُّنة (١). ومثل هذا يشيع، ولم ينكره أحد، مع أنه قال فيه: أصبت السنة. وهذا ملحقٌ بالمُسند المرفوع. وأما حديث أبي عِمارة الذي قال فيه: امسح ما شئت، ما بدا لك. فقال فيه أبو داود: ليس بالقوي، ومآل هذا: أن حديث عقبة يعارض حديث علي، غير أن حديث عقبة وافقه عمل الصحابة، فهو أولى عنده، والله تعالى أعلم.\n(١٣) ومن باب المسح على الناصية والعمامة والخمار (٢)\n(قوله في الرواية الأخرى: ومسح بناصيته وعلى العمامة) تمسّك أبو حنيفة وأشهب من أصحابنا بهذا الحديث على إجزاء مسح الناصية فقط، ولا حجة لهما فيه، فإن النبي - ﷺ - لم يقتصر عليه، وأنه مسح على الناصية وعلى\n_________\n(١) رواه الدارقطني في سننه (١/ ١٩٦).\n(٢) هذا الباب سقط من المفهم، وأثبتناه من التلخيص.","vol":"1","page":532},{"text":"وَعَلَى خُفَّيهِ. ثُمَّ رَكِبَ وَرَكِبتُ، فَانتَهَينَا إِلَى القَومِ وَقَد قَامُوا فِي الصَّلاةِ، يُصَلِّي بِهِم عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ، وَقَد رَكَعَ بِهِم رَكعَةً. فَلَمَّا أَحَسَّ بِالنَّبِيِّ - ﷺ - ذَهَبَ يَتَأَخَّرُ، فَأَومَأَ إِلَيهِ، فَصَلَّى بِهِم. فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَقُمتُ. فَرَكَعنَا الرَّكعَةَ الَّتِي سَبَقَتنَا.\nــ\nكل العمامة. واحتج به الشافعي وأحمد بن حنبل: على جواز المسح على العمامة، وأنه يجزئ، ولا حجة لهما فيه؛ لأنه - ﵊ - لم يقتصر عليها، بل مسح معها الناصية. واشترط بعض من أجاز المسح على العمامة أن يكون لبسها على طهارة كالخفين، وزاد بعضهم: أن تكون بحنك (١)؛ ليكون في نزعها مشقة.\nوذهب مالك وجل أصحابه إلى أن الرأس على حائل لا يجوز، تمسكًا بظاهر قوله تعالى: وَامسَحُوا بِرُءُوسِكُم وهذا يقتضي المباشرة، كقوله في التيمم: فَامسَحُوا بِوُجُوهِكُم إلا أن يدعو إلى ذلك ضرورة مرض أو تخوف على النفس، فحينئذ يجوز المسح على الحائل، كالحال في الجبائر والعصائب (٢).\nوحمل بعض أصحابنا هذا الحديث على أنه - ﵊ - كان به مرض منعه من كشف رأسه كله، أو توقُعه توقُعًا صحيحًا، وهذه طريقة حسنةٌ، فإنه تمسك بظاهر الكتاب، وتأول هذه الواقعة المعينة، ويتأيد تأويله (٣) بأمرين:\nأحدهما: أن هذه الواقعة كانت في السفر، وهو مظنّة الأعذار والأمراض.\nوالثاني: أنه مسح من رأسه الموضع الذي لم يؤلمه أو لم يتوقع فيه شيئًا.\nومسحه - ﵊ - جميع العمامة دليلٌ لمالك: على وجوب عموم الرأس؛ إذ قد نزّل العمامة عند الضرورة منزلة الرأس، فمسح جميعها، كما فعل\n_________\n(١) أي: تُدار العِمامة من تحت الحَنَك.\n(٢) \"العصائب\": جمع عصابة، وهي: ما يعصب به الجرح.\n(٣) ما بين حاصرتين سقط من (ع) واستدرك من عدّة نسخ.","vol":"1","page":533},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَفزَعَ ذَلِكَ المُسلِمِينَ، فَأَكثَرُوا التَّسبِيحَ. فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ - ﷺ - صَلاتَهُ، أَقبَلَ عَلَيهِم، ثُمَّ قَالَ: أَحسَنتُم - أو قَد أَصَبتُم - يَغبِطُهُم أَن صَلَّوُا الصَّلاةَ لِوَقتِهَا.\nرواه مسلم (٢٧٤).\n[٢١٠] وَعَن بِلالٍ؛ أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - مَسَحَ عَلَى الخُفَّينِ وَالخِمَارِ.\nرواه أحمد (٦/ ١٢ و١٣)، ومسلم (٢٧٥)، وأبو داود (١٥٣)، والترمذي (١٠١)، والنسائي (١/ ٧٥ - ٧٦).\n* * *\nــ\nفي الخفين، والله تعالى أعلم. ومبادرة أصحاب النبي - ﷺ - إلى تقديم عبد الرحمن عند تأخر النبي - ﷺ - عن الوقت الذي كان يوقع فيه الصلاة؛ فيه دليل على محافظتهم على أول الوقت، وبه احتج الشافعي وغيره على هذا، ويحتمل: أن يكونوا يئسوا من وصوله إليهم في الوقت بتقديرهم، أنه أخذ في طريق أخرى، أو أنه عرس (١)، ألا ترى فزعهم حين أدركهم النبي - ﷺ - يصلون؟ ! فدل على أنهم لم يبادروا إلى أول الوقت، ولا أخروها آخره، والأشبه: أنهم انتظروه إلى الوقت المعهود؛ بدليل قوله: فغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها، فلما خرج ذلك الوقت؛ تأولوا أنه صلى، أو أخذ طريقًا أخرى، أو أنه عرس، فقدموا عبد الرحمن، وفيه أبوابٌ من الفقه لا تخفى على متأملٍ.\nوالمطهرة الإناء الذي يتطهر به. ويحسُر عن ذراعيه يكشف عنهما. والناصية مقدمُ شعر الرأس.\nو(قوله في حديث بلال: مسح على الخفين والخمار) الخمار هنا: هي\n_________\n(١) \"عرَّس\": نزل آخر الليل للراحة.","vol":"1","page":534},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>(١٤) باب فعل الصلوات بوضوء واحد، وغسل اليدين عند القيام من النوم، وأن النوم ليس بحدث</span>\n[٢١١] عَن بُرَيدَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى الصَّلَوَاتِ يَومَ الفَتحِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيهِ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَد صَنَعتَ اليَومَ شَيئًا لَم تَكُن تَصنَعُهُ. فَقَالَ: عَمدًا صَنَعتُهُ يَا عُمَرُ.\nــ\nالعمامة، سميت بذلك لتخميرها الرأس، شبهها بخمار المرأة. ولم يختلف من أجاز المسح على العمامة في منع المرأة على خمارها، إلا بشيء روي عن أم سلمة، وعن أنس في مسحه على القلنسوة. وفرق ما بين العمامة والخمار عندهم أن العمامة يشق نزعها، لا سيما إن كانت بحنك، ولورود الرخصة فيها عندهم، ولم يرد في الخمار للمرأة، والله أعلم.\n(١٤) ومن باب: فعل الصلوات بوضوء واحد\n(قوله: عمدًا فعلته يا عمر) أي: قصدًا ليبين للناس: أنه يجوز أن يصلى بوضوء واحد صلوات، وهذا أمر لا خلاف فيه، وعليه ما ذهب إليه بعض الناس: أن الوضوء لكل صلاة كان فرضًا خاصًّا بالنبي - ﷺ -، وأنه نسخ ذلك بفعله هذا.\nقال الشيخ: ولا يصح أنه كان فرضًا على النبي - ﷺ -، وإنما كان يفعله ابتغاء لفضيلة التجديد، كما في حديث أنس أنه قال: كان رسول الله - ﷺ - يتوضأ لكل صلاة طاهرًا وغير طاهر، قيل لأنس: كيف كنتم تصنعون أنتم؟ قال: كنا نتوضأ وضوءًا واحدًا (١). خرّجه الترمذي، وقال: إنه صحيح.\n_________\n(١) رواه البخاري (٢١٤)، وأبو داود (١٧١)، والترمذي (٥٨ و٦٠)، والنسائي (١/ ٨٥).","vol":"1","page":535},{"text":"رواه مسلم (٢٧٧)، وأبو داود (١٧٢)، والترمذي (٦١)، والنسائي (١/ ٨٦).\n[٢١٢] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: إِذَا استَيقَظَ أَحَدُكُم مِن نَومِهِ. فَلا يَغمِس يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغسِلَهَا ثَلاثًا. فَإِنَّهُ لا يَدرِي أَينَ بَاتَت يَدُهُ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٤١)، والبخاري (١٦٢)، ومسلم (٢٣٨)، وأبو داود (١٠٣ - ١٠٥)، والترمذي (٢٤)، والنسائي (١/ ٦ - ٧).\nــ\nو(قوله: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء) تمسك داود والطبري بظاهر هذا الخبر؛ فأوجبا اليدين على من قام من النوم ليلًا أو نهارًا للوضوء، وحكما بأن الماء ينجس إن لم يغسل يديه قبل أن يدخلهما فيه. وخَصَّه ابن حنبل وبعض أهل الظاهر بنوم الليل خاصّة؛ لأنهما فَهِما من لفظ البيات نوم الليل؛ لما رواه أبو داود في هذا الحديث حيث قال: إذا استيقظ أحدكم من الليل، وذكر الحديث.\nوذهب الجمهور إلى أن ذلك على جهة الاستحباب؛ بدليل تعليله في آخره بقوله: فإنه لا يدري أين باتت يده. ومعنى ذلك: أن يد النائم تجول في مغابنه ومواضع استجماره، وأعراقه، فقد يتعلق باليد منها شيء، فيؤدي إلى إفساد الماء، على قول من يرى أن قليل النجاسة ينجس قليل الماء، أو إلى عيافته على قول من يرى أنها لا تنجسه إلا أن تغيره.\nواحتج أصحاب الشافعي بهذا الحديث على الفرق بين ورود النجاسة على الماء، وبين ورود الماء على النجاسة، ولا يصح لهم ذلك حتى يصح لهم أن هذا الحديث يفيد أن قليل النجاسة ينجس الماء وإن لم تغيره، وذلك ممنوع؛ فإنه يحتمل أن يكون نهيه عن ذلك؛ لأنه يصير الماء مما يعاف، لا أنه ينجس، والله تعالى أعلم.\nومن هذا الحديث فهم أشهبُ أن حكم غسل اليد في الوضوء الاستحباب للشاك في نظافة يده، وقد قدمنا مأخذ ابن القاسم.","vol":"1","page":536},{"text":"[٢١٣] وَعَن أنسٍ؛ قَالَ: أُقِيمت الصَلاةُ، والنبي - ﷺ - يُناجِي رَجُلًا، لَم يَزل يُناجِيهِ حَتى نَامَ أَصحَابُهُ. ثُمَ جَاءَ فَصَلَى بِهِم. وَلَم يَذكُر وَضُوءا.\nرواه البخاري (٦٤٢)، ومسلم (٣٧٦)، وأبو داود (٥٤٢)، والترمذي (٥١٧ و٥١٨)، والنسائي (٢/ ٨١).\nــ\nو(قوله: أقيمت الصلاة والنبي - ﷺ - يناجي رجلًا) أي: يحادثه سرًّا.\nو(قوله: حتى نام أصحابه) يعني: أنهم ناموا جلوسًا، وقد روى أبو داود عنه قال: كان أصحاب رسول الله - ﷺ - ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضؤون (١)، وهذا يدل على أن النوم ليس بحدث؛ إذ لو كان حدثًا كما ذهب إليه المزني وابن القاسم - فيما حكى عنه أبو الفرج - لاستوى قليله وكثيره، كالبول والغائط. وهذا النوم في هذه الأحاديث هو الخفيف المعبر عنه بالسُّنَّة التي ذكر الله تعالى في قوله تعالى: لَا تَأخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَومٌ، والذي قال فيه بعض شعراء العرب (٢):\nوسنَان أقصده النعاسُ فَرنَّقَت ... في عينه سِنةٌ وليس بنائم\nوقال المفضل: السنة في الرأس، والنعاس في العين، والنوم في القلب، وهذا أصل الوضع، وقد يتجوز فيقال على الجميع نوم، كما جاء في الحديث: إن عيني تنامان ولا ينام قلبي (٣)، وكما قد أطلق النوم في حديث أنس هذا على السِّنة.\nوذهب الجمهور إلى أن المُستثقل من النوم ناقضٌ للوضوء، من حيث كان مظنّة للحدث، كما جاء في حديث ابن عباس: إنما الوضوء على من نام مضطجعًا، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله (٤). وفي حديث علي: وكاء السَّه العينان، فمن\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢٠٠).\n(٢) الشاعر: هو ابن الرِّقاع.\n(٣) رواه أحمد (٦/ ٧٣)، والبخاري (٢٠١٣)، ومسلم (٧٣٦).\n(٤) رواه أبو داود (٢٠٢)، والترمذي (٧٧)، والنسائي (٢/ ٣٠).","vol":"1","page":537},{"text":"[٢١٤] وَعَنهُ؛ قَالَ: كَانَ أَصحَابُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَنَامُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ، وَلا يَتَوَضَّئُونَ.\nرواه مسلم (٣٧٦)، وأبو داود (٢٠٠)، والترمذي (٧٨).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>(١٥) باب إذا ولغ الكلب في الإناء أريق الماء، وغسل الإناء سبع مرات</span>\n[٢١٥] عَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِذَا وَلَغَ الكَلبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُم، فَليُرِقهُ، ثُمَّ لِيَغسِلهُ سَبعَ مِرَارٍ.\nــ\nنام فليتوضأ (١).\nوقد حكي إجماع العلماء على أن ما أزال العقل من الجنون والإغماء ناقض للوضوء، والنوم المستثقل يزيل العقل فيكون مثلهما، وقد شذ أبو موسى الأشعري، وسعيد بن المسيب، فكانا ينامان مضطجعين ثم لا يتوضآن. وقد تؤوَّل ذلك عليهما: بأنه كان خفيفًا. وما دون الاستثقال اختلف فيه على تفصيل يعرف في الفقه، والله أعلم.\n(١٥) ومن باب إذا ولغ الكلب في الإناء\n(قوله: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله) في الصحاح: ولغ الكلب في الإناء، يَلَغُ ولوغًا: إذا شرب ما فيه بطرف لسانه، ويُولَغُ: إذا أولغه صاحبه. قال الشاعر (٢):\nما مر يومٌ إلا وَعِندَهُما ... لحم رجالٍ أو يُولغان دَمَا\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢٠٣)، وابن ماجه (٤٧٧).\n(٢) هو أبو زبيد الطائي.","vol":"1","page":538},{"text":"وَفِي لَفظٍ آخَر: طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُم إِذَا وَلَغَ فِيهِ الكَلبُ، أَن يَغسِلَهُ\nــ\nوحكى أبو زيد: ولغ الكلب بشرابنا، وفي شَرابِنا، ومن شَرابِنا، ويقال: ليس شيء من الطيور يلغ غير الذباب. وقد تمسك الشافعي بظاهر الأمر بالغسل والإراقة، وبقوله: طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله على أن الكلب نجس، وعلى أن ذلك الماء والإناء نجسان؛ بسبب لعابه، ومع ذلك فلا بد عنده من غسل الإناء سبعًا، وذهب أبو حنيفة إلى القول بأن ذلك للنجاسة، ويكفي غسل الماء مرة واحدة.\nوالمشهور من مذهب مالك: أن ذلك للتَعبُّد لا للنجاسة، وهو قول الأوزاعي وأهل الظاهر؛ بدليل دخول العدد السبع، ولو كان للنجاسة لاكتفي فيه بالمرة الواحدة؛ وبدليل جواز أكل ما صاده الكلب من غير غسل. وذهب بعض أصحابنا: إلى أن ذلك لكون الكلب مستقذرًا منهيًّا عن مخالطته، وقَصَرَ هذا الحكم على الكلب المنهي عن اتخاذه، وهذا ليس بشيء؛ لأنه استنبط من اللفظ ما خصصه من غير دليل منفصل عنه.\nوذهب أبو الوليد بن رُشد: إلى أن ذلك مُعَلَّلٌ بما يتقى من أن يكون الكلب كلبًا، واستدل على هذا بأن هذا العدد السبع قد جاء في مواضع من الشرع على جهة الطب والتداوي، كما قال: من تصبح كل يوم بسبع تمرات من عجوة المدينة لم يضره ذلك اليوم سم (١)، ولقوله - ﷺ - في مرضه: أهريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن (٢)، ومثل هذا كثير، وقد أورد على هذا: أن الكلب لا يقرب الماء، وانفصل عن ذلك حفيده صاحب كفاية المقتصد: بأن ذلك لا يكون إلا في حال تمكن ذلك الداء به، وأما\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ١٨١)، والبخاري (٥٤٤٥)، ومسلم (٢٠٤٧)، وأبو داود (٣٨٧٦) من حديث سعد ﵁، وليس فيه لفظة: \"المدينة\". وإنما في بعض ألفاظه: \"من تمر العالية\". وانظر: الأحاديث الواردة في فضائل المدينة للدكتور صالح الرفاعي ص (٦٤٣).\n(٢) رواه أحمد (٦/ ١٥١) والبخاري (٤٤٤٢).","vol":"1","page":539},{"text":"سَبعَ مَرَّاتٍ. أُولاهُنَّ بِالتُّرَابِ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٦٠ و٣٩٨ و٥٠٨)، والبخاري (١٧٢)، ومسلم (٢٧٩)، وأبو داود (٧١ - ٧٣)، والترمذي (٩١)، والنسائي (١/ ١٧٦ - ١٧٧).\n[٢١٦] وَعَنِ ابنِ المُغَفَّلِ، قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِقَتلِ الكِلابِ. ثُمَّ قَالَ: مَا بَالُهُم وَبَالُ الكِلابِ؟ ثُمَّ رَخَّصَ فِي كَلبِ الصَّيدِ وَكَلبِ الغَنَمِ.\nــ\nفي مباديه فيقرب الماء ويشربه، وأولى هذه الأقوال كلها ما صار إليه مالك: في أنه تعبد؛ لا للنجاسة، وأنه عام في جنس الكلاب، وفي جنس الأواني. وينبني على هذا الاختلاف في التعليل: الاختلاف في فروع كثيرة تُعرف في الفقه.\nو(قوله: أولاهن بالتراب) هذه الزيادة ليست من رواية مالك، ولذلك لم يقل بها، وقد قال بها جماعة من العلماء، وقد رواه أبو داود وقال: السابعة بالتراب. وفي حديث عبد الله بن مغفل وغيره عن النبي - ﷺ - قال: عفروه الثامنة بالتراب، وبهذه الثامنة قال أحمد، فهذه الزيادة مضطربة. ولذلك لم يأخذ بها مالك، ولا أحد من أصحابه (١).\nوأمره - ﷺ - بقتل الكلاب، إنما كان لما كثرت وكثر ضررها، ثم لما قتل أكثرها، وذهب ضررها أنكر قتلها، فقال: ما بالهم وبال الكلاب؟ ويحتمل: أن يكون ذلك ليقطع عنهم عادة إِلفِهِم لها؛ إذ كانوا قد ألفوها ولابَسُوها كثيرًا.\nو(قوله: وأرخص في كلب الصيد والغنم) يعني: في اتخاذه، وغيرها لا يتخذ، وإن لم يُقتل، وهو الذي من اتخذه نقص من عمله كل يوم قيراط، وذلك لما يُروع ويُؤذي، وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى.\n_________\n(١) في (م) و(ل): لم يقل بها، وقد قال بها جماعة من العلماء. والمثبت من (ع).","vol":"1","page":540},{"text":"وَقَالَ: إِذَا وَلَغَ الكَلبُ فِي الإِنَاءِ فَاغسِلُوهُ سَبعَ مَرَّاتٍ، وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ فِي التُّرَابِ.\nرواه أحمد (٤/ ٨٦)، ومسلم (٢٨٠)، وأبو داود (٧٤)، والنسائي (١/ ١٧٧).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>(١٦) باب النهي أن يبال في الماء الراكد وصب الماء على البول في المسجد</span>\n٢٨٢ - [٢١٧] عَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُم فِي المَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغتَسِلُ مِنهُ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٤٦ و٣٦٢)، والبخاري (٢٣٩)، ومسلم (٢٨٢)، وأبو داود (٦٩ و٧٠)، والترمذي (٦٨)، والنسائي (١/ ٤٩).\nــ\n(١٦) ومن باب: النهي عن البول في الماء الراكد\n(قوله: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم) يعني به: الذي لا يجري. وقد جاء في لفظ آخر: الراكد أي: الساكن.\nو(قوله: ثم يغتسل منه) الرواية الصحيحة: يغتسلُ برفع اللام، ولا يجوز نصبها؛ إذ لا ينتصب بإضمار أن بعد ثُم. وبعض الناس قيده: ثم يغتَسِل مجزومة اللام على العطف على: لا يبولن، وهذا ليس بشيء؛ إذ لو أراد ذلك لقال: ثم لا يغتَسلنَّ؛ لأنه إذ ذاك يكون عطف فعل على فعل، لا عطف جملة على جملة، وحينئذ يكون الأصل مساواة الفعلين في النهي عنهما، وتأكيدهما بالنون الشديدة،","vol":"1","page":541},{"text":"[٢١٨] وَعَنهُ؛ قَالَ: قاَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: لا يَغتَسِل أَحَدُكُم فِي المَاءِ\nــ\nفإن المحل الذي توارَد عليه هو شيء واحد، وهو الماء، فعُدُوله عن ثم لا يغتسلن إلى ثم يغتسل دليل على أنه لم يرد العطف، وإنما جاء: ثم يغتسل على التنبيه على مآل الحال، ومعناه: أنه إذا بال فيه قد يحتاج إليه، فيمتنع عليه استعماله، لما وقع فيه من البول، وهذا مثل قوله - ﷺ -: لا يضرب أحدكم امرأته ضرب الأمة ثم يضاجعها (١)، برفع يضاجعها، ولم يروه أحد بالجزم، ولا يتخيله فيه؛ لأن المفهوم منه: أنه إنما نهاه عن ضربها؛ لأنه يحتاج إلى مضاجعتها في ثاني حال، فتمتنع عليه لما أساء من معاشرتها، فيتعذر عليه المقصود لأجل الضرب، وتقدير اللفظ: ثم هو يضاجعها، وثم هو يغتسل.\nوهذا الحديث حجة لمن رأى أن قليل النجاسة ينجس قليل الماء، وإن لم تُغيره، وهو أحد أقوال مالك، ومشهور مذهبه في رواية المدنيين أنه طهور، لكنه مكروه مع وجود غيره. ويصح أن يحمل هذا الحديث على أنه إذا أبيح البول فيه أدى إلى تغيره، فحميت الذريعة بالنهي عن البول.\nومذهب السلف والخلف أنه لا فرق بين النهي عن البول فيه وبين صب بول فيه، ولا بين البول والغائط، وسائر النجاسات كلها. وذهب من أذهبه الله عن فهم الشريعة، وأبقاه في درجة العوام، وهو داود من المتقدمين، وابن حزم من المتأخرين المجترئين: على أن ذلك مقصورٌ على البول فيه خاصة، فلو صب فيه بولًا أو عذِرَةً جاز ولم يضر ذلك الماء، وكذلك لو بال خارج الماء فجرى إلى الماء لم يضره عندهما، ولم يتناوله النهي، ومن التزم هذه الفضائح وجمد هذا الجمود، فحقيق ألاّ يعد من العلماء، بل ولا في الوجود، ولقد أحسن القاضي أبو بكر - ﵀ - حيث قال: إن أهل\n_________\n(١) ذكره ابن حجر في فتح الباري (١/ ٣٤٧) بهذا اللفظ، ولم يعزه لأحد. ورواه بنحوه البخاري (٤٩٤٢)، ومسلم (٢٨٥٥)، والترمذي (٣٣٤٠) من حديث عبد الله بن زمعة ﵁. وانظر: عشرة النساء رقم (٢٨٤).","vol":"1","page":542},{"text":"الدَّائِمِ وهو جُنُبٌ، فَقَالَ: كَيفَ يَفعَلُ يَا أَبَا هُرَيرَةَ؟ فقَالَ: يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا.\nرواه مسلم (٢٨٣)، والنسائي (١/ ١٩٧).\n[٢١٩] وَعَن أَنَس بن مَالِكٍ؛ قَالَ: بَينَمَا نَحنُ فِي المَسجِدِ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِذ جَاءَ أَعرَابِيٌّ، فَقَامَ يَبُولُ فِي المَسجِدِ. فَقَالَ أَصحَابُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: مَه مَه. قَالَ: قَالَ رسُولُ اللهِ - ﷺ -: لا تُزرِمُوهُ، دَعُوهُ\nــ\nالظاهر ليسوا من العلماء، ولا من الفقهاء، فلا يعتد بخلافهم، بل هم من جملة العوام، وعلى هذا جل الفقهاء والأصوليين. ومن اعتد بخلافهم، إنما ذلك لأن من مذهبه أنه يعتبر خلاف العوام؛ فلا ينعقد الإجماع مع وجود خلافهم. والحق: أنه لا يعتبر إلا خلاف من له أهلية النظر والاجتهاد، على ما يذكر في الأصول.\nو(قول أبي هريرة لما قيل له: كيف يفعل؟ قال: يتناوله تناولًا) يعني: أن يتناول منه، فيغتسل خارجه، ولا ينغمس فيه، وهذا كما قال مالك، حيث سئل عن نحو هذا، فقال: يحتال. وهذا كله محمول على غير المستبحر (١). وأما إذا كان كثيرا مستبحرًا بحيث لا يتغير فلا بأس به؛ إذ لم يتناوله الخبر.\nوللإجماع على أن الماء إذا كان بحيث لا تسري حركة المغتسل أو المتوضئ إلى جميع أطرافه فإنه لا تضره النجاسة إذا لم تغيره، وهو أقصى ما فرق بين القليل والكثير في المياه، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: مه مه) هي: اسم من أسماء الأفعال، بمعنى كُفّ، وهي ساكنة الهاء، ويقال: به به بالباء بدل الميم، فإن وَصَلتَه نَوّنتَ مَهٍ مَهٍ، ويقال: مَهمَهتُ به؛ أي زجرته.\nولا تزرموه: بتقديم الزاي، أي: لا تقطعوا عليه بوله، يقال: زَرِمَ بوله،\n_________\n(١) \"المستبحر\": الذي يُعَدّ كالبحر.","vol":"1","page":543},{"text":"فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ. ثُمَّ إِنَّ رسولَ الله - ﷺ - دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ هَذِهِ المَسَاجِدَ لا تَصلُحُ لِشَيءٍ مِن هَذَا البَولِ وَلا القَذَرِ،\nــ\nبكسر الراء؛ أي: انقطع، وأزرمه غيره إزرامًا. وفي الحديث: لا تزرموا أي: لا تقطعوا عليه بوله (١). ويحتمل أمره بتركه أن يكون لئلا تنتشر النجاسة وتكثر، ولئلا يضره قطعُه، وليرفق به.\nوقد فرقت الشافعية بين ورود الماء على النجاسة وورود النجاسة على الماء تمسكًا بهذا الحديث، وبقوله - ﵊ -: إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث (٢).\nفقالوا: إذا كان الماء دون القلتين فحلت به نجاسة تنجس، وإن لم تغيره، وإن ورد ذلك القدر فأقل على النجاسة فأذهب عينها بقي الماء على طهارته، وأزال النجاسة، وهذه مناقضة؛ إذ المخالطة قد حصلت في الصورتين، وتفريقهم بورود الماء على النجاسة وورودها عليه فرق صوري ليس فيه من الفقه شيء، وليس الباب من باب التعبُدات، بل هو من باب عقلية المعاني، فإنه من باب إزالة النجاسة وأحكامها، ثم هذا كله منهم يرده قوله - ﵊ -: الماء طهور لا ينجسه شيء، إلا ما غير لونه أو رائحته أو طعمه (٣).\nو(قوله: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر) حجة لمالك في منع إدخال الميت المسجد وتنزيهها عن الأقذار جملة، فلا يقص فيها شعر، ولا ظفر، ولا يتسوك فيها؛ لأنه من باب إزالة القذر، ولا يتوضأ فيها، ولا يؤكل فيها طعامٌ منتن الرائحة، إلى غير ذلك مما في هذا المعنى.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (م).\n(٢) رواه أحمد (٢/ ١٢)، وأبو داود (٦٣ - ٦٥)، والترمذي (٦٧)، والنسائن (١/ ١٧٥) من حديث ابن عمر ﵄.\n(٣) رواه أحمد (٣/ ١٦ و٣١ و٨٦)، وأبو داود (٦٦)، والنسائي (١/ ١٧٤) من حديث أبي سعيد ﵁.","vol":"1","page":544},{"text":"إِنَّمَا هِيَ لِذِكرِ اللهِ، وَالصَّلاةِ، وَقِرَاءَةِ القُرآنِ، أو كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -. قَالَ: فَأَمَرَ رَجُلًا مِنَ القَومِ، فَجَاءَ بِدَلو مِن مَاءٍ، فَشَنَّهُ عَلَيهِ.\nرواه أحمد (٣/ ١٩١)، والبخاري (٦٠٢٥)، ومسلم (٢٨٤)، والنسائي (١/ ٤٨).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>(١٧) باب نضح بول الرضيع</span>\n[٢٢٠] عَن عَائِشَةَ؛ أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - كَانَ يُؤتَى بِالصِّبيَانِ، فَيُبَرِّكُ عَلَيهِم وَيُحَنِّكُهُم،\nــ\nو(قوله: إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن) حجة لمالك: في أن المساجد لا يفعل فيها شيء من أمور الدنيا، إلا أن تدعو ضرورة أو حاجة إلى ذلك، فيتقدر بقدر الحاجة فقط، كنوم الغريب فيه وأكله.\nو(قوله: فجاء بدلو من ماء فشنه عليه) يروى بالسين وبالشين؛ أي: صبه، وفرّق بعضهم بينهما فقال: السين مهملة: صبٌّ في سهولة، ومعجمة: صبٌّ في تفريق، ومنه حديث عمر: كان يسن الماء على وجهه ولا يشنه (١)، وفيه حجة للجمهور: على أن النجاسة لا يطهرها الجفوف بل الماء، خلافًا لأبي حنيفة.\n(١٧) ومن باب: نضح بول الرضيع (٢)\n(قوله: كان يؤتى بالصبيان فيبرِّك عليهم ويحنكهم) يبرِّك عليهم يدعو\n_________\n(١) ذكره ابن الأثير في النهاية (٢/ ٤١٣)\n(٢) العنوان ساقط من الأصول، وأثبتناه من التلخيص.","vol":"1","page":545},{"text":"فَأُتِيَ بِصَبِيٍّ فَبَالَ عَلَيهِ. فَدَعَا بِمَاءٍ، فَأَتبَعَهُ بَولَهُ وَلَم يَغسِلهُ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: بِصَبِيٍّ يَرضَعُ.\nرواه أحمد (٦/ ٤٦)، والبخاري (٥٤٦٨)، ومسلم (٢٨٦)، والنسائي (١/ ١٥٧).\nــ\nلهم بالبركة. ويحنكهم يمضغ التمر، ثم يدلكه بحنك الصبي. وكل ذلك تبرُّك بالنبي - ﷺ -.\nويؤخذ منه التبرك بأهل الفضل، واغتنام أدعيتهم للصبيان عند ولادتهم.\nو(قوله: فأتي بصبي فبال عليه) تعسَّف بعضهم وقال: إن الضمير عائدٌ على الصبي نفسه، وهذا وإن كان هذا اللفظ صالحًا له، غير أن في حديث أم قيس: فبال في حجر رسول الله - ﷺ - فبطل ذلك التأويل.\nو(قوله: فدعا بماء فأتبعه بوله ولم يغسله) يعني: رَشَّه عليه، وقد روي: فصبه عليه ونضحه، وكلها بمعنى واحد.\nواستدل بهذا الحديث: على طهارة بول الصبي الذي لم يأكل الطعام - الذكر دون الأنثى -: الشافعي، وأحمد، والحسن، وابن وهب. ورواها الوليد بن مسلم عن مالك، وحكي ذلك عن أبي حنيفة، وقتادة، وتمسكوا أيضًا بما رواه النسائي عن أبي السمح مرفوعًا: يُغسَلُ من بول الجارية ويرش من بول الغلام (١) وهو صحيح.\nومشهور مذهب مالك وأبي حنيفة (٢): القول بنجاسة بول الذكر والأنثى، وهو قول الكوفيين، تمسكًا بقوله - ﵊ -: استنزهوا من البول فإن\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٧٦)، والنسائي (١/ ١٥٨).\n(٢) ساقط من (ع).","vol":"1","page":546},{"text":"[٢٢١] وَعَن أُمِّ قَيسٍ بِنتِ مِحصَنٍ؛ أَنَّهَا أَتَت رسولَ الله - ﷺ - بِابنٍ لَهَا لم يَبلُغ، أن يَأكُلِ الطَّعَامَ، فَبَال فِي حَجرِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ عَلَى ثَوبِهِ، وَلَم يَغسِلهُ غَسلًا.\nرواه البخاري (٥٧١٨)، ومسلم (٢٨٧)، وأبو داود (٣٧٤)، والترمذي (٧١)، والنسائي (١/ ١٥٧).\n* * *\nــ\nعامة عذاب القبر منه (١)، وبقوله في حديث القبرين: كان لا يستتر من البول (٢)، وهو عموم.\nوقد روي عن مالك القول بطهارة بول الذكر والأنثى، وهو شاذٌّ في النقل والنظر، وذلك أن مُستنَده قياس الأنثى على الذكر، وقد فرق النص الصحيح بينهما، فالقياس فاسد الوضع.\nقال الشيخ - ﵀ -: والعجب ممن يستدل برش بول الصبي، أو بالأمر بنضحه على طهارته، وليس فيه ما يدل على ذلك! وغاية دلالته على التخفيف في نوع طهارته؛ إذ قد رُخِّص في نضحه ورشه، وعفا عن غسله تخفيفًا، وخصَّ بهذا التخفيف الذكر دون الأنثى؛ لملازمتهم حمل الذُكرَان؛ لفرط فرحهم بهم، ومحبتهم لهم، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(١) رواه الدارقطني في سننه (١/ ١٢٨) وقال: الصواب مرسل.\n(٢) يأتي تخريجه برقم (٢٢٥).","vol":"1","page":547},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>(١٨) باب غَسلِ المَنِيّ مِنَ الثَّوبِ وغسلِ دَمِ الحَيضِ</span>\n[٢٢٢] عَن عَلقَمَةَ وَالأَسوَدِ؛ أَنَّ رَجُلًا نَزَلَ بِعَائِشَةَ، فَأَصبَحَ يَغسِلُ ثَوبَهُ. فَقَالَت عَائِشَةُ: إِنَّمَا كَانَ يُجزِئُكَ أن رَأَيتَهُ أَن تَغسِلَ مَكَانَهُ، فَإِن لَم تَرَ نَضَحتَ حَولَهُ، ولَقَد رَأَيتُنِي أَفرُكُهُ مِن ثَوبِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَركًا، فَيُصَلِّي فِيهِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: قَالَت: هَل رَأَيتَ فِيهِمَا؟ - يَعنِي: فِي ثَوبَيك شَيئًا -، قُلتُ: لا.\nقَالَت: فَلَو رَأَيتَ شَيئًا غَسَلتَهُ. لَقَد رَأَيتُنِي وَإِنِّي لأَحُكُّهُ مِن ثَوبِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَابِسًا بِظُفُرِي.\nرواه أحمد (٦/ ٩٧ و١٣٥)، والبخاري (٢٢٩)، ومسلم (٢٨٨) و(٢٩٠)، وأبو داود (٣٧١ - ٣٧٣)، والترمذي (١١٧ و١١٨)، والنسائي (١/ ٥٦).\nــ\n(١٨) ومن باب: غسل المني\n(قولها: إنما كان يُجزئك أن رأيته أن تغسل مكانه) يجزئك: يكفيك، وأن رأيته بفتح الهمزة روايتنا، ووجهها: أنها مفعولة بإسقاط حرف الجر، تقديره: لأن رأيته، أو: مِن أجل، وهي مع الفعل بتأويل المصدر، وكذلك: أن تغسل مكانه، مفتوحة أيضًا على تأويل المصدر، وهو الفاعل بيجزئك. وهذا من عائشة يدل: على أن المني نجسٌ، وأنه لا يجزئ فيه إلا غسله، فإنها قالت: إنما وهي من حروف الحصر، ويؤيد هذا ويوضحه قولها: فإن لم تر نضحت حوله. فإن النَّضحَ إنما مشروعيتُه حيث تحققت النجاسة، وشك في الإصابة؛ كما قال عمر بن","vol":"1","page":548},{"text":"[٢٢٣] وَعَن سُلَيمَانَ بن يَسَارٍ؛ قَالَ: أَخبَرَتنِي عَائِشَةُ أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - كَانَ يَغسِلُ المَنِيَّ ثُمَّ يَخرُجُ إِلَى الصَّلاةِ فِي ذَلِكَ الثَّوبِ. وَأَنَا أَنظُرُ إِلَى أَثَرِ الغَسلِ فِيهِ.\nرواه البخاري (٢٣٠)، ومسلم (٢٨٩)، وأبو داود (٣٧٣)، والترمذي (١١٧)، والنسائي (١/ ١٥٦)، وابن ماجه (٥٣٦).\nــ\nالخطاب - ﵁ -، حيث أصبح يغسل جنابةً من ثوبه، فقال: أَغسِلُ ما رأيتُ، وأنضحُ ما لم أر (١).\nوهذا مذهب السلف وجمهور العلماء. وذهب الشافعي وكثير من المحدثين: إلى أنه طاهر؛ متمسكين بقول عائشة: لقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله - ﷺ - فركًا فيصلي فيه، وبقولها: ولقد رأيتُني وإني لأحكه من ثوب رسول الله - ﷺ - يابسًا بظفري، وهذا لا حجة فيه لوجهين:\nأحدهما: أنها إنما ذكرت ذلك مُحتجة به على فُتياها، بأنه لا يجزئ فيه إلا الغسل فيما رؤي منه، والنضح فيما لم يُرَ، ولا تتقرر حجتها إلا بأن تكون فركته وحكته بالماء، وإلا ناقضَ دليلها فُتياها.\nوثانيهما: أنها قد نصّت في الطريق الأخرى: أن رسول الله - ﷺ - كان يغسل المني، ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه. لا يقال: كان غسله إياه مبالغة في النظافة؛ لأنا نقول: الظاهر من غسله للصلاة وانتظار جفافه وخروجه إليها وفي ثوبه بُقَع الماء؛ أن ذلك إنما كان لأجل نجاسته، وأيضًا: فإن مناسبة الغسل للنجاسة أصلية؛ إذ هي المأمور بغسلها، فحمل الغسل على قصد النجاسة أولى، ألا ترى أن الشافعية استدلوا على نجاسة الكلب بالأمر بغسل الإناء منه، ولم يعرجوا على احتمال كونه للنظافة، وكذلك نقول نحن في\n_________\n(١) رواه مالك في الموطأ (١/ ٥٠).","vol":"1","page":549},{"text":"[٢٢٤] وَعَن أَسمَاءَ؛ قَالَت: جَاءَتِ امرَأَةٌ إلى النَّبِيّ - ﷺ - فَقَالَت: إِحدَانَا يُصِيبُ ثَوبَهَا مِن دَمِ الحَيضَةِ. كَيفَ تَصنَعُ بِهِ؟ قَالَ: تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقرُصُهُ بِالمَاءِ، ثُمَّ تَنضَحُهُ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ.\nرواه أحمد (٦/ ٣٤٦ و٣٥٣)، والبخاري (٢٢٧)، ومسلم (٢٩١)، وأبو داود (٣٦٠ - ٣٦٢)، والترمذي (١٣٨)، والنسائي (١/ ١٥٥).\n* * *\nــ\nغسل المني، ثم نقول: هب أن هذا الغسل يحتمل أن يكون للنجاسة، ويحتمل أن يكون للنظافة، وحينئذ يكون مجملًا لا يستدل به لا على طهارته، ولا على نجاسته، لكنا عندنا ما يدل على نجاسته، وهو أنه يمر في ممر البول، ثم يخرج فيتنجس بالمرور في المحل النجس، وهذا لا جواب عنه على أصل الشافعية عند الإنصاف.\nقالوا: بول النبي - ﷺ - وسائر فضلاته طاهرٌ طيبٌ، قلنا: لم يصح عند علمائنا في هذا شيء، والأصل: أن النبي - ﷺ - واحد من البشر، وهو مُسَاو لسائر المكلفين في الأحكام، إلا ما ثبت فيه دليل خصوصيته، سلمنا ذلك، لكن فغيره يكون منيهُ نجسًا بالمرور على ما ذكرنا، فإن قالوا: المني أصلٌ لخلق الإنسان فيكون طاهرًا كالتراب، قلبناه عليهم، فقلنا: المني أصلٌ لخلق الإنسان فيكون نجسًا كالعلقة. فإن قالوا كيف يكون نجسًا وقد خلق منه الأنبياء والأولياء؟ قلنا: وكيف يكون طاهرًا وقد خلق منه الكفرة والضلاّل والأشقياء، فبالذي ينفصلون به ننفصل.\nو(قوله - ﵊ -: تحته ثم تقرصه) رويناه مشددًا ومخففًا، والحت: الحك. والقرص، والتقريص: هو تقطيعه (١) بأطراف الأصابع ليتحلل بذلك، ويخرج من الثوب.\nوقوله: ثم تنضحه، ذهب بعض الناس إلى أن النضح\n_________\n(١) في (م): تقطيعك.","vol":"1","page":550},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>(١٩) باب في الاستبراء من البول والتستر وما يقول إذا دخل الخلاء</span>\n[٢٢٥] عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى قَبرَينِ. فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ. أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمشِي بِالنَّمِيمَةِ.\nــ\nهنا معناه الغسل، وتأوله على ذلك، ولا حاجة إلى هذا التأويل، بل إنما معناه الرشُّ، وأما غسل الدم فقد علمها إياه؛ حيث قال لها: تحته ثم تقرصه بالماء، وأما النضح فهو فيما شكت فيه من الثوب، كما قالت عائشة في المني، ولذلك جمعنا بين حديث عائشة في غسل المني وبين حديث أسماء في غسل دم الحيضة، حتى يتبين أن الكيفية المأمور بها في غسلهما واحدة، وأنهما متساويتان في النجاسة.\nويدل هذا الحديث على أن قليل دم الحيض وكثيره سواء في وجوب غسل جميعه، من حيث لم يفرق بينهما في محل البيان، ولو كان حكمهما مختلفًا لفصله - ﷺ -؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز إجماعًا، وهو مشهور مذهب مالك، وقد قال مالك ﵀: قد سماه الله أذى، وهو يخرج من مخرج البول.\n(١٩) ومن باب الاستبراء من البول\n(قوله: وما يعذبان في كبير) أي: عندكم، وهو عند الله كبيرٌ، كما جاء في البخاري: وإنه لكبير أي: عند الله، وهذا مثل قوله تعالى: وَتَحسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ، وقد تقدم الكلام على النَّمام في الإيمان. والنميمة: هي القالة التي ترفع عن قائلها ليتضرر بها قائلها.","vol":"1","page":551},{"text":"وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ لا يَستَتِرُ مِن بَولِهِ، قَالَ: فَدَعَا بِعَسِيبٍ رَطبٍ فَشَقَّهُ بِاثنَينِ. ثُمَّ غَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا، وَعَلَى هَذَا وَاحِدًا. ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّهُ أَن يُخَفَّفُ عَنهُمَا، مَا لَم يَيبَسَا.\nــ\nو(قوله: وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله) أي: لا يجعل بينه وبين بوله سُترة حتى يتحفظ منه، كما قال في الرواية الأخرى: لا يستنزه عن البول أي: لا يتباعد منه. وهذا يدل على أن القليل من البول ومن سائر النجاسات والكثير منه سواء، وهو مذهب مالك وعامة الفقهاء، ولم يخفَّفوا في شيء من ذلك إلا في اليسير من دم غير الحيض خاصةً.\nواختلف أصحابنا في مقدار اليسير، فقيل: هو قدر الدرهم البغلي (١). وقيل: قدر الخنصر، وجعل أبو حنيفة قدر الدرهم من كل نجاسة معفو عنه، قياسًا على المخرجين، وقال الثوري: كانوا يرخصون في القليل من البول، ورخص الكوفيون في مثل رؤوس الإبرِ من البول.\nوفيه دليلٌ على أن إزالة النجاسة واجبة متعينة، وكذلك في قوله: استنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه (٢). وقد تخيل الشافعي في لفظ البول العموم، فتمسك به في نجاسة جميع الأبوال، وإن كان بول ما يؤكل لحمه. وقد لا يسلم له أن الاسم المفرد للعموم، ولو سلم ذلك، فذلك إذا لم يقترن به قَرِينةُ عهدٍ، وقد اقترنت هاهنا، ولئن سُلم له ذلك فدليل تخصيصه حديث إباحة شرب أبوال الإبل للعرنيين، وإباحة الصلاة في مرابض الغنم، وطوافه - ﵊ - على بعير، وسيأتي.\nو(قوله: فدعا بعسيب رطب) العسيب من النخل: كالقضيب مما سِواهَا، والرطب: الأخضر.\nو(قوله: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا) اختلف العلماء في تأويل هذا\n_________\n(١) \"الدرهم البغلي\": هو درهم فارسي، نُقش عليه رأس بغل، وهو أوفر الدراهم وزنًا انظر \"المقاييسُ والأوزان الإسلامية\" لهانس، من منشورات الجامعة الأردنية.\n(٢) سبق تخريجه ص (٥٥٢).","vol":"1","page":552},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: وَكَانَ الآخَرُ لا يَستَنزِهُ عَنِ البَولِ أو مِنَ البَولِ.\nرواه البخاري (١٣٧٨)، ومسلم (٢٩٢)، وأبو داود (٢٠ و٢١)، والترمذي (٧٠)، والنسائي (١/ ٢٨ - ٣٠).\n[٢٢٦] وَعَن أَنَسٍ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا دَخَلَ الخَلاءَ - فِي\nــ\nالفعل، فمنهم من قال: أوحي إليه أنه يخفف عنهما ما داما رطبين، وهذا فيه بُعدٌ؛ لقوله: لعله، ولو أوحي إليه لما احتاج إلى الترجي. وقيل: لأنهما ما داما رطبين يسبحان، فإن رطوبتهما حياتهما، وأخذ من هذا التأويل جواز القراءة والذكر على القبور.\nوقيل: لأن النبي - ﷺ - شفع لهما، ودعا بأن يخفف عنهما، ما داما رطبين، وقد دل على هذا حديث جابر الذي يأتي في آخر الكتاب في حديث القبرين، قال فيه: فأحببت بشفاعتي أن يرفه عنهما ذلك، ما دام القضيبان رطبين (١)، فإن كانت القضية واحدة - وهو الظاهر - فلا مزيد على هذا في البيان.\nو(قوله: فإذا دخل الخلاء) أصل الخلاء: الخلوة، وهي الخلو، كنى به عن الحدث؛ لأنه يُفعَل في خلوةٍ. والكنيف: الساتر. وقوله: إذا دخل أي: أراد أن يدخل، وقد جاء هذا أيضًا في البخاري هكذا: إذا أراد أن يدخل، ويخرج من هذا: كراهة ذكر الله تعالى، وقراءة القرآن في هذه المواضع المعتادة للحدث، فلو لم يتعوذ عند الدخول ناسيًا، فهل يتعوذ بعد الدخول أم لا؟ فعن مالك في ذلك قولان، وكرهه جماعة من السلف كابن عباس، وعطاء، والشعبي. وأجاز ذكر الله تعالى في الكنيف، وعلى كل حال، جماعة كعبد الله بن عمر، وابن سيرين، والنخعي، متمسكين بقول عائشة: كان رسول الله - ﷺ - يذكر الله على كل أحيانه (٢).\n_________\n(١) هو في صحيح مسلم رقم (٣٠١٢).\n(٢) رواه أحمد (٦/ ٧٠ و١٥٣ و٢٧٨)، ومسلم (٣٧٣)، وأبو داود (١٨)، والترمذي (٣٣٨١).","vol":"1","page":553},{"text":"رِوَايَةٍ: الكَنِيفَ - قَالَ: اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبثِ وَالخَبَائِثِ.\nرواه أحمد (٣/ ٩٩)، والبخاري (١٤٢)، ومسلم (٣٧٥)، وأبو داود (٤)، والترمذي (٥)، والنسائي (١/ ٢٠)، وابن ماجه (٢٩٦).\n* * *\nــ\nوكذلك اختلفوا في دخول الخلاء بالخاتم فيه اسم الله تعالى.\nو(قوله: أعوذ) أي: ألوذ وألتجئ، وقد تقدم.\nو(قوله: من الخبث والخبائث) رويناه: ساكن الباء ومضمومها. قال ابنُ الأعرابي: الخبيث في كلام العرب: المكروه. وهو ضد الطيب. قال أبو الهيثم: الخُبث - بالضم -: جمع خبيث، وهو الذَّكرُ من الشياطين، والخبائث: جمع الخبيثة، وهي الأنثى منهم، ويعني: أنه تعوذ من ذكورهم وإناثهم، ونحوه قال الخطابي. وقال الداودي: الخبيث: الشيطان، والخبائث: المعاصي. وأما بسكون الباء فقيل فيه: إنه المكروه مطلقًا، وقيل: إنه الكفر. والخبائث: الشياطين، قاله ابن الأنباري. وقيل: الخبائث: البول والغائط، كما قال: لا تدافعوا الأخبثين: الغائط والبول في الصلاة (١).\nوقد روى أبو داود في المراسيل عن الحسن: أنه - ﵊ - كان إذا أراد الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث المخبث، الرجس النجس، الشيطان الرجيم (٢)، فأتى بالخبيث للجنس، وأكده بالمخبث، والعرب تقول: خبيثٌ مخبثٌ، ومخبثان إذا بالغت في ذلك.\n_________\n(١) ذكره الطحاوي في مشكل الآثار (٢/ ٤٠٥) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه أبو داود في المراسيل (٢).","vol":"1","page":554},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>(٢٠) باب ما يحل من الحائض</span>\n٢٩٣ - [٢٢٧] عَن عَائِشَةَ؛ قَالَت: كَانَت إِحدَانَا، إِذَا كَانَت حَائِضًا، أَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَن تَأتَزِرَ فِي فَورِ حَيضَتِهَا، ثُمَّ يُبَاشِرُهَا.\nــ\n(٢٠) ومن باب ما يحل من الحائض\n(قوله: أمرها أن تأتزِرَ في فورِ حيضتها) الائتزارُ: شد الإزار على الوسط إلى الركبة، وقال ابن القصَّار: من السرة إلى الركبة، وهذا منه - ﷺ - مبالغة في التحرز من النجاسة، وإلا فالحماية تحصُل بخرقة تحتشي بها. وفور الحيضة: معظم صبها، من فوران القِدر والبحر، وهو غليانهما. قال ابن عرفة: والمحيض والحيض: اجتماع الدم إلى ذلك المكان، وبه سمي الحوض لاجتماع الماء فيه، يقال: حاضت المرأة، وتحيضت حيضًا ومحاضًا ومحيضًا، إذا سال الدم منها في أوقات معلومة، فإذا سال في غيرها قيل: استحيضت، فهي مستحاضة، قال: ويقال: حاضت المرأة، وتحيضت، ودرست، وعركت، وطمثت.\nقال غيره: ونفست، بفتح النون وكسر الفاء، وحكي في النون الضم، وقيل: في قوله تعالى: وَامرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَت؛ أي: حاضت؛ وقيل: سُمي المحيض حيضًا من قولهم: حاضت السمرة: إذا خرج منها ماء أحمر. قال الشيخ: ويحتمل أن يكون قولهم: حاضت السمرة (١) تشبيهًا بحيض المرأة، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: ثم يباشرها) أي: تلتقي بشرتاهما، والبشرة: ظاهر الجلد، والأَدَمَةُ: باطنه، ويعني بذلك: الاستمتاع بما فوق الإزار والمضاجعة، كما قال - ﷺ - للذي سأله عما يحل له من امرأته الحائض، فقال: لتشُدَّ عليها إزارها،\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"1","page":555},{"text":"قَالَت: وأَيُّكُم يَملِكُ إِربَهُ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَملِكُ إِربَهُ.\nرواه البخاري (٣٠٢)، ومسلم (٢٩٣)، وأبو داود (٢٦٨ و٢٧٣)، والترمذي (١٣٢)، والنسائي (١/ ١٨٩).\n[٢٢٨] وَعَن مَيمُونَةَ، قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُبَاشِرُ نِسَاءَهُ فَوقَ الإِزَارِ، وَهُنَّ حُيَّضٌ.\nرواه البخاري (٣٠٣)، ومسلم (٢٩٥)، وأبو داود (٢٦٧)، والنسائي (١/ ١٨٩ - ١٩٠).\n[٢٢٩] وَعَن أُمِّ سَلَمَةَ؛ قَالَت: بَينَمَا أَنَا مُضطَجِعَةٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -\nــ\nثم شأنك فأعلاها (١)، وهذا مبالغة في الحماية، وأما المحرمُ لنفسِهِ فهو الفَرجُ، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء من السلف وغيرهم.\nو(قولها: وأيكم يملك إربه) قيدناه بكسر الهمزة وإسكان الراء، وبفتح الهمزة وفتح الراء، وكلاهما له معنى صحيحٌ، وإن كان الخطابي قد أنكر الأول على المحدثين، ووجه الأوّل أن الإرب هو العضو، والآراب: الأعضاء، فكنّت به عن شهوة الفرج؛ إذ هو عضو من الأعضاء، وهذا تكلف، بل في الصحاح أن الإرب: العضو والدهاء والحاجة أيضًا، وفيه لغات: إربٌ وإربةٌ وأربٌ ومأربةٌ، ويقال: هو ذو أربٍ؛ أي: ذو عقل، فقولها: يملك إربه بالروايتين، يعني: حاجته للنساء. وقول أم سلمة (٢) في الخميلة أي القطيفة، قاله ابن دُريد. وقال الخليل: الخميلة: ثوب له خملٌ، أي: هُدب.\n_________\n(١) رواه مالك في الموطأ (١/ ٥٧).\n(٢) في الأصول: عائشة، والتصحيح من التلخيص وصحيح مسلم.","vol":"1","page":556},{"text":"فِي الخَمِيلَةِ، إِذ حِضتُ، فَانسَلَلتُ، فَأَخَذتُ ثِيَابَ حيضَتِي، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أَنَفِستِ؟ قُلتُ: نَعَم. فَدَعَانِي، فَاضطَجَعتُ مَعَهُ فِي الخَمِيلَةِ. قَالَت: وَكَانَت هِيَ وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَغتَسِلان فِي الإِنَاءِ الوَاحِدِ مِنَ الجَنَابَةِ.\nرواه أحمد (٦/ ٢٩٤ و٣٠٠ و٣١٨)، والبخاري (٢٩٨)، ومسلم (٢٩٦)، والنسائي (١/ ١٤٩ - ١٥٠).\nــ\nو(قولها: فأخذت ثياب حيضتي) بفتح الحاء كذا قرأناه، تعني بها الدم، وقد قيده بعض الناس بكسر الحاء، يعني به الهيئة والحالة، كما تقول العرب: هو حَسنُ القعدَة والجلسَة، وكذا قاله الخطابي في قوله - ﵊ -: إن حيضتك ليست في يدك: أن صوابه بكسر الحاء. وعاب على المحدثين الفتح، وعيبه معابٌ؛ لأن الهيئة هنا غير مرادة، وإنما هو الدم في الموضعين.\nو(قوله: أنفست؟ قيدناه بضم النون وفتحها. قال الهروي وغيره: نُفِست المرأة ونفِست إذا ولدت، وإذا حاضت قيل: نَفَسَت بفتح النون لا غير، فعلى هذا يكون ضم النون هنا خطأ، فإن المراد به هنا الحيض قطعًا، لكن حكى أبو حاتم عن الأصمعي الوجهين في الحيض والولادة، وذكر ذلك غير واحد، فعلى هذا تصحُّ الروايتان. وأصل ذلك كله من خروج الدم، وهو المسمى: نفسًا، كما قال (١):\nتَسِيلُ على حَدِّ الظُّبَاتِ نُفُوسُنا ... وليست (٢) على غَيرِ الظُّبَاتِ تَسِيلُ\n_________\n(١) الشاعر هو: السموأل.\n(٢) في (ع) و(م): ليس.","vol":"1","page":557},{"text":"[٢٣٠] وَعَن عَائِشَةَ، قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُخرِجُ إِلَيَّ رَأسَهُ مِنَ المَسجِدِ، وهو مُجَاوِرٌ، فَأَغسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ.\nرواه أحمد (٦/ ١٨١)، والبخاري (٢٩٥)، ومسلم (٢٩٧)، وأبو داود (٢٤٦٧ - ٢٤٦٩)، والترمذي (٨٠٤)، والنسائي (١/ ١٩٣).\n[٢٣١] وَعَنهَا؛ قَالَت: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: نَاوِلِينِي الخُمرَةَ مِنَ المَسجِدِ قَالَت: فَقُلتُ: إِنِّي حَائِضٌ. فَقَالَ: إِنَّ حَيضَتَكِ لَيسَت فِي يَدِكِ.\nرواه أحمد (٦/ ١٠١ و١٠٦ و١٧٣)، ومسلم (٢٩٨)، وأبو داود (٢٦١)، والترمذي (١٣٤)، والنسائي (١/ ١٩٢).\nــ\nو(قولها: كان رسول الله - ﷺ - يخرج إليَّ رأسه من المسجد وهو مجاورٌ) أي: معتكفٌ، وكذا جاء في رواية أخرى.\nو(قوله: ناوليني الخُمرةَ من المسجد) الخُمرة: حصير ينسج من الخُوصٍ يُسجَدُ عليه، سُمي بذلك؛ لأنه يخمر الوجه، أي: يستره، وهو أصل هذا الحرف، وقد اختلف في هذا المجرور الذي هو من المسجد بماذا يتعلق؟ فعلقته طائفة بـ ناوليني، واستدلوا به على جواز دخول الحائض المسجد للحاجة تعرض لها، إذا لم يكن على جسدها نجاسة، ولأنها لا تمنع من المسجد إلا مخافة ما يكون منها، وإلى هذا نحا محمد بن مسلمة من أصحابنا، وبعض المتأخرين: إذا استثفرت، ومتى خرج منها شيء في الثفر (١) لم تدخله، تنزيها للمسجد عن النجاسة.\nوعلقته طائفة أخرى بقولها: قال لي رسول الله - ﷺ -: من المسجد ناوليني الخمرة على التقديم والتأخير، وعليه المشهور من مذاهب العلماء، أنها\n_________\n(١) \"الثفر\": هو ما تشدّه المرأة على فرجها لتمنع سيلان الدم.","vol":"1","page":558},{"text":"[٢٣٢] وَعَنهَا؛ قَالَت: كُنتُ أَشرَبُ وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوضِعِ فِيَّ، فَيَشرَبُ. وَأَتَعَرَّقُ العَرقَ وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوضِعِ فِيَّ.\nرواه أحمد (٦/ ٢١٠)، ومسلم (٣٠٠)، وأبو داود (٢٥٩)، والنسائي (١/ ١٤٨).\n[٢٣٣] وَعَنهَا؛ أَنَّهَا قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَتَّكِئُ فِي حِجرِي فَيَقرَأُ القُرآنَ، وَأَنَا حَائِضٌ.\nرواه أحمد (٦/ ١١٧ و١٣٥)، والبخاري (٢٩٧)، ومسلم (٣٠١)، وأبو داود (٢٦٠)، والنسائي (١/ ١٩١).\nــ\nلا تدخل المسجد لا مقيمة ولا عابرة؛ لقوله - ﵊ -: لا أُحل المسجد لحائض ولا جنب، خرجه أبو داود (١)، وبأن حَدَثها أفحش من حدث الجنابة، وقد اتفق على أن الجنب لا يلبث فيه، وإنما اختلفوا في جواز عبوره فيه، والمشهور من مذاهب العلماء منعه، والحائض أولى بالمنع.\nقال الشيخ - ﵀ -: ويحتمل: أن يريد بالمسجد هنا مسجد بيته الذي كان يتنفل فيه.\nو(قولها: وأتعرق العرق) أي: العظم الذي عليه اللحم، وجمعه عراق، وأتعرقه: آكل ما عليه من اللحم. وهذه الأحاديث متفقة على الدلالة على أن الحائض لا ينجس منها شيء، ولا يُجتنب منها إلا موضع الأذى فحسب، والله تعالى أعلم.\nو(قولها: كان رسول الله - ﷺ - يتكئ في حجري فيقرأ القرآن وأنا حائض)\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢٣٢) من حديث عائشة ﵂.","vol":"1","page":559},{"text":"[٢٣٤] وَعَن أَنَسٍ؛ أَنَّ اليَهُودَ كَانُوا - إِذَا حَاضَتِ المَرأَةُ فِيهِم - لَم يُؤَاكِلُوهَا وَلَم يُجَامِعُوهنَّ فِي البُيُوتِ. فَسَأَلَ أَصحَابُ النَّبِيِّ - ﷺ - النَّبِيَّ - ﷺ - فَأَنزَلَ اللهُ: وَيَسأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُل هُوَ أَذًى فَاعتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ. . . إِلَى آخِرِ الآيَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:\nــ\nكذا صوابه عند الرواة كلهم هنا، وفي البخاري. ووقع للعذري: في حجرتي بضم الحاء وبالتاء باثنتين من فوق، وهو وهم، وقد استدل بعض العلماء على جواز قراءة الحائض القرآن، وحملها المصحف. وفيه بُعد، لكن جواز قراءة الحائض للقرآن عن ظهر قلب، أو نظر في المصحف، ولا تمسه، هي إحدى الروايتين عن مالك، وهي أحسنها تمسكًا بعموم الأوامر بالقراءة، وبأصل ندبية مشروعيتها. ولا يصح ما يذكر في منعها القراءة من نهيه - ﵊ - الحائض عن قراءة القرآن، وقياسها على الجنب ليس بصحيح، فإن أمرها يطول، وليست متمكنة من رفع حدثها، فافترقا.\nويؤخذ من قراءته - ﵊ - القرآن في حجر الحائض جواز استناد المريض إلى الحائض في صلاته؛ إذا كانت أثوابها طاهرة، وهو أحد القولين عندنا. وصحيح الرواية: وأنا حائض بغير هاء ووقع عند الصدفي حائضةٌ والأول أفصح، وهذه جائزة؛ لأنها جارية على الفعل، كما قال الأعشى:\nأيا جارتا بِينِي فإنك طالقة (١) ... . . . . . . . . . . . . . . . . .\nوكما قال: وَلِسُلَيمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً وللنحاة في الأول وجهان:\n_________\n(١) وعجزه: ومَوْمُوقَةٌ ما دُمْتِ فينا ووامِقَه.","vol":"1","page":560},{"text":"اصنَعُوا كُلَّ شَيءٍ إِلا النِّكَاحَ فَبَلَغَ ذَلِكَ اليَهُودَ فَقَالُوا: مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَن يَدَعَ مِن أَمرِنَا شَيئًا إِلا خَالَفَنَا فِيهِ. فَجَاءَ أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ وَعَبَّادُ بنُ بِشرٍ فَقَالا: يَا رسولَ الله! إِنَّ اليَهُودَ تَقُولُ: كَذَا وَكَذَا. أَفَلا نُجَامِعُهُنَّ؟ فَتَغَيَّرَ وَجهُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - حَتَّى ظَنَنَّا أَن قَد وَجَدَ عَلَيهِمَا، فَخَرَجَا فَاستَقبَلهُمَا هَدِيَّةٌ مِن لَبَنٍ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَأَرسَلَ فِي آثَارِهِمَا، فَسَقَاهُمَا، فَعَرَفَا أَن لَم يَجِد عَلَيهِمَا.\nرواه أحمد (٣/ ٢٤٦)، ومسلم (٣٠٢)، وأبو داود (٢١٦٥)، والترمذي (٢٩٨١)، والنسائي (١/ ١٥٢).\n* * *\nــ\nأحدهما: أن حائض وطالق ومرضع مما لا شركة فيه للمذكر، فاستغنى عن العلامة.\nوالثاني - وهو الصحيح -: أن ذلك على طريق النسب؛ أي: ذات حيض ورضاع وطلاق، كما قال تعالى: السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ؛ أي: ذات انفطار.\nوتغير وجه رسول الله - ﷺ - من قول أُسيد بن الحُضير وعباد بن بشر إنما كان ليبين: أن الحامل على مشروعية الأحكام إنما هو أمر الله ونهيه، لا مخالفة أحد ولا موافقته، كما ظنا، ثم لما خرجا من عنده وتركاه على تلك الحالة، خاف عليهما أن يحزنا، وأن يتكدر حالهما، فاستدرك ذلك واستمالهما، وأزال عنهما ما أصابهما، بأن أرسل إليهما فسقاهما اللبن رأفة ورحمة منه لهما، على مقتضى خُلقِه الكريم، كما قال تعالى: بِالمُؤمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ.","vol":"1","page":561},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>(٢١) باب في الوضوء من المذي وغسل الذكر منه</span>\n٣٠٣ - [٢٣٥] عَن عَلِيٍّ - ﵁ -؛ قَالَ: كُنتُ رَجُلًا مَذَّاءً، وَكُنتُ أَستَحيِي أَن أَسأَلَ رَسُولَ الله - ﷺ -؛ لِمَكَانِ ابنَتِهِ، فَأَمَرتُ المِقدَادَ بنَ الأَسوَدِ.\nــ\n(٢١) ومن باب الوضوء من المذي (١)\n(قول علي - ﵁ -: كنت رجلًا مذاءً) أي: كثير المذي، كما جاء عنه في كتاب أبي داود قال: كنت ألقى من المذي شدّة، فكنت أغتسل منه حتى تشقق ظهري (٢). والمذي: ماء أبيض رقيق يخرج عند الملاعبة والتذكار، أكثر خروجه من العَزب، وهو نجسٌ باتفاق العلماء، إلا ما يحكى عن أحمد بن حنبل من أنه طاهر كالمني عنده، وهو خلافٌ شاذٌ، وقد تقدم القول في نجاسة المني، ويقال فيه: مَذي، بسكون الذال وتخفيف الياء. ومَذِيٌّ بكسر الذال، وتشديد الياء، ويقال: مذَى وأَمذَى، لغتان.\nو(قوله: فأمرت المقداد بن الأسود) هو المقداد بن عمرو بن ثعلبة الكندي، وإنما نسب للأسود لأنه كان في حجره، وكان قد تبناه، وقيل: حالفه، وجاء في رواية أخرى: أرسلنا المقداد إلى رسول الله - ﷺ -، فسأله عن المذي يخرج من الإنسان كيف يفعل به؟ وهذا يدل على أنه لم يحضر مجلس السؤال، ويتوجه على هذا إشكال، وهو أن يقال: كيف اكتفى بخبر الواحد المفيد لغلبة الظن مع تمكنه من الوصول إلى اليقين بالمشافهة؟ ويلزم منه جواز الاجتهاد مع القدرة على النص، والجواب أن نقول: يحتمل أن يكون مع أمره بالذهاب إلى\n_________\n(١) في (ع): ومن باب وضوء الجنب إذا أراد النوم، وهو خطأ.\n(٢) رواه أبو داود (٢٠٦).","vol":"1","page":562},{"text":"فَسَأَلَهُ فَقَالَ: يَغسِلُ ذَكَرَهُ، وَيَتَوَضَّأُ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: تَوَضَّأ، وَانضَح فَرجَكَ.\nــ\nرسول الله - ﷺ - وإرساله حضر مجلس السؤال والجواب، ولو سلمنا عدم ذلك قلنا: إن العمل بخبر الواحد جائزٌ مع إمكان الوصول إلى اليقين، إذا كان في الوصول إلى اليقين كلفة ومشقة، فإن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يتناوبون حضور مجلس رسول الله - ﷺ - لسماع ما يطرأ فيه، ويحدِّثُ من حضر لمن غاب، والنبي - ﷺ - كان يوجه ولاته وأمراءه ليعلموا الناس العلم آحادًا؛ مع تمكنه من إرسال عدد التواتر، أو أمره أن يرتحل إليه عدد التواتر لِيَسمعوا منه، ولم يفعل ذلك إسقاطًا للمشقة، ومجانبة للتعنيت والكلفة، ولذلك قال تعالى: فَلَولَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرقَةٍ مِنهُم طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ، والطائفة لا يحصل العلم بخبرهم إذ الفرقة أقلها ثلاثة. والطائفة منهم واحد أو اثنان، ولا يلزم على ذلك تجويز الاجتهاد مع وجود النص؛ لأنهم - ﵃ - لم يجتهدوا إلا حيث فقدوا النصوص القاطعة والمظنونة، وذلك لأن الظن الحاصل من نصوص أخبار الآحاد أقوى من الظن الحاصل عن الاجتهاد، وبيان ذلك: أن الوهم إنما يتطرق إلى أخبار الآحاد من جهة الطريق، وهي جهة واحدة، ويتطرق إلى الاجتهاد من جهات متعددة فانفصلا، والله أعلم.\nو(قوله: يغسل ذكره ويتوضأ) ظاهر هذا أنه يغسل جميع ذكره؛ لأن الاسم للجملة، وهو رأي المغاربة من أصحابنا، وهل ذلك للعبادة فيفتقر إلى نية، أو لقطع أصل المذي فلا يحتاج؟ قولان لأبي العباس الإبياني وأبي محمد بن أبي زيد. وذهب بعض العراقيين من أصحابنا: إلى أنه يغسل موضع النجاسة فقط، ولم يختلف العلماء أن المذي إذا خرج على الوجه المعتاد أنه ينقض الوضوء.\nو(قوله في الرواية الأخرى: توضأ وانضح فرجك) النضح هنا: هو الغسل","vol":"1","page":563},{"text":"رواه أحمد (١/ ٧٩)، والبخاري (٢٦٩)، ومسلم (٣٠٣)، وأبو داود (٢٠٦ - ٢٠٩)، والترمذي (١١٤)، والنسائي (١/ ٩٦ - ٩٧).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>(٢٢) باب وضوء الجنب إذا أراد النوم أو معاودة أهله</span>\n[٢٣٦] عَن عَائِشَةَ؛ أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - كَانَ إِذَا أَرَادَ أَن يَنَامَ وهو جُنُبٌ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ قَبلَ أَن يَنَامَ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: إذا أَرَادَ أَن يَأكُلَ أو يَنَامَ، تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ.\nرواه أحمد (٦/ ١٩٢)، والبخاري (٢٨٦)، ومسلم (٣٠٥)، وأبو داود (٢٢٢ - ٢٢٨)، والترمذي (١١٨ و١١٩)، والنسائي (١/ ١٣٨).\n[٢٣٧] وَعَنِ ابنِ عُمَرَ؛ أَنَّ عُمَرَ استَفتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: هَل يَنَامُ أَحَدُنَا وهو جُنُبٌ؟ قَالَ: نَعَم. لِيَتَوَضَّأ، ثُمَّ لِيَنَم، حَتَّى يَغتَسِلَ إِذَا شَاءَ.\nــ\nالمذكور في الرواية المتقدمة، والواو غير مرتبة، ويحتمل أن يريد به: أن يرش ذكره بعد غسله أو وضوئه؛ لينقطع أصل المذي أو يقل، والله أعلم.\n(٢٢) ومن باب: وضوء الجنب إذا أراد النوم\n(قول عائشة: أنه - ﵊ -: كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة) يدل على بطلان قول من قال: إنه الوضوء اللغوي.\nو(قوله: ليتوضأ ثم لينم) حجة لمن قال بوجوب وضوء الجنب عند نومه،","vol":"1","page":564},{"text":"رواه أحمد (١/ ١٦)، والبخاري (٢٨٧)، ومسلم (٣٠٦)، وأبو داود (٢٢١)، والترمذي (١٢٠)، والنسائي (١/ ١٤٠).\n[٢٣٨] وَعن عَبدِ اللهِ بنِ أبي قَيسٍ؛ قَالَ: سَأَلتُ عَائِشَةَ عَن وِترِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَذَكَرَ الحَدِيثَ. قَالَ: قُلتُ: كَيفَ كَانَ يَصنَعُ فِي الجَنَابَةِ؟ أَكَانَ يَغتَسِلُ قَبلَ أَن يَنَامَ أَم يَنَامُ قَبلَ أَن يَغتَسِلَ؟ قَالَت: كُلُّ ذَلِكَ كَانَ يَفعَلُ. رُبَّمَا اغتَسَلَ فَنَامَ وَرُبَّمَا تَوَضَّأَ فَنَامَ. قُلتُ: الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الأَمرِ سَعَةً.\nرواه أحمد (٦/ ٢٧٣)، ومسلم (٣٠٧)، وأبو داود (٢٢٦)، والنسائي (١/ ٢٣٨).\nــ\nوهو قول كثير من أهل الظاهر، وهو مروي عن مالك، وروي عنه: أنه مندوب إليه، وعليه الجمهور، وهو الصحيح؛ إذ قد روى الترمذي عن عائشة: أن النبي - ﷺ - كان ينام وهو جنب لا يمس ماء (١). وقد روت عنه أنه كان يتوضأ قبل أن ينام، فكان وضوؤه كغسله، فإنه كان ربما يغتسل قبل النوم، وربما يغتسل بعد النوم كما قد روت عنه. وغسل الجنب قبل النوم ليس بواجب إجماعًا بل مندوبٌ إليه، فيكون الوضوء كذلك.\nثم هل معنى ذلك حُكمٌ غير معللٍ فيقتصر به على محله، أو هو معلل؟ فمن أصحابنا من قال: هو معللٌ بما عساه ينشط فيغتسل، ومنهم من علَّله بأنه ليبيت على إحدى الطهارتين، وعلى هذا التعليل الثاني تتوضأ الحائض، ولا تتوضأ على التعليل الأول.\nوأما وضوء الجنب عند الأكل؛ فظاهر مساق حديث عائشة يقتضي أن يكون ذلك الوضوء هو وضوء الصلاة، فإنها جمعت بين الأكل والنوم في الوضوء. وقد\n_________\n(١) رواه الترمذي (١١٨ و١١٩).","vol":"1","page":565},{"text":"[٢٣٩] وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَامَ مِنَ اللَّيلِ، فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ غَسَلَ وَجهَهُ وَيَدَيهِ، ثُمَّ نَامَ.\nرواه البخاري (١٣٨)، ومسلم (٧٦٣) و(٣٠٤)، وابن ماجه (٥٠٨).\n[٢٤٠] وَعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِذَا أَتَى أَحَدُكُم أَهلَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَن يُعَاوِد، فَليَتَوَضَّأ بَينَهُمَا وُضُوءًا.\nرواه مسلم (٣٠٨)، وأبو داود (٢٢٠)، والترمذي (١٤١)، والنسائي (١/ ١٤٢).\nــ\nحُكي أن ابن عمر كان يأخذ بذلك عند الأكل، والجمهور على خلافه، وأن معنى وضوئه عند الأكل: غسل يديه، وذلك لما يخاف أن يكون أصابهما أذى. وقد روى النسائي عن عائشة هذا مفسرًا، فقالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا أراد أن ينام وهو جنبٌ توضأ، وإذا أراد أن يأكل أو يشرب قالت: غسل يديه، ثم يأكل أو يشرب (١).\nو(قول ابن عباس: إن النبي - ﷺ - قام من الليل فقضى حاجته) المراد بالحاجة هنا: الحدث؛ لأنه هو الذي يمكن أن يطَّلِعَ عليه ابن عباس، وأيضًا فهو الذي يقام له، ويحتمل أن تكون حاجته إلى أهله، ويخبر بذلك ابن عباس عمن أخبره بذلك من زوجات النبي - ﷺ -، ويقصد بذلك: بيان أن الجنب لا يجب عليه أن يتوضأ للنوم الوضوء الشرعي، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعاود فليتوضأ بينهما وضوءًا) ذهب بعض أهل الظاهر إلى أن هذا الوضوء - هنا - هو الوضوء العرفي، وأنه\n_________\n(١) رواه النسائي (١/ ١٣٩).","vol":"1","page":566},{"text":"[٢٤١] وَعَن أَنَسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسلٍ وَاحِدٍ.\nرواه البخاري (٢٦٧)، ومسلم (٣٠٩)، وأبو داود (٢١٨)، والترمذي (١٤٠)، والنسائي (١/ ١٤٣).\n* * *\nــ\nواجبٌ، واستحبه أحمد وغيره. وذهب الفقهاء وأكثر أهل العلم إلى أنه غسل الفرج فقط، مبالغة في النظافة واجتنابًا لاستدخال النجاسة. ويستدل على ذلك بأمرين:\nأحدهما: أنه قد روى هذا الحديث ليث بن أبي سليم من حديث عمر، وقال فيه: فليغسل فرجه (١) مكان: فليتوضأ بينهما وضوءًا.\nوثانيهما: أن الوطء ليس من قبيل ما شرع له الوضوء، فإن أصل مشروعيته للقرب والعبادات، والوطء ينافيه، فإنه للملاذ والشهوات، وهو من جنس المباحات، ولو كان ذلك مشروعًا لأجل الوطء لشُرع في الوطء المبتدأ، فإنه من نوع المعاد، وإنما ذلك لما يتلطخ به الذكر من نجاسة ماء الفرج والمني، فإنه مما يكره ويستثقل عادة وشرعًا، والله أعلم.\nو(قول أنس: كان رسول الله - ﷺ - يطوف على نسائه بغسل واحد) هذا يحتمل أن يكون من النبي - ﷺ - عند قدومه من سفر، أو عند تمام الدوران عليهن وابتداء دور آخر، فدار عليهن ليلةً، أو يكون ذلك عن إذن صاحبة اليوم، أو يكون ذلك خصوصًا به، وإلا فوطء المرأة في يوم ضرتها ممنوع منه، وقد ظهرت خصائصه\n_________\n(١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢٩٥): رواه أبو يعلى في الكبير، وفيه: ليث بن أبي سليم، وهو مدلس.","vol":"1","page":567},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>(٢٣) باب وجوب الغسل على المرأة إذا رأت في المنام مثل ما يرى الرجل</span>\n[٢٤٢] عَن أُمِّ سَلَمَةَ؛ قَالَت: جَاءَت أَمُّ سُلَيمٍ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -. فَقَالَت: يَا رسولَ الله! إِنَّ اللهَ لا يَستَحيِي مِنَ الحَقِّ. فَهَل عَلَى المَرأَةِ مِن غُسلٍ إِذَا احتَلَمَت؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: نعم، إِذَا رَأَتِ المَاءَ، فَقَالَت أُمُّ\nــ\nفي هذا الباب كثيرًا، هذا مع أنه - ﵊ - لم يكن القسم عليه بينهن واجبًا؛ لقوله تعالى: تُرجِي مَن تَشَاءُ مِنهُنَّ وَتُؤوِي إِلَيكَ مَن تَشَاءُ لكنه - ﷺ - كان قد التزمه لهن تطييبًا لأنفسهن، ولتقتدي أمته بفعله، والله تعالى أعلم.\nويجوز الجمع بين الزوجات والسراري في غسل واحد، وعليه جماعة السلف والخلف، وإن كان الغسل بعد كل وطء أكمل وأفضل؛ لما رواه النسائي عن أبي رافع قال: طاف رسول الله - ﷺ - على نسائه، فجعل يغتسل عند هذه وعند هذه، فقلت: يا رسول الله! لو جعلته غسلًا واحدًا؟ قال: هذا أزكى وأطيب وأطهر (١).\n(٢٣) ومن باب: وجوب الغسل على المرأة إذا رأت في المنام مثل ما يرى الرجل\n(قول أم سليم: إن الله لا يستحيي من الحق) أي: لا يأمر بالحياء فيه، ولا يمنع من ذكره، وأصل الحياء: انقباض واحتشام يجده الإنسان عندما يطلع منه على\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢١٩)، والنسائي في عشرة النساء (١٤٩)، وابن ماجه (٥٩٠).","vol":"1","page":568},{"text":"سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ! وَتَحتَلِمُ المَرأَةُ؟ فَقَالَ: تَرِبَت يَدَاكِ، فَبِمَ يُشبِهُهَا وَلَدُهَا؟ .\nرواه أحمد (٦/ ٢٩٢ و٣٠٢)، ومسلم (٣١٠)، والنسائي (١/ ١١٢).\nــ\nمستقبح، وهو في حق الله تعالى: عبارة عن الامتناع عن مثل ذلك الفعل المستحيا منه.\nو(قوله: تربت يداك) أي: افتقرت، قال الهروي: ترب الرجل إذا افتقر، وأترب: إذا استغنى، وفي الصحاح: ترب الشيء بالكسر: أصابه التراب، ومنه ترب الرجل: افتقر؛ كأنه لصق بالتراب، قال: وأترب الرجل: استغنى، كأنه صار ماله من الكثرة بقدر التراب. وتأول مالك قوله - ﵊ - لعائشة: تربت يداك بمعنى الاستغناء، وكذلك قال عيسى بن دينار، وقال ابن نافع: معناه: ضعف عقلك. وقال الأصمعي: معناه: الحض على تعلم مثل هذا، كما يقال: انجُ ثكلتك أمك. وقيل: تربت يداك: أصابها التراب، ولم يرد الفقر. والصحيح: أن هذا اللفظ وشبهه تجري على ألسنة العرب من غير قصد الدعاء به. وهذا مذهب أبي عبيد في هذه الكلمات وما شابهها. وقد أحسن البديع في بعض رسائله، وأوضح هذا المعنى فقال:\nوقد يوحش اللفظ وكله ودٌّ، ويكره الشيء وما من فعله بدٌّ، هذه العرب تقول: لا أبا لك للشيء إذا أهم، وقاتله الله، ولا يريدون به الذم، وويل أمه، للأمر إذا تم. وللألباب في هذا الباب أن تنظر إلى القول وقائله، فإن كان وليًّا فهو الولاء وإن خَشُنَ، وإن كان عدوًّا فهو البلاء وإن حسن.\nقال الشيخ: وعلى تقدير كونه دعاءً على أصله، مقصودًا للنبي - ﷺ - على بُعده، فقد قال - ﷺ -: اللهم من دعوت عليه أو سببته أو لعنته - يعني: من","vol":"1","page":569},{"text":"[٢٤٣] وَفِي رِوَايَةٍ: فَمِن أَينَ يَكُونُ الشَّبَهُ؟ إِنَّ مَاءَ الرَّجُلِ غَلِيظٌ أَبيَضُ، وَمَاءَ المَرأَةِ رَقِيقٌ أَصفَرُ. فَمِن أَيِّهِمَا عَلا، أو سَبَقَ، يَكُونُ مِنهُ الشَّبَهُ.\nرواه أحمد (٣/ ٢٨٢)، ومسلم (٣١١) عن أم سُليم.\nــ\nالمسلمين - فاجعل ذلك له زكاة ورحمة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة (١). وإنكار أم سلمة وعائشة على أم سليم قضية احتلام النساء، تدل على قلة وقوعه من النساء.\nو(قوله: فمن أين يكون الشبه) يروى بكسر الشين وسكون الباء، وفتح الشين والباء لغتان، كما يقال: مِثل، ومَثَل، ومعنى ذلك مفسر في حديث عائشة وثوبان، وما ذكره من صفة الماءين إنما هو في غالب الأمر واعتدال الحال، وإلا فقد تختلف أحوالهما للعوارض.\nو(قوله: فمن أيهما علا أو سبق يكون منه الشبه) أي: فمن أجل علو أو سبق أحدهما يكون الشبه. ويحتمل: أن يقال: إن من زائدة على قول بعض الكوفيين: إنها تزاد في الواجب بتقدير أيهما. ويحتمل أن يكون أو شكًّا من أحد الرواة. ويحتمل أن يكون تنويعًا؛ أي: أيَّ نوعٍ كان منهما، كان منه الشبه، كما قال الشاعر:\nفقالوا لنا ثنتان لا بد منهما ... صدور رماح أشرعت أو سلاسل\nأي: أحد النوعين لا بد منه. وسبق أي: بادر بالخروج، وقد جاء في غير كتاب مسلم: سَبقَ إلى الرحم (٢). ويحتمل أن يكون بمعنى: غلب، من قولهم:\n_________\n(١) رواه أحمد (٦/ ٤٥)، ومسلم (٢٦٠٠).\n(٢) ذكره ابن وهب كما في التمهيد (٨/ ٣٣٦).","vol":"1","page":570},{"text":"[٢٤٤] وَعَن عَائِشَةَ؛ أَنَّ امرَأَةً قَالَت لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -: هَل تَغتَسِلُ المَرأَةُ إِذَا احتَلَمَت وَأَبصَرَتِ المَاءَ؟ فَقَالَ: نَعَم، فَقَالَت لَهَا عَائِشَةُ: تَرِبَت يَدَاكِ. وَأُلَّت. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: دَعِيهَا. وَهَل يَكُونُ الشَّبَهُ إِلا مِن قِبَلِ ذَلِكِ؟ إِذَا عَلا مَاؤُهَا مَاءَ الرَّجُلِ أَشبَهَ الوَلَدُ أَخوَالَهُ. وَإِذَا عَلا مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَهَا أَشبَهَ الولد أَعمَامَهُ.\nــ\nسابقني فلان فسبقته؛ أي: غلبته، ومنه قوله تعالى: وَمَا نَحنُ بِمَسبُوقِينَ؛ أي: مغلوبين، فيكون معناه: يكثر.\nو(قوله في الرواية الأخرى: إذا علا ماؤُها ماءَ الرجل أشبه الولد أخوالهُ، وإذا علا ماء الرجل ماءَها أشبه الولد أعمامهُ) مقتضى هذا: أن العُلو يقتضي الشبه، وقد جعل العلو في حديث ثوبان الآتي يقتضي الذكورة والأنوثة، فعلى مقتضى الحديثين يلزم اقتران الشبه للأعمام والذكورة إن علا مني الرجل، وكذلك يلزم إذا علا مني المرأة اقتران الشبه للأخوال والأنوثة؛ لأنهما معلولا علة واحدة، وليس الأمر كذلك، بل الوجود بخلاف ذلك؛ لأنا نجد الشبه للأخوال والذكورة، والشبه للأعمام والأنوثة، فتعين تأويل أحد الحديثين، والذي يتعين تأويله: العلو الذي في حديث ثوبان (١)، فيقال: إن ذلك العلو معناه: سبق الماء إلى الرحم والذكورة (٢). ووجهه: أن العلو لما كان معناه الغلبة، كما فسرناه، وكان السابق عاليًا في ابتدائه بالخروج قيل عليه: علا، ويؤيد هذا التأويل أنه قد روي في غير كتاب مسلم: إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة أذكرا، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل آنثا (٣).\n_________\n(١) يأتي برقم (٢٤٥).\n(٢) من (ع).\n(٣) بل هو في صحيح مسلم (٣١٥) من حديث ثوبان ﵁.","vol":"1","page":571},{"text":"رواه أحمد (٦/ ٩٢)، ومسلم (٣١٤)، وأبو داود (٢٣٧)، والنسائي (١/ ١١٢ - ١١٣).\n* * *\nــ\nوقد بنى القاضي أبو بكر بن العربي على اختلاف هذه الأحاديث بناء، فقال: إن للماءين أربعة أحوال:\nالأول: أن يخرج ماء الرجل أولًا.\nوالثاني: أن يخرج ماء المرأة أولًا.\nوالثالث: أن يخرج ماء الرجل أولًا ويكون أكثر.\nالرابع: أن يخرج ماء المرأة أولًا ويكون أكثر.\nويتم التقسيم: بأن يخرج ماء الرجل أولًا، ثم يخرج ماء المرأة بعده، فيكون أكثر، أو بالعكس، وبالعكس فإذا خرج ماء الرجل أولًا وكان أكثر، جاء الولد ذكرًا بحكم السبق، وأشبه الولد أعمامه بحكم الكثرة، وإن خرج ماء المرأة أولًا وكان أكثر جاء الولد أنثى بحكم السبق، وأشبه أخواله بحكم الغلبة، وإن خرج ماء الرجل أولًا لكن لما خرج ماء المرأة بعده كان أكثر، كان الولد ذكرًا بحكم السبق، وأشبه أخواله بحكم غلبة ماء المرأة. وإن سبق ماء المرأة لكن لما خرج ماء الرجل وكان أعلى من ماء المرأة كان الولد أنثى بحكم سبق ماء المرأة، وأشبه أعمامه بحكم غلبة ماء الرجل. وقال: وبانتظام هذه الأقسام يستتب الكلام، ويرتفع التعارض عن هذه الأحاديث.\nو(قوله في حديث عائشة: تربت يداك وأُلّت) بضم الهمزة وتشديد اللام؛ أي: أصيبت بالألة، وهي الحربة، يقال: ألّه يؤلّه ألًاّ؛ أي: طعنه بها.\nوهذه الأحاديث كلها تدل على أن الغسل إنما هو في الاحتلام من رؤية الماء لا من رؤية الفعل، وعلى أن الولد يكون من مجموع ماء الرجل وماء المرأة معًا، خلافًا لمن ذهب إلى أن الولد إنما هو من ماء المرأة، وأن ماء الرجل له عاقد كالأنفحة للبن، والله أعلم.","vol":"1","page":572},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>(٢٤) باب الولد من ماء الرجل وماء المرأة</span>\n[٢٤٥] عَن ثَوبَانَ؛ مَولَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: كُنتُ قَائِمًا عِندَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. فَجَاءَ حِبرٌ مِن أَحبَارِ اليَهُودِ. فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيكَ يَا مُحَمَّدُ؟ فَدَفَعتُهُ دَفعَةً كَادَ يُصرَعُ مِنهَا. فَقَالَ: لِمَ تَدفَعُنِي؟ فَقُلتُ: أَلا تَقُولُ يَا رسولَ الله! فَقَالَ اليَهُودِيُّ: إِنَّمَا نَدعُوهُ بِاسمِهِ الَّذِي سَمَّاهُ بِهِ أَهلُهُ. فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِنَّ اسمِي مُحَمَّدٌ الَّذِي سَمَّانِي بِهِ أَهلِي، فَقَالَ اليَهُودِيُّ: جِئتُ أَسأَلُكَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أَيَنفَعُكَ شَيءٌ إِن حَدَّثتُكَ؟ قَالَ: أَسمَعُ بِأُذُنَيَّ. فَنَكَتَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِعُودٍ مَعَهُ، فَقَالَ: سَل، فَقَالَ اليَهُودِيُّ: أَينَ يَكُونُ النَّاسُ يَومَ تُبَدَّلُ الأَرضُ غَيرَ الأَرضِ وَالسَّمَاوَاتُ؟ فَقَالَ\nــ\n(٢٤) ومن باب: الولد من ماء الرجل والمرأة\nالحبر: العالم، يقال بفتح الحاء وكسرها، فأما الحِبر للمداد فبالكسر لا غير.\nونكت النبي - ﷺ - الأرض بعود معه: هو ضربه فيها، وهذا العُود هو المسمّى: بالمخصرة، وهو الذي جرت عوائد رؤساء العرب وكبرائهم باستعمالها، بحيث تصل إلى خصره، ويشغل بها يديه من العبث، وإنما يفعل ذلك النكت المتفكرُ.\nو(قوله: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض) هذا يدلّ على أن معنى هذا التبديل: إزالة هذه الأرض، والإتيان بأرض أخرى، لا كما قاله كثيرٌ من الناس: أنها تبدل صفاتها وأحوالها فتسوّى آكامها، وتغير صفاتها، وتُمد مدَّ الأديم، ولو كان هذا لما أشكل كون الناس فيها عند تبديلها، ولما جمعُوا على الصراط حينئذ.\nوقد دل على صحة الظاهر المتقدم حديث عائشة؛ إذ سألت عن","vol":"1","page":573},{"text":"رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: هُم فِي الظُّلمَةِ دُونَ الجِسرِ، قَالَ: فَمَن أَوَّلُ النَّاسِ إِجَازَةً؟ قَالَ: فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ، قَالَ اليَهُودِيُّ: فَمَا تُحفَتُهُم حِينَ يَدخُلُونَ الجَنَّةَ؟ قَالَ: زِيَادَةُ كَبِدِ النُّونِ. قَالَ: فَمَا غِدَاؤُهُم عَلَى إِثرِهَا؟ قَالَ: يُنحَرُ لَهُم ثَورُ الجَنَّةِ الَّذِي كَانَ يَأكُلُ مِن أَطرَافِهَا، قَالَ: فَمَا شَرَابُهُم عَلَيهِ؟ قَالَ: مِن عَينٍ\nــ\nهذا رسول الله - ﷺ -؟ فقال مجيبًا لها: على الصراط (١). والأرض المبدلة هي الأرض التي ذكرها في حديث سهل بن سعد حيث قال: يحشر الناس على أرض بيضاء عفراء، ليس فيها عَلَمٌ لأحدٍ (٢)، وهذا الحشر هو جمعهم فيها بعد أن كانوا على الصراط، والله أعلم.\nوقال العكاظي: تُمد الأرض مدَّ الأديم، ثم يزجر الله الخلق زجرةَ، فإذا هم في الأرض الثانية، في مثل مواضعهم من الأرض الأولى، والله أعلم بكيفية ذلك.\nوالجسر - بفتح الجيم وكسرها -: ما يعبر عليه، وهو الصراط هنا. ودون بمعنى فوق، كما قال في حديث عائشة: على الصراط. والتحفة: ما يتحف به الإنسان من الفواكه والطُّرف، محاسنةً وملاطفةً. وزيادة الكبد قطعة منه كالإصبع. والنون الحوت، وقد جاء مفسرًا في حديث أبي سعيد: قال اليهودي: ألا أخبرك بإدامهم، قال: بلى. قال: إدامهم باللام ونون، قالوا: ما هذا؟ قال: ثور ونونٌ يأكل من زيادة كبدهما سبعون ألفًا (٣). وفي الصحاح: النون: الحوت، وجمعه: أنوان، ونينانٌ، وذو النون: لقب يونس - ﵇ -.\nو(قوله: فما غداؤهم) بفتح الغين وبالدال المهملة، وللسمرقندي: غذاؤُهُم بكسر الغين وبالذال المعجمة، والأظهر أنه تصحيف.\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٧٩١).\n(٢) رواه البخاري (٦٥٢١)، ومسلم (٢٧٩٠).\n(٣) رواه مسلم (٢٧٩٢).","vol":"1","page":574},{"text":"فِيهَا تُسَمَّى سَلسَبِيلًا، قَالَ: صَدَقتَ. قَالَ: وَجِئتُ أَسأَلُكَ عَن شَيءٍ لا يَعلَمُهُ أَحَدٌ مِن أهل الأَرضِ إِلا نَبِيٌّ، أو رَجُلٌ، أو رَجُلانِ. قَالَ: يَنفَعُكَ إِن حَدَّثتُكَ؟ قَالَ: أَسمَعُ بِأُذُنَيَّ. قَالَ: جِئتُ أَسأَلُكَ عَنِ الوَلَدِ؟ قَالَ: مَاءُ الرَّجُلِ أَبيَضُ، وَمَاءُ المَرأَةِ أَصفَرُ، فَإِن اجتَمَعَا، فَعَلا مَنِيُّ الرَّجُلِ مَنِيَّ المَرأَةِ، أَذكَرَا بِإِذنِ اللهِ، وَإِذَا عَلا مَنِيُّ المَرأَةِ مَنِيَّ الرَّجُلِ، آنَثَا بِإِذنِ اللهِ قَالَ اليَهُودِيُّ: لَقَد صَدَقتَ، وَإِنَّكَ لَنَبِيٌّ. ثُمَّ انصَرَفَ فَذَهَبَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: لَقَد سَأَلَنِي هَذَا عَنِ الَّذِي سَأَلَنِي عَنهُ، وَمَا لِي عِلمٌ بِشَيءٍ مِنهُ، حَتَّى أَتَانِيَ اللهُ بِهِ.\nرواه مسلم (٣١٥).\n* * *\nــ\nو(قوله: تسمى سلسبيلًا) أي: سَلِسَةُ السَبيل، سهلة المَشرَع، يقال: شراب سَلسَلٌ، وسَلسَالٌ، وسَلسَبيلٌ. عن مجاهد وقيل عنه: شديد الجِريةِ، قال الشاعر (١):\n. . . . . . . . . . . . ... كأسًا تصَفَّقُ بالرّحيق السَّلسَلِ (٢)\nوقال قتادة: عين تنبع من تحت العرش من جنة عدن إلى الجنان.\nو(قوله: لقد صدقت وإنك لنبيٌّ) يدل على أن مُجرَّدَ التصديق من غير التزام الشريعة ولا دخول فيها لا ينفع؛ إذ لم يحكم له بالإسلام.\n_________\n(١) هو حسان بن ثابت.\n(٢) صدر البيت: يسْقُونَ من وَرَدَ البريصَ عليهم. انظر: ديوانه ص (٧٤) وفيه (بردى) بدل (كاسًا).","vol":"1","page":575},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>(٢٥) باب في صفة غسله - ﵊ - من الجنابة</span>\n[٢٤٦] عَن عَائِشَةَ؛ قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا اغتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ. يَبدَأُ فَيَغسِلُ يَدَيهِ - وَفِي رِوَايَةٍ: كَفَّيهِ ثَلاثًا -، ثُمَّ يُفرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَيَغسِلُ فَرجَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ يَأخُذُ المَاءَ، فَيُدخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعرِ، حَتَّى إِذَا رَأَى أَن قَدِ استَبرَأَ، حَفَنَ عَلَى رَأسِهِ ثَلاثَ حَفَنَاتٍ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجلَيهِ.\nرواه أحمد (٦/ ٢٣٧)، والبخاري (٢٥٨)، ومسلم (٣١٦)، وأبو داود (٢٤٠ - ٢٤٤)، والترمذي (١٠٤)، والنسائي (١/ ١٣١).\nــ\n(٢٥) ومن باب صفة غُسلِهِ - ﷺ - من الجنابة\n(قوله: ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر) قيل: إنما فعل ذلك ليسهل دخول الماء إلى أصول الشعر، وقيل: ليتأنس بذلك حتى لا يجد بعده من صب الماء الكثير نفرة (١).\nو(قوله: حتى إذا رأى أن قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حفنات) استبرأ أي: استقصى وبالغ، من قولهم: استبرأ الخبرُ. وحفن: أخذ وصب. الحفنات: جمع حفنة، وهي ملء الكفين من الطعام أو نحوه، وأصلها من الشيء اليابس كالدقيق والرمل ونحوه. يقال: حفنتُ لهُ حفنةً؛ أي: أعطيته قليلًا، قاله في الصحاح.\nولا يفهم من هذه الثلاث حفنات أنه غسل رأسه ثلاث مرات؛ لأن التكرار في الغسل غير مشروع؛ لما في ذلك من المشقة، وإنما كان ذلك العدد؛ لأنه بدأ بجانب رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم على وسط رأسه، كما جاء في حديث\n_________\n(١) \"النُّفْرة\": الانقباض.","vol":"1","page":576},{"text":"[٢٤٧] وَعَن مَيمُونَةَ؛ قَالَت: أَدنَيتُ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - غُسلَهُ مِنَ الجَنَابَةِ، فَغَسَلَ كَفَّيهِ مَرَّتَينِ أو ثَلاثًا، ثُمَّ أَدخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ، ثُمَّ أَفرَغَ بِهِ عَلَى فَرجِهِ، وَغَسَلَهُ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ الأَرضَ فَدَلَكَهَا دَلكًا شَدِيدًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ أَفرَغَ عَلَى رَأسِهِ ثَلاثَ حَفنَاتٍ مِلءَ كَفهِ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى عَن مَقَامِهِ ذَلِكَ، فَغَسَلَ رِجلَيهِ، ثُمَّ أَتَيتُهُ بِالمِندِيلِ فَرَدَّهُ.\nــ\nعائشة الآتي بعد هذا، وكما وقع في البخاري أيضًا من حديثها.\nو(قوله: ثم أفاض الماء على سائر جسده) استدل (١) به من لم يشترط التدليك، وهو الشافعي، ولا حجة له فيه؛ لأن أفاض إنما معناه: غسل، كما جاء في حديث ميمونة الآتي بعد هذا.\n: هو صب الماء على المغسول ودلكه، على ما نقله أصحابنا، والذي وقفت عليه من نقل بعض اللغويين: أن الغسل إجادة التطهير، وهو يُفيدُ: أن مجرد الإفاضة والغمس لا يكتفى به في مسمى الغسل، بل لا بد مع ذلك من مبالغة، إما بالدلك، أو بما يتنزَّل منزلتَهُ، وقد تواردت الأحاديث عن النبي - ﷺ - بأنه كان يغسل أعضاء وضوئه، ويدلكها بيديه، ولا فرق بين الغسل والوضوء في هذا. وقد روي من حديث عائشة: أن النبي - ﷺ - علَّمها كيفية الغسل، وأمرها أن تدلك، وهذا ذكره ابن حزم، وضعفه، وسيأتي في حديث أسماء بنت شَكَلٍ ما يدل على التدليك (٢).\nو(قولهُ هنا: ثم غسل رجليه)\nوفي حديث ميمونة: ثم تنحى عن مقامِه فغسل رجليه، استحب بعض العلماء أن يؤخر غسل رجليه على ظاهر هذه الأحاديث، وذلك ليكون الافتتاحُ والاختتام بأعضاء الوضوء.\nوقد رُوي عن مالك: ليس العمل على تأخير غسل الرجلين، وليتم وضوءه في أول غسله، فإن أخرهما\n_________\n(١) في (ع): اشترط.\n(٢) يأتي الحديثُ في أول باب (٢٨).","vol":"1","page":577},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: ثُمَ أُتِيَ بِمِندِيلٍ، فَلَم يَمَسَّهُ، وَجَعَلَ يَقُولُ بِالمَاءِ هَكَذَا، يَعنِي يَنفُضُهُ.\nــ\nأعاد وضوءه عند الفراغ، وكأنه رأى أن ما وقع هنا كان لما ناله من تلك البقعة، وروي عنه: أنه واسعٌ، والأظهر الاستحباب؛ لدوام النبي - ﷺ - على فعل ذلك.\nو(في حديث ميمونة أنه أتي (١) بالمنديل فرده) يتمسك به من كره التَمندُلَ (٢) بعد الوضوءِ والغسل، وبه قال ابن عمرو، وابن أبي ليلى، وإليه مال أصحاب الشافعي ﵀، وقال: هو أثر عبادةٍ فتكره إزالته، كدم الشهيد، وخلوف فم الصائم، ولا حجة في الحديث؛ لاحتمال (٣) أن يكون رده إياه لشيء رَآهُ في المنديل، أو لاستعجاله للصلاة، أو تواضعًا، أو مجانبة لعادة المترفهين.\nوأما القياس فلا نسلمهُ؛ لأنا نمنع (٤) الحكم في الأصل؛ إذ الشهيد يحرم غَسل دمه، لا يكره، ولا تكره إزالة الخلوف بالسواك، وروي عن ابن عباس أنه يُكره التمندُلُ في الوضوء دون الغسل. والصحيح أن ذلك واسع، كما ذهب إليه مالك، تمسكًا بعدم الناقل عن الأصل. وأيضًا فقد روي عن عائشة: أن النبي - ﷺ - كانت له خرقة ينشف بها بعد الوضوء (٥)، ومن حديث معاذ: أن النبي - ﷺ - كان يمسح وجهه من وضوئه بطرف ثوبه (٦)، ذكرهما الترمذي، وقال: لا يصح في الباب شيء.\nو(قولها: وجعل يقول بالماء هكذا) تعني: ينفضه، ردٌّ على من كره\n_________\n(١) فى (م) و(ط): أتيته.\n(٢) في الأصول: (المنديل) والمثبت من (ط).\n(٣) في (ل): لحالة.\n(٤) في (ع): لا نمنع.\n(٥) رواه الترمذي (٥٣).\n(٦) رواه الترمذي (٥٤).","vol":"1","page":578},{"text":"وَفِي أُخرى: وَصفُ الوُضُوءِ كُلِّهِ، يَذكُرُ المَضمَضَةَ وَالاستِنشَاقَ فيه.\nرواه البخاري (٢٥٧)، ومسلم (٣١٧)، وأبو داود (٢٤٥)، والترمذي (١٠٣)، والنسائي (١/ ١٣٧).\n[٢٤٨] وَعَن عَائِشَةَ؛ قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا اغتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ دَعَا بِشَيءٍ نحو الحِلابِ، فَأَخَذَ بِكَفِّهِ، بَدَأَ بِشِقِّ رَأسِهِ الأَيمَنِ، ثُمَّ الأَيسَرِ، ثُمَّ أَخَذَ بِكَفَّيهِ، فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأسِهِ.\nــ\nالتمندل، وقال: لأن الوضوء نور، إذ لو كان كما قال لما نفضه عنه؛ لأن النفضَ كالمسح في إتلاف ذلك الماء.\nو(قولها: إن النبي - ﷺ - تمضمض واستنشق في الغسل) متمسك لأبي حنيفة في إيجابه المضمضة والاستنشاق في الوضوء والغسل، وقد تكلمنا على ذلك في الوضوء، ولا متمسك له فيه هاهُنا؛ للاتفاق على أن هذا الوضوء في أول الغسل ليس بواجب، بل مندوب؛ ولأن المأمور به في الغسل ظاهر جلدِ الإنسان لا باطنه؛ لقوله - ﵊ -: فاغسلوا الشعر وأنقوا البَشر (١)، والبَشر: ظاهر جلد الإنسان المباشِر.\nو(قول عائشة: دعا بشيءٍ نحو الحلاب) روايتنا فيه: الحلاب، بكسر الحاء المهملة لا يصح غيرهًا، قال الخطابي: هو إناءٌ يسع قدر حلبةٍ، وقال غيره: إناء ضخم يحلب فيه، يقال له: المِحلب أيضًا، بكسر الميم، قال الشاعر:\nصاحِ! هل رأيت أو سَمِعتَ براع ... رد في الضرع ما ثوى (٢) في الحلاب\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢٤٨)، والترمذي (١٠٦)، وابن ماجه (٥٩٧) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) في (ل): ما قرّ.","vol":"1","page":579},{"text":"الحِلابِ: إنَاء ضَخم يُحلَبُ فِيهِ.\nرواه البخاري (٢٦٢ و٢٧٢)، ومسلم (٣١٨).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>(٢٦) باب قدر الماء الذي يُغتَسَل به ويُتَوَضَّأُ به واغتسال الرجل وامرأته من إناء واحد، واغتساله بفضلها</span>\n[٢٤٩] عَن عَائِشَةَ؛ أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - كَانَ يَغتَسِلُ مِن إِنَاءٍ - هو الفَرَقُ - مِنَ الجَنَابَةِ. قَالَ سُفيَانُ: الفَرَقُ ثَلاثَةُ آصُعٍ.\nرواه أحمد (٦/ ١٦١)، والبخاري (٢٥٠)، ومسلم (٣١٩)، وأبو داود (٢٣٨)، والنسائي (١/ ١٢٧).\nــ\nوقد وهم من ظنه من الطيب، والذي هو من الطيب هو من المَحلبَ، بفتح الميم واللام. وكذلك وهم من قال فيه: الجلاب بالجيم المضمومة، قال الهروي. وفسرهُ الأزهريُّ بأنه هُنا ماء الورد، قال: وهو فارسيٌّ معربٌ.\n(٢٦) ومن باب قدر الماء\n(قوله: من إناء هو الفرق) يقال: بفتح الراء وسكونها، حكاهما ابن دريد، وتقديره بثلاثة آصع، وهو قول الجمهور، وقال أبو الهيثم: هو إناء يأخذ ستة عشر رطلًا، وقال غيره: هو إناءٌ ضخمٌ من مكاييل العراق، وقيل: هو مكيال أهل المدينة.\nو(قول سفيان: ثلاثة آصع) يروى هكذا. ويُروى: أصوُعٌ، وكلاهما صحيح الرواية، وهو جمع صاع، ويقال: صُواعٌ وصُوعٌ، وهو جمع قلة، وأصله أصوُعٌ، بواو مضمومة، كدارٍ وأدوُرٍ، غير أن من العرب من يستثقل الضمة هنا على","vol":"1","page":580},{"text":"[٢٥٠] وَعَن أَبِي سَلَمَةَ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ؛ قَالَ: دَخَلتُ عَلَى عَائِشَةَ، أَنَا وَأَخُوهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ. فَسَأَلَهَا عَن غُسلِ النَّبِيِّ - ﷺ - مِنَ الجَنَابَةِ؟ فَدَعَت بِإِنَاءٍ قَدرِ الصَّاعِ، فَاغتَسَلَت، وَبَينَنَا وَبَينَهَا سِترٌ. فَأَفرَغَت عَلَى رَأسِهَا ثَلاثًا.\nــ\nالواو فيبدلها همزةً، فيقول: أصؤُعٌ، كما يقول أدؤرٌ، وهو مكيال أهل المدينة المعروف فيهم، وهو يسعُ أربعة أمداد، بمد النبي - ﷺ -.\nوالمكوك، بفتح الميم وتشديد الكاف، وهو مكيال، وهو ثلاث كيلجات، والكيلجة: مَنًا وسبعة أثمان مَنَا، والمنَا: رطلان، والرطل: اثنتا عشرة أوقية، والأوقية: إستار وثلثا إستار، والإستار: أربعة مثاقيل ونصف، والمثقال: درهم وثلاثة أسباع درهم، والدرهم: ستة دوانق، والدانق: قيراطان، والقيراط: طسوجان، والطسوجُ: حبتان، والحبة: سدس ثمن درهم، وهو جزء من ثمانية وأربعين جزءًا من درهم. والجمع مكاكيك، كله من الصحاح، وفي غيرها، وتجمع أيضًا: مكاكيّ، وهو مكيال لأهل العراق، يسع صاعًا ونصف صاع بالمدني.\nقال الشيخ: والصحيح: أن المكوك في حديث أنس المراد به المد؛ بدليل الرواية الأخرى فيه أيضًا: كان النبي - ﷺ - يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد.\nتنبيه: اعلم أن اختلاف هذه المقادير، وهذه الأواني، يدل على أنه - ﵊ - لم يكن يراعي مقدارًا مؤقتًا، ولا إناءً مخصوصًا، لا في الوضوء ولا في الغسل، وأن كل ذلك بحسب الإمكان والحاجة، ألا ترى أنه تارةً اغتسل بالفرق أو منهُ، وأخرى بالصاع، وأخرى بثلاثة أمداد.\nوالحاصل: أن المطلوب إسباغُ الوضوء والغسل من غير إسراف في الماء، وأن ذلك بحسب أحوال المغتسلين. وقد ذهب ابن شعبان: إلى أنه لا يجزئ في ذلك أقل من مدّ في الوضوء، وصاع في الغسل. وحديث الثلاثة الأمداد يرد عليه، والصحيح الأول.\nو(قوله: فاغتسلت وبيننا وبينها ستر) ظاهر هذا الحديث أنهما أدركا عملها","vol":"1","page":581},{"text":"قَالَ: وَكَانَ أَزوَاجُ النَّبِيِّ - ﷺ - يَأخُذنَ مِن رُؤوسِهِنَّ حَتَّى تَكُونَ كَالوَفرَةِ.\nرواه أحمد (٦/ ٧٢)، والبخاري (٢٥١)، ومسلم (٣٢٠).\n[٢٥١] وَعَنهَا؛ أَنَّهَا كَانَت تَغتَسِلُ هِيَ وَالنَّبِيُّ - ﷺ - فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ. يَسَعُ ثَلاثَةَ أَمدَادٍ، أو قَرِيبًا مِن ذَلِكَ.\nوَعَنهَا، قَالَت: كُنتُ أَغتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِن إِنَاءٍ - بَينِي وَبَينَهُ -\nــ\nفي رأسها وأعلى جسدها مما يحل لذي المحرم أن يطلع عليه، من ذوات محارمه، وأبو سلمة ابن أخيها نسبًا، والآخر أخوها رضاعة، وتحققا بالسَّماع كيفية غسل ما لم يشاهداه من سائر الجسد، ولولا ذلك لاكتفت بتعليمها بالقول، ولم تحتج إلى ذلك الفعل، وقد شوهد غسل النبي - ﷺ - من وراء الثوب، وطؤطئ عن رأسه حتى ظهر لمن أراد رؤيتهُ.\nوإخباره عن كيفية شعور أزواج النبي - ﷺ - يدل على رؤيته شعرها، وهذا لم يختلف في جوازه لذي المحرم، إلا ما يحكى عن ابن عباس من كراهة ذلك.\nو(قوله: حتى تكون كالوفرة) الوفرة: أسبغ من الجُمَّة، واللَّمَّة: ما ألم بالمنكبين، قاله الأصمعي. وقال غيره: الوفرة: أقلها، وهي التي لا تجاوز الأذنين، والجمة أكثر منها (١)، واللّمة: ما طال من الشعر، وقال أبو حاتم: الوفرة: ما غطى الأذنين. والمعروف أن نساء العرب إنما كن يتخذن القرون والذوائب، ولعل أزواج النبي - ﷺ - فعلن هذا بعد موته - ﷺ - تركًا للزينة، وتخفيفا للمؤنة.\nو(قول عائشة: إنها كانت تغتسل هي والنبي - ﷺ - من إناء واحد يسع ثلاثة أمداد) تعني: مفترقين، أو سمَّت الصاع: مُدًّا، كما قالت في الفَرَق الذي كان يسع ثلاثة آصع، وكأنها قصدت بذلك التقريب، ولذلك قال فيه: أو قريبًا من\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"1","page":582},{"text":"وَاحِدٍ. فَيُبَادِرُنِي، حَتَّى أَقُولَ: دَع لِي، دَع لِي. قَالَت: وَهُمَا جُنُبَانِ.\nرواه البخاري (٢٦٠)، ومسلم (٣٢١)، وأبو داود (٧٧)، والنسائي (١/ ١٢٧).\n[٢٥٢] وَعَن مَيمُونَةَ أَنَّهَا كَانَت تَغتَسِلُ هِيَ وَالنَّبِيُّ - ﷺ - فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ. وَمِثلهُ عَن أُمِّ سَلَمَةَ.\nرواه البخاري (٢٥٣)، ومسلم (٣٢٢)، والترمذي (٦٢)، والنسائي (١/ ١٢٩).\nــ\nذلك، وإنما احتجنا إلى هذا التأويل لأنه لا يتأتى أن يغتسل اثنان من ثلاثة أمداد لقلتها، والله أعلم.\nوهذا يدل على استحباب التقليل مع الإسباغ، وهو مذهب كافة أهل العلم والسُّنة، خلافًا للإباضيَّةِ والخوارج. واتفق العلماء على جواز اغتسال الرجل وحليلته ووضوئهما معًا من إناء واحدٍ، إلا شيئًا رُوي في كراهية ذلك عن أبي هريرة، وحديث ابن عمر وعائشة وغيرهما يردُّه، وإنما الاختلاف في وضوئه أو غسله من فضلها، فجمهور السلف وأئمة الفتوى على جوازه، وروي عن ابن المسيب والحسن: كراهة فضل وضوئها، وكره أحمد فضل وضوئها وغسلها. وشرط ابن عمر: إذا كانت حائضًا أو جنبًا. وذهب الأوزاعي إلى جواز تطهر كل واحد منهما بفضل صاحبه (١) ما لم يكن أحدهم جنبًا، أو المرأة حائضًا.\nوسبب هذا الاختلاف: اختلافهم في تصحيح أحاديث النهي الواردة في ذلك، ومن صححها اختلفوا أيضًا في الأرجح منها، أو مما يعارضها، كحديث ميمونة أنه - ﵊ -: كان يغتسل بفضلها، وكحديث ابن عباس الذي خرجه الترمذي وصححه، قال فيه: اغتسل بعض أزواج النبي - ﷺ - في جفنة، فأراد\n_________\n(١) فى (ع): أخيه.","vol":"1","page":583},{"text":"[٢٥٣] وَعَن عمرو بنِ دِينَارٍ؛ قَالَ: أَكبَرُ عِلمِي، وَالَّذِي يَخطِرُ عَلَى بَالِي، أَنَّ أَبَا الشَّعثَاءِ أَخبَرَنِي، أَنَّ ابنَ عَبَّاسٍ أَخبَرَهُ، أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - كَانَ يَغتَسِلُ بِفَضلِ مَيمُونَةَ.\nرواه أحمد (١/ ٣٦٦)، والبخاري (٢٥٣)، ومسلم (٣٢٣)، والترمذي (٦٢)، والنسائي (١/ ١٢٩)، وابن ماجه (٣٧٢).\n[٢٥٤] وَعَن أَنَسٍ؛ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَتَوَضَّأُ بِالمُدِّ وَيَغتَسِلُ بِالصَّاعِ، إِلَى خَمسَةِ أَمدَادٍ.\nــ\nالنبي - ﷺ - أن يتوضأ منه فقالت: إني كنت جنبًا، فقال: إن الماء لا يجنب (١).\nولا شك في أن هذه الأحاديث أصح وأشهر عند المحدثين، فيكون العمل بها أولى، وأيضًا فقد اتفقوا على جواز غسلهما معًا، مع أن كل واحد منهما يغتسل بما يُفضله صاحِبُه عن غَرفه.\nو(قول عمرو بن دينار: أكبر علمي، والذي يخطر ببالي أن أبا الشعثاء أخبرني) ذهب بعضهم إلى أن هذا مما يُسقطُ التمسك بالحديث؛ لأنه شك في الإسناد، والصحيح فيما يظهر لي: أنه ليس بمسقطٍ له من وجهين:\nأحدهما: أن هذا غالب ظن، لا شك، وأخبار الآحاد إنما (٢) تفيد غلبة الظن، غير أن الظن على مراتب في القوة والضعف، وذلك موجب للترجيح بهذا الحديث وإن لم يسقط بأن عارضه ما جزم الراوي فيه بالرواية كان المجزوم به أولى.\nوالوجه الثاني: أن حديث ابن عباس قد رواه الترمذي من طريق آخر وصححه، كما قدمناه، ومعناه معنى حديث عمرو، وليس فيه شيء من ذلك التردد، فصح ما ذكرناه، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٦٨)، والترمذي (٦٥)، وابن ماجه (٣٧٠).\n(٢) ساقط من (ع).","vol":"1","page":584},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: يَغتَسِلُ بِخَمسِ مَكَاكِيكَ وَيَتَوَضَّأُ بِمَكُّوكٍ.\nرواه أحمد (٣/ ٢٨٣ و٢٩٠)، ومسلم (٣٢٥)، والترمذي (٦١٠).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>(٢٧) باب كم يُصَبُّ على الرأس، والتخفيف في ترك نقض الضفر</span>\n٣٢٧ - [٢٥٥] عَن جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ؛ قَالَ: تَمَارَوا فِي الغُسلِ عِندَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. فَقَالَ بَعضُ القَومِ: أَمَّا أَنَا، فَإِنِّي أَغسِلُ رَأسِي كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أَمَّا أَنَا، فَإِنِّي أُفِيضُ عَلَى رَأسِي ثَلاثَ أَكُفٍّ.\nرواه أحمد (٤/ ٨٤)، والبخاري (٢٥٤)، ومسلم (٣٢٧)، وأبو داود (٢٣٩)، والنسائي (١/ ٢٠٧).\n[٢٥٦] وعَن جَابِرٍ؛ وَقَالَ لَهُ الحَسَنُ بنُ مُحَمَّدٍ: إِنَّ شَعرِي كَثِيرٌ، قَالَ جَابِرٌ: فَقُلتُ لَهُ: يَا ابنَ أَخِي! كَانَ شَعرُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَكثَرَ مِن شَعرِكَ وَأَطيَبَ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٧٠)، والبخاري (٢٥٥)، ومسلم (٣٢٨) و(٣٢٩)، والنسائي (١/ ٢٠٧).\n[٢٥٧] وَعَن أُمِّ سَلَمَةَ؛ قَالَت: قُلتُ: يَا رسولَ الله! إِنِّي امرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفرَ رَأسِي. أَفَأَنقُضُهُ لِلحَيضَةِ وَالجَنَابَةِ؟\nــ\n(٢٧) ومن باب كم يصب على الرأس\n(قول أم سلمة: أفأنقضه للحيضة والجنابة؟) صحيح الرواية: أفأنقُضه بالقاف، وقد وقع لبعض مشايخنا بالفاء، ولا بُعد فيه من جهة المعنى. وقوله","vol":"1","page":585},{"text":"قَالَ: لا، إِنَّمَا يَكفِيكِ أَن تَحثِيَ عَلَى رَأسِكِ ثَلاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيكِ المَاءَ فَتَطهُرِينَ.\nــ\n- ﵊ - لا يدلُّ على صحة ما ذهب إليه مالك وغيره، من الرخصة في نقض الضفر مطلقًا للرجال والنساء، وقد منعه بعضهم، منهم عبد الله بن عمر، وقد أجازه بعضهم للنساء خاصة، متمسكًا في ذلك بحديث ثوبان مرفوعًا: أما الرجل فلينشر رأسه فليغسله، وأما المرأة فلا عليها ألا تنقضه لتغرف على رأسها ثلاث غرفات بكفيها، أخرجه أبو داود. وهذا نصٌّ في التفرقة، غير أن هذا الحديث من حديث إسماعيل بن عياش.\nواختلف في حديثه، غير أن الذي صار إليه يحيى بن معين وغيره أن حديثه عن أهل الحجاز متروك على كل حال، وحديثه عن الشاميين صحيح، وهذا الحديث من حديثه عن الشاميين، فهو صحيح على قول يحيى بن معين، وهذا فيه نظر، فإن كان ما قاله يحيى فالفرق واضح، وإن لم يكن فعدم الفرق هو القياس؛ لأن النساء شقائق الرجال، كما صار إليه الجمهور.\nتنبيه: لا يُفهمُ من التخفيف في ترك حل الضفر التخفيف في إيصال الماء إلى داخل الضفر؛ لما يأتي في حديث أسماء بنت شكل، ولما صح من حديث علي مرفوعًا: من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها فُعِلَ به كذا وكذا من النار، قال عليٌّ: فمن ثم عاديت رأسي. وكان يَحلقُه.\nو(قوله: إنما يكفيك) حجة لمن يرى أن الواجب في الغسل العموم","vol":"1","page":586},{"text":"رواه أحمد (٦/ ٣١٥)، ومسلم (٣٣٠)، وأبو داود (٢٥١ - ٢٥٢)، والترمذي (١٠٥)، والنسائي (١/ ١٣١).\n[٢٥٨] وَعَن عُبَيدِ بنِ عُمَيرٍ؛ قَالَ: بَلَغَ عَائِشَةَ أَنَّ عَبدَ اللهِ بنَ عمرو يَأمُرُ النِّسَاءَ، إِذَا اغتَسَلنَ، أَن يَنقُضنَ رُؤوسَهُنَّ. فَقَالَت: يَا عَجَبًا لابنِ عمرو هَذَا! يَأمُرُ النِّسَاءَ، إِذَا اغتَسَلنَ، أَن يَنقُضنَ رُؤوسَهُنَّ، أَفَلا يَأمُرُهُنَّ أَن يَحلِقنَ رُؤوسَهُنَّ! لَقَد كُنتُ أَغتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِن إِنَاءٍ وَاحِدٍ، ولا أَزِيدُ عَلَى أَن أُفرِغَ عَلَى رَأسِي ثَلاثَ إِفرَاغَاتٍ.\nرواه مسلم (٣٣١).\n* * *\nــ\nفقط، وقد قدمنا القول في عدد الغرفات، وفي اشتراط التدليك. والحثيات: جمع حثية، وهي الغرفة، وهي هنا باليدين، ويقال: حَثا يحثُو، ويحثي حَثيةً، وحَثوةً، وحثيًا، ومنه: احثوا التراب في وجوه المدّاحين (١)، وهي الإفراغات أيضًا في الحديث الآخر.\n* * *\n_________\n(١) رواه ابن حبان (٥٧٦٩) من حديث ابن عمر -﵁-.","vol":"1","page":587},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>(٢٨) باب صفة غسل المرأة من الحيض</span>\n[٢٥٩] عَن عَائِشَةَ؛ أَنَّ أَسمَاءَ بِنتُ شَكَلٍ سَأَلَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - عَن غُسلِ المَحِيضِ؟ فَقَالَ: تَأخُذُ إِحدَاكُنَّ مَاءَهَا وَسِدرَتَهَا فَتَطَهَّرُ، فَتُحسِنُ الطُّهُورَ. ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأسِهَا فَتَدلُكُهُ دَلكًا شَدِيدًا، حَتَّى تَبلُغَ شُؤُونَ رَأسِهَا. ثُمَّ تَصُبُّ عَلَيهَا المَاءَ. ثُمَّ تَأخُذُ فِرصَةً مُمَسَّكَةً فَتَطَهَّرُ بِهَا، فَقَالَت أَسمَاءُ: وَكَيفَ تَطَهَّرُ بِهَا؟ فَقَالَ: سُبحَانَ اللهِ! تَطَهَّرِينَ بِهَا، فَقَالَت عَائِشَةُ - وكَأَنَّهَا تُخفِي ذَلِكَ -: تَتَبَّعِين أَثَرَ الدَّمِ. وَسَأَلَتهُ عَن غُسلِ الجَنَابَةِ؟ فَقَالَ: تَأخُذُ مَاءً فَتَطَهَّرُ، فَتُحسِنُ الطُّهُورَ، أو تُبلِغُ الطُّهُورَ. ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأسِهَا فَتَدلُكُهُ،\nــ\n(٢٨) ومن باب صفة غسل المرأة من الحيض\n(قوله: تأخذ إحداكُنَّ ماءَها وسدرتها) السدر هنا: هو الغَاسُولُ المعروف، وهو المتخذ من ورق شجر النبق، وهو السدر، وهذا التطهر الذي أمر باستعمال السدر فيه، هو لإزالة ما عليها من نجاسة الحيض، والغسل الثاني هو للحيض.\nو(قوله: فتدلكه دلكًا شديدًا) حجة لمن رأى التدليك. فإن قيل: إنما أمر بهذا في الرأس ليعم جميع الشعر، قلنا: وكذلك يقال في جميع البدن. فإن قيل: لو كان حكم جميع البدن حكم الرأس في هذا لبينه فيه كما بينه في الرأس، قلنا: لا يحتاج إلى ذلك، وقد بينه في عضو واحد. وقد فَهِمَ عنه: أن الأعضاء كلها في حكم العضو الواحد في عموم الغسل، وإجادته وإسباغه، فاكتفى بذلك، والله تعالى أعلم.\nوالشؤون: هو أصل فرق الرأس وملتقاها، ومنها تجيءُ الدموع. وذكرها مبالغة في شدة الدلك، وإيصال الماء إلى ما يخفى من الرأس.\nو(قوله: ثم تأخذ فرصةً مُمَسَّكةً أو من مسك) الفرصةُ: صحيح الرواية","vol":"1","page":588},{"text":"حَتَّى تَبلُغَ شُؤُونَ رَأسِهَا، ثُمَّ تُفِيضُ عَلَيهَا المَاءَ. فَقَالَت عَائِشَةُ: نِعمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنصَارِ! لَم يَكُن يَمنَعُهُنَّ الحَيَاءُ أَن يَتَفَقَّهنَ فِي الدِّينِ.\nوَفِي أُخرَى: فِرصَةً مِن مِسكٍ.\nــ\nفيها (١) بكسر الفاء وفتح الصَّاد المهملة، وهي القطعة من الشيء، وهي مأخوذة من الفَرص، وهو: القطع، والمِفرص والمِفراص: الذي تقطع به الفضة، وقد يكون الفرص الشق. يقال: فرصت النَّعل؛ أي: شققت أذنيها (٢).\nوأما مُمَسَّكة: فروايتنا فيها بضم الميم الأولى وفتح الثانية وتشديد السين، ومعناه: مُطَيبةٌ بالمسك، مبالغة في نفي ما يكره من ريح الدم، وعلى هذا تصح رواية الخشني عن الطبري: فرصة من مِسكٍ بكسر الميم، وعلى هذا الذي ذكرناه أكثر الشارحين، وقد أنكر ابن قتيبة هذا كله، وقال: إنما هو فرضةٌ بضم الفاء (٣) وبالضاد المعجمة، وقال: لم يكن للقوم وسع في المال بحيث يستعملون الطيب في مثل هذا، وإنما هو مَسكٌ، بفتح الميم، ومعناه: الإمساك، فإن قالوا: إنما سمع رباعيًا، والمصدر إمساك، قيل: سمع أيضًا ثلاثيًا، فيكون مصدره مَسكًا.\nقال الشيخ: لقد أحسن من قال في ابن قتيبة: هجومٌ ولَاّجٌ على ما لا يُحسن، ها هو قد أنكر ما صح من الرواية في فرصة، وجَهِلَ ما صحح نقله أئمة اللغة، واختار ما لا يَلتئِمُ الكلام معه، فإنه لا يصح أن يقال: خذ قطعة من إمساك، وسَوَّى بين الصحابة كلهم في الفقر وسوء الحال، بحيث لا يقدرون على استعمال مسكٍ عند التطهر والتنظف، مع أن المعلوم من أحوال أهل الحجاز واليمن مبالغتهم في استعمال الطيب من المسك وغيره، وإكثارهم من ذلك، واعتيادهم له، فلا يلتفت لإنكاره، ولا يعرج على قوله.\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) قال في اللسان: فَرَّصْتُ النَّعْلَ؛ أي: خرقت أذنيها للشِّراك.\n(٣) في (م): قرضة، بضم القاف.","vol":"1","page":589},{"text":"رواه أحمد (٦/ ١٤٧)، والبخاري (٣١٥)، ومسلم (٣٣٢)، وأبو داود (٣١٤ - ٣١٦)، والنسائي (١/ ١٣٥ - ١٣٧).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>(٢٩) باب في الفرق بين دم الحيض والاستحاضة وغسل المستحاضة</span>\n[٢٦٠] عَن عَائِشَةَ؛ قَالَت: جَاءَت فَاطِمَةُ بِنتُ أَبِي حُبَيشٍ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَت: يَا رسولَ الله! إِنِّي امرَأَةٌ أُستَحَاضُ فَلا أَطهُرُ. أَفَأَدَعُ الصَّلاةَ؟ فَقَالَ: لا، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرقٌ، وَلَيسَ بِالحَيضَةِ.\nــ\nوأما فرصة من مسك فالمشهور فيه أنه بفتح الميم، ويراد به الجلد؛ أي: قطعة منه. قال الخطابي: تقديره: قطعة من جلد عليها صوف، وقال أبو الحسن بن سراج: في مُمَسَّكة مجلدة؛ أي: قطعة صوف لها جلد، وهو المسك ليكون أضبط لها، وأمكن لمسح أثر الدم به، قال: وهذا مثل قوله: فرصة مسك.\nوقال القتبي: معنى ممسكة: محتملة يُحتشى بها؛ أي: خذي قطعة من صوف أو قطن فاحتمليها وامسكيها لتدفع الدم، وأظنه أنه قال لها: ممسكةً بضم الأولى وتسكين الثانية وتخفيف السين مفتوحة، وقيل فيها: مُمسِكة بكسر السين، اسم فاعل من أمسك، كما قال في الحديث الآخر: أنعتُ لك الكرسُفَ فإنه يذهب الدم) (١) أي: القطن. والأقرب والأليق القول الأول، والله أعلم.\n(٢٩) ومن باب الفرق بين دم الحيض والاستحاضة\n(قوله: إنما ذلك عرقٌ) دليل لنا على العراقيين في أن الدم السائل من\n_________\n(١) رواه أحمد (٦/ ٤٣٩)، وأبو داود (٢٨٧)، والترمذي (١٢٨) من حديث حمنة بنت جحش ﵂.","vol":"1","page":590},{"text":"فَإِذَا أَقبَلَتِ الحَيضَةُ فَدَعِي الصَّلاةَ. فَإِذَا أَدبَرَت فَاغسِلِي عَنكِ الدَّمَ وَصَلِّي.\nرواه أحمد (٦/ ٨٢)، والبخاري (٣٠٦)، ومسلم (٣٣٣ و٣٣٤)، وأبو داود (٢٨٢ - ٢٩٨)، والترمذي (١٢٥)، والنسائي (١/ ١٨٣ و١٨٥).\nــ\nالجسد لا ينقض الوضوء، فإنه قال بعد هذا: فاغسلي عنك الدم وصلي، وهذا أصح من رواية من روى: فتوضئي وصلي باتفاق أهل الصحيح، وهو قول عامة الفقهاء. ويعني بقوله: ذلك عرق أي: عرق انقطع فسال، أي: هو دمُ علَّة، ويدل أيضًا على أن المستحاضة حكمها حكم الطاهر مطلقًا فيما تفعل من العبادات وغيرها، فيطؤها زوجها، خلافًا لمن منع ذلك، وهو عائشة وبعض السلف.\nو(قوله: فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة) يدل على أن هذه المرأة مُمَيزةٌ (١)، فإنه - ﵊ - أحالها على ما تعرف من تغير الدم، وقد نص على هذا في هذا الحديث أبو داود، فقال: إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي (٢). وبهذا تمسك مالك في أن المستحاضة إنما تعمل على التمييز، فإن عدمته صلت أبدًا، ولم تعتبر بعادة؛ خلافًا للشافعي، ولا تتحيض في علم الله من كل شهر، خلافًا لأحمد وغيره، وهو رد على أبي حنيفة حيث لم يعتبر التمييز.\nو(قوله في حديث فاطمة: فإذا أدبرت الحيضة فاغسلي عنك الدم وصلي) لم يختلف الرواة عن مالك في هذا اللفظ، وقد فسره سفيان فقال: معناه إذا رأت الدم بعدما تغتسل تغسل الدم فقط، وقد رواه جماعة وقالوا فيه: فاغسلي عنك\n_________\n(١) في (م): كبيرة.\n(٢) رواه أبو داود (٢٨٦) من حديث فاطمة بنت أبي حبيش ﵂.","vol":"1","page":591},{"text":"[٢٦١] وَعَنهَا؛ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنتَ جَحشٍ خَتَنَةَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -،\nــ\nالدم ثم اغتسلي، وهذا ردٌّ على من يقول: إن المستحاضة تغتسل لكل صلاة، وهو قول ابن علية، وجماعة من السلف، وعلى من رأى عليها الجمع بين صلاتي النهار بغُسل واحد، وصلاتي الليل بغسل، وتغتسل للصبح، وروي هذا عن عليّ - ﵁ -، وعلى من رأى عليها الغسل من ظُهر إلى ظُهر (١)، وهو مذهب سعيد بن المسيب والحسن وعطاء وغيرهم. وقد روي عن سعيد خلافه.\nو(قوله: إن أم حبيبة بنت جحش) قال الدارقطني عن أبي إسحاق الحربي: الصحيح قول من قال: أم حبيب، بلا هاء، واسمها: حبيبة. قال الدارقطني: قول أبي إسحاق صحيح. وقال غيره: وقد رُوي عن عمرة عن عائشة: أن أم حبيبة. . الحديث، وهي ختنة (٢) رسول الله - ﷺ -، وقد قال فيه كثير من رواة الموطأ: زينب بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف. قال أبو عمر ابن عبد البر: هكذا رواه يحيى وغيره، لم يختلفوا في ذلك عن مالك، وهو وهم من مالك، فإن زينب بنت جحش هي أم المؤمنين، لم يتزوجها قط عبد الرحمن بن عوف، إنما تزوجها أولًا زيد بن حارثة، ثم تزوجها رسول الله - ﷺ -، والتي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف هي أم حبيبة، كما جاء في كتاب مسلم على ما ذكرناه.\nوقال أبو عمر: إن بنات جحش الثلاث زينب، وأم حبيبة، وحمنة زوج طلحة بن عبيد الله، كنَّ يستحضن كلهن، وقيل: إنه لم يستحض منهن إلا أم حبيبة، وذكر القاضي يونس بن مغيث في كتابه الموعب في شرح الموطأ مثل هذا، وأن اسم كل واحدة منهن زينب، ولقبت إحداهن بحمنة، وكنيت الأخرى بأم حبيبة، وإذا صح هذا فقد برأ الله مالكًا عن الوهم.\n_________\n(١) قال الخطابي: إنما هو من طهر إلى طهر، وهو وقت انقطاع دم الحيض. وَرَسْمُ بعض الأصول يوافق ما ذهب إليه الخطابي -﵀-.\n(٢) أي: أخت زوجته.","vol":"1","page":592},{"text":"وَتَحتَ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ، استُحِيضَت سَبعَ سِنِينَ. فَاستَفتَت رسولَ الله - ﷺ - فِي ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِنَّ هَذِهِ لَيسَت بِالحَيضَةِ، وَلَكِنَّ هَذَا عِرقٌ، فَاغتَسِلِي وَصَلِّي.\nقَالَت عَائِشَةُ: فَكَانَت تَغتَسِلُ فِي مِركَنٍ فِي حُجرَةِ أُختِهَا زَينَبَ بنت جَحشٍ. حَتَّى تَعلو حُمرَةُ الدَّمِ المَاءَ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: امكُثِي قَدرَ مَا كَانَت تَحبِسُكِ حَيضَتُكِ، ثُمَّ اغتَسِلِي، فَكَانَت تَغتَسِلُ عِندَ كُلِّ صَلاةٍ.\nــ\nو(قوله: ولكن هذا عرق فاغتسلي) قد يتمسك به من يوجب الغسل على المستحاضة من حيث أمرها بالغسل، وعلله بكونه دم عرق، وهذا لا حجة فيه؛ لما بيِّنَ في الرواية الأخرى: أن هذا الغسل إنما هو للحيضة، فإنه قال فيها: امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي، وهذا اللفظ قد يتمسك به من يقول: إنها تعتبر عادتها، وهذا لا حجة فيه؛ لأنه يحتمل أن يكون النبي - ﷺ - أحالها على تقدير الحيضة التي عرفت أولها بتغير الدم، ثم تمادى بها بحيث لم تعرف إدباره، فردّها إلى اعتبار حالتها في عدد أيامها المتقدمة، قبل أن تصيبها الاستحاضة، وفارق حال أم حبيبة حال فاطمة بنت أبي حبيش، بأن فاطمة كانت تعرف حيضتها بتغير الدم، في إقباله وإدباره، وأم حبيبة كانت تعرف إقباله لا غير، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: فكانت تغتسل في مركن) المركن: الإجَّانة، وهي القصرية التي تغسل فيها الثياب، كانت تقعد فيها فتصب عليها الماء من غيرها، فيستنقع فيها فتعلو حمرة الدم السائل منها الماء، ثم تخرج منها، فتغسل ما أصاب رجليها من ذلك الماء المتغير بالدم.\nو(قوله: فكانت تغتسل لكل صلاة) قال الليث: لم يقل ابن شهاب: إن النبي - ﷺ - أمر أم حبيبة أن تغتسل عند كل صلاة، ولكنه شيء فعلته. وقد رواه","vol":"1","page":593},{"text":"رواه أحمد (٦/ ٨٣)، والبخاري (٣٢٧)، ومسلم (٣٣٤)، وأبو داود (٢٨٨ - ٢٩١)، والترمذي (١٢٩)، والنسائي (١/ ١٨١ - ١٨٢).\n* * *\nــ\nابن إسحاق عن الزهري، وفيه: فأمرها رسول الله - ﷺ - أن تغتسل لكل صلاة، ولم يتابع أصحاب الزهري ابن إسحاق على هذا. وأما قول مسلم في الأصل في حديث حماد بن زيد: حرفٌ تركنا ذكره. هذا الحرف هو قوله: اغسلي عنك الدم وتوضئي، ذكره النسائي (١)، وقال: لا نعلمُ أحدًا قال: وتوضئي (٢)، في الحديث غير حماد، يعني - والله تعالى أعلم - في حديث هشام.\nوقد روى أبو داود وغيره ذكر الوضوء من رواية عدي بن ثابت، وحبيب بن أبي ثابت، وأيوب بن أبي مسكين، قال أبو داود: وكلها ضعيفة (٣). ولم ير مالك عليها الوضوء، وليس في حديثه، ولكن استحبه لها في قوله الآخر إما لرواية غيره للحديث، أو لتدخل الصلاة بطهارة جديدة، كما قال في سلس البول. وأوجب عليها الوضوء أبو حنيفة والشافعي وأصحابُهما والليث والأوزاعي، ولمالك أيضًا نحوه، وكلهم مجمعون على أنها لا غسل عليها غير مرة واحدة عند إدبار حيضتها، لكن اختلف في الغسل إذا انقطع عنها دم استحاضتها. واختلف فيه قول مالك ﵀.\n* * *\n_________\n(١) رواه النسائي (١/ ١٨١ - ١٨٢).\n(٢) ساقط من (م).\n(٣) انظر سنن أبي داود (١/ ٢١٠).","vol":"1","page":594},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>(٣٠) باب لا تقضي الحائض الصلاة</span>\n[٢٦٢] عَن مُعَاذَةَ؛ قَالَت: سَأَلتُ عَائِشَةَ فَقُلتُ: مَا بَالُ الحَائِضِ تَقضِي الصَّومَ وَلا تَقضِي الصَّلاةَ؟ فَقَالَت: أَحَرُورِيَّةٌ أَنتِ؟ قُلتُ: لَستُ بِحَرُورِيَّةٍ. وَلَكِنِّي أَسأَلُ. قَالَت: كُنَّاَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤمَرُ بِقَضَاءِ الصَّومِ وَلا نُؤمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ.\nرواه أحمد (٦/ ٢٥٠)، والبخاري (٣٢١)، ومسلم (٣٣٥)، وأبو داود (٢٦٢ و٢٦٣)، والترمذي (١٣٠)، والنسائي (١/ ١٩١ - ١٩٢).\nــ\n(٣٠) ومن باب لا تقضي الحائض الصلاة\n(قول عائشة: أحرورية أنت؟) إنكار عليها أن تكون سمعت شيئًا من آراء الخوارج في ذلك، وذلك أن طائفة منهم يرون على الحائض قضاء الصلاة؛ إذ لم تسقط عنها في كتاب الله، على أصلهم في ردّ السُّنّة، على خلاف بينهم في المسألة، وقد أجمع المسلمون على خلافهم، وأنه لا صلاة تلزمها، ولا قضاء عليها. وفي كتاب أبي داود: أن سمرة كان يأمر النساء بقضاء صلاة الحيض، فأنكرت ذلك أم سلمة (١)، وكان قوم من قدماء السلف يأمرون الحائض أن تتوضأ عند أوقات الصلوات، وتذكر الله، وتستقبل القبلة جالسة. قال مكحول: كان ذلك من هدي نساء المسلمين (٢)، واستحبه غيره، قال غيره: هو أمر متروك عند جماعة من العلماء، مكروهٌ ممن فعله.\n_________\n(١) لم نجده في سنن أبي داود، وإنما ذكره الأبي في (إكمال إكمال المعلم ٢/ ١٠٤) وعزاه لأبي داود نقلًا عن القاضي عياض.\n(٢) في (م): المؤمنين.","vol":"1","page":595},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>(٣١) باب سترة المغتسل والنهي عن النظر إلى العورة</span>\n[٢٦٣] عَن أُمِّ هَانِئٍ بِنتِ أَبِي طَالِبٍ؛ قَالَت: ذَهَبتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَامَ الفَتحِ، فَوَجَدتُهُ يَغتَسِلُ، وَفَاطِمَةُ ابنَتُهُ تَستُرُهُ بِثَوبٍ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ أَخَذَ ثَوبَهُ فَالتَحَفَ بِهِ. ثُمَّ صَلَّى ثَمَاني رَكَعَاتٍ سُبحَةَ الضُّحَى.\nرواه مسلم (٣٣٦).\n[٢٦٤] وَعَن مَيمُونَةَ؛ قَالَت: وَضَعتُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - مَاءً وَسَتَرتُهُ فَاغتَسَلَ.\nرواه أحمد (٦/ ٣٣٦)، ومسلم (٣٣٧)، والنسائي (١/ ٢٠٠).\n[٢٦٥] وَعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ؛ أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - قَالَ: لا يَنظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَورَةِ الرَّجُلِ، وَلا المَرأَةُ إِلَى عَورَةِ المَرأَةِ،\nــ\n(٣١) ومن باب سترة المغتسل\n(قوله: لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة) لا خلاف في تحريم النظر إلى العورة من الناس بعضهم إلى بعض، ووجوب سترها عنهم إلا الرجل مع زوجته أو أمته، واختلف في كشفها في الانفراد، وحيث لا يراه أحد، ولا خلاف أن السوأتين من الرجل والمرأة عورة، واختلف فيما عدا ذلك من الركبة إلى السرة من الرجل هل هو عورة أم لا؟ ولا خلاف أن إبداءه لغير ضرورة قصدًا ليس من مكارم الأخلاق. ولا خلاف أن ذلك من المرأة عورة على النساء والرجال، وأن الحرَّة عورة ما عدا وجهها وكفيها على غير ذوي المحارم من","vol":"1","page":596},{"text":"وَلا يُفضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي ثَوبٍ وَاحِدٍ، وَلا تُفضِي المَرأَةُ إِلَى المَرأَةِ فِي الثَّوبِ الوَاحِدِ.\nرواه أحمد (٣/ ٦٣)، ومسلم (٣٣٨)، وأبو داود (٤٠١٨)، والترمذي (٢٧٩٤).\nــ\nالرجال، وسائر جسدها على المحارم، ما عدا شعرها ورأسها وذراعيها وما فوق نحرها.\nواختلف في حكمها مع النساء، فقيل: جسدها كله عورة، فلا يرى النساء منها إلا ما يراه ذو المحرم. وقيل: حكم النساء مع النساء حكم الرجال مع الرجال إلا مع نساء أهل الذمة، فقيل: حكمهن في النظر إلى أجساد المسلمات حكم الرجال؛ لقوله تعالى: أَو نِسَائِهِنَّ، على خلاف بين المفسرين في معناه.\nوحكم المرأة فيما تراه من الرجل حكم الرجل فيما يراه من ذوي محارمه من النساء. وقد قيل: حكم المرأة فيما تراه من الرجل كحكم الرجل فيما يراه من المرأة، والأول أصح.\nوأما الأمة: فالعورة منها ما تحت ثدييها، ولها أن تُبدي رأسها ومعصمها. وقيل: حكمها حكم الرجال. وقيل: يكره لها كشف معصمها ورأسها وصدرها، وكان عمر يضربُ الإماءَ على تغطيةِ رؤُوسِهنَّ، ويقول: لا تتشبهن بالحرائر.\nوحُكم الحرائر في الصلاة: ستر جميع أجسادهن إلا الوجه والكفين. وهذا قول مالك والشافعي والأوزاعي وأبي ثور وكافة السلف وأهل العلم. وقال أحمد بن حنبل: لا يرى منها شيء ولا ظفرها. ونحوه قول أبي بكر بن عبد الرحمن. وأجمعوا: أنها إن صلت مكشوفة الرأس كله أن عليها إعادة الصلاة. واختلفوا في بعضه، فقال الشافعي وأبو ثور: تعيد، وقال أبو حنيفة: إن انكشف أقل من ثلثه لم تعد، وكذلك أقل من ربع بطنها، أو فخذها. وقال أبو يوسف: لا تعيد في أقل من النصف. وقال مالك: تعيد في القليل والكثير من ذلك في","vol":"1","page":597},{"text":"[٢٦٦] وَعَنِ المِسوَرِ بنِ مَخرَمَةَ؛ قَالَ: أَقبَلتُ بِحَجَرٍ، أَحمِلُهُ، ثَقِيلٍ. وَعَلَيَّ إِزَارٌ خَفِيفٌ. قَالَ: فَانحَلَّ إِزَارِي وَمَعِيَ الحَجَرُ. لَم أَستَطِع أَن أَضَعَهُ حَتَّى بَلَغتُ بِهِ إِلَى مَوضِعِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: ارجِع إِلَى ثَوبِكَ فَخُذهُ، وَلا تَمشُوا عُرَاةً.\nرواه مسلم (٣٤١)، وأبو داود (٤٠١٦).\n* * *\nــ\nالوقت. واختلف عندنا في الأمة تصلي مكشوفة البطن هل يجزئها أو لا بد من سترها جسدها؟ وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: كل شيء من الأمة عورة حتى ظفرها.\nقال الشيخ - ﵀ -: العورة في أصل الوضع: هي ما يستحى من الاطلاع عليه، ويلزم منه عار.\nو(قوله: لا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا المرأة إلى المرأة) أي: لا يخلوان كذلك ليباشر أحدهما عورة الآخر ويلمسها، ولمسُها مُحَرمٌ، كالنظر إليها، وأما إذا كانا مستوري العورة بحائل بينهما فذلك من النساء محرمٌ على القول بأن جسد المرأة على المرأة كله عورة، وحكمها على القول الآخر، وحكم الرجال الكراهية، وهذا لعموم النهي عنه، وصلاحية إطلاق لفظ العورة (١) على ما ذكر مما اختلف فيه.\n* * *\n_________\n(١) في (ع): العموم.","vol":"1","page":598},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>(٣٢) باب ما يستتر به لقضاء الحاجة</span>\n[٢٦٧] عَن عَبدِ اللهِ بنِ جَعفَرٍ؛ قَالَ: أَردَفَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ذَاتَ يَومٍ خَلفَهُ. فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا، لا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ. وَكَانَ أَحَبَّ مَا استَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِحَاجَتِهِ، هَدَفٌ أو حَائِشُ نَخلٍ. يَعنِي حَائِطَ نَخلٍ.\nرواه مسلم (٣٤٢)، وأبو داود (٢٥٤٩)، وابن ماجه (٣٤٠).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>(٣٣) باب ما جاء في الرجل يطأ ثم لا يُنزِلُ</span>\n[٢٦٨] عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ؛ أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنصَارِ، فَأَرسَلَ إِلَيهِ، فَخَرَجَ وَرَأسُهُ يَقطُرُ. فَقَالَ: لَعَلَّنَا أَعجَلنَاكَ؟ قَالَ: نَعَم. يَا رسولَ الله! قَالَ: إِذَا أُعجِلتَ أو أَقحَطتَ،\nــ\n(٣٢) ومن باب ما يستر به لقضاء الحاجة (١)\n(قوله: هدف أو حائش نخل) الهدف: ما ارتفع من الأرض، وكل مرتفع هدف. وحائش النخل: مجتمعه. وهو الحَشُّ والحُشُّ أيضًا.\n(٣٣) ومن باب الرجل يطأ ثم لا ينزل\n(قوله: إذا أُعجلت أو أُقحطت) الرواية بضم همزة أُقحطت وكسر الحاء مبنيًّا لما لم يسم فاعله، ولعله إتباع لأعجلت، فإنه لا يقال في هذا إلا: أقحط\n_________\n(١) العنوان ساقط من الأصول، واستدركناه من صحيح مسلم.","vol":"1","page":599},{"text":"فَلا غُسلَ عَلَيكَ، وَعَلَيكَ الوُضُوءُ.\nوَفِي رِوَايَةٍ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِنَّمَا المَاءُ مِنَ المَاءِ.\nــ\nالرجل إذا لم ينزل، بالفتح، كما يقال: أقحط القوم؛ إذا أصابهم القحط، وهذا منه. وأصله: من قحط المطر، بالفتح، يقحط قحوطًا: إذا احتبس. وقد حكى الفراء: قحط المطر بالكسر، يقحط، ويقال: أقحط الناس وأقحطوا بالضم والفتح، وقحطوا، وقحطوا كذلك، وهو هنا عبارة عن الإكسال، وهو عدم الإنزال.\nوفي الأفعال: كِسل بكسر السين: فتر، وأكسل في الجماع: ضعف عن الإنزال، وقد روى غيره يكسل ثلاثيًّا ورباعيًّا.\nو(قوله: فلا غسل عليك وعليك الوضوء) كان هذا الحكم في أول الإسلام ثم نسخ بعد، قاله الترمذي وغيره. وقد أشار إلى ذلك أبو العلاء بن الشخير وأبو إسحاق، قال ابن القصَّار: أجمع التابعون ومن بعدهم بعد خلاف من تقدم على الأخذ بحديث: إذا التقى الختانان (١) وإذا صح الإجماع بعد الخلاف كان مسقطًا للخلاف.\nقال القاضي عياض: لا نعلم من قال به بعد خلاف الصحابة إلا ما حكي عن الأعمش، ثم بعده داود الأصبهاني، وقد روي أن عمر حمل الناس على ترك الأخذ بحديث: الماء من الماء لما اختلفوا فيه.\nقال الشيخ - ﵀ -: وقد رجع المخالفون فيه من الصحابة عن ذلك حين سمعوا حديثي عائشة، فلا يلتفت إلى شيء من الخلاف المتقدم ولا المتأخر في هذه المسألة، الذي تقرر فيها من الأحاديث الآتية والعمل الصحيح.\nو(قوله: إنما الماء من الماء) حمله ابن عباس على أن ذلك في الاحتلام فتأوله، وذهب غيره من الصحابة وغيرهم إلى أن ذلك منسوخ كما تقدم، وكما يأتي بعد.\n_________\n(١) رواه أحمد (٦/ ٢٣٩) من حديث عائشة ﵂.","vol":"1","page":600},{"text":"رواه أحمد (٣/ ٤٧)، والبخاري (١٨٠)، ومسلم (٣٤٣)، وأبو داود (٢١٧).\n[٢٦٩] وَعَن أُبَيِّ بنِ كَعبٍ؛ قَالَ: سَأَلتُ رسولَ الله - ﷺ - عَنِ الرَّجُلِ يُصِيبُ مِنَ المَرأَةِ ثُمَّ يُكسِلُ؟ فَقَالَ: يَغسِلُ مَا أَصَابَهُ مِنَ المَرأَةِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي.\n- قَالَ أبو العَلاءِ بنُ الشِّخِّيرِ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَنسَخُ حَدِيثُهُ بَعضُهُ بَعضًا، كَمَا يَنسَخُ القُرآنُ بَعضُهُ بَعضًا. قَالَ أبو إسحاقٌ: هَذا مَنسُوخ.\nرواه أحمد (٥/ ١١٣)، والبخاري (٢٩٣)، ومسلم (٣٤٦).\n[٢٧٠] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - قَالَ: إِذَا جَلَسَ بَينَ شُعَبِهَا الأَربَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَد وَجَبَ عَلَيهِ الغُسلُ، وَإِن لَم يُنزِل.\nرواه أحمد (٢/ ٣٤٧)، والبخاري (٢٩١)، ومسلم (٣٤٨)، وأبو داود (٢١٦)، والنسائي (١/ ١١٠ - ١١١).\nــ\nو(قوله: إذا جلس بين شعبها الأربع) قال الهروي: بين رجليها وشُفريها (١). وقال الخطابي: بين إسكتيها (٢) وفخذيها. قال أبو الفضل عياض: والأولى أن الشعب: نواحي الفرج الأربع، والشعب: النواحي، وهذا مثل قوله: إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة (٣) لأنها لا تتوارى حتى تغيب بين الشعب.\nو(قوله: ثم جهدها) قال الخطابي: حَفَزها، وقال: الجهد من أسماء النكاح. قال الشيخ: وعلى هذا يكون معنى جهدهَا: نَكَحها. قال بعضهم: بلغ مشقتها. يقال: جهدته، وأجهدته: بلغت مشقته. وقال أبو الفضل عياض: الأولى\n_________\n(١) أي: طرفي فرجها.\n(٢) الإسكتان هما جانبا الفرج وطرفاه.\n(٣) رواه أحمد (٢/ ١٧٨)، وابن ماجه (٦١١) من حديث عمرو بن العاص ﵁.","vol":"1","page":601},{"text":"[٢٧١] وَعَن أَبِي مُوسَى؛ قَالَ: اختَلَفَ فِي ذَلِكَ رَهطٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ. فَقَالَ الأَنصَاريون: لا يَجِبُ الغُسلُ إِلا مِنَ الدَّفقِ أو مِنَ المَاءِ. وَقَالَ المُهَاجِرُونَ: بَل إِذَا خَالَطَ فَقَد وَجَبَ الغُسلُ. قَالَ: قَالَ أبو مُوسَى: فَأَنَا أَشفِيكُم في ذَلِكَ. فَقُمتُ فَاستَأذَنتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَأُذِنَ لِي. فَقُلتُ لها: يَا أُمَّاه! - أو يَا أُمَّ المُؤمِنِينَ - إِنِّي أُرِيدُ أَن أَسأَلَكِ عَن شَيءٍ، وَإِنِّي أَستَحيِيكِ. فَقَالَت: لا تَستَحيِي أَن تَسأَلَنِي عَمَّا كُنتَ سَائِلًا عَنهُ أُمَّكَ الَّتِي وَلَدَتكَ، فَإِنَّمَا أَنَا أُمُّكَ. قُلتُ: فمَا يُوجِبُ الغُسلَ؟ قَالَت: عَلَى الخَبِيرِ سَقَطتَ. قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِذَا جَلَسَ بَينَ شُعَبِهَا الأَربَعِ، وَمَسَّ الخِتَانُ الخِتَانَ، فَقَد وَجَبَ الغُسلُ.\nرواه أحمد (٦/ ١١٢)، ومسلم (٣٤٩)، والترمذي (١٠٨ و١٠٩).\n[٢٧٢] وَعَن عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رسولَ الله - ﷺ - عَنِ الرَّجُلِ يُجَامِعُ أَهلَهُ ثُمَّ يُكسِلُ. هَل عَلَيهِمَا الغُسلُ؟ وَعَائِشَةُ جَالِسَةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِنِّي لأَفعَلُ ذَلِكَ، أَنَا وَهَذِهِ، ثُمَّ نَغتَسِلُ.\nرواه مسلم (٣٥٠).\n* * *\nــ\nأن يكون جهد؛ أي: بلغ جهدهُ فيها، وهي إشارة إلى الفعل.\nو(قوله: من الدفق أو من الماء) هو على الشك من أحد الرواة، والدفق: الصب، وهو الاندفاق والتدفق. وماء دافق؛ أي: مدفوق، كسرٍّ كاتم؛ أي: مكتوم.\nويقال: دُفقَ الماءُ، مبنيًّا على ما لم يسم فاعله، ولا يقال: مبنيًّا للفاعل. قال الشيخ: وهذه الأحاديث، أعني حديث أبي هريرة وحديثي عائشة لا يبقى معها متمسك للأعمش وداود، والله أعلم.","vol":"1","page":602},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>(٣٤) باب الأمر بالوضوء مما مست النار ونسخه</span>\n[٢٧٣] عَن زَيدٍ بنَ ثَابِتٍ؛ قَالَ: سَمِعتُ رسولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: الوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ.\nرواه مسلم (٣٥١)، والنسائي (١/ ١٠٧).\nــ\n(٣٤) ومن باب الأمر بالوضوء مما مست النار\n(قوله: توضؤوا مما مست النار) هذا الوضوء هنا هو الوضوء الشرعيُّ العرفيُّ عند جمهور العلماء، وكان الحكم كذلك ثم نسخ، كما قال جابر بن عبد الله: كان آخر الأمرين من رسول الله - ﷺ - ترك الوضوء مما مسّت النار (١). وعلى هذا تدل الأحاديث الآتية بعد، وعليه استقر عمل الخلفاء، ومعظم الصحابة، وجمهور العلماء من بعدهم. وذهب أهل الظاهر، والحسن البصري، والزهري، إلى العمل بقوله: توضؤوا مما مست النار، وأن ذلك ليس بمنسوخ. وذهب أحمد، وإسحاق، وأبو ثور إلى إيجاب الوضوء من أكل لحم الجزور لا غير.\nوذهبت طائفة إلى أن ذلك الوضوء إنما هو الوضوء اللغويّ، وهو غسل اليد والفم من الدسم والزفر، كما فعل النبي - ﷺ - حيث شرب اللبن ثم مضمض وقال: إن له دسمًا (٢)، وأن الأمر بذلك على جهة الاستحباب، وممن ذهب إلى هذا ابن قُتَيبة، ذكره في غريبه، والصحيح الأول، فليعتمد عليه.\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٩٢)، والنسائي (١/ ١٠٨).\n(٢) رواه أحمد (١/ ٢٢٣ و٢٢٧) من حديث ابن عباس ﵄.","vol":"1","page":603},{"text":"[٢٧٤] وعَن عَائِشَةَ، زَوجَ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: تَوَضَّؤوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ.\nرواه أحمد (٦/ ٨٩)، ومسلم (٣٥٣).\n[٢٧٥] وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَم يَتَوَضَّأ.\nرواه أحمد (١/ ٢٢٦)، والبخاري (٢٠٧)، ومسلم (٣٥٤)، وأبو داود (١٨٧)، والنسائي (١/ ١٠٨).\n[٢٧٦] وَعَنهُ؛ أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - جَمَعَ عَلَيهِ ثِيَابَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلاةِ. فَأُتِيَ بِهَدِيَّةٍ، خُبزٍ وَلَحمٍ. فَأَكَلَ ثَلاثَ لُقَمٍ. ثُمَّ صَلَّى بِالنَّاسِ، وَمَا مَسَّ مَاءً.\nرواه أحمد (١/ ٢٧٢)، ومسلم (٣٥٩).\n[٢٧٧] وَعَن عمرو بنِ أُمَيَّةَ الضَّمرِيِّ؛ قَالَ: رَأَيتُ رسولَ الله - ﷺ - يَحتَزُّ مِن كَتِفِ شَاةٍ فَأَكَلَ مِنهَا فَدُعِيَ إِلَى الصَّلاةِ. فَقَامَ وَطَرَحَ السِّكِّينَ، فَصَلَّى وَلَم يَتَوَضَّأ.\nرواه أحمد (٤/ ١٣٩ و١٧٩)، والبخاري (٢٠٨)، ومسلم (٣٥٥)، والترمذي (١٨٣٦).\nــ\nو(قوله: يحتز من كتف شاةٍ) أي: يقطع بالسكين. وقوله في الأصل (١): أثوار أقط. قال الهروي: أثوار: جمع ثور، وهي القطعة من الأقط. قال الشيخ - ﵀ -: والأقط: طعام يصنع من اللبن. وفيه دليل على جواز أكل اللحم بالسكين\n_________\n(١) إشارة إلى ما جاء في الحديث رقم (٣٥٢) من صحيح مسلم.","vol":"1","page":604},{"text":"[٢٧٨] وَعَنِ ابن عَبَّاس، ومَيمُونَةَ؛ نحو ذَلِكَ مَرفُوعًا.\nرواه البخاري (٢١٠)، ومسلم (٣٥٦).\n[٢٧٩] وَعَن أَبِي رَافِعٍ؛ قَالَ: أَشهَدُ لَكُنتُ أَشوِي لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - بَطنَ الشَّاةِ. ثُمَّ صَلَّى وَلَم يَتَوَضَّأ.\nرواه مسلم (٣٥٧).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>(٣٥) باب الوضوء من لحوم الإبل والمضمضة من اللبن</span>\n[٢٨٠] عَن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ؛ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رسولَ الله - ﷺ -: أَأَتَوَضَّأُ مِن لُحُومِ الغَنَمِ؟ قَالَ: إِن شِئتَ، فَتَوَضَّأ. وَإِن شِئتَ فَلا تَوَضَّأ، قَالَ: أَتَوَضَّأُ مِن لُحُومِ الإِبِلِ؟ قَالَ: نَعَم، فَتَوَضَّأ مِن لُحُومِ الإِبِلِ، قَالَ: أُصَلِّي\nــ\nعند الحاجة إلى ذلك من شدة اللحم، أو كبر العضو والبضعة، قال عياض: وتكره المداومة على استعمال ذلك؛ لأنه من سنة الأعاجم.\n(٣٥) ومن باب الوضوء من لحوم الإبل\nهذا الوضوء المأمور به من لحوم الإبل، المباح من لحوم الغنم، هو اللغوي، ولذلك فرق بينهما؛ لما في لحوم الإبل من الزفورة والزهم. وعلى تقدير كونه وضوءًا شرعيًّا فهو منسوخ بما تقدم. وقد ذكرنا من تمسك بهذا الحديث.\nوإباحة الصلاة في مرابض الغنم دليل لمالك على طهارة فضلة ما يؤكل لحمه؛ لأن مرابضها مواضع ربوضها وإقامتها، ولا يخلو عن أبوالها وأرواثها.\nوأما نهيه عن","vol":"1","page":605},{"text":"فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ؟ قَالَ: نَعَم، قَالَ: أُصَلِّي فِي مَبَارِكِ الإِبِلِ؟ قَالَ: لا.\nرواه مسلم (٣٦٠).\n[٢٨١] وعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - شَرِبَ لَبَنًا، فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَمَضمَضَ، وَقَالَ: إِنَّ لَهُ دَسَمًا.\nــ\nالصلاة في معاطن الإبل فليس لنجاسة فضلاتها، بل لأمر آخر، إما لنتن معاطنها، أو لأنها لا تخلو غالبًا عن نجاسة من يستتر بها عند قضاء الحاجة، أو لئلا يتعرض لنفارها في صلاته، أو لما جاء أنها من الشياطين، وهذه كلها مما ينبغي للمصلي أن يتجنبها. ومع هذه الاحتمالات لا يصلح هذا الحديث للاستدلال به على نجاسة فضلاتها، وقد أباح النبي - ﷺ - للعرنيين شرب ألبان الإبل وأبوالها، ولا يلتفت إلى قول من قال: إن ذلك لموضع الضرورة؛ لأنها لا نسلمها؛ إذ الأدوية في ذلك للمرض الذي أصابهم كثيرة، ولو كان ذلك للضرورة لاستكشف عن حال الضرورة، ولسأل عن أدوية أخرى حتى يتحقق عدمها، ولو كانت نجسة لكان التداوي بها ممنوعًا أيضًا بالأصالة، كالخمر، ألا تراه لما سُئل - ﷺ - عن التداوي بالخمر فقال: إنها ليست بدواء، ولكنها داء (١)، ولم يلتفت إلى الحاجة النادرة التي يباح فيه؛ كإزالة الغصص بجرعة منها عند عدم مائع آخر. وحاصله: أن إخراج الأمور عن أصولها، وإلحاقها بالنوادر لا يلتفت إليه لأنه خلاف الأصل.\nو(قوله: إن له دسمًا) بفتح السين وسكونها، والفتح أولى به؛ لأنه الاسم؛ مثل الحسَب والنَّقضِ، وهو عبارة عن زفر الدهن. يقال منه: دسم الشيء بالكسر يَدَسم بالفتح، وتدسيم الشيء: جعل الدسم عليه.\nويقال أيضًا: دَسَمَ المطرُ الأرض: بلها ولم يبالغ. قال عياض: وأما المضمضة من اللبن فسنةٌ للقائم إلى الصلاة، ومستحبٌ لغيره، وكذلك من سائر\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ٣١٧)، ومسلم (١٩٨٤)، وأبو داود (٣٨٧٣)، والترمذي (٢٠٤٧) من حديث وائل بن حجر.","vol":"1","page":606},{"text":"رواه أحمد (١/ ٢٢٣ و٢٢٧ و٢٢٩ و٣٢٩ و٣٣٧)، والبخاري (٢١١)، ومسلم (٣٥٨)، وأبو داود (١٩٦)، والترمذي (٨٩)، والنسائي (١/ ١٠٩)، وابن ماجه (٤٩٨).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>(٣٦) باب في الذي يخيل إليه أنه خرج منه حدث</span>\n[٢٨٢] عَن عَبَّادِ بنِ تَمِيمٍ، عَن عَمِّهِ؛ شُكِيَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -: الرَّجُلُ، يُخَيَّلُ إِلَيهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيءَ فِي الصَّلاةِ، قَالَ: لا يَنصَرِفُ حَتَّى يَسمَعَ صَوتًا، أو يَجِدَ رِيحًا.\nــ\nالطعام، وهو من ناحية السواك، ولا سيما فيما له دسم أو سُهُوكةٌ، أو تعلق بفيه طعمٌ يشغل المصلي.\nوقد اختلف العلماء في اليد قبل الطعام وبعده، ومذهب مالك: ترك ذلك إلا أن يكون في اليد قذر، فإن كان للطعام رائحة كالسمك غسلت اليد بعدُ ولا تغسل قبل؛ لما ذُكر. قال الشيخ - ﵀ -: وقد روى أبو داود: أن النبي - ﷺ - شرب لبنًا ولم يتمضمض، ولم يتوضأ، وصلى (١). وهذا يدل على أنه ليس من السنن المؤكدة الراتبة.\n(٣٦) ومن باب الذي يخيل إليه أنه خرج منه حدث\n(قوله: إنه يجد الشيء في الصلاة، قال: فلا ينصرف) بظاهر هذا قال الحسن البصري، قال: إن كان في الصلاة لم يفسد، وإن كان في غيرها أفسد.\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٩٧) من حديث أنس بن مالك ﵁.","vol":"1","page":607},{"text":"رواه أحمد (٣/ ٩٦)، والبخاري (١٣٧)، ومسلم (٣٦١)، وأبو داود (١٧٦)، والنسائي (١/ ٩٩).\n[٢٨٣] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُم فِي بَطنِهِ شَيئًا فَأَشكَلَ عَلَيهِ، أَخَرَجَ مِنهُ شَيءٌ أَم لا، فَلا يَخرُجَنَّ مِنَ المَسجِدِ حَتَّى يَسمَعَ صَوتًا أو يَجِدَ رِيحًا.\nرواه أحمد (٤/ ٤١٤)، ومسلم (٣٦٢)، وأبو داود (١٧٧)، والترمذي (٧٤ و٧٥).\n* * *\nــ\nوقد رُوي مثله عن مالك، وذهب أكثر أهل العلم إلى أن الشك غير مؤثر في الطهارة، وأنه باق على طهارته ما لم يتيقن حدثًا. وذهب إليه الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد بن حنبل، وهي رواية ابن وهب والأسلمي عن مالك، إلا أن في رواية ابن وهب أنه استحب منه الوضوء، وذهب مالك في المشهور عنه إلى أنه يفسده، وسبب الخلاف تقابل يقيني الطهارة والصلاة، وخص بعض أصحابنا هذا الحديث بالمستنكح (١)؛ لأنه قال فيه: شكي إليه، وهذا لا يكون إلا ممن يكون ذلك عليه كثيرًا. قال ابن حبيب: هذا الشك المذكور في الحديثين في الريح دون غيره من الأحداث.\n* * *\n_________\n(١) \"المستنكح\": الذي غلب النعاس على عينيه.","vol":"1","page":608},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>(٣٧) باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت</span>\n[٢٨٤] عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: تُصُدِّقَ عَلَى مَولاةٍ لِمَيمُونَةَ بِشَاةٍ، فَمَاتَت. فَمَرَّ بِهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: هَلا أَخَذتُم إِهَابَهَا، فَدَبَغتُمُوهُ، فَانتَفَعتُم بِهِ؟ فَقَالُوا: يَا رسولَ الله! إِنَّهَا مَيتَةٌ. فَقَالَ: إِنَّمَا حَرُمَ أَكلُهَا.\nوَفِي رِوَايَةٍ: أَلا أَخَذتُم إِهَابَهَا فَاستَمتَعتُم بِهِ.\nرواه البخاري (٥٥٣١)، ومسلم (٣٦٣ - ٣٦٥)، وأبو داود (٤١٢٠ و٤١٢١)، والترمذي (١٧٢٧)، والنسائي (٧/ ١٧١ - ١٧٢).\nــ\n(٣٧) ومن باب جلود الميتة إذا دبغت\nالإهاب: الجلد، والجمع الأُهُب والأَهَب. قاله الهروي وغيره. واختلف الناس في جلد الميتة، فقال أحمد بن حنبل: لا ينتفع به، وأجاز ابن شهاب الانتفاع به. والجمهور على منع الانتفاع به قبل الدباغ. ويختلفون في الجلد الذي يؤَثِر فيه الدباغ، فعند أبي يوسف وداود: يؤثر في سائر الجلود حتى الخنزير. ومذهَبُنا ومذهب أبي حنيفة والشافعي هكذا، إلا أننا وأبا حنيفة نستثني الخنزير، ويزيد الشافعي فيستثني الكلب، واستثنى الأوزاعي وأبو ثور جلد ما لا يؤكل لحمه.\nواتفق كل من رأى الدباغ مؤثرًا؛ أنه يؤثر في إثبات الطهارة الكاملة سوى مالك، في إحدى الروايتين عنه؛ فإنه منع أن يؤثر الطهارة الكاملة، وإنما يؤثر في اليابسات، وفي الماء وحده من بين سائر المائعات، وأبقى الماء في نفسه خاصة (١). وسبب الخلاف في هذا الباب هل هو يخصص عموم القرآن بالسنة أم لا؟ اختلف فيه الأصوليون.\n_________\n(١) في (ل) و(ط): في خاصة نفسه.","vol":"1","page":609},{"text":"[٢٨٥] وَعَنهُ؛ قَالَ: سَمِعتُ رسولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ فَقَد طَهُرَ.\nرواه مسلم (٣٦٦)، وأبو داود (٤١٢٣)، والترمذي (١٧٢٨)، والنسائي (٧/ ١٧٣).\n[٢٨٦] وَعَنِ ابنِ وَعلَةَ السَّبَائيِّ؛ قَالَ: سَأَلتُ عَبدَ اللهِ بنَ عَبَّاسٍ، قُلتُ: إِنَّا نَكُونُ بِالمَغرِبِ، وَمَعَنَا البَربَرُ وَالمَجُوسُ، نُؤتَى بِالكَبشِ قَد ذَبَحُوهُ، وَنَحنُ لا نَأكُلُ ذَبَائِحَهُم. وَيَأتُونَا بِالسِّقَاءِ يَجعَلُونَ فِيهِ الوَدَكَ. فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: قَد سَأَلنَا رسولَ الله - ﷺ - عَن ذَلِكَ؟ فَقَالَ: دِبَاغُهُ طَهُورُهُ.\nرواه أحمد (١/ ٢٧٩ - ٢٨٠)، ومسلم (٣٦٦).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>(٣٨) باب ما جاء في التيمم</span>\n[٢٨٧] عَن عَائِشَةَ؛ قَالَت: خَرَجنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي بَعضِ\nــ\nو(قوله: إنما حرم أكلها) خرج على الغالب مما تراد اللحوم له، وإلا فقد حرم حملها في الصلاة، وبيعُها واستعمالها، وغير ذلك مما يَحرمُ من النجاسات، والله أعلم.\n(٣٨) ومن باب ما جاء في التيمم\nالتيمم في اللغة: القصد إلى الشيء، ومنه قول الشاعر (١):\nتَيَمَّمَتِ العَينَ التي عند ضارجٍ (٢) ... . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(١) هو امرؤ القيس.\n(٢) وعجزه: يَفِيءُ عَلَيْها الظِّلُّ عَرْمَضُها طامي.","vol":"1","page":610},{"text":"أَسفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالبَيدَاءِ، أو بِذَاتِ الجَيشِ، انقَطَعَ عِقدٌ لِي، فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى التِمَاسِهِ، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَلَيسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيسَ مَعَهُم مَاءٌ. فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكرٍ، فَقَالُوا: أَلا تَرَى إِلَى مَا صَنَعَت عَائِشَةُ؟ أَقَامَت بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَبِالنَّاسِ معه، وَلَيسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيسَ مَعَهُم مَاءٌ. فَجَاءَ أبو بَكرٍ وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَاضِعٌ رَأسَهُ عَلَى فَخِذِي قَد نَامَ. فَقَالَ: حَبَستِ رسولَ الله - ﷺ - وَالنَّاسَ، وَلَيسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيسَ مَعَهُم مَاءٌ. قَالَت: فَعَاتَبَنِي أبو بَكرٍ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللهُ أَن يَقُولَ، وَجَعَلَ يَطعُنُ بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي. فَلا يَمنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلا مَكَانُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَلَى فَخِذِي. فَنَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى أَصبَحَ عَلَى غَيرِ مَاءٍ، فَأَنزَلَ اللهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا. فَقَالَ أُسَيدُ بنُ الحُضَيرِ - وهو أَحَدُ النُّقَبَاءِ -: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُم يَا آلَ أَبِي بَكرٍ، فَقَالَت عَائِشَةُ: فَبَعَثنَا البَعِيرَ الَّذِي كُنتُ عَلَيهِ فَوَجَدنَا العِقدَ تَحتَهُ.\nــ\nأي: قصدت، وهو في الشرع: القصد إلى الأرض لفعل عبادة مخصوصة على ما يأتي. والبَيدَاءُ، وذات الجيش: موضعان قريبان من المدينة.\nو(قولها: انقطع عقدٌ لي) أضافت العقد لنفسها؛ لأنه في حوزتها، وإلا فقد جاء في الرواية الآتية: أنها استعارته من أسماء. وكون النبي - ﷺ - أقام بالناس على التماسه على حالة عدم الماء؛ يدل على حرمة الأموال الحلال، وأنها لا تضاع، وفي هذا الحديث أبواب من الفقه من تأملها أدركها على قرب.\nو(قوله: فأنزل الله آية التيمم) نسب الآية التي نزلت فيه وهو التيمم، وأما الوضوء فقد كان معروفًا معمولًا به عندهم.\nو(قولها: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فوجدنا العقد تحته) جاء في البخاري في هذا الحديث: أن رسول الله - ﷺ - وجده. وفي رواية: أنه بعث رجلين. وفي أخرى: أنه بعث أناسًا. وهذا كله لا تناقض فيه، وهو صحيح المعنى، وذلك","vol":"1","page":611},{"text":"رواه أحمد (٦/ ١٧٩)، والبخاري (٣٣٤ و٤٦٠٧)، ومسلم (٣٦٧)، وأبو داود (٣١٧)، والنسائي (١/ ١٦٣ - ١٦٤).\n[٢٨٨] وَعَنهَا؛ أَنَّهَا استَعَارَت مِن أَسمَاءَ قِلادَةً فَهَلَكَت. فَأَرسَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - نَاسًا مِن أَصحَابِهِ فِي طَلَبِهَا، فَأَدرَكَتهُمُ الصَّلاةُ فَصَلَّوا بِغَيرِ وُضُوءٍ. فَلَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ - ﷺ - شَكَوا ذَلِكَ إِلَيهِ. فَنَزَلَت آيَةُ التَّيَمُّمِ. فَقَالَ أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ: جَزَاكِ اللهُ خَيرًا. فَوَاللهِ! مَا نَزَلَ بِكِ أَمرٌ قَطُّ إِلا جَعَلَ اللهُ لَكِ مِنهُ مَخرَجًا، وَجَعَلَ لِلمُسلِمِينَ فِيهِ بَرَكَةً.\nرواه البخاري (٣٣٦)، ومسلم (٣٦٧)، وأبو داود (٣١٧)، والنسائي (١/ ١٦٣ - ١٦٤)، وابن ماجه (٥٦٨).\n* * *\nــ\nأنه بعث أسيد بن الحضير في أناس فطلبوا فلم يجدوا شيئًا في وجهتهم، فلما رجعوا أثارُوا البعير فوجدوه تحته، وكون الأناس المبعوثين صلوا بغير وضوء ولا تيمم؛ دليلٌ على من صَار إلى أنه إذا عدمهما يصلي، وهي مسألة اختلف العلماء فيها على أربعة أقوال:\nالأول: لا صلاة عليه ولا قضاء. قاله مالك، وابن نافع، والثوري، والأوزاعي، وأهل الرأي.\nالثاني: يصلي ويقضي. قاله ابن القاسم والشافعي.\nالثالث: يصلي ولا يعيد. قاله أشهب.\nالرابع: يقضي ولا يصلي. وسبب الخلاف في هذه المسألة، هل الطهارة شرط في الوجوب أو في الأداء؟ ولا حُجَّة للمتمسك بهذا الحديث على شيء من هذه المسألة؛ لأن كون المبعوثين صلوا كذلك رأيٌ رأوهُ، ولم يبلغنا أن النبي - ﷺ - أقرهم على شيء من ذلك، وأيضًا فإنه قال: فصلوا بغير وضوء، فنفى الوضوء خاصة، ولم يتعرض للتيمم؛ فلعلهم فعلوا كما فعل عمار تمرغوا في التراب، والله أعلم.","vol":"1","page":612},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>(٣٩) باب تيمم الجنب والتيمم لرد السلام</span>\n[٢٨٩] عَن شَقِيقٍ؛ قَالَ: كُنتُ جَالِسًا مَعَ عَبدِ اللهِ وَأَبِي مُوسَى، فَقَالَ أبو مُوسَى: يَا أَبَا عَبدِ الرَّحمَنِ! أَرَأَيتَ لَو أَنَّ رَجُلًا أَجنَبَ فَلَم يَجِدِ المَاءَ شهرًا. كَيفَ يَصنَعُ بِالصَّلاةِ؟ فَقَالَ عَبدُ اللهِ: لا يَتَيَمَّمُ وَإِن لَم يَجِدِ المَاءَ\nــ\n(٣٩) ومن باب تيمم الجنب\n(قوله: لو أن رجلًا أجنب) قال الفراء: يقال: أجنب الرجل وجنب، من الجنابة، قال غيره: يقال: جُنُب؛ للواحد والاثنين والجمع، والمذكر والمؤنث. قال ابن فارس: وقد قيل في الجمع: أجناب. والجنابة: البعد، ومنه قوله (١):\nفلا تَحرِمَنَّي نائِلًا عن جنابةٍ (٢) ... . . . . . . . . . . . . . . . .\nأي: بعدٍ. قال الأزهري: وسمي: جنبًا؛ لأنه نُهي أن يقرب مواضع الصلاة ما لم يتطهر فيجتنبها. وقال الشافعي: إنما سمي جنبًا من المخالطة. ومن كلام العرب: أجنب الرجُل: إذا خالط امرأته. وهذا ضد المعنى الأول، كأنه من القُرب منها. وكان مذهب عبد الله بن مسعود: أن الجنب لا يتيمم؛ لأنه ليس داخلًا في عموم فَلَم تَجِدُوا مَاءً؛ ألا تراه قد سلم ذلك لأبي موسى ونحا إلى منع الذريعة، وكأنه كان يعتقد تخصيص العموم بالذَّريعة؛ ولا بُعد في القول به على ضعفه.\nوأما عمر بن الخطاب فكان يرى أن الآية لا تتناول الجنب رأسًا؛ فمنعه التيمم لذلك، وتوقف في حديث عمار لكونه لم يذكره حين ذكّره به. وقد\n_________\n(١) القائل: علقمة بن عبدة.\n(٢) هذا صدر البيت وعجزه: فإنِّي امرؤٌ وَسْطَ القباب غريبُ.","vol":"1","page":613},{"text":"شهرًا. فَقَالَ أبو مُوسَى: فَكَيفَ بِهَذِهِ الآيَةِ فِي سُورَةِ المَائِدَةِ: فَلَم تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَقَالَ عَبدُ اللهِ: لَو رُخِّصَ لَهُم فِي هَذِهِ الآيَةِ، لأوشَكَ، إِذَا بَرَدَ عَلَيهِمُ المَاءُ، أَن يَتَيَمَّمُوا بِالصَّعِيدِ. فَقَالَ\nــ\nصح عن عمر وابن مسعود: أنهما رجعا إلى أن الجنب يتيمم، وهو الصحيح؛ لأن الآية بعمومها متناولة له، ولحديث عمار، وحديث عمران بن حصين حيث قال رسول الله - ﷺ - للرجل الذي قال له: أصابتني جنابة ولا ماء، فقال له: عليك بالصعيد فإنه يكفيك (١)، وهذا نصٌّ رافع للخلاف.\nواختلف في الصعيد ما هو؟ فروي عن الخليل: أنه وجه الأرض؛ ويدل عليه قول ذي الرُّمة:\nكأنَّه بالضُّحى تَرمِي الصَّعِيدَ به ... دَبَّابةٌ في عِظامِ الرَّأسِ خُرطُومُ (٢)\nفعلى هذا فيجوز التيمم بكل ما كان من جنس الأرض باقيًا على أصل أرضيته، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وقد صار عليٌّ - ﵁ - إلى أنه التراب خاصة، وهو قول الشافعي وأبي يوسف. وقَولةٌ شاذَّةٌ عن مالك. وقد استدل أصحاب هذا القول بقوله - ﵊ -: وجعلت تربتها لنا طهورًا (٣)، ولا حجة فيه؛ لأن التراب جزء مما يتناوله وجه الأرض، فهو مساو لجميع أجزائها، وإنما ذكر التراب لأنه الأكثر، وصار هذا مثل قوله: فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخلٌ وَرُمَّانٌ والله أعلم.\nو(قوله: لأوشك) أي: لأسرع، وقد تقدم. و(قوله - ﵊ -: إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا) خاطبه بإنما ليحصر له القدر\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ٤٣٤)، والبخاري (٣٤٨)، والنسائي (١/ ١٧١).\n(٢) ديوان ذي الرمة (١/ ٣٨٩).\n\"دَبَّابةٌ\": خمرٌ تدبُّ في العظام. \"خرطوم\": أول ما ينزل ويُؤخَذ من الدَّنِّ.\n(٣) رواه مسلم (٥٢٢) من حديث حذيفة ﵁.","vol":"1","page":614},{"text":"أبو مُوسَى لِعَبدِ اللهِ: أَلَم تَسمَع قَولَ عَمَّارٍ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي حَاجَةٍ فَأَجنَبتُ، فَلَم أَجِدِ المَاءَ، فَتَمَرَّغتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ. ثُمَّ أَتَيتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَذَكَرتُ ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَكفِيكَ أَن تَقُولَ بِيَدَيكَ هَكَذَا، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيهِ الأَرضَ ضَربَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى اليَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيهِ، وَوَجهَهُ؟ فَقَالَ عَبدُ اللهِ: أَوَلَم تَرَ عُمَرَ لَم يَقنَع بِقَولِ عَمَّارٍ؟\nوَفِي رِوَايَةٍ: وَضَرَبَ بِيَدَيهِ إلى الأَرضِ، فَنَفَضَ يَدَيهِ، فَمَسَحَ وَجهَهُ وَكَفَّيهِ.\nــ\nالواجب، وهو أن يضرب الأرض بيديه، ثم يمسح وجهه، ثم يضرب ضربة أخرى فيمسح كفيه. ولم يُختلف أن الوجه كله لا بد من إيعابه.\nواختلفوا: هل الواجب أن يبلغ به إلى المرفقين أم يقتصر على الكوعين (١)؟ إنما يستحب الإيصال إلى المرفقين، فإن اقتصر على الكوعين أجزأه، وهذا مذهب ابن القاسم.\nومسحه الشمال على اليمين مراعاة لحال اليمين حتى تكون هي المبدوء بها. وكونه في هذه الرواية أخر الوجه في الذكر، وكونه في الثانية قدّمَه؛ يدل على عدم ترتيب الواو. ولم ينكر عمر على عمار إنكار قاطع برد الخبر، ولا لأن عمارًا غير (٢) ثقة، بل منزلة عمار وعظم شأنه ومكانته كل ذلك معلومٌ، وإنما كان ذلك من عمر؛ لأنه لما نسبه إليه ولم يذكرهُ توقف عمر، ولذلك قال له: نوليك من ذلك ما توليت أي: ما تحملت عهدته مما ذكرتَهُ، حدَّث به إن شئت. وقول عمار: إن شئت لم أحدث، ليس لضعف الحديث، ولا لأن عمارًا شك فيما رأى وروى، وإنما ذلك للزوم الطاعة، وقد صرَّحَ بهِ.\nو(قوله: فنفض يديه فنفخ فيهما) حجّةٌ لمن أجاز نفض اليدين من\n_________\n(١) \"الكوع\": طرف الزند الذي يلي الإبهام.\n(٢) في (ل): ليس.","vol":"1","page":615},{"text":"رواه البخاري (٧١٠٥ و٧١٠٦)، ومسلم (٣٦٨)، وأبو داود (٣٢١)، والنسائي (١/ ١٧٠).\n[٢٩٠] وعَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ أَبزَى؛ أَنَّ رَجُلًا أَتَى عُمَرَ فَقَالَ: إِنِّي أَجنَبتُ فَلَم أَجِد مَاءً. فَقَالَ: لا تُصَلِّ. فَقَالَ عَمَّارٌ: أَمَا تَذكُرُ يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ إِذ أَنَا وَأَنتَ فِي سَرِيَّةٍ فَأَجنَبنَا، ولَم نَجِد مَاءً، فَأَمَّا أَنتَ فَلَم تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكتُ فِي التُّرَابِ وَصَلَّيتُ. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: إِنَّمَا كَانَ يَكفِيكَ أَن تَضرِبَ بِيَدَيكَ الأَرضَ، ثُمَّ تَنفُخَ، ثُمَّ تَمسَحَ بِهِمَا وَجهَكَ وَكَفَّيكَ، فَقَالَ عُمَرُ: اتَّقِ اللهَ، يَا عَمَّارُ! قَالَ: إِن شِئتَ لَم أُحَدِّث بِهِ.\nفَقَالَ عُمَرُ: نُوَلِّيكَ مَا تَوَلَّيتَ.\nوَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: قَالَ عَمَّارٌ: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ! إِن شِئتَ! لِمَا جَعَلَ اللهُ عَلَيَّ مِن حَقِّكَ، لا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا.\nرواه البخاري (٣٣٨)، ومسلم (٣٦٨)، وأبو داود (٣١٨ - ٣٢٨)، والنسائي (١/ ١٦٥ - ١٧٠).\n[٢٩١] وَعَن أَبِي الجَهيمِ بنِ الحَارِثِ بنِ الصِّمَّةِ الأَنصَارِيِّ؛ قَالَ: أَقبَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِن نحو بِئرِ جَمَلٍ. فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيهِ. فَلَم يَرُدَّ\nــ\nالتراب، وهو قول مالك والشافعي؛ دون استقصاء لما فيهما، لكن لخشية ما يضر به من ذلك، من تلويث وجهه أو شيء يؤذيه.\nو(قوله في حديث أبي الجهيم (١): أقبل رسول الله - ﷺ - من نحو بئر جمل) هو موضع معروف بقرب المدينة.\n_________\n(١) في الأصول والتلخيص وصحيح مسلم: أبي الجهم، وهو خطأ، وصوابه ما أثبتناه.\nانظر رجال صحيح مسلم رقم (١٩٨٢).","vol":"1","page":616},{"text":"رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَيهِ، حَتَّى أَقبَلَ عَلَى الجِدَارِ فَمَسَحَ وَجهَهُ وَيَدَيهِ، ثُمَّ رَدَّ ﵇.\nرواه أحمد (٤/ ١٦٩)، والبخاري (٣٣٧)، ومسلم (٣٦٩)، وأبو داود (٣٢٩)، والنسائي (١/ ١٦٥) كلهم من حديث أبي الجهيم ﵁.\n[٢٩٢] وَعَنِ ابنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَجُلًا مَرَّ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَبُولُ، فَسَلَّمَ. فَلَم يَرُدَّ عَلَيهِ.\nرواه مسلم (٣٧٠)، وأبو داود (٣٣٠ و٣٣١)، والترمذي (٩٠)، والنسائي (١/ ٣٦).\n* * *\nــ\nوقد استدل البخاري بهذا الحديث على جواز التيمم في الحضر لمن خاف فوات الوقت.\nوهذا الحديث يؤخذ منه: أن حضور سبب الشيء كحضور وقته؛ وذلك أنه لما سلم هذا الرجل على رسول الله - ﷺ - تعين عليه - ﷺ - الرد، وخاف الفوت، فتيمم، ويكون هذا حجة لأحد القولين عندنا، أن من خرج إلى جنازة متوضئًا فانتقض وضوؤه أنه يتيمم، وقد روى أبو داود من حديث المهاجر بن قنفذ: أنه سلم على النبي - ﷺ - (١) وهو يبول، فلم يَرُدّ عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه فقال: إني كنت كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة (٢). وهذا يتمم معنى حديث ابن عمر الآتي وحديث أبي الجهيم هذا. ذكر القاضي أبو الفضل عياض ﵀: أن\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) رواه أبو داود (١٧).","vol":"1","page":617},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>(٤٠) باب المؤمن لا ينجس، وذكر الله تعالى على كل حال، وما يتوضأ له</span>\n[٢٩٣] عَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّهُ لَقِيَه النَّبِيَّ - ﷺ - فِي طَرِيقٍ مِن طُرُقِ المَدِينَةِ وهو جُنُبٌ. فَانسَلَّ فَذَهَبَ فَاغتَسَلَ، فَتَفَقَّدَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -. فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ: أَينَ كُنتَ؟ يَا أَبَا هُرَيرَةَ! قَالَ: يَا رسولَ الله! لَقِيتَنِي وَأَنَا جُنُبٌ فَكَرِهتُ أَن أُجَالِسَكَ حَتَّى أَغتَسِلَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: سُبحَانَ اللهِ! إِنَّ المُؤمِنَ لا يَنجُسُ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٣٥ و٣٨٢)، والبخاري (٢٨٣)، ومسلم (٣٧١)، وأبو داود (٢٣١)، والترمذي (٢٢٢)، والنسائي (١/ ١٤٥)، وابن ماجه (٥٣٤).\nــ\nمسلمًا ذكره مقطوعًا، قال: وفي كتابه أحاديث يسيرةٌ مقطوعةٌ متفرقة في أربعة عشر موضعًا هذا منها. وفيه حجة لمن قال: إن التيمم يرفع الحدث، وهو ظاهر قول مالك في الموطأ، ومشهور مذهبه: أنه مبيح لا رافع. وقال الزهري، وابن المسيب، والحسن: يرفع الحدث الأصغر. وقال أبو سلمة: يرفع الحدثين جميعًا.\n(٤٠) ومن باب المؤمن لا ينجس\nيقال: نجِس الشيء بالكسر، ينجَس بالفتح، ونَجُس بالضم ينجُس، ويقتبس منه: أن من صدق عليه اسم المؤمن لا ينجس حيًّا كان أو ميتًا، وأما طهارة الآدمي مطلقًا فلا تنتزعُ منه بوجهٍ، وقد اختلف في المسألتين، وسيأتي البحث فيهما في الجنائز.","vol":"1","page":618},{"text":"[٢٩٤] وَعَن عَائِشَةَ؛ قَالَت: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَذكُرُ اللهَ - ﷿ - عَلَى كُلِّ أَحيَانِهِ.\nرواه البخاري تعليقًا (٢/ ١١٤)، ومسلم (٣٧٣)، وأبو داود (١٨)، والترمذي (٣٣٨١)، وابن ماجه (٣٠٣).\n[٢٩٥] وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: كُنَّا عِندَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَجَاءَ مِنَ الغَائِطِ. وَأُتِيَ بِطَعَامٍ. فَقِيلَ له: أَلا تَوَضَّأُ؟ قَالَ: لِمَ! أَأُصَلِّي فَأَتَوَضَّأَ؟\nوفِي رِوَايَةٍ: مَا أَرَدتُ صَلاةً فَأَتَوَضَّأَ.\nرواه مسلم (٣٧٤).\n* * *\nــ\nو(قوله: أأصلي فأتوضأ) إنكارٌ على من عَرَضَ عليه غسل اليدين قبل الطعام، وبه استدل مالكٌ على كراهة ذلك وقال: إنه من فعل الأعاجم، وقال مثله الثوري وقال: لم يكن من فعل السلف. وحمله غيرهما على إنكار كونه واجبًا (١)، محتجًّا بحديث رواه أبو داود وغيره عنه ﵊: الوضوء قبل الطعام وبعده بركة (٢).\nوينتزع من هذا الحديث: أن الوضوء بأصل مشروعيته إنما هو واجبٌ للصلاة وما في معناها، مثل الطواف، لكن إذا حملنا الوضوء على العرفي، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(١) وهذا هو القول السديد والأولى بالاعتبار، ولا يخفى على أحدٍ ما في غسل اليدين قبل الطعام من الفوائد الصحية والنظافة، التي هي مما يدعو اليه دينُنا الحنيف.\n(٢) رواه أبو داود (٣٧٦١)، والترمذي (١٨٤٧) من حديث سلمان الفارسي ﵁.","vol":"2","page":619},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>(٣) كتاب الصلاة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>(١) باب ما جاء في الأذان والإقامة</span>\n(٣٧٧) [٢٩٦]- عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ المُسلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا المَدِينَةَ يَجتَمِعُونَ، فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلَوَاتِ، وَلَيسَ يُنَادِي بِهَا أَحَدٌ، فَتَكَلَّمُوا يَومًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعضُهُمِ: اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى. وَقَالَ\nــ\n(٣) كتاب الصلاة\n(١) ومن باب: ما جاء في الأذان والإقامة\nالأذان: هو الإعلام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾\nوقوله يتحيَّنون يعني: يقدِّرون أحيانها ليأتوا إليها فيها، والحين: الوقت والزمان. وتشاورهم في هذا دليل على مراعاتهم المصالح والعمل بها، وذلك أنهم لما شقّ عليهم التحين بالتبكير فيفوتهم عملهم، أو بالتأخير فتفوتهم","vol":"2","page":5},{"text":"بَعضُهُم: قَرنًا مِثلَ قَرنِ اليَهُودِ. فَقَالَ عُمَرُ: أَوَلا تَبعَثُونَ رَجُلا يُنَادِي بِالصَّلاةِ! قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَا بِلالُ، قُم فَنَادِ بِالصَّلاةِ.\nرواه البخاري (٦٠٤)، ومسلم (٣٧٧)، والترمذي (١٩٠)، والنسائي (٢/ ٢).\nــ\nالصلاة - نظروا في ذلك، فقال كل واحد منهم ما تيسّر له من القول، فقال عُمر: أولا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة! يعني يعرِّف بها، فإن كيفية الأذان لم تكن معروفة عنده قبل، وعند ذلك قال رسول الله ﷺ: قم يا بلال فناد بالصلاة؛ أي أذِّن. وهنا أحاديث يتوهم في الجمع بينها إشكال؛ منها: أن أول من أري الأذان في النوم عبد الله بن زيد، فلما ذكر ذلك لرسول الله - ﷺ - أمر بلالا بالأذان، فذكر عمر أنه رأى مثل ذلك (١). وقد ذكر أصحاب المسندات أن النبي - ﷺ - سمع الأذان ليلة الإسراء (٢)، وهذا كله لا إشكال فيه إذا تُؤمِّل، فإن الجمع ممكن، وبيانه أنهم تفاوضوا في الأذان، ويحتمل أن يكون عبد الله وعمر غائبين، ثم إنهما قدما فوجدا المفاوضة، فقال عبد الله ما قال، وتلاه عمر. ولما رأى عمر قبول الرؤيا وصحتها قال: ألا تنادون للصلاة! فقال رسول الله ﷺ لبلال: قم. وأما ما وقع في المسندات فلا يلزم من سماعه له أن يكون مشروعا في حقه، والأقرب أن الرواة لا يستوفون (٣) القصص كما وقعت، فروى بعضٌ ما لم يروه غيره، وبمجموع الأحاديث يتمّ الغرض.\nوقوله قم يا بلال فناد بالصلاة حجة الأذان والقيام فيه،\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٩٩)، والترمذي (١٨٩).\n(٢) رواه البزار كما في كشف الأستار (٣٥٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٣٢٩): رواه البزار، وفيه زياد بن المنذر، وهو مجمع على ضعفه. وانظر: فتح الباري (٢/ ٧٨).\n(٣) في (م): لا يسوقون.","vol":"2","page":6},{"text":"[٢٩٧]- وَعَن أَنَسٍ بن مالك قَالَ: ذَكَرُوا أَن يُعلِمُوا وَقتَ الصَّلاةِ بِشَيءٍ يَعرِفُونَهُ؛ فَذَكَرُوا أَن يُنَوِّرُوا نَارًا أَو يَضرِبُوا نَاقُوسًا، فَأُمِرَ بِلالٌ أَن يَشفَعَ الأَذَانَ وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ.\nقَالَ ابنِ عُلَيَّةَ: فَحَدَّثتُ بِهِ أَيُّوبَ فَقَالَ: إِلا الإِقَامَةَ.\nرواه البخاري (٦٠٣)، ومسلم (٣٧٨) (٢ و٣)، وأبو داود (٥٠٨)، والترمذي (١٩٣)، والنسائي (٢/ ٣).\nــ\nوأنه لا يجوز أذان القاعد عند العلماء إلا أبا ثور، وبه قال أبو الفرج من أصحابنا، وأجازه مالك وغيره لِعِلَّة به إذا أذن لنفسه.\nويحصل من الأذان إعلام بثلاثة أشياء: بدخول الوقت، وبالدعاء إلى الجماعة ومكان صلاتها، وبإظهار شعار الإسلام.\nوقد اختُلف في حكمه؛ فقال داود والأوزاعي - وهو ظاهر قول مالك في الموطأ - بوجوبه في المساجد والجماعات، وقيل: إنه فرض على الكفاية. وبه قال بعض أصحابنا وأصحاب الشافعي، وذهب الجمهور إلى أنه سنة مؤكدة في مساجد الجماعات والعشائر، وهو المشهور من مذهب مالك وغيره، وسبب الاختلاف اختلافهم في قوله - ﵊ - لبلال: قم يا بلال فناد بالصلاة؛ هل هو محمول على ظاهره من الوجوب؟ أم هو مصروف عن ذلك بالقرائن؟ أعني قرائن التعليم. وأما من صار إلى أنه على الكفاية فيراعي ما يحصل منه من الفوائد الثلاثة المتقدمة الذكر.\nوقوله أُمر بلال أن يشفع الأذان؛ أي: يثنِّيه، وعلى هذا جمهور أئمة الفتوى، وقد روي فيه عن بعض السلف خلاف شاذ - في إفراده وتثنيته - يأتي إن شاء الله.\nوقوله ويوتر الإقامة؛ أي: يفردها، وهو مذهب مالك والشافعي، لم","vol":"2","page":7},{"text":"[٢٩٨] وَعَن أَبِي مَحذُورَةَ أَنَّ النَبِيَّ - ﷺ - عَلَّمَهُ هَذَا الأَذَانَ: اللهُ أَكبَرُ، اللهُ أَكبَرُ، أَشهَدُ أَن لا إِلهَ إِلا اللهُ، أَشهَدُ أَن لا إِلهَ إِلا اللهُ، أَشهَدُ أَنَّ\nــ\nيختلفوا إلا في قوله قد قامت الصلاة؛ فمالك يفردها في المشهور عنه، وهو عمل أهل المدينة. والشافعي يثنيها، وهو عمل أهل مكة. وقد روي مثل ذلك عن مالك، وهو الذي أراد أيوب بقوله إلا الإقامة؛ أي: إن قوله قد قامت الصلاة مثنى، فاستثناه من كلمات الإقامة. وذهب الكوفيون والثوري إلى أن يشفعوا الإقامة كلها، وهو قول بعض السلف، وقد ورد تشفيع الإقامة من حديث أبي محذورة، والصحيح من حديثه هو الإفراد.\nواختلف الفقهاء في حكم الإقامة؛ فعند مالك والشافعي وجمهور الفقهاء أنها سنة مؤكدة وأنه لا إعادة على تاركها، وعند الأوزاعي وعطاء ومجاهد وابن أبي ليلى أنها واجبة وعلى من تركها الإعادة، وبه قال أهل الظاهر. ورُوي عندنا أيضًا أن من تركها عمدًا أعاد الصلاة، وليس ذلك لوجوبها؛ إذ لو كان ذلك (١) لاستوى سهوها وعمدها، وإنما ذلك للاستخفاف بالسنن.\nوذكر مسلم في تعليم النبي - ﷺ - الأذان لأبي محذورة التكبير أولا مرتين، كذا في أكثر الأصول وروايات جماعات الشيوخ، ووقع في بعض طرق الفارسي التكبير أربع مرات، ومذهب مالك - ﵀ - تثنية الأذان كله غير أنه يرجِّع، وهو نقل أهل المدينة المتواتر عن أذان بلال وهو آخر أذانه والذي توفي عليه النبي ﷺ، ومذهب الشافعي الترجيع وهو عمل أهل مكة.\nوقوله ثم يعود فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله فهذا هو الترجيع (٢)\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) السنة عند المالكية والشافعية أن يزيد المؤذن النطق بالشهادتين بصوت منخفض مسموع للناس قبل الإتيان بهما بصوت مرتفع؛ إلا أن المالكية: يسمون النطق بهما بصوت مرتفع: ترجيعًا، والشافعية: يسمون النطق بهما بصوت منخفض: ترجيعًا.","vol":"2","page":8},{"text":"مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. ثُمَّ يَعُودُ فَيَقُولُ: أَشهَدُ أَن لا إِلهَ إِلا اللهُ (مَرَّتَين)، أَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ (مَرَّتَين)، حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ (مَرَّتَين)، حَيَّ عَلَى الفَلاحِ (مَرَّتَين)، اللهُ أَكبَرُ، اللهُ أَكبَرُ، لا إِلهَ إِلا اللهُ.\nرواه أحمد (٦/ ٤٠١)، ومسلم (٣٧٩)، وأبو داود (٥٠١ - ٥٠٥)، والترمذي (١٩١)، والنسائي (٢/ ٤).\n* * *\nــ\nالذي قال به مالك والشافعي، وجمهور العلماء على مقتضى حديث أبي محذورة واستمرار عمل أهل المدينة وتواتر نقلهم عن أذان بلال، وذهب الكوفيون إلى ترك الترجيع على ما جاء في حديث عبد الله بن زيد أول الأذان وما استقر عليه العمل (١)، وهو آخر الفعلين أولى. وذهب أهل الحديث أحمد وإسحاق والطبري وداود إلى التخيير في الأحاديث على أصلهم إذا صحت ولم يُعرف (٢) المتقدم من المتأخر أنها للتوسعة والتخيير، وقد ذكر نحو هذا عن مالك.\n* * *\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) في (ع): يعلم.","vol":"2","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>(٢) باب الأذان أمان من الغارة، وما جاء في اتخاذ مُؤذِّنَينِ</span>\n[٢٩٩]- عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُغِيرُ إِذَا طَلَعَ الفَجرُ، وَكَانَ يَستَمِعُ الأَذَانَ؛ فَإِن سَمِعَ أَذَانًا أَمسَكَ، وَإِلا أَغَارَ. فَسَمِعَ رَجُلا يَقُولُ: اللهُ أَكبَرُ، اللهُ أَكبَرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: عَلَى الفِطرَةِ. ثُمَّ قَالَ: أَشهَدُ أَن لا إِلهَ إِلا اللهُ، أَشهَدُ أَن لا إِلهَ إِلا اللهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: خَرَجتَ مِنَ النَّارِ! فَنَظَرُوا فَإِذَا هُوَ رَاعِي مِعزًى.\nرواه أحمد (٣/ ١٣٢)، ومسلم (٣٨٢)، وأبو داود (٢٦٣٤)، والترمذي (١٦١٨).\nــ\n(٢) ومن باب: الأذان أمان من الغارة\nالغارة والإغارة كلاهما مصدر، غير أن الغارة مصدر غَارَ والإغارة مصدر أَغَار، وكلاهما مصدر معروف، وهي عبارة عن الهجم على العدو صبحًا من غير إعلام لهم.\nوقوله ﵊ على الفطرة يريد فطرة الإسلام، وقوله حين سمعه يتشهد خرجتَ من النار يريد بتوحيده وصحة إيمانه.\nوقوله فإذا هو راعي مِعزًى حجة في جواز المنفرد البادي، بل على كونه مستحبًا في حقه، وهذا مثل حديث أبي سعيد: إذا كنت في غنمك أو باديتك فارفع صوتك بالنداء (١).\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٣٥ و٤٣)، والبخاري (٧٥٤٨)، والنسائي (٢/ ١٢) من حديث أبي سعيد ﵁.","vol":"2","page":10},{"text":"[٣٠٠]- وَعَنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - مُؤَذِّنَانِ؛ بِلالٌ وَابنُ أُمِّ مَكتُومٍ الأَعمَى.\nرواه مسلم (٣٨٠) (٧)، وأبو داود (٥٣٥).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>(٣) باب إذا سَمِعَ المؤذن قال مثل ما قال، وفضل ذلك، وما يقول بعد الأذان</span>\n[٣٠١]- عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: إِذَا سَمِعتُمُ المُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّهُ مَن صَلَّى\nــ\nوقوله كان لرسول الله - ﷺ - مؤذنان؛ يعني في وقت واحد، وإلا فقد كان له غيرهما؛ أَذّن له أبو محذورة بمكة ورتّبه لأذانها، وسعد القَرَظ أذّن للنبي - ﷺ - ثلاث مرات، وقال له: إذا لم تر بلالا فأذن (١). وأذَّن له الصُّدَائي وقال: إن أخا صُدًاء أذّن، ومن أذّن فهو يقيم (٢).\n(٣) ومن باب: إذا سمعتم الأذان\nقوله إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، حكى الطحاوي أنه اختُلف في حكمه؛ فقيل واجب، وقيل مندوب إليه، والصحيح أنه مندوب، وهو الذي عليه الجمهور. ثم هل يقوله عند سماع كل مؤذن؟ أم لأول مؤذن فقط؟\n_________\n(١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٣٣٦): رواه الطبراني في الكبير، وفيه عبد الرحمن بن سعد بن عمار، وهو ضعيف.\n(٢) رواه أبو داود (٥١٤)، والترمذي (١٩٩) من حديث زياد بن الحارث الصدائي ﵁.","vol":"2","page":11},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nواختُلف في الحدّ الذي يحاكى فيه المؤذن؛ هل إلى التشهدين الأخيرين؟ أم لآخر الأذان؟ فنُقل القولان عن مالك، ولكنه في القول الآخر إذا حيعل المؤذن فيقول السامع لا حول ولا قوة إلا بالله - كما جاء في الأم (١) وكما رواه أبو داود عن معاوية (٢)، واختلف في المصلي: هل يحاكي المؤذن وهو في الصلاة؟ فقيل: يحاكيه في الفريضة والنافلة، وقيل: لا يحاكيه فيهما، وهو مذهب أصحاب أبي حنيفة. وقيل: يحاكيه في النافلة خاصة، وبه قال الشافعي - والثلاثة الأقوال في مذهبنا. قال المطرِّز (٣) في كتاب اليواقيت وفي غيره: إن الأفعال التي أخذت من أسمائها سبعة؛ وهي: بسمل إذا قال بسم الله الرحمن الرحيم، وسبحل إذا قال سبحان الله، وحوقل إذا قال لا حول ولا قوة إلا بالله، وحيعل إذا قال حي على الفلاح، ويجيء على القياس الحيصلة إذا قال حي على الصلاة - ولم يذكره غيره. وحمدل إذا قال الحمد لله، وهلل إذا قال لا إله إلا الله، وجعفل إذا قال جعلت فداك. وزاد الثعالبي الطبقلة إذا قال أطال الله بقاءك، والدمعزة إذا قال أدام الله عزك. قال ابن الأنباري ﵀: ومعنى حَيّ في كلام العرب هلمّ وأقبل. قال الشيخ ﵀: يقال بلفظ واحد للواحد والجميع، وهي من أسماء الأفعال، وفتحت الياء من حَيَّ لسكونها وسكون الياء التي قبلها، كما قالوا ليت. وفيها لغات؛ يقال: حيّ، وحَيَّهَلًا، وحَيَّهَلا غير مُنَوَّن، وحَيَّهَل ساكنة اللام، ومنه قول عبد الله بن مسعود: إذا ذُكر الصالحون فحيَّهَلا\n_________\n(١) أي: في أصل صحيح مسلم، برقم (٣٨٥) من حديث عمر بن الخطاب ﵁.\n(٢) رواه أبو داود (٥٢٧) من حديث عمر بن الخطاب ﵁. ورواه البخاري (٦١٣) من حديث معاوية ﵁.\n(٣) هو محمد بن عبد الواحد، غلام ثعلب: أحد أئمة اللغة، المكثرين من التصنيف. له \"الياقوتة في غريب القرآن\"، وغيره. توفي سنة (٣٤٥ هـ). سير أعلام النبلاء (١٥/ ٥٠٨).","vol":"2","page":12},{"text":"عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللهُ عَلَيهِ بِهَا عَشرًا، واسألوا اللهَ لِي الوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنزِلَةٌ فِي الجَنَّةِ لا تَنبَغِي إِلا لِعَبدٍ مِن عِبَادِ اللهِ وَأَرجُو أَن أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَن سَأَلَ لِي الوَسِيلَةَ حَلَّت عَلَيهُ الشَّفَاعَةُ.\nرواه مسلم (٣٨٤)، وأبو داود (٥٢٣)، والترمذي (٣٦١٩)، والنسائي (٢/ ٢٥).\nــ\nبعمرَ (١)؛ أي: فأقبلوا على ذكر عمر، وقد تقدم ذكر الفلاح. وقيل: قياس المطرز الحيصلة على الحيعلة غير صحيح، بل الحيعلة تطلق على حي على الفلاح وعلى حي على الصلاة؛ وإنما هي من قوله حي على كذا فقط، ولو كان على قياسه في الحيعلة لكان الذي يقال في حي على الفلاح الحيفلة، وهذا لم يقل، والباب مسموع.\nوقوله واسألوا الله لي الوسيلة قد فسرها في هذا الحديث بأنها منزلة في الجنة، قال أهل اللغة: الوسيلة المنزلة، وهي مشتقة من توسّل الرجل إذا تقرّب.\nوقوله وأرجو أن أكون أنا هو، قال هذا - ﷺ - قبل أن يُبان (٢) له أنه صاحبها، إذ قد أخبر أنه يقوم مقامًا لا يقومه أحد غيره ويحمد الله بمحامد لم يُلهمها أحد غيره، ولكن مع ذلك فلا بد من الدعاء فيها؛ فإن الله تعالى يزيده بكثرة دعاء أمته رفعة كما زاده بصلاتهم، ثم إنه يرجع ذلك عليهم بنيل الأجور ووجوب شفاعته ﷺ.\nوقوله حلَّت وجبت، يقال حَلَّ يَحِلُّ وجب، وحَلَّ يُحِلّ نزل، وكأنها لازمة ولم تنفصل عنه، ولذلك عدّاه بـ عَلَى.\n_________\n(١) اللسان مادة (حيا).\n(٢) في (م): يبين.","vol":"2","page":13},{"text":"[٣٠٢]- وَعَن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِذَا قَالَ المُؤَذِّنُ اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ فَقَالَ أَحَدُكُمُ اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ، ثُمَّ قَالَ: أَشهَدُ أَن لا إِلهَ إِلا اللهُ - قَالَ: أَشهَدُ أَن لا إِلهَ إِلا اللهُ، ثُمَّ قَالَ: أَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ - قَالَ: أَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ - قَالَ: لا حَولَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الفَلاحِ - قَالَ: لا حَولَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللهِ، ثُمَّ قَالَ: اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ - قَالَ: اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ، ثُمَّ قَالَ: لا إِلهَ إِلا اللهُ - قَالَ: لا إِلهَ إِلا اللهُ؛ مِن قَلبِهِ دَخَلَ الجَنَّةَ.\nرواه مسلم (٣٨٥)، وأبو داود (٥٢٧).\n[٣٠٣]- وَعَن سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَن رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: مَن قَالَ حِينَ يَسمَعُ المُؤَذِّنَ أَشهَدُ أَن لا إِلهَ إِلا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولا وَبِالإِسلامِ دِينًا - غُفِرَ لَهُ ذَنبُهُ.\nرواه مسلم (٣٨٦)، وأبو داود (٥٢٥)، والترمذي (٢١٠)، والنسائي (٢/ ٢٦).\n* * *\nــ\nتنبيه: واعلم أن الأذان على قلّة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة؛ وذلك أنه - ﵊ - بدأ بالأكبريَّة وهي تتضمن وجود الله تعالى ووجوبه وكماله، ثم ثنّى بالتوحيد، ثم ثلّث برسالة رسوله، ثم ناداهم لِمَا أراد من طاعته، ثم ضمّن ذلك بالفلاح وهو البقاء الدائم، فأشعر بأن ثمَّ جزاء، ثم أعاد ما أعاد توكيدًا.\n* * *","vol":"2","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>(٤) باب فضل الأذان وما يُصيب الشيطان عنده</span>\n[٣٠٤]- عَن مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: المُؤَذِّنُونَ أَطوَلُ النَّاسِ أَعنَاقًا يَومَ القِيَامَةِ.\nرواه مسلم (٣٨٧).\nــ\n(٤) ومن باب: فضل الأذان\nقوله المؤذنون أطول الناس أعناقًا اختلف في تأويله؛ فقيل: معناه أطول الناس تَشَوُّفًا إلى رحمة الله تعالى وثوابه؛ لأن المتشوِّف يطيل عنقه لما يتشوَّف إليه. وقال النضر بن شُمَيل: إذا ألجم الناس العرق طالت أعناقهم لئلا يغشاهم ذلك الكرب. وقيل: معناه أنهم رؤساء، والعرب تصف السادة بطول الأعناق، قال الشاعر (١):\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وطول أَنصِيَةِ الأعناق واللُّمَمِ (٢)\nوقيل: أكثر أتباعًا. وقال ابن الأعرابي: أكثر أعمالا. وفي الحديث: يخرج من النار عنق (٣). ويقال: لفلان عُنُق من الخير - أي: قطعة منه. والعَنَقُ - بفتح العين والنون - ضَربٌ من السِّير، ومنه: لا يزال الرجل مُعنقًا (٤) ما لم يصب دمًا حرامًا (٥).\n_________\n(١) قال ابن بري: هو لليلى الأخيلية، وقيل: للشمردل.\n(٢) هذا عجز البيت، وصدره: يُشَبِّهُونَ سُيُوفًا في صَرائمهم.\nوورد في اللسان:\nيُشَبِّهُونَ مُلُوكًا فِي تَجِلَّتِهمْ ... وَطُولِ أَنْصِيَةِ الأعْنَاقِ وَالأُممِ\n(٣) رواه الترمذي (٢٥٧٧) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) أي: منبسطًا في سيره، خفيف الظهر، يُعْنِق في مشيه سير المُخِفِّ.\n(٥) رواه أبو داود (٤٢٧٠) من حديث أبي الدرداء ﵁.","vol":"2","page":15},{"text":"[٣٠٥]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ أَدبَرَ الشَّيطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لا يَسمَعَ التَّأذِينَ، فَإِذَا قُضِيَ التَّأذِينُ أَقبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلاةِ أَدبَرَ،\nــ\nوقد احتجّ بهذا الحديث من رأى أن فضيلة الأذان أكثر من فضيلة الإمامة، واعتذر عن كون النبي - ﷺ - لم يؤذِّن لما يشتمل عليه الأذان من الشهادة بالرسالة، وقيل: إنما ترك الأذان لما فيه من الحيعلة، وهي أمر، فكان لا يسع أحدًا ممن سمعه التأخر وإن كان له حاجة وضرورة. وقيل: لأنه كان النبي - ﷺ - في شغل عنه بأمور المسلمين، وهذا هو الصحيح، وقد صرَّح بذلك عمر فقال: لولا الخِلِّيفَى - أي الخلافة - لأذَّنت (١).\nوقوله في الأم (٢) أدبر الشيطان له حُصاص (٣) هو الضُّراط، كما فسره في هذه الرواية. وقيل: إنه شدةُ العدو - قالهما أبو عبيد. وقال عاصم بن أبي النَّجود: إذا ضرب بأذنيه ومصع بذنبه وعدا فذلك الحُصاص، وهذا يصح حمله على ظاهره؛ إذ هو جسم مُغتَذٍ يصح منه خروج الريح. وقيل: إنه عبارة عن شدة الغيظ والنّفار، وذلك لما يسمع من ظهور الإسلام ودخولهم فيه وامتثالهم أوامره، كما يعتريه يوم عرفة لما رأى من اجتماع الناس على البر والتقوى ولما يتنزل عليهم من الرحمة.\nوقوله حتى إذا ثُوِّب بالصلاة أدبر؛ أي أقيمت، وأصله أنه رجع إلى ما يشبه الأذان، أو لأن الإقامة يُرجع إليها ويكرر على ما تقدم، وأصله من ثاب إلى الشيء إذا رجع، ومنه قيل لقول المؤذن الصلاة خير من النوم تثويب. وقال\n_________\n(١) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٢٢٤) بلفظ: لو أطقت الأذان مع الخِلِّيفى لأذَّنت.\nولفظ المصنِّف في لسان العرب مادة (خلف).\n(٢) أي: أصل صحيح مسلم برقم (٣٨٩) \"١٨\".\n(٣) في هامش (ل): حُصاص: بالمهملات.","vol":"2","page":16},{"text":"حَتَّى إِذَا قُضِيَ التَّثوِيبُ أَقبَلَ حَتَّى يَخطُرَ بَينَ المَرءِ وَنَفسِهِ؛ يَقُولُ لَهُ: اذكُر كَذَا، وَاذكُر كَذَا! لِمَا لَم يَكُن يَذكُرُ مِن قَبلُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إن يَدرِي كَم صَلَّى.\nــ\nالخطابي: التثويب الإعلام بالشيء ووقوعه، وأصله أن الرجل إذا جاء فزِعًا لوّح بثوبه.\nوقوله حتى يخطر بين المرء ونفسه، قال الباجي: يمرّ فيحول بين المرء وما يريد من نفسه من إقباله على صلاته وإخلاصه، وهو على رواية أكثرهم بضم الطاء، وعن أبي بحر يخطِر بكسرها؛ من قولهم خطر البعير بذنبه إذا حرّكه، فكأنه يريد حركته بوسوسة النفس وشغل السِّرّ.\nوقوله حتى يظل الرجل ما يدري كم صلى، هذه الرواية التي أثبتناها هي الواضحة، وهي يَظَلّ بالظاء المُشَالَة؛ بمعنى يصير، كما قال: ظَلَّ وَجهُهُ مُسوَدًّا، وقيل: معناه يبقى ويدوم، وأنشدوا عليه:\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . ... ظَلِلتُ ردائي فوق رأسي قاعدًا\nوحكى الدَّاوُدي أنه رُوي يضل بالضاد؛ بمعنى ينسى ويذهب، قال الله ﷿: ﴿أَن تَضِلَّ إِحدَاهُمَا﴾\nوقوله إن يدري كم صلى بالكسر؛ بمعنى ما يدري، ويُروى أن يدري بفتحها، وهي رواية أبي عمر بن عبد البر، وقال: هي رواية أكثرهم. قال: ومعناها لا يدري. وكذا ضبطها الأصيلي في كتاب البخاري أن بالفتح، وليست هذه الرواية بشيء إلا مع رواية الضاد، فتكون أن مع الفعل بتأويل المصدر، ومفعول ضل أن بإسقاط حرف الجر؛ أي: يضل عن درايته وينسى عدد ركعاته، وهذا أيضًا فيه بُعد.","vol":"2","page":17},{"text":"رواه أحمد (٢/ ٣١٣ و٤٦٠)، والبخاري (١٢٣١)، ومسلم (٣٨٩) (١٩)، وأبو داود (٥١٦)، والنسائي (٢/ ٢١ - ٢٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>(٥) باب رفع اليدين في الصلاة، ومتى يرفعهما؟ وإلى أين</span>؟\n[٣٠٦]- عَن ابنَ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا قَامَ لِلصَّلاةِ رَفَعَ يَدَيهِ حَتَّى تكُونَا حَذوَ مَنكِبَيهِ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَإِذَا أَرَادَ أَن يَركَعَ فَعَلَ مِثلَ ذَلِكَ، فَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ فَعَلَ مِثلَ ذَلِكَ، وَلا يَفعَلُهُ حِينَ يَرفَعُ رَأسَهُ مِنَ السُّجُودِ.\nرواه أحمد (٢/ ١٣٤)، والبخاري (٧٣٦)، ومسلم (٣٩٠) (٢٢)، وأبو داود (٧٢١ - ٧٤٣)، والترمذي (٢٥٥)، والنسائي (٢/ ١٢١ - ١٢٢).\nــ\n(٥) ومن باب: رفع اليدين في الصلاة\nقوله كان رسول الله - ﷺ - إذا افتتح الصلاة رفع يديه، زعم بعض من لقيناه من الفقهاء أن كان مهما أطلقت عن رسول الله - ﷺ - يلزمها الدوام والكثرة، قال: بحكم عرفهم، والشأن في نقل هذا العرف، وإلا فأصلها أن تصدُقَ على من فعل الشيء مرة واحدة، ونحن على الأصل حتى يُنقل عنه.\nواختلف العلماء في رفع اليدين في الصلاة؛ هل يرفعهما أو لا يرفعهما في شيء من الصلاة؟ أو يرفعهما مرة واحدة عند الافتتاح؟ ثلاثة أقوال عند مالك،","vol":"2","page":18},{"text":"[٣٠٧]- وَعَن مَالِكِ بنِ الحُوَيرِثِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا أُذُنَيهِ، وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا أُذُنَيهِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فَقَالَ سَمِعَ اللهُ لِمَن حَمِدَهُ - فَعَلَ مِثلَ ذَلِكَ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيهِ.\nــ\nمشهور مذهبه الثالث، وهو مذهب الكوفيين على حديث عبد الله بن مسعود (١) والبراء (٢) أنه - ﵊ - كان يرفع يديه عند الإحرام مرة ثم لا يزيد عليها، وفي أخرى: لا يعود - خرّجهما أبو داود ولا يصح شيء منهما، ذكر علتهما أبو محمد عبد الحق.\nوالأول هو أحد أقواله وأصحها والمعروف من عمل الصحابة ومذهب كافة العلماء إلا مَن ذُكر، وهو أنه يرفعهما عند الافتتاح وعند الركوع والرفع منه وإذا قام من اثنتين، وهو الذي يشهد له الصحيح من الأحاديث.\nوالثاني أضعف الأقوال وأشذّها، وهو ألا يرفع، ذكره ابن شعبان وابن خُوازمَنداد (٣) وابن القصار.\nتنبيه: هذا الرفع من هيئات الصلاة وفضائلها في تلك المواضع، وذهب داود إلى وجوبه عند تكبيرة الإحرام، وقال بعضهم: إنه واجب كله.\nوقوله حتى يحاذي بهما أذنيه، وفي أخرى منكبيه، وفي أخرى فروع أذنيه، وفي غير كتاب مسلم فوق أذنيه مدًّا مع رأسه، وفي أخرى\n_________\n(١) رواه أبو داود (٧٤٨).\n(٢) رواه أبو داود (٧٤٩).\n(٣) هو محمد بن أحمد المالكي، له مصنفات في الفقه وأصوله. توفي سنة (٣٩٠ هـ).\n(الوافي بالوفيات ٢/ ٥٢)، وفيه أن اسمه: ابن خويز منداذ.","vol":"2","page":19},{"text":"رواه أحمد (٥/ ٥٣)، والبخاري (٧٣٧)، ومسلم (٣٩١) (٢٥ و٢٦)، وأبو داود (٧٤٥)، والنسائي (٢/ ١٨٢).\n[٣٠٨]- وَعَن وَائِلِ بنِ حُجرٍ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - ﷺ - رَفَعَ يَدَيهِ حِينَ دَخَلَ فِي الصَّلاةِ؛ كَبَّرَ - وَصف همام حِيَالَ أُذُنَيهِ - ثُمَّ التَحَفَ بِثَوبِهِ،\nــ\nإلى صدره. وبحسب اختلاف هذه الروايات اختلف العلماء في المختار من ذلك؛ فذهب عامة أئمة الفتوى إلى اختيار رفعهما حذو منكبيه، وهو أصح قولي مالك وأشهرهما، والرواية عنه: إلى صدره. وذهب ابن حبيب إلى رفعهما حذو أذنيه، وقد جمع بعض المشايخ بين هذه الأحاديث وبين الروايتين عن مالك، فقال: يكون رسغاه مقابلةً أعلى صدره، وكفّاه حذو منكبيه، وأطراف أصابعه حذو أذنيه. وتبقى رواية فوق رأسه لا تدخل في هذا الجمع. وقال بعضهم: هو على التوسعة - وهو الصحيح. وقد ذهب الطحاوي إلى أن اختلاف الأحاديث لاختلاف الأحوال. واختلف أصحابنا في صفة رفعهما؛ فقيل: قائمتين كما جاء يمدهما مدًّا، وهو مذهب العراقيين من أصحابنا. وقيل: منتصبتين؛ بطونهما إلى الأرض وظهورهما مما يلي السماء. وذهب بعضهم إلى نصبهما قائمتين، لكن تكون أطراف الأصابع منحنية قليلا.\nوما حكمة ذلك؟ اختلف فيه؛ فقيل فيه أقوال أنسبها مطابقة قوله الله أكبر لفعله، ثم اختلف في وقت رفعهما؛ فجاء في بعض الروايات كان إذا كبر رفع يديه، وفي بعضها إذا افتتح الصلاة، وإذا قام إلى الصلاة، وهذا يشعر باستصحابها ومقارنتها.\nوقوله في حديث وائل بن حجر وضعهما حيال أذنيه، حيال وحذاء وإزاء بمعنى واحد.\nوقوله ثم التحف بثوبه يدّل على أن العمل اليسير في الصلاة","vol":"2","page":20},{"text":"ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ اليُمنَى عَلَى اليُسرَى، فَلَمَّا أَرَادَ أَن يَركَعَ أَخرَجَ يَدَيهِ مِنَ الثَّوبِ ثُمَّ رَفَعَهُمَا، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ، فَلَمَّا قَالَ سَمِعَ اللهُ لِمَن حَمِدَهُ رَفَعَ يَدَيهِ، فَلَمَّا سَجَدَ سَجَدَ بَينَ كَفَّيهِ.\nرواه أحمد (٤/ ٣١٦)، ومسلم (٤٠١)، وأبو داود (٧٢٣ - ٧٣٧)، والنسائي (٢/ ١٩٤).\n* * *\nــ\nلا يفسدها خلافًا لما حكى العبدي (١) من متأخري أئمة العراقيين أن العمل فيها عمدًا مفسد للصلاة؛ قال: ويستوي في ذلك قليله وكثيره. والالتحاف: الاشتمال والتلفف - كله بمعنى واحد.\nوقوله ثم وضع يده اليمنى على اليسرى اختُلف فيه على ثلاثة أقوال؛ فروى مُطَرِّف وابن الماجشون عن مالك أنه قال: يَقبِضُ باليمنى على المعصم والكوع من يده اليسرى تحت صدره تمسكًا بهذا الحديث، وروى ابن القاسم أنه يسدلهما وكره له ما تقدم، ورأى أنه من الاعتماد على اليد في الصلاة المنهي عنه في كتاب أبي داود (٢)، وروى أشهب التخيير فيهما والإباحة.\nوقوله أخرج يديه من الثوب يدل على أنه يخرجهما ويرفعهما، كما صار إليه مالك.\nوقوله وسجد بين كفيه إنما فعل ذلك ليتمكن من التجنيح الذي كان يفعله في سجوده، كما روي عنه أنه كان يجنِّح حتى يُرى بياض إبطيه (٣).\n_________\n(١) هو أبو يعلى، أحمد بن محمد البصري العبدى المالكي، ويُعرف بابن الصواف. توفي سنة (٤٩٠ هـ). سير أعلام النبلاء (١٩/ ١٥٦ - ١٥٧).\n(٢) رواه أبو داود (٩٩٢) من حديث ابن عمر ﵄.\n(٣) رواه أحمد (٥/ ٣٤٥)، ومسلم (٤٩٥) من حديث عبد الله بن مالك بن بُحَيْنة ﵁.","vol":"2","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>(٦) باب التكبير في الصلاة</span>\n[٣٠٩]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَركَعُ، ثُمَّ يَقُولُ سَمِعَ اللهُ لِمَن حَمِدَهُ حِينَ يَرفَعُ صُلبَهُ مِنَ الرَّكوعِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ\nــ\n(٦) ومن باب: التكبير في الصلاة\nقوله يكبر حجة في وجوب التكبير للإحرام وتعيينه، وقد قال - ﵊ - للذي علمه الصلاة: إذا قمت إلى الصلاة فكبر (١). واختلف في حكم التحريم؛ فعامة أهل العلم على وجوبه إلا ما روي عن الزهري وابن المسيب والحسن والحكم والأوزاعي وقتادة أنه سنة وأنه يجزئ الدخول في الصلاة بالنية، وعامة أهل العلم على أنه لا يجزئ إلا بلفظ التكبير، إلا أبا حنيفة وأصحابه فإنهم يجيزون الدخول بكل لفظ فيه تعظيم لله، وأجاز الشافعي: الله الأكبر، وأجاز أبو يوسف: الله الكبير، ومالك لا يجيز إلا اللفظ المعيّن: الله أكبر - المعهود في عرف اللغة والشرع لا سواه. والأولى ما صار إليه مالك - ﵀ - لما صحّ عن النبي - ﷺ - من حديث علي بن أبي طالب أن رسول الله - ﷺ - قال: تحريم الصلاة التكبير، وتحليلها التسليم (٢). والألف واللام في التكبير والتسليم حوالة على معهود تكبيره - ﷺ - وتسليمه، ولم يرو عنه قط أنه قال في التكبير ولا في التسليم غير لفظين معينين وهما: الله أكبر، والسلام عليكم.\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٤٣٧)، والبخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧)، وأبو داود (٨٥٦)، والترمذي (٣٠٣)، والنسائي (٢/ ١٢٥) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه أبو داود (٦١)، والترمذي (٣) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.","vol":"2","page":22},{"text":"حِينَ يَهوِي سَاجِدًا، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرفَعُ رَأسَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرفَعُ رَأسَهُ، ثُمَّ يَفعَلُ مِثلَ ذَلِكَ فِي الصَّلاةِ كُلِّهَا.\nوَعَنهُ أَنَّهُ كَانَ يُصَلي لَهم فَيُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ، فَلَمَّا انصَرَفَ قَالَ: وَاللهِ إِنِّي لأَشبَهُكُم صَلاةً بِرَسُولِ اللهِ ﷺ.\nــ\nوقوله يكبر كلما خفض ورفع وأن رسول الله - ﷺ - كان يفعل ذلك؛ هذا هو الأمر الثابت من فعله والذي استقرّ عليه عمل المسلمين، وقد كان بعض السلف يرى أنه لا تكبير في الصلاة غير تكبيرة الإحرام. وقال بعضهم: ليس بسنة إلا للجماعة؛ ليُشعر الإمام بحركاته مَن وراءه. ومذهب أحمد بن حنبل: وجوب جميع التكبير في الصلاة، وعامة العلماء على أنه سنة بدليل قوله للذي علمه الصلاة: إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله، ثم استقبل القبلة، ثم كبر (١) - ولم يذكر له إلا فرائض الصلاة.\nوفي قوله كلما خفض ورفع ما يدل على مقارنة التكبير للفعل، وعليه يدل قوله سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع، وقوله ثم يكبر حين يهوي ساجدًا وهو قول أهل العلم، واستثنى مالك من ذلك التكبير بعد القيام من اثنتين فلا يكبر حتى يستوي قائمًا، وهو مذهب عمر بن عبد العزيز، قال مالك: وإن كبر هنا في نهوضه فهو في سعة.\nوقوله يَهوِي هو بفتح الياء وكسر الواو، وماضيه هَوَى بفتح الواو، ومعناه: يسقط إلى الأرض ساجدًا. وأما أَهوَى الرباعي فمضارعه يُهوِي بضم الياء وكسر الواو فمعناه: أقبل على الشيء ليأخذه بيده، يقال أهويت للشيء إذا أردت أخذه بيدك. وأما هَوِي بفتح الهاء وكسر الواو فمعناه أحَبّ، ومضارعه يَهوَى بفتح الياء والواو، وذكره الجوهري في الصحاح.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٨٥٧ - ٨٦١)، والترمذي (٣٠٢)، والنسائي (٢/ ١٩٣).","vol":"2","page":23},{"text":"رواه أحمد (٢/ ٤٥٤ و٤٧٠)، والبخاري (٧٨٩)، ومسلم (٣٩٢) (٢٧ و٢٨)، وأبو داود (٨٣٦)، والنسائي (٢/ ٢٣٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>(٧) باب ما جاء في القراءة في الصلاة وبيان أركانها</span>\n[٣١٠]- عَن عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: لا صَلاةَ لِمَن لَم يَقرَأ بِأُمِّ القُرآنِ.\nــ\n(٧) ومن باب: القراءة في الصلاة\nقوله لا صلاة ظاهره نفي الإجزاء في كل صلاة لا يُقرأ فيها بأم القرآن، وهو مذهب مالك والشافعي والجمهور، ورأى أبو حنيفة أنها لا تتعين وأن غيرها من آي القرآن وسُوَرِهِ يجزئ، فيتعين عليه حمل لا صلاة على نفي الكمال أو على الإجمال بينهما، كما صار القاضي إليه. ومذهب الجمهور هو الصحيح؛ لأن نفي الإجزاء هو السابق للفهم، كما تقول العرب: لا رجل في الدار - فإنه يقتضي هذا نفي أصل الجنس الكامل والناقص، ولا يصار لنفي الوصف إلا بدليل من خارج.\nواختلف العلماء في القراءة في الصلاة؛ فذهب جمهورهم إلى وجوب قراءة أم القرآن للإمام والفذِّ في كل ركعة، وهو مشهور قول مالك، وعنه أيضًا أنها واجبة في جُلّ الصلاة، وهو قول إسحاق، وعنه أنها تجب في ركعة واحدة، وقاله المغيرة والحسن. وعنه أن القراءة لا تجب في شيء من الصلاة، وهو أشذ الروايات، وحُكي عنه أنها تجب في نصف الصلاة، وإليه ذهب الأوزاعي،","vol":"2","page":24},{"text":"زَادَ فِي رِوَايَةٍ: فَصَاعِدًا.\nرواه البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٩٤) (٣٦)، وأبو داود (٨٢٣)، والترمذي (٢٤٧)، والنسائي (٢/ ١٣٧ - ١٣٨).\n[٣١١]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: مَن صَلَّى صَلاةً لَم يَقرَأ فِيهَا بِأُمِّ القُرآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ - ثَلاثًا، غَيرُ تَمَامٍ. فَقِيلَ لأَبِي هُرَيرَةَ: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الإِمَامِ! فَقَالَ: اقرَأ بِهَا فِي نَفسِكَ، فَإِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -\nــ\nوذهب الأوزاعي أيضا وأبو أيوب وغيرهما إلى أنها تجب على الإمام والفذّ والمأموم على كل حال، وهو أحد قولي الشافعي رحمه الله تعالى.\nوقوله فصاعدًا معناه: فزائدًا، ويلزم من ظاهر هذا اللفظ أن تكون الزيادة على أم القرآن - التي هي السورة - واجبة، ولا قائل أعلمه يقول بوجوب قراءة السورة زيادة على أم القرآن، وإنما الخلاف في وجوب أم القرآن خاصة. وقد أجمعوا على أن لا صلاة إلا بقراءةٍ في الركعتين الأوليَين، إلا ما قاله الشافعي فيمن نسي القراءة في الصلاة كلها أنها تجزئه لعذر النسيان، وهذا شاذ، وقد رجع عنه، وإلا ما شذ من قول مالك.\nوقوله من صلّى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، قال الهروي: الخداج النقصان؛ يقال خدجت الناقة إذا ألقت ولدها قبل أوان النتاج وإن كان تام الخلق. وأخدجته: إذا ولدته ناقصًا وإن كان لتمام الولادة. فقوله خداج أي: ذات خداج، فحذف ذات وأقام الخداج مقامه، وهذا مذهب الخليل في الخداج وأبي حاتم والأصمعي، وأما الأخفش فعكس وجعل الإخداج قبل الوقت وإن كان تام الخلق.\nوسميت الفاتحة أم الكتاب لأنها أصله؛ أي: هي محيطة بجميع علومه،","vol":"2","page":25},{"text":"يَقُولُ: قَالَ اللهُ ﷿: قَسَمتُ الصَّلاةَ بَينِي وَبَينَ عَبدِي نِصفَينِ، وَلِعَبدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ العَبدُ ﴿الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ قَالَ اللهُ تعالى: حَمِدَنِي عَبدِي. وَإِذَا قَالَ ﴿الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَالَ اللهُ تعالى:\nــ\nفهي منها وراجعة إليها، ومنها سميت الأم أُمًّا؛ لأنها أصل النَّسل، والأرض أُمًّا في قوله:\nفالأرض معقلنا وكانت أُمَّنا ... فيها مقابرنا وفيها نولد\nومنه: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ و: ﴿هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ﴾ ولا معنى لكراهية من كره تسميتها بأم القرآن مع وجود ذلك في الحديث.\nوقوله قسمت الصلاة يعني أم القرآن، سماها صلاة؛ لأن الصلاة لا تتم - أو لا تصح - إلا بها، ومعنى القسمة هنا من جهة المعاني؛ لأن نصفها الأول في حمد الله وتمجيده والثناء عليه وتوحيده، والنصف الثاني في اعتراف العبد بعجزه وحاجته إليه وسؤاله في تثبيته لهدايته ومعونته على ذلك، وهذا التقسيم حجة على أن بسم الله الرحمن الرحيم ليست من الفاتحة خلافًا للشافعي، وسيأتي قوله.\nوقوله تعالى حمدني عبدي؛ أي: أثنى عليّ بصفات كمالي وجلالي. ومجّدني شرّفني؛ أي: اعتقد شرفي ونطق به، والمجد: نهاية الشرف، وهو الكثيرُ صفاتِ الكمالِ، والمجد: الكثرة، ومنه قوله:\nفي كل شجر نار واستَمجَدَ المَرخُ والعَفَار (١)\n_________\n(١) \"المرخ\": شجر سريع الاشتعال. و\"العفار\": شجر يتّخذ منه الزناد. و\"اسْتمجد\": استكثر.\nوهذا المثلُ يضرب في تفضيل بعض الشيء على بعض.","vol":"2","page":26},{"text":"أَثنَى عَلَيَّ عَبدِي. وَإِذَا قَالَ ﴿مَالِكِ يَومِ الدِّينِ﴾ قَالَ: مَجَّدَنِي عَبدِي - وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبدِي. فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعبُدُ وَإِيَّاكَ نَستَعِينُ﴾ قَالَ: هَذَا بَينِي وَبَينَ عَبدِي، وَلِعَبدِي مَا سَأَلَ. فَإِذَا قَالَ: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾، ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِم غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِم وَلا الضَّالِّينَ﴾ قَالَ: هَذَا لِعَبدِي، وَلِعَبدِي مَا سَأَلَ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٥٠ و٢٨٥)، ومسلم (٣٩٥) (٣٨)، وأبو داود (٨١٩ و٨٢٠)، والترمذي (٢٩٥٤ و٢٩٥٥)، والنسائي (٢/ ١٣٥ - ١٣٦).\nــ\nأي: كثر نارهما.\nوقوله وربما قال: فوّض إليّ عبدي؛ أي: يقول هذا ويقول هذا، غير أن فوض أقل ما يقوله، وليس شكا، وهو مطابق لقوله: مَالِكِ يَومِ الدِّينِ - لأنه تعالى هو المنفرد في ذلك اليوم بالملك، إذ لا تبقى دعوى لمدّع. والدين: الجزاء، والحساب، والطاعة، والعبادة، والملك.\nوقوله نعبد؛ أي: نخضع ونتذلل. ونستعين نسألك العون، اهدنا أرشدنا وثبتنا على الهداية، والصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه؛ والمنعم عليهم هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون. والمغضوب عليهم اليهود، والضلاّل النصارى، كذا روي عن رسول الله ﷺ (١).\nوإنما قال الله تعالى هنا هذا بيني وبين عبدي لأنها تضمّنت تذلل العبد لله وطلبه الاستعانة منه، وذلك يتضمّن تعظيم الله تعالى وقدرته على ما طُلب منه.\nوقوله فيما بقي من السورة هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل؛ لأن العبد دعا لنفسه، وقال مالك في قوله فهؤلاء لعبدي: هي إشارة إلى أنها ثلاث آيات\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ٣٧٨)، والترمذي (٢٩٥٣) من حديث عدي ﵁.","vol":"2","page":27},{"text":"[٣١٢]- وَعَنهُ قَالَ: فِي كُلِّ صَّلاةٍ قِرَاءَةٌ، فَمَا أَسمَعَنَا النَّبِيُّ - ﷺ - أَسمَعنَاكُم، وَمَا أَخفَى مِنَّا أَخفَينَا مِنكُم. مَن قَرَأَ بِأُمِّ الكتاب فَقَد أَجزَأَت عَنهُ، وَمَن زَادَ فَهُوَ أَفضَلُ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٤٨)، ومسلم (٣٩٦) (٤٤)، والنسائي (٢/ ١٦٣).\nــ\nلا آيتان؛ وذلك أن المسلمين قد اتفقوا على أن الفاتحة سبع آيات، فإذا كانت ثلاث آيات عند قوله ﴿مَالِكِ يَومِ الدِّينِ﴾ بقيت أربع آيات: ﴿إِيَّاكَ نَعبُدُ وَإِيَّاكَ نَستَعِينُ﴾ تبقى ثلاث آيات، فتصحّ الإشارة إليها بهؤلاء. وقد عدّ البصريون والشاميون والمدنيون ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِم﴾ آية، وعليه تصح القسمة والإشارة، والله أعلم.\nوقوله اقرأ بها في نفسك، اختلف العلماء في قراءة المأموم خلف الإمام؛ فذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن المأموم لا يترك قراءة أم القرآن على حال، وإليه ذهب الشافعي تمسكًا بقول أبي هريرة وبعموم قوله لا صلاة، وذهب مالك وابن المسيب في جماعة من التابعين وغيرهم وفقهاء أهل الحجاز والشام إلى أنه لا يقرأ معه فيما جهر به وإن لم يسمعه، ويقرأ معه ما أسر فيه الإمام تمسكًا بقوله تعالى: وَإِذَا قُرِئَ القُرآنُ فَاستَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا، وبقول أبي هريرة: فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه رسول الله ﷺ، وبقوله ﵊: إذا قرأ الإمام فأنصتوا (١). وذهب أكثر هؤلاء إلى أن القراءة فيما يُسِرّ فيه الإمام غير واجبة، إلا داود وأحمد بن حنبل وأصحاب الحديث فإنهم أوجبوا قراءة الفاتحة إذا أسرّ الإمام، وذهب الكوفيون إلى ترك قراءة المأموم خلف الإمام على كل حال.\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ٤١٥)، ومسلم (٤٠٤)، وأبو داود (٩٧٢ و٩٧٣)، والنسائي (٢/ ٩٦ و٩٧) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.","vol":"2","page":28},{"text":"[٣١٣]- وَعَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - دَخَلَ المَسجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَرَدَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - السَّلامَ، فَقَالَ: ارجِع فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَم تُصَلِّ! فَرَجَعَ الرَّجُلُ فَصَلَّى كَمَا كَانَ صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَسَلَّمَ عَلَيهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: وَعَلَيكَ السَّلامُ، ثُمَّ قَالَ: ارجِع فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَم تُصَلِّ! حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا أُحسِنُ غَيرَ هَذَا، فعَلِّمنِي! قَالَ: إِذَا قُمتَ إِلَى الصَّلاةِ فَكَبِّر، ثُمَّ اقرَأ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرآنِ، ثُمَّ اركَع حَتَّى تَطمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارفَع حَتَّى تَعتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسجُد حَتَّى تَطمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارفَع\nــ\nوقوله في حديث أبي هريرة للذي علمه الصلاة إذا قمت إلى الصلاة فكبر، هذا الحديث ومساقه يدل على أنه - ﵊ - قصد إلى ذكر فرائض الصلاة لا غير؛ لأن جميع ما ذكره فيه فرض، وما لم يذكره ليس من فرائضها، هذا قول كافة أصحابنا وغيرهم، وهذا ينتقض عليهم بالنية والسلام إذ لم يذكرهما.\nوقوله ما تيسر معك من القرآن متمَسَّك أبي حنيفة، فإنه يأخذ بعمومه، ويقال له: إن ما تيسر هو الفاتحة؛ لأن الله تعالى قد يسَّرها على ألسنة الناس صغارهم وكبارهم، ذكورهم وإناثهم، أحرارهم وعبيدهم، ويتأيد هذا التأويل بقوله لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب (١).\nوقوله ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، وقال في السجود كذلك، واختلف أصحابنا في وجوب الطمأنينة، والأصل المتقدم يرفع هذا الخلاف، بل ينبغي عليه أن تكون واجبة على كل حال، وهذا يدل على اختلافهم في ذلك الأصل.\n_________\n(١) سبق تخريجه برقم (٣١١).","vol":"2","page":29},{"text":"حَتَّى تَطمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ افعَل ذَلِكَ فِي صَلاتِكَ كُلِّهَا.\nزَادَ فِي رِوَايَةٍ: إِذَا قُمتَ إِلَى الصَّلاةِ فَأَسبِغِ الوُضُوءَ، ثُمَّ استَقبِلِ القِبلَةَ فَكَبِّر.\nرواه أحمد (٢/ ٤٣٧)، والبخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧)، وأبو داود (٨٥٦)، والترمذي (٣٠٣)، والنسائي (٢/ ١٢٥).\n[٣١٤]- وَعَن عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - صَلَّى الظُّهرَ، فَجَعَلَ رَجُلٌ يَقرَأُ خَلفَهُ بِسَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأَعلَى، فَلَمَّا انصَرَفَ قَالَ: أَيُّكُم قَرَأَ؟ أَو: أَيُّكُمُ القَارِئُ؟ فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا! فَقَالَ: قَد ظَنَنتُ أَنَّ بَعضَكُم خَالَجَنِيهَا!\nــ\nوقوله ثم افعل ذلك في صلاتك كلها يدل على وجوب القراءة في كل ركعة، وهو المشهور (١) على ما تقدم.\nوقوله ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، يريد بين السجدتين. وفي رواية ثم اجلس حتى تطمئن جالسًا، وهذا يدل على وجوب الفصل بين السجدتين، وهل يجب لذاته فلا بد منه أو للفصل فيحصل الفصل بأقل ما يحصل منه ويكون تمامه سنة؟ اختُلف فيه.\nوقوله قد علمت أن بعضكم خالجنيها؛ أي خالطنيها، ويروى نازعنيها؛ أي كأنه نزع ذلك من لسانه، وهو مثل حديثه الآخر: ما لي أنازع القرآن! (٢) ولا حجة فيه لمنكري القراءة؛ لأن النبي - ﵊ - إنما أنكر المخالجة لا القراءة.\n_________\n(١) في (ل): المفهوم.\n(٢) رواه أبو داود (٨٢٣ و٨٢٤)، والترمذي (٣١١)، والنسائي (٢/ ١٤١) من حديث عبادة بن الصامت ﵁.","vol":"2","page":30},{"text":"رواه أحمد (٤/ ٤٣١)، ومسلم (٣٩٨) (٤٨)، وأبو داود (٨٢٨ و٨٢٩)، والنسائي (٢/ ١٤٠).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>(٨) باب ترك قراءة بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ في الصلاة</span>\n[٣١٥]- عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: صَلَّيتُ خَلفَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَأَبِي بَكرٍ\nــ\n(٨) ومن باب: ترك قراءة بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ في الصلاة\nاختلف الفقهاء في ذلك؛ فمن قال هي من الفاتحة كالشافعي وأصحاب الرأي قرأها فيها، ومن لم ير ذلك كالجمهور فهل تُقرأ في الصلاة أو لا؟ وإذا قُرئت فهل يُجهر بها مع الحمد أو يُسرّ؟ فمشهور مذهب مالك أنه لا يقرؤها في الفرائض ويجوز له أن يقرأها في النوافل تمسكا بالحديث، وعنه رواية أخرى أنها تُقرأ أول السورة في النوافل ولا تُقرأ أول أم القرآن. وروى عنه ابن نافع ابتداء القراءة بها في الصلاة الفرض والنفل، ولا تترك بحال. وأما هل يجهر بها؟ فالشافعي يجهر بها مع الجهر، وأما الكوفيون فيسرُّونها على كل حال، والصحيح أن البسملة ليست آية من القرآن إلا في النمل خاصة فإنها آية هناك مع ما قبلها بلا خلاف، وأما في أوائل السور وفي أول الفاتحة فليست كذلك لعدم القطع بذلك، ومن ادّعى القطع في ذلك عُورض بنقيض دعواه، وقد اتفقت (١) الأمة على أنه لا يُكَفَّر نافي ذلك ولا مثبته، والمسألة مستوفاة في الأصول والخلاف.\n_________\n(١) في (ع): أجمعت.","vol":"2","page":31},{"text":"وَعُمَرَ وَعُثمَانَ، وكَانُوا يَستَفتِحُونَ بِـ الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ؛ لا يَذكُرُونَ بِسم اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلا فِي آخِرِهَا.\nرواه أحمد (٣/ ٢٢٣)، والبخاري (٧٤٣)، ومسلم (٣٩٩) (٥٢)، وأبو داود (٧٨٢)، والترمذي (٢٤٦)، والنسائي (٢/ ١٣٣ و١٣٥).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>(٩) باب حجة من قال: البسملة آية من أول كل سورة سوى براءة</span>\n[٣١٦]- عَن أَنَسٍ قَالَ: بَينَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ذَاتَ يَومٍ بَينَ أَظهُرِنَا إِذ أَغفَى إِغفَاءَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ مُتَبَسِّمًا، فَقُلنَا: مَا أَضحَكَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟\nــ\nوقوله لا يذكرون يعني رسول الله - ﷺ - وأبا بكر وعمر، وهذا يدل على اعتنائه وشدة فهمه بها. ولا يذكرون: لا يقرؤونها بحال، وإلى هذا استند مالك في مشهور قوله، وإلى العمل المتصل عندهم بالصلاة وأحوالها (١).\n(٩) ومن باب: حجة من قال البسملة آية من أول كل سورة سوى براءة (٢)\nمن حديث أنس أيضًا:\nقوله أغفى إغفاءة؛ أي: أخذته سِنَةٌ، وهي النوم الذي في العين، وهذه الحالة التي كان يُوحَى إليه - ﷺ - فيها غالبًا.\n_________\n(١) المراد: عمل أهل المدينة.\n(٢) هذا العنوان لم يرد في الأصول ولا في التلخيص، وأثبتناه من صحيح مسلم.","vol":"2","page":32},{"text":"قَالَ: أُنزِلَت عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ، فَقَرَأَ: بِسم اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَعطَينَاكَ الكَوثَرَ﴾، ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانحَر﴾، ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبتَرُ﴾ ثُمَّ قَالَ: أَتَدرُونَ مَا الكَوثَرُ؟ فَقُلنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ. قَالَ: فَإِنَّهُ نَهرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي ﷿، عَلَيهِ خَيرٌ كَثِيرٌ، هُوَ حَوضٌ تَرِدُ عَلَيهِ أُمَّتِي يَومَ القِيَامَةِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ، فَيُختَلَجُ العَبدُ مِنهُم، فَأَقُولُ: رَبِّ إِنَّهُ مِن أُمَّتِي! فَيَقُولُ: مَا تَدرِي مَا أَحدَثَت بَعدَكَ.\nزَادَ فِي رِوَايَةٍ: بَينَ أَظهُرِنَا فِي المَسجِدِ. وَفِيها: مَا أَحدَثَ بَعدَكَ.\nرواه البخاري (٤٩٩٤) ومسلم (٤٠٠) (٥٣)، وأبو داود (٤٧٤٧ و٤٧٤٨)، والترمذي (٣٣٥٧)، والنسائي (١/ ١٣٣ - ١٣٤).\n* * *\nــ\nوقوله آنفًا أي الساعة.\nوقوله الكوثر جاء تفسيره هنا: نهر في الجنة، وفي غير هذا الحديث: هو الخير الكثير (١)، قال: وذلك النهر منه.\nوقوله يختلج العبد منهم؛ أي يستخرج وينتزع.\n* * *\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٩٦٦) من حديث ابن عباس موقوفًا عليه.","vol":"2","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>(١٠) باب التَّشَهُّد في الصلاة</span>\n[٣١٧]- عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ قَالَ: كُنَّا نَقُولُ فِي الصَّلاةِ خَلفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ: السَّلامُ عَلَى اللهِ، السَّلامُ عَلَى فُلانٍ! فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ذَاتَ يَومٍ: إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلامُ، فَإِذَا قَعَدَ أَحَدُكُم فِي الصَّلاةِ فَليَقُلِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَلَيكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحمَةُ اللهِ\nــ\n(١٠) ومن باب: التشهد في الصلاة\nاختار جمهور الفقهاء وأصحاب الحديث تشهد ابن مسعود (١)، واختار الشافعي تشهد ابن عباس الآتي، واختار مالك تشهد عمر بن الخطاب لكونه علَّمه الناس على منبر رسول الله - ﷺ - بحضرة الصحابة والناس ولم يُنكَر ذلك فصار إجماعًا منهم على أصل مالك في هذا الباب.\nوقوله ﵊ إن الله هو السلام، والسلام من أسمائه تعالى الحسنى، وهو السالم من النقائص وسِمَاتِ الحَدَث. وقيل: المسلِّم عباده. وقيل: المسلِّم عليهم في الجنة، كما قال: ﴿سَلامٌ عَلَيكُم طِبتُم﴾ وقيل: معناه في قوله السلام عليك أيها النبي، وفي سلام الصلاة السلامة والنجاة، فيكون مصدرًا كاللذاذ واللذاذة، كما قال تعالى: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أَصحَابِ اليَمِينِ﴾ وقيل: السلام عليك؛ أي الانقياد لك والتسليم لك، قال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿تَسلِيمًا﴾ وقد سبق القول في التحيات والطيبات وأنها الأقوال الصالحة كالأذكار والدعوات وما شاكل ذلك، كما قال تعالى: ﴿إِلَيهِ يَصعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾\nوقوله لله في هذا الموضع تنبيه على الإخلاص في العبادات؛ أي:\n_________\n(١) في (م) و(ل): هذا التشهد.","vol":"2","page":34},{"text":"وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَينَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، فَإِذَا قَالَهَا أَصَابَت كُلَّ عَبدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرضِ، أَشهَدُ أَن لا إِلهَ إِلا اللهُ وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ المَسأَلَةِ مَا شَاءَ.\nوَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - التَّشَهُّدَ كَفِّي بَينَ كَفَّيهِ كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنَ القُرآنِ. وَذَكَرَ مِثلَهُ.\nــ\nذلك كله من الصلوات والأعمال لا تفعل إلا لله تعالى، ويجوز أن يراد به الاعتراف بأن مَلكَ ذلك كله لله تعالى.\nوقوله على عباد الله الصالحين فيه دليل على أن جمع التكثير للعموم وعلى صحة القول بالعموم من غير توقف ولا تأخير، وقد نبّه النبي - ﷺ - على ذلك حيث قال: أصابت كل عبد صالح - فأدخل فيه الكُلَّ حتى الملائكة.\nوقوله ثم ليتخيّر بعدُ من المسألة ما شاء حجة للجمهور على أبي حنيفة حيث يقول: لا تدعو في الصلاة إلا بما جاء في القرآن، وحجة على الشافعي حيث أوجب الصلاة على النبي - ﷺ - في كل صلاة بعد التشهد الأخير. والصحيح عند الجمهور أن الصلاة على النبي - ﷺ - واجبة في الجملة، مندوب إليها في الصلاة وغيرها، متأكِّدة النَّدبِيَّة في الصلاة، حتى إن بعض أصحابنا يطلقون عليها أنها سنة لقوله - ﵊ - للرجل الذي علمه الصلاة: فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، ولم يذكر فيه الصلاة على النبي - ﷺ - على ما تقدم.\nواختلف العلماء في حكم التشهدين؛ فهما غير واجبين عند مالك والجمهور بل مندوبان، وذهب فقهاء أصحاب الحديث إلى وجوبهما، وذهب الشافعي إلى وجوبه في الآخرة، وروي عن مالك مثله، والصحيح الأول على الطريقة المتقدمة منه.\nوسُمي التشهد تشهدًا لأنه مأخوذ من لفظ الشهادتين بالوحدانية لله وبالرسالة لرسوله ﷺ.","vol":"2","page":35},{"text":"رواه أحمد (١/ ٤١٣)، والبخاري (٦٣٢٨)، ومسلم (٤٠٢) (٥٥ و٥٩)، وأبو داود (٩٦٨ و٩٦٩)، والترمذي (٢٨٩)، والنسائي (٢/ ٢٣٧).\n[٣١٨]- وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ القُرآنِ، فَكَانَ يَقُولُ: التَّحِيَّاتُ المُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، السَّلامُ عَلَيكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَينَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشهَدُ أَن لا إِلهَ إِلا اللهُ وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ.\nرواه أحمد (١/ ٢٩٢)، ومسلم (٤٠٣)، وأبو داود (٩٧٤)، والترمذي (٢٩٠)، والنسائي (٢/ ٢٤٢ و٢٤٣).\n[٣١٩]- وَعَن حِطَّانَ بنِ عَبدِ اللهِ الرَّقَاشِيِّ قَالَ: صَلَّيتُ مَعَ أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ صَلاةً، فَلَمَّا كَانَ عِندَ القَعدَةِ قَالَ رَجُلٌ مِنَ القَومِ: أُقِرَّتِ الصَّلاةُ بِالبِرِّ وَالزَّكَاةِ؟ فَلَمَّا قَضَى أَبُو مُوسَى الصَّلاةَ وَسَلَّمَ انصَرَفَ، فَقَالَ: أَيُّكُمُ القَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: فَأَرَمَّ القَومُ. ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمُ القَائِلُ كَلِمَةَ\nــ\nوقوله في حديث حطَّان أقِرَّت الصلاة بالبر والزكاة؛ أي قُرِنَت، والباء بمعنى مع؛ أي: قُرِنَت مع البر والزكاة فصارت معهما مستوية في أحكامهما وتأكيدهما. ويحتمل أن يراد بالبر هنا المبَّرة، وبالزكاة الطهارة، ويكون المعنى أن من داوم على الصلاة بَرّ وتطهر من الآثام، والله أعلم.\nوقوله فأرَمَّ القوم بفتح الراء وتشديد الميم، وهو المعروف، ويروى فَأزَمَ القوم بالزاي المنقوطة، ومعناهما واحد وهو السكوت؛ أي: لم ينطقوا بشيء ولا حرَّكوا مَرَمّاتهم وهي شفاههم، والشفةُ: هي المِرَمَّة والمِقمَّة، وبالزاي من الزَّمّ؛ أي: لم يفتحها بكلمة.","vol":"2","page":36},{"text":"كذا وكذا؟ فأرم القوم. فَقَالَ: لَعَلَّكَ يَا حِطَّانُ قُلتَهَا؟ قَالَ: مَا قُلتُهَا، وَلَقَد رَهِبتُ أَن تَبكَعَنِي بِهَا. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَومِ: أَنَا قُلتُهَا، وَلَم أُرِد بِهَا إِلا الخَيرَ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: أمَا تَعلَمُونَ كَيفَ تَقُولُونَ فِي صَلاتِكُم! إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - خَطَبَنَا فَبَيَّنَ لَنَا سُنَّتَنَا وَعَلَّمَنَا صَلاتَنَا، فَقَالَ: إِذَا صَلَّيتُم فَأَقِيمُوا صُفُوفَكُم، ثُمَّ ليَؤُمَّكُم أَحَدُكُم، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذا قَالَ ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِم وَلا الضَّالِّينَ﴾ فَقُولُوا آمِينَ يُجِبكُمُ اللهُ، فَإِذَا كَبَّرَ وَرَكَعَ فَكَبِّرُوا وَاركَعُوا، فَإِنَّ الإِمَامَ يَركَعُ قَبلَكُم وَيَرفَعُ قَبلَكُم. فَقَالَ\nــ\nوقوله لقد رهبت أن تَبكَعَني بها، قال: معناه خفتُ أن تستقبلني بها، يقال بَكَعت الرجل بَكعًا إذا استقبلته بما يكره، وهو نحو التبكيت. ورهبت: خفت. والرهب: الخوف.\nوقوله أما تعلمون كيف تقولون! ظاهره النفي، ويحتمل الاستفتاح، وحُذِفَت الهمزة تخفيفًا كما تحذف مع الاستفهام.\nوقوله فأقيموا صفوفكم أَمرٌ بإقامة الصفوف، وهو من سنن الصلاة بلا خلاف؛ لقوله - ﷺ - في الحديث الآخر: فإن تسوية الصف من تمام الصلاة (١).\nوقوله فإذا كبر فكبروا يقتضي أن تكبير المأموم لا يكون إلا بعد تكبير الإمام؛ لأنه جاء بفاء التعقيب، وهذا مذهب كافة العلماء. ولا خلاف أن المأموم لا يسبقه بالتكبير والسلام إلا عند الشافعي ومن لا يرى ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام، والحديث حجة عليهم. واختلفوا إذا ساواه في التكبير أو السلام؛ فلأصحابنا فيه قولان: الإجزاء وعدمه. واتفقوا على أنه لا يجوز أن يسابقه بكل أفعاله وسائر أقواله ولا يقارنه فيها، وأن السنة اتباعه فيها.\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٢٣)، ومسلم (٤٣٣ و٤٣٤)، وأبو داود (٦٦٧ - ٦٧١)، والنسائي (٢/ ٩١) من حديث أنس بن مالك ﵁.","vol":"2","page":37},{"text":"رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَتِلكَ بِتِلكَ، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَن حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمدُ - يَسمَعُ اللهُ لَكُم، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ: سَمِعَ اللهُ لِمَن حَمِدَهُ. وَإِذَا كَبَّرَ وَسَجَدَ فَكَبِّرُوا وَاسجُدُوا، فَإِنَّ الإِمَامَ يَسجُدُ قَبلَكُم وَيَرفَعُ قَبلَكُم. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَتِلكَ بِتِلكَ. وَإِذَا\nــ\nوقوله فتلك بتلك، هذا إشارة إلى أن حق الإمام السبق، فإذا فرغ تلاه المأموم معقبًا. والباء في تلك للإلصاق والتعقيب، وقد قيل: ليس عليه أن ينتظره حتى يفرغ، بل يكفي شروع الإمام في أول الفعل، والصحيح الأول للحديث. وقد روي عن مالك قول ثالث أنه فرّق فقال: يجوز مُشاركةُ المأموم الإمام إلا في القيام من الركعتين، فلا يقوم حتى يستوي الإمام قائمًا ويكبر. وعلى القول الآخر: له أن يقوم بقيامه. وقيل في تلك بتلك أن معناه أن الحالة من صلاتكم وأعمالكم إنما تصح بتلك الحالة من اقتدائكم به.\nوقوله يسمع الله لكم؛ أي يستجيب.\nوقول النبي ﷺ سمع الله لمن حمده خبر عن الله تعالى باستجابة من حَمِدَه ودعاه، ويجوز أن يراد به الدعاء، فيكون معناه: اللهم استجب، كما نقول: صلى الله على محمد.\nوقوله ربنا ولك الحمد اختلفت روايات الحديث في إثبات الواو وحذفها، واختلف اختيار العلماء فيها؛ فمرة اختار مالك إثبات الواو لأن قوله ربنا إجابةُ قوله سمع الله لمن حمده؛ أي: ربَّنا استجب دعاءَنا واسمع حمدَنا، ولك الحمد على هذا. وأيضًا فإن الواو زيادة حرف، ولكل حرف حَظٌّ من الثواب. واختار مرّة حذف الواو إذ الحمد هو المقصود، قال الشيخ ﵀: والظاهر أن الموجب للاختلاف في الاختيار الاختلاف في ترجيح الآثار.","vol":"2","page":38},{"text":"كَانَ عِندَ القَعدَةِ فَليَكُن مِن أَوَّلِ قَولِ أَحَدِكُمُ: التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، السَّلامُ عَلَيكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَينَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشهَدُ أَن لا إِلهَ إِلا اللهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: وَإِذَا قَرَأَ فَأَنصِتُوا.\nرواه أحمد (٤/ ٣٩٩)، ومسلم (٤٠٤) (٦٢ و٦٣)، وأبو داود (٩٧٢ و٩٧٣)، والنسائي (٢/ ٩٦ - ٩٧).\n* * *\nــ\nوقوله وإذا قرأ فأنصتوا حجة لمالك ومن قال بقوله: إن المأموم لا يقرأ مع الإمام إذا جهر. قال الدارقطني: هذه اللفظة لم يتابع سليمان التَّيمي فيها عن قتادة، وخالفه الحُفَّاظ. قال: وإجماعهم على مخالفته يدل على وهمه. قال الشيخ ﵀: وقد أشار مسلم في كتابه إلى تصحيح هذه الزيادة، وهي ثابتة في الأصل في رواية الجُلودي عن إبراهيم بن سفيان.\nوقد تقدم في أوَّل كتابنا قول إبراهيم بن سفيان لمسلم: لِمَ لَم تخرج في كتابك وإذا قرأ فأنصتوا؟ أليست بصحيحة؟ فقال: ليس كل الصحيح خرَّجت هنا، وإنما خرَّجت ما أجمعوا عليه! فهذا تصريح بصحتها، إلا أنها ليست عنده مما أجمعوا على صحته.\nوقوله وإذا قال: ولا الضالين - فقولوا: آمين؛ يجبكم الله، آمين: اسم من أسماء الأفعال، ومعناها هنا: اللهم استجب، وهي مبنيَّة على السكون، وفيها لغتان: المدّ، والقصر.\n* * *","vol":"2","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>(١١) باب الصلاة على النبي ﷺ</span>\n[٣٢٠]- عَن أَبِي مَسعُودٍ الأَنصَارِيِّ قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَنَحنُ فِي مَجلِسِ سَعدِ بنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بنُ سَعدٍ: أَمَرَنَا اللهُ تعالى أَنَّ نُصَلِّيَ عَلَيكَ يَا رَسُولَ اللهِ! فَكَيفَ نُصَلِّي عَلَيكَ؟ قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى تَمَنَّينَا أَنَّهُ لَم يَسأَلهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: قُولُوا: اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيتَ عَلَى آلِ إِبرَاهِيمَ،\nــ\n(١١) ومن باب: الصلاة على النبي ﷺ\nقوله أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله! فكيف نصلي عليك؟، هذا سؤال من أشكل عليه كيفية ما فُهم جملته، وذلك أنه عرف الصلاة وتحققها من لسانه إلا أنه لم يعرف كيفيتها، فأجيب بذلك. وفي قوله أمرنا دليل على أن المندوب يدخل تحت الأمر، وقد تقدم اشتقاق الصلاة، وهي مِنَّا دعاء ومن الله تعالى رحمة ومن الملائكة ثناء، وقد قيل: إن صلاة الله على نبيه هي ثناؤه عليه عند ملائكته.\nوقوله اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، اختلف في آله من هم؟ فقيل أتباعه، وقيل أمَّته، وقيل آل بيته، وقيل أتباعه من رهطه وعشيرته، وقيل آل الرجل نفسه؛ ولهذا كان الحسن يقول: اللهم صل على آل محمد. واختلف النحويون: هل يضاف الآل إلى المُضمَر أم لا يضاف إلا إلى الظاهر؟ فذهب النَّحَّاس والزبيدي والكسائي إلى أنه لا يقال إلا: اللهم صلّ على محمد وآل محمد، ولا يقال: وآله. قالوا: والصواب وأهله. وذهبت طائفة أخرى إلى أن ذلك يقال - منهم ابن السَّيِّد، وهو الصواب؛ لأن السماع الصحيح يعضده، فإنه قد جاء في قول عبد المطلب:","vol":"2","page":40},{"text":"وَبَارِك عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكتَ عَلَى آلِ إِبرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ،\nــ\nلاهم إن العبد يمـ ... نع رحله فامنع حِلالك\nوانصر على آل الصليـ ... ـب وعابديه اليوم آلك (١)\nوقال قدامة:\nأنا الفارس الحامي حقيقة والدي ... وآلي كما تحمي حقيقة آلكا (٢)\nوغير ذلك من كلام العرب، وهو كثير.\nوقوله وبارك من البركة، وهي هنا الزيادة من الخير والكرامة، وأصلها من البروك وهو الثبوت على الشيء، ومنه: بركت الإبل. ويجوز أن تكون البركة هنا بمعنى التطهير والتزكية؛ كما قال تعالى: ﴿رَحمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيكُم أَهلَ البَيتِ﴾ ثم اختلف أرباب المعاني في فائدة قوله كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم على تأويلات كثيرة، أظهرها: أن النبي - ﷺ - سأل ذلك لنفسه وأهل بيته لتتمَّ النعمة عليهم والبركة، كما أتَمَّها على إبراهيم وآله. وقيل: بل سأل ذلك لأُمَّته ليثابوا على ذلك، وقيل: ليبقى له ذلك دائمًا إلى يوم الدين، ويجعل له به لسان صدق في الآخِرين؛ كما جعله لإبراهيم. وقيل: كان ذلك قبل أن يعرف - ﵊ - بأنه أفضل ولد آدم. وقيل: بل سأل أن يصلي عليه صلاةً يتخذه بها خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا (٣)، وقد أجابه الله واتّخذه خليلا؛ كما جاء في الصحيح: لو كنت متخذًا خليلا لاتخذت أبا بكر\n_________\n(١) انظر: سيرة ابن هشام (١/ ٥١).\n(٢) انظر: جلاء الأفهام لابن القيم ص (١٦١).\n(٣) من (ل).","vol":"2","page":41},{"text":"وَالسَّلامُ كَمَا قَد عَلِمتُم.\nــ\nخليلا، ولكن صاحبكم خليل الرحمن (١). وقد جاء أنه حبيب الرحمن - ذكره الترمذي (٢)، فهو الخليل وهو الحبيب. وقد اختلف العلماء أيّهما أشرف؟ أَو هما سواء؟ واختلف هل يُدعى للنبي - ﷺ - بغير الصلاة والسلام، فيقال مثلا: اللهم ارحم محمدًا أو اغفر لمحمد؟ أَو لا يقال ذلك؟ فذهب أبو عمر بن عبد البر إلى منع ذلك. وأجاز ذلك أبو محمد بن أبي زيد، والصحيح جوازه، فقد جاء ذلك في أحاديث كثيرة. واختُلف: هل يُصلَّى على غير الأنبياء، فيقال: اللهم صلّ على فلان؟ فكره ذلك مالك؛ لأنه لم يكن مِن عمل مَن مضى، بل ذُكر عن مالك رواية شاذّة أنه لا يُصَلَّى على أحدٍ من الأنبياء سوى محمد ﷺ، وهي مُتَأَوَّلة عليه بأنا لم نُتَعبد بالصلاة على غيره من الأنبياء. وذهبت طائفة إلى جواز ذلك على المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيكُم﴾ وقوله ﵊: اللهم صلّ على آل أبي أَوفَى (٣). وانفصل الفريق الآخر بأن هذا صدر من الله ورسوله، ولهما أن يقولا ما أرادا بخلاف غيرهما الذي هو محكوم عليه. والذي أراه ما صار إليه مالك؛ لقوله تعالى: ﴿لا تَجعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَينَكُم كَدُعَاءِ بَعضِكُم بَعضًا﴾ وينضاف إلى ذلك أن أهل البدع قد اتخذوا ذلك شعارًا في الدعاء لأئمتهم وأمرائهم، ولا يجوز التشبّه بأهل البدع، والله تعالى أعلم.\nوقوله والسلام كما قد علمتم رويناه مبنيًا للفاعل وللمفعول، فالفاعل: هم العالمون، وللمفعول هم المُعَلَّمون من جهته - ﷺ - بالتشهد وغيره، ويعني بذلك: قوله في التشهد السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٣٧٧، ٤٣٣)، ومسلم (٢٣٨٣)، والترمذي (٣٦٥٦)، وابن ماجه (٩٣) من حديث ابن مسعود ﵁.\n(٢) رواه الترمذي (٣٦١٦) بلفظ: \"أَلَا وأنا حبيب الله\" من حديث ابن عباس ﵁.\n(٣) رواه أحمد (٤/ ٣٥٣ و٣٥٤)، والبخاري (١٤٩٧)، ومسلم (١٠٧٨)، وأبو داود (١٥٩٠)، والنسائي (٥/ ٣١)، وابن ماجه (١٧٩٦) من حديث عبد الله بن أبي أوفى.","vol":"2","page":42},{"text":"رواه أحمد (٤/ ٤١٨) و(٥/ ٢٧٤)، ومسلم (٤٠٥) (٦٥)، وأبو داود (٩٨٠ - ٩٨١)، والترمذي (٣٢١٨)، والنسائي (٣/ ٤٥ - ٤٦).\n[٣٢١]- وَعَن ابنَ أَبِي لَيلَى قَالَ: لَقِيَنِي كَعبُ بنُ عُجرَةَ، قَالَ: أَلا أُهدِي لَكَ هَدِيَّةً؟ خَرَجَ عَلَينَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقُلنَا: قَد عَرَفنَا كَيفَ نُسَلِّمُ عَلَيكَ، فَكَيفَ نُصَلِّي عَلَيكَ؟ قَالَ: قُولُوا: اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيتَ عَلَى آلِ إِبرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللهُمَّ بَارِك عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكتَ عَلَى آلِ إِبرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.\nرواه أحمد (٤/ ٢٤١ و٢٤٤)، والبخاري (٣٣٧٠)، ومسلم (٤٠٦) (٦٦)، وأبو داود (٩٧٦)، والترمذي (٤٨٣)، والنسائي (٣/ ٤٧)، وابن ماجه (٩٠٤).\n[٣٢٢]- وَعَن أَبِي حُمَيدٍ السَّاعِدِيُّ أَنَّهُم قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيفَ نُصَلِّي عَلَيكَ؟ قَالَ: قُولُوا: اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيتَ عَلَى آلِ إِبرَاهِيمَ، وَبَارِك عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكتَ عَلَى آلِ إِبرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.\nرواه البخاري (٣٣٦٩)، ومسلم (٤٠٧)، وأبو داود (٩٧٩)، والنسائي (٣/ ٤٩)، وابن ماجه (٩٠٥).\n[٣٢٣]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: مَن صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللهُ عَلَيهِ عَشرًا.\nرواه أحمد (٢/ ٣٧٢ و٤٨٥)، ومسلم (٤٠٨)، وأبو داود (١٥٣٠)، والترمذي (٤٨٥)، والنسائي (٣/ ٥٠).\n* * *","vol":"2","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>(١٢) باب التَّحمِيد والتَّأمِين</span>\n[٣٢٤]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: إِذَا قَالَ الإِمَامُ سَمِعَ اللهُ لِمَن حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللهم رَبَّنَا لَكَ الحَمدُ، فَإِنَّهُ مَن وَافَقَ قَولُهُ قَولَ المَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ.\nرواه البخاري (٧٩٦)، ومسلم (٤٠٩)، وأبو داود (٨٤٨)، والترمذي (٢٦٧)، والنسائي (٢/ ١٩٦).\nــ\n(١٢) ومن باب: التحميد والتأمين\nقوله إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد ظاهر هذا الحديث يقتضي أن الإمام لا يقول ربنا ولك الحمد، وهو مشهور مذهب مالك. وذهب الجمهور ومالك في رواية ثانية إلى أن الإمام يقولها، وكذلك الخلاف في التأمين. وقد تمسك الجمهور في التأمين بقوله إذا أمن الإمام فأمِّنوا وما في معنى هذا، وقد اتفقوا على أن الفَذَّ يُؤَمِّن مطلقًا، والإمام والمأموم فيما يُسِرَّان فيه يؤمِّنان سرا، وحيث قلنا: إن الإمام يؤمن، فهل يؤمن سرًّا أو جهرًا؟ فذهب الشافعي وفقهاء الحديث إلى الجهر بها، وذهب مالك والكوفيون إلى الإسرار بها.\nوقوله من وافق قوله قول الملائكة؛ يعني في وقت تأمينهم ومشاركتهم في التأمين، ويَعضُدُه قوله وقالت الملائكة في السماء آمين، وقيل: من وافق الملائكة في الصفة من الإخلاص والخشوع، وهذا بعيد. وقيل: من وافق الملائكة في استجابة الدعاء غفر له. وقيل: في الدعاء؛ أي: في لفظ الدعاء. والوجه الأول","vol":"2","page":44},{"text":"[٣٢٥]- وَعَنهُ، عَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَن وَافَقَ تَأمِينُهُ تَأمِينَ المَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ.\nقَالَ ابنُ شِهَابٍ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: آمِينَ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: إِذَا قَالَ أَحَدُكُم آمِينَ وَالمَلائِكَةُ فِي السَّمَاءِ آمِينَ، فَوَافَقَت إِحدَاهُمَا الأُخرَى غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ.\nوَفِي أُخرَى: إِذَا قَالَ القَارِئُ ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِم وَلا الضَّالِّينَ﴾ فَقَالَ مَن خَلفَهُ: آمِينَ، فَوَافَقَ قَولُهُ قَولَ أَهلِ السَّمَاءِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٥٩)، والبخاري (٦٤٠٢ و٧٨٠)، ومسلم (٤١٠) (٧٢ و٧٥ و٧٦)، وأبو داود (٩٣٤ - ٩٣٦)، والترمذي (٢٥٠)، والنسائي (٢/ ١٤٣ - ١٤٤)، وابن ماجه (٨٥١).\n* * *\nــ\nأظهر، ثم هؤلاء الملائكة؛ هل هم الحَفَظَةُ أو غيرُهم؟ اختُلف فيه، والثاني أولى؛ لقوله قالت الملائكة في السماء: آمين.\nوقوله إذا قال الإمام ولا الضالين، فقولوا: آمين دليل على تعيين قراءة الفاتحة للإمام، وعلى أن المأموم ليس عليه أن يقرأها فيما جهر به إمامه.\n* * *","vol":"2","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>(١٣) باب إنما جُعِلَ الإمام لِيُؤتَمَّ به</span>\n[٣٢٦]- عَن أَنَسِ بنَ مَالِكٍ قَالَ: سَقَطَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَن فَرَسٍ فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيمَنُ، فَدَخَلنَا عَلَيهِ نَعُودُهُ، فَحَضَرَتِ الصَّلاةُ فَصَلَّى بِنَا قَاعِدًا، فَصَلَّينَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ قَالَ: إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسجُدُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارفَعُوا، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللهُ لِمَن حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمدُ، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلَّوا قُعُودًا أَجمَعُونَ.\nرواه أحمد (٣/ ١٦٢)، والبخاري (٣٨٩)، ومسلم (٤١١) (٧٧)، وأبو داود (٦٠٣ و٦٠٤)، والنسائي (٢/ ١٤١ - ١٤٢).\nــ\n(١٣) ومن باب: إنما جُعل الإمامُ ليؤتمّ به\nقوله فجُحِشَ شقُّه الأيمن، الجَحش الخدش، وقيل فوقه، والشِّقّ: الجانب.\nوقوله فصلى جالسًا، وصلينا وراءه جلوسًا، وفي الحديث الآخر إنهم صلوا قيامًا، فأشار إليهم أن اجلسوا؛ وجه الجمع أنه كان منهم من صلى جالسًا فأَخبَرَ عنه أنس، وكان فيهم من صلى قائمًا فأخبرت عنه عائشة. واختُلف: هل كان في صلاة الفرض أو النفل؟ والظاهر أنه كان في صلاة الفرض؛ لقوله فحضرت الصلاة، وهي للعهد ظاهرًا، ولِمَا تقرر من عادتهم أنهم ما كانوا يجتمعون للنوافل، وقد أشار ابن القاسم إلى أن ذلك كان في النافلة.\nثم اختلف العلماء في الاقتداء بالإمام الجالس على ثلاثة أقوال؛","vol":"2","page":46},{"text":"[٣٢٧]- وَعَن عَائِشَةَ نَحوَهُ، إلا أنَّ فِيهِ: إنَهَم صَلَّوا بِصَلاتِهِ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيهِم أَنِ اجلِسُوا فَجَلَسُوا، فَلَمَّا انصَرَفَ قَالَ: إِنَّمَا. . . وَذَكَرَهُ.\nرواه أحمد (٦/ ٥١/ ١٤٨)، والبخاري (٦٨٨)، ومسلم (٤١٢) (٨٢)، وأبو داود (٦٠٥)، وابن ماجه (١٢٣٧).\n[٣٢٨]- وَعَن جَابِرٍ قَالَ: اشتَكَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَصَلَّينَا وَرَاءَهُ وَهُوَ قَاعِدٌ، وَأَبُو بَكرٍ يُسمِعُ النَّاسَ تَكبِيرَهُ، قَالَ: فَالتَفَتَ إِلَينَا فَرَآنَا قِيَامًا، فَأَشَارَ\nــ\nأولها: قول أحمد بن حنبل ومن تابعه، وهو أنه يجوز صلاة الصحيح جالسًا خلف المريض جالسًا متمسكًا بهذا الحديث.\nوثانيها: قول الشافعي وأبي حنيفة وأبي يوسف وزُفر والأوزاعي وأبي ثور وداود؛ وهو أنه يجوز أن يقتدي القائم بالقاعد في الفريضة وغيرها، وقد رواها الوليد بن مسلم عن مالك متمسكين بحديث عائشة الآتي، وبأن النبي - ﷺ - كان الإمام، وأن حديث أنس متقدِّم، وهو منسوخ بصلاة النبي - ﷺ - في مرضه الذي توفي فيه، وبأن كل واحدٍ عليه أن يصلي كما يقدر عليه.\nوثالثها: قول مالك في المشهور عنه وعن أصحابه أنه لا يجوز أن يؤمّ أحد جالسًا - وإن كان مريضًا - بقومٍ أصحّاء قيام ولا قعود، وإليه ذهب محمد بن الحسن، متمسِّكين بقول النبي ﷺ: لا يؤمَّن أحد بعدي قاعدًا (١). وهذا الحديث ذكره الدارقطني من حديث جابر بن يزيد الجُعفي وهو متروك، عن الشَّعبي أن رسول الله - ﷺ - قال ذلك، وهو مرسل، وقد رواه مُجَاِلد عن الشَّعبي، ومجالد ضعيف. وفي حديث أنس دليل لمالك وعامة الفقهاء على ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام، وترك مخالفته له في نيّة أو غيرها، وسيأتي.\n_________\n(١) رواه الدارقطني (١/ ٣٩٨).","vol":"2","page":47},{"text":"إِلَينَا فَقَعَدنَا، فَصَلَّينَا بِصَلاتِهِ قُعُودًا، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: إِن كِدتُم آنِفًا تَفعَلُونَ فِعلَ فَارِسَ وَالرُّومِ؛ يَقُومُونَ عَلَى مُلُوكِهِم وَهُم قُعُودٌ! فَلا تَفعَلُوا، ائتَمُّوا بِأَئِمَّتِكُم؛ إِن صَلَّى قَائِمًا فَصَلَّوا قِيَامًا، وَإِن صَلَّى قَاعِدًا فَصَلَّوا قُعُودًا.\nرواه أحمد (٣/ ٣٣٤)، ومسلم (٤١٣)، وأبو داود (٦٠٢)، والنسائي (٣/ ٩).\n[٣٢٩]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُعَلِّمُنَا، يَقُولُ: لا تُبَادِرُوا الإِمَامَ؛ إِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَالَ ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ فَقُولُوا آمِينَ، وَإِذَا رَكَعَ فَاركَعُوا، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللهُ لِمَن حَمِدَهُ فَقُولُوا اللهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمدُ.\nوَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: وَلا تَرفَعُوا قَبلَهُ.\nرواه مسلم (٤١٥).\n* * *\nــ\nوقوله إن كدتم آنفًا تفعلون فعل فارس والروم؛ يقومون على ملوكهم وهم قعود، تنبيهٌ على أن تعليل مَنعِ القيامِ لما يؤدي إليه من التشبُّه بأفعال المتكبِّرين، فمنع على هذا التعليل أن يقوم الرجال أو المماليك على رؤوس الملوك أو الأمراء أو الرؤساء أو العلماء لما يؤدي إليه.\n* * *","vol":"2","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>(١٤) باب استخلاف الإمام إذا مرض، وجواز ائتمام القائم بالقاعد</span>\n[٣٣٠]- عَن عَائِشَةِ قَالَت: ثَقُلَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: أَصَلَّى النَّاسُ؟ قُلنَا: لا، وَهُم يَنتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخضَبِ. فَفَعَلنَا، فَاغتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ، فَأُغمِيَ عَلَيهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، قَالَ: أَصَلَّى النَّاسُ؟ قُلنَا: لا، وَهُم يَنتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخضَبِ. فَفَعَلنَا، فَاغتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ، فَأُغمِيَ عَلَيهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، قَالَ: أَصَلَّى النَّاسُ؟ قُلنَا: لا، وَهُم يَنتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ! فَقَالَ: ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخضَبِ. فَفَعَلنَا، فَاغتَسَلَ ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغمِيَ عَلَيهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: أَصَلَّى النَّاسُ؟ فَقُلنَا: لا، وَهُم يَنتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَت: وَالنَّاسُ عُكُوفٌ فِي المَسجِدِ يَنتَظِرُونَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لِصَلاةِ العِشَاءِ الآخِرَةِ. قَالَت: فَأَرسَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى أَبِي بَكرٍ أَن يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَأَتَاهُ الرَّسُولُ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَأمُرُكَ أَن تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ! فَقَالَ أَبُو بَكرٍ وَكَانَ رَجُلا رَقِيقًا:\nــ\n(١٤) ومن باب: استخلاف الإمام\nالمِخضَب: مثل الإجَّانة والمِركَن (١)، وهي القصريَّة. ولِيَنُوء: ليقوم وينهض. وعُكُوفٌ: ملتزمون المسجد مجتمعون.\nواستدعاء الماء بعد الإغماء يدل على أن الإغماء ينقض الطهارة كما هو متفق عليه، وهذا على أن يكون الغسل هنا يراد به الوضوء، والله أعلم.\nوقوله وكان أبو بكر رجلا رقيقًا؛ أي رقيق القلب كثير الخشية\n_________\n(١) الإجّانة\": وعاء تُغسل فيه الثياب، ومثله: المركن.","vol":"2","page":49},{"text":"يَا عُمَرُ، صَلِّ بِالنَّاسِ! قَالَ: فَقَالَ أَنتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ! قَالَت: فَصَلَّى بِهِم أَبُو بَكرٍ تِلكَ الأَيَّامَ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَجَدَ مِن نَفسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ بَينَ رَجُلَينِ - أَحَدُهُمَا العَبَّاسُ - لِصَلاةِ الظُّهرِ، وَأَبُو بَكرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكرٍ ذَهَبَ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَومَأَ إِلَيهِ النَّبِيُّ - ﷺ - أَن لا يَتَأَخَّرَ، وَقَالَ لَهُمَا: أَجلِسَانِي إِلَى جَنبِهِ - فَأَجلَسَاهُ إِلَى جَنبِ أَبِي بَكرٍ، وكَانَ أَبُو بَكرٍ يُصَلِّي وَهُوَ قَائِمٌ بِصَلاةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَالنَّاسُ يصلون بِصَلاةِ أَبِي بَكرٍ، وَالنَّبِيُّ - ﷺ - قَاعِدٌ.\nقَالَ ابنِ عَبَّاسٍ: الرَّجُلَ الَّذِي لَم تُسمِهِ هُوَ عَلِيٌّ ﵁.\nوَفِي رِوَايَةٍ قَالَت: أَوَّلُ مَا اشتَكَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي بَيتِ مَيمُونَةَ، فَاستَأذَنَ أَزوَاجَهُ أَن يُمَرَّضَ فِي بَيتِهَا - يَعني بَيت عَائشَة - فَأَذِنَّ لَهُ. قَالَت: فَخَرَجَ وَيَدٌ لَهُ عَلَى الفَضلِ بنِ العَبَّاسٍ وَيَدٌ لَهُ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ، وَهُوَ يَخُطُّ بِرِجلَيهِ فِي الأَرضِ.\nوعنها قالت: لما ثقل رسول الله ﷺ جاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس! قالت: فقلت: يا رسول الله، إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر! قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس! فقلت لحفصة: قولي إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر! فقالت له، فقال\nــ\nسريع الدَّمعة، وهو الأَسِيف أيضًا في الحديث الآخر؛ فإن الأسف الحزن، وحالة الحزين غالبًا الرِّقَّة، والأَسيف في غير هذا: العبد، والأَسِيف أيضًا: الغضبان.\nوقول أبي بكر لعمر صلّ بالناس بعد أن أمره النبي - ﷺ - بالصلاة دليل على أن للمًستَخلَف أن يَستَخلِف.","vol":"2","page":50},{"text":"رسول الله ﷺ: إنكن لأنتن صواحب يوسف! مروا أبا بكر فليصل بالناس. قالت: فأمروا أبا بكر فصلى بالناس. قالت: فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله ﷺ من نفسه خفة، قالت: فقام يهادى بين رجلين، ورجلاه\nــ\nوقوله يُهادى بين رجلين، التَّهَادِي: هو المشي الثقيل مع التمايل يمينًا وشمالا.\nواختلف العلماء فيمن كان الإمام؛ هل النبي - ﷺ - أو أبو بكر؟ وسببه اختلاف الأحاديث المرويَّة في ذلك؛ ففي حديث عائشة ما ينص على أن النبي - ﷺ - كان الإمام وأن أبا بكر كان يقتدي بصلاة رسول الله ﷺ ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر. وروى الترمذي عن جابر أن آخر صلاة صلاها رسول الله - ﷺ - في ثوب واحد مُتَوشِّحًا به خلف أبي بكر (١)، وصححه. وكذلك اختلفت الروايات؛ هل قعد النبي - ﷺ - عن يسار أبي بكر أو عن يمينه؟ وليس في الصحيح ذكر لأحدهما، وقد ذهب بعض المتأخرين إلى الجمع بين الحديثين بأن ذلك كان في صلاتين كان النبي - ﷺ - إمامًا في إحداهما مأمومًا في الأخرى، وهو محتمل لو كان هناك نقل يعضُده. وحديث سهل بن سعد حُجَّة في الاستخلاف وجوازه، وهو أصل في الباب، وهو دليل على داود والشافعي في منعه الاستخلاف، وعلى أن الصلاة تصح بإمامين بغير عذر، وأجازها الطبري والبخاري وبعض الشافعية استدلالا بهذا الحديث.\nواستئذانه - ﷺ - نساءَه أن يُمَرَّضَ في بيت عائشة تطييب لنفوسهن، واختلف في الزوج المريض إذا لم يقدر على الدوران على نسائه؛ هل اختصاصه بكونه عند واحدة منهن راجع إلى اختياره أو هو حق لهن فيقرع بينهن في ذلك؟ فيه خلاف.\nوقوله إنكن لأنتن صواحب (٢) يوسف؛ يعني في تردادهن وتظاهرهن\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٦٣) من حديث أنس. وحديث جابر رواه مسلم (٥١٨).\n(٢) كذا في صحيح مسلم وفي التلخيص. وفي (ل): صواحبات.","vol":"2","page":51},{"text":"تخطان في الأرض. قالت: فلما دخل المسجد سمع أبو بكر حسه ذهب يتأخر، فأومأ إليه رسول الله ﷺ أقم مكانك، فجاء رسول الله ﷺ حتى جلس عن يسار أبي بكر، قالت: فكان رسول الله ﷺ يصلي بالناس جالسا وأبو بكر قائما، يقتدي أبو بكر بصلاة النبي ﷺ، ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر.\nوفي رواية قالت: فقلت يا رسول الله، إن أبا بكر رجل رقيق؛ إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه، فلو أمرت غير أبي بكر! قالت: والله ما بي إلا كراهية أن يتشاءم الناس بأول من يقوم مقام رسول الله ﷺ.\nرواه أحمد (٦/ ٢٥٠)، والبخاري (٦٦٤)، ومسلم (٤١٨) (٩٠ و٩١ و٩٥)، والترمذي (٣٦٧٨)، والنسائي (٢/ ٩٨ - ١٠٠)، وابن ماجه (١٢٣٢).\n* * *\nــ\nبالإغواء والإلحاح حتى يصلن إلى أغراضهن، كتظاهر امرأة العزيز ونسائها على يوسف ليصرفنه عن رأيه في الاستعصام. وصواحبات: جمع صواحب، وهو جمع شاذ (١).\n* * *\n_________\n(١) ما بين حاصرتين جاء في الأصول متاخرًا عن موضعه، في باب: العمل القليل في الصلاة لا يضرّها. وقدّمناه لموضعه المناسب.","vol":"2","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>(١٥) باب العمل القليل في الصلاة لا يضرها</span>\n[٣٣١]- عَن أَنَسٍ بنُ مَالِكٍ أَنَّ أَبَا بَكرٍ كَانَ يُصَلِّي لَهُم فِي وَجَعِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَومُ الاثنَينِ وَهُم صُفُوفٌ فِي الصَّلاةِ كَشَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - سِترَ الحُجرَةِ، فَنَظَرَ إِلَينَا وَهُوَ قَائِمٌ كَأَنَّ وَجهَهُ وَرَقَةُ مُصحَفٍ، ثُمَّ تَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ضَاحِكًا. قَالَ: فَبُهِتنَا وَنَحنُ فِي الصَّلاةِ مِن فَرَحٍ بِخُرُوجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَنَكَصَ أَبُو بَكرٍ عَلَى عَقِبَيهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ، وَظَنَّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - خَارِجٌ لِلصَّلاةِ، فَأَشَارَ إِلَيهِم رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِيَدِهِ أَن أَتِمُّوا صَلاتَكُم. قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَأَرخَى السِّترَ. قَالَ: فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِن يَومِهِ ذَلِكَ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: فَلَمَّا وَضَحَ لَنَا وَجهُ نَبِيِّ اللهِ - ﷺ - مَا نَظَرنَا مَنظَرًا قَطُّ كَانَ أَعجَبَ إِلَينَا مِن وَجهِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - حِينَ وَضَحَ لَنَا.\nــ\n(١٥) ومن باب: العمل القليل في الصلاة لا يضرها\nقوله وكأن وجهه ورقة مصحف، هذه عبارة عما راعهم من جماله وحسن بشرته ومائِيَّة وجهه، كما قال في الحديث الآخر كأن وجهه مُذهَبة (١).\nوقوله فلما وضح لنا وجهه؛ أي: ظهر.\n_________\n(١) رواه مسلم (١٠١٧)، والنسائي (٥/ ٧٦) من حديث جرير ﵁.","vol":"2","page":53},{"text":"رواه أحمد (٣/ ٢١١)، والبخاري (٦٨١)، ومسلم (٤١٩) (٩٨ و١٠٠)، والنسائي (٤/ ٧).\n* * *\nــ\nوقوله فهممنا نَفتَتِنَ في صلاتنا (١)؛ أي نذهل فيها من الفرح بما ظهر من استقلاله (٢) وبروزه لهم، كما قال أبو طلحة: لقد أصابتني في مالي فتنة (٣) - حين شغله النظر عن الصلاة حتى سها فيها.\nوقوله فتبسم رسول الله ﷺ فرحًا بما رآه من اجتماعهم في مغيبه على إمامهم وإقامة شريعتهم، ويحتمل أن يكون ضحك تأنيسًا لهم وحسن عشرة، والله أعلم.\nوقوله ونكص أبو بكر على عقبيه؛ أي تأخر، كما في الحديث الآخر: رجع القهقرى.\n* * *\n_________\n(١) هذه الرواية هي من رواية البخاري (٦٨٠) بلفظ: فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي - ﷺ -.\n(٢) في (ع): استقباله.\n(٣) رواه مالك في الموطأ (١/ ٩٨).","vol":"2","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>(١٦) باب إذا نَابَ الإمامَ شيءٌ فَليُسَبِّح الرجالُ وَليُصَفِّق النساءُ</span>\n[٣٣٢]- عَن سَهلِ بنِ سَعدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمرِو بنِ عَوفٍ لِيُصلِحَ بَينَهُم، فَحَانَتِ الصَّلاةُ، فَجَاءَ المُؤَذِّنُ إِلَى أَبِي بَكرٍ فَقَالَ: أَتُصَلِّي بِالنَّاسِ فَأُقِيمُ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: فَصَلَّى أَبُو بَكرٍ. قَالَ: فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَالنَّاسُ فِي الصَّلاةِ، فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ، فَصَفَّقَ النَّاسُ، وَكَانَ أَبُو بَكرٍ لا يَلتَفِتُ فِي الصَّلاةِ، فَلَمَّا أَكثَرَ النَّاسُ التَّصفِيقَ التَفَتَ فَرَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَأَشَارَ إِلَيهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنِ امكُث مَكَانَكَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكرٍ يَدَيهِ فَحَمِدَ اللهَ - ﷿ - عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِن ذَلِكَ، ثُمَّ استَأخَرَ أَبُو بَكرٍ حَتَّى استَوَى فِي الصَّفِّ، وَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ - ﷺ - فصَلَّى ثُمَّ انصَرَفَ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكرٍ، مَا مَنَعَكَ أَن تَثبُتَ إِذ أَمَرتُكَ؟ قَالَ أَبُو بَكرٍ: مَا كَانَ لابنِ أَبِي قُحَافَةَ أَن يتقدم بَينَ يَدَي رَسُولِ اللهِ ﷺ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَا لِي رَأَيتُكُم أَكثَرتُمُ التَّصفِيقَ؟ مَن نَابَهُ شَيءٌ فِي صَلاتِهِ فَليُسَبِّح، فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ التُفِتَ إِلَيهِ، وَإِنَّمَا التَّصفِيحُ لِلنِّسَاءِ.\nــ\n(١٦) ومن باب: من نابه شيء في الصلاة\nقوله ﵊ إنما التصفيق للنساء، ويروى التصفيح، وهما بمعنى واحد.\nقاله أبو علي البغدادي، وهو أن يضرب بأصبعين من اليد اليمنى في باطن الكف اليسرى وهو صفحها، وصفح كل شيء جانبه. وصفحتا السيف: جانباه. وقيل: التصفيح الضرب بظاهر إحداهما على الأخرى. والتصفيق: الضرب بباطن إحداهما على باطن الأخرى. وقيل: التصفيح بأصبعين للتنبيه، وبالقاف:","vol":"2","page":55},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَخَرَقَ الصُّفُوفَ حَتَّى قَامَ عِندَ الصَّفِّ المُقَدَّمِ، وأَنَّ أَبَا بَكرٍ رَجَعَ القَهقَرَى.\nرواه أحمد (٥/ ٣٣١)، والبخاري (١٢٠٤)، ومسلم (٤٢١) (١٠٢ و١٠٤)، وابن ماجه (١٠٣٥).\n[٣٣٣]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: التَّسبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصفِيقُ لِلنِّسَاءِ - فِي الصَلاةِ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٤١ و٣١٧)، والبخاري (١٢٠٣)، ومسلم (٤٢٢) (١٠٦)، وأبو داود (٩٣٩)، والترمذي (٣٦٩)، والنسائي (٣/ ١١ - ١٢)، وابن ماجه (١٠٣٤).\n* * *\nــ\nبالجميع للهو واللعب. واختلف في حكمه في الصلاة؛ فقيل: لا يجوز أن يفعله في الصلاة لا الرجال ولا النساء، وإنما هو التسبيح للجميع لقوله ﵊: من نابه شيء في صلاته فليسبح، فإنه إذا سبح التفت إليه. وهذا مشهور مذهب مالك وأصحابه. وتأوّلوا أن قوله ﵊ إنما التصفيق للنساء أن ذلك ذمّ للتصفيق، ومعناه أنه من شأن النساء لا الرجال. وقيل: هو جائز للنساء دون الرجال تمسُّكًا بظاهر الحديث، ولحديث أبي هريرة. وهو مذهب الشافعي والأوزاعي، وحُكي عن مالك أيضًا. وعللوا اختصاص النساء بالتصفيق لأن أصواتهن عورة (١)، ولذلك منعن من الأذان ومن الجهر بالإقامة والقراءة، وهو معنى مناسب شهد الشرع له بالاعتبار. وهذا القول الثاني هو الصحيح نظرًا وخبرًا، وفي هذه الأحاديث أبواب كثيرة من الفقه لا تخفى على متأمل فطن.\n_________\n(١) ليس ذلك على الإطلاق، بل إذا كان قولًا معروفًا ولغرض مشروع، فليس بعورة.","vol":"2","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>(١٧) باب الأمر بتحسين الصلاة، والنهي عن مسابقة الإمام</span>\n[٣٣٤]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَومًا ثُمَّ انصَرَفَ، فَقَالَ: يَا فُلانُ، أَلا تُحسِنُ صَلاتَكَ؟ أَلا يَنظُرُ المُصَلِّي إِذَا صَلَّى كَيفَ يُصَلِّي؟ فَإِنَّمَا يُصَلِّي لِنَفسِهِ، إِنِّي وَاللهِ لأبصِرُ مِن وَرَائِي كَمَا أُبصِرُ مِن بَينِ يَدَيَّ.\nرواه مسلم (٤٢٣)، والنسائي (٢/ ١١٩).\n[٣٣٥]- وَعَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: هَل تَرَونَ قِبلَتِي هَا هُنَا؟ فَوَاللهِ مَا يَخفَى عَلَيَّ رُكُوعُكُم وَلا سُجُودُكُم، إِنِّي لأَرَاكُم مِن وَرَاءَ ظَهرِي.\nرواه أحمد (٢/ ٣٦٥)، والبخاري (٤١٨)، ومسلم (٤٢٤).\nــ\n(١٧) ومن باب: الأمر بتحسين الصلاة\nقوله إني لأبصر من ورائي كما أبصر بين يدي، مذهب أهل السنة من الأشعرية وغيرهم أن هذا الإبصار يجوز أن يكون إدراكًا خاصًا بالنبي - ﷺ - محققًا انخرقت له فيه العادة وخلق له وراءه، أو يكون الإدراك العيني انخرقت له العادة (١)، فكان يرى به من غير مقابلة؛ فإن أهل السنة لا يشترطون في الرؤية عقلا بِنيَةً مخصوصة ولا مقابلة ولا قربًا ولا شيئًا مما يشترطه المعتزلة وأهل البدع، وأن تلك الأمور إنما هي شروط عادية يجوز حصول الإدراك مع عدمها، ولذلك حكموا بجواز رؤية الله تعالى في الدار الآخرة مع إحالة تلك الأمور كلها، ولما ذهب أهل البدع إلى أن تلك الشروط عقلية استحال عندهم رؤية الله تعالى فأنكروها وخالفوا قواطع الشريعة التي وردت بإثبات الرؤية، وخالفوا ما أجمع\n_________\n(١) ساقط من (م).","vol":"2","page":57},{"text":"[٣٣٦]- وَعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ أَنَّ نَبِي الله - ﷺ - قَالَ: أَتِمُّوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَوَاللهِ إِنِّي لأَرَاكُم مِن بَعدِ ظَهرِي إِذَا مَا رَكَعتُم وَإِذَا مَا سَجَدتُم.\nرواه أحمد (٣/ ١٧٠ و٢٧٩)، والبخاري (٧٤٢)، ومسلم (٤٢٥) (١١١)، والنسائي (٢/ ١٩٣ - ١٩٤).\n[٣٣٧]- وَعَنهُ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ذَاتَ يَومٍ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ أَقبَلَ عَلَينَا بِوَجهِهِ، فَقَالَ ﷺ: أَيُّهَا النَّاسُ؛ إِنِّي إِمَامُكُم، فَلا تَسبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلا بِالسُّجُودِ وَلا بِالقِيَامِ وَلا بِالانصِرَافِ، فَإِنِّي أَرَاكُم أَمَامِي وَمِن\nــ\nعليه الصحابة والتابعون، ويؤيد هذا قول عائشة ﵂: في هذا زيادة زاده الله إياها في حُجَّته. وقال بقي بن مخلد: كان - ﵊ - يرى في الظلام كما يرى في الضوء. وقال مجاهد: كان - ﵊ - يرى من خلفه كما يرى من بين يديه. وذهب بعض أهل العلم إلى أن قوله إني لأبصر من وراَئي راجع إلى العلم، وأن معناه إني لأعلم، وهذا تأويل لا حاجة إليه، بل حمل ذلك على ظاهره أولى، ويكون ذلك زيادة في كرامات النبي - ﷺ - وفي فضائله؛ لأن ذلك جارٍ على أصول أهل الحق كما قدمناه، والله تعالى أعلم.\nوقوله مِن بعد ظهري أو من بعدي؛ أي: من خلفي كما تقدم.\nوقوله فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف، اختُلف إذا سابق المأموم إمامه، هل تفسد صلاته أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنها لا تفسد، وذهب ابن عمر وأهل الظاهر إلى أنها تفسد، ومذهب مالك فيه تفصيل يطول ذكره في هذا الكتاب، وهو مذكور في كتب الفقه، وقد تقدم بعضه.\nوأما نهيه - ﵊ - عن سبقهم إياه بالانصراف فقد ذهب الحسن والزهري إلى أن حق المأموم ألا ينصرف حتى ينصرف الإمام أخذًا","vol":"2","page":58},{"text":"خَلفِي. ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَو رَأَيتُم مَا رَأَيتُ لَضَحِكتُم قَلِيلا وَلَبَكَيتُم كَثِيرًا! قَالُوا: وما رأيت يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: رَأَيتُ الجَنَّةَ وَالنَّارَ.\nرواه أحمد (٣/ ١٠٢ و١٢٦)، ومسلم (٤٢٦) (١١٢)، والنسائي (٣/ ٨٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>(١٨) باب النهي عن رفع الرأس قبل الإمام، وعن رفع البصر إلى السماء في الصلاة، والأمر بالسكون فيها</span>\n[٣٣٨]- عَن أبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَمَا يَخشَى الَّذِي يَرفَعُ رَأسَهُ قَبلَ الإِمَامِ أَن يُحَوِّلَ اللهُ رَأسَهُ رَأسَ حِمَارٍ؟\nوَفِي رِوَايَةٍ: صُورَتَهُ صُورَةِ حِمَارٍ.\nوَفِي أُخرَى: وَجهَهُ وَجهَ حِمَارٍ.\nــ\nبظاهر هذا الحديث، والجمهور على خلافهما؛ لأن الاقتداء بالإمام قد تم بالسلام من الصلاة، ورأوا أن ذلك كان خاصًّا بالنبي - ﷺ - وأن ذلك من باب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمرٍ جَامِعٍ لَم يَذهَبُوا حَتَّى يَستَأذِنُوهُ﴾ فإنه قد كان يحتاج إلى مكالمتهم في أمور الدين ومراعاة المصالح والآراء، والله أعلم.\nويحتمل أن يريد بالانصراف المذكور التسليم؛ فإنه يقال: انصرف من الصلاة أي سلّم منها، والله أعلم.\n(١٨) ومن باب: النهي عن رفع الرأس قبل الإمام\nقوله أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله صورته صورة حمار - أو وَجهه أو رأسه، هذه الروايات متقاربة إذا أريد بالصورة الوجه.","vol":"2","page":59},{"text":"رواه أحمد (٢/ ٤٥٦)، والبخاري (٦٩١)، ومسلم (٤٢٧) (١١٤ و١١٥)، وأبو داود (٦٢٣)، والترمذي (٥٨٢)، والنسائي (٢/ ٩٦).\n[٣٣٩]- وَعَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: لَيَنتَهِيَنَّ أَقوَامٌ عَن رَفعِهِم أَبصَارَهُم عِندَ الدُّعَاءِ فِي الصَّلاةِ إِلَى السَّمَاءِ أَو لَتُخطَفَنَّ أَبصَارُهُم.\nرواه أحمد (٢/ ٣٦٧)، ومسلم (٤٢٩)، والنسائي (٣/ ٣٩).\nــ\nفإن أريد بها الصفة انصرفت إلى الصفة الباطنة من البلادة، ومقصود هذا الحديث الوعيد بمسخ الصورة الظاهرة أو الباطنة على مسابقة الإمام بالرفع، وهذا يدل على أن الرفع من الركوع والسجود مقصود لنفسه وأنه ركن مستقل كالركوع والسجود.\nوقوله في الحديث الآخر فإنما ناصيته بيد شيطان؛ يعني أنه قد تمكّن منه بجهله، فهو يُصرِّفه كيف يشاء كما تفعل بمن مُلكت ناصيته.\nوقوله لينتَهِيَنَّ أقوام عن رفعهم أبصارهم. . . الحديث، وهذا أيضًا وعيد بإعماء من رفع رأسه إلى السماء في الصلاة، ولا فرق بين أن يكون عند الدعاء أو عند غيره؛ لأن الوعيد إنما تعلق به من حيث إنه إذا رفع بصره إلى السماء أعرض عن القبلة وخرج عن سَمتِها وعن هيئة الصلاة، وقد نقل بعض العلماء الإجماع على النهي عن ذلك في الصلاة. وحكى الطبري كراهية رفع البصر في الدعاء إلى السماء في غير الصلاة، وحُكي عن شريح أنه قال لمن رآه يفعله: اكفف يديك، واخفض بصرك؛ فإنك لن تراه (١) ولن تناله. وأجازها الأكثر؛ لأن السماء قبلة الدعاء، كما أن الكعبة قبلة الصلاة. وقد رفع رسول الله - ﷺ - وجهه ويديه إلى السماء عند الدعاء، فلا ينكر ذلك.\n_________\n(١) في (ل): أي لأبصر ولا أرى.","vol":"2","page":60},{"text":"[٣٤٠]- وَعَن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ قَالَ: خَرَجَ عَلَينَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكُم رَافِعِي أَيدِيكُم كَأَنَّهَا أَذنَابُ خَيلٍ شُمسٍ؟ اسكُنُوا فِي الصَّلاةِ. قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ عَلَينَا فَرَآنَا حِلَقًا، فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكُم عِزِينَ! قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ عَلَينَا فَقَالَ: أَلا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ المَلائِكَةُ عِندَ رَبِّهَا! فَقُلنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيفَ تَصُفُّ المَلائِكَةُ عِندَ رَبِّهَا؟ قَالَ: يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الأُوَلَ وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ.\nرواه أحمد (٥/ ١٠٨)، ومسلم (٤٣٠)، وأبو داود (٩١٢)، وابن ماجه (١٠٤٥).\n[٣٤١]- وَعَن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّينَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قُلنَا: السَّلامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ، السَّلامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الجَانِبَينِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: عَلامَ تُومِئُونَ بِأَيدِيكُم كَأَنَّهَا أَذنَابُ خَيلٍ شُمسٍ؟ إِنَّمَا يَكفِي أَحَدَكُم أَن يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى أَخِيهِ مَن عَلَى يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ مَا شَأنُكُم تُشِيرُونَ بِأَيدِيكُم كَأَنَّهَا أَذنَابُ خَيلٍ شُمسٍ، إِذَا سَلَّمَ أَحَدُكُم فَليَلتَفِت إِلَى صَاحِبِهِ وَلا يُومِئ بِيَدِهِ.\nــ\nوقوله حين رآهم يشيرون بأيديهم إذا سلموا من الصلاة ما لي أراكم. . . الحديث، كانوا يشيرون عند السلام من الصلاة بأيديهم يمينًا وشمالا، وتشبيه أيديهم بأذناب الخيل الشُّمس تشبيه واقع؛ فإنها تحرِّك أذنابها يمينًا وشمالا، فلما رآهم على تلك الحالة أمرهم بالسكون في الصلاة، وهذا دليل على أبي حنيفة في أن حكم الصلاة باقٍ على المصلي إلى أن يسلِّم، ويلزم منه أنه إن أحدث في تلك الحالة - أعني في حالة الجلوس الأخير للسلام - أعاد الصلاة.","vol":"2","page":61},{"text":"رواه أحمد (٥/ ١٠٧)، ومسلم (٤٣١)، وأبو داود (١٠٠٠)، والنسائي (٥٥٢) في الكبرى.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>(١٩) باب الأمر بتسوية الصفوف، ومن يلي الإمام</span>\n[٣٤٢]- عَن أَبِي مَسعُودٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَمسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلاةِ وَيَقُولُ: استَوُوا، وَلا تَختَلِفُوا فَتَختَلِفَ قُلُوبُكُم، لِيَلِنِي مِنكُم أُولُو الأَحلامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم. قَالَ أَبُو مَسعُودٍ: فَأَنتُمُ اليَومَ أَشَدُّ اختِلافًا.\nــ\nوقوله ما لي أراكم عزين؛ جماعات في تفرقة، والواحدة عِزَةٌ - مخففة الزاي، أمرهم بالائتلاف والاجتماع والاصطفاف كصفوف الملائكة، وهذا يدل على استحباب تسوية الصفوف، وقد أمر النبي - ﷺ - بذلك، وقال: إنه من تمام الصلاة؛ كما يأتي إن شاء الله (١).\n(١٩) ومن باب: الأمر بتسوية الصفوف\nقوله ليَلِنِي منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، الأحلام والنُّهى بمعنى واحد وهي العقول، واحدها نُهيَةٌ؛ لأنه ينهى صاحبه عن الرذائل، وإنما خص - ﷺ - هذا النوع بالتقدُّيم لأنه الذي يتأتى منهم التبليغ وأن يستخلف منهم إن احتاج إليهم، وفي التنبيه على سهو إن طرأ، ولأنهم أحق بالتقدم ممن سواهم لفضيلة العلم والعقل.\n_________\n(١) هو حديث أنس، انظره في التلخيص برقم (٣٤٤).","vol":"2","page":62},{"text":"رواه أحمد (٤/ ١٢٢)، ومسلم (٤٣٢)، وأبو داود (٦٧٤)، والنسائي (٢/ ٩٠).\n[٣٤٣] زَادَ مِن حَديثِ عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ: وَإِيَّاكُم وَهَيشَاتِ الأَسوَاقِ.\nرواه أحمد (١/ ٤٥٧)، ومسلم (٤٣٢)، وأبو داود (٦٧٥)، والترمذي (٢٢٨).\n[٣٤٤]- وَعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: سَوُّوا صُفُوفَكُم، فَإِنَّ تَسوِيَةَ الصَّفِّ مِن تَمَامِ الصَّلاةِ.\nرواه أحمد (٣/ ١٧٧ و٢٥٤)، والبخاري (٧١٩)، ومسلم (٤٣٣)، وأبو داود (٦٦٧ - ٦٧١)، والنسائي (٢/ ٩١)، وابن ماجه (٩٩٣).\nــ\nوقوله وإياكم وهَيشات الأسواق، قال أبو عبيد (١): هَوشَات، والهوشة: الفتنة والهيج والاختلاط (٢)، يقال هوش القوم إذا اختلطوا. ومنه: من أصاب مالا من نَهَاوِش أذهبه الله في نَهَابِر (٣). قال أبو عبيد: هو كل مال أخذ من غير حِلِّه، وهو شبيه بما ذكرنا من الهوشات. وقال بعض أهل العلم: الصواب من تهاوش بالتاء؛ أي من تخاليط.\n_________\n(١) غريب الحديث للهروي (٢/ ٢٠٩).\n(٢) في (م) والاختلاف، والمثبت من باقي النسخ وغريب أبي عبيد.\n(٣) رواه القضاعي في مسنده (٣٠٩)، وفيه عمرو بن الحصين: متروك كذاب. وقال السبكي في الفتاوى (٢/ ٣٦٩): هذا الحديث لم يصح، ولا هو وارد في الكتب المذكورة، ومعنى: نهابر: مهالك.","vol":"2","page":63},{"text":"[٣٤٥]- ومِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ: مِن حُسنِ الصَّلاةِ.\nرواه اْحمد (٢/ ٣١٤)، ومسلم (٤٣٥).\n[٣٤٦]- وَعَنِ النُّعمَانَ بنَ بَشِيرٍ قَال: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُسَوِّي صُفُوفَنَا حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا القِدَاحَ، حَتَّى رَأَى أَنَّا قَد عَقَلنَا عَنهُ، ثُمَّ خَرَجَ يَومًا فَقَامَ حَتَّى كَادَ يُكَبِّرُ فَرَأَى رَجُلا بَادِيًا صَدرُهُ مِنَ الصَّفِّ، فَقَالَ: عِبَادَ اللهِ، لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُم أَو لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَينَ وُجُوهِكُم.\nرواه أحمد (٤/ ٢٧١ و٢٧٢)، والبخاري (٧١٧)، ومسلم (٤٣٦) (١٢٨)، وأبو داود (٦٦٢ و٦٦٣)، والترمذي (٢٢٧)، والنسائي (٢/ ٨٩).\n[٣٤٧]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: لَو يَعلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَم يَجِدُوا إِلا أَن يَستَهِمُوا عَلَيهِ لاستَهَمُوا عَلَيهِ،\nــ\nوالقداح: السهام حين تُنحَت وتُبرى، واحدها قِدح.\nوقوله حتى كاد يكبر، فرأى رجلا باديًا صدره من الصف، فقال: عباد الله، لتسَوُّن صفوفكم. . . الحديث - دليل على مذهب الجماعة في الكلام بين الإقامة والصلاة للإمام، أو لحاجة تنزل به من أمر الصلاة وغيرها بعد تمام الإقامة (١)، خلافًا لأبي حنيفة في أنه يجب عليه التكبير إذا قال قد قامت الصلاة، وقد اختلف العلماء في جواز الكلام حينئذٍ وكراهته.\nوقوله لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، النداء: الأذان بالصلاة، والصف الأول اختلف فيه هل هو الذي يلي الإمام أو هو المبكر؟ والصحيح أنه الذي يلي الإمام، فإن كان بين الإمام وبين الناس حجب حائلة كما استحدث من مقاصير الجوامع فالصف الأول هو الذي يلي المقصورة.\nوقوله لاستهموا عليه فيه إثبات القرعة مع تساوي الحقوق، وأما\n_________\n(١) في (ع): بعد إقام الصلاة.","vol":"2","page":64},{"text":"وَلَو يَعلَمُونَ مَا فِي التَّهجِيرِ لاستَبَقُوا إِلَيهِ، وَلَو يَعلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالصُّبحِ لأَتَوهُمَا وَلَو حَبوًا.\nرواه أحمد (٢/ ٢٣٦ و٢٧١)، والبخاري (٦١٥)، ومسلم (٤٣٧)، والنسائي (١/ ٢٦٩).\nــ\nتشاحُّهم في النداء مع جواز أذان الجماعة في زمان واحد فيمكن أن يكون أراد أن يؤذِّن واحد بعد آخر لئلا يخفى صوتُ أحدهم.\nقال الشيخ ﵀: ويمكن التشاحُّ في أذان المغرب إذا قلنا بضيق وقتها، فإنه لا يؤذِّن لها إذ ذاك إلا مؤذن واحد. وقد نحا الداودي إلى أن هذا الاستِهام في أذان الجمعة؛ أي: لو علموا ما فيه لتسابقوا إليه ولاقترعوا عليه أيهم يؤذِّنه، وهذا الضمير الذي في عليه اختلف فيه على ماذا يعود؟ فقال أبو عمر بن عبد البر: إنه يعود على الصف الأول، وهو أقرب مذكور. قال: وهذا وجه الكلام. وقيل: إنه يعود على معنى الكلام المتقدم؛ فإنه مذكور ومَقُول، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَمَن يَفعَل ذَلِكَ يَلقَ أَثَامًا﴾؛ أي: ومن يفعل المذكور، وقيل - وهذا أولى من الأول؛ لأنه إن رجع إلى الصف بقي النداء ضائعًا لا فائدة له.\nوقوله لاستهموا عليه؛ أي لتقارعوا، والتهجير: التبكير للصلوات - قاله الهروي. وقيل: المراد هنا به المحافظة على الجمعة والظهر؛ فإنها التي تفعل في وقت الهاجرة وهي شدة الحرّ نصف النهار. ويقال: هجرّ القوم وأهجروا - صاروا في الهاجرة. وعتمة الليل: ظلمته. وكانت الأعراب تحلب عند شدة الظلمة حَلبَةً وتسميها العَتَمَة، فكأنّ لفظ العتمة صار مشتركًا بين خسيس وهي الحَلبَة وبين نفيس وهي الصلاة، فنهى عن إطلاق لفظ العتمة على الصلاة ليرفع الاشتراك، وحيث أمن الاشتراك جاز الإطلاق.\nوقيل: إنما نهى عن ذلك ليُتَأَدَّب في الإطلاق، وليقتدي بما في كتاب الله تعالى من ذلك، وليجتنب إطلاق الأعراب فإنهم عدلوا عَمَّا في كتاب الله","vol":"2","page":65},{"text":"[٣٤٨]- وَعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَأَى فِي أَصحَابِهِ تَأَخُّرًا، فَقَالَ لَهُم: تَقَدَّمُوا فَائتَمُّوا بِي، وَليَأتَمَّ بِكُم مَن بَعدَكُم، لا يَزَالُ قَومٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللهُ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٤ و٥٤)، ومسلم (٤٣٨)، وأبو داود (٦٨٠)، والنسائي (٢/ ٨٣)، وابن ماجه (٩٧٨).\n* * *\nــ\nتعالى من ذلك، ومثل ذلك يمكن أن يقال في قوله ﵊: لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب، وتقول الأعراب هي العشاء (١).\nقال الشيخ: ويمكن أن يقال إن النهي المذكور ليس عن إطلاق ذلك اللفظ لأجل ذلك، بل لأجل غلبة ما يطلقه الأعراب من ذلك؛ لأنه إذا غلب إطلاقهم واقتُدي بهم في ذلك الإطلاق ترك ما في كتاب الله وما في سنة رسوله ﷺ من تسميته العشاء والمغرب، وعلى هذا فلا يمتنع إطلاق لفظ العتمة والمغرب عليهما إذا لم يكن غلبة، والله أعلم.\nوقوله: تقدموا وائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم تمسك بظاهره الشعبي على قوله: إن كل صف منهم إمام لمن وراءه، وعامة الفقهاء لا يقولون بهذا؛ لأن ذلك الكلام مجمل لأنه محتمل لأن يراد به الاقتداء في فعل الصلاة ولأن يراد به في نقل أفعاله وأقواله وسُنَته كي يبلغوها غيرهم، والشعبي دفَعَ دعوى الإجمال، والتمسك بالظاهر منه.\nوقوله لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله، قيل هذا في المنافقين، ويحتمل أن يراد به أن الله يؤخرهم عن رتبة العلماء المأخوذ عنهم أَو عن رتبة السابقين.\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٤٩)، ومسلم (٦٤٤)، وأبو داود (٤٩٨٤)، والنسائي (١/ ٢٧٠) كلهم =","vol":"2","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>(٢٠) باب في صفوف النساء وخروجهن إلى المساجد</span>\n[٣٤٩]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: خَيرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا.\nرواه مسلم (٤٤٠)، وأبو داود (٦٧٨)، والترمذي (٢٢٤)، والنسائي (٢/ ٩٣)، وابن ماجه (١٠٠٠).\nــ\n(٢٠) ومن باب: صفوف النساء\nقوله خير صفوف الرجال أولها؛ يعني أكثرها أجرًا، وعلى ذلك فقوله وشرها آخرها يعني أقلها أجرًا؛ لأن ذلك ذمٌّ لآخرها، فإنه يلزم أن تحرم الصلاة فيه، وليس كذلك بالاتفاق، وكذلك القول في صفوف النساء. وإنما كان ذلك لأن الصف الأول من صفوف الرجال يستحق بكمال الأوصاف، ويختص بكمال الضبط على الإمام والاقتداء والتبليغ، وكل ذلك معدوم في النساء، فاقتضى ذلك تأخيرهن، وقد استدل بهذا الحديث بعض العلماء على أن المرأة لا تكون إمامًا لا للنساء ولا للرجال، وقد تقدم ذلك. فأما الصف الأول من صفوف النساء فإنما كان شرًّا من آخرها لما فيه من مقاربة أنفاس (١) الرجال للنساء، فقد يُخاف أن تشوِّش المرأة على الرجل والرجل على المرأة.\n_________\n= من حديث عبد الله بن عمر ﵄. ورواه البخاري (٥٦٣) عن عبد الله بن المغفل ﵁.\n(١) ساقط من (ع).","vol":"2","page":67},{"text":"[٣٥٠]- وَعَن سَهلِ بنِ سَعدٍ قَالَ: لَقَد رَأَيتُ الرِّجَالَ عَاقِدِي أُزُرِهِم فِي أَعنَاقِهِم مِثلَ الصِّبيَانِ مِن ضِيقِ الأُزُرِ خَلفَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا مَعشَرَ النِّسَاءِ، لا تَرفَعنَ رُؤوسَكُنَّ حَتَّى يَرفَعَ الرِّجَالُ.\nرواه أحمد (٣/ ٤٢٣)، ومسلم (٤٤١).\n[٣٥١]- وَعَن عَبدِ اللهِ بنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: لا تَمنَعُوا نِسَاءَكُمُ المَسَاجِدَ إِذَا استَأذَنَّكُم إِلَيهَا. قَالَ: فَقَالَ بِلالُ بنُ عَبدِ اللهِ: وَاللهِ لَنَمنَعُهُنَّ! قَالَ: فَأَقبَلَ عَلَيهِ عَبدُ اللهِ فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا مَا سَمِعتُهُ سَبَّهُ مِثلَهُ قَطُّ، وَقَالَ: أُخبِرُكَ عَن رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَتَقُولُ: وَاللهِ لَنَمنَعُهُنَّ!\nــ\nوقوله في الأم (١): إن ابن عبد الله بن عمر قال له: لا تدعهن يخرجن (٢) فيتخذنه دَغَلا - أي: خداعًا. وأصل الدَّغَل: الشجر المُلتَفّ الذي يكون فيه أهل الفساد، قال الليث: يقال أَدغلتُ في الأمر إذا أدخلت فيه ما يُخالفه. قال: وإذا دخل الرجل مدخلا مريبًا قيل دغل فيه.\nوقوله فزبره ابن عمر معناه: انتهره. وقال صاحب الأفعال: زبرت الكتاب كتبتُه، والشيء: قطعتُه، والرجلَ: انتهرتُه، والبئرَ: طويتُها بالحجارة.\nوانتهار ابن عمر وضربه (٣) تأديب للمعترض على السنن وعلى العالم، وجاء في الأم (٤) مَرَّة أن الذي قابل ابن عمر بالمنع بلال، ومَرَّة واقد، وكلاهما صحيح؛ كان لابن عمر ابنان: بلال وواقد، وكلاهما قابله بالمنع، وكلاهما أدّبه ابن عمر.\n_________\n(١) أي: في تتمة الحديث رقم (٤٤٢/ ١٣٨) من صحيح مسلم.\n(٢) زيادة من صحيح مسلم.\n(٣) من (ل) و(ط).\n(٤) انظر: صحيح مسلم (١/ ٣٢٧).","vol":"2","page":68},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: لا تَمنَعُوا النِّسَاءَ مِنَ الخُرُوجِ إِلَى المَسَاجِدِ بِاللَّيلِ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٣ و٧٦)، والبخاري (٩٠٠)، ومسلم (٤٤٢) (١٣٥ و١٣٨)، وأبو داود (٥٦٦ - ٥٦٨)، والترمذي (٥٧٠)، وابن ماجه (١٦).\n[٣٥٢]- وَعَن زَينَبَ الثَّقَفِيَّةِ - امرَأَةِ عَبدِ اللهِ - عَن رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: إِذَا شَهِدَت إِحدَاكُنَّ العِشَاءَ فَلا تَطَيَّب تِلكَ اللَّيلَةَ.\nوَفِي لَفظٍ آخَر: إِذَا شَهِدَت إِحدَاكُنَّ المَسجِدَ فَلا تَمَسَّ طِيبًا.\nرواه أحمد (١/ ٣٦٣)، ومسلم (٤٤٣)، والنسائي (٨/ ١٥٤).\n[٣٥٣]- وَمِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ مَرفُوعًا: أَيُّمَا امرَأَةٍ أَصَابَت بَخُورًا فَلا تَشهَد مَعَنَا العِشَاءَ الآخِرَةَ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٠٤)، ومسلم (٤٤٤)، وأبو داود (٤١٧٥)، والنسائي (٨/ ١٥٤).\n[٣٥٤]- وَعَن عَائِشَةِ قَالَت: لَو أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَأَى مَا أَحدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ المَسجِدَ كَمَا مُنِعَت نِسَاءُ بَنِي إِسرَائِيلَ.\nرواه أحمد (٦/ ٩١)، ومسلم (٤٤٥).\n* * *\nــ\nوقول عائشة ﵂ لو رأى رسول الله - ﷺ - ما أحدث النساء. . . الحديث - تريد ما اتخذن من حسن الملابس والطيب والزينة، وإنما كان النساء يخرجن في المروط والشِّمَال (١).\n_________\n(١) \"الشمال\": جمع شملة، وهي ثوب يُشتمل به.","vol":"2","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>(٢١) باب في قوله تعالى: ﴿وَلا تَجهَر بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِت بِهَا﴾</span>\n[٣٥٥]- عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ فِي قَولِهِ تَعَالَّى: ﴿وَلا تَجهَر بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِت بِهَا﴾ قَالَ: نَزَلَت وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - مُتَوَارٍ بِمَكَّةَ، فَكَانَ إِذَا صَلَّى بِأَصحَابِهِ رَفَعَ صَوتَهُ بِالقُرآنِ، فَإِذَا سَمِعَ ذَلِكَ المُشرِكُونَ سَبُّوا القُرآنَ وَمَن أَنزَلَهُ وَمَن جَاءَ بِهِ، فَقَالَ اللهُ لِنَبِيِّهِ: ﴿وَلا تَجهَر بِصَلاتِكَ﴾ فَيَسمَعَ المُشرِكُونَ قِرَاءَتَكَ، ﴿وَلا تُخَافِت بِهَا﴾ عَن أَصحَابِكَ، أَسمِعهُمُ القُرآنَ وَلا تَجهَر ذَلِكَ الجَهرَ، ﴿وَابتَغِ بَينَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾؛ قَالَ: يَقُول بَينَ الجَهرِ وَالمُخَافَتَةِ.\nرواه البخاري (٤٧٢٢)، ومسلم (٤٤٦)، والترمذي (٣١٤٤)، والنسائي (٢/ ١٧٧ - ١٧٨).\n* * *\nــ\n(٢١) ومن باب: قوله تعالى ﴿وَلا تَجهَر بِصَلاتِكَ﴾\nاختلف في سبب نزول هذه الآية؛ فقال ابن عباس ما نصَّهُ مسلم وأن الصلاة هي الصلاة الشرعية، وقالت عائشة ما ذكره أيضًا مسلم: إنها نزلت في الدعاء؛ أي لا تجهر بالدعاء ولا تخفض به - وإليه مال الطبري. وقيل: نزلت في أبي بكر وعمر؛ إذ كان أبو بكر يُسِرُّ بالقراءة ويقول: أناجي ربي! وعمر يجهر ويقول: أطرد الشيطان، وأوقظ الوَسنَان، وأرضي الرحمن! فنزلت الآية، فقال النبي - ﷺ - لأبي بكر: ارفع شيئًا! ولعمر: اخفض شيئًا! (١)\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٣٢٩)، والترمذي (٤٤٧) من حديث أبي قتادة ﵁.","vol":"2","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>(٢٢) باب القراءة في الظهر والعصر</span>\n[٣٥٦]- عَن أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي بِنَا فَيَقرَأُ فِي الظُّهرِ وَالعَصرِ فِي الرَّكعَتَينِ الأُولَيَينِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَسُورَتَينِ، وَيُسمِعُنَا الآيَةَ أَحيَانًا، وَكَانَ يُطَوِّلُ الرَّكعَةَ الأُولَى مِنَ الظُّهرِ وَيُقَصِّرُ الثَّانِيَةَ، وَكَذَلِكَ فِي الصُّبحِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: وَيَقرَأُ فِي الرَّكعَتَينِ الأُخرَيَينِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ.\nرواه أحمد (٤/ ٣٨٣)، والبخاري (٧٧٦)، ومسلم (٤٥١)، وأبو داود (٧٩٨ - ٨٠٠)، والنسائي (٢/ ١٦٤ - ١٦٥).\n[٣٥٧]- وَعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَقرَأُ فِي صَلاةِ\nــ\n(٢٢ و٢٣) ومن باب: القراءة في الظهر والعصر (١)\nحديث أبي قتادة حجة لمالك على صحة مذهبه في اشتراط قراءة الفاتحة في كل ركعة وعلى قراءة سورتين مع الفاتحة في الركعتين الأوليين، وأن ما بقي من الصلاة لا يقرأ فيه إلا بالفاتحة خاصة. وقد تمسك الشافعي في أنه يقرأ فيما بقي بسورة مع الفاتحة بحديث أبي سعيد الآتي بعد هذا، ووجه تمسكه قوله: إنه قرأ في الركعتين الأوليين قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين قدر نصف ذلك، والفاتحة إنما هي سبع آيات لا خمس عشرة، فكان يزيد سورة، وهذا لا حجة فيه؛ فإنه تقدير وتخمين من أبي سعيد. ولعله - ﷺ - كان يمدّ في قراءة الفاتحة حتى يُقَدَّر\n_________\n(١) شرح المصنف -﵀- تحت هذا العنوان أيضًا ما جاء في باب القراءة في الصبح.","vol":"2","page":71},{"text":"الظُّهرِ فِي الرَّكعَتَينِ الأُولَيَينِ فِي كُلِّ رَكعَةٍ قَدرَ ثَلاثِينَ آيَةً، وَفِي الأُخرَيَينِ قَدرَ خَمسَ عَشرَةَ آيَةً - أَو قَالَ: نِصفَ ذَلِكَ. وَفِي العَصرِ فِي الرَّكعَتَينِ الأُولَيَينِ فِي كُلِّ رَكعَةٍ قَدرَ قِرَاءَةِ خَمسَ عَشرَةَ آيَةً، وَفِي الأُخرَيَينِ قَدرَ نِصفِ ذَلِكَ.\nرواه أحمد (٣/ ٢)، ومسلم (٤٥٢) (١٥٧)، وأبو داود (٨٠٤)، والترمذي (٣٠٧)، وابن ماجه (٨٢٨).\n[٣٥٨]- وَعَنهُ: لَقَد كَانَت صَلاةُ الظُّهرِ تُقَامُ، فَيَذهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى البَقِيعِ فَيَقضِي حَاجَتَهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يَأتِي ورَسُولَ اللهِ - ﷺ - فِي الرَّكعَةِ الأُولَى مِمَّا يُطَوِّلُهَا.\nرواه أحمد (٣/ ٣٥)، ومسلم (٤٥٤) (١٦١)، والنسائي (٢/ ١٦٤)، وابن ماجه (٨٢٥).\n* * *\nــ\nبذلك، وهذا الاحتمال غير مدفوع. وقد جاء عنه ﷺ أنه كان يرتل السورة حتى تكون أطول مِن أطوَل منها (١)، وهذا يشهد بصحة هذا التأويل، وحديث أبي قتادة نصّ، فهو أولى. وما ورد في كتاب مسلم وغيره من الإطالة فيما استقر فيه التقصير أو من التقصير فيما استقرت فيه الإطالة، كقراءته في الفجر بالمعوذتين، كما رواه النسائي (٢)، وكقراءة الأعراف والمرسلات في المغرب - فمتروك (٣). أما التطويل فبإنكاره على معاذ وبأمره الأئمة بالتخفيف، ولعل ذلك منه - ﷺ - حيث لم يكن خلفه من يشق عليه القيام وعلم ذلك، أو كان منه ذلك متقدمًا حتى خفف\n_________\n(١) رواه مسلم (٧٣٣)، والترمذي (٣٧٣)، والنسائي (٢/ ٢٢٣) من حديث حفصة ﵂.\n(٢) رواه النسائي (٢/ ١٥٨) من حديث عقبة بن عامر ﵁.\n(٣) رواه البخاري (٤٤٢٩)، ومسلم (٤٦٢)، وأبو داود (٨١٠)، والترمذي (٣٠٨)، والنسائي (٢/ ١٦٨) من حديث أم الفضل ﵂.","vol":"2","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>(٢٣) باب القراءة في الصبح</span>\n[٣٥٩]- عَن عَبدِ اللهِ بنِ السَّائِبِ قَالَ: صَلَّى لَنَا النَّبِيُّ - ﷺ - الصُّبحَ بِمَكَّةَ، فَاستَفتَحَ سُورَةَ المُؤمِنِينَ، حَتَّى جَاءَ ذِكرُ مُوسَى وَهَارُونَ أَخَذَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - سَعلَةٌ فَرَكَعَ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: فَحَذَفَ، فَرَكَعَ.\nرواه البخاري تعليقًا (٢/ ٢٥٥)، ومسلم (٤٥٥)، وأبو داود (٦٤٨ - ٦٤٩)، والنسائي (٢/ ١٧٦)، وابن ماجه (٨٢٠).\nــ\nوأمر الأئمة بالتخفيف، كما قال جابر بن سمرة: وكان صلاته بعدُ تخفيفًا، ويحتمل أن يكون فعل ذلك في أوقات ليبيّن جواز ذلك، أو يكون ذلك بحسب اختلاف الأوقات من السعة والضيق. وقد استقر عمل أهل المدينة على إطالة القراءة في الصبح قدرًا لا يضر من خلفه بقراءتها بطوال المفصّل، ويليها في ذلك الظهر والجمعة، وتخفيف القراءة في المغرب، وتوسيطها في العصر والعشاء. وقد قيل في العصر: إنها تُخفّف كالمغرب. وتطويله - ﷺ - في الركعة الأولى إنما كان ليدرك الناس الركعة الأولى (١)، رواه أبو داود عن أبي قتادة.\nوعن ابن أبي أوفى أنه - ﵊ - كان يقوم في الركعة الأولى حتى لا يسمع وقع قدم (٢)؛ يعني: حتى يتكامل الناس ويجتمعوا، وعلى هذا\n_________\n(١) رواه أبو داود (٧٩٩).\n(٢) رواه أبو داود (٨٠٢).","vol":"2","page":73},{"text":"[٣٦٠]- وَعَن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ أِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَقرَأُ فِي الفَجرِ ﴿ق وَالقُرآنِ المَجِيدِ﴾ وَكَانَ صَلاتُهُ بَعدُ تَخفِيفًا.\nرواه أحمد (٥/ ١٠٣)، ومسلم (٤٥٨) (١٦٨).\n[٣٦١]- وَعَنهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقرَأُ فِي الظُّهرِ بِـ ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغشَى﴾ وَفِي العَصرِ نَحوَ ذَلِكَ، وَفِي الصُّبحِ أَطوَلَ مِن ذَلِكَ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ يَقرَأُ فِي الظُّهرِ بـ ﴿سَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأَعلَى﴾ وَفِي الصُّبحِ بِأَطوَلَ مِن ذَلِكَ.\nرواه أحمد (٥/ ١٠٨)، ومسلم (٤٥٩) و(٤٦٠)، وأبو داود (٨٠٦)، والنسائي (٢/ ١٦٦).\n[٣٦٢]- وَعَن أَبِي بَرزَةَ الأَسلَمِي قَالَ: كَانَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقرَأُ فِي الفَجر مَا بَينَ السِّتِّينَ إِلَى المِائَةِ.\nرواه أحمد (٤/ ٤١٩)، ومسلم (٤٦١)، والنسائي (١/ ٢٤٦)، وابن ماجه (٨١٨).\n* * *\nــ\nيحمل حديث أبي سعيد أنه كان يطول الركعة الأولى من الظهر بحيث يذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يأتي النبي - ﷺ - وهو فيها، وذلك - والله أعلم - لتوالي دخول الناس، ولا حجة للشافعي في هذا الحديث على تطويل الإمام لأجل الداخل؛ لأن ما ذكر ليس تعليلا لتطويل الأولى، وإنما هي حكمته، ولا يعلل بالحكمة لخفائها أو لعدم انضباطها. وأيضًا فلم يكن يدخل في الصلاة مريدًا تقصير تلك الركعة ثم يطولها لأجل الداخل، وإنما كان يدخل فيها ليفعل الصلاة على هيئتها من تطويل الأولى، فافترق الأصل والفرع فامتنع الإلحاق.","vol":"2","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>(٢٤) باب القراءة في المغرب والعشاء</span>\n[٣٦٣]- عَن أُمَّ الفَضلِ بِنتَ الحَارِثِ أَنَها سَمِعَت ابنَ عَبَّاسٍ وَهُوَ يَقرَأُ ﴿وَالمُرسَلاتِ عُرفًا﴾ فَقَالَت: يَا بُنَيَّ، لَقَد ذَكَّرتَنِي بِقِرَاءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، إِنَّهَا لآخِرُ مَا سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقرَأُ بِهَا فِي المَغرِبِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ مَا صَلَّى بَعدُ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ ﷿.\nرواه البخاري (٧٦٣)، ومسلم (٤٦٢)، وأبو داود (٨١٠)، والترمذي (٣٠٨)، والنسائي (٢/ ١٦٨)، وابن ماجه (٨٣١).\n[٣٦٤]- وَعَن جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقرَأُ بِالطُّورِ فِي المَغرِبِ.\nرواه أحمد (٤/ ٨٤)، والبخاري (٨٦٤)، ومسلم (٤٦٣)، وأبو داود (٨١١)، والنسائي (٢/ ١٦٩)، وابن ماجه (٨٣٢).\n[٣٦٥]- وَعَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ قَالَ: سَمعتُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَرَأَ فِي العِشَاءَ بِالتِّينِ وَالزَّيتُونِ، فَمَا سَمِعتُ أَحَدًا أَحسَنَ صَوتًا مِنهُ.\nوَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ - ﵊ - كَانَ فِي سَفَرٍ.\nرواه أحمد (٤/ ٢٩١)، والبخاري (٧٦٩)، ومسلم (٤٦٤) (١٧٥ و١٧٧)، وأبو داود (١٢٢١)، والترمذي (٣١٠)، والنسائي (٢/ ١٧٣)، وابن ماجه (٨٣٤).\n[٣٦٦]- وَعَن جَابِرٍ قَالَ: كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - ثُمَّ يَأتِي فَيَؤُمُّ قَومَهُ، فَصَلَّى لَيلَةً مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - العِشَاءَ، ثُمَّ أَتَى قَومَهُ فَأَمَّهُم - وفِي\nــ\n(٢٤) ومن باب: القراءة في المغرب والعشاء\nقوله في حديث جابر كان معاذ يصلي مع النبي - ﷺ - ثم يأتي فيؤمّ قومه،","vol":"2","page":75},{"text":"رِوَايَةٍ: فَصَلَّى بِهِم تِلكَ الصَلاة - فَافتَتَحَ سُورَةِ البَقَرَةِ، فَانحَرَفَ رَجُلٌ فَسَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى وَحدَهُ وَانصَرَفَ، فَقَالُوا لَهُ: أَنَافَقتَ يَا فُلانُ؟ فَقَالَ: لا وَاللهِ، وَلآتِيَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَلأُخبِرَنَّهُ! فَأَتَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ:\nــ\nوفي رواية فيصلي بهم تلك الصلاة، تمسَّك الشافعي وأحمد في صلاة المفترض خلف المتنفِّل بهذا الحديث، وخالفهما مالك وربيعة والكوفيون، ورأوا أنه لا حجة لهما فيه لوجهين؛\nأحدهما: أنه يحتمل أن يكون معاذ اعتقد في صلاته خلف النبي - ﷺ - الفضيلة وبصلاته لقومه الفريضة، وليس هذا الاحتمال بأولى مِمَّا صاروا إليه، فلحق بالمجملات، فلا يكون فيه حجة.\nوالثاني: أن في مسند البزار عن عمرو بن يحيى المازني عن معاذ بن رفاعة (١) عن رجل من بني سليم يقال له سلم أنه أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إنا نَظَلُّ في أعمالنا، فنأتي حين نمسي، فيأتي معاذ فيطوِّل علينا! فقال رسول الله ﷺ: يا معاذ، لا تكن فتانًا، إما أن تُخفِّف بقومك أو تجعل صلاتك معي (٢). وظاهر هذا يدلّ على أنه كان يصلي الفريضة مع قومه، ومتمسّك المانعين قوله ﵊: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه (٣). ولا اختلاف أعظم من اختلاف النيات، والله تعالى أعلم.\nوأما قطع الرجل الصلاة فلعذرٍ صَحَّ له، وهو أنه ضَعُف عن صلاة معاذ لما لحقه من شدة ألم العمل، ولأجل ذلك أنكر النبي - ﷺ - على معاذ حتى نسبه إلى\n_________\n(١) في (ع): جبل، وهو خطأ.\n(٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٧٢): رواه أحمد، ورجاله ثقات. أما الحديث الشاهد فلم يروه البزار.\n(٣) رواه أحمد (٢/ ٣١٤)، والبخاري (٧٢٢) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"2","page":76},{"text":"يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا أَصحَابُ نَوَاضِحَ نَعمَلُ بِالنَّهَارِ، وَإِنَّ مُعَاذًا صَلَّى مَعَكَ العِشَاءَ ثُمَّ أَتَى فَافتَتَحَ سُورَةِ البَقَرَةِ! فَأَقبَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى مُعَاذٍ فَقَالَ: يَا مُعَاذُ، أَفَتَّانٌ أَنتَ؟ ! اقرَأ ﴿وَالشَّمسِ وَضُحَاهَا﴾، ﴿وَالضُّحَى﴾، ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغشَى﴾ و﴿سَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأَعلَى﴾ وَنَحوَ هَذَا.\nرواه أحمد (٣/ ٢٩٩ و٣٠٨)، والبخاري (٧٠١)، ومسلم (٤٦٥) (١٧٨)، وأبو داود (٧٩٠ - ٧٠٣)، والنسائي (٢/ ٩٧ - ٩٨)، وابن ماجه (٩٨٦).\n* * *\nــ\nالفتنة. ولا حجة للشافعي في هذا الحديث على جواز الخروج عن إمامة الإمام ابتداء من غير عذر؛ لأن هذا كان عن عذر، وأما صلاة هذا الرجل وحده ومعاذ في صلاته فيستدل به على جواز ذلك لعذر، وأما لغير عذر فممنوع بدليل قوله ﵊: أصلاتان معًا؟ (١) منكرًا على من فعل ذلك.\nوقوله أفتان أنت يا معاذ!؛ أي: أتفتن الناس وتصرفهم عن دينهم؟ ! وقد تقدم أصل الفتنة، ويحتمل أن يكون معناه: تعذب الناس يا معاذ بالتطويل؟ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ﴾؛ أي: عذبوهم - في قول المفسرين. والنواضح: الإبل التي يستقى عليها، والله الموفق للصواب (٢).\n* * *\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٢٦٧)، والترمذي (٤٢٢) من حديث قيس بن عمرو.\n(٢) من (م).","vol":"2","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>(٢٥) باب أمر الأئمة بالتخفيف في تمام</span>\n[٣٦٧]- عَن أَبِي مَسعُودٍ الأَنصَارِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: إِنِّي لأَتَأَخَّرُ عَن صَلاةِ الصُّبحِ مِن أَجلِ فُلانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا! قَالَ: فَمَا رَأَيتُ النَّبِيَّ - ﷺ - غَضِبَ فِي مَوعِظَةٍ قَطُّ أَشَدَّ مِمَّا غَضِبَ يَومَئِذٍ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ مِنكُم مُنَفِّرِينَ! فَأَيُّكُم أَمَّ النَّاسَ فَليُوجِز، فَإِنَّ مِن وَرَائِهِ الكَبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الحَاجَةِ.\nرواه أحمد (٥/ ٢٧٣)، والبخاري (٧٠٤)، ومسلم (٤٦٦)، وابن ماجه (٩٨٤).\n[٣٦٨]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ فَليُخَفِّف، فَإِنَّ فِيهِمُ الصَّغِيرَ وَالكَبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَالمَرِيضَ، فَإِذَا صَلَّى وَحدَهُ فَليُصَلِّ كَيفَ شَاءَ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٨٦)، والبخاري (٧٠٣)، ومسلم (٤٦٧) (١٨٣)، وأبو داود (٧٩٤ و٧٩٥)، والترمذي (٢٣٦)، والنسائي (٢/ ٩٤).\n[٣٦٩]- وَعَن عُثمَانَ بنُ أَبِي العَاصِ الثَّقَفِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لَهُ: أُمَّ\nــ\n(٢٥) ومن باب: أمر الأئمة بالتخفيف\nقوله - ﷺ - في حديث أبي مسعود غضب، وحكم في حال غضبه - لا يعارضه قوله ﵊: لا يقضي القاضي وهو غضبان (١)؛ لأنه - ﵊ - معصوم في حال الغضب والرضا، بخلاف غيره.\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٣٧ و٥٢)، والبخاري (٧١٥٨) من حديث أبي بكرة ﵁.","vol":"2","page":78},{"text":"قَومَكَ! قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَجِدُ فِي نَفسِي شَيئًا! قَالَ: ادنُه. فَجَلَّسَنِي بَينَ يَدَيهِ، ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ فِي صَدرِي بَينَ ثَديَيَّ، ثُمَّ قَالَ: تَحَوَّل - فَوَضَعَهَا فِي ظَهرِي بَينَ كَتِفَيَّ، ثُمَّ قَالَ: أُمَّ قَومَكَ، فَمَن أَمَّ قَومًا فَليُخَفِّف، فَإِنَّ فِيهِمُ الكَبِيرَ، وَإِنَّ فِيهِمُ المَرِيضَ، وَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ، وَإِنَّ فِيهِم ذَا الحَاجَةِ، وإِذَا صَلَّى أَحَدُكُم وَحدَهُ فَليُصَلِّ كَيفَ شَاءَ.\nرواه أحمد (٤/ ٢١)، ومسلم (٤٦٨) (١٨٦)، وأبو داود (٥٣١)، والنسائي (٢/ ٢٣)، وابن ماجه (٩٨٨).\n[٣٧٠]- عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: مَا صَلَّيتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطُّ أَخَفَّ وَلا أَتَمَّ صَلاةً مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ.\nرواه أحمد (٣/ ٢٦٢ و٢٨٢)، ومسلم (٤٦٩)، وابن ماجه (٩٨٥).\n[٣٧١]- وَعَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنِّي لأَدخُلُ فِي الصَّلاةِ أُرِيدُ إِطَالَتَهَا، فَأَسمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأُخَفِّفُ مِن شِدَّةِ وَجدِ أُمِّهِ بِهِ.\nــ\nوقول عثمان بن أبي العاص إني أجد في نفسي حين قال له أُمَّ قومك يحتمل أن يكون خشي على نفسه كبرًا أو عُجبًا حيث قُدِّم على قومه، ويحتمل أن يكون ذلك خجلا وضعفًا عن القيام بذلك، ففعل النبي - ﷺ - به ذلك ببركة يد رسول الله ﷺ.\nوقوله وأخفف من شدّة وَجدِ أمِّه به؛ يعني حزنها (١) وشفقتها عليه، وفيه دليل على جواز الإسراع في الصلاة وإن كان قد شرع في تطويلها لأجل حاجة المأموم، ولا حجة فيه للشافعي على جواز انتظار الإمام من سمع حِسَّه داخلا؛ لأن هذه الزيادة عمل في الصلاة بخلاف الحديث.\n_________\n(١) في (ع): حرقتها، وفي (م): خوفها، والمثبت من (ل).","vol":"2","page":79},{"text":"رواه أحمد (٤/ ٢٩٤)، والبخاري (٨٠١)، ومسلم (٤٧١)، (١٩٢)، والترمذي (٢٣٧)، والنسائي (٢/ ٩٤ - ٩٥).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>(٢٦) باب في اعتدال الصلاة وتقارب أركانها</span>\n[٣٧٢]- عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ، قَالَ: رَمَقتُ الصَّلاةَ مَعَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - فَوَجَدتُ قِيَامَهُ فَرَكعَتَهُ، فَاعتِدَالَهُ بَعدَ رُكُوعِهِ، فَسَجدَتَهُ، فَجَلسَتَهُ بَينَ السَّجدَتَينِ، فَسَجدتَهُ، فجَلسَتَهُ مَا بَينَ التَّسلِيمِ وَالانصِرَافِ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ.\nرواه أحمد (٤/ ٢٩٤)، والبخاري (٨٠١)، ومسلم (٤٧١)، وأبو داود (٨٥٢)، والترمذي (٢٧٩)، والنسائي (٢/ ١٩٧ - ١٩٨).\nــ\n(٢٦) ومن باب: اعتدال أركان الصلاة\nقوله في حديث البراء: قريبًا من السواء؛ يدل على أن بعض تلك الأركان أطول من بعض، إلا أنها غير متباعدة، وهذا واضح في كل الأركان، إلا في القيام؛ فإنه قد ثبت أنه كان يطوِّله، ويقرأ فيه بالستين إلى المائة، ويذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته، ثم يتوضأ، ثم يرجع فيجده قائمًا في الركعة الأولى (١)، فيحتمل أن يكون ذلك الطول كان في أوّل أمره، ثم كان التخفيف بعدُ؛ كما قال جابر بن سمرة: ثم كانت صلاته بعد تخفيفًا (٢). وقد قيل: إن هذه الرواية\n_________\n(١) سبق تخريجه برقم (٣٥٨).\n(٢) سبق تخريجه برقم (٣٦٠).","vol":"2","page":80},{"text":"[٣٧٣]- وَعَن أَنَسٍ، قَالَ: مَا صَلَّيتُ خَلفَ أَحَدٍ أَوجَزَ صَلاةً مِن صلاة رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي تَمَامٍ. كَانَت صَلاةُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مُتَقَارِبَةً، وَكَانَت صَلاةُ أَبِي بَكرٍ مُتَقَارِبَةً، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ مَدَّ فِي صَلاةِ الفَجرِ. وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَن حَمِدَهُ قَامَ حَتَّى نَقُولَ: قَد أَوهَمَ. ثُمَّ يَسجُدُ، وَيَقعُدُ بَينَ السَّجدَتَينِ: حَتَّى نَقُولَ: قَد أَوهَمَ.\nرواه أحمد (٣/ ٢٤٧)، والبخاري (٨٢١)، ومسلم (٤٧٣)، وأبو داود (٨٥٣).\n* * *\nــ\nالتي وقع فيها ذكر القيام وهمٌ، وأن الصحيح إسقاطه كما رواه البخاري ومسلم (١) أيضًا في رواية أخرى من حديث البراء، ولم يذكر فيها القيام، وزاد البخاري فيه: ما خلا القيام والقعود، والطريقة الأولى أحسن وأسلم.\nوقوله في حديث أنس: حتى نقول قد أَوهَم، كذا صوابه بفتح الهمزة والهاء، فعل ماض مبني للفاعل، ومعناه: ترك. قال ثعلب: يقال: أوهمت الشيء: إذا تركته كله، أُوهِمُ، وَوَهِمتُ في الحساب وغيره: إذا غلطت. أَوهِمُ، ووهمت إلى الشيء؛ إذا ذهب وهَمُكَ إليه وأنت تريدُ غيره، أَهِم وَهمًا.\n* * *\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٩٢)، ومسلم (٤٧١/ ١٩٤).","vol":"2","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>(٢٧) باب اتباع الإمام والعمل بعده</span>\n[٣٧٤]- عَنِ البَرَاءِ، أَنَّهم كَانُوا يُصَلُّونَ خَلفَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَإِذَا رَفَعَ رَأسَهُ لَم أَرَ أَحَدًا يَحنِي ظَهرَهُ حَتَّى يَضَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - جَبهَتَهُ عَلَى الأَرضِ، ثُمَّ يَخِرُّ مَن وَرَاءَهُ سُجَّدًا.\nوَفِي لَفظٍ آخَر: كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَإِذَا رَكَعَ رَكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فَقَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَن حَمِدَهُ. لَم نَزَل قِيَامًا حَتَّى نَرَاهُ قَد وَضَعَ وَجهَهُ فِي الأَرضِ، ثُمَّ نَتَّبِعُهُ.\nرواه أحمد (٤/ ٣٠٠ و٣٠٤)، والبخاري (٦٩٠)، ومسلم (٤٧٤) (١٩٧ و١٩٩)، وأبو داود (٦٢١)، والترمذي (٢٨١).\n* * *\nــ\n(٢٧ (١) و٢٨) ومن باب: ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع\nقوله في حديث أبي سعيد: ملء السماوات والأرض، وملء ما شئت من شيء. قال الخطابي: هو تمثيل وتقريب، والمراد تكثير العدد، حتى لو قُدِّر ذلك أجسامًا ملأ ذلك كله. وقال غيره: المراد بذلك: التعظيم؛ كما يقال: هذه الكلمة تملأ طباق الأرض. وقيل: المراد بذلك: أجرها وثوابها، والله أعلم.\n_________\n(١) الباب (٢٧) لم يرد في المفهم شرح المشكلة، لخلوّ الحديث الوارد فيه من المشكلات. علمًا بأنّ متابعة الإمام سبقت في الباب رقم (١٨)، وما يقال بعد الرفع من الركوع سيأتي في الباب التالي رقم (٢٨).","vol":"2","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>(٢٨) باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع</span>\n[٣٧٥]- عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: رَبَّنَا لَكَ الحَمدُ، مِلءُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ، وَمِلءُ مَا شِئتَ مِن شَيءٍ بَعدُ، أَهلَ الثَّنَاءِ وَالمَجدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ العَبدُ، وَكُلُّنَا لَكَ\nــ\nوبعد: ظرف قُطِع عن الإضافة مع إرادة المضاف، وهو السماوات والأرض، فبني على الضَّمِّ؛ لأنه أشبه حرف الغاية؛ الذي هو منذ. والمراد بقوله: من شيء: العرش، والكرسي ونحوهما، مما في مقدور الله تعالى، والله أعلم.\nوقوله: أهل الثناء والمجد؛ أي: يا أهلَ الثناء، فهو منادى مضاف؛ حُذِف حرفُ ندائه. ورواية الجمهور: المجد - بالميم والجيم -، إلا ابن ماهان فإنه رواها: الحمد. . فأما المجد؛ فهو نهاية الشرف وكثرته، والماجد: هو الذي يعِدّدُ لنفسه آباء أشرافًا، ومآثر حسنةً كثيرة، ومنه قالت العرب: في كل شجر نار، واستَمجَدَ المَرخ والعَفَار؛ أي: كثر في هذين النوعين من الشجر. وقد تقدّم معنى الحمد في أول الكتاب.\nوقوله: أحقّ ما قال العبد؛ أي: أوجب وأثبت وأولى. وهو مرفوع بالابتداء، وخبره: [اللهم لا مانع لما أعطيت. . إلى آخره: وكلنا لك عبد معترض بين المبتدأ والخبر] (١). والعبد: جنس العباد العارفين بالله تعالى، فكأنه قال: أولى ما يقول العباد العارفون بالله تعالى هذه الكلمات؛ لما تضمنته من تحقيق التوحيد وتمام التفويض، وصحة التبرّي من الحول والقوة.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"2","page":83},{"text":"عَبدٌ، اللهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعطَيتَ، وَلا مُعطِيَ لِمَا مَنَعتَ، وَلا يَنفَعُ ذَا الجَدِّ مِنكَ الجَدُّ.\nرواه مسلم (٤٧٧)، وأبو داود (٨٤٧)، والنسائي (٢/ ١٩٨ - ١٩٩)، وابن ماجه (٨٧٧).\n[٣٧٦]- وَعَن عَبدِ اللهِ بنَ أَبِي أَوفَى؛ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: اللهُمَّ لَكَ الحَمدُ، مِلءُ السَّمَاواتِ وَمِلءُ الأَرضِ، وَمِلءُ مَا شِئتَ مِن شَيءٍ بَعدُ، اللهُمَّ طَهِّرنِي بِالثَّلجِ وَالبَرَدِ، وَمَاءِ البَارِدِ، اللهُمَّ طَهِّرنِي مِنَ الذُّنُوبِ وَالخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوبُ الأَبيَضُ مِنَ الوَسَخِ.\nــ\nوقوله: لا ينفع ذا الجَدّ منك الجَدّ، رواه الجمهور بفتح الجيم في اللفظين، وهو هنا بمعنى: البخت والحظ. ولفظ الجد ينطلق على البخت، والغنى، والعظمة، والسلطان، وأب الأب. ومعناه: لا ينفع من رُزِق مالا وولدًا أَو جاهًا دنيويًا شيء من ذلك عندك، وهذا كما قال تعالى: ﴿يَومَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ﴾ إِلَّا مَن أَتَى اللَّهَ بِقَلبٍ سَلِيمٍ. وحُكي عن الشيباني في الحرفين: كسر الجيم، وقال: معناه: لا ينفع ذا الاجتهاد والعمل منك اجتهاده وعمله. قال الطبري: وهذا خلاف ما عرفه أهل النقل، ولا نُعلم من قاله غيره، وضعفه. قال غيره: والمعنى الذي أشار إليه الشيباني صحيح، ومراده: أن العمل لا ينجي صاحبه. وإنما النجاة بفضل الله ورحمته؛ كما جاء في الحديث: لن ينجي أحدًا منكم عمله (١). . الحديث.\nوقوله في حديث ابن أبي أوفى: اللهم طهرني بالثلج والبرد وماء البارد: استعارة للمبالغة في التنظُّيف من الذنوب، وماء البارد: من باب إضافة الشيء إلى صفته، وقد تقدم ذكرها.\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٥٣٧)، والبخاري (٦٤٦٣)، ومسلم (٢٨١٦) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"2","page":84},{"text":"رواه أحمد (٤/ ٣٥٤ و٣٥٦)، ومسلم (٤٧٦) (٢٠٤)، وأبو داود (٨٧٦)، والترمذي (٣٥٤١)، وابن ماجه (٨٧٨).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>(٢٩) باب النهي عن القراءة في الركوع والسجود</span>\n[٣٧٧]- عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَشَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - السِّتَارَةَ، وَالنَّاسُ صُفُوفٌ خَلفَ أَبِي بَكرٍ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّهُ لَم يَبقَ مِن مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلا الرُّؤيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا المُسلِمُ أَو تُرَى لَهُ، أَلا وَإِنِّي نُهِيتُ أَن أَقرَأَ القُرآنَ رَاكِعًا أَو سَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ،\nــ\n(٢٩) [ومن باب: النهي عن القراءة في الركوع والسجود] (١)\nقوله: أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه في الدعاء. مذهب الجمهور: كراهة القراءة والدعاء في الركوع، وقال الشافعي والكوفيون: يقول في الركوع: سبحان ربي العظيم، وفي السجود: سبحان ربي الأعلى؛ اتّباعًا لحديث عقبة (٢)، وكلهم على استحباب ذلك. وذهب بعضهم إلى وجوب ذلك في الركوع والسجود، وذهب إسحاق وأهل الظاهر إلى وجوب الذكر فيهما دون تعيين، وأنه يعيد الصلاة من تركه. وفي المبسوط عن يحيى بن يحيى، وعيسى بن دينار من أئمتنا، فيمن لم يذكر الله في ركوعه ولا سجوده:\n_________\n(١) هذا العنوان لم يرد في الأصول، وأثبتناه من التلخيص.\n(٢) رواه أبو داود (٨٧٠).","vol":"2","page":85},{"text":"فَقَمِنٌ أَن يُستَجَابَ لَكُم.\nوَفِي رِوَايَةٍ: كَشَفَ السِّترَ وَرَأسُهُ مَعصُوبٌ، فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، قَالَ: اللهُمَّ هَل بَلَّغتُ. ثَلاثَ مَرَّاتٍ: إِنَّهُ لَم يَبقَ مِن مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلا الرُّؤيَا يَرَاهَا العَبدُ الصَّالِحُ، أَو تُرَى لَهُ.\nرواه أحمد (١/ ٢١٩)، ومسلم (٤٧٩)، وأبو داود (٨٧٦)، والنسائي (٢/ ١٨٩)، وابن ماجه (٣٨٩٩).\n[٣٧٨]- وَعَن عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: نَهَانِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ القِرَاءَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَلا أَقُولُ: نَهَاكُم.\nــ\nأنه يعيد الصلاة أبدًا. وقد تأوّل المتأخرون من أصحابنا ذلك عليهما تأويلات بعيدة.\nوقوله: فَقَمَنٌ - بفتح القاف والميم -؛ ومعناه: حقيق وجدير، ويقال: قَمِنٌ بكسر الميم، وقَمن بالفتح: مصدر، وغيره نَعتٌ؛ يُثنّى ويجمع.\nومبشرات النبوة: أول ما يبدو منها، مأخوذ من تباشير الصبح وبشائره، وهو أول ما يبدو منه. وهذا كما تقدم من قول عائشة: أول ما بدئ به رسول الله - ﷺ - من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم (١).\nوقول علي - ﵁ -: نهاني رسول الله - ﷺ -. . . .، ولا أقول نهاكم: لا يدل على خصوصيته بهذا الحكم، وإنما أخبر بكيفية توجُّه صيغة النهي الذي سمعه، فكأن صيغة النهي التي سمع: لا تقرأ القرآن في الركوع، فحافظ حالة التبليغ على\n_________\n(١) رواه البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠)، والترمذي (٣٦٣٦)، وابن ماجه (٨٨٧)، وسبق برقم (١٢٦).","vol":"2","page":86},{"text":"رواه أحمد (١/ ٨١)، ومسلم (٤٨٠) (٢١١)، وأبو داود (٤٠٤٤ - ٤٠٤٦)، والنسائي (٢/ ١٨٨ - ١٨٩).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>(٣٠) باب ما يقال في الركوع والسجود</span>\n(٤٨٤) (٢١٧) [٣٧٩]- عَن عَائِشَةَ، قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُكثِرُ أَن يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبحَانَكَ اللهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمدِكَ، اللهُمَّ اغفِر لِي\nــ\nكيفية ما سمع حالة التحمل، وهذا من باب نقل الحديث بلفظه كما سمع. ولا شك أن مثل هذا اللفظ مقصور على المخاطب من حيث اللغة، ولا يُعَدَّى إلى غيره إلا بدليل من خارج؛ إما عام كقوله - ﵊ - حكمي على الواحد كحكمي على الجميع (١)؛ أو خاص في ذلك الحكم؛ كقوله: نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا (٢).\n(٣٠) [ومن باب: ما يقال في الركوع والسجود] (٣)\nقوله: سبحانك اللهم وبحمدك؛ سبحانك: اسم علم لمصدر سَبَّح، وقع موقعه، فنصب نصبه، وهو لا ينصرف؛ للتعريف والألف والنون الزائدتين كعثمان، ومعناه: البراءة لله من كل نقص وسوء. وهو في الغالب مما لا ينفصل عن الإضافة، وقد جاء منفصلا عنها في قول الأعشى شاذًّا:\nأقول لَمَّا جاءني فخرُه ... سبحان مِن عَلقَمَة الفاخِرِ!\n_________\n(١) قال العراقي في تخريج أحاديث البيضاوي: ليس له أصل بهذا اللفظ، وقال في الدرر: لا يُعرف، وسُئِل عنه المزي والذهبي فأنكراه. (كشف الخفاء ١١٦١).\n(٢) هو من حديث ابن عباس. انظره في التلخيص (٣٧٧).\n(٣) هذا العنوان لم يرد في الأصول، وأثبتناه من التلخيص.","vol":"2","page":87},{"text":"يَتَأَوَّلُ القُرآنَ.\nرواه أحمد (٦/ ٤٩)، والبخاري (٧٩٤)، ومسلم (٤٨٤) (٢١٧)، وأبو داود (٨٧٧)، والنسائي (٢/ ٢١٩)، وابن ماجه (٨٨٩).\n[٣٨٠] وَعَنهَا، قَالَتِ: افتَقَدتُ النَّبِيَّ - ﷺ - ذَاتَ لَيلَةٍ، فَظَنَنتُ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى بَعضِ نِسَائِهِ، فَتَحَسَّستُ، ثُمَّ رَجَعتُ، فَإِذَا هُوَ رَاكِعٌ أَو سَاجِدٌ\nــ\nوقد أشربه في هذا البيت معنى التعجب؛ فكأنه قال تعجبًا: مِن علقمة! هذا قول حذاق النحويين وأئمتهم. وقد ذهب بعضهم إلى أن سبحان جمع سِبَاحٍ، من: سَبَح يَسبَحُ في الأرض: إذا ذهب فيها سَبحًا وسُبحانًا. وهذا كَحِسابٍ وحُسبَان. وقيل: جمع سَبِيحٍ للمبالغة من التسبيح؛ مثل: خبير، وعليم، ويجمع: سبحان؛ كقضيب، وقضبان. وهذان القولان باطلان؛ بدليل عدم صرفه كما ذكرناه من بيت الأعشى.\nوقوله: وبحمدك؛ متعلق بفعل محذوف دلّ عليه التسبيح؛ أي: بحمدك سبَّحتُكَ؛ أي: بتفضلك وهدايتك. هذا قولهم، وكأنهم لاحظوا أن الحمد هنا بمعنى الشكر.\nقال الشيخ - ﵀ -: ويظهر لي وجه آخر، وهو إبقاء معنى الحمد على أصله كما قررناه أوّل الكتاب، ويكون إثباتا للسبب، ويكون معناه: بسبب أنك موصوف بصفات الكمال والجلال؛ سبَّحَكَ المسبِّحون، وعَظَّمَكَ المعظِّمون، والله تعالى أعلم [بغيبه وأحكم] (١).\nوقوله: يتأوَّل القرآن؛ معناه: يَمتثل ما آل إليه معنى القرآن في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصرُ اللَّهِ وَالفَتحُ﴾ وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى.\n_________\n(١) من (م).","vol":"2","page":88},{"text":"يَقُولُ: سُبحَانَكَ وَبِحَمدِكَ. لا إِلهَ إِلا أَنتَ، فَقُلتُ: بِأَبِي أَنتَ وَأُمِّي! إِنِّي لَفِي شَأنٍ، وَإِنَّكَ لَفِي آخَرَ.\nرواه أحمد (٦/ ١٩٠)، ومسلم (٤٨٥)، والترمذي (٣٤٩١)، والنسائي (٢/ ٢٢٣ و٢٢٥).\n[٣٨١]- وَعَنهَا، قَالَت: فَقَدتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَيلَةً مِنَ الفِرَاشِ، فَالتَمَستُهُ، فَوَقَعَت يَدِي عَلَى بَطنِ قَدَمِيهِ وَهُوَ فِي المَسجِدِ وَهُمَا مَنصُوبَتَانِ، وَهُوَ يَقُولُ: اللهُمَّ إني أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِن سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِن عُقُوبَتِكَ،\nــ\nوقولها: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! أي: بأبي أنت وأمي تُفدى من المكاره، وهو كلام يستعملونه في محل المَحبة والمبالغة في الإكرام والاحترام، وقد صرَّحوا بذلك المعنى المقدر، فقالوا: فداك أبي وأمي، وجعلني الله فداك، ويقولونه بكسر الفاء والمدّ والهمز، وبفتح الفاء، والقصر.\nوقوله: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك ... الحديث. اللهم هي: الله، زيدت عليها الميم عوضًا من حرف النداء، ولذلك لا يجمع بينهما إلا في الشاذّ؛ في قوله:\nوما عليك أن تقولي كُلَّما ... سبَّحتِ أو هَلَّلتِ: يا اللهما\nهذا قول جمهور النحويين. وقد قيل: معنى اللهم: يا الله! آمِنا بخير، فأبدل من همزة آمِنا ميما، وأدغمت في ميم آمِنا، وهذا الحكم لا يشهد له دليل ولا صحيح تعليل.\nقال القاضي - ﵀ -: وسخطه، ومُعافاتُه، وعقوبته من صفات أفعاله، فاستعاذ من المكروه منهما إلى المَحبوب، ومن الشر إلى الخير.\nقال الشيخ - ﵀ -: ثم ترقّى عن الأفعال إلى مُنشِئ الأفعال، فقال: وبك منك","vol":"2","page":89},{"text":"وَأَعُوذُ بِكَ مِنكَ، لا أُحصِي ثَنَاءً عَلَيكَ، أَنتَ كَمَا أَثنَيتَ عَلَى نَفسِكَ.\nرواه أحمد (٦/ ٢٠١)، ومسلم (٤٨٦)، وأبو داود (٨٧٩)، وابن ماجه (٣٨٤١).\n[٣٨٢]- وَعَنهَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبُّ المَلائِكَةِ وَالرُّوحِ.\nــ\nمشاهدة للحق، وغيبة عن الخلق. وهذا محض المعرفة الذي لا يُعَبَّر عنه قول، ولا تضبطه صفة.\nوقوله: لا أحصي ثناء عليك؛ أي: لا أطيقه؛ أي: لا أنتهي إلى غايته، ولا أحيط بمعرفته؛ كما قال - ﷺ - مخبرًا عن حاله في المقام المحمود حين يخرُّ تحت العرش للسجود، قال: فأحمده بمحامد لا أقدر عليها، إلا أن يُلهِمنِيهَا الله (١). وروي عن مالك: لا أحصي نعمتك وإحسانك والثناء عليك، وإن اجتهدت في ذلك. والأول أولى لما ذكرناه؛ ولما جاء في نص الحديث نفسه: أنت كما أثنيت على نفسك. ومعنى ذلك: اعتراف بالعجز عن أداء وفهم ما يريده الله من الثناء على نفسه وبيان صَمَدِيَّتِه، وقُدُّوسِيَّته، وعظمته، وكبريائه، وجبروته ما لا يُنتَهَى إلى عَدِّه، ولا يوصل إلى حدِّه، ولا يحصِّله عقل، ولا يحيط به فكر. وعند الانتهاء إلى هذا المقام انتهت معرفة الأنام؛ ولذلك قال الصديق الأكبر: العجز عن درك الإدراك إدراك. وقال (٢) بعض العارفين في تسبيحه: سبحان من رضي في معرفته بالعجز عن معرفته.\nوقوله: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، يقال: سُبُّوح قُدُّوس - بضم\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٢٤٨)، والبخاري (٧٤١٠)، ومسلم (١٩٣) من حديث أنس ﵁.\n(٢) في (ل): روي.","vol":"2","page":90},{"text":"رواه أحمد (٦/ ٣٥ و٩٤)، ومسلم (٤٨٧) (٢٢٣)، وأبو داود (٨٧٢)، والنسائي (٢/ ٢٢٤).\n[٣٨٣]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: أَقرَبُ مَا يَكُونُ العَبدُ مِن رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكثِرُوا الدُّعَاءَ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٢١)، ومسلم (٤٨٢)، وأبو داود (٨٧٥)، والنسائي (٢/ ٢٢٦).\n(٤٨٣) [٣٨٤]- وَعَنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: اللهُمَّ اغفِر لِي ذَنبِي كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجِلَّهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، وَعَلانِيَتَهُ وَسِرَّهُ.\nــ\nالسين والقاف وفتحهما -، مرفوعان على خبر المبتدأ المضمر، تقديره: أنت سُبُّوح قدُّوس، وقد قيلا بالنصب فيهما على إضمار فعل؛ أي: أَعظِم، أو: أذكُر، أو: أعبُد، وعُدِلا عن التسبيح، والتقديس للمبالغة. وقد تقدّم معنى: سبحان، وأما القُدُّوس [فهو من القُدُس] (١)؛ وهي الطهارة. والقَدَسُ: السَّطلُ الذي يُستقى به، ومنه: البيت المُقَدَّس؛ أي: المُطَهَّر.\nورَبُّ الملائكة؛ أي: مالكهم وخالقهم ورازقهم؛ أي: مصلح أحوالهم، وقد تقدم الكلام في الملائكة. والرُّوح هنا: جبريل - ﵇ -؛ كما قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ عَلَى قَلبِكَ، وخَصَّه بالذكر وإن كان من الملائكة تشريفًا وتخصيصًا؛ كما قال تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ فخصَّهما بالذكر تشريفًا لهما.\nوقوله: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد: هذا قرب بالرتبة والكرامة، لا بالمسافة والمساحة؛ إذ هو مُنَزَّهٌ عن المكان والزمان.\nوقوله: اللهم اغفر لي ذنبي كله ... الحديث. فيه دليل على نسبة الذنوب\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).","vol":"2","page":91},{"text":"رواه مسلم (٤٨٣)، وأبو داود (٨٧٨).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>(٣١) باب الترغيب في كثرة السجود، وعلى كم يسجد؟ وفيمن صلى معقوص الشعر</span>\n[٣٨٥]- عَن مَعدَانُ بنُ أَبِي طَلحَةَ اليَعمَرِيُّ، قَالَ: لَقِيتُ ثَوبَانَ مَولَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقُلتُ: أَخبِرنِي بِعَمَلٍ أَعمَلُهُ يُدخِلُنِي اللهُ بِهِ الجَنَّةَ، أَو قَالَ: قُلتُ: بِأَحَبِّ الأَعمَالِ إِلَى اللهِ. فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلتُهُ فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلتُهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: سَأَلتُ عَن ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَقَال: عَلَيكَ بِكَثرَةِ السُّجُودِ، فَإِنَّكَ\nــ\nإليه. وقد اختلف الناس في ذلك، فمنهم من يقول: الأنبياء كلهم معصومون من الكبائر والصغائر. وذهبت شرذمة من الروافض إلى تجويز كل ذلك عليهم إلا ما يناقض مدلول المعجزة؛ كالكذب والكفر. وذهب المقتصدون: إلى أنهم معصومون عن الكبائر إجماعًا سابقًا خلاف الروافض، ولا يُعتَدّ بخلافهم؛ إذ قد حكم بكفرهم كثير من العلماء. وللكلام في هذه المسألة تصانيف قد دُوِّنت فيها.\n[(٣١) ومن باب: الترغيب في كثرة السجود وعلى كم يسجد] (١)\nقوله في حديث ثوبان - وقد سئل عن أحب الأعمال إلى الله؟ فقال: عليك بكثرة السجود. الحديث دليل على أن السجود أفضل من طول القيام، وهي مسألة اختلف العلماء فيها. فذهبت طائفة إلى ظاهر هذا الحديث، وذهبت طائفة أخرى إلى أن طول القيام أفضل؛ متمسكين بقوله - ﵊ -: أفضل\n_________\n(١) هذا العنوان لم يرد في الأصول، وأثبتناه من التلخيص.","vol":"2","page":92},{"text":"لا تَسجُدُ لِلَّهِ سَجدَةً إِلا رَفَعَكَ اللهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنكَ بِهَا خَطِيئَةً. قَالَ مَعدَانُ: ثُمَّ لَقِيتُ أَبَا الدَّردَاءِ فَسَأَلتُهُ، فَقَالَ: لِي مِثلَ مَا قَالَ لي ثَوبَانُ.\nرواه أحمد (٥/ ٢٧٦)، ومسلم (٤٨٨)، والترمذي (٣٨٨)، والنسائي (٢/ ٢٢٨).\n[٣٨٦]- وَعَن رَبِيعَةَ بنِ كَعبٍ الأَسلَمِيِّ؛ قَال: كُنتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فأتيته بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَقَالَ لِي: سَل فَقُلتُ: أَسأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الجَنَّةِ. قَالَ: أَو غَيرَ ذَلِكَ؟ قُلتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: فَأَعِنِّي عَلَى نَفسِكَ بِكَثرَةِ السُّجُودِ.\nرواه أحمد (٤/ ٥٧ و٥٨)، ومسلم (٤٨٩)، وأبو داود (١٣٢٠)، والنسائي (٢/ ٢٢٧ - ٢٢٨).\nــ\nالصلاة القنوت (١)، وفسّروا القنوت بالقيام كما قال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ ذكر هذه المسألة والخلاف فيها الترمذي، والصحيح من فعل النبي - ﷺ - أنه كان يطوِّل في قيام صلاة الليل، وداوم على ذلك إلى حين موته، فدلّ على أن طول القيام أفضل. ويحتمل أن يُقال: إن ذلك يرجع إلى حال المصلي؛ فرب مصلٍّ يحصل له في حال القيام من الحضور والتدبر والخشوع ما لا يحصل له في السجود، ورب مصلٍّ يحصل له في السجود من ذلك ما لا يحصل له في القيام، فيكون الأفضل في حقه: الحال التي حصل له فيها ذلك المعنى؛ الذي هو روح الصلاة، والله تعالى أعلم.\nوقوله في حديث ربيعة: أَو غَيرَ ذلك؛ رويناه بإسكان الواو من أَو، ونصب غيرَ؛ أي: أو: سل غير ذلك؛ كأنه حَضَّه على سؤال شيء آخر غير مرافقته؛\n_________\n(١) رواه مسلم (٧٥٦)، والترمذي (٣٨٧) من حديث جابر بن عبد الله ﵄.","vol":"2","page":93},{"text":"[٣٨٧]- وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: أُمِرتُ أَن أَسجُدَ عَلَى سَبعَةِ أَعظُمٍ: الجَبهَةِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ على أَنفِهِ - وَاليَدَينِ، وَالرِّجلَينِ، وَأَطرَافِ القَدَمَينِ، وَلا نَكفِتَ الثِّيَابَ وَلا الشَّعرَ.\nــ\nلأنه فهم منه أن يطلب المساواة معه في درجته، وذلك مما لا ينبغي لغيره. فلمّا قال الرجل: هو ذاك؛ قال له: أعِنِّي على نفسك بكثرة السجود؛ أي: الصلاة؛ ليزداد من القرب ورفعة الدرجات، حتى يقرب من منزلته، وإن لم يُساوِهِ فيها. ولا يعترض هذا بقول النبي - ﷺ - فيما رواه حذيفة ليلة الأحزاب: ألا رجل يأتيني بخبر القوم؛ جعله الله معي يوم القيامة (١)؛ لأن هذا مثل قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنعَمَ اللَّهُ عَلَيهِم﴾ الآية؛ لأن هذه المَعِيَّة هي النجاة من النار، والفوز بالجنة، إلا أن أهل الجنة على مراتبهم ومنازلهم بحسب أعمالهم وأحوالهم. وقد دلّ على هذا أيضا قوله - ﵊ -: المرء مع من أحب، وله ما اكتسب (٢).\nوقوله: أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة - وأشار بيده على أنفه -؛ هذا يدل على أن الجبهة الأصل في السجود، وأن الأنف تبع. وقد اختلف العلماء فيمن اقتصر على أحدهما دون الآخر على ثلاثة أقوال: الإجزاء، ونَفيُهُ، والتفرقة؛ فإن اقتصر على الجبهة أجزأه، وإن اقتصر على الأنف لم يُجزئِه، وهو مشهور مذهبنا. وقد سَوَّى في هذا الحديث في الأمر بكيفية السجود بين الوجه واليدين والركبتين والقدمين، فدلّ هذا الظاهر: على أن من أخَلَّ بعضو من تلك الأعضاء مع تمكُّنِه من ذلك لم يفعل المأمور به.\nوقوله: ولا نكفتَ الشعر ولا الثياب: الكَفتُ: الضَّمُّ، وكذلك الكَفُّ\n_________\n(١) رواه مسلم (١٧٨٨) من حديث حذيفة ﵁. وانظر: عيون الأثر (٢/ ٩٨).\n(٢) رواه الترمذي (٢٣٨٦) من حديث أنس ﵁.","vol":"2","page":94},{"text":"رواه أحمد (١/ ٢٩٢ و٣٠٥)، والبخاري (٨١٢)، ومسلم (٤٩٠) (٢٣٠)، وأبو داود (٨٨٩)، والترمذي (٢٧٣)، والنسائي (٢/ ٢٠٨).\n[٣٨٨]- وَعَنهُ، أَنَّه رَأَى عَبدَ اللهِ بنَ الحَارِثِ يُصَلِّي وَرَأسُهُ مَعقُوصٌ مِن وَرَائِه، فَقَامَ فَجَعَلَ يَحُلُّهُ، فَلَمَّا انصَرَفَ أَقبَلَ إِلَى ابنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: مَا لَكَ وَرَأسِي؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: إِنَّمَا مَثَلُ هَذَا مَثَلُ الَّذِي يُصَلِّي وَهُوَ مَكتُوفٌ.\nرواه أحمد (١/ ٣٠٤)، ومسلم (٤٩٢)، وأبو داود (٦٤٧)، والنسائي (٢/ ٢١٦).\n* * *\nــ\nأيضًا، ومنه: ﴿أَلَم نَجعَلِ الأَرضَ كِفَاتًا﴾ وظاهر هذا الحديث يقتضي: أن الكَفتَ المنهيَّ عنه إنما هو في حال الصلاة، وذلك لأنه شغل في الصلاة لم تدع إليه حاجة، أو لأنه يرفع شعره وثوبه من مباشرة الأرض في السجود فيكون كبرًا. وذهب الداودي: إلى أن ذلك لمن فعله في الصلاة. قال عياض: ودليل الآثار وفعل الصحابة يخالفه.\nوالشعر المَعقُوص: هو المضفور المربوط، وحلُّ عبد الله بن عباس عَقِيصَةَ (١) عبد الله بن الحارث في الصلاة دليل على تغليظ المنع من ذلك. ولم يأمره بالإعادة، وهو مجمع عليه؛ على ما حكاه الطبري. وقد حكى ابن المنذر فيه الإعادة عن الحسن البصري وحده، وذلك - والله أعلم - لما جاء: أن الشعر يسجد معه، ولهذا مَثَّلَهُ بالذي يصلي وهو مكتوف.\n* * *\n_________\n(١) في (ع): ضفيرة.","vol":"2","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>(٣٢) باب كيفية السجود</span>\n[٣٨٩]- عَن أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: اعتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلا يَبسُط أَحَدُكُم ذِرَاعَيهِ انبِسَاطَ الكَلبِ.\nرواه أحمد (٣/ ١١٥ و١٧٧)، والبخاري (٥٣٢)، ومسلم (٤٩٣)، وأبو داود (٨٩٧)، والترمذي (٢٧٦)، والنسائي (٢/ ٢١١ - ٢١٢)، وابن ماجه (٨٩٢).\n[٣٩٠]- وَعَنِ البَرَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ - إذا سَجَدتَ فَضَع كَفَّيكَ، وَارفَع مِرفَقَيكَ.\nرواه أحمد (٤/ ٢٨٣ و٢٩٤)، ومسلم (٤٩٤)، والترمذي (٢٧١).\nــ\n(٣٢) ومن باب: كيفية السجود\nقوله في حديث أنس: ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب؛ انبساط: مصدر - على غير مصَدرِ - يَبسُطُ، لكن لما كان انبَسَطَ من بَسَطَ؛ جاء المصدر عليه؛ كقوله: ﴿وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِنَ الأَرضِ نَبَاتًا﴾ كأنه قال: أنبتكم، فَنَبَتُّم نباتًا. ومثل هذا الحديث نهيه - ﵊ - أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السَّبُعِ، ولا شك في كراهية هذه الهيئة، ولا في استحباب نقيضها، وهي التَّجنيح المذكور في الأحاديث بعد هذا من فعله - ﵊ -، وهو التَّفرِيج والتَّخوِيَة. والحكمة في كراهية تلك واستحباب هذه: أنه إذا جَنَّح كان اعتماده على يديه فيخفّ اعتماده على وجهه، ولا يتأثر أنفه، ولا جبينه، ولا يتأذَّى بملاقاة الأرض، فلا يَتَشَوَّش هو في الصلاة، بخلاف ما إذا بسط يديه فإنه يكون اعتماده على وجهه، وحينئذٍ يتأذى، ويُخاف عليه التشويش. ووقع في رواية السمرقندي:","vol":"2","page":96},{"text":"[٣٩١]- وَعَن عَمرِو بنِ الحَارِثِ؛ قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا سَجَدَ يُجَنِّحُ فِي سُجُودِهِ حَتَّى يُرَى وَضَحُ إِبطَيهِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ إذا سَجَدَ فَرَّجَ يَدَيهِ عَن إبِطَيهِ، حَتى إنِي لأرَى بَيَاضَ إبِطَيهِ.\nرواه أحمد (٥/ ٣٤٥)، ومسلم (٤٩٥) (٢٣٦).\n[٣٩٢]- وَعَن مَيمُونَةَ زَوجِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا سَجَدَ خَوَّى بِيَدَيهِ - تَعنِي جَنَّحَ - حَتَّى يُرَى وَضَحُ إِبطَيهِ مِن وَرَائِهِ. وَإِذَا قَعَدَ اطمَأَنَّ عَلَى فَخِذِهِ اليُسرَى.\nــ\nيَجنَحُ، مُخَفَّفًا، ولا معنى له، بل الصواب التشديد.\nووضح الإبطين: بياضهما. وهذا إنما كان يُبصَرُ منه ذلك إذا كان في ثوب يلتحف به، ويعقد طرفيه خلفه، فإذا سجد جافى عضديه عن إبطيه فيرى وضحهما. ويحتمل أن يريد الراوي: موضع وضحهما لو لم يكن عليه ثوب. والله تعالى أعلم.\nوقول ميمونة: كان - ﵊ - إذا سجد لو شاءت بَهمَة أن تمرّ بين يديه، وكذا صحَّت الرواية محذوف جواب لو للعلم به. فكأنه قال: لَمَرَّت. والبهمة: من أولاد الضأن (١)، يقال ذلك للذكر والأنثى، وجمعه: بَهم، قاله أبو عبيد في غريبه. وقال ابن خالويه: وجمع البهم بِهَام.\nوهذا الحديث يدل على شدة رفع بطنه عن الأرض وتجنيحه. وهذا كله حكم الرجال. فأما النساء، فحكمهن عند مالك حكم الرجال، إلا أنه يستحب لهن\n_________\n(١) في (ل) و(م): الغنم.","vol":"2","page":97},{"text":"قَالَ وَكِيعٌ في وَضَحُ الإِبطَينِ: يَعنِي بَيَاضَهُمَا.\nرواه أحمد (٦/ ٣٣٣)، ومسلم (٤٩٧)، وأبو داود (٨٩٨)، والنسائي (٢/ ٢١٣).\n[٣٩٣] وعَن مَيمُونَةَ، قَالَتِ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا سَجَدَ لَو شَاءَت بَهمَةٌ أَن تَمُرَّ بَينَ يَدَيهِ.\nرواه أحمد (٦/ ٣٣٢ و٣٣٥)، ومسلم (٤٩٦).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>(٣٣) باب تحريمُ الصلاةِ التكبيرُ، وتحليلُها التسليمُ</span>\n[٣٩٤]- عَن عَائِشَةِ، قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَستَفتِحُ الصَّلاةَ\nــ\nالانضمام والاجتماع، وخيَّرهن الكوفي (١) في الانفراج والانضمام. وذهب بعض السلف إلى أن سُنَّتهن التربُّع. وحكم الفرائض والنوافل في هذا سواء.\n(٣٣) ومن باب: تحريم الصلاة التكبير، وتحليلها التسليم\nهذه الترجمة هي نصُّ حديث عليّ الصحيح الذي خرّجه أبو داود (٢)، وحديث عائشة موافق له بالفعل. وفي هذه الترجمة ردٌّ على أبي حنيفة حيث لا يشترط في الدخول في الصلاة التكبير. وفيه أيضًا ردٌّ على الشافعي - ﵀ - حيث يرى أن\n_________\n(١) هو أبو حنيفة.\n(٢) رواه أبو داود (٦١)، وأوله: \"مفتاح الصلاة الطهور\".","vol":"2","page":98},{"text":"بِالتَّكبِيرِ، وَالقِرَاءَةَ بـ الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ. وَكَانَ إِذَا رَكَعَ لَم يُشخِص رَأسَهُ وَلَم يُصَوِّبهُ، وَلَكِن بَينَ ذَلِكَ. وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ لَم يَسجُد حَتَّى يَستَوِيَ قَائِمًا. وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ السَّجدَةِ لَم يَسجُد حَتَّى يَستَوِيَ جالسا. وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكعَتَينِ التَّحِيَّةَ. وَكَانَ يَفرِشُ رِجلَهُ اليُسرَى وَيَنصِبُ رِجلَهُ اليُمنَى. وَكَانَ يَنهَى عَن عُقبَةِ الشَّيطَانِ، وَيَنهَى أَن\nــ\nالبسملة من الفاتحة، وأنها لا بدّ من قراءتها في الصلاة في أول الفاتحة؛ لأن عائشة قالت: كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين، وهذا إنما يتضح إذا خفضنا القراءة عطفًا على التكبير، كما (١) اختاره بعض من لقيناه. وقد قيدته بالنصب عطفًا على الصلاة عن غيره، ويكون فيه أيضًا حجّة على الشافعي، إلا أن الوجه الأول أوضح، فتأمّله.\nوقولها: لم يُشخِص رأسه ولم يصوِّبه؛ تعني: لم يرفع رأسه بحيث يُرى أنه شخص ولم ينزله. وهو من: صَابَ يصوب؛ إذا نزل. وفيه حجّة لمالك - ﵀ - على مختاره من كيفية الجلوس في الصلاة، وفيه حجة على من لم يوجب الاعتدال في الرفع من السجود، وفيه دليل على مشروعية التشهدين في الصلاة. وجمهور الفقهاء على أنهما سنّتان، وليستا بواجبتين، إلا أحمد بن حنبل وطائفة من أصحاب الحديث. وقد روي عن الشافعي: أن التشهد الأخير واجب. وروى أبو مصعب نحوَ ذلك عن مالك. ومستند الجمهور: كون النبي - ﷺ - سها عن الجلوس والتشهد، فاجتزأ عنه بسجود السهو.\nوقولها: وكان ينهى عن عقبة الشيطان، وفي رواية: عن عقب الشيطان. قال الهروي، عن أبي عبيد: عقب الشيطان: هو أن يضع أليَتَيه على عقبيه بين السجدتين، وهو الذي يجعله بعض الناس الإقعاء، وسيأتي في حديث ابن عباس.\n_________\n(١) في (ل) كذا.","vol":"2","page":99},{"text":"يَفتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيهِ افتِرَاشَ السَّبُعِ. وَكَانَ يَختِمُ الصَّلاةَ بِالتَّسلِيمِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ يَنهَى عَن عَقِبِ الشَّيطَانِ.\nرواه أحمد (٦/ ١١٠)، ومسلم (٤٩٨)، وأبو داود (٧٨٣)، وابن ماجه (٨١٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>(٣٤) باب في سترة المصلي وأحكامها</span>\n[٣٩٥]- عن مُوسَى بنِ طَلحَةَ، عَن أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي وَالدَّوَابُّ تَمُرُّ بَينَ أَيدِينَا، فَذَكَروا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: مِثلُ مُؤخِرَةِ الرَّحلِ تَكُونُ بَينَ يَدَي أَحَدِكُم، ثُمَّ لا يَضُرُّهُ مَا مَرَّ بَينَ يَدَيهِ.\nــ\nوروي عن الطبري: عُقَب بضم العين وفتح القاف، وهو جمع عُقبَة، كغرفة وغرف، والمُحدثون يقولون: عَقِب بفتح العين، وكسر القاف.\nوقولها: وكان يختم الصلاة بالتسليم: حجّة على أبي حنيفة - ﵀ - والأوزاعي والثوري؛ حيث لم يشترطوا في الخروج من الصلاة التسليم، وحديث جَلِيٌّ في المسألة كما قدمناه.\n(٣٤) ومن باب: سترة المصلي\nقوله: مِثلُ مُؤخِرَةِ الرَّحلِ؛ هو العود الذي يكون في آخر الرحل؛ بضم الميم، وكسر الخاء، قاله أبو عبيد. وحكى ثابت فيه فتح الخاء، وأنكره ابن قتيبة،","vol":"2","page":100},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: مَن مَرَّ بَينَ يَدَيهِ.\nرواه أحمد (١/ ١٦١ و١٦٢)، ومسلم (٤٩٩) (٢٤٢)، وأبو داود (٦٨٥)، والترمذي (٣٣٥)، وابن ماجه (٩٤٠).\n[٣٩٦]- وَعَن عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - سُئِلَ فِي غَزوَةِ تَبُوكَ عَن سُترَةِ المُصَلِّي فَقَال: كَمُؤخِرَةِ الرَّحلِ.\nرواه مسلم (٥٠٠) (٢٤٤)، والنسائي (٢/ ٦٢).\n[٣٩٧]- وَعَنِ ابنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا خَرَجَ يَومَ العِيدِ أَمَرَ بِالحَربَةِ فَتُوضَعُ بَينَ يَدَيهِ، فَيُصَلِّي إِلَيهَا، وَالنَّاسُ وَرَاءَهُ. وَكَانَ يَفعَلُ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ. فَمِن ثَمَّ اتَّخَذَهَا الأُمَرَاءُ.\nرواه أحمد (٢/ ١٣)، والبخاري (٤٩٨)، ومسلم (٥٠١) (٢٤٥)، وأبو داود (٦٨٧)، والنسائي (٢/ ٦٢)، وابن ماجه (٩٤١).\nــ\nوأنكر ابن مَكِّي أن يقال: مُقدِم أو مُؤخِر بالكسر إلا في العين خاصة، وغيره بالفتح. ورواه بعض الرواة: مؤَخّرة بفتح الواو وشدّ الخاء. وقدر السترة عند مالك: الذراع في غلظ الرمح التفاتًا لهذا الحديث، وإلى صلاته - ﷺ - إلى العنزة. وهي من فضائل الصلاة ومستحباتها عند مالك. وحكمتها: كَفّ البصر والخاطر عما وراءها بذلك. ثم فيها كَفٌّ عن دُنُوِّ ما يشغله من خاطر، ومنصرف مشوِّش. وانفرد أحمد بن حنبل بإجزاء الخط سترة؛ لحديث رواه لم يصحّ عند غيره. وكونه - ﷺ - يعرض راحلته ويصلي إليها دليل على جواز التستِّر بما يثبت من الحيوان، وأنها ليست بنجسة البول ولا الرَّوث. ولا يعارضه النهي عن الصلاة في معاطن الإبل؛ لأن المعاطن مواضع إقامتها عند الماء واستيطانها، وإذ ذاك تكره الصلاة فيها، إما لشدّة زفورتها ونَتَنِها، وإما لأنهم كانوا يتخلّون بينها متسترين بها.","vol":"2","page":101},{"text":"[٣٩٨]- وَعَنهُ، قال: كَانَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَعرِضُ رَاحِلَتَهُ وَهو يُصَلِّي إِلَيهَا.\nوَفِي رِوَايَةٍ: أنهُ - ﵊ - صَلَّى إِلَى بَعِيرٍ.\nرواه أحمد (٤/ ٣٠٦)، والبخاري (٥٨٥٩)، ومسلم (٥٠٢)، وأبو داود (٦٨٨)، والنسائي (١/ ٨٧).\n[٣٩٩]- وَعَن عَون بن أَبِي جُحَيفَةَ عَن أَبِيهِ، قَالَ: أَتَيتُ النَّبِيَّ - ﷺ - بِمَكَّةَ وَهُوَ بالأَبطَحِ فِي قُبَّةٍ لَهُ حَمرَاءَ مِن أَدَمٍ. قَالَ: فَخَرَجَ بِلالٌ بِوَضُوئِهِ، فَمِن نَائِلٍ وَنَاضِحٍ. قَالَ: فَخَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَيهِ حُلَّةٌ حَمرَاءُ، كَأَنِّي أَنظُرُ إِلَى بَيَاضِ سَاقَيهِ. قَالَ: فَتَوَضَّأَ. وَأَذَّنَ بِلالٌ. قَالَ: فَجَعَلتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَا هُنَا وَهَا هُنَا، يَقُولُ يَمِينًا وَشِمَالا. يَقُولُ: حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ، حَيَّ عَلَى الفَلاحِ. قَالَ: ثُمَّ رُكِزَت لَهُ عَنَزَةٌ، فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى الظُّهرَ رَكعَتَينِ، يَمُرُّ بَينَ\nــ\nوقوله في حديث أبي جُحَيفَةَ: بالأبطح؛ هو موضع خارج مكة، قريبًا منها. والأَدَمُ: الجِلدُ. والوَضَوء - بالفتح -: الماء الذي يُتَوضَّأَ به، وبالضَّمِّ: الفعل. وقد قيل. هما لغتان فيهما. والنَّائِل: الآخذ، والنَّاضِح: المُتمسِّح بالماء؛ كما قال في الرواية الأخرى مفسَّرًا به.\nوقوله: فجعلت أتتبع فاه يمينًا وشمالا؛ يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح؛ حجّة على جواز المؤذِّن للإسماع، كما هو مذهب مالك. غير أن الشافعي - ﵀ - يمنع من الاستدارة بجميع جسده، واختار ملازمة المؤذِّن القبلة، فإن استدار، فبوجهه كما جاء في ظاهر هذا الحديث. والعَنَزَةُ: الحَربَةُ. والحَلَّةُ: كل ثوبين لم يكونا لفقين؛ كقميص ورداء، أو إزار ورداء.","vol":"2","page":102},{"text":"يَدَيهِ الحِمَارُ وَالكَلبُ، لا يُمنَعُ. ثُمَّ صَلَّى العَصرَ رَكعَتَينِ، ثُمَّ لَم يَزَل يُصَلِّي رَكعَتَينِ، حَتَّى رَجَعَ إِلَى المَدِينَةِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: فَرَأَيتُ النَّاسَ يَبتَدِرُونَ ذَلِكَ الوَضُوءَ، فَمَن أَصَابَ مِنهُ شَيئًا تَمَسَّحَ بِهِ، وَمَن لَم يُصِب مِنهُ أَخَذَ مِن بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ. ثُمَّ رَأَيتُ بِلالا أَخرَجَ عَنَزَةً فَرَكَزَهَا، وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي حُلَّةٍ حَمرَاءَ مُشَمِّرًا فَصَلَّى إِلَى العَنَزَةِ بِالنَّاسِ رَكعَتَينِ، وَرَأَيتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ بَينَ يَدَيِ العَنَزَةِ.\nرواه أحمد (٤/ ٣٠٨)، والبخاري (٦٣٤)، ومسلم (٥٠٣) (٢٤٩ و٢٥٠)، والترمذي (١٩٧)، والنسائي (٢/ ٧٣).\n[٤٠٠]- وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَقبَلتُ رَاكِبًا عَلَى أَتَانٍ، وَأَنَا يَومَئِذٍ قَد نَاهَزتُ الاحتِلامَ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى. فَمَرَرتُ بَينَ يَدَيِ\nــ\nوقوله: بين يديه؛ يفسِّره ما جاء في الرواية الأخرى: بين يدي العَنَزة؛ يريد: أمامها. وفي رواية: يَمُرّ من ورائها المرأة والحمار، لا يمنع؛ يعني: أمامها. ووراء من الأضداد؛ كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُم مَلِكٌ﴾؛ أي: أَمَامَهم. واختُلف هل سترة الإمام نفسها سترة لمن خلفه؟ أو هي سترة له خاصة، والإمام سترتهم؟ وسيأتي الكلام على ما يقطع الصلاة. والأَتَان في حديث ابن عباس: أنثى الحمر، ويقال: حمار على الذكر والأنثى؛ كما يقال: فرس على للذكر والأنثى.\nوقوله: ناهزت الاحتلام؛ يعني: قاربت. وهذا يصحح قول الواقدي: إن النبي - ﷺ - توفي وابن عباس ابن ثلاث عشرة سنة. وقال الزبير بن بكار: إنه ولد بالشعب قبل الهجرة بثلاث سنين. وقد روى سعيد بن جبير أن ابن عباس قال: توفي رسول الله - ﷺ - وأنا ابن خمس عشرة سنة. قال ابن حنبل: وهذا هو","vol":"2","page":103},{"text":"الصَّفِّ، فَنَزَلتُ فَأَرسَلتُ الأَتَانَ تَرتَعُ، وَدَخَلتُ فِي الصَّفِّ، فَلَم يُنكِر ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: بِمِنًى فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، يُصَلِّي باِلنَّاسِ، قَالَ: فَسَارَ الحِمَارُ بَينَ يَدَي بَعضِ الصَّفِّ، ثُمَّ نَزَلَ عَنهُ، فَصَفَّ مَعَ النَّاسِ.\nرواه أحمد (١/ ٣٤٢)، والبخاري (٤٩٣)، ومسلم (٥٠٤) (٢٥٤ و٢٥٥)، وأبو داود (٧٠٣ - ٧١٧)، والترمذي (٣٣٧)، والنسائي (٢/ ٦٤ - ٦٥)، وابن ماجه (٩٤٧).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>(٣٥) باب مَنع المصلي مَن مَرَّ بين يديه، والتَّغليِظ في المرور بين يدي المصلي</span>\n[٤٠١]- عَن أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانُ، قَالَ: بَينَمَا أَنَا مَعَ أَبِي سَعِيدٍ يُصَلِّي يَومَ الجُمُعَةِ إِلَى شَيءٍ يَستُرُهُ مِنَ النَّاسِ، إِذ جَاءَ رَجُلٌ شَابٌّ مِن بَنِي أَبِي مُعَيطٍ، أَرَادَ أَن يَجتَازَ بَينَ يَدَيهِ، فَدَفَعَ فِي نَحرِهِ، فَنَظَرَ فَلَم يَرَ مَسَاغًا إِلا بَينَ\nــ\nالصواب. وهذا يردّ رواية من روى عنه: توفي النبي - ﷺ - وأنا ابن (١) عشر سنين.\nوقوله: تَرتَع؛ أي: ترعى، يقال: رتعت الإبل: إذا رَعَت.\n(٣٥) ومن باب: منع المصلي من مرّ بين يديه (٢)\nقوله في حديث أبي سعيد: فإن أَبَى فليدفع في نحره؛ أي: بالإشارة\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٢) هذا العنوان لم يرد في الأصول، وأثبتناه من التلخيص.","vol":"2","page":104},{"text":"يَدَي أَبِي سَعِيدٍ، فَعَادَ فَدَفَعَ فِي نَحرِهِ أَشَدَّ مِنَ الدَّفعَةِ الأُولَى، فَمَثَلَ قَائِمًا، فَنَالَ مِن أَبِي سَعِيدٍ، ثُمَّ زَاحَمَ النَّاسَ، فَخَرَجَ، فَدَخَلَ عَلَى مَروَانَ فَشَكَا إِلَيهِ مَا لَقِيَ، قَالَ: وَدَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ عَلَى مَروَانَ فَقَالَ لَهُ مَروَانُ: مَا لَكَ وَلابنِ أَخِيكَ؟ جَاءَ يَشكُوكَ. فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُم إِلَى شَيءٍ يَستُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَن يَجتَازَ بَينَ يَدَيهِ فَليَدفَع فِي نَحرِهِ، فَإِن أَبَى فَليُقَاتِلهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيطَانٌ.\nرواه أحمد (٣/ ٦٣)، والبخاري (٥٠٩)، ومسلم (٥٠٥) (٢٥٩)، وأبو داود (٦٩٧ و٧٠٠)، والنسائي (٢/ ٦٦)، وابن ماجه (٩٥٤).\n[٤٠٢]- وَعَنِ ابنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: إِذَا كَانَ أَحَدُكُم يُصَلِّي فَلا يَدَع أَحَدًا يَمُرُّ بَينَ يَدَيهِ، فَإِن أَبَى فَليُقَاتِلهُ، فَإِنَّ مَعَهُ القَرِينَ.\nرواه أحمد (٢/ ٨٦)، ومسلم (٥٠٦)، وابن ماجه (٩٥٥).\nــ\nولطيف المنع، فإن أَبَى فليقاتله؛ معناه: يزيد في دفعه الثاني، ويشتدّ في مدافعته، ويغلظ له؛ كما فعل أبو سعيد. وأجمعوا: على أنه لا يلزمه (١) مقاتلته بالسلاح؛ لأن ذلك مخالف لما عُلم من قاعدة الإقبال على الصلاة، والاشتغال بها والسكون فيها؛ ولما عُلم من تحريم دم المسلم وعظم حرمته، ولا يُلتَفَتُ لقول أخرق متأخِّر، لم يفهم سرًّا من أسرار الشريعة، ولا قاعدة من قواعدها\nوقوله: فإنما هو شيطان؛ أي: فعله فعل الشيطان إذا أَبَى إلا التشويش على المصلي. ويحتمل أن يكون معناه: أن الحامل على ذلك الفعل هو الشيطان. ويدلّ عليه قوله في حديث ابن عمر: فإن معه القرين.\n_________\n(١) في (ل): لا يجوز.","vol":"2","page":105},{"text":"[٤٠٣]- وَعَنِ أَبِي جُهَيمٍ الأَنصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: لَو يَعلَمُ المَارُّ بَينَ يَدَيِ المُصَلِّي مَاذَا عَلَيهِ، لَكَانَ أَن يَقِفَ أَربَعِينَ خَيرًا لَهُ مِن أَن يَمُرَّ بَينَ يَدَيهِ.\nقَالَ أَبُو النَّضرِ: لا أَدرِي، قَالَ: أَربَعِينَ يَومًا أَو شَهرًا أَو سَنَةً.\nرواه أحمد (٤/ ١٦٩)، والبخاري (٥١٠)، ومسلم (٥٠٧)، وأبو داود (٧٠١)، والترمذي (٣٣٦)، والنسائي (٢/ ٦٦)، وابن ماجه (٩٤٥).\n* * *\nــ\nوقوله في حديث أبي جُهَيم: لو يعلم المارّ بين يدي المصلي ماذا عليه؛ يعني: من الإثم والتَّبِعَة لكان أن يقف أربعين، وفي مسند البزار: أربعين خريفًا (١). ورواه ابن أبي شيبة: لكان أن يقف مائة عام خير له (٢). وكل هذا تغليظ يدل على تحريم المرور بين يدي المصلي، فإن كان بين يدي المصلي سترة، اختصّ المار بالإثم. وإن لم يكن المصلي في موضع لا يأمن من المرور عليه، اشتركا في الإثم، وهذا قول أصحابنا.\n* * *\n_________\n(١) رواه البزار كما في مجمع الزوائد (٢/ ٦١).\n(٢) رواه ابن ماجه (٩٤٦) من رواية ابن أبي شيبة، وفي إسناده مقال.","vol":"2","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>(٣٦) باب دنو المصلي من سترته وما جاء فيما يقطع الصلاة</span>\n[٤٠٤]- عَن سَهلِ بنِ سَعدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: كَانَ بَينَ مُصَلَّى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَبَينَ الجِدَارِ مَمَرُّ الشَّاةِ.\nرواه البخاري (٤٩٦)، ومسلم (٥٠٨)، وأبو داود (٦٩٦).\n[٤٠٥]- وَعَن سَلَمَةَ وَهُوَ ابنُ الأَكوَعِ، أَنَّه كَانَ يَتَحَرَّى مَوضِعَ مَكَانِ المُصحَفِ يُسَبِّحُ فِيهِ، وَذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَتَحَرَّى ذَلِكَ المَكَانَ، وَكَانَ بَينَ المِنبَرِ وَالقِبلَةِ قَدرُ مَمَرِّ الشَّاةِ.\nــ\n(٣٦) ومن باب: دنو المصلي من سترته (١)\nقوله: كان بين مصلى رسول الله - ﷺ - وبين الجدار مَمَرُّ الشاة: هذا يدل على استحباب القرب من السترة، كما قد جاء عنه نصًّا: إذا صلى أحدكم إلى سترة، فَليَدنُ منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته (٢). ذكره أبو داود. ولا يُعارَضُ حديثُ مَمَرِّ الشاة بحديث صلاة النبي - ﷺ -؛ إذ جعل النبي - ﷺ - بينه وبين الجدار قدر ثلاثة أذرع؛ إذ قد حمل بعض شيوخنا حديث ممرّ الشاة على ما إذا كان قائمًا، وحديث ثلاثة أذرع على ما إذا ركع أو سجد، ولم يحدّ مالك في ذلك حدًّا، إلا أن ذلك بقدر ما يركع فيه ويسجد، ويتمكن من دفع من مرّ بين يديه. وقد قدّره بعض الناس بقدر الشبر، وآخرون بثلاثة أذرع، وآخرون بقدر ستة أذرع، وكل ذلك تحكمات.\nوقوله في حديث ابن الأكوع: كان يتحرَّى الصلاة عند الأُسطُوانة (٣).\n_________\n(١) هذا العنوان لم يرد في الأصول، وأثبتناه من التلخيص.\n(٢) رواه أبو داود (٦٩٥) من حديث سهل بن أبي حثمة ﵁.\n(٣) هذه الرواية في صحيح مسلم (١/ ٣٦٥).","vol":"2","page":107},{"text":"رواه أحمد (٤/ ٥٤)، ومسلم (٥٠٩) (٢٦٣).\n[٤٠٦] وَعَن أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِذَا قَامَ أَحَدُكُم يُصَلِّي فَإِنَّهُ يَستُرُهُ إِذَا كَانَ بَينَ يَدَيهِ مِثلُ آخِرَةِ الرَّحلِ، فَإِذَا لَم يَكُن بَينَ يَدَيهِ مِثلُ آخِرَةِ الرَّحلِ فَإِنَّهُ يَقطَعُ صَلاتَهُ الحِمَارُ وَالمَرأَةُ وَالكَلبُ الأَسوَدُ، قُلتُ: يَا أَبَا ذَرٍّ! مَا بَالُ الكَلبِ الأَسوَدِ مِنَ الكَلبِ الأَحمَرِ مِنَ الكَلبِ الأَصفَرِ؟ قَالَ: يَا ابنَ أَخِي سَأَلتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَمَا سَأَلتَنِي، فَقَالَ: الكَلبُ الأَسوَدُ شَيطَانٌ.\nرواه أحمد (٥/ ١٥١)، ومسلم (٥١٠)، وأبو داود (٧٠٢)، والترمذي (٣٣٨)، والنسائي (٢/ ٦٣)، وابن ماجه (٩٥٢).\nــ\nيتحرَّى: يقصد ويتعمد، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَن أَسلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوا رَشَدًا﴾؛ أي: قصدوا. والأُسطُوانة: السارية. ولا خلاف في جواز الصلاة إليها، إلا أنه يجعلها في حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولا يصمد إليها صمدًا، وكذلك قال النبي - ﷺ -، وكذلك كان يفعل، على ما رواه أبو داود، ولعل هذا كان أول الإسلام؛ لقرب العهد بإِلفِ عبادة الحجارة والأصنام، حتى تظهر المخالفة في استقبال السترة؛ لما كانوا عليه من استقبالهم تلك المعبودات، فأما الصلاة بين الأساطين، فاختلف العلماء ومالك في إجازته وكراهيته إلا عند الضرورة. وعلة المنع: أن الصفوف منقطعة بالأساطين؛ ولأنه رُوي أنه مصلى الجن المؤمنين.\nوقوله: يقطع الصلاة الحمار والمرأة والكلب الأسود. تمسّك بظاهر هذا طائفة من أهل العلم، وقال ابن حنبل: يقطع الصلاة الكلب الأسود، وفي قلبي من الحمار والمرأة شيء. وذهب الجمهور إلى أنه لا يقطع الصلاة مرور شيء بين يدي المصلي؛ لا هذه المذكورات ولا غيرها، متمسِّكين بقوله - ﵊ -:","vol":"2","page":108},{"text":"[٤٠٧]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: يَقطَعُ الصَّلاةَ المَرأَةُ وَالحِمَارُ وَالكَلبُ، وَيَقِي ذَلِكَ مِثلُ مُؤخِرَةِ الرَّحلِ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٢٥)، ومسلم (٥١١)، وابن ماجه (٩٥١).\n* * *\nــ\nلا يقطع الصلاة شيء (١)، وهذا معين لتخصصه: بأن النبي - ﷺ - قد صلى وبينه وبين القبلة عائشة (٢)، وبمرور حمار ابن عباس بين يدي بعض الصف، فلم ينكر ذلك عليه أحد، وبأنه - ﵊ - لَمّا صلى بمنى ورُكزت له العنزة، كان الحمار والكلب يمرّان بين يديه لا يُمنعان، وظاهر هذا بينه وبين العنزة. وفي هذه المعارضة نظر طويل، إذا حُقِّق ظهر به: أنه لا يصلح شيء من هذه الأحاديث لمعارضة الحديث الأول.\nوقوله: الكلب الأسود شيطان؛ حمله بعض العلماء على ظاهره، وقال: إن الشيطان يتصور بصورة الكلاب السود، ولأجل ذلك قال - ﵊ -: اقتلوا منها كل أسود بهيم (٣). وقيل: لما كان الكلب الأسود أشدَّ ضررًا من غيره وأشدّ ترويعًا، كان المُصَلِّي إذا رآه اشتغل عن صلاته؛ فانقطعت عليه لذلك، وكذا تأوَّل الجمهور قوله: يقطع الصلاة المرأة والحمار؛ فإن ذلك مبالغة في الخوف على قطعها وإفسادها بالشغل بهذه المذكورات؛ وذلك أن المرأة تفتن، والحمار ينهق، والكلب يروِّع فيتشوَّش المُتفَكّر في ذلك حتى تنقطع عليه الصلاة وتفسد، فلما كانت هذه الأمور تفيد آيلة إلى القطع، جعلها قاطعة؛ كما قال للمادح: قطعت عنق أخيك (٤)؛ أي: فعلت به فعلا يخاف هلاكه فيه؛ كمن قطع عنقه. وقد ذهب\n_________\n(١) رواه أبو داود (٧١٩) من حديث أبي سعيد ﵁.\n(٢) ساقط من (ع).\n(٣) رواه أحمد (٤/ ٨٥) من حديث عبد الله بن مغفل ﵁.\n(٤) رواه أحمد (٥/ ٥١) من حديث أبي بكرة ﵁.","vol":"2","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>(٣٧) باب اعتراض المرأة بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة</span>\n[٤٠٨]- عَن عُروهَ، قَالَ: قَالَت عَائِشَةُ: مَا يَقطَعُ الصَّلاةَ؟ قَالَ: فَقُلنَا: المَرأَةُ والحِمَارُ. فَقَالَت: إِنَّ المَرأَةَ لَدَابَّةُ سَوءٍ! لَقَد رَأَيتُنِي بَينَ يَدَي رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مُعتَرِضَةً، كَاعتِرَاضِ الجِنَازَةِ، وَهُوَ يُصَلِّي.\nوَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَت عَائِشَةُ: قد شَبَّهتُمُونَا بِالحَمِيرِ وَالكِلابِ، وَاللهِ لَقَد رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي وإني عَلَى السَّرِيرِ بَينَهُ وَبَينَ القِبلَةِ مُضطَجِعَةً، فَتَبدُو لِيَ الحَاجَةُ فَأَكرَهُ أَن أَجلِسَ، فَأُوذِيَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَأَنسَلُّ مِن عِندِ رِجلَيهِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ أخرى: لَقَد رَأَيتُنِي مُضطَجِعَةً عَلَى السَّرِيرِ، فَيَجِيءُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَيَتَوَسَّطُ السَّرِيرَ، فَيُصَلِّي، فَأَكرَهُ أَن أَسنَحَهُ، فَأَنسَلُّ مِن قِبَلِ رِجلَيِ السَّرِيرِ، حَتَّى أَنسَلَّ مِن لِحَافِي.\nــ\nابن عباس وعطاء إلى أن المرأة التي تقطع الصلاة إنما هي الحائض؛ لما تستصحبه من النجاسة (١).\n(٣٧) ومن باب: اعتراض المرأة بين يدي المصلي (٢)\nقول عائشة: فأكره أن أَسنَحَهُ؛ أي: أظهر له؛ كما جاء في الرواية\n_________\n(١) نصَّ الإمام النووي أن هذه الأمور لا تُبطل الصلاة، وأن المراد بالقطع القطع عن الخشوع والذكر للشغل بها والالتفات إليها. انظر: المجموع (٣/ ٢٥٠).\n(٢) هذا العنوان لم يرد في الأصول، وأثبتناه من التلخيص.","vol":"2","page":110},{"text":"وَفِي أُخرَى: قَالَت: كُنتُ أَنَامُ بَينَ يَدَي رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَرِجلايَ فِي قِبلَتِهِ فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضتُ رِجلَيَّ، وَإِذَا قَامَ بَسَطتُهُمَا. قَالَت: وَالبُيُوتُ يَومَئِذٍ لَيسَ فِيهَا مَصَابِيحُ.\nرواه أحمد (٦/ ١٤٨ و٢٢٥)، والبخاري (٣٨٢ و٥١٣)، ومسلم (٥١٢) (٢٦٩ و٢٧٠ و٢٧١ و٢٧٢)، وأبو داود (٧١١ - ٧١٤)، والنسائي (١/ ١٠١ - ١٠٢)، وابن ماجه (٩٥٦).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>(٣٨) باب الصلاة بالثوب الواحد على الحصير</span>\n[٤٠٩]- عن أَبِي هُرَيرَةَ، أَنَّ سَائِلا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنِ الصَّلاةِ فِي الثَّوبِ الوَاحِدِ؟ فَقَال: أَوَ لِكُلِّكُم ثَوبَانِ؟ .\nرواه أحمد (٢/ ٢٣٩ و٢٦٦)، والبخاري (٣٥٨)، ومسلم (٥١٥) (٢٧٥)، وأبو داود (٦٢٥)، والنسائي (٢/ ٦٩ - ٧٠)، وابن ماجه (١٠٤٧).\nــ\nالأخرى: فأكره أن أجلس فأوذيه، يقال: سَنَحَ لي الشيء: إذا اعترض لي، ومنه: السَّانح من الطير في عيافة العرب.\nوقولها: فإذا سجد غمزني؛ تعني: عَضَّنِي بيده؛ وذلك لعدم المصابيح، كما قالت، ولو كان هناك مصباح لرأت سجوده وقيامه، ولَمَا كان يحتاج إلى غمزها.\n(٣٨) ومن باب: الصلاة في الثوب الواحد\nقوله: أَوَ لِكُلِّكم ثوبان؟ لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه: التقرير والإخبار عن معهود حالهم، ويتضمن جواز الصلاة في الثوب الواحد، ولا خلاف فيه إلا","vol":"2","page":111},{"text":"[٤١٠]- وعنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: لا يُصَلِّ أَحَدُكُم فِي الثَّوبِ الوَاحِدِ لَيسَ عَلَى عَاتِقَه مِنهُ شَيءٌ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٤٣)، والبخاري (٣٥٩)، ومسلم (٥١٦)، وأبو داود (٦٢٦)، والنسائي (٢/ ٧١).\n[٤١١]- وَعَن عُمَرَ بنَ أَبِي سَلَمَة، قَالَ: رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي فِي ثَوبٍ وَاحِدٍ، مُشتَمِلا بِهِ، فِي بَيتِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَاضِعًا طَرَفَيهِ عَلَى عَاتِقَيهِ.\nوفى رواية: مُلتَحِفًا، مُخَالِفًا بَينَ طَرَفَيهِ.\nرواه أحمد (٤/ ٢٧)، والبخاري (٣٥٦)، ومسلم (٥١٧) (٢٧٨ و٢٨٠)، وأبو داود (٦٢٨)، والترمذي (٣٣٩)، والنسائي (٢/ ٧٠)، وابن ماجه (١٠٤٩).\nــ\nشيء روي عن ابن مسعود، كما أنه لا خلاف أن الصلاة في الثوبين أو الثياب أفضل.\nوقوله: لا يُصَلِّ أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء، هذا لئلا يسقط فتنكشف عورته، إذا لم يتوشَّح به؛ فيضع طرفيه على عاتقيه، كما كان يفعل النبي - ﷺ -، وإن تكلَّف ضبطه بيديه شغلهما بذلك، واشتغل به عن صلاته، وأيضًا فإذا لم يجعل على عاتقيه شيئًا من الثوب، بقي بعض جسده عريًّا، وذلك يباعد الزينة المأمور بها في الصلاة. وكذلك كرهت الصلاة في السراويل وحدها، أو المِئزَرِ مع وجود غيرهما. وقد روي عن بعض السلف أنه قال: لا تجزئ صلاة من صلى في ثوب واحد متزرًا به ليس على عاتقه منه شيء؛ أخذًا بظاهر هذا الحديث.\nوكذلك اختلفوا في السَّدلِ في الصلاة، وهو إرسال ثوبه عليه من كتفيه إذا","vol":"2","page":112},{"text":"[٤١٢]- وعَن أَبي سَعِيدٍ الخُدرِيُّ، أَنَّه دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: فَرَأَيتُهُ يُصَلِّي عَلَى حَصِيرٍ يَسجُدُ عَلَيهِ. قَالَ: وَرَأَيتُهُ يُصَلِّي فِي ثَوبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ.\nوَفِى رِوَايَةٍ: وَاضِعًا طَرَفَيهِ عَلَى عَاتِقَيهِ.\nرواه مسلم (٥١٩)، والترمذي (٣٣٢)، وابن ماجه (١٠٤٨).\n* * *\nــ\nكان عليه مِئزر، ولم يكن عليه قميص، وانكشف بطنه؛ فأجازه عبد الله بن الحسن، ومالك وأصحابه، وكرهه النخعي وآخرون، إلا أن يكون عليه قميص يستر جسده. وقد نحا إلى هذا أبو الفرج من أصحابنا، فقال: إنّ سَتر جميع الجسد في الصلاة لازم.\nوكذلك اختلف في صلاة الرجل محلول الإزار وليس عليه إزار؛ فمنعه أحمد والشافعي لعلة النظر لعورته، وأجاز ذلك مالك وأبو حنيفة والثوري، وكافة أصحاب الرأي، ولو تكلّف ذلك ورؤيتَه لعورته من أسفل الإزار.\nوالتوشح: قال ابن السِّكيت: هو أن يأخذ طرف الثوب الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى، ويأخذ طرفه الذي ألقاه على الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم يعقدهما على صدره.\n* * *","vol":"2","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>(٣٩) باب أول مسجد وضع في الأرض، وما جاء أن الأرض كلها مسجد</span>\n[٤١٣]- عَن أَبِي ذَرٍّ قَالَ: سَأَلتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَن أَوَّلِ مَسجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرضِ؟ قَالَ: المَسجِدُ الحَرَامُ، قُلتُ: ثُمَّ أَيّ؟ قَالَ: المَسجِدُ الأَقصَى، قُلتُ: كَم بَينَهُمَا؟ قَالَ: أَربَعُونَ عَامًا، ثُمَّ الأَرضُ لَكَ مَسجِدٌ، فَحَيثُمَا أَدرَكَتكَ الصَّلاةُ فَصَلِّ.\nــ\n(٣٩) ومن باب: أول مسجد وضع في الأرض\nقوله: وقد سأله أبو ذر عن أول مسجد وضع في الأرض: المسجد الحرام؛ وهو مسجد مكة. والمسجد الأقصى: هو مسجد بيت المقدس، وسمي بالأقصى؛ لبعده عن الحجاز، أو لبعده عن الأقذار والخبائث، فإنه مُقَدَّس، والمُقَدَّس: المُطَّهر، ومنه: القَدس: السَّطل الذي يستقى به الماء.\nوقوله: أربعون عامًا - وقد سُئل عن مدة ما بينهما - فيه إشكال؛ وذلك أن مسجد مكة بناه إبراهيم بنصّ القرآن؛ إذ قال: ﴿وَإِذ يَرفَعُ إِبرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيتِ وَإِسمَاعِيلُ﴾ الآية. والمسجد الأقصى بناه سليمان - ﵇ - كما خرَّجه النسائي بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ -: أن سليمان بن داود لما بنى بيت المقدس سأل الله تعالى خلالا ثلاثة: سأل الله تعالى حكمًا يصادف حكمه فأوتيه، وسأل الله تعالى ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه، وسأل الله تعالى حين فرغ من بناء المسجد ألا يأتيه أحد لا يَنهَزُه إلا الصلاة فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه (١). وبين إبراهيم وسليمان آماد طويلة؛\n_________\n(١) رواه النسائي (٢/ ٣٤). ومعنى \"ينهزه\": يحرّكه.","vol":"2","page":114},{"text":"رواه أحمد (٥/ ١٠٥ و١٥٦)، والبخاري (٣١٦٦)، ومسلم (٥٢٠) (٢)، والنسائي (٢/ ٣٢)، وابن ماجه (٧٥٣).\n[٤١٤]- وَعَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ الأَنصَارِي، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: أُعطِيتُ خَمسًا لَم يُعطَهُنَّ أَحَدٌ قَبلِي: كَانَ كُلُّ نَبِيٍّ يُبعَثُ إِلَى قَومِهِ خَاصَّةً\nــ\nقال أهل التاريخ: أكثر من ألف سنة. ويرتفع الإشكال بأن يقال: الآية والحديث لا يدلان على أن بناء إبراهيم وسليمان لما بنيا ابتداء وضعهما لهما، بل ذلك تجديد لما كان أسسه غيرهما وبدأه، وقد رُوي أن من بنى البيت آدم - ﵇ -. فعلى هذا فيجوز أن يكون غيره من ولده وضع بيت المقدس بعده بأربعين عامًا، والله تعالى أعلم.\nوفي الأم (١) قول إبراهيم التَّيمي: كنت أقرأ على أبي القرآن في السُّدَّة، فإذا قرأت السجدة سجد، فقلت: يا أبت! أتسجد في الطريق؟ ...، الحديث) كذا صحَّ: السُّدَّة. ورواه النسائي: في السِّكَّة، وفي بعض السِّكَك، وهذا هو المطابق لقوله: أتسجد على الطريق؟ لكن السُّدَّة هنا إنما عنى بها سُدَّة الجامع، وهي الظلال التي حوله، ومنه سُمِّي إسماعيل السُّدِّي؛ لأن كان يبيع الخُمُر (٢) في سُدَّة الجامع، وكان التيمي يجلس فيها ويقرأ القرآن، فإذا جاءت السجدة سجد (٣).\nوقوله في حديث جابر: أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي، وفي حديث أبي هريرة: ستًّا، وفي حديث حذيفة: ثلاثًا، لا يظن القاصد أن هذا تعارض، وإنما يظن هذا مَن توهَّم أن ذكر الأعداد يدل على الحصر، وأنها لها\n_________\n(١) أي: في أصل صحيح مسلم (١/ ٣٧٠).\n(٢) الخُمُر: جمع خمار.\n(٣) ما بين حاصرتين ورد في الأصول في نهاية: باب: الصلاة في الثوب الواحد، وقد تمَّ وَضعُه هنا لمناسبته.","vol":"2","page":115},{"text":"وَبُعِثتُ إِلَى كُلِّ أَحمَرَ وَأَسوَدَ، وَأُحِلَّت لِيَ الغَنَائِمُ وَلَم تُحَلَّ لأَحَدٍ قَبلِي، وَجُعِلَت لِيَ الأَرضُ طَيِّبَةً طَهُورًا وَمَسجِدًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدرَكَتهُ الصَّلاةُ صَلَّى حَيثُ كَانَ، وَنُصِرتُ بِالرُّعبِ بَينَ يَدَي مَسِيرَةِ شَهرٍ، وَأُعطِيتُ الشَّفَاعَةَ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٠٤)، والبخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١)، والنسائي (١/ ٢١٠ - ٢١١).\nــ\nدليل خطاب، وكل ذلك باطل؛ فإن القائل: عندي خمسة دنانير - مثلا - لا يدل هذا اللفظ على أنه ليس عنده غيرها، ويجوز له أن يقول تارة أخرى: عندي عشرون، وتارة أخرى: عندي ثلاثون؛ فإن من عنده ثلاثون صدق عليه أن عنده عشرين، وعشرة، فلا تناقض، ولا تعارض. ويجوز أن يكون النبي - ﷺ - أُعلِمَ في وقت بالثلاث، وفي وقت بالخمس، وفي وقت بالست، والله تعالى أعلم.\nوقوله: وبعثت إلى الأحمر والأسود؛ يعني: كافة الخلق؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرسَلنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ والحُمرَانُ: عَنَى بهم البيض، وهم العجم، والسودان: العرب؛ لغلبة الأَدَمَةِ عليهم، وغيرُهم لسوادهم.\nوقوله: وجعلت لي الأرض طيبة طهورًا؛ يعني: في التيمم، كما قد بيّنه في الحديث الآخر، وهو حجة لمالك في التيمم بجميع أنواع الأرض؛ فإن اسم الأرض يشملها. وكما أباح الصلاة على جميع أجزاء الأرض، كذلك يجوز التيمم على جميع أجزائها؛ لأن الأرض في هذا الحديث بالنسبة إلى الصلاة والتيمم واحدة. فكما تجوز الصلاة على جميع أجزائها، كذلك يجوز التيمم على جميع أجزائها. ولا يظن أن قوله في حديث حذيفة: وجعلت تربتها لنا طهورًا؛ أن ذلك مخصَّصٌ له، فإن ذلك ذهول من قائله؛ فإن التخصيص إخراج ما تناوله العموم على الحكم، ولم يخرج هذا الخبر شيئًا، وإنما عيّن هذا الحديث واحدًا مما تناوله الاسم الأول، مع موافقته في الحكم، وصار بمثابة قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخلٌ","vol":"2","page":116},{"text":"[٤١٥]- وَعَن حُذَيفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: فُضِّلنَا عَلَى النَّاسِ\nــ\nوَرُمَّانٌ﴾ وقوله: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ فعيّن بعض ما تناوله اللفظ الأول، مع الموافقة في المعنى على جهة التشريف. وكذلك ذكر التراب في حديث حذيفة، وإنما عيّنه لكونه أمكن وأغلب. فإن قيل: بل عيّنه ليبيّن أنه لا يجوز التيمم بغيره، قلنا: لا نسلِّم ذلك، بل هو أول المسألة، ولئن سلمنا أنه يحتمل ذلك، فيحتمل أيضًا ما ذكرناه، وليس أحد الاحتمالين أولى من الآخر، فليلحق اللفظ بالمجملات، فلا يكون لكم فيه حجة، ويبقى مالك متمسكًا باسم الصعيد، واسم الأرض. وأيضًا فإنا نقول بموجبه؛ فإن تراب كل شيء بحسبه، فيقال: تراب الزرنيخ، وتراب السِّبَاخ.\nوقوله: طهورًا؛ هذه البنية من أبنية المبالغة؛ كقتول وضروب، وكذلك قال في الماء. فقد سوَّى بين الأرض والماء في ذلك، ويلزم منه أن التيمم يرفع الحدث، وهو أحد القولين عن مالك، وليس بالمشهور.\nوطيبة: طاهرة. وكذلك قوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾؛ أي: طاهرًا. وعلى هذا فلا يفهم من قوله: طهورًا عين التطهير لغيرها؛ إذ قد وصفها الله بالطهارة في نفسها، ثم جعلها مُطَهِّرة لغيرها، وهذا كما قال - ﵊ -. وقد قيل له: أنتوضأ بماء البحر؟ فقال -: هو الطهور ماؤه (١)؛ أي: الذي يطهركم من الحدث.\nوقوله: ومسجدًا؛ أي: للصلاة. وهذا مما خص الله به نبيه - ﵊ -، وكانت الأنبياء قبله إنما أبيح لهم الصلاة في مواضع مخصوصة كالبِيَع والكنائس.\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٢٣٧)، وأبو داود (٨١)، والترمذي (٦٩)، والنسائي (١/ ١٧٦)، وابن ماجه (٣٨٦) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"2","page":117},{"text":"بِثَلاثٍ: جُعِلَت صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ المَلائِكَةِ، وَجُعِلَت لَنَا الأَرضُ كُلُّهَا مَسجِدًا، وَجُعِلَت تُربَتُهَا لَنَا طَهُورًا إِذَا لَم نَجِدِ المَاءَ. وَذَكَرَ خَصلَةً أُخرَى.\nرواه مسلم (٥٢٢).\nــ\nوقوله: وأحلت لي الغنائم: هذا من خصائصه ﵊، وإنما كانت الغنائم قبله تجمع ثم تأتي نار من السماء فتأكلها. والرعب: الفزع. والشفاعة: الخاصة بالنبي - ﷺ -: هي الشفاعة لأهل الموقف؛ كما تقدم.\nوقوله: وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا؛ هذا العموم وإن كان مؤكدًا، فهو مخصص بنهيه - ﷺ - عن الصلاة في معاطن الإبل؛ كما جاء في الصحيح، وبما جاء في كتاب الترمذي من حديث ابن عمر -: أن رسول الله ﷺ - نهى أن يُصلى في سبعة مواطن: في المزبلة، والمجزرة، وقارعة الطريق، والمقبرة، وفي الحمّام، وفي معاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله تعالى (١). وقد كره مالك الصلاة في هذه المواضع، وأباحها فيها غيره، ولم يصح هذا الحديث عنده. واعتضد قائل الإباحة: بأن فضائل النبي - ﷺ - لا ينقص منها شيء؛ ذلك أن من فضائله وخصائصه أن جعل الأرض كلها مسجدًا، فلو خُصِّص منها شيء لكان نقصًا في فضيلته وما خصص به. قاله أبو عمر بن عبد البر. والصحيح ما صار إليه مالك، من كراهة الصلاة في تلك المواضع، لا تمسُّكًا بالحديث، فإنه ضعيف؛ لكن تمسَّكًا بالمعنى. وقد ذُكرت علل الكراهية في كتب أصحابه، فلتنظر هناك.\nويحتج على أبي عمر بالنهي عن الصلاة في معاطن الإبل وفي القبور؛ فإن الحديث في ذلك صحيح. وتمنع الصلاة في المواضع النجسة، فإن قال: ذلك\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٤٦)، وابن ماجه (٧٤٦) من حديث ابن عمر ﵄.\n\"المجزرة\": الموضع الذي يُنحر فيه الإبل، ويُذبح فيه البقر والشاء.\n\"معاطن الإبل\": أي: مباركها حول الماء.","vol":"2","page":118},{"text":"[٤١٦]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: فُضِّلتُ عَلَى الأَنبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعطِيتُ جَوَامِعَ الكَلِمِ، وَنُصِرتُ بِالرُّعبِ، وَأُحِلَّت لِيَ الغَنَائِمُ، وَجُعِلَت لِيَ الأَرضُ طَهُورًا وَمَسجِدًا، وَأُرسِلتُ إِلَى الخَلقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ.\nرواه مسلم (٥٢٣) (٥).\n[٤١٧]- وَعَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: بُعِثتُ بِجَوَامِعِ الكَلِمِ، وَنُصِرتُ بِالرُّعبِ، وَبَينَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الأَرضِ فَوُضِعَت فِيَ يَدَيَّ.\nــ\nللنجاسة العارضة؛ قلنا: وكذلك كراهة الصلاة في تلك المواضع لعلل عارضة، والله أعلم.\nوقوله: وذكر خصلة أخرى؛ ظاهره أنه ذكر ثلاث خصال، وإنما هما اثنتان، كما ذكر؛ لأن قضية الأرض كلَّها خصلة واحدة، والثالثة التي لم يذكرها بيّنها النسائي من رواية مالك (١) بسنده، فقال: وأوتيت هذه الآيات: خواتم سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يعطهن أحد قبلي، ولا يعطاهن أحد بعدي (٢).\nوقوله: أعطيت جوامع الكلم، قال الهروي: يعني القرآن؛ جمع الله في الألفاظ اليسيرة منه معانيَ كثيرة، وكذلك كان - ﷺ - يتكلم بألفاظ يسيرة تحتوي على معانٍ كثيرة.\nوقوله: وبينما أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي؛ هذه الرؤيا أوحى الله تعالى فيها لنبيه - ﵊ - أن أمته ستملك الأرض،\n_________\n(١) في السنن الكبرى للنسائي: أبو مالك الأشجعي.\n(٢) رواه النسائي في السنن الكبرى (٨٠٢٢) من حديث حذيفة ﵁.","vol":"2","page":119},{"text":"قَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَأَنتُم تَنتَثِلُونَهَا.\nرواه أحمد (٢/ ٢٦٤ و٤٥٥)، والبخاري (٦٩٩٨)، ومسلم (٥٢٣) (٦)، والترمذي (١٥٥٣)، والنسائي (٦/ ٣ - ٤).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>(٤٠) باب ابتناء مسجد النبي - ﷺ </span>-\n(٥٢٤) (٩) [٤١٨]- عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَدِمَ المَدِينَةَ فَنَزَلَ فِي عُلوِ المَدِينَةِ فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُم: بَنُو عَمرِو بنِ عَوفٍ، فَأَقَامَ فِيهِم أَربَعَ عَشرَةَ لَيلَةً، ثُمَّ إِنَّهُ أَرسَلَ إِلَى مَلأ بَنِي النَّجَّارِ فَجَاؤوا مُتَقَلِّدِينَ بِسُيُوفِهِم\nــ\nويتسع سلطانها، ويظهر دينها، ثم إنه وقع ذلك كذلك، فملكت أمته من الأرض ما لم تملكه أمة من الأمم فيما علمناه، فكان هذا الحديث من أدلة نبوته - ﷺ -. ووجه مناسبة هذه الرؤيا: أن من ملك مفتاح المغلق فقد تمكّن من فتحه، ومن الاستيلاء على ما فيه.\nوقوله: وأنتم تنتثلونها؛ أي: تستخرجون ما فيها من الكنوز والمنافع؛ من قولهم: نثل كنانته: إذا استخرج ما فيها من السهام، والله أعلم.\n(٤٠) ومن باب: ابتناء مسجد النبي - ﷺ -\nالملأ: أشراف القوم وساداتهم. سُمّوا بذلك؛ لأنهم أَملِيَاء بالرأي والغِنَى. وبنو النجار ق يلة من الأنصار، وهم أخوال النبي - ﷺ -، وذلك: أن هاشِمًا تزوج امرأة من بني النجار تُسَمَّى: سلمى بنت عمرو بن زيد بن عدي بن النّجار، فولدت له عبد المطلب بن هاشم، فمن هنا كانوا أخوال النبي - ﷺ.","vol":"2","page":120},{"text":"قَالَ: فَكَأَنِّي أَنظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى رَاحِلَتِهِ وَأَبُو بَكرٍ رِدفُهُ، وَمَلأُ بَنِي النَّجَّارِ حَولَهُ حَتَّى أَلقَى بِفِنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُصَلِّي حَيثُ أَدرَكَتهُ الصَّلاةُ، وَيُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَمَرَ بِالمَسجِدِ، قَالَ: فَأَرسَلَ إِلَى مَلأ بَنِي النَّجَّارِ فَجَاؤوا، فَقَالَ: يَا بَنِي النَّجَّارِ! ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُم هَذَا، قَالُوا: لا وَاللَّهِ! لا نَطلُبُ ثَمَنَهُ إِلَاّ إِلَى اللَّهِ ﷿. قَالَ أَنَسٌ: فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ، كَانَ فِيهِ نَخلٌ وَقُبُورُ المُشرِكِينَ وَخِرَبٌ. فَأَمَرَ\nــ\nوقوله: ثامنوني بحائطكم؛ أي: اطلبوا ثمنه، وبايعوني به. والحائط: بستان النخل.\nفقالوا: لا والله ما نطلب ثمنه إلا لله - ﷿ -، وهذا ينص على أنهم لم يأخذوا منه ثمنًا، وإنما وهبوه للنبي - ﷺ -. وقد ذكر محمد بن سعد في تاريخه الكبير عن الواقدي: أن النبي - ﷺ - اشتراه من بني عَفراء (١) بعشرة دنانير دفعها عنه أبو بكر الصديق (٢)، فإن صحّ هذا فلم يقبله النبي - ﷺ - إلا بالثمن؛ لأنه كان ليتيمين، وفي هذا دليل على لزوم بناء المساجد في القرى التي يُستوطن بها؛ لأجل الجمعة، ولإظهار شعائر الإسلام.\nوقوله: وكانت فيه نخل وقبور المشركين وخِرَب، رُوي بفتح الخاء وكسر الراء: جمع خَرِبة؛ مثل: كَلِمَة وكَلِم، وبكسر الخاء وفتح الراء: جمع خِربة بسكون الراء، لغتان فيما يخرب من البناء، والثانية لتميم، هذا هو الصحيح في الرواية والمعنى. وقد فسَّره حيث قال: وبالخِرَب فسُوِّيت. وقد استبعد الخطابي ذلك المعنى، وأخذ يقدِّر اللفظ تقديرات، فقال: لعل الصواب: خُرَب: جمع خُربة؛ وهي الخروق في الأرض، أو لعلَّها: جرف جمع: جِرَفَةٍ، وهي جمع\n_________\n(١) في (م): عمرو. وفي وفاء الوفا (١/ ٣٢٣): أنَّ الحائط كان ليتيمين هما سهل وسهيل ابني عمرو، وكانا في حجر ابن عفراء.\n(٢) الطبقات الكبرى لابن سعد (١/ ٢٣٩ - ٢٤٠).","vol":"2","page":121},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِالنَّخلِ فَقُطِعَ، وَبِقُبُورِ المُشرِكِينَ فَنُبِشَت، وَبِالخِرَبِ فَسُوِّيَت.\nــ\nجرف. قال: وأبينُ منه إن ساعدت الرواية -: حَدَبٌ جمع حَدَبَةٌ؛ وهي ما ارتفع من الأرض. وهذا منه تكلّف لا يحتاج إليه مع صحة الرواية والمعنى كما قدّمناه، وفيه دليل على جواز قطع المثمر من الشجر إذا احتيج إليه؛ من نكاية في عدو، وإزالة ضرر، أو ما يخاف منه.\nوقوله: وبقبور المشركين فنبشت؛ إنما نبش قبورهم؛ لأنهم لا حرمة لهم. فإن قيل: كيف جاز نبشهم وإخراجهم من قبورهم، والقبر مختص بمن دفن فيه، مُحَتبس عليه، قد حازه الميت، فلا يجوز بيعه، ولا نقله عنه؟ فالجواب من وجهين:\nأحدهما: أن تلك القبور لم تكن أملاكًا لمن دفن فيها، بل لعلها غصب، ولذلك باعها مُلَاّكُها.\nالثاني: على تسليم أنها حُبست، فذلك إنما يلزم في تحبيس المسلمين، أما تحبيس الكفار فلا؛ إذ لا يصح منهم التقرب إلى الله تعالى، لا يقال: فهذا العتق يلزمهم إذا رفعوا أيديهم عن المعتق، لأنا نقول في العتق: إنه أمر عظيم يتشوّف الشرع إليه ما لم يتشوّف للحبس ولا لغيره، ولأنه تعلق به حقٌّ لآدمي، فجرى ذلك مجرى هِباتهم وأعطياتهم اللازمة.\nويمكن أن يقال: دعت الحاجة والضرورة إلى النبش فجاز. وقد اختلف في نبش قبور الكفار لطلب مال، فكرهه مالك؛ لأنها مواضع سخط وعذاب؛ فلا تدخل، وقد قال - ﵊ -: لا تدخلوا بيوت هؤلاء المعذبين، إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم (١). فمن دخلها لطلب الدنيا كان بضد ذلك. وأجازه جماعة من أصحاب مالك محتجِّين بأن الصحابة نَبَشَت قبر أبي رِغَال،\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٩٢)، والبخاري (٤٤٢٠)، ومسلم (٢٩٨٠) من حديث ابن عمر ﵄.","vol":"2","page":122},{"text":"قَالَ: فَصَفُّوا النَّخلَ قِبلَةً لَهُ، وَجَعَلُوا عِضَادَتَيهِ حِجَارَةً، قَالَ: فَكَانُوا يَرتَجِزُونَ وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مَعَهُم، وَهُم يَقُولُونَ:\nــ\nواستخرجت منه قضيب الذهب الذي أعلمهم النبي - ﷺ - أنه مدفون معه. واتخاذ النبي - ﷺ - مسجده في تلك البقعة دليل على أن القبور إذا لم يبق منها ولا من الموتى فيها بقية (١) جازت الصلاة فيها.\nواختلف العلماء في جواز الصلاة في المقابر جملة؛ فأجازه مالك وأكثر أصحابه - وإن كان القبر بين يديه -، وهو مذهب الحسن البصري والشافعي وآخرين. وروي أيضا عن مالك الكراهة، وبه قال أحمد، وإسحاق، وجماعة من السلف. وحكى العراقيون عن المذهب: كراهية الصلاة في القديمة دون الجديدة. وقد كره العلماء الصلاة في مقابر المشركين بكل حال، وعليه تأوّل أكثرهم النهي عن الصلاة في المقبرة؛ قالوا: لأنها حفرة من حفر النار، وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى في الجنائز.\nوفي بنائه - ﷺ - مسجده بالجذوع والجريد دليل على ترك الزخرفة في المساجد والتأنق فيها، والإسراف. بل قد ورد عنه - ﷺ - ما يقتضي النهي عن زخرفتها وتشييدها، فقال: ما أُمِرتُ بتشييد المساجد، قال: لتزخرفُنَّها كما زخرفت اليهود والنصارى (٢).\nوقوله: فكانوا يرتجزون ورسول الله - ﷺ - معهم؛ اختلف أصحاب العَروض وعلم الشعر في أعاريض الرَّجَز هل هي من الشعر؟ والصحيح أنه من الشعر؛ لأن الشعر هو كلام موزون تُلتَزَم فيه قوافٍ، والرَّجَزُ كذلك. وأيضًا: فإن قريشًا لما اجتمعوا وتراؤوا فيما يقولون للناس عن النبي - ﷺ -، فقال قائل: نقول: هو شاعر، فقالوا: والله لتكذبنّكم العربُ؛ قد عرفنا الشعر كلّه، هزجه، ورجزه، ومقبوضه، ومبسوطه، فذكروا الرجز من جملة أنواع الشعر، وإنما أخرجه من جنس الشعر من\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) رواه البخاري تعليقًا (١/ ٥٣٩)، وأبو داود (٤٤٨).","vol":"2","page":123},{"text":"اللَّهُمَّ إِنَّهُ لا خَيرَ إِلا خَيرُ الآخِرَه ... فَانصُرِ الأَنصَارَ وَالمُهَاجِرَه\nرواه أحمد (٣/ ١١٨ و١٢٣)، والبخاري (١٨٦٨)، ومسلم (٥٢٤) (٩)، وأبو داود (٤٥٣)، والنسائي (٢/ ٤٠)، وابن ماجه (٧٤٢).\n* * *\nــ\nأشكل عليه إنشاد النبي - ﷺ - إياه، فقال: لو كان شعرًا لما علمه النبي - ﷺ -؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا عَلَّمنَاهُ الشِّعرَ﴾ وهذا ليس بشيء؛ لأن من أنشد القليل من الشعر، أو قاله، أو تمثل به على الندور، لم يستحق به اسم الشاعر، ولا يقال فيه: إنه تعلم الشعر، ولا ينسب إليه، ولو كان ذلك للزم أن يقال على الناس كلهم: شعراء، ويعلمون الشعر؛ لأنهم لا يَخلَونَ أن يعرفوا كلامًا موزونًا مرتبطًا على أعاريض الشعر.\nثم قوله: كانوا يرتجزون ورسول الله - ﷺ - معهم، ليس فيه دليل راجح على أن النبي - ﷺ - كان المنشد، بل الظاهر منهم أنهم هم كانوا المرتجزين، وبحضرة النبي - ﷺ -، فإن الواو للحال، ورسول: مبتدأ، ومعهم: الخبر. والجملة في موضع الحال، هذا الظاهر، ويحتمل أن يكون معطوفًا على المضمر في: يرتجزون، والله تعالى أعلم.\nوهذا الحديث وشِبهُهُ يُستدلّ به على جواز إنشاد الشعر، والاستعانة بذلك على الأعمال والتنشيط.\nومن هنا أخذت الصوفية إباحة السماع، غير أنهم اليوم أفرطوا في ذلك، وتعدَّوا فيه الوجه الجائز، وتذرّعوا بذلك إلى استباحة المحرمات من أصناف الملاهي؛ كالشبابات، والطارات، والرقص، وغير ذلك. وهذه أفعال المُجَّان أهل البطالة والفسوق المُدخِلين في الشريعة ما ليس منها، أعاذنا الله من ذلك بمنه.\nوقوله: كان يصلي في مرابض الغنم؛ حجة لمالك على طهارة بول ما يؤكل لحمه وروثه، وقد قدّمنا ذلك.","vol":"2","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>(٤١) باب تحويل القبلة من الشام إلى الكعبة، والنهي عن بناء المساجد على القبور وعن التصاوير فيها</span>\n[٤١٩]- عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ قَالَ: صَلَّيتُ مَعَ النبي - ﷺ - إِلَى بَيتِ المَقدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهرًا - وفي رواية: أو سبعة عشر شهرا -، حَتَّى نَزَلَتِ\nــ\n(٤١) ومن باب: تحويل القبلة\nقد تقدّم القول في: الشطر في الطهارة. وأحاديث تحويل القبلة من الشام - من بيت المقدس - فيها مسائل أصولية:\nالمسألة الأولى: نسخ السنة بالقرآن، أجازه الجمهور، ومنعه الشافعي، وهذه الأحاديث حجّة عليه. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلا تَرجِعُوهُنَّ إِلَى الكُفَّارِ﴾؛ نسخ لما قرّره رسول الله - ﷺ - من العهد والصلح على ردّ كل من أسلم من الرجال والنساء من أهل مكة، وغير ذلك.\nالمسألة الثانية: رفع القاطع بخبر الواحد؛ وذلك أن استقبال بيت المقدس كان مقطوعًا به من الشريعة عندهم، ثم إن أهل قباء لما أتاهم الآتي فأخبرهم أن القبلة قد حُوِّلت إلى المسجد الحرام قبلوا قوله، واستداروا نحو الكعبة، فتركوا التواتر بخبر الواحد، وهو مظنون. وقد اختلف العلماء في جوازه عقلا ووقوعه؛ قال أبو حامد: والمختار: جواز ذلك عقلا لو تعبّدنا الشرع به، ووقوعه في زمن رسول الله - ﷺ - بدليل قصة قباء، وبدليل أنه كان - ﵊ - يُنفِذ آحاد الولاة إلى الأطراف، وكانوا يبلغون الناسخ والمنسوخ جميعًا، لكن ذلك ممنوع بعد وفاته - ﷺ - بدليل الإجماع من الصحابة على أن القرآن المتواتر المعلوم لا يرتفع بخبر الواحد، فلا ذاهب إلى تجويزه من السلف والخلف، وبسط ذلك في الأصول.","vol":"2","page":125},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالمسألة الثالثة: وهي أن النسخ إذا وجد من الشارع، فهل يكون نسخًا في حق من لم يبلغه الناسخ؟ أو لا يكون نسخًا في حقه حتى يبلغه؟ اختلف فيه على قولين، وفائدة الخلاف في هذه المسألة في عبادات فُعلت بعد النسخ، وقبل البلاغ: هل تعاد أو لا؟ فإن قلنا بالأول، أعادها؛ إذ لم تكن عبادة في نفسها، وقد نسخت. وإن تنزَّلنا على الثاني لم يُعد؛ إذ هو مخاطب بفعل ما قد تقرر الأمر به، وهو الأولى. وقد ردّ إلى هذه المسألة مسألة الوكيل إذا تصرف بعد العزل وقبل العلم به، فهل يمضي تصرفه أو لا؟ قولان. وقد فرّق القاضي عياض بين مسألة النسخ ومسألة الوكيل: بأن مسألة الوكيل تعلق بها حق الغير على الموكّل، فلهذا توجه الخلاف فيها. ولم يختلف المذهب عندنا في أحكام من أعتق ولم يعلم بعتقه: أنها أحكامُ حرٍّ فيما بينه وبين الناس، فأما ما بينه وبين الله فجائزة. ولم يختلفوا في المُعتَقَةِ أنها لا تعيد ما صلت - بعد عِتقِها وقبل علمها بغير ستر. وإنما اختلفوا فيمن يطرأ عليه موجب يغيِّر حكم عبادة وهو فيها؛ بناء على هذه المسألة.\nالمسألة الرابعة: خبر الواحد، وهو مجمع عليه من السلف، معلوم بالتواتر من عادة النبي - ﷺ - في توجهه ولاته ورسله آحادًا للآفاق ليعلِّموا الناس دينهم، ويبلِّغوهم سنة رسولهم؛ من الأوامر والنواهي، والمخالف في ذلك معاند، أو ناقص الفطرة.\nوقول البراء: صليت مع رسول الله - ﷺ - إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا - أو سبعة عشر شهرًا-. الصحيح: سبعة عشر؛ من غير شك. وهو قول مالك وابن المسيب وابن إسحاق. ويروى (١): ثمانية عشر شهرًا. وبعد سنتين. وبعد تسعة أشهر، أو عشرة أشهر، والصحيح ما ذكرناه أوّلا.\n_________\n(١) في (ل): وقد روي.","vol":"2","page":126},{"text":"الآيَةُ الَّتِي فِي البَقَرَةِ: ﴿وَحَيثُ مَا كُنتُم فَوَلُّوا وُجُوهَكُم شَطرَهُ﴾ فَنَزَلَت بَعدَمَا صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ -، فَانطَلَقَ رَجُلٌ مِنَ القَومِ، فَمَرَّ بِنَاسٍ مِنَ الأَنصَارِ وَهُم يُصَلُّونَ، فَحَدَّثَهُم فَوَلَّوا وُجُوهَهُم قِبَلَ البَيتِ.\nرواه أحمد (٤/ ٢٨٨)، والبخاري (٤٠)، ومسلم (٥٢٥) (١١)، والترمذي (٢٩٦٦)، والنسائي (١/ ٢٤٣)، وابن ماجه (١٠١٠).\n[٤٢٠]- وعَنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: بَينَمَا النَّاسُ فِي صَلاةِ الصُّبحِ بِقُبَاءٍ، إِذ جَاءَهُم آتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَد أُنزِلَ عَلَيهِ اللَّيلَةَ، وَقَد أُمِرَ أَن يَستَقبِلَ الكَعبَةَ، فَاستَقبَلُوهَا وَكَانَت وُجُوهُهُم إِلَى الشَّامِ، فَاستَدَارُوا إِلَى الكَعبَةِ.\nالبخاري (٤٠٣)، ومسلم (٥٢٦) (١٣)، والترمذي (٣٤١)، والنسائي (٢/ ٦١).\n[٤٢١]- وعَن عَائِشَةَ: أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَينَهَا بِالحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ، لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: إِنَّ أُولَئِكِ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوا عَلَى قَبرِهِ مَسجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلكِ الصُّوَرَ، أُولَئِكِ شِرَارُ الخَلقِ عِندَ اللَّهِ يَومَ القِيَامَةِ.\nرواه أحمد (٦/ ٥١)، والبخاري (٤٢٧)، ومسلم (٥٢٨) (١٦)، والنسائي (٢/ ٤٢).\nــ\nوقوله: فاستقبلوها روي بفتح الباء على الخبر، وبكسرها على الأمر، وكلاهما صحيح.\nوقوله: أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا، وصوّروا تلك الصور، قال الشيخ: إنما فعل ذلك أوائلهم ليتأنّسوا برؤية تلك الصورة، ويتذكروا بها أحوالهم الصالحة، فيجتهدون كاجتهادهم، ويعبدون الله","vol":"2","page":127},{"text":"[٤٢٢]- وَعَنهَا قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَم يَقُم مِنهُ: لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنبِيَائِهِم مَسَاجِدَ.\nقَالَت: فلَولا ذَلِكَ أُبرِزَ قَبرُهُ، غَيرَ أَنَّهُ خُشِيَ أَن يُتَّخَذَ مَسجِدًا.\nرواه أحمد (٦/ ٣٤ و٨٠)، والبخاري (١٣٣٠)، ومسلم (٥٢٩)، والنسائي (٢/ ٤٠ - ٤١).\nــ\nتعالى عند قبورهم، فمضت لهم بذلك أزمان، ثم إنهم خلف من بعدهم خلف جهلوا أغراضهم، ووسوس لهم الشيطان: أن آباءهم وأجدادهم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها، فعبدوها، فحذّر النبي - ﷺ - عن مثل ذلك، وشدّد النكير والوعيد على فعل ذلك، وسَدَّ الذرائع المؤدية إلى ذلك، فقال: اشتدّ غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فلا تتخذوا القبور مساجد (١)، أي: أنهاكم عن ذلك. وقال: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد (٢)، وقال: اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد (٣)، ولهذا بالغ المسلمون في سدّ الذريعة في قبر رسول الله - ﷺ -، فأَعلُوا حيطان تربته، وسَدُّوا المداخل إليها، وجعلوها محدقة بقبره - ﷺ -، ثم خافوا أن يُتخذ موضع قبره قبلة - إذ كان مستقبل المصلين -، فتتصور الصلاة إليه بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلث من ناحية الشمال، حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره (٤)، ولهذا الذي ذكرناه كله قالت عائشة: ولولا ذلك لأُبرز قبره.\n_________\n(١) رواه مالك في الموطأ (١/ ١٧٢) من حديث عطاء بن يسار ﵁.\n(٢) رواه مسلم (٥٣٢)، وهو تتمة حديث جندب في التلخيص (٤٢٤).\n(٣) رواه مالك في الموطأ (١/ ١٧٢) من حديث عطاء بن يسار ﵁.\n(٤) هذا الوصف يتوافق مع وَضْع القبر الشريف في عصر المؤلف. ثم طرأ عليه تعديل في العصر المملوكي ثم العثماني بحيث أصبح القبر ضمن حجرة مربعة تعلوه القبة الخضراء. فمن صلّى خلف الحجرة لم يكن مستقبلًا القبر لوجود الساتر.","vol":"2","page":128},{"text":"[٤٢٣]- وَعَنهَا وَعَن عبد الله بنِ عَبَّاسٍ قَالا: لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - طَفِقَ يَطرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجهِهِ، فَإِذَا اغتَمَّ كَشَفَهَا عَن وَجهِهِ، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: لَعنَةُ اللَّهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنبِيَائِهِم مَسَاجِدَ. يُحَذِّرُ مِثلَ مَا صَنَعُوا.\nرواه أحمد (٦/ ٢٧٥ و٢٩٩)، والبخاري (٣٤٥٣ و٣٤٥٤)، ومسلم (٥٣١)، والنسائي (٢/ ٤٠).\n[٤٢٤]- وَعَن جُندَبِ، قَالَ: سَمِعتُ النَّبِيَّ - ﷺ - قَبلَ أَن يَمُوتَ بِخَمسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: إِنِّي أَبرَأُ إِلَى اللَّهِ أَن يَكُونَ لِي مِنكُم خَلِيلٌ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَنِي\nــ\nتنبيه: وفي هذه الأحاديث ما يَستَدِلّ به مالك - على صحة القول بسد الذرائع - على الشافعي وغيره من المانعين لذلك، وهي مستوفاة في الأصول.\nوقوله: لما نُزِلَ برسول الله - ﷺ -؛ يعني: نزل به الموت. وطَفِقَ: أخذ وجعل، وهي من أفعال المقَارَبَة، وهي لا بدّ لها من اسم وخبر، إلا أن خبرها يلزم فيه أن يكون فعلا مجردًا عن أن، وقد قدّمنا القول في عسى، ويوشك.\nوالخميصة: كساءٌ له أعلام.\nوقوله في حديث جندب: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل؛ أي: أبعد عن هذا وأنقطع عنه. وإنما كان ذلك؛ لأن قلبه - ﷺ - قد امتلأ بما تخلله من محبة الله تعالى وتعظيمه، فلا يتسع لمخالّة غيره، أو لأنه - ﷺ - قد انقطع بحاجاته كلها إلى الله، ولجأ إليه في سدِّ خلاّته، فكفاه ووقاه، فلا يحتاج إلى أحد من المخلوقين، وقد تقدم القول في الخلّة والخليل.","vol":"2","page":129},{"text":"خَلِيلا كَمَا اتَّخَذَ إِبرَاهِيمَ خَلِيلا، وَلَو كُنتُ مُتَّخِذًا مِن أُمَّتِي خَلِيلا لاتَّخَذتُ أَبَا بَكرٍ خَلِيلا، أَلا وَإِنَّ مَن كَانَ قَبلَكُم كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنبِيَائِهِم وَصَالِحِيهِم مَسَاجِدَ، أَلا فَلا تَتَّخِذُوا القُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنهَاكُم عَن ذَلِكَ.\nرواه مسلم (٥٣٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>(٤٢) باب ثواب من بَنَى للهِ مسجدًا</span>\n[٤٢٥]- عَن مَحمُودِ بنِ لَبِيدٍ؛ أَنَّ عُثمَانَ بنَ عَفَّانَ أَرَادَ بِنَاءَ المَسجِدِ، فَكَرِهَ النَّاسُ ذَلِكَ، وأَحَبُّوا أَن يَدَعَهُ عَلَى هَيئَتِهِ، فَقَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: مَن بَنَى مَسجِدًا لِلَّهِ، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيتًا فِي الجَنَّةِ مِثلَهُ.\nــ\nوقوله: لو كنت متخذًا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا؛ هذا يدل على أن أبا بكر أفضل الناس بعد رسول الله - ﷺ -، وأنه مخصوص من منح الله، ومن كريم مواهبه، ومن محبة رسول الله - ﷺ - له؛ بما ليس لأحد من بعده، وهذا مذهب أهل السنة أجمعين؛ من السلف الماضين والخلف اللاحقين.\n(٤٢) ومن باب: ثواب من بنى لله مسجدًا\nقوله: من بنى لله مسجدًا؛ أي: مخلصًا في بنائه لله تعالى، كما قال في الرواية الأخرى: يبتغي به وجه الله. وقوله: بنى الله له في الجنة مثله: هذه المثلية ليست على ظاهرها، ولا من كل الوجوه، وإنما يعني أنه بنى له بثوابه بناء","vol":"2","page":130},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ عُثمَانَ: إِنَّكُم قَد أَكثَرتُم، وَإِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: مَن بَنَى مَسجِدًا لِلَّهِ تَعَالَى - قَالَ بُكَيرٌ: حَسِبتُ أَنَّهُ قَالَ يَبتَغِي بِهِ وَجهَ اللَّهِ -، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيتًا فِي الجَنَّةِ.\nرواه أحمد (١/ ٦١ - ٧٠)، والبخاري (٤٥٠)، ومسلم (٥٣٣)، والترمذي (٣١٨)، وابن ماجه (٧٣٦).\n* * *\nــ\nأشرف وأعظم وأرفع، وكذلك في الرواية الأخرى: بنى الله له بيتًا في الجنة (١)، ولم يسمه مسجدًا. وهذا البيت هو - والله أعلم - مثل بيت خديجة الذي قال فيه: إنه من قَصَب، لا صَخَبَ فيه ولا نَصَب (٢)؛ يريد: من قصب الزمرَّد والياقوت، ويعتضد هذا بأن أجور الأعمال مضاعفة، وأن الحسنة بعشر أمثالها، وهذا كما قال في المتصدُّق بالثمرة: إنها تُربَّى حتى تصير مثل الجبل (٣)، ولكن هذا التضعيف هو بحسب ما يقترن بالفعل من الإخلاص والإتقان والإحسان، ولَمّا فهم عثمان هذا المعنى؛ تأنَّق في بناء المسجد وحسَّنه وأتقنه، وأخلص لله فيه؛ رجاء أن يبنى له في الجنة قصر متقن مشرف مرفّع، وقد فعل الله تعالى له ذلك وزيادة، ﵁.\n* * *\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ٣٥٥ و٣٨١)، والبخاري (١٧٩٢)، ومسلم (٢٤٣٣) من حديث عبد الله بن أبي أوفى.\n(٢) رواه البخاري (١٤١٠).\n(٣) رواه أحمد (٢/ ٢٦٨ و٣٣١)، والبخاري (١٤١٠)، ومالك في الموطأ (٢/ ٩٩٥) من حديث سعيد بن يسار ﵁.","vol":"2","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>(٤٣) باب التطبيق في الركوع وما ثبت من نسخه</span>\n[٤٢٦]- عَنِ الأَسوَدِ وَعَلقَمَةَ، قَالا: أَتَينَا عبد الله بنَ مَسعُودٍ فِي دَارِهِ فَقَالَ: أَصَلَّى هَؤُلاءِ خَلفَكُم؟ فَقُلنَا: لا. قَالَ: فَقُومُوا فَصَلُّوا، فَلَم يَأمُرنَا بِأَذَانٍ وَلا إِقَامَةٍ.\nقَالَ: وَذَهَبنَا لِنَقُومَ خَلفَهُ فَأَخَذَ بِأَيدِينَا، فَجَعَلَ أَحَدَنَا عَن يَمِينِهِ وَالآخَرَ عَن شِمَالِهِ، قَالَ: فَلَمَّا رَكَعَ وَضَعنَا أَيدِيَنَا عَلَى رُكَبِنَا قَالَ: فَضَرَبَ\nــ\n(٤٣) ومن باب: التطبيق\nقوله: أصلى هؤلاء خلفكم؟ هذه الإشارة إلى الأمراء؛ عاب عليهم تأخيرها عن وقتها المستحب، ويدل عليه آخر الحديث. وخلفكم: إشارة إلى موضعهم، فكأنه قال: الذين خلفكم، ولم يرد به أنهم أئمتهم؛ إذ قد صلى بهم عبد الله - ﵁ -.\nوقوله: فلم يأمرنا بأذان ولا إقامة: اختلف في صلاة الرجل وحده أو في بيته، فذهب بعض السلف من أصحاب ابن مسعود وغيرهم إلى أنه تجزئه إقامة أهل المصر وأذانهم. وذهب عامة فقهاء الأمصار إلى أنه لا بدّ له من إقامة الصلاة، ولا تجزئه إقامة أهل المصر، ولا يؤذن. واستحب ابن المنذر أن يؤذن ويقيم.\nوقوله: وذهبنا لنقوم خلفه، فأخذ بأيدينا، فجعل أحدنا عن يمينه، والآخر عن شماله؛ هذه الكيفية هي مذهب ابن مسعود، والجمهور: على أنهما يقومان خلفه، وسيأتي حديث ابن عباس حيث أقامه النبي - ﷺ - وجابر بن عبد الله","vol":"2","page":132},{"text":"أَيدِيَنَا، وَطَبَّقَ بَينَ كَفَّيهِ، ثُمَّ أَدخَلَهُمَا بَينَ فَخِذَيهِ، قال: فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: إِنَّهُ سَتَكُونُ عَلَيكُم أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلاةَ عَن مِيقَاتِهَا، وَيَخنُقُونَهَا إِلَى شَرَقِ المَوتَى،\nــ\nخلفه (١)، ولا خلاف أنهم إذا كانوا ثلاثة قاموا خلفه، فإن كان واحدًا قام عن يمينه على مذهب كافة العلماء، وحكي عن ابن المسيب أنه يقوم عن شماله؛ بحديث صلاة النبي - ﷺ - وأبي بكر في مرضه، على ما تقدم. وما ذكر من تشبيك اليدين وتطبيقهما بين الفخذين هو مذهب ابن مسعود وأصحابه خاصة، وهو صحيح من فعل النبي - ﷺ -، إلا أنه منسوخ كما ذكر في حديث سعد بن أبي وقاص، ولم يبلغ ابن مسعود نسخه، والله أعلم. وعلى نسخ التطبيق كافة العلماء غير من ذكر.\nوقوله: سيكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة: هذا وقع في بني أمية. وكذلك أخّر عمر بن عبد العزيز العصر، فدخل عليه عروة بن الزبير، فأنكر عليه، وهذا الحديث من أدلة نبوة النبي - ﷺ -؛ إذ قد أخبر عن شيء من الغيب، فوقع على نحو ما أخبر، وكأن بني أمية كانوا قد ذهبوا إلى أن تأخير الصلاة إلى آخر وقت توسعتها أفضل، كما هو قياس قول أبي حنيفة حيث قال: إن آخر الوقت هو وقت الوجوب (٢).\nوقوله: يخنقونها إلى شرق الموتى؛ أي: يضيِّقون وقتها، ويتركون أداءها إلى ذلك الحين، يقال: هم في خناق من كذا؛ أي: في ضيق منه. قال\n_________\n(١) سيأتي في التلخيص برقم (٦٤٢).\n(٢) يرى الأحنافُ أن التعجيل في أول الوقت هو المستحب في صلاتي الفجر والمغرب، أمّا صلاة الظهر فيستحبّ تأخيرها حتى تنكسر حدّة الشمس، وكذا صلاة العصر بحيث لا تؤثر إلى تغيّر قرص الشمس، والعشاء يستحب تأخيرها الى قبل ثلث الليل. انظر: فتح القدير لابن الهمام (١/ ١٥٨).","vol":"2","page":133},{"text":"فَإِذَا رَأَيتُمُوهُم قَد فَعَلُوا ذَلِكَ فَصَلُّوا الصَّلاةَ لِمِيقَاتِهَا، وَاجعَلُوا صَلاتَكُم مَعَهُم سُبحَةً، وَإِذَا كُنتُم ثَلاثَةً فَصَلُّوا جَمِيعًا، وَإِذَا كُنتُم أَكثَرَ مِن ذَلِكَ فَليَؤُمَّكُم أَحَدُكُم، وَإِذَا رَكَعَ أَحَدُكُم فَليُفرِش ذِرَاعَيهِ على فَخِذَيهِ، وَليَحنِ وَليُطَبِّق بَينَ كَفَّيهِ. فَكَأَنِّي أَنظُرُ إِلَى اختِلافِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ.\nوَفي رِوَايَةٍ: وَهُوَ رَاكِعٌ فَأَرَاهُم.\nوَفِي أُخرى: فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -.\nرواه مسلم (٥٣٤)، والنسائي (٢/ ١٨٤).\n[٤٢٧]- وَعَن مُصعَبِ بنِ سَعدٍ، قَالَ: صَلَّيتُ إِلَى جَنبِ أَبِي، قَالَ: وَجَعَلتُ يَدَيَّ بَينَ رُكبَتَيَّ. فَقَالَ لِي أَبِي: اضرِب بِكَفَّيكَ عَلَى رُكبَتَيكَ.\nــ\nأبو عبيد: سأل الحسن بن محمد ابن الحنفية عن هذا الحديث؟ فقال: ألم تر إلى الشمس إذا ارتفعت عن الحيطان، وصارت بين القبور وكأنها لُجَّة، فذلك شرق الموتى. وقال الهروي في تفسير شرق الموتى: قال ابن الأعرابي: فيه معنيان:\nأحدهما: أن الشمس في ذلك الوقت إنما تثبت ساعة، ثم تغيب، فشبّه قلّة ما بقي من الوقت ببقاء تلك الساعة.\nوالثاني: شرق الميت بريقه، فشبّه قلّة ما بقي من الوقت بما بقي من حياة من شرق بريقه، حتى تخرج روحه، وقيل: شرق الموتى: إذا ارتفعت الشمس، وقيل: هو اصفرار الشمس قبل غروبها.\nوقوله: واجعلوا صلاتكم معهم سبحة؛ أي: نافلة. وهذا لما يُخشى من أذاهم، ومن المخالفة عليهم.\nوقوله: وَليَحنُ رواية العذري بضم النون، من: حَنَوتُ العود؛ إذا عطفته. ورواية أكثر الشيوخ: وليحنِ بكسر النون، من: حَنَيتُ العود، وهما","vol":"2","page":134},{"text":"قَالَ: ثُمَّ فَعَلتُ ذَلِكَ مَرَّةً أُخرَى، فَضَرَبَ يَدَيَّ وَقَالَ: إِنَّا نُهِينَا عَن هَذَا وَأُمِرنَا أَن نَضرِبَ بِالأَكُفِّ عَلَى الرُّكَبِ.\nوَفي رِوَايةٍ: فَقُلتُ بَيَدِيَّ هَكَذَا، يَعنِي طَبَقَ بهما وَوَضَعهُمَا بَينَ فَخذَيهِ، فَقَالَ أَبِي: قَد كُنَّا نَفعَلُ هَذَا، ثُمَّ أُمِرنَا بالرُّكَبِ.\nوَفِي أُخرَى: ثُمَّ أُمِرنَا أَن نَرفَعَ إِلَى الرُّكَبِ.\nرواه مسلم (٥٣٥)، والنسائي (٢/ ١٨٥).\n* * *\nــ\nلغتان. وعند الطبري: فَليَجنَأ بالجيم، وفتح النون، وبهمز آخره، وكلها صحيح. والمراد به الانحناء في الركوع؛ وهو تَعَقُّفُ الصُّلب، يقال: حنا على الشيء يحنو حُنُوًا بالحاء، وجَنَأَ يَجنَأُ جناء وجُنُوءًا بالجيم والهمز: إذا فعل ذلك. وأصل الركوع في لغة العرب: الخضوع والذِّلَّة؛ قال شاعرهم:\nلا تعادِ الفقيرَ علّك أن ... تركع يومًا والدهر قد رفعه\nثم هو في الشرع: عبارة عن التذلل بالانحناء، وأقلُّه عندنا تمكين وضع اليدين على الركبتين منحنيًا، وهو الواجب. وهل الطمأنينة واجبة، أو ليست بواجبة؟ قولان، وعند أبي حنيفة: الواجب منه أقلّ ما يطلق عليه اسم المنحني.\nوالحديث الصحيح يردّ عليه، على ما يأتي إن شاء الله تعالى.\n* * *","vol":"2","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>(٤٤) باب [جواز الإقعاء على العقبين]</span>\n[٤٢٨]- عَن طاوس قَالَ: قُلنَا لابنِ عَبَّاسٍ فِي الإِقعَاءِ عَلَى القَدَمَينِ، فَقَالَ: هِيَ السُّنَّةُ.\nــ\n(٤٤) ومن باب: جواز الإقعاء على العقبين (١)\nقول ابن عباس في الإقعاء: هي السنة، قال أبو عبيد: الإقعاء: هو أن يلصق الرجل أَليَتَيهِ بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه بالأرض كما يفعل الكلب. قال: وفي تفسير الفقهاء: أن يضع أَليَتَيهِ على عقبيه بين السّجدتين نظر. وقال ابن شُمَيل: الإقعاء: أن يجلس على وَركَيه، وهو الاحتِفاز، والاستِيفاز. وحكي عن الثعالبي أنه قال - في أشكال الجلوس عن الأئمة -: أن الإنسان إذا ألصق عقبيه بأَليَتَيه قيل: إقعاء. وإذا استوفز في جلوسه كأنه يريد أن يثور للقيام قيل: احتَفَزَ، واقعَنفَزَ، وقعد القُعفُزَاء. فإذا ألصق أَلَيتَيه بالأرض، وتوسَّد ساقيه قيل: قرطش، كذا وقع، وصوابه: فَرشَطَ بالفاء، وتقديم الشين المعجمة، والطاء المهملة، وقد ذكره أبو عبيد في المصنف.\nقال القاضي عياض: والأشبه عندي - في تأويل الإقعاء الذي قال فيه ابن عباس أنه من السُّنة - الذي فسَّره به الفقهاء من وضع الأَليَتَين على العقبين بين السجدتين، وكذا جاء مفسَّرًا عن ابن عباس: من السنة أن تُمِسَّ عقبيك أليتيك. وقد روي عن جماعة من السلف والصحابة: أنهم كانوا يفعلونه، ولم يقل بذلك عامة فقهاء الأمصار، وسَمَّوه: إقعاء. ووافق الشافعي مالكًا في كراهية ذلك بين السجدتين، وخالفه في استعمال ذلك عند الرفع من السجدة الثانية للقيام، فأجازه، وقال: ليس ذلك بإقعاء، وإلى ذلك ذهب جماعة من أصحاب الحديث؛ متمسكين بحديث مالك بن الحويرث: أنه - ﵊ - كان إذا كان في وتر\n_________\n(١) لم يرد في الأصول، وأثبتناه من صحيح مسلم.","vol":"2","page":136},{"text":"فَقُلنَا لَهُ: إِنَّا لَنَرَاهُ جَفَاءً بِالرَّجُلِ. فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: بَل هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّكَ - ﷺ -.\nرواه أحمد (١/ ٣١٣)، ومسلم (٥٣٦)، وأبو داود (٨٤٥)، والترمذي (٢٨٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>(٤٥) باب نسخ الكلام في الصلاة</span>\n[٤٢٩]- عَن مُعَاوِيَةَ بنِ الحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ: بَينَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إِذ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ القَومِ فَقُلتُ: يَرحَمُكَ اللَّهُ فَرَمَانِي القَومُ بِأَبصَارِهِم فَقُلتُ: وَاثُكلَ أُمَّياه! مَا شَأنُكُم تَنظُرُونَ إِلَيَّ؟\nــ\nمن صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا. ومنع ذلك كافة الفقهاء، ولعلهم رأوه من الإقعاء المكروه، وحديث مالك بن الحويرث لعله لعذر أوجب ذلك، أو ليبيِّن: أنه ليس بحرام.\nوقوله: إنا لنراه جفاء بالرَّجُل؛ كذا صحت الرواية منه - بفتح الراء، وضم الجيم -، وقيَّده أبو عمر بن عبد البر: بكسر الراء وسكون الجيم، وكان يقول: من قال: بالرَّجُل فقد صحَّف، ولا معنى له. قال القاضي: والأوجه عندي رواية الجماعة، ويدلّ عليه: إضافة الجفاء إليه في جلسته المكروهة عند العلماء، وأما الرِّجل فلا وجه له.\n(٤٥) ومن باب: نسخ الكلام في الصلاة\nقوله: واثكل أمياه! الثكل: الحُزن لفقد الولد. والمرأة الثكلى: الفاقدة لولدها، الحزينة عليه. وأمياه مضاف إلى ثكل، وكلاهما منادى مندوب؛ كما","vol":"2","page":137},{"text":"فَجَعَلُوا يَضرِبُونَ بِأَيدِيهِم عَلَى أَفخَاذِهِم، فَلَمَّا رَأَيتُهُم يُصَمِّتُونَنِي، لَكِنِّي سَكَتُّ. فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيتُ مُعَلِّمًا قَبلَهُ وَلا بَعدَهُ أَحسَنَ تَعلِيمًا مِنهُ. وَاللَّهِ ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني، قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن.\nــ\nقالوا: واأمير المؤمنيناه! وأمياه أصله: أمي زيدت عليها الألف لمدّ الصوت، وأردفت بِهَاءِ السَّكت الثابتة في الوقف، المحذوفة في الوصل.\nوقوله: فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم؛ يعني: يُسَكِّتونه. يحتمل أن يكون هذا الفعل منهم قبل نهي النبي - ﷺ - عن التصفيق، والأمر بالتسبيح. قال المؤلف - ﵀ -: ويحتمل أن يقال: إنهم فهموا أن التصفيق المنهي عنه إنما هو ضرب الكَفّ على الكَفّ، أو الأصابع على الكف، ويبعد أن يُسَمّى من ضرب على فخذه وعليها ثوبه مُصَفِّقًا - والله أعلم -؛ ولذلك قال: فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم. ولو كان سمى هذا تصفيقا، لكان الأقرب في لفظه أن يقول: يصفِّقون لا غير.\nوقوله: فما كَهَرَني؛ أي: فما انتهرني. والكَهرُ: الانتهار. قاله أبو عبيد. وفي قراءة عبد الله بن مسعود: فأما اليتيم فلا تكهر (١)، وقيل: الكَهرُ: العبوس في وجه من تلقاه.\nوقوله: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس؛ يدل على منع الكلام في الصلاة، وعلى منع تشميت العاطس فيها، وهو مُتَمَسَّكٌ عند من (٢)\n_________\n(١) فتح القدير للشوكاني (٥/ ٥٥٩) طبعة دار ابن كثير ودار الكلم الطيب (١٩٩٤ م).\n(٢) في (ل) و(م): متمسّك لمن.","vol":"2","page":138},{"text":"أو كمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -. قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي حَدِيثُ عَهدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ وَقَد جَاءَ اللَّهُ بِالإِسلامِ، وَإِنَّ مِنَّا رِجَالا يَأتُونَ الكُهَّانَ، قَالَ: فَلا\nــ\nمنع الدعاء في الصلاة بغير ألفاظ القرآن كما قدّمناه، ويعتضد بقوله: إنما هي التسبيح والتكبير، وقراءة القرآن؛ لأن إنما للحصر، وينفصل عنه بما ثبت من تخصيص هذا الحديث بدعائه - ﷺ - في الصلاة على أقوام بأعيانهم كما سيأتي، وقد كان الكلام مباحًا في الصلاة حتى تقرر نسخه كما جاء في حديث زيد بن أرقم. ولا يختلف في أن الكلام العمد الذي لا يقصد به إصلاح الصلاة، ولا صَدَرَ من جاهلٍ بمنعه يفسد الصلاة. واختُلف فيه سهوًا، وعمدًا للإصلاح، وجهلا؛ فقال الكوفيون: تفسد الصلاة بالكلام كيفما وقع، والجمهور على خلافهم. وسبب الخلاف: هل الامتناع من الكلام شرط مطلقًا، أو هو شرط في بعض الأحوال دون بعض؟ والصحيح مذهب الجمهور؛ بدليل ما روي في هذا الحديث: من أن معاوية تكلم في الصلاة جاهلا بحكم ذلك، ثم لما فرغ أعلمه النبي - ﷺ - بتحريم الكلام، ولم يأمره بالإعادة. وإذا كان ذلك في الجاهل، فالناسي أولى بذلك؛ إذ هو غير مقصِّر ولا ملوم. وأما الكلام لإصلاح الصلاة، فقد صحَّت فيه الأحاديث على ما يأتي إن شاء الله تعالى.\nوأما تشميت العاطس، فهو كلام مع مخاطب عمدًا فيفسد الصلاة، وأما تحميده هو بنفسه، فروي عن ابن عمر والشعبي وأحمد أنه يحمد الله ويجهر به، ومذهب مالك والشافعي: أنه يحمد الله تعالى، ولكن سرًّا في نفسه.\nوقوله: ومنا رجال يأتون الكُهَّان، الكُهَّان: جمع كاهن؛ ككاتب وكُتَّاب. والكاهن: الذي يتعاطى علم ما غاب عنه. وكانت الكهانة في الجاهلية في كثير من الناس شائعة فاشية، وكان أهل الجاهلية يترافعون إلى الكهان في وقائعهم وأحكامهم، ويرجعون إلى أقوالهم، كما فعل عبد المطلب حيث أراد ذبح ابنه عبد الله في نذر كان نذره، فمنعته عشيرته من ذلك، وَسَرى أَمرُهُم حتى","vol":"2","page":139},{"text":"تَأتِهِم قَالَ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ،\nــ\nترافعوا إلى كاهن معروف عندهم (١)، فحكم بينهم بأن يفدوه بمائة من الإبل، على ترتيبٍ ذُكِر في السيرة، وإنما كان الكاهن يتمكن من التكهن بواسطة تَابِعِه من الجن، وذلك أن الجني كان يسترق السمع، فيخطف الكلمة من الملائكة، فيخبر بها وليَّه، فيتحدث بها (٢)، ويزيد معها مائة كذبة، كما قال رسول الله - ﷺ - (٣). فلما بعث الله رسوله - ﷺ - أُرسلت الشهب على الجن، فلم يتمكنوا مما كانوا يتمكنون منه قبل ذلك، فانقطعت الكهانة؛ لئلا يجرّ ذلك إلى تغيير الشرع ولبس (٤) الحق بالباطل، لكنها وإن كانت قد انقطعت فقد بقي في الوجود قوم يتشبهون بأولئك الكهان، فنهى رسول الله - ﷺ - عن اتباعهم؛ لأنهم كَذَبة مُمَخرِقون (٥) مبطلون ضالون مضلون، فيحرم إتيانهم والسماع منهم، وقد كثر هذا النوع في كثير من (٦) نساء الأندلس، وكثير من رجال غير الأندلس، فليحذر الإتيان إليهم والسماع منهم.\nوقوله: ومنّا رجال يتطيرون؛ الطيرة: مصدر طار يطير طِيَرَةً وطيرانًا، وأصلها: أن العرب كانوا إذا خرج الواحد منهم في حاجة نظر إلى أول طائر يراه، فإن طار عن يمينه تشاءم به، وامتنع من المُضِيّ في تلك الحاجة، وإن طار عن يساره تيمّن به ومضى في حاجته. وأصل هذا: أن الرامي للطير، إنما\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) ساقط من (ع).\n(٣) قال - ﷺ -: \"تلك الكلمةُ من الجِنِّ يَخطَفُها الجِنِّيُّ، فَيَقُرُّها في أُذُنِ وَلِيِّه قَرَّ الدَّجاجة، فَيَخْلِطُون فيها أكثر مِن مئةِ كَذبَةٍ\".\nرواه البخاري (٥٧٦٢)، ومسلم (٢٢٢٨).\n(٤) في (م): تلبيس.\n(٥) \"ممخرقون\": مختلقون للكذب والإفك.\n(٦) من (ل).","vol":"2","page":140},{"text":"قَالَ: ذَلِكَ شَيءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِم فَلا يَصُدَّنَّهُم - وَقَالَ ابنُ الصَّبَّاحِ: فَلا يَصُدَّنَّكُم، قَالَ: قُلتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ قَالَ: كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنبِيَاءِ يَخُطُّ،\nــ\nيصيب ما كان عن يساره، ويخيبه ما كان عن يمينه، فسُمِّي التشاؤم تطيرًا بذلك.\nوقوله: ذلك شيء يجدونه في صدورهم فلا يَصُدّهم - وفي رواية: فلا يضرهم؛ ومعنى ذلك: أن الإنسان بحكم العادة يجد من نفسه نفرة وكراهة مما يتطير به، فينبغي له: ألا يلتفت إلى تلك النفرة، ولا لتلك الكراهة، ويمضي لوجهه الذي خرج إليه، فإن تلك الطيرة لا تضر، وإذا لم تضر فلا تصدّ الإنسان عن حاجته. وأَشَاَر بِه إلى أن الأمور كلها بيد الله تعالى، فينبغي أن يُعوّلَ عليه، وتُفَوَّضَ جميع الحوائج إليه. ويفهم منه: أن هذا الوجدان لتلك النفرة لا يلام واجدها عليها شرعًا؛ لأنه لا يقدر على الانفكاك عنها، وإنما يلام الإنسان أو يمدح على ما كان داخلا تحت استطاعته.\nوقوله: ومنا رجال يَخُطُّون: قال ابن عباس في تفسير هذا الحديث: هو الخط الذى يخطّه الحَازِي، فيعطيه حُلوانًا، فيقول: اقعد حتى أخط لك، وبين يدي الحازي (١) غلام معه ميل، ثم يأتي إلى أرض رخوة فيخط الأستاذ خطوطًا بعجلة لِئَلَاّ يلحقها العدد، ثم يرجع فيمحو على مهل خطين خطين، فإن بقي خطّان فهي علامة النَّجاحِ، وإن بقي خط فهي علامة الخيبة، والعرب تسميه: الأَسحَم (٢)، وهو مشؤوم عندهم.\nوقوله: كان نبي من الأنبياء يخط، حكى مَكِّي (٣) في تفسيره: أنه روي أن\n_________\n(١) \"الحازي\": الذي ينظر في الأعضاء وفي خيلان الوجه يتكهّن.\n(٢) \"الأسحم\": في حاشية (ل): هو الأسود.\n(٣) هو مكي بن أبي طالب الأندلسي القيرواني: عالم بالتفسير والقراءات والعربية. توفي سنة (٤٣٧ هـ).","vol":"2","page":141},{"text":"فَمَن وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ.\nقَالَ: وَكَانَت لِي جَارِيَةٌ تَرعَى غَنَمًا لِي قِبَلَ أُحُدٍ وَالجَوَّانِيَّةِ، فَاطَّلَعتُ ذَاتَ يَومٍ فَإِذَا الذِّئبُ قَد ذَهَبَ بِشَاةٍ مِن غَنَمِهَا، وَأَنَا رَجُلٌ مِن بَنِي آدَمَ آسَفُ كَمَا يَأسَفُونَ. لَكِنِّي صَكَكتُهَا صَكَّةً، فَأَتَيتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ، قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَلا أُعتِقُهَا؟ قَالَ: ائتِنِي بِهَا، فَأَتَيتُهُ بِهَا، فَقَالَ لَهَا: أَينَ اللَّهُ؟ قَالَت: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: مَن أَنَا؟ قَالَت: أَنتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ،\nــ\nهذا النبي كان يخط بأصبعيه السبابة والوسطى في الرمل، ثم (١) يزجر.\nوقوله: فمن وافق خطَّه فذاك؛ قال الخطابي: هذا يحتمل الزجر؛ إِذ كان ذلك عَلَمًا لنبوّته، وقد انقطعت، فنهينا عن التعاطي؛ لذلك قال القاضي عياض: الأظهر من اللفظ خلاف هذا، وتصويب خط من يوافق خطه، لكن من أين نعلم الموافقة؟ والشرع منع من التخرص وادعاء الغيب جملة، وإنما معناه: أن من (٢) وافق خطه فذلك الذي تجدون إصابته، لا أنه يريد إباحة ذلك لفاعله، على ما تأوّله بعضهم.\nوالجَوَّانِيَة: بفتح الجيم، وتشديد (٣) الواو، وتخفيف الياء، وقُيِّد عن الخُشَني: بتشديد الياء، وكذا ذكرها أبو عبيد البكري، قال: كأنها نسبت إلى جوّان، والجوانية: أرض من عمل الفُرُع من جهة المدينة.\nوقوله: آسف كما يأسفون؛ أي: أغضب كما يغضبون، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾\nوصَكَكتُها: لَطَمتُها في وجهها.\nوقوله - ﷺ - للجارية: أين الله؟ هذا السؤال من النبي - ﷺ - تَنَزُّلٌ مع الجارية\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) في (ل): فمن.\n(٣) في (ع) و(م): وتشديد.","vol":"2","page":142},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nعلى قدر فهمها؛ إذ أراد أن يظهر منها ما يدل على أنها ليست ممن يعبد الأصنام ولا الحجارة التي في الأرض، فأجابت بذلك، وكأنها قالت: إن الله ليس من جنس ما يكون في الأرض.\nوأين: ظرف يُسأل به عن المكان، كما أن متى ظرف يُسأل به عن الزمان، وهو مبني لما تضمّنه من حرف الاستفهام، وحُرِّك لالتقاء الساكنين، وخُصَّ بالفتح تخفيفًا، وهو خبر المبتدأ الواقع بعده، وهو لا يصح (١) إطلاقه على الله تعالى بالحقيقة؛ إذ الله تعالى منزّه عن المكان، كما هو منزّه عن الزمان، بل هو خالق الزمان والمكان، ولم يزل موجودًا، ولا زمانَ ولا مكانَ، وهو الآن على ما عليه كان، ولو كان قابلا للمكان لكان مختصًّا به، ويحتاج إلى مخصِّص، ولكان فيه إما متحركًا وإما ساكنًا، وهما أمران حادثان، وما يتّصف بالحوادث حادث، على ما يبسط القول فيه في علم الكلام، ولما صَدَق قوله تعالى: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ﴾؛ إذ كانت تماثله الكائنات في أحكامها، والممكنات في إمكانها، وإذا ثبت ذلك، ثبت أن النبي - ﷺ - إنما أطلقه على الله بالتوسع والمجاز لضرورة إفهام المخاطبة القاصرة الفهم، الناشئة مع قوم معبوداتهم في بيوتهم، فأراد النبي - ﷺ - أن يتعرّف منها: هل هي ممن يعتقد أن معبوده في بيت الأصنام، أم لا؟ فقال لها: أين الله؟ فقالت: في السماء، فقنع منها بذلك، وحكم بإيمانها؛ إذ لم تتمكن من فهم غير ذلك. وإذ نزَّهت الله تعالى عن أن يكون من قبيل معبوداتهم وأصنامهم، ورفعته عن أن يكون في مثل أمكنتهم، وحملها على ذلك: أنها رأت المسلمين يرفعون أبصارهم (٢) وأيديهم إلى السماء عند الدعاء، فتُركت على ذلك في تلك الحال لقصور فهمها، إلى أن يتمكن فهمها وينشرح صدرها؛ إذ لو قيل لها في تلك الحالة: الله تعالى يستحيل عليه المكان\n_________\n(١) في (ل): لا يصلح.\n(٢) في (ع): أصواتهم.","vol":"2","page":143},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوالزمان، لخيف عليها أن تعتقد النفي المَحض والتعطيل؛ إذ ليس كل عقل يقبل هذا، ويعقله على وجهه، بل إنما يعقله العالمون الذين شرح الله صدورهم لهدايته، ونوّر قلوبهم بنور معرفته، وأمدّهم بتوفيقه ومعونته، وأكثر الخلق تغلب عليهم الأوهام (١)، وتَكِلّ منهم الأفهام.\nوقيل في تأويل هذا الحديث: أن النبي - ﷺ - إنما سألها بأين عن الرتبة المعنوية التي هي راجعة إلى جلاله تعالى وعظمته التي بها بَايَنَ كلّ من نُسبت إليه الإلهية، وهذا كما يقال: أين الثُّريّا من الثَّرَى؟ ! والبصرُ من العَمَى؟ ! أي: بَعُدَ ما بينهما، واختصت الثريا والبصر بالشرف والرفعة. وعلى هذا يكون قولها: في السماء؛ أي: في غاية العلوّ والرفعة، وهذا كما يقال: فلان (٢) في السماء ومناط الثريا، كما قال:\nوإن بني عوف كما قد علمتم ... مناط الثريا قد تعالت نجومُها\nأقول هذا، والله ورسوله أعلم، والتسليم أسلم.\nتنبيه: ثم اعلم أنه لا خلاف بين المسلمين قاطبة، محدثهم، وفقيههم، ومتكلمهم، ومقلِّدهم، ونُظَّارهم: أن الظواهر الواردة بذكر الله تعالى في السماء (٣)؛ كقوله: ﴿أَأَمِنتُم مَن فِي السَّمَاءِ﴾ ليست على ظاهرها، وأنها متأوَّلة عند جميعهم. أما من قال منهم بالجهة، فتلك الجهة عنده هي جهة الفوق التي عبر عنها بالعرش وهي فوق السماوات، كما جاء في الأحاديث فلا بدّ أن يُتَأَوَّل كونه في السماء، وقد تأَوّلوا تأويلات، وأشبه ما فيه: أن في بمعنى: على،\n_________\n(١) ساقط من (م).\n(٢) ساقط من (م).\n(٣) ساقط من (ع).","vol":"2","page":144},{"text":"قَالَ: أَعتِقهَا فَإِنَّهَا مُؤمِنَةٌ.\nرواه أحمد (٥/ ٤٤٧ - ٤٤٨)، ومسلم (٥٣٧)، وأبو داود (٩٣٠ و٩٣١)، والنسائي (٣/ ١٤ - ١٨).\nــ\nكما قال: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُم فِي جُذُوعِ النَّخلِ﴾؛ أي: على جذوع النخل، ويكون العلوّ بمعنى الغلبة، وأما من يعتقد نفي الجهة في حق الله تعالى، فهو أحق بإزالة ذلك الظاهر، وإجلال الله تعالى عنه، وأَولى الفرق بالتأويل. وقد حصل من هذا الأصل المحقق أن قول الجارية: في السماء ليس على ظاهره باتفاق المسلمين، فيتعيّن أن يعتقد فيه أنه مُعَرَّض لتأويل المتأوِّلين، وأن مَن حمله على ظاهره فهو ضال من الضالين (١).\nوقوله: أعتقها فإنها مؤمنة؛ فيه دليل على أن عتق المؤمن أفضل، ولا خلاف في جواز عتق الكافر في التطوع، وأنه لا يجزئ في كفارة القتل؛ لنص الله تعالى على المؤمنة. واختلف في كفارة اليمين والظهار وتعمد الوطء في رمضان، فمالك والشافعي وعامتهم: لا يجيزون في ذلك كله إلا مؤمنة؛ حملا لمطلق هذه الكفارات على مقيد كفارة القتل. وذهب الكوفيون إلى أن ذلك ليس شرطًا في هذه الكفارات، ومنعوا حمل المطلق على المقيد، وتحقيق ذلك في الأصول.\nوفي هذا الحديث أبواب من الفقه لا تخفى على متأمل فَطِن؛ ومن أهمها: أنه لا يشترط في الدخول في الإيمان التلفظ بألفاظ مخصوصة؛ كالشهادتين، بل يكفي كل لفظ يدل على صحة الدخول في الدين، وأنه يُكتفى بالاعتقاد الصحيح،\n_________\n(١) مذهب السلف: إثباتُ علو الله تعالى يليق بجلاله، وهذا العلو ثابت بالسمع، وبالعقل والفطرة: مع التمسّك بقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١]. فالفرق بين علو الله تعالى وعلو المخلوق كالفرق بين ذات الله وذات المخلوق، فلما تباينت الذاتان من كل وجه تباينت الصفتان من كل وجه أيضًا.","vol":"2","page":145},{"text":"[٤٣٠]- وَعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ مَسعُودٍ قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النبي - ﷺ - وَهُوَ فِي الصَّلاةِ فَيَرُدُّ عَلَينَا، فَلَمَّا رَجَعنَا مِن عِندِ النَّجَاشِيِّ سَلَّمنَا عَلَيهِ فَلَم يَرُدَّ عَلَينَا، فَقُلنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَيكَ فِي الصَّلاةِ فَتَرُدُّ عَلَينَا، قَالَ: إِنَّ فِي الصَّلاةِ شُغلا.\nرواه أحمد (١/ ٣٧٦)، والبخاري (١١٩٩)، ومسلم (٥٣٨)، وأبو داود (٩٢٣ و٩٢٤)، والنسائي (٣/ ١٩).\nــ\nولا يشترط أن يكون عن برهان نظري، إذ لم يسألها النبي - ﷺ - عن طريق علم ذلك، ولا كانت أيضًا ممن يصلح لفهم تلك البراهين والاستدلالات، كما بينّا في التأويل الأول.\nوقول عبد الله بن مسعود: كنا نسلم على رسول الله - ﷺ - وهو في الصلاة فيردّ علينا: هذا كان منه - ﷺ - إِذ كان الكلام مباحًا في الصلاة في أول الأمر، كما قال زيد بن أرقم، ثم لما نُسخ ذلك امتنع رد السلام نطقًا من المصلي، وغير ذلك من أنواع الكلام مع الغير. وهذا الحديث حجة على من أجاز للمصلي أن يرد السلام نطقًا، وهم: أبو هريرة وجابر والحسن وسعيد بن المسيب وقتادة وإسحاق. ثم إذا قلنا: لا يرد نطقًا، فهل يرد إشارة، أم لا؟ وبالأول قال مالك وأصحابه، وهو مذهب ابن عمر وجماعة من العلماء. وبالثاني قال أبو حنيفة، فمنع الردّ إشارة ونطقًا، وبه قال الثوري وعطاء والنخعي. ثم اختلف من لم يردّه: هل يرد إذا سلم أم لا؟ وبالأول قال الثوري وعطاء والنخعي، وبالثاني قال أبو حنيفة. وقال بعض أهل العلم: يردّ المصلي في نفسه. هذا حكمه في الردّ. وأما ابتداء السلام على المصلي، فاختَلف فيه العلماء. فعن مالك فيه الجواز، وقد رويت عنه الكراهة.\nوقوله: إن في الصلاة شغلا: اكتفى بذكر الموصوف عن الصفة، فكأنه","vol":"2","page":146},{"text":"[٤٣١]- وَعَن زَيدِ بنِ أَرقَمَ قَالَ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلاةِ، يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ وَهُوَ إِلَى جَنبِهِ فِي الصَّلاةِ حَتَّى نَزَلَت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فَأُمِرنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنِ الكَلامِ.\nرواه أحمد (١/ ٤٦٣)، والبخاري (٤٥٣٥)، ومسلم (٥٣٩)، وأبو داود (٩٤٩)، والترمذي (٤٥٥)، والنسائي (٣/ ١٨).\n* * *\nــ\nقال: شغلا كافيًا، أو مانعًا من الكلام وغيره. ويفهم منه التفرغ للصلاة من جميع الأشغال، ومن جميع المشوِّشات، والإقبال على الصلاة بظاهره وباطنه.\nوقوله: حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾؛ القنوت ينصرف في الشرع واللغة على أنحاء مختلفة، يأتي بمعنى الطاعة، وبمعنى السكوت، وبمعنى طول القيام، وبمعنى الخشوع، وبمعنى الدعاء، وبمعنى الإقرار بالمعبود، وبمعنى الإخلاص. وقيل: أصله الدوام على الشيء؛ ومنه الحديث: قنت رسول الله - ﷺ - شهرًا يدعو على قبائل من العرب (١)؛ أي: أدام الدعاء والقيام له. واللائق بالآية من هذه المعاني: السكوت والخشوع.\nوقوله: ونهينا عن الكلام: هذا هو الناسخ لإباحة الكلام في الصلاة، وقد قدّمنا في حديث معاوية القول على أنواع الكلام الواقع في الصلاة.\n* * *\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ١١٥ و٢٦١)، والبخاري (١٠٠٢)، ومسلم (٦٧٧)، وأبو داود (١٤٤٤)، والنسائي (٢/ ٢٠٠) من حديث أنس ﵁.","vol":"2","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>(٤٦) باب جواز الإشارة بالسلام في الصلاة، ولعن الشيطان</span>\n[٤٣٢]- عَن جَابِرٍ قَالَ: أَرسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ مُنطَلِقٌ إِلَى بَنِي المُصطَلِقِ، فَأَتَيتُهُ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى بَعِيرِهِ، فَكَلَّمتُهُ، فَقَالَ لِي بِيَدِهِ هَكَذَا - وَأَومَأَ زُهَيرٌ بِيَدِهِ -، ثُمَّ كَلَّمتُهُ، فَقَالَ لِي هَكَذَا - فَأَومَأَ زُهَيرٌ أَيضًا بِيَدِهِ نَحوَ الأَرضِ -، وَأَنَا أَسمَعُهُ يَقرَأُ، يُومِئُ بِرَأسِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: مَا فَعَلتَ فِي الَّذِي أَرسَلتُكَ لَهُ؟ فَإِنَّهُ لَم يَمنَعنِي أَن أُكَلِّمَكَ إِلا أَنِّي كُنتُ أُصَلِّي.\nوَفي روَاية: وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَوَجهُهُ عَلَى غَيرِ القِبلَةِ.\nوَفِي أُخرَى: فَسَلَّمتُ عَلَيهِ فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَلَمَّا فَرَغَ دَعَانِي، فَقَالَ: إِنَّكَ سَلَّمتَ آنِفًا وَأَنَا أُصَلِّي، وَهُوَ مُوَجِّهٌ حِينَئِذٍ قِبَلَ المَشرِقِ.\nرواه أحمد (٣/ ٣١٢)، ومسلم (٥٤٠)، والنسائي (٣/ ٦)، وابن ماجه (١٠١٨).\n[٤٣٣]- وعَن أَبِي الدَّردَاءِ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَسَمِعنَاهُ يَقُولُ:\nــ\n(٤٦) ومن باب: جواز الإشارة بالسلام في الصلاة\nحديث جابر هذا حجة لمالك ولمن قال بقوله على جواز ردّ المصلي السلام بالإشارة، وعلى جواز ابتداء السلام على المصلي، وعلى أن العمل القليل في الصلاة لا يفسدها، وعلى منع الكلام في الصلاة، وفيه دليل على جواز التنفل على الراحلة، لكن في السفر، وعلى أنه يصلي النفل عليها حيث توجهت به. وسيأتي كل ذلك إن شاء الله تعالى.","vol":"2","page":148},{"text":"أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنكَ، ثُمَّ قَالَ: أَلعَنُكَ بِلَعنَة اللَّهِ. ثَلاثًا، وَبَسَطَ يَدَهُ كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيئًا، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلاةِ قُلنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَد سَمِعنَاكَ تَقُولُ فِي الصَّلاةِ شَيئًا لَم نَسمَعكَ تَقُولُهُ قَبلَ ذَلِكَ، وَرَأَينَاكَ بَسَطتَ يَدَكَ. قَالَ: إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبلِيسَ جَاءَ بِشِهَابٍ مِن نَارٍ لِيَجعَلَهُ فِي وَجهِي، فَقُلتُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنكَ - ثَلاثَ مَرَّاتٍ -، ثُمَّ قُلتُ: أَلعَنُكَ بِلَعنَةِ اللَّهِ التَّامَّةِ، فَلَم يَستَأخِر ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَرَدتُ أخُذَهُ، وَاللَّهِ لَولا دَعوَةُ أَخِينَا سُلَيمَانَ لأَصبَحَ مُوثَقًا يَلعَبُ بِهِ وِلدَانُ المَدِينَةِ.\nرواه مسلم (٥٤٢)، والنسائي (٢/ ١٣).\nــ\nوقوله - ﷺ -: أعوذ بالله منك؛ أي: أَستَتِرُ وألتجئ في كفايته إياي منك. ومنه سُمِّي العود الذي يَلجَأ إليه الغُثَاء في السيل: عَوذا؛ لأن الغثاء يلجأ إليه.\nوقوله: ألعنك بلعنة الله التامة، أصل اللعن: الطرد والبعد، ومعناه: أسأل الله أن يلعنه بلعنته.\nوالتامَّة يحتمل وجهين:\nأحدهما: أنها الكاملة التي لا ينقصُ منها شيء.\nوالثاني: المستحقّة الواجبة، كما قال: ﴿وَتَمَّت كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدقًا وَعَدلا﴾؛ أي: حَقَّت ووجبت، ولم يقصد مخاطبة الشيطان؛ لأنه كان يكون متكلمًا في الصلاة، وإنما كان متعوذًا بالله؛ كما قال: أعوذ بالله منك.\nقوله: ولولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقًا يلعب به ولدان المدينة (١). يدل على أن مُلكَ الجن والتصرُّفَ فيهم بالقهر مما خصّ به سليمان، وسبب خصوصيته: دعوته التي استجيبت له، حيث قال: ﴿وَهَب لِي مُلكًا لا يَنبَغِي لأَحَدٍ\n_________\n(١) كذا في الأصول، وفي صحيح مسلم (١/ ٣٨٥): ولدان أهل المدينة.","vol":"2","page":149},{"text":"[٤٣٤]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: إِنَّ عِفرِيتًا مِنَ الجِنِّ جَعَلَ يَفتِكُ عَلَيَّ البَارِحَةَ لِيَقطَعَ عَلَيَّ الصَّلاةَ، وَإِنَّ اللَّهَ أَمكَنَنِي مِنهُ،\nــ\nمِن بَعدِي إِنَّكَ أَنتَ الوَهَّابُ﴾ ولما تحقق النبي - ﷺ - الخصوصية، امتنع من تعاطي ما هَمَّ به من أخذ الجني وربطه. فإن قيل: كيف يتأَتَى ربطه وأخذه واللعب به، مع كون الجن أجسامًا لطيفة روحانية؟ قلنا: كما تَأَتَى ذلك لسليمان - ﵇ -؛ حيث جعل الله له منهم ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصفَادِ﴾ ولا شك أن الله تعالى أوجدهم على صورٍ تَخُصُّهم، ثم مكّنهم من التشكل في صور مختلفة، فيتمثلون في أي صورة شاؤوا، أو شاء الله، وكذلك فعل الله بالملائكة كما قال تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ وقال - ﷺ -: . وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني (١)، فيجوز أن يُمَكِّن الله نبيه محمدًا - ﷺ - من هذا الجنِّي، مع بقاء الجنِّي على صورته التي خُلق عليها، فيوثقه كما كان سليمان - ﵇ - يوثقهم، ويرفع الموانع عن أبصار الناس، فيرونه موثقًا حتى يلعب به الغلمان. ويجوز أن يشكِّله الله تعالى في صورة جسميِّةٍ محسوسة، فيربطه ويُلعب به، ثم يمنعه من الزوال عن تلك الصورة التي تشكّل فيها، حتى يفعل الله ما همّ به النبي - ﷺ -. وفي هذا دليل على رؤية بني آدم الجن. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُم هُوَ وَقَبِيلُهُ مِن حَيثُ لا تَرَونَهُم﴾؛ إخبار عن غالب أحوال بني آدم معهم، والله تعالى أعلم.\nوقوله: إن عفريتًا جعل يفتك عليّ البارحة؛ العفريت: المارد من الجن الشديد، ومنه: رجل عِفرِيت؛ أي: شديد الدَّهاء والمكر والحيلة. هكذا صحّ في كتاب مسلم: يَفتِك؛ ومعناه: يغفله عن الصلاة ويشغله. وأصل الفَتك: القتل على غفلة وغِرَّة، ومنه: قوله - ﷺ -: الإيمان قَيَّد الفَتك (٢). وهكذا مجيء الشيطان\n_________\n(١) رواه البخاري (٢) من حديث عائشة ﵂.\n(٢) رواه أحمد (١/ ١٦٦ و١٦٧) من حديث الزبير، و(٤/ ٩٢) من حديث معاوية. ورواه أبو داود (٢٧٦٩) من حديث أبي هريرة.","vol":"2","page":150},{"text":"فَذَعَتُّهُ، فَلَقَد هَمَمتُ أَن أَربِطَهُ إِلَى جَنبِ سَارِيَةٍ مِن سَوَارِي المَسجِدِ حَتَّى تُصبِحُوا تَنظُرُون إِلَيهِ أَجمَعُونَ (أَو كُلُّكُم)، ثُمَّ ذَكَرتُ قَولَ أَخِي سُلَيمَانَ: ﴿رَبِّ اغفِر لِي وَهَب لِي مُلكًا لا يَنبَغِي لأَحَدٍ مِن بَعدِي﴾ فَرَدَّهُ اللَّهُ خَاسِئًا. وَفِي رِوَايَةٍ: فَدَعَتُّهُ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٩٨)، والبخاري (٤٦١)، ومسلم (٥٤١).\n* * *\nــ\nللمصلي على غفلة وغرَّة، وذكره البخاري. وقال: تَفَلَّت عليّ البارحة (١)، وهو أيضًا صحيح؛ أي: جاءني على غفلة وفلتة وغرة (٢) وفُجأَةٍ، ومنه: قيل: افتلتت نفسه؛ أي: مات على فجأةٍ. والفَلتَةُ: الأمرُ يُؤتى على غير رَوِيَّة.\nوقوله: فَذَعَتُّهُ بالذال المعجمة؛ أي: خنقته. قال الهروي: وفي رواية ابن أبي شيبة بالدال المهملة، وهما بمعنى واحد، وأنكره الخطابي، وقال: لأن أصله يكون: دَعَتُه، ولا يصح إدغام العين في التاء. قال ابن دريد: ذَعَتَه، يَذعَتُه، ذعتًا: غَمَزَهُ غمزًا شديدًا. والدَّعَتُ مهملا: الدفع الشديد، ويقال بالذال المعجمة.\nوقوله: لقد هممت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد. يحتمل أن يقال: إن هذا الذي همَّ به كان يكون شغلا يسيرًا، ويحتمل أن يكون يربطه بعد تمام الصلاة.\nوقوله: فردّه الله خاسئًا؛ أي: ذليلا مدحورًا؛ من خَسَأت الكلب: إذا زَجَرته وطَرَدته.\n_________\n(١) ينظر: الفتح (١/ ٥٥٤).\n(٢) ساقط من (ع).","vol":"2","page":151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>(٤٧) باب جواز حمل الصغير في الصلاة، وجواز التقدم والتأخر، ومن صلى على موضع أرفع من موضع المأموم</span>\n[٤٣٥]- عَن أَبِي قَتَادَةَ الأَنصَارِيِّ، قال: رأيت رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يؤم الناس وَأُمَامَةُ بِنتُ أَبِي العَاصِ - وَهِيَ ابنة زَينَبَ بِنتِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَلَى عَاتِقِهِ، فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَهَا، وَإِذَا رَفَعَ مِنَ السُّجُودِ أَعَادَهَا.\nوَفِي رِوَايَةٍ: بَينَا نَحنُ فِي المَسجِدِ جُلُوسٌ خَرَجَ عَلَينَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ...، بِنَحوِ ما تَقَدَّم.\nرواه أحمد (٥/ ٢٩٥ و٣٠٣)، والبخاري (٥١٦)، ومسلم (٥٤٣) (٤٢ و٤٣)، وأبو داود (٩١٧)، والنسائي (٣/ ١٠).\nــ\n(٤٧) ومن باب: حمل الصغير في الصلاة\nاختلف العلماء في تأويل حمل النبي - ﷺ - لأمامة في الصلاة، والذي أحوجهم لتأويله: أنه شغلٌ كثير. فروى ابن القاسم عن مالك: أنه كان في النافلة، وهذا تأويل بعيد؛ فإن ظاهر الحديث الذي ذكره أبو داود يدل على أنه في الفريضة؛ لقوله: بينما نحن ننتظر رسول الله - ﷺ - في الظهر أو العصر، خرج علينا حاملا أمامة على كتفه (١)، وذكر الحديث. ومعلوم: أنه كان - ﷺ - إنما كان يتنفل في بيته، ثم يخرج لصلاة الفريضة، فإذا رآه بلال خارجًا أقام الصلاة. وأيضًا ففي هذا الحديث قال أبو قتادة: رأيت رسول الله - ﷺ - يؤم الناس، وغالب عادته، أنه إنما كان يؤم الناس في المسجد في الفريضة. وروى عنه أشهب، وابن نافع: أن هذا للضرورة، وإذا لم يجد من يكفيه، وأما لحب الولد فلا. وظاهر هذا إجازته في الفريضة والنافلة.\n_________\n(١) رواه البيهقي في السنن (٢/ ٢٦٣) بنحوه، وعزاه للحميدي.","vol":"2","page":152},{"text":"[٤٣٦]- وعَن أَبِي حَازِمٍ: أَنَّ نَفَرًا جَاؤوا إِلَى سَهلِ بنِ سَعدٍ، قَد تَمَارَوا فِي المِنبَرِ: مِن أَيِّ عُودٍ هُوَ؟ فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَعرِفُ مِن أَيِّ عُودٍ هُوَ، وَمَن عَمِلَهُ، وَرَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَوَّلَ يَومٍ جَلَسَ عَلَيهِ. قَالَ: فَقُلتُ لَهُ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ! فَحَدِّثنَا. قَالَ: أَرسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِلَى امرَأَةٍ (قَالَ أَبُو حَازِمٍ: إِنَّهُ لَيُسَمِّيهَا يَومَئِذٍ) انظُرِي غُلامَكِ النَّجَّارَ يَعمَل لِي أَعوَادًا أُكَلِّمُ النَّاسَ عَلَيهَا، فَعَمِلَ هَذِهِ الثَّلاثَ دَرَجَاتٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -\nــ\nوروى عنه التِّنِّيسي: أن الحديث منسوخ، قال أبو عمر بن عبد البر: لعل هذا نُسخ بتحريم العمل والاشتغال في الصلاة بغيرها. وقال الخطابي: يشبه أن هذا كان منه - ﷺ - على غير قصد وتعمد، لكن الصبية تعلّقت به لطول إِلفِهَا لَهُ، وهذا باطل؛ لقوله في الحديث: خرج علينا حاملا أمامة على عاتقه، فإذا ركع وضعها، وإذا رفع رأسه من السجود أعادها (١). والأشبه: أنه كان لضرورة لم يقدر على أن ينفكّ عنها، أو هو منسوخ. والله تعالى أعلم.\nوفيه من الفقه: جواز إدخال الصغار المساجد، إذا علم من عادة الصبي أنه لا يبول، وأن ثيابه محمولة على الطهارة، وأن لمس النساء ليس بحَدَث، وأن حكم من لا تشتهى من النساء بخلاف حكم من يُشتهى منهن. وفيه: تواضع رسول الله - ﷺ - وشفقته، وجواز حمل ما لا يشغل في الصلاة شغلا كثيرًا.\nوقوله: انظري غلامك النجار يعمل لي أعوادًا أكلم الناس عليها. فيه دليل: على أن اتخاذ المنبر مسنون في الجمعة للخطبة، وفائدته: الإبلاغ والإسماع. وقد استدل أحمد بن حنبل بصلاة النبي - ﷺ - على المنبر على جواز\n_________\n(١) رواه ابن خزيمة (٩٠٩)، والبيهقي (٢/ ٢٨٧ - ٢٨٨)، وابن حبان (٢٢٨٦) من حديث أبي هريرة ﵁. وانظر: الترغيب والترهيب (٧٨٨) طبعة دار ابن كثير ودار الكلم الطيب ومؤسسة علوم القرآن، سنة (١٩٩٣ م).","vol":"2","page":153},{"text":"فَوُضِعَت هَذَا المَوضِعَ، فَهِيَ مِن طَرفَاءِ الغَابَةِ، وَلَقَد رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَامَ عَلَيهِ فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ وَرَاءَهُ وَهُوَ عَلَى المِنبَرِ، فرَجَعَ فَنَزَلَ القَهقَرَى حَتَّى سَجَدَ فِي أَصلِ المِنبَرِ، ثُمَّ عَادَ حَتَّى فَرَغَ مِن آخِرِ صَلاتِهِ، ثُمَّ أَقبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنِّي صَنَعتُ هَذَا لِتَأتَمُّوا بِي، وَلِتَعَلَّمُوا صَلاتِي.\nرواه أحمد (٥/ ٣٣٩)، والبخاري (٤٤٨)، ومسلم (٥٤٤) (٤٤)، وأبو داود (١٠٨٠)، والنسائي (٢/ ٥٧)، وابن ماجه (١٤١٦).\n* * *\nــ\nصلاة الإمام على موضع أرفع من موضع المأموم، ومالك يمنع ذلك في الارتفاع الكثير دون اليسير، وعلَّل المنع: بخوف الكِبر على الإمام. واعتذر بعض أصحابه عن الحديث: بأن النبي - ﷺ - معصوم عن الكِبر، ومنهم من علله بأن ارتفاع المنبر كان يسيرًا.\nوقوله: فرجع القهقرى حتى سجد في أصل المنبر؛ يعني: رجع خلفه؛ من تقهقر الرجل في مشيته: إذا رجع من حيث جاء، وهذا إنما فعله ليُرِيَ الناسَ كيفية صلاته، ففعل على المنبر ما يتمكّن من فعله عليه، وهو القيام والركوع، وفعل في الأرض ما لا يتمكن من فعله عليه، وهو السجود والجلوس، وهذا القدر عمل يسير لا يُخِلّ بمقصود الصلاة ولا بهيئتها.\nوقوله: لتأتموا بي؛ لتقتدوا بي. ولتعَلموا صلاتي، رويناه بفتح العين وتشديد اللام؛ أي: لتتعلموا، وهذا الأمر على الوجوب.\n* * *","vol":"2","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>(٤٨) باب النهي عن الاختصار في الصلاة، وما يجوز من مس الحصى فيها، وما جاء في البصاق في المسجد</span>\n[٤٣٧]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَن يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُختَصِرًا.\nرواه أحمد (٢/ ٣٩٩)، والبخاري (١٢١٩ و١٢٢٠)، ومسلم (٥٤٥)، وأبو داود (٩٤٧)، والترمذي (٣٨٣)، والنسائي (٢/ ١٢٧).\nــ\n(٤٨) ومن باب: النهي عن الاختصار في الصلاة\nقوله: نهى رسول الله ﷺ أن يصلي الرجل مختصرًا: اختُلف في تأويله على أقوال:\nأحدها: أن يأخذ بيده عصًا يتوكأ عليها. قاله الهروي.\nوثانيها: أن يقرأ من آخر السورة آية أو اثنتين في فرضه، ولا يكملها. قاله أبو هريرة.\nوثالثها: هو أن يضع يده على خَصره في الصلاة؛ لأنه مِن فعل أهل الكِبر. وقيل: لأنه من فعل اليهود؛ كما قال - ﷺ -: الاختصار راحة أهل النار (١)؛ يعني اليهود والمتكبرين؛ لا أنّ لهم في النار راحة.\nورابعها: هو حذف الصلاة، بحيث لا يتم ركوعها، ولا سجودها، ولا حدودها.\n_________\n(١) رواه النسائي (٣/ ٦).","vol":"2","page":155},{"text":"[٤٣٨]- وَعَن مُعَيقِيبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ فِي الرَّجُلِ يُسَوِّي التُّرَابَ حَيثُ يَسجُدُ، قَالَ: إِن كُنتَ فَاعِلا فَوَاحِدَةً.\nرواه أحمد (٣/ ٤٢٦)، والبخاري (١٢٠٧)، ومسلم (٥٤٦)، وأبو داود (٩٤٦)، والترمذي (٣٨٠)، والنسائي (٣/ ٧)، وابن ماجه (١٠٢٦).\nــ\nوقول معيقيب: إنهم سألوا رسول الله - ﷺ - عن المسح في الصلاة؛ يعني: مسح التراب حيث يسجد؛ لئلا يتأذّى به في سجوده. وقد جاء مفسرًا في الرواية الأخرى، وأُبيح له مرة واحدة استخفافًا لأمرها، وليدفع ما يتأذى به منها، ومُنع فيما زاد عليها؛ لئلا يكثر الشغل، ويقع التشويش في الصلاة. هذا مذهب الجمهور، وحكى الخطابي عن مالك جواز مسح الحصى مرة وثانية في الصلاة. والمعروف عنه ما عليه الجمهور، وقيل: بل عنى مسح الغبار عن وجهه، ويشهد له حديث النسائي عن أبي ذر، قال رسول الله - ﷺ -: إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح الحصى، فإن الرحمة تواجهه (١)، زاد في مسند سفيان بن عيينة: فلا يمسح إلا مرة.\nوقد كره السلف مسح الجبهة في الصلاة وقبل الانصراف مما يعلق بها من الأرض؛ لكثرة الأجر في تَترِيب الوجه، والتواضع لله، والإقبال على صلاته بجميعه.\nوقوله: إن كنت فاعلا فواحدة، رويناه بنصب واحدة، ورفعه. فنصبه بإضمار فعل تقديره: فامسح واحدة، أو يكون نعتًا لمصدر محذوف. ورفعه على الابتداء وإضمار الخبر، تقديره: فواحدة تكفيه، أو كافيته، ويجوز أن يكون المبتدأ هو المحذوف، وتكون واحدة: الخبر، تقديره: فالمشروع - أو الجائز - واحدة، وما أشبهه.\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ١٥٠) وأبو داود (٩٤٥) والترمذي (٣٧٩) والنسائي (٣/ ٦) وابن ماجه (١٠٢٧).","vol":"2","page":156},{"text":"[٤٣٩]- وعَن أَبِي هُرَيرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - رَأَى نُخَامَةً فِي قِبلَةِ المَسجِدِ، فَأَقبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: مَا بَالُ أَحَدِكُم يَقُومُ مُستَقبِلَ رَبِّهِ، فَيَتَنَخَّعُ أَمَامَهُ؟ أَيُحِبُّ أَحَدُكُم أَن يُستَقبَلَ فَيُتَنَخَّعَ فِي وَجهِهِ؟ فَإِذَا تَنَخَّعَ أَحَدُكُم فَليَتَنَخَّع عَن يَسَارِهِ، تَحتَ قَدَمِهِ، فَإِن لَم يَجِد فَليَقُل هَكَذَا، وَوَصَفَ القَاسِمُ: فَتَفَلَ فِي ثَوبِهِ، ثُمَّ مَسَحَ بَعضَهُ عَلَى بَعضٍ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٥٠)، والبخاري (٤١٦)، ومسلم (٥٥٠)، وأبو داود (٤٧٧)، والنسائي (١/ ١٦٣)، وابن ماجه (١٠٢٢).\n[٤٤٠]- وَعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأَى نُخَامَةً فِي قِبلَةِ\nــ\nوقوله: رأى نخامة في قبلة المسجد، النُّخامَة، والنُّخاعَة: ما يخرج من الصدر؛ يقال: تَنَخَّم وتنخع بمعنى واحد، والبصاق بالصاد والزاي: ما يخرج من الفم. والمخاط: ما يخرج من الأنف. ويقال: بصق الرجل يبصق، وبزق كذلك. وتَفَل بفتح العين يتفِل بكسرها، وبالتاء باثنتين لا غير. ونَفَثَ ينفث. قال ابن مكي في تثقيف اللسان: التَّفَل بفتح الفاء: نفخ لا بصاق معه، والنفث لا بد أن يكون معه شيء من الريق. قاله أبو عبيد. وقال الثعالبي: المَجُّ: الرمي بالريق، والتفل أقل منه، والنفث أقل منه.\nوقوله: ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه؛ هذا محمول على تعظيم حرمة هذه الجهة وتشريفها؛ كما قال: الحجر الأسود يمين الله في الأرض (١)؛ أي: بمنزلة يمين الله. ولما كان المصلي يتوجه بوجهه وقصده وكليته إلى هذه الجهة، نَزَّلها في حقه منزلة وجود الله تعالى، فيكون هذا من باب الاستعارة، وقد يجوز أن يكون من باب حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، فكأنه قال: مستقبل قبلة ربه،\n_________\n(١) رواه الطبراني وأبو عبيد القاسم بن سلام عن ابن عباس مرفوعًا. وكذا الخطيب في تاريخه (٦/ ٣٢٨). انظر: كشف الخفاء (١١٠٩).","vol":"2","page":157},{"text":"المَسجِدِ فَحَكَّهَا بِحَصَاةٍ، ثُمَّ نَهَى أَن يَبزُقَ الرَّجُلُ عَن يَمِينِهِ أَو أَمَامَهُ، وَلَكِن يَبزُق عَن يَسَارِهِ أَو تَحتَ قَدَمِهِ اليُسرَى.\nرواه أحمد (٣/ ٥٨ و٩٣)، والبخاري (٤٠٩)، ومسلم (٥٤٨)، وأبو داود (٤٨٠)، والنسائي (٢/ ٥١ - ٥٢).\nــ\nأو رحمة ربه؛ كما قال في الحديث الآخر: فلا يبصق قبل القبلة، فإن الرحمة تواجهه.\nوقوله: فحكّها بحصاة. زاد أبو داود فيه: ثم أقبل على الناس مغضبًا، وهذا يدل على تحريم البصاق في جدار القبلة، وعلى أنه لا يتكفر بدفنه، ولا بحكّه، كما قال في حلة المسجد: البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها، فلو يكفر البزاق في القبلة بالحك لما غضب؛ إذ قد كان تكفي الكفارة في ذلك - وهي الحك -، كما اكتفى بها في حديث الأعرابي الذي وطئ في نهار رمضان، ولم يذمه ولا غضب عليه. وقد ظهرت خصوصية جهة القبلة حيث نزلها منزلة الرب تعالى، كما تقرر، وظهر أيضًا التخفيف في ساحة المسجد؛ كما قد ضرب رسول الله - ﷺ - فيه خيمة لسعد بن معاذ بعدما رمي في أكحله، فكان الدم يسيل من خيمته إلى جهة الغفاريين، هذا مع ما قيل: إن هذا كان لضرورة داعية إلى ذلك.\nوقد ذكر مسلم في حديث جابر الطويل (١): أن النبي - ﷺ - جعل مكان النُّخَامَة عنبرًا. وروى النسائي الحديث الأول من طريق أنس (٢)، فقال: غضب حتى احمرّ وجهه، فقامت امرأة من الأنصار فحكّتها، وجعلت مكانها خلوقًا، فقال رسول الله - ﷺ -: ما أحسن هذا! . ويصحّ الجمع بين هذه الأحاديث بأن يقال: كان ذلك في أوقات مختلفة: ففي وقت حكّها - ﷺ - وطيّبها بيده، ومرة أخرى فعلت هذه المرأة ما ذُكر. ويمكن أن يقال: نسب الحكّ والطيب للنبي - ﷺ - من حيثُ الأمرُ به، والمرأة من حيث المباشرة.\n_________\n(١) رواه مسلم في الزهد (٣٠٠٨).\n(٢) رواه النسائي (٢/ ٥٢ - ٥٣).","vol":"2","page":158},{"text":"[٤٤١]- وَعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: إِذَا كَانَ أَحَدُكُم فِي الصَّلاةِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلا يَبزُقَنَّ بَينَ يَدَيهِ وَلا عَن يَمِينِهِ، وَلَكِن عَن شِمَالِهِ تَحتَ قَدَمِهِ.\nرواه البخاري (٤٠٥ و٤١٧)، ومسلم (٥٥١)، والنسائي (١/ ١٦٣ و٢/ ٥٢ - ٥٣)، وابن ماجه (١٠٢٤).\nــ\nوفي هذا الحديث: استحباب أو جواز تطييب المساجد بالطيب، وتنظيفها؛ كما نص عليه أبو داود من حديث عائشة: أمر ببناء المساجد في الدور، أن تُطيَّب وتُنَظَّف (١). ومن حديث سمرة: ونصلحُ صَنعَتها (٢).\nونهيه عن البصاق عن يمينه دليل: على احترام تلك الجهة، وقد ظهر منه تأثير ذلك، حيث كان يحب التيمن في شأنه كله، وحيث كان يبدأ بالميامن في الوضوء والأعمال الدينية، وحيث كان يعدّ يمينه لحوائجه، وشماله لما كان من أذى. وقد علل ذلك في حديث أبي داود حيث قال: والمَلَك عن يمينه (٣)، بل وفي البخاري: عن يمينه ملَكًا (٤). ويقال على هذا: إن صحّ هذا التعليل لزم عليه أن لا يبصق عن يساره؛ فإن عليه أيضًا ملَكًا؛ بدليل قوله تعالى: ﴿عَنِ اليَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ﴾ والجواب بعد تسليم أن على شماله ملكًا: أن ملك اليمين أعلى وأفضل، فاحتُرم بما لم يحترم غيره من نوعه، والله تعالى أعلم. وهذا النهي مع التمكن من البصاق في غير جهة اليمين، فلو اضطر إلى ذلك جاز.\nوقوله: أو تحت قدمه بإثبات أو، وفي الآخر: عن شماله تحت قدمه\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٥٥)، والترمذي (٥٩٤)، وابن ماجه (٧٥٨).\n(٢) رواه أبو داود (٤٥٦).\n(٣) رواه أبو داود (٤٨٠).\n(٤) رواه البخاري (٤١٦).","vol":"2","page":159},{"text":"[٤٤٢]- وَعَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: البُزَاقُ فِي المَسجِدِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُهَا دَفنُهَا.\nرواه أحمد (٣/ ٢٣٢)، والبخاري (٤١٥)، ومسلم (٥٥٢) (٥٥)، وأبو داود (٤٧٤ - ٤٧٦)، والترمذي (٥٧٢)، والنسائي (٢/ ٥١ - ٥٢).\n[٤٤٣]- وَعَن أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: عُرِضَت عَلَيَّ أَعمَالُ أُمَّتِي حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا، فَوَجَدتُ فِي مَحَاسِنِ أَعمَالِهَا الأَذَى يُمَاطُ عَنِ الطَّرِيقِ، وَوَجَدتُ فِي مَسَاوِئ أَعمَالِهَا النُّخَاعَةَ تَكُونُ فِي المَسجِدِ لا تُدفَنُ.\nرواه أحمد (٥/ ١٨٠)، ومسلم (٥٥٣).\nــ\nبغير أو، هكذا الرواية. وظاهر: أو: الإباحة والتخيير، ففي أيهما بصق لم يكن به بأس، وإليه يرجع معنى قوله: عن شماله تحت قدمه، فقد سمعنا من بعض مشايخنا: أن ذلك إنما يجوز إذا لم يكن في المسجد إلا التراب أو الرمل، كما كانت مساجدهم في الصدر الأول، فأما إذا كان في المسجد بُسُطٌ، وما له بالٌ من الحُصُر مما يفسده البصاق ويُقَذِّره، فلا يجوز احترامًا للماليَّة، والله تعالى أعلم.\nوقوله: البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها، قال ابن مكي: إنما تكون خطيئة لمن تفل فيه ولم يدفنه؛ لأنه يقذّر المسجد، ويتأذى به من تعلق به، أو رآه؛ كما جاء في الحديث الآخر: لئلا يصيب جلد مؤمن أو ثوبه فيؤذيه. فأمّا من اضطرّ إلى ذلك فدفن، وفعل ما أمر به، فلم يأت خطيئة. وأصل التكفير: التغطية، فكان دَفنها غطاء ما يتصور عليه من الذمّ والإثم لو لم يفعل. وهذا كما سُمِّيت تَحِلَّةُ اليمين: كفارة، وليست اليمين بمأثم فتكفره، ولكن لما جعلها الشرع فسحة لعباده في حلّ ما عقدوه من أيمانهم ورفعها لحكمها سمّاها كفارة، ولهذا جاز إخراجها قبل الحِنث، وسقوط حكم اليمين بها على الأصح من القولين.","vol":"2","page":160},{"text":"[٤٤٤]- وَعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ الشِّخِّيرِ، قَالَ: صَلَّيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَرَأيتُهُ تَنَخَّعَ فَدَلَكَهَا بِنَعلِهِ اليُسرَى.\nرواه مسلم (٥٥٤)، وأبو داود (٤٨٢)، والنسائي (٢/ ٥٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>(٤٩) باب الصلاة في النعلين والثوب المعلم وبحضرة الطعام</span>\n[٤٤٥]- عَن سَعِيدِ بنِ يَزِيدَ، قَالَ: قُلتُ لأَنَسِ بنِ مَالِكٍ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُصَلِّي فِي النَّعلَينِ؟ قَالَ: نَعَم.\nرواه أحمد (٣/ ١٠٠)، والبخاري (٥٨٥٠)، ومسلم (٥٥٥)، والترمذي (٤/ ١٠٠)، والنسائي (٢/ ٧٤).\nــ\nقلت: وقد دلّ على صحة هذا التأويل: قوله - ﷺ - في حديث أبي ذر: ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن، فلم يثبت لها حكم السِّيِّئة لمجرد إيقاعها في المسجد، بل بذلك وببقائها غير مدفونة. والأذى: هو (١) كل ما يُتَأذّى به من عظم، أو حجر، أو نجاسة، أو قذر، أو غير ذلك. ويُمَاطُ: يُزَال، ويُنَحَّى.\n(٤٩) ومن باب: الصلاة في النعلين والثوب المعلم\nقول أنس: كان النبي - ﷺ - يصلي في النعلين: هذا يدل على جواز الصلاة فيهما، وهو أمر لم يُختلف فيه إذا كانت النعل طاهرة من ذَكِيّ، فإن تحقق فيها\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"2","page":161},{"text":"[٤٤٦]- وعَن عَائِشَةَ قَالَت: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُصَلِّي فِي خَمِيصَةٍ ذَاتِ أَعلامٍ، فَنَظَرَ إِلَى عَلَمِهَا، فَلَمَّا قَضَى صَلاتَهُ قَالَ: اذهَبُوا بِهَذِهِ الخَمِيصَةِ إِلَى أَبِي جَهمِ بنِ حُذَيفَةَ وَائتُونِي بِأَنبِجَانِيَّةِ، فَإِنَّهَا أَلهَتنِي آنِفًا فِي صَلاتِي.\nرواه أحمد (٦/ ١٩٩)، والبخاري (٣٧٣)، ومسلم (٥٥٦) (٦٢)، وأبو داود (٩١٤)، والنسائي (٢/ ٧٢).\nــ\nنجاسة مجمع على تنجيسها: كالدم، والعَذِرة من بول بني آدم، لم يطهرها إلا الغسل بالماء عندنا وعند كافة العلماء، وإن كانت النجاسة مختلفًا فيها: كبول الدواب، وأرواثها الرطبة، فهل يطهرها المسح بالتراب من النعل والخف، أو لا؟ قولان عندنا، وأطلق الإجزاء بمسح ذلك بالتراب من غير تفصيل الأوزاعي وأبو ثور. وقال أبو حنيفة: يزيله - إذا يبس - الحكُّ والفرك، ولا يزيل رطبه إلا الغسل ما عدا البول، فلا يجزئ عنده فيه إلا الغسل. وقال الشافعي: لا يطهر شيئًا من ذلك كله إلا الماء. والصحيح: قول من قال بأن المسح يطهره من الخف والنعل، بدليل قول النبي - ﷺ - في حديث أبي سعيد الخدري: إذا جاء أحدكم المسجد، فإن رأى في نعليه قذرًا أو أذى فليمسحه، وليصلّ فيهما (١)، أخرجه أبو داود، وهو صحيح. فأمّا لو كانت النعل أو الخف جلد ميتة، فإن كان غير مدبوغ، فهو نجس باتفاق، ومختلف فيه إذا دُبغ: هل يطهر طهارة مطلقة، أو إنما ينتفع به في اليابسات؟ روايتان عن مالك.\nوالخميصة - بفتح الخاء -: كساء مُرَبع من صوف، قال الإمام أبو عبد الله: مصبوغٌ عَلَمُه حريرٌ. والأنبجَاني: كساء غليظ لا علم له، وروي بفتح الهمزة وكسرها، وبفتح الباء وكسرها، وبالوجهين ذكره ثعلب، وروي بتشديد الياء\n_________\n(١) رواه أبو داود (٦٥٠).","vol":"2","page":162},{"text":"[٤٤٧]- وَعَن أَنَسٍ بنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: إِذَا قُرِّبَ العَشَاءُ وَحَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَابدَؤوا بِهِ قَبلَ أَن تُصَلُّوا صَلاةَ المَغرِبِ، وَلا تَعجَلُوا عَن عَشَائِكُم.\nرواه أحمد (٣/ ١٦١)، والبخاري (٦٧٢)، ومسلم (٥٥٧)، والترمذي (٣٥٣)، والنسائي (٢/ ١١١).\nــ\nوتخفيفها في غير مسلم. وقال ابن قتيبة: إنما هو مَنبَجانِي - ولا يقال: أنبجاني -، منسوب إلى مَنبِج، وفتحت الياء في النسب؛ لأنه خرج مخرج مَخبَرَانِي.\nوفي هذا الحديث: جواز الثياب ذوات الأعلام. وفيه: التحفظ من كُلِّ ما يُشغل عن الصلاة النظرُ إليه.\nويستفاد منه: كراهة التزاويق والنقوش في المساجد. وفيه: أن الذهول اليسير في الصلاة لا يضرها، ألا ترى إلى قوله: فإنها ألهتني عن صلاتي؛ أي: شغلتني وصرفتني.\nوفيه: سدّ الذرائع (١)، والانتزاع عما يشغل الإنسان عن واجبات دينه.\nوفيه: الهدايا من الأصحاب، واستدعاؤه - ﷺ - أنبجاني أبي جهم بن حذيفة تطييب لقلبه ومُبَاسَطَةٌ معه، وهذا مع من يعلم طيب نفسه وصفاء وُدِّه جائز.\nوآنفًا: الساعة. ولم يبعث الخميصة لأبي جهم ليصلي فيها، بل لينتفع بها في غير الصلاة، والله تعالى أعلم.\nوقوله: إذا قُرِّب العشاء وحضرت الصلاة فابدؤوا به: هذا الحديث محمول على من كان محتاجًّا للطعام من صائم أو نحوه. وقد دلّ على صحة هذا التأويل: ما زاده الدارقطني في هذا الحديث من طرق صَحيحَة؛ وذلك قوله: إذا حضر العشاء وأحدكم صائم فابدؤوا به قبل أن تُصَلّوا (٢). ولو لم تصح هذه\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٤٦ - ٤٧). رواه الطبراني فى الأوسط، ورجاله رجال الصحيح.","vol":"2","page":163},{"text":"[٤٤٨]- وَمن حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ: إِذَا حَضَرَ عَشَاءُ أَحَدِكُم وَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَابدَؤوا بِالعَشَاءِ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٠)، والبخاري (٦٧٣)، ومسلم (٥٥٩)، وأبو داود (٣٧٥٧ و٣٧٥٩)، والترمذي (٣٥٤).\n[٤٤٩]- وَعَنِ ابنِ أَبِي عَتِيقٍ قَالَ: تَحَدَّثتُ أَنَا وَالقَاسِمُ عِندَ عَائِشَةَ حَدِيثًا، وَكَانَ القَاسِمُ رَجُلا لَحَّانَةً، وَكَانَ لأُمِّ وَلَدٍ، فَقَالَت لَهُ عَائِشَةُ: مَا لَكَ\nــ\nالزيادة لكان ذلك معلومًا من قاعدة الأمر بحضور القلب في الصلاة، والإقبال عليها، والنهي عما يشغل المصلي في صلاته ويشوشها عليه، ولا تشويش أعظم من تشويش الجائع عند حضرة الطعام.\nوإلى الابتداء بالطعام على الصلاة ذهب الشافعي، وابن حبيب من أصحابنا، والثوري، وإسحاق، وأحمد، وأهل الظاهر، وروي ذلك عن عمر، وابن عمر، وأبي الدرداء. وحكى ابن المنذر عن مالك: أنه يبدأ بالصلاة، إلا أن يكون الطعام خفيفًا.\nوفي هذا الحديث ما يدل على أن وقت المغرب موسع، وهي إحدى الروايتين عن مالك، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.\nوقوله في حديث ابن عمر: إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة؛ فابدؤوا بالعشاء (١) دليل على أن شهود الصلاة في الجماعة ليس بواجب؛ لأن ظاهر هذا: أنه إذا سمع الإقامة وهو في بيته وقد حضر طعامه أنه يبدأ بالطعام، وإن فاتته الصلاة في الجماعة.\nوابن أبي عتيق: هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، والقاسم هذا: هو ابن محمد بن أبي بكر الصديق - ﵁ -، وكانت أمه أُمَّ ولدٍ.\nوقوله: وكان القاسم رجلا لَحَّانة، كذا للسمرقندي، وهو للمبالغة؛ كما يقال: علَاّمة، ونسَّابة، ووقع للعذري: لُحنة، بسكون الحاء وضم اللام، ومعناه: أنه يلحن في كلامه، ويُلَحِّنُه الناس؛ كَخُدعَة للذي يُخدع، وهُزأة: للذي يُهزأ به، فأما فُعَلَة بفتح العين: فهو للذي يفعل ذلك بغيره؛ كما يقال: صُرعة للذي\n_________\n(١) هذا لفظ حديث أنس وهو في صحيح مسلم (٥٧٧) (٦٤/ الرواية الأولى).","vol":"2","page":164},{"text":"لا تَحَدَّثُ كَمَا يَتَحَدَّثُ ابنُ أَخِي هَذَا؟ أَمَا إِنِّي قَد عَلِمتُ مِن أَينَ أُتِيتَ، هَذَا أَدَّبَتهُ أُمُّهُ، وَأَنتَ أَدَّبَتكَ أُمُّكَ. قَالَ: فَغَضِبَ القَاسِمُ وَأَضَبَّ عَلَيهَا، فَلَمَّا رَأَى مَائِدَةَ عَائِشَةَ قَد أُتِيَ بِهَا قَامَ، قَالَت: أَينَ؟ قَالَ: أُصَلِّي. قَالَتِ: اجلِس. قَالَ: إِنِّي أُصَلِّي. قَالَتِ: اجلِس غُدَرُ! إِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: لا صَلاةَ بِحَضرَةِ الطَّعَامِ، وَلا وهُوَ يُدَافِعُهُ الأَخبَثَانِ.\nرواه مسلم (٥٦٠)، وأبو داود (٨٩).\n* * *\nــ\nيصرع الناس، وهُزَأة للذي يهزأ بهم، وخُدَعة: للذي يخدعهم.\nوقوله: وأضبّ عليها، يعني: حقد، والضَّب: الحقد؛ من كتاب القزاز.\nوقولها له: اجلس غُدَرُ، معناه: يا غادر. وعُدِلَ به عنه لزيادة معنى التكثير، ونسبته للغدر لِما أظهر من أنه إنما ترك طعامها من أجل الصلاة، وما صدر من عائشة للقاسم إنما كان منها لإِنهاض هِمَّتِه، وليحرص على التعلُّم، وعلى تثقيف لسانه.\nوقوله - ﷺ -: لا صلاة بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان ظاهر هذا نفي الصحة والإجزاء، وإليه ذهب أهل الظاهر في الطعام، فتأول بعض أصحابنا حديث مدافعة الأخبثين على أنه شغله حتى لا يدري كيف صلّى، فهو الذي يعيد قبل وبعد. وأما إن شغله شغلا لا يمنعه من إقامة حدودها، وصلّى ضَامًّا ما بين وَركَيه فهذا يعيد في الوقت، وهو ظاهر قول مالك في هذا. وذهب الشافعي والحنفي في مثل هذا: إلى أنه لا إعادة عليه. قال القاضي أبو الفضل: وكلهم مجمعون على أن من بلغ به ما لا يعقل به صلاته، ولا يضبط حدودها: أنها لا تجزئه، ولا يحل له الدخول كذلك في الصلاة، وأنه يقطع الصلاة إن أصابه ذلك فيها. والأخبثان: الغائط والبول. قاله الهروي وغيره.","vol":"2","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>(٥٠) باب النهي عن إتيان المساجد لمن أكل الثوم أو البصل، وإخراج من وُجد منه ريحها من المسجد</span>\n[٤٥٠]- عَنِ ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ فِي غَزوَةِ خَيبَرَ: مَن أَكَلَ مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ - يَعنِي: الثُّومَ - فَلا يَأتِيَنَّ المَسَاجِدَ.\nرواه أحمد (٢/ ١٣ و٢٠)، والبخاري (٨٥٣)، ومسلم (٥٦١)، وأبو داود (٣٨٢٥)، وابن ماجه (١٠١٦).\n[٤٥١]- وَمِن حَدِيثِ أَنَسٌ: فَلا يَقرَبنا ولا يصلي معنا.\nرواه أحمد (٣/ ١٨٦)، والبخاري (٥٤٥١)، ومسلم (٥٦٢) (٦٨).\nــ\n(٥٠) ومن باب: النهي عن إتيان المساجد لمن أكل الثوم\nقوله: فلا يأتين المساجد، حجة على من قال: إن ذلك النهي مخصوص (١) بمسجد النبي - ﷺ -.\nوقوله: فلا يقربنّا ولا يصلّي معنا: يدل على أن مجتمع الناس حيث كان لصلاة أو غيرها؛ كمجالس (٢) العلم والولائم وما أشبهها، لا يقربها من أكل الثوم وما في معناه؛ مما له رائحة كريهة تؤذي الناس، ولذلك جمع بين الثوم والبصل والكراث في حديث جابر. وتسمية الثوم: شجرة، على خلاف الأصل، فإنها من البقول، وقد سمّاها النبي ﷺ في الرواية الأخرى: بقلة.\nوالشجر في كلام العرب: ما كان على ساق يحمل أغصانه، وما ليس كذلك\n_________\n(١) ساقط من (م).\n(٢) في (ع): كمجلس.","vol":"2","page":166},{"text":"[٤٥٢]- وَمِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ: فَلا يَقرَبَنَّ مَسجِدَنَا، وَلا يُؤذِنَا بِرِيحِ الثُّومِ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٦٤ و٢٦٦)، ومسلم (٥٦٣)، وابن ماجه (١٠١٥).\n[٤٥٣]- وَعَن جَابِرِ بنِ عبد الله، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: مَن أَكَلَ مِن هَذِهِ البَقلَةِ الثُّومِ - وقَالَ مَرَّةً -: مَن أَكَلَ البَصَلَ وَالثُّومَ وَالكُرَّاثَ - فَلا يَقرَبَنَّ مَسجِدَنَا، فَإِنَّ المَلائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنهُ بَنُو آدَمَ.\nوَفِي رِوَايَةٍ، قال: مَن أَكَلَ ثُومًا أَو بَصَلا فَليَعتَزِلنَا، أَو لِيَعتَزِل مَسجِدَنَا، وَليَقعُد فِي بَيتِهِ. وَإِنَّهُ أُتِيَ بِبدرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِن بُقُولٍ، فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا، فَسَأَلَ فَأُخبِرَ بِمَا فِيهَا مِنَ البُقُولِ، فَقَالَ: قَرِّبُوهَا، إِلَى بَعضِ أَصحَابِهِ، فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أَكلَهَا، قَالَ: كُل، فَإِنِّي أُنَاجِي مَن لا تُنَاجِي.\nــ\nفهو نجم، وهو قول الهروي وغيره من اللغويين، وهو المروي عن ابن عباس وابن جبير في قوله تعالى: ﴿وَالنَّجمُ وَالشَّجَرُ يَسجُدَانِ﴾ وهذا كله ما دامت هذه البقول غير مطبوخة، فأما لو طبخت، فكما قال عمر - ﵁ -: فمن أكلهما فليمتهما طبخًا.\nوقوله: وأنه أُتي بِبَدرٍ فيه خَضِرَاتٌ من بقول: وقعت هذه اللفظة ببدر، بالباء بواحدة من أسفل، وهو الطبق، سُمِّي بذلك لاستدارته. وقد وقع لبعض الرواة: بِقِدرٍ، بالقاف. واستُدلّ به: على كراهة ما له ريح من البقول وإن طبخ، وهذا ليس بصحيح. قالوا: وهو تصحيف، وصوابه: بِبَدر. وقد ورد في كتاب أبي داود: أُتي بِبَدر. ولو سُلِّم أنه: بقدر، فيكون معناه: أنها لم تمتِ بالطبخ تلك الرائحة منها، فبقي المعنى المكروه، فكأنّها نيِّئة.\nوقوله: فإني أناجي من لا تناجي: يشعر بأن هذا الحكم خاص به؛ إذ هو","vol":"2","page":167},{"text":"رواه أحمد (٣/ ٤٠٠)، والبخاري (٨٥٨)، ومسلم (٥٦٤) (٧٣ و٧٤)، وأبو داود (٣٨٢٢)، والترمذي (١٨٠٧)، والنسائي (٢/ ٤٣).\n[٤٥٤]- وَعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، قَالَ: لَم نَعدُ أَن فُتِحَت خَيبَرُ، فَوَقَعنَا - أَصحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي تِلكَ البَقلَةِ - الثُّومِ -، وَالنَّاسُ جِيَاعٌ، فَأَكَلنَا مِنهَا أَكلا شَدِيدًا، ثُمَّ رُحنَا إِلَى المَسجِدِ، فَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الرِّيحَ، فَقَالَ: مَن أَكَلَ مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ الخَبِيثَةِ شَيئًا فَلا يَقرَبَنَّا فِي المَسجِدِ، فَقَالَ النَّاسُ: حُرِّمَت، حُرِّمَت. فَبَلَغَ ذَلكَ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: يا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّهُ لَيسَ بِي تَحرِيمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لِي، وَلَكِنَّهَا شَجَرَةٌ أَكرَهُ رِيحَهَا.\nرواه أحمد (٣/ ٦٠ - ٦١)، ومسلم (٥٦٥)، وأبو داود (٣٨٣٣).\nــ\nالمخصوص بمناجاة المَلَكِ، ولكن قد عَلَّلَ هذا الحكم في أول الحديث بما يقتضي التسوية بينه وبين غيره في هذا الحكم؛ حيث قال: فإن الملائكة تتأذّى مما يتأذّى منه بنو آدم، وقوله: ولا تؤذينّا بريح الثوم.\nوقوله: من هذه الشجرة الخبيثة، أي: المستكرهة المنتنة. ولما سمع الصحابة هذا الذم ظنوا أنها قد حرمت، فصرَّحوا به، وكأنهم فهموا هذا من إطلاق الخبيثة عليها مع ما قد سمعوا من قول الله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيهِمُ الخَبَائِثَ﴾ فيبيَّن لهم النبي - ﷺ -: أن إطلاق الخبيث لا يلزم منه التحريم؛ إذ قد يراد به ما لا يوافق عادة واستعمالا، وعند هذا لا يصح للشافعي الاحتجاج بقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيهِمُ الخَبَائِثَ﴾ على تحريم ما يُستخبث عادة كالحشرات وغيرها؛ إذ الخبائث منقسمة إلى مستخبث عادة، وإلى مستخبث شرعًا. ومراده تعالى في الآية: المستخبثات الشرعية؛ إذ قد أباح البصل والثوم مع أنها مستخبثة، وحرّم الخمر والخنزير وإن كان قد يستطاب، والله أعلم.","vol":"2","page":168},{"text":"[٤٥٥]- وَعَن مَعدَانَ بنِ أَبِي طَلحَةَ: أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ خَطَبَ يَومَ الجُمُعَةِ، فَذَكَرَ نَبِيَّ اللَّهِ - ﷺ -، وَذَكَرَ أَبَا بَكرٍ، قَالَ: إِنِّي رَأَيتُ كَأَنَّ دِيكًا نَقَرَنِي ثَلاثَ نَقَرَاتٍ، وَإِنِّي لا أُرَاهُ إِلا حُضُورَ أَجَلِي، وَإِنَّ أَقوَاما يَأمُرُونَنِي أَن أَستَخلِفَ،\nــ\nوقوله: إنه ليس لي تحريم ما أحل الله لي؛ يرد قول أهل الظاهر بتحريم أكل الثوم؛ لأجل منعه من حضور الجماعة التي يعتقدون فرضها على الأعيان، وكافة العلماء على خلافهم.\nوقول عمر: إني رأيت كأن ديكًا نقرني ثلاث نقرات: هذا الديك الذي أُريه عمر مثال للعلج الذي قتله، وهو أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، وكان مجوسيا، وكان نجارًا حدّادًا نقاشًا، وكان من شأنه ما ذكره البخاري (١) وغيره، وهو أنه وثب على عمر وهو في صلاة الصبح - بعد أن دخل عمر فيها -، فطعنه ثلاث طعنات، فصاح عمر: قتلني - أو أكلني - الكلب، ظانًّا أنه كلب عضّه، فتناول عمر عبد الرحمن بن عوف، فكمّل الصلاة بالناس. ثم إن العلج وثب وفي يده سكين ذات طرفين، لا يمرّ على أحد يمينًا ولا شمالا إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلا، مات منهم تسعة، - وقيل: سبعة -، فطرح عليه رجل خميصة كانت عليه، فلما رأى العلج أنه مأخوذ نحر نفسه، وحزّ عبد الرحمن بن عوف رأسه، وهو الذي كان طرح عليه الخميصة.\nوقوله: إن أقوامًا يأمرونني أن أستخلف، معنى الأمر هنا: العرض، والتَّحضِيض، أو الفتيا: بأنه يجب عليه أن يستخلف، وأنه مأمور بذلك من جهة الله تعالى. وظاهر هذا الأمر أنه إنما كان من هؤلاء الأقوام لما سمعوا من عمر تأويله لمنامه بحضور أجله، وهذا قبل وقوع طعنه، ويحتمل أن يكون هذا بعد أن\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٧٠٠).","vol":"2","page":169},{"text":"وَإِنَّ اللَّهَ لَم يَكُن لِيُضَيِّعَ دِينَهُ وَلا خِلافَتَهُ، وَلا الَّذِي بَعَثَ بِهِ نَبِيَّهُ، فَإِن عَجِلَ بِي أَمرٌ فَالخِلافَةُ شُورَى بَينَ هَؤُلاءِ السِّتَّةِ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ عَنهُم رَاضٍ، وَإِنِّي قَد عَلِمتُ أَنَّ أَقوَامًا يَطعَنُونَ فِي هَذَا الأَمرِ، أَنَا ضَرَبت هُم بِيَدِي هَذِهِ عَلَى الإِسلامِ، فَإِن فَعَلُوا ذَلِكَ فَأُولَئِكَ أَعدَاءُ\nــ\nطعن، ويكون بعض الرواة ضمّ أحد الخبرين إلى الآخر، وعلى هذا يدل مساق هذا الخبر.\nوقوله: وإن الله لم يكن لِيُضَيِّع دينه، ولا خلافته، ولا الذي بعث به نبيه - ﷺ -؛ إنما قال ذلك عمر ﵁؛ لأنه قد علم مما قد فهمه من كتاب الله، وسمعه من رسول الله - ﷺ -: أن الله يستخلف المؤمنين في الأرض، ويمكن لهم دينهم، ويظهره على الدين كله، فقال ذلك ثقة بوعد الله، وتوكّلا عليه.\nوالخلافة هنا: القيام بأمر أمة محمد - ﷺ - على نحو ما قام به محمد - ﷺ - وأبو بكر وعمر ﵄.\nوقوله: وإني قد علمت أن أقوامًا يطعنون في هذا الأمر؛ إشارة إلى جعله الأمر شورى بين الستة الذين هم: عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة، والزبير، وعلي، وسعد بن أبي وقاص، ﵃.\nوقوله: فإن فعلوا ذلك؛ أي: إن أفشوا الطعن، وعملوا على الخلاف في ذلك والمشاقّة، ولم يرضوا بالذين اخترتهم، فأولئك عند الله الكفرة الضلَاّل، وظاهر هذا: أنه حكم بكفرهم، وكأنه علم أنهم منافقون، وعلى هذا يدل قوله: أنا ضربتهم بيدي على الإسلام؛ يعني: أنهم إنما دخلوا في الإسلام على تلك الحال، لم تنشرح صدورهم للإسلام، وإنما تستّروا بالإسلام، وذلك حال المنافقين. ويحتمل أنهم لما فعلوا فعل الكفار من الخلاف، وموافقة أهل الأهواء، ومشاقّة المسلمين، أُطلق عليهم ما يطلق على الكفار. وعلى هذا فيكون هذا الكفر من باب كفران النعم والحقوق.","vol":"2","page":170},{"text":"اللَّهِ الكَفَرَةُ الضُّلالُ، ثُمَّ إِنِّي لا أَدَعُ بَعدِي شَيئًا أَهَمَّ عِندِي مِنَ الكَلالَةِ، مَا رَاجَعتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فِي شَيءٍ مَا رَاجَعتُهُ فِي الكَلالَةِ، وَمَا أَغلَظَ لِي فِي شَيءٍ مَا أَغلَظَ لِي فِيهِ، حَتَّى طَعَنَ بِإِصبَعِهِ فِي صَدرِي، وقَالَ: يَا عُمَرُ! أَلا\nــ\nوقوله: ثم إني لا أدع بعدي شيئًا أهم عندي من الكلالة. تَهَمُّمُ عمر بالكلالة؛ لأنها أشكلت عليه؛ وذلك أنها نزلت فيها آيتان:\nإحداهما: قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امرَأَةٌ﴾ وفيها إشكال من جهات، ولذلك اختلف في الكلالة ما هي؟ ففيها أربعة أقوال:\nأحدها: أنها ما دون الوالد والولد؛ قاله أبو بكر الصديق، وعمر، وعلي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس، في خلق كثير.\nوالثاني: أنها من لا ولد له، وروي عن عمر أيضًا، وهو قول طاووس.\nوالثالث: أنها ما عدا الوالد؛ قاله الحكم بنُ عيينَة.\nوالرابع: أنها بنو العمّ الأباعد؛ قاله ابن الأعرابي.\nواختلف أيضًا فيما يقع عليه الكلالة، على ثلاثة أقوال:\nأحدها: على الحي الوارث؛ قاله ابن عمر.\nوالثاني: على الميت؛ قاله السُّدّي.\nالثالث: على المال؛ قاله عطاء.\nواختُلف أيضًا فيما أُخِذت الكلالة منه على قولين:\nأحدهما: أنها مأخوذة من الإكليل المحيط بالرأس، فكأنها تكللت؛ أي: أحاطت بالميت من كلا طرفيه؛ ولذلك قال (١):\nورثتم قناة الملك لا عن كلالة ... عن ابني مناف عبد شمسٍ وهاشمِ\n_________\n(١) الشاعر: الفرزدق.","vol":"2","page":171},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوقال آخر:\nوإِنَّ أَبَا المَرءِ أحمَى له ... ومولَى الكَلالَةِ لا يَغضَبُ\nوالثاني: أنها مأخوذة من الكلال، وهو الإعياء، فكأنه يصل الميراث بالوارث بها عن بُعدٍ وإعياء، فكأن الرحم كلّت عن وارث قريب؛ قال الأعشى:\nفآليت لا أرثي لها عن كلالة ... ولا من وَجىً حتى تلاقي محمدًا\nثم مقتضى هذه الآية الأولى: أن كل واحد من الأخوين له السدس، سواء كان أحدهما ذكرًا أو أنثى، فإن كانوا أكثر اشتركوا في الثلث، ومقتضى الآية الثانية: أن للأخت النصف، وللاثنتين الثلثين، ولم يبين في واحدة من الآيتين الأخوة، هل هي لأم، أو لأب، أو لهما، ثم إذا تنزّلنا على أن الأخوة من الأولى للأم، وفي الثانية للأب، أو أشقاء، فهل ذلك فرضهم إذا انفردوا؟ أو يكون ذلك فرضهم وإن كان معهم بعض الورثة؟ كل ذلك أمور مطلوبة، والوصول إلى تحقيق تلك المطالب عسير، وسنبيّن الصحيح من ذلك كله، في الفرائض إن شاء الله تعالى.\nفلما استشكلت على عمر هذه الوجوه تَشَوَّف إلى معرفتها بطريق يزيح له الإشكال، فألَحّ على النبي - ﷺ - بالسؤال عن ذلك، حتى ضرب النبي - ﷺ - على صدره، وأغلظ عليه في ذلك ردعًا له عن الإلحاح؛ إِذ كان قد نَهَى عن كثرة السؤال، وتنبيهًا له على الاكتفاء بالبحث عمَّا في الكتاب من ذلك، وعلى أن الكتاب يبين بعضه بعضًا. وقال الخطابي: يشبه أن يكون لم يُفتِه، ووكل الأمر إلى بيان الآية اعتمادًا على علمه وفهمه؛ ليتوصل إلى معرفتها بالاجتهاد. ولو كان السائل ممن لا فهم له، لبيّن له البيان الشافي. قال: وإن الله أنزل في الكلالة آيتين: إحداهما في الشتاء، وهي التي في أول سورة النساء، وفيها إجمال وإبهام لا يكاد يَبِينُ المعنى من ظاهرها، ثم أنزل الآية التي في آخر النساء في الصيف، وفيها زيادة بيان.","vol":"2","page":172},{"text":"تكفِيكَ آيَةُ الصَّيفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ؟، وَإِنِّي إِن أَعِش أَقضِي فِيهَا بِقَضِيَّةٍ يَقضِي بِهَا مَن يَقرَأُ القُرآنَ وَمَن لا يَقرَأُ القُرآنَ.\nثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُشهِدُكَ عَلَى أُمَرَاءِ الأَمصَارِ، فَإِنِّي إِنَّمَا بَعَثتُهُم عَلَيهِم لِيَعدِلُوا عَلَيهِم، وَلِيُعَلِّمُوا النَّاسَ دِينَهُم وَسُنَّةَ نَبِيِّهِم - ﷺ -، وَيَقسِمُوا فِيهِم فَيئَهُم، وَيَرفَعُوا إِلَيَّ مَا أَشكَلَ عَلَيهِم مِن أَمرِهِم. ثُمَّ إِنَّكُم أَيُّهَا النَّاسُ! تَأكُلُونَ شَجَرَتَينِ لا أَرَاهُمَا إِلا خَبِيثَتَينِ: هَذَا البَصَلَ وَالثُّومَ، لَقَد رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا مِنَ الرَّجُلِ فِي المَسجِدِ أَمَرَ بِهِ، فَأُخرِجَ إِلَى البَقِيعِ، فَمَن أَكَلَهُمَا فَليُمِتهُمَا طَبخًا.\nرواه أحمد (١/ ٢٨ و٤٨)، ومسلم (٥٦٧)، وابن ماجه (٢٧٢٦).\n* * *\nــ\nوقوله: وإني إن أعش أقض فيها بقضيّة يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ. هذا يدل على أنه كان اتضح له وجه الصواب فيها، وأنه كان قد استعمل فكره فيها، حتى فهم ذلك، وأنه أراد أن يوضِّح ذلك على غاية الإيضاح، ولم يتمكن من ذلك في ذلك الوقت الحاضر؛ للعوائق والموانع، ثم فاجأته المنيّة - ﵁ -، ولم يُروَ عنه فيها شيء من ذلك، لكن قد اهتدى علماء السلف لفهم الآيتين، وأوضحوا ذلك، فتبيّن الصبح لذي عينين، وسيأتي ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.\nوقوله: فليمتهما طبخًا؛ أي: ليذهب رائحتهما، ويكسرهما بالطبخ. وكسر قوة كل شيء إماتته وقتله، ومنه قولهم: قَتَلتُ الخمر: إذا مزجتها بالماء وكسرتها. وقد تقدم القول في الخبيث، وفي الشجر.","vol":"2","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>(٥١) باب النهي عن أن تنشد الضالَّة في المسجد</span>\n[٤٥٦]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: مَن سَمِعَ رَجُلا يَنشُدُ ضَالَّةً فِي المَسجِدِ فَليَقُل: لا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيكَ، فَإِنَّ المَسَاجِدَ لَم تُبنَ لِهَذَا.\nرواه أحمد (٢/ ٣٤٩)، ومسلم (٥٦٨)، وأبو داود (٤٧٣)، والترمذي (١٣٢١)، وابن ماجه (٧٦٧).\n[٤٥٧]- وَعَن سُلَيمَانَ بنِ بُرَيدَةَ عَن أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلا نَشَدَ فِي المَسجِدِ،\nــ\n(٥١) ومن باب: النهي عن أن تنشد الضالّة في المسجد\nنشدت الضالة بمعنى: طلبتها. وأنشدتها: عرّفتها. قاله يعقوب وغيره، ومنه قول الشاعر:\nإِصَاخَةَ الناشدِ للمُنشِدِ\nوالإصاخة: الاستماع.\nوقوله: فليقل: لا ردها الله عليك: دعاء على الناشد في المسجد بعدم الوجدان، فهو معاقبة له في ماله على نقيض مقصوده، فليلحق به ما في معناه؛ فمن رفع صوته فيه بما يقتضي مصلحة ترجع إلى الرافع صوته، دُعِيَ عليه على نقيض مقصوده ذلك؛ بسبب جريمة رفع الصوت في المسجد، وإليه ذهب مالك في جماعة، حتى كرهوا رفع الصوت في المسجد في العلم وغيره. وأجاز أبو حنيفة وأصحابه ومحمد بن مسلمة من أصحابنا رفع الصوت فيه في الخصومة والعلم. قالوا: لأنهم لا بُدَّ لهم من ذلك، وهذا مخالف لظاهر الحديث. وقولهم: لا بدّ لهم من ذلك ممنوع، بل لهم بُدٌّ من ذلك بوجهين:","vol":"2","page":174},{"text":"فَقَالَ: مَن دَعَا إِلَى الجَمَلِ الأَحمَرِ. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: لا وَجَدتَ، إِنَّمَا بُنِيَتِ المَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَت لَهُ.\nوَفِي رِوَايَة: جَاءَ أَعرَابِيٌّ بَعدَمَا صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - صَلاةَ الفَجرِ، فَأَدخَلَ رَأسَهُ مِن بَابِ المَسجِدِ. . .، وَذَكَرَ مِثلَهُ.\nرواه أحمد (٥/ ٣٦١)، ومسلم (٥٦٩).\n* * *\nــ\nأحدهما: ملازمة الوقار والحرمة، وبإخطار ذلك بالبال والتحرز من نقيضه، ومن خاف ما يقع فيه تحرّز منه.\nوالثاني: أنه إذا لم يتمكن من ذلك فليتخذ لذلك موضعًا يخصه، كما فعل عمر، وقال: من أراد أن يلغط أو ينشد شعرًا فليخرج من المسجد.\nوقوله: إنما بنيت المساجد لما بنيت له: يدل على أن الأصل ألا يُعمل في المسجد غير الصلوات، والأذكار، وقراءة القرآن؛ ولذلك قال - ﷺ -: إذا رأيتم من يبيع في المسجد أو يبتاع فقولوا: لا أربح الله تجارتك (١). وقد كره بعض أصحابنا تعليم الصبيان في المساجد، ورأى أنه من باب البيع، وهذا إذا كان بأجرة، فلو كان بغير أجرة لمنع أيضًا، من وجه آخر، وهو أن الصبيان لا يتحرّزون عن القذر والوسخ، فيؤدي ذلك إلى عدم تنظيف المساجد، وقد أمر رسول الله - ﷺ - بتنظيفها وتطييبها، وقال: جنبوا مساجدكم صبيانكم، ومجانينكم، وسل سيوفكم، وإقامة حدودكم (٢).\nوقوله: فأدخل رأسه من باب المسجد؛ دليل على أن حكم هذا الداخل\n_________\n(١) رواه الترمذي (٥٦٩) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه ابن ماجه (٧٥٠) من حديث واثلة ﵁، وفي الزوائد: إسناده ضعيف.","vol":"2","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>(٥٢) باب الأمر بسجود السهو، وما جاء فيمن سها عن الجلسة الوسطى</span>\n[٤٥٨]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: إِنَّ أَحَدَكُم إِذَا قَامَ\nــ\nفي المسجد، ولو لم يكن كذلك لما منع، ألا ترى أنه لو رفع صوته خارج المسجد لم يعاقب بذلك، وبدليل قوله: إن المساجد لم تُبن لهذا. ويقتبس من هذا: أن الحالف ألا يدخل دارًا، فأدخل رأسه فيها، أنه يحنث بذلك. قال بعض علمائنا: وكذلك لو أدخل رجله؛ لأن الاعتماد في الدخول على الرجل، ولهذا فرق بعض أصحابنا بين أن يكون اعتماده عليها أم لا.\n(٥٢) ومن باب: السهو في الصلاة\nقال الإمام أبو عبد الله: أحاديث السهو كثيرة مشهورة (١)، والثابت منها عن رسول الله - ﷺ - خمسة أحاديث: حديث أبي هريرة الذي ذكر فيه أنه سجد سجدتين، ولم يذكر موضعهما. وحديث أبي سعيد الخدري (٢)، وهما جميعًا فيمن شكّ كم صلّى. وحديث ابن مسعود (٣)، وذكر فيه: أنه قام إلى خامسة، والسجود بعد السلام. وحديث ابن بحينة وفيه: القيام من اثنتين، والسجود قبل السلام. وحديث ذي اليدين (٤)، وفيه السلام من اثنتين والسجود بعد السلام.\n_________\n(١) من (ل).\n(٢) رواه أحمد (٣/ ٨٧)، ومسلم (٥٧١)، وأبو داود (١٠٢٤ و١٠٢٦ و١٠٢٧ و١٠٢٩)، والترمذي (٣٩٦)، والنسائي (٣/ ٢٧)، وابن ماجه (١٢٠٤).\n(٣) رواه البخاري (١٢٢٦)، ومسلم (٥٧٢)، وأبو داود (١٠١٩ و١٠٢٠ و١٠٢١ و١٠٢٢)، والترمذي (٣٩٢ و٣٩٣)، والنسائي (٣/ ٣١ - ٣٣)، وابن ماجه (١٢٠٥).\n(٤) رواه البخاري (١٢٢٨)، ومسلم (٥٧٣)، وأبو داود (١٠٠٨ و١٠٠٩ و١٠١٠ =","vol":"2","page":176},{"text":"يُصَلِّي جَاءَهُ الشَّيطَانُ، فَلَبَسَ عَلَيهِ، حَتَّى لا يَدرِيَ كَم صَلَّى، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ\nــ\nقلت: وقد أغفل الإمام حديث عمران بن حصين (١)، وهو أنّه سلم في ثلاث، ثم صلى ركعة ثم سلّم، ثم سجد سجدتين، لكن لم يذكره؛ لأنه رأى أنه في معنى حديث ذي اليدين. ويلزمه على هذا ألا يُعَدَّ حديث أبي هريرة؛ لأنه عنده في معنى حديث أبي سعيد، والصحيح في عدد الأحاديث الصحيحة في السهو أنها ستة حسب ما نبّهنا عليه.\nقال الإمام: وقد اختلف الناس في طريق الأخذ بهذه الأحاديث، فأما داود فلم يقس عليها، وقال: إنما يستعمل ذلك فيما ورد فيه من الصلوات، على حسب الترتيب في مواضع السجود المذكورة، وقال ابن حنبل كقول داود في هذه الصلوات خاصة، وخالفه في غيرها، وقال: ما فيها من سهو فإن السجود كله قبل السلام. واختَلَف مَن قاس عليها من الفقهاء، فبعضهم قال: إنما تُفيد هذه الأحاديث التخيير، وللمكلف أن يفعل أي ذلك شاء من السجود قبل أو بعد في نقص أو زيادة، وهو قول مالك في المجموعة. وقال أبو حنيفة: الأصل ما فيه السجود بعد السلام، وردَّ بقيّة الأحاديث إليه. وقال الشافعي: الأصل ما فيه السجود قبل السلام، وردّ بقيّة الأحاديث إليه. ورأى مالك: أن ما فيه النقص السجود فيه قبل السلام، وأن ما فيه الزيادة يكون فيه السجود بعد، وهل هذا الترتيب هو الواجب أو هو الأولى؟ قولان للأصحاب. وسيأتي بيان متمسك كل فريق إن شاء الله تعالى.\nوقوله: جاءه الشيطان فَلَبَس عليه، يُروَى مخفف الباء ومشدّدها، وهي مفتوحة في الماضي، مكسورة في المستقبل، على كل حال معناه: خَلَطَ، يقال:\n_________\n= و١٠١١ و١٠١٢)، والترمذي (٣٩٤)، والنسائي (٣/ ٣٠ - ٣٦)، وابن ماجه (١٢١٤).\n(١) رواه مسلم (٥٧٤)، وأبو داود (١٠٣٩)، والترمذي (٣٩٥)، وابن ماجه (١٢١٥).","vol":"2","page":177},{"text":"أَحَدُكُم فَليَسجُد سَجدَتَينِ وَهُوَ جَالِسٌ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: جَاءَ الشَّيطَانُ فَهَنَّاهُ وَمَنَّاهُ\nرواه أحمد (٢/ ٣٣٠)، والبخاري (١٢٣٢)، ومسلم (٣٨٩) في المساجد (٨٢)، وأبو داود (١٠٣٠)، والترمذي (٣٩٧)، والنسائي (٣/ ٣١)، وابن ماجه (١٢١٦).\nــ\nلَبَستُ عليه الأمر، ألبِسُهُ؛ أي: خلطته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَلَبَسنَا عَلَيهِم مَا يَلبِسُونَ﴾ فأما بكسر الباء في الماضي، وفتحها في المستقبل، فهو من لباس الثوب، ومنه: ﴿وَيَلبَسُونَ ثِيَابًا خُضرًا مِن سُندُسٍ وَإِستَبرَقٍ﴾\nوقوله: فليسجد سجدتين وهو جالس، هذا الحديث مقصوده الأمر بالسجود عند السهو، وهل ذلك بعد السلام، أو قبل؟ لم يتعرض له فيه، وقد رُوي (١) عن مالك والليث: أنهما حملا هذا الحديث على المُستَنكِح (٢)، وليس في الحديث ما يدل عليه، وما قالاه ادعاء تخصيص، ولا بد من دليله، على أنه قد اختلف قول مالك في المستنكح، هل عليه سجود أم لا؟ بل نقول: إن في الحديث ما يدل على نقيض ما قالاه، وهو قوله: فإذا وجد ذلك أحدكم، وهذا خطاب لعموم المخاطبين، وعمومهم السلامة من الاستنكاح، فإنه نادر الوقوع، وقد ذهب الحسن في طائفة من السلف، إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث، فقالوا: ليس على من لم يَدرِ كَم صلى، ولا يدري هل زاد أو نقص غير سجدتين وهو جالس. وذُكر عن الشعبي والأوزاعي وجماعة كثيرة من السلف: أن من لم يدر كم صلى أعاد أبدًا حتى يتيقن، والذي ذهب إليه الأكثر: أن يحمل حديث أبي هريرة على مفصَّل حديث أبي سعيد الآتي بعد هذا، ويُرَدّ إليه، لا سيما وقد زاد أبو داود في حديث\n_________\n(١) في (ل): نقل.\n(٢) \"المستنكح\": الذي يغالبه النعاس.","vol":"2","page":178},{"text":"[٤٥٩]- وَعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ بُحَينَةَ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - رَكعَتَينِ مِن بَعضِ الصَّلَوَاتِ، ثُمَّ قَامَ فَلَم يَجلِس، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلاتَهُ وَنَظَرنَا تَسلِيمَهُ، كَبَّرَ فَسَجَدَ سَجدَتَينِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبلَ التَّسلِيمِ، ثُمَّ سَلَّمَ.\nزاد فِي رِوَايَةٍ: وسَجَدَهُمَا النَّاسُ مَعَهُ، مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنَ الجُلُوسِ.\nرواه البخاري (١٢٣٠)، ومسلم (٥٧٠) (٨٥)، وأبو داود (١٠٣٤ و١٠٣٥)، والترمذي (٣٩١)، والنسائي (٣/ ١٩ - ٢٠)، وابن ماجه (١٢٠٦) و(١٢٠٧).\n* * *\nــ\nأبي هريرة من طريق صحيحة: وهو جالس قبل أن يسلم، فيكون مساويًا لحديث أبي سعيد، فهو هو، والله أعلم.\nثم هذا الأمر بالسجود لمن سها؛ على جهة الوجوب، أو فيه تفصيل؟ فيه خلاف، فمن أصحابنا من قال: هو محمول على الندب، أما في الزيادة فواضح؛ لأنه ترغيم للشيطان، وأما في النقصان فهو جبر للنقص، وأرفع درجات الجبر أن يتنزل منزلة الأصل، والأصل مندوب إليه، فيكون الجبر مندوبًا إليه؛ لأن سجود السهو إنما يكون في إسقاط السنن - على ما يأتي -، وعلى هذا لا يعيد من ترك السجود، وقال بعض أصحابنا: السجود للنقص واجب، وللزيادة فضيلة، ثم اختلفوا: هل ذلك في كل نقص، أو يختص بالوجوب؟ إذا كان المسقط فعلا ولم يكن قولا؟ روايتان.\n* * *","vol":"2","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>(٥٣) باب فيمن لم يّدرِ كم صلى</span>؟\n[٤٦٠]- عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: إِذَا شَكَّ أَحَدُكُم فِي صَلاتِهِ فَلَم يَدرِ كَم صَلَّى ثَلاثًا أَم أَربَعًا، فَليَطرَحِ الشَّكَّ، وَليَبنِ عَلَى مَا استَيقَنَ، ثُمَّ يَسجُدُ سَجدَتَينِ قَبلَ أَن يُسَلِّمَ،\nــ\n(٥٣) ومن باب: فيمن لم يَدرِ كم صلى (١)\nقوله في حديث أبي سعيد: إذا شك أحدكم في صلاته، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن: تمسك بظاهره جمهور أهل العلم في إلغاء المشكوك فيه، والعمل على المتيقن، وألحقوا المظنون بالمشكوك في الإلغاء، وردّوا قوله - ﷺ - في حديث ابن مسعود: فليتحرّ الصواب من ذلك إلى حديث أبي سعيد هذا، ورأوا أن هذا التحري هو القصد إلى طرح الشك، والعمل على المتيقن. وقال أهل الرأي من أهل الكوفة وغيرهم: إن التحري هنا هو البناء على غلبة الظن. وأما أبو حنيفة فقال: ذلك لمن اعتراه ذلك مرة بعد مرة، فأما لأَوَّل ما ينوبه، فليبن على اليقين، وكأن أبا حنيفة جمع بين الحديثين باعتبار حالين للشاكّ.\nوقوله: ثم ليسجد سجدتين قبل أن يسلم: احتج بظاهره الشافعي لأصل مذهبه على أن سجود السهو كله قبل السلام. وقال الداودي: اختلف قول مالك في الذي لا يدري ثلاثًا صلى أم أربعًا؟ فقال: يسجد قبل السلام، وقال: بعد السلام، والصحيح من مذهبه في هذه الصورة: السجود بعد السلام. وقد اعتلَّ أصحابنا لهذا الحديث بأوجه:\nأحدها: أنه يعارضه حديث ذي اليدين؛ حيث زاد النبي - ﷺ -، ثم سجد بعد\n_________\n(١) ورد هذا العنوان لاحقًا، وقدَّمناه هنا لمناسبته.","vol":"2","page":180},{"text":"فَإِن كَانَ صَلَّى خَمسًا شَفَعنَ لَهُ صَلاتَهُ،\nــ\nالسلام، وهو حديث لا علّة له، وحديث أبي سعيد أرسله مالك عن عطاء، وأسنده غيره، فكان هذا اضطرابًا فيه، والتسلِيم عن ذلك أرجح.\nوثانيها: أن قوله: قبل أن يسلم؛ يحتمل أن يريد به السلام على النبي - ﷺ - الذي في التشهد، وهو قوله: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله. فكأنه سجد ولم يستوف التشهد.\nوثالثها: أنه يحتمل أن يكون النبي - ﷺ - سها عن إيقاعه بعد السلام، فأوقعه قبله واكتفى به؛ إذ قد فعله، ولا يتكرر سجود السهو، ولا يعاد.\nورابعها: يحتمل أن يكون شك في قراءة السورة، في إحدى الأوليين، فيكون معه زيادة الركعة ونقصان قراءة السورة، فَغُلِّبَ النقصان.\nوخامسها: أن السجود في هذه الصورة قبل السلام؛ لأن الزيادة متوهمة مقدورة، بخلاف الزيادة المحققة؛ كما في حديث ذي اليدين؛ فإنه لما تحققت الزيادة سجد بعد السلام، وهذا إنما يتمشَّى على ما رواه الداوُدي عن مالك على ما تقدم، وعليه حمله ابن لبابة.\nوسادسها: أن حديث أبي سعيد محمول على أن النبي - ﷺ - قصد بذلك بيان جواز سجود ما بعدُ و[ما] (١) قبلُ، وهذا إنما يتمشى على رواية من روى أن الترتيب في سجود السهو إنما هو من باب الأولى على ما تقدم، وهذا أشبهها، فإنه جمعٌ بين الأحاديث على وجه حسن، وعلى مذهب الطبري وغيره - ممن قال بالتخيير، فيسجد للنقص والزيادة قبل أو بعد، أيَّ ذلك شاء فعل، وفي المجموعة عن مالك نحوه، والله تعالى أعلم.\nوقوله: فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته؛ يعني: أنه لما شك هل\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"2","page":181},{"text":"وَإِن كَانَ صَلَّى إِتمَامًا لأَربَعٍ كَانَتَا تَرغِيمًا لِلشَّيطَانِ.\nرواه أحمد (٣/ ٨٧)، ومسلم (٥٧١)، وأبو داود (١٠٢٤ و١٠٢٦ و١٠٢٧ و١٠٢٩)، والترمذي (٣٩٦)، والنسائي (٣/ ٢٧)، وابن ماجه (١٢١٠).\nــ\nصلى ثلاثًا أو أربعًا، وبنى على الثلاث، فقد اطّرح الرابعة، مع إمكان أن يكون فعلها، فإن كان قد فعلها فهي خمس، وموضوع تلك الصلاة شفع، فلو لم يسجد لكانت الخامسة لا تناسب أصل المشروعية، فلما سجد سجدتي السهو ارتفعت الوتريَّة، وجاءت الشفعيَّة المناسبة للأصل، والله أعلم.\nوالنون في شفعن هي نون جماعة المؤنث، وعادت على معنى فعلات السجدتين، مشيرًا إلى ما فيها من الأحكام المتعددة.\nوقوله: وإن كان صلى إتمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان؛ معناه: غيظًا للشيطان، ومذلّة له؛ لأنه لما فعل أربع ركعات أتى بما طلب منه، ثم لما انفصل زاد سجودًا لله تعالى؛ لأجل ما أوقع الشيطان في قلبه من التردد، فحصل للشيطان نقيض مقصوده؛ إذ كان إبطال الصلاة، فقد صحت، وعادت وسوسته بزيادة خير وأجر. والترغيم: مأخوذ من الرَّغَام؛ وهو التراب كما تقدم.\nوقوله في حديث ابن بحينة: فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه كبر فسجد؛ أي: فرغ من أركانها عدا السلام. ونظرنا: انتظرنا، ومنه: ﴿انظُرُونَا نَقتَبِس مِن نُورِكُم﴾؛ أي: انتظرونا. وهذا التكبير المعقب بالسجود لسجود السهو قولا واحدًا، لا للإحرام؛ لأنه لم ينفصل عن حكم الإحرام الأول. واختلف في التكبير للَّتبيَين بعد السلام، هل هو للإحرام أو للسجود؟ روايتان عن مالك. والأولى أنه للإحرام، ولا بد من نيته؛ لأنه قد انفصل عن حكم الصلاة؛ ولأنه","vol":"2","page":182},{"text":"[٤٦١]- وَعَن عَلقَمَةَ قَالَ: قَالَ عبد الله: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ (قَالَ إِبرَاهِيمُ بنُ سُوَيدٍ: زَادَ أَو نَقَصَ، الوَهمُ مِنهُ) فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَحَدَثَ فِي الصَّلاةِ شَيءٌ؟\nــ\nلا بدّ لهما من (١) سلام ينفصل به، كما يحرِمُ به قياسًا على سائر الصلوات، وإلى هذا أشار في حديث ذي اليدَين، حيث قال: فصلى ركعتين، ثم كبر، ثم سجد، ثم كبر. فإنه عطف السجود على التكبير بثم التي تقتضي التراخي، ولو كان التكبير للسجود لكان معه، ومصاحبًا له، ألا تراه كيف قال في بقية الحديث: ثم كبر وركع، ثم كبر وسجد، ثم كبر وسجد، ثم كبر فرفع، فعدل عن ثم في مواضع المقارنة، وهذا ظاهر.\nوقوله: فسجد سجدتين قبل السلام، ثم سلم حجة لمالك في قوله: إن السجود للنقص قبل، وعلى أبي حنيفة في قوله (٢): إن السجود للسهو كله بَعدُ، وحَملُ أبي حنيفة هذا السلام على سلام التشهد فاسد قطعًا بمساق الحديث، فتأمله.\nوقوله: مكان ما نسي من الجلوس: دليل على أن الذي يجبر بسجود السهو إنما هو ما كان (٣) من قبيل سنن الصلاة، أما أركانها وواجباتها فلا بد من الإتيان بها؛ إذ لا تصح بدون ذلك، أما فضائلها: فغايتها تكميل الثواب، فلو أسقطها المصلي ابتداء لصحّت صلاته اتفاقًا، وليس كذلك السنن، فقد قيل: إن من تركها متعمدًا أعاد الصلاة.\nوقولهم في حديث ابن مسعود: أَحَدَث في الصلاة شيء؟ سؤال عن\n_________\n(١) في (ع): ولأنه أخرهما عن.\n(٢) ساقط من (ع).\n(٣) في (ع): يكون.","vol":"2","page":183},{"text":"قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: صَلَّيتَ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: فَثَنَى رِجلَهِ وَاستَقبَلَ القِبلَةَ، فَسَجَدَ سَجدَتَينِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ أَقبَلَ عَلَينَا بِوَجهِهِ فَقَالَ: إِنَّهُ لَو حَدَثَ فِي الصَّلاةِ شَيءٌ أَنبَأتُكُم بِهِ، وَلَكِن إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، أَنسَى كَمَا تَنسَونَ،\nــ\nجواز النسخ على ما ثبت من العبادة، ويدل هذا: على أنهم كانوا يتوقعونه.\nوقوله: وما ذاك؟ سؤال من لم يشعر بما وقع منه، ولا يقين عنده، ولا غلبة ظن.\nوقولهم: صليت كذا أو كذا: إخبار من حقق ما وقع. وقبول النبي - ﷺ - قول المخبِر عما وقع له دليل على قبول الإمام قول من خلفه في إصلاح الصلاة، إذا كان الإمام على شك، بلا خلاف. وهل يشترط في المخبر عدد؛ لأنه من باب الشهادة، أو لا يشترط ذلك، لأنه من باب قبول الخبر؟ قولان:\nالأول: لأشهب وابن حبيب، وأما إن كان الإمام جازمًا في اعتقاده بحيث يصمم عليه، فلا يرجع إليهم، إلا أن يفيد خبرهم العلم فيرجع إليهم، وإن لم يفد خبرهم العلم؛ فذكر ابن القصّار في ذلك عن مالك قولين: الرجوع إلى قولهم، وعدمه. وبالأول قال ابن حبيب، ونصه: إذا صلى الإمام برجلين فصاعدًا فإنه يعمل على يقين من وراءه، ويدع يقين نفسه، قال المشايخ: يريد الاعتقاد.\nوبالثاني قال ابن مسلمة، ونصّ ما حكي عنه: يرجع إلى قولهم إن كثروا، ولا يرجع إذا قلّوا، وينصرف، ويُتِمّون لأنفسهم.\nوقوله: لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به: يفهم منه أن الأصل في الأحكام بقاؤها على ما قُرِّرَت وإن جوز غير ذلك، وأن تأخير البيان لا يجوز عن وقت الحاجة.\nوقوله: إنما أنا بشر أنسى كما تنسون: دليل على جواز النسيان على النبي - ﷺ - فيما طريقه البلاغ من الأفعال وأحكام الشرع. قال القاضي عياض: وهو","vol":"2","page":184},{"text":"فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي، فإِذَا شَكَّ أَحَدُكُم فِي الصَلاة فَليَتَحَرَّ الصَّوَابَ فَليُتِمَّ عَلَيهِ، ثُمَّ يَسجُد سَجدَتَينِ.\nوَفي رِوَايَةٍ: فَليَنظُر أَحرَى ذَلِكَ إلى الصَّوَابِ.\nوَفي أُخرَى: فَليَتَحَرَّ أَقرَبَ ذَلِكَ إِلَى الصَّوَابِ.\nــ\nمذهب عامة العلماء والأئمة النظار، وظاهر القرآن والأحاديث، لكن شرط الأئمة أن الله تعالى ينبهه على ذلك، ولا يقرّه عليه، ثم اختلفوا: هل من شرط التنبيه اتصاله بالحادثة على الفور؟ وهذا مذهب القاضي أبي بكر والأكثر من العلماء، أو يجوز في ذلك التراخي ما لم ينخرم عمره، وينقطع تبليغه؟ وإليه نَحَا أبو المعالي. ومنعت طائفة من العلماء السهو عليه في الأفعال البلاغية، والعبادات الشرعية، كما منعوه اتفاقًا في الأقوال البلاغية، واعتذروا عن الظواهر الواردة في ذلك، وإليه مال الأستاذ أبو إسحاق، وشذّت الباطنية وطائفة من أرباب علم القلوب، فقالوا: لا يجوز النسيان عليه، وإنما يَنسَى قصدًا، ويتعمد صورة النسيان ليسنّ، ونحا إلى قولهم عظيم من أئمة التحقيق؛ وهو أبو المظفر الإسفراييني في كتابه الأوسط، وهذا مَنحىً غير سديد، وجمع الضد مع الضد مستحيل بعيد.\nقلت: والصحيح أن السهو عليه جائز مطلقًا؛ إِذ هو واحد من نوع البشر، فيجوز عليه ما يجوز عليهم إذا لم يقدح في حاله، وعليه نبّه حيث قال: إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، غير أن ما كان منه فيما طريقه بلاغ الأحكام قولا أو فعلا، لا يقرّ على نسيانه، بل ينبَّه عليه إذا تعينت الحاجة إلى ذلك المبلغ، فإن أقر على نسيانه ذلك، فإنما ذلك من باب النسخ؛ كما قال تعالى: ﴿سَنُقرِئُكَ فَلا تَنسَى * إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾\nوقوله: فليتحرّ الصواب فليتمّ عليه، و(فليتحر أقرب ذلك إلى الصواب) ظاهره ما صار إليه الكوفيون من عمله على غلبة ظنه، وقد ذكرنا أن","vol":"2","page":185},{"text":"وَفي أُخرَى: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِذَا زَادَ الرَّجُلُ أَو نَقَصَ فَليَسجُد سَجدَتَينِ، قَالَ: ثُمَّ سَجَدَ سَجدَتَينِ.\nوَفي أُخرَى: أَنَّهُ - ﵊ - صلى خَمسًا (مِن غَيرِ شَكٍّ).\nرواه أحمد (٦/ ٢٨)، والبخاري (١٢٢٦)، ومسلم (٥٧٢) (٨٩ و٩٠ و٩٢ و٩٦)، وأبو داود (١٠١٩ - ١٠٢٢)، والترمذي (٣٩٢ و٣٩٣)، والنسائي (٣/ ٣١ - ٣٣)، وابن ماجه (١٢١١).\n* * *\nــ\nالجمهور ردّوه إلى حديث أبي هريرة، وهذا لم تضم إليه ضرورة تعارض، إذ يمكن أن يحمل كل واحد من الحديثين على حالة غير الأخرى، فَيَحملُ حديث أبي هريرة فيمن شك، ويحمل هذا الحديث فيمن ظنّ، ولا تعارض بينهما، والتحرّي وإن كان هو القصد، كما قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوا رَشَدًا﴾ فكما يُقصَدُ المتيقَّن يُقصَدُ المظنون، والله تعالى أعلم.\nفإن قيل: الموجب لتأويل هذا الحديث وردّه إلى حديث أبي هريرة: أن الصلاة في ذمته بيقين، ولا تبرأ ذمته إلا بيقين، قلنا: لا نسلِّم، بل تبرأ ذمته بغلبة الظن؛ بدليل: أن صحة الصلاة تتوقف على شروط مظنونة باتفاق؛ كطهارة النجاسة، وطهارة الحدث باختلاف، والموقوف على المظنون مظنون، فلا يلزم اليقين، وإن كان الأولى هو اليقين، والله تعالى أعلم.\nوقوله: إذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين: يقتضي التسوية بين ما كان للنقص، وبين ما كان للزيادة، فإما أن يكون هذا الأمر بهما على الوجوب، أو على الندب. والتفرقة التي حكيناها عن أصحابنا مخالفة لهذا الظاهر فتلغى.\nوقوله في الرواية الأخرى التي لا شك فيها: أنه - ﷺ - صلى خمسًا ثم سجد؛ حجة على أبي حنيفة حيث قال: تبطل الصلاة بزيادة الخامسة، وهو حجة","vol":"2","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>(٥٤) باب فيمن سلَّم من اثنتين أو ثلاث</span>\n[٤٦٢]- عَن أَبي هُرَيرَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِحدَى صَلاتَيِ العَشِيِّ، إِمَّا الظُّهرَ وَإِمَّا العَصرَ. فَسَلَّمَ فِي رَكعَتَينِ، ثُمَّ أَتَى جِذعًا فِي قِبلَةِ المَسجِدِ فَاستَنَدَ إِلَيهَا مُغضَبًا،\nــ\nلمالك على صحة ذلك في غير الثنائية، فلو زاد في الثنائية ركعة فقد زاد مثل نصفها، وقد اختلف فيما إذا زاد مثل نصف الصلاة فأكثر، فقيل: النصف كثير فتعاد الصلاة منه في الصبح وغيرها. وهذا قول مطرِّف وابن القاسم. وقيل: إنما تفسد بزيادة ركعتين، وليست زيادة ركعة واحدة تبطل في الصبح ولا غيرها، وهو قول عبد الملك، فأما لو زاد مثل الصلاة؛ ففي بطلانها بذلك روايتان؛ مشهورهما: البطلان. والثانية: رواية عبد الملك ومطرف: وهي الصحة، ويجزئه سجود السهو، وسبب هذا الخلاف اعتبار الزيادة؛ هل هي كثيرة بالنسبة أم لا؟\nفقَالُوا: صَدَقَ، لَم تُصَلِّ إِلا رَكعَتَينِ. فَصَلَّى رَكعَتَينِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ كَبَّرَ وسجد. ثُمَّ كَبَّرَ وَرفع.\n(٥٤) ومن باب: فيمن سلم من اثنتين أو ثلاث\nقوله: إحدى صلاتي العشي - إما الظهر وإما العصر - أول العشي إذا فاء الفيء وتمكّن، ومنه قول القاسم بن محمد: ما أدركت الناس (١) إلا وهم يصلون الظهر بعشي، وآخره: غروب الشمس، وأصله: الظلمة، ومنه: عَشَا البصر، وعشوت النار: نظرت إليها عن ظلمة.\nوقوله: ثم أتى جذعًا فاستند إليها؛ الجذع: أحد الجذوع، وهو خشبة النخلة، وهو مذكر، لكنه أعاد عليه ضمير المؤنث؛ لأنه خشبة، كما قالوا: بلغني كتابه فمزقتها؛ لأن الكتاب صحيفة.\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"2","page":187},{"text":"وَفِي القَومِ أَبُو بَكرٍ وَعُمَرُ، فَهَابَاه أَن يَتَكَلَّمَا، وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ، قَصُرَتِ الصَّلاةُ. فَقَامَ ذُو اليَدَينِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَقَصُرَتِ الصَّلاةُ أَم نَسِيتَ؟\nــ\nوقوله في أبي بكر وعمر: فهاباه أن يتكلما؛ يعني: أنهما بما غلبهما (١) من احترام النبي - ﷺ -، وتعظيمه، وإكبار مقامه الشريف، امتنعا من تكليمه، مع علمهما بأنه سيبين أمر ما وقع، ولعله بعد النهي عن السؤال كما قررناه في كتاب الإيمان. وإقدام ذي اليدين على السؤال؛ دليل على حرصه على تعلم العلم، وعلى اعتنائه بأمر الصلاة.\nوقوله: وخرج سَرَعان الناس؛ رويته بفتح السين والراء، وهو المحفوظ عن متقني الشيوخ، وهو قول الكسائي، وغيرهم يسكّن الراء (٢)، وهم: أَخِفّاؤهم والمسرعون منهم. ورواية الأَصِيلي في البخاري: سُرعان: بضم السين وإسكان الراء، وكأنه جمع سريع؛ كقفيز وقفزان، وقضيب وقضبان، وكسر السين خطأ، قاله الخطابي.\nوقوله: قصرت الصلاة؟ معناه: يقولون: قصرت الصلاة، على اعتقاد وقوع ما يجوز من النسخ. وذو اليدين: رجل من بني سُليم، كان طويل اليدين. ووقع في رواية: بسيط اليدين، وظاهره: طويل خلق اليدين، ويحتمل أنه كان طويل اليدين بالفضل وبالبذل. وقد سماه في حديث عمران بن حصين: الخِرباق، قال: وكان في يديه طول، ويحتمل أن يكون رجلا آخر، والله أعلم. وقد سماه الزهري: ذا الشمالين، قال: رجل من بني زُهرة، وقد خطّأه أهل السِّيَر في ذلك، وقالوا: إن ذا الشمالين الزهري (٣) قتل يوم بدر. قلت: ويحتمل أن يكون\n_________\n(١) في (ع) و(م): غلب عليهما.\n(٢) في (م) ورواية غيرهم بسكون الراء.\n(٣) ساقط من (ع).","vol":"2","page":188},{"text":"فَنَظَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَمِينًا وَشِمَالا فَقَالَ: مَا يَقُولُ ذُو اليَدَينِ؟ فقالُوا: صَدَقَ، لم تُصَلِّ إلَّا رَكْعَتَيْنِ\nــ\nالخرباق في حديث عمران بن حصين غير ذي اليدين في حديث أبي هريرة، والله أعلم.\nوقوله: ما يقول ذو اليدين؟ يحتج به من يقول: لا بد من اشتراط العدد في المخبِر عن السهو، ولا حجة فيه؛ لأنه - ﷺ - إنما استكشف لِمَا وقع له من التوقف في خبره؛ حيث انفرد بالخبر عن ذلك، مع أن الجمع كثير، ودواعيهم متوفرة، وحاجتهم داعية إلى الاستكشاف عما وقع، فوقعت الريبة في خبر المخبِر لهذا، وجُوِّزَ عليه أن يكون الغلط والسهو منه، لا أنها شهادة، والله أعلم.\nوهذا كما وقع في قبول أخبار الآحاد في غير موضع.\nوقوله: فقالوا: صدق؛ حصل من مجموع هذا الحديث أن الكلّ تكلموا في الصلاة بما يصلحها، ثم من بعد كلامهم كمّل الصلاة، وسجد، ولَغَا كلامهم، ولم يضرّ، فصار هذا حجة لمالك على أن من تكلم في الصلاة لإصلاحها لم تبطل صلاته، وخالفه بعض أصحابه وأكثر الناس. قال الحارث بن مسكين: أصحاب مالك كلهم على خلاف ما قال ابن القاسم عن مالك، وقالوا: كان هذا أول الإسلام، وأما الآن فمن تكلم فيها أعادها، ومنع ما أجازه مالك من الكلام: أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وأهل الظاهر، وجعلوه مفسدًا للصلاة، إلا أن أحمد أباح ذلك للإمام وحده، واستثنى سحنون - من أصحاب مالك - أن من سَلّم من اثنتين من الرباعية، فوقع الكلام هناك لم تبطل الصلاة، وإن وقع في غير ذلك بطلت الصلاة. والصحيح ما ذهب إليه مالك تمسكًا بالحديث، وحملا له على الأصل الكلي؛ من تعدّي الأحكام، وعموم الشريعة، ودفعًا لما يُتوهم من الخصوصية؛ إذ لا دليل عليها، ولو كان شيء مما ادعي؛ لكان فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولا يجوز إجماعًا، ولكان بيّنه؛ كما فعل في حديث أبي بردة بن","vol":"2","page":189},{"text":"فصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وسَلَّمَ، ثمَّ كَبَّرَ ثمَّ سَجَدَ، ثمَّ كَبَّرَ وسَجَدَ ثم كبَّرَ ورَفَعَ.\nــ\nنيار؛ حيث قال: ضحّ بها، ولن تجزئ عن أحد بعدك (١)، والله تعالى أعلم.\nوقوله: فصلى ركعتين وسلم، ثم كبر، ثم سجد، ثم كبر وسجد، ثم كبر ورفع، هذا حجة لمالك ﵀ على أن السجود للزيادة بعد السلام، وحجة على الشافعي؛ حيث قال: السجود كله قبل السلام. وتأويل من تأوّله على أن المراد به: سلام التشهد ليس بصحيح بما تقدم، ولم تدع إليه حاجة، وقد بنى النبي - ﷺ - على ما تقدم له من صلاته، مع ما وقع في أثنائها، ومن استدباره القبلة، واستناده إلى الخشبة والمحاورة في ذلك. وقد حمل ذلك أصحابنا على أن ذلك عمل قليل، وبحضرة ذلك، ولذلك ألغاه. فأما لو كثر ذلك وطال جدًّا لبطلت الصلاة. وقيل: لا تبطل وإن طال. وسبب الخلاف: هل ما وقع في قصة ذي اليدين كثير أو قليل؟ ثم اختلف في الطول ما هو؟ فقيل: يرجع في ذلك إلى العرف، وقيل: ما لم ينتقض وضوؤه، وروي هذا الأخير عن ربيعة ومالك، ولم يبين في هذا الحديث هل رجع النبي - ﷺ - للصلاة بتكبير أو بغيره، أم هل رجع إلى حال الجلوس أو لا؟ وقد اختلف أصحابنا في ذلك، فهاتان مسألتان:\nالمسألة الأولى: المشهور أنه يرجع بتكبير. وهل ذلك التكبير للإحرام، أو لا؟ المشهور أنه للإحرام، فإن كان لا للإحرام، فهل هو للإشعار برجوعه، أو هو تكبير القيام في الثالثة بعد الجلوس؟ قولان. وسبب هذا الخلاف: هل إيقاع السلام ساهيًا على التكميل مخرج عن الصلاة، أم لا يكون مخرجًا؛ كالكلام ساهيًا؟ فيه ثلاثة أقوال: يفرّق في الثالث بين أن يكون سهوه عن العدد، فيسلم قصدًا، ثم يذكر، فهذا يحتاج إلى إحرام، أو سهوه عن السلام، فلا يحتاج إليه، فإن هذا السلام كالكلام المسهو عنه.\n_________\n(١) رواه الدارمي (٢/ ٨٠).","vol":"2","page":190},{"text":"قال: وأخبرت عن عمران بن حصين أنه قال: وسلم.\nوَفِي رِوَايَة: أَنَّهَا صَلاةَ العَصرِ (مِن غَيرِ شَكٍّ)، وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ فِي جَوَابِ ذِي اليَدَينِ إِذ قَالَ: أَقَصُرَتِ الصَّلاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَم نَسِيتَ؟ قَالَ: كُلُّ ذَلِكَ لَم يَكُن، فَقَالَ: قَد كَانَ بَعضُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَأَقبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: أَصَدَقَ ذُو اليَدَينِ؟ قَالُوا: نَعَم يَا رَسُولَ اللَّهِ!، فَأَتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مَا بَقِيَ مِنَ الصَّلاةِ، ثُمَّ سَجَدَ سَجدَتَينِ وَهُوَ جَالِسٌ بَعدَ التَّسلِيمِ.\nرواه البخاري (١٢٢٨)، ومسلم (٥٧٣) (٩٧ و١٠٠)، وأبو داود (١٠٠٨ - ١٠١٢)، والترمذي (٣٩٤)، والنسائي (٣/ ٣٠ - ٣٦)، وابن ماجه (١٢١٤).\nــ\nالمسألة الثانية: إذا قلنا: إنه يكبر للإحرام، فهل يكبر قائمًا كالإحرام الأول، أو جالسًا؛ لأنها الحالة التي فارق الصلاة عليها؟ قولان. ثم إذا قلنا: يُحرم قائمًا، فهل يجلس بعد ذلك القيام ليأتي بالنهضة في صلاته؟ - قاله ابن القاسم - أو لا يجلس؛ لأن النهضة غير مقصودة لنفسها، وقد فات محلها فلا يعود إليها، رواه ابن نافع وقال به.\nوقوله - ﷺ -: كل ذلك لم يكن، هذا مشكل بما ثبت من حاله - ﷺ -؛ فإنه يستحيل عليه الخلف والكذب، والاعتذار عنه من وجهين:\nأحدهما: أنه إنما نفى الكلية، وهو صادق فيها؛ إذ لم يجتمع وقوع الأمرين، وإنما وقع أحدهما، ولا يلزم من نفي الكلية نفي كل جزء من أجزائها، فإذا قال: لم ألق كل العلماء، لا يفهم أنه لم يلق واحدًا منهم، ولا يلزم ذلك منه، إلا أن هذا","vol":"2","page":191},{"text":"[٤٦٣]- وَعَن عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - صَلَّى الظهر فَسَلَّمَ فِي ثَلاثِ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ دَخَلَ مَنزِلَهُ، فَقَامَ إِلَيهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الخِربَاقُ، وَكَانَ فِي يَدَيهِ طُولٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَذَكَرَ لَهُ صَنِيعَهُ، وَخَرَجَ غَضبَانَ يَجُرُّ\nــ\nالاعتذار يبطله قوله [في الرواية الأخرى] (١): لم أنس ولم تقصر، بدل قوله: كل ذلك لم يكن، فقد نفى الأمرين نصًّا.\nوالثاني: أنه إنما أخبر عن الذي كان في اعتقاده وظنه، وهو أنه لم يفعل شيئًا من ذلك، فأخبر بحق؛ إذ خبره موافق لما في نفسه، فليس فيه خلف ولا كذب، وعن هذا ما قد صار إليه أكثر الفقهاء: إلى أن الحالف بالله على شيء يعتقده، فيظهر أنه بخلاف ما حلف عليه، أن تلك اليمين لاغية، لا حنث فيها، وهي التي لم يُضِفها الله تعالى إلى كسب القلب، حيث قال: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغوِ فِي أَيمَانِكُم وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَت قُلُوبُكُم﴾ وقد روى أبو داود حديث أبي هريرة هذا، وقال مكان: كل ذلك لم يكن: لم أنس، ولم تقصر. ومَحمِلُهُ على ما ذكرناه من إخباره عن اعتقاده. وللأصحاب فيه تأويلات أُخَر:\nمنها: أن قوله: لم أنس راجع إلى السلام؛ أي: لم أنس السلام، وإنما سلّمت قصدًا، وهذا فاسد؛ لأنه حينئذ لا يكون جوابًا عما سئل عنه.\nومنها: الفرق بين النسيان والسهو، فقالوا: كان يسهو ولا ينسى؛ لأن النسيان غفلة، وهذا أيضًا ليس بشيء؛ إذ لا نسَلّم الفرق، ولو سلم فقد أضاف - ﷺ - النسيان إلى نفسه في غير ما موضع، فقال: إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني (٢)، وقوله: إني لأَنسَى - أو أُنَسَّى - لأَسُنَّ (٣)، وغير ذلك.\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) سبق تخريجه برقم (٤٩٦).\n(٣) رواه مالك في الموطأ (١/ ١٠٠) بلاغًا.","vol":"2","page":192},{"text":"رِدَاءَهُ، حَتَّى انتَهَى إِلَى النَّاسِ، فَقَالَ: أَصَدَقَ هَذَا؟ قَالُوا: نَعَم، فَصَلَّى رَكعَةً، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجدَتَينِ، ثُمَّ سَلَّمَ.\nرواه مسلم (٥٧٤) (١٠١)، وأبو داود (١٠٣٩)، والترمذي (٣٩٥)، وابن ماجه (١٢١٥).\n* * *\nــ\nومنها: ما اختاره القاضي عياض: أنه إنما أنكر - ﷺ - نسبة النسيان إليه؛ إذ ليس من فعله؛ كما قال في الحديث الآخر: بئس ما لأحدكم أن يقول نسيت آية كَيتَ وكيت، بل هو نُسِّي (١)؛ أي: خلق فيه النسيان، وهذا يبطله قوله أيضًا: أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وأيضا فلم يصدر ذلك عنه على جهة الزجر والإنكار، بل على جهة النفي لما قاله السائل عنه. وأيضًا فلا يكون جوابًا لما سئل عنه.\nوالصواب حمله على ما ذكرناه، والله تعالى أعلم. ولا يلزم عليه شيء من الاستبعادات.\nوفي الأم (٢): تَوَشوَشَ القوم رواه أبو بحرٍ معجمةً، وغيرُه مهملة، وكلاهما بمعنى الحركة. قال ابن دُريد: وسوَسَة الشيء - مهملا -: حَرَّكَتُه، وتوشوش القوم: تحرّكوا وهمسوا.\nوقوله في حديث عمران: فقام إليه رجل فذكر له صنيعه، يعني: سلامه في ثالثة. وغضبه - ﷺ - يحتمل أن يكون إنكارًا على المتكلّم؛ إذ قد نَسَبَه إلى ما كان يعتقد خلافه، ولذلك أقبل على الناس متكشِّفًا عن ذلك. وعلى هذا يدل ما في الرواية الأخرى: إذ قال فيها: فقام رجل بسيط اليدين، فقال: قصرت الصلاة يا رسول الله؟ فخرج مغضبًا. ويحتمل أن يكون غضبه لأمر آخر لم يذكره الراوي،\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٤١٧ و٤٣٨)، والبخاري (٥٠٣٢)، ومسلم (٧٩٠)، والترمذي (٢٩٤٣)، والنسائي (٢/ ١٥٤) من حديث ابن مسعود ﵁.\n(٢) انظر: صحيح مسلم (١/ ٤٠٢).","vol":"2","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>(٥٥) باب ما جاء في سجود القرآن</span>\n[٤٦٤]- عَنِ ابنِ عُمَرَ، قَالَ: رُبَّمَا قَرَأَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - القُرآنَ، فَيَمُرُّ بِالسَّجدَةِ فَيَسجُدُ بِنَا حتى ازدَحَمنَا عِندَهُ،\nــ\nوكأن الأول أظهر. وحديث عمران بن حصين هذا واقعة أخرى غير واقعة حديث أبي هريرة، وقد توارد الحديثان على أن السجود للزيادة بعد السلام، كما هو مشهور مذهب مالك، فانتهضت حجتهُ والحمد لله.\nوفي حديث ذي اليدين حجة لمالك على قوله: إن الحاكم إذا نسي حكمه فشهد عنده عدلان بحكم؛ أمضاه، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: إنه لا يمضيه حتى يذكره، وأنه لا يَقبل الشهادة على نفسه، بل على غيره، وهذا إنما يتم لمالك إذا سلم له أن رجوعه إلى الصلاة إنما كان لأجل الشهادة، لا لأجل تيقنه ما كان قد نسيه.\n(٥٥) ومن باب: سجود القرآن\nقوله: ربما قرأ رسول الله - ﷺ - القرآن فيمر بالسجدة، فيسجد بنا، حتى ازدحمنا عنده هذا يدل على أن سجود القرآن أمر مشهور معمول به في عصر النبي - ﷺ -، وقد استمر العمل عليه، ولذلك قال مالك: الأمر عندنا: إن عزائم القرآن: إحدى عشرة سجدة ليس في المفصل منها شيء (١)، وبدليل فعل عمر وغيره. وقد اختلف العلماء في حكمه، وعدده، ومحله، ووقته، وشرطه، فلترسم في ذلك مسائل:\nالمسألة الأولى: ذهب أبو حنيفة إلى وجوبه عند قراءة موضع السجدة،\n_________\n(١) ساقط من الأصول، واستدركناه من الموطأ (١/ ٢٠٧).","vol":"2","page":194},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمحتجًّا في ذلك بما في كتاب الله من الأمر بالسجود؛ كقوله: ﴿فَاسجُدُوا لِلَّهِ وَاعبُدُوا﴾ وكقوله: واسجد واقترب، وغير ذلك. وبقوله - ﷺ -: إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله! أُمِرَ ابن آدم بالسجود فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت، فلي النار (١).\nوجمهور الفقهاء على أن سجود التلاوة ليس بواجب، وصرفوا ما ذكر من الأمر بالسجود إلى الصلاة الواجبة. واختلف أصحابنا هل هو سنة أو فضيلة؟ على قولين، فإذا قلنا: إنه ليس بواجب، فالأولى أن يكون سنة؛ لأن النبي - ﷺ - قد داوم عليه وفعله في جماعة، وفعله الناس بعده، فتأكد أمره، فيكون سنة، والله أعلم.\nالمسألة الثانية: واختلف في عدد سجدات القرآن، فأقصى ما قيل في عددها: خمس عشرة؛ أوّلها: خاتمة الأعراف، وآخرها: خاتمة العلق، قاله ابن حبيب من أصحابنا، وابن وهب في رواية، وإسحاق. وقيل: أربع عشرة. قاله ابن وهب، وأسقط ثانية الحج، وهو قول أبي حنيفة وأهل الرأي (٢)، وقول الشافعي، إلا أنه أسقط سجدة ص (٣)، وأثبت آخرة الحج، وقيل: إحدى عشرة، وأسقط آخرة الحج وثلاث المفصل، وهو مشهور (٤) مذهب مالك وأصحابه، وروي عن ابن عمر وابن عباس. وقيل: عشرة، وأسقط آخرة الحج، وص، وثلاث المفصل؛ ذُكر عن ابن عباس. وقيل: إنها أربع سجدات: الم تنزيل، وحم تنزيل، والنجم، والعلق. وسبب الخلاف: اختلاف النقل في الأحاديث والعمل، واختلافهم في الأمر بالسجود في القرآن: هل المراد به سجود التلاوة، أو سجود الفرض، والله أعلم.\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٤٤٠ و٤٤٣)، ومسلم (٨١) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) ساقط من (ع).\n(٣) في (م) و(ل) و(ط): النجم.\n(٤) ساقط من (ع).","vol":"2","page":195},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالمسألة الثالثة: وأما محله: فمهما قرأ القرآن، ومرّ بموضع سجدة سجد إذا كان في وقتها على ما يأتي، وإن كان في صلاة ففي النافلة إن كان منفردًا، وفي جماعة يأمن التخليط فيها. فإن كان في جماعة لا يأمن فيها ذلك، فالمنصوص جوازه، وقيل: لا يسجد فيها. وأما في الفريضة: فالمشهور عن مالك النهي عنه فيها، سواء كانت صلاة (١) سرٍّ أو جهرٍ، جماعة أو فرادى، وهو معلل بكونها زيادة في أعداد السجود في الفريضة. وقيل: هو معلل بخوف التخليط على الجماعة، وعلى هذا لا يمنع منه الفرادى، ولا الجماعة التي يأمن فيها التخليط.\nالمسألة الرابعة: وأما وقته، فقيل: يسجد في سائر الأوقات مطلقًا؛ لأنها صلاة لسبب، وهو قول الشافعي وجماعة. وقيل: ما لم يسفر الصبح، أو: ما لم تصفر الشمس بعد العصر. وقيل: لا يسجد بعد العصر، ولا بعد الصبح. وقيل: يسجد بعد الصبح ما لم يسفر، ولا يسجد بعد العصر. وهذه الثلاثة الأقوال في مذهبنا، وسبب الخلاف: معارضة ما يقتضيه سبب قراءة السجدة من السجود المرتب عليها، لعموم النهي عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح، واختلافهم في المعنى الذي لأجله نهي عن الصلاة في هذين الوقتين، والله أعلم.\nالمسألة الخامسة: في شرطه. قال القاضي أبو الفضل عياض رحمه الله تعالى: لا خلاف أن سجود القرآن يحتاج إلى ما تحتاج إليه الصلاة؛ من طهارة حدث ونجس، ونية، واستقبال قبلة، ووقت، على ما تقدم. وهل يحتاج إلى تحريم ورفع يدين عنده، وتكبير وتسليم؟ فذهب الشافعي وأحمد وإسحاق إلى أنه يكبر ويرفع يديه للتكبير لها، ومشهور مذهب مالك أنه يكبر لها في الخفض والرفع في الصلاة، واختلف عنه في التكبير لها في غير الصلاة، وبالتكبير لذلك قال عامة الفقهاء، ولا سلام لها عند الجمهور. وذهب جماعة من السلف وإسحاق بن\n_________\n(١) من (ل) و(ط) و(ج ١).","vol":"2","page":196},{"text":"حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَكَانًا يَسجُدَ فِيهِ فِي غَيرِ صَلاةٍ.\nرواه البخاري (١٠٧٥)، ومسلم (٥٧٥) (١٠٤)، وأبو داود (١٤١١ - ١٤١٣).\n[٤٦٥]- وَعَن عَبدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَرَأَ: وَالنَّجمِ فَسَجَدَ فِيهَا، وَسَجَدَ مَن كَانَ مَعَهُ، غَيرَ أَنَّ شَيخًا أَخَذَ كَفًّا مِن حَصباء أَو تُرَابٍ فَرَفَعَهُ إِلَى جَبهَتِهِ، وَقَالَ: يَكفِينِي هَذَا. قَالَ عَبدُ اللَّهِ: لَقَد رَأَيتُهُ بَعدُ قُتِلَ كَافِرًا.\nــ\nراهويه: إلى أنه يسلم منها. وعلى هذا المذهب يتحقق أن التكبير في أولها للإحرام، وعلى قول من لا يسلم يكون للسجود فحسب (١).\nوقوله: حتى ما يجد أحدنا مكانًا يسجد فيه، وفي لفظ آخر: مكانًا لجبهته. اختلف فيمن اعتراه ذلك، فقال الداودي: مالك يرى لمن نزل به مثل ذلك أن يسجد إذا رفع غيره، وكان عمر يرى أن يسجد على ظهر أخيه. واختلف في الخطيب يوم الجمعة يقرأ السجدة في خطبته، فقال مالك: يمرّ في خطبته ولا يسجد، وقال الشافعي: ينزل ويسجد، وإن لم يفعل أجزأه. وقد روي عن عمر في الموطأ (٢)، وعن النبي - ﷺ -: أنهما نزلا وسجدا، رواه أبو داود (٣) وهو صحيح.\nوقوله: قرأ وَالنَّجمِ فسجد فيها: كان هذا منه متقدمًا، وكذلك قيل في سجود الانشقاق، واقرَأ. والذي استقر عليه العمل: السجود في العزائم الإحدى عشرة؛ التي ليس في المفصل منها شيء.\nوقوله: غير أن شيخًا أخذ كفًّا من حَصىً: هذا الشيخ هو أمية بن خلف،\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) رواه مالك في الموطأ (١/ ٢٠٦).\n(٣) رواه أبو داود (١٤١٠) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.","vol":"2","page":197},{"text":"رواه البخاري (١٠٧٠)، ومسلم (٥٧٦)، وأبو داود (١٤٠٦)، والنسائي (٢/ ١٦٠).\n[٤٦٦]- وعن عطاء بن يسار، أنه أخبره أنه سأل زيد بن ثابت عن القراءة مع الإمام، فقال: لا قراءة مع الإمام في شيء، وزعم أنه قرأ على رسول الله - ﷺ - ﴿وَالنَّجمِ إِذَا هَوَى﴾ فلم يسجد.\nرواه مسلم (٥٧٧)، والنسائي (٢/ ١٦٠).\nــ\nقتل يوم بدر كافرًا، وإنما سجد لما روي أنه سجد حينئذ مع النبي - ﷺ - المسلمون، والمشركون، والجن، والإنس، قاله ابن عباس. ورواه البزار (١)، حتى شاع أن أهل مكة قد أسلموا، وقدم من كان هاجر إلى أرض الحبشة لذلك، وكان سبب سجودهم - فيما قال ابن مسعود -: أنها كانت أول سورة نزلت فيها سجدة. وروى أصحاب الأخبار والمفسرون: أن سبب ذلك: ما جرى على لسان النبي - ﷺ - من ذكر الثناء على آلهة المشركين في سورة النجم، ولا يصحّ هذا من طريق النقل ولا العقل، وأشهر طريق النقل فيه عن الكلبي، وهو كذاب، وأما العقل فلا يصدق بذلك لأمور مستحيلة، قد عددها القاضي عياض في الشفاء (٢).\nوقول زيد: لا قراءة مع الإمام في شيء؛ يعني: لازمة. وقد تقدم الكلام في ذلك.\nوقول عطاء عن زيد: أنه زعم أن النبي - ﷺ - قرأ: وَالنَّجمِ فلم يسجد يشكل بما قدمناه في الزعم: أنه القول غير المحقق، ويزول الإشكال بأن\n_________\n(١) رواه ابن مردويه وابن أبي شيبة عن الشعبي. انظر: (الدر المنثور ٧/ ٦٣٩).\n(٢) الشفا (١/ ٢٨٢ وما بعدها).","vol":"2","page":198},{"text":"[٤٦٧] وعن أبِي هُرَيرَةَ قَالَ: سَجَدنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّت﴾ و﴿اقرَأ بِاسمِ رَبِّكَ﴾\nرواه مسلم (٥٧٨)، وأبو داود (١٤٠٧)، والترمذي (٥٧٨) (١٠٨)، والنسائي (٢/ ١٦١ - ١٦٢)، وابن ماجه (١٠٥٨).\n* * *\nــ\nما قدمناه هو الأصل في وصفه، وقد يقال على الخبر المحقق؛ كما قال الشاعر (١):\n. . . . . . . . . . . . ... على الله أرزاق العباد كما زَعَم (٢)\nقال الهروي: زعم هنا بمعنى: أخبر، ويجوز أن يقال: إن زعم؛ بمعنى: ضمن، ومنه الحديث: الزعيم غارم (٣). قلت: وهذا يصح في معنى البيت، ويبعد أن يحمل عليه ما في الحديث. ويقال: زعُمَ، وزعَمَ، وزَعِمَ، بالضم، والفتح، والكسر.\nوهذا الحديث يدل على أن قوله تعالى في سورة النَّجمِ: ﴿فَاسجُدُوا لِلَّهِ وَاعبُدُوا﴾ إنه لا يراد منه (٤) سجود التلاوة، إذ لو كان لما تركه النبي - ﷺ -، ولذلك قال مالك: إنها ليست من العزائم.\nوحديث أبي هريرة في سجود النبي - ﷺ - في: الانشقاق و: اقرَأ حجة لابن وهب ومن قال بقوله، وقد قدمنا أن ذلك كان من فعله متقدمًا، وأن العمل استقر على ترك ذلك. ويصح الجمع بين الأحاديث المختلفة في سجدات المفصل بما قد روي عن مالك: أنه خَيَّر فيها، والله أعلم.\n_________\n(١) هو عمرو بن شأس.\n(٢) وصدره: تقول هلكنا إن هلكت وإنما.\n(٣) رواه أبو داود (٣٥٦٥)، والترمذي (١٢٦٥) من حديث أبي أمامة الباهلي ﵁.\n(٤) في (م): يراد به غيره، وفي (ل) و(ط): لا يراد به سجود التلاوة.","vol":"2","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>(٥٦) باب كيفية الجلوس للتشهد</span>\n[٤٦٨]- عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيرِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا قَعَدَ فِي الصَّلاةِ جَعَلَ قَدَمَهُ اليُسرَى تحت فَخِذِهِ وَسَاقِهِ، وَفَرَشَ قَدَمَهُ اليُمنَى، وَوَضَعَ يَدَهُ اليُسرَى عَلَى رُكبَتِهِ اليُسرَى، وَوَضَعَ يَدَهُ اليُمنَى عَلَى فَخِذِهِ اليُمنَى،\nــ\n(٥٦) ومن باب: كيفية الجلوس للتشهد\nقوله: وفرش قدمه اليمنى؛ هكذا الرواية، ولا يصح غيرها نقلا، وقد أشكلت هذه اللفظة على جماعة، حتى قال أبو محمد الخُشَنِي: صوابه: وفرش قدمه اليسرى، ورأى أنه غلط؛ لأن المعروف في اليمنى أنها منصوبة، كما جاء في حديث ابن عمر من رواية أبي داود: أنه - ﷺ - كان ينصب اليمنى ويثني اليسرى (١)، وكذا جاء في البخاري (٢) من حديث أبي حميد قال: وإذا جلس في الركعة الآخرة جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى، وقعد على مقعدته. والصواب حمل الرواية على الصحة وعلى ظاهرها، وأنه - ﷺ - في هذه الكَرَّة لم ينصب قدمه اليمنى، ولا فتح أصابعه، وإنما باشر الأرض بجانب رجله اليسرى، وبسطها عليها، إما لعذر، كما كان يفعل ابن عمر حيث قال: إن رجليّ لا تحملاني، وإما ليبين أن نصبهما وفتح أصابعهما ليس بواجب، وهذا هو الأظهر، والله أعلم.\nوقوله: ووضع يده اليسرى على ركبته اليسرى؛ يعني: بسطها عليها كما جاء في حديث ابن عمر، وهو معنى قوله في الرواية الأخرى: ويلقم كفه اليسرى\n_________\n(١) رواه أبو داود (٩٥٨).\n(٢) رواه البخاري (٨٢٨).","vol":"2","page":200},{"text":"وَأَشَارَ بِإِصبَعِهِ.\nزَادَ فِي رِوَايَةٍ: وَوَضَعَ إِبهَامَهُ عَلَى إِصبَعِهِ الوُسطَى، وَيُلقِمُ كَفَّهُ اليُسرَى رُكبَتَهُ.\nرواه مسلم (٥٧٩)، وأبو داود (٩٨٨)، والنسائي (٢/ ٢٣٧).\n[٤٦٩]- وعَنِ ابنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلاةِ وَضَعَ يَدَيهِ عَلَى رُكبَتَيهِ، وَرَفَعَ إِصبَعَهُ اليُمنَى الَّتِي تَلِي الإِبهَامَ فَدَعَا بِهَا، وَيَدَهُ اليُسرَى عَلَى رُكبَتِهِ اليُسرَى بَاسِطَهَا عَلَيهَا.\nوَفِي رِوَايَةٍ: وَعَقَدَ ثَلاثًا وَخَمسِينَ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ.\nــ\nركبته مع تبديد أصابعه وتفريقها.\nوقوله: ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى؛ يعني: مقبوضة. وعليه يدل قوله: ووضع إبهامه على أصبَعِه الوسطى.\nوقوله في حديث ابن عمر: وعقد ثلاثًا وخمسين، وقد بين هذا بيانًا شافيًا وائل بن حُجر فيما رواه أبو داود (١)، قال: وجعل حدّ مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قبض اثنتين من أصابعه، وحلّق حلقة. وإلى ظاهر حديث وائل هذا ذهب بعض أهل العلم، فقالوا بالتحليق، وكرهه بعض علماء المدينة، أخذًا بظاهر حديث ابن عمر؛ حيث حكى أنه - ﷺ - عقد ثلاثًا وخمسين. ومن قال بالتحليق؛ منهم من ذهب إلى أن التحليق برؤوس الأنامل، وهو الخطابي. ومنهم من ذهب إلى أنه هو أن يضع أنملة الوسطى بين عقدتي الإبهام، والأمر قريب، ويفيد مجموع الأحاديث التخيير.\nوقوله: وأشار بإصبعه؛ يعني بها المسبحة، وهي التي تلي الإبهام، كما\n_________\n(١) رواه أبو داود (٩٥٧).","vol":"2","page":201},{"text":"رواه مسلم (٥٨٠) (١١٤ و١١٥)، وأبو داود (٩٨٧)، والترمذي (٢٥٤)، والنسائي (٢/ ٢٣٧)، وابن ماجه (٩١٣).\n* * *\nــ\nقال ابن عمر: وأشار بها؛ معناه مدّها في القبلة. وهل حركها أم لا؟ اختلفت الرواية في ذلك، فزاد أبو داود في حديث ابن الزبير: أنه - ﷺ - كان يشير بإصبعه إذا دعا ولا يحركها، وإلى هذا ذهب بعض العراقيين (١)، فمنع من تحريكها، وبعض أصحابنا رأوا: أن مدها إشارة إلى دوام التوحيد.\nومن حديث وائل بن حجر بعد قوله: وحلَّق حلقة: ثم رفع إصبعه فرأيته يحركها يدعو بها (٢). وإلى هذا ذهب أكثر العلماء وأكثر أصحابنا. ثم من قال بالتحريك، فهل يواليه أو لا يواليه؟ اختلف فيه على قولين، وسبب اختلافهم في ماذا يعلل به ذلك التحريك؟ فأما من وَالَى التحريك، فتأوّل ذلك بأنها مُذكرة بموالاة الحضور في الصلاة، وبأنها مَقمَعَة ومدفعة للشيطان. ومن لم يوالِ رأى تحريكها عند التلفُّظ بكلمتي الشهادة فقط. وتأوّل في الحركة: كأنها نطق تلك الجارحة بالتوحيد، والله تعالى أعلم.\nوقد اختلف العلماء في المختار من كيفية الجلوس في الصلاة. فقال مالك: كل جلوس في الصلاة هو على هيئة واحدة؛ وهو أن يفضي إلى الأرض بأيسر وركيه، ويقعد على مقعدته، ويضع قدمه اليسرى تحت ساقه اليمنى، وينصب قدمه اليمنى مستقبلا بأطراف أصابعه القبلة، تمسُّكًا بحديث ابن عمر، وهو أنه علّم الجلوس في الصلاة كذلك، وقال: هو سنة الصلاة، وبمثله قال أبو حنيفة، غير أنه يفرش قدمه اليسرى تحت مقعدته، ويقعد عليها، وبهذا قال الشافعي في الجلسة الوسطى، وبمذهب مالك قال في الآخرة، وفرق بينهما تمسُّكًا بحديث أبي حميد\n_________\n(١) في (م): البغداديين.\n(٢) هذا لفظ النسائي (٢/ ١٢٧).","vol":"2","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>(٥٧) باب كم يسلم من الصلاة، وبأي شيء كان يعرف انقضاء صلاة رسول الله - ﷺ </span>-؟\n[٤٧٠]- عَن أَبِي مَعمَرٍ، أَنَّ أَمِيرًا كَانَ بِمَكَّةَ يُسَلِّمُ تَسلِيمَتَينِ، فَقَالَ عبد الله: أَنَّى عَلِقَهَا؟ ! إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يَفعَلُهُ.\nرواه مسلم (٥٨١) (١١٧).\nــ\nالساعدي الذي خرّجه البخاري (١)، فإنه قال: وإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى، ونصب الأخرى، وإذا جلس في الركعة الآخرة قدّم رجله اليسرى، ونصب اليمنى، وقعد على مقعدته. وقال أبو داود (٢): إذا جلس في الركعة الرابعة أفضى بوركه إلى الأرض، وأخرج قدميه من ناحية واحدة، والتمسك بهذا الحديث أولى؛ فإنه نصٌّ في موضع الخلاف.\n(٥٧) ومن باب: كم يسلم من الصلاة\nقوله: إن أميرًا كان بمكة يسلّم تسليمتين؛ هذا الأمير هو فيما أحسب: الحارث بن حاطب الجمحي، وهو - والله أعلم - الذي ذَكر أبو داود: أن أمير مكة خطب فقال: عهد إلينا رسول الله - ﷺ - أن ننسك لرؤيته، فإن لم نره، وشهد به شاهدا عدلٍ، نسكنا بشهادتهما، والله أعلم.\nوقول عبد الله بن مسعود: أنَّى عَلِقَها ...؛ أي: كيف حفظها، وأصله من علاقة الحب. وهذا الاستبعاد من ابن مسعود يدل على أن عمل الناس كان على\n_________\n(١) رواه البخاري (٨٢٨).\n(٢) رواه أبو داود (٩٥٧).","vol":"2","page":203},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nتسليمة واحدة. وقد اختلف العلماء في ذلك في حق الإمام والمأموم والمنفرد. فذهب الجمهور إلى أن الفرض في حقهم تسليمة واحدة، وذهب أحمد بن حنبل وبعض أهل الظاهر إلى أن فرضهم اثنتان. قال الداودي: وأجمع العلماء على أن من سلّم واحدة فقد تَمّت صلاته. وعلى هذا فالذي ذُكر عن أحمد وأهل الظاهر محمول على أن التسليمة الثانية فرض ليست بشرط، فَيَعصي من تركها، ويقع التحلل بدونها. فإذا تنزَّلنا على قول من قال: إن الفرض واحدة، فهل يختار زيادة عليها لجميعهم، أو فيه تفصيل؟ اختلف فيه، فذهب الشافعي ومالك في غير المشهور عنه: أنه يستحب للجمع تسليمتان، وذهب مالك في المشهور عنه: إلى أن الإمام والمنفرد يقتصران على تسليمة واحدة، ولا يزيدان عليها. وأما المأموم فيسلم ثانية، يردّ بها على الإمام، فإن كان عن يساره من سلّم عليه، فهل ينوي بالثانية الرد على الإمام وعليه، أو يسلم ثلاثًا ينوي بهما الردّ على من سلم عليه ممن على يساره؟ قولان. ثم إذا قلنا بالثالثة فهل يبدأ بعد الأولى بالإمام، أو ممن على يساره، أو هو مخير؟ ثلاثة أقوال. وسبب الخلاف: اختلاف الأحاديث؛ وذلك أن في حديث ابن مسعود وسعد بن أبي وقاص: أنه - ﷺ - كان يسلّم تسليمتين (١). قال النسائي في حديث ابن مسعود: حتى نرى بياض خده الأيمن، وبياض خده الأيسر. وفي حديث عائشة (٢) وسمرة بن جندب (٣): كان يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه، يميل إلى الشق الأيمن شيئًا. وأحاديث التسليمتين أصح، وأحاديث التسليمة الواحدة عمل عليها أبو بكر وعمر. ولم ير مالك في السلام من الصلاة زيادة: ورحمة الله وبركاته تمسكًا بلفظ التسليم، ورأى ذلك الشافعي تمسكًا بحديث وائل بن حجر؛ قال: صليت مع النبي - ﷺ -، فكان يسلم عن\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢٣٣٨) من حديث حسين بن الحارث الجدلي.\n(٢) رواه الترمذي (٢٩٦)، وابن ماجه (٩١٩).\n(٣) رواه أبو داود (٩٧٥).","vol":"2","page":204},{"text":"[٤٧١]- وَعَن عَامِرِ بنِ سَعدٍ، عَن أَبِيه قَالَ: كُنتُ أَرَى رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يُسَلِّمُ عَن يَمِينِهِ وعَن يَسَارِهِ حَتَّى أَرَى بَيَاضَ خَدِّهِ.\nــ\nيمينه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته (١).\nوفي حديث ابن مسعود: السلام عليكم ورحمة الله (٢) - فقط -. ومعنى قول مالك - والله أعلم -: بأن التحلل يقع بالاقتصار على لفظ التسليم، ولا يَشترِط في ذلك زيادة. ثم هل يشترط في السلام لفظ معين، فلا يجزئ غيره، أو يجزئ (٣) كل ما كان مأخوذًا من لفظ السلام؟ وبالأول قال مالك تمسكًا بقوله - ﷺ -: تحريم الصلاة التكبير، وتحليلها التسليم (٤)، والألف واللام حوالة على معهودِ سلامِه - ﷺ -. وكل من روى سلامه عيَّن لفظه، فقال: السلام عليكم، وبالثاني قال الشافعي تمسكًا بلفظ التسليم، وحملا له على عموم ما يشتق منه، وبإطلاق قول الراوي: إنه - ﷺ - كان يسلم. وكل ما ذكرنا من أصول السلام وفروعه إنما هو على مذهب من يرى: أنه لا يتحلل من الصلاة إلا بالسلام. [وهم الجمهور] (٥). وقد ذهب أبو حنيفة والثوري والأوزاعي إلى أنه ليس من فروضها، وأنه سنة، وأنه يتحلل منها بكل فعل أو قول ينافيها. وذهب الطبري إلى التخيير في ذلك، والأحاديث المتقدمة كلها ترد عليهم، والله أعلم.\nوقول سعد: كنت أرى رسول الله - ﷺ - يسلم عن يمينه وعن يساره حتى أرى بياض خده هذا حكم الإمام والمنفرد على قول من يقول: إنهما يسلمان اثنتين. وأما من قال: يسلم واحدة، فحقه أن يبدأ قبالة وجهه ويتيامن، كما روي\n_________\n(١) رواه أبو داود (٩٩٧).\n(٢) رواه أبو داود (٩٩٦)، والترمذي (٢٩٥)، والنسائي (٣/ ٦٣).\n(٣) في (ع): يجوز.\n(٤) رواه أحمد (١/ ١٢٣ و١٢٩)، وأبو داود (٦١)، والترمذي (٣) من حديث علي ﵁.\n(٥) في (م) وهو مذهب الجمهور.","vol":"2","page":205},{"text":"رواه أحمد (١/ ١٨٢)، ومسلم (٥٨٢)، والنسائي (٣/ ٦١)، وابن ماجه (٩١٥).\n[٤٧٢]- وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنَّا نَعرِفُ انقِضَاءَ صَلاةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِالتَّكبِيرِ.\nرواه البخاري (٨٤٢)، ومسلم (٥٨٣) (١٢٠)، وأبو داود (١٠٠٣)، والنسائي (٣/ ٦٧).\n[٤٧٣]- وَعَنهُ: إِنَّ رَفعَ الصَّوتِ بِالذِّكرِ حِينَ يَنصَرِفُ النَّاسُ مِنَ المَكتُوبَةِ، كَانَ عَلَى عَهدِ النبي - ﷺ -. قَالَ: كُنتُ أَعلَمُ إِذَا انصَرَفُوا بِذَلِكَ، إِذَا سَمِعتُهُ.\nرواه البخاري (٨٤١)، ومسلم (٥٨٣)، (١٢٢)، وأبو داود (١٠٠٢).\n* * *\nــ\nفي حديث عائشة وسمرة، وقد ذكرناهما، وذكرنا الاختلاف في المأموم.\nوقول ابن عباس: كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله - ﷺ - بالتكبير؛ قال الطبري: فيه الإبانة عن صحة فعل من كان يفعل ذلك من الأمراء؛ يكبر بعد صلاته ويكبر من وراءه. قال غيره: ولم أر أحدًا من الفقهاء قال بهذا؛ إلا ما ذكره ابن حبيب في الواضحة (١) أنهم كانوا يستحبون التكبير في العساكر والبعوث إثر صلاة الصبح والعشاء، تكبيرًا عاليًا، ثلاث مرات، وهو قديم من شأن الناس. وعن مالك: أنه مُحدَث.\nوقوله: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته هذا يدل على أن ابن عباس لم يكن يحضر معهم، وهذا كان لصغره يومئذ، أو لعذر آخر، والله أعلم.\n_________\n(١) هو كتاب: \"الواضحة في الفقه\" لعبد الملك بن حبيب المالكي القرطبي (ت ٢٣٩ هـ).","vol":"2","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>(٥٨) باب الاستعاذة في الصلاة من عذاب القبر وغيره</span>\n[٤٧٤]- عَن عَائِشَةَ قَالَت: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَعِندِي امرَأَةٌ مِنَ اليَهُودِ، وَهِيَ تَقُولُ: هَل شَعَرتِ أَنَّكُم تُفتَنُونَ فِي القُبُورِ؟ قَالَت: فَارتَاعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَقَالَ: إِنَّمَا تُفتَنُ يَهُودُ، فقَالَت عَائِشَةُ: فَلَبِثنَا لَيَالِيَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: هَل شَعَرتِ أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُم تُفتَنُونَ فِي القُبُورِ؟ قَالَت عَائِشَةُ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - بَعدُ يَستَعِيذُ مِن عَذَابِ القَبرِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ؛ قَالَت: فَمَا رَأَيتُهُ بَعدُ في صلاة إلا يتعوذ من عَذَابِ القَبرِ.\nرواه أحمد (٦/ ٨٩ و٢٧١)، ومسلم (٥٨٤) و(٥٨٦).\nــ\n(٥٨) ومن باب: الاستعاذة في الصلاة من عذاب القبر وغيره\nقول اليهودية: إنكم تفتنون في القبور؛ أي: تعذبون. كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ﴾؛ أي: عذبوهم. وقد قدمنا أن الفتنة تنصرف على وجوه، وأن أصلها الاختبار.\nوهذا الحديث وما في معناه يدل على صحة اعتقاد أهل السنة في عذاب القبر، وأنه حق، ويرد على المبتدعة المخالفين في ذلك، وسيأتي إن شاء الله.\nوارتياع النبي - ﷺ - عند إخبار اليهودية بعذاب القبر إنما هو على جهة استبعاد ذلك للمؤمن، إذ لم يكن أوحي إليه في ذلك شيء. ولذلك حققه على اليهود، فقال: إنما تفتن يهود، على ما كان عنده من علم ذلك. ثم أخبر أنه أوحي إليه بوقوع ذلك، وحينئذ تعوذ منه، ولما استعظم الأمر واستهوله أكثر الاستعاذة منه،","vol":"2","page":207},{"text":"[٤٧٥]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُم فَليَستَعِذ بِاللَّهِ مِن أَربَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِن عَذَابِ القَبرِ، وَمِن فِتنَةِ المَحيَا وَالمَمَاتِ، وَمِن فِتنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُم مِنَ التَّشَهُّدِ الآخِرِ فَليَتَعَوَّذ .... الحديث.\nرواه أحمد (٢/ ٤٧٧)، والبخاري (١٣٧٧)، ومسلم (٥٨٨) (١٢٨ و١٣٠)، وأبو داود (٩٨٣)، والنسائي (٣/ ٥٨).\n[٤٧٦]- وعَن طاووس، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ\nــ\nوعلّمها، وأمر بها، وبإيقاعها في الصلاة؛ ليكون أنجح في الإجابة، وأسعف في الطّلبة؛ إذ الصلاة من أفضل القرب، وأرجى للإجابة، وخصوصًا بعد فراغها، ولذلك قال - ﷺ -: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء (١).\nوفي هذا الحديث حجة على أبي حنيفة؛ حيث منع الدعاء في الصلاة إلا بألفاظ القرآن.\nوقوله: ومن فتنة المحيا والممات؛ أي: الحياة والموت، ويحتمل زمانَ ذلك؛ لأن ما كان معتل العين من الثلاثي فقد يأتي منه المصدر، والزمان والمكان، بلفظ واحد، ويريد بذلك: محنة الدنيا وما بعدها. ويحتمل أن يريد بذلك: حالة الاحتضار، وحالة المساءلة في القبر، فكأنه لما استعاذ من فتنة هذين المقامين، سأل التثبت فيهما، كما قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَولِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ والله أعلم. وقد تقدم القول في المسيح الدجال في الإيمان.\nوأَمرُ طاووس ابنَه بإعادة الصلاة لَمّا لم يتعوذ من تلك الأمور؛ دليل على\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٤٢١)، ومسلم (٤٨٢)، وأبو داود (٨٧٥)، والنسائي (٢/ ٢٢٦) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"2","page":208},{"text":"يُعَلِّمُهُم هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ القُرآنِ، يَقُولُ: قُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِن عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِن عَذَابِ القَبرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِن فِتنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِن فِتنَةِ المَحيَا وَالمَمَاتِ.\nقَالَ مُسلِم: بَلَغَنِي أَنَّ طاووسا قَالَ لابنِهِ: دَعَوتَ بِهَا فِي صَلاتِكَ؟ قَالَ: لا، قَالَ: أَعِد صَلاتَكَ.\nرواه أحمد (١/ ٣٠٥)، ومسلم (٥٩٠)، وأبو داود (٩٨٤)، وابن ماجه (٣٨٤٠).\n[٤٧٧]- وعَن عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَدعُو فِي الصَّلاةِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن عَذَابِ القَبرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِن فِتنَةِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِن فِتنَةِ المَحيَا وَالمَمَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ المَأثَمِ وَالمَغرَمِ. قَالَت: فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكثَرَ مَا تَستَعِيذُ مِنَ المَغرَمِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخلَفَ.\nرواه أحمد (٦/ ٨٩)، والبخاري (٦٣٧٥)، ومسلم (٥٨٩)، وأبو داود (٨٨٠)، والنسائي (٣/ ٥٦)، وابن ماجه (٣٨٣٨).\n* * *\nــ\nأنه كان يعتقد وجوب التعوذ منها في الصلاة، وكأنه تمسك بظاهر الأمر بالتعوذ منها، وتأكد ذلك بتعليم النبي - ﷺ - إياها للناس، كما يعلمهم السورة من القرآن، وبدوام النبي - ﷺ - على ذلك، ويحتمل أن يكون ذلك إنما أمره بالإعادة تغليظًا عليه؛ لئلا يتهاون بتلك الدعوات، فيتركها، فيُحرَم فائدتها وثوابها، والله تعالى أعلم.\nوالمأثم: ما يجر إلى الذَّمّ والعقوبة. والمغرم: الغُرمُ. وقد نبه في الحديث على الضرر اللاحق من الغرم، والله أعلم.","vol":"2","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>(٥٩) باب قدر ما يقعد الإمام بعد السلام وما يقال بعده</span>\n(٥٩٢) [٤٧٨]- عَن عَائِشَةَ قَالَت: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا سَلَّمَ لَم يَقعُد إِلا مِقدَارَ مَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنتَ السَّلامُ، وَمِنكَ السَّلامُ، تَبَارَكتَ ذَا الجَلالِ وَالإِكرَامِ.\nــ\n(٥٩) ومن باب: قدر ما يقعد الإمام بعد السلام\nقول عائشة ﵂: كان النبي - ﷺ - إذا سلم لم يقعد إلا مِقدَارَ (١) ما يقول: اللهم أنت السلام ... الحديث؛ دليل لمالك: على كراهيته للإمام المقام في موضعه الذي صلى فيه بعد سلامه، خلافًا لمن أجاز ذلك، والصحيح: الكراهة لهذا الحديث، ولما رواه البخاري من حديث أم سلمة: أن النبي - ﷺ - كان إذا سلم يمكث في مكانه يسيرًا. قال ابن شهاب: فنُرَى - والله أعلم - لكي ينفذ من ينصرف من النساء. ووجه التمسك بذلك أنهم اعتذروا عن المقام اليسير الذي صدر عنه - ﵊ -، وبينوا وجهه، فدل ذلك: على أن الإسراع بالقيام هو الأصل والمشروع، وأما القعود فإنما كان منه ليستوفي من الذكر ما يليق بالسلام الذي انفصل به من الصلاة، ولينصرف النساء. وقد روى البخاري أيضًا عن سمرة بن جندب: أنه - ﷺ - كان إذا صلى أقبل بوجهه (٢)، وهذا يدل على أن إقباله على الناس كان متصلا بفراغه، ولم يكن يقعد. وقد روى أبو أحمد بن عدي ما هو أنصّ من هذا كله عن أنس قال: صليت مع رسول الله - ﷺ -، فكان ساعة يسلم يقوم، ثم صليت مع أبي بكر، فكان إذا سلم وثب كأنه يقوم عن رَضفَة (٣). وهذا الحديث\n_________\n(١) في (ل) و(ط): قدر.\n(٢) رواه البخاري (١٣٨٦).\n(٣) رواه ابن عدي في الكامل (٤/ ١٥١٦).\n\"الرضفة\": الحجر المحمّى على النار.","vol":"2","page":210},{"text":"رواه أحمد (٦/ ٦٢ و١٨٤ و٢٣٥)، ومسلم (٥٩٢)، والترمذي (٢٩٨)، والنسائي (٣/ ٦٩)، وابن ماجه (٩٢٤).\n[٤٧٩]- وعَن ثَوبَانَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا انصَرَفَ مِن صَلاتِهِ استَغفَرَ ثَلاثًا، وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنتَ السَّلامُ، وَمِنكَ السَّلامُ، تَبَارَكتَ ذَا الجَلالِ وَالإِكرَامِ. قَالَ الأَوزَاعِيُّ: تَقُولُ: أَستَغفِرُ اللَّهَ، أَستَغفِرُ اللَّهَ.\nــ\nوإن لم يكن في الصحة مثل ما تقدم، فهو عاضد للصحيح، ومبيِّن لمضمونه. وإذا كره له القعود في موضع صلاته، فأحرى وأولى أن تكره له الصلاة فيه. وقد روى أبو داود عن المغيرة بن شعبة، قال رسول الله - ﷺ -: لا يصلِّي الإمام في الموضع الذي صلّى فيه حتى يتحول (١). ويعتضد هذا من جهة المعنى: بأن ذلك الموضع إنما استحقه الإمام للصلاة التي يقتدى به فيها، فإذا فرغت ساوى الناس، وزال حكم الاختصاص، والله أعلم.\nوقوله: اللهم أنت السلام ومنك السلام؛ السلام الأول: اسم من أسماء الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿السَّلامُ المُؤمِنُ المُهَيمِنُ﴾ والسلام الثاني: السلامة، كما قال تعالى: فَسَلَامٌ لَكَ مِن أَصحَابِ اليَمِينِ، ومعنى ذلك: أن السلامة من المعاطب والمهالك إنما تحصل لمن سلّمه الله تعالى، كما قال: ﴿وَإِن يَمسَسكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِن يُرِدكَ بِخَيرٍ فَلا رَادَّ لِفَضلِهِ﴾\nوقوله: تباركت ذا الجلال والإكرام؛ تباركت: تفاعلت؛ من البركة، وهي الكثرة والنماء، ومعناه: تعاظمت؛ إِذ كثرث صفات جلالك وكمالك. وذا الجلال: ذا العَظَمة والسلطان، وهو على حذف حرف النداء، تقديره: يا ذا الجلال. والإكرام: الإحسان وإفاضة النعم.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٦١٦).","vol":"2","page":211},{"text":"رواه أحمد (٥/ ٢٧٥ و٢٧٩)، ومسلم (٥٩١)، وأبو داود (١٥١٣)، والترمذي (٣٠٠)، والنسائي (٣/ ٦٨)، وابن ماجه (٩٢٨).\n[٤٨٠]- وَعَنِ المُغِيرَة بنِ شُعبَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلاةِ وَسَلَّمَ قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعطَيتَ، وَلا مُعطِيَ لِمَا مَنَعتَ، وَلا يَنفَعُ ذَا الجَدِّ مِنكَ الجَدُّ.\nرواه أحمد (٢٤٥ و٢٤٧)، والبخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣)، وأبو داود (١٥٠٥)، والنسائي (٣/ ٧٠).\n[٤٨١]- وَعَن أَبِي الزُّبَيرِ، قَالَ: كَانَ ابنُ الزُّبَيرِ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ حِينَ يُسَلِّمُ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، لا حَولَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ، لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَلا نَعبُدُ إِلا إِيَّاهُ، لَهُ النِّعمَةُ وَلَهُ الفَضلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الحَسَنُ، لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَو كَرِهَ الكَافِرُونَ. وَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُهَلِّلُ بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ.\nرواه أحمد (٤/ ٤)، ومسلم (٥٩٤) (١٣٩)، وأبو داود (١٥٠٦ و١٥٠٧)، والنسائي (٣/ ٧٥).\n[٤٨٢]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ فُقَرَاءَ المُهَاجِرِينَ أَتَوا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -\nــ\nوقوله في حديث المغيرة: ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجدُّ؛ الجد: الحظ والغنى، ومعناه: أن ذا الغنى لا ينتفع بغناه، ولا يحول بينه وبين ما يريده الله تعالى له؛ إذ لا حول ولا قوة إلا به. والجد ينصرف في اللغة على أوجه متعددة.","vol":"2","page":212},{"text":"فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ العُلَى وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ. فَقَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلا نَتَصَدَّقُ، وَيُعتِقُونَ وَلا نُعتِقُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: أَفَلا أُعَلِّمُكُم شَيئًا تُدرِكُونَ بِهِ مَن سَبَقَكُم، وَتَسبِقُونَ بِهِ مَن بَعدَكُم، فَلا يَكُونُ أَحَدٌ أَفضَلَ مِنكُم إِلا مَن صَنَعَ مِثلَ مَا صَنَعتُم؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحمَدُونَ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ مَرَّةً. قَالَ أَبُو صَالِحٍ: تُمَّ رَجَعَ فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالُوا: سَمِعَ إِخوَانُنَا أَهلُ الأَموَالِ بِمَا فَعَلنَا، فَفَعَلُوا مِثلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: ذَلِكَ فَضلُ اللَّهِ يُؤتِهِ مَن يَشَاءُ.\nرواه البخاري (٨٤٣)، ومسلم (٥٩٥) (١٤٢)، وأبو داود (١٥٠٤).\nــ\nوقول المهاجرين: ذهب أهل الدثور بالأجور. واحد الدثور: دَثرٌ، وهو المال الكثير، ومنه الحديث الآخر: وابعث راعيها في الدَّثرِ (١). وكذلك الدِّبرُ بكسر الدال، وبالباء بواحدة. قال ابن السكيت: الدّبرُ: المال الكثير. ووقع في السيرة في خبر النجاشي: دَبرٌ من ذهب، بفتح الدال، قال ابن هشام: ويقال: دبر. قال: وهو الجبل بلغة الحبشة (٢). قال الهروي: يقال: مال دثر، ومالان دثر، وأموال دثر، وحكى أبو عمر المطرز: إن الدثر بالثاء تثنى وتجمع.\nوقوله - ﷺ -: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. استدل به من يفضل الغنى على الفقر، وهي مسألة اختلف الناس فيها على خمسة أقوال: فمن قائل بتفضيل الغنى، ومن قائل بتفضيل الفقر، ومن قائل بتفضيل الكفاف، ومن قائل رابع: يَرُدُّ هذا التفضيل إلى اعتبار أحوال الناس في ذلك، ومن قائل خامس: توقف، ولم\n_________\n(١) ذكره ابن عبد البر في أسد الغابة (٣/ ٩٦).\n(٢) سيرة ابن هشام (١/ ٢٣٨).","vol":"2","page":213},{"text":"[٤٨٣]- وَعَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: مَن سَبَّحَ اللَّهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، وَكَبَّرَ اللَّهَ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، فَتلِكَ تِسعٌ وَتِسعُونَ، وَقَالَ تَمَامَ المِائَةِ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَت خَطَايَاهُ، وَإِن كَانَت مِثلَ زَبَدِ البَحرِ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٧١)، ومسلم (٥٩٧).\nــ\nيفضل واحدًا منهما على الآخر. والمسألة لها غور، وفيها أحاديث متعارضة، ولعلنا نتكلم عليها تفصيلا إن شاء الله تعالى. وقد كتب الناس فيها كتبًا كثيرة، وأجزاء عديدة. والذي يظهر لي في الحال: أن الأفضل من ذلك ما اختاره الله لنبيه - ﷺ -، ولجمهور صحابته رضوان الله تعالى عليهم، وهو الفقر غير المدقع. ويكفيك من هذا: أن فقراء المسلمين - كما رُوي: يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام، وأصحاب الأموال محبوسون على قَنطَرة بين الجنة والنار يُسألون عن فضول أموالهم. (١) وعلى هذا يتعين تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضلُ اللَّهِ يُؤتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ وقد تأوله بعضهم بأن قال: إن الإشارة في قوله: ذلك راجعة إلى الثواب المترتب على الأعمال، الذي به يحصل التفضيل عند الله، فكأنه قال: ذلك الثواب الذي أخبرتكم به، لا يستحقه الإنسان بحسب الأذكار، ولا بحسب إعطاء الأموال، وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء، والله تعالى أعلم. ولم يذكر في هذه الرواية تمام المائة، وذكره في الرواية الأخرى وعيّن: أنه التهليل، وفي رواية: أن زيادةَ تكبيرةِ كمّلت المائة. وهذا يدل على عدم تعيّن ما تُكُمِّلَ به المائة، بل أي شيء قال من ذلك حصل له ذلك الثواب، والله تعالى\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٣٥٤) من حديث أبي هريرة. و(٢٣٥٢) من حديث أبي سعيد الخدري -﵄-.","vol":"2","page":214},{"text":"[٤٨٤]- وعَن كَعبِ بنِ عُجرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: مُعَقِّبَاتٌ لا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ (أَو فَاعِلُهُنَّ) دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ مَكتُوبَةٍ، ثَلاثٌ وَثَلاثُونَ تَسبِيحَةً، وَثَلاثٌ وَثَلاثُونَ تَحمِيدَةً، وَأَربَعٌ وَثَلاثُونَ تَكبِيرَةً.\nرواه مسلم (٥٩٦) (١٤٥)، والترمذي (٣٤٠٩)، والنسائي (٣/ ٧٥).\n* * *\nــ\nأعلم.\nوقد اتفق مساق هذه الأحاديث والتي قبلها: على أن أدبار الصلوات أوقات فاضلة للدعاء والأذكار، فيرتجى فيها القبول، ويُبلَغُ ببركة التفرغ لذلك إلى كل مأمول، وتسمى هذه الأذكار: معقِّبات؛ لأنها تقال عَقِيب الصلوات، كما قال في حديث أبي هريرة: دبر كل صلاة؛ أي: آخرها. ويقال: دُبر بضم الدال، وحكى أبو عمر المطرِّز (١) في اليواقيت: دَبر كل شيء بفتح الدال: آخر أوقات الشيء: الصلاة وغيرها. قال: وهذا هو المعروف في اللغة، قال: وأما الجارحة: فبالضم. وقال الداودي عن ابن الأعرابي: دُبُر الشيء، ودَبرُهُ، بالوجهين: آخر أوقات الشيء، والدِّبار جمعه، ودابر كل شيء: آخره أيضًا. وأما اجتهاد النبي - ﷺ - في الاستعاذة مما استعاذ في الدعاء بما دعا - وإن كان قد أُمِّنَ قبل الاستعاذة، وأُعطي قبل السؤال - فوفاء بحق العبودية، وقيام بوظيفة الشكر وبحق العبادة، كما قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا (٢).\n* * *\n_________\n(١) هو محمد بن عبد الواحد، المعروت بـ: \"غُلام ثَعْلَب\": إمام في اللغة. له \"الياقوتة\" -رسالة في غريب القرآن- و\"المدخل\" في اللغة وغير ذلك. (ت ٣٤٥ هـ).\n(٢) رواه البخاري (٦٤٧١)، ومسلم (٢٨١٩)، والترمذي (٤١٢)، والنسائي (٣/ ٢١٩) من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.","vol":"2","page":215},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>(٦٠) باب السكوت بين التكبير والقراءة في الركعة الأولى وما يقال فيه</span>\n[٤٨٥]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا كَبَّرَ فِي الصَّلاةَ سَكَتَ هُنَيئةً قَبلَ أَن يَقرَأَ، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بِأَبِي أَنتَ وَأُمِّي! أَرَأَيتَ سُكُوتَكَ بَينَ التَّكبِيرِ وَالقِرَاءَةِ، مَا تَقُولُ؟ قَالَ: أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِد بَينِي وَبَينَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدتَ بَينَ المَشرِقِ وَالمَغرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِن خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوبُ الأَبيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغسِلنِي مِن خَطَايَايَ بِالثَّلجِ وَالمَاءِ وَالبَرَدِ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٣١ و٤٩٤)، والبخاري (٧٤٧)، ومسلم (٥٩٨)، وأبو داود (٧٨١)، والنسائي (١/ ٥٠ - ٥١)، وابن ماجه (٨٠٥).\n[٤٨٥ م]- وَعَنهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكعَةِ الثَّانِيَةِ استَفتَحَ القِرَاءَةَ بِالحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَلَم يَسكُت.\nــ\n(٦٠) ومن باب: السكوت بين التكبير والقراءة\nقوله: سكت هُنَيئَةً قبل أن يقرأ؛ هُنَيئَةً بضم الهاء، وياء التصغير، وهمزة مفتوحة - كحُطَيئَة - رواية الجمهور، وعند الطبري: هنيهة، يبدل من الهمزة هاء، تصغير هَنَّة، وَهَنٌ، وَهَنَةٌ؛ كناية عن أسماء الأجناس، هذا هو المعروف. وقد رأيت لأبي الحسن بن خروف: هَنٌ، كناية عن كل اسم نكرة عاقل؛ كفلان في الأعلام. وفيه لغتان: هَنُوك، وهَنُك.\nوسكوته - ﷺ - هنا - إنما كان للدعاء، كما بينه - ﷺ -، فلا حجة فيه لمن يرى أنه سكوت الإمام، حتى يقرأ من خلفه الفاتحة، وبدليل أنه - ﷺ - كان لا يسكت إذا","vol":"2","page":216},{"text":"قال الشيخ أبو العباس: ذكره مسلم منقطعًا، فقال: وحُدِّثت عن يحيى بن حسان، وهو أحد الأربعة عشر حديثًا المنقطعة الواقعة في كتابه، وقد وصله أبو بكر البزار.\nرواه مسلم (٥٩٩)، وانظر مسند أبي عوانة (٢/ ٩٩)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٩٦).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>(٦١) باب فضل التحميد في الصلاة</span>\n(٦٠٠) [٤٨٦]- عَن أَنَسٍ، أَنَّ رَجُلا جَاءَ فَدَخَلَ الصَّفَّ وَقَد حَفَزَهُ النَّفَسُ، فَقَالَ: الحَمدُ لِلَّهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - صَلاتَهُ قَالَ: أَيُّكُمُ المُتَكَلِّمُ بِالكَلِمَاتِ؟ فَأَرَمَّ القَومُ، فَقَالَ: أَيُّكُمُ المُتَكَلِّمُ\nــ\nنهض في الركعة الثانية. وهذا الدعاء منه - ﷺ - على جهة المبالغة في طلب غفران الذنوب، وتبرئته منها، وقد تقدم القول في باقي الحديث.\n(٦١) ومن باب: فضل التحميد في الصلاة\nقوله: حَفَزَه النَّفس؛ أي: كدّه لسرعة سيره ليدرك الصلاة مع النبي - ﷺ -. وفيه دليل على أن من أسرع عند إقامة الصلاة ليدركها لم يفعل محرَّمًا، لكن الأولى به الرفق والسكينة، كما يأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى.\nوقوله: فَأَرَمَّ القَومُ الرواية المشهورة فيه بالراء والميم المشددة، ومعناه: سكتوا، مأخوذ من المرمّة، وهي الشَّفَة؛ أي: أطبقوا شفاههم. ورواه","vol":"2","page":217},{"text":"بِهَا؟ فَإِنَّهُ لَم يَقُل بَأسًا، فَقَالَ رَجُلٌ: جِئتُ وَقَد حَفَزَنِي النَّفَسُ فَقُلتُهَا. فَقَالَ: لَقَد رَأَيتُ اثنَي عَشَرَ مَلَكًا يَبتَدِرُونَهَا أَيُّهُم يَرفَعُهَا.\nرواه أحمد (٣/ ١٠٦ و١٦٧ و٢٥٢)، ومسلم (٦٠٠)، وأبو داود (٧٦٣)، والنسائي (٢/ ١٣٢).\n[٤٨٧]- وعَنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: بَينمَا نَحنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إِذ قَالَ رَجُلٌ في القَومِ: اللَّهُ أَكبَرُ كَبِيرًا، وَالحَمدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبحَانَ اللَّهِ بُكرَةً\nــ\nبعضهم في غير لام (١): فَأَزَمَ، بزاي مفتوحة، وميم مخففة، مأخوذ من الأَزمِ، وهو شد الأسنان بعضها على بعض، ومعناه: سكتوا.\nوقوله: رأيت اثني عشر ملكًا يبتدرونها، أيهم يرفعها. يبتدرونها: يستبقونها، ورفعها إلى المحل الذي ترفع إليه الأعمال، وقد روى البخاري من حديث رفاعة بن رافع قال: كنا نصلي يومًا وراء النبي - ﷺ -، فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده، قال رجل من ورائه: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف قال: من المتكلم؟ قال: أنا، قال: رأيت بضعًا وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أَوّلُ (٢). ومساق هذا الحديث يدل: على أنه حديث آخر غير حديث أنس المتقدم؛ فإن ذلك حمد الله على إدراكه الصلاة مع النبي - ﷺ -، وهذا حمد الله عند الرفع من الركوع، وعند قول النبي - ﷺ -: سمع الله لمن حمده، وحينئذ لا يكون بينهما تعارض، وهذا أولى من أن يقدِّرونها قصة واحدة، ويتعسَّف إما في التأويل، أو في الحمل على الرواة، والله تعالى أعلم.\nوقوله في حديث ابن عمر: الله أكبر كبيرًا. قيل: هو منصوب على إضمار الفعل؛ أي: كبّرت كبيرًا. وقيل: على القطع. وقيل: على التمييز.\n_________\n(١) أي: في غير صحيح مسلم.\n(٢) رواه البخاري (٧٩٩)، وأبو داود (٧٧٠ و٧٧٣)، والترمذي (٤٠٤)، والنسائي (٢/ ١٩٦).","vol":"2","page":218},{"text":"وَأَصِيلا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: مَنِ القَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ رَجُلٌ مِنَ القَومِ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: عَجِبتُ لَهَا! فُتِحَت لَهَا أَبوَابُ السَّمَاءِ.\nقَالَ ابنُ عُمَرَ: فَمَا تَرَكتُهُنَّ مُنذُ سَمِعتُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ ذَلِكَ.\nرواه مسلم (٦٠١)، والترمذي (٣٥٩٢)، والنسائي (٢/ ١٢٥ و١٤٥).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>(٦٢) باب إتيان الصلاة بالسكينة، ومتى تقام؟ ومتى يقام لها؟ وإتمام المسبوق</span>\n(٦٠٢) (١٥١ و١٥٢) [٤٨٨]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَلا تَأتُوهَا وَأَنتُم تَسعَونَ،\nــ\n(٦٢) ومن باب: إتيان الصلاة بالسكينة\nقوله: إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، أصل السعي: الجري، ومنه قوله تعالى: ﴿يَأتِينَكَ سَعيًا﴾ وقد يكون السعي: العمل؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرضِ لِيُفسِدَ فِيهَا﴾ وعلى هذا الثاني حمل مالك قوله تعالى: ﴿فَاسعَوا إِلَى ذِكرِ اللَّهِ﴾ وقد اختلف العلماء فيمن سمع الإقامة: هل يسرع أو لا؟ فذهب الأكثر إلى أنه لا يسرع، وإن خاف فوت الركعة؛ تمسُّكًا بهذا الحديث، ونظرًا إلى المعنى؛ وذلك أنه إذا أسرع انبهر (١) فتشوّش عليه دخوله في الصلاة وقراءتها وخشوعها. وذهب جماعة من السلف،\n_________\n(١) أي: انقطع نَفَسُه من الإعياء.","vol":"2","page":219},{"text":"وَائتُوهَا تَمشُونَ، عَلَيكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدرَكتُم فَصَلّوا، وَمَا فَاتَكُم فَأَتِمُّوا.\nزاد في أخرى: فَإِنَّ أَحَدَكُم إِذَا كَانَ يَعمِدُ إِلَى الصَّلاةِ فَهُوَ فِي صَلاةٍ.\nرواه أحمد (٢/ ١٧٠ و٤٥٢)، والبخاري (٩٠٨)، ومسلم (٦٠٢) (١٥١ و١٥٢)، وأبو داود (٥٧٢ و٥٧٣)، والترمذي (٣٢٧)، والنسائي (٢/ ١١٤ و١١٥).\nــ\nمنهم: ابن عمر وابن مسعود في أحد قوليه: إلى أنه إذا خاف فواتها أسرع. وقال إسحاق: يسرع إذا خاف فوت الركعة. وروي عن مالك نحوه، وقال: لا بأس لمن كان على فرس أن يحرك الفرس. وتأوله بعضهم على الفرق بين الراكب والماشي؛ لأن الراكب لا ينبهر كما ينبهر الماشي، والقول الأول أظهر.\nوقوله: وائتوها تمشون عليكم السكينة: بنصب السكينة على الإغراء، كأنه قال: الزموا السكينة، والسكينة والوقار: اسمان لِمُسمّىً واحد؛ لأن السكينة: من السكون، والوقار: من الاستقرار والتثاقل، وهما بمعنى واحد. وقد علل ملازمة الوقار: بأن الماشي إلى الصلاة هو في الصلاة. ومعناه: أنه لما خرج من بيته إلى المسجد يريد الصلاة كان له حكم الداخل في الصلاة من الوقار حتى يتم له التشبه به، فيتحصل له ثوابه. وفي كتاب أبي داود من حديث أبي هريرة مرفوعًا: من توضأ فأحسن الوضوء، ثم جاء إلى المسجد فوجد الناس قد صلوا؛ أعطاه الله من الأجر مثل أجر من حضرها وصلاها، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا (١).\nوقوله: ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا، وفي الرواية الأخرى: صل ما أدركت، واقض ما سبقك، واختلف العلماء في الإتمام والقضاء المذكورين في هذا الحديث؛ هل هما بمعنى واحد؟ أو بمعنيين؟ ويترتب على\n_________\n(١) رواه أبو داود (٥٦٤)، والنسائي (٢/ ١١١).","vol":"2","page":220},{"text":"[٤٨٩]- وَعَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلاةِ فَلا يَسعَ إِلَيهَا أَحَدُكُم، وَلَكِن لِيَمشِ وَعَلَيهِ السَّكِينَةُ وَالوَقَارُ، صَلِّ مَا أَدرَكتَ، وَاقضِ مَا سَبَقَكَ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٦٠)، ومسلم (٦٠٢) (١٥٤).\n[٤٩٠] وَعَن أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: بَينَمَا نَحنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَسَمِعَ جَلَبَةً فَقَالَ: مَا شَأنُكُم؟ قَالُوا: استَعجَلنَا إِلَى الصَّلاةِ. قَالَ: فَلا تَفعَلُوا، إِذَا أَتَيتُمُ الصَّلاةَ فَعَلَيكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدرَكتُم فَصَلَّوا، وَمَا سَبَقَكُم فَأَتِمُّوا.\nرواه أحمد (٥/ ٣١٠)، والبخاري (٦٣٥)، ومسلم (٦٠٣).\n[٤٩١] وعنه قال: قال رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَلا تَقُومُوا حَتَّى تَرَونِي.\nــ\nهذا الخلاف خلاف، فيما يدركه الداخل: هل هو أول صلاته؟ أو آخرها؟ على ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنه أول صلاته، وأنه يكون بانيًا عليه في الأفعال والأقوال، وإليه صار جمهور السلف، والعلماء، الشافعي وغيره.\nوثانيها: أنه آخر صلاته، وأنه يكون قاضيًا في الأقوال والأفعال، وهو مذهب أبي حنيفة. قال أبو محمد عبد الوهاب: وهو مشهور مذهب مالك.\nوثالثها: أنه أول صلاته بالنسبة إلى الأفعال، فيبني عليها، وآخرها بالنسبة إلى الأقوال، فيقضيها، وكأن هذا جمعٌ بين الخبرين. وهذه الأقوال الثلاثة مروية عن مالك وأصحابه. وسبب الخلاف ما أشرنا إليه. فتفهم.\nوقوله: إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني ظاهره: أن الصلاة","vol":"2","page":221},{"text":"رواه اْحمد (٥/ ٣٠٤ - ٣٠٨)، والبخاري (٦٣٨)، ومسلم (٦٠٤) (١٥٦)، وأبو داود (٥٣٩ و٥٤٠)، والترمذي (٥٩٢)، والنسائي (٢/ ٨١).\n[٤٩٢]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ الصَّلاةَ كَانَت تُقَامُ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَيَأخُذُ النَّاسُ مَصَافَّهُم، قَبلَ أَن يَقُومَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَقَامَهُ.\nرواه مسلم (٦٠٥) (١٥٩)، وأبو داود (٥٤١).\n[٤٩٣]- وَعَن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ بِلالٌ يُؤَذِّنُ إِذَا دَحَضَتِ، فَلا\nــ\nكانت تقام قبل أن يخرج النبي - ﷺ - من بيته، ويعارضه حديث بلال: إنه كان لا يقيم حتى يخرج النبي - ﷺ -. ووجه الجمع: أن بلالا كان يراقب النبي - ﷺ -، فيرى أوّل خروجه قبل أن يراه مَن هناك، فيشرع في الإقامة إذ ذاك، ثم لا يقوم الناس حتى يروا النبي - ﷺ -، ثم لا يقوم النبي - ﷺ - مقامه حتى يُعدِّلوا صفوفهم. وبهذا الترتيب يصح الجمع بين الأحاديث المتعارضة في هذا المعنى. وقد اختلف السلف والعلماء في متى يقوم الناس إلى الصلاة؟ ومتى يكبر الإمام؟ فذهب مالك، وجمهور العلماء إلى أنه ليس لقيام الناس حد، لكن استحب عامتهم القيام إذا أخذ المؤذن في الإقامة، وكان أنس يقوم إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة. وذهب الكوفيون إلى أنهم يقومون إذا قال: حي على الفلاح، فإذا قال: قد قامت الصلاة؛ كبر الإمام. وحكي عن سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز: إذا قال المؤذن: الله أكبر وجب القيام، وإذا قال: حي على الصلاة، اعتدلت الصفوف، فإذا قال: لا إله إلا الله كبّر الإمام. وذهب عامة الأئمة: إلى أنه لا يكبر حتى يفرغ المؤذن من الإقامة.\nوقوله: كان بلال يؤذن إذا دحضت؛ أي: زالت عن كبد السماء. وأصل الدَّحَض: الزلق، وهذا كما قال في الحديث الآخر: كان النبي - ﷺ - يصلي الظهر","vol":"2","page":222},{"text":"يُقِيمُ حَتَّى يَخرُجَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَإِذَا خَرَجَ أَقَامَ الصَّلاةَ حِينَ يَرَاهُ.\nرواه أحمد (٥/ ٩١ و١٦٠)، ومسلم (٦٠٦).\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-209>(٦٣) باب من أدرك ركعة من فعل الصلاة أو وقتها فقد أدركها</span>\n[٤٩٤]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: مَن أَدرَكَ رَكعَةً مِنَ الصَّلاةِ مَعَ الإِمَامِ فَقَد أَدرَكَ الصَّلاةَ.\nوَفِي روَايَةٍ: فَقَد أَدرَكَ الصَّلاةَ كُلَّهَا.\nرواه البخاري (٥٨٠)، ومسلم (٦٠٧)، وأبو داود (١١٢١)، والترمذي (٥٠٢٤)، والنسائي (١/ ٢٧٤)، وابن ماجه (١١٢٢).\nــ\nإذا دحضت الشمس (١)؛ أي: زالت. وقال الهروي في الحديث الأول: إذا انحطت للغروب؛ لأن الشمس حينئذ يتبين زَلَقُها بالكليّة، والأول أولى. والله تعالى أعلم.\n(٦٣) ومن باب: من أدرك ركعة من فعل الصلاة أول وقتها\nوقوله: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة كلها: ظاهر هذا الحديث لا يصح، بدليل قوله - ﷺ -: ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا، (٢)\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ١٠٦)، والنسائي (١/ ٢٥١ و٢٥٢) من حديث جابر ﵁.\n(٢) سبق تخريجه برقم (٤٩٠) من حديث أبي قتادة.","vol":"2","page":223},{"text":"[٤٩٥]- وَعَنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: مَن أَدرَكَ رَكعَةً مِنَ الصُّبحِ\nــ\nوبفعل النبي - ﷺ - حيث فاتته ركعة من صلاته خلف عبد الرحمن بن عوف - ﵁ -، فلما سلم عبد الرحمن قام النبي - ﷺ - فصلى الركعة التي سبقه بها (١). وقد روى هذا الحديث أبو بكر البزار، وقال: فقد أدرك الصلاة كلها، إلا أنه يقضي ما فاته، ولا خلاف في ذلك، فتعيّن تأويل الحديث الأول. وقد تأوله بعض أصحابنا على تأويلين:\nأحدهما: أنه أدرك فضل الصلاة كلها. وقد ذكر أبو عمر في التمهيد هذا الحديث، ولفظه: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الفضل (٢)، وقد رواه أبو أحمد بن عدي، وقال: فقد أدرك فضل الجماعة (٣). والصحيح اللفظ الأول.\nوالتأويل الثاني: أن معناه: أنه أدرك حكم الصلاة؛ أي: يلزمه من أحكام الصلاة ما لزم الإمام من الفساد والسهو وغير ذلك. ويؤيد هذا التأويل: قوله: مع الإمام. وهذا اللفظ يبطل على داود وغيره قوله: إن هذا الحديث مردود إلى إدراك الوقت الذي يدل عليه قوله: من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، وهذا ليس بصحيح من قولهم، بل الحديثان مختلفان، يفيدان فائدتين كما قررناه. ثم إذا تنزلنا على التأويل الأول - وهو إدراك فضل الجماعة -، فهل يكون ذلك الفضل مضاعفًا كما يكون لمن حضرها من أولها، أو يكون غير مضاعف؟ اختلف فيه على قولين: وإلى التضعيف ذهب أبو هريرة وغيره من السلف. وكذلك إن وجدهم قد سلموا عند هؤلاء كما قدمنا من ظاهر حديث أبي داود عن أبي هريرة، حيث قال: أعطاه الله ﷿ من الأجر مثل أجر من\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٧٤) من حديث المغيرة بن شعبة.\n(٢) التمهيد (٧/ ٦٤).\n(٣) رواه ابن عدي في الكامل (٦/ ٢٠٩٠) من حديث جابر.","vol":"2","page":224},{"text":"قَبلَ أَن تَطلُعَ الشَّمسُ فَقَد أَدرَكَ الصُّبحَ، وَمَن أَدرَكَ رَكعَةً مِنَ العَصرِ قَبلَ أَن تَغرُبَ الشَّمسُ فَقَد أَدرَكَ العَصرَ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٦٢)، والبخاري (٥٥٦)، ومسلم (٦٠٨) (١٦٣)، وأبو داود (٤١٢)، والترمذي (١١١٦)، والنسائي (١/ ٢٥٧ - ٢٥٨).\nــ\nحضرها وصلاها (١). وإلى عدم التضعيف ذهبت طائفة أخرى، وإلى هذا يشير قول أبي هريرة: ومن فاته قراءة أم القرآن فقد فاته خير كثير (٢). ثم اختلفوا أيضًا: هل يكون مدركًا للحكم، أو للفضل، أو للوقت بأقل من ركعة؟ فذهب مالك وجمهور الأئمة - وهو أحد قولي الشافعي - إلى أنه لا يدرك شيئًا من ذلك بأقل من ركعة، متمسِّكين بلفظ الركعة. وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف والشافعي في القول الآخر: إلى أنه بالإحرام يكون مدركًا لحكم الصلاة. واتفق هؤلاء: على إدراكهم العصر بتكبيرةٍ قبل غروب الشمس. واختلفوا في الظهر، فعند الشافعي في أحد قوليه: هو مدرك بالتكبيرة لهما؛ لاشتراكهما في الوقت، وعنه: أنه بتمام القامة للظهر يكون قاضيًا لها بَعدُ.\nوقوله: من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر: هذا محمول عند مالك وأصحابه على أصحاب الأعذار؛ كالحائض تطهر، والمغلوب يفيق، والصبي يبلغ، والكافر يسلم، والمسافر يقدم، أو الحاضر يسافر وقد نسي صلاة. والذي حملهم على ذلك: رَومُ الجمع بين الأحاديث المتعارضة في هذا الباب؛ وذلك أنه قد تقرر في حديث جبريل - ﵇ -، وفي حديث أبي موسى الأشعري، وعمرو بن العاص وغيرهم: أن آخر وقت العصر\n_________\n(١) رواه أبو داود (٥٦٤).\n(٢) رواه مالك في الموطأ (١/ ١١).","vol":"2","page":225},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nإنما هو المثلان، أو إذا اصفرت الشمس (١) - على اختلاف الألفاظ -، وقوله: الوقت فيما بين هذين. ثم جاء من حديث أنس الذم والتهديد والذم لمن يؤخر العصر إلى أن تكون الشمس بين قرني شيطان (٢). وظاهر هذه الأحاديث يدل: على أن ما بعد هذه الحدود ليس وقتًا للصلاة، ولا يكون مُوقِعُها فيها مدركًا لها، وظاهر الحديث الأول: أنه يكون مدركًا. فرأى أصحابنا: أن الوقت الأول المحدد، وهو الوقت الأصلي لكافة (٣) المكلفين، وهم السالمون عن الأعذار، وأن الوقت الثاني لأصحاب الأعذار المذكورين. وهذه طريقة في الجمع حسنة، والجمع أولى من الترجيح، غير أن أصحابنا جزموا بهذا الأصل؛ حيث جعلوا من ترك الصلاة متعمدًا حتى بلغ بها إلى وقت الضرورة، فصلاّها مؤدِّيًا، مع أنه قد عصى، وذُمَّ بإخراج الصلاة عن آخر وقت توسعتها. وإذا كان هذا فلا معنى لتخصيصه بأصحاب الأعذار.\nثم هذه الركعة التي يدركون بها الوقت، هي قدر ما يكبر فيه للإحرام، ويقرأ أم القرآن قراءة معتدلة، ويركع، ويرفع، ويسجد سجدتين يفصل بينهما، ويطمئن في كل (٤) ذلك - على قول من أوجب الطمأنينة -، وعلى قول من لا يوجب قراءة أم القرآن في كل ركعة، يكفيه قدر تكبيرة الإحرام والوقوف لها. وأشهب لا يراعي إدراك السجود بعد الركعة. وسبب الخلاف: هل المفهوم من اسم الركعة الشرعية، أم اللغوية؟\n_________\n(١) رواه مسلم (٦١٤)، وأبو داود (٣٩٥)، والنسائي (١/ ٢٦٠ و٢٦١) من حديث أبي موسى الأشعري. ورواه مسلم (٦١٢)، وأبو داود (٣٩٦)، والنسائي (١/ ٢٦٠) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.\n(٢) رواه مسلم (٦٢٢)، وأبو داود (٤١٣)، والترمذي (١٦٠)، والنسائي (١/ ٢٥٤).\n(٣) في (م) و(ط): العامة.\n(٤) من (م) و(ط).","vol":"2","page":226},{"text":"[٤٩٦] وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: مَن أَدرَكَ مِنَ العَصرِ سَجدَةً. . . .، وذَكرَ نحوه، وفِيهِ: وَالسَّجدَةُ إِنَّمَا هِيَ الرَّكعَةُ.\nرواه أحمد (٦/ ٧٨)، ومسلم (٦٠٩)، والنسائي (١/ ٢٧٣).\n* * *\nــ\nوأما الركعة التي يدرك بها فضيلة الجماعة وحكمها، بأن يكبر لإحرامه قائمًا، ثم يركع، ويمكن يديه من ركبتيه قبل رفع الإمام رأسه. وهذا مذهب الجمهور؛ مالك وغيره. وروي عن أبي هريرة: أنه لا يعتد بالركعة ما لم يدرك الإمام قائمًا قبل أن يركعها معه، وروي معناه عن أشهب. وروي عن جماعة من السلف: أنه متى أحرم والإمام راكع أجزأه، وإن لم يدرك الركوع، وركع بعد الإمام - كالناعس - اعتدّ بالركعة. وقيل: يجزئه وإن رفع الإمام، ما لم يرفع الناس. وقيل: تجزئه إن أحرم قبل سجود الإمام. حكى هذه الأقوال القاضي عياض.\nوقوله: من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ظاهر هذا: أن لها وقت ضرورة كالعصر، وهو أحد القولين عندنا، وقيل: ليس للصبح وقت ضرورة، بخلاف العصر، والأول أظهر.\nوقوله: من أدرك من العصر سجدة، وفسرها في الأم (١): أنها الركعة. ووجهه: أن أهل الحجاز يسمون الركعة: سجدة، فهما عند الجمهور عبارتان عن مُعَبَّرٍ واحد. وقال الشافعي - في أحد قوليه - وأبو حنيفة: إن السجدة هنا ليست بالركعة، وإنما هي على بابها، من وضع الوجه بالأرض، واحتجّا بذلك على قولهما: إنه يكون مدركًا بتكبيرة الإحرام. ووجه احتجاجهم: أنه لما ذكر مرة ركعة، ومرة سجدة، سبرنا أوصافهما، فوجدناهما يجمعان الركنية والفرضية، وأول الفروض تكبيرة الإحرام، فَقَدَّراه بذلك، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) الحديث في أصل صحيح مسلم رقم (٦٠٨).","vol":"2","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>(٦٤) باب إذا ذكر الإمام أنه مُحدِث خرج فأمرهم بانتظاره</span>\n[٤٩٧]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَقُمنَا فَعَدَّلنَا الصُّفُوفَ، قَبلَ أَن يَخرُجَ إِلَينَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلَاّهُ قَبلَ أَن يُكَبِّرَ، ذَكَرَ فَانصَرَفَ، وَقَالَ لَنَا: مَكَانَكُم. فَلَم نَزَل\nــ\n(٦٤) ومن باب: إذا ذكر الإمام أنه محدث خرج\nقوله: حتى إذا قام في مصلاه قبل أن يكبر ذكر فانصرف: هذا هو الصحيح من حديث أبي هريرة في كتاب مسلم والبخاري: أنه - ﷺ - ذكر قبل أن يكبر، وقبل أن يدخل في الصلاة. وعلى هذا فلا يكون في الحديث إشكال، ولا مخالفة أصل، وأقصى ما فيه أن يقال: لِمَ أشار إليهم ولَم يتكلم؟ ولِمَ انتظروه قيامًا؟ والجواب: أنا لا نسلِّم أنه لم يتكلم، بل قد جاء في هذه الرواية أنه قال لهم: مكانكم. وفي الرواية الأخرى: أنه أومأ إليهم، وعلى الجمع بين الروايتين: أنه جمع بين القول والإشارة، تأكيدًا لملازمة القيام. ولو سلمنا أنه لم يتكلم، وأنه اقتصر على الإشارة، لم يكن فيه دليل على أنه دخل في الصلاة؛ إذ يحتمل أن يكون ذلك استصحابًا لما شرع فيه من الوقار؛ لأنه بمنزلة من هو في الصلاة؛ إذ قَصده أن يخرج للتطهر ثم يعود لها؛ كما قال - ﷺ -: إذا أتيتم الصلاة فعليكم السكينة والوقار (١). وأما ملازمتهم للقيام، فامتثالٌ لأمره - ﷺ - لهم بذلك.\nوإنما أمرهم بذلك ليُشعر بسرعة رجوعه حتى لا يتفرقوا، ولئلا يزايلوا ما كانوا شرعوا فيه من القيام للقربة حتى يفرغوا منها، والله أعلم.\nثم لما رجع هل بنى على الإقامة الأولى، أو استأنف إقامة أخرى؟ لم يصح في ذلك نقل، وظاهر الأمر: أنه لو استجد إقامة أخرى لنقل ذلك؛ إذ قد روي هذا الحديث من طرق، وليس فيها\n_________\n(١) سبق تخريجه برقم (٤٩٠) من حديث أبي قتادة ﵁.","vol":"2","page":228},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nشيء من ذلك، وحينئذ يحتج به من يرى: أن التفريق بين الإقامة والصلاة لا يقطع الإقامة وإن طال؛ إذا كان لعذر؛ كما قد ثبت: أن النبي - ﷺ - ناجى رجلا بعد أن أقيمت الصلاة، حتى نام مَن في المسجد، وبنى على تلك الإقامة (١). وليس هذا مذهب مالك، بل مذهبه: أن التفريق إن كان لغير عذرٍ قطع الإقامة، وابتدأها، طويلا كان التفريق أو سريعًا، كما قال في المدونة في المصلي (٢) بثوب نجس: يقطع الصلاة، ويستأنف الإقامة، وكذلك قال في القهقهة. وإن كان لعذرٍ: فإن طال قطع واستأنف، وإن لم يطل لم يقطع، وبنى عليها.\nفصل: وقد روى أبو داود هذا الحديث من رواية أبي بكرة: أنه دخل في صلاة الفجر، فأومأ بيده: أن مكانكم، ثم خرج ورأسه يقطر، فصلى بهم. وفي رواية أخرى قال في أوله: فكبر، وقال في آخره: فلما قضى الصلاة قال: إنما أنا بشر، وإني كنت جنبًا (٣). ورواه مالك في الموطأ مرسلا عن عطاء بن يسار، وقال: إنه كبر. وقد أشكل هذا الحديث على هذه الرواية على كثير من العلماء، ولذلك سلكوا فيه مسالك: فمنهم من ذهب إلى ترجيح الرواية الأولى، ورأى أنها أصح وأشهر، ولم يعرِّج على هذه الرواية. ومنهم من رأى: أن كليهما صحيح، وأنه لا تعارض بينهما؛ إذ يحتمل أنهما نازلتان في وقتين، فيقتبس من كل واحدة منهما ما تضمنته من الأحكام. فمما يقتبس من رواية أبي داود ومالك (٤): أن الإمام إذا طرأ له (٥) ما يمنعه عن التمادي، استخلف بالإشارة لا بالكلام، وهو أحد\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٤٢)، ومسلم (٣٧٦) من حديث أنس ﵁.\n(٢) في (م): الصلاة.\n(٣) رواه أبو داود (٢٣٣ و٢٣٤).\n(٤) رواه مالك في الموطأ (١/ ٤٨).\n(٥) من (م).","vol":"2","page":229},{"text":"قِيَامًا نَنتَظِرُهُ حَتَّى خَرَجَ إِلَينَا، وَقَدِ اغتَسَلَ، يَنطِفُ رَأسُهُ مَاءً، فَكَبَّرَ فصَلَّى بِنَا.\nوفي روايةٍ: فَأَومَأَ إِلَيهِم بِيَدِهِ: أَن مَكَانَكُم.\nرواه أحمد (٢/ ٢٣٧ و٢٨٣)، والبخاري (٢٧٥)، ومسلم (٦٠٥) (١٥٧ و١٥٨)، وأبو داود (٢٣٤ و٢٣٥)، والنسائي (١/ ٨١ - ٨٢).\n* * *\nــ\nالقولين لأصحابنا. وجواز البناء في الحدث، وهو مذهب أبي حنيفة، لكن إنما يتم له ذلك إذا ثبت فعلا أنه لم يكبر حين رجوعه. بل الذي صح في البخاري ومسلم: أنه كبر بعدما اغتسل عند رجوعه. والمشكل على هذه الرواية: إنما هو وقوع العمل الكثير وانتظارهم له هذا الزمان الطويل بعد أن كبروا. وإنما قلنا: إنهم كبروا؛ لأن العادة جارية بأن تكبير المأمومين يقع عقيب تكبير إمامهم، ولا يؤخر ذلك إلا القليل من أهل الغلوّ والوسوسة. ولما رأى مالك هذا الحديث مخالفًا لأصل الصلاة قال: إنه خاص بالنبي - ﷺ - على ما روي عنه. وروي عن بعض أصحابنا: أن هذا العمل من قبيل اليسير، فيجوز مثله. وهذا مناكرة للمشاهدة. وقال ابن نافع: إن المأمومين إذا كانوا في الصلاة، فأشار إليهم إمامهم بالمكث (١)، فإنه يجب عليهم انتظاره حتى يأتي، فيتم بهم؛ أخذًا بفعل النبي - ﷺ - في هذا الحديث. وكأن الأولى في هذه الرواية ما قاله مالك، والله أعلم.\nوقوله: ينطف رأسه؛ أي: يقطر. والقطرة: النطفة من الماء. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(١) في (م): باللبث.","vol":"2","page":230},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>(٦٥) باب أَوقَات الصَّلَوَاتِ</span>\n[٤٩٨]- عَنِ ابنِ شِهَابٍ: أَنَّ عُمَرَ بنَ عَبدِ العَزِيزِ أَخَّرَ الصلاةَ شَيئًا، فَقَالَ لَهُ عُروَةُ: أَمَا إِنَّ جِبرِيلَ قَد نَزَلَ، فَصَلَّى إِمَامَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اعلَم مَا تَقُولُ يَا عُروَةُ! فَقَالَ: سَمِعتُ بَشِيرَ بنَ أَبِي مَسعُودٍ يَقُولُ:\nــ\n(٦٥) ومن باب: أوقات الصلوات\nقوله: إن عمر بن عبد العزيز أخر الصلاة (١) شيئًا يدل: على أن تأخيرها إنما كان عن أول وقت الاختيار. وإنما أُنكر عليه لعدوله عن الأفضل - وهو ممن يقتدى به -، فيؤدي تأخيره لها إلى أن يُعتقد أن تأخير العصر سنة. ويحتمل: أنه أخرها إلى آخر وقت أدائها، وهو وقت الضرورة عندنا، معتقدًا أن الوقت كله وقت اختيار، كما هو مذهب إسحاق وداود. والأول أشبه بفضله وعلمه، وأظهر من اللفظ.\nوقول عروة لعمر: أما إن جبريل قد نزل فصلى إمَام رسول الله - ﷺ -، وفي الرواية الأخرى: أما علمت أن جبريل نزل فصلى، فصلى رسول الله - ﷺ -؟ ليس فيه حجة واضحة على عمر (٢)؛ إذ لم يعين له الأوقات التي صلى فيها. وغاية ما يتوهم عليه: أنه نبّهه وذكّره بما كان يعرف من تفاصيل الأوقات المعروفة من حديث جبريل كما قد روى ذلك النسائي، وأبو داود، كما سنذكره (٣). ويظهر لي: أن\n_________\n(١) في (ظ) و(ج ١) وهامش التلخيص: نسخة (ش): العصر. ومن خلال الشرح يتبيّن أنها صلاة ائعصر.\n(٢) من (م) و(ط) و(ظ).\n(٣) زاد في (ظ) و(م) و(ط): أول حديث الموطأ. وليس في الموطأ تفاصيل أوقات الصلاة.","vol":"2","page":231},{"text":"سَمِعتُ أَبَا مَسعُودٍ يَقُولُ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: نَزَلَ جِبرِيلُ فَأَمَّنِي، فَصَلَّيتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيتُ مَعَهُ وَيَحسُبُ بِأَصَابِعِهِ خَمسَ صَلَوَاتٍ.\nوفِي روَايةٍ، قَالَ عُروَةُ: وَلَقَد حَدَّثَتنِي عَائِشَةُ زَوجُ النَّبِيِّ - ﷺ -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي العَصرَ وَالشَّمسُ فِي حُجرَتِهَا، قَبلَ أَن تظهَرَ.\nوَفِي روَايةٍ: لَم يَظهَرِ الفَيءُ فِي حُجرَتِهَا.\nرواه البخاري (٣٢٢١)، ومسلم (٦١٠) (١٦٦ و١٦٨)، وأبو داود (٣٩٤)، والنسائي (١/ ٢٤٥ - ٢٤٦)، وابن ماجه (٦٦٨).\nــ\nهذا التأويل فيه بعد؛ لإنكار عمر بن عبد العزيز على عروة؛ حيث قال له: اعلم ما تحدث به يا عروة! أو أن جبريل هو الذي أقام لرسول الله - ﷺ - وقت الصلاة؟ . وظاهر هذا الإنكار: أنه لم يكن عنده خبر من حديث إمامة جبريل، إما لأنه لم يبلغه، أو بلغه فنسيه، وكل ذلك جائز عليه. والأولى عندي: أن حجة عروة عليه؛ إنما هي فيما رواه عن عائشة: من أن النبي - ﷺ - كان يصلي العصر والشمس طالعة في حجرتها قبل أن تظهر. وذكر له حديث جبريل موطِّئًا له ومعلمًا بأن الأوقات إنما ثبت أصلها بإيقاف جبريل للنبي - ﷺ - عليها، وتعيينها له، والله أعلم.\nوقوله: قبل أن تظهر؛ أي: تعلو وترتفع. والظهور: العلو، ومنه قول النابغة الجعدي:\nبلغنا السماء مجدنا وجدودنا ... وإنا لنبغي (١) فوق ذلك مظهرًا\n_________\n(١) في (ظ) واللسان: لنرجو.\nوورد البيت في جمهرة أشعار العرب (٢/ ٧٨٥):\nبلغنا السما مجدًا وجُودًا وسُودَدًا ... وإنّا لنرجو فوقَ ذلك مَظْهَرا","vol":"2","page":232},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nأي: مصعدًا عاليًا. وهذا المعنى قد روي بألفاظ مختلفة؛ روي كما ذكرناه، وروي: لم ترتفع من حجرتها، وروي: لم يظهر لها فيء بعد. وفي البخاري: لم تخرج الشمس من حجرتها. وكلها مُحَوِّمة على معنى واحد، وهو: أنه - ﷺ - كان يعجل العصر، وينصرف منها والشمس في وسط الحجرة، لم تصعد منها في جذرها، وذلك لسعة ساحتها، وقصر جدرانها.\nوقد رأيت أن أذكر حديث النسائي الذي رواه من طريق جابر بن عبد الله (١) في تفصيل الأوقات التي صلى جبريل فيها بالنبي - ﷺ -، وهو أصح ما في إمامة جبريل - على ما ذكره الترمذي عن البخاري - وأَبيَن؛ قال فيه: عن جابر بن عبد الله: أن جبريل أتى النبي - ﷺ - ليعلمه مواقيت الصلاة، فتقدم جبريل ورسول الله - ﷺ - خلفه، والناس خلف رسول الله - ﷺ -، فصلى الظهر حين زالت الشمس. وأتاه حين كان الظل مثل شخصه، فصنع كما صنع - يعني فصلى العصر-. ثم أتاه حين وجبت الشمس، فصنع كما صنع، فصلى المغرب، ثم أتاه حين غاب الشفق، فصنع كما صنع، فصلى العشاء. ثم أتاه حين انشق الفجر، فصنع كما صنع، (٢) فصلى الغداة. ثم أتاه اليوم الثاني حين كان ظل الرجل مثل شخصه، فصنع كما صنع بالأمس فصلى الظهر. ثم أتاه حين كان ظل الرجل مثل شخصه، فصنع كما صنع بالأمس، فصلى العصر. ثم أتاه حين وجبت الشمس، فصنع كما صنع بالأمس، فصلى المغرب. وفي رواية: وقتًا واحدًا لم يزل عنه، فنمنا، ثم قمنا، ثم نمنا، ثم قمنا، فأتاه فصنع مثل ما صنع بالأمس، فصلى العشاء. وفي رواية: ثم جاء للصبح حين أسفر جدًّا - يعني: في اليوم الثاني -، ثم قال: ما بين هاتين الصلاتين\n_________\n(١) رواه النسائي (١/ ٢٥٥).\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"2","page":233},{"text":"[٤٩٩]- وَعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرِو، أن رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قال: وَقتُ الظُّهرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمسُ وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ مَا لَم تَحضُرِ العَصرُ،\nــ\nوقت (١). وسيأتي الكلام على ما تضمنه من النكت إن شاء الله تعالى.\nوقد أخذ بعض الناس من هذا الحديث: صحة إمامة المفترض بالمتنفل، وذلك لا يتم حتى يتبين أن جبريل كان متنفلا، ولا يقدر عليه. وفيه أبواب من الفقه لا تخفى على متأمل، وسيأتي التنبيه على أكثرها إن شاء الله تعالى.\nوقوله في حديث عبد الله بن عمرو: وقت الظهر إذا زالت الشمس، زوال الشمس: عبارة عن بداية انحطاطها مغرِّبة بعد نهاية ارتفاعها، وهو أول وقت الظهر بالإجماع. ولا خلاف: أن الوقت من فروض الصلاة ومن شروط صحتها، إلا شيئًا روي عن أبي موسى الأشعري وبعض السلف، ولم يصح عنهم، وانعقد الإجماع على خلافه. ولا خلاف: في أوائل أوقات الصلوات، إلا في وقت العصر والعشاء الآخرة. فأبو حنيفة يقول: أول وقت العصر إلى آخر (٢) القامتين، وخالفه الناس كلهم حتى أصحابه. وأما العشاء فاتفق على أن وقتها بعد مغيب الشفق، لكن ذهب أبو حنيفة والمزني: إلى أنه البياض، والجمهور على أنه الحمرة. واختلفوا في تحديد أواخر الأوقات كما سيأتي.\nوقوله: وكان ظل الرجل كطوله يعني: بعد طرح اعتبار القدر الذي زالت عليه الشمس، إن كان له قدر. فلو قدرنا أن الشمس وقفت على رأس ذي الظل، لم يكن للظل قدر، واعتبر من أصل القائم، ثم أفاد بقوله: ما لم يحضر العصر: أن الوقت ممتد متسع، وأن آخره أول وقت العصر، وهو انتهاء آخر ظل المثل، وهذا مثل ما جاء في حديث إمامة جبريل بالنبي - ﷺ -: أنه صلى به العصر في\n_________\n(١) رواه الترمذي (١٥٠).\n(٢) من (ظ) و(ط).","vol":"2","page":234},{"text":"وَوَقتُ العَصرِ مَا لَم تَصفَرَّ الشَّمسُ،\nــ\nاليوم الأول حين كان ظل كل شيء مثله، وكلاهما حجة على أبي حنيفة في قوله: إن أول وقت العصر إذا كان ظل كل شيء مثليه. وهو قول شاذ خالف فيه هذه النصوص وجميع الناس، خلا أنه قد حُكي عن الشافعي، وقد تبرّأ من هذا القول أصحاب أبي حنيفة والشافعي لظهور فساده. ثم تمام القامة بلا فصلٍ بينهما هو أول وقت العصر، وهو مشترك بينهما - عند مالك وابن المبارك وإسحاق في آخرين -، تمسكًا بحديث جبريل، وذلك: أنه صلى به العصر في اليوم الأول حين كان ظل كل شيء مثله، وصلى به في اليوم الثاني حين كان ظل كل شيء مثليه. غير أنهم حملوا قوله: صلى في الظهر: على أنه فرغ منها في آخر القامة، وصلى في العصر على أنه بدأ بها في أول القامة الثانية. وقال الشافعي وأبو ثور وداود وأحمد والطبري ومحمد بن الحسن وأبو يوسف وابن حبيب وابن المواز من أصحابنا: لا مشاركة بين الوقتين، ولا بد من فاصلةٍ بينهما، وهي: زيادة أدنى شيء على القامة، غير أن أصحابنا لا يشترطون هذه الزيادة، ويقولون: بانتهاء القامة الأولى يخرج وقت الظهر، فيعقبها أول وقت العصر من غير زيادة. وقال أشهب: بل الاشتراك في القامة الأولى، فيكون ما قبلها بقدر ما يُوقَعُ فيه إحدى الصلاتين مشتركًا بينهما، واختار هذا القول أبو إسحاق التونسي، وحكاه القاضي أبو بكر بن العربي رواية عن مالك. وحجة من لم ير الاشتراك قوله: وقت الظهر ما لم تحضر العصر، وما جاء في حديث أبي موسى، وذلك: أن النبي - ﷺ - صلى بالسائل الظهر في اليوم الثاني حين كان قريبًا من وقت العصر بالأمس. وظاهر هذين الحديثين أن بينهما فصلا قريبًا. والقول بالاشتراك أبين، وهو الذي يجمع شتات الأحاديث، وأشهب لم يتأول: فصلى في الظهر والعصر، بل حملهما على ظاهرهما في الظهر والعصر، وهو أنه - ﷺ - فرغ من الظهر والعصر في اليومين عند انتهاء القامة، والله أعلم.\nوقوله: ووقت العصر ما لم تصفر الشمس: يعني بقوله: ما لم تصفر:","vol":"2","page":235},{"text":"- وفي رواية: ويسقط قرنها الأول -\nــ\nما لم تدخلها صفرة. وظاهره: أن آخر وقت العصر قبل مخالطة الصفرة. وهذا كما قال في حديث بريدة بن حصيب: ثم أمره بالعصر والشمس بيضاء نقيّة لم تخالطها صفرة. يعني: في اليوم الثاني، وهذا الظاهر مخالف لحديث أبي موسى؛ إذ قال فيه: ثم أخر العصر حتى انصرف منها والقائل يقول: قد احمرت الشمس. وظاهر هذا: أنه بعد الصفرة بكثير. ووجه الجمع: أن هذا كله تقريب، وإنما التحقيق يحصل بما في حديث جبريل من تقديره بما إذا كان ظل كل شيء مثلي شخصه. قال القاضي أبو بكر بن العربي: وهما متساويان في المعنى؛ لأن الشمس لا يزال بياضها ناصعًا حتى ينتهي ثَنيُ الظل، فإذا أخذ في التثليث نقص البياض، حتى تأخذ الشمس في التطفيل (١)، فتتمكن الصفرة.\nوقوله: ويسقط قرنها الأول: فيه إشكال؛ وذلك أن قرن الشمس أعلاها، وهو أول ما يبدو منها في الطلوع، وأول ما يسقط منها في الغروب، كما قال في هذه الرواية في وقت الفجر: ما لم يطلع قرن الشمس الأول، وهو إما أن يراد به أعلى شعاعها الدائر بها، وإما أعلى جرمها وعينها، وعلى التقديرين فآخر وقت توسعة العصر قبله - كما قررنا -، وحينئذ يتضح الإشكال.\nقلت: ويظهر لي أن المقصود من قوله: ووقت العصر ما لم تصفر الشمس ويسقط قرنها الأول: أن يُبيِّن به امتداد وقت الأداء كله إلى غايته، ويدخل فيه الوقت الذي سميناه نحن: وقت الضرورة. وعلى هذا يمكن أن يقال: إن الصفرة هنا هي ابتداء تغير الشمس إلى السواد عند الغروب، وهذا على لغة العرب في تسميتهم الأسود: أصفر؛ كما قال (٢):\n. . . . . . . . . . . . ... هُنَّ صُفرٌ أولادُها كالزّبيب (٣)\n_________\n(١) التطفيل: هر مَيْل الشمس للغروب.\n(٢) هو الأعشى.\n(٣) وصدره: تلك خيلي منه وتلك ركابي.","vol":"2","page":236},{"text":"وَوَقتُ صَلاةِ المَغرِبِ مَا لَم يَغِبِ الشَّفَقُ،\nــ\nوكما قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفرٌ﴾ وفي قوله: بقرة صفراء؛ أي: سوداء. ويكون قرنها: جرمها، والله تعالى أعلم.\nوقوله: ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق: هذا يؤذن بأن وقت المغرب موسع كسائر أوقات الصلوات، وهو موافق لحديث أبي موسى: حيث صلى المغرب في اليوم الأول عند وقوع الشمس، وفي الثاني حين غاب الشفق، وهو قول مالك في الموطأ، وأحد قولي الشافعي، وقول الثوري، وأصحاب الرأي على اختلافهم في الشفق ما هو - على ما يأتي إن شاء الله تعالى.\nوقد عارض هذا الحديث في المغرب حديث جبريل؛ فإن فيه: إنه صلاها في اليومين في وقت واحد حين غابت الشمس، وصار أيضًا إليه جمهور من العلماء، وهو مشهور قول مالك والشافعي والأوزاعي وغيرهم، وقالوا: هو محدود الأول بمغيب قرص الشمس، وغير محدود الآخر، بل مقدرًا آخره بالفراغ منها في حق كل مكلف. ولما تعارض الحديثان اختلف العلماء في الأرجح (١) منهما، فرجح كل منهم بحسب ما ظهر له. قلت: ويمكن الجمع والبناء بينهما بأن يقال: إن إيقاع المغرب في حديث جبريل في وقت واحد، لعلّه: إنما كان ليبين: أن إيقاعها في ذلك الوقت أفضل، ولذلك اتفقت الأمة على ذلك. وقد قال - ﷺ -: لا تزال أمتي بخير - أو قال: على الفطرة - ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم (٢). وليس فيه ما يدل على منع تأخيرها عن ذلك الوقت. وتكون أحاديث التوسعة تبيِّن وقت الجواز، فيرتفع التعارض، ويصح الجمع، وهو أولى من الترجيح باتفاق\n_________\n(١) في (ظ): الأصح.\n(٢) رواه أحمد (٤/ ١٤٧)، وأبو داود (٤١٨) من حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁.","vol":"2","page":237},{"text":"وَوَقتُ صَلاةِ العِشَاءِ إِلَى نِصفِ اللَّيلِ الأَوسَطِ\nــ\nالأصوليين؛ لأن فيه إعمال كل واحد من الدليلين، والترجيح: إسقاط أحدهما، والله أعلم.\nوقد اختلف العلماء في الشفق، فذهب الجمهور إلى أنه الحمرة التي تكون في المغرب. وذهب أبو حنيفة والمزني: إلى أنه البياض الذي يكون بعد الحمرة. وسبب الخلاف: انطلاق اسم الشفق عليهما بالاشتراك، وهما متصلان؛ أي: أحدهما بعد الآخر. فمن أخذ بأول الاسم قال: هو الحمرة، ومن أخذ بآخره قال: هو البياض. ومذهب الجمهور أولى؛ بوجهين:\nأحدهما: أن أهل الاعتبار بذلك قد رصدوا ذلك وراقبوه، فتحقق لهم أن البياض لا يغيب إلا عند طلوع الفجر، قال ذلك الخليل بن أحمد وابن أبي أويس وغيرهما.\nوالثاني: أنه قد روى أبو داود من طريق صحيح عن النعمان بن بشير أنه قال: أنا أعلم الناس بوقت هذه الصلاة: صلاة العشاء الآخرة؛ كان رسول الله - ﷺ - يصليها لسقوط القمر لثالثة (١). وهذا بين على أنه كان يصليها قبل مغيب البياض، بل على أنه كان يصليها عند تمكن البياض؛ لأنه إذ ذاك يسقط القمر في الثالثة من الشهر، وهذا يرفع الخلاف.\nوقوله: ووقت العشاء إلى نصف الليل الأوسط: أكثر رواة هذا الحديث لم يذكروا فيه الأوسط، وإنما يقولون: إلى نصف الليل، فقط، وتلك الزيادة هي من حديث همام عن قتادة. وكل من روى هذا الحديث عن قتادة لم يذكرها غيره. وكأن هذه الرواية وهم؛ لأن الأوسط في المقدَّرات والمعدودات إنما يقال فيما\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤١٩)، والترمذي (١٦٥).","vol":"2","page":238},{"text":"- وَلَم يذكُر الأوسط إلا في هذه الرواية -، وَوَقتُ صَلاةِ الصُّبحِ مِن طُلُوعِ الفَجرِ مَا لَم تَطلُعِ الشَّمسُ،\nــ\nيتوسط بين اثنين فأكثر. اللهم إلا أن يُريد بالأوسط: الأعدل، فحينئذ يصح أن يقال: هو أوسط الشيئين؛ أي: أعدلهما. وهذا الشيء أوسط من هذا؛ أي: أعدل منه. ويمكن أن تحمل رواية تلك الزيادة على الصحة، ويكون معناه: أن النصف الأول أعدل بالنسبة إلى إيقاع الصلاة فيه من النصف الآخر؛ لتأدية الصلاة في الأول وكثرة الثواب فيه.\nثم اختلف العلماء في آخر وقت العشاء الآخرة، فذهبت طائفة من العلماء: إلى أن ذلك آخر النصف الأول، وإليه ذهب ابن حبيب من أصحابنا متمسكًا بهذا الحديث. ويقول عمر ﵁: فإن أخّرت فإلى شطر الليل. ومشهور مذهب مالك: أنه أخر إلى الثلث الأول، متمسكًا بحديث أبي موسى؛ إذ فيه: أنه - ﷺ - أخّر العشاء الآخرة حتى كان ثلث الليل (١)، وهو قول جمهور العلماء. وروى النخعي أنه الربع الأول. ولا متمسك له واضح في الأحاديث. وسبب الخلاف: الترجيح بين هذه الأحاديث.\nوقوله: ووقت الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس، الفجر: هو انصداع البياض من المشرق، وسُمِّي بذلك: لانفجاره؛ أي: لظهوره وخروجه؛ كما ينفجر النهر. وهو اثنان: الكاذب، وهو المسمى: بذنب السرحان، وهو الصاعد المستطيل. والصادق: وهو الممتد المنتشر في الأفق. قال الشاعر:\nفإذا رأى الصبح المُصَدَّق يَخفِقُ\nوهذا هو الذي يُحرّم الأكل على الصائم، وتجزئه الصلاة فيه دون الأول بلا خلاف. واختلف في آخر وقت الصبح، فذهب الجمهور وأئمة الفتيا: إلى أن آخر\n_________\n(١) انظره في التلخيص برقم (٥٠٠).","vol":"2","page":239},{"text":"فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمسُ فَأَمسِك عَنِ الصَّلاةِ،\nــ\nوقتها طلوع أول جرم الشمس، وهو مشهور مذهب مالك. وعلى هذا لا يكون لها عنده وقت ضرورة، ولا يُؤثّم تارك الصلاة إلى ذلك الوقت متعمدًا. وروى عنه ابن القاسم وابن عبد الحكم: أن آخر وقتها الإسفار الأعلى، وعلى هذا فما بعد الإسفار وقت لأصحاب الأعذار، ويأثم من أخّر الصلاة إلى ذلك الوقت. وسبب هذا الخلاف: اختلاف الأحاديث الواردة في هذا المعنى. وذلك أن ظاهر هذا الحديث، ونص الرواية الأخرى التي قال فيها: فإذا صليتم الفجر فإنه وقت إلى أن يطلع قرن الشمس الأول، وفي حديث أبي موسى: أنه - ﷺ - صلى بالسائل الفجر في اليوم الثاني حتى انصرف منها، والقائل يقول: قد طلعت الشمس أو كادت. وظاهر هذا: أن آخر وقتها يخرج قبل طلوع الشمس بيسير، وهو الذي يُقدّر بإدراك ركعة؛ كما قال: من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح (١).\nتنبيه: قال مالك والشافعي: التغليس بالصبح أفضل. وقال أبو حنيفة: الأفضل الجمع بين التغليس والإسفار، فإن فاته ذلك فالإسفار أولى من التغليس (٢)، وهذا مخالف لما كان النبي - ﷺ - يفعله من المداومة على التغليس، حتى قد قال ابن عباس لما وصف صلاة جبريل بالنبي - ﷺ -: ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس، لم يَعُد إلى أن يسفر بها.\nوقوله: فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة: هذا حجة لأبي حنيفة وأصحاب (٣) الرأي: على منع إيقاع شيء من الصلوات فرضها ونفلها عند الطلوع، وقد غلوا في هذا حتى قالوا: إنه لو طلعت عليه الشمس وقد صلى ركعة من الصبح\n_________\n(١) سبق تخريجه برقم (٤٩٥) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) ساقط من (ع).\n(٣) في (ظ): وأهل.","vol":"2","page":240},{"text":"فَإِنَّهَا تَطلُعُ بَينَ قَرنَي شَيطَانِ.\nرواه مسلم (٦١٢) (١٧٣ و١٧٤)، وأبو داود (٣٩٦)، والنسائي (١/ ٢٦٠).\n[٥٠٠]- وعَن أَبِي مُوسَى، عَن رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنَّهُ أَتَاهُ سَائِلٌ فَسأَلُهُ عَن مَوَاقِيتِ الصَّلاةِ، فَلَم يَرُدَّ عَلَيهِ شَيئًا - وَفِي رِوَايَةٍ: فقال له: صَلِّ مَعَنَا\nــ\nلفسدت عليه، وهذا بخلاف ما عليه كافة العلماء، فإنهم رأوا أن الفرض لا يتناوله هذا العموم بنصّ قوله - ﷺ -: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها (١)، وفي بعض رواياته: فذلك وقتها. فجمعوا بين الحديثين على هذا الوجه، والجمع أولى من الترجيح. وقد تقدم الكلام على قوله: بين قرني الشيطان.\nوقوله في بعض روايات حديث عبد الله بن عمرو: ووقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق. قال الخطابي: هو ثَوَران حمرته واندفاعه. ويُروى بالفاء في غير الأم، وهو بمعنى فورانه؛ أي: سطوعه وظهوره، من: فار الماء؛ إذا اندفع وظهر.\nوقوله في حديث أبي موسى: فلم يرد عليه شيئًا؛ يعني: على السائل؛ أي: لم يرد عليه ما يحصل له به بيان ما سأل عنه، وإلا فقد قال له: صلِّ معنا هذين اليومين؛ كما جاء في الرواية الأخرى. وفي هذا: جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة. وجاز للنبي - ﷺ - أن يؤخر بيان ما سأله عنه - وإن جاز على السائل أن يُختَرَمَ قبل ذلك (٢) -؛ لأن الأصل: استصحاب السلامة، والبقاء إلى مثل هذه المدة، أو أوحي إليه: أنه يبقى إلى هذه المدة.\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٩٧)، ومسلم (١٨٦٨)، وأبو داود (٤٤٠٦)، والترمذي (١٧١١)، والنسائي (٦/ ١٥٥) من حديث أنس ﵁.\n(٢) أي: يموت.","vol":"2","page":241},{"text":"هَذَينِ - يَعنِي: اليَومَينِ، قَالَ: فَأَقَامَ الفَجرَ حِينَ انشَقَّ الفَجرُ وَالنَّاسُ لا يَكَادُ يَعرِفُ بَعضُهُم بَعضًا - وفِي رِوَايَةٍ: فَأَمَرَ بِلالا فَأَذَّنَ بِغَلَسٍ، مَكَان: فأَقَامَ -، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ بِالظُّهرِ حِينَ زَالَتِ الشَّمسُ، وَالقَائِلُ يَقُولُ: قَدِ انتَصَفَ النَّهَارُ، وَهُوَ كَانَ أَعلَمَ مِنهُم، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ العَصرِ وَالشَّمسُ مُرتَفِعَةٌ - في رواية: بيضاء نقية -، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ بالمَغرِبَ حِينَ وَقَعَتِ الشَّمسُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ العِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ أَخَّرَ الفَجرَ مِنَ الغَدِ حَتَّى انصَرَفَ مِنهَا، وَالقَائِلُ يَقُولُ: قَد طَلَعَتِ الشَّمسُ أَو كَادَت، ثُمَّ أَخَّرَ الظُّهرَ حَتَّى كَانَ قَرِيبًا مِن وَقتِ العَصرِ بِالأَمسِ. ثُمَّ أَخَّرَ العَصرَ حَتَّى انصَرَفَ مِنهَا، وَالقَائِلُ يَقُولُ: قَدِ احمَرَّتِ الشَّمسُ، ثُمَّ أَخَّرَ المَغرِبَ حَتَّى كَانَ عِندَ سُقُوطِ الشَّفَقِ، ثُمَّ أَخَّرَ العِشَاءَ حَتَّى كَانَ ثُلُثُ اللَّيلِ الأَوَّلِ، ثُمَّ أَصبَحَ فَدَعَا السَّائِلَ فَقَالَ: الوَقتُ بَينَ هَذَينِ. وَفِي رِوَايَةٍ قال: وَقتُ صَلاتِكُم بَينَ مَا رَأَيتُم.\nرواه مسلم (٦١٣) (١٧٦ و١٧٧) من حديث بريدة و(٦١٤)\n(١٧٨) من حديث أبي موسى، وأبو داود (٣٩٥)، والنسائي (١/ ٢٦٠ - ٢٦١)، والترمذي (١٥٢)، وابن ماجه (٦٦٧).\nــ\nوقوله: فأقام الفجر؛ أي: أمر بها فأقيمت؛ كما قال في الرواية الأخرى: فأمر بلالا فأذّن بغلس؛ أي: أقام، فسمّى الإقامة: أذانًا؛ إذ يحصل بها الإعلام بحضور الصلاة والشروع فيها.\nوقوله: الوقت بين هذين، وقوله: ووقت صلاتكم بين ما رأيتم، وكذلك في حديث جبريل: الوقت بين هذين، هي كلها حجة لمالك وأصحابه على قولهم: إن الوقت الموسع كله للوجوب من أوله إلى آخره، وإن المكلف مخير بين تقديم الصلاة وتأخيرها إلى آخر الوقت، فأي وقت صلى فيه المكلف فقد أدَّى ما عليه. وقد تخبّط كثير من الناس في هذا المعنى، وطال فيه نزاعهم، وما ذكرناه واضح موافق لظاهر الحديث. وقد ذهب بعض أصحابنا وأصحاب الشافعي: إلى","vol":"2","page":242},{"text":"[٥٠١]- وخرّجه مِن حَدِيثِ بُرَيدَةَ بن حصيب، وقَالَ: ثُمَّ أَمَر بلالا بِالعَصرِ وَالشَّمسُ بَيضَاءُ نَقِيَّةٌ، لَم تُخَالِطهَا صُفرَةٌ - يعني: في اليوم الثاني.\nرواه أحمد (٥/ ٣٤٩)، ومسلم (٦١٣) (١٧٧)، والترمذي (١٥٢)، والنسائي (١/ ٢٥٨)، وابن ماجه (٦٦٧).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>(٦٦) باب الإبراد بالظهر في شدة الحر</span>\n[٥٠٢]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ، أِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: إِذَا كان الحر - وفي رواية - إذا اشتَدَّ الحَرُّ - فَأَبرِدُوا عن الصَّلاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِن فَيحِ جَهَنَّمَ.\nــ\nأن وقت الوجوب وقت واحد غير معين، وإنما يعينه المكلف بفعله. وذهب الشافعي: إلى أن أول الوقت هو الواجب، وإنما ضرب آخره فصلا بين القضاء والأداء، وهذا باطل؛ بما أنه لو تعين ذلك الوقت للوجوب لأثم من أخر الصلاة عنه إلى غيره، وبالإجماع لا يؤثم. وذهب الحنفية: إلى أن وقت الوجوب آخر الوقت. وهذا أيضًا باطل؛ إذ لو كان كذلك لما جاز لأحد أن يوقع الصلاة قبل آخر الوقت، وقد جاز ذلك بالإجماع. ثم الحديث الذي ذكرناه يرد على هذه الفرق كلها.\n(٦٦) ومن باب: الإبراد في شدة الحر\nقوله - ﷺ -: إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة أي: أخروها عن ذلك الوقت، وادخلوا بها في وقت البرد، وهو الزمن الذي يتبين فيه انكسار شدة الحر وتوجد فيه برودة ما. يقال: أبرد الرجل؛ أي: صار في برد النهار. وعن في","vol":"2","page":243},{"text":"وَذَكَرَ: أَنَّ النَّارَ اشتَكَت إِلَى رَبِّهَا، فَأَذِنَ لَهَا فِي كُلِّ عَامٍ بِنَفَسَينِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيفِ.\nــ\nقوله: عن الصلاة: بمعنى الباء، كما قد روي في بعض طرقه: أبردوا بالصلاة. وعن تأتي بمعنى الباء، كما يقال: رميت عن القوس؛ أي: به. كما تأتي الباء بمعنى: عن، كما قال الشاعر (١):\nفإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب\nأي: عن النساء. وكما قيل في قوله تعالى: ﴿فَاسأَل بِهِ خَبِيرًا﴾ أي: عنه، وقيل: إن عن هنا زائدة؛ أي: أبردوا الصلاة، يقال: أبرد الرجل كذا: إذا فعله في برد النهار. وفيح جهنم: شدة حرها، وشدة غليانها. يقال: فاحت القدر، تفيح: إذا هاجت، وغلت. والنفس: التنفس. [فإذا تنفست في الصيف قوَّى لهيبُها حرَّ الشمس، فزاد حرها وتضاعف] (٢)، وإذا تنفست في البرد دفع حرها شدة البرد إلى الأرض، وهو الزمهرير الذي ذكره. واختُلف في معنى هذا الحديث؛ فمن العلماء من حمله على ظاهره، وقال: هو لسان مقال محقق، وشكوى محققة، وتنفس محقق؛ إذ هو إخبار من الصادق بأمر جائز، فلا يُحتاج إلى تأويله. وقيل: إن هذا الحديث خرج مخرج التشبيه والتقريب؛ أي: كأنه نار جهنم في الحر، وقد تكون هذه الشكوى وهذه المقالة لسان حال، كما قال:\nشكا إليَّ جملي طول السُّرى ... صبر جميل (٣) فكلانا مُبتَلى\nوالأول أولى؛ لأنه حمل اللفظ على حقيقته، ولا إحالة في شيء من ذلك.\n_________\n(١) هو علقمة.\n(٢) ساقط من (ع).\n(٣) في اللسان: صبرًا جُمَيْلِي.","vol":"2","page":244},{"text":"وَفِي رِوايَةٍ: فَمَا وَجَدتُم مِن حَرٍّ أَو حَرُورٍ فَمِن نَفَسِ جَهَنَّمَ، وَمَا وَجَدتُم مِن بَردٍ أَو زَمهَرِيرٍ فَمِن نَفَسِ جَهَنَّمَ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٦٢)، والبخاري (٥٣٣)، ومسلم (٦١٥) (١٨٠) و(٦١٧) (١٨٦)، وأبو داود (٤٠٢)، والترمذي (١٥٧)، والنسائي (١/ ٢٤٨ - ٢٤٩)، وابن ماجه (٦٧٧ و٦٧٨).\n[٥٠٣]- وَعَن أَبِي ذَرٍّ قَالَ: أَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِالظُّهرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: أَبرِد، أَبرِد، أَو قَالَ: انتَظِرِ، انتَظِر، وَقَالَ: إِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِن\nــ\nوفيه دليل: على أن النار قد خلقت، وأنها موجودة، خلافًا لما قالته المعتزلة وغيرهم من أهل البدع: أنها ستخلق في القيامة.\nوقوله: فما وجدتم من حر أو حرور فمن نفس جهنم. أو هذه يحتمل أن تكون شكًّا من الراوي، فيكون النبي - ﷺ - قال أحدهما، فشك فيه الراوي، فجمعهما بـ أو. ويحتمل: أن يكون ذكر النبي - ﷺ - اللفظين، فتكون أو للتقسيم والتنويع. والحرور: اشتداد الحر، وفيحُه بالليل والنهار. فأما السموم فلا يكون إلا بالليل. والزمهرير: شدة البرد. وبتأخير الظهر في شدة الحر، قال مالك وأهل الرأي: ورأوا: أنها في ذلك الوقت أفضل. وقَدَّرَ أصحابنا هذا الوقت بزيادة على ربع القامة إلى وسط الوقت، وهذا في الجماعة عند أصحابنا. وقد اختلفوا في: هل يُبرد أم لا؟ وقال الشافعي: تقديم الصلوات كلها للفذ والجماعة أفضل في الشتاء والصيف إلا للإمام الذي ينتاب إليه الناس من بعيد، فيبرد بالظهر في الصيف دون غيره. ولم يقل أحد بالإبراد في غير الظهر إلا أشهب، فقال به في العصر، وقال: يؤخر ربع القامة. ورأى أحمد بن حنبل تأخير العشاء الآخرة في الصيف بالليل كما يؤخر الظهر، وعكسه ابن حبيب، فرأى تأخيرها في الشتاء؛ لطول الليل، وتعجيلها في الصيف؛ لقصره.","vol":"2","page":245},{"text":"فَيحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشتَدَّ الحَرُّ فَأَبرِدُوا عَنِ الصَّلاةِ.\nقَالَ أَبُو ذَرٍّ: حَتَّى رَأَينَا فَيءَ التُّلُولِ.\nرواه أحمد (٥/ ١٧٦)، والبخاري (٥٣٥)، ومسلم (٦١٦)، وأبو داود (٤٠١)، والترمذي (١٥٨).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>(٦٧) باب تعجيل الظهر بعد الإبراد وفي زمن البرد</span>\n[٥٠٤]- عَن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي الظُّهرَ إِذَا دَحَضَتِ الشَّمسُ.\nرواه أحمد (٥/ ١٠٦)، ومسلم (٦١٨)، وابن ماجه (٦٧٣).\nــ\nوقوله في حديث أبي ذر: حتى رأينا فَيءَ التلول؛ هي جمع تلّ، وهي: الروابي، وظلها لا يظهر إلا بعد تمكن الفيء واستطالته جدًّا، بخلاف الأشياء المنتصبة التي يظهر فيئها سريعًا في أسفلها؛ لاعتدال أعلاها وأسفلها.\n(٦٧) ومن باب: تعجيل الظهر بعد الإبراد وفي زمن البرد\nقوله: كان يصلي الظهر إذا دحضت الشمس؛ أي: زلقت وزالت عن كبد السماء. والدَّحَض: الزلق. كان هذا منه - ﷺ - في زمن البرد؛ كما قد رواه أنس: أنه إذا كان الحر أبرد بالصلاة، وإذا كان البرد عجل (١).\n_________\n(١) رواه النسائي (١/ ٢٤٨)، وانظر: التمهيد (٥/ ٧).","vol":"2","page":246},{"text":"[٥٠٥]- وعَن خَبَّابِ قَالَ: شَكَونَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - الصَّلاةَ فِي الرَّمضَاءِ فَلَم يُشكِنَا.\nقَالَ زُهَيرٌ: قُلتُ لأَبِي إِسحَاقَ: أَفِي الظُّهرِ؟ قَالَ: نَعَم. قُلتُ: أَفِي تَعجِيلِهَا؟ قَالَ: نَعَم.\nرواه أحمد (٥/ ١٠٨)، ومسلم (٦١٩)، والنسائي (١/ ٢٤٧)، وابن ماجه (٦٧٥).\nــ\nوقوله: شكونا إلى رسول الله - ﷺ - الصلاة في الرمضاء؛ أي: شدة ما يلقون من حرّ الأرض المحماة بالشمس في أقدامهم إذا صَلَّوا.\nوقوله: فلم يشكنا؛ أي: لم يسعف طلبنا، ولم يجبنا إلى مطلوبنا، يقال: شكوت إلى فلان: إذا رفعت إليه حاجتك، وأشكيته: إذا نزعت عنه الشكوى. وأشكيته: إذا ألجأته إلى الشكوى، كما قال:\nتُشكي المحبَّ وتشكو وهي ظالمة ... كالقوس تصمي الرمايا وهي مرنان (١)\nويحتمل: أن يكون هذا منه - ﷺ - قبل أن يؤمر بالإبراد، ويحتمل أن يحمل على أنهم طلبوا زيادة تأخير الظهر على وقت الإبراد فلم يجبهم إلى ذلك. وقد قال ثعلب في قوله: فلم يشكنا: أي: فلم يحوجنا إلى الشكوى، ورخص لنا في الإبراد، حكاه عنه القاضي أبو الفرج، وعلى هذا تكون الأحاديث كلها متواردة على معنى واحد.\n_________\n(١) \"أصميتَ الصيد\": إذا رميتَه فقتلتَه وأنت تراه. وأصمى الرمية: أنفذها.\n\"المرنان\": يُقال: أرنت القوس في إنباضها؛ أي: صوَّتت.","vol":"2","page":247},{"text":"[٥٠٦]- وَعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي شِدَّةِ الحَرِّ، فَإِذَا لَم يَستَطِع أَحَدُنَا أَن يُمَكِّنَ جَبهَتَهُ مِنَ الأَرضِ بَسَطَ ثَوبَهُ فَسَجَدَ عَلَيهِ.\nرواه البخاري (٣٨٥)، ومسلم (٦٢٠)، وأبو داود (٦٦٠)، وابن ماجه (١٠٣٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>(٦٨) باب تعجيل صلاة العصر</span>\n[٥٠٧]- عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي العَصرَ وَالشَّمسُ مُرتَفِعَةٌ حَيَّةٌ،\nــ\nوقول أنس: كنا نصلي مع رسول الله - ﷺ - في شدة الحر؛ ليس فيه دليل على أنه - ﷺ - كان لا يبرد، بل قد توجد سَورةُ الحر وشدته بعد الإبراد، إلا أنها أخف مما قبله، والله تعالى أعلم.\nوقوله: فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه، فسجد عليه: مما يدل على الصلاة على البُسُط والثياب؛ لا سيما عند الضرورة والمشقة، وعلى أن العمل القليل في الصلاة لا يفسدها.\n(٦٨) ومن باب: تعجيل صلاة العصر\nقوله: كان يصلي العصر والشمس مرتفعة حيّة، قال الخطابي: حياتها صفاء لونها قبل أن تصفر أو تتغير، وهذا مثل قوله: بيضاء نقيّة. وقال غيره: حياتها: بقاء حرها.","vol":"2","page":248},{"text":"فَيَذهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى العَوَالِي، فَيَأتِي وَالشَّمسُ مُرتَفِعَةٌ. - وفِي روايةٍ: إِلَى قُبَاءٍ -.\nرواه البخاري (٥٥٠)، ومسلم (٦٢١) (١٩٢ و١٩٣)، وأبو داود (٤٠٤ - ٤٠٦)، والنسائي (١/ ٢٥٢ - ٢٥٤)، وابن ماجه (٦٨٢).\n[٥٠٨]- وَعَنِ العَلاءِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ، أَنَّه دَخَلَ عَلَى أَنَسِ بنِ مَالِكٍ فِي دَارِهِ بِالبَصرَةِ حتى انصَرَفَ مِنَ الظُّهرِ، وَدَارُهُ بِجَنبِ المَسجِدِ، فَلَمَّا دَخَلنَا عَلَيهِ قَالَ: أَصَلَّيتُمُ العَصرَ؟ فَقُلنَا لَهُ: إِنَّمَا انصَرَفنَا السَّاعَةَ مِنَ الظُّهرِ. قَالَ: فَصَلَّوُا العَصرَ. فَقُمنَا فَصَلَّينَا، فَلَمَّا انصَرَفنَا، قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: تِلكَ صَلاةُ المُنَافِقِ، يَجلِسُ يَرقُبُ الشَّمسَ، حَتَّى إِذَا كَانَت بَينَ قَرنَيِ الشَّيطَانِ قَامَ فَنَقَرَهَا أَربَعًا، لا يَذكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلا قَلِيلا.\nرواه أحمد (٣/ ١٠٣ و١٨٥)، ومسلم (٦٢٢)، وأبو داود (٤١٣)، والترمذي (١٦٠)، والنسائي (١/ ٢٥٤).\nــ\nوقوله: فيذهب الذاهب إلى العوالي فيأتيها والشمس مرتفعة. فسر مالك العوالي بثلاثة أميال من المدينة، وقال غيره: هي مفترقة، فأدناها ميلان، وأبعدها ثمانية أميال. قلت: وهذا إنما يتفق في الأيام الطويلة إذا عجلت العصر في أول وقتها. وفي الرواية الأخرى: إلى قباء مكان العوالي، وكلاهما صحيح الرواية والمعنى، فإن قباء من أدنى العوالي، وبينها وبين المدينة ميلان أو نحوهما، قاله الباجي.\nوقوله: تلك صلاة المنافقين إشارة إلى صلاة العصر المخرجة عن وقتها. ومعناه: أن الذي يخرجها عن وقتها يشبه فعله ذلك فعل المنافق الذي يتهاون بأمرها، ويضيعها حتى يخرجها عن وقتها؛ ولذلك وصفه بقوله: يجلس","vol":"2","page":249},{"text":"[٥٠٩]- وَعَن أَبِي أُمَامَةَ بنِ سَهلِ قَالَ: صَلَّينَا مَعَ عُمَرَ بنِ عَبدِ العَزِيزِ الظُّهرَ، ثُمَّ خَرَجنَا حَتَّى دَخَلنَا عَلَى أَنَسِ بنِ مَالِكٍ، فَوَجَدنَاهُ يُصَلِّي العَصرَ، فَقُلنا: يَا عَمِّ! مَا هَذِهِ الصَّلاةُ الَّتِي صَلَّيتَ؟ قَالَ: العَصرُ، وَهَذِهِ صَلاةُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - الَّتِي كُنَّا نُصَلِّي مَعَهُ.\nرواه البخاري (٥٤٩)، ومسلم (٦٢٣)، والنسائي (١/ ٢٥٣).\n[٥١٠]- وَعَن رَافِعَ بنِ خَدِيجٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي العَصرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، ثُمَّ تنحَرُ الجَزُورَ، فَتُقسَمُ عَشَرَ قِسَمٍ، ثُمَّ تُطبَخُ، فَنَأكُلُ لَحمًا نَضِيجًا قَبلَ مَغِيبِ الشَّمسِ.\nرواه البخاري (٢٤٨٥)، ومسلم (٦٢٥) (١٩٨).\nــ\nيرقب الشمس، وهذه عبارة عن عدم مبالاته بها وتضييعه لها، حتى إذا رأى الشمس قد حان غروبها، قام يصليها على ما ذكر رياءً وتلبيسًا. وقد تقدّم القول على قرني الشيطان. وهذا الحديث يدل: على أن آخر وقت إباحة العصر: ما لم تصفر الشمس، وما لم يصر ظل كل شيء مثليه على ما قدمناه.\nوقوله: كنا نصلي العصر ثم ننحر الجزور الحديث. هذا وما قبله يدل: على فساد مذهب أبي حنيفة؛ إذ قال: إن أول وقت العصر: إذا صار ظل كل شيء مثليه؛ إذ لا يتسع الوقت على رأيه لمثل هذا الفعل، ولا لأن يأتوا العوالي والشمس مرتفعة، بل يتمكن من مثل هذا كله إذا صُلِّيِت في أول المثل الثاني، وكان النهار طويلا، والله تعالى أعلم.\nوقوله: قام فنقرها أربعًا؛ هذا النقر عبارة عن سرعة حركاته في أركان الصلاة في ركوعها وسجودها، وخفة ذلك، بحيث لا يُتم ركوعها ولا سجودها، فشّبهه بنقر الطائر، وهو ذم لمن فعل ذلك. وفيه ردٌّ على من قال: إن الواجب من","vol":"2","page":250},{"text":"[٥١١]- وَعَنِ ابنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: إِنَّ الَّذِي تَفُوتُهُ صَلاةُ العَصرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهلَهُ وَمَالَهُ.\nرواه البخاري (٥٢٥)، ومسلم (٦٢٦) (٢٠٠)، وأبو داود (٤١٤ و٤١٥)، والترمذي (١٧٥)، والنسائي (١/ ٢٣٨)، وابن ماجه (٦٨٥).\n* * *\nــ\nأركان الصلاة ومن الفصل بين أركانها أقل ما ينطلق عليه الاسم؛ لأن من اقتصر على ذلك صدق عليه: أنه نقر الصلاة، فدخل في الذم المترتب على ذلك.\nوقوله: لا يذكر الله فيها إلا قليلا؛ أي: لسرعة حركاته فيها، وليرائي بالقليل الذي يذكره عند تخيله من يلاحظه من الناس.\nوالجزور من الإبل، والجزرة من غيرها: وهو ما يعد من ذلك لِلجَزرِ، وهو الشق والقطع. وتأخير عمر بن عبد العزيز الظهر كان على عادة بني أمية في تأخيرهم الصلوات؛ كما قد أخر عمر العصر حين أنكر عليه عروة، ويحتمل أن يكون ذلك التأخير منه نادرًا لشغل شغله من أمور المسلمين، والله تعالى أعلم.\nوقوله: كأنما وتر أهله وماله؛ رويناه: برفع أهله وماله، ونصبهما. فالرفع على أن وتِرَ بمعنى: نُزِعَ وأُخِذَ، ومحمول عليه، فيكون أهله هو المفعول الذي لم يسم فاعله، وماله معطوف عليه، والنصب: حملٌ لِوُتِرَ على سُلِبَ، وهو يتعدى إلى مفعولين بنفسه؛ تقول: سُلِبَ زيدٌ ثوبَه، فتقيم الأول مقام الفاعل، وتترك الثاني منصوبًا على حاله. وقد اختلفوا في تأويل هذا الحديث، فذهب ابن وهب إلى أن هذا [إنما هو] (١) لمن لم يصلها في الوقت المختار، وقاله\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"2","page":251},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالداودي. فيكون معناه على هذا: إن ما فاته من الثواب يلحقه عليه من الأسف والحزن مثل ما يلحق من أُخذ ماله وأهله منه. وذهب الأصيلي: إلى أن هذا الفوات إنما هو بغروب الشمس، فيكون معناه على هذا: ما قاله أبو عمر: إنه يكون بمنزلة الذي يصاب بأهله وماله إصابة يطلب بها وترًا، فلا يلحقه، فيجتمع عليه غمُّ المصاب، وغمُّ مقاضاة طلب الوتر. وقال الداودي: معناه: أنه يجب عليه من الأسف والاسترجاع مثل الذي يمسه عذاب من وتر أهله وماله؛ لأنه أتى بكبيرة يجب عليه الندم والأسف لأجلها. وقيل: هذا الفوات هو أن يؤخرها إلى أن تصفر الشمس، [وقد روي مفسرًا من رواية الأوزاعي في الحديث؛ قال فيه: وجوابها أن تدخل الشمس] (١) صفرة. وأما تخصيص هذا بالعصر، فقال أبو عمر: يحتمل أن جوابه فيه على سؤال سائل عن العصر، وعلى هذا يكون حكم من فاتته صلاة من الصلوات كذلك. وقيل: خصت بذلك: لكونها مشهودة للملائكة عند تعاقبهم، وعلى هذا يشاركها في ذلك الصبح؛ إذ الملائكة يتعاقبون فيها. وقيل: خصت بذلك [تأكيدًا وحضًّا على المثابرة عليها؛ لأنها صلاة تأتي في وقت اشتغال الناس. وعلى هذا فالصبح أولى بذلك] (٢)؛ لأنها تأتي وقت النوم. ويحتمل أن يقال: إنما خصت بذلك لأنها الصلاة الوسطى، كما سيأتي. وقد جاء في البخاري: من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله (٣). قال الداودي: ليس ذلك خاصًّا بالعصر، بل ذلك حكم غيرها من الصلوات. وسيأتي الكلام على الحَبطِ إن شاء الله تعالى.\n* * *\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) ساقط من (ع).\n(٣) رواه البخاري (٥٩٤) من حديث بريدة ﵁.","vol":"2","page":252},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-215>(٦٩) باب ما جاء في الصلاة الوسطى</span>\n[٥١٢]- عَن عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَومَ الأَحزَاب: شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاةِ الوُسطَى، صَلاةِ العَصرِ - وفي رواية: حتى غابت الشمس -،\nــ\n(٦٩) ومن باب: ما جاء في الصلاة الوسطى\nقوله: شغلونا عن الصلاة الوسطى: اختلفوا في الصلاة الوسطى، فقيل: هي مبهمة ليُحَافَظَ على الصلوات كلها. وقيل: الجمعة. وقيل: الصلوات الخمس، قاله معاذ، قال: لأنها أوسط الدين. وقال ابن عباس: هي الصبح، ووافقه مالك والشافعي. وقال زيد بن ثابت، وعائشة، وأبو سعيد الخدري: هي الظهر، وقال علي بن أبي طالب: هي العصر، ووافقه أبو حنيفة، وقال قبيصة بن ذؤيب: هي المغرب. وقال غيره: هي العتمة. وأضعف هذه الأقوال من قال: هي الصلوات كلها؛ لأن ذلك يؤدي إلى خلاف عادة الفصحاء من أوجه:\nأحدها: أن الفصحاء لا يذكرون شيئًا مفصلا مبينًا، ثم يذكرونه مجملا، وإنما عادتهم أن يشيروا إلى مجمل أو كلي، ثم يفصلوه؛ كقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخلٌ ورُمَّانٌ﴾ وقد قال الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الوُسطَى﴾ والصلوات: مبيَّن، والصلاة الوسطى: مجمل.\nوثانيها: أن الفصحاء لا يطلقون لفظ الجمع ويعطفون عليه أحد مفرداته، ويريدون بذلك المفرد ذلك الجمع، فإن ذلك في غاية العي والإلباس.\nوثالثها: أنه لو أراد بالصلاة الوسطى: الصلوات؛ لكان كأنه قال: حافظوا على الصلوات والصلوات. ويريد بالثاني: الأول، ولو كان كذلك لما كان فصيحًا في لفظه، ولا صحيحًا في معناه؛ إذ لا يحصل باللفظ الثاني تأكيد للأول؛ لأنه","vol":"2","page":253},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمعطوف، ولا يفيد معنى آخر، فيكون حشوًا. وحمل كلام الله تعالى على شيء من هذه الثلاثة غير مسوّغ ولا جائز. وسبب اختلاف العلماء القائلين بالتعيين: صلاحية الوسطى لأن يراد بها: التوسطُ في العدد أو في الزمان. فإن راعينا أعداد الركعات، أدّى إلى أنها المغرب؛ لأن [أكثر] (١) أعداد الصلوات أربع ركعات، وأقلها ركعتان، وأوسطها ثلاث، وهي المغرب. وإن راعينا [أعداد الصلوات أنفسها، فما من صلاة إلا وهي متوسطة بين شفعين؛ إذ الصلوات خمس. وإن راعينا] (٢) الأوسط من الزمان؛ كان الأبين: أنها الصبح؛ لأنها بين صلاتي نهار محقق، وهما الظهر والعصر، وبين صلاتي ليل محقق وهما: المغرب والعشاء. فأما وقت الصبح فوقت متردد بين النهار والليل. قلت - والله أعلم -: لا يصلح هذا الذي ذكر أن يكون سببًا (٣) في الخلاف فيها؛ إذ لا مناسبة لما ذكر، لكون هذه الصلاة أفضل أو أوكد من غيرها. أما أعداد الركعات، فالمناسب هو أن تكون الرباعية أفضل؛ لأنها أكثر ركعات وأكثر عمل. والقاعدة: أن ما كثر عمله كثر ثوابه. وأما مراعاة أعداد الصلوات؛ فيلزم منه أن تكون كل صلاة هي الوسطى، وهو الذي أبطلناه، وأيضا فلا مناسبة بين ذلك وبين أكثرية الثواب. وأما اعتبارها من حيث الأزمان فغير مناسب أيضًا؛ لأن نسبة الصلوات إلى الأزمان كلها من حيث الزمانية واحدة، فإن فرض شيء يكون في بعض الأزمان، فذلك لأمر خارج عن الزمان. والذي يظهر لي: أن السبب في اختلافهم فيها: اختلافهم في مفهوم الكتاب والسنة الواردة في ذلك المعنى، ونحن نتكلم على ما ورد في ذلك بحسب ما يقتضيه مساق الكلام وصحيح الأحاديث إن شاء الله تعالى، فنقول: إن قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الوُسطَى﴾ هو من باب قوله\n_________\n(١) من هامش (ظ).\n(٢) ساقط من (ع).\n(٣) في (م): متبنى.","vol":"2","page":254},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nتعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخلٌ وَرُمَّانٌ﴾ وقوله: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ فخص الرُّمّان والنخل، وجبريل وميكال بالذكر؛ وإن كانوا قد دخلوا فيما قيل بحكم العموم تشريفًا وتكريمًا. وإذا كان ذلك كذلك، فلهذه الصلاة المعبر عنها بالوسطى شرفيَّة وفضيلة ليست لغيرها، غير أن هذه الصلاة الشريفة لم يعينها الله تعالى في القرآن، فوجب أن يبحث عن تعيينها في السنّة، فبحثنا عن ذلك فوجدنا ما يعيِّنها. وأصح ما في ذلك: أنها العصر على ما في حديث علي، وأنصّ ذلك ما ذكره الترمذي وصححه. وهو قوله - ﵊ -: الصلاة الوسطى صلاة العصر (١)، وهذا نص في الغرض، غير أنه قد جاء ما يشعث التعويل عليه، وهو ما ذكره البراء بن عازب؛ وذلك أنه قال: نزلت هذه الآية: حافظوا على الصلوات وصلاة العصر، فقرأناها ما شاء الله، ثم نسخها الله فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الوُسطَى﴾ فلزم من هذا: أنها بعد أن عُيِّنت نُسخ تعيينها وأبهمت، فارتفع التعيين، ولم يمكنا أن نتمسك بالأحاديث المتقدمة، فلما أبهم أمر تعيينها، أخذ العلماء يستدلون على تعيينها بما ظهر لكل واحد منهم بما يناسب الأفضلية. فذهب مالك وأهل المدينة: إلى أن الصبح أولى بذلك؛ لكونها تأتي في وقت نوم وركون إلى الراحة، واستصعاب الطهارة، فتكثر المشقة في المحافظة عليها أكثر من غيرها، فتكون هي الأحق بكونها أفضل. وأيضًا: فإنه وقت يتمكن الإنسان فيه من إحضار فهمه وتفرغه للصلاة؛ لأن علاقات الليل قد انقطعت بالنوم، وأشغال النهار بعد لم تأت؛ ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ قُرآنَ الفَجرِ كَانَ مَشهُودًا﴾؛ أي: يحضره القارئ بفراغ ذهنه، على أحد التأويلات، وهو\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٩٨٦ و٢٩٨٨) من حديث سمرة بن جندب وابن مسعود ﵄.","vol":"2","page":255},{"text":"مَلأَ اللَّهُ بُيُوتَهُم وَقُبُورَهُم نَارًا، ثُمَّ صَلَاّهَا بَينَ العِشَاءَينِ: بَينَ المَغرِبِ وَالعِشَاءِ.\nرواه أحمد (١/ ٨٢ و١١٣ و١٢٢)، والبخاري (٢٩٣١)، ومسلم (٦٢٧) (٢٠٤ و٢٠٥)، وأبو داود (٤٠٩)، والترمذي (٢٩٨٧)، والنسائي (١/ ٢٣٦)، وابن ماجه (٦٨٤).\nــ\nأحسنها، وبنحوٍ من هذا يستدل لسائرها من الصلوات، إلا أن الصبح أدخل في هذا المعنى. وعلى الجملة فهذا النحو هو الذي يمكن أن يكون باعثًا لكل من المختلفين على تعيين ما عينه من الصلوات بحسب ما غلب على ظنه من أرجحية ما عُيِّن. والذي يظهر لي بعد أن ثبت نسخ التعيين: أن القول قول من قال: إن الله أخفاها في جملة الصلوات، ليحافظ على الكل، كما فعل في ليلة القدر وساعة الجمعة، والله تعالى أعلم.\nوقوله: شغلونا: يحتمل: أنه نسيها لشغله بالعدو، ويحتمل: أن يكونوا لم يمكنوه منها، ولم يفرغوه لفعلها، ويحتمل: أن يكون أخرها قصدًا لأجل شغله بالعدو، وعلى هذا يكون هذا التأخير لأجل القتال مشروعًا، ثم نسخ بصلاة الخوف. وقد ذهب مكحول والشاميون: إلى جواز تأخير صلاة الخوف إذا لم يكن أداؤها معه في الوقت إلى وقت الأمن. والصحيح الذي عليه الجمهور: أن يؤخرها ويصليها على سنتها، على ما يأتي إن شاء الله تعالى.\nوقوله: ثم صلاّها بين العشاءين المغرب والعشاء؛ ظاهر هذا أنه صلى العصر المتروكة بعد أن صلى المغرب، وليس بصحيح بدليل ما جاء في حديث جابر، قال: فصلى رسول الله - ﷺ - العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب (١). وهذا نص. وإنما أراد بقوله: بين العشاءين: بين وقتي العشاءين، فإن\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ١٢٩)، والبخاري (٥٩٨)، والترمذي (١٨٠)، والنسائي (٣/ ٨٤).","vol":"2","page":256},{"text":"[٥١٣]- وَمِن حَدِيثِ عبد الله، قَالَ: حَبَسَ المُشرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَن صَلاةِ العَصرِ حَتَّى احمَرَّتِ الشَّمسُ أَوِ اصفَرَّت، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: شَغَلُونَا. . . . وَذَكَرَ نَحوَهُ.\nرواه أحمد (١/ ٤٠٣ - ٤٠٤)، ومسلم (٦٢٨)، وابن ماجه (٦٨٦).\n[٥١٤]- وَعَن أَبِي يُونُسَ - مَولَى عَائِشَةَ أنه قَالَ: أَمَرَتنِي عَائِشَةُ أَن أَكتُبَ لَهَا مُصحَفًا، وَقَالَت: إِذَا بَلَغتَ هَذِهِ الآيَةَ فَآذِنِّي: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الوُسطَى﴾ فَلَمَّا بَلَغتُهَا آذَنتُهَا فَأَملَت\nــ\nالتأخير كان منه إلى أن غربت الشمس، ثم توضأ، ثم أوقعها بعد الغروب قبل أن يصلي المغرب. وقد روى الترمذي عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه: أن المشركين شغلوا رسول الله - ﷺ - عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالا فأذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء (١). وبهذه الأحاديث استدل جميع العلماء على أن من فاتته صلوات قضاها مرتبة كما فاتته إذا ذكرها في وقت واحد. واختلفوا إذا صلاة فائتة في ضيقِ وقتِ حاضرة: هل يبدأ بالفائتة وإن خرج وقت الحاضرة؟ أو يبدأ بالحاضرة؟ أو يتخير فيقدم أيتها شاء؟ ثلاثة أقوال: وبالأول قال مالك والليث، والزهري. وبالثاني قال الحسن وابن المسيب وفقهاء أصحاب الحديث وأصحاب الرأي والشافعي وابن وهب من أصحابنا. وبالثالث قال أشهب من أصحابنا. وهذا ما لم تكثر الصلوات، فلا خلاف عند جميعهم - على ما حكاه القاضي عياض -: أنه يبدأ بالحاضرة مع الكثرة، واختلفوا في مقدار اليسير، فعن مالك: فقال: إن الخمس فدون من اليسير، وقيل الأربع فدون، ولم يختلف المذهب: أن الست كثير.\n_________\n(١) رواه الترمذي (١٧٩).","vol":"2","page":257},{"text":"عَلَيَّ: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الوُسطَى وَصَلاةِ العَصرِ، وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ. قَالَت عَائِشَةُ: سَمِعتُهَا مِن رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -.\nرواه مسلم (٦٢٩)، وأبو داود (٤١٠)، والترمذي (٢٩٨٦)، والنسائي (١/ ٢٣٦).\n[٥١٥]- وعَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ، قَالَ: نَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصلاة الوسطى وَصَلاةِ العَصرِ). فَقَرَأنَاهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ نَسَخَهَا اللَّهُ فَنَزَلَت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الوُسطَى﴾ فَقَالَ رَجُلٌ - كَانَ جَالِسًا عِندَ شَقِيقٍ -: هِيَ إِذَن صَلاةُ العَصرِ؟ فَقَالَ البَرَاءُ: قَد أَخبَرتُكَ كَيفَ نَزَلَت، وَكَيفَ نَسَخَهَا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَعلَمُ.\nرواه أحمد (٤/ ٣٠١)، ومسلم (٦٣٠).\n* * *\nــ\nوقوله في حديث عائشة ﵂: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر، هكذا ثبتت الرواية بالواو في صلاة العصر. وقيل فيها: إنها زائدة، كما زيدت في قول الشاعر (١):\nفلما أَجَزنا ساحَةَ الحَيِّ وانتَحى (٢) ... . . . . . . . . . . . . . . . . .\nأي: فلما أجزنا ساحة الحي انتحى، فإذا قدرنا زيادتها كانت صلاة العصر الصلاة الوسطى، كما جاء في حديث عليّ المتقدم. وهذا الذي سمعته عائشة، وأمرت بكتبه في المصحف كان على القراءة المتقدمة التي أخبر بها البراء أنها\n_________\n(١) هو امرؤ القيس.\n(٢) وعجزه: بنا بطنُ خَبْتٍ ذي قِفافٍ عَقَنْقَلِ.","vol":"2","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>(٧٠) باب من فاتته صلوات كيف يقضيها</span>؟\n[٥١٦]- عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ: أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ - يَومَ الخَندَقِ - جَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيشٍ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَاللَّهِ مَا كِدتُ أَن أُصَلِّيَ العَصرَ حَتَّى كَادَت أَن تَغرُبَ الشَّمسُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: فَوَاللَّهِ إِن صَلَّيتُهَا: فَنَزَلنَا إِلَى بُطحَانَ فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَتَوَضَّأنَا، فَصَلَّى\nــ\nنسخت على ما نص، والله تعالى أعلم. وقد اتفق المسلمون كافة على أن قولها: وصلاة العصر، ليس قرآنًا اليوم يتلى، وإنما هي رواية شاذة انفردت بها وبرفعها إلى النبي - ﷺ -، وغايتها أن تكون خبرًا؛ إلا أنها قد رفعتها وأسندتها. والله تعالى أعلم.\nوقد تقدم القول في قوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ وقول البراء للسائل: قد أخبرتك كيف نزلت وكيف نسخها الله .... يظهر منه تردُّد، لكن في ماذا؟ هل نُسخ تعيينها فقط وبقيت هي الوسطى؟ أو نُسخ كونها وسطى؟ في هذا تردد. والله تعالى أعلم، وإلا فقد أخبر بوقوع النسخ.\n(٧٠) ومن باب: من فاتته صلوات كيف يقضيها؟\nقول عمر: ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت أن تغرب الشمس؛ معناه: ما قاربت صلاة العصر إلى أن قارب غروب الشمس.\nوقوله - ﷺ -: فوالله إن صليتها يقوِّي قول من قال: إنه كان ناسيًا، وإِن بمعنى: ما. وبطحان: وادٍ بالمدينة. ورويناه بضم الباء وسكون الطاء، وبفتح الباء وكسر الطاء، وهو صوابه عند أهل اللغة. وقد تقدم الكلام (١) على قضاء الفوائت في الباب الذي قبله.\n_________\n(١) في (ظ) و(ط): القول.","vol":"2","page":259},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - العَصرَ بَعدَمَا غَرَبَتِ الشَّمسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعدَهَا المَغرِبَ.\nرواه أحمد (٣/ ١٢٩)، والبخاري (٥٩٨)، ومسلم (٦٣١)، والترمذي (١٨٠)، والنسائي (٣/ ٨٤).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>(٧١) باب المحافظة على الصبح والعصر</span>\n[٥١٧]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: يَتَعَاقَبُونَ فِيكُم مَلائِكَةٌ بِاللَّيلِ وَمَلائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجتَمِعُونَ فِي صَلاةِ الفجر وَصَلاةِ العَصرِ، ثُمَّ يَعرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُم، فَيَسأَلُهُم رَبُّهُم - وَهُوَ أَعلَمُ بِهِم -: كَيفَ تَرَكتُم عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكنَاهُم وَهُم يُصَلُّونَ وَأَتَينَاهُم وَهُم يُصَلُّونَ.\nــ\n(٧١) ومن باب: المحافظة على الصبح والعصر\nقوله: يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، وهذه الواو في يتعاقبون فيكم علامة للفاعل المذكر المجموع، وهي لغة بني الحارث؛ وهي أنهم يلحقون علامة للفاعل المثنى والمجموع، وهم القائلون: أكلوني البراغيث، وهي لغة معروفة فاشية، وعليه حمل الأخفش قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ومن هذا قول الشاعر (١):\nولكن دِيَافِيٌّ أبوه وأمُّه ... بِحَورَانَ يَعصِرنَ السَّلِيطَ أقارِبُه (٢)\n_________\n(١) هو الفرزدق.\n(٢) \"ديافي\": نسبة إلى دياف، قرية بالشام. و\"السليط\": الزيت.","vol":"2","page":260},{"text":"رواه أحمد (٢/ ٤٨٦)، والبخاري (٧٤٢٩)، ومسلم (٦٣٢)، والنسائي (١/ ٢٤٠ - ٢٤١).\n[٥١٨]- وَعَن جَرِيرَ بنِ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِندَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إِذ نَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيلَةَ البَدرِ فَقَالَ: أَمَا إِنَّكُم سَتَرَونَ رَبَّكُم - ﷿ - كَمَا تَرَونَ هَذَا القَمَرَ لا تُضَامُونَ فِي رُؤيَتِهِ، فَإِنِ استَطَعتُم أَلا تُغلَبُوا عن صَلاةٍ قَبلَ طُلُوعِ الشَّمسِ وَقَبلَ غُرُوبِهَا. يَعنِي: العَصرَ وَالفَجرَ، ثُمَّ قَرَأَ\nــ\nوقد تعسَّف بعض النحويين في تأويلها وردّوها للبدل، وهو تكلف مستغنى عنه، مع أن تلك اللغة مشهورة، لها وجه من القياس واضح يعرف في موضعه. ومعنى التعاقب: إتيان طائفة بعد أخرى، فكأن الثانية تأتي عقيب الأولى. وهؤلاء الملائكة: إن كانوا هم الحفظة، فسؤال الله لهم بقوله: كيف تركتم عبادي؟ إنما هو سؤال عما أمرهم به من حفظهم لأعمالهم وكَتبِهم إياها عليهم. وعلى أنهم هم الحفظة؛ مذهب الجمهور، وإن كانوا غيرهم - وهو الأظهر عندي -، فسؤاله تعالى لهم: إنما هو على جهة التوبيخ لمن قال: ﴿أَتَجعَلُ فِيهَا مَن يُفسِدُ فِيهَا﴾ وإظهارًا لما سبق في معلومه إذ قال لهم: ﴿إِنِّي أَعلَمُ مَا لا تَعلَمُونَ﴾ وهذه حكمة اجتماعهم في صلاة الفجر والعصر، والله تعالى أعلم. أو يكون سؤاله لهم استدعاء لشهادتهم لهم؛ ولذلك قالوا: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون. وهذا من خفي لطفه ﵎، وجميل ستره؛ إذ أطلعهم بكرمه عليهم حالة عباداتهم، ولم يطلعهم عليهم ولا جمعهم لهم في حال خلواتهم بلذاتهم وانهماكهم في معاصيهم وشهواتهم، فسبحانه من حليم كريم جليل؛ إذ ستر القبيح وأظهر الجميل. وقد تقدم الكلام على رؤية الله تعالى، وعلى قوله: لا تضامُّون.\nوقوله: إن استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها - يعني: الفجر والعصر -، قال المهلّب: لا تغلبوا؛ أي: على شهودها في","vol":"2","page":261},{"text":"جَرِيرٌ: ﴿وَسَبِّح بِحَمدِ رَبِّكَ قَبلَ طُلُوعِ الشَّمسِ وَقَبلَ غُرُوبِهَا﴾\nرواه أحمد (٤/ ٣٦٢)، والبخاري (٥٧٣)، ومسلم (٦٣٣) (٢١١).\n[٥١٩]- وَعَن عُمَارَةَ بنِ رُؤَيبَةَ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: لَن يَلِجَ النَّارَ أَحَدٌ صَلَّى قَبلَ طُلُوعِ الشَّمسِ وَقَبلَ غُرُوبِهَا. يَعنِي: الفَجرَ وَالعَصرَ.\nرواه أحمد (٤/ ١٣٦)، ومسلم (٦٣٤) (٢١٣)، وأبو داود (٤٢٧)، والنسائي (١/ ٢٤١).\n[٥٢٠] وعنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: مَن صَلَّى البَردَينِ دَخَلَ الجَنَّةَ.\nرواه أحمد (٤/ ٨٠)، والبخاري (٥٧٤)، ومسلم (٦٣٥).\n* * *\nــ\nالجماعة. وقراءة جرير في هذا الموضع: ﴿وَسَبِّح بِحَمدِ رَبِّكَ قَبلَ طُلُوعِ الشَّمسِ وَقَبلَ غُرُوبِهَا﴾ يشعر بأن قوله: فسبِّح، بمعنى: فصلِّ في هذين الوقتين.\nوقوله: لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، يعني: الفجر والعصر؛ أي: لن يدخل النار من عاهد وحافظ على هاتين الصلاتين؛ ببركة المداومة عليهما، والله أعلم.\nوقوله: من صلى البردين دخل الجنة؛ قال كثير من العلماء: هما الفجر والعصر، وسُمِّيا بذلك لأنهما يفعلان في وقت البرد.","vol":"2","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>(٧٢) باب تعجيل صلاة المغرب</span>\n[٥٢١]- عَن سَلَمَةَ بنِ الأَكوَعِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي المَغرِبَ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمسُ وَتَوَارَت بِالحِجَابِ.\nرواه البخاري (٥٦١)، ومسلم (٦٣٦)، وأبو داود (٤١٧)، والترمذي (١٦٤)، وابن ماجه (٦٨٨).\n[٥٢٢]- وَعَن رَافِعَ بنِ خَدِيجٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي المَغرِبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَيَنصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبصِرُ مَوَاقِعَ نَبلِهِ.\nرواه أحمد (٤/ ١٤٢)، والبخاري (٥٥٩)، ومسلم (٦٣٧)، وابن ماجه (٦٨٧).\n* * *\nــ\n(٧٢) ومن باب: تعجيل صلاة المغرب\nقوله: إذا غربت الشمس؛ أي: ساعة تغرب، وهذا يدل على تأهبه لها قبل وقتها، ومراقبة وقتها.\nوقوله: وتوارت بالحجاب؛ أي: استترت بما يحجبها عن الأبصار، ويعني به: غيبوبة جرم الشمس. وقد تقدم حكاية إجماع الأمة على استحباب تعجيلها، ولذلك قال - ﷺ -: لا تزال أمتي بخير - أو قال: على الفطرة - ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم (١).\nوقوله: وإنه ليبصر مواقع نبله؛ أي: حيث يقع. وهذا يدل على تعجيل المغرب، وأنه - ﷺ - كان لا يطولها.\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ١٤٧ و٤٢٢)، وأبو داود (٤١٨) من حديث أبي أيوب ﵁.","vol":"2","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>(٧٣) باب تأخير العشاء الآخرة</span>\n[٥٢٣]- عَن عَائِشَةَ قَالَت: أَعتَمَ النبي - ﷺ - ذَاتَ لَيلَةٍ حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيلِ وَحَتَّى نَامَ أَهلُ المَسجِدِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى، فَقَالَ: إِنَّهُ لَوَقتُهَا لَولا أَن أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي.\nوفي رواية: لولا أن يشق.\nرواه أحمد (٦/ ١٥٠)، والبخاري (٥٦٩)، ومسلم (٦٣٨) (٢١٩)، والنسائي (١/ ٢٦٧).\nــ\n(٧٣) ومن باب: تأخير العشاء الآخرة\n[قول عائشة: أعتم النبي - ﷺ - ذات ليلة؛ أي: أخر العشاء الآخرة إلى عتمة الليل] (١) وهي ظلمته -. وذات ليلة؛ أي: ليلة من الليالي. وهذا يدل: على أن غالب أحواله كان يقدمها رفقًا بهم، ولئلا يشق عليهم؛ كما قال في آخر هذا الحديث. وقال الخطابي: إنما أخرهم [ليقل حظ النوم، وتطول مدة الصلاة، فيكثر أجرهم] (٢)؛ لأنهم في صلاة ما داموا ينتظرون الصلاة. وقال بعض الحكماء (٣): النوم المحمود مقدار ثمان ساعات.\nوقوله: إنه لوقتها؛ يعني: الأفضل، ولهذا وشبهه قال مالك: إن تأخير العشاء أفضل. وقيل عنه: تعجيلها أفضل أخذًا بالتخفيف؛ ولأن التعجيل كان\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) ساقط من (م).\n(٣) في هامش (ظ): العلماء.","vol":"2","page":264},{"text":"[٥٢٤]- وَعَنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: مَكَثنَا لَيلَةً نَنتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لِصَلاةِ العِشَاءِ الآخِرَةِ، فَخَرَجَ إِلَينَا حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيلِ أَو بَعدَهُ، فَلا نَدرِي أَشَيءٌ شَغَلَهُ فِي أَهلِهِ أَو غَيرُ ذَلِكَ، فَقَالَ حِينَ خَرَجَ: إِنَّكُم لَتَنتَظِرُونَ صَلاةً مَا يَنتَظِرُهَا أَهلُ دِينٍ غَيرُكُم، وَلَولا أَن يَثقُلَ عَلَى أُمَّتِي لَصَلَّيتُ بِهِم هَذِهِ السَّاعَةَ، ثُمَّ أَمَرَ المُؤَذِّنَ فَأَقَامَ الصَّلاةَ وَصَلَّى.\nوَفِي رِوَايَةٍ: شُغِلَ عَنهَا لَيلَةً فَأَخَّرَهَا حَتَّى رَقَدنَا فِي المَسجِدِ، ثُمَّ استَيقَظنَا، ثُمَّ رَقَدنَا، ثُمَّ استَيقَظنَا، ثُمَّ خَرَجَ عَلَينَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -. . . وذكر نحوه.\nرواه أحمد (٢/ ٨٨)، والبخاري (٥٧٠)، ومسلم (٦٣٩)، وأبو داود (٤٢٠)، والنسائي (١/ ٢٦٧ - ٢٦٨).\nــ\nغالب أحوال رسول الله - ﷺ - فيها. وقد اختار بعض أصحابنا تقديمها إذا اجتمعوا، وتأخيرها إذا أبطؤوا؛ أخذًا بحديث جابر الآتي.\nوقوله في حديث ابن عمر: مكثنا ليلة؛ أي: لبثنا وأقمنا ننتظر.\nوقوله: فلا ندري! أشيء شغله (١) في أهله أو غير ذلك؟ وقال في الرواية الأخرى: شغل عنها ليلة، قيل: إنه جهز جيشًا.\nوقوله: فأخرها حتى رقدنا في المسجد، ثم استيقظنا، ثم رقدنا: يعني به: نوم الجالس المحتبي وخطرات السِّنَات (٢)، لا نوم الاستغراق، كما قال في الحديث الآخر: كان أصحاب رسول الله - ﷺ - ينامون حتى تخفق رؤوسهم، ثم\n_________\n(١) في (ظ): شغله عنها.\n(٢) \"السنات\": جمع سِنة، وهي النعاس، وهو ما يتقدَّم النوم من الفتور وانطباق العينين.","vol":"2","page":265},{"text":"[٥٢٥]- ومن حَدِيثِ عَائِشَة: فَلَم يَخرُج رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - حَتَّى قَالَ عُمَرُ: نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبيَانُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -. . . وذكر نحوه. وَفِيهِ: قَالَ ابنُ شِهَابٍ: وَذُكِرَ لِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: وَمَا كَانَ لَكُم أَن تَنزُرُوا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - على الصَّلاةِ. وَذَلِكَ حِينَ صَاحَ عُمَرُ.\nرواه مسلم (٦٣٨) (٢١٨).\n[٥٢٦]- وَعَن ثَابِتٍ، أَنَّهم سَأَلُوا أَنَسًا عَن خَاتَمِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: أَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - العِشَاءَ ذَاتَ لَيلَةٍ إِلَى شَطرِ اللَّيلِ، أَو كَادَ يَذهَبُ شَطرُ\nــ\nيصلون ولا يتوضؤون (١). وقد تقدم القول في النوم في كتاب الطهارة.\nوقوله - ﷺ -: وما كان لكم أن تبرزوا رسول الله - ﷺ -: رواه الرازي بالباء، وتقديم الراء، وضم التاء، وكسر الراء: من الإبراز، وهو الإخراج، ورواه سائر الرواة: تنزروا بفتح التاء، وبالنون، وتقديم الزاي، وضمها، وهو الصحيح (٢)، ومعناه: الإلحاح عليه في الخروج، وهذا إنما قاله - ﷺ - مؤدبًا لهم ومعلمًا لما صاح عمر: نام النساء والصبيان، والله تعالى أعلم.\nوقوله: أخر رسول الله - ﷺ - العشاء ذات ليلة إلى شطر الليل - أو كاد يذهب شطر الليل -؛ أي: نصف الليل. وهذا كقوله في حديث ابن عمرو: ووقت العشاء مغيب الشفق إلى نصف الليل (٣)، فكلاهما حجة لما صار إليه ابن حبيب من أن آخر وقت العشاء الآخرة نصف الليل.\n_________\n(١) رواه مسلم (٣٧٦)، وأبو داود (٢٠٠)، والترمذي (٧٨) من حديث أنس ﵁.\n(٢) انظر: إكمال إكمال المعلم (٢/ ٣١٥) حيث قال: وهو الصواب.\n(٣) سبق تخريجه برقم (٤٩٩).","vol":"2","page":266},{"text":"اللَّيلِ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ قَد صَلَّوا وَنَامُوا، وَإِنَّكُم لَن تَزَالُوا فِي صَلاةٍ مَا انتَظَرتُمُ الصَّلاةَ.\nقَالَ أَنَسٌ: كَأَنِّي أَنظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ في يده مِن فِضَّةٍ، وَرَفَعَ إِصبَعَهُ اليُسرَى بِالخِنصِرِ.\nرواه البخاري (٥٧٢)، ومسلم (٦٤٠) (٢٢٢)، والنسائي (١/ ٢٦٨)، وابن ماجه (٦٩٢).\n[٥٢٧]- وَعَن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ نَحوًا مِن صَلاتِكُم، وَكَانَ يُؤَخِّرُ العَتَمَةَ بَعدَ صَلاتِكُم شَيئًا، وَكَانَ يُخِفُّ الصَّلاةِ.\nرواه مسلم (٦٤٣) (٢٢٧).\n[٥٢٨]- وعَنِ عبد الله بنِ عُمَرَ، قَالَ: سمعت رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يقول: لا تَغلِبَنَّكُمُ الأَعرَابُ عَلَى اسمِ صَلاتِكُم أَلا إِنَّهَا العِشَاءُ، وَهُم يُعتِمُونَ بِالإِبِلِ.\nــ\nوقوله: كأني أنظر إلى وبيص خاتمه في يده من فضة، الوبيص: البريق، وهو دليل على جواز اتخاذ خاتم الفضة، وعلى جعله في اليد اليسرى، وهو الأفضل. والأحسن عند مالك، وسيأتي الكلام على ذلك.\nوقوله - ﷺ -: لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء (١). الأعرابي: من كان من أهل البادية. والعربي: منسوب إلى العرب وإن لم يكن بدويًّا. وهذا\n_________\n(١) وردت لفظة (باب) قبل هذا الحديث في المخطوط، ورأينا حذفها وإتباع الحديث للباب السابق لعدم الفصل في المفهم، ولأن المعنى بين الأحاديث متفق.","vol":"2","page":267},{"text":"وَفِي رِوَايةٍ: فَإِنَّهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ العِشَاءُ، وَإِنَّهَا تُعتِمُ بِحِلابِ الإِبِلِ.\nرواه أحمد (٢/ ١٠ و١٩)، ومسلم (٦٤٤)، وأبو داود (٤٩٨٤)، والنسائي (١/ ٢٧٠)، وابن ماجه (٧٠٤).\n* * *\nــ\nالنهي عن اتباع الأعراب في تسميتهم العشاء: عتمة إنما كان لئلا يعدل بها عما سماها الله تعالى به في كتابه؛ إذ قال: ﴿وَمِن بَعدِ صَلاةِ العِشَاءِ﴾ فكأنه إرشاد إلى ما هو الأولى، وليس على جهة التحريم، ولا على أن تسميتها العتمة لا يجوز. ألا ترى أنه قد ثبت أن النبي - ﷺ - قد أطلق عليها ذلك؛ إذ قال: ولو يعلمون ما في العتمة والصبح (١)، وقد أباح تسميتها بذلك أبو بكر وابن عباس ﵃. وقيل: إنما نهى عن ذلك تنزيهًا لهذه العبادة الشريفة الدينية عن أن يطلق عليه ما هو اسم لفعلة دنيوية؛ وهي الحَلبَةُ التي كانوا يحلبونها في ذلك الوقت ويسمونها: العتمة. ويشهد لهذا قوله: وإنها تُعتِمُ كلاب الإبل. قلت: يظهر لي أن المقصود من هذا النهي، ومن قوله: لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب (٢): ألا نتبع الأعراب في تسميتهم هاتين الصلاتين بذلك؛ لأنهم لم يقتدوا في تسميتها، لا بما جاء في كتاب الله - من تسميتها العشاء -، ولا بما جاء في السنة - من تسميتها بالمغرب -؛ إذ قد ثبت في غير ما حديث تسميتها: بالمغرب، كما جاء في حديث جبريل وغيره، والله تعالى أعلم.\n* * *\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٥٧)، ومسلم (٦٥١) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه أحمد (٥/ ٥٥)، والبخاري (٥٦٣) من حديث عبد الله المزني.","vol":"2","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>(٧٤) باب التغليس بصلاة الصبح</span>\n[٥٢٩]- عَن عَائِشَةَ، قَالَت: إِن كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَيُصَلِّي الصُّبحَ، فَيَنصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ مَا يُعرَفنَ مِنَ الغَلَسِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: مُتَلَفِّفَاتٍ.\nرواه أحمد (٦/ ٣٣)، والبخاري (٥٨٧)، ومسلم (٦٤٥) (٢٣٢)، وأبو داود (٤٢٣)، والترمذي (١٥٣)، والنسائي (١/ ٢٧١)، وابن ماجه (٦٦٩).\nــ\n(٧٤) ومن باب: التغليس بصلاة الصبح\nقوله: متلفعات بمروطهن؛ كذا الرواية الصحيحة بالفاء والعين المهملة، من التلفع، وهو تغطية الرأس والجسد. وقد وقع لبعض رواة الموطأ: متلففات؛ أي: متغطيات. والمروط جمع مِرط بكسر الميم، وهو الكساء.\nوقوله: ما يعرفن من الغلس؛ هو بقايا ظلمة الليل يخالطها بياض الفجر، قاله الأزهري. وقال الخطابي: الغبش - بالباء والشين المعجمة - قبل الغَبَس - بالسين المهملة - وبعده الغلس - باللام - وكلها في آخر الليل، ويكون الغبش في أول الليل [أيضا] (١).\nوقوله: ما يعرفن؛ أي: هُنّ نساء أم رجال. وقيل: لا تُعرف أعيانهن وإن عرف أنهن نساء، وإن كن متكشفات الوجوه. وهذا يدل على أن الغالب من صلاة رسول الله - ﷺ - الصبح إنما كان في أول الوقت، وكذا قال ابن عباس: ثم كانت\n_________\n(١) من النهاية لابن الأثير.","vol":"2","page":269},{"text":"[٥٣٠]- وعن جَابِرَ بنَ عَبدِ الله، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي الظُّهرَ بِالهَاجِرَةِ، وَالعَصرَ وَالشَّمسُ نَقِيَّةٌ، وَالمَغرِبَ إِذَا وَجَبَت، وَالعِشَاءَ أَحيَانًا يُؤَخِّرُهَا، وَأَحيَانًا يُعَجِّلُ، كَانَ إِذَا رَآهُم قَدِ اجتَمَعُوا عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُم قَد أَبطَؤُوا أَخَّرَ، وَالصُّبحَ كَانُوا، (أَو قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ -) يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٦٩)، والبخاري (٥٦٠)، ومسلم (٦٤٦) (٢٣٣)، وأبو داود (٣٩٧)، والنسائي (١/ ٢٦٤).\n[٥٣١]- وعن أَبَي بَرزَةَ، قَالَ: كَان رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي الظُّهرَ حِينَ تَزُولُ الشَّمسُ، وَالعَصرَ يَذهَبُ الرَّجُلُ إِلَى أَقصَى المَدِينَةِ وَالشَّمسُ حَيَّةٌ. قَالَ: وَالمَغرِبَ لا أَدرِي أَيَّ حِينٍ ذَكَرَ. وَكَانَ يُصَلِّي الصُّبحَ، فَيَنصَرِفُ الرَّجُلُ فَيَنظُرُ إِلَى وَجهِ جَلِيسِهِ الَّذِي يَعرِفُ فَيَعرِفُهُ. وَكَانَ يَقرَأُ فِيهَا بِالسِّتِّينَ إِلَى المِائَةِ.\nــ\nصلاته بعد ذلك التغليس حتى مات، لم يعد إلى أن يسفر (١). ويفيد هذا أن صلاة الصبح في أول وقتها أفضل، وهو مذهب مالك والشافعي وعامة (٢) العلماء، خلا (٣) الكوفيين، فإن آخر وقتها عندهم أفضل.\nوقوله: والمغرب إذا وجبت؛ أي: سقطت - يعني الشمس -، ومنه: وَجَبَ الحائط؛ أي: سقط.\nوقوله: والشمس حيَّة؛ أي: بيضاء لم تدخلها صفرة. وقيل: أي لم تذهب حرارتها.\n_________\n(١) سبق تخريجه من حديث أبي مسعود برقم (٤٩٨). أما حديث ابن عباس ففيه تحديد وقت صلاة الفجر وآخره. انظر: سنن أبي داود (٣٩٣)، والترمذي (١٤٩).\n(٢) في (ظ): كافة.\n(٣) في (م): خلافًا.","vol":"2","page":270},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُؤَخِّرُ العِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيلِ، وَيَكرَهُ النَّومَ قَبلَهَا، وَالحَدِيثَ بَعدَهَا.\nرواه البخاري (٥٤٧)، ومسلم (٦٤٧) (٢٣٥ و٢٣٧)، وأبو داود (٣٩٨)، والنسائي (١/ ٢٤٦).\n* * *\nــ\nوقوله: وكان يكره النوم قبلها، والحديث بعدها. أما كراهة النوم قبلها؛ فلما يخاف من غلبة النوم، فيفوت وقتها، أو أفضل وقتها المستحسن، وقال بهذا جماعة؛ منهم: ابن عمر، وابن عباس، وغيرهم [وهو مذهب مالك، ورخص فيه بعضهم؛ منهم: علي، وأبو موسى، وغيرهم] (١). وهو مذهب الكوفيين، واشترط بعضهم: أن يجعل معه من يوقظه للصلاة، وروي عن ابن عمر مثله، وإليه ذهب الطحاوي. وأما كراهة الحديث بعدها؛ فلما يؤدي إليه من السهر، ومخافة غلبة النوم آخر الليل، فينام عن قيام آخر الليل، وربما ينام عن صلاة الصبح.\nقلت: ويظهر لي: أن كراهة ذلك إنما هو لَمَّا أن الله جعل الليل سكنًا - أي: يسكن فيه -، فإذا تحدث الإنسان فيه فقد جعله كالنهار الذي هو متصرّف المعايش، فكأنه قصد إلى مخالفة حكمة الله تعالى التي أجرى عليها وجوده. وقيل: يكره ذلك؛ لئلا نلغو في كلامنا، أو نخطئ فيه، فيختم عملنا بعمل سيئ، أو بقول سيئ. والنوم أخو الموت (٢)، أو لعله يكون فيه الموت، والله تعالى أعلم. وقيل: كره ذلك لتراح الكتبة الكرام. وقد كان بعض السلف يقول لمن أراد أن يتحدث بعد العشاء: أريحوا الكَتَبَة. وهذه الكراهة تختص بما لا يكون من قبيل القُرَبِ، والأذكار، وتعلم العلم، ومسامرة أهل العلم، وتعلم المصالح وما شابه ذلك. فقد ورد عن النبي - ﷺ -، وعن السلف ما يدل على جواز ذلك، بل على ندبيته، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) من (ظ).\n(٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٤١٥): رواه الطبراني في الأوسط والبزار، ورجال البزار رجال الصحيح.","vol":"2","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>(٧٥) باب المنع من إخراج الصلاة عن وقتها</span>\n[٥٣٢]- عَن أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: كَيفَ أَنتَ إِذَا كَانَت عَلَيكَ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلاةَ عَن وَقتِهَا أَو يُمِيتُونَ الصَّلاةَ عَن وَقتِهَا؟ قَالَ: قُلتُ فَمَا تَأمُرُنِي؟ قَالَ: صَلِّ الصَّلاةَ لِوَقتِهَا، فَإِن أَدرَكتَهَا مَعَهُم فَصَلِّ فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: فَإِن صَلَّيتَ لِوَقتِهَا كَانَت لَكَ نَافِلَةً، وَإِلا كُنتَ قَد أَحرَزتَ صَلاتَكَ.\nرواه مسلم (٦٤٨) (٢٣٨ و٢٣٩)، وأبو داود (٤٣١)، والترمذي (١٧٦)، والنسائي (٢/ ٧٥).\nــ\n(٧٥) ومن باب: المنع من إخراج الصلاة عن وقتها\nقوله يؤخرون الصلاة عن وقتها أو يميتون الصلاة هو شك من أحد الرواة، وإماتتها إخراجها عن وقتها حتى تكون كالميت الذي لا روح له، وهذا منه - ﷺ - من أعلام نبوته؛ إذ قد أخبر بأمر غيبي وقع على نحو ما أخبر، وقد ظهر بعده من تأخير بني أمية للصلوات ما قد عُرِف وشُوِهد.\nوقوله ﷺ كيف أنت إذا كانت عليك أمراء إشعار بقرب زمان ذلك.\nوقوله ﷺ صل الصلاة لوقتها؛ يعني الأفضل، بدليل قوله فإن أدركتها معهم أي في الوقت، وبدليل قوله فإن صليت لوقتها كانت لك نافلة أي: زيادة في العمل والثواب.\nوقوله وإلا كنت قد أحرزت صلاتك؛ أي فعلتها في وقتها وعلى","vol":"2","page":272},{"text":"[٥٣٣]- وعَن أَبِي العَالِيَةِ البَرَّاءِ قَالَ: أَخَّرَ ابنُ زِيَادٍ الصَّلاةَ، فَجَاءَنِي عبد الله بنُ الصَّامِتِ، فَأَلقَيتُ لَهُ كُرسِيًّا فَجَلَسَ عَلَيهِ، فَذَكَرتُ لَهُ صَنِيعَ ابنِ زِيَادٍ فَعَضَّ عَلَى شَفَتهِ، فَضَرَبَ فَخِذِي وَقَالَ: إِنِّي سَأَلتُ أَبَا ذَرٍّ كَمَا سَأَلتَنِي فَضَرَبَ فَخِذِي كَمَا ضَرَبتُ فَخِذَكَ وَقَالَ: إِنِّي سَأَلتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَمَا سَأَلتَنِي، فَضَرَبَ فَخِذِي كَمَا ضَرَبتُ فَخِذَكَ وَقَالَ: صَلِّ الصَّلاةَ لِوَقتِهَا، فَإِن أَدرَكَتكَ الصَّلاةُ مَعَهُم فَصَلِّ، وَلا تَقُل إِنِّي قَد صَلَّيتُ فَلا أُصَلِّي.\nرواه أحمد (٥/ ١٤٧ و١٦٠)، ومسلم (٦٤٨) (٢٤٢)، والنسائي (٢/ ٧٥ و١١٣).\n* * *\nــ\nما يجب أداؤها. وفيه جواز فعل الصلاة مرتين، ويحمل النهي عن إعادة الصلاة على إعادتها من غير سبب، وتأخير ابن زياد الصلاة على رأي بني أمية في تأخيرهم الصلوات، وضرب النبي - ﷺ - على فخذ أبي ذر تنبيهٌ له على الاستعداد لقبول ما يلقى إليه.\nوقوله ولا تقل إني قد صليت فلا أصلي، نهاه عن إظهار خلافٍ على الأئمة، ولذلك قال: إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبدًا مُجَدَّع الأطراف (١).\n* * *\n_________\n(١) رواه مسلم (١٨٣٧).","vol":"2","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-222>(٧٦) باب صلاة الفذ جائزة، والجماعة أفضل</span>\n[٥٣٤]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: صَلاةُ الجَمَاعَةِ أَفضَلُ مِن صَلاةِ أَحَدِكُم وَحدَهُ بِخَمسَةٍ وَعِشرِينَ جُزءًا.\nرواه أحمد (٢/ ٤٨٤)، والبخاري (٤٧٧)، ومسلم (٦٤٩) (٢٤٥)، وأبو داود (٥٥٩)، والترمذي (٦٠٣)، وابن ماجه (٧٨٦).\nــ\n(٧٦) ومن باب: صلاة الفذ جائزة، والجماعة أفضل\nقوله صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءًا، وفي حديث ابن عمر بسبع وعشرين درجة، اختلف في الجزء والدرجة؛ هل مقدارهما واحد أو لا؟ فقيل: الدرجة أصغر من الجزء، فكأن الخمسة والعشرين إذا جُزِّئت درجات كانت سبعًا وعشرين. وقيل: يحمل على أن الله تعالى كتب فيها أنها أفضل بخمسة وعشرين جزءًا، ثم تفضل بزيادة درجتين. وقيل: إن هذا بحسب أحوال المصلين، فمن حافظ على آداب الجماعة واشتدت عنايته بذلك كان ثوابه سبعًا وعشرين، ومن نقص عن ذلك كان ثوابه خمسًا وعشرين. وقيل: إنه راجع إلى أعيان الصلوات، فيكون على بعضها سبعًا وعشرين وعلى بعضها خمسًا وعشرين، والله تعالى أعلم.\nوهذا الحديث رد على داود في قوله: إن من صلى فذًّا وترك الجماعة لا تجزئه صلاته. ووجه الرد عليه أنه - ﷺ - قال صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ، فشّرك بينهما في الفضيلة، وذلك لا يكون إلا بعد الحكم بصحة كل صلاة منهما. وقد نص على هذا المعنى في الرواية التي قال فيها: صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته وحده سبعًا وعشرين درجة. ولا تتحقق الزيادة إلا بعد","vol":"2","page":274},{"text":"[٥٣٥]- وعَنِ ابنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: صَلاةُ الجَمَاعَةِ أَفضَلُ مِن صَلاةِ الفَذِّ بِسَبعٍ وَعِشرِينَ دَرَجَةً.\nوَفِي رِوَايَةٍ: صَلاةُ الرَّجُلِ فِي الجَمَاعَةِ تَزِيدُ عَلَى صَلاتِهِ وَحدَهُ سَبعًا وَعِشرِينَ.\nرواه أحمد (٢/ ١٠٢)، والبخاري (٦٤٥)، ومسلم (٦٥٠)، والترمذي (٢١٥)، والنسائي (٢/ ١٠٣)، وابن ماجه (٧٨٩).\n* * *\nــ\nثبوت المزيد عليه وتحققه، وقد أفادت هذه الزيادة أن المصلي في جماعة يكون له ثمانية وعشرون جزءًا باعتبار الأصل الذي زيد عليه سبع وعشرون، ويكون للمصلي وحده جزء واحد. لا يقال: إن لفظة أفعل قد تَرِد لإثبات صفة في إحدى الجهتين ونفيها عن الأخرى، وأفعل المضافة إلى صلاة الفذ كذلك؛ لأنا نقول: إنما يصح ذلك في أفعل مطلقًا غير مقرون بمن، كقوله ﵎: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحسَنُ الخَالِقِينَ﴾ وقد اختلف العلماء في هذا الفضل المضاف للجماعة؛ هل هو لأجل الجماعة فقط حيث كانت؟ أو إنما يكون ذلك الفضل للجماعة التي تكون في المسجد لما يلازم ذلك من أفعال تختص بالمساجد كإكثار الخطا إلى المساجد وكتب الحسنات ومحو السيئات بكل خطوة وانتظار الصلاة ودعاء الملائكة ومراعاة آداب دخول المسجد إلى غير ذلك؟ والظاهر الأول؛ لأن الجماعة هو الوصف الذي علق عليه الحكم. ثم إذا قلنا ذلك لأجل الجماعة، فهل تفضل جماعة جماعة بالكثرة؟ المشهور عن مالك أنه لا فضل لجماعة على جماعة. وقال ابن حبيب: بل تفضل جماعة جماعة بالكثرة وفضيلة الإمام. وعلى المشهور: فمن صلى في جماعة فلا يعيد في أكثر منها، وعليه عامة العلماء إلا ما روي عن مالك وغيره من إعادتها في المساجد الثلاثة في الجماعة.","vol":"2","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-223>(٧٧) باب التغليظ في التخلف عن الجماعة والجمعة</span>\n[٥٣٦]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنَّ أَثقَلَ صَلاةٍ عَلَى المُنَافِقِينَ صَلاةُ العِشَاءِ وَصَلاةُ الفَجرِ، وَلَو يَعلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأَتَوهُمَا وَلَو حَبوًا، وَلَقَد هَمَمتُ أَن آمُرَ بِالصَّلاةِ فَتُقَامَ ثُمَّ آمُرَ رَجُلا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُم حُزَمٌ مِن حَطَبٍ إِلَى قَومٍ لا يَشهَدُونَ الصَّلاةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيهِم بُيُوتَهُم بِالنَّارِ.\nــ\n(٧٧) ومن باب: التغليظ في التخلف عن الجماعة\nثقل صلاة العشاء والفجر على المنافقين للمشقة اللاحقة من المحافظة عليهما لأنهما في وقت نوم وركون إلى الراحة، ولمشقة الخروج إليهما في الظلمة، إلى غير ذلك، فلا يتجشَّم هذه المشاق إلا من تيقن ثواب الله ورجاه وخاف عقاب الله واتقاه، وذلك هو المؤمن. وأما المنافق فكما قال الله تعالى فيهم: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا﴾\nوقوله ولو يعلمون ما فيهما؛ أي في فعلهما من الثواب وفي تركهما من العقاب لأتوهما أي لجاؤوا إليهما ولو حبوا؛ أي محتبين يزحفون على ألياتهم من مرض أو آفة.\nوقوله ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام إلى قوله فأحرق عليهم، استدل بهذا الهمّ داود وعطاء وأحمد وأبو ثور على أن صلاة الجماعة فرض، ولا حجة لهم فيه؛ لأنه هَمَّ ولم يفعل، وإنما مخرجه مخرج التهديد والوعيد للمنافقين الذين كانوا يتخلفون عن الجماعة والجمعة، وقد كان التخلف عن الصلاة في الجماعة علامة من علامات النفاق عندهم كما قال عبد الله بن مسعود:","vol":"2","page":276},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ تحرق بُيُوت عَلَى مَن فِيهَا.\nــ\nلقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق. وكما قال ﷺ: بيننا وبين المنافقين شهود العتمة والصبح، لا يستطيعونهما! (١)\nويفيد هذا الحديث تأكُّدَ أمر شهود الصلوات في الجماعة، ولذلك قال جماعة من أمتنا: إن الجماعة فيها واجبة على الكفاية، من أجل أن إقامة السنن وإحياءها واجب على الكفاية؛ أي تركها يؤدي إلى إماتتها. وذهب عامة العلماء إلى أنها سنة مؤكدة، كما قد دللنا عليه بقوله صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ (٢)؛ إذ حاصله أن صلاة الفذ صحيحة ووقوعها في الجماعة أفضل. قال القاضي عياض: اختلف في التمالؤ (٣) على ترك ظاهر السنن هل يقاتل عليه أم لا؟ والصحيح قتالهم؛ لأن في التمالي عليها إماتتها.\nقلت: ويحتمل أن يكون ذلك التهديد لقوم من المؤمنين صلوا في بيوتهم لأمر توهّموه مانعًا ولم يكن كذلك. ويؤيد هذا التأويل ما في كتاب أبي داود من الزيادة في هذا الحديث، فقال: لقد هممت أن آمر فتيتي فيجمعوا حزمًا من حطب، ثم آتي قومًا يصلّون في بيوتهم ليست بهم علّة فأحرقها عليهم. والمنافقون لا يصلون في بيوتهم، إنما يصلون في الجماعة رياء وسمعة، وأما إذا خلوا فكما وصفهم الله تعالى به من الكفر والاستهزاء. وعلى هذا التأويل تكون هذه الجماعة المهدَّد على التخلُّف عنها هي الجمعة، كما قد نص عليه في حديث عبد الله بن مسعود، فيحمل المطلق منهما على المقيَّد، والله تعالى أعلم.\nوفي هذا الحديث دليل على جواز العقوبة في المال.\nوفي قوله ثم تُحَرَّق بيوتٌ على من فيها ما يدل على أن تارك الصلاة\n_________\n(١) رواه مالك في الموطأ (١/ ١٣٠) من حديث زيد بن ثابت ﵁.\n(٢) سبق تخريجه برقم (٥٣٤).\n(٣) أي: التمالؤ، وهو الاجتماع على الشيء.","vol":"2","page":277},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: ولو علم أحدهم أنه يجد عظمًا سمينًا لشهدها؛ يعني صلاة العشاء.\nرواه أحمد (٢/ ٤٢٤)، والبخاري (٢/ ٤٤) تعليقًا، ومسلم (٦٥١) (٢٥٢ و٢٥٣)، وأبو داود (٥٤٨ و٥٤٩)، والترمذي (٢١٧)، والنسائي (٢/ ١٠٧)، وابن ماجه (٧٩٧).\n[٥٣٧] وعَن عَبدِ الله أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لِقَومٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الجُمُعَةِ: لَقَد هَمَمتُ أَن آمُرَ رَجُلا يُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ أُحَرِّقَ عَلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الجُمُعَةِ بُيُوتَهُم.\nرواه أحمد (١/ ٤٠٢ و٤٤٩ و٤٦١)، ومسلم (٦٥٢).\nــ\nمتهاونًا يقتل، وفيه جواز أخذ أهل الجرائم على غِرَّة.\nوقوله ولو علم أحدهم أنه يجد عظمًا سمينًا لشهدها، وقال البخاري في آخِرَ هذا الحديث: والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقًا سمينًا أو مِرمَاتين حسنتين لشهد العشاء! والعرق والعراق: العظم الذي عليه اللحم. والمرماة - بكسر الميم - صحيح الرواية فيه كذلك. وقد اختلف فيها؛ فقال ابن حبيب: هما السهمان. وقال الأخنس: المرماة لعبة كانوا يلعبونها بنصال محددة يرمونها في كوم من تراب، فأيهم أثبتها في الكوم غلب. وهي المرماة والمدحاة، والجمع مرام ومداح. وقال أبو عبيد: المرماة ما بين ظلفي الشاة. ومعنى هذا الحديث أن المنافق لجهله بما أعدّ الله على شهودها في الجماعة يكسل عنها وتثقل عليه، ولقلة رغبته في أعمال الخير، فلو عَنَّ له حظ يسير من الدنيا كالمرماة أو كالعرق لبادر إليه وأتى المسجد في أي وقت كان إذا كان ذلك الحظ في المسجد، والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":278},{"text":"[٥٣٨] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - رَجُلٌ أَعمَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ لَيسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى المَسجِدِ! فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَن يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّيَ فِي بَيتِهِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ: هَل تَسمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلاةِ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: فَأَجِب.\nرواه مسلم (٦٥٣)، والنسائي (٢/ ١٠٩).\n(٦٥٤) (٢٥٧) [٥٣٩]- وعَن عَبدِ الله قَالَ: مَن سَرَّهُ أَن يَلقَى الله غَدًا مُسلِمًا فَليُحَافِظ عَلَى هَؤُلاءِ الصَّلَوَاتِ حَيثُ يُنَادَى بِهِنَّ، فَإِنَّ الله - ﷿ -\nــ\nوقول أبي هريرة أتى النبي - ﷺ - رجلٌ أعمى هو ابن أم مكتوم على ما ذكره أبو داود والدارقطني (١).\nوقوله فرخص له، فلما ولى دعاه، هذا الترخيص إنما كان من النبي - ﷺ - بناء منه على أنه لما لم يكن له قائد يقوده تعذّر عليه المشي إلى المسجد، ثم إنه لما تبين له من حاله أنه يتمكن من ذلك كما قد يتفق لبعض العميان قال له: لا أجد لك رخصة - كما رواه أبو داود في هذا الخبر. ودليل صحة ما ذكرناه أنه - ﷺ - لو تحقق له عذرًا (٢) لعذره كما رخص لعتبان (٣)، ولما قد أجمعت الأمة عليه من سقوط حضور الجماعة عن ذَوي الأعذار.\nوقوله ﷺ هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم. قال: أجب! يدل على أن ذلك كان في الجمعة، وحينئذ لا تكون فيه حجة لداود ولا لمن استدل به\n_________\n(١) رواه أبو داود (٥٥٣)، والنسائي (٢/ ١١٠)، وابن ماجه (٧٩٢)، والدارقطني (١/ ٣٨١) من حديث ابن أم مكتوم ﵁.\n(٢) في المعجم: تحقَّق فلانٌ الشيءَ.\n(٣) سيرد في التلخيص برقم (٥٤٣).","vol":"2","page":279},{"text":"شَرَعَ لِنَبِيِّكُم - ﷺ - سُنَنَ الهُدَى، وَإِنَّهُنَّ مِن سُنَنِ الهُدَى، وَلَو أَنَّكُم صَلَّيتُم فِي بُيُوتِكُم كَمَا يُصَلِّي هَذَا المُتَخَلِّفُ فِي بَيتِهِ لَتَرَكتُم سُنَّةَ نَبِيِّكُم ﷺ، وَلَو تَرَكتُم سُنَّةَ نَبِيِّكُم لَضَلَلتُم، وَمَا مِن رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ فَيُحسِنُ الطُّهُورَ ثُمَّ يَعمِدُ إِلَى مَسجِدٍ مِن هَذِهِ المَسَاجِدِ إِلا كَتَبَ الله لَهُ بِكُلِّ خَطوَةٍ يَخطُوهَا حَسَنَةً وَيَرفَعُهُ بِهَا دَرَجَةً وَيَحُطُّ عَنهُ بِهَا سَيِّئَةً، وَلَقَد رَأَيتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنهَا إِلا مُنَافِقٌ مَعلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَد كَانَ الرَّجُلُ يُؤتَى بِهِ يُهَادَى بَينَ الرَّجُلَينِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ.\nرواه مسلم (٦٥٤) (٢٥٧)، وأبو داود (٥٥٠)، والنسائي (٢/ ١٠٧ و١٠٩)، وابن ماجه (٧٧٧).\n* * *\nــ\nعلى وجوب الجماعة في غير الجمعة، ولو سُلِّم أن المراد به الجماعة لسائر الصلوات لأمكن أن يقال: كان ذلك سدًّا لباب الذريعة إلى إسقاطها لأجل المنافقين، كما قال عبد الله: ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق أو مريض.\nوقوله في حديث ابن مسعود ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتموها لضللتم، هذا يصلح أن يتمسك به من قال إن إقامة الجماعة للصلوات فرض على الكفاية كما حكيناه، ويصلح لمن يقول إنها سنة، ويكون إطلاقه الضلال على التاركين إذا تمالؤوا على تركها كما قدمناه. والضلال ضد الهدى، وأصله من ضلَّ عن الطريق إذا أخطأه وعدل عنه. والسَّنَنُ روي بفتح السين وهو الطريق، وبضمها جمع سُنَّة وهي الطريقة. ويهادَى بين الرجلين: يتماشى بينهما معتمدًا عليهما لمرضه وضعفه، والله أعلم.","vol":"2","page":280},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-224>(٧٨) باب النهي عن الخروج من المسجد بعد الأذان، وفضل العشاء والصبح في جماعة</span>\n[٥٤٠]- عَن أبي هُرَيرَةَ - وَرَأَى رَجُلا يَجتَازُ المَسجِدَ خَارِجًا بَعدَ الأَذَانِ، فَقَالَ: أَمَّا هَذَا فَقَد عَصَى أَبَا القَاسِمِ ﷺ.\nرواه مسلم (٦٥٥) (٢٥٨)، وأبو داود (٥٣٦)، والترمذي (٢٠٤)، والنسائي (٢/ ٢٩)، وابن ماجه (٧٣٣).\n[٥٤١]- وعَن عُثمَانُ بنُ عَفانَ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: مَن صَلَّى العِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصفَ اللَّيلِ، وَمَن صَلَّى الصُّبحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيلَ كُلَّهُ.\nــ\n(٧٨) ومن باب: النهي عن الخروج من المسجد بعد الأذان\nقول أبي هريرة في الخارج من المسجد أما هذا فقد عصى أبا القاسم محمول على أنه حديث مرفوع إلى رسول الله ﷺ؛ بدليل ظاهر نسبته إليه في معرض الاحتجاج به، وما كان يليق بواحد منهم للذي عُلِم من دينهم وأمانتهم وضبطهم وبعدهم عن التدليس ومواقع الإيهام، وكأنه سمع ما يقتضي تحريم الخروج من المسجد بعد الأذان فأطلق لفظ المعصية، فإذا ثبت هذا استُثمر منه أن من دخل المسجد لصلاة فرض فأذن مؤذنٌ ذلك الوقت حَرُمَ عليه أن يخرج منه لغير ضرورة حتى يُصلي فيه تلك الصلاة؛ لأن ذلك المسجد تعين لتلك الصلاة، أو لأنه إذا خرج قد يمنعه مانع من الرجوع إليه أو إلى (١) غيره فتفوته الصلاة.\nوقوله من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف ليلة، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله، معناه: قام نصف ليلة لم يصل فيها\n_________\n(١) من (ظ) و(ط).","vol":"2","page":281},{"text":"رواه أحمد (١/ ٥٨)، ومسلم (٦٥٦) (٢٦٠)، وأبو داود (٥٥٥)، والترمذي (٢٢١).\n[٥٤٢]- وعَن جُندَبَ بنَ عَبدِ الله القَسرِيّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَن صَلَّى صَلاةَ الصُّبحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ الله، فَلا يَطلُبَنَّكُمُ الله مِن ذِمَّتِهِ بِشَيءٍ، فَإِنَّهُ مَن يَطلُبهُ مِن ذِمَّتِهِ بِشَيءٍ يُدرِكهُ ثُمَّ يَكُبَّهُ عَلَى وَجهِهِ فِي النار.\nرواه أحمد (٤/ ٣١٣)، ومسلم (٦٥٧) (٢٦٢)، والترمذي (٢٢٢).\n* * *\nــ\nالعتمة والصبح في جماعة؛ إذ لو صلى ذلك في جماعة لحصل له فضلها وفضل القيام.\nوقوله من صلّى الصبح فهو في ذمّة الله؛ أي في أمان الله وفي جواره، أي قد استجار بالله تعالى والله تعالى قد أجاره، فلا ينبغي لأحد أن يتعرض له بضر أو أذى، فمن فعل ذلك فالله يطلب بحقه، ومن يطلبه لم يجد مفرًّا ولا ملجأ، وهذا وعيد شديد لمن يتعرض للمصلين وترغيب في حضور صلاة الصبح، ويكبه في النار يقلبه فيها (١) على وجهه.\n* * *\n_________\n(١) من (ظ) و(ط).","vol":"2","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-225>(٧٩) باب الرخصة في التخلف عن الجماعة للعذر</span>\n[٥٤٣]- عَن مَحمُودِ بنَ الرَّبِيعِ الأَنصَارِيِّ أَنَّ عِتبَانَ بنَ مَالِكٍ - وَهُوَ مِن أَصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، مِمَّن شَهِدَ بَدرًا مِنَ الأَنصَارِ، أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي قَد أَنكَرتُ بَصَرِي، وَأَنَا أُصَلِّي لِقَومِي، وَإِذَا كَانَتِ الأَمطَارُ سَالَ الوَادِي الَّذِي بَينِي وَبَينَهُم وَلَم أَستَطِع أَن آتِيَ مَسجِدَهُم فَأُصَلِّيَ لَهُم، ووَدِدتُ أَنَّكَ يَا رَسُولَ اللهِ تَأتِيني فَتُصَلِّي فِي مُصَلًّى أَتَّخِذَهُ مُصَلًّى! قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: سَأَفعَلُ إِن شَاءَ الله. قَالَ عِتبَانُ: فَغَدَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ حِينَ ارتَفَعَ النَّهَارُ، فَاستَأذَنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَأَذِنتُ لَهُ، فَلَم يَجلِس حَتَّى دَخَلَ البَيتَ، ثُمَّ قَالَ: أَينَ تُحِبُّ أَن أُصَلِّيَ مِن بَيتِكَ؟ قَالَ: فَأَشَرتُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ البَيتِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَكَبَّرَ، فَقُمنَا وَرَاءَهُ، فَصَلَّى رَكعَتَينِ ثُمَّ سَلَّمَ، قَالَ: وَحَبَسنَاهُ عَلَى خَزِيرةٍ صَنَعنَاهُ\nــ\n(٧٩) ومن باب: الرخصة في التخلف عن الجماعة للعذر\nقوله أنكرت بصري؛ أي عميت بعد أن لم أكن كذلك، وفي هذا الحديث أنه أباح له الصلاة في بيته لتحقق عذره، ولأن مثل هذا لا يقدر على الوصول مع الأمطار وسيل الوادي وكونه أعمى، وهذا بخلاف عذر الأعمى الذي في حديث أبي هريرة المتقدم؛ إذ قال له لا أجد لك رخصة، وقد تقرر الإجماع المتقدم على أن من تحقق عذره أبيح له التخلف عن الجماعة والجمعة، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.\nوالخزيرة قال فيها ابن قتيبة: هي لحم يقطع صغارًا ثم يصب عليها ماء كثير، فإذا نضج ذُرّ عليه الدقيق، فإن لم يكن فيها لحم فهي عصيدة. وقال","vol":"2","page":283},{"text":"لَهُ - وَفِي رِوَايَةٍ: جَشِيشَةٍ. قَالَ: فَثَابَ رِجَالٌ مِن أَهلِ الدَّارِ حَولَنَا، حَتَّى اجتَمَعَ فِي البَيتِ رِجَالٌ ذَوُو عَدَدٍ، فَقَالَ قَائِلٌ مِنهُم: أَينَ مَالِكُ بنُ الدُّخشُم؟ فَقَالَ بَعضُهُم: ذَلِكَ مُنَافِقٌ لا يُحِبُّ الله وَرَسُولَهُ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لا تَقُل لَهُ ذَلِكَ، أَلا تَرَاهُ قَد قَالَ لا إِلهَ إِلا الله يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجهَ الله! قَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعلَمُ. قَالَ: فَإِنَّمَا نَرَى وَجهَهُ وَنَصِيحَتَهُ لِلمُنَافِقِينَ! قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَإِنَّ الله حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَن قَالَ لا إِلهَ إِلا الله يَبتَغِي بِذَلِكَ وَجهَ الله.\nقَالَ ابن شهاب الزُّهرِيِّ: ثُمَّ نَزَلَت بَعدَ ذَلِكَ فَرَائِضُ وَأُمُورٌ نَرَى أَنَّ الأَمرَ انتَهَى إِلَيهَا، فَمَنِ استَطَاعَ أَن لا يَغتَرَّ فَلا يَغتَرَّ.\nوَفِي رِوَايَةٍ قاَلَ مَحمُودُ بنُ الرَبِيعِ: إِنّي لأَعقِلُ مَجَّةً مَجَّهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِن دَلوٍ فِي دَارِناَ.\nــ\nأبو الهيثم: إذا كانت من دقيق فهي حريرة، وإذا كانت من نخالة فهي خزيرة. قال ابن السكيت: الخزيرة اللفيتَةُ من لبن أو ماء ودقيق. قلت: وقد سماها في الرواية الأخرى جشيشة. قال شمر: هي أن تطحن الحنطة قليلا ثم يلقى فيها لحم أو تمر فيطبخ فيه. وقال النضر: الخزيرة من النخالة، والحريرة من اللبن.\nوقوله فثاب رجال، قال النضر: المثابة المجمع والمرجع، وأصله من ثاب إلى كذا أي رجع، وقد تقدم الكلام على قوله إن الله حرَّم على النار من قال لا إله إلا الله (١).\nوقول محمود إني لأعقل مَجَّةً مَجَّها رسول الله - ﷺ - من دلو في دارنا؛\n_________\n(١) سبق هذا برقم (٢٣) وهو في صحيح مسلم برقم (٢٩).","vol":"2","page":284},{"text":"رواه أحمد (٤/ ٤٤)، والبخاري (٦٤٢٢)، ومسلم (٣٣) في المساجد (٢٦٣ و٢٦٤ و٢٦٥)، والنسائي (٢/ ٨٠).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>(٨٠) باب صلاة النفل في جماعة، والصلاة على البسط وإن عتقت وامتهنت</span>\n[٥٤٤]- عَن إِسحاَقَ بنِ عَبدِ الله بنِ أَبِي طَلحَةَ، عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيكَةَ دَعَت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لِطَعَامٍ صَنَعَتهُ، فَأَكَلَ مِنهُ ثُمَّ قَالَ:\nــ\nأي في وجهه، والمجّ: طرح الماء وغيره من الفم، كما قال:\nيَمُجُّ لُعَاعَ البَقل في كُلّ مَشربِ\nوإنما فعل النبي - ﷺ - ذلك مباسطة للصبي وتَأنِيسًا له، كما قال: يا أبا عمير، ما فعل النغير؟ (١) أو لعله إنما فعل هذا ليعقل هذا الفعل منه لصغره، فيحصل له بذلك تأكيد في فضيلة الصحبة ونقل شيء عنه - ﵊ - كما كان، وكان محمود إذ ذاك ابن أربع سنين، وقيل ابن خمسٍ سنين. وفيه دليل على جواز سماع الصغير إذا عقل وتثبت ثم نقله في كبره، وهذا الحديث فيه أبواب من الفقه لا تخفى على فطن متأمل، والله الموفق للصواب.\n(٨٠) ومن باب: صلاة النفل في جماعة\nالضمير في قوله أن جدته مليكة عائد على إسحاق بن عبد الله، وهي أم أبيه عبد الله بن أبي طلحة، ومالك هو القائل أن جدته - قاله أبو عمر، وغلّط\n_________\n(١) رواه البخاري (٦١٢٩)، ومسلم (٢١٥٠)، وأبو داود (٤٩٦٩)، والترمذي (٣٣٣) من حديث أنس بن مالك ﵁.","vol":"2","page":285},{"text":"قُومُوا فَأُصَلِّيَ لَكُم. قَالَ أَنَسُ بنُ مَالِكٍ: فَقُمتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسوَدَّ مِن طُولِ مَا لُبِسَ، فَنَضَحتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَصَفَفتُ أَنَا وَاليَتِيمُ وَرَاءَهُ، وَالعَجُوزُ مِن وَرَائِنَا، فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَكعَتَينِ ثُمَّ انصَرَفَ.\nرواه أحمد (٣/ ١٣١ و١٦٤)، والبخاري (٣٨٠)، ومسلم (٦٥٨)، وأبو داود (٦١٢)، والترمذي (٢٣٤)، والنسائي (٢/ ٥٦ - ٥٧).\nــ\nغيرُه هذا القول وقال: بل مليكة جدة أنس أم أمه، وعليه يعود الضمير، وهو القائل أن جدته، والرواية الصحيحة مُلَيكَة بضم الميم وفتح اللام، وذكر ابن عتابٍ عن الأصيلي أنها مَلِيكة بفتح الميم وكسر اللام.\nوقوله فنضحته بماء، قال إسماعيل بن إسحاق: إنما نضحه ليلين وليتوطّأ للصلاة، والأظهر قول غيره: إن ذلك إما لنجاسة متيقنة فيكون النضح هنا غَسلا، أو متوقعة لامتهانه طول افتراشه، فيكون رشًّا لزوال الشك وتطييب النفس، وهذا هو الأليق، لا سيما وقد كان عندهم أبو عمير أخو أنس طفلا صغيرًا حينئذ.\nوقوله فصففت أنا واليتيم (١) وراءه حجة لكافة أهل العلم في أن هذا حكم الاثنين خلف الإمام، وعلى أبي حنيفة والكوفيين إذ يقولون: يقومان عن يمينه ويساره.\nوقوله والعجوز من ورائنا، هذا حكم قيام المرأة خلف الإمام، ولا خلاف فيه. ويجوز أن يتمسك به على أن المرأة لا تؤم الرجال لأنها إذا كان\n_________\n(١) هو ضيمر بن سعد الحميري.","vol":"2","page":286},{"text":"[٥٤٥]- وعَن أَنَسِ أَيضًا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَحسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، فَرُبَّمَا تَحضُرُه الصَّلاةُ وَهُوَ فِي بَيتِنَا، قال: فَيَأمُرُ بِالبِسَاطِ الَّذِي تَحتَهُ فَيُكنَسُ ثُمَّ يُنضَحُ، ثُمَّ يَؤُمُّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَنَقُومُ خَلفَهُ فَيُصَلِّي بِنَا. قَالَ: وَكَانَ بِسَاطُهُم مِن جَرِيدِ النَّخلِ.\nرواه أحمد (٣/ ١٤٧ و١٨٥)، ومسلم (٦٥٩).\n[٥٤٦]- وعَنهُ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَينَا، وَمَا هُوَ إِلا أَنَا وَأُمِّي وَأُمُّ\nــ\nمقامها في الائتمام متأخرًا عن مرتبة الرجال فأبعد أن تتقدمهم، وهو قول الجمهور خلافًا للطبري وأبي ثور في إجازتهما إمامة النساء للنساء والرجال جملة، وحكي عنهما إجازة ذلك في التراويح إذا لم يوجد قارئ غيرها. واختلف في إمامتها النساء؛ فذهب مالك وأبو حنيفة وجماعة من العلماء إلى منع إمامتها للنساء، وأجاز ذلك الشافعي، وفيه رواية شاذة عن مالك.\nوفي هذا الحديث أبواب من الفقه؛ منها: الصلاة على ما تُنبِتُه الأرض؛ فإن هذا الحصير كان من جريد النخل، كما قاله في الرواية الأخرى، ولا خلاف في هذا. وما رُوي عن عمر بن عبد العزيز من خلاف هذا إنما كان لأن مباشرة الأرض أبلغ في التواضع. وفيه أن الافتراش يسمى لباسًا، فمن حلف ألا يلبس ثوبًا فافترشه وجلس عليه حنث، وعلى هذا لا يفترش الرجل الحرير فيجلس عليه، وهو مذهب مالك وكافة العلماء خلافًا لعبد الملك ومن قال بقوله في إجازة الافتراش. وفيه حجة على أن من يعقل الصلاة من الصبيان حكمهم في القيام خلف الإمام حكم الرجال، وهو مذهب الجمهور، وروي عن أحمد كراهة ذلك، وقال: لا يقوم مع الناس إلا من قد بلغ. وروي عن عمر بن الخطاب وغيره أنه كان إذا أبصر صبيًّا في الصف أخرجه، وهذا عند الكافة محمول على من لا يعقل الصلاة ولا يكف عن العبث فيها.","vol":"2","page":287},{"text":"حَرَامٍ خَالَتِي، فَقَالَ: قُومُوا فَلأُصَلِّيَ لكُم - فِي غَيرِ وَقتِ صَلاةٍ، فَصَلَّى بِنَا، فَقَالَ رَجُلٌ لِثَابِتٍ: أَينَ جَعَلَ أَنَسًا مِنهُ؟ قَالَ: جَعَلَهُ عَلى يَمِينِهِ، ثُمَّ دَعَا لَنَا أَهلَ البَيتِ بِكُلِّ خَيرٍ مِن خَيرِ الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، فَقَالَت أُمِّي: يَا رَسُولَ اللهِ، خُوَيدِمُكَ ادعُ الله لَهُ! قَالَ: فَدَعَا لِي بِكُلِّ خَيرٍ، وَكَانَ فِي آخِرِ مَا دَعَا لِي بِهِ أَن قَالَ: اللهمَّ أَكثِر مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَبَارِك لَهُ فِيهِ.\nرواه أحمد (٣/ ١٩٤)، والبخاري (٦٣٣٤)، ومسلم (٦٦٠)، (٢٦٨)، والترمذي (٣٨٢٧).\nــ\nوقوله قوموا فلأُصلي لكم، هذه اللفظة رويناها هنا فلأصلي بكسر اللام، فلأصليَ لكم وفتح الياء على أنها لام كي، والفاء زائدة، وقد جاءت زائدة في مواضع؛ منها قولهم زيد فمنطلق، كما قال:\nوقائلة خَولانُ فانكح فتاتهم (١) ... . . . . . . . . . . . .\nوهو مذهب الأخفش فيما سمعت، وقد روي بكسر اللام وجزم الياء على أنه أمر نفسه، كما يقال لأقم ولأقعد، وقد روي بفتح اللام وإثبات الياء ساكنة وهي أشدها؛ لأن اللام تكون جواب قسم محذوف، وحينئذ يلزمها النون في الأَعرَف.\nوقوله اللهم أكثر ماله وولده حجة على جواز الدعاء في تكثير المال والولد، لكن مع الدعاء بالبركة والاجتهاد في كفاية الفتنة، وبذلك كمل لأنس خير الدنيا والآخرة، وهذا الحديث عَلَم من أعلام نبوة النبي - ﷺ - لأنه استجيب له في أنس فكثر ماله وولده.\n_________\n(١) وعجزه: وأكرومة الحيين خِلْوٌ كما هيا.","vol":"2","page":288},{"text":"[٥٤٧]- وَعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدَرِي أَنَّه دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَوَجَدَهُ يُصَلِّي عَلَى حَصِيرٍ يَسجُدُ عَلَيهِ.\nرواه مسلم (٦٦١)، وابن ماجه (١٠٢٩).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>(٨١) باب فضل انتظار الصلاة في المسجد</span>\n[٥٤٨]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: صَلاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلاتِهِ فِي بَيتِهِ وَصَلاتِهِ فِي سُوقِهِ بِضعًا وَعِشرِينَ دَرَجَةً، وَذَلِكَ أَنَّ أَحَدَهُم إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى المَسجِدَ لا يَنهَزُهُ إِلا الصَّلاةُ لا يُرِيدُ إِلا الصَّلاةَ،\nــ\n(٨١) ومن باب: فضل انتظار الصلاة\nقوله لا ينهزه إلا الصلاة؛ أي لا يحركه إلا إرادة الصلاة، ومنه: انتهز الفرصة؛ أي: تحرك إليها وحصّلها.\nوقوله ما لم يحدث فيه قد فسره أبو هريرة بما ذكر في الأصل، وهو منه تمسك بالعرف الشرعي، وقد فسره غيره بأنه الحدث الذي يصرفه عن إحضار فضل انتظار الصلاة، ويحمله على الإعراض عن ذلك، سواء كان مسوغًا أو غير مسوغ، وهو تمسك بأصل اللغة، حمله بعضهم على إحداث مأثم، والله أعلم، وقد تقدم الكلام في البضع.\nوهذا الحديث يفهم منه أن فضل الجماعة لم يكن لأجل الجماعة فقط، بل لما يلازمها من الأحوال كقصد الجماعة ونقل الخطا وانتظار الصلاة وصلاة الملائكة عليه وغير ذلك، ويعتضد بهذا الحديث مالك لمذهبه في قوله:","vol":"2","page":289},{"text":"فَلَم يَخطُ خُطوَةً إِلا رُفِعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَحُطَّ عَنهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، حَتَّى يَدخُلَ المَسجِدَ، فَإِذَا دَخَلَ المَسجِدَ كَانَ فِي الصَّلاةِ مَا كَانَتِ الصَّلاةُ هِيَ تَحبِسُهُ، وَالمَلائِكَةُ يُصَلُّونَ عَلَى أَحَدِكُم مَا دَامَ فِي مَجلِسِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، يَقُولُونَ: اللهمَّ ارحَمهُ، اللهمَّ اغفِر لَهُ، اللهمَّ تُب عَلَيهِ - مَا لَم يُؤذِ فِيهِ، مَا لَم يُحدِث فِيهِ.\nقِيلَ لأَبِي هُرَيرَةَ: مَا يُحدِثُ؟ قَالَ: يَفسُو ويَضرِط.\nرواه أحمد (٢/ ٢٥٢ و٤٧٥)، والبخاري (٦٤٧)، ومسلم (٦٤٩) في المساجد (٢٧٢)، وأبو داود (٥٥٩)، والترمذي (٦٠٣). وابن ماجه (٨٧٦).\n* * *\nــ\nلا تفضل جماعةٌ جماعةً لاشتراكهم في تلك الأمور.\nوقوله فلم يخط خطوة بضم الخاء - الرواية - وهي واحدة الخُطا، وهي ما بين القدمين، فأما الخطوة - بفتح الخاء - فهي المصدر واحدة الخَطو، فالضم للاسم والفتح للمصدر.\nوقوله ما لم يؤذ فيه؛ أي ما لم يصدر عنه ما يتأذى به بنو آدم والملائكة، قلت: ويحتمل قوله ما لم يحدث فيه أن يكون بدلا من قوله ما لم يؤذ فيه.\nوقوله إلا رفع له بها درجة وحُطّ عنه بها خطيئة، قال الداودي: إن كانت له ذنوب حُطّت عنه، وإلا رفعت له درجات. قلت: وهذا يقتضي أن الحاصل بالخُطوة درجة واحدة، إما الحَطّ وإما الرفع. وقال غيره: بل الحاصل بالخطوة الواحدة ثلاثة أشياء؛ لقوله في الحديث الآخر: كتب الله له بكل خطوة حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط بها عنه سيئة (١) - والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) سبق تخريجه برقم (٥٣٩).","vol":"2","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-228>(٨٢) باب من كانت داره عن المسجد أبعد كان ثوابه في إتيانه أكثر</span>\n[٥٤٩]- عَن أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنَّ أَعظَمَ النَّاسِ أَجرًا فِي الصَّلاةِ أَبعَدُهُم إِلَيهَا مَمشًى، فَأَبعَدُهُم، وَالَّذِي يَنتَظِرُ الصَّلاةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الإِمَامِ أَعظَمُ أَجرًا مِنِ الَّذِي يُصَلِّيهَا ثُمَّ يَنَامُ.\nرواه البخاري (٦٥١)، ومسلم (٦٦٢).\n[٥٥٠] وعَن أُبَيِّ بنِ كَعبٍ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنصَار لا أَعلَمُ رَجُلا أَبعَدَ مِنَ المَسجِدِ مِنهُ، وَكَانَ لا تُخطِئُهُ صَلاةٌ. قَالَ: فَقِيلَ لَه - أَو قُلتُ لَهُ - لَوِ اشتَرَيتَ حِمَارًا تَركَبُهُ فِي الظَّلمَاءِ والرَّمضَاءِ! قَالَ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ مَنزِلِي إِلَى جَنبِ المَسجِدِ، إِنِّي أُرِيدُ أَن يُكتَبَ مَمشَايَ إِلَى المَسجِدِ وَرُجُوعِي إِذَا رَجَعتُ إِلَى أَهلِي. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: قَد جَمَعَ الله لَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ.\nرواه مسلم (٦٦٣)، وأبو داود (٥٥٧)، وابن ماجه (٧٨٣).\n[٥٥١] وعَن جَابِرَ بنَ عَبدِ الله قَالَ: كَانَت دِيَارُنَا نَائِيَةً مِنِ المَسجِدِ، فَأَرَدنَا أَن نَبِيعَ بُيُوتَنَا فَنَقتَرِبَ مِنَ المَسجِدِ، فَنَهَانَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: إِنَّ لَكُم بِكُلِّ خُطوَةٍ دَرَجَةً.\nرواه مسلم (٦٦٤).\n[٥٥٢]- وعَنهُ قَالَ: أَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَن يَتَحَوَّلُوا إِلَى قُربِ المَسجِدِ، قَالَ: وَالبِقَاعُ خَالِيَةٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا بَنِي سَلِمَةَ، دِيَارَكُم","vol":"2","page":291},{"text":"تُكتَب آثَارُكُم - وفي رواية: دِيَارَكُم تُكتَب آثَارُكُم! فَقَالُوا: مَا كَانَ يَسُرُّنَا أَنَّا كُنَّا تَحَوَّلنَا.\nرواه البخاري (٦٥٦)، ومسلم (٦٦٥) (٢٨١).\n* * *\nــ\n(٨٢) ومن باب: من كانت داره عن المسجد أبعد كان ثوابه أكثر\nقوله دياركم تكتب آثاركم، دياركم بالنصب على الإغراء؛ أي الزموا دياركم. وتكتب: جزم على جواب ذلك الأمر. والآثار: الخُطا. والبقاع جمع بُقعة؛ وهي المواضع الفارغة، زاد في كتاب البخاري وكره أن تُعرَى المدينة، وهذا تنبيه على علّة أخرى تحملهم على مقامهم بمواضعهم؛ وهي أنه كره أن تترك جهات المدينة عراء، أي فضاء خالية فيؤتون منها. ومن هذا قوله تعالى: ﴿فَنَبَذنَاهُ بِالعَرَاءِ﴾؛ أي: بموضع خال.\nوهذا الحديث والأحاديث التي قبله تدل على أن البعد من المسجد أفضل، فلو كان بجوار مسجد فهل له أن يجاوزه للأبعد؟ اختُلَف فيه؛ فرُوِيَ عن أنس أنه كان يجاوز المحدث إلى القديم، ورُوِي عن غيره أنه قال: الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجرًا. وكره الحسن وغيره هذا، وقال: لا يدع مسجدًا قربه ويأتي غيره - وهو مذهبنا، وفي المذهب عندنا في تخطي مسجده إلى مسجده الأعظم قولان.\n* * *","vol":"2","page":292},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-229>(٨٣) باب المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا وترفع به الدرجات</span>\n[٥٥٣]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: أَرَأَيتُم لَو أَنَّ نَهرًا بِبَابِ أَحَدِكُم يَغتَسِلُ مِنهُ كُلَّ يَومٍ خَمسَ مَرَّاتٍ، هَل يَبقَى مِن دَرَنِهِ؟ قَالُوا: لا يَبقَى مِن دَرَنِهِ شَيءٌ. قَالَ: فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الخَمسِ؛ يَمحُو الله بِهِنَّ الخَطَايَا.\nرواه أحمد (٢/ ٣٧٩)، والبخاري (٥٢٨)، ومسلم (٦٦٧)، والترمذي (٢٨٧٢)، والنسائي (١/ ٢٣١).\nــ\n(٨٣) ومن باب: المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا وترفع به الدرجات (١)\nقوله في الأم: مثل الصلوات الخمس كمثل نهر غمر - النهر: ما بين جَنَبي الوادي، سمي نهرًا لسعته، وسمي النهار به لسعة ضوئه، ويقال: نَهر ونَهَر - بسكون الهاء وفتحها، وكذلك يقال في كل ما كان عين الفعل منه حرف حلق؛ مثل: شَعَر، وشَعَر، ودَهر، ودَهَر. والغمر بفتح الغين الماء الكثير، وبضمّها الرجل الذي لم يجرب الأمور، وبكسرها الحقد. والدرن: الوسخ.\nوقوله هل يبقى من درنه شيء؟، كذا صحت الرواية بفتح ياء يَبقى؛ مبني للفاعل، وبإثبات مِن، وبتمام الكلام على درنه من غير شيء، ويحمل على أن مِن زائدة على الفاعل؛ لأن الكلام قبلها غير موجب، فكأنه قال: هل يبقى درنه؟\n_________\n(١) من صحيح مسلم (١/ ٤٦٢).","vol":"2","page":293},{"text":"[٥٥٤]- وعَنهُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: مَن غَدَا إِلَى المَسجِدِ أَو رَاحَ أَعَدَّ الله لَهُ فِي الجَنَّةِ نُزُلا كُلَّمَا غَدَا أَو رَاحَ.\nرواه أحمد (٢/ ٥٠٩)، والبخاري (٦٦٢)، ومسلم (٦٦٩).\n[٥٥٥]- وعَنهُ عن النبي - ﷺ - قالَ: أَحَبُّ البِلادِ إِلَى الله مَسَاجِدُهَا، وَأَبغَضُ البِلادِ إِلَى الله أَسوَاقُهَا.\nرواه مسلم (٦٧١).\n* * *\nــ\nوقد تخيل بعض الناس أن في الكلام حذفًا، فقال: هل يبقى من درنه شيء؟ ولا تعضده الرواية ولا القانون النحوي.\nوظاهر هذا الحديث أن الصلوات بانفرادها تستقل بتكفير جميع الذنوب كبائرها وصغائرها، وليس الأمر كذلك لاشتراطه في الحديث المتقدم اجتناب الكبائر، فدل ذلك على أن المكفَّر بالصلوات هي جميع الصغائر إن شاء الله، وقد تقدم القول في ذلك في كتاب الإيمان.\nوقوله من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلا في الجنة، أصل غدا خرج بغُدُوٍّ؛ أي أتى مبكِّرًا، وراح رجع بعشي، ثم قد يستعملان في الخروج والرجوع مطلقًا توسعًا، وهذا الحديث يصلح أن يحمل على الأصل وعلى التوسع به، والله أعلم. وأعدّ هَيَّأ، ومنه قولهم (١):\nوأَعدَدتُ للحرب أوزارها ... رماحًا طوالا وخيلا ذكورًا\nوالنُّزل: ما يُهَيّأ للضيف من الكرامة.\nوقوله كلما غدا أو راح؛ أي بكل غدوة أو روحة.\nوقوله أحب البلاد إلى الله مساجدها؛ أي أحب بيوت البلاد أو\n_________\n(١) هو الأعشى.","vol":"2","page":294},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-230>(٨٤) باب الجلوس في المصلى بعد صلاة الصبح</span>\n[٥٥٦]- عَن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ وَقِيلَ لَهُ: أَكُنتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللهِ ﷺ؟ قَالَ: نَعَم، كَثِيرًا، كَانَ لا يَقُومُ مِن مُصَلاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبحَ أَوِ الغَدَاةَ حَتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمسُ قَامَ، وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأخُذُونَ فِي أَمرِ الجَاهِلِيَّةِ فَيَضحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ.\nــ\nبقاعها، وإنما كان ذلك لما خُصّت به من العبادات والأذكار واجتماع المؤمنين وظهور (١) شعائر الدين وحضور الملائكة، وإنما كانت الأسواق أبغض البلاد إلى الله لأنها مخصوصة بطلب الدنيا ومطالب العباد والإعراض عن ذكر الله، ولأنها مكان الأيمان الفاجرة، وهي معركة الشيطان وبها يركز رايته، وقد تقدم الكلام في معنى حب الله وبغضه.\n(٨٤) ومن باب: الجلوس في المصلى بعد الصلاة حتى تطلع الشمس\nقوله كان - ﷺ - لا يقوم من مصلاّه الذي يصلي فيه الصبح حتى تطلع الشمس، هذا الفعل منه - ﷺ - يدل على استحباب لزوم موضع صلاة الصبح للذكر والدعاء إلى طلوع الشمس؛ لأن ذلك الوقت وقت لا يُصلَّى فيه، وهو بعد صلاةٍ مشهودة، وأشغال اليوم بعدُ لم تأت، فيقع الذكر والدعاء على فراغِ قلبٍ وحضورِ فهمٍ، فيرتجى فيه قبول الدعاء وسماع الأذكار. وقال بعض علمائنا: يكره الحديث حينئذ، واعتذر عن قوله وكانوا يتحدثون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم بأن هذا فصل آخر من سيرة أخرى في وقت آخر، وصله بالحديث\n_________\n(١) في (ع): حضور.","vol":"2","page":295},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ إِذاَ صَلىَ الفَجرَ جَلَسَ فِي مُصَلَاّهُ حَتَّى تَطلُعَ الشَمسُ حَسَنًا.\nرواه أحمد (٥/ ٩١)، ومسلم (٦٧٠)، وأبو داود (١٢٩٤).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>(٨٥) باب في الإمامة، ومن أحق بها</span>\n[٥٥٧]- عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِذَا كَانُوا ثَلاثَةً فَليَؤُمَّهُم أَحَدُهُم،\nــ\nالأول. قلت: وهذا فيه نظر، بل يمكن أن يقال: إنهم في ذلك الوقت كانوا يتكلمون؛ لأن الكلام فيه جائز غير ممنوع، إذ لم يرد في ذلك منع، وغاية ما هنالك أن الإقبال في ذلك الوقت على ذكر الله تعالى أفضل وأولى، ولا يلزم من ذلك أن يكون الكلام مطلوبَ التركِ في ذلك الوقت، والله تعالى أعلم.\nوقوله حتى تطلع الشمس حسنًا؛ أي طلوعًا حسنًا، فيكون نعتًا لمصدر محذوف، ويعني بذلك أنه كان يستديم الذكر والمقام بمجلسه إلى أن يدخل الوقت الذي تجوز الصلاة فيه.\n(٨٥) ومن باب: الإمامة، ومن أحق بها\nقوله إذا كنتم ثلاثة فليؤمكم أكبركم ليس له مفهوم خطاب؛ لأنه إذا كانا اثنين أمَّهما أحدهما كما قال في الحديث حديث مالك بن الحويرث له ولصاحبه: إذا حضرت الصلاة فأذِّنا وأقيما، وليؤمّكما أكبركما. وإنما خصّ الثلاثة بالذكر لأنه سئل عنهم، والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":296},{"text":"وَأَحَقُّهُم بِالإِمَامَةِ أَقرَؤُهُم.\nرواه أحمد (٣/ ٢٤ و٤٨)، ومسلم (٦٧٢)، والنسائي (٢/ ٧٧).\n[٥٥٨]- وعَن أَبِي مَسعُودٍ الأَنصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَؤُمُّ القَومَ أَقرَؤُهُم لِكِتَابِ الله، فَإِن كَانُوا فِي القِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعلَمُهُم بِالسُّنَّةِ،\nــ\nوقوله وأحقهم بالإمامة أقرؤهم؛ أي: أكثرهم قرآنًا، كما قال البخاري من حديث عمرو بن سلمة: ويؤمكم أكثركم قرآنًا (١). ومحمله على أنه إذا اجتمع جماعة صالحون للإمامة فكان أحدهم أكثر قرآنًا كان أحقَّهم بالإمامة للمزية الحاصلة فيه، فلو كانوا قد استظهروا القرآن كله فيرجح من كان أتقنهم قراءة وأضبط لها وأحسن ترتيلا، فهو الأقرأ بالنسبة إلى هؤلاء.\nوقوله يؤمّ القوم أقرؤهم لكتاب الله، تمسك بظاهر هذا أبو حنيفة فقال: القارئ أولى من الفقيه. وقال مالك: الفقيه أولى من القارئ؛ لأن الحاجة إلى الفقه أكثر، وهو أعرف بما ينوبه من الحوادث في الصلاة. وتأول أصحاب الحديث بأن الأقرأ فيه هو الأفقه؛ لأن الأقرأ كان عندهم هو الأفقه، لأنهم كانوا يتفقهون في القرآن، وقد كان من عرفهم الغالب تسميتهم الفقهاء بالقراء. قلت: إن صحت غلبة العرف فالقول ما قاله مالك.\nوقوله فإن كانوا في القرآن سواء فأعلمهم بالسنة يعتضد به أبو حنيفة لمذهبه من حيث فضّل فيه بين القرآن والسنة، وهذه الزيادة - هنا - انفرد بها الأعمش، ومحملها عندنا وعند الشافعي - والله أعلم - فيمن كان في أول الإسلام عند عدم التفقُّه، فكان المقدَّم القارئ وإن كان صبيًّا على ما جاء في حديث عمرو بن سلمة، فلما تفقه الناس في القرآن والسنة قُدِّم الفقيه، بدليل تقديم النبي - ﷺ - أبا بكر لخلافته في الصلاة. وقد نص - ﷺ - على أن أقرأهم أُبَيٌّ (٢)، فلو\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٣٠٢).\n(٢) رواه البخاري (٤٤٨١).","vol":"2","page":297},{"text":"فَإِن كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقدَمُهُم هِجرَةً، فَإِن كَانُوا فِي الهِجرَةِ سَوَاءً فَأَقدَمُهُم سِلمًا.\nــ\nكان الأمر على ما ذهب إليه أبو حنيفة لكان أُبَيٌ أولى بالإمامة في الصلاة.\nوالسنة المذكورة هي أحاديث السنن عن رسول الله ﷺ.\nوفي قوله يؤم القوم أقرؤهم حجة لنا في منع إمامة المرأة للرجال؛ لأن القوم هم الرجال، لأنهم بهم قوام الأمور، وقد قال تعالى: ﴿آمَنُوا لا يَسخَر قَومٌ مِن قَومٍ﴾ وقال: ﴿وَلا نِسَاءٌ مِن نِسَاءٍ﴾ وقال الشاعر (١):\nوما أدري وسوف إِخَالُ أدري ... أقومٌ آلُ حِصنٍ أم نساء؟\nفسَمّى الرجالَ قومًا.\nوقوله فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، هذه الزيادة فيها فضيلة الهجرة، قال الخطابي: وإن كانت الهجرة اليوم قد انقطعت ففضيلتها باقية على أبنائهم، فمن كان من أبنائهم أو كان في آبائه وأسلافه من له سابقةٌ وقِدمٌ في الإسلام فهو مُقَدَّم على غيره.\nوقوله فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سِلمًا؛ أي إسلامًا، وهذا لفضيلة السبق إلى الإسلام، كما قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾\nوفي الرواية الأخرى سِنًّا مكان سِلمًا، وهو راجع إلى سبق السن بالإسلام؛ لأن الأكبر سنًّا سبق الأصغر. قال القاضي: وقد روى الزهري في هذا الحديث: فإن استووا في القراءة فأفقههم في دين الله، فإن كانوا في الفقه سواء فأكبرهم سنًّا، فإن كانوا في السن سواء فأصبحهم وجهًا، فإن كانوا في الصباحة والحسن سواء فأكثرهم حسبًا (٢). قال بعض العلماء: إنما رتب النبيُّ - ﷺ -\n_________\n(١) هو زهير بن أبي سُلمى.\n(٢) ينظر: إكمال إكمال المعلم للأبي (٢/ ٣٣٣).","vol":"2","page":298},{"text":"وَلا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الَّرجُلَ فِي سُلطَانِهِ وَلا يَقعُد فِي بَيتِهِ عَلَى تَكرِمَتِهِ إِلا بِإِذنِهِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ سِنًّا مَكَانَ سِلمًا.\nرواه أحمد (٤/ ١١٨ و١٢٤). ومسلم (٦٧٣) (٢٩٠)، وأبو داود (٥٨٢)، والترمذي (٢٣٥)، والنسائي (٢/ ٧٦)، وابن ماجه (٩٨٠).\nــ\nالأئمة هذا الترتيب لأنها خلافة النبيِّ ﷺ؛ إذ هو إمام الناس في الدنيا والآخرة، فهي بعده للأقرب إليه منزلة والأشبه به مرتبة.\nوقوله ولا يؤمّن الرجل الرجل في سلطانه؛ أي في موضع سلطنته، وهو ما يملكه أو يتسلط عليه بالتصرف فيه، وفيه حجة على أن الإمام المنصوب من السلطان أو من جعل له الصلاة أحق بالتقديم من غيره حيث كان، قال الخطابي: وهذا في الجمعات والأعياد لتعلقها بالسلاطين، فأما في الصلوات المكتوبات فأعلمهم أولاهم، قال القاضي: وهذا ما لا يوافق عليه، بل الصلاة لصاحب السلطنة حق من حقه وإن حضر أفضل منه. وقد تقدم الأمراء من عهد النبي - ﷺ - فمن بعدهم على من تحت أيديهم وفيهم الأفضل، وقد ذكر شيوخنا أن الإمام على الجملة أفضل دون تفصيل في وجه، وحكى الماوردي قولين في الأحق؛ هو أو ربّ المنزل؟ ثم صاحب المنزل أحق من زائره لأنه سلطانه وموضع تدبيره، إلا أن يأذن صاحب المنزل للزائر، ويستحب له إن حضر من هو أفضل منه أن يقدمه.\nوقوله ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه، التكرمة هنا الفراش الذي يقعد عليه، ووجه هذا المنع أنه مبني على منع التصرف في ملك الغير إلا بإذنه، غير أنه خصّ التكرمة بالذكر للتساهل في القعود عليها، وإذا منع القعود فمنع التصرف بنقلها مثلا أو ببيعها أولى.","vol":"2","page":299},{"text":"[٥٥٩] وعَن مَالِكِ بنِ الحُوَيرِثِ قَالَ: أَتَينَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَنَحنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقَمنَا عِندَهُ عِشرِينَ لَيلَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَحِيمًا رَقِيقًا، فَظَنَّ أَنَّا قَدِ اشتَقنَا أَهلَنَا، فَسَأَلَنَا عَمن تَرَكنَا مِن أَهلِنَا فَأَخبَرنَاهُ، فَقَالَ: ارجِعُوا إِلَى أَهلِيكُم فَأَقِيمُوا فِيهِم وَعَلِّمُوهُم وَمُرُوهُم، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَليُؤَذِّن لَكُم أَحَدُكُم ثُمَّ لِيَؤُمَّكُم أَكبَرُكُم.\nرواه البخاري (٦٠٠٨)، ومسلم (٦٧٤) (٢٩٢)، وأبو داود (٥٨٩)، والترمذي (٢٠٥)، والنسائي (٢/ ٧٧).\n[٥٦٠]- وعَنهُ قَالَ: أَتَيتُ النَّبِيَّ - ﷺ - أَنَا وَصَاحِبٌ لِي، فَلَمَّا أَرَدنَا الإِقفَالَ مِن عِندِهِ قَالَ لَنَا: إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَأَذِّنَا ثُمَّ أَقِيمَا،\nــ\nوقول مالك بن الحويرث أتينا رسول الله - ﷺ - ونحن شَبَبَةٌ متقاربون، وفي الرواية الأخرى أتيت النبي - ﷺ - أنا وصاحب لي - يحتمل أن يكون في وفادتين أو في وفادة واحدة، غير أن ذلك الفعل تكرر منه ومن النبي - ﷺ - على ما ذكر، والله أعلم.\nوالإقفال: الرجوع من السفر. ومصروفه ثلاثي؛ يقال: قَفَلَت، فهي قافلة، وقفل الجند من مبعثهم؛ أي: رجعوا. ومصدره: القفول، كالدخول والخروج. ويحتمل أن يكون هذا مُعَدَّى قفل، ويكون معناه: فلما أردنا أن يُقفلنا هو، والله أعلم.\nوقوله فأذِّنا وأقيما يدل على تأكد الأذان والإقامة، وإن لم يكن في المساجد بل في السفر، وكافة العلماء على استحباب الأذان للمسافر إلا عطاء، فإنه قال: إذا لم يؤذن ولم يقم أعاد الصلاة. وحكى الطبري عن مالك في المسافر أنه يعيد إذا ترك الأذان، ومشهور مذهبه الاستحباب، ويوصى به على المسافر قال داود.","vol":"2","page":300},{"text":"وَليَؤُمَّكُمَا أَكبَرُكُمَا. قَالَ خَالِدٌ الحَذَّاءُ: وَكَانَا مُتَقَارِبَينِ فِي القِرَاءَةِ.\nرواه أحمد (٣/ ٤٣٦)، ومسلم (٦٧٤) (٢٩٣)، والنسائي (٢/ ٧٧) وابن ماجه (٩٧٩).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>(٨٦) باب ما جاء في القنوت والدعاء للمُعَيَّنِ وعليه في الصلاة</span>\n[٥٦١]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ حِينَ يَفرُغُ مِن صَلاةِ الفَجرِ مِنَ القِرَاءَةِ وَيُكَبِّرُ وَيَرفَعُ رَأسَهُ: سَمِعَ الله لِمَن حَمِدَهُ، رَبَّنَا\nــ\nوقوله ﷺ وليؤمكما أكبركما يدل على تساويهما في شروط الإمامة ورجح أحدهما بالسن.\n(٨٦) ومن باب: ما جاء في القنوت\nقد تقدم ذكر القنوت ومعناه في اللغة، وقد اختلف في حكمه في الفجر وفي الوتر في رمضان؛ فقيل: لا قنوت في فجر ولا غيره - قاله الكوفيون والليث ويحيى بن يحيى من المالكية، وأنكره الشعبي. وقيل: يقنت في الفجر دائمًا وفي سائر الصلوات إذا نزلت نازلة بالمسلمين - قاله الشافعي والطبري. وقال مالك وغيره: إنه مستحب في صلاة الفجر. وروي عن الشافعي، وقال الحسن وابن سحنون: إنه سنة، وهو مقتضى رواية علي عن مالك بإعادة تاركه للصلاة عمدًا، وحكى الطبري الإجماع على أن تركه غير مفسد للصلاة. وعن الحسن: في تركه سجود السهو.","vol":"2","page":301},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nثم اختلفوا في موضعه؛ فالمشهور عن مالك قبل الركوع، وهو قول إسحاق وابن أبي ليلى وعمر بن عبد العزيز، وروي عن علي وعمر وابن مسعود وجماعة من الصحابة والتابعين التخيير في ذلك، ثم اختُلِف هل يكبر له؟ وهل يرفع يديه إذا دعا فيه؟ ومالك لا يرى شيئًا من ذلك.\nثم اختلف القائلون بالقنوت في الفجر؛ هل يقنت في الوتر؟ فقيل: يقنت في وتر السَّنَةِ كلها، وهو قول ابن مسعود والحسن والنخعي وإسحاق وأبي ثور، وقال قتادة: يقنت في السنة كلها إلا في النصف الأول من رمضان. وقالت طائفة: لا يقنت في الوتر جملة - وهو مروي عن ابن عمر وطاووس، وهي رواية المصريين عن مالك. وروي عن علي وأُبَيّ وابن عمر وجماعة من السلف، وهي رواية ابن وهب عن مالك أنه يقنت في النصف الآخر من رمضان من ليلة ست عشرة، وقيل: خمس عشرة، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق. وعن أبي حنيفة: لا يقنت إلا في وتر رمضان فقط. ثم اتفقوا على أنه لا يتعين في القنوت دعاء مؤقت إلا ما روي عن بعض أهل الحديث في تخصيصهم بقنوت مصحف أُبي بن كعب المرويّ أن جبريل عَلَّمه النبي ﷺ؛ وهو: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك. . . (١) إلى آخره، وأنه لا يصلى خلف من لا يقنت بذلك، واستحبه مالك، واستحب الشافعي القنوت بالدعاء المروي عن الحسن بن علي عن النبي ﷺ: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت. . . (٢) إلى آخره، وقد اختار بعض شيوخنا البغداديين الجمع بينهما، وهو قول إسحاق والحسن بن\n_________\n(١) رواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢١٠) من حديث خالد بن أبي عمران. وقال: هذا مرسل.\n(٢) رواه أحمد (١/ ١٩٩ و٢٠٠)، وأبو داود (١٤٢٥ و١٤٢٦)، والترمذي (٤٦٤)، والنسائي (٣/ ٢٤٨).","vol":"2","page":302},{"text":"وَلَكَ الحَمدُ. ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: اللهمَّ أَنجِ الوَلِيدَ بنَ الوَلِيدِ وَسَلَمَةَ بنَ هِشَامٍ وَعَيَّاشَ بنَ أَبِي رَبِيعَةَ وَالمُستَضعَفِينَ مِنَ المُؤمِنِينَ، اللهمَّ اشدُد وَطأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَاجعَلهَا عَلَيهِم كَسِنِي يُوسُفَ، اللهمَّ العَن لِحيَانَ وَرِعلا وَذَكوَانَ وَعُصَيَّةَ عَصَتِ الله وَرَسُولَهُ! ثُمَّ بَلَغَنَا أَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لَمَّا أُنزِلَت: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الأَمرِ شَيءٌ أَو يَتُوبَ عَلَيهِم أَو يُعَذِّبَهُم فَإِنَّهُم ظَالِمُونَ﴾\nــ\nحَيّ (١)، وسبب الخلاف فيما ذُكر اختلاف الأحاديث، وهل كان ذلك مخصوصًا بالنبي - ﷺ - أم لا؟\nوقوله اللهم أنج الوليد. . . إلى آخره، أَنج: من النجاة، والهمزة للتعدية، وقد عُدِّي بالتضعيف، وأصله من النجوة وهو المرتفع من الأرض، وهؤلاء المدعو لهم هم قوم من أهل مكة أسلموا، ففتنهم أهل مكة وعذبوهم، وبعد ذلك نجوا منهم وهاجروا إلى النبي ﷺ.\nوقوله واجعلها عليهم كَسِنِيّ يوسف؛ يعني به قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأتِي مِن بَعدِ ذَلِكَ سَبعٌ شِدَادٌ يَأكُلنَ مَا قَدَّمتُم لَهُنَّ إِلا قَلِيلا مِمَّا تُحصِنُونَ﴾ فاستجيب له - ﷺ - فأجدبوا سبعًا أكلوا فيها كل شيء، حتى أكلوا الميتة والعظام، وكان الواحد منهم يرى بينه وبين السماء دخانًا من شدة الجوع والضعف، حتى جاء أبو سفيان فكلم النبي - ﷺ - فدعا لهم فسُقُوا على ما ذكرناه عن ابن مسعود في كتاب التفسير.\nولَحيَان ورِعل وذَكوان وعُصَيَّة قبائل من العرب قَتلوا أصحاب بئر مَعُونة، وهم السبعون القُرَّاء، وكان من حديثهم أن أبا بَرَاء الكلابي - ويعرف بملاعب الأَسِنَّة - سأل عن النبي - ﷺ - أن يوجه معه رجالا من أصحابه إلى قومه بنجد يدعونهم إلى الله ويعرضون عليهم الإسلام، فقال له رسول الله ﷺ: إني\n_________\n(١) هو الحسن بن صالح بن حيّ، ثقةٌ، فقيهٌ، عابدٌ، (ت. ١٦٩ هـ).","vol":"2","page":303},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: ثُمَّ رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - تَرَكَ الدُّعَاءَ بَعدُ، فَقُلتُ: أُرَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَد تَرَكَ الدُّعَاءَ لَهُم. قَالَ: فَقِيلَ: وَمَا تُرَاهُم قَد قَدِمُوا؟\nوَفِي رِوَايَةٍ أنه ﵊ قَنَتَ بَعدَ الرُّكُعةِ فِي صَلاةِ الفَجرِ شَهرًا إذا قَالَ سَمِعَ الله لِمَن حَمِدَه.\nرواه البخاري (١٠٠٦)، ومسلم (٦٧٥)، وأبو داود (٨٣٦)، والنسائي (٢/ ٢٣٣)، وابن ماجه (١٢٤٤).\nــ\nأخاف عليهم أهل نجد! فقال له أبو براء: أنا لهم جار! فبعثهم رسول الله ﷺ معه، فلما مروا ببني عامر استصرخ عليهم عدو الله عامر بن الطفيل تلك القبائل التي دعا عليهم رسول الله ﷺ، وهم من بني سليم، فأجابوه فقتلوهم، ولم ينج منهم إلا عمرو بن أمية الضمري، فحزن عليهم النبي - ﷺ - حزنًا شديدًا، فإنه لم يُصب بمثلهم، وكانوا من خيار المهاجرين ﵃ (١).\nوفي هذا الحديث من الفقه: جواز الدعاء على معين وله، وجواز الدعاء بغير ألفاظ القرآن في الصلاة، وهو حجة على أبي حنيفة في منعه ذلك كله فيها، ولا خلاف في جواز لعن الكفرة والدعاء عليهم. واختلفوا في جواز الدعاء على أهل المعاصي؛ فأجازه قوم، ومنعه آخرون وقالوا: يُدعَى لهم بالتوبة لا عليهم. وقيل: إنما يدعى على أهل الانتهاك في حين فعلهم ذلك، وأما في إدبارهم فيدعى لهم بالتوبة (٢).\nقلت: والذي استقر عليه أمر رسول الله - ﷺ - في القنوت ما رواه الدارقطني\n_________\n(١) انظر: عيون الأثر (٢/ ٦٧ - ٧٢).\n(٢) ساقط من (ع).","vol":"2","page":304},{"text":"[٥٦٢]- وعَن أَبِي سَلَمَةَ بنُ عَبدِ الرَّحمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيرَةَ يَقُولُ: وَالله لأُقَرِّبَنَّ بِكُم صَلاةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ! فَكَانَ أَبُو هُرَيرَةَ يَقنُتُ فِي الظُّهرِ وَالعِشَاءِ الآخِرَةِ وَصَلاةِ الصُّبحِ، وَيَدعُو لِلمُؤمِنِينَ وَيَلعَنُ الكُفَّارَ.\nرواه البخاري (٧٩٧)، ومسلم (٦٧٦)، وأبو داود (١٤٤٠)، والنسائي (٢/ ٢٠٢).\n[٥٦٣]- وعَنِ البَراءِ بنِ عَازِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَقنُتُ فِي الصُّبحِ وَالمَغرِبِ.\nرواه أحمد (٤/ ٢٨)، ومسلم (٦٧٨) (٣٠٥)، والترمذي (٤٠١)، والنسائي (٢/ ٢٠٢).\n[٥٦٤]- وعَن أَنَسٍ وُسئِلَ عَنِ القُنُوتِ قَبلَ الرُّكُوعِ أَو بَعدَه؟ فَقَالَ: قَبلَ الرُّكُوعِ. فَقِيلَ: فَإِنَّ نَاسًا يَزعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَنَتَ بَعدَ الرُّكُوعِ! قَالَ: إِنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - شَهرًا.\n- وفي رواية: بَعدَ الرُكُوعِ في صَلاةِ الفَجرِ يَدعُو عَلَى أُنَاسٍ قَتَلُوا أُنَاسًا مِن أَصحَابِهِ يُقَالُ لَهُمُ القُرَّاءُ.\nرواه أحمد (١٦٧/ ٣)، والبخاري (١٣٠٠)، ومسلم (٦٧٧) (٢٩٩ و٣٠١)، وأبو داود (١٤٤٤ و١٤٤٥)، والنسائي (٢/ ٢٠٠)، وابن ماجه (١١٨٤).\n* * *\nــ\nبإسناد صحيح عن أنس أنه قال: ما زال رسول الله - ﷺ - يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا (١). والله أعلم.\n_________\n(١) رواه الدارقطني (٢/ ٤١).","vol":"2","page":305},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>(٨٧) باب من نام عن صلاة أو نسيها</span>\n[٥٦٥]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حِينَ قَفَلَ مِن غَزوَةِ خَيبَرَ سَارَ لَيلَهُ حَتَّى إِذَا أَدرَكَهُ الكَرَى عَرَّسَ، وَقَالَ لِبِلالٍ: اكلأ لَنَا اللَّيلَ! فَصَلَّى بِلالٌ مَا قُدِّرَ لَهُ، وَنَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَصحَابُهُ، فَلَمَّا تَقَارَبَ الفَجرُ استَنَدَ بِلالٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ مُوَاجِهَ الفَجرِ، فَغَلَبَت بِلالا عَينَاهُ وَهُوَ مُستَنِدٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ، فَلَم يَستَيقِظ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَلا بِلالٌ وَلا أَحَدٌ مِن أَصحَابِهِ حَتَّى ضَرَبَتهُمُ\nــ\n(٨٧) ومن باب: من نام عن صلاة أو نسيها\nقوله حين قفل من غزوة خيبر؛ أي رجع، قال الأصيلي: خيبر غلط، وإنما هو حنين، ولم يَعترِ ذلك النبي - ﷺ - إلا مرة واحدة حين قفل من حنين إلى مكة. وقال الباجي وابن عبد البر: قول ابن شهاب من خيبر أصحّ، وهو قول أهل السير. وفي حديث ابن مسعود أن نومه ذلك كان عام الحديبية، وذلك في زمن خيبر، وعليه يدل حديث أبي قتادة. قال غيره: وذلك بطريق مكة، وهو طريق لمكة لمن شاء. قال أبو عمر: في هذه الأحاديث ما يدل على أن نومه كان مرة واحدة، ويحتمل أن يكون مرتين. قال عياض: أما حديث أبي قتادة فلا مرية أنه غير حديث أبي هريرة، وكذلك حديث عمران بن حصين.\nوالكَرَى النوم، وعرّس نزل آخر الليل - قاله الخليل، وقال أبو زيد: التعريس النزول أيّ وقت كان من ليل أو نهار. وفي الحديث: يعرسون في نحر الظهيرة (١). واكلأ أي احفظ، ومنه كلأك الله أي حفظك، وهذا إنما كان من النبي - ﷺ - بعد أن طلبوا ذلك منه، كما قال البخاري: إنهم طلبوا التعريس منه فقال: أخاف أن تناموا!\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٦٦١) من حديث عائشة ﵂.","vol":"2","page":306},{"text":"الشَّمسُ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَوَّلَهُمُ استِيقَاظًا، فَفَزِعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: أَي بِلالُ! فَقَالَ بِلالٌ: أَخَذَ بِنَفسِي الَّذِي أَخَذَ - بِأَبِي أَنتَ وَأُمِّي\nــ\nفقال بلال: أنا أوقظكم. فحينئذ عرّس بهم، ووكّل بلالا بحفظ الفجر.\nوقوله ففزع رسول الله ﷺ اختلف في هذا الفزع وفي سببه؛ فقال الأصيلي: كان لأجل عدوهم أن يكون اتبعهم فيجدهم على غرة. وقال غيره: لما فاتهم من أمر الصلاة ولم يكن عندهم حكم من ذلك. وقد دل على هذا قولهم: ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا؟ وهذا بيِّن في حقهم. وقد يكون الفزع بمعنى مبادرتهم إلى الصلاة، كما قال فافزعوا إلى الصلاة؛ أي: بادروا إليها. وقد يكون فزع النبي - ﷺ - إجابة الفزعين من أصحابه وإغاثتهم لما نزل بهم، يقال فَزِعتُ استغثت، وفَزَعت أَغَثتُ.\nوقوله أي بلال!، كذا عند أكثر الرواة بـ أي التي للنداء، وعند العذري والسمرقندي أين بلال؟ بأين الظرفية.\nوقول بلال أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك على طريق العذر مما كان تكفل به كما قدمناه من رواية البخاري، والنفس هنا هي التي تتوفى بالنوم وبالموت، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوتِهَا وَالَّتِي لَم تَمُت فِي مَنَامِهَا﴾ وهي التي تخرج من البدن حالة الموت، كما قال تعالى: ﴿أَخرِجُوا أَنفُسَكُمُ﴾ وهي المناداة بقوله: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفسُ المُطمَئِنَّةُ﴾ إلى قوله: ﴿فَادخُلِي فِي عِبَادِي﴾ وقد عبر عنها في الموطأ في هذا الحديث بالروح فقال: قال رسول الله ﷺ: إن الله قبض أرواحنا، ولو شاء لردَّها إلينا في حينٍ غير هذا. فما سماه بلال نفسًا سماه رسول الله ﷺ روحًا، فهما إذن عبارتان عن مُعَبَّرٍ واحد، وهذا مذهب أئمتنا.\nوقد اختلف الناس قديمًا وحديثًا في ما هو هذا المعنى المعبر عنه بالنفس","vol":"2","page":307},{"text":"يَا رَسُولَ اللهِ - بِنَفسِكَ! قَالَ: اقتَادُوا! فَاقتَادُوا رَوَاحِلَهُم شَيئًا،\nــ\nوالروح، والذي يفهم من مجموع ما في الكتاب والسنة وأقاويل علمائنا أن ذلك هو لطيفة مودعة في الأجساد مشاركة لجميع أجزائها التي تحلّها الحياة، يَتَأَتَّى إخراجها من الجسد وإدخالها فيه وقبضها منه، أجرى الله العادة بخلق الحياة في الجسد ما دامت فيه تلك اللطيفة، وهي القابلة للعلوم. والإنسان: هو الجسد وتلك اللطيفة.\nوقد فرق الصوفية بين النفس والروح، فقالوا: النفس لطيفة مودعة في الجسم محل للأخلاق المعلولة، والروح محل للأخلاق المحمودة، وهو اصطلاح من قبلهم، ولا مشاحة في الاصطلاحات بعد فهم المعنى.\nوالنفس في اللغة مشترك يطلق على ما ذكرناه، ويطلق ويراد به وجود الشيء وذاته، ويطلق ويراد به الدّم. والروح يطلق على ما ذكر، وعلى جبريل إذ قد سماه الله تعالى روحًا في قوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ ويحتمل أن يكون المراد بقوله في قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ وفي قوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أَمرِ رَبِّي﴾ - على ما قاله ابن عباس في قوله ﴿قُلِ الرُّوحُ﴾، وقد تقدم أن الروح مشتق من الريح.\nوقوله قال: اقتادوا! فاقتادوا رواحلهم شيئًا، قال: استدل به بعض الحنفيين على أن الفرائض لا تقضى في هذا الوقت بهذا الحديث؛ لأنه - ﷺ - إنما ارتحل عن ذلك الموضع ليخرج الوقت المنهي عنه، وهذا تحكم، بل كما يحتمل ما ذكروه يحتمل أنه إنما كان ذلك ليعم النشاط جميعهم، وأبين من ذلك كله ما قد نص عليه من كراهية ذلك بقوله ﷺ ليأخذ كل رجل برأس راحلته، فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان، وقد زاد أبو داود في هذا الحديث أن النبي - ﷺ - قال: تحوَّلوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة.","vol":"2","page":308},{"text":"ثُمَّ تَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَمَرَ بِلالا فَأَقَامَ الصَّلاةَ، فَصَلَّى بِهِمُ الصُّبحَ، فَلَمَّا قَضَى صلاته قَالَ: مَن نَسِيَ الصَّلاةَ فَليُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ الله قَالَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكرِي﴾ وَكَانَ ابنُ شِهَابٍ يَقرَؤُهَا: لِلذِّكرَى.\nــ\nوقوله فتوضأ رسول الله - ﷺ - وأمر بلالا فأقام الصلاة، ولم يذكر الأذان، وقد ذكره في حديث أبي قتادة، فاختلف العلماء في الفوائت؛ هل يؤذن لها ويقام؟ أو لا يؤذن لها ولا يقام؟ أو يقام لها ولا يؤذن؟ ثلاثة أقوال، فالأول مذهب أهل الرأي وأحمد وأبي ثور، والثاني مذهب الثوري، والثالث مذهب مالك والأوزاعي، والقول الثاني للشافعي. وقد تأول بعض أصحابنا الأذان في حديث أبي قتادة بمعنى الإعلام، وهو تكلف، بل الذي يجمع بين الأحاديث أنه إن احتيج إلى الأذان بحيث يجمع متفرقهم فُعِلَ، وعلى هذا يحمل حديث أبي هريرة، وإن كانوا مجموعين لم يحتج لذلك؛ إذ ليس وقتًا راتبًا فيدعى إليه الجميع ويعلمونه ويكون شعارًا، وقد قدمنا أن هذه فوائد الأذان، وعلى هذا يحمل حديث أبي قتادة، والله أعلم.\nوقوله فصلى بهم الصبح حجة الجميع في الفوائت.\nوقوله من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها - وفي لفظ آخر أو غفل عنها، كل ذلك دليل على وجوب القضاء على النائم والغافل، كَثُرَت الصلوات أو قلَّت، وهذا مذهب عامة العلماء. وقد حكي خلاف شاذ عن بعض الناس فيمن زاد على خمس صلوات أنه لا يلزمه قضاء، وهو خلاف لا يُعبأ به لأنه مخالف لنص الحديث.\nوأما من ترك الصلاة عامدًا فالجمهور أيضًا على وجوب القضاء عليه، وفيه خلاف شاذ أيضًا عن داود وأبي عبد الرحمن الأشعري، وقد احتج الجمهور عليهم بأوجهٍ؛\nأحدها: أنه قد ثبت الأمر بقضاء الناسي والنائم مع أنهما غير مؤثمين، فالعامد أولى.","vol":"2","page":309},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوثانيها: التمسك بقوله إذا ذكرها، والعامد ذاكر لتركها فلزمه قضاؤها.\nوثالثها: التمسك بعموم قوله من نسي صلاة؛ أي: من حصل منه نسيان، والنسيان هو الترك سواء كان مع ذهول أو لم يكن، وقد دل على هذا قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُم﴾؛ أي: تركوا معرفة الله وأمره فتركهم في العذاب.\nورابعها: التمسك بقوله من نسي صلاة فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها، والكفارة إنما تكون عن الذنوب غالبًا، والنائم والناسي بمعنى الذاهل ليس بآثم، فتعين العامد لأن يكون هو المراد بلفظ الناسي.\nوخامسها: قوله ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكرِي﴾؛ أي: لتذكرني فيها - على أحد التأويلات.\nوسادسها: أن القضاء يجب بالخطاب الأول؛ لأن خروج وقت العبادة لا يسقط وجوبها، لأنها لازمة في ذمة المكلف كالديون، وإنما يُسقطُ العبادة فعلُها أو فقد شرطها، ولم يحصل شيء من ذلك، وهذا أحد القولين لأئمتنا الأصوليين والفقهاء.\nوفي قوله إذا ذكرها حجة للجمهور على أبي حنيفة حيث يقول: إن المتروكة لا تقضى بعد الصبح ولا بعد العصر. ووجه تمسكهم أنها صلاة تجب بسبب ذكرها، فتفعل عند حضور سببها متى ما حضر، وقد صرح بالتعليل في قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكرِي﴾؛ فإن اللام للتعليل ظاهرًا، ولا يعارض هذا بقوله ﷺ: لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس (١)؛ فإن هذا عام في جنس الصلوات، وذلك خاص في الواجبات المقضيّة. والوجه الصحيح عند الأصوليين بناء العام على الخاص؛ إذ ذلك يرفع التعارض وبه يمكن الجمع، وهو أولى من الترجيح باتفاق الأصوليين.\n_________\n(١) رواه النسائي (١/ ٢٥٨) من حديث معاذ بن عفراء.","vol":"2","page":310},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَأخُذ كُلُّ رَجُلٍ بِرَأسِ رَاحِلَتِهِ، فَإِنَّ هَذَا مَنزِلٌ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيطَانُ! قَالَ: فَفَعَلنَا، ثُمَّ دَعَا بِالمَاءِ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ سَجَدَ سَجدَتَينِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَصَلَّى الغَدَاةَ.\nرواه مسلم (٦٨٠)، وأبو داود (٤٣٥ و٤٣٦)، والترمذي (٣١٦٢)، والنسائي (١/ ٢٩٥ - ٢٩٨)، وابن ماجه (٦٩٧).\nــ\nواستدلاله - ﷺ - بقوله تعالى ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكرِي﴾ دليل على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، وهو قول أكثر أصحابنا. واختلف أهل التفسير في قوله تعالى ﴿لِذِكرِي﴾؛ فقال مجاهد: لتذكرني فيها. وقال النخعي: اللام للظرف؛ أي: إذا ذكرتني، أي ذكرت أمري بعدما نسيت، ومنه الحديث. وقيل: لا تذكر فيها غيري. وقيل: شكرًا لذكري. وقيل ما ذكرناه من أن اللام للتسبيب، وهو أوضحها. ويقرب منه قول النخعي. وقراءة ابن شهاب تأنيث للذِّكر.\nوقوله ثم سجد سجدتين، ثم صلى الغداة، وفي حديث أبي قتادة فصلى ركعتين، وبهذه الزيادة قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد وداود، وهو قول أشهب وعلي بن زياد من أصحابنا. ومشهور مذهب مالك أنه يصليها قبل الصبح الفائتة، وهو قول الثوري والليث تمسُّكًا بحديث ابن شهاب، وليس فيه من ذلك شيء، ولأن فعلها قبل الفائتة يزيد الفائتة فواتًا. وقال أصحابنا: إن النوافل لا تقضى؛ إذ ليس في الذمة شيء فيجب قضاؤه، فإن أراد أن يقضي فليصلّ نفلا مبتدأ، والله أعلم.\nوقوله وليأخذ كل رجل برأس راحلته؛ فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان، ذهب بعض العلماء إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث، فقال: إن من انتبه من نومٍ عن صلاةٍ فائتة في سفر زال عن موضعه، وإن كان واديًا خرج عنه. واعتضد بقوله ﷺ تحوّلوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة، وهذه الزيادة ذكرها","vol":"2","page":311},{"text":"[٥٦٦]- وعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِذَا رَقَدَ أَحَدُكُم عَنِ الصَّلاةِ أَو غَفَلَ عَنهَا فَليُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ الله ﵎ يَقُولُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكرِي﴾\nرواه أحمد (٣/ ١٨٤)، والبخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤) (٣١٦)، وأبو داود (٤٤٢)، والترمذي (١٧٨)، والنسائي (٢/ ٢٩٣ - ٢٩٤).\n* * *\nــ\nأبو داود في حديث أبي هريرة. وقال آخرون: إنما يلزم هذا في ذلك الوادي بعينه؛ إن علم ونزلت فيه مثل تلك النازلة فيجب الخروج منه كما فعل النبي ﷺ. وقال الجمهور: إن هذا غير مراعى، وإن من استيقظ عن صلاة فاتتهُ صلَاّها في ذلك الوقت وحيثما كان؛ لقوله ﷺ فحيثما أدركتك الصلاة فصل (١)، وهذا الحديث لا يصلح لتخصيصه في غير حق النبي ﷺ؛ إذ لا يعلم غير النبي - ﷺ - من حال ذلك الوادي ولا من غيره من المواضع ما علمه النبي ﷺ، وبتقدير أن تقع النازلة في ذلك الوادي فلا ندري هل ذلك الشيطان باقٍ فيه أم لا؟\nوقوله تحولوا خطاب لأصحابه الكائنين معه خاصة لا يتعدّى إلى غيرهم؛ لأنه كان لسبب علمه - ﷺ - بحضور الشيطان فيه، وغيره لا يعلم ذلك فلا يتعدى إليه ذلك الحكم، والله تعالى أعلم.\nوإلى معنى ما ذكرناه ذهب الداودي وغيره من أصحابنا في تأويل الحديث.\n* * *\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٣٠٤)، والنسائي (١/ ٢١٠ و٢١١) من حديث جابر ﵁.","vol":"2","page":312},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-234>(٨٨) باب من نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس فله أن يؤذن إذا كان في جماعة، ويصلي ركعتي الفجر</span>\n[٥٦٧]- عَن أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: إِنَّكُم تَسِيرُونَ عَشِيَّتَكُم وَلَيلَتَكُم، وَتَأتُونَ المَاءَ - إِن شَاءَ الله - غَدًا. فَانطَلَقَ النَّاسُ لا يَلوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: فَبَينَمَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَسِيرُ حَتَّى ابهَارَّ اللَّيلُ وَأَنَا إِلَى جَنبِهِ. قَالَ: فَنَعَسَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَمَالَ عَن رَاحِلَتِهِ، فأَتيتُهُ فَدَعَمتُهُ مِن غَيرِ أَن أُوقِظَهُ، حَتَّى اعتَدَلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ. قَالَ: ثُمَّ سَارَ\nــ\n(٨٨) ومن باب: شرح ما تضمنه حديث أبي قتادة وعمران بن الحصين من الغريب\nقوله لا يلوي أحد على أحد؛ أي لا يعطف عليه ولا ينتظره، وأصله من لَيِّ العُنُق.\nوقوله حتى ابهَارَّ الليل؛ أي انتصف، وبُهرَة كل شيء وسطه، وقيل: ذهب عامته وبقي نحو من ثلثه. قال أبو سعيد الضرير: ابهِرَارُ الليل طلوع نجومه إذا تَتَامَّت. وقال غيره: ابهارَّ الليل طال. والباهِرُ: الممتلئ نورًا. وقد صحّفه بعض الشارحين تصحيفًا قبيحًا فقال: انهار الليل - بالنون، وقال: ومنه قوله تعالى: ﴿فَانهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾","vol":"2","page":313},{"text":"حَتَّى تَهَوَّرَ اللَّيلُ، مَالَ عَن رَاحِلَتِهِ. قَالَ: فَدَعَمتُهُ مِن غَيرِ أَن أُوقِظَهُ حَتَّى اعتَدَلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ. قَالَ: ثُمَّ سَارَ، حَتَّى إِذَا كَانَ مِن آخِرِ السَّحَرِ مَالَ مَيلَةً هِيَ أَشَدُّ مِنَ المَيلَتَينِ الأُولَيَينِ، حَتَّى كَادَ يَنجَفِلُ، فَأَتَيتُهُ فَدَعَمتُهُ، ثم رَفَعَ رَأسَهُ فَقَالَ: مَن هَذَا؟ قُلتُ: أَبُو قَتَادَةَ. قَالَ: مَتَى كَانَ هَذَا مَسِيرَكَ مِنِّي؟ قُلتُ: مَا زَالَ هَذَا مَسِيرِي مُنذُ اللَّيلَةِ. ثم قَالَ: حَفِظَكَ الله بِمَا حَفِظتَ بِهِ نَبِيَّهُ! ثُمَّ قَالَ: هَل تَرَانَا نَخفَى عَلَى النَّاسِ؟ ثُمَّ قَالَ: هَل تَرَى مِن أَحَدٍ؟ قُلتُ: هَذَا رَاكِبٌ. ثُمَّ قُلتُ: هَذَا رَاكِبٌ آخَرُ، حَتَّى اجتَمَعنَا فَكُنَّا سَبعَةَ رَكبٍ. قَالَ: فَمَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ الطَّرِيقِ فَوَضَعَ رَأسَهُ ثُمَّ قَالَ: احفَظُوا عَلَينَا صَلاتَنَا! فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ استَيقَظَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَالشَّمسُ فِي ظَهرِهِ، قَالَ: فَقُمنَا فَزِعِينَ، ثُمَّ قَالَ: اركَبُوا! فَرَكِبنَا فَسِرنَا، حَتَّى إِذَا\nــ\nوقوله وتَهَوَّرَ الليل، قال الهروي: معناه ذهب أكثره وانهدم كما يتهوَّر البناء، يقال: تَهَوَّر الليل وتَوَهَّر.\nوقوله فدعمته؛ أي أقمت مَيلَه وصرت له كالدّعامة تحته.\nوقوله حتى كاد ينجفل؛ أي قارب أن ينقلب ويقع، ومنه ما جاء في الحديث أن البحر جَفَل سمكًا (١)؛ أي ألقاه فرمى به - ذكره الهروي.\nوقوله فمال عن الطريق فوضع رأسه، هذا الفعل منه - ﷺ - مثل قوله إذا عرستم فاجتنبوا الطريق، فإنه مأوى الهوام (٢).\n_________\n(١) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢٨٠).\n(٢) رواه مسلم (١٩٢٦)، وأبو داود (٢٥٦٩)، والترمذي (٢٨٦٢) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"2","page":314},{"text":"ارتَفَعَتِ الشَّمسُ نَزَلَ، ثُمَّ دَعَا بِمِيضَأَةٍ كَانَت مَعِي فِيهَا شَيءٌ مَن مَاءٍ، فَتَوَضَّأَ مِنهَا وُضُوءًا دُونَ وُضُوءٍ، قَالَ: وَبَقِيَ فِيهَا شَيءٌ مِن مَاءٍ، ثُمَّ قَالَ لأَبِي قَتَادَةَ: احفَظ عَلَينَا مِيضَأَتَكَ، فَسَيَكُونُ لَهَا نَبَأٌ! ثُمَّ أَذَّنَ بِلالٌ بِالصَّلاةِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَكعَتَينِ، ثُمَّ صَلَّى الغَدَاةَ، فَصَنَعَ كَمَا كَانَ يَصنَعُ كُلَّ يَومٍ. قَالَ: وَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَرَكِبنَا مَعَهُ، قَالَ: فَجَعَلَ بَعضُنَا يَهمِسُ إِلَى بَعضٍ: مَا كَفَّارَةُ مَا صَنَعنَا بِتَفرِيطِنَا فِي صَلاتِنَا؟ ثُمَّ قَالَ: أَمَا لَكُم فِيَّ\nــ\nوالمِيضَأَةُ: الإناء الذي يتوضأ فيه، وهي التي قال فيها: أطلقوا لي غُمَرِي. والغُمَر: القعب الصغير. ويقال: تغَمَّرت؛ أي: شربت قليلا، قال أعشى باهلة:\nيكفيه حُزَّةُ فِلذٍ إن ألمَّ بها ... من الشِّواءِ ويُروي شُربَه الغُمَرُ\nوقوله فتوضأ منها وضوءًا دون وضوء؛ يعني وضوءًا مخفّفًا، وكأنه اقتصر فيه على المرة الواحدة، ولم يكثر صبّ الماء لأنه أراد أن يفضل منه فضلة لتظهر فيها بركته وكرامته، وهذا أولى من قول من قال أراد بقوله وضوءًا دون وضوء الاستجمار بالحجارة؛ لأن ذلك لا يقال عليه وضوء عرفًا ولا لغة، لأنه لا نظافة فيه بالغة، ولما روى أبو داود في هذه القصة من حديث ذي مِخبَر الحبشي خادم رسول الله - ﷺ - أنه ﷺ توضأ وضوءًا لم يبتلّ منه التراب (١). والأسوة: القدوة.\nوقوله فجعل بعضنا يهمس إلى بعض؛ أي: يحرك شفتيه بكلام خفي.\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ٩١)، وأبو داود (٤٤٥).","vol":"2","page":315},{"text":"أُسوَةٌ؟ ثُمَّ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ لَيسَ فِي النَّومِ تَفرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفرِيطُ عَلَى مَن لَم يُصَلِّ الصَّلاةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقتُ الصَّلاةِ الأُخرَى، فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ فَليُصَلِّهَا حِينَ يَنتَبِهُ لَهَا، فَإِذَا كَانَ الغَدُ فَليُصَلِّهَا عِندَ وَقتِهَا.\nــ\nوقوله إنه ليس في النوم تفريط يدل على أن النائم غير مكلف ولا مؤاخذ.\nوقوله إنما التفريط على من لم يصلّ الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى؛ أي: من لم يصلها عامدًا لتركها. وفيه ما يدل على أن أوقات الصلوات كلها موسعة.\nوقوله فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها، الإشارة بـ ذلك إلى ما وقع له من النوم عن الصلاة، ويحتمل أن يعود الضمير إلى جميع ما ذكر من النوم والتفريط على ما قررنا في قضاء العامد.\nوقوله فإذا كان الغد فلّيصلِّها عند وقتها، قال قوم: ظاهره إعادة المقضيَّة مرتين عند ذكرها وعند حضور مثلها من الوقت الآتي، وقد وافق هذا الظاهر ما رواه أبو داود نصًّا من حديث عمران بن حصين - وذكر القصة، وقال في آخرها: فمن أدرك منكم صلاة الغداة من غدٍ صالحًا فليقض معها مثلها. قال الخطابي: لا أعلم أحدًا قال هذا وجوبًا، ويشبه أن يكون الأمر به استحبابًا ليُحرز فضيلة الوقت في القضاء.\nقلت: وهذا كله يعارضه ما ذكره أبو بكر بن أبي شيبة من حديث الحسن عن عمران بن حصين في هذه القصة أنه - ﷺ - لما صلى بهم المقضيَّة قالوا: ألا نقضيها لوقتها من الغد؟ فقال: لا ينهاكم الله عن الربا ويأخذه منكم (١). والصحيح ترك العمل بذلك الظاهر لهذه المعارضة، ولما حكى الخطابي، ولأن الطرق الصحاح المشهورة ليس فيها من تلك الزيادة شيء إلا\n_________\n(١) رواه ابن أبي شيبة (٢/ ٦٤).","vol":"2","page":316},{"text":"ثُمَّ قَالَ: مَا تَرَونَ النَّاسَ صَنَعُوا؟ قَالَ: ثُمَّ قَالَ: أَصبَحَ النَّاسُ فَقَدُوا نَبِيَّهُم، فَقَالَ أَبُو بَكرٍ وَعُمَرُ: رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَعدَكُم، لَم يَكُن لِيُخَلِّفَكُم! وَقَالَ النَّاسُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَينَ أَيدِيكُم، فَإِن يُطِيعُوا أَبَا بَكرٍ وَعُمَرَ يَرشُدُوا. قَالَ: فَانتَهَينَا إِلَى النَّاسِ حِينَ امتَدَّ النَّهَارُ وَحَمِيَ كُلُّ شَيءٍ، وَهُم يَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكنَا، عَطِشنَا. فَقَالَ: لا هُلكَ عَلَيكُم! ثُمَّ قَالَ: أَطلِقُوا لِي غُمَرِي! قَالَ: وَدَعَا بِالمِيضَأَةِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَصُبُّ وَأَبُو قَتَادَةَ يَسقِيهِم، فَلَم يَعدُ أَن رَأَى النَّاسُ مَاءً فِي المِيضَأَةِ تَكَابُّوا عَلَيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَحسِنُوا المَلأَ، فَكُلُّكُم سَيَروَى. قَالَ: فَفَعَلُوا، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَصُبُّ وَأَسقِيهِم، حَتَّى مَا بَقِيَ غَيرِي وَغَيرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ. قَالَ: ثُمَّ\nــ\nما ذكر في حديث أبي قتادة، وهو محتمل كما قررناه، والله تعالى أعلم.\nوقوله ثم قال: ما ترون الناس صنعوا؟، هذا قول النبي - ﷺ - لمن كان معه مستفهمًا على جهة استحضار أفهامهم، ثم قال - ﷺ - مخبرًا بما صنعوا وبما قالوا إلى قوله وقال الناس: إن رسول الله ﷺ بين أيديكم، وهنا انتهى الخبر عنهم، ثم قال النبي ﷺ فإن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا؛ لأنهما وافقا الحق فيما قالاه، فصوابه إذًا أن يكون يطيعوا، ويرشدوا بياء الغائبين، وقد قيل في بعض النسخ بتاء المخاطبين، ووجهه أن النبي - ﷺ - كأنه أقبل على الغائبين فخاطبهم.\nويجري هذا مجرى قول عمر الجبلّ يا سارية (١) وهو بالمدينة، وسارية بمصر أو بالشام، فسمعه سارية ولجأ إلى الجبل ونجا هو وأصحابه، والله أعلم.\nويحتمل أن يكون النبي - ﷺ - حاكيًا قولهم.\nوقوله وأحسنوا الملأ بفتح الميم والهمزة مقصورًا؛ أي الخُلُق - قاله\n_________\n(١) أسد الغابة (٢/ ٣٠٦).","vol":"2","page":317},{"text":"صَبَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ لِي: اشرَب! فَقُلتُ: لا أَشرَبُ حَتَّى تَشرَبَ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: إِنَّ سَاقِيَ القَومِ آخِرُهُم. قَالَ: فَشَرِبتُ، وَشَرِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. قَالَ: فَأَتَى النَّاسُ المَاءَ جَامِّينَ رِوَاءً.\nرواه أحمد (٥/ ٢٩٨)، ومسلم (٦٨١)، وأبو داود (٥٢٢٨)، وابن ماجه (٣٤٣٤).\n[٥٦٨]- وعَن عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ قَالَ: كُنتُ مَعَ نَبِيِّ الله - ﷺ - فِي مَسِيرٍ لَهُ، فَأَدلَجنَا لَيلَتَنَا، حَتَّى إِذَا كَنَا فِي وَجهِ الصُّبحِ عَرَّسنَا، فَغَلَبَتنَا أَعيُنُنَا حَتَّى\nــ\nجماعة من اللغويين: أبو زيد، والمفضل، والزجاج، وابن السكيت، وابن قتيبة - وأنشد بعضهم (١):\nتنادوا يا لَبُهثَة إذ رَأَونا ... فقلنا أحسني ملأ جُهينا\nأي خلقًا، وروى ابن قتيبة أن النبي - ﷺ - قال لأصحابه حين زجروا الأعرابي البائل في المسجد أحسنوا مَلأَكُم (٢)؛ أي خلقكم، ومن روى هذا الحرف مِلأكم ساكنة اللام مهموزة من معنى الامتلاء فقد أخطأ؛ لأنه لم يملأ أحد في هذه النازلة قِربةً ولا وعاءً، وإنما كان شربًا.\nوقوله فأتى الناسُ الماءَ جامّين رواءً؛ أي نشاطًا صالحي الأحوال، ورِواء من الرِّيِّ وهو الامتلاء من الماء.\nوفي حديث أبي قتادة أوجه من الفقه لا تخفى على متأمل.\nوقوله في حديث عمران فأدلجنا ليلتنا؛ أي سرنا ليلتنا كلها، يقال\n_________\n(١) هو الجهني.\n(٢) النهاية (٤/ ٣٥٠).","vol":"2","page":318},{"text":"بَزَغَتِ الشَّمسُ. قَالَ: فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ استَيقَظَ مِنَّا أَبُو بَكرٍ، وَكُنَّا لا نُوقِظُ رسول الله - ﷺ - مِن مَنَامِهِ إِذَا نَامَ حَتَّى يَستَيقِظَ، ثُمَّ استَيقَظَ عُمَرُ، فَقَامَ عِندَ نَبِيِّ الله - ﷺ - فَجَعَلَ يُكَبِّرُ، وَرفَعُ صَوتَهُ حَتَّى استَيقَظَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأسَهُ وَرَأَى الشَّمسَ قَد بَزَغَت قَالَ: ارتَحِلُوا! فَسَارَ بِنَا حَتَّى إِذَا ابيَضَّتِ الشَّمسُ نَزَلَ فَصَلَّى بِنَا الغَدَاةَ، فَاعتَزَلَ رَجُلٌ مِنَ القَومِ لَم يُصَلِّ مَعَنَا، فَلَمَّا انصَرَفَ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَا فُلانُ، مَا مَنَعَكَ أَن تُصَلِّيَ مَعَنَا؟ قَالَ: يَا نَبِيَّ الله، أَصَابَتنِي جَنَابَةٌ ولا ماء! فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَتَيَمَّمَ بِالصَّعِيدِ فَصَلَّى، ثُمَّ عَجَّلَنِي فِي رَكبٍ بَينَ يَدَيهِ نَطلُبُ المَاءَ وَقَد عَطِشنَا عَطَشًا شَدِيدًا، فَبَينَا نَحنُ نَسِيرُ إِذَا نَحنُ بِامرَأَةٍ سَادِلَةٍ رِجلَيهَا بَينَ مَزَادَتَينِ، فَقُلنَا لَهَا: أَينَ المَاءُ؟ فقَالَت: أَيهَاه أَيهَاه، لا مَاءَ لَكُم! فقُلنَا: فَكَم بَينَ أَهلِكِ\nــ\nأَدلَج - بقطع الألف وسكون الدال؛ أي سار الليل كله، يدلج إدلاجًا. وادّلج - بوصل الألف وتشديد الدال: سار من آخره. وقد قيل: هما بمعنى واحد. والتعريس في أصله: النزول من آخر الليل، وقد تقدم. وبزغت الشمس؛ أي: بدأ طلوعها.\nوقوله وكنا لا نوقظ رسول الله - ﷺ - من منامه، إنما كان ذلك لأنه كان يوحى إليه في النوم، فكان يُخاف أن يكون إيقاظه قطعًا للوحي وتشويشًا له.\nوقوله ثم عجَّلني مشدد الجيم؛ أي أمرني بالاستعجال، وأكّده عليّ.\nوقوله فإذا نحن بامرأة سادلة رجليها بين مزادتين؛ سادلة أي مرسلة، وكذلك رواية الجماعة. وللعُذَري سابلة بالباء بواحدة، والأول أصوب؛ لأنه لا يقال سَبَلَت، إنما يقال أَسبَلَت. والمزادتان: القربتان، وقيل: المزادة القِربة الكبيرة التي تحمل على الدابة، سُمّيت بذلك لأنه يزاد فيها جلد من غيرها لتكبر.\nوقولها أيهاه أيهاه، كذا روي هنا بالهمزة في أولهما وبالهاء في","vol":"2","page":319},{"text":"وَبَينَ المَاءِ؟ قَالَت: مسيرة يَومٍ وَلَيلَةٍ. قُلنَا: انطَلِقِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ! قَالَت: وَمَا رَسُولُ اللهِ؟ فَلَم نُمَلِّكهَا مِن أَمرِهَا شَيئًا حَتَّى انطَلَقنَا بِهَا، فَاستَقبَلنَا بِهَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَسَأَلَهَا، فَأَخبَرَتهُ مِثلَ الَّذِي أَخبَرَتنَا، وَأَخبَرَتهُ أَنَّهَا مُوتِمَةٌ لَهَا صِبيَانٌ أَيتَامٌ، فَأَمَرَ بِرَاوِيَتِهَا فَأُنِيخَت، فَمَجَّ فِي العَزلاوَينِ العُليَاوَينِ، ثُمَّ\nــ\nآخرهما، وتروى بالتاء أيضًا في آخرهما، وهي هيهات المذكورة في قوله تعالى: ﴿هَيهَاتَ هَيهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾؛ أبدلت الهاء همزة، ومعناها البعد، والهاء في آخرها للوقف. وقيل: هي مُرَكّبة من هَي للتأسف وهاوه للتأوه، فقلبت الهاء في الوصل تاء ثم حركت بالفتح والضم والكسر، وقد قرئ بها في قوله تعالى: ﴿هَيهَاتَ هَيهَاتَ﴾ وهي اسم من أسماء الأفعال؛ فتارة تقدَّر ببعد كما في قول الشاعر:\nفهيهات هيهات العقيقُ وأهلُهُ ... وهيهات خِلٌّ بالعقيقِ نُواصِلُه\nأي: بَعُدَ العقيق وأهله. وتارة تقدر بِبُعدٍ الذي هو المصدر، كما قيل في قوله تعالى: ﴿هَيهَاتَ هَيهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾؛ أي: بُعدًا بُعدًا للذي توعدون، هي حكاية عن قول الكفار.\nومؤتِمة - بكسر التاء؛ أي: ذات أيتام. وراويتها هنا الجمل الذي تستقي عليه الماء، وهذه رواية الجماعة، وعند السمرقندي فأمر براويتيها وكأنه أراد المزادتين، وفيه بعد من جهة اللفظ.\nوقوله فأنيخت فمج؛ أي طرح من فيه فيهما، ومعناه: وبَزَق فيهما. والعزلاوان قال ابن ولاّد: العَزلاء بالمد عزلاء المزادة؛ وهي مخرج الماء منها. وقال الهروي: هو فوها الأسفل. والذي في الكتاب يشهد لما ذكره ابن ولاّد.","vol":"2","page":320},{"text":"بَعَثَ بِرَاوِيَتِهَا، فَشَرِبنَا وَنَحنُ أَربَعُونَ رَجُلا عِطَاشٌ حَتَّى رَوِينَا، وَمَلأنَا كُلَّ قِربَةٍ مَعَنَا وَإِدَاوَةٍ وَغَسَّلنَا صَاحِبَنَا، غَيرَ أَنَّا لَم نَسقِ بَعِيرًا، وَهِيَ تَكَادُ تَنضَرِجُ مِنَ المَاءِ - يَعنِي المَزَادَتَينِ، ثُمَّ قَالَ: هَاتُوا مَا كان عِندَكُم! فَجَمَعنَا لَهَا مِن كِسَرٍ وَتَمرٍ، وَصَرَّ لَهَا صُرَّةً فَقَالَ لَهَا: اذهَبِي فَأَطعِمِي هَذَا عِيَالَكِ، وَاعلَمِي أَنَّا لَم نَرزَأ مِن مَائِكِ. فَلَمَّا أَتَت أَهلَهَا قَالَت: لَقَد لَقِيتُ أَسحَرَ البَشَرِ، أَو إِنَّهُ لَنَبِيٌّ كَمَا زَعَمَ، كَانَ مِن أَمرِهِ ذَيتَ وَذَيتَ - فَهَدَى الله ذَاكَ الصِّرمَ بِتِلكَ المَرأَةِ، فَأَسلَمَت وَأَسلَمُوا.\nوَفِي رِوَايَةٍ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي سَفَرٍ، فَسَرَينَا لَيلَةً، حَتَّى إِذَا كَانَ مِن آخِرِ اللَّيلِ قُبَيلَ الصُّبحِ وَقَعنَا بتِلكَ الوَاقعَةَ الَّتِي لا وَقعَةَ عِندَ المُسَافِرِ أَح لَى مِنهَا، فَمَا أَيقَظَنَا إِلا حَرُّ الشَّمسِ.\nوَفِيهَا: فَلَمَّا استِيقَظَ عُمَرُ وَرَأَى مَا أَصَابَ النَّاسَ، وَكَانَ أَجوَفَ\nــ\nوقوله وغسَّلنا صاحبنا؛ أي أعطيناه من الماء ما يغتسل به، وهو مشدّد السين.\nوقوله وهي تتضّرج من الماء، كذا عند ابن ماهان بتاءين وبـ من، وعند الجماعة تنضرج بالماء، وهي بمعنى واحد؛ أي: تقارب أن تنشق من الامتلاء.\nولم نرزأ؛ أي لم ننقص، ومنه قولهم: ما رزأته زِبالا؛ أي: ما نقصته.\nوذَيتَ وذَيتَ؛ أي: كَيتَ وكَيتَ، وهو كناية عن حديث معلوم.\nوالصِّرم بكسر الصاد، قال يعقوب: هو أبيات مجتمعة.\nولا يخفى ما تضمنه هذا الحديث من الأحكام ومن معجزات النبي ﷺ، وأن حديث عمران بن حصين نازلة أخرى غير ما تضمنه حديث أبي قتادة.","vol":"2","page":321},{"text":"جَلِيدًا، فَكَبَّرَ وَرَفَعَ صَوتَهُ بِالتَكبِيِر، حَتَى استِيقَظَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِشِدَّةِ صَوتِهِ، فَلَمَّا استَيقَظَ رَسُولُ اللهِ شَكَوا إِلَيهِ الَّذِي أَصَابَهُم، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لا ضَيرَ، ارتَحِلُوا! وَاقتَصَّ الحَدِيثَ.\nرواه أحمد (٤/ ٤٣٤)، والبخاري (٣٤٤)، ومسلم (٦٨٢).\n* * *\nــ\nوقوله لا ضير؛ أي: لا ضرر، وقد تقدم في كتاب الإيمان.\n* * *","vol":"2","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-235>(٨٩) باب ما جاء في حكم قَصرِ الصلاة في السفر</span>\n(٦٨٥) (١ و٣) [٥٦٨ م]- عَن عُروَةَ، عَن عَائِشَةَ قَالَت: فَرَضَ الله الصَّلاةَ - حِينَ فَرَضَهَا - رَكعَتَينِ، ثُمَّ أَتَمَّهَا فِي الحَضَرِ، وَأُقِرَّت صَلاةُ السَّفَرِ عَلَى الفَرِيضَةِ الأُولَى.\nــ\n(٨٩) ومن باب: حكم قصر الصلاة في السفر\nقول عائشة ﵂ فرض الله الصلاة - حين فرضها - ركعتين ركعتين (١). . .، الحديث مخالف لفعلها؛ فإنها كانت تتم في السفر، ومخالف لما قاله غيرها من الصحابة ﵃ كعمر وابن عباس وجبير بن مطعم؛ فإنهم قالوا: إن الصلاة فرضت في الحضر أربعًا وفي السفر ركعتين - كما رواه مسلم عن ابن عباس (٢). ويخالف أيضًا ظاهر الكتاب في قوله تعالى: ﴿فَلَيسَ عَلَيكُم جُنَاحٌ أَن تَقصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِن خِفتُم أَن يَفتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مع قوله - ﷺ - وقد سئل عن ذلك فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته، كما يأتي في حديث يعلى (٣). وقد رام بعض المتأخرين الجمع بين حديث عائشة وبين حديث\n_________\n(١) في مسلم والتلخيص: ركعتين، والتكرار في مسند أحمد.\n(٢) انظر: التلخيص (٥٦٩).\n(٣) انظر: التلخيص (٥٧٠).","vol":"2","page":323},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nابن عباس فقال: يحمل حديث عائشة على أول الأمر، وحديث ابن عباس على الذي استقرّ عليه الفرضان، وهو تحكُّم، مع أنه بقي عليه العذر عن مخالفتها هي وعن معارضة ظاهر الكتاب.\nثم نقول: لو كان الأمر على ما ذكرته عائشة لاستحال عادةً أن تنفرد بنقل ذلك عائشة، فإنه حكم يعمّ الناس كلهم فيشيع، وتنقله الكافة من الصحابة والعدد الكثير منهم، ولم يُسمع ذلك قطّ من غيرها من الصحابة فلا مُعَوَّل عليه، والله أعلم.\nفإن قيل: فلعل ذلك كان في أول مشروعية الصلاة ولم يستمرّ ذلك الحكم، فلا يلزم الإشاعة! قلنا: ذلك باطل؛ لأن عائشة ﵂ لعلها لم تكن موجودة في ذلك الوقت، فإن أول مشروعية الصلاة إنما كانت حين الإسراء، وقد ذكرنا وقت ذلك في كتاب الإيمان، وإن كانت موجودة إذ ذاك فلم تكن ممن يميز ولا يعقل لصغرها.\nواختلف في حكم القصر في السفر؛ فروي عن جماعة أنه فرض، وهو قول عمر بن عبد العزيز والكوفيين وإسماعيل القاضي. وحكى ابن الجهم أن أشهب روى عن مالك أن القصر فرض، ومشهور مذهب مالك وجُلّ أصحابه وأكثر العلماء من السلف والخلف أن القصر سنة، وهو قول الشافعي. ومذهب عامة البغداديين من أصحابنا أن الفرضَ التخييرُ، وهو قول أصحاب الشافعي. ثم اختلف أصحاب التخيير في أيهما أفضل؟ فقال بعضهم: القصر أفضل، وهو قول الأبهري (١) من أصحابنا وأكثرهم، وقيل: إن الإتمام أفضل، ويحكى عن الشافعي.\n_________\n(١) هو الإمام القاضي المحدِّث شيخ المالكية: أبو بكر، محمد بن عبد الله بن محمد التميمي الأبهري، توفي عام (٣٥٧ هـ). (سير أعلام النبلاء ١٦/ ٣٣٢).","vol":"2","page":324},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوسبب الخلاف اختلاف الأحاديث في ذلك كما سيأتي، وقد تأول القائلون بأن القصر ليس بفرض حديث عائشة وحديث ابن عباس أن الفرض (١) فيهما بمعنى التقدير، وهو أصله في اللغة، فيكون معناه أن الله تعالى قدَّر صلاة المسافر بركعتين عددًا كما قدَّر صلاة الحضر أربع ركعات على ما في حديث ابن عباس، وعلى أي وجه يكون هذا التقدير على حكم الوجوب أو السنة؟ ذلك يؤخذ من دليلٍ آخر، وقد دلت أدلة كثيرة على أنه ليس بواجب؛ منها حديث عمر حيث قال ﷺ: صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته. وقد روى النسائي من حديث عائشة - وهو صحيح - أن عائشة اعتمرت مع رسول الله - ﷺ - من المدينة إلى مكة، قالت: قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، قصَرتَ وأتممتُ، وأفطرتَ وصمتُ! فقال: أحسنت يا عائشة! وما عابه عليَّ (٢). وهكذا قيدته بفتح التاء الأولى وضم الثانية في الكلمتين، وكذلك دلّ قوله تعالى: ﴿فَلَيسَ عَلَيكُم جُنَاحٌ أَن تَقصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ فإذا تقرر أنه ليس بواجب، فهل هو سنة أم لا؟ قلنا: هو سنة، دلّ عليه مداومته - ﷺ - على القصر واستمرار عمل الخلفاء على ذلك وأكثر الصحابة.\nثم اختلفوا في السفر الذي تقصر فيه الصلاة؛ فذهب عامة العلماء إلى جوازه في كل سفر مباح ومنعِه في سفر المعصية - وهو قول مالك والشافعي والطبري وأصحابهم. وذهب أبو حنيفة وأصحابه والثوري إلى جوازه في كل سفر طاعةً كان أو معصيةً، وهو رواية شاذة عن مالك. وذهب داود إلى أنه لا يجوز إلا في سفر الحج والعمرة والغزو لا في غيرها، وروي ذلك عن ابن مسعود. واختُلف عن أحمد بن حنبل؛ فمرة قال بقول مالك، ومرة قال: لا يقصر إلا في\n_________\n(١) فىِ (ع) و(م) و(ط): القصر، والتصحيح من (ظ) وإكمال إكمال المعلم (٢/ ٣٤٥).\n(٢) رواه النسائي (٣/ ١٢٢).","vol":"2","page":325},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nحج أو عمرة. وقال عطاء: لا يقصر إلا في سبيل من سبل الله، والصحيح المذهب الأول؛ لأن القصر إنما شرع تخفيفًا عن المسافر للمشقّات اللاحقة فيه ومعونة له على ما هو بصدده مما يجوز، وكل الأسفار في ذلك سواء، وأما سفر المعصية فلا يترخص فيه بالقصر ولا بالفطر؛ لأن ذلك يكون معونة له على معصية، والله تعالى يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثمِ وَالعُدوَانِ﴾\nواختلفوا في السفر الذي تقصر فيه الصلاة؛ فقال داود: تقصر في كل سفرٍ قصير أو طويل، ولو كان ثلاثة أميال في سفر الطاعة، وكافة العلماء على أن (١) القصر إنما شُرِعَ تخفيفًا، وإنما يكون في السفر الطويل الذي تلحق فيه المشقة غالبًا. واختلفوا في تقديره؛ فذهب مالك والشافعي وأصحابهما والليث والأوزاعي وفقهاء أصحاب الحديث إلى أنها لا تقصر إلا في اليوم التام. وقول مالك يوم وليلة راجع إلى اليوم التام، وهو قول ابن عباس وابن عمر، وقدّره مالك بثمانية وأربعين ميلا، والشافعي والطبري بستة وأربعين ميلا، وهو أمر متقارب. والتفت هؤلاء إلى أقل ما سمّاه رسول الله ﷺ سفرًا؛ فإنه - ﷺ - قال: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلا ومعها ذو محرم منها (٢). ومسيرة يوم وليلة هو مسيرة اليوم التام؛ فإن عادتهم في أسفارهم أن يقيلوا بالنهار ويسيروا بالليل، ولأن مسيرة يوم تامٍّ لا يمكن الخارج من منزله الرجوع إليه من يومه (٣) ويبيت ضرورة عنه، فخرج عن القرار\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٣٤٠)، والبخاري (١٠٨٨)، ومسلم (١٣٣٩)، وأبو داود (١٧٢٣ - ١٧٢٥)، والترمذي (١١٧٠) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) ساقط من (ع).","vol":"2","page":326},{"text":"قَالَ الزُّهرِيُّ: فَقُلتُ لِعُروَةَ: مَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ فِي السَّفَرِ؟ قَالَ: إِنَّهَا تَأَوَّلَت مَا تَأَوَّلَ عُثمَانُ.\nرواه أحمد (٦/ ٢٣٤ و٢٤١)، والبخاري (٣٥٠)، ومسلم (٦٨٥) (١ و٣)، وأبو داود (١١٩٨)، والنسائي (١/ ٢٢٥).\nــ\nفي السفر. وقال الكوفيون: لا يقصر في أقل من مسيرة ثلاثة أيام، وهو قول عثمان وابن مسعود وحذيفة. وقال الحسن وابن شهاب: يقصر في مسيرة يومين. وأولاها القول الأول، والله تعالى أعلم.\nوقول عروة إنها تأوّلت ما تأوّل عثمان، اختلف في تأويل إتمام عائشة وعثمان في السفر على أقوال، وأولى ما قيل في ذلك أنهما تأوّلا أن القصر رخصة غير واجبة وأخذا بالأكمل، وما عدا هذا القول إما فاسد وإما بعيد، ولنذكر ما قيل في ذلك:\nفمنها: أن عائشة تأوّلت أنها أم المؤمنين، فحيث حَلّت نزلت في أهلها وولدها، وهذا يبطل بما بين المنزلتين من المسافات البعيدة، فإنها كانت تتم فيها وهي على ظهر سفر.\nومنها: أنها كانت لا ترى القصر إلا في الحج والعمرة والغزو، وذلك باطل؛ لأن ذلك لم ينقل عنها ولا عُرف من مذهبها، ثم قد أتمّت في سفرها إلى عليٍّ (١) ﵄.\nومنها: أنها حيث أتمّت لم تكن في سفر جائز، وهذا باطل قطعًا، فإنها كانت أتقى لله وأخوف وأطوع من أن تخرج في سفر لا يرضاه الله تعالى، وهذا التأويل عليها هو من أكاذيب الشيعة المبتدعة وتشنيعاتهم عليها، ﴿سُبحَانَكَ هَذَا بُهتَانٌ عَظِيمٌ﴾! وإنما خرجت ﵂ مجتهدة محتسبة في خروجها تريد أن تطفئ نار الفتنة، ثم خرجت الأمور عن الضبط، وأقل درجاتها أن تكون ممن قال فيها رسول الله ﷺ: إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر (٢).\n_________\n(١) أي: في موقعة الجمل.\n(٢) رواه أحمد (٢/ ١٨٧) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.","vol":"2","page":327},{"text":"[٥٦٩]- وعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فَرَضَ الله الصَّلاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُم فِي الحَضَرِ أَربَعًا وَفِي السَّفَرِ رَكعَتَينِ، وَفِي الخَوفِ رَكعَةً.\nرواه أحمد (١/ ٢٣٢)، ومسلم (٦٨٧) (٥)، وأبو داود (١٢٤٧)، والنسائي (٣/ ١١٨ - ١١٩)، وابن ماجه (١٠٧٢).\nــ\nوقد ذكرنا من حديث النسائي عن عائشة ما يبيّن أن المعنى الذي لأجله أتمت في السفر إنما هو ما اخترناه أوّلا.\nوأما عثمان فقد تُؤوِّلَ له أنه كان إمام الناس، فحيث حلّ فهو منزله، وهذا يردّه أن النبي - ﷺ - كان أولى بذلك ومع ذلك فلم يفعله.\nومنها: أنه كان معه أهله بمكة. وهذا يردّه أن النبي - ﷺ - سافر بزوجاته وكن معه بمكة ومع ذلك فقصر.\nومنها: أنه إنما فعل ذلك من أجل الأعراب لئلا يظنوا أن فرض الصلاة أبدًا ركعتان. وهذا يردّه أن النبي - ﷺ - كان أولى بذلك ولم يفعله، ثم قد عَلِمَ الأعرابُ والكلُّ من المسلمين أن الصلاة في الحضر أربع، ومن جهل ذلك من قرب عهد بالإسلام نادر قليل لا تغير القواعد لأجله.\nومنها: أن عثمان أزمع على المقام بمكة بعد الحج، ويردّه أن المقام بمكة للمهاجر أكثر من ثلاث ممنوع (١).\nومنها: أنه كان لعثمان بمنىً أرضٌ ومالٌ فرأى أنه كالمقيم. وهذا فيه بُعدٌ؛ إذ لم يقل أحدٌ إن المسافر إذا مرّ بما يملكه من الأرض ولم يكن له فيها أهل حكمه حكم المقيم.\nوالوجه ما ذكرناه أولا.\nوقول ابن عباس وفي الخوف ركعة، ذهب جماعة من السلف إلى ظاهر هذا، فقالوا: صلاة الخوف ركعة واحدة عند الشدّة. وهو قول إسحاق؛ قال: أما عند الشدة فركعة واحدة يومئ بها إيماء، فإن لم يقدر فسجدة، فإن لم يقدر\n_________\n(١) زاد في (ع): محرّم. انظر: المفهم، كتاب: الجهاد، باب: لا هجرة بعد الفتح، والتمهيد (١١/ ١٨٥).","vol":"2","page":328},{"text":"[٥٧٠]- وعَن يَعلَى بنِ أُمَيَّةَ قَالَ: قُلتُ لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ: ﴿فَلَيسَ عَلَيكُم جُنَاحٌ أَن تَقصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِن خِفتُم أَن يَفتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَقَد أَمِنَ النَّاسُ! فَقَالَ: عَجِبتُ مِمَّا عَجِبتَ مِنهُ، فَسَأَلتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَن ذَلِكَ، فَقَالَ: صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ الله بِهَا عَلَيكُم، فَاقبَلُوا صَدَقَتَهُ.\nرواه أحمد (١/ ٢٥)، ومسلم (٦٨٦) (٤)، وأبو داود (١١٩٩)، والترمذي (٣٠٣٧)، والنسائي (٣/ ١١٦).\n[٥٧١]- وعَن حَفصِ بنِ عَاصِمِ بنِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، عَن أَبِيهِ قَالَ: صَحِبتُ ابنَ عُمَرَ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، قَالَ: فَصَلَّى لَنَا الظُّهرَ رَكعَتَينِ، ثُمَّ أَقبَلَ وَأَقبَلنَا مَعَهُ حَتَّى جَاءَ رَحلَهُ، وَجَلَسَ وَجَلَسنَا مَعَهُ، فَحَانَت مِنهُ التِفَاتَةٌ نَحوَ\nــ\nفتكبيرة. وقال الضحاك: إن لم يقدر على ركعة فتكبيرتان. وقال الأوزاعي: لا يجزئه التكبير. وقال قتادة والحسن: صلاة الخوف ركعة ركعة لكل طائفة من المأمومين، وللإمام ركعتان، وسيأتي القول في صلاة الخوف.\nوقوله ﴿فَلَيسَ عَلَيكُم جُنَاحٌ أَن تَقصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾؛ يعني به القصرَ من عدد الركعات والقصرَ بتغيير الهيئات، بدليل قوله ﷺ: صدقة تصدق الله بها عليكم عندما سئل عن قصرها مع الأمن، فكان قوله ذلك تيسيرًا وتوقيفًا. على أن الآية متضمَّنة لقصر الصلاة مع الخوف ومع غير الخوف، فالقصر مع الخوف هو في الهيئات على ما يأتي ومع الأمن في الركعات، والمتصدَّق به إنما هو إلغاء شرط الخوف في قصر عدد الركعات مع الأمن، وعلى هذا فيبقى اعتبار الخوف في قصر الهيئات على ما يأتي. وقد أكثر الناس في هذه الآية، وما ذكرناه أولى وأحسن؛ لأنه جمع بين الآية والحديث. والجناح: الحرج. وهذا يشعر أن القصر ليس واجبًا لا في السفر ولا في الخوف؛ لأنه لا يقال في الواجب لا جناح في فعله.","vol":"2","page":329},{"text":"حَيثُ صَلَّى، فَرَأَى نَاسًا قِيَامًا، فَقَالَ: مَا يَصنَعُ هَؤُلاءِ؟ قُلتُ: يُسَبِّحُونَ. قَالَ: لَو كُنتُ مُسَبِّحًا لأَتمَمتُ صَلاتِي، يَا ابنَ أَخِي، إِنِّي صَحِبتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فِي السَّفَرِ، فَلَم يَزِد عَلَى رَكعَتَينِ حَتَّى قَبَضَهُ الله، وَصَحِبتُ أَبَا بَكرٍ فَلَم يَزِد عَلَى رَكعَتَينِ حَتَّى قَبَضَهُ الله، وَصَحِبتُ عُمَرَ فَلَم يَزِد عَلَى رَكعَتَينِ حَتَّى قَبَضَهُ الله، ثُمَّ صَحِبتُ عُثمَانَ فَلَم يَزِد عَلَى رَكعَتَينِ حَتَّى قَبَضَهُ الله، وَقَد قَالَ الله تعالى: ﴿لَقَد كَانَ لَكُم فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسوَةٌ حَسَنَةٌ﴾\nــ\nوقوله في حديث ابن عمر يسبِّحون؛ أي: يصلون سبحة الضحى أو غيرها من النوافل، والسبحة: صلاة النافلة. قال الهروي: تسمى الصلاة تسبيحًا، ومنه: ﴿فَلَولا أَنَّهُ كَانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾؛ أي: من المصلين. وقول ابن عمر لو كنت مُسَبِّحًا لأتممت ظاهر هذا أن ابن عمر كان يمنع من التنفُّل في السفر ليلا ونهارًا، هكذا نقل أهل الخلاف عنه، وحُكي عنه أنه منعه بالنهار وجوَّزه بالليل لقوة أمر القيام بالليل إذ كان فرضًا، وعامة العلماء على جوازه، وقد روى جابر وغيره أن النبي - ﷺ - كان يتنفل في السفر على راحلته وبالأرض ليلا ونهارًا (١).\nوقوله إن النبي - ﷺ - والخلفاء كانوا يصلون ركعتين لا يزيدون هو محمول على أنهم ما كانوا يتنفَّلون رواتب الفرائض في السفر لا قبل الفرض ولا بعده، وأما في غير ذلك فقد روى جابر وعلي بن أبي طالب أن النبي - ﷺ - كان يتنفل في السفر ليلا ونهارًا.\nوقوله ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، قد روي\n_________\n(١) رواه البخاري (١٠٩٤).","vol":"2","page":330},{"text":"رواه البخاري (١١٠١)، ومسلم (٦٨٩) (٨)، وأبو داود (١٢٢٣)، والترمذي (٥٤٤)، والنسائي (٣/ ١٢٢ و١٢٤)، وابن ماجه (١٠٧١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>(٩٠) باب من أين يبدأ بالقصر إذا خرج من وطنه، واستمراره على القصر ما لم ينو إقامة</span>\n[٥٧٢]- عَن أَنَسٍ بِن مَالِك أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - صَلَّى الظُّهرَ بِالمَدِينَةِ أَربَعًا، وَصَلَّى العَصرَ بِذِي الحُلَيفَةِ رَكعَتَينِ.\nرواه أحمد (٣/ ١٧٧ و١٨٦)، والبخاري (١٠٨٩)، ومسلم (٦٩٠) (١٠)، وأبو داود (١٢٠٢)، والترمذي (٥٤٦)، والنسائي (١/ ٢٣٤).\nــ\nعنه في الحديث الآتي بعد هذا أنه قال: ومع عثمان صدرًا من خلافته ثماني سنين أو ست سنين (١). ووجه التلفيق أن ابن عمر إنما أخبر عن عثمان في سائر أسفاره في غير منى؛ لأن إتمام عثمان إنما كان بمنى على ما فسَّره عمران بن حصين، وكذا قال ابن حبيب.\nوالأسوة: القدوة.\n(٩٠) ومن باب: من أين يبدأ بالقصر؟\nقول أنس إن رسول الله - ﷺ - صلّى الظهر بالمدينة أربعًا، وصلّى العصر بذي الحليفة ركعتين، هذا كان وقد أزمع - ﷺ - على سفره إلى مكة، والظاهر أنه كان في حجته، وبين ذي الحليفة والمدينة نحو من ستة أميال، وقيل سبعة. واختلف\n_________\n(١) انظر الحديث في التلخيص (٥٧٥).","vol":"2","page":331},{"text":"[٥٧٣]- وعَن يَحيَى بنِ يَزِيدَ الهُنَائِيِّ قَالَ: سَأَلتُ أنَسَ بنَ مَالِكٍ عَن قَصرِ الصَّلاةِ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلاثَةِ أَميَالٍ أَو ثَلاثَةِ فَرَاسِخَ - شُعبَةُ الشَّاكُّ - صَلَّى رَكعَتَينِ.\nرواه أحمد (٣/ ١٩٠)، ومسلم (٦٩١)، وأبو داود (١٢٠١).\n[٥٧٤]- وَعَن أَنَسٍ قَالَ: خَرَجنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنَ المَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ فَصَلَّى رَكعَتَينِ رَكعَتَينِ حَتَّى رَجَعَ. قُلتُ: كَم أَقَامَ بِمَكَّةَ؟ قَالَ: عَشرًا.\nــ\nفي الموضع الذي يَبدأُ منه بالقصر المسافرُ؛ فذهب جمهور السلف والعلماء إلى أنه إذا خرج من بيوت المدينة قصر، وإذا دخلها راجعًا من سفره أتم. ومحصول مشهور مذهب مالك هذا، ورُوي عنه أنه لا يقصر حتى يجاوز ثلاثة أميال إن كانت القرية مما تجمع فيها الجمعة، فإذا رجع أتم من هناك. وروي عن عطاء وغيره وجماعة من أصحاب عبد الله أنه إذا أراد السفر قصر قبل خروجه. ورُوي عن مجاهد: لا تقصر إذا خرجت يومك إلى الليل. ولم يوافقه أحد على هذا، والصحيح مذهب الجمهور. وفي حديث أنس ما يرد قول عطاء ومن قال بقوله وقول مجاهد؛ فإنه قصر بعدما فارق المدينة وقبل الليل، فكان ذلك ردًّا لقولهما.\nوقوله كان رسول الله - ﷺ - إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ ربما تمسك به بعض الظاهرية وبحديث ذي الحليفة على أن من نوى سفرًا قصيرًا ولم يبلغ يومًا تامًّا أنه يقصر، ولا حجة له فيه لأنه مشكوك فيه، فلا يوثق لا بالثلاثة أميال ولا بالثلاثة فراسخ؛ إذ كل واحد منهما مشكوك فيه، وعلى تقدير أحدهما فلعلّه حدّد المسافة التي بدأ منها القصر، وسفره بعد ذلك كان أزيد بالمقدار الذي حكيناه عن الجمهور، والله تعالى أعلم.\nوقول أنس إن النبي - ﷺ - أقام بمكة عشرًا يصلّي ركعتين ركعتين تمسك","vol":"2","page":332},{"text":"رواه أحمد (٣/ ١٨٧ و٢٨٢)، والبخاري (١٠٨١)، ومسلم (٦٩٣) (١٥)، وأبو داود (١٢٣٣)، والترمذي (٥٤٨)، والنسائي (٣/ ١٢١)، وابن ماجه (١٠٧٧).\n* * *\nــ\nبه بعض من قال: إن المسافر إذا نوى إقامة عشرة أيام قصر، فإن نوى زيادة عليها أتم - وهو مروي عن علي وابن عباس في أحد قوليه.\nوقد كثر اختلاف الناس في هذه المسألة؛ فقيل عن ربيعة: إذا نوى إقامة يوم وليلة أتم. وروي عن سعيد بن المسيب: إذا نوى إقامة ثلاثة أيام أتم. وروي عن جمهور أئمة الفتوى: إذا نوى إقامة أربعة أيام بلياليها أتم. وروي عن أحمد وداود: إذا نوى زيادة على أربعة، ويقصر في الأربعة. وروي: زيادة على عشرة عن من ذكرنا. وروي: اثنا عشر عن ابن عمر في أحد قوليه، وعن عمر وابن عباس وسعيد بن المسيب. وروي عن الأوزاعي: ثلاثة عشر - وهو قول الكوفيين. وروي عن الليث أنه إذا زاد على خمسة عشر يوما أتم. وروي عن ابن عباس: يتمّ فيما زاد على سبعة عشر. وروي: تسعة عشر. وروي عن أحمد: يقصر إذا نوى إقامة أحد وعشرين، ويتم فيما زاد اعتمادًا على إقامة النبي - ﷺ - بمكة، فإنه خرج صبيحة الثامن من يوم التروية. وقال داود: في عشرين صلاة، ويتم إذا زاد - ونحو هذا لابن الماجشون.\nوروي عن الحسن أنه يقصر أبدًا، إلا أن يقدم مصرًا من الأمصار. قال القاضي عياض: وأكثر اختلافهم في هذا مبني على مدة إقامة النبي - ﷺ - وتقصيره في حجته؛ فإنه دخل مكة صبح رابعة من ذي الحجة وخرج صبح أربعة عشر على ما تظاهرت به الروايات، لكن بعض شيوخنا قال: كان شارف مكة في اليوم الثالث فقصر عنها، وبات بذي طوى حتى صلى الصبح، ثم دخل نهارًا - والنهار لا اعتداد","vol":"2","page":333},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>(٩١) باب قَصر الصلاة بِمنىً</span>\n[٥٧٥]- عَنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِمِنًى رَكعَتَينِ، وَأَبُو بَكرٍ بَعدَهُ، وَعُمَرُ بَعدَ أَبِي بَكرٍ، وَعُثمَانُ صَدرًا مِن خِلافَتِهِ، ثُمَّ إِنَّ\nــ\nبه عند العرب إذا انقضت (١) ليلته - فأقام بها اليوم الخامس والسادس والسابع، وخرج بعد تمام ثلاثٍ كما شرع، فلم يقم بمكة أكثر من ثلاث، وخرج إلى منى للنظر في حجه، وهو فيه في حكم المسافر حتى أكمله، ثم عاد إلى المدينة، فجاء هذا موافقًا لمذهبنا في أن ثلاثة أيام ليست بإقامة.\nواختلف في إقامته بمكة زمن الفتح؛ فروي عن ابن عباس خمس عشرة وسبع عشرة وتسع عشرة، وعن عمران بن حصين ثماني عشرة.\nقلت: والأشبه في هذه الأقوال قول الجمهور ومالك وغيره؛ لأنه يعتضد بإباحة النبي - ﷺ - المقام للمهاجر بمكة ثلاثًا، فإنه أبقى عليه فيها حكم المسافر، ومنعه من مقام الرابع فحكم له فيه بمقام الحاضر القاطن، فكان ذلك أصلا معتمدًا. وأما ما استُدِلَّ به غير هذا من إقامة النبي - ﷺ - بمكة في الفتح وفي حجته وكم أقام في الطائف فلا حجة فيه؛ لما في تلك الروايات من الاضطراب الكثير، ولأنه يمكن أن يقال في كل واحد منها إن النبي - ﷺ - إنما أقام تلك المدة فقصر لأنه لم يُجمع في نيته على إقامة أربعة أيام بلياليها، والله أعلم.\n(٩١) ومن باب: قصر الصلاة بمنى\nفيه حديث ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - صلّى بمنى ركعتين، وأبو بكر وعمر، وعثمان صدرًا من خلافته؛ لا خلاف أن هذا حكم الحاج من غير أهل مكة وعرفة\n_________\n(١) في نسخة (ع): دخلت.","vol":"2","page":334},{"text":"عُثمَانَ صَلَّى بَعدُ أَربَعًا، فَكَانَ ابنُ عُمَرَ إِذَا صَلَّى مَعَ الإِمَامِ صَلَّى أَربَعًا وَإِذَا صَلَاّهَا وَحدَهُ صَلَّى رَكعَتَين.\nوَفِي رِوَايَةٍ مكان صدرًا من خلافته: ثماني سنين - أو قال: ست سنين.\nرواه البخاري (١٠٨٢)، ومسلم (٦٩٤) (١٧)، والنسائي (٣/ ١٢١).\nــ\nبمنى يقصرون، وعند مالك أن حكم الحاج من أهل مكة أنهم يقصرون بمنى وعرفات، وكذلك أهل عرفة بمنى ومكة يقصرون، وخالفه في ذلك أبو حنيفة والشافعي وجماعة فقالوا إنهم (١) يتمون؛ إذ ليس في المسافة مسافة قصر، وحجة مالك التمسك بظاهر حديث ابن عمر المذكور واتّباع العمل العام في ذلك، ولأن تكرار الحاج في مشاعره ومناسكه مقدار المسافة التي تُقصر فيها الصلاة، والله تعالى أعلم.\nفأما أهل تلك المواضع فلا خلاف أحسبه في أن كل واحد منهم يتم في موضعه وإن شرع في عمل الحج لأنهم في أهلهم، وقد ذكرنا ما تُؤُوِّل به إتمام عثمان.\nوقوله ست سنين أو ثماني سنين، الصحيح سبع سنين، قال عمران بن حصين: حججت مع عثمان سبعًا من إمارته لا يصلي إلا ركعتين، ثم صلى بمنى أربعًا (٢).\nوقوله فكان ابن عمر إذا صلّى مع الإمام صلّى أربعًا، وإذا صلّى وحده صلّى ركعتين؛ يعني بالإمام عثمان لما أتم، فإن ابن عمر وابن مسعود كانا يصليان معه ويتمّان مع اعتقادهما أن القصر أولى وأفضل، لكنهما اتبعاه لأن\n_________\n(١) من (ظ) و(ط).\n(٢) رواه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٥٠).","vol":"2","page":335},{"text":"[٥٧٦]- وعَن عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ يَزِيدَ قَالَ: صَلَّى بِنَا عُثمَانُ بِمِنًى أَربَعَ رَكَعَاتٍ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِعَبدِ الله بنِ مَسعُودٍ فَاستَرجَعَ، ثُمَّ قَالَ: صَلَّيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِمِنًى رَكعَتَينِ، وَصَلَّيتُ مَعَ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ بِمِنًى رَكعَتَينِ،\nــ\nالإتمام جائز، ومخالفة الإمام فيما رآه مما يسوغ ممنوعة. ويحتمل أن يريد بالإمام هنا أيّ إمام اتفق من أئمة المسلمين، ويعني به أن ابن عمر كان إذا صلى خلف مقيم أتم تغليبًا لفضيلة الجماعة وبحكم الموافقة فيما يجوز أصله.\nوقد اختلف في مسافر صلى خلف مقيم، وهذا الخلاف يتنزل على الخلاف المتقدم في حكم القصر، فقياس من قال إن القصر فرض أن لا تجزئه صلاته، وحكاه القاضي أبو محمد عن بعض المتأخرين من أصحابنا. وقال غير هؤلاء: يقتدي به في الركعتين خاصة، ثم هل يسلم ويتركه أو ينتظره ويسلم معه؟ قولان.\nومن قال بأن القصر سنة من أصحابنا اختلفوا؛ فروى ابن الماجشون وأشهب أنه يتم ثم يعيد في الوقت، إلا أن يكون في أحد مسجدي الحرمين أو مساجد الأمصار الكبار، وروى مطرف أن لا إعادة، ورواه ابن القاسم.\nقلت: وقياس من قال بالتخيير أن لا إعادة أصلا؛ بل القصر والإتمام في حقه سيّان يفعل أيهما شاء، إلا أن الأولى به أن لا يخالف الإمام، فإذا صلى خلف مقيم اتبعه من جهة منع المخالفة لا من جهة التخيير، والله أعلم.\nوقوله فاسترجع؛ أي قال ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ﴾ وهذا الاسترجاع لما رأى من تفويت عثمان لفضيلة القصر ولوجود صورة خلافه لمن تقدمه، ولا يفهم منه أن ذلك الإتمام لا يجزئ؛ لأنه قال: وليت حظي من أربع ركعات (١) ركعتان متقبَّلتان - فلو كانت تلك الصلاة لا تجزئ لما كان له فيها حظ؛ لا من ركعتين ولا من غيرهما، فإنها كانت تكون فاسدة كلها، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) ساقطة من الأصول، واستدركناها من التلخيص.","vol":"2","page":336},{"text":"وَصَلَّيتُ مَعَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ بِمِنًى رَكعَتَينِ، فَلَيتَ حَظِّي مِن أَربَعِ رَكَعَاتٍ رَكعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ.\nرواه أحمد (١/ ٣٧٨ و٤١١٦)، والبخاري (١٠٨٤)، ومسلم (٦٩٥) (١٩)، وأبو داود (١٩٦٠)، والنسائي (٣/ ١٢٠ - ١٢١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>(٩٢) باب جواز التخلف عن صلاة الجماعة والجمعة لعذر المطر</span>\n[٥٧٧]- عَنِ ابنِ عُمَرَ أَنَّهُ نَادَى بِالصَّلاةِ فِي لَيلَةٍ ذَاتِ بَردٍ وَرِيحٍ وَمَطَرٍ، فَقَالَ فِي آخِرِ نِدَائِهِ: أَلا صَلُّوا فِي رِحَالِكُم، أَلا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ،\nــ\nوقال الداودي: خشي ألا تجزئه الأربع - وليس صحيحا لما ذكرناه.\nقلت: ولا خلاف أن القصر المذكور إنما هو في الصلاة الرباعية، فإن الصبح والمغرب لا تقصران بالإجماع - حكى ذلك القاضيان أبو عبد الله بن أبي صُفَرة وعياض.\n(٩٢) ومن باب: جواز التخلف عن الجماعة لعذر المطر\nقوله: نادى؛ أي: أذّن، وظاهر قوله: في آخر ندائه أنه قال ذلك بعد فراغه من الأذان، ويحتمل أن يكون في آخره قبل الفراغ، ويكون هذا مثل حديث ابن عباس؛ حيث قال لمؤذنه: إذا قلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد (١) أن\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من الأصول، والمثبت من صحيح مسلم والتلخيص.","vol":"2","page":337},{"text":"ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَأمُرُ المُؤَذِّنَ إِذَا كَانَت لَيلَةٌ بَارِدَةٌ أَو ذَاتُ مَطَرٍ فِي السَّفَرِ أَن يَقُولَ: أَلا صَلُّوا فِي رِحَالِكُم.\nرواه أحمد (٢/ ١٠ و٥٣)، والبخاري (٦٣٢)، ومسلم (٦٩٧) (٢٢ و٢٣)، وأبو داود (١٠٦٠ - ١٠٦٤)، والنسائي (٢/ ١٥)، وابن ماجه (٩٣٧).\n[٥٧٨]- وعَن جَابِرٍ قَالَ: خَرَجنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي سَفَرٍ، فَمُطِرنَا، فَقَالَ: لِيُصَلِّ مَن شَاءَ مِنكُم فِي رَحلِهِ.\nرواه مسلم (٦٩٨)، وأبو داود (١٠٦٥)، والترمذي (٤٠٩).\n[٥٧٩]- وعَن عَبدِ الله بنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَومٍ مَطِيرٍ: إِذَا قُلتَ: أَشهَدُ أنَّ لَا إلهَ إلَا الله، وأَشهدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَلا تَقُل: حَيَّ\nــ\nمحمدًا رسول الله؛ فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في رحالكم. وقد استدل بهذين الحديثين من أجاز الكلام في الأذان، وهم: أحمد والحسن وعروة وعطاء وقتادة، وعبد العزيز بن أبي سلمة وابن أبي حازم من المالكية، ولا حجة لهم في ذلك؛ لأن الحديث الأول إن لم يكن ظاهرًا فيما ذكرناه، فلا أقل من أن يكون محمولا، على أن هذا الحديث قد رواه أبو أحمد بن عدي من حديث أبي هريرة؛ قال فيه: كان رسول الله - ﷺ - إذا كانت ليلة باردة أو مطيرة أمر المؤذن فأذن بالأذان الأول، فإذا فرغ نادى: الصلاة في الرحال - أو: في رحالكم - (١)، وهذا نص يرفع ذلك الاحتمال.\nوالحديث الثاني لم يسلك به مسلك الأذان، ألا تراه قال: لا تقل حي على\n_________\n(١) رواه ابن عدي في الكامل (٦/ ٢٢٦٣).","vol":"2","page":338},{"text":"عَلَى الصَّلاةِ، قُل: صَلُّوا فِي بُيُوتِكُم. قَالَ: فَكَأَنَّ النَّاسَ استَنكَرُوا ذَلكَ، فَقَالَ: أَتَعجَبُونَ مِن ذَا؟ قَد فَعَلَ ذَا مَن هُوَ خَيرٌ مِنِّي. إِنَّ الجُمُعَةَ عَزمَةٌ، وَإِنِّي كَرِهتُ أَن أُحرِجَكُم فَتَمشُوا فِي الطِّينِ وَالدَّحضِ.\nرواه أحمد (١/ ٢٧٧)، والبخاري (٩٠١)، ومسلم (٦٩٩) (٢٦)، وأبو داود (١٠٦٦)، وابن ماجه (٩٣٩).\n* * *\nــ\nالصلاة؟ وإنما أراد إشعار الناس بالتخفيف عنهم للعذر، كما فعل في التثويب للأمراء. وقد كره الكلام في الأذان مالك والشافعي وأبو حنيفة، وعامة الفقهاء.\nوظاهر هذين الحديثين: جواز التخلف عن الجماعة والجمعة للمشقة اللاحقة من المطر والريح والبرد، وما في معنى ذلك من المشاق المحرجة في الحضر والسفر، وهذا في غير الجمعة قريب؛ إذ ليس غيرها بواجب على أصولنا، وأما في الجمعة ففيه إشكال، وقد اختلف الناس في جواز التخلف عنها لعذر المطر والوحل، فذهب أحمد بن حنبل إلى جواز التخلف عنها للمطر الوابل، وبمثله قال مالك في المطر الشديد والوحل في أحد القولين عنه، وروي عنه أنه لا يجوز، وحديث ابن عباس حجة واضحة على الجواز.\nفرع: وعلى القول بالجواز عن مالك، تترك لعذر تمريض المشرف على الهلاك القريب، والزوجة، والمملوك. وقال ابن القاسم: ولجنازة أخ من إخوانه ينظر في أمره. وقال ابن حبيب: ولغسل ميت عنده.\nوقوله: كرهت أن أحرجكم؛ الرواية فيه بالحاء المهملة، وهو من الحرج والمشقة، ومنه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيكُم فِي الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ والدَّحَض: الزلق، وهو الزلل.","vol":"2","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>(٩٣) باب التنفل والوتر على الراحلة في السفر</span>\n[٥٨٠]- عَنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي، وَهُوَ مُقبِلٌ\nــ\nوقوله في الأم (١): في يوم ذي رَدغٍ: الرواية المشهورة فيه بدال مهملة ساكنة، وغين معجمة، ووقع في رواية أبي الفتح السمرقندي: رزغ بالزاي، وكلاهما: الطين الذي يزلق فيه. وقد قُيِّد: رَزَغ بفتح الزاي وسكونها، وصوابه الفتح، فإنه الاسم؛ كالنَّقص والنقَض، والسكون للمصدر.\n(٩٣) ومن باب: والوتر على الراحلة\nلم يختلف العلماء في جواز التنفل على الراحلة للمسافر قِبَل أي وجه توجه بعد الشروع فيها، واختلفوا: هل يلزمه أن يفتتح نافلته إلى القبلة أم لا؟ فذهب الشافعي وأحمد وأبو ثور إلى أن ذلك يلزمه، وذهب مالك وغيره إلى أن ذلك لا يلزمه، وحجتهم التمسك بظاهر الحديثين المذكورين في هذا الباب، أعني حديث ابن عمر [وأنس] (٢) فتأملهما.\nولا شك أن هذا الفعل منه - ﷺ - إنما كان في السفر، وهل يجوز فعله في الحضر أم لا؟ فذهب أبو يوسف إلى أنه يجوز في الحضر، ورَوي عن أنس أنه كان يومئ على حمار في أزقَّة المدينة، وحكاه بعض الشافعية عن مذهبهم، ومالك لا يراه إلا في سفرٍ طال.\n_________\n(١) انظر: صحيح مسلم (٦٩٩) (٢٧).\n(٢) (ساقط من (م). وفي صحيح مسلم حديث رقم (٧٠٢) يروي فيه أنس بن سيرين فِعْلَ أنس بن مالك. ولم يذكره القرطبي في تلخيصه.","vol":"2","page":340},{"text":"مِن مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ، عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيثُ كَانَ وَجهُهُ، قَالَ: وَفِيهِ نَزَلَت: ﴿فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجهُ اللَّهِ﴾\nرواه البخاري (١٠٠٠)، ومسلم (٧٠٠) (٣٣)، والترمذي (٤٧٢)، والنسائي (١/ ٢٤٤).\n[٥٨١] وفي رِوَايَةٍ: قَالَ: رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ، وَهُوَ مُوَجِّهٌ إِلَى خَيبَرَ.\nرواه مسلم (٧٠٠) (٣٥)، وأبو داود (١٢٢٦).\nــ\nوقوله: ﴿فَثَمَّ وَجهُ اللَّهِ﴾؛ أي: جهة الله، يعني: القبلة، وأضافها الله تعالى إليه تشريفًا، وقيل: رضاه، وقيل: رحمته؛ كما قال في الحديث: فإن الرحمة تواجهه (١)، وقال الفَرَّاء: العمل؛ كما قال الشاعر:\nأستغفرُ الله ذنبًا لست مُحصِيَهُ ... ربَّ العبادِ إليه الوجهُ والعملُ\nوفي قوله نظر، فإن الوجه المذكور في الشعر ليس هو العمل، بدليل ذكر العمل بعده، وإنما معناه: القصد؛ أي: إليه القصد والعمل، ويمكن حمل الوجه في الآية على هذا، والله أعلم.\nوقوله في رواية عمرو بن يحيى المازني: على حمار، وَهمَ الدارقطني وغيره هذه الرواية؛ قالوا: والمعروف: على راحلته، وعلى بعير، ولم يخرج البخاري هذه الرواية.\nوقوله: وهو مُوجِّهٌ إلى خيبر؛ أي: متوجِّه، يقال: وجَّه فلان؛ إذا توجَّه.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٩٤٥)، والترمذي (٣٧٩)، والنسائي (٣/ ٦)، وابن ماجه (١٠٢٧).","vol":"2","page":341},{"text":"[٥٨٢]- وعَنهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُسَبِّحُ عَلَى الرَّاحِلَةِ قِبَلَ أَيِّ وَجهٍ تَوَجَّهَ، وَيُوتِرُ عَلَيهَا، غَيرَ أنَّهُ لا يُصَلِّي عَلَيهَا المَكتُوبَةَ.\nرواه مسلم (٧٠٠) (٣٩)، وأبو داود (١٢٢٤)، والنسائي (١/ ٢٤٤).\n* * *\nــ\nوقد يقال: إن معناه قاصد، يقال: هذا وجهي إليه؛ أي: قصدي. ولم يقع في كتاب مسلم كيفية صلاته على الدابة، وقد وقع مفسرًا في الموطأ من فعل أنس: أنه صلى إيماءً (١). قال مالك: وتلك سنة الصلاة، قال: ولا يسجد على القَرَبُوس (٢).\nوقوله: كان يسبح على الراحلة، ويوتر عليها: حجة للجمهور على أصحاب الرأي، حيث يقولون: إن الوتر لا يصلى على الراحلة.\nوقوله: غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة: حجة على من يقول بوجوب الوتر. وقد أجمع أهل العلم فيما حكاه عياض: على أنه لا يصلي فريضة على الدابة، في غير عذر خوف أو مرض. واختُلِفَ في الزَّمِن، واختَلَفَ فيه قول مالك. واختلف قول مالك أيضًا: هل السفينة في التنفل حيث توجهت به حكم الدابة أو خلافها؟ والمشهور أنها ليست كالدابة.\n* * *\n_________\n(١) الموطأ (١/ ١٥٠ و١٥١).\n(٢) \"القربوس\": حِنْوُ السرج، أي: قِسْمه المقوَّس المرتفع من قدّام المقعد ومن مؤخره.\nوالجمع: قرابيس.","vol":"2","page":342},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-240>(٩٤) باب الجمع بين الصلاتين في السفر والحضر</span>\n[٥٨٣]- عَنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا عَجِلَ بِهِ السَّيرُ، جَمَعَ بَينَ المَغرِبِ وَالعِشَاءِ.\nــ\n(٩٤) ومن باب: الجمع بين الصلاتين\nالمراد في هذا الباب من الجمع: إنما هو إخراج إحدى (١) الصلاتين المشتركتين عن وقت جوازها، وإيقاعها في وقت الأخرى مضمومة إليها، وهو إنما يكون في الصلوات المشتركة الأوقات، وهي: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، ولا يكون في غيرها بإجماع، ثم الجمع: متفق عليه، ومختلف فيه:\nفالأول: هو الجمع بعرفة والمزدلفة، والمختلف فيه: هو الجمع في السفر، والمطر، والمرض. فأما الجمع في السفر فإليه ذهب جماعة السلف وفقهاء المحدثين والشافعي، وهو مشهور مذهب مالك، وهل ذلك لمجرد السفر؟ أو لا بد معه من جدّ السير؟ (٢) قولان. بالأول قال جمهور السلف وعلماء الحجاز وفقهاء المحدثين وأهل الظاهر. وبالثاني قال مالك والليث والثوري والأوزاعي، وأَبَى أبو حنيفة وحده الجمعَ للمسافر (٣)، وكرهه الحسن وابن سيرين، وروي عن مالك كراهيته، وروي عنه أنه كرهه للرجال دون النساء.\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) (يُشير القرطبي -﵀- في هذا إلى ما حدث لابن عمر، عندما كان عائدًا من حجّة الوداع، فقيل له: إن صفية في السِّياق (نزع الموت) فأسرع السير، وجمع جمع التأخير. (الإصابة ٨/ ١٣١).\n(٣) في (م) وأبو حنيفة وحده منع من الجمع للمسافر. والمثبت من (ع) و(ظ) و(ط).","vol":"2","page":343},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - إِذَا أَعجَلَهُ السَّيرُ فِي السَّفَرِ يُؤَخِّرُ صَلاةَ المَغرِبِ، حَتَّى يَجمَعَ بَينَهَا وَبَينَ صَلاةِ العِشَاءِ.\nــ\nوأحاديث ابن عمر وأنس ومعاذ المذكورة في هذا الباب حجة على أبي حنيفة. لكن أبو حنيفة تأوّلها على أن الصلاة الأولى وقعت في آخر وقتها، والثانية وقعت في أول وقتها، وهذا يجوز باتفاق.\nوقد جاء في حديث معاذ في كتاب أبي داود: أنه - ﷺ - كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخّر الظهر حتى يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا، ثم سار. وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجّل العشاء فصلاها مع المغرب، وهذا حجة ظاهرة للجمهور في الرد على أبي حنيفة. وأما لعذر المطر: فقال به مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وجمهور السلف: بين المغرب والعشاء، وأما بين الظهر والعصر: فقال بالجمع بينهما في المطر الوابل: الشافعي وأبو ثور والطبري وأبو حنيفة وأصحابه وأهل الظاهر والليث: من الجمع في صلاتي الليل والنهار. وأما الجمع لعذر المرض فقال به مالك: إذا خاف الإغماء على عقله، وأبى ابن نافع الجمعَ لذلك، وقال: لا يجمع قبل الوقت، فمن أغمي عليه حتى ذهب وقته لم يجب عليه قضاؤه، ومنعه أيضًا أشهب والشافعي.\nوذهب كافة العلماء إلى منع الجمع بين الصلاتين في الحضر لغير عذر إلا شذوذًا؛ منهم من السلف: ابن سيرين، ومن أصحابنا أشهب؛ فأجاز ذلك للحاجة ما لم تتخذ عادة، ونحوه لعبد الملك في الظهر والعصر. وحجتهم في ذلك حديث ابن عباس.\nوقوله في حديث أنس وابن عمر: إذا عجل به السير: حجة ظاهرة لمشترط","vol":"2","page":344},{"text":"رواه أحمد (٢/ ٧ و٥١)، والبخاري (١٠٩٢)، ومسلم (٧٠٣) (٤٢)، وأبو داود (١٢٠٧ - ١٢١٧)، والترمذي (٥٥٥)، والنسائي (١/ ٢٨٧ و٢٨٩).\n[٥٨٤]- وعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا ارتَحَلَ قَبلَ أَن تَزِيغَ الشَّمسُ أَخَّرَ الظُّهرَ إِلَى وَقتِ العَصرِ، ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَينَهُمَا. فَإِن زَاغَتِ قَبلَ أَن يَرتَحِلَ صَلَّى الظُّهرَ ثُمَّ رَكِبَ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: يُؤَخِر الظُهرَ إِلَى أَول وقتِ العَصرَ.\nرواه أحمد (٣/ ٢٤٧ و٢٦٥)، والبخاري (١١١١)، ومسلم (٧٠٤) (٤٦ و٤٨) وأبو داود (١٢١٨ و١٢١٩)، والنسائي (١/ ٢٨٤ و٢٨٥).\nــ\nجِدَّ السير في الجمع، ولا تعارض هذه الأحاديث التي لم يذكر فيها ذلك؛ لأن الحجة في المنقول لا في المسكوت عنه، ويتعين حمل المطلق منهما على المقيد هنا لاتحاد الموجِب والموجَب، وهو موضع اتفاق الأصوليين في حمل المطلق على المقيد. وإنما خصّ ابن عمر صلاة المغرب والعشاء بالذكر، ولم يذكر العصر؛ لوقوع الجمع له بين المغرب والعشاء، وهو الذي سأله عنه نافع، فأجاب عمّا سئل عنه حين استُصرِخَ على امرأته صفية بنت أبي عبيد، فاستعجل بالجمع بين المغرب والعشاء، وسئل فأجاب بما ذكر.\nوقوله في حديث أنس: إنه - ﷺ - كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخّر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل: ظاهر في أنه كان يصلي الظهر في وقت العصر؛ لأنه إذا أخّر الظهر لأول وقت العصر (١)، ثم بعد ذلك بمهلة نزل فتوضأ، فصلى\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"2","page":345},{"text":"[٥٨٥]- وعَنهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا عَجِلَ به السَّفَرُ يُؤَخِّرُ الظُّهرَ إِلَى أَوَّلِ وَقتِ العَصرِ، فَيَجمَعُ بَينَهُمَا، وَيُؤَخِّرُ المَغرِبَ حَتَّى يَجمَعَ بَينَهَا وَبَينَ العِشَاءِ حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ.\nرواه مسلم (٧٠٤) (٤٨).\n[٥٨٦]- وعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الظُّهرَ وَالعَصرَ جَمِيعًا، وَالمَغرِبَ وَالعِشَاءَ جَمِيعًا، فِي غَيرِ خَوفٍ وَلا سَفَرٍ.\nــ\nالصلاتين؛ فيلزم أن يصلي الظهر في أول وقت العصر ولا بدّ. وأوضح من هذا ما في الرواية الأخرى؛ من أنه - ﷺ - كان يؤخّر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق، فظاهر ذلك حجة على أبي حنيفة؛ حيث منع الجمع المذكور، وهذا إنما فعله ابن عمر والنبيُّ - ﷺ -؛ لأنهما زالت عليهما الشمس وغربت وهما يجدّان السير، فلو أراد أن يرتحل بعد الزوال ناويًا أن لا ينزل حتى يخرج وقت الصلاتين صلى الأولى في أول الوقت، والثانية بعدها مجموعة إليها.\nقال أبو محمد عبد الوهاب: وله أن يجمع بين الصلاتين في وقت أيهما شاء، والاختيار: في آخر وقت الأولى، وأول وقت الثانية. وكونه - ﷺ - صلى الظهر ثم ركب، ولم يصل العصر مجموعة إليها؛ إما لأنه نوى أن ينزل في وقت العصر، وإما لأنه لم يرد أن يجمع بينهما؛ لأن الجمع هنا غايته أن يكون جائزًا للرّخصة، وإما أنه لم يجدّ به السير، والله تعالى أعلم.\nوقوله في حديث ابن عباس: أنه - ﷺ - أخّر الظهر والعصر والمغرب والعشاء في غير خوف ولا سفر ولا مطر: قد أخذ الناس في تأويل هذا الحديث مآخد، وأولاها: أن هذا الجمع يمكن أن يكون المراد به تأخير الأولى إلى أن يفرغ منها في آخر وقتها، ثم بدأ بالثانية في أول وقتها، وإلى هذا يشير تأويل أبي الشعثاء، ويدل على صحة هذا التأويل: أنه قد بقي فيه الأعذار المبيحة للجمع التي هي:","vol":"2","page":346},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: بِالمَدِينَةِ فِي غَيرِ خَوفٍ وَلا مَطَرٍ. قِيلَ لابنَ عَبَّاسٍ: ما أَرَادَ إلى ذَلِكَ؟ قَالَ: أَرَادَ أَن لا يُحرِجَ أُمَّتِهِ.\nرواه أحمد (٣/ ١٣٨)، والبخاري (١١١٢)، ومسلم (٧٠٥) (٤٩ و٥٤).\n[٥٨٧]- وعَنهُ قَالَ: صَلَّيتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - ثَمَانِيًا جَمِيعًا، وَسَبعًا جَمِيعًا. قِيلَ: يَا أَبَا الشَّعثَاءِ! أَظُنُّهُ أَخَّرَ الظُّهرَ وَعَجَّلَ العَصرَ، وَأَخَّرَ المَغرِبَ وَعَجَّلَ العِشَاءَ. قَالَ: وَأَنَا أَظُنُّ ذَلكَ.\nرواه أحمد (١/ ٢٢١)، والبخاري (١١٧٤)، ومسلم (٧٠٥) (٥٥)، وأبو داود (١٢١٠ - ١٢١٤)، والترمذي (١٨٧)، والنسائي (١/ ٢٩٠).\n[٥٨٨]- وَعَن مُعَاَذ بنِ جَبَلٍ قَالَ: خَرَجنا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي غَزوَةِ تَبُوكَ، فَكَانَ يُصَلِي الظُّهرِ وَالعَصرِ جَمِيعًا، والمَغرِبِ وَالعِشَاءِ جَمِيعَا، فَقِيلَ: مَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ؟ فَقَالَ: أَرَادَ أَن لا يُحرِجَ أُمَّتَهُ.\nرواه مسلم (٧٠٦) (٥٢) و(٧٠٥) (٥١)، وأبو داود (١٢٠٦ و١٢٠٨)، والترمذي (٥٥٣ و٥٥٤)، والنسائي (١/ ٢٨٥)، وابن ماجه (١٠٧٠).\n* * *\nــ\nالخوف والسفر والمطر، وإخراج الصلاة عن وقتها المحدود لها بغير عذر لا يجوز باتفاق، فتعين ما ذكرناه، والله أعلم.\nوقول من تأوّله على أنه كان في مطر، قد أبطلته هذه الرواية الصحيحة التي قال فيها: من غير خوف ولا مطر.\nوقوله: أراد أن لا يُحرِج أمته: روي بالياء باثنتين من أسفل وبضمها، وأمته منصوبًا على أنه مفعول، وبفتح التاء باثنتين من فوق، وضم أمته على أنها فاعله، ومعناه: إنما فعل ذلك لئلا يشق عليهم، ويثقل، فقصد إلى التخفيف عنهم مع المحافظة على إيقاع كل صلاة في وقتها على ما تأوّلناه، والله أعلم.","vol":"2","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-241>(٩٥) باب الانصراف من الصلاة عن اليمين والشمال</span>\n[٥٨٩]- عَن عبد الله: لا يَجعَلَنَّ أَحَدُكُم لِلشَّيطَانِ مِن نَفسِهِ جُزءًا، لا يَرَى إِلا أَنَّ حَقًّا عَلَيهِ أَن لا يَنصَرِفَ إِلا عَن يَمِينِهِ. أَكثَرُ مَا رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَنصَرِفُ عَن شِمَالِهِ.\nرواه أحمد (١/ ٤٦٤)، والبخاري (٨٥٢)، ومسلم (٧٠٧) (٥٩)، وأبو داود (١٠٤٢)، والنسائي (٣/ ٨١).\n[٥٩٠]- وَعَنِ السُّدِّيِّ قَالَ: سَأَلتُ أَنَسًا: كَيفَ أَنصَرِفُ إِذَا صَلَّيتُ عَن يَمِينِي أَو عَن يَسَارِي؟ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَكثَرُ مَا رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَنصَرِفُ عَن يَمِينِهِ.\nرواه أحمد (٣/ ٢١٧)، ومسلم (٧٠٨) (٦٠)، والنسائي (٣/ ٨١).\nــ\n(٩٥) ومن باب: الانصراف من الصلاة عن اليمين والشمال\nقوله ﷺ: لا يجعلن أحدكم للشيطان من نفسه جزءًا: هذا الحديث يدل على أن ملازمة الانصراف عن اليمين من الصلاة غير جائز، وأن له أن ينصرف عن يمينه وشماله، وهو مذهب كافة العلماء، غير أن الحسن ذهب إلى استحباب الانصراف عن اليمين، وهو الظاهر من حديث أنس، وما حكاه ابن مسعود وأنس في هذين الحديثين يدل على أن النبي - ﷺ - كان يفعل الأمرين جميعًا، وأن ذلك واسع، وليس فيه سنة يدام عليها؛ إذ قد (١) رأى ابنُ مسعود النبيَّ - ﷺ - في أكثر حالاته ينصرف عن شماله، ورأى أنس عكس ذلك، فكان ذلك دليلا على ما قلناه، والله أعلم.\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"2","page":348},{"text":"[٥٩١] وَعَنِ البَرَاءِ، قالَ: كُنَّا إِذاَ صَلِّيِنَّا خَلفَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَحبَبنَا أَن نَكُونَ عَن يَمِينِهِ، يُقبِلُ عَلَينَا بِوَجهِهِ، قَالَ: فَسَمِعتُهُ يَقُولُ: رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ يَومَ تَبعَثُ (أَو تَجمَعُ) عِبَادَكَ.\nرواه أحمد (٤/ ٣٠٤)، ومسلم (٧٠٩) (٦٢)، وأبو داود (٦١٥).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>(٩٦) باب إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة</span>\n[٥٩٢]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَلا صَلاةَ إِلا المَكتُوبَةُ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٥٥)، ومسلم (٧١٠) (٦٣)، وأبو داود (١٢٦٦)، والترمذي (٤٢١)، والنسائي (٢/ ١١٦)، وابن ماجه (١١٥١).\nــ\nوقوله: أحببنا أن نكون عن يمينه يقبل علينا بوجهه: وهذا يحتمل أن يكون أن هذا الإقبال منه - ﷺ - في حال سلامه من الصلاة؛ فإنه كان يبدأ بالسلام بيمينه، والأظهر أنه كان حين انصرافه من الصلاة، ويكون هذا حين كان يكثر أن ينصرف عن يمينه كما قاله أنس، والله أعلم.\n(٩٦) ومن باب: قوله: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة\nظاهره أنه لا تنعقد صلاة التطوع في وقت إقامة الفريضة، وبه قال أبو هريرة وأهل الظاهر، ورأوا أنه يقطع صلاته إذا أقيمت عليه المكتوبة. وروي عن","vol":"2","page":349},{"text":"[٥٩٣]- وعَن عَبدِ الله بنِ مَالِكٍ بنِ بُحَينَةَ قَالَ: أُقِيمَت صَلاةُ الصُّبحِ، فَرَأَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَجُلا يُصَلِّي، وَالمُؤَذِّنُ يُقِيمُ، فَقَالَ: أَتُصَلِّي الصُّبحَ أَربَعًا؟\nرواه أحمد (٥/ ٣٤٥)، والبخاري (٦٦٣)، ومسلم (٧١١) (٦٦)، والنسائي (٢/ ١١٧)، وابن ماجه (١١٥٣).\nــ\nعمر بن الخطاب أنه كان يضرب على صلاة الركعتين بعد الإقامة. وذهب مالك إلى أنه إذا أقيمت عليه المكتوبة وهو في نافلة، فإن كان ممن يخف عليه ويتمّها بأم القرآن وحدها فعل ولا يقطع، وإن لم يكن كذلك قطع. وذهب بعض أصحابنا إلى أنه يتمها. وعلى هذا الحديث فمن دخل لصلاة الصبح والإمام في الصلاة ولم يكن صلى الفجر لا يصلي ركعتي الفجر (١). وهو مذهب جمهور السلف من العلماء وغيرهم.\nوقد اختلفوا: هل يخرج لها من المسجد ويصلي خارجه أم لا يخرج؟ قولان لأهل العلم. وإذا قلنا: لا يخرج، فهل يصليهما والإمام يصلي، أو لا يصليهما، ويدخل مع الإمام في صلاته؟ وبالأول: قالت طائفة من السلف؛ منهم ابن مسعود. وبالثاني قال الشافعي وأحمد والطبري وابن سيرين، وحكي عن مالك. وإذا قلنا: إنه يخرج، فهل ذلك ما لم يخش فوات الركعة الأولى، فإن خشيه دخل، أو إنما يراعي خشية فوات الآخرة؟ قولان: الأول: لمالك والثوري، والثاني: أيضًا حُكي عن مالك. وقيل: يصليهما وإن فاتته صلاة الإمام إذا كان الوقت واسعًا؛ قاله ابن الجلاب.\nوقوله - ﷺ -: أتصلي الصبح أربعًا؟ إنكار على الرجل الذي فعل ذلك، وهذا الإنكار حجة على من ذهب إلى جواز صلاة ركعتي الفجر في المسجد\n_________\n(١) أي: سنة الفجر.","vol":"2","page":350},{"text":"[٥٩٤]- وَعَن عبد الله بنِ سَرجَسَ قالَ: دَخَلَ رَجُلٌ المَسجِدَ، وَرَسُول اللهِ - ﷺ - فِي صَلاةِ الغَدَاةِ، فَصَلَّى رَكعَتَينِ فِي جَانِبِ المَسجِدِ، ثُمَّ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَالَ: يَا فُلانُ بِأَيِّ الصَّلاتَينِ اعتَدَدتَ؟ أَبِصَلاتِكَ وَحدَكَ أَم بِصَلاتِكَ مَعَنَا؟ .\nرواه أحمد (٥/ ٨٢)، ومسلم (٧١٢)، وأبو داود (١٢٦٥)، والنسائي (٢/ ١١٧)، وابن ماجه (١١٥٢).\n* * *\nــ\nوالإمام يصلي كما ذكرناه آنفًا، وعلى سدّ الذريعة التي يخاف منها توهم الزيادة في الفرائض. وقال في رواية أخرى ما ينص على ذلك: يوشك أن يُصَلّي أحدكم الصبحُ أربعًا، وكذلك يفهم من قوله ﷺ في الحديث الآخر: يا فلان! بأي الصلاتين اعتددت، بصلاتك وحدك، أو بصلاتك معنا؟ ويزيد معنى آخر وهو: أن فيه منع ما يؤدي إلى الخلاف على الإمام.\nويمكن أن يستنبط من هذين الحديثين: أن ركعتي الفجر إن وقعت في تلك الحال صحَّت؛ لأنه - ﷺ - لم يقطع عليهما مع تمكنه من ذلك. وفي إنكاره - ﵊ - على المصلي مع كونه صلى في جانب المسجد ما يدل على شدة المنع من صلاتهما والإمام في الصلاة، وإن كان في زاوية.\nوقول عبد الله بن مالك بن بحينة هو الصحيح، وما رواه القعنبي خطأ، كما قاله في الأم. وقال أبو مسعود الدمشقي: أهل العراق يقولون: عن مالك بن بحينة، وأهل الحجاز قالوا: يقولون في نسبه: عبد الله بن مالك بن بحينة، وهو الأصح. وبحينة: أم عبد الله؛ قال أبو عمر بن عبد البر: إن بحينة اسم أم أبيه مالك، والأول أصح وأثبت، ولعبد الله ولأبيه مالك صحبة.","vol":"2","page":351},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-243>(٩٧) باب ما يقول عند دخول المسجد، والأمر بِتحيَّتِهِ</span>\n[٥٩٥]- عَن أَبِي حُمَيدٍ، أَو عَن أَبِي أُسَيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسجِدَ، فَليَقُلِ: اللهمَّ افتَح لِي أَبوَابَ رَحمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ، فَليَقُلِ: اللهمَّ إِنِّي أَسأَلُكَ مِن فَضلِكَ.\nرواه أحمد (٥/ ٤٢٥)، ومسلم (٧١٣) (٦٨)، وأبو داود (٤٦٥)، والنسائي (٢/ ٥٣)، وابن ماجه (٧٧٢).\n[٥٩٦]- وعَن أَبِي قَتَادَةَ - صَاحِبِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: دَخَلتُ المَسجِدَ وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - جَالِسٌ بَينَ ظَهرَانَيِ النَّاسِ. قَالَ: فَجَلَستُ - فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: مَا مَنَعَكَ أَن تَركَعَ رَكعَتَينِ قَبلَ أَن تَجلِسَ؟ قَالَ: فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! رَأَيتُكَ جَالِسًا وَالنَّاسُ جُلُوسٌ، قَالَ: فَإِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسجِدَ، فَلا يَجلِس حَتَّى يَركَع رَكعَتَينِ.\nرواه أحمد (٥/ ٣٠٥ و٣١١)، والبخاري (٤٤٤)، ومسلم (٧١٤)، (٧٠)، وأبو داود (٤٦٧ و٤٦٨)، والترمذي (٣١٦)، والنسائي (٢/ ٥٣)، وابن ماجه (١٠١٣).\nــ\n(٩٧) ومن باب: ما يفعل عند دخول المسجد\nقوله: إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس: عامة العلماء على أن هذا الأمر على الندب والترغيب، وقد ذهب داود وأصحابه إلى أن ذلك على الوجوب، وهذا باطل، ولو كان الأمر على ما قالوه لحرم دخول المسجد على المحدث الحدث الأصغر حتى يتوضأ، ولا قائل به، وإنما الخلاف","vol":"2","page":352},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفي دخول الجنب، فإذا جاز دخول المسجد على غير وضوء لزم منه أنه لا يجب عليه تحيته عند دخوله؛ إذ لو كان ذلك للزمه أن يتوضأ عند إرادة الدخول، فإن قيل: الخطاب بالتحيّة لمن كان متوضئًا، قلنا: هذا تحكُّم، وعدول عن الظاهر بغير دليل؛ فإنه متوجه لداخل المسجد فيلزم ما ذكرناه. وقد عدّها بعض أصحابنا في السنن. ثم هل يحيّي المسجد في أيّ الأوقات دخله؟ أو لا يحييه في الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها؟ قولان: الأول لبعض أهل الظاهر، والثاني للجمهور. فلا يحيي المسجد عندهم بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس، غير أن الشافعي منع منها حالة الطلوع وحالة الغروب، وأجازها فيما قبل ذلك، بناء منه على أن أصله في أن كل صلاة يتعيّن فعلها بحسب سببها فجائز فعلها ما لم تطلع الشمس وما لم تغرب، وسيأتي الكلام على هذا الأصل. وسبب الخلاف في تلك المسألة: اختلاف ظواهر الأحاديث؛ إذ تعليق الأمر بالتحية على الدخول يقتضي فعلها متى دخل المسجد، وعموم قوله - ﵊ - لا صلاة بعد العصر وبعد الصبح (١) يقتضي ألا تفعل. وكذلك اختلفوا في تحية المسجد بعد طلوع الفجر وقبل صلاة الصبح، فقال بجواز ذلك الشافعي وأحمد وداود. وقال بالمنع أبو حنيفة والليث والأوزاعي. واختلف عن مالك فيمن ركع ركعتي الفجر في بيته: هل يحيي المسجد أو لا يحييه؟ قولان عنه. وهذا الخلاف فيمن أراد الجلوس في المسجد، فأما العابر فخفف فيه أكثرهم، وهو قول مالك، ومنهم من أمره به، وهو قياس مذهب أهل الظاهر. واختلف قول مالك في تحية المسجد إذا صليت العيد فيه، ورأى في مسجد مكة تقديم الطواف على التحية، وفي مسجد المدينة تقديم التحية\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٩٥)، والبخاري (١٨٦٤)، ومسلم (٨٢٧)، والنسائي (١/ ٢٧٧ و٢٧٨) من حديث أبي سعيد ﵁.","vol":"2","page":353},{"text":"[٥٩٧]- وعَن جَابِر بنِ عَبدِ الله قَالَ: كَانَ لِي عَلَى رَسوُلِ الله - ﷺ - دَينٌ، فَقَضَانِي وَزَادَنِي، وَدَخَلتُ عَلَيهِ المَسجِدَ، فَقَالَ لِي: صَلِّ رَكعَتَينِ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٠٢ - ٣٠٨)، والبخاري (٢٣٩٤)، ومسلم (٧١٥).\n[٥٩٨] وَعَن كَعبِ بنِ مَاَلِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ لا يَقدَمُ مِن سَفَرٍ إِلا نَهَارًا فِي الضُّحَى، فَإِذَا قَدِمَ بَدَأَ بِالمَسجِدِ، فَصَلَّى فِيهِ رَكعَتَينِ، ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ.\nــ\nعلى السلام على النبي - ﷺ -، وقد وسع في ذلك أيضًا. وقال بعض أصحاب مالك: إن من تكرر عليه الدخول في المسجد تسقط عنه تحيته؛ كمن كثر تردده إلى مكة من الحطّابين وغيرهم، وكسقوط السجود عمن كثرت تلاوته من القُرآن، وسقوط الوضوء لمسّ المصحف للمتعلمين (١).\nوقول جابر: كان لي على النبي - ﷺ - دين فقضاني وزادني: هذا الدين هو ثمن البعير الذي كان النبي - ﷺ - اشتراه منه في رجوعه إلى المدينة من بعض أسفاره، وشرط عليه ركوبه إلى المدينة، فلما بلغها دفع له رسول الله - ﷺ - الجمل والثمن، وزاده قيراطًا، وسيأتي في البيوع إن شاء الله تعالى.\nوكونه - ﷺ - لا يقدم من سفر إلا نهارًا؛ إنما كان ذلك لأنه قد نهى أن يأتي\n_________\n(١) زاد في (ع) قوله: باب: ركعتين لمن قدم من سفر. والأولى حذفه؛ لأن السياق متّصل، والمعنى واحد.","vol":"2","page":354},{"text":"رواه أحمد (٣/ ٤٥٥)، والبخاري (٤٦٧٧)، ومسلم (٧١٦)، وأبو داود (٢٢٠٢)، والترمذي (٣١٠١)، والنسائي (٦/ ١٥٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>(٩٨) باب في صلاة الضحى</span>\n[٥٩٩]- عَن عَبدِ الله بنِ شَقِيقٍ قَالَ: قُلتُ لِعَائِشَةَ: أَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَت: لا، إِلا أَن يَجِيءَ مِن مَغِيبِهِ.\nرواه أحمد (٦/ ١٧١)، ومسلم (١٧) (٧٦)، والنسائي (٤/ ١٥٢).\nــ\nالرجل أهله طروقًا، وقد نبه على تعليله في حديث جابر فقال: يتخونهم ويطلب عثراتهم (١)، وفي حديث غيره: كي تستحدَّ المغيبة وتمتشط الشعثة (٢).\nواقتصر هنا كعب على ذكر وقت الضحى، وقد رواه أنس فقال: كان لا يطرق أهله، وكان يأتيهم غدوة وعشية (٣)، وكأنه كان أكثر قدومه في أول النهار ليبدأ بالصلاة في المسجد، فكان يتأخر حتى يخرج وقت النهي، والله أعلم.\n(٩٨) ومن باب: صلاة الضحى\nقد تقدم أن الضحى صدر النهار، والصلاة الموقعة فيه هي المنسوبة إليه، وأول وقتها خروج الوقت المنهيّ عنه، وآخره ما لم تَزُل الشمس، وأفضل وقتها إذا رمضت الفصال، وسيأتي.\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٢٤٣)، ومسلم (٧١٥) من حديث جابر ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٥٢٤٤)، ومسلم (٧١٥)، وأبو داود (٢٧٧٦)، والترمذي (١١٧٢).\n(٣) رواه البخاري (١٨٠٠)، ومسلم (١٩٢٨).","vol":"2","page":355},{"text":"[٦٠٠] وعَن عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَت: مَا رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي سُبحَةَ الضُّحَى قَطُّ، وَإِنِّي لأسَبِّحُهَا،\nــ\nوهذه الصلاة مشروعة، مندوب إليها، مُرَغَّب فيها، على ما يأتي بيانه عند جمهور العلماء، وقد روي عن أبي بكر وعمر، [وابن عمر] (١) وابن مسعود: أنهم كانوا لا يصلونها، وهذا إن صح محمول على أنهم خافوا أن تُتَّخَذَ سنة، أو يظن بعض الجهال أنها واجبة. وقول عمر (٢) وقد رأى الناس يصلونها في المسجد: بدعة؛ يعني به الاجتماع لها وفعلها في المسجد، ويحتمل أن يكون قوله في الضحى: بدعة؛ أي: حسنة؛ كما قال في قيام رمضان. وقد روي عنه: ما ابتدع المسلمون بدعة أفضل من صلاة الضحى، وهذا منه نصٌّ على ما تأوّلناه.\nوقول عائشة ﵂: ما رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي سبحة الضحى قط: يعارضه قولها فيما روت عنها معاذة: أنه كان يصليها أربع ركعات، ويزيد ما شاء الله. واختلف في الجمع بينهما، فقيل: إنما نفت أن تكون رأته يصليها بحضرتها، وغير حال قدومه من سفر، وحيث صلى أربعًا كان إذا قدم من سفر؛ كما جاء في حديث عبد الله بن شقيق أنها قالت: كان لا يصلي الضحى إلا أن يجيء من مغيبه.\nوقال القاضي عياض: والأشبه عندي في الجمع بين حديثيها: أن تكون إنما أنكرت صلاة الضحى المعهودةَ حينئذٍ عند الناس؛ على الذي اختاره جماعة من السلف من صلاتها ثماني ركعات، فقد صلاها كذلك خالد بن الوليد، فإنه - ﷺ - إنما\n_________\n(١) ساقط من (م).\n(٢) كذا في الأصول، وفي مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ٤٠٦)، وفتح الباري (٣/ ٥٢): ابن عمر.","vol":"2","page":356},{"text":"وَإِن كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَيَدَعُ العَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَن يَعمَلَ بِهِ خَشيَةَ أَن يَعمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفرَضَ عَلَيهِم.\nرواه البخاري (١١٢٨)، ومسلم (٧١٨)، وأبو داود (١٢٩٣).\n[٦٠١]- وعَن مُعَاذَةَ أَنَّهَا سَأَلَت عَائِشَةَ: كَم كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَت: أَربَعَ رَكَعَاتٍ، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ.\nرواه أحمد (٦/ ١٢٤)، ومسلم (٧١٩) (٧٨)، وابن ماجه (١٣٨١).\n[٦٠٢]- وعَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ أَبِي لَيلَى قَالَ: مَا أَخبَرَنِي أَحَدٌ أَنَّهُ\nــ\nكان يصليها أربعًا كما قالت، ويزيد ما شاء. قلت: ويمكن أن يقال: يحتمل أن يكون الذي أنكرت ونفت أن يكون النبي - ﷺ - فعله: اجتماع الناس لها في المسجد وصلاتها كذلك، وهو الذي قال عنه عمر (١): إنه بدعة.\nوقول عائشة: وإني لأُسَبِّحها - بالسين والباء بواحدة، وهي الرواية المشهورة -؛ أي: لأفعلها. وقد وقع في الموطأ: لأستحبها (٢)، من الاستحباب، والأول أولى، وقد روي عنها: أنها كانت تصليها.\nوقولها: وإن كان ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم؛ أي: يظنونه فرضًا؛ للمداومة، فيجب على من يظنه كذلك؛ كما إذا ظن المجتهد حِلّ شيء أو تحريمه، وجب عليه العمل بذلك. وقيل: إن النبي - ﷺ - كان حكمه أنه إذا ثبت على شيء من أعمال القرب واقتدى الناس به في ذلك العمل فُرض عليهم؛ كما قال في قيام رمضان، وسيأتي.\n_________\n(١) سبق أن الصحيح: ابن عمر.\n(٢) الذي في الموطأ المطبوع (١/ ١٥٢): لأسبحها.","vol":"2","page":357},{"text":"رَأَى النَّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي الضُّحَى إِلا أُمُّ هَانِئٍ، فَإِنَّهَا حَدَّثَت أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَخَلَ بَيتَهَا يَومَ فَتحِ مَكَّةَ، فَصَلَّى ثَمَانِي رَكَعَاتٍ مَا رَأَيتُهُ صَلَّى صَلاةً قَطُّ أَخَفَّ مِنهَا، غَيرَ أَنَّهُ كَانَ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: لا أَدرِي أَقِيَامُهُ فِيهَا أَطوَلُ أَم رُكُوعُهُ أَم سُجُودُهُ. كُلُّ ذَلِكَ مِنهُ مُتَقَارِبٌ. قَالَت: فَلَم أَرَهُ سَبَّحَهَا قَبلُ وَلا بَعدُ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: أَنَهُ - ﵊ - صَلَّى فِي بَيتِهَا عَامَ الفَتحِ ثَمَانِي رَكَعَاتٍ فِي ثَوبٍ قَد خَالَفَ بَينَ طَرَفَيهِ.\nرواه البخاري (١١٧٦)، ومسلم (٣٣٦) في صلاة المسافرين (٨٠ و٨١ و٨٣)، وأبو داود (١٢٩٠ و١٢٩١)، والترمذي (٤٧٤)، والنسائي (١/ ١٢٦)، وابن ماجه (١٣٧٩).\n[٦٠٣]- عَن زِيدِ بنِ أَرقَم قالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى أَهلِ قُبَاءَ،\nــ\nوقول أم هانئ: إنه - ﷺ - صلى الضحى يوم الفتح ثماني ركعات، وفي حديث معاذ: أربع ركعات: يدل: على أنها ليس لعددها حدٌّ محدود، وقد ذكر البزار عن أبي ذر قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن صليت الضحى ركعتين لم تكتب من الغافلين، وإن صليت أربعًا كتبت من العابدين، وإن صليت ستًّا لم يلحقك ذنب، وإن صليت ثمانيًا كتبت من القانتين، وإن صليت اثنتي عشرة بني لك بيت في الجنة (١). قال البزار: لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه.\n_________\n(١) رواه البزار (٦٩٤) كما في كشف الأستار.","vol":"2","page":358},{"text":"وَهُم يُصَلُّونَ، فَقَالَ: صَلاةُ الأَوَّابِينَ، إِذَا رَمِضَتِ الفِصَالُ.\nرواه أحمد (٤/ ٣٦٦)، ومسلم (٧٤٨) (١٤٤).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>(٩٩) باب الوصية بالضحى وأقله ركعتان</span>\n[٦٠٤]- عَن أَبِي الدَّردَاءِ قَالَ: أَوصَانِي حَبِيبِي بِثَلاثٍ، أَلا\nــ\nوقوله: صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال: الأوَّابون: جمع أوَّاب؛ وهو مبالغة آيب، وهو من: آب إلى كذا؛ أي: رجع، ومنه قول تَأَبَّط شرًّا:\nفأبتُ إلى فَهمٍ وما كدت آيبا\nأي: رجعت. فمعنى الأوابين هنا، وفي قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾؛ أي: الراجعين من الإساءة إلى الإحسان؛ على ما قاله قتادة. وقال مجاهد: التائبون. وابن عمر: المستغفرون. وقال ابن عباس: المسبحون. وكل ذلك متقارب. وأما الفصال والفصلان: جمع فصيل، وهو الذي يفطم عن الرضاعة من الإبل. وأما الرمضاء: شدة الحرّ في الأرض. وخص الفصلان هنا بالذكر؛ لأنها هي التي ترمض قبل انتهاء شدة الحرّ التي ترمض بها أمهاتها؛ لقلة جلدها، وذلك يكون في الضحى أو بعده بقليل، وهو الوقت المتوسط بين طلوع الشمس وزوالها.\n(٩٩) ومن باب: الوصية بالضحى\nوصية النبي - ﷺ - لأبي الدرداء وأبي هريرة تدل على فضيلة الضحى، وكثرة ثوابه وتأكده، ولذلك حافظا عليه ولم يتركاه. وقد بينّا الخليل والخلة في كتاب الإيمان.","vol":"2","page":359},{"text":"أَدَعَهُنَّ مَا عِشتُ، بِصِيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِن كُلِّ شَهرٍ، وَصَلاةِ الضُّحَى، وَبِأَلا أَنَامَ حَتَّى أُوتِرَ.\nرواه أحمد (٦/ ٤٤٠)، ومسلم (٧٢٢)، وأبو داود (١٤٣٣).\n[٦٠٥]- وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: أَوصَانِي خَلِيلِي - ﷺ - بِثَلاثٍ: بِصِيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِن كُلِّ شَهرٍ، وَرَكعَتَيِ الضُّحَى، وَأَن أُوتِرَ قَبلَ أَن أَرقُدَ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٣٣ و٢٥٨)، والبخاري (١١٧٨)، ومسلم (٧٢١)، وأبو داود (١٤٣٢)، والترمذي (٧٦٠)، والنسائي (٣/ ٢٢٩).\n[٦٠٦]- وعَن أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: يُصبِحُ عَلَى كُلِّ سُلامَى مِن أَحَدِكُم صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحمِيدَةٍ صَدَقَةٌ،\nــ\nوقد عاب بعض الطاعنين على أبي هريرة قوله: خليلي، في النبي - ﷺ -؛ بناءً منه على أن النبي - ﷺ - لم يتخذه ولا أحدًا من الخلق خليلا، وهذا إنما وقع فيه قائله ظنًّا أن خليل بمعنى مخالل، من المخاللة التي لا تكون إلا من اثنين، وليس الأمر كذلك، فإن خليلا مثل حبيب، لا يلزم فيه من المفاعلة شيء؛ إذ قد يُحَبُّ الكاره.\nوقوله: ركعتي الضحى: يشعر بأن أقلَّه ركعتان، وسيأتي الكلام على الوتر.\nوقوله: يصبح على كل سُلامَى من أحدكم صدقة؛ أصل السُّلامى - بضم السين -: عظام الأصابع والأكُفّ والأرجل، ثم استعمل في سائر عظام الجسد ومفاصله. وفي حديث عائشة ﵂: خُلِقَ الإنسان على ستين وثلاثمائة مفصل، ففي كل مفصل صدقة (١)، وسيأتي.\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٣٥٤ و٣٥٩)، ومسلم (١٠٠٧) من حديث عاثشة ﵁.","vol":"2","page":360},{"text":"وَكُلُّ تَهلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمرٌ بِالمَعرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهيٌ عَنِ المُنكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجزِئُ مِن ذَلِكَ رَكعَتَانِ يَركَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى.\nرواه أحمد (٥/ ١٦٧ و١٧٨)، ومسلم (٧٢٠)، وأبو داود (١٢٨٦).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>(١٠٠) باب ما جاء في ركعتي الفجر</span>\n[٦٠٥]- عَن حَفصَةَ أُمِّ المُؤمِنِينَ، قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا طَلَعَ الفَجرُ لا يُصَلِّي إِلا رَكعَتَينِ خَفِيفَتَينِ.\nرواه أحمد (٦/ ٢٨٤)، والبخاري (٦١٨)، ومسلم (٧٢٣) (٨٨)، والنسائي (٣/ ٢٥٣ و٢٥٦)، وابن ماجه (١١٤٥).\nــ\nوقوله: ويجزئ من ذلك ركعتان؛ أي: يكفي من هذه الصدقات عن هذه الأعضاء ركعتان، فإن الصلاة عمل لجميع أعضاء الجسد، فإذا صلى فقد قام كل عضو بوظيفته التي عليه في الأصل؛ الذي ذُكر فيه الحديث المتقدم، والله أعلم.\n(١٠٠) ومن باب: ما جاء في ركعتي الفجر\nقول حفصة ﵂: كان رسول الله - ﷺ - إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين: ظاهره: أنه لا يجوز في هذا الوقت نافلة إلا ركعتي الفجر. وقد روى الترمذي حديثًا عن ابن عمر: أن النبي - ﷺ - قال: لا صلاة بعد الفجر إلا","vol":"2","page":361},{"text":"[٦٠٦] وعن عَائِشَةَ، أَنَّهَا كَانَت تَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي رَكعَتَيِ الفَجرِ، فَيُخَفِّفُ حَتَّى إِنِّي أَقُولُ: هَل قَرَأَ فِيهِا بِأُمِّ القُرآنِ! .\nرواه أحمد (٦/ ١٦٤ و١٦٥)، والبخاري (٦١٩)، ومسلم (٧٢٤) (٩٢)، وأبو داود (١٢٥٥)، والنسائي (٣/ ٢٥٦).\nــ\nسجدتين (١). وقال: حديت غريب، وهو ما أجمع عليه أهل العلم؛ كرهوا أن يصلي الرجل بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر. قلت: وهذا الإجماع الذي حكاه الترمذي إنما هو على كراهة التنفل المبتدأ، وأما ما كان منه بحسب سبب؛ فقد ذكرنا الخلاف فيه في باب: تحية المسجد. وتخفيفه - ﷺ - في ركعتي الفجر، إنما كان لمبادرته إلى إيقاع صلاة الصبح في أول وقتها، والله تعالى أعلم.\nوقول عائشة: إنه كان يخففهما حتى إني أقول: هل قرأ فيهما بأمّ القرآن؟ ليس معنى هذا أنها شكّت في قراءته - ﷺ - فيها بأمّ القرآن؛ لأنه قد ثبت عنه - ﷺ - أنه قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن (٢)، وإنما معنى ذلك: أنه - ﷺ - كان في غيرها من النوافل يقرأ بالسورة، ويرتِّلُها حتى تكون أطول من أطول منها (٣)، بخلاف فعله في هذه، فإنه كان يخفف أفعالها وقراءتها، حتى إذا نُسبت إلى قراءته في غيرها كانت كأنها لم يقرأ فيها. وقد دلّ على صحة هذا ما في حديث أبي هريرة: أنه - ﷺ - كان يقرأ فيهما بـ: ﴿قُل يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾ و﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وهذا بعد قراءة الفاتحة في الركعتين قبل السورتين، على ما قد تبيّن اشتراطه في الصلاة كما تقدم، وعلى هذا يحمل حديث ابن عباس: أنه كان يقرأ فيهما بقوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ وبقوله تعالى: تَعَالَوا إِلَى كَلِمَةٍ: إنه\n_________\n(١) رواه الترمذي (٤١٩).\n(٢) رواه البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٢٩٥) من حديث عبادة ﵁.\n(٣) هذا مضمون الحديث رقم (٧٣٣/ ١١٨) في صحيح مسلم، ورقم (٩١٧) في المختصر.","vol":"2","page":362},{"text":"[٦٠٧]- وعَنهَا: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَم يَكُن عَلَى شَيءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ مُعَاهَدَةً مِنهُ عَلَى رَكعَتَينِ قَبلَ الصُّبحِ.\nرواه أحمد (٦/ ٤٣ و٥٤)، والبخاري (١١٦٩)، ومسلم (٧٢٤) (٩٤)، وأبو داود (١٢٥٤)، والترمذي (٤١٦)، والنسائي (٣/ ٢٥٢).\n[٦٠٨]- وعَنهَا، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: رَكعَتَا الفَجرِ خَيرٌ مِنَ الدُّنيَا وَمَا فِيهَا.\nوَفِي رِوَايَةٍ: لَهُمَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنيَا جَمِيعًا.\nرواه أحمد (٦/ ٢٦٥)، ومسلم (٧٢٥).\n[٦٠٩]- وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَرَأَ فِي رَكعَتَيِ الفَجرِ: ﴿قُل يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾ وَ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾\nــ\nكان يقرأ ذلك بعد الفاتحة، وما ذكرناه هو الظاهر من مجموع الأحاديث، وهو اختيار جمهور أصحاب مالك؛ استحبوا أن يقرأ فيهما بأم القرآن في كل ركعة منهما، و﴿قُل يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾ في الأولى، و﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في الآخرة، وهو قول الشافعي وأحمد، واستحب مالك الاقتصار على أم القرآن على ظاهر حديث عائشة، وذهب قوم إلى أنه لا يقرأ فيهما بالجملة الكافية؛ حكاه الطحاوي، وذهب النخعي إلى جواز إطالة القراءة فيهما، واختاره الطحاوي، وذهب الثوري والحسن وأبو حنيفة: إلى أنه يجوز لمن فاته حزبه من الليل أن يقرأه فيهما.\nوقول عائشة: لم يكن على شيء من النوافل أشدَّ معاهدة منه على ركعتين قبل الصبح: استدل بهذا من قال (١): إنهما سنة، وهو قول كافة العلماء وأكثر\n_________\n(١) في (ع): رأى.","vol":"2","page":363},{"text":"رواه مسلم (٧٢٦)، وأبو داود (١٢٥٦)، والنسائي (٢/ ١٥٥ و١٥٦)، وابن ماجه (١١٤٨).\n[٦١٠]- وعَن ابنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَقرَأُ فِي رَكعَتَيِ الفَجرِ، فِي الأُولَى مِنهُمَا: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَينَا﴾ وَفِي الآخِرَةِ مِنهُمَا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشهَد بِأَنَّا مُسلِمُونَ﴾\nوَفِي رِوَايَةٍ: ﴿تَعَالَوا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَينَنَا وَبَينَكُم﴾\nرواه أحمد (١/ ٢٧٢)، ومسلم (٧٢٧)، وأبو داود (١٢٥٩)، والنسائي (٢/ ١٥٥).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>(١٠١) باب رواتب الفرائض وفضلها</span>\n[٦١١]- عَن أُمِّ حَبِيبَةَ قَالَت: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: مَن صَلَّى اثنَتَي عَشرَةَ رَكعَةً فِي يَومٍ وَلَيلَةٍ - وفي رواية: تَطَوُعًا غَيرَ فَرِيضَةٍ - بُنِيَ لَهُ\nــ\nأصحاب مالك، وروي عنهم أنها من الرغائب، وهو القول الآخر عن مالك. وذهب الحسن إلى وجوبهما، وهو شاذّ لا أصل له، والله تعالى أعلم.\n(١٠١) ومن باب: رواتب الفرائض\nوقع في كتاب مسلم حديث أم حبيبة لم يعيِّن فيه اثنتي عشرة ركعة ولا عددها، وقد ذكر النسائي عن أم حبيبة هذا الحديث مرفوعًا، وعيَّن فيه","vol":"2","page":364},{"text":"بَيتٌ فِي الجَنَّةِ. قَالَت أُمُّ حَبِيبَةَ: فَمَا تَرَكتُهُنَّ مُنذُ سَمِعتُهُنَّ مِن رَسُولِ اللهِ - ﷺ -.\nرواه أحمد (٦/ ٣٢٧)، ومسلم (٧٢٨) (١٠١)، وأبو داود (١٢٥٠)، والترمذي (٤١٥)، والنسائي (٣/ ٢٦١)، وابن ماجه (١١٤١).\n[٦١٢]- وعَنِ ابنِ عُمَرَ، قَالَ: صَلَّيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَبلَ الظُّهرِ سَجدَتَينِ، وَبَعدَهَا سَجدَتَينِ، وَبَعدَ المَغرِبِ سَجدَتَينِ، وَبَعدَ العِشَاءِ سَجدَتَينِ، وَبَعدَ الجُمُعَةِ سَجدَتَينِ. فَأَمَّا المَغرِبُ وَالعِشَاءُ وَالجُمُعَةُ فَصَلَّيتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي بَيتِهِ.\nــ\nالركعات وعددها؛ فقال: أربع ركعات قبل الظهر، وركعتين بعد الظهر، وركعتين قبل العصر، وركعتين بعد المغرب، وركعتين قبل صلاة الصبح، وهو صحيح. واختلف العلماء: هل للفرائض رواتب مسنونة، أو ليس لها؟ فذهب الجمهور إلى الأخذ بحديث أم حبيبة، وبما رُوي عن النبي - ﷺ - من فعله لهذه النوافل، على ما ذُكر عن عائشة وابن عمر في هذا الباب، فقالوا: هي سنة مع الفرائض، وذهب مالك في المشهور عنه إلى أنه لا رواتب في ذلك ولا توقيت، عدا ركعتي الفجر، وقد تقدم ذكرها حمايةً للفرائض، ولا يمنع من تطوع بما يشاء إذا أمن ذلك. وذهب العراقيون من أصحابنا إلى استحباب الركوع بعد الظهر، وقبل العصر، وبعد المغرب. [وقد تقدم أن أهل الحجاز يسمون الركعة: سجدة.\nوقول ابن عمر: فأما المغرب] (١) والعشاء والجمعة فصليت مع النبي - ﷺ - في بيته: يدلّ على أنه كان يصلي بعض النوافل في المسجد، مع أنه قد قال:\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (م).","vol":"2","page":365},{"text":"رواه البخاري (١١٧٢)، ومسلم (٧٢٩)، وأبو داود (١٢٥٢)، والترمذي (٤٣٣ و٤٣٤)، والنسائي (٢/ ١١٩).\nــ\nخير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة (١)، وهذا مقتضى حديث عائشة ﵂؛ فإنها ذكرت فيه أنه ﷺ صلى ذلك كله في بيته، إلا الفرائض خاصة؛ فإنه كان يصليها في المسجد، وعلى هذا فالأصل في أفضلية التطوع أن يكون في البيت، وإيقاعها في المسجد لمقتضٍ لذلك وعارضٍ؛ مثل: تشويشٍ في البيت، أو ليسر في المسجد ونشاط وما شاكل ذلك. وقد كره النوافل في المسجد النخعي وعَبِيدة، وعُلِّل ذلك لهما بالحماية للفرائض، وبأن لا يخلي بيته من الصلاة، وبقوله - ﷺ -: خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة. وذهب بعضهم: أن كونها في المسجد أجمع، وحُكي عن مالك والثوري: أنهما ذهبا إلى كونها في المسجد نهارًا وبالليل في البيت. قلت: وكأن هذا قول بمقتضى حديث ابن عمر. وأما بعد الجمعة: فذهب مالك وأصحابه إلى أن الأفضل للإمام ألا ينتفل بأثرها في المسجد، ووسّع في ذلك للمأموم، واختار الشافعي والكوفيون الركوع بعد الجمعة ستًّا أو أربعًا. وقال الشافعي: ما كثر فهو أحب إليَّ، وسيأتي الكلام في ركعتي العصر وقبل المغرب.\nقلت: والحاصل من الأحاديث استحباب الراتبة على نوافل حديث أم حبيبة - الذي ذكرناه - في البيت؛ كما في حديث عائشة، فإن هذه النوافل يجبر بها نقص إن وقع في الفرائض؛ على ما رواه الترمذي عن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإن انتَقَصَ من فريضته شيء قال الرب ﵎: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فيكمَّلُ بها ما انتَقَصَ\n_________\n(١) رواه البخاري (٦١١٣)، ومسلم (٧٨١)، وأبو داود (١٤٤٧)، والنسائي (٣/ ١٩٨) من حديث زيد بن ثابت ﵁.","vol":"2","page":366},{"text":"[٦١٣]- وعَن عَبدِ الله بنِ شَقِيقٍ قَالَ: سَأَلتُ عَائِشَةَ عَن صَلاةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، عَن تَطَوُّعِهِ؟ فَقَالَت: كَانَ يُصَلِّي فِي بَيتِي قَبلَ الظُّهرِ أَربَعًا، ثُمَّ يَخرُجُ فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ يَدخُلُ فَيُصَلِّي رَكعَتَينِ. وَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ المَغرِبَ، ثُمَّ يَدخُلُ فَيُصَلِّي رَكعَتَينِ، وَيُصَلِّي بِالنَّاسِ العِشَاءَ، وَيَدخُلُ بَيتِي فَيُصَلِّي رَكعَتَينِ، وَكَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيلِ تِسعَ رَكَعَاتٍ فِيهِنَّ الوِترُ،\nــ\nمن الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك (١)، والله أعلم.\nوقولها: كان رسول الله - ﷺ - يصلي تسع ركعات فيهن الوتر: هو مثل حديث سعد بن هشام، قالت: كان يصلي تسع ركعات لا يجلس فيها، إلا في الثامنة، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة، وهذا مخالف لما يأتي بعد هذا من قولها: إنه - ﷺ - كان يصلي إحدى عشرة ركعة، يسلم من كل ركعتين، ويوتر بواحدة، ولِما قالت: إنه - ﷺ - كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شيء إلا في آخرها، ولقولها: كان يصلي ثلاث عشرة ركعة بركعتي الفجر (٢)، ولقولها: يصلي أربعًا فلا تَسَل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا كذلك، ثم يصلي كذلك ثلاثًا، ولقولها: إنه كان يوتر بسبع، وقد أشكلت هذه الأحاديث على كثير من العلماء، حتى إن بعضهم نسبوا حديث عائشة في صلاة الليل إلى الاضطراب، وهذا إنما كان يصح لو كان الراوي عنها واحدًا، أو أخبرت عن وقت واحد، والصحيح: أن كل ما ذكرته صحيح من فعل النبي - ﷺ - في أوقات متعددة، وأحوال مختلفة، حسب النشاط والتيسير، وليبين أن كل ذلك جائز، ولأجل هذه الأحاديث المختلفة قال الحنفي: إن صلاة النفل ليلا ونهارًا لا يشترط فيها الفصل بين كل ركعتين بسلام، بل يصلي ستًّا وثمانيًا وأقل وأكثر\n_________\n(١) رواه الترمذي (٤١٣) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) تأتي هذه الأحاديث في التلخيص في باب: كيف صلاة الليل وكم عددها، رقم (١٠٣).","vol":"2","page":367},{"text":"وَكَانَ يُصَلِّي لَيلا طَوِيلا قَائِمًا، وَلَيلا طَوِيلا قَاعِدًا، وَكَانَ إِذَا قَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَائِمٌ، وَإِذَا قَرَأَ قَاعِدًا رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَاعِدٌ، وَكَانَ إِذَا طَلَعَ الفَجرُ صَلَّى رَكعَتَينِ.\nرواه أحمد (٦/ ٦٢)، ومسلم (٧٣٠) (١٠٥)، وأبو داود (١٢٥١)، والترمذي (٤٣٦).\n* * *\nــ\nبتسليمة واحدة. وقال عبد الوهاب بن نصر: والمختار في النفل مثنى مثنى، ليلا ونهارًا. قلت: ويفهم من هذا: أنه يجوز غير ذلك من أربع وست وثمان وعشر، كمذهب الحنفي. والجمهور؛ على أن الفصل بين كل ركعتين أولى وأفضل.\nوقولها: كان يصلي ليلا طويلا قاعدًا، وليلا طويلا قائمًا: فيه: جواز التنفل قاعدًا مع القدرة على القيام، ولا خلاف فيه.\nوقولها: وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ قاعدًا ركع وسجد وهو قاعد: هذا يخالف حديثها الآخر: أنه كان يجمع بين القعود والقيام في ركعة واحدة، ولا تناقض فيه؛ فإن ذلك كان منه في أوقات مختلفة، وبحسب ما يجد من المشقَّة، والانتقال في النافلة من الجلوس إلى القيام، أو من القيام إلى الجلوس جائر عند جمهور العلماء: مالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم، وكره محمد بن الحسن وأبو يوسف: أن يبتدئ صلاته قائمًا ثم يقعد ثم يركع قاعدًا. وحجة الجمهور: أنه انتقال من حالٍ إلى حالٍ لو ابتدأ الصلاة عليه لجاز؛ كالانتقال من القعود إلى القيام المتفق عليه عندهم وعندنا، واختلف كبراء أصحاب مالك إذا نوى القيام فيها كلها، هل له أن يجلس في بقية الصلاة أم لا؟ على قولين: الأول لابن القاسم، والثاني لأشهب. وعلى قول أشهب: هل يلزمه ذلك بمجرد النيّة؟ أو بإلزامه ذلك نفسه وبالنذر؟ قولان لأشياخنا.","vol":"2","page":368},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-248>(١٠٢) باب في صلاة النفل قائمًا وقاعدًا</span>\n[٦١٤]- عَن عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي جَالِسًا، فَيَقرَأُ وَهُوَ جَالِسٌ، فَإِذَا بَقِيَ مِن قِرَاءَتِهِ قَدرُ مَا يَكُونُ ثَلاثِينَ أَو أَربَعِينَ آيَةً، قَامَ فَقَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ يَفعَلُ فِي الرَّكعَةِ الثَّانِيَةِ مِثلَ ذَلِكَ.\nرواه أحمد (٦/ ١٧٨)، والبخاري (١١١٨ و١١١٩)، ومسلم (٧٣١) (١١٢)، وأبو داود (٩٥٣ و٩٥٤)، والترمذي (٣٧٢)، والنسائي (٣/ ٢١٩)، وابن ماجه (١٢٢٦).\n[٦١٥]- وعَنهَا قَالَت: لَمَّا بَدَّنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَثَقُلَ كَانَ أَكثَرُ صَلاتِهِ جَالِسًا.\nرواه مسلم (٧٣٢) (١١٧).\nــ\n(١٠٢) ومن باب: صلاة النفل قائمًا وقاعدًا\nقول عائشة ﵂: لما بَدَّن وثقل كان أكثر صلاته جالسًا: أكثر الرواة قيدوه: بَدُن، بضم الدال، ورواه الصدفي عن العذري: بَدَّن، مفتوحة الدال مشددة، وارتضى أبو عبيد رواية الفتح والتشديد، وقال: يقال: بَدَّن الرجل تبدينًا: إذا أسنّ، وأنشد (١):\nوكُنتُ خِلتُ الشَّيبَ والتَّبدينا ... والهمَّ مما يُذهِلُ القرينا\nقال: ومن رواه بَدُن ليس له معنى؛ لأنه خلاف وصفه - ﷺ -، ومعناه: كثر\n_________\n(١) هو حميد الأرقط.","vol":"2","page":369},{"text":"[٦١٦]- وعَن عَبدِ الله بنِ شَقِيقٍ قَالَ: قُلتُ لِعَائِشَةَ: هَل كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي وَهُوَ قَاعِدٌ؟ قَالَت: نَعَم، بَعدَمَا حَطَمَهُ النَّاسُ.\nرواه أحمد (٦/ ١٧١ و٢١٨)، ومسلم (٧٣٢) (١١٥)، وأبو داود (٩٥٦).\n[٦١٧]- وعَن حَفصَةَ قَالَت: مَا رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - صَلَّى فِي سُبحَتِهِ قَاعِدًا، حَتَّى كَانَ قَبلَ وَفَاتِهِ بِعَامٍ، فَكَانَ يُصَلِّي فِي سُبحَتِهِ قَاعِدًا، وَكَانَ يَقرَأُ بِالسُّورَةِ فَيُرَتِّلُهَا، حَتَّى تَكُونَ أَطوَلَ مِن أَطولِ مِنهَا.\nرواه أحمد (٦/ ٢٨٥)، ومسلم (٧٣٣)، والترمذي (٣٧٣)، والنسائي (٣/ ٢٢٣).\nــ\nلحمه؛ يقال: بدن الرجل يَبدُنُ بَدَانَةً. قلت: ولا معنى لإنكار بَدُنَ، وقد صحت الرواية فيه، وقد جاء معناه مفسَّرًا من قول عائشة؛ قالت: فلما كبر وأخذه اللحم، وفي رواية: أسَنَّ وكثر لحمه. وقول أبي عبيد: لم يكن ذلك وصفه - ﷺ -: صِدق؛ لأنه لم يكن في أصل خلفته بادنًا كثير اللحم، لكن عندما أسنّ وضعف عن كثير مما كان يتحمله في حال النشاط من الأعمال الشاقة استرخى لحمه، وزاد على ما كان في أصل خلقته زيادة يسيرة، بحيث يصدق عليه ذلك الاسم، والله أعلم.\nوقولها: بعدما حطمه الناس: قال أبو عبيد: يقال: حَطَم فلانًا أهلُه: إذا كبر فيهم؛ كأنه مما تحمَّل من أثقالهم صيَّروه شيخًا محطومًا. والحَطمُ: كسر الشيء اليابس، يؤيد هذا قول حفصة: أنه - ﷺ - ما صلى سُبحَتَه قاعدًا حتى كان قبل وفاته بعامٍ.\nوقولها: فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها؛ أي: يمد ويرتل في قراءة السورة القصيرة، حتى يكون زمان قراءتها أطول من زمان قراءة سورة أخرى فوق الأولى في العدد.","vol":"2","page":370},{"text":"[٦١٨]- وعَن عَبدِ الله بنِ عَمرٍو قَالَ: حُدِّثتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: صَلاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا نِصفُ الصَّلاةِ. قَالَ: فَأَتَيتُهُ فَوَجَدتُهُ يُصَلِّي جَالِسًا، فَوَضَعتُ يَدِي عَلَى رَأسِهِ فَقَالَ: مَا لَكَ يَا عَبدَ الله بنَ عَمرٍو!،\nــ\nوقوله - ﷺ -: صلاة الرجل قاعدًا نصف الصلاة: يعنى في الأجر، مع عدم العذر المانع من القيام (١)، وعليه حمله الثوري وابن الماجشون وابن شعبان. وحمله بعضهم على من رُخِّص له في الصلاة جالسًا من أصحاب الأعذار الذين لو كلفوا ذلك لقدروا على القيام بمشقّة، وهذا يَطَّرد في الفرض والنفل، وهو قول مالك وأحمد وإسحاق، ومنع الشافعي من صلاة الفرض قاعدًا، إلا مع عدم القدرة على القيام، ويجوز ذلك في النفل مع القدرة بالإجماع، وأما من عجز عن القيام لعذرٍ مانع منه فأجره إن شاء الله تعالى تامٌّ كامل؛ لأنه فعل عبادته على كمالها في حقه ولم يقصِّر فيها: ﴿مَن جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشرُ أَمثَالِهَا﴾ وبدليل قوله - ﷺ - فيما خرجه الترمذي - وصححه -، من حديث الأربعة النفر حيث قال فيه: إنما الدنيا لأربعة نفر: رجل آتاه الله مالا وعلمًا، فهو يتَقي الله ربه، ويصل به رحمه، ويعلم لله فيه حقًّا، فهذا بأفضل المنازل، ورجل آتاه الله علمًا ولم يؤته مالا، فهو يقول: لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيّته، فأجرهما سواء (٢)، وهذا نص في الغرض.\nوقوله: فوضعت يدي على رأسه: هذا يدل على عظيم تواضع النبي - ﷺ - وحنانه وحسن أخلاقه، وأنه كان مع خاصة أصحابه فيما يرجع إلى المعاشرة والمخالطة كواحد منهم؛ إذ كان يباسطهم ويمازحهم، ويكون معهم في عملهم، ولا يستأثر عليهم، ولا يترفع عنهم، ولذلك كانت الأمة من إماء أهل المدينة تأخذ\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) رواه الترمذي (٢٣٢٥) من حديث أبي كبشة الأنماري ﵁.","vol":"2","page":371},{"text":"قُلتُ: حُدِّثتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنَّكَ قُلتَ: صَلاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا عَلَى نِصفِ الصَّلاةِ وَأَنتَ تُصَلِّي قَاعِدًا! ! قَالَ: أَجَل، وَلَكِنِّي لَستُ كَأَحَدٍ مِنكُم.\nرواه مسلم (٧٣٥)، وأبو داود (٩٥٠)، والنسائي (٣/ ٢٢٣)، وابن ماجه (١٢٢٩).\n* * *\nــ\nبيده وتنطلق به حيث شاءت، ويجلس يحدثها حيث أرادت. ومن كانت هذه حاله، فلا يستنكر من بعض أصحابه أن يعامله بمثل ذلك في بعض الأحوال، سيّما وكان مقصود عبد الله: أن يقبل عليه رسول الله - ﷺ -، حتى يجيبه عما وقع في خاطره من هذا الأمر الدينيّ المهم في حقّه، والله تعالى أعلم. وهذا كله على ما صح عندنا من الرواية على رأسه وظاهره: أنه عائد على النبي - ﷺ -، وقد ذُكر لي أن بعض الناس رواه: رأسِيَه، فألحق به ياء المتكلم وهاء السكت، ووجهها واضح لو ثبت، وأظن أنه إصلاح ورأي، لا رواية. ويقرب من فعل عبد الله فعل جبريل - ﵇ - معه؛ حيث أسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه (١)، على قول من قال: إنه أراد فخذي النبيِّ - ﷺ -، وهو الصحيح (٢).\nوقوله: أجل؛ أي: نعم.\nوقوله: لست كأحدٍ منكم؛ أي: لا يكون له في صلاته قاعدًا نصف الأجر، بل أكثر من ذلك، أو الأجر كله، والله أعلم. ويحتمل أن يكون معناه: لست كأحدٍ منكم ممن لا عذر له، ممن قلت له هذا القول؛ فإنه لم يصل قاعدًا حتى ثقل، والأول أظهر.\n_________\n(١) سبق تخريجه في كتاب الإيمان برقم (٧).\n(٢) في حاشية (ظ): قد ثبت في هذه القصة أنَّ وَضْع عبدالله يده على رأس رسول الله - ﷺ -، إنَّما كان في الليل، في ظلمةٍ، مِن غير قصدٍ من عبد الله، وإنَّما وقعتْ يدُه على رأسه - ﷺ - بغير تعمُّد، وهذا هو الحقّ، والله أعلم.","vol":"2","page":372},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-249>(١٠٣) باب كيف صلاة الليل وكم عددها</span>؟\n[٦١٩]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: إِذَا قَامَ أَحَدُكُم مِنَ اللَّيلِ فَليَفتَتِح صَلاتَهُ بِرَكعَتَينِ خَفِيفَتَينِ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٩٩)، ومسلم (٧٦٨)، وأبو داود (١٣٢٣ و١٣٢٤).\n[٦٢٠]- وَعَن عَائِشَةَ قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي فِيمَا بَينَ أَن يَفرُغَ مِن صَلاةِ العِشَاءِ (وَهِيَ الَّتِي يَدعُو النَّاسُ العَتَمَةَ) إِلَى الفَجرِ - إِحدَى عَشرَةَ رَكعَةً، يُسَلِّمُ مِن كُلِّ رَكعَتَينِ، وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ، فَإِذَا سَكَتَ المُؤَذِّنُ مِن صَلاةِ الفَجرِ، وَتَبَيَّنَ لَهُ الفَجرُ، وَجَاءَ المُؤَذِّنُ، قَامَ فَرَكَعَ رَكعَتَينِ خَفِيفَتَينِ، ثُمَّ اضطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيمَنِ حَتَّى يَأتِيَهُ المُؤَذِّنُ لِلإِقَامَةِ.\nــ\n(١٠٣) ومن باب: كيفية صلاة الليل\nقوله: إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين: هذا أمر على جهة الإرشاد إلى ما يدفع به بقايا النوم، وينشِّط إلى الصلاة، وقد ثبت: أنه - ﷺ - كان في وقتٍ يفتتح بركعتين خفيفتين، وفي وقت آخر يفتتح بركعتين أطول من اللتين بعدها، وبأربع ركعات طوال، فلهذا لا يُتَخَيَّل أن هذا الأمر من قبيل الواجب، ولم يقل به أحد فيما علمته.\nوقولها: إنه - ﷺ - اضطجع (١) [بعد ركعتي الفجر] (٢) على شقه الأيمن: هذه ضجعة الاستراحة من قيام الليل، والأمر الذي في كتاب الترمذي (٣) محمول على\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) ساقط من (ع).\n(٣) رواه الترمذي (٤٢٠).","vol":"2","page":373},{"text":"رواه أحمد (٦/ ٨٣)، ومسلم (٧٣٦) (١٢٢)، وأبو داود (١٣٣٥)، وابن ماجه (١٣٥٨).\n[٦٢١]- وَعَنهَا قالت: كَاَنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي مِنَ اللَّيلِ ثَلاثَ عَشرَةَ رَكعَةً، يُوتِرُ مِن ذَلِكَ بِخَمسٍ، لا يَجلِسُ فِي شَيءٍ إِلا فِي آخِرِهَا.\nوَفِي رِوَايَةٍ، قَالَت: كَانَ يُصَلِّي ثَلاثَ عَشرَةَ رَكعَةً بِرَكعَتَيِ الفَجرِ.\nرواه البخاري (١١٤٠)، ومسلم (٧٣٧)، وأبو داود (١٣٣٨)، والترمذي (٤٥٩)، والنسائي (١/ ٢١٠)، وابن ماجه (١٣٥٩).\n[٦٢٢]- وعَن أَبِي سَلَمَةَ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ: كَيفَ كَانَت صَلاةُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي رَمَضَانَ؟ قَالَت: مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلا فِي غَيرِهِ عَلَى إِحدَى عَشرَةَ رَكعَةً، يُصَلِّي أَربَعًا فَلا تَسأَل عَن حُسنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَربَعًا فَلا تَسأَل عَن حُسنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاثًا. فَقَالَت عائشة: فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَتَنَامُ قَبلَ أَن تُوتِرَ؟ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ! إِنَّ عَينَيَّ تَنَامَانِ وَلا يَنَامُ قَلبِي.\nــ\nالإرشاد إلى الراحة، ولينشط لصلاة الصبح، وليست بواجبة عند الجمهور، ولا سنة؛ خلافًا لمن حكم بوجوبها من أهل الظاهر، ولمن حكم بسنيِّتها، وهو الشافعي، والدليل على أنها ليست كذلك؛ أنه - ﷺ - لم يكن يفعلها دائمًا، ألا ترى أن عائشة ﵂ قالت: إن النبي - ﷺ - كان إذا صلى ركعتي الفجر، فإن كنت مستيقظة حدثني، وإلا اضطجع؟ وأيضًا فقد كان - ﷺ - يضطجع هذه الضجعة أيضا بعد فراغه من وتره، وقبل ركعتي الفجر، فدلّ ذلك: على أنها ليست مخصوصة بما بعد ركعتي الفجر، ولا وجوبًا ولا سنة، والله تعالى أعلم.\nوقوله: إن عيني تنامان ولا ينام قلبي: قد تقدم أنه من خصائص","vol":"2","page":374},{"text":"رواه أحمد (٦/ ٧٣)، والبخاري (٦٦٢)، ومسلم (٧٣٨) (١٢٥)، وأبو داود (١٣٥١)، والترمذي (٤٣٩)، والنسائي (١/ ٢١٠ - ٢١١).\n[٦٢٣]- وعَنهَا قَالَت: كَانَ رَسُول اللهِ - ﷺ - يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيلِ وَيُحييِ آخِرَهُ، ثُمَّ إِن كَانَت لَهُ حَاجَةٌ إِلَى أَهلِهِ قَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ يَنَامُ، فَإِذَا كَانَ عِندَ النِّدَاءِ الأَوَّلِ، قَالَت: وَثَبَ وأَفَاضَ عَلَيهِ المَاءَ؛ وَإِن لَم يَكُن جُنُبًا تَوَضَّأَ وُضُوءَ الرَّجُلِ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ صَلَّى الرَّكعَتَينِ.\nرواه أحمد (٦/ ١٠٢ و٢٥٣)، والبخاري (١١٤٦)، ومسلم (٧٣٩)، والنسائي (٣/ ٢١٨)، وابن ماجه (١٣٦٥).\n[٦٢٤]- وعَنهَا، وسُئِلَت عَن عَمَلِ رَسُولِ اللهِ - صلى وسلم - فَقَالَت: كَانَ يُحِبُّ الدَّائِمَ. قَالَ: قُلتُ: أَيَّ حِينٍ كَانَ يُصَلِّي؟ فَقَالَت: إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ، قَامَ فَصَلَّى.\nــ\nالأنبياء عليهم الصلاة والسلام.\nوقول عائشة: كان رسول الله - ﷺ - ينام أول الليل ويُحيِي آخره: تعني به: أن هذا كان آخر فعله، أو أغلب حاله، وإلا فقد قالت: من كل الليل قد أوتر رسول الله - ﷺ -؛ من أوله، وأوسطه، وآخره، فانتهى وتره إلى السَّحر (١).\nوقولها: إن كانت له حاجة إلى أهله قضى حاجته، ثم نام: يفهم منه جواز نوم الجنب من غير أن يتوضأ؛ فإنها لم تذكر وضوءًا عند النوم، وذكرت أنه إن لم يكن جنبًا توضأ وضوء الصلاة، وقد تقدم هذا.\nوقولها: كان يحب الدائم: تتميمة قولها في أخرى: وإن قَلَّ. وسبب محبة\n_________\n(١) يأتي الحديث برقم (٩٢٧).","vol":"2","page":375},{"text":"رواه أحمد (٦/ ٢٧٩)، ومسلم (٧٤١).\n[٦٢٥]- وعَنهَا، قَالَت: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا صَلَّى رَكعَتَيِ الفَجرِ، فَإِن كُنتُ مُستَيقِظَةً حَدَّثَنِي وَإِلا اضطَجَعَ.\nرواه أحمد (٦/ ١٢١ و٢٥٤)، ومسلم (٧٤٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>(١٠٤) باب في صلاة الوتر</span>\n[٦٢٦]- عَن عَائِشَةَ، قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي باللَّيلِ، فَإِذَا أَوتَرَ قَالَ: قُومِي فَأَوتِرِي، يَا عَائِشَةُ! .\nــ\nالدائم: أن فاعله لا ينقطع عن عمل الخير، ولا ينقطع عنه الثواب والأجر، ويجتمع منه الكثير وإن قل العمل في الزمان الطويل، ولا تزال صحائفه مكتوبة بالخير، ومصعد عمله معمورًا بالبر، ويحصل به مشابهة الملائكة في الدوام، والله تعالى أعلم.\nوقولها: فإن كنت مستيقظة حدثني (١): فيه دليل على جواز بعد ركعتي الفجر، وهذا مذهب الجمهور، وقد كرهه الكوفيون، وروي مثله عن ابن مسعود وبعض السلف؛ لما جاء أنه وقت الاستغفار، وما ذكرناه أولى. والله أعلم.\n(١٠٤) ومن باب: الوتر\nقوله - ﷺ -: قومي قأوتري: دليل على مشروعيه النائم للصلاة إذا\n_________\n(١) في التلخيص كلمة (باب) قبل هذا الحديث (٦٢٥) وآثرنا حذفها؛ لأنَّ السياق واحد، ولا وجود لبابٍ جديد في الشرح.","vol":"2","page":376},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَهُ كَانَ يُصَلِي صَلاتَهُ وَهِيَ مُعتَرِضَةٌ بَينَ يَدَيهِ، فَإِذَا بَقِيَ الوِترَ أَيقَظَهَا فَأَوتَرَت.\nرواه أحمد (٦/ ١٥٢ و٢٠٥)، ومسلم (٧٤٤).\n[٦٢٧]- وعَنهَاَ قَالَت: مِن كُلِّ اللَّيلِ قَد أَوتَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِن أَوَّلِ اللَّيلِ، وَأَوسَطِهِ، وَآخِرِهِ. فَانتَهَى وِترُهُ إِلَى السَّحَرِ.\nرواه البخاري (٩٩٦)، ومسلم (٧٤٥) (١٣٧)، وأبو داود (١٤٣٥ و١٤٣٧)، والترمذي (٤٥٦)، والنسائي (٣/ ٢٣٠)، وابن ماجه (١١٨٥).\n[٦٢٨]- وعَن سَعد بن هِشَامِ قَالَ: انطَلَقتُ أَنا وحَكِيمِ بنِ أَفلَحَ إِلَى\nــ\nخيف عليه (١) خروج وقت الصلاة، ولا يبعد أن يقال: إن ذلك واجب في الصلاة الواجبة؛ لأن النائم وإن لم يكن مكلّفًا في حال نومه، لكن مانعه سريع الزوال، فهو كالغافل، ولا شك أنه يجب تنبيه الغافل.\nواختلف في حكم الوتر، فذهب مالك، وجمهور العلماء إلى أنه سنة مؤكدة، ولا يُؤَثَّم تاركها من حيث هو تارك. وقال مالك: إنه يحرج تاركه. وذهب أبو حنيفة إلى أنه واجب يأثم تاركه، ولم يسمّه فرضًا، بناءً منه على أن الفرض هو الذي يقطع بلزومه، أو ما وجب بالقرآن، أو ما يكفر من خالف فيه. هذه عبارات أصحاب مذهبه، والمعنى متقارب، وهذا الفرق إن ادعاه لغة أو شرعًا منعناه، وطالبناه بالدليل عليه، وإن كان اصطلاحًا من جهته سلمناه، ولم نناقشه عليه، ونستدل بعد ذلك على أن الوتر ليس بواجب بأدلة قد تقدمت في باب الإسراء، وفي باب التنفُّل على الراحلة.\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"2","page":377},{"text":"عَائِشَةَ، فَاستَأذَنَّا عَلَيهَا، فَأَذِنَت لَنَا، فَدَخَلنَا عَلَيهَا، فَقَالَت: أَحَكِيمٌ؟ (فَعَرَفَتهُ) فَقَالَ: نَعَم. فَقَالَت: مَن مَعَكَ؟ قَالَ: سَعدُ بنُ هِشَامٍ، قَالَت: مَن هِشَامٌ؟ قَالَ: ابنُ عَامِرٍ، فَتَرَحَّمَت عَلَيهِ وَقَالَت خَيرًا (قَالَ قَتَادَةُ: وَكَانَ أُصِيبَ يَومَ أُحُدٍ) فَقُلتُ: يَا أُمَّ المُؤمِنِينَ، أَنبِئِينِي عَن خُلُقِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فقَالَت: أَلَستَ تَقرَأُ القُرآنَ؟ قُلتُ: بَلَى. قَالَت: فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ الله - ﷺ - كَانَ القُرآنَ. قَالَ: فَهَمَمتُ أَن أَقُومَ، وَلا أَسأَلَ أَحَدًا عَن شَيءٍ حَتَّى أَمُوتَ، ثُمَّ بَدَا لِي فَقُلتُ: أَنبِئِينِي عَن قِيَامِ رَسُولِ الله - ﷺ -، فَقَالَت: أَلَستَ تَقرَأُ: ﴿يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ﴾ قُلتُ: بَلَى. قَالَت: فَإِنَّ الله (﷿) افتَرَضَ قِيَامَ اللَّيلِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَقَامَ نَبِيُّ الله - ﷺ - وَأَصحَابُهُ حَولا، وَأَمسَكَ الله خَاتِمَتَهَا اثنَي عَشَرَ شَهرًا فِي السَّمَاءِ، حَتَّى أَنزَلَ الله فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ التَّخفِيفَ، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيلِ تَطَوُّعًا بَعدَ فَرِيضَةٍ، قَالَ: فقُلتُ: يَا أُمَّ\nــ\nوقول عائشة: كان خلق رسول الله - ﷺ - القرآن؛ أي: كان يتخلق بما فيه من محمود الأوصاف، ويجتنب ما فيه من ممنوعها، ويحتمل أن تريد بقولها: القرآن: الآيات التي اقتضت الثناء على رسول الله - ﷺ -؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ وكقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ إلى آخرها، وما في معنى ذلك، والله أعلم.\nوكون سعد هَمَّ أن لا يسأل أحدًا عن شيء حتى يموت؛ إنما كان ذلك منه استقصارًا لفهمه؛ إذ لم يفهم ذلك من القرآن مع وضوح ذلك المعنى فيه، وإنهاضًا لهمته للبحث عن معاني القرآن، واكتفاء بذلك عن سؤال أحد من أهل العلم.\nوقول عائشة: إن الله فرض قيام الليل ... إلى قولها: فصار قيام الليل تطوعًا: ظاهر قولها هذا يدل على أنه كان فرضًا عليه وعلى الناس. قال مكي: وهو قول كافة أهل العلم. وقيل: إنه لم يكن فرضًا عليه ولا عليهم، حكاه الأبهري عن","vol":"2","page":378},{"text":"المُؤمِنِينَ، أَنبِئِينِي عَن وِترِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَت: كُنَّا نُعِدُّ لَهُ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ فَيَبعَثُهُ الله مَا شَاءَ أَن يَبعَثَهُ مِنَ اللَّيلِ، فَيَتَسَوَّكُ وَيَتَوَضَّأُ، وَيُصَلِّي تِسعَ رَكَعَاتٍ لا يَجلِسُ فِيهَا إِلا فِي الثَّامِنَةِ، فَيَذكُرُ الله وَيَحمَدُهُ وَيَدعُوهُ، ثُمَّ يَنهَضُ وَلا يُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي التَّاسِعَةَ، ثُمَّ يَقعُدُ فَيَذكُرُ الله وَيَحمَدُهُ وَيَدعُوهُ، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسلِيمًا يُسمِعُنَا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكعَتَينِ بَعدَمَا يُسَلِّمُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَتِلكَ إِحدَى عَشرَةَ رَكعَةً يَا بُنَيَّ. فَلَمَّا أسَنَّ رَسُولُ الله - ﷺ - وَأَخَذَهُ اللَّحمُ أَوتَرَ بِسَبعٍ، وَصَنَعَ فِي الرَّكعَتَينِ مِثلَ صَنِيعِهِ في الأوَّلِ، فَتِلكَ تِسعٌ يَا بُنَيَّ. وَكَانَ نَبِيُّ الله - ﷺ - إِذَا صَلَّى صَلاةً أَحَبَّ أَن يُدَاوِمَ عَلَيهَا. وَكَانَ إِذَا غَلَبَهُ نَومٌ أَو\nــ\nبعضهم، قال لقوله: ﴿نِصفَهُ أَوِ انقُص مِنهُ قَلِيلا * أَو زِد عَلَيهِ﴾ وليس هذا ضرب الفروض، وإنما هو ندب. وقيل: كان فرضًا على النبي - ﷺ - وحده، مندوبًا لغيره، وكأن هذا مأخوذ من مواجهة النبي - ﷺ - بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ﴾ فخُصّ بالخطاب، وبما روي عن ابن عباس مرفوعًا: ثلاث عليّ فريضة، ولكم تطوع: الوتر، والضحى، وركعتا الفجر (١). وهو ضعيف. والصحيح ما نقلته عائشة.\nوقولها: إن النسخ كان بعد حول: خولفت في ذلك، وقيل: بعد عشر سنين، قال عياض: وهو الظاهر؛ لأن السورة مكية، ومن أول ما نزل من القرآن، إلا الآيتين آخرها نزلت بالمدينة، وهذا الذي قاله صحيح، فصحيح الأحاديث والنقل المشهور على ما قدمناه في كتاب الإيمان.\nوقولها: ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم وهو قاعد: تعني أنه كان يسلم من وتره وهو قاعد، مخبرة بمشروعية محل السلام، ولم يرد عنه - ﷺ - أنه صلى ركعتي الفجر قاعدًا، والله أعلم. وسيأتي الكلام على من غلب عن حزبه.\n_________\n(١) رواه أبو نعيم في حلية الأولياء (٩/ ٢٣٢).","vol":"2","page":379},{"text":"وَجَعٌ عَن قِيَامِ اللَّيلِ صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنتَي عَشرَةَ رَكعَةً، وَلا أَعلَمُ نَبِيَّ الله - ﷺ - قَرَأَ القُرآنَ كُلَّهُ فِي لَيلَةٍ، وَلا صَلَّى لَيلَةً إِلَى الصُّبحِ، وَلا صَامَ شَهرًا كَامِلا غَيرَ رَمَضَانَ.\nرواه مسلم (٧٤٦) (١٣٩)، وأبو داود (١٣٤٢ - ١٣٥٢)، والنسائي (٣/ ١٩٩).\n[٦٢٩]- وعَنِ ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَن صَلاةِ اللَّيلِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: صَلاةُ اللَّيلِ مَثنَى مَثنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبحَ صَلَّى رَكعَةً وَاحِدَةً، تُوتِرُ لَهُ مَا قَد صَلَّى.\nوَفِي رِوَايَةٍ: فَإِذَا خِفتَ الصُّبحَ فَأَوتِر بِوَاحِدَةٍ.\nوفي أُخرَى: فَقِيلَ لابنِ عُمَرَ: مَا مَثنَى مَثنَى؟ قَالَ: تُسَلِّمَ مِن كُلِّ رَكعَتَينِ.\nرواه أحمد (٢/ ١٥٥)، والبخاري (٩٩٠)، ومسلم (٧٤٩) (١٤٥ و١٤٦ و١٥٩)، وأبو داود (١٣٢٦)، والترمذي (٥٣٧)، والنسائي (٣/ ٢٢٧)، وابن ماجه (١١٧٥).\n[٦٣٠]- وَعَنهُ عَنِ النَبِي - ﷺ - قَالَ: اجعَلُوا آخِرَ صَلا تِكُم بِالَليلِ وِترًا.\nــ\nوقول ابن عمر في تفسير مثنى مثنى: يُسَلِّم من كل ركعتين: إخبار منه عن صلاته - ﷺ - كيف كانت، كما تقدم من قول عائشة - ﵂ -.\nوقوله - ﷺ -: اجعلوا آخر صلاتكم وترًا: يفهم منه أن الوتر يضاف إلى شفع قبله، لكن هل هذا الشفع هو العشاء، أو هو نفل، فيكون أقله ركعتين؟ قولان","vol":"2","page":380},{"text":"رواه أحمد (٢/ ٢٠ و١٠٢)، والبخاري (٤٧٢)، ومسلم (٧٥١)، وأبو داود (١٤٣٨)، والنسائي (٣/ ٢٣٠ و٢٣١).\n[٦٣١]- وَعَنهُ قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: الوِترُ رَكعَةٌ مِن آخِرِ الَليلِ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٣ و٥١)، ومسلم (٧٥٢)، والنسائي (٣/ ٢٣٢)، وابن ماجه (١١٧٥).\n[٦٣٢]- وعَن أَبِي سَعِيدٍ الخدري: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: أَوتِرُوا قَبلَ أَن تُصبِحُوا.\nــ\nلأصحابنا، وعليه انبنى الخلاف في الوتر: هل يكتفى فيه بركعة فقط، أو لا بد من شفع؟ وعلى الأول يدل حديث النسائي عن ابن عمر مرفوعًا: والمغرب وتر صلاة النهار، فأوتروا صلاة الليل (١)، وعليه يدل قوله - ﷺ -: الوتر ركعة من آخر الليل (٢)، وصار إليه جماعة من السلف [والفقهاء] (٣)، وهو قول ابن نافع من أصحابنا، وقد روي في الحديث ما يرفع الخلاف؛ وهو ما خرّجه النسائي عن أبي أيوب: أن رسول الله - ﷺ - قال: الوتر حق، فمن شاء أوتر بخمس، ومن شاء أوتر بثلاث، ومن شاء أوتر بواحدة (٤). وذُكر في هذا الحديث: أنه روي موقوفًا. والحاصل من مجموع الأحاديث: أنه يصح أن يضاف إلى الفرض وإلى النفل، وإضافته إلى النفل أولى، والله أعلم.\nوقوله: أوتروا قبل أن تصبحوا، وقوله: إذا خشي أحدكم الصبح\n_________\n(١) رواه النسائي في الكبرى (١/ ٤٣٥)، وأحمد (٢/ ٣٠).\n(٢) سبق تخريجه برقم (٩٣١).\n(٣) ساقط من (ع).\n(٤) رواه أبو داود (١٤٢٢)، والنسائي (٣/ ٢٣٨ و٢٣٩)، وابن ماجه (١١٩٠).","vol":"2","page":381},{"text":"رواه أحمد (٣/ ٣٧)، ومسلم (٧٥٤) (١٦٠)، والترمذي (٤٦٨)، والنسائي (٣/ ٢٣١).\n* * *\nــ\nصلى ركعة: دليل على أن آخر وقت الوتر طلوع الفجر، وقد زاد هذا المعنى وضوحًا ما خرّجه أبو داود عن ابن عمر مرفوعًا: إذا طلع الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل والوتر، فأوتروا قبل طلوع الفجر (١)؛ تفرد به سليمان بن موسى الأشدق، وهو ثقة إمام. ولا خلاف في أن أول وقته بعد صلاة العشاء، وأما آخر وقته المختار فمذهب الجمهور أنه طلوع الفجر. وقال ابن مسعود: إلى صلاة الصبح. وهل له بعد ذلك وقت ضرورة؟ فقال مالك والشافعي: وقت ضرورته بعد طلوع الفجر ما لم يصل الصبح، وقال أبو مصعب: لا وقت ضرورة له، فلا يصلى بعد طلوع الفجر. وقاله الكوفيون. وقد روي عن مالك، وقال أبو حنيفة: يقضى بعد صلاة الصبح، وقاله طاوس. وقال الأوزاعي وأبو ثور والحسن والليث وغيرهم: يقضى بعد طلوع الشمس، وحكي عن سعيد بن جبير: أنه يوتر من القابلة. قلت: وقد روى أبو داود عن أبي سعيد مرفوعًا: من نام عن وتره، أو نسيه فليصله إذا ذكره (٢)، وهذا الظاهر يقتضي أنه يقضى دائمًا كالفرض. ولم أر قائلا به، والله أعلم.\nثم إن القائلين: بأن أقل الوتر ثلاث اختلفوا، هل يفصل بينهما بسلام أم لا؟ فالأول: مشهور مذهب مالك والشافعي، والثاني: مذهب أبي حنيفة. وقال ابن نافع: إذا صلى شفعًا قبل وتره فلا يسلم منه، ولا يفصل بينهما، وليأت به متصلا كصلاة المغرب، وكذلك فعل عمر بن عبد العزيز، وذكر: أنه مذهب\n_________\n(١) لم نجده في سنن أبي داود، وإنما هو في الجامع الصحيح للترمذي برقم (٤٦٩).\n(٢) رواه أبو داود (١٤٣١).","vol":"2","page":382},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-251>(١٠٥) باب فيمن غلب عن حزبه، وفيمن خاف أن يغلب عن وتره، وفضل طول القنوت وآخر الليل</span>\n[٦٣٣] عن عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن نَامَ عَن حِزبِهِ أَو عَن شَيءٍ مِنهُ، فَقَرَأَهُ فِيمَا بَينَ صَلَاةِ الفَجرِ وَصَلَاةِ الظُّهرِ كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِن اللَّيلِ.\nــ\nالفقهاء السبعة (١)، ومذهب أهل المدينة. وقال الأوزاعي: إن وصل حسن، وإن فصل حسن، ثم المستحبُّ عند الشافعي وأصحابه، وعند مالك، وجل أصحابه: أن يقرأ في الوتر بـ ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين. وقيل عن مالك: بـ ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقط، وبه قال الثوري، وأحمد، وأصحاب الرأي، وعليه أكثر أهل العلم. واختار أبو مصعب: أن يقرأ في كل ركعة من الشفع والوتر بـ قل هو الله أحد. واختارت طائفة من أهل العلم: أن يقرأ في الشفع بـ ﴿سَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأَعلَى﴾ و﴿قُل يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾ وفي الوتر بـ ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوّذتين، أخذًا بما خرَّجه النسائي والترمذي من فعله - ﷺ - لذلك (٢).\n(١٠٥) ومن باب: مَن غُلِب عن حزبه (٣)\nقوله - ﷺ -: مَن نام عن حِزبه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كُتِب له كأنما قرأه مِنَ الليل. هذا تفضل من الله تعالى، ودليل: على أن صلاةَ\n_________\n(١) هم فقهاء المدينة السبعة: خارجة بن زيد، سعيد بن المسيب، عروة بن الزبير، قاسم بن محمد، أبو بكر بن عبد الرحمن بن حارث بن هشام، سليمان بن يسار، عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود -رحمهم الله تعالى-.\n(٢) رواه النسائي (٣/ ١٣٦)، والترمذي (٤٦٢).\n(٣) هذا الباب بكامله ساقط من (م).","vol":"2","page":383},{"text":"رواه مسلم (٧٤٧)، وأبو داود (١٣١٣)، والترمذي (٥٨١)، والنسائي (٣/ ٢٥٩)، وابن ماجه (١٣٤٣).\n[٦٣٤] وعَن جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعتُ رسول الله ﷺ يَقُولُ: أَيُّكُم خَافَ أَلا يَقُومَ مِن آخِرِ اللَّيلِ فَليُوتِر، ثُمَّ لِيَرقُد. وَمَن وَثِقَ بِقِيَامٍ مِن اللَّيلِ فَليُوتِر مِن آخِرِهِ، فَإِنَّ قِرَاءَةَ آخِرِ اللَّيلِ مَحضُورَةٌ، وَذَلِكَ أَفضَلُ.\nــ\nالليل أفضلُ من صلاة النهار. والحزبُ هنا الجزءُ من القرآن يُصلَّى به. وهذه الفضيلةُ إنما تحصلُ لمن غلبه نوم، أو عذر منعه من القيام مع أن نيَّتَهُ القيام. وقد ذكر مالك في الموطأ عنه - ﷺ - قال: ما مِن امرئ تكونُ له صلاة بليل فَغَلبه عليها نوم إلا كتب الله له أجرَ صلاته، وكان نومُه صدقةَ عليه (١)، وهذا أتَمُّ في التَّفضيل والمجازاة بالنية، وظاهِرُه أن له أجرَه مُكملا مُضاعَفًا، وذلك لحسن نيته، وصدق تلهّفه، وتأسّفه. وهذا قولُ بعضِ شيوخنا، وقال بعضُهم: يُحتمل أن يكونَ غيرَ مضاعَفٍ إذ الذي يُصليها أكمل وأفضل.\nقلتُ: والظاهِرُ التمسُّكُ بالظَّاهر، فإن الثوابَ فَضلٌ من الكريم الوهاب، وقد تقدَّم من حديث عائشة - ﵂ -: أنه - ﷺ - كان إذا غَلَبَهُ نوم، أو وَجَعٌ، صلَّى من النهار اثنتي عشرة ركعة (٢). وهذا كلُّه إنما هو يبقى في تحصيل مثل ما غُلِب عليه، لا أنه قضاءٌ له، إذ ليس في ذمَّته شيء، ولا يُقضَى إلا ما تعلَّق بالذمة، وقد رأى مالك أن يصلِّي حزبه مَن فاته بعد طُلُوع الفجر، وهو عنده وقتُ ضرورة لمن غُلِب على حزبه وفاته. كما يقول في الوتر.\nوقوله - ﷺ -: أيكُم خاف ألَاّ يقومَ من آخر الليل فليوتر ثم ليرقد. . . . إلى\n_________\n(١) رواه مالك في الموطأ (١/ ١١٧).\n(٢) سبق تخريجه برقم (٩٢٨).","vol":"2","page":384},{"text":"رواه أحمد (٣/ ٣٣٧ و٣٤٨)، ومسلم (٧٥٥)، والترمذي (٤٥٥)، وابن ماجه (١١٨٧).\n[٦٣٥] وعنه، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيُّ الصَّلَاةِ أَفضَلُ؟ قَالَ: طُولُ القُنُوتِ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٠٢ و٣١٤)، ومسلم (٧٥٦) (١٦٥)، والترمذي (٣٨٧)، والنسائي (٥/ ٥٨)، وابن ماجه (١١٢٤).\nــ\nآخره. يدلُّ: على أن تأخيرَ الوتر أفضلُ لمن قَوِيَ عليه، وأنَّ تعجيلَه حزمٌ لئلا يفوتُ بطلوع الفجر. وقد روى أبو سليمان الخطابي عن سعيد بن المسيّب: أنَّ أبا بكر وعمر - ﵄ - تذاكرا الوترَ عند رسول الله - ﷺ -، فقال أبو بكر: أما أنا فإنِّي أنام على وتر، فإن صليتُ صليتُ شَفعًا حتى أصبحَ، وقال عُمر: لكني أنامُ على شفع ثم أوتر من السَّحر. فقال النبي - ﷺ - لأبي بكر: حَذِر هذا. وقال لعمر: قَوِيَ هذا (١). وقد دلَّ قولُ أبي بكر في هذا الحديث: على أنَّ مَن صلَّى وِترَه في أول الليل، ثم نشطَ للصَّلاة من آخره صلّى ما شاء مِن شَفع، ولا يلزمُه أن يُوتر من آخر صلاته وترًا آخر؛ لقوله - ﷺ - فيما خرَّجه أبو داود عن طلق بن علي مرفوعًا: لا وتران في ليلة (٢)، وهو صحيح، ولا يجوزُ أن يضيفَ إلى وتره المتقدِّم وِترًا آخر، فينقض المتقدِّم، وقد اختلفَ فيه. وإلى ما فَعَلَه أبو بكر ذهبَ كثير من الصحابة، والتابعين وأئمة الفتوى: مالك، وغيره، وقد ذهبَ إلى النَّقض جماعة من الصَّحابة وغيرهم، وروي عن مالك، والصَّحيحُ: فِعل أبي بكر، والله أعلم.\n_________\n(١) رواه عبد الرزاق في مصنفه (٥/ ٤٦).\n(٢) رواه أبو داود (١٤٣٩).","vol":"2","page":385},{"text":"[٦٣٦] وعنه، قَالَ: سَمِعتُ رسول الله ﷺ يَقُولُ: إِنَّ فِي اللَّيلِ سَاعَةً، لَا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسلِمٌ، يَسأَلُ اللَّهَ خَيرًا مِن أَمرِ الدُّنيَا وَالآخِرَةِ إِلَّا أَعطَاهُ إِيَّاهُ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيلَةٍ.\nرواه أحمد (٣/ ٣١٣ و٣٣١)، ومسلم (٧٥٧) (١٦٦).\n[٦٣٧] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَنزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ\nــ\nوقد تقدَّم الكلامُ في القنوت، وفيما هو الأفضلُ، هل طول القيام [في الصلاة] (١) أفضل؟ أو كثرة السُّجود؟\nوقوله: إن في الليل ساعة ... الحديث؛ هذه الساعةُ هي التي يُنادي فيها المنادي: من يسألني فأعطيه ... الحديث. وهي في الثُّلُث الأخير من الليل إلى أن يطلعَ الفجر، كما يأتي.\nوقوله: ينزل ربُّنا، كذا صحَّتِ الروايةُ هنا، وهي ظاهِرة في النُزول المعنوي، وإليها يردُّ ينزلُ على أحد التأويلات، ومعنى ذلك: أنَّ مقتضى عظمةِ الله تعالى، وجلاله، واستغنائه، ألَّا يعبأ بحقيرٍ، ذليل، فقير، لكن ينزل بمقتضى كرمه ولُطفه؛ لأن يقول: من يقرضُ غيرَ عَدُوم ولا ظَلُوم (٢). ويكون قولُه: إلى السَّماء الدُّنيا عبارةً عن الحاجة القريبة إلينا، والدُّنيا بمعنى: القُربى، والله أعلم. وقد قيَّده بعضُ الناس يُنزِل بضم الياء، من: أنزل، فيكون مُعدَّى إلى مفعولِ محذوف؛ أي: يُنزل اللهُ مَلَكًا فيقولُ: كذا. وأما رواية: ينزل ثلاثيًّا، مِن نزل، فهي صحيحةٌ أيضًا، وهي من باب حَذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. كما قال: وَاسألِ القَريَةَ. وقد دلَّ على صحَّة هذا التأويل ما رواه\n_________\n(١) من (ظ) و(ط).\n(٢) رواه مسلم (٧٥٨/ ١٧١).","vol":"2","page":386},{"text":"وَتَعَالَى - كُلَّ لَيلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنيَا - حِينَ يَبقَى ثُلُثُ اللَّيلِ الآخِرُ فَيَقُولُ: مَن يَدعُونِي فَأَستَجِيبَ لَهُ! وَمَن يَسأَلُنِي فَأُعطِيَهُ! وَمَن يَستَغفِرُنِي فَأَغفِرَ لَهُ! .\nرواه أحمد (٢/ ٤١٩ و٥٠٤)، والبخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨) (١٦٨)، وأبو داود (١٣١٥)، والترمذي (٣٤٩٣)، وابن ماجه (١٣٦٦).\n[٦٣٨] وعنه، عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَنزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنيَا كُلَّ لَيلَةٍ حِينَ يَمضِي ثُلُثُ اللَّيلِ الأَوَّلُ، فَيَقُولُ: أَنَا المَلِكُ، مَن ذَا الَّذِي يَدعُونِي فَأَستَجِيبَ لَهُ؟ ! مَن ذَا الَّذِي يَسأَلُنِي فَأُعطِيَهُ؟ ! مَن ذَا الَّذِي يَستَغفِرُنِي فَأَغفِرَ لَهُ؟ ! فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُضِيءَ الفَجرُ.\nوفي رواية: ينزل الله - ﵎ - في السماء الدنيا.\nرواه مسلم (٧٥٨) (١٦٩ و١٧١).\n* * *\nــ\nالنسائيُّ عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: إن الله ﷿ يُمهل حتى يمضي شطرُ الليل الأول، ثم يأمرُ مناديًا يقول: هل مِن داعٍ يُستجاب له؟ هل من مُستغفر يُغفر له؟ هل من سائل يُعطى؟ (١) وهذا صحيح، وهو نص. وبه يرتفع الإشكال، وقد قدَّمنا في كتاب الإيمان ما تُحمل عليه هذه المشكلات كلُّها.\nوقوله: من يدعوني فأستجيبَ له؛ أي: فأجيبه، وهذا مِنَ الله وعدٌ حق، وقَول صدق: ﴿وَمَن أَوفَى بِعَهدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ وإذا وقعت هذه الشُروطُ من العبد على حقيقتها وكَمالها؛ فلا بُدَّ من المشروط، فإن تخلَّفَ شيء مِن ذلك؟ فذلك لخللٍ في الشرط.\n_________\n(١) رواه النسائي (٤٨٢) في عمل اليوم والليلة.","vol":"2","page":387},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-252>(١٠٦) باب الترغيب في قيام رمضان وليلة القدر وكيفية القيام</span>\n[٦٣٩]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ، كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُرَغِّبُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ مِن غَيرِ أَن يَأمُرَهُم فِيهِ بِعَزِيمَةٍ، فَيَقُولُ: مَن قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحتِسَابًا غُفِرَ\nــ\n(١٠٦) ومن باب: الترغيب في قيام رمضان\nقوله: كان يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة، يدل: على أن قيام الليل في رمضان من نوافل الخير، ومن أفضل أعمال البر، لا خلاف في هذا، وإنما الخلاف في الأفضل منه. هل إيقاعه في البيت، أو في المسجد؟ فذهب مالك إلى أن إيقاعه في البيت أفضل لمن قوي عليه، وكان أولا يقوم في المسجد ثم ترك ذلك، وبه قال أبو يوسف، وبعض أصحاب الشافعي. وذهب ابن عبد الحكم وأحمد وبعض أصحاب الشافعي: إلى أن حضورها في الجماعة أفضل، وقال الليث: لو قام الناس في بيوتهم، ولم يقم أحد في المسجد، لا ينبغي أن يخرجوا إليه، والحجة لمالك قوله - ﷺ -: خير صلاة المرء في بيته إلَاّ المكتوبة (١)، وقول عمر: نعمت البدعة هي، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون فيها. وحجة مخالفه: أن النبي - ﷺ - قد صلاّها في الجماعة في المسجد، ثم أخبر بالمانع الذي منعه من الدوام على ذلك، وهو خشية أن تفرض عليهم، ثم إن الصحابة كانوا يصلونها في المسجد أوزاعًا متفرقين؛ إلى أن جمعهم عمر على قارئٍ واحد، فاستقرّ الأمر على ذلك، وثبتت سنته بذلك.\n_________\n(١) رواه البخاري (٦١١٣)، ومسلم (٧٨١)، وأبو داود (١٤٤٧)، والنسائي (٣/ ١٩٨) من حديث زيد بن ثابت.","vol":"2","page":388},{"text":"لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ. فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَالأَمرُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ كَانَ الأَمرُ عَلَى ذَلِكَ فِي خِلافَةِ أَبِي بَكرٍ، وَصَدرًا مِن خِلافَةِ عُمَرَ عَلَى ذَلِكَ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: مَن قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ، وَمَن قَامَ لَيلَةَ القَدرِ إِيمَانًا وَاحتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ.\nــ\nقلت: ومالك أحق الناس بالتمسك بهذا؛ بناءً على أصله في التمسّك بعمل أهل المدينة.\nوقوله: من قام رمضان، دليل على جواز إطلاق لفظ رمضان غير مضافٍ إلى شهر؛ خلافًا لمن منع ذلك حتى يقال: شهر رمضان، قال: لأن رمضان اسم من أسماء الله تعالى، ولا يصح هذا عن النبي - ﷺ -.\nوقوله: إيمانًا واحتسابًا؛ أي: تصديقًا بما جاء في ذلك، واحتسابًا بالأجرة على الله تعالى. وقد روي: من قام رمضان وصامه إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدّم من ذنبه (١).\nوقوله: فتوفي رسول الله - ﷺ - والأمر على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدرًا من خلافة عمر؛ أي: لم يزل أمر قيام رمضان معلوم الفضيلة يقومونه لكن متفرقين وفي بيوتهم؛ ولم يجمعوه على قارئٍ واحد؛ حتى كان مِن جَمعِ عمر لهم على أُبَيٍّ في المسجد ما قد ذكره مالك في الموطأ.\nثم اختُلف في المختار من عدد القيام، فعند مالك: أن المختار من ذلك ست وثلاثون؛ لأن ذلك عمل أهل المدينة المتصل. وقد قال نافع: لم أدرك الناس إلا وهم يقومون بتسع وثلاثين ركعة، يوترون منها بثلاث. وقال الشافعي: عشرون\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (١٣٢٦) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"2","page":389},{"text":"وفِي أُخرَى: مَن يُقِم لَيلَةَ القَدرِ فَيُوَافِقهَا. . . .\nرواه أحمد (٢/ ٢٨١) و(٤٢٣)، والبخاري (٣٧)، ومسلم (٧٥٩)، وأبو داود (١٣٧١ و١٣٧٢)، والترمذي (٨٠٨)، والنسائي (٤/ ١٥٧ - ١٥٨).\n[٦٤٠]- وعَن عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - صَلَّى فِي المَسجِدِ ذَاتَ لَيلَةٍ، فَصَلَّى بِصَلاتِهِ نَاسٌ. ثُمَّ صَلَّى مِنَ القَابِلَةِ فَكَثُرَ النَّاسُ - وفي رواية: عَجَزَ المَسجِدُ عَن أَهلِهِ - ثُمَّ اجتَمَعُوا مِنَ اللَّيلَةِ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ، فَلَم يَخرُج إِلَيهِم رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَلَمَّا أَصبَحَ قَالَ: قَد رَأَيتُ الَّذِي صَنَعتُم فَلَم يَمنَعنِي مِنَ الخُرُوجِ إِلَيكُم إِلا أَنِّي خَشِيتُ أن تفرَضَ عَلَيكُم، قَالَ: وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ.\nرواه البخاري (١١٩)، ومسلم (٦٧١) (١٧٧ و١٧٨)، وأبو داود (١٣٧٣)، والنسائي (٣/ ٢٠٢).\nــ\nركعة، وقال كثير من أهل العلم: إحدى عشرة ركعة، أخذًا بحديث عائشة المتقدم. وسيأتي الكلام على أحاديث ليلة القدر.\nوقوله: من يقم ليلة القدر فيوافقها: اختلف في القدر الذي أضيفت الليلة إليه، فقال ابن عباس: القدر: العظمة؛ من قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدرِهِ﴾؛ أي: ما عظموه حق عظمته، وقال مجاهد: القدر: تقدير الأشياء من أمور السنة. وقال ابن الفضل: يعني سوق المقادير إلى المواقيت، وقيل: قُدِّر في وقتها إنزال القرآن.\nويقم في - هذه الرواية - يعني به: يطلب بقيامه ليلة القدر، وحينئذ يلتئم مع قوله: يوافقها؛ لأن معنى يوافقها: يصادفها، ومن صلى فيها فقد صادفها،","vol":"2","page":390},{"text":"[٦٤١]- وَعَن أُبَيَّ بنَ كَعبٍ، (وَقِيلَ لَهُ: إِنَّ عَبدَ الله بنَ مَسعُودٍ يَقُولُ: مَن قَامَ السَّنَةَ أَصَابَ لَيلَةَ القَدرِ) فَقَالَ أُبَيٌّ: وَالله الَّذِي لا إِلهَ إِلا هُوَ! إِنَّهَا لَفِي رَمَضَانَ (يَحلِفُ مَا يَستَثنِي) وَوَالله، إِنِّي لأَعلَمُ أَيُّ لَيلَةٍ هِيَ، هِيَ اللَّيلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِقِيَامِهَا، هِيَ لَيلَةُ صَبِيحَةِ سَبعٍ وَعِشرِينَ، وَأَمَارَتُهَا أَن تَطلُعَ الشَّمسُ فِي صَبِيحَةِ يَومِهَا لا شُعَاعَ لَهَا.\nرواه مسلم (٧٦٢)، (١٧٩)، وأبو داود (١٣٧٨)، والترمذي (٧٩٣).\n* * *\nــ\nويحتمل أن تكون الموافقة هنا: عبارة عن قبول الصلاة فيها والدّعاء، أو يوافق الملائكة في دعائها، أو يوافقها حاضر القلب متأهلا لحصول الخير والثواب؛ إذ ليس كل دعاء يسمع، ولا كل عمل يقبل، فإنه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ وسيأتي استيفاء هذا المعنى إن شاء الله تعالى.\nوقوله: وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحتها بيضاء لا شعاع لها، وفي حديث أبي هريرة: إن القمر يطلع فيها مثل شقّ جَفنَة (١)؛ قيل: إن ذلك إنما كان لصعود الملائكة الذين تنزلوا في ليلة القدر حين تطلع الشمس، فكأن الملائكة بكثرتها حالت بين الناظرين إلى الشمس وبين شعاعها، والله أعلم.\nثم هل هذه الأمارات راتبة لكل ليلة قدر تأتي، أو كان ذلك لتلك الليلة الخاصة؟ كما قال النبي - ﷺ -: وأراني أسجد في صبيحتها في ماء وطين؟ (٢) قولان لأهل العلم، والأول أولى؛ لما رواه أبو عمر بن عبد البر من طريق عبادة بن\n_________\n(١) رواه مسلم (١١٧٠).\n(٢) رواه البخاري (٢٠٢٧)، ومسلم (١١٦٧/ ٢١٥) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.","vol":"2","page":391},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-253>(١٠٧) باب في كيفية صلاة رسول الله - ﷺ - بالليل، وتَبَتُّلِه ودُعَائِهِ</span>\n[٦٤٢]- عَن ابنَ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ بَاتَ لَيلَةً عِندَ مَيمُونَةَ أُمِّ المُؤمِنِينَ، وَهِيَ خَالَتُهُ، قَالَ: فَاضطَجَعتُ فِي عَرضِ الوِسَادَةِ، وَاضطَجَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَهلُهُ فِي طُولِهَا،\nــ\nالصامت مرفوعًا: إن أمارة ليلة القدر أنها صافية بَلجَاء، كأن فيها قمرًا ساطعًا، ساكنة لا برد فيها ولا حرّ، ولا يحلّ لكوكب أن يرمى به فيها حتى يصبح، وإن أمارة الشمس أنها تخرج صبيحتها مشرقة ليس لها شعاع، مثل القمر ليلة البدر، ولا يحلّ للشيطان أن يطلع يومئذٍ معها (١). قال: وهذا حديث حسن غريب من حديث الشاميين، رواته كلهم معروفون ثقات (٢).\n(١٠٧) ومن باب: كيفيه صلاة رسول الله - ﷺ - بالليل\nقول ابن عباس: فاضطجعت في عرض الوسادة، واضطجع رسول الله - ﷺ - في طولها: العَرض - بفتح العين -، خلاف الطول، وهو المراد هنا. وعُرض الوادي: ناحيته؛ بالضم. والعِرض - بالكسر -: السبُّ والذمُّ. والوسادة: ما يُتوسَّدُ إليه وعليه، ويريد به هنا الفراش. وكان اضطجاع ابن عباس لرؤوسهما، أو لأرجلهما؛ وذلك لصغره.\nقلت: هذا الذي قاله الشارحون من تسمية الفراش وسادة تجُّوزٌ لا شك فيه؛ إذ الوسادة ما يتوسَّد إليه، كما أن المِرفقة ما يُرتفقُ عليه. ويمكن أن يبقى لفظ\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٣٢٤).\n(٢) ساقط من (ع).","vol":"2","page":392},{"text":"فَنَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى انتَصَفَ اللَّيلُ، أَو قَبلَهُ بِقَلِيلٍ، أَو بَعدَهُ بِقَلِيلٍ، استَيقَظَ رَسُولُ الله - ﷺ - فَجَعَلَ يَمسَحُ النَّومَ عَن وَجهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأَ العَشرَ الآيَاتِ الخَوَاتِمَ مِن سُورَةِ آلِ عِمرَانَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ، فَتَوَضَّأَ مِنهَا فَأَحسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: فَقُمتُ\nــ\nالوسادة على حقيقته، ويكون اضطجاع رسول - ﷺ - عليها: وضعه رأسه على طولها، واضطجاع ابن عباس: وضعه رأسه على عرضها، وقد تقدم ذكر سن ابن عباس يوم موت رسول الله - ﷺ -.\nوقوله: فنام رسول الله - ﷺ - حتى انتصف الليل، أو قبله بقليل، أو بعده بقليل: هذا من ابن عباس تقدير للوقت لا تحقيق، لكنه لم يخرج به عن قول الله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيلَ إِلا قَلِيلا * نِصفَهُ أَوِ انقُص مِنهُ قَلِيلا * أَو زِد عَلَيهِ﴾ وقراءته - ﷺ - هذا العشر في هذا الوقت؛ لما تضمّنه من الحضّ والتنبيه على الذكر والدعاء والصلاة والتفكر، وغير ذلك من المعاني المنشطة على القيام، على ما لا يخفى.\nوالشّنّ: القربة البالية (١)، وهو الشجب أيضًا في الرواية الأخرى، ويقال: سقاء شاجب؛ أي: يابس.\nوقوله: فأحسن الوضوء؛ أي: أبلغه وأكمله، ومع ذلك فلم يهرق من الماء إلا قليلا، كما جاء في الرواية الأخرى: ولم يكثر، وقد أبلغ، وفي الأخرى: وضوءًا حسنًا بين الوضوءين. ووضعه - ﷺ - يمينه على رأس عبد الله: تسكين له، وأخذه بأذنه، تثبيت للتعليم، أو زيادة في التأنيس والتسكين، وقيل: فعل ذلك لينفي عنه العين؛ لما أعجبه فعله معه، وقيل: فعل ذلك به طردًا للنوم، وفي بعض طرق هذا الحديث عنه قال: فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني، وهذا نصّ. وشناق\n_________\n(١) في (ع): المعلقة.","vol":"2","page":393},{"text":"فَصَنَعتُ مِثلَ مَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، ثُمَّ ذَهَبتُ فَقُمتُ إِلَى جَنبِهِ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدَهُ اليُمنَى عَلَى رَأسِي، وَأَخَذَ بِأُذُنِي اليُمنَى يَفتِلُهَا، فَصَلَّى رَكعَتَينِ، ثُمَّ رَكعَتَينِ، ثُمَّ رَكعَتَينِ، ثُمَّ رَكعَتَينِ، ثُمَّ رَكعَتَينِ، ثُمَّ رَكعَتَينِ، ثُمَّ أَوتَرَ، ثُمَّ اضطَجَعَ، حَتَّى جَاءَ المُؤَذِّنُ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكعَتَينِ خَفِيفَتَينِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبحَ.\nزَادَ في رواية: ثُمَّ عَمَدَ إِلَى شَجبٍ مِن مَاءٍ، فَتَسَوَّكَ وَتَوَضَّأَ، وَأَسبَغَ الوُضُوءَ، وَلَم يُهرِق مِنَ المَاءِ إِلا قَلِيلا، ثُمَّ حَرَّكَنِي فَقُمتُ.\nوفِي أُخرَى: فَقُمتُ عَن يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي عَن يَمِينِهِ، فَتَتَامَّت صَلاةُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنَ اللَّيلِ ثَلاثَ عَشرَةَ رَكعَةً، ثُمَّ اضطَجَعَ، فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ، فَأَتَاهُ بِلالٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلاةِ، فَقَامَ فَصَلَّى وَلَم يَتَوَضَّأ، وَكَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: اللهمَّ اجعَل فِي قَلبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمعِي نُورًا، وَعَن يَمِينِي نُورًا، وَعَن يَسَارِي نُورًا، وَفَوقِي نُورًا، وَتَحتِي نُورًا، وَأَمَامِي نُورًا، وَخَلفِي نُورًا، وَعَظِّم لِي نُورًا.\nــ\nالقربة (١): ما تُشنَقُ به القربة، أي: يُشدُّ عنقها. وقيل: هو الذي تُعَلَّقُ به، قال أبو عبيد: والأول أشبه.\nوقوله في الرواية الأخرى: فقمت عن يساره، فأخذ بيدي، فأدارني عن يمينه، هذا أخذٌ للإدارة، والأخذ بالأذن أخذ للتنشيط أو التنبيه، على ما تقدم. وقد فسّر هذه الإدارة في رواية أخرى؛ فقال: وأخذ بيدي من وراء ظهره، ولا تعارض بين الأخذين؛ إذ جمعهما له ممكن، والله أعلم.\n_________\n(١) لم ترد هذه الكلمة في التلخيص، وهي في صحيح مسلم برقم (٧٦٣) (١٨١).","vol":"2","page":394},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: وَسَبعًا فِي التَّابُوتِ فَذَكَرَ عَصَبِي وَلَحمِي وَدَمِي وَشَعرِي وَبَشَرِي. وَذَكَرَ خَصلَتَينِ.\nوفي أُخرَى: وفي لِسَانِي نُورًا. وَقَالَ فِي آخِرِه: وَاجعَل لِي نُورًا.\nوفي أُخرَى: وَاجعَلنِي نُورًا.\nرواه أحمد (١/ ٣٤١)، والبخاري (٦٩٩ و(٦٣١٦)، ومسلم (٧٦٣) (١٨١ و١٨٢ و١٨٣ و١٨٧)، وأبو داود (٥٨ و٦٦٠)، والنسائي (٢/ ٣٠)، وابن ماجه (١٣٦٣).\n[٦٤٣]- وعَن زَيدِ بنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لأرمُقَنَّ صَلاةَ\nــ\nوقد تقدم الكلام على مراتب المأموم مع إمامه، وعلى نوم الأنبياء صلى الله عليهم أجمعين وسلم، وعلى الخلاف في كيفية صلاة الليل. وهذه الأنوار التي دعا بها النبي - ﷺ - يمكن أن تحمل على ظاهرها، فيكون معنى سؤاله: أن يجعل الله له في كل عضو من أعضائه نورًا يوم القيامة، يستضيء به في تلك الظلم هو ومن تبعه، أو من شاء الله تعالى ممن تبعه. والأولى أن يقال: هذه الأنوار هي مستعارة للعلم والهداية، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدرَهُ لِلإِسلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ وكما قال تعالى: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيتًا فَأَحيَينَاهُ وَجَعَلنَا لَهُ نُورًا يَمشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ أي: علمًا وهداية، والتحقيق في معنى النور: أن النور مُظهِر ما ينسب إليه، وهو يختلف بحسبه، فنور الشمس مُظِهرٌ للمبصرات، ونور القلب كاشف عن المعلومات، ونور الجوارح ما يبدو عليها من أعمال الطاعات، فكأنه دعا بإظهار الطاعات عليها دائمًا، والله تعالى أعلم.\nوقوله: وسبعًا في التابوت؛ أي: وذكر سبعًا، والتابوت أراد به الجسد، وذكر خمسًا، ولم يعيِّن الخصلتين؛ وهما: اللسان والنفس على ما ذكره في الأم. قال أبو الفرج في قوله: وسبعًا في التابوت؛ أي: سبعة أشياء مكتوبة عنده في","vol":"2","page":395},{"text":"رَسُولِ اللهِ - ﷺ - اللَّيلَةَ، فَصَلَّى رَكعَتَينِ خَفِيفَتَينِ، ثُمَّ صَلَّى رَكعَتَينِ طَوِيلَتَينِ طَوِيلَتَينِ طَوِيلَتَينِ، ثُمَّ صَلَّى رَكعَتَينِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَينِ قَبلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكعَتَينِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَينِ قَبلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكعَتَينِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَينِ قَبلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكعَتَينِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَينِ قَبلَهُمَا، ثُمَّ أَوتَرَ. فَذَلِكَ ثَلاثَ عَشرَةَ رَكعَةً.\nرواه أحمد (٥/ ١٩٣)، ومسلم (٧٦٥)، وأبو داود (١٣٦٦)، وابن ماجه (١٣٦٢).\n[٦٤٤]- وعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَقُولُ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ مِن جَوفِ اللَّيلِ: اللهمَّ لَكَ الحَمدُ، أَنتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ،\nــ\nالصندوق؛ أي: قد نسيها، وهي عنده مكتوبة، وقد جاء فيما بعد منها: عصبي، ولحمي، ودمي، وشعري، وبشري.\nوقوله: اللهم لك الحمد، أنت نور السماوات والأرض؛ أي: منوّرها في قول الحسن؛ دليله: قراءة علي - ﵁ -: (الله نَوَّرَ السماوات) (١) بفتح النون، والواو مشددة. قال ابن عباس: هادي أهلهما. ومجاهد: مدبرهما، وقيل: هو المنزه في السماوات والأرض من كل عيب، من قول العرب: امرأة نوارة؛ أي: مبرأة من كل ريبة. وقيل: هو اسم مدح، يقال: فلان نور البلد، وشمس الزمان؛ كما قال النابغة:\nفإنك شمسٌ والملوكُ كواكبٌ ... إذا طلعت لم يبدُ منهن (٢) كوكبُ\n_________\n(١) الآية: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ﴾ [النور: ٣٥].\n(٢) في (ظ) و(ط): للناس.","vol":"2","page":396},{"text":"وَلَكَ الحَمدُ، أَنتَ قَيَّامُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ، وَلَكَ الحَمدُ، أَنتَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَمَن فِيهِنَّ،\nــ\nوقال آخر:\nإذا سار عبد الله في مَرو ليلةً ... فقد سار فيها نورها وجمالها\nوقال أبو العالية: مزيِّن السماوات بالشمس والقمر والنجوم، ومزيِّن الأرض بالأنبياء، والأولياء، والعلماء.\nوقوله: أنت قيّام السماوات والأرض: قيام على المبالغة، من قام بالشيء: إذا هيأ له ما يحتاج إليه، ويقال: قيوم، وقيام، وقيِّم. وقرأ عمر: (الله لا إله إلا هو الحي القيّام) (١). وعلقمة: (القيِّم). وقال قتادة: هو القائم بتدبير خلقه. الحسن: القائم على كل نفس بما كسبت. ابن جبير: الدائم الوجود. ابن عباس: الذي لا يحول ولا يزول.\nوقوله: أنت رب السماوات والأرض؛ أي: مصلحهما، ومصلح من فيهما، مأخوذ من الربّة، وهي نبت تصلح عليه المواشي، يقال: رَبَّ، يَرُبُّ رَبَّا، فهو رابٌّ، وربٌّ، وربّى يربي تربية، فهو مُربٍّ. قال النابغة:\nوربَّ عليه اللَّهُ أحسَنَ صَنعَه\nوقال آخر:\nيَرُبُّ الذي يأتي من الخير أنه ... إذا فعل المعروف زاد وتمَّما\n_________\n(١) الآية في سورة البقرة رقم (٢٥٥) بلفظ: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.","vol":"2","page":397},{"text":"أَنتَ الحَقُّ، وَوَعدُكَ الحَقُّ، وَقَولُكَ الحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ،\nــ\nوالربُّ أيضًا: السِّيِّد، فيكون معناه: أنه سيد من في السماوات والأرض.\nوالرب: المالك؛ أي: هو مالكهما ومالك من فيهما.\nوقوله: أنت الحق؛ أي: الواجب الوجود، وأصله من: حق الشيء؛ إذا ثبت ووجب، ومنه: ﴿أَفَمَن حَقَّ عَلَيهِ كَلِمَةُ العَذَابِ﴾ وَلَكِن حَقَّ القَولُ مِنِّي؛ أي: ثبت ووجب، وهذا الوصف لله تعالى بالحقيقة والخصوصية لا ينبغي لغيره؛ إذ وجوده لنفسه، فلم يسبقه عدم، ولا يلحقه عدم، وما عداه مما يقال عليه هذا الاسم مسبوق بعدم، ويجوز عليه لحاق العدم، ووجوده من موجده لا من نفسه، وباعتبار هذا المعنى كان أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد:\nألا كل شيء ما خلا الله باطل (١) ... . . . . . . . . . . . . . . . .\"\nوإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إِلا وَجهَهُ لَهُ الحُكمُ وَإِلَيهِ تُرجَعُونَ﴾ ولقاؤنا الله تعالى عبارة عن مآل حالنا بالنسبة إلى جزائنا على أعمالنا في الدار الآخرة، والساعة: يوم القيامة، وأصله القطعة من الزمان، لكن لما لم يكن هناك كواكب تقدر بها الأزمان؛ سُمِّيت بذلك، والله أعلم.\nوإطلاق اسم الحق على هذه الأمور كلها؛ معناه: أنها لا بد من كونها، وأنها مما ينبغي أن يصدق بها، وتكرار الحق في تلك المواضع على جهة التأكيد والتفخيم والتعظيم لها.\n_________\n(١) وتتمته: وكل نعيم لا محالة زائل. والحديث رواه البخاري في المناقب (٣٨٤١).","vol":"2","page":398},{"text":"وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللهمَّ لَكَ أَسلَمتُ، وَبِكَ آمَنتُ، وَعَلَيكَ تَوَكَّلتُ، وَإِلَيكَ أَنَبتُ، وَبِكَ خَاصَمتُ، وَإِلَيكَ حَاكَمتُ، فَاغفِر لِي مَا قَدَّمتُ وَما أَخَّرتُ، وَما أَسرَرتُ وما أَعلَنتُ، أَنتَ إِلَهِي، لا إِلهَ إِلا أَنتَ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: قَيِّمُ مَكَانَ: قَيَّامُ.\nرواه أحمد (١/ ٢٩٨ و٣٠٨)، والبخاري (١١٢٠)، ومسلم (٧٦٩)، وأبو داود (٧٧١)، والترمذي (٣٤١٨)، والنسائي (٣/ ٢٠٩ - ٢١٠)، وابن ماجه (١٣٥٥).\nــ\nوقوله: لك أسلمت؛ أي: انقَدتُ وخضعت. وبك آمنت؛ أي: صدّقت. وعليك توكلت؛ أي: فوّضت. [وإليك أنبت؛ أي: رجعت. وبك خاصمت؛ أي: بما لقَّنتَنِي من الحجة غلبت الخصوم. وإليك حاكمت؛ أي: إليك فوّضت] (١) الحكومة؛ كما قال تعالى: ﴿أَنتَ تَحكُمُ بَينَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَختَلِفُونَ﴾ وقد تقدم الكلام على عصمة الأنبياء والذنوب المنسوبة إليهم في كتاب الطهارة. فإذا فرّعنا على جواز الصغائر عليهم، فيكون الاستغفار على بابه وظاهره، وإن أحلنا ذلك عليهم، فيكون استغفاره لِيَسُنَّه لأمته، أو على تقدير وقوع ذنوب منه حتى يلازم حالة الافتقار والعبودية.\nوقوله: وما قدمت؛ أي: قبل وقتي هذا. وما أخرت: عنه. وما أسررت؛ أي: أخفيت. وأعلنت: أظهرت. أنت إلهي؛ أي: معبودي ومقصودي، الذي وَلِهَ فيك قلبي، وتحيَّر في عظمتك وجلالك عقلي، وكَلَّ عن ثنائك لساني، فغاية الو يلة إليك، لا أحصي ثناءً عليك. لا إله إلا أنت؛ أي: لا معبود غيرك، ولا معروف بهذه المعرفة سواك.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"2","page":399},{"text":"[٦٤٥]- وعَن عَائِشَةَ قَالَت: كَانَ نَبِيُّ الله - ﷺ - إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيلِ افتَتَحَ صَلاتَهُ: اللهمَّ رَبَّ جَبرَيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ، عَالِمَ الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنتَ تَحكُمُ بَينَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَختَلِفُونَ، اهدِنِي لِمَا اختُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذنِكَ، إِنَّكَ تَهدِي مَن تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ.\nرواه أحمد (٦/ ١٥٦)، ومسلم (٧٧٠)، وأبو داود (٧٦٨)، والترمذي (٣٤٢٠)، والنسائي (٣/ ٢١٢ - ٢١٣).\n[٦٤٦]- وعَن عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ، عَن رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ قَالَ: وَجَّهتُ وَجهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ حَنِيفًا وَمَا\nــ\nوقوله: اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل: خص هؤلاء الملائكة بالذكر تشريفًا لهم؛ إذ بهم ينتظم هذا الوجود؛ إذ قد أقامهم الله تعالى في ذلك. وفاطر السماوات والأرض؛ أي: مبتدئ خلقهما. والغيب: ما غاب عن عياننا. والشهادة: ما شاهدناه؛ أي: علمناه بمشاهدتنا. وتحكم بين عبادك: تقضي وتبيّن الحق. اهدني؛ أي: أرشدني ودلَّني على صواب ما اختلف فيه. بإذنك؛ أي: بتمكينك وتسخيرك. والصراط: الطريق المستقيم الذي لا اعوجاج فيه.\nوقوله: وجهت وجهي؛ أي: صوَّبت وجهي، وأخلصت في عبادتي. وحنيفًا؛ أي: مائلا عن جميع المعبودات سوى الله تعالى. ونسكي؛ أي: ما أتَنسكُ به من القُرب والعبادات. والمحيا والممات؛ أي: الحياة والموت، كما قال للأنصار: المحيا محياكم، والممات مماتكم (١). والعالمين:\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٥٣٨)، ومسلم (١٧٨٠) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"2","page":400},{"text":"أَنَا مِنَ المُشرِكِينَ، إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرتُ وَأَنَا مِنَ المُسلِمِينَ، اللهمَّ أَنتَ المَلِكُ لا إِلهَ إِلا أَنتَ، أَنتَ رَبِّي وَأَنَا عَبدُكَ، ظَلَمتُ نَفسِي وَاعتَرَفتُ بِذَنبِي؛ فَاغفِر لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا، إِنَّهُ لا يَغفِرُ الذُّنُوبَ إِلا أَنتَ، وَاهدِنِي لأَحسَنِ الأَخلاقِ، لا يَهدِي لأَحسَنِهَا إِلا أَنتَ، وَاصرِف عَنِّي سَيِّئَهَا لا يَصرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلا أَنتَ، لَبَّيكَ وَسَعدَيكَ، وَالخَيرُ كُلُّهُ فِي يَدَيكَ، وَالشَّرُّ لَيسَ إِلَيكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيكَ،\nــ\nالخلق. وأصله من العلم، وقيل: من العلامة. وأنا من المسلمين؛ أي: مسلم من المسلمين المتمكنين في الاستسلام، الذين سلموا أنفسهم للنيران (١)، وأموالهم للضيفان، وولدهم للقربان، وفوّضوا جميع أمورهم للرحمن. وفي التلاوة: وَأَنَا أَوَّلُ المُسلِمِينَ؛ أي: أوّل سابق بالنسبة إلى زمانه.\nوقوله: واهدني لأحسن الأخلاق؛ أي: لأكملها وأفضلها؛ وهي: الخُلق الصحيح، والكفَّ عن القبيح. وقيل: للقيام بالحقوق، والعفو عن العقوق؛ كما قال: أن تعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك (٢). وقد أجاب الله تعالى دعاء نبيه - ﷺ - في ذلك، فجمع له منها ما تفرق في العالمين؛ حتى قال له تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ولبيك: معناه: إجابة لك بعد إجابة. وسعديك؛ أي: مساعدة بعد مساعدة، وهما من المصادر التي لا تستعمل إلا مضافة مثنَّاة، وقد تقدّم القول في: بيدك الخير.\nوقوله: والشرّ ليس إليك؛ أي: لا يضاف إليك مخاطبة ونسبة، تأدُّبًا، مع أنه بقضاء الله تعالى وقدره، وخلقه واختراعه؛ كالخير، كما قال الله تعالى:\n_________\n(١) أي: نيران الحروب والأعداء، أي: ضحّوا بأنفسهم في سبيل الله تعالى.\n(٢) رواه أحمد (٤/ ١٤٨ و١٥٨).","vol":"2","page":401},{"text":"تَبَارَكتَ وَتَعَالَيتَ، أَستَغفِرُكَ وأتوب إِلَيكَ! ! وَإِذَا رَكَعَ قَالَ: اللهمَّ لَكَ رَكَعتُ، وَبِكَ آمَنتُ، وَلَكَ أَسلَمتُ، خَشَعَ لَكَ سَمعِي وَبَصَرِي، وَمُخِّي وَعَظمِي وَعَصَبِي. وَإِذَا رَفَعَ قَالَ: اللهمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمدُ مِلءَ السَّمَاوَاتِ الأَرضِ، وَمَا بَينَهُمَا، وَمِلءَ مَا شِئتَ مِن شَيءٍ بَعدُ. وَإِذَا سَجَدَ قَالَ:\nــ\n﴿قُل كُلٌّ مِن عِندِ اللَّهِ﴾ وكما قال: ﴿وَإِن يَمسَسكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِن يَمسَسكَ بِخَيرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾\nوقوله: خشع لك سمعي، وبصري، ومخي، وعظمي وعصبي؛ أي: أخذ كل عضو من هذه الأعضاء حظه من الخضوع والتذلل؛ أي: سكنت وافتقرت، وإن كان أصل الخشوع في القلب؛ لكن ثمرته تظهر على الجوارح والأعضاء، فسُمِّيَ بذلك: خشوعًا، كما قال تعالى: ﴿تَرَى الأَرضَ خَاشِعَةً﴾؛ أي: متذللة، مفتقرة لما تحيا به من الماء، أو يكون هذا على الإغياء (١) والتشبيه، كما قال:\nلا عُضوَ لي إلا وفيه محبةٌ ... فكأن أعضائي خلقن قلوبًا\nوهذا هو النور الذي دعا به النبي ﷺ في حديث ابن عباس المتقدم. وقد تقدم القول في: ملء السماوات والأرض، في الطهارة.\nوقوله: وملء ما شئت من شيء بعد: يحتمل أن يكون معناه: من شيء يمكن أن يخلقه؛ يكون أكبر من السماوات والأرض، ويحتمل أن يراد به العرش والكرسي، ففي الحديث: إن السماوات والأرض في الكرسي كالحلقة الملقاة في فلاة من الأرض، والكرسي وما فيه في العرش كحلقه ملقاة في فلاة (٢). والله تعالى أعلم. ومقصود هذا الحديث: الإغياء في تكثير الحمد والثناء.\n_________\n(١) هو بلوغ الغاية في الأمر.\n(٢) رواه الآجري وأبو حاتم البستي والبيهقي. (تفسير القرطبي ٣/ ٢٧٨).","vol":"2","page":402},{"text":"اللهمَّ لَكَ سَجَدتُ، وَبِكَ آمَنتُ، وَلَكَ أَسلَمتُ، سَجَدَ وَجهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ الله أَحسَنُ الخَالِقِينَ. ثُمَّ يَكُونُ مِن آخِرِ مَا يَقُولُ بَينَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسلِيمِ: اللهمَّ اغفِر لِي مَا قَدَّمتُ وَمَا أَخَّرتُ، وَمَا أَسرَرتُ وَمَا أَعلَنتُ وَمَا أَسرَفتُ، وَمَا أَنتَ أَعلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنتَ المُقَدِّمُ وَأَنتَ المُؤَخِّرُ لا إِلهَ إِلا أَنتَ.\nوَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: كَانَ إِذَا استَفتَحَ الصَّلاةَ كَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: وَجَّهتُ وَجهِي. وَقَالَ: وَأَنَا أَوَّلُ المُسلِمِينَ. وَقَالَ: وَإِذَا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ:\nــ\nوبعد ظرف مبني على الضم؛ لأنه قطع عن المضاف إليه، مع أنه مراد، ومعناه هنا: بعد السماوات والأرض المذكورة قبل.\nوقوله: وشق سمعه وبصره؛ أي: خلق فيه السمع والبصر. وقد يحتج بإضافة السمع إلى الوجه من يقول: إن الأذنين من الوجه فيغسلان بغسله، ولا حجة فيه؛ لأنه يعارضه قوله - ﷺ -: فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه (١). فجعل الأذن غاية للرأس، فهي منه؛ لأنا نقول بموجب ذلك، ونفرق بين السمع والأذن؛ فإن السمع الإدراك الذي في الأذن لا الأذن؛ ولأن الوجه لا يتضمن الأذنين كما تقدم.\nوقوله: أنت المقدم وأنت المؤخر؛ أي: تقدم من تشاء فتجعلهم أنبياء وأولياء، وعلماء، وفضلاء، وتؤخر من شئت فتجعله فرعون، وأبا جهل. أو تملك الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وعلى الجملة فكل تقديم وتأخير منه.\nوقوله: كان إذا استفتح الصلاة كبر ثم قال: وجهت وجهي: أخذ به\n_________\n(١) رواه مالك في الموطأ (١/ ٣١)، والنسائي (١/ ٧٤)، وابن ماجه (٢٨٢) من حديث الصُّنابحي ﵁.","vol":"2","page":403},{"text":"سَمِعَ الله لِمَن حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمدُ. وَقَالَ: وَصَوَّرَهُ فَأَحسَنَ صُوَرَهُ. وَقَالَ: إِذَا سَلَّمَ قَالَ: اللهمَّ اغفِر لِي مَا قَدَّمتُ. . . إِلَى آخِرِ الحَدِيثِ.\nرواه أحمد (١/ ١٠٢)، ومسلم (٧٧١)، وأبو داود (٧٦١)، والترمذي (٣٤٢٣).\n* * *\nــ\nالشافعي، وأن هذا التوجيه سنة راتبة في صلاة الفرض بعد التكبير، ولا حجة له فيه؛ لأن هذا يحتمل أنه كان في صلاة الليل فقط، وتكون الصلاة يراد بها صلاة الليل فقط، ولئن سلمنا أنه للعموم لزم منه أن يكون الدعاء المذكور في هذا الحديث في الركوع والسجود سنة راتبة في كل صلاة، ولا قائل به؛ فإن مساق الحديث واحد، فلِمَ يفرق بين التوجيه وغيره من الأدعية والأذكار. ولئن سلمنا الفرق فعندنا ما يعارض ذلك، وهو أمران:\nأحدهما: أنه قال في الرواية الأولى: إنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: وجهت وجهي، ولم يذكر التكبير، وظاهره إذا أراد القيام، فيكون قبل التكبير.\nوثانيهما: أنه لو كان ذلك سنة راتبة لنقله أهل المدينة بالعمل؛ إذ مثل ذلك لا يخفى عليهم مع شدة بحثهم عن أفعاله وأحواله، وخصوصًا في الصلاة الكثيرة التكرار، العظيمة الموقع، فلما كان ذلك علمنا: أنه ليس بسنة راتبة، ولا يُمنع من قاله كسائر الأذكار والأدعية. وقد روى الدارقطني في حديث علي المتقدم: أن ذلك كان في المكتوبة (١)، فإن صح ذلك كان دليلا على جواز وقوع ذلك في الصلاة المكتوبة، إذ لم يضر بمن خلفه بطول القيام؛ لا أنه سنة راتبة؛ لما تقدم، والله أعلم.\n_________\n(١) رواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٣٢ و٣٣) من حديث علي ﵁. ولم نجده في سنن الدارقطني كما أشار المصنِّف -﵀-.","vol":"2","page":404},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-254>(١٠٨) باب ترتيل القراءة والجهر بها في صلاة الليل وتطويلها</span>\n[٦٤٧]- عَن حُذَيفَةَ، قَالَ: صَلَّيتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - ذَاتَ لَيلَةٍ فَافتَتَحَ البَقَرَةَ، فَقُلتُ: يَركَعُ عِندَ المِائَةِ، ثُمَّ مَضَى، فَقُلتُ: يُصَلِّي بِهَا فِي رَكعَةٍ، فَمَضَى، فَقُلتُ: يَركَعُ بِهَا، ثُمَّ افتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افتَتَحَ آلَ عِمرَانَ فَقَرَأَهَا، يَقرَأُ مُتَرَسِّلا، إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ، ثُمَّ رَكَعَ فَجَعَلَ يَقُولُ: سُبحَانَ رَبِّيَ العَظِيمِ. فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحوًا مِن قِيَامِهِ ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ الله لِمَن حَمِدَهُ. ثُمَّ قَامَ طَوِيلا قَرِيبًا مِمَّا رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَقَالَ: سُبحَانَ رَبِّيَ الأَعلَى. وَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيبًا مِن قِيَامِهِ - وَزَادَ في رواية فَقَالَ: سَمِعَ الله لِمَن حَمِدَهُ، رَبَّنَا لَكَ الحَمدُ.\nرواه مسلم (٧٧٢)، وأبو داود (٨٧١ و٨٧٤)، والنسائي (٢/ ١٧٦ و١٧٧).\n[٦٤٨]- وَعَن عَبدُ الله، قَالَ: صَلَّيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَأَطَالَ حَتَّى\nــ\n(١٠٨) ومن باب: ترتيل القراءة\nقوله: يقرأ مترسلا؛ أي: مترفِّقًا متمهِّلا؛ من قولهم: على رسلك؛ أي: على رفقك. وهذا التطويل، وهذه الكيفية التي صدرت عنه في هذه الصلاة، إنما كان منه بحسب وقت صادفه، ووجد وجده، فاستطاب ما كان فيه، واستغرقه عما سواه. [وهو موافق لما قاله في حديث آخر: إذا أمَّ أحدُكم الناس فليخفِّف، وإذا صلى وحده فليطوِّل ما شاء (١).\n_________\n(١) رواه مسلم (٤٦٧)، والترمذي (٢٣٦) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"2","page":405},{"text":"هَمَمتُ بِأَمرِ سَوءٍ، قَالَ: قِيلَ: وَمَا هَمَمتَ بِهِ؟ قَالَ: هَمَمتُ أَن أَجلِسَ وَأَدَعَهُ.\nرواه أحمد (١/ ٣٨٥)، والبخاري (١١٣٥)، ومسلم (٧٧٣)، وابن ماجه (١٤١٨).\n[٦٤٩] وَعَن عَاَئِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَ - ﷺ - سَمِعَ رَجُلا يَقرَأُ مِنَ اللَّيلِ، فَقَالَ: ﵀، لَقَد أَذكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً كُنتُ أَسقَطتُهَا مِن سُورَةِ كَذَا وَكَذَا.\nرواه البخاري (١١٣٥)، ومسلم (٧٨٨) (٢٢٤)، وأبو داود (١١٣١).\n* * *\nــ\nوقوله: لقد أذكرتني كذا] (١) وكذا آية كنت أسقطتها: قال ابن السيِّد البطليوسي: كذا وكذا: كناية عن الأعداد [المعطوف بعضها على بعض؛ من أحد وعشرين إلى تسعة وتسعين، والمميز بعد هذه الأعداد] (٢) حقه أن ينصب، قال: وإذا قال: له عندي كذا كذا درهمًا؛ فهي كناية عن الأعداد؛ من أحد عشر إلى تسعة عشر، هذا اتفاق من البصريين والكوفيين. وقال الكوفيون خاصة: إذا قال: له عندي كذا أثواب، فهي كناية عن الأعداد المضافة إلى الجمع من ثلاثة إلى عشرة. وإذا قال: له عندي كذا درهم - بالإفراد -، فهي كناية عن الأعداد المضافة إلى المفرد من مائة إلى تسعمائة، ولا يجيز البصريون والكوفيون إضافة ذا إلى ما بعده؛ لأن المبهم لا يضاف. انتهى قوله.\nقلت: وعلى نحو ما اتفق عليه البصريون والكوفيون فرَّع الإقرار ابن عبد الحكم، فقال: إن قال: له عندي كذا كذا درهمًا؛ لزمه أحد عشر، وإن قال:\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"2","page":406},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>(١٠٩) باب استغراق الليل بالنوم من آثار الشيطان</span>\n[٦٥٠]- عَن عبد الله، قَالَ: ذُكِرَ عِندَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - رَجُلٌ نَامَ لَيلَةً حَتَّى أَصبَحَ، قَالَ: ذَلكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيطَانُ فِي أُذُنَيهِ. أَو قَالَ: فِي أُذُنِهِ.\nرواه أحمد (١/ ٣٧٥)، والبخاري (٣٢٧٠)، ومسلم (٧٧٤)، والنسائي (٣/ ٢٠٤)، وابن ماجه (١٣٣٠).\nــ\nكذا وكذا؛ لزمه أحد وعشرون، وإن قال: كذا درهمًا؛ لزمه عشرون؛ بناء على أقل ما تقتضيه هذه الكنايات. وعلى هذا الأصل فيكون قوله - ﷺ -: كذا وكذا؛ أنه أقل ما يحمل عليه إحدى وعشرون آية. ولا يجوز في آية في الحديث إلا النصب على ما حكيناه. وقد تقدم القول في نسيان النبي - ﷺ -، وأنه إن نسي شيئًا من الوحي لا يقرّ على نسيانه، إلا أن يكون ذلك نسخًا، كما قال تعالى: ﴿سَنُقرِئُكَ فَلا تَنسَى * إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ والله أعلم به.\n(١٠٩) ومن باب: استغراق الليل بالنوم من آثار الشيطان\nقوله: ذاك رجل بال الشيطان في أذنه: يصح بقاؤه على ظاهره؛ إذ لا إحالة فيه، ويفعل ذلك استهانة به، ويحتمل أن يحمل على التوسُّع، فيكون معناه: أن الذي ينام الليل كله ولا يستيقظ عند أذان المؤذنين، ولا تذكار المذكرين؛ فكأن الشيطان سدَّ أذنيه ببوله، وخصّ البول بالذكر إبلاغًا في التفحيش به، وليجتمع له مع إذهاب سمعه استقذار ما صرف به سمعه، ويحتمل أن يكون معناه: أن الشيطان استولى عليه واستهان به، حتى قد اتخذه كالكَنيف المُعَدّ لإلقاء البول فيه. والله أعلم.","vol":"2","page":407},{"text":"[٦٥١]- وعَن عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ، فَقَالَ: أَلا تُصَلُّونَ؟ فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّمَا أَنفُسُنَا بِيَدِ الله، فَإِذَا شَاءَ أَن يَبعَثَنَا بَعَثَنَا. فَانصَرَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حِينَ قُلتُ لَهُ ذَلِكَ. ثُمَّ سَمِعتُهُ وَهُوَ مُدبِرٌ يَضرِبُ فَخِذَهُ، وَيَقُولُ: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكثَرَ شَيءٍ جَدَلا﴾.\nرواه أحمد (١/ ١٠٢)، والبخاري (١١٢٧)، ومسلم (٧٧٥)، والنسائي (٣/ ٢٠٥ - ٢٠٦).\n[٦٥٢]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ يبلغُ بِهِ الَّنِبي - ﷺ - قَالَ: يَعقِدُ الشَّيطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأسِ أَحَدِكُم ثَلاثَ عُقَدٍ إِذَا نَامَ،\nــ\nوقوله: طَرَقَهُ وفاطمة؛ أي: أتاهما ليلا، والطارق هو الآتي بالليل، ومنه سُمّيَ النجم: طارقًا في قوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ وهذا الإتيان منه - ﷺ -؛ إنما كان منه ليوقظهما للصلاة؛ بدليل قوله: ألا تصلون؟ ! وقد استنكر منهما نومهما في تلك الليلة؛ إذ خالفا عادتهما، ووقت قيامهما؛ ولذلك اعتذر له علي - ﵁ - بقوله: إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء بعثها؛ أي: أيقظها. وانصراف النبي - ﷺ - عند سماعه هذا الكلام منه، وضربه فخذه، وتمثُّله بالآية؛ يدل على أنه - ﷺ - لم يرض بذلك الجواب منه؛ لأن الحزم والتهمُّم بالشيء يقتضي أن لا ينام عنه؛ لأن من تحقق رجاؤه بشيء، واشتَّدت عنايته به ورغبته فيه، أو خاف من شيء مكروه؛ قلّ ما يصيبه ثقيل النوم، أو طويله. والله أعلم.\nوقوله: يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ثلاث عقد. هذا العقد الذي يعقده الشيطان كأنه من باب عقد السواحر ﴿النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ﴾؛ وذلك بأنهن يأخذن خيطًا فيعقدن عليه عقدة منه، ويتكلَّمن عليه بالسحر، فيتأثر المسحور عند ذلك؛ إما بمرض، أو تخييل، أو تحريك قلب، أو تحزين، أو غير ذلك، فشبَّه فعل الشيطان بالنائم بفعل السواحر، وذلك أن النائم","vol":"2","page":408},{"text":"بِكُلِّ عُقدَةٍ يَضرِبُ عَلَيكَ لَيلا طَوِيلا، فَإِذَا استَيقَظَ فَذَكَرَ الله؛ انحَلَّت عُقدَةٌ، وَإِذَا تَوَضَّأَ انحَلَّت عَنهُ عُقدَتَانِ، فَإِذَا صَلَّى انحَلَّتِ العُقَدُ، فَأَصبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفسِ، وَإِلا أَصبَحَ خَبِيثَ النَّفسِ كَسلانَ.\nــ\nكلما أراد أن يقوم ليذكر الله أو يصلي غرّه وخدعه؛ بأن يقول له: عليك ليل طويل فارقد، فيريه أنه لطول ما بقي عليه من الليل ما يمكنه استيفاء راحته من النوم، وقيامه بعد ذلك لحزبه، فيصغي لذلك ويرقد، ثم إن استيقظ ثانية فعل به ذلك، وكذلك ثالثة، فلا يستيقظ من الثالثة إلا وقد طلع الفجر، فيفوته ما كان أراد من القيام. وإنما خص العقد بثلاث؛ لأن أغلب ما يكون انتباه النائم في السحر، فإن اتفق له أن يستيقظ ويرجع للنوم ثلاث مرات؛ لم تتقض النومة الثالثة في الغالب إلا والفجر قد طلع. والله أعلم.\nوروايتنا الصحيحة: عليك ليل طويل؛ على الابتداء والخبر، وقد وقع في بعض الروايات: عليك ليلا طويلا؛ على الإغراء، والأول أولى من جهة المعنى؛ لأنه الأمكن في الغرور، من حيث إنه يخبره عن طول الليل، ثم يأمره بالرقاد بقوله: فارقد وإذا نُصِبَ على الإغراء لم يكن فيه إلا الأمر بملازمة طول الرقاد، وحينئذ يكون قوله: فارقد ضائعًا. والله أعلم.\nوقافية الرأس: آخره، وكذلك قافية كل شيء، ومنه: قافية الشِّعر.\nوقوله: فأصبح نشيطًا طيِّبَ النفس؛ أي: نشيطًا لما يرد عليه من عبادات أُخر؛ من صلوات وغيرها، فإنه يألف العبادات ويعتادها، حتى تصير له شِربًا (١)، فتذهب عنه مشقتها، ولا يستغني عنها.\nوطيب النفس؛ لرجاء ثواب ما فعل؛ ولانشراح صدره بما يستقبل. والله أعلم.\nوقوله: وإلا أصبح خبيث النفس كسلان؛ أي: بشؤم تفريطه، وبإتمام\n_________\n(١) \"شِرْبًا\": مَوْرِدًا.","vol":"2","page":409},{"text":"رواه أحمد (٢/ ٢٤٣)، والبخاري (٣٢٦٩)، ومسلم (٧٧٦)،\nوأبو داود (١٣٠٦)، والنسائي (٣/ ٢٠٣ - ٢٠٤)، وابن ماجه (١٣٢٩).\n* * *\nــ\nخديعة الشيطان عليه؛ إذ قد حمله على أن فاته الحظ الأوفر من قيام الليل. وكسلان؛ أي: متثاقل عن الخيرات فلا يكاد تسخو نفسه، ولا تخف عليها صلاة، ولا غيرها من القربات، وربما يحمله ذلك على تضييع الواجبات.\nوكسلان: غير منصرف؛ للألف والنون الزائدتين، وهو مذكر كسلى. وقد وقع لبعض رواة الموطأ: كسلانًا مصروفًا، وليس بشيء، وقد أضاف النبي - ﷺ - في هذا الحديث الخبث للنفس، مع أنه قد قال في حديث آخر: لا يقل أحدكم: خبثت نفسي، ولكن ليقل: لقست نفسي (١)، ولا تعارض بينهما؛ لأن الذي منعه النبي - ﷺ -، إنما هو: أن يطلق الإنسان على نفسه لفظ الخبث، وهو مذموم، فيذم نفسه، ويضيف الذم إليها، وهو ممنوع في مثل هذا، وأما لو أضاف الإنسان لفظ الخبث إلى غيره مما يصدق عليه، لم يكن ذلك مذمومًا ولا ممنوعًا. والله أعلم.\nولقست: معناه غثت (٢)، ويقال: مقست بالميم والقاف، ونقست بالنون، وكله بمعنى خبثت، وكأن النبي - ﷺ - كره إطلاق ذلك اللفظ، فنقل إلى غيره، كما قررناه. وقد غيّر رسول الله - ﷺ - اسم عاصية بجميلة (٣)، وكره لفظ العقوق (٤)، وهذا النحو كثير عنه ﷺ.\n_________\n(١) رواه البخاري (٦١٨٠)، ومسلم (٢٢٥١) من حديث سهل بن حنيف.\n(٢) \"غثت\": فسدت.\n(٣) رواه مسلم (٢١٣٩)، وأبو داود (٤٩٥٢)، والترمذي (٢٨٤٠)، وابن ماجه (٣٧٧٣) من حديث ابن عمر ﵁.\n(٤) رواه البخاري (٦٤٧٣)، ومسلم (٢٠٨٩) من حديث المغيرة ﵁.","vol":"2","page":410},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-256>(١١٠) باب أفضل النوافل ما صُلِّي في البيت</span>\n[٦٥٣]- عَنِ ابنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: اجعَلُوا مِن صَلاتِكُم فِي بُيُوتِكُم، وَلا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا.\nرواه أحمد (٢/ ١٦)، والبخاري (٤٣٢)، ومسلم (٧٧٧)، وأبو داود (١٤٤٨)، والترمذي (٤٥١)، والنسائي (٣/ ١٩٧).\n[٦٥٤]- وعَن جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِذَا قَضَى أَحَدُكُمُ الصَّلاةَ فِي مَسجِدِهِ، فَليَجعَل لِبَيتِهِ نَصِيبًا مِن صَلاتِهِ، فَإِنَّ الله جَاعِلٌ فِي بَيتِهِ مِن صَلاتِهِ خَيرًا.\nرواه أحمد (٣/ ٣١٦)، ومسلم (٧٧٨).\nــ\n(١١٠) ومن باب: فضل النوافل\nقوله ﷺ: اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم: مِن هنا للتبعيض، ويعني به النوافل؛ بدليل قوله في الحديث الآخر: إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبًا من صلاته (١).\nوقوله: ولا تتخذوها قبورا؛ أي: لا تصيِّروها كالقبور التي ليس فيها صلاة.\nوقوله: فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرًا. الضمير في بيته عائد على المصلي الذي تضمنه الكلام المتقدم. ومن هاهنا سببِّية؛ بمعنى: من أجل. والخير الذي يجعل في البيت بسبب التنفل فيه هو: عمارته بذكر الله، وبطاعته، وبالملائكة، وبدعائهم، واستغفارهم، وما يحصل لأهله من الثواب والبركة.\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٣١٦)، ومسلم (٧٧٨) من حديث جابر ﵁.","vol":"2","page":411},{"text":"[٦٥٥]- وعَن أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: مَثَلُ البَيتِ الَّذِي يُذكَرُ الله فِيهِ، وَالبَيتِ الَّذِي لا يُذكَرُ الله فِيهِ، مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ.\nرواه البخاري (٦٤٠٧)، ومسلم (٧٧٩).\n[٦٥٦]- وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: لا تَجعَلُوا بُيُوتَكُم مَقَابِرَ. إِنَّ الشَّيطَانَ يَنفِرُ مِنَ البَيتِ الَّذِي تُقرَأُ فِيهِ سُورَةُ البَقَرَةِ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٦٧)، ومسلم (٧٨٠)، وأبو داود (٢٠٤٢)، والنسائي (١٠٨٠١) في الكبرى.\n[٦٥٧]- وعَن زَيدِ بنِ ثَابِتٍ، قَالَ: احتَجَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حُجَيرَةً بِخَصَفَةٍ أَو حَصِيرٍ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي فِيهَا، فَتَتَبَّعَ إِلَيهِ رِجَالٌ وَجَاؤوا يُصَلُّونَ بِصَلاتِهِ، قَالَ: ثُمَّ جَاؤوا لَيلَةً فَحَضَرُوا، فأَبطَأَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنهُم، فَلَم يَخرُج إِلَيهِم، فَرَفَعُوا أَصوَاتَهُم، وَحَصَبُوا البَابَ فَخَرَجَ إِلَيهِم رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مُغضَبًا، فَقَالَ لَهُم: مَا زَالَ بِكُم صَنِيعُكُم حَتَّى ظَنَنتُ أَنَّهُ سَيُكتَبُ عَلَيكُم، فَعَلَيكُم بِالصَّلاةِ فِي بُيُوتِكُم، فَإِنَّ خَيرَ صَلاةِ المَرءِ فِي بَيتِهِ إِلا الصَّلاةَ المَكتُوبَةَ.\nرواه أحمد (٥/ ١٨٢ و١٨٧)، والبخاري (٧٢٩٠)، ومسلم (٧٨١) (٢١٣).\n* * *\nــ\nوالخصفة: حصير يخصف؛ أي: يخاط من السعف، ومنه قوله تعالى: ﴿يَخصِفَانِ عَلَيهِمَا مِن وَرَقِ الجَنَّةِ﴾؛ أي: يخيطان. والخَصَفَةُ: ما يخصف، والحصير: ما ينسج، وهو على الشك من الراوي. وكان هذا الفعل منه - ﷺ -، وهذا القول في رمضان، وقد تقدم في حديث عائشة.","vol":"2","page":412},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>(١١١) باب أَحَبُّ العمل إلى الله أَدوَمُهُ وإن قَلَّ، وكراهية التَّعَمُّقِ والتشديد</span>\n[٦٥٨]- عَن عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَت: كَانَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - حَصِيرٌ، وَكَانَ يُحَجِّرُهُ مِنَ اللَّيلِ فَيُصَلِّي فِيهِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاتِهِ، وَيَبسُطُهُ بِالنَّهَارِ، فَثَابُوا ذَاتَ لَيلَةٍ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيكُم مِنَ الأَعمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ الله لا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ العمَلِ إِلَى الله مَا دُووِمَ عَلَيهِ، وَإِن قَلَّ وَكَانَ آلُ مُحَمَّدٍ إِذَا عَمِلُوا عَمَلا أَثبَتُوهُ.\nرواه أحمد (٦/ ٢١٢)، والبخاري (٤٣ و٦٤٦٤)، ومسلم (٧٨٢) (٢١٥)، وأبو داود (١٣٦٨).\nــ\nومعنى: حصبوا الباب؛ أي: رموه بالحصباء؛ حرصًا على خروجه إليهم للصلاة. وسيُكتب؛ أي: يُفترض، وقد تقدم الكلام على هذا المعنى في قيام رمضان.\n(١١١) ومن باب: أحب العمل إلى الله أدومه\nقوله - ﷺ -: عليكم من الأعمال ما تطيقون: هذا حضٌ على التخفيف في أعمال النوافل، ويتضمن الزجر عن التشديد، والغلوّ فيها. وسبب ذلك: أن التخفيف يكون معه الدوام والنشاط، فيكثر الثواب لتكرار العمل، وفراغ القلب، بخلاف الشاقّ منها، فإنه يكون معه التشويش والانقطاع غالبًا.\nوقوله: فإن الله لا يملّ حتى تملوا: ظاهره محالٌ على الله تعالى. فإن الملال فتورٌ عن تعب، وألَمٌ عن مشقة، وكل ذلك على الله تعالى محال، وإنما","vol":"2","page":413},{"text":"[٦٥٩]- وعَن عَلقَمَةَ قَالَ: سَأَلتُ عَائِشَةَ قَالَ: قُلتُ: يَا أُمَّ المُؤمِنِينَ! كَيفَ كَانَ عَمَلُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟ هَل كَانَ يَخُصُّ شَيئًا مِنَ الأَيَّامِ؟ قَالَت: لا، كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً، وَأَيُّكُم يَستَطِيعُ مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَستَطِيعُ؟ ! .\nرواه أحمد (٦/ ٤٣ و٥٥)، والبخاري (٦٤٦٦)، ومسلم (٧٨٣) (٢١٧)، وأبو داود (١٣٧٠)، والترمذي (٢٨٥٦).\nــ\nأطلق هنا على الله تعالى على جهة المقابلة اللفظية مجازًا؛ كما قال: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ و: ﴿فَمَنِ اعتَدَى عَلَيكُم فَاعتَدُوا عَلَيهِ﴾ ووجه مجازه: أنه تعالى لما كان يقطع ثواب عمل مَن ملَّ العمل وَقَطَعَهُ؛ عبّر عن ذلك بالملل؛ من باب تسمية الشيء باسم سببه.\nوقول علقمة: هل كان رسول الله - ﷺ - يخص شيئًا من الأيام؟ وجواب عائشة بنفي ذلك، خرج على غير الصيام؛ لأنه قد ثبت عنه - ﷺ - أنه كان يخص الإثنين والخميس بالصيام، فتعيَّن صرف حمله إلى غير ذلك.\nوقولها: وأيكم يستطيع ما كان رسول الله - ﷺ - يستطيع؟ هذا يدل على شدة ما كان النبي - ﷺ - فيه من كثرة التكاليف، والاجتهاد في الوفاء بها؛ وذلك أنه كُلِّف بتكاليف خاصة به؛ كما خُصَّ به من الواجبات زيادة على ما ساوى فيه جميع المكلفين. ثم إنه قد كُلِّف مراعاة مصالح أهل بيته، ومصالح الخلق كلهم، خاصة وعامة، الدينية والدنيوية، هذا بالنظر إلى ظاهر أمره، وأما بالنظر إلى خواصّ باطنه؛ فمما لا يدرك، ولا يمكن وصفه، وغاية العبارة عنه قوله: إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية (١)؛ ولذلك كان - ﷺ - متواصل الأحزان، والعبادات، والمشقّات،\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٦١ و٦/ ١٢٢)، والبخاري (٦١٠١)، ومسلم (٢٣٥٦) من حديث عائشة ﵁.","vol":"2","page":414},{"text":"[٦٦٠]- وعَن أَنَسٍ، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - المَسجِدَ، وَحَبلٌ مَمدُودٌ بَينَ سَارِيَتَينِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: لِزَينَبَ، تُصَلِّي فَإِذَا كَسِلَت أَو فَتَرَت أَمسَكَت بِهِ، فَقَالَ: حُلُّوهُ. لِيُصَلِّ أَحَدُكُم نَشَاطَهُ، فَإِذَا كَسِلَ أَو فَتَرَ قَعَدَ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: فَليَقعُد.\nرواه أحمد (٣/ ١٠١)، والبخاري (١١٥٠)، ومسلم (٧٨٤)، وأبو داود (١٣١٢)، والنسائي (٣/ ٢١٨ - ٢١٩)، وابن ماجه (١٣٧١).\n[٦٦١]- وَعَن عَاَئِشَةَ: أَنَّ الحَولَاء بِنتَ تُوِيت مَرَّت بِهَا، وَعِندَهَا رَسُولُ الله - ﷺ -، فَقَالَت: هَذِهِ الحَولاءُ بِنتُ تُوَيتٍ، وَزَعَمُوا أَنَّهَا لا تَنَامُ اللَّيلَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: لا تَنَامُ اللَّيلَ! خُذُوا مِنَ العَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَوَالله! لا يَسأَمُ الله حَتَّى تَسأَمُوا.\nرواه مسلم (٧٨٥).\n[٦٦٢]- عَن عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُم فِي الصَّلاةِ فَليَرقُد حَتَّى يَذهَبَ عَنهُ النَّومُ؛\nــ\nليست له راحة، وقال في لفظ آخر: إني أخشاكم لله وأعلمكم بحدوده (١). وقد كان تتفطر قدماه من القيام، ويجهد نفسه من الجوع، ويربط على بطنه بالحجر والحجرين، وكان ينتهي من إجهاد نفسه، إلى أن يرقّ عليه وليُّه، ويرحمه الناظر إليه.\nوقوله: إذا نعس أحدكم في الصلاة فليرقد (٢). . .، الحديث. نَبَّه في آخره على\n_________\n(١) رواه أحمد (٦/ ٢٢٦) من حديث عائشة ﵂.\n(٢) في التلخيص كلمة (باب) وقد حذفناها لأن السياق متصل، ولعدم وجودها في الشرح.","vol":"2","page":415},{"text":"فَإِنَّ أَحَدَكُم إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَعَلَّهُ يَذهَبُ يَستَغفِرُ فَيَسُبُّ نَفسَهُ.\nرواه أحمد (٦/ ٢٠٥)، والبخاري (٢١٢)، ومسلم (٧٨٦)، وأبو داود (١٣١٠)، والترمذي (٣٥٥)، وابن ماجه (١/ ٩٩ - ١٠٠).\n[٦٦٣]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِذَا قَامَ أَحَدُكُم مِنَ اللَّيلِ فَاستَعجَمَ القُرآنُ عَلَى لِسَانِهِ، فَلَم يَدرِ مَا يَقُولُ فَليَضطَجِع.\nرواه أحمد (٢/ ٣١٨)، ومسلم (٧٨٧)، وأبو داود (١٣١١)، وابن ماجه (١٣٧٢).\n* * *\nــ\nعلّة ذلك؛ وهو أنه توقع منه ما يكون منه من الغلط فيما يقرأ أو يقول، ولم يجعل علّة ذلك نقض طهارته، فدلّ على أن النوم ليس بحدث على ما تقدم.\nوقوله: لعله يذهب يستغفر، فيسبُّ نفسه: رويناه برفع الباء من يسبّ ونصبها، فمن رفع فعلى العطف على يذهب، ومن نصب فعلى جواب لعلّ، وكأنه أَشرَبَهَا معنى التمنِّي، كما قرأ حفص: ﴿لَعَلِّي أَبلُغُ الأَسبَابَ * أَسبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ﴾ بنصب العين.\nوقوله: فاستعجم القرآن: رفعًا على أنه فاعل استعجم؛ أي: صارت قراءته كالعجمية؛ لاختلاف حروف النائم، وعدم بيانها. والله أعلم.\n* * *","vol":"2","page":416},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-258>أبواب فضائل القرآن وما يتعلق بها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>(١١٢) باب الأمر بِتَعاهُدِ القرآن، وذَمِّ من فرط فيه حتى نسي</span>\n[٦٦٤]- عَن ابنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ القُرآنِ كَمَثَلِ صاحب الإِبِلِ المُعَقَّلَةِ إِن عَاهَدَ عَلَيهَا أَمسَكَهَا، وَإِن أَطلَقَهَا ذَهَبَت، وَإِذَا قَامَ صَاحِبُ القُرآنِ فَقَرَأَهُ بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ ذَكَرَهُ، وَإِذَا لَم يَقُم بِهِ نَسِيَهُ.\nرواه أحمد (٢/ ١١٢)، والبخاري (٥٠٣١)، ومسلم (٧٨٩) (٢٢٧)، والنسائي (٢/ ١٥٤).\n[٦٦٥]- وعَن عَبدِ الله، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: بِئسَمَا لأَحَدِكم أَن يَقُولُ: نَسِيتُ آيَةَ كَيتَ وَكَيتَ، بَل هُوَ نُسِّيَ، استَذكِرُوا القُرآنَ؛ فَلَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِن صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ بِعُقُلِهَا.\nــ\n(١١٢) ومن باب: الأمر بتعاهد القرآن\nقوله - ﷺ -: بئسما لأحدكم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت: بئسما هي بئس التي للذم أخت نعم التي هي للمدح، وهما فعلان غير منصرفين يرفعان الفاعل ظاهرًا، أو مضمرًا؛ إلا أنه إن كان ظاهرًا لم تكن في الأمر العام إلا بالألف واللام للجنس، أو مضافًا إلى ما هما فيه حتى يشتمل على الممدوح بهما والمذموم، ولا بدّ من ذكر الممدوح والمذموم تعيينًا؛ كقولك: نعم الرجل زيد، وبئس الرجل عمرو. فإن كان فاعلهما مضمرًا، فلا بدّ من ذكرِ اسمِ نكرةٍ، ينصب على التمييز لذلك المضمر، كقولك: نعم رجلا زيد. وقد يكون هذا التفسير: ما،","vol":"2","page":417},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nكما في الحديث، وكما في قوله تعالى: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ وقد يجمع بين الفاعل الظاهر وبين المفسر؛ فيقال:\nتزود مثل زاد أبيك [فينا ... فنعم الزاد زاد أبيك] (١) زادًا\nوالاسم الممدوح أو المذموم مرفوع بالابتداء، وخبره الجملة المتقدمة، من نعم وفاعلها، وقيل: على الخبر، وإضمار المبتدأ. واختلف العلماء في متعلق هذا الذم، فقال بعضهم: هو على نسبة الإنسان لنفسه النسيان؛ إذ لا صنع له فيه، فالذي ينبغي له أن يقول: أُنسيت، مبنيًّا لما لم يُسَمَّ فاعله، وهذا ليس بشيء؛ لأنه - ﷺ - قد نسب النسيان لنفسه، وقد نسبه الله إليه، في قوله تعالى: ﴿سَنُقرِئُكَ فَلا تَنسَى * إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ وفي قوله - ﷺ -: إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني (٢). وقيل: كان هذا الذم خاصًّا بزمان النبي - ﷺ -؛ لأنه كان من ضروب النسخ نسيان الآية، كما قال تعالى: ﴿سَنُقرِئُكَ فَلا تَنسَى * إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾؛ أن ينسيكه؛ كما قرأت الجماعة: ﴿مَا نَنسَخ مِن آيَةٍ أَو نُنسِهَا﴾ بضم النون، وترك الهمز؛ أي: نُنسِكَها، فلما كان هذا؛ فكأنه نهى عن ذلك القول؛ لئلا يتوهم في كثير من محكم القرآن، أنه قد ضاع بكثرة الناسين، وفيه بُعد. وقيل قول ثالث؛ وهو أولاها: إن نسيان القرآن إنما يكون لترك تعاهده، وللغفلة عنه، كما أن حفظه إنما يثبت بتكراره، والصلاة به؛ كما قال في حديث ابن عمر: إذا قام صاحب القرآن يقرؤه بالليل والنهار ذكره، وإن لم\n_________\n(١) ساقط من (ع)، والبيت لجرير.\n(٢) رواه أحمد (١/ ٤٣٨)، وأبو داود (١٠٢٢)، والنسائي (٣/ ٢٨ و٢٩)، وابن ماجه (١٢٢١) من حديث ابن مسعود ﵁.","vol":"2","page":418},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ عَبدُ الله: تَعَاهَدُوا هَذِهِ المَصَاحِفَ - وَرُبَّمَا قَالَ:\nــ\nيقم به نسيه (١). فإذا قال الإنسان: نسيت آية كيت فقد شهد على نفسه بالتفريط وترك معاهدته له، وهو ذنب عظيم؛ كما قال في حديث أنس الذي خرّجه الترمذي مرفوعًا: عرضت عليَّ أعمال أمتي، فلم أر ذنبًا أعظم من سورةٍ من القرآن، أو آية أوتيها رجل ثم نسيها (٢). وهو نصٌ، وعلى هذا فمتعلَّق الذم ترك ما أُمر به من استذكار القرآن وتعاهده، والنسيان علامة ترك ذلك، فعلق الذم عليه. ولا يقال: حفظ جميع القرآن ليس واجبًا على الأعيان، فكيف يذم من تغافل عن حفظه؟ ! لأنا نقول: من جمع القرآن فقد علت رتبته ومرتبته، وشرف في نفسه وقومه شرفًا عظيمًا، وكيف لا يكون ذلك، ومن حفظ القرآن فكأنما أدرجت النبوة بين كتفيه؟ ! وقد صار ممن يقال فيه: هو من أهل الله وخاصته، وإذا كان كذلك فمن المناسب تغليظ العقوبة على من أخل بمرتبته الدينية، ومؤاخذته بما لا يؤاخذ به غيره، كما قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَف لَهَا العَذَابُ ضِعفَينِ﴾؛ لا سيما إذا كان ذلك الذنب مما يحبط تلك المنزلة ويسقطها؛ كترك معاهدة القرآن المؤدي به إلى الرجوع إلى الجهالة. ويدل على صحة هذا التأويل: قوله في آخر الحديث: بل هو نُسِّي. وهذا اللفظ رويناه مشدَّدًا مبنيًّا لما لم يسم فاعله، وقد سمعناه من بعض من لقيناه بالتخفيف، وبه ضُبِط عن أبي بحر، والتشديد لغيره، ولكل منهما وجهٌ صحيح. فعلى التشديد يكون معناه: أنه عوقب بتكثير النسيان عليه؛ لما تمادى في التفريط. وعلى التخفيف فيكون معناه: تَركه غير مُلتَفَتٍ إليه، ولا مُعتَنىً به، ولا مرحوم؛ كما قال الله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُم﴾؛ أي: تركهم في العذاب، أو تركهم من الرحمة.\n_________\n(١) رواه مسلم (٧٨٩/ ٢٢٧) من حديث عبد الله بن عمر ﵄.\n(٢) رواه أبو داود (٤٦١)، والترمذي (٢٩١٧).","vol":"2","page":419},{"text":"القُرآنَ؛ فَلَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِن صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ مِن عُقُلِهِ. قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: لا يَقُل أَحَدُكُم نَسِيتُ آيَةَ كَيتَ وَكَيتَ، بَل هُوَ نُسِّيَ.\nرواه أحمد (١/ ٤٢٩)، والبخاري (٥٠٣٩)، ومسلم (٧٩٠) (٢٢٨ و٢٢٩)، والترمذي (٢٩٤٣)، والنسائي (٢/ ١٥٤).\n(٧٩١) [٦٦٦]- وعَن أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: تَعَاهَدُوا هَذَا القُرآنَ، فَوَالَّذِي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الإِبِلِ فِي عُقُلِهَا.\nرواه أحمد (٤/ ٣٩٧)، والبخاري (٥٠٣٣)، ومسلم (٧٩١).\n* * *\nــ\nوقوله: كيت وكيت: كلمة يعبَّر بها عن الجمل الكثيرة، والحديث من الأمر الطويل، ومثلها: ذيت وذيت. قال ثعلب: كان من الأمر كيت وكيت، وكان من فلان ذيت وذيت، فكيت: كناية عن الأفعال، وذيت: إخبار عن الأسماء. والتَّفَصِّي: التَّفَلُّت والانفصال، يقال: تفصّى فلان عن كذا؛ أي: انفصل عنه. والنَّعَم: الإبل، ولا واحد له من لفظه. والعُقُل: جمع عقال، وهو ما تعقل به الناقة.\nوقوله: من عقله من: على أصل ما يقتضيه اللفظ من أصل التعدِّي، فأما رواية مَن رواه: بعقلها، وفي عقلها؛ ومن عقلها فعلى أن تكون الباء والفاء بمعنى: من، أو يكون معناهما: المصاحبة والظرفية، ويعني به: تشبيه من يتفلت منه بعض القرآن بالناقة التي انفلتت من عقالها، وبقي متعلِّقًا بها. والله أعلم.\nوصاحب القرآن: هو الحافظ له، المشتغل به، الملازم لتلاوته، ولفظ الصحبة مستعمل في أصل اللغة على إلف الشيء وملازمته، ومنه: أصحاب الجنة، وأصحاب النار، وأصحاب النبي - ﷺ -.","vol":"2","page":420},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-260>(١١٣) باب تحسين الصوت بالقراءة والترجيع فيها</span>\n[٦٦٧]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: مَا أَذِنَ الله\nــ\n(١١٣) [ومن باب: تحسين الصوت بالقراءة والترجيع فيها] (١)\nقوله: ما أذن الله؛ أي: ما استمع الله وأصغى. وأصله: أن المُستَمِع يميل بأذنه إلى جهة المُستَمَع، تقول العرب: أَذِن؛ بكسر الذال، يأذَن بفتحها في المستقبل؛ أَذَنًا بفتح الهمزة والذال في المصدر: إذا أصغى واستمع. وهذا المعنى في حق الله تعالى محال، وإنما هو من باب التوسُّع على ما جرى به عرف التخاطب، وهو منصرف في حق الله تعالى لإكرام القارئ وإجزال ثوابه. ووجه هذا التوسع: أن الإصغاء إلى الشيء قبول له، واعتناء به، ويترتب على ذلك إكرام المُصغَى إليه، فعبّر عن الإكرام بالإصغاء؛ إذ هو عنه. وفائدة هذا الخبر حث القارئ على إعطاء القراءة حقها من: ترتيلها، وتحسينها، وتطييبها بالصوت الحسن ما أمكن.\nفأما قوله: يتغنى بالقرآن، فتمسك به من يجوّز القرآن بالألحان، وهو أبو حنيفة وجماعة من السلف، وقال به الشافعي في التحزين، وكرهه مالك وأكثر العلماء، ولا أشك أن موضع الخلاف في هذه المسألة إنما هو إذا لم يغيّر لفظ القرآن بزيادة أو نقصان، أو يبهم معناه بترديد الأصوات، فلا يُفهم معنى القرآن، فإن هذا مما لا شك في تحريمه. فأما إذا سلم من ذلك، وحذى به حذو أساليب الغناء والتطريب والتحزين فقط، فقد قال مالك: ينبغي أن ننَزِّه أذكار الله، وقراءة القرآن عن التشبه بأحوال المجون والباطل؛ فإنها حق، وجد، وصدق. والغناء: هزل، ولهو، ولعب. وهذا الذي قاله مالك وجمهور العلماء هو الصحيح؛ بدليل ما ذُكِر، وبأدلة أُخَرى:\n_________\n(١) هذا العنوان ساقط من الأصول، واسْتُدْرِك من التلخيص.","vol":"2","page":421},{"text":"لِشَيءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوتِ، يَتَغَنَّى بِالقُرآنِ يَجهَرُ بِهِ.\nــ\nمنها: أن كيفية قراءة القرآن قد بلغتنا متواترة عن كافة المشايخ جيلا فجيلا إلى العصر الكريم؛ إلى رسول الله - ﷺ -، وليس فيها تلحين ولا تطريب، مع كثرة المتعمِّقين والمتنطِّعين في مخارج الحروف، وفي المدِّ، والإدغام، والإظهار، وغير ذلك من كيفية القراءات، وهذا قاطع.\nومنها: أن النبي - ﷺ - قد قال: لست من ددٍ ولا الدَّدُ مني (١)، والدَّدُ: هو اللعب، واللهو، ومعنى ذلك: أن اللعب لا يليق بأحواله، فكيف بقرآنه وقراءته؟ !\nومنها: أنّ التطريب والترجيع يؤدي إلى الزيادة في القرآن، والنقص منه، وهما ممنوعان، فالمؤدِّي إليهما ممنوع؛ وبيانه: أن التطريب، والتلحين يحتاج من ضروراته أن يمد في غير موضع المدّ، وينقص؛ مراعاة للوزن؛ كما هو معلوم عند أهله.\nومنها: أنه يؤدي إلى تشبيه القرآن بالشعر، وقد نزهه الله عن الشعر وأحواله، حيث قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَولُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَولِ شَاعِرٍ﴾\nوقد تأوّل من منع من تلحين القرآن، قوله - ﷺ -: يتغنى به. وقوله: ليس منا من لم يتغن بالقرآن؛ على تأويلات:\nأحدها: أن معناه أنه يستغني به، يقال: تغنّيت، وتغانيت، بمعنى: استغنيت، قاله سفيان.\nوثانيها: أن معناه يجعله مكان الغناء، وبدلا منه، فيستديم تلاوته، ويستطيبه كما يستطيب الغناء.\n_________\n(١) رواه البيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٢١٧).","vol":"2","page":422},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: كَإِذنِهِ، مَكَانَ: مَا أَذِنَ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٥٠)، والبخاري (٥٠٢٤)، ومسلم (٧٩٢) (٢٣٣) و(٢٣٤)، وأبو داود (١٤٧٣)، والنسائي (٢/ ١٨٠).\n[٦٦٨]- وعَن أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لأَبِي مُوسَى: لَو رَأَيتَنِي وَأَنَا أَستَمِعُ قِرَاءَتكَ البَارِحَةَ، لَقَد أُوتِيتَ مِزمَارًا مِن مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ.\nرواه البخاري (٥٠٤٨)، ومسلم (٧٩٣)، والترمذي (٣٨٥٤).\nــ\nوثالثها: أن معناه: يجهر به. كما فسّره الصحابي راوي الحديث، وهذا أشبه؛ لأن العرب تسمي كل من رفع صوته ووالى به: غانيًا، وفعله ذلك: غناء، وإن لم يلحنه تلحين الغناء، وعلى هذا فسّره الصحابي، وهو أعلم بالمقال، وأقصد بالحال. والله تعالى أعلم.\nوقوله لأبي موسى: لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود: المزمار والمزمور: الصوت الحسن، وبه سُمِّيت آلة الزمر: مزمارًا. وآل داود: نفسه. وآل: صلة، والمراد به: داود نفسه، وفي غير الأم (١) قال أبو موسى للنبي - ﷺ -: لو علمت أنك تسمع قراءتي لحبرته لك تحبيرًا (٢)؛ أي: لحسَّنته ولجمَّلته. والحبر: الجمال، ومنه الحديث في وصف الرجل من أهل النار: ذهب حبره وسبره (٣)؛ أي: جماله وبهاؤه. وهذا محمول على أبي موسى: على أنه كان يزيد في رفع صوته وتحسين ترتيله، حتى يسمع النبي - ﷺ - ويعرفه أنه قَبِلَ عنه\n_________\n(١) المقصود في غير صحيح مسلم.\n(٢) الحديث رواه أبو يعلى من طريق سعيد بن أبي بردة، عن أبيه. انظر: (التذكار في أفضل الأذكار) للقرطبي (ص ١٤٦). و(فتح الباري ٩/ ٩٣).\n(٣) ذكره الهروي في (غريب الحديث ١/ ٦٠).","vol":"2","page":423},{"text":"[٦٦٩]- وَعَن عَبدَ الله بنَ مُغَفَّلٍ المُزَنِيَّ، قَالَ: قَرَأَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَامَ الفَتحِ، فِي مَسِيرٍ لَهُ سُورَةَ الفَتحِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَرَجَّعَ فِي قِرَاءَتِهِ.\nقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَولا أَنِّي أَخَافُ أَن يَجتَمِعَ عَلَيَّ النَّاسُ لَحَكَيتُ لَكُم قِرَاءَتَهُ.\nرواه أحمد (٥/ ٥٤)، والبخاري (٤٢٨١)، ومسلم (٧٩٤) (٢٣٧)، وأبو داود (١٤٦٧).\n[٦٧٠]- وَعَن عَائِشَةَ، قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: المَاهِرُ بِالقُرآنِ مَعَ\nــ\nكيفية أداء القراءة، وأنه متمكِّن منها، فيحمده النبيٌّ - ﷺ - ويدعو له، فتحصل له فضيلة ومنقبة، كما فعل بأبيٍّ حيث سأله فأجابه، فقال: لِيَهنِكَ العلم أبا المنذر (١). ويحتمل أن يكون ذلك ليبالغ في حالةٍ يطيب بها القرآن له؛ فإن الإنسان قد يتساهل مع نفسه في أموره، ويعتني بها عند مشاركة غيره فيها، وإن كان مخلصًا في أصل عمله.\nوقوله: فرجَّع في قراءته؛ أي: ردَّد، وذكره البخاري، وقال في وصفه الترجيع قال: أا أا أا ثلاث مرات. وهذا محمول على إشباع المدّ في موضعه، ويحتمل أن يكون ذلك حكاية صوته، عند هز الراحلة، إذا كان راكبًا من انضغاط صوته، وتقطيعه لأجل هز الركوب.\nوقوله: الماهر بالقرآن: يعني: الحاذق به، قال الهروي: أصله: الحذق بالسباحة، قلت: ومنه قول امرئ القيس:\nوترى الضَّبَّ خفيفًا ماهرًا ... ثانيًا بُرثُنَه ما يَنعَفِر (٢)\n_________\n(١) رواه مسلم (٨١٠) من حديث أُبيّ ﵁.\n(٢) \"البراثن\": بمنزلة الأصابع من الإنسان. \"ما ينعفر\": أي لا يُصيبه العَفَر، وهو التراب.","vol":"2","page":424},{"text":"السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقرَأُ القُرآنَ وَيَتَعتَعُ فِيهِ، وَهُوَ عَلَيهِ شَاقٌّ، لَهُ أَجرَانِ.\nرواه البخاري (٤٩٣٧)، ومسلم (٧٩٨)، وأبو داود (١٤٥٤)، والترمذي (٢٩٠٦).\n* * *\nــ\nقال المهلَّب: المهارة في القرآن: جودة التلاوة، بجودة الحفظ، ولا يتردّد فيه؛ لأنه يسره الله تعالى عليه؛ كما يسره على الملائكة، فهو على مثلها في الحفظ والدرجة، والسفرة: جمع سافر، وهم ملائكة الوحي، سُمُّوا بذلك لأنهم يسفرون بين الله وبين خلقه. وقيل: هم الكتبة، والكاتب يسمى: سافرًا، ومنه أسفار الكتاب. وعلى هذا فيكون وجه كونهم مع الملائكة: أن حملة القرآن يبلغون كلام الله إلى خلقه، فهم سفراء بين رسل الله، وبين خلقه، فهم معهم؛ أي: في مرتبتهم في هذه العبادة. ويستفيد من هذا حملة القرآن: التحرُّز في التبليغ والتعليم، والاجتهاد في تحصيل الصدق، وإخلاص النية لله؛ حتى تصح لهم المناسبة بينهم وبين الملائكة.\nوقوله: يتتعتع فيه؛ أي: يتردد في تلاوته عِيًّا وصعوبة. والتعتعة في الكلام: العِيُّ. وإنما كان له أجران؛ من حيث التلاوة؛ ومن حيث المشقة، ودرجات الماهر فوق ذلك كله؛ لأنه قد كان القرآن متعتعًا عليه، ثم ترقَّى عن ذلك إلى أن شُبِّه بالملائكة. والله أعلم.","vol":"2","page":425},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-261>(١١٤) باب إقراء النبي - ﷺ - القرآن وتعليمه كيفية الأداء</span>\n[٦٧١]- عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ لأُبَيّ: إِنَّ الله أَمَرَنِي أَن أَقرَأَ عَلَيكَ: ﴿لَم يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قَالَ: آلله سَمَّانِي لَكَ؟ ! قَالَ: الله سَمَّاكَ لِي قَالَ: فَجَعَلَ أُبَيٌّ يَبكِي.\nرواه أحمد (٣/ ٢٧٣)، والبخاري (٣٨٠٩)، ومسلم (٧٩٩) (٢٤٥)، والترمذي (٣٨٩٤).\nــ\n(١١٤) ومن باب: إقراء النبي - ﷺ -\nقوله - ﷺ - لأُبَيٍّ: إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن: إنما كان ذلك ليلقّن عنه أُبيّ كيفية القراءة مشافهة وصفتها، وليبيِّن طريق تحميل الشيخ للراوي بقراءته عليه، وفي حديث عبد الله بن مسعود قراءة التلميذ على الشيخ. وكلاهما طريق صحيح. وتخصيص سورة (لم يكن)، لما تضمنته من ذكر الرسالة، والصحف، والكتب؛ في قوله تعالى: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ وهو مناسب لحالهما. والله تعالى أعلم.\nوقوله: آلله سَمَّاني لك؟ ! بهمزة الاستفهام على التعجب منه، إذ كان ذلك عنده مستبعدًا؛ لأن تسميته تعالى له، وتعيينه ليقرأ عليه النبي - ﷺ -؛ تشريف عظيم، وتأهيل لم يحصل مثله (١) لأحد من الصحابة رضوان الله عليهم، ولذلك لما أخبره بذلك بكى من شدة الفرح والسرور؛ لحصول تلك المنزلة الشريفة، والرتبة المنيفة.\n_________\n(١) ساقط من (ع) و(هـ)، والمثبت من (ظ) و(ط).","vol":"2","page":426},{"text":"[٦٧٢]- وعَن عَبدِ الله قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: اقرَأ عَلَيَّ القُرآنَ قَالَ: فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَقرَأُ عَلَيكَ وَعَلَيكَ أُنزِلَ؟ قَالَ: إِنِّي أَشتَهِي أَن أَسمَعَهُ مِن غَيرِي. قَالَ: فَقَرَأتُ النِّسَاء حَتَّى إِذَا بَلَغتُ قوله: ﴿فَكَيفَ إِذَا جِئنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ رَفَعتُ رَأسِي أَو غَمَزَنِي رَجُلٌ إِلَى جَنبِي فَرَفَعتُ رَأسِي، فَرَأَيتُ دُمُوعَهُ تَسِيلُ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ لِي وَهُوَ عَلَى المِنبَرِ: اقرَأ عَلَيَّ.\nرواه أحمد (١/ ٤٣٣)، والبخاري (٥٠٥٠)، ومسلم (٨٠٠) (٢٤٧)، وأبو داود (٣٦٦٨)، والترمذي (٣٠٢٧ و٣٠٢٨)، وابن ماجه (٤١٩٤).\nــ\nوقوله: إني أشتهي أن أسمعه من غيري؛ أي: أستطيب ذلك، وذلك أن السامع قد يكون أحضر من القارئ؛ لاشتغال القارئ بالقراءة وكيفيتها، ويحتمل أن يكون: أشتهي بمعنى: أُحِبّ. وفيه: بيان سنة قراءة الطالب على الشيخ كما قدمناه آنفًا.\nوقوله: حتى بلغت: ﴿فَكَيفَ إِذَا جِئنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ وذكر بكاء النبي - ﷺ -؛ كان ذلك منه لعظم ما تضمنته هذه الآية من هول المطلع، وشدة الأمر. وفي غير الأم أنه قال: لما بلغتها؛ قال: حسبك (١)؛ احتج به أهل التجويد على جواز الوقف الكافي من الآي، والمقاطع؛ لأن الكلام حيث قال له: حسبك، غير تام، بل تمامه فيما بعده. وقد قيل: إن قوله لعبد الله: حسبك تنبيه على ما في الآية، لا أنه وقفه هناك.\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٠٥٠).","vol":"2","page":427},{"text":"[٦٧٣]- وَعَن عَبدِ الله قَالَ: كُنتُ بِحِمصَ، فَقَالَ لِي بَعضُ القَومِ: اقرَأ عَلَينَا، فَقَرَأتُ عَلَيهِم سُورَةَ يُوسُفَ. قَالَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَومِ: وَالله، مَا هَكَذَا أُنزِلَت قَالَ: قُلتُ: وَيحَكَ! وَالله، لَقَرَأتُهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ لِي: أَحسَنتَ. فَبَينَمَا أَنَا أُكَلِّمُهُ إِذ وَجَدتُ مِنهُ رِيحَ الخَمرِ. قَالَ فَقُلتُ: أَتَشرَبُ الخَمرَ وَتُكَذِّبُ بِالكِتَابِ؟ لا تَبرَحُ حَتَّى أَجلِدَكَ، قَالَ: فَجَلَدتُهُ الحَدَّ.\nرواه أحمد (١/ ٤٠٥ و٤٢٥)، والبخاري (٥٠٠١)، ومسلم (٨٠١).\n* * *\nــ\nوحدُّ عبد الله للرجل الذي وجد منه ريح الخمر حجة على من منع وجوب الحد بالرائحة، وهو: أبو حنيفة والثوري، وكافة العلماء على ما فعل ابن مسعود. ويحتمل: أن يكون إنما أقام عليه الحد؛ لأنه جعل ذلك له من له ذلك، أو لأنه رأى أنه قام عن الإمام بواجب، أو لأنه كان ذلك في زمن ولايته الكوفة، فإنه ولي القضاء بها زمن عمر، وصدرًا من خلافة عثمان.\nوقوله: أتشرب الخمر وتكذب بالكتاب؟ نسبه إلى التكذيب بالكتاب على جهة التغليظ، وليس على حقيقته؛ إذ لو كان ذلك لحكم بردّته أو قتله؛ إذ هذا حكم من كذّب بحرف منه، وكان الرجل إنما كذب عبد الله لا القرآن، وهو الظاهر من قول الرجل: ما هكذا أنزلت، جهالة منه، أو قلّة حفظ، أو قلّة تثبت؛ لأجل السكر. والله أعلم.\n* * *","vol":"2","page":428},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-262>(١١٥) باب فضل تعلُّم القرآن وقراءته وفضل سورة البقرة وآل عمران</span>\n[٦٧٤]- عَن عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَنَحنُ فِي الصُّفَّةِ فَقَالَ: أَيُّكُم يُحِبُّ أَن يَغدُوَ كُلَّ يَومٍ إِلَى بُطحَانَ أَو العَقِيقِ فَيَأتِيَ مِنهُ بِنَاقَتَينِ كَومَاوَينِ فِي غَيرِ إِثمٍ وَلا قَطعِ رَحِمٍ؟ فَقُلنَا: يَا رَسُولَ اللهِ! كلنا نُحِبُّ ذَلِكَ. قَالَ: أَفَلا يَغدُو أَحَدُكُم إِلَى المَسجِدِ فَيَعلَمُ أَو يَقرَأُ آيَتَينِ مِن كِتَابِ الله ﷿ خَيرٌ لَهُ مِن نَاقَتَينِ، وَثَلاثٌ خَيرٌ لَهُ مِن ثَلاثٍ، وَأَربَعٌ خَيرٌ لَهُ مِن أَربَعٍ، وَمِن عدَادِهِنَّ مِنَ الإِبِلِ؟ ! .\nرواه أحمد (٤/ ١٥٤)، ومسلم (٨٠٣)، وأبو داود (١٤٥٦).\nــ\n(١١٥) ومن باب: فضل تعليم القرآن\nالصُّفة: سقيفة كانت في المسجد، يأوي إليها الفقراء. و: يغدو: يبكِّر. وبُطحان والعقيق: واديان بينهما وبين المدينة قريب من ثلاثة أميال أو نحوها، والكَومَاوَان: تثنية كَومَاء؛ وهي الناقة العظيمة السنام؛ كأنه كوم، وفي الأم من حديث أبي هريرة: ثلاث خلفات سمان (١)، وهن: النوق الحوامل إلى أن يمضي لها نصف أمدها، ثم تسمى عشراء، وجمعها: عشار.\nومقصود الحديث الترغيب في تعلم القرآن وتعليمه، وخاطبهم على ما تعارفوه، فإنهم أهل إبل، وإلَاّ فأقلّ جزء من ثواب القرآن وتعليمه خير من الدنيا\n_________\n(١) رواه مسلم (٨٠٢).","vol":"2","page":429},{"text":"[٦٧٥]- وَعَن أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيُّ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: اقرَؤوا القُرآنَ، فَإِنَّهُ يَأتِي يَومَ القِيَامَةِ شَفِيعًا لأَصحَابِهِ. اقرَؤوا الزَّهرَاوَينِ؛ البَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمرَانَ، فَإِنَّهُمَا تأتِيَانِ يَومَ القِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَو كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَو كَأَنَّهُمَا فِرقَانِ مِن طَيرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَن أَصحَابِهِمَا، اقرَؤوا سُورَةَ البَقَرَةِ فَإِنَّ أَخذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَركَهَا حَسرَةٌ، وَلا يَستَطِيعُهَا البَطَلَةُ.\nقَالَ مُعَاوِيَةُ: بَلَغَنِي أَنَّ البَطَلَةَ السَّحَرَةُ.\nرواه أحمد (٥/ ٢٤٩ و٢٥٤)، ومسلم (٨٠٤).\nــ\nوما فيها، وقد قال - ﷺ -: ولموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها (١).\nوقوله: فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا: هذا على جهة التوسع في الإفهام، وتحقيقه: أنه يُشفع له بسببه؛ فإما الملائكة الذين كانوا يشاهدون تلاوته، أو من شاء الله - تعالى - ممن يُشَفِّعهم فيه بسببه، وهذه الشفاعة على تقدير أن يكون القارئ صاحب كبيرة في تخليصه من النار، وإن لم يكن عليه ذنوب؛ شُفع له في ترفيع درجاته في الجنة، أو في المسابقة إليها، أو في جميعهما، أو ما شاء الله منها، إذ كل ذلك بكرمه - تعالى - وتفضله.\nوفي تسمية البقرة وآل عمران بالزهراوين وجهان:\nأحدهما: أنهما النيرتان، مأخوذ من الزهر، والزَّهرة، والزُّهرة، فإما لهدايتهما قارئهما بما يزهر له من أنوارهما، وإما لما يترتب على قراءتهما من النور التام يوم القيامة. قلت: ويقع لي أنهما سميتا بذلك؛ لأنهما اشتركتا في تضمن اسم الله الأعظم؛ كما ذكر أبو داود من حديث أسماء بنت يزيد: أن رسول الله - ﷺ - قال:\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٠١٣) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"2","page":430},{"text":"[٦٧٦]- وَعَن أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: مَثَلُ\nــ\nاسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿وَإِلَهُكُم إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحمَنُ الرَّحِيمُ﴾ والتي في سورة آل عمران: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ﴾ (١) والله أعلم.\nوالغمام: السحاب المُلتَفّ، وهي: الغياية إذا كانت قريبًا من الرأس، والظُّلَّةُ أيضًا، وقد جاءت هذه الألفاط الثلاثة في هذا الحديث، وفي حديث النوَّاس. ومعنى هذا الحديث: أن صاحب هاتين السورتين في ظل ثوابهما يوم القيامة؛ كما قال: سبعة يظلهم الله في ظله (٢)، وقال: الرجل في ظل صدقته حتى يُقضى بين الناس (٣). وعبّر عن هذا المعنى بتلك العبارة توسعًا واستعارة؛ إذ كان ذلك بسببهما. وفِرقان: قطيعان، وهما: الحِزقان. والحِزق، والحَزِيقة: الجماعة، وهي رواية السمرقندي في حديث النوّاس، وجمهور الرواة قالوا: فرقان مثل ما في حديث أبي أمامة. وصواف: مُصطَفَّة. وتحاجّان: تقومان بحجّة قارئهما وتجادلان عنه؛ كما قال - ﷺ - في سورة تبارك: تجادل عن صاحبها (٤). وهذه المجادلة إن حملت على ظاهرها؛ فيخلق الله - تعالى - من يجادل بها عنه ملائكة؛ كما قد جاء في بعض هذا الحديث: أن من قرأ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾؛ خلق الله سبعين ملكًا يستغفرون له إلى يوم القيامة (٥).\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٤٩٦)، والترمذي (٣٤٧٢)، وابن ماجه (٣٨٥٥).\n(٢) رواه البخاري (٦٦٠)، ومسلم (١٠٣١) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) رواه أحمد (٤/ ١٤٧ و١٤٨)، وابن خزيمة (٢٤٣١)، وابن حبان (٣٣١٠)، والحاكم (١/ ٤١٦) من حديث عقبة بن عامر ﵁.\n(٤) رواه مالك في الموطأ (١/ ٢٠٩).\n(٥) رواه أبو نعيم كما في (تنزيه الشريعة ١/ ٢٩٨) من حديث أنس، وفيه مجاشع بن عمرو، أحد الكذابين. انظر: (ميزان الاعتدال ٣/ ٤٣٦).","vol":"2","page":431},{"text":"المُؤمِنِ الَّذِي يَقرَأُ القُرآنَ كمَثَلُ الأُترُجَّةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعمُهَا طَيِّبٌ. وَمَثَلُ المُؤمِنِ الَّذِي لا يَقرَأُ القُرآنَ مَثَلُ التَّمرَةِ، لا رِيحَ لَهَا وَطَعمُهَا حُلوٌ. وَمَثَلُ المُنَافِقِ الَّذِي يَقرَأُ القُرآنَ كمَثَلُ الرَّيحَانَةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعمُهَا مُرٌّ. وَمَثَلُ المُنَافِقِ الَّذِي لا يَقرَأُ القُرآنَ كَمَثَلِ الحَنظَلَةِ، لَيسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعمُهَا مُرٌّ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: الفَاجِرِ بَدَلَ: المُنَافِقِ.\nرواه أحمد (٤/ ٤٠٣ و٤٠٤)، والبخاري (٥٠٢٠)، ومسلم (٧٩٧)، وأبو داود (٤٨٣٠)، والترمذي (٢٨٦٥)، والنسائي (٨/ ١٢٤ - ١٢٥)، وابن ماجه (٢١٤).\n[٦٧٧]- وَعَنِ النَّوَاس بنِ سِمعَان الكِلابِيَّ قَالَ: سَمِعتُ النَّبِيَ - ﷺ - يَقُولُ: يُؤتَى بِالقُرآنِ يَومَ القِيَامَةِ وَأَهلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعمَلُونَ بِهِ، تَقدُمُهُ سُورَةُ البَقَرَةِ وَآلُ عِمرَانَ. وَضَرَبَ لَهُمَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ثَلاثَةَ أَمثَالٍ. مَا نَسِيتُهُنَّ بَعدُ، قَالَ: كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَو ظُلَّتَانِ سَودَاوَانِ،\nــ\nوإن حملت على تأويلها؛ فيكون معنى ذلك: أن الله - تعالى - يوصله إلى ثواب قراءتهما، ولا ينقص منه شيء؛ كما يفعل من يستخرج حقه، ويجادل عليه؛ كما قال: والقرآن حجة لك أو عليك (١).\nوقوله في حديث النوّاس: كأنهما غمامتان، أو ظُلَّتان سوداوان، أو كأنهما حزَقان: هذا يدل على أن أو ليست للشك؛ لأنه مثل السورتين بالثلاثة الأمثال، فيحتمل أن يكون أو بمعنى الواو؛ كما يقول الكوفيون، وأنشدوا عليه:\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٢٣)، والترمذي (٣٥١٧)، والنسائي (٥/ ٥)، وابن ماجه (٢٨٠)، من حديث أبي مالك ﵁.","vol":"2","page":432},{"text":"بَينَهُمَا شَرقٌ، أَو كَأَنَّهُمَا حزقَانِ مِن طَيرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَن صَاحِبِهِمَا.\nرواه أحمد (٤/ ١٨٣)، ومسلم (٨٠٥)، والترمذي (٢٨٨٦).\n* * *\nــ\nنال الخلافَة أو كانت له قَدَرًا ... كما أتى ربَّه موسى على قَدَرِ\nوأنشدوا:\nوقد زعمت (١) ليلى بأني فاجر ... لنفسي تُقاها أو عليها فُجورُها\nوقالوه في قوله - تعالى -: ﴿أَو كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ﴾ وقال البصريون: إنها بمعنى الإباحة، فكأنه قال: شبهوهم بكذا وبكذا، وهذا الخلاف جارٍ في هذا الحديث؛ لأنها أمثال معطوفة بأو، فهي مثل: ﴿أَو كَصَيِّبٍ﴾\nوقوله: بينهما شَرق، قال القاضي أبو الفضل عياض: رويناه بكسر الراء وفتحها، قيل: وهو الضياء والنور. قلت: والأشبه: أن الشرق بالسكون، بمعنى المشرق، يعني: أن بين تلك الظلتين السوداوين مشارق أنوار، وبالفتح: هو الضياء نفسه، وإنما نبّه في هذا الحديث على هذا الضياء؛ لأنه لما قال: سوداوان؛ قد يتوهم أنهما مظلمتان، فنفى ذلك بقوله: بينهما شرق؛ أي: مشارق أنوار، أو أنوار، حسب ما قررناه، ويعني بكونهما سوداوين: أى من كثافتهما التي بسببهما حالتا بين من تحتهما وبين حرارة الشمس وشدة اللهب. والله أعلم.\n_________\n(١) في (هـ) و(ط): علمت.","vol":"2","page":433},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-263>(١١٦) باب فضل فاتحة الكتاب وآية الكرسي وخواتيم سورة البقرة</span>\n[٦٧٨]- عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَينَمَا جِبرِيلُ قَاعِدٌ عِندَ النَّبِيِّ - ﷺ -، سَمِعَ نَقِيضًا مِن فَوقِهِ، فَرَفَعَ رَأسَهُ، فَقَالَ: هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ اليَومَ لَم يُفتَح قَطُّ إِلا اليَومَ. فَنَزَلَ مِنهُ مَلَكٌ، فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الأَرضِ، لَم يَنزِل قَطُّ إِلا اليَومَ. فَسَلَّمَ وَقَالَ: أَبشِر بِنُورَينِ أُوتِيتَهُمَا لَم يُؤتَهُمَا نَبِيٌّ قَبلَكَ: فَاتِحَةُ الكِتَابِ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ البَقَرَةِ، لَن تَقرَأَ بِحَرفٍ مِنهُمَا إِلا أُعطِيتَهُ.\nرواه مسلم (٨٠٦)، والنسائي (٢/ ١٣٨).\nــ\n(١١٦) ومن باب: فضل فاتحة الكتاب\nقوله: سمع نقيضًا من فوقه؛ أي: صوتًا. والنقيض: صوت الباب عند فتحه.\nوقوله: بنورين؛ أي: بأمرين عظيمين، نيّرين، تبيِّن لقارئهما وتنوره، وخصت الفاتحة بهذا؛ لما ذكرناه؛ من أنها تضمنت جملة معاني الإيمان والإسلام، والإحسان. وعلى الجملة: فهي آخذة بأصول القواعد الدينية، والمعاقد المعارفية. وخصت خواتيم سورة البقرة بذلك: لما تضمنته من الثناء على النبي - ﷺ -، وعلى أصحابه - ﵃ - بجميل انقيادهم لمقتضاها، وتسليمهم لمعناها، وابتهالهم إلى الله، ورجوعهم إليه في جميع أمورهم؛ ولما حصل فيها من إجابة دعواتهم، بعد أن علموها، فخُفِّف عنهم، وغُفر لهم، ونُصروا، وفيها غير ذلك مما يطول تتبعه.","vol":"2","page":434},{"text":"[٦٧٩]- وعَن أَبِي مَسعُودٍ الأَنصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: مَن قَرَأَ هَاتَينِ الآيَتَينِ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي لَيلَةٍ كَفَتَاهُ.\nرواه البخاري (٥٠٠٨ و٥٠٠٩)، ومسلم (٨٠٨)، وأبو داود (١٣٩٧)، والترمذي (٢٨٨١)، وابن ماجه (١٣٦٩).\n[٦٨٠]- وعَن أُبَيِّ بنِ كَعبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: يَا أَبَا المُنذِرِ! أَتَدرِي أَيُّ آيَةٍ مِن كِتَابِ الله مَعَكَ أَعظَمُ؟ قَالَ:\nــ\nوقوله: من قرأ هاتين الآيتين في ليلة كفتاه؛ أي: من قيام الليل، أو من حزبه، إن كان له حزب من القرآن، وقيل: وقتاه شرَّ كل شيطان، وكل ذي شر؛ كما جاء في أن: من قرأ آية الكرسي لم يزل عليه من الله حافظ، ولم يقربه شيطان حتى يصبح (١)، أو لكثرة ما يحصل له بقراءتهما من الثواب والأجر. والله - تعالى - أعلم.\nوقوله - ﷺ - لأُبيٍّ فيه: أيّ آية من كتاب الله معك أعظم؟ حجة لمن يقول بتفضيل بعض آي القرآن على بعض، وتفضيل القرآن على سائر الكتب المنزلة، وهذا مما اختلف فيه، فذهب إلى جوازه إسحاق بن راهويه، وغيره من العلماء والمتكلمين مستدلا بهذا الحديث، وبما يشبهه؛ كقوله: ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن (٢). ومنع ذلك الشيخ أبو الحسن الأشعري، والقاضي أبو بكر، وجماعة من الفقهاء، قالوا: لأن الأفضل يشعر بنقص المفضول، وكلام الله - تعالى - لا نقص\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٠١٠)، والترمذي (٢٨٨٣) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) رواه أبو يعلى (١٠١٧) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢١٨) وقال: رواه الطبراني في الكبير، ورجال أبي يعلى ثقات. من حديث ابن عمر ﵄.\nورواه مسلم (٨١١) من حديث أبي الدرداء، وسيأتي في التلخيص برقم (٩٨٤).","vol":"2","page":435},{"text":"قُلتُ: الله وَرَسُولُهُ أَعلَمُ. قَالَ: يَا أَبَا المُنذِرِ أَتَدرِي أَيُّ آيَةٍ مِن كِتَابِ الله مَعَكَ أَعظَمُ؟ قال: قُلتُ: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ﴾ قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدرِي وَقَالَ: لِيَهنِكَ العِلمُ أَبَا المُنذِرِ.\nرواه أحمد (٥/ ١٤٢)، ومسلم (٨١٠).\n* * *\nــ\nفيه. وتأولوا هذا اللفظ: بأن أفعل يأتي بمعنى فعيل؛ كما قال - تعالى -: ﴿وَهُوَ أَهوَنُ عَلَيهِ﴾ وهذا فيه نظر؛ فإنا نقول: إن أريد بالنقص اللازم من التفضيل إلحاق ما يعيب المفضول؛ فهذا ليس بلازم مطلقًا، وإن أريد بالنقص: أن المفضول ليس فيه ما في الأفضل من ذلك القدر الذي زاد به؛ فهو الحق، ولولا ذلك لما تحققت المفاضلة. ثم لا يجوز إطلاق النقص ولا الأنقص على شيء من كلام الله - تعالى -. وأما تأويل الحديث فهو وإن كان فيه مسوّغًا، فلا يجري في كل موضع يستدل به على التفضيل، فإن منها نصوصًا لا تقبل التأويل؛ كقوله - ﷺ -: ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن (١)، وغير ذلك مما في هذا المعنى.\nوإنما كانت آية الكرسي أعظم؛ لما تضمنته من أوصاف الإلهية وأحكامها، على ما لا يخفى على من تأملها، فإنها تضمنت من ذلك ما لم يتضمنه غيرها من الآي. وقال بعض المتأخرين: إن هذه الآية اشتملت من الضمائر العائدة على الله - تعالى - على ستة عشر، وكلها تفيد تعظيمًا لله - تعالى -، فكانت أعظم آية في كتاب الله - تعالى - لذلك. والله أعلم.\nوقوله لأُبيٍّ حين أخبره بذلك: ليهنك العلم، وضربه صدره: تنشيط له، وترغيب في أن يزداد علمًا وبصيرة، وفرح بما ظهر عليه من آثاره المباركة، وفيه إلقاء العالم المسائل على المتعلم؛ ليختبره بذلك.\n_________\n(١) سبق تخريجه في الصفحة السابقة.","vol":"2","page":436},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-264>(١١٧) باب فضل سورة الكهف، وتنزل السكينة عند قراءتها</span>\n[٦٨١]- عَنِ البَرَاءِ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَقرَأُ سُورَةَ الكَهفِ، وَعِندَهُ فَرَسٌ مَربُوطٌ بِشَطَنَينِ، فَتَغَشَّتهُ سَحَابَةٌ، فَجَعَلَت تَدُورُ وَتَدنُو، وَجَعَلَ فَرَسُهُ يَنفِرُ مِنهَا، فَلَمَّا أَصبَحَ أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَذَكَرَ ذَلِكَ فَقَالَ: تِلكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَت لِلقُرآنِ.\nرواه أحمد (٤/ ٢٩٣ و٢٩٨)، والبخاري (٣٦١٤)، ومسلم (٧٩٥) (٢٤٠)، والترمذي (٢٨٨٧).\nــ\n(١١٧) ومن باب: فضل سورة الكهف\nقوله: بشطنين؛ أي: حَبلَين. والشَّطَن: الحبل الطويل، والنوى: الشطون البعيدة، وشَطَن؛ أي: بعد، ومنه الشيطان على أحد التأويلين. وتغشته: غطَّته. والسكينة: مأخوذة من السكون، وهو الوقار والطمأنينة، وهي هنا اسم للملائكة؛ كما فسرها في الرواية الأخرى، وسَمّاهم بذلك لشدّة وقارهم وسكونهم؛ تعظيمًا لقراءة هذه السورة (١)، واختلف المفسرون في قوله - تعالى -: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُم﴾ على أقوال كثيرة، فقيل: السكون: الرحمة. وقيل: حيوان كالهرّ له جناحان وذنب، ولعينيه شعاع، فإذا نظر للجيش انهزم، وقيل: آيات يسكنون لها. وقال ابن وهب: روح من الله يتكلم معهم، ويبيّن لهم إذا اختلفوا. وهذا القول أشبهها؛ لأنه موافق لما في هذا الحديث. والمربد للتمر مثل الأندر (٢)\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) أي: البيدر.","vol":"2","page":437},{"text":"[٦٨٢]- وَعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيَّ: أَنَّ أُسَيدَ بنَ حُضَيرٍ بَينَمَا هُوَ لَيلَةً يَقرَأُ فِي مِربَدِهِ، إِذ جَالَت فَرَسُهُ فَقَرَأَ، ثُمَّ جَالَت أُخرَى فَقَرَأَ، ثُمَّ جَالَت أَيضًا، فَقَالَ، أُسَيدٌ: فَخَشِيتُ أَن تَطَأَ يَحيَى، فَقُمتُ إِلَيهَا، فَإِذَا مِثلُ الظُّلَّةِ فَوقَ رَأسِي، فِيهَا أَمثَالُ السُّرُجِ، عَرَجَت فِي الجَوِّ حَتَّى مَا أَرَاهَا. قَالَ: فَغَدَوتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! بَينَمَا أَنَا البَارِحَةَ مِن جَوفِ اللَّيلِ أَقرَأُ فِي مِربَدِي، إِذ جَالَت فَرَسِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: اقرَأِ، ابنَ حُضَيرٍ. قَالَ: فَقَرَأتُ. ثُمَّ جَالَت أَيضًا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: اقرَأِ، ابنَ حُضَيرٍ! قَالَ: فَقَرَأتُ. ثُمَّ جَالَت أَيضًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: اقرَأِ، ابنَ حُضَيرٍ! قَالَ: فَانصَرَفتُ، وَكَانَ يَحيَى قَرِيبًا مِنهَا، خَشِيتُ أَن تَطَأَهُ، فَرَأَيتُ مِثلَ الظُّلَّةِ، فِيهَا أَمثَالُ السُّرُجِ، عَرَجَت فِي الجَوِّ حَتَّى مَا أَرَاهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: تِلكَ المَلائِكَةُ كَانَت تَستَمِعُ لَكَ،\nــ\nللطعام. وجالت: اضطربت. والرواية المشهورة: تنفر؛ من النفور، وعند أبي بحر: تنقز بالقاف والزاي، ومعناه: تَثِب؛ يقال: نَقَزَ الصبي، وقَفَزَ: إذا وثب.\nوقوله: فخشيت أن تطأ يحيى، يعني: أنه خشي أن تطأ الفرس يحيى ابنه، وقد فسره بعد ذلك. والظُّلَّة: السحابة فوق الرأس؛ مأخوذة من الظل. والجَوّ: ما بين السماء والأرض. والسُّرُج: جمع سراج؛ شَبَّه الأنوار التي رأى في السحابة بها.\nوقوله - ﷺ - لابن حُضير: اقرأ؛ عند إخباره له بما رأى، هو أمر له بمداومة على القراءة فيما يستأنفه؛ فرحًا بما أطلعه الله عليه، وكرر ذلك تأكيدًا (١).\nوقوله - ﷺ -: تلك الملائكة كانت تستمع لك: استطابة لقراءته؛ لحسن\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"2","page":438},{"text":"وَلَو قَرَأتَ لأَصبَحَت يَرَاهَا النَّاسُ مَا تَستَتِرُ مِنهُم.\nرواه البخاري (٥٠١٨) من حديث أُسيد، ورواه مسلم (٧٩٦) من حديث أبي سعيد.\n[٦٨٣]- وعَن أَبِي الدَّردَاءِ، أَنَّ نَّبِيّ الله - ﷺ - قَالَ: مَن حَفِظَ عَشرَ آيَاتٍ مِن أَوَّلِ سُورَةِ الكَهف عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ.\nــ\nترتيلها، وحضور قلبه فيها، وخشوعه وإخلاصه. والله - تعالى - أعلم، وإطلاع الله - تعالى - له على ذلك: إظهار كرامته له؛ ليزداد يقينًا مع يقينه، واجتهادًا في عبادته. وهذا دليل على جواز رؤية من ليس بنبي للملائكة.\nوقوله: لو قرأت لأصبحت يراها الناس: يعني: لو دمت على حالتك في قراءتك لأصبحت على تلك الحال ظاهرة للناس، لكنه قطع القراءة، فارتفعت الملائكة وغابت؛ لتخصيص الكرامة به، وليعمل الناس على التصديق بالغيب.\nوقوله - ﷺ -: من قرأ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال. وفي الرواية الأخرى: من آخر الكهف. واختلف المتأوِّلون في سبب ذلك؛ فقيل: لما في قصة أصحاب الكهف من العجائب والآيات، فمن علمها لم يستغرب أمر الدجال، ولم يَهُلهُ ذلك، فلا يفتتن به. وقيل: لما في قوله - تعالى -: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَولِيَاءَ﴾ - إلى آخر السورة - من المعاني المناسبة لحال الدجّال، وهذا على رواية من روى: من آخر الكهف. وقيل: لقوله - تعالى -: ﴿قَيِّمًا لِيُنذِرَ بَأسًا شَدِيدًا مِن لَدُنهُ﴾؛ تمسُّكًا بتخصيص البأس بالشدة واللدنِّية، وهو مناسب لما يكون من الدجال من دعوى الإلهية، واستيلائه، وعظيم فتنته، ولذلك عظَّم النبي - ﷺ - أمره، وحذّر منه، وتعوّذ من فتنته. فيكون معنى هذا الحديث: أن من قرأ هذه الآيات وتدبرها، ووقف على معناها؛ حذره، فأمن من ذلك. وقيل: هذا من خصائص هذه السورة كلها، فقد روي: من حفظ","vol":"2","page":439},{"text":"وفي رِوَايَةٍ: مِن آخِرِ الكَهفِ.\nرواه أحمد (٦/ ٤٤٩)، ومسلم (٨٠٩)، وأبو داود (٤٣٢٣)، والترمذي (٢٨٨٨).\n* * *\nــ\nسورة الكهف، ثم أدرك الدجال لم يسلط عليه (١). وعلى هذا تجتمع رواية من روى: من أول سورة الكهف، ورواية من روى: من آخرها، ويكون ذكر العشر على جهة الاستدراج في حفظها كلها. وقيل: إنما كان ذلك لقوله: ﴿قَيِّمًا لِيُنذِرَ بَأسًا شَدِيدًا مِن لَدُنهُ﴾ فإنه يهون بأس الدجال، وقوله: ﴿وَيُبَشِّرَ المُؤمِنِينَ الَّذِينَ يَعمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُم أَجرًا حَسَنًا﴾؛ فإنه يهون الصبر على فتن الدجال بما يظهر من جنته وناره، وتنعيمه وتعذيبه، ثم ذمُّه - تعالى - لمن اعتقد الولد؛ يفهم منه: أن من ادعى الإلهية أولى بالذم، وهو الدجال، ثم قصة أصحاب الكهف فيها عبرة تناسب العصمة من الفتن، وذلك أن الله - تعالى - حكى عنهم أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِن لَدُنكَ رَحمَةً وَهَيِّئ لَنَا مِن أَمرِنَا رَشَدًا﴾ فهؤلاء قوم ابتلوا فصبروا، وسألوا إصلاح أحوالهم، فأصلحت لهم، وهذا تعليم لكل مدعو إلى الشرك. ومن روى: من آخر الكهف؛ فلما في قوله - تعالى -: ﴿وَعَرَضنَا جَهَنَّمَ يَومَئِذٍ لِلكَافِرِينَ عَرضًا﴾ فإن فيه ما يهون ما يظهره الدجال من ناره.\nوقوله: ﴿الَّذِينَ كَانَت أَعيُنُهُم فِي غِطَاءٍ عَن ذِكرِي﴾ تنبيه على أحوال تابعي الدجال؛ إذ قد عموا عن ظهور الآيات التي تكذبه. والله أعلم. والكهف: المغار الواسع في الجبل، والصغير منها يسمى الغار.\n_________\n(١) رواه الحاكم (٤/ ٥١١) من حديث أبي سعيد الخدري.","vol":"2","page":440},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-265>(١١٨) باب فضل قراءة ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾</span>\n[٦٨٤]- عَن أَبِي الدَّردَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: أَيَعجِزُ أَحَدُكُم أَن يَقرَأَ فِي لَيلَةٍ ثُلُثَ القُرآنِ؟ قَالُوا: وَكَيفَ يَقرَأُ ثُلُثَ القُرآنِ؟ قَالَ: ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تَعدِلُ ثُلُثَ القُرآنِ.\nــ\n(١١٨) ومن باب: فضل ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾\nقوله - ﷺ -: ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن؛ أي: تساوي جزءًا منه، كما قال في الرواية الأخرى: إن الله جزَّأ القرآن ثلاثة أجزاء، فجعل ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ جزءًا، من أجزاء القرآن، وإيضاحه كما قال المحققون من علمائنا: أن القرآن بالنسبة إلى معانيه الكلية على ثلاثة أنحاء: قصص، وأحكام، وأوصاف لله. و﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تشتمل على ذكر أوصاف الحق - ﷾ -، فكانت ثلثًا من هذه الجهة. قلت: وهذا إنما يتمّ إذا حُقِّق: أن هذه السورة مشتملة على جميع ذكر أوصافه - تعالى -، وليس ذلك فيها ظاهرًا، لكنها اشتملت على اسمين من أسمائه - تعالى -؛ يتضمنان جميع أوصاف كماله - تعالى -، لم يوجدا في غيرها من جميع السور، وهما: الأحد، والصمد؛ فإنهما يدلاّن على أحديَّة الذات المقدسة الموصوفة بجميع صفات الكمال المعظمة، وبيانه: أن الأحد والواحد وإن رجعا إلى أصل واحد لغة، فقد افترقا استعمالا وعرفًا، وذلك: أن الهمزة من أحد منقلبة عن الواو من: وحد، كما قال النابغة:\nكأن رحلي وقد زال النهار بنا ... يوم الجَليل على مُستَأنِسٍ وَحَدِ (١)\n_________\n(١) \"الجليل\": شجر، وهو الثمام. و\"المستأنس\": ثور يخاف الأنيس. وقيل: هو الذي يرفع رأسه، هل يرى شخصًا، و\"زال النهار\": انتصف.","vol":"2","page":441},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: إِنَّ الله جَزَّأَ القُرآنَ ثَلاثَةَ أَجزَاءٍ، فَجَعَلَ ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ جُزءًا مِن أَجزَاءِ القُرآنِ.\nرواه أحمد (٦/ ٤٤٢ و٤٤٧)، ومسلم (٨١١) (٢٥٩) و(٢٦٠).\n[٦٨٥]- وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: احشُدُوا فَإِنِّي\nــ\nفهما من الوحدة، وهي راجعة إلى نفي التعدد والكثرة، غير أن استعمال العرب فيهما مختلف: فإن الواحد عندهم أصل العدد، من غير تعرض لنفي ما عداه، والأحد يثبت مدلوله، ويتعرض لنفي ما [سواه، ولهذا] (١) أكثر ما استعملته العرب في النفي، فقالوا: ما فيها أحد، ولم يكن له كفوًا أحد، ولم يقولوا هنا: واحد، فإن أرادوا الإثبات قالوا: رأيت واحدًا من الناس، ولم يقولوا هنا: أحدًا. وعلى هذا فالأحد في أسمائه - تعالى - مشعر بوجوده الخاص به، الذي لا يشاركه فيه غيره، وهو المعبَّر عنه بواجب الوجود، وربما عبر عنه بعض المتكلمين: بأنه أخص وصفه. وأما الصَّمد: فهو المتضمن لجميع أوصاف الكمال، فإن الصمد هو الذي انتهى سؤدده؛ بحيث يُصمَدُ إليه في الحوائج كلها؛ أي: يقصد، ولا يصح ذلك تحقيقًا إلا ممن حاز جميع خصال الكمال حقيقة، وذلك لا (٢) يكمل إلا لله - تعالى -، فهو الأحد الصمد، الذي ﴿لَم يَلِد وَلَم يُولَد * وَلَم يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ فقد ظهر أن لهذين الاسمين من شمول الدلالة على الله - تعالى - وصفاته ما ليس لغيرهما من الأسماء، وأنهما ليسا موجودين في شيء من سور القرآن، فظهرت خصوصية هذه السورة بأنها ثلث القرآن، كما قررناه. والله أعلم. وقد كثرت أقوال الناس في هذا المعنى، وهذا أنسبها وأحسنها حسب ما ظهر، فلنقتصر عليه.\n_________\n(١) ما بين حاصرين ساقط من (هـ) و(ط) واستدرك من (ع) و(ظ).\n(٢) في (ظ): لم.","vol":"2","page":442},{"text":"سَأَقرَأُ عَلَيكُم ثُلُثَ القُرآنِ. فَحَشَدَ مَن حَشَدَ، ثُمَّ خَرَجَ نَبِيُّ الله - ﷺ - فَقَرَأَ: ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثُمَّ دَخَلَ. فَقَالَ بَعضُنَا لِبَعضٍ: إِنِّي أُرَى هَذَا خَبَرًا جَاءَهُ مِنَ السَّمَاءِ، فَذلكَ الَّذِي أَدخَلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ نَبِيُّ الله - ﷺ - فَقَالَ: إِنِّي قُلتُ لَكُم: سَأَقرَأُ عَلَيكُم ثُلُثَ القُرآنِ، أَلا إِنَّهَا تَعدِلُ ثُلُثَ القُرآنِ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٢٩)، ومسلم (٨١٢) (٢٦١)، والترمذي (٢٩٠٢).\n[٦٨٦]- وعَن عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَعَثَ رَجُلا عَلَى سَرِيَّةٍ، فَكَانَ يَقرَأُ لأَصحَابِهِ فِي صَلاتِهِم فَيَختِمُ بـ ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فَلَمَّا رَجَعُوا ذُكِرَوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: سَلُوهُ لأَيِّ شَيءٍ يَصنَعُ ذَلِكَ؟ فَسَأَلُوهُ. فَقَالَ لأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحمَنِ، فَأَنَا أُحِبُّ أَن أَقرَأَهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أَخبِرُوهُ أَنَّ الله يُحِبُّهُ.\nرواه البخاري (٧٣٧٥)، ومسلم (٨١٣)، والنسائي (٢/ ١٧١).\n* * *\nــ\nوقوله: فحشد من حشد؛ أي: اجتمع من اجتمع، والحشد: الجمع، قاله الهروي وغيره. ومحبة الله - تعالى - للخلق: تقريبه لمحبوبه، وإكرامه له، وليست بميل ولا غرض كما هي منا، وليست المحبة في حقوقنا هي الإرادة بل شيء زائد عليها، فإن الإنسان يجد من نفسه أنه يحب ما لا يقدر على اكتسابه، ولا على تخصيصه به (١). والإرادة: هي التي تخصص الفعل ببعض وجوهه الجائزة، والإنسان يحسُّ من نفسه: أنه يحب الموصوفين بالصفات الجميلة والأفعال الحسنة؛ مثل العلماء، والفضلاء، وإن لم يتعلق له (٢) بهم إرادة مخصصة، وإذا\n_________\n(١) من (ظ) و(ط).\n(٢) ساقط من (ع).","vol":"2","page":443},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-266>(١١٩) باب فضل قراءة المعوذتين</span>\n[٦٨٧]- عَن عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أَلَم تَرَ آيَاتٍ أُنزِلَتِ هذه اللَّيلَةَ، لَم يُرَ مِثلُهُنَّ قَطُّ؟ ﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ وَ﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾\nوَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أُنزِلَ - أَو أُنزِلَت - عَلَيَّ آيَاتٌ لَم يُرَ مِثلُهُنَّ قَطُّ، المُعَوِّذَتَينِ.\nرواه أحمد (٤/ ١٥١)، ومسلم (٨١٤) (٢٦٤) و(٢٦٥)، والترمذي (٢٩٠٤ و٢٩٠٥)، والنسائي (٨/ ١٥٨).\n* * *\nــ\nوضح فرق ما بينهما فالله تعالى محبوب لمحبيه على حقيقة المحبة، كما هو المعروف عند من رزقه الله - تعالى - منا (١) شيئا من ذلك، فنسأله - تعالى - ألا يحرمنا ذلك، وأن يجعلنا من محبيه المخلصين.\n* * *\n_________\n(١) من (ظ).","vol":"2","page":444},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-267>(١٢٠) باب لا حسد إلا في اثنتين، ومن يرفع بالقرآن</span>\n[٦٨٨]- عَن ابنِ عُمَر، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: لا حَسَدَ إِلا فِي اثنَتَينِ: رَجُلٌ آتَاهُ الله القُرآنَ، فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله مَالا، فَهُوَ يُنفِقُهُ آنَاءَ اللَّيلِ، وَآنَاءَ النَّهَارِ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٦ و٨٨ و١٥٢)، والبخاري (٥٠٢٥)، ومسلم (٨١٥) (٢٦٦)، والترمذي (١٩٣٧)، وابن ماجه (٤٢٠٩).\nــ\n(١٢٠) ومن باب: لا حسد إلا في اثنتين (١)\nأصل الحسد: تمنِّي زوال النّعمة عن المنعَم عليه، ثم قد يكون مذمومًا، وغير مذموم، فالمذموم: أن تتمنَّى زوال نعمة الله عن أخيك المسلم، سواء تمنيت مع ذلك أن تعود إليك أم لا؟ وهذا النوع هو الذي ذمَّه الله - تعالى - بقوله: ﴿أَم يَحسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضلِهِ﴾ وأما غير المذموم فقد يكون محمودًا، مثل: أن يتمنّى زوال النعمة عن الكافر وعمن يستعين بها على المعصية. وأما: فهو أن تتمنّى أن يكون لك من النعمة والخير مثل ما لغيرك، من غير أن تزول عنه، والحرص على هذا يُسمّى: منافسة، ومنه: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَليَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ﴾ غير أنه قد يطلق على الغبطة حَسدًا، وعليه يُحمل الحسدُ في هذا الحديث، فكأنه قال: لا غبطةَ أعظم أو أفضل من الغبطة في هذين الأمرين. وقد نبّه البخاري على هذا؛ حيث بوَّب على هذا\n_________\n(١) سبق هذا الباب في التلخيص: باب: فضل قراءة المعوذتين، ولم يرد له شرحٌ في المفهم.","vol":"2","page":445},{"text":"[٦٨٩]- وَعَن عَبدَ الله بنَ مَسعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: لا حَسَدَ إِلا فِي اثنَتَينِ: رَجُلٌ آتَاهُ الله مَالا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله حِكمَةً فَهُوَ يَقضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا.\nرواه أحمد (١/ ٤٣٢)، والبخاري (٧١٤١)، ومسلم (٨١٦)، وابن ماجه (٤٢٠٨).\n[٦٩٠]- وَعَن عَاَمِر بنِ وَاَثِلةَ: أَنَّ نَافِع بنِ عَبدِ الحَارِث لَقِيَ عُمَرَ بِعُسفَانَ، وَكَانَ عُمَرُ يَستَعمِلَهُ عَلَى مَكَّةَ، فَقَالَ: مَن استَعمَلتَ عَلَى هذا الوَادِي؟ قَالَ: ابنُ اَبزى. قَالَ: وَمَن ابنُ اَبزىَ؟ قَالَ: مَولَى مِن مَواَلِينَا. قَالَ: فَاستَخلفتَ عَلَيِهِم مَولَى؟ ! قَالَ: إِنَّهُ قَاَرِئٌ لِكِتَابِ اللهِ، وَإِنَّهُ عَاَلِمٌ بِالَفَرائِضِ. قاَلَ عُمَرُ: أَمَا إن نَبِيَّكُم - ﷺ - قَد قَالَ: إِنَّ الله يَرفَعُ بِهَذَا الكِتَابِ أَقوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ.\nرواه أحمد (١/ ٣٥)، ومسلم (٨١٧)، وابن ماجه (٢١٨).\n* * *\nــ\nالحديث: باب الاغتباط في العلم والحكمة.\nوآناء الليل: ساعاته، واحدتها: إنيٌّ، وإنىً.\nوقوله: إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، يعني: يُشرف، ويكرم في الدنيا والآخرة، وذلك بسبب الاعتناء به، والعلم به، والعمل بما فيه. ويضع: يعني: يحقِّر ويصغِّر في الدنيا والآخرة، وذلك بسبب تركه، والجهل به، وترك العمل به.","vol":"2","page":446},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-268>(١٢١) باب إنزال القرآن على سبعة أحرف</span>\n[٦٩١]- عَن عُمَرَ بن الخَطَّابِ قَالَ: سَمِعتُ هِشَامَ بنَ حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ يَقرَأُ سُورَةَ الفُرقَانِ عَلَى غَيرِ مَا أَقرَؤُهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَقرَأَنِيهَا، فَكِدتُ أَن أَعجَلَ عَلَيهِ، ثُمَّ أَمهَلتُهُ حَتَّى انصَرَفَ ثُمَّ لَبَّبتُهُ بِرِدَائِهِ، فَجِئتُ بِهِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي سَمِعتُ هَذَا يَقرَأُ سُورَةَ الفُرقَانِ عَلَى غَيرِ مَا أَقرَأتَنِيهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أَرسِلهُ. اقرَأ. فَقَرَأ القِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعتُهُ يَقرَأُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: هَكَذَا أُنزِلَت، ثُمَّ قَالَ لِي: اقرَأ.\nــ\n(١٢١) ومن باب: إنزال (١) القرآن على سبعة أحرف\nقوله: فلَبَّبتُهُ بردائه؛ أي: جمعت ثوبه على حَلقه، وأصله من اللّبة، وهي الثغرة التي في أسفل الحلق، وهذا من عمر - ﵁ - غَيرةٌ على كتاب الله، وقوة في دينه.\nوقوله لعمر: أرسله؛ أي: أطلقه، لينفِّس عنه، حتى يُعرِب عن نفسه.\nوقوله لهشام: اقرأ، ليسمعَ ما ادعى عليه إفساده، ليتّضح ذلك.\nوقوله لعمر: اقرأ: لتجويز الغلَط على عمر، أو ليبيِّن أن كل واحدة من القراءتين جائزة، كما قد صوّبه فيها بعد ذلك بقوله: هكذا أنزلت.\nواختلف في قوله - ﷺ -: هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف على خمسة وثلاثين قولا؛ حكاها أبو حاتم بن حِبَّان، أَولاها عند المحققين، وأقربها بمساق الأحاديث: أن\n_________\n(١) في (ط) و(هـ): أنزل.","vol":"2","page":447},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالسبعة أحرف هي سبع لغات من لغات العرب. قال أبو عبيد: يَمَنُها، ومَعَدُّها، وهي أفصح اللغات وأعلاها من كلامهم، وقيل: بل هذه السبع لغات لمضر لا لغيرها. قالوا: وهذه اللغات مُتفرِّقة في القرآن، لا يلزم اجتماعها في الكلمة الواحدة، ولو اجتمعت لم يكن في ذلك بُعد، ويمكن أن يُقال: إن النبي - ﷺ - سمعها من جبريل في عَرَضَات سبع، أو في واحدة، ويُوقفه على المواضع المختلف فيها. ثم لا يشترط أن يكون اختلاف هذه اللغات السبع في كيفيَّات الكلمات من: الإدغام، والإظهار، والمدّ، والقصر، والإمالة، والفتح، وما بين اللفظين، والتغليظ، والترقيق، واختلاف الإعرابات فقط، بل يجوز أن يكون في هذه كلها، وفي ألفاظ مترادفة على معنى واحد، كما قد رُوي أنه قُرئ: ﴿انظُرُونَا نَقتَبِس مِن نُورِكُم﴾ وأخرونا وأنسئونا، وفي قوله: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَشَوا فِيهِ﴾ ومروا وسَعَوا، وفي قوله: ﴿فَاسعَوا إِلَى ذِكرِ اللَّهِ﴾ وامض ا، وفي زيادة ألفاظ: فيزيد بعضهم كلمة، وينقصها غيرهم؛ كما في قوله: من تحتها وأسقطها آخرون، و: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ و(أن الله الغني) بإسقاط هو. وهذا النحو من الاختلاف هو الذي كثر في خلافة عثمان، حتى خاف أن يتبدَّل كثير من القرآن، ويتغيّر، ويختلف الناس، فاتفق نظره ونظر الصحابة أجمعين على جمع الناس على مصحف واحد، فكتبوه على لغة قريش، وعلى حرق ما عداه من المصاحف المخالفة لذلك المصحف، وهذا النحو من الاختلاف هو الذي أنكره عمر، لَمَّا سمعه من هشام، والذي أنكره أُبيٌّ أيضًا وعَظُم عليه؛ لأنهما لما سمعا كلماتٍ مخالفة للتي قرآ بها على النبي - ﷺ -. [وقد دلّ على هذا: أن النسائي (١) أخرج هذا الحديث. وقال فيه: إن عمر قال: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان، فقرأ فيها حروفًا لم يكن\n_________\n(١) رواه النسائي (٢/ ١٥٠).","vol":"2","page":448},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالنبي - ﷺ - أقرأنيها، ولما جاء به النبي - ﷺ - قال له: إني سمعت هذا يقرأ فيها حروفًا لم تكن أقرأتنيها. وهذا نص] (١). وعن ذلك تحرّج النبي - ﷺ - من أن يقصر أمته على حرف واحد؛ حتى سأل الله - تعالى - في أن يخفف عنهم، فأجيب إلى ذلك، ووسَّع عليهم، وأنهى التّوسيع إلى هذه؛ لأنها لغات أكثر العرب الحجازيين، ولو ضُيِّق على الناس حتى يقرأ الكل بلغةٍ واحدةٍ؛ لشقَّ ذلك عليهم، وحُرِجُوا؛ لأنهم كانوا يُكلَّفون أن يخرجوا عن أسلوب طباعهم وعاداتهم في كلامهم، لا سيّما في حدّة الأمر وفجأته، فلما وُسِّع عليهم في ذلك [أُمر كلُّ منهم أن يقرأ بلغته ولا ينكر على غيره (٢)، واتسع الناس في ذلك] (٣) في صدر الإسلام، وإلى زمن عثمان - ﵁ -، فلما خاف عثمان - ﵁ - أن يتعدَّى الناس حدَّ التوسعة ومحلَّها، وأدخل بعض الناس في مصحفه ما ليس بقرآن؛ كالتشهد، والقنوت، وغير ذلك، أو ما كان قد نُسِخَت تلاوته؛ شاور الصحابة على جمع الناس على مصحف واحد، يكتبونه بلغة قريش، فأجابوه لذلك، واجتهدوا في ذلك غايتهم، وبذلوا في حفظه وصيانته غاية وسعهم، ثم أجمعوا على أن يكتبوه كذلك، وأن يكتبوا منه نسخًا، وأن يوجّهوها للأمصار [ففعلوا، فوجّهوا للعراق والشام ومصر بأمهات، فاتخذها قراءُ الأمصار معتمد اختياراتهم] (٤)، ولم يخالف أحدٌ منهم مصحفه على النحو الذي بلغه، وما وُجد بين هؤلاء القراء السبعة من الاختلاف في حروفٍ يزيدها بعضهم، وينقصها بعضهم؛ فذلك لأن كلامهم اعتمد على ما بلغه في مصحفه أو رواه؛ إذ قد كان عثمان قد كتب تلك المواضع في بعض\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من الأصول، وأثبتناه من (ع).\n(٢) في (ظ): ينكر عليه.\n(٣) ساقط من (ع).\n(٤) ساقط من (ع).","vol":"2","page":449},{"text":"فَقَرَأتُ فَقَالَ: هَكَذَا أُنزِلَت. إِنَّ هَذَا القُرآنَ أُنزِلَ عَلَى سَبعَةِ أَحرُفٍ، فَاقرَؤوا مَا تَيَسَّرَ مِنهُ.\nرواه أحمد (١/ ٤٠)، والبخاري (٦٩٣٦)، ومسلم (٨١٨) (٢٧٠)، وأبو داود (١٤٧٥)، والترمذي (٢٩٤٤)، والنسائي (٢/ ١٥٠ و١٥٢).\nــ\nنُسخ المصاحف، ولم يكتبها في بعضٍ؛ إشعارًا بأن كل ذلك صحيح، وأن القراءة بكل منها جائزة.\nقلت: فكلُّ ما تضمنته تلك المصاحف متواتر، مُجمَعٌ عليه من الصحابة وغيرهم، وما خرج عن تلك المصاحف لا تجوز القراءة به، ولا الصلاة؛ لأنه ليس من القرآن المُجمع عليه، فأما هذه القراءات السبع التي تُنسب لهؤلاء القراء السبعة، فقال كثير من علمائنا؛ كالداودي، وابن أبي صفرَة وغيرهما: إنها ليست هي الأحرف السبعة التي اتّسعت الصحابة في القراءة بها، وإنما هي راجعة إلى حرفٍ واحدٍ من تلك السبعة، وهو الذي جمع عليه عثمان المصحف؛ ذكره ابن إسحاق وغيره. وهذه القراءات المشهورة هي اختيار أولئك الأئمة القراء، وذلك أن كل واحد منهم اختار فيما روى وعَلِم وجهة من القراءات ما هو الأحسن عنده والأولى، فالتزمه طريقةً، ورواه، وأقرأ به فاشتهر عنه، وعرف به، فنُسب إليه، فقيل: حرف نافع، وحرف ابن كثير، ولم يمنع واحد منهم اختيار الآخر، ولا أنكره، بل سوّغه وجوَّزه، فكل واحد من هؤلاء السبعة، رُوي عنهم اختياران أو أكثر، وكلٌ صحيح. وقد أجمع المسلمون في هذه الأعصار على الاعتماد على ما صح عن هؤلاء الأئمة، مما رووه ورأوه من القراءات، وكتبوا في ذلك مصنفات، فاستمر الإجماع على الصواب، وحصل ما وعد الله - تعالى - به من حفظ الكتاب، وعلى هذا الذي قررناه الأئمةُ المتقدمون، والفضلاء المحققون؛ كالقاضي أبي بكر ابن الطيِّب والطبري، وغيرهما.\nوقوله: فاقرؤوا ما تيسر منه، الضّمير في: منه عائد على القرآن،","vol":"2","page":450},{"text":"[٦٩٢]- وعَن أُبَيِّ بنِ كَعبٍ قَالَ: كُنتُ فِي المَسجِدِ، فَدَخَلَ رَجُلٌ يُصَلِّي، فَقَرَأَ قِرَاءَةً أَنكَرتُهَا عَلَيهِ، ثُمَّ دَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ قِرَاءَةً سِوَى قَرَاءَةِ صَاحِبِهِ، فَلَمَّا قَضَينَا الصَّلاةَ دَخَلنَا جَمِيعًا عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقُلتُ: إِنَّ هَذَا قَرَأَ قِرَاءَةً أَنكَرتُهَا عَلَيهِ، وَدَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ، فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقَرَآ، فَحَسَّنَ النَّبِيُّ - ﷺ - شَأنَهُمَا، فَسَقَطَ فِي نَفسِي مِنَ التَّكذِيبِ، وَلا إِذ كُنتُ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَا قَد غَشِيَنِي\nــ\nلا على الأحرف؛ إذ لو كان عائدًا على الأحرف؛ لقال: منها، وإنما أعاده على القرآن؛ ليبيّن أنه يجوز أن يقرأ بما تيسَّر من الأحرف، ومن القرآن، لا أنه إذا أباح الاقتصار على قراءة بعض القرآن، فلأن يجوز الاقتصار على بعض الأحرف أولى.\nوقول أُبيّ: فَسُقط في نفسي من التكذيب، ولا إذ كنت في الجاهلية: هذا الذي وقع لأُبيّ - ﵁ - نزغة من الشيطان، ليشوِّش عليه حاله، ويكدِّر عليه وقته، فإنه عظم عليه من اختلاف القراءات [ما ليس عظيمًا في نفسه، وإلا فأيّ شيء يلزم من المحال والتكذيب من اختلاف القراءات] (١)، لكن لما تولّى الله بكفايتهم أَمرَ الشيطان لم يؤثر تزيينه وتسويله أثرًا يركنون إليه، ولا يدومون عليه، وإنما كان ذلك امتحانا لسرائرهم؛ ليبرز للوجود ما علمه الله من ضمائرهم، ولـ ﴿يَرفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلمَ دَرَجَاتٍ﴾ وإلا فانظر مآل هذا الواقع ماذا كان، فإنه لما رأى النبي - ﷺ - ما أصابه من ذلك الخاطر؛ نبّهه بأن ضرب في صدره، فأعقب ذلك بأن شرح الله صدره، وتنوّر باطنه، حتى آل له الكشف والشرح إلى حالة المعاينة، فلما ظهر له قبح ذلك الخاطر، خاف من الله - تعالى -؛ وسببه: أنه قد حصل منه التفات إلى ذلك الخاطر. وفيضه بالعرق؛ إنما كان استحياء من الله - تعالى -. ومعنى: سقط في نفسي؛ أي: اعترتني حيرة ودهشة.\n_________\n(١) ساقط من (هـ) و(ط).","vol":"2","page":451},{"text":"ضَرَبَ فِي صَدرِي، فَفِضتُ عَرَقًا، وَكَأَنَّمَا أَنظُرُ إِلَى الله ﷿ فَرَقًا فَقَالَ لِي: يَا أُبَيُّ! أُرسِلَ إِلَيَّ: أَنِ اقرَأ القُرآنَ عَلَى حَرفٍ فَرَدَدتُ إِلَيهِ، أَن هَوِّن عَلَى أُمَّتِي؟ ! فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّانِيَةَ: اقرَأهُ عَلَى حَرفَينِ، فَرَدَدتُ إِلَيهِ: أَن هَوِّن عَلَى أُمَّتِي؟ ! فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّالِثَةَ: اقرَأهُ عَلَى سَبعَةِ أَحرُفٍ؛ فَلَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدتهَا مَسأَلَةٌ تَسأَلُنِيهَا. فَقُلتُ: اللهمَّ اغفِر لأُمَّتِي، اللهمَّ اغفِر لأُمَّتِي، وَأَخَّرتُ الثَّالِثَةَ لِيَومٍ يَرغَبُ إِلَيَّ الخَلقُ كُلُّهُم حَتَّى إِبرَاهِيمُ - ﵇ -.\nوَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ النَبَّي - ﷺ - أَتَاهُ جِبرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ الله يَأمُرُكَ أَن تَقرَأَ أُمَّتُكَ القُرآنَ عَلَى حَرفٍ، فَقَالَ: أَسأَلُ الله مُعَافَاتَهُ وَمَغفِرَتَهُ، وَإِنَّ أُمَّتِي لا تُطِيقُ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَقَالَ مِثلَهُ، وَهَكَذَا إِلَى أَن قَالَ: إِنَّ الله يَأمُرُكَ أَن تَقرَأَ أُمَّتُكَ القُرآنَ عَلَى سَبعَةِ أَحرُفٍ فَأَيُّمَا حَرفٍ قَرَؤوا عَلَيهِ فَقَد أَصَابُوا.\nرواه أحمد (٥/ ١٢٤)، ومسلم (٨٢٠) و(٨٢١)، وأبو داود (١٤٧٧ و١٤٧٨)، والترمذي (٢٩٤٥)، والنسائي (٢/ ١٥٢ و١٥٤).\n* * *\nــ\nيقال للنادم المتحيِّر: سقط في يده، وأسقط؛ أي: حصل في يده منه مكروه. ومنه: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيدِيهِم وَرَأَوا أَنَّهُم قَد ضَلُّوا﴾ وهذا الخاطر الذي خطر لأُبَيّ هو من قبيل ما قد أخبر النبي - ﷺ - أنه لا يُؤاخذُ به، بل هو من قبيل ما قال فيه: ذلك محض الإيمان (١).\nوقوله: إن الله يأمرك أن تقرأَ أُمَّتُكَ على سبع؛ أي: لا تَزِد عليها، وأي شيء قرؤوا به كفاهم وأجزأهم؛ بدليل قوله: فأيّ حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا.\nوقوله: أسأل الله معافاته؛ أي: تسهيله وتيسيره، من عفا الأثر؛ أي:\n_________\n(١) رواه مسلم (١٣٣) من حديث عبد الله ﵁.","vol":"2","page":452},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-269>(١٢٢) باب قراءة سورتين في ركعة من النوافل</span>\n[٦٩٣] عَن أَبِي وَائِلٍ قَالَ: غَدَونَا عَلَى عَبدِ الله بنِ مَسعُودٍ يَومًا بَعدَمَا صَلَّينَا الغَدَاةَ، فَسَلَّمنَا بِالبَابِ، فَأَذِنَ لَنَا. قَالَ: فَمَكَثنَا بِالبَابِ هُنَيَّةً قَالَ: فَخَرَجَتِ الجَارِيَةُ فَقَالَت: أَلا تَدخُلُونَ؟ فَدَخَلنَا، فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ يُسَبِّحُ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكُم أَن تَدخُلُوا وَقَد أُذِنَ لَكُم؟ فَقُلنَا: لا، إِلا أَنَّا ظَنَنَّا أَنَّ بَعضَ أَهلِ البَيتِ نَائِمٌ، قَالَ: ظَنَنتُم بِآلِ ابنِ أُمِّ عَبدٍ غَفلَةً؟ قَالَ: ثُمَّ أَقبَلَ يُسَبِّحُ حَتَّى ظَنَّ أَنَّ الشَّمسَ قَد طَلَعَت، فَقَالَ: يَا جَارِيَةُ! انظُرِي، هَل طَلَعَت؟ قَالَ: فَنَظَرَت فَإِذَا هِيَ لَم تَطلُع، فَأَقبَلَ يُسَبِّحُ حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّ الشَّمسَ قَد طَلَعَت فقَالَ: يَا جَارِيَةُ، انظُرِي هَل طَلَعَت؟ فَنَظَرَت فَإِذَا هِيَ قَد طَلَعَت فَقَالَ: الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي أَقَالَنَا يَومَنَا هَذَا (قَالَ مَهدِيٌّ: أَحسِبُهُ قَالَ: وَلَم يُهلِكنَا بِذُنُوبِنَا). قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَومِ: قَرَأتُ المُفَصَّلَ البَارِحَةَ كُلَّهُ. قَالَ فَقَالَ عبد الله: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعرِ؟ إِنَّا لَقَد سَمِعنَا القَرَائِنَ، وَإِنِّي\nــ\nسهل وتغيّر، وسؤاله المغفرة: مخافةَ وقوع التقصير فيما يلزم من ذلك، والله أعلم.\n(١٢٢) ومن باب: قراءة سورتين في ركعة\nقوله: فإذا هو جالسٌ يُسبح؛ أي: يسبح الله ويذكره، لا بمعنى: يتنفَّل؛ لأن ذلك في وقت يُمنع التنفل فيه.\nوقوله: هذًّا كهذ الشعر: إنكار منه على من يسرع في قراءته، ولا يُرتل ولا يتدبَّر، ونصب هذًّا على المصدر؛ كأنه قال: أتهذّ هذًّا؟ وهذّ الشعر:","vol":"2","page":453},{"text":"لأَحفَظُ القَرَائِنَ الَّتِي كَانَ يَقرَؤُهُنَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِنَ المُفَصَّلِ، وَسُورَتَينِ مِن آلِ حم.\nوَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِن بَنِي بَجِيلَةَ، يُقَالُ لَهُ: نَهِيكُ بنُ سِنَانٍ، إِلَى عَبدِ الله، فَقَالَ: إِنِّي أَقرَأُ المُفَصَّلَ فِي رَكعَةٍ. فَقَالَ عَبدُ الله: أهَذًّا كَهَذِّ الشِّعرِ؟ ! لَقَد عَلِمتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقرَأُ بِهِنَّ، سُورَتَينِ فِي كل رَكعَةٍ.\nــ\nالاسترسال في إنشاده من غير تدبُّرٍ في معانيه، ومعنى هذا: أن الشعر هو الذي إن فعل الإنسان فيه ذلك سُوِّغ له، وأما في القرآن فلا ينبغي مثل ذلك فيه، بل يقرأ بترتيل وتدبر؛ ولذلك قال: إن قومًا يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسَخ فيه نفع (١)، والتراقي: جمع ترقوة، وهي عظامُ أعالي الصدر، وهو كناية عن عدم الفهم؛ كما وصف النبي - ﷺ - به الخوارج؛ إذ قال: لا يجاوز حناجرهم (٢).\nوالنظائر والقرائن هي: السّور المتقاربة في المقدار، وقد عدّدها ثماني عشرة في رواية، وفي أخرى عشرين، ولا بُعد في ذلك، فإنه يذكر في وقت الأقلّ من غير تعرُّضٍ للحصر، ويزيد في وقت آخر. أو يكون النبي - ﷺ - قرن في وقت بين ثماني عشرة، وفي أخرى بين عشرين. وقد ذكر أبو داود هذا الحديث عن علقمة والأسود؛ قالا: أتى ابنَ مسعودٍ رجلٌ فقال: إني أقرأ المفصل في ركعة، فقال: أهذًّا كهذِّ الشعرِ، ونثرًا كنثر الدَّقَل؟ لكن رسول الله - ﷺ - كان يقرأ النظائر؛ السورتين في ركعة: الرحمن والنجم في ركعة، واقتربت والحاقة في ركعة، والطور والذاريات في ركعة، والواقعة ونون في ركعة، وسأل سائل\n_________\n(١) رواه البخاري في تاريخه (٦/ ٣٣٧).\n(٢) رواه البخاري (٣٣٤٤)، ومسلم (٧٢٢) من حديث أبي وائل.","vol":"2","page":454},{"text":"وَفِي أُخرَى: فَقَالَ عَبدُ الله: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعرِ؟ إِنَّ أَقوَامًا يَقرَؤونَ القُرآنَ لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُم، وَلَكِن إِذَا وَقَعَ فِي القَلبِ فَرَسَخَ فِيهِ نَفَعَ، إِنَّ أَفضَلَ الصَّلاةِ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ، إِنِّي لأَعلَمُ النَّظَائِرَ. . . الحَدِيث.\nــ\nوالنازعات في ركعة، وويل للمطففين وعبس في ركعة، وهل أتى ولا أقسم في ركعة، وعمّ يتساءلون والمرسلات في ركعة، والدخان وإذا الشمس كوّرت في ركعة. وقال أبو داود: هذا تأليف ابن مسعود (١).\nقلت: وهذا مفسِّرٌ لرواية من روى: ثماني عشرة. وزاد في رواية ابن الأعرابي: والمدثر والمزمل في ركعة، فكملت عشرين.\nوقوله في رواية أبي داود: ونثر كنثر الدَّقَل، الدَّقَل: رديء التمر. ووجه التشبيه: أنه يتناثر مُتتابعًا على غير ترتيب، فشبَّه المسرع في قراءته بذلك.\nوقوله في الأم: لا يصعد له عمل (٢)؛ أي: لا يكون له ثواب يصعد به؛ كما قال امرؤ القيس:\n*عَلَى لاحِبٍ لَا يُهْتَدَى بِمَنَارِه*\nأي: ليس له منارٌ فَيُهْتَدَى به.\nوقوله: إن أفضل الصلاة الركوع والسجود: حجة لمن قال: إن كثرة السجود أفضل من تطويل القيام، وقد تقدّم ذكر الخلاف في هذه المسألة. واختُلف في مبدأ المفصل، فقيل: من سورة محمد - ﷺ -، وقيل: من سورة ق، وسُمِّيَ بذلك؛ لكثرة الفصل بين سوره بسطر: بسم الله الرحمن الرحيم.\n_________\n(١) يعني بهذا: الترتيب في مصحفه.\n(٢) كذا وجدنا هذه العبارة وشرحها في جميع أصول المفهم، ولم نجدها في صحيح مسلم (الأم) ولا ارتباط بينها وبين موضوع الباب رقم (١٢٢).","vol":"2","page":455},{"text":"وَفِي أُخرَى قَالَ: هِيَ عِشرُونَ.\nرواه البخاري (٥٠٤٣) مختصرًا، ومسلم (٨٢٢)، (٢٧٨) و(٢٧٩)، وأبو داود (١٣٩٦).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>(١٢٣) باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها</span>\n[٦٩٤]- عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعتُ غَيرَ وَاحِدٍ مِن أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، مِنهُم عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ وَكَانَ أَحَبَّهُم إِلَيَّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ الصَّلاةِ بَعدَ الفَجرِ حَتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ، وَبَعدَ العَصرِ حَتَّى تَغرُبَ الشَّمسُ.\nرواه البخاري (٥٨١) ومسلم (٨٢٦) (٢٨٦)، وأبو داود (١٢٧٦)، والترمذي (١٨٣)، والنسائي (١/ ٢٧٦ و٢٧٧)، وابن ماجه (١٢٥٠).\n[٦٩٥]- وَعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: لا صَلاةَ بَعدَ صَلاةِ العَصرِ حَتَّى تَغرُبَ الشَّمسُ، وَلا صَلاةَ بَعدَ صَلاةِ الفَجرِ حَتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ.\nــ\nوقول ابن مسعود: الحمد لله الذي أقالنا يومنا هذا ولم يهلكنا بذنوبنا؛ خوفا منه للذي رأى من تبدُّل الأحوال.\n(١٢٣) ومن باب: الأوقات المنهي عن الصلاة فيها\nقوله: لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس: قد تقدّم من مذهب أبي حنيفة: أنه حمل هذا اللفظ على عمومه","vol":"2","page":456},{"text":"رواه أحمد (٣/ ٩٥)، والبخاري (٥٨٦)، ومسلم (٨٢٧)، والنسائي (١/ ٢٧٧ و٢٧٨)، وابن ماجه (١٢٤٩).\n[٦٩٦]- وعَنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: لا تَحَرَّوا بِصَلاتِكُم طُلُوعَ الشَّمسِ وَلا غُرُوبَهَا، فَإِنَّهَا تَطلُعُ بِقَرنَي شَيطَانٍ.\nرواه أحمد (٢/ ١٠٦)، والبخاري (٥٨٥)، ومسلم (٨٢٨)، والنسائي (١/ ٢٧٧).\n[٦٩٧]- وَعَنهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِذَا بَدَا حَاجِبُ الشَّمسِ فَأَخِّرُوا الصَّلاةَ حَتَّى تَبرُزَ، فَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمسِ فَأَخِّرُوا الصَّلاةَ حَتَّى تَغِيبَ.\nرواه البخاري (٥٨٢)، ومسلم (٨٢٩)، والنسائي (١/ ٢٧٩).\n[٦٩٨]- وعَن أَبِي بَصرَةَ الغِفَارِيِّ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - العَصرَ بِالمُخَمَّصِ فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الصَّلاةَ عُرِضَت عَلَى مَن كَانَ قَبلَكُم فَضَيَّعُوهَا،\nــ\nفي النوافل كلها، والفرائض المقضيَّات، ولم يستثن من الصلوات شيئًا. وخصّص الجمهور من ذلك: المقضيات، وخصّص الشافعي: ما كان من النوافل مُعلقًا على سبب، فتصلّى لحضور سببها؛ كتحيّة المسجد - كما تقدم -، وسجود التلاوة، وركعتي الطواف، والإحرام، وغير ذلك.\nوقوله: لا تحرَّوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها؛ أي: لا تقصدوا ذلك الوقت بصلاتكم، وهذان الوقتان هما المقصودان بالنهي لأنفسهما؛ لأنهما الوقتان اللذان يسجد فيهما الكفارُ للشمس؛ كما قال في الحديث الآخر، وما قبل هذين الوقتين إنما نَهى عنه؛ لأنه ذريعة ووسيلة إلى إيقاع الصلاة فيهما، ومن هنا أجاز مالك الصلاة على الجنازة ما لم تغرب الشمس، وكرهها عند ذلك. وحاجب","vol":"2","page":457},{"text":"فَمَن حَافَظَ عَلَيهَا كَانَ لَهُ أَجرُهُ مَرَّتَينِ، وَلا صَلاةَ بَعدَهَا حَتَّى يَطلُعَ الشَّاهِدُ، وَالشَّاهِدُ: النَّجمُ.\nرواه أحمد (٦/ ٣٩٧)، ومسلم (٨٣٠)، والنسائي (١/ ٢٥٩ - ٢٦٠).\n[٦٩٩]- وَعَن عُقبَةَ بنَ عَامِرٍ قَالَ: ثَلاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَنهَانَا أَن نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَو أَن نَقبُرَ فِيهِنَّ مَوتَانَا: حِينَ تَطلُعُ الشَّمسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمسُ، . . . . . . . . . . .\nــ\nالشمس: أول ما يبدو منها في الطلوع، وهو أول ما يغيب منها، وقد تقدم مثل ذلك.\nوقوله في العصر: فمن حافظ عليها كان له أجره مرّتين: يُشعر بتأكُّدِها على غيرها، وذلك مما يدلّ على أنها الصلاة الوسطى كما تقدم. وسُمِّيَ النجم شاهدًا؛ لأنه يشهد بمغيب الشمس ودخول الليل.\nوقوله: ثلاث ساعات كان رسول الله - ﷺ - ينهانا أن نصلّي فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا: رويت هذا اللفظ: بأو التي لأحد الشيئين، ورويته أيضًا: بالواو الجامعة، وهو الأظهر، ويكون مورد النهي: الصلاة على الجنازة والدفن؛ لأنه إنما يكون إثر الصلاة عليها، وأما رواية: أو؛ ففيها إشكال، إلا إن قلنا: إن أو تكون بمعنى الواو؛ كما قاله الكوفي. وقد اختلف في الصلاة عليها في هذه الأوقات المذكورة في هذا الحديث: فأجاز الشافعي الصلاة عليها ودفنها في هذه الأوقات، وكره الجمهور الصلاة عليها حينئذٍ، وعن مالك في ذلك خلاف يُذكر في الجنائز - إن شاء الله تعالى -.\nوقوله: حين يقوم قائم الظهيرة، الظهيرة: شدة الحر، وقائمها: قائم","vol":"2","page":458},{"text":"وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمسُ لِلغُرُوبِ حَتَّى تَغرُبَ.\nرواه أحمد (٤/ ١٥٢)، ومسلم (٨٣١)، وأبو داود (٣١٩٢)، والترمذي (١٠٣٠)، والنسائي (١/ ٢٧٥ و٢٧٦).\n[٧٠٠]- وَعَن عَمرُو بنُ عَبَسَةَ السُّلَمِيُّ قَالَ: كُنتُ وَأَنَا فِي الجَاهِلِيَّةِ - أَظُنُّ أَنَّ النَّاسَ عَلَى ضَلالَةٍ، وَأَنَّهُم لَيسُوا عَلَى شَيءٍ، وَهُم يَعبُدُونَ\nــ\nالظل الذي لا يزيد ولا ينقص في رأي العين، وذلك يكون منتصف النهار، حين استواء الشمس. وقد اختلف في الصلاة في ذلك الوقت على ما يأتي في حديث عمرو بن عنبسة.\nوقوله: حين تضيَّفُ الشمس للغروب؛ أي: تميل للغروب، يقال: ضافت، تضيفُ؛ إذا مالت. وأصل الإضافة: الإسناد والإمالة؛ كما قال الشاعر (١):\nفلمَّا دَخَلناه أَضَفنا ظُهُورَنا ... إلى كل حاريٍّ جديدٍ مُشَطَّبِ (٢)\nومنه: ضفت فلانًا؛ إذا نزلت به، وأضفته: أنزلته عليَّ.\nوقول عمرو بن عبسة: كنت وأنا في الجاهلية أظن الناس على ضلالة؛ أي: أعلم وأتيقن، فإن الظن قد يطلق على اليقين، كما قال - تعالى -: ﴿فَظَنُّوا أَنَّهُم مُوَاقِعُوهَا﴾\n_________\n(١) هو امرؤ القيس.\n(٢) \"المشطب\": الذي فيه خطوط وطرائق كمدارج النّمل.","vol":"2","page":459},{"text":"الأَوثَانَ، قَالَ: فَسَمِعتُ بِرَجُلٍ بِمَكَّةَ يُخبِرُ أَخبَارًا، فَقَعَدتُ عَلَى رَاحِلَتِي، فَقَدِمتُ عَلَيهِ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مُستَخفِيًا، جُرَءَاءُ عَلَيهِ قَومُهُ، فَتَلَطَّفتُ حَتَّى دَخَلتُ عَلَيَّهِ بِمَكَّةَ، قُلتُ لَهُ: مَن أَنتَ؟ قَالَ: أَنَا نَبِيٌّ الله، فَقُلتُ: وَمَا نَبِيٌّ الله؟ قَالَ: أَرسَلَنِي الله، فَقُلتُ: بِأَيِّ شَيءٍ أَرسَلَكَ؟ قَالَ: أَرسَلَنِي بِصِلَةِ الأَرحَامِ، وَكَسرِ الأَوثَانِ، وَأَن يُوَحَّدَ الله لا يُشرَكُ بِهِ شَيءٌ، قُلتُ: فَمَن مَعَكَ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: حُرٌّ وَعَبدٌ. (قَالَ: وَمَعَهُ يَومَئِذٍ أَبُو بَكرٍ وَبِلالٌ\nــ\nوقوله: قعدت على راحلتي؛ أي: ركبتها.\nوقوله: جُرَءَاءُ عليه قومه؛ أي: يجترئون - من الجرأة -، وهو مرفوع على أنه خبر مقدم، وقومه مبتدأ، على مذهب البصريين.\nوقوله: من أنت؟ سؤال عمن يعقل.\nوقوله: وما نبي الله؟ سؤال عن النبوة، وهي من جنس ما لا يعقل؛ لأنها معنى من المعاني.\nوقوله: فمن معك على هذا؟ قال: حرّ وعبد؛ الحر: أبو بكر، والعبد: بلال؛ كما فسَّره. ولم يذكر له النبيُّ - ﷺ - عليًّا لصغره، فإنه أسلم وهو ابن سبع سنين، وقيل: ابن عشر، ولا خديجة - ﵂ -؛ لأنه فهم عنه أنه إنما سأله عن الرجال، فأجابه حسب ذلك. ويُشكل هذا الحديث بحديث سعد بن أبي وقاص، فإنه قال: ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام، وإني لثلث (١) الإسلام، وظاهره أن أبا بكر وبلالا أسلما في اليوم الذي أسلم فيه سعد، وأنه أقام سبعة أيام لم يسلم معهم الثلاثة أحد، وحينئذ يلزم أن يكون مع النبي - ﷺ - يوم جاءه عمرو بن عبسة: أبو بكر وسعد وبلال، لكن سكت عنه\n_________\n(١) في (ع): لثالث ثلاثة.","vol":"2","page":460},{"text":"مِمَّن آمَنَ مَعَهُ). فَقُلتُ: إِنِّي مُتَّبِعُكَ. قَالَ: إِنَّكَ لا تَستَطِيعُ ذَلِكَ يَومَكَ هَذَا، أَلا تَرَى حَالِي وَحَالَ النَّاسِ؟ وَلَكِنِ ارجِع إِلَى أَهلِكَ، فَإِذَا سَمِعتَ بِي قَد ظَهَرتُ فَأتِنِي قَالَ: فَذَهَبتُ إِلَى أَهلِي، وَقَدِمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - المَدِينَةَ، وَكُنتُ فِي أَهلِي فَجَعَلتُ أَتَخَبَّرُ الأَخبَارَ، وَأَسأَلُ النَّاسَ حِينَ قَدِمَ المَدِينَةَ، حَتَّى قَدِمَ عَلَيَّ نَفَرٌ مِن أَهلِ يَثرِبَ مِن أَهلِ المَدِينَةَ فَقُلتُ: مَا فَعَلَ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي قَدِمَ المَدِينَةَ؟ فَقَالُوا: النَّاسُ إِلَيهِ سِرَاعٌ، وَقَد أَرَادَ قَومُهُ قَتلَهُ فَلَم يَستَطِيعُوا ذَلِكَ، فَقَدِمتُ المَدِينَةَ، فَدَخَلتُ عَلَيهِ فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَتَعرِفُنِي؟ قَالَ: نَعَم، أَنتَ الَّذِي لَقِيتَنِي بِمَكَّةَ؟ قَالَ: فَقُلتُ: بَلَى، فَقُلتُ: يَا نَبِيَّ الله! أَخبِرنِي عَمَّا عَلَّمَكَ الله وَأَجهَلُهُ، أَخبِرنِي عَنِ الصَّلاةِ؟ قَالَ:\nــ\nالنبي - ﷺ -، أعني: عن سعد -، فلم يذكره، إما ذهولا عنه، وإما لأن سعدًا لم يكن حاضرًا إذ ذاك بمكة، وإما لأمر آخر. والله أعلم. وقد تقدم الكلام على قرني الشيطان في الإيمان، وعلى ما تضمنه من الأوقات فيها، وعلى تكفير الخطايا في الطهارة.\nوقوله: إني متبعك، معناه: أصحبك. وأكون معك في موضعك، ولذلك أجابه بقوله: إنك لا تستطيع يومك هذا، ولم يرد عليه إسلامه، وإنما ردّ عليه كونه معه.\nوقوله: فإذا سمعت أني قد ظهرت؛ أي: علوت وغلبت، وهذا من إخباره - ﷺ - بالغيب، فهو داخل في باب دلالات نبوته، فإنه أخبر عن غيب وقع على نحو ما أخبر عنه، وهذا معنى قوله - تعالى -: لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ؛ أي: ليعليه.\nوقوله: أخبرني عن الصلاة: سؤال عن تعيين الوقت الذي يجوز التنفل فيه من الوقت الذي لا يجوز، وإنما قُلنا ذلك؛ لأنه - ﷺ - فَهِم عنه ذلك، فأجابه به،","vol":"2","page":461},{"text":"صَلِّ صَلاةَ الصُّبحِ، ثُمَّ أَقصِر عَنِ الصَّلاةِ حَتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ حَتَّى تَرتَفِعَ، فَإِنَّهَا تَطلُعُ حِينَ تَطلُعُ بَينَ قَرنَي شَيطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسجُدُ لَهَا الكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ، فَإِنَّ الصَّلاةَ مَشهُودَةٌ مَحضُورَةٌ حَتَّى يَستَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمحِ، ثُمَّ أَقصِر عَنِ الصَّلاةِ، فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسجَرُ جَهَنَّمُ، فَإِذَا أَقبَلَ الفَيءُ فَصَلِّ، فَإِنَّ الصَّلاةَ مَشهُودَةٌ مَحضُورَةٌ، حَتَّى تُصَلِّيَ العَصرَ، ثُمَّ أَقصِر عَنِ الصَّلاةِ حَتَّى تَغرُبَ الشَّمسُ، فَإِنَّهَا تَغرُبُ بَينَ قَرنَي شَيطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسجُدُ لَهَا الكُفَّارُ. قَالَ:\nــ\nولو كان سؤاله عن غير ذلك لما كان يكون جوابه مطابقًا للسؤال.\nوقوله: أقصر؛ أي: كف. وتُسَجَّر؛ أي: تملأ، ومنه: البحر المسجور؛ أي: المملوء. واسم إن محذوف، وهو ضمير الأمر والشأن. تقديره: فإنه حينئذٍ؛ كما قال الشاعر:\nإن من يدخل الكنيسة يومًا\nأي: إنه من، ويجوز إثباته؛ كما قال - تعالى -: إِنَّهُ مَن يَأتِ رَبَّهُ مُجرِمًا.\nوقوله: حتى يستقل الظل بالرمح؛ أي: يكون ظلُّه قليلا، كأنه قال: حتى يقل ظل الرمح، والباء زائدة؛ كما قال - تعالى -: وَمَن يُرِد فِيهِ بِإِلحَادٍ بِظُلمٍ. وقد رواه أبو داود، فقال: حتى يعدل الرمح ظله. قال الخطابي: هذا إذا قامت الشمس، وتناهى قصر الظل. وقد روى الخشني لفظ كتاب مسلم: حتى يستقلّ ظل الرمح؛ أي: يقوم، ولا تظهر زيادته. وفيه حجة لمن منع الصلاة حينئذ؛ وهم أهل الرأي، وقد روي عن مالك، ومشهور مذهبه ومذهب جمهور العلماء: جواز الصلاة حينئذٍ، وحجتهم: عمل المسلمين في جميع الأقطار على جواز التنفُّل يوم الجمعة إلى صعود الإمام على المنبر عند الزوال. قال القاضي أبو الفضل: وتأوّل الجمهور الحديث: على أنه منسوخ بإجماع عمل الناس، أو يكون المراد به: الفريضة، ويكون موافقًا لقوله: إذا اشتد الحرّ فأبردوا عن","vol":"2","page":462},{"text":"فَقُلتُ: يَا رسول الله، فَالوُضُوءَ؟ حَدِّثنِي عَنهُ. قَالَ: مَا مِنكُم رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ فَيَتمَضمَضُ وَيَستَنشِقُ فَيَستنَثِرُ إِلا خَرَّت خَطَايَا وَجهِهِ وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ، ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجهَهُ كَمَا أَمَرَهُ الله إِلا خَرَّت خَطَايَا وَجهِهِ مِن أَطرَافِ لِحيَتِهِ مَعَ المَاءِ، ثُمَّ يَغسِلُ يَدَيهِ إِلَى المِرفَقَينِ إِلا خَرَّت خَطَايَا يَدَيهِ مِن أَنَامِلِهِ مَعَ المَاءِ، ثُمَّ يَمسَحُ رَأسَهُ إِلا خَرَّت خَطَايَا رَأسِهِ مِن أَطرَافِ\nــ\nالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم (١). قلت: وفي هذا نظر، وهو: أنه لا يصحّ أن يكون نسخًا على حقيقته، وإنما هو تخصيص، فإنه إخراج بعض ما تناوله اللفظ الأول، لا رفع لكلية ما يتناوله. وأما قولهم: إن هذا في الفريضة، فليس بصحيح؛ لوجهين:\nأحدهما: أن مقصود هذا الحديث: بيان الوقت الذي يجوز فيه التنفل من الوقت الذي لا يجوز فيه؛ كما قررناه آنفًا.\nوثانيهما: حديث عقبة بن عامر المتقدم (٢)، فإنه قال فيه: ثلاث ساعات نهانا رسول الله - ﷺ - أن نصلّي فيهن، وذكر هذا الوقت، ومقصوده قطعًا: بيان حكم التنفل في هذه الأوقات، فالظاهر: حمل النهي على منع التنفل في هذه الأوقات الثلاثة؛ إلا في يوم الجمعة؛ جمعًا بين الأحاديث والإجماع المحكي. والله - تعالى - أعلم.\nوقوله: خرّت خطاياه: رواية أكثرهم بالخاء المعجمة؛ أي: سقطت، وهو كناية عن مغفرة الذنوب. وعند أبي جعفر: جرت بالجيم في الأولى، وقد رويناه بالجيم في جميعها، ومعناه صحيح؛ كما قال: خرجت خطاياه مع الماء.\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٢٦٦ و٣٩٤ و٤٦٢)، والبخاري (٥٣٣)، ومسلم (٦٤٥)، وأبو داود (٤٠٢)، والترمذي (١٥٧)، والنسائي (١/ ٢٤٨ و٢٤٩) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) سبق في التلخيص برقم (٦٩٩).","vol":"2","page":463},{"text":"شَعرِهِ مَعَ المَاءِ، ثُمَّ يَغسِلُ قَدَمَيهِ إِلَى الكَعبَينِ، إِلا خَرَّت خَطَايَا رِجلَيهِ مِن أَنَامِلِهِ مَعَ المَاءِ، فَإِن هُوَ قَامَ فَصَلَّى، فَحَمِدَ الله وَأَثنَى عَلَيهِ، وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهلٌ، وَفَرَّغَ قَلبَهُ لِلَّهِ إِلا انصَرَفَ مِن خَطِيئَتِهِ كَهَيئَتِهِ يَومَ وَلَدَتهُ أُمُّهُ.\nرواه أحمد (٤/ ١١٢)، ومسلم (٨٣٢)، وأبو داود (١٢٧٧)، والنسائي (١/ ٢٧٩ - ٢٨٠)، وابن ماجه (١٢٥١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>(١٢٤) باب في الركعتين بعد العصر</span>\n[٧٠١]- عَن كُرَيبٍ مَولَى ابنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ عَبدَ الله بنَ عَبَّاسٍ، وَعَبدَ الرَّحمَنِ بنَ أَزهَرَ، وَالمِسوَرَ بنَ مَخرَمَةَ أَرسَلُوهُ إِلَى عَائِشَةَ زَوجِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالُوا: اقرَأ ﵍ مِنَّا جَمِيعًا، وَسَلهَا عَنِ الرَّكعَتَينِ بَعدَ العَصرِ، وَقُل: إِنَّا أُخبِرنَا أَنَّكِ تُصَلِّينَهُمَا، وَقَد بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنهُمَا، قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: وَكُنتُ أَصرفُ مَعَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ النَّاسَ عَنهُمَا،\nــ\nوقوله: وفرغ قلبه لله؛ أي: مما يشغله عن الصلاة؛ كما قال: لا يحدث فيها نفسه.\nوقوله: إلا انصرف من خطيئته كهيئته في يوم ولدته أمه؛ أي: لا يبقى عليه شيء، لا كبيرة ولا صغيرة؛ هذا ظاهره. وقد بينا هذا المعنى في الطهارة.\n(١٢٤) ومن باب: الركعتين بعد العصر\nقول: كنت أصرف مع عمر بن الخطاب الناس عنهما: هذه رواية السمرقندي، ومعناه: أمنع. ورواية أكثر الرواة: أضرب من الضرب، ويحتمل أن","vol":"2","page":464},{"text":"قَالَ كُرَيبٌ: فَدَخَلتُ عَلَيهَا وَبَلَّغتُهَا مَا أَرسَلُونِي بِهِ، فَقَالَت: سَل أُمَّ سَلَمَةَ، فَخَرَجتُ إِلَيهِم فَأَخبَرتُهُم بِقَولِهَا، فَرَدُّونِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ بِمِثلِ مَا أَرسَلُونِي بِهِ إِلَى عَائِشَةَ، فَقَالَت أُمُّ سَلَمَةَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَنهَى عَنهُمَا، ثُمَّ رَأَيتُهُ يُصَلِّيهِمَا، أَمَّا حِينَ صَلاهُمَا فَإِنَّهُ صَلَّى العَصرَ، ثُمَّ دَخَلَ وعِندِي نِسوَةٌ مِن بَنِي حَرَامٍ مِنَ الأَنصَارِ، فَصَلاهُمَا، فَأَرسَلتُ إِلَيهِ الجَارِيَةَ فَقُلتُ: قُومِي بِجَنبِهِ فَقُولِي لَهُ: تَقُولُ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي سمعتكَ تَنهَى عَن هَاتَينِ الرَّكعَتَينِ، وَأَرَاكَ تُصَلِّيهِمَا؟ فَإِن أَشَارَ بِيَدِهِ فَاستَأخِرِي عَنهُ، قَالَ: فَفَعَلَتِ الجَارِيَةُ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ فَاستَأخَرَت عَنهُ، فَلَمَّا انصَرَفَ قَالَ: يَا بِنتَ أَبِي أُمَيَّةَ، سَأَلتِ عَنِ الرَّكعَتَينِ بَعدَ العَصرِ، إِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِن عَبدِ القَيسِ بِالإِسلامِ مِن قَومِهِم فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكعَتَينِ اللَّتَين بَعدَ الظُّهرِ، فَهُمَا هَاتَانِ.\nرواه البخاري (١٢٣٣)، ومسلم (٨٣٤)، وأبو داود (١٢٧٣)، والنسائي (١/ ٢٨١ - ٢٨٢).\nــ\nيكون هذا مثل: أصرف؛ أي: أمنع؛ من الضرب على اليد، ويحتمل أن يكون من الضرب بالدِّرَّة تأديبًا. وقد جاء ما يعضد هذا في الموطأ (١): أن عمر كان يضرب بالدِّرَّة على الصلاة في هذا الوقت، وهو معلوم من فعله - ﵁ -، وإنما كان عمر [يمنع من ذلك] (٢)؛ للنهي الوارد في ذلك، وهذا القول صادر عن كريب.\nوما رُوي عن النبي - ﷺ - من فعله لهما على ما في حديث أم سلمة؛ فقد ذكرت أم سلمة القضية، وتممتها عائشة - ﵂ - بقولها: ثم أثبتها، وكان إذا صلّى صلاة أثبتها، وقد روى أبو داود عن عائشة أنها قالت: إن رسول الله - ﷺ - كان يُواصل وينهى عن الوصال، ويصلّي بعد العصر، وينهى عنها، وهذا نصٌ جليٌ في\n_________\n(١) بل هذا في صحيح مسلم، وسيأتي في التلخيص برقم (١٠٠٤). وانظر: المصنف لابن أبي شيبة (٣/ ٣٥١).\n(٢) في (ع): يفعل ذلك.","vol":"2","page":465},{"text":"[٧٠٢]- وَعَن أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنِ السَّجدَتَينِ اللَّتَينِ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّيهِمَا بَعدَ العَصرِ؟ فَقَالَت: كَانَ يُصَلِّيهِمَا قَبلَ العَصرِ، ثُمَّ إِنَّهُ شُغِلَ عَنهُمَا أَو نَسِيَهُمَا، فَصَلاهُمَا بَعدَ العَصرِ، ثُمَّ أَثبَتَهُمَا، وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلاةً أَثبَتَهَا.\nرواه مسلم (٨٣٥) (٢٩٨).\n[٧٠٣]- وَعَنهُمَا، قَالَت: صَلاتَانِ مَا تَرَكَهُمَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي بَيتِي قَطُّ، سِرًّا وَلا عَلانِيَةً: رَكعَتَينِ قَبلَ الفَجرِ وَرَكعَتَينِ بَعدَ العَصرِ.\nرواه أحمد (٦/ ١٥٩)، ومسلم (٨٣٥) (٣٠٠).\n* * *\nــ\nخصوصيته - ﷺ - بذلك، فلا ينبغي لأحد أن يصلّي في هذه الأوقات المنهي عنها نفلا مبتدأً.\nقلت: ويظهر لي أن النهي عن الصلاة في هذا الوقت، هو ذريعةٌ لئلا تُوقَعَ الصلاة في الوقت الذي إذا صَلَّى فيه قارن فعلُه فعل الكفار، ووقع التشابه بينهم، فإذا أُمِنَتِ العّلةُ التي لأجلها نهي عن الصلاة فيه، جاز ذلك؛ كما فعلت عائشة - ﵂ -، وكما فعله النبي - ﷺ - على قول (١) من لا يرى خصوصيته بذلك، لكن عموم المنع في الوقت كلّه أدفع للذريعة، وأسدُّ للباب، فيمنع مطلقًا. والله أعلم.\nوقول عائشة في الركعتين بعد العصر: إن النبي - ﷺ - ما تركهما في بيتها قط؛ تعني: في الوقت الذي شغل عن الركعتين بعد الظهر، فقضاهما بعد العصر، ثم داوم عليهما، فأخبرت هنا عن الدوام، وإلا فقبلَ أن يفعلَ هذا لم يكن يُصليهما بعد العصر، وبهذا يتفق الجمع بين أحاديثها في هذا الباب، والله تعالى أعلم. وفي هذا الحديث أبواب من الفقه لا تخفى.\n_________\n(١) من (هـ) و(ظ).","vol":"2","page":466},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-272>(١٢٥) باب الركوع بعد الغروب وقبل المغرب</span>\n[٧٠٤]- عَن مُختَارِ بنِ فُلفُلٍ قَالَ: سَأَلتُ أَنَسَ بنَ مَالِكٍ عَنِ التَّطَوُّعِ بَعدَ العَصرِ؟ فَقَالَ: كَانَ عُمَرُ يَضرِبُ بِالأَيدِي عَلَى صَلاةٍ بَعدَ العَصرِ، وَكُنَّا نُصَلِّي عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - رَكعَتَينِ بَعدَ غُرُوبِ الشَّمسِ قَبلَ صَلاةِ المَغرِبِ، فَقُلتُ لَهُ: أَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - صَلاهُمَا؟ قَالَ: كَانَ يَرَانَا نُصَلِّيهِمَا، فَلَم يَأمُرنَا وَلَم يَنهَنَا.\nرواه مسلم (٨٣٦).\nــ\n(١٢٥) ومن باب: الركوع بعد الغروب\nظاهر حديث أنس: أن الركعتين بعد غروب الشمس وقبل صلاة المغرب كان أمرًا قرّر النبى - ﷺ - أصحابه عليه. وأنهم عملوا بذلك، وتضافروا عليه، حتى كانوا يبتدرون السواري لذلك. وهذا يدلُّ على [الجواز وعدم الكراهية، بل على] (١) الاستحباب لا سيّما مع قوله - ﷺ -: بين كل أذانين صلاة. وإلى جواز ذلك ذهب كثير من السلف، وأحمد، وإسحاق، وروي عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وجماعة من الصحابة - ﵃ -: أنهم كانوا لا يصلونها، وهو قول مالك والشافعي. وقال النخعي: هي بدعة، وكأنه لم يبلغه حديث أنس. قال ابن أبي صفرة: وصلاتُها كان في أول الإسلام؛ ليتبَّين خروج الوقت المنهي عنه بمغيب الشمس، ثم التزم الناس المبادرة بالمغرب؛ لئلا يتباطأ الناس عن وقت الفضيلة للمغرب، وقد يُقال: لأن وقتها واحد؛ على قول أكثر العلماء، ولا خلاف بينهم في: أن المبادرة بها وإيقاعها في أول وقتها أفضل، وتجويز الاشتغال بغيرها في ذلك الوقت ذريعة إلى خلاف ذلك.\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"2","page":467},{"text":"[٧٠٥]- وَعَنهُ قَالَ: كُنَّا بِالمَدِينَةِ فَإِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ المَغرِبِ ابتَدَرُوا السَّوَارِيَ، فَركَعُواَ رَكعَتَينِ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ الغَرِيبَ لَيَدخُلُ المَسجِدَ فَيَحسِبُ أَنَّ الصَّلاةَ قد صُلِّيَت مِن كَثرَةِ مَن يُصَلِّيهِمَا.\nرواه البخاري (٦٢٥)، ومسلم (٨٣٧)، والنسائي (٢/ ٢٨ و٢٩).\n[٧٠٦]- وعَن عَبدِ الله بنِ مُغَفَّلٍ المُزَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: بَينَ كُلِّ أَذَانَينِ صَلاةٌ. قَالَهَا ثَلاثًا، قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: لِمَن شَاءَ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: لِمَن شَاءَ.\nرواه أحمد (٤/ ٨٦ - ٥/ ٥٦)، والبخاري (٦٢٧)، ومسلم (٨٣٨)، وأبو داود (١٢٢١)، وابن ماجه (١١٦٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>(١٢٦) باب صلاة الخوف</span>\n[٧٠٧]- عَنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - صَلاةَ الخَوفِ،\nــ\nوقوله: بين كل أذانين صلاة؛ يعني: الأذان والإقامة، وغَلب عليهما اسم الأذان؛ لأن فيهما إعلامًا بالشروع في الصلاة، ووجه هذا الحديث: أنه إذا أُذِّنَ للصلاةٍ فقد خرج وقت النهي، فتجوز الصلاة حينئذٍ، والله تعالى أعلم.\n(١٢٦) ومن باب: صلاة الخوف\nقولنا: صلاة الخوف: هي الصلاة المعهودة تحضر والمسلمون مُتعرّضون لحرب العدو، وقد اختلف العلماء: هل للخوف تأثير في تغيير الصلاة المعهودة","vol":"2","page":468},{"text":"بِإِحدَى الطَّائِفَتَينِ رَكعَةً، وَالطَّائِفَةُ الأُخرَى مُوَاجِهَةُ العَدُوِّ، ثُمَّ انصَرَفُوا،\nــ\nعن أصل مشروعيتها المعروفة (١) أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أن للخوف تأثيرا في تغيير الصلاة، على ما يأتي تفصيل مذاهبهم. وذهب أبو يوسف إلى أنه لا تغيير في الصلاة لأجل الخوف اليوم، وإنما كان التغيير المروي في ذلك، والذي عليه القرآن، خاصًّا بالنبي - ﷺ - مستدلا بخصوصية خطابه تعالى لنبيه - ﷺ - بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِم فَأَقَمتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ قال: فإذا لم يكن فيهم لم تكن صلاة الخوف. وهذا لا حجة فيه لثلاثة أوجه:\nأحدها: أنا قد أمرنا باتباعه، والتأسِّي به، فيلزم اتباعه مطلقًا؛ حتى يدلّ دليل واضح على الخصوص، ولا يصلح ما ذكره دليلا على ذلك، ولو كان مثل ذلك دليلا على الخصوصية؛ للزم قصر الخطابات على من توجهت له، وحينئذ يلزم أن تكون الشريعة قاصرةً (٢) على من خوطب بها. لكن قد تقرر بدليل إجماعي؛ أن حُكمَه على الواحد حُكمه على الجميع، وكذلك ما يخاطب هو به؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسبُكَ اللَّهُ﴾ ونحوه كثير.\nوثانيها: أنه قد قال - ﷺ -: صلوا كما رأيتموني أصلي (٣).\nوثالثها: أن الصحابة - ﵃ - اطَّرحوا توهُّم الخصوص في هذه الصلاة، وعَدَّوهُ إلى غير النبي - ﷺ -، وهم أعلم بالمقال، وأقعد بالحال، فلا يُلتفت إلى قول من ادعى الخصوصية.\n_________\n(١) في (ع): المعهودة.\n(٢) في (ع): مقصورة.\n(٣) رواه أحمد (٥/ ٥٣)، والبخاري (٦٠٠٨)، ومسلم (٦٧٤)، وأبو داود (٥٨٩)، والترمذي (٢٠٥)، والنسائي (٢/ ٧٧) من حديث مالك بن الحويرث ﵁.","vol":"2","page":469},{"text":"وَقَامُوا فِي مَقَامِ أَصحَابِهِم، مُقبِلِينَ عَلَى العَدُوِّ، وَجَاءَ أُولَئِكَ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمُ\nــ\nثم اختلف الجمهور في كيفية صلاة الخوف على أقوال كثيرة لاختلاف الأحاديث المروية في ذلك، فلنذكر تلك الأحاديث، ونذكر مع كل حديث من قال به إن وجدنا ذلك - إن شاء الله تعالى -. فلنبدأ من ذلك بالحديث الأول؛ وهو حديث ابن عمر (١)، ومضمونه: أنه - ﷺ - صلى بإحدى الطائفتين ركعة، والأخرى مواجهة العدو، ثم انصرفوا، وقاموا مقام أصحابهم مقبلين على العدو، وجاء أولئك، وصلى بهم ركعة، ثم سلَّم، فقضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة، وبه أخذ الأوزاعي وأشهب، وحُكي عن الشافعي. واختلف في تأويل قضائهم؛ فقيل: قضوا معًا، وهو تأويل ابن حبيب، وعليه حمل قول أشهب. وقيل: قضوا مفترقين؛ مثل حديث ابن مسعود، وهو المنصوص لأشهب.\nالحديث الثاني: حديث جابر (٢)، وذلك أنه - ﷺ - صفهم صفين خلفه، والعدو بينهم وبين القبلة، وصلى بهم جميعهم (٣) صلاة واحدة، لكنه لَمَّا سجد؛ سجد معه الصف الأول (٤) الذي يليه، وقام الصف المؤخر، ثم تقدموا وتأخر المقدم، ثم عملوا بالركعة الثانية كما فعلوا في الأولى. ونحوه حديث ابن عباس. وبهذا قال ابن أبي ليلى، وأبو يوسف في قولٍ له: إذا كان العدوّ في القبلة، وروي عن الشافعي، واختاره بعض أصحابه وأصحابنا.\nالحديث الثالث: حديث سهل بن أبي حَثمَة (٥)؛ وهو أنه - ﷺ - صلى بالطائفة الأولى ركعة، ثم ثبت قائمًا، فأتَمُّوا لأنفسهم، ثم انصرفوا، وصفوا وجاه العدوّ،\n_________\n(١) انظر تخريجه في التلخيص (١٠٠٧).\n(٢) انظره في التلخيص (١٠٠٨).\n(٣) في (ع): جميعًا.\n(٤) من (ع).\n(٥) انظره في التلخيص (١٠٠٩).","vol":"2","page":470},{"text":"النَّبِيُّ - ﷺ - رَكعَةً، ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ - ﷺ - ثُمَّ قَضَى هَؤُلاءِ رَكعَةً، وَهَؤُلاءِ رَكعَةً.\nــ\nوجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم ركعةً، ثم ثبت جالسًا حتى أتَمُّوا، ثم سلّم بهم. ونحوه حديث صالح. وبهذا قال مالك، والشافعي، وأبو ثور.\nالحديث الرابع: حديث أبي سلمة عن جابر (١): أنه صلى أربع ركعات، بكل طائفة ركعتين، وهو اختيار الحسن، وذُكر عن الشافعي، ورواه غير مسلم من طريق أبي بكرة وجابر. وأنه سلم من كل ركعتين. قال الطحاوي: إنما كان هذا في أول الإسلام؛ إذ كان يجوز أن تُصلى الفريضة مرتين، ثم نُسخ ذلك.\nالحديث الخامس: رواه أبو هريرة (٢)، وابن مسعود (٣): أنه - ﷺ - صلى بالطائفة التي وراءه ركعة، ثم انصرفوا، ولم يسلموا، فوقفوا بإزاء العدوّ، وجاء الآخرون، فصلى بهم ركعة، ثم سلم، فقضى هؤلاء ركعتهم، ثم سلموا، وذهبوا، فقاموا مقام أولئك، ورجع أولئك فصلوا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا. والفرق بين هذه الرواية ورواية ابن عمر: أن ظاهر قضاء أولئك في حديث ابن عمر في حالة واحدة، ويبقى الإمام كالحارس وحده، وها هنا قضاؤهم متفرق على صفة صلاتهم، وقد تأوّل بعضهم حديث ابن عمر على ما في حديث ابن مسعود، وبهذا أخذ أبو حنيفة وأصحابه، إلا أبا يوسف، وهو نص (٤) قول أشهب من أصحابنا؛ خلاف ما تأوّل عليه ابن حبيب.\nالحديث السادس: ذكره أبو داود من حديث ابن مسعود (٥): أنه - ﷺ - كبّر فكبّر\n_________\n(١) رواه البخاري (٤١٣٦).\n(٢) رواه أبو داود (١٢٤٠ و١٢٤١)، والترمذي (٣٥٣٨)، والنسائي (٣/ ١٧٣ و١٧٤).\n(٣) رواه أبو داود (١٢٤٤).\n(٤) من (ع) و(ظ).\n(٥) رواه أبو داود (١٢٤٥).","vol":"2","page":471},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمعه الصفّان جميعًا، وفيه: أن الطائفة الثانية لَمَّا صلت معه ركعةً وسلمت؛ رجعت إلى مقام أصحابهم، وجاءت الطائفة الأولى فصلّوا ركعة لأنفسهم، فرجعوا إلى مقام أصحابهم، وأتم أولئك لأنفسهم.\nالحديث السابع: ذكره أبو داود من رواية أبي هريرة (١): أنها قامت مع النبي - ﷺ - مقابلة العدو وظهورهم إلى القبلة، فكبّر جميعهم، ثم صلى بالذين معه ركعة، والآخرون قيام، ثم قام وذهبت الطائفة التي معه إلى العدو، وأقبلت تلك فصلى بهم ركعة، ثم أقبلت الطائفة الأولى، فصلوا ركعة ورسول الله - ﷺ - قائم، ثم صلى بهم ركعة، ثم أقبلت الطائفة الأولى، فصلت ركعة ورسول الله - ﷺ - قاعد ومن معه، ثم سلم، وسلموا جميعًا.\nالحديث الثامن: من حديث عائشة (٢)، عن رسول الله - ﷺ -: أنه كبّر وكبّرت معه الطائفة التي تليه، وصلى بهم ركعة وسجدة، وثبت جالسًا، وسجدوا هم السجدة التي بقيت لهم، ثم انصرفوا القهقرى، حتى قاموا من ورائهم، وجاءت الطائفة الأخرى فكبروا، ثم ركعوا - يعني لأنفسهم -، ثم سجد النبي - ﷺ - يعني سجدته التي بقيت عليه من الركعة الأولى، فسجدوا معه، ثم قام النبي - ﷺ -، وأتَمُّوا هم السجدة التي بقيت عليهم، ثم قامت الطائفتان، فصلى بهم جميعًا ركعة كأسرع الإسراع.\nالحديث التاسع: حديث ابن أبي حَثمَة (٣) من رواية صالح بن خوَّات عنه: أن الطائفة الأولى لَمَّا صلّت ركعتها مع النبي - ﷺ -، ثم صلّت الركعة الأخرى لنفسها\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٢٤٠).\n(٢) رواه أبو داود (١٢٤٢).\n(٣) انظره في التلخيص (١٠٠٩).","vol":"2","page":472},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nسلّمت، ثم تقدّمت، وجاءت الأخرى. وهذا خلاف الحديث الآخر الذي ذكر فيه آخرًا: ثم سلّم بهم جميعًا. ومن رواية القاسم في حديث ابن أبي حثمة: أنه - ﷺ - سلّم عند تمام صلاته الركعة الثانية بالطائفة الثانية، وأتَموا بعد سلامه؛ خلاف الروايات الأُخَر عن القاسم ويزيد بن رومان: أنه انتظرهم حتى قضوا، ثم سلّم. وقد اختلف قول مالك في الأخذ برواية القاسم، أو برواية يزيد. وبرواية القاسم أخذ أكثر أصحاب مالك لصحة القياس: أن القضاء إنما يكون بعد سلام الإمام. وهو اختيار أبي ثور، واختيار الشافعي في الرواية الأخرى.\nالحديث العاشر: ما رواه أبو داود من حديث حذيفة وأبي هريرة وابن عمر (١): أنه - ﷺ - صلّى بكل طائفة ركعة ولم يقضوا، ويؤيده حديث ابن عباس: صلاة الخوف ركعة، وبه قال إسحاق.\nثم اختلف العلماء في الأخذ بهذه الأحاديث؛ فمنهم من ذهب إلى أن هذه الكيفيات كلها جائزة، وأن الإمام مُخيّر في أيّها شاء فعل، ومِمَّن ذهب إليه: أحمد بن حنبل، والطبري وبعض الشافعية؛ قالوا: وقد يجوز أن يكون ذلك في مرّات على حسب شدّة الخوف، إلا أن أحمد اختار حديث سهل بن أبي حثمة، وقال: كلها جائزة، وذلك على قدر الخوف، وكل من عيَّن من هذه الكيفيات واحدة فبحسب ترجيحٍ حصل عنده أوجب له المصير إلى ما صار إليه؛ ولذلك قال الخطابي: صلاة الخوف أنواع صلاّها النبي - ﷺ - في أيام مختلفة، وأشكال متباينة، يتوخى فيها كلها ما هو أحوط للصلاة، وأبلغ في الحراسة. وذكر ابن القصار: أنه - ﷺ - صلاّها في عشرة مواضع، وذكر غيره: أنه صلاّها أكثر من هذا العدد، ففي حديث ابن أبي حثمة وأبي هريرة وجابر أنه صلاّها يوم\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٢٤٦).","vol":"2","page":473},{"text":"ثم قَالَ ابنُ عُمَرَ: فَإِذَا كَانَ خَوفٌ أَكثَرَ مِن ذَلِكَ فَصَلِّ رَاكِبًا أَو قَائِمًا، تُومِئُ إِيمَاءً.\nرواه أحمد (٢/ ١٤٧)، والبخاري (٩٤٢)، ومسلم (٨٣٩) (٣٠٥) و(٣٠٦)، وأبو داود (١٢٤٣)، والترمذي (٥٦٤)، والنسائي (٣/ ١٧١ و١٧٣)، وابن ماجه (١٢٥٨).\n[٧٠٨]- وعَن جَابِرٍ قَالَ: غَزَونَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَومًا مِن جُهَينَةَ. فَقَاتَلُونَا قِتَالا شَدِيدًا، فَلَمَّا صَلَّينَا الظُّهرَ قَالَ المُشرِكُونَ: لَو مِلنَا عَلَيهِم مَيلَةً لاقتَطَعنَاهُم. فَأَخبَرَ جِبرِيلُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - ذَلِكَ، وَذَكَرَ ذَلِكَ لَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -. قَالَ: وَقَالُوا: إِنَّهُ سَيأتِيهِم صَلاةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيهِم مِنَ الأَولادِ فَلَمَّا حَضَرَتِ العَصرُ، قَالَ: صَفَّنَا صَفَّينِ، وَالمُشرِكُونَ بَينَنَا وَبَينَ القِبلَةِ،\nــ\nذات الرقاع سنة خمس من الهجرة، وهي غزوة نجد وغطفان. وفي حديث ابن عباس: أنه صلاّها بعُسفان، ويوم بني سليم. وفي حديث جابر: في غزاة جهينة، وفي غزاة محارب بنجد. وقد ذكر بعضهم صلاته إيّاها ببطن نخل على باب المدينة. وعليها حمل بعضهم صلاته بكل طائفة ركعتين. لكن مسلمًا قد ذكرها في غزوة ذات الرقاع. وذكر الدارقطني: أنه صلى بهم المغرب ثلاثًا، ثلاثًا، وبه قال الحسن والجمهور في صلاة المغرب على خلاف هذا؛ وهو: أنه يصلي بالأولى ركعتين، وبالثانية ركعة، وتقضي؛ على اختلاف أصولهم فيه: متى يكون؛ هل قبل سلام الإمام أو بعده؟ على ما تقرر.\nوقول ابن عمر: فإن كان خوفٌ أكثر من ذلك؛ فصل راكبًا أو قائمًا، تومئ إيماءً: قال في الموطأ: مستقبل القبلة وغير مستقبلها. وبهذا أخذ مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وعامة الفقهاء، ويشهد له قوله تعالى: فَإِن خِفتُم فَرِجَالًا أَو رُكبَانًا. قال بعض علمائنا: بحسب ما يتمكن منه.","vol":"2","page":474},{"text":"قَالَ: فَكَبَّرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَكَبَّرنَا، وَرَكَعَ وَرَكَعنَا، ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الأَوَّلُ، فَلَمَّا قَامُوا سَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِي، ثُمَّ تَأَخّرَ الصَفُّ الأَوَّل وَتَقَدَّمَ الصَفُّ الثَّانِي فَقَامُوا مَقَامَ الأَوَّلِ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللهِ وَكَبَّرِنَّا وَرَكَعَ وَرَكَعنَا، ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ الصَفُّ الأَوَّل، وَقَامَ الثَّانِي، فَلَمَّا سَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِي، ثُمَّ جَلَسُوا جَمِيعًا، سَلَّمَ عَلَيهِم رَسُولُ اللهِ - ﷺ -.\nقَالَ أَبُو الزُّبَيرِ: ثُمَّ خَصَّ جَابِرٌ أَن قَالَ: كَمَا يُصَلِّي أُمَرَاؤُكُم هَؤُلاءِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ جَابِرٌ: كَمَا يَصنَعُ حَرَسُكُم هَؤُلاءِ بِأُمَرَائِهِم.\nرواه أحمد (٣/ ٢٩٨)، والبخاري (٤١٢٥)، ومسلم (٨٤٠) (٣٠٧) و(٣٠٨) والنسائي (٣/ ١٧٥ - ١٧٨)، وابن ماجه (١٢٦٠).\n[٧٠٩]- وعَن سَهلِ بنِ أَبِي حَثمَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - صَلَّى بِأَصحَابِهِ فِي الخَوفِ، فَصَفَّهُم خَلفَهُ صَفَّينِ، فَصَلَّى بِالَّذِينَ يَلُونَهُ رَكعَةً، ثُمَّ قَامَ فَلَم يَزَل قَائِمًا حَتَّى صَلَّى الَّذِينَ خَلفَهُم رَكعَةً، ثُمَّ تَقَدَّمُوا، وَتَأَخَّرَ الَّذِينَ كَانُوا قُدَّامَهُم، فَصَلَّى بِهِم رَكعَةً، ثُمَّ قَعَدَ حَتَّى صَلَّى الَّذِينَ تَخَلَّفُوا رَكعَةً ثُمَّ سَلَّمَ.\nرواه أحمد (٣/ ٤٤٨)، والبخاري (٤١٣١)، ومسلم (٨٤١)، وأبو داود (١٢٣٧ - ١٢٣٩)، والترمذي (٥٦٥)، والنسائي (٣/ ١٧٠ - ١٧١)، وابن ماجه (١٢٥٩).\nــ\nوقال جماعة من الصحابة والسَّلف: يُصلي في الخوف ركعة، يُومئ فيها إيماءً، وقاله الضحاك؛ قال: فإن لم يقدر على ركعة؛ فتكبيرتين حيث كان وجهه، وقال إسحاق: إن لم يقدر على ركعة إنما يصلي سجدة، فإن لم يقدر فتكبيرة، وقال الأوزاعي نحوه إذا تهيأ الفتح، لكن إن لم يقدر على ركعة ولا على سجدة؛ لم تجزه التكبيرة، وأخّرها حتى يَأمَنُوا. ومنع مكحول وبعض أهل الشام من صلاة","vol":"2","page":475},{"text":"[٧١٠]- وَعَن صَالِح بنِ خَوَّات، عَمن صَلَّىَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَومَ ذَاتِ الرِّقَاعِ، صَلاةَ الخَوفِ، أَنَّ طَائِفَةً صَفَّت مَعَهُ، وَطَائِفَةٌ وِجَاهَ العَدُوِّ، فَصَلَّى بِالَّذِينَ مَعَهُ رَكعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا وَأَتَمُّوا لأَنفُسهُم، ثُمَّ انصَرَفُوا فَصَفُّوا وِجَاهَ العَدُوِّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأُخرَى فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكعَةَ الَّتِي بَقِيَت، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا، وَأَتَمُّوا لأَنفُسِهِم، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِم.\nرواه أحمد (٣/ ٤٤٨)، والبخاري (٤١٢٩)، ومسلم (٨٤٢).\n[٧١١]- وعَن جَابِرٍ قَالَ: أَقبَلنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ، قَالَ: كُنَّا إِذَا أَتَينَا عَلَى شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ تَرَكنَاهَا لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ المُشرِكِينَ، وَسَيفُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مُعَلَّقٌ بِشَجَرَةٍ، فَأَخَذَ سَيفَ نَبِيِّ الله - ﷺ - فَاختَرَطَهُ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -: أَتَخَافُنِي؟ قَالَ: لا. قَالَ: فَمَن\nــ\nالخائف جملة متى لم يتهيأ له أن يأتي بها على وجهها، ويؤخّرها إلى أن يتمكنوا من ذلك، واحتجّوا بتأخير النبي - ﷺ - يوم الخندق، ولا حجة لهم فيه؛ لأن صلاة الخوف إنما شرعت بعد ذلك على ما تقدم. واختلف الذين قالوا بجواز ذلك للمطلوب في جواز ذلك للطالب، فمالك وجماعة من أصحابه على التسوية بينهما، وقال الشافعي والأوزاعي وفقهاء أصحاب الحديث وابن عبد الحكم: لا يصلي الطالب إلا بالأرض.\nثم اختلفوا فيما يباح له من العمل في الصلاة؛ فجمهورهم على جواز كل ما يحتاج إليه في مطاردة العدو، وما يضطر إليه من ذلك؛ من مشي ونحوه، وقال الشافعي: إنما يجوز من ذلك الشيء اليسير، والطعنة والضربة، فأما ما كثر فلا تجزئه الصلاة، ونحوه عن محمد بن الحسن.\nوقوله: وجاه العدو: بكسر الواو، وضمِّها؛ أي: مواجهته، ومقابلته.","vol":"2","page":476},{"text":"يَمنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: الله يَمنَعُنِي مِنكَ، قَالَ: فَتَهَدَّدَهُ أَصحَابُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَأَغمَدَ السَّيفَ وَعَلَّقَهُ، قَالَ: فَنُودِيَ بِالصَّلاةِ، فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكعَتَينِ ثُمَّ تَأَخَّرُوا، وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الأُخرَى رَكعَتَينِ، قَالَ: فَكَانَت لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَربَعُ رَكَعَاتٍ، وَلِلقَومِ رَكعَتَانِ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٦٤)، والبخاري (٤١٣٦) تعليقًا، ومسلم (٨٤٣) (٣١١).\n* * *\nــ\nواختلف في تسمية غزوة ذات الرقاع: بذات الرقاع، فقيل: سمّيت بذلك لجبل هناك، يقال له: الرقاع؛ لبياضٍ وحمرةٍ وسوادٍ فيه. وقيل: لأنهم لفُّوا على أرجلهم رقاعًا لَمَّا نقِبت. وقيل: لأنهم رقّعوا راياتهم.\n* * *","vol":"2","page":477},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-274>(٤) كتاب الجمعة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>(١) باب فضل الغسل للجمعة وتأكيده، ومن اقتصر على الوضوء أجزأه</span>\n[٧١٢]- عَن ابنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُم أَن يَأتِيَ الجُمُعَةَ فَليَغتَسِل.\nرواه أحمد (٢/ ٩ و٣٥ و٣٣٠)، والبخاري (٨٩٤)، ومسلم (٨٤٤)، والترمذي (٤٩٢)، والنسائي (٣/ ٩٣ و١٠٥)، وابن ماجه (١٠٨٨).\nــ\n(٤) كتاب الجمعة\n(١) باب فضل الغسل للجمعة وتأكيده (١)\nقوله - ﷺ -: إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل، وقوله - ﷺ -: غُسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم: ظاهر في وجوب غسل الجمعة، وبه قال أهل\n_________\n(١) العنوان مستدرك من التلخيص.","vol":"2","page":478},{"text":"[٧١٣]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: بَينَا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ يَخطُبُ النَّاسَ\nــ\nالظاهر، وحكي عن بعض الصحابة، وعن الحسن، وحكاه الخطابي عن مالك، ومعروف مذهبه وصحيحه: أنه سنة، وهو مذهب عامة أئمة الفتوى، وحملوا تلك الأحاديث على أنه واجب وجوب السنن المؤكدة، ودلّهم على ذلك أمور:\nأحدها: قوله - ﷺ - في حديث أبي هريرة: من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع وأنصت؛ غفر له، فذكر فيه الوضوء، واقتصر عليه دون الغسل، ورتَّب الصِّحة والثواب عليه. فدلَّ على أن الوضوء كافٍ من غير غُسل، وأن الغسل ليس بواجب.\nوثانيها: قوله - ﷺ - لهم حين وَجد منهم الريح الكريهة: لو اغتسلتم ليومكم هذا؟ ! . وهذا عرضٌ وتحضيضٌ، وإرشادٌ للنظافة المستحسنة، ولا يقال مثل ذلك اللفظ في الواجب.\nوثالثها: تقرير عمر والصحابة لعثمان - ﵃ - على صلاة الجمعة بالوضوء من غير غسل، ولم يأمروه بالخروج، ولم ينكروا عليه، فصار ذلك كالإجماع منهم على أن الغسل ليس بشرط في صحة الجمعة، ولا واجب.\nورابعها: ما يقطع مادة النزاع، ويحسم كل إشكال: حديث الحسن، عن سَمُرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل (١)، وهذا نصٌ في موضع الخلاف؛ غير أن سماع الحسن من سمرة مختلف فيه، وقد صح عنه أنه سمع منه حديث العقيقة، فيحمل حديثه عنه على السماع إلى أن يدلّ دليلٌ على غير ذلك. والله تعالى أعلم.\nوخامسها: أنه - ﵊ - قد قال: غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وسواك، ويمسُّ من الطيب ما قدر عليه. وظاهر هذا وجوب\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٥٤)، والترمذي (٤٩٧)، والنسائي (٣/ ٩٤).","vol":"2","page":479},{"text":"يَومَ الجُمُعَةِ، إِذ دَخَلَ عُثمَانُ بنُ عَفَّانَ، فَعَرَّضَ بِهِ عُمَرُ، فَقَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَأَخَّرُونَ بَعدَ النِّدَاءِ، فَقَالَ عُثمَانُ! يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ! مَا زِدتُ حِينَ\nــ\nالسواك والطيب، وليس كذلك بالاتفاق، يدلّ على أن قوله: واجب. ليس على ظاهره، بل المراد به ندب المؤكَّد؛ إذ لا يصح تشريك ما ليس بواجب مع الواجب في لفظ الواو (١) والله تعالى أعلم.\nوفي قوله - ﷺ -: إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل؛ دليل لمالك على أن الغسل إنما يجب عند الرواح متصلا به، كما هو مذهب مالك والأوزاعي، وأحد قولي الليث وغيرهم، وفيه نظر.\nوقوله - ﷺ -: على كل محتلم، يعني به: البالغ، وخصّ المحتلم بالذكر؛ لأن الاحتلام أكثر ما يبلغ به الرجال، وهو الأصل. وهذا كما قال في حق النساء: لا تقبل صلاة حائضٍ إلا بخمار (٢)، يعني بالحائض: البالغ من النساء، وخصّها به؛ لأن الحيض أغلب ما يبلغ به النساء من علامات البلوغ. وفيه دليل: على أن الجمعة لا تجب على صبي ولا امرأة؛ لأنه بيّن محل وجوبها.\nوقول عمر: ما بال رجال يتأخرون بعد النداء: إنكار منه على عثمان تأخره عن وقت وجوب السعي، ثم عذر عثمان حين اعتذر بقوله: ما زدت على أن توضأت؛ يعني: أنه ذَهَل عن الوقت، ثم تذكره، فإذا به قد ضاق عن الغسل، وكان ذهوله ذلك لعذر مُسوِّغ.\n_________\n(١) في هامش (هـ) حاشية: جاء تشريك ما ليس بواجب مع الواجب في كتاب الله تعالى.\nقال الله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ﴾ [الأنعام: ١٤١] فالأكل ليس بواجب، والإتيان واجب، والله تعالى أعلم.\n(٢) رواه أحمد (٦/ ٢١٨ و٢٥٩)، وأبو داود (٦٤١)، والترمذي (٣٧٧) من حديث عائشة.","vol":"2","page":480},{"text":"سَمِعتُ النِّدَاءَ أَن تَوَضَّأتُ ثُمَّ أَقبَلتُ. فَقَالَ عُمَرُ: وَالوُضُوءَ أَيضًا! أَلَم تَسمَعُوا أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُم إِلَى الجُمُعَةِ فَليَغتَسِل.\nرواه مسلم (٨٤٥) (٤).\n[٧١٤]- وَعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: غُسلُ يَومَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحتَلِمٍ، وَسِوَاكٌ، وَيَمَسُّ مِنَ الطِّيبِ مَا قَدَرَ عَلَيهِ.\nوَفِي أُخرَى: وَلَو مِن طِيبِ المَرأَةِ.\nرواه أحمد (٣/ ٦٠)، والبخاري (٢٦٦٥)، ومسلم (٨٤٦) (٧)، وأبو داود (٣٤١)، والنسائي (٢/ ٩٢)، وابن ماجه (١٠٨٩).\nــ\nوقول عمر - ﵁ -: والوضوء أيضًا؟ !: إنكار آخر على ترك السنة المؤكدة التي هي الغسل على جهة التغليظ، حتى لا يتهاون بالسنن، لا أنه كان يعتقد الغسل واجبًا، ويجوز في الوضوء النصب والرفع، فالرفع على أنه مبتدأ، وخبره محذوف، تقديره: الوضوءُ تقتصر عليه، والنصب على أنه مفعول بإضمار فعل تقديره: أتخصّ الوضوءَ دون الغسل؟ ! أو ما في معنى ذلك، والواو عِوَضٌ من همزة الاستفهام؛ كما قال تعالى: (قال فرعون وآمنتم به) (١) في قراءة ابن كثير.\nوقوله: ولو من طيب المرأة: يعني بذلك: الطيب المباح للنساء، المكروه للرجال، وهو ما ظهر لونه، فأباحه هنا لعدم غيره، ويدلّ هذا على تأكد التطيب للجمعة.\n_________\n(١) الآية هي قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [الأعراف: ١٢٣].","vol":"2","page":481},{"text":"[٧١٥]- وعَن عَائِشَةَ، قَالَت: كَانَ النَّاسُ يَنتَابُونَ الجُمُعَةَ، مِن مَنَازِلِهِم وَمِنَ العَوَالِي، فَيَأتُونَ فِي العَبَاءِ، وَيُصِيبُهُمُ الغُبَارُ، فتخرُجُ مِنهُمُ الرِّيحُ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - إِنسَانٌ مِنهُم وَهُوَ عِندِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَو أَنَّكُم تَطَهَّرتُم لِيَومِكُم هَذَا.\nرواه البخاري (٩٠٢)، ومسلم (٨٤٧)، وأبو داود (٣٥٢)، والنسائي (٣/ ٩٣ - ٩٤).\nــ\nوقول عائشة - ﵂ -: كان الناس ينتابون؛ أي: يجيئون. والانتياب: المجيء نوّبًا، والاسم: النوب، وأصله: ما كان من قرب؛ كالفرسخ والفرسخين. والكُفاةُ: جمع كافٍ؛ أي: عبيد وخدم يكفونهم العمل. والعباء: جمع عباءة، وهو كساء غليظ، وقد تقدم: أن أقرب العوالي من المدينة على ثلاثة أميال أو نحوها، وهذا ردّ على الكوفيّ الذي لا يوجبها على من كان خارج المصر، وخالفه في ذلك الجمهور؛ مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق؛ فقالوا: تجب الجمعة على من كان خارج المصر ممن يسمع النداء، غير أن مالكًا حدّه بثلاثة أميال، أخذًا بحديث عائشة هذا، وأيضًا فإن هذا المقدار يُسمع منه النداء من المؤذن الصيّت في الوقت الهادئ غالبًا. واختلف أصحابه: هل تعتبر الثلاثة الأميال من طرف المدينة، أو من المنار؟\nولا خلاف أنها تجب على أهل المصر، وإن عَظُم وزاد على ستة أميال، إلا شيئًا روي عن ربيعة: أن الجمعة إنما تجب على من إذا سمع النداء وخرج ماشيًا أدرك الصلاة، وروي عن جماعة أنها تجب على من آواه الليل إلى أهله (١)، فيجيء (٢) على هذا: أنها تجب على من يكون على نصف يومٍ، وهو مذهب\n_________\n(١) قوله (إلى أهله) من (هـ).\n(٢) في (ع) و(هـ): فيجب، وما أثبتناه من (ظ).","vol":"2","page":482},{"text":"[٧١٦]- وَعَنهَا، قَالَت: كَانَ النَّاسُ أَهلَ عَمَلٍ، وَلَم تكُن لَهُم كُفَاةٌ، فَكَانُوا يَكُونُ لَهُم تَفَلٌ، فَقِيلَ لَهُم: لَوِ اغتَسَلتُم يَومَ الجُمُعَةِ.\nرواه البخاري (٩٠٣)، ومسلم (٨٤٧).\n[٧١٧]- وعَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: حَقٌّ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ أَن يَغتَسِلَ فِي كُلِّ سَبعَةِ أَيَّامٍ، يَغسِلُ رَأسَهُ وَجَسَدَهُ.\nرواه مسلم (٨٤٩).\nــ\nالحكم والأوزاعي وعطاء وأبي ثور، وذهب الزهري إلى أنها تجب على من هو من المصر على ستة أميال. وروي عنه وعن ابن المنكدر، وربيعة: أربعة أميال.\nوقوله: فيكون لهم تَفَل: بالتاء باثنتين من فوق، وفتح الفاء؛ وهي الرائحة الكريهة. وفي رواية الأم: فيصيبهم الغبار والعرق، وهو دليل: على أنهم كانوا يُهجِّرون.\nوقوله: حقُّ الله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام: لم يُعيّن في الصحيح يوم هذا الغسل، وقد عينّه البزار في زيادة زادها في هذا الحديث. قال: وهو يوم الجمعة (١). وتمسك به من قال من أهل الظاهر: بأن الغسل ليوم الجمعة لا للجمعة، ولا حجة فيه؛ لأن الصحيح ليس فيه: يوم الجمعة. والمفسر ظاهره أنه قول الراوي، والله تعالى أعلم. والصحيح أن الغسل للجمعة لإضافته إليها، ولأن معقوله المبالغة في النظافة؛ كما فهم من حديث عائشة المتقدِّم.\n_________\n(١) رواه البزار (٦٢٤) من حديث ثوبان، كما في كشف الأستار (١/ ٣٠٠).","vol":"2","page":483},{"text":"[٧١٨]- وَعَنهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: مَنِ اغتَسَلَ يَومَ الجُمُعَةِ غُسلَ الجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَن رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَن رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبشًا أَقرَنَ، وَمَن رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَن رَاحَ فِي السَّاعَةِ الخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ المَلائِكَةُ يَستَمِعُونَ الذِّكرَ.\nــ\nوقوله - ﷺ -: من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة: يعني في الصفة. والأغسال الشرعية كلها على صفة واحدة وإن اختلفت أسبابها. وهكذا رواية الجمهور، ووقع عند ابن ماهان: غسل الجمعة مكان غسل الجنابة. وفي كتاب أبي داود من حديث أوس بن أوس مرفوعًا - مشدد السين -: من غسَّل واغتسل (١)، وذكر نحو حديث مسلم. وقد روي مخفف السين، وروايتنا التشديد. واختُلف في معناه، فقيل: معناه: جامَعَ؛ يقال: غسَل وغَسَّل؛ أي: جامَعَ. قالوا: ليكون أغضَّ لبصره في سعيه إلى الجمعة. وقيل في التشديد: أوجب الغسل على غيره، أو حمله عليه. وقيل: غسّل للجنابة، واغتسل للجمعة، وقيل: غسّل رأسه، واغتسل في بقية جسده. وقيل: غسَّل: بالغ في النظافة والدَّلكِ، واغتسل: صبّ الماء عليه. وأنسبُ ما في هذه الأقوال: قول من قال: حمل غيره على الغسل بالحث والترغيب والتذكير، والله تعالى أعلم.\nوقوله: ثم راح. والرواح في أصل اللغة: الرجوع بِعَشِيّ، ومنه قول امرئ القيس:\nورحنا كأنَّا من جُواثَى عَشِيَّةً ... نُعالي النِّعاجَ بَينَ عِدلٍ وَمِحقَبِ\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٤٥)، وانظر: الترغيب والترهيب رقم (١٠٢٥).","vol":"2","page":484},{"text":"رواه أحمد (٢/ ٤٦٠)، والبخاري (٨٨١)، ومسلم (٨٥٠)، وأبو داود (٣٥١)، والترمذي (٤٩٩)، والنسائي (٣/ ٩٧ - ٩٩)، وابن ماجه (١٠٩٢).\nــ\nوأول العشي: زوال الشمس، وهو أوّل وقت أمرنا الله فيه بالسعي إلى الجمعة؛ لأنه تعالى قد قال: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَومِ الجُمُعَةِ فَاسعَوا﴾ وهذا النداء هو الذي يحصل به الإعلام بدخول الوقت، وبعده يخرج الإمام فيجلس على المنبر، ويؤذن الأذان الثاني، وفائدته: الإعلام بحضور الخطبة، وعند هذا الأذان تطوي الملائكة صحف المبكِّرين، ويستمعون الذكر، كما جاء في حديث أبي هريرة، ولذلك قال العراقيون من أصحابنا: للجمعة أذانان: عند الزوال، وعند جلوس الإمام على المنبر. وهذه الساعات المذكورة في هذا الحديث هي مراتب أوقات الرائحين إلى الجمعة، من أول وقت الزوال إلى أن يجلس الإمام على المنبر ويؤذن الأذان الثاني، وليست عبارة عن الساعات التعديلية التي النهار منها: اثنتي عشرة ساعة، وهذا الذي ذكرناه هو مذهب مالك، وخالفه في ذلك الشافعي. وأكثر العلماء وابن حبيب من أصحابنا قالوا: هذه الساعات المذكورات في هذا الحديث هي المعروفة عند المعدِّلين، وعلى هذا الخلاف انبنى الخلاف في الأفضل: هل البكور إليها من أوّل ساعات النهار إلى الزوال؟ أو الأفضل البكور في أول الزوال إلى أن يجلس الإمام على المنبر؟ واحتجَّ لمالك بثلاثة أوجه:\nأحدها: التمسك بلفظ: الرواح، كما تقدم. ولئن سُلِّم أنه يُقال على المشي مطلقًا؛ فعلى خلاف الأصل، وهو مجاز. ولا يُعارضُ هذا بما في حديث الآخر من قوله: المهجِّر إلى الجمعة (١)، فيقال: إنه من الهاجرة، وذلك قبل\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٢٣٩ و٢٥٩)، والنسائي (٣/ ٩٨) من حديث أبي هريرة.","vol":"2","page":485},{"text":"[٧١٩]- وَعَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: مَن تَوَضَّأَ فَأَحسَنَ\nــ\nالزوال؛ لأنا لا نُسلِّم أنها تختصّ بما قبل الزوال، بل بشدَّة الحرّ. فهو صالح لما قبل الزوال وبعده. فبين لفظ الرواح أن المراد به ما بعد الزوال. ولا يُقال: إنّ حقيقة الساعة العرفية إنما هي المتعارفة عند المعدِّلين؛ لأنا نمنع ذلك، ونقول: بل الساعة في عرف اللغة: القطعة من الزمان غير محدود بمقدار؛ كما قال تعالى: مَا لَبِثُوا غَيرَ سَاعَةٍ، وتقول العرب: جئتك ساعة كذا. فتتعيَّن بحسب ما تضاف إليه، وليست محدودة. والأصل: التمسك بالأصل.\nوثانيها: قوله - ﷺ -: على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول، فالأول كالجزور، ثم نزلهم حتى صغر مثل البيضة. وهذا السياق تفسير الحديث الأول، فإنَّ الفاء للترتيب وعدم المهلة، فاقتضى هذا سبقيَّة الأول، وتعقيب الثاني، فالأوّل هو الذي راح في الساعة الأولى، وهو الذي شُبِّه بِمُهدي البدنة، والثاني في الساعة الثانية، وهو المهدي بقرة، وبعده المهدي شاة، وبعده دجاجة، وبعده بيضة. فهذه الخمس المراتب هي من أوّل الساعة السابعة إلى أن يجلس الإمام على المنبر؛ فهي ساعات الدخول للجمعة، لا ساعات النهار. والله أعلم.\nوثالثها: عمل أهل المدينة المتصل [وقد جاء في سنن النسائي ما ينص على هذا المعنى] (١) بترك البكور للجمعة في أول النهار، وسعيهم إليها قُرب (٢) خطبتها وصلاتها، وهو نَقلٌ معلوم عندهم غير منكرٍ، وما كان أهل عصر النبي - ﷺ - والتابعين من بعدهم ممن يترك الأفضل إلى غيره، ويتمالؤون على العمل بأقل الدرجات.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (هـ) واستدرك من (ع) و(ظ).\n(٢) في (هـ): قبل.","vol":"2","page":486},{"text":"الوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الجُمُعَةَ فَاستَمَعَ وَأَنصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَينَهُ وَبَينَ الجُمُعَةِ، وَزِيَادَةَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، وَمَن مَسَّ الحَصَى فَقَد لَغَا.\nــ\nورابعها: إنّا لو تنزَّلنا على أن الساعات في الحديث هي التعديلية؛ للزم عليه انقضاء فضائل المبكِّرين للجمعة بانقضاء الخامسة ولا يبقى لأهل السادسة فضل، فيلزم طيّ الصحف إذ ذاك، وهو خلاف الحديث. وبيان ذلك: أن البدنة لأهل الساعة الأولى إلى أن تنقضي، والبقرة لأهل الساعة الثانية إلى انقضائها، والشاة لأهل الثالثة إلى انقضائها، والدجاجة لأهل الرابعة، والبيضة لأهل الخامسة، وقد فرغت ساعات البكور، ولم يبق لأهل السادسة ثواب في سعيهم، وهذا مناقض للحديث الذي ذكرناه ولمعناه؛ فإنه أخبر فيه: أن أجورهم لا تزال تكتب إلى أن يخرج الإمام، وهو إنما يخرج في السابعة، وحينئذ تَطوي الملائكة الصحف، وتستمع الذكر، فلا تكتب للداخل إذ ذاك ثواب البكور؛ إذ قد فرغت مراتب ثواب المبكرين. والله تعالى أعلم.\nوقوله: غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام: زيادة الثلاثة لتكمل عشرة أيام بالتضعيف؛ حتى تكون الحسنة بعشر أمثالها؛ كما قال تعالى: ﴿مَن جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشرُ أَمثَالِهَا﴾\nوقوله: ومن مسَّ الحصى فقد لغا؛ أي: قد أتى لغوًا من الفعل أو القول. قال الهروي: تكلم بما لا يجوز له، وقيل: لغا عن الصواب؛ أي: مال عنه. وقال النضر بن شُمَيل: خاب، أَلغَيته: خَيَّبته. قال ابن عرفة: اللغو: الشيء المسقط؛ أي: المُلغى. يقال: لغا يلغو، ولَغِيَ يَلغَى.\nوفي هذا الحديث ما يدلّ على وجوب الإقبال على استماع الخطبة، والتجرُّد لذلك، والإعراض عن كل ما يُشغل عنها؛ ولذلك قال - ﷺ - في الحديث","vol":"2","page":487},{"text":"رواه أحمد (٢/ ٣٨٠)، ومسلم (٨٥٧)، (٢٧)، وأبو داود (١٠٥٠)، والترمذي (٤٩٨)، وابن ماجه (١٠٩٠).\n* * *\nالآخر: من قال لصاحبه أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب؛ فقد لغا (١)، وهو حُجَّة على وجوب الإنصات للخطبة على من كان مستمعًا، وهو مذهب الجمهور. وذُكر عن الشعبي والنخعي وبعض السلف أنه ليس بواجب إلا عند تلاوة القرآن، وهذه الأحاديث حجَّة عليهم. واختلف الجمهور فيمن لا يسمع الخطبة: هل يلزمه الإنصات أَو لا؟ فأكثرهم: على أن ذلك لازم. وقال أحمد والشافعي في أحد قوليه: إنما يلزم من يسمع، ونحوه عن النخعي. فلو لغا الإمام، هل يلزم الإنصات أم لا؟ قولان لأهل العلم، ولمالك.\nوقوله: والإمام يخطب؛ حجة لعامة العلماء: على أنه إنما يجب الإنصات عند شروع الإمام في الخطبة. وذهب أبو حنيفة: إلى أنَّ الإنصات يجب بخروج الإمام.\nوالبدنة: ما يُهدَى إلى الكعبة من الإبل؛ لأنها تَبدُن؛ أي: تَسمَن. والبدانة: السّمنُ، وعظم البدن. وتفريقه بين البدنة والبقرة يدل على أن البقر لا يقال عليها بُدنٌ، وهو مذهب عطاء. ومالك يرى أن البقر من البُدن. وفائدة هذا الخلاف فيمن نذر بدنة، أو وجبت عليه فلم يجد البدنة، أو لم يقدر عليها وقدر على البقرة، فهل تجزئه أم لا؟ فعلى مذهب عطاء: لا، وعلى مذهب مالك: نعم. وظاهر هذا الحديث يدلّ على أن الأفضل في الهدايا الإبل، ثم البقر، ثم الغنم، وهذا الترتيب لا خلاف فيه في الهدايا، وإنما اختلفوا في ترتيب الأفضل في الضحايا، فذهب الجمهور إلى أن الضحايا مثل الهدايا. وذهب مالك إلى أن\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٠٥١).","vol":"2","page":488},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-276>(٢) باب فضل يوم الجمعة، والساعة التي فيه</span>\n[٧٢٠]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - خَيرُ يَومٍ طَلَعَت عَلَيهِ الشَّمسُ يَومُ الجُمُعَةِ؛ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدخِلَ الجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخرِجَ مِنهَا، وَلا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلا فِي يَومِ الجُمُعَةِ.\nــ\nالغنم أفضل، ثم البقر، ثم الإبل؛ نظرًا إلى طيب لحومها، وإلى أن النبي - ﷺ - ضحى بالغنم دائمًا. وإطلاق اسم الهدي على الدجاجة والبيضة مجاز، قصد به تمثيل مقدار أجور المبكِّرين للجمعة؛ لأن الهدي إنما هو من النعم؛ كما قال تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحكُمُ بِهِ ذَوَا عَدلٍ مِنكُم هَديًا بَالِغَ الكَعبَةِ﴾ وإنما أطلق اسم الهدي على هذين؛ لمقابلته ما يُهدَى من الإبل والبقر والغنم. وقد جاء في الرواية الأخرى: قرَّب مكان أهدى، وهو لفظ ينطلق على الهدي وغيره.\n(٢) ومن باب: فضل يوم الجمعة\nقوله: خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة: خيرٌ وشرٌ: يستعملان للمفاضلة ولغيرها، فإذا كانتا للمفاضلة؛ فأصلها: أخير وأشر؛ على وزن أفعل، وقد نطق بأصلها، فجاء عنه - ﷺ - أنه قال: توافون يوم القيامة سبعين أمة أنتم أخيرهم (١). ثم أفعل إن قرنت بـ من كانت نكرة، ويستوي فيها المذكر والمؤنث، والواحد، والاثنان، والجمع، وإن لم تقرن بها لزم تعريفها بالإضافة، أو بالألف واللام، فإذا عرف بالألف واللام أُنِّث وثُنّي وجمع، وإن أضيف ساغ فيه الأمران، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلنَا فِي كُلِّ قَريَةٍ أَكَابِرَ مُجرِمِيهَا﴾ وقال: وَلَتَجِدَنَّهُم أَحرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ. وأما\n_________\n(١) رواه الدارمي (٢/ ٣١٣) وفيه: \". . . أنتم آخرها\" من حديث أبي هريرة.","vol":"2","page":489},{"text":"رواه أحمد (٢/ ٤٠١ و٤٨٦)، ومسلم (٨٥٤) (١٨)، وأبو داود (١٠٤٦)، والترمذي (٤٨٨ و٤٩١)، والنسائي (٣/ ٨٩ - ٩٠).\nــ\nإذا لم يكونا للمفاضلة؛ فهما من جملة الأسماء، كما قال تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيرًا﴾ وقال: وَيَجعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيرًا كَثِيرًا، وهي في هذا الحديث للمفاضلة، غير أنها مضافة لنكرة موصوفة، ومعناها في هذا الحديث: أن يوم الجمعة أفضل من كل يوم طلعت شمسه.\nثم كون الجمعة أفضل الأيام لا يرجع ذلك إلى عين اليوم؛ لأن الأيام متساوية في أنفسها، وإنما يَفضُل بعضها بعضًا بما به من أمر زائد على نفسه. ويوم الجمعة قد خصّ من جنس العبادات بهذه الصلاة المعهودة التي يجتمع لها الناس، وتتفق هممهم ودواعيهم ودعواتهم فيها، ويكون حالهم فيها كحالهم في يوم عرفة، فيستجاب لبعضهم في بعض، ويغفر لبعضهم ببعض، ولذلك قال - ﷺ -: الجمعة حج المساكين (١)؛ أي: يحصل لهم فيها ما يحصل لأهل عرفة. والله أعلم. ثم إن الملائكة يشهدونهم، ويكتبون ثوابهم، ولذلك سُمّي هذا اليوم: المشهود، ثم تخطر فيه لقلوب العارفين من الألطاف والزيادات بحسب ما يدركونه من ذلك، ولذلك سُمّي: بيوم المزيد، ثم إن الله تعالى قد خصّه بالساعة التي فيه على ما يأتي ذكرها، ثم إن الله تعالى قد خصّه بأن أوقع فيه هذه الأمور العظيمة التي هي: خلق آدم الذي هو أصل البشر، ومن ولده الأنبياء والأولياء والصالحون، ومنها: إخراجه من الجنة الذي حصل عنده إظهار معرفة الله وعبادته في هذا النوع الآدمي. ومنها: توبة الله عليه التي بها ظهر لطفه تعالى ورحمته لهذا النوع الآدمي مع اجترامه (٢) ومخالفته. ومنها: موته الذي بعده وُفِّي أجره، ووصل\n_________\n(١) ذكره في كشف الخفاء (١٠٧٦) وقال: رواه القضاعي عن ابن عباس، وفي سنده مقاتل: ضعيف.\n(٢) \"اجترم\": كسب، واجترم الذنب: ارتكبه.","vol":"2","page":490},{"text":"[٧٢١]- وَعَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: نَحنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُونَ يَومَ القِيَامَةِ، وَنَحنُ أَوَّلُ مَن يَدخُلُ الجَنَّةَ، بَيدَ أَنَّهُم أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِن بَعدِهِم فَاختَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا الله لِمَا اختَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ، فَهَذَا\nــ\nإلى مأمنه، ورجع إلى المستقرّ الذي خرح منه. ومن فهم (١) هذه المعاني، فَهِمَ فضيلة هذا اليوم وخصوصيته بذلك، فحافظ عليه وبادر إليه.\nوقوله - ﷺ -: نحن الآخرون الأولون، قد فسرته الرواية الأخرى التي قال فيها: نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضي لهم قبل الخلائق، وأول من يدخل الجنة. وهذا كلّه شرف لهذه الأمة بشرف نبيها، ولأنهم خير أمة أخرجت للناس.\nوقوله: بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا: هكذا روينا هذا الحرف بيد بفتح الباء، وسكون الياء، وفتح الدال. قال أبو عبيد: تكون بيد بمعنى غير، وبمعنى على، وبمعنى: من أجل، وأنشد:\nعَمدًا فَعَلتُ ذاكَ بَيدَ أنِّي ... أخافُ (٢) إن هَلَكتُ لم تُرِنِّي (٣)\nقال الليث: ويقال: مَيدَ وبَيدَ؛ بالباء والميم؛ بمعنى غير. قلت: ونصبه إذا كان بمعنى غير على الاستثناء، ويمكن أن يقال: إنه بمعنى مع، ويكون نصبه على الظرف الزماني.\nوأُوتوا الكتاب: أُعطوه. والكتاب: التوراة، ويحتمل أن يريد به التوراة والإنجيل؛ بدليل: أنه قد ذكر بعد هذا اليهود والنصارى.\nوقوله: فاختلفوا: يعني: في يوم الجمعة. وقد اختلف العلماء في كيفية\n_________\n(١) في (ظ): جمع.\n(٢) في اللسان: إخال.\n(٣) \"الرَّنَّةُ\": الصيحة الحزينة.","vol":"2","page":491},{"text":"يَومُهُمِ الَّذِي اختَلَفُوا فِيهِ، هَدَانَا الله لَهُ - قَالَ: يَومُ الجُمُعَةِ - فَاليَومَ لَنَا، وَغَدًا لِليَهُودِ، وَبَعدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى.\nــ\nما وقع لهم من فريضة يوم الجمعة، فقالت طائفة: إن موسى أمرهم بيوم الجمعة، وعيَّنه لهم، وأخبرهم بفضيلته على غيره، فناظروه: أن السبت أفضل. فقال الله له: دعهم وما اختاروا لأنفسهم. ونقلوا هذا القول. ويؤيد هذا قول نبينا - ﷺ - في بعض طرق هذا الحديث: وهذا يومهم الذي فُرض عليهم، ثم اختلفوا فيه (١).\nوقيل: إن الله لم يعيِّنه لهم، وإنما أمرهم بتعظيم يوم في الجمعة، ووكل تعيينه إلى اختيارهم، فاختلف اجتهادهم في تعيينه، فعيَّنت اليهود السبت؛ لأن الله فرغ فيه من الخلق. وعيَّنت النصارى يوم الأحد؛ لأن الله تعالى بدأ فيه الخلق، فألزم كل واحد منهم ما أدّاه إليه اجتهاده، وعيَّنه الله لهذه الأمة من غير أن يَكِلَهم إلى اجتهادهم؛ فضلا منه ونعمة. ويدلّ على صحة هذا: قوله - ﷺ -: فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه؛ أي: في تعيينه: هدانا الله له؛ أي: بتعيينه لنا، لا باجتهادنا. وممَّا يؤيده: أنه لو عُيّن لهم فعاندوا فيه لما قيل: اختلفوا فيه، وإنما كان ينبغي أن يقال: فخالفوا فيه وعاندوا. وممّا يؤيده أيضًا قوله في الأم في بعض طرقه: أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا (٢).\nوقوله: فاليوم لنا، وغَدا لليهود، وبعد غد للنصارى؛ أي: بعد إلزام المشروعية بالتعيين لنا، وبالاختيار لهم. وحقّ غد وبعد أن يكونا مرفوعين على المبتدأ، وخبراهما في المجرورين بعدهما، وقد قيَّدهما كذلك بعض من نعتمده. و(٣) قيدناهما أيضًا بالنصب بناء على أنهما ظرفان غير متمكنين، والأول أولى؛ لأنهما قد أخبر عنهما هنا، فقد خرجا عن الظرفية. وقد جاء في رواية:\n_________\n(١) انظر: صحيح مسلم رقم (٨٥٥/ ٢١).\n(٢) انظر: صحيح مسلم رقم (٨٥٦/ ٢٢).\n(٣) ما بين حاصرتين سقط من (ع)، واستدرك من (هـ) و(ظ).","vol":"2","page":492},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: وَهَذَا يَومُهُمِ الَّذِي فرضَ الله عَلَيهِم، فَاختَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا الله لَهُ، فَهُم لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، فَاليَهُودُ غَدًا وَالنَّصَارَى بَعدَ غَدٍ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٧٤)، والبخاري (٨٧٦)، ومسلم (٨٥٥) (١٩)، والنسائي (٣/ ٨٥ و٨٧).\n[٧٢٢]- وَمِن حَدِيثِ حُذَيفَةَ نَحوهُ، قَالَ: نَحنُ الآخِرُونَ مِن أَهلِ الدُّنيَا، وَالأَوَّلُونَ يَومَ القِيَامَةِ، المَقضِيُّ لَهُم قَبلَ الخَلائِقِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: المَقضِيُّ بَينَهُم.\nرواه مسلم (٨٥٦) (٢٢)، والنسائي (٣/ ٨٧).\n[٧٢٣]- وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو القَاسِمِ - ﷺ -: إِنَّ فِي الجُمُعَةِ لَسَاعَةً، لا يُوَافِقُهَا عَبدٌ مُسلِمٌ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسأَلُ الله خَيرًا إِلا أَعطَاهُ إِيَّاهُ. وَقَالَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا، يُزَهِّدُهَا.\nــ\nفاليهود غدًا والنصارى بعد غدٍ منصوبين على الظرف، إلا أنهما متعلقان بمحذوف تقديره: فاليهود يعظمون غدًا، والنصارى بعد غد، وضمّ إلى ذلك: أن ظروف الزمان لا تكون أخبارًا عن الجثث (١).\nوقوله: إن في الجمعة ساعة: اختلف في تعيينها، فذهبت طائفة من السلف: إلى أنها من بعد العصر إلى الغروب، وقالوا: إن معنى قوله - ﷺ -: وهو قائم يصلي، أنه بمعنى: ملازم ومواظب على الدعاء. وذهب آخرون: إلى أنها فيما بين خروج الإمام إلى أن تُقضى الصلاة؛ كما في حديث أبي موسى. وذهب\n_________\n(١) أي: الأشخاص.","vol":"2","page":493},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٠١)، والبخاري (٩٣٥)، ومسلم (٨٥٢) (١٣ و١٤ و١٥)، والنسائي (٣/ ١١٥ - ١١٦)، وابن ماجه (١١٣٧).\n[٧٢٤]- وعَن أَبِي بُردَةَ بنِ أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ قَالَ: قَالَ لِي عَبدُ اللهِ بنُ عُمَر: أَسَمِعتَ أَبَاكَ يُحَدِّث عَن رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي شَأنِ سَاعَةِ الجُمُعَةِ؟ قَالَ: قُلتُ: نَعَم، سَمِعتُهُ يَقُولُ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: هِيَ مَا بَينَ أَن يَجلِسَ الإِمَامُ إِلَى أَن تُقضَى الصَّلاةُ.\nرواه مسلم (٨٥٣)، وأبو داود (١٠٤٩).\n* * *\nــ\nآخرون (١): إلى أنها وقت الصلاة نفسها. وقيل: من وقت الزوال إلى نحو الذراع، وقيل: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وقيل: هي مخفيّة في اليوم كله؛ كليلة القدر. قلت: وحديث أبي موسى نصٌ في موضع الخلاف، فلا يلتفت إلى غيره. والله أعلم.\nوقوله: وهي ساعة خفيفة؛ أي: قصيرة غير طويلة؛ كما قال في الرواية الأخرى: يُزهِّدها؛ أي: يقللها. وهذا يدل على أنها ليست من بعد العصر إلى غروب الشمس؛ لطول هذا الوقت.\n* * *\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"2","page":494},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-277>(٣) باب فضل التهجير للجمعة ووقتها</span>\n[٧٢٥]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِذَا كَانَ يَومُ الجُمُعَةِ كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِن أَبوَابِ المَسجِدِ مَلائِكَةٌ يَكتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّل، فَإِذَا جَلَسَ الإِمَامُ طَوَوُا الصُّحُفَ وَجَاؤوا يَستَمِعُونَ الذِّكرَ، وَمَثَلُ المُهَجِّرِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهدِي بَدَنَةَ، ثُمَّ كَالَّذِي يُهدِي بَقَرَةً، ثُمَّ كَالَّذِي يُهدِي الكَبشَ، ثُمَّ كَالَّذِي يُهدِي الدَّجَاجَةَ، ثُمَّ كَالَّذِي يُهدِي البَيضَةَ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٣٩ و٢٦٤)، والبخاري (٩٢٩)، ومسلم (٨٥٠) (٢٤).\n[٧٢٦]- وَعَن سَلَمَةَ بنِ الأَكوَعِ قَالَ: كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِذَا زَالَتِ الشَّمسُ، ثُمَّ نَرجِعُ نَتَتَبَّعُ الفَيءَ.\nرواه مسلم (٨٦٠)، وأبو داود (١٠٨٥).\nــ\n(٣) ومن باب: فضل التهجير للجمعة\nقد تقدم الكلام على التهجير، وعلى كثير مما تضمنه حديث أبي هريرة.\nوقوله: كنا نُجمِّع مع رسول الله - ﷺ - إذا زالت الشمس، دليل للجمهور على أحمد بن حنبل وإسحاق إذ قالا: إنه يجوز أن تصلى الجمعة قبل الزوال، وهذا الحديث مُبيِّن للأحاديث التي بعده، ولا متمسك لأحمد وإسحاق في شيء منها مع هذا النص، فإنها كلها محتملة، وهو القاضي عليها، المبيِّنُ لها.","vol":"2","page":495},{"text":"[٧٢٧]- وعَنهُ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - الجُمُعَةَ، ثم نَرجِعُ وَمَا نَجِدُ لِلحِيطَانِ فَيئًا نَستَظِلُّ بِهِ.\nرواه أحمد (٤/ ٤٦ و٥٤)، والبخاري (٤١٦٨)، ومسلم (٨٦٠) (٣٢)، والنسائي (٣/ ١٠٠)، وابن ماجه (١١٠٠).\n[٧٢٨]- وعَن جَعفَر بِن مُحَمَدّ، عَن أَبِيهِ أَنَّهُ سَأَلَ جَابِرَ بنَ عَبدِ الله: مَتَى كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي الجُمُعَةَ؟ قَالَ: كَانَ يُصَلِّي، ثُمَّ نَذهَبُ إِلَى جِمَالِنَا فَنُرِيحُهَا.\nوَفِي رِوَايَةٍ: نَوَاضِحَنَا. قَالَ حَسَن بِنُ عِيَاشٍ فَقُلتُ لِجَعفَرٍ: فِي أَيِّ سَاعَةٍ تِلكَ؟ قَالَ: زَوَالَ الشَّمسِ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٣١)، ومسلم (٨٥٨) (٢٨ و٢٩)، والنسائي (٣/ ١٠٠).\n* * *\nــ\nوقوله: فنرجع وما نجد للحيطان فيئًا نستظل به، يعني أنه كان يفرغ من صلاة الجمعة قبل تمكن الفيء من أن يستظل به؛ كما قال: ثم نرجع نتتبع الفيء، وهذا يدل على إيقاعه - ﷺ - الجمعة (١) في أول الزوال.\nوالنواضح: الإبل التي يُستَقَى عليها. ونريحها؛ أي: نروِّحها لتستريح. قال القاضي أبو الفضل: لا خلاف بين فقهاء الأمصار أن الجمعة لا تصلى إلا بعد الزوال، إلَاّ أحمد وإسحاق. وروي من هذا عن الصحابة أشياء لم تصح عنهم؛ إلا ما عليه الجمهور. وقد روي عن مجاهد: أنها صلاة عيد.\n_________\n(١) في (هـ): إياها.","vol":"2","page":496},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-278>(٤) باب الإنصات للخطبة وفضله</span>\n[٧٢٩]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: إِذَا قُلتَ لِصَاحِبِكَ: أَنصِت، يَومَ الجُمُعَةِ، وَالإِمَامُ يَخطُبُ، فَقَد لَغَوتَ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: لَغَيتَ، وَهِيَ لُغَةُ أَبِي هُرَيرَةَ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٧٢ و٣٩٦)، والبخاري (٩٣٤)، ومسلم (٨٥١) (١١ و١٢)، وأبو داود (١١١٢)، والترمذي (٥١٢)، والنسائي (٣/ ١٠٣ - ١٠٤)، وابن ماجه (١١١٠).\n[٧٣٠]- وَعَنهُ، قال عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: مَنِ اغتَسَلَ ثُمَّ أَتَى الجُمُعَةَ فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ أَنصَتَ حَتَّى يَفرُغَ مِن خُطبَتِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي الجُمُعَةَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَينَهُ وَبَينَ الجُمُعَةِ الأُخرَى. وَفَضلَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ.\nزَادَ في رواية: وَمَن مَسَّ الحَصَى فَقَد لَغَا.\nرواه مسلم (٨٥٧) (٢٦ و٢٧).\n* * *\nــ\nقلت: ويلزم على هذا ألا تنوب عن ظهر يوم الجمعة، كظهر يوم العيد. والله أعلم.","vol":"2","page":497},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-279>(٥) باب الخطبة، والقيام لها، والجلوس بين الخطبتين، والإشارة باليد</span>\n[٧٣١]- عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ الله: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَخطُبُ قَائِمًا يَومَ\nــ\n(٥) ومن باب: الخطبة والقيام لها (١)\nقوله: كان رسول الله - ﷺ - يخطب قائمًا: هكذا سنّة الخطبة ليكون أبلغ في الإسماع؛ كالمؤذن [عند الجمهور] (٢)، إلا أن تدعوه حاجة من ضعف أو غيره. وقد حُكي عن أبي حنيفة: أنه لا يرى القيام لها مشروعًا. حكاه ابن القصار، بل هو عنده مُباح. ثم اختلف (٣) في مشروعيته؛ هل هو شرط في صحة الخطبة والجمعة أم لا؟ فذهب الشافعي إلى أنه شرطٌ إلا مع العذر، ومذهبنا: أنه ليس من شروط الصحة للخطبة ولا للجمعة، ومن تركه أساء ولا شيء عليه. وقد روي: أن أول من خطب جالسًا معاوية لما ثقل.\nواختُلف في الخطبة: هل هي شرط في صحة الجمعة أم لا؟\nفكافة العلماء على أنها شرط، وشذّ الحسنُ، فرأى أن الصلاة تجزئ دونها، وتابعه أهل الظاهر في هذا، وحكاه ابن الماجشون عن مالك. ثم اختلف هؤلاء: هل هي فرض، أو سنة؟ واضطربت الروايات عن أصحابنا في ذلك، ثم\n_________\n(١) ورد قبل هذا الباب بابٌ عنوانه: \"الإنصات للخطبة وفضله\"، ومرَّ شرحُه في الباب الأول رقم الحديث (١٠١٩).\n(٢) ساقط من (ع) واستدرك من (ظ) و(هـ).\n(٣) في (ع): اختلفوا.","vol":"2","page":498},{"text":"الجُمُعَةِ، فَجَاءَت عِيرٌ مِنَ الشَّامِ، فَانفَتَلَ النَّاسُ إِلَيهَا، حَتَّى لَم يَبقَ إِلا اثنَا عَشَرَ رَجُلا - وفي رواية: فِيهِم أَبُو بَكر وَعُمَر - فَأُنزِلَت هَذِهِ الآيَةُ:\nــ\nاختلفوا في الخطبة المشروعة: فذهب مالك وجمهور العلماء إلى أنه لا يجزئ في الخطبة إلا ما وقع عليه اسم الخطبة عند العرب. وأبو حنيفة وأبو يوسف ذهبا إلى أنه يُجزئ من ذلك تحميدةٌ، أو تهليلة، أو تسبيحة، وحكاه ابن عبد الحكم عن مالك.\nوالعير: الإبل التي تحمل الأطعمة والتجارة، وهي المسماة في الرواية الأخرى: سويقة، وهي تصغير سوق.\nوقوله: فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلا: فيه ردّ على من يقول: إن الجمعة لا تُقام إلا على أربعين فصاعدًا، وحُكي ذلك عن الشافعي، وقد تمسّك بهذا الحديث طائفة من أهل العلم على أن أقل ما تنعقد به الجمعة اثنا عشر، ولا حجة فيه على ذلك؛ لأنه - ﷺ - إنما عَقَدَهَا، وشرع فيها بأكثر من هذا (١) العدد، ثم عرض لهم أن تفرقوا، ولم يبق منهم غير ذلك العدد. وقد رُوي في بعض روايات هذا الحديث: أنه بقي معه أربعون رجلا، والأول أصح وأشهر.\nوعلى الجملة فقد اختلف العلماء في العدد المشروط في وجوب الجمعة، وفي العدد الذي تصح ببقائهم إذا تفرقوا عن الإمام بعد شروعه فيها على أقوال كثيرة، فلنرسم فيه مسألتين:\nالمسألة الأولى: اختلف هل يُشترط في وجوب الجمعة عدد؟ فذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والفقهاء إلى اشتراطه، وذهب داود إلى أنه لا يُشترط ذلك في وجوبها، وتلزم المنفرد، وهي ظهرُ ذلك اليوم عنده لكل أحد. قال القاضي عياض: وهو خلافُ الإجماع. واختلف المشترطون: هل هو مختصٌ\n_________\n(١) من (هـ).","vol":"2","page":499},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nبعدد محصور أم لا؟ فعدم الحصر هو مذهب مالك؛ فإنه لم يشترط في ذلك حدًّا محدودًا، وإنما قال: يكونون بحيث يمكنهم الثَّواء في بلدهم، وتتقرَّى (١) بهم قرية. وفسّره بعض أصحابنا بنصب الأسواق فيها؛ حكاه عياض. والمشترطون للعدد اختلفوا: فمن قائل: مئتان، ومن قائل: خمسون؛ قاله عمر بن عبد العزيز، ومن قائل: أربعون؛ قاله الشافعي، ومن قائل: ثلاثون بيتًا؛ قاله مطرف، وعبد الملك، عن مالك، ومن قائل: اثنا عشر، ومن قائل: أربعة؛ قاله أبو حنيفة، لكن إذا كانوا في مصر. وقال غيره: ثلاثة، وقيل: واحد مع الإمام. وهذه أقوال متكافئة، وليس على شيء منها دليل، فالأصل ما صار إليه مالك من عدم التحديد، والتمسك بفعل النبي - ﷺ -، والعمل المتصل في ذلك: فإنهم كانوا يُجمِّعون في الأمصار الكِبار، والقرى الصغار؛ كجواثا وغيرها.\nوأما المسألة الثانية: فقد اختلفوا فيما إذا كمل ما تنعقد به الجمعة، ثم تفرقوا عن الإمام، فقيل: إنها تجزئ وإن بقي وحده؛ قاله أبو ثور، وحُكي عن الشافعي. وقيل: إذا بقي معه اثنان، وهو قول الثوري، والشافعي، وقيل: إذا بقي معه اثنا عشر رجلا؛ تمسُّكًا بهذا الحديث، وحكاه أبو يعلى العبدي عن أصحاب مالك، وبه قال إسحاق، ثم اختلفوا في الحال التي يتفرقون عنها؛ فقال أبو حنيفة: إن عقد بهم ركعة أو سجدة ثم تفرقوا عنه أجزأه أن يُتمها جمعة، وإن كان قبل ذلك استقبل ظهرًا. وقال مالك والمزني: إن صلّى بهم ركعة بسجدتيها أتمها جمعة، وإلا لم تجزه، وقال زفر: متى تفرقوا قبل الجلوس للتشهد لم تصح جمعة، وإن جلس وتفرقوا عنه قبل السلام صحَّت، وقال ابن القاسم وسحنون: إن تفرقوا عنه قبل سلامه لم تجزئ الجمعة. وللشافعي قول ثالث: إنها لا تجزئه حتى يبقى معه\n_________\n(١) \"تتقرَّى\": تقوم وتستغني.","vol":"2","page":500},{"text":"﴿وَإِذَا رَأَوا تِجَارَةً أَو لَهوًا انفَضُّوا إِلَيهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾\nرواه مسلم (٨٦٣) (٣٨)، وأبو داود (١٠٩٣ - ١٠٩٥)، والنسائي (١١٠/ ٣).\n[٧٣٢]- وعَن كَعبِ بنِ عُجرَةَ، أَنهُ دَخَلَ المَسجِدَ وَعَبدُ الرَّحمَنِ بنُ أُمِّ الحَكَمِ يَخطُبُ قَاعِدًا، فَقَالَ: انظُرُوا إِلَى هَذَا الخَبِيثِ يَخطُبُ قَاعِدًا، وَقَالَ الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوا تِجَارَةً أَو لَهوًا انفَضُّوا إِلَيهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾\nرواه مسلم (٨٦٤)، والنسائي (٢/ ١٠٢).\nــ\nأربعون رجلا إلى تمام الصلاة. والأصحّ من هذه الأقوال ما يعضده هذا الحديث، وهو قول إسحاق وأصحابنا، والله تعالى أعلم.\nوقوله تعالى: وَإِذَا رَأَوا تِجَارَةً أَو لَهوًا: التجارة هنا: العير التي تحمل التجارة، واللهو: الطبل؛ الذي كانوا يضربونه عند قدومهم، وانفضّوا؛ أي: تفرقوا.\nوقوله: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾؛ أي: تخطب. [فهذا ذمٌّ لمن ترك الخطبة بعد الشروع فيها، ونهي للمسلمين أن يتفرقوا عن إمامهم] (١). [وقد استدل به على اشتراط الخطبة في الجمعة، وفيه بُعد] (٢)، وأحسن مُتَمَسَّك فيه قوله - ﷺ -: صلوا كما رأيتموني أصلي (٣).\nوقول كعب بن عجرة: انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعدًا: يدل على خلاف قول أبي حنيفة؛ حيث رأى أن الخطيب إن شاء قام، وإن شاء قعد في\n_________\n(١) من (ع): فقط.\n(٢) ساقط من (ع).\n(٣) رواه أحمد (٥/ ٥٣)، والبخاري (٧٢٤٦) من حديث مالك بن الحويرث ﵁.","vol":"2","page":501},{"text":"[٧٣٣]- وعَنِ ابنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَخطُبُ يَومَ الجُمُعَةِ قَائِمًا، ثُمَّ يَجلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ، قَالَ: كَمَا تَفعَلُونَ اليَومَ.\nرواه البخاري (٩٢٠)، ومسلم (٨٦١)، وأبو داود (١٠٩٢)، والترمذي (٥٠٦)، والنسائي (٣/ ١٠٩)، وابن ماجه (١١٠٣).\n[٧٣٤]- وعَن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ، قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - خُطبَتَانِ، يَجلِسُ بَينَهُمَا يَقرَأُ القُرآنَ، وَيُذَكِّرُ النَّاسَ.\nرواه أحمد (٥/ ١٠١)، ومسلم (٨٦٢) (٣٤)، وأبو داود (١١٠١)، والترمذي (٥٠٧)، والنسائي (٣/ ١١٠)، وابن ماجه (١١٠٥).\n[٧٣٥]- وَعَنهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَخطُبُ قَائِمًا، ثُمَّ يَجلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخطُبُ قَائِمًا، فَمَن نَبَّأَكَ أَنَّهُ كَانَ يَخطُبُ جَالِسًا فَقَد كَذَبَ، فَقَد وَالله صَلَّيتُ مَعَهُ أَكثَرَ مِن أَلفَي صَلاةٍ.\nرواه مسلم (٨٦٢) (٣٥).\nــ\nخطبته.\nويدل حديثا ابن عمر وجابر بن سمرة بعده على مشروعية الجلوس في وسطها، وقد اختلف في ذلك. قال القاضي أبو الفضل: اختلف أئمة الفتوى في حكم الجلوس بين الخطبتين؛ فذهب مالك وأبو حنيفة وأصحابهما وجمهور العلماء إلى أنه سنة، وإن لم يجلس فقد أساء، ولا شيء عليه. وقال الشافعي: هي فرض، ومَن لم يجلسها فكأنه لم يخطب، ولا جمعة له. وقد حُكي عن مالك نحوه، ورأى مالك والشافعي وأبو ثور: الجلوس على المنبر قبل القيام إلى الخطبة، ومنعه أبو حنيفة، وقد روي عن مالك، وهو غير معروف من مذهبه.\nوقول جابر: فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة: ظاهر هذا أنه أراد","vol":"2","page":502},{"text":"[٧٣٦]- وَعَنه قَالَ: كُنتُ أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَكَانَت صَلاتُهُ قَصدًا، وَخُطبَتُهُ قَصدًا.\nرواه مسلم (٨٦٦) (٤١)، وابن ماجه (١١٠٦).\n[٧٣٧]- وَعَن أَبي وَائِلٍ، قَالَ: خَطَبَنَا عَمَّارٌ، فَأَوجَزَ وَأَبلَغَ، فَلَمَّا نَزَلَ قُلنَا: يَا أَبَا اليَقظَانِ. لَقَد أَبلَغتَ وَأَوجَزتَ، فَلَو كُنتَ تَنَفَّستَ؟ ! فَقَالَ: إِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: إِنَّ طُولَ صَلاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِن فِقهِهِ،\nــ\nألفي صلاة جمعة، وهو محال؛ لأن هذا القدر من الجُمع؛ إنما يكون في نيف وأربعين سنة، ولم يصلّ النبي - ﷺ - هذا المقدار من الجمع، فيتعيّن أن يراد به الصلوات المفروضات، أو قصد به الإغياء والتكثير. والله أعلم.\nوقوله: كانت صلاة رسول الله - ﷺ - قصدًا وخطبته قصدًا؛ أي: متوسطة بين الطول والقصر، ومنه: القصد من الرجال، والقصد في المعيشة، والإكثار في الخطبة مكروه؛ للتشدُّق والإملال للتطويل؛ كما مضى في حديث معاذ.\nوقوله: خطبنا عمار فأبلغ وأوجز؛ أي: أبلغ في المعنى، وأوجز في اللفظ، وهذه المسمّاة بالبلاغة والفصاحة.\nوقوله: فلو كنت تنفست؛ أي: أطلت الكلام شيئًا؛ يقال: نفَّس الله في عمرك (١)؛ أي: أطاله.\nوقوله - ﷺ -: مَئِنَّة من فقهه: الرواية في هذا اللفظ: مَئِنَّة بالهمز، والقصر، وتشديد النون، ووقع لبعضهم: مائنّة بالمدّ، وهو غلط، وكذلك كل تقييد خالف\n_________\n(١) في (هـ): عمره.","vol":"2","page":503},{"text":"فَأَطِيلُوا الصَّلاةَ وَأقصِرُوا الخُطبَةَ، وَإِنَّ مِنَ البَيَانِ سِحرًا.\nرواه أحمد (٤/ ٢٦٣)، ومسلم (٨٦٩)، وأبو داود (١١٠٦).\nــ\nالأول.\nقال الأصمعي: سألني شعبة عن هذا الحرف، فقلت: هو كقولك: علامة، ومخلقةٌ، ومَجدرةٌ [ومحراة] (١).\nقال أبو عبيد: يعني: إن هذا مما يُستدل به على فقه الرجل.\nقال أبو منصور: جعل أبو عبيد الهمزة فيه أصلية.\nقال أبو الحسن بن سراج: الميم في: مئِنَّة أصلية، ووزنها فَعِلة، من مأنت إذا شعرت، وقاله أبوه أبو مروان.\nقال الأزهري: الميم في مَئِنة ميم مفعلة، وليست بأصلية. ومعنى قول المرَّار (٢):\nفَتَهَامَسوا سِرًّا وقالوا عَرَّسوا ... من غَير تَمئِنَةٍ لغيرِ مُعَرَّسِ\nأي: لم يتأكدوا من وقت التعريس. ويقال: أتاني فلان ما مأَنتُ مَأنَه، ولا شأنت شأنه؛ أي: لم أفكر فيه، ولم أتهيأ له.\nوقوله: فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة: غير مخالف لقوله: كانت صلاته قصدًا وخطبته قصدًا؛ لأن كل واحد قصد في بابه، لكن الصلاة ينبغي أن تكون أطول من الخطبة، مع القصد في كل واحد منهما.\nوقوله: وإن من البيان سحرا: البيان هنا: الإيضاح البليغ مع اللفظ المستعذب، وفي هذا الحديث تأويلان:\n_________\n(١) من اللسان.\n(٢) هو المرّار الفقعسي.","vol":"2","page":504},{"text":"[٧٣٨]- وعَن عُمَارَةَ بنِ رُؤَيبَةَ؛ ورَأَى بِشرَ بنَ مَروَانَ عَلَى المِنبَرِ رَافِعًا يدَيهِ، فَقَالَ: قَبَّحَ الله هَاتَينِ اليَدَينِ، لَقَد رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مَا يَزِيدُ عَلَى أَن يَقُولَ بيديه هَكَذَا وَأَشَارَ بِإِصبَعِهِ المُسَبِّحَةِ.\nرواه مسلم (٨٧٤)، وأبو داود (١١٠٤)، والترمذي (٥١٥)، والنسائي (٣/ ١٠٨).\n* * *\nــ\nأحدهما: أنه قصد به الذم؛ لأن الإبلاغ في البيان يفعل في القلوب من الإمالة، والتحريك، والتطريب، والتحزين ما يفعل السحر. واستدلّ متأوِّل هذا بإدخال مالك الحديث في موطئه في باب ما يكره من الكلام بغير ذكر الله، وأنه مذهبه في تأويل الحديث.\nوثانيهما: أنه على جهة المدح، فإن الله تعالى قد امتن على عباده بالبيان، حيث قال: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ﴾، ﴿عَلَّمَهُ البَيَانَ﴾ وشبّهه بالسحر لميل القلوب إليه. وأصل السحر: الصرف، والبيان يصرف القلوب، ويميلها إلى ما يدعو إليه.\nقلت: وهذا التأويل أولى؛ لهذه الآية وما في معناها.\nوقوله: وأشار بإصبعه المسَبِّحة: كان ذلك - والله أعلم - من رسول الله - ﷺ - عند التشهد في الخطبة؛ كما كان يفعل في الصلاة.\n* * *","vol":"2","page":505},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-280>(٦) باب ما يقال في الخطبة ورفع الصوت بها</span>\n[٧٣٩]- عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ الله، قَالَ: كَانَت خُطبَةُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَومَ الجُمُعَةِ؛ يَحمَدُ الله، وَيُثنِي عَلَيهِ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثرِ ذَلِكَ، وَقَد عَلا صَوتُهُ وَاشتَدَّ غَضَبُهُ - في رواية: واحمَرَّت عَينَاهُ - حَتَّى كَأَنَّهُ مُنذِرُ جَيشٍ، يَقُولُ: صَبَّحَكُم وَمَسَّاكُم، وَيَقُولُ: بُعِثتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَينِ وَيَقرُنُ بَينَ إِصبَعَيهِ\nــ\n(٦) ومن باب: ما يقال في الخطبة\nكونه - ﷺ - تحمرُّ عيناه، ويعلو صوته، ويشتدّ غضبه في حال خطبته؛ كان هذا منه في أحوال، وهذا مُشعر بأن الواعظ حقُّه أن يكون منه في وعظه بحسب الفصل الذي يتكلم فيه ما يطابقه، حتى لا يأتي بالشيء وضده ظاهر عليه، وأما اشتداد غضبه؛ فيحتمل أن يكون عند نهيه عن أمر خولف فيه، أو يريد أن صفته صفة الغضبان.\nومُنذر الجيش: هو المخبر بجيش العدو الذي يخوف به.\nوقوله - ﷺ -: بُعثت أنا والساعة كهاتين: قيّدناه بالفتح، والضم. فأما الفتح؛ فهو على المفعول معه، والرفع على أنه معطوف على التاء في بُعثت، وفصل بينهما بـ أنا توكيدًا للضمير؛ على ما هو الأحسن عند النحويين، وقد اختار بعضهم النصب بناءً على أن التشبيه وقع بملاصقة الأصبعين واتصالهما، واختار آخرون الرفع بناءً على أن التشبيه وقع بالتفاوت الذي بين رؤوسهما، ويعني أن ما بين زمان النبي - ﷺ - وقيام الساعة قريب؛ كقرب السَّبابة من الوسطى، وهذا أوقع. والله أعلم.","vol":"2","page":506},{"text":"السَّبَّابَةِ وَالوُسطَى وَيَقُولُ: أَمَّا بَعدُ؛ فَإِنَّ خَيرَ الحَدِيثِ كِتَابُ الله، وَخَيرُ الهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ،\nــ\nوقد جاء من حديث سهل عنه - ﷺ - أنه قال: سبقتُها بما سبقت هذه هذه (١)؛ يعني الوسطى والسبابة.\nوقوله: أما: كلمة تفصل ما بعدها عما قبلها، وهي حرف متضمن للشرط، ولذلك تدخل الفاء في جوابها، وقدَّرها النحويون بـ مهما. وبعد: ظرف زماني قُطع عن الإضافة مع كونها مرادة، فبُني على الضم، وخُصَّ بالضم؛ لأنه حركة ليست له في حال إعرابه، والعامل فيه ما تضمنه أما من معنى الشرط، فإن معناه: مهما يكن من شيء بعد حمد الله فكذا. والله أعلم. وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَآتَينَاهُ الحِكمَةَ وَفَصلَ الخِطَابِ﴾ أنه قوله: أما بعد.\nوقوله: خير الهدي هدي محمد: روي: الهدى: بضم الهاء، وفتح الدال فيهما، وبفتح الهاء، وسكون الدال فيهما، وهما من أصل فعل واحد من الهداية، وهي الدّلالة والإرشاد. والهَدي في مستعمل (٢) العرف هَديان: هَدي دلالة وإرشاد، وهو الذي يضاف إلى الرسل والكتب؛ كما قال تعالى: وَإِنَّكَ لَتَهدِي إِلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ، وفي القرآن: ﴿هُدًى لِلمُتَّقِينَ﴾ والهَدي الثاني: بمعنى التأييد والعصمة من تأثير الذنوب، والتوفيق، وهذا هو الهَدي الذي لا ينسب إلا لله تعالى، وهو المراد بقوله تعالى: إِنَّكَ لَا تَهدِي مَن أَحبَبتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهدِي مَن يَشَاءُ، وحملت القدرية هذا الهدي على البيان بناءً على أصلهم الفاسد في القدر، كما قدمناه في أول كتاب الإيمان، ويردُّ\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٢١٣) من حديث المستورد بن شداد.\n(٢) في (ع): استعمال.","vol":"2","page":507},{"text":"وَشَرُّ الأُمُورِ مُحدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدعَةٍ ضَلالَةٌ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا أَولَى بِكُلِّ مُؤمِنٍ مِن نَفسِهِ، مَن تَرَكَ مَالا فَلأَهلِهِ،\nــ\nعليهم قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ﴾ ففرق بين الدلالة والهداية، ولهذا موضعٌ يُعرف فيه، قال أبو عبيد: الهَديُ بفتح الهاء وإسكان الدال: هو الطريق، فهَديُ محمد: طريقه؛ كما يقال: فلان حسن الهَدي؛ أي المذهب في الأمور كلها والسيرة، ومنه: اهتدوا بهدي عمار (١).\nوقوله: شر الأمور محدثاتها: يعني: المحدثات التي ليس لها في الشريعة أصل يشهد لها بالصحة والجواز، وهي المسمّاة بالبدع؛ ولذلك حكم عليها بأن كل بدعة ضلالة. وحقيقة البدعة: ما ابتُدئ وافتُتح من غير أصل شرعي، وهي التي قال فيها - ﷺ -: من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردّ (٢).\nوقوله: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه؛ أي: أقرب له من نفسه، أو أحق به منها، ثم فسر وجهه بقوله: من ترك مالا فلأهله، ومن ترك دينًا أو ضياعًا فإليّ وعليّ. وبيانه: أنه إذا ترك دينا أو ضياعًا ولم يقدر على أن يُخلِّص نفسه منه؛ إذ لم يترك شيئًا يسدُّ به ذلك، ثم يخلّصه النبي - ﷺ - بقيامه به عنه، أو سدّ ضيعته؛ كان أولى به من نفسه؛ إذ قد (٣) فعل معه ما لم يفعل هو بنفسه. والله تعالى أعلم.\nوأما رواية من رواه: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، في غير الأصل فيحتمل أن يحمل على ذلك، ويحتمل أن يكون معناه: أنا أولى بالمؤمنين من\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٣٩٩)، والترمذي (٣٨٥٧) من حديث ابن مسعود.\n(٢) رواه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨)، وأبو داود (٤٦٠٦)، وابن ماجه (١٤) من حديث عائشة.\n(٣) ساقط من (ع).","vol":"2","page":508},{"text":"وَمَن تَرَكَ دَينًا أَو ضَيَاعًا فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ يَخطُبُ النَّاسَ؛ يَحمَدُ الله وَيُثنِي عَلَيهِ بِمَا هُوَ أَهلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: مَن يَهدِهِ الله فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَن يُضلِل فَلا هَادِيَ لَهُ، وَخَيرُ الحَدِيثِ كِتَابُ الله. . . وسَاقَ الحَدِيثَ.\nرواه مسلم (٨٦٧) (٤٣ و٤٥)، والنسائي (٣/ ١٨٨ - ١٨٩).\n[٧٤٠]- وعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَالَ في مُخَاطَبَته ضِمَادًا: إِنَّ الحَمدَ لِلَّهِ، نَحمَدُهُ وَنَستَعِينُهُ، مَن يَهدِهِ الله فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَن يُضلِل فَلا هَادِيَ لَهُ. أَشهَدُ أَن لا إِلهَ إِلا الله وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعدُ. . .، وَسَيَأتِي بِكَمَالِهِ.\nرواه أحمد (١/ ٣٠٢)، ومسلم (٨٦٨)، والنسائي (٦/ ٨٩ - ٩٠)، وابن ماجه (١٨٩٣).\nــ\nبعضهم لبعض؛ كما قال تعالى: أَنِ اقتُلُوا أَنفُسَكُم؛ أي ليقتل بعضكم بعضًا، في أشهر أقوال المفسرين.\nوالضياع: العيال؛ قاله النضر بن شُمَيل، وقال ابن قتيبة: هو مصدر ضاع يضيع، ضياعًا، ومثله: مضى يمضي، مضاءً، وقضى يقضي قضاءً، أراد: من ترك عيالا (١) عالة أو أطفالا، فجاء بالمصدر موضع الاسم؛ كما تقول: ترك فقرًا؛ أي: فقراء. والضياع بالكسر: جمع ضائع؛ مثل: جائع وجياع، وضيعة الرجل أيضًا: ما يكون منه معاشه؛ من صناعة أو غلة؛ قاله الأزهري. وقال شمر: ويدخل فيه: التجارة والحرفة، يقال: ما ضيعتك؟ فتقول: كذا.\n_________\n(١) من (هـ) و(ظ).","vol":"2","page":509},{"text":"[٧٤١]- وعَن عَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ: أَنَّ رَجُلا خَطَبَ عِندَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: مَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَد رَشَدَ، وَمَن يَعصِهِمَا فَقَد غَوَى. فَقَالَ\nــ\nقلت: وهذا الكلام إنما قاله النبي - ﷺ - حين رفع ما كان قرّر من امتناعه من الصلاة على من مات وعليه دين لم يترك له وفاء؛ كما قاله أبو هريرة: كان النبى - ﷺ - يؤتى بالميت عليه الدين، فيسأل: هل ترك لدينه وفاء؟ فإن قيل: إنه ترك وفاء صلى عليه، وإن قالوا: لا؛ قال: صلوا على صاحبكم. قال: فلما فتح الله عليه الفتوح قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من توفي فترك دينًا، فعلي، ومن ترك مالا فلورثته (١).\nقال القاضي: وهذا مما يلزم الأئمة من الفرض في مال الله تعالى للذرية وأهل الحاجة، والقيام بهم وقضاء ديون محتاجيهم.\nوقوله للخطيب الذي قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى: ظاهره: أنه أنكر عليه جمع اسم الله واسم رسوله - ﷺ - في ضمير واحد، ويعارضه ما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود: أن النبي - ﷺ - خطب فقال في خطبته: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضرّ إلا نفسه (٢). وفي حديث أنس: ومن يعصهما فقد غوى (٣). وهما صحيحان، ويعارضه أيضًا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ فجمع بين ضمير اسم الله وملائكته، ولهذه المعارضة صرف بعض القُرَّاء هذا الذّم إلى أن ذلك الخطيب وقف على: ومن يعصهما، وهذا تأويل لم تساعده الرواية؛ فإن\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٣٩٩)، والبخاري (٢٢٩٨)، ومسلم (١٦١٩)، وأبو داود (٢٩٥٥)، والترمذي (٢٠٩١).\n(٢) رواه أبو داود (٢١١٩).\n(٣) رواه أبو داود (١٠٩٨).","vol":"2","page":510},{"text":"رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: بِئسَ الخَطِيبُ أَنتَ، قُل: وَمَن يَعصِ الله وَرَسُولَهُ.\nرواه أحمد (٤/ ٢٥٦)، ومسلم (٨٧٠)، وأبو داود (١٠٩٩)، والنسائي (٦/ ٩٠).\nــ\nالرواية الصحيحة أنه أتى باللفظين في مساق واحد، وأن آخر كلامه إنما هو: فقد غوى. ثم إن النبي - ﷺ - ردّ عليه وعلّمه صواب ما أخلّ به، فقال: قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى؛ فظهر أن ذمّه له إنما كان على الجمع بين الاسمين في الضمير، وحينئذ يتوجه الإشكال، ونتخلّص عنه من أوجه:\nأحدها: أن المتكلم لا يدخل تحت خطاب نفسه إذا وجّهه لغيره، فقوله - ﷺ -: بئس الخطيب أنت منصرف لغير النبي - ﷺ - لفظًا ومعنى.\nوثانيها: أن إنكاره - ﷺ - على ذلك الخطيب يحتمل أن يكون كأن هناك من يتوهم التسوية من جمعهما في الضمير الواحد، فمنع ذلك لأجله، وحيث عُدِمَ ذلك جاز الإطلاق.\nوثالثها: أن ذلك الجمع تشريف، ولله تعالى أن يُشرف من شاء بما شاء، ويمنع من مثل (١) ذلك للغير؛ كما قد أقسم بكثير من المخلوقات، ومنعنا من القسم بها، فقال ﷾: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسلِيمًا، وكذلك (٢) أذن لنبيه - ﷺ - في إطلاق مثل ذلك، ومنع منه الغير على لسان نبيه.\nورابعها: أن العمل بخبر المنع أولى لأوجه؛ لأنه تقعيد قاعدة، والخبر\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) فى (ع): وكان.","vol":"2","page":511},{"text":"[٧٤٢]- وعَن صَفوَانَ بنِ يَعلَى، عَن أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقرَأُ عَلَى المِنبَرِ: ﴿وَنَادَوا يَا مَالِكُ﴾\nرواه أحمد (٤/ ٢٢٣)، والبخاري (٣٢٣٠)، ومسلم (٨٧١)، وأبو داود (٣٩٩٢)، والترمذي (٥٠٨).\n[٧٤٣]- وعَن عَمرَةَ بِنتِ عَبدِ الرَّحمَنِ، عَن أُختٍ لِعَمرَةَ، قَالَت: أَخَذتُ ق وَالقُرآنِ المَجِيدِ مِن فِي رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَومَ الجُمُعَةِ، وَهُوَ يَقرَأُ بِهَا عَلَى المِنبَرِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ.\nرواه أحمد (٦/ ٤٣٦)، ومسلم (٨٧٣) (٥٢)، وأبو داود (١١٠٠)، والنسائي (٣/ ١٠٧).\n* * *\nــ\nالآخر يحتمل الخصوص، كما قررناه؛ ولأن لهذا الخبر ناقل، والآخر مُبقىً على الأصل؛ فكان الأول أولى؛ ولأنه قول، والثاني فعل؛ فكان أولى. والله أعلم.\nوقوله: إن النبي - ﷺ - قرأ على المنبر: ﴿وَنَادَوا يَا مَالِكُ﴾: يحتمل: أن يكون أراد الآية وحدها، أو السورة كلها، ونبّه ببعضها عليها؛ كما يقال: قرأت: الحمد لله. وفي قراءته - ﷺ - هذه الآية وسورة (ق) دليل على صحة استحباب مالك قراءة شيء من القرآن في الخطبة، وخص هذه الآية، وسورة (ق)؛ لما تضمنته من المواعظ والزجر والتحذير.\n* * *","vol":"2","page":512},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-281>(٧) باب ركوع من دخل والإمام يخطب، والتعليم في حالة الخطبة</span>\n[٧٤٤]- عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ، قَالَ: جَاءَ سُلَيكٌ الغَطَفَانِيُّ يَومَ الجُمُعَةِ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَخطُبُ، فَجَلَسَ، فَقَالَ: يَا سُلَيكُ! قُم فَاركَع رَكعَتَينِ وَتَجَوَّز فِيهِمَا، ثُمَّ قَالَ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُم يَومَ الجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخطُبُ فَليَركَع رَكعَتَينِ وَليَتَجَوَّز فِيهِمَا.\nرواه أحمد (٣/ ٣١٧)، والبخاري (٩٣٠)، ومسلم (٨٧٥) (٥٩)، وأبو داود (١١١٥)، والترمذي (٥١٠)، والنسائي (٣/ ١٠٣)، وابن ماجه (١١١٢).\nــ\n(٧) ومن باب: ركوع من دخل والإمام يخطب\nقوله - ﷺ - لسليك: قم فاركع ركعتين، وقوله: إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوّز فيهما: اختلف العلماء في العمل بهذا الحديث؛ فذهب الشافعي وأحمد وإسحاق والحسن وأبو ثور وفقهاء أصحاب الحديث إلى العمل بظاهره، وهو أن الداخل في حال خطبة الإمام يركع ركعتين. وقال الأوزاعي: إنما يركعهما من لم يركعهما في بيته، وذهب مالك والليث وأبو حنيفة والثوري وأصحابهما وجمهور من الصحابة والتابعين؛ إلى أنه لا يركع، وهو مروي عن عمر وعثمان وعلي، واحتج لهم بقوله - ﷺ - للذي رآه النبي - ﷺ - يتخطى رقاب الناس في حال الخطبة: اجلس فقد آذيت (١)، وبأمره - ﷺ - بالإقبال على الخطبة والإصغاء لها، والصلاة في ذلك الوقت\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ١٨٨ و١٩٠)، وأبو داود (١١١٨)، والنساني (٣/ ١٠٣) من حديث عبد الله بن بسر.","vol":"2","page":513},{"text":"[٧٤٥]- وَعَن أَبِي رِفَاعَةَ قَالَ: انتَهَيتُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ يَخطُبُ، قَالَ: فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! رَجُلٌ غَرِيبٌ جَاءَ يَسأَلُ عَن دِينِهِ، لا يَدرِي مَا دِينُهُ.\nــ\nتصرف عن ذلك، وبالعمل المنقول المستفيض بالمدينة على أنهم كانوا لا يركعون في تلك الحال، ولذلك قال ابن شهاب: خروج الإمام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام.\nوقد تأول أصحابنا حديث جابر تأويلات في بعضها بُعدٌ، وأولى معتمدِ المالكية في ترك العمل به أنه خبر واحد عارضه عمل أهل المدينة خَلَفًا عن سَلَف، من لدن الصحابة - ﵃ - إلى زمان مالك - رحمه الله تعالى، فيكون العمل بهذا العمل أولى، وهذا أصل مالك - رحمه الله تعالى -، وأما أبو حنيفة فترك العمل به على أصله أيضًا في ردّ أخبار الآحاد فيما تعم به البلوى. والله أعلم. وذهب بعض المتأخرين من أصحاب الحديث إلى الجمع بين الأمرين، فخيّر الداخل بين الركوع وتركه، وهو قول من تعارض عنده الخبر والعمل.\nوقول أبي رفاعة: انتهيت إلى النبي - ﷺ - وهو يخطب؛ يحتمل أن تكون تلك الخطبة للجمعة ولغيرها؛ إذ قد كان النبي - ﷺ - يجمع الناس لغير الجمعة؛ عند نزول النوازل، فيخطبهم ويعظهم.\nوقوله: رجل غريب جاء يسأل عن دينه لا يدري ما دينه: استلطاف في السؤال، واستخراج حسن للتعليم؛ لأنه لما أخبره بذلك تعين عليه أن يعلّمه، وأيضًا فإن هذا الرجل الغريب الذي جاء سائلا عن دينه؛ هو من النوع الذي قال فيه النبي - ﷺ -: إن ناسًا يأتونكم من أقطار الأرض يطلبون العلم، فاستوصوا بهم خيرًا (١)، فإنه - ﷺ - كان لا يأمر بشيء إلا كان أول آخذٍ به، وإذا نهى عن شيء كان أول تاركٍ له.\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٦٥٠)، وابن ماجه (٢٤٧) من حديث أبي سعيد الخدري.","vol":"2","page":514},{"text":"قَالَ: فَأَقبَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَتَرَكَ خُطبَتَهُ حَتَّى انتَهَى إِلَيَّ، فَأُتِيَ بِكُرسِيٍّ، حَسِبتُ قَوَائِمَهُ حَدِيدًا، قَالَ: فَقَعَدَ عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ الله، ثُمَّ أَتَى خُطبَتَهُ فَأَتَمَّ آخِرَهَا.\nرواه أحمد (٥/ ٨٠)، ومسلم (٨٧٦)، والنسائي (٨/ ٢٢٠).\n* * *\nــ\nوقوله: فأقبل عليّ وترك خطبته، إنما فعل ذلك لتعيُّنه عليه في الحال؛ ولخوف الفوت؛ ولأنه لا يناقض ما كان فيه من الخطبة، ومشيُه - ﷺ - وقربه منه في تلك الحال مبادرة لاغتنام الفرصة، وإظهار التهمم بشأن السائل.\nوقوله: فأُتِيَ بكرسي حسبت قوائمه حديدًا: هكذا صحيح الرواية، وذكره ابن قتيبة وقال: بكرسي خُلبٍ، قال: والخُلب: الليف، وهو تصحيف منه، وإنما هو: خِلت؛ كما رواه ابن أبي شيبة، وهو بمعنى: حسبت؛ الذي رواه مسلم. ووقع في نسخة ابن الحذّاء: بكرسي خشب، وهو أيضًا تصحيف، وصوابه ما قدّمناه، وقد فسَّره حميد في كتاب ابن أبي شيبة، فقال: أراه كان من عودٍ أسود فحسبه من حديد، قلت: وأظن أن هذا الكرسي هو المنبر، ويعني به: أنه نقل عن موضعه المعتاد له إلى موضع السائل، ليجلس عليه النبي - ﷺ -.\nوقوله: ثم أتى خطبته فأتم آخرها؛ أي: لما فرغ من تعليم الرجل؛ رجع إلى أسلوب خطبته المتقدم، لا يقال: إن هذا الفعل منه - ﷺ - قطعٌ للخطبة؛ لما قررناه من أن تعليم العلم والأمر والنهي في الخطبة لا يكون قطعًا للخطبة، والجمهور على أن الكلام في الخطبة لأمر يحدث لا يفسدها. وحكى الخطابي عن بعض العلماء: أن الخطيب إذا تكلم في الخطبة أعادها.\n* * *","vol":"2","page":515},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-282>(٨) باب ما يُقرَأُ به في صلاة الجمعة، وفي صبح يومها</span>\n[٧٤٦]- عَنِ ابنِ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: استَخلَفَ مَروَانُ أَبَا هُرَيرَةَ عَلَى المَدِينَةِ، وَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ، فَصَلَّى لَنَا أَبُو هُرَيرَةَ الجُمُعَةَ، فَقَرَأَ بَعدَ سُورَةِ الجُمُعَةِ فِي الرَّكعَةِ الآخِرَةِ: ﴿إِذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ﴾ قَالَ: فَأَدرَكتُ أَبَا هُرَيرَةَ حِينَ انصَرَفَ، فَقُلتُ لَهُ: إِنَّكَ قَرَأتَ بِسُورَتَينِ كَانَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ يَقرَأُ بِهِمَا بِالكُوفَةِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: إِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقرَأُ بِهِمَا يَومَ الجُمُعَةِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: فَقَرَأَ بِسُورَةِ الجُمُعَةِ فِي السَّجدَةِ الأُولَى، وَفِي الآخِرَةِ: ﴿إِذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ﴾\nرواه مسلم (٨٧٧)، وأبو داود (١١٢٤)، والترمذي (٥١٩)، وابن ماجه (١١١٨).\nــ\n(٨) ومن باب: ما يقرأ في صلاة الجمعة\nقراءةُ النبي - ﷺ - في الجمعة بسورتها ليذكرهم بأمرها، ويُبيّن تأكيدها وأحكامها، وأما قراءة سورة المنافقين فلتوبيخ من يحضرها من المنافقين؛ لأنه قلّ من كان يتأخر عن الجمعة منهم؛ إذ قد كان هدَّد على التخلف عنها بحرق البيوت على من فيها، ولعل هذا - والله أعلم - كان في أول الأمر، فلما عقل الناس أحكام الجمعة وحصل توبيخ المنافقين؛ عدل عنها إلى قراءة: ﴿سَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأَعلَى﴾، و﴿هَل أَتَاكَ حَدِيثُ الغَاشِيَةِ﴾، على ما في حديث عباد بن بشر؛ لما تضمنتاه من الوعظ والتحذير والتذكير، وليخفف أيضًا عن الناس؛ كما قال: إذا أممت","vol":"2","page":516},{"text":"[٧٤٧]- وعَنِ النُّعمَانِ بنِ بَشِيرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقرَأُ فِي العِيدَينِ وَفِي الجُمُعَةِ: ﴿سَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأَعلَى﴾ وَ: ﴿هَل أَتَاكَ حَدِيثُ الغَاشِيَةِ﴾\nقَالَ: وَإِذَا اجتَمَعَ العِيدُ وَالجُمُعَةُ فِي يَومٍ وَاحِدٍ قرَأ بِهِمَا أَيضًا فِي الصَّلاتَينِ.\nرواه مسلم (٨٧٨) (٦٢)، وأبو داود (١١٢٢ و١١٢٣)، والترمذي (٥٣٣)، والنسائي (٣/ ١١٢)، وابن ماجه (١١١٩).\nــ\nالناس فاقرأ بـ ﴿وَالشَّمسِ وَضُحَاهَا﴾، و﴿سَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأَعلَى﴾، و﴿هَل أَتَاكَ حَدِيثُ الغَاشِيَةِ﴾ (١).\nوقوله: إذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد قرأ بهما أيضًا في الصلاتين: هذا يدل على أنه لا يكتفى بصلاة العيد عن صلاة الجمعة إذا اجتمعا في يوم، وهو المشهور من مذاهب العلماء، خلافًا لمن ذهب إلى أن الجمعة تسقط يومئذ، وإليه ذهب ابن الزبير، وابن عباس، وقالا: هي السنة، وذهب غيرهما إلى أنهما يُصليان، غير أنه يُرخص لمن أتى العيد من أهل البادية في ترك إتيان الجمعة، وإلى ذلك ذهب عثمان - ﵁ -، والذي استمر العمل عليه: ما دلّ عليه ظاهر الحديث المتقدم.\nوسجودُه - ﷺ - في صلاة الجمعة عند قراءة السجدة دليل على جواز قراءة السجدة في صلاة الفريضة، وقد كرهه في المدوّنة (٢). وعُلِّل بخوف التخليط على\n_________\n(١) رواه البخاري (٧١١)، ومسلم (٤٦٥)، وأبو داود (٧٩٠ - ٧٩٣)، والنسائي (٢/ ٩٧ و٩٨) من حديث جابر.\n(٢) هو كتاب \"المدونة\" في فروع المالكية، لأبي عبد الله عبد الرحمن بن القاسم المالكي المتوفى سنة (١٩١ هـ). (كشف الظنون ٢/ ١٦٤٤).","vol":"2","page":517},{"text":"[٧٤٨]- وَعَن ابنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَبَّي - ﷺ - كَانَ يَقرَأُ فِي صَلاةِ الفَجرِ يَومَ الجُمُعَةِ: ﴿الم * تَنزِيلُ﴾ السَّجدَةِ. وَ: هَل أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهرِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَقرَأُ فِي صَلاةِ الجُمُعَةِ سُورَةَ الجُمُعَةِ وَالمُنَافِقِينَ.\nرواه مسلم (٨٧٩)، وأبو داود (١٠٧٤)، والترمذي (٥٢٠)، والنسائي (٣/ ١١١١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>(٩) باب ما جاء في التنفل بعد الجمعة</span>\n[٧٤٩]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِذَا صَلَّيتُم بَعدَ الجُمُعَةِ فَصَلُّوا أَربَعًا.\nــ\nالناس، وقد علل بخوف زيادة سجدة في صلاة الفرض، وهو تعليل فاسد بشهادة هذا الحديث.\n(٩) ومن باب: التنفل بعد الجمعة\nقوله - ﷺ -: إذا صليتم بعد الجمعة فصلوا أربعًا؛ أي: إذا أردتم أن تصلوا نفلا؛ كما قال في الرواية الأخرى: من كان مصلّيًا بعد الجمعة فليصل أربعًا. قال الإمام: وكل هذا إشارة إلى ترك الاقتصار على ركعتين؛ لئلا تلتبس الجمعة بالظهر التي هي أربع على الجاهل، أو لئلا يتطرق أهل البدع إلى صلاتها ظهرًا أربعًا، وإلى الأخذ بظاهر هذا الحديث ذهب أبو حنيفة، وإسحاق؛ فقالا: يصلي أربعًا لا يفصل بينهن، وروي عن جماعة من السلف أنه يصلي بعدهما ركعتين، ثم","vol":"2","page":518},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِن عَجِل بِكَ شَيءٌ فَصَلِّ رَكعَتَينِ فِي المَسجِدِ، وَرَكعَتَينِ إِذَا رجِعتَ.\nوَفِي لَفظٍ آخَر: مَن كَانَ مِنكُم مُصَلِّيًا بَعدَ الجُمُعَةِ فَليُصَلِّ أَربَعًا.\nرواه أحمد (٢/ ٢٤٩ و٤٤٢)، ومسلم (٨٨١) (٦٨)، وأبو داود (١١٣١)، والنسائي (٣/ ١١٣)، وابن ماجه (١١٣٢).\n[٧٥٠]- وَعَن ابنِ عُمَرَ، ووَصَفَ تَطَوُّعَ صَلاةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: وَكَانَ لا يُصَلِّي بَعدَ الجُمُعَةِ حَتَّى يَنصَرِفَ، فَيُصَلِّي رَكعَتَينِ فِي بَيتِهِ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٥)، ومسلم (٨٨٢) (٧١)، وأبو داود (١١٢٨)، والترمذي (٤٣٢)، وابن ماجه (١١٣٠).\nــ\nأربعًا، وهو مذهب الثوري وأبي يوسف، لكن استحب أبو يوسف تقديم الأربع على الاثنتين، واستحب الشافعي التنفل بعدها، وأن الأكثر أفضل. وأخذ مالك برواية ابن عمر: أنه - ﷺ - كان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف، فيصلي في بيته ركعتين، وجعله في الإمام أشدّ، ووسع لغيره في الركوع في المسجد، مع استحبابه ألاّ يفعلوا؛ قاله عياض.\nوالمقصورة: موضع من المسجد، تُقصر على الملوك والأمراء، وأول من عمل ذلك معاوية لما ضربه الخارجي، واستمر العمل عليها لهذه العلة تحصينًا للأمراء، فإن كان اتخادها لغير تلك العلة فلا يجوز، ولا يُصَلَّى فيها؛ لتفريقها الصفوف، وحيلولتها بين الإمام وبين المصلين خلفه، مع تمكنهم من مشاهدة أفعاله. وقد أجاز اتخاذها بعض المتأخرين لغير التحصين، وفيه بُعدٌ. واختلف في الصلاة فيها، فأجازه أكثر السلف وصلوا فيها؛ منهم: الحسن والقاسم بن","vol":"2","page":519},{"text":"[٧٥١]- وَعَنِ السَّائِبِ ابنِ أُختِ نَمِرٍ قَال: صَلَّيتُ مَع مُعَاوِيَةُ الجُمُعَةَ فِي المَقصُورَةِ، فَلَمَّا سَلَّمَ الإِمَامُ قُمتُ فِي مَقَامِي فَصَلَّيتُ، فَلَمَّا دَخَلَ أَرسَلَ إِلَيَّ فَقَالَ: لا تَعُد لِمَا فَعَلتَ، إِذَا صَلَّيتَ الجُمُعَةَ فَلا تَصِلهَا بِصَلاةٍ حَتَّى تَكَلَّمَ أَو تَخرُجَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَمَرَنَا بِذَلِكَ أَلا نوصَلَ بصَلاة حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَو نَخرُجَ.\nرواه مسلم (٨٨٣)، وأبو داود (١١٢٩).\n* * *\nــ\nمحمد وسالم وغيره، وأباه آخرون وكرهوه، وروي عن ابن عمر أنه كان إذا حضرت الصلاة وهو في المقصورة خرج عنها إلى المسجد، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، غير أن إسحاق قال: فإن صلى أجزأته، وقيل: هذا إذا كانت مباحة، فإن كانت محجورة إلا على آحاد؛ لم تجز فيها الجمعة؛ لأنها بتحجيرها خرجت عن حكم (١) الجامع المشترك في الجمعة.\nوقوله: ألاّ توصل بصلاة، هكذا في إحدى الروايتين، وقد روي: ألا نُوصَل صلاةً، فالأولى: توصل - بالتاء -: مبني لما لم يُسَمّ فاعله، وفيه ضمير هو المفعول الذي لم يسم فاعله، وبصلاة: متعلق به. فعلى هذا يكون النهي مخصوصًا بالجمعة لفظًا. والرواية الأخرى: نُوصل - بالنون -: مبني للفاعل، وصلاة مفعول، وهذا اللفظ يعم جميع الصلوات. ومقصود هذا الحديث منع ما يؤدي إلى الزيادة على الصلوات المحدودات. والله تعالى أعلم.\n* * *\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"2","page":520},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-284>(١٠) باب التغليظ في ترك الجمعة</span>\n[٧٥١ م ١]- عَن عَبدَ الله بنَ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيرَةَ أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ عَلَى أَعوَادِ مِنبَرِهِ: لَيَنتَهِيَنَّ أَقوَامٌ عَن وَدعِهِمُ الجُمُعَاتِ، أَو لَيَختِمَنَّ الله عَلَى قُلُوبِهِم، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الغَافِلِينَ.\nــ\n(١٠) ومن باب: التغليظ في ترك الجمعة\nقوله: لينتهين أقوام عن وَدعِهم الجمعات؛ أي: تركهم. قال شمر: زعمت النحوية: أن العرب أماتوا مصدره وماضيه، والنبي - ﷺ - أفصح. قلت: وقد قرأ ابن أبي عبلة: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ مخفَّفًا (١)؛ أي: ما تركك، والأكثر في الكلام ما ذكره شمر عن النحويين.\nوقوله: أو ليختمنّ الله على قلوبهم، ثم ليكونُن من الغافلين: حجة واضحة في وجوب الجمعة وفرضيتها. والختم: الطبع، وأصله من: ختمت الكتاب؛ إذا طبعته بطابعه، وهو في الحقيقة عبارة عما يخلقه الله تعالى في قلوبهم من الجهل والجفاء والقسوة، وهذا مذهب أهل السنة، وقال غيرهم من أهل الأهواء: هو الشهادة عليهم بما فيها، وقيل عن بعضهم: هو عَلَمٌ جعله الله في قلوبهم لتعرف الملائكة فرق ما بين من يجب مدحه ممن يجب ذمُّه. وجمهور الأئمة على أنها فرض من فروض الأعيان. وروي عن بعض الشافعية: أنها من فروض الكفاية. وقد نَقَل عن مالك من لم يُحقق أنها سنة، وتوّهم على مالك أنه يقول: إنها من قبيل المندوب المتأكد، وليس بصحيح من مذهبه، ولا مذاهب\n_________\n(١) الآية بتشديد ودَّعك [الضحى: ٣].","vol":"2","page":521},{"text":"رواه أحمد (١/ ٢٣٩ و٢٥٤ و٢/ ٨٤)، ومسلم (٨٦٥)، والنسائي (٣/ ١٨٨ و١٨٩)، وابن ماجه (٧٩٤).\n* * *\nــ\nأصحابه، لكن روى ابن وهب عنه لفظًا غلط في تأويله بعض المتأولين، وذلك: أنّ ابن وهب روى عن مالك في القرى المتصلة البيوت وفيها جماعة من المسلمين، قال: وينبغي لهم أن يجمِّعوا، إذا كان إمامهم يأمرهم أن يجمعوا فليأمِّروا رجلا فيجمِّع بهم؛ لأن الجمعة سنة، هذا نص كلامه، وظاهره: أن التجميع على هذه الحالة من سنة رسول الله - ﷺ -؛ أي: من طريقته التي كان يسلكها. والله تعالى أعلم.\n* * *","vol":"2","page":522},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-285>(٥) أبواب صلاة العيدين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-286>(١) باب الخروج إلى المصلى في العيدين، وخروج النساء</span>\n[٧٥١ م ٢]- عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَخرُجُ يَومَ الفِطرِ وَيَومَ الأَضحَى، فَيَبدَأُ بِالصَّلاةِ، فَإِذَا صَلَّى صَلَاتهُ وَسَلَّمَ، قَامَ فَأَقبَلَ عَلَى النَّاسِ، وَهُم جُلُوسٌ فِي مُصَلاهُم، فَإِن كَانَ لَهُم حَاجَةٌ بِبَعثٍ ذَكَرَهُ لِلنَّاسِ، أَو كَانَت لَهُ حَاجَةٌ بِغَيرِ ذَلِكَ أَمَرَهُم بِهَا. وَكَانَ يَقُولُ: تَصَدَّقُوا، تَصَدَّقُوا، تَصَدَّقُوا، وَكَانَ أَكثَرَ مَن يَتَصَدَّقُ النِّسَاءُ، ثُمَّ يَنصَرِفُ. فَلَم يَزَل\nــ\n(٥) ومن أبواب العيدين\nسُمِّي العيد عيدًا؛ لعوده وتكرره في كل سنة، وقيل: لعوده بالفرح والسرور، وقيل: سمّي بذلك على جهة التفاؤل؛ لأنه يعود على من أدركه. واختلف في حكم صلاة العيدين، فالجمهور على أنها سنة، وعن أبي حنيفة: أنها واجبة. وقال الأصمعي: إنها فرض.","vol":"2","page":523},{"text":"كَذَلِكَ، حَتَّى كَانَ مَروَانُ بنُ الحَكَمِ، فَخَرَجتُ مُخَاصِرًا مَروَانَ، حَتَّى أَتَينَا المُصَلَّى، فَإِذَا كَثِيرُ بنُ الصَّلتِ قَد بَنَى مِنبَرًا مِن طِينٍ وَلَبِنٍ، فَإِذَا مَروَانُ يُنَازعُنِي يَدَهُ، كَأَنَّهُ يَجُرُّنِي نَحوَ المِنبَرِ، وَأَنَا أَجُرُّهُ نَحوَ الصَّلاةِ، فَلَمَّا رَأَيتُ ذَلِكَ مِنهُ. قُلتُ: أَينَ الابتِدَاءُ بِالصَّلاةِ؟ فَقَالَ: لا، يَا أَبَا سَعِيدٍ! قَد تُرِكَ مَا تَعلَمُ. قُلتُ: كَلا، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ! لا تَأتُونَ بِخَيرٍ مِمَّا أَعلَمُ - ثَلاثَ مِرَارٍ - ثُمَّ انصَرَفَ.\nرواه الإمام أحمد (١/ ٣٦ و٤٢)، والبخاري (٣٠٤)، ومسلم (٨٨٩)، والنسائي (٣/ ١٨٧)، وابن ماجه (١٢٨٨).\n[٧٥٢]- وعَن أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَت: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَن نُخرِجَهُنَّ فِي\nــ\nوقوله: مخاصرًا مروان؛ أي: محاذيًا له، وأصله من الخصر، وكأنه حاذى خاصرته.\nوقوله: ينازعني يده؛ أي: يجاذبني، وكلا بمعنى: لا؛ كما قال الشاعر:\nفقالوا قد بَكَيَت فَقُلتُ كَلَاّ\nأي: لا. وقد تقدم ذكر أول من قدم الخطبة على الصلاة في الإيمان.\nوقول أم عطية: أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نخرجهن؛ تعني: النساء، والضمير عائد على نساء جرى ذكرهن، وقد أبدلت من ضميرهن بقولها: العواتق والحيَّض وذوات الخدور. ولا يصح أن يُستدل بهذا الأمر على وجوب صلاة العيدين والخروج إليهما؛ لأن هذا الأمر إنما يوجه لمن ليس بمكلف بالصلاة باتفاق؛ كالحيَّض، وإنما مقصود هذا الأمر تدريب الأصاغر على الصلاة، وشهود","vol":"2","page":524},{"text":"الفِطرِ وَالأَضحَى، العَوَاتِقَ وَالحُيَّضَ وَذَوَاتِ الخُدُورِ، فَأَمَّا الحُيَّضُ فَيَعتَزِلنَ الصَّلاةَ، وَيَشهَدنَ الخَيرَ وَدَعوَةَ المُسلِمِينَ. قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِحدَانَا لا يَكُونُ لَهَا جِلبَابٌ. قَالَ: لِتُلبِسهَا أُختُهَا مِن جِلبَابِهَا.\nوَفِي رِوَايَةٍ: قَالَت: الحُيَّضُ يَخرُجنَ فَيَكُنَّ خَلفَ النَّاسِ، يُكَبِّرنَ مَعَ النَّاسِ.\nــ\nدعوة المسلمين، ومشاركتهم في الثواب والخير، وإظهار جمال الدين. والعاتق: الجارية حين تدرك. قال ابن السِّكِّيت: العاتق: فيما بين أن تدرك إلى أن تُعَنِّس ما لم تتزوج. والخدور: البيوت، وأصله: الهودج، ويعني به: المخبآت.\nوهذا الحديث حجة على خروج النساء في العيدين، وهو مذهب جماعة من السلف؛ منهم: أبو بكر، وعمر، وعلي، وابن عمر، وغيرهم، ومنهم من منعهن من ذلك جملة؛ منهم: عروة، والقاسم، ومنهم من منع الشابة دون غيرها؛ منهم: عروة، والقاسم في قول آخر لهما، ويحيى بن سعيد، وهو مذهب مالك وأبي يوسف، واختلف قول أبي حنيفة في ذلك بالإجازة والمنع، وكان مستند المانع: ما أحدثه النساء من التبرج والزينة الظاهرة.\nوقوله: فأما الحيَّض فيعتزلن الصلاة؛ أي: موضع الصلاة؛ كما قال في الرواية الأخرى: يكنّ خلف الناس. وهذا تنزيه للصلاة وللمصلين من اختلاط النساء بهنّ، ولئلا تظهر مخالفة من لا يصلّي بمن يصلّي.\nوالجلباب: الإزار، وجمعه: جلابيب، وقيل: هي المقنعة، وقيل: هو كالملاءة والملحفة، وقيل: الخمار. ولِتُلبِسهَا أُختُهَا (١): يعني: لتُعِرها من ثيابها، وقيل: هو على المبالغة؛ يعني: أنه يخرج اثنتان في لحاف واحد.\nوقوله: يكبرن مع الناس؛ يعني: إذا كبروا. والتكبير في العيد له أربعة\n_________\n(١) ساقط من الأصول.","vol":"2","page":525},{"text":"رواه البخاري (٩٧٤)، ومسلم (٨٩٠) (١١ و١٢)، وأبو داود (١١٣٦ - ١١٣٩)، والترمذي (٥٣٩ و٥٤٠)، والنسائي (٣/ ١٨٠ و١٨١)، وابن ماجه (١٣٠٧).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>(٢) باب لا صلاة قبل صلاة العيدين في المصلى، ولا أذان ولا إقامة</span>\n[٧٥٣]- عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - خَرَجَ يَومَ أَضحَى أَو فِطرٍ، فَصَلَّى رَكعَتَينِ لَم يُصَلِّ قَبلَهمَا وَلا بَعدَهَما، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلالٌ فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ،\nــ\nمواطن: في الخروج إلى المصلى إلى أن يخرج الإمام للصلاة، والتكبير في الصلاة، والتكبير في (١) الخطبة بتكبير الإمام، والتكبير أيام التشريق خلف الصلوات، على الخلاف في هذه الجملة، وسيأتي ذكر بعضه.\n(٢) ومن باب: لا صلاة قبل صلاة العيدين ولا بعدهما\nخروج رسول الله - ﷺ - إلى المصلى دليل على أن مشروعية صلاة العيدين الخروج إلى المصلى، وهو الذي عمل عليه الناس. وحكمته إظهار جمال الإسلام، والمباهاة، والغلظة على الكفار، وتستوي في ذلك البلاد كلها مع التمكن، إلا مكة، فإنه لا يخرج منها في العيدين لخصوصية ملاحظة البيت.\nوقوله: فأمر النساء بالصدقة؛ أي: نَدبَهن إليها، وحضّهن عليها.\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"2","page":526},{"text":"فَجَعَلَتِ المَرأَةُ تُلقِي خُرصَهَا وَتُلقِي سِخَابَهَا.\nرواه أحمد (١/ ٣٥٥)، والبخاري (١٤٣١)، ومسلم (٨٨٤)، وأبو داود (١١٥٩)، والترمذي (٥٣٧)، والنسائي (٣/ ١٩٣)، وابن ماجه (١٢٩١).\n[٧٥٤]- وَعَن عَطَاء، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، وَعَن جَابِرِ بنِ عَبدِ الله الأَنصَارِيِّ، قَالا: لَم يَكُن يُؤَذَّنُ يَومَ الفِطرِ وَلا يَومَ الأَضحَى. ثُمَّ سَأَلتُهُ بَعدَ حِينٍ عَن ذَلِكَ فَأَخبَرَنِي عَن جَابِرُ بنُ عَبدِ الله الأَنصَارِيُّ: أَن لا أَذَانَ لِلصَّلاةِ يَومَ الفِطرِ حتى يَخرُج الإِمَامُ، وَلا بَعدَمَا يَخرُجُ، وَلا إِقَامَةَ، وَلا نِدَاءَ، وَلا شَيءَ. لا نِدَاءَ يَومَئِذٍ وَلا إِقَامَةَ.\nرواه البخاري (٩٦٠)، ومسلم (٨٨٦) (٥)، وأبو داود (١١٤٧)، والنسائي (٣/ ١٨٢)، وابن ماجه (١٢٧٤).\nــ\nوالخُرص: حلقة تعلّق في الأذن، والفتخة: ما يلبس في أصابع اليد، وجمعها: فَتَخَات، وفَتَخٌ؛ قاله ابن السِّكِّيت، وقال الأصمعي: هي خواتيم لا فصوص لها، وتجمع أيضًا: فِتَاخٌ. والسِّخَاب: خيط فيه خرز، وجمعه: سُخُبٌ؛ مثل: كتاب وكتب. وقال البخاري: هي قلادة من طيبٍ أو مسكٍ، غيره: أو قرنفل، ليس فيه من الجوهر شيء. والأقرطة: جمع قرط، وقيل: صوابه: قرطة، وأقراط، [وقروط، وقيل: لا يبعد أن يكون جمع قراط] (١). قال ابن دريد: كل ما علق من شحمة الأذن فهو: قرط، كان من ذهب أو خرز.\nوكونه - ﷺ - لم يصلّ قبلهما ولا بعدهما حجة لمالك وجماعة من السلف على الشافعي وجماعة؛ حيث أجازوا الصلاة قبلهما وبعدهما، وعلى الكوفيين،\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"2","page":527},{"text":"[٧٥٥] عَن جَابر بنِ سَمُرَةَ قالَ: صَلِّيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - العِيدَينِ غَيرَ مَرَّةٍ وَلا مَرَّتَينِ بِغَيرِ أَذَانٍ وَلا إِقَامَةٍ.\nرواه أحمد (٥/ ١٠٧)، ومسلم (٨٨٧)، وأبو داود (١١٤٨)، والترمذي (٥٣٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>(٣) باب الصلاة فيهما قبل الخطبة</span>\n[٧٥٦]- عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: شَهِدتُ صَلاةَ الفِطرِ مَعَ النَبِيِّ - ﷺ - وَأَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ، فَكُلُّهُم يُصَلِّيهَا قَبلَ الخُطبَةِ، ثُمَّ يَخطُبُ، قَالَ:\nــ\nوالأوزاعي؛ حيث أجازوا الصلاة بعدهما ومنعوها قبلهما، لكن خصّ مالك المنع بما إذا صُليا خارج المصر أخذًا بموجب فعل النبي - ﷺ -.\nوكونه - ﷺ - لم يؤذن لهما، ولم يُقِم دليل على أن ذلك ليس مشروعًا فيهما، ولا في غير الفرائض من السنن الراتبة، وهذا المعلوم من عمل الناس بالمدينة وغيرها، وروي: أن معاوية أحدث الأذان لهما، وقيل: زياد، وهو الأشبه، وهذا الحديث وغيره يرد على من أخذ بذلك.\n(٣) ومن باب: تقديم الصلاة على الخطبة\nقد قدّمنا ذكر من قدّم الخطبة على الصلاة، وهذا الحديث وما في معناه، ونقل أهل المدينة المتصل يردان على من قدم الخطبة على الصلاة فيهما، ولا قائل به اليوم من فقهاء الإسلام.","vol":"2","page":528},{"text":"فَنَزَلَ نَبِيّ الله - ﷺ - كَأَنِّي أَنظُرُ إِلَيهِ حِينَ يُجَلِّسُ الرِّجَالَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَقبَلَ يَشُقُّهُم حَتَّى جَاءَ النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلالٌ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ المُؤمِنَاتُ يُبَايِعنَكَ عَلَى أَن لا يُشرِكنَ بِاللَّهِ شَيئًا﴾ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ حَتَّى فَرَغَ مِنهَا، ثُمَّ قَالَ حِينَ فَرَغَ مِنهَا: أَنتُنَّ عَلَى ذَلِكِ؟ فَقَالَتِ امرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، لَم يُجِبهُ غَيرُهَا مِنهُنَّ: نَعَم، يَا نَبِيَّ الله. لا يُدرَى حِينَئِذٍ مَن هِيَ. قَالَ: فَتَصَدَّقنَ. فَبَسَطَ بِلالٌ ثَوبَهُ، ثُمَّ قَالَ: هَلُمَّ، فِداء لَكُنَّ أَبِي وَأُمِّي، فَجَعَلنَ يُلقِينَ الفَتَخَ وَالخَوَاتِمَ فِي ثَوبِ بِلالٍ.\nرواه البخاري (٤٨٩٥)، ومسلم (٨٨٤) (١)، وأبو داود (١١٤٢ - ١١٤٧)، والنسائي (٣/ ١٨٤).\nــ\nوقوله: يُجَلِّسُ الرجال بيده، يعني: يشير عليهم بالجلوس، وكأنهم ظنوا أنه قد كمّل الخطبة.\nوأما نزوله - ﷺ - إلى النساء؛ فذلك ليسمعهن، وقيل: هذا خاص بالنبي - ﷺ -، ولا يجوز للإمام اليوم قطع الخطبة ووعظ من بَعُد عنه. ويظهر أن دعوى خصوصية النبي - ﷺ - بذلك فيه بعد؛ لعدم البيان، وإنما محمل هذا - والله أعلم - على أنه لم يقطع الخطبة، ولم يتركها تركًا متفاحشًا، وإنما كان ذلك كله قريبًا؛ إذ لم يكن المسجد كبيرًا، ولا صفوف النساء بعيدة، ولا محجوبة. والله أعلم.\nوفيه من الفقه: هبة المرأة اليسير من مالها بغير إذن زوجها، ولا يقال في هذا: إن أزواجهن كانوا حُضُورًا؛ لأن ذلك لم ينقل، ولو نُقل ذلك فلم ينقل تسليم أزواجهن في ذلك، ومن ثبت له حق فالأصل بقاؤه حتى يُصرِّح بإسقاطه، ولم يصرح القوم ولا نُقل ذلك، فصحّ ما قلناه.\nوقوله: فقامت امرأة واحدة إلى قوله: ولا يُدرى حينئذ من هي؟ . هكذا عند جميع الرواة، غير أن بعضهم يقول: لا يدري حَسَنٌ من هي؟، وكذا ذكره البخاري،","vol":"2","page":529},{"text":"[٧٥٧]- وَعَنهُ، قَالَ: أَشهَدُ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ - لَصَلَّى قَبلَ الخُطبَةِ، قَالَ: ثُمَّ خَطَبَ، فَرَأَى أَنَّهُ لَم يُسمِعِ النِّسَاءَ، قَالَ: فَأَتَاهُنَّ، فَذَكَّرَهُنَّ، وَوَعَظَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، وَبِلالٌ قَائِلٌ بِثَوبِهِ، فَجَعَلَتِ المَرأَةُ تُلقِي الخَاتَمَ وَالخُرصَ وَالشَّيءَ.\nرواه مسلم (٨٨٤) (٢)، وابن ماجه (١٢٧٣).\n[٧٥٨]- وَعَن ابنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَ - ﷺ - وَأَبَا بَكرٍ وَعُمَرَ، كَانُوا يُصَلُّونَ العِيدَينِ قَبلَ الخُطبَةِ.\nرواه البخاري (٩٦٣)، ومسلم (٨٨٨)، والترمذي (٥٣١)،\nوالنسائي (٣/ ١٨٣)، وابن ماجه (١٢٧٦).\n* * *\nــ\nويعني به: الحسن بن مسلم راوي الحديث عن طاوس في كتاب مسلم وغيره، ولعل قولهم حينئذ تصحيفُ حسن؛ قاله الإمام، وقال القاضي عياض: هو تصحيف بلا شك.\n* * *","vol":"2","page":530},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-289>(٤) باب ما يقال في الخطبة</span>\n[٧٥٩]- عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ الله قَالَ: شَهِدتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - الصَّلاةَ يَومَ العِيدِ، - وَفِي رِوَايَةٍ: يَوم الفِطر - فَبَدَأَ بِالصَّلاةِ قَبلَ الخُطبَةِ، بِغَيرِ أَذَانٍ وَلا إِقَامَةٍ، ثُمَّ قَامَ يتَوَكّأ عَلَى بِلالٍ، فَأَمَرَ بِتَقوَى الله، وَحَثَّ عَلَى طَاعَتِهِ، وَوَعَظَ النَّاسَ وَذَكَّرَهُم، ثُمَّ مَضَى حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ، وَقَالَ: تَصَدَّقنَ، فَإِنَّ أَكثَرَكُنَّ حَطَبُ جَهَنَّمَ، فَقَامَتِ امرَأَةٌ مِن سِطَةِ النِّسَاءِ، سَفعَاءُ الخَدَّينِ، فَقَالَت: لِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ ! قَالَ: لأَنَّكُنَّ تُكثِرنَ الشَّكَاةَ، وَتَكفُرنَ العَشِيرَ. قَالَ: فَجَعَلنَ يَتَصَدَّقنَ مِن حُلِيِّهِنَّ، يُلقِينَ فِي ثَوبِ بِلالٍ مِن أَقرِطَتِهِنَّ وَخَوَاتِمِهِنَّ.\nــ\n(٤) [ومن باب: ما يقال في الخطبة] (١)\nقوله في الأم: فقامت امرأة من سِطة النساء؛ أي: من خيار النساء، يقال: فلان من أوسط قومه، وواسطة قومه، ووسيط قومه، وقد وَسَطَ وساطة، وسِطةً. قال القاضي: كذا وقع هذا الحرف عند عامة شيوخنا، وسائر الرواة، إلا فيما أتى به الخشني والطبري، فإنهما ضبطاه: واسطة، وهو قريب من التفسير الأول، لكن حذّاق شيوخنا زعموا: أن هذا الحرف مغيَّر في كتاب مسلم، وأن صوابه: من سفلة النساء، ويؤيِّده: قول من رواه: ليست من عِليَةِ النساء، ويعضده أيضًا قوله بعد: سفعاء الخَدَّين، والسُّفعة: شُحوب بسواد.\nوقوله: تكثرن الشكاة؛ يعني: التشكي بالأزواج؛ أي: يكتمن الإحسان، ويظهرن التشكِّي كثيرًا، والعشير: الزوج، وهو معدول عن اسم الفاعل للمبالغة؛ من\n_________\n(١) العنوان ساقط من الأصول، واستدرك من التلخيص.","vol":"2","page":531},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ ابنُ جُرَيجٍ: قُلتُ لِعَطَاءَ: زَكَاةُ الفِطرِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِن صَدَقَةً يَتَصَدَّقنَّ بِهَا حِينَئِذٍ. تُلقِي الَمَرأَةُ فَتَخَهَا، وَيُلقِينَ وَيُلقِينَ. قُلتُ لِعَطَاءَ: أَحَقًا عَلَىَ الإِمَامِ الآنَ أَن يَأتِيَ النِساءَ حِين يفرَغَ فَيُذَكِّرهُنَّ؟ قال: أي لَعَمرِي! إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌ عَلِيهِم، وَمَا لَهُم الآنَ لَا يَفعَلُونَ ذَلِكَ؟ ! .\nرواه البخاري (٩٦١)، ومسلم (٨٨٥) (٣)، وأبو داود (١٤٤١)، والنسائي (٣/ ١٨٦ - ١٨٧)، وابن ماجه (١٢٨٩).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-290>(٥) باب ما يقرأ في صلاة العيدين</span>\n[٧٦٠]- عَن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، أَنَهُ سَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيثِيَّ: مَا كَانَ يَقرَأُ بِهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي الأَضحَى وَالفِطرِ؟ فَقَالَ: كَانَ يَقرَأُ فِيهِمَا بِـ ﴿ق وَالقُرآنِ المَجِيدِ﴾ واقتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ القَمَرُ.\nــ\nالمعاشرة والعشرةَ: وهي الخلطة، قال الخليل: يقال: هذا عشيرك، وشعيرك، على القلب.\n(٥) [ومن باب: ما يقرأ في صلاة العيدين] (١)\nسؤال عمر أبا واقد عما صلى به رسول الله - ﷺ - في العيدين: يحتمل أن يكون اختبارًا لحفظ أبي واقد، ويحتمل أن يكون استشهد به على من نازعه في ذلك، ويجوز أن يكون نَسي فاستذكر بسؤاله.\n_________\n(١) ساقط من الأصول، واستدرك من التلخيص.","vol":"2","page":532},{"text":"رواه مسلم (٨٩١) (٤)، وأبو داود (١١٥٤)، والترمذي (٥٣٤)، والنسائي (٣/ ١٨٣ - ١٨٤).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-291>(٦) باب الفرح واللعب في أيام الأعياد</span>\n[٧٦١]- عَن عَائِشَةَ، قَالَت: دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو بَكرٍ وَعِندِي جَارِيَتَانِ مِن جَوَارِي الأَنصَارِ، تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَت بِهِ الأَنصَارُ يَومَ بُعَاثَ.\nــ\nوتخصيص النبي - ﷺ - صلاة العيدين بقراءة تينك السورتين؛ لما تضمنتاه من المعاني المناسبة لأحوال الخارجين إلى العيد، واجتماعهم، وصدورهم؛ فإنها تذكر بأحوال الآخرة منزلة منزلة، وفيه دليل على سنة الجهر بالقراءة فيهما، ولا خلاف فيه.\n(٦) ومن باب: الفرح واللعب في أيام الأعياد\nقول عائشة: وعندي جاريتان من جواري الأنصار: الجارية في النساء كالغلام في الرجال، وهما يقالان على من دون البلوغ منهما؛ ولذلك قالت عائشة عن نفسها: فاقدروا قدر الجارية العَرِبة؛ أي: الصغيرة، والعَرِبة: المحبّبة إلى زوجها، وقيل: الغَنِجة، وقيل: المشتهية للَّعب؛ كما قال في الرواية الأخرى: الحريصة على اللهو بدل: العَرِبة.\nوقولها: تغنيان؛ أي: ترفعان أصواتهما بإنشاد العرب (١)، وهو المسمَّى عندهم بالنصب، وهو إنشاد بصوت رقيق فيه تمطيط، وهو يجري مجرى الحداء.\nوقولها: بما تقاولت الأنصار يوم بعاث: هو بالباء المعجمة بواحدة من\n_________\n(١) في (هـ): الشعر.","vol":"2","page":533},{"text":"قَالَت: وَلَيسَتَا بِمُغَنِّيَتَينِ، فَقَالَ أَبُو بَكرٍ: أَبِمزمُورِ الشَّيطَانِ فِي بَيتِ رَسُولِ اللهِ\nــ\nأسفل، والعين المهملة، هكذا رويناه وهو المعروف، وقاله أبو عبيد: بالغين المعجمة، وكان يومًا من أيام الحروب المعروفة بين الأوس والخزرج، كان الظهور فيه للأوس على الخزرج.\nوقولها: وليستا بمغنيتين؛ أي: ليستا ممن يعرف الغناء كما تعرفه المغنيات المعروفات بذلك، وهذا منها تحرّز من الغناء المعتاد عند المشتهرين به، الذي يُحرِّك النفوس، ويبعثها على الهوى والغزل والمجون؛ الذي يحرِّك الساكن ويبعث الكامن. وهذا النوع إذا كان في شعرٍ يشبّب فيه بذكر النساء، ووصف محاسنهن، وذكر الخمور والمحرمات؛ لا يختلف في تحريمه؛ لأنه اللهو واللعب المذموم بالاتفاق، فأما ما يسلم من تلك المحرمات، فيجوز القليل منه، وفي أوقات الفرح؛ كالعرس والعيد، وعند التنشيط على الأعمال الشاقة، ويدل على جواز هذا النوع هذا الحديث وما في معناه، على ما يأتي في أبوابه؛ مثل ما جاء في الوليمة، وفي حفر الخندق، وفي حدو الحبشة، وسلمة بن الأكوع. فأما ما أبدعه الصوفية اليوم من الإدمان على سماع المغاني بالآلات المطربة؛ فمن قبيل ما لا يُختلف في تحريمه، لكن النفوس الشهوانية والأغراض الشيطانية قد غلبت على كثير ممن ينُسِب إلى الخير وشُهر بذكره، حتى عموا عن تحريم ذلك وعن فحشه؛ حتى قد ظهرت من كثير منهم عوارات المُجَّان والمخانيث، والصبيان، فيرقصون ويزفنون بحركات مطابقة، وتقطيعات متلاحقة؛ كما يفعل أهل السَّفَه والمجون، وقد انتهى التواقح بأقوام منهم إلى أن يقولوا: إن تلك الأمور من أبواب القرب وصالحات الأعمال، وأن ذلك يُثمر صفاء القلوب وسنِيَّات الأحوال، وهذا على التحقيق من آثار الزندقة، وقول أهل البطالة والمَخرَقَة، نعوذ بالله من البدع والفتن، ونسأله التوبة والمشي على السنن.\nوقول أبي بكر: أبمزمور الشيطان؟: إنكار منه لما سمع، مستصحبًا لما","vol":"2","page":534},{"text":"- ﷺ -؟ وَذَلِكَ فِي يَومِ عِيدٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: يَا أَبَا بَكرٍ! إِنَّ لِكُلِّ قَومٍ عِيدًا، وَهَذَا عِيدُنَا.\nوَفِي رِوَايَةٍ: تَلعَبَانِ بِدُفٍّ.\nوَفِي أُخرَى: وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - مُسَجًّى بِثَوبِهِ. فَانتَهَرَهُمَا أَبُو بَكرٍ، فَكَشَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنهُ، فَقَالَ: دَعهُمَا يَا أَبَا بَكرٍ، فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ. وَقَالَت: رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَستُرُنِي بِرِدَائِهِ، وَأَنَا أَنظُرُ إِلَى الحَبَشَةِ وَهُم يَلعَبُونَ، وَأَنَا جَارِيَةٌ، فَاقدِرُوا قَدرَ الجَارِيَةِ العَرِبَةِ الحَدِيثَةِ السِّنِّ.\nــ\nكان مقررا (١) عنده من تحريم اللهو والغناء جملة؛ حتى ظن أن هذا من قبيل ما يُنكر، فبادر إلى ذلك، قيامًا عن النبي - ﷺ - بذلك على ما ظهر له، وكأنه ما كان تبيَّن له أن النبي - ﷺ - قررهن على ذلك بعد، وعند ذلك قال له النبي - ﷺ -: دعهما، ثم علل الإباحة: بأنه يوم عيد؛ يعني أنه يوم سرور وفرح شرعي، فلا ينكر فيه مثل هذا.\nوالمزمور: الصوت، ونسبته إلى الشيطان؛ ذمٌّ على ما ظهر لأبي بكر. قال الإمام: فأما الغناء بآلة مُطربةٍ فيُمنع، وبغير آلة اختلف الناس فيه، فمنعه أبو حنيفة، وكرهه الشافعي ومالك، وحكى أصحابُ الشافعي عن مالك: أن مذهبه الإجازة من غير كراهة.\nقال القاضي: المعروف من مذهب مالك المنع لا الإجازة. قلت: ذكر الأئمة هذا الخلاف هكذا (٢) مطلقًا، ولم يفصلوا موضعه، والتفصيل الذي ذكرناه لا بد من اعتباره، وبما ذكرناه يجتمع شمل مقصود الشرع الكلي ومضمون\n_________\n(١) في (هـ) و(ظ): تقرّر.\n(٢) ساقط من (ع).","vol":"2","page":535},{"text":"وفي أخرى: الحَرِيصَةِ عَلَى اللهوِ.\nوَفِي أُخرَى: يَلعَبُونَ بِحِرَابِهِم في مَسجِدِ النبي - ﷺ -.\nرواه أحمد (٦/ ٣٣ و١٢٧)، والبخاري (٩٤٩)، ومسلم (٨٩٢) (١٦ و١٧ و١٨)، والنسائي (٣/ ١٩٥).\n[٧٦٢] وعنها قَالَت: كَانَ يَومَ عِيدٍ، يَلعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالحِرَابِ، فَإِمَّا سَأَلتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَإِمَّا قَالَ: تَشتَهِينَ؟ فَقَالَت: نَعَم، فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ، خَدِّي عَلَى خَدِّهِ وَهُوَ يَقُولُ: دُونَكُم يَا بَنِي أَرفِدَةَ، حَتَّى إِذَا\nــ\nالأحاديث الواردة في ذلك، وينبغي أن يُستثنى من الآلات التي ذكر الإمام: الدّفّ، فإنه قد جاء ذكره في هذا الحديث، وفي حديث العرس.\nوتسجية رسول الله - ﷺ - وجهه بثوبه؛ إعراض عنهما. وقالت في الحديث الآخر: إن النبي - ﷺ - كان على الفراش مضطجعًا، وإنه حوّل وجهه عند غِناء الجاريتين، وكأنه أعرض عن ذلك الغناء؛ لأنه من قبيل اللغو الذي يعرض عنه. وأما لعب الحبشة في المسجد فكان لعبًا بالحراب والدَّرَق تواثُبًا ورقصًا بهما، وهو من باب التدريب على الحرب والتمرين والتنشيط عليه، وهو من قبيل المندوب؛ ولذلك أباحه النبى - ﷺ - في المسجد، وفيه دليل على جواز نظر النساء إلى الأجانب من الرجال على مثل هذه الحال التي قد أُمنت المفاسد والفتن فيها.\nوإنكار عمر عليهم تمسك منه بالصورة الظاهرة؛ كما قلنا في حق أبي بكر - ﵄ -، وفيه أبواب من الفقه لا تخفى.\nوقوله: دونكم يا بني أرفِدة: دونكم: منصوب على الظرف؛ بمعنى (١)\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"2","page":536},{"text":"مَلِلتُ قَالَ: حَسبُكِ؟ قُلتُ: نَعَم. قَالَ: فَاذهَبِي.\nرواه البخاري (٩٥٠)، ومسلم (٨٩٢/ ١٩).\n[٧٦٣]- وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: بَينَمَا الحَبَشَةُ يَلعَبُونَ عِندَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِحِرَابِهِم، إِذ دَخَلَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، فَأَهوَى إِلَى الحَصبَاءِ يَحصِبُهُم بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: دَعهُم، يَا عُمَرُ! .\nرواه أحمد (٢/ ٣٠٨)، والبخاري (٢٩٠١)، ومسلم (٨٩٣).\n* * *\nــ\nالإغراء، والمغرى به محذوف؛ دلّت الحالة عليه؛ وهو لعبهم بالحراب، فكأنه قال: دونكم اللعب، والعرب تغري بـ: عليك ودونك وعندك. وأرفدة: - بكسر الفاء -: هي روايتنا، وقيل عن أبي بحر: أرفَدة - بفتح الفاء -، وهو لقب للحبشة.\nوقوله: حسبك: معناه يكفيك، وهو محذوف همزة الاستفهام.\nوالحصباء: الرمل. وأهوى بيده: أمالها لأخذ الحصباء، وحصبهم: رماهم بالحصباء.\n* * *","vol":"2","page":537},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-292>(٦) أبواب الاستسقاء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>(١) باب الخروج إلى المصلى لصلاة الاستسقاء، وكيفية العمل فيها</span>\n[٧٦٤]- عَن عَبدَ الله بنَ زَيدٍ المَازِنِيَّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى\nــ\n(٦) ومن أبواب صلاة الاستسقاء\nحديث عبد الله بن زيد يقتضي: أن سنة الاستسقاء الخروج إلى المصلى، والخطبة، والصلاة، وبذلك قال جمهور العلماء. وذهب أبو حنيفة إلى: أنه ليس من سنته صلاة ولا خروج، وإنما هو دعاء لا غير. وهذا الحديث وما في معناه يردّ عليه، ولا حجة لأبي حنيفة في حديث أنس؛ إذ فيه: أن النبي - ﷺ - دعا من غير صلاة ولا غيرها؛ لأن ذلك كان دعاء عُجِّلت إجابته، فاكتفى به عما سواه، ولم يقصد بذلك بيان سنة الاستسقاء، ولما قصد البيان بيّن بفعله؛ كما في حديث عبد الله بن زيد. وظاهر هذا الحديث: أن الخطبة مقدمة على الصلاة؛ لأنه جاء فيه بـ ثم التي للترتيب والمُهلة، وبذلك قال مالك في أول قوليه، وهو قول كثير من الصحابة. والجمهورُ: على أن الصلاة مقدمة على الخطبة، وإليه رجع مالك، وهو","vol":"2","page":538},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nقوله في الموطأ، وكان مستند هذا القول: رواية من روى هذا الخبر بالواو غير المرتبة بدل ثم، وما روي عن إسحاق بن عيسى بن الصباغ عن مالك: أنه - ﷺ - بدأ بالصلاة قبل الخطبة، وهذا نص. ويُعتضد هذا بقياس هذه الصلاة على صلاة العيدين؛ لسبب أنهما يخرج لهما، ولهما خطبة. ولم يذكر في حديث عبد الله بن زيد هذا: أنها يكبر لها كما يكبر في العيد، ولذلك لم يَصِر إليه أكثر العلماء: مالك وغيره. وقد قال بالتكبير فيها جماعة؛ منهم: ابن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، والشافعي، والطبري، وحجتهم: حديث ابن عباس الذي خرّجه أبو داود، قال فيه: خرج رسول الله - ﷺ - متذلِّلا، متواضعًا، متضرعًا، حتى أتى المصلى، فرقي على المنبر ولم يخطب خطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير، ثم صلى ركعتين، كما يصلي في العيد (١)، وهذا لا ينتهض حجة، فإنه يصدق على التشبيه، وإن كان من بعض الوجوه، ولا يلزم التشبيه من كل الوجوه، إلا في شبيهٍ ومثيل؛ للمبالغة التي فيه؛ فإن العرب تقول: زيد كالأسد، وكالبحر، وكالشمس؛ تريد بذلك أنه يشبهه في وجهٍ من الوجوه، على أن هذا الحديث قد رواه الدارقطني، وقال فيه: صلّى ركعتين؛ كبّر في الأولى بسبع تكبيرات، وقرأ: بـ (سبح اسم ربك الأعلى)، وقرأ في الثانية: (هل أتاك حديث الغاشية)، وكبّر خمس تكبيرات (٢)، وهذا نصٌّ، غير أن هذا الطريق في إسناده محمد بن عمر بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ضعيف الحديث، ذكره ابن أبي حاتم. ولا خلاف في أنه يجهر فيهما بالقراءة، وقد ذكره البخاري، ويُخطب فيهما خطبتان، يجلس في أولاهما ووسطهما، وهو قول مالك والشافعي، وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن وعبد الرحمن بن مهدي: يخطب خطبة واحدة لا جلوس فيها، وخيّره الطبري.\n_________\n(١) رواه أبو داود (١١٦٥).\n(٢) رواه الدارقطني (٢/ ٦٦).","vol":"2","page":539},{"text":"المُصَلَّى فَاستَسقَى، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ حِينَ استَقبَلَ القِبلَةَ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: خَرَجَ إِلَى المُصَلَّى يَستَسقِي، وَأَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَن يَدعُوَ استَقبَلَ القِبلَةَ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ.\nوَفِي أُخرَى: فَجَعَلَ إِلَى النَاسِ ظَهرَهُ يَدعُو الله، وَاستَقبَلَ القِبلَةَ، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَ صَلَّى رَكعَتَينِ.\nوَفِي أُخرَى: قَلَبَ رِدَاءَهُ، وَصَلَّى رَكعَتَينِ.\nــ\nوقوله: استسقى، وحوّل رداءه، وقلب رداءه: استسقى: استفعل؛ أي: طلب السقيا بتضرُّعه ودعائه، وإنما قلب رداءه على جهة التفاؤل؛ لانقلاب حال الشدة إلى السَّعة. وجمهور العلماء على أنه سنة، على ما تضمنه هذا الحديث، وأنكره أبو حنيفة، وضعفه ابن سلَاّم من قدماء العلماء بالأندلس، والحديث حجة عليهم. ثم الذين قالوا بالتحويل اختلفوا؛ فمنهم من قال: إنه يرد ما على يمينه على شماله، ولا ينكسه، وهم الجمهور، وقال الشافعي بمصر (١): ينكسه، فيجعل ما على (٢) رأسه أسفل، وسبب هذا الخلاف: اختلافهم في مفهوم قول الصاحب (٣): حوّل وقلب، هل هما بمعنى واحد، أو بينهما فرقان؟ ثم هل يحوِّل الناس أرديتهم إذا حوَّل الإمام أم لا؟ قال مالك: نعم، وقال الجمهور: لا. ومتى يحوِّله؟ فقيل: بين الخطبتين، وقيل: عند الإشراف عليهما، والقولان لمالك، والثاني هو المشهور عنه، وبه قال الشافعي.\nثم هل يرجع بعد تمام دعائه فيذكّر الناس أو لا؟ قولان. ولا خلاف في تحويل الإمام وهو قائم، وتحويل الناس - عند من يقول به - وهم جلوس.\n_________\n(١) زيادة من (ظ) و(هـ).\n(٢) في (ظ) و(هـ): ما يلي.\n(٣) هو عبد الله بن زيد المازني، راوي الحديث.","vol":"2","page":540},{"text":"رواه البخاري (١٠٠٥)، ومسلم (٨٩٤) (١ و٢ و٣ و٤)، وأبو داود (١٦٦١ - ١١٦٤)، والترمذي (٥٥٦)، والنسائي (٣/ ١٥٥ و١٥٧).\n[٧٦٥]- وعَن أَنَسٍ، أَنَّ نَبِيَّ الله - ﷺ - كَانَ لا يَرفَعُ يَدَيهِ فِي شَيءٍ مِن دُعَائِهِ إِلا فِي الاستِسقَاءِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبطَيهِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: أَنَهُ عَلَيهِ الصلاة السَلَام استَسقَى فَأَشَارَ بِظَهرِ كَفَّيهِ إِلَى السَّمَاءِ.\nرواه البخاري (٩٣٣)، ومسلم (٨٩٥) (٧) و(٨٩٦)، وأبو داود (١١٧٤ و١١٧٥)، والنسائي (٣/ ١٥٤ و١٥٥).\n* * *\nــ\nوقول أنس: إنه - ﷺ - كان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الاستسقاء، يعني: أنه لم يكن يبالغ في الرفع، إلا في الاستسقاء. ولذلك قال: حتى يرى بياض إبطيه، وإلا فقد رفع النبي - ﷺ - يوم بدر عند الدعاء، وفي غير ذلك. وقد روى الترمذي عن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: كان النبي - ﷺ - إذا رفع يديه عند الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه (١). قال: هذا حديث صحيح غريب. وقد استحب جماعة من العلماء رفع اليدين عند الدعاء. وقد روي عن مالك كراهة رفع الأيدي في شيء من الأشياء، ووجهه: مخافة اعتقاد الجهة. ثم اختلفوا في كيفية الرفع، فاختار مالك: الإشارة بظهور كفيه إلى السماء كما في هذا الحديث، وهو رفع الرَّهب. وقيل: يشير ببطونهما إلى السماء. وهو رفع الرغب والطلب.\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٣٨٦).","vol":"2","page":541},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-294>(٢) باب الدعاء في السُّقيَا في المسجد وبغير صلاة</span>\n[٧٦٦]- عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَجُلا دَخَلَ المَسجِدَ يَومَ جُمُعَةٍ، مِن بَابٍ كَانَ نَحوَ دَارِ القَضَاءِ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَائِمٌ يَخطُبُ، فَاستَقبَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَائِمًا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَتِ الأَموَالُ وَانقَطَعَتِ\nــ\n(٢) ومن باب: الدعاء في السقيا\nدار القضاء سميت بذلك؛ لأنها بيعت في قضاء دَينِ عمر بن الخطاب الذي كتبه على نفسه لبيت مال المسلمين، وأوصى أن يباع فيها ماله، فباع عبد الله ابنه داره هذه من معاوية، وباع ماله بالغابة، فكان يُقال لها: دار قضاء دين عمر، ثم اختصروا فقالوا: دار القضاء، وهي دار مروان، وكان دين عمر عشرين ألفًا، وقد غلط من قال فيها (١): دار قضاء الأمراء.\nوظاهر هذا الحديث يدل على جواز كلام الداخل مع الخطيب في حال خطبته، ويحتمل أن يكون إنما كلّمه في حال سكتةٍ كانت من النبي - ﷺ -؛ إما لاستراحة في النطق، وإما في حال الجلوس. والله أعلم.\nوقوله: هلكت الأموال؛ أي: المواشي. وأصل المال: كل ما يُتَمَوَّل، وعُرفُه عند العرب: الإبل؛ لأنها معظم أموالهم. وانقطعت السبل؛ أي: الطرق؛ لهلاك الإبل، ولعدم ما يؤكل في الطرق.\n_________\n(١) في (هـ) و(ل) وقد غلط من ظن أنها. وفي (ظ) وقد غلط من ظنها. والمثبت من (ع).","vol":"2","page":542},{"text":"السُّبُلُ، فَادعُ الله يُغِثنَا. قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدَيهِ ثُمَّ قَالَ: اللهمَّ أَغِثنَا، اللهمَّ أَغِثنَا، اللهمَّ أَغِثنَا، قَالَ أَنَسٌ: فَلا وَالله، مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِن سَحَابٍ وَلا قَزَعَةٍ، وَمَا بَينَنَا وَبَينَ سَلعٍ مِن بَيتٍ وَلا دَارٍ. قَالَ: فَطَلَعَت مِن وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثلُ التُّرسِ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انتَشَرَت، ثُمَّ أَمطَرَت. قَالَ: فَلا وَالله مَا رَأَينَا الشَّمسَ سَبتًا. قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِن ذَلِكَ البَابِ فِي الجُمُعَةِ\nــ\nوقوله: اللهم أغثنا بالهمزة رباعيًا، هكذا رويناه، ومعناه: هب لنا غيثًا، والهمزة فيه للتعدية، وقال بعضهم: صوابه: غِثنا؛ لأنه من غاث. قال: وأما أغثنا؛ فإنه من الإغاثة، وليس من طلب الغيث، والأول الصواب. والله أعلم.\nوقوله: ولا قزعة؛ أي: ولا قطعة من سحاب، وجمعه: قزع. قال أبو عبيد: وأكثر ما يكون في الخريف. وسلع: بفتح السين المهملة، وسكون اللام، وهو: جبل مشهور بقرب المدينة. في البخاري: هو الجبل الذي في السوق (١).\nوتشبيه السحابة بالتُّرس؛ في كثافتها واستدارتها. وأمطرت: أنزلت رباعيًا، ويقال: ثلاثيًّا؛ بمعنى واحد، وقيل: أمطر في العذاب، ومطر في الرحمة. والأول أعرف.\nوقوله: ما رأينا الشمس سبتًا؛ أي: من سبتٍ إلى سبتٍ؛ كما تقول: جمعة؛ أي: من جمعة إلى جمعة. والسبت في اللغة: القطع، وبه سُمِّي يوم السبت. وقال ثابت في تفسير قوله: سبتًا: أنه القطعة من الزمان، يقال: سبتٌ من الدهر؛ أي: قطعة منه، وسبتُّه: قطعته، وقد رواه الداودي: سِتًّا، وفسره: بستة أيام من الدهر، وهو تصحيف.\n_________\n(١) كذا في المغانم المطابة للفيروزابادي ص (١٨٣). والواقع الجغرافي للمدينة يؤيد ذلك.","vol":"2","page":543},{"text":"المُقبِلَةِ وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَائِمٌ يَخطُبُ فَاستَقبَلَهُ قَائِمًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! هَلَكَتِ الأَموَالُ وَانقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادعُ الله يُمسِكهَا عَنَّا. قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدَيهِ، ثُمَّ قَالَ: اللهمَّ حَولَنَا وَلا عَلَينَا، اللهمَّ عَلَى الآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الأَودِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ. قَالَ: فَانقَلَعَت وَخَرَجنَا نَمشِي فِي الشَّمسِ.\nرواه أحمد (٣/ ١٠٤ و١٨٧)، والبخاري (١٠١٣)، ومسلم (٨٩٧) (٨)، وأبو داود (١١٧٤ و١١٧٥)، والنسائي (٣/ ١٥٤ و١٥٥).\n[٧٦٧]- وَعَنهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَخطُبُ يَومَ الجُمُعَةِ فَقَامَ إِلَيهِ النَّاسُ فَصَاحُوا، وَقَالُوا: يَا نَبِيَّ الله، قَحَطَ المَطَرُ،\nــ\nوقوله في الثانية: هلكت الأموال وانقطعت السبل؛ أي: لامتناع الرعي والتصرف؛ لكثرة المطر. وحوالينا: ظرف متعلق بمحذوف، تقديره: اللهم أنزل حوالينا ولا تنزل علينا. والآكام: جمع أكمة، وهي: دون الجبال. والآكام: بفتح الهمزة والمد، ويقال بالكسر: إِكام، وأَكم، وأُكم - بفتحها وضمها -، وقال الخليل: الأكَمة: هو تل. والظِّراب: الروابي، واحدتها: ظرب، ومنه الحديث: فإذا حُوتٌ مثل الظِّرب (١). قال الثعالبي: الأكمة: أعلى من الرابية.\nوقحط المطر؛ أي: امتنع وانقطع، وفي البارع: قَحَطَ المطر: بفتح القاف والحاء. وقحط الناسُ: بفتح الحاء وكسرها، وفي الأفعال بالوجهين في المطر، وحُكي: قُحِط الناسِ - بضم القاف وكسر الحاء -، يُقحطون، قحطًا وقحوطًا (٢).\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٣٠٦)، والبخاري (٤٣٦٥) من حديث جابر بن عبد الله.\n(٢) هكذا في الأصول (ع) و(هـ) و(ظ). وفي لسان العرب (مادة قحط): القحط: احتباس المطر. وقد قَحَط وقَحِط، والفتح أعلى قَحْطًا وقَحَطًا وقُحُوطًا. وقَحِط الناس، بالكسر على ما لم يُسَمَّ فاعله لا غير.","vol":"2","page":544},{"text":"وَاحمَرَّ الشَّجَرُ، وَهَلَكَتِ البَهَائِمُ، وَسَاقَ الحَدِيثَ. وَفِيهِ: فَتَقَشَّعَت عَنِ المَدِينَةِ، فَجَعَلَت تُمطِرُ حَوَالَيهَا، وَمَا تُمطِرُ بِالمَدِينَةِ قَطرَةً، فَنَظَرتُ إِلَى المَدِينَةِ، وَإِنَّهَا لَفِي مِثلِ الإِكلِيلِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: اللهمَّ حَوَالَينَا وَلا عَلَينَا قَالَ: فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ إِلا تَفَرَّجَت، حَتَّى رَأَيتُ المَدِينَةَ فِي مِثلِ الجَوبَةِ، وَسَالَ وَادِي قَنَاة شَهرًا، وَلَم يَجِئ أَحَدٌ مِن نَاحِيَةٍ إِلا أَخبَرَ بِجَودٍ.\nوَفِي أُخرَى: فَرَأَيتُ السَحَابَ يَتَمَزَّقُ كَأَنَّهُ المُلَاءُ حِينَ يُطوَى.\nــ\nواحمرّ الشجر: يبس. وتقشعت: انكشفت، والإكليل: قال أبو عبيد: هو ما أحاط بالظفر من اللحم، والإكليل أيضًا: العصابة، وروضة مكللة: محفوفة بالنَّور، وأصله: الاستدارة. والجوبة: هي الفجوة بين البيوت، والفجوة أيضًا: المكان المتسع من الأرض، والمعنى: أن السحاب تقطّع حول المدينة مستديرًا، وانكشف عنها حتى باينت ما جاورها مباينة الجوبة لما حولها. وقال الداودي: هي كالحوض المستدير. ومنه قوله: ﴿وَجِفَانٍ كَالجَوَابِ﴾ وواحدة الجوابي: جابية. وقناة: اسم وادٍ من أودية المدينة، وكأنه سمّي مكانه قناة، وقد جاء في غير كتاب مسلم: وسال وادي قناة شهرًا على الإضافة.\nوالجَود: المطر الواسع الغزير.\nويتمزق: يتقطع، والمُلا مقصورًا - جمع ملاءةٍ -، وهي: الملاحف.\nوانجابت انجياب الثوب؛ أي: تقطعت كما يتقطع الثوب قطعًا متفرقة.\nوقوله هنا: حين يُطوى؛ يعني: أن السحاب بعد أن كان منتشرًا؛ انضمّ عن جهات المدينة، فصار كأنه ثوب طوي عنها.","vol":"2","page":545},{"text":"رواه مسلم (٨٩٧) (٩ و١٠ و١٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>(٣) باب التبرك بالمطر، والفرح به، والتعوُّذ عند الريح والغيم</span>\n[٧٦٨]- عَن أَنَسٍ، قَالَ: أَصَابَنَا وَنَحنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مَطَرٌ، قَالَ: فَحَسَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ثَوبَهُ، حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ المَطَرِ، فَقُلنَا: يَا رَسُولَ اللهِ! لِمَ صَنَعتَ هَذَا؟ قَالَ: لأَنَّهُ حَدِيثُ عَهدٍ بِرَبِّهِ - تعالى -.\nرواه أحمد (٣/ ٢٦٧)، ومسلم (٨٩٨)، وأبو داود (١١٠٠).\nــ\nولا يخفى ما في هذا الحديث من الأحكام، ومن كرامات (١) النبي - ﷺ -.\n(٣) ومن باب: التبرك بالمطر\nقوله: فحسر رسول الله - ﷺ - ثوبه؛ أي: كشفه عن جسده.\nوقوله: لأنه حديث عهدٍ بربه؛ أي: بإيجاد ربّه له، وهذا منه - ﷺ - تبرُّك بالمطر، واستشفاء به؛ لأن الله - تعالى - قد سَمّاه رحمة، ومباركًا وطهورًا، وجعله سبب الحياة، ومُبعدًا عن العقوبة. ويستفاد منه احترام المطر، وترك الاستهانة به.\n_________\n(١) الأولى أن يقال: معجزات، فإنها للأنبياء، والكرامات للأولياء الصالحين.","vol":"2","page":546},{"text":"[٧٦٩]- وَعَن عَائِشَةَ، زَوجِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا كَانَ يَومُ الرِّيحِ وَالغَيمِ عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجهِهِ، وَأَقبَلَ وَأَدبَرَ، فَإِذَا مَطَرَت سُرَّ بِهِ، وَذَهَبَ عَنهُ ذَلِكَ. قَالَت عَائِشَةُ: فَسَأَلتُهُ. فَقَالَ: إِنِّي خَشِيتُ أَن يَكُونَ عَذَابًا سُلِّطَ عَلَى أُمَّتِي، وَيَقُولُ إِذَا رَأَى المَطَرَ: رَحمَةٌ.\nرواه أحمد (٦/ ٦٦)، والبخاري (٤٨٢٩)، ومسلم (٨٩٩)، وأبو داود (٥٠٩٨)، والترمذي (٣٢٥٧).\n[٧٧٠]- وَعَنهَا، قَالَت: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ قَالَ: اللهمَّ إِنِّي أَسأَلُكَ خَيرَهَا، وَخَيرَ مَا فِيهَا وَخَيرَ مَا أُرسِلَت بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِن شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُرسِلَت بِهِ، قَالَت: وَإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ تَغَيَّرَ لَونُهُ وَخَرَجَ وَدَخَلَ وَأَقبَلَ وَأَدبَرَ، فَإِذَا مَطَرَت سُرِّيَ عَنهُ، فَعَرَفتُ ذَلِكَ فِي وَجهِهِ، قَالَت عَائِشَةُ: فَسَأَلتُهُ. فَقَالَ: لَعَلَّهُ يَا عَائِشَةُ! كَمَا قَالَ قَومُ عَادٍ: ﴿فَلَمَّا رَأَوهُ عَارِضًا مُستَقبِلَ أَودِيَتِهِم قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمطِرُنَا﴾\nــ\nوقوله - ﷺ -: إني خشيت أن يكون عذابًا سُلّط على أمتي؛ يعني: على العُتاة عليه، العصاة له من أمته. وكان - ﷺ - لعظيم حلمه ورأفته وشفقته، يرتجي لهم الفلاح والرجوع إلى الحق، وهذا كما قال يوم أحد: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون (١)، وقيل: خاف أن تعمّهم عقوبة بسبب العصاة منهم، والأول أوضح.\nوعصفت: اشتدَّت وبردت. وتَخيّلت السماء؛ أي: كَثُر فيها السحاب. والمخيلة - بفتح الميم -: سحابة فيها رعد وبرق، لا ماء فيها، ويقال في السماء إذا تغيَّمت: أخالت، فهي مُخيلة - بالضم -، قاله أبو عبيد.\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٣٨٠ و٤٢٧)، والبخاري (٣٤٧٧) من حديث ابن مسعود.","vol":"2","page":547},{"text":"رواه البخاري (٣٢٠٦)، ومسلم (٨٩٩) (١٥)، والترمذي (٣٤٤٩)، والنسائي (١٠٧٧٦) في الكبرى.\n[٧٧١]- وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: نُصِرتُ بِالصَّبَا، وَأُهلِكَت عَادٌ بِالدَّبُورِ.\nرواه أحمد (١/ ٣٢٤ و٣٤١)، والبخاري (٣٣٤٣)، ومسلم (٩٠٠).\n[٧٧٢]- وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: لَيسَتِ السَّنَةُ بِأَلا تُمطَرُوا وَلَكِنِ السَّنَةُ أَن تُمطَرُوا، وَتُمطَرُوا، وَلا تُنبِتُ الأَرضُ شَيئًا.\nرواه أحمد (٢/ ٣٤٢)، ومسلم (٢٩٠٤).\n* * *\nــ\nوالصَّبَا: الريح الشرقية، والدَّبور - بفتح الدال -: الريح الغريبة.\nوالسَّنَة (١): الجدب. وأراد - ﷺ - بقوله ﷺ: ليست السَّنَة ألا تُمطروا: وأن الأحق باسم السَّنَة والجدب أن يتوالى المطر، حتى تغرق الأرض ويفسد ما عليها بكثرته وتواليه، وإنما كان هذا أحق بالاسم؛ لأنه أمنع من التصرف، وأضيق للحال، وأعدم للقوت، وأسرع في الإهلاك. وأسلوب هذا الحديث كأسلوب قوله: ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس (٢)، وليس المسكين بالطوّاف عليكم (٣)، إلى غير ذلك مما في بابه.\n_________\n(١) سبق هذا عنوان \"باب\" في التلخيص والشرح، ورأينا حذفه تمشيًا مع وحدة السياق والمعنى.\n(٢) رواه البخاري (٦٤٤٦)، ومسلم (١٠٥١)، والترمذي (٢٣٧٤) من حديث أبي هريرة.\n(٣) رواه البخاري (١٤٧٦)، ومسلم (١٠٣٩)، وأبو داود (١٦٣١ و١٦٣٢)، والنسائي (٥/ ٨٥) من حديث أبي هريرة.","vol":"2","page":548},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-296>(٧) أبواب كسوف الشمس والقمر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>(١) باب الأمر بالصلاة والذكر والصدقة عند الكسوف</span>\n[٧٧٣]- عَن أَبِي مَسعُودٍ الأَنصَارِيُ، قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: إِنَّ الشَّمسَ وَالقَمَرَ لَيسَ يَنكَسِفَانِ لِمَوتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِن آيَاتِ الله، فَإِذَا رَأَيتُمُوهُ فَقُومُوا فَصَلوا.\nــ\n(٧) أبواب الكسوف\nالكسوف: التغيير إلى سواد، ومنه: كسف وجهه؛ إذا تغير. والخسوف: النقصان، قاله الأصمعي. والخسف أيضًا: الذلّ، ومنه: سامه خُطَّةَ خَسَفٍ؛ أي: ذُلّ، فكسوف الشمس والقمر وخسوفهما: تغيُّرهما، ونقصان ضوئهما، فهما بمعنى واحد، هذا هو المستعمل في القرآن وفي الأحاديث، وقد قال بعض اللغويين: لا يقال في الشمس إلا: كُسفت، وفي القمر إلا: خُسف، وذُكر هذا عن عروة. وقال الليث بن سعد: الخسوف في الكل، والكسوف في البعض، يعني في الشمس والقمر.\nوقوله: فإذا رأيتموه فقوموا فصلوا؛ يعني: الكسوف، فأعاد عليه ضمير المذكّر، وفي الأخرى: فإذا رأيتموها، أعاده على كسوف الشمس وخسوف","vol":"2","page":549},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِذَا رَأَيتُم مِنهَما شَيئًا فَصَلُّوا وَادعُوا حَتَى ينكَشِفَ مَا بِكُم.\nرواه البخاري (١٠٤١)، ومسلم (٩١١) (٢١)، والنسائي (٣/ ١٢٦)، وابن ماجه (١٢٦١).\n[٧٧٤]- وَمِن حَدِيثِ عَائِشَةَ: فَإِذَا رَأَيتُمُوهُمَا فَكَبِّرُوا وَادعُوا الله، وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا.\nرواه أحمد (٦/ ١٦٤ و١٦٨)، والبخاري (١٠٥٨)، ومسلم (٩٠١) (١)، وأبو داود (١١٧٧ - ١١٩١)، والترمذي (٥٦١ و٥٦٣)، والنسائي (٣/ ١٢٧)، وابن ماجه (١٢٦٣).\nــ\nالقمر، وهذا يدل على التسوية بين كسوف الشمس وخسوف القمر في الصلاة في الأمر بالصلاة عندهما، وبذلك قال جميع الفقهاء والعلماء من السلف وغيرهم، غير أنهم اختلفوا في حكم ذلك وكيفيته، فالجمهور: على أن صلاة كسوف الشمس سنة مؤكدة، وأنها يُجمع لها، وأنها تُصلى بإمام، على خلاف في كيفية ذلك يُذكر فيما بعد. وذهب أهل الكوفة إلى أنها لا يُجتمع لها، وأنها ركعتين ركعتين، ومستندهم: حديث عبد الرحمن بن سمرة الآتي (١)، وليس بنص فيما قالوه؛ فإنه قال فيه: فلما حسر عنها قرأ سورتين وصلى ركعتين (١)؛ لاحتمال أن يكون إنما أخبر عن حكم ركعة واحدة، وسكت عن الأخرى. والله أعلم. ثم لو سُلِّم ذلك لأمكن أن يقال: إن النبي - ﷺ - صلى ذلك كذلك ليبيّن جواز ذلك، وغيره من الأحاديث يدل على أن السنة ما تضمنته تلك الأحاديث.\n_________\n(١) هو في التلخيص برقم (١٠٨٢).","vol":"2","page":550},{"text":"[٧٧٥]- وَمِن حَدِيثِ أَبِي مُوسَى: فَإِذَا رَأَيتُم مِنهَا شَيئًا فَافزَعُوا إِلَى ذِكرِ اللهِ وَدُعَائِهِ وَاستِغفَارِهِ.\nرواه البخاري (١٠٥٩)، ومسلم (٩١٢)، والنسائي (٣/ ١٥٣ و١٥٤).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>(٢) باب كيفية العمل فيها، وأنها ركوعان في كل ركعة</span>\n[٧٧٦]- عَن عَائِشَةَ قَالَت: خَسَفَتِ الشَّمسُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى المَسجِدِ، فَقَامَ فَكَبَّرَ، وَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ، فَاقتَرَأَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قِرَاءَةً طَوِيلَةً - مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَاسٍ: نَحوَ سُورَةِ البَقَرَة - ثُمَّ\nــ\nوأما خسوف القمر فذهب مالك وأبو حنيفة: إلى أنه لا يُجتمع لصلاته، وأنها تصلى ركعتين ركعتين كسائر النوافل، وذهب جمهور من الصحابة والعلماء وأصحاب الحديث والشافعي إلى أنها تجمع لها، وتصلى على كيفية مخصوصة، على الخلاف الذي يأتي ذكره.\nوقوله: فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه؛ يعني: تفزَّعوا إليهما، وأقبلوا عليهما، وقد قدمنا ذكر أقسام الفزع.\n(٢) ومن باب: كيفية العمل فيهما\nذهب الجمهور إلى أن صلاة كسوف الشمس ركعتان، في كل ركعة ركوعان على ما في حديث عائشة ﵂ وما في معناه، قال أبو عمر: وهذا أصح ما في هذا الباب، وغيره من الروايات التي خالفته معلولة ضعيفة، وأما","vol":"2","page":551},{"text":"كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلا، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ فَقَالَ: سَمِعَ الله لِمَن حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمدُ، ثُمَّ قَامَ فَاقتَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً هِيَ أَدنَى مِنَ القِرَاءَةِ الأُولَى، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلا، هُوَ أَدنَى مِنَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ الله لِمَن حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمدُ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكعَةِ الأُخرَى مِثلَ ذَلِكَ، حَتَّى استَكمَلَ أَربَعَ رَكَعَاتٍ، وَأَربَعَ سَجَدَاتٍ، وَانجَلَتِ الشَّمسُ قَبلَ أَن يَنصَرِفَ، ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ النَّاسَ، فَأَثنَى عَلَى الله بِمَا هُوَ أَهلُهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الشَّمسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِن آيَاتِ الله، لا يَخسِفَانِ لِمَوتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا\nــ\nالأحاديث الآتية بعد هذا التي تدل على أن في كل ركعة ثلاث ركوعات، أو أربع ركوعات، أو خمس ركوعات على ما في حديث أُبي، فقد قال بكل حديث منها طائفة من الصحابة وغيرهم، ومن أهل العلم من ذهب إلى أن ذلك الاختلاف إنما كان بحسب طول مدة الكسوف وقصرها، وفي هذا نظر.\nوقوله: قام فخطب: دليل لمن قال: من سنتها الخطبة، وهم: الشافعي وإسحاق والطبري، وفقهاء أصحاب الحديث، وخالفهم في ذلك مالك وأبو حنيفة، وقالا: إن هذه الخطبة إنما كان مقصودها زجر الناس عما قالوا من أن الكسوف إنما كان لموت إبراهيم، وليخبرهم بما شاهد في هذه الصلاة؛ مما اطلع عليه من الجنة والنار.\nوقوله: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى؛ أي: دليلان على وجود الحق سبحانه وقهره، وكمال الإلهية، وقد خصهما بالذكر؛ لما وقع للناس من أنهما يخسفان لموت عظيم، وهذا إنما صدر عمّن لا علم عنده، ممن ضعف عقله واختلّ فهمه، فردّ النبي - ﷺ - عليهم جهالتهم، وتضمّن ذلك الرد على من قال بتأثيرات النجوم، ثم أخبر بالمعنى الذي لأجله يكسفان؛ وهو أن الله - تعالى - يُخوِّف بهما عباده. فإن قيل: فأي تخويف في ذلك والكسوف أمر عادي؛ بحسب تقابل هذه النيرات وحجب بعضها لبعض، وذلك يجري مجرى حجب الجسم","vol":"2","page":552},{"text":"رَأَيتُمُوهُمَا فَافزَعُوا إلى الصَّلاةِ. وَقَالَ أَيضًا: فَصَلُّوا حَتَّى يُفَرِّجَ الله عَنكُم، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: رَأَيتُ فِي مَقَامِي هَذَا كُلَّ شَيءٍ وُعِدتُم،\nــ\nالكثيف نور الشمس، عما يقابله من الأرض، وذلك لا يحصل به تخويف؟ قلنا: لا نُسلم أن سبب الكسوف ما ادعوه، ومن أين عرفوا ذلك؟ بالعقل أم بالنقل (١)؟ وكل واحد منهما إما بواسطة نظر، أو بغير واسطة، ودعوى شيء من ذلك ممنوعة، وغايتهم أن يقولوا: ذلك مبني على أمور هندسية ورصدية تُفضي بسالكها إلى القطع، ونحن نمنع أيضًا ما ذكروه إلى القطع، وهو أول المسألة، ولئن سلّمنا ذلك جدلا، لكنا نقول: يحصل بهما تخويف العقلاء من وجوه متعددة، أوضحها: أن ذلك مذكر بالكسوفات التي تكون بين يدي الساعة، ويمكن أن يكون ذلك الكسوف منها، ولذلك قام - ﷺ - فزعًا يخشى أن تقوم الساعة. وكيف لا وقد قال الله ﷿: ﴿فَإِذَا بَرِقَ البَصَرُ * وَخَسَفَ القَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمسُ وَالقَمَرُ﴾؟ قال أهل التفسير: جمع بينهما في إذهاب نورهما، وقيل غير ذلك. وأيضًا فإن كل ما في هذا العالم علويّه وسفليّه دليل على نفوذ قدرة الله، وتمام قهره، واستغنائه، وعدم مبالاته، وذلك كله يُوجب عند العلماء بالله خوفه وخشيته؛ كما قال - تعالى -: ﴿إِنَّمَا يَخشَى اللَّهَ مِن عِبَادِهِ العُلَمَاءُ﴾ وخصّ هنا خسوفهما بالتخويف؛ لأنهما أمران علويان نادران طارئان عظيمان، والنادر العظيم مخوف موجع، بخلاف ما يكثر وقوعه، فإنه لا يحصل منه ذلك غالبًا، وأيضًا فلما وقع فيهما من الغلط الكثير للأمم التي كانت تعبدهما، ولما وقع للجهّال من اعتقاد تأثيرهما.\nوقوله - ﷺ -: رأيت في مقامي هذا كل شيء وُعِدتموه: هذه الرؤية رؤية عيان حقيقة، لا رؤية علم؛ بدليل: أنه رأى في الجنة والنار أقوامًا بأعيانهم، ونعيمًا، وقطفًا من عنب، وتناوله، وغير ذلك. ولا إحالة في إبقاء هذه الأمور على ظواهرها، لا سيما على مذاهب أهل السنة في أن الجنة والنار قد خُلقتا ووُجدتا؛\n_________\n(١) عرف ذلك بالمعاينة بواسطة المراصد الفلكية.","vol":"2","page":553},{"text":"حَتَّى لَقَد رَأَيتُنِي أُرِيدُ أَن آخُذَ قِطفًا مِنَ الجَنَّةِ حِينَ رَأَيتُمُونِي أَتَقَدَّمُ، وَلَقَد رَأَيتُ جَهَنَّمَ يَحطِمُ بَعضُهَا بَعضًا حِينَ رَأَيتُمُونِي تَأَخَّرتُ، وَرَأَيتُ فِيهَا\nــ\nكما دل عليه الكتاب والسنة، وذلك أنه راجع إلى أن الله - تعالى - خلق لنبيه - ﷺ - إدراكًا خاصًّا به، أدرك به الجنة والنار على حقيقتهما، كما قد خلق له إدراكًا لبيت المقدس، فطفق يخبرهم عن آياته، وهو ينظر إليه. ويجوز أن يقال: إن الله - تعالى - مثّل له الجنة والنار، وصوّرهما له في عرض الحائط؛ كما تتمثل صور المرئيات في المرآة، ويُعتضد هذا بما رواه البخاري من حديث أنس في غير حديث الكسوف، قال - ﷺ -: لقد رأيت الآن منذ صليت لكم الصلاة الجنة والنار متمثلتين في قبلة هذا الجدار (١)، وفي لفظ آخر: عرضت عليَّ الجنة والنار آنفًا في عرض هذا الحائط وأنا أصلي (٢)، وقال فيه مسلم: إني صُوِّرت لي الجنة والنار، فرأيتهما دون هذا الحائط (٣)، ولا يستبعد هذا من حيث: إن الانطباع في المرآة إنما هو في الأجسام الصقيلة؛ لأنا نقول: إن ذلك شرط عادي لا عقلي، ويجوز أن تنخرق العادة وخصوصًا في مدة النبوة، ولو سُلِّم أن تلك الشروط عقلية، فيجوز أن تكون تلك الأمور موجودة في جسم الحائط، ولا يُدرِك ذلك إلا النبي - ﷺ -. وقطف الثمرة: ما يقطف منها؛ أي: يقطع ويُجتنى، وهو هنا عنقود من العنب؛ كما قد جاء مفسرًا في الرواية الأخرى. ويحطم؛ أي: يكسر بعضها على بعض كما يفعل البحر. والحَطم: الكسر، ويحتمل أن يريد بذلك: أن بعضها يأكل بعضًا، وبذلك سميت جهنم: الحطمة. والرجل الحطمة: الأكول.\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٤٩).\n(٢) رواه البخاري (٥٤٠).\n(٣) رواه مسلم (٢٣٥٩) من حديث أنس.","vol":"2","page":554},{"text":"ابنَ لُحَيٍّ وَهُوَ الَّذِي سَيَّبَ السَّوَائِبَ.\nــ\nوابن لحي: اسمه عمرو، ولُحَيٌّ أبوه، ابن قمعة بن إلياس، وهو الذي كنّاه في الحديث الآخر بأبي ثمامة، وسماه: بـ عمرو بن مالك. ولُحَيّ: لقب مالك، وقد جاء في رواية أخرى: عمرو بن عامر الخزاعي. والله أعلم. وكان عمرو هذا أول من غيّر دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وبَحّر البحيرة، وسيّب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي؛ فيما ذكر ابن إسحاق، وهو الذي عنى الله بقوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وَأَكثَرُهُم لا يَعقِلُونَ﴾\nوقد اختُلف في تفسير هذه الأشياء، فالسائبة: الناقة إذا تابعت بين عشر إناث ليس بينهن ذكر، سُيِّبت فلم يُركب ظهرها، ولم يُجَزَّ وبرها، ولم يَشرب لبنَها إلا ضيفٌ، فما نتجت بعد ذلك من أنثى شُقَّت أذنها، ثم خُلِّي سبيلها مع أمها على حكمها، وهي البحيرة بنت السائبة، وسُمِّيت بذلك؛ لأنها بُحرت أذنها؛ أي: شُقّت شَقًّا واسعًا، وهذا قول ابن إسحاق. وقال غيره: السائبة: هي التي ينذزها الرجل أن يسيبها إن برأ من مرضه، أو أصاب أمرًا يطلبه، فإذا كان ذلك أسابها فسابت، لا ينتفع بها.\nقال ابن إسحاق: والوصيلة: الشاة إذا أَتأمَت عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن ليس بينهن ذَكر، قالوا: وصلت، فكان ما ولدت بعد ذلك للذكور منهم دون الإناث، إلا أن يموت شيء منها فيشترك فيه ذكورهم وإناثهم، وقال كثير من أهل اللغة: إن الشاة كانت إذا ولدت أنثى فهي لهم، وإذا ولدت ذكرًا ذبحوه لآلهتهم، وإذا ولدت ذكرًا وأنثى لم يذبحوا الذكر، وقالوا: وصلت أخاها، فيسيبون أخاها ولا ينتفعون به.\nوالحامي: الفحل إذا رُكِب وَلَدُ ولده، وقيل: إذا نتج من صلبه عشرة أبطن؛ قالوا: حمى ظهره، فلا يُركب، ولا يُنتفع به، ولا يُمنع من ماءٍ ولا كلأٍ.","vol":"2","page":555},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَ النَبِيَ - ﷺ - بَعَثَ مُنَادِيًا: الصَلَاةُ جَامِعَةُ، فَاجتَمَعُوا.\nوَفِي أُخرَى: أَنَ النَبِيَ - ﷺ - جَهَرَ فِي صَلاةِ الخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ.\nوَزَادَ في أخرى: يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ! إِن مِن أَحَدٍ أَغيَر مِنَ الله أَن يَزنِيَ\nــ\nوقوله: بعث مناديًا: الصلاة جامعة، فاجتمعوا؛ أي: ينادي، أو يقول ذلك، ولهذا الحديث استحسن الشافعي أن يقال ذلك في الخسوف. وهو حجة للجمهور على أبي حنيفة؛ إذ قال: لا يُجتمع لها، والكل متفقون على أنه لا يُؤذّنَ لها ولا يقام.\nوقوله: إن النبي - ﷺ - جهر في صلاة الخسوف بالقراءة؛ أخذ بظاهر هذا جماعة من السلف ومحمد بن الحسن وأبو يوسف وأحمد وإسحاق وفقهاء الحديث، ورواه معن والواقدي عن مالك؛ فقالوا: يُجهرُ بها في صلاة كسوف الشمس، ومشهور قول مالك: الإسرارُ فيها، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة والليث وسائر أصحاب الرأي؛ مُتمسكين بقول ابن عباس: أنه - ﷺ - قرأ فيها نحو سورة البقرة، قالوا: ولو جهر لعُلم ما قرأ، وبما خرّجه النسائي من حديث سمرة بن جندب (١)، وَوَصف صلاة النبي - ﷺ - في الكسوف قال: فصلى، فقام كأطول قيام قام بنا في الصلاة قط، ما نسمع له صوتًا. . .، وذكر الحديث. وتأوّلوا الحديث الأول على أنه كان في خسوف القمر بالليل، وخيَّر الطبري بين الجهر والإسرار، فأعمل الحديثين.\nوقوله: يا أمة محمد! إن من أحدٍ أغير من الله: إن نافية بمعنى ما، ومن زائدة على اسم إن. وأغير بالنصب: خبر إن النافية، فإنها تعمل عمل ما عند الحجازيين، وعلى التَّميمية: هو مرفوع على أنه خبر المبتدأ الذي هو أحد.\n_________\n(١) رواه النسائي (٣/ ١٤٠).","vol":"2","page":556},{"text":"عَبدُهُ أَو تَزنِيَ أَمَتُهُ. يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ! وَالله لَو تَعلَمُونَ مَا أَعلَمُ لَبَكَيتُم كَثِيرًا، وَلَضَحِكتُم قَلِيلا، أَلا هَل بَلَّغتُ؟\nوفِي أُخرى: رَفَعَ يَدَيهِ فَقَالَ: اللهمَّ هَل بَلَّغت.\nرواه أحمد (٦/ ١٦٨)، والبخاري (١٠٤٦)، ومسلم (٩٠١) (١ و٢ و٣ و٤ و٥)، وأبو داود (١١٩٠)، والترمذي (٥٦١)، والنسائي (٣/ ١٢٧)، وابن ماجه (١٢٦٣).\n* * *\nــ\nوالغَيرة في حقنا راجعة إلى تغير وانزعاج وهيجان يلحق الغيران عندما يُنال شيء من حرمه أو محبوباته؛ فعمل على صيانتهم ومنعهم. وهذا التغيّر على الله محال؛ هو مُنزَّه عن كل تغير ونقص، لكن لما كانت ثمرة الغيرة صون الحريم ومنعهم، وزجر القاصد إليهم؛ أطلق ذلك على الله - تعالى -؛ إذ قد زجر وذمّ ونصب الحدود، وتوعد بالعقاب الشديد من تعرض لشيء من محارمه، وهذا من التجوّز، ومن باب تسمية الشيء باسم ما يترتب عليه، وقد قررنا نحو هذا المعنى في كتاب الإيمان.\nوقوله - ﷺ -: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرًا: يعني ما يعلم هو من أمور الآخرة وشدة أهوالها، ومما أُعِدّ في النار من عذابها وأنكالها، ومما أُعِدّ في الجنة من نعيمها وثوابها، فإنه - ﷺ - قد كان رأى كل ذلك مشاهدة وتحقيقًا، ولذلك كان - ﷺ - متواصل الأحزان، قليل الضحك؛ جلّه التبسم.\nوقوله - ﷺ -: ألا هل بلغت؟ يعني: ما أمر به بتبليغه من الإنذار والتحذير والتنزيل.","vol":"2","page":557},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-299>(٣) باب ما جاء أن في كل ركعة ثلاث ركعات</span>\n[٧٧٧]- عَن عُبَيدَ بنَ عُمَيرٍ، عَن عَائِشَةَ: أَنَّ الشَّمسَ انكَسَفَت عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَامَ قِيَامًا شَدِيدًا، يَقُومُ قَائِمًا، ثُمَّ يَركَعُ، ثُمَّ يَقُومُ ثُمَّ يَركَعُ، ثُمَّ يَقُومُ ثُمَّ يَركَعُ، رَكعَتَينِ فِي ثَلاثِ رَكَعَاتٍ وَأَربَعِ سَجَدَاتٍ. فَانصَرَفَ وَقَد تَجَلَّتِ الشَّمسُ، وَكَانَ إِذَا رَكَعَ قَالَ: الله أَكبَرُ، ثُمَّ يَركَعُ، وَإِذَا رَفَعَ رَأسَهُ، قَالَ: سَمِعَ الله لِمَن حَمِدَهُ. فَقَامَ فَحَمِدَ الله وَأَثنَى عَلَيهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الشَّمسَ وَالقَمَرَ لا يَنكَسِفَانِ لِمَوتِ أَحَدٍ وَلا لحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا مِن آيَاتِ الله، يُخَوِّفُ الله بِهِمَا، فَإِذَا رَأَيتُم كُسُوفًا فَاذكُرُوا الله حَتَّى تنجَلِيَا.\nوَفِي رِوَايَةٍ: أَنَهَا قَالَت: صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ، وَأَربَعَ سَجَدَاتٍ.\nرواه مسلم (٩٠١) (٦٠).\nــ\n(٣) ومن باب: ما جاء أن في كلّ ركعة ثلاث ركوعات أو أكثر\nقولها: وركوعه نحو من سجوده؛ تعني: أن سجوده فيهما كان طويلا، إلا أنه دون الركوع؛ لأنه قد نص: على أنه كان يطول كل ركعة، غير أنه كان يطول في المتقدمة أكثر مما يطول في التي تليها. فإذا كانت كل ركعة طويلة والسجود نحو الركوع؛ لزم أن يكون السجود طويلا، وقد نصَّت على ذلك في حديث آخر فقالت: ما ركعت ركوعًا ولا سجدت سجودًا كان أطول منه، وفي حديث أبي موسى: فقام فصلى بأطول قيام وركوع وسجود (١)، وهو حجة لقول مالك في المدونة، وقول إسحاق وبعض أصحاب الحديث، وحُكي عن الشافعي، وقال\n_________\n(١) رواه البخاري (١٠٥٩)، ومسلم (٩١٢)، والنسائي (٣/ ١٥٣ و١٥٤).","vol":"2","page":558},{"text":"[٧٧٨]- وَعَن جَابِرِ بنِ عبد الله قَالَ: انكَسَفَتِ الشَّمسُ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَومَ مَاتَ إِبرَاهِيمُ. فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَصَلَّى بِالنَّاسِ سِتَّ رَكَعَاتٍ بِأَربَعِ سَجَدَاتٍ؛ بَدَأَ فَكَبَّرَ، ثُمَّ قَرَأَ فَأَطَالَ القِرَاءَةَ (وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَطَالَ القِيَام حَتَى جَعَلَوا يَخِرُّونَ)، ثُمَّ رَكَعَ نَحوًا مِمَّا قَامَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَقَرَأَ قِرَاءَةً دُونَ القِرَاءَةِ الأُولَى، ثُمَّ رَكَعَ نَحوًا مِمَّا قَامَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فَقَرَأَ قِرَاءَةً دُونَ القِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ، ثُمَّ رَكَعَ نَحوًا مِمَّا قَامَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، ثُمَّ انحَدَرَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ سَجدَتَينِ، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ أَيضًا ثَلاثَ رَكَعَاتٍ، لَيسَ فِيهَا رَكعَةٌ إِلا الَّتِي قَبلَهَا أَطوَلُ مِنِ الَّتِي بَعدَهَا، وَرُكُوعُهُ نَحو مِن سُجُودِهِ. ثُمَّ تَأَخَّرَ وَتَأَخَّرَتِ الصُّفُوفُ خَلفَهُ، حَتَّى انتَهَينَا (وَفِي رِوَايَةٍ: حَتَّى انتَهَى) إِلَى النِّسَاءِ، ثُمَّ تَقَدَّمَ وَتَقَدَّمَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى قَامَ فِي مَقَامِهِ فَانصَرَفَ حِينَ انصَرَفَ وَقَد آضَتِ الشَّمسُ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ!\nــ\nمالك في المختصر: إنه لا يطوِّل السجود، وإنه كسائر الصلوات، وهو المعروف من قول الشافعي.\nوقوله: ثم تأخر وتأخرت الصفوف خلفه حتى انتهينا إلى النساء، هذا التأخر كان في الصلاة، وهو الذي عبّر عنه في الحديث الآخر (١) بالقهقرى، الذي فعله مخافة أن يصيبه لفح النار، على ما فسره بعد. وكونه تقدم - أي: رجع - إلى الموضع الذي كان فيه، ويحتمل أن يعبر بذلك على التقدم الذي تقدمه ليتناول القطف من الجنة، والله - تعالى - أعلم.\nوهذا يدل على أن العمل غير الكثير في الصلاة لا يفسدها، وسيأتي خروج النساء إليها.\nوآضتِ الشمس؛ أي: عادت إلى حالتها الأولى، واختلف النحويون في آض: هل هي من أخوات كان فتحتاج إلى اسم وخبر، أو إنما تتعدى إلى مفعول\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"2","page":559},{"text":"إِنَّمَا الشَّمسُ وَالقَمَرُ آيَتَانِ مِن آيَاتِ الله، وَإِنَّهُمَا لا يَنكَسِفَانِ لِمَوتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، فَإِذَا رَأَيتُم شَيئًا مِن ذَلِكَ فَصَلُّوا حَتَّى تَنجَلِيَ، مَا مِن شَيءٍ تُوعَدُونَهُ إِلا قَد رَأَيتُهُ فِي صَلاتِي هَذِهِ، لَقَد جِيءَ بِالنَّارِ، وَذَلِكُم حِينَ رَأَيتُمُونِي تَأَخَّرتُ مَخَافَةَ أَن يُصِيبَنِي مِن لَفحِهَا، وَحَتَّى رَأَيتُ فِيهَا صَاحِبَ المِحجَنِ يَجُرُّ قُصبَهُ فِي النَّارِ؛ وكَانَ يَسرِقُ الحَاجَّ بِمِحجَنِهِ، فَإِن فُطِنَ لَهُ قَالَ: إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِمِحجَنِي، وَإِن غُفِلَ عَنهُ ذَهَبَ بِهِ، وَحَتَّى رَأَيتُ فِيهَا صَاحِبَةَ الهِرَّةِ الَّتِي رَبَطَتهَا، فَلَم تُطعِمهَا، وَلَم تَدَعهَا تَأكُلُ مِن خَشَاشِ الأَرضِ حَتَّى مَاتَت\nــ\nواحد بحرف الجر؟ على قولين.\nوهذا الحديث يدل على أنها مما تتعدى إلى مفعول واحد بحرف جر، غير أنه حذف هنا، وقد يُحذف حرف الجر فينتصب ما يُحذف منه حرف الجر؛ كما قال:\nوآض روض اللهو يبسًا ذاويا\nوقد روي هذا الحرف هنا: أضاءت الشمس؛ أي: ظهر ضوؤها، يقال: ضاءت الشمس، وأضاءت بمعنى واحد.\nوقوله: فصلوا حتى تنجلي؛ أي: تنكشف، وهذا يدل على أن وقت الكسوف ينبغي أن يكون معمورًا بالصلاة، فإما بتطويل الصلاة، أو بتعديد الركعات كما تقدم، وهذا الأمر على جهة الندب؛ بدليل: أنه قد تقدم أنه - ﷺ - انصرف منها قبل أن تنجلي الشمس. ولفح النار: شدة لهبها وتأثيره، ومنه قوله - تعالى -: ﴿تَلفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ واللفح أشد تأثيرًا من النفح؛ كما قال - تعالى -: ﴿وَلَئِن مَسَّتهُم نَفحَةٌ مِن عَذَابِ رَبِّكَ﴾؛ أي: أدنى شيء منه؛ قاله الهروي. والمحجن: عصا معقفة الطرف؛ وهي الخُطّاف. والقُصب: الأمعاء؛ بضم القاف، وهي الأقتاب أيضًا. وخشاش الأرض: بفتح الخاء والشين","vol":"2","page":560},{"text":"جُوعًا. (وَفِي رِوَايَةٍ: فَرَأَيتُ فِيهَا امرَأَةً مِن بَنِي إِسرَائِيلَ. وَفِيهَا: وَرَأَيتُ أَبَا ثُمَامَةَ عَمرَو بنَ مَالِكٍ يَجُرُّ قُصبَهُ فِي النَّارِ. وَفِي أُخرَى: فَرَأَيتُ فِيهَا امرَأَةً حِميَرِيَّةً سَودَاءَ طَوِيلَةً - وَلَم يَقُل: مِن بَنِي إِسرَائِيلَ)، ثُمَّ جِيءَ بِالجَنَّةِ، وَذَلِكُم حِينَ رَأَيتُمُونِي تَقَدَّمتُ حَتَّى قُمتُ فِي مَقَامِي، وَلَقَد مَدَدتُ يَدِي وَأَنَا أُرِيدُ أَن أَتَنَاوَلَ مِن ثَمَرِهَا لِتَنظُرُوا إِلَيهِ، ثُمَّ بَدَا لِي أَلا أَفعَلَ، فَمَا مِن شَيءٍ تُوعَدُونَهُ إِلا قَد رَأَيتُهُ فِي صَلاتِي هَذِهِ.\nرواه مسلم (٩٠٤) (١٠)، وأبو داود (١١٧٨ و١١٧٩)، والنسائي (٣/ ١٣٦).\n[٧٧٩]- وَمِن حَدِيثِ ابنِ عَبَاسٍ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! رَأَينَاكَ تَنَاوَلتَ شَيئًا فِي مَقَامِكَ هَذَا، ثُمَّ رَأَينَاكَ كَفَفتَ (وَفِي رِوَايَةٍ: تَكَعكَعتَ) فَقَالَ: إِنِّي\nــ\nالمعجمتين، وهي هوام الأرض، وقيل: صغار الطير، ويقال (١): بكسر الخاء. وحُكي عن أبي علي: أنه يقال: بضمها. وقيل: لا يقال في الطير إلا بالفتح.\nوتكعكعت؛ أي: أحجمت وجَبُنت، يقال: تكعكع الرجل، وتكاعى وكعَّ كعوعًا؛ إذا أحجم وجبن؛ قاله الهروي وغيره. قلت: وهو في هذا الحديث بمعنى: كففت؛ كما قاله في الرواية الأخرى.\nوقوله: ولقد مددت يدي، إلى قوله: ثم بدا لي ألا أفعل، وقع في رواية أخرى: فقصرت يدي عنه. ووجه الجمع: أنه لما تحقق أنه لا يناله، بدا له فيما همّ به، فقصرت يده عنه؛ أي: بصرفه إياها عن الأخذ. ويحتمل أن يريد أنه لم تلحقه يده؛ لأنه مدخر ليوم الجزاء. وقد تقدم الكلام على بقية هذا الحديث فيما تقدم.\n_________\n(١) في (ع): وقيل.","vol":"2","page":561},{"text":"رَأَيتُ الجَنَّةَ، فَتَنَاوَلتُ مِنهَا عُنقُودًا، وَلَو أَخَذتُهُ لأَكَلتُم مِنهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنيَا. وَرَأَيتُ النَّارَ، فَلَم أَرَ كَاليَومِ مَنظَرًا قَطُّ. وَرَأَيتُ أَكثَرَ أَهلِهَا النِّسَاءَ قَالُوا: بِمَ؟ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: بِكُفرِهِنَّ قِيلَ: أَيَكفُرنَ بِالله؟ قَالَ: يَكفُرنَ العَشِيرِ، وَيَكفُرنَ الإِحسَانِ، لَو أَحسَنتَ إِلَى إِحدَاهُنَّ الدَّهرَ، ثُمَّ رَأَت مِنكَ شَيئًا، قَالَت: مَا رَأَيتُ مِنكَ خَيرًا قَطُّ.\nرواه البخاري (١٠٥٢)، ومسلم (٩٠٧)، وأبو داود (١١٨١)، والترمذي (٥٦٠)، والنسائي (٣/ ١٢٩).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-300>(٤) باب ما جاء أن في كل ركعة أربع ركعات</span>\n[٧٨٠]- عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حِينَ كَسَفَتِ الشَّمسُ ثَمَان رَكَعَاتٍ فِي أَربَعِ سَجَدَاتٍ. وَعَن عَلِيٍّ، مِثلُ ذَلِكَ.\nرواه مسلم (٩٠٨)، وأبو داود (١١٨٣)، والترمذي (٥٦٠)، والنسائي (٣/ ١٢٩).\n[٧٨١] وفي رِوَايَةٍ: قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ. قَالَ: وَالأُخرَى مِثلُهَا.\nرواه مسلم (٩٠٩).\n* * *\nــ\nوقوله في حديث عمرو (١): وركع ركعتين في سجوده، يعني بالسجدة: الركعة. وقد تقدم تسمية أهل الحجاز الركعة: بالسجدة.\n_________\n(١) يأتي حديث عمرو بن العاص في التلخيص برقم (١٠٨٣).","vol":"2","page":562},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-301>(٥) باب يطول سجودها كما يطول ركوعها</span>\n[٧٨٢]- عَن عَمرِو بنِ العَاصِ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا انكَسَفَتِ الشَّمسُ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - نُودِيَ أَن الصَّلاةَ جَامِعَة، فَرَكَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَكعَتَينِ فِي سَجدَةٍ، ثُمَّ قَامَ، ثُمَّ جُلِّيَ عَنِ الشَّمسِ. فَقَالَت عَائِشَةُ: مَا رَكَعتُ رُكُوعًا وَلا سَجَدتُ سُجُودًا قَطُّ، كَانَ أَطوَلَ مِنهُ.\nرواه البخاري (١٠٥١)، ومسلم (٩١٠)، وأبو داود (١١٩٤)، والنسائي (٣/ ١٣٦ - ١٣٧).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-302>(٦) باب ما جاء أن صلاة الكسوف ركعتان كسائر النوافل</span>\n[٧٨٣]- عَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ سَمُرَةَ، وَكَانَ مِن أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: كُنتُ أَرتَمِي بِأَسهُمٍ لِي بِالمَدِينَةِ فِي حَيَاةِ\nــ\n(٦) ومن باب: ما جاء أن كسوف الشمس ركعتان كسائر النوافل (١)\nأرتمي؛ أي: أرمي الغرض. يقال: رمى وارتمى بمعنى واحد.\n_________\n(١) لم يتعرض المصنف -﵀- إلى شرح البابين الرابع والخامس، وذلك لعدم وجود مشكلات فيهما.","vol":"2","page":563},{"text":"رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِذ كَسَفَتِ الشَّمسُ، فَنَبَذتُهَا: فَقُلتُ: وَالله! لأَنظُرَنَّ إِلَى مَا حَدَثَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي كُسُوفِ الشَّمسِ. قَالَ: فَأَتَيتُهُ وَهُوَ قَائِمٌ فِي الصَّلاةِ، رَافِعٌ يَدَيهِ، فَجَعَلَ يُسَبِّحُ وَيَحمَدُ وَيُهَلِّلُ وَيُكَبِّرُ وَيَدعُو، حَتَّى حُسِرَ عَنهَا، قَالَ: فَلَمَّا حُسِرَ عَنهَا قَرَأَ سُورَتَينِ، وَصَلَّى رَكعَتَينِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: فَانتَهَيتُ إِلَيهِ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيهِ يَدعُو وَيُكَبِّرُ وَيَحمَدُ وَيُهَلِّلُ، حَتَّى جُلِّيَ عَنِ الشَّمسِ، فَقَرَأَ سُورَتَينِ وَصَلَّى رَكعَتَينِ.\nرواه مسلم (٩١٣) (٢٥ و٢٦)، وأبو داود (١١٩٥)، والنسائي (٣/ ١٢٥).\n* * *\nــ\nونبذتها (١): رميتها من يدي. وحسر: كشف.\nوقوله: قرأ سورتين، وصلى ركعتين، قد تقدم الكلام عليه، ونزيد هنا تنبيهًا؛ وهو: أن ظاهر هذا الحديث: أن صلاته هاتين الركعتين لم يكن لأجل أنها صلاة الكسوف؛ لأنه إنما صلى بعد الانجلاء، وهو الزمان الذي يفرغ فيه من العمل فيها؛ لأنه الغاية التي مدّ فعل صلاة الكسوف إليها بقوله: فصلوا حتى ينجليا (٢)، فلا حجة فيه للكوفيين؛ غير أنه قد روى أبو داود من حديث النعمان بن بشير قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ -، فجعل يصلي ركعتين ركعتين ويسأل عنها، حتى انجلت (٣)، وهذا معتمدٌ قوي للكوفيين؛ غير أن الأحاديث المتقدمة أصح وأشهر، ويصح حمل هذا الحديث على أنه بيَّن فيه جواز مثل هذه الصلاة في الكسوف، وإن كان المتقرر في الأحاديث المتقدمة هو السنة. والله أعلم.\n_________\n(١) في (هـ) و(ط) و(ظ): قيدتها. والمثبت من (ع) و(ط).\n(٢) رواه مسلم برقم (٩٠١/ ٦) وهو في التلخيص برقم (٧٧٧) بلفظ: \"فاذكروا الله حتى ينجليا\".\n(٣) رواه أبو داود (١١٩٣)، وابن ماجه (١٢٦٢).","vol":"2","page":564},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-303>(٧) باب شهود النساء صلاة الكسوف</span>\n[٧٨٤]- عَن أَسمَاءَ بِنتِ أَبِي بَكرٍ قَالَت: خَسَفَتِ الشَّمسُ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَدَخَلتُ عَلَى عَائِشَةَ وَهِيَ تُصَلِّي فَقُلتُ: مَا شَأنُ النَّاسِ يُصَلُّونَ؟ فَأَشَارَت بِرَأسِهَا إِلَى السَّمَاءِ. فَقُلتُ: آيَةٌ؟ قَالَت: نَعَم. فَأَطَالَ\nــ\n(٧) ومن باب: شهود النساء صلاة الكسوف\nاختلف في مخاطبة النساء بصلاة الكسوف، فقيل: يُخاطب بها الجميع والنساء والمسافرون، وهذا مشهور مذهب مالك، وعند الشافعي. وروي عن مالك أيضًا ما يدل على أنه يخاطب بها من يُخاطب بالجمعة، فيخرج منها النساء والمسافرون. وذهب الكوفيون إلى أنهن يُصلين أفذاذًا (١) لا جماعة. وهذا الحديث وحديث جابر يدلان على حضور النساء لها مع رسول الله - ﷺ -، وما خرجن من بيوتهن ولا حضرن الصلاة إلا وقد صح عندهن أنهن مخاطبات بذلك. وأيضًا فإن قوله - ﷺ -: فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة؛ يدل على أنهن مخاطبات بذلك، وهذا الخطاب وإن كان أصله للذكور؛ فالنساء مندرجات فيه؛ كما اندرجن في قوله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمتُم إِلَى الصَّلاةِ فَاغسِلُوا﴾ و﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ﴾، وغير ذلك من خطابات التعبدات العامة، والنساء داخلات فيها باتفاق. واختلف فيمن فاتته صلاة الكسوف مع الإمام، هل يصليها وحده؟ على قولين لأهل العلم، ومن أصحابنا من قال: لا تلزمه، وهو أصل مالك: في أن السنن لا تُقضى إذا فاتت بفوات أفعالها أو أوقاتها.\n_________\n(١) في (ع) و(ظ): أفرادًا.","vol":"2","page":565},{"text":"رَسُولُ اللهِ - ﷺ - القِيَامَ جِدًّا، حَتَّى تَجَلانِي الغَشيُ - أَو الغَشِيُّ - فَأَخَذتُ قِربَةً مِن مَاءٍ إِلَى جَنبِي، فَجَعَلتُ أَصُبُّ عَلَى رَأسِي، أَو عَلَى وَجهِي مِنَ المَاءِ، قَالَت: فَانصَرَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَقَد تَجَلَّتِ الشَّمسُ، فَخَطَبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - النَّاسَ فَحَمِدَ الله وَأَثنَى عَلَيهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعدُ، مَا مِن شَيءٍ لَم أَكُن رَأَيتُهُ إِلا قَد رَأَيتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا، حَتَّى الجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَإِنَّهُ قَد أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُم تُفتَنُونَ فِي القُبُورِ قَرِيبًا، أَو مِثلَ فِتنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ (لا أَدرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَت أَسمَاءُ) فَيُؤتَى أَحَدُكُم فَيُقَالُ: مَا عِلمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا المُؤمِنُ أَوِ المُوقِنُ (لا أَدرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَت أَسمَاءُ) فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ، هُوَ رَسُولُ اللهِ جَاءَ بِالبَيِّنَاتِ وَالهُدَى؛ فَأَجَبنَا وَأَطَعنَا ثَلاثَ مِرَارٍ، فَيُقَالُ لَهُ: نَم. قَد كُنَّا نَعلَمُ أنَّكَ مُؤمِن بِهِ، فَنَم صَالِحًا، وَأَمَّا المُنَافِقُ أَوِ المُرتَابُ (لا أَدرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَت أَسمَاءُ) فَيَقُولُ: لا أَدرِي، سَمِعتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيئًا فَقُلتُ.\nرواه البخاري (١٨٤)، ومسلم (٩٠٥) (١١)، وابن ماجه (١٢٦٥).\nــ\nوقولها: حتى تجلاني الغَشيُ أو الغَشِيُّ: الأول بسكون الشين، والثاني بكسرها، وكلاهما بالغين المعجمة، وهما بمعنى واحد، وهو حقيقة (١) الإغماء، وأتى الراوي باللفظين لأنه شك هل سمعه منها مُسَكّنة أو مثقَّلة. ووقعت هذه اللفظة عند الطبري بالعين المهملة، وليس بشيء.\nوقولها: فجعلت أصب على رأسي ووجهي الماء، هذا كان منها لطول القيام وشدة الحر، وكأنها رأت أن فعل مثل هذا مع شدة الحاجة إليه يجوز؛ لخفة أمر ما ليس بفريضة، ولأن هذا الفعل ليس من قبيل العمل الكثير الذي ينصرف به عن الصلاة؛ كتأخر النبي - ﷺ -، وتقدمه في هذه الصلاة. وفي هذا الحديث أبواب كثيرة\n_________\n(١) في (ع) و(ظ): خفيف.","vol":"2","page":566},{"text":"[٧٨٥]- وَعَنهَا قَالَت: كَسَفَتِ الشَّمسُ عَلَى عَهدِ رَسُولَ - ﷺ - فَفَزِعَ، فَأَخطَأَ بِدِرعٍ، حَتَّى أُدرِكَ بِرِدَائِهِ بَعدَ ذَلِكَ. قَالَت: فَقَضَيتُ حَاجَتِي، ثُمَّ جِئتُ فَدَخَلتُ المَسجِدَ، فَرَأَيتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَائِمًا، فَقُمتُ مَعَهُ، فَأَطَالَ القِيَامَ حَتَّى رَأَيتُنِي أُرِيدُ أَن أَجلِسَ، ثُمَّ أَلتَفِتُ إِلَى المَرأَةِ الضَّعِيفَةِ،\nــ\nمن الفقه؛ منها ما ذكر، ومنها ما لم يذكر، إلا أنها لا تخفى على المتأمل الفطن.\nوقول عائشة: ففزع فأخطأ بدرع، قد (١) تقدم الكلام على الفزع، ومعنى: أخطأ بدرع؛ أي أخطأ في ثوبه فلبس درعًا غَيره لاستعجاله، وفي بعض الروايات: فخطا بدرع - ثلاثيًّا -. قال القاضي: ولعله: خطئ. قال ابن عرفة: أخطأ في العمد وغيره، وخطئ بمعناه، وكلاهما مهموز. وقال الأزهري: أخطأ: إذ لم يتعمد، وخطئ: إذا تعمد. والخطأ: ضد الصواب، مهموز يُمد ويقصر، والمد قليل، والمصدر ممدود: خطّاء وإخطاء. والخِطء - بكسر الخاء وسكون الطاء -: الإثم، فأما الخِطاء بالكسر والمد: فهو من التخطي. قلت: ويظهر لي أن معنى قولها: أخطأ بدرع؛ أي: أخطأ فانصرف بدرع وحده من غير رداء، ولذلك قالت: حتى أُدرك بردائه. وأما رواية من رواه: فخطا؛ فأظن تلك الرواية وقعت بغير همز؛ من الخطو، يقال: خطأ يخطو خطوًا، والواحدة: خطوة؛ كما قال الشاعر:\nومَرَّ يَخطُو سَرِيعًا فِي تَأَوُّدِهِ ... يَا لَيتَهُ فِي سَوَادِ النَّاظِرين خَطَا\nفيكون معناه: أنه مشى خطوات بدرعه من غير رداء حتى أُدرك بردائه، والله أعلم.\n_________\n(١) من (هـ) و(ظ) و(ل).","vol":"2","page":567},{"text":"فَأَقُولُ: هَذِهِ أَضعَفُ مِنِّي فَأَقُومُ، فَرَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ فَأَطَالَ القِيَامَ حَتَّى لَو أَنَّ رَجُلا جَاءَ خُيِّلَ إِلَيهِ أَنَّهُ لَم يَركَع.\nرواه البخاري (١٠٥٨)، ومسلم (٩٠٦) (١٦).\n* * *\nــ\nوقوله: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله - تعالى -؛ أي: إن كسوفهما آية من آيات الله؛ لأنه الذي خرج الحديث بسببه، ثم هل يتعدى الأمر بالصلاة عند الكسوف إلى كل آية مخوفة؛ كالزلازل والصواعق، والرياح الشديدة، وشبهه من الآيات؟ فذهب أحمد وإسحاق وأبو ثور وأشهب إلى الصلاة عند ذلك كله. وقد روي عن مالك، وروي عن ابن عباس وابن مسعود، والمشهور عن مالك والشافعي والجمهور: أن ذلك مخصوص بالكسوف؛ لأن قوله: هما آيتان. لم يخرج مخرج التعليل، وإنما خرج مخرج الإعلام؛ كما قال: فإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، وإنما هما (١) آيتان من آيات الله. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(١) في (ع): وإنهما.","vol":"2","page":568},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-304>(٨) كتاب الجنائز</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-305>(١) باب تلقين الموتى، وما يقال عند المصيبة، وعند حضور المرضى والموتى</span>\n[٧٨٦]- عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: لَقِّنُوا مَوتَاكُم لا إِلهَ إِلا اللهُ.\nرواه أحمد (٣/ ٣)، ومسلم (٩١٦)، والترمذي (٩٧٦)، وأبو داود (٣١١٧)، والنسائي (٤/ ٥)، وابن ماجه (١٤٤٥).\nــ\n(٨) كتاب الجنائز\n(١) ومن باب: تلقين الموتى\nقوله - ﷺ -: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله؛ أي: قولوا لهم ذلك، وذكِّروهم به عند الموت، وسمّاهم - ﷺ - موتى؛ لأن الموت قد حضرهم. وتلقين الموتى هذه الكلمة سنة مأثورة عَمِلَ بها المسلمون، وذلك ليكون آخر كلامه: لا إله إلا الله، فيختم له بالسعادة، وليدخل في عموم قوله - ﷺ -: من كان آخر كلامه: لا إله إلا","vol":"2","page":569},{"text":"[٧٨٧]- وعَن أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَت: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: مَا مِن مُسلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللهُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ، اللهُمَّ أجُرنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخلِف لِي خَيرًا مِنهَا، إِلا أَخلَفَ اللهُ لَهُ خَيرًا مِنهَا.\nــ\nالله؛ دخل الجنة (١). ولينبَّه المحتَضَرَ على ما يدفع به الشيطان، فإنه يتعرَّض للمحتضر ليفسد عليه عقيدته، فإذا تلقنها المحتَضَر وقالها مرَّةً واحدة، فلا تُعاد عليه؛ لئلا يتضجَّر، وقد كره أهل العلم الإكثار عليه من التلقين، والإلحاح عليه إذا هو تلقنها، أو فُهِم عنه ذلك. وفي أمره - ﵊ - بتلقين الموتى ما يدلّ على تعيُّن الحضور عند المحتَضَر؛ لتذكيره وإغماضه، والقيام عليه، وذلك من حقوق المسلم على المسلمين، ولا خلاف في ذلك.\nوقوله - ﷺ -: ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون. هذا تنبيه على قوله - تعالى -: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ الآية، مع أنه ليس فيها أَمرٌ بذلك القول، وإنما تضمنت مدح من قاله؛ فيكون ذلك القول مندوبًا، والمندوب مأمور به؛ أي: مطلوب ومقتضًى، وإن سُوّغ تركه. وقال أبو المعالي: لم يختلف الأصوليون أنّ المندوب مقتضًى ومطلوبٌ، وإنما اختلفوا هل يُسمَّى: مأمورًا به؟ قلت: وهذا الحديث يدلّ على أنه يُسمَّى بذلك.\nوقوله: إنا لله وإنا إليه راجعون: كلمة اعتراف بالملك لمستحقّه، وتسليمٌ له فيما يُجريه في ملكه، وتهوينٌ للمصيبات بتوقع ما هو أعظم منها، وبالثواب المرتّب عليها، وتذكير المرجع والمآل الذي حَكَم به ذو العزّة والجلال.\nوقوله: اللهم أجُرنِي في مصيبتي، هو من الأجر، وهو الثواب، قال صاحب الأفعال (٢): يقال: آجره الله، بالمدّ وبغير المدّ. وقال الأصمعيّ: هو\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٢٣٣ و٢٤٧)، وأبو داود (٣١١٦) من حديث معاذ بن جبل.\n(٢) هو علي بن جعفر السعدي، المعروف بابن القطاع: عالمُ أدب ولغة، توفي سنة (٥١٥ هـ). له كتب كثيرة منها: \"الأفعال\" وهو مطبوع.","vol":"2","page":570},{"text":"قَالَت: فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلتُ: أَيُّ المُسلِمِينَ خَيرٌ مِن أَبِي سَلَمَةَ؟ أَوَّلُ بَيتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. ثُمَّ إِنِّي قُلتُهَا فَأَخلَفَ اللهُ لِي رَسُولَ اللهِ - ﷺ -.\nقَالَت: فَأَرسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَاطِبَ بنَ أَبِي بَلتَعَةَ، يَخطُبُنِي لَهُ، فَقُلتُ لَهُ: إِنَّ لِي بِنتًا، وَأَنَا غَيُورٌ. فَقَالَ: أَمَّا بِنتُهَا فَنَدعُو اللهَ أَن يُغنِيَهَا عَنهَا، وَأَدعُو اللهَ أَن يَذهَبَ بِالغَيرَةِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ عَزَمَ اللهُ لِي فَقُلتُهَا.\nرواه مسلم (٩١٨) (٣ و٥)، وأبو داود (٣١١٩)، والترمذي (٣٥٠٦).\n[٧٨٨]- وَعَنهَا قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِذَا حَضَرتُمُ المَرِيضَ، أَوِ المَيِّتَ فَقُولُوا خَيرًا؛ فَإِنَّ المَلائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ، قَالَت: فَلَمَّا\nــ\nمقصور لا يمدّ، وهو الذي حكاه أكثر أهل اللغة.\nوقول أم سلمة - ﵂ -: عزم الله لي؛ أي: خلق فيّ قصدًا مؤكّدًا، وهو العزم، لا أنّ إرادة الله تسمّى عزمًا، لعدم الإذن في ذلك. والله تعالى أعلم.\nوقولها: وأنا غَيور؛ أي: كثيرة الغَيرة، وقد جاءت فَعول في صفة المؤنّث كثيرًا، وإن كان أصلها للمذكّر. قالوا: امرأة ضَحوك وعَروب وعروس، وعقبة كَؤُود، وأرض صَعُود وحَدُور وهَبُوط. ويقال: امرأة غَيرَى، ورجل غَيرَان، كسكرى وسكران، وغضبى وغضبان، وهو القياس.\nوقوله - ﷺ -: إذا حضرتم الميت فقولوا خيرًا: أمر تأديبٍ وتعليمٍ بما يقال عند الميت، وإخبارٌ بتأمينِ الملائكة على دعاء مَن هناك. ومن هذا استحب علماؤنا أن يحضر الميت الصالحون وأهلُ الخير حالة موته ليذكِّروه، ويدعوا له،","vol":"2","page":571},{"text":"مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ أَتَيتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سَلَمَةَ قَد مَاتَ، قَالَ: قُولِي: اللهُمَّ اغفِر لِي وَلَهُ، وَأَعقِبنِي مِنهُ عُقبَى حَسَنَةً، قَالَت: فَقُلتُ فَأَعقَبَنِي اللهُ مَن هُوَ خَيرٌ لِي مِنهُ، مُحَمَّدًا - ﷺ -.\nرواه أحمد (٦/ ٣٠٦)، ومسلم (٩١٩)، وأبو داود (٣١١٨)، والترمذي (٩٧٧)، والنسائي (٤/ ٤ - ٥)، وابن ماجه (١٤٤٧).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-306>(٢) باب في إغماض الميت، والدعاء له</span>\n[٧٨٩]- عَن أُمِّ سَلَمَةَ قَالَت: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَد شُقَّ بَصَرُهُ فَأَغمَضَهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ البَصَرُ، فَضَجَّ\nــ\nولمن يخلفه، ويقولوا خيرًا؛ فيجتمع دعاؤهم وتأمين الملائكة، فينتفع بذلك المَيّت ومن يُصاب به، ومن يخلفه.\nوقوله: وأعقِبني منه عقبى حسنةً - كما قالت -: وأخلف لي خيرًا منها؛ أي: عاقبة جميلة.\n(٢) ومن باب: إغماض الميت\nقوله - ﷺ -: شَقَّ بصرُهُ: صوابه وصحيحه: شق بفتح الشين مبنيًّا للفاعل، وبرفع البصر؛ أي: انفتح. يقال: شَقّ بصرُ الميت، وشقّ الميت بصره: إذا شخص بصرُه، بفتح الخاء أيضًا، قاله صاحب الأفعال، ولم يَعرِف أبو زيد الضمَّ. وإغماض الميت: سدّ أجفانه بعد موته، وهو سنّة عَمِل بها المسلمون كافّةً، ومقصوده:","vol":"2","page":572},{"text":"نَاسٌ مِن أَهلِهِ، فَقَالَ: لا تَدعُوا عَلَى أَنفُسِكُم إِلا بِخَيرٍ، فَإِنَّ المَلائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ. ثُمَّ قَالَ: اللهُمَّ اغفِر لأَبِي سَلَمَةَ وَارفَع دَرَجَتَهُ فِي المَهدِيِّينَ، وَاخلُفهُ فِي عَقِبِهِ فِي الغَابِرِينَ، وَاغفِر لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، وَافسَح لَهُ فِي قَبرِهِ، وَنَوِّر لَهُ فِيهِ.\nرواه أحمد (٦/ ٢٩٧)، ومسلم (٩٢٠) (٧)، وأبو داود (٣١١٥)، والنسائي (٤/ ٤ - ٥)، وابن ماجه (١٤٥٤).\n[٧٩٠]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أَلَم تَرَوُا الإِنسَانَ إِذَا مَاتَ شَخَصَ بَصَرُهُ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَذَلِكَ حِينَ يَتبَعُ بَصَرُهُ نَفسَهُ.\nرواه مسلم (٩٢١).\n* * *\nــ\nتحسين وجه الميت، وسترُ تغيُّرِ بصره. والمهديون: الذين هُدُوا إلى الصراط المستقيم صراط الله.\nوقوله: واخلفه في عقبه في الغابرين؛ أي: كن الخليفة على من يتركه من عقبه ويبقى بعده، ويعني بالغابرين: الباقين؛ كما قال - تعالى -: ﴿إِلا امرَأَتَهُ كَانَت مِنَ الغَابِرِينَ﴾؛ أي: من الباقين في العذاب. وغبر من الأضداد؛ يقال: بمعنى: بَقِيَ، وبمعنى: ذَهَبَ.\nوقوله: إن الروح إذا قُبض تبعه البصرُ، وفي حديث أبي هريرة قال: فذلك حين يتبع بصرُه نفسَه، يدلّ على أن الروح والنفس عبارتان عن معنى واحد، وهو الذي يُقبض بالموت. والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":573},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-307>(٣) باب ما جاء في البكاء على الميت، وعنده</span>\n(٩٢٢) [٧٩١]- عَن أُمُّ سَلَمَةَ، قَالَت: لَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلتُ: غَرِيبٌ فِي أَرضِ غُربَةٍ، لأَبكِيَنَّهُ بُكَاءً يُتَحَدَّثُ عَنهُ، فَكُنتُ قَد تَهَيَّأتُ لِلبُكَاءِ عَلَيهِ، إِذ أَقَبَلَتِ امرَأَةٌ مِنَ الصَّعِيدِ تُرِيدُ أَن تُسعِدَنِي، فَاستَقبَلَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: أَتُرِيدِينَ أَن تُدخِلِي الشَّيطَانَ بَيتًا أَخرَجَهُ اللهُ مِنهُ؟ مَرَّتَينِ، فَكَفَفتُ عَنِ البُكَاءِ فَلَم أَبكِ.\nرواه مسلم (٩٢٢).\nــ\nوفيهما (١) ما يدلّ على أن الموت ليس عدمًا ولا إعدامًا، وإنما هو انقطاعُ تعلُّقِ الروحِ بالبدن، ومفارقتُه، وحيلولةٌ بينهما، ثم إنّ البدن يبلى ويفنى، إلا عَجب الذنب الذي منه بُدئ خلقُ الإنسان، ومنه يركب الخلق يوم القيامة.\n(٣) ومن باب: ما جاء في البكاء على الميت\nقول أمّ سلمة: لأَبكينّه بكاءً يُتَحَدَّثُ عنه؛ أي: تنوح عليه نياحةً شديدةً، وذلك منها على ما كانوا عليه من النياحة والاجتماع لها قبل أن يبلغها تحريمُ النياحة. والله أعلم.\nوالصعيد هنا: أعالي الأرض، وكأنّها تريد عوالي المدينة، ومنه: صعيد مصر؛ أي: أعلى بلادها. وتُسعِدني معناه: توافقني على النياحة.\nوقوله - ﷺ -: أتريدين أن تُدخلي الشيطان بيتًا أخرجه الله منه مرّتين:\n_________\n(١) في (هـ) و(ظ): فيه.","vol":"2","page":574},{"text":"[٧٩٢]- وَعَن أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ قَالَ: كُنَّا عِندَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَأَرسَلَت إِلَيهِ إِحدَى بَنَاتِهِ تَدعُوهُ، وَتُخبِرُهُ أَنَّ صَبِيًّا لَهَا، أَوِ ابنًا لَهَا فِي المَوتِ، فَقَالَ لِلرَّسُولِ: ارجِع إِلَيهَا فَأَخبِرهَا أَنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعطَى، وَكُلُّ شَيءٍ عِندَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَمُرهَا فَلتَصبِر وَلتَحتَسِب، فَعَادَ الرَّسُولُ فَقَالَ: إِنَّهَا قَد أَقسَمَت لَتَأتِيَنَّهَا. قَالَ: فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَقَامَ مَعَهُ سَعدُ بنُ عُبَادَةَ وَمُعَاذُ بنُ جَبَلٍ، وَانطَلَقتُ مَعَهُم، فَرُفِعَ إِلَيهِ الصَّبِيُّ، وَنَفسُهُ تَقَعقَعُ كَأَنَّهَا فِي شَنَّةٍ، فَفَاضَت عَينَاهُ، فَقَالَ لَهُ سَعدٌ، مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: هَذِهِ رَحمَةٌ جَعَلَهَا اللهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرحَمُ اللهُ مِن عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ.\nرواه البخاري (١٢٨٤)، ومسلم (٩٢٣)، والنسائي (٤/ ٢٢).\nــ\nيحتمل ذلك - والله أعلم - أن يكون بسبب صحّة إسلام أبي سلمة، وحسن هجرته.\nوقوله: ونفسه تقعقع كأنها في شَنَّة. قال الهروي: يقال: تَقَعقَعَ الشيءُ: إذا اضطرب وتحرك، ويقال: إنه ليتقعقع لَحيَاه من الكِبَر. قال غيره: القعقعة هنا: صوت النَّفَس وحشرجة الصدر، ومنه: قعقعةُ الجلود، والتِّرسَة والأسلحة، وهي: أصواتها. والشَنّة: القِربة البالية، فكأنّه شبّه صوتَ نَفَسِه وقلقلته في صدره بصوت ما [ألقي] (١) في القربة [البالية] (٢) اليابسة من الماء إذا حُرِّك فيها. ومن أمثالهم: لا يُقعقَع له بالشّنان؛ أي: لا يُقرَع بقرعه، كما يُفعل بالصبي.\nوقوله: هذه رحمة؛ أي: رقِّةٌ يجدها الإنسان في قلبه، تبعثه على البكاء من خشية الله، وعلى أفعال البر والخير، وعلى الشفقة على المبتلى والمصاب، ومَن كان كذلك؛ جازاه الله برحمته، وهو المعنّي بقوله - ﷺ -: إنما يرحم الله من\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) ساقط من (ع).","vol":"2","page":575},{"text":"[٧٩٣]- وَعَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ قَالَ: اشتَكَى سَعدُ بنُ عُبَادَةَ شَكوَى لَهُ، فَأَتَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَعُودُهُ مَعَ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ، وَسَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيهِ وَجَدَهُ فِي غَشيةٍ، فَقَالَ: أَقَد قَضَى؟ قَالُوا: لا، يَا رَسُولَ اللهِ! فَبَكَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَلَمَّا رَأَى القَومُ بُكَاءَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بَكَوا، فَقَالَ: أَلا تَسمَعُونَ! إِنَّ اللهَ لا يُعَذِّبُ بِدَمعِ العَينِ، وَلا بِحُزنِ القَلبِ، وَلَكِن يُعَذِّبُ بِهَذَا - وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ - أَو يَرحَمُ.\nرواه البخاري (١٣٠٤)، ومسلم (٩٢٤).\n* * *\nــ\nعباده الرحماء، وضد ذلك القسوة في القلوب الباعثة على الإعراض عن الله - تعالى -، وعن أفعال الخير. ومن كان كذلك، قيل فيه: ﴿فَوَيلٌ لِلقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِن ذِكرِ اللَّهِ﴾\nوقوله: فوجده في غشية، روايتنا فيه بسكون الشين وتخفيف الياء، وقد رواه جماعة من الشيوخ بكسر الشين وتشديد الياء. وقال الحافظ أبو الحسن: لا فرق بينهما، هما واحد، يريد من الغشاوة. ورواه البخاري: في غاشية، قال: ويحتمل وجهين: مَن يغشاه من الناس، أو ما يغشاه من الكرب.\nوقوله: أقد قضى؟ أي: مات.\nوقوله: إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب: يدل على أن البكاء الذي لا يصحبه صوتٌ ولا نياحةٌ جائز، قبل الموت وبعده، بل قد يقال فيه: إنه مندوب إليه؛ لأنه قد قال فيه: إنه رحمة، والرحمة مندوب إليها. فأمّا النياحة التي كانت الجاهلية تفعلها؛ من تعديد خصال الميت، والثناء عليه بما كان فيه من","vol":"2","page":576},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالخصال الدُّنيوية والمذمومة، والصراخ الذي يُخرجه الجزع المفضي إلى السّخط والعبث؛ من ضرب الخدود، وشق الجيوب، فكل ذلك محرَّم، من أعمال الجاهلية، ولا يختلف فيه. فأمّا بكاء وصراخ لا يكون معه شيء من ذلك فهو جائز قبل الموت، مكروه بعده: أمّا جوازه فبدليل حديث جابر بن عقبة الذي خَرَّجه مالك، وذلك أن رسول الله - ﷺ - جاء يعود عبد الله بن ثابت، فوجده قد غلب عليه، فصاح به، فلم يُجبه، فاسترجع رسول الله - ﷺ -، وقال: غُلِبنا عليك أبا الربيع. فصاح النسوة وبكين، فجعل جابر يُسكِتُهنّ، فقال رسول الله - ﷺ -: دعهن، فإذا وجب فلا تبكين باكية (١). ووجه الاستدلال: أنه - ﷺ - أقرّهن على البكاء والصياح قبل الموت، وأمر بتركهنّ على ذلك. وإنما قلنا: إنه مكروه بعد الموت ليس بمحرَّم؛ لما في حديث جعفر من بكائهن بعد الموت، وإعلام النبي - ﷺ - بذلك ونهيهن عنه، فلما لم ينكَفِفن، قال للمبلّغ: احثُ في أفواههنّ التراب (٢). ولم يبالغ في الإنكار عليهن، ولا زجرهن، ولا ذمّهن، ولو كان ذلك محرَّمًا لفعل كل ذلك. والله أعلم.\nوبهذا الذي قررناه يرتفع الاختلاف بين ظواهر الأحاديث التي في هذا الباب، ويصح جمعها، فتمسّك به، فإنه حسن جدًّا، وهو الصواب - إن شاء الله تعالى -.\n* * *\n_________\n(١) رواه مالك في الموطأ (١/ ٢٣٣).\n(٢) رواه مسلم برقم (٩٣٥/ ٣٠) وانظره في التلخيص (٨٠٤).","vol":"2","page":577},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-308>(٤) باب في عيادة المريض، والصبر عند الصدمة الأولى</span>\n[٧٩٤]- عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِذ جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنصَارِ فَسَلَّمَ عَلَيهِ، ثُمَّ أَدبَرَ الأَنصَارِيُّ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: يَا أَخَا الأَنصَارِ! كَيفَ أَخِي سَعدُ بنُ عُبَادَةَ، فَقَالَ: صَالِحٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: مَن يَعُودُهُ مِنكُم؟ فَقَامَ وَقُمنَا مَعَهُ وَنَحنُ سبعَةَ عَشَرَ، مَا عَلَينَا نِعَالٌ وَلا خِفَافٌ وَلا قَلانِسُ وَلا قُمُصٌ، نَمشِي فِي تِلكَ السِّبَاخِ حَتَّى جِئنَاهُ، فَاستَأخَرَ قَومُهُ مِن حَولِهِ، حَتَّى دَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَصحَابُهُ الَّذِينَ مَعَهُ.\nرواه مسلم (٩٢٥).\nــ\n(٤) ومن باب: عيادة المريض\nقوله - ﷺ -: كيف أخي سعد؟ دليل على حسن التعاهد (١)، وتفقُّد الإخوان، والسؤال عن أحوالهم إذا فُقدوا، وعلى الاستلطاف في السؤال عنهم.\nوقوله: من يعوده منكم؟ حضٌّ على عيادة المرضى، وقد ورد في ذلك أحاديثُ كثيرةٌ تدلّ على نَدبيَّتها، وكثرة ثواب فاعلها، وهي مندوبة، وقد تجب إذا خِيف على المريض ضيعة، فإن التمريضَ واجبٌ على الكفاية، فمن قام به سقط عن غيره. والله أعلم.\n_________\n(١) في (ع): المعاهدة.","vol":"2","page":578},{"text":"[٧٩٥]- وَعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَتَى عَلَى امرَأَةٍ تَبكِي عَلَى صَبِيٍّ لَهَا، فَقَالَ لَهَا: اتَّقِي اللهَ وَاصبِرِي، فَقَالَت: وَمَا تُبَالِي بِمُصِيبَتِي؟ فَلَمَّا ذَهَبَ، قِيلَ لَهَا: إِنَّهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَأَخَذَهَا مِثلُ المَوتِ،\nــ\nوقوله: أتى على امرأة تبكي على صبيٍّ لها: هذا البكاء كان معه ما يُنكَر؛ من رفع صوت أو غيره؛ كالجزع، وأمّا نفس البكاء فعلى ما تقدَّم من الإباحة.\nوقوله: فأخذها مثل الموت، خوفًا من سوء أدبها في ردها عليه، وحياءً من رسول الله - ﷺ -، وظاهرُ حال هذه المرأة: أنها لم تعرفه لشدة حزنها وما كانت فيه.\nوقوله: إنما الصبر عند أول صدمة؛ يعني: إنما الصبر الشاقُّ الصعب على النفس؛ الذي يعظم الثواب عليه، إنما هو عند هجوم المصيبة وحرارتها، فإنه يدلّ على قوَّة النفس وتثبُّتها، وتمكنها في مقام الصبر، وأما إذا بردت حرارةُ المصيبة فكل أحدٍ يصبر إذ ذاك؛ ولذلك قيل: يجب على العاقل أن يلتزم عند المصيبة ما لا بدّ للأحمق منه بعد ثلاث؛ ولهذا المعنى أبيح للمصابة أن تحدّ على غير زوجها ثلاثًا لا غير؛ إذ بعدها تبرد المصيبة غالبًا، وأما دوام الإحداد إلى أربعة أشهر وعشرة للمتوفى عنها زوجها، فلمعنى يأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى -.\nوالصدم: أصله الضرب في الشيء الصلب، ثم استعير لمن فجأته المصيبة. ومعنى هذا القول: أن النبي - ﷺ - لما صادمته هذه المرأة بقولها: إليك عني، كما رواه البخاري، وبقولها: ما تبالي بمصيبتي؟ - وهو سوء أدب تأذَّى به -، قابل ذلك بالصبر، وحلُمَ عنها، ولم يؤاخذها به مع تمكنه من ذلك، فحصل من الصبر على أَشَقِّه على النفوس، وأعظمه في الثواب. هذا ما سمعناه في هذا، ويحتمل عندي أن يَنجَرَّ مع هذه للمرأة منه معنى؛ وذلك أنها لما شاهدت قبر ابنها تجدَّدت عليها مصيبتها، فكان ابتداء تجدُّدها صدمة أُولى صُدِمَتها، فلم تصبر حتى غشيها من الجزع ما صدّها عن معرفة من كلَّمها، ثم لما أفاقت من ذلك جاءت معتذرة مُظهرة للتجلد، فقال لها ذلك، منبهًا على أنها قد فاتها محل الصبر","vol":"2","page":579},{"text":"فَأَتَت بَابَهُ، فَلَم تَجِد عَلَى بَابِهِ بَوَّابِينَ، فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللهِ! لَم أَعرِفكَ، فَقَالَ: إِنَّمَا الصَّبرُ عِندَ أَوَّلِ الصَدمَةٍ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: مَرَّ بِامرَأَةٍ عِندَ قَبرٍ.\nرواه أحمد (٣/ ٢١٧)، والبخاري (١٣٠٢)، ومسلم (٩٢٦) (١٥)، وأبو داود (٣١٢٤)، والترمذي (٩٨٧)، والنسائي (٤/ ٢٢)، وابن ماجه (١٥٩٦).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-309>(٥) باب ما جاء أن الميت ليعذبُ ببكاءِ الحَيِّ عليه</span>\n[٧٩٦]- عَن عَبدِ اللهِ بنِ أَبِي مُلَيكَةَ قَالَ: تُوُفِّيَتِ ابنَةٌ لِعُثمَانَ بنِ عَفَّانَ بِمَكَّةَ، قَالَ: فَجِئنَا لِنَشهَدَهَا، قَالَ: فَحَضَرَهَا ابنُ عُمَرَ وَابنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: فإِنِّي لَجَالِسٌ بَينَهُمَا، قَالَ: جَلَستُ إِلَى أَحَدِهِمَا، قَالَ: ثُمَّ جَاءَ الآخَرُ فَجَلَسَ إِلَى جَنبِي، فَقَالَ عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ لِعَمرِو بنِ عُثمَانَ، وَهُوَ مُوَاجِهُهُ: أَلا تَنهَى عَنِ البُكَاءِ؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهلِهِ عَلَيهِ. فَقَالَ\nــ\nوالأجر. والله أعلم.\nوقوله: لم تجد على باب النبي - ﷺ - بوابين؛ لأن ذلك كان عادته لتواضعه، ومجانبته أحوال المترفين والمتكبرين؛ لأنه كان نبيًّا عبدًا، لا نبيًّا مَلِكًا ﷺ.\n(٥) ومن باب: إن الميت ليعذب ببكاء الحي\nقوله - ﷺ -: إن الميت ليعذب ببكاء أهله: اختلف في معناه على أقوال:","vol":"2","page":580},{"text":"ابنُ عَبَّاسٍ: قَد كَانَ عُمَرُ يَقُولُ بَعضَ ذَلِكَ ثُمَّ حَدَّثَ فَقَالَ: صَدَرتُ مَعَ عُمَرَ مِن مَكَّةَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالبَيدَاءِ إِذَا هُوَ بِرَكبٍ تَحتَ ظِلِّ سَمُرَة، فَقَالَ: اذهَب فَانظُر مَن هَؤُلاءِ الرَّكبُ؟ فَنَظَرتُ فَإِذَا صُهَيبٌ. قَالَ فَأَخبَرتُهُ، فَقَالَ: ادعُهُ لِي. قَالَ: فَرَجَعتُ إِلَى صُهَيبٍ، فَقُلتُ: ارتَحِل فَالحَق أَمِيرَ المُؤمِنِينَ. فَلَمَّا أَن أُصِيبَ عُمَرُ دَخَلَ صُهَيبٌ يَبكِي يَقُولُ: وَا أَخَاه! وَا صَاحِبَاه! فَقَالَ عُمَرُ: يَا صُهَيبُ! أَتَبكِي عَلَيَّ؟ وَقَد قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعضِ بُكَاءِ أَهلِهِ عَلَيهِ، فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ ذَكَرتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ، فَقَالَت: يَرحَمُ اللهُ عُمَرَ، لا وَاللهِ! مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ المُؤمِنَ بِبُكَاءِ أَحَدٍ، وَلَكِن قَالَ: إِنَّ اللهَ يَزِيدُ الكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهلِهِ عَلَيهِ، قَالَ: وَقَالَت عَائِشَةُ: حَسبُكُمُ القُرآنُ: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزرَ أُخرَى وَإِن تَدعُ مُثقَلَةٌ إِلَى حِملِهَا لا يُحمَل مِنهُ شَيءٌ وَلَو كَانَ ذَا قُربَى إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخشَونَ رَبَّهُم بِالغَيبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفسِهِ وَإِلَى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ قَالَ: وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ عِندَ ذَلِكَ: وَاللهُ أَضحَكَ وَأَبكَى.\nــ\nفأنكرته عائشة - ﵂ -، وصرحت بتخطئة الناقل أو نسيانه، وحملها على ذلك أنها لم تسمعه كذلك، وأنه معارض بقوله - تعالى -: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزرَ أُخرَى﴾ وهذا فيه نظر. أما إنكارها، ونسبة الخطأ لراويه فبعيد، وغير بيِّن ولا واضح، وبيانه من وجهين:\nأحدهما: أن الرواة لهذا المعنى كثير: عمر، وابن عمر، والمغيرة بن شعبة، وقيلة بنت مخرمة، وهم جازمون بالرواية، فلا وجه لتخطئتهم، وإذا أُقدِم على ردّ خبر جماعة مثل هؤلاء مع إمكان حمله على محمل الصحيح، فلأن يُردّ خبر راوٍ واحد أولى، فردُّ خبرها أولى، على أن الصحيح: ألا يُردّ واحدٌ من تلك الأخبار، وينظر في معانيها كما نبيِّنه.","vol":"2","page":581},{"text":"قَالَ ابنُ أَبِي مُلَيكَةَ: فَوَاللهِ مَا قَالَ ابنُ عُمَرَ مِن شَيءٍ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: لَمَّا بَلَغَ عَائِشَةَ قَولُ عُمَرَ وَابنِ عُمَرَ، قَالَت: إِنَّكُم لَتُحَدِّثُونِّي عَن غَيرِ كَاذِبَينِ وَلا مُكَذَّبَينِ وَلَكِنَّ السَّمعَ يُخطِئُ.\nرواه البخاري (١٢٨٦)، ومسلم (٩٢٨) (٢٣) و(٩٢٩)، والنسائي (٤/ ١٨ - ١٩).\nــ\nوثانيهما: أنه لا مُعارضة بين ما روت هي ولا ما رووا هم؛ إذ كلُّ واحد منهم أخبر عمَّا سمع وشاهد، وهما واقعتان مختلفتان. وأما استدلالُها على ردّ لك بقوله - تعالى -: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزرَ أُخرَى﴾ فلا حجة فيه، ولا معارضة بين هذه الآية والحديث، على ما نُبديه من معنى الحديث إن شاء الله تعالى.\nوقد اختلف العلماء فيه، فقيل: محمله على ما إذا كان النوح من وصيّته وسنّته، كما كانت الجاهلية تفعل، حتى قال طرفة:\nإذا مِتُّ فانعَينِي بما أنا أهله ... وشقِّي عليّ الجيب يا ابنة معبد\nوقد جمع عبد المطلب بناته عند موته وأمرهن أن ينعَيَنه ويندبنه (١) ففعلن، وأنشدت كل واحدة منهن شعرًا تمدحه فيه، فلما فرغن قال آخر ما كلّمهن: أحسنتنَّ، هكذا فانعَينَني، وإلى هذا نحا البخاري. وقيل: معناه: أن تلك الأفعال التي يُبكى بها الميت، مما كانوا يفعلونه في الجاهلية؛ من قتل النفوس، وأخذ\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"2","page":582},{"text":"[٧٩٧]- وَعَن عُروَةَ قَالَ: ذُكِرَ عِندَ عَائِشَةَ أَنَّ ابنَ عُمَرَ يَرفَعُ إِلَى\nــ\nالأموال، وإخراب البلاد، وغير ذلك، فأهلُه يمدحونه بها، ويعدِّدونها عليه، وهو يُعذَّب لسببها، وعلى هذا تُحمل رواية من رواه: ببعض بكاء أهله؛ إذ ليس (١) كل ما يُعدِّدونه من خصاله يكون مذمومًا، فقد يكون من خصاله: كرم، وإعتاقُ رقابٍ، وكشف كرب. وقد دلّ على صحّة هذا التأويل: حديث عبد الله بن رواحة؛ حيث أُغمِي عليه، فجعلت أخته عمرة تبكي: واجَبَلاه! واكذا! واكذا، تُعدِّد عليه، فأفاق وقال لها: ما قلتِ شيئًا إلا قيل لي: أنت كذلك؟ ! فلما مات لم تبك عليه (٢). خرَّجه البخاري، وذهب داود وطائفة إلى اعتقاد ظاهر الحديث، وأنه إنما يعذب بنوحهم؛ لأنه أهمل نهيهم عنه قبل موته وتأديبهم بذلك، فيعذَّب بتفريطه في ذلك، ويترك ما أمر الله - تعالى - به من قوله - تعالى -: ﴿قُوا أَنفُسَكُم وَأَهلِيكُم نَارًا﴾ وقيل: معناه: أنه يعذّب بسماع بكاء أهله؛ لرقَّته لهم (٣)، وشفقته عليهم؛ لما يصيبهم من أجله. وقد دلّ على صحة هذا المعنى: حديث قيلة بنت مخرمة العنزية، وبكت على ابنها مات عند رسول الله - ﷺ -، فقال لها وأنكر عليها: والذي نفس محمد بيده! إن أحدكم ليبكي فيستعبر إليه صويحبُه، يا عباد الله! لا تعذبوا إخوانكم. ذكره أبو بكر بن أبي شيبة (٤)، وهو حديث طويل مشهور، وهذا التأويل حسن جدًّا، ولعله أولى ما قيل في ذلك. والله أعلم. وسكوت ابن عمر عن عائشة حين قالت ما قالت؛ ليس لشكّه فيما رواه، لا هو ولا أبوه عمر - ﵄ -؛ فإنهما قد صرّحا برفع ذلك إلى النبي - ﷺ -، وإنما كان - والله تعالى أعلم - لأنه ظهر له أن الحديث قابل للتأويل، ولم يتعيَّن له محمل، أو\n_________\n(١) في (ع): إذ كل ما يعدِّدونه من خصاله لا يكون مذمومًا.\n(٢) رواه البخاري (٤٢٦٧).\n(٣) ساقط من (ع).\n(٤) ذكره ابن حجر في الإصابة (٨/ ١٧١ - ١٧٣).","vol":"2","page":583},{"text":"النَّبِيِّ - ﷺ -: إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ فِي قَبرِهِ بِبُكَاءِ أَهلِهِ عَلَيهِ. فَقَالَت: وَهِلَ، إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِنَّهُ لَيُعَذَّبُ بِخَطِيئَتِهِ أَو بِذَنبِهِ، وَإِنَّ أَهلَهُ لَيَبكُونَ عَلَيهِ الآنَ وَذَلِكَ مِثلُ قَولِهِ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَامَ عَلَى القَلِيبِ يَومَ بَدرٍ، وَفِيهِ قَتلَى بَدرٍ مِنَ المُشرِكِينَ فَقَالَ لَهُم مَا قَالَ: إِنَّهُم لَيَسمَعُونَ مَا أَقُولُ، وَقَد وَهِلَ، إِنَّمَا قَالَ: إِنَّهُم لَيَعلَمُونَ أَنَّ مَا كُنتُ أَقُولُ لَهُم حَقٌّ، ثُمَّ قَرَأَت: ﴿إِنَّكَ لا تُسمِعُ المَوتَى﴾، ﴿وَمَا أَنتَ بِمُسمِعٍ مَن فِي القُبُورِ﴾ يَقُولُ: حِينَ تَبَوَّءُوا مَقَاعِدَهُم مِنَ النَّارِ.\nرواه مسلم (٩٣٢) (٢٦)، وأبو داود (٣١٢٩)، والنسائي (٤/ ١٨).\n[٧٩٨] وفي رِوَايَةٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ: المَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيهِ.\nرواه أحمد (٢/ ٦١)، والبخاري (١٢٩٢)، ومسلم (٩٢٧) (١٧)، والترمذي (١٠٠٠)، وابن ماجه (١٥٩٣).\nــ\nسكت محترمًا لها عن أن يراجعها في ذلك المجلس، وفي ذلك الوقت، وأخّر ذلك لوقت آخر، مع أنه لم تُرهِق إليه في ذلك الوقت حاجة يعتدّ (١) بها. والله تعالى أعلم.\nوقولها: وهل أبو عبد الرحمن. قال الهروي: يقال: وهَلَ يَهلُ إلى الشيء: إذا ذهب وهمُه إليه، ومنه قول ابن عمر: وَهِلَ أنس، يريد: غلط، فأما وَهِلتُ من كذا، أَوهَلُ، فمعناه: فَزِعتُ منه، ومنه الحديث: فقمنا وَهِلِين؛ أي: فزعين. وقال أبو عبيد في المصنف: قال أبو زيد: وَهِلت في الشيء، ووهِلت\n_________\n(١) في (هـ) و(ط): تُعُبِّدَ.","vol":"2","page":584},{"text":"[٧٩٩] وَفِي أُخرَى: فَقَالَت عَائِشَةُ: يَغفِرُ اللهُ لأَبِي عَبدِ الرَّحمَنِ، أَمَا إِنَّهُ لَم يَكذِب وَلَكِنَّهُ نَسِيَ أَو أَخطَأَ، وإِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى يَهُودِيَّةٍ يُبكَى عَلَيهَا، فَقَالَ: إِنَّهُم لَيَبكُونَ عَلَيهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبرِهَا.\nرواه أحمد (٦/ ٣٩)، ومسلم (٩٣٢) (٢٧)، والترمذي (١٠٠٤)، وابن ماجه (١٥٩٥).\n[٨٠٠]- وعَنِ ابنِ عُمَرَ، قَالَ: لَمَّا طُعِنَ عُمَرُ أُغمِيَ عَلَيهِ، فَصِيحَ عَلَيهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: أَمَا عَلِمتُم أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الحَيِّ.\nرواه مسلم (٩٢٧) (١٩).\nــ\nعنه، أَيهَل، وهلا: [أنسيتُ وغلِطتُ. ووهلتُ إلى الشيء أهِلُ وهلا] (١): إذا ذهب وَهَمُك إليه.\nوالقليب: البئر غير المطويّة، وأمّا إنكار عائشة على ابن عمر سماع أهل القليب، فمن قبيل ما تقدّم؛ وذلك أنها أنكرت ما رواه الثقة الحافظ لأجل أنها ظنّت أن ذلك مُعارض بقوله - تعالى -: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُسمِعٍ مَن فِي القُبُورِ﴾ و: ﴿إِنَّكَ لا تُسمِعُ المَوتَى﴾ ولا تعارض بينهما؛ لوجهين:\nأحدهما: أن الموتى في الآية إنما يراد بهم الكفار، فكأنهم موتى في قبورهم، والسماع يراد به الفهم والإجابة هنا؛ كما قال - تعالى -: ﴿وَلَو عَلِمَ اللَّهُ فِيهِم خَيرًا لأَسمَعَهُم وَلَو أَسمَعَهُم لَتَوَلَّوا وَهُم مُعرِضُونَ﴾ وهذا كما سَمّاهم: بصمّ وبُكم وعُمي، مع سلامة هذه الحواسّ منهم.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (هـ).","vol":"2","page":585},{"text":"[٨٠١] وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ حَفصَةَ بَكَت عَلَى عُمَرَ فَقَالَ: مَهلا يَا بُنَيَّةُ! أَلَم تَعلَمِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهلِهِ عَلَيهِ.\nرواه مسلم (٩٢٧) (١٦).\n[٨٠٢]- وَعَنِ المُغِيرَةِ بنِ شُعبَةَ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: مَن نِيحَ عَلَيهِ، فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيهِ يَومَ القِيَامَةِ.\nرواه أحمد (٤/ ٢٤٥)، والبخاري (١٢٩١)، ومسلم (٩٣٣) (٢٨)، والترمذي (١٠٠٠).\n* * *\nــ\nوثانيهما: أنا لو سلمنا أن الموتى في الآية على حقيقتهم؛ فلا تعارُض بينها وبين أن بعض الموتى يسمعون في وقت ما، أو في حال ما، فإن تخصيص العموم ممكن وصحيح إذا وُجد المخصِّص، وقد وُجد هنا؛ بدليل هذا الحديث، وحديث أبي طلحة الذي قال فيه النبي - ﷺ - في أهل بدر: والذي نفسي بيده! ما أنتم بأسمعَ لما أقول منهم (١). وهو متفق عليه، وبما في معناه؛ مثل قوله - ﷺ - في الميت: إنه ليسمع قرعَ النِّعال (٢). بالمعلوم من سؤال الملكين للميت في قبره، وجوابه لهما، إلى غير ذلك ما لا يُنكر. فحديث ابن عمر صحيح النقل، وما تضمنه يقبله العقل، فلا طريق لتخطئته، والله تعالى أعلم. وأيضًا فقد رواه عمر عن النبي - ﷺ - فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم (٣). ورواية من روى: إن الميت ليعذب ما نِيح عليه. يشهد لما اخترناه في تأويل الحديث المتقدم. وما هنا ظرفية، تقديره: مدة النياحة عليه، وما يعذب بسببه مسكوت عنه هنا، وهو ما تقدم. والله أعلم.\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٩٧٦)، ومسلم (٢٨٧٥).\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٣٤٧) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) رواه البخاري (١٣٧٤)، ومسلم (٩٣٢).","vol":"2","page":586},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-310>(٦) باب التشديد في النياحة، وما جاء في اتباع الجنائز</span>\n[٨٠٣]- عَن أَبِي مَالِكٍ الأَشعَرِيَّ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: أَربَعٌ فِي أُمَّتِي مِن أَمرِ الجَاهِلِيَّةِ، لا يَترُكُونَهُنَّ: الفَخرُ فِي الأَحسَابِ، وَالطَّعنُ فِي الأَنسَابِ، وَالاستِسقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ، وَقَالَ: النَّائِحَةُ إِذَا لَم تَتُب قَبلَ\nــ\nوفي الأم: أن عمر - ﵁ - لما طعن عوّلت عليه حفصة (١). هكذا صحيح الرواية، وقد روي: أعوَلَت، وهما لغتان، غير أن الثانية أشهر وأفصح، وكلاهما من العويل، وهو البكاء ومعه صوت.\n(٦) ومن باب: التشديد في النياحة\nقوله - ﷺ -: أربع في أمتي من أمر الجاهلية؛ أي: من شأنهم وخصالهم.\nولا يتركونهن، يعني: غالبًا.\nوالفخر في الأحساب؛ يعني: الافتخار بالآباء الكبراء والرؤساء، وقد قال - ﷺ -: إن الله قد أذهب عنكم عُبِّيَّة الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي أو فاجر شقي، الناس كلّهم بنو آدم، وآدم خلق من تراب (٢).\nوالطعن في الأنساب: استحقارُها وعيبُها، وقد تقدم الكلام على الاستسقاء بالنجوم. والاستسقاء: استدعاء السُّقيا وسؤالُه، وكأنهم كانوا يسألون من النجوم أن تسقيهم؛ بناءً منهم على اعتقادهم الفاسد في أن النجوم تُوجِد المطر وتخلقه.\n_________\n(١) ينظر صحيح مسلم (٢/ ٦٤٠).\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٥٢٤)، وأبو داود (٥١١٦)، والترمذي (٣٩٥٠ و٣٩٥١) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"2","page":587},{"text":"مَوتِهَا، تُقَامُ يَومَ القِيَامَةِ وَعَلَيهَا سِربَالٌ مِن قَطِرَانٍ، وَدِرعٌ مِن جَرَبٍ.\nرواه أحمد (٥/ ٣٤٢)، ومسلم (٩٣٤).\n[٨٠٤]- وَعَن عَائِشَةَ، قَالَت: لَمَّا جَاءَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَتلُ ابنِ حَارِثَةَ وَجَعفَرِ بنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبدِ اللهِ بنِ رَوَاحَةَ جَلَسَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُعرَفُ فِيهِ الحُزنُ. قَالَت: وَأَنَا أَنظُرُ مِن صَائِرِ البَابِ (شَقِّ البَابِ) فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ نِسَاءَ جَعفَرٍ، وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ، فَأَمَرَهُ أَن يَذهَبَ فَيَنهَاهُنَّ، فَذَهَبَ فَأَتَاهُ، فَذَكَرَ أَنَّهُنَّ لَم يُطِعنَهُ، فَأَمَرَهُ الثَّانِيَةَ أَن يَنهَاهُنَّ فَذَهَبَ، ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: وَاللهِ! لَقَد غَلَبنَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَت: فَزَعَمَت أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: اذهَب فَاحثُ فِي أَفوَاهِهِنَّ مِنَ التُّرَابِ. قَالَت عَائِشَةُ،\nــ\nوالسربال: واحد السرابيل، وهي: الثياب والقُمُص، يعني: أنّهنّ يلطَّخنَ بالقطِرَان، فيصير لهنّ كالقُمُص، حتى يكون اشتعال النار والتصاقها بأجسادهن أعظم، ورائحته أنتن، وألمها بسبب الحر (١) أشدّ.\nوقولها (٢): من صائر الباب، قد فسّره في الحديث بشقّ الباب، وهكذا صحّت روايته. قال الإمام: والصواب: صِير الباب - بكسر الصاد -. وفي حديث آخر: من اطلَّع من صِير باب فقد دَمَر (٣)، وهو شَقّ الباب، ودَمَر: دخل بغير إذن. وكون نساء جعفر لم يُطِعن الناهي لهنّ عن البكاء، إمّا لأنه لم يُصرِّح لهن بأن النبي - ﷺ - نهاهن، فظننَّ منه أنه كالمحتسب في ذلك، وكالمرشد للمصلحة، أو لأنهن غُلبن في أنفسهن على سماع النهي؛ لحرارة المصيبة، والله تعالى أعلم.\nوقوله: احثُ في أفواههنّ التراب؛ يدلّ على أنهنّ صرخن؛ إذ لو كان\n_________\n(١) في (ظ) و(ط): الجرب.\n(٢) في النسخ: قوله، والصواب ما أثبتناه.\n(٣) انظره في النهاية لابن الأثير (٣/ ٦٦).","vol":"2","page":588},{"text":"قُلتُ: أَرغَمَ اللهُ أَنفَكَ وَاللهِ مَا تَفعَلُ مَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَمَا تَرَكتَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مِنَ العَنَاءِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: مِنَ العِيِّ.\nرواه البخاري (١٢٩٩)، ومسلم (٩٣٥)، وأبو داود (٣١٢٢)، والنسائي (٤/ ١٥)، وابن ماجه (١٥٨١).\n[٨٠٥]- وَعَن أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَت: أَخَذَ عَلَينَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مع البَيعَةِ أَلا نَنُوحَ،\nــ\nبكاءً بالعين فقط، لما كان لملء أفواههنّ بالتراب معنًى، وليس أمره - ﷺ - للرجل بذلك ليفعله بهن على كل حالٍ، ولكن على طريق أن هذا مما يُسكتهنّ إن فعلنه، فافعله إن أمكنك، وهو لا يمكنك. وفيه دليل على أن المنهي عن المنكر، إن لم ينته عوقب وأُدِّب إن أمكن ذلك، وإلا فالملاطفة فيه أولى إن وقعت.\nوقول عائشة - ﵂ - للرجل: أرغَمَ الله أنفك؛ أي: ألصقه الله بالرغام - وهو التراب -، دعت عليه؛ لأنها فهمت أنه أَحرَجَ رسول الله - ﷺ - بكثرة تكراره عليه وإخباره ببكائهن، ولذلك قالت له: والله ما تفعل ما أمرك به رسول الله - ﷺ -؛ أي: لا تقدر على فعله، لتعذُّره: وما تركتَ رسول الله - ﷺ - من العناء. ولم تُرِد الاعتراض على رسول الله - ﷺ - في أمره.\nووقع في رواية العذري مكان: من العناء من الغيّ - بالغين المعجمة والياء المشدَّدة، الذي هو ضد الرشد، وعند الطبري مثله، إلا أنه بالمهملة. والأول أليق بالمعنى وأصح، وكذلك رواه البخاري.\nوقول أم عطية: أخذ علينا رسول الله - ﷺ - ألا ننوح، دليل على تحريم النياحة، وتشديد المنع فيها؛ لأنها تستجلب الحزن، وتصدّ عن الصبر المحمود.","vol":"2","page":589},{"text":"فَمَا وَفَت مِنَّا امرَأَةٌ إِلا خَمسٌ: أُمُّ سُلَيمٍ، وَأُمُّ العَلاءِ، وَابنَةُ أَبِي سَبرَةَ امرَأَةُ مُعَاذٍ، (أَوِ ابنَةُ أَبِي سَبرَةَ، وَامرَأَةُ مُعَاذٍ).\nوَفِي رِوَايَةٍ: قَالَت أُمُّ عَطِيَّةَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِلا آلَ فُلانٍ فَإِنَّهُم كَانُوا أَسعَدُونِي فِي الجَاهِلِيَّةِ؛ فَلا بُدَّ لِي مِن أَن أُسعِدَهُم. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِلا آلَ فُلانٍ.\nرواه أحمد (٦/ ٤٠٨)، والبخاري (١٣٠٦)، ومسلم (٩٣٦) (٣١ و٣٣)، وأبو داود (٣١٢٧)، والنسائي (٧/ ١٤٨ - ١٤٩).\nــ\nوقولها: فما وفت منّا امرأة إلَاّ خمس، ثم ذكرت ثلاثًا أو أربعًا، قال عياض: معناه: أنه لم يفِ ممن بايع معها على ذلك. وفي كتاب البخاري تكميلهنَّ، فقال: ابنة أبي سبرة، وامرأة معاذ، وامرأتان، أو ابنة أبي سبرة، وامرأة معاذ، وامرأة أخرى.\nوقول أم عطية عند المبايعة: إلا آل فلان، فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية فلا بدّ لي من أن أسعدهم، فقال: إلا آل فلان، أشكل هذا الحديث على العلماء، وكثرت فيه أقوالهم؛ فقيل فيه: إن هذا كان قبل تحريم النياحة. وهذا فاسد بمساق حديث أم عطية هذا، فإن فيه: أن النبي - ﷺ - أخذ عليهن في البيعة: ألا يَنُحن. وذكر النياحة مع الشرك، وألا يعصينه في معروف، فلولا أن النياحة محرمة، لما أكدّ أمرها عليهن، وذكرها في البيعة مع محظورات أخر، ولَمَّا فهمت أم عطية التحريم استثنت.\nوثانيها: أن ذلك خاص بأم عطية. وهذا أيضًا فاسد، فإنه لا يخصّها بتحليل ما كان من قبيل الفواحش كالزنى والخمر.\nوثالثها: أن النهي عن النياحة إنما كان على جهة الكراهة، لا على جهة العزم","vol":"2","page":590},{"text":"[٨٠٦]- وَعَنهَا، قَالَت: كُنَّا نُنهَى عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَلَم يُعزَم عَلَينَا.\nرواه أحمد (٦/ ٤٠٩)، والبخاري (١٢٧٨)، ومسلم (٩٣٨) (٣٤)، وأبو داود (٣١٦٧)، وابن ماجه (١٥٧٧).\n* * *\nــ\nوالتحريم. وهذا أيضًا فاسد بما تقدَّم، وبقوله: أربع في أمتي من أمر الجاهلية. وبقوله: النائحة إذا لم تتب جاءت يوم القيامة وعليها سربالٌ من قطران ودرع من حرب. وهذا وعيد يدل على أنه من الكبائر.\nورابعها: أن قوله - ﷺ -: إلا آل فلان، ليس فيه نص على أنها تساعدهم بالنياحة، فيمكن أنها تساعدهم باللقاء والبكاء الذي لا نياحة فيه، وهذا أشبهُ مِمَّا قبله.\nوخامسها: أن يكون قوله: إلا آل فلان إعادةٌ لكلامها على جهة الإنكار والتوبيخ؛ كما قال للمستأذن حين قال: أنا، فقال - ﷺ -: أنا أنا (١)، منكرًا عليه. ويدل على صحة هذا التأويل ما زاد النسائي في حديثٍ بمعنى حديث أم عطية، فقال: لا إسعاد في الإسلام (٢)؛ أي: على النياحة. والله أعلم.\nوقولها: نُهينا عن اتِّباع الجنائز، ولم يعزم علينا؛ أي: لم يحرم علينا، ولم يُشدّد علينا. وظاهر كلامها أنهن نُهين عن ذلك نَهي تنزيه وكراهة. وإلى منع ذلك صار جمهور العلماء لهذا النهي، ولقوله - ﵊ -: ارجعنَ مأزورات غير مأجورات (٣). وإليه ذهب ابن حبيب، وكرهه مالك للشابة، وفي الأمر\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٢٥٠)، ومسلم (٢١٥٥)، وأبو داود (٥١٨٧)، والترمذي (٢٧١٢)، وابن ماجه (٣٧٥٩) من حديث جابر ﵁.\n(٢) رواه أحمد (٣/ ١٩٧)، والنسائي (٤/ ١٦) من حديث أنس ﵁.\n(٣) رواه ابن ماجه (١٥٧٨) من حديث علي ﵁.","vol":"2","page":591},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-311>(٧) باب الأمر بغسل الميت وكيفيته</span>\n[٨٠٧]- عَن أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَت: دَخَلَ عَلَينَا النَّبِيُّ - ﷺ - وَنَحنُ نَغسِلُ ابنَتَهُ، فَقَالَ: اغسِلنَهَا ثَلاثًا أَو خَمسًا، أَو أَكثَرَ مِن ذَلِكَ إِن رَأَيتُنَّ ذَلِكَ،\nــ\nالمستننكر، وأجازه إذا لم يكن ذلك، وأجازه علماء المدينة؛ لقولها: ولم يعزم علينا، والله تعالى أعلم.\n(٧) ومن باب: الأمر بغسل الميت\nقوله ﷺ اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا، أو أكثر من ذلك إن رأيتنّ، لا خلاف في أن المَيِّت مشروع ومعمول به في الشريعة، لكن اختُلف في حُكمه؛ فقيل الوجوب، وقيل سنة مؤكدة، والقولان في المذهب، وسبب الخلاف فيه هو أن هذا الأمر هل المقصود به بيان حكم الغسل فيكون واجبًا؟ أو المقصود به تعليم كيفية الغسل فلا يكون فيه ما يدل على الوجوب؟ وقد قال بعض أصحابنا: إن قوله في هذا إن رأيتنّ ذلك يقتضي إخراج ظاهر الأمر بالغسل عن الوجوب؛ لأنه قد فوّضه إلى نظرهنّ، وردّ هذا التقييد إلى الأمر بالغسل، وهذا فيه بُعد، بل السابق للفهم عود هذا الشرط إلى الأقرب له وهو أكثر من ذلك، أو إلى التخيير في الأعداد السابقة، والأول أظهر. والظاهر من هذا الأمر أنه أمر تعليم، ولم يقصد به تقعيد قاعدة حُكم الغسل فلا يُتمسَّك بظاهره، فالأولى أن غسل الميت سنة ثابتة (١) نقلت بالعمل، والله تعالى أعلم.\nوهذا الحديث يقتضي استحباب الأوتار في غسل الميت، وأن أقلَّ ذلك\n_________\n(١) في (ع): ظاهرة.","vol":"2","page":592},{"text":"بِمَاءٍ وَسِدرٍ،\nــ\nثلاثٌ، وليس لذلك عند مالك وبعض أصحابه حدٌّ لازم يُقتصر عليه، لكنه يُنقى ويُغسل جميعُه، وإليه يرجع قول الشافعي وغيره من العلماء. وصَرف الأمر إلى اجتهاد الغاسل إنما هو بحسب ما يراه زيادة في الإنقاء والاحتياج إلى ذلك، وكذلك إذا خرج من الميت شيء بعد غسله أعاد غسله، وقد جاء في الرواية الأخرى أو سبعًا، أو أكثر من ذلك، قال أبو عمر بن عبد البر: لا نعلم أحدًا من العلماء قال بمجاوزة سبع غسلات في غسل الميت. قال أبو الفضل عياض: وإن خرج منه شيء بعد السبع غسل الموضع وحده، قال مالك وأبو حنيفة وجماعة من المالكية، قالوا: وحكمه حكم الجنب إذا أحدث بعد غسله. ومنهم من قال: يُوضأ إذا خرج منه شيء بعد الثالثة.\nوقوله بماء وسدر احتج بهذا ابن شعبان ومن يجيز غسله بماء الورد وبالماء المضاف، قال ابن الفرضي: وإنما يكره غسل الميت بماء القرنفل وماء الورد من ناحية السرف، وإلا فهو جائز؛ إذ لا يُغسل ليطهر، بل هو إكرام للقاء الملكين. والجمهور على أن غسله بذلك لا يجوز، وأن ذلك لا يُفهم من الحديث، لكنه عندهم محمول على أن يُغسل أولا بالماء القَرَاح فتتم الطهارة، وفي الثانية بالماء والسدر للتنظيف، ثم قال في الثالثة بالماء والكافور للتطييب والتجفيف. قال عياض: وهذا حقيقة مذهب مالك، وحكاه ابن حبيب وقال: بل يُبدأ بالماء والسدر، ثم بالماء القراح. وقال أبو قلابة مثله، لكنه قال: ويُحسب هذا غسلة واحدة. وذهب أحمد إلى أن الغسلات كلها تكون بالماء والسدر على ظاهر الحديث.\nقلت: ويمكن أن يُجعل السدر في الماء، ويُخضخض حتى تخرج رغوته، ثم يُدلك جسد الميت ليبالغ في إزالة أدرانه، ثم يُصبّ الماء عليه، كما يحتال في قلع ما يعسر قلعه من الأدران بالغاسول، ويكون هذا في أول غسله كما قاله","vol":"2","page":593},{"text":"وَاجعَلنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا أَو شَيئًا مِن كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغتُنَّ فَآذِنَّنِي. فَلَمَّا فَرَغنَا آذَنَّاهُ، فَأَلقَى إِلَينَا حَقوَهُ فَقَالَ: أَشعِرنَهَا إِيَّاهُ.\nــ\nابن حبيب، والله أعلم. فإن لم يُوجد سدر فغيره من الغاسول مما يتنزّل منزلته يكفي عند كافة العلماء، وروي عن عائشة - ﵂ - في غسل رأس المَيِّت بالخِطمي نهيٌ.\nوقوله واجعلن في الآخرة كافورًا؛ يعني في الغسلة الآخرة، وعلى هذا جماعة العلماء إلا أبا حنيفة والأوزاعي، فإنهما رأيا أن ذلك في الحنوط لا في الغسل. وفائدة تخصيص الكافور تبريده وتجفيفه ومنعه سرعة التغيّر وقوة رائحته وسطوعها، فإن عدم قام غيره من الطيب مقامه، وهذا كله إكرام للميت وإعداد له للقاء الملائكة الكرام، والله تعالى أعلم.\nوقوله فألقى إلينا حَقوَه فقال: أَشعِرنَها إيَّاه، الحقو - بالفتح - هو المعروف من كلام العرب، وقالته هذيل بكسر الحاء، وأصله معقد الإزار، وجمعه أَحقٍ وأحقاء وحُقِيّ؛ كدَلو وأدلاء ودُلِيّ. وهو في هذا (١) الحديث الإزار، وهو المئزر الذي يُشد على الحقو، فسمي باسم الحقو على التوسُّع، كما تقول العرب: عذت بحقو فلان - أي استجرت به.\nوأشعرنها؛ أي: اجعلنه مما يلي جسدها، والشعار الثوب الذي يلي الجسد، والدثار الذي يلي الشعار، وقد قال النبي - ﷺ - للأنصار: أنتم شعار، والناس دثار (٢) - كناية عن القرب والاتصال بهم.\nواختلف في كيفية جعل هذا الإزار عليها؛ فقال ابن وهب: يُجعل لها مِئزرًا. وقال ابن القاسم: تُلفَّف فيه ولا تُؤزر - وهو قول ابن سيرين\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) رواه البخاري (٤٣٣٠)، ومسلم (١٠٦١) من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم ﵁.","vol":"2","page":594},{"text":"وفي رواية قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ حين توفيت ابنته فقال: اغسلنها. . . الحديث.\nوَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: اغسِلنَهَا ثَلاثًا أَو خَمسًا أَو سَبعًا، أَو أَكثَرَ مِن ذَلِكِ.\nوَقَالَت أُمُّ عَطِيَّةَ: مَشَطنَاهَا ثَلاثَةَ قُرُونٍ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: قَرنَيهَا وَنَاصِيَتَهَا.\nــ\nوابن جريج. وقال النخعي: الحقو فوق الدرع. وقال ابن علية: الحقو النطاق، سَبَتيَّة طويلة يُجمع بها فخذاها تحصينًا لها، ثم تُلَفّ على عجزها. وفعل النبي - ﷺ - ذلك لتنالها بركة ثوبه، وفيه جواز تكفين النساء في ثياب الرجال.\nوقول أم عطية مَشطناها ثلاثة قُرون، قال بهذا الشافعي وأحمد وإسحاق وابن حبيب، وقال الأوزاعي: لا يجب المشط. ولم يعرف ابن القاسم الضفر، وقال: يُلفُّ. وقال أبو حنيفة: يُكره ذلك، ولكن ترسله الغاسلة غير مضفور بين ثدييها دون تسريح. وسبب هذا الخلاف هو أن الفعل الذي فعلته أم عطية هل هي مستندة في ذلك إلى إذن النبي - ﷺ - أو هو شيء رأته ففعلته استحسانًا ووافقتها من كان هناك من النساء ولم يعلم بذلك النبي ﷺ؟ وكلاهما محتمل، والأصل أن لا يُفعل في الميت شيء من جنس القرب إلا بإذنٍ من الشرع محقّق، ولم يَرِد ذلك مرفوعًا عن النبي ﷺ، والله أعلم.\nوقولها قرنيها وناصيتها، وفي البخاري فألقيناها خلفها، قال أبو الفرج بن الجوزي: وعندنا أن السنة أن يُضفر شعر الميِّتة ثلاثة قرون ويُلقى خلفَها.","vol":"2","page":595},{"text":"وَفِي أُخرَى قَالَ: ابدَأنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنهَا.\nرواه أحمد (٦/ ٤٠٧ و٤٠٨)، والبخاري (١٣٥٢)، ومسلم (٩٣٩) (٣٦ و٣٩ و٤٠ و٤١)، وأبو داود (٣١٤٢ - ٣١٤٦)، والترمذي (٩٩٠)، والنسائي (٤/ ٢٨)، وابن ماجه (١٤٥٧).\n* * *\nــ\nوقوله ابدأنَ بميامنها ومواضع الوضوء منها يدل على استحباب وضوء الميت، وهو حجة لنا وللشافعي على أبي حنيفة فإنه لا يراه. واختلف عندنا متى يوضأ؟ هل في المرة الأولى أو في الثانية أو فيهما؟ (١) والابتداء بالميامن على أصل الشريعة في استحباب ذلك في العبادات، وقد أخذ الحسن من هذا الحديث أن النساء أحقُّ بغسل المرأة من الزوج، وأنه لا يغسلها إلا عند عدمهن. والجمهور من الفقهاء وأئمة الفتوى على خلافه، وأنه أحقُّ. وذهب الشعبي والثوري وأصحاب الرأي إلى أنه لا يغسلها جُملة، وأجمعوا على غسل الزوجة زوجَها، وجمهورهم على أنه أحقّ من الأولياء. وقال سحنون: الأولياء أحقُّ. ولم يُنبِّه النبي - ﷺ - أم عطية على الغُسل من غَسل الميت، وهو موضع تعليم، فلو كان واجبًا لبينه هنا (٢). وقد روى أبو داود من حديث أبي هريرة مرفوعًا: مَن غسَّل ميتًا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ (٣). قال: اختُلف في إسناد هذا الحديث، وحمله الفقهاء على الاستحباب لا على الوجوب. واختلف في المقصود بهذا الغسل؛ فقيل: ليكون على يقين من طهارة جسده لما يُخاف أن يطير عليه من رشاش غسل الميت. وقيل: لأنه إذا عزم على الاغتسال كان أبلغ في غُسله، وأحرى ألا يتحفّظ مما يصيبه، فيبالغ في إنقائه وتنظيفه. قال الخطابي:\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٢) ساقط من (ع).\n(٣) رواه أبو داود (٣١٦١)، والترمذي (٩٩٣).","vol":"2","page":596},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-312>(٨) باب في تكفين الميت وتسجيته، والأمر بتحسين الكفن</span>\n[٨٠٨]- عَن خَبَّابِ بنِ الأَرَتِّ قَالَ: هَاجَرنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي سَبِيلِ اللهِ نَبتَغِي وَجهَ اللهِ، فَوَجَبَ أَجرُنَا عَلَى اللهِ، فَمِنَّا مَن مَضَى لَم يَأكُل مِن أَجرِهِ شَيئًا، مِنهُم مُصعَبُ بنُ عُمَيرٍ قُتِلَ يَومَ أُحُدٍ فَلَم يُوجَد لَهُ شَيءٌ\nــ\nلا أعلم أحدًا قال بوجوب الغسل منه. وقال إسحاق: أما الوضوء فلا بد منه - ونحوه قال أحمد.\nوهذه البنت التي ماتت للنبي - ﷺ - هي زينب على ما جاء في الأم (١)، وقيل: هي أم كلثوم - على ما جاء في كتاب أبي داود من حديث ليلى بنت قَانِف الثقفية (٢).\n(٨) ومن باب: تكفين الميت\nقول خباب فوجَب أجرنا على الله؛ أي: بما وعد به من هاجر بقوله الصدق ووعده الحق، لا بالعقل؛ إذ لا يجب على الله شيء عقلا ولا وضعًا.\nوقوله فمنا من مضى لم يأكل من أجره شيئًا؛ أي: منا من مات على الحال التي هاجر عليها من الفقر ومجانبة زهرة الدنيا وطيباتها، فذلك الذي سلم له أجر عمله كله، فرأى أن نيل طيبات الدنيا ينقص من ثواب الأعمال الصالحة فيها.\n_________\n(١) صحيح مسلم (٩٣٩/ ٤٠).\n(٢) سنن أبي داود (٣١٥٧).","vol":"2","page":597},{"text":"يُكَفَّنُ فِيهِ إِلا نَمِرَةٌ، فَكُنَّا إِذَا وَضَعنَاهَا عَلَى رَأسِهِ خَرَجَت رِجلاهُ، وَإِذَا وَضَعنَاهَا عَلَى رِجلَيهِ خَرَجَ رَأسُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ضَعُوهَا مِمَّا يَلِي رَأسَهُ، وَاجعَلُوا عَلَى رِجلَيهِ من الإِذخِر. وَمِنَّا مَن أَينَعَت لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهوَ يَهدِبُهَا.\nرواه البخاري (١٢٧٦)، ومسلم (٩٤٠)، وأبو داود (٢٨٧٦)، والترمذي (٣٨٥٢)، والنسائي (٤/ ٣٨).\nــ\nوقد قال في البخاري في هذا الحديث: لقد خشيت أن تكون عجلت لنا طيباتُنا في حياتنا الدنيا (١).\nوقوله ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها؛ أي أدركت ونضُجت، يقال: يَنع الثمر وأينع إذا أدرك طيبه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَنعِهِ﴾ ويهدبها؛ أي: يجتنيها ويقطفها، يقال منه: هَدَب، يهدُب، ويهدِب، هَدبًا. والنَّمِرَة: كساءٌ ملمعٌ، وقيل أسود.\nوقد يُستدَلُّ بهذا الحديث على أن الكفن من رأس المال، وهو قول عامّة علماء الأمة إلا ما حُكي عن طاووس أنه من الثلث إن كان المال قليلا، وإلا ما حُكي عن بعض السلف أنه من الثلث على الإطلاق، ولم يتابعا على هاتين المقالتين.\nوفيه: أن الكفن إذا ضاق عن الميت كان تغطية وجهه ورأسه أولى؛ إكرامًا للوجه وسترًا لما يظهر عليه من تغيُّر محاسنه، وإن ضاق عن الوجه والعورة بدئ بستر العورة.\nوتكفين الميت المسلم واجب عند العلماء، فإن كان له مال فمن رأس ماله على ما تقدّم، وإن لم يكن له مال فمن بيت المال أو على جماعة المسلمين.\nواختلف أصحابنا؛ هل يلزم ذلك من كان تلزمه نفقته في حياته أم لا؟ والوتر في الكفن مستحب عند كافة العلماء، وكلهم مجمعون على أنه ليس فيه حدٌّ واجب.\n_________\n(١) رواه البخاري (١٢٧٤).","vol":"2","page":598},{"text":"[٨٠٩]- وَعَن عَائِشَةَ قَالَت: كُفِّنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي ثَلاثَةِ أَثوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ مِن كُرسُفٍ، لَيسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلا عِمَامَةٌ، أَمَّا الحُلَّةُ فَإِنَّمَا شُبِّهَ عَلَى النَّاسِ فِيهَا أَنَّهَا اشتُرِيَت لَهُ لِيُكَفَّنَ فِيهَا، فَتُرِكَتِ الحُلَّةُ وَكُفِّنَ فِي\nــ\nوقولها كُفن رسول الله - ﷺ - في ثلاثة أثواب بيض سَحُوليَّة يدلّ على استحباب البياض في الكفن، وقد قال ﷺ: إن من خير ثيابكم البياض، فكفنوا فيها موتاكم (١). والكفن في غيره جائز، ومن أطلق عليه أنه مكروه فمعناه أن البياض أولى. واختلف قول مالك في المُعَصفَر؛ فمرَّةً كرهه لأنه مصبوغ يُتَجمَّل به، وليس بموضع تجمُّل، وأجازه أخرى لأنه من الطيب ولكثرة لباس العرب له. وسحولية: روايتنا فيه بفتح السين، وهي منسوبة إلى سَحول قرية باليمن. وفي الصحاح: السَّحل الثوب الأبيض من الكرسف من ثياب اليمن، ويُجمع سُحُول وسُحُل، قال: ويقال سَحول موضع باليمن، والسحولية منسوبة إليه. وقد كره مالك وعامة العلماء التكفين في ثياب الحرير للرجال والنساء، وأجازه ابن حبيب للنساء خاصة (٢).\nوقولها ليس فيها قميص ولا عمامة حمله الشافعيّ على أن ذلك ليس بموجود في الكفن، فلا يُقَمَّص. وحمله مالك على أنه ليس بمعدود فيه وأن العمامة والقميص زائدان على الثلاثة الأثواب. ويحتمل إن كانا موجودين، ولم يعدَّهما الراوي، فيقمّص ويُعمَّم. وهو قول مُتقدِّمِي أصحابه؛ ابن القاسم وغيره، وهو قول أبي حنيفة. وحكى ابن القصار أن القميص والعمامة غير مستحبين عند مالك، ونحوه عن ابن القاسم، وعلى هذا فيدرج في الثلاثة الأثواب إدراجًا.\nوقولها أما الحُلَّة فإنّما شُبِّه على الناس فيها، قال الخليل: الحلَّة\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٢٤٠).\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"2","page":599},{"text":"ثَلاثَةِ أَثوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ، فَأَخَذَهَا عَبدُ اللهِ بنُ أَبِي بَكرٍ فَقَالَ: لأحبِسَنَّهَا حَتَّى أُكَفِّنَ فِيهَا نَفسِي! ثُمَّ قَالَ: لَو رَضِيَهَا اللهُ لِنَبِيِّهِ لَكَفَّنَهُ فِيهَا! فَبَاعَهَا وَتَصَدَّقَ بِثَمَنِهَا.\nرواه أحمد (٦/ ٤٠ و٢٣١)، والبخاري (١٢٧١)، ومسلم (٩٤١)، وأبو داود (٣١٥١)، والترمذي (٩٦٩)، والنسائي (٤/ ٣٥)، وابن ماجه (١٤٦٩).\n[٨١٠]- وَعَنهَا قَالَت: سُجِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حِينَ مَاتَ بِثَوبِ حِبَرَةٍ.\nرواه أحمد (٦/ ١٥٣ و٢٦٩)، والبخاري (٥٨١٤)، ومسلم (٩٤٢)، وأبو داود (٣١٢٠).\nــ\nضرب من برود اليمن. وقال أبو عبيد: هي برود اليمن. والحلة إزار ورداء، لا تسمَّى حُلَّةً حتى يكونا ثوبين.\nوقولها سُجِّيَ رسول الله - ﷺ - بثوب حِبَرَة، سُجِّي أي غطي، والتسجية مما مضى بها العمل، وهي سترة الميَّت لما أصابه من التغير.\nوالحِبَرَة من برود اليمن.\nوقولها في الأم: أدرج في حلَّة يمنية، ثم نزعت عنه (١) - تعني: وبعد ذلك كُفن في الثلاثة الأثواب، اختلف الرواة في هذا اللفظ؛ فعند العذري يمنيَّة، وعند الصدفي يمانيَة، وكلاهما منسوب إلى اليمن. وعند الفارسي حلَّةٌ يَمنَةُ بتنوين حلّة ورفع يَمنَة وإسكان الميم وفتح النون، ويقال بحذف التنوين من\n_________\n(١) الحديث في صحيح مسلم رقم (٩٤١/ ٤٦).","vol":"2","page":600},{"text":"[٨١١]- وَعَن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللهِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَطَبَ يَومًا فَذَكَرَ رَجُلا مِن أَصحَابِهِ قُبِضَ فَكُفِّنَ فِي كَفَنٍ غَيرِ طَائِلٍ وَقُبِرَ لَيلا، فَزَجَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَن يُقبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيلِ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيهِ، إِلا أَن يُضطَرَّ إِنسَانٌ إِلَى\nــ\nحلّة وإضافتها.\nواختلف في القميص الذي غُسِّل فيه النبي - ﷺ - الذي نُهوا عن نزعه (١)؛ فقال بعض العلماء: إنه نُزع عنه حين كُفِّن وسُتِر بالأكفان؛ لأنه كان مبلولا، ولا يتفق تكفينه فيه كذلك. قد ذكر أبو داود عن ابن عباس: كُفن النبي - ﷺ - في ثلاثة أثواب نجرانية (٢)؛ الحلَّة - ثوبان، وقميصه الذي مات فيه (٣). وهذا مخالف لحديث عانشة ﵂ المتقدم، وقد نصَّت على أنه لم يكفن في الحلَّة.\nوقولها ليس فيها قميص ولا عمامة محتمل لما ذكرناه، والله أعلم.\nوقوله في كفن غير طائل؛ أي لا خطر له ولا قيمة، أو لا سترَ فيه ولا كفاية، أو لا نظافة له ولا نقاوة.\nوقوله زجر النبي - ﷺ - أن يقبر الرجل بالليل أخذ به الحسن، فكره أن يقبر الرجل بالليل إلا لضرورة. وذهب الجمهور إلى جواز ذلك، وكأنهم رأوا أن ذلك النهي خاصٌّ بذلك الرجل لئلا تفوته صلاة النبي ﷺ. وقيل: يمكن أن يقصدوا بدفنه بالليل ستر إساءة ذلك الكفن الغير طائل. قال الشيخ ﵀: وهذه التأويلات فيها بُعد، ولا تصلح لدفع ذلك الظاهر؛ لأن النبي - ﷺ - إنما صدر عنه النهي المطلق بعد دفن الرجل بالليل، فقد تناول النهي غيره قطعًا؛ فتأمّله!\nويمكن أن يعضد مذهب الحسن بأنه إن قبر ليلا قلّ المصلُّون عليه؛ لأن عادة\n_________\n(١) انظر: البداية والنهاية (٥/ ٢٦٠) طبعة المعارف، بيروت. وأبو داود (٣١٤١)، والموطأ: جنائز: ٢٧.\n(٢) من سنن أبي داود.\n(٣) رواه أبو داود (٣١٥٣).","vol":"2","page":601},{"text":"ذَلِكَ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُم أَخَاهُ فَليُحَسِّن كَفَنَهُ.\nرواه أحمد (٣/ ٢٩٥ و٣٢٩)، ومسلم (٩٤٣)، وأبو داود (٣١٥٠)، والترمذي (٩٩٥).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-313>(٩) باب الإسراع بالجنازة، وفضل الصلاة عليها، واتباعها</span>\n[٨١٢]- عَن أَبِي هُرَيرَة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَسرِعُوا بِالجَنَازَةِ، فَإِن تَكُ صَالِحَةً فَخَيرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيهِ، وَإِن تَكُ غَيرَ ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَن رِقَابِكُم.\nرواه أحمد (٢/ ٢٢٠) والبخاري (١٣١٥)، ومسلم (٩٤٤) (٥٠)، وأبو داود (٣١٨١)، والترمذي (١٠١٥)، والنسائي (٤/ ٤٨)، وابن ماجه\n(١٤٧٧).\nــ\nالناس في الليل ملازمة بيوتهم، ولا يتصرَّفون فيه، ولأنه إذا قبر في الليل تسومح في الكفن؛ لأن الليل يستره. ودلّ على صحَّته قوله ﷺ في آخره: إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه - ضبطه أبو بحر كفنه بسكون الفاء، وغيره بفتحها يعني الكفن نفسه، وهو الأولى، والله أعلم.\n(٩) ومن باب: الإسراع بالجنازة\nقوله ﷺ أسرعوا بالجنازة؛ أي: أسرِعوا بحملها إلى قبرها في مشيِكم، يدلّ عليه قوله في آخره فخيرٌ تقدمونها إليه، أو شرٌّ تضعونه عن رقابكم، وقيل: يعني به الإسراع بتجهيزها بعد موتها لئلا تتغير. قال الشيخ ﵀:","vol":"2","page":602},{"text":"[٨١٣]- وَعَنهُ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: مَن صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ وَلَم يَتبَعهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، فَإِن تَبِعَهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ. قِيلَ: وَمَا القِيرَاطَ؟ قَالَ: أَصغَرُهُمَا مِثلُ أُحُدٍ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٧٠)، والبخاري (١٣٢٥)، ومسلم (٩٤٥) (٥٣)، وأبو داود (٣١٦٨)، والترمذي (١٠٤٠)، والنسائي (٤/ ٧٦ - ٧٧)، وابن ماجه (١٥١٧).\nــ\nوالأول أظهر. ثم لا يبعد أن يكون كل واحد منهما مطلوبًا؛ إذ مقتضاه مُطلقُ الإسراع، فإنه لم يُقيِّده بقيد، والله أعلم. ثم على الأول فذلك الإسراع يكون في رفق ولطف، فإنه إن لم يكن كذلك تعب المتبع، ولعلّه يضعف عن كمال الاتباع، وانخرقت حرمة الميت لكثرة تحريكه، وربما يكون ذلك سبب خروج شيء منه فيتلطَّخ به، فيكون ذلك نقيض المقصود الذى هو النظافة. ومقصود الحديث ألا يتباطأَ في حمله بالمشي فيُؤَخر عن خير يقدم به عليه، أو يستكثر من حمل الشرّ إن كان من أهله، ولأن المبطِّئ في مشيه يخاف عليه الزهو والتكبر، وهذا قول الجمهور.\nوقد تضمن هذا الحديث الأمر بحمل الميت إلى قبره، وهو واجب على الكفاية إن لم يكن له مال يحمل منه.\nوالجنازة: بفتح الجيم وكسرها، لغتان للميت، والكسر أفصح - قاله القتبي. وقال أبو علي: بالكسر السرير الذي يحمل عليه الميت، قال ابن دريد: جَنَزتُ الشيء سترته، ومنه سمي الميت جنازة لأنه يُستر. وعن ابن الأعرابي: الفتح للميت، والكسر للنعش.\nوالقيراط: اسم لمقدار معلوم في العرف، وهو جزء من أربعة وعشرين","vol":"2","page":603},{"text":"[٨١٤]- وَعَن سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ كَانَ قَاعِدًا عِندَ عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ إِذ طَلَعَ خَبَّابٌ صَاحِبُ المَقصُورَةِ، فَقَالَ: يَا عَبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ، أَلا تَسمَعُ مَا يَقُولُ أَبُو هُرَيرَةَ؟ إنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: مَن خَرَجَ مَعَ جَنَازَةٍ مِن بَيتِهَا وَصَلَّى عَلَيهَا ثُمَّ تَبِعَهَا حَتَّى تُدفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ مِن الأَجرٍ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثلُ أُحُدٍ، وَمَن صَلَّى عَلَيهَا ثُمَّ رَجَعَ كَانَ لَهُ مِنَ الأَجرِ مِثلُ أُحُدٍ. فَأَرسَلَ ابنُ عُمَرَ خَبَّابًا إِلَى عَائِشَةَ يَسأَلُهَا عَن قَولِ أَبِي هُرَيرَةَ ثُمَّ يَرجِعُ إِلَيهِ فَيُخبِرُهُ مَا قَالَت، وَأَخَذَ ابنُ عُمَرَ قَبضَةً مِن حَصبَاءِ المَسجِدِ يُقَلِّبُهَا فِي يَدِهِ، حَتَّى رَجَعَ إِلَيهِ الرَّسُولُ فَقَالَ: قَالَت عَائِشَةُ: صَدَقَ أَبُو هُرَيرَةَ! فَضَرَبَ ابنُ عُمَرَ بِالحَصى الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ الأَرضَ ثُمَّ قَالَ: لَقَد فَرَّطنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ.\nرواه مسلم (٩٤٥) (٥٦)، وأبو داود (٣١٦٩).\n* * *\nــ\nجزءًا، وقد يراد به الجزء مطلقًا، ويكون عبارة عن الحظ والنصيب، ألا ترى أنه قال كلُّ قيراط مثل أحد.\nومقصود هذا الحديث أن من صلّى على جنازة كان له حظ عظيم من الثواب والأجر، فإن صلّى عليها واتَّبعها كان له حظَّان عظيمان من ذلك؛ إذ قد عمل عملين، أحدهما: صلاته، والثاني: كونه معه إلى أن يدفن.\n* * *","vol":"2","page":604},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-314>(١٠) باب الاستشفاع للميت، وأن الثناء عليه شهادة له، وأنه مستريح ومستراح منه</span>\n[٨١٥]- عَن عَائِشَةَ أن النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: مَا مِن مَيِّتٍ يُصَلِّي عَلَيهِ أُمَّةٌ مِنَ المُسلِمِينَ يَبلُغُونَ مِائَةً كُلُّهُم يَشفَعُونَ لَهُ إِلا شُفِّعُوا فِيهِ.\nرواه أحمد (٦/ ٣٢ و٤٠)، ومسلم (٩٤٧)، والترمذي (١٠٢٩)، والنسائي (٤/ ٧٥ - ٧٦).\n[٨١٦]- وعَن عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ مَاتَ ابنٌ لَهُ بِقُدَيدٍ أَو بِعُسفَانَ، فَقَالَ: يَا كُرَيبُ، انظُر مَا اجتَمَعَ لَهُ مِنَ النَّاسِ! قَالَ: فَخَرَجتُ فَإِذَا نَاسٌ قَدِ اجتَمَعُوا لَهُ، فَأَخبَرتُهُ، فَقَالَ: تَقُولُ هُم أَربَعُونَ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: أَخرِجُوهُ؛ فَإِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: مَا مِن رَجُلٍ مُسلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَربَعُونَ رَجُلا لا يُشرِكُونَ بِاللهِ شَيئًا إِلا شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ.\nرواه أحمد (١/ ٢٧٧)، ومسلم (٩٤٨)، وأبو داود (٣١٧٠)، وابن ماجه (١٤٨٩).\nــ\n(١٠) ومن باب: الاستشفاع للميت\nقوله ﷺ من صلّى عليه مائةٌ من المسلمين شُفِّعوا فيه، وفي الحديث الآخر أربعون، قيل: سبب هذا الاختلاف اختلاف السؤال، وذلك أنه سئل مرَّة عمَّن صلّى عليه مائةٌ واستشفعوا له، فقال: شفعوا. وسئل مرَّة أخرى عمَّن صلّى عليه أربعون فأجاب بذلك، ولو سئل عن أقلَّ من ذلك لقال ذلك - والله أعلم - إذ قد يستجاب دعاء الواحد ويقبل استشفاعه، وقد روي عنه - ﷺ - أنه قال:","vol":"2","page":605},{"text":"[٨١٧]- وعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: مُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثنِيَ عَلَيهَا خَير، فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ: وَجَبَت، وَجَبَت، وَجَبَت. وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثنِيَ عَلَيهَا شَرّ، فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ: وَجَبَت، وَجَبَت، وَجَبَت. فقَالَ عُمَرُ: فِدًاكَ أَبِي وَأُمِّي، مُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثنِيَ عَلَيهَا خَيرٌ فَقُلتَ: وَجَبَت، وَجَبَت، وَجَبَت. وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثنِيَ عَلَيهَا شَرٌّ فَقُلتَ: وَجَبَت، وَجَبَت، وَجَبَت! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَن أَثنَيتُم عَلَيهِ خَيرًا وَجَبَت لَهُ الجَنَّةُ، وَمَن أَثنَيتُم عَلَيهِ شَرًّا وَجَبَت لَهُ النَّارُ، وأَنتُم شُهَدَاءُ اللهِ فِي الأَرضِ، أَنتُم شُهَدَاءُ اللهِ فِي الأَرضِ، أَنتُم شُهَدَاءُ اللهِ فِي الأَرضِ.\nــ\nمَن صلّى عليه ثلاثة صفوف شُفِّعوا له - (١) ولعلهم يكونون أقلَّ من أربعين.\nوقوله أنتم شهداء الله في الأرض، قال الداودي: معنى هذا عند الفقهاء إذا أثنى عليه أهل الفضل والصدق؛ لأن الفَسَقَة قد يُثنون على الفاسق فلا يدخل في الحديث، ولذلك لو كان القائل فيه عدوًّا له وإن كان فاضلا؛ لأن شهادته له في حياته كانت غير مقبولة له وعليه وإن كان عدلا. وقيل: ذلك فيمن علم الله أنه لا يحمله الحسد والعداوة أو فرط المحبة وكثرة الإطراء والغلو المذموم فيقول ما ليس فيه من خير أو شر، ولكن إنما ذلك لمن وفّق الله له من يقول قولا عدلا بما علمه ممن يريد به الله، فيوجب الله له ما قالاه، وهو الذي وفقهما الله له وسبق له في علمه تعالى. وربما قَبِل علمهما وترك علمه من سريرته فلم يؤاخذه به إذا كان مسلمًا تفضُّلا منه تعالى وسترًا عليه وتحقيقًا لظنِّهم. وقال بعضهم: في تكرار أنتم شهداء الله في الأرض ثلاثًا إشارة إلى أن القرون الثلاثة الذين قال - ﷺ - فيهم: خير أمَّتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين\n_________\n(١) رواه البيهقي في شعب الإيمان (٩٢٥٢) من حديث ميمونة.","vol":"2","page":606},{"text":"رواه أحمد (٣/ ١٨٦ و٢٤٥)، والبخاري (٢٦٤٢)، ومسلم (٩٤٩)، والنسائي (٤/ ٤٩ - ٥٠)، والترمذي (١٠٥٨)، وابن ماجه (١٤٩١).\n[٨١٨]- وعَن أَبِي قَتَادَةَ بنِ رِبعِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَهُ مُرَّ عَلَيهِ بِجَنَازَةٍ فَقَالَ: مُستَرِيحٌ وَمُستَرَاحٌ مِنهُ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا المُستَرِيحُ وَالمُستَرَاحُ مِنهُ؟ فَقَالَ: العَبدُ المُؤمِنُ يستَرِيحُ مِن نَصَبِ الدُّنيَا، وَالعَبدُ الفَاجِرُ تستَرِيحُ مِنهُ العِبَادُ وَالبِلادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ.\nــ\nيلونهم (١). والأظهر فيه التأكيد على ما تقرَّر من أنه - ﷺ - كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا حتى تُفهم عنه (٢).\nوقوله ﷺ من أثنيتم عليه شرًّا وجبت له النار يشكل بالنهي عن سبِّ الموتى، ولقوله: اذكروا محاسنَ موتاكم، وكفّوا عن مساوئهم (٣). وقد انفصل عنه من أوجه؛\nأحدها: أن هذا الذي تحدث عنه بالشرِّ كان مستظهرًا له ومشهورًا به، فيكون ذلك من باب لا غيبة لفاسق (٤).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٦٥٠)، ومسلم (٢٥٣٥)، وأبو داود (٤٦٥٧)، والترمذي (٢٣٠٣)، والنسائي (٧/ ١٧ - ١٨).\n(٢) ساقط من (ع)، واستدرك من (هـ) و(ظ).\n(٣) رواه أبو داود (٤٩٠٠)، والترمذي (١٠١٩)، والحاكم (١/ ٣٨٥) من حديث ابن عمر ﵄.\n(٤) انظره في كشف الخفاء (٢/ ٣٦٦).","vol":"2","page":607},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: يَستَرِيحُ مِن أَذَى الدُّنيَا وَنَصَبِهَا إِلَى رَحمَةِ اللهِ.\nرواه أحمد (٥/ ٢٩٦ و٣٠٤)، والبخاري (٦٥١٢)، ومسلم (٩٥٠)، والنسائي (٤/ ٤٨).\n* * *\nــ\nوثانيها: أن محمل النهي إنما هو فيما بعد الدّفن، وأما قبله فمسوغ ليتَّعظ به الفسّاق، وهذا كما يكره لأهل الفضل الصلاة على المعلن بالبدع والكبائر.\nوثالثها: أن الذي أثنى عليه الصحابة بالشرِّ يحتمل أن يكون من المنافقين، ظهرت عليه دلائل النفاق فشهدت الصحابة بما ظهر لهم، ولذلك قال ﷺ وجبت له النار، والمسلم لا تجب له النار، وهذا هو مختار عياض.\nورابعها: أن يكون النهي عن سبّ الموتى متأخرًا عن هذا الحديث، فيكون ناسخًا.\nوالثناء - ممدود، مقدَّم الثاء المثلثة على النون - إنما يقال في الخير غالبًا، والذي يقال في الشر هو النثى - بتقديم النون وتأخير الثاء والقصر، إلا أن هذا الحديث جاء في الثناء في الشرِّ لمطابقته للفظ (١) الثناء في الخير.\n* * *\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"2","page":608},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-315>(١١) باب الأمر بالصلاة على الميت، وكيفية الصلاة عليه، وكم التكبيرات</span>\n[٨١٩]- عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنَّ أَخًا لَكُم قَد مَاتَ، فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَيهِ! قال: فَقُمنَا فَصَفَّنَا صَفَّينِ - يَعنِي النَّجَاشِي.\nرواه أحمد (٣/ ١٥٥)، ومسلم (٩٥٢) (٦٦)، والنسائي (٤/ ٧٠).\nــ\n(١١) ومن باب: الأمر بالصلاة على الميت\nقوله ﷺ إنّ أخًا لكم قد مات، فقوموا فصَلّوا عليه دليل على وجوب الصلاة على الميت المسلم، وهو المشهور من مذاهب العلماء أنه واجب على الكفاية، ومن مذهب مالك، وقيل عنه إنه سنةٌ مؤكَّدة، وقد استدل عليه بقوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيهِم﴾ وبقوله: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنهُم مَاتَ أَبَدًا﴾ وفي تقرير وجه الاحتجاج بهما طول يُعرف في الفقه.\nوهذا الميت هو النجاشي ملك الحبشة الذي هاجر إلى أرضه من هاجر من الصحابة، واسمه أَصحَمة - بهمزة وصاد مهملة ساكنة بعدها حاء مفتوحة، هكذا ذكره البخاري وابن إسحاق. وفي مسند ابن أبي شيبة في هذا الحديث تسميته صَحمَة على وزن رَكوَة بغير همزة وبفتح الصاد وسكون الحاء، وقال: هكذا قال لنا يزيد، وإنما هو صَمحَة - كذا ذكره بتقديم الميم بغير همز.\nوأصحمة: عطية - بالعربية.\nوقال جماعة من اللغويين: النجاشي اسم لكلِّ ملك من ملوك الحبشة، وكسرى: اسم لكل ملك من ملوك الفرس، وهرقل: اسم لكل ملك من ملوك الروم.","vol":"2","page":609},{"text":"[٨٢٠]- وعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَ فِي اليَومِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَخَرَجَ بِهِم إِلَى المُصَلَّى،\nــ\nوقوله نعى للناس النجاشيّ في اليوم الذي مات فيه مِن أدلِّ الأدلة على صحَّة نبوَّة نبينا محمد ﷺ، والنعي: إشاعة الأخبار بموت الميت، قال الهروي: النعيّ - بسكون العين - الفعل، والنعِيّ - بكسرها - الرجل الميت، ويجوز أن يجمع نعايا مثل صفي وصفايا.\nوهذا الحديث احتجّ به أئمتنا على جواز الإعلام بموت الميت، ولم يره من النعي المنهيّ عنه في قوله ﵊ إياكم والنعي، فإنّ النعيَ من عمل الجاهلية (١)، وهذا النعي الذي كان من عمل الجاهلية إنما كان أن الشريف إذا مات فيهم بعثوا الركبان إلى أحياء العرب فيندبون الميت ويثنون عليه بنياحة وبكاء وصراخ وغير ذلك، وذلك هو الذي نهى عنه. وقد روي عن حذيفة أنه نهى أن يؤذن بالميت أحد، وقال: إني أخاف أن يكون نعيًا. ونحوه عن ابن المسيب، وقال به بعض السلف من الكوفيين من أصحاب ابن مسعود.\nقلت: وهذا الحديث حجة على من كره الإعلام به، وكذلك قوله ﷺ هلاّ آذنتموني به! (٢)، ونعيه - ﷺ - أهل مؤتة.\nوقوله فخرج إلى المصلَّى يستدل به على أن الجنائز لا يصلّى عليها في المسجد كما قد (٣) روي عن مالك وأبي حنيفة، وجوّزه الشافعي.\nوظاهر هذا الحديث جواز الصلاة على الغائب، وهو قول الشافعي، ولم يَرَ ذلك أصحابنا جائزًا؛ لأنه لو كان ذلك لكان أحقُّ من صُلِّي عليه كذلك رسول الله - ﷺ - في البلاد النائية عن المدينة، ولم يصحَّ أنه فعل ذلك أحدٌ من الصحابة ولا غيرهم، ولو كان\n_________\n(١) رواه الترمذي (٩٨٤) من حديث ابن مسعود ﵁.\n(٢) رواه البخاري (٤٥٨)، ومسلم (٩٥٦) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) ساقط من (ع).","vol":"2","page":610},{"text":"فَصَلَّى وَكَبَّرَ أَربَعَ تَكبِيرَاتٍ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ استَغفِرُوا لأَخِيكُم.\nرواه أحمد (٢/ ٤٣٨ و٤٣٩)، والبخاري (١٢٤٥)، ومسلم (٩٥١) (٦٢ و٦٣)، وأبو داود (٣٢٠٤)، والنسائي (٤/ ٧٢).\nــ\nذلك مشروعًا للزم أن يفعلَ ذلك دائمًا إلى غير غايةٍ لعدم القاصر له على زمان معين، واعتذروا عن حديث النجاشيِّ بأمور؛\nأحدها: أن ذلك مخصوصٌ بالنجاشيِّ؛ ليُعلِم النبيُّ - ﷺ - أصحابه بإسلامه وليستغفروا له كما جاء في الحديث.\nوثانيها: أنه كان قد رُفِعَ وأُحضِرَ له حتى رآه، فصلَّى على حاضرٍ بين يديه، كما رُفِع للنبيِّ - ﷺ - بيتُ المقدس كما تقدّم في كتاب الإيمان.\nوثالثها: أنه كان (١) لم يصلِّ عليه أحدٌ؛ لأنه مات بين قوم كفّار، وكان يكتم إيمانه منتظرًا التخلُّصِ منهم، فمات قبل ذلك ولم يصل عليه أحد، وعلى هذا فيُصلِّى على الغريق وأكيل السَبُع، وهو قول ابن حبيب من أصحابنا، ولم ير ذلك مالك ولا جماعة من العلماء.\nقلت: وهذا الوجه الثالث أقربها، وفيما تقدم نظر.\nوقوله وكبّر أربع تكبيرات، وفي حديث زيد بن ثابت أنه كبّر خمسًا، وقد اختلف العلماء من السلف في ذلك من ثلاث تكبيرات إلى تسع؛ فروي عن عليٍّ أنّه كان يكبّر على أهل بدر ستًّا وعلى سائر الصحابة خمسًا، وعلى غيرهم أربعًا. وقد جاء من رواية ابن أبي خيثمة أنه - ﷺ - كان يكبّر أربعًا\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"2","page":611},{"text":"[٨٢١]- وعن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ أَبِي لَيلَى قَالَ: كَانَ زَيدٌ يُكَبِّرُ عَلَى\nــ\nوخمسًا وستًّا وسبعًا وثمانيًا حتى مات النجاشيُّ فكبّر أربعًا، وثبت عليها حتى تُوفي ﷺ.\nقال أبو عمر: وانعقَد الإجماع بعدُ على أربع. قال عياض: وما سواه شذوذ، ولا يلتفت إليه اليوم، ولا نعلم أحدًا من فقهاء الأمصار قال بخمس تكبيرات إلا ابن أبي ليلى. قال الإمام: وهذا المذهب متروكٌ الآن؛ لأن ذلك صار علمًا على القول بالرفض.\nولم يقع في الصحيح ذكر السلام من صلاة الجنازة على الخصوص، لكن يستدل عليه بعموم قوله ﷺ تحريم الصلاة التكبير، وتحليلها التسليم (١)، وهو صحيح. واختلف في عدده؛ فالجمهور من السلف وغيرهم على أنه واحدة، وذهب أبو حنيفة والشافعي - في أحد قوليه - وجماعة من السلف إلى أنه تسليمتان، ثم هل يجهر الإمام بالتسليم أو يُسِرّ؟ قولان عن مالك، والجهر لأبي حنيفة، والإسرار للشافعي. وهل يردّ المأموم على إمامه أو لا؟ قولان لمالك، وهل تُرفع الأيدي مع التكبير أم لا؟ اختلف فيه قول مالك على ثلاثة أقوال: الرفع في الأولى فقط، وفي الجميع، ولا يرفع في شيء منها. واختلف هل يقرأ في صلاة الجنازة بأمّ القرآن أم لا؟ فذهب مالك في المشهور عنه إلى ترك القراءة، وكذلك أبو حنيفة والثوري، وكأنهم تمسّكوا بظاهر ما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إذا صليتم على الميت فأخلصوا له في الدعاء (٢). وبأن مقصودَ هذه الصلاة إنما هو الدعاء له\n_________\n(١) رواه أبو داود (٦١)، والترمذي (٣)، وابن ماجه (٢٧٥) من حديث علي ﵁.\n(٢) رواه أبو داود (٣١٩٩)، وابن ماجه (١٤٩٧)، وابن حبان (٣٠٧٦).","vol":"2","page":612},{"text":"جَنَائِزِنَا أَربَعًا، وَإِنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جَنَازَةٍ خَمسًا، فَسَأَلتُهُ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُكَبِّرُهَا.\nرواه أحمد (٤/ ٣٦٧ - ٣٦٨)، ومسلم (٩٥٧)، وأبو داود (٣١٩٧)، والترمذي (١٠٢٣)، والنسائي (٤/ ٧٢)، وابن ماجه (١٥٠٥).\n* * *\nــ\nواستفراغ الوسع بعمارة كل أحوال تلك الصلاة في الاستشفاع للميت. وذهب الشافعي وأحمد وإسحاق ومحمد بن مسلمة وأشهب من أصحابنا وداود إلى أنه يقرأ فيها بالفاتحة؛ لقوله ﷺ لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب (١) حملا له على عمومه، وبما خرَّجه البخاري عن ابن عباس: وصلّى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وقال: لتعلموا أنَّها سنَّة (٢). وخرّج النسائي من حديث أبي أمامة قال: السنة في الصلاة على الجنائز أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مُخَافَتَةً ثم يكبر ثلاثًا، والتسليم عند الآخرة (٣). وذكر محمد بن نصر المروزي عن أبي أمامة أيضًا قال: السنَّة في الصلاة على الجنازة أن يكبر ثم يقرأ بأم القرآن، ثم يصلى على النبي ﷺ، ثم يخلص الدعاء للميت، ولا يقرأ إلا في التكبيرة الأولى، ثم يسلّم (٤). وهذان الحديثان صحيحان، وهما ملحقان عند الأصوليين بالمسند، والعمل على حديث أبي أمامة أولى؛ إذ فيه جمع بين عموم قوله لا صلاة وبين إخلاص الدعاء للميت، وقراءة الفاتحة فيها إنما هي استفتاح للدعاء، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٣١٤)، والبخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٩٤/ ٣٥)، وأبو داود (٨٢٢)، والنسائي (٢/ ١٣٧)، وابن ماجه (٨٣٧) من حديث عبادة بن الصامت.\n(٢) رواه البخاري (١٣٣٥).\n(٣) رواه النسائي (٤/ ٧٥).\n(٤) انظر: تخريج الحديث السابق، وتحفة الأشراف (١/ ٦٧ و٤/ ٢٠٣).","vol":"2","page":613},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-316>(١٢) باب الدعاء للميت، وأين يقوم الإمام من المرأة</span>\n[٨٢٢]- عَن عَوفِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى جَنَازَةٍ، فَحَفِظتُ مِن دُعَائِهِ وَهُوَ يَقُولُ: اللهُمَّ اغفِر لَهُ وَارحَمهُ، وَعَافِهِ وَاعفُ عَنهُ، وَأَكرِم نُزُلَهُ، وَوَسِّع مُدخَلَهُ، وَاغسِلهُ بِالمَاءِ وَالثَّلجِ وَالبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوبُ الأَبيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبدِلهُ دَارًا خَيرًا مِن دَارِهِ وَأَهلا خَيرًا مِن أَهلِهِ وَزَوجًا خَيرًا مِن زَوجِهِ، وَأَدخِلهُ الجَنَّةَ وَأَعِذهُ مِن عَذَابِ القَبرِ - أَو مِن عَذَابِ النَّارِ. قَالَ: حَتَّى تَمَنَّيتُ أَن أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ المَيِّتَ.\nرواه أحمد (٦/ ٢٨)، ومسلم (٩٦٣)، والترمذي (١٠٢٥)، والنسائي (٤/ ٧٣).\nــ\n(١٢) ومن باب: الدعاء للميت\nوليس فيه دعاء محدود عند العلماء، بل يدعو المصلِّي بما تيسَّر له، لكنَّ الأَولى أن يكون بالأدعية المأثورة في ذلك؛ كحديث (١) عوف بن مالك هذا، وحديث أبي هريرة وما أشبه ذلك.\nوقوله وأكرِم نُزُلَه، النُزُل ما يُعَدُّ للنازل، وهو الضيافة، وزايُه مضمومةٌ وقد تُسكن.\nوقوله ووَسِّع مُدخَله؛ أي قبره ومنزله في الجنَّة، وقد تقدّم القول في قوله ﷺ واغسِله بالماء والثلج والبَرَد وأن هذا على معنى المبالغة والتمثيل. والأهل هنا عبارة عن الخدم والخوَل، ولا تدخل الزوجة فيهم لأنه قد خصّها\n_________\n(١) في (هـ): لحديث.","vol":"2","page":614},{"text":"[٨٢٣]- وَعَن سَمُرَةَ بنِ جُندُبٍ قَالَ: صَلَّيتُ خَلفَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَصَلَّى عَلَى أُمِّ كَعبٍ، مَاتَت وَهِيَ نُفَسَاءُ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِلصَّلاةِ وَسَطَهَا.\nــ\nبالذكر بعد ذلك؛ حيث قال: وزوجًا خيرًا من زوجِه. ويحتمل أن يكون من باب: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخلٌ وَرُمَّانٌ﴾ ويُفهَمُ منه أنّ نساءَ الجنَّة أفضلُ مِن نساء الآدميات وإن دخلن الجنة، وقد اختلف في هذا المعنى وسيأتي إن شاء الله تعالى.\nوقوله فقَامَ وسطَها صحيح تقييدنا فيه بالسكون، وكذا ضبطه أبو بحر والجيَّانيّ، وقال ابن دينار: وسط الدار ووسَطها معًا بمعنى واحد. والصواب أن الساكن ظرفٌ والمفتوحَ اسمٌ، فإذا قلت: حفرتُ وسطَ الدار بئرًا، كان معناه: حفرتُ في الجزء المتوسِّط منها، ولا تقول: حفرتُ وَسَطَ الدار - إلاّ أن تعمَّ الدار بالحفر، وعلى هذا فالصواب في الرواية السكون.\nوقد اختلفوا في أيّ موضع يقوم الإمام من الجنازة بعد إجماعهم على أنّه لا يقوم ملاصقًا لها وأنّه لا بدّ من فرجة بينهما على ما حكاه الطبريّ؛ فذهب قوم إلى أنه يقوم عليها وسطها ذكرًا كان أو أنثى، وقال آخرون: هذا حكم المرأة كي يسترها عن الناس، وأمّا الرجل فعند رأسه لئلا ينظر الإمام إلى فرجه - وهو قول أبي يوسف وابن حنبل، وقال ابن مسعود بعكس هذا في المرأة والرجل، وذكر عن الحسن التوسعة في ذلك، وبها قال أشهب وابن شعبان. وقال أصحاب الرأي: يقوم فيها بحذاء الصدر. وقد روى أبو داود ما يرفع الخلافَ عن أنس - وصلّى على جنازة - فقال له العلاء بن زياد: يا أبا حمزة، هكذا كان رسول الله - ﷺ - يصلِّي على الجنازة كصلاتك يكبّر عليها أربعًا ويقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة؟ قال: نعم (١).\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣١٩٤)، والترمذي (١٠٣٤)، وابن ماجه (١٤٩٤).","vol":"2","page":615},{"text":"رواه أحمد (٥/ ١٤ و١٩)، والبخاري (١٣٣١)، ومسلم (٩٦٤) (٨٧)، وأبو داود (٣١٩٥)، والترمذي (١٠٣٥)، والنسائي (١/ ١٩٥)، وابن ماجه (١٤٩٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>(١٣) باب ما جاء في الصلاة على القبر</span>\n[٨٢٤]- عَن عَبدُ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ قَالَ: انتَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى قَبرٍ رَطبٍ فَصَلَّى عَلَيهِ، وَصَفُّوا خَلفَهُ وَكَبَّرَ أَربَعًا.\nرواه البخاري (٨٥٧)، ومسلم (٩٥٤) (٦٨)، والنسائي (٤/ ٨٥).\nــ\nوهذا الحديث يدلُّ على أن مشروعية مقام الإمام كذلك، وهو يُبطل تأويلَ من قال إنّ مقام النبيّ - ﷺ - وسط جنازة أمِّ كعب إنما كان من أجلِ جنينها حتى يكون أمامه، بل كان ذلك لأنّ حكم مشروعيته ذلك.\n(١٣) ومن باب: ما جاء في الصلاة على القبر\nقوله ﷺ انتهى إلى قبر رطب فصلّى عليه؛ أي حديث الدفن لم يُبلَ بعد لرطوبة ثراه وقرب هيله، وظاهر هذا الحديث وحديث السوداء جواز الصلاة على القبر، وقد اختلف في ذلك؛ فتحصيل مذهب مالك ومشهور أقوال أصحابه جواز ذلك إذا لم يُصلَّ عليه، وعنه أيضًا وعن أشهب وسحنون أنه لا يصلِّى عليه لفوت ذلك، وأمّا من صُلِّي عليه فليس لمن فاتته الصلاة عليه أن يصلّيَ عليه (١)، وهو المشهور من مذهب مالك وأصحابه، وهو قول الليث والثوري\n_________\n(١) من (ظ).","vol":"2","page":616},{"text":"[٨٢٥]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ امرَأَةً سَودَاءَ كَانَت تَقُمُّ المَسجِدَ - أَو شَابّا، فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَسَأَلَ عَنهَا - أَو عَنهُ - فَقَالُوا: مَاتَ. قَالَ: أَفَلا\nــ\nوأبي حنيفة، قال: إلا أن يكون وليه فله إعادة الصلاة عليه. وقد روي عن مالك جواز الصلاة عليه، وهو شاذّ من مذهبه، وهو قول الشافعي والأوزاعي وأحمد وإسحاق وغيرهم.\nوحيث قلنا بفوت الصلاة على الميت فما الذي يقع به الفوت؟ اختلف فيه؛ فقيل: بهيل التراب وتسويته - وهو قول أشهب وعيسى وابن وهب. وقيل: بخوف تغيُّره - وهو قول ابن القاسم وابن حبيب وسحنون. وقيل: بالطُّول فيمن لم يصلِّ عليه، وهو ما زاد على ثلاثة أيَّامٍ فأكثر عند أبي حنيفة. وقال أحمد فيمن صُلِّي عليه: تعاد إلى شهر - وقاله إسحاق في الغائب، وقال في الحاضر ثلاثة أيام. قال أبو عمر: وأجمع من قال بالصلاة على القبر أنّه لا يصلّى عليه إلا بالقرب، وأكثر ما قيل في ذلك شهر.\nوقوله تقمّ المسجد؛ أي تكنسه، والقمامة الكِنَاسة، وسؤاله - ﷺ - عن هذه المسكينة يدلّ على كمال تفضُّله وحسن تعهده وكرم أخلاقه وتواضعه ورأفته ورحمته، وتنبيهٌ على ألا يُحتَقَر مسلمٌ ولا يُصَغَّر أمرُه.\nقلت: قال بعض مَن لم يُجِز الصلاة على القبر إنّ القبرَ الرَّطبَ الذي في حديث ابن عباس يحتمل أن يكون قبر السوداء التي كانت تقمّ المسجد، وكانت صلاتُه عليه خاصة به؛ لأنه قد قال: إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإنّ الله ينوّرها بصلاتي عليهم - فقد علم النبي ﷺ ذلك وغيره لا يعلم ذلك، فكان ذلك خصوصًا به. وهذا ليس بشيء؛ لثلاثة أوجه:\nأحدها: أنّا وإن لم نعلم ذلك لكنّا نظنّه، ونرجو فضل الله سبحانه ودعاء المسلمين لمن صلّوا عليه.","vol":"2","page":617},{"text":"كُنتُم آذَنتُمُونِي؟ قَالَ: وَكَأَنَّهُم صَغَّرُوا أَمرَهَا - أَو أَمرَهُ، فَقَالَ: دُلُّونِي عَلَى قَبرِهِ! فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيهَا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ القُبُورَ مَملُوءَةٌ ظُلمَةً عَلَى أَهلِهَا، وَإِنَّ اللهَ ﷿ يُنَوِّرُهَا لَهُم بِصَلاتِي عَلَيهِم.\nرواه أحمد (٢/ ٣٥٣ و٣٨٨)، والبخاري (٤٥٨)، ومسلم (٩٥٦)، وأبو داود (٣٢٠٣)، وابن ماجه (١٥٢٧).\n* * *\nــ\nوثانيها: أنه - ﷺ - قد قال: من صلّى عليه مائة أو أربعون من المسلمين شفعوا فيه - (١) فقد أعلمنا أنّ ذلك يكون من غيره.\nوثالثها: أنه كان يلزم منه ألا يصلّى على ميِّتٍ بعد النبيِّ - ﷺ - لإمكان الخصوصية فيمن صلّى عليه النبي ﷺ، وهذا باطل.\nوأشبه ما قيل في حديث السوداء أنّه - ﷺ - صلَّى على قبرها لأنه لم يصلِّ عليها صلاةً جائزة؛ لأن النبي - ﷺ - هو الإمام ولم يستخلف، بل قد روي أنه - ﷺ - أمَرهم أن يُعلِموه بموتها فلم يُعلِموه بذلك كراهة أن يشقّوا عليه، كما ذكره مالك من حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف أنّ مسكينة مرضت (٢)، وهذه المسكينة هي السوداء في هذا الحديث، والله أعلم.\nويحصل منه أنّه مَن دُفِنَ بغير صلاة أنّه يصلَّى على قبره ولا يُخرَج، ولا يترك بغير صلاة، وهو الصحيح، والله تعالى أعلم.\n* * *\n_________\n(١) سبق تخريجه برقم (٨١٥ و٨١٦).\n(٢) رواه مالك في الموطأ (١/ ٢٢٧).","vol":"2","page":618},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-318>(١٤) باب الأمر بالقيام للجنازة ونسخه</span>\n[٨٢٦]- عَن عَامِرِ بنِ رَبِيعَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِذَا رَأَيتُمُ الجَنَازَةَ فَقُومُوا لَهَا حَتَّى تُخَلِّفَكُم أَو تُوضَعَ.\nرواه أحمد (٣/ ٤٤٦)، والبخاري (١٣٠٧)، ومسلم (٩٥٨) (٧٣)، وأبو داود (٣١٧٢)، وابن ماجه (١٥٧٢).\nــ\n(١٤) ومن باب: الأمر بالقيام إلى الجنازة\nقوله إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها حتى تخلفكم أو توضع، قلت: هذا الأمر إنما كان مُتَوَجِّهًا لمن لم يكن متَّبعًا للجنازة، بدليل ما جاء في حديث أبي سعيد: إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يجلس حتى توضع. وقد جاء من حديث عليّ أنه قال: قام رسول الله - ﷺ - للجنازة (١) ثم قعد.\nواختلف العلماء بسبب هذه الأحاديث على ثلاثة أقوال؛\nأولها: الأمر بالقيام مطلقًا لمن مرَّت به ولمن تبعها، وهو قول جماعة من السلف والصحابة أخذًا بالأحاديث المتقدِّمة، وكأنّ هؤلاء لم يبلغهم الناسخ أو لم يَرَوا ترك قيامه ناسخًا.\nوثانيها: لا يقوم لها أحد لا مرورًا به ولا مُتَّبعًا، وكأن هؤلاء رأوا أن ترك النبي - ﷺ - القيام ناسخ لمطلق القيام، وهو قول قوم من أهل العلم، وروي عن أحمد وإسحاق وابن الماجشون من أصحابنا أن ذلك على التوسعة والتخيير.\nوثالثها: أن القيام منسوخ في حقِّ من مرَّت به، وهو قول (٢) مالك\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) ساقط من (هـ).","vol":"2","page":619},{"text":"[٨٢٧]- وعَن أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِذَا اتَّبَعتُم الجَنَازَةً فَلا تَجلِسُوا حَتَّى تُوضَعَ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٨)، ومسلم (٩٥٩) (٧٦).\n[٨٢٨]- وعَن جَابِرِ بنِ عبد الله قَالَ: مَرَّت جَنَازَةٌ، فَقَامَ لَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَقُمنَا مَعَهُ، فَقُلنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا يَهُودِيَّةٌ! فَقَالَ: إِنَّ المَوتَ فَزَعٌ، فَإِذَا رَأَيتُمُ الجَنَازَةَ فَقُومُوا.\nرواه أحمد (٣/ ٣١٩)، والبخاري (١٣١١)، ومسلم (٩٦٠) (٧٨)، والنسائي (٤/ ٤٥ - ٤٦).\nــ\nوالشافعي وأبي حنيفة. وقال أحمد وإسحاق ومحمد بن الحسن والأوزاعي فمن اتبعها لا يجلس حتى توضع، وأمّا من مرَّت به فلا يلزمه القيام.\nوقد اختلف أيضًا في القيام على القبر حتى يُقبر؛ فكرهه قوم، وعمل به آخرون. وروي ذلك عن عليّ وعثمان وابن عمر، وقد تقدَّم في كتاب الإيمان قول عمرو بن العاص: وأقيموا حول قبري قدر ما تُنحر جزور ويقسم لحمها (١)؛ أي: تثبّتوا وتربّصوا.\nوقوله إن الموت فزع؛ أي يفزع إليه ومنه، وهو تنبيه على استذكاره وإعظامه وجعله من أهم ما يخطر بالإنسان.\nوالمقصود من هذا الحديث ألا يستمرَّ الإنسان على غفلته عند رؤية الميت، فإنه إذا رأى الميت ثم تمادى على ما كان عليه من الشغل كان هذا دليلا على غفلته وتساهله بأمر الموت، فأمر الشرع أن يترك ما كان عليه من الشغل ويقوم تعظيمًا لأمر الميت واستشعارًا به، وعلى هذا فيستوي في ذلك الميت المسلم\n_________\n(١) سبق تخريجه.","vol":"2","page":620},{"text":"[٨٢٩]- وَعَن قَيسَ بنَ سَعدٍ وَسَهلَ بنَ حُنَيفٍ وَكَانَا بِالقَادِسِيَّةِ فَمَرَّت بِهِمَا جَنَازَةٌ فَقَامَا، فَقِيلَ لَهُمَا: إِنَّهَا مِن أَهلِ الأَرضِ! فَقَالا: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مَرَّت بِهِ جَنَازَةٌ فَقَامَ، فَقِيلَ: إِنَّهُ يَهُودِيٌّ! فَقَالَ: أَلَيسَت نَفسًا؟ ! .\nرواه أحمد (٦/ ٦ - ٧)، والبخاري (١٣١٢)، ومسلم (٩٦١)، والنسائي في الكبرى (٢٠٤٨).\n[٨٣٠]- وَعَن عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ فِي شَأنِ الجَنَائِزِ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَامَ ثُمَّ قَعَدَ.\nوَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: رَأَينَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَامَ، فَقُمنَا، وَقَعَدَ فَقَعَدنَا - يَعنِي فِي الجَنَائز.\nرواه مسلم (٩٦٢) (٨٢) و(٨٤)، وأبو داود (٣١٧٥)، والترمذي (١٠٤٤)، والنسائي (٤/ ٧٧ - ٧٨).\n* * *\nــ\nوغيره، ولذلك قال في الميت الذمِّي أليست نفسًا؟ !، معناه: أليست الجنازة نفسًا قُبِضَت؟\nوقيل: إنما قام النبي - ﷺ - إجلالا للملائكة الذين مع الميت. وقيل: إنما قام النبي - ﷺ - لجنازة اليهودي لأنه كره أن تَعلُوَ جنازةُ اليهوديِّ رأسه. وقيل: لأنه آذاه نتن ريحها - والصحيح الأول.\nوقوله إنها من أهل الأرض؛ أي من أهل هذه الأرض، يعني أنها من أهل الجزية المُقَرِّين بأرضهم.","vol":"2","page":621},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-319>(١٥) باب ركوب المتبع للجنازة إذا انصرف منها</span>\n[٨٣١]- عَن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى ابنِ الدَّحدَاحِ، ثُمَّ أُتِيَ بِفَرَسٍ عُريٍ فَعَقَلَهٌ رَجُلٌ فَرَكِبَهُ، فَجَعَلَ يَتَوَقَّصُ بِهِ وَنَحنُ نَتَّبِعُهُ نَسعَى خَلفَهُ. قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَومِ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -\nــ\n(١٥) ومن باب: ركوب المتبع للجنازة\nقوله أُتِي بِفَرسٍ عُريٍ؛ أي لا سَرجَ عليه، يقال: فرس عُري، وخيلٌ أعرَاء، وقد اعرَورَى فرسَه - إذا ركبه عُريًا، ولا يقال رجل عُريٌ، ولكن عُريَانُ.\nورواية من روى بفرسٍ معرور لا وجه لها.\nوعقله: حبسه ليركبه.\nويتوقص: يَتثنى ويُقَارِبُ الخُطو.\nوقوله ونحن نتبعه نمشي خلفه هو إخبار عن صورة تلك الحالة؛ لأنه تقدَّمهم وأتوا بعدَه، لا أن ذلك كانت عادتهم في مشيهم معه، بل المنقول من سيرتهم أنه كان يُقَدِّمُهم ولا يتقَدَّمهم، وينهى عن وطء العقب. ولا خلاف في جواز الركوب عند الانصراف من الجنازة، وإنما الخلاف في الركوب لمتبعها؛ فكرهه كثير من العلماء سواء كان معها أو سابقها أو خلفها، والصحيح جواز الركوب إلا أنه يتأخر عنها؛ لما خرّجه الترمذي وصححه عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ: الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها، والطفل يُصلّى عليه. وهذا أصحّ من الأحاديث التي ذكر فيها منعُ الركوب مع الجنازة.","vol":"2","page":622},{"text":"قَالَ: كَم مِن عِذقٍ مُعَلَّقٍ - أَو مُدَلًّى - فِي الجَنَّةِ لابنِ الدَّحدَاحِ - أَو قَالَ: لأَبِي الدَّحدَاحِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: أُتِيَ بِفَرَس مُعرَوَرى فَرَكِبَه حِينَ انصَرَفَ مِن جَنَازَةِ ابنِ الدَّحدَاح وَنَحنُ نَمشي حَولَه.\nرواه أحمد (٥/ ٩٠ و٩٥)، ومسلم (٩٦٥)، والترمذي (١٠١٣ و١٠١٤)، والنسائي (٤/ ٢٢ - ٢٣).\n* * *\nــ\nوقوله كم مِن عِذقٍ معلق أو مدلىً في الجنة لابن الدحداح، العذق بكسر العين العُرجون، وبفتحها النخلة، وهو هنا بالكسر، والدحداح: الرجل القصير دون الربعة. وقال شعبة: أبو الدحداح. وقال غيره: ابن الدحداح. وقال أبو عمر: أبو الدحداح، ويقال: أبو الدحداحة فلان ابن الدحداحة. وإنما قال النبي - ﷺ - له ذلك القول لقصَّةٍ جرت؛ وهي أن يتيما خاصم أبا لبابة في نخلة، فبكى الغلام، فقال له النبي ﷺ: أعطه إياها ولك بها عِذق في الجنة! قال: لا. فسمع ذلك ابنُ الدحداح فاشتراها من أبي لبابة بحديقة له، ثم قال للنبي ﷺ: أَلِي بها إن أعطيتُ اليتيمَ إيّاها عِذقٌ في الجنّة؟ قال: نعم (١). فلما قَبِل ذلك قال له النبي - ﷺ - هذا الكلام، ورُوي غير ذلك.\n* * *\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ١٤٦)، والحاكم (٢/ ٢٠)، وابن حبان (٧١٥٩) من حديث أنس ﵁.","vol":"2","page":623},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-320>(١٦) باب في كيفية القبور وكراهية تجصيصها والبناء عليها، وهل يجعل في القبر شيء</span>؟\n[٨٣٢]- عَن سَعدَ بنَ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَهُ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي هَلَكَ فِيهِ: الحَدُوا لِي لَحدًا، وَانصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصبًا - كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ.\nرواه أحمد (١/ ١٨٤)، ومسلم (٩٦٦)، والنسائي (٤/ ٨٠)، وابن ماجه (١٥٥٦).\nــ\n(١٦) ومن باب: كيفية القبور\nقوله اتخذوا لِي لَحدًا، اللحد: هو أن يُشَقَّ في الأرض ثم يحفر قبر آخر في جانب الشق من جهة القبلةِ، يدخل فيه الميت ويُسدُّ عليه باللَّبِن، وهو أفضل عندنا من الشقّ، وكل واحد منهما جائز، غير أن الذي اختار الله لنبيه - ﷺ - هو اللحد؛ وذلك أنه لما أراد الصحابة أن يحفروا للنبي - ﷺ - اشتَوَرُوا في ذلك، وكان في المدينة رجلان أحدهما يلحد والآخر لا يلحد، فقالت الصحابة: اللهم اختر لنبيك، فجاء الذي يُلحد أوَّلا فلحدوا. اشتِوَارُهم في ذلك وتَوقُّفُهم يدلّ على أنه لم يكن عندهم في أفضليَّة أحدهما من النبي - ﷺ - تعيينٌ، ولذلك رجعوا إلى الدعاء في تعيين الأفضل، ولم يقع في كتاب مسلم ذكر غسله - ﷺ - ولا الصلاة عليه، وقد ذُكِر في غيره. فأما غسله - ﷺ - فغسل في قميصه، وذلك أنهم أرادوا أن ينزعوا قميصه ليغسلوه فسمعوا قائلا يقول: لا تنزعوا القميص - كما ذكره مالك في الموطأ (١). وأما الصلاة عليه فصلّى الناس عليه أفواجًا: الرجال، والنساء، والصبيان - من غير إمام؛ صلّوا فوجًا بعد فوج على ما ذكر أهل السير، واختلف في\n_________\n(١) رواه مالك بلاغًا في الموطأ (٢/ ٢٣١).","vol":"2","page":624},{"text":"[٨٣٣]- وَعَن فَضَالَةَ بنِ عُبَيدٍ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَأمُرُ بِتَسوِيَتِهَا - يَعنِي القُبُور.\nرواه مسلم (٩٦٨)، وأبو داود (٣٢١٩)، والنسائي (٤/ ٨٨).\n[٨٣٤]- وَعَن أَبِي الهَيَّاجِ الأَسَدِيِّ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ: أَلا أَبعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ أَلا أَدَعَ تِمثَالا إِلا طَمَستَهُ، وَلا قَبرًا مُشرِفًا إِلا سَوَّيتَهُ.\nــ\nسبب ذلك على أقوال؛ فقيل: لأنهم لم يكن لهم إمام - وهذا خطأ؛ لأن إمامة الفريضة لم تتعطل، ولأن البيعة لأبي بكر تمت قبل دفنه وهو إمام الناس. وقيل: بل صُلِّي عليه كذلك ليأخذ كل من الناس بنصيبه من الأجر والفضل.\nومات النبي - ﷺ - يوم الاثنين، وأُخِّرَ دفنُه إلى يوم الثلاثاء، وأُخِّر دفنه (١) لأنهم اشتغلوا بأمر الإمامة؛ لأنهم خافوا ثَوَرَانَ فتنةٍ.\nوالتمثال: مثال صورة ما فيه روح، وهو يعمّ ما كان متجسِّدًا وما كان مصوَّرًا في رَقمٍ أو نقشٍ، لا سيما وقد رُوي صورة مكان تمثال، وقيل: إن المراد به هنا ما كان له شخص وجسد دون ما كان في ثوب أو حائط منقوشًا، وسيأتي الكلام عليهما.\nوحاصل هذا الحديث الأمر بتغيير الصور مطلقًا، وأنّ إبقاءها كذلك منكَرٌ، وطمسها: تغييرها، وذلك يكون بقطع رؤوسها وتغيير وجوهها وغير ذلك مما يُذهِبُها.\nوقوله ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته ظاهره منع تسنيم القبور ورفعها، وأن تكون لاطية، وقد قال به بعض أهل العلم. وذهب الجمهور إلى أن هذا\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"2","page":625},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: وَلا صُورَةً إِلا طَمَستَهَا.\nرواه أحمد (١/ ٩٦ و١٢٩)، ومسلم (٩٦٩)، وأبو داود (٣٢١٩)، والترمذي (١٠٤٩)، والنسائي (٤/ ٨٨ - ٨٩).\n[٨٣٥]- وَعَن جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَن يُجَصَّصَ القَبرُ وَأَن يُقعَدَ عَلَيهِ، وَأَن يُبنَى عَلَيهِ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٣٢)، ومسلم (٩٧٠) (٩٤)، والنسائي (٤/ ٨٨)، وابن ماجه (١٥٦٢).\nــ\nالارتفاع المأمور بإزالته ليس هو التسنيم ولا ما يعرف به القبر كي يحترم، وإنما هو الارتفاع الكثير الذي كانت الجاهلية تفعله؛ فإنها كانت تُعلي عليها وتَبني فوقها تفخيمًا لها وتعظيمًا، وأما تسنيمها فذلك صفة قبر رسول الله - ﷺ - وقبر أبي بكر وعمر - ﵄ - على ما ذكر في الموطأ، وقد جاء عن عمر أنه هدمها وقال: ينبغي أن تسوَّى تسويةَ تسنيمٍ. وهذا معنى قول الشافعي: تُسَطَّح القبور ولا تُبنى ولا تُرفع، وتكون على وجه الأرض، وتسنيمها اختيار أكثر العلماء وجملة أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة والشافعي.\nقلت: والذي صار إليه عمر أولى، فإنه جمع بين التسوية والتسنيم.\nوقوله نهى أن يجصص القبر ويُبنَى عليه، التجصيص والتقصيص هو البناء بالجصّ، وهو القَصّ والقَصّة، والجصاص والقصاص واحد، فإذا خلط الجصُّ بالرماد فهو الجيّار. وذكر معنى ذلك أبو عبيد وابن الأعرابي، وقد تقدَّم في الحيض ذكر القصّة البيضاء (١).\nوبظاهر هذا الحديث قال مالك، وكَرِه البناء والجصّ على القبور، وقد أجازه غيره، وهذا الحديث حجة عليه، ووجه النهي عن\n_________\n(١) \"القصة\": القطنة أو الخرقة البيضاء التي تحتشي بها المرأة عند الحيض.","vol":"2","page":626},{"text":"[٨٣٦]- وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جُعِلَ فِي قَبرِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَطِيفَةٌ حَمرَاءُ.\nرواه مسلم (٩٦٧)، والترمذي (١٠٤٨)، والنسائي (٤/ ٨١).\n* * *\nــ\nالبناء والتجصيص في القبور أن ذلك مباهاة واستعمال زينة الدنيا في أول منازل الآخرة، وتشبُّه بمن كان يعظّم القبور ويعبدها. وباعتبار هذه المعاني وبظاهر هذا النهي ينبغي أن يقال هو حرام، كما قد قال به بعض أهل العلم.\nوقوله وأن يقعد عليها، وقوله لا تجلسوا على القبور (١)، وقوله لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه خير له من أن يجلس على قبر - (٢) اختلف في معناه؛ فمنهم من حمله على ظاهره من الجلوس ورأى أن القبر يحترم كما يحترم المسلم المدفون فيه فيعامل بالأدب وبالتسليم عليه وبغير ذلك، ومنهم من تأوَّله على أنه كناية عن إلقاء الحدث في القبور - وهو تأويل مالك. ولا شك في أن التخلي على القبور وبينها ممنوع؛ إما بهذا الحديث وإما بغيره، لحديث الملاعن الثلاث، فإنه مجلس الزائر للقبر، فهو في معنى التخلّي في الظِلال والطرق والشجر المثمر وغير ذلك، ولأن ذلك استهانة بالميت المسلم وأذى لأوليائه الأحياء، والله أعلم.\nوقوله جعل في قبر رسول الله - ﷺ - قطيفة حمراء، هذه القطيفة كان النبي - ﷺ - يلبسها ويفترشها، فلما مات اختَلَف في أخذها عليٌّ وعبَّاس وتنازعا فيها، فأخذها شُقران (٣) وجعلها في القبر، وقال: والله لا يلبسها أحدٌ بعده أبدًا. وقيل: إنما جعلت في قبره لأن المدينة سَبِخَةٌ، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) سيأتي تخريجه في التلخيص برقم (٨٣٨).\n(٢) سيأتي تخريجه في التلخيص (٨٣٧).\n(٣) هو مولى رسول الله - ﷺ -، وكان مملوكًا ثم عُتِق.","vol":"2","page":627},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-321>(١٧) باب النهي عن الجلوس على القبور والصلاة إليها</span>\n[٨٣٧]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لأَن يَجلِسَ أَحَدُكُم عَلَى جَمرَةٍ فَتُحرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخلُصَ إِلَى جِلدِهِ خَيرٌ لَهُ مِن أَن يَجلِسَ عَلَى قَبرٍ.\nرواه أحمد (٢/ ٣١١ و٣٨٩)، ومسلم (٩٧١)، وأبو داود (٣٢٢٨)، والنسائي (٤/ ٩٥)، وابن ماجه (١٥٦٦).\n[٨٣٨]- وَعَن أَبِي مَرثَدٍ الغَنَوِيِّ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: لا تُصَلُّوا إِلَى القُبُورِ، وَلا تَجلِسُوا عَلَيهَا.\nرواه أحمد (٤/ ١٣٥)، ومسلم (٩٧٢) (٩٨)، والترمذي (١٠٥٠).\n* * *\nــ\n(١٧) ومن باب: النهي عن الجلوس على القبور والصلاة إليها\nقوله لا تصلوا إلى القبور؛ أى لا تتخذوها قبلة، وهذا مثل ما قدَّمناه في النهي عن اتخاذ قبره مسجدًا وفي ذمّ اليهود بما فعلوا من ذلك، وكلّ ذلك لقطع الذريعة أن يعتقد الجهَّال في الصلاة إليها أو عليها الصلاة لها، فيؤدِّي إلى عبادة من فيها كما كان السبب في عبادة الأصنام.\n* * *","vol":"2","page":628},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-322>(١٨) باب الصلاة على الميت في المسجد</span>\n[٨٣٩]- عَن عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَت: لَمَّا تُوُفِّيَ سَعدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ أَرسَلَ\nــ\n(١٨) ومن باب: الصلاة على الميت في المسجد (١)\nإنكار الناس إدخال الميت في المسجد يدلّ على أن العمل المستمرَّ كان على خلاف ذلك وأن الصلاة على سهيل وأخيه في المسجد إما منسوخ كما قاله الطحاوي، وأن الترك آخر الفعلين، وإما أن يكون خاصًّا بهما، وهذا العمل هو مُتمَسَّك من منع ذلك، وما تقدَّم من خروج النبي - ﷺ - للصلاة على النجاشيِّ من المسجد، وهم جماعة منهم مالك في المشهور عنه وبعض أصحابه وأبو حنيفة وابن أبي ذئب والطحاوي، وقد دلّ على المنع أيضًا ما خرَّجه أبو داود من حديث أبي هريرة مرفوعًا: من صلّى على جنازة في المسجد فلا شيء له (٢) - وفي إسناده صالح مولى التوأمة، وكان قد اختلط حديثُه بأخَرَة، فقال مالك فيه: ليس بثقة. وقال فيه غيره: حديثه قبل الاختلاط صحيح. وهذا الحديث مما رواه عنه ابن أبي ذئب قبل الاختلاط على ما قاله أبو أحمد بن عدي وغيره من أئمة المحدثين. وقد اعتضد المانع أيضًا بأن الميت نجس فلا يُدخل المسجد.\nوقد اختلف في نجاسة الميت قول مالك والشافعي وأصحابهما، وقال بعض المتأخرين: الخلاف إنما يصحّ في المسلمين لا الكافرين، فإنهم متّفقون على تنجيس الميت منهم، وهذا القول حسن؛ لأنه قد تقرر الإجماع على أن الموت بغير زكاة سبب التنجيس فيما له نفس سائلة مطلقًا، وهذا يقتضي تنجيس\n_________\n(١) العنوان ساقط من الشرح، واستدرك من التلخيص.\n(٢) رواه أبو داود (٣١٩١)، وابن ماجه (١٥١٧).","vol":"2","page":629},{"text":"أَزوَاجُ النَّبِيِّ - ﷺ - أَن يَمُرُّوا بِجَنَازَتِهِ فِي المَسجِدِ فَيُصَلِّينَ عَلَيهِ فَفَعَلُوا،\nــ\nالميت المسلم، إلا أنه قد صحّ عنه - ﷺ - أنه قال: إن المؤمن لا ينجس (١). فهل يُحمل هذا على أنه لا ينجس حيًّا ولا ميتًّا فيستثنى تلك القاعدة الكلية؟ أو يحمل على أنه لا ينجس ما دام حيًّا؟ وهو الذي خرَّج عليه الحديث، وتحمل تلك القاعدة الكلية على أصلها، ويبقى الكافر على أصل القاعدة، وإنما الخلاف في نجاسة عين الكافر في حال حياته؛ فقال بنجاسته الشافعي وغيره متمسُّكًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المُشرِكُونَ نَجَسٌ﴾ وقال مالك وغيره بطهارته متمسُّكًا بنوع من القياس، وهو المسمَّى بقياس العكس عند أصحابنا، وهو من باب قياس الدَّلالة.\nتلخيصه أن يقال: لما كان الموت علّة التنجيس شرعًا لزم أن تكون الحياة علة الطهارة شرعًا؛ ضرورة عدم الواسطة بين التنجيس والطهارة، وقد استدلّ بعض أصحابنا على ذلك بقوله تعالى: وَلَقَد كَرَّمنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلنَاهُم فِي البَرِّ وَالبَحرِ وَرَزَقنَاهُم مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلنَاهُم عَلَى كَثِيرٍ مِمَّن خَلَقنَا تَفضِيلًا، وتقرير الحجة فيهما فيه طول، وموضعه الفقه.\nوقد تأوّل أصحابنا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المُشرِكُونَ نَجَسٌ﴾ بأن معنى ذلك أنهم لا ينفَكُّون عن النجاسة لعدم تحرُّزِهم منها، ومنهم من حمله على معنى الذمّ.\nثم نرجع إلى أصل المسألة ونقول: لو سلمنا أن الميت المؤمن ليس بنجس فلا ينبغي أن يدخل المسجد؛ لإمكان أن ينفصل منه شيءٌ من النجاسات فيتلطخ المسجد، وقد تمسك من أجاز إدخال الميت في المسجد للصلاة عليه بما تمسكت به عائشة ﵂، ورأوا أنه حكم متعدٍّ لغير سهيل وأخيه، وتأولوا قوله ﷺ من صلّى على جنازة في المسجد فلا شيء له على أن معناه فلا شيء عليه، كما قال تعالى: ﴿وَإِن أَسَأتُم فَلَهَا﴾؛ أي: عليها، وممن ذهب إلى جواز ذلك الشافعي في أحد قوليه وأحمد وإسحاق وابن حبيب من\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٢٣٥ و٣٨٢)، والبخاري (٢٨٣)، ومسلم (٣٧١)، وأبو داود (٢٣١)، والترمذي (١٢١)، والنسائي (١/ ١٤٥)، وابن ماجه (٥٣٤).","vol":"2","page":630},{"text":"فَوُقِفَ بِهِ عَلَى حُجَرِهِنَّ يُصَلِّينَ عَلَيهِ، ثُمَ خُرِجَ بِهِ مِن بَابِ الجَنَائِزِ الَّذِي كَانَ إِلَى المَقَاعِدِ، فَبَلَغَهُنَّ أَنَّ النَّاسَ عَابُوا ذَلِكَ وَقَالُوا: مَا كَانَتِ الجَنَائِزُ يُدخَلُ بِهَا المَسجِدَ! فَبَلَغَ ذَلِكَ عَائِشَةَ، فَقَالَت: مَا أَسرَعَ النَّاسَ إِلَى أَن يَعِيبُوا مَا لا عِلمَ لَهُم بِهِ! عَابُوا عَلَينَا أَن يُمَرَّ بِجَنَازَةٍ فِي المَسجِدِ، وَمَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى سُهَيلِ بنِ بَيضَاءَ إِلا فِي جَوفِ المَسجِدِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: فقَالَت وَاللهِ لَقَد صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى ابنَي بَيضَاءَ فِي المَسجِدِ؛ سُهَيلٍ وَأَخِيهِ.\nرواه أحمد (٦/ ٧٩)، ومسلم (٩٧٣) (١٠٠ و١٠١)، وأبو داود (٣١٨٩ و٣١٩٠)، والترمذي (١٥٣٣)، والنسائي (٤/ ٦٨).\n* * *\nــ\nأصحابنا والقاضي إسماعيل. قال أبو عمر: ورواه المدنيون عن مالك. ويعتضد هؤلاء بأن عمر بن الخطاب إنما صُلّي عليه في المسجد على ما ذكره مالك عن ابن عمر.\nوأما صلاة المصلّي في المسجد على الجنازة فأجازها مالك إذا ضاق الموضع واتصلت الصفوف، وكرهه مع عدم ذلك. ومستندها خروج النبي - ﷺ - والناس من المسجد للصلاة على النجاشي كما تقدَّم.\nوقولها فوقف به على حُجَرِهنّ يُصَلِّين عليه؛ أي يدعون له، وهذا بعد أن صلي عليه الصلاة الجامعة، ويحتمل أن تكون هذه الصلاة هي الصلاة الجامعة (١)، ويكون معنى قولها فوقف به على حُجرِهن على هذا؛ أي: حُبِسَ بين حجرهن حتى يجتمع الناس للصلاة عليه فيُصَلِّين عليه في جملة الناس، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) ساقط من (هـ).","vol":"2","page":631},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-323>(١٩) باب زيارة القبور والتسليم عليها، والدعاء والاستغفار للموتى</span>\n[٨٤٠]- عَنِ بُرَيدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: نَهَيتُكُم عَن زِيَارَةِ القُبُورِ فَزُورُوهَا، وَنَهَيتُكُم عَن لُحُومِ الأَضَاحِيِّ فَوقَ ثَلاثٍ فَأَمسِكُوا مَا بَدَا لَكُم، وَنَهَيتُكُم عَنِ النَّبِيذِ إِلا فِي سِقَاءٍ فَاشرَبُوا فِي الأَسقِيَةِ كُلِّهَا وَلا تَشرَبُوا مُسكِرًا.\nرواه أحمد (٥/ ٣٥٠)، ومسلم (٩٧٧)، والنسائي (٨/ ٣١٠ - ٣١١).\n[٨٤١]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: زَارَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَبرَ أُمِّهِ فَبَكَى،\nــ\nقلت: وظاهره أنهن صلَّين عليه صلاة أخرى، وفيه دليل (١) لمن قال بجواز إعادة الصلاة على الميت كما تقدَّم.\n(١٩) ومن باب: زيارة القبور\nقوله فزوروها نصٌّ في النسخ للمنع المتقدم، لكن اختلف العلماء هل هذا النسخ عام للرجال وللنساء أم هو خاص للرجال دون النساء (٢)؟ والأول أظهر، وقد دلّ على صحة ذلك أنه - ﷺ - قد رأى امرأة تبكي عند قبر فلم ينكر عليها الزيارة، وإنما أنكر عليها البكاء كما تقدّم.\n_________\n(١) في (هـ) و(ظ): حجة.\n(٢) في (هـ): أم هو خاص بالرجال، وبقي حكم النساء على المنع.","vol":"2","page":632},{"text":"فأَبكَى مَن حَولَهُ، فَقَالَ: استَأذَنتُ رَبِّي فِي أَن أَستَغفِرَ لَهَا فَلَم يُؤذَن لِي، وَاستَأذَنتُهُ فِي أَن أَزُورَ قَبرَهَا فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا القُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ المَوتَ.\nرواه أحمد (٢/ ١٤١)، ومسلم (٩٧٦) (١٠٨)، وأبو داود (٣٢٣٤)، والنسائي (٤/ ٩٠)، وابن ماجه (١٥٧٢).\nــ\nوقوله في الحديث الآتي زوروا القبور فإنها تُذَكِّر الموت، وتذَكُّر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء، على أن أصحّ ما في نهي النساء عن زيارة القبور ما خرّجه الترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - لعن زوَّارات القبور (١)، صححه الترمذي، على أن في إسناده عمر بن أبي سلمة وهو ضعيف عندهم. ثم إن هذا اللعن إنما هو للمكثرات من الزيارة؛ لأن زوارات للمبالغة، ويمكن أن يقال: إن النساء إنما يُمنَعن من إكثار الزيارة لما يؤدي إليه الإكثار من تضييع حقوق الزوج والتبرج والشهرة والتشبه بمن يلازم القبور لتعظيمها، ولما يخاف عليها من الصراخ وغير ذلك من المفاسد، وعلى هذا يفرِّق بين الزائرات والزوارات.\nوالصحيح نسخ المنع عن الرجال والنساء كما تقدم، والله تعالى أعلم.\nوسيأتي القول على نسخ منع ادخار لحوم الأضاحي، ومنع الانتباذ في الحنتم والدُّباء والمزفت في بابهما.\nوقد زاد مالك في هذا الحديث لا تقولوا هُجرًا (٢)، وهو الفحش من القول كالنوح والترنم به وغير ذلك، وبكاؤه - ﷺ - على قبر أمه إنما كان لما فاتها من أيامه ومن الإيمان به.\nوقوله فاستأذنته في أن أستغفر لها فلم يُؤذَن لي يحتمل أن يكون هذا\n_________\n(١) رواه الترمذي (١٠٥٦).\n(٢) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٤٨٥)، والحاكم (١/ ٣٧٦).","vol":"2","page":633},{"text":"[٨٤٢]- وعَن عَائِشَةَ: أَلا أُحَدِّثُكُم عَنِّي وَعَن رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ قُلنَا: بَلَىَ. قَالَت: لَمَّا كَانَت لَيلَتِي الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِيهَا عِندِي انقَلَبَ فَوَضَعَ رِدَاءَهُ، وَخَلَعَ نَعلَيهِ فَوَضَعَهُمَا عِندَ رِجلَيهِ، وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ فَاضطَجَعَ، فَلَم يَلبَث إِلا رَيثَمَا ظَنَّ أَن قَد رَقَدتُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيدًا، وَانتَعَلَ رُوَيدًا، وَفَتَحَ البَابَ رُوَيدًا فَخَرَجَ، ثُمَّ أَجَافَهُ رُوَيدًا، فَجَعَلتُ دِرعِي فِي رَأسِي وَاختَمَرتُ وَتَقَنَّعتُ إِزَارِي، ثُمَّ انطَلَقتُ عَلَى إِثرِهِ، حَتَّى جَاءَ البَقِيعَ فَقَامَ فَأَطَالَ القِيَامَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ انحَرَفَ فَانحَرَفتُ، فَأَسرَعَ وَأَسرَعتُ، فَهَروَلَ فَهَروَلتُ، فَأَحضَرَ فَأَحضَرتُ، فَسَبَقتُهُ فَدَخَلتُ، فَلَيسَ إِلا\nــ\nالاستئذان قبل نزول قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَستَغفِرُوا لِلمُشرِكِينَ وَلَو كَانُوا أُولِي قُربَى﴾ ويحتمل أن يكون بعد ذلك وارتجى خصوصية أمّه بذلك، والله تعالى أعلم.\nوهذا التأويل الثاني أولى.\nوقول عائشة فلم يلبث إلا ريثما ظن أني قد رقَدتُ؛ أي مقدار ذلك، ورويدًا أي مترفقًا متمهلا لئلا ينبهها، وهو مصدر في موضع الحال.\nوقولها ثم أجافه رويدًا؛ أي أغلقه بلطف لئلا تعلم بخروجه وبقائها في الليل وحدها فتستوحش وتذعر، وظاهر خروجها خلفه إنما كان لأنها ظنت خروجه إلى بعض أزواجه.\nوالبقيع: هو بقيع الغرقد، وهو مدفن أهل المدينة (١)، والغرقد: شجر العَوسَج. ومعنى انحرف مال للرجوع، والهرولة فوق الإسراع، والإحضار فوق الهرولة، وكلها مراتب الجري.\n_________\n(١) ساقط من (هـ).","vol":"2","page":634},{"text":"أَنِ اضطَجَعتُ فَدَخَلَ، فَقَالَ: مَا لَكِ يَا عَائِشُ حَشيَا رَابِيَةً؟ ! قَالَت: قُلتُ: لا بِي شَيء. قَالَ: أتُخبِرِينِي أَو لَيُخبِرَنِّي اللَّطِيفُ الخَبِيرُ؟ قَالَت: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي أَنتَ وَأُمِّي! فَأَخبَرتُهُ، قَالَ: فَأَنتِ السَّوَادُ الَّذِي رَأَيتُهُ أَمَامِي؟ قُلتُ: نَعَم. فَلَهَدَنِي فِي صَدرِي لَهدَةً أَوجَعَتنِي، ثُمَّ قَالَ: أَظَنَنتِ أَن يَحِيفَ اللهُ عَلَيكِ وَرَسُولُهُ؟ قَالَت: مَهمَا يَكتُمِ النَّاسُ يَعلَمهُ اللهُ. قَالَ رسول الله ﷺ: فَإِنَّ جِبرِيلَ - ﵇ - أَتَانِي حِينَ رَأَيتِ فَنَادَانِي، فَأَخفَاهُ مِنكِ، فَأَجَبتُهُ، فَأَخفَيتُهُ مِنكِ، وَلَم يَكُن يَدخُلُ عَلَيكِ وَقَد وَضَعتِ ثِيَابَكِ، وَظَنَنتُ أَن قَد رَقَدتِ فَكَرِهتُ أَن أُوقِظَكِ، وَخَشِيتُ أَن تَستَوحِشِي، فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَأمُرُكَ أَن تَأتِيَ أَهلَ البَقِيعِ فَتَستَغفِرَ لَهُم! قَالَت: قُلتُ: كَيفَ أَقُولُ\nــ\nوقوله ما لك يا عائش حشيا رابية؟، عائش: منادى مرخَّم، وحشيا رابية: وقع بها الربو، وهو البُهر الذي يلحق من الجري. قال الهروي: يقال منه امرأة حشيا وحشية، ورجل حشيان وحشٍ.\nوقولها في جوابها لا بي شيء قيّد الأسدي هذا الحرف لأيِّ شيء؟ بالياء باثنتين وخفض شيء على الاستفهام تغطية لحالها، كأنها تقول: لأيِّ شيء تسأل؟ ورواه العذري لا بي شيء بالباء الواحدة ورفع شيء على أن تكون لا بمعنى ليس؛ أي: ليس بي شيء - وهي روايتنا، وفي بعض النسخ لا شيء، وهي أقربها.\nوالسواد: الشخص. ولَهَدَني: ضربني ودفعني. قال ابن القوطية: لَهدتُه لَهدًا دفعته، وأَلهَدتُ به قصرت به.\nوقوله أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله؟؛ أي يجور، وهذا يؤيد أنها ظنت أن قد سار إلى بعض أهله.\nوقوله أمرت أن آتي أهلَ البقيع وأستغفر لهم يدلّ على أنه دعا لأهل البقيع واستغفر، وأن هذا هو الذي عبّر عنه في الرواية الأخرى يصلي، وقد","vol":"2","page":635},{"text":"لَهُم يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: قُولِي السَّلامُ عَلَى أَهلِ الدِّيَارِ مِنَ المُؤمِنِينَ وَالمُسلِمِينَ، وَيَرحَمُ اللهُ المُستَقدِمِينَ مِنَّا وَالمُستَأخِرِينَ، وَإِنَّا إِن شَاءَ اللهُ بِكُم لَلاحِقُونَ.\nــ\nقيل: إنه صلّى عليهم صلاته على الجنازة، ويؤيد هذا القول أنه قد جاء في حديث مالك فأُصلّي عليهم.\nوقولها فقام فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرار، ثم الذي يقول بهذا يرى أن ذلك خصوص بالنبي ﷺ، والأول أظهر، وهذا محتمل.\nوقوله السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين هذا يدل على أن السلام على الموتى كالسلام على الأحياء خلافًا لمن قال: إن تحية الميت: عليك السلام - بتقديم عليك السلام، تمسكًا بما روي أن النبي - ﷺ - سلّم رجلٌ عليه فقال: عليك السلام يا رسول الله! فقال: لا تقل عليك السلام؛ فإن عليك السلام تحية الميت (١). وهذا لا حجَّة فيه؛ لأنه - ﷺ - إنما كره منه أن يبدأ بعليك السلام؛ لأنه كذلك كانت تحية الجاهلية للموتى، كما قال شاعرهم:\nعليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحّما\nومقصوده - ﷺ - أن سلام المؤمنين (٢) على الأحياء والموتى مخالف لما كانت الجاهلية تفعله وتقوله، والله أعلم.\nوقد تقدّم قوله وإنا إن شاء الله بكم لاحقون في الطهارة.\nوفي إسناد هذا الحديث قال ابن جريج: أخبرني عبد الله رجل من قريش، عن محمد بن قيس بن\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٦٣)، وأبو داود (٤٠٨٤)، والترمذي (٢٧٢١)، وابن حبان (٥٢٢).\n(٢) في (ع): المسلمين.","vol":"2","page":636},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: أَسأَلُ الله لَنَا وَلَكُم العَافِيَةَ.\nرواه أحمد (٦/ ٢٢١)، ومسلم (٩٧٤) ١٠٣ و(٩٧٥)، والنسائي (٧/ ٧٢ - ٧٣)، وابن ماجه (١٥٤٦) مختصرًا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-324>(٢٠) باب من لا يصلى عليه</span>\n[٨٤٣]- عن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفسَهُ بِمَشَاقِصَ فَلَم يُصَلِّ عَلَيهِ.\nرواه مسلم (٩٧٨)، والترمذي (١٠٦٨)، والنسائي (٤/ ٦٦).\nــ\nمخرمة - هذا الرجل هو عبد الله بن أبي مُلَيكَة على ما قاله النسائي وأبو نعيم الجرجاني وأبو بكر وأبو عبد الله الجيزي. وقال الدارقطني: هو عبد الله بن كثير بن المطلب بن أبي ودَاعَة السهمي.\n(٢٠) ومن باب: من لا يصلّى عليه\nقوله قتل نفسه بمشاقص، هكذا صحيح الرواية فيه، وهو جمع مشقص وهو السكين على الخلاف الذي ذكرناه في كتاب الإيمان، وقد رواه الطبري بمشقاص بألف، وليس بشيء، وصوابه مشقص.\nولعل هذا القاتل لنفسه كان مستحلا لقتل نفسه فمات كافرًا فلم يصل عليه لذلك، وأما المسلم القاتل لنفسه فيصلّى عليه عند كافة العلماء، وكذلك المقتول","vol":"2","page":637},{"text":"[٨٤٤]- وَعَنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ جَاءَ ابنُهُ عبد الله بنُ عبد الله إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَسَأَلَهُ أَن يُعطِيَهُ قَمِيصَهُ\nــ\nفي حدٍّ أو قصاص، ومرتكب الكبائر وولد الزنى، غير أن أهل الفضل يجتنبون الصلاة على المبتدعة والبغاة وأصحاب الكبائر ردّعًا لأمثالهم. ويجتنب الإمام خاصة الصلاة على من قتله في حدّ، وحُكي عن بعض السلف خلافٌ في بعض صور؛ فعن الزهري: لا يصلّى على المرجوم، ويصلّى على المقتول في قود. وقال أحمد: لا يصلّي الإمام على قاتل نفس ولا غالّ. وقال أبو حنيفة: لا يصلّى على محارب، ولا على من قُتل من الفئة الباغية. وقال الشافعي: لا يصلّى على من ترك الصلاة إذا قتل، ويصلّى على من سواه. وعن الحسن: لا يصلّى على النفساء تموت من زنى، ولا على ولدها - وقاله قتادة في ولد الزنى. وعن بعض السلف خلاف في الصلاة على الطفل الصغير لما جاء أن النبي - ﷺ - لم يصل على إبراهيم ابنه (١)، وقد جاء عنه أنه صلّى عليه (٢)، ذكر الحديثين أبو داود، وقد علل ترك الصلاة عليه بعلل ضعيفة أشبهها أنه لم يصل عليه هو بنفسه لشغله بكسوف الشمس، وصلّى عليه غيره، والله أعلم.\nواختلفوا في الصلاة على السّقط؛ فذهب بعض السلف وفقهاء المحدِّثين إلى الصلاة عليه، والجمهور على أنه لا يصلّى عليه حتى يستهل صارخًا أو تُعرف حياته. وقال بعض السلف: يصلى عليه متى نُفخ فيه الروح وتمت له أربعة أشهر. وأما المقتول في معترك العدوّ فلا يُغَسَّل ولا يُصلَّى عليه عند مالك، ويفعل ذلك به عند غيره، وفرَّق أبو حنيفة بين الغسل والصلاة فأثبتها وأسقطه، واختلف أصحابنا لو كان الشهيد جنبًا هل يُغسّل أم لا؟ قولان.\nوعبد الله بن أبيّ ابن سلول هو عبد الله بن أبي بن مالك، وسلول: أم\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣١٨٧) من حديث عائشة ﵂.\n(٢) رواه أبو داود (٣١٨٨).","vol":"2","page":638},{"text":"يُكَفِّنَ فِيهِ أَبَاهُ، فَأَعطَاهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ أَن يُصَلِّيَ عَلَيهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِيُصَلِّيَ عَلَيهِ، فَقَامَ عُمَرُ وَأَخَذَ بِثَوبِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُصَلِّي عَلَيهِ وَقَد نَهَاكَ اللهُ أَن تُصَلِّيَ عَلَيهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللهُ\nــ\nأبيّ، فتارة ينسب أبيّ إليها وتارة إلى أبيه مالك، وكان عبد الله هذا سيد الخزرج في آخر جاهليتهم، فلما ظهر النبي - ﷺ - وانصرف الخزرج وغيرهم إليه حسده عبد الله وناصبه العداوة، غير أن الإسلام غلبه فنافق، وكان رأسًا في المنافقين، وهو أعظمهم نفاقًا وأشدهم كفرًا، وكان المنافقون خلقًا كثيرًا، حتى لقد روي عن ابن عباس أنهم كانوا ثلاثمائة رجل ومائة وسبعين امرأة، وكان لعبد الله هذا ولد اسمه عبد الله هو من فضلاء أصحاب رسول الله - ﷺ - ومن أصدقهم إسلامًا وأكثرهم عبادة وأشرحهم صدرًا ﵁، وكان أبرَّ الناس بأبيه هذا، ومع ذلك؛ فقال يومًا لرسول الله ﷺ: يا رسول الله! إنك لتعلم أني من أبرِّ الناس بأبي، ولكن إن أمرتني أن آتيك برأسه فعلت! فقال له رسول الله ﷺ: بل نعفو عنه (١). فكان من أحرص الناس على إسلام أبيه وعلى أن ينتفع أبوه من بركات رسول الله - ﷺ - بشيء، ولذلك لما مات سأل ابنُه النبيَّ - ﷺ - أن يعطيه قميصه ليكفنه فيه لينال من بركة رسول الله ﷺ، فأعطاه رسول الله - ﷺ - قميصه، وسأله أن يصلي عليه فصلّى عليه، كل ذلك إكرام لابنه وإسعاف له في طلبته (٢). وقد روي أيضًا أن النبي - ﷺ - إنما أعطاه قميصه لأن عبد الله كان قد أعطى العباس عم النبي - ﷺ - يوم بدر قميصًا، وذلك أن العباس أُسر يوم بدر وسلب، فمرَّ به عبد الله فأعطاه قميصه، فكافأه النبي - ﷺ - بذلك.\nوقول عمر - ﵁ - في هذا الحديث أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلّي عليه؟ يحتمل أن يقال: كان هذا قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ\n_________\n(١) ذكره ابن هشام في السيرة (٢/ ٢٩٣). وانظر: فتح الباري (٨/ ٦٥٠).\n(٢) حديث صلاة رسول الله - ﷺ - على ابن أبي بن سلول، وَرَدَ في صحيح مسلم برقم (٢٤٠٠/ ٢٥).","vol":"2","page":639},{"text":"فَقَالَ: ﴿استَغفِر لَهُم أَو لا تَستَغفِر لَهُم إِن تَستَغفِر لَهُم سَبعِينَ مَرَّةً﴾ وَسَأَزِيدُ عَلَى سَبعِينَ. قَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ! فَصَلَّى عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَأَنزَلَ اللهُ ﷿: وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنهُم مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُم عَلَى قَبرِهِ.\nــ\nمِنهُم مَاتَ أَبَدًا﴾ ويظهر من هذا المساق أن عمر - ﵁ - وقع له في خاطره أن الله نهاه عن الصلاة عليه قبل نزول الآية، ويكون هذا من قبيل الإلهام والتحديث (١) الذي شهد له به النبي ﷺ، ويحتمل أن يكون فهم ذلك من سياق قوله تعالى: ﴿استَغفِر لَهُم أَو لا تَستَغفِر لَهُم﴾ وهذان التأويلان فيهما بُعد، والذي يظهر لي - والله تعالى أعلم - أن البخاري ذكر هذا الحديث من رواية ابن عباس وساقه سياقةً هي أتقن من هذه، وليس فيها هذا اللفظ، فقال عنه عن عمر: لما مات عبد الله بن أُبي ابن سلول دعي له رسول الله - ﷺ - ليصلّي عليه، فلما قام رسول الله - ﷺ - قال عمر: وثبتُ إليه فقلت: يا رسول الله، أتصلي على ابن أُبيّ وقد قال يوم كذا كذا وكذا؟ أعدِّد عليه. قال: فتبسّم رسولُ الله - ﷺ - وقال: أخِّر عني. فلما أكثرتُ عليه قال: إني خُيِّرت فاخترت، لو أنّي أعلم أنّي إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها. قال: فصلّى عليه رسول الله - ﷺ - ثم انصرف، فلم يمكث إلا يسيرًا حتى نزلت الآيتان من براءة: وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنهُم مَاتَ أَبَدًا. قال: فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله ﷺ (٢). والله ورسوله أعلم.\nقلت: وهذا مساق حسن وترتيب متقن، ليس فيه شيء من الإشكال المتقدّم، فهو الأولى.\nوقوله ﷺ سأزيد على السبعين وعد بالزيادة، وهو مخالف لما في\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٦٧١).\n(٢) رواه البخاري (٤٦٧٦)، ومسلم (٢٤)، والنسائي (٤/ ٩٠ و٩١) من حديث المسيب بن حزن ﵁.","vol":"2","page":640},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: فَتَرَكَ الصَّلاةَ عَلَيهِم.\nرواه البخاري (٤٦٧٠)، ومسلم (٢٤٠٠)، والنسائي (٤/ ٦٧ - ٦٨).\n* * *\nــ\nحديث ابن عباس فإن فيه: لو أعلم أني إن زدت على السبعين غُفر له لزدت - وهذا تقييد لذلك الوعد المطلق، والأحاديث يفسّر بعضها بعضًا ويقيد بعضها ببعض، وقد قلنا: إن هذا الحديث أولى. وتخصيص الله تعالى العدد بالسبعين على جهة الإغياء، وعلى عادة العرب في استعمالهم هذا العدد في البعد والإغياء، فإذا قال قائلهم لا أكلمه سبعين سنة صار عندهم بمنزلة قولهم لا أكلمه أبدًا، ولذلك قال ﷺ: لو أعلم أني إذا زدت غفر له لزدت - فقد علم أنه لا يغفر له، وقد قيل له في موضع آخر: ﴿سَوَاءٌ عَلَيهِم أَستَغفَرتَ لَهُم أَم لَم تَستَغفِر لَهُم لَن يَغفِرَ اللَّهُ لَهُم﴾\nوقوله ﷺ إني خيّرت مشكل مع قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَستَغفِرُوا لِلمُشرِكِينَ وَلَو كَانُوا أُولِي قُربَى﴾ الآية، وقد تقدم أنّ هذه الآية نزلت بعد موت أبي طالب حين قال ﷺ: والله لأستغفرنَّ لك ما لم أُنهَ عنك - وهذا يفهم منه النهي عن الاستغفار لمن مات كافرًا، وهو متقدم على الآية التي فهم منها التخيير. والجواب عن الإشكال أن المنهي عنه في هذه الآية استغفار مرجوّ الإجابة حتى يكون مقصوده تحصيل المغفرة لهم كما فعل بأبي طالب، فإنه إنما استغفر له كما استغفر إبراهيم - صلوات الله عليه وسلامه - لأبيه على جهة أن يجيبهما الله تعالى فيغفر للمدعوّ لهما، وفي هذا الاستغفار استأذن النبي - ﷺ - ربه في أن يأذن له فيه لأمّه فلم يُؤذن له فيه، وهذا النوع هو الذي تناوله منع الله تعالى ونهيه، وأما الاستغفار لأولئك المنافقين الذي خيّر فيه فهو استغفار","vol":"2","page":641},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-325>(٢١) باب النهي عن تمني الموت لضر نزل به</span>\n[٨٤٥]- عَن أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِن كَانَ لا بُدَّ مُتَمَنِّيًا فَليَقُلِ: اللهُمَّ أَحيِنِي مَا كَانَتِ الحَيَاةُ خَيرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيرًا لِي.\nرواه أحمد (٣/ ٢٨١)، والبخاري (٦٣٥١)، ومسلم (٢٦٨٠) (١٠)،\nوأبو داود (٣١٠٩)، والترمذي (٢٩٧١)، والنسائي (٤/ ٣)، وابن ماجه (٤٢٦٥).\n[٨٤٦]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللهِ ﷺ: لا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ\nــ\nلسانيّ علم النبي - ﷺ أنه لا يقع ولا ينفع، وغايته لو وقع تطييب قلوب بعض الأحياء من قرابات المستغفر لهم، فانفصل المنهي عنه من المخيّر فيه وارتفع الإشكال، والحمد لله.\n(٢١) ومن باب: النهي عن تمني الموت لضرٍّ نزل به\nقوله ﷺ لا يتمنَّيَنَّ أحدُكم الموتَ لضرٍّ نزل به، إنما نهي عن تمني الموت لأجل الضر؛ لأن ذلك دليل على الضجر والتسخط بالمقدور وعدم الصبر والرضا، هذا مقصود هذا الحديث، وأما حديث أبي هريرة ففيه النهي عن تَمنِّي الموت مطلقًا لضرٍّ ولغير ضرٍّ، ألا ترى أنه علّل النهيَ بانقطاع العمر؟ فهذان الحديثان يفيدان مقصودين مختلفين لا يحمل أحدهما على الآخر.\nوقوله فإن كان لا بدّ متمنيًا فليقل: اللهم أحيِنِي ما كانت الحياة خيرًا لي، في هذا الحديث دليل على استعمال التفويض وسؤال الخيرة، حتى فيما لا بدّ منه وهو الموت، وقد كان النبي - ﷺ - يعلمهم الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمهم السورة من القرآن، فإذا تمنى الموت وجزم به كان قد اختار لنفسه","vol":"2","page":642},{"text":"المَوتَ وَلا يَدعُو بِهِ مِن قَبلِ أَن يَأتِيَهُ، إِنَّهُ إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمُ انقَطَعَ عَمَلُهُ، وَإِنَّهُ لا يَزِيدُ المُؤمِنَ عمره إِلا خَيرًا.\nرواه أحمد (٢/ ٣٠٩)، والبخاري (٥٣٧٦)، ومسلم (٢٦٨٢)، والترمذي (٢٤٠٣)، والنسائي (٤/ ٣٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-326>(٢٢) باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه</span>\n[٨٤٧]- عَن عَائِشَةَ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَن أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَن كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ. فَقُلتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَكَرَاهِيَةُ المَوتِ؟ فَكُلُّنَا نَكرَهُ المَوتَ! قَالَ: لَيسَ كَذَلِكِ؛ وَلَكِنَّ المُؤمِنَ إِذَا بُشِّرَ بِرَحمَةِ اللهِ وَرِضوَانِهِ وَجَنَّتِهِ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ فَأَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الكَافِرَ\nــ\nما لعلّه ينقطع عنه به خير، كما قال ﷺ: إن المؤمن لا يزيده عمره إلا خيرًا (١). وقد فسّر هذا الخير البخاري فزاد في هذا الحديث فقال: لا يتمنّى أحدكم الموت، إما محسنًا فلعله يزداد حسنًا، وإمّا مسيئًا فلعله أن يستعتب (٢). والاستعتاب: طلب العتبى، وهو الرضا، وذلك لا يحصل إلا بالتوبة والرجوع عن الذنوب.\n(٢٢) ومن باب: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه\nقولها كلنا يكره الموت قول من ظن أنه قد عبّر عن الموت بلقاء الله تعالى توسُّعًا، فأجيب (٣) بما يقتضي أن لقاءَ الله بعد الموت، وقد نصَّ على ذلك\n_________\n(١) رواه أحمد (٦/ ٢٣)، وانظر: فتح الباري (١٠/ ١٣١).\n(٢) رواه البخاري (٥٦٧٣).\n(٣) في (ظ) و(هـ): فأجيبت.","vol":"2","page":643},{"text":"إِذَا بُشِّرَ بِعَذَابِ اللهِ وَسَخَطِهِ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ وَكَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ.\nوَفِي أُخرَى: وَالمَوتُ قَبلَ لِقَاءِ اللهِ.\nرواه أحمد (٦/ ٤٤ و٥٥)، والبخاري (٦٥٠٧)، ومسلم (٢٦٨٤) (١٥ و١٦)، والترمذي (١٠٦٧)، والنسائي (٤/ ١٠)، وابن ماجه (٤٢٦٤).\n* * *\nــ\nفي طريق آخر فقال: ولقاء الله بعد الموت.\nوفي هذا الحديث ما يدلّ على أنه لا يخرج أحدٌ من هذه الدار حتى يعلم ما له عند الله تعالى من خير أو شر، وقد قيل ذلك في قوله تعالى: ﴿لَهُمُ البُشرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا﴾\nوهذه الكراهية للموت هي الكراهية الطبيعية التي هي راجعة إلى النفرة عن المكروه والضرر واستصعاب ذلك على النفوس، ولا شك في وجدانها لكلِّ أحد، غير أن مَن رزقه الله تعالى ذوقًا من محبته أو انكشف له شيء من جمال حضرته غلب عليه ما يجده من خالص محبته، فقال عند أزوف رحلته مخاطبًا للموت وسكرته كما قال معاذ ﵁: حبيبٌ جاء على فاقة، لا أفلح اليوم من ندم!\nوكان يقول عند اشتداد السكرات: اخنُقنِي خنقَك، فوَحقِّكَ إن قلبي ليحبُّك!\n* * *","vol":"3","page":644},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-327>(٩) كتاب الزكاة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-328>(١) باب ما تجب فيه الزكاة، وكم مقدار ما يخرج</span>\n[٨٤٨] عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ، عَن رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: (لَيسَ فِيمَا دُونَ خَمسِ أَوَاقٍ مِنَ الوَرِقِ صَدَقَةٌ،\nــ\n(٩) كتاب الزكاة\nقد تقدم اشتقاق الزكاة في كتاب الإيمان، وتسمى أيضًا: صدقة، مأخوذة من الصدق؛ إذ هي دليل على صحة إيمانه، وصدق باطنه مع ظاهره، وقد تقدم استيفاء ذلك (١) المعنى في كتاب الطهارة.\nوشرعها الله تعالى مواساة للفقراء، وتطهيرًا للأغنياء من البخل. وإنما تجب على من كان له مِن المال ما له بال. وأقل ذلك: النصاب على ما يأتي بيانه.\nثم موضوعها: الأموال النامية (٢)؛ أي: الصالحة للنماء، وهي: العين، والحرث والماشية، ثم هذه الأصول منها ما ينمي بنفسه، كالحرث والماشية؛ ومنها ما ينمو بتغيير عينه وتقليبه، كالعين. والإجماع منعقدٌ على تعلق الزكاة بأعيان هذه المسميات. فأما الزكاة بما سواها من العروض والديون؛ ففيها للفقهاء ثلاثة أقوال:\nفأبو حنيفة: يوجبها على الإطلاق، وداود يسقطها في ذلك، ومالك: يوجبها في عروض التجارة، وفي الديون تفصيل يعرف في كتب فقهه، وستأتي حجة كل فريق في تضاعيف الكلام.\n(١) ومن باب: ما تجب فيه الزكاة، وكم مقدار ما يخرج (٣)\n(قوله - ﷺ -: (ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة)، أواقٍ: جمع\n_________\n(١) في (هـ) و(ظ): هذا\n(٢) ساقط من (ع).\n(٣) العنوان مستدرك من التلخيص.","vol":"3","page":5},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nأوقية. قال أبو عبيد: هي اسم لوزن مبلغه أربعون درهمًا كيلًا. قال ابن السكيت: الأُوقيّة - ضم الهمزة وتشديد الياء -، وجمعها أواق. ولا يقال: وَقية - بفتح الواو - من غير همزة. وحكى اللحياني أنه يقال: وتجمع: وقايا.\nودرهم الكيل زنته خمسون حبةً وخُمُسَا حبة، وسمي درهم الكيل؛ لأنه بتكييل عبد الملك بن مروان؛ أي: بتقديره وتحقيقه، وذلك أن الدراهم التي كان الناس يتعاملون بها على وجه الدهر نوعان:\nنوع عليه نقش فارس.\nونوع عليه نقش الروم.\nأحد النوعين يقال له: البَغلِيّة، وهي السود، الدرهم منها ثمانية دوانق، والأخرى يقال لها: الطبرية (١)، وهي العُتُق، الدرهم منها من أربعة دوانق، فجاء الإسلام وهي كذلك، فكان الناس يتعاملون بها مجموعة على الشطر من هذه والشطر من هذه لدى الإطلاق؛ ما لم يعينوا بالنص أحد النوعين.\nوكذلك كانوا يؤدون الزكاة في أول الإسلام؛ باعتبار مائة من هذه، ومائة من هذه في النصاب. ذكر هذا أبو عبيد وغيره، فلما كان عبد الملك بن مروان تَحَرَّجَ من نقوشها، فضرب الدرهم بنقش الإسلام بعد أن تحرى معاملتهم الإطلاقية، فجمع بين درهم بغلي من ثمانية دوانق، وبين درهم طبري من أربعة دوانق، فكان اثني عشر دانقا، فقسمها نصفين، فضرب الدرهم من نصفها وهو ستة دوانق، والدانق: ثمان حبات، وثُلُث حبة، وثُلُثَا خُمُسِ حبة من الشعير المطلق.\nواتفق المسلمون على اعتبار درهم الكيل المذكور؛ لموافقته ما كان معتبرًا من عهد النبي - ﷺ - وإلى أن ضربت، وأن نصاب الزكاة مائتا درهم من دراهم الكيل.\n_________\n(١) نسبة إلى طبرستان.","vol":"3","page":6},{"text":"وَلَيسَ فِيمَا دُونَ\nــ\nوهي الخمسة الأواقي المذكورة في الحديث. ولم يخالفه في ذلك إلا من زعم أن أهل كل بلد يعتبرون النصاب بما يجري عندهم من الدراهم، صغرت أو كبرت. وهو مذهب ابن حبيب الأندلسي.\nوالصحيح ما ذهب إليه الجمهور، ويعضده قوله - ﷺ -: (الوزن على وزن أهل مكة) (١)، وهو حديث صحيح. وقد تقدّم أن هذا المقدار المذكور هو الذي كان [على] وزن أهل مكة، في عصر النبي - ﷺ -.\nوأما دينار الذهب: فهو أربعة وعشرون قيراطًا. والقيراط: ثلاث حبات من وسط الشعير، فمجموعه اثنتان وسبعون حبة، وهو مجمع عليه.\nوالوَرِق: بكسر الراء على الأصل ككَبِد، وبإسكانها تخفيف، كما يقال: كبد وفخذ، وهي الدراهم خاصة. ويقال عليها أيضا (٢): الرقة - بتخفيف القاف.\nومنه قوله: (في الرِّقة ربع العشر) (٣). قال أبو بكر: جمعها: رقات ورقون. ومنه قولهم: وجدان الرقين يغطي أَفَن الأَفِين؛ أي: وجدان الدراهم يغطي عيب المعيب.\nقال الهروي: يقال: رجل وارّق: كثير الوَرِق.\nوقال بعضهم: لا يقال: لغير الدراهم وَرِق، ولا رِقَة. وإنما يقال لها (٤): فضة. وأما الفقهاء: فالفضة والورق عندهم سواء. وكذلك قال ابن قتيبة: إن الرقة والورق: الفضة، مسكوكها، وغير مسكوكها.\nوقوله: (ليس فيما دون)؛ ظاهره أنه إذا نقص من النصاب ولو أقل ما\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٦ و٤٥)، والبخاري (١٤٥٩)، ومسلم (٩٧٩/ ٢)، والنسائي (٥/ ٣٦)، وابن ماجه (١٧٩٣) من حديث ابن عباس ﵄.\n(٢) ساقط من (ع).\n(٣) رواه مالك في الموطأ (١/ ٢٥٩٠).\n(٤) ساقط من (ع).","vol":"3","page":7},{"text":"خَمسِ ذَودٍ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةٌ،\nــ\nينطلق عليه اسم النقص، لم تجب فيه زكاة، وبه قال أبو حنيفة. وقال مالك: إذا كان النقصان يسيرًا لم تسقط الزكاة.\nواختلف أصحابه في مقدار اليسير:\nفمنهم من قال: هو ما لا يتشاح فيه في العادة.\nومنهم من فسره: بأنه المقدار الذي تختلف فيه الموازين. وهذا عندهم بشرط جوازها بجواز الوازنة.\nوحكي عن عمر بن عبد العزيز: أن نصاب الدراهم إن نقص ثلاثة دراهم، ونصاب الذهب إن نقص ثلث دينار، لم تسقط الزكاة.\nوالظاهر مع أبي حنيفة، والمعنى مع أصحابنا.\nودون في كل مواضع هذا الحديث بمعنى: أقل؛ أي: ليس في أقل من خمس صدقة، لا أنه نفى عن غير الخمس الصدقة، كما زعم بعضهم في قوله: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة)؛ أنها (١) بمعنى غير.\nوقوله: (خمس ذود): الرواية المشهورة فيه على الإضافة، ومنهم من يرويه بالتنوين على البدل. والصحيح في الرواية إسقاط الهاء من خمس على التأنيث. وأثبتها بعضهم على التذكير، وهذا على الخلاف في الذود، هل يطلق على الإناث أو على الذكور؟ على ما يأتي.\nوأصل وضع الذود إنما هو مصدر، من ذاد يذود، إذا دفع شيئًا، فكأن من كان عنده دفع عن نفسه معرّة الفقر، أو شدّة الفاقة والحاجة. واختلف اللغويون فيه:\nفقال أبو عبيد: هو ما بين الثنتين إلى التسع، ومن الإناث دون الذكور. ونحوه عند سيبويه في التأنيث، فقال: يقال: ثلاث ذَودٍ؛ لأن الذود أنثى، وليس باسم كسر عليه مذكره.\nوقال الأصمعي: الذود: ما بين الثلاث إلى العشر. والضُّبة: خمس أو ست، والصِّرمَة: ما بين العشر إلى العشرين، والفَكَرَة: ما بين العشرين إلى الثلاثين، والهَجمَةُ: ما بين الستين إلى السبعين، والهُنَيدةُ: مائة، والخِطرُ: نحو المائتين، والعَرج: من خمسمائة إلى الألف. قال غيره: وهِندُ - غير مصغر -: مائتان، وأمَامَة: ثلاثمائة. وأنكر\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"3","page":8},{"text":"وَلَيسَ فِيمَا دُونَ خَمسَةِ أَوسُقٍ مِنَ التَّمرِ صَدَقَةٌ).\nرواه مسلم (٩٨٠).\nــ\nابن قتيبة أن يراد بالذود: الواحد، وقال: لا يصح أن يقال: خمس ذود، كما لا يقال: خمس ثوب.\nوقال القاضي عياض: الذود: ما بين الثلاثة إلى العشرة، ولا واحد له من لفظه، إنما يقال في الواحد: بعير، كما يقال للواحدة من النساء: امرأة. وقال غيره: خمس ذود، كما يقال خمس أبعرة، وخمسة جمال، وخمس نوق. وقد نصّ بعض اللغويين: على أن الذود يكون وحدًا.\nوقال أبو حاتم: تركوا القياس في الجمع فقالوا: ثلاث ذود لثلاث من الإبل، وأربعُ ذودٍ، وعشرُ ذود على غير قياس، كما قالوا: ثلاثمائة وأربعمائة، والقياس: مِائِتين ومِئات، ولا يكاد يقولونه.\nقلت: وهذا صريح بأن الذود واحد في لفظه، والأشهر ما قاله المتقدمون: إنه لا يقال على الواحد، والله أعلم.\nوقوله: (ليس فيما دون خمسة أوسُق صدقة)؛ الأوسق: جمع قلة الوِسق، كفِلس وأَفلُس، ويقال: أَوسَاق: جمع وِسق - بكسر الواو -، كما يقال: عِدل وأعدَال.\nواختلفوا في اشتقاقه، فقال شمر: كل شيء حملتَه فقد وسقتَه، يقال: ما أفعلُ كذا ما وسقت عيني الماء: أي: ما حملته. وقال غيره: الوسق: ضمك الشيء إلى الشيء وجمعه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللَّيلِ وَمَا وَسَقَ﴾؛ أي: جمع وضم، يقال للذي يجمع الإبل: وَاسِق، وللإبل نفسها: وَسَقَت، وقد وَسَقتُها فاستَوسَقَت؛ أي: اجتمعت وانضمت.\nوقال الخطابي: الوسق: تمام حمل الدواب النقالة، وهو ستون صاعًا. قال غيره (١): والصاع: أربعة أمداد، والمُد: رطل وثلث بالعراقي. والرطل العراقي: هو اثنا عشر أوقية. والأوقية هنا:\n_________\n(١) من (هـ) و(ظ).","vol":"3","page":9},{"text":"[٨٤٩] وَعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيَّ؛ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: لَيسَ فِي حَبٍّ وَلا تَمرٍ صَدَقَةٌ حَتَّى يَبلُغَ خَمسَةَ أَوسُقٍ الحديث.\nــ\nهي زنة عشرَةِ دراهمَ وثلثي درهم، من دراهم الكيل، فمبلغ زنة الرطل من دراهم الكيل: مائة درهم وثمانية وعشرون درهمًا.\nولم يجر في هذا الحديث ذكر لنصاب الذهب، ولا وقع في الصحيحين، ولا ما يدلّ على اشتراط الحول في الزكاة.\nوقد ذكر أبو داود ما يدل عليهما، فروى بإسناد صحيح إلى أبي إسحاق السبيعي، عن عاصم بن ضمرة والحارث الأعور، عن علي بن أبي طالب ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: (إذا كانت لك مائتا درهم، وحال عليها الحول، ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء - يعني: في الذهب - حتى يكون لك عشرون دينارًا، فإذا كان لك عشرون دينارًا، وحال عليها الحول، ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك)، قال: ولا أدري أعليٌّ يقول بحساب ذلك، أو رفعه إلى النبي - ﷺ -: وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول (١).\nقلت: هذا الحديث غاية ما قيل فيه: أن جرير بن حازم رواه عن أبي إسحاق، وقرن فيه بين عاصم بن ضمرة، وهو ثقة، وبين الحارث الأعور، وهو كذاب. ورواه جماعة من الأئمة عن أبي إسحاق، عن عاصم موقوفًا على عليّ، فقال من رَدَّ ذلك الحديث: لعل جريرًا سمعه من أبي إسحاق عن عاصم موقوفًا، وسمعه عنه الحارث (٢) في هذا الحديث مسندًا، ولذلك قرن بينهما، وكأن الإسناد متلقى عن الحارث.\nوهذا لا ينبغي أن يُردَّ الخبر له، لأنه وهمٌ، وظَنٌّ غير محقق، بل هو مردود؛ لأن المعتمد ثقة جرير وأمانته، وقد أخبر بأنه سمعه منهما في مساق\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٥٧٣).\n(٢) ساقط من (ع).","vol":"3","page":10},{"text":"رواه أحمد (٣/ ٤٤ - ٤٥)، والبخاري (١٤٤٧)، ومسلم (٩٧٩)، وأبو داود (١٥٥٨)، والنسائي (٥/ ١٧).\nــ\nواحد، وظاهره: أنه تلقاه عن كل واحد منهما على نحو ما تلقاه عن الآخر، فيُعتَمد على رواية الثقة، وتلغى رواية غيره، ولا يضره وقف من وقفه، إذا كان الذي رفعه ثقة.\nقال القاضي عياض: فأما نصاب الذهب فهو عشرون دينارًا، والمُعوِّل في تحديده على الإجماع، وقد حكي فيه خلاف شاذ، وورد فيه أيضًا حديث عن النبي - ﷺ -.\nقلت: وأما نصاب الإبل والغنم، فلم يخرج في كتاب مسلم من ذلك شيء. وقد خرَّج البخاري فيه كتاب النبي - ﷺ - لأبي بكر الصديق. وأما نصاب البقر فلم يقع في الصحيحين شيء من ذلك. وقد روى في ذلك النسائي عن مسروق، عن معاذ بن جبل قال: لما بعثه رسول الله - ﷺ - إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعًا أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة، ومن كل حالمٍ دينارًا، أو عِدلَه مَعَافِر (١). غير أنه منقطع، لم يلق مسروق معاذًا. وقد خرَّجه الترمذي عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، ولم يسمع أبو عبيدة من أبيه. ورواه مالك عن طاوس، عن معاذ من فعله موقوفًا، وطاوس لم يدرك معاذًا.\nوأحسن ما في الباب ما خرَّجه الدارقطني، عن الشعبي، عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: (في كل أربعين من البقر مسنة، وفي كل ثلاثين تبيع أو تبيعة) (٢)، قال: هذا يروى مرسلًا عن الشعبي، وهو الصواب.\nقال أبو محمد بن حزم: قد صح الإجماع المتيقن المقطوع به، الذي\n_________\n(١) رواه النسائي (٥/ ٢٦)، والترمذي (٦٢٥)، ومالك في الموطأ (١/ ٢٥٩).\n\"المعافر\": برود (ملابس) يمنية، منسوبة إلى معافر، وهي قبيلة باليمن.\n(٢) رواه الدارقطني (٢/ ١٠٣)، والطبراني في الكبير (١٠٩٧٤) من حديث ابن عباس.","vol":"3","page":11},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nلا اختلاف فيه: أن في كل خمسين بقرةٍ: بقرةٌ. فوجب الأخذ بهذا، وما دون ذلك مختلف فيه، ولا نص في إيجابه.\nقلت: وحديث جابر وأبي سعيد يدلان: على أن ما نقص عن هذه النصب ليس فيه زكاة، ولا خلاف في ذلك، إلا ما ذهب إليه أبو حنيفة وبعض السلف من أن الحب تخرج الزكاة من قليله وكثيره، والحديثان حجتان عليهم.\nوقال داود: كل ما يدخله الكيل فتراعى فيه الخمسة الأوسق، وما عداه مما لا يوسق، ففي قليله وكثيره الزكاة.\nقال القاضي عياض: وأجمعوا على أن في عشرين دينارًا الزكاة. ولا تجب في أقل منها، إلا ما روي عن الحسن والزهري مما لم يتابعا عليه: أن لا صدقة في أقل من أربعين دينارًا، والأشهر عنهما ما روي عن الجماعة. وروي عن بعض السلف: أن الذهب إذا كانت قيمته مائتي درهم فيها الزكاة، فإن نقصت عن ذلك فلا شيء فيه.\nواتفقوا على أن ما زاد من الحب على خمسة أوسق، أن الزكاة في قليله وكثيره، ولا وَقَصَ فيه. واتفقوا على الأوقاص في المواشي.\nواختلفوا في الذهب والفضة، فذهب مالك والشافعي وبعض السلف والجمهور إلى أن لا وقَصَ فيهما. وذهب أبو حنيفة وبعض الجماعة إلا أنه لا شيء فيما زاد على المائتي درهم حتى تبلغ أربعين، ولا على العشرين دينارًا حتى تبلغ أربعة دنانير، فإذا زادت على ذلك، ففي كل أربعين درهمًا درهم. وفي كل أربعة دنانير درهم، ومعتمدهم في هذا: حديث ضعيف لا أصل له.\nومالك وجمهور علماء الأمصار يرون ضَمَّ الذهب والفضة على اختلاف بينهم: فمالك وجماعة يراعون الوزن، والضم على الأجزاء لا على القيم، ويُنزِلُون كل دينار منزلة عشرة دراهم على الصرف القديم. وأبو حنيفة والأوزاعي والثوري يرون ضمها على القيمة في وقت الزكاة.\nوقال الشافعي وداود وأبو ثور وأحمد: لا يضم منها (١) شيء إلى شيء، ويراعى نصاب كل واحد منهما بنفسه.\nوذهب آخرون إلى\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"3","page":12},{"text":"[٨٥٠] وَعَن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: فِيمَا سَقَتِ الأَنهَارُ وَالغَيمُ العُشُورُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّانِيَةِ نِصفُ العُشرِ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٤١)، ومسلم (٩٨١)، وأبو داود (١٥٩٧)، والنسائي (٥/ ٤٢).\n* * *\nــ\nأنه إنما يضم إذا كمل من أحدهما نصاب، فيضم الآخر، ويزكى الجميع.\nوقوله: (فيما سقت الأنهار والغيم العُشور، وفيما سُقي بالسانية نصف العشر)؛ كذا ساق حديث جابر هنا.\nوفي البخاري من حديث ابن عمر مرفوعًا: (فيما سقت السماء والعيون أو كان عَشرِيًا: العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر).\nوالأنهار: جمع نهر، وقد تقدم اشتقاقه.\nوالغيم هنا: هو المطر. وقد روي في غير مسلم: الغيل باللام. قال ابن السكيت: هو الماء الجاري على الأرض.\nوالعشري قال أكثرهم: هو ما يشرب بماء السماء. وسمي بذلك؛ لأنه يكسر حوله الأرض، ويعسر جريه إلى أصول النخل بتراب يرتفع هناك. قالوا: والبعل ما لا يحتاج إليه، وإنما يشرب بعروقه.\nوالسانية: هي السَّاقية، يقال: سنا يسنو سَنوًا؛ إذا استقى، وهو النضح أيضًا.\nوالنواضح: هي الإبل التي يستقى عليها الماء.\nوقد أجمع العلماء على الأخذ بهذا الحديث في قدر ما يؤخذ. واستدل أبو حنيفة بعمومه على وجوب الزكاة في كل ما أخرجت الأرض من الثمار، والرياحين والخضر وغيرها، إلا الحشيش وشبهه من الحطب والقصب، وما لا يثمر من الشجر كالسَّمُر وشبهه. وخالفه جماعة العلماء في ذلك على اختلافهم في تفاصيل ذلك.\nوقد أجمعوا على الحنطة والشعير والتمر والزبيب. ورأي الحسن والثوري وابن أبي ليلى في آخرين: أنه لا زكاة إلا في هذه الأربعة.","vol":"3","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-329>(٢) باب ليس فيما اتُّخِذَ للقُنيَةً صدقة وتقديم الصدقة وتحمّلها عمن وجبت عليه</span>\n[٨٥١] عَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: لَيسَ عَلَى المُسلِمِ فِي عَبدِهِ وَلا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ.\nــ\nوذهب مالك في المشهور عنه: إلى أنها تجب في كل ما يُقتات ويُدَّخر للعيش غالبًا. ونحوه قال الشافعي وأبو ثور، إلا أنهما استثنيا الزيتون. وقال ابن الماجشون من أصحابنا: تجب في ذوات الأصول كلها ما ادُّخر منها، وما لم يدَّخر.\nوالعَشور: أكثر الرواة على فتح العين. وهو اسم القدر المخرج. وعن الطبري: العُشر - بضم العين، وتسكين الشين -، ويكون العُشُور - بالضم - جمع عُشر.\nوالحكمة في فرض العشر: أنه يُكتب بعشرة أمثاله، فكأن المخرج للعشر تصدَّق بكل ماله، والله تعالى أعلم.\n(٢) ومن باب ليس فيما اتخذ للقنية صدقة\nقوله: (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة)؛ هذا الحديث أصل في أن ما هو للقنية لا زكاة فيه، وهو مذهب كافة العلماء وأئمة الفتوى، إلا حماد بن أبي سلمة، فإنه أوجب في الخيل الزكاة. وقال أبو حنيفة: إذا كانت إناثًا وذكورًا يُبتغى نسلها، ففي كل رأس دينار، وإن شاء قوَّم وأخرج عن كل مائتي درهم خمسة دراهم، ولا حجة لهم مع هذا الحديث.","vol":"3","page":14},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: لَيسَ فِي العَبدِ صَدَقَةٌ إلا صَدَقَةَ الفطر.\nرواه أحمد (٢/ ٢٤٢ و٢٥٤)، والبخاري (١٤٦٤)، ومسلم (٩٨٢)، وأبو داود (١٥٩٥)، والترمذي (٦٢٨)، والنسائي (٥/ ٣٥)، وابن ماجه (١٨١٢).\n[٨٥٢] وَعَنهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ فَقِيلَ: مَنَعَ ابنُ جَمِيلٍ، وَخَالِدُ بنُ الوَلِيدِ، وَالعَبَّاسُ عَمُّ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ\nــ\nوقوله: (وليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر)؛ دليل: على أن على السيد في عبده زكاة الفطر. وهو قول الجمهور في العبيد، كانوا لخدمة أو غلة، أو تجارة، خلافًا لداود وأبي ثور في إيجابها على العبد نفسه، وخلافًا لأهل الكوفة في إسقاطها عن عبيد التجارة فقط.\nوقول أبي هريرة: إن رسول الله - ﷺ - بعث عمر على الصدقة؛ ظاهر هذا اللفظ: أنها الصدقة الواجبة، وإليه صار الجمهور، وعلى هذا فيلزم استبعاد منع مثل هؤلاء المذكورين لها. ولذلك قال بعض العلماء: كانت صدقة تطوع.\nوقد روى عبد الرزاق هذا الحديث، وفيه: أن النبي - ﷺ - ندب الناس إلى الصدقة (١). . . وذكر الحديث.\nقال ابن القصار: وهذا أليق بالقصة، فلا يظن بأحد منهم منع الواجب، قال: فيكون عذر خالد واضحًا؛ لأنه لما أخرج أكثر ماله حُبسًا في سبيل الله، لم يحتمل صدقة التطوع، فعذره النبي - ﷺ - لذلك. ويكون ابن جميل شحَّ في التطوع الذي لا يلزمه، فعتب عليه النبي - ﷺ -، كما جاء في الحديث. وأخبر: أن العباس يسمح بما طلب منه ومثله معه، وأنه ممن لا يمتنع مما حَضَّه عليه (٢) النبي - ﷺ -، بل يَعُدُّه كاللازم.\n_________\n(١) رواه عبد الرزاق في مصنفه (٦٨٢٦).\n(٢) ساقط من (ع).","vol":"3","page":15},{"text":"رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (مَا يَنقِمُ ابنُ جَمِيلٍ إِلا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغنَاهُ اللهُ، وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُم تَظلِمُونَ خَالِدًا، قَدِ احتَبَسَ أَدرَاعَهُ وَأَعتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَمَّا العَبَّاسُ\nــ\nوأما من قال: إنها صدقة الفرض، فيشكل عليه امتناع هؤلاء الكبراء والفضلاء من الصحابة عن أدائها، واحتسابه - ﵊ - لخالد فيها بما كان حَبَس من آلة الجهاد، مع أنه قد كان يعدها على وجه الحُبُس، على ما هو ظاهر الحديث.\nوقوله: (إنكم تظلمون خالدًا)، وقوله: (هي عليّ ومثلها معها)، وقد انفصل عن استبعاد منعهم بأنهم لم يمنعوها عنادًا، بل توقفًا من ابن جميل إلى أن يرى هل يُسامح بها.\nوقال المهلب: كان ابن جميل منافقًا أولًا، فمنع الزكاة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلا أَن أَغنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضلِهِ﴾ فقال: استثناني الله، فتاب وصُلحت حاله، وتأوُلًا من خالد بأنه يحتسب له بها، ومن العباس بأن النبي - ﷺ - قام بحملها عنه، أو بأنه غريم، أو بغير ذلك من أنواع التأويلات المسوغة، ولم يكن فيهم أبعد تأويلًا من ابن جميل؛ ولذلك عتب عليه النبي - ﷺ -.\nوأما قوله: (إنكم تظلمون خالدًا)؛ فهو خطاب منه للعمال على الصدقة، حيث لم يحتسبوا له بما أنفق في الجهاد من الخيل والعدة. وكأن خالدًا - والله أعلم - رأى أن الحاجة قد تعينت للجهاد في سبيل الله، وقد جعل الله للجهاد حظًّا من الزكاة، فرأى أن يصرفها فيه، فأخرج زكاته، واشترى بها ما يصلح للجهاد، كما يفعله الإمام. ولما تحقق النبي - ﷺ - ذلك، قال: (إنكم تظلمون خالدًا) فإنه قد صرفها مصرفها، وأنتم تطالبونه بها. وعند ذلك يكون قول النبي - ﷺ - ذلك إمضاءً لما فعل خالد، ويكون معنى احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله: رفع يده عنها، وأبانها عن ملكه، وخلّى بين الناس وبينها في سبيل الله، لا أنه حبسها وقفًا (١) على\n_________\n(١) في (هـ) و(ط): إلا أنه وقفها حبسًا.","vol":"3","page":16},{"text":"فَهِيَ عَلَيَّ وَمِثلُهَا مَعَهَا)،\nــ\nالتأبيد.\nوالأدراع: جمع درع الحديد. والأعتاد: جمع عتد، وكذلك الأعتد في غير هذه الرواية، وكلاهما جمع قلة، وهو الفرس الصلب. وقيل: هو المعد للركوب. وقيل: السريع الوثب.\nوقال الهروي: هو ما أعده الرجل من سلاح، ودواب، وآلة [للحرب]. ويجمع أيضا: أَعتِدَة. وفي غير مسلم: أَعتُدَة - بضم التاء وفتح الدال -، وروي أيضًا: أعبدة - بالباء - بواحدة جمع: عبد.\nوأما قوله - ﷺ - في حق العباس: (فهي عليَّ ومثلها معها)، فقد اضطربت ألفاظ الرواة فيه، فقيل ما ذكرناه. وفي البخاري: (فهي عليه صدقة ومثلها معها)، وفي يرهما: (فهي له ومثلها).\nفأما رواية مسلم فظاهرها أنه تحمّلها عنه ومثلها، ويحتمل أنها كانت له عليه؛ إذ قد كان قدّمها له. وفيه بُعدٌ من حيث اللفظ، وإن كان الدارقطني قد روى من حديث موسى بن طلحة: أن النبي - ﷺ - قال: (إنا كنا احتجنا فتعجَّلنا من العباس صدقة ماله سنتين) (١)؛ وبهذا يحتجّ مَن يرى تقديم الزكاة قبل وقت وجوبها. وهو مذهب أبي حنيفة والأوزاعي، والشافعي وفقهاء المحدثين. ومن هؤلاء مَن يجيز تقديم زكاة عامين؛ أخذًا بهذا الحديث. ومنع ذلك مالك والليث، وهو قول عائشة وابن سيرين، فقالوا: لا يجوز تقديمها على وقت وجوبها كالصلاة. وعن مالك خلافٌ فيما قرب، وكأن هؤلاء لم يصحَّ عندهم الحديث - والله أعلم -، ولا ارتضوا ذلك التأويل.\nوقيل في قوله - ﷺ -: (هي علي ومثلها)؛ أنه - ﷺ - كان قد تسلّف من العباس مالًا احتاج إليه في السبيل فقاصَّه به عند الحول. وهذا ما لا يختلف في جوازه، وحينئذ لا يكون حجة على جواز التقديم. وأما رواية البخاري، فنص في أنه تركها له ومثلها. وذلك لأنه كان قد فدى نفسه وعقيلًا، فكأنه كان غريمًا، وإليه يرد قوله:\n_________\n(١) رواه الدارقطني (٢/ ١٢٤) من حديث موسى بن طلحة، عن طلحة، أن النبي. . . .","vol":"3","page":17},{"text":"ثُمَّ قَالَ: (يَا عُمَرُ! أَمَا شَعَرتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنوُ أَبِيهِ).\nرواه البخاري (١٤٦٨)، ومسلم (٩٨٣)، وأبو داود (١٦٢٣)، والنسائي (٥/ ٣٣).\n* * *\nــ\n(وهي له ومثلها)، ويحتمل: فهي له عليَّ كما تقدم. وبحسب هذه التأويلات تنزل عليه الأحكام.\nوقوله: (ما ينقم ابن جميل)؛ أي: ما يعيب، يقال: نقَم ينقِم، ونقَم ينقُم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنهُم إِلا أَن يُؤمِنُوا﴾ وقال الشاعر (١):\nما نقم الناس من أمّيةَ ... إلا أنهم يحلمون إن غضبوا\nوإنهم سادة الملوك ... ولا تصلح إلا عليهم العرب\nوقوله: (أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه)؛ أي: يرجع مع أبيه إلى أصل واحد، ومنه قوله تعالى: ﴿صِنوَانٌ وَغَيرُ صِنوَانٍ﴾ وأصله من النخلتين والنخلات التي ترجع إلى أصل واحد. والصِّنوَان: جمع صِنو، كقِنوَان وقِنو، ويجمع: أصناء؛ كأسماء، فإذا كثرت، قلت: الصِّنَّي والصُّنِيّ، وهذا تعظيم لحق العم، وهو مقتضٍ ومناسب لأن يحمل قوله - ﷺ -: (هي عليّ على أنه تحملها عنه؛ احترامًا له وميزة وإكرامًا، حتى لا يَتَعَرَّض له بطلبها أحد؛ إذ تحمّلها عنه رسول الله - ﷺ -.\n_________\n(١) هو ابن قيس الرقيات.","vol":"3","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-330>(٣) باب الأمر بزكاة الفطر، وعمن تخرج، ومماذا تخرج، ومتى تخرج</span>؟\n[٨٥٣] عَن ابنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَرَضَ زَكَاةَ الفِطرِ مِن رَمَضَانَ\nــ\n(٣) ومن باب: الأمر بزكاة الفطر\nقوله: فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر؛ جمهور أئمة الفتوى على أنها واجبة، وهو المنصوص عن مالك؛ محتجين بقوله: فرض فإن عرفه الشرعي أوجب. وبأنها داخلة في عموم قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وذهب بعض أهل العراق وبعض أصحاب مالك: إلى أنها سنَّة، ورأوا أن: فَرَضَ بمعنى: قَدَّرَ، وهو أصله في اللغة، كما قال تعالى: ﴿أَو تَفرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ ولم يروها داخلة في عموم ما ذكر. وقال أبو حنيفة: هي واجبة وليست بفريضة؛ على مذهبه في الفرق بين الواجب والفرض.\nوقوله: زكاة الفطر من رمضان؛ إشارة إلى وقت وجوبها. وقد اختلف فيه:\nفعندنا وعند الشافعي: تجب بغروب الشمس من آخر رمضان. وقيل عنهما: بطلوع الفجر من يوم الفطر.\nوذهب بعض المتأخرين من أصحابنا: إلى أنها تجب بطلوع الشمس من يوم الفطر، وسبب هذا الخلاف: أن الشرع قد أضاف هذه الزكاة للفطر، وهل هو الفطر المعتاد في سائر الشهور؟ فيكون الوجوب من وقت الغروب، أو الفطر المعتاد في كل يوم؟ فيكون من طلوع الشمس. أو المراد أول الفطر المأمور به يوم الفطر؟ فيكون من طلوع الفجر.\nوقال ابن قتيبة: معنى صدقة الفطر؛ أي: صدقة النفوس، والفطرة: أصل الخلقة، وهذا بعيد، بل مردود بقوله:","vol":"3","page":19},{"text":"عَلَى كُلِّ نَفسٍ مِنَ المُسلِمِينَ، حُرٍّ أَو عَبدٍ، أَو رَجُلٍ، أَوِ امرَأَةٍ؛ صَغِيرٍ أَو كَبِيرٍ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: فَرَضَ زَكَاةَ الفِطرِ مِن رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ، صَاعًا مِن تَمرٍ، أَو صَاعًا مِن شَعِيرٍ؛ عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَو عَبدٍ، ذَكَرٍ أَو أُنثَى مِنَ المُسلِمِينَ.\nرواه أحمد (٣/ ٦٣)، والبخاري (١٥٠٤)، ومسلم (٩٨٤)، وأبو داود (١٦١١)، والترمذي (٦٧٦)، والنسائي (٥/ ٤٨)، وابن ماجه (١٨٢٦).\nــ\nصدقة الفطر من رمضان، والأول أظهر.\nوقوله: على كل نفس؛ يقتضي عموم النفوس أغنيائهم وفقرائهم. خلافًا لأصحاب الرأي في قولهم: لا تلزم من يحلّ له أخذها.\nواختلف قول مالك وأصحابه في ذلك، ومشهور مذهبه: أنها تجب على من فضل عن قوته يوم الفطر بقدرها. ويدخل في ذلك العموم: الحاضر والبادي، خلافًا لليث، وربيعة والزهري وعطاء في قصر وجوبها على أهل الحواضر والقرى، دون أهل العمُود والخصوص (١).\nوقوله: من المسلمين؛ دليل على أنها لا تخرج عن العبد الكافر، وهو قول الجمهور. وذهب الكوفيون وإسحاق وبعض السلف: إلى أنها تخرج عن العبيد الكفار.\nوقد تأول الطحاوي قوله: من المسلمين: أنه عائدٌ إلى السادة المخرجين. وهذا لا يقتضيه مساق الحديث، فتأمله.\nقلت: وظاهر هذا الحديث: أنه إنما قصد فيه إلى بيان مقدارها، ومن يقدر عليه، ولم يتعرض فيه لبيان من يخرجها عن نفسه ممن يخرجها عن غيره، بل\n_________\n(١) \"العمود\": كل خباء يقوم على أعمدة كثيرة يقال لأهله: أهل العمود. والخصوص: جمع خُصّ، وهو بيت من شعر أو قصب.","vol":"3","page":20},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nشمل الجميع؛ إذ قد ذكر فيهم العبد والصغير.\nفأما الصغير: فلا خلاف عند من يقول: إنها تخرج بسببه؛ أنّ وليَّه هو الذي يخاطب بإخراجها؛ إذ الصبي لم يجر عليه بَعدُ قلم التكليف.\nوأما العبد: فذهب الجمهور: إلى أنه ليس مخاطبًا بها؛ لأنه لا شيء له. ولو كان له مالٌ فسيده قادر على انتزاعه، خلافًا لداود، فإنه أوجبها على العبد؛ تمسكًا بلفظ العبد المذكور في الحديث هذا.\nوقال: على السيد أن يتركه قبل الفطر فيكتسب ذلك القدر، وليس له منعه من ذلك في تلك المدة، كما لا يمنعه من صلاة الفرض.\nثم إذا تنزلنا على قول الجمهور في أنه لا يجب عليه شيء، فهل يخاطب سيده بإخراجها عنه أم لا؟ جمهورهم أيضًا: على أنه يجب ذلك عليه؛ لأنه تلزمه نفقته ومؤونته، وهذه من جملة المؤن، فإن المخاطَب بإخراجها المكلَّف الواجدَ لها حين الوجوب؛ عن نفسه وعن من تلزمه نفقته؛ بدليل ما رواه الدارقطني من حديث ابن عمر ﵁ - قال: أمر رسول الله - ﷺ - بزكاة الفطر عن الصغير والكبير، والحر والعبد، ممن تمونون (١).\nوالصحيح ما في الأصل من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كنا نخرج إذ كان فينا رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر عن كل: صغير وكبير، وحرٍّ أو مملوك، فصرّح فيه بأنهم كانوا يخاطبون بإخراج زكاة الفطر عن غيرهم؛ وذلك الغير لا بدّ أن يكون بينه وبين المأمور بالإخراج ملابسة، وتلك الملابسة هي التي تكون مثل الملابسة التي تكون بين الصغير ووليه، والعبد وسيده، وهي القيام بما يحتاج إليه كل واحد منهما من المؤن.\nوأما إخراجها عن الزوجة، فمذهب الجمهور أن ذلك يجب على الزوج. وقال الكوفيون: لا يلزم الرجل إخراجها عن زوجته، وإنما يلزمها هي أن تخرجها عن نفسها، وسببه ما تقدّم.\n_________\n(١) رواه الدارقطني (٢/ ١٣٩).","vol":"3","page":21},{"text":"[٨٥٤] وعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ قَالَ: كُنَّا نُخرِجُ، إِذ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - زَكَاةَ الفِطرِ عَن كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، حُرٍّ أَو مَملُوكٍ، صَاعًا مِن طَعَامٍ، أَو صَاعًا مِن أَقِطٍ، أَو صَاعًا مِن شَعِيرٍ، أَو صَاعًا مِن تَمرٍ، أَو صَاعًا مِن زَبِيبٍ، فَلَم نَزَل نُخرِجُهُ حَتَّى قَدِمَ عَلَينَا مُعَاوِيَةُ بنُ أَبِي سُفيَانَ، حَاجًّا أَو مُعتَمِرًا فَكَلَّمَ النَّاسَ عَلَى المِنبَرِ، فَكَانَ فِيمَا كَلَّمَ بِهِ النَّاسَ أَن قَالَ: إِنِّي أَرَى أَنَّ مُدَّينِ مِن سَمرَاءِ الشَّامِ، تَعدِلُ صَاعًا مِن تَمرٍ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَمَّا أَنَا فَلا أَزَالُ أُخرِجُهُ كَمَا كُنتُ أُخرِجُهُ أَبَدًا مَا عِشتُ.\nــ\nوقوله: صاعًا من طعام، أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من زبيب؛ الطعام هنا: هو القمح؛ بدليل ذكر الشعير.\nوقد رواه أبو داود وقال: (أو صاعًا من حنطة) مكان: (من طعام). وهو حجة على من قال: لا تخرج من البُرّ، وهو خلاف شاذٌّ، وهو مسبوق بإجماع السلف، وهو حجة على من يقول: إنه يُخرج من البر نصف صاع، وهم جماعة من السلف وأبو حنيفة، واحتجوا بأحاديث لم يصحّ عند أهل الحديث شيء منها. وقال الليث: مدان بمد هشام، والأوزاعي: مدّان بمد أهل بلده. والجمهور على التمسك بما ذكرناه.\nوقوله: أو صاعًا من أقط؛ حجة لعامة أهل العلم على من منع إخراج الأقط فيها، وهو الحسن (١)، وهو أحد قولي الشافعي. وقَصَر أشهب إخراجها على هذه الأصناف الأربعة المذكورة في الحديث، واختلف فيه قول مالك، فالمشهور عنه: أنه ألحق بهذه الأربعة ما في معناها من المُقتَاتات؛ كالذرة، والدّخن والسُلت (٢). وزاد ابن حبيب: العَلَس (٣). واختلف عنه في القطنية\n_________\n(١) ساقط من (هـ).\n(٢) هو نوع من الشعير.\n(٣) هو نوع من أنواع القمح، وقيل: هو العدس.","vol":"3","page":22},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: كُنَّا نُخرِجُ زَكَاةَ الفِطرِ مِن ثَلاثَةِ أَصنَافٍ: الأقِطِ، وَالتَمرٍ، وَالشَعِيرٍ.\nرواه أحمد (٣/ ٩٨)، ومسلم (٩٨٥)، وأبو داود (١٦١٦)، والنسائي (٥/ ٥١ و٥٣)، وابن ماجه (١٨٢٩).\n[٨٥٥] وَعَنِ ابنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَمَرَ بِإِخرَاجِ زَكَاةِ الفِطرِ أَن تُؤَدَّى قَبلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاةِ.\nرواه أحمد (٢/ ١٥١ و١٥٧)، والبخاري (١٥٠٩)، ومسلم (٩٨٦)، وأبو داود (١٦١٠)، والترمذي (٦٧٧)، والنسائي (٥/ ٥٤).\n* * *\nــ\n، والسويق والتين إذا كان عيشًا لأهل البلد، وتفصيل هذا في الفقه.\nوقوله: كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول الله - ﷺ -؛ مثل هذا ملحق بالمسند المرفوع عند المحققين من الأصوليين؛ لأن مثل هذا لا يأمر به غير النبي - ﷺ -، ولا يخفى مثله عنه، ولا يذكره الصحابي في معرض الاحتجاج، إلا وهو مرفوع إلى النبي - ﷺ -. وقد زاد في الرواية المتقدمة على هذه الثلاثة: الطعام، وصارت الأصناف المذكورة في الحديث أربعة.\nوقول ابن عمر ﵁: أمر رسول الله - ﷺ - بإخراج زكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة، يعني: إلى صلاة يوم عيد الفطر، وبهذا الحديث قال جمهور العلماء. واستحسنّوه ليستغني بها المساكين عن السؤال في ذلك اليوم. وقد رُوي مرفوعًا: (أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم) (١). وكرهوا\n_________\n(١) رواه الدارقطني (٢/ ١٥٣)، والبيهقي (٤/ ١٧٥) من حديث ابن عمر.","vol":"3","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-331>(٤) باب وجوب الزكاة في البقر والغنم، وإثم مانع الزكاة</span>\n[٨٥٦] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (مَا مِن صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلا فِضَّةٍ لا يُؤَدِّي مِنهَا حَقَّهَا إِلا إِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ صُفِّحَت لَهُ صَفَائِحَ\nــ\nتأخيرها عن يوم الفطر. ورخص بعضهم في تأخيرها، وقاله مالك وأحمد بن حنبل، وجعله بعض شيوخنا خلافًا من قول مالك. وحاصل مشهور مذهب مالك: أن آخر يوم الفطر آخر وقت أدائها، وما بعد الفطر وقت قضائها، والله تعالى أعلم.\n(٤) ومن باب: وجوب الزكاة في البقر والغنم\nقوله: (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها)؛ كذا صحت الرواية بهاء التأنيث المفردة، وظاهره: أنه عائدٌ على الفضة، فإنه أقرب مذكور، وهي مؤنثة، وحينئذ يبقى ذكر الذهب ضائعًا لا فائدة له. وهذا مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحبَارِ وَالرُّهبَانِ لَيَأكُلُونَ أَموَالَ النَّاسِ بِالبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾\nوقد حُمِل هذا على الاكتفاء بذكر أحدهما عن الآخر، كما قال الشاعر (١):\nنحن بما عندنا وأنت بِما ... عندك راضٍ والرأي مختلف\nوقال الآخر:\nلكل همٍّ من الهموم سعه ... والصبح والمسي لا بقاء معه\n_________\n(١) هو قيس بن الخطيم.","vol":"3","page":24},{"text":"مِن نَارٍ، فَأُحمِيَ عَلَيهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكوَى بِهَا جَنبُهُ، وَجَبِينُهُ وَظَهرُهُ، كُلَّمَا رَدَت أُعِيدَت لَهُ فِي يَومٍ كَانَ مِقدَارُهُ خَمسِينَ أَلفَ سَنَةٍ حَتَّى\nــ\nوقيل: أعادها على معنى الكلمات المتقدمة، وكأنه قال: لا يؤدي من تلك الأمور المذكورات حقَّها. وأشبه من هذه الأوجه أن يقال: إن الذهب والفضة يقال عليهما: عينٌ لغةً، فأعاد عليها الضمير وهي مؤنثة، والله أعلم.\nوهذا الحديث يدل على أن الذهب والبقر فيهما الزكاة. وإن لم يجئ ذكرهما في حديث جابر المتقدم، ولا في كتاب أبي بكر في الصدقة. على ما ذكره البخاري. ولا خلاف في وجوب الزكاة فيهما، وإن اختلفوا في نصاب البقر على ما يأتي.\nوقوله: (فيكوى بها جبينُه وجنبُه وظهرُه)؛ قيل: إنما خُصَّت هذه المواضع بالكي دون غيرها من أعضائه لتقطيبه وجهه في وجه السائل، وازوراره عنه بجانبه، وانصرافه عنه بظهره.\nوقوله: (كلما بَرَدَت أُعِيدَت)؛ كذا رواية السجزي، ولكافة الرواة: كلها رُدَّت، والأول هو الصواب، فتأمله فإنه هو المناسب للمعنى.\nوقوله: ﴿فِي يَومٍ كَانَ مِقدَارُهُ خَمسِينَ أَلفَ سَنَةٍ﴾ قيل: معناه: لو حاسب فيه غير الله ﷾. الحسن: قدر مواقفهم للحساب. ابن اليمان: كل موقف منها ألف سنة (١).\nوفي الحديث قال - ﷺ -: (والذي نفسي بيده! ليخفّف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة) (٢).\n_________\n(١) جاء في تفسير القرطبي (١٨/ ٢٨٢): وقال يمان: هو يوم القيامة، فيه خمسون موطنًا، كل موطن ألف سنة.\n(٢) قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٣٧): رواه أحمد وأبو يعلى، وإسناده حسن على ضعفٍ في راويه.","vol":"3","page":25},{"text":"يُقضَى بَينَ العِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ فَالإِبِلُ؟ قَالَ: وَلا صَاحِبُ إِبِلٍ لا يُؤَدِّي مِنهَا حَقَّهَا، وَمِن حَقِّهَا حَلَبُهَا يَومَ وِردِهَا، إِلا إِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرقَرٍ، أَوفَرَ مَا كَانَت لا يَفقِدُ مِنهَا فَصِيلًا وَاحِدًا تَطَؤُهُ بِأَخفَافِهَا وَتَعَضُّهُ بِأَفوَاهِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيهِ أُولاهَا رُدَّ عَلَيهِ أُخرَاهَا فِي يَومٍ كَانَ مِقدَارُهُ خَمسِينَ أَلفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقضَى بَينَ العِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! فَالبَقَرُ وَالغَنَمُ؟ قَالَ: وَلا صَاحِبُ بَقَرٍ وَلا غَنَمٍ لا يُؤَدِّي مِنهَا حَقَّهَا، إِلا إِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرقَرٍ، لا يَفقِدُ مِنهَا شَيئًا، لَيسَ فِيهَا عَقصَاءُ وَلا جَلحَاءُ\nــ\nوقوله: (بُطح لها)؛ أي: أُلقي على وجهه. قاله بعض المفسرين. وقال أهل اللغة: البطح: هو البسط كيف ما كان على الوجه أو غيره، ومنه: سميت بطحاء مكة؛ لانبساطها.\nوقوله: (بقاع قَرقَرٍ)؛ أي: بموضع مستو واسع. وأصله: الموضع المنخفض الذي يستقرُّ فيه الماءُ، ويقال فيه: قاع، ويجمع: قِيعَة، وقيعان، مثل: جار وجيرة وجيران. وقال الثعالبي: إذا كانت الأرض مستوية مع الاتساع فهي الخَبت والجَدجَد والصحيح، ثم القاع والقرقر، والصفصف.\nوقوله: (ليس فيهما عقصاء)؛ وهي الملتوِية القرن. ورَجُلٌ أعقصُ: فيه التواء وصعوبة أخلاق.\n(ولا جلحاء)؛ وهي التي لا قرون لها. (ولا عضباء)؛ وهي المكسورة داخل القرن، وهو المشاش، وقد يكون العضب في الأذن، والمعضوب: الزَّمِن الذي لا حراك به. هذا معنى ما ذكره أبو عبيد. وقال ابن دريد: الأعضب: الذي انكسر أحد قرنيه. وقال غير هؤلاء: الأعضب في القرن والأذن: الذي انتهى القطع إلى نصفه فما فوقه.\nوكانت لرسول الله - ﷺ - ناقة تسمّى: العضباء. ومن رواية مصعب عن مالك: وكانت تسمى: القصواء. وفي","vol":"3","page":26},{"text":"وَلا عَضبَاءُ تَنطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظلافِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيهِ أُولاهَا رُدَّ عَلَيهِ أُخرَاهَا فِي يَومٍ كَانَ مِقدَارُهُ خَمسِينَ أَلفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقضَى بَينَ العِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ).\nــ\nحديث أنس: خطبنا رسول الله - ﷺ - على ناقته الجدعاء، وفي آخر: على ناقة خرماء. وفي آخر: مخضرمة (١).\nقال أبو إسحاق الحربي: والعضب والجذع والخرم والقصو كله في الأذن. وقال أبو عبيدة: القصواء المقطوعة الأذن عرضًا، والمخضرمة: المستأصلة، والعضب: النصف فما فوقه. وقال الخليل: الخضرمة: قطع الأذن الواحدة.\nوقوله: (كلما مرَّ عليه أولاها ردّ عليه أخراها)؛ هكذا صحت الرواية. فقيل: هو تغيير وقلب في الكلام، وصوابه كما جاء في رواية أبي صالح، عن أبي هريرة: (كلما مر عليه أخراها رُدَّ عليه أولاها).\nقيل: وهكذا يستقيم الكلام؛ لأنه إنما يريدُّ الأول الذي قد مرَّ قبلُ، وأما الآخر فلم يمرّ بعد، فلا يقال فيه: ردَّت.\nقلت: ويظهر لي أن الرواية الصحيحة ليس فيها تغيير؛ لأن معناها: أن أول الماشية كلَّما وصلت إلى آخر ما تمشي عليه تلاحقت بها أخراها، ثم إذا أرادت الأولى الرجوع بدأت الأخرى بالرجوع، فعادت الأخرى أولى، حتى تنتهي إلى آخره. وهكذا إلى أن يقضي الله بين العباد، والله تعالى أعلم.\nوقوله: (تَطَؤُه بأظلافها): جمع ظلف، وهو: الظُفر من كلِّ دابة مشقوقة الرِّجل، ومن الإبل: الخف. ومن الخيل والبغال والحمير: الحافر.\n_________\n(١) هي التي قُطع طَرَفُ أذنها.","vol":"3","page":27},{"text":"قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! الخَيلُ؟ قَالَ: (الخَيلُ ثَلاثَةٌ، هِيَ لِرَجُلٍ وِزرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ سِترٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ أَجرٌ، فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ وِزرٌ. فَرَجُلٌ رَبَطَهَا رِيَاءً وَفَخرًا وَنِوَاءً عَلَى أَهلِ الإِسلامِ، فَهِيَ لَهُ وِزرٌ، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِترٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ، ثُمَّ لَم يَنسَ حَقَّ اللهِ فِي ظُهُورِهَا وَلا رِقَابِهَا، فَهِيَ لَهُ سِترٌ، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجرٌ؛ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ لأَهلِ الإِسلامِ فِي مَرجٍ وَرَوضَةٍ، فَمَا أَكَلَت مِن ذَلِكَ المَرجِ أَوِ الرَّوضَةِ مِن شَيءٍ إِلا كُتِبَ لَهُ\nــ\nوقوله: (ونِوَاءً لأهل الإسلام)، وهو بكسر النون والمدّ؛ أي: مُعاداةً. يقال: ناوأته نِواءً ومُنَاوأة: إذا عاديته. والوزر: الإثم.\nوقد تعلق أبو حنيفة ومن يقول بوجوب الزكاة في الخيل بقوله: (ولم ينس حق الله في رقابها)؛ قال: وحق الله هو الزكاة.\nولا حجة فيه؛ لأن ذكر الحقِّ هنا مجمل غير مفسَّر، ثم يقال بموجبه؛ إذ قد يتعين فيها حقوق واجبة لله تعالى (١) في بعض الأوقات: كإخراجها في الجهاد، وحمل عليها في سبيل الله، والإحسان إليها الواجب، والصدقة بما يكتسب عليها إن دعت إلى ذلك ضرورة.\nوقوله: (فهي له ستر)؛ أي: حجابٌ من سؤال الغير عند حاجته لركوب فرس؛ بدليل قوله: (تَقَنّيًا وتَعَفُّفًا)؛ أي: عن الناس.\nوقوله: (وأما التي هي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله)؛ أي: أعدَّها، وهو من الربط، ومنه: الرباط. وهو حبس الرجل نفسَه وعُدَّتَه في الثغور تجاه العدو. و(استَنَّت)؛ أي: رعَت، ومنه قولهم: استَنَّت الفصال حتى القرعى (٢).\nوقال ثابت: الاستنان: أن تَلجَّ في عدوها ذاهبة وراجعة.\nوالشرف: المرتفع من الأرض. وقال بعضهم: الشرف: الطَّلق، فكأنه يقول: جرت طلقًا، أو طلقين.\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) هو مثل يُضرب للرجل يُدْخِل نفسه في قومٍ ليس منهم.","vol":"3","page":28},{"text":"عَدَدَ مَا أَكَلَت حَسَنَاتٌ، وَكُتِبَ لَهُ أَروَاثِهَا وَأَبوَالِهَا حَسَنَاتٌ، وَلا تَقطَعُ طِوَلَهَا، فَاستَنَّت شَرَفًا أَو شَرَفَينِ إِلا كَتَبَ اللهُ لَهُ عَدَدَ آثَارِهَا وَأَروَاثِهَا حَسَنَاتٍ، وَلا مَرَّ بِهَا صَاحِبُهَا عَلَى نَهرٍ فَشَرِبَت مِنهُ وَلا يُرِيدُ أَن يَسقِيَهَا إِلا كَتَبَ اللهُ لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَت حَسَنَاتٍ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! فَالحُمُرُ؟ قَالَ: مَا أُنزِلَ عَلَيَّ فِي الحُمُرِ شَيءٌ إِلا هَذِهِ الآيَةَ الفَاذَّةُ الجَامِعَةُ: فَمَن يَعمَل مِثقَالَ ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ ﴿وَمَن يَعمَل مِثقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾\nرواه أحمد (٢/ ٢٦٢ و٢٧٦)، ومسلم (٩٨٧) (٢٦)، وأبو داود (١٦٥٨ و١٦٥٩)، والنسائي (٥/ ١٢ و١٣).\n[٨٥٧] وَمِن حديث جَابِرِ قَالَ: (ولا صَاحِبِ كَنزٍ لا يَفعَلُ فِيهِ حَقَّهُ،\nــ\nوقوله: (ولا يريد أن يسقيها)؛ أي: يمنعها من شرب يضرُّ بها أو به؛ باحتباسها للشرب، فيفوته ما يؤمله، أو يقع به ما يخافه.\nوقوله: (ما أُنزل عليَّ في الحُمُر شيء إلا هذه الآية الفاذَّة الجامعة)؛ أي: القليلة المثل، المتفردة بمعناها. الجامعة؛ أي: العامة الشاملة. وهو حجة للقائلين بالعموم فإن لفظة شيء من صيغ العموم، وهو مذهب الجمهور من الفقهاء والأصوليين.\nوهذا منه - ﷺ - إشارة إلى أنه لم يفسِّر الله من أحكام الحُمُر وأحوالها، ما فسر له في الخيل والإبل وغيرها مما ذكره.\nوقوله في حديث جابر: (ولا صاحب كنز)، قال الطبري: الكنز: كل شيء مجموع بعضه إلى بعض، في بطن الأرض كان أو على ظهرها. وقال ابن دريد: الكنز: كل شيء غَمَزتَهُ بيدك أو رِجلك في وعاء أو أرض.\nقلت: وأصل الكنز: الضمُّ والجمع، ولا يختص ذلك بالذهب والفضة، ألا","vol":"3","page":29},{"text":"إِلا جَاءَه كَنزُه يَومَ القِيَامَةِ شُجَاعًا أَقرَعَ، يَتبَعُهُ فَاتِحًا فَاهُ، فَإِذَا أَتَاهُ فَرَّ مِنهُ،\nــ\nترى قوله - ﷺ -: (ألا أخبركم (١) بخير ما يكنزه المرء: المرأة الصالحة) (٢)؛ أي: يضمُّه لنفسه ويجمعه.\nواختلف في المراد بالكنز في الآية، فقال أكثرهم: هو كلُّ مال وجبت فيه الزكاة، فلم تُؤدَّ منه، ولا أُخرجت. وكل ما أخرجت زكاتُه فليس بكنز. وقيل: كل ما زاد على أربعة آلافٍ فهو كنز، وإن أدِّيت زكاته. وقيل: هو ما فضُل عن الحاجة. ولعل هذا كان في أول الإسلام عند ضيق الحال عليهم، والقول الأول هو الصحيح؛ بدليل هذا الحديث، وبما خرَّجه أبو داود عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ﴾ قال: كبُر ذلك على المسلمين، فقال عمر ﵁ -: أنا أفرّج عنكم، فانطلق، فقال: يا نبي الله! إنه كبُر على أصحابك هذه الآية، فقال رسول الله - ﷺ -: (إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليُطيِّبَ ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث - فذكر كلمة - لتكون لمن بعدكم، لتطيب لمن بعدكم) (٣)، قال: فكَبّر عمر ﵁، ثم قال له رسول الله - ﷺ -: (ألا أخبرك بخير ما يكنز المرءُ؟ المرأة الصالحة، إذا نظر إليها سرَّته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته) (٤).\nوقوله: (إلا جاء يوم القيامة كنزهُ شجاعًا أقرع)، وفي أخرى: (إلا مثل)؛ أي: صُوّر له. وقيل: نُصِب وأقيم. من قولهم: مَثُلَ قائمًا؛ أي: منتصبًا. والشجاع من الحيات: هو الحية الذكر الذي يُواثب الفارس والراجل، ويقوم على ذنبه، وربما بلغ رأس الفارس، ويكون في الصحارى. وقيل: هو الثعبان. قال\n_________\n(١) في (ع): أنبئكم.\n(٢) رواه أبو داود (١٦٦٤) من حديث ابن عباس ﵁.\n(٣) ليس في سنن أبي داود.\n(٤) سبق تخريجه قبل قليل.","vol":"3","page":30},{"text":"فَيُنَادِيهِ خُذ كَنزَكَ الَّذِي خَبَأتَهُ فَأَنَا عَنهُ غَنِيٌّ، فَإِذَا رَأَى أَلَاّ بُدَّ مِنهُ، سَلَكَ يَدَهُ فِي فِيهِ فَيَقضَمُهَا قَضمَ الفَحلِ).\nوَفِيهِ: قَالَ رَجُلٌ: مَا حَقُّ الإِبِلِ؟ قَالَ: (حَلَبُهَا عَلَى المَاءِ، وَإِعَارَةُ دَلوِهَا، وَإِعَارَةُ فَحلِهَا وَمَنِيحَتُهَا وَحَملٌ عَلَيهَا فِي سَبِيلِ اللهِ).\nرواه أحمد (٣/ ٣٢١)، ومسلم (٩٨٨) (٢٧)، والنسائي (٥/ ٢٧).\nــ\nاللّحياني: يقال للحية: شجاع. وثلاثة أشجِعَة، ثم شُجعان. والأقرع من الحيات: الذي تَمَعَّط رأسه وابيَضَّ من السم، ومن الناس: الذي لا شَعر له في رأسه [لِتَقَرُّحِه].\nوفي غير كتاب مسلم من الزيادة: (له زبيبتان)، وهما الزبيبتان في جانبي فيه من السم، ويكون مثلهما في شدقي الإنسان عند كثرة الكلام. وقيل: نكتتان على عينيه، وما هو على هذه الصفة من الحيات هو أشدّ أذى. قال الداودي: وقيل: هما نابان يخرجان من فِيه.\nوقوله: (فيناديه: خذ كنزك الذي خبأته فأنا عنه غنيٌ)؛ كذا وقع لنا فيما رأيناه من النسخ، وفي الكلام خرم يتلفق بتقدير محذوف، وهو: فيقول: فأنا عنه غنيٌ، وحينئذ يلتئم الكلام، فتأمَّله، وكثيرًا ما يحذف القول الذي للحكاية كقوله: ﴿إِنَّمَا نُطعِمُكُم لِوَجهِ اللَّهِ﴾؛ أي: يقولون: إنما.\nوقوله: (فإذا رأى أن لا بدّ منه سلك يده في فيه فيقضمها قضم الفحل)\nمعنى سلك: أدخل. ويقضمها: يأكلها. يقال: قَضَمَت الدابة شعيرها، تقضمه، والقضم بأطراف الأسنان، والخضم: بالفم كله. وقيل: القضم: أكل اليابس، والخضم: أكل الرطب، ومنه قول عمر بن عبد العزيز ﵁: تخضمون ونقضم والموعد الله.\nوقوله: ما حق الإبل؟ فقال: (حلبها على الماء) إلخ. ظاهر هذا السؤال والجواب: أن هذا هو الحق المُتَوَعَّد عليه فيما تقدّم حين ذكر الإبل، وأنه","vol":"3","page":31},{"text":"[٨٥٨] وَعَنِ الأَحنَفِ بنِ قَيسٍ قَالَ: قَدِمتُ المَدِينَةَ، فَبَينَا أَنَا فِي حَلقَةٍ فِيهَا مَلأٌ مِن قُرَيشٍ إِذ جَاءَ رَجُلٌ أَخشَنُ الثِّيَابِ، أَخشَنُ الجَسَدِ، أَخشَنُ الوَجهِ، فَقَامَ عَلَيهِم، فَقَالَ: بَشِّرِ الكَانِزِينَ بِرَضفٍ يُحمَى عَلَيهِ فِي نَارِ\nــ\nكل الحق، مع أنه لم يتعرض فيه لذكر الزكاة.\nوفي هذا الظاهر إشكال تزيله الرواية الأخرى التي ذكر فيها مِن التي هي للتبعيض، بل وقد جاء في رواية أخرى مفسَّرًا: (ما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها)، وكذلك قال في الغنم، وكأن بعض الرواة أسقط في هذه الرواية من وهي مرادةٌ ولا بدّ.\nثم ظاهره: أن هذه الخصال واجبة، ولا قائل به مطلقًا. ولعلَّ هذا الحديث خرج على وقت الحاجة، ووجوب المواساة، وحال الضرورة، كما كان في أول الإسلام. ويكون معنى هذا الحديث: أنه مهما تعينت هذه الحقوق ووجبت، فلم تفعل؛ تعلق بالممتنع من فعلها هذا الوعيد الشديد، والله أعلم.\nوقوله: (حلبها يومَ وِردها، وحلبها على الماء)، كل ذلك بسكون اللام على المصدر، وهو الأصل في مصدر ما كان على فَعل يَفعُل، وقد جاء على فَعَل - بفتح العين - في الحلب، فأمّا الحَلَب: اسم اللبن، فبالفتح لا غير، وليس هذا موضعه.\nوخصَّ حلب الإبل بموضع الماء ليكون أقرب على المحتاج والجائع، فقد لا يقدر على الوصول لغير مواضع الماء.\nوالمنحة: قال ابن دريد: أصلها أن يعطي الرجلُ الرجلَ ناقته يشرب لبنها، أو شاة، ثم صارت كلُّ عطيةٍ منحة. قال الفرَّاء: يقال: منحته أمنحُه [وأمنحَه]- بالضم والكسر -.\nوقال أبو هريرة: حق الإبل أن تَنحَرَ السمينة، وتَمنَحَ الغزيرة، ويُفقِر الظهر، ويطرق الفحل، ويسقى اللبن.\nوإفقار الظهر: هو إعارة فقار المركوب، وهو الظهر، كما قد جاء في الرواية الأخرى.\nوقول الأحنف بن قيس: إذ جاء رجلٌ أخشن الثياب، أخشن الجسد، أخشن الوجه؛ كذا صح هنا من رواية الكرمي بالخاء والشين المعجمتين، من الخشونة على وزن أفعَل، إلا أنه عند ابن الحذَّاء في الآخر: حسن الوجه. وقد","vol":"3","page":32},{"text":"جَهَنَّمَ، فَيُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَديِ أَحَدِهِم حَتَّى يَخرُجَ مِن نُغضِ كَتِفَيهِ وَيُوضَعُ عَلَى نُغضِ كَتِفَيهِ حَتَّى يَخرُجَ مِن حَلَمَةِ ثَديَيهِ يَتَزَلزَلُ. قَالَ: فَوَضَعَ القَومُ رُؤوسَهُم فَمَا رَأَيتُ أَحَدًا مِنهُم رَجَعَ إِلَيهِ شَيئًا، قَالَ: فَأَدبَرَ وَاتَّبَعتُهُ حَتَّى جَلَسَ إِلَى سَارِيَةٍ، فَقُلتُ: مَا رَأَيتُ هَؤُلاءِ إِلا كَرِهُوا مَا قُلتَ لَهُم، فَقَالَ:\nــ\nرواه القابسي في البخاري: حسن الشعر والثياب والهيئة من الحسن. ولغيره: خشن من الخشونة، وهو الصواب إن شاء الله تعالى.\nوقام عليهم: وقف عليهم. والملأ: الأشراف في أصله، وقد يقال على الجماعة، وهو مهموز مقصور.\nوقوله: (بشر الكنازين)؛ أي: الجمَّاعين، ويروى: الكانزين، وهو بالنون عن الكنز. ووقع عند الهروي: الكاثرين، بالثاء المثلثة، [من الكثرة]، والأول أولى؛ لأنه إنما يقال للكثير المال: مكثر، لا كاثر. وأما الكاثر: فهو الشيء الكثير، يقال: كثير وكاثر وكُثَار، ومنه قول الشاعر (١):\n. . . . . . . . . . . . . . . ... فإنما العزة للكاثر (٢)\nوالرضف: الحجارة المحمّاة. والحلمة: رأس الثدي للمرأة. والثندوة للرجل. ونُغض الكتف - بضم النون -: العظم الرقيق الذي في طرف الكتف، وهو الناغض، سمي بذلك لحركته، من قولهم: أنغض رأسه؛ أي: حرَّكه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَيُنغِضُونَ إِلَيكَ رُءُوسَهُم﴾؛ أي: يحركونها استهزاءً.\nويتزلزل - بزائين معجمتين؛ أي: يتحرك، يعني: الرضف يتزلزل من النغض إلى الحلمة. ووضع الناس رؤوسهم: أطرقوا متخشِّعين، أو مستثقلين، يدل عليه قوله: إن هؤلاء لا يعقلون شيئًا. ولم يرجع؛ أي: لم يرد. وأُحُد: جبل\n_________\n(١) هو الأعشى.\n(٢) وصدره: ولست بالأكثر منهم حصى.","vol":"3","page":33},{"text":"إِنَّ هَؤُلاءِ لا يَعقِلُونَ شَيئًا، إِنَّ خَلِيلِي أَبَا القَاسِمِ - ﷺ - دَعَانِي فَأَجَبتُهُ، فَقَالَ: (أَتَرَى أُحُدًا؟) فَنَظَرتُ مَا عَلَيَّ مِنَ الشَّمسِ، وَأَنَا أَظُنُّ أَنَّهُ يَبعَثُنِي فِي حَاجَةٍ لَهُ، فَقُلتُ: أَرَاهُ، فَقَالَ: (مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي مِثلَهُ ذَهَبًا أُنفِقُهُ كُلَّهُ إِلا ثَلاثَةَ دَنَانِيرَ)، ثُمَّ هَؤُلاءِ يَجمَعُونَ الدُّنيَا ولا يَعقِلُونَ شَيئًا، قَالَ: قُلتُ: مَا لك وَلإِخوَتِكَ قُرَيشٍ لا تَعتَرِيهِم وَتُصِيبُ مِنهُم، قَالَ: لا وَرَبِّكَ! لا أَسأَلُهُم عَن دِينَارٍ وَلا أَستَفتِيهِم عَن دِينٍ حَتَّى أَلحَقَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: بَشِّرِ الكَنَّازِينَ بِكَيٍّ فِي ظُهُورِهِم يَخرُجُ مِن جُنُوبِهِم،\nــ\nمعروف بالمدينة. واستفهامه له عن رؤيته لتحقق رؤيته حتى يُشّبه له به ما أراد بقوله: (ما يسرني أن لي مثله ذهبا).\nوقوله: إلا ثلاثة دنانير؛ يعني: دينارًا يرصده لدين؛ أي: يؤخره. ودينارًا لأهله، ودينارًا لإعتاق رقبة، والله أعلم.\nوقوله: ثم هؤلاء ظاهر احتجاج أبي ذر بهذا الحديث وشبهه: أن الكنز المتوعَّد عليه هو جمع ما فضل عن الحاجة، وهكذا نقل من مذهبه، وهو من شدائده - ﵁ -، ومما انفرد به. وقد روي عنه خلافُ ذلك، وحمل إنكاره هذا على ما أخذه السلاطين لأنفسهم، وجمعوه لهم من بيت المال وغيره، ولذلك هجرهم، وقال: لا أسألهم دنيا، ولا أستفتيهم عن دين، والله أعلم.\nويعتريهم: يزورهم ويأتيهم بطلب منهم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَطعِمُوا القَانِعَ وَالمُعتَرَّ﴾ وهو الزائر، يقال منه: أعروته واعتريته؛ أي: أتيته أطلب منه حاجة.\nوهذا الحديث يدل على تفضيل الفقر على الغنى، وقد تقدمت المسألة.\nوالعطاء الذي سئل عنه أبو ذر؛ هو ما يعطاه الرجل من بيت المال على وجهٍ","vol":"3","page":34},{"text":"وَبِكَيٍّ مِن قِبَلِ أَقفَائِهِم يَخرُجُ مِن جِبَاهِهِم، قَالَ: ثُمَّ تَنَحَّى فَقَعَدَ، قَالَ: قُلتُ: مَن هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا أَبُو ذَرٍّ، قَالَ: فَقُمتُ إِلَيهِ، فَقُلتُ: مَا شَيءٌ سَمِعتُكَ تَقُولُ قُبَيلُ؟ قَالَ: مَا قُلتُ إِلا شَيئًا قَد سَمِعتُهُ مِن نَبِيِّهِم - ﷺ - قَالَ: قُلتُ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا العَطَاءِ؟ قَالَ: خُذهُ؛ فَإِنَّ فِيهِ اليَومَ مَعُونَةً فَإِذَا كَانَ ثَمَنًا لِدِينِكَ فَدَعهُ.\nرواه أحمد (٥/ ١٦٠)، والبخاري (١١٠٧)، ومسلم (٩٩٢).\n* * *\nــ\nيستحقُّه، وهو الذي قال فيه النبي - ﷺ - لعمر: (ما أتاك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك) (١).\nوقوله: فإذا كان ثمنًا لدِينِك فدعه؛ أي: إذا كنت لا تتوصل إليه إلا بوجه غير جائز، فلا تلتفت إليه، فإن سلامة الدِّين أهمُّ من نيل الدنيا، فكيف إذا انتهى الأمر، إلا أن لا يسلم دِين ولا تنال دنيا؟ ! ومن أخسر صفقة ممن خسر الآخرة والأولى؟ ! نعوذ بالله من سخطه.\n* * *\n_________\n(١) ذكره صاحب التمهيد (٢/ ١٧).","vol":"3","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-332>(٥) باب الحض على الصدقة والنفقة على العيال والأقربين</span>\n[٨٥٩] عَن أَبِي ذَرٍّ قَالَ: خَرَجتُ لَيلَةً مِنَ اللَّيَالِي، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، يَمشِي وَحدَهُ، لَيسَ مَعَهُ إِنسَانٌ، قَالَ: فَظَنَنتُ أَنَّهُ يَكرَهُ أَن يَمشِيَ مَعَهُ أَحَدٌ، قَالَ: فَجَعَلتُ أَمشِي فِي ظِلِّ القَمَرِ، فَالتَفَتَ فَرَآنِي، فَقَالَ: مَن هَذَا؟ فَقُلتُ: أَبُو ذَرٍّ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: يا أَبَا ذَرٍّ تَعَالَه، قَالَ: فَمَشَيتُ مَعَهُ سَاعَةً، فَقَالَ: (إِنَّ المُكثِرِينَ هُمُ المُقِلُّونَ يَومَ القِيَامَةِ، إِلا مَن أَعطَاهُ اللهُ خَيرًا، فَنَفَخَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَينَ يَدَيهِ وَوَرَاءَهُ، وَعَمِلَ فِيهِ خَيرًا)، قَالَ: فَمَشَيتُ مَعَهُ سَاعَةً، فَقَالَ: (اجلِس هَاهُنَا)، قَالَ: فَأَجلَسَنِي فِي قَاعٍ حَولَهُ حِجَارَةٌ، فَقَالَ لِي: (اجلِس هاهُنَا حَتَّى أَرجِعَ إِلَيكَ)، قَالَ: فَانطَلَقَ فِي الحَرَّةِ حَتَّى لا أَرَاهُ فَلَبِثَ عَنِّي، فَأَطَالَ اللَّبثَ، ثُمَّ إِنِّي سَمِعتُهُ وَهُوَ مُقبِلٌ، وَهُوَ يَقُولُ: (وَإِن سَرَقَ وَإِن زَنَى)، قَالَ: فَلَمَّا جَاءَ لَم أَصبِر، فَقُلتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ! جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، مَن تُكَلِّمُ فِي جَانِبِ الحَرَّةِ؟ مَا سَمِعتُ أَحَدًا\nــ\n(٥) ومن باب: الحضّ على الصدقة\nقوله: نفح - بالفاء والحاء المهملة -، ومعناه: أعطى، وأصله: الرمي بالشيء. ويمينه، وشماله، وبين يديه، ووراءه؛ كلُّها منصوبة على الظرف، معمولة لنفح، وذكر هذه الجهات كناية عن كثرة العطاء، فكأنه يعطي السُّؤَّال من أي جهة أتوه.\nوالقاع: المستوي من الأرض في انخفاض. والحرّة: الصحراء ذات الحجارة السود، وجمعها: حرات. وقد تقدّم الكلام على قوله: (وإن زنى وإن سرق) في كتاب الإيمان.","vol":"3","page":36},{"text":"يَرجِعُ إِلَيكَ شَيئًا. قَالَ: (ذَاكَ جِبرِيلُ عَرَضَ لِي فِي جَانِبِ الحَرَّةِ، فَقَالَ: بَشِّر أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَن مَاتَ لا يُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، فَقُلتُ: يَا جِبرِيلُ! وَإِن سَرَقَ وَإِن زَنَى؟ قَالَ: نَعَم، قَالَ: قُلتُ: وَإِن سَرَقَ وَإِن زَنَى؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: قُلتُ: وَإِن سَرَقَ وَإِن زَنَى؟ قَالَ: نَعَم. وَإِن شَرِبَ الخَمرَ).\nرواه أحمد (٦/ ٣٩٥)، والبخاري (٢٣٨٨)، ومسلم (٩٤/ ٣٢)، والترمذي (٢٦٤٤)، والنسائي (١١٢٠) عمل اليوم والليلة.\n[٨٦٠] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَن رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَالَ: (إِنَ اللهَ قَالَ لِي: أَنفِق أُنفِق عَلَيكَ).\nوَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (يَمِينُ اللهِ مَلأَى لا يَغِيضُهَا،\nــ\nوقوله: (يمين الله ملأى)؛ كذا صحت الرواية، وهي الصواب. ومن رواها ملآن فقد أخطأ، فإن اليمين اسم اليد، واليد مؤنثة. ونسبة اليمين إلى الله تعالى نسبة مجازية توسعية، عُبِّر بها عن كثرة العطاء، والقدرة عليه، [وحمل على هذه الاستعارة عادة التخاطب وحصول التفاهم] (١)، ومنه قوله تعالى: ﴿لأَخَذنَا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ واليد: عبارة عن القدرة، وتسميتها باليمين: على ما تعارفناه فيما بيننا من أن القوة والبطش والتصرف إنما هو باليمين؛ ولأنه مشتق من اليمن والبركة.\nوكذلك قال في حديث آخر: (وكلتا يديه يمين) (٢)؛ نافيًا لتوّهم النقص والقصور في حقه تعالى.\nوكذلك كل ما أطلق على الله تعالى؛ مما يدل على الجوارح والأعضاء؛ كالأعين والأيدي والجنب والأصبع، وغير ذلك مما يلزم من ظاهره التجسيم، الذي تدل العقول بأوائلها على استحالته، فهي كلها\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) رواه مسلم (١٨٢٧).","vol":"3","page":37},{"text":"سَحَّاءُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيتُم مَا أَنفَقَ مُنذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرضَ، فَإِنَّهُ لَم يَغِض مَا فِي يَمِينِهِ، قَالَ: وَعَرشُهُ عَلَى المَاءِ،\nــ\nمتأولة في حقه تعالى؛ لاستحالة حملها على ظواهرها (١).\nوقوله: (سحاء) بالمد والهمز والرفع، على أنه خبر بعد خبر. والليل والنهار منصوبان على الظرف، متعلقان بما في سحاء من معنى الفعل، وهي الرواية المشهورة. وعند أبي بحر: سحاء منصوبًا منوَّنا على أنه مصدر صدره محذوف، يدل عليه قوة الكلام، كأنه قال: تَسُحّ سحًّا. ويكون من باب قوله:\nما إن تَمَسَّ الأرض إلا منكب ... منه وحرف الساق طيَّ المحمل\nوالسح: الصبّ الكثير، كما قال امرؤ القيس (٢):\nفدمعهما سَكبٌ وسحٌّ وديمة (٣) ... . . . . . . . . . . . . .\nويغيضها: ينقصها. يقال: غاض الماء، وغضته، متعديا ولازما. وفاعله مضمر تدل عليه المشاهدة. تقديره: لا ينقصها شيء. وقد جاء هذا المضمر مظهرا في رواية ابن نمير. فقال: لا يغيضها شيء.\nووقع عند الطبري في حديث عبد الرزاق: لا يغيضها سحُّ الليل والنهار، برفع سح على أنه فاعل يغيضها.\nوخفض الليل والنهار بالإضافة: على التوسع، كما قالوا: يا سارقَ الليلةِ أهل الدار.\nوقوله: (وعرشه على الماء): العَرش: السرير في أصل اللغة، وهو من\n_________\n(١) مذهبُ السلف أنهم يُثبتون لله تعالى ما أثبت لنفسه، من غير تأويل ولا تجسيد، وهو الأسلم.\n(٢) اسم الشاعر من (هـ) و(ل).\n(٣) عجز البيت: وَرَشٌّ وتَوْكافٌ وتَنْهَمِلانِ.","vol":"3","page":38},{"text":"وَبِيَدِهِ الأُخرَى القَبضَ، يَرفَعُ وَيَخفِضُ).\nــ\nالرفع كما تقدّم. وليس معناه في حق الله تعالى السرير، ولا المَحَلّ؛ إذ لو كان كذلك لكان محمولًا، ولكان مفتقرًا، ويلزم منه حدوثه، وإنما العرش المضاف إليه عبارة عن موجود عظيم، هو أعظم المخلوقات. خلقه الله على الماء، فاستولى عليه، بمعنى: أنه سخَّره كيف شاء.\nقال كعب في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرشُهُ عَلَى المَاءِ﴾ إن الله تعالى بدأ الخلق ياقوتة خضراء، فنظر إليها بالهيبة فصارت ماء، ثم خلق عرشه عليه. وقال ابن عباس: وكان عرشه على الماء؛ أي: فوقه؛ إذ لم يخلق سماء ولا أرضًا.\nوظاهر هذا الحديث: أن العرش حالة إخباره - ﷺ - هو على الماء كما قال كعب، وظاهر كلام ابن عباس: أنه لما خلق السماوات والأرض، أضيفت فوقية العرش إليهما.\nوقوله: (وبيده الأخرى القبض)؛ ولم يقل اليسرى، ولا الشمال، اجتنابًا لما تضمنته ألفاظهما، ونفيًا لتوهم النقص؛ ولذلك قال: (وكلتا يديه يمين). ويفهم من إضافة اليدين إليه تعالى: قدرته على [المخلوقات] (١).\nوالقيض - بالقاف والياء باثنتين من أسفل. والقبض في الرواية الأولى: هو نقيض البسط، ولذلك اكتفى بذكره عن البسط، وصار هذا كقوله: (بِيَدِكَ الخَيرُ)، اكتفى به عن ذكر نقيضه، وهو الشرّ. ويكون هذا الحديث مثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقبِضُ وَيَبسُطُ﴾؛ أي: يقبض الأرزاق، والأرواح، والقلوب، والأمور كلها، بالقبض اللائق بها (٢). ويبسطها ببسطها اللائق بها.\nوقوله: (يرفع ويخفض)؛ أي: يعلي ويضع، ويعز ويذل، ويفعل ما يريد من الشيء ونقيضه.\n_________\n(١) في (هـ) و(ط): المختلفات.\n(٢) في (هـ) و(ظ): به.","vol":"3","page":39},{"text":"رواه أحمد (٢/ ٢٤٢ و٥٠٠)، والبخاري (٤٦٨٤)، ومسلم (٩٩٣) (٣٦)، والترمذي (٣٠٤٥)، وابن ماجه (١٩٧).\n[٨٦١] وَعَن ثَوبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (أَفضَلُ دِينَارٍ يُنفِقُهُ الرَّجُلُ دِينَارٌ يُنفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ، وَدِينَارٌ يُنفِقُهُ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّتِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ ﷿، وَدِينَارٌ يُنفِقُهُ عَلَى أَصحَابِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ). قَالَ أَبُو قِلابَةَ: وَبَدَأَ بِالعِيَالِ وَأَيُّ رَجُلٍ أَعظَمُ أَجرًا مِن رَجُلٍ يُنفِقُ عَلَى عِيَالٍ صِغَارٍ يُعِفُّهُم أَو يَنفَعُهُمُ اللهُ بِهِ وَيُغنِيهِم.\nرواه أحمد (٥/ ٢٧٩ و٢٨٤)، ومسلم (٩٩٤)، وابن ماجه (٢٧٦٠).\n[٨٦٢] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: دِينَارٌ أَنفَقتَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَدِينَارٌ أَنفَقتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقتَ بِهِ عَلَى مِسكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنفَقتَهُ عَلَى أَهلِكَ، أَعظَمُ أَجرًا الَّذِي أَنفَقتَهُ عَلَى أَهلِكَ.\nرواه مسلم (٩٩٥).\n[٨٦٣] وَعَن أَنَسَ بنَ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ أَبُو طَلحَةَ أَكثَرَ أَنصَارِيٍّ\nــ\nوقوله - في الدنانير المنفقة في طرق الخير -: (أعظمها أجرًا الذي تنفقه على أهلك)؛ هذا محمول على ما إذا استوت الحالة في الأهل والأجنبي، فلو كان أحدهما أحوج أو أوكد (١) لكان المنفق في الأوكد أعظم أجرًا، فإذا استوت المراتب، فترتيب الأعظم كما وقع في الحديث.\n_________\n(١) في (ظ) و(هـ): آكد.","vol":"3","page":40},{"text":"بِالمَدِينَةِ مَالًا، وَكَانَ أَحَبُّ أَموَالِهِ إِلَيهِ بَيرَحَاء وَكَانَت مُستَقبِلَةَ المَسجِدِ، وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَدخُلُهَا وَيَشرَبُ مِن مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا نَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قَامَ أَبُو طَلحَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ أَموَالِي إِلَيَّ بَيرَحَاء، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرجُو بِرَّهَا وَذُخرَهَا عِندَ اللهِ، فَضَعهَا يَا رَسُولَ اللهِ! حيث شِئتَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:\nــ\nوقوله في حديث أبي طلحة: وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، رويت هذه اللفظة بكسر الباء بواحدة، وبفتح الراء وضمها وبمدها، وقصرها، فالنصب على أنه خبر كان، وحينئذ ترفع أحب على أنه اسمها، ورفع بير على أنه اسم كان، وحينئذ تنصب أحب على أنه خبرها. فأما مد حاء وقصرها فلغتان، وهو حائط نخل سمي بهذا الاسم، بموضع يعرف بقصر بني جديلة (١)، وليس ببئر؛ ولذلك قال الباجي: قرأت هذه اللفظة على أبي ذر الهروي بنصب الراء على كل حال، وعليه أدركت أهل العلم والحفظ بالمشرق. وقال لي الصوري: بيرحاء؛ بنصب الراء، قال: وبالرفع قرأناه على شيوخنا الأندلسيين.\nوقد روى هذا الحرف في الأم: حماد بن سلمة: بَرِيحَاء بكسر الراء وفتح الباء.\nوقوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قال الحسن: لن تكونوا أبرارًا حتى تبذلوا كبير أموالكم.\nأبو بكر الوراق: لن تنالوا برِّي بكم حتى تبروا إخوانكم. قال ابن عباس -﵄-: هو الجنَّة. وقال مجاهد (٢): ثواب البر.\n_________\n(١) من (ظ) ومعجم البلدان (١/ ٥٢٤). وفي (ع): خالد. وفي (هـ) و(ل): خويلد.\n(٢) في (ع): مقاتل.","vol":"3","page":41},{"text":"(بَخ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، قَد سَمِعتُ مَا قُلتَ فِيهَا، وَإِنِّي أَرَى أَن تَجعَلَهَا فِي الأَقرَبِينَ)، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ.\nــ\nوقوله: (بخ)؛ بالإسكان والكسر من غير تنوين، وبالتنوين، وقد ذكر الأحمر (١) فيها التشديد. وقد روي فيها الرفع. وقال بعضهم: فإذا كرَّرت فالاختيار فيها التحريك والتنوين في الأول، والتسكين في الثاني.\nقال أبو بكر: معناه: تعظيم الأمر وتفخيمه. وسكنت الخاء فيه كما سكنت اللام في هل وبل. ومن قال بخ بالخفض والتنوين شبهه بالأصوات، كصَهٍ ومَهٍ، وقال ابن السكيت: بَخٍ، بَخ وبَهٍ وبه.\nوقوله: (ذلك مال رابح)؛ المشهور: رابح بالباء بواحدة من الربح. ووصف المال بالرابح؛ لأنه بسببه يربح، كما قال تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَت تِجَارَتُهُم﴾ وهذا مذهب العرب في لابن وتامر؛ أي: ذو لبن وتمر، كما قال النابغة:\nكليني لهمٍّ يا أُمَيمةَ ناصبِ (٢) ... . . . . . . . . . . .\nأي: ذو نصب.\nوقد روي: رايح، بالياء باثنتين، اسم فاعل من راح، ومعناه: قربت الفائدة. وقيل: غير بعيد. وقال ابن دينار: يروح أجره عليه في الآخرة. وقال غيره: يروح عليه كلما أثمرت الثمار.\nوفي هذا الحديث أبواب من الفقه:\nمنها: صحة الصدقة المطلقة، والحبس المطلق، وهو الذي لم يعين مصرفه، وبعد هذا يعين.\nومنها: صحة الوكالة؛ لقوله: (ضعه حيث شئت).\n_________\n(١) هو خلف الأحمر.\n(٢) وعجزه: وليلٍ أقاسيه بطيء الكواكب.","vol":"3","page":42},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ اجعَلهَا فِي قَرَابَتِكَ، قَالَ: فَجَعَلَهَا فِي حَسَّانَ بنِ ثَابِتٍ وَأُبَيِّ بنِ كَعبٍ.\nرواه أحمد (٣/ ١٤١)، والبخاري (١٤٦١)، ومسلم (٩٩٨).\n[٨٦٤] وَعَن أَبِي مَسعُودٍ البَدرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: (إِنَّ المُسلِمَ إِذَا أَنفَقَ عَلَى أَهلِهِ نَفَقَةً وَهُوَ يَحتَسِبُهَا كَانَت لَهُ صَدَقَةً).\nرواه أحمد (٤/ ١٢٠ و١٢٢)، والبخاري (٥٥)، ومسلم (١٠٠٢)، والنسائي (٥/ ٦٩).\n* * *\nــ\nومنها: إطلاق لفظ الصدقة بمعنى الحُبُس.\nوقد روي: أنها بقيت وقفًا بأيدي بني عمّه. وبه احتج غير واحد من العلماء على جواز تحبيس الأصول على الكوفيين. لكن قد روي من طريق صحيحة: أن حسَّان باع نصيبه من معاوية، فقيل له: تبيع صدقة أبي طلحة؟ فقال: ألا أبيع صاعًا من تمر بصاع من دراهم؟ وعلى هذا فلا يكون فيه ما يدل على صحة الوقف.\nومنها: مراعاة القرابة، وإن بَعُدوا في النسب؛ إذ بين أبي طلحة وحسَّان وأُبيّ آباء كثيرة، وإنما يجتمعان مع أبي طلحة في عمرو بن مالك بن النجار، [وهو السابع من آبائهم. وقال أبو عمر: إن حسَّان يجتمع معه في حرام]، وهو الجد الثالث، وأُبيّ يجتمع معه في عمرو، وهو الجد السابع، إلى غير ذلك، فتأمل ما فيه.\nوقوله - ﷺ -: (إذا أنفق نفقة على أهله)؛ أي: على زوجته وولده. ومعنى يحتسبها: أي يقصد بها ثواب الله.","vol":"3","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-333>(٦) باب فضل الصدقة على الزوج والولد اليتيم والأخوال</span>\n[٨٦٥] عَن زَينَبَ امرَأَةِ عَبدِ اللهِ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (تَصَدَّقنَ يَا مَعشَرَ النِّسَاءِ وَلَو مِن حُلِيِّكُنَّ). قَالَت: فَرَجَعتُ إِلَى عَبدِ اللهِ فَقُلتُ: إِنَّكَ رَجُلٌ خَفِيفُ ذَاتِ اليَدِ، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَد أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ. فَأتهِ، فَاسأَلهُ فَإِن كَانَ ذَلِكَ يَجزِي عَنِّي، وَإِلا صَرَفتُهَا إِلَى غَيرِكُم. فَقَالَت:\nــ\n(٦) ومن باب: فضل الصدقة على الزوج والولد\nقوله - ﷺ -: (تصدَّقنَ ولو من حُليِّكُنَّ)؛ احتج بظاهره من رأى أن الزكاة تجب في الحُليّ. ولا حجة فيه؛ لأنّا لا نُسَلّم أن هذه الصدقة هنا هي الواجبة بل التطوع؛ بدليل قوله: (ولو من حليكن)، فإنه ظاهر في الحث والحض على فعل الخير والمبالغة فيه؛ ألا ترى أنه قد سلك فيه مسلك قوله: (ردُّوا السائل ولو بظلف محرق) (١).\nوقولها: (فإن كان ذلك يجزي عني وإلا صرفتها لغيركم)؛ لا يدل على أنها الصدقة الواجبة، وإنما ذلك لما وعظهن النبي - ﷺ - بقوله: (تصدَّقن فإني أُرِيتُكن أكثر أهل النار (٢)، بادرن هذا الأمر، وأخذن في التصدق؛ لتحصل لهن الوقاية من النار، فكأنها قالت: أَتَقِينِي هذه الصدقة من النار؟ وكأنها خافت إن تصدقت على زوجها ألا ينفعها ذلك، ولا يكون لها في ذلك أجر، ولذلك قال - ﷺ - لهما في جوابهما: (لهما أجران) ولم يقل: يجزئ، [أو] لا يجزئ، والله أعلم.\nوقد روي\n_________\n(١) رواه أحمد (٦/ ٤٣٥)، والترمذي (١٦٦٧)، والترمذي (٦٦٥)، والنسائي (٥/ ٨٦).\n(٢) رواه أحمد (١/ ٣٧٦ و٤٢٣ و٤٢٥)، والنسائي في عشرة النساء (٣٧٥)، وابن حبان (٣٣٢٣) من حديث ابن مسعود.","vol":"3","page":44},{"text":"فَقَالَ لِي عَبدُ اللهِ: بَلِ ائتِيهِ أَنتِ، قَالَت: فَانطَلَقتُ فَإِذَا امرَأَةٌ مِنَ الأَنصَارِ بِبَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - حَاجَتِي حَاجَتُهَا قَالَت: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَد أُلقِيَت عَلَيهِ المَهَابَةُ. قَالَت: فَخَرَجَ عَلَينَا بِلالٌ، فَقُلنَا لَهُ: ائتِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -. فَأَخبِرهُ أَنَّ امرَأَتَينِ بِالبَابِ تَسأَلانِكَ: أَتُجزِئُ الصَّدَقَةُ عَنهُمَا عَلَى أَزوَاجِهِمَا وَعَلَى أَيتَامٍ فِي حُجُورِهِمَا؟ وَلا تُخبِرهُ مَن نَحنُ. قَالَت: فَدَخَلَ بِلالٌ عَلَى\nــ\nفي غير مسلم: أن امرأة عبد الله بن مسعود كانت صناعًا، وأنها قالت: يا رسول الله! إني ذاتُ صنعةٍ أبيع منها، وليس لزوجي ولا لولدي شيء، فهل لي فيهم من أجر؟ وفي أخرى: أنها أخذت حُلِيَّها لِتَتصَّدَّقَ به، وقالت: لعل الله ألا يجعلني من أهل النار (١). وهذا يدل على أنها كانت صدقة تطوّع.\nوممن قال بوجوب الزكاة في الحلي - وإن كان للباس - عمر وابن مسعود في جماعة من الصحابة، وابن المسيب وابن سيرين والزهري في جماعة من التابعين، وقاله الكوفيون.\nوممن قال: لا زكاة فيه: ابن عمر على خلاف عنه، وجابر، وعائشة، وغيرهم من الصحابة والتابعين، وهو قول مالك وأحمد وإسحاق، وأظهر قولي الشافعي. وفيه دليل على جواز المرأة من مالها بغير إذن زوجها، لكن فيما لا يجحف بحق الزوج مما يكون له بال، فأما ماله بال من مالها، فليس لها أن تخرجه بغير معاوضة، إلا بإذن الزوج، بدليل ما خرجه النسائي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لا يحل لامرأة أن تقضي في ذي بال من مالها إلا بإذن زوجها) (٢)، نقلته من حفظ وسماع لا من كتاب. وهذا مذهب مالك. والذي له بال عنده: الثلث فصاعدا.\nوالحلي عندنا على ثلاثة أضرب:\nمتخذ للباس، فلا زكاة فيه.\nومتخذ للتجارة، أو على غير الوجه المُسَوَّغ؛ وفيه الزكاة.\nومتخذ للكرى، وفيه خلاف؛ لتردُّده بينهما.\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٥٠٣).\n(٢) لم نجده في السنن الكبرى ولا الصغرى (المجتبى).","vol":"3","page":45},{"text":"رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَسَأَلَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (مَن هُمَا؟) فَقَالَ: امرَأَةٌ مِنَ الأَنصَارِ وَزَينَبُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (أَيُّ الزَّيَانِبِ؟) قَالَ: امرَأَةُ عَبدِ اللهِ بِن مَسعُود. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (لَهُمَا أَجرَانِ: أَجرُ القَرَابَةِ وَأَجرُ الصَّدَقَةِ).\nرواه أحمد (٣/ ٥٠٢)، والبخاري (١٤٦٦)، ومسلم (١٠٠٠)، والنسائي (٥/ ٩٢ - ٩٣).\nــ\nوقوله - ﷺ -: (لهما أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة)؛ أي: أجر صلة الرحم، وأجر منفعة الصدقة.\nواختلف قول مالك في الصدقة الواجبة على القرابة غير الوالدين والولد، والزوجة، بالجواز والكراهية، ووجه هذه الكراهية مخافة الميل بالمدح بصلة الأرحام. فتفسد نية أداء الفرض، أو تضعف.\nفأما الوالدان والولد الفقراء فلا تدفع الزكاة إليهم بالإجماع.\nواختلفوا في المرأة: هل تُعطي منها زوجها؟ فأجازه الشافعي وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وأبو ثور، وأشهب؛ إذا لم يصرفها إليها فيما يلزمه لها، ولم يجزه مالك، ولا أبو حنيفة، واختلف فيه عن أحمد.\nوليس إخبار بلال بالسائلتين اللتين [استكتمتاه] مَن هما بكشف أمانة سرٍّ؛ لوجهين:\nالأول: أن بلالًا فهم أن ذلك ليس على الإلزام، وإنما كان ذلك منهما على أنهما رأتا أنه لا ضرورة تحوج إلى ذلك.\nوالثاني: أنه إنما أخبر بهما جوابًا لسؤال النبي - ﷺ -، فرأى أن إجابة رسول الله - ﷺ - أهمُّ وأوجبُ من كتمان ما أمرتاه به. وهذا كله بناء على أنهما أمرتاه. ويحتمل أن يكون سؤالا للإسراع، ولا يجب إسعاف كل سؤال.","vol":"3","page":46},{"text":"[٨٦٦] وَعَن أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَت: قُلتُ يَا رَسُولَ اللهِ! هَل لِي أَجرٌ فِي بَنِي أَبِي سَلَمَةَ؟ أُنفِقُ عَلَيهِم وَلَستُ بِتَارِكَتِهِم هَكَذَا وَهَكَذَا إِنَّمَا هُم بَنِيَّ فَقَالَ: (نَعَم، لك فِيهِم أَجرُ مَا أَنفَقتِ عَلَيهِم).\nرواه أحمد (٦/ ٢٩٢ و٢٩٣)، والبخاري (١٤٦٧)، ومسلم (١٠٠١).\n[٨٦٧] وَعَن مَيمُونَةَ بِنتِ الحَارِثِ، أَنَّهَا أَعتَقَت وَلِيدَةً فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَذَكَرَت ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: (لَو أَعطَيتِهَا أَخوَالَكِ كَانَ أَعظَمَ لأَجرِكِ).\nرواه أحمد (٦/ ٣٣٢)، والبخاري (٢٥٩٢)، ومسلم (٩٩٩) (٤٤).\n* * *\nــ\nوقوله: (لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك)؛ هذا يدل على أن الصدقة على الأقارب أفضل من عتق الرقاب. وهو قول مالك.\nوتخصيص الأخوال؛ إما لأنهم من جهة الأم، وللأم ثلاثة أرباع البر، وإما لأنهم كانوا أحوج. وهكذا صحت الرواية في كتاب مسلم: أخوالك، ووقع في البخاري من رواية الأصيلي: أخواتك بالتاء بدل أخوالك، ولعلّه الأصحّ، بدليل رواية مالك في الموطأ: ([أعطها] لأختكِ وصِلِيها بما ترعى عليها، فهو خير لك).\n* * *","vol":"3","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-334>(٧) باب الصدقة على الأم المشرِكة، وعن الأم الميتة</span>\n[٨٦٨] عَن أَسمَاءَ بِنتِ أَبِي بَكرٍ، قَالَت: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَ أُمِّي قَدِمَت عَلَيَّ وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَو رَاهِبَة أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: (نَعَم).\nوَفِي رِوَايَةٍ: قال: نعم صلي أمك.\nرواه أحمد (٦/ ٣٤٤ و٣٤٧)، والبخاري (٥٩٧٩)، ومسلم (١٠٠٣).\n[٨٦٩] وَعَن عَائِشَةَ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ: إِنَّ أُمِّيَ افتُلِتَت نَفسَهَا، وَلَم تُوصِ، وَأَظُنُّهَا لَو تَكَلَّمَت تَصَدَّقَت. . . . .\nــ\n(٧) ومن باب: الصدقة على الأم المشركة وعن الأم الميتة\nقولها: إن أمي قدمت عليّ وهي راغبة أو راهبة: قد جاء هذا في رواية أخرى: راغبة، بغير شك، وهو الأصح. واختلف في معناه: فقيل: راغبة عن الإسلام؛ أي: كارهة فيه. وقيل: راغبة فيما تعطيها. وذكره أبو داود وقال: قدمت عليّ أمي راغبة في عهد قريش، وهي راغمة؛ أي: مشركة؛ فالأول بالباء؛ أي: طالبة صلتي. والثاني بالميم؛ أي: كارهة للإسلام، ساخطة له.\nوأمّها هذه هي: قَبِلَةُ بنت عبد العزّى العامرية القرشية. ويقال: قتيلة. وقيل فيها نزل قوله تعالى: ﴿لا يَنهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَم يُقَاتِلُوكُم فِي الدِّينِ وَلَم يُخرِجُوكُم مِن دِيَارِكُم أَن تَبَرُّوهُم﴾ وفيه صلة الأبوين المشركين كما قال تعالى: ﴿وَصَاحِبهُمَا فِي الدُّنيَا مَعرُوفًا﴾\nوقوله: [إن] أمي افتُلِتت نفسها: الرواية المعروفة عند الجمهور: افتُلِتَت","vol":"3","page":48},{"text":"أَفَلَهَا أَجرٌ إِن تَصَدَّقتُ عَنهَا؟ قَالَ: نَعَم.\nرواه أحمد (٦/ ٥١)، والبخاري (٢٧٦٠)، ومسلم (١٠٠٤)، والنسائي (٦/ ٢٥٠).\n[٨٧٠] وَعَن حُذَيفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: (كُلُّ مَعرُوفٍ صَدَقَةٌ).\nرواه أحمد (٥/ ٣٨٣ و٣٩٧)، ومسلم (١٠٠٥)، وأبو داود (٤٩٤٧).\n* * *\nــ\n- بالفاء - مبنيًّا لما لم يسمَّ فاعلُه؛ أي: ماتت فلتة؛ أي: فجأة. ونفسها: بالرفع والنصب، فالرفع على أنه المفعول الذي لم يسمّ فاعلُه، والنصب على أنه المفعول الثاني بإسقاط حرف الجر، والأول مضمر، وهو المقام مقام الفاعل.\nورواه ابن قتيبة: اقتتلت - بالقاف -، وفسره بأنها كلمة تقال لمن مات فجأة، وتقال أيضًا لمن قتلته الجنّ والعشق.\nوقوله: فهل لها أجر إن تصدّقتُ عنها؛ الرواية الصحيحة بكسر الهمزة من إن على الشرطية، ولا يصح قولُ مَن فتحها؛ لأنه إنما سأل عما لم يفعله.\nولم يُختَلف في مقتضى هذا الحديث، وهو: أن الصدقة بالمال نافعة للميت. واختلف في عمل الأبدان هل ينفع الميت إذا فعل عنه؟ فمن حمله على المال قال: ينفعه، ومن لم يحمله عليه وأخذ بقوله تعالى: ﴿وَأَن لَيسَ لِلإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ قال: لا ينفعه. وسيأتي كمال هذه المسألة في الصوم والحج إن شاء الله تعالى.\nوقوله: (كل معروف صدقة)؛ أي: كل ما يفعل من أعمال البرّ والخير، كان ثوابه كثواب من تصدق بالمال، والله أعلم.","vol":"3","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-335>(٨) باب الابتداء في الصدقة بالأهم فالأهم</span>\n[٨٧١] عَن جَابِرٍ قَالَ: أَعتَقَ رَجُلٌ مِن بَنِي عُذرَةَ عَبدًا لَهُ عَن دُبُرٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَبِي - ﷺ - فَقَالَ: (أَلَكَ مَالٌ غَيرُهُ؟) فَقَالَ: لا، فَقَالَ: (مَن\nــ\n(٨) ومن باب: الابتداء بالصدقة بالأهم فالأهم\nقوله: أعتق رجل من بني عذرة، وجاء في رواية أخرى في الأم؛ أن هذا الرجل من الأنصار، واسمه: أبو مذكور.\nوهذا الحديث حجة للشافعي، ومن قال بقوله على جواز بيع المدبر. وأن التدبير ليس بلازم كالوصية. وخالفه في ذلك مالك ومن قال بقوله. فقال: إنه لا يجوز بيعه إلا إن استغرقه دين بعد الموت، قال مالك: وهو الأمر المجمع عليه عندنا.\nوعلى هذا: فظاهر هذا الحديث متروك بدليل هذا العمل المجمع عليه، فيتعين تأويل هذا الحديث عند من يرجح العمل المنقول على أخبار الآحاد، وهو مذهب مالك. وقد حمل أصحابنا هذا الحديث: على أنه إنما باعه النبي - ﷺ - في دين متقدّم على التدبير، ويعتضد هذا: بأن النبي - ﷺ - تولى بيع المدبر بنفسه، كما يتولى الحاكم بيع مال المفلس. وأحالت الشافعية لهذا التأويل: بأنه - ﷺ - قال للرجل لما دفع إليه ثمن المدبر: (ابدأ بنفسك فتصدق عليها)؛ قالوا: ولو كان هنالك دين لكان الابتداء به أولى، ولقال له: ابدأ بدينك.\nقال بعض أصحابنا: إن قوله: (ابدأ بنفسك)؛ متضمن لذلك؛ لأن قوله: (ابدأ بنفسك)؛ إنما يعني به ابدأ بحقوقها. ومن أعظم حقوقها تخليصها من الدَّين الذي هي مرتهنة به. ومما احتج به أصحابنا [بأن] المدبر لا يباع ولا يوهب: حديث ابن عمر، وهو أنه - ﷺ - قال: (المدبر لا يباع ولا يوهب، وهو حر من الثلث) (١)، وصحيحه موقوف على ابن عمر، والذي استدل به مالك ما تقدّم.\n_________\n(١) رواه البيهقي (١٠/ ٣١٤)، والدارقطني (٤/ ١٣٨).","vol":"3","page":50},{"text":"يَشتَرِيهِ مِنِّي؟) فَاشتَرَاهُ نُعَيمُ بنُ عَبدِ اللهِ العَدَوِيُّ بِثَمَانِمِائَةِ دِرهَمٍ، فَجَاءَ بِهَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَدَفَعَهَا إِلَيهِ. ثُمَّ قَالَ: (ابدَأ بِنَفسِكَ فَتَصَدَّق عَلَيهَا، فَإِن فَضَلَ شَيءٌ فَلأَهلِكَ، فَإِن فَضَلَ عَن أَهلِكَ شَيءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإِن فَضَلَ عَن ذِي قَرَابَتِكَ شَيءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا). تَقُولُ: فَبَينَ يَدَيكَ وَعَن يَمِينِكَ وَعَن شِمَالِكَ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٦٩)، ومسلم (٩٩٧)، وأبو داود (٣٩٥٧)، والنسائي (٧/ ٣٠٤).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>(٩) باب أعمال البر صدقات</span>\n[٨٧٢] عَن أَبِي ذَرٍّ، أَنَّ نَاسًا مِن أَصحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالُوا لِلنَّبِيِّ: يَا رَسُولَ اللهِ! ذَهَبَ أَهلُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَموَالِهِم قَالَ: (أَوَلَيسَ قَد جَعَلَ اللهُ لَكُم\nــ\nوقوله: (فإن فضل شيء)؛ المعروف: فضِل بكسر الضاد، وهي لغة. و[يقال] بفتحها، وهي اختيار الجوهري.\nوهذا الحديث دليل على مراعاة الأوكد فالأوكد.\n(٩) ومن باب: أعمال البر صدقات\nقد تقدّم القول على الدثور، وعلى تفضيل الفقر في كتاب الصلاة. ومقصود هذا الحديث: أن أعمال الخير إذا حسنت النيات فيها تنزلت منزلة الصدقات في الأجور، ولا سيما في حق من لا يقدر على الصدقة. ويفهم منه: أن الصدقة في حق القادر عليها أفضل له من سائر الأعمال القاصرة على فاعلها.","vol":"3","page":51},{"text":"مَا تَصَّدَّقُونَ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكبِيرَةٍ صَدَقَةً وَكُلِّ تَحمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمرٌ بِالمَعرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهيٌ عَن المُنكَرِ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضعِ أَحَدِكُم صَدَقَةٌ). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجرٌ؟ قَالَ: (أَرَأَيتُم لَو وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ، أَكَانَ عَلَيهِ فِيهَا وِزرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الحَلالِ كَانَ لَهُ أَجرٌ).\nرواه أحمد (٥/ ١٦٧ و١٦٨)، ومسلم (٧٢٠) و(١٠٠٦)، وأبو داود (٥٢٤٣ و٥٢٤٤).\n[٨٧٣] وَعَن عَائِشَةَ قَالَت: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: (إِنَّهُ خُلِقَ كُلُّ إِنسَانٍ مِن بَنِي آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وَثَلاثِمِائَةِ مَفصِلٍ، فَمَن كَبَّرَ اللهَ، وَحَمِدَ اللهَ،\nــ\nوقوله: (في بضع أحدكم صدقة)، البضع بضم الباء: الجماع، وأصله: الفرج. قال الأصمعي: يقال: ملك فلان بضع فلانة: إذا ملك عقد نكاحها، وهو كناية عن موضوع الغشيان، والمباضعة: المباشرة، والاسم: البضع. وفيه دليل: على أن النيات الصادقات تصرف المباحات إلى الطاعات.\nوقولهم: أياتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ استفهام من استبعد حصول أجر بفعل مستلذ، يحث الطبع عليه، وكأن هذا الاستبعاد إنما وقع من تصفُّح الأكثر من الشريعة، وهو أن الأجور إنما تحصل في العبادات الشاقة على النفوس المخالفة لها. ثم إنه - ﷺ - أجابهم على هذا بقياس العكس، فقال: (أرأيتم لو وضعها في حرام؟) ونظمه: كما يأثم في ارتكاب الحرام، يؤجر في فعل الحلال. وحاصله راجع إلى إعطاء كل واحد من المتقابلين ما يقابل به الآخر من الذوات والأحكام.\nوقد اختلف الأصوليون في هذا النوع من القياس، هل يعمل عليه أم لا؟ على قولين. وهذا الحديث حجة لصحة العمل بهذا النوع.\nوقوله - ﷺ -: (إنه خُلِق كلُّ إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل)","vol":"3","page":52},{"text":"وَهَلَّلَ اللهَ، وَسَبَّحَ اللهَ، وَاستَغفَرَ اللهَ، وَعَزَلَ حَجَرًا عَن طَرِيقِ المسلمين، أَو شَوكَةً أَو عَظمًا مِن طَرِيقِ النَّاسِ، وَأَمَرَ بِمَعرُوفٍ أَو نَهَى عَن مُنكَرٍ عَدَدَ تِلكَ السِّتِّينَ وَالثَّلاثِمِائَةِ السُّلامَى، فَإِنَّهُ يَمشِي يَومَئِذٍ وَقَد زَحزَحَ نَفسَهُ عَنِ النَّارِ). قَالَ أَبُو تَوبَةَ: وَرُبَّمَا قَالَ: يُمسِي.\nرواه مسلم (١٠٠٧).\nــ\n؛ الضمير في: إنه، ضمير الأمر والشأن، والمفاصل: هي العظام التي ينفصل بعضها من بعض، وقد سمّاها: سُلاميات. قال أبو عبيد: السُّلامى في الأصل: عظم في فِرسَن البعير، وقد تقدّم القول في السُّلاميات في الصلاة.\nومقصود هذا الحديث: أن العظام التي في الإنسان هي أصل وجوده، وبها حصول منافعه؛ إذ لا تتأتى الحركات والسكنات إلا بها، والأعصاب رباطات، واللحوم والجلود حافظات وممكنات، فهي إذًا أعظم نعم الله على الإنسان، وحق المنعم عليه أن يقابل كل نعمة منها بشكر يخصّها، وهو أن يعطي صدقةً كما أُعطي منفعة، لكن الله تعالى لطف وخفف بأن جعل التسبيحة الواحدة كالعطية، وكذلك التحميدة، وغيرها من أعمال البر وأقواله، وإن قلّ مقدارها، وأتم تمام الفضل، أن اكتفى من ذلك كلّه بركعتين في الضحى، على ما مرّ. وقد نبهنا على سرّ ذلك في باب: صلاة الضحى.\nوقوله: (عدد تلك الستين والثلاثمائة السُّلامى)؛ كذا وقعت الرواية، وصوابه في العربية: ثلاثمائة السلامى؛ لأنه لا يجمع بين الألف واللام والإضافة إلا في الإضافة غير المحضة، بشرط دخول الألف واللام على المضاف والمضاف إليه.","vol":"3","page":53},{"text":"[٨٧٤] وَعَن أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: (عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ صَدَقَةٌ). قَالَ: أَرَأَيتَ إِن لَم يَجِد؟ قَالَ: (يَعتَمِلُ بِيَدَيهِ فَيَنفَعُ نَفسَهُ وَيَتَصَدَّقُ). قَالَ: أَرَأَيتَ إِن لَم يَستَطِع؟ قَالَ: (يُعِينُ ذَا الحَاجَةِ المَلهُوفَ) قَالَ: قِيلَ لَهُ: أَرَأَيتَ إِن لَم يَستَطِع؟ قَالَ: (يَأمُرُ بِالمَعرُوفِ أَوِ الخَيرِ). قَالَ: أَرَأَيتَ إِن لَم يَفعَل؟ قَالَ: (يُمسِكُ عَنِ الشَّرِّ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ).\nرواه أحمد (٤/ ٣٩٥ و٤١١)، والبخاري (٦٠٢٢)، ومسلم (١٠٠٨).\n[٨٧٥] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: كُلُّ سُلامَى مِنَ النَّاسِ، عَلَيهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَومٍ تَطلُعُ الشَّمسُ. قَالَ: تَعدِلُ بَينَ الاثنَينِ صَدَقَةٌ، وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ فَتَحمِلُهُ عَلَيهَا أَو تَرفَعُ لَهُ عَلَيهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، قَالَ: وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطوَةٍ تَمشِيهَا إِلَى الصَّلاةِ صَدَقَةٌ. وَتُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ.\nرواه أحمد (٢/ ٣١٦)، والبخاري (٢٧٧)، ومسلم (١٠٠٩).\n* * *\nــ\nوقوله: (على كل مسلم صدقة)؛ هو هنا مطلق، وقد قيَّده من حديث أبي هريرة بقوله: (في كل يوم)؛ وظاهر هذا اللفظ الوجوب، لكن خففه الله تعالى حيث جعل ما خف من المندوبات [مسقطًا] له؛ لطفا منه وتفضلًا.\n(ذو الحاجة): صاحبها. والملهوف: المضطر إليها، الذي قد شغله همه بحاجته عن كل ما سواها، ولا شكّ في أن قضاء حاجة من كانت هذه حاله يتعدد فيها الأجر، ويكثر بحسب ما كشف من كربة صاحبها.","vol":"3","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-337>(١٠) باب الدعاء للمنفق وعلى الممسك، والأمر بالمبادرة للصدقة قبل فَوتِها</span>\n[٨٧٦] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (مَا مِن يَومٍ يُصبِحُ العِبَادُ فِيهِ إِلا مَلَكَانِ يَنزِلانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللهُمَّ أَعطِ مُنفِقًا خَلَفًا. وَيَقُولُ الآخَرُ: اللهُمَّ أَعطِ مُمسِكًا تَلَفًا).\nرواه أحمد (٢/ ٣٠٥ - ٣٠٦)، والبخاري (١٤٤٢)، ومسلم (١٠١٠).\nــ\nومقصود هذه الأحاديث الترغيب في أعمال البر والخير بطريق إظهار وجه الاستحقاق واللطف، والحمد لله.\n(١٠) ومن باب: الدعاء للمنفق وعلى الممسك\nقوله: (اللهم أعط منفقًا خلفًا)؛ هو موافق في المعنى (١) لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقتُم مِن شَيءٍ فَهُوَ يُخلِفُهُ﴾ وهذا يعم الواجبات والمندوبات.\nوقوله: (اللهم أعط ممسكًا تلفًا)؛ يعني: الممسك عن النفقات الواجبات، وأما الممسك عن المندوبات، فقد لا يستحق هذا الدعاء باللهم إلا أن يغلب عليه البخل بها، وإن قَلَّت في أنفسها؛ كالحبة واللقمة وما شاكل هذا. فهذا قد يتناوله هذا الدعاء؛ لأنه إنما يكون كذلك لغلبة صفة البخل المذمومة عليه، وقلَّ ما يكون كذلك، إلا ويبخل بكثير من الواجبات، أو لا يطيب نفسًا بها، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"3","page":55},{"text":"[٨٧٧] وَعَن حَارِثَةَ بنِ وَهبٍ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: (تَصَدَّقُوا فَيُوشِكُ الرَّجُلُ يَمشِي بِصَدَقَتِهِ فَيَقُولُ الَّذِي أُعطِيَهَا: لَو جِئتَنَا بِهَا بِالأَمسِ قَبِلتُهَا، فَأَمَّا الآنَ فَلا حَاجَةَ لِي فِيهَا، فَلا يَجِدُ مَن يَقبَلُهَا).\nرواه أحمد (٤/ ٣٠٦)، والبخاري (١٤١١)، ومسلم (١٠١١)، والنسائي (٥/ ٧٧).\n[٨٧٨] وَعَن أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: (لَيَأتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَطُوفُ الرَّجُلُ بِالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ، ثُمَّ لا يَجِدُ أَحَدًا يَأخُذُهَا مِنهُ، وَيُرَى الرَّجُلُ الوَاحِدُ يَتبَعُهُ أَربَعُونَ امرَأَةً يَلُذنَ بِهِ مِن قِلَّةِ الرِّجَالِ وَكَثرَةِ النِّسَاءِ).\nــ\nوقوله: (تصدقوا فيوشك الرجل)؛ هذا الأمر حضّ على المبادرة إلى إخراج الصدقة. ويوشك: يسرع.\nوقول المعطي له: (لو جئتنا بها بالأمس قبلتها)؛ يعني: أنه قد استغنى عنها بما أخرجت الأرض، كما قال في الحديث الآخر: (تقيء الأرض أفلاذَ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب)، قال ابن السكيت: الفلذ لا يكون إلا للبعير، وهي: القطع المقطوعة طولًا. وحكى أبو عبيد عن الأصمعي: الحزّة والفلذة: ما قُطِعَ طولًا من اللحم، ولم يخصّ كبدًا من غيره.\nوالأسطوان - بضم الهمزة والطاء -: السّواري، واحدتها: أسطوانة.\nوهذا عبارة عما تخرج الأرض من الكنوز والندرات (١)، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَأَخرَجَتِ الأَرضُ أَثقَالَهَا﴾؛ أي: كنوزها، على أحد التفسيرين، وقيل: موتاها.\nوقوله: (ويُرى الرجل الواحد تتبعه أربعون امرأة يلذن به من قلّة الرجال وكثرة النساء)، معنى: يَلُذنَ: يستترن ويتحرزن، من الملاذ الذي هو السترة، لا من\n_________\n(١) جمع نَدْرة، وهي القِطعة من الذهب والفضة.","vol":"3","page":56},{"text":"رواه البخاري (١٤١٤)، ومسلم (١٠١٢).\n[٨٧٩] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: (لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكثُرَ المَالُ وَيَفِيضَ، حَتَّى يَخرُجَ الرَّجُلُ بِزَكَاةِ مَالِهِ فَلا يَجِدُ أَحَدًا يَقبَلُهَا مِنهُ، وَحَتَّى تَعُودَ أَرضُ العَرَبِ مُرُوجًا وَأَنهَارًا.\nرواه أحمد (٢/ ٤١٧)، ومسلم (١٥٧).\n[٨٨٠] وَعَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: تَقِيءُ الأَرضُ أَفلاذَ كَبِدِهَا، أَمثَالَ الأُسطُوَانِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ فَيَجِيءُ القَاتِلُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَتَلتُ. وَيَجِيءُ القَاطِعُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَطَعتُ رَحِمِي، وَيَجِيءُ السَّارِقُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قُطِعَت يَدِي. ثُمَّ يَدَعُونَهُ فَلا يَأخُذُونَ مِنهُ شَيئًا.\nرواه مسلم (١٠١٣)، والترمذي (٢٢٠٨).\n* * *\nــ\nاللذة، وذلك إنما يكون لكثرة قتل الرجال في الملاحم، كما سيأتي في كتاب الفتن.\nوقوله: (حتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا)؛ أي: تنصرف دواعي العرب عن مقتضى عاداتهم من انتجاع الغيث والارتحال في المواطن للحروب والغارات، ومن نخوة (١) النفوس العربية الكريمة الأبيّة إلى أن يتقاعدوا عن ذلك، فينشغلوا بغراسة الأرض وعمارتها، وإجراء مياهها، كما قد شوهد في كثير من بلادهم وأحوالهم.\n_________\n(١) في (ع) و(ظ): عزّة.","vol":"3","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-338>(١١) باب لا يقبل الله الصدقة إلا من الكسب الطيب</span>\n[٨٨١] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِن طَيِّبٍ وَلا يَقبَلُ اللهُ إِلا الطَّيِّبَ إِلا أَخَذَهَا الرَّحمَنُ بِيَمِينِهِ، وَإِن كَانَت تَمرَةً، فَتَربُو فِي كَفِّ الرَّحمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعظَمَ مِنَ الجَبَلِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُم فَلُوَّهُ أَو فَصِيلَهُ).\nوَفِي رِوَايَةٍ: (لا يَتَصَدَّقُ واحَدٌ بِتَمرَةٍ مِن كَسبٍ طَيِّبٍ إِلا أَخَذَهَا اللهُ بِيَمِينِهِ فَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُم فَلُوَّهُ - أَو قَلُوصَهُ - حَتَّى تَكُونَ مِثلَ الجَبَلِ أَو أَعظَمَ).\nوَفِي أُخرَى: (مِنَ الكَسبِ الطَّيِّبِ فَيَضَعُهَا فِي حَقِّهَا).\nرواه أحمد (٢/ ٥٣٨)، ومسلم (١٠١٤)، والترمذي (٦٦١)، والنسائي (٥/ ٥٧)، وابن ماجه (١٨٤٢).\nــ\n(١١) ومن باب: لا يقبل الله الصدقة إلا من ذي الكسب الطيب\nقوله - ﷺ -: (إن الله طيب)؛ أي: منزَّه عن النقائص والخبائث، فيكون بمعنى: القدوس، وقيل: طيب الثناء، ومستلذ الأسماء عند العارفين بها. وعلى هذا: فطيِّب من أسمائه الحسنى، ومعدود في جملتها المأخوذة من السنة؛ كالجميل والنظيف؛ على قول من رواه ورآه.\nوالكسب الطيب في هذا الحديث الحلال؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبتُم﴾ و﴿كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقنَاكُم﴾ وغيره، وأصل الطيب: المستلذ بالطبع، ثم أطلق على المطلق","vol":"3","page":58},{"text":"[٨٨٢] وَعَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لا يَقبَلُ إِلا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ المُؤمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقنَاكُم﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشعَثَ أَغبَرَ يَمُدُّ يَدَيهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ\nــ\nبالشرع.\nوإنما لا يقبل الله الصدقة من المال الحرام؛ لأنه غير مملوك للمتصدق، وهو ممنوع من التصرف فيه، والتصدق به تصرُّف فيه، فلو قبلت منه؛ لزم أن يكون مأمورًا به، منهيًا عنه من وجه واحد، وهو محال، ولأن أكل الحرام يفسد القلوب، فتحرم الرقة والإخلاص، فلا تقبل الأعمال. وإشارة الحديث إلى أنه لم يقبل؛ لأنه ليس بطيب، فانتفت المناسبة بينه وبين الطيب بذاته.\nوقوله: (إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين)؛ يعني: أنه سوَّى بينهم في الخطاب بوجوب أكل الحلال.\nورزقناكم هنا بمعنى: ملّكناكم، وقد يكون في موضع آخر: نفعناكم. وقد تقدّم الكلام على الرزق.\nوقوله: ثم ذكر الرجل يطيل السفر يعني: في الحج والجهاد. وما أشبه ذلك من أسفار الطاعات؛ إلا أن أشعث أغبر؛ يدلّ على المُحرم. والشَّعثُ في الشعر، والغبرة في سائر الجسد.\nوقوله: (يمدّ يديه إلى السماء)؛ أي: عند الدعاء، وهذا يدلّ على مشروعية مدّ اليدين عنده إلى السماء. وقد تقدّم الكلام على (١) ذلك.\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"3","page":59},{"text":"وَمَطعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالحَرَامِ فَأَنَّى يُستَجَابُ لِذَلِكَ؟ .\nرواه أحمد (٢/ ٣٢٨)، ومسلم (١٠١٥).\n* * *\nــ\nوقوله: (فأنَّى يستجاب لذلك)؛ أي: كيف - على جهة الاستبعاد -، ومعناه: أنه ليس أهلًا لإجابة دعائه، لكن يجوز أن يستجيب الله له تفضلًا ولطفًا وكرمًا.\nوقوله: (إلا أخذها الرحمن بيمينه)؛ أي: قبلها مشرّفة مكرّمة، مرضيًا بها، بالغة محلها، وهذا كما قال الشاعر (١):\nإذا ما راية رفعت لمجدٍ ... تلقَّاها عرابة باليمين\nأي: هو مؤهل للمجد والشرف، ولم يرد بها اليمين الجارحة؛ لأن المجد معنى، والمعنى الذي يتلقى به رايته معنى، وكذلك اليمين في حق الله تعالى.\nوقوله: (فتربو)؛ أي: يزيد ثوابها. و(كفا الرحمن): عبارة عن محل القبول، ويجوز أن يكون مصدر: كف يَكفُّ كفًا، ويكون معناه: الحفظ والصيانة، فكأنه قال: تلك الصدقة في حفظ الله وكلاءته، فلا ينقص ثوابها، ولا يبطل جزاؤها، والله تعالى أعلم.\nويحتمل أن يكون الكفّ عبارة عن كفة الميزان الذي توزن فيه الأعمال، فيكون من باب حذف المضاف، كأنه قال: فتربو في كفة ميزان الرحمن.\nوالقلوص: الناقة الفتية، كالجارية في النساء. والفلو من الإبل: كالصبي في الرجال.\n_________\n(١) هو الشماخ.","vol":"3","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-339>(١٢) باب الصدقة وقاية من النار</span>\n[٨٨٣] عَن عَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (مَا مِنكُم أَحَدٍ إِلا سَيُكَلِّمُهُ اللهُ لَيسَ بَينَهُ وَبَينَهُ تُرجُمَانٌ، فَيَنظُرُ أَيمَنَ مِنهُ فَلا يَرَى إِلا مَا قَدَّمَ، وَيَنظُرُ أَشأَمَ مِنهُ فَلا يَرَى إِلا مَا قَدَّمَ، وَيَنظُرُ بَينَ يَدَيهِ فَلا يَرَى إِلا النَّارَ تِلقَاءَ وَجهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَو بِشِقِّ تَمرَةٍ).\nوَفِي رِوَايَةٍ: أَنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ذَكَرَ النَّار فَتَعَوَّذ منها، وَأَشَاحَ بِوَجهِهِ ثَلاثَ مَرَات، ثُمَّ قَالَ: (اتَّقُوا النَّارَ وَلَو بِشِقِّ تَمرَةٍ، فَإِن لَم تَجِدوا فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ).\nرواه أحمد (٤/ ٢٥٨ و٢٥٩)، والبخاري (١٤١٧)، ومسلم (١٠١٦).\n* * *\nــ\n(١٢) ومن باب: الصدقة وقاية من النار\nالترجمان: المفسِّر للكلام، والمترجم له. ويقال: ترجمان، بالفتح وبالضم.\nوقوله: (أيمنَ منه، وأشأمَ منه)؛ كلاهما منصوب على الظرف، ويعني بهما: يمينه وشماله. مأخوذ من اليد اليمنى والشؤمى.\nوقوله: (واتقوا النار)؛ أي: اجعلوا بينكم وبينها وقاية من الصدقات وأعمال البر (١).\nوقوله: وأشاح بوجهه، قال الخليل: أشاح بوجهه عن الشيء: نحاه\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"3","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-340>(١٣) باب حث الإمام الناس على الصدقة إذا عنت فاقة</span>\n[٨٨٤] عَن جَرِيرٍ قَالَ: كُنَّا عِندَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي صَدرِ النَّهَارِ قَالَ: فَجَاءَ قَومٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجتَابِي النِّمَارِ أَوِ العَبَاءِ، مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، عَامَّتُهُم مِن مُضَرَ، بَل كُلُّهُم مِن مُضَرَ، فَتَمَعَّرَ وَجهُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لِمَا رَأَى\nــ\nعنه. قلت: وهذا هو معناه في هذا الحديث. وقال الفراء: المشيح على معنيين: المقبل إليك، والمانع لما وراء ظهره.\n(١٣) ومن باب: حث الإمام الناس على الصدقة (١)\nقوله: مجتابي العباء؛ أي: مقطوعي أوساط النمار. والاجتباب: التقطيع والخرق، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَابُوا الصَّخرَ بِالوَادِ﴾؛ أي: خرقوها. والنمار: جمع نمرة، هي: ثياب من صوف فيها تنمير. والعباء: جمع عباءة، وهي: أكسية غلاظ مخططة.\nو(تمعر وجه رسول الله - ﷺ -)؛ تَغَيَّر لما شق عليه من فاقتهم. و(كومين) - بفتح الكاف -، هي الرواية؛ أي: صُبرَتين، وقد قيد كومين بضم الكاف.\nقال أبو مروان بن سراج: هو بالضم اسم لما كُوَّم، وبالفتح: المرة الواحدة. والكَومَة: الصبرة، والكوم: العظيم من كل شيء، والكوم: المكان المرتفع كالرابية، والفتح هنا أولى؛ لأنه إنما شبَّه ما اجتمع هناك بالكوم الذي هو الرابية.\nو(المذهبة)، الرواية الصحيحة المشهورة فيه هكذا - بالذال المعجمة، والباء المنقوطة بواحدة من\n_________\n(١) ساقط من الأصول، ومستدرك من التلخيص.","vol":"3","page":62},{"text":"بِهِم مِنَ الفَاقَةِ فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ فَأَمَرَ بِلالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم﴾ الآيَةِ - إِلَى قَولِه ﴿رَقِيبًا﴾ وَالآيَةَ الَّتِي فِي الحَشرِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلتَنظُر نَفسٌ مَا قَدَّمَت لِغَدٍ﴾ تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِن دِينَارِهِ، مِن دِرهَمِهِ، مِن ثَوبِهِ، مِن صَاعِ بُرِّهِ مِن صَاعِ تَمرِهِ - حَتَّى قَالَ -: وَلَو بِشِقِّ تَمرَةٍ، قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَت كَفُّهُ تَعجِزُ عَنهَا، بَل قَد عَجَزَت. قَالَ ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيتُ كَومَينِ مِن طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حَتَّى رَأَيتُ وَجهَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُذهَبَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (مَن سَنَّ فِي الإِسلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ\nــ\nأسفل - من الذهب. ويحتمل أن يريد بها: كأنه فضة مذهبة. كما قال الشاعر:\nكأنها فضة [قد] مسها ذهب\nويعني به: تشبيه إشراق وجهه وتنويره، أو كأنه آلة مذهبة، كما يذهب من الجلود والسروج والأقداح وغير ذلك، ويجعل طرائق يتلو بعضها بعضا.\nوقد وقع للحميدي في الجمع بين الصحيحين: مدهنة - بالدال المهملة والنون -. قال: والمدهن: نقرة في الجبل يستنقع فيها ماء المطر. والمدهن أيضًا: ما جعل فيه الدُّهن. والمدهنة من ذلك، شبَّه صفاء وجهه بإشراق السرور بصفاء هذا الماء المستنقع في الحجر، أو بصفاء الدهن.\nوسروره - ﷺ - بذلك فرح بما ظهر من فعل المسلمين، ومن سهولة البذل عليهم، ومبادرتهم لذلك، وبما كشف الله من فاقات أولئك المحاويج.\nوقوله: (من سن في الإسلام سنّة حسنة)؛ أي: من فعل فعلًا جميلًا فاقتدي به فيه، وكذلك إذا فعل قبيحًا فاقتدي به فيه.\nويفيد الترغيب في الخير المتكرر أجره؛ بسبب الاقتداء والتحذير من الشر المتكرر إثمه بسبب الاقتداء.","vol":"3","page":63},{"text":"أَجرُهَا وَأَجرُ مَن عَمِلَ بِهَا مِن غَيرِ أَن يَنقُصَ مِن أُجُورِهِم شَيءٌ، وَمَن سَنَّ فِي الإِسلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيهِ وِزرُهَا وَوِزرُ مَن عَمِلَ بِهَا مِن بَعدِهِ مِن غَيرِ أَن يَنقُصَ مِن أَوزَارِهِم شَيءٌ).\nرواه أحمد (٤/ ٣٥٧ و٣٥٨)، ومسلم (١٠١٧)، والترمذي (٢٦٧٥)، والنسائي (٥/ ٧٥ - ٧٧)، وابن ماجه (٢٠٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-341>(١٤) باب النهي عن لَمزِ المتصدِّق والترغيب في صدقة المِنحَة</span>\n[٨٨٥] عَن أَبِي مَسعُودٍ قَالَ: أُمِرنَا بِالصَّدَقَةِ قَالَ: كُنَّا نُحَامِلُ - فِي رِوَايَةِ -: عَلَى ظُهُورِنَا قَالَ: فَتَصَدَّقَ أَبُو عَقِيلٍ بِنِصفِ صَاعٍ قَالَ: وَجَاءَ إِنسَانٌ بِشَيءٍ أَكثَرَ مِنهُ. فَقَالَ المُنَافِقُونَ: إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَن صَدَقَةِ هَذَا، وَمَا فَعَلَ هَذَا الآخَرُ إِلا رِيَاءً، فَنَزَلَت: ﴿الَّذِينَ يَلمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهدَهُم﴾\nرواه البخاري (١٤١٥)، ومسلم (١٠١٨)، والنسائي (٥/ ٥٩ - ٦٠).\nــ\n(١٤) ومن باب: لمز المتصدق\nقوله: نحامل على ظهورنا؛ أي: نحمل عليها بالأجرة. و(يَلمِزُونَ): يعيبون. و(المُطَّوِّعِينَ): المتطوعين، من الطاعة والطواعية، وأدغمت التاء في الطاء. والجهد - بضم الجيم -: الطاقة، وبالفتح: المشقة.","vol":"3","page":64},{"text":"[٨٨٦] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ نَهَى، فَذَكَرَ خِصَالًا، وَقَالَ: مَن مَنَحَ مَنِيحَةً غَدَت بِصَدَقَةٍ وَرَاحَت بِصَدَقَةٍ صَبُوحِهَا وَغَبُوقِهَا.\nرواه مسلم (١٠٢٠).\n[٨٨٧] وَعَنهُ يَبلُغُ بِهِ النَّبِيِّ - ﷺ -: (أَلا رَجُلٌ يَمنَحُ أَهلَ بَيتٍ نَاقَةً تَغدُو بِعُسٍّ وَتَرُوحُ بِعُسٍّ إِنَّ أَجرَهَا لَعَظِيمٌ).\nرواه مسلم (١٠١٩).\n* * *\nــ\nوقوله: (مَن منح منيحة - ويروى: منحة - غدت بصدقة وراحت بصدقة) المنحة والمنيحة: عطية ذوات الألبان؛ لينتفع المعطى له باللبن، ثم يردّ المحلوب.\nومَن: شرط في موضع رفع بالابتداء، جوابه: غدت بصدقة، وراحت بصدقة، وهو خبر المبتدأ على قول، والصحيح: أن خبرها ما بعدها؛ لأن من الشرطية لا تحتاج إلى صلة، بل هي اسم تام، وإنما لم يتم الكلام بما بعدها؛ لما تضمنته من معنى الشرط. فتدبَّره، فإنه الصحيح.\nومعنى الكلام: أن من منح منيحة كان للمانح صدقة كلما غدت أو راحت؛ لأجل ما يُنال منها في الصباح والمساء. والغدو: البكرة. والرواح: العشي. والصَّبوح: شرب الصباح. والغبوق: شرب العشي. والجاشرية: شرب نصف النهار (١).\nوالعُسُّ: قدح ضخم يحلب فيه. والرواية الصحيحة المعروفة: بُعسٍّ - بعين مهملة مضمومة. ووقع للسمرقندي: تروح بعشاء، وتغدو بعشاء. ورواه الحميدي: بعساء، - بعين مهملة مفتوحة، وسين مهملة، وبالمد والهمز -. وفسّره في غير الأم بالعُسّ الكبير.\n_________\n(١) في اللسان: الجاشرية: الشرب مع الصبح.","vol":"3","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-342>(١٥) باب مثل المتصدق والبخيل، وقبول الصدقة تقع عند غير مستحق</span>\n[٨٨٨] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (مَثَلَ البَخِيلِ وَالمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَينِ عَلَيهِمَا جُنَّتَانِ مِن حَدِيدٍ، فَإِذَا هَمَّ المُتَصَدِّقُ بِصَدَقَةٍ اتَّسَعَت عَلَيهِ حَتَّى تُعَفِّيَ أَثَرَهُ، وَإِذَا هَمَّ البَخِيلُ بِصَدَقَةٍ تَقَلَّصَت عَلَيهِ، وَانضَمَّت يَدَاهُ إِلَى تَرَاقِيهِ، وَانقَبَضَت كُلُّ حَلقَةٍ إِلَى صَاحِبَتِهَا. قَالَ: فَسَمِعتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: فَيَجهَدُ أَن يُوَسِّعَهَا فَلا يَستَطِيعُ).\nرواه أحمد (٢/ ٣٠٥ - ٣٠٦)، والبخاري (١٤٤٢)، ومسلم (١٠١٠).\n[٨٨٩] وَعَنهُ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: لأَتَصَدَّقَنَّ اللَّيلَةَ\nــ\n(١٥) ومن باب: مثل المتصدق والبخيل (١)\nقوله: (جُنتان من حديد)؛ يعني: درعين. والجُنَّة: ما يُستجنُّ به، وكذا صحيح الرواية. وقد روي: جبتان - بالباء بواحدة، وفيه بُعدٌ في المعنى.\nواتسعت من السعة، ويعني به، طالت؛ لأنه إذا اتسع الثوب طال. فإذا اتسعت تصرف فيها بيده وغيره، بخلاف جُنَّة الحديد. وقد روي: [سبغت]، وهو أحسن في المعنى. وتقلصت: تقبضت وانضمت على يده. وهذان المثلان للبخيل والمتصدق واقعان؛ لأن كل واحد منهما إنما يتصرّف بما يجد من نفسه، فمن غلب الإعطاء والبذل عليه طاعت نفسه، وطابت بالإنفاق، وتوسعت فيه، ومن غلب عليه البخل، كان كلما خطر بباله إخراج شيء مما بيده شحت نفسه بذلك، فانقبضت يده للضيق الذي يجده في صدره، ولشح نفسه الذي من وقيه فقد أفلح\n_________\n(١) ساقط من الأصول والمستدرك من التلخيص.","vol":"3","page":66},{"text":"بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ، فَوَضَعَهَا فِي يَدِ زَانِيَةٍ فَأَصبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ. قَالَ: اللهُمَّ لك الحَمدُ عَلَى زَانِيَةٍ. لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِيٍّ، فَأَصبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ قَالَ: اللهُمَّ لك الحَمدُ عَلَى غَنِيٍّ. لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ فَأَصبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ. فَقَالَ: اللهُمَّ لك الحَمدُ عَلَى زَانِيَةٍ، وَعَلَى غَنِيٍّ، وَعَلَى سَارِقٍ، فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ فَقَد قُبِلَت، أَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا تَستَعِفُّ عَن زِنَاهَا، وَلَعَلَّ الغَنِيَّ يَعتَبِرُ فَيُنفِقُ مِمَّا أَعطَاهُ اللهُ، وَلَعَلَّ السَّارِقَ يَستَعِفُّ بِهَا عَن سَرِقَتِهِ).\nرواه أحمد (٢/ ٣٥٠)، والبخاري (١٤٢١)، ومسلم (١٠٢٢)، والنسائي (٥/ ٥٥ - ٥٦).\n* * *\nــ\nكما قال تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفلِحُونَ﴾\nوقد وقع حديث أبي هريرة هكذا في الأم من [طرق] فيها تثبيج (١) وتخليط. وما أثبتناه هنا أحسنها مساقًا، والله تعالى أعلم.\nوقول المتصدق: اللهم لك الحمد، على زانية؛ إشعار بألم قلبه؛ إذ ظن أن صدقته لم توافق محلّها، وأنَّ ذلك لم ينفعه، ولذلك كرَّر الصدقة، فلما علم الله صحة نيته تقبلها منه، وأعلمه بفوائد صدقاته.\nويستفاد منه: صحَّة الصدقة وإن لم توافق محلًا مرضيًا، إذا حسنت نية المتصدق (٢). فأما لو علم المتصدِّق أن المتصدَّق عليه يستعين بتلك الصدقة على معصية الله لحرم عليه ذلك، فإنه من باب التعاون على الإثم والعدوان.\n_________\n(١) قال في اللسان: ثَبَّج الكتاب والكلام تثبيجًا: لم يُبيِّنه. وقيل: لم يأتِ به على وجهه.\n(٢) ساقط من (هـ).","vol":"3","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-343>(١٦) باب أجر الخازن الأمين والمرأة تتصدق من كسب زوجها والعبد من مال سيده</span>\n[٨٩٠] عَن أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: (إِنَّ الخَازِنَ المُسلِمَ الأَمِينَ الَّذِي يَتَصَدَق (وَرُبَّمَا قَالَ): يُعطِي مَا أُمِرَ بِهِ فَيُعطِيهِ كَامِلًا مُوَفَّرًا، طَيِّبَةً بِهِ نَفسُهُ فَيَدفَعُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ أَحَدُ المُتَصَدِّقَينِ).\nرواه أحمد (٤/ ٣٩٤)، والبخاري (١٤٣٧)، ومسلم (١٠٢٣)، وأبو داود (١٦٨٤)، والنسائي (٥/ ٧٩ - ٨٠).\nــ\n(١٦) ومن باب: أجر الخازن الأمين\nقوله: (إن الخازن الأمين المسلم) إلى آخره، هذه الأوصاف لا بدّ من اعتبارها في تحصيل أجر الصدقة للخازن، فإنه إن لم يكن مسلمًا لم يصحَّ منه التقرُّب، وإن لم يكن أمينًا كان عليه وزر الخيانة، فكيف يحصل له أجر الصدقة؟ ! وإن لم يطب بذلك نفسًا لم يكن له نية، فلا يؤجر.\nوقوله: (أحد المُتصَدِّقَين)، لم نروه إلا بالتثنية، ومعناه: أنه بما فعل متصدق، والذي أخرج الصدقة بما أخرج متصدق آخر، فهما متصدقان. ويصح أن يقال على الجمع، ويكون معناه: أنه متصدق من جملة المتصدقين.\n(وآبي اللحم)، اختلف في سبب تسميته بذلك، فمنهم من قال: بما جاء بيانه في الحديث الآخر بعده؛ وذلك: أنه لما ضرب عبده على دفع اللحم سُمِّي آبي اللحم لذلك. وقيل: لأنه كان لا يأكل من لحم ما ذبح على النصب، وقيل: لأنه كان لا يأكل اللحم جملةً. وآبي اللحم: بطن من بني غفار، ومولاه عمير منهم.","vol":"3","page":68},{"text":"[٨٩١] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَن مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنهَا وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (لا تَصُمِ المَرأَةُ وَبَعلُهَا شَاهِدٌ إِلا بِإِذنِهِ، وَلا تَأذَن فِي بَيتِهِ وَهُوَ شَاهِدٌ إِلا بِإِذنِهِ، وَمَا أَنفَقَت مِن كَسبِهِ مِن غَيرِ إِذنِهِ فَإِنَّ نِصفَ أَجرِهِ لَهُ).\nــ\nوقوله - ﷺ -: (الأجر بينكما)؛ يعني: فيما أعطى العبد، مما جرت العادة بإعطائه، والمسامحة بأمثاله؛ كاللحم، واللبن، والطعام اليسير، وغير ذلك. وأما لو دفع ماله بال مما لم تجر العادة بإعطائه لكان عليه الوزر، وللمالك كل الأجر.\nوقوله: (لا تصم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه)، البعل: الزوج. وشاهد حاضر.\nومحمل هذا على المتطوِّعة بالصوم؛ لأن مراعاة حق الزوج واجب عليها، وحقه عليها مستصحب (١)، فلو [سوغ] لها الصوم بغير إذنه، لكان ذلك منعًا للزوج من حقِّه، فلو شرعت في صوم التطوّع بغير إذنه، فله أن يحللها؛ لأن حقَّه مقدَّم على ما شرعت فيه، وكذلك لو أحرمت بالحج والعمرة تطوعًا.\nوقوله: (ولا تأذن في بيته وهو شاهد إلا بإذنه)، تخصيص المنع بحضور الزوج؛ يدل: على أن ذلك لحق الزوج في زوجته؛ إذ قد يكون المأذون له في تلك الحال ممن يشوّش على الزوج مقصوده وخلوته بها.\nوعلى هذا تظهر المناسبة بين هذا النهي وبين النهي عن الصوم المتقدّم. وقال بعض الأئمة: إن ذلك معلل بأن البيت ملك للزوج، وإذنها في دخوله تصرُّف فيما لا تملك. وهذا فيه بُعدٌ؛ إذ لو كان معلّلًا بذلك، لاستوى حضور الزوج وغيبته، والله أعلم.\nوقوله: (وما أنفقت من كسبه)، هو محمول على ما تقدّم من الأطعمة، وما لا بال له.\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"3","page":69},{"text":"رواه أحمد (٢/ ٣١٦)، والبخاري (٥١٩٢)، ومسلم (١٠٢٦)، وأبو داود (٢٤٥٨).\n[٨٩٢] وَعَن عُمَيرٍ مَولَى آبِي اللَّحمِ، قَالَ: كُنتُ مَملُوكًا فَسَأَلتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَأَتَصَدَّقُ مِن مَالِ مَوَالِيَّ بِشَيءٍ؟ قَالَ: (نَعَم، وَالأَجرُ بَينَكُمَا نِصفَانِ).\nرواه مسلم (١٠٢٥).\n[٨٩٣] وَعَنهُ قَالَ: أَمَرَنِي مَولايَ أَن أُقَدِّدَ لَحمًا، فَأتى مِسكِينٌ فَأَطعَمتُهُ مِنهُ، فَعَلِمَ مَولايَ بِذَلِكَ فَضَرَبَنِي، فَأَتَيتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَذَكَرتُ ذَلِكَ لَهُ فَدَعَاهُ فَقَالَ: (لِمَ ضَرَبتَهُ؟) قَالَ: يُعطِي طَعَامِي بِغَيرِ أَن آمُرَهُ، فَقَالَ: (الأَجرُ بَينَكُمَا).\nرواه مسلم (١٠٢٥) (٨٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-344>(١٧) باب أجر من أنفق شيئين في سبيل الله وعظم منزلة من اجتمعت فيه خصال من الخير</span>\n[٨٩٤] عَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: (مَن أَنفَقَ زَوجَينِ فِي سَبِيلِ اللهِ نُودِيَ فِي الجَنَّةِ: يَا عَبدَ اللهِ هَذَا خَيرٌ. . . . .\nــ\n(١٧) ومن باب: أجر من أنفق شيئين في سبيل الله (١)\nقوله: (من أنفق زوجين في سبيل الله)، هكذا وقع في هذا اللفظ في كتاب مسلم. ووقع في البخاري: (من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله).\n_________\n(١) العنوان ساقط من الأصول، ومستدرك من التلخيص.","vol":"3","page":70},{"text":"فَمَن كَانَ مِن أَهلِ الصَّلاةِ دُعِيَ مِن بَابِ الصَّلاةِ، وَمَن كَانَ مِن أَهلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِن بَابِ الجِهَادِ، وَمَن كَانَ مِن أَهلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِن بَابِ الصَّدَقَةِ، وَمَن كَانَ مِن أَهلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِن بَابِ الرَّيَّانِ)، قَالَ أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا عَلَى أَحَدٍ يُدعَى مِن تِلكَ الأَبوَابِ مِن ضَرُورَةٍ، فَهَل يُدعَى أَحَدٌ مِن تِلكَ الأَبوَابِ كُلِّهَا؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (نَعَم، أَرجُو أَن تَكُونَ مِنهُم).\nرواه أحمد (٢/ ١٦٦)، والبخاري (١٨٩٧)، ومسلم (١٠٢٧)، والترمذي (٣٦٧٤)، والنسائي (٤/ ١٦٨ - ١٦٩).\nــ\nوهذا نصّ في عموم كل شيء يخرج في سبيل الله. وقيل: يصح إلحاق جميع أعمال البرّ بالإنفاق. ويدلّ على صحة هذا بقية الحديث؛ إذ قال فيه: (من كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام).\nوالزوج: الصنف، وكذلك قيل في قوله تعالى: ﴿وَكُنتُم أَزوَاجًا ثَلاثَةً﴾ قال ابن عرفة: كل شيء قرن بصاحبه فهو زوج. ويقال: زوجت الإبل: إذا قرنت واحدا بواحد. زاد الهروي في هذا الحديث: قيل: وما زوجان؟ قال: فرسان، أو عبدان، أو بعيران (١).\nوالريَّان: فعلان من الرِّيّ على جهة المبالغة، وسمي بذلك على جهة مقابلة العطشان؛ لأنه جوزي على عطشه بالرِّي الدَّائم في الجنة، التي يدخل إليها من ذلك الباب.\nوقوله: (فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة)؛ أي: من المكثرين لصلاة التطوّع، وكذلك غيرها من أعمال البرّ المذكورة في هذا الحديث؛ لأن الواجبات لا بدّ منها لجميع المسلمين، ومن ترك شيئًا من الواجبات إنما يخاف عليه أن ينادى من أبواب جهنم، فيستوي في القيام بها المسلمون كلهم، وإنما يتفاضلون بكثرة التطوعات التي بها تحصل تلك الأهلية التي بها ينادون من\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ١٦٤) وانظر: التمهيد (٧/ ١٨٦).","vol":"3","page":71},{"text":"[٨٩٥] وَعَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (مَن أَصبَحَ مِنكُمُ اليَومَ صَائِمًا؟).\nقَالَ أَبُو بَكرٍ: أَنَا، قَالَ: (فَمَن تَبِعَ مِنكُمُ اليَومَ جَنَازَةً؟) قَالَ أَبُو بَكرٍ: أَنَا، قَالَ: (فَمَن أَطعَمَ مِنكُمُ اليَومَ مِسكِينًا؟) قَالَ أَبُو بَكرٍ: أَنَا. قَالَ: فَمَن عَادَ مِنكُمُ اليَومَ مَرِيضًا؟ قَالَ أَبُو بَكرٍ: أَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (مَا اجتَمَعت فِي امرِئٍ إِلا دَخَلَ الجَنَّةَ).\nرواه مسلم (١٠٢٨).\n* * *\nــ\nتلك الأبواب.\nولما فهم أبو بكر ﵁ هذا المعنى قال: فهل يدعى أحد من تلك الأبواب؟ أي: هل يحصل لأحد من أهل الإكثار من تطوعات البرّ المختلفة ما يتأهل به لأن يدعوه خزنة الجنة من كل باب من أبوابها؟ فقال له النبي - ﷺ -: (نعم، أنت منهم)، فإنه ﵁ كان قد جمع خصال تلك الأبواب كلها، ألا ترى أنه قال - ﷺ - في الحديث الآتي بعد هذا: (هل فيكم من أطعم اليوم مسكينًا؟) فقال أبو بكر: أنا، [قال: (هل فيكم من عاد مريضًا؟) فقال أبو بكر: أنا]. وقد تقدّم الكلام على بعض نكت هذا الحديث.\nوذكر مسلم في هذا الحديث من أبواب الجنة أربعة، وزاد غيره بقية الثمانية، فذكر فيها: باب التوبة، وباب: الكاظمين الغيظ، وباب: الراضين، والباب الأيمن الذي يدخل منه مَن لا حساب عليه، حكاه القاضي أبو الفضل.\n* * *","vol":"3","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-345>(١٨) باب من أحصى أُحصِي عليه والنهي عن احتقار قليل الصدقة وفضل إخفائها</span>\n[٨٩٦] عَن أَسمَاءَ بِنتِ أَبِي بَكرٍ، قَالَت: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (انفَحِي أَوِ انضَحِي أَو أَنفِقِي، وَلا تُحصِي فَيُحصِيَ اللهُ عَلَيكِ، وَلا تُوعِي فَيُوعِيَ اللهُ عَلَيكِ).\nرواه أحمد (٦/ ٣٤٥ و٣٤٦)، والبخاري (١٤٣٣)، ومسلم (١٠٢٩)، والنسائي (٥/ ٧٣ - ٧٤).\nــ\n(١٨) ومن باب: من أَحصَى أُحصِي عليه\nقوله: (انفحي أو انضحي أو أنفقي)، [معناه]: أعطي، وأصل النفح: الضرب بالعصا أو بالسيف، وكأن الذي ينفق يضرب المعطى له بما يعطيه. ويحتمل أن يكون من نَفَحَ الطيبُ: إذا تحركت رائحته؛ إذ العطية تستطاب كما تستطاب الرائحة الطيبة، أو من نَفَحَت الريح، إذا [هَبَّت] باردة، فكأنه أمر بعطية سهلة كثيرة.\nوفي حديث أبي ذر: ونفح به يمينًا وشمالًا (١)؛ أي: أعطاه في كل وجه. وأصل النضح: الرش. وكأنه أمره بالتصدّق بما تيسّر، وإن كان قليلًا.\nوفي الحديث: (ارضخي)؛ أي: أعطي بغير تقدير. ومنه: أن النبي - ﷺ - كان يرضخ للنساء من الغنيمة، ولا يضرب لهن بسهم (٢). ويفيد تكرار هذه الألفاظ تأكد أمر الصدقة، والحضّ عليها على أي حال تيسَّرت بكثير أو قليل، بمقدر أو بغير مقدر، والله أعلم.\n_________\n(١) سبق تخريجه في التلخيص برقم (٨٥٩).\n(٢) رواه أحمد (٢٢٤ و٣٥٢)، وأبو داود (٢٧٢٨) من حديث ابن عباس.","vol":"3","page":73},{"text":"[٨٩٧] وَعَنهَا؛ أَنَّهَا جَاءَتِ للنَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَت: يَا نَبِيَّ اللهِ لَيسَ لِي شَيءٌ إِلا مَا أَدخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيرُ، فَهَل عَلَيَّ جُنَاحٌ أَن أَرضَخَ مِمَّا يُدخِلُ عَلَيَّ؟ فَقَالَ: (ارضَخِي مَا استَطَعتِ، وَلا تُوعِي فَيُوعِيَ اللهُ عَلَيكِ).\nرواه أحمد (٦/ ٣٥٤)، والبخاري (١٤٣٤)، ومسلم (١٠٢٩) (٨٩)، والنسائي (٥/ ٧٤).\n[٨٩٨] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَقُولُ: (يَا نِسَاءَ المُسلِمَاتِ لا تَحقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَو فِرسِنَ شَاةٍ).\nرواه أحمد (٢/ ٢٦٤ و٤٣٢)، والبخاري (٦٠١٧)، ومسلم (١٠٣٠)، والترمذي (٢١٣٠).\nــ\nوقولها: ليس لي شيء إلا ما أدخل علي الزبير؛ تعني: ما يدخل عليها للإنفاق عليها وعلى أهل بيتها، وهذا محمول على ما تقدّم.\nوقوله: (فلا تحصي فيحصي الله عليك)؛ أي: لا تبخلي فتجازين على بخلك. وأصل هذا: من الإحصاء الذي هو العدّ. وعبر عن البخل بالإحصاء؛ لأن البخيل يعدُّ ماله ويتحرز به، ويغار عليه.\nوقوله: (ولا توعي فيوعي الله عليك)؛ أي: لا تمسكي المال في الوعاء فيمسك الله فضله وثوابه عنك. وفي غير مسلم: (ولا توكي فيوكي عليك)؛ أي: لا تربطي. والوكاء: الخيط الذي يُشدُّ به. وهذا كله من باب مقابلة اللفظ باللفظ.\nومعنى ما ذكر: أنك إذا فعلت ذلك جزيت عليه بنسبة ما فعلت.\nوقوله: (يا نساء المؤمنات)؛ روايتنا فيه بفتح الهمزة وكسر تاء المؤمنات على المنادى المضاف، وهو من إضافة الشيء إلى صفته. وقد تقدّم. وقد قدّر النحويون [هذا]: يا نساء الجماعات المؤمنات، تحرزا من إضافة الشيء إلى","vol":"3","page":74},{"text":"[٨٩٩] وَعَنهُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: (سَبعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَومَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللهِ\nــ\nنفسه (١). وهذه رواية الجمهور، وقد رواه بعضهم: يا نساء - بالرفع -، والمؤمنات - بالكسر -، وعلى هذه الرواية يكون: يا نساء، منادى مفردًا، والمؤمنات صفة على الموضع. ويجوز رفعه على اللفظ، كما تقول: يا زيد العاقل، بالرفع على اللفظ، والنصب على الموضع.\nوالفِرسَن: للبعير كالقدم للإنسان، وأصله للبعير. وقد يقال للشاة، كما جاء هنا، ومقصود هذا الحديث النهي عن احتقار القليل من الصدقة. و(لو) هنا للتقليل، وقد بينا محاملها في أول الكتاب.\nوقوله: (سبعة يظلهم الله في ظله)؛ أي: في ظل عرشه، كما جاء في الحديث الآخر، والمراد يوم القيامة إذا قام الناس في صعيدها، وقربت الشمس من الرءوس، وأُديرت النار بأهل الموقف، فليس هناك إلا ظل العرش. فأما ظل الصدقة فمن ظل العرش، والله أعلم.\nويحتمل أن يراد بالظلّ هنا: الكَنَف والكرامة والوقاية من المكاره، كما تقول العرب: أنا في ظل فلان؛ أي: في صيانته وكرامته وكنفه، وإلى هذا نحا ابن دينار.\nوالإمام العادل: هو كل من ولي شيئًا من أمور المسلمين، فعدل فيه.\nوقوله: (شاب نشأ بعبادة الله)؛ كذا الرواية: بعبادة الله - بالباء، وهذه الباء هي باء المصاحبة، كما تقول: جاء زيد بسلاحه؛ أي: مصاحبًا لها، ويحتمل أن تكون بمعنى الفاء، كما قد تكون الفاء بمعنى الباء، في مثل قوله تعالى: ﴿هَل يَنظُرُونَ إِلا أَن يَأتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمَامِ﴾ ونشأ نبت وابتدأ؛ أي: لم يكن له صبوة، وهو الذي قال فيه في الحديث الآخر: (يعجب ربك من صبيٍّ ليست له صبوةٌ) (٢)، وإنما كان ذلك لغلبة التقوى التي بسببها ارتفعت الصبوة.\n_________\n(١) في (ع): جنسه.\n(٢) رواه أحمد (٤/ ١٥١).","vol":"3","page":75},{"text":"وَرَجُلٌ قَلبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجتَمَعَا عَلَيهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيهِ، وَرَجُلٌ دَعَتهُ امرَأَةٌ ذَاتُ مَنصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخفَاهَا حَتَّى لا تَعلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنفِقُ شِمَالُهُ،\nــ\nوقوله: (ورجل قلبه معلّق في المساجد)؛ أي: يحب الكون فيها للصلاة والذكر وقراءة القرآن، وهذا إنما يكون ممن استغرقه حبُّ الصلاة والمحافظة عليها وشُغِف بها.\nوقوله: (ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه)؛ أي: داما على المحبة الصادقة الدِّينية، المبرأة عن الأغراض الدُّنيوية، ولم يقطعاها بعارض في حال اجتماعهما، ولا حال افتراقهما.\nوقوله: (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله)؛ معنى دعته: عرضت نفسها عليه؛ أي (١) للفاحشة. وقول المدعو في مثل هذا: إني أخاف الله، وامتناعه لذلك دليلٌ: على عظيم معرفته بالله تعالى، وشدّة خوفه من عقابه، ومتين تقواه، وحيائه من الله تعالى. وهذا هو المقام اليوسفي.\nوقوله: (ورجل تصدَّق بصدقة فأخفاها) هذه صدقة التطوع في قول ابن عباس وأكثر العلماء. وهو حضٌّ على الإخلاص في الأعمال، والتستر بها، ويستوي في ذلك جميع أعمال البر التطوعية.\nفأما الفرائض فالأولى إشاعتها وإظهارها لتنحفظ قواعد الدين، ويجتمع الناس على العمل بها، فلا يضيع منها شيء، ويظهر بإظهارها جمال دين الإسلام، وتعلم حدوده وأحكامه. والإخلاص واجب في جميع القرب، والرياء مفسد لها.\nوقوله: (حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)؛ هذا مبالغة في إخفاء الصدقة.\n_________\n(١) من (ع).","vol":"3","page":76},{"text":"وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَت عَينَاهُ).\nرواه أحمد (٢/ ٤٣٩)، والبخاري (٦٦٠)، ومسلم (١٠٣١)، والترمذي (٢٣٩).\n* * *\nــ\nوقد سمعنا من بعض المشايخ أن ذلك أن يتصدق على الضعيف في صورة المشتري منه، فيدفع له درهمًا مثلًا في شيء يساوي نصف درهم. فالصورة مبايعة، والحقيقة صدقة، وهو اعتبار حسن.\nوقوله: (ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه)؛ خاليًا يعني: من الخلق، ومن الالتفات إلى غير الله.\nوفيض العين: بكاؤها. وهو على حسب حال الذاكر، وبحسب ما ينكشف له من أوصافه تعالى، فإن انكشف له غضبه، فبكاؤه عن خوف، وإن انكشف [له] جماله وجلاله، فبكاؤه عن محبة وشوق، وهكذا يتلوَّن الذاكر بتلوُّن (١) ما يذكر من الأسماء والصفات.\nوهذا الحديث جدير بأن ينعم فيه النظر، ويستخرج ما فيه من اللطائف والعبر، والله الموفق الملهم.\n* * *\n_________\n(١) في (ع): بحسب.","vol":"3","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-346>(١٩) باب أي الصدقة أفضل وفضل اليد العليا والتعفف عن المسألة</span>\n[٩٠٠] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعظَمُ أَجرًا؟ فَقَالَ: (أَمَا وَأَبِيكَ لَتُنَبَّأَنَّهُ: أَن تَصَدَّقَ وَأَنتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخشَى الفَقرَ وَتَأمُلُ البَقَاءَ، وَلا تُمهِلَ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الحُلقُومَ قُلتَ:\nــ\n(١٩) ومن باب: أي الصدقة أعظم\nقوله - ﷺ -: (أما وأبيك لتنبأنَّه)، أما: استفتاح للكلام، وأبيك قسم ومقسم به. وتقدم الكلام على القسم بالأب في كتاب الإيمان. والمقسم عليه: لتُنَبَّأنَّه؛ أي: لَتُخبَرَنَّ به حتى تعلمه.\nوالشح: المنع مطلقًا، يعم منع المال وغيره. وهو من أوصاف النفس المذمومة؛ ولذلك قال الله: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفلِحُونَ﴾ والبخل: بالمال، فكأنه نوع من الشحّ. قال معناه الخطابي. وقد دل على صحة هذا قوله - ﷺ -: (إياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالفجور ففجروا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا) (١)؛ أي: شح النفس، وهو منعها من القيام بالحقوق المالية وغيرها.\nوقوله: (حتى إذا بلغت الحلقوم)؛ أي: النفس، ولم يجر لها ذكر، لكن دل عليها الحال، كما قال تعالى: ﴿فَلَولا إِذَا بَلَغَتِ الحُلقُومَ﴾ ومعناه: قاربت الحلقوم، فلو بلغته لم تأت منه وصية ولا غيرها. والحلقوم: الحلق.\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٦٩٨) من حديث عبد الله بن عمر ﵄.","vol":"3","page":78},{"text":"لِفُلانٍ كَذَا، وَلِفُلانٍ كَذَا، وَقَد كَانَ لِفُلانٍ).\nوَفِي رِوَايَةٍ: (أَلا وَقَد كَانَ لِفُلانٍ).\nرواه أحمد (٢/ ٢٥ و٢٣١)، والبخاري (١٤١٩)، ومسلم (١٠٣٢)، وأبو داود (٢٨٦٥)، والنسائي (٥/ ٨٦)، وابن ماجه (٢٧٠٦).\n[٩٠١] وَعَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ وَهُوَ عَلَى المِنبَرِ وَهُوَ يَذكُرُ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ عَنِ المَسأَلَةِ (اليَدُ العُليَا خَيرٌ مِنَ اليَدِ السُّفلَى، وَاليَدُ العُليَا المُنفِقَةُ وَالسُّفلَى السَّائِلَةُ).\nرواه أحمد (٢/ ٦٧)، والبخاري (١٤٢٩)، ومسلم (١٠٣٣)، وأبو داود (١٦٤٨)، والنسائي (٥/ ٦١).\nــ\nوقوله: (لفلان كذا، ولفلان كذا، ألا وقد كان لفلان)، قال الخطابي: مراد به الوارث.\nقلت: وفيه بُعدٌ، بل الأظهر أنه الموصى له، ممن تقدّمت وصيته له على تلك الحالة، ومن ينشئ له الوصية في تلك الحالة أيضًا.\nوقوله: وهو يذكر الصدقة، والتعفُّف عن المسألة؛ أي: يحضُّ الغني على الصدقة، والفقير على التعفُّف عن المسألة.\nوقوله: (اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى)، ثم فسّر اليد العليا بالمُنفِقَة والسُّفلى بالسائلة، وهو نصٌّ يرفع تعسُّف من تعسَّف في تأويله، غير أنه وقع هذا الحديث في كتاب أبي داود، وقال فيه في بعض طرقه بدل المنفقة: المتعففة. قال: وقال أكثرهم: اليد العليا: المنفقة.\nوذكر أبو داود أيضًا من حديث مالك بن نضلة مرفوعًا: (الأيدي ثلاث: فيد الله العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد السائل السفلى، فأعطِ الفضلَ، ولا تعجز عن نفسك) (١).\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٦٤٩).","vol":"3","page":79},{"text":"[٩٠٢] وَعَن حَكِيمَ بنَ حِزَامٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: (أَفضَلُ الصَّدَقَةِ، أَو خَيرُ الصَّدَقَةِ عَن ظَهرِ غِنًى، وَاليَدُ العُليَا خَيرٌ مِنَ اليَدِ السُّفلَى، وَابدَأ بِمَن تَعُولُ).\nرواه البخاري (١٤٧٢)، ومسلم (١٠٣٤)، والنسائي (٥/ ٦٩).\nــ\nوقوله: (وابدأ بمن تعول)؛ يعني: أنه يبدأ بكفاية من تلزمه كفايته، ثم بعد ذلك يدفع لغيرهم؛ لأن القيام بكفاية العيال واجب، والصدقة على الغير مندوبٌ إليها، ولا يدخل في ذلك ترفيه العيال الزائد على الكفاية، فإن الصدقة بما يرفه به العيال أولى؛ لأن من لم تندفع حاجته أولى بالصدقة ممن اندفعت حاجته في مقصود الشرع.\nوقوله: (خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى)؛ أي: ما كان من الصدقة بعد القيام بحقوق النفس وحقوق العيال. وقال الخطابي: أي: متبرعًا، أو عن غنى يعتمده، ويستظهر به على النوائب. والتأويل الأول أولى، غير أنه يبقى علينا النظر في درجة الإيثار التي أثنى الله بها على الأنصار؛ إذ قال: ﴿وَيُؤثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِم وَلَو كَانَ بِهِم خَصَاصَةٌ﴾ وقد روي: أن هذه الآية نزلت بسبب رجل من الأنصار ضافه ضيف فنوَّم صبيته وأطفأ السِّراج، وآثر (١) الضيف بقوتهم. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَيُطعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾؛ أي: على شدّة الحاجة إليه والشهوة له، ولا شكّ أن صدقة مَن هذه حالُه أفضل.\nوفي حديث أبي ذر: (أفضل الصدقة جهد من مقل) (٢). وفي حديث أبي هريرة: (سبق درهم مائة ألف)، قالوا: وكيف؟ قال: (رجل له درهمان، فتصدق بأحدهما، ورجل له مال كثير، فأخذ من\n_________\n(١) في (ع) و(ظ): وآثروا.\n(٢) رواه الحميدي (١٢٧٦)، وابن عدي (٣/ ١٠٨٥). وانظر: السلسلة الصحيحة للألباني (٥٦٦).","vol":"3","page":80},{"text":"[٩٠٣] وَعَنهُ قَالَ: سَأَلتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَأَعطَانِي، ثُمَّ سَأَلتُهُ فَأَعطَانِي، ثُمَّ سَأَلتُهُ فَأَعطَانِي، ثُمَّ قَالَ: (إِنَّ هَذَا المَالَ خَضِرَةٌ حُلوَةٌ، فَمَن أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَن أَخَذَهُ بِإِشرَافِ نَفسٍ لَم يُبَارَك لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأكُلُ وَلا يَشبَعُ، وَاليَدُ العُليَا خَيرٌ مِنَ اليَدِ السُّفلَى).\nــ\nعرض ماله مائة ألف فتصدّق بها) (١). فقد أفاد مجموع ما ذكرنا: أن صدقة المؤثر والمُقِل أفضل، وحينئذ يثبت التعارض بين هذا المعنى وبين قوله: (خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى)؛ على تأويل الخطابي.\nفأما على ما أوَّلنا به الغنى، فيرتفع التعارض، وبيانه: أنَّ الغنى يعني به في الحديث: حصول ما تدفع به الحاجات الضرورية؛ كالأكل عند الجوع المشوِّش الذي لا صبر عليه، وستر العورة، والحاجة إلى ما يدفع به عن نفسه الأذى، وما هذا سبيله، فهذا ونحوه مما لا يجوز الإيثار به، ولا التصدُّق، بل يحرم؛ وذلك: أنه إن آثر غيره بذلك، أدى إلى هلاك نفسه، أو الإضرار بها، أو كشف عورته، فمراعاة حقَّه أولى على كل حال، فإذا سقطت هذه الواجبات صحّ الإيثار، وكأن صدقته هي الأفضل؛ لأجل ما يحمله من مضض الحاجة وشدَّة المشقة، والله تعالى أعلم.\nوقوله: (إن هذا المال خضرة حلوة)؛ أي: روضة خضراء، أو شجرة ناعمة غضَّة مستحلاة الطعم.\nوقوله: (فمن أخذه بطيب نفس)؛ أي: بسخاوتها، وقلة حرصها، بورك له فيه؛ أي: انتفع صاحبه في الدّنيا بالتنمية، وفي الآخرة بأجر النفقة. وإشراف النفس: هو حرصها وتشوُّفها.\nوقوله: (ولم يبارك له فيه)؛ أي: لا ينتفع به صاحبه؛ إذ لا يجد لذة نفقته،\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٣٧٩)، والنسائي (٥/ ٥٩)، وابن ماجه (٣٦٨٤).","vol":"3","page":81},{"text":"رواه أحمد (٣/ ٣٣٤)، ومسلم (١٠٣٥)، والنسائي (٥/ ٦٠ و١٠٠).\n[٩٠٤] وَعَن أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (يَا ابنَ آدَمَ إِنَّكَ أَن تَبذُلَ الفَضلَ خَيرٌ لك، وَأَن تُمسِكَهُ شَرٌّ لك، وَلا تُلامُ عَلَى كَفَافٍ، وَابدَأ بِمَن تَعُولُ، وَاليَدُ العُليَا خَيرٌ مِنَ اليَدِ السُّفلَى).\nرواه مسلم (١٠٣٦)، والترمذي (٢٣٤٤).\nــ\nولا ثواب صدقته، بل يتعب بجمعه، ويُذمّ بمنعه، ولا يصل إلى شيء من نفعه. ولا شك في أن الحرص على المال وعلى الحياة الدنيا مذموم، مفسد للدين، كما قال - ﷺ -: (ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم، بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه) (١).\nوقوله: (إنك إن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسك شرٌّ لك)، الفضل يعني به: الفاضل عن الكفاية (٢)، ولا شكَّ في أن إخراجه أفضل من إمساكه. فأما إمساكه عن الواجبات فشرٌّ على كل حال، وإمساكه عن المندوب إليه فقد يقال فيه شرٌّ؛ بالنسبة إلى ما فوَّت الممسك على نفسه من الخير. وقد تقدّم بيان هذا المعنى في قوله - ﷺ -: (وشرُّ صفوف الرجال آخرها) (٣)؛ وأن معنى ذلك: أنها أقل ثوابًا.\nوقوله: (ولا تلام على كفاف)، يفهم منه بحكم دليل الخطاب: أن ما زاد على الكفاف يتعرض صاحبه للذمّ.\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٤٦٠)، والترمذي (٢٣٧٦) من حديث كعب بن مالك.\n(٢) في (ع): الكفاف.\n(٣) رواه مسلم (٤٤٠)، وأبو داود (٦٧٨)، والترمذي (٢٢٤)، والنسائي (٢/ ٩٣)، وابن ماجه (١٠٠٠) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"3","page":82},{"text":"[٩٠٥] وَعَن مُعَاوِيَةَ بنَ أَبِي سُفيَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (لا تُلحِفُوا فِي المَسأَلَةِ، فَوَاللهِ لا يَسأَلُنِي أَحَدٌ مِنكُم شَيئًا فَتُخرِجَ لَهُ مَسأَلَتُهُ مِنِّي شَيئًا، وَأَنَا لَهُ كَارِهٌ فَيُبَارَكَ لَهُ فِيمَا أَعطَيتُهُ).\nرواه أحمد (٤/ ٩٨)، ومسلم (١٠٣٨)، والنسائي (٥/ ٩٧ - ٩٨).\n* * *\nــ\nوقوله: (لا تُلحِفوا في المسألة)؛ هكذا صحيح الرواية، ومعناه: لا تنزلوا بي المسألة الملحف فيها؛ أي: لا تُلِحُّوا علي في السؤال. والإلحاف: الإلحاح.\nوإنما نهى عن الإلحاح؛ لما يؤدي إليه من الإبرام واستثقال السائل، وإخجال المسئول، حتى أنه إن أخرج شيئًا أخرجه عن غير طيب نفس، بل عن كراهة وتبرُّم، وما استخرج كذلك لم يبارك فيه؛ لأنه مأخوذ على غير وجهه، ولذلك قال: (فَتُخرِجَ له المسألة شيئًا وأنا كاره له).\nثم قد كانوا - أعني المنافقين - يكثرون سؤال رسول الله - ﷺ - ليُبَخّلوه، فكان يعطي العطايا الكثيرة بحسب ما يُسأل؛ لئلا يتم لهم غرضهم من نسبته إلى البخل؛ كما قال: (إن قومًا خيَّروني بين أن يَسألوني بالفحش، وبين أن يُبَخّلوني ولست بباخل) (١).\n* * *\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٢٠ و٣٥)، ومسلم (١٠٥٦) من حديث عمر بن الخطاب ﵁.","vol":"3","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-347>(٢٠) باب من أحق باسم المسكنة وكراهة المسألة للناس</span>\n[٩٠٦] عَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: (لَيسَ المِسكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ فَتَرُدُّهُ اللُّقمَةُ وَاللُّقمَتَانِ وَالتَّمرَةُ وَالتَّمرَتَانِ) قَالُوا: فَمَا المِسكِينُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (الَّذِي لا يَجِدُ غِنًى يُغنِيهِ وَلا يُفطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيهِ وَلا يَسأَلُ النَّاسَ شَيئًا).\nرواه أحمد (٢/ ٢٦٠ و٤٦٩)، والبخاري (١٤٧٦)، ومسلم (١٠٣٩) (١٠٢)، وأبو داود (١٦٣١)، والنسائي (٥/ ٨٤ - ٨٥).\n[٩٠٧] وَعَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: (لا تَزَالُ المَسأَلَةُ\nــ\n(٢٠) ومن باب: من أحق باسم المسكنة\nالمسكين مِفعِيل من السكون، فكأنه من عدم المال سكنت حركاته ووجوه مكاسبه، ولذلك قال تعالى: أَو مِسكِينًا ذَا مَترَبَةٍ؛ أي: لاصقًا بالتراب. وعند الأصمعي: أنه أسوأ حالًا من الفقير. وعند غيره: عكس ذلك. وقيل: هما اسمان لمسمى واحد.\nومعنى قوله: (ليس المسكين بالطَّواف عليكم. . .)، إلى آخره؛ أي: الأحق باسم المسكين هذا الذي لا يجد غنى، ولا يتصدّق عليه، وهذا كقوله: (ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) (١)، ومثل هذا كثير.\n_________\n(١) رواه البخاري (٦١١٤)، ومسلم (٢٦٠٩) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"3","page":84},{"text":"بِأَحَدِكُم حَتَّى يَلقَى اللهَ وَلَيسَ فِي وَجهِهِ مُزعَةُ لَحمٍ).\nرواه البخاري (١٤٧٤)، ومسلم (١٠٤٠)، والنسائي (٥/ ٩٤).\n[٩٠٨] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (مَن سَأَلَ النَّاسَ أَموَالَهُم تَكَثُّرًا فَإِنَّمَا يَسأَلُ جَمرًا، فَليَستَقِلَّ أَو لِيَستَكثِر).\nرواه أحمد (٢/ ٢٣١)، ومسلم (١٥٤١)، وابن ماجه (١٨٣٨).\nــ\nوقوله: (وليس في وجهه مُزعة لحم)؛ أي: قطعة لحم، ومنه: مَزَعَت المرأة الصوف، إذا قطعته لتهيئه للغزل، وتمزَّع أنفه؛ أي: تشقَّق. وهذا كما قيل في الحديث الآخر: (المسائل كدوح، أو خدوش، يخدش بها الرجل وجهه يوم القيامة) (١). وهذا محمول على كل من سأل سؤالًا لا يجوز له، وخصَّ الوجه بهذا النوع؛ لأن الجناية به وقعت، إذ قد بذل من وجهه ما أُمر بصونه عنه، وتصرف به في غير ما سوِّغ له.\nوقوله: (من سأل الناس أموالهم تكثرًا)؛ أي: استكثارًا منها من غير حاجة ولا ضرورة.\nوقوله: (فإنما يسأل جمرًا)؛ أي: يعذب بحسب مسائله التي هي غير جائزة.\nوقوله: (فليستكثر من ذلك أو ليستقلل)، هو أمر على جهة التهديد، أو على جهة الإخبار عن مآل حاله. والمعنى أنه يُعاقب عن القليل من ذلك والكثير.\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٦٣٩)، والنسائي (٥/ ١٠٠)، والترمذي (٦٨١) من حديث سمرة بن جندب ﵁.","vol":"3","page":85},{"text":"[٩٠٩] وَعَنهُ، قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: (لأَن يَغدُوَ أَحَدُكُم فَيَحتطِبَ عَلَى ظَهرِهِ فَيَتَصَدَّقَ بِهِ وَيَستَغنِيَ بِهِ مِنَ النَّاسِ خَيرٌ مِن أَن يَسأَلَ رَجُلًا أَعطَاهُ أَو مَنَعَهُ ذَلِكَ، فَإِنَّ اليَدَ العُليَا أَفضَلُ مِنَ اليَدِ السُّفلَى، وَابدَأ بِمَن تَعُولُ).\nرواه أحمد (٢/ ٤٧٥)، ومسلم (١٠٤٢)، والترمذي (٦٨٠).\n[٩١٠] وَعَن عَوفُ بنُ مَالِكٍ الأَشجَعِيُّ، قَالَ: كُنَّا عِندَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - تِسعَةً أَو ثَمَانِيَةً أَو سَبعَةً فَقَالَ: (أَلا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟). وَكُنَّا حَدِيثَي عَهدٍ بِبَيعَةٍ فَقُلنَا: قَد بَايَعنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ! ثُمَّ قَالَ: (أَلا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟) فَقُلنَا: قَد بَايَعنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: (أَلا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟). قَالَ: فَبَسَطنَا أَيدِيَنَا، وَقُلنَا: قَد بَايَعنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؛ فَعَلامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: (عَلَى أَن تَعبُدُوا اللهَ وَلا تُشرِكُوا بِهِ شَيئًا، وَالصَّلَوَاتِ الخَمسِ، وَتُطِيعُوا الله. وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً. وَلا تَسأَلُوا النَّاسَ شَيئًا) فَلَقَد رَأَيتُ بَعضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسقُطُ سَوطُ أَحَدِهِم فَمَا يَسأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ.\nرواه أحمد (٦/ ٢٧)، ومسلم (١٠٤٣)، وأبو داود (١٦٤٢)، والنسائي (١/ ٢٢٩)، وابن ماجه (٢٨٦٧).\n* * *\nــ\nوأخذه - ﷺ - على أصحابه في البيعة: (ألا يسألوا أحدًا شيئًا)، حَملٌ منه على مكارم الأخلاق، والترفع عن تحمّل مِنَن الخلق وتعليم الصبر على مضض الحاجات، والاستغناء عن الناس، وعزّة النفوس.\nولما أخذهم بذلك التزموه في جميع الأشياء، وفي كل الأحوال، حتى فيما لا تلحق فيه مِنَّة، طردًا للباب، وحسمًا للذرائع.","vol":"3","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-348>(٢١) باب من تحل له المسألة</span>؟\n[٩١١] عَن قَبِيصَةَ بنِ مُخَارِقٍ الهِلالِيِّ قَالَ: تَحَمَّلتُ حَمَالَةً فَأَتَيتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَسأَلُهُ فِيهَا فَقَالَ: (أَقِم حَتَّى تَأتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنَأمُرَ لك بِهَا قَالَ: ثُمَّ قَالَ يَا قَبِيصَةُ: (إِنَّ المَسأَلَةَ لا تَحِلُّ إِلا لأَحَدِ ثَلاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ\nــ\n(٢١) ومن باب: من تحلُّ له المسألة\nقوله: تحمّلت حمالة؛ أي: ألزمتها نفسي. والحمالة: ما لزم الإنسان تحمله من غرم أو دية.\nوكانت العرب إذا وقعت بينهم ثائرة اقتضت غرمًا في دية أو غيرها، قام أحدهم فتبرّع بالتزام ذلك، والقيام به؛ حتى ترتفع تلك الثائرة، ولا شكّ أن هذا من مكارم الأخلاق، ولا يصدر مثله إلا عن سادات الناس وخيارهم. وكانت العرب لكرمها إذا علمت بأن أحدًا تحمّل حمالة بادروا إلى معونته، وأعطوه ما يتمّ به وجه مكرمته، وتبرأ به ذمته، ولو سأل المتحمل في تلك الحمالة لم يُعَد ذلك نقصًا، بل شرفًا وفخرًا، ولذلك سأل هذا الرجل رسول الله - ﷺ - في حمالته التي تحمّلها على عاداتهم، فأجابه - ﷺ - إلى ذلك بحكم المعونة على المكرمة، ووعده النبي - ﷺ - بمال من الصدقة؛ لأنه غارم من جملة الغارمين المذكورين في آية الصدقات.\nوقوله: (إن المسألة لا تحل [إلا] لأحد ثلاثة)؛ لما قرّر النبي - ﷺ - منع قاعدة المسألة من الناس، بما تقدّم من الأحاديث، وبمبايعتهم على ذلك، وكانت الحاجات والفاقات تنزل بهم، فيحتاجون إلى السؤال، بيّن لهم النبي - ﷺ - من يَخرج من عموم تلك القاعدة، وهم هؤلاء الثلاثة.\nوالجائحة: ما اجتاحت المال وأتلفته إتلافًا ظاهرًا، كالسيل والمطر والحرق والسرق وغلبة العدو، وغير ذلك مما يكون إتلافه للمال ظاهرًا.\nوالفاقة: الفقر. والقوام - بكسر القاف -: ما يقوم به","vol":"3","page":87},{"text":"حَمَالَةً فَحَلَّت لَهُ المَسأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمسِكُ، وَرَجُلٌ أَصَابَتهُ جَائِحَةٌ اجتَاحَت مَالَهُ، فَحَلَّت لَهُ المَسأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِن عَيشٍ، أَو قَالَ: سِدَادًا مِن عَيشٍ، وَرَجُلٌ أَصَابَتهُ فَاقَةٌ، حَتَّى يَقُومَ ثَلاثَةٌ مِن ذَوِي الحِجَى مِن قَومِهِ: لَقَد أَصَابَت فُلانًا فَاقَةٌ فَحَلَّت لَهُ المَسأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِن عَيشٍ، أَو قَالَ: سِدَادًا مِن عَيشٍ فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ المَسأَلَةِ، يَا قَبِيصَةُ! سُحتًا يَأكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحتًا).\nــ\nالعيش، وبفتحها: الاعتدال. والسِّداد - بكسر السين -: ما يُسدّ به الشيء، كسد القارورة، وبفتحها: الإصابة.\nوقوله: (حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحِجَى من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة)؛ أي: يقوم ثلاثة فيقولون: لقد أصابت فلانا فاقة، وفي كتاب أبي داود: حتى يقول باللام من القول، فلا يحتاج إلى تقدير محذوف.\nوالحجى: العقل. واشترطه؛ لأن من عدمه لا يحصل بقوله ثقة، ولا يصلح للشهادة، أو لعلّه عبّر به عما يشترط في المخبر والشاهد من الأمور التي توجب الثقة بأقوالهم، ويكون الموصوف بها عدلًا مرضيًا.\nوقوله: (من قومه)؛ لأنهم أعلم بدخيلة أمره، واستظهر بالثالث ليلحق بالمنتشر. ولم يحتج فيمن أصابته الجائحة إلى مثل هذا؛ لظهور أمر الجائحة، فأما الفاقة فتخفى.\nوقوله: (حتى يصيبها ثم يمسك، وحتى يصيب قوامًا)؛ فيه حد الإباحة إلى زوال الموجب لها، ثم عوده إلى الأصل السابق الممنوع.\nوقوله: (فما سواهن من المسألة سحت)، السُّحت: الحرام، وسمي به؛ لأنه يسحت ويمحق، وفيه لغتان: سكون الحاء وضمها.\nوروايتنا في سحت الأول الرفع على أنه خبر المبتدأ الذي هو ما الموصولة.\nوقد وقع لبعضهم سحتًا","vol":"3","page":88},{"text":"رواه أحمد (٣/ ٤٧٧)، ومسلم (١٠٤٤)، وأبو داود (١٦٤٠)، والنسائي (٥/ ٨٩).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-349>(٢٢) باب إباحة الأخذ لمن أعطي من غير سؤال ولا استشراف</span>\n[٩١٢] عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ يَقُولُ: قَد كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُعطِينِي العَطَاءَ فَأَقُولُ: أَعطِهِ أَفقَرَ إِلَيهِ مِنِّي، حَتَّى\nــ\nبالنصب، وليس وجهه ببيِّن. وهو عائدٌ على الحالات الثلاثة، لا على لفظ الثلاث فإنها للذكور.\nوقوله: (فما سواهن سحت)؛ أي: ما سوى هؤلاء الثلاثة، ثم هو بعد ذلك مخصوص بحديث سمرة الذي خرّجه أبو داود مرفوعًا: (المسائل كدوح يكدح الرجل بها وجهه، إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان، أو في أمر لا يجد منه بدًّا) (١)، وما تدعو الحاجة والضرورة إلى المسألة فيه [يزيد] على الثلاثة المذكورين في هذا الحديث الذي نحن باحثون فيه.\n(٢٢) ومن باب: إباحة الأخذ من غير سؤال\nقول عمر ﵁: أعطه أفقر إليه مني؛ دليل: على زهده، وإيثاره لغيره على نفسه.\nوقوله له: خذه؛ أمرٌ على جهة الندب والإرشاد للمصلحة.\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٦٣٩).","vol":"3","page":89},{"text":"أَعطَانِي مَرَّةً مَالًا فَقُلتُ: أَعطِهِ أَفقَرَ إِلَيهِ مِنِّي. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (خُذهُ وَمَا جَاءَكَ مِن هَذَا المَالِ وَأَنتَ غَيرُ مُشرِفٍ وَلا سَائِلٍ فَخُذهُ. وَمَا لا، فَلا تُتبِعهُ نَفسَكَ).\nرواه البخاري (٧١٦٤)، ومسلم (١٠٤٥)، وأبو داود (١٦٧١)، والنسائي (٥/ ١٠٥).\nــ\nوقوله: (وأنت غير مشرف ولا سائل)؛ إشراف النفس: تطلعها، وتشوُّفها، وشرحها لأخذ المال.\nولا شك أن هذه الأمور إذا كانت هي الباعثة على الأخذ للمال؛ كان ذلك من أدلِّ دليل على شدّة الرغبة في الدنيا والحب لها، وعدم الزهد فيها، والركون إليها، والتوسّع فيها، وكل ذلك أحوال مذمومة، فنهاه عن الأخذ على هذه الحالة، اجتنابًا للمذموم، وقمعًا لدواعي النفس، ومخالفة لها في هواها، فإن من لم يكن كذلك جاز له الأخذ للأمن من تلك العلل المذمومة.\nقال الطحاوي: وليس معنى هذا الحديث في الصدقات، وإنما هو في الأموال التي يقسمها الإمام على أغنياء الناس وفقرائهم.\nوقال الطبريّ: اختلف الناس فيما أمر النبي - ﷺ - به عمر ﵁ من ذلك، بعد إجماعهم على أنه أمر ندب وإرشاد؛ فقيل: هو ندبٌ إلى عطية السلطان وغيره. وقيل: بل ذلك إلى عطية غير السلطان، وأما عطية السلطان فقد حرمها قوم وكرهها آخرون. فأما من حمل الحديث على عطية السلطان، وأنها مندوبٌ إليها، فذلك إنما يصحّ أن يقال: إذا كانت أموالهم كما كانت أموال سلاطين السلف؛ مأخوذة من وجوهها، غير ممنوعة من مستحقيها. فأما اليوم: فالأخذ إما حرام وإما مكروه، والله تعالى أعلم.\nوقوله: (فلا تتبعه نفسك)؛ أي: لا تُعَلِّقها، ولا تُطمِعها في ذلك، فإذا فعلت ذلك بها سكنت ويئست. وهذا النهي على الكراهة يرشد إلى المصلحة التي","vol":"3","page":90},{"text":"[٩١٣] وَعَن عَبدِ اللَّه بنِ السَّعدِيِّ المَالِكِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: استَعمَلَنِي عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا فَرَغتُ مِنهَا وَأَدَّيتُهَا إِلَيهِ، أَمَرَ لِي بِعُمَالَةٍ، فَقُلتُ: إِنَّمَا عَمِلتُ لِلَّهِ وَأَجرِي عَلَى اللهِ، فَقَالَ: خُذ مَا أُعطِيتَ، فَإِنِّي عَمِلتُ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَعَمَّلَنِي، فَقُلتُ مِثلَ قَولِكَ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (إِذَا أُعطِيتَ شَيئًا مِن غَيرِ أَن تَسأَلَ فَكُل وَتَصَدَّق).\nرواه أحمد (١/ ٥٢)، ومسلم (١٠٤٥) (١١٢)، وأبو داود (١٦٤٧)، والنسائي (٥/ ١٠٢).\n* * *\nــ\nفي الأعراض.\nوالعُمَالة: ما يعطاه العامل على عمله، وهي الأجرة، وعَمَّلَني: أعطاني أجر عملي.\nوقوله: (فكل وتصدق)؛ يحصل منه: أنه حلال طيب، يصلح للأكل والتصدق وغيرهما. فأما ما لا يكون كذلك، فلا يصلح لشيء من ذلك كما تقدّم، وحديث عبد الله بن السعدي هذا فيه انقطاع، فإن مسلمًا رواه من حديث السائب بن يزيد عن ابن السعدي، وبينهما رجل، وهو: حويطب بن عبد العزى، قاله النسائي وغيره. وفي هذا الإسناد أربعة من الصحابة، يروي بعضهم عن بعض: السائب، وحويطب، وعبد الله بن السعدي.\nوالسعدي اسمه: قدامة (١). وقيل: عمرو، وهو قرشي عامري، مالكي من بني مالك بن حسل.\nوهذا الحديث أصل في أن كل من عمل للمسلمين عملًا من أعمالهم العامة: كالولاية، والقضاء، والحسبة، والإمامة، فأرزاقهم في بيت مال المسلمين، وأنهم يُعطون ذلك بحسب عملهم.\n_________\n(١) انظر: صحيح مسلم (٢/ ٧٢٣).","vol":"3","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-350>(٢٣) باب كراهية الحرص على المال والعُمر</span>\n[٩١٤] عَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: (قَلبُ الشَّيخِ شَابٌّ عَلَى حُبِّ اثنَتَينِ: طُولُ الحَيَاةِ، وَحُبُّ المَالِ).\nرواه أحمد (٢/ ٣٣٥ و٣٣٨)، والبخاري (٦٤٢٠)، ومسلم (١٠٤٦)، والترمذي (٢٣٣٨)، وابن ماجه (٤٢٣٣).\n[٩١٥] وَعَن أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (يَهرَمُ ابنُ آدَمَ وَتَشِبُّ مِنهُ اثنَتَانِ: الحِرصُ عَلَى المَالِ وَالحِرصُ عَلَى العُمُرِ).\nرواه أحمد (٣/ ١٩٢ و٢٥٦)، والبخاري (٦٤٢١)، ومسلم (١٠٤٧)، والترمذي (٢٤٥٥)، وابن ماجه (٤٢٣٤).\nــ\n(٢٣) ومن باب: كراهية الحرص على المال والعمر\nأحاديث هذا الباب كلها متواردة على الإخبار عمّا جُبِل الإنسان عليه؛ من حب المال، والحرص على البقاء في الدنيا، وعلى أن ذينك ليسا بمحمودين؛ بل مذمومين، ويحقق الذمّ في ذلك قوله - ﷺ -: (ويتوب الله على من تاب). وقد نص الله تعالى على ذم ذلك في قوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُم أَحرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾؛ وغيره مما في معناه.\nوقوله - ﷺ -: (ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه) (١)، وقد تقدّم: أن القراء في الصدر الأول هم كانوا الفقهاء؛ لأنهم كانوا يتفقهون في القرآن، وحديث أبي موسى هذا يدلّ عليه.\n_________\n(١) سبق تخريجه (٨٢).","vol":"3","page":92},{"text":"[٩١٦] وَعَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (لَو كَانَ لابنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِن مَالٍ لابتَغَى وَادِيًا ثَالِثًا، وَلا يَملأُ جَوفَ ابنِ آدَمَ إِلا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَن تَابَ).\nرواه أحمد (٣/ ٢٤٣)، والبخاري (٦٤٣٩)، ومسلم (١٠٤٨)، والترمذي (٢٣٣٧).\n[٩١٧] وَعَن أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيُّ، أَنَهُ بَعَثَ إِلَى قُرَّاءِ البَصرَةِ، فَدَخَلَ عَلَيهِ ثَلاثُمَائَةِ رَجُلٍ قَد قَرَءُوا القُرآنَ، فَقَالَ: أَنتُم خِيَارُ أَهلِ البَصرَةِ وَقُرَّاؤُهُم، فَاتلُوهُ وَلا يَطُولَنَّ عَلَيكُمُ الأَمَدُ، فَتَقسُوَ قُلُوبُكُم كَمَا قَسَت قُلُوبُ مَن كَانَ قَبلَكُم، وَإِنَّا كُنَّا نَقرَأُ سُورَةً كُنَّا نُشَبِّهُهَا فِي الطُّولِ وَالشِّدَّةِ بِبَرَاءَةَ فَأُنسِيتُهَا؛ غَيرَ أَنِّي قَد حَفِظتُ مِنهَا: (لَو كَانَ لابنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِن مَالٍ\nــ\nوقوله: ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم؛ يعني به: لا تستطيبوا (١) مدة البقاء في الدنيا، فإن ذلك مفسد للقلوب بما يجرُّه إليها من الحرص والقسوة، حتى لا تلين لذكر الله، ولا تنتفع بموعظة ولا زجر، كما قال - ﷺ -: (إن أخوف (٢) ما أخاف على أمتي اتباع الهوى، وطول الأمل، فاتباع الهوى يصرف قلوبكم عن الحق، وطول الأمل يصرف هممكم إلى الدنيا، وما بعدهما لأحد خير من دنيا ولا آخرة) (٣).\nوقوله: كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدّة ببراءة فأنسيتها، وهذا ضرب من النسخ، فإن النسخ على ما نقله علماؤنا على ثلاثة أضرب:\n_________\n(١) في (ع) و(ظ): تستطيلوا، والمثبت من (هـ).\n(٢) في (هـ) و(ظ): أشدّ.\n(٣) رواه ابن عدي في الكامل (١٨٣١)، وانظر: إتحاف السادة المتقين (١٠/ ٢٣٧).","vol":"3","page":93},{"text":"لابتَغَى وَادِيًا ثَالِثًا، وَلا يَملأُ جَوفَ ابنِ آدَمَ إِلا التُّرَابُ)، وَكُنَّا نَقرَأُ سُورَةً كُنَّا نُشَبِّهُهَا بِإِحدَى المُسَبِّحَاتِ فَأُنسِيتُهَا؛ غَيرَ أَنِّي حَفِظتُ مِنهَا: يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة.\nرواه مسلم (١٠٥١).\n* * *\nــ\nأحدها: نسخ الحكم وبقاء التلاوة.\nوالثاني: عكسه، وهو: نسخ التلاوة وبقاء الحكم.\nوالثالث: نسخ الحكم والتلاوة، وهو كرفع هاتين السورتين اللتين ذكرهما أبو موسى، فإنهما رُفِعَ حُكمَهُما وتلاوتُهما. وهذا النحو من النسخ هو الذي ذكر الله تعالى حيث قال: ﴿مَا نَنسَخ مِن آيَةٍ أَو نُنسِهَا﴾؛ على قراءة من قرأها بضم النون، وكسر السين. وكذلك قوله تعالى: ﴿سَنُقرِئُكَ فَلا تَنسَى * إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ وهاتان السورتان مما قد شاء الله تعالى أن يُنسِيَه بعد أن أنزله، وهذا لأن الله تعالى فعال لما يريد، قادر على ما يشاء؛ إذ كل ذلك ممكن.\nولا يتوهم متوهم من هذا وشبهه أن القرآن قد ضاع منه شيء، فإن ذلك باطل؛ بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ وبأن إجماع الصحابة ومن بعدهم انعقد على أن القرآن الذي تعبدنا بتلاوته وبأحكامه هو ما ثبت بين دفتي المصحف من غير زيادة ولا نقصان، كما قررناه في أصول الفقه.\nوقوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفعَلُونَ﴾ هو استفهام على حجة الإنكار والتوبيخ، على أن يقول الإنسان عن نفسه من الخير ما لا يفعله. أما في الماضي: فيكون كذابًا، أو في المستقبل: فيكون خُلفًا، وكلاهما مذموم. وهذا في قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفعَلُونَ﴾","vol":"3","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-351>(٢٤) باب الغنى غِنَى النفس وما يخاف من زهرة الدنيا وفضل التعفف والقناعة</span>\n[٩١٨] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (لَيسَ الغِنَى عَن كَثرَةِ العَرَضِ وَلَكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفسِ).\nرواه أحمد (٢/ ٢٤٣ و٣٨٩)، والبخاري (٦٤٤٦)، ومسلم (١٠٥١)، والترمذي (٢٣٧٣)، وابن ماجه (٤١٣٧).\nــ\nوأما في هذا الحديث، فإنما يتناول أن يخبر عن نفسه بشيء فعله فيما مضى، ويتمدح به فقط، بدليل قوله - ﷺ -: (فتكتب شهادةً في أعناقكم).\n(٢٤) ومن باب: الغنى غنى النفس\nقوله - ﷺ -: (ليس الغنى عن كثرة العرض) - بفتح العين والراء -، وهو: حُطام الدنيا ومتاعها. فأما العَرض - بفتح العين وسكون الراء -، فهو: ما خلا العقار والحيوان فيما يدخله الكيل والوزن، هذا قول أبي عبيد في العَرَض والعَرض. وفي كتاب العين: العَرَض: ما نيل من الدنيا، ومنه قوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنيَا﴾ وجمعه: عُروض.\nومعنى هذا الحديث: أن الغنى النافع أو العظيم أو الممدوح، هو غنى النفس، وبيانه: أنه إذا استغنت نفسه كفّت عن المطامع، فعزّت وعظمت، فجعل لها من الحظوة والنزاهة والتشريف والمدح أكثر ممن كان غنيًا بماله، فقيرًا بحرصه وشرهه، فإن ذلك يورطه في رذائل الأمور، وخسائس الأفعال، لبخله ودناءة همّته، فيكثر ذامُّه من الناس، ويصغر قدره فيهم؛ فيكون أحقر من كل حقير، وأذل من كل صغير.","vol":"3","page":95},{"text":"[٩١٩] وَعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: (أَخوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيكُم مَا يُخرِجُ اللهُ لَكُم مِن زَهرَةِ الدُّنيَا. قَالُوا: وَمَا زَهرَةُ الدُّنيَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (بَرَكَاتُ الأَرضِ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! وَهَل يَأتِي الخَيرُ بِالشَّرِّ؟ قَالَ: لا يَأتِي الخَيرُ إِلا بِالخَيرِ، لا يَأتِي الخَيرُ إِلا بِالخَيرِ، لا يَأتِي الخَيرُ إِلا بِالخَيرِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ أَوَخَير هُوَ؟، إِنَّ كُلَّ مَا يَنبِتُ الرَّبِيعُ يَقتُلُ حَبِطًا أَو يُلِمُّ\nــ\nو(زهرة الدنيا): زينتها، وما يزهر منها، مأخوذ من زهر الأشجار، وهو ما يصفر من نَوَّارها. والنور: هو الأبيض منها، وهذا قول ابن الأعرابي. وحكى أبو حنيفة: أن النورَ والزهر سواء. وقد فسّرها - ﷺ -: بأنها بركات الأرض؛ أي: ما تزهر به الأرض من الخيرات والخصب.\nو(قول السائل): وهل يأتي الخير بالشر؟ سؤال من استبعد حصول شرّ من شيء سماه رسول الله - ﷺ -: بركات، وسماه (١) خَيرًا في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخَيرِ لَشَدِيدٌ﴾ وشبهه مما سُمِّي المال فيه: خيرًا. فلما فهم - ﷺ - من سؤاله هذا الاستبعاد أجابه جواب من بقي عنده اعتقاد: أن الخير الذي هو المال قد يعرض له أن يحصل عنه شر؛ إذا تعدى به حده وأسرف فيه، ومنع من حقه، ولذلك قال: أوخير هو؟ بهمزة الاستفهام، وواو العطف الواقعة بعدها المفتوحة على الرواية الصحيحة، منكرًا على من توهم أنه لا يحصل منه شر أصلًا، لا بالذات، ولا بالعرض.\nوقوله: (إن كل ما ينبت الربيع يقتل حَبَطًا أو يُلِمُّ)، الربيع: الجدول الذي يسقى به. والجمع: أربعاء. والجدول: النهر الصغير، الذي ينفجر من النهر\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"3","page":96},{"text":"إِلا آكِلَةَ الخَضِرِ فَإِنَّهَا تَأكُلُ، حَتَّى إِذَا امتلأت خَاصِرَتَاهَا استَقبَلَتِ الشَّمسَ ثُمَّ اجتَرَّت. وَبَالَت وَثَلَطَت ثُمَّ عَادَت فَأَكَلَت، فإن هَذَا المَالَ خَضِرَةٌ حُلوَةٌ، فَمَن أَخَذَهُ بِحَقِّهِ وَوَضَعَهُ فِي حَقِّهِ، فَنِعمَ المَعُونَةُ هُوَ. وَمَن أَخَذَهُ بِغَيرِ حَقِّهِ كَانَ كَالَّذِي يَأكُلُ وَلا يَشبَعُ).\nــ\nالكبير. والحبط: الانتفاخ، يقال: حبطت الدابة تَحبط، إذا انتفخ بطنها من كثرة الأكل، وربما تموت من ذلك، وأصل الحبط: الإبطال والإفساد. ومنه: ﴿فَحَبِطَت أَعمَالُهُم﴾؛ أي: بطلت.\nويلم؛ أي: يقرب من الموت، وأصله: من ألم بالمكان؛ إذا نزل به. ومنه قول الشاعر:\nمتى تأتنا تُلمِم بنا في ديارنا\nأي: تنزل.\nقال الأزهري: هذا الخبر إذا بتر لم يكد يفهم، وفيه مثلان، ضُرب أحدهما للمفرط في جمع الدنيا ومنعها من حقها، وضرب الآخر للمقتصد في أخذها والانتفاع بها.\nفأما قوله: (وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطًا)، فهو مثل للمفرط الذي يأخذها بغير حق؛ وذلك أن الربيع ينبت أحرار البقول (١) والعشب، فتستكثر منها الماشية، حتى تنتفخ بطونها لما جاوزت حدّ الاحتمال، فتنشق أمعاؤها وتهلك، وكذلك الذي يجمع الدنيا من غير حلها، ويمنع ذا الحقّ حقه، فيهلك في الآخرة بدخوله النار. وأما مثل المقتصد، فقوله - ﷺ -: (إلا آكلة الخَضِر) إلى آخره، وذلك أن الخَضِر ليست من أحرار البقول التي ينبتها الربيع، ولكنها من الجَنبَة التي ترعاها المواشي بعد تهيج البقول، فضرب النبي - ﷺ - آكلة الخضر من المواشي مثلا لمن\n_________\n(١) هو كلُّ ما أُكِل غير مطبوخ.","vol":"3","page":97},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: (وَإِنَّ هَذَا المَالَ خَضِرٌ حُلوٌ، وَنِعمَ صَاحِبُ المُسلِمِ هُوَ لِمَن أَعطَى مِنهُ المِسكِينَ وَاليَتِيمَ وَابنَ السَّبِيلَ - أَو كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -. وَإِنَّهُ مَن يَأخُذُهُ بِغَيرِ حَقِّهِ كَانَ كَالَّذِي يَأكُلُ وَلا يَشبَعُ، وَيَكُونُ عَلَيهِ شَهِيدًا يَومَ القِيَامَةِ).\nرواه أحمد (٣/ ٧)، ومسلم (١٠٥٢) (١٢١ - ١٢٣)، وابن ماجه (٣٩٩٥).\nــ\nيقتصد في أخذه الدنيا وجمعها، ولا يحمله الحرص على أخذها بغير حقها، فهو ينجو من وبالها كما نجت آكلة الخضر، ألا تراه - ﷺ - قال: (فإنها إذا أصابت من الخضر استقبلت عين الشمس، فثلطت وبالت)؛ أراد أنها إذا شبعت منها بركت مستقبلة الشمس؛ لتستمرئ بذلك ما أكلت، وتجتر، وتثلط، وإذا ثلطت فقد زال عنها الحبط، وإنما تحبط الماشية لأنها لا تثلط، ولا تبول. هذا آخر كلام الأزهري.\nوالثلط: ما تلقيه الماشية سهلًا رقيقًا، يقال منه: ثَلَطَ يثلط ثلطًا.\nواجترت؛ أي: مضغت جرتها، وهو ما أخرجته من جوفها إلى فيها مما رعته. والخَضِر: كلأ الصيف.\nقال الأزهري: هو - هنا - ضرب من الجَنبة. وهي من الكلأ ما له أصل غامض في الأرض، واحدتها خضرة. ووقع في رواية العذري: إلا آكلة الخَضِرة - بفتح الخاء، وكسر الضاد - على الإفراد. كما قال الأزهري. وعند الطبري: الخُضرَة: بضم الخاء، وسكون الضاد. والرواية الصحيحة: إلا آكلة الخضرة بإلَّا المشددة، للاستثناء، وهو الواضح. ووقع لبعضهم: ألا، التي للاستفتاح، وبُعدُها واضح، وفيها تكلُّف.\nوقوله: (ويكون عليه شهيدًا يوم القيامة)؛ يحتمل البقاء على ظاهره، وهو أنه يجاء بماله يوم القيامة فينطق الصامت منه بما فعل فيه، أو يمثل له أمثال حيوانات، كما جاء في مال مانع الزكاة من أنه مثل له ماله شجاعًا أقرع، أو يشهد عليه الموكلون بكتب الكسب والإنفاق وإحصاء ذلك، والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":98},{"text":"[٩٢٠] وَعَنهُ، أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَأَعطَاهُم، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعطَاهُم، حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا عِندَهُ، قَالَ: (مَا يَكُن عِندِي مِن خَيرٍ فَلَن أَدَّخِرَهُ عَنكُم، وَمَن يَستَعفِف يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَن يَستَغنِ يُغنِهِ اللهُ، وَمَن يَصبِر يُصَبِّرهُ اللهُ، وَمَا أُعطِيَ أَحَدٌ مِن عَطَاءٍ خَيرا وَأَوسَعُ مِنَ الصَّبرِ).\nرواه أحمد (٣/ ٩٣)، والبخاري (١٤٦٩)، ومسلم (١٠٥٣)، وأبو داود (١٦٤٤)، والترمذي (٢٠٢٤)، والنسائي (٥/ ٩٥ - ٩٦).\n[٩٢١] وَعَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: (قَد أَفلَحَ مَن أَسلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ).\nرواه أحمد (٢/ ١٦٨ و١٧٢)، ومسلم (١٠٥٤)، والترمذي (٢٣٤٨)، وابن ماجه (٤١٣٨).\nــ\nوقوله: (ومن يستعفف)؛ أي: عن السؤال للخلق.\n(يعفه الله)؛ أي: يجازه على استعفافه بصيانة وجهه، ورفع فاقته.\nوقوله: (ومن يستغن)؛ أي: بالله، وبما أعطاه. (يغنه)؛ أي: يخلق في قلبه غنىً، أو يعطه ما يستغني به عن الخلق.\nوقوله: (ومن يتصبر)؛ أي: يستعمل الصبر. و(يصبّره): يقوه، ويمكنه من نفسه حتى تنقاد له، وتذعن لتحمّل الشدائد، وعند ذلك يكون الله معه، فيظفره بمطلوبه، ويوصله إلى مرغوبه.\nوقوله: (قد أفلح من أسلم ورزق كفافًا)؛ قد قدّمنا بيان الفلاح ما هو لغةً وعرفًا في كتاب الإيمان.\nو(الكفاف): ما يكف عن الحاجات، ويدفع الضرورات والفاقات، ولا يلحق بأهل الترفهات.\nومعنى هذا الحديث: أن من فعل تلك الأمور، واتصف بها، فقد حصل على مطلوبه، وظفر بمرغوبه في الدُّنيا والآخرة.","vol":"3","page":99},{"text":"[٩٢٢] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (اللهُمَّ اجعَل رِزقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا).\nرواه أحمد (٢/ ٤٤٦ و٤٨١)، ومسلم (١٠٥٥) (١٢٦)، والترمذي (٢٣٦١)، وابن ماجه (٤١٣٩).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-352>(٢٥) باب إعطاء السائل ولو أفحش في المسألة</span>\n[٩٢٣] عَن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَسمًا\nــ\nوقوله: (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا)؛ أي: ما يقوتهم ويكفيهم، بحيث لا يشوشهم الجهد، ولا تُرهقهم الفاقة، ولا تذلهم المسألة والحاجة، ولا يكون أيضًا في ذلك فضول يخرج إلى الترف والتبسط في الدنيا، والركون إليها.\nوهذا يدل على زهد النبي - ﷺ - في الدنيا، وعلى تقلله منها، وهو حجة لمن قال: إن الكفاف أفضل من الفقر والغنى. وقد تقدم القول في هذه المسألة في كتاب الصلاة، وستأتي.\n(٢٥) ومن باب: إعطاء السائل ولو أفحش في المسألة\nقوله: قسم رسول الله - ﷺ - قَسمًا، كذا رويناه بفتح القاف، وهو المصدر، ومعناه: فعل النبي - ﷺ - فعل القسم، والقسم بالكسر: الحظ والنصيب، وهو غير مراد هنا، فإنه لم يقسم نصيب أحد، وإنما فعل القسم في المقسوم.","vol":"3","page":100},{"text":"فَقُلتُ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ! لَغَيرُ هَؤُلاءِ كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنهُم، قَالَ: إِنَّهُم خَيَّرُونِي بَين أَن يَسأَلُونِي بِالفُحشِ أَو يُبَخِّلُونِي فَلَستُ بِبَاخِلٍ).\nرواه مسلم (١٠٥٦).\n[٩٢٤] وَعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنتُ أَمشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَعَلَيهِ رِدَاءٌ نَجرَانِيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ، فَأَدرَكَهُ أَعرَابِيٌّ، فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبذَةً شَدِيدَةً، نَظَرتُ إِلَى صَفحَةِ عُنُقِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَقَد أَثَّرَت بِهَا حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِن شِدَّةِ جَبذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مُر لِي مِن مَالِ اللهِ الَّذِي عِندَكَ. فَالتَفَتَ إِلَيهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ.\nــ\nوقوله: (إنهم خيروني. .)، إلخ؛ معناه: إنهم ألَحُّوا عليه في المسألة، واشتَطُّوا في السؤال، وقصدوا بذلك أحد شيئين:\nإما أن يصلوا إلى ما طلبوه، أو ينسبوه إلى البخل، فاختار النبي - ﷺ - ما يقتضيه كرمه من إعطائهم ما سألوه، وصبره على جفوتهم، فسلم من نسبة البخل إليه؛ إذ لا يليق به، وحلم عنهم كي يتألفهم.\nوكان عمر ﵁ عتب عليه في ذلك، نظرًا إلى أهل الدّين، والغَنَاء فيه أحق بالمعونة عليه، وهذا هو الذي ظهر لسعد بن أبي وقاص، فأعلمهم النبي - ﷺ - بمصالح أخر لم تحظر لهم، هي أولى مما ظهر لهم.\nوقوله: وعليه رداء نجراني؛ أي: من عمل أهل نجران، وهذا يدل على إيثاره - ﷺ - التقلُّل من الدنيا والتبلُّغ منها بما أمكن في اللباس والمطعم وغيره، وأنه لم يكن بالذي يترفه في الدنيا، ولا يتوسع فيها.\nوهذا الحديث يدل: على ما وصف الله به نبيّه - ﷺ -: أنه على خلق عظيم، وأنه رءوف رحيم. فإن هذا الجفاء العظيم الذي صدر من هذا الأعرابي، لا يصبر عليه، ولا يحلم عنه مع القدرة عليه إلا مثله، ثم ضحكه - ﷺ - عند هذه الجبذة","vol":"3","page":101},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ جَبَذَهُ إِلَيهِ جَبذَةً رَجَعَ نَبِيُّ اللهِ فِي نَحرِ الأَعرَابِيِّ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: فَجَاذَبَهُ حَتَّى انشَقَّ البُردُ، وَحَتَّى بَقِيَت حَاشِيَتُهُ فِي عُنُقِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -.\nرواه أحمد (٣/ ١٥٢ و٢١٠)، والبخاري (٥٨٠٩)، ومسلم (١٠٥٧).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-353>(٢٦) باب إعطاء المؤلفة قلوبهم</span>\n١٠٥٨ [٩٢٥] عَنِ المِسوَرِ بنِ مَخرَمَةَ، قَالَ: قَدِمَت عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - أَقبِيَةٌ، فَقَالَ لِي أَبِي مَخرَمَةُ: انطَلِق بِنَا إِلَيهِ عَسَى أَن يُعطِيَنَا مِنه شَيئًا، قَالَ: فَقَامَ\nــ\nالشديدة التي انشق البرد لها، وتأثر عنقه بسببها، حتى انفلت (١) عن وجهته، ورجع إلى نحر الأعرابي؛ دليل على أن الذي تَمَّ له من مقام الصبر والحلم ما تم لأحد، وهذا نظير صبره وحلمه يوم أحد؛ حيث كسرت رباعيته، وشج في وجهه، وصرع على جنبه، وهو في هذا الحال يقول: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) (٢)، - ﷺ -، وشرّف وكرّم.\n(٢٦) ومن باب: إعطاء من يخاف على إيمانه\nقوله: قدمت أقبية، فقال أبي: انطلق عسى أن يعطينا منه؛ كذا وقع من رواية: منه بضمير الواحد، وكأنه عائد على نوع الأقبية في المعنى. ووقع في رواية\n_________\n(١) في (هـ) و(ط): انقلب.\n(٢) رواه الطبراني (٥٦٩٤)، وابن حبان (٩٧٣) من حديث سهل بن سعد.","vol":"3","page":102},{"text":"أَبِي عَلَى البَابِ فَتَكَلَّمَ فَعَرَفَ النَّبِيُّ - ﷺ - صَوتَهُ فَخَرَجَ وَمَعَهُ قَبَاءٌ، وَهُوَ يُرِيهِ مَحَاسِنَهُ وَهُوَ يَقُولُ: (خَبَأتُ هَذَا لك، خَبَأتُ هَذَا لَكَ).\nوَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيهِ فَقَالَ: (رَضِيَ مَخرَمَةُ).\nوَقَد تَقَدَمَ قَولُ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي حديث سَعدٍ: (إَنِي لأُعطِي الرَجُلَ وَغَيرُهُ أَحَبُ إِلَيَّ مِنهُ خَشيَةَ أَن يُكَبُ فِي النَارِ عَلَى وَجهِه). تقدم تخريجه برقم (١١٩).\nرواه البخاري (٢٥٩٩)، ومسلم (١٠٥٨)، وأبو داود (٤٠٢٨)، والترمذي (٢٨١٨)، والنسائي (٨/ ٢٠٥).\n[٩٢٦] وَعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ، أَنَّ ناسًا مِنَ الأَنصَارِ قَالُوا يَومَ حُنَينٍ حِينَ أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِن أَموَالِ هَوَازِنَ مَا أَفَاءَ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -\nــ\nأخرى: (منها) وهي الظاهرة.\nوالأقبية: جمع قباء، وهو فارسي معرَّب، وقيل: هو عربيّ، واشتقاقه: من القبو، وهو الضمُّ والجمع. حكاه أبو الفرج الجوزي عن شيخه أبي منصور اللغوي.\nوقوله: حين أفاء الله؛ أي ردّ ورجع، والفيء: الرجوع، ومنه سُمّي الظل بعد الزوال: فيئًا؛ لأنه رجع من جانب المغرب إلى جانب المشرق.\nوكأن الأموال التي بأيدي الكفار كانت بالأصالة للمؤمنين، إذ الإيمان هو الأصل، والكفر طارئ عليه، فغلب الكفار على تلك الأموال، فإذا غنم المسلمون منها شيئًا رجعت إلى نوع من كان ملك أصلها (١).\nوقوله: فطفق رسول الله - ﷺ -؛ أي: جعل، وهي من أخوات كاد، إلا أنها\n_________\n(١) في (هـ): يملكها.","vol":"3","page":103},{"text":"يُعطِي رِجَالًا مِن قُرَيشٍ المِائَةَ مِنَ الإِبِلِ، فَقَالُوا: يَغفِرُ اللهُ لِرَسُولِ اللهِ يُعطِي قُرَيشًا وَيَترُكُنَا، وَسُيُوفُنَا تَقطُرُ مِن دِمَائِهِم.\nقَالَ أَنَسُ بنُ مالكٍ: فَحُدِّثَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِن قَولِهِم، فَأَرسَلَ إِلَى الأَنصَارِ فَجَمَعَهُم فِي قُبَّةٍ مِن أَدَمٍ، فَلَمَّا اجتَمَعُوا جَاءَهُم رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: (مَا حديث بَلَغَنِي عَنكُم؟) فَقَالَ لَهُ فُقَهَاءُ الأَنصَارِ: أَمَّا ذَوُو رَأيِنَا يَا رَسُولَ اللهِ فَلَم يَقُولُوا شَيئًا، وَأَمَّا أُنَاسٌ مِنَّا حَدِيثَةٌ أَسنَانُهُم قَالُوا: يَغفِرُ اللهُ لِرَسُولِهِ يُعطِي قُرَيشًا وَيَترُكُنَا، وَسُيُوفُنَا تَقطُرُ مِن دِمَائِهِم، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (فَإِنِّي أُعطِي رِجَالًا حَدِيثِي عَهدٍ بِكُفرٍ أَتَأَلَّفُهُم، أَفَلا تَرضَونَ أَن يَذهَبَ النَّاسُ بِالأَموَالِ وَتَرجِعُونَ إِلَى رِحَالِكُم بِرَسُولِ اللهِ؟ فَوَاللهِ لَمَا تَنقَلِبُونَ بِهِ خَيرٌ مِمَّا يَنقَلِبُونَ بِهِ).\nفَقَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ! قَد رَضِينَا، قَالَ: (فَإِنَّكُم سَتَجِدُونَ أَثَرَةً شَدِيدَةً، فَاصبِرُوا حَتَّى تَلقَوُا اللهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنِّي عَلَى الحَوضِ) قَالُوا: سَنَصبِرُ.\nــ\nمتصلة بالفعل الذي هو خبرها، وكاد مقاربة مفارقة. وقد تقدم الكلام عليها. والأدم: الجلد.\nوقوله: (فإنكم ستجدون أثرة شديدة)، روي عن العذري والطبري، وهي روايتنا: أَثَرَة - بفتح الهمزة والثاء. قال أبو عبيد: أي: يُستَأثر عليكم فيفضل غيركم نفسه عليكم في الفيء. والأثرة: اسم من: آثر يؤثر إيثارًا. قال الأعشى:\nاستأثر الله بالبقاء وبالـ ... ـعدل وولى الملامة الرجلا (١)\n_________\n(١) في اللسان: الوفاء بدل: البقاء.","vol":"3","page":104},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: جَمَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الأَنصَارَ فَقَالَ: (أَفِيكُم أَحَدٌ مِن غَيرِكُم؟) فَقَالُوا: لا إِلا ابنُ أُختٍ لَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (إِنَّ ابنَ أُختِ القَومِ مِنهُم)، فَقَالَ: (إِنَّ قُرَيشًا حديث عَهدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ وَمُصِيبَةٍ وَإِنِّي أَرَدتُ أَن أَجبُرَهُم وَأَتَأَلَّفَهُم، أَمَا تَرضَونَ أَن يَرجِعَ النَّاسُ بِالدُّنيَا وَتَرجِعُونَ بِرَسُولِ اللهِ إِلَى بُيُوتِكُم؟ لَو سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا، وَسَلَكَ الأَنصَارُ شِعبًا لَسَلَكتُ شِعبَ الأَنصَارِ).\nوَفِي أُخرَى: فَانهَزَمَ المُشرِكُونَ وَأَصَابَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - غَنَائِمَ كَثِيرَةً، فَقَسَمَ فِي المُهَاجِرِينَ وَالطُّلَقَاءِ، وَلَم يُعطِ الأَنصَارَ شَيئًا، فَقَالَتِ الأَنصَارُ: إِذَا كَانَتِ الشِّدَّةُ فَنَحنُ نُدعَى وَيعطَى الغَنَائِمُ غَيرَنَا، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَجَمَعَهُم فِي قُبَّةٍ، فَقَالَ: مَا حديث بَلَغَنِي عَنكُم؟ وَذَكَرَ نَحوِ مَا تَقَدَم.\nرواه أحمد (٣/ ٢٤٦)، والبخاري (٤٣٣١)، ومسلم (١٠٥٩)، والترمذي (٣٩٠١).\nــ\nقال: وسمعت الأزهري يقول: الأثرة: الاستئثار. والجمع: الأُثُر.\nوعند أبي بحر في هذا الحرف بضم الهمزة وسكون الثاء. وأصل الأثرة: الفضل. قال أبو عبيد: يقال: له عليّ أثرة؛ أي: فضل، ومعناها قريب من الأول. وقيد عن علي أبي الحسين بن سراج الوجهين.\nوالوادي: مجرى الماء المتسع (١). والشعب: الطريق في الجبل. والشعار: الثوب الذي يلي الجسد. والدثار: الذي يلي الشعار. ومعناه: أن الأنصار هم خاصته - ﷺ - وبطانته. وليس كذلك غيرهم. والطُلَقاء: هم الذين\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"3","page":105},{"text":"[٩٢٧] وَمِن حديث عَبدِ اللهِ بنِ زَيدٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمَّا فَتَحَ حُنَينًا قَسَمَ الغَنَائِمَ، فَأَعطَى المُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُم، فَبَلَغَهُ أَنَّ الأَنصَارَ يُحِبُّونَ أَن يُصِيبُوا مَا أَصَابَ النَّاسُ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَخَطَبَهُم، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثنَى عَلَيهِ ثُمَّ: (قَالَ يَا مَعشَرَ الأَنصَارِ أَلَم أَجِدكُم ضُلالًا فَهَدَاكُمُ اللهُ بِي؟ وَعَالَةً فَأَغنَاكُمُ اللهُ بِي؟ وَمُتَفَرِّقِينَ فَجَمَعَكُمُ اللهُ بِي؟ وَيَقُولُونَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ. فَقَالَ: (أَلا تُجِيبُونِني؟ فَقَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ فَقَالَ: أَمَا إِنَّكُم لَو شِئتُم أَن تَقُولُوا كَذَا وَكَذَا، وَكَانَ مِنَ الأَمرِ كَذَا لأَشيَاءَ عَدَّدَهَا. زَعَمَ عَمرٌو أَن لا يَحفَظُهَا. فَقَالَ: (أَلا تَرضَونَ أَن يَذهَبَ النَّاسُ بِالشَّاءِ وَالإِبِلِ وَتَذهَبُونَ بِرَسُولِ اللهِ إِلَى رِحَالِكُم؟ الأَنصَارُ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ، وَلَولا الهِجرَةُ لَكُنتُ امرَأً مِنَ الأَنصَارِ، وَلَو سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَشِعبًا لَسَلَكتُ وَادِيَ الأَنصَارِ وَشِعبَهُم. إِنَّكُم سَتَلقَونَ بَعدِي أَثَرَةً فَاصبِرُوا حَتَّى تَلقَونِي عَلَى الحَوضِ).\nرواه أحمد (٤/ ٤٢)، والبخاري (٤٣٣٠)، ومسلم (١٠٦١).\n[٩٢٨] وَعَن عَبدِ اللهِ بِن مَسعُودٍ: لَمَّا كَانَ يَومُ حُنَينٍ آثَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - نَاسًا فِي القِسمَةِ، فَأَعطَى الأَقرَعَ بنَ حَابِسٍ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ، وَأَعطَى عُيَينَةَ مِثلَ ذَلِكَ. وَأَعطَى أُنَاسًا مِن أَشرَافِ العَرَبِ. وَآثَرَهُم يَومَئِذٍ فِي\nــ\nمَنَّ عليهم النبي - ﷺ -، وخلَّى سبيلهم يوم فتح مكة. وأصله: أنه أطلقهم، بعدما حصلوا في وثاقه.\nوقوله: (ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار)؛ أي: أتسمى باسمهم، وأنتسب إليهم، كما كانوا يتناسبون بالحلف. لكن خصوصية الهجرة ومرتبتها سبقت وعَلِقَت، فهي أعلى وأشرف، فلا تبدل بغيرها، ولا ينتفى منها من حصلت له.","vol":"3","page":106},{"text":"القِسمَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ هَذِهِ لَقِسمَةٌ مَا عُدِلَ فِيهَا، وَمَا أُرِيدَ فِيهَا وَجهُ اللهِ. قَالَ: فَقُلتُ: وَاللهِ لأخبرن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: فَأَتَيتُهُ فَأَخبَرتُهُ بِمَا قَالَ،\nــ\nوقول القائل: في قسمة النبي - ﷺ -: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، أو: ما عدل فيها؛ قول جاهل بحال النبي - ﷺ -، غليظ الطبع، حريص، شره، منافق. وكان حقه أن يُقتل؛ لأنه آذى رسول الله - ﷺ -، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ والعذاب في الدنيا هو: القتل، لكن لم يقتله النبي - ﷺ - للمعنى الذي قاله، وهو من حديث جابر: (لا يتحدّث الناس: أن محمدًا يقتل أصحابه) (١)، ولهذه العلة امتنع النبي - ﷺ - من قتل المنافقين، مع علمه بأعيان كثير منهم، وبنفاقهم. ولا يلتفت لقول من قال بإبداء علة أخرى؛ لأن حديث جابر وغيره نصٌّ في تلك العلة، وقد أُمِنت تلك العلة بعد رسول الله - ﷺ -، فلا نفاق بعده، وإنما هو الزندقة، كذلك قال مالك - ﵀ -، فمن رسول الله - ﷺ -، أو سبّه قتل ولا يستتاب، وهذا هو الحق والصواب.\nواختلف في هذا العطاء الذي النبي - ﷺ - لهؤلاء المؤلفة قلوبهم.\nهل كان من الخمس؟ أو كان من صلب الغنيمة؟ والإجراء على أصول الشريعة أن يكون من الخمس، ومنه أكثر عطاياه - ﷺ -. وقد قال - ﷺ -: (ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود فيكم) (٢).\nوالظاهر من مراجعة الأنصار، وقول النبي - ﷺ -: (ألا ترضون أن يرجع الناس بالشاء والبعير، وترجعون برسوله لله إلى رحالكم)؛ أنه كان من صلب الغنيمة، وأن ذلك إنما كان لما يعلم من رضا أصحابه بذلك، ولطيب قلوبهم به، أو يكون هذا مخصوصًا بتلك الواقعة، وله أن يفعل ما شاء في الأموال والرقاب.\nوالأصل: التمسك بقواعد الشريعة على ما تقررت، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٣١٥) وانظر: فتح الباري (١٠/ ٢٣١).\n(٢) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٤٥٧ و٤٥٨) مرسلًا، وقد وصله النسائي (٧/ ١٣١ - ١٣٢).","vol":"3","page":107},{"text":"فَتَغَيَّرَ وَجهُهُ حَتَّى كَانَ كَالصِّرفِ قَالَ: (فَمَن يَعدِلُ إِن لَم يَعدِلِ اللهُ وَرَسُولُهُ؟ ثُمَّ قَالَ: (يَرحَمُ اللهُ مُوسَى قَد أُوذِيَ بِأَكثَرَ مِن هَذَا فَصَبَرَ).\nرواه أحمد (١/ ٤١١)، والبخاري (٦٣٣٦)، ومسلم (١٠٦٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-354>(٢٧) باب يَجِبُ الرضا بما قسم رسول الله - ﷺ - وبما أعطى ويكفر من نَسبَ إليه جَورًا وذكر الخوارج</span>\n[٩٢٩] عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بِالجِعرَانَةِ مُنصَرَفَهُ مِن حُنَينٍ. وَفِي ثَوبِ بِلالٍ فِضَّةٌ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقبِضُ مِنهَا يُعطِي النَّاسَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ اعدِل. فَقَالَ: (وَيلَكَ فمن يَعدِلُ إِذَا لَم أَكُن أَعدِلُ؟ لَقَد خِبتَ وَخَسِرتَ إِن لَم أَكُن أَعدِلُ)، فَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ:\nــ\nوقوله: فتغير وجهه حتى صار كالصِّرف - هو بكسر الصاد، وهو صبغ أحمر تصبغ به الجلود، وقد يسمى الدم: صرفًا، قاله ابن دريد.\n(٢٧) ومن باب: يجب الرضا بما قسم رسول الله - ﷺ - وبما حكم\nالجِعرَّانَة: موضع خارج مكة، وهو ميقات من مواقيت العمرة، يقال: بكسر العين وتشديد الراء، وبسكون العين وتخفيف الراء.\nومُنصَرَفه - بفتح الراء -: وقت انصرافه.\nوقوله - ﷺ -: (لقد خبت وخسرت)؛ رويته بضم التاء وفتحها. فأما الضم:","vol":"3","page":108},{"text":"دَعنِي يَا رَسُولَ اللهِ فَأَقتُلَ هَذَا المُنَافِقَ. فَقَالَ: (مَعَاذَ اللهِ أَن يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنِّي أَقتُلُ أَصحَابِي، إِنَّ هَذَا وَأَصحَابَهُ يَقرَءُونَ القُرآنَ لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُم، يَمرُقُونَ مِنهُ كَمَا يَمرُقُ السَّهمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ).\nرواه أحمد (٣/ ٣٥٣ - ٣٥٤)، والبخاري (٣١٣٨) مختصرًا، ومسلم (١٠٦٣)، وابن ماجه (١٧٢).\nــ\nفمعناه واضح. وأما الفتح: فعلى معنى: إني إن جرت، فيلزم أن تجور أنت من جهة أنك مأمور باتباعي، فتخسر باتباع الجائر، هذا معنى ما قاله الأئمة.\nقلت: ويظهر لي وجه آخر، وهو: أنه كأنه قال له: لو كنتُ جائرًا لكنت أنت أحق الناس بأن يجار عليك، وتلحقك بادرة الجور الذي صدر عنك، فتعاقب عقوبة معجلة في نفسك ومالك، وتخسر كلَّ ذلك بسببها، لكن العدل هو الذي منع من ذلك. وتلخيصه: لولا امتثال أمر الله تعالى في الرفق بك؛ لأدركك الهلاك والخسار.\nويمرقون: يخرجون، كما قد فسّره في الحديث الآخر، وبهذا اللفظ سُمُّوا: المارقة والخوارج؛ لأنهم مرقوا من الدين، وخرجوا على خيار المسلمين. والخوارج: جمع خارجة؛ يعني به: الطائفة والجماعة.\nوالرَّمِيَّة: المرمية، فعيلة؛ بمعنى مفعولة.\nوالحناجر: الحلوق، جمع حنجرة، وهي الحلاقيم أيضًا.\nوالضِّئضئ - بضادين معجمتين -، وهو: الأصل، وله أسماء كثيرة: النَّجَار، والنَحاز، والسِّنخ، والعنصر، والعيص، وغير ذلك مما ذكره اللغويون.\nومعنى: (لا يجاوز حناجرهم): لا يفهمونه، ولا يعملون بمعناه.\n(ونصل السهم): حديدته، و(رصافه): مدخل السهم في النصل. و(نضيه): قدحه، وهو عوده. و(قذذه): ريشه، جمع قُذَّة. و(فُوقه): هو الحَزّ الذي يدخل فيه الوتر.","vol":"3","page":109},{"text":"[٩٣٠] وعَن أَبِي سَلَمَةَ وَعَطَاءِ بنِ يَسَارٍ، أَنَّهُمَا أَتَيَا أَبَا سَعِيدٍ الخُدرِيَّ فَسَأَلاهُ عَنِ الحَرُورِيَّةِ: هَل سَمِعتَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَذكُرُهَا؟ فقَالَ: لا أَدرِي مَنِ الحَرُورِيَّةُ، وَلَكِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: (يَخرُجُ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ - وَلَم يَقُل: مِنهَا - قَومٌ تَحقِرُونَ صَلاتَكُم مَعَ صَلاتِهِم، وصِيَامِكُم مَعَ صِيَامِهِم، فَيَقرَءُونَ القُرآنَ لا يُجَاوِزُ حُلُوقَهُم أَو حَنَاجِرَهُم، يَمرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمرُقُ السَّهمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَيَنظُرُ الرَّامِي إِلَى سَهمِهِ إِلَى نَصلِهِ إِلَى رِصَافِهِ، فَيَتَمَارَى فِي الفُوقَةِ. هَل عَلِقَ بِهَا مِنَ الدَّمِ شَيءٌ.\nرواه أحمد (٣/ ٦٠)، والبخاري (٥٠٥٨)، ومسلم (١٠٦٤/ ١٤٧)، وابن ماجه (١٦٩).\nــ\nو(العقبة)، التي تجمع الفوق هي: الأُطرَة.\nقال ابن قتيبة: الرُّعظُ: مدخل النصل في السهم. والرصاف: العقب الذي فوق الرُّعظ. قال الهروي: والرَّصَفَةُ: عقبة تلوى على مدخل النصل والسهم.\nقلت: ومقصود هذا التمثيل: أن هذه الطائفة خرجت من دين الإسلام، ولم يتعلَّق بها منه شيء، كما خرج هذا السهم من هذه الرمية، الذي لشدَّة النزع، وسرعة السهم، سبق خروجُه خروج الدم، بحيث لا يتعلق به شيء ظاهر، كما قال: سبق الفرث والدم (١).\nوبظاهر هذا التشبيه تمسّك من حكم بتكفيرهم من أئمتنا، وقد توقف في تكفيرهم كثير من العلماء لقوله - ﷺ -: (فيتمارى في الفوق)، وهذا يقضي بأنه يشك في أمرهم فيتوقف فيهم، وكأن القول الأول أظهر من الحديث.\nفعلى القول بتكفيرهم يُقاتَلون ويُقتلون، وتُسبى أموالُهم، وهو قول طائفة من أهل الحديث في أموال الخوارج. وعلى قول من لا يكفرهم: لا يُجهز على جريحهم، ولا يتبع منهزمهم، ولا يُقتل أسراهم،\n_________\n(١) أي: سبق السهم الفرث والدم، فتجاوزهما ولم يعلق به منهما شيءٌ. والفرث: اسمٌ لما في الكرش.","vol":"3","page":110},{"text":"[٩٣١] وَعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيَّ قَالَ: بَعَثَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - من اليَمَنِ بِذَهَبَةٍ فِي أَدِيمٍ مَقرُوظٍ، لَم تُحَصَّل مِن تُرَابِهَا قَالَ: فَقَسَمَهَا بَينَ أَربَعَةِ نَفَرٍ: بَينَ عُيَينَةَ بنِ بدر، وَالأَقرَعِ بنِ حَابِسٍ، وَزَيدِ الخَيلِ، وَالرَّابِعُ إِمَّا عَلقَمَةُ بنُ عُلاثَةَ، وَإِمَّا عَامِرُ بنُ الطُّفَيلِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِن أَصحَابِهِ: كُنَّا نَحنُ أَحَقَّ بِهَذَا مِن هَؤُلاءِ، قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: (أَلا تَأمَنُونِي؟ وَأَنَا أَمِينُ مَن فِي السَّمَاءِ يَأتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ مَسَاءً\nــ\nولا تستباح أموالهم. وكل هذا إذا خالفوا المسلمين، وشقّوا عصاهم، ونصبوا راية الحرب.\nفأما من استتر ببدعته منهم، ولم ينصب راية الحرب، ولم يخرج عن الجماعة: فهل يُقتل بعد الاستتابة، أو لا يقتل؟ وإنما يجتهد في ردّ بدعته، وردّه عنها. اختُلف في ذلك، وسبب الخلاف في تكفير من هذه حاله: أن باب التكفير باب خطير، أقدم عليه كثير من الناس فسقطوا، وتوقف فيه الفحول فسلموا، ولا نعدل بالسلامة شيئًا.\nوالحرورية: الخوارج. سُمّوا بذلك؛ لأنهم خرجوا من حروراء، وهي حرّة معروفة بالعراق.\nوقوله: (بَذَهَبة في أديم مقروظ)؛ الذهبة: تأنيث الذهب. وكأنه ذهب به إلى معنى القطعة، أو الجملة. والأديم: الجلد. والمقرظ: المدبوغ بالقَرَظ، وهو شجر يدبغ به.\nوقوله: والرابع إما علقمة، وإما عامر، هذا شكّ، وهو وهَمٌ. وذكر عامر هنا خطأ، فإن عامرًا هلك قبل ذلك بسنين، ولم يدرك هذا الحين. والصواب: علقمة بن علاثة، كما جاء في الحديث الآخر من غير شك.\nوقوله - ﷺ -: (أنا أمينُ من في السماء)؛ لا حجة فيه لمن يرى: أن الله مختص بجهة فوق؛ لما تقدم من استحالة الجسمية، وأيضًا: فيحتمل أن يراد بمن","vol":"3","page":111},{"text":"وَصَبَاحًا قَالَ: فَقَامَ رَجُلٌ غَائِرُ العَينَينِ، مُشرِفُ الوَجنَتَينِ، نَاشِزُ الجَبهَةِ، كَثُّ اللِّحيَةِ، مَحلُوقُ الرَّأسِ، مُشَمَّرُ الإِزَارِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! اتَّقِ اللهَ. فَقَالَ: (وَيلَكَ أَوَلَستُ أَحَقَّ أَهلِ الأَرضِ أَن يَتَّقِيَ اللهَ؟ قَالَ: ثُمَّ وَلَّى الرَّجُلُ. فَقَالَ خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَلا أَضرِبُ عُنُقَهُ؟ فَقَالَ: (لا. لَعَلَّهُ أَن يَكُونَ يُصَلِّي قَالَ خَالِدٌ: وَكَم مِن مُصَلٍّ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيسَ فِي قَلبِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (إِنِّي لَم أُؤمَر أَن أَنقُبَ عَن قُلُوبِ النَّاسِ، وَلا أَشُقَّ بُطُونَهُم) قَالَ: ثُمَّ نَظَرَ إِلَيهِ وَهُوَ مُقفٍّ فَقَالَ: (إِنَّهُ يَخرُجُ مِن ضِئضِئِ هَذَا قَومٌ يَتلُونَ كِتَابَ اللهِ رَطبًا لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُم يَمرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمرُقُ السَّهمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ: (لَئِن أَدرَكتُهُم لأَقتُلَنَّهُم قَتلَ ثَمُودَ).\nوَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (فَمَن يُطِيع اللهَ إِن عَصَيتُهُ؟ ! أَيَأمَنُنِي الله عَلَى أَهلِ الأَرضِ وَلا تَأمَنُونِي؟ وَفِيهَا: (إِنَّ مِن ضِئضِئِ هَذَا قَومًا\nــ\nفي السماء): الملائكة، فإنه أمين عندهم، معروف بالأمانة. والسماء بمعنى العلو والرفعة المعنوية. وهكذا القول في قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُم مَن فِي السَّمَاءِ﴾ وقد تقدّم أن التسليم في المشكلات أسلم.\nو(مشرف الوجنتين): مرتفعهما. و(كث اللحية): كثيفها، قصير شعرها، يقال: رجلٌ كث اللحية، بَيِّنُ الكثاثة والكثوثة، وأَكَثّ. و(ناشز الجبهة): باديها ومرتفعها. و(مُقف): مولٍ قفاه.\nوفي هذا الحديث: أن خالدًا قال: يا رسول الله! ألا أضرب عنقه. وفي حديث جابر: أن عمر بن الخطاب قال: دعني يا رسول الله، فأقتل هذا المنافق. لا إشكال فيه؛ إذ الجمع ممكن، بأن يكون كل واحد منهما قال ذلك. وأجيب كل واحد منهما بغير ما أجيب به الآخر، والله أعلم.","vol":"3","page":112},{"text":"يَقرَءُونَ القُرآنَ لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُم، يَقتُلُونَ أَهلَ الإِسلامِ وَيَدَعُونَ أَهلَ الأَوثَانِ، يَمرُقُونَ مِنَ الإِسلامِ كَمَا يَمرُقُ السَّهمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَئِن أَدرَكتُهُم لأَقتُلَنَّهُم قَتلَ عَادٍ).\nرواه أحمد (٣/ ٤)، والبخاري (٤٣٥١)، ومسلم (١٠٦٤) (١٤٤)، وأبو داود (٤٧٦٤)، والنسائي (٥/ ٨٧ - ٨٨).\n[٩٣٢] وَعَنهُ قَالَ: بَينَا نَحنُ عِندَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ يَقسِمُ قَسمًا، أَتَاهُ ذُو الخُوَيصِرَةِ وَهُوَ رَجُلٌ مِن بَنِي تَمِيمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! اعدِل.\nــ\nوقوله: (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)، وفي الأخرى: (قتل ثمود)، ووجه الجمع: أن يكون النبي - ﷺ - قال كليهما، فذكر أحد الرواة أحدهما، وذكر الآخرُ الآخرَ. ومعنى هذا: أنه - ﷺ - كان يقتلهم قتلًا عامًا؛ بحيث لا يبقي منهم أحدًا في وقت واحد، لا يؤخر قتل بعضهم عن بعض، ولا يقيل أحدًا منهم، كما فعل الله بعاد؛ حيث أهلكهم بالريح العقيم، وبثمود حيث أهلكهم بالصيحة.\nوقوله: (لعله أن يكون يصلي)؛ هو مردود للمعنى الذي قدّمناه؛ من أنه إنما امتنع من قتله؛ لئلا يُتَحدَّث: أنه يقتل أصحابه المصلّين، فيكون ذلك مُنَفِّرًا، وإلا فقد صدر عنه ما يوجب قتله لولا المانع.\nوقوله: (لم أومر أن أنقب على (١) قلوب الناس)؛ أي: إنما أُمرت أن آخذ بظواهر أمورهم، وأكل بواطنهم إلى الله تعالى. وهذا كما قال: (أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله).\n_________\n(١) في (ظ): عن.","vol":"3","page":113},{"text":"قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (وَيلَكَ وَمَن يَعدِلُ إِن لَم أَعدِل؟ قَد خِبتُ وَخَسِرتُ إِن لَم أَعدِل)، فَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: يَا رَسُولَ اللهِ! ائذَن لِي فِيهِ أَضرِب عُنُقَهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (دَعهُ فَإِنَّ لَهُ أَصحَابًا يَحقِرُ أَحَدُكُم صَلاتَهُ مَعَ صَلاتِهِم،\nــ\nوقوله: (يتلون كتاب الله رطبًا)؛ فيه ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنه الحذق بالتلاوة، والمعنى: أنهم يأتون به على أحسن أحواله.\nوالثاني: يواظبون على تلاوته، فلا تزال ألسنتهم رطبة به.\nوالثالث: أن يكون من حسن الصوت بالقراءة.\nوقوله: (يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان)؛ هذا منه - ﷺ - إخبار عن أمر غيب وقع على نحو ما أخبر عنه، فكان دليلًا من أدلة نبوّته - ﷺ -، وذلك: أنهم لما حكموا بكفر مَن خرجوا عليه من المسلمين، استباحوا دماءهم، وتركوا أهل الذمة، وقالوا: نَفِي لهم بذمتهم، وعدلوا عن قتال المشركين، واشتغلوا (١) بقتال المسلمين عن قتال المشركين.\nوهذا كله من آثار عبادات الجهّال، الذين لم يشرح الله صدورهم (٢) بنور العلم، ولم يتمسكوا بحبل وثيق، ولا صحبهم في حالهم ذلك توفيق. وكفى بذلك: أنّ مُقَدَّمهم ردّ على رسول الله - ﷺ - أَمرَه، ونسبه إلى الجور، ولو تبصّر لأبصر عن قرب أنه لا يتصوّر الظلم والجوّر في حق رسول الله - ﷺ -، كما لا يتصوّر في حق الله تعالى؛ إذ الموجودات كلها ملك لله تعالى، ولا يستحق أحد عليه حقًّا، فلا يُتصوّر في حقه شيء من ذلك.\nوالرسول - ﷺ - مبلغ حكم الله تعالى، فلا يُتصوّر في حقه من ذلك ما لا يتصور في حق مرسله. ويكفيك من جهلهم وغلوّهم في بدعتهم حكمهم بتكفير من شهد له رسول الله - ﷺ - بصحَّة إيمانه، وبأنه من أهل الجنة، كعليّ وغيره [من صحابة\n_________\n(١) في (ظ) و(هـ): واستقلوا.\n(٢) في (ظ) و(هـ): لم تنشرح صدورهم.","vol":"3","page":114},{"text":"وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِم، يَقرَءُونَ القُرآنَ لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُم، يَمرُقُونَ مِنَ الإِسلامِ كَمَا يَمرُقُ السَّهمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يُنظَرُ إِلَى نَصلِهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيءٌ، ثُمَّ يُنظَرُ إِلَى رِصَافِهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيءٌ، ثُمَّ يُنظَرُ إِلَى نَضِيِّهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيءٌ وَهُوَ القِدحُ، ثُمَّ يُنظَرُ إِلَى قُذَذِهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيءٌ، سَبَقَ الفَرثَ وَالدَّمَ، آيَتُهُم رَجُلٌ أَسوَدُ إِحدَى عَضُدَيهِ مِثلُ ثَديِ المَرأَةِ أَو مِثلُ البَضعَةِ تَدَردَر، . . . . . . . .\nــ\nرسول الله - ﷺ -، مع ما وقع في الشريعة، وعلم على القطع والثبات من شهادات الله ورسوله لهم، وثنائه على عليّ والصحابة عمومًا وخصوصًا] (١).\nوقوله في صفة المخدّج: (إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، ومثل البضعة تدردر)، وفي رواية: (طبي شاة، أو ضرع شاة). والضرع: للشاة والبقرة. والخلف: للناقة. قال أبو عبيد: الأخلاف لذوات الخفّ، ولذوات الظلف، والثدي: للمرأة. والثندوة للرجل. وتدردر؛ أي: تتحرك وتضطرب. قال ابن قتيبة: تذهب وتجيء. وصيغة تَفَعلَل تنبئ على التحرك والاضطراب، مثل: تقلقل، وتزلزل، وتَدَهدَهَ الحجر.\nوفي الأم: قال عليّ - وذكر الخوارج -: فيهم رجل مخدج اليد، أو مودن اليد، أو مثدن اليد، على لفظ الشك لجميع الرواة، وقال بعضهم: مثدون. وكذا هو عند العذري، والطبري، والباجي. فأما: مخدج اليد: فناقصها. ومثدن اليد ومثدونها: صغيرها ومجتمعها، بمنزلة ثندوة الرجل. وكان أصله مثند، فقدمت الدال على النون، كما قالوا: جبذ وجذب.\nوقيل معناه: كثير اللحم. قال ابن دريد: ثدن الرجل ثدنًا، إذا كثر لحمه وثقل. وعلى هذا فلا يكون في الحرف قلب. فأما مودن، فقال أبو مروان بن سراج: يهمز ولا يهمز. قال ابن دريد: رجل\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (هـ).","vol":"3","page":115},{"text":"يَخرُجُونَ عَلَى خَيرِ فُرقَةٍ مِنَ النَّاسِ). قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَشهَدُ أَنِّي سَمِعتُ هَذَا مِن رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَأَشهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَاتَلَهُم وَأَنَا مَعَهُ، فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ فَالتُمِسَ فَوُجِدَ، فَأُتِيَ بِهِ حَتَّى نَظَرتُ إِلَيهِ عَلَى نَعتِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - الَّذِي نَعَتَ.\nرواه البخاري (٦١٦٣)، ومسلم (١٠٦٤) (١٤٨).\n[٩٣٣] وَعَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (تَمرُقُ مَارِقَةٌ عِندَ فُرقَةٍ مِنَ المُسلِمِينَ يَقتُلُهَا أَولَى الطَّائِفَتَينِ بِالحَقِّ).\nوَفِي لَفظٍ آخَر: تَكُونُ أُمَّتِي فِرقتَينِ فَيَخرُجُ مِن بَينِهِمَا مَارِقَةٌ يَلِي قَتلَهُم أَولاهُم بِالحَقِّ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَأَنتُم قَتَلتُمُوهُم يَا أَهلَ العِرَاقِ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٢ و٩٧)، ومسلم (١٠٦٥)، وأبو داود (٤٦٦٧).\nــ\nمودن، ناقص الخَلق. وودن ومودن، وكله بالدال المهملة.\nوالذي يجمع شتات هذه الأحاديث في صفة يد هذا المخدج، ويبين صفتها ما جاء في حديث زيد بن وهب الذي قال فيه: (وآية ذلك أن فيهم رجلًا له عضد، ليس له ذراع، على رأس عضده مثل حلمة الثدي، عليه شعرات بيض)، وهذه الرواية: هي أحسن الروايات وأكملها وأبينها.\nوقوله: (يخرجون على خير فرقة)؛ كذا لأكثر الرواة، وعند السمرقندي وابن ماهان: (على حين فرقة) - بالنون والحاء - وكلاهما صحيح. فإنهم خرجوا حين افترق الناس فرقتين، فكانت فرقة مع معاوية ترى رأيه، وتقاتل معه، وفرقة مع عليّ ﵁ ترى رأيه، وتقاتل معه. وخرجت هذه الطائفة على عليّ ومعه معظم الصحابة ﵃. ولا خلاف أنه الإمام العدل، وأنه أفضل من معاوية ومن كل من كان معه، فقد صدق على فرقة علي ﵁ أنهم","vol":"3","page":116},{"text":"[٩٣٤] وَعَن عَلِيٍّ قَالَ: إِذَا حَدَّثتُكُم عَن رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَلأَن أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِن أَن أَقُولَ عَلَيهِ مَا لَم يَقُل، وَإِذَا حَدَّثتُكُم فِيمَا بَينِي وَبَينَكُم فَإِنَّ الحَربَ خَدعَةٌ، سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: (سَيَخرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَومٌ أَحدَاثُ الأَسنَانِ سُفَهَاءُ الأَحلامِ يَقُولُونَ مِن خَيرِ قَولِ البَرِيَّةِ، يَقرَءُونَ القُرآنَ لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُم، يَمرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمرُقُ السَّهمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُم فَاقتُلُوهُم، فَإِنَّ فِي قَتلِهِم أَجرًا لِمَن قَتَلَهُم عِندَ اللهِ يَومَ القِيَامَةِ).\nــ\nخير [الفرق]، وقد قال - ﷺ -: (تقتلهم أَولى الطائفتين بالحق) (١)، ولا خلاف في أن عليًّا قتلهم، ففرقته خير فرقة. وهذا اللفظ يدل على أن ما وقع بين علي وبين معاوية فيه لله تعالى حكمٌ معين، وأن عليًّا ﵁ هو الذي أصابه، والله أعلم.\nوقوله: (سبق الفرث والدم)، الفرث: ما يخرج من الكرش. وهذا لسرعة السهم وشدة النزع. وظاهره: أنه لم يصبه شيء، إلا أنه مقيَّد بالحديث الآخر الذي قال فيه: (يتمارى في الفوق).\nوقوله: الحرب خَدعة؛ اللغة الفصيحة في خَدعة فتح الخاء وسكون الدال، وهو الذي حكاه ابن السكيت وأبو عبيد، وهي لغة النبي - ﷺ -، وحكى فيها بعض اللغويين ضم الخاء وسكون الدال، وحكي فيها لغة ثالثة، وهي أقلها: - بضم الخاء، وفتح الدال -، فخدعة - بالفتح -؛ أي: ذات خداع، فإنها مصدر محدود بالهاء. فأما خَدعة وخُدعة، فنحو: ضَحكة وضُحكة، كما تقدم.\nوقوله: (يقولون من خير قول البرية)، قال بعض العلماء: يعني بذلك ما صدر عنهم من قولهم: لا حكم إلا لله، وذلك حين التحكيم، ولما سمعهم علي\n_________\n(١) تقدّم في التلخيص (١٢٣٣).","vol":"3","page":117},{"text":"رواه أحمد (١/ ١٣١)، والبخاري (٦٩٣٠)، ومسلم (١٠٦٦)، وأبو داود (٤٧٦٧)، والنسائي (٧/ ١١٩).\n[٩٣٥] وَعَن زَيدِ بنِ وَهبٍ الجُهَنِيِّ أَنَّهُ كَانَ فِي الجَيشِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ عَلِيٍّ، الَّذِينَ سَارُوا إِلَى الخَوَارِجِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: (يَخرُجُ قَومٌ مِن أُمَّتِي يَقرَءُونَ القُرآنَ لَيسَ قِرَاءَتُكُم إِلَى قِرَاءَتِهِم بِشَيءٍ، وَلا صَلاتُكُم إِلَى صَلاتِهِم بِشَيءٍ وَلا صِيَامُكُم إِلَى صِيَامِهِم بِشَيءٍ يَقرَءُونَ القُرآنَ يَحسِبُونَ أَنَّهُ لَهُم وَهُوَ عَلَيهِم لا تُجَاوِزُ صَلاتُهُم تَرَاقِيَهُم، يَمرُقُونَ مِنَ الإِسلامِ كَمَا يَمرُقُ السَّهمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ لَو يَعلَمُ الجَيشُ الَّذِينَ يُصِيبُونَهُم مَا قُضِيَ لَهُم عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِم لاتَّكَلُوا عَلى العَمَلِ وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِم رَجُلًا لَهُ عَضُدٌ وَلَيسَ لَهُ ذِرَاعٌ، عَلَى رَأسِ عَضُدِهِ مِثلُ حَلَمَةِ الثَّديِ، عَلَيهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ، فَتَذهَبُونَ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَأَهلِ الشَّامِ، وَتَترُكُونَ هَؤُلاءِ يَخلُفُونَكُم فِي ذَرَارِيِّكُم وَأَموَالِكُم، وَاللهِ إِنِّي لأَرجُو أَن يَكُونُوا هَؤُلاءِ القَومَ، فَإِنَّهُم قَد سَفَكُوا الدَّمَ الحَرَامَ وَأَغَارُوا فِي سَرحِ النَّاسِ، فَسِيرُوا عَلَى اسمِ اللهِ.\nــ\n﵁ قال: كلمةُ حقٍّ أريد بها باطل.\nوقوله: (لا تجاوز صلاتُهم تراقيَهم)؛ هو كناية عن أنها لا تقبل، ولا ينتفعون بها، أو يعني بذلك: أن دعاءهم لا يسمع، والله أعلم.\nوقوله: (لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضي لهم على لسان نبيهم لاتَّكلوا على العمل)، قضي معناه: حكم به، وأخبر عن ثوابه، والعمل: يعني به: قتلهم، والألف واللام في العمل للعهد، فكأنه قال: لاتَّكلوا على ثواب ذلك العمل، واعتَمدوا عليه في النجاة من النار، والفوز بالجنة، وإن كانت الأعمال","vol":"3","page":118},{"text":"قَالَ سَلَمَةُ بنُ كُهَيلٍ: فَنَزَّلَنِي زَيدُ بنُ وَهبٍ مَنزِلًا. حَتَّى قَالَ: مَرَرنَا عَلَى قَنطَرَةٍ، فَلَمَّا التَقَينَا وَعَلَى الخَوَارِجِ يَومَئِذٍ عَبدُ اللهِ بنُ وَهبٍ الرَّاسِبِيُّ فَقَالَ لَهُم: أَلقُوا الرِّمَاحَ وَسُلُّوا سُيُوفَكُم مِن جُفُونِهَا، فَإِنِّي أَخَافُ أَن\nــ\nلا تُحصّل ذلك، كما قال - ﷺ -: (لن ينجي أحدًا منكم عمله) (١)، لكن ذلك العمل الذي هو قتلهم عظيم، وثوابه جسيم، بحيث لو اطلع عليه صاحبه؛ لاعتمد عليه، وظن أنه هو الذي ينجيه.\nوالرواية في ذلك اللفظ: لاتَّكلوا بلام ألف، وبالتاء باثنتين، من التوكُّل، وقد صحّفه بعضهم فقال: لنكلوا بالنون من النكول عن العمل. أي: لا يعملون شيئًا؛ اكتفاء بما حصل لهم من ثواب ذلك. وهذا معنى واضح لو ساعدته الرواية.\nوالعضد: ما بين المنكب والمرفق. وحلمة الثدي: الأنبوبة التي يخرج منها اللبن، وتسمى السعدانة. وسرح الناس: مواشيهم.\nوقول سلمة: فنزلني زيد منزلًا؛ أي: أخبرني بالمواضع التي نزلها علي مع جيشه منزلا منزلًا واحدًا واحدًا، وصوابه: منزلًا منزلًا مرتين؛ لأن معناه: أخبرني بالمنازل مفصَّلة، فهو منصوب على الحال، كما تقول العرب: علّمته الحساب بابًا بابًا. ولا يكتفى في هذا النوع بذكر مرة واحدة؛ لأنه لا يفيد ذلك المعنى، غير أنه وقع هنا منزلًا مرة واحدة، لجميع رواة مسلم فيما أعلم.\nوقد جاء من كتاب النسائي: منزلًا منزلًا، وهو الصحيح.\nوقول زعيم الخوارج: ألقُوا الرماح، وسُلُّوا السيوف؛ كان في هذا الرأي فتح للمسلمين، وصيانة لدمائهم، وتمكين من الخوارج؛ بحيث تُمُكّنَ منهم بالرماح، فَطُعِنُوا ولم يكن لهم بما يطعنون أحدًا، فَقُتِلوا عن بكرة أبيهم، ولم يقتل من المسلمين سوى رجلين، فنعوذ بالله من تدبير يقود إلى تدمير.\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٨١٧) من حديث جابر ﵁.","vol":"3","page":119},{"text":"يُنَاشِدُوكُم كَمَا نَاشَدُوكُم يَومَ حَرُورَاءَ، فَرَجَعُوا فَوَحَّشُوا بِرِمَاحِهِم، وَسَلُّوا السُّيُوفَ، وَشَجَرَهُمُ النَّاسُ بِرِمَاحِهِم. قَالَ: وَقُتِلَ بَعضُهُم عَلَى بَعضٍ، وَمَا أُصِيبَ مِنَ النَّاسِ يَومَئِذٍ إِلا رَجُلانِ. فَقَالَ عَلِيٌّ: التَمِسُوا فِيهِمُ المُخدَجَ. فَالتَمَسُوهُ، فَلَم يَجِدُوهُ، فَقَامَ عَلِيٌّ بِنَفسِهِ حَتَّى أَتَى نَاسًا قَد قُتِلَ بَعضُهُم عَلَى بَعضٍ. قَالَ: أَخِّرُوهُم فَوَجَدُوهُ مِمَّا يَلِي الأَرضَ، فَكَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ اللهُ وَبَلَّغَ رَسُولُهُ. قَالَ: فَقَامَ إِلَيهِ عَبِيدَةُ السَّلمَانِيُّ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ، الله الَّذِي لا إِلهَ إِلا هُوَ لَسَمِعتَ هَذَا الحديث مِن رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟ قَالَ: إِي وَاللهِ الَّذِي لا إِلهَ إِلا هُوَ، حَتَّى استَحلَفَهُ ثَلاثًا، وَهُوَ يَحلِفُ لَهُ.\nرواه مسلم (١٠٦٦)، وأبو داود (٤٧٦٨ - ٤٧٧٠).\nــ\nوقوله: فوحَّشوا برماحهم؛ أي: صيروها كالوحش بعيدة منهم، وقد جاء في حديث آخر: فوحّشوا بأسنَّتِهم (١)، واعتنق بعضهم بعضًا. وهو مُشَدَّد الحاء، يقال: وحّش الرجل، إذا رمى بثوبه وبسلاحه مخافة أن يلحق، قال الشاعر (٢):\nفإن أنتم لم تطلبوا بأخيكم ... فذروا السلاح، ووحِّشوا بالأبرق\nوقوله: وشجرهم الناس برماحهم؛ أي: داخلوهم وطاعنوهم. قال ابن دريد: تشاجر القوم بالرماح، إذا تطاعنوا بها، ومنه: التشاجر في الخصومة.\nوعبيدة السلماني - بفتح العين وكسر بائه -، والسلماني - بفتح اللام وسكونها معًا، وبالسكون وحده -؛ ذكره الجبّائي قال: هو منسوب إلى سلمان.\nوقوله: آلله الذي لا إله إلا هو؛ بمد وهمزة، فالهمزة عوض من باء\n_________\n(١) تقدم الحديث في التلخيص برقم (٩٣٥) بلفظ: \"فوحَّشُوا برماحهم\".\n(٢) هي أم عمرو بنت وقدان.","vol":"3","page":120},{"text":"[٩٣٦] وَعَن عُبَيدِ اللهِ بنِ أَبِي رَافِعٍ مَولَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّ الحَرُورِيَّةَ لَمَّا خَرَجَت وَهُوَ مَعَ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ قَالُوا: لا حُكمَ إِلا لِلَّهِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَصَفَ نَاسًا إِنِّي لأَعرِفُ صِفَتَهُم فِي هَؤُلاءِ، يَقُولُونَ الحَقَّ بِأَلسِنَتِهِم لا يَجُوزُ هَذَا مِنهُم - وَأَشَارَ إِلَى حَلقِهِ - مِن أَبغَضِ خَلقِ اللهِ إِلَيهِ مِنهُم أَسوَدُ، إِحدَى يَدَيهِ طُبيُ شَاةٍ أَو حَلَمَةُ ثَديٍ، فَلَمَّا قَتَلَهُم عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: انظُرُوا، فَنَظَرُوا فَلَم يَجِدُوا شَيئًا. فَقَالَ: ارجِعُوا. فَوَاللهِ مَا كَذَبتُ وَلا كُذِبتُ مَرَّتَينِ أَو ثَلاثًا. ثُمَّ وَجَدُوهُ فِي خَرِبَةٍ. فَأَتَوا بِهِ حَتَّى وَضَعُوهُ بَينَ يَدَيهِ. قَالَ عُبَيدُ اللهِ: وَأَنَا حَاضِرُ ذَلِكَ مِن أَمرِهِم وَقَولِ عَلِيٍّ فِيهِم.\nرواه أحمد (١/ ٨٣ و٨٤)، ومسلم (١٠٦٦) (١٥٧).\n[٩٣٧] وَمِن حديث عَبدِ اللهِ بنِ الصَّامِتِ: يَخرُجُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَخرُجُ السَّهمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، ثُمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ، هُم شَرُّ الخَلقِ وَالخَلِيقَةِ).\nرواه أحمد (٥/ ٣١)، ومسلم (١٠٦٧) (١٥٨)، وابن ماجه (١٧٠).\n[٩٣٨] وَمِن حديث سَهلَ بنَ حُنَيفٍ، عَنِ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: (يَتِيهُ قَومٌ قِبَلَ المَشرِقِ،\nــ\nالقسم، وهو قسم أُقسم عليه به؛ لتزيد طمأنينة قلبه، لا ليدفع شكًّا عن نفسه.\nوقوله: (يتيه قوم قِبَل المشرق)؛ أي: يتحيّرون ويذهبون في غير وجه صحيح، يقال: تاه الرجل: إذا ذهب في الأرض غير مهتدٍ. ومنه تيه بني إسرائيل. وقيل: المشرق يدل على صحة تأويل من تأول: قرن الشيطان بأنهم الخوارج، والفتن التي طلعت من هناك، والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":121},{"text":"مُحَلَّقَةٌ رُءُوسُهُم، يَقرَءُونَ القُرآن) نَحوَ مَا تَقَدَم.\nرواه مسلم (١٠٦٨) (١٥٩).\n* * *\nــ\nوقوله: (مُحَلّقة رءوسهم)، وفي حديث آخر: (سيماهم التحليق)؛ أي: جعلوا ذلك علامةً لهم على رفضهم زينة الدّنيا، وشعارًا ليعرفوا به، كما يفعل البعض من رهبان النصارى، يفحصون عن أوساط رءوسهم. وقد جاء في وصفهم مرفوعًا: (سيماهم التسبيد) (١)؛ أي: الحلق، يقال: سَبَّدَ رأسه، إذا حلقه.\nوهذا كلُّه منهم جهل بما يُزهد فيه، وما لا يُزهد فيه، وابتداع منهم في دين الله تعالى شيئًا كان النبي - ﷺ - والخلفاء الراشدون وأتباعهم على خلافه. فلم يُرو عن واحد منهم: أنهم اتسموا بذلك، ولا حلقوا رءوسهم، في غير إحلال ولا حاجة.\nوقد كان لرسول الله - ﷺ - شعر، فتارة فرقه، وتارة صيَّره جمَّة، وأخرى لِمَّة.\nوقد روي عنه - ﷺ - أنه قال: (من كانت له شعرة أو جمة فليكرمها) (٢)، وقد كره مالك الحلاق في غير إحرام، ولا حاجة ضرورية.\n* * *\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٦٤)، وأبو داود (٤٧٦٦).\n(٢) رواه أبو داود (٤١٦٣) بلفظ: \"من كان له شعر فليُكرِمْهُ\".","vol":"3","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-355>(٢٨) باب لا تَحِلُّ الصدقة لمحمد ولا لآلِ محمد، ومن يستعمل على الصدقة</span>\n[٩٣٩] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: أَخَذَ الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ تَمرَةً مِن تَمرِ الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (كِخ كِخ، ارمِ بِهَا، أَمَا عَلِمتَ أَنَّا لا نَأكُلُ الصَّدَقَةَ).\nرواه أحمد (٢/ ٤٠٩ و٤١٠)، والبخاري (١٤٩١)، ومسلم (١٠٦٩).\n[٩٤٠] وَعَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: (وَاللهِ إِنِّي لأَنقَلِبُ إِلَى أَهلِي فَأَجِدُ التَّمرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي - أَو فِي بَيتِي - فَأَرفَعُهَا لآكُلَهَا، ثُمَّ أَخشَى أَن تَكُونَ صَدَقَةً فَأُلقِيهَا).\nرواه مسلم (١٠٧٠) (١٦٣).\nــ\n(٢٨) ومن باب: لا تحل الصدقة لمحمد ولا لآل محمد\nقوله: (كخ، كخ)؛ روايتنا فيه بكسر الكاف وسكون الخاء. وقد يقال بفتح الكاف وتسكين الخاء وتنوينها. وهي لغات، وهي كلمة يزجر بها الصبيان عن أخذ شيء، قال الداودي: هي كلمة أعجمية عرّبتها العرب، وإلى هذا أشار البخاري حيث ترجم على هذا الحديث: من تكلم بالفارسية. والصحيح الأول.\nوفي هذا الحديث ما يدل على أن الصغار يمنعون مما يحرم على الكبار المكلَّفين حتى يُتدرَّبوا على آداب الشريعة، ويتأدبوا بها ويعتادوها. وعلى هذا فلا يلبس الذكور الصغار الحرير، ولا يحلون الذهب. ويخاطب الأولياء بأن يجنبوهم ذلك، كما","vol":"3","page":123},{"text":"[٩٤١] وَعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مَرَّ بِتَمرَةٍ بِالطَّرِيقِ، فَقَالَ: (لَولا أَن تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لأَكَلتُهَا).\nرواه أحمد (٣/ ١١٩)، والبخاري (٢٠٥٥)، ومسلم (١٠٧١)، وأبو داود (١٦٥١ و١٦٥٢).\nــ\nيخاطبون بأن يجنبوهم شرب الخمور وأكل ما لا يحل.\nوقوله - ﷺ - وقد وجد تمرة في الطريق -: (لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها)؛ هذا منه - ﷺ - ورع وتنزّه. وإلا فالغالب تمر غير الصدقة؛ لأنه الأصل، وتمر الصدقة قليل، والحكم للغالب في القواعد الشرعية.\nوفيه دليل: على أن اللُّقَطَة اليسيرة التي لا تتعلّق بها نفس فاقدها لا تحتاج إلى تعريف. وأنها تستباح من غير ذلك؛ لأنه علّل امتناعه من أكلها: هو خوفه أن تكون من الصدقة، ثم إن دليل خطابه أنها لو سلمت من ذلك المانع لأكلها.\nوهذه الأحاديث كلها مع قوله: (إن الصدقة لا تنبغي لمحمد، ولا لآل محمد)؛ تدل على أن الصدقة على رسول الله - ﷺ - وعلى آله محرّمة. وهل يعمّ التحريم الواجبات وغيرها، أو يخص الواجبة؟ اختلف فيه: فذهب مالك وأبو حنيفة في أحد قوليه: إلى أن المحرّم الواجبة فقط.\nوحكى ابن القصار عن بعض أصحابنا: أن المحرّم صدقة التطوع دون الفريضة؛ لأنها لا مِنَّةَ فيها.\nوقال أبو حنيفة أيضًا: إنها كلّها حلال لبني هاشم وغيرهم. وإنما كان ذلك محرمًا عليهم؛ إذ كانوا يأخذون سهم ذي القربى، فلما قطع عنهم حلت لهم، ونحوه عن الأبهري من شيوخنا. وروي عن أبي يوسف: أنها حرام عليهم من غيرهم، حلال لهم صدقة بعضهم على بعض.\nقلت: والظاهر من هذه الأحاديث أنها محرمة على رسول الله - ﷺ - وعلى آله، فرضُها ونفلُها؛ تمسُّكًا بالعمومات. ومن جهةِ المعنى: بأن الصدقة أوساخ","vol":"3","page":124},{"text":"[٩٤٢] وَعَن عَبدِ المُطَّلِبِ بنِ رَبِيعَةَ بنِ الحَارِثِ وَالعَبَّاسُ بنُ عَبدِ المُطَّلِبِ فَقَالا: وَاللهِ لَو بَعَثنَا هَذَينِ الغُلامَينِ - قَالَ لِي وَلِلفَضلِ بنِ عَبَّاسٍ - إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَكَلَّمَاهُ، فَأَمَّرَهُمَا عَلَى هَذِهِ الصَّدَقَاتِ فَأَدَّيَا مَا يُؤَدِّي النَّاسُ وَأَصَابَا مِمَّا يُصِيبُ النَّاسُ، قَالَ: فَبَينَمَا هُمَا فِي ذَلِكَ جَاءَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ، فَوَقفَ عَلَيهِمَا. فَذَكَرَا لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ عَلِيُّ: لا تَفعَلا. فَوَاللهِ\nــ\nالناس، وبأن اليد العليا خير من اليد السفلى، ولا يد أعلى من يد رسول الله - ﷺ -\n، ولا أيدي آله. فقد أكرمهم الله، وأعلى مقاديرهم، وجعل أيديهم فوق كل يد. وسهم ذي القربى واجب إخراجه وإيصاله إليهم على كل من ولي شيئًا من أمور المسلمين إلى يوم القيامة. فلو منعوا ولم يقدروا على إيصالهم إلى حقوقهم وجب سدّ خلاتهم، والقيام بحاجاتهم على أهل القدرة من المسلمين لا على وجه الصدقة، بل على جهة القيام بالحقوق الواجبة في الأموال، ويكون حكمهم كحكم الحقوق المرتبة على بيت مال المسلمين، فلا يوصل إليها لفكاك الأسارى ونفقة اللقطاء، وسدّ خلات الضعفاء والفقراء إذا لم يوصل إلى أخذ ذلك من بيت المال.\nواختلف في: مَن آل النبي - ﷺ -؟ فقال مالك وأكثر أصحابه: هم بنو هاشم خاصة، ومثله عن أبي حنيفة، واستثني آل أبي لهب. وقال الشافعي: هم بنو هاشم، ويدخل فيهم بنو المطلب أخي هاشم دون سائر بني عبد مناف؛ لقول النبي - ﷺ -: (أنا وبنو المطلب شيء واحد) (١)، ولقسم النبي - ﷺ - لهم مع بني هاشم سهم ذي القربى دون غيرهم. ونحا إلى هذا بعض شيوخنا المالكية. وقال أصبغ: هم عشيرة النبي - ﷺ - الأقربون الذين أُمِر بإنذارهم: آل قصي، قال: وقيل: قريش كلّها.\nقلت: وفي الأم: أن زيد بن أرقم سئل عن أهل بيت النبي - ﷺ - من هم؟ فقال: أهل بيته من حُرِمَ الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال: هم آل عليٍّ، وآل\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢٩٨٠) من حديث جبير بن مطعم.","vol":"3","page":125},{"text":"مَا هُوَ بِفَاعِلٍ، فَانتَحَاهُ رَبِيعَةُ بنُ الحَارِثِ، فَقَالَ: وَاللهِ مَا تَصنَعُ هَذَا إِلا نَفَاسَةً مِنكَ عَلَينَا، فَوَاللهِ لَقَد نِلتَ صِهرَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَمَا نَفِسنَاهُ عَلَيكَ. قَالَ عَلِيٌّ أَرسِلُوهُمَا فَانطَلَقَا. وَاضطَجَعَ عَلِيٌّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الظُّهرَ سَبَقنَاهُ إِلَى الحُجرَةِ، فَقُمنَا عِندَهَا حَتَّى جَاءَ، فَأَخَذَ بِآذَانِنَا، ثُمَّ قَالَ: (أَخرِجَا مَا تُصَرِّرَانِ) ثُمَّ دَخَلَ وَدَخَلنَا عَلَيهِ، وَهُوَ يَومَئِذٍ عِندَ زَينَبَ بِنتِ جَحشٍ، قَالَ: فَتَوَاكَلنَا الكَلامَ، ثُمَّ تَكَلَّمَ أَحَدُنَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَنتَ\nــ\nعَقيل، وآل جعفر، وآل عباس، فقال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم (١).\nوهذا يؤيد قول مالك. فإن هؤلاء كلُّهم بنو هاشم.\nواختلف في مواليهم، فمالك والشافعي يبيحانها (٢) لهم، والكوفيون وكثير من أصحاب مالك يحرمونها عليهم.\nوقوله: فانتحاه ربيعة بن الحارث؛ أي: عرض له وقصده. والنحو: القصد، ومنه علم النحو.\nوقوله: والله ما يفعل هذا إلا نفاسة علينا، هذه يمين وقعت من ربيعة على اعتقاده، فهي من قبيل اللغو، والنفاسة: في الخير، ومنه قوله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَليَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ﴾\nوقوله: فما نفسناه عليك؛ أي: ما تمنينا أن يكون لنا دونك.\nوقوله: (أخرجا ما تَصُرَّران)؛ أي: ما تجمعانه في صدوركما، وكل شيء جمعته فقد صررته، ومنه: صرُّ الدراهم، وهو جمعها في الصرة.\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٤٠٨).\n(٢) في الأصول: يبيحها، وما أثبتناه هو الصواب.","vol":"3","page":126},{"text":"أَبَرُّ النَّاسِ وَأَوصَلُ النَّاسِ، وَقَد بَلَغنَا النِّكَاحَ، فَجِئنَا لِتُؤَمِّرَنَا عَلَى بَعضِ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ، فَنُؤَدِّيَ إِلَيكَ كَمَا يُؤَدِّي النَّاسُ، وَنُصِيبَ كَمَا يُصِيبُونَ. قَالَ:\nــ\nوقوله: قد بلغنا النكاح؛ أي: الحلم، ومنه قوله تعالى: حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ.\nوقول علي في الأم: أنا أبو حسن القَرم، والله لا أَريم مَكَاني حتى يرجعَ إليكما ابناكما بِحَور ما بَعَثتُما به؛ إنما قال: أبو حسن القرم؛ لأجل الذي كان عنده من علم ذلك، وكان ﵁ يقول هذه الكلمة عند الأخذ في قضية تشكل على غيره وهو يعرفها، ولذلك جرى كلامه هذا مجرى المثل، حتى قالوا: قضية ولا أبا حسن؛ أي: هذه قضية مشكلة، وليس هناك من يبينها، كما كان يفعل أبو حسن الذي هو علي بن أبي طالب ﵁، وأتوا بأبي حسن بعد لا النافية للنكرة على إرادة التنكير. أي: ليس هناك واحد ممن يسمى أبا حسن، كما قالوا:\nأرى الحاجات عند أبي خُبَيب ... نُكِدنَ ولا أمية في البلاد\nأي: لا واحدٌ ممن يُسمى أمية.\nوالقَرم: أصله الفحل من الإبل، ويستعار للرجل الكبير المجرّب الأمور. وهذه رواية القاضي الشهير - بالراء - والرفع على النعت لأبي حسن. وقد روي: بالواو مكان الراء بإضافة حسن إليه، وهي رواية ابن أبي جعفر، ووجهها: كأنه ق ل: أنا عالم القوم وذو رأيهم. وقد رُوي عن أبي بحر: أبو حسنٌ، بالتنوين، وبعده: القرم، بالرفع؛ أي: أنا من علمتم أيها القوم، وهذه الرواية أبعدها.\nوقوله: لا أريم؛ أي: لا أزال ولا أبرح من مكاني هذا. قال زهير:","vol":"3","page":127},{"text":"فَسَكَتَ طَوِيلًا، ثم أَرَدنَا أَن نُكَلِّمَهُ، قَالَ: وَجَعَلَت زَينَبُ تُلمِعُ إِلَينَا مِن وَرَاءِ الحِجَابِ أَن لا تُكَلِّمَاهُ قَالَ: ثُمَّ قَالَ: (إِنَّ الصَّدَقَةَ لا تَنبَغِي لآلِ مُحَمَّدٍ، إِنَّمَا هِيَ أَوسَاخُ النَّاسِ، ادعُوَا لِي مَحمِيَةَ - وَكَانَ عَلَى الخُمُسِ - وَنَوفَلَ بنَ\nــ\nلِمَن طَللُ بِرَامَةَ لا يرَيم ... عَفَا وخَلاله عُقبٌ (١) قديم؟\nوبحور ما بعثتما به؛ أي: بجوابه. يقال: كلَّمتُه فما ردّ حورًا ولا حويرًا؛ أي: جوابًا.\nقلت: وأصل الحور: الرجوع، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَن يَحُورَ﴾؛ أي: أن لن يرجع. وابناكما على التثنية هو الصحيح، ووقع لبعض الشيوخ: أبناؤكما على الجمع، وهو وهم، فإنه قد نصّ على أنهما اثنان.\nوقوله: فتواكلنا الكلام؛ أي: وكل بعضهم إلى بعض الكلام، فكأنهما توقفا قليلًا إلى أن بدر أحدهما فتكلم.\nوقوله: فجعلت زينب تُلمع من وراء الحجاب؛ أي: تشير، يقال: ألمع بثوبه وبيده، وأومأ برأسه، وأومض بعينه.\nوقوله: (إنما هي أوساخ الناس)، إنما كانت الصدقة كذلك؛ لأنها تطهرهم من البخل، وأموالهم من إثم الكنز، فصارت كماء (٢) الغسالة التي تعاب.\nومساق الحديث والتعليل يقتضي أنها لا تحل لأحد من آل النبي - ﷺ - على ما قدمناه، وإن كانوا عاملين عليها، وهو رأي الجمهور وقد ذهب إلى جوازها لهم إذا كانوا عاملين عليها (٣)؛ أبو يوسف والطحاوي، والحديث ردّ عليهم.\nومحمية مخففة الياء على وزن مَفعِلة، من حميت المكان، أحميه. وهو ابن جَزء، بهمزة بعد\n_________\n(١) في (ع) و(ط): حقب.\n(٢) زيادة من (ع). وفي (ظ): كأنها.\n(٣) ساقط من (ع).","vol":"3","page":128},{"text":"الحَارِثِ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ. قَالَ: فَجَاءَاهُ فَقَالَ لِمَحمِيَةَ: (أَنكِح هَذَا الغُلامَ ابنَتَكَ لِلفَضلِ بنِ عَبَّاسٍ) فَأَنكَحَهُ، وَقَالَ لِنَوفَلِ بنِ الحَارِثِ: (أَنكِح هَذَا الغُلامَ ابنَتَكَ - لِي، فَأَنكَحَنِي، وَقَالَ لِمَحمِيَةَ: (أَصدِق عَنهُمَا مِنَ الخُمُسِ كَذَا وَكَذَا).\nوَفِي رِوَايَةٍ: (وَإِنَّهَا لا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلا لآلِ مُحَمَّدٍ).\nرواه مسلم (١٠٧٢)، وأبو داود (٢٩٨٥)، والنسائي (٥/ ١٠٥ و١٠٦).\n* * *\n(٢٩) باب الصدقة إذا بلغت مَحِلَّها جاز لمن كان قد حَرُمت عليه أن يأكل منها\n[٩٤٣] عَن جُوَيرِيَةَ زَوجَ النَّبِيِّ - ﷺ -؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - دَخَلَ عَلَيهَا فَقَالَ: (هَل مِن طَعَامٍ؟) قَالَت: لا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا عِندَنَا طَعَامٌ إِلا عَظمٌ مِن شَاةٍ أُعطِيَتهُ مَولاتِي مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ: (قَرِّبِيهِ قَد بَلَغَت مَحِلَّهَا).\nرواه أحمد (٦/ ٤٣٠)، ومسلم (١٠٧٣) (١٦٩).\nــ\nالزاي الساكنة - على وزن: كلب، كذا قاله الحفاظ المتقنون. قال عبد الغني: ويقال: جَزِي - بكسر الزاي -، وقال أبو عبيد: هو عندنا: جزّ مشدد الزاي، وقال مسلم: إنه من بني أسد. والمشهور المحفوظ: أنه من بني زبيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-356>(٢٩) ومن باب: الصدقة إذا بلغت محلها</span>\nقوله: (قربيها فقد بلغت محلها)؛ يعني: أن المتصدق عليها قد ملكت تلك","vol":"3","page":129},{"text":"[٩٤٤] وَعَن عَائِشَةَ قَالَت: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلاثُ قَضِيَّاتٍ: كَانَ النَّاسُ يَتَصَدَّقُونَ عَلَيهَا وَتُهدِي لَنَا، فَذَكَرتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: (هُوَ عَلَيهَا صَدَقَةٌ، وَلَكُم هَدِيَّةٌ فَكُلُوهُ).\nوَفِي رِوَايَةٍ: (وَلَنَا هَدِيَّةٌ).\nرواه البخاري (٥٠٩٧)، ومسلم (١٠٧٥) (١٧٣)، والنسائي (٦/ ١٠٢).\n[٩٤٥] وَعَن أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَت: بَعَثَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِشَاةٍ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَبَعَثتُ إِلَى عَائِشَةَ مِنهَا بِشَيءٍ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى عَائِشَةَ قَالَ: (هَل عِندَكُم شَيءٌ؟ قَالَت: لا إِلا أَنَّ نُسَيبَةَ بَعَثَت إِلَينَا مِنَ الشَّاةِ الَّتِي بَعَثتُم بِهَا إِلَيهَا. قَالَ: (إِنَّهَا قَد بَلَغَت مَحِلَّهَا).\nرواه أحمد (٦/ ١٠٧ - ١٠٨)، والبخاري (١٤٤٦)، ومسلم (١٠٧٦) (١٧٤).\nــ\nالصدقة بوجه صحيح جائز، فقد صارت كسائر ما تملكه بغير جهة الصدقة، وإذا كان كذلك، فمن تناول ذلك الشيء المتصدَّق به من يد المتصدَّق عليه بجهة جائزة غير الصدقة جاز له ذلك، وخرج ذلك الشيء عن كونه صدقة بالنسبة إلى الآخذ من يد المتصدَّق عليه، وإن كان ممن لا تحل له الصدقة في الأصل، ويُخَرَّج عليه: صحة أحد القولين فيمن تُصُدِّق عليه بلحم أضحية، فإنه يجوز له أن يبيعه.\nوالقول الثاني: لا يجوز فيه ذلك؛ لأن أصل مشروعية الأضحية ألا يباع منها شيء مطلقًا.\nوقوله - ﷺ - لجويرية: (قربيه)، إنما قال ذلك فيه لعلمه بطيب قلب المولاة بذلك، أو تكون المولاة قد أهدت ذلك لجويرية، كما جاء في حديث بريرة الآتي بعد هذا.\nوفي حديث عائشة ما يدل: على جواز الصدقة على موالي قريش؛ لأن عائشة تيمية، وتيم من قريش، وجويرية مولاة النبي - ﷺ -، وحكم مولاتها حكمها.","vol":"3","page":130},{"text":"[٩٤٦] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عَنهُ، فَإِن كان هَدِيَّةٌ أَكَلَ مِنهَا، وَإِن قِيلَ: صَدَقَةٌ لَم يَأكُل مِنهَا.\nرواه أحمد (٢/ ٤٩٢)، ومسلم (١٠٧٧).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-357>(٣٠) باب دعاء المصدق لِمن جاء بصدقته، والوصاة بالمصدق</span>\n[٩٤٧] عَن عَبدُ اللهِ بنُ أَبِي أَوفَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ إِذَا أَتَاهُ قَومٌ\nــ\nوالثلاث القضيات التي كانت في بريرة إحداها: ما ذكره في هذه الطريق.\nوالثانية: قوله: (إنما الولاء لمن أعتق).\nوالثالثة: تخييرها في زوجها. وسيأتي الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى.\nوكونه - ﷺ - يسأل عن الطعام، هل هو صدقة أو هدية؟ يدل على أن للمتقي أن يسأل عما خفي عليه من أحوال الهدية والمُهدِي؛ حتى يكون على بصيرة من أمره، لكن هذا ما لم يؤذ المهدي والمُطعم، فإن أدّى إلى ذلك فالأولى ترك السؤال إلا عند الريبة.\nوهذا الحديث يدل على أنه - ﷺ - ما كان يأكل صدقة التطوّع، كما كان لا يأكل صدقة الواجب، وأنها لا تحلُّ له كما قدمنا.\n(٣٠) ومن باب: الدعاء للمتصدق وإرضاء المصدق\nلما أمر الله تعالى نبيه - ﷺ - بأخذ الصدقة من الأموال والدعاء للمتصدق بقوله تعالى: خُذ مِن أَموَالِهِم صَدَقَةً الآية، امتثل ذلك، فكان يدعو","vol":"3","page":131},{"text":"بِصَدَقَتِهِم قَالَ: (اللهُمَّ صَلِّ عَلَيهِم فَأَتَاهُ أَبِو أَوفَى بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ: اللهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوفَى).\nرواه أحمد (٤/ ٣٥٣ و٣٥٥)، والبخاري (١٤٩٧)، ومسلم (١٠٧٨)، وأبو داود (١٥٩٠)، والنسائي (٢/ ١٥٢).\nــ\nلمن أتاه بصدقته، ولذلك كان يقول لهم: (اللهم صلِّ عليهم)؛ أي: ارحمهم، وقال: (اللهم صلِّ على آلِ أبي أوفى).\nوقال كثير من علمائنا: إنه أراد بآل أبي أوفى: نفس أبي أوفى، وجعلوا هذا مثل قوله - ﷺ - لأبي موسى: (لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود) (١)، وإنما أراد: داودَ نفسه، وهو محتمل لذلك. ويحتمل أن يريد به: مَن عمل مثل عمله من عشيرته وقرابته، فيكون مثل: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد)، والله تعالى أعلم.\nوهل يتعدى الأمر لكل مصدق عند أخذه الصدقة؟ أو هو خاص بالنبي - ﷺ -؟ قولان لأهل العلم.\nفذهب الجمهور: إلى أنهم يندبون إلى ذلك؛ للاقتداء بفعل النبي - ﷺ - لما يحصل عند ذلك من تطييب قلوب المتصدقين.\nوقال أهل الظاهر: هو واجب؛ أخدًا بظاهر قول الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيهِم﴾ ولا يسلم لهم ذلك؛ لأن قوله تعالى: ﴿إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُم﴾ يشعر بخصوصيته - ﷺ - بالدعاء. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُم﴾ تعليل للأمر بالدعاء، لا لأخذ الصدقة، كما قد توهمه أهلُ الردة الذين تقدَّم ذكرهم في كتاب الإيمان.\nوعلى هذا فلا يكون للظاهرية مُتمسَّكٌ في الآية، ويتجه قولُ\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٠٤٨)، ومسلم (٧٩٣/ ٢٣٦)، والترمذي (٣٨٥٥) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.","vol":"3","page":132},{"text":"[٩٤٨] وَعَن جَرِيرِ بنِ عَبدِ اللهِ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنَ الأَعرَابِ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالُوا: إِنَّ أنَاسًا مِنَ المُصَدِّقِينَ يَأتُونَنَا فَيَظلِمُونَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (أَرضُوا مُصَدِّقِيكُم).\nقَالَ جَرِيرٌ: مَا صَدَرَ عَنِّي مُصَدِّقٌ مُنذُ سَمِعتُ هَذَا مِن رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِلا هُوَ عَنِّي رَاضٍ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: (إِذَا أَتَاكُم المُصَدِّق فليَصِدُر عَنكُم وَهوَ عَنكُم رَاضٍ).\nرواه أحمد (٤/ ٣٦٢)، ومسلم (٩٨٩) و(٩٨٩/ ١٧٧)، وأبو داود (١٥٨٩)، والنسائي (٥/ ٣١).\n* * *\nــ\nمن ادّعى خصوصية ذلك بالنبي - ﷺ -.\nوقال كثير من المفسرين في معنى سَكَنٌ لَهُم؛ أي: طمأنينة وتثبيت وبركة وتزكية.\nوقول جرير: جاء ناس من الأعراب؛ يريد: أهل البادية. وقد ذكرنا الفرق بين الأعرابي والعربي، ولا شك أن أهل البادية أهل جفاء وجهل غالبًا، ولذلك قال تعالى: ﴿الأَعرَابُ أَشَدُّ كُفرًا وَنِفَاقًا وَأَجدَرُ أَلا يَعلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾، ولذلك نسبوا الظلم إلى مُصَدِّقي النبي - ﷺ -، وإلى فضلاء أصحابه، فإنه ما كان يستعمل على ذلك إلا أعلم الناس وأعدلهم، لكن لجهل الأعراب بحدود الله ظنوا: أن ذلك القدر الذي كانوا يأخذونه منهم هو ظلم، فقال لهم - ﷺ -: (أرضوا مصدِّقيكم وإن ظُلِمتم)؛ أي على زعمكم وظنكم، لا أن النبي - ﷺ - سوّغ للعمال الظلم، وأمر الأعراب بالانقياد لذلك؛ لأنه كان يكون ذلك منه إقرارًا على","vol":"3","page":133},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمنكر، وإغراءً بالظلم، وذلك محال قطعًا.\nوإنما سلك النبي - ﷺ - مع هؤلاء هذا الطريق دون أن يبين لهم أن ذلك الذي أخذه المصدقون ليس ظلمًا؛ لأن هذا يحتاج إلى تطويل وتقرير، وقد لا يفهم ذلك أكثرهم.\nوأيضًا فليحصل منهم الانقياد الكلي بالتسليم وترك الاعتراض الذي لا يحصل الإيمان إلا بعد حصوله، كما قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُم ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِم حَرَجًا مِمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُوا تَسلِيمًا﴾ والله تعالى أعلم.\n* * *","vol":"3","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-358>(١٠) كتاب الصوم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-359>(١) باب فضل شهر رمضان والصوم والفطر لرؤية الهلال</span>\n[٩٤٩] عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ\nــ\n(١٠) كتاب الصيام\nقد تقدَّم الكلام على الصوم اللغوي، وأنه الإمساك مطلقًا، وهو في العرف الشرعي: إمساك مخصوص عن أشياء مخصوصة في زمان مخصوص، بشرط مخصوص. وهذه القيود تحتاج إلى تفصيل يذكر في كتب الفقه. وعلى الجملة: فهذه القيود منها متفق عليه، ومنها مختلف فيه. فأما حدَّه على مذهب مالك: فهو إمساك جميع أجزاء اليوم عن أمور مخصوصة، بنيّة موقعة قبل الفجر.\n(١) ومن باب: فضل شهر رمضان (١)\nقوله - ﷺ -: (إذا جاء رمضان)؛ دليل على من قال: لا يقال إلا شهر رمضان، متمسكًا بأنه - ﷺ - قال: (لا تقولوا: رمضان؛ فإن رمضان اسمٌ من أسماء\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ليس في الأصول، واستدرك من التلخيص.","vol":"3","page":135},{"text":"فُتِّحَت أَبوَابُ الجَنَّةِ وَغُلِّقَت أَبوَابُ النَّارِ وَصُفِّدَت الشَّيَاطِينُ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٥٧)، والبخاري (١٨٩٨)، ومسلم (١٠٧٩).\nــ\nالله تعالى) (١)؛ وليس بصحيح، فإنه من حديث: أبي معشر نجيح؛ وهو ضعيف.\nو(رمضان): مأخوذ من: رَمَضَ الصائم، يرمض: إذا حَرَّ جوفه من شدة العطش. والرَّمضاء: شدَّة الحر؛ قاله أبو عبيد الهروي.\nوقوله: (فُتِّحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين)، فتحت: بتخفيف التاء، وتشديدها. ويصح حمله على الحقيقة، ويكون معناه: أن الجنة قد فتحت وزخرفت لمن مات في شهر رمضان؛ لفضيلة هذه العبادة الواقعة فيه، وغلقت عنهم أبواب النَّار؛ فلا يدخلها منهم أحدٌ مات فيه. وصفدت الشياطين: غُلِّت وقُيِّدت. والصفد: الغل، وذلك لئلا تفسد الشياطين على الصائمين.\nفإن قيل: فنرى الشرور والمعاصي تقع في رمضان كثيرًا؛ فلو كانت الشياطين مصفدة لما وقع شرٌ؟ فالجواب من أوجه:\nأحدها: إنما تغل عن الصائمين الصوم الذي حُوفظ على شروطه، ورُوعيت آدابه، أما ما لم يحافظ عليه فلا يغل عن فاعله الشيطان.\nوالثاني: أنا لو سلمنا أنها صُفِّدت عن كل صائم، لكن لا يلزم من تصفيد جميع الشياطين، ألا يقع شر؛ لأن لوقوع الشر أسبابًا أخر غير الشياطين، وهي: النفوس الخبيثة، والعادات الرَّكيكة، والشياطين الإنسية.\nوالثالث: أن يكون هذا الإخبار عن غالب الشياطين (٢)، والمردة منهم، وأما من ليس من المردة فقد لا يصفد. والمقصود: تقليل الشرور. وهذا موجود في شهر رمضان؛ لأن وقوع الشرور والفواحش فيه قليل بالنسبة إلى غيره من الشهور.\n_________\n(١) رواه البيهقي (٤/ ٢٠١). وانظره في الأذكار برقم (٩٩٢).\n(٢) ما بين حاصرتين، ساقط من (ع).","vol":"3","page":136},{"text":"[٩٥٠] وَعَن ابنِ عُمَرَ عَن النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ ذَكَرَ رَمَضَانَ فَقَالَ: لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوا الهِلَالَ، وَلَا تُفطِرُوا حَتَّى تَرَوهُ، فَإِن أُغمِيَ عَلَيكُم فَاقدرُوا لَهُ.\nرواه البخاري (١٩٠٧)، ومسلم (١٠٨٠) (٩).\nــ\nوقيل: إن فتح أبواب الجنة وإغلاق أبواب النار علامة على دخول هذا الشهر العظيم للملائكة وأهل الجنة؛ حتى يستشعروا عظمة هذا الشهر (١)، وجلالته.\nويحتمل أن يقال: إن هذه الأبواب المفتحة في هذا الشهر هي: ما شرع الله فيه من العبادات، والأذكار، والصَّلوات، والتلاوة؛ إذ هي كلها تؤدي إلى فتح أبواب الجنة للعاملين فيه، وغلق أبواب النار عنهم.\nوتصفيد الشياطين: عبارة عن كسر شهوات النفوس التي بسببها تتوصل الشياطين إلى الإغواء والإضلال، ويشهد لهذا قوله: (الصوم جُنَّة) (٢)، وقوله: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فضيقوا مجاريه بالجوع والعطش) (٣)، على ما قد ذكر، وقد تقدَّم اشتقاق الشيطان.\nوقوله: (فإن أُغمي عليكم فاقدروا له)، في أُغمي ضمير يعود على الهلال، فهو المغمى عليه لا الناظرون. وتقديره: فإن أغمي الهلال عليكم. وأصل الإغماء: التغطية، والغم. ومنه: المغمى عليه؛ كأنه غطي عقله عن مصالحه. ويقال: أغمي الهلال، وغمي - مشدد الميم - وكلاهما مبني لما لم يُسم فاعله. ويقال أيضًا: غمَّ، مبنيًا لما لم يُسم فاعله مشددًا. وكذلك جاءت رواية أبي هريرة. فعلى هذا يقال: أُغمي، وغُمِّي - مخففًا ومشددًا، رباعيًّا وثلاثيًّا -، وغُمَّ، فهي أربع\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (هـ).\n(٢) رواه أحمد (٤/ ٢٢ و٢١٧)، والنسائي (٤/ ١٦٧)، وابن خزيمة (٢١٢٥)، وابن حبان (٣٦٤٩) من حديث عثمان بن أبي العاص.\n(٣) رواه أحمد (٣/ ١٥٦ و٢٥٨)، والدارمي (٢/ ٣٢٠).","vol":"3","page":137},{"text":"[٩٥١] وعَنه عن النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكتُبُ وَلَا نَحسُبُ، الشَّهرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَعَقَدَ الإِبهَامَ فِي الثَّالِثَةِ وَالشَّهرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا (يَعنِي تَمَامَ الثَلَاثِينَ).\nرواه أحمد (٢/ ٤٣ و٥٢)، ومسلم (١٠٨٠) (١٥)، وأبو داود (٢٣١٩)، والنسائي (٥/ ١٣٩).\n[٩٥٢] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: صُومُوا لِرُؤيَتِهِ وَأَفطِرُوا لِرُؤيَتِهِ، فَإِن غُمّ عَلَيكُم فَأَكمِلُوا العَدَدَ.\nــ\nلغات. ويقال: قد غامت السَّماء، تغيم، غيمومة، فهي غائمة، وغيمة، وأغامت، وتغيمت، وغيمت، وأغمت، وغمت.\nوفي حديث أبي هريرة: (فإن غمي)؛ أي: خفي. يقال: غمي عليَّ الخبر؛ أي: خفي. وقيل: هو مأخوذ من الغماء، وهو السَّحاب الرقيق. وقد وقع للبخاري: (غَبِي) - بالباء، وفتح الغين -؛ أي: خفي. ومنه الغباوة.\nوقوله: (فاقدروا له)؛ أي: قدِّروا تمام الشهر بالعدد ثلاثين يومًا. يقال: قدَّرت الشيء أقدُرُه وأقدِره - بالتخفيف - بمعنى: قدَّرته (بالتشديد)؛ كما تقدَّم في أول كتاب الإيمان. وهذا مذهب الجمهور في معنى هذا الحديث. وقد دلَّ على صحة ما رواه أبو هريرة مكان: فاقدروا له: (فأكملوا العدَّة ثلاثين).\nوهذا الحديث حجة على من حمل: (فاقدروا له) على معنى: تقدير المنازل القمرية، واعتبار حسابها، وإليه صار ابن قتيبة من اللغويين، ومطرف بن عبد الله بن الشخير من كبراء التابعين.\nومن الحجة أيضًا على هؤلاء قوله - ﷺ -: (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب)، فألغى الحساب، ولم يجعله طريقًا لذلك.\nوقوله - ﷺ -: (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته)؛ يقتضي لزوم حكم الصوم","vol":"3","page":138},{"text":"وفي لفظ آخر: فَإِن غُمِّيَ عَلَيكُم الشَّهرُ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٥٤ و٤٥٦)، والبخاري (١٩٠٩)، ومسلم (١٠٨١) (١٨)، والنسائي (٤/ ١٣٣).\nــ\nوالفطر لمن صحت له الرؤية، سواء شورك في رؤيته، أو انفرد بها. وهو مذهب الجمهور. وذهب عطاء وإسحاق: إلى أنه لا يلزمه حكم شيء من ذلك إذا انفرد بالرؤية. وهذا الحديث ردٌّ عليهما.\nوقوله - ﷺ -: (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب (١»؛ أي: لم نكلف في تعرف مواقيت صومنا ولا عباداتنا ما نحتاج فيه إلى معرفة حساب ولا كتابة، وإنما ربطت عباداتنا بأعلام واضحة، وأمور ظاهرة، يستوي في معرفة ذلك الحُسَّاب وغيرهم. ثم تمم هذا المعنى وكمَّله حيث بيَّنه بإشارته بيديه، ولم يتلفظ بعبارة عنه نزولًا إلى ما يفهمه الخُرصُ (٢) والعجم. وحصل من إشارته بيديه ثلاث مرات: أن الشهر يكون ثلاثين، ومن خَنسِهِ (٣) إِبهامه في الثالثة: أن الشهر يكون تسعًا وعشرين؛ كما قد نصَّ عليه في الحديث الآخر.\nوعلى هذا الحديث: من نذر أن يصوم شهرًا غير معين؛ فله أن يصوم تسعًا وعشرين؛ لأن ذلك يقال عليه: شهر، كما أن من نذر صلاة أجزأه من ذلك ركعتان؛ لأنه أقل ما يصدق عليه الاسم. وكذلك من نذر صومًا فصام يومًا أجزأه. وهو خلاف ما ذهب إليه مالك. فإنه قال: لا يجزئه إذا صامه بالأيام إلا ثلاثون يومًا؛ فإن صامه بالهلال فعلى ما يكون ذلك الشهر من رؤية هلاله.\n_________\n(١) هذا الحديث لا يفيد إلزام المسلمين أن يبقوا أميِّين، بل يقرِّر واقعًا وُجد آنذاك.\nوالآيات والأحاديث الحاضَّةُ على العلم تدلُّ على طَلَب التَّغيير لذلك الوَاقع؛ كقوله تعالى: ﴿اقرأ﴾ وقوله - ﷺ -: \"طلب العلم فريضة\".\n(٢) هكذا في الأصول، ولعله: الخُرْس، جمع أخرس.\n(٣) \"خنسه\": قبضه.","vol":"3","page":139},{"text":"[٩٥٣] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: لَمَّا مَضَت تِسعٌ وَعِشرُونَ لَيلَةً أَعُدُّهُنَّ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَت: بَدَأَ بِي فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَقسَمتَ أَلَّا تَدخُلَ عَلَينَا شَهرًا وَإِنَّكَ دَخَلتَ مِن تِسعٍ وَعِشرِينَ أَعُدُّهُنَّ. قَالَ: إِنَّ الشَّهرَ تِسعٌ وَعِشرُونَ.\nرواه أحمد (١/ ٣٣ - ٣٤)، والبخاري مختصرًا (٨٩)، ومسلم (١٤٧٥) (٣٥)، والترمذي (٣٣١٨)، والنسائي (٤/ ١٣٧ - ١٣٨).\nــ\nوفيه من الفقه: أن يوم الشك محكوم له بأنه من شعبان، وأنه لا يجوز صومه عن رمضان؛ لأنه علق صوم رمضان بالرؤية، ولَم فلا.\nوقول عائشة: (لما مضت تسع وعشرون ليلة)؛ هذا الحديث هو جزء من حديث طويل يتضمن: أن نساء النبي - ﷺ - كثرن عليه، وطالبنه بتوسعة النفقة، واجتمعن في ذلك، وخضن فيه، فوجد عليهن، فأدبهن بأن أقسم ألا يدخل عليهن شهرًا، فاعتزلهن في غرفة تسعًا وعشرين، فدخل عليه عمر فكلمه في ذلك، وتلطف فيه، إلى أن زالت موجدته عليهن، وأنزل الله آية التخيير، فنزل رسول الله - ﷺ - ليلة ثلاثين، فبدأ بعائشة، فذكرته بمقتضى يمينه، وأنه أقسم على شهر ظانَّةً أن الشهر لا يكون أقل من ثلاثين، فبيَّن لها النبي - ﷺ - أن الشهر يكون تسعًا وعشرين (١)، وظاهره: أنه اعتزلهن في أول ليلة من ذلك الشهر، وأن ذلك الشهر كان تسعًا وعشرين، ويشهد له قوله: (إن الشهر تسع وعشرون)؛ أي: هذا الشهر؛ لأنه هو المتكلم فيه. ويحتمل أن يكون اعتبر أول زمان اعتزاله بالأيام، وكمل تسعًا وعشرين بالعدد، واكتفى بأقل ما ينطلق عليه اسم الشهر. وعليه يخرج الخلاف فيمن نذر صوم شهر غير معين، فصامه بالعدد؛ فهل يصوم ثلاثين؟ أو\n_________\n(١) انظر الحديث بطوله في صحيح مسلم (١٤٧٩).","vol":"3","page":140},{"text":"[٩٥٤] ومن حديث جابر، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: إِنَّ الشَّهرَ يَكُونُ تِسعًا وَعِشرِينَ، ثُمَّ طَبَّقَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِيَدَيهِ ثَلَاثًا مَرَّتَينِ، بِأَصَابِعِ يَدَيهِ كُلِّهَا، وَالثَّالِثَةَ بِتِسعٍ مِنهَا.\nرواه أحمد (٣/ ٣٢٩)، ومسلم (١٠٨٤) (٢٤).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-360>(٢) باب لأهل كل بلد رؤيتهم عند التباعد وفي الهلال يرى كبيرا وشهران لا ينقصان والنهي عن أن يتقدم رمضان بصوم</span>\n[٩٥٥] عَن كُرَيبٍ أَنَّ أُمَّ الفَضلِ بِنتَ الحَارِثِ بَعَثَتهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ، قَالَ: فَقَدِمتُ الشَّامَ فَقَضَيتُ حَاجَتَهَا وَاستُهِلَّ عَلَيَّ رَمَضَانُ، وَأَنَا\nــ\nيكفيه تسع وعشرون كما تقدَّم؟ وإخبار عائشة للنبي - ﷺ - بعدد تلك الليالي، يفهم منه: أنها اعتبرت ذلك الشهر بالعدد، واعتناؤها بعدد الأيام استطالة لزمان الهجر، وذلك يدلُّ على فرط محبتها، وشدة شوقها للنبي - ﷺ -، وأنه كان عندها من ذلك ما لم يكن عند غيرها، وبذلك استوجبت أن تكون أحب نساء النبي - ﷺ - إليه، كما قد صرَّح به - ﷺ - حيث قيل له: من أحب الناس إليك؟ فقال: (عائشة) (١).\n(٢) ومن باب: لأهل كل بلد رؤيتهم عند التباعد\nقوله: (واستهل عليَّ هلال رمضان)؛ مبنيًا لما لم يُسم فاعله. أصل استهل: من الإهلال الذي هو رفع الصوت عند رؤية الهلال، ثم غلب عرف الاستعمال\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٨٧٩) من حديث عمرو بن العاص.","vol":"3","page":141},{"text":"بِالشَّامِ فَرَأَيتُ الهِلَالَ لَيلَةَ الجُمُعَةِ ثُمَّ قَدِمتُ المَدِينَةَ فِي آخِرِ الشَّهرِ، فَسَأَلَنِي عَبدُ اللَّهِ بنُ العَبَّاسٍ ثُمَّ ذَكَرَ الهِلَالَ وقَالَ: مَتَى رَأَيتُم الهِلَالَ؟ فَقُلتُ: رَأَينَاهُ لَيلَةَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ: أرَأَيتَهُ؟ قُلتُ: نَعَم، وَرَآهُ النَّاسُ وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ فَقَالَ: لَكِنَّا رَأَينَاهُ لَيلَةَ السَّبتِ فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكمِلَ ثَلَاثِينَ، أَو نَرَاهُ فَقُلتُ: أَوَلَا تَكتَفِي بِرُؤيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ؟ فَقَالَ: لَا، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-. شَكّ فِي نَكتَفِي أَو تَكتَفِي.\nرواه مسلم (١٠٨٧)، وأبو داود (٢٨٣٢)، والترمذي (٦٩٣)، والنسائي (٤/ ١٣١).\nــ\nفصار يفهم منه رؤية الهلال، ومنه سُمِّي الهلال لَمَّا كان يُهَلُّ عنده.\nوقول ابن عباس: (فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه)، ثم قال في آخره: (هكذا أمرنا رسول الله - ﷺ -)؛ كلمة تصريح برفع ذلك للنبي - ﷺ -، وبأمره به. فهو حجة على أن البلاد إذا تباعدت كتباعد الشام من الحجاز أو ما قارب ذلك، فالواجب على أهل كل بلد أن تعمل على رؤيته دون رؤية غيره، وإن ثبت ذلك عند الإمام الأعظم، ما لم يحمل الناس على ذلك فلا تجوز مخالفته؛ إذ المسألة اجتهادية مختلف فيها، ولا يبقى مع حكم الإمام اجتهاد، ولا تحل مخالفته. ألا ترى أن معاوية أمير المؤمنين قد صام بالرؤية وصام الناس بها بالشام، ثم لم يلتفت ابن عباس إلى ذلك، بل بقي على حكم رؤيته هو. ووجه هذا يعرف من علم الهيئة (١) والتعديل، وذلك أنه يتبيَّن فيها: أن ارتفاعات الأقاليم مختلفة، فتختلف مطالع الأهلة ومغاربها، فيطلع الهلال، ويغرب على قوم قبل طلوعه وغروبه على آخرين. وعلى هذا: فلا يظهر تأثير هذا إلا فيما بَعُدَ جدًّا، لا فيما قرب، والله\n_________\n(١) \"علم الهيئة\": هو علم الفلك، ويختصُّ بدراسة أصل الكون وتطوره، ويبحث عن أحوال الأجرام السماوية، وعلاقة بعضها ببعض، وما لها من تأثير في الأرض.","vol":"3","page":142},{"text":"[٩٥٦] وعَن أَبِي البَختَرِيِّ قَالَ: خَرَجنَا لِلعُمرَةِ، فَلَمَّا نَزَلنَا بِبَطنِ\nــ\nتعالى أعلم.\nوإلى ذلك صار ابن عباس، وسالم، والقاسم، وعكرمة. وبه قال إسحاق. وإليه أشار الترمذي، حيث بوَّب: لأهل كل بلد رؤيتهم. وحكى أبو عمر بن عبد البر: الإجماع على أنه لا تراعى الرؤية فيما بَعُد من البلدان كالأندلس من خراسان، قال: ولكل بلد رؤيتهم، إلا ما كان كالمصر الكبير، وما تقاربت أقطاره من بلدان المسلمين.\nقلت (١): وهذا الإجماع الذي حكاه أبو عمر يدلُّ على أن الخلاف الواقع في هذه المسألة إنما هو فيما تقارب من البلاد. ولم يكن في حكم القطر الواحد. ونحن نذكره إن شاء الله تعالى.\nقال ابن المنذر: اختلف في الهلال يراه أهل بلد ولا يراه غيرهم: فقال قوم: لأهل كل بلد رؤيتهم، وذكر من تقدَّم ذكر أكثرهم.\nوقال آخرون: إذا ثبت أن أهل بلد رأوه فعليهم قضاء ما أفطروا. وهو قول الليث، والشافعي، وأحمد. ولا أعلم إلا قول المزني والكوفي.\nوقال شيوخنا: إذا كانت رؤية الهلال ظاهرة قاطعة بموضع، ثم نقل إلى غيرهم بشهادة شاهدين لزمهم الصوم. وقال عبد الملك: أما ثبوته بالشهادة فلا يلزم فيها الصوم إلا لأهل البلد الذي ثبتت فيه الشهادة، إلا أن يثبت عند الإمام الأعظم فيلزم الناس كلهم الصيام. وعلل هذا: بأن البلاد كلها كبلد واحد؛ إذ حكمه نافذ في الجميع.\nقلت: هكذا وقع نقل المشايخ لهذه المسألة، ولم يفرِّقوا بين البعيد والقريب من الأقاليم. والصواب: الفرق (٢)؛ بدليل الإجماع الذي حكاه أبو عمر، فيحمل\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) بل الصواب توحيدُ الرؤية لإظهار وحدة المسلمين. ثم إنه بعد التقدم العلمي الهائل في وقتنا المعاصر، أصبح من الممكن إثبات يوم الرؤية بشكل صحيح؛ اعتمادًا على علم الفلك؛ الذي حقَّق سَبْقًا علميًا لا يُضاهى، مقترنًا بتقدُّم أجهزة الحاسوب. فصار من الممكن والمحقَّق إثبات يوم الرؤية إلى ما بعد مئات السنين. وكلنا أمل في أن يتحقق توحيد يوم الرؤية لدى المسلمين كما تحقق توحيد وقوفهم في عرفات.","vol":"3","page":143},{"text":"نَخلَةَ قَالَ: تَرَاءَينَا الهِلَالَ، وَقَالَ بَعضُ القَومِ: هُوَ ابنُ لَيلَتَينِ. وَقَالَ بَعضُ القَومِ: هُوَ ابنُ ثَلَاثٍ، قَالَ: فَلَقِينَا ابنَ عَبَّاسٍ فَقُلنَا: إِنَّا ترَاءَينَا الهِلَالَ، فَقَالَ بَعضُ القَومِ: هُوَ ابنُ ثَلَاثٍ، وَقَالَ بَعضُ القَومِ: هُوَ ابنُ لَيلَتَينِ فَقَالَ:\nــ\nإطلاق المشايخ على البلاد المتقاربة، والله تعالى أعلم.\nوفي قوله: (صوموا لرؤيته)؛ دليل على أن يوم الشكّ لا يلزم صومه. وهو مذهب الجمهور خلافًا لأحمد بن حنبل، فإنه أوجب صومه احتياطًا، فإن صح أنه من رمضان أجزأه. ونحوه قال الكوفيون؛ إلا أنهم لم يوجبوا صومه. والجمهور على أنه لا يصومه عن رمضان، ولا يجزئه إن صامه، وكان بعض الصحابة يأمر بالفصل ما بين رمضان وشعبان بفطر يوم أو يومين. وكره محمد بن مسلمة تحرِّي فطره، كما كره تحرِّي صومه.\nقلت: والأصل: أنه محكوم له بأنه من شعبان حتى يدل الدليل على أنه من رمضان. والأدلة الناقلة عن حكم شعبان: الرؤية، أو الشهادة، أو إكمال عدة شعبان بثلاثين، ولم يوجد واحد منها في يوم الشك، غير أنه يستحب أن يمسك فيه من غير صوم ليسلم من الأكل في زمان رمضان. ثم قوله: (صوموا لرؤيته)؛ يقتضي وجوب الصَّوم حين الرؤية متى وجدت، لكن منع الإجماع من الصوم حينئذ؛ فكان محمولًا على اليوم المستقبل؛ لأنه هلال ليلة ذلك اليوم، ولا فرق بين رؤيته قبل الزوال، أو بعده، وهو المشهور من مذاهب العلماء، ومن مذهب مالك. وقال ابن وهب، وابن حبيب، وعيسى بن دينار: إذا رؤي قبل الزوال فهو لليلة الماضية، ويفطرون ساعة رؤيته إن كان هلال شوال. وقال بعض أهل الظاهر: أما في الصوم فيجعل للماضية، وأما في الفطر فيجعل للمستقبلة، وهو أخذ بالاحتياط منهم. والحديث المتقدِّم حجة عليهم على ما قررناه.\nو(بطن نخلة): موضع معروف بذات عرق، ولذلك قال في رواية أخرى في الأصل: قال أبو البختري: أهللنا رمضان ونحن بذات عرق.","vol":"3","page":144},{"text":"أَيَّ لَيلَةٍ رَأَيتُمُوهُ؟ قَالَ: قُلنَا: لَيلَةَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: إِنَّ اللَّهَ مَدَّهُ لِلرُّؤيَةِ فَهُوَ لِلَيلَةٍ رَأَيتُمُوهُ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: إن الله قد أمده لرؤيته، فإن أغمي عليكم فأكملوا العدة.\nرواه مسلم (١٠٨٨) (٢٩).\n[٩٥٧] وعَن أَبِي بَكرَةَ، عَن النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: شَهرَا عِيدٍ لَا يَنقُصَانِ: رَمَضَانُ وَذُو الحِجَّةِ.\nرواه أحمد (٥/ ٤٧ - ٤٨)، والبخاري (١٩١٢)، ومسلم (١٠٨٩) (٣١)، وأبو داود (٢٨٢٣)، والترمذي (٦٩٢)، وابن ماجه (١٦٥٩).\nــ\nوقوله: فقال: إن رسول الله - ﷺ - قال: (إن الله مدَّه للرؤية)؛ هكذا صحت روايتنا فيه، وهكذا الأصول الصحيحة، والنسخ المقيَّدة، وقد سقط في بعض النسخ لمن لا يضبط ولا يحفظ: (قال: إن الله)، فيبقى اللفظ: (أن رسول الله ﷺ مدَّه للرؤية)؛ وهو خطأ صراح، لا يقبل الإصلاح. ووقع في إحدى الروايتين: (مدَّه) ثلاثيًّا. وفي الأخرى: (أمَدَّه) رباعيًّا.\nقال القاضي أبو الفضل عياض: هما بمعنى: أطال له مدّة الرؤية، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِخوَانُهُم يَمُدُّونَهُم فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقصِرُونَ﴾ وقرئ بالوجهين. أي: يطيلون لهم. وقال غيره: مدَّ: من الامتداد. وأمدَّ: من الإمداد، وهو الزيادة. ومنه: أمددت الجيش بمدد. ويجوز أن يكون: أمدَّه من المُدَّة. قال صاحب الأفعال: أمددتك مدة: أعطيتكها.\nوقوله: (شهرا عيدٍ لا ينقصان) قيل فيه أقوال:\nأحدها: لا ينقصان من الأجر، وإن نقصا في العدد.","vol":"3","page":145},{"text":"[٩٥٨] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَومِ يَومٍ وَلَا يَومَينِ، إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَومًا فَليَصُمهُ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٣٤ و٣٤٧)، والبخاري (١٩١٤)، ومسلم (١٠٨٢)، وأبو داود (٢٣٣٥)، والترمذي (٦٨٥)، والنسائي (٤/ ١٥٤)، وابن ماجه (١٦٥٠).\n* * *\nــ\nوثانيها: لا ينقصان في عام بعينه.\nوثالثها: لا يجتمعان ناقصين في سنة واحدة في غالب الأمر.\nورابعها: ما قاله الطحاوي: لا ينقصان في الأحكام، وإن نقصا في العدد؛ لأن في أحدهما الصيام، وفي الآخر الحج، وأحكام ذلك كله كاملة غير ناقصة.\nوخامسها: ما قاله الخطابي: لا ينقص أجر ذي الحجة عن أجر رمضان؛ لفضل العمل في العشر.\nوقوله: (لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين)؛ هذا النهي لما يخاف من الزيادة في شهر رمضان، وهو من أدلة مالك على قوله بسدِّ الذرائع، لا سيما وقد وقع لأهل الكتابين من الزيادة في أيام الصوم غلط (١) حتى أنهوا ذلك إلى ستين يومًا، كما هو المنقول عنهم. وقد وسع في المنع في الحديث الذي خرَّجه الترمذي عن أبي هريرة وصححه فقال: (٢) قال رسول - ﷺ -: (إذا بقي نصف من شعبان فأمسكوا عن الصوم حتى يأتي رمضان) (٣).\nومَحمَلُ هذا النهي ما يخاف من الزيادة\n_________\n(١) ساقط من (ع) واستدرك من (ظ) و(هـ).\n(٢) ساقط من (ع).\n(٣) رواه الترمذي (٧٣٨).","vol":"3","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-361>(٣) باب في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيطُ الأَبيَضُ مِنَ الخَيطِ الأَسوَدِ﴾ وقوله ﵊: إن بلالا ينادي بليل</span>\n[٩٥٩] عَن عَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَت ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيطُ الأَبيَضُ مِنَ الخَيطِ الأَسوَدِ مِنَ الفَجرِ﴾ قَالَ لَهُ عَدِيُّ:\nــ\nفي رمضان، فإن أمن ذلك جاز بدليل قوله: (إلا رجل كان يصوم صومًا فليصمه)؛ وبدليل ما قالت عائشة -﵂-: (كان - ﷺ - يصوم شعبان كله) (١)، (كان يصوم شعبان إلا قليلًا) (٢)، وسيأتي الكلام على هذا الحديث إن شاء الله تعالى.\nوفي هذا الحديث ما يدل: على أن صوم يوم الشك جائز. وقد اختلف في ذلك.\n(٣) ومن باب: قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيطُ الأَبيَضُ مِنَ الخَيطِ الأَسوَدِ﴾\nحديث عدي هذا يقتضي: أن قوله تعالى: ﴿مِنَ الفَجرِ﴾ نزل (٣) متصلًا بقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيطُ الأَبيَضُ مِنَ الخَيطِ الأَسوَدِ﴾ وأن عدي بن حاتم حمل الخيط على حقيقته، وفهم من قوله: ﴿مِنَ الفَجرِ﴾ من أجل الفجر. ففعل ما فعل بالعقال الأبيض والأسود. وهذا بخلاف حديث سهل بن سعد، فإن فيه: أن الله لم ينزل ﴿مِنَ الفَجرِ﴾ إلا منفصلًا عن قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيطُ الأَبيَضُ مِنَ الخَيطِ الأَسوَدِ﴾ ولما وقع لهم الإشكال حينئذ أنزل الله تعالى:\n_________\n(١) رواه مسلم (١١٥٦/ ١٧٦)، والنسائي (٤/ ١٩٩ و٢٠٠).\n(٢) رواه البخاري (١٩٧٠)، ومسلم (١١٥٦/ ١٧٦).\n(٣) ساقط من (ع).","vol":"3","page":147},{"text":"يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي جعَلُت تَحتَ وِسَادَتِي عِقَالَينِ: عِقَالًا أَبيَضَ وَعِقَالًا أَسوَدَ، أَعرِفُ اللَّيلَ مِن النَّهَارِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ، إِنَّمَا هُوَ سَوَادُ اللَّيلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ.\nرواه أحمد (٤/ ٣٧٧)، والبخاري (١٩١٦)، ومسلم (١٠٩٠)، والترمذي (٢٩٧٠).\nــ\n﴿مِنَ الفَجرِ﴾ رَافِعًا لذلك الإشكال، وكأن الحديثين واقعتان في وقتين.\nويصح الجمع بأن يكون حديث عدي متأخرًا عن حديث سهل، وأن عديًّا لم يسمع ما جرى في حديث سهل، وإنما سمع الآية مجردة، ففهمها على ما قررناه، فبين له النبي - ﷺ -: أن الخيط الأبيض كناية عن بياض الفجر، والخيط الأسود كناية عن سواد الليل، وأن معنى ذلك أن يفصل أحدهما عن الآخر. وعلى هذا فيكون ﴿مِنَ الفَجرِ﴾ متعلقًا في ﴿يَتَبَيَّنَ﴾\nوعلى مقتضى حديث سهل يكون في موضع الحال متعلقًا بمحذوف، وهكذا هو معنى جوابه في حديث سهل، ويحتمل أن يكون الحديثان قضية واحدة. وذكر بعض الرواة: ﴿مِنَ الفَجرِ﴾ متصلًا بما قبله، كما ثبت في القرآن وإن كان قد نزل متفرقًا؛ كما بينه حديث سهل، والله تعالى أعلم.\nوقوله: (إني جعلت تحت وسادتي عقالين)؛ إنما جعلهما تحت وساده لاعتنائه بهما، ولينظر إليهما وهو على فراشه من غير كلفة قيام ولا طلب، فكان يرفع الوساد إذا أراد أن ينظر إليهما. والعقال: الخيط. سمِّي بذلك: لأنه يعقل به؛ أي: يربط به ويحبس.\nوقوله: (إن وسادك لعريض)؛ حمله بعض الناس على الذمِّ له على ذلك الفهم، وكأنه فهم منه: أن النبي - ﷺ -[نسبه إلى الجهل والجفاء وعدم الفقه. وربما عضدوا هذا بما روي: أنه - ﷺ - (١) قال له: (إنك لعريض القفا)، وليس الأمر\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"3","page":148},{"text":"[٩٦٠] وَعَن سَهلِ بنِ سَعدٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَكُلُوا وَاشرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيطُ الأَبيَضُ مِنَ الخَيطِ الأَسوَدِ﴾ قَالَ: فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَرَادَ الصَّومَ رَبَطَ أَحَدُهُم فِي رِجلَيهِ الخَيطَ الأَبيَضَ والخَيطَ الأَسوَدَ، فَلَا يَزَالُ يَأكُلُ وَيَشرَبُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رِئيُهُمَا، فَأَنزَلَ اللَّهُ بَعدَ ذَلِكَ: ﴿مِنَ الفَجرِ﴾ فَعَلِمُوا أَنَّمَا يَعنِي بِذَلِكَ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ.\nــ\nكذلك؛ فإنه حمل اللفظ على حقيقته اللسانية؛ إذ هي الأصل؛ إذ لم يتبين له دليل التجوز. ومن تمسَّك بهذا الطريق لم يستحق ذمًّا، ولا ينسب إلى جهل، وإنما عنى بذلك النبي ﷺ والله أعلم: أن وسادك إن غطى الخيطين اللذين أراد الله، اللذين هما الليل والنهار، فهو إذًا وساد عريض واسع؛ إذ قد شملهما وعلاهما، ألا تراه قد قال على إثر ذلك: (إنما هو سواد الليل وبياض النهار)؛ فكأنه قال: فكيف يدخلان تحت وساد؟ ! وإلى هذا يرجع قوله: (إنك لعريض القفا)؛ لأن هذا الوساد الذي قد غطى الليل والنهار بعرضه لا يرقد عليه، ولا يتوسده إلا قفا عريض، حتى يناسب عرضُه عرضَه، وهذا عندي أشبه ما قيل فيه وأليق. [ويدل أيضًا عليه: ما زاده البخاري قال: (إن وسادك إذًا لعريض إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادك) (١)، وقد أكثر الناس فيه.\nوقوله: (حتى يتبين له رِئيهما) - بكسر الراء وهمزة ساكنة، وياء باثنتين من أسفل مرفوعة -: وهو المنظر. ومنه: ﴿أَحسَنُ أَثَاثًا وَرِئيًا﴾ قال في كتاب العين: الرئي: ما رأيته من حال حسنة، وربما صحَّف بعض الناس: رئيهما، بفتح الراء وكسر الهمزة، ولا وجه له لأن الرِّئيِّ هو التابع من الجن، يقال فيه: بفتح الراء وبكسرها.\nوقوله: (فأنزل الله تعالى بعد ذلك ﴿مِنَ الفَجرِ﴾، روي: أنه كان بينهما\n_________\n(١) ساقط من (هـ).","vol":"3","page":149},{"text":"رواه البخاري (١٩١٧)، ومسلم (١٠٩١).\n[٩٦١] وَعَن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مُؤَذِّنَانِ: بِلَالٌ، وَابنُ أُمِّ مَكتُومٍ الأَعمَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيلٍ فَكُلُوا\nــ\nعام. والفجر مأخوذ من تفجر الماء؛ لأنه ينفجر شيئًا بعد شيء.\nوقوله: (إن بلالًا ينادي بليل)؛ هذا النداء هو أذان الفجر عند الجمهور. وحكمته عندهم: الهبوب من النوم، والتأهب لصلاة الصبح. واختصت الصبح بذلك؛ لأن الأفضل فيها إيقاعها في أول وقتها مطلقًا، فيلزم من المحافظة على إيقاعها في أول وقتها التأهب لها قبل وقتها، وقبلها نوم الليل المستصحب، فاقتضى مجموع ذلك أن يُنصَب من يوقظ الناس قبل وقتها، فكان ذلك بالأذان.\nوذهب أبو حنيفة والثوري: إلى أن هذا الأذان إنما فائدته ما نص عليه في الحديث الآخر: (ليوقظ نائمكم، ويرجع قائمكم)، والإعلام بوقت السّحور لا يكتفى به للفجر، بل لا بدَّ من آذان آخر إذا طلع الفجر، كما كان يؤذن ابن أم مكتوم. ومتمسكهما من حديث بلال وابن أم مكتوم واضح، غير أن العمل المنقول بالمدينة على تقديم أذان الفجر قبله.\nثم اختلف الجمهور في الوقت الذي يؤذن فيه للفجر: فأكثرهم قال: السدس الأخير من الليل. وقيل: النصف. وقيل: بعد خروج وقت العشاء الآخرة. وهذه الأقاويل الثلاثة في مذهبنا.\nوقوله: (ولم يكن بينهما إلا أن يرقى هذا وينزل هذا). وفي البخاري من حديث عائشة -﵂-، عن ابن أم مكتوم: فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر، وقال فيه: قال القاسم: ولم يكن بين أذانهما إلا أن يرقى ذا وينزل ذا (١).\nوفي الموطأ: وكان ابن أم مكتوم رجلًا أعمى، لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت، أصبحت. ومثله في البخاري أيضًا (٢).\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٢٣).\n(٢) رواه مالك في الموطأ (١/ ٧٤ - ٧٥)، والبخاري (٦١٧).","vol":"3","page":150},{"text":"وَاشرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابنُ أُمِّ مَكتُومٍ قَالَ: وَلَم يَكُن بَينَهُمَا إِلَّا أَن يَنزِلَ هَذَا وَيَرقَى هَذَا.\nــ\nقلت: وقد أشكل قول القاسم مع مساق حديث بلال وابن أم مكتوم؛ وذلك: أن حديث بلال يقتضي: أن بين وقت أذانه وطلوع الفجر زمانًا طويلًا يتسع لصلاة الليل وللسّحور، وأذان ابن أم مكتوم يقتضي: أنه كان لا يؤذن حتى يطلع الفجر، ثم قال القاسم: لم يكن بين أذانهما إلا أن يرقى ذا، وينزل ذا. وهذا الوقت لا يتسع لشيء من الصلاة، ولا من السّحور، فتناقضا. وقد انفصل عنه من وجهين:\nأحدهما: أن هذا كان من بلال في بعض الأوقات، لا في غالبها، بل كان غالب أحواله: أن يوسع بين أذانه وبين طلوع الفجر. وقد روي: أنه أذن عند طلوع الفجر.\nوثانيهما - وهو الأشبه -: أن بلالًا كان يؤذن قبل طلوع الفجر، فيجلس في موضع أذانه يذكر الله ويدعو حتى ينظر إلى تباشير الفجر ومقدماته، فينزل، فيعلم ابن أم مكتوم بالفجر، ولعله هو الذي كان يقول له: أصبحت، أصبحت؛ أي: قاربت الصباح. وعند ذلك يرقى ابن أم مكتوم، فيؤذن، والله تعالى أعلم.\nفقول القاسم في رواية البخاري: (بين أذانهما)؛ معناه: بينهما، كما قال في حديث ابن عمر: (ولم يكن بينهما)؛ أي: لم يكن بين نزول بلال وصعود ابن أم مكتوم طويل زمن، بل بنفس ما ينزل أحدهما يصعد الآخر من غير تراخ، والله تعالى أعلم.\nوقوله: (إن بلالًا ينادي بليل)؛ دليل على أن ما بعد الفجر لا يقال عليه ليل، بل هو أول اليوم المأمور بصومه.\nوقوله: (حتى يؤذن ابن أم مكتوم)؛ أي: حتى يشرع في الأذان، وهذا","vol":"3","page":151},{"text":"رواه أحمد (٢/ ١٠٧)، ومسلم (١٠٩٢) (٣٨) والترمذي (٢٠٣)، والنسائي (٢/ ١٠).\nــ\nظاهره. ويحتمل: حتى يفرغ من الأذان. ويؤيد هذا الاحتمال: ما ذكره أبو داود من حديث أبي هريرة الذي قال فيه رسول الله - ﷺ -: (إذا سمع أحدُكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه) (١). وهذا هو أذان ابن أم مكتوم، فإنه مشعر بأن هذا إنما يفعل عند ضيق الوقت، ولا يصح أن يرد إلى حديث ابن عمر؛ لأن ذلك صرح فيه بالتراخي والتوسعة تقتضي أكثر من هذا الوقت، وعلى هذا: فيكون قوله في أذان ابن أم مكتوم: (حتى يطلع الفجر)؛ أي: يقارب. وكذلك (أصبحت)؛ أي: قاربت الدخول في الصباح. وهذا التأويل على ما قررناه في حدِّ الصوم: من أن الواجب إمساك جميع أجزاء اليوم، وحالة: طلوع الفجر من اليوم، فلا بد من إمساكها، ويلزم من إمساكها: إمساك جزء من الليل حتى يأمن من الأكل فيما هو جزء من اليوم، وعلى هذا فأول التبين هو المحرم بنفسه، لكن اختلف في هذا التبين بالنسبة إلى ماذا يكون: فذهب الجمهور وفقهاء الأمصار والأعصار: إلى أنه أول تبين الفجر في الأفق الذاهب فيه عرضًا. وروي عن عثمان، وحذيفة، وابن عباس، وطلق بن علي، وعطاء بن أبي رباح، والأعمش، وغيرهم: أن الإمساك يجب لتبين الفجر بالطرق وعلى رؤوس الجبال.\nوقد قيل لحذيفة: إني حين تسحرت مع رسول الله - ﷺ -؟ فقال: هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع (٢).\nوروي عن علي ﵁: أنه صلى الصبح، ثم قال: الآن تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود (٣).\nقال الطبري: ومما قادهم إلى هذا القول: أن الصوم إنما هو في النهار، والنهار عندهم: من طلوع الشمس، وآخره غروبها، [فأوله\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢٣٥٠).\n(٢) رواه أحمد (٥/ ٤٠٠).\n(٣) رواه الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير. انظر: (الدر المنثور ١/ ٤٨١).","vol":"3","page":152},{"text":"[٩٦٢] وعَن ابنِ مَسعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: لَا يَمنَعَنَّ أَحَدًا مِنكُم أَذَانُ بِلَالٍ (أَو قَالَ: نِدَاءُ بِلَالٍ) مِن سُحُورِهِ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ (أَو قَالَ: يُنَادِي) لِيَرجِعَ قَائِمَكُم، وَيُوقِظَ نَائِمَكُم. وَقَالَ: لَيسَ أَن يَقُولَ: هَكَذَا وَهَكَذَا (وَصَوَّبَ يَدَهُ وَرَفَعَهَا) حَتَّى يَقُولَ: هَكَذَا (وَفَرَّجَ بَينَ إِصبَعَيهِ).\nــ\nطلوعها] (١)، وحكى النقاش عن الخليل: أن النَّهار من طلوع الفجر. ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾\nقلت: وما قاله الطبري ليس بصحيح؛ لأن الله تعالى: إنما أمر بصوم ما يقال عليه يوم، لا بما يقال عليه نهار، وكأنه لم يسمع قوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعدُودَاتٍ﴾\nوقوله: (لا يمنعنكم أذان بلال من سحوركم)؛، بفتح السين: هو ما يؤكل في السَّحر، وقد تقدَّم في أول كتاب الطهارة: أن الفتح للاسم، والضم للمصدر.\nوقوله: (فإنه يؤذن ليرجع قائمكم)؛ أي: ليرد قائمكم إلى راحته وجمام نفسه، كي ينشط لصلاة الصبح.\n(ويوقظ نائمكم)؛ أي ينبه من استولى عليه النوم؛ لئلا يفوته.\nوقوله: (ليس أن يقول: هكذا - وصوَّب يده، ورفعها -)؛ أي: مدَّ يده صَوبَ مخاطبه، ثم رفعها نحو السماء. وفي الرواية الأخرى: (إن الفجر ليس الذي يقول: هكذا)، وجمع أصابعه، ثم نكسها إلى الأرض.\nوتحصل من الروايتين: أنه ﷺ أشار إلى أن الفجر الأول يطلع في السماء، ثم يرتفع طرفه الأعلى وينخفض طرفه الأسفل. وقد بيَّن هذا بقوله: (ولا بياض الأفق المستطيل)؛ يعني: الذي يطلع\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"3","page":153},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ، قال: إِنَّ الفَجرِ لَيسَ يَطُوُلُ هَكَذَا وَجَمعَ أَصَابعه، ثم نكسها إلى الأرض، ولكن الذي يقول هكذا، ووضع المسبحة على المسبحة ومد يده.\nرواه أحمد (١/ ٣٩٢)، والبخاري (٦٢١)، ومسلم (١٠٩٣) (٣٩)، وأبو داود (٢٣٤٧)، والنسائي (٢/ ١١).\n[٩٦٣] وعَن سَمُرَةَ بنِ جُندُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: لَا يَغُرَّنَّكُم مِن سَحُورِكُم أَذَانُ بِلَالٍ، وَلَا بَيَاضُ الأُفُقِ المُستَطِيلُ هَكَذَا بيديه، حَتَّى يَستَطِيرَ هَكَذَا، وَحَكَاهُ بِيَدَهِ، فقَالَ: يَعنِي مُعتَرِضًا.\nرواه مسلم (١٠٩٤)، وأبو داود (٢٣٤٦)، والترمذي (٧٠٦)، والنسائي (٤/ ١٤٨).\n* * *\nــ\nطويلًا. فهذا البياض هو المسمى: بالفجر الكاذب.\nوشبه بذنب السرحان، وهو الذئب، وسُمِّي به. وهذا الفجر لا يتعلق عليه حكم، لا من الصيام، ولا من الصلاة، ولا من غيرهما.\nوأما الفجر الصادق: فهو الذي أشار النبي - ﷺ - حيث وضع المسبِّحَة على المسبحة، ومدَّ يديه. وهو إشارة إلى أنه: يطلع معترضًا، ثم يعمَّ الأفق ذاهبًا فيه عرضًا.\nويستطير؛ أي: ينتشر.\n* * *","vol":"3","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-362>(٤) باب الحث على السحور، وتأخيره وتعجيل الإفطار</span>\n[٩٦٤] عَن أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً.\nرواه أحمد (٣/ ٩٩ و٢٢٩)، والبخاري (١٩٢٣)، ومسلم (١٠٩٥)، والترمذي (٧٠٨)، والنسائي (٤/ ١٦١)، وابن ماجه (١٦٩٢).\n[٩٦٥] وعَن عبد الله بن عَمرِو، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: فَصلُ مَا بَينَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهلِ الكِتَابِ أَكلَةُ السَّحَرِ.\nرواه أحمد (٤/ ٢٠٢)، ومسلم (١٠٩٦)، وأبو داود (٢٣٤٣)، والترمذي (٧٠٩)، والنسائي (٤/ ٤٦).\nــ\n(٤) ومن باب: الحث على السَّحور\nقوله: (تسحروا فإن في السَّحور بركة)؛ هذا الأمر على جهة الإرشاد إلى المصلحة، وهي حفظ القوة التي يخاف سقوطها مع الصوم الذي لا يُتسحَّر فيه. وقد نبه على ذلك بقوله: (تسحروا، فإن في السَّحور بركة)؛ وهي: القوة على الصيام، وقد جاء مفسرًا في بعض الآثار، وقد لا يبعد أن يكون من جملة بركة السحور ما يكون في ذلك الوقت من ذكر المتسحرين لله تعالى، وقيام القائمين، وصلاة المتهجدين؛ فإن الغالب ممن قام ليتسحر أنه يكون منه ذكر ودعاء، وصلاة واستغفار، وغير ذلك مما يفعل في رمضان.\nوقوله: (فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور)، روايتنا عن مُتقني شيوخنا: أَكلة، بفتح الهمزة، وهي مصدر: أكل أكلة، كضرب ضربة.","vol":"3","page":155},{"text":"[٩٦٦] وعَن أَنَسٍ، عَن زَيدِ بنِ ثَابِتٍ، قَالَ: تَسَحَّرنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ قُمنَا إِلَى الصَّلَاةِ. قُلتُ: كَم كَانَ قَدرُ مَا بَينَهُمَا؟ قَالَ: خَمسِينَ آيَةً.\nرواه البخاري (١٩٢١)، ومسلم (١٠٩٧) (٤٧) والنسائي (٤/ ١٤٣)، والترمذي (٧٠٣)، وابن ماجه (١٦٩٤).\n[٩٦٧] وعَن سَهلِ بنِ سَعدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطرَ.\nرواه أحمد (٥/ ٣٣٧ و٣٣٩)، والبخاري (١٩٥٧)، ومسلم (١٠٩٨) (٤٨) والترمذي (٦٩٩).\nــ\nوالمراد بها: أكل ذلك الوقت. وقد روي: أُكلة، بضم الهمزة. وفيه بُعد؛ لأن الأُكلة بالضم، هي: اللقمة. وليس المراد: أن المتسحر يأكل لقمة واحدة. ويصح أن يقال: إنه عبَّر عما يُتسحّر به: باللقمة؛ لقِلَّته، والله تعالى أعلم.\nو(الفصل): الفرق. و(أهل الكتاب): اليهود والنصارى.\nوهذا الحديث يدل: على أن من خصائص هذه الأمة، ومما خفف به عنهم.\nوقول زيد بن ثابت: (تسحرنا مع رسول الله - ﷺ -، ثم قمنا إلى الصلاة)؛ يعني: صلاة الفجر.\nوقوله: (خمسين آية) كذا الرواية بالياء لا بالواو، وهو على حذف المضاف، وإبقاء المضاف إليه مخفوضًا، وهو شاذ، لكن سوَّغه دلالة السؤال المتقدِّم؛ لأنه لما قال: كم قدر ما بينهما؟ فقال: خمسين. كأنه قال: قدر خمسين. فحذف: قدر، وبقي ما بعده مخفوضًا على حاله معه.\nوهذا الحديث يدل: على أنه كان يفرغ من السحور قبل طلوع الفجر. وهو","vol":"3","page":156},{"text":"[٩٦٨] وعَن أَبِي عَطِيَّةَ قَالَ: دَخَلتُ أَنَا وَمَسرُوقٌ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلت: يَا أُمَّ المُؤمِنِينَ! رَجُلَانِ مِن أَصحَابِ مُحَمَّدٍ ﵊: أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الإِفطَارَ، وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ، وَالآخَرُ يُؤَخِّرُ الإِفطَارَ وَيُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ قَالَت: أَيُّهُمَا الَّذِي يُعَجِّلُ الإِفطَارَ وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: قُلنَا: عَبدُ اللَّهِ (يَعنِي ابنَ مَسعُودٍ) قَالَت: كَذَلِكَ كَانَ يَصنَعُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-.\nوَفي رواية: والآخر أبو موسى.\nرواه مسلم (١٠٩٩) (٤٩) وأبو داود (٢٣٥٤)، والترمذي (٧٠٢)، والنسائي (٤/ ١٤٣ - ١٤٤).\n* * *\nــ\nمعارض بظاهر حديث حذيفة، حيث قال: (هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع). فيمكن أن يحمل حديث حذيفة: على أنه قصد الإخبار بتأخير السحور، فأتى بتلك العبارة.\nوقوله: (لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر)؛ إنما كان ذلك؛ لأن التعجيل. أحفظ للقوَّة، وأرفع للمشقة، وأوفق للسنة (١)، وأبعد عن الغلو والبدعة، وليظهر الفرق بين الزمانين في حكم الشرع. وأما تعجيل المغرب: فقد تقدَّم الكلام عليها في الأوقات.\n* * *\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"3","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-363>(٥) باب إذا أقبل الليل وغابت الشمس أفطر الصائم</span>\n[٩٦٩] عَن عُمَرَ قَالَ: قَالَ لي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: إِذَا أَقبَلَ اللَّيلُ وَأَدبَرَ النَّهَارُ وَغَابَت الشَّمسُ فَقَد أَفطَرَ الصَّائِمُ.\nرواه أحمد (١/ ٢٨ و٣٥)، والبخاري (١٩٥٤)، ومسلم (١١٠٠)، وأبو داود (٢٣٥١)، والترمذي (٦٩٨).\nــ\n(٥) ومن باب: إذا أقبل الليل وأدبر النهار وغربت الشمس فقد أفطر الصائم\nهذه الثلاثة الأمور متلازمة؛ إذا حصل الواحد منها حصل سائرها. وإنما جمعها في الذكر - والله أعلم -؛ لأن الناظر قد لا يرى عين غروب الشمس لحائل. ويرى ظلمة الليل في المشرق، فيحل له إذ ذاك الفطر.\nوإقبال الليل: إقبال ظلمته. وإدبار النهار: إدبار ضوئه. ومجموعهما: إنما يحصل بغروب الشمس.\nوقوله: (فقد أفطر الصائم)؛ يحتمل أن يكون معناه: دخل في وقت الفطر. كما تقول العرب: أظهر: دخل في وقت الظهر. وأشهر: دخل في الشهر. وأنجد وأتهم: إذا دخل فيهما. أعني: الموضعين. وعلى هذا: لا يكون فيه تعرض للوصال، لا بنفي ولا بإثبات. ويحتمل أن يكون معناه: فقد صار مفطرًا حكمًا. ومعنى هذا: أن زمان الليل يستحيل فيه الصوم الشرعي. وعلى هذين التأويلين، يخرج خلاف العلماء: هل يصح إمساك ما بعد الغروب؟ فمنهم من قال: لا يصح، وهو كيوم الفطر، ومنع الوصال، وقال: لا يصح. ومنهم من جوَّز إمساك ذلك الوقت، ورأى: أن له أجر الصائم محتجًّا بأحاديث الوصال، وبقوله - ﷺ -: (فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر) (١). قالوا: وإنما نهاهم عن الوصال رحمة لهم\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٨٧).","vol":"3","page":158},{"text":"[٩٧٠] وَعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ أَبِي أَوفَى، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي سَفَرٍ فِي شَهرِ رَمَضَانَ، فَلَمَّا غَابَت الشَّمسُ قَالَ: يَا فُلَانُ! انزِل فَاجدَح لَنَا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ عَلَيكَ نَهَارًا، قَالَ: انزِل فَاجدَح لَنَا، فَنَزَلَ فَجَدَحَ فَأَتَاهُ بِهِ، فَشَرِبَ النَّبِيُّ -ﷺ-، ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ: إِذَا غَابَت الشَّمسُ مِن هَاهُنَا وَجَاءَ اللَّيلُ مِن هَاهُنَا فَقَد أَفطَرَ الصَّائِمُ.\nوفي رِواية: إذا رأيتم الليل قد أقبل من هاهنا، وأشار بيده نحو المشرق فقد أفطر الصائم.\nرواه أحمد (٤/ ٣٨١)، والبخاري (١٩٥٦)، ومسلم (١١٠١) (٥٢ و٥٣) وأبو داود (٢٣٥٢)، والنسائي في الكبرى (٣٣١١).\n* * *\nــ\nورفقًا بهم؛ لما يخاف من الضعف فيه، ولما يوجد من مشقته. وسيأتي لهذا مزيد.\nوقوله: (يا فلان! انزل فاجدح لنا)؛ أي: اخلط اللبن بالماء. والجدح: خلط الشيء بغيره. والمجدح: المخوَّض، قالوا: وهو عود في طرفه عودان.\nوقوله: (إن عليك نهارًا)؛ أي: إن النهار باق عليك؛ وإنما قال له ذلك؛ لأنه رأى ضوء الشمس ساطعًا، وإن كان جرمها غائبًا، فأعرض رسول الله - ﷺ - عن الضوء، واعتبر غيبوبة جرم الشمس، ثم بيَّن ما يعتبره من لم يتمكن من رؤية جرم الشمس، وهو: إقبال الظلمة من المشرق.\n* * *","vol":"3","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-364>(٦) باب النهي عن الوصال في الصوم</span>\n[٩٧١] عن أبي هُرَيرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَن الوِصَالِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِن المُسلِمِينَ: فَإِنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! تُوَاصِلُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: فَأَيُّكُم مِثلِي؟ إِنِّي أَبِيتُ يُطعِمُنِي رَبِّي وَيَسقِينِي. فَلَمَّا أَبَوا أَن يَنتَهُوا عَن الوِصَالِ، وَاصَلَ بِهِم يَومًا، ثُمَّ يَومًا، ثُمَّ رَأَوا الهِلَالَ. فَقَالَ: لَو تَأَخَّرَ الهِلَالُ لَزِدتُكُم كَالمُنَكِّلِ لَهُم حِينَ أَبَوا أَن يَنتَهُوا.\nــ\n(٦) ومن باب: النهي عن الوصال\nاختلف في نهي رسول الله - ﷺ - عن الوصال: فذهب قوم: إلى أنه محرم. وهو مذهب بعض أهل الظاهر في علمي. وذهب الجمهور: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، والثوري، وجماعة من أهل الفقه: إلى كراهته. وقد واصل جماعة من السَّلف، منهم: ابن الزبير وغيره. وأجازه ابن وهب، وإسحاق، وابن حنبل من سحر إلى سحر.\nوسبب هذا الخلاف هو: هل محمل هذا النهي على الظاهر وهو التحريم، أو يصرف عن ظاهره إلى الكراهية؛ لأن النبي - ﷺ - قد واصل بأصحابه بعد أن نهاهم فلم ينتهوا، ثم إذا حملناه على الكراهة فإنما هي لأجل ما يلحق من المشقة والضعف، فإذا أمن من ذلك، فهل يجوز أم تسدُّ الذريعة فلا يجوز.\nوأما من خص جوازه بالسحر؛ فلما جاء في الحديث المذكور في الأصل؛ ولأن أَكلَةَ السحر يؤمن معها الضعف والمشقة التي لأجلها كره الوصال.\nوقوله: (إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني)؛ حمله قوم على ظاهره، وهو: أن الله يطعمه طعامًا، ويسقيه شرابًا حقيقة من غير تأويل. وليس بصحيح؛ لأنه لو كان كذلك لما صدق عليه قولهم: (إنك تواصل)، ولا ارتفع اسم الوصال عنه؛ لأنه حينئذ كان يكون مفطرًا، وكان يخرج كلامه عن أن يكون جوابًا لما سُئل عنه؛ ولأن","vol":"3","page":160},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: لَستُم في ذلك مثلي، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني، فاكلفوا من العمل ما تطيقون.\nرواه أحمد (٢/ ٥١٦)، والبخاري (١٩٦٥)، ومسلم (١١٠٣) (٥٧ و٥٨).\n[٩٧٢] وعَن أَنَسٍ قَالَ: وَاصَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي آخر شَهرِ رَمَضَانَ، فَوَاصَلَ نَاسٌ مِن المُسلِمِينَ فَبَلَغَهُ ذَلِكَ،\nــ\nفي بعض ألفاظ هذا الخبر: (إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني)؛ و(ظل)؛ إنَّما تقال فيمن فعل الشيء نهارًا. و(بات) فيمن فعله ليلًا، وحينئذ كان يلزم عليه فساد صومه، وذلك باطل بالإجماع.\nولذلك قيل في معنى الحديث: إن الله تعالى يخلق فيه من الشبع والرِّي مثل ما يخلقه فيمن أكل وشرب. وهذا القول يبعده أيضًا النظر إلى حاله - ﷺ - فإنه كان يجوع أكثر مما يشبع، ويربط على بطنه الحجارة من الجوع، وكان يقول: (الجوع حرفتي) (١)؛ على ما روي عنه، ويبعده أيضًا النظر إلى المعنى، وذلك أنه لو خُلِقَ فيه الشبعُ والرِّيُّ لما وجد لعبادة الصوم روحها الذي هو الجوع والمشقة، وحينئذ كان يكون ترك الوصال أولى.\nوقيل: معنى ذلك: أن الله تعالى يحفظ عليه قُوَته من غير طعام ولا شراب، كما يحفظها بالطعام والشراب، فكأنه قال: إن الله تعالى يحفظ عليّ قُوَتِي بقدرته، كما يحفظها بالطعام والشراب (٢)، والله تعالى أعلم.\nوقوله: (واصل رسول الله ﷺ في آخر شهر رمضان)؛ كذا الصواب،\n_________\n(١) في إشارة المؤلف ما يدل على ضعف هذا القول، ولم نجده. ويردُّه الحديث الحسن الذي رواه أبو داود (١٥٤٧)، والنسائي (٨/ ٢٦٣)، وابن ماجه (٣٣٥٤) ولفظه: \"اللهم إني أعوذ بك من الجوع\".\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"3","page":161},{"text":"فَقَالَ: لَو مُدَّ لَنَا الشَّهرُ لَوَاصَلت وِصَالًا يَدَعُ المُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُم، إِنَّكُم لَستُم مِثلِي، إِنِّي أَظَلُّ يُطعِمُنِي رَبِّي وَيَسقِينِي.\nرواه أحمد (٣/ ١٢٤ و٢٣٥)، والبخاري (٧٢٤١)، ومسلم (١١٠٤) (٦٠) والترمذي (٧٧٨).\n[٩٧٣] وَعَن عَائِشَةَ قَالَت: نَهَاهُم النَّبِيُّ -ﷺ- عَن الوِصَالِ رَحمَةً لَهُم، قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ قَالَ: إِنِّي لَستُ كَهَيئَتِكُم إِنِّي يُطعِمُنِي رَبِّي وَيَسقِينِي.\nرواه البخاري (١٩٦٤)، ومسلم (١١٠٥).\n* * *\nــ\nوكذلك رواه الهروي، ووقع للعذري والطبري والسجزي، والباجي، وفي أكثر النسخ: (أول شهر رمضان)، وهو وهم، والصحيح ما تقدم، بدليل قوله في الرواية الأخرى عن أنس: (وذلك في آخر الشهر).\nوالتعمق: الانتهاء إلى عمق الشيء وغايته، مأخوذ من عمق البئر، وهو أقصى قعرها.\nوكونه - ﷺ - واصل بهم يدل: على أن الوصال ليس بحرام، ولا مكروه، من حيث هو وصال، لكن من حيث يذهب بالقوة. وكان نهيه - ﷺ - عنه رحمة لهم، ورفقًا بهم، كما نصت عليه عائشة.\nوقوله: (لو مُدَّ لنا (١) الشهر)؛ أي لو كمل ثلاثين، لزاد اليوم الآخر إلى اليومين المتقدمين. ولو واصل بهم باقي ذلك الشهر؛ لظهر ضعفه عليهم لصدق حجته - ﷺ -.\n* * *\n_________\n(١) في (ظ): لو تمادَّ بي.","vol":"3","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-365>(٧) بَابُ ما جاء فِي القُبلَة للصائم</span>\n[٩٧٤] عَن عَائِشَةَ قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُقَبِّلُنِي وَهُوَ صَائِمٌ\nــ\n(٧) وَمِن بَابِ: القبلة للصائم\nقول عائشة: (كان رسول الله - ﷺ - يقبلني وهو صائم)؛ هذا الحديث، وحديث عمر (١) الآتي بعد هذا، وحديث عمر بن الخطاب حيث سأل النبي - ﷺ - عن القبلة؟ فقال له: (أرأيت لو تمضمضت من الماء وأنت صائم؟) قال: لا بأس به. قال: (فمه) (٢)؛ يدل: على إباحة القبلة للصائم مطلقًا. وهو مذهب جماعة من الصحابة والتابعين، وأحمد، وإسحاق، وداود. وكرهها قوم مطلقًا. وهو مشهور مذهب مالك. وفرَّق قوم: فكرهوها للشاب، وأجازوها للشيخ؛ وهو مروي عن ابن عباس، وإليه ذهب أبو حنيفة، والشافعي، والثوري، والأوزاعي. وحكاه الخطابي عن مالك.\nوقد روى ابن وهب عن مالك: أنه أباحها في النفل، ومنعها في الفرض. وسبب هذا الخلاف معارضة تلك الأحاديث لقاعدة سدِّ الذريعة. وذلك: أن القبلة قد يكون معها الإنزال؛ فيفسد الصوم، فينبغي أن يمنع ذلك حماية للباب.\nووجه الفرق بين الشيخ والشاب: أن المظنة في حق الشاب مُحَققة غالبًا، فيترتب الحكم عليها، ويشهد لصحة الفرق: ما رواه أبو داود من حديث قيس مولى تجيب (٣): أن النبي - ﷺ - أرخص في قبلة الصائم للشيخ ونهى عنها\n_________\n(١) في الأصول: ابن عمر، وليس في صحيح مسلم ولا في التلخيص حديث لابن عمر في قُبْلة الصائم. وإنما الصحيح: عمر بن أبي سلمة، وهو الحديث الآتي بعد حديث عائشة، كما أشار المصنف -﵀-.\n(٢) رواه أحمد (١/ ٢١)، وأبو داود (٢٣٨٥).\n(٣) قال في لسان الميزان (٤/ ٤٨٠): قال ابن حزم في المحلى: قيس مولى تجيب: مجهول.","vol":"3","page":163},{"text":"وَأَيُّكُم يَملِكُ إِربَهُ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَملِكُ إِربَهُ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: وَلِكِنَّهُ أَملَكَكُم لِإِربِهِ.\nوِفِي رِوَايَةٍ أُخرَى: كَانَ يُقبلُ فِي شَهرِ الصَّومِ.\nرواه أحمد (٦/ ٤٠٠)، ومسلم (١١٠٦) (٦٤ و٦٥ و٧٠) وابن ماجه (١٦٨٤).\n[٩٧٥] وعَن عُمَرَ بنِ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَيُقَبِّلُ الصَّائِمُ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: سَل هَذِهِ - لِأُمِّ سَلَمَةَ - فَأَخبَرَتهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَصنَعُ ذَلِكَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَد غَفَرَ اللَّهُ لك مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ\nــ\nللشاب، وفي معناه عن أبي هريرة (١)، ولا يصح منها شيء.\nوقولها: (وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله ﷺ يملك إربه)؛ قد تقدم الكلام في الإرب، وأنه يقال: بفتح الهمزة وكسرها، وأن أصله: العضو. وهو هنا كناية عن الجماع. وهذا يدل: على أن مذهبها منع القبلة مطلقًا في حق غير النبي - ﷺ -، وأنها فهمت خصوصيته بجواز ذلك، وهو خلاف ما في حديث أم سلمة، فإنه - ﷺ - سوَّى بينه وبين غيره في إباحة ذلك. والأخذ بحديث أم سلمة أولى؛ لأنه مبين للقاعدة، ونص في الواقعة. وقول عائشة اجتهاد منها.\nوقوله: (قد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك)؛ قول من خطر بباله: أنه يلزم من كونه مغفورًا له مسامحته في بعض الممنوعات، وهذا الخاطر مهما أصغي إليه\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٣٨٧) من حديث أبي هريرة. وإسناده ضعيف.","vol":"3","page":164},{"text":"فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَتقَاكُم لِلَّهِ وَأَخشَاكُم لَهُ.\nرواه مسلم (١١٠٨).\n* * *\nــ\nلزم منه إسقاط التكاليف، وكذلك قد يقع مثله أيضًا عند سماع قوله - ﷺ - في حق التائب بعد الثالثة: (اعمل (١) ما شئت فقد غفرت لك) (٢). وهذا الخاطر باطل بدليل قوله ﷺ: (إني لأتقاكم لله وأشدُّكم له خشية)، وبدليل الإجماع المعلوم: على أن التكاليف لا تسقط عمن حصلت له شروطها.\nوإنما محمل هذه الظواهر الموجبة للغفران في المستقبل على المعونة على الطاعات، والحفظ عن المخالفات، بحيث لا تقع الذنوب منه فيما يأتي، ويصح أن يعبر عن هذا المعنى بالمغفرة؛ لأن المغفرة هي الستر، وهذا قد ستر بالطاعات عن المعاصي؛ بحيث لا تقع منه، أو لأن حاله حال المغفور له، من حيث إنه لا ذنب له، والله تعالى أعلم.\nوقوله: (إني لأتقاكم لله وأخشاكم له)؛ أي: لأكثركم تقوى. وقد قدمنا: أن التقوى بمعنى الوقاية. والخشية: الخوف. وقد فرق بعض الناس بينهما. فقال: الخشية أشد الخوف. وقيل: الخوف: التطلع لنفس الضرر، والخشية: التطلع لفاعل الضرر. وإنما كان النبي - ﷺ - أشد الناس لله خشية؛ لأنه أعظمهم له معرفة.\n* * *\n_________\n(١) في (ع): افعل.\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٤٩٢)، ومسلم (٧٥٨) من حديث أبي هريرة.","vol":"3","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-366>(٨) باب صوم من أدركه الفجر وهو جنب</span>\n[٩٧٦] عَن أَبِي بَكرٍ بن عبد الرحمن، قَالَ: سَمِعتُ أَبَا هُرَيرَةَ يَقُولُ، يَقُصُّ فِي قَصَصِهِ: مَن أَدرَكَهُ الفَجرُ جُنُبًا فَلَا صوم له قال: فَذَكَرتُ ذَلِكَ لِعَبدِ الرَّحمَنِ بنِ الحَارِثِ فَأَنكَرَ ذَلِكَ، فَانطَلَقَ عَبدُ الرَّحمَنِ، وَانطَلَقتُ مَعَهُ، حَتَّى دَخَلنَا عَلَى عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ فَسَأَلَهُمَا عَبدُ الرَّحمَنِ عَن ذَلِكَ،\nــ\n(٨) ومن باب: صوم من أدركه الفجر وهو جنب\nقوله: (سمعت أبا هريرة يقص)؛ أي: يتتبع الأحاديث والأخبار، ويذكرها، ويُعلِّم العِلم.\nوقوله: (من أدركه الفجر جنبًا فلا صوم له)؛ هذه الفتيا من أبي هريرة، وهو قوله الأول.\nوقد اختلف في ذلك: فروي عن الحسن بن صالح مثل قول أبي هريرة. وعن الحسن والنخعي: لا يجزئه إذا أصبح عالِمًا بجنابته، وإن لم يعلم أجزأه.\nوروي عن الحسن والنخعي: لا يجزئه في الفرض، ويجزئه في النفل. وروي عن الحسنين: يصومه ويقضيه.\nومذهب الجمهور، وهو الصحيح: الأخذ بحديث أم سلمة وحديثي عائشة الآتيين. ومقتضاها: أن صوم الجنب صحيح. وهو الذي يفهم من ضرورة قوله تعالى: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُم وَكُلُوا وَاشرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيطُ الأَبيَضُ مِنَ الخَيطِ الأَسوَدِ مِنَ الفَجرِ﴾؛ فإنه لما مدَّ إباحة الجماع إلى طلوع الفجر فبالضرورة يعلم: أن الفجر يطلع عليه وهو جنب، وإنما يتأتى الغسل بعد الفجر. وفي معنى هذه المسألة: الحائض تطهر قبل الفجر، وتترك التطهر حتى تصبح، فجمهورهم على وجوب تمام الصوم عليها وإجزائه، سواء تركته عمدًا، أو سهوًا. وشذَّ محمد بن مسلمة فقال: لا يجزئها، وعليها القضاء والكفارة. وهذا في المفرطة المتوانية، فأما التي رأت الطهر","vol":"3","page":166},{"text":"قَالَ: فَكِلتَاهُمَا قَالَت: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُصبِحُ جُنُبًا مِن غَيرِ حُلُمٍ، ثُمَّ يَصُومُ قَالَ: فَانطَلَقنَا حَتَّى دَخَلنَا عَلَى مَروَانَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ عَبدُ الرَّحمَنِ، فَقَالَ مَروَانُ: عَزَمتُ عَلَيكَ إِلَّا مَا ذَهَبتَ إِلَى أَبِي هُرَيرَةَ، فَرَدَدتَ عَلَيهِ مَا يَقُولُ. قَالَ: فَجِئنَا أَبَا هُرَيرَةَ، وَأَبُو بَكرٍ حَاضِرُ ذَلِكَ كُلِّهِ. قَالَ: فَذَكَرَ لَهُ عَبدُ الرَّحمَنِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: أَهُمَا قَالَتَاهُ لك؟ قَال: نَعَم. قَالَ: هُمَا أَعلَمُ.\nــ\nفبادرت، فطلع الفجر قبل تمامه، فقد قال مالك: هي كمن طلع عليها وهي حائض، يومها يوم فطر، وقاله عبد الملك. وقد ذكر بعضهم قول عبد الملك هذا في المتوانية. وهو أبعد من قول ابن مسلمة.\nوقولهما: (كان يصبح جنبًا من غير حلم)؛ يفيد فائدتين:\nإحداهما: أن النبي - ﷺ - كان يجامع ويؤخر غسله حتى يطلع الفجر، ليبين المشروعية، كما قال: (عمدًا فعلته يا عمر) (١).\nوثانيهما: دفع توهم من يتوهم: أن النبي - ﷺ - كان يحتلم في منامه، فإن الحلم من الشيطان (٢)، والله قد عصمه منه.\nوقول أبي هريرة: (هما أعلم)؛ يدل على رجوعه في قوله الأول. وقد صرَّح بالرِّجوع في آخر الحديث.\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٣٥٠)، ومسلم (٢٧٧)، وأبو داود (١٧٢)، والترمذي (١١)، والنسائي (١/ ١٦) من حديث بريدة.\n(٢) رواه أحمد (٥/ ٣١٠)، والبخاري (٦٩٩٥)، ومسلم (٢٢٦١/ ١ و٢)، وأبو داود (٥٠٢١)، والترمذي (٢٢٧٧)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٨٩٧ و٩٠٠ و٩٠١)، وابن ماجه (٣٩٠٩) من حديث أبي قتادة.\nقال في فتح الباري (٤/ ١٤٤): في قولها: \"من غير احتلام\": إشارة إلى جواز الاحتلام عليه، وإلا لما كان للاستثناء معنى.","vol":"3","page":167},{"text":"ثُمَّ رَدَّ أَبُو هُرَيرَةَ مَا كَانَ يَقُولُ فِي ذَلِكَ إِلَى الفَضلِ بنِ العَبَّاسِ. فَقَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: سَمِعتُ ذَلِكَ مِن الفَضلِ، وَلَم أَسمَعهُ مِن النَّبِيِّ -ﷺ-. قَالَ: فَرَجَعَ أَبُو هُرَيرَةَ عَمَّا كَانَ يَقُولُ فِي ذَلِكَ.\nرواه البخاري (١٩٢٥)، ومسلم (١١٠٩) (٧٥).\n[٩٧٧] وعن عَائِشَةَ قَالَت: قَد كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُدرِكُهُ الفَجرُ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ جُنُبٌ مِن غَيرِ حُلُمٍ فَيَغتَسِلُ وَيَصُوم.\nرواه أحمد (٦/ ٢٨٩)، والبخاري (١٩٢٦)، ومسلم (١١٠٩) (٧٦)، والترمذي (٧٧٩).\n[٩٧٨] وعنها أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- يَستَفتِيهِ، وَهِيَ تَسمَعُ مِن وَرَاءِ البَابِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! تُدرِكُنِي الصَّلَاةُ وَأَنَا جُنُبٌ فَأَصُومُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: وَأَنَا تُدرِكُنِي الصَّلَاةُ وَأَنَا جُنُبٌ فَأَصُومُ فَقَالَ: لَستَ مِثلَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَد غَفَرَ اللَّهُ لك مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ\nــ\nوقوله: (ثم رده إلى الفضل)؛ يعني بذلك: أنه سمعه من الفضل، كما قد نص عليه بعد. وفي النسائي (١): أنه سمعه من أسامة بن زيد. وهذا محمول على أنه سمعه منهما. وحديث الفضل وأسامة كان متقدِّمًا.\nقال بعض العلماء: كان ذلك في أول الإسلام، في الوقت الذي كان الحكم فيه: أن إذا نام بالليل حرم عليه الأكل والشرب والنكاح أن يمد ذلك إلى طلوع الفجر، كما جاء في البخاري (٢) من حديث البراء بن عازب في قصة قيس بن صِرمَة. وعلى الجملة:\n_________\n(١) رواه النسائي في الكبرى (٢٩٣١ و٢٩٣٢).\n(٢) رواه البخاري (١٩١٥).","vol":"3","page":168},{"text":"إِنِّي لَأَرجُو أَن أَكُونَ أَخشَاكُم لِلَّهِ وَأَعلَمَكُم بِمَا أَتَّقِي.\nرواه أحمد (٦/ ٦٧ و١٥٦)، ومسلم (١١١٠)، وأبو داود (٢٣٨٩).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-367>(٩) باب كفارة من أفطر متعمدا في رمضان</span>\n[٩٧٩] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: هَلَكتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: (وَمَا أَهلَكَكَ) قَالَ: وَقَعتُ عَلَى امرَأَتِي فِي\nــ\nفذلك الحكم متروك عند جمهور العلماء بظاهر القرآن، وبصحيح الأحاديث. والخلاف فيه من قبيل الخلاف الشاذ المتقدم.\n(٩) ومن باب: كفارة من أفطر متعمدًا في رمضان\n(قول المجامع في رمضان: هلكت! احترقت!)؛ استدل به الجمهور على أنه كان متعمدًا، وقصروا الكفارة على المتعمد دون الناسي، وهو مشهور قول مالك وأصحابه. وذهب أحمد، وبعض أهل الظاهر، وعبد الملك، وابن حبيب: إلى إيجابها على الناسي. وروي ذلك عن عطاء ومالك متمسكين بترك استفسار النبي - ﷺ - السائل، وإطلاق الفتيا مع هذا الاحتمال. وهذا كما قاله الشافعي في الأصول: ترك الاستفصال مع الاحتمال يتنزل منزلة العموم في المقال. وهذا ضعيف؛ لأنه يمكن أن يقال: إنه ترك استفصاله لأنه قد تبين حاله، وهو: أنه كان عامدًا، كما يدل عليه ظاهر قوله: (هلكت! واحترقت).","vol":"3","page":169},{"text":"رَمَضَانَ قَالَ: (هَل تَجِدُ مَا تُعتِقُ رَقَبَةً؟) قَالَ: لَا قَالَ: هَل تَستَطِيعُ أَن تَصُومَ شَهرَينِ مُتَتَابِعَينِ؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَهَل تَجِدُ مَا تُطعِمُ سِتِّينَ مِسكِينًا؟ قَالَ: لَا\nــ\nوقوله: (هل تجد ما تعتق رقبة)، رقبة: نصب على البدل من (ما) الموصولة (١)، وهي مفعولة بتجد. وإطلاق الرقبة يقتضي جواز الكافرة، وهو مذهب أبي حنيفة، وجواز المعيبة، وهو مذهب داود، والجمهور على خلافهما؛ فإنهم شرطوا في إجزاء الرقبة بالإيمان، بدليل تقييدها به في كفارة القتل، وهي مسألة حمل المطلق على المقيد، المعروفة في الأصول، وبدليل: أن مقصود الشرع الأول بالعتق تخليص الرِّقاب من الرق؛ ليتفرغوا إلى عبادة الله، ولنصر المسلمين. وهذا المعنى مفقود في حق الكافر، وقد دلَّ على صحة هذا المعنى قوله في حديث السوداء: (أعتقها فإنها مؤمنة) (٢).\nوأما العيب: فنقص في المعنى وفي القيمة، فلا يجوز له؛ لأنه في معنى عتق الجزء كالثلث، والربع. وهو ممنوع بالاتفاق.\nوقوله: (فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟) تستطيع: تقوى وتقدر. والتتابع: التوالي. وهو حجة للجمهور في اشتراط التتابع في الكفارة على ابن أبي ليلى؛ إذ لم يشترطه.\nوقوله: (فهل تجد ما تطعم ستين مسكينًا)؛ حجة للجمهور في اشتراط عدد الستين على الحسن؛ إذ قال: يطعم أربعين. وعلى أبي حنيفة؛ إذ يقول بجواز إعطاء طعام ستين مسكينًا لمسكين واحد. وهو أصله في هذا الباب.\n_________\n(١) في (ع): الموصوفة.\n(٢) رواه أحمد (٥/ ٤٤٨)، ومسلم (٥٣٧)، والنسائي (٣/ ١٤) من حديث معاوية بن الحكم السُّلَمي.","vol":"3","page":170},{"text":"قَالَ: ثُمَّ جَلَسَ فَأُتِيَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِعَرَقٍ فِيهِ تَمرٌ، فَقَال: تَصَدَّق بِهَذَا قَالَ: على أَفقَرَ مِنَّا؟ فَمَا بَينَ لَابَتَيهَا أَهلُ بَيتٍ أَحوَجُ إِلَيهِ مِنَّا، فَضَحِكَ النَّبِيُّ -ﷺ-\nــ\nوقوله - ﷺ - للأعرابي: (اجلس)؛ انتظار منه لوجه يتخلص به مما حصل فيه، أو ليوحى إليه في ذلك.\nوقوله: (فأتي النبي - ﷺ - (١) بعرَق فيه تمر)؛ العرَق، بفتح الراء لا غير، وسُمِّي بذلك لأنه جمع عرقة، وهي الظفيرة من الخوص، وهو الزِّنبيل، بكسر الزاي على رواية الطبري، وبفتح الزاي لغيره، وهما صحيحان. وسُمِّي بذلك لأنه يحمل فيه الزبل، ذكره ابن دريد. وهذا العرق تقديره عندهم: خمسة عشر صاعًا، وهو مفسر في الحديث، وقد تقدَّم: أن الصاع أربعة أمداد. فيكون مبلغ أمداد العرق ستين مدًّا، ولهذا قال الجمهور: إن مقدار ما يدفع لكل مسكين من الستين مُدّ.\nوفيه حجة للجمهور على أبي حنيفة، والثوري؛ إذ قالا: لا يجزئ أقل من نصف صاع لكل مسكين.\nوقوله: (تصدَّق بهذا)؛ يلزم منه أن يكون قد ملكه إياه؛ ليتصدق به عن كفارته، ويكون هذا كقول القائل: أعتقت عبدي عن فلان، فإنه يتضمن سبقية الملك عند قوم. وأباه أصحابنا، مع الاتفاق على أن الولاء للمعتق عنه، وأن الكفارة تسقط بذلك.\nوقوله: (على أفقر منا؟) هو محذوف همزة الاستفهام. تقديره: أَعَلَى أفقر منا؟ والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: أنتصدق به على أحدٍ أفقر منا؟ وقد جاء في طريق أخرى: بحذف على، والرواية فيه حينئذ بالنصب على إضمار الفعل: أتجد أفقر منا؟ وقد يجوز رفعه على خبر مبتدأ؛ أي: أأحدٌ أفقر منا؟ واللابتان: حرتا المدينة، وقد تقدم.\nوضحك النبي - ﷺ - تعجب من حاله، وسرعة\n_________\n(١) ما بين حاصرتين من التلخيص.","vol":"3","page":171},{"text":"حَتَّى بَدَت أَنيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: اذهَب فَأَطعِمهُ أَهلَكَ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٨١)، والبخاري (٢٦٠٠)، ومسلم (١١١١) (٨١)، وأبو داود (٢٨٩١).\nــ\nقسمه، وإغيائه في ذلك.\nوالأنياب: جمع ناب، وهي الأسنان الملاصقة للثنايا، وهي: أربعة.\nوقوله: (اذهب فأطعمه أهلك)؛ تخيل قوم من هذا الكلام سقوط الكفارة عن هذا الرجل. فقالوا: هو خاص به. وليس فيه ما يدل على ذلك. بل نقول: إن النبي - ﷺ - لما بين له ما يترتب على جنايته من الكفارة لزم الحكم، وتقرر في الذمِّة، ثم لما تبين من حال هذا: أنه عاجز عن الكفارة سقط عنه القيام بما لا يقدر عليه في تلك الحال، وبقي الحكم في الذمة على ما رتبه أولًا، فبقيت الكفارة عليه إلى أن يستطيع شيئًا من خصالها. وهذا مذهب الجمهور، وأئمة الفتوى. وقد ذهب الأوزاعي، وأحمد: إلى أن حكم من لم يجد الكفارة من سائر الناس سقوطها عنه. ولم يتعرض النبي - ﷺ - في هذا الحديث لقضاء ذلك اليوم، ولذلك قال بسقوط القضاء عنه طائفة من أهل العلم. وأنه ليس عليه إلا الكفارة.\nوالجمهور على لزوم القضاء مع الكفارة؛ إذ الصوم المطلوب منه لم يفعله، فهو باقٍ عليه، كالصلوات وغيرها إذا لم تُفعَل بشروطها.\nويتم النظر في هذا الحديث برسم مسائل اختلف فيها:\nالأولى: إن هذه الكفارة هل هي على الجاني وحده؟ وهذا كما هو مذهب الجمهور. أو عنه وعن موطوءته؟ كما صار إليه الشافعي وأهل الظاهر. وليس في الحديث ما يدل على ذلك، لكن الحديث إنما تعرض للرَّجل، وسكت عن المرأة، فيؤخذ حكمها من دليل آخر. ولعله إنما سكت عنها؛ لأنها كانت غير صائمة؛ لأنها طهرت من حيضتها في أضعاف اليوم، أو كتابية.\nوعلى الجملة: فحالها مجهول، ولا سبيل إلى التحكم بأنها كانت مكرهة، أو مختارة أو غير ذلك.","vol":"3","page":172},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nومشهور مذهب مالك في المكرهة: أن مكرهها يكفر عنها؛ لأنه هتكَ صومين بالنسبة إليها وإليه. فكأنه هتك يومين. قال سحنون: لا شيء عليه لها ولا عليها. وبه قال أبو ثور، وابن المنذر، ولم يختلف المذهب في أن عليها القضاء.\nالمسألة الثانية: إن قوله: (هل تجد؟) وبعده: (فهل تستطيع؟) وبعده: (فهل تجد ما تطعم؟) ظاهر هذا: الترتيب في هذه الخصال. بدليل عطف الجمل بالفاء المرتبة المعقبة. وإليه ذهب الشافعي، والكوفيون، وابن حبيب من أصحابنا. وذهب مالك وأصحابه: إلى التخيير في ذلك، إلا أنه استحب الإطعام لشدَّة الحاجة إليه، وخصوصًا بالحجاز. واستدل أصحابنا لمذهبهم بحديث أبي هريرة الآتي بعد هذا، وهو: أنه قال: أفطر رجل في رمضان فأمره النبي - ﷺ - أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين، أو يطعم ستين مسكينًا. فخيره بـ (أو) التي هي موضوعة للتخيير.\nالمسألة الثالثة: هذه الكفارة، هل هي خاصة بمن أفطر بالجماع؟ وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وجماعة من السَّلف، أو هل يلحق بذلك كل هاتك لصوم نهار رمضان بأي وجه كان من أكل، أو شرب، أو غيره؟ وهو مذهب مالك وجماعة. واستدل أصحابنا بحديث أبي هريرة الآتي، وبالنظر إلى المعنى. وتحقيقه في الفروع، وبسط ذلك في الفقه.\nالمسألة الرابعة: ذهب جمهورهم: إلى أن الكفارة ثلاثة أنواع، كما جاء في الحديث. وذهب الحسن وعطاء: إلى أن المكفر إن لم يجد رقبة أهدى بدنة إلى مكة. قال عطاء: أو بقرة. وتمسَّكوا بما رواه مالك في الموطأ من مرسل سعيد بن المسيب: أن النبي - ﷺ - قال له: (هل تستطيع أن تعتق رقبة؟) (١) قال: لا. قال: (فهل تستطيع أن تهدي بدنة؟) قال: لا (٢). والصحيح: المسند من الأحاديث، وليس\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) رواه مالك في الموطأ (١/ ٢٩٧).","vol":"3","page":173},{"text":"[٩٨٠] وعنه أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أَمَرَ رَجُلًا أَفطَرَ فِي رَمَضَانَ أَن يُعتِقَ رَقَبَةً، أَو يَصُومَ شَهرَينِ، أَو يُطعِمَ سِتِّينَ مِسكِينًا.\nرواه البخاري (٦١٦٤)، ومسلم (١١١١) (٨٤).\n[٩٨١] وعن عَائِشَةَ قالت: أَتَى رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي المَسجِدِ فِي رَمَضَانَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! احتَرَقتُ احتَرَقتُ. فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَا شَأنُهُ؟ فَقَالَ: أَصَبتُ أَهلِي. قَالَ: تَصَدَّق. فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا لِي شَيءٌ، وَمَا أَقدِرُ عَلَيهِ قَالَ: اجلِس فَجَلَسَ فَبَينَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ أَقبَلَ رَجُلٌ يَسُوقُ حِمَارًا عَلَيهِ طَعَامٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: أَينَ المُحتَرِقُ آنِفًا؟ فَقَامَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-:\nــ\nفيه شيء من ذلك.\nوقوله: (إن رسول الله - ﷺ - أمر رجلًا أفطر في رمضان أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين، أو يطعم ستين مسكينًا)؛ هذا هو متمسك أصحابنا: على أن الكفارة معلقة على كل فطر قُصد به هتك الصيام، على ما تقدَّم.\nووجه استدلالهم: أنه علق الكفارة على من أفطر مجردًا عن القيود، فيلزم مطلقًا، وهذا على قول الشافعي في مسألة ترك الاستفصال. فإن قيل: فهذا الحديث هو الحديث الأول، والقضية واحدة فترد إليها، قلنا: لا نسلم. بل هما قضيتان مختلفتان؛ لأن مساقهما مختلف. وهذا هو الظاهر، والله تعالى أعلم.\nوقوله -ﷺ- في حديث عائشة: (تصدق)، ولم يذكر غيره؛ دليل لمالك على اختياره الطعام. بل وظاهر هذا الحديث: الاقتصار عليه. وهو أيضًا ظاهر قول مالك في المدونة، فإنه قال: قلت: وكيف الكفارة في قول مالك؟ قال: الطعام، لا يعرف غير الطعام، لا يأخذ مالك بالعتق ولا بالصيام.","vol":"3","page":174},{"text":"تَصَدَّق بِهَذَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغَيرَنَا؟ فَوَاللَّهِ إِنَّا لَجِيَاعٌ مَا لَنَا شَيءٌ قَالَ: فَكُلُوه.\nرواه أحمد (٦/ ٢٧٦)، والبخاري (١٩٣٥)، ومسلم (١١١٢) (٨٧)، وأبو داود (٢٣٩٤).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-368>(١٠) باب جواز الصوم، والفطر في السفر والتخيير في ذلك</span>\n[٩٨٢] عَن ابنِ عَبَّاسٍ أن رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- خَرَجَ عَامَ الفَتحِ فِي\nــ\nوقوله: (أَغَيرنا؟) منصوب بفعل مضمر، تقديره: أتعطيه غيرنا؟\n(١٠) ومن باب: جواز الصوم والفطر في السفر\n(الكديد) ما بينه وبين مكة اثنان وأربعون ميلًا. و(عُسفان) قرية جامعة على ستة وثلاثين ميلًا من مكة. وفي الحديث الآتي: (كراع الغميم). والغميم - بفتح الغين -: واد أمام عُسفان بثمانية أميال. و(كراع): جبل أسود هناك يضاف إلى الغميم. والكراع لغة: هو كل أنف مال من جبل أو غيره.\nوهذه الأحاديث المشتملة على ذكر هذه المواضع الثلاثة كلها ترجع إلى معنى واحد. وهي حكاية حاله - ﷺ - عن سفر في قدومه إلى فتح مكة. وكان في رمضان في ستة عشر منه، كما جاء في حديث أبي سعيد. وهذه المواضع متقاربة. ولذلك عبَّر كل واحد من الرواة بما حضر له من تلك المواضع لتقاربها واختلف في الفطر في السفر؛ فالجمهور على أن المسافر إن صام في سفره أجزأه. وذهب بعض أهل الظاهر:","vol":"3","page":175},{"text":"رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الكَدِيدَ، ثُمَّ أَفطَرَ،\nــ\nإلى أنه لا يجزئه، ولا ينعقد، وعليه القضاء أبدًا. وحكي عن ابن عمر: أنه قال: من صام في السفر قضى في الحضر. وحكي أنه مذهب عمر. ومتمسك هؤلاء: ظاهر قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَرِيضًا أَو عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أَيَّامٍ أُخَرَ﴾؛ أي: فعليه عدة، أو فالواجب عدة. وتأوَّله الجمهور: بأن هناك محذوفًا، تقديره: فأفطر. واستدلوا على صحته بما يأتي بعد هذا من الأحاديث الآتية في هذا الباب. وكره أحمد بن حنبل الصوم في السَّفر، ولم يأمر بالقضاء.\nواختلف الجمهور في الأفضل: هل هو الصوم أو الفطر؟ أو لا فضيلة لأحدهما على الآخر. وممن ذهب إلى الأول أنس بن مالك، ومالك في المشهور عنه، والشافعي، على أن الفطر من باب الرُّخص، وأن فعل الصوم مبادرة إلى تخليص الذمم، ومسابقة إلى الخيرات، وقد أمر الله بذلك في قوله: ﴿فَاستَبِقُوا الخَيرَاتِ﴾ وإلى الثاني ذهب ابن عباس، وابن عمر، وغيرهما. وعلى الثالث جل أهل المذهب، وهو التخيير، وعليه تدل الأحاديث المذكورة في هذا الباب.\nثم هل هذا في كل سفر: طاعة كان أو معصية، طويلًا كان أو قصيرًا؟ وقد تقدَّم ذكر الخلاف فيه في باب: قصر الصلاة في السفر.\nوقوله: (خرج رسول الله - ﷺ - عام الفتح في رمضان؛ فصام، فلما بلغ الكديد أفطر)؛ هذا حجة على من يقول: إن الصوم لا ينعقد في السَّفر، فإن النبي - ﷺ - قد صام من خروجه من المدينة إلى أن بلغ الكديد، وصام الناس معه. وهو حجة لمن يقول: إن من بَيَّت الصوم في السفر فله أن يفطر، وإن لم يكن له عذر، وإليه ذهب مطرف، وهو أحد قولي الشافعي. وعليه جماعة من أصحاب الحديث.\nوالجمهور على منع ذلك إلا لعذر، متمسكين بأنه قد شرع في أَخذِ ما خير فيه؛ فيلزمه المُضي فيه؛ إذ قد عَيَّنه بفعله، وحملوا فِطر النبي - ﷺ - على وجود العذر المسوِّغ من حصول الضعف بالصوم عن مقاومة العدو، وعن القيام بوظائف","vol":"3","page":176},{"text":"وَكَانَ صَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَتَّبِعُونَ الأَحدَثَ فَالأَحدَثَ مِن أَمرِهِ.\nقال الزُّهرِيِّ: وَكَانَ الفِطرُ آخِرَ الأَمرِينِ، وَإِنَّمَا يُؤخَذُ مِن أَمرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِالآخِرِ فَالآخِرِ، وَيَرَونَهُ النَّاسِخَ المُحكَمَ.\nرواه أحمد (١/ ٢١٩)، والبخاري (٢٩٥٤)، ومسلم (١١١٣) (٨٨)، والنسائي (٤/ ١٨٩).\n[٩٨٣] وعَنه قَالَ: سَافَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسفَانَ، ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ فِيهِ شَرَابٌ فَشَرِبَهُ نَهَارًا لِيَرَاهُ النَّاسُ، ثُمَّ أَفطَرَ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ، قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: فَصَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَفطَرَ، فَمَن شَاءَ صَامَ، وَمَن شَاءَ أَفطَرَ.\nــ\nالجهاد، ولما حصل لهم من الجهل والمشقة بالصوم، كما قال: فسقط الصوَّام، وقد روى البزار من حديث أبي سعيد الخدري: أن النبي - ﷺ - لما رأى ما هم فيه، ووصل إلى الماء، قال لهم: (اشربوا)، فقالوا: لا نشرب حتى تشرب. قال: (إني لست مثلكم، إني راكب وأنتم مشاة)، فقالوا: لا نشرب حتى تشرب، فشرب، وشربوا (١).\nوعلى مذهب المنع فلو أفطر من غير عذر فهل تلزمه الكفارة، أو لا تلزمه؟ ثلاثة أقوال: يفرق في الثالث بين أن يفطر بجماع، فتجب، أو بغيره فلا تجب. وكذلك اختلف فيمن طرأ عليه السفر، وقد بيَّت الصوم في الحضر. فالجمهور على أنه لا يجوز أن يفطر إلا مع العذر. فلو أفطر من غير عذر ففي الكفارة ثلاثة أقوال: يفرق في الثالث بين المتأوّل، فتسقط عنه، وبين غيره، فلا تسقط.\nوقوله: (وكان صحابته - ﷺ - يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره)؛ وهو قول الزهري كما فسَّره في الرواية الأخرى ونسبه إليه. ولذلك ذكره مسلم بعده. وظاهر\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٢١)، وابن حبان (٣٥٥٠ و٣٥٥٦).","vol":"3","page":177},{"text":"رواه أحمد (١/ ٢٥٩)، والبخاري (٤٢٧٩)، ومسلم (١١١٣) (٨٨)، وأبو داود (٢٤٠٤)، والنسائي (٤/ ١٨٤)، وابن ماجه (١٦٦١).\n[٩٨٤] وعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ قَالَ: غَزَونَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لِسِتَّ عَشرَةَ مَضَت مِن رَمَضَانَ، فَمِنَّا مَن صَامَ وَمِنَّا مَن أَفطَرَ، فَلَم يَعِب الصَّائِمُ عَلَى المُفطِرِ، وَلَا المُفطِرُ عَلَى الصَّائِمِ.\nرواه أحمد (٣/ ٤٥ و٧٤)، ومسلم (١١١٦) (٩٣).\n[٩٨٥] وعن حَمزَةَ بنَ عَمرٍو الأَسلَمِيَّ أنه سَأَلَ النبي -ﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي رَجُلٌ أَسرُدُ الصَّومَ. أَفَأَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ قَالَ: صُم إِن شِئتَ وَأَفطِر إِن شِئتَ.\nــ\nكلام ابن شهاب: أن الذي استقر عليه أمره - ﷺ - إنما كان: الفطر في اسفر، وأن الصوم السابق منسوخ.\nوهذا الظاهر ليس بصحيح بدليل الأحاديث الآتية بعد هذا؛ فإنها تدل على أن النبي - ﷺ - صام بعد ذلك في السفر، وأصحابه كذلك، وجد فيه. ومن أدل ذلك قول أبي سعيد: ثم لقد رأيتنا نصوم بعد ذلك في السفر مع رسول الله - ﷺ -. وما خرَّجه النسائي عن عائشة: أنها سافرت مع رسول الله - ﷺ - في عمرته، فقالت: يا رسول الله! قصرتَ وأتممتُ، وأفطرتَ وصمتُ. فقال: (أحسنتِ يا عائشة!)، وما عابه عليّ (١).\nويمكن أن يحمل قول الزهري: على أنه أراد أن يخبر بقاعدتهم الكلية الأصولية في الاقتداء بأفعال النبي - ﷺ - فيما تحققت فيه المعارضة، لا في هذا الموضع؛ فإنه لم يتحقق فيه المعارضة، والله تعالى أعلم.\nوقوله - ﷺ - لحمزة بن عمرو: (إن شئت صم، وإن شئت فأفطر (٢»؛ نصٌّ في\n_________\n(١) رواه النسائي (٣/ ١٢٢).\n(٢) هذا لفظ البخاري، وأحد روايتي مسلم. حيث اختار المصنف -﵀- في التلخيص غيرها بلفظ: \"صم إن شئت. . .\".","vol":"3","page":178},{"text":"رواه البخاري (١٩٤٣)، ومسلم (١١٢١) (١٠٤)، وأبو داود (٢٤٠٢)، والنسائي (٤/ ١٨٥)، والترمذي (٧١١)، وابن ماجه (١٦٦٢).\n[٩٨٦] وعنه أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ، فَهَل عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: هِيَ رُخصَةٌ مِن اللَّهِ فَمَن أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ وَمَن أَحَبَّ أَن يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِ.\nــ\nالتخيير. ولا يقال: يحتمل أنه سأله عن سرد صوم التطوع لوجهين:\nأحدهما: قوله في الرواية الأخرى: (هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه). ولا يقال في التطوع مثل هذا.\nوالثاني: أن حديثه هذا خرَّجه أبو داود، وقال فيه: يا رسول الله! إني صاحب ظهر أسافر عليه، وأكريه في هذا الوجه، وأنه ربما صادفني هذا الشهر - يعني: رمضان - وأنا أجد القوة، وأنا شاب، وأجدني أن أصوم أهون من أن أؤخره فيكون دينًا عليّ، أفأصوم يا رسول الله! أعظم لأجري أو أفطر؟ فقال: (أي ذلك شئت يا حمزة) (١). وهذا نصٌّ: في أنه صوم رمضان.\nوقوله - ﷺ -: (هو رخصة من الله)؛ دليلٌ على أن الخطاب بالصوم متوجه لجميع المكلفين - مسافرين وغيرهم - ثم رخص لأهل الأعذار بسببها. وبيان ذلك: أن الرخصة حاصلها راجع إلى تخلف الحكم الجزم مع تحقق سببه لأمر خارج عن ذلك السبب، كما تقوله في إباحة الميتة عند الضرورة. وبهذا يتحقق بطلان قول من قال: إن صوم المسافر لا ينعقد، والله تعالى أعلم.\nوقوله: (غزونا مع رسول الله - ﷺ - لست عشرة من رمضان)؛ قد اختلف الرواة في هذا، ففي حديث التيمي، وعمر بن عامر، وهشام: (لثماني عشرة خلت من\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢٤٠٣).","vol":"3","page":179},{"text":"رواه أحمد (٣/ ٤٩٤)، ومسلم (١١٢١/ م) (١٠٧)، وأبو داود (٢٤٠٣)، والنسائي (٤/ ١٨٦ - ١٨٧).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-369>(١١) باب من أجهده الصوم حتى خاف على نفسه وجب عليه الفطر</span>\n[٩٨٧] عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- خَرَجَ عَامَ الفَتحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الغَمِيمِ، فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِن مَاءٍ، فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيهِ، ثُمَّ شَرِبَ، فَقِيلَ لَهُ بَعدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعضَ النَّاسِ قَد صَامَ. فَقَالَ: أُولَئِكَ العُصَاةُ، أُولَئِكَ العُصَاةُ.\nرواه مسلم (١١١٤) (٩٠)، والترمذي (٧١٥)، والنسائي (٤/ ١٧٧).\nــ\nرمضان). وفي حديث سعيد: (في ثنتي عشرة). وفي حديث شعبة: (لسبع عشرة، أو: تسع عشرة). وقال الزهري: (صبح رسول الله - ﷺ - مكة لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان). وهذه أقوال مضطربة. والذي أطبق عليه أصحاب السير: أن خروج النبي - ﷺ - لغزوة الفتح كان لعشر خلون من رمضان، ودخوله مكة كان في تسع عشرة. وهو أحسنها، والله تعالى أعلم.\n(١١) ومن باب: من أجهده وأضعفه الصوم وجب عليه الفطر\nهذه الترجمة معضودة بقاعدة الشريعة المقررة في رفع ما لا يطاق. وبأن للمريض أن يفطر. ومن أجهده الصوم وهو (١) مريض؛ فإن خاف على نفسه التلف\n_________\n(١) ساقط من (ع) و(ظ).","vol":"3","page":180},{"text":"[٩٨٨] وعَنهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي سَفَرٍ فَرَأَى رَجُلًا قَد اجتَمَعَ النَّاسُ عَلَيهِ، وَقَد ظُلِّلَ عَلَيهِ، فَقَالَ: مَا لَهُ؟ قَالُوا: رَجُلٌ صَائِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: لَيسَ مِن البِرِّ أَن تَصُومُوا فِي السَّفَرِ.\nرواه أحمد (٣/ ٣١٩)، والبخاري (١٩٤٦)، ومسلم (١١١٥)، وأبو داود (٢٤٠٧)، والنسائي (٤/ ١٧٧).\n* * *\nــ\nمن الصوم عصى بصومه، وعلى هذا يحمل قوله ﷺ: (أولئك العصاة).\nوقوله: (ليس من البر الصيام في السفر)؛ فإنه خرج على قوم سقطوا من جهد الصوم، حتى ظلل عليهم. فيتناول من كان على مثل حالهم. وأما من لم يكن كذلك، فحكمه ما تقدم من التخيير. وبهذا يرتفع التعارض بين الأحاديث، وتجتمع الأدلة كلها، ولا يحتاج إلى فرض النسخ؛ إذ لا تعارض، والله تعالى أعلم.\nوقوله: (ليس من البر الصيام في السفر)، هذا القول، وقوله: (أولئك العصاة) من حديث جابر. الظاهر: أن القضية واحدة، وأن النبي - ﷺ - قال القولين في تلك القضية الواحدة. وقد تأوَّل بعض علمائنا قوله: (ليس من البر)؛ أي: البر الواجب. وهذا التأويل إنما يحتاج إليه من قطع الحديث عن سببه، وحمله على عمومه. وأما على ما قررناه؛ فلا حاجة إليه.\nوروي هذا الحديث هنا: (ليس البر) بغير (من)، وقد روي من طريق أخرى: (ليس من البر)، وهي (من) الزائدة التي تزاد لتأكيد النفي.\nوقد ذهب بعض الناس إلى أنها مبعضة هنا. وليس بشيء. وقد روى أهل الأدب: (ليس من امبَر امصيام في امسفر)، فأبدلوا من اللام ميمًا، وهي لغة قوم من العرب. وهي قليلة، والله تعالى أعلم.\n* * *","vol":"3","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-370>(١٢) باب الفطر أفضل لمن تأهب إلى لقاء العدو</span>\n[٩٨٩] عَن أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي السَّفَرِ فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا المُفطِرُ، قَالَ: فَنَزَلنَا مَنزِلًا فِي يَومٍ حَارٍّ، أَكثَرُنَا ظِلًّا صَاحِبُ الكِسَاءِ، وَمِنَّا مَن يَتَّقِي الشَّمسَ بِيَدِهِ، قَالَ: فَسَقَطَ الصُّوَّامُ، وَقَامَ المُفطِرُونَ فَضَرَبُوا الأَبنِيَةِ، وَسَقَوا الرِّكَابَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: ذَهَبَ المُفطِرُونَ اليَومَ بِالأَجرِ.\nرواه البخاري (٢٨٩٠)، ومسلم (١١١٩) (١٠٠)، والنسائي (٤/ ١٨٢).\n[٩٩٠] وعن أبي سعيد الخدري، قَالَ: سَافَرنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-\nــ\n(١٢) ومن باب: الفطر أفضل لمن تأهب للقاء العدو\nقوله: (أكثرنا ظلًاّ صاحب الكساء)؛ يعني: أنهم لم يكن لهم فساطيط ولا أخبية. و(يتقي الشمس بيده): يستتر منها. و(الأبنية): جمع بناء؛ يعني بها: الخصوص. و(الركاب): الإبل.\nوقوله: (ذهب المفطرون اليوم بالأجر)؛ يعني: أنهم لما قاموا بوظائف ذلك الوقت، وما يحتاج إليه فيه؛ كان أجرهم على ذلك أكثر من أجر من صام ذلك اليوم، ولم يقم بتلك الوظائف.\nوفيه ردٌّ على من يقول: إن المسافر لا يصح صومه.","vol":"3","page":182},{"text":"إِلَى مَكَّةَ وَنَحنُ صِيَامٌ قَالَ: فَنَزَلنَا مَنزِلًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: إِنَّكُم قَد دَنَوتُم مِن عَدُوِّكُم وَالفِطرُ أَقوَى لَكُم، وَكَانَت رُخصَةً فَمِنَّا مَن صَامَ، وَمِنَّا مَن أَفطَرَ، ثُمَّ نَزَلنَا مَنزِلًا آخَرَ، فَقَالَ: إِنَّكُم مُصَبِّحُو عَدُوِّكُم، وَالفِطرُ أَقوَى\nــ\nوقوله: (إنكم قد دنوتم من عدوِّكم والفطر أقوى لكم)؛ دليل على أن حفظ القوة بالفطر أفضل لمن هو منتظر (١) للقاء العدوِّ.\nوقوله: (فكانت رخصة)؛ يعني: أنهم لم يفهموا من هذا الكلام الأمر بالفطر، ولا الجزم به. وإنما نبَّه به على أن الفطر أولى لمن خاف الضعف.\nوسُمِّي هذا: رخصة بناء على أن كل مكلف مخاطب بصوم رمضان، كما قد أفهمه قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ﴾ أو بالنسبة إليهم؛ إذ كان النبي - ﷺ - قد صام من حين خروجه من المدينة، وصام الناس معه إلى أن بلغ الكديد، كما تقدَّم، فلما خاف عليهم الضعف نبههم على جواز الفطر، وأنه الأفضل. فسُمي ذلك رخصة بالنسبة إلى ترك ما كانوا قد اختاروه من الصوم، ولما فهموا: أن هذا من باب الرُّخص كان منهم من هو موفور القوة فصام، وكان منهم من خاف على نفسه فأفطر.\nثم بعد ذلك قال لهم: (إنكم مُصَبِّحو عدوكم، والفطر أقوى لكم، فأفطروا). قال: (وكانت عزمة)؛ أي: أنهم فهموا من أمره بالفطر أنه جزم، ولا بدَّ منه، وأنه واجب، فلم يصم منهم أحد عند ذلك فيما بلغنا، ولو قدر هنالك صائم لاستحقوا أن يقال لهم: (أولئك العصاة).\nوقد حمل بعض علمائنا قوله: (أولئك العصاة) على هذا، بناءً على أن منهم من صام بعد الأمر بالفطر. ولم يسمع ذلك في حديث مروي، وإنما هو تقدير من هذا القائل.\n_________\n(١) في (هـ): مستنظر.","vol":"3","page":183},{"text":"لَكُم فَأَفطِرُوا، وَكَانَت عَزمَةً فَأَفطَرنَا، ثُمَّ لَقَد رَأَيتُنَا نَصُومُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بَعدَ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ.\nرواه مسلم (١١٢٠)، وأبو داود (٢٤٠٦)، والترمذي (٧١٢ و٧١٣)، والنسائي (٣/ ١٨٨ - ١٨٩).\n[٩٩١] وَعَن أَبي الدَّردَاءِ قال: لَقَد رَأَيتُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي بَعضِ أَسفَارِهِ فِي يَومٍ شَدِيدِ الحَرِّ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأسِهِ مِن شِدَّةِ الحَرِّ وَمَا مِنَّا أَحَدٌ صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَعَبدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ.\nرواه البخاري (١٩٤٤)، ومسلم (١١٢٢) (١٠٩)، وأبو داود (٢٤٠٩)، وابن ماجه (١٦٦٣).\n* * *\nــ\nوقوله: ثم لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله - ﷺ - بعد ذلك في السفر، دليل على أن الصوم هو الأصل والأفضل، وأن الفطر إنما كان لعلّة وسبب، ولما زال ذلك رجع (١) إلى الأفضل، والله تعالى أعلم.\nوقوله: (وما منا أحد صائم إلا رسول الله - ﷺ - وعبد الله بن رواحة)؛ يدل على أن الصوم أفضل، كما قد صار إليه مالك، ومن سمينا معه.\n* * *\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"3","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-371>(١٣) باب فضل صيام يوم عرفة وترك صيامه لمن كان بعرفة</span>\n[٩٩٢] عَن أَبِي قَتَادَةَ الأَنصَارِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- سُئِلَ عَن صَومِهِ، قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-،\nــ\n(١٣) ومن باب: فضل صيام يوم عرفة\nقول أبي قتادة: (سئل رسول الله - ﷺ - عن صومه فغضب)؛ غضبه عند هذا السؤال يحتمل أوجهًا:\nأحدها: أنه فهم عن السائل: أنه إنما سأل عن صومه ليلتزمه، وربما يعجز عنه، فغضب لذلك، ولم يجبه.\nوثانيها: أنه فهم أن السَّائل إنما سأل ليعلم مقدار ذلك فيزيد عليه، كما قد سأل نفر عن عبادة رسول الله - ﷺ - فتقالّوها، وقالوا: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك.\nفقال أحدهم: أما أنا: فأصوم ولا أفطر. وقال الآخر: أما أنا: فأصلي الليل ولا أنام. وقال الآخر: أما أنا: فلا أنكح النساء. فقال النبي - ﷺ -: (أما أنا فأصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأنكح النساء، فمن رغب عن سنَّتي فليس منِّي) (١).\nوثالثها: لعلَّه إنما غضب لما يؤدي إليه من إظهار عمل السرّ، كما قال ﷺ: (إن من شرِّ الناس المجاهرين)؛ قيل: ومن هم؟ قال: (الرجل يعمل العمل بالليل، فيقول: يا فلان! عملت البارحة كذا. فيبيت يستره ربُّه، ويصبح فيكشف ستر الله عنه) (٢).\nوقد ذكر في ذلك أوجه هذه أقربها، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٢٤١ و٢٨٥)، ومسلم (١٤٠١).\n(٢) رواه أبو نعيم في الحلية (٢/ ١٩٧).","vol":"3","page":185},{"text":"فَقَالَ عُمَرُ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَبَيعَتُنَا بَيعَةٌ.\nزاد في رواية: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن غَضَبِ اللَّهِ وَغَضَبِ رَسُولِهِ، فَجَعَلَ عُمَرُ يُرَدِّدُ هَذَا الكَلَامَ حَتَّى سَكَنَ غَضَبُهُ. قَالَ: فَسُئِلَ عَن صِيَامِ الدَّهرِ؟ فَقَالَ: لَا صَامَ وَلَا أَفطَرَ (أَو مَا صَامَ وَمَا أَفطَرَ) قَالَ: فَسُئِلَ عَن صيامِ يَومَينِ وَإِفطَارِ يَومين قَالَ: وَمَن يُطِيقُ ذَلِكَ؟ ! قَالَ: وَسُئِلَ عَن صَومِ يَومٍ وَإِفطَارِ يَومَينِ؟ قَالَ: لَيتَ أَنَّ اللَّهَ قَوَّانَا على ذَلِكَ، قَالَ: وَسُئِلَ عَن صَيامِ يَومٍ\nــ\nوقول عمر: (رضينا. . . .) إلخ؛ يقتضي تسكين غضب رسول الله - ﷺ - من حيث: إنه يقتضي الطواعية الكلية، والانقياد التام، ويتضمن ذلك: مرنا بأمرك ننفذه على أي وجه، وفي أي محل، ومن حيث: التعوذ بالله وبرسوله، وهو الالتجاء إليهما، والاستجارة بهما من غضبهما.\nوقد كان عمر - ﵁ - جعل هذا الكلام هِجِّيراه (١) مع رسول الله - ﷺ - كلما غضب، فإنه قد روي: أنه قال له هذا الكلام مرارًا في مواطن متعددة.\nوقوله - ﷺ - وقد سئل عن صيام الأبد فقال -: (لا صام ولا أفطر)؛ يحتمل أن يكون دعا عليه، لا أنه أخبر عنه، ويحتمل أن يكون خبرًا عن أنه لم يأت بشيء. ووجه ذلك: أن من سرد الصوم صار له عادة، ولم يجد له مشقة، فيعود النهار في حقه كالليل في حق غيره، فكأنه ما صام؛ إذ لم يجد ما يجده الصائم، ولا أفطر لصورة الصوم، وتكون (لا) بمعنى (ما)؛ كما قال تعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى﴾ وحمل كثير من العلماء هذا على ما إذا صام الأيام المحرمة، فأما لو أفطرها: فكرهه قوم، وأجازه آخرون. وقال أبو الطاهر بن بشير: وهو مستحب. وهذا أبعدها.\nوقوله - وقد سئل عن صوم يوم وإفطار يومين: (ليت أن الله قوَّانا على ذلك)؛ يشكل مع وصاله، وقوله: (إني أبيت أطعم وأسقى). ويرتفع الإشكال: بأن\n_________\n(١) \"هجيراه\": أي: دأبه وعادته مع الولع به.","vol":"3","page":186},{"text":"وَإِفطَارِ يَومٍ؟ قَالَ: ذَلكَ صيامُ أَخِي دَاوُدَ، قَالَ: وَسُئِلَ عَن صَومِ يَومِ الإثنَينِ؟ قَالَ: ذَلكَ يَومٌ وُلِدتُ فِيهِ، وَيَوم بُعِثتُ (أَو أُنزِلَ عَلَيَّ فِيهِ) قَالَ: فَقَالَ: صَومُ ثَلَاثَةٍ مِن كُلِّ شَهرٍ، وَرَمَضَانَ إِلَى رَمَضَانَ صَومُ الدَّهرِ، قَالَ:\nــ\nهذا كان منه - ﷺ - في أوقات مختلفة: ففي وقت: يواصل الأيام بحكم القوَّة الإلهية. وفي آخر: يضعف؛ فيقول هذا بحكم الطباع البشرية. ويمكن أن يقال: تمنَّى ذلك دائمًا، بحيث لا يخل بحق من الحقوق التي يخل بها من أدام صومه: من القيام بحقوق الزوجات، واستبقاء القوة على الجهاد، وأعمال الطاعات، والله تعالى أعلم.\nوقوله في يوم الإثنين: (فيه ولدتُّ، وفيه أنبئتُ، وفيه أُنزل عليَّ (١». قلت: وفيه مات. وكل هذا دليل على فضل هذا اليوم مع ما قد ثبت: أنه ﷺ كان يصوم يوم الخميس، ويقول فيه وفي يوم الإثنين: (إنهما يومان تعرض فيهما الأعمال على ربِّ العالمين، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم) (٢).\nوقوله: (صيام ثلاثة أيام من كل شهر، ورمضان إلى رمضان صوم الدهر)؛ هذا إنما كان لأن الحسنة بعشر أمثالها. فثلاث من كل شهر كالشهر بالتضعيف، ورمضان بغير تضعيف شهر، فيكمل دهر السنة. فإن اعتبر رمضان بتضعيفه كان بإزاء عشرة أشهر، فإذا أضيفت ستة أيام شوال كان له صوم ستين بالتضعيف.\nوعلى مقتضى مساق هذا الحديث، وعلى ما تقرر من معناه: تستوي أيام الشهر كلها، ولا فرق بين أن يصوم هذه الثلاثة أيام أول الشهر، أو وسطه، أو آخره. وكذلك قالت عائشة: لم يكن يبالي من أي أيام الشهر كان يصومها (٣). غير أن\n_________\n(١) الحديث بهذا اللفظ ليس في التلخيص ولا في مسلم.\n(٢) رواه الترمذي (٧٤٧) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) رواه مسلم (١١٦٠)، وأبو داود (٣٤٥٣)، والترمذي (٧٦٣).","vol":"3","page":187},{"text":"وَسُئِلَ عَن صَومِ يَومِ عَرَفَةَ فَقَالَ: يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ وَالبَاقِيَةَ قَالَ: وَسُئِلَ عَن صَومِ يَومِ عَاشُورَاءَ. فَقَالَ: يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ.\nرواه أحمد (٥/ ٢٩٦ - ٢٩٧)، ومسلم (١١٦٢) (١٩٦ و١٩٧)، وأبو داود (٢٤٢٦)، والنسائي (٤/ ٢٠٧).\nــ\nالنسائي روى هذا الحديث عن جرير (١)، وقال فيه: صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر (٢)، (أيام البيض) صبيحة ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة.\nوهذا يقتضي تخصيص الثلاثة بأيام الليالي البيض، وهذا - والله تعالى أعلم - لأن الليالي البيض، وقت كمال القمر، ووسط الشهر، وخير الأمور أوساطها، وقد قال رسول الله - ﷺ - لرجل: (هل صمت من سرة شعبان شيئًا؟) (٣). يعني: وسطه وفي رواية أخرى: (من سُرَر)، مكان (سُرة)، وسيأتي.\nوقال ابن حبيب: تصام الثلاثة الأيام: أول يوم من الشهر، والعاشر، والعشرين. قال: وبلغني أن هذا صوم مالك.\nوفي تسمية عرفة: بعرفة، قولان:\nأحدهما: أن جبريل كان يُري إبراهيم المناسك، فيقول: عرفتُ، عرفتُ.\nوثانيهما: أن آدم وحواء تعارفا هنالك.\nوقوله في صيام يوم عرفة: (يكفر السنة التي قبله)؛ يعني السنة التي هو\n_________\n(١) في الأصول: جابر، والتصحيح من مصدر التخريج وجامع الأصول (٦/ ٣٢٩).\n(٢) رواه النسائي (٤/ ٢٢٢).\n(٣) سيأتي برقم (١٠٣١) آخر باب صوم شعبان رقم (٢٣).","vol":"3","page":188},{"text":"[٩٩٣] وَعَن أُمِّ الفَضلِ بِنتِ الحَارِثِ، أَنَّ نَاسًا تَمَارَوا عِندَهَا يَومَ عَرَفَةَ فِي صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ بَعضُهُم: هُوَ صَائِمٌ وَقَالَ بَعضُهُم: لَيسَ بِصَائِمٍ، فَأَرسَلتُ إِلَيهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ، وَهُوَ وَاقفٌ عَلَى بَعِيرِهِ بِعَرَفَةَ فَشَرِبَهُ.\nرواه أحمد (٦/ ٣٤٠)، والبخاري (١٩٨٨)، ومسلم (١١٢٣) (١١٠)، وأبو داود (٢٤٤١).\n* * *\nــ\nفيها؛ لأنه في أواخر السَّنة، والتي بعدها: يعني التي تأتي متصلة بشهر يوم عرفة.\nوعاشوراء: يكفر السَّنة التي بعده؛ لأنه في أوائل السَّنة الآتية.\nوقول أم الفضل: (إن الناس تماروا يوم عرفة في صيام رسول الله - ﷺ - يوم عرفة)؛ معنى تماروا: اختلفوا وتجادلوا. وسبب هذا الاختلاف: أنه تعارض عندهم ترغيب النبي - ﷺ - في صوم يوم عرفة، وسبب الاشتغال بعبادة الحج. فشكُّوا في حاله، فارتفع الشك لما شرب، وفهم منه: أن صوم عرفة إنما يكون فيه ذلك الفضل بغير عرفة، وأن الأولى ترك صومه بعرفة؛ لمشقة عبادة الحج. وقد روى النسائي عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن صيام يوم عرفة بعرفة (١). وهذا لما قلناه، والله تعالى أعلم.\n* * *\n_________\n(١) رواه النسائي (٢٨٣٠) في الكبرى.","vol":"3","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-372>(١٤) باب في صيام يوم عاشوراء وفضله</span>\n[٩٩٤] عَن عَائِشَةَ قَالَت: كَانَت قُرَيشٌ تَصُومُ عَاشُورَاءَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَصُومُهُ، فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ صَامَهُ، وَأَمَرَ\nــ\n(١٤) ومن باب: صيام عاشوراء\nوزنه: فاعولاء، والهمزة. فيه للتأنيث، وهو معدول عن عاشرة للمبالغة والتعظيم، وهو في الأصل: صفة لليلة العاشرة؛ لأنه مأخوذ من العشر الذي هو اسم للعقد الأول. واليوم مضاف إليها، فإذا قلت: يوم عاشوراء. فكأنك قلت: يوم الليلة العاشرة. إلا أنهم لما عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الاسمية. فاستغنوا عن الموصوف، فحذفوا الليلة، وعلى هذا: فيوم عاشوراء هو العاشر؛ قاله الخليل وغيره. وقيل: هو التاسع.\nوسُمِّي: عاشوراء على عادة العرب في الإظماء. وذلك أنهم: إذا وردوا الماء لتسعة سموه: عشرًا؛ وذلك أنهم: يحسبون في الإظماء يوم الورود، فإذا أقامت الإبل في الرعي يومين، ثم وردت في الثالث قالوا: وردت رِبعًا. وإذا وردت في الرابع قالوا: وردت خمسًا؛ لأنهم حسبوا في كل هذا بقية اليوم الذي وردت فيه قبل الرعي وأول اليوم الذي ترد فيه بعده. وهذا فيه بُعد؛ إذ لا يمكن أن يعتبر في عدد ليالي العشر وأيامه ما يعتبر في الإظماء، فتأمله.\nوعلى القول الأول سعيد والحسن ومالك وجماعة من السَّلف. وذهب قوم: إلى أنه التاسع. وبه قال الشافعي متمسِّكًا بما ذكر في الإظماء، وبحديث ابن عباس الآتي إن شاء الله.\nوذهب جماعة من السَّلف: إلى بين صيام التاسع والعاشر. وبه قال الشافعي في قوله الآخر، وأحمد، وإسحاق. وهو قول من أشكل عليه التعيين، فجمع بين الأمرين احتياطًا.\nوقول عائشة -﵂-: (كانت قريش تصوم عاشوراء في الجاهلية)؛ يدل على أن صوم هذا اليوم كان عندهم معلوم المشروعية والقدر،","vol":"3","page":190},{"text":"بِصِومِهِ فَلَمَّا فُرِضَ شَهرُ رَمَضَانَ، قَالَ: مَن شَاءَ صَامَهُ وَمَن شَاءَ تَرَكَهُ.\nرواه أحمد (٦/ ١٦٢)، والبخاري (٣٨٣١)، ومسلم (١١٢٥) (١١٣)، والترمذي (٧٥٣).\n[٩٩٥] ومثله عن ابن عمر، وقال: لَمَّا افتُرِضَ رَمَضَانُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: إِنَّ يوم عَاشُورَاءَ يَومٌ مِن أَيَّامِ اللَّهِ فَمَن شَاءَ صَامَهُ، وَمَن شَاءَ تَرَكَهُ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ عَبد الله لا يصومه إلا أن يوافق صيامه.\nرواه أحمد (٥٧ و١٤٣)، والبخاري (٤٥٠١)، ومسلم (١١٢٦) (١١٧ و١١٩)، وأبو داود (٢٤٤٣).\nــ\nولعلهم كانوا يستندون في صومه: إلى أنه من شريعة إبراهيم وإسماعيل صلوات الله وسلامه عليهما؛ فإنهم كانوا ينتسبون إليهما، ويستندون في كثير من أحكام الحج وغيره إليهما.\nوصوم رسول الله - ﷺ - له يحتمل أن يكون بحكم الموافقة لهم عليه، كما وافقهم على أن حج معهم على ما كانوا يحجون: أعني: حجته الأولى التي حجها قبل هجرته، وقبل فرض الحج؛ إذ كل ذلك فعل خير.\nويمكن أن يقال: أذن الله تعالى له في صيامه، فلما قدم المدينة وجد اليهود يصومونه، فسألهم عن الحامل لهم على صومه؟ فقالوا ما ذكره ابن عباس: إنه يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرَّق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا، فنحن نصومه. فقال النبي - ﷺ -: (فنحن أحق وأولى بموسى منكم)؛ فحينئذ صامه بالمدينة، وأمر بصيامه. أي: أوجب صيامه، وأكد أمره؛ حتى كانوا يُصَّومون الصغار، فالتزمه - ﷺ - وألزمه أصحابه إلى أن فرض شهر رمضان، ونسخ وجوب صوم يوم عاشوراء، فقال إذ ذاك: (إن الله لم يكتب عليكم صيام هذا اليوم)، ثم خَيَّر في صومه وفطره، وأبقى عليه الفضيلة بقوله: (وأنا صائم)، كما جاء في حديث","vol":"3","page":191},{"text":"[٩٩٦] وعن حُمَيدُ بنُ عَبدِ الرَّحمَنِ، أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ خَطبهم بِالمَدِينَةِ فِي قَدمَةٍ قَدِمَهَا يَومَ عَاشُورَاءَ فَقَالَ: أَينَ عُلَمَاؤُكُم يَا أَهلَ المَدِينَةِ؟ سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: لِهَذَا اليَومِ: هَذَا يَومُ عَاشُورَاءَ وَلَم يَكتُب اللَّهُ عَلَيكُم صِيَامَهُ وَأَنَا صَائِمٌ، فَمَن أَحَبَّ مِنكُم أَن يَصُومَ فَليَصُم، وَمَن أَحَبَّ أَن يُفطِرَ فَليُفطِر.\nرواه أحمد (٤/ ٩٥)، والبخاري (٢٠٠٣)، ومسلم (١١٢٩).\n[٩٩٧] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدِمَ المَدِينَةَ فَوَجَدَ اليَهُودَ صِيَامًا يَومَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ لَهُم رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: مَا هَذَا اليَومُ الَّذِي تَصُومُونَهُ؟ فَقَالُوا: هَذَا يَومٌ عَظِيمٌ أَنجَى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَقَومَهُ، وَغَرَّقَ فِرعَونَ وَقَومَهُ، فَصَامَهُ مُوسَى شُكرًا، وَنَحنُ نَصُومُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: فَنَحنُ أَحَقُّ وَأَولَى بِمُوسَى مِنكُم فَصَامَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ.\nرواه أحمد (١/ ٢٩١ و٣١٠)، والبخاري (٢٠٠٤)، ومسلم (١١٣٠) (١٢٨)، وأبو داود (٢٤٤٤)، وابن ماجه (١٧٣٤).\nــ\nمعاوية.\nوعلى هذا: فلم يصم النبي - ﷺ - عاشوراء اقتداء باليهود؛ فإنه كان يصومه قبل قدومه عليهم، وقبل علمه بحالهم، لكن الذي حدث له عند ذلك إلزامه والتزامه استئلافًا لليهود، واستدراجًا لهم، كما كانت الحكمة في استقباله قبلتهم، وكان هذا الوقت هو الوقت الذي كان النبي - ﷺ - يحب فيه موافقة أهل الكتاب فيما لم ينه عنه.\nوقول معاوية لأهل المدينة: (أين علماؤكم؟) إنما خصَّ العلماء بالنداء ليلقِّنوا عنه، وليصدِّقوه؛ إذ قد كان عِلمُ ذلك عند كثير منهم، وذلك لأنهم أعلم بأحاديث رسول الله - ﷺ - وأحواله من غيرهم. وسؤال النبي - ﷺ - لليهود عن يوم","vol":"3","page":192},{"text":"[٩٩٨] وعنه: وَسُئِلَ عَن صِيَامِ يَومِ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: مَا عَلِمتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- صَامَ يَومًا يَطلُبُ فَضلَهُ عَلَى الأَيَّامِ إِلَّا هَذَا اليَومَ، وَلَا شَهرًا إِلَّا هَذَا الشَّهرَ، يَعنِي: رَمَضَانَ.\nرواه مسلم (١١٣٢)، والبخاري (٢٠٠٦) بنحوه، وانظره في الترغيب والترهيب برقم (١٥٠٦).\n[٩٩٩] وعنه، قال حِينَ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَومَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُ يَومٌ يُعَظِّمُهُ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: فَإِذَا كَانَ العَامُ المُقبِلُ إِن شَاءَ اللَّهُ صُمنَا اليَومَ التَّاسِعَ، قَالَ: فَلَم يَأتِ العَامُ المُقبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-.\nــ\nعاشوراء إنما كان ليستكشف السبب الحامل لهم على الصوم، فلما علم ذلك قال لهم كلمة حق تقتضي تأنيسهم واستجلابهم، وهي: (نحن أحق وأولى بموسى منكم)؛ ووجه هذه الأولوية (١): أنه عَلِم من حال موسى وعظيم منزلته عند الله، وصحة رسالته وشريعته، ما لم يعلموه هم، ولا أحد منهم.\nوفي حديث ابن عباس الآخر قول الصحابة للنبي - ﷺ -: (إن يوم عاشوراء يوم تعظمه اليهود. . .)؛ كان هذا القول من النبي - ﷺ - بعد أن تمادى على صومه عشر سنين أو نحوها، بدليل: أن أمره بصومه إنما كان حين قدم المدينة، وهذا القول الآخر كان في السَّنة التي توفي فيها في يوم عاشوراء من محرم تلك السنة، وتوفي هو - ﷺ - في شهر ربيع الأول منها، لم يختلف في ذلك؛ وإن كانوا اختلفوا في أي يوم منه. وأصح الأقوال: في الثاني عشر منه، والله تعالى أعلم.\nوقوله - ﷺ -: (فإذا كان العام المقبل صمنا اليوم التاسع)؛ إنما قال هذا - ﷺ -\n_________\n(١) في (هـ): الأولية.","vol":"3","page":193},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: لَئِن بَقَيت إلى قابل لأصومن التاسع.\nرواه أحمد (١/ ٢٢٥ و٢٣٦)، ومسلم (١١٣٤) (١٣٣ و١٣٤)، وابن ماجه (١٧٣٦).\n[١٠٠٠] وعَن الحَكَمِ بنِ الأَعرَجِ قَالَ: انتَهَيتُ إِلَى ابنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ رِدَاءَهُ فِي زَمزَمَ فَقُلتُ لَهُ: أَخبِرنِي عَن صَومِ عَاشُورَاءَ. فَقَالَ: إِذَا رَأَيتَ هِلَالَ المُحَرَّمِ فَاعدُد وَأَصبِح يَومَ التَّاسِعِ صَائِمًا. قُلتُ: هَكَذَا كَانَ محمد -ﷺ- يَصُومُهُ؟ قَالَ: نَعَم.\nرواه أحمد (١/ ٢٣٩ و٢٨٠)، ومسلم (١١٣٣)، وأبو داود (٢٤٤٦)، والترمذي (٧٥٤).\nــ\nلحصول فائدة الاستئلاف المتقدم. وكانت فائدته: إصغاءهم لما جاء به حتى يتبين لهم الرشد من الغي، فيحيا من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة. ولما ظهر عنادهم كان يحب مخالفتهم - أعني: أهل الكتاب - فيما لم يؤمر به. وبهذا النظر، وبالذي تقدَّم يرتفع التعارض المتوهم في كونه - ﷺ - كان يحب موافقة أهل الكتاب، وكان يحب مخالفتهم. وأن ذلك في وقتين وحالتين، لكن الذي استقر حاله عليه: أنه كان يحب مخالفتهم؛ إذ قد وضح الحق، وظهر الأمر ولو كره الكافرون.\nوقوله: (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع)؛ ظاهره: أنه كان عزم على أن يصوم التاسع بدل العاشر. وهذا هو الذي فهمه ابن عباس، حتى قال للذي سأله عن يوم عاشوراء: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائمًا. وبهذا تمسَّك من رآه التاسع. ويمكن أن يقول: من رأى صوم التاسع والعاشر: ليس فيه دليل على أنه يترك صوم العاشر، بل وعد بأن يصوم التاسع مضافًا إلى العاشر، وفيه بُعد عند تأمل مساق الحديث، مبنيًا على أنه جواب سؤالٍ سبق، فتأمَّله.\nوقول ابن عباس: (هكذا كان رسول الله - ﷺ - يصومه)؛ يعني: أنه لو عاش","vol":"3","page":194},{"text":"[١٠٠١] وَعَن الرُّبَيِّعِ بِنتِ مُعَوِّذِ بنِ عَفرَاءَ، قَالَت: أَرسَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنصَارِ الَّتِي حَولَ المَدِينَةِ: مَن كَانَ أَصبَحَ صَائِمًا فَليُتِمَّ صَومَهُ، وَمَن كَانَ أَصبَحَ مُفطِرًا فَليُتِمَّ بَقِيَّةَ يَومِهِ، فَكُنَّا\nــ\nلصامه كذلك؛ لِوَعدِه الذي وعد به، لا أن رسول الله - ﷺ - صام اليوم التاسع بدل العاشر؛ إذ لم يسمع ذلك عنه، ولا رُوي قط.\nوقول الرُّبَيع: (أرسل رسول الله - ﷺ - غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار)؛ أي: إلى قرى المدينة. وإنما خصَّ هذا الوقت بالإرسال؛ لأنه الوقت الذي أوحي إليه فيه في شأن صوم عاشوراء. وهذا مما يدل على أنه كان واجبًا؛ إذ لا ينتهي الاعتناء بالندب غالبًا إلى أن يفعل فيه هكذا من الإفشاء، والأمر به، وبيان أحكامه، والإبلاغ لمن بَعُدَ، وشدة التهمم.\nولما فهمت الصحابة هذا التزموه، وحملوا عليه صغارهم الذين ليسوا بمخاطبين بشيء من التكاليف تدريبًا، وتمرينًا، ومبالغة في الامتثال والطواعية. على أن جمهور من قال من العلماء: إن الصغار يؤمرون بالصلاة وهم أبناء سبع، ويضربون عليها وهم أبناء عشر؛ ذهبوا إلى أنهم: لا يؤمرون بالصوم لمشقته عليهم، بخلاف الصلاة.\nوقد شذَّ عروة فقال: إن من أطاق الصوم منهم وجب عليه. وهذا مخالف لما عليه جمهور المسلمين؛ ولقوله - ﷺ -: (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ) (١)، ولقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطفَالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَليَستَأذِنُوا﴾\nوقوله في حديث سلمة بن الأكوع (٢): (من كان لم يصم فليصم، ومن كان أكل فليتم صومه إلى الليل)؛ ظاهر هذا: جواز إحداث نية الصوم في أضعاف\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٣٩٩ و٤٤٠٠)، والترمذي (١٤٢٣) من حديث ابن عباس.\n(٢) انظر حديث سلمة بن الأكوع في صحيح مسلم (١١٣٥). وعبارته في تبييت النية تتفق مع عبارة رواية الربيع. فتأمَّل.","vol":"3","page":195},{"text":"بَعدَ ذَلِكَ نَصُومُهُ وَنُصَوِّمُ صِبيَانَنَا الصِّغَارَ مِنهُم إِن شَاءَ اللَّهُ، وَنَذهَبُ إِلَى المَسجِدِ فَنَجعَلُ لَهُم اللُّعبَةَ مِن العِهنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُم عَلَى الطَّعَامِ أَعطَينَاهَا إِيَّاهُ عِندَ الإِفطَارِ.\nــ\nالنهار، ولا يلزم التبييت.\nوقد اختلف في ذلك: فذهب أبو حنيفة، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور: إلى جواز ذلك في النفل. وخصَّ طائفة منهم جواز ذلك بما قبل الزوال؛ منهم: الشافعي في أحد قوليه. وذهب مالك، وابن أبي ذئب، والليث، والمزني: إلى أنه لا يصح صوم إلا بنية من الليل. وذهب الكوفيون: إلى أن كل ما فرض من الصوم في وقت معين؛ فإنه لا يحتاج إلى تبييت نية، ويجزئه إذا نواه قبل الزوال. وهو قول الأوزاعي، وإليه ذهب عبد الملك بن الماجشون، ورواه عن مالك فيمن لم يعلم برمضان إلا في يومه. وذهب مالك في المشهور عنه، والشافعي، وأحمد، وعامتهم: إلى أن الفرض لا يجزئ إلا بنية من الليل. وهذا هو الصحيح بدليل ما رواه النسائي عن حفصة، والدارقطني عن عائشة: أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل) (١). وغاية ما قيل في هذا الحديث: أنه روي موقوفًا. والمسندون له (٢) ثقات. ولا حجة فيما تقدم من ابتداء الصيام في يوم عاشوراء؛ لأنه كان ذلك في أول الأمر، وهو منسوخ كما قد تقدم. ولو سلم أنه ليس بمنسوخ؛ لأمكن أن يقال بموجبه. فإن من تذكر فرض صوم يوم هو فيه، أو ثبت أنه صوم يومه لزمه إتمام صومه.\nوهذا مما لا يختلف فيه، لكن عليه قضاؤه؛ إذ الصوم المطلوب منه لم يأت به؛ فإنه طلب منه صوم يوم كامل، وهذا بعض يوم. هذا مع ما قد رواه أبو داود من أنه قال - ﷺ -: (فأتموا بقية يومكم واقضوه) (٣)؛ يعني: عاشوراء.\nوقولها: (ونصنع لهم اللعبة من العهن). اللعبة: ما يُلعب به. والعهن:\n_________\n(١) رواه النسائي (٤/ ١٩٦)، والدارقطني (٢/ ١٧٣).\n(٢) ساقط من (ع).\n(٣) رواه أبو داود (٢٤٤٧).","vol":"3","page":196},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: وَنَصنَعُ لَهُم اللُّعبَةَ مِن العِهنِ، فَنَذهَبُ بِهِ مَعَنَا، فَإِذَا سَأَلُوا الطَّعَامَ أَعطَينَاهُم اللُّعبَةَ تُلهِيهِم حَتَّى يُتِمُّوا صَومَهُم.\nرواه أحمد (٦/ ٣٥٩ - ٣٦٠)، والبخاري (١٩٦٠)، ومسلم (١١٣٦) (١٣٦ و١٣٧).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-373>(١٥) باب النهي عن صيام يوم الفطر ويوم الأضحى وكراهية صوم أيام التشريق</span>\n[١٠٠٢] عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى عَن صِيَامِ يَومَينِ: يَومِ الأَضحَى وَيَومِ الفِطر.\nرواه أحمد (٤/ ٥١١)، والبخاري (١٩٩٣)، ومسلم (١١٣٨).\nــ\nالصوف الأحمر. ونلهيهم: نشغلهم. وهذا أمر فعله النساء بأولادهن، ولعل النبي - ﷺ - لم يعرف ذلك، وبعيد أن يأمر النبي - ﷺ - بذلك؛ لأنه تعذيب صغير بعبادة شاقة غير متكررة في السَّنة.\n(١٥) ومن باب: النهي عن صيام يوم الفطر ويوم الأضحى\nنهيه - ﷺ - عن صيام يوم الفطر ويوم الأضحى محمول على التحريم عند كافة العلماء، فلا يجوز الإقدام على صومهما؛ أي نوع من أنواع الصوم كان، لا يختلف في ذلك. ثم لا ينعقد صومه إن وقع عند عامتهم غير أبي حنيفة؛ فإنه ينعقد عنده إذا أوقع.\nواختلف فيمن نذرهما، هل يلزمه قضاؤهما أو لا يلزمه؟ قولان. وبالأول قال أبو حنيفة وصاحباه، والشافعي والأوزاعي في أحد قوليهما.","vol":"3","page":197},{"text":"[١٠٠٣] ونحوه عن أبي سعيد.\nرواه مسلم (٨٢٧) (١٤١) في الصوم.\n[١٠٠٤] وعَن عَائِشَةَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَن صَومَينِ: يَومِ الفِطرِ وَيَومِ الأَضحَى.\nرواه مسلم (١١٤٠).\n[١٠٠٥] وعَن أَبِي عُبَيدٍ مَولَى ابنِ أَزهَرَ، أَنَّهُ قَالَ: شَهِدتُ العِيدَ مَعَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، فَجَاءَ فَصَلَّى، ثُمَّ انصَرَفَ فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: إِنَّ هَذَينِ يَومَانِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَن صِيَامِهِمَا؛ يَومُ فِطرِكُم مِن صِيَامِكُم وَالآخَرُ يَومٌ تَأكُلُونَ فِيهِ مِن نُسُكِكُم.\nرواه البخاري (٥٥٧١)، ومسلم (١١٣٧)، وأبو داود (٢٤١٦)، والترمذي (٧٧١)، وابن ماجه (١٧٢٢).\n[١٠٠٦] وعن أبي سعيد الخدري، قال: سَمِعتُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-\nــ\nوبالثاني قال مالك، وزفر. وهو قول الشافعي. وسببه: هل النهي عن صومهما راجع إلى ذات المنهي عنه، أو إلى وصف فيه، كما يعرف في الأصول؟\nوقول عمر: (يوم فطركم من صيامكم، ويوم تأكلون فيه من نسككم)؛ تنبيه على الحكمة التي لأجلها حرم صوم هذين اليومين. أما يوم الفطر: فيتحقق به انقضاء زمان مشروعية الصوم. ويوم النحر: فيه دعوة الله التي دعا عباده إليها من تضييفه، وإكرامه لأهل منى وغيرهم، بما شرع لهم من ذبح النسك والأكل منها. فمن يصوم هذا اليوم فإنه ردٌّ على الله كرامته. وإلى هذا أشار أبو حنيفة. والجمهور على أنه شرع غير معلل.","vol":"3","page":198},{"text":"يَقُولُ: لَا يَصلُحُ الصِّيَامُ فِي يَومَينِ: يَومِ الأَضحَى وَيَومِ الفِطرِ مِن رَمَضَانَ.\nرواه البخاري (١٩٩٥)، ومسلم (٨٢٧) (١٤٠) في الصوم، وأبو داود (٢٤١٧)، والترمذي (٧٧٢)، وابن ماجه (٢٨٩٨).\n[١٠٠٧] وَعَن نُبَيشَةَ الهُذَلِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ-: أَيَّامُ التَّشرِيقِ أَيَّامُ أَكلٍ وَشُربٍ وَذِكرٍ لِلَّهِ.\nرواه مسلم (١١٤١).\nــ\nوقوله - ﷺ -: (لا يصلح الصيام في يوم الأضحى ويوم الفطر)؛ حجة للجمهور على أن الصوم فيهما لا ينعقد.\nنبيشة الهذلي: بالنون المضمومة، والباء المفتوحة، وياء التصغير: كأنه تصغير نبشة، وهو صحابي معروف، وهو ابن عم سلمة بن المحبق، وهو نبيشة بن عمرو بن سلمة الهذلي، وسماه رسول الله - ﷺ -: نبيشة الخير.\nووقع في نسخة ابن ماهان: الهذلية، تخيله امرأة، وهو وهم، وليس في الصحابيات من تسمى بهذا الاسم، وإنما فيهن: نسيبة، بتقديم السين المهملة.\nوقوله: (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله)؛ هذا المساق يدل على أن صومها ليس محرمًا؛ كصوم يومي العيدين؛ إذ لم ينه عنها كما نهى عن صوم يوم العيدين، ولذلك قال بجواز صومها مطلقًا بعض السَّلف، ومنع أبو حنيفة صومها حتى للمتمتع الذي لا يجد الهدي، وروي عن الشافعي مثل ذلك. وأجاز مالك والشافعي - في أشهر قوليه - والأوزاعي صومها للمتمتع خاصة، وهو الصحيح؛ لما رواه البخاري عن عائشة، وابن عمر: أنهما قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي (١).\nوفي مذهب مالك خلاف فيمن نذرها، أو\n_________\n(١) رواه البخاري (١٩٩٨).","vol":"3","page":199},{"text":"[١٠٠٨] وعَن ابنِ كَعبِ بنِ مَالِكٍ، عَن أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- بَعَثَهُ وَأَوسَ بنَ الحَدَثَانِ أَيَّامَ التَّشرِيقِ، فَنَادَيا: إِنَّهُ لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا مُؤمِنٌ، وَأَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ أَكلٍ وَشُربٍ.\nرواه مسلم (١١٤٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-374>(١٦) باب النهي عن اختصاص يوم الجمعة بصيام واختصاص ليلته بقيام</span>\n[١٠٠٩] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ-: لَا يَصُم أَحَدُكُم يَومَ الجُمُعَةِ إِلَّا أَن يَصُومَ قَبلَهُ، أَو يَصُومَ بَعدَه.\nــ\nنذر صومًا هي فيه، هل يصومها أم لا؟ فإذا لم يصمها، فهل يلزمه قضاؤها أم لا؟ كل ذلك مفصل في كتب مذهبه.\nوقوله: (وذكرٍ لله)؛ فيه حجة لندبية التكبير في أيام العيد. وسميت أيام التشريق: لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها. وأضافها إلى (منى)؛ لأن الحاج فيها في منى.\nوإنما أمر - ﷺ - أن يُنادى في الموسم: (لا يدخل الجنَّة إلا مؤمن)؛ ليسمع من لم يحضر خطبة النبي - ﷺ -، وليسمع من كان هنالك من المنافقين، حتى يحققوا إيمانهم، ويجددوا يقينهم.\n(١٦) ومن باب: النهي عن اختصاص يوم الجمعة بصوم\nقوله ﷺ: (لا يصم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله، أو يصوم بعده)","vol":"3","page":200},{"text":"رواه أحمد (٢/ ٤٩٥)، والبخاري (١٩٨٥)، ومسلم (١١٤٤) (١٤٧)، والترمذي (٧٤٣)، وابن ماجه (١٧٢٣).\n[١٠١٠] وعنه، عَن النَّبِيِّ - ﷺ- قَالَ: لَا تَختَصُّوا لَيلَةَ الجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِن بَينِ اللَّيَالِي وَلَا تَخُتصُّوا يَومَ الجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِن بَينِ الأَيَّامِ، إِلَّا أَن يَكُونَ فِي صَومٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُم.\nرواه أحمد (٢/ ٣٩٤)، ومسلم (١١٤٤) (١٤٨).\n* * *\nــ\nبظاهر هذا الحديث قال الشافعي وجماعة. وأما مالك فقال في موطئه: لم أسمع أحدًا من أهل العلم والفقه ومن يقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامه حسنٌ، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه وأراه كان يتحراه، وقيل: إنه محمد بن المنكدر.\nقال الداودي: لم يبلغ مالكًا هذا الحديث، ولو بلغه لم يخالفه.\nقلت: ومقصود هذا الحديث: ألا يُخص بصوم يعتقد وجوبه، أو لئلا يلتزم الناس من تعظيمه ما التزمه اليهود في سبتهم؛ من تركهم الأعمال كلها: يعظمونه بذلك.\nوالحديث الثاني نصٌّ في النهي عن خصوصية يوم الجمعة وليلته بصيام وقيام، فليعمل عليه.\n* * *","vol":"3","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-375>(١٧) باب نسخ الفدية، ومتى يقضى رمضان</span>\n[١٠١١] عَن سَلَمَةَ بنِ الأَكوَعِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِديَةٌ طَعَامُ مِسكِينٍ﴾ كَانَ مَن أَرَادَ أَن يُفطِرَ وَيَفتَدِيَ حَتَّى نَزَلَت الآيَةُ الَّتِي بَعدَهَا فَنَسَخَتهَا.\nــ\n(١٧) ومن باب: نسخ الفدية\nقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِديَةٌ طَعَامُ مِسكِينٍ﴾ اختلف في قراءتها، وفي معناها، فأما قراءتها: فالجمهور على: (يُطِيقُونَهُ) بكسر الطاء وسكون الياء، وأصله: يطوقونه (١)، وكذلك قراءة حميد.\nومشهور قراءة ابن عباس: يُطوقُونه. وقد روي عنه: يطيقُونه. وقرأت عائشة وطاوس وعمرو بن دينار: يطوقُونه.\nفأما قراءة الجمهور فمعناها: يقدرون عليه. وعلى هذا تكون الآية منسوخة كما قال سلمة بن الأكوع، وابن عمر، ومعاذ بن جبل، وعلقمة، والنخعي، والحسن، والشعبي، وابن شهاب.\nوقال السُّدي: هم الذين كانوا يطيقونه وهم بحال الشباب ثم استحالوا بالشيخ فلا يستطيعون الصوم. وهي عنده محكمة، وتلزم الشيوخ عنده الفدية. ونحوه عن ابن عباس، وزاد: المريض الذي لا يقدر على الصوم، وعضد هذا بقراءته المذكورة قبل.\nقال القاضي أبو محمد (٢) بن عطية: الآية عند مالك؛ إنما هي فيمن يدركه رمضان وعليه صوم من رمضان المتقدم، فقد كان يطيق في تلك المدة الصوم، فترك، فعليه الفدية.\nوحكى الطبري عن عكرمة: أنه كان يقرؤها: وعلى الذين يطيقونه فأفطروا.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٢) في الأصول (أبو بكر) والمثبت من (ع)، وانظره في السير (١٩/ ٥٨٧).","vol":"3","page":202},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: حَتَى أُنزِلَت هَذِهِ الآية: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهرَ فَليَصُمهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].\nرواه البخاري (٤٥٠٦)، ومسلم (١١٤٥) (١٤٩ و١٥٠)، وأبو داود (٢٣١٥)، والترمذي (٧٩٨)، والنسائي (٤/ ١٩٠).\nــ\nوأما قراءة: يُطوقُونه؛ فمعناه: يكلفونه مع المشقة اللاحقة لهم كالمريض والحامل؛ فإنهما يقدران عليه؛ لكن بمشقة تلحق رضيعها، فذهب بعض الناس: إلى أنها محكمة لهؤلاء، فإن صاموا أجزأهم، وإن افتدوا فلهم ذلك، وقاله ابن عباس فيما حكاه عنه البخاري، وأبو داود، ورأيا: أنها ليست بمنسوخة؛ لكنها مثبتة للشيخ والمرأة الكبيرة اللذين لا يستطيعان أن يصوما، وللحامل والمرضع.\nو﴿يُطِيقُونَهُ﴾ بالياء مكان الواو مشددة، مبنيًّا للمفعول، مثل: (يَطَوَّقُونه) بالمعنى. فأما قراءة عائشة: فأصلها: (يَتَطَوَّقُونه) فأُدغمت التاء في الطاء، ومعناها: يتكلفون ذلك بأنفسهم مع المشقة، ويرجع ذلك لما تقدَّم في المريض ومن ذكر معه.\nفأما قوله تعالى: ﴿فِديَةٌ طَعَامُ مِسكِينٍ﴾ ففدية: مرفوع بالابتداء، والخبر محذوف؛ أي: فعليهم فدية، أو خبر مبتدأ؛ أي: فحكمهم فدية. وقراءة نافع وابن عامر: ففديةُ طعامِ بإضافة فِديَةٌ إلى طَعَامٍ وجمع مَسَاكِينِ. وقرأ هشام: فِديَةٌ طَعَامُ (١)، بتنوين فِديَةٌ ورفع طَعَامُ على أن الطعام بدل منها. وقرأ بقية السبعة كذلك، إلا أنهم وحدوا مَسَاكِينِ وهي قراءة: حسنة؛ لأنها بيَّنت: أن الواجب في فطر يوم إطعام مسكين واحد، فأما الجمع فلا يعرف من مساق الآية هل هم أعني: المساكين - بإزاء يوم واحد، أو بإزاء أيام؟ وإنما يعلم ذلك من دليل آخر.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"3","page":203},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nثم اختلفوا في مقدار هذا الطعام حيث يجب: فذهب مالك وجماعة من العلماء: إلى أنه مُدٌّ لكل مسكين بمد النبي - ﷺ -، وقد تقدَّم في الزكاة.\nوقال أشهب: مُدّ وثلث بمد أهل المدينة. وقال قوم: قوت يوم عشاء وسحور. وقال سفيان الثوري، وأبو حنيفة: نصف صاع من قمح، وصاع من تمر أو زبيب.\nوقوله: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيرًا فَهُوَ خَيرٌ لَهُ﴾؛ أي: من تطوع بزيادة على إطعام مسكين، قاله ابن عباس وجماعة. وقال ابن شهاب: من أراد الإطعام مع الصوم. وقال مجاهد: من زاد في الإطعام على المد.\nوخَيرٌ الأول والثاني بمعنى: أَخيَر، وأفضل، معناه: من تطوَّع بأكثر من ذلك فهو أفضل عند الله.\nوقوله: ﴿وَأَن تَصُومُوا خَيرٌ لَكُم﴾؛ أي: الصوم خير. وكذلك قرأها أُبَيّ. ومعناه: أن الصوم أفضل وأولى من الفدية.\nوقول سلمة بن الأكوع: إن ذلك نسخ بقوله: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهرَ فَليَصُمهُ﴾ هذا مقبول من قول الصحابي؛ لأنه أعلم بالمقال، وأقعد بالحال، كما إذا قال: أمر ونهى. ووجه النسخ في هذا واضح؛ وهو: أن آية الفدية تقتضي التخيير بين الفدية والصوم مطلقًا، كما قال سلمة. وهذه الآية الأخرى جاءت جازمة بالصوم لمن شهد الشهر، رافعة لذلك التخيير.\nومعنى: شهد الشهر؛ أي: حضر فيه مقيمًا في المصر. هذا قول جمهور العلماء، وعلى هذا يكون الشَّهرَ منصوبًا على الظرف، ويكون معناه عندهم: أن من دخل عليه الشهر وهو مسافر، أو طرأ عليه فيه سفر؛ لم يجب عليه صومه.\nوروي عن عليّ، وابن عباس، وعبيدة السلماني: أن معنى مَن شَهِدَ: من حضر دخول الشهر، وكان مقيمًا في أوله فليكمل صيامه، سافر بعد ذلك أو أقام؛ وإنما يفطر في السفر من دخل عليه رمضان وهو في السفر.\nقلت: وهذا القول يردّه فطر النبي - ﷺ - وأصحابه في السَّفر الطارئ عليهم بفتح مكة، على ما تقدَّم. وقد كانوا ابتدؤوا الصوم في الحضر. وقال أبو حنيفة: من","vol":"3","page":204},{"text":"[١٠١٢] وعن عَائِشَةَ قالت: كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّومُ مِن رَمَضَانَ فَمَا أَستَطِيعُ أَن أَقضِيَهُ إِلَّا فِي شَعبَانَ\nــ\nشهد الشهر بشروط التكليف فليصمه، ومن دخل عليه وهو مجنون، وتمادى به طول الشهر فلا قضاء عليه؛ لأنه لم يشهد الشهر بصفة يجب بها الصيام. ومن جُنَّ أول الشهر، أو آخره؛ فإنه يقضي أيام جنونه.\nقال القاضي أبو محمد بن عطية: ونصب الشهر على هذا التأويل على المفعول الصريح: بـ (شَهِدَ).\nقلت: وتكميله أن يكون شُهَدَ بمعنى: شاهد.\nوقول عائشة -﵂-: (أنها يكون عليها الصوم فما تستطيع أن تقضيه حتى يأتي شعبان)؛ فيه حجة على أن قضاء رمضان ليس على الفور؛ خلافًا لداود في إيجابه إياه ثاني شوال، ومن لم يصمه كذلك فهو آثم عنده. وهذا الذي صار إليه داود خلافًا لما يفهم من هذا الحديث ومن قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِن أَيَّامٍ أُخَرَ﴾؛ فإنه لم يعينها، ولا قيدها بقيدٍ، فتعيينها تحكم بغير دليل.\nوحديث عائشة هذا وإن لم تصرح فيه برفعه إلى رسول الله - ﷺ - فإنه يعلم: أنه لا يخفى مثله عنه، ولا أن أزواجه ينفردن بآرائهن في مثل هذا الأمر المهم الضروري، فالظاهر: أن ذلك عن إذن النبي - ﷺ - وتسويفه لهن ذلك. فوقت قضائه على هذا: من شوال إلى شعبان. وهو قول مالك، والشافعي. فله أن يوقعه في أي وقت من أوقات المدة المذكورة شاء. وحينئذ يأثم مؤخره عن شعبان لتفريطه.\nثم هل تلزمه كفارة لذلك، أم لا تلزمه؟ فالأول قول مالك، والشافعي، ومعظمهم. وقال به ابن عباس، وعائشة. وذهب أبو حنيفة، وأصحابه، وداود: إلى أنه لا كفارة عليه.\nثم اختلف أصحابنا فيما به يكون مفرطًا: فمعظم الشيوخ: على أنه لا يكون مفرطًا إلا بترك القضاء عند خروج مقدار ما عليه من أيام الصوم من شعبان. ولو صح من سنته، ثم جاءه ما منعه حتى دخل عليه رمضان؛ لم تلزمه الكفارة.\nوقال بعضهم: إنه تراعى صحته، وإقامته من أول عامه، فمن صح من","vol":"3","page":205},{"text":"الشُّغلُ مِن رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ- أَو بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ-.\nوَفِي رِوَايَةٍ: وذلك لمكان رسول الله ﷺ.\nرواه البخاري (١٩٥٠)، ومسلم (١١٤٦) (١٥١)، وأبو داود (٢٣٩٩)، والترمذي (٧٨٣)، والنسائي (٤/ ١٩١).\nــ\nشوال فما بعده مدة يمكنه فيه قضاء ما عليه فلم يفعل حتى جاءه ما منعه حتى دخل عليه رمضان؛ فقد لزمته الكفارة. ونحوه في المدونة.\nقلت: والقول الأول جار على القياس في التوسيع لوقت الصلاة؛ فإنه لو صح في أول وقت الصلاة، ثم أغمي عليه مثلًا؛ حتى خرج الوقت؛ أعني: وقت الضرورة عند أصحابنا لم يلزمه قضاء، وعلى ذلك القياس: لو مات في أثناء السنة لم يقضِ. وقد حكى أبو حامد: إجماع السَّلف على ذلك القياس في الصلاة، اللهم إلا أن يخاف الفوت لحضور سببه؛ فيتعين الفعل إذ ذاك، فإن أخره أثم.\nوأما القول الثاني: فإنما يتمشى على مذهب من يقول: إنه مُوسَّعٌ بشرط سلامة العاقبة، كما يقوله الكرخي. ولا نعلم أحدًا من أصحابنا قال به، غير أن هذا الفرع يقتضي مراعاة ذلك الأصل، والله تعالى أعلم.\nثم اختُلف في قضاء رمضان: هل من شرطه التتابع؟ وبه قال جماعة من الصحابة، والتابعين، وأهل الظاهر. أو ليس من شرطه ذلك. وهو مروي أيضًا عن جماعة من الصحابة، والتابعين، وكافة علماء الأمصار متمسكين بإطلاق قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِن أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ والتقييد لا بُدَّ فيه من دليل، ولا حجة في قراءة عبد الله متتابعات؛ إذ ليست تلك الزيادة بقرآن متواتر، ولا مرفوعة إلى النبي - ﷺ -، فلا يعمل بها، وهي محمولة على أنها من تفسير ابن مسعود لرأي رآه. والله تعالى أعلم.\nوقولها: (الشغل من رسول الله - ﷺ - ولمكان رسول الله - ﷺ -)، وفي الرواية","vol":"3","page":206},{"text":"[١٠١٣] وعَنهَا قَالَت: إِن كَانَت إِحدَانَا لَتُفطِرُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ- فَمَا تَقدِرُ عَلَى أَن تَقضِيَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ- حَتَّى يَأتِيَ شَعبَانُ.\nرواه مسلم (١١٤٦) (١٥٢).\n* * *\nــ\nالثالثة: (فما نقدر أن نقضيه مع رسول الله ﷺ)؛ كل هذه الألفاظ محوِّمَةٌ على أن مراعاة حقوق رسول الله - ﷺ - في أزواجه كانت الموجبة لتأخير قضاء رمضان إلى شعبان.\nوتفيد أن تأخير القضاء إلى شعبان مسوغ، وأن المبادرة به أولى، وأن ذلك التأخير كان عن إذنه - ﷺ -. وارتفع (الشغل) في الرواية الأولى على أنه فاعل بفعل مضمر، دلَّ عليه المساق؛ كأنها قالت: منعني الشغل.\nوظاهر مساق الألفاظ: أنها من قول عائشة، وخصوصًا: في الرواية الثالثة، فإن ذلك نصٌّ؛ غير أن البخاري ذكر الرواية الأولى، ثم قال: (قال يحيى: الشغل برسول الله - ﷺ -). فقال لذلك بعض علمائنا: إن ذلك القول في الرواية الأولى ليس من قول عائشة، وإنما هو من قول غيرها، وسكت عنه.\nقلت: وَهَبكَ أن الرواية الأولى قابلة للاحتمال، لكن الثالثة لا تقبل شيئًا من ذلك، فتأملها.\nوقولها: (إن كانت إحدانا لتفطر في زمن رسول الله - ﷺ -)؛ يفيد هذا اللفظ: أن التأخير لأجل الشغل لم يكن لها وحدها، بل لها ولغيرها من أزواج النبي - ﷺ -.\nوقولها: (فما نقدر على أن نقضيه مع رسول الله ﷺ)؛ يعني: أنها كانت تتوقع حاجته إليها على الدوام. فإن قيل: وكيف لا تقدر على الصوم لحقه فيها وقد كان له تسع نسوة، وكان يقسم بينهن، فلا تصل النوبة لإحداهن إلا بعد ثمان، فكان يمكنها أن تصوم في هذه الأيام التي يكون فيها عند غيرها؟ ! فالجواب: أن القسم لم يكن عليه واجبًا لهن، وإنما كان يفعله بحكم تطييب قلوبهن، ودفعًا لما","vol":"3","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-376>(١٨) باب قضاء الصيام عن الميت</span>\n[١٠١٤] عَن عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- قَالَ: مَن مَاتَ وَعَلَيهِ صِيَامٌ صَامَ عَنهُ وَلِيُّهُ.\nرواه أحمد (٦/ ٦٩)، والبخاري (١٩٥٢)، وسسلم (١١٤٧)، وأبو داود (٢٤٠٠).\nــ\nيتوقع من الشرور، وفساد القلوب. ألا ترى قول الله تعالى: ﴿تُرجِي مَن تَشَاءُ مِنهُنَّ وَتُؤوِي إِلَيكَ مَن تَشَاءُ وَمَنِ ابتَغَيتَ مِمَّن عَزَلتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيكَ﴾ فلما علم نساؤه هذا - أو من سألته منهن - كن يتهيأن له دائمًا، ويتوقعن حاجته إليهن في أكثر الأوقات، والله تعالى أعلم.\nويستفاد من هذا: أن المرأة لا تصوم القضاء وزوجها شاهد إلا بإذنه، إلا أن تخاف الفوات، فيتعين، وترتفع التوسعة.\nوقد قال بعض شيوخنا: لها أن تصوم القضاء بغير إذنه؛ لأنه واجب؛ وإنما محمل الحديث المقتضي لنهيها عن الصوم إلا بإذنه على التطوع. فأما الواجبات فلا يحتاج فيها إلى إذن واحد.\n(١٨) ومن باب: قضاء الصوم عن الميت\nقوله: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه)؛ بظاهره قال جماعة منهم: إسحاق، وأبو ثور، وأهل الظاهر. وقال به أحمد، والليث، وأبو عبيد إلا أنهم خصصوه بالنذر. وروي مثله عن الشافعي ﵀ ورحمهم. وأما قضاء رمضان، فإنه يطعم عنه من رأس ماله، ولا يصام عنه، وهو قول جماعة من العلماء. ومالك لا يوجب عليه إطعامًا إلا أن يوصي به فيكون من الثلث كالوصايا. وأجمع المسلمون بغير خلاف: أنه لا يصلي أحدٌ عن أحدٍ في حياته ولا بعد موته، وأجمعوا:","vol":"3","page":208},{"text":"[١٠١٥] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ- فَقَالَ:\nــ\nأنه لا يصوم أحدٌ عن أحدٍ في حياته (١)؛ وإنما الخلاف في ذلك بعد موته، وإنما لم يقل (٢) مالك بالخبر لأمور:\nأحدها: أنه لم يجد عملهم عليه.\nوثانيها: أنه اختلف واضطرب (٣) في إسناده.\nوثالثها: أنه رواه أبو بكر البزار، وقال في آخره: (لمن شاء). وهذا يرفع الوجوب الذي قالوا به.\nورابعها: أنه معارض بقوله تعالى: ﴿وَلا تَكسِبُ كُلُّ نَفسٍ إِلا عَلَيهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزرَ أُخرَى﴾ ولقوله: ﴿وَأَن لَيسَ لِلإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾.\nوخامسها: أنه معارض بما خرَّجه النسائي عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - أنه قال: (لا يصلي أحدٌ عن أحد، ولا يصوم أحدٌ عن أحدٍ، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مُدًّا من حنطة) (٤).\nوسادسها: أنه معارض للقياس الجلي، وهو: أنه عبادة بدنية لا مدخل للمال فيها (٥)؛ فلا تفعل عمن وجبت عليه، كالصلاة. ولا ينقض هذا بالحج؛ لأن للمال فيه مدخلًا.\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) في (ع): يفعل.\n(٣) ساقط من (ع).\n(٤) رواه النسائي في الكبرى (٢/ ١٧٥) موقوفًا.\n(٥) ساقط من (ع).","vol":"3","page":209},{"text":"يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أُمِّي مَاتَت وَعَلَيهَا صَومُ شَهرٍ، أَفَأَقضِيهِ عَنهَا؟ فَقَالَ: لَو كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَينٌ أَكُنتَ قَاضِيَهُ عَنهَا؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: فَدَينُ اللَّهِ أَحَقُّ.\nرواه أحمد (١/ ٢٥٨)، ومسلم (١١٤٨) (١٥٥).\n[١٠١٦] وعَنه قَالَ: جَاءَت امرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ- فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أُمِّي مَاتَت وَعَلَيهَا صَومُ نَذرٍ -وَفِي رِوَايَةٍ: صوم شهر - أَفَأَصُومُ عَنهَا؟ قَالَ: أَرَأَيتِ لَو كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَينٌ فَقَضَيتِهِ أَكَانَ يُؤَدِّي ذَلِكِ عَنهَا؟ قَالَت: نَعَم قَالَ: فَصُومِي عَن أُمِّكِ.\nرواه أحمد (١/ ٢٥٨)، والبخاري (١٩٥٣)، ومسلم (١١٤٨) (١٥٦)، وأبو داود (٣٣١٠)، والترمذي (٧١٦)، وابن ماجه (١٧٥٨).\n[١٠١٧] وَعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ بُرَيدَةَ، عَن أَبِيهِ قَالَ: بَينَا أَنَا جَالِسٌ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ- إِذ أَتَتهُ امرَأَةٌ، فَقَالَت: إِنِّي تَصَدَّقتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ، وَإِنَّهَا\nــ\nوقوله: (لو كان على أمك دين أكنت قاضيه؟) مشعر: بأن ذلك على الندب لمن طاعت به نفسه؛ لأنه لا يجب على ولي الميت أن يؤدي من ماله عن الميت دينًا بالاتفاق، لكن من تبرع به انتفع به الميت، وبرئت ذمته (١)، ويمكن أن يقال: إن مقصود الشرع: أن ولي الميت إذا عمل العمل بنفسه من صوم، أو حج، أو غيره، فصيَّره للميت انتفع به الميت، ووصل إليه ثوابه. ويعتضد ذلك: بأنه - ﷺ - شبَّه قضاء الصوم عن الميت بقضاء الدَّين عنه، والدَّين إنما يقضيه الإنسان عن غيره من مال حصَّله لنفسه، ثم بعد ذلك يقضيه عن غيره، أو يهبه له.\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"3","page":210},{"text":"مَاتَت قَالَ: فَقَالَ: وَجَبَ أَجرُكِ، وَرَدَّهَا عَلَيكِ المِيرَاثُ. قَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُ كَانَ عَلَيهَا صَومُ شَهرٍ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: صَوم شهرين، أفأصوم عنها؟ قال: صومي عنها، قالت: إنها لم تحج قط أفأحج عنها؟ قال: حجي عنها.\nرواه مسلم (١١٤٩) (١٥٧ و١٥٨)، وأبو داود (٣٣٠٩)، والترمذي (٦٦٧).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-377>(١٩) باب فضل الصيام، والأمر بالتحفظ به من الجهل والرفث</span>\n[١٠١٨] عن أبي هُرَيرَةَ قَالَ: قال رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ-: قَالَ اللَّهُ ﷿: كُلُّ عَمَلِ ابنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فإنه لِي وَأَنَا أَجزِي بِهِ،\nــ\nوقوله: (وجب أجرك)؛ أي: في الصدقة، (وردَّها)؛ أي: إلى ملكك، وهذا لأن ملك الميراث جبري، بخلاف غيره من جميع التمليكات، ولذلك جعل النبي - ﷺ - المشتري لصدقته كالعائد فيها (١). وسيأتي الكلام على قوله: (حجي عنها) في الحج.\n(١٩) ومن باب: فضل الصيام\nقوله: (كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي)؛ اختلف في معنى هذا على أقوال:\n_________\n(١) رواه البخاري (١٤٨٩) من حديث ابن عمر.","vol":"3","page":211},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nأحدها: أن أعمال بني آدم يمكن الرياء فيها، فيكون لهم، إلا الصيام فإنه لا يمكن فيه إلا الإخلاص؛ لأن حال الممسك شبعًا، كحال الممسك تقربًا، وارتضاه المازري.\nوثانيها: أن أعمال بني آدم كلها لهم فيها حظٌّ إلا الصيام فإنهم لا حظّ لهم فيه؛ قاله الخطابي.\nوثالثها: أن أعمالهم هي أوصافهم، ومناسبة لأحوالهم إلا الصيام؛ فإنه استغناء عن الطعام، وذلك من خواص أوصاف الحق ﷾.\nورابعها: أن أعمالهم مضافة إليهم إلا الصيام فإن الله تعالى أضافه إلى نفسه تشريفًا، كما قال: (بيتي) و(عبادي).\nوخامسها: أن أعمالهم يقتص منها يوم القيامة فيما عليهم إلا الصيام فإنه لله، ليس لأحد من أصحاب الحقوق أن يأخذ منه شيئًا. قاله ابن العربي. وقد كنت استحسنته إلى أن فكرت في حديث المقاصة، فوجدت فيه ذكر الصوم في جملة الأعمال المذكورة للأخذ منها، فإنه قال فيه: (هل (١) تدرون من المفلس؟) قالوا: (ل فلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: (المفلس هو الذي يأتي يوم القيامة بصلاة وصدقة وصيام، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وضرب هذا (٢)، وسفك دم هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه؛ أُخِذ من سيئاتهم فطرح عليه، ثم طرح في النار) (٣). وهذا يدلُّ على أن الصوم يؤخذ كسائر الأعمال.\n_________\n(١) في (هـ): أ.\n(٢) ساقط من (ع).\n(٣) رواه أحمد (٢/ ٣٠٣ و٣٣٤)، ومسلم (٢٥٨١)، والترمذي (٢٤١٨).","vol":"3","page":212},{"text":"وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ،\nــ\nوسادسها: أن الأعمال كلَّها ظاهرة للملائكة، فتكتبها إلا الصوم، وإنما هو نية وإمساك، فالله يعلمه، ويتولى جزاءه؛ قاله أبو عبيد.\nوسابعها: أن الأعمال قد كشفت لبني آدم مقادير ثوابها، وتضعيفها إلا الصيام فإن الله يثيب عليه بغير تقدير، ويشهد لهذا مساق الرواية الأخرى التي فيها: (كل عمل ابن آدم يضاعف؛ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله: إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به)؛ يعني - والله تعالى أعلم -: أنه يجازي عليه جزاء كثيرًا من غير أن يعين مقداره، ولا تضعيفه، وهذا كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجرَهُم بِغَيرِ حِسَابٍ﴾ وهم الصائمون في أكثر أقوال المفسرين. وهذا ظاهر قول الحسن، غير أنه قد تقدَّم، ويأتي في غير ما حديث: أن صوم اليوم بعشرة، وأن صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصيام رمضان صيام الدهر. وهذه نصوص في إظهار التضعيف، فَبَعُدَ هذا الوجه، بل بطل.\nوالأولى حمل الحديث على أحد الأوجه الخمسة المتقدمة؛ فإنها أبعد عن الاعتراضات الواقعة، والله تعالى أعلم.\nوقوله: (يذر شهوته وطعامه من أجلي)؛ تنبيه على الجهة التي بها يستحق الصوم أن يكون كذلك، وهو الإخلاص الخاص به، كما قدمناه في الوجه الأول.\nوقوله: (الصيام جنَّة)، مادة (١) هذه اللفظة التي هي: الجيم والنون كيف ما دارت صورها بمعنى: السترة؛ كالجن، والجنّة، والجنون، والمجن؛ فمعناه: أن الصوم سترة، فيصح أن يكون (جُنَّة) بحسب مشروعيته؛ أي: ينبغي للصائم أن يعريه مما يفسده، ومما ينقص ثوابه؛ كمناقضات الصيام، ومعاصي اللسان. وإلى هذه الأمور وقعت الإشارة بقوله: (فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا\n_________\n(١) ساقط من (هـ).","vol":"3","page":213},{"text":"فَإِذَا كَانَ يَومُ صَومِ أَحَدِكُم فَلَا يَرفُث يَومَئِذٍ، وَلَا يَسخَب (وفي رواية: ولا يجهل) فَإِن سَابَّهُ أَحَدٌ، أَو قَاتَلَهُ فَليَقُل: إِنِّي امرُؤٌ صَائِمٌ، وَالَّذِي نَفسُ\nــ\nيسخب) إلخ، ويصح أن يسمى: (جُنَّة) بحسب فائدته، وهو إضعاف شهوات النفس، وإليه الإشارة بقوله: (ويذر شهوته وطعامه من أجلي). ويصح أن يكون جنة بحسب ثوابه. وإليه التصريح بقوله: (من صام يومًا في سبيل الله باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفًا).\nوقوله: (فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يسخب)، لا يفهم من هذا الشرط: أن غير يوم الصوم يباح فيه الرفث والسخب، فإنهما ممنوعان على الإطلاق، وإنما تأكد منعهما بالنسبة إلى الصوم.\nوالرفث: الفحش من الكلام، والسخب منه. يقال: (رَفَثَ) بفتح الفاء، (يَرفُث)، بضمها، وكسرها. و(رَفِثَ) بكسرها في الماضي (يَرفَث) بفتحها في المستقبل (رَفثًا) بسكونها في المصدر، وفتحها في الاسم. ويقال: (أَرفَث) أيضا، وهي قليلة.\nو(السَّخب): اختلاط الأصوات، وكثرتها (١)، ورفعها بغير الصواب. يقال: بالسين والصاد. وعند الطبري: مكان: (لا يسخب) (لا يسخر)؛ يعني: السخرية بالناس، والأول هو المعروف.\nوالجهل في الصوم: هو العمل فيه على خلاف ما يقتضيه العلم. وقد روى النسائي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: (من لم يدع قول الزور، والعمل به، والجهل في الصوم، فليس لله حاجة في ترك طعامه وشرابه) (٢).\nوقوله: (فإن أحد سابَّه أو قاتله فليقل: إني صائم)؛ المسابة والمقاتلة مما لا تكون إلا من اثنين غالبًا، ولم تقع هنا إلا من أحدهما، لكنه لما عَرَّضَ أحدهما\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (هـ).\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٤٥٢ و٤٥٣)، والبخاري (١٩٠٣)، وأبو داود (٢٣٦٢)، والترمذي (٧٠٧)، والنسائي في الكبرى (٣٢٤٥)، وابن ماجه (١٦٨٩).","vol":"3","page":214},{"text":"مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطيَبُ عِندَ اللَّهِ يَومَ القِيَامَةِ مِن رِيحِ المِسكِ،\nــ\nالآخر لذلك صدق اللفظ عليهما.\nوظاهره: أن الصائم يقول ذلك القول المأمور به للساب ليسمعه، وليعلمه اعتصامه بالصوم، فينكف عن سبه. ويحتمل أن يراد أنه يقول ذلك لنفسه مذكرًا لها بذلك، وزاجرًا عن السباب.\nواختلف إذا سَبَّ الصائم أحدًا، أو اغتابه: فالجمهور على أن ذلك ليس بمفسد للصوم. وذهب الأوزاعي: إلى أن ذلك مفطرٌ مُفسدٌ. وبه قال الحسن فيما أحسب.\nوقوله: (لَخُلُوف فم الصائم)، هكذا الرواية الصحيحة؛ بضم الخاء، ومن لا يحقق بقوله بفتح الخاء. وقال الخطابي: هو خطأ. قال الهروي: خلف فوه: إذا تغير، يخلف، خلوفًا. ومنه: حديث علي وسُئل عن قبلة الصائم فقال: (وما أَرَبُكَ إلى خلوف فيها؟).\nويقال: نومة الضحى مخلفة للفم؛ أي: مغيرة. قال صاحب الأفعال: خلف فوه، وأخلف.\nوقد أخذ الشافعي من هذا الحديث منع الصائم من السِّواك من بعد الزوال. قال: لأن ذلك الوقت مبدأ الخلوف، قال: والسواك يذهبه. وربما نظم بعض الشافعية في هذا قياسًا، فقال: أثر عبادة فلا يُزَال كدم الشهيد.\nوهذا القياس ترد عليه أسئلة من جملتها؛ القول: ومع أن السِّواك يزيل الخلوف، فإنه من المعدة والحلق، لا من محل السِّواك، وحينئذ لا يلزم شيء من ذلك. وقد أجاز كافة العلماء للصائم أن يتسوَّك بسواك لا طعم له، في أي أوقات النهار شاء.\nوقوله: (أطيب عند الله من ريح المسك)؛ لا يتوهم: أن الله تعالى يستطيب الروائح، ويستلذها، كما يقع لنا من اللذة، والاستطابة؛ إذ ذاك من صفات افتقارنا، واستكمال نقصنا، وهو الغني بذاته، الكامل بجلاله وتقدسه. على أنا نقول: إن الله تعالى يدرك المدركات، ويبصر المبصرات، ويسمع المسموعات على الوجه اللائق بجماله وكماله وتقدسه عن شبه مخلوقاته، وإنما معنى هذه الأطيبية عند الله تعالى راجعة إلى أن الله تعالى يثيب على خلوف فم الصائم ثوابًا","vol":"3","page":215},{"text":"وَلِلصَّائِمِ فَرحَتَانِ يَفرَحُهُمَا: إِذَا أَفطَرَ فَرِحَ بِفِطرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَومِه.\nوِفِي رِوَايَة: كُلُّ عَمَلِ ابنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الحَسَنَةُ عَشرُ أَمثَالِهَا إِلَى سَبعمِائَة ضِعفٍ، قَالَ: قَالَ اللَّهُ: إِلَّا الصَّومَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجزِي بِهِ، يَدَعُ شَهوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِن أَجلِي.\nرواه أحمد (٢/ ٢٧٣)، والبخاري (١٩٠٤)، ومسلم (١١٥١) (١٦٣ و١٦٤)، والنسائي (٤/ ١٦٢ - ١٦٣).\n[١٠١٩] وعَن سَهلِ بنِ سَعدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ-: إِنَّ فِي الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ يَدخُلُ مِنهُ الصَّائِمُونَ يَومَ القِيَامَةِ، لَا يَدخُلُ مَعَهُم\nــ\nأكثر مما يثيب على استعمال روائح المسك، حيث ندب الشرع إلى استعماله فيها، كالجمع والأعياد وغير ذلك. ويحتمل أن يكون ذلك في حق الملائكة، فيستطيبون ريح الخلوف أكثر مما يستطيبون ريح المسك.\nوقوله: (وللصائم فرحتان: إذا أفطر فرح بفطره)؛ أي: فرح بزوال عطشه وجوعه حين أبيح له الفطر. وهذا الفرح طبيعي، وهو السابق للفهم. وقيل: إن فرحه بفطره؛ إنما هو من حيث إنه: تمام صومه، وخاتمة عبادته، وتحقيق ريّه ومعونته على مستقبل صومه.\nوأما قوله: (وإذا لقي ربه فرح بصومه)؛ أي: بجزاء صومه وثوابه.\nوقوله: (إن في الجنة بابًا يقال له: الرَّيَّان)، وزن الرَّيَّان: فعلان، وهو الكثير الرِّيّ، الذي هو نقيض العطش. وسمِّي هذا الباب بهذا الاسم: لأنه جزاء الصائمين على عطشهم وجوعهم، واكتفي بذكر الرِّي عن الشبع؛ لأنه يدل عليه من حيث إنه يستلزمه.","vol":"3","page":216},{"text":"أَحَدٌ غَيرُهُم يُقَالُ: أَينَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَدخُلُونَ مِنهُ فَإِذَا دَخَلَ آخِرُهُم أُغلِقَ فَلَم يَدخُل مِنهُ أَحَدٌ.\nرواه البخاري (١٨٩٦)، ومسلم (١١٥٢)، والترمذي (٧٦٥)، والنسائي (٤/ ١٦٨)، وابن ماجه (١٦٤٠).\n[١٠٢٠] وعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- يَقُولُ: مَن صَامَ يَومًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَاعَدَ اللَّهُ وَجهَهُ عَن النَّارِ سَبعِينَ خَرِيفًا.\nرواه أحمد (٣/ ٨٣)، والبخاري (٢٨٤٠)، ومسلم (١١٥٣) (١٦٨)، والترمذي (١٦٢٢)، والنسائي (٤/ ١٧٣).\n* * *\nــ\nوقوله: (من صام يومًا في سبيل الله)؛ أي: في طاعة الله؛ يعني بذلك: قاصدًا به وجه الله تعالى. وقد قيل فيه: إنه الجهاد في سبيل الله.\nوقوله: (سبعين خريفًا)؛ أي: سنَّة، وهو على جهة لمبالغة في البُعد عن النار، وكثيرًا ما تجيء (السبعون) عبارة عن التكثير، كما قال تعالى: ﴿إِن تَستَغفِر لَهُم سَبعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغفِرَ اللَّهُ لَهُم﴾\nو(الخريف): فعيل بمعنى: مفتعل؛ أي: مخترف. وهو الزمان الذي تخترف فيه الثمار.\n* * *","vol":"3","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-378>(٢٠) باب فيمن أصبح صائمًا متطوعا ثم يفطر وفيمن أكل ناسيا</span>\n[١٠٢١] عَن عَائِشَةَ أُمِّ المُؤمِنِينَ قَالَت: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- ذَاتَ يَومٍ: يَا عَائِشَةُ هَل عِندَكُم شَيءٌ؟ قَالَت: فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا عِندَنَا\nــ\n(٢٠) ومن باب: من أصبح صائمًا متطوّعًا ثم يفطر\nقوله - وقد سأل -: (هل عندهم طعام؟ فقيل: لا، فقال (١): إني صائم)؛ حجة لمن قال: إن صوم التطوع يصح بغير نية تُبَيَّت، كما قدمنا الخلاف فيه، ولا حجة فيه؛ إذ يحتمل أن سؤاله أولا: هل عندهم (٢) شيء؟ كان لضعفه عن الصوم فاحتاج إلى الفطر، فسأل، فلما لم يجد بقي على ما قدَّم من صومه (٣)، أو سأل عن ذلك وهو صائم ليعلم هل عندهم ما يحتاج إليه عند إفطاره فتسكن نفسه إليه، فلا يحتاج إلى تكلف اكتسابه، ويحتمل أن يكون قوله: (أنا صائم)؛ أي: لم آكل بعد شيئًا (٤)، فيكون صائمًا لغة.\nو(الزُّور): الزُوَّار، قال ابن دريد: وهو ما يكون الواحد والجماعة فيه سواء. وقيل: الزور: المصدر، وبه سُمي الواحد والاثنان والجميع، كما قالوا: رجل صوم وقوم صوم وعدل، ونحوه للخطابي.\nو(الحيس) قال فيه الهروي: هو ثريدة من أخلاط. قال ابن دريد: هو التمر مع الأقط والسَّمن. قال الشاعر:\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) في (ع): عندكم.\n(٣) ساقط من (ع).\n(٤) ساقط من (ع).","vol":"3","page":218},{"text":"شَيءٌ قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ. قَالَت: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- فَأُهدِيَت لَنَا هَدِيَّةٌ، أَو جَاءَنَا زَورٌ.\nقَالَت: فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أُهدِيَت لَنَا هَدِيَّةٌ، أَو جَاءَنَا زَورٌ، وَقَد خَبَأتُ لك شَيئًا. قَالَ: مَا هُوَ؟ قُلتُ: حَيسٌ قَالَ: هَاتِيهِ فَجِئتُ بِهِ، فَأَكَلَ، ثُمَّ قَالَ: قَد كُنتُ أَصبَحتُ صَائِمًا.\nقَالَ طَلحَةُ بن يحيى: فَحَدَّثتُ مُجَاهِدًا بِهَذَا الحديث قَالَ: ذَاكَ بِمَنزِلَةِ الرَّجُلِ يُخرِجُ الصَّدَقَةَ مِن مَالِهِ، فَإِن شَاءَ أَمضَاهَا وَإِن شَاءَ أَمسَكَهَا.\nرواه أحمد (٦/ ٢٠٧)، ومسلم (١١٥٤) (١٦٩)، وأبو داود (٢٤٥٥)، والترمذي (٧٣٣)، والنسائي (٤/ ١٩٥).\nــ\nالتمرُ والسَّمنُ جميعًا و(١) الأَقِط ... الحَيسُ إلا أنه لم يختلط.\nوقولها في هذه الرواية: (فخرج رسول الله - ﷺ - فأهديت لنا هدية)؛ ظاهره: أن هذا وما قبله كان في يوم واحد، وليس كذلك، بدليل: ما جاء في الرواية الأخرى الآتية: (ثم أتانا يومًا آخر)، وذكر نحوه.\nوقوله: (قد كنت أصبحت صائمًا، فأكل)؛ حجة لمن قال: إن صائم النافلة يجوز أن يفطر فيه، وأن يخرج منه. وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق مع جماعة من الصحابة، مع استحبابهم له إتمامه من غير وجوب. ومنعه ابن عمر وقال: هو كالملاعب بدينه. وهذا مذهب مالك، وأبي حنيفة، والحسن، والنخعي، ومكحول، وألزموه إتمامه إذا دخل فيه. فإن أفطر متعمدًا قضاه على\n_________\n(١) في اللسان: معًا ثم.","vol":"3","page":219},{"text":"[١٠٢٢] وعنها قَالَت: دَخَلَ عَلَيَّ رسول الله - ﷺ- ذَاتَ يَومٍ فَقَالَ: هَل عِندَكُم شَيءٌ؟ فَقُلنَا: لَا قَالَ: فَإِنِّي إِذَا صَائِمٌ، ثُمَّ أَتَانَا يَومًا آخَرَ، فَقُلنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أُهدِيَ لَنَا حَيسٌ فَقَالَ: أَرِينِيهِ، فَلَقَد أَصبَحتُ صَائِمًا فَأَكَلَ.\nرواه أحمد (٦/ ٤٩)، ومسلم (١١٥٤) (١٧٠)، والترمذي (٧٣٤)، والنسائي (٤/ ١٩٤ - ١٩٥).\nــ\nمذهب الملزمين لإتمامه. فلو أفطر ناسيًا، أو مغلوبًا، أو لعذر لم يلزم القضاء، وأسقط أبو حنيفة القضاء عن الناسي خاصة، وأوجبه عليه ابن عُلَيَّة. وحكى ابن عبد البر: الإجماع على أن المفطر فيه لعذر لا قضاء عليه؛ وكأنه لم يقف على ما ذكر عن ابن عُلَيَّة، فإنه خلاف شاذ. ويحمل الحديث عند هؤلاء على أنه ﷺ كان مجهودًا.\nومما يستدل به لمالك ومن قال بقوله: حديث النسائي عن عائشة -﵂- قالت: أصبحت صائمة أنا وحفصة، فأُهدي لنا طعام فأعجبنا، فأفطرنا، فدخل النبي - ﷺ - فبدرتني حفصة فسألته؟ فقال: (صوما يومًا مكانه) (١).\nوقول مجاهد: ذلك بمنزلة الرَّجُل يخرج الصدقة من ماله، فإن شاء أمضاها، وإن شاء أمسكها (قياس) (٢)، ليس بصحيح، فإن الذي يخرج الصدقة من ماله ولم يعطها للفقير، ولم يعينها، لم يدخل في عمل يجب إتمامه، بخلاف الصائم؛ فإنه قد دخل في عمل الصوم، وقد تناوله نهي قوله تعالى: ﴿وَلا تُبطِلُوا أَعمَالَكُم﴾؛ وإنما يدخل في عمل الصدقة بدفعها لمستحقها، أو بتعيينها، وحينئذ تجب للفقير (٣)، ويحرم على مخرجها الرجوع فيها، وأخذها منه، فأما قبل\n_________\n(١) رواه النسائي في الكبرى (٣٢٩٩).\n(٢) ساقط من (ع).\n(٣) ساقط من (هـ).","vol":"3","page":220},{"text":"[١٠٢٣] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ-: مَن نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ، أَو شَرِبَ فَليُتِمَّ صَومَهُ فَإِنَّمَا أَطعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ.\nــ\nذلك فغاية ما عنده نية الصدقة؛ لا الدخول فيها، فافترق الفرع من الأصل، ففسد القياس.\nوقوله - ﷺ -: (من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه)؛ احتج به من أسقط القضاء عمن أفطر ناسيًا في رمضان. وهو الشافعي وغيره. وخالفهم في ذلك مالك وغيره، ولهؤلاء أن يقولوا بموجب ذلك إذ لم يتعرض فيه للقضاء، بل الذي تعرض له: سقوط المؤاخذة عمن أفطر ناسيًا. والأمر يمضيه على صومه وإتمامه. وهم يقولون بكل ذلك. فأما القضاء فلا بدَّ له منه إذ المطلوب صيام يوم تام لا يقع فيه خرم، ولم يأت به، فهو باق عليه، هذا عذر أصحابنا عن هذا الحديث الذي جاء بنص كتاب مسلم، وفي كتاب الدارقطني لهذا الحديث مساقٌ أنصّ من هذا عن أبي هريرة مرفوعًا قال: (إذا أكل الصائم ناسيًا أو شرب ناسيًا، فإنما هو رزق ساقه الله إليه، ولا قضاء عليه) (١). قال الدارقطني في إسناده: إسناد صحيح، وكلهم ثقات. وفي طريق آخر: (من أفطر في شهر رمضان ناسيًا فلا قضاء عليه، ولا كفارة) (٢)، وهو صحيح أيضًا.\nوهذه النصوص لا تقبل ذلك الاحتمال. والشأن في صحتها، فإن صحّت وجب الأخذ بها، وحكم بسقوط القضاء.\nوقوله: (فإنما أطعمه الله تعالى وسقاه)؛ يعني: أنَّه لما أفطر ناسيًا لم ينسب إليه من ذلك الفطر شيء، وتمحضت نسبة الإطعام والسقي إلى الله تعالى؛ إذ هو فعله، ولذلك قال في بعض رواياته: فإنما هو رزق ساقه الله إليه.\n_________\n(١) رواه الدارقطني (٢/ ١٧٨).\n(٢) المصدر السابق.","vol":"3","page":221},{"text":"رواه البخاري (٦٦٦٩)، ومسلم (١١٥٥)، وأبو داود (٢٣٩٨)، والترمذي (٧٢١)، وابن ماجه (١٦٧٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-379>(٢١) باب كيف كان صوم رسول الله -ﷺ- في التطوع</span>؟\n[١٠٢٤] عن عَبدِ اللَّهِ بنِ شَقِيقٍ قَالَ: سَأَلتُ عَائِشَةَ عَن صَومِ النَّبِيِّ - ﷺ- فَقَالَت: كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: قَد صَامَ، قَد صَامَ، وَيُفطِرُ حَتَّى نَقُولَ: قَد أَفطَرَ، قَد أَفطَرَ، قَالَت: وَمَا رَأَيتُهُ صَامَ شَهرًا كَامِلًا مُنذُ قَدِمَ المَدِينَةَ إِلَّا أَن يَكُونَ رَمَضَانَ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: وَلَم أَرَهُ صَائِمًا مِن شَهرٍ قَطُّ أَكثَرَ مِن صِيَامِهِ مِن شَعبَانَ،\nــ\n(٢١) ومن باب: كيف صوم رسول الله - ﷺ - في التطوُّع\nسؤال شقيق لعائشة إنما كان عن زمن صوم رسول الله - ﷺ -، وعن مقداره، ولذلك أجابته بهما، فقالت: (كان يصوم حتى نقول: قد صام، قد صام، ويفطر حتى نقول: قد أفطر، قد أفطر)؛ ومعنى هذا: أنه كان يصوم متطوِّعًا، فيكثر، ويوالي حتى تتحدَّث نساؤه وخاصته بصومه، ويفطر كذلك. ومثل هذا: حديث ابن عبَّاس: كان يصوم حتى يقول القائل: لا يفطر، ويفطر حتى يقول القائل: لا يصوم.\nوبمثل هذا أخبر - ﷺ - به عن نفسه، فقال: (بل أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، فمن رغب عن سنتي فليس مني (١).\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٢٤١)، والبخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١)، والنسائي (٦/ ٦٠) من حديث أنس ﵁.","vol":"3","page":222},{"text":"كَانَ يَصُومُ شَعبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعبَانَ إِلَّا قَلِيلًا.\nزَادَ فِي أُخرَى: وَكَانَ يَقُولُ: خُذُوا مِن الأَعمَالِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لَن يَمَلَّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَكَانَ يَقُولُ: أَحَبُّ العَمَلِ إِلَى اللَّهِ مَا دَاوَمَ عَلَيهِ صَاحِبُهُ وَإِن قَلَّ.\nرواه أحمد (٦/ ١٨٩)، والبخاري (١٩٧٠)، ومسلم (١١٥٦) (١٧٤ و١٧٦ و١٧٧)، والترمذي (٧٦٨)، والنسائي (٤/ ١٩٩).\n[١٠٢٥] وَعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا صَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- شَهرًا كَامِلًا قَطُّ غَيرَ رَمَضَانَ، وَكَانَ يَصُومُ إِذَا صَامَ حَتَّى يَقُولَ القَائِلُ: لَا وَاللَّهِ لَا يُفطِرُ وَيُفطِرُ إِذَا أَفطَرَ حَتَّى يَقُولَ القَائِلُ: لَا وَاللَّهِ! لَا يَصُومُ.\nرواه أحمد (١/ ٢٧١)، والبخاري (١٩٧١)، ومسلم (١١٥٧)، والنسائي (٤/ ١٩٩).\n* * *\nــ\nوقولها: (كان يصوم شعبان كله، كان يصوم (١) شعبان إلا قليلًا). قيل: إن الكلام الأول يفسره الثاني، ويخصصه، وحينئذ يتوافق قولها هذا مع قولها: (ما رأيته أكثر صومًا منه في شعبان). وكذلك قال ابن عبَّاس: إنه - ﷺ - ما صام شهرًا غير رمضان. وقيل: معنى ذلك: أنه كان يصومه مرة كله، ومرة ينقص منه لئلا يتوهم وجوبه.\nوقيل في قولها: كان يصوم شعبان كله)؛ أي: يصوم في أوله، ووسطه، وآخره. ولا يخص شيئًا منه، ولا يعمُّه بصيام. وهذا أبعدها. وقد مضى القول على ما تضمنه أكثر هذا الحديث.\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"3","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-380>(٢٢) باب كراهية سرد الصوم، وبيان أفضل الص </span>وم\n[١٠٢٦] عَن عَبدَ اللَّهِ بنَ عَمرِو بنِ العَاصِ، قال: بَلَغَ نَّبِيَّ - ﷺ- أَنِّي أَصُومُ أَسرُدُ، وَأُصَلِّي اللَّيلَ، فَإِمَّا أَرسَلَ إِلَيَّ وَإِمَّا لَقِيتُهُ فَقَالَ: أَلَم أُخبَر بك أَنَّكَ تَصُومُ وَلَا تُفطِرُ وَتُصَلِّي اللَّيلَ؟ فَلَا تَفعَل.\nوَفِي رِوَايَةٍ: قال:\nــ\n(٢٢) ومن باب: كراهية سرد الصوم\nحديث عبد الله بن عمرو اشتهر وكثر رواته، فكثر اختلافه حتى ظن من لا بصيرة عنده: أنه مضطرب. وليس كذلك؛ فإنه إذا تتبع اختلافه، وضم بعضه إلى بعض انتظمت صورته، وتناسب مساقه؛ إذ ليس فيه اختلاف تناقض، ولا تهاتر، بل يرجع اختلافه إلى أن ذكر بعضهم ما سكت عنه غيره، وفصل بعض ما أجمله غيره. وسنشير إلى بعضه إن شاء الله تعالى.\nوقوله: (ألم أُخبَر أنك تصوم ولا تفطر، وتصلي)؛ هذا إنما فعله عبد الله بعد أن التزمه بقوله: (لأصومن النهار، ولأقومن الليل ما عشت - كما جاء في الرواية الأخرى (١) - فبلغ ذلك النبي - ﷺ -، فحكى بعض الرواة الفعل، وحكى بعضهم القول.\nوقوله: (لا تفعل) نهي عن الاستمرار في فعل ما التزمه لأجل ما يؤدي إليه من المفسدة التي نبه عليها بقوله: (فإنك إذا فعلت ذلك هجمت عيناك)؛ قال المفسرون: أي: غارتا ودخلتا.\nقلت: وتحقيقه: هجمت على الضرر دفعة واحدة. فإن الهجم هو: أخذ الشيء بسرعة بغتة. ويحتمل أن يكون معناه: هجمت العين عليه بغلبة النوم لكثرة السَّهر السابق، فينقطع عما التزم، فيدخل في ذمّ من ابتدع رهبانية ولم يرعها، وكما قال له: (يا عبد الله! لا تكن مثل فلان؛ كان يقوم الليل، فترك قيام الليل).\n_________\n(١) رواه مسلم (١١٥٩) (١٨١).","vol":"3","page":224},{"text":"فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلتَ ذَلِكَ هَجَمَت عَينَاكَ وَنَفِهَت نَفسُكَ، فَإِنَّ لِعَينِكَ حَظًّا، وَلِنَفسِكَ حَظًّا، وَلِأَهلِكَ حَظًّا، فَصُم وَأَفطِر، وَصَلِّ وَنَم، وَصُم مِن كُلِّ عَشرَةِ أَيَّامٍ يَومًا، وَلَكَ أَجرُ تِسعَةٍ. قَالَ: إِنِّي أَجِدُنِي أَقوَى مِن ذَلِكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ! قَالَ: صُم صِيَامَ دَاوُدَ قَالَ: وَكَيفَ كَانَ دَاوُدُ يَصُومُ\nــ\nوقوله: (ونفهت نفسك)؛ أي: أعيت (١)، وضعفت عن القيام بذلك، كما قال في لفظ آخر: (نهكت نفسك).\nوقوله: (فإن لعينك حظًّا، ولنفسك حظًّا)؛ أي: من الرفق بهما، ومراعاة حقهما، وقد سمى في الرواية الأخرى: الحظ: (حقا)؛ إذ هو بمعناه، وزاد: (فإن لزوجك عليك حقًّا، ولزورك عليك حقًّا)، وفي لفظ آخر: (ولأهلك) مكان (ولزوجك).\nوأما حق الزوجة فهو في الوطء، وذلك إذا سرد الصوم، ووالى القيام بالليل منعها بذلك حقها منه.\nوأما حق الزور - وهو الزائر والضيف - فهو: القيام بإكرامه، وخدمته، وتأنيسه بالأكل معه.\nوأما الأهل فيعني به هنا: الأولاد، والقرابة. وحقهم: هو في الرفق بهم، والإنفاق عليهم، ومؤاكلتهم، وتأنيسهم. وملازمة ما التزم من سرد الصوم، وقيام الليل يؤدي إلى امتناع تلك الحقوق كلها.\nويفيد: الحقوق إذا تعارضت قدم الأولى.\nوقوله: (صم من كل عشرة يومًا)؛ هذا في المعنى موافق للرواية التي قال فيها: (صم من كل شهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها)؛ وكذلك قوله في الرواية الأخرى: (صم يومًا ولك أجر ما بقي)، على ما يأتي. وهذا الاختلاف وشبهه من باب النقل بالمعنى.\nوقوله: (فصم صوم داود)؛ هكذا جاء في هذه الرواية، سكت فيها عن المراتب التي ثبتت في الرواية الآتية بعد هذا، وذلك أن فيها نقلة من صيام ثلاثة\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"3","page":225},{"text":"يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ ! قَالَ: كَانَ يَصُومُ يَومًا وَيُفطِرُ يَومًا، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى. قَالَ: مَن لِي بِهَذِهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ ! قَالَ: عَطَاءٌ: فَلَا أَدرِي كَيفَ ذَكَرَ صِيَامَ الأَبَدِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ-: لَا صَامَ مَن صَامَ الأَبَدَ، لَا صَامَ مَن صَامَ الأَبَدَ.\nرواه أحمد (٢/ ١٩٨)، والبخاري (١٩٧٤)، ومسلم (١١٥٩) (١٨٦) وأبو داود (١٣٨٩)، والترمذي (٧٧٠)، والنسائي (٤/ ٢٠٩ و٢١٥).\nــ\nأيام في الشهر إلى أربعة فيها، ومنها إلى صوم يومين وإفطار يومين، ثم منها إلى صوم يوم وإفطار يوم. وهذا محمول على أن النبي - ﷺ - دَرَّجَه في هذه المراتب هكذا، لكن بعض الرواة سكت عن ذكر بعض المراتب إما نسيانًا، أو اقتصارًا على قدر ما يحتاج إليه في ذلك الوقت، ثم في وقت آخر ذكر الحديث بكماله.\nوقوله: (فصم صوم داود؛ فإنه كان أعبد الناس)؛ إنما أحاله على صوم داود، ووصفه: بأنه كان أعبد الناس لقوله تعالى: ﴿وَاذكُر عَبدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ قال ابن عباس: ﴿الأَيدِ﴾ هنا: القوة على العبادة. و(الأوَّاب): الرجَّاع إلى الله تعالى وإلى عبادته، وتسبيحه.\nوقوله: (ولا يفرُّ إذا لاقى)؛ تنبيه على أن صوم يوم، وإفطار يوم لا يضعف ملتزمه، بل يحفظ قوته، ويجد من الصوم مشقته كما قدمناه، وذلك بخلاف سرد الصوم فإنه ينهك البدن والقوة، ويزيل روح الصوم؛ لأنه يعتاده، فلا يبالي به، ولا يجد له معنى.\nوقول عبد الله بن عمرو: (من لي بهذه)؛ إشارة إلى استبعاد عدم الفرار، وتمني أن لو كانت له تلك القوة. ومعنى قوله: (من لي بهذا الشيء)؛ أي: من يتكفل لي به؟ أو من يحصله لي؟ .\nوقول عطاء: (فلا أدري كيف ذكر صيام الأبد؟). هو شكٌّ عرض للراوي، ثم","vol":"3","page":226},{"text":"[١٠٢٧] وعنه قَالَ: أُخبِرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- أَنَّهُ يَقُولُ: لَأَقُومَنَّ اللَّيلَ، وَلَأَصُومَنَّ النَّهَارَ مَا عِشتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ-: أنتَ الَّذِي تَقُولُ ذَلِكَ؟ فَقُلتُ لَهُ: قَد قُلتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ-: فَإِنَّكَ لَا تَستَطِيعُ ذَلِكَ فَصُم وَأَفطِر وَنَم وَقُم، صُم مِن الشَّهرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ الحَسَنَةَ بِعَشرِ أَمثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثلُ صِيَامِ الدَّهرِ. قَالَ: قُلتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفضَلَ مِن ذَلِكَ قَالَ: صُم يَومًا وَأَفطِر يَومَينِ. قَالَ: قُلتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفضَلَ مِن ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: صُم يَومًا وَأَفطِر يَومًا، وَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ، وَهُوَ أَعدَلُ الصِّيَامِ، قَالَ: قُلتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفضَلَ مِن ذَلِكَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ-: لَا أَفضَلَ مِن ذَلِكَ. قَالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عَمرٍو: لَأَن أَكُونَ قَبِلتُ الثَّلَاثَةَ الأَيَّامَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ-: أَحَبُّ إِلَيَّ مِن أَهلِي وَمَالِي.\nــ\nقال بعد أن عرض له ذلك الشك: (لا صام من صام الأبد)، فأتى بصوم الأبد على هذا اللفظ من غير شك ولا تردد، بل حقق نقله، وحرر لفظه.\nوأما الذي تقدم في حديث أبي قتادة: فإنه شك في أي اللفظين قال، فذكرهما، فقال فيه: قال: يا رسول الله! كيف من يصوم الدهر؟ ! قال: (لا صام، ولا أفطر)، أو: (لم يصم، ولم يفطر). وقد تقدم القول على صوم الدهر.\nو(الأبد): من أسماء الدهر. والمراد به هنا: سرد الصوم دائمًا، والله تعالى أعلم.\nوقوله في صوم داود: (هو أعدل الصيام)؛ من جهة حفظ القوة، ووجدان صوم مشقة العبادة، وإذا كان أعدل في نفسه فهو عند الله أفضل وأحب، ولا صوم فوقه في الفضل، كما جاءت هذه الألفاظ، وهي كلها متقاربة في مدلولها، وهو بلا شك نقل بالمعنى. ومضمون هذه الألفاظ: أن هذا الصوم أعدل في نفسه وأكثر في ثوابه.\nوقوله: (لأن أكون قبلت الثلاثة الأيام أحب إلي من أهلي)؛ هذا إنما قاله","vol":"3","page":227},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: فَإِنَّ بِحَسبِكَ أَن تَصُومَ مِن كُلِّ شَهرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قُلتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنِّي أُطِيقُ أَفضَلَ مِن ذَلِكَ. قَالَ: فَإِنَّ لِزَوجِكَ عَلَيكَ حَقًّا وَلِزَورِكَ عَلَيكَ حَقًّا وَلِجَسَدِكَ عَلَيكَ حَقًّا، قَالَ: فَصُم صَومَ دَاوُدَ نَبِيِّ اللَّهِ، فَإِنَّهُ كَانَ أَعبَدَ النَّاسِ قَالَ: قُلتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! وَمَا صَومُ دَاوُدَ؟ قَالَ: كَانَ يَصُومُ يَومًا وَيُفطِرُ يَومًا قَالَ: وَاقرَأ القُرآنَ فِي كُلِّ شَهرٍ، قَالَ: قُلتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنِّي أُطِيقُ أَفضَلَ مِن ذَلِكَ، قَالَ: فَاقرَأهُ فِي كُلِّ عِشرِينَ قَالَ: قُلتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنِّي أُطِيقُ أَفضَلَ مِن ذَلِكَ. قَالَ: فَاقرَأهُ فِي عَشرٍ\nــ\nعبد الله لما انتهى من العمر إلى الكبر، الذي كان النبي - ﷺ - قد أخبره به بقوله: (إنك لا تدري لعله يطول بك عمر)؛ قال: فصرت للذي قال النبي - ﷺ -. قال: فلما كبرت وددت أني كنت قبلت رخصة رسول الله - ﷺ -. وهذا من عبد الله يدل على: أنه كان قد التزم الأفضل مما نقله إليه النبي - ﷺ - والأكثر إما بحكم التزامه الأول إذ قال: (لأصومن الدهر، ولأقومن الليل ما عشت)، وإما بحكم أنه هو الحال الذي فارق النبي - ﷺ - عليه، وكره أن ينقص من عمل فارق النبي - ﷺ - عليه، فلم ير أن يرجع عنه وإن كان قد ضعف عنه، والله تعالى أعلم.\nوقوله: (اقرأ القرآن في كل شهر)، ثم قال بعد ذلك: (فاقرأه في كل عشرين)، ثم قال: (فاقرأه في سبع)؛ هكذا في أكثر روايات مسلم. ووقع في كتاب ابن أبي جعفر (١)، وابن عيسى (٢) زيادة: (قال: فاقرأه في عشر)، وبعد ذلك قال له: (اقرأه في سبع). ومقصود هذه الرواية بيان تجزئة القرآن على ليالي الشهر\n_________\n(١) هو تاج الدين أبو الحسن، محمد، ابن العلامة أبي جعفر أحمد بن علي القرطبي. إمام، مُحدِّث. توفي سنة (٦٤٣ هـ).\n(٢) هو عيسى بن عبد العزيز بن عيسى اللخمي: عالم بالعربية والقراءات، ومكثر التصنيف. توفي سنة (٦٢٩ هـ).","vol":"3","page":228},{"text":"قَالَ: قُلتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنِّي أُطِيقُ أَفضَلَ مِن ذَلِكَ. قَالَ: فَاقرَأهُ فِي سَبعٍ، وَلَا تَزِد عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ لِزَوجِكَ عَلَيكَ حَقًّا. قَالَ: فَشَدَّدتُ، فَشُدِّدَ عَلَيَّ. قَالَ: وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ-: إِنَّكَ لَا تَدرِي لَعَلَّكَ يَطُولُ بِكَ عُمر قَالَ: فَصِرتُ إِلَى الَّذِي قَالَ لِي النَّبِيُّ - ﷺ-، فَلَمَّا كَبِرتُ وَدِدتُ أَنِّي كُنتُ قَبِلتُ رُخصَةَ النَبِيِّ - ﷺ-.\nزاد في رواية: بَعدُ قَولِهِ ثَلَاثَةَ أَيامٍ: فَإِن بكل حسنة عشر أمثالها، فذلك الدهر كله.\nرواه أحمد (٢/ ١٨٨)، والبخاري (٣٤١٨)، ومسلم (١١٥٩) (١٨١ و١٨٢).\nــ\nبالنسبة إلى التخفيف والتثقيل. فالمخفف يقرؤه في كل شهر؛ لا أقل من ذلك، والمثقل لا يزيد على سبع؛ كما قد نهاه عنه، ولم يتعرض الراوي في هذه الرواية لبيان مقدار زمان القيام من الليل، وقد بينه راو آخر في الرواية التي قال فيها: (أحب الصلاة إلى الله صلاة داود: كان يرقد شطر الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه).\nوقوله: (فاقرأه في سبع ولا تزد)؛ ذهب إلى منع الزيادة على السبع (١) كثير من العلماء. واختار بعضهم قراءته في ثمان، وكان بعضهم يختم في خمس، وآخر في ست، وبعضهم يختم في كل ليلة. وكأن من لم يمنع الزيادة على السبع حمل قوله: (لا تزد) على أنه من باب الرفق، وخوف الانقطاع، فإن أمن ذلك جاز بناءً على: أن ما كثر من العبادة والخير فهو أحب إلى الله. والأولى ترك الزيادة أخذًا بظاهر المنع، واقتداءً برسول الله - ﷺ - فلم يرو عنه: أنه ختم القرآن كله في\n_________\n(١) أي: قراءة القرآن في ستة أيام أو ما دون ذلك.","vol":"3","page":229},{"text":"[١٠٢٨] وعنه أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ- قَالَ: أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، يَصُومُ نِصفَ الدَّهرِ، وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ، كَانَ يَرقُدُ شَطرَ اللَّيلِ، ثُمَّ يَقُومُ، ثُمَّ يَرقُدُ آخِرَهُ، يَقُومُ ثُلُثَ اللَّيلِ بَعدَ شَطرِهِ.\nوَفِي رُوَايَةٍ: كَانَ يَنَامُ نِصفَ اللَّيلِ، وَيَقُومُ ثُلثَهُ، وَيَنَامُ سُدسَهُ.\nرواه أحمد (٢/ ١٦٠)، والبخاري (١١٣١)، ومسلم (١١٥٩) (١٩٠)، وأبو داود (٢٤٤٨)، والنسائي (٣/ ٢١٤ - ٢١٥)، وابن ماجه (١٧١٢).\n[١٠٢٩] وعنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- قَالَ لَهُ: صُم يَومًا وَلَكَ أَجرُ مَا بَقِيَ. قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكثَرَ مِن ذَلِكَ، قَالَ: صُم يَومَينِ وَلَكَ أَجرُ مَا بَقِيَ.\nــ\nليلة، ولا في أقل من سبع، وهو أعلم بالمصالح والأجر. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فقد يعطي على القليل ما لا يعطي على الكثير، لا سيما وقد تبينت مصلحة القلة، والمداومة. وآفة الكثرة الانقطاع.\nوقوله: (صم يومًا ولك أجر ما بقي)، قال بعضهم: يعني: لك أجر ما بقي من العشر، كما تقدم من قوله: (صم من كل عشرة يومًا، ولك أجر تسعة)، وكذلك قال في قوله: (صم يومين ولك أجر ما بقي)؛ أي: من الشهر.\nقلت: وهذا الاعتبار حسن، جار على قياس تضعيف الحسنة بعشر أمثالها، غير أنه يفرغ تضعيف الشهر عند صوم الثلاثة، فيبقى قوله: (صم أربعة أيام ولك أجر ما بقي)، لم يبق له من الشهر شيء فيضاف له عشر من الشهر الآخر، فكأن قوله: (ولك أجر ما بقي)؛ يعني: من أربعين، والله تعالى أعلم.\nوقال بعض المتأخرين: إنه يعني بذلك: من الشهر. وعلى هذا يكون صوم الرابع لا أجر فيه. وهو مخالف لقياس تضعيف الحسنة بعشر أمثالها. وما ذكرناه أولى.","vol":"3","page":230},{"text":"قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكثَرَ مِن ذَلِكَ، قَالَ: صُم ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَكَ أَجرُ مَا بَقِيَ. قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكثَرَ مِن ذَلِكَ. قَالَ: صُم أَربَعَةَ أَيَّامٍ وَلَكَ أَجرُ مَا بَقِيَ. قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكثَرَ مِن ذَلِكَ قَالَ: صُم أَفضَلَ الصِّيَامِ عِندَ اللَّهِ صَومَ دَاوُدَ، كَانَ يَصُومُ يَومًا وَيُفطِرُ يَومًا.\nرواه مسلم (١١٥٩) (١٩٢).\n* * *\nــ\nوقوله - ﷺ - في فطر يومين وصوم يومين: (وددت أني طُوِّقتُ ذلك) (١)؛ أي: أُقدرت عليه، وذلك أنه - ﷺ - (٢) كانت عليه حقوق كثيرة لأهله مع كثرتهم، ولضيفانه، وأصحابه، وللناس خاصة وعامة، فكان يتوقع إن التزم ذلك أن يضعف عن تلك الوظائف أو بعضها؛ فيقع خلل في تلك الحقوق، فتمنى أن يقدر على ذلك مع الوفاء بتلك الحقوق. والله تعالى أعلم.\nلا يقال: فقد كان قادرًا على الوصال، وهو أشق. ولم يضعف عن القيام بشيء من تلك الحقوق؛ لأنا نقول: لم يكن وصاله دائمًا، وإنما كان في وقت من الأوقات بخلاف ما تمنى، فإنه تمناه دائمًا. ويحتمل: أن هذا كان منه في أوقات مختلفة، ففي وقت: كان يطيق فيواصل، وفي وقت يخاف الضعف فيتمنى حتى يحصل له الحظ الأوفر من قوله: (نية المؤمن خير من عمله) (٣)، والله تعالى أعلم.\n* * *\n_________\n(١) هذه الرواية في صحيح مسلم (١١٦٢/ ١٩٦).\n(٢) ساقط من (ع).\n(٣) رواه الطبراني (٦/ ٢٢٨)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٥٥).","vol":"3","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-381>(٢٣) باب فضل صوم ثلاثة أيام من كل شهر وسرر شعبان، وصوم المحرم وستة أيام من شوال</span>\nوقد تقدم قوله ﵊: صِيَامُ ثَلَاثَةٍ مِن كُلِّ شَهرٍ صِيَامُ الدَّهرِ.\n[١٠٣٠] وعن مُعَاذَةُ العَدَوِيَّةُ، أَنَّهَا سَأَلَت عَائِشَةَ زَوجَ النَّبِيِّ - ﷺ- أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- يَصُومُ مِن كُلِّ شَهرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؟ قَالَت: نَعَم فَقُلتُ لَهَا: مِن أَيِّ أَيَّامِ الشَّهرِ كَانَ يَصُومُ؟ قَالَت: لَم يَكُن يُبَالِي مِن أَيِّ أَيَّامِ الشَّهرِ يَصُومُ.\nرواه أحمد (٦/ ١٤٥ و١٤٦)، ومسلم (١١٦٠)، وأبو داود (٢٤٥٣)، والترمذي (٧٦٣)، وابن ماجه (١٧٠٩).\nــ\n(٢٣) ومن باب: فضل صوم ثلاثة أيام\nقول عائشة -﵂-: (لم يكن يبالي من أي أيام الشهر كان يصوم)؛ تعني: أنه لم يكن يعين لصوم الثلاثة زمانًا مخصوصًا من الشهر يداوم عليه، وإنما كان يصومها مرَّة في أوله، ومرَّة في آخره، ومرَّة في وسطه. وهذا - والله أعلم - لئلا يتخيل متخيِّل وجوبها لو لُوزمت في وقت بعينه، أو ليبين فرق ما بين الواجب والتطوع، فإن الواجبات في الغالب معينة بأوقات، أو ذلك بحسب تمكنه، والله تعالى أعلم. غير أنه قد جاء في حديث صحيح ذكره النسائي من حديث جرير بن عبد الله: تخصيص أيام البيض بالذكر المعين؛ فقال - ﷺ -: (صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر؛ أيام البيض صبيحة ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس","vol":"3","page":232},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nعشرة) (١). روينا هذا اللفظ عن متقني مشايخنا؛ برفع (أيام) و(صبيحة) على إضمار المبتدأ، كأنه قال: هي أيام البيض، عائدًا على ثلاثة أيام، و(صبيحة) يرتفع على البدل من (أيام). وأما الخُفّض فيهما: فعلى البدل من (أيام) المتقدمة. هذا أولى ما يوجه في إعرابها.\nوعلى التقديرين: فهذا الحديث مفيد لمطلق الثلاثة الأيام التي صومها كصوم الدهر، على أنه يحتمل أن يكون النبي - ﷺ - عين هذه الأيام لأنها وسط الشهر وأعدله، كما قال: (خير الأمور أوساطها) (٢).\nوعلى هذا يدل قوله - ﷺ -: (هل صمت من سُرَّة هذا الشهر شيئًا)؛ على ما يأتي إن شاء الله.\nوقد اختلف في أي أيام الشهر أفضل للصوم؟ فقالت جماعة من الصحابة والتابعين؛ منهم: ابن عمر، وابن مسعود، وأبو ذر: أن صوم أيام البيض أفضل؛ تمسكًا بالحديث المتقدم. وقال آخرون؛ منهم: النخعي: آخر الشهر أفضل. وقالت فرقة ثالثة: أول الشهر أفضل؛ منهم: الحسن. وذهب آخرون: إلى أن الأفضل صيام أول يوم من السبت والأحد والإثنين في شهر، ثم الثلاثاء والأربعاء والخميس؛ منهم عائشة. واختار آخرون الإثنين والخميس. وفي حديث ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - كان يصوم ثلاثة من كل شهر: أول إثنين، والخميس الذي بعده، والخميس الذي يليه (٣). وعن أم سلمة: أول خميس، والإثنين، والإثنين (٤). واختار بعضهم: صيام أول يوم من الشهر، ويوم العاشر، ويوم العشرين. وبه قال أبو الدرداء. ويروى أنه كان صيام مالك. واختاره ابن شعبان. وقد روي عن مالك كراهة تعمد صيام أيام البيض، وقال: ما هذا ببلدنا. والمعروف من مذهبه كراهة\n_________\n(١) رواه النسائي (٤/ ٢٢١).\n(٢) ذكره العجلوني في كشف الخفاء (١/ ٣٩١).\n(٣) رواه النسائي (٤/ ٢٢٠).\n(٤) رواه أبو داود (٢٤٥٢)، والنسائي (٤/ ٢٢٠ و٢٢١).","vol":"3","page":233},{"text":"[١٠٣١] وَعَن عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ- قَالَ لِرَجُلٍ: هَل صُمتَ مِن سُرَرِ هَذَا الشَّهرِ شَيئًا؟ وَفِي رِوَايَةٍ: من سرر شعبان قَالَ:\nــ\nتعيين أيام مخصوصة للنفل، وأن يجعل الرجل لنفسه يومًا، أو شهرًا يلتزمه.\nوالحاصل: أن ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدَّهر حيث صامها، وفي أي وقت أوقعها. واختلاف الأحاديث في هذا عن النبي - ﷺ - تدل على أن النبي - ﷺ - لم يكن يرتب على زمان بعينه من الشهر، كما قالته عائشة -﵂-، وأن كل ذلك قد فعله النبي - ﷺ -. ويرحم الله مالكًا لقد فهم وغنم.\nوقوله - ﷺ - للرجل: (هل صمت من سرر شعبان شيئًا؟) المعروف عند اللغويين وغيرهم: أن سرار الشهر: آخره. يقال: سَرَاره، وسَرَرُه، وسره وهو حين يستسرُّ الهلال. وقال أبو داود عن الأوزاعي: سره: أوله. وقيل: وسطه.\nقال ابن السكيت: سرار الأرض: أكرمها وأوسطها. وسرار كل شيء: وسطه وأفضله.\nقال القاضي عياض: وقد يكون سرر الشهر من هذا؛ أي: أفضل أيامه، كما جاء في حديث جرير في ذكر الأيام البيض كما تقدم.\nقلت: فإن حملنا السرار في هذا الحديث على أول الشهر لم يكن فيه إشكال، وإن حملناه على آخر الشهر عارضه قوله - ﷺ -: (لا تقدموا رمضان بصوم يوم، ولا يومين) (١). ويرتفع ما يتوهم من المعارضة بأن يحمل النهي على من لم تكن له عادة بصوم شيء من شعبان فيصومه لأجل رمضان، وأما من كانت له عادة أن يصوم (٢)، فليستمر على عادته. وقد جاء هذا أيضًا في بقية الخبر، فإنه قال: (إلا أن يكون أحدكم يصوم صومًا فليصمه)، كما تقدم.\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٢٣٤)، والبخاري (١٩١٤)، ومسلم (١٠٨٢)، وأبو داود (٢٣٣٥)، والترمذي (٦٨٥)، والنسائي (٤/ ١٥٤)، وابن ماجه (١٦٥٠) من حديث أبي هريرة.\n(٢) ساقط من (هـ)، واستدركناه من (ظ) و(ع).","vol":"3","page":234},{"text":"لَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ-: فَإِذَا أَفطَرتَ مِن رَمَضَانَ فَصُم يَومَينِ مَكَانَهُ.\nرواه أحمد (٤/ ٤٤٣ - ٤٤٤)، ومسلم (١١٦١) (١٩٩ و٢٠٠)، وأبو داود (٢٣٢٨).\n[١٠٣٢] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ-: أَفضَلُ الصِّيَامِ بَعدَ رَمَضَانَ شَهرُ اللَّهِ المُحَرَّمُ، وَأَفضَلُ الصَّلَاةِ بَعدَ الفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيلِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: الصَّلَاةُ فِي جَوفِ اللَّيلِ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٤٤)، ومسلم (١١٦٣) (٢٠٢)، وأبو داود (٢٤٢٩)، والترمذي (٤٣٨)، والنسائي (٣/ ٢٠٦ - ٢٠٧)، وابن ماجه (١٧٤٢).\nــ\nوقوله: (فصم يومين مكانه)؛ هذا منه - ﷺ - حمل على ملازمة عادة الخير حتى لا تقطع، وحض على ألا يمضي على المكلف مثل شعبان فلم يصم منه شيئًا، فلما فاته صومه، أمره أن يصوم من شوال يومين ليحصل له أجر من الجنس الذي فوَّته على نفسه.\nقلت: ويظهر لي: أنه إنما أمره بصوم يومين للمزية التي يختص بها شعبان، فلا بُعد في أن يقال: إن صوم يوم منه كصوم يومين في غيره. ويشهد لهذا: أنه - ﷺ - كان يصوم منه أكثر مما كان يصوم من غيره، اغتنامًا لمزية فضيلته، والله تعالى أعلم.\nوقوله: (أفضل الصيام بعد رمضان صيام شهر الله المحرم)؛ هذا إنما كان - والله تعالى أعلم - من أجل: أن المحرم أول السنة المستأنفة التي لم (١) يجئ بعد رمضانها، فكان استفتاحها بالصوم الذي هو من أفضل الأعمال، والذي أخبر عنه - ﷺ -: بأنه ضياء. فإذا استفتح سنته بالضياء مشى فيه بقيتها، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"3","page":235},{"text":"[١٠٣٣] وَعَن أَبِي أَيُّوبَ الأَنصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- قَالَ: مَن صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتبَعَهُ سِتًّا مِن شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهرِ.\nرواه أحمد (٥/ ٤١٧)، ومسلم (١١٦٤)، وأبو داود (٢٤٣٣)،\nوالترمذي (٧٥٩)، وابن ماجه (١٧١٦).\n* * *\nــ\nوقوله - ﷺ -: (من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر)؛ هذا الحديث خرَّجه النسائي من حديث ثوبان، وقال فيه: قال - ﷺ -: (صيام شهر رمضان بعشرة أشهر، وصيام ستة بشهرين، فذلك صيام سنة) (١)، وفي رواية أخرى: (الحسنة بعشر، فشهر رمضان بعشرة أشهر، وستة بعد الفطر تمام السَّنة) (٢). وذكره أيضًا أبو عمر بن عبد البر هكذا (٣).\nفإن قيل: فيلزم على هذا مساواة الفرض النفل في تضعيف الثواب، وهو خلاف المعلوم من الشرع؛ إذ قد تقرر فيه: أن أفضل ما تقرب به المتقربون إلى الله تعالى ما افترض عليهم. وبيان ذلك: أنه قد تقدم: أن صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدَّهر؛ أي: السَّنة، وهذه الثلاثة تطوّع بالاتفاق، فقد لزم مساواة الفرض للنفل في الثواب.\nوالجواب: على تسليم ما ذكر - من أن ثواب الفرض أكثر - أن نقول: إن صيام ثلاثة من كل شهر إنما صار بمنزلة صيام سنة بالتضعيف؛ لأن المباشر من أيامها بالصوم ثلاثة أعشارها، ثم لما جعل كل يوم بمنزلة عشر كملت السنة بالتضعيف. وأما صوم رمضان مع الستة: فيصح أن يقال فيه أنه بمنزلة سنة بوشرت بالصوم أيامها، ثم ضوعفت كل يوم من أيام السَّنة بعشرة، فيضاعف العدد، فصارت هذه السنة بمنزلة\n_________\n(١) رواه النسائي في الكبرى (٢٨٦٠).\n(٢) رواه النسائي في الكبرى (٢٨٦١).\n(٣) في (هـ) و(ظ): من هنا.","vol":"3","page":236},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nعشر سنوات (١) بالتضعيف، وذلك أن السنة ثلاثمائة وستون يومًا، فإذا ضَرَبتَ ثلاثمائة وستين في عشرة صارت ثلاثة آلاف وستمائة.\nوإنما صرنا إلى هذا التأويل للحديث الصحيح المتقدم في تفضيل الفرض على غيره، ولما علم من الشرع: أن أجر الثواب على العمل على القرب محدود بعشر، وأما أكثره فليس بمحدود؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ﴾ بعد ذكر مراتب التضعيف المذكورة في الآية؛ التي هي: عشر، وسبعون، وسبعمائة، والمضاعفة المطلقة (٢)، وكذا قال - ﷺ - فيما رواه ابن عباس ﵄: (الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة) (٣)، والله تعالى أعلم (٤).\nوقد أخذ بظاهر هذا الحديث - أعني: حديث أبي - جماعة من العلماء، فصاموا هذه الستة إثر يوم الفطر؛ منهم: الشافعي، وأحمد بن حنبل. وكره مالك وغيره ذلك، وقال في موطئه: لم أر أحدًا من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحد من السَّلف، وأهل العلم يكرهون ذلك، ويخافون بدعته، وأن يُلحق برمضان ما ليس منه أهلُ الجهالة والجفاء.\nقلت: ويظهر من كلام مالك هذا: أن الذي كرهه هو وأهل العلم، الذين أشار إليهم، إنما هو أن توصل تلك الأيام الستة بيوم الفطر، لئلا يظن أهل الجهالة والجفاء أنها بقية من صوم رمضان. وأما إذا باعد بينها وبين يوم الفطر فيبعد ذلك التوهم، وينقطع ذلك التخيل.\nومما يدل على اعتبار هذا المعنى: أن النبي - ﷺ - قد\n_________\n(١) في الأصل: اثنتي عشرة سنة. والصواب ما أثبتناه.\n(٢) الآية المذكورة ورد فيها المضاعفة إلى سبعمئة ضعف، والمضاعفة المطلقة فقط، وهي قوده تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.\n(٣) رواه البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣٠ و١٣١).\n(٤) ما بين حاصرتين تفرَّدت به (ظ).","vol":"3","page":237},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nحمى حماية الزيادة في رمضان من أوله بقوله: (إذا دخل النصف من شعبان فأمسكوا عن الصوم) (١)، وبقوله: (لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم ولا يومين) (٢). وإذا كان هذا في أوله فينبغي أن تحمى الذريعة أيضًا من آخره، فإن توهم الزيادة فيه أيضًا متوقع، فأما صومها متباعدة عن يوم الفطر، بحيث يؤمن ذلك المتوقع فلا يكرهه مالك ولا غيره. وقد روى مُطَرِّف عن مالك: أنه كان يصومها في خاصة نفسه. قال مُطَرِّف: وإنما كره صيامها لئلا يلحق أهل الجهالة ذلك برمضان، فأما من رغب في ذلك لما جاء فيه فلم ينهه.\nوقال بعض علمائنا: لو صام هذه الستة في غير شوال لكانت إذا ضُمَّت إلى صوم (٣) رمضان صيام (٤) الدَّهر؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، كما ذكره في الحديث، وإنما خصَّ شوال بالذكر لسهولة الصوم فيه؛ إذ كانوا قد تعودوه في رمضان.\nوقوله: (ثم أتبعه ستًّا من شوال)؛ ليس فيه دليل على أنها تكون متصلة بيوم الفطر، بل لو أوقعها في وسط شوال، أو آخره، لصلح تناول هذا اللفظ له؛ لأن (ثم) للتراخي، وكل صوم يقع في شوال فهو متبع لرمضان، وإن كان هنالك مهلة. وقد دل على صحة هذا قوله في حديث النسائي: (وستة بعد الفطر)، ولذلك نقول: إن الأجر المذكور حاصل لصائمها؛ مجموعة أوقعها أو مفترقة؛ لأن كل يوم بعشرة مطلقًا، والله تعالى أعلم.\nقلت: وحديث أبي أيوب المتقدم، وإن كان قد خرَّجه مسلم ليس بصحيح،\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢٣٣٧)، والترمذي (٧٣٨).\n(٢) سبق تخريجه.\n(٣) من هنا انقطاع في النسخة العثمانية حتى نهاية باب: الهدي للمتمتع. واستدرك من (هـ) و(ظ) و(ط).\n(٤) في (هـ): كصيام.","vol":"3","page":238},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوهو من جملة الأحاديث الضعيفة الواقعة في كتابه (١)؛ وذلك لأن في إسناده: سعد بن سعيد بن قيس؛ قال فيه النسائي: ليس بالقوي، وغيره يضعفه، كما ذكره الترمذي، وقد انفرد به عن عمر بن ثابت، قال أبو عمر بن عبد البر: أظن أن الشيخ عمر بن ثابت لم يكن عند مالك ممن يعتمد عليه.\nوإنما أنَّث (ستًّا)، وكان حقها أن تذكر من حيث: إن الصوم إنما يوقع في الأيام، واليوم مذكر؛ لأنه غلَّب على الأيام الليالي، كما تفعله العرب؛ لأن أول الشهر ليلهِ، وكذلك الصوم: إنما يعزم عليه غالبًا بالليل، وفيه حجة للمالكية في اشتراط نية التبييت في صوم النفل، والله تعالى أعلم.\n* * *\n_________\n(١) سبق وأشار القرطبي -﵀- في مقدمة \"المفهم\" إلى وجود أحاديث منتقدة على صحيح مسلم، وهذا أحدها.\nوقد جاء الانتقاد من قِبَل الدارقطني وغيره، وقد ردَّ عليهما ابنُ كثير في الباعث الحثيث (ص ٢٩) مستندًا إلى ما قاله ابنُ الصلاح وغيره.\nوبعد تأمُّل هذه المناقشات نجد أنفسنا ترتاح إلى تعليق الشيخ أحمد شاكر -﵀- في قوله: \"الحقُّ الذي لا مرية فيه عند أهل العلم بالحديث من المحقِّقين أنَّ أحاديثَ الصَّحيحين صحيحةٌ كلُّها، ليس في واحدٍ منها مطعنٌ أو ضَعْف\".","vol":"3","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-382>(١١) أبواب الاعتكاف وليلة القدر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-383>(١) باب لا اعتكاف إلا في مسجد وبصوم</span>\n[١٠٣٤] عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- اعتَكَفَ\nــ\n(١١) أبواب الاعتكاف وليلة القدر\nالاعتكاف في اللغة: هو ملازمة الشيء والإقامة فيه. ولما كان المعتكف ملازمًا للعمل بطاعة الله مدة اعتكافه؛ لزمه هذا الاسم. وهو في عرف الشرع: ملازمة طاعةٍ مخصوصة، على شرط مخصوص، في موضع مخصوص، على ما يأتي تفصيله.\nوأجمع على: أنه ليس بواجب، وهو قربة من القرب، ونافلة من النوافل، عمل بها رسول الله - ﷺ - وأصحابه وأزواجه، ويكره الدخول فيه لمن يخاف عليه العجز عن الوفاء بحقوقه.\nواختلف منه في مسائل:\nالمسألة الأولى: هل من شرطه الصوم، أم لا؟ فذهب مالك وجمهور العلماء إلى أنه شرط فيه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُم عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ﴾؛ ولأنه - ﷺ - لم يعتكف قط إلا وهو صائم. قال مالك: وعلى ذلك: الأمر عندنا. قال أبو إسحاق التونسي: ودليلنا على ذلك: ما رواه سفيان بن حسين عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا اعتكاف إلا","vol":"3","page":240},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nبصوم) (١). قال: ومثله عن علي، وابن عبَّاس، وابن عمر.\nقال أبو عمر بن عبد البر: وبه قال عروة بن الزبير، والشعبي، والزهري، والثوري، والأوزاعي، والحسن بن حَييّ، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، وأحمد، وقال الشافعي: الاعتكاف جائز بغير صيام. وهو قول علي، وابن مسعود، والحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، وعمر بن عبد العزيز، وابن أبي عَبلَة، وداود.\nواختلف فيه عن ابن عباس، وأحمد، وإسحاق.\nقلت: والصحيح: الاشتراط؛ لأنه إن صح حديث عائشة فهو نصٌّ فيه، وإن لم يصح وإلا فالأفضل (٢) في العبادات والقرب أنها إنما تفعل على نحو ما قررها الشارع، وعلى ما فعلها، وقد تقررت مشروعية الاعتكاف مع الصوم في قوله: ﴿وَأَنتُم عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ﴾؛ ولأن النبي - ﷺ - لم يعتكف قط إلا صائمًا، فمن ادعى جوازه من غير صوم دفع إلى إقامة دليل على ذلك (٣).\nالمسألة الثانية: اشتراط المسجد. وهو شرط في الجملة للرجال والنساء عند الجمهور. وقد شذَّ ابن لبابة من متأخري أصحابنا، فجوَّزه بغير صوم ولا مسجد. وقال الكوفيون: لا يعتكف النساء إلا في بيوتهن. وذهب بعض السَّلف: إلى أنه\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢٤٧٣).\n(٢) في (هـ): فالأصل.\n(٣) جاء في حاشية (هـ) ما يلي:\nللشافعي أن عمر -﵁- نذر في الجاهلية أن يعتكف ليلةً، فسأل النبيَّ - ﷺ -، فقال: \"\"أوفِ بنذرك\". فدلَّ على أنَّ الصومَ غيرُ شرطٍ، والحديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما. وحديث عائشة موقوف، ولم يخرجه غير أبي داود، وفي إسناده مقال، فالصحيحُ عدم الاشتراط، ومَن ادَّعى وجوده أُلْجِئ إلى حُجَّة ودليل، والله أعلم.","vol":"3","page":241},{"text":"العَشرَ الأَوَّلَ مِن رَمَضَانَ، ثُمَّ اعتَكَفَ العَشرَ الأَوسَطَ فِي قُبَّةٍ تُركِيَّةٍ، عَلَى سُدَّتِهَا حَصِيرٌ، قَالَ: فَأَخَذَ الحَصِيرَ بِيَدِهِ فَنَحَّاهَا فِي نَاحِيَةِ القُبَّةِ، ثُمَّ أَطلَعَ رَأسَهُ فَكَلَّمَ النَّاسَ، فَدَنَوا مِنهُ، فَقَالَ: إِنِّي اعتَكَفتُ العَشرَ الأَوَّلَ أَلتَمِسُ هَذِهِ اللَّيلَةَ، ثُمَّ اعتَكَفتُ العَشرَ الأَوسَطَ، ثُمَّ أُتِيتُ فَقِيلَ لِي إِنَّهَا فِي العَشرِ الأَوَاخِرِ فَمَن أَحَبَّ مِنكُم أَن يَعتَكِفَ فَليَعتَكِف، فَاعتَكَفَ النَّاسُ مَعَهُ قَالَ: وَإِنِّي أُريتُهَا لَيلَةَ وِترٍ، وَإِنِّي أَسجُدُ صَبِيحَتَهَا فِي طِينٍ وَمَاءٍ. فَأَصبَحَ مِن\nــ\nلا يعتكف إلا في أحد المساجد الثلاثة، وذُكر عن حذيفة.\nوذهب بعضهم: إلى أنه لا يعتكف، إلا في مسجد تُجَمَّع فيه الجمعة. ورُوي عن مالك من مذهبه: أن ذلك إنما يشترط فيمن أراد أن يعتكف أيامًا تتخللها الجمعة؛ لأنه إن خرج إلى الجمعة بطل اعتكافه.\nوالصحيح: اشتراط المسجد للرِّجال والنساء لقوله تعالى: ﴿وَأَنتُم عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ﴾ ولأن النبي - ﷺ - وأصحابه لم يعتكفوا إلا في المسجد، رجالهم ونساؤهم.\nالمسألة الثالثة: قال أئمتنا: الاعتكاف الشرعي هو: ملازمة المسجد ليتفرغ لعبادة الله تعالى مع صوم، إما له وإما لغيره في مدة أقل واجبها يوم وليلة، وأقل مستحبها عشرة أيام ولياليها.\nوقد خولف أئمتنا في كثير من هذه القيود على ما يأتي في تضاعيف الكلام على الأحاديث إن شاء الله تعالى.\n(١) ومن باب: لا اعتكاف إلا في مسجد وبصوم (١)\nقوله: (في قبة تركية على سدتها حصير)، القبة التركية: التي لها باب واحد. والسُّدة: الباب الذي يُسدُّ. وهذه القبة هي المعبَّر عنها في الحديث الآخر: بالبناء. وفي الآخر: بالخيمة.\n_________\n(١) شرح المؤلف تحت هذا العنوان ما أشكل في أحاديث هذا الباب، وأحاديث باب: ليلة القدر ليلة ثلاث وعشرين، وباب: ليلة القدر ليلة سبع وعشرين.","vol":"3","page":242},{"text":"لَيلَةِ إِحدَى وَعِشرِينَ، وَقَد قَامَ إِلَى الصُّبحِ فَمَطَرَت السَّمَاءُ فَوَكَفَ المَسجِدُ فَأَبصَرتُ الطِّينَ وَالمَاءَ، فَخَرَجَ حِينَ فَرَغَ مِن صَلَاةِ الصُّبحِ وَجَبِينُهُ وَرَوثَةُ أَنفِهِ فِيهِمَا الطِّينُ وَالمَاءُ، وَإِذَا هِيَ لَيلَةُ إِحدَى وَعِشرِينَ مِن العَشرِ الأَوَاخِر.\nرواه مسلم (١١٦٧) (٢١٥)، والنسائي (٣/ ٧٩ - ٨٠).\n[١٠٣٥] وعنه قَالَ: اعتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- العَشرَ الأَوسَطَ مِن رَمَضَانَ، يَلتَمِسُ لَيلَةَ القَدرِ قَبلَ أَن تُبَانَ لَهُ، قال: فَلَمَّا انقَضَينَ أَمَرَ بِالبِنَاءِ فَقُوِّضَ، ثُمَّ أُبِينَت لَهُ أَنَّهَا فِي العَشرِ الأَوَاخِرِ، فَأَمَرَ بِالبِنَاءِ فَأُعِيدَ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهَا كَانَت أُبِينَت لِي لَيلَةُ القَدرِ، وَإِنِّي خَرَجتُ لِأُخبِرَكُم بِهَا، فَجَاءَ رَجُلَانِ يَحتَقَّانِ، مَعَهُمَا الشَّيطَانُ فَنُسِّيتُهَا، فَالتَمِسُوهَا فِي العَشرِ الأَوَاخِرِ مِن رَمَضَانَ التَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالخَامِسَةِ قَالَ: قُلتُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ إِنَّكُم أَعلَمُ بِالعَدَدِ مِنَّا قَالَ: أَجَل نَحنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنكُم، قَالَ: قُلتُ: مَا التَّاسِعَةُ وَالسَّابِعَةُ وَالخَامِسَةُ؟ قَالَ: إِذَا مَضَت وَاحِدَةٌ وَعِشرُونَ فَالَّتِي تَلِيهَا ثِنتَانِ وَعِشرِونَ فَهِيَ التَّاسِعَةُ، فَإِذَا مَضَت ثَلَاثٌ وَعِشرُونَ، فَالَّتِي تَلِيهَا السَّابِعَةُ، فَإِذَا مَضَى خَمسٌ وَعِشرُونَ فَالَّتِي تَلِيهَا الخَامِسَةُ.\nــ\nو(وكف المسجد): قطر.\nو(الرَّوثة): طرف الأرنبة.\nو(يلتمس): يطلب.\nو(تقويض البناء): هدمه.\nو(أبينت): روايتنا فيه من البيان. قال أبو الفرج: وضبطه المحققون: (أثبتت) من الإثبات.\n(يحتقان): يطالب كل واحد منها صاحبه بحقه. وقد تقدَّم الكلام في تسمية ليلة القدر في صلاة الليل من كتاب الصلاة.\nوقول الرجل لأبي سعيد: (إنكم أعلم بالعدد منَّا)؛ أي: بهذا العدد الذي ذكر، وذلك لأنه محتمل لأن يعتبر بكمال الشهر أو بنقصه، وقد اعتبره أبو سعيد هنا بالباقي على كمال الشهر.","vol":"3","page":243},{"text":"رواه أحمد (٣/ ١٠)، ومسلم (١١٦٧) (٢١٧)، وأبو داود (١٣٧٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-384>(٢) باب للمعتكف أن يختص بموضع من المسجد فيضرب خيمة ومتى يدخلها، واعتكاف النساء في المسجد وأن المعتكف لا يخرج من معتكفه إلا لحاجته الضرورية</span>\n[١٠٣٦] عَن عَائِشَةَ قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- إِذَا أَرَادَ أَن يَعتَكِفَ صَلَّى الفَجرَ، ثُمَّ دَخَلَ مُعتَكَفَهُ،\nــ\n(٢) ومن باب: للمعتكف أن يختص بموضع من المسجد\nقول عائشة: (كان رسول الله - ﷺ - إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر، ثم دخل في معتكفه)؛ أخذ بظاهره الأوزاعي، والثوري، والليث في أحد قوليه. وقال أبو ثور: يفعل هذا من نذر عشرة أيام، فإن زاد عليها فقبل غروب الشمس من الليلة. وقال مالك: لا يدخل اعتكافه إلا قبل غروب الشمس. وقال أحمد، ووافقهما الشافعي وأبو حنيفة، وأبو ثور في الشهر، واختلفوا في الأيام: فقال الشافعي: يدخل فيها قبل طلوع الفجر، وبه قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب في الأيام وفي الشهر. وقال عبد الملك: لا يعتد بذلك اليوم.\nوسبب هذا الخلاف هو: هل أول ليلة أيام الاعتكاف داخلة فيها أم لا تدخل؟ وإن اليوم هو المقصود بالاعتكاف، والليل تابع؛ قولان: ومن قال بالأول تأول الحديث المتقدم، على أن معناه: أنه كان إذا صلَّى الصبح في الليلة التي دخل من أولها في اعتكافه، دخل قبة","vol":"3","page":244},{"text":"وَأنَّهُ أَمَرَ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ، أَرَادَ الِاعتِكَافَ فِي العَشرِ الأَوَاخِرِ مِن رَمَضَانَ فَأَمَرَت زَينَبُ بِخِبَائِهَا فَضُرِبَ، وَأَمَرَ غَيرُهَا مِن أَزوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ- بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- الفَجرَ نَظَرَ فَإِذَا الأَخبِيَةُ فَقَالَ:\nــ\nاعتكافه التي ينزوي فيها نهاره، لا أن وقت دخوله قُبَّته كان أول اعتكافه، والله تعالى أعلم.\nوقولها: (وإنه أمر بخبائه فضرب)؛ هذا إنما كان قبل أن يشرع في الاعتكاف، بدليل قولها: (أراد الاعتكاف في العشر الأواخر)؛ ففي كلامها هذا تقديم وتأخير، فإن أول ما فعل لما أراد الاعتكاف ضرب له الخباء، ثم إن أزواجه لما رأين عزمه على الاعتكاف، وأخذه فيه؛ شرعن فيه رغبة منهن في الاقتداء به، وفي تحصيل الأجر، غير أنهن لم يستأذنه، فلذلك أنكر عليهن، ويحتمل أن يكون إنكاره لأوجه أخر:\nمنها: أن يكون خاف أن يكون الحامل لهن على الاعتكاف غيرتهن عليه، وحرصهن على القرب منه.\nومنها: أن يكون كره لهن ملازمتهن المسجد مع الرِّجال، أو يكن ضيقن المسجد على الناس بأخبيتهن، أو يؤدي مكثهن في المسجد إلى أن يطلع عليهن المنافقون لكثرة خروجهن لحاجتهن، أو يؤدي ذلك إلى أن تنكشف منهن عورة، أو يؤدي ذلك إلى تضييع حقوق النبي - ﷺ - وحوائجه في بيوتهن.\nوكل هذه الاحتمالات مناسبة، وبعضها أقرب من بعض، ولا يبعد أن يكون مجموعها هو المراعى عنده، أو شيء آخر لم يُطَّلع عليه، والله تعالى أعلم.\nوأما استئذان المرأة زوجها في الاعتكاف المتطوع به، فلا بدَّ منه عند العلماء للذي تقدم في استئذانها إيَّاه في الصوم، وللزوج أن يمنعها منه ما لم يكن نذرًا معينًا، فلو كان مطلقًا، فله أن يمنعها من وقت إلى وقت ما لم تخف الفوت. وكذلك العبد والأمة.","vol":"3","page":245},{"text":"آلبِرَّ تُرِدنَ فَأَمَرَ بِخِبَائِهِ فَقُوِّضَ، وَتَرَكَ الِاعتِكَافَ فِي شَهرِ رَمَضَانَ حَتَّى اعتَكَفَ فِي العَشرِ الأَوَّلِ مِن شَوَّالٍ.\nرواه أحمد (٦/ ٨٤)، والبخاري (٢٠٣٣)، ومسلم (١١٧٢) (٦).\n[١٠٣٧] وعنها قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان.\nرواه أحمد (٦/ ٨١)، والبخاري (٢٠٢٩)، ومسلم (٢٩٧) (٦)، وأبو داود (٢٤٦٨)، والنسائي (١/ ١٩٣)، وابن ماجه (١٧٧٦).\n* * *\nــ\nوقوله: (آلبِرَ تُرِدنَ؟) بهمزة الاستفهام، ومده على جهة الإنكار، ونصب (البر) على أنه مفعول (تردن) مقدمًا.\nوأمره - ﷺ - بتقويض خبائه، وتركه الاعتكاف؛ إنما كان ذلك - والله أعلم - قبل أن يدخل في الاعتكاف، وهو الظاهر من مساق الحديث، فلا يكون فيه حجة لمن يقول: إن من دخل في تطوع جاز له أن يخرج منه، وإنه إنما كان عزم عليه، وأراده، لا أنه دخل فيه.\nوتركه - ﷺ - الاعتكاف في ذلك العشر الذي كان قد عزم على اعتكافه: إنما كان مواساة لأزواجه، وتطييبًا لقلوبهن، وتحسينًا لعشرتهن، أو لعله توقع من تماديه على الاعتكاف ظن أنه هو المخصوص بالاعتكاف دونهن.\nوكونه اعتكف في شوال يدل: على أن الاعتكاف ليس مخصوصًا برمضان، ولا يقال فيه ما يدل على قضاء التطوع؛ لأنا لا نسلم أنه قضاء، بل هو ابتداء؛ إذ لم يجب عليه لا بالأصل، ولا بالنذر، ولا بالدخول فيه؛ إذ لم يكن دخل فيه بعد.\nكيف ومعقولية القضاء إنما تتحقق فيما اشتغلت الذمة به، فإذا لم يكن شُغل ذمةٍ، فأي شيء يقضي؟ غاية ما في الباب: أنه ابتدأ عبادة هي من نوع ما فاته.","vol":"3","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-385>(٣) باب اعتكاف العشر الأواخر من رمضان</span>\n[١٠٣٨] عَن ابنِ عُمَرَ أَنَّ رسول الله - ﷺ- كَانَ يَعتَكِفُ العَشرِ الأَوَاخِرِ مِن رَمَضَانَ.\nقال نافع: وقد أراني عبد الله المكان الذي كان يعتكف فيه رسول الله - ﷺ - من المسجد.\nرواه البخاري (٢٠٢٥)، ومسلم (١١٧١) (٢)، وأبو داود (٢٤٦٥)، وابن ماجه (١٧٧٣).\nــ\n(٣) ومن باب: اعتكاف العشر الأواخر من رمضان (١)\nقول نافع: (وقد أراني عبد الله المكان الذي كان رسول الله - ﷺ - يعتكف فيه)؛ يعني: الموضع الذي كان اختصه لنفسه؛ الذي كانت عليه القبة التركية، ومع أنه اختص بموضع من المسجد فهو كان الإمام في حال اعتكافه، فكان يصلِّي بهم في موضعه المعتاد، ثم يرجع إلى معتكفه بعد انقضاء صلاته.\nوتحصل منه: جواز إمامة المعتكف، وقد منعها سحنون في أحد قوليه في الفرض والنفل. والجمهور على جواز ذلك.\nواختلف من هذا الباب في مسائل:\nمنها: أذان المعتكف، منعه مالك مرة وأجازه أخرى. والكافة على جوازه، وهذا في المنار. أما في غيره فلا خلاف في جوازه، فيما أعلم.\nوأما خروجه لعيادة المرضى، أو لصلاة على جنازة: فمنع ذلك مالك، وكافتهم، وأجازه الحسن، والنخعي، وغيرهما. وأجاز إسحاق، والشافعي اشتراط ذلك عند دخوله في التطوع لا النذر. واختلف فيه قول أحمد. ومنع ذلك مالك وغيره.\n_________\n(١) جزء من حديث رواه البخاري (٢٠٢٣).","vol":"3","page":247},{"text":"[١٠٣٩] وَعَن عَائِشَةَ قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- يَعتَكِفُ العَشرَ الأَوَاخِرَ مِن رَمَضَانَ حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده.\nــ\nومنع مالك اشتغاله في المسجد بسماع علم، وكتابته، أو بالأمور المباحة كالعمل في الخياطة وشبه ذلك، إلا فيما خفَّ من هذا كله.\nوأباح له الشافعي وأبو حنيفة الشغل في المسجد بما يباح من ذلك كله، أو يرغب فيه من طلب العلم.\nوأما خروج المعتكف من المسجد فلا يجوز إلا لقضاء حاجته، أو شراء طعام، أو شراب مما يحتاج إليه ولم يجد من يكفيه ذلك؛ لقول عائشة: (كان رسول الله - ﷺ - إذا اعتكف لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان)؛ تعني به: الحدث. ويلحق به ما يكون محتاجًا إليه كشراء طعام وشراب على ما تقدم.\nوإدامته - ﷺ - الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان؛ إنما كان لما أبين له: أن ليلة القدر فيه، وإلا فقد اعتكف في العشر الأول وفي الوسط على ما تقدَّم من حديث أبي سعيد.\nثم من اعتكف في العشر الأواخر من رمضان؛ فهل يبيت ليلة الفطر في معتكفه ولا يخرج منه إلا إذا خرج لصلاة العيد؛ فيصلي، وحينئذ يرجع إلى منزله؟ أو يجوز له أن يخرج عند غروب الشمس من آخر يوم رمضان؟ قولان للعلماء؛ والأول هو قول مالك، وأحمد بن حنبل، وغيرهما. وهو محكي عن السَّلف.\nواختلف أصحاب مالك إذا لم يفعل؛ هل يبطل اعتكافه؟ أم لا يبطل؟ قولان. وذهب الشافعي، والليث، والأوزاعي، والزهري في آخرين: إلى أنه يجوز خروجه ليلة الفطر، ولا يلزمه شيء مما قاله مالك.\nوظاهر مذهب مالك: أن ذلك على وجه الاستحباب؛ لأن بعض السَّلف فعله، ولأنه قد روي عن النبي - ﷺ -.\nوكون أزواجه اعتكفن بعده حجة على من منع اعتكاف النساء في المسجد، فإنهن إنما اعتكفن على نحو ما كان النبي - ﷺ - يعتكف؛ لأن الراوي عنهن","vol":"3","page":248},{"text":"رواه البخاري (٢٠٢٦)، ومسلم (١١٧٢) (٥)، وأبو داود (٢٤٦٢)، والترمذي (٧٩٠)، والنسائي (٢/ ٤٤).\n[١٠٤٠] وعنها قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- إِذَا دَخَلَ العَشرُ أَحيَا اللَّيلَ وَأَيقَظَ أَهلَهُ وَجَدَّ وَشَدَّ المِئزَرَ.\nرواه أحمد (٦/ ٤٠ - ٤١)، والبخاري (٢٠٢٤)، ومسلم (١١٧٤)، وأبو داود (١٣٧٦)، والنسائي (٣/ ٢١٧ - ٢١٨)، وابن ماجه (١٧٦٨).\n* * *\nــ\nساق اعتكاف النبي - ﷺ - واعتكافهن مساقًا واحدًا، ولو خالفنه في المسجد لذكره، وكان يقول: غير أن ذلك في بيوتهن.\nوقول عائشة -﵂-: (كان النبي - ﷺ - إذا دخل العشر أحيا الليل)؛ أي: بالصلاة، و(أيقظ أهله) لذلك. وفيه: حث الأهل على القيام للنوافل، وحملهم على تحصيل الخير والثواب. ويفهم منه تأكيد القيام في هذا العشر على غيره.\nو(جدَّ)؛ أي: اجتهد. و(شدَّ المِئزَر)؛ أي: امتنع عن النساء. وهذا أولى من قول من قال: إنه كناية عن الجد والاجتهاد؛ لأنه قد ذكر ذلك، فحمل هذا على فائدة مستجدة أولى.\nوقد ذهب بعض أئمتنا: إلى أنه عبارة عن الاعتكاف. وفيه بُعد؛ لقولها: أيقظ أهله. وهذا يدل على أنه كان معهم في البيت، وهو كان في حال اعتكافه في المسجد، وما كان يخرج منه إلا لحاجة الإنسان، على أنه يصح أن يوقظهن من موضعه من باب الخوخة التي كانت له إلى بيته في المسجد، والله أعلم.\nفإن حملناه على الاعتكاف فهم منه: أن المعتكف لا يجوز له أن يقرب النساء بمباشرة، ولا استمتاع فما فوقهما، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُم عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ﴾ فإن وقع منه الجماع فسد اعتكافه ليلًا كان أو نهارًا بالإجماع.\nثم: هل عليه كفارة؟ فالجمهور: على أن لا.","vol":"3","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-386>(٤) باب الأمر بالتماس ليلة القدر</span>\n[١٠٤١] عن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- يَقُولُ لِلَيلَةِ القَدرِ: إِنَّ نَاسًا مِنكُم قَد أُرُوا أَنَّهَا فِي السَّبعِ الأُوَلِ، وَأُرِيَ نَاسٌ مِنكُم أَنَّهَا فِي السَّبعِ الغَوَابِرِ، فَالتَمِسُوهَا فِي العَشرِ الغَوَابِرِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: مَن كَانَ مُلتَمِسَهَا فَليَلتَمِسهَا فِي العَشرِ الأَوَاخِرِ.\nوَفي أخرى: التَمِسُوهَا فِي العَشرِ الأَوَاخِرِ (يَعنِي: لَيلَةَ القَدرِ) فَإِن ضَعُفَ أَحَدُكُم، أَو عَجَزَ فَلَا يُغلَبَنَّ عَلَى السَّبعِ البَوَاقِي.\nرواه أحمد (٢/ ٤٤ و٧٥)، ومسلم (١١٦٥) (٢٠٨ و٢٠٩ و٢١٠).\nــ\nوذهب الحسن والزهري: إلى أن عليه ما على المُواقِع أهله في نهار رمضان. ورأى مجاهد: أن يتصدق بدينارين. وأجرى مالك، والشافعي في أحد قوليه؛ الجماع فيما دون الفرج، وجميع التلذذات: من القبلة، والمباشرة مجرى الجماع في الإفساد؛ لعموم قوله: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ ورأى أبو حنيفة وأصحابه: إفساده بالإنزال كيفما كان.\n(٤ و٥ و٦) ومن باب: الأمر بالتماس ليلة القدر (١)\nقوله: (التمسوها)؛ هو أمر على جهة الإرشاد إلى وقتها، وترغيب في اغتنامها، فإنها ليلة عظيمة، تغفر فيها الذنوب، ويُطلع الله تعالى فيها من شاء من ملائكته على ما شاء من مقادير خليقته، على ما سبق به علمه، ولذلك عظمها سبحانه بقوله: ﴿وَمَا أَدرَاكَ مَا لَيلَةُ القَدرِ﴾ إلى آخر السورة، وبقوله:","vol":"3","page":250},{"text":"[١٠٤٢] وعنه أَنَّ رِجَالًا مِن أَصحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ- أُرُوا لَيلَةَ القَدرِ فِي المَنَامِ فِي السَّبعِ الأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ-: أَرَى رُؤيَاكُم قَد تَوَاطَأَت فِي السَّبعِ الأَوَاخِرِ، فَمَن كَانَ مُتَحَرِّيَهَا، فَليَتَحَرَّهَا فِي السَّبعِ الأَوَاخِرِ.\nــ\nتعالى: ﴿حم﴾، ﴿وَالكِتَابِ المُبِينِ﴾، ﴿إِنَّا أَنزَلنَاهُ فِي لَيلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفرَقُ كُلُّ أَمرٍ حَكِيمٍ * أَمرًا مِن عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرسِلِينَ * رَحمَةً مِن رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾\nمعنى (يفرق): يفصل ويبين. و(حكيم) محكم؛ أي: متقن. و(أمرًا): منصوب على القطع، ويصح بنزع الخافض؛ أي: يفرق بأمر. فلما أسقط الخافض تعدى الفعل فنصب.\nواختلف الناس اختلافًا كثيرًا في ليلة القدر: هل كانت مخصوصة بزمن النبي - ﷺ -، أو لا؟ فالجمهور: على أنها ليست مخصوصة. ثم اختلفوا: هل هي متنقلة في الأعوام، أوليست متنقلة؟ ثم الذين قالوا: إنها ليست متنقلة اختلفوا في تعيينها، فمن معين ليلة النصف من شعبان. ومن قائل: هي ليلة النصف من رمضان. ومن قائل: هي ليلة سبع عشرة. ومن قائل: هي ليلة تسع عشرة. ثم ما من ليلة من ليالي العشر إلا وقد قال قائل: بأنها ليلة القدر. وقيل: هي آخر ليلة منه. وقيل: هي معينة عند الله تعالى غير معينة عندنا. وهذه الأقوال كلها للسَّلف والعلماء. وسبب اختلافهم اختلاف الأحاديث كما ترى.\nقلت: والحاصل من مجموع الأحاديث، ومما استقر عليه أمر رسول الله - ﷺ - في طلبها: أنها في العشر الأواخر من رمضان، وأنها متنقلة فيه، وبهذا يجتمع شتات الأحاديث المختلفة الواردة في تعيينها. وهو قول مالك، والشافعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وغيرهم على ما حكاه أبو الفضل عياض. فاعتَمِد عليه، وتَمَسَّك به.\nوقوله أرى رؤياكم قد تواطأت أي: توافقت، والمواطأة: الموافقة. وقوله فمن كان متحريها، أي: طالبها، مجتهدا فيها.","vol":"3","page":251},{"text":"رواه أحمد (٢/ ١٧)، والبخاري (١١٥٨)، ومسلم (١١٦٥) (٢٠٥) و(٢٠٧).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-387>(٥) باب لَيلَةُ القَدرِ لَيلَةُ ثَلَاثُ وَعشرين</span>\n[١٠٤٣] عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ أُنَيسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- قَالَ: أُرِيتُ لَيلَةَ القَدرِ، ثُمَّ أُنسِيتُهَا وَأَرَانِي صُبحَهَا أَسجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ قَالَ: فَمُطِرنَا صبيحتها لَيلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشرِينَ، فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ-، فَانصَرَفَ وَإِنَّ أَثَرَ المَاءِ وَالطِّينِ عَلَى جَبهَتِهِ وَأَنفِهِ.\nرواه مسلم (١١٦٨).\n* * *\nــ\nقوله: (أنسيتها)؛ أي: أنسيت تعينها في تلك السنة، ومثل هذا النسيان جائز عليه؛ إذ ليس بتبليغ حكم يجب العمل به. ولعل عدم تعيُّنها أبلغ في الحكمة، وأكمل في تحصيل المصلحة، كما قال: (وعسى أن يكون خيرًا لكم) (١).\nووجه ذلك: أنها إذا لم تعين، أو كانت متنقلة في العشر، حرص الناس على طلبها طول ليال العشر، فحصل لهم أجرها، وأجر قيام العشر كله. وهذا نحو مما جرى في تعين الصلاة الوسطى، وساعة الجمعة، وساعة الليل، - والله أعلم - وقد تقدم الكلام على علامات ليلة القدر في كتاب الصلاة.\n_________\n(١) رواه الترمذي (٧٥٧).","vol":"3","page":252},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-388>(٦) باب ليلة القدر ليلة سبع وعشرين وما جاء في علاماتها</span>\n[١٠٤٤] عن زِرَّ بنَ حُبَيشٍ، قَالَ: سَأَلتُ أُبَيَّ بنَ كَعبٍ، فَقُلتُ: إِنَّ أَخَاكَ ابنَ مَسعُودٍ يَقُولُ: مَن يَقُم الحَولَ يُصِب لَيلَةَ القَدرِ. فَقَالَ: ﵀! أَرَادَ أَن لَا يَتَّكِلَ النَّاسُ، أَمَا إِنَّهُ قَد عَلِمَ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ، وَأَنَّهَا فِي العَشرِ الأَوَاخِرِ، وَأَنَّهَا لَيلَةُ سَبعٍ وَعِشرِينَ، ثُمَّ حَلَفَ لَا يَستَثنِي أَنَّهَا لَيلَةُ سَبعٍ وَعِشرِينَ، فَقُلتُ: بِأَيِّ شَيءٍ تَقُولُ: ذَلِكَ يَا أَبَا المُنذِرِ؟ قَالَ: بِالعَلَامَةِ، أَو بِالآيَةِ الَّتِي أَخبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- أَنَّهَا تَطلُعُ يَومَئِذٍ لَا شُعَاعَ لَها.\nرواه مسلم (٧٦٢) (٢٢٠) في الصيام، وأبو داود (١٣٧٨)، والترمذي (٧٩٣).\n[١٠٤٥] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: تَذَاكَرنَا لَيلَةَ القَدرِ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ- فَقَالَ: أَيُّكُم يَذكُرُ حِينَ طَلَعَ القَمَرُ وَهُوَ مِثلُ شِقِّ جَفنَةٍ.\nرواه مسلم (١١٧٠).\n[١٠٤٦] عَن عَائِشَةَ قَالَت: مَا رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- صَائِمًا فِي العَشرِ قَطُّ.\nــ\nقول عائشة: (ما رأيت رسول الله - ﷺ - صائمًا في العشر قط)؛ تعني به: عشر ذي الحجة. ولا يفهم منه: أن صيامه مكروه، بل أعمال الطاعات فيه أفضل منها في غيره؛ بدليل ما رواه الترمذي من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ما من أيَّام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر)، قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: (ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل","vol":"3","page":253},{"text":"رواه مسلم (١١٧٦)، وأبو داود (٢٤٣٩)، والترمذي (٧٥٦)، وابن ماجه (١٧٢٩) (٩).\n* * *\nــ\nخرج بنفسه وبماله، فلم يرجع من ذلك بشيء) (١)، قال: هذا حديث حسن صحيح.\nوترك النبي - ﷺ - صومه إنما كان - والله أعلم - لما قالته عائشة - ﵂ - في صلاة الضحى: أنه - ﷺ - كان يدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم (٢).\nويحتمل أن يكون - ﷺ - لم يوافق عشرًا خاليًا عن مانع يمنعه من الصيام فيه، والله تعالى أعلم.\n* * *\n_________\n(١) رواه الترمذي (٧٥٧).\n(٢) رواه أحمد (٦/ ١٦٨).","vol":"3","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-389>(١٢) كتاب الحج</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-390>(١) باب ما يجتنبه المحرم من اللباس والطيب</span>\n[١٠٤٧] عَن ابنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- مَا يَلبَسُ المُحرِمُ مِن الثِّيَابِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ-: لَا تَلبَسُوا القُمُصَ وَلَا العَمَائِمَ\nــ\n(١٢) كتاب الحج\nقد تقدَّم الكلام على الحج من حيث اللغة والعُرف في أول كتاب الإيمان، واختلف في زمان فرض الحج؛ فقيل: سنة خمس من الهجرة. وقيل: سنة تسع، وهو الصحيح؛ لأن فتح مكة كان في التاسع عشر من رمضان سنة ثماني سنين من الهجرة، وحجُّ بالناس في تلك السنة عتَّاب بن أسيد، ووقف بالمسلمين، ووقف المشركون على ما كانوا يفعلون في الجاهلية، فلما كانت سنة تسع فرض الحج، ثم إن النبي - ﷺ - أمر أبا بكر فحجَّ بالناس تلك السنة، ثم أتبعه علي بن أبي طالب بسورة براءة، فقرأها على الناس في الموسم، ونبذ للناس عهدهم، ونادى في الناس: ألَاّ يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان. ووافقت حجة أبي بكر في تلك السنة أن كانت في شهر ذي القعدة؛ على ما كانوا يديرون الحج في كل شهر من شهور السنة، فلما كانت سنة عشر حجَّ رسول الله - ﷺ - حجَّته المسماة: بحجة الوداع، على ما يأتي في حديث جابر وغيره. ووافق النبي - ﷺ - تلك السنة أن وقع الحج في ذي الحجة، في زمانه ووقته الأصلي الذي فرضه الله","vol":"3","page":255},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفيه، ولذلك قال - ﷺ -: (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض) (١)، وسيأتي لهذا مزيد بيان.\nوأجمع المسلمون على وجوب الحج في الجملة، وأنه مرَّة في العمر. ولوجوبه شروط؛ وهي: العقل، والبلوغ، والاستطاعة، على ما يأتي تفصيلها. وهذه الشروط هي المتفق عليها، فأما الإسلام فقد اختلف العلماء فيه: هل هو من شروط الوجوب؟ أو من شروط الأداء؟ وأما الحرية: فالجمهور على اشتراطها في الوجوب، وفيها خلاف.\nواختلف أصحابُ مالك، والشافعي في وجوب الحج: هل هو على الفور، أو على التراخي، فذهب العراقيون من أصحابنا: إلى أنه على الفور. وهو قول المزني، وأبي يوسف. وذهب أكثر المغاربة، وبعض العراقيين: إلى أنه على التراخي. وهو قول محمد بن الحسن. وكلهم اتفقوا: على أنه يجوز تأخيره السنة والسنتين.\nوسبب الخلاف اختلافهم في مطلق الأمر؛ هل يقتضي الفور، أو لا يقتضيه؟ وهذا الأصل تنكشف حقيقته في علم الأصول. وأيضًا: فإن رسول الله - ﷺ - أخَّر الحج سنة بعد إيجابه؛ كما قدمنا.\n(١) ومن باب: ما يجتنبه المحرم من اللباس\nقوله وقد سُئل عما يَلبسه المُحرِم من الثياب -: (لا تلبسوا القمص. . .) الحديث؛ إنما أجاب - ﷺ - بما لا يُلبَس، وإن كان قد سُئل عما يَلبس؛ لأن لا يَلبَس المُحرِم منحصر، وما يَلبَسه غير منحصر، فعدل إلى المنحصر فأجابه به، وقد أجمع المسلمون على أن ما ذكره في هذا الحديث لا يلبسه المحرم مع الرفاهية والإمكان، وقد نبَّه - ﷺ - في هذا الحديث بالقميص والسراويل: على كل مخيط، وبالعمائم والبَرَانِس: على كل ما يغطي الرأس؛ مخيطًا كان أو غيره، وبالخفاف:\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٣٧)، والبخاري (١٠٥)، ومسلم (١٦٧٩).","vol":"3","page":256},{"text":"وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا البَرَانِسَ، وَلَا الخِفَافَ، إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ النَّعلَينِ فَليَلبَس خُفَّينِ، وَليَقطَعهُمَا أَسفَلَ مِن الكَعبَينِ، وَلَا تَلبَسُوا مِن الثِّيَابِ شَيئًا مَسَّهُ الزَّعفَرَانُ، وَلَا الوَرسُ.\nرواه أحمد (٢/ ٣ و٤٧)، والبخاري (١٣٣)، ومسلم (١١٧٧) (١)، وأبو داود (١٧٣٧)، والترمذي (٨٣١)، والنسائي (٥/ ٢٢)، وابن ماجه (٢٩١٤).\nــ\nعلى كل ما يستر الرِّجل مما يلبس عليها، وإنَّ لباس هذه الأمور جائز في غير الإحرام.\nوقوله: (إلا أحدٌ لا يجد النعلين فليلبس الخُفّين، وليقطعهما أسفل من الكعبين)؛ هذا الحديث ردٌّ على من قال: إن المحرم لا يقطع الخفين لأنه إضاعة مال، وهذا مِن هذا القائل حكم بالعموم على الخصوص، وهو عكس ما يجب؛ إذ هو: إعمال المرجوح وإسقاط الرَّاجح، وهو فاسد بالإجماع، ثم من قال بإباحة قطع الخُفّ، فإذا لبسه فهل تلزمه فدية، أم لا تلزمه؟ قولان:\nالأول: لأبي حنيفة. والثاني: لمالك، وهو الأولى؛ لأنه لو لزمته لبيَّنه النبي - ﷺ - للسَّائل حين سأله؛ إذ ذاك محل البيان ووقته، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة بالإجماع، وأيضًا فحينئذ يكون قطع الخُفّ لا معنى له؛ إذ الفدية ملازمة بلباسه غير مقطوع، فأما لو لبس الخُفّين المقطوعين مع وجود النعل للزمه الفدية بلبسهما، فإنه إنما أباح الشارع له لباسهما مقطوعين بشرط عدم النعلين، فلِبسُهُما كذلك غير جائز، هذا قول مالك، واختلف فيه قول الشافعي.\nوقوله: (ولا تلبسوا من الثياب شيئًا مسَّه الزعفران ولا الورس)؛ هذا مما أجمعت الأمَّة عليه؛ لأن الزَّعفَران والوَرس من الطيب، واستعمالهما ينافي بذاذة الحاجِّ، وشعثه المطلوب منه، وأيضًا فإنهما من مقدمات الوطء ومهيجاته، والمحرم ممنوع من الوطء ومقدماته، ويستوي في المنع منهما: الرِّجال والنِّساء،","vol":"3","page":257},{"text":"[١٠٤٨] وَعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- وَهُوَ يَخطُبُ يَقُولُ: السَّرَاوِيلُ لِمَن لَا يَجِد الإِزَارَ، وَالخُفَّانِ لِمَن لا يَجِد النَّعلَينِ يَعنِي: المُحرِمَ.\nرواه مسلم (١١٧٨) (٤)، وأبو داود (١٨٢٩)، والنسائي (٥/ ١٣٢ - ١٣٣).\n[١٠٤٩] وَعَن يَعلَى بن أمية، وقال لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ: لَيتَنِي أَرَى\nــ\nوعلى لابس ذلك الفدية عند مالك، وأبي حنيفة، ولم يرها الثوري، ولا الشافعي، وإسحاق، وأحمد إذا لبس ذلك ناسيًا، فأما المعصفر فرآه الثوري وأبو حنيفة طيبًا كالمزعفر، ولم يره مالك، ولا الشافعي طيبًا، وكره مالك المقدَّم منه، واختلف عنه: هل على لابسه فدية، أم لا؟ وأجاز مالك سائر الثياب المصبَّغة بغير هذه المذكورات، وكرهها بعضهم لمن يُقتدى به.\nوقوله: (السراويل لمن لم يجد الإزار، والخفان لمن لم يجد النعلين)، قال بظاهره أحمد بن حنبل، فأباح لباس الخُفّ والسَّراويل لمن لم (١) يجد النعلين والإزار غير مقطوعين، والجمهور على أنه لا يلبسهما حتى يقطع الخُفّ، ويفتق السِّراويل، ويصيره كالإزار، فأما لو لبسها كذلك للزمته الفدية، ودليل صحة هذا التأويل: قوله فيما تقدم في الخُفّ: (وليقطعهما أسفل من الكعبين)، والأصل المقرر: حمل المطلق على المقيد، ولا سيما إذا اتحدت القضية، وحكم السراويل في الفتق ملحق بالخُفّ في القطع؛ لمساقهما مقترنين في الحديث، ولاستوائهما في الشرط، ولشهادة المعنى لذلك، وقد تقدم في كتاب الصلاة: أن الورس: نبات أصفر يصبغ به.\n_________\n(١) في (ظ): لا.","vol":"3","page":258},{"text":"نَبِيَّ اللَّهِ - ﷺ- حِينَ يُنزَلُ عَلَيهِ، فَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ- بِالجِعرَانَةِ وَعَلَى النَّبِيِّ - ﷺ- ثَوبٌ قَد أُظِلَّ بِهِ عَلَيهِ، مَعَهُ فيه نَاسٌ مِن أَصحَابِهِ، فِيهِم عُمَرُ إِذ جَاءَهُ رَجُلٌ عَلَيهِ جُبَّةُ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحرَمَ بِعُمرَةٍ فِي جُبَّةٍ بَعدَ مَا تَضَمَّخَ بِطِيبٍ؟ فَنَظَرَ إِلَيهِ النَّبِيُّ - ﷺ- سَاعَةً ثُمَّ سَكَتَ، فَجَاءَهُ الوَحيُ. فَأَشَارَ عُمَرُ بِيَدِهِ إِلَى يَعلَى بنِ أُمَيَّةَ: تَعَالَ فَجَاءَ يَعلَى فَأَدخَلَ رَأسَهُ فَإِذَا النَّبِيُّ - ﷺ- مُحمَرُّ الوَجهِ يَغِطُّ سَاعَةً، ثُمَّ سُرِّيَ عَنهُ، فَقَالَ: أَينَ الَّذِي يسَأَلَنِي عَن العُمرَةِ آنِفًا؟ فَالتُمِسَ الرَّجُلُ فَجِيءَ بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ-: أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ\nــ\nو(الجعرانة): ميقات من مواقيت العمرة، وفيه لغتان: التشديد في الراء، والكسر في العين، والتخفيف في الراء والإسكان في العين.\nو(المتضمخ): المتدهن بالطيب. و(الخلوق): بفتح الخاء: أخلاط من الطيب تجمع بالزعفران. و(الغَطُّ والغَطِيط): هو صوت النفس المتردد الذي يخرج من النائم، وهو البُهرُ الذي كان يغشاه عند معاينة المَلَك، وكانت تلك الحالة أشدُّ الوحي عليه. و(سُرِّيَ عنه): كُشِف عنه. و(آنفًا)؛ أي: الساعة. و(يلتمس): يطلب.\nوقوله: (أما الطيب فاغسله)؛ دليل على منع المُحرِم من استعمال الطيب في جسده، ووجه هذا المنع أن الطيب داعية من دواعي النكاح - على ما قدمناه -، ولا خلاف في منعه من الطيب بعد تلبسه بالإحرام، واختلف في استعماله قبل الإحرام، واستدامته بعد الإحرام: فمنعه مالك تمسّكًا بهذا الحديث، وأجاز ذلك الشافعي تمسكًا بحديث عائشة؛ قالت: كنت أطيِّب رسول الله - ﷺ - لإحرامه قبل أن يحرم (١). وفي أخرى: كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق رسول الله - ﷺ - وهو محرم (٢)، واعتذر عن الحديث الأول بأن قال: إنما أمره بغسل ما عليه منه\n_________\n(١) رواه أحمد (٦/ ٣٩ و١٨١)، والبخاري (١٧٥٤)، ومسلم (١١٨٩).\n(٢) رواه أحمد (٦/ ١٠٩)، ومسلم (١١٩٠/ ٤١)، وابن ماجه (٢٩٢٧).","vol":"3","page":259},{"text":"فَاغسِلهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَأَمَّا الجُبَّةُ فَانزِعهَا، ثُمَّ اصنَع فِي عُمرَتِكَ مَا تَصنَعُ فِي حَجِّكَ. وقد رواه من طرق، ولم يذكر في شيء منها ثلاث مرات.\nــ\nلأن ذلك الطيب كان زعفرانًا، وقد نهى رسول الله - ﷺ - الرَّجل عن المَّزَعُفُر، وإن لم يكن مُحرِمًا. وهذا التأويل يأباه مساق الحديث، فتأمله. وقد تأول أصحابنا حديث عائشة تأويلات؛ أقربها تأويلان:\nأحدهما: أن ذلك الوبيص الذي أبصرته عائشة إنما كان بقايا دهن ذلك الطيب، تعذَّر قلعها، فبقيت بعد أن غُسِلت.\nوثانيهما: قاله أبو الفرج من أصحابنا: إن ذلك من خواصه - ﷺ -؛ لأن المحرم إنما مُنِع من الطيب لئلا يدعوه إلى الجماع، والنبي - ﷺ - أملك الناس لإِربِه؛ كما قالت عائشة -﵂-، وقد ظهرت خصائصه في باب النكاح كثيرًا.\nوقوله: (فاغسله ثلاث مرات)؛ دليل على المبالغة في غسله، حتى يذهب ريحه، وأثره، لا أن ثلاثًا حدٌّ في هذا الباب. ويحتمل: أن ثلاثًا راجع إلى تكرار قوله: (فاغسله)، فكأنه قال: اغسله، اغسله، اغسله. يدل على صحته ما قد روي من عادته - ﷺ - في كلامه، فإنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا.\nوقوله: (وأما الجبة فانزعها)؛ ردٌّ على الشعبي، والنخعي حيث قالا: إن ذلك الثوب يُشق؛ لأنه إذا خلعه من رأسه غطى رأسه، والمحرم ممنوع من تغطية رأسه. وهذا ليس بشيء؛ لأنا لا نسلم أن هذه التغطية منهي عنها؛ لأنه لا ينفك عن المنهي إلا بها، فصار هذا الخَلع مأمورًا به، فلا يكون هو الذي نُهي عنه المحرم. ويجري هذا مجرى من حَلَفَ ألا يلبس ثوبًا هو لابسه، ولا يركب دابَّة هو راكب ا. وأيضًا: فإن هذه التغطية لا ينتفع بها، فلا تكون هي المنهي عنها للمحرم، فإنه إنما نهي عن تغطية ينتفع بها على ما يأتي إن شاء الله تعالى.\nوقوله: (ثم اصنع في عمرتك ما تصنع في حجك)؛ هذا اللفظ جاء في أكثر","vol":"3","page":260},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ السائل: إِنِّي أَحرَمتُ بِالعُمرَةِ وَعَلَيَّ هَذَا، وَأَنَا مُتَضَمِّخٌ بِالخَلُوقِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ-: مَا كُنتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ؟ فقَالَ: أَنزِعُ عَنِّي هَذه الثِّيَابَ، وَأَغسِلُ عَنِّي هَذَا الخَلُوقَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ-: مَا كُنتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ فَاصنَعهُ فِي عُمرَتِكَ.\nرواه أحمد (٤/ ٢٢٢)، والبخاري (١٥٣٦)، ومسلم (١١٨٠)، وأبو داود (١٨١٩)، والترمذي (٨٣٦)، والنسائي (٥/ ١٣٠ و١٣٢).\n* * *\nــ\nالروايات غير مبين المراد، ناقصًا، مقلوبًا. وقد تَخَبَّط فيه كثير ممن تأوَّله على انفراده. والذي يوضح المراد منه على غايته رواية ابن أبي عمر في الأم؛ وفيها: أن الرجل السَّائل قال للنبي - ﷺ -: إني أحرمت بالعمرة وعليّ هذا، وأنا مُتَضَمِّخ بالخلوق. فقال له النبي - ﷺ -: (ما كنت صانعًا في حجك؟) قال: أنزع عني هذه الثياب، وأغسل عني هذا الخلوق. فقال له النبي - ﷺ -: (ما كنت صانعًا في حجك، فاصنعه في عمرتك) (١). وهذا سياق حسن. ومعنى واضح، تلخيصه: أن الرجل كان يعرف: أن المحرم بالحج يجتنب المخيط، والطيب. وظن: أن حكم المحرم بالعمرة ليس كذلك، فلبس، وتطيب، ثم أحرم وهو كذلك، ثم وقع في نفسه من ذلك شيء، فسأل النبي - ﷺ - عن ذلك؛ فقال له: (ما كنت صانعًا في حجك فاصنعه في عمرتك)؛ يعني: من اجتناب ما كنت تَجتَنِبُه فيه. وهذا معنى واضح، ومساق حسن للحديث، فَليُغتَبَط به. وقد يستدل به للشافعي على قوله: إنه لا فدية على المتضمخ المحرم، ولا على اللابس؛ إذ لم يرو في طريقٍ من طرق هذا الحديث: أنه - ﷺ - أمره بفدية. وقد اعتذر من يُلزِمه الفدية على ذلك عن هذا الحديث، وهو أبو حنيفة، فإنه يُلزمها إياه مطلقًا. ومالك، وهو يلزمها إياه إذا انتفع بذلك،\n_________\n(١) الحديث في صحيح مسلم (١١٨٠) (٧).","vol":"3","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-391>(٢) باب المواقيت في الحج والعمرة</span>\n[١٠٥٠] عَن ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- وَقَّتَ لِأَهلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيفَةِ وَلِأَهلِ الشَّامِ الجُحفَةَ، وَلِأَهلِ نَجدٍ قَرنَ المَنَازِلِ، وَلِأَهلِ اليَمَنِ يَلَملَمَ،\nــ\nفإنه - ﷺ - لم يكن أوحي إليه في ذلك، ولا تقدم له فيه شيء. ولمالك: بأنه لم يطل ذلك عليه، ولم ينتفع به، والله أعلم.\n(٢) ومن باب: المواقيت\nقوله: (إن رسول الله - ﷺ - وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجدة قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم)، وفي حديث أبي الزبير: (ومهل أهل العراق من ذات عِرق). معنى وقت: حدَّد وعيَّن، وظاهره يدل: على أن هذه الحدود لا يتعداها مريد الإحرام حتى يحرم عندها، وقد أجمع المسلمون على أن المواقيت مواضع معروفة في الجهات التي يدخل منها إلى مكة.\nفـ (ذو الحليفة): ماء من مياه بني جشم، على ستة أميال، أو سبعة من المدينة.\nو(الجحفة): بين مكة والمدينة، سُمِّي بذلك لأن السيول أجحفت بما حوله، وهو على ثمانية مراحل من المدينة. وتسمَّى أيضًا: (مَهيعة) بسكون الهاء، وقال بعضهم: بكسرها.\nو(قرن المنازل) بسكون الراء، وقد فتحها بعضهم، والأول أعرف. وقال القابسي: من قاله بالإسكان أراد الجبل، ومن فتح أراد الطريق الذي يقترب منه؛ فإنه موضع فيه طرق مختلفة. ويقال له أيضًا: قرن الثعالب، وهو جُبيل مستطيل تلقاء مكة بينه وبينها أربعون ميلًا.\nو(يلملم): جُبيل من جبال تهامة على ليلتين من مكة. ويقال فيه: (ألَملم) بالهمز.\nوأما: (ذات عِرق): فثنية، أو","vol":"3","page":262},{"text":"وَقَالَ: هُنَّ لَهُم وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيهِنَّ مِن غَيرِهِنَّ مِمَّن أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمرَةَ\nــ\nهضبة بينها وبين مكة يومان وبعض يوم. فهذه مواقيت الحجِّ من المكان، لم يختلف في شيء منها إلا في ذات عِرق، والجمهور على أنه: ميقات لأهل العراق، وقد استحب الشافعي لأهل العراق أن يهلوا من العقيق، معتمدًا في ذلك على ما رواه ابن عباس قال: وقت رسول الله - ﷺ - لأهل المشرق العقيق (١)، خرَّجه أبو داود، وفي إسناده يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف عندهم. وروي عن بعض السَّلف: أنه الرَّبَذَة.\nواختلف أيضًا فيمن وقت ذات عِرق؛ ففي البخاري: أن عمر بن الخطاب حدَّ لأهل العراق ذات عِرق (٢)، وقاله مالك. وحديث أبي الزبير عن جابر يدل على أنه بتوقيت رسول الله - ﷺ -، غير أن فيه: (أحسبه) فلم يجزم بالرواية. وقد روى النسائي من حديث عائشة حديث المواقيت على ما جاء في حديث ابن عمر المتقدم، وقال: (ولأهل العراق ذات عِرق) (٣) فجزم في الرواية. وهو صحيح، ولا يستبعد هذا بأن يقال: بأن العراق إذ ذاك لم يكن فتح. فإن النبي - ﷺ - علم أنها ستفتح، وسيحج منها، فأعلم بذلك الميقات. وقد أقطع النبي - ﷺ - مواضع لقوم من المسلمين، وملكهم إيَّاها مع علمه بأنها في أيدي الكفار؛ بناءً منه على علمه: بأنها تفتح، كما أقطع تميمًا الداري بلد الخليل، وكتب له بذلك، وأشهد على نفسه أصحابه، على ما هو معروف مروي، وبعض تلك المواضع لم تزل بأيدي عَقِبِه حتى الآن.\nوقوله: (هن لهم ولكل آت أتى عليهن من غير أهلهن). هن: ضمير جماعة المؤنث العاقل في الأصل، وقد يعاد على ما لا يعقل، وأكثر ذلك في العشرة فدون، فإذا جاوزوها قالوه بهاء المؤنث، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٧٤٠).\n(٢) رواه البخاري (١٥٣١).\n(٣) رواه النسائي (٥/ ١٢٥).","vol":"3","page":263},{"text":"وَمَن كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِن حيث أَنشَأَ حَتَّى أَهلُ مَكَّةَ مِن مَكَّةَ.\nرواه أحمد (١/ ٢٤٩ و٢٥٢)، والبخاري (١٥٢٦)، ومسلم (١١٨١) (١٢)، وأبو داود (١٧٣٧)، والترمذي (٨٣١)، والنسائي (١/ ٢٢)\nــ\nاللَّهِ اثنَا عَشَرَ شَهرًا﴾ ثم قال: ﴿مِنهَا أَربَعَةٌ حُرُمٌ﴾ ثم قال: ﴿فَلا تَظلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُم﴾؛ ومعنى ذلك الكلام: أنها محدودة؛ لا يتعداها أحد يريد الإحرام بأحد النُّسُكَين.\nواختلف فيمن مرَّ على واحد من هذه المواقيت مريدًا للإحرام فجاوزه. فعن مالك: يرجع ما لم يحرم، أو يشارف مكة، فإذا رجع لم يلزمه دم، فلو أحرم لم يرجع لزمه الدم. وبه قال ابن المبارك، والثوري على خلاف عنه. وجماعة من (ل قهاء منهم أبو حنيفة يأمرونه بالرجوع؛ فإن رجع سقط عنه الدم.\nفأما من جاوز الميقات غير مريد للإحرام، ثم بدا له في النسك، فجمهور العلماء: على أنه يحرم من مكانه، ولا شيء عليه، وقال أحمد، وإسحاق: يرجع إلى الميقات.\nفأما من على الميقات قاصدًا دخول مكة من غير نسك، وكان ممن لا يتكرر دخوله إلى مكة، فهل يلزمه الإحرام منه، أو لا يلزمه؟ وإذا لم يلزمه، فهو على الاستحباب، ثم إذا لم يفعله، فهل يلزمه دم؛ أو لا يلزمه؟ اختلف فيه أصحابنا.\nوظاهر الحديث: أنه إنما يلزم الإحرام من أراد مكة لأحد النُّسكين خاصة. وهو مذهب الزهري، وأبي مصعب وجماعة من أهل العلم.\nوقوله: (فمن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ)؛ أي: من كان منزله دون المواقيت إلى مكة فيحرم من منزله، فخفف عنه الخروج إلى الميقات، فحينئذ يصير منزله ميقاتًا خاصًّا به؛ إذا ابتدأ الإحرام منه، فلو مرَّ من منزله بعد المواقيت بميقات من المواقيت المعينة العامة، وهو يريد الإحرام، وجب عليه أن يحرم منه،","vol":"3","page":264},{"text":"[١٠٥١] وعن ابن عمر نحوه.\nرواه أحمد (٢/ ٩ - ١١)، والبخاري (١٥٢٢)، ومسلم (١١٨٢) (١٣)، والنسائي (٥/ ١٢٥).\n[١٠٥٢] وعن أَبي الزُّبَيرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ يُسأَلُ عَن المُهَلِّ؟ فَقَالَ: سَمِعتُ أَحسَبُهُ رَفَعَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ- فَقَالَ: مُهَلُّ أَهلِ المَدِينَةِ مِن ذِي الحُلَيفَةِ، وَالطَّرِيقُ الآخَرُ الجُحفَةُ، وَمُهَلُّ أَهلِ العِرَاقِ مِن ذَاتِ عِرقٍ، وَمُهَلُّ أَهلِ نَجدٍ مِن قَرنٍ، وَمُهَلُّ أَهلِ اليَمَنِ مِن يَلَملَمَ.\nرواه مسلم (١١٨٣) (١٨).\n* * *\nــ\nولا يؤخر الإحرام إلى بيته لقوله - ﷺ -: (هن لهم (١)، ولكل آت أتى عليهن من غيرهن)، ويخالف هذا من كان ميقاته الجحفة ومرَّ بذي الحليفة؛ فإن له أن يؤخر الإحرام إلى الجحفة؛ لأن الجحفة ميقات منصوب نصبًا عاما، لا يتبدل، بخلاف المنزل، فإنه إضافي، يتبدل بتبدل الساكن، فانفصلا، والله تعالى أعلم.\nوقوله: (حتى أهل مكة من مكة)؛ يعني: أنهم يهلون منها، ولا يخرجون إلى ميقات من المواقيت المذكورة، فأما الإحرام بالحج فيصح من البلد نفسه، ومن أي موضع كان من الحل أو الحرم. وأما العمرة فلا بدَّ فيها من الجمع بين الحل والحرم.\n* * *\n_________\n(١) في (ط) و(هـ): لكم، وهو خطأ.","vol":"3","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-392>(٣) باب الإحرام والتلبية</span>\n[١٠٥٣] عَنِ ابنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- يُهِلُّ مُلَبِّدًا،\nــ\n(٣) ومن باب: الإحرام والتلبية\nقوله: (يهل مُلَبِّدًا (١»؛ أي: يرفع صوته بالتلبية. وأصل الإهلال: رفع الصوت عند رؤية الهلال. ثم يقال لكل من رفع صوته: أهل. والتلبيد: هو ضفر الرأس بالخطمي، أو الصمغ وشبهه مما يضم الشعر، ويلزق بعضه ببعض ليصير كاللبد، يمنعه بذلك من التَّمَعُّط والتقمل، وفعله جائز، وهو مستحب لمن يريد الحج أو العمرة، قاله عياض.\nو(الإحرام) هو: اعتقاد دخوله في أحد النسكين، وتقارنه أقوال: وهي: التلبية، وأفعال؛ منها: انبعاث الراحلة على ما يأتي.\nفأما التلبية: فاختلف في حكمها؛ فالجمهور: على أنها ليست بركن من أركان الحج، ولا شرط من شروطه، لكنها سنة مؤكدة يلزم بتركها الدم، ومن أصحابنا من عبَّر عنها: بأنها واجبة، ومراده: ما ذكرناه. وأبو حنيفة يعتقدها ركنًا وشرطًا في صحة الحج كالتكبير في إحرام الصلاة. وقاله ابن حبيب من أصحابنا، إلا أن أبا حنيفة على أصله في أنه: يجزئ عنها ما في معناها من التسبيح، والتهليل، وذكر الله تعالى؛ كما قال في التكبير.\nوحكمة مشروعية التلبية: إجابة الدَّاعي الذي دعا إلى الحج، وهو إبراهيم ﵇؛ إذ قال الله له: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالحَجِّ﴾ فصعد عرفة، فنادى: (ألا إن لله بيتًا فحجوه)، فبلَّغ الله دعوته كيف شاء، وعلى لسان نبيه - ﷺ -، وأوجبه على المستطيعين.\nفأما (لبيك): فسيبويه، وأكثر النحويين على أنه: مثنى\n_________\n(١) في الأصول: (ملبِّيًا) والصواب ما أثبتناه، وهو موافق لما ورد في الحديث والشرح.","vol":"3","page":266},{"text":"يَقُولُ: لَبَّيكَ اللَّهُمَّ لَبَّيكَ، لَبَّيكَ لَا شَرِيكَ لك لَبَّيكَ، إِنَّ الحَمدَ وَالنِّعمَةَ لك وَالمُلكَ لَا شَرِيكَ لَكَ. لَا يَزِيدُ عَلَى هَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ.\nــ\nللتكثير والمبالغة، ومعناه: إجابة بعد إجابة، وليس على حقيقة التثنية، وذهب يونس بن حبيب: إلى أنها اسم مفرد، وليس بمثنى، وإن ألفه انقلبت ياء لاتصالها بالضمير على حدِّ: لديّ.\nواختلفوا في اشتقاقها، فقيل: هي مأخوذة من قولهم: داري تلب دارك؛ أي: تواجهها، فكان الملبي قد توجه لمن دعاه وقصده. وقيل من قولهم: امرأة لبّةٌ: إذا كانت محبة لولدها، عاطفة عليه. وقيل: من لُبِّ الشيء وهو خالصه. وقيل: من لبَّ بالمكان، وألبَّ؛ أي: أقام ولزم. قال ابن الأنباري: وإلى هذا كان يذهب الخليل. وقيل: من الإلباب، وهو: القرب، قاله الحربي. وقيل: من قولهم: أنا ملبِّ بين يديك؛ أي: خاضع. وتكرارها ثلاثًا: توكيد.\nوقوله: (إن الحمد، والنعمة لك)؛ رويناها بكسر (إن) وفتحها، وهما روايتان مشهورتان عند أهل التقييد واللسان. قال الخطابي: الفتح رواية العامة. قال ثعلب: من فتح خصّ، ومن كسر عم. والاختيار: الكسر؛ لأن الذي يكسر يذهب إلى أن المعنى: إن الحمد على كل حال. والذي يفتح إلى أن المعنى: لبيك لهذا السبب؛ يعني: أن لبيك عمل فيها بواسطة لام الجر السببية، ثم حذف الجر لدلالة الكلام.\nوالكلام على سعديك مثله على لبيك إلا في الاشتقاق. ومعناها: ساعدت يا رب طاعتك مساعدةً بعد مساعدةٍ. قال ابن الأنباري: معناه: أسعدك الله إسعادًا بعد إسعاد.\nوقوله: (والخير بيديك)؛ قد تقدم الكلام عليه. و(الرغباء) بفتح الراء والمد، وبضم الراء والقصر: هي الرغبة، ونظيرها: العلياء، والعليا. والنَّعماء والنُّعمى، ويعني بـ (العمل): أعمال الطاعات. أي: لا نعمل إلا لله وحده.","vol":"3","page":267},{"text":"وَإِنَّ عَبدَ اللَّهِ بنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- يَركَعُ بِذِي الحُلَيفَةِ رَكعَتَينِ، ثُمَّ إِذَا استَوَت بِهِ النَّاقَةُ قَائِمَةً عِندَ مَسجِدِ الحُلَيفَةِ أَهَلَّ بِهَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ.\nوَكَانَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ يَقُولُ: كَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ يُهِلُّ بِإِهلَالِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ- مِن هَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ، وَيَقُولُ: لَبَّيكَ اللَّهُمَّ لَبَّيكَ وَسَعدَيكَ، وَالخَيرُ فِي يَدَيكَ، لَبَّيكَ وَالرَّغبَاءُ إِلَيكَ وَالعَمَلُ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٨ و٤١)، والبخاري (١٥٤٩)، ومسلم (١١٨٤) (٢١)، وأبو داود (١٨١٢)، والترمذي (٨٢٥)، والنسائي (٥/ ١٥٩ - ١٦٥)، وابن ماجه (٢٩١٨).\nــ\nوقوله: (كان - ﷺ - يركع بذي الحليفة ركعتين)؛ هاتان الركعتان للإحرام، ولذلك قلنا: إن من مشروعية الإحرام أن يكون بعد صلاة، فإن كانت للإحرام فهو أفضل، وإن أحرم بعد فريضة جاز. واستحب الحسن: أن يحرم بعد فريضة؛ لأنه روي: أن هاتين الركعتين كانتا صلاة الصبح، والأول أظهر. وإحرامه بعد صلاة الفرض أفضل منه بغير صلاة جملة (١)، ولا دم على من أحرم بغير صلاة عند مالك.\nوقوله: (ثم استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهلَّ بهؤلاء الكلمات)؛ إشارة إلى التلبية المتقدمة، وهذه الحالة هي التي عبَّر عنها في الروايات الأخرى؛ بانبعاث الراحلة، لا أنها أخذت في المشي. وبذلك أخذ مالك، وأكثر العلماء: أنه يهل إذا استوت به راحلته إن كان راكبًا، ويتوجه بعد ذلك. وإن كان راجلًا فحين يأخذ في المشي. وقال الشافعي: كذلك في الراكب إلا أنه ينتظرها\n_________\n(١) زيادة من (ظ).","vol":"3","page":268},{"text":"[١٠٥٤] وَعَنهُ أَنَّ تَلبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ-: لَبَّيكَ اللَّهُمَّ لَبَّيكَ، لَبَّيكَ لَا شَرِيكَ لك، أنَّ الحَمدَ وَالنِّعمَةَ لك وَالمُلكَ لَا شَرِيكَ لك.\nقَالَ نافع: وَكَانَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِيهَا: لَبَّيكَ لَبَّيكَ لَبَّيكَ وَسَعدَيكَ، وَالخَيرُ بِيَدَيكَ، وَالرَّغبَاءُ إِلَيكَ وَالعَمَلُ.\nرواه مسلم (١١٨٤) (٢٠).\n[١٠٥٥] وَعَن ابنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ المُشرِكُونَ يَقُولُونَ: لَبَّيكَ لَا شَرِيكَ لك. قَالَ: فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- وَيلَكُم قَد قَد، فَيَقُولُونَ: إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لك تَملِكُهُ وَمَا مَلَكَ، يَقُولُونَ: هَذَا وَهُم يَطُوفُونَ بِالبَيتِ.\nرواه مسلم (١١٨٥).\n* * *\nــ\nحتى تنبعث. وقال أبو حنيفة: إذا سلم من الصلاة أهل. على ما جاء في حديث ابن عباس: أنه أحرم من المسجد بعد أن صلى فيه، وأوجبه في مجلسه (١). ولا شك في أن الأحسن في لفظ التلبية تلبية رسول الله - ﷺ -، وتجوز الزيادة عليها، كما زاد ابن عمر، ولو لبَّى ملبٍّ بغير تلبية رسول الله - ﷺ - لم ينكر عليه، وقد كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يلبي منهم الملبي، فلا ينكر عليه، ويهل المهل، فلا ينكر عليه، على ما يأتي في حديث جابر.\nوقوله - ﷺ - للمشركين عند تلبيتهم بالتوحيد: (قدٍ، قدٍ)؛ أي: حسبُكم التوحيد، ينهاهم عن الشريك. ويقال: قط، قط، وقَد، قَد بالسكون، وهي: اسم من أسماء الأفعال، بمعنى: حسب.\n_________\n(١) رواه الترمذي (٨١٩)، والنسائي (٥/ ١٦٢).","vol":"3","page":269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-393>(٤) باب بيان المحل الذي أهل منه رسول الله - ﷺ </span>-\n[١٠٥٦] عن ابنُ عُمَرَ قَالَ: بيداؤكم هذه الَّتِي تَكذِبُونَ فِيهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ- مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- إِلَّا مِن عِندِ المسجد يعني ذا الحليفة، وَفِي رِوَايَةٍ: مَا أَهَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- إِلَّا مِن عِندِ الشَّجَرَةِ حِينَ قَامَ بِهِ بَعِيرُهُ.\nرواه أحمد (٢/ ١٠)، والبخاري (١٥٤١)، ومسلم (١١٨٦) (٢٣ و٢٤)، وأبو داود (١٧٧١)، والنسائي (٥/ ١٦٢ - ١٦٣).\nــ\n(٤) ومن باب: بيان المحل الذي أهل منه النبي - ﷺ -\nقوله: (بيداؤكم هذه التي تكذبون فيها على رسول الله - ﷺ -)؛ البيداء: القفر الخالي عن العامر، ويسُمى: مفازة، على جهة التفاؤل، وهي مهلكة. وكل مفازة بيداء، والجمع: بيد، وهي هنا: عبارة عن المفازة التي بين مكة والمدينة. أولها شرف مرتفع قريب من مسجد ذي الحليفة، والشجرة هناك، وهذه المواضع كلها متقاربة.\nو(تكذبون) هنا: تخطئون. والكذب: الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه، فإن كان مع العمد فهو الكذب المذموم، وإن كان مع السهو والغلط فهو الخطأ. وقصد ابن عمر بإطلاق الكذب على هذا ليتثبت الناقل أو المفتي، حتى لا يقول أحد إلا ما يتحقق صحته، ووجهه.\nوقد اختلف النقلة في مَهِل النبي - ﷺ -، فقال قائل: إنه أهل من المسجد بعد أن صلَّى ركعتين، وابن عمر يقول: من الشجرة، وغيره يقول: من البيداء. وقد صار الناس في الأخذ بهذه الأحاديث على طريقتين (١)؛ فمنهم من رجَّح بعض هذه الروايات. ومنهم من جمع؛ بأن قال: إن النبي - ﷺ - أهل في هذه المواضع كلها،\n_________\n(١) في (ظ): طريقين.","vol":"3","page":270},{"text":"[١٠٥٧] وَعَن عُبَيدِ بنِ جُرَيجٍ، أَنَّهُ قَالَ لِعَبدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ يَا أَبَا عَبدِ الرَّحمَنِ! رَأَيتُكَ تَصنَعُ أَربَعًا لَم أَرَ أَحَدًا مِن أَصحَابِكَ يَصنَعُهَا، قَالَ: مَا هُنَّ يَا بنَ جُرَيجٍ؟ قَالَ: رَأَيتُكَ لَا تَمَسُّ مِن الأَركَانِ إِلَّا اليَمَانِيَينِ، وَرَأَيتُكَ تَلبَسُ النِّعَالَ السِّبتِيَّةَ، وَرَأَيتُكَ تَصبُغُ بِالصُّفرَةِ، وَرَأَيتُكَ إِذَا كُنتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوا الهِلَالَ، وَلَم تُهل أَنتَ حَتَّى يَكُونَ يَومُ التَّروِيَةِ.\nــ\nفأخبر كل منهم بما سمعه، على ما يأتي من حديث ابن عباس.\nوقول ابن جريج لابن عمر: (رأيتك تصنع أربعًا، لم أر أحدًا من أصحابك يصنعها)؛ أي: يجمعها في فعله كما كان يجمعها ابن عمر، وإن كان يصنع بعضهم بعضها. واقتصار النبي - ﷺ - على استلام الركنين اليمانيين؛ لأن الركنين الآخرين، وهما اللذان يليان الحجر ليسا على تأسيس إبراهيم ﵇ -، ولما ردها ابن الزبير على قواعد إبراهيم استلم الأركان كلها. قاله القابسي.\nقال القاضي عياض: ولو بني الآن على ما بناه ابن الزبير لاستلمت كلها، كما فعل ابن الزبير. والجمهور على مس الركنين اليمانيين، وإن ذلك ليس بركن.\nوالنعال السِّبتية بكسر السين: منسوبة إلى السبت - بالكسر -، هي التي أزال الدِّباغ شعرها. قال الشيباني: السِّبت: كل جلد مدبوغ. وقيل: السِّبت: دباغ يقلع الشعر، وهذا القول أحسن مِن قول مَن قال: إنها منسوبة إلى السبت - بفتح السين - وهو: الحلق؛ لأنه يلزم على القياس أن يقال: السَّبتية - بالفتح - ولم يسمع من يقوله هنا، ولا من يرويه. وكانت عادة العرب لباس النعال بشعرها، غير مدبوغة، وإنما كان يلبس المدبوغة مما كانت تصنع بالطائف وغيره أهل الرفاهية والسَّعة، كما قال شاعرهم (١):\n. . . . . . . . . . . . . . . . . ... يُحذَى نعَالَ السِّبتِ ليس بِتَوأَمِ (٢)\n_________\n(١) هو عنترة.\n(٢) هذا عجز بيت، وصدره: بَطَلٌ كأنَّ ثِيابَه في سَرحَةٍ. انظر: ديوان عنترة ص (٢٢).","vol":"3","page":271},{"text":"فَقَالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ: أَمَّا الأَركَانُ فَإِنِّي لَم أَرَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- يَمَسُّ إِلَّا اليَمَانِيَينِ وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبتِيَّةُ فَإِنِّي رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- يَلبَسُ النِّعَالَ الَّتِي لَيسَ فِيهَا شَعَرٌ، وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَن أَلبَسَهَا، وَأَمَّا الصُّفرَةُ فَإِنِّي رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- يَصبُغُ بِهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَن أَصبُغَ بِهَا، وَأَمَّا الإِهلَالُ فَإِنِّي لَم أَرَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- يُهِلُّ حَتَّى تَنبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ.\nرواه أحمد (٢/ ١٧ - ١٨)، والبخاري (١٦٦)، ومسلم (١١٨٧) (٢٥)، وأبو داود (١٧٧٢)، والترمذي في الشمائل (٧٤)، والنسائي (١/ ٨٠ - ٨١).\nــ\nوأما صباغه بالصفرة، فقيل: المراد به: صباغ الشعر. وقيل: صباغ الثياب.\nقلت: وقد روى أبو داود من طرق صحاح ما يدل: على أن ابن عمر كان يصبغ لحيته وثيابه بالصفرة، وذلك أنه روي عن زيد بن أسلم: أن ابن عمر كان يصبغ لحيته بالصفرة حتى يملأ ثيابه، فقيل له: لم تصبغ بها؟ فقال: إني رأيت رسول الله - ﷺ - يصبغ بها، ولم يكن شيء أحبَّ إليه منها، كان يصبغ ثيابه كلها، حتى عمامته (١). قال أبو عمر بن عبد البر: لم يكن رسول الله - ﷺ - يصبغ بالصفرة إلا ثيابه.\nوأما الخضاب: فلم يكن - ﷺ - يخضب.\nقلت: وقد روى أبو داود عن أبي رِمثة ما يدل على خلاف ما قال أبو عمر. قال أبو رمثة: انطلقت مع أبي نحو النبي - ﷺ - فإذا هو ذو وفرة بها ردع من حِنَّاء، وعليه بُردان أخضران (٢).\nوأما اعتذار ابن عمر عن تأخيره الإهلال إلى يوم التروية فإنه لم ير رسول الله - ﷺ - يهل حتى تنبعث به راحلته. فوجهه: أنه لما رأى النبي - ﷺ - لم يحرم إلا إذا أخذ في أول عمل الحج، وهو المشي إليه إذا انبعثت به الراحلة؛ أخر\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٠٦٤).\n(٢) رواه أبو داود (٤٠٦٥).","vol":"3","page":272},{"text":"[١٠٥٨] وعَن ابنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- إِذَا وَضَعَ رِجلَهُ فِي الغَرزِ، وَانبَعَثَت بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً أَهَلَّ مِن ذِي الحُلَيفَةِ.\nرواه أحمد (٢/ ١٨ و٣٩)، والبخاري (٢٨٦٥)، ومسلم (١١٨٧) (٢٧)، وابن ماجه (٢٩١٦).\n[١٠٥٩] وعنه قَالَ: بَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- بِذِي الحُلَيفَةِ مَبدَأَهُ وَصَلَّى فِي مَسجِدِهَا.\nرواه مسلم (١١٨٨)، والنسائي (٥/ ١٢٦).\n* * *\nــ\nهو الإحرام إلى يوم التروية، حتى يكون مشيه في عمل الحج عقب إحرامه. وقد أبعد من قال: إن هذا من باب القياس. بل هو تمسُّك بنوع الفعل الذي رآه يفعله على ما قررناه.\nوقد اختلف اختيار العلماء والسلف في ذلك على قولين: وهما عند مالك. واستحب بعض شيوخنا: أن يهل يوم التروية من كان خارجًا عن مكة، ولمن كان داخل مكة أن يهل من أول الشهر، وهو قول كثير من الصحابة والعلماء. وهو قول عمر بن الخطاب ﵁، قاله عياض.\nويوم التروية: هو اليوم الثامن، وسُمي بذلك لأن الناس يتروون فيه للخروج إلى منى. وقيل: لأنهم كانوا يحملون معهم الروايا بالماء ليلة منى، فيروون من فيها.\nوالغرز للناقة كالركاب للفرس. وهو ما توضع فيه الرِّجل للركوب.\nوقوله: (بات رسول الله - ﷺ - بذي الحليفة مبدأه، وصلَّى في مسجدها)؛ من فعل هذا فقد أحسن، وإن لم يكن عندهم من السنن.\nو(مبدأه) بضم الميم وفتحها؛ أي: ابتداء حجه.","vol":"3","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-394>(٥) باب تطيب المحرم قبل الإحرام</span>\n[١٠٦٠] عَن عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَت: كُنتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- لِإِحرَامِهِ\nــ\n(٥) ومن باب: التطيب للإحرام\nقول عائشة -﵂-: (كنت أطيب رسول الله - ﷺ - لإحرامه)؛ أي: عند إحرامه. فاللام للتوقيت، كقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمسِ﴾؛ أي: عند دلوك الشمس. وكذلك قولها: (ولحلِّه). فليست للتعليل هنا بالاتفاق؛ لأنهما كانا يكونان علة للتطيب؛ أعني: الإحرام والحل، بل هو نقيض مقصود الشرع من المحرم قطعًا. وهذه الرواية - أعني: لإحرامه - مفسِّرةٌ للرواية الأخرى التي قال فيها: لحرمه. ويقال: حُرم، وحِرم. بالضم والكسر. وأنكر ثابت الضم، وقال: إنما يقال: حِرمُه - بالكسر - كما يقال: حِلٌّ، وكما قرئ: وحِرمٌ - بالكسر -. وقد ذكرنا الخلاف في استدامة المحرم للطيب.\nو(وبيص الطيب): بريقه، وأثره. وهذا الطيب الذي ذكرته عائشة كان دهنًا له أثر فيه مسك. وبهذا يجتمع خلاف الروايات في ذلك؛ وإنما كان النبي - ﷺ - تطيب للطواف على نسائه في بيوتهن بالمدينة، في ليلة اليوم الذي خرج في بقيته إلى ذي الحليفة، فإنه بات بها، وأصبح محرمًا من صبيحة ليلتها، كما قد ذكرنا آنفًا، وأحرم بعد أن صلَّى الظهر، كما ظهر من حديث عبد الله بن عباس ﵄ الآتي: فاغتسل وغسل ما كان عليه من الطيب، غير أنه بقي عليه ما تعذر إزالته بعد الغسل من الرائحة (١). وعن هذا عبَّرت عائشة -﵂- بقولها: (ثم أصبح ينضخ طيبًا)، ومعنى (ينضخ): تعم رائحته، ويدرك إدراكًا كثيرًا، وأصله من: نضخ العين، وهو عبارة عن كثرة مائها، وفورانه. ومنه: ﴿فِيهِمَا عَينَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾\n_________\n(١) يأتي الحديث في أول الباب العاشر من كتاب: الحج.","vol":"3","page":274},{"text":"قَبلَ أَن يُحرِمَ، وَلِحِلِّهِ قَبلَ أَن يَطُوفَ بِالبَيتِ. وَفِي رِوَايَةٍ: بطيب فيه مسك.\nرواه أحمد (٦/ ٣٩ و١٨١)، والبخاري (١٧٥٤)، ومسلم (١١٨٩) (٣٣) و(١١٩١) (٤٦)، وأبو داود (١٧٤٥)، والنسائي (٥/ ١٣٧)، وابن ماجه (٢٩٢٦).\n[١٠٦١] وَعَنهَا قَالَت: كَأَنِّي أَنظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ وَفِي رِوَايَةٍ: المسك - فِي مَفرِقِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ- وَهُوَ مُحرِمٌ.\nرواه أحمد (٩/ ١٠٦ و١٩١)، ومسلم (١١٩٠) (٣٩ و٤٥)، والنسائي (٥/ ١٤٠)، وابن ماجه (٢٩٢٧).\n[١٠٦٢] وعن مُحَمَّدِ بنِ المُنتَشِرِ، قَالَ: سَمِعتُ ابنَ عُمَرَ يَقُولُ: لَأَن أُصبِحَ مُطَّلِيًا بِقَطِرَانٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِن أَن أُصبِحَ أَنضَخُ طِيبًا قَالَ: فَدَخَلتُ\nــ\nوقولها: (ولحلِّه قبل أن يطوف بالبيت)؛ أي: عند حله، كما تقدم، وقد نصَّت على أن ذلك قبل طواف الإفاضة، وذلك إنما كان بعد جمرة العقبة. وبظاهر هذه الأحاديث أخذ عامة العلماء، فأجازوا الطيب بعد التحلل الأصغر، وقبل الطواف، وكرهه مالك؛ لأنه لما لم يحل له وطء النساء بعد - بالاتفاق - فينبغي أن تمنع مقدمته التي هي الطيب. واعتذر بعض أصحابنا عن حديث عائشة هذا: بادعاء خصوصية النبي - ﷺ - بذلك. ولم ير مالك على من تطيب حينئذ دمًا؛ لأنه أوقعه بعد تحلل.\nو(مِفرق الرأس): موضع فرق الشعر.\nوقول ابن عمر ﵄: لأن أصبح مطليًّا بقطران أحب إلي من أن أصبح محرمًا أنضخ طيبًا)؛ موافق لقول النبي - ﷺ - للمتطيب المحرم: (اغسل عنك الطيب) كما تقدم. والتمسُّك به أولى من حديث عائشة؛ لأن الأول مقعد للقاعدة، وحديث عائشة قضية عينية، محتملة للخصوص، فالأول أولى.","vol":"3","page":275},{"text":"عَلي عَائِشَةَ فَأَخبَرتُهَا بِقَولِهِ، فَقَالَت: طَيَّبتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- فَطَافَ فِي نِسَائِهِ ثُمَّ أَصبَحَ مُحرِمًا.\nوفي رواية: ينضخ طيبًا.\nرواه مسلم (١١٩٢) (٤٨ و٤٩).\n* * *\nــ\nوقولها: (فطاف في نسائه)؛ هو كناية عن الجماع، ويكون هذا مثل قول أبي رافع: طاف رسول الله - ﷺ - على نسائه ذات يوم، فجعل يغتسل عند هذه وعند هذه، فقلت: يا رسول الله! لو جعلته غسلًا واحدًا؟ قال: (هذا أزكى، وأطيب، وأطهر) (١) خرَّجه النسائي.\nويقال على هذا: كيف دار عليهن في يوم واحد، واليوم لواحدة منهن؟ والجواب من وجهين:\nأحدهما: أن العدل لم يكن عليه لهن واجبًا؛ بدليل قوله تعالى: ﴿تُرجِي مَن تَشَاءُ مِنهُنَّ وَتُؤوِي إِلَيكَ مَن تَشَاءُ وَمَنِ ابتَغَيتَ مِمَّن عَزَلتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيكَ﴾\nوالثاني: يحتمل أن التي كان في يومها أذنت له في ذلك. وهذا على تسليم أن ذلك كان عليه واجبًا، أو أنه - ﷺ - أخذ نفسه بذلك مجاملة، ومحاسنة، والله تعالى أعلم.\nويحتمل أن يكون قولها: (طاف في نسائه)، بمعنى: تفقدهن في منازلهن لينظر فيما يحتجن إليه، لا سيما وكان في أهبة الخروج لسفره ذلك.\n* * *\n_________\n(١) رواه النسائي في الكبرى (٩٠٣٥).","vol":"3","page":276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-395>(٦) باب ما جاء في الصيد، وفي لحمه للمحرم</span>\n[١٠٦٣] عَن ابنِ عَبَّاسٍ، عَن الصَّعبِ بنِ جَثَّامَةَ اللَّيثِيِّ أَنَّهُ أَهدَى لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ- حِمَارًا وَحشِيًّا وَهُوَ بِالأَبوَاءِ أَو بِوَدَّانَ، فَرَدَّهُ عَلَيهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- قَالَ: فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- مَا فِي وَجهِي، قَالَ: إِنَّا لَم نَردُدهُ عَلَيكَ\nــ\n(٦) ومن باب: ما جاء في الصيد ولحمه للمحرم\n(الأبواء) - بفتح الهمزة، والمد -: بَرِّيَّة من عمل الفُرع، بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلًا. و(وَدَان) بفتح الواو، وكذلك بينهما نحو ثمانية أميال بقرب من الجحفة.\nو(السُّقيا) قرية جامعة هناك، بينها وبين الفُرع مما يلي الجحفة تسعة عشر ميلًا. و(تعهن) بفتح التاء وكسرها، وسكون العين. وقد سمع من العرب من يقول: (بتُعَهِن) فيضم التاء، ويفتح العين، ويكسر الهاء. وروايتنا التقييد الأول. وهي: عين ماء على ميل من (السقيا) بالقاف لا بالفاء، وهو: وادي العباديد، على ثلاثة مراحل من المدينة.\nو(غيقة) بالغين معجمة مفتوحة، وبالقاف بينهما ياء، باثنتين من تحتها: موضع من بلاد بني غفار، بين مكة والمدينة. وقيل: هو قليب ماء لبني ثعلبة.\nوقوله: (إنا لم نردده عليك)، المحدِّثون يقيدون (لم نرده) بفتح الدال المضاعفة المجزومة، وإن كان متصلًا بهاء الضمير (١) المضمومة. وقيده المحققون: بضم الدال مراعاة للواو المتولدة عن ضمها لها، ولم يحفلوا بالهاء لخفائها، وكأنهم قالوا: (ردوا)؛ كما فتحوها مع هاء المؤنث مراعاة للألف، وكأنهم\n_________\n(١) في (هـ): (المذكر) بدل (الضمير).","vol":"3","page":277},{"text":"إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: أهدى الصعب بن جثامة إلى رسول الله - ﷺ - رجل حمار وحشي.\nوفي أخرى: عجز حمار وحشي يقطر دما.\nرواه أحمد (٤/ ٣٧ - ٣٨)، والبخاري (١٨٢٥)، ومسلم (١١٩٣) (٥٠) و(١١٩٤) (٥٤)، والنسائي (٥/ ١٨٣ - ١٨٤)، وابن ماجه (٣٠٩٠).\nــ\nقالوا: (ردًّا)، وهذا مذهب سيبويه، وأبي علي الفارسي، وأهل التحقيق من أهل اللسان.\nوقوله: (إلا أنَّا حرم) بفتح (أنَّا) على أنه تعدَّى إليه الفعل بحرف التعليل.\nولا خلاف في تحريم الصيد على المحرم. وفي تحريم ما صيد من أجله عليه. وعلى ذلك دلَّ قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيكُم صَيدُ البَرِّ مَا دُمتُم حُرُمًا﴾ وقوله: ﴿لا تَقتُلُوا الصَّيدَ وَأَنتُم حُرُمٌ﴾ ورد النبي - ﷺ - على الصَّعب هذا الصيد: إنما كان لأنه خاف أن يكون صاده من أجله، ألا تراه - ﷺ - كيف قَبِل حمار البَهزِيِّ (١) حين قال: هو لكم يا رسول الله! فأمر به رسول الله - ﷺ - فقُسمِّ بين الرفاق (٢).\nقال أبو محمد الأصيلي: إنما قَبِل رسول الله - ﷺ - حمار البهزي؛ لأنه كان مكتسبًا بالصيد، فحمله على عادته، ورد حمار الصَّعب لظنه أنه صاده من أجله.\nفإن قيل: فهذا يشكل على مذهب مالك؛ إذ يحكم: بأن ما صيد لأجل محرم لا يحل أكله، وهو ميتة عنده، ولم ينههم النبي - ﷺ -، بل سوَّغه لهم بتركه في أيديهم،\n_________\n(١) هو زيد بن كعب، صحابي، له حديث واحد عند النسائي.\n(٢) رواه النسائي (٥/ ١٨٣).","vol":"3","page":278},{"text":"[١٠٦٤] وعنه وقَالَ لزَيدُ بنُ أَرقَمَ يَستَذكِرُهُ، كَيفَ أَخبَرتَنِي عَن لَحمِ صَيدٍ أُهدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ- وَهُوَ حَرَامٌ؟ قَالَ: قَالَ: أُهدِيَ لَهُ عُضوٌ مِن لَحمِ صَيدٍ فَرَدَّهُ فَقَالَ: إِنَّا لَا نَأكُلُهُ إِنَّا حُرُمٌ.\nرواه أحمد (٤/ ٣٦٧ و٣٧٤)، ومسلم (١١٩٥)، وأبو داود (١٨٥٠)، والنسائي (٥/ ١٨٤).\nــ\nوإقرارهم عليه! فالجواب: إن ذلك الحكم إنما يلزم على مذهبه فيما تحقق أنه صِيد لأجل المحرم، وليس في هذا الحديث ما يدل على أن النبي - ﷺ - قطع بذلك، ولا ظنه، وإنما امتنع من ذلك فيما يظهر ورعًا؛ كما قال في التمرة: (لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها) (١)، والله أعلم.\nوقد أجاز غير واحد من العلماء أكل ما صاده حلال لمحرم لغير ذلك المحرم؛ منهم: عثمان ﵁.\nواختلفوا في حمار الصعب: هل أهداه للنبي - ﷺ - حيًّا أم ميتًا؟ وقد بوَّب البخاري على هذا الحديث ما يدل: على أنه فهم من الحديث أنه كان حيًّا، وعلى هذا الفهم يستدل به: على أن المحرم يرسل ما بيده من صيد؛ لأنه لم يسوغ لنفسه مُلكه لأجل الإحرام، وفيه أبواب من أحكام الهبات لا تخفى على متأمل.\nقلت: والروايات الأخر تدل على أنه كان ميتًا، وأنه أتاه بعضو منه. ويصح الجمع بين هذه الروايات المختلفة؛ إما على القول: بأنه ميت، فإنه جاء بالحمار ميتًا فوضعه بقرب النبي - ﷺ -، ثم قطع منه ذلك العضو، فأتاه به، فصدق اللفظان. أو يكون أطلق اسم الحمار، وهو يريد بعضه، وهذا سائغ، وهو من باب التوسع والتجوز.\nوأما إن تنزلنا على أن الحمار كان حيًّا، فيكون قد أتاه به، فلما رده عليه، وأقره\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٠٥٥)، ومسلم (١٠٧١)، وأبو داود (١٦٥١ و١٦٥٢).","vol":"3","page":279},{"text":"[١٠٦٥] وَعَن عَبدُ اللَّهِ بنُ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: انطَلَقَ أَبِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ- عَامَ الحُدَيبِيَةِ فَأَحرَمَ أَصحَابُهُ وَلَم يُحرِم وَحُدِّثَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- أَنَّ عَدُوًّا بِغَيقَةَ فَانطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- قَالَ: فَبَينَمَا أَنَا مَعَ أَصحَابِهِ يَضحَكُ بَعضُهُم إِلَيَّ، إِذ نَظَرتُ فَإِذَا أَنَا بِحِمَارِ وَحشٍ، فَحَمَلتُ عَلَيهِ فَطَعَنتُهُ فَأَثبَتُّهُ، فَاستَعَنتُهُم فَأَبَوا أَن يُعِينُونِي، فَأَكَلنَا مِن لَحمِهِا، وَخَشِينَا\nــ\nبيده ذكاه، ثم أتاه منه بالعضو المذكور، ولعل الصعب ظن أنه إنما رده عليه لمعنى يخص الحمار بجملته، فلما جاءه بجزئه أعلمه بامتناعه أن حكم الجزء من الصيد كحكم الصيد، لا يحل للمحرم قبوله، ولا تملُّكه. وإنما احتجنا إلى هذه التكلفات لنرفع الاضطراب اللازم من تلك الروايات المختلفة على طريقتنا في روم الجمع بين الروايات المختلفة، فإنه الأحسن إذا أمكن، والله أعلم.\nوقوله في حديث أبي قتادة: (إن أصحابه أحرموا، ولم يحرم هو)، قيل في سبب بقاء أبي قتادة غير محرم أقوال:\nأحدها: أنه لم تكن وُقِّتت المواقيت، وفيه بُعد.\nوثانيها: أن النبي - ﷺ - بعثه في أصحابه لكشف عدوٍّ لهم بجهة السَّاحل، على ما ذكره مسلم.\nوثالثها: أن أهل المدينة أرسلوه إلى النبي - ﷺ - ليعلمه: أن بعض العرب عزم على غزو المدينة.\nوقوله: (فاستعنتهم، فأبوا أن يعينوني)؛ دليل على أبي حنيفة؛ إذ يرى: أن المعونة لا تؤثر إلا أن يكون الصيد لا يصح دونها. وامتناعهم من المعونة مطلقًا، ومن مناولة السَّوط ترد عليه، بل في الرواية الآتية قوله - ﷺ -: (أمنكم أحدٌ أمره أن","vol":"3","page":280},{"text":"أَن نُقتَطَعَ فَانطَلَقتُ أَطلُبُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- أَرفَعُ فَرَسِي شَأوًا وَأَسِيرُ شَأوًا،\nــ\nيحمل عليها، أو أشار إليها؟) قالوا: لا. قال: (فكلوا)، ظاهره: أنه لو أعانه أحدٌ لمنعهم من أكلها.\nوقد اختلف في وجوب الجزاء على المحرم الدَّال للحلال، فقال مالك، والشافعي، وأبو ثور: لا شيء عليه. وقال الكوفيون، وأحمد، وإسحاق، وجماعة من الصحابة، والتابعين: عليه الجزاء. وكذلك اختلفوا في المحرم إذا دلَّ محرمًا آخر؛ فذهب الكوفيون، وأشهب من أصحابنا: إلى أن على كل واحد منهم جزاء. وقال مالك، والشافعي وأبو ثور: الجزاء على المحرم القاتل. وكذلك الخلاف فيما لو أعانه بالرمح، أو بالسَّوط، وبأي معونة كانت. وقال بعض شيوخنا: لو أشار إليه ليصيد؛ لكان دالًاّ، ويجري فيه الخلاف المتقدم.\nوقوله: (أرفع فرسي شأوًا، وأسير شأوًا)؛ أي: أرفع في سيره، وأجريه. و(الشأو): الطَّلق (١).\nوقوله: (خشينا أن نقتطع)؛ أي: خفنا أن يحال بيننا وبينهم، ويقطع بنا عنهم.\nوقوله: (أصدت)؛ أصله: أصطدت، فأدغمت الطاء في الصاد لتقاربهما.\nوقوله - ﷺ - للقوم: (كلوا) وهم محرمون، وأكله منه وهو محرم؛ دليل على من منع المحرم من أكل لحم الصيد. وهو مروي عن عطاء، وابن عبَّاس، وجماعة من السَّلف، وهو قول سفيان الثوري، وإسحاق. وذكر نحوه عن مالك والليث.\nوقوله: (فجعل بعضهم يضحك إلى بعض)؛ لم يكن ضحكهم لينبهوه على\n_________\n(١) \"الطَّلَق\": الشوط الواحد من سباق الخيل.","vol":"3","page":281},{"text":"فَلَقِيتُ رَجُلًا مِن بَنِي غِفَارٍ فِي جَوفِ اللَّيلِ، فَقُلتُ: أَينَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ-؟ قَالَ: تَرَكتُهُ بِتَعهِنَ، وَهُوَ قَائِلٌ السُّقيَا، فَلَحِقتُهُ، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَصحَابَكَ يَقرَءُونَ عَلَيكَ السَّلَامَ وَرَحمَةَ اللَّهِ، وَإِنَّهُم قَد خَشُوا أَن يُقتَطَعُوا دُونَكَ انتَظِرهُم فَانتَظَرَهُم، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَصَدتُ وَمَعِي مِنهُ فَاضِلَةٌ. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ- لِلقَومِ: كُلُوا وَهُم مُحرِمُونَ.\nرواه أحمد (٥/ ١٩٠ و٣٠١)، والبخاري (١٨٢١)، ومسلم (١١٩٦) (٥٩)، والنسائي (٥/ ١٨٦)، وابن ماجه (٣٠٩٣).\n[١٠٦٦] وَعَن أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ- حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَعضِ طَرِيقِ مَكَّةَ تَخَلَّفَ مَعَ أَصحَابٍ لَهُ مُحرِمِينَ، وَهُوَ غَيرُ مُحرِمٍ فَرَأَى حِمَارًا وَحشِيًّا، فَاستَوَى عَلَى فَرَسِهِ، فَسَأَلَ أَصحَابَهُ أَن يُنَاوِلُوهُ سَوطَهُ فَأَبَوا فَسَأَلَهُم رُمحَهُ فَأَبَوا عَلَيهِ، فَأَخَذَهُ، ثُمَّ شَدَّ عَلَى الحِمَارِ، فَأَكَلَ مِنهُ بَعضُ أَصحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ- وَأَبَى بَعضُهُم، فَأَدرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- فَسَأَلُوهُ عَن ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّمَا هِيَ طُعمَةٌ أَطعَمَكُمُوهَا اللَّهُ.\nــ\nالصيد، وإنما كان - والله أعلم - تعجبًا من إتيان هذا الصيد، وتأتي صائده الحلال له ولم يفطن له. وأما لو ضحك منبهًا: فقال الداودي: لم يمنع من أكله.\nقلت: ولا بُعد في أن يقال: إن ذلك كالإشارة؛ إذ قد حصل منه ما يحصل من المشير من التنبيه.\nوقوله: (تركته بتعهن)، قائل السُّقيا. قائل: اسم فاعل من القول، ومن القائلة أيضًا، والأول هو المراد هنا، والسقيا: مفعول بفعل مضمر، كأنه قال: اقصدوا السقيا.","vol":"3","page":282},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: فقال: هُوَ حَلَالٌ فَكُلُوهُ. وفي أخرى: فقال: هَل مَعَكُم مِن لَحمِهِ شَيءٌ؟ . فقَالُوا: مَعَنَا رِجلُهُ قَالَ: فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- فَأَكَلَهَا.\nوفي أخرى: أَمِنكُم أَحَدٌ أَمَرَهُ أَن يَحمِلَ عَلَيهَا، أَو أَشَارَ إِلَيهَا؟ قَالُوا لَا. قال: فكلوا ما بقي من لحمها.\nرواه أحمد (٥/ ٣٠١)، والبخاري (٢٩١٤) ومسلم (١١٩٦) (٥٦ و٥٧ و٥٨ و٦٣)، وأبو داود (١٨٥٢)، والنسائي (٥/ ١٨٢).\n[١٠٦٧] وعن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عُثمَانَ التَّيمِيِّ، قَالَ: كُنَّا مَعَ طَلحَةَ بنِ عُبَيدِ اللَّهِ، وَنَحنُ حُرُمٌ فَأُهدِيَ لَهُ طَيرٌ، وَطَلحَةُ رَاقِدٌ فَمِنَّا مَن تَوَرَّعَ، فَلَمَّا استَيقَظَ طَلحَةُ وَفَّقَ مَن أَكَلَهُ، وَقَالَ: أَكَلنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ-.\nرواه أحمد (١/ ١٦٢)، ومسلم (١١٩٧)، والنسائي (٥/ ١٨٢).\n* * *\nــ\nوقوله: (هل معكم من لحمه شيء)، وأكله لما أعطوه منه؛ كل ذلك تطييب لقلوبهم، وتسكين لنفرة من نفر منهم، وإبانة لحلِّيته بأقصى الممكن.\nوقول عبد الرحمن التيمي: (فمنا من تورع)؛ أي: كفَّ ورعا؛ أي: لم يتوقف جازمًا بالمنع، ولكنه تردد وتخوَّف، فتورع. والورع، والرعة: الانكفاف عما يريب.\nوقوله: (فلما استيقظ طلحة وفَّق من أكله)؛ أي: صوبه، وقال: (هو موفق مسدد).\nوقوله: (أكلناه مع رسول الله - ﷺ -)؛ أي: ونحن محرمون.","vol":"3","page":283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-396>(٧) باب ما يقتل المحرم من الدواب</span>\n[١٠٦٨] عَن عَائِشَةَ عَن النَّبِيِّ - ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: خَمسٌ فَوَاسِقُ يُقتَلنَ فِي الحِلِّ وَالحَرَمِ:\nــ\n(٧) ومن باب: ما يقتل المحرم من الدَّواب\nقوله: (خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم)، وقد تقدم: أن الفسق لغة هو الخروج مطلقًا. وهو في لسان الشرع: اسم ذم؛ إذ هو خروج عن الطاعة، أو عن الحرمة. وتسميته - ﷺ - هذه الخمس فواسق: لأنهن خرجن عن الحرمة التي لغيرهن من الحيوانات، لا سيما على المحرم، وفي الحرم، وفي الصلاة. ويحتمل أن يقال: سميت فواسق: لخروجهن من حجرتهن لإضرار بني آدم، وأذاهم.\nوهذا الحديث روي من طرق متعددة، فذكر في بعضها لفظ: (خمس)، ولم يذكره في بعضها. فالألفاظ التي ذكر فيها: (خمس) لم تزد، غير أنه ذكر في بعضها: الحية، وفي بعضها: العقرب بدل الحية. وهي في كل ذلك خمس. وأما التي لم يذكر فيها لفظ الخمس، فجمع فيها بين العقرب والحية. فصارت ستًّا. وفي غير كتاب مسلم ذكر الأفعى، فعددها لذلك بعضهم سبعًا، وليس كذلك؛ لأن الحية تناولت الأفعى وغيرها من جنسها، وإنما هو خلاف لفظي.\nوالصحيح: أنها ست، كما جاء في الطريق التي لا حصر فيها.\nقال القاضي أبو الفضل: لا خلاف بين العلماء في استعمال الحديث، وجواز قتل ما ذكر فيه للمحرم، إلا شذوذًا، روي عن علي ﵁ أنه لا يقتل الغراب، لكن يرمى. ولا يصح عنه. وحكي عن النخعي: أنه لا يقتل المحرم الفأرة، فإن قتلها فداها. وهذا خلاف النص.\nواختلف العلماء: هل المراد بما سُمي في الحديث أعيانها، أم التنبيه على المعاني المتأذي بها منها؟ قال الإمام أبو عبد الله: فمالك، والشافعي يريان الحكم يتعلق بمعاني هذه الخمس دون أسمائها، وأنها إنما ذكرت لينبه بها على ما شركها في","vol":"3","page":284},{"text":"الحَيَّةُ، وَالغُرَابُ، الأَبقَعُ، وَالفَأرَةُ، وَالكَلبُ العَقُورُ، وَالحُدَيَّا.\nوَفِي رِوَايَةٍ: العَقرَبُ مَكَانَ الحية.\nرواه أحمد (٦/ ٢٥٩)، والبخاري (٣٣١٤)، ومسلم (١١٩٨) (٦٧ و٦٨)، والنسائي (٥/ ٢٠٨)، وابن ماجه (٣٠٨٧).\n[١٠٦٩] وعن ابن عمر عَن النَّبِيِّ - ﷺ- قَالَ: خَمسٌ لَا جُنَاحَ عَلَى مَن قَتَلَهُنَّ فِي الحَرَمِ وَالإِحرَامِ: الفَأرَةُ، وَالغُرَابُ، وَالحِدَأَةُ، وَالعَقرَبُ، وَالكَلبُ العَقُورُ.\nرواه البخاري (١٨٢٦)، ومسلم (١١٩٩)، وأبو داود (١٨٤٦)، والنسائي (٥/ ١٨٧ - ١٨٨)، وابن ماجه (٣٠٨٨).\nــ\nالعلَّة. فقال الشافعي: العلَّة أن لحومها لا تؤكل، وكذلك: كل ما لا يؤكل لحمه من الصيد. ورأى مالك: أن العلَّة كونها مضرة، وأنه إنما ذكر الكلب العقور لينبه به على ما يضر بالأجسام على جهة الاختلاس، وذكر الحدأة والغراب للتنبيه على ما يضر بالأموال اختفاءً.\nوقد اختلف في المراد بالكلب العقور. فقيل: هو الكلب المألوف. وقيل: المراد به كل ما يفترس؛ لأنه يسمِّى في اللغة: كلبًا. ومذهب مالك أن ما لا يبتدئ جنسه بالأذى - كسباع الطير - لا يقتل إلا أن يخافه المرء على نفسه، فتؤدي مدافعته إلى قتله، فلا شيء عليه. وأما قتل صغار ما يجوز قتل كباره؛ فلا يجوز على قول. وعلى هذا: لو قتلها؛ فهل عليه جزاء أم لا؟ فقولان.\nوقوله: (الغراب الأبقع)؛ تقييد لمطلق الروايات الأخر التي ليس فيها الأبقع. وبذلك قالت طائفة، فلا يجيزون إلا قتل الأبقع، وهو الذي في بطنه وظهره بياض. وغير هذه الطائفة رأوا جواز قتل الأبقع وغيره من الغربان. ورأوا أن ذكر الأبقع إنما جرى لأنه الأغلب عندهم.\nو(الحدأة) بكسر الحاء، مهموز،","vol":"3","page":285},{"text":"[١٠٧٠] وعنه قال: حَدَّثَتنِي إِحدَى نِسوَةِ النَّبِيِّ - ﷺ- أَنَّهُ كَانَ يَأمُرُ بِقَتلِ الكَلبِ العَقُورِ وَالفَأرَةِ وَالحُدَيَّا وَالغُرَابِ وَالحَيَّةِ قَالَ: وَفِي الصَّلَاةِ أَيضًا.\nرواه مسلم (١٢٠٠) (٧٥).\n* * *\nــ\nوالجمع: حِداء: مقصور، مهموز. وكذا في بعض الروايات. وأما رواية: (الحديا)؛ فقال ثابت: صوابه: الهمز على معنى التذكير، وإلا فحقيقته: الحديئة، وكذا قيده في صحيح البخاري. أو: (الحدية) على التسهيل. وقول القاسم في الأم: تقتل بصغر لها؛ أي: بمذلة وقهر، كما قال تعالى: ﴿وَهُم صَاغِرُونَ﴾\nو(العقور) في وصف الكلب: هو الذي يعقر كثيرًا؛ أي: يجرح. يقال: سرج معقر: إذا كان يجرح الدابة. قال الشاعر (١):\n. . . . . . فتنفست (٢) ... كتنفس الظبي العقير\nأي: المجروح. وقيل: الدَّهِش. وقد استدل مالك، والشافعي، وأصحابهما بإباحة قتل هذه الفواسق في الحرم؛ على أن الحرم لا يعيذ عاصيًا ولا فارًا بحدٍّ. وذهب أبو حنيفة إلى الفرق بين ما اجترحه فيه مما يوجب القتل، فيقام فيه، وبين ما اجترحه خارجًا فيلجأ إلى الخروج، بأن يضيق عليه حتى يخرج، فيقام عليه خارجه. وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى.\nوقوله: (وفي الصلاة أيضًا)؛ يعني: أنه يجوز لمن كان في الصلاة أن يقتل هذه الدواب في الصلاة، ولا يخرج عن الصلاة بقتلها؛ اللهم إلا أن يحتاج في محاولة ذلك إلى عمل كثير يخرج به عن سنة الصلاة وهيئتها، فإن فعل ذلك استأنف صلاته.\n_________\n(١) هو المنَخَّلُ اليشكري.\n(٢) أول البيت: فلثمتها فتنفست.","vol":"3","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-397>(٨) باب الفدية للمحرم</span>\n[١٠٧١] عَن كَعبِ بنِ عُجرَةَ قَالَ: أَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- زَمَنَ الحُدَيبِيَةِ وَأَنَا أُوقِدُ تَحتَ قِدرٍ لِي: وَالقَملُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجهِي، فَقَالَ: أَتُؤذِيكَ هَوَامُّ رَأسِكَ؟ قَالَ: قُلتُ: نَعَم. قَالَ: فَاحلِق وَصُم ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ،\nــ\n(٨) ومن باب: الفدية للمحرم\nقوله: (أتؤذيك هوام رأسك)؛ سؤال عن تحقيق العلَّة التي يترتب عليها الحكم. و(تؤذيك): تؤلمك. ولما أخبره بالمشقة التي هو فيها خفف عنه، وقد تبين بمجموع روايات هذا الحديث: أنه كان محرمًا، وأنه لما أباح له الحلق أعلمه بما يترتب على ذلك من الفدية، وأنها ثلاثة أنواع مخيَّر بينها، وأن الصيام ثلاثة أيام، وأن الإطعام لستة مساكين مُدَّين، مُدَّين لكل مسكين، وأن النسك شاة، فصار هذا الحديث مفسرًا لما في قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَرِيضًا﴾ الآية، من مجمل. وصار هذا الحديث مع الآية أصلًا: في أن المحرم إذا استباح شيئًا من ممنوعات الإحرام التي لا تفسده، فانتفع بذلك، لزمته الفدية. قال أحمد بن صالح: حديث كعب بن عجرة معمول به عند الجميع.\nقال القاضي أبو الفضل: ولم يقع في شيء منه خلاف إلا في الإطعام، فروي عن أبي حنيفة، والثوري: أن الصاع إنما هو في التمر والشعير، وأما البر: فنصف صاع. وعن أحمد رواية: مُدّ من البر، ونصف صاع من غيره، وكذلك روي عن الحسن، وعن بعض السَّلف: أن الإطعام لعشرة مساكين، والصيام عشرة أيام، ولم يتابعوا عليه. واتفق غير هؤلاء وكل من جاء بعدهم: على إطعام ستة مساكين، وصيام ثلاثة أيام.","vol":"3","page":287},{"text":"أَو أَطعِم سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَو انسُك نَسِيكَةً. قَالَ أبو قلابة: فَلَا أَدرِي بِأَيِّ ذَلِكَ بَدَأَ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهَ ﵊ مر به قبل أن يدخل مكة وهو محرم.\nوفي أخرى: فقال له النبي - ﷺ -: احلِق ثُمَّ اذبَح شَاةً نُسُكًا، أَو صُم ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَو أَطعِم ثَلَاثَةَ آصُعٍ مِن تَمرٍ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ.\nوفي أخرى: قال كعب: فِيَّ خاصة نزِلَت هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَرِيضًا أَو بِهِ أَذًى مِن رَأسِهِ﴾ وهي لكم عامة.\nرواه أحمد (٤/ ٢٤١)، والبخاري (١٨١٧)، ومسلم (١٢٠١) (٨٠ و٨٢ و٨٣ و٨٤)، والترمذي (٢٩٧٤)، والنسائي (٥/ ١٩٤)، وابن ماجه (٣٠٨٠).\n* * *\nــ\nقلت: وتلك الأقوال كلها مخالفة لنص الحديث المتقدم، وهو حجة على كل من خالفه. ويستوي عندنا لزوم الفدية في حق العامد، والناسي، والمخطئ. وخالف (١) في الناسي الشافعي في أحد قوليه، وداود وإسحاق؛ فقالوا: لا دم عليه.\nوقوله: (أو انسك نسيكة)، وفي الأخرى: (ثم اذبح شاة نسكًا)؛ دليل على أنها ليست بهدي، وإذا كان كذلك، فيجوز أن يذبحها حيث شاء، وكذلك الإطعام يخرجه حيث شاء، وهو قول مالك وغيره. ولم يختلف قول الشافعي: في أن\n_________\n(١) في (ظ) و(ط): وخالفه.","vol":"3","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-398>(٩) باب جواز مداواة المحرم بالحجامة وغيرها مما ليس فيه طيب</span>\n[١٠٧٢] عن ابن عباس، أنَ النَّبِيُّ - ﷺ- احتجم وهو محرم.\nرواه أحمد (١/ ٢١٥)، والبخاري (١٩٣٩)، ومسلم (١٢٠٢)، وأبو داود (٢٣٧٢)، والترمذي (٧٧٧)، وابن ماجه (١٦٧٢).\n[١٠٧٣] وَعَن ابنِ بُحَينَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ- احتَجَمَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ وَهُوَ مُحرِمٌ وَسَطَ رَأسِهِ.\nرواه البخاري (١٨٣٦)، ومسلم (١٢٠٣)، والنسائي (٥/ ١٩٤)، وابن ماجه (٣٤٨١).\nــ\nالدم، والإطعام لا يكون إلا بمكة. واختلف فيه قول أبي حنيفة، فقال مرة بقول الشافعي، ومرة قال بذلك في الدم دون الإطعام. ولم يختلف في الصيام: أنه يفعله حيث شاء.\n(٩) ومن باب: جواز مداواة المحرم بما ليس فيه طيب\nقوله: (احتجم رسول الله - ﷺ - في وسط رأسه)؛ لا خلاف بين العلماء في جواز الحجامة للمحرم، حيث كانت من رأس أو جسد للضرورة، وأما لغير الضرورة في جسده، حيث لا يحلق شعرًا: فجمهورهم على جوازه. ومالك يمنعه. واتفقوا: على أنه إذا احتجم برأسه، فحلق لها شعرًا: أنه يفتدي. وجمهورهم على أن حكم شعر الجسد كذلك، إلا داود فإنه لا يرى في حلق شعر الجسد لضرورة","vol":"3","page":289},{"text":"[١٠٧٤] وعن نُبَيهُ بنُ وَهبٍ، أَنَّ عُمَرَ بنَ عُبَيدِ اللَّهِ بنِ مَعمَرٍ رَمِدَت عَينُهُ، فَأَرَادَ أَن يَكحُلَهَا، فَنَهَاهُ أَبَانُ بنُ عُثمَانَ، وَأَمَرَهُ أَن يُضَمِّدَهَا بِالصَّبِرِ، وَحَدَّثَ عَن عُثمَانَ بنِ عَفَّانَ عَن النَّبِيِّ - ﷺ- أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ.\nرواه أحمد (١/ ٦٠)، ومسلم (١٢٠٤) (٩٠)، وأبو داود (١٨٣٨)، والترمذي (٩٥٢)، والنسائي (٥/ ١٤٣).\n* * *\nــ\nالحجامة دمًا. والحسن يوجب عليه الدم بالحجامة.\nو(وسط الرأس) - بفتح السين -: متوسطه، وهو ما فوق اليافوخ منه، وما بين القرنين. وقد روي في حديث مرفوع: (في حجامة وسط الرأس شفاء من النعاس، والصداع، والأضراس) (١). قال الليث: وليس في وسطه، لكن في فأس الرأس، وهو مؤخره. وأما في وسط الرأس فقد يعمي.\nوقوله: (رمدت عينه)؛ أي: أصابها الرَّمد، وهو مرض خاص بالعين. ونهي أبان بن عثمان للسائل أن يكحل عينيه ليس على إطلاقه، وكأنه إنما نهاه عن أن يكحلها بما فيه طيب. وتضميد العين: هو لطخها، و(الصبر) ليس بطيب، ولا خلاف في جواز مثل هذا مما ليس فيه طيب، ولا زينة. فلو اكتحل المحرم أو المحرمة بما فيه طيب افتديا. وكذلك المرأة إذا اكتحلت للزينة، وإن لم يكن فيه طيب، فلو اكتحل الرجل للزينة: فأباحه قوم، وكرهه آخرون؛ وهم: أحمد، وإسحاق، والثوري. وعلى القول بالمنع؛ فهل تجب الفدية أم لا؟ قولان. وبالثاني قال الشافعي رجلًا كان أو امرأة.\n_________\n(١) رواه الطبراني، وفيه عمر بن رباح العبدي، وهو متروك. (المجمع ٥/ ٩٣ و٩٤)، وانظر كنز العمال (٢٨١٠٩).","vol":"3","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-399>(١٠) باب غسل المحرم رأسه</span>\n[١٠٧٥] عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ حُنَينٍ، عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ، وَالمِسوَرِ بنِ مَخرَمَةَ، أَنَّهُمَا اختَلَفَا بِالأَبوَاءِ، فَقَالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عَبَّاسٍ: يَغسِلُ المُحرِمُ رَأسَهُ، وَقَالَ المِسوَرُ: لَا يَغسِلُ المُحرِمُ رَأسَهُ. فَأَرسَلَنِي ابنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ الأَنصَارِيِّ أن أَسأَلُهُ عَن ذَلِكَ. فَوَجَدتُهُ يَغتَسِلُ بَينَ القَرنَينِ، وَهُوَ يَستَتِرُ بِثَوبٍ. قَالَ: فَسَلَّمتُ عَلَيهِ، فَقَالَ: مَن هَذَا؟ فَقُلتُ: أَنَا عَبدُ اللَّهِ بنُ حُنَينٍ أَرسَلَنِي إِلَيكَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عَبَّاسٍ أَسأَلُكَ كَيفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- يَغسِلُ رَأسَهُ وَهُوَ مُحرِمٌ؟ فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوبِ فَطَأطَأَهُ حَتَّى بَدَا إلِي رَأسُهُ، ثُمَّ قَالَ: لِإِنسَانٍ يَصُبُّ: اصبُب فَصَبَّ عَلَى رَأسِهِ، ثُمَّ حَرَّكَ رَأسَهُ\nــ\n(١٠) ومن باب: غسل المحرم رأسه\nاختلاف ابن عباس والمسور لم يكن في جواز أصل غسل الرأس؛ لأنه من المعلوم عندهما وعند غيرهما: أنه يغتسل من الجنابة إن أصابته، ويغتسل لدخول مكة، وللوقوف بعرفة. وإنما كان الاختلاف بينهما في كيفيته. فهل يدلكه، أو لا يدلكه؟ لأنه يخاف منه قتل الهوام، أو إنقاؤها عن رأسه وجسده وإزالة الشعث. ولإمكان هذه الأمور منع منه المسور، ولم يلتفت ابن عباس إلى إمكان تلك الأمور؛ لأنه إذا ترفق في ذلك سلم مما يتقى من تلك الأمور. وقد كان ابن عباس علم ذلك من حديث أبي أيوب، ولذلك أحال عليه، وأرسل إليه، والله تعالى أعلم.\nو(القرنان): هما الخشبتان القائمتان على رأس البئر، أو شبههما من البناء، تمد بينهما خشبة يجر عليها الحبل؛ ليستقى عليه، أو لِتُعَلَّق عليه البكرة.\nوقوله: (ثم قال لإنسان يصب: اصبب (١) فصب)؛ دليل على جواز\n_________\n(١) ليست في الأصول، واستدركت من التلخيص.","vol":"3","page":291},{"text":"بِيَدَيهِ فَأَقبَلَ بِهِمَا وَأَدبَرَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيتُهُ - ﷺ- يَفعَلُ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: فَأَمَرَّ أَبُو أَيُّوبَ بِيَدَيهِ عَلَى رَأسِهِ جَمِيعًا عَلَى جَمِيعِ رَأسِهِ، فَأَقبَلَ بِهِمَا وَأَدبَرَ، فَقَالَ المِسوَرُ لِابنِ عَبَّاسٍ: لَا أُمَارِيكَ أَبَدًا.\nرواه البخاري (١٨٤٠)، ومسلم (١٢٠٥)، وأبو داود (١٨٤٠)، والنسائي (٥/ ١٢٨)، وابن ماجه (٢٩٣٤).\n* * *\nــ\nالاستعانة بالصاحب والخادم في الطهارة.\nوقوله: (ثم حرك رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر)؛ يدل لابن عباس على صحة ما ذهب إليه: من أن المحرم يغتسل، ويغسل رأسه، ويدلكه. وعليه الجمهور. وقد روي عن مالك كراهية ذلك لغير الجنابة. وذلك لما ذكر آنفًا. وفيه دليل لمالك على اشتراط التدلك بالغسل؛ لأنه لو جاز الغسل بغير تدلك لكان المحرم أحق بأن يجاز له ترك التدلك، ولَم فَلا. وفيه دليل: على أن حقيقة الغسل لغة لا يكفي فيه صب الماء فقط، بل لا بدَّ من الدلك، أو ما يتنزل منزلته.\nوقوله: (لا أماريك أبدًا)؛ أي: لا أجادلك، ولا أخاصمك.\n* * *","vol":"3","page":292},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-400>(١١) باب المحرم يموت، ما يفعل به؟ وهل للحاج أن يشترط</span>؟\n[١٠٧٦] عَن ابنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلًا كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ- مُحرِمًا، فَوَقَصَتهُ نَاقَتُهُ فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ-: اغسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوبَيهِ وَلَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأسَهُ فَإِنَّهُ يُبعَثُ يَومَ القِيَامَةِ مُلَبِّدًا.\nوفي رواية ملبيا.\nــ\n(١١) ومن باب: المحرم يموت، ما يفعل به؟\nقوله: (فوقصته ناقته (١»؛ أي: أوقعته فاندقت عنقه. يقال لمن اندقت عنقه: وُقِص، فهو موقوص، على بناء ما لم يسم فاعله. وروي: (فأوقصته) - رباعيًّا - وهما لغتان، والثلاثي أفصح. ويروى: (فقعصته)، بمعنى: قتلته لحينه. ومنه قعاص الغنم، وهو: موتها بداءٍ يأخذها فلا يلبثها.\nوقوله: (فاغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تمسوه بطيب، ولا تخمروا رأسه)؛ أي: لا تغطوه. قال بمقتضى ظاهر هذا الحديث الشافعي، وأحمد، وإسحاق. فقالوا: إذا مات المحرم لا يحنَّط، ولا يغطى رأسه. وقال مالك، والكوفيون، والحسن، والأوزاعي: إنه يُفعل به ما يُفعل بالحلال. وكأنهم رأوا: أن هذا الحكم مخصوص بذلك الرجل. واستُدل لهم بوجهين:\nأحدهما: أن التكاليف إنما تلزم الأحياء، لا الأموات.\nوثانيهما: أن قوله - ﷺ -: (فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا)؛ تصريح بالمقتضي لذلك، ولا يعلم ذلك غير النبي - ﷺ -، فهو إذا تعليل قاصر على ذلك الرجل.\n_________\n(١) في الأصول: راحلته، والتصحيح من التلخيص وصحيح مسلم.","vol":"3","page":293},{"text":"وفي أخرى: فَأَمَرَهم رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- أَن يُغسَلَوه بِمَاءٍ وَسِدرٍ، وأن يكشفوا وجهه، حسبته قال: ورأسه فإنه يبعث وهو يهل.\nرواه أحمد (١/ ٢١٥)، والبخاري (١٨٥١)، ومسلم (١٢٠٦) (٩٨ و٩٩)، والنسائي (٥/ ١٩٥)، وابن ماجه (٣٠٨٤).\nــ\nوقد أجيب عن الأول: بأن الميت وإن كان غير مكلف؛ فالحي هو المكلف بأن يفعل به ذلك.\nوعن الثاني: أنه وإن لم يعلم ذلك غير النبي - ﷺ -، لكنه يرجي من فضل الله أن يفعل ذلك بكل من اتفق له من المحرمين مثل ذلك.\nوهذا كما قد قال - ﷺ - في الشهيد: (إنه يبعث يوم القيامة وجرحه يثعب دمًا، اللون لون دم، والعَرف عَرف مسك) (١). وقد سوَّى أبو حنيفة بين الشهيد والمحرم فقال: إن كل واحد منهما يغسل، ويكفن، ويصلَّى عليه على أصل المشروعية في الموتى. وسوَّى الشافعي في كونهما يدفنان في ثيابهما، غير أن المحرم يُغسل، ولا يصلَّى عليه. وقال مالك في المحرم بقول أبي حنيفة، وفي الشهيد بقول الشافعي.\nوقوله: (ولا تخمروا رأسه) أو (اكشفوا وجهه)؛ حجة لمالك وأبي حنيفة على قولهما: إن إحرام الرجل في رأسه ووجهه. والجمهور: على أن الإحرام على الرجل في وجهه.\nوقوله: (اغسلوه بماء وسدر)؛ يدل: على أن حكم الإحرام ساقط عنه؛ إذ لا يجوز أن يغتسل المحرم بالسِّدر، والخطمي، وشبههما؛ لأن ذلك يزيل الشعث، والدَّرن، وقد منعه مالك من الخطمي والتدليك الشديد، وقال: عليه الفدية إن فعل. ونحوه عن الشافعي، وأبي حنيفة، وأبي ثور. وقال محمد، وأبو يوسف - صاحبا أبي حنيفة: عليه صدقة. وقال أبو ثور: لا شيء عليه. ورخص\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٤٥٧)، ومسلم (١٨٧٦)، والنسائي (٨/ ١١٩).","vol":"3","page":294},{"text":"[١٠٧٧] وَعَن عَائِشَةَ قَالَت: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- عَلَى ضُبَاعَةَ بِنتِ الزُّبَيرِ بن عبد المطلب، فَقَالَ لَهَا: أَرَدتِ الحَجَّ؟ فقَالَت: وَاللَّهِ مَا أَجِدُنِي إِلَّا وَجِعَةً. فَقَالَ لَهَا: حُجِّي وَاشتَرِطِي، وَقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حيث حَبَستَنِي وَكَانَت تَحتَ المِقدَادِ.\nــ\nطاوس، وعطاء، ومجاهد، وابن المنذر للمحرم في غسل رأسه بالخطمي.\nوقوله: (في ثوبيه)، كذا في أكثر الرِّوايات، وفي بعضها: (في ثوبين)، فعلى الرواية الأولى: يحتج به الشافعي في بقاء حكم الإحرام عليه؛ لأنه أمر أن يكفن في ثيابه التي كانت عليه. ومن رواه: (في ثوبين)، فيحتمل أن يريد بهما: ثوبيه. ويحتمل أن يزيدوا على ثوبه الذي أحرم فيه ثوبين ليكون كفنه وترًا. والأول أولى؛ لأن إحدى الروايتين مفسرة للأخرى.\nوقوله - ﷺ -: (حجي واشترطي، وقولي: اللهم! محلي حيث حبستني)؛ معناه: أنه - ﷺ - لما استفهمها عن إرادة الحج اعتلت بأنها مريضة، وأنها خافت إن اشتد مرضها أن يتعذر عليها الإحلال، بناءً منها على أن المحصر بالمرض لا يتحلل إلا بالطواف بالبيت، وإن طال مرضه، كما هو مذهب مالك وغيره. وسيأتي إن شاء الله تعالى. فلما خافت هذا أقرها رسول الله - ﷺ - على ذلك، ثم رخص لها في أن تشترط: أن لها التحلل حيث حبسها مرضها. وبظاهر هذا الحديث قال جماعة من العلماء من الصحابة، والتابعين، وغيرهم؛ منهم: عمر، وعلي، وابن مسعود، وهو قول أحمد، وإسحاق، وأبي ثور. وللشافعي قولان. فقال كل هؤلاء: يجوز (١) الاشتراط في الحج، وأنه له الفسخ إذا وقع شرطه. ومنع ذلك جماعة أخرى، وقالوا: إنه لا ينفع؛ منهم: ابن عمر، والزهري، ومالك، وأبو حنيفة؛ متمسكين بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمرَةَ لِلَّهِ﴾\n_________\n(١) في (هـ): بجواز.","vol":"3","page":295},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: فَفَعَلَت ذَلِكَ عَن أَمرِ رسول الله ﷺ.\nرواه أحمد (٦/ ٣٦٠)، ومسلم (١٢٠٧) (١٠٤ و١٠٧)، وابن ماجه (٢٩٣٧)، والنسائي (٥/ ٦٨).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-401>(١٢) باب يغتسل المحرم على كل حال ولو كان امرأة حائضا، وإرداف الحائض</span>\n[١٠٧٨] عَن عَائِشَةَ قَالَت: نُفِسَت أَسمَاءُ بِنتُ عُمَيسٍ، بِمُحَمَّدِ بنِ\nــ\nوبقوله: ﴿وَلا تُبطِلُوا أَعمَالَكُم﴾ واعتذروا عن هذا الحديث بوجهين:\nأحدهما: ادعاء الخصوص بهذه المرأة.\nوثانيهما: أنهم حملوه على التحلل بالعمرة، فإنها أرادت أن تحج؛ كما جاء مفسرًا من رواية ابن المسيب، وهو: أن رسول الله - ﷺ - أمر ضباعة أن تشترط وتقول: (اللهم! الحج أردت، فإن تيسر، وإلا فعمرة) (١). وروي عن عائشة: أنها كانت تقول: (للحج خرجت، وله قصدت، فإن قضيته فهو الحج، وإن حال دونه شيء فهو (٢) العمرة) (٣). والله تعالى أعلم.\n(١٢) ومن باب: يغتسل المحرم ولو كان امرأة حائضًا\nقوله: (نفست أسماء)؛ أي: ولدت. وقد تقدم؛ أنه يقال: نفست المرأة في الحيض والولادة بالضم والفتح. كما حكاهما صاحب الأفعال، غير أن الضم في\n_________\n(١) رواه البيهقي (٥/ ٢٢٣).\n(٢) في (ظ): هي.\n(٣) رواه البيهقي (٥/ ٢٢٢).","vol":"3","page":296},{"text":"أَبِي بَكرٍ بِالشَّجَرَةِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- أَبَا بَكرٍ ﵁ يَأمُرُهَا أَن تَغتَسِلَ وَتُهِلَّ.\nرواه مسلم (١٢٠٩)، وأبو داود (١٨٣٤)، وابن ماجه (٢٩١١).\n[١٠٧٩] وَعَنهَا، أَنَّهَا قَالَت: خَرَجنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ- عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ.\nــ\nالولادة أكثر. والفتح في الحيض أكثر. وقيل: إنه لا يقال في الحيض إلا بالفتح، حكاه الحربي.\nو(الشجرة): شجرة كانت هناك بذي الحليفة، و(البيداء) طرف منها، وكأنها إنما نزلت هناك لتبعد عن الناس لأجل الولادة.\nوأمره - ﷺ - لها بأن تغتسل: إنما كان للإهلال، وهو الإحرام.\nوفي الحج أغسال هذا أوكدها، وهو سنة عند الجمهور. وقال بوجوبه عطاء، والحسن في أحد قوليه، وأهل الظاهر. والغسل الثاني لدخول مكة. ومن أصحابنا من اكتفى بهذا الغسل عن غسل الطواف، وقال: إنه شرع لأجل الطواف؛ لأنه أول مبدوء به عند الدخول. ومنهم من لم يكتف به، وقال: لا بدَّ من غسل الطواف، وإنما ذلك للدخول فقط. والغسل الثالث: للوقوف بعرفة. وهذه الأغسال كلها سنن مؤكدة. وقد أطلق مالك على جميعها الاستحباب، وأوكدها غسل الإحرام.\nوقول عائشة -﵂-: (خرجنا مع رسول الله - ﷺ - عام حجة الوداع)؛ سميت بذلك؛ لأنه - ﷺ - لما خطب الناس ودعهم فيها وقال: (لعلي لا أحج بعد عامي هذا)، وقال: (ألا هل بلغت؟) فقالوا: نعم. فقال: (اللهم! اشهد) (١). وكذلك كان، فإنه - ﷺ - وجازاه عنا خيرًا - توفي في ربيع الأول، في الثاني عشر منه - على أولى الأقوال وأشهرها - على رأس ثلاثة أشهر ونيف من موقفه ذلك. ولم يحج في الإسلام غير تلك الحجة، وحج فيها بجميع أزواجه ﷺ.\n_________\n(١) رواه البخاري (١٠٥)، ومسلم (١٦٧٩).","vol":"3","page":297},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: موافين لهلال ذي الحجة - فَأَهلَلنَا بِعُمرَةٍ، ثُمَّ قَالَ\nــ\nوقولها في الرواية الأخرى: (خرجنا موافين لهلال ذي الحجة)؛ أي: مطلين عليه ومشرفين. يقال: أوفى على ثنية كذا؛ أي: شارفها، وأطل عليها. ولا يلزم منه أن يكون دخل فيها. وقد دلَّ على صحة هذا: قولها في الرواية الأخرى: (خرجنا مع رسول الله - ﷺ - لخمس بقين من ذي القعدة، وكذلك كان. وقَدِم النبي - ﷺ - مكة لأربع أو خمس من ذي الحجة، فأقام النبي - ﷺ - في طريقه إلى مكة تسعة أيام، أو عشرة. والله تعالى أعلم.\nوقولها: (فأهللنا بعمرة)؛ يعني: أنها هي أهلت بعمرة مع غيرها من أزواج النبي - ﷺ -، أو تكون نون العظمة، وفيه بُعد، وقد أخبرت عن نفسها وحدها؛ إذ قالت: (فأهللت بعمرة)، و(كنت فيمن أهل بعمرة)؛ وهذا يعارضه قولها في الرواية الأخرى: (خرجنا مع رسول الله - ﷺ - مهلين بالحج)، وفي أخرى: (لا نرى إلا الحج).\nفاختلف العلماء في تأويل هذه الألفاظ المختلفة المضطربة؛ فمنهم من رجح الروايات التي فيها: أنها أهلَّت بالحج، وغلط من روى: أنها أهلَّت بعمرة، وإليه ذهب إسماعيل - أظنه ابن علية -، ومنهم من ذهب مذهب الجمع بين هذه الرِّوايات، وهو الأولى؛ إذ الرواة لتلك الألفاظ المختلفة أئمة ثقات مشاهير، ولا سبيل إلى إطلاق لفظ الغلط على بعضهم بالوهم. فالجمع أولى من الترجيح إذا أمكن.\nفمما ذكر في ذلك: أنها كانت أحرمت بالحج ولم تسق الهدي، فلما أمر النبي - ﷺ - من لم يسق الهدي بفسخ الحج في العمرة، فسخت فيمن فسخ، وجعلته عمرة، وأهلَّت بها، وهي التي حاضت فيها. ثم إنها لم تحل منها حتى حاضت، فأمرها النبي - ﷺ - أن تحرم بالحج، وتكون حينئذ مردفة، فأحرمت بالحج، ووقفت بعرفة وهي حائض، ثم إنها طهرت يوم النحر، فأفاضت، فلما كملت مناسك حجها اعتمرت عمرة أخرى مع أخيها من التنعيم. قال: فعن تلك العمرة التي دخلت فيها بعد الفسخ عبَّر بعض الرواة: بأنها أحرمت بعمرة، وعلى ذلك يحمل","vol":"3","page":298},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ-: مَن كَانَ مَعَهُ هَديٌ فَليُهِلل بِالحَجِّ مَعَ العُمرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنهُمَا جَمِيعًا. قَالَت:\nــ\nقولها: أهللت بعمرة؛ تعني بعد فسخها الحج، فلما كان منها الأمران صدق كل قول من أقوالها، وكل راو روى شيئًا من تلك الألفاظ.\nقلت: ويعتضد هذا التأويل بقولها في بعض رواياته: فأمر رسول الله - ﷺ - من لم يكن ساق الهدي أن يحل، قالت: فحل من لم يسق الهدي، ونساؤه لم يسقن الهدي؛ فأحللن. وهذا فيما يبدو تأويل حسن، غير أنه يبعده مساق قولها أيضًا في رواية أخرى قالت: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - فقال: (من أراد أن يهل بحج وعمرة فليهل، ومن أراد أن يهل بحج فليفعل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليفعل)؛ قالت: فأهل رسول الله - ﷺ - بحج، وكنت فيمن أهل بعمرة. وظاهره: الإخبار عن مبدأ الإحرام للكل. وعلى هذا فيمكن التأويل على وجه آخر؛ وهو أن يبقى هذا الحديث على ظاهره، ويتأوَّل قولها: (لبينا بالحج)؛ على أن ذلك كان إحرام أكثر الناس؛ لأنه لما أحرم النبي - ﷺ - بالحج اقتدى به أكثر الناس في ذلك، وأما هي فإنما أحرمت كما نصَّت عليه، وناهيك من قولها: (ولم أهل إلا بعمرة).\nوقولها: (خرجنا مع رسول الله - ﷺ -، ولا نرى إلا أنه الحج)؛ يمكن أن يقال: كان ذلك منها ومنهم قبل أن يخبرهم النبي - ﷺ - في أنواع الإحرام، ويبينها لهم.\nوقوله - ﷺ -: (من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة)؛ ظاهره: أنه أمرهم بالقران، فيكون قال لهم عند إحرامهم، ويحتمل أن يكون قال ذلك لمن قد كان أحرم بالعمرة، فيكون ذلك أمرًا بالإرداف.\nوقوله: (ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا)، هذا بيان حكم القارن، فإنه لا يحل إلا بفراغه من طواف الإفاضة، ويجزئه لهما عمل واحد عند الجمهور خلافًا لأبي حنيفة؛ إذ يقول: يعمل لهما عملين. وسيأتي قوله - ﷺ - لعائشة: (يسعك","vol":"3","page":299},{"text":"فَقَدِمتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ لَم أَطُف بِالبَيتِ وَلَا بَينَ الصَّفَا وَالمَروَةِ. فَشَكَوتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ- فَقَالَ: انقُضِي رَأسَكِ، وَامتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالحَجِّ، وَدَعِي العُمرَةَ\nــ\nطوافك لحجك وعمرتك) (١)، وهو نصٌّ في الرد عليه، وكذلك قولها: فأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة؛ فإنما طافوا طوافًا واحدًا.\nوقولها: (فقدمت مكة وأنا حائض)؛ كانت حاضت بسَرَف، كما قالت في الرواية الأخرى، وتمادى الحيض بها إلى يوم النحر، كما تقدَّم. وكونها لم تطف بالبيت؛ لاشتراط الطهارة في الطواف، ولا بالصفا والمروة؛ لأن مشروعيته أن يكون على إثر طواف، وإنما امتنعت من ذلك لقول النبي - ﷺ - كما جاء في الرواية الأخرى: (افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري) (٢).\nوقوله - ﷺ -: (انقضي رأسك، وامتشطي، ودعي العمرة)؛ ظاهر هذا: أنه أمرها بأن ترفض عمرتها، وتخرج منها قبل تمامها. وبهذا الظاهر قال الكوفيون في المرأة تحيض قبل الطواف، وتخشى فوت الحج: أنها ترفض العمرة. وقال الجمهور: إنها تردف الحج، وتكون قارنة. وبه قال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأبو ثور. وقد حمل هذا أصحابنا: على أنه - ﷺ - أمرها بالإرداف، لا بنقض العمرة؛ لأن الحج والعمرة لا يتأتى الخروج منهما شرعًا إلا بإتمامهما؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمرَةَ لِلَّهِ﴾ واعتذروا عن هذه الألفاظ بتأويلات:\nأحدها: أنها كانت مضطرة إلى ذلك، فرخص لها فيها كما رخص لكعب بن عجرة.\n_________\n(١) يأتي في الباب رقم (١٦).\n(٢) انظر التخريج السابق.","vol":"3","page":300},{"text":"- وَفِي رِوَايَةٍ وأمسكي عن العمرة - قَالَت: فَفَعَلتُ ذلك، فَلَمَّا قَضَينَا الحَجَّ أَرسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- مَعَ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ أَبِي بَكرٍ إِلَى التَّنعِيمِ فَاعتَمَرتُ. فَقَالَ: هَذِهِ مَكَانُ عُمرَتِكِ، فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالعُمرَةِ بِالبَيتِ\nــ\nوثانيها: أن ذلك خاص بها، ولذلك قال مالك: حديث عروة عن عائشة ليس عليه العمل عندنا، قديمًا ولا حديثًا.\nوثالثها: أن المراد بالنقض والامتشاط: تسريح الشعر لغسل الإهلال بالحج، ولعلها كانت لبَّدت، ولا يتأتى إيصال الماء إلى البشرة مع التلبيد إلا بحل الضفرة وتسريح الشعر. ويتأيد بما في حديث جابر: أنه - ﷺ - قال لها: (فاغتسلي، ثم أهلي بالحج) (١). وقد تركنا من التأويلات ما فيه بُعد، واكتفينا بما ذكرناه؛ لأنه أوفقها، والله تعالى أعلم.\nفأما قوله: (ودعي العمرة)؛ فمحمول على ترك عملها، لا على رفضها، والخروج منها؛ بدليل قوله في الرواية الأخرى: (وأمسكي) مكان (ودعي)، وهو ظاهر في استدامتها حكم العمرة التي أحرمت بها، وبدليل قوله - ﷺ -: (يسعك طوافك لحجك وعمرتك)؛ وهذا نصٌّ على أن حكم عمرتها باق عليها.\nوقولها: (فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله - ﷺ - مع عبد الرحمن إلى التنعيم فاعتمرت)؛ هذا إنما كان بعد أن رغبت في أن تحرم بعمرة مفرقة (٢) بعد فراغها من حجتها وعمرتها المقرونتين، بدليل قولها في الرواية الأخرى: (يرجع الناس بحجة وعمرة وأرجع بحجة)؛ تعني المتمتعين من الناس، وكما قالت في الرواية الأخرى: (فأهللت منها بعمرة جزاءً بعمرة الناس التي اعتمروا).\nوقوله عند فراغ هذه العمرة: (هذه مكان عمرتك)؛ إنما قال لها هذا: لأنها\n_________\n(١) يأتي في حجة النبي - ﷺ -، باب رقم (١٧).\n(٢) في (هـ): مفردة.","vol":"3","page":301},{"text":"وَبِالصَّفَا وَالمَروَةِ ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعدَ أَن رَجَعُوا مِن مِنًى لِحَجِّهِم. وَأَمَّا الَّذِينَ كَانُوا جَمَعُوا الحَجَّ وَالعُمرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا.\nوفي طريق آخر: قالت: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - حجة الوداع، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج.\nوَفِي رِوَايَةٍ: فَأَهلَلَتُ بِعُمرَةٍ، ولم أكن سقت الهدي حتى قدمنا مكة، فقال رسول الله - ﷺ -: مَن أَحرَمَ بِعُمرَةٍ وَلَم يُهدِ فَليَحلِل، وَمَن أَحرَمَ بِعُمرَةٍ وَأَهدَى فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَنحَرَ هَديَهُ؛ وَمَن أَهَلَّ بِحَجٍّ فَليُتِمَّ حَجَّهُ. قَالَت\nــ\nلم تطب نفسها بالعمرة التي أردفت عليها؛ لأنها طافت طوافًا واحدًا، وسعت سعيًا واحدًا. كما جاء عنها من حديث جابر: أنها قالت: يا رسول الله! إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت. فقال لعبد الرحمن: أعمرها من التنعيم، فلما فرغت منها، قال لها هذه المقالة تطييبًا لقلبها؛ ألا ترى أنه قد حكم بصحة العمرة المردف عليها؟ ! وعلى هذا فلا يكون فيه حجة لمن يقول: إنها رفضت العمرة المتقدمة، وهذه قضاء لتلك المرفوضة، لما قررناه. فتدبره.\nوأنصّ ما يدلّ على صحة ما قلناه قولها: (وأمرني أن أعتمر من التنعيم مكان عمرتي التي أدركني الحج ولم أحلل منها).\nوقوله: (ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يحل حتى ينحر هديه)؛ يعني: أنه لا يحلق حتى ينحر الهدي؛ كما قال تعالى: ﴿وَلا تَحلِقُوا رُءُوسَكُم حَتَّى يَبلُغَ الهَديُ مَحِلَّهُ﴾ وكذلك فعل النبي - ﷺ - في حجته: نحر، ثم حلق، وقال: (أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن ننحر، ثم نحلق، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا) (١)، وستأتي الرخصة في تقديم بعض هذه الأشياء على بعض.\nوقوله: (ومن أهل بحج فليتم حجه)؛ هذا - والله أعلم - قاله لهم قبل أن\n_________\n(١) رواه البخاري (٩٦٨)، والنسائي (٣/ ١٨٢) من حديث البراء.","vol":"3","page":302},{"text":"عَائِشَةُ: فَحِضتُ فَلَم أَزَل حَائِضًا حَتَّى كَانَ يَومُ عَرَفَةَ، وَلَم أُهلِل إِلَّا بِعُمرَةٍ، فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- أَن أَنقُضَ رَأسِي وَأَمتَشِطَ وَأُهِلَّ بِالحَجٍّ، وَأَترُكَ العُمرَةَ. قَالَت: فَفَعَلتُ ذَلِكَ حَتَّى إِذَا قَضَيتُ حَجَّتِي بَعَثَ مَعِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ أَبِي بَكرٍ، وَأَمَرَنِي أَن أَعتَمِرَ مِن التَّنعِيمِ مَكَانَ عُمرَتِي الَّتِي أَدرَكَنِي الحَجُّ، وَلَم أَحلِل مِنهَا.\nوَفِي رِوَايَةٍ: فَقَضَى اللَّهُ حَجَّنَا وَعُمرَتَنَا، وَلَم يَكُن فِي ذَلِكَ هَديٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا صَومٌ.\nــ\nرخص لمن لم يسق الهدي بالتحلل، ثم بعد ذلك رخص فيه على ما يأتي، أو يكون هذا الخطاب متوجها لمن ساق الهدي.\nوقولها: (فحضت، فلم أزل حائضًا حتى كان يوم عرفة)؛ مخالف لقولها في الرواية الأخرى: (فلما كان يوم النحر طهرت). ووجه التلفيق: أن يحمل على أنه تقارب انقطاع الدم عنها يوم عرفة. ورأت علامة الطهر يوم النحر، والله تعالى أعلم.\nوقولها: (فقضى الله حجنا وعمرتنا، ولم يكن في ذلك هدي، ولا صدقة، ولا صوم)؛ هذا الكلام مشكل على من يقول: إنها كانت معتمرة، أو قارنة؛ لأنها إن كانت معتمرة فقد استباحت مشط رأسها، وإلقاء القمل؛ إن تنزلنا على تأويل من قال: إنها كان بها أذى، وإنها رُخِّص لها كما رُخِّص لكعب بن عجرة، فكانت تلزم الفدية كما نصَّ الله على ذلك. وأما إن كانت قارنة فليلزمها الهدي للقران عند جماعة العلماء إلا داود فإنه لا يرى في القران هديًا.\nوقد أشكل هذا على أصحابنا حتى قال القاضي أبو الفضل عياض: لم تكن معتمرة ولا قارنة، وإنما كانت أحرمت بالحج، ثم نوت فسخه في عمرة، فلما حاضت ولم يتم لها ذلك رجعت","vol":"3","page":303},{"text":"رواه البخاري (١٥٥٦)، ومسلم (١٢١١) (١١٢ و١١٣ و١١٥)، وأبو داود (١٧٨١)، والنسائي (٥/ ٢٢٥ و٢٢٦)، وابن ماجه (٢٩٧٤).\n* * *\nــ\nإلى حجها، فلما أكملت حجها اعتمرت عمرة مبتدأة، فلم تكن متمتعة، فلم يجب عليها هدي.\nقلت: وكأن القاضي -﵀- لم يسمع قولها: (وكنت فيمن أهل بعمرة)، وقولها: (ولم أهل إلا بعمرة). ولا قوله - ﷺ - لها: (يسعك طوافك لحجك وعمرتك).\nقلت: وهذا الكلام المشكل يهون إشكاله: أنه قد رواه وكيع موقوفًا على هشام بن عروة وأبيه فقال: قال عروة: إنه قضى الله حجها وعمرتها. قال هشام: ولم يكن في ذلك هدي، ولا صيام، ولا صدقة (١). وإذا كان الأمر كذلك سهل الانفصال؛ بأن يقال: إن عروة وهشامًا لما لم يبلغهما في ذلك شيء أخبرا عن نفي ذلك في علمهما، ولا يلزم من ذلك انتفاء ذلك الأمر في نفسه، فلعل النبي - ﷺ - أهدى عنها، ولم يبلغهما ذلك، وهذا التأويل أيضًا منقدح على تقدير: أن يكون هذا الكلام من قول عائشة. ويؤيده قول جابر: أن النبي - ﷺ - أهدى عن عائشة بقرة على ما يأتي (٢) إن شاء الله تعالى.\nويحتمل أن يكون معنى قولهم: (لم يكن في ذلك هدي، ولا صوم، ولا صدقة)؛ أي: لم يأمرها بذلك، ولم يكلفها شيئًا من ذلك؛ لأنه نوى أن يقوم به عنها، كما قد فعل على ما رواه جابر وغيره، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) انظر كلام هشام في صحيح مسلم (١٢١١) (١١٧).\n(٢) انظر الحديث رقم (١٠٨٠) في التلخيص.","vol":"3","page":304},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-402>(١٣) باب تفعل الحائض والنفساء جميع المناسك إلا الطواف بالبيت</span>\n[١٠٨٠] عَن عَائِشَةَ قَالَت: خَرَجنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ- لَا نَذكُرُ إِلَّا الحَجَّ.\n- وفي أخرى: لبينا بالحج - حَتَّى جِئنَا سَرِفَ فَطَمِثتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- وَأَنَا أَبكِي فَقَالَ: مَا يُبكِيكِ؟ فَقُلتُ: وَاللَّهِ لَوَدِدتُ أَنِّي لَم أَكُن خَرَجتُ العَامَ قَالَ: مَا لك لَعَلَّكِ نَفِستِ؟ قُلتُ: نَعَم. قَالَ: هَذَا شَيءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، افعَلِي مَا يَفعَلُ الحَاجُّ غَيرَ أَن لَا تَطُوفِي بِالبَيتِ حَتَّى تَطهُرِي.\nــ\n(١٣) ومن باب: تفعل الحائض المناسك كلها إلا الطواف\nقولها: (لا نذكر إلا الحج)، و(لبينا بالحج)، قد تقدم: أن هذا إخبار منها عن غالب أحوال الناس، أو عن أحوال (١) أزواج النبي - ﷺ -، فأما هي، فقد قالت: إنها لم تهل إلا بعمرة.\nو(طمثت): حاضت، ويقال: بفتح الميم وكسرها.\nوقوله - ﷺ -: (هذا شيء كتبه الله على بنات آدم)؛ يعني: الحيض. وكتبه عليهن؛ أي: جبلهن عليه، وثبته عليهن. وهو تأنيس لها، وتسلية، وهو دليل على ميله لها، وحُنُوهِ عليها. وكم بين من يؤنَّس ويُستَرضَى، وبين من يقال له: (عقرى حَلقى) (٢)؟ ! .\nوقوله: (غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري)؛ هذا يدل على اشتراط\n_________\n(١) في (هـ): حال.\n(٢) هذا الكلام \"عقرى، حلقى\" ليس المراد منه الدعاء بالحقر والحلق. وإنما هو كلام =","vol":"3","page":305},{"text":"قَالَت: فَلَمَّا قَدِمتُ مَكَّةَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ-: لِأَصحَابِهِ: اجعَلُوهَا عُمرَةً، فَأَحَلَّ النَّاسُ إِلَّا مَن كَانَ مَعَهُ الهَديُ، قَالَت: فَكَانَ الهَديُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ- وَأَبِي بَكرٍ، وَعُمَرَ وَذَوِي اليَسَارَةِ، ثُمَّ أَهَلُّوا حِينَ رَاحُوا، قَالَت: فَلَمَّا كَانَ يَومُ النَّحرِ طَهَرتُ. فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- فَأَفَضتُ. قَالَت: فَأُتِيَنَا بِلَحمِ بَقَرٍ\nــ\nالطهارة في الطواف. وهو مذهب الجمهور. فلا يجوز عندهم طواف المحدث. وصححه أبو حنيفة، وأحمد في أحد قوليه، ورأيا عليه الدَّم، واعتذرا عن الحديث: بأنه إنما أمرها باجتناب الطواف لأجل المسجد، وليس بصحيح؛ لأنه لو أراد ذلك لقال لها: لا تدخلي المسجد. ولما قال لها: لا تطوفي بالبيت، كان ذلك دليلًا على منع الطواف لنفسه. ويدل على ذلك أيضًا: ما خرَّجه النسائي، والترمذي عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: (الطواف بالبيت صلاة) (١).\nوإذا جعله الشرع صلاة اشترط فيه الطهارة؛ كما اشترطها فيها؛ إذ قد قال - ﷺ -: (لا تقبل صلاة بغير طهور) (٢)، والله تعالى أعلم.\nوقوله - ﷺ - لأصحابه: (اجعلوها عمرة)؛ إنما قال هذا لمن أحرم بالحج ولم يسق الهدي على ما يأتي.\nوقولها: (فحل الناس)؛ أي: من لم يكن معه هدي.\nوقولها: (ثم أهلوا\n_________\n= يجري على لسان العرب، من غير إرادة حقيقته.\nقال ابن حجر: وليس فيه دليلٌ على اتِّضاع قدْر صفيّة عنده - ﷺ -، لكن اختلف الكلام باختلاف المقام، فعائشة دخل عليها وير تبكي أسفًا على ما فاتها من النسك، فسلَّاها بذلك، وصفية أراد منها ما يريد الرجل من أهله، فأبدت المانع، فناسب كُلًّا منهما ما خاطبها به في تلك الحالة. انظر: فتح الباري (٣/ ٥٨٩ - ٥٩٠).\n(١) رواه الترمذي (٩٦٠)، والنسائي (٥/ ٢٢٢).\n(٢) رواه أحمد (٢/ ١٩ و٢٠)، ومسلم (٢٢٤)، والترمذي (١)، وابن ماجه (٢٧٢).","vol":"3","page":306},{"text":"فَقُلتُ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: أَهدَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- عَن نِسَائِهِ البَقَرَ.\n_ وَفِي رِوَايَةٍ: فقيل: ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- عن أزواجه - فَلَمَّا كَانَت لَيلَةُ الحَصبَةِ قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! يَرجِعُ النَّاسُ بِحَجَّةٍ وَعُمرَةٍ وَأَرجِعُ بِحَجَّةٍ؟ !\nــ\nحين راحوا)؛ تعني: من حل منهم عند فراغه من العمرة أهل عند خروجه إلى منى بالحج.\nوقولها: (أهدى رسول الله - ﷺ - عن نسائه البقر)؛ يدلّ على أن البقر مما يُهدَى، وعلى أنه يجوز أن يهدي الرجل عن غيره وإن لم يُعلِمُهُ، ولا أذن له. وكان هذا الهدي - والله أعلم - عنهن تطوّعًا عمن لم يجب عليها هدي، وقيامًا بالواجب عمن وجب عليها منهن هدي؛ كما قررناه في حديث عائشة، والله تعالى أعلم.\nوقولها: (فلما كانت ليلة الحَصبة) - بسكون الصاد -، وهي: الليلة التي ينزل الناس فيها المحصَّب عند انصرافهم من منى إلى مكة. والتحصيب: إقامتهم بالمحصَّب، وهو الشِّعبُ الذي مخرجه إلى الأبطح، وهو منزل النبي - ﷺ - حين انصرف من حجته، وهو خيف بني كنانة؛ الذي تقاسمت فيه في الصحيفة التي كتبوها بمقاطعة بني هاشم، وهو بين مكة ومنى، وربما يسمَّى: الأبطح، والبطحاء: لقربه منه. ونزوله بعد النفر من منى، والإقامة به إلى أن يصلي الظهر والعصر والعشاءين ويخرج منه ليلًا سُنَّة عند مالك، والشافعي، وبعض السَّلف؛ اقتداءً بالنبي - ﷺ -، ولم يره بعضهم، وسيأتي إن شاء الله تعالى.\nوأمره - ﷺ - لعبد الرحمن أن يُعمِر عائشة من التنعيم؛ دليلٌ على أن العمرة فيها الجمع بين الحل والحرم، وهو قول الجمهور. وقال قوم: إنه يتعين الإحرام بها من التنعيم خاصَّة، وهو ميقات المعتمرين من مكة أخذًا بظاهر هذا الحديث.\nواختلف الجمهور فيمن أحرم بالعمرة من مكة، ولم يخرج إلى الحل، فقال عطاء: لا شيء عليه. وقال أصحاب الرأي، وأبو ثور، والشافعي في أحد قوليه: عليه","vol":"3","page":307},{"text":"قَالَت: فَأَمَرَ عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ أَبِي بَكرٍ فَأَردَفَنِي عَلَى جَمَلِهِ. قَالَت: فَإِنِّي لَأَذكُرُ وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ أَنعَسُ فَيُصِيبُ وَجهِي مُؤخِرَةَ الرَّحلِ، حَتَّى جِئنَا إِلَى التَّنعِيمِ، فَأَهلَلتُ مِنهَا بِعُمرَةٍ جَزَاءً بِعُمرَةِ النَّاسِ الَّتِي اعتَمَرُوا.\nرواه أحمد (٦/ ٢٧٣)، والبخاري (٢٩٤)، ومسلم (١٢١١) (١٢٠ و١٢١ و١٢٥)، وأبو داود (١٧٨٢)، وابن ماجه (٢٩٦٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-403>(١٤) باب أنواع الإحرام ثلاثة</span>\n[١٠٨١] عَن عَائِشَةَ قَالَت: خَرَجنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ- فَقَالَ: مَن أَرَادَ مِنكُم أَن يُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمرَةٍ فَليَفعَل، وَمَن أَرَادَ أَن يُهِلَّ بِحَجٍّ فَليُهِلَّ، وَمَن أَرَادَ أَن يُهِلَّ بِعُمرَةٍ فَليُهِلَّ. قَالَت عَائِشَةُ: فَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- بِحَجٍّ، وَأَهَلَّ\nــ\nالدَّم. وكأنه جاوز الميقات. وقال مالك والشافعي أيضًا: لا يجزئه، ويخر إلى الحل.\n(١٤) ومن باب: أنواع الإحرام\nقوله - ﷺ -: (من أراد أن يهل بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل)؛ هذا يقضي: بأن أنواع الإحرام ثلاثة، وأن المكلف مخير في أيها أحب؛ وإنما خلاف العلماء في الأفضل من تلك الأنواع:\nفذهب مالك وأبو ثور: إلى أن إفراد الحج أفضل، وهو أحد قولي الشافعي.\nوقال أبو حنيفة، والثوري: القران أفضل.","vol":"3","page":308},{"text":"بِهِ نَاسٌ مَعَهُ، وَأَهَلَّ نَاسٌ بِالعُمرَةِ وَالحَجِّ، وَأَهَلَّ نَاسٌ بِعُمرَةٍ، وَكُنتُ فِيمَن أَهَلَّ بِالعُمرَةِ.\nرواه البخاري (٣١٧)، ومسلم (١٢١١) (١١٤)، والنسائي (٥/ ١٤٥ - ١٤٦)، وابن ماجه (٣٠٠٠).\nــ\nوقال أحمد، وإسحاق، والشافعي - في القول الآخر -، وأهل الظاهر: إن التمتع أفضل.\nوسبب اختلافهم: اختلاف الروايات في إحرام النبي - ﷺ -، فروت عائشة، وجابر بن عبد الله، وأبو موسى، وابن عمر ﵃: أنه - ﷺ - أحرم بالحج. وروى أنس، وعمران بن حصين، والبراء بن عازب، وعمر بن الخطاب ﵃: أنه قرن الحج والعمرة. وروى ابن عمر: أنه تمتع.\nفلما تعارضت هذه الروايات الصحيحة؛ صار كل فريق إلى ما هو الأرجح عنده، فما اعتضد به لمالك: أن عائشة أعلم بدُخلَة (١) أمر رسول الله - ﷺ - من غيرها؛ لملازمتها له، ولبحثها وجدها في طلب ذلك. وكذلك جابر: هو أحفظ الناس لحديث حجته - ﷺ -، ولأن الإفراد سلم عما يجبر بالدم؛ فخلاف التمتع والقران؛ إذ كل واحد منهما يجبر ما يقع فيهما من النقص بالدم. ومما اعتضد به لمن قال: إن (٢) القران أفضل: أن أنسًا خادم رسول الله - ﷺ - عنده من تحقيق ذلك ما ليس عند غيره؛ إذ قد نقل لفظ النبي - ﷺ - في ذلك، فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (لبيك عمرة وحجًّا) (٣). وفي حديث البراء الذي خرجه النسائي: أن النبي - ﷺ - قال لعلي\n_________\n(١) في اللسان: دخلة أمره: بطانته الداخلة. ويقال: إنه عالم بدخلة أمره.\n(٢) من (هـ).\n(٣) رواه مسلم (١٢٣٢)، وأبو داود (١٧٩٥)، والترمذي (٨٢١)، وابن ماجه (٢٩٦٨ و٢٩٦٩).","vol":"3","page":309},{"text":"[١٠٨٢] وعنها، قَالَت: مِنَّا مَن أَهَلَّ بالحج مفردا، ومنا من قرن، ومنا من تمتع.\nــ\n﵁ - حين سأله عن إحرامه، فقال له: (كيف صنعت؟) فقال: أهللت بإهلالك، فقال - ﷺ -: (إني سقت الهدي وقرنت) (١)؛ وهذا نصٌّ رافع للإشكال. وفي البخاري عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله - ﷺ - بوادي العقيق يقول: (أتاني الليلة آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة) (٢).\nوأما رواية ابن عمر في التمتع فلا يعوَّل عليها لوجهين:\nأحدهما: أنه قد اضطرب قوله: فروى بكر بن عبد الله عنه: أنه قال: لبى رسول الله - ﷺ - بالحج وحده.\nوثانيهما: أن الرواية التي قال فيها ابن عمر: تمتع رسول الله - ﷺ - بالعمرة إلى الحج (٣)، قال في أثنائها ما يدل على أنه سمى الإرداف تمتعًا. وسيأتي تحقيق ذلك. والذي يظهر لي: أن روايات القران أرجح؛ لأن رواتها نقلوا ألفاظ رسول الله - ﷺ - وإخباره عن نفسه وعن نيته، وغيرهم ليس كذلك، ولأن رواية القران يتأتى الجمع بينها وبين رواية الإفراد: بأن يقال: إن النبي - ﷺ - كان مردفًا، فيمكن أن يقال: إن مَن روى: أنه أفرد؛ إنما سمع إحرامه بالحج، ولم يسمع إردافه بالعمرة. ومن روى: أنه قرن، حقق الأمرين فنقلهما، والله أعلم.\nوقد استهول بعض القاصرين هذا الخلاف الواقع في إحرامه - ﷺ -، وقدره\n_________\n(١) رواه النسائي (٥/ ١٤٩).\n(٢) رواه البخاري (١٥٣٤).\n(٣) رواه البخاري (١٦٩١)، ومسلم (١٢٢٧)، وأبو داود (١٨٠٥)، والنسائي (٥/ ١٥١ و١٥٢).","vol":"3","page":310},{"text":"رواه البخاري (١٥٦٢)، ومسلم (١٢١١) (١٢٤)، وأبو داود (١٧٧٩).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-404>(١٥) باب ما جاء في فسخ الحج في العمرة وأن ذلك كان خاصا بهم</span>\n[١٠٨٣] عَن عَائِشَةَ قَالَت: خَرَجنَا مع رَسُول اللَّهِ - ﷺ- مهِلِّينَ بِالحَجِّ فِي أَشهُرِ الحَجِّ، وَفِي حُرُمِ الحَجِّ وَلَيَالِي الحَجِّ، حَتَّى نَزَلنَا بِسَرِفَ، فَخَرَجَ\nــ\nمطعنًا على الشريعة زاعمًا: أن العادة قاضية بتواتره، فلا يختلف فيه، ولم يوجد ذلك إلا بالآحاد، فيقطع بكذبها. وهذا لا يلتفت إليه. وإن ما تقتضي العادة تواتره تواتر وعلم، وهو: أنه - ﷺ - حج وأحرم من ذي الحليفة، وأنه تمادى في إحرامه إلى أن أكمل مناسك حجه، وحل من إحرامه عند طواف الإفاضة. وهذا كله معلوم بالنقل المتواتر الذي اشترك الجفلى (١) فيه؛ لأنه هو المحسوس لهم. وأما إحرامه فليس من الأمور التي يجب تواترها؛ لأنه راجع إلى نيته، ولا يطلع عليها إلا بالإخبار عنها، أو بالنظر في الأحوال التي تدل عليها.\nولما كان ذلك؛ فمنهم من نقل لفظه؛ لأنه سمعه منه في وقت ما، ومنهم من حدس وسبر؛ فأخبر عما وقع له، وحصل في ظنه. ولذلك قلنا: إن رواية من روى القران أولى، والله أعلم.\n(١٥) ومن باب: ما جاء في فسخ الحج في العمرة\nقول عائشة -﵂-: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في أشهر الحج، وفي حرم الحج، وليالي الحج)؛ لم يختلف في أن أول أشهر الحج شوال، واختلف\n_________\n(١) \"الجفلى\": الجماعة.","vol":"3","page":311},{"text":"إِلَى أَصحَابِهِ فَقَالَ: مَن لَم يَكُن مَعَهُ مِنكُم هَديٌ فَأَحَبَّ أَن يَجعَلَهَا عُمرَةً فَليَفعَل، وَمَن كَانَ مَعَهُ هَديٌ فَلَا. فَمِنهُم الآخِذُ بِهَا، وَالتَّارِكُ لَهَا مِمَّن لَم يَكُن\nــ\nفي آخرها: فقال مالك: آخرها آخر ذي الحجة، وبه قال ابن عباس، وابن عمر. وذهب عامة العلماء: إلى أن آخرها عاشر ذي الحجة، وبه قال مالك أيضًا. وروي عن ابن عباس وابن عمر مثله. وقال الشافعي: شهران وتسعة أيام من ذي الحجة. وروي عن مالك: آخر ذلك أيام التشريق.\nوسبب الخلاف: هل يعتبر مسمَّى الأشهر - وهي ثلاثة - أو يعتبر الزمان الذي يفرغ فيه عمل الحج - وهو أيام التشريق - أو معظم أركان الحج - وهو يوم عرفة - أو يوم النحر؛ وهو اليوم الذي يتأتى فيه إيقاع طواف الإفاضة. وأبعدها قول مَن قال: التاسع.\nوفائدة هذا الخلاف تعلق الدَّم بمن أخر طواف الإفاضة عن الزمان الذي هو عنده آخر الأشهر. وبسط الفروع في كتب الفقه.\nو(حرم الحج): أزمان شهوره. و(ليالي الحج): ليالي أيام شهوره. وكررت ذلك تفخيمًا وتعظيمًا، ولذلك أتت بالظاهر مكان المضمر، وصار هذا كقولهم:\nلا أرى الموتَ يسبقُ الموتَ شيءٌ ... نغَّصَ الموتُ ذا الغِنى والفقيرا (١)\nوقوله: (فمن أحب أن يجعلها عمرة فليفعل)؛ ظاهره التخيير، ولذلك كان منهم الآخذ، ومنهم التارك. لكن بعد هذا ظهر منه - ﷺ - عزم على الأخذ بفسخ الحج في العمرة لما غضب ودخل على عائشة، فقالت له: من أغضبك أغضبه الله. فقال: (أو ما شعرت أني أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون). وعند هذا أخذ في ذلك كل من أحرم بالحج، ولم يكن ساق هديًا، وقالوا: فحللنا، وسمعنا، وأطعنا.\n_________\n(١) البيت لعدي بن زيد، وقيل: لسوادة بن زيد بن عدي.","vol":"3","page":312},{"text":"مَعَهُ هَديٌ، فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- فَكَانَ مَعَهُ الهَديُ، وَمَعَ رِجَالٍ مِن أَصحَابِهِ لَهُم قُوَّةٌ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- وَأَنَا أَبكِي، فَقَالَ: مَا يُبكِيكِ؟ قُلتُ: سَمِعتُ كَلَامَكَ مَعَ أَصحَابِكَ فَسَمِعتُ بِالعُمرَةِ. قَالَ: وَمَا لَكِ؟ قُلتُ: لَا أُصَلِّي، قَالَ: فَلَا يَضُرُّكِ فَكُونِي فِي حَجِّكِ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَرزُقَكِيهَا، وَإِنَّمَا أَنتِ مِن بَنَاتِ آدَمَ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيكِ مَا كَتَبَ عَلَيهِنَّ. قَالَت: فَخَرَجتُ فِي\nــ\nوكان هذا التردد منهم: لأنهم ما كانوا يرون العمرة جائزة في أشهر الحج، وكانوا يقولون: إن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور. فبيَّن جواز ذلك لهم النبي - ﷺ - بقوله عند الإحرام بلفظ الإباحة، ثم إنه لما رأى أكثر الناس قد أحرم بالحج مجتنبًا للعمرة أمرهم بالتحلل بالعمرة عند قدومهم مكة، تأنيسًا لهم، فلما رأى استمرارهم على ذلك عزم عليهم في ذلك، فامتثلوا، فتبين بقوله، ويحملهم على ذلك الفعل: أن بالعمرة في أشهر الحج جائز، ولما كان ذلك التحلل لذلك المعنى فهم الصحابة أن ذلك مخصوص بهم، ولا يجوز لغيرهم ممن أحرم بالحج أن يحل بعمل العمرة، ولقول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمرَةَ لِلَّهِ﴾ كما قال عمر ﵁: إن القرآن نزل منازل فأتموا الحج والعمرة كما أمركم الله. ولذلك قال أبو ذر: كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد خاصة؛ يعني بذلك: تمتعهم بتحللهم من حجهم بعمل العمرة. وقد ذهب بعض أهل الظاهر: إلى أن ذلك يجوز لآخر الدَّهر. والصحيح الأول؛ لما سبق.\nوقولها: (فسمعت بالعمرة)؛ كذا لجمهور رواة مسلم. وفي كتاب ابن سعيد: (فمنعت العمرة)، وهو الصواب.\nوقوله: (فعسى الله أن يرزقكيها)؛ أي: العمرة التي أردفت عليها الحجة، ولم تفرغ من عملها، فرجا النبي - ﷺ - أن يحرز الله لها أجر عمرتها وإن لم تعمل لها عملًا خاصًّا، كما قال لها: (يسعك طوافك لحجك وعمرتك).","vol":"3","page":313},{"text":"حَجَّتِي حَتَّى نَزَلنَا مِنًى فَتَطَهَّرتُ، ثُمَّ طُفنَا بِالبَيتِ، وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- المُحَصَّبَ، فَدَعَا عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ أَبِي بَكرٍ، فَقَالَ: اخرُج بِأُختِكَ مِن الحَرَمِ فَلتُهِلَّ بِعُمرَةٍ، ثُمَّ لِتَطُف بِالبَيتِ، فَإِنِّي أَنتَظِرُكُمَا هَاهُنَا. قَالَت: فَخَرَجنَا فَأَهلَلتُ، ثُمَّ طُفتُ بِالبَيتِ وَبِالصَّفَا وَالمَروَةِ، فَجِئنَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- وَهُوَ فِي مَنزِلِهِ مِن جَوفِ اللَّيلِ، فَقَالَ: هَل فَرَغتِ؟ قُلتُ: نَعَم. فَأذَنَ فِي أَصحَابِهِ بِالرَّحِيلِ، فَخَرَجَ فَمَرَّ بِالبَيتِ، فَطَافَ بِهِ قَبلَ صَلَاةِ الصُّبحِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى المَدِينَةِ.\nرواه البخاري (١٥٦٠)، ومسلم (١٢١١) (١٢٣).\n[١٠٨٤] وعَنها قَالَت: خَرَجنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَلَا نَرَى إِلَّا أَنَّهُ الحَجُّ، فَلَمَّا قَدِمنَا مَكَّةَ تَطَوَّفنَا بِالبَيتِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَن لَم يَكُن سَاقَ\nــ\nوقولها: (حتى نزلت منى، فتطهرت) يوم النَّحر، كما قالت فيما تقدَّم.\nوقولها: (فطفنا بالبيت)؛ تعني: طواف الإفاضة.\nوقولها: (فخرج فمرَّ بالبيت فطاف به قبل صلاة الصبح، ثم خرج إلى المدينة)؛ تعني به طواف الوداع.\nولا خلاف في أنه مستحب مرغَّب فيه مأمور به، غير أن أبا حنيفة يوجبه. ومن سننه: أن يكون آخر عمل الحاج، ويكون سفره بأثره؛ حتى يكون آخر عهده بالبيت؛ وهذا قول جمهور العلماء.\nلكن رخص مالك في شراء بعض جهازه وطعامه بعد طوافه. وقاله الشافعي؛ إذا اشترى ذلك في طريقه. وإقامة يوم وليلة بعده طولٌ عند مالك. وقيل: ليس بطول. وأجاز أبو حنيفة إقامته بعده ما شاء. وغيرهم لا يجيز الإقامة بعده لا قليلًا ولا كثيرًا.\nوقولها: (خرجنا مع رسول الله - ﷺ - ولا نرى إلا أنه الحج)؛ أي: نظن، وكان هذا قبل أن يعلمهم بأحكام الإحرام وأنواعه.\nوقولها: (فلما قدمنا مكة تطوفنا بالبيت)؛ تعني بذلك: النبي - ﷺ - والناس","vol":"3","page":314},{"text":"الهَديَ أَن يَحِلَّ قَالَت: فَحَلَّ مَن لَم يَكُن سَاقَ الهَديَ وَنِسَاؤُهُ لَم يَسُقنَ الهَديَ فَأَحلَلنَ قَالَت عَائِشَةُ: فَحِضتُ فَلَم أَطُف بِالبَيتِ فَلَمَّا كَانَت لَيلَةُ الحَصبَةِ قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! يَرجِعُ النَّاسُ بِعُمرَةٍ وَحَجَّةٍ وَأَرجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ قَالَ: أَو مَا كُنتِ طُفتِ لَيَالِيَ قَدِمنَا مَكَّةَ؟ قَالَت: قُلتُ: لَا قَالَ: فَاذهَبِي مَعَ أَخِيكِ إِلَى التَّنعِيمِ فَأَهِلِّي بِعُمرَةٍ، ثُمَّ مَوعِدُكِ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا، قَالَت صَفِيَّةُ: مَا أُرَانِي إِلَّا حَابِسَتَكُم قَالَ: عَقرَى حَلقَى أَو مَا كُنتِ طُفتِ يَومَ النَّحرِ؟ قَالَت: بَلَى قَالَ: لَا بَأسَ انفِرِي. قَالَت عَائِشَةُ: فَلَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ مُصعِدٌ مِن مَكَّةَ وَأَنَا مُنهَبِطَةٌ عَلَيهَا، أَو أَنَا مُصعِدَةٌ وَهُوَ مُنهَبِطٌ مِنهَا.\nــ\nغيرها؛ لأنها لم تطف بالبيت ذلك الوقت لأجل حيضتها. وعلى هذا المعنى يحمل قولها: (لبينا بالحج)، فإنها تريد به غيرها، وأما هي فلبت بعمرة كما تقدَّم.\nوأما قول صفية: (ما أراني إلا حابستكم)؛ ظنت أنها لا بدَّ لها من طواف الوداع، وأنها لا تطوف حتى تطهر، ومن ضرورة ذلك أن يحتبس عليها، فلما سمعها النبي - ﷺ - ظنَّ أنها لم تطف طواف الإفاضة، فأجابها بما يدلُّ على استثقاله احتباسه بسببها، فقال: (عقرى، حلقى) الرواية فيه بغير تنوين، بألف التأنيث المقصورة.\nقال القاضي: يقال للمرأة: (عقرى حلقى)؛ أي: مشوَّهة مؤذية. وقيل: تعقرهم وتحلقهم. وقيل: عقرى: ذات عقر.\nو(حلقى): أصابها وجع الحلق. وقيل: هي كلمة تقولها اليهود للحائض. وقال أبو عبيد: صوابه: عقرًا، حلقًا - بالتنوين - لأن معناه: عقرها الله عقرًا. وهذا على مذهبهم - أعني: العرب - فيما يجري على ألسنتهم؛ مما ظاهره الدعاء بالمكروه، ولا يقصدونه، على ما تقدَّم في الطهارة.\nوقوله: (لا بأس، انفري) دليل على: أن طواف الوداع ليس بواجب، ولا يجب بتركه دم.","vol":"3","page":315},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَت: خَرَجنَا مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - نلبي نذكر حجا ولا عمرة وساق الحديث.\nرواه مسلم (١٢١١) (١٢٨ و١٢٩).\n[١٠٨٥] وعَنها قَالَت: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِأَربَعٍ مَضَينَ مِن ذِي الحِجَّةِ، أَو خَمسٍ، فَدَخَلَ عَلَيَّ وَهُوَ غَضبَانُ فَقُلتُ: مَن أَغضَبَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَدخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ؟ قَالَ: أَوَ مَا شَعَرتِ أَنِّي أَمَرتُ النَّاسَ بِأَمرٍ فَإِذَا هُم يَتَرَدَّدُونَ، وَلَو أَنِّي استَقبَلتُ مِن أَمرِي مَا استَدبَرتُ مَا سُقتُ الهَديَ مَعِي حَتَّى أَشتَرِيَهُ، ثُمَّ أَحِلُّ كَمَا حَلُّوا.\nرواه مسلم (١٢١١) (١٣٠).\nــ\nوقولها: (خرجنا مع رسول الله - ﷺ - لا نذكر حجًّا ولا عمرة)؛ يحتمل أن يكون معناه: لا نسمي واحدًا منهما. ويستفاد منه: أن الإحرام بالنية، لا بالقول. ويحتمل أن يكون معناه: أن ذلك كان عند خروجهم من المدينة قبل أن يُبَيِّن لهم أنواع الإحرام ويأمرهم بها، كما تقدَّم.\nوقولها: (من أغضبك أدخله الله النَّار)؛ كأنها سبق لها: أن الذي يغضب النبي - ﷺ - إنما هو منافق، فدعت عليه بذلك.\nوقوله - ﷺ -: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة)؛ هذا يدل على أنه - ﷺ - ما أحرم به متحتمًا متعينًا عليه. وأنه كان مخيَّرًا بين أنواع الإحرام، فأحرم بأحدها، ثم إنه لما قلَّد الهدي لم يمكنه أن يتحلل حتى ينحره يوم النحر بمحله. فمعنى الكلام: لو ظهر لي قبل الإحرام ما ظهر عند دخول مكة من توقف الناس عن التحلل بالعمرة لأحرمت بعمرة، ولما سقت الهدي، وإنما قال ذلك تطييبًا لنفوسهم، وتسكينًا لهم.\nوقوله: (حتى أشتريه)؛ يعني بمكة، أو ببعض جهاتها.","vol":"3","page":316},{"text":"[١٠٨٦] وعَن أَبِي نَضرَةَ قَالَ: كَانَ ابنُ عَبَّاسٍ يَأمُرُ بِالمُتعَةِ، وَكَانَ ابنُ الزُّبَيرِ يَنهَى عَنهَا. قَالَ: فَذَكَرتُ ذَلِكَ لِجَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ فَقَالَ: عَلَى يَدَيَّ دَارَ الحديث تَمَتَّعنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَلَمَّا قَامَ عُمَرُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ ﵎ كَانَ يُحِلُّ لِرَسُولِهِ مَا شَاءَ بِمَا شَاءَ، وَإِنَّ القُرآنَ قَد نَزَلَ مَنَازِلَهُ،\nــ\nوقوله: (كان ابن عباس يأمر بالمتعة، وكان ابن الزبير ينهى عنها)؛ هذه المتعة التي اختلف فيها: هي فسخ الحج في العمرة التي أمرهم بها النبي - ﷺ -. فكان ابن عباس يرى أن ذلك جائز لغير الصحابة، وكان ابن الزبير يرى أن ذلك خاص بهم. وهي التي قال فيها جابر بن عبد الله: على يدي دار الحديث، تمتعنا مع رسول الله - ﷺ -، وهي التي منعها عمر ﵁ واستدل على منعها بقول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمرَةَ لِلَّهِ﴾ ولا معنى لقول مَن قال: إن اختلافهما كان في الأفضل بين المتعة التي هي الجمع بين الحج والعمرة في عام واحد وسفر واحد، وبين غيرها من الإفراد والقران؛ لأنه لو كان اختلافهما في ذلك لكان استدلال عمر ضائعًا؛ إذ كان يكون استدلالًا في غير محله، غير أنه لما كان لفظ المتعة يقال عليهما بالاشتراك خفي على كثير من الناس، وكذلك يصلح هذا اللفظ لمتعة النكاح، ولذلك ذكرهما جابر عن عمر في نسق واحد. وكان ابن عباس أيضًا خالف في متعة النكاح، ولم يبلغه ناسخها على ما يأتي في النكاح إن شاء الله تعالى.\nوقول جابر: (فعلناهما مع رسول الله - ﷺ - ثم نهى عنهما عمر - ﵁، فلم نعد لهما)؛ هذا يدل على أن إجماع الصحابة انعقد على ترك العمل بتينك المتعتين، وأن تينك خاصتان بهم، ممنوعتان في حق غيرهم، كما قال أبو ذر.\nوقول عمر ﵁: (إن القرآن قد نزل منازله)؛ أي: استقرت أحكامه، وثبتت معالمه، فلا يقبل النسخ ولا التبديل، بعد أن توفي رسول الله - ﷺ -،","vol":"3","page":317},{"text":"فَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمرَةَ كَمَا أَمَرَكُم اللَّهُ، وَأَبِتُّوا نِكَاحَ هَذِهِ النِّسَاءِ، فَلَن أُوتَى بِرَجُلٍ نَكَحَ امرَأَةً إِلَى أَجَلٍ إِلَّا رَجَمتُهُ بِالحِجَارَةِ.\nرواه مسلم (١٢١٧).\n[١٠٨٧] وعَن أَبِي ذَرٍّ قَالَ: كَانَت المُتعَةُ فِي الحَجِّ لِأَصحَابِ مُحَمَّدٍ خَاصَّةً.\nرواه مسلم (١٢٢٤).\n[١٠٨٨] وعنه قال: لَا تَصلُحُ المُتعَتَانِ إِلَّا لَنَا خَاصَّةً، يَعنِي مُتعَةَ النِّسَاءِ وَمُتعَةَ الحَجِّ.\nرواه مسلم (١٢٢٤) (١٦٢).\nــ\nويعني بذلك: أن متعة الحج قد رفعت لما أمر الله بإتمام الحج والعمرة، ومتعة النكاح أيضًا كذلك؛ لما ذكر الله شرائط النكاح في كتابه، وبين أحكامه، فلا يزاد فيها، ولا ينقص منها شيء، ولا يغير.\nوقوله: (وأبتوا نكاح هذه النساء)؛ يعني: اللاتي عقد عليهن نكاح المتعة؛ أي: اقطعوا نكاحهن. وهذا منه أمر، وتهديد، ووعيد شديد لمن استمر على ذلك بعد التقدمة.\nوقوله: (إلا رجمته بالحجارة)؛ على جهة التغليظ. وظاهره: أنه كان يرجمه لأنه قد كان حصل عنده على القطع والبتات نسخ نكاح المتعة، ثم إنه تقدم بهذا البيان الواضح والتغليظ الشديد؛ فكأنه لو أتي بمن فعل ذلك بعد تلك الأمور لحكم له بحكم الزاني المحصن، ولم يقبل له اعتذارًا بجهل ولا غيره. قال أبو عمر بن عبد البر: لا خلاف بين العلماء في أن التمتع المراد بقوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمرَةِ إِلَى الحَجِّ فَمَا استَيسَرَ مِنَ الهَديِ﴾ أنه الاعتمار في أشهر الحج","vol":"3","page":318},{"text":"[١٠٨٩] وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ جَابِرٌ: فَعَلنَاهُمَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ نَهَى عَنهُمَا عُمَرُ، فَلَم نَعُد لَهُمَا.\nرواه مسلم (١٤٠٥) (١٧).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-405>(١٦) باب يجزئ القارن بحجه وعمرته طواف واحد وسعي واحد</span>\n[١٠٩٠] عَن عَائِشَةَ، أَنَّهَا أَهَلَّت بِعُمرَةٍ فَقَدِمَت وَلَم تَطُف بِالبَيتِ حَتَّى حَاضَت، فَنَسَكَت المَنَاسِكَ كُلَّهَا، وَقَد أَهَلَّت بِالحَجِّ. فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - ﷺ- يَومَ النَّفرِ: يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمرَتِكِ. فَأَبَت فَبَعَثَ بِهَا مَعَ عَبدِ الرَّحمَنِ إِلَى التَّنعِيمِ، فَاعتَمَرَت بَعدَ الحَجِّ.\nرواه مسلم (١٢١١) (١٣٢).\n[١٠٩١] وعَنها أَنَّهَا حَاضَت بِسَرِفَ، فَتَطَهَّرَت بِعَرَفَةَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ-: يُجزِئُ عَنكِ طَوَافُكِ بِالصَّفَا وَالمَروَةِ عَن حَجِّكِ وَعُمرَتِكِ.\nرواه مسلم (١٢١١) (١٣٣).\nــ\nقبل الحج، في عام واحد، وسفر واحد، من غير المكي. قال غيره: عليه كافة فقهاء الأمصار. وروي عن الحسن إسقاط شرط الحج من عامه، ورأى أن المعتمر في أشهر الحج هديًا حج أو لم يحج. وروي عنه إسقاط شرط العمرة في أشهر الحج، وقال: إن اعتمر في غير أشهر الحج ثم حج من عامه فعليه الهدي. وهذان القولان شاذان، لم يقل بهما أحد من العلماء غيره.","vol":"3","page":319},{"text":"[١٠٩٢] ومن حديث جابر بن عبد الله، أن عائشة حين طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة، ثم قال: قَد حَلَلتِ مِن حَجِّكِ وَعُمرَتِكِ جَمِيعًا، فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَجِدُ فِي نَفسِي أَنِّي لَم أَطُف بِالبَيتِ حَتَّى حَجَجتُ قَالَ: فَاذهَب بِهَا يَا عَبدَ الرَّحمَنِ فَأَعمِرهَا مِن التَّنعِيمِ، وَذَلِكَ لَيلَةَ الحَصبَةِ.\nرواه مسلم (١٢١٣) (١٣٦).\n[١٠٩٣] وعَنه قَالَ: خَرَجنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ- مُهِلِّينَ بِالحَجِّ، مَعَنَا النِّسَاءُ وَالوِلدَانُ، فَلَمَّا قَدِمنَا مَكَّةَ طُفنَا بِالبَيتِ وَبِالصَّفَا وَالمَروَةِ فَقَالَ: لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- مَن لَم يَكُن مَعَهُ هَديٌ فَليَحلِل قَالَ: قُلنَا: أَيُّ الحِلِّ؟ فقَالَ: الحِلُّ كُلُّهُ. قَالَ: فَأَتَينَا النِّسَاءَ، وَلَبِسنَا الثِّيَابَ، وَمَسِسنَا الطِّيبَ. فَلَمَّا كَانَ يَومُ التَّروِيَةِ أَهلَلنَا بِالحَجِّ، وَكَفَانَا الطَّوَافُ الأَوَّلُ بَينَ الصَّفَا وَالمَروَةِ، فَأَمَرَنَا\nــ\n(١٦) ومن باب: يجزئ القارن بحجه وعمرته طواف واحد وسعي واحد (١)\nقول جابر ﵁: (خرجنا مع رسول الله - ﷺ - مهلين بالحج معنا النساء والولدان)؛ دليل على جواز حج الصبي، وأنه ينتفع به، وأن حكمه في ذلك حكم الكبير فيما يفعله ويلزمه.\nوقولهم لما أمرهم بالتحلل من الحج بالعمرة: (أيُّ الحِلّ)؛ سؤال من جوَّز أنه يحل من بعض الأشياء دون بعضها، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: (الحل كله)؛ أي: لا يبقى معه شيء من ممنوعات الإحرام بعد التحلل المأمور به.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين لم يرد في الأصول، واستدرك من التلخيص.","vol":"3","page":320},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- أَن نَشتَرِكَ فِي الإِبِلِ وَالبَقَرِ كُلُّ سَبعَةٍ مِنَّا فِي بَدَنَةٍ.\nرواه مسلم (١٢١٣) (١٣٨).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-406>(١٧) باب في حجة النبي - ﷺ </span>-\n[١٠٩٤] عَن جَعفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: دَخَلنَا عَلَى جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ، فَسَأَلَ عَن القَومِ، حَتَّى انتَهَى إِلَيَّ، فَقُلتُ: أَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ\nــ\nوقوله: (أمرنا أن نشترك في الإبل والبقر، كل سبعة منَّا في بدنة)؛ يحتج به مَن يرى جواز الاشتراك في الهدايا، وهم الجمهور. وسيأتي إن شاء الله تعالى.\n(١٧) ومن باب: حجة النبي - ﷺ -\nحديث جابر هذا فيه أحكام كثيرة، وأبواب من الفقه غزيرة (١)، وقد استخرجها الأئمة، وصنفوها، وعددوها حتى بلغوها إلى نيف على مائة وخمسين حكمًا (٢)، وإذا تتبع وجد فيه أكثر من ذلك، لكن أكثرها لا يخفى على فَطِن، فلنعمد إلى بيان ما يشكل.\nفمن ذلك: سؤال جابر عن القوم حين دخلوا عليه؛ إنما كان ذلك لأنه كان قد عمي. وفعل جابر ذلك الفعل به إنما كان تأنيسًا له ومبالغة في إكرامه على ما يفعل بالصغار، وعلى ذلك نبه بقوله: (وأنا يومئذٍ غلام شاب).\n_________\n(١) في (هـ) و(ل): مديدة.\n(٢) الأولى أن يقال: حتى بلغوا بها إلى نيف ومئة وخمسين حكمًا.","vol":"3","page":321},{"text":"حُسَينٍ فَأَهوَى بِيَدِهِ إِلَى رَأسِي، فَنَزَعَ زِرِّي الأَعلَى، ثُمَّ نَزَعَ زِرِّي الأَسفَلَ، ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ بَينَ ثَديَيَّ، وَأَنَا يَومَئِذٍ غُلَامٌ شَابٌّ فَقَالَ: مَرحَبًا بِكَ يَا ابنَ أَخِي، سَل عَمَّا شِئتَ، فَسَأَلتُهُ وَهُوَ أَعمَى، وَحَضَرَ وَقتُ الصَّلَاةِ، فَقَامَ فِي سَاجَةٍ مُلتَحِفًا بِهَا، كُلَّمَا وَضَعَهَا عَلَى مَنكِبِيهِ رَجَعَ طَرَفَاهَا إِلَيهِ مِن صِغَرِهَا، وَرِدَاؤُهُ إِلَى جَنبِهِ عَلَى المِشجَبِ، فَصَلَّى بِنَا، فَقُلتُ: أَخبِرنِي عَن حَجَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ- فَقَالَ: بِيَدِهِ، فَعَقَدَ تِسعًا، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- مَكَثَ تِسعَ سِنِينَ لَم يَحُجَّ، ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ فِي العَاشِرَةِ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- حَاجٌّ، فَقَدِمَ المَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ كُلُّهُم يَلتَمِسُ أَن يَأتَمَّ بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ- وَيَعمَلَ مِثلَ عَمَلِهِ، فَخَرَجنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَينَا ذَا الحُلَيفَةِ، فَوَلَدَت أَسمَاءُ بِنتُ عُمَيسٍ مُحَمَّدَ بنَ أَبِي بَكرٍ، فَأَرسَلَت إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ- كَيفَ أَصنَعُ؟ قَالَ: اغتَسِلِي وَاستَثفِرِي بِثَوبٍ وَأَحرِمِي فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- فِي المَسجِدِ، ثُمَّ\nــ\nوقوله: (مرحبًا بك)؛ كلمة ترحيب وإكرام. وقد تقدَّم تفسيرها.\nوقوله: (وقام في ساجة ملتحفًا بها)؛ السَّاجة: ثوب كالطيلسان، والمشجب: أعواد توضع عليها الثياب ومتاع البيت.\nوقوله: (مكث رسول الله - ﷺ - تسع سنين لم يحج) يعني في المدينة. وأما بمكة فحج واحدة باتفاق، واختلف في ثانية: هل حجها أم لا؟\nوقوله لأسماء: (استثفري)؛ أي: اجعلي لنفسك كثفر الدَّابة، ليمتنع سيلان الدَّم.\nو(القصواء): اسم ناقته - ﷺ - بالمدِّ والهمز. ووقع عند العذري: القصوى؛ بضم القاف والقصر. وهو خطأ في هذا الموضع. قال ابن قتيبة: كانت للنبي - ﷺ - نوق؛ منها: القصواء، والجدعاء، والعضباء. قال غيره: والخرماء، ومخضرمة. وقال: هي كلها أسماء لناقةٍ واحدةٍ. قال الحربي: القصواء: التي قطع طرف أذنها. والجدع، والخرم، والقصو: قطع طرف أذنها. والجدع أكثر منه. قال","vol":"3","page":322},{"text":"رَكِبَ القَصوَاءَ حَتَّى إِذَا استَوَت بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى البَيدَاءِ نَظَرتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي بَينَ يَدَيهِ مِن رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَعَن يَمِينِهِ مِثلَ ذَلِكَ، وَعَن يَسَارِهِ مِثلَ ذَلِكَ، وَمِن خَلفِهِ مِثلَ ذَلِكَ، وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- بَينَ أَظهُرِنَا، وَعَلَيهِ يَنزِلُ القُرآنُ، وَهُوَ يَعرِفُ تَأوِيلَهُ، وَمَا عَمِلَ بِهِ مِن شَيءٍ عَمِلنَا بِهِ، فَأَهَلَّ بِالتَّوحِيدِ: لَبَّيكَ اللَّهُمَّ لَبَّيكَ، لَبَّيكَ لَا شَرِيكَ لك لَبَّيكَ، إِنَّ الحَمدَ وَالنِّعمَةَ لك وَالمُلكَ، لَا شَرِيكَ لك، وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ، فَلَم يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- عَلَيهِم شَيئًا مِنهُ، وَلَزِمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- تَلبِيَتَهُ، قَالَ جَابِرٌ: لَسنَا نَنوِي إِلَّا الحَجَّ، لَسنَا نَعرِفُ العُمرَةَ،\nــ\nالأصمعي: كل قطع في الأذن جدع، فإن جاوز الربع؛ فهي عضباء. والمخضرم: المقطوع الأذنين، فإذا اصطلمتا؛ فهي صلماء. وقال أبو عبيدة: القصواء: المقطوعة الأذن عرضًا. والمخضرمة: المستأصلة. والعضباء: النصف فما فوقه.\nوقوله: فنظرت إلى مدِّ بصري من راكب وماش)؛ لا خلاف في جواز الركوب والمشي في الحج، واختلف في الأفضل منهما:\nفذهب مالك، والشافعي في آخرين: إلى أن الركوب أفضل اقتداءً بالنبي - ﷺ -، ولكثرة النفقة، ولتعظيم شعائر الحج بأبَّهة الركوب.\nوذهب غيرهم: إلى أن المشي أفضل؛ لما فيه من المشقة على النفس.\nولا خلاف في: أن الركوب في الوقوف بعرفة أفضل، واختلفوا في الطواف والسَّعي: والركوب عند مالك في المناسك كلها أفضل، للاقتداء بالنبي - ﷺ -. وقد تقدَّم الكلام على التلبية.\nوقول جابر: (لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة)؛ هذا يحتمل أن يخبر به عن حالهم الأول قبل الإحرام، فإنهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، كما تقدَّم. فلما كان عند الإحرام بيَّن لهم النبي - ﷺ - فقال: (من أراد أن","vol":"3","page":323},{"text":"حَتَّى إِذَا أَتَينَا البَيتَ مَعَهُ استَلَمَ الرُّكنَ،\nــ\nيُهل بحج فليفعل، ومن أراد أن يُهل بعمرة فليفعل، ومن أراد أن يُهل بحج وعمرة فليفعل)، فارتفع ذلك الوهم الواقع لهم، كما سيأتي هذا إن شاء الله تعالى.\nو(يستلم الركن) أي: يلمس الحجر الأسود بفيه، وسُمِّي الحجر: ركنًا؛ لأنه في الركن. و(الرَّمل): تقريب بين المشي والسير. وبفعله - ﷺ - هذا تقرر أن الرَّمل في الأشواط الثلاثة سنَّة راتبة، وإن كان أصل مشروعيته في عمرة القضاء ليرى أهل مكة قوَّتهم، وجلدهم، كما في حديث ابن عباس على ما يأتي؛ لكن لما فعله في حجة الوداع مع زوال ذلك المعنى تحقق أنه تعبد، وأنه سُنَّة. وهذا الطواف المذكور هنا؛ هو المسمَّى بطواف القدوم وهو سنَّة مؤكدة يجب بتركه دم على غير المراهق (١). وهو قول أبي ثور، وأحد قولي مالك. وقيل: لا يجب بتركه دم، ويجزئ عنه طواف الإفاضة، وهو قول الشافعي، وأصحاب الرأي. ولا يخاطب بطواف القدوم مكيِّ.\nوالأطواف الثلاثة: هذا، وطواف الإفاضة، ويسمَّى: طواف الزيارة؛ لأن الطائف يزور البيت من مِنى، فيطوفه. وقد أجاز الحنفي وغيره هذه التسمية، وكره مالك أن يقال: طواف الزيارة. وطواف الوداع، وهو الذي يفعل عند الصَّدر من مكة. ولا دم على تاركه، وسيأتي إن شاء الله تعالى.\nوقوله: (وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله) يعني: إنه إنما كان يفعل من أفعال الحج بحسب ما ينزل عليه به الوحي، فيفهمه هو ويبينه للناس بفعله، ولذلك قال - ﷺ -: (خذوا عنِّي مناسككم) (٢)، فكانوا كما قال جابر: إذا عمل شيئًا\n_________\n(١) \"المراهق\": هو الذي ضاق عليه الوقتُ بالتأخير حتى يخاف فوت الوقوف بعرفة.\n(النهاية ٢/ ٢٨٤).\n(٢) رواه مسلم (١٢٩٧)، وأبو داود (١٩٧٠)، والنسائي (٥/ ٢٧٠).","vol":"3","page":324},{"text":"فَرَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَربَعًا.\n- وَفِي رِوَايَةٍ: لَمَّا قَدِمَ مَكةَ أَتَى الحَجَرَ فَاستَلَمَهُ، ثم مشى يمينه، فرمل ثلاثا، ومشى أربعا - ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبرَاهِيمَ، فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَقَامِ إِبرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فَجَعَلَ المَقَامَ بَينَهُ وَبَينَ البَيتِ، فَكَانَ أَبِي\nــ\nاقتدوا به فيه (١)، وعملوه على نحو ما عمل.\nوقوله: (فأهل بالتوحيد) يعني: بقوله: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك. بخلاف ما كانت تُلبي الجاهلية؛ إذ كانت تشرك بالله، فتقول في تلبيتها: إلَاّ شريكًا هو لك تملكه وما مَلَك. وقد تقدَّم القول على التلبية.\nوقوله: (وأهل الناس بهذا الذي يهلون به)؛ يعني: أنهم لم يلتزموا هذه التلبية الخاصَّة التي لبَّى بها رسول الله - ﷺ -؛ إذ فهموا: أنها ليست مُتعيِّنَة، فإنه قد ترك - ﷺ - كل أحد على ما تيسر له من ألفاظها، ومع هذا فلا بدَّ أن يأتي الملبِّي ما يقال عليه تلبية لسانًا. ولا يجزئ منها التحميد، ولا التكبير، ولا غيره، عند مالك.\nوقوله: (ثم نفذ إلى مقام إبراهيم) يعني: أنه صار إليه بعد أن فرغ من طوافه. والرواية هنا: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ بكسر الخاء على الأمر، وهي قراءة الكوفيين، وأبي عمرو، وهي أمر. وعلى قراءة الفتح، وهي قراءة الباقين، هو خبر عن الملتزمين لاستقبال الكعبة.\nواختلف في مقام إبراهيم ما هو؟ فقال ابن عباس: هو مواقفُه كلها. وقال الشعبي وعطاء: هو عَرَفة، والمزدلفة، والجمار. وقال مجاهد: الحرم. وقال جابر وقتادة: الحجر الذي قام عليه للبناء، فكان يرتفع به كلما ارتفع البناء. ويرفع هذا الخلاف، ويبيِّن المراد بالمقام قوله: فجعل المقام\n_________\n(١) من (هـ).","vol":"3","page":325},{"text":"يَقُولُ: وَلَا أَعلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَن النَّبِيِّ - ﷺ- كَانَ يَقرَأُ فِي الرَّكعَتَينِ: ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و﴿قُل يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكنِ فَاستَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِن البَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِن الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَروَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾\nــ\nبينه وبين الكعبة؛ وهذا يدل على أنه هو الموضع المعروف هناك؛ الذي يستقبل باب البيت.\nو(مُصَلًّى) أي: موضع صلاة ودعاء. وهاتان الركعتان هما المسنونتان للطُوَّاف. وهما سنتان مؤكدتان، يجب بتركهما دم عند مالك. ويدركهما ما لم يخرج من الحرم. فإن خرج ولم يركع؛ فهل يعيد الطواف لهما، أم لا؟ قولان. فإذا قلنا: لا يعيد الطواف لهما فقد وجب الدَّم، وكذلك إذا رجع إلى بلاده وجب الدَّم. وغير مالك لا يرى فيهما دمًا، ويركعهما متى ذكرهما.\nوقوله: (ثم رجع إلى الركن واستلمه) يعني: بعد الصلاة، وهذا يدل على شدة العناية والتهمم باستلام الحجر.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَروَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الصفا: جمع صفاة، قال:\nلها كِفلٌ كَصَفاةِ المَسِيل\nأو واحدٌ، والجمع: صِفًى. قال (١):\n. . . . . . . ... مواقع الطَّير من الصُّفِيِّ (٢)\n_________\n(١) القائل هو الأخيل.\n(٢) صدر البيت: كأن متْنَيْه من النَّفِيِّ.","vol":"3","page":326},{"text":"أَبدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ، فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقِيَ عَلَيهِ، حَتَّى رَأَى البَيتَ فَاستَقبَلَ القِبلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّهَ ﷿ وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ،\nــ\nوهو حجر أملس، وهو الصفوان. و(المروة) من الحجارة ما لان وصغر. قال (١):\nكأن صليل المروحين تُشِدُّه ... صليل زُيُوف يُنتَقَدنَ بِعَبقَرَا\nوقال آخر:\nوَيُوالي الأرض خُفًّا ذَابِلًا ... فإذا ما صادَفَ (٢) المَروَ رَضَخ\nوهما هنا اسمان لصفحين معلومين. وقيل: سُمِّيا بذلك لجلوس الصفي وامرأته عليهما.\nو(الشعائر): المعالم التي للحج، جمع شعيرة، سميت بذلك لما تُشعِر به تلك المواضع من أعمال الحج؛ أي: تُعلِم، أو لما يستشعر هناك من تعظيم الله تعالى، والقيام بوظائفه.\nوالطواف بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج والعمرة عند جمهور العلماء، ما خلا أبا حنيفة؛ فإنه لم يره فيهما واجبًا في الحج. وسيأتي استيفاء الكلام عليهما إن شاء الله تعالى.\nوقوله: (أبدأ بما بدأ الله به) فبدأ بالصَّفا فرقى عليها حتى رأى البيت فاستقبله، هكذا المشروعية المستحبة مهما أمكنت. ولذلك يمنع الابتداء بالمروة، فإن فعل ألغي ذلك الشَّوط عند الجمهور. وقال عطاء: إن جهل ذلك أجزأه.\n_________\n(١) هو امرؤ القيس.\n(٢) في (هـ) و(ل): صدف.","vol":"3","page":327},{"text":"لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ، أَنجَزَ وَعدَهُ وَنَصَرَ عَبدَهُ، وَهَزَمَ الأَحزَابَ وَحدَهُ. ثُمَّ دَعَا بَينَ ذَلِكَ. قَالَ مِثلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى المَروَةِ حَتَّى انصَبَّت قَدَمَاهُ فِي بَطنِ الوَادِي سَعَى، حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى حَتَّى أَتَى المَروَةَ، فَفَعَلَ عَلَى المَروَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِ عَلَى المَروَةِ قَالَ: إِنِّي لَو استَقبَلتُ مِن أَمرِي مَا استَدبَرتُ لَم أَسُق الهَديَ، ولَجَعَلتُهَا عُمرَةً، فَمَن كَانَ مِنكُم لَيسَ مَعَهُ هَديٌ، فَليَحِلَّ وَليَجعَلهَا عُمرَةً، فَقَامَ سُرَاقَةُ بنُ مَالِكِ بنِ جُعشُمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلِعَامِنَا هَذَا أَم لِأَبَدٍ، فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الأُخرَى، وَقَالَ: دَخَلَت العُمرَةُ فِي الحَجِّ، مَرَّتَينِ: لَا بَل لِأَبَدٍ أَبَدٍ. وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِن اليَمَنِ بِبُدنِ النَّبِيِّ - ﷺ- فَوَجَدَ\nــ\nويكره الجلوس على الصفا والمروة، والدعاء عليهما كذلك، ويؤخذ من قوله - ﷺ -: (أبدأ بما بدأ الله به): أن الذي يقدَّم ليعطف عليه أوكد من المعطوف في مقصود المقدَّم بوجه ما، كما يفهم من قوله تعالى: ﴿إِنَّ المُسلِمِينَ وَالمُسلِمَاتِ وَالمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ﴾ ومن قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فإن المعطوف عليه في هذه المواضع مقدَّم لمزية له على المعطوف. ومثل هذا كثير، وله موضع آخر يُعرف به. ولا يُفهَم منه: أن الواو ترتب؛ لأنه إنما أخذه بالابتداء لا بالترتيب. وقد تقدم القولُ على تحلُّلهم بعمل العمرة.\nوقول سراقة بن جعشُم: (أَلِعَامِنا هذا أم لأبد؟ فقال: دخلت العمرة في الحج، لا، بل لأبد أبد) ظاهر هذا السؤال والجواب: أنهما في فسخ الحج في العمرة، فيقتضي أن ذلك جائز مطلقًا مُؤبدًا، وليس مخصوصًا بالصحابة. وبهذا استدل من قال بجواز ذلك مطلقًا، وهم أهل الظاهر. وقد صرف هذا الظاهر الجمهور إلى: أن السؤال إنما كان عن فِعل العمرة في أشهر الحج، فأجاب بذلك. وعلى هذا: فيكون معنى (دخلت العمرة في الحج)؛ أي: في أشهر الحج. وقيل:","vol":"3","page":328},{"text":"فَاطِمَةَ مِمَّن حَلَّ وَلَبِسَت ثِيَابًا صَبِيغًا، وَاكتَحَلَت، فَأَنكَرَ ذَلِكَ عَلَيهَا، فَقَالَت: إِنَّ أَبِي أَمَرَنِي بِهَذَا، قَالَ: فَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ بِالعِرَاقِ: فَذَهَبتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ- مُحَرِّشًا عَلَى فَاطِمَةَ، لِلَّذِي صَنَعَت، مُستَفتِيًا لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ- فِيمَا ذَكَرَت عَنهُ. فَأَخبَرتُهُ أَنِّي أَنكَرتُ ذَلِكَ عَلَيهَا. فَقَالَ: صَدَقَت صَدَقَت، مَاذَا قُلتَ\nــ\nدخلت العمرة بالحج؛ أي: في حق القارن. والذي حملهم على هذه التأويلات ما تقدَّم من أن الأصل وجوب الإتمام لما دخل فيه من الحج والعمرة، وأن الصحابة قد قالوا: إن ذلك كان مخصوصا بهم كما تقدَّم، والله تعالى أعلم.\nوقوله: (حتى انصبَّت قدماه في بطن الوادي)؛ هكذا صحَّت روايتي فيه. وقال القاضي عياض: حتى إذا انصبَّت قدماه في بطن الوادي، بـ (إذا) وقال: هكذا في جميع النسخ الواصلة إلينا من مسلم، ليس في أصول شيوخنا فيها اختلاف، وفيه وَهمٌ، وإسقاط لفظة: (رمل)، وبها يتم الكلام، وكذا جاء في غير مسلم: (حتى إذا انصبَّت قدماه في بطن الوادي رَمَل.\nقلت: هذا الوهم الذي أبداه لازم على روايته هو؛ إذ رواه بـ (إذا) فيحتاج إلى الجواب، فأبداه. وأما على ما رويته أنا من إسقاط: (إذا) فلا يحتاج إلى تقدير ذلك؛ إذ ليس في الكلام ما يستلزمه. فتأمله.\nو(الرَّمَل): سنَّة في السعي في بطن الوادي، واختلف فيمن تركه؛ هل يلزمه دم أم لا؟ واختلف في تعليل الرَّمل، وفي سبب اختصاصه بذلك المحل؛ فقيل: فعله - ﷺ - هناك ليرى المشركون جَلَدَه وجَلَد أصحابه.\nقلت: وهذا إنما كان في عمرة القضاء، غير أنه دام على فعله في حجته، فدلَّ على أنه سُنَّة راتبة. وقيل: بل اقتدى فيه بهَاجَر في سعيها لطلب الماء لولدها، على ما جاء في الحديث.\nويقال للطواف بينهما: طواف وسعي، ولا يقال: شوط، ولا دور، وقد كرهه جماعة من السلف والشافعي.\nوقوله: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، ولجعلتها عمرة) هذا يرد على من قال: إن النبي - ﷺ - أحرم متمتعًا، ويدل على أنه إنما","vol":"3","page":329},{"text":"حِينَ فَرَضتَ الحَجَّ؟ قَالَ: قُلتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ. قَالَ: فَإِنَّ مَعِيَ الهَديَ فَلَا تَحِلُّ. قَالَ: فَكَانَ جَمَاعَةُ الهَديِ الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٌّ مِن اليَمَنِ وَالَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ- مِائَةً، قَالَ: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُم وَقَصَّرُوا، إِلَّا النَّبِيَّ - ﷺ- وَمَن كَانَ مَعَهُ الهَديُ، فَلَمَّا كَانَ يَومُ التَّروِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى، فَأَهَلُّوا بِالحَجِّ،\nــ\nأحرم بما أحرم به مختارًا له، وإنه خُيّر في أنواع الإحرام الثلاثة، ولم يُعَيّن له واحد فيها؛ فأمر به. لكنه اختار القران على ما تقدَّم، ثم إنه لما أمر أصحابه بالتحلل بعمل العمرة، فتوقفوا لأجل أنه لم يتحلل هو؛ أخبرهم بسبب امتناعه، وهو: سوقه الهدي، ثم أخبرهم: أنه ظهر له في ذلك الوقت ما لم يظهر له قبل ذلك من المصلحة التي اقتضت أن أباح لهم فسخ الحج، وأنه لو ظهر له من ذلك قبل إحرامه مما ظهر له بعد؛ لأحرم بعمرة حتى تطيب قلوبهم، وتسكن نفرتهم من إيقاع العمرة في أشهر الحج.\nوإنكار عليٍّ على فاطمة تحللها: إنما كان لأنه عَلِم أنها أحرمت بالحج، وأنها تحللت منه قبل إتمامه، وإنما أمرها النبي - ﷺ - بالتحلل؛ لأنها لم تسق الهدي، كما أمر غيرها ممن لم يسق الهدي.\nوقوله - ﷺ - لعليّ ﵁: (بم أهللت؟) يدل على أنه لم يكن عنده خبر بما به يُحرم النبي - ﷺ -، ولم يتقدَّم له فيه عهد منه، وأنَّ عليًّا ﵁ هو الذي ابتدأ إحرامه محالًا به على إحرام النبي - ﷺ - من غير تعيين حجّ ولا عمرة، وأنه - ﷺ - أقرَّه على ذلك، فكان ذلك حجة على جواز الحوالة على إحرام الغير مطلقًا إذا تحقق أنه أحرم ولا بدَّ، وبه قال الشافعي، وأخذ منه جواز الإحرام من غير تعيين، ثم بعد ذلك يعيَّن، وسيأتي.\nوقوله: (فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، فأهلُّوا بالحج) يوم التروية: هو اليوم الثامن من ذي الحجة، سُمِّي بذلك: لأن قريشًا كانت تحمل الماء من مكة إلى منى للحاجِّ تسقيهم، فيروون منه.\nو(توجهوا): قصدوا، وأخذوا في الأهبة","vol":"3","page":330},{"text":"وَرَكِبَ النبي - ﷺ- فَصَلَّى بِهَا الظُّهرَ وَالعَصرَ وَالمَغرِبَ وَالعِشَاءَ وَالفَجرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَت الشَّمسُ، فَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِن شَعَرٍ تُضرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ. فَسَارَ\nــ\nإلى منى، لا أنَّهم توجهوا بمشيهم إلى منى، فأحرموا منها، فإن ذلك باطل بإجماع العلماء. على أنَّهم أحرموا من مكة. والمستحب عند أكثر العلماء فيمن أحرم من مكة بالحج أن يكون إحرامه من مكة متصلًا بسيره إلى منى يوم التروية؛ أخذًا بظاهر هذا الحديث. واستحب بعضهم أن يكون ذلك أول هلال ذي الحجة ليلحقهم من الشعث إلى وقت الحج ما لحق غيرهم.\nوالقولان عن مالك، وقد تقدَّم في حديث ابن عمر - ﵄ -.\nوقوله: وركب النبي - ﷺ - إلى منى، فصلَّى بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر؛ يعني: أنه صلَّى كل صلاة في وقتها، غير مجموعة، كما قد توهمه بعضهم، ممن لا يعرف. وإنما ذكر عدد الصلوات الخمس هنا ليعلم الوقت الذي وصل فيه إلى منى، والوقت الذي خرج فيه منها إلى عرفة، ولذلك قال مالك باستحباب دخوله إلى منى، وخروجه منها في ذينك الوقتين المذكورين. وقد استحب جميع العلماء الخروج إلى منى يوم التروية، والمبيت بها، والغدوَّ منها إلى عرفة، ولا حرج في ترك ذلك، والخروج من مكة إلى عرفة، ولا دم.\nو(نمرة): هو موضع بعرفة، وهو الجبل الذي عليه أنصاب الحرم، على يمين الخارج من مأزمي منى إلى الموقف. و(نمرة) أيضًا: موضع آخر بقُدَيد.\nوفيه دليل: على جواز المحرم في القباب والأخبية، ولا خلاف فيه. واختلف في استظلال الراكب في حال وقوفه، فكرهه مالك، وأهل المدينة، وأحمد بن حنبل. وأجاز ذلك غيرهم. وعليه عند مالك الفدية إذا انتفع به، وكذلك استظلاله عنده (١) في حال سيره. وكذلك لو كان نازلًا بالأرض أو راجلًا فاستظل بما يقربُ من رأسه. وسيأتي الكلام عليه.\n_________\n(١) أي: عند مالك.","vol":"3","page":331},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- وَلَا تَشُكُّ قُرَيشٌ إِلَّا أَنَّهُ وَاقفٌ عِندَ المَشعَرِ الحَرَامِ كَمَا كَانَت قُرَيشٌ تَصنَعُ فِي الجَاهِلِيَّةِ. فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ القُبَّةَ قَد ضُرِبَت لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَت الشَّمسُ أَمَرَ بِالقَصوَاءِ، فَرُحِلَت لَهُ، فَأَتَى بَطنَ الوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ، وَقَالَ: إِنَّ دِمَاءَكُم وَأَموَالَكُم\nــ\nوقوله: (ولا تشكُّ قريش إلا أنَّه واقف عند المشعر الحرام)؛ يعني: كما كانت قريش تصنع في الجاهلية؛ فإنها كانت تقف بالمشعر الحرام بدل وقوف الناس بعرفة، وتقول: نحن أهل الحرم، لا نخرج منه إلى الحل. وكان هذا من جملة ما ابتدعت وغيرت من شريعة إبراهيم وسنته في الحج.\nوقوله: (فَرُحِّلَت له القصواء) أي: وضع عليها الرَّحل.\nو(القصواء): ناقته، وقد تقدَّم ذكرها. و(زاغت الشمس): مالت. و(بطن الوادي): المنخفض منه؛ ويعني به: وادي عُرَنة المعروف هناك، وهو موضع متسع جامع. ولذلك خصَّه بخطبته، والله تعالى أعلم.\nوقوله: (فخطب الناس) دليل لمالك وجميع المدنيين والمغاربة؛ إذ قالوا: ليوم عرفة خطبة قبل الصلاة، يذكر الناس فيها، ويُعَلِّمُهم ما يستقبلون من الوقوف وغيره من المناسك. وهو أيضًا حجة على الشافعي وأبي حنيفة؛ إذ قالا: ليس عرفة بموضع خطبة، وهو قول العراقيين من أصحابنا.\nوخطب الحج عندنا ثلاثة:\nيوم التروية بعد صلاة الظهر في المسجد الحرام، يذكر الناس، ويعلمهم أحكام إحرامهم، ويحضهم على الخروج إلى منى.\nوالثانية: بعرفة قبل الصلاة بإجماع من القائلين بها. وأجمعوا: على أنه لو صلَّى ولم يخطب فصلاته جائزة.\nوالثالثة: بعد يوم النحر، يُعلِّمُهم فيها أحكام الرمي والتعجيل.","vol":"3","page":332},{"text":"حَرَامٌ عَلَيكُم كَحُرمَةِ يَومِكُم هَذَا، فِي شَهرِكُم هَذَا، فِي بَلَدِكُم هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيءٍ مِن أَمرِ الجَاهِلِيَّةِ تَحتَ قَدَمَيَّ مَوضُوعٌ، وَدِمَاءُ الجَاهِلِيَّةِ مَوضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِن دِمَائِنَا دَمُ ابنِ رَبِيعَةَ بنِ الحَارِثِ، كَانَ مُستَرضِعًا فِي بَنِي سَعدٍ، فَقَتَلَتهُ هُذَيلٌ، وَرِبَا الجَاهِلِيَّةِ مَوضُوعٌ، وإنَّ أَوَّلُ رِبًا أَضَعُه رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُم أَخَذتُمُوهُنَّ بِأَمَانة اللَّهِ،\nــ\nوقوله: (ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع)؛ يعني به: الأمور التي أحدثوها، والشرائع التي كانوا أشرعوها في الحج وغيره. وهذا كقوله - ﷺ -: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد) (١).\nوقوله: (وربا الجاهلية موضوع)؛ الرِّبا: الزيادة، والكثرة لغة، ثم إنهم كانت لهم بيوعات يسمُّونها: بيع الربا. منها: أنهم كانوا إذا حل أجل الدَّين يقول الغريم لرب الدَّين: أنظرني وأزيدك. فينظره إلى وقت آخر على زيادة مقررة، فإذا حل ذلك الوقت الآخر قال له أيضًا كذلك، وربما يؤدي ذلك إلى استئصال مال الغريم نزر يسير كان أخذه أوَّل مرة. فأبطل الله ذلك، وحرَّمه، وتوعَّد عليه بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ المَسِّ﴾ الآيات. وردهم فيه إلى رؤوس أموالهم، وبلَّغ ذلك رسول الله - ﷺ - قرآنًا وسنَّة، ووعظ الناس، وذكرهم بذلك في ذلك الموطن مبالغة في التبليغ، وبدأ - ﷺ - بربا العباس لخصوصيته بالنبي - ﷺ - ليقتدي الناس به قولًا وفعلًا؛ فيضعون عن غرمائهم ما كان من ذلك.\nوقوله: (فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله) أي: بأن الله ائتمنكم عليهن، فيجب حفظ الأمانة وصيانتها بمراعاة حقوقها، والقيام بمصالحها\n_________\n(١) رواه أحمد (٦/ ٧٣)، والبخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨) (١٨).","vol":"3","page":333},{"text":"وَاستَحلَلتُم فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَلَكُم عَلَيهِنَّ أَلَّا يُوطِئنَ فُرُشَكُم أَحَدًا تَكرَهُونَهُ، فَإِن فَعَلنَ ذَلِكَ فَاضرِبُوهُنَّ ضَربًا غَيرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيكُم رِزقُهُنَّ، وَكِسوَتُهُنَّ بِالمَعرُوفِ، وَقَد تَرَكتُ فِيكُم مَا لَن\nــ\nالدينية والدنيوية. وجاء في حديث آخر: (فإنهن عوان عندكم) (١) جمع: عانية، وهي الأسيرة. والعاني: الأسير، وذلك أنها محبوسة لحق الزوج، وله التصرف فيها، والسَّلطنة عليها.\nوقوله: (واستحللتم فروجهن بكلمة الله) قيل: إن كلمة الله كلمة: لا إله إلا الله، ومعنى هذا عند هذا القائل: إنه لولا الإسلام للزوج لما حلت له. وقيل: هي كلمة النكاح التي يستحل بها الفرج. وهي الصيغ التي ينعقد بها النكاح، وأشبه من هذه الأقوال: أنها عبارة عن حكمه تعالى بحليّة النكاح، وجوازه، وبيان شروطه، فإن حكم الله كلامه المتوجه للمحكوم عليه على جهة الاقتضاء أو التخيير على ما قدمناه في الأصول.\nوقوله: (ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه) معنى هذا: لا يدخلن منازلكم أحدًا ممن تكرهونه، ويدخل في ذلك الرجال والنساء، الأقرباء والأجانب. وقد بينا هذا المعنى فيما تقدم، ولا يُفهم من هذا الكلام: أنه النهي عن الزنى، فإن ذلك يحرم مع من يكرهه الزوج ومع من لا يكرهه. وقد قال: (أحدًا تكرهونه) ثم إنها تكون استعارة بعيدة. وأيضًا: فإن الزنى يترتب عليه الحدُّ.\nوقوله: (فاضربوهن ضربًا غير مبرح) ليس بالحدِّ، وإنما هو تأديب. والمبرِّح: الشديد الشاقّ. والبَرح: المشقة الشديدة، وفيه إباحة تأديب الرجل زوجته على وجه الرفق.\nوقوله: (ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف)؛ أي: بما يعرف من\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (١٨٥١) من حديث عمرو بن الأحوص.","vol":"3","page":334},{"text":"تَضِلُّوا بَعدَهُ إِن اعتَصَمتُم بِهِ: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَنتُم تُسأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنتُم قَائِلُونَ؟ قَالُوا: نَشهَدُ أَنَّكَ قَد بَلَّغتَ وَأَدَّيتَ وَنَصَحتَ. فَقَالَ بِإِصبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنكُبهَا إِلَى النَّاسِ: اللَّهُمَّ اشهَد اللَّهُمَّ اشهَد، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى العَصرَ،\nــ\nحاله وحالها، وهو حجة لمالك؛ حيث يقول: إن النفقات على الزوجات غير مقدرات، وإنما ذلك بالنظر إلى أحوالهم وأحوالهن.\nوقوله: (فقال بأصبعه السَّبابة يرفعها إلى السَّماء، ويُنكِّبها إلى الناس) هذه الإشارة منه - ﷺ - إمَّا إلى السماء؛ لأنها قبلة الدعاء، وأما لعلو الله المعنوي؛ لأن الله تعالى لا يحويه مكان، ولا يختص بجهةٍ. وقد بين ذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُم أَينَ مَا كُنتُم﴾\nو(ينكُبُها): روايتي في هذه اللفظة، وتقييدي على من أعتمده من الأئمة المقيّدين؛ بضم الياء، وفتح النون، وكسر الكاف مشدَّدة، وضم الباء بواحدة؛ أي: يُعَدِّلها إلى الناس، وقد رويت: (يَنكُبها) مفتوحة الياء، ساكنة النون، وبضم الكاف؛ ومعناه: يقلبها، وهو قريب من الأول، وقد رويت: (ينكُتُها) باثنتين فوق، وهي أبعدها.\nوقوله بعد الفراغ من الخطبة: (ثم أذَّنَ، ثم أقام) دليل على تقديم الخطبة على الصلاة، وعلى أن الأذان بعد الخطبة. وبه أخذ مالك في أحد أقواله، فإنه روي عنه: أنه يؤذن بعد تمام الخطبة، فيجلس الإمام على المنبر، ويؤذن المؤذن.\nورُوي عنه أيضًا: أنَّه يؤذن في آخر خطبة الإمام حتى يكون فراغ الإمام من الخطبة مع فراغ المؤذن من الأذان. وهو قول الشافعي. وروي عنه: أنه يؤذن لها إذا جلس بين الخطبتين. وقال أبو ثور: يؤذن المؤذن والإمام على المنبر قبل الخطبة؛ كالجمعة. وروي أيضًا مثله عن مالك.\nوقوله: (فصلَّى الظهر، ثم أقام فصلَّى العصر) فيه دليل: على أن الجمع بين","vol":"3","page":335},{"text":"وَلَم يُصَلِّ بَينَهُمَا شَيئًا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- حَتَّى أَتَى المَوقفَ،\nــ\nالصلاتين يُكتفى فيه بأذانٍ واحدٍ للصلاتين، وعلى أن كل صلاة منهما لا بدَّ لها من إقامة. وهذا قول أحمد، وأبي ثور، وابن الماجشون، والطحاوي. وقال مالك: يؤذن ويقيم لكل صلاة قياسًا على سائر الصلوات. وهو مذهب عمر، وابن مسعود ﵄، وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف: إلى أذان واحدٍ، وإقامة واحدة. وقال الشافعي في أحد قوليه: بإقامتين دون أذان. وروي مثله عن القاسم، وسالم. ومثله في كتاب ابن الجلَاّب (١). وقال الثوري: تُجزئ إقامة واحدة لا أذان معها.\nقلت: والصحيح الأول؛ حسب ما دلَّ عليه الحديث، والجمع بعرفة والمزدلفة في ذلك سواء.\nوقوله: (ولم يُصَلِّ بينهما شيئًا) أي: لم يُدخِل بينهما صلاة أخرى، لا نفلًا ولا غيره. وبهذا قال مالك وغيره. وقال ابن حبيب: يجوز أن يتنفل بينهما، وليس بالبيِّن. ولا خلاف في جواز بين الصلاتين بعرفة ومزدلفة. وإنما اختلفوا فيمن فاته الجمع مع الإمام بعرفة. فالجمهور على أنه يجمع بينهما اتباعًا لفعله - ﷺ -. وقال الكوفيون: يصليهما مَن فاتتاه لوقتهما، ولا يجوز الجمع إلا مع الإمام. ولم يختلف: أن من صلاهما في وقتهما أن صلاته جائزة إذا لم يكن إمامًا.\nواختلفوا فيمن صلَّى قبل أن يأتي المزدلفة، فذهب الكوفيون: إلى أنهما لا يجزيانه، ويعيدهما، وإن صلاهما بعد مغيب الشفق، وقاله ابن حبيب. وقال مالك: لا يصليهما قبل المزدلفة إلا مِن عُذرٍ به، أو بدابته، ولا يجمع هذا بينهما حتى يغيب الشفق. وقال مالك: يُصلِّيهما لوقتهما. وقيل: تجزئه صلاتهما في وقتهما قبل المزدلفة؛ كان إمام الحاجّ أو غيره، وهو مروي عن جماعة من الصحابة والتابعين، وقاله الشافعي، والأوزاعي، وأبو يوسف، وأشهب من أصحابنا.\n_________\n(١) هو عبيد الله بن الحسن بن الجلاب المصري، توفي سنة (٣٧٨ هـ).","vol":"3","page":336},{"text":"فَجَعَلَ بَطنَ نَاقَتِهِ القَصوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبلَ المُشَاةِ بَينَ يَدَيهِ، وَاستَقبَلَ القِبلَةَ، فَلَم يَزَل وَاقفًا حَتَّى غَرَبَت الشَّمسُ، وَذَهَبَت الصُّفرَةُ قَلِيلًا،\nــ\nوسمِّيت المزدلفة بذلك؛ لاقتراب الناس بها إلى منى للإفاضة من عرفات، والازدلاف: القرب، يقال: ازدلف القوم؛ إذا اقتربوا. وقال ثعلب: لأنها منزلة قربة لله تعالى. وقال الهروي: سُمِّيت بذلك: لازدلاف الناس بها. والازدلاف: الاجتماع. وقيل سُمِّت بذلك: للنزول بها بالليل. وزلف الليل: ساعاته. وتسمَّى أيضًا المزدلفة: بالمشعر؛ لأنها من المشاعر، وهي المعالم، والصواب: أن المشعر موضع مخصوص من المزدلفة، وهو الذي كانت الحُمسُ تقف فيه، ولا تتعداه، ويَكتَفِي بالوقوف فيه عن عرفة.\nوسُمِّيت منى بذلك: لما يُمنى فيها من الدماء؛ أي: تراق. وقيل: لأن آدم تَمَنَّى الاجتماع مع حواء فيها.\nوسُمِّيت عرفة بذلك: لأن جبريل عرَّف آدم، فقال: عرفت عرفت؟ وقيل: لأن آدم تعرَّف فيه بحواء بعد إنزالهما إلى الأرض، وهي المعرَّف. والتعريف: الوقوف بها.\nوقوله: (وجعل حبل المشاة بين يديه) يريد: صفَّهم ومجتمعهم. وحبل الرَّمل: ما طال منه. وقيل: حبل المشاة: طريق الرَّجالة، حيث يسلكون.\nوقوله: (وجعل بطن ناقته إلى الصَّخرات)؛ يعني - والله أعلم - أنه علا على الصخرات ناحية منها، حتى كانت الصخرات تحاذي بطن ناقته.\nوقوله: (فلم يزل واقفًا بعرفة حتى غربت الشمس، وذهبت الصُّفرة قليلًا) لا خلاف في أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج، وأنه من بعد الزوال، وأنه لا يجزئ قبله، وأن وقوف الليل يجزئ. وأكثر العلماء: على أن وقوف النهار يُجزئ إلا مالكًا، فإنه في معروف مذهبه كمن لم يقف، ولا خلاف في أفضلية","vol":"3","page":337},{"text":"حَتَّى غَابَ القُرصُ، وَأَردَفَ أُسَامَةَ خَلفَهُ، وَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ-، وَقَد شَنَقَ لِلقَصوَاءِ الزِّمَامَ، حَتَّى إِنَّ رَأسَهَا لَيُصِيبُ مَورِكَ رَحلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ اليُمنَى:\nــ\nالجمع بين الوقوفين ليلًا ونهارًا. وفيه دليل: على الاحتياط بأخذ جزء من الليل زائد على مغيب الشمس.\nقلت: وقد روى الترمذي حديثًا صحيحًا يرفع الخلاف في هذه المسألة: عن عروة بن مُضرَّس - ﵁ - قال: أتيت رسول الله - ﷺ - بالمزدلفة حين خرج إلى الصَّلاة، فقلت: يا رسول الله! إني جئت من جبلي طيء، أكلَلتُ راحلتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله - ﷺ -: (من شهد صلاتنا هذه، فوقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه، وقضى تفثه) (١). قال: هذا حديث حسن صحيح. وزاد النسائي: (ومن لم يدرك مع الإمام والناس؛ فلم يدرك) وظاهر هذا: أنه لا يلزم الجمع بين وقوف الليل والنهار، بل أيُّهما فعل أجزأ؛ لأن الرواية فيه بـ (أو) التي هي لأحد الشيئين، غير أنه قد جاء في كتاب النسائي من حديث عبد الرحمن بن يعمر ﵁ قال: شهدت النبي - ﷺ - بعرفة، وأتاه ناس من نجد، فأمروا رجلًا، فسأله عن الحج؟ فقال: (الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل صلاة الصبح، فقد أدرك حجه). وقال الترمذي: (من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر). قال وكيع: هذا الحديث أُمُّ المناسك. وقال: حديث حسن صحيح (٢).\nو(شنق الزمام): ضمَّه وضيَّقه على ناقته. وقد فسَّره بقوله: حتى إنَّ رَأسَها لَيُصِيب مَورِكَ رَحلِهِ، وهو قطعة من أدم يتورك عليها الراكب، تجعل في مقدمة الرَّحل، شِبه المِخَدَّة. قال القاضي عياض: مَورِك؛ بفتح الراء.\n_________\n(١) رواه الترمذي (٨٩١)، والنسائي (٥/ ٢٦٣).\n(٢) رواه الترمذي (٨٨٩)، والنسائي (٥/ ٢٦٤).","vol":"3","page":338},{"text":"أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ. كُلَّمَا أَتَى جَبلًا مِن الجبَالِ أَرخَى لَهَا قَلِيلًا، حَتَّى تَصعَدَ. حَتَّى أَتَى المُزدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا المَغرِبَ وَالعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ، وَإِقَامَتَينِ، وَلَم يُسَبِّح بَينَهُمَا شَيئًا، ثُمَّ اضطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- حَتَّى طَلَعَ الفَجرُ، فَصَلَّى الفَجرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ القَصوَاءَ حَتَّى أَتَى المَشعَرَ الحَرَامَ، فَاستَقبَلَ القِبلَةَ، فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فَلَم يَزَل وَاقفًا حَتَّى أَسفَرَ جِدًّا. فَدَفَعَ قَبلَ أَن تَطلُعَ الشَّمسُ، وَأَردَفَ الفَضلَ بنَ عَبَّاسٍ وَكَانَ رَجُلًا حَسَنَ الشَّعرِ، وأَبيَضَ وَسِيمًا، فَلَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- مَرَّت ظُعُنٌ يَجرِينَ، فَطَفِقَ الفَضلُ يَنظُرُ إِلَيهِنَّ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- يَدَهُ عَلَى وَجهِ الفَضلِ، فَحَوَّلَ الفَضلُ وَجهَهُ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ\nــ\nوقوله: (ثم اضطجع حتى طلع الفجر، فصلَّى حتى تبيَّن له الصبح)؛ فيه سُنَّةُ المبيت بالمزدلفة، وصلاة الصبح بها بغلس، وسيأتي: أنه أرخص لبعض نسائه في النَّفر منها إلى منى قبل طلوع الفجر. وفيه: الأذان في السفر؛ خلافًا لمن قال: يقتصر المسافر على الإقامة.\nوقوله: (ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام)؛ فيه: أن الوقوف بالمشعر إلى الإسفار من المناسك. وقد ذكره الله تعالى في قوله: ﴿فَاذكُرُوا اللَّهَ عِندَ المَشعَرِ الحَرَامِ﴾\nوقد اختلف في وجوب الوقوف فيه: فذهب أبو عبيد القاسم بن سلَاّم: إلى وجوبه. والجمهور على أنه مُستحب.\nو(الظُّعُن): النساء في الهوادج. و(يجرين) بضم الياء وفتحها، وكلاهما واضح المعنى. و(طفق): أخذ، وجعل.\nووضع يد رسول الله - ﷺ - على وجه الفضل: إنما كان خوفًا من الفتنة عليه، وكونه - ﷺ - لم ينهه عن ذلك ولم يزجره؛ دليل: على أنه لم يفعل محرمًا. وقال بعض مشايخنا: ستر الوجه عن النساء سُنَّة. وكان الحجاب على أزواج النبي - ﷺ - واجبًا.","vol":"3","page":339},{"text":"يَنظُرُ، فَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- يَدَهُ مِن الشِّقِّ الآخَرِ عَلَى وَجهِ الفَضلِ، فَصرِف وَجهَهُ مِن الشِّقِّ الآخَرِ يَنظُرُ. حَتَّى أَتَى بَطنَ مُحَسِّرٍ، فَحَرَّكَ قَلِيلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الوُسطَى الَّتِي تَخرُجُ عَلَى الجَمرَةِ الكُبرَى، حَتَّى أَتَى الجَمرَةَ الَّتِي عِندَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنهَا، حَصَى الخَذفِ، رَمَى مِن بَطنِ الوَادِي، ثُمَّ انصَرَفَ إِلَى المَنحَرِ،\nــ\nوقوله: (حتى أتى بطن محسِّر فحرَّك قليلًا) محسِّر: واد معروف هناك، يُستحب للحاج أن يحرك دابته هنالك، كما فعله النبي - ﷺ -.\nوقوله: (كل حصاة منها حصى الخذف) هكذا صحَّت الرواية فيه في كتاب مسلم. وكان في كتاب القاضي ابن عيسى: (كل حصاة منها مثل حصى الخذف) وهذا هو الصواب. وكذا رواه غير مسلم.\nوالخذف: رميك حصاة، أو نواة تأخذها بين سبابتيك، أو تجعل مِخذَفَةً من خشب ترمي بها بين إبهامك والسَّبابة.\nوقوله: (رمى من بطن الوادي) يعني من أسفلها، كما يأتي من حديث ابن مسعود، وهو المستحب. فلو رمى من أي مكان صحَّ رميه؛ إذا رمى في موضع المرمى.\nوقوله: (ثم انصرف إلى المنحر) أي: الموضع الذي نحر هو فيه. وموضع نحره أولى من غيره؛ على أن كل منى منحر، كما قاله - ﷺ -. قال مالك: إلا ما خلف العقبة وقُدَيد.\nوالنحر بمنى عند مالك له ثلاثة شروط:\nأحدها: أن يوقف بالهدي بعرفة.\nالثاني: أن يكون النَّحر في أيام منى.\nالثالث: أن يكون النَّحر في حج لا في عمرة.\nفإذا اجتمعت هذه الشروط؛ فلا يجوز النَّحر إلا بمنى، لا بغيرها. وقال","vol":"3","page":340},{"text":"فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ، وَأَشرَكَهُ فِي هَديِهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِن كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضعَةٍ، فَجُعِلَت فِي قِدرٍ، فَطُبِخَت فَأَكَلَا مِن لَحمِهَا، وَشَرِبَا مِن مَرَقِهَا،\nــ\nالقاضي إسماعيل: إنه يجوز أن ينحر بمكة أيام منى، وقد حكى أنه مذهب مالك. فأما في العمرة فالنحر بها بمكة في بيوتها، وطرقها، وفجاجها. ويجزئ عند مالك النحر في العمرة بمنى، فإن نحر بغير منى ومكة في الحج والعمرة لم يجز عنده. وجاز عند أبي حنيفة، والشافعي بأي موضع كان من الحرم، قالا: والمقصود: مساكين الحرم، لا الموضع منه. وأجمعوا: أنه لا يجوز فيما عدا الحرم، ولا يجوز في البيت والمسجد نحر ولا ذبح.\nوقوله: (فنحر ثلاثًا وستين بيده) هكذا رواية الجماعة، وعند ابن ماهان: (بدنة) مكان (بيده)، وكلٌّ صواب. وفيه ما يدل على أن الأولى للمهدي أو للمضحي أن يتولى ذلك بيده.\nوإعطاؤه ما بقي لعليٍّ لينحرها دليل على صحة النيابة في ذلك، غير أنه روي في غير كتاب مسلم: أنه إنّما أعطاه إياها ليهديها عن نفسه. ويدل عليه قوله: وأشركه في هديه. وعلى هذا: فلا يكون فيه حجة على الاستنابة. وقيل: إنما نحر النبي - ﷺ - ثلاثًا وستين بدنة؛ لأنها هي التي أتى بها من المدينة، كما ذكره الترمذي. وقيل: إنما خصَّ النبي - ﷺ - ذلك العدد؛ لأنه منتهى عمره ﷺ على ما هو الأصح في ذلك، فكأنه أهدى عن كل سنة من عمره بدنة.\nوقوله: (ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدرٍ، فطبخت، فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها) إنما فعل هذا ليمتثل قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنهَا﴾ وهما وإن لم يأكلا من كل بضعة، فقد شربا من مرق كل ذلك. وخصوصية عليّ بالمؤاكلة دليل على أنه أشركه في الهدي.\nوفيه دليل: على أن من حَلَف لا يأكل لحمًا فشرب مرقه: أنه يحنث.\nوفيه دليل على استحباب أكل","vol":"3","page":341},{"text":"ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- فَأَفَاضَ إِلَى البَيتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهرَ، فَأَتَى بَنِي عَبدِ المُطَّلِبِ يَسقُونَ عَلَى زَمزَمَ، فَقَالَ: انزِعُوا بَنِي عَبدِ المُطَّلِبِ، فَلَولَا أَن يَغلِبَكُم النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُم لَنَزَعتُ مَعَكُم، فَنَاوَلُوهُ دَلوًا فَشَرِبَ مِنهُ.\nزاد في رواية: وَكَانَت العَرَبُ يَدفَعُ بِهِم أَبُو سَيَّارَةَ عَلَى حِمَارٍ عُريٍ،\nــ\nالأقل من الهدايا والضحايا، والتصدق بالأكثر.\nوفيه دليل على جواز أكل المهدي من هدي القران. وقد قدَّمنا: أنه كان قارنًا، وسيأتي حكم الأكل من الهدايا.\nوقوله: (ثم ركب فأفاض إلى البيت) هذا هو الإفاضة. ويسُمّى: طواف الزيارة. وهو واجب بإجماع. وهو الذي تناوله قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ليَقضُوا تَفَثَهُم وَليُوفُوا نُذُورَهُم وَليَطَّوَّفُوا بِالبَيتِ العَتِيقِ﴾ ولا خلاف أن إيقاعه يوم النحر أولى وأفضل. فلو أوقعه بعد يوم النحر، فهل يلزم الدم بتأخيره أم لا يلزم؟ واختلف فيه، وسيأتي. والجمهور على أن: من ترك طواف الإفاضة أن طواف الوداع لا يجزئ عنه إلا مالكًا، فإنه قال: يجزئ عنه إذا رجع إلى بلده.\nقال القاضي عياض: وكذلك طواف التطوُّع.\nوقوله: (لولا أن يغلبكم النَّاس على سقايتكم لنزعت معكم) يعني أنه لو استقى هو بيده لاقتدى الناس به في ذلك، فاستقوا بأيديهم، فتزول خصوصية بني عبد المطلب، وهي ثابتة لهم، كولاية الحجابة لبني شيبة، كما يأتي إن شاء الله تعالى. ويقال: نزع، بفتح الزاي، ينزع بكسرها لا غير، وإن كان الأصل فيها الفتح في المضارع؛ لأن ما كان على: فَعَل، وعينه أو لامه حرف حلق، فالأصل في مضارعه أن يأتي على: يَفعُل، بفتح العين أو بضمها. والنزع: الاستقاء بالرِّشا. والنزح بالحاء: الاستقاء بالدَّلو.\nو(وأبو سَيَّارة) هو: عميرة (١) بن الأعزل.\n_________\n(١) في (هـ): عميلة، وهو خطأ.","vol":"3","page":342},{"text":"فَلَمَّا أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- مِن المُزدَلِفَةِ بِالمَشعَرِ الحَرَامِ، لَم تَشُكَّ قُرَيشٌ أَنَّهُ سَيَقتَصِرُ عَلَيهِ، وَيَكُونُ مَنزِلُهُ ثَمَّ، فَأَجَازَ وَلَم يَعرِض لَهُ، حَتَّى أَتَى عَرَفَاتٍ فَنَزَلَ.\nوفي أخرى: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- قَالَ: نَحَرتُ هَاهُنَا وَمِنًى كُلُّهَا مَنحَرٌ، فَانحَرُوا فِي رِحَالِكُم، وَوَقفتُ\nــ\nوقوله: (فلما أجاز رسول الله - ﷺ - بالمشعر الحرام لم تشكَّ قريشٌ أنَّه سيقتصر عليه، ويكون منزله ثمَّ) يعني: أنهم توهَّموا أنه يفعل كما كانت هي تفعل في الجاهلية، فإنهم كانوا يرون لأنفسهم أنهم لا يقفون بعرفة، ولا يخرجون من الحرم، ويقفون بالمشعر الحرام بدل وقوف الناس بعرفة، وهذا مما كانوا ابتدعوه في الحج، فلما حجَّ النبي - ﷺ - أحكم الله الحجَّ، وأزال ما ابتدعته الجاهلية، وأنزل الله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِن حَيثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ يخاطب قريشًا، ويأمرهم بأن يقفوا بعرفة حيث يقف غيرهم من الناس، وكذلك فعل النبي - ﷺ -، فعدل عن المشعر الحرام إلى عرفة، فوقف بها، وهي سُنَّة إبراهيم المعروفة عند العرب وغيرهم.\nوقوله: (نحرت هاهنا، ومنى كلها منحر)؛ يعني: أنه وإن كان قد نحر في ذلك الموضع المخصوص من منى، فالنحر واسع في كل مواضعها، وهو متفق عليه، وكذلك عرفة ومزدلفة. غير أن توخي موقف رسول الله - ﷺ - ومنحره أولى تبرُّكًا بالنبي - ﷺ - وبآثاره، وفي حديث مالك: (عرفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عُرَنَة) (١) وهو وادي عرفة. قال ابن حبيب: وفيه مسجد عرفة، وهو من الحرم. واتفق العلماء: على أنه لا موقف فيه. واختلفوا فيمن وقف في عُرَنَة: فقال أبو مصعب: هو كمن لم يقف، وحكي عن الشافعي. وقال مالك: حَجُّه صحيح وعليه دم. حكاه عنه ابن المنذر. ومن وقف في المسجد أجزأه عند مالك. وقال\n_________\n(١) رواه مالك في الموطأ (١/ ٣٨٨).","vol":"3","page":343},{"text":"هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوقفٌ، وَوَقفتُ هَاهُنَا، وَجَمعٌ كُلُّهَا مَوقفٌ.\nرواه أحمد (٣/ ٢١٧)، والبخاري (١٥٥٧)، ومسلم (١٢١٨) (١٤٧ و١٤٨ و١٤٩ و١٥٠)، والنسائي (٥/ ٢٠٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-407>(١٨) باب في قوله تعالى: ﴿أَفِيضُوا مِن حَيثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾</span>\n[١٠٩٥] عَن هِشَام بن عروة، عَن أَبِيهِ قَالَ: كَانَت العَرَبُ تَطُوفُ بِالبَيتِ عُرَاةً إِلَّا الحُمسَ، وَالحُمسُ: قُرَيشٌ وَمَا وَلَدَت، كَانُوا يَطُوفُونَ\nــ\nأصبغ: لا يجزئ. و(عُرَنة) بضم العين والراء، وذكره ابن دريد بفتح الراء، وهو الصواب.\nوقوله: (وجمع كلها موقف) في رواية مالك: (وارتفعوا عن بطن محسِّر) اتفق العلماء على الأخذ بهذا الحديث، وترك الوقوف به، واستحبُّوا الوقوف حيث المنارة، وحيث تقف الأئمة بين الجبلين، ومُحَسِّر ليس من المزدلفة، والله أعلم.\n(١٨) ومن باب قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِن حَيثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾\nأي: تفرَّقوا. والإفاضة: التفرق في كثرة، من إفاضة الماء. قال (١):\nفأَفَضن بَعدَ كُظُومِهِنَّ بِجِرة ... مِن ذِي الأَبارِقِ إِذ رَعَينَ حَقِيلا (٢)\n_________\n(١) القائل هو: الراعي.\n(٢) فى (ل) و(هـ):\nفأفضن بعد كظوظهن بحدة ... من ذي الأبارق إذ رعين حفيلا\nوالمثبت من (ظ) -وفيها: حفيلا بدل حقيلا- ولسان العرب ومقاييس اللغة وتاج العروس وجمهرة أشعار العرب.","vol":"3","page":344},{"text":"عُرَاةً، إِلَّا أَن يُعطِيَهُم الحُمسُ ثِيَابًا، فَيُعطِي الرِّجَالُ الرِّجَالَ، وَالنِّسَاءُ النِّسَاءَ. وَكَانَت الحُمسُ لَا يَخرُجُونَ مِن المُزدَلِفَةِ، وَكَانَ النَّاسُ كُلُّهُم يَبلُغُونَ عَرَفَاتٍ، قَالَ هِشَامٌ: فَحَدَّثَنِي أَبِي عَن عَائِشَةَ قَالَت: الحُمسُ هُم الَّذِينَ أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِم: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِن حَيثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ قَالَت: كَانَ النَّاسُ يُفِيضُونَ مِن عَرَفَاتٍ، وَكَانَت الحُمسُ يُفِيضُونَ مِن المُزدَلِفَةِ. يَقُولُونَ لَا نُفِيضُ إِلَّا مِن الحَرَمِ. فَلَمَّا نَزَلَت: ﴿أَفِيضُوا مِن حَيثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ رَجَعُوا إِلَى عَرَفَاتٍ.\nرواه البخاري (٤٥٢٠)، ومسلم (١٢١٩) (١٥٢)، وأبو داود (١٩١٠)، والترمذي (٨٨٤)، والنسائي (٥/ ٢٥٥)، وابن ماجه (٣٠١٨).\n* * *\nــ\nوقال الأصمعي: الإفاضة: الدَّفعة، ومنه: فيض الدمع.\nوقال الخطابي: أصل الفيض: السيلان. واختلف المفسِّرون فيمن المراد: بـ: ﴿النَّاسُ﴾؟ فقيل: آدم، وقيل: إبراهيم. وقيل: سائر الناس غير الحُمس. وهم قريش، ومن ولدت، وكنانة وجديلة. وسُمُّوا حُمسًا؛ لأنهم تحمَّسوا في دينهم؛ أي: تشدَّدوا، ولذلك كانوا ابتدعوا أمرًا دانت لهم العرب به.\nوقال الحربي: سُمُّوا حمسًا بالكعبة؛ لأنها حمساء؛ حجرها أبيض يضرب إلى السَّواد. وكان مِمَّا ابتدعته الحُمس: أنه لا يطوف أحدٌ بالبيت وعليه أثوابه إلا الحُمس، فكان الناس يطوفون عراة إلا الحُمس، أو من يعطيه أحمسي ثوبًا، وإن طاف أحدٌ في ثوبه ألقاه بالأرض، ولم يعد له، ولا يأخذه أحدٌ، لا هو، ولا غيره، ولا ينتفع به. وكانت تُسمِّى تلك الثياب: اللُّقى؛ لإلقائها بالأرض، فأنزل الله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُم عِندَ كُلِّ مَسجِدٍ﴾ وقال رسول الله - ﷺ -: (لا يطوف بالبيت عُريان) (١). وكذلك يُفيضون من مزدلفة\n_________\n(١) رواه مسلم (١٣٤٧).","vol":"3","page":345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-408>(١٩) باب الإهلال بما أهل به الإمام</span>\n[١٠٩٦] عَن أَبِي مُوسَى قَالَ: قَدِمتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ مُنِيخٌ بِالبَطحَاءِ. فَقَالَ لِي: أَحَجَجتَ؟ فَقُلتُ: نَعَم، فَقَالَ: بِمَ أَهلَلتَ؟ قَالَ: قُلتُ: لَبَّيكَ، بِإِهلَالٍ كَإِهلَالِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فقَالَ: فَقَد أَحسَنتَ.\n- وَفِي رِوَايَةٍ: قال: هل سقت من هدي؟ قلت: لا - قال: طُف\nــ\nوالناس من عرفة، فأنزل الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِن حَيثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ فأحكم الله آياته، والله تعالى أعلم.\n(١٩) ومن باب: الإهلال بما أهل به الإمام\nقوله: (وهو مُنِيخٌ بالبطحاء) أي: مضطجع ببطحاء مكة. وهي المسمَّاة بالأبطح والمحصب.\nوقوله: (لبيك بإهلالٍ كإهلال النبي - ﷺ -) وهذا كما تقدَّم من إهلال عليٍّ ﵁، وظاهره: أنه يجوز أن يهل من غير تعيين حج ولا عمرة، ويحيل في التعيين على إحرامِ فلان إذا تحقق: أنه أحرم بأحدهما. وقد اختلف في هذا، فقال بمنعه مالك، وأجازه الشافعي، كما تقدَّم.\nقلت: ولا تتم حجة الشافعي بهذا الحديث، ولا بحديث عليّ - ﵁ - حتى يتبين أنهما حين ابتدأ الإحرام لم يعلما عين ما أحرم به النبي - ﷺ -؛ إذ يجوز أن يكون كل واحد منهما نُقِل إليه عين ما أحرم به النبي - ﷺ -. ولفظهما محتمل، والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":346},{"text":"بِالبَيتِ وَبِالصَّفَا وَالمَروَةِ، وَأَحِلَّ، قَالَ: فَطُفتُ بِالبَيتِ وَبِالصَّفَا وَالمَروَةِ، ثُمَّ أَتَيتُ امرَأَةً مِن بَنِي قَيسٍ، فَفَلَت رَأسِي.\n- وَفِي رِوَايَةٍ: فمشطتني وغسلت رأسي - ثُمَّ أَهلَلتُ بِالحَجِّ، قَالَ: فَكُنتُ أُفتِي بِهِ النَّاسَ حَتَّى كَانَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا مُوسَى (أَو: يَا عَبدَ اللَّهِ بنَ قَيسٍ) رُوَيدَكَ بَعضَ فُتيَاكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدرِي مَا أَحدَثَ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ فِي النُّسُكِ بَعدَكَ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَن كُنَّا أَفتَينَاهُ فُتيَا فَليَتَّئِد، فَإِنَّ أَمِيرَ المُؤمِنِينَ قَادِمٌ عَلَيكُم، فَبِهِ فَأتَمُّوا، قَالَ: فَقَدِمَ عُمَرُ، فَذَكَرتُ ذَلِكَ له. فَقَالَ: إِن نَأخُذ بِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنَّ كِتَابَ اللَّهِ يَأمُرُ بِالتَّمَامِ،\nــ\nوقوله: (وكنت أفتي الناس به) يعني: بالتحلل لمن أحرم بالحجِّ بعمل العمرة، وكأن أبا موسى ﵁اعتقد - عموم مشروعية ما أمر به النبي - ﷺ - من التحلل، وتعديه لغير الصحابة، ولم ير أن ذلك خاص بالصحابة -﵃ - كما اعتقد غيره منهم.\nو(رويدك) أي: ارفق رفقك، أو كُفَّ بعض فتياك، فيصحّ أن يكون مصدرًا ومفعولًا، فيكون مثل قول امرئ القيس:\nأَفَاطمُ مَهلًا بَعضَ هذا التَّدَلُّلِ (١) ... . . . . . . . . . . . . . .\nو(فليتئد): فليرفق.\nوقول عمر: (إن نأخذ بكتاب الله فإن كتاب الله يأمر بالتمام) يعني في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمرَةَ لِلَّهِ﴾\nوقوله: (وإن نأخذ بسُنَّة رسول الله - ﷺ - فإن رسول الله - ﷺ - لم يحل حتى نحر الهدي) يعني: أن حجَّة الوداع لم يحل النبي - ﷺ - منها حتى رمى جمرة العقبة، ولم يحل بعمرة، كما فعل أصحابه.\n_________\n(١) عجز البيت: وإنْ كنتِ قد أزمَعْتِ صرمي فَأجْملي.","vol":"3","page":347},{"text":"وَإِن نَأخُذ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَم يَحِلَّ حَتَّى بَلَغَ الهَديُ مَحِلَّهُ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ عُمَرُ: قَد عَلِمتُ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَد فَعَلَهُ، وَأَصحَابُهُ، وَلَكِن كَرِهتُ أَن يَظَلُّوا مُعرِسِينَ بِهِنَّ فِي الأَرَاكِ، ثُمَّ يَرُوحُونَ فِي الحَجِّ تَقطُرُ رُؤوسُهُم.\nرواه البخاري (١٥٥٩)، ومسلم (١٢٢١) (١٥٤ و١٥٥) و(١٢٢٢)، والنسائي (٥/ ١٥٣).\n* * *\nــ\nوقوله: (قد فعله النبي - ﷺ - وأصحابه)؛ يعني به: فسخ الحج في العمرة. ونسبة الفسخ إلى النبي - ﷺ - لأنه أمر بفعله. واعتلاله بقوله: (كرهت أن يظلُّوا بهن مُعرِسِين في الأراك) يعني: أنه كره أن يحلُّوا من حجهم بالفسخ المذكور، فيطؤون نساءهم قبل تمام الحج الذي كانوا أحرموا به. ولا يظن بمثل عمر ﵁، الذي جعل الله الحق على لسانه وقلبه أنه منع ما جوَّزه رسول الله - ﷺ - بالرأي والمصلحة، فإن ذلك ظنُّ مَن لم يعرف عمر، ولا فهم استدلاله المذكور في الحديث، وإنما تمسَّك بقول الله ﷿: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمرَةَ لِلَّهِ﴾؛ ففهم: أن من تلبس بشيء منهما وجب عليه إتمامه، ثم ظهر له: أن ما أمر به النبي - ﷺ - أصحابه قضية معينة مخصوصة على ما ذكرناه فيما تقدَّم، فقضى بخصوصية ذلك لأولئك. ثم إنه أطلق الكراهية وهو يريد بها التحريم، وتجنب لفظ التحريم؛ لأنه مما أداه إليه اجتهاده. وهذه طريقة كبراء الأئمة: كمالك، والشافعي. وكثيرًا ما يقولون: أكره كذا ... وهم يريدون التحريم، وهذا منهم تحرُّز وحَذَر، من قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾\n(مُعرِسِين): جمع مُعرِس، وهو الذي يخلو بِعِرسِهِ؛ أي: بزوجته. ولا يصحُّ","vol":"3","page":348},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-409>(٢٠) باب الاختلاف في أي أنواع الإحرام أفضل</span>\n[١٠٩٧] عن عَبدُ اللَّهِ بنُ شَقِيقٍ: كَانَ عُثمَانُ يَنهَى عَن المُتعَةِ، وَكَانَ عَلِيٌّ يَأمُرُ بِهَا، فَقَالَ عُثمَانُ لِعَلِيٍّ كَلِمَةً، ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ: لَقَد عَلِمتَ أَنَّا قَد تَمَتَّعنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. فَقَالَ: أَجَل، وَلَكِنَّا كُنَّا خَائِفِينَ.\nوَفِي رِوَايَةٍ، فَقَالَ عَلِيُّ: مَا تُرِيدُ إِلَى أَمرٍ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- تَنهَى عَنهُ، فَقَالَ عُثمَانُ: دَعنَا مِنكَ، فَقَالَ: إِنِّي لَا أَستَطِيعُ أَن أَدَعَكَ، فَلَمَّا رَأَى عَلِيٌّ ذَلِكَ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا.\nرواه مسلم (١٢٢٣) (١٥٨ و١٥٩)، والنسائي (٥/ ١٥٢).\nــ\nأن يكون من التعريس؛ لأن الرواية بتخفيف العين والراء؛ ولأن التعريس إنما هو: النزول من آخر الليل، كما تقدَّم. ويناقضه قوله: (يظلُّون ويروحون) فإنهما إنما يقالان على عمل النهار، والله تعالى أعلم.\n(٢٠) ومن باب: الاختلاف في أيّ أنواع الإحرام أفضل\nقد تقدَّم أن أنواع الإحرام ثلاثة: إفراد، وقران، وتمتع، وأنها مجمع عليها. وإنما الخلاف في الأفضل منها. واختلف المتأولون في هذه المتعة التي اختلف فيها عثمان وعلي ﵄: هل هي فسخ الحج في العمرة، وهي التي يجمع فيها بين حجّ وعمرة في عمل واحد، وسفر واحد؟ فمن قال بالأول صرف خلافهما إلى: أن عثمان كان يراها خاصَّة بمن كان مع النبي - ﷺ - في حجة الوداع. وكان عليّ لا يرى خصوصيتهم في ذلك.\nويستدلُّ على هذا بقول عثمان: (أجل؛ ولكنا كنا خائفين) أي: من فسخ الحج في العمرة، فإنه على خلاف الإتمام الذي","vol":"3","page":349},{"text":"[١٠٩٨] وعَن مُطَرِّفٍ قَالَ: قَالَ لِي عِمرَانُ بنُ حُصَينٍ: إِنِّي لَأُحَدِّثُكَ بِالحديث اليَومَ يَنفَعُكَ اللَّهُ بِهِ بَعدَ اليَومِ، وَاعلَم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَد أَعمَرَ طَائِفَةً مِن أَهلِهِ فِي العَشرِ. فَلَم تَنزِل آيَةٌ تَنسَخُ ذَلِكَ، وَلَم يَنهَ عَنهُ حَتَّى مَضَى لِوَجهِهِ ارتَأَى كُلُّ امرِئٍ بَعدُ، مَا شَاءَ أَن يَرتَئِيَ.\nــ\nأمر الله به، وفيه بُعدٌ. والأظهر: القول الثاني، وعليه: فخلافهما إنما كان في الأفضل، فعثمان كان يعتقد: أن إفراد الحج أفضل، وعلي - ﵁ - كان يعتقد: أن التمتع أفضل. إذ الأمة مجمعة: على أن كل واحد منهما جائز، وعليه فقوله: (ولكنَّا كنَّا خائفين) أي: من أن يكون أجر من أفرد أعظم من أجر من تمتع منهم. فالخوف من التمتع. ولما ظنَّ علي أن ذلك يتلقى من عثمان، ويقتدى به، فيؤدي ذلك إلى ترك التمتع والقِران؛ أهل بالقران ليبين: أن كل واحد منهما مسوغ، أو لأنهما عنده أفضل من الإفراد، من حيث إن كل واحدة منهما في عملين، والمفرد في عمل واحد، والله تعالى أعلم.\nوهذا الذي ظهر لعثمان هو الذي كان ظهر لعمر ﵄ من قبله، كما قال عمران بن حصين ﵁، فإنه ظهر من استدلال عمر - بأن رسول الله - ﷺ - جَمَع بين حج وعُمرة - أنَّ الذي منعه عمر هو ما عدا الإفراد. وهذا منه محمول على أنَّه كان يعتقد: أن الإفراد أفضل من التمتع والقِرَان. وكان عمران يعتقد: أن الإفراد أفضل، ولذلك قال: (قال رجل برأيه ما شاء) يعني به: عمر، بعد أن روى: أن النبي - ﷺ - قرن. وليست هذه المتعة التي منعها ابن عمر -هنا - هي التي منعها هو في حديث ابن الزبير، بل تلك فَسخ الحج في العمرة، كما تقدَّم.\nوعلى الجملة: فأحاديث هذا الباب كثيرة الاختلاف والاضطراب. وما ذكرناه أشبهُ بالصواب. والله الموفق الملهم.\nوقول عمران: (إن رسول الله - ﷺ - قد أعمر طائفة من أهله في العشر) أي:","vol":"3","page":350},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ رسول اللَّهِ -ﷺ- جَمَعَ بَينَ حَجَّ وَعُمرَةٍ، ثُمَّ لَم يَنهَ عَنهُ حَتَّى مَاتَ، وَلَم يَنزِل فِيهِ قُرآنٌ يُحَرِّمُهُ، وَقَد كَانَ يُسَلَّمُ عَلَيَّ حَتَّى اكتَوَيتُ فَتُرِكتُ، ثُمَّ تَرَكتُ الكَيَّ فَعَادَ.\nوفي أخرى: قَالَ عِمرَانُ بنُ حُصَينٍ: نَزَلَت آيَةُ المُتعَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ (يَعنِي: مُتعَةَ الحَجِّ) وَأَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ لَم تَنزِل آيَةٌ تَنسَخُ آيَةَ مُتعَةِ الحَجِّ وَلَم يَنهَ عَنهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى مَاتَ، قَالَ رَجُلٌ بِرَأيِهِ بَعدُ مَا شَاءَ.\nرواه البخاري (٤٥١٨)، ومسلم (١٢٢٦) (١٦٥ و١٦٧ و١٧٢)، والنسائي (٥/ ١٤٩ و١٥٥)، وابن ماجه (٢٩٧٨).\n* * *\nــ\nأباح لهم أن يحرموا بالعمرة حين أحرموا من ذي الحليفة، فيعني بالعشر: عشر ذي القعدة الأخير، فإنهم أحرموا لست بقين منه، ويحتمل أن يريد به (١): عشر ذي الحجة، فإنهم حلوا بفراغهم من عمل العمرة في الخامس منه، على ما تقدَّم في حديث عائشة، والله أعلم.\nوقوله: (قال عثمان لعلي كلمة) يعني: كلمة أغلظ له فيها. ولعلَّها التي قال في الرواية الأخرى: (دعنا منك) فإن فيها غِلَظًا وجفاء بالنسبة إلى أمثالهما، والله تعالى أعلم.\nوقول عمران: (وقد كان يسلم علي حتى اكتويت) يعني: أن الملائكة كانت تسلم عليه إكرامًا له، واحترامًا إلى أن اكتوى، فتركت السَّلام عليه. ففيه: إثبات كرامات الأولياء، وأن الكي ليس بمحرم كما قدَّمنا في الإيمان، ولكن تركه أولى.\n_________\n(١) من (ظ) و(ل).","vol":"3","page":351},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-410>(٢١) باب الهدي للمتمتع والقارن</span>\n[١٠٩٩] عن ابنَ عُمَرَ قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ بِالعُمرَةِ إِلَى الحَجِّ، وَأَهدَى وَسَاقَ مَعَهُ الهَديَ مِن ذِي الحُلَيفَةِ، وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَهَلَّ بِالعُمرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالحَجِّ، وَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ\nــ\n(٢١) ومن باب: الهدي للمتمتع والقارن\nقول ابن عمر: (تمتع رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج) هذا الذي روي هنا عن ابن عمر: من أنه - ﷺ - تمتع، مخالفٌ لما جاء عنه في الرواية الأخرى من أنه أفرد الحج. واضطراب قوليه يدلُّ على أنه لم يكن عنده من تحقيق الأمر ما كان عند من جزم بالأمر، كما فعل أنس على ما تقدَّم؛ حيث قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (لبيك بحجة وعمرة) (١).\nثم اعلم: أن كل الرواة الذين رووا إحرام النبي - ﷺ - ليس منهم من قال: إنه - ﷺ - حَلَّ من إحرامه ذلك حتى فرغ من عمل الحج، وإن كان قد أطلق عليه لفظ التمتُّع، بل قد قال ابن عمر في هذا الحديث: إنَّه - ﷺ - بدأ بالعمرة، ثم أهل بالحج، ولم يقل: إنه حَلَّ من عمرته، بل قال في آخر الحديث: بعد أن فرغ من طواف القدوم، أنه - ﷺ - لم يَحلُل من شيء حَرُمَ عليه حتى قضى حجَّه. وهذا نصٌّ في أنه لم يكن متمتعًا. فتعيَّن تأويل قوله: تمتع رسول الله - ﷺ -، فيحتملُ أن يكون معناه: قرن؛ لأن القارن يترفَّه بإسقاط أحد العملين، وهو الذي يدلُّ عليه قوله بعد هذا: فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، ويحتمل أن يكون معناه: أنه - ﷺ - لَمَّا أذن في التمتع أضافه إليه، وفيه بُعد.\nوقوله: (فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج)؛ ظاهره: أنه أردف. وظاهر حديث\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٢٨٢)، ومسلم (١٢٥١)، وأبو داود (١٧٩٥)، والترمذي (٨٢١)، والنسائي (٥/ ١٥٠)، وابن ماجه (٢٩٦٩).","vol":"3","page":352},{"text":"رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِالعُمرَةِ إِلَى الحَجِّ. فَكَانَ مِن النَّاسِ مَن أَهدَى فَسَاقَ الهَديَ. وَمِنهُم مَن لَم يُهدِ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ: مَن كَانَ مِنكُم أَهدَى، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِن شَيءٍ حَرُمَ مِنهُ حَتَّى يَقضِيَ حَجَّهُ، وَمَن لَم يَكُن مِنكُم أَهدَى، فَليَطُف بِالبَيتِ وَبِالصَّفَا وَالمَروَةِ وَليُقَصِّر، وَليَحلِل، ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالحَجِّ وَليُهدِ. فَمَن لَم يَجِد هَديًا، فَليَصُم ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ،\nــ\nأنس: أنه قرنهما معًا. فإنه حكى فيه لفظه فقال: سمعته يقول: (لبيك عمرة وحجًّا)، وقد استحب مالك للقارن أن يقدِّم العمرة في لفظه؛ اقتداء بهذه الأخبار.\nوقوله للمتمتعين: (فمن لم يجد هَديًا فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع) هذا نصٌّ ما تضمنته آية المتعة. وقد اختلف في مواضع منها:\nأوَّلها: قوله: ﴿فَمَا استَيسَرَ مِنَ الهَديِ﴾ ذهب جماعة من (١) السَّلف إلى أنه شاة، وهو قول مالك. وقالت جماعة أخرى: هو بقرة دون بقرة، وبدنة دون بدنة. وقيل: المراد بدنة، أو بقرة، أو شاة، أو شرك في دم.\nوقوله: (فليصم ثلاثة أيام في الحج) ذهب مالك والشافعي إلى أن ذلك لا يكون إلا بعد الإحرام بالحج، وهو مقتضى الآية والحديث، وقال أبو حنيفة والثوري: يصحُّ صوم الثلاثة الأيام بعد الإحرام بالعمرة، وقبل الإحرام بالحج، ولا يصومها بعد أيام الحج، وهو مخالف لنصّ الكتاب والسُّنة. والاختيار عندنا: تقديم صومها في أوَّل الإحرام، وآخر وقتها: آخر أيام التشريق عندنا، وعند الشافعي. فمن فاته صومها في هذه الأيام صامها عندنا بَعدُ. وقال أبو حنيفة: آخر وقتها يوم عرفة، فمن لم يصمها إلى يوم عرفة فلا صيام عليه، ووجب عليه الهدي. وقال مثله الثوري؛ إذا ترك صيامها أيام الحج. وللشافعي قول كقول أبي حنيفة.\n_________\n(١) إلى هنا ينتهي الانقطاع في النسخة (ع).","vol":"3","page":353},{"text":"وَسَبعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهلِهِ، وَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، وَاستَلَمَ الرُّكنَ أَوَّلَ شَيءٍ، ثُمَّ خَبَّ ثَلَاثَةَ أَطوَافٍ مِن السَّبعِ، وَمَشَى أَربَعَةَ أَطوَافٍ، ثُمَّ رَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بِالبَيتِ عِندَ المَقَامِ رَكعَتَينِ، ثُمَّ سَلَّمَ فَانصَرَفَ، فَأَتَى الصَّفَا، فَطَافَ بِالصَّفَا وَالمَروَةِ سَبعَةَ أَطوَافٍ، ثُمَّ لَم يَحلِل مِن شَيءٍ حَرُمَ مِنهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ، وَنَحَرَ هَديَهُ يَومَ النَّحرِ، وَأَفَاضَ فَطَافَ بِالبَيتِ، ثُمَّ حَلَّ مِن كُلِّ شَيءٍ حَرُمَ مِنهُ، وَفَعَلَ مِثلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَن أَهدَى فَسَاقَ الهَديَ مِن النَّاسِ.\nرواه البخاري (١٦٩١)، ومسلم (١٢٢٧)، وأبو داود (١٨٠٥)، والنسائي (٥/ ١٥١ و١٥٢).\n[١١٠٠] وعن حَفصَةُ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أَمَرَ أَزوَاجَهُ أَن يَحلِلنَ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ. قَالَت حَفصَةُ: فَقُلتُ: مَا يَمنَعُكَ أَن تَحِلَّ؟ قَالَ: إِنِّي لَبَّدتُ رَأسِي، وَقَلَّدتُ هَديِي فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنحَرَ هَديِي.\nــ\nوقوله: (وسبعة أيام (١) إذا رجع)؛ حَمَله مالك والشافعي في أحد قوليهما على الرجوع من منى، وأنه يصومها إن شاء بمكة، أو ببلده. وهو قول أبي حنيفة. وللشافعي ومالك قول آخر: إنه الرجوع إلى بلده، ولا يصومها حتى يرجع إلى أهله.\nوقول حفصة: (إن النبي - ﷺ - أمر أزواجه أن يحللن عام حجَّة الوداع) إنما فعل ذلك - ﷺ - ليسوِّي بينهن وبين من لم يسق الهدي من الناس؛ الذين أهلُّوا بالحج؛ لأن أزواجه - ﷺ - لم يسقن الهدي.\nوقولها: (ما يمنعك أن تحل؟) كذا في رواية ابن جريج عن نافع، عن\n_________\n(١) هذه اللفظة ليست في صحيح مسلم ولا في التلخيص.","vol":"3","page":354},{"text":"رواه أحمد (٦/ ٢٨٣ و٢٨٥)، والبخاري (١٥٦٦)، ومسلم (١٢٢٩) (١٧٩)، وأبو داود (١٨٠٦)، والنسائي (٥/ ١٣٦)، وابن ماجه (٣٠٤٦).\n[١١٠١] وعَن نَافِعٍ: أَنَّ ابنَ عُمَرَ أَرَادَ الحَجَّ عَامَ نَزَلَ الحَجَّاجُ بِابنِ الزُّبَيرِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ كَانٌ بَينَهُم قِتَالٌ، وَإِنَّا نَخَافُ أَن يَصُدُّوكَ، فَقَالَ:\nــ\nابن عمر، عنها. ولم يذكر فيها: (من عمرتك) وذكره مالك وغيره عن نافع، ويظهر من قولها هذا: أنه - ﷺ - أحرم بعمرة وحدها، كما سيأتي في حديث ابن عباس: أنه ﷺ أحرم بعمرة (١)، وظاهر هذه الروايات حجة لمن قال: إن النبي - ﷺ - كان متمتعًا. وقد بينَّا صحيح ما أحرم به. وقد تأوَّل من قال: إنه - ﷺ - كان قارنًا، هذه الروايات: بأن حفصة وابن عبَّاس عبَّرا بالإحرام بالعمرة عن القِرَان؛ لأنها السَّابقة في إحرام القارن، قولًا ونية، أو نية. ولا سيَّما على ما ظهر من حديث ابن عمر: أنه - ﷺ - كان مردفًا، وهذا واضح. وأما من روى: أنه - ﷺ - كان مفردًا بالحج فتأوَّل ذلك تأويلات بعيدة، أقربها: أن معنى قولها: (من عمرتك) أي: بعمرتك. كما قال تعالى: ﴿يَحفَظُونَهُ مِن أَمرِ اللَّهِ﴾؛ أي: بأمر الله. وكقوله: ﴿مِن كُلِّ أَمرٍ﴾؛ أي: بكل أمر. فكأنها قالت: ما يمنعك أن تحل بعمرة تصنعها؟ فأخبرها بسبب منعه (٢) من ذلك. وقد ذكرنا ذلك المعنى مِرارًا. وقال محمد بن أبي صفرة: مالك يقول في هذا الحديث: (من عمرتك)، وغيره يقول: (من حجك).\nوقوله: (إنَّ ابن عمر أراد الحج عام نزل الحجاج بابن الزبير) وكان من شأن ابن الزبير: أنَّه لما مات معاوية بن يزيد بن معاوية، ولم يستخلف، بقي الناس\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٢) في (هـ) و(ل): منعها.","vol":"3","page":355},{"text":"﴿لَقَد كَانَ لَكُم فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ أَصنَعُ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، أُشهِدُكُم أَنِّي قَد أَوجَبتُ عُمرَةً، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ\nــ\nلا خليفة لهم جمادين، وأيامًا من رجب من سنة أربع وستين، فاجتمع من كان بمكة من أهل الحل والعقد، فبايعوا عبد الله بن الزبير لتسع ليالٍ بقين من رجب من السنة المذكورة، واستوسق له سلطان الحجاز (١)، والعراق، وخراسان، وأعمال المشرق. وبايع أهل الشام ومصر مروان بن الحكم في شهر رجب المذكور، ثم لم يزل أمرهما كذلك إلى أن توفي مروان وولي ابنه عبد الملك، فمنع الناس من الحج لئلا يبايعوا ابن الزبير. ثم إنه جيَّش الجيوش إلى الحجاز، وأمَّرَ عليهم الحجَّاج، فقاتل أهل مكة، وحاصرهم إلى أن تغلَّب عليهم، وقتل ابن الزبير، وصلبه الحجَّاج، وذلك يوم الثلاثاء لثلاث ليالٍ، وقيل: لثلاث عشرة بقيت من جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبعين.\nو(الأسوة): القدوة. يقال بضم الهمزة وكسرها. وقد قرئ بهما في قوله تعالى: ﴿لَقَد كَانَ لَكُم فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.\nو(الصدّ): المنع.\nوقوله: (أصنع كما صنع رسول الله - ﷺ -) يعني: أنه إن صدَّ عن البيت حل من إحرامه، كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بالحديبية؛ إذ صدَّه كفار قريش.\nوقوله: (إني أوجبت عُمرة) إنما أخبرهم بذلك؛ ليقتدوا به في ذلك. و(أوجبت): التزمت (٢) وأهللت.\n_________\n(١) أي: اجتمع وانتظم.\n(٢) في (ل) و(هـ): ألزمت.","vol":"3","page":356},{"text":"بِظَاهِرِ البَيدَاءِ قَالَ: مَا شَأنُ الحَجِّ وَالعُمرَةِ إِلَّا وَاحِدٌ، أُشهِدُكُم أَنِّي قَد أَوجَبتُ حَجًّا مَعَ عُمرَتِي، وَأَهدَى هَديًا اشتَرَاهُ بِقُدَيدٍ، ثُمَّ انطَلَقَ يُهِلُّ بِهِمَا جَمِيعًا، حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَطَافَ بِالبَيتِ وَبِالصَّفَا وَالمَروَةِ، وَلَم يَزِد عَلَى ذَلِكَ وَلَم يَنحَر، وَلَم يَحلِق، وَلَم يُقَصِّر وَلَم يَحلِل مِن شَيءٍ حَرُمَ مِنهُ، حَتَّى كَانَ يَومُ النَّحرِ فَنَحَرَ، وَحَلَقَ، وَرَأَى أَن قَد قَضَى طَوَافَ الحَجِّ، وَالعُمرَةِ بِطَوَافِهِ الأَوَّلِ.\nــ\nوقوله: (ما شأن الحج والعمرة إلا واحد) أي: في حكم الصدِّ. يعني: أنه من صُدَّ عن البيت بعدوٍّ، فله أن يحل من إحرامه، سواء كان محرمًا بحج، أو عمرة، وإن كان النبي - ﷺ - إنما صُدَّ عن عمرة؛ لكن لما كان الإحرام بالحج مساويًا للإحرام بالعمرة في الحكم حمله عليه.\nوقوله: (أشهدكم أني قد أوجبت حجًّا مع عمرتي) يعني: أنه أردف الحج على عمرته المتقدَّمة، فصار قارنًا. وفيه حجة على جواز الإرداف. وهو مذهب الجمهور.\nوقوله: (وأهدى هديًا اشتراه بقُديد) يعني: أنه قلَّده هناك وأشعره (١)، ويعني به: الهدي الذي وجب عليه لأجل قرانه.\nوقوله: (حتى قدم مكة، فطاف بالبيت) يعني: طواف القدوم. وحصل منه: أنه لم يقع له ما توهمه من الصَّد. وفيه دليل: على جواز من توقع الصد، وتوهمه، بخلاف من تحققه، فإنه لا يكون له حكم المصدود على ما يأتي.\nوقوله: (ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول) يعني: الطواف بين الصفا والمروة. وأما الطواف بالبيت: فلا يصح أن يُقال فيه: إنه اكتفى\n_________\n(١) ساقط من (ظ).","vol":"3","page":357},{"text":"وقال ابن عمر: كذلك فعل رسول الله - ﷺ -.\nرواه البخاريُّ (١٨١٣)، ومسلم (١٢٣٠) (١٨٢)، والنسائي (٥/ ١٥٨).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-411>(٢٢) باب الاختلاف فيما به أحرم النبي - ﷺ </span>-\n[١١٠٢] عَن بَكرٍ، عَن أَنَسٍ قَالَ: سَمِعتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يُلَبِّي بِالحَجِّ وَالعُمرَةِ جَمِيعًا.\nــ\nبطواف القدوم عن طواف الإفاضة؛ لأنه هو الركن الذي لا بدَّ منه للمفرد، والقارن، ولا قائل: بأن طواف القدوم يجزئ عن طواف الإفاضة بوجه.\nوقوله: (كذلك فعل رسول الله - ﷺ -) يعني: أنه اكتفى بالطواف بين الصَّفا والمروة حين طاف للقدوم، ولم يعد السعي. وفيه حجة على أبي حنيفة؛ إذ قال: إن القارن لا يكتفي بعمل واحد، بل لا بدَّ من عمل كل واحد من الحج والعمرة.\n(٢٢) ومن باب: الاختلاف فيما به أحرم النبي - ﷺ -\nقد قدمنا ذكر الاختلاف فيما به أحرم النبي - ﷺ -، وذكرنا ما يرد عليه، والمختار في ذلك. وحديث أنس هذا: في أن النبي - ﷺ - أحرم قارنًا، ولا يلتفت لقول من قال: إن أنسًا لعلَّه لم يضبط القضية لصغره حينئذ؛ لأنه قد أنكر ذلك بقوله: (ما تعدُّوننا إلا صبيانًا). ولأنه وإن كان صغيرًا حال التحمُّل؛ فقد حدَّث به، وأداه كبيرًا متثبتًا ناقلًا للفظ النبي - ﷺ - نقل الجازم، المحقق، المنكر على من يظن به شيئًا من ذلك، فلا يحل أن يقال شيء من ذلك، ولأنه قد وافقه البراء بن عازب على","vol":"3","page":358},{"text":"قَالَ بَكرٌ: فَحَدَّثتُ بِذَلِكَ ابنَ عُمَرَ، فَقَالَ: لَبَّى بِالحَجِّ وَحدَهُ، فَلَقِيتُ أَنَسًا فَحَدَّثتُهُ بِقَولِ ابنِ عُمَرَ، فَقَالَ أَنَسٌ: مَا تَعُدُّونَنَا إِلَّا صِبيَانًا، سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: لَبَّيكَ عُمرَةً وَحَجًّا.\nرواه أحمد (٣/ ٢٨٢)، ومسلم (١٢٥١)، وأبو داود (١٧٩٥)، والترمذي (٨٢١)، والنسائي (٥/ ١٥٠)، وابن ماجه (٢٩٦٨).\n[١١٠٣] وعن ابنَ عَبَّاسٍ قال: أَهَلَّ النَّبِيُّ -ﷺ- بِعُمرَةٍ، وَأَهَلَّ أَصحَابُهُ بِحَجٍّ، فَلَم يَحِلَّ النَّبِيُّ -ﷺ-، وَلَا مَن سَاقَ الهَديَ مِن أَصحَابِهِ، وَحَلَّ بَقِيَّتُهُم.\nرواه مسلم (١٢٣٩) (١٩٦).\nــ\nنقل لفظ النبي - ﷺ - الدَّال على قرانه؛ إذ قال لعلي - ﵁: (إني سقت الهدي، وقرنت) (١) على ما خرَّجه النسائي، وهو صحيح. ووافقهما حديث عمر بن الخطاب الذي قال فيه: (إن الملك أتاه فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجَّة) (٢). وفي معنى ذلك حديث ابن عمر المتقدم الذي قال فيه: (إنه - ﷺ - أهل بالعمرة، ثم أهل بالحج) (٣). وقد قدَّمنا: أن معنى قول ابن عباس: إنه - ﷺ - أحرم بعمرة: أنه أردف كما قال ابن عمر. وبدليل الإجماع من النقلة على أن النبي - ﷺ - لم يحلَّ من إحرامه ذلك حتى قضى حجَّه، ويمكن أن تحمل رواية من روى: أنه - ﷺ - أفرد الحج. على أن الراوي سمع إردافه بالحج على العمرة المتقدَّمة، فسمعه يقول: (لبيك بحجة) ولم يكن عنده علم من إحرامه المتقدَّم\n_________\n(١) رواه النسائي (٥/ ١٤٩).\n(٢) رواه أحمد (١/ ٢٤)، والبخاري (١٥٣٤)، ومسلم (١٣٤٦).\n(٣) سبق الحديث برقم (١٠٩٩).","vol":"3","page":359},{"text":"[١١٠٤] وعن عائشة أن رسول الله - ﷺ - أفرد الحج.\nرواه مسلم (١٢١١) (١٢٢)، وأبو داود (١٧٧٧)، والترمذي (٨٢٠)، وابن ماجه (٢٩٦٤).\n[١١٠٥] ونحوه عن ابن عمر.\nرواه مسلم (١٢٣١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-412>(٢٣) باب الطواف عند القدوم</span>\n[١١٠٦] عِن ابنِ عُمَرَ، وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَيَصلُحُ لِي أَن أَطُوفَ بِالبَيتِ قَبلَ أَن آتِيَ المَوقِفَ. فَقَالَ: نَعَم. فَقَالَ: فَإِنَّ ابنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لَا تَطُف بِالبَيتِ حَتَّى تَأتِيَ المَوقِفَ، فَقَالَ ابنُ عُمَرَ: قَد حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-\nــ\nبالعمرة.\nوقد استدل من قال: بتفضيل الإفراد: بأن أبا بكر وعمر وعثمان رأوا ذلك، وأحرموا به مدَّة ولايتهم.\nوالجواب: بأن ذلك رأيهم لا روايتهم. ومن نصَّ وحكى حُجَّةٌ على من ظنَّ ورأى. وقد تقدَّم ذكر من قال بتفضيل القِران على الإفراد، وعمل به من الصحابة ﵃.\n(٢٣) ومن باب: الطواف عند القدوم\nسؤال السَّائل لابن عمر: إنما كان عن طواف القدوم؛ هل يؤخر إلى أن يوقف بعرفة؟ فأجابه بمنع ذلك. وهو الصحيح الذي لا يعلم من مذاهب العلماء غيره. وما حكاه هذا الرجل عن ابن عبَّاس لا يعرف من مذهبه. وكيف وهو أحد","vol":"3","page":360},{"text":"فَطَافَ بِالبَيتِ قَبلَ أَن يَأتِيَ المَوقِفَ، فَبِقَولِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَحَقُّ أَن تَأخُذَ، أَو بِقَولِ ابنِ عَبَّاسٍ إِن كُنتَ صَادِقًا؟\nرواه مسلم (١٢٣٣) (١٨٧).\n[١١٠٧] وعن عروة بن الزبير قال: أَخبَرَتنِي عَائِشَةُ أَنَّ أَوَّلَ شَيءٍ بَدَأَ بِهِ رسول الله ﷺ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ بِالبَيتِ، ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكرٍ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالبَيتِ، ثُمَّ لَم يَكُن غَيرُهُ، ثُمَّ عُمَرُ مِثلُ ذَلِكَ، ثُمَّ حَجَّ عُثمَانُ فَرَأَيتُهُ أَوَّلُ شَيءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالبَيتِ، ثُمَّ لَم يَكُن غَيرُهُ، ثُمَّ\nــ\nالرُّواة: أن النبي - ﷺ - بدأ بالطواف عند قدومه مكة (١). وقد حمل بعض متأخري (٢) العلماء هذا السؤال: على أنه فيمن أحرم بالحج من مكة؛ هل يطوف طواف القدوم قبل أن يخرج إلى عرفات؟ قال: فمذهب أبي حنيفة والشافعي: أنه يطوف حين يحرم، كما قال ابن عمر. قال: والمشهور (٣) من مذهب أحمد: أنه لا يطوف حتى يخرج إلى منى وعرفات، ثم يرجع ويطوف، كما قال ابن عباس. وعن أحمد رواية كمذهب ابن عمر.\nوقوله: (إن كنت صادقًا) ورع منه لئلا يذكر ابن عباس بشيء ما ثبت عنه. ويمكن أن يحمل إطلاق فتيا ابن عباس على المراهق (٤)، فإنه لا يخاطب بطواف القدوم، أو يكون ابن عباس سُئل عن طواف الإفاضة فأجاب: بأنه لا يفعل إلا بعد الوقوف. وهو الحق، والله أعلم.\nوقد تقدَّم ذكر حكم طواف القدوم وغيره.\nوقوله: (ثم لم يكن غيره) في المواضع كلَّها، كذا وقع في جميع نسخ مسلم عند جميع رواته. قال القاضي عياض: وهو تغيير، وصوابه: (ثم لم تكن عُمرةٌ).\n_________\n(١) رواه البخاري (١٦٢٥).\n(٢) ساقطة من (ع).\n(٣) في (هـ): والمنصور.\n(٤) \"المراهق\": هو الذي ضاق عليه الوقت بالتأخير حتى يخاف فوت الوقوف بعرفة (النهاية ٢/ ٢٨٤).","vol":"3","page":361},{"text":"مُعَاوِيَةُ، وَعَبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ، ثُمَّ حَجَجتُ مَعَ أَبِي، الزُّبَيرِ بنِ العَوَّامِ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالبَيتِ، ثُمَّ لَم يَكُن غَيرُهُ، ثُمَّ آخِرُ مَن رَأَيتُ فَعَلَ ذَلِكَ ابنُ عُمَرَ، ثُمَّ لَم يَنقُضهَا بِعُمرَةٍ، وَلَا أَحَدٌ مِمَّن مَضَى مَا كَانُوا يَبدَءُونَ بِشَيءٍ حِينَ يَضَعُونَ أَقدَامَهُم أَوَّلَ مِن الطَّوَافِ بِالبَيتِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّونَ، وَقَد رَأَيتُ أُمِّي وَخَالَتِي حِينَ تَقدَمَانِ لَا تَبدَآنِ بِشَيءٍ أَوَّلَ مِن البَيتِ، تَطُوفَانِ بِهِ، ثُمَّ لَا تَحِلَّانِ، وَقَد أَخبَرَتنِي أُمِّي أَنَّهَا أَقبَلَت هِيَ وَأُختُهَا وَالزُّبَيرُ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ بِعُمرَةٍ قَطُّ، فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكنَ حَلُّوا.\nرواه البخاري (١٦١٤)، ومسلم (١٢٣٥).\n* * *\nــ\nوهكذا رواه البخاري، وبه يستقيم الكلام. قال: ويدلُّ على صحَّة هذا قوله في الحديث نفسه: (وآخر من فعل ذلك ابن عمر، ولم ينقضها بعمرة).\nقلت: ويحتمل أن يحمل لفظ مسلم على معنى صحيح من غير احتياج إلى تقدير تغيير وتوهيم للرُّواة الحفاظ، بأن يقال: إن قوله: ثم لم يكن غيره. يعني: إنه لم يكن تحلل بعمرة؛ أي: لم يحدث غير الإحرام الأول. وأفاد ذلك: أن طوافهم الأول لم يكن للعمرة بل للقدوم. وعلى هذا الذي ذكرناه تكون رواية من رواه: (ثم لم تكن عمرة)؛ مقيدة لهذه الرواية: (ثم لم يكن غيره). ولا تكون هذه تصحيفًا.\nوقوله: (فلمَّا مسحوا الرُّكن حلُّوا) يعني بذلك: لمس الحجر في آخر الطَّوَافِ، ولم يذكر السعي بين الصفا والمروة؛ لأنه قد صار من المعلوم ملازمة السعي للطواف، فاكتفى بذكره عنه. وأيضًا: فقد وردت أخبار عن هؤلاء المذكورين: بأنهم سعوا بعد طوافهم. فتكمل الرواية الناقصة، ويرتفع الإشكال.","vol":"3","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-413>(٢٤) باب إباحة العمرة في أشهر الحج</span>\n[١١٠٨] عَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانُوا يَرَونَ العُمرَةَ فِي أَشهُرِ الحَجِّ مِن أَفجَرِ الفُجُورِ فِي الأَرضِ، وَيَجعَلُونَ المُحَرَّمَ صَفَرًا، وَيَقُولُونَ: إِذَا بَرَأَ الدَّبَر، وَعَفَا الأَثَر، وَانسَلَخَ صَفَر، حَلَّت العُمرَةُ لِمَن اعتَمَر. قَدِمَ النَّبِيُّ -ﷺ-،\nــ\n(٢٤) ومن باب: إباحة العمرة في أشهر الحج\nقوله: (كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور) أي: من أفحش الفواحش، ويعني أهل الجاهلية، وكان ذلك من تحكماتهم المبتدعة.\nوقوله: (ويجعلون المُحرم صفر) أي: يسمونه به، وينسبون تحريمه إليه، لئلا يتوالى عليهم ثلاثة أشهر حرم، فتضيق عليهم بذلك أحوالهم. وحاصله: أنهم كانوا يحلون من الأشهر الحرم ما احتاجوا إليه، ويحرمون مكان ذلك غيره، وكان الذين يفعلون ذلك يسمَّون: النَّسأة، وكانوا أشرافهم. وفي ذلك قال شاعرهم (١):\nأَلَسنا النَّاسِئِين على معَدٍّ ... شُهُورَ الحلِّ نَجعَلُها حَرامًا\nفردَّ الله تعالى كل ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفرِ﴾ الآية.\nوقوله: (ويقولون: إذا برأ الدبر، وعفا الأثر، وانسلخ صفر، حلت العمرة لمن اعتمر) فـ (برأ): أفاق. و(الدَّبر) يعني به: دبر ظهور الإبل عند انصرافها من الحج. و(عفا الأثر): انمحى ودرس. الخطابي: يعني أثر الدبر. وفيه بُعد. وقال غيره: يعني أثر الحاج من الطرق. و(عفا) من الأضداد. يقال: عفا الشيء: كثر، وقل، وظهر وخفي، مثله.\n_________\n(١) هو: عُمير بن قيس الطعّان.","vol":"3","page":363},{"text":"وَأَصحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ، مُهِلِّينَ بِالحَجِّ، فَأَمَرَهُم أَن يَجعَلُوهَا عُمرَةً. فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِندَهُم فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ الحِلِّ؟ قَالَ: الحِلُّ كُلُّهُ.\nرواه أحمد (١/ ٢٥٢)، والبخاري (١٥٦٤)، ومسلم (١٢٤٠) (١٩٨)، وأبو داود (١٩٨٧)، والنسائي (٥/ ١٨٠).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-414>(٢٥) باب تقليد الهدي وإشعاره عند الإحرام</span>\n[١١٠٩] عن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الظُّهرَ بِذِي الحُلَيفَةِ، ثُمَّ دَعَا بِنَاقَتِهِ فَأَشعَرَهَا فِي صَفحَةِ سَنَامِهَا الأَيمَنِ، وَسَلَتَ الدَّمَ،\nــ\n(٢٥) ومن باب: تقليد الهدي وإشعاره عند الإحرام (١)\n(الإشعار): الإعلام. وإشعار الهدي: هو أن يُفعل فيه علامة يعلم بها أنه هدي. و(شعائر الحج): معالمه، وهي مواضع أفعاله. ومنه سُمِّي المشعر الحرام. و(صفحة السَّنام): جانبه. و(السَّنام): أعلى ظهر البعير.\nوحديث ابن عباس هذا يدل على أن الإشعار يكون في الجانب الأيمن، وبه أخذ الشافعي، وأحمد، وأبو ثور، وروي عن ابن عمر.\nوقالت طائفة: يشعر (٢) في الجانب الأيسر، وبه قال مالك. وقال أيضًا: لا بأس به في الأيمن. وقال مجاهد: من أي الجانبين شاء (٣)، وبه قال أحمد في أحد قوليه. وفيه ردٌّ على أبي حنيفة؛ حيث لا يرى الإشعار، ويقول: إنه مثلة.\nولا حجة لمن قال: إن الإشعار تعذيب للحيوان، فإن ذلك يجري مجرى\n_________\n(١) العنوان ساقط من الأصول، ومستدرك من التلخيص.\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٣) ساقط من (ع).","vol":"3","page":364},{"text":"وَقَلَّدَهَا نَعلَينِ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَلَمَّا استَوَت بِهِ عَلَى البَيدَاءِ أَهَلَّ بِالحَجِّ.\nرواه أحمد (١/ ٢١٦)، ومسلم (١٢٤٣)، وأبو داود (١٧٥٢)، والترمذي (٩٠٦)، والنسائي (٥/ ١٧٠)، وابن ماجه (٣٠٩٧).\n[١١١٠] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: أَهدَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَرَّةً إِلَى البَيتِ غَنَمًا فَقَلَّدَهَا.\nرواه البخاري (١٧٠١)، ومسلم (١٣٢١) (٣٦٧)، وأبو داود (١٧٥٥)، والترمذي (٩٠٩)، والنسائي (٥/ ١٧٣ - ١٧٤)، وابن ماجه (٣٠٩٦).\n* * *\nــ\nالوسم الذي يُعرف به الملك (١) وغيره مما في معناه. ثم هو أمر معمول به من كافة المسلمين وجماهيرهم من الصحابة وغيرهم. وهذا في البدن واضح. فأما البقر: فإن كانت لها أسنمة أشعرت كالبدن، قاله ابن عمر. وبه قال مالك. وقال الشافعي، وأبو ثور: تُقلَّد، وتشعر مطلقًا، ولم يفرقوا. وقال سعيد بن جبير: تُقلَّد البقر ولا تشعر. فأما الغنم: فلا تشعر. وهل تقلَّد أم لا؟ قولان. فممن صار إلى تقليدها جماعة من السلف، وبه قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وابن حبيب. وأنكره مالك، وأصحاب الرأي. وكأن هؤلاء لم يبلغهم حديث عائشة في تقليد الغنم، أو بلغهم، لكنهم تركوه (٢) لانفراد الأسود به عن عائشة، ولم يرو ذلك غيره عنها.\nوقوله: (وقلَّدها نعلين)؛ النعلان أفضل عندهم. وأجاز مالك والشافعي نعلًا واحدةً. وأجاز الثوري فم القِربة وشبهها. ومقصودُ التقليد والإشعار: أن يجبَ الهديُ ويُعرف، فلا يتعرض له أحدٌ، وإنّ ضلَّ نُحر، ولا يُنحر دون مَحِلِّه.\n_________\n(١) في (ع): الموسوم.\n(٢) من (هـ) و(ل) وفي بقية النسخ: مردود.","vol":"3","page":365},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-415>(٢٦) باب كم اعتمر النبي - ﷺ - وكم حج</span>؟\n[١١١١] عن قتادة، قال: سألت أنسا: كم حج رسول الله - ﷺ - قال: حجة واحدة، واعتمر أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته: عمرة من الحديبية، أو زمن الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من\nــ\n(٢٦) ومن باب: كم اعتمر النبي - ﷺ -؟\nقوله: (عمرة من الحديبية) يعني: التي صدَّه فيها المشركون عن البيت، فحل منها في الحديبية، وحلق، ونحر، ورجع إلى المدينة؛ كما صالحهم عليه. ثم إنه اعتمر في السَّنة الثانية عمرة القضاء. وسُمِّيت بذلك، وبعمرة القضية أيضًا؛ لأنه إنما اعتمرها (١) في السَّنة الثانية على ما كان قاضاهم عليه؛ أي: صالحهم، وذلك: أنهم كانوا اشترطوا عليه ألا يدخل عليهم مكة في سنتهم تلك، بل في السَّنة الثانية، ولا يدخلها عليهم بشيء من السِّلاح إلا بالسيف وقرابه، وأنه لا يمكث فيها أكثر من ثلاثة أيام، إلى غير ذلك من الشروط التي هي مذكورة في كتب السِّير، فوفَّى لهم النبي - ﷺ - بذلك.\nوأما عمرته من جعرانة فكانت بعد منصرفه من حنين، ومن الطائف، وبعد قسم غنائم حنين (٢) بجعرانة. وأما عمرته مع حجته فهي التي قرنها مع حجته على رواية أنس، أو أردفها (٣) على ما ذكرناه عن ابن عمر. واعتمد مالك في موطئه: على أنه - ﷺ - اعتمر ثلاث عُمَر: إحداها في شوال، فأسقط التي مع حجته بناءً منه (٤)\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (هـ).\n(٢) في (ع): خيبر، وهو خطأ.\n(٣) في (ع): أفردها.\n(٤) من (هـ).","vol":"3","page":366},{"text":"العام المقبل، في ذي القعدة، وعمرة من جعرانة، حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته.\nرواه البخاري (١٧٧٨)، ومسلم (١٢٥٣)، وأبو داود (١٩٩٤)، والترمذي (٨١٥).\n[١١١٢] وعَن زَيدِ بنِ أَرقَمَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- غَزَا تِسعَ عَشرَةَ غَزوَةً، وَأنه حَجَّ بَعدَمَا هَاجَرَ حَجَّةً واحدة، حَجَّةَ الوَدَاعِ. قال أبو إسحاق: وبمكة أخرى.\nرواه البخاري (١٧٨١)، ومسلم (١٢٥٤)، وأبو داود (١٩٩١ و١٩٩٢)، والترمذي (٩٣٦).\n[١١١٣] وعَن مُجَاهِدٍ، قَالَ: دَخَلتُ أَنَا، وَعُروَةُ بنُ الزُّبَيرِ المَسجِدَ، فَإِذَا عَبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ جَالِسٌ إِلَى حُجرَةِ عَائِشَةَ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ الضُّحَى فِي المَسجِدِ، فَسَأَلنَاهُ عَن صَلَاتِهِم؟ فَقَالَ: بِدعَةٌ، فَقَالَ: لَهُ عُروَةُ، يَا أَبَا عَبدِ الرَّحمَنِ كَم اعتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-؟ فَقَالَ: أَربَعَ عُمَرٍ، إِحدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ، فَكَرِهنَا أَن نُكَذِّبَهُ وَنَرُدَّ عَلَيهِ، وَسَمِعنَا استِنَانَ عَائِشَةَ فِي الحُجرَةِ، فَقَالَ عُروَةُ: أَلَا تَسمَعِينَ يَا أُمَّ المُؤمِنِينَ! إِلَى مَا يَقُولُ أَبُو عَبدِ الرَّحمَنِ؟\nــ\nعلى أن النبي - ﷺ - كان مفردًا، وأما هذه العُمرة المنسوبة إلى شوال فهي - والله أعلم -: عمرة الجعرانة، أحرم بها في أخريات شوال، وكلَها في ذي القعدة، فصدقت عليها النِّسبتان، والله تعالى أعلم.\nولا يُعلم للنبي - ﷺ - عُمرة غير ما ذكرناه مما اتفق عليه، واختلف فيه. وقد ذكر الدارقطني: أنه - ﷺ - خرج معتمرًا في رمضان (١). وليس بالمعروف.\nوأما قول\n_________\n(١) رواه الدارقطني (٢/ ١٨٨).","vol":"3","page":367},{"text":"فَقَالَت: مَا يَقُولُ؟ قَالَ: يَقُولُ: اعتَمَرَ رسول الله -ﷺ- أَربَعَ عُمَرٍ إِحدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ، فَقَالَت: يَرحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبدِ الرَّحمَنِ، مَا اعتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَّا وَهُوَ مَعَهُ. وَمَا اعتَمَرَ فِي رَجَبٍ قَطُّ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: وَابنُ عُمَرِ يَسمَعُ، فَمَا قَالَ: لا، ولا نعم، سكت.\nرواه مسلم (١٢٥٥) (٢١٩ و٢٢٠).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-416>(٢٧) باب فضل العمرة في رمضان</span>\n[١١١٤] عَن ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ لِامرَأَةٍ مِن الأَنصَارِ يُقَالُ لَهَا أُمُّ سِنَانٍ: مَا مَنَعَكِ أَن تَكُونِي حَجَجتِ مَعَنَا؟ قَالَت: نَاضِحَانِ كَانَا\nــ\nابن عمر: أنه اعتمر في رجب؛ فقد غلَّطَتهُ في ذلك عائشة، ولم ينكر عليها، ولم ينتصر، فظهر: أنه كان على وَهم، وأنه رجع عن ذلك.\nوأما حَجُّهُ - ﷺ -: فلم يختلف أنه إنما حج في الإسلام حجَّة واحدة، وهي المعروفة بحجَّة الوداع. وأما قبل هجرته: فاختلف هل حجَّ واحدة - كما قال أبو إسحاق السَّبيعي، أو حجَّتين؛ كما قال غيره؟ وسيأتي عدد غزواته في الجهاد.\n(٢٧) ومن باب: فضل العُمرة في رمضان\nقوله - ﷺ - للمرأة الأنصارية: (ما منعك أن تحجِّي معنا؟) كان هذا منه بعد رجوعه من حجَّته، وكان هذا السؤال منه (١) لينبِّه على المانع؛ إذ كان قد أذَّن في\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"3","page":368},{"text":"لِأَبِي فُلَانٍ (زَوجِهَا) حَجَّ هُوَ، وَابنُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا. وَكَانَ الآخَرُ يَسقِي عَلَيهِ غُلَامُنَا. قَالَ: فَعُمرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقضِي حَجَّةً أَو حَجَّةً مَعِي.\nوفي لفظ آخر: فإذا جاء رمضان فاعتمري، فإن عمرة فيه تعدل حجة.\nــ\nالنَّاس بالحجِّ أذانًا يعم الرجال والنساء. وأيضًا فإنه قد كان حجَّ بأزواجه، فأخبرته بما اقتضى تعذر ذلك: من أنها لم تكن لها (١) راحلة، فلما تحقق عذرها، وعلم أنها متحسِّرة لما فاتها من ثواب الحجّ معه، حضَّها على العُمرة في رمضان، وأخبرها: أنها تعدلُ لها حجَّة معه. ووجه ذلك: أنها لما صحَّت نيتها في الحجِّ معه جعل ثواب ذلك في العُمرة في رمضان جَبرًا لها، ومُجازاة بنيَّتها. فإن قيل: فيلزم من هذا أن يكون ذلك الثواب خاصًّا بتلك المرأة. قلنا: لا يلزم ذلك؛ لأن من يساويها في تلك النيَّة والحال، ويعتمر في رمضان كان له مثل ذلك الثواب، والله تعالى أعلم.\nو(الناضح): البعير الذي يُستقى عليه الماء.\nوقولها: (يسقي عليه غلامُنا) كذا رواه ابن ماهان وغيره. وسقط للعذري والفارسي (عليه).\nقال القاضي أبو الفضل: وأرى هذا كلّه تغييرًا، وإن صوابه: (نسقي عليه نخلًا لنا). فتصحَّف منه: (غلامنا). وكذا جاء في البخاري: (نسقي عليه نخلًا). وقد خرَّج النسائي معنى حديث ابن عباس من حديث معقل، وأنه هو الذي جاء إلى رسول الله - ﷺ - فقال: إن أم معقل جعلت عليها حجَّة معك، فلم يتيسَّر لها ذلك، فما يجزئ عنها؟ قال: (عمرة في رمضان). قال: فإن عندي جملًا، جعلته في سبيل الله حبيسًا، فأعطيه إيَّاها فتركبه؟ قال: (نعم) (٢). وهذا يدلُّ على صحة\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) رواه النسائي في الكبرى (٤٢٢٨).","vol":"3","page":369},{"text":"رواه أحمد (١/ ٢٢٩)، والبخاري (١٧٨٢)، ومسلم (١٢٥٦)، وأبو داود (١٩٩٠)، والنسائي (٤/ ١٣٠ - ١٣١)، وابن ماجه (٢٩٩٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-417>(٢٨) باب من أين دخل النبي - ﷺ - مكة والمدينة، ومن أين خرج</span>؟\n[١١١٥] عَن ابنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، كَانَ يَخرُجُ مِن طَرِيقِ الشَّجَرَةِ، وَيَدخُلُ مِن طَرِيقِ المُعَرَّسِ، وَإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ، دَخَلَ مِن الثَّنِيَّةِ العُليَا، وَيَخرُجُ مِن الثَّنِيَّةِ السُّفلَى.\nــ\nما ذهبنا إليه من معنى الحديث. وإنما عَظُمَ أجر العمرة في رمضان لحرمة الشهر، ولشدة النصب، والمشقة اللاحقة من عمل العُمرة في الصوم. وقد أشار إلى هذا قوله - ﷺ - لعائشة - وقد أمرها بالعُمرة -: (إنها على قدر نَصَبك - أو قال -: نفقتك) (١). والله تعالى أعلم.\nوقوله: (جعلت عليها حجَّة معك) يعني: أنها همَّت بذلك، وعزمت عليه، لا أنها أوجبت ذلك عليها بالنَّذر؛ إذ لو كان ذلك لما أجزأها عن ذلك العُمرة، والله تعالى أعلم.\n(٢٨) ومن باب: من أين دخل النبي - ﷺ - مكة والمدينة؟ ومن أين خرج؟\nقوله: (كان يخرج من طريق الشجرة) يعني - والله أعلم -: الشجرة (٢) التي\n_________\n(١) رواه مسلم (١٢١١) (١٢٦).\n(٢) ساقط من (ع).","vol":"3","page":370},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: العليا التي بالبطحاء.\nرواه البخاري (١٥٧٥)، ومسلم (١٢٥٧)، وأبو داود (١٨٦٦)، والنسائي (٥/ ٢٠٠)، وابن ماجه (٢٩٤٠).\nــ\nبذي الحليفة؛ التي أحرم منها؛ كما قال ابن عمر في الحديث المتقدِّم، ولعلَّها هي الشجرة التي ولدت تحتها أسماء بنت عميس. و(المُعرَّس): موضع التعريس. وهو موضع معروف على ستة أميال هناك.\nوالتعريس: النزول من آخر الليل. و(الثنية) هي: الهضبة، وهي: الكوم الصغير. وهذه الثنية هي التي بأعلى مكة، وتسمى: كداء. وبأسفل مكة تثنية أخرى تسمى: كدى. وقد اختلف أهل التقييد (١) في ضبط هاتين الكلمتين: فالأكثر منهم: على أن التي بأعلى مكة: بفتح الكاف والمد. والسفلى: بضم الكاف والقصر. وقيل: عكس ذلك. وأما اللغويون: فقال أبو علي القالي: (كداء) ممدود: جبل بمكة. قال الشاعر (٢):\nأَقفَرَت مِن عبد شَمس كداء ... وكدَى والركن والبطحاء (٣)\nوقال غيره: كدى: جبل قريب من كداء. وقال الخليل: كداء وكدَي - بالضم وتشديد الياء -: جبلان بمكة، الأعلى منهما بالمد. وقال غيره: كدى - مضموم، مقصور -: بأسفل مكة، والمشدَّد لمن خرج إلى اليمن، وليس من طريق النبي - ﷺ -. ثم اختلف المتأولون في المعنى الذي لأجله خالف النبي - ﷺ - بين طريقيه. فقيل: ليتبرك به كل من في طريقيه، ويدعو لأهل تينك الطريقين. وقيل:\n_________\n(١) في (ع): التفسير.\n(٢) هو ابن قيس الرقيات.\n(٣) ورد في اللسان هكذا:\nأقفرت بعد عبد شمس كداء ... فكديٌّ فالركن فالبطحاء\nوفي (هـ): (عبيد) بدل: (عبد).","vol":"3","page":371},{"text":"[١١١٦] وعَن عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- لَمَّا جَاءَ إِلَى مَكَّةَ: دَخَلَهَا مِن أَعلَاهَا وَخَرَجَ مِن أَسفَلِهَا.\nوَفِي رِوَايَةٍ دَخَلَ عَامَ الفَتح من كداء، من أعلى مكة.\nرواه البخاري (١٥٧٨)، ومسلم (١٢٥٨)، وأبو داود (١٨٦٨)، والترمذي (٣٥٨).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-418>(٢٩) باب المبيت بذي طوى، والاغتسال قبل دخول مكة، وتعيين مصلى رسول الله - ﷺ </span>-\n[١١١٧] عن ابنَ عُمَرَ أنه كَانَ لَا يَقدَمُ مَكَّةَ إِلَّا بَاتَ بِذِي طَوًى، حَتَّى يُصبِحَ وَيَغتَسِلَ، ثُمَّ يَدخُلُ مَكَّةَ نَهَارًا، وَيَذكُرُ عَن النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ فَعَلَهُ.\nرواه أحمد (٢/ ٨٧)، والبخاري (٤٨٤)، ومسلم (١٢٥٩) (٢٢٧).\nــ\nليغيظ المنافقين ومن في ذينك الطريقين منهم بإظهار الدِّين، وإعزاز الإسلام. وقيل: ليرى السَّعة في ذلك.\n(٢٩) ومن باب: المبيت بذي طوى والاغتسال قبل دخول مكة (١)\n(ذو طوى) - بفتح الطاء والقصر - هو: وادٍ بمكة، قاله الأصمعي. قال: والذي بطريق الطائف ممدود. وحكى بعض اللغويين: ذو طوى - بضم الطاء والقصر - الذي بمكة، وذو طواء - بالفتح والمد - حكاه ابن بطال، وكذا ذكره\n_________\n(١) العنوان ساقط من الأصول، واستدرك من التلخيص.","vol":"3","page":372},{"text":"[١١١٨] وعنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَنزِلُ بِذِي طَوًى، وَيَبِيتُ بِهِ حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبحَ، حِينَ يَقدَمُ مَكَّةَ، وَمُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- ذَلِكَ عَلَى أَكَمَةٍ غَلِيظَةٍ، لَيسَ فِي المَسجِدِ الَّذِي بُنِيَ ثَمَّ، وَلَكِن أَسفَلَ مِن ذَلِكَ عَلَى أَكَمَةٍ غَلِيظَةٍ.\nرواه البخاري (٤٩١)، ومسلم (١٢٥٩) (٢٢٨).\n[١١١٩] وعنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- استَقبَلَ فُرضَتَي الجَبَلِ الطَّوِيلِ الَّذِي بَينَهُ وَبَينَ الكَعبَةِ، الَّذِي بُنِيَ، ثَمَّ يَسَارَ المَسجِدِ الَّذِي بِطَرَفِ الأَكَمَةِ، وَمُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَسفَلَ مِنهُ عَلَى الأَكَمَةِ السَّودَاءِ، يَدَعُ مِن الأَكَمَةِ عَشرَةَ أَذرُعٍ، أَو نَحوَهَا، ثُمَّ يُصَلِّي مُستَقبِلَ الفُرضَتَينِ مِن الجَبَلِ الطَّوِيلِ الَّذِي بَينَكَ وَبَينَ الكَعبَةِ.\nرواه أحمد (٢/ ٨٧)، والبخاري (٤٩٢)، ومسلم (١٢٦٠).\n* * *\nــ\nثابت، وضبطه الأصيلي بكسر الطاء، ولا خلاف في أن المبيت بذي طوى، ودخول مكة نهارًا ليس من المناسك، لكن إن فعل ذلك اقتداءً بالنبي - ﷺ -، وتتبُّعًا لمواضعه، كان له في ذلك ثواب كثير، وخيرٌ جزيل. وقد تقدَّم الكلام على أفعال الحجِّ وأحكامها.\nو(الأكمة): الكوم الغليظ الضخم. و(ثَمَّ) - بفتح الثاء المثلثة: إشارة إلى موضع مخصوص معروف. وهو مبني على الفتح، يوقف عليه بالهاء. فيقال: ثمه. و(فُرضَتا الجبل): موضعان منخفضان منه، وكأنهما نقبان أو طريقان. و(الفُرضة): الحز الذي يدخل فيه الوَتَر. وأصل الفَرض: القطع. وهذا التحديد والتحقيق الذي صَدَر من ابن عمر في تعيين مواضع النبي - ﷺ - دليلٌ على شدة عنايته، وتهمُّمه بآثار النبي - ﷺ -، وعلى أنه مَن قصد تلك المواضع متبرِّكًا بآثار النبي - ﷺ - وبالصَّلاة فيها حَصَل على حظٍّ عظيمٍ وثوابٍ جزيلٍ.","vol":"3","page":373},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-419>(٣٠) باب الرمل في الطواف والسعي</span>\n[١١٢٠] عَن ابنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا طَافَ بِالبَيتِ الطَّوَافَ الأَوَّلَ، خَبَّ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَربَعًا، وَكَانَ يَسعَى بِبَطنِ المَسِيلِ إِذَا طَافَ بَينَ الصَّفَا وَالمَروَةِ، وَكَانَ ابنُ عُمَرَ يَفعَلُ ذَلِكَ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ إذا طاف في الحج والعمرة، أول ما يقدم، فإنه\nــ\n(٣٠) ومن باب: الرَّمل في الطواف\n(الرَّمَل): بتحريك الميم، وفتحها، و(الخبب): شدة الحركة في المشي. ومنه: الرمل في الأعاريض، وهو القصير منها. قال الجوهري: هو كالوثب الخفيف. وهو السَّعي أيضًا. وقد بين في الحديث سَبب مشروعيته. وتبيَّن أيضًا من مداومة النبي - ﷺ -: أنه ثابت دائمًا، وإن ارتفع أصل سبب مشروعيته. وهو سنة عند الفقهاء أجمعين. وروي في ذلك خلاف عن بعض الصحابة، وأن المشي أفضل. وهم محجوجون بفعل النبي - ﷺ - في حجة الوداع. وهو في ثلاثة أشواط، يبدأ من الحجر، ويختم به، كما جاء في حديث ابن عمر، وغيره.\nوقول ابن عمر ﵄: (كان إذا طاف الطواف الأوَّل خبَّ ثلاثًا) دليل: على أن مشروعية الرَّمل إنما هو عند القدوم؛ حاجًّا كان، أو معتمرًا. وإن غير ذلك من الأطواف لا يشرع فيها الرَّمل، ويخاطب به المكيُّون وغيرهم إلا شيئًا روي عن ابن عمر: أنه لا يخاطب به مكيٍّ. ولا تخاطب به النساء اتفاقًا لما علمته في مشقته عليهن (١)؛ ولأنه يظهر منهن ما يجب ستره؛ كالرِّدف، والنَّهد، وغير ذلك.\n_________\n(١) في (ظ): فيما علمته لمشقته عليهن.","vol":"3","page":374},{"text":"يسعى ثلاثة أطواف بالبيت، ثم يمشي أربعا، ثم يصلي سجدتين، ثم يطوف بين الصفا والمروة.\nوفي أخرى قَالَ: رَملَ رسول الله - ﷺ - من الحجر إلى الحجر ثلاثا، ومشى أربعا.\nرواه أحمد (٢/ ٣٠)، والبخاري (١٦٠٣)، ومسلم (١٢٦١) (٢٣٠) و(١٢٦٢) (٢٣٣)، وأبو داود (١٨٩٣)، والنسائي (٥/ ٢٢٩ - ٢٣٠)، وابن ماجه (٢٩٥٠).\n[١١٢١] وعَن أَبِي الطُّفَيلِ، قَالَ: قُلتُ لِابنِ عَبَّاسٍ: أَرَأَيتَ هَذَا الرَّمَلَ بِالبَيتِ ثَلَاثَةَ أَطوَافٍ، وَمَشيَ أَربَعَةِ أَطوَافٍ. أَسُنَّةٌ هُوَ؟ فَإِنَّ قَومَكَ يَزعُمُونَ أَنَّهُ سُنَّةٌ. قَالَ: فَقَالَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا. قَالَ: قُلتُ: مَا صَدَقُوا وَكَذَبُوا؟ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدِمَ مَكَّةَ. فَقَالَ المُشرِكُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا وَأَصحَابَهُ لَا يَستَطِيعُونَ أَن يَطُوفُوا بِالبَيتِ مِن الهُزَالِ، وَكَانُوا يَحسُدُونَهُ، قَالَ: فَأَمَرَهُم رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَن يَرمُلُوا ثَلَاثًا، وَيَمشُوا أَربَعًا. قَالَ: قُلتُ لَهُ: أَخبِرنِي عَن الطَّوَافِ بَينَ الصَّفَا وَالمَروَةِ رَاكِبًا. أَسُنَّةٌ هُوَ؟ فَإِنَّ قَومَكَ يَزعُمُونَ أَنَّهُ سُنَّةٌ، قَالَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا. قَالَ: قُلتُ: وَمَا قَولُكَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا؟\nــ\nوقول ابن عباس: (صدقوا وكذبوا) يعني: أنهم أصابوا من وجه، وغلطوا من وجه. فأصابوا من حيث إنهم نسبوه إلى النبي - ﷺ -، وغلطوا من حيث ظنوا أن تلك أمور راتبة، لازمة؛ وإنما كان ذلك لأسباب نبَّه عليها فيما ذكر من الحديث. ويظهر من مساق كلام ابن عباس أنها ليست بسنن راتبة عنده، فارتفعت بارتفاع أسبابها. وهذا لا يمكن أن يُقال في الرَّمل في الطواف والسَّعي؛ إذ قد فعله النبي - ﷺ - مع فقد تلك الأسباب. فينبغي أن يُقال: هو سُنة مطلقًا، كما هو مذهب الجماهير.","vol":"3","page":375},{"text":"قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَثُرَ عَلَيهِ النَّاسُ يَقُولُونَ: هَذَا مُحَمَّدٌ. هَذَا مُحَمَّدٌ. حَتَّى خَرَجَ العَوَاتِقُ مِن البُيُوتِ. قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَا يُضرَبُ النَّاسُ بَينَ يَدَيهِ. فَلَمَّا كَثُرَ عَلَيهِ رَكِبَ، وَالمَشيُ وَالسَّعيُ أَفضَلُ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: قُلتُ لِابنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ قَومَكَ يَزعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رَمَلَ بِالبَيتِ وَبَينَ الصَّفَا وَالمَروَةِ وَهِيَ سُنَّةٌ. قَالَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا.\nرواه مسلم (١٢٦٤)، وأبو داود (١٨٨٥)، وابن ماجه (٢٩٥٣).\n[١١٢٢] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصحَابُهُ مَكَّةَ، وَقَد وَهَنَتهُم حُمَّى يَثرِبَ. قَالَ المُشرِكُونَ: إِنَّهُ يَقدَمُ عَلَيكُم غَدًا قَومٌ قَد وَهَنَتهُم الحُمَّى وَلَقُوا مِنهَا شِدَّةً، فَجَلَسُوا مِمَّا يَلِي الحِجرَ، فَأَمَرَهُم النَّبِيُّ -ﷺ- أَن يَرمُلُوا ثَلَاثَةَ أَشوَاطٍ، وَيَمشُوا مَا بَينَ الرُّكنَينِ، لِيَرَى المُشرِكُونَ جَلَدَهُم، فَقَالَ المُشرِكُونَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ زَعَمتُم أَنَّ الحُمَّى قَد وَهَنَتهُم، هَؤُلَاءِ أَجلَدُ مِن كَذَا وَكَذَا. قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: وَلَم يَمنَعهُ أَن يَأمُرَهُم أَن يَرمُلُوا الأَشوَاطَ كُلَّهَا، إِلَّا الإِبقَاءُ عَلَيهِم.\nــ\nوقولهم: (وهَنَتهُم حُمَّى يثرب) أي: أضعفتهم، وهو ثلاثي. وقد يقال: رباعيًّا. قال الفراء: يُقال: وهنه الله، وأوهنه الله.\nو(يثرب): اسم المدينة في الجاهلية، واسُتجد لها في الإسلام: المدينة، وطيبة. وسيأتي لذلك مزيد بيان. و(الجلَد): التَّجَلُّد والقوة.\nو(الأشواط): الأطواف. وقد تقدم ذكر من كره لفظ الشوط، والأشواط.\nوقوله: (فلم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط إلا الإبقاءُ عليهم) روايتنا: الإبقاءُ - بالرفع - على أنه فاعل يمنعهم. ويجوز نصبه على أن يكون مفعولًا من أجله، ويكون في: (يمنعهم)؛ ضمير عائد على النبي - ﷺ - هو فاعلُه. فتأمَّله.","vol":"3","page":376},{"text":"رواه البخاري (٤٢٥٦)، ومسلم (١٢٦٦) (٢٤٠)، وأبو داود (١٨٨٦ و١٨٨٩)، والترمذي (٨٦٣)، والنسائي (٥/ ٢٣٠).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-420>(٣١) باب استلام الركنين اليمانيين وتقبيل الحجر الأسود</span>\n[١١٢٣] عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: لَم أَرَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَمسَحُ مِن البَيتِ إِلَّا الرُّكنَينِ اليَمَانِيَينِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: الرُّكنُ الأَسوَدُ وَالَّذي يليه، من نحو دور الجمحيين.\nرواه أحمد (٢/ ١٢١)، والبخاري (١٦٠٩)، ومسلم (١٢٦٧)، وأبو داود (١٨٧٤)، والنسائي (٥/ ٢٣٢)، وابن ماجه (٢٩٤٦).\n[١١٢٤] وعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ سَرجِسَ، قَالَ: رَأَيتُ الأَصيلَعَ (يَعنِي\nــ\n(٣١) ومن باب: استلام الركنيين اليمانيين\nقد تقدم القول على حكم مسِّ الأركان. وقد بيَّن في هذا الحديث: أن الركنين اليمانيين أحدهما: الحجر الأسود، والثاني: الذي يليه من نحو دور بني جُمَح، وكلاهما من جهة اليمن، ولذلك نُسِبا إليه.\nوقول عبد الله بن سرجس: (رأيت الأصيلع)؛ يعني: عمر ﵁، وكان أصلع. وتصغيره في هذا الموضع كما قالوا:\n. . . . . . . . . . . . . . . . . ... دُويهيةٌ تصفرُّ منها الأنامل (١)\n_________\n(١) صدر البيت: وكل أناس سوف تدخل بيتهم. والبيت للشاعر لبيد.","vol":"3","page":377},{"text":"عُمَرَ) يُقَبِّلُ الحَجَرَ، وَيَقُولُ: وَاللَّهِ! إِنِّي لَأُقَبِّلُكَ، وَإِنِّي لأَعلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ، لَا تَضُرُّ، وَلَا تَنفَعُ، وَلَولَا أَنِّي رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- قَبَّلَكَ مَا قَبَّلتُكَ.\nرواه مسلم (١٢٧٠) (٢٥٠)، وابن ماجه (٢٩٤٣).\nــ\nوكما قالوا للجبل العظيم: جُبيل. ونعته بالصلع؛ لأنه نعته في الكتب القديمة. يقال: إنهم كانوا يقولون - أعني: نصارى الشام -: إن الذي يفتح بيت المقدس الأصيلع. والله تعالى أعلم.\nوقوله: (إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع) دفع لتوهم من وقع له من الجهَّال: أن للحجر الأسود خاصية ترجع إلى ذاته، كما توهمه بعض الباطنية. وبين (١): أنه ليس في تقبيله إلا الاقتداء المحض، ولو كان هناك شيء مما يُفترى لكان عمر ﵁ أحق الناس بعلمه.\nوفي هذا الحديث ما يدلُّ: على أن تقبيل الحجر من سُنَن الطواف، والجمهور على ذلك؛ لمن قدر عليه، فإن لم يقدر وَضَع يده عليه، ثم رفعها إلى فِيهِ بغير تقبيل على إحدى الرِّوايتين عن مالك، وبه قال القاسم بن محمد. والجمهور على أنه يقبل يده، فإن لم يفعل فلا شيء عليه عندهم. قال مالك ﵀: والسجود عليه بدعة. والجمهور: على جوازه.\nوأما الركن اليماني فيستلم باليد، ولا يُقَبَّل. وهل تقبل اليد أم لا؟ قولان. ولا يخاطب النساء بذلك عند الجميع، ويفعل ذلك في آخر كل شوط، وهو في أوَّل الطواف أوكد منه في سائرها. واستحب بعض السَّلف أن يكون لمس الركنين في وترٍ من الطواف. وبه قال الشافعي -﵀-.\n_________\n(١) في (هـ) و(ظ): وبيان.","vol":"3","page":378},{"text":"[١١٢٥] وعَن سُوَيدِ بنِ غَفَلَةَ قَالَ: رَأَيتُ عُمَرَ قَبَّلَ الحَجَرَ، وَالتَزَمَهُ، وَقَالَ: رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بِكَ حَفِيًّا.\nرواه مسلم (١٢٧١)، والنسائي (٥/ ٢٢٧).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-421>(٣٢) باب الطواف على الراحلة لعذر، واستلام الركن بالمحجن</span>\n[١١٢٦] عَن ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- طَافَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ، استَلِمُ الرُّكنَ بِمِحجَنٍ.\nرواه أحمد (١/ ٢١٤)، والبخاري (١٦٠٧)، ومسلم (١٢٧٢)، وأبو داود (١٨٧٧)، والنسائي (٥/ ٢٣٣)، وابن ماجه (٢٩٤٨).\nــ\nوقوله: (رأيت عمر قبَّل الحجر، والتزمه) يعني: عانقه. والحفيُّ بالشيء: المعتني به، البارّ. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾\n(٣٢) ومن باب: الطواف على الراحلة\nلا خلاف في جواز طواف المريض راكبًا للعذر. واختلف في طواف من لا عذر له راكبًا. فأجازه قوم؛ منهم ابن المنذر؛ أخذًا بطوافه - ﷺ - راكبًا. والجمهور على كراهة ذلك ومنعه، متمسكين بظاهر قوله تعالى: ﴿وَليَطَّوَّفُوا بِالبَيتِ العَتِيقِ﴾ وظاهره: أن يطوف الطائف بنفسه. ومن طاف راكبًا إنما عن طيف به، ولم يطف هو بنفسه. وبأن الصحابة ﵃ اعتذروا عن","vol":"3","page":379},{"text":"[١١٢٧] وعَن جَابِرٍ بن عبد الله، قَالَ: طَافَ النبي -ﷺ- فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ بالبيت، وبالصفا والمروة لِيَرَاهُ النَّاسُ وَلِيُشرِفَ وَلِيَسأَلُوهُ، فَإِنَّ النَّاسَ غَشُوهُ.\nرواه أحمد (٣/ ٣١٧)، ومسلم (١٢٧٣) (٢٥٥)، وأبو داود (١٨٨٠)، والنسائي (٥/ ٢٤١).\nــ\nطوافه - ﷺ - راكبًا، وبيَّنوا عذره في ذلك، فكان دليلًا: على أن أصل مشروعية الطواف عندهم ألا يكون راكبًا. فأما الأعذار التي ذكروا في ذلك فثلاثة:\nأحدها: ما في حديث جابر، وهو: أن يراه الناس إذا أشرف عليهم؛ ليسألوه، ويقتدوا به.\nوثانيها: ما ذكرته عائشة -﵂-؛ وهو: أنه - ﷺ - لو كان ماشيًا لطرق بين يديه، ولصرفوا عنه، وكان يكرهُ ذلك. على أن قولها: كراهة أن يصرف عنه الناس؛ يحتمل أن يكون الضمير في (عنه) راجعًا إلى الركن، فتأمله.\nوثالثها: ما ذكره أبو داود: من أنه - ﷺ - كان في طوافه هذا مريضًا. وإلى هذا المعنى أشار البخاري بما ترجم على هذا الحديث، فقال: باب المريض يطوف راكبًا.\nوقوله: (فإن الناس غشوه) الرواية الصحيحة: بضم الشين، وهو الصحيح؛ لأن أصله: غشيُوه، استثقلوا الضمة على الياء، فنقلوها إلى الشين، فسكنت الياء، فلما اجتمعت مع الواو الساكنة حذفت الياء لالتقاء الساكنين، وفيه تعليل آخر، وما ذكرناه أولى.\nوكونه - ﷺ - يُقبِّل المحجن دليل على صحة أحد القولين السَّابقين.\nوالمحجن: عصا معقفة الطرف، تكون عند الراكب على البعير ليأخذ بها ما سقط له، ويحرك بها بعيره.","vol":"3","page":380},{"text":"[١١٢٨] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: طَافَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، حَولَ الكَعبَةِ عَلَى بَعِيرِهِ، يَستَلِمُ الرُّكنَ، كَرَاهِيَةَ أَن يُصرَفَ عَنهُ النَّاسُ.\nرواه مسلم (١٢٧٤)، والنسائي (٥/ ٢٢٤).\n[١١٢٩] وعن ابن الطفيل، قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يطوف بالبيت، ويستلم الركن بمحجن معه، ويقبل المحجن.\nرواه مسلم (١٢٧٥)، وابن ماجه (٢٩٤٩).\n[١١٣٠] وعَن أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا قَالَت: شَكَوتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنِّي أَشتَكِي، فَقَالَ: طُوفِي مِن وَرَاءِ النَّاسِ، وَأَنتِ رَاكِبَةٌ. قَالَت: فَطُفتُ وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حِينَئِذٍ يُصَلِّي إِلَى جَنبِ البَيتِ، وَهُوَ يَقرَأُ بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسطُورٍ.\nــ\nوقوله: (طوفي من وراء الناس وأنت راكبة) دليل على جواز ذلك للعذر.\nواختلف قول من كرهه مع عدم العذر. فذهب مالك، وأبو حنيفة: إلى أنه يعيدُ ما دام قريبًا من ذلك، فإن بَعُدَ إلى مثل الكوفة ففيه دم. ولم يَرَ الشافعي فيه شيئًا. وإنما أمرها أن تطوف من وراء الناس؛ لأن ذلك سنة طواف النِّساء؛ لئلا يختلطن بالرِّجال، ولئلا يعثر مَركبُها بالطائفين فيؤذيهم. وعلى هذه العلَّة؛ فكذلك يكون حكم الرجل إذا طاف راكبًا.\nوفي هذه الأحاديث حُجَّة لمالك على قوله بطهارة بول ما يؤكل لحمه. و(الطور): الجبل - بالسريانية -. وقال ابن عبَّاس: كل جبل ينبت فهو طور. و(الكتاب): المكتوب. و(الرَّق المنشور): هو الجلد المهيأ ليكتب فيه. وأحسن ما قيل فيه: إنه القرآن المكتوب في المصاحف. وهذه أقسام أقسم الله بها تشريفًا لها.","vol":"3","page":381},{"text":"رواه أحمد (٦/ ٢٩٠)، والبخاري (٤٦٤)، ومسلم (١٢٧٦)، وأبو داود (١٨٨٢)، والنسائي (٥/ ٢٢٣)، وابن ماجه (٢٩٦١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-422>(٣٣) باب في قوله تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالمَروَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ</span>\n[١١٣١] عَن عُروَةَ بنِ الزُّبَيرِ قَالَ: قُلتُ لِعَائِشَةَ زَوجِ النَّبِيِّ - ﷺ-: مَا أَرَى عَلَى أَحَدٍ لَم يَطُف بَينَ الصَّفَا وَالمَروَةِ شَيئًا، وَمَا أُبَالِي ألَّا أَطُوفَ بِهُمَا، قَالَت: بِئسَ مَا قُلتَ. يَا ابنَ أُختِي! طَافَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَطَافَ\nــ\n(٣٣) ومن باب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَروَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾\nقد تقدم الكلام في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَروَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ في حديث جابر (١). واختلف العلماء في حكم الطواف بين الصفا والمروة؛ هل هو ركن في الحج والعمرة؟ كما ذهب إليه الجمهور، أو ليس بركن، كما ذهب إليه جماعة من السَّلف وغيرهم؟ ثم من هؤلاء من قال: إنه تطوع لا يجبر بالدم؛ وهم: أنس، وعبد الله بن الزبير، وابن سيرين. ومنهم من قال: يجبر بالدم؛ وهم: الحسن البصري، وقتادة، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة. وربما أطلق عليه بعضهم لفظ الواجب. وقال أصحاب الرأي: إن تركه أو أربعة منه؛ فعليه دمٌ. وإن ترك من الثلاثة شيئًا؛ فعليه لكل شوط إطعام مسكين نصف صاع من حنطة. والصحيح مذهب الجمهور على ما يأتي.\nوقول عروة: (ما أرى على أحد لم يطف بين الصفا والمروة شيئًا، وما أبالي\n_________\n(١) سبق تخريجه (١٠٩٤).","vol":"3","page":382},{"text":"المُسلِمُونَ فَكَانَت سُنَّةً، وَإِنَّمَا كَانَ مَن أَهَلَّ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ، الَّتِي بِالمُشَلَّلِ، لَا يَطُوفُونَ بَينَ الصَّفَا وَالمَروَةِ. فَلَمَّا كَانَ الإِسلَامُ سَأَلنَا النَّبِيَّ -ﷺ- عَن ذَلِكَ؟ فَأَنزَلَ اللَّهُ تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالمَروَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَن حَجَّ البَيتَ أَوِ اعتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَلَو كَانَت كَمَا تَقُولُ: لَكَانَت: فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِ أَن لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا. قَالَ الزُّهرِيُّ: فَذَكَرتُ ذَلِكَ لِأَبِي بَكرِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ الحَارِثِ بنِ هِشَامٍ، فَأَعجَبَهُ ذَلِكَ. وَقَالَ: إِنَّ هَذَا العِلمُ، وَلَقَد سَمِعتُ رِجَالًا مِن أَهلِ العِلمِ يَقُولُونَ: إِنَّمَا كَانَ مَن لَا يَطُوفُ بَينَ الصَّفَا وَالمَروَةِ مِن العَرَبِ، يَقُولُونَ: إِنَّ طَوَافَنَا بَينَ هَذَينِ الحَجَرَينِ مِن أَمرِ الجَاهِلِيَّةِ، وَقَالَ آخَرُونَ مِن الأَنصَارِ: إِنَّمَا أُمِرنَا بِالطَّوَافِ بِالبَيتِ وَلَم نُؤمَر بِهِ بَينَ الصَّفَا وَالمَروَةِ، فَأَنزَلَ اللَّهُ: إِنَّ الصَّفَا وَالمَروَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ قَالَ أَبُو بَكرِ بنُ عَبدِ الرَّحمَنِ: فَأُرَاهَا قَد نَزَلَت فِي هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ.\nــ\nألاّ أطوف بهما)؛ إنما فهم هذا عروة من ظاهر قوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ووجه فهمه أن رفع الحرج عن الفعل إنما يشعر بإباحته، لا بوجوبه، وهو مُقتضى ظاهرها؛ إذا لم يعتبر سبب نزولها. فإذا وقف على سبب نزولها تحقق الواقع عليه: أنها إنما أتت رافعة لحرج من تحرَّج من الطواف بينهما على ما يأتي.\nوقد اختلف فيه قولُ عائشة، واختلف الرواة عنها في ذلك. ففي بعض الروايات عنها: أن أهل المدينة كان من أهل منهم لِمَناة؛ لم يطف بينهما. وكأن هؤلاء بقوا بعد الإسلام على ذلك الامتناع حتى أنزلت الآية. وفي بعضها: أن من أهل لإساف ونائلة بالإسلام خافوا ألا يكون مشروعًا لمن لم يهل لهما. فرفع الله تلك التوهمات كلها بقوله: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيهِ﴾ وقد ذكر أبو بكر بن عبد الرحمن عند سماعه قول عائشة -﵂- ما يدل على سببين آخرين، نص عليهما في معنى الحديث، ويرتفع الإشكال، ويصح الجمع بين هذه الروايات المختلفة بالطريق الذي سلكه أبو بكر بن عبد الرحمن؛ حيث قال: فأراها نزلت في هؤلاء","vol":"3","page":383},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ قَالت عائشة: إنَّ الأَنصَارَ كَانُوا قَبلَ أَن يُسلِمُوا، هُم وَغَسَّانُ يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ، فَتَحَرَّجُوا أَن يَطُوفُوا بَينَ الصَّفَا وَالمَروَةِ، وَكَانَ ذَلِكَ سُنَّةً فِي آبَائِهِم، مَن أَحرَمَ لِمَنَاةَ لَم يَطُف بَينَ الصَّفَا وَالمَروَةِ، وَإِنَّهُم سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ أَسلَمُوا فَأَنزَلَ اللَّهُ الآية.\nوفي أخرى: قالت: إِنَّمَا كَانَ ذَلكَ أَنَّ الأَنصَارَ كَانُوا يُهِلُّونَ فِي الجَاهِلِيَّةِ لِصَنَمَينِ عَلَى شَطِّ البَحرِ يُقَالُ لَهُمَا: إِسَافٌ وَنَائِلَةُ، ثُمَّ يَجِيئُونَ فَيَطُوفُونَ بَينَ الصَّفَا وَالمَروَةِ، ثُمَّ يَحلِقُونَ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسلَامُ كَرِهُوا أَن طُوفُوا بَينَهُمَا، لِلَّذِي كَانُوا يَصنَعُونَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، قَالَت: فَأَنزَلَ اللَّهُ الآية.\nــ\nوهؤلاء. فنقول: نزلت الآية جوابًا لجميع هؤلاء الذين ذكرت أسبابهم. ورافعة للحرج عنهم، والله تعالى أعلم.\nو(مناة): صنم كان نصبه عمرو بن لُحَيِّ بجهة البحر بالمشلل. وهو موضع مما يلي قُدَيدًا. وقال ابن الكلبي: مناة: صخرة لهذيل بقديد.\nو(قوله في الرواية الأخرى: (إن الأنصار كانوا يهلُّون في الجاهلية لصنمين على شط البحر؛ يقال لهما: إساف ونائلة) هكذا رواية أبي معاوية عند الكافة من الرواة، وعند ابن الحذَّاء: (في الجاهلية لمناة) وكانت صنمين على شط البحر. وهذا هو الصحيح، كما تقدَّم من قول الكلبي وغيره. قالوا: وأما إساف ونائلة فلم يكونا قط بجهة البحر، وإنما كانا - فيما يقال - رجل اسمه: إساف بن بقاء، ويقال: ابن عمرو، وامرأة اسمها: نائلة ابنة ذئب، ويقال: ديك، ويقال: بنت سهل؛ كانا من جُرهم زنيا في داخل الكعبة؛ فمسخهما الله حجرين، فَنُصبا عند الكعبة. وقيل: بل على الصفا والمروة، لِيُعتبر بهما ويُتَّعظ. ثم حوَّلهما قصي؛ فجعل أحدهما لصق الكعبة، والآخر بزمزم. وقيل: بل جعلهما بزمزم، ونحر عندهما، وأمر بعبادتهما، فلما فتح النبي - ﷺ - مكة كسرهما. والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":384},{"text":"وفي أخرى: قَالَت عَائِشَةُ: قَد سَنَّ رسول الله - ﷺ - الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بهما.\nرواه أحمد (٦/ ١٤٤)، والبخاري (١٦٤٣)، ومسلم (١٢٧٧) (٢٥٩ و٢٦١ و٢٦٣)، والترمذي (٢٩٦٥)، والنسائي (٥/ ٢٣٨).\n* * *\nــ\nوقولها: (لو كانت كما قلت؛ لكانت: فلا جناح عليه (١) ألا يطوف بهما) هذا يدل: على أن الذي روي: أنه في مصحف أُبيّ: (ألا يطوف بهما) بإثبات (ألا) ليس بصحيح؛ إذ لو كان كذلك لكانت عائشة -﵂- أعرف الناس به، ولَمَا خفي عليها، ولا على غيرها ممَّن له عناية بالقرآن.\nوقولها: (قد سن رسول الله - ﷺ - الطواف بينهما)؛ سن: بمعنى شرع وبيَّن. وهو ركن واجب من أركان الحج والعمرة عند جمهور السلف، وفقهاء الخلف، كما تقدم، ولا ينجبر بالدَّم، ومن تركه، أو شوطًا منه؛ عاد إليه ما لم يُصِب النساء؛ فإن أصاب أعاد قابلًا حجة أو عمرة. واستدل الجمهور: بأن الله تعالى قد جعله من الشعائر، وفعله النبي - ﷺ -، وقال: (خذوا عني مناسككم) (٢) وبحديث أم حبيبة بنت أبي تجراة الشيبية، قالت: رأيت رسول الله - ﷺ - يطوف بين الصفا والمروة، وهو يقول: (اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي) (٣) غير أن هذا الحديث تفرَّد به عبد الله بن المؤمِّل، وهو يسيء الحفظ، واستيفاء الاستدلال في مسائل الخلاف.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).\n(٢) رواه مسلم (١٢٩٧)، وأبو داود (١٩٧٠)، والنسائي (٥/ ٢٧٠) من حديث جابر بن عبد الله.\n(٣) رواه أحمد (٦/ ٤٢٢).","vol":"3","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-423>(٣٤) باب متى يقطع الحاج التلبية</span>؟\n[١١٣٢] عَن أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ قَالَ: رَدِفتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مِن عَرَفَاتٍ فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الشِّعبَ الأَيسَرَ، الَّذِي دُونَ المُزدَلِفَةِ، أَنَاخَ فَبَالَ، ثُمَّ جَاءَ فَصَبَبتُ عَلَيهِ الوَضُوءَ فَتَوَضَّأَ، وُضُوءًا خَفِيفًا، ثُمَّ قُلتُ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: الصَّلَاةُ أَمَامَكَ فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى أَتَى المُزدَلِفَةَ، فَصَلَّى، ثُمَّ رَدِفَ الفَضلُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- غَدَاةَ جَمعٍ.\nرواه أحمد (٥/ ٢٠٠)، والبخاري (١٦٦٩)، ومسلم (١٢٨٠)، وأبو داود (١٩٢٥)، والنسائي (١/ ٢٩٢)، وابن ماجه (٣٠١٩).\n[١١٣٣] قال ابنُ عَبَّاسٍ: فَأَخبَرَنِي الفَضلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَم يَزَل يُلَبِّي حَتَّى بَلَغَ الجَمرَةَ.\nــ\n(٣٤) ومن باب: متى يقطع الحاج التلبية؟\n(الشعب): الطريق في الجبل. ويعني بـ (دون المزدلفة): قربها، وناحية منها.\nوقوله: (قلت: الصلاة يا رسول الله!)؛ قيدناه: الصلاة -بالنصب- على أنه مفعولٌ بفعل مضمر، تقديره: أجب الصلاة، ويجوز الرفع على الابتداء وإضمار الخبر؛ أي: الصلاة حضرت. فأما: (الصلاة أمامك) فليس إلا الرفع على الابتداء، والخبر في: (أمامك).\nوقوله: (لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة)؛ أخذ بهذا جماعة من السلف، وجمهور فقهاء الأمصار: الشافعي، والثوري، وأصحاب الرأي. وروي عن مالك. ثم هل يقطعها إذا رمى أوَّل حصاة، أو حتى يُتِمَّ السبع؟ قولان عنهم.","vol":"3","page":386},{"text":"رواه البخاري (١٦٨٦)، ومسلم (١٢٨١)، وأبو داود (١٨١٥)، والترمذي (٩١٨)، والنسائي (٥/ ٢٦٨).\n[١١٣٤] وعَن الفَضلِ بنِ عَبَّاسٍ، وَكَانَ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: فِي عَشِيَّةِ عَرَفَةَ، وَغَدَاةِ جَمعٍ لِلنَّاسِ حِينَ دَفَعُوا: عَلَيكُم بِالسَّكِينَةِ، وَهُوَ كَافٌّ نَاقَتَهُ، حَتَّى دَخَلَ مُحَسِّرًا (وَهُوَ مِن مِنًى) قَالَ عَلَيكُم بِحَصَى الخَذفِ الَّذِي يُرمَى بِهِ الجَمرَةُ. وَقَالَ: لَم يَزَل رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمرَةَ العقبة.\nــ\nومشهور مذهب مالك: أنه يقطعها بعد الزوال من يوم عرفة. ورواه عن علي وابن عمر، وعائشة. وهو مذهب أكثر أهل المدينة. ثم هل يقطعها بعد الزوال، أو بعد الصلاة، أو عند الرَّواح إلى الموقف؟ ثلاثة أقوال في مذهبه. وقال ابن الجلاب: من أحرم من عرفة لبَّى حتى يرمي الجمرة. وقال الحسن بن حيي: حتى يصلِّي الغداة يوم عرفة.\nوإنكار الناس على ابن مسعود التلبية بعد الإفاضة من عرفة؛ دليل على أن عملهم كان على قطعها قبل ذلك، وهو متمسَّك لمالك على أصله في ترجيح العمل على الخبر. وهذا نحو مِمَّا تقدم من إنكار النَّاس على عائشة إدخال الجنازة في المسجد.\nو(الخذف): رمي الحجر بين أصبعين. قال امرؤ القيس:\nكأنَّ الحصا مِن خَلفِها وأمامها (١) ... إذا نجلته رجلها خَذفُ أَعسَرا\nويعني بـ (حصا الخذف): صغار الحصا. وهذا يدلُّ على أن الجمار يُجاء\n_________\n(١) في الأصول:\nكأنَّ صليل المرو حين تشذه ... إذا نجلته رجلها خذف أعسرا\nوالمثبت من (ع) والديوان.","vol":"3","page":387},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: وَالنبي - ﷺ - يشير بيده كما يخذف الإنسان.\nرواه أحمد (١/ ٢٢٥)، ومسلم (١٢٨٢)، والنسائي (٥/ ٢٦٩)، وابن ماجه (٣٠٢٩).\n[١١٣٥] وعَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ يَزِيدَ، أَنَّ عَبدَ اللَّهِ بن المسعود لَبَّى حِينَ أَفَاضَ الناس مِن جَمعٍ. فَقِيلَ: أَعرَابِيٌّ هَذَا؟ فَقَالَ عَبدُ اللَّهِ: أَنَسِيَ النَّاسُ، أَم ضَلُّوا؛ سَمِعتُ الَّذِي أُنزِلَت عَلَيهِ سُورَةُ البَقَرَةِ يَقُولُ فِي هَذَا المَكَانِ: لَبَّيكَ اللَّهُمَّ لَبَّيكَ زاد في أخرى: ثم لبى ولبينا معه.\nرواه مسلم (١٢٨٣) (٢٧٠ و٢٧١)، والنسائي (٥/ ٢٦٥).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-424>(٣٥) باب ما يقال في الغدو من منى إلى عرفات</span>\n[١١٣٦] عن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: غَدَونَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِن مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ مِنَّا المُلَبِّي، وَمِنَّا المُكَبِّرُ.\nــ\nبها إلى موضع الرمي من غير موضع الرمي لئلا يُرمى بما قد رُمِي به، وذلك لا يجوز. واستحبَّ مالك لقطها على كسرها. وغيره يستحب كسرها، وكلٌّ جائز. وتخصيص عبد الله بسورة البقرة بالذكر؛ لأن معظم أحكام الحج فيها مذكورة. والله تعالى أعلم.\n(٣٥) ومن باب: ما يقال في الغدوِّ من منى إلى عرفات\nظاهر هذا الحديث؛ بل وأحاديث هذا الباب: جواز التلبية، والتكبير،","vol":"3","page":388},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: وَمِنَّا المهلل، فأما نحن فنكبر.\nرواه مسلم (١٢٨٤) (٢٧٢ و٢٧٣)، وأبو داود (١٨١٦)، والنسائي (٥/ ٢٥٠).\n[١١٣٧] وعَن مُحَمَّدِ بنِ أَبِي بَكرٍ الثَّقَفِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ أَنَسَ بنَ مَالِكٍ وَهُمَا غَادِيَانِ مِن مِنًى إِلَى عَرَفَات: كَيفَ كُنتُم تَصنَعُونَ فِي هَذَا اليَومِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ فَقَالَ: كَانَ يُهِلُّ المُهِلُّ مِنَّا فَلَا يُنكَرُ عَلَيهِ، وَيُكَبِّرُ المُكَبِّرُ مِنَّا، فَلَا يُنكَرُ عَلَيهِ.\nرواه البخاري (١٦٥٩)، ومسلم (١٢٨٥) (٢٧٤)، والنسائي (٥/ ٢٥٠).\n* * *\nــ\nوالتهليل بالغدوِّ إلى عرفات، والإفاضة منها. وبذلك قال مالك وغيره، ولا نعلم خلافًا في جواز ذلك؛ مع أن التلبية أفضل في الحج والعمرة إلى وقت قطعها، وقد ذكرنا متى يقطعها الحاج. فأما المعتمرون: فعند مالك إن أحرم من التنعيم فيقطعها إذا رأى الحرم. وعنه: أنه إن أحرم من الجعرانة قطع إذا دخل مكة (١). وعند أبي حنيفة، والشافعي: يقطعها المعتمر إذا ابتدأ الطواف. ولم يفرقا بين القرب والبعد.\n* * *\n_________\n(١) في النسخ جميعها: منه بدل مكة، وهو خطأ، والتصحيح من: إكمال إكمال المعلم للأُبِّيِّ (٣/ ٣٩٢).","vol":"3","page":389},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-425>(٣٦) باب الإفاضة من عرفة والصلاة بمزدلفة</span>\n[١١٣٨] عَن أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ قال: دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِن عَرَفَةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعبِ نَزَلَ فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَلَم يُسبِغ الوُضُوءَ.\n- وَفِي رِوَايَةٍ: تَوضأ وضوءا خفيفا - فَقُلتُ لَهُ: الصَّلَاةَ قَالَ: الصَّلَاةُ أَمَامَكَ فَرَكِبَ فَلَمَّا جَاءَ المُزدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ، فَأَسبَغَ الوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَت الصَّلَاةُ، فَصَلَّى المَغرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَت العِشَاءُ فَصَلَّاهَا، وَلَم يُصَلِّ بَينَهُمَا شَيئًا.\nــ\n(٣٦) ومن باب الإفاضة من عرفة والصلاة بمزدلفة (١)\nقوله في حديث أسامة: (أنه - ﷺ - نزل فبال، ثم توضأ، ولم يسبغ الوضوء)؛ أي: لم يكمله. وهل اقتصر على بعض الأعضاء؛ فيكون وضوءًا لغويًا؟ أو اقتصر على بعض الأعداد - وهو الواحدة مع استيفاء الأعضاء - فيكون وضوءًا شرعيًّا؟ قولان لأهل الشرح. وكلاهما محتمل. وقد عضد من قال بالشرعي قوله بقول الراوي: (وضوءًا خفيفًا). فإنه لا يقال في النَّاقص من الأصل: خفيف؛ وإنما يقال: خفيف؛ في ناقص الكيفية. ولا خلاف في أن قوله: (فأسبغ الوضوء): أنه شرعي.\nوقوله: (ثم أقيمت الصلاة، فصلَّى المغرب، ثم أقيمت العشاء)؛ دليل على جواز على الإقامة في الجمع من غير أذان. وقد تقدم الخلاف في ذلك في حديث جابر، وأنه ذكر فيه الأذان للأولى. ويحتمل قوله: (أقيمت) - هاهنا -: شرع فيها، ففعلت بأحكامها، كما يقال: أقيمت السُّوق، إذا حرك فيها ما يليق بها من البيع والشراء. ولم يقصدِ الإخبار عن الإقامة، بل عن الشروع.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ليس في الأصول، واستدرك من التلخيص.","vol":"3","page":390},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: فَرَكِبَ حَتَّى جِئنَا المُزدَلِفَةَ، فَأَقَامَ المَغرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ النَّاسُ فِي مَنَازِلِهِم، وَلَم يَحُلُّوا حَتَّى أَقَامَ العِشَاءَ الآخِرَةَ فَصَلَّى، ثُمَّ حَلُّوا قُلتُ: وَكَيفَ فَعَلتُم حِينَ أَصبَحتُم؟ قَالَ: رَدِفَهُ الفَضلُ بنُ عَبَّاسٍ، وَانطَلَقتُ أَنَا فِي سُبَّاقِ قُرَيشٍ عَلَى رِجلَيَّ.\nتقدم تخريجه برقم (١١٣٢) باب رقم (٣٤).\n[١١٣٩] وعن هِشَامٌ، عَن أَبِيهِ قَالَ: سُئِلَ أُسَامَةُ، وَأَنَا شَاهِدٌ (أَو قَالَ: سَأَلتُ أُسَامَةَ بنَ زَيدٍ) وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَردَفَهُ مِن عَرَفَاتٍ: كَيفَ\nــ\nوقوله: (ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله)؛ يعني: أنهم بادروا بالمغرب عند وصولهم إلى المزدلفة، فصلوها قبل أن يُنَوِّخوا إبلهم، ثم لما فرغوا من صلاة المغرب نوَّخوها، ولم يحلُّوا رحالهم من عليها، كما قال في الرواية الأخرى؛ وكأنها شوَّشت عليهم بقيامها، فأزالوا ما شوَّش عليهم. ويُستدل به على جواز العمل اليسير بين الصلاتين المجموعتين.\nوقوله: (ولم يصل بينهما شيئًا)؛ حجَّة على من أجاز التنفل بين الصلاتين المجموعتين. وهو قول ابن حبيب من أصحابنا. وخالفه بقية أصحابنا، فمنعوه.\nوقوله: (ولم يَحلُّوا) - بضم الحاء -؛ يعني: أنهم لم يَحلُّوا رحالهم، ولا سبيل إلى كسر الحاء، كما توهمه من جَهِل.\nوقوله: (كيف فعلتم حين أصبحتم؟ قال: رَدِفَه الفضلُ ابن عباس، وانطلقتُ أنا في سُبَّاق قريش على رجليّ)؛ فظهر منه أن هذا الجواب غير مطابق لما سأله عنه، فإنه سأله عن كيفية صنعهم للنسك، فأجابه بإردافه الفضل بن العباس، وسبقه على رجليه. وليس كذلك، بل هو مُطابقٌ؛ لأنه أخبره بما يتضمن نفرهم من المزدلفة إلى منى، فكأنه قال: نفرنا إلى منى.","vol":"3","page":391},{"text":"كَانَ سِيرُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ أَفَاضَ مِن عَرَفَةَ؟ قَالَ: كَانَ يَسِيرُ العَنَقَ فَإِذَا وَجَدَ فَجوَةً نَصَّ، قَالَ هِشَامٌ: وَالنَّصُّ فَوقَ العَنَقِ.\nرواه البخاري (١٦٦٦)، ومسلم (١٢٨٦) (٢٨٣ و٢٨٤)، وأبو داود (١٩٢٣)، والنسائي (٥/ ٢٥٩).\n[١١٤٠] وعن ابن عمر قَالَ: جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَينَ المَغرِبِ، وَالعِشَاءِ بِجَمعٍ لَيسَ بَينَهُمَا سَجدَةٌ، وَصَلَّى المَغرِبَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، وَصَلَّى العِشَاءَ رَكعَتَينِ.\n- وَفِي رِوَايَةٍ: بِإِقَامِةٍ واحدة - فَكَانَ عَبدُ اللَّهِ يُصَلِّي بِجَمعٍ كَذَلِكَ، حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ ﷿.\nرواه البخاري (١٦٦٨)، ومسلم (١٢٨٨) (٢٨٧ و٢٨٩)، وأبو داود (١٩٢٦)، والنسائي (٥/ ٢٦٤).\n* * *\nــ\nو(العَنَق): سيرٌ فيه رفق. و(الفجوة): المتسع من الأرض. و(النص): أرفع السير؛ ويعني: أنه كان إذا زاحمه الناس سار برفق لأجلهم، وإذا زال الزحام أسرع. وهذا يدل: على أن أصل المشروعية في ذلك الموضع الإسراع.\nوقوله: (ليس بينهما سجدة)؛ يعني به: الركعة، وقد تقدم أن ذلك كلام أهل الحجاز، ويسمون الركعة: سجدة (١) وقدّمنا أن الجمع بين الصلاتين بعرفة والمزدلفة مجمعٌ عليه، وأنه اختلف فيما سوى ذلك في كتاب الصلاة.\nوقوله: (بإقامة واحدة)؛ ظاهره للصلاتين، وهو خلاف ما تقدم. ويحتمل أن يريد به إقامة واحدة لكل صلاة. ويتحرَّز بذلك من الأذان. وقد تقدم: أن جمعًا، والمزدلفة، والمشعر الحرام، وقزح، أسماءٌ لموضع واحد.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).","vol":"3","page":392},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-426>(٣٧) باب التغليس بصلاة الصبح بالمزدلفة والإفاضة منها، وتقديم الظغن والضعفة</span>\n[١١٤١] عَن عَبدِ اللَّهِ، قَالَ: مَا رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- صَلَّى صَلَاةً إِلَّا لِمِيقَاتِهَا، إِلَّا صَلَاتَينِ: صَلَاةَ المَغرِبِ، وَالعِشَاءِ بِجَمعٍ، وَصَلَّى الفَجرَ يَومَئِذٍ قَبلَ مِيقَاتِهَا.\nوَفِي رِوَايَةِ: قَبلَ وَقتِهَا بِغَلَسٍ.\nرواه أحمد (١/ ٤٣٤)، والبخاري (١٦٨٢)، ومسلم (١٢٨٩).\nــ\n(٣٧) ومن باب: التغليس بصلاة الصبح بالمزدلفة\nقول ابن مسعود: (إنه - ﷺ - صلَّى الفجر يومئذ قبل ميقاتها) لا يفهم من ذلك: أنه يعني بذلك: أنه أوقع صلاة الصبح قبل طلوع الفجر، فإن ذلك باطل بالأدلة القاطعة؛ وإنما يعني بذلك: أنه - ﷺ - أوقع الصبح يومئذ قبل الوقت الذي كان يوقعها فيه في غير ذلك اليوم، وذلك أنه - ﷺ - (١) كان إذا أتاه المؤذن يخبره (٢) بالفجر صلَّى ركعتي الفجر في بيته، وربما تأخر قليلًا ليجتمعوا، ثم يخرج فيصلي، ومع ذلك فكان يصلِّيها بغلس كما قال ابن عباس، وعائشة، وغيرهما. وأما في هذا اليوم: فكان الناس مجتمعين والفجر نصب أعينهم، فبأول طلوع الفجر ركع ركعتي الفجر، وشرع في صلاة الصبح، ولم يتربَّص لاجتماع الناس، وليتفرغوا للدعاء، فصار فعل هذه الصلاة في هذا اليوم قبل وقتها المعتاد.\nو(حطم الناس): زحمتهم؛ لأن بعضهم يحطم بعضًا من أجل الزحام، وأصل الحطم: كسر الحطام،\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) من هامش (هـ).","vol":"3","page":393},{"text":"[١١٤٢] وعَن عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَت: استَأذَنَت سَودَةُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَيلَةَ المُزدَلِفَةِ، تَدفَعُ قَبلَهُ، وَقَبلَ حَطمَةِ النَّاسِ، وَكَانَت امرَأَةً ضخمة ثَبِطَةً، قَالَت: فَأَذِنَ لَهَا، فَخَرَجَت قَبلَ دَفعِةِ الناس، وَحَبَسَنَا حَتَّى أَصبَحنَا، فَدَفَعنَا بِدَفعِهِ، وَلَأَن أَكُونَ استَأذَنتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، كَمَا استَأذَنَتهُ سَودَةُ، فَأَكُونَ أَدفَعُ بِإِذنِهِ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِن مَفرُوحٍ بِهِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: قَالَت عَائِشَةَ: فَاستَأذَنَت سَودَةُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَن تُفِيضَ مِن جَمعٍ بِلَيلٍ. فَأَذِنَ لَهَا. وفيها وكانت عَائِشَةُ: لا تفيض إلا مع الإمام.\nوفي أخرى: قَالَت عَائِشَةُ: وَدَدَتُ أني كنت استَأذَنتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَمَا استَأذَنَتهُ سَودَةُ، فَأُصَلِّي الصُّبحَ بِمِنًى، فَأَرمِي الجَمرَةَ قَبلَ أَن يَأتِيَ النَّاسُ.\nرواه البخاري (١٦٨٠)، ومسلم (١٢٩٠)، والنسائي (٥/ ٢٩٢)، وابن ماجه (٣٠٢٧).\nــ\nوهو اليابس من الزرع وغيره.\nو(الثبطة): الثقيلة، كأنها تثبط بالأرض؛ أي: تتثبت، وتتحبس.\nو(المَفرُوح به): هو كل شيء مُعجِبٌ، له بالٌ، بحيث يُفرح به؛ كما قد جاء في غير موضع: (هو أحب إليَّ من حمر النعم).\nو(الظعن): جمع ظعينة. وهن النساء في الهوادج. و(هنتاه): منادى: هنة؛ التي هي مؤنث هن؛ الذي هو كناية عن نكرة؛ كشيء، ونحوه. ولا يستعمل: هناه، ولا هنتاه إلا في النداء خاصة. ونون هنتاه ساكنة، وأصل هائه أن تكون ساكنة؛ لأنها للسكت، لكنهم قد شبهوها بالضمائر فأثبتوها في الوصل، وضموها، كما قال امرؤ القيس:\nوقد رابَنِي قَولُها يا هَنا ... هُ وَيحَكَ ألحَقتَ شَرًّا بِشَرِّ\nفقولهم: يا هناه؛ كقولك: يا رجلُ. و: يا هنتاه؛ كـ: يا امرأة.","vol":"3","page":394},{"text":"[١١٤٣] وعن عَبدُ اللَّهِ مَولَى أَسمَاءَ، قَالَ: قَالَت لِي أَسمَاءُ: وَهِيَ عِندَ دَارِ المُزدَلِفَةِ: هَل غَابَ القَمَرُ؟ قُلتُ: لَا. فَصَلَّت سَاعَةً. ثُمَّ قَالَت:\nــ\nوفي هذه الأحاديث ما يدل على أن الكون بالمزدلفة بعد الوقوف بعرفة من شعائر الحج، ومناسكه. ولا خلاف في ذلك؛ إلا خلافًا شاذًّا روي عن عطاء، والأوزاعي: أن جمعًا منزل كسائر منازل السَّفر، من شاء طواه، ومن شاء نزل به، ورحل متى شاء.\nثم اختلف القائلون: بأنه مشروع. فمنهم من ذهب إلى أنه ركن يبطل الحج بفواته. وإليه ذهب أبو عبيد القاسم بن سلام. وقال علقمة، والشعبي، والنخعي: من فاته جمع، ولم يقف به؛ فقد فاته الحج. والجمهور: على أنه يلزمه بفواته دم والحج صحيح.\nثم اختلف في القدر الذي يجزئ من ذلك. فقال الشافعي: إن خرج منها بعد نصف الليل فلا شيء عليه. وإن كان قبل ولم يعد إليها؛ افتدى بشاة. وقال مالك: من نزل بها؛ فلا دم عليه في أي وقت دفع منها، وإن مرّ ولم ينزل؛ فعليه الدم.\nوأما الوقوف بالمشعر الحرام: فقد صار الشافعي، والنخعي، والأوزاعي: إلى أنه إن فاته الوقوف به؛ فقد فاته الحج. واختلف فيه عن الثوري. والجمهور: على أنه ليس بواجب. ثم اختلفوا. فقال الكوفيون، وفقهاء أصحاب الحديث: على تاركه دم. وذهب مالك: إلى أنه مستحب، ولا يجب بتركه دم.\nوسبب هذا الخلاف معارضة ظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضتُم مِن عَرَفَاتٍ فَاذكُرُوا اللَّهَ عِندَ المَشعَرِ الحَرَامِ﴾؛ لما ثبت من السنة في إذنه - ﷺ - لضعفة أهله في الدفع من المزدلفة قبل طلوع الفجر إلى منى، ولم يأمرهم بالوقوف، ولا بالدم على الترك (١)، فدلّ ذلك على أنه ليس بواجب، ولا في تركه دم، وما أمر به عبد الله بن عمر مَن قدَّمه من ضعفة أهله من الوقوف عند المشعر الحرام، فذلك على جهة الاستحباب (٢) منه، وهو حسنٌ لمن فعله. وهذه\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (هـ).\n(٢) في (هـ) و(ل): الاستحسان.","vol":"3","page":395},{"text":"يَا بُنَيَّ هَل غَابَ القَمَرُ؟ قُلتُ: نَعَم قَالَت: ارحَل بنِي! فَارتَحَلنَا حَتَّى رَمَت الجَمرَةَ، ثُمَّ صَلَّت فِي مَنزِلِهَا. فَقُلتُ: لَهَا أَي هَنتَاه لَقَد غَلَّسنَا قَالَت: كَلَّا أَي بُنَيَّ! إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أَذِنَ لِلظُّعُنِ.\nرواه البخاري (١٦٧٩)، ومسلم (١٢٩١)، وأبو داود (١٩٤٣)، والنسائي (٥/ ٢٦٦).\n[١١٤٤] وعن أُمِّ حَبِيبَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- بَعَثَ بِهَا مِن جَمعٍ بِلَيلٍ، وَفِي رِوَايَةِ: نُغَلِّسُ.\nرواه مسلم (١٢٩٢) (٢٩٨ و٢٩٩)، والنسائي (٥/ ٢٦٢).\nــ\nالأحاديث تدل على أن الدفع للضَّعفة من المزدلفة قبل طلوع الفجر رخصة، ولا خلاف في أن الأولى والأفضل المكث بالمزدلفة إلى أن يُصلِّى الفجر بها، ثم يقف بالمشعر الحرام، ثم يدفع منها بعد ذلك، كما فعله النبي - ﷺ -. ثم هل تلك الرخصة تختص بالإمام أو تتعدى إلى غيره ممن يحتاج إلى ذلك؟ قولان عندنا. وابن عمر راوي الحديث فهم التعدِّي، وأن من احتاج إلى ذلك فعله، وهو الصحيح.\nوقوله: (فارتحلت حتى رمت الجمرة، ثم صلت في منزلها)؛ يعني: صلاة الصبح. وظاهره: أن أسماء رمت الجمرة قبل طلوع الفجر. وهو متمسك الشافعي على قوله بجواز رمي الجمرة من نصف الليل. وذهب الثوري، والنخعي: إلى أنها لا ترمى إلا بعد طلوع الشمس؛ متمسكين بما في كتاب النسائي من حديث ابن عباس: أنه - ﷺ - قدَّم ضعفة أهله، وأمرهم ألا يرموا حتى تطلع الشمس (١). وهو صحيح. ومذهب مالك: أن الرمي يحلُّ بطلوع الفجر. متمسِّكًا بقول عائشة:\n_________\n(١) رواه النسائي (٥/ ٢٦١).","vol":"3","page":396},{"text":"[١١٤٥] وعن ابنَ عَبَّاسٍ قَالَ: بَعَثَ بِي نبي اللَّهِ -ﷺ- بِسَحَرٍ مِن جَمعٍ فِي ثَقَلِ نَبِيِّ اللَّهِ.\nرواه البخاري (١٦٧٧)، ومسلم (١٢٩٤)، وأبو داود (١٩٣٩)، والترمذي (٨٩٢)، والنسائي (٥/ ٢٦١)، وابن ماجه (٣٠٢٦).\n[١١٤٦] وعن سَالِمَ بنَ عَبدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبدَ اللَّهِ بنَ عُمَرَ كَانَ يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهلِهِ، فَيَقِفُونَ عِندَ المَشعَرِ الحَرَامِ بِالمُزدَلِفَةِ بِاللَّيلِ، فَيَذكُرُونَ اللَّهَ مَا بَدَا لَهُم، ثُمَّ يَدفَعُونَ قَبلَ أَن يَقِفَ الإِمَامُ، وَقَبلَ أَن يَدفَعَ فَمِنهُم مَن يَقدَمُ مِنًى لِصَلَاةِ الفَجرِ، وَمِنهُم مَن يَقدَمُ بَعدَ ذَلِكَ، فَإِذَا قَدِمُوا رَمَوا الجَمرَةَ وَكَانَ ابنُ عُمَرَ يَقُولُ: أَرخَصَ فِي أُولَئِكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-.\nرواه البخاري (١٦٧٦)، ومسلم (١٢٩٥).\n* * *\nــ\nفأصلي الصبح بمنًى، وأرمي الجمرة (١). وبحديث ابن عمر، وإليه ذهب أحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي.\nو(قول ابن عباس: بعثني رسول الله - ﷺ - من جمع في ثَقَله بسَحَر)؛ بغير صرف، وهو الصواب؛ لأنه سحر معينٌ. و(ثقل): بفتح الثاء والقاف: وهو الشيء الذي يثقل حامله (٢).\n* * *\n_________\n(١) سبق تخريجه برقم (١٤٤٢).\n(٢) هنا نهاية النسخة الظاهرية.","vol":"3","page":397},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-427>(٣٨) باب رمي جمرة العقبة</span>\n[١١٤٧] عَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ يَزِيدَ قَالَ: رَمَى عَبدُ اللَّهِ بنُ مَسعُودٍ جَمرَةَ العَقَبَةِ مِن بَطنِ الوَادِي، بِسَبعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ.\nزَادَ فِي رِوَايَةٍ: وَجَعَلَ البيت عن يساره، ومنى عن يمينه - قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ نَاسًا يَرمُونَهَا مِن فَوقِهَا. فَقَالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ مَسعُودٍ: هَذَا وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيرُهُ مَقَامُ الَّذِي أُنزِلَت عَلَيهِ سُورَةُ البَقَرَةِ.\nرواه أحمد (١/ ٤١٥)، والبخاري (١٧٤٨)، ومسلم (١٢٩٦) (٣٠٥ و٣٠٧)، وأبو داود (١٩٧٤)، والترمذي (٩٠١)، والنسائي (٥/ ٢٧٣).\nــ\n(٣٨) ومن باب: رمي جمرة العقبة\nالجمهور: على أن رمي جمرة العقبة سُنَّة مؤكدة، يجب بتركها دم، وذهب عبد الملك: إلى أنها ركن من أركان الحج، وعليه: فإن تَرَكَها بَطل حجّه كسائر الأركان. ولا خلاف في أنها ترمى بسبع يوم النحر قبل الزوال، ولا خلاف في استحباب رميها - على ما في حديث ابن مسعود - من بطن الوادي، والبيت عن يساره، ومنى عن يمينه، وإن رميها من غير ذلك جائز إذا رمى في موضع الرَّمي. وقد روي: أن عمر جاء فوجد الزحام، فرماها من فوقها. ولا خلاف في استحباب التكبير مع كل حصاة، غير أنه حكى الطبري عن بعض الناس أنه قال: إنما جُعل الرمي حفظًا للتكبير، فلو ترك الرمي تارك وكبَّر أجزأه، وروي نحوه عن عائشة -﵂-. وهو خلاف شاذّ. وكان ابن عمر، وابن مسعود يقولان عند رمي الجمار: اللهم اجعله حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا. وتُرمى سائر الجمار ما عدا جمرة العقبة من فوقها. وكل جمرة ترمي بسبع، فمن رماها بأقل، وفاته جَبر ذلك","vol":"3","page":398},{"text":"[١١٤٨] وعن جَابِر بن عبد الله قال: رَأَيتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَرمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَومَ النَّحرِ، وَيَقُولُ لنا: خذوا عني مَنَاسِكَكُم، فَإِنِّي لَا أَدرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعدَ حَجَّتِي هَذِهِ.\nرواه مسلم (١٢٩٧)، وأبو داود (١٩٧٠)، والنسائي (٥/ ٢٧٠).\nــ\nكان عليه دم عند مالك، والأوزاعي، وذهب الشافعي وأبو ثور: إلى أن على تارك حصاة مدًّا من طعام، وفي اثنتين مُدَّان، وفي ثلاث فأكثر دم. وقال أبو حنيفة وصاحباه: لو ترك أقل من نصف الجمرات الثلاث ففي كل حصاة نصف صاع، وإن كان أكثر من نصفها فعليه دم. وقال مالك: إن نسي جمرة تامة أو الجمار كلها فعليه بدنة، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فشاة. وقال عطاء فيمن رمى بخمس، ومجاهد فيمن رمى بست: لا شيء عليه. واتفقوا: على أنه بخروج أيام التشريق يفوت الرَّمي إلا ما قاله أبو مصعب: أنه يرمي ما ذكر كمن نسي صلاة؛ يصليها متى ما ذكرها.\nو(قوله لنا: (خذوا مناسككم)؛ صحيح روايتنا فيه: (لنا) بلام الجر المفتوحة، والنون، وهو الأفصح. وقد روي: (لتأخذوا) بكسر اللام للأمر، وبالتاء باثنتين من فوقها، وهي لغة شاذة. وقد قرأ بها رسول الله - ﷺ -: ﴿فَبِذَلِكَ فَليَفرَحُوا﴾ (١) وهو أمر للاقتداء به، وحوالة على فعله الذي وقع به البيان لمجملات الحج في كتاب الله. وهذا كقوله لما صلى: (صلُّوا كما رأيتموني أصلي) (٢). ويلزم من هذين الأمرين: أن يكون الأصل في أفعال الصلاة والحج\n_________\n(١) قال النحاس: سبيل الأمر أن يكون باللام ليكون معه حرف جازم، كما أن مع النهي حرفًا، إلا أنهم يحذفونها من الأمر للمخاطب استغناءً بمخاطبته، وربما جاؤوا به على الأصل كما في هذه القراءة. (تفسير القرطبي ٨/ ٣٥٤).\n(٢) رواه أحمد (٥/ ٥٣)، والبخاري (٦٨٥)، ومسلم (٦٧٤)، والنسائي (٢/ ٩).","vol":"3","page":399},{"text":"[١١٤٩] وعَن أُمِّ الحُصَينِ قالت: حَجَجتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حَجَّةَ الوَدَاعِ، فَرَأَيتُهُ حِينَ رَمَى جَمرَةَ العَقَبَةِ، وَانصَرَفَ، وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَمَعَهُ بِلَالٌ، وَأُسَامَةُ: أَحَدُهُمَا يَقُودُ بِهِ رَاحِلَتَهُ، وَالآخَرُ يَرفَعُ ثَوبَهُ عَلَى رَأسِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِن الشَّمسِ، قَالَت: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَولًا كَثِيرًا، ثُمَّ\nــ\nالوجوب؛ إلا ما خرج بدليلٍ؛ كما ذهب إليه أهل الظاهر، وحكي عن الشافعي.\nوكونه - ﷺ - رمى راكبًا لِيُظهر للناس فعله على ما قررناه في طوافه، وسعيه في حديث جابر.\nو(قوله: (والآخر يرفع ثوبه على رأس رسول الله - ﷺ - من الشمس)؛ تعلق بهذا من جوَّز المحرم، وقد تقدَّم (١)، وكره مالك ذلك، وأجاب بعض أصحابه عن هذا الحديث: بأن هذا القدر لا يكاد يدوم. كما أجاز مالك للمحرم أن يستظل بيده. وقال: ما أيسر ما يذهب ذلك، وقد روي: أن عمر ﵁ رأى رجلًا جعل ظلًا على مَحمَلِه؛ فقال: أضح لمن أحرمت له، أي: ابرز إلى الضحاء. وقال الرياشيّ: رأيت أحمد بن المعدِّل في يوم شديد الحرِّ، فقلت: يا أبا الفضل! هلا استظللت! فإن في ذلك توسعة فيه، فأنشد:\nضَحِيتُ لَهُ كَي أستَظِلَّ بِظِلِّهِ ... إذا الظِّلُّ أضحَى في القِيَامَةِ قَالِصا\nفَوَا أَسَفا إن كان سَعيُكَ ضَائِعًا ... وواحَسرَتا إن كان أجرُكَ ناقِصًا\nقال صاحب الأفعال: يقال: ضحيت، وضحوت، ضحيًا، وضحوًا: برزت للشمس. وضحيت، ضحًا: أصابتني الشمس. قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّكَ لا تَظمَأُ فِيهَا وَلا تَضحَى﴾\n_________\n(١) في (ج): المحرم راكبًا كما تقدَّم.","vol":"3","page":400},{"text":"سَمِعتُهُ يَقُولُ: إِن استعمل عَلَيكُم عَبدٌ مُجَدَّعٌ (حَسِبتُهَا قَالَت) يَقُودُكُم بِكِتَابِ اللَّهِ فَاسمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا.\nرواه أحمد (٦/ ٤٠٢)، ومسلم (١٢٩٨) (٣١١)، والترمذي (١٧٠٦)، والنسائي (٧/ ١٥٤)، وابن ماجه (١٨٦١).\n[١١٥٠] وعن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ قال: رَأَيتُ النَّبِيَّ -ﷺ- رَمَى الجَمرَةَ بِمِثلِ حَصَى الخَذفِ.\nرواه مسلم (١٢٩٩)، والترمذي (٨٩٧)، والنسائي (٥/ ٢٧٨).\n[١١٥١] وعنه قَالَ: رَمَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الجَمرَةَ يَومَ النَّحرِ ضُحًى\nــ\nوقوله: (وإن استُعمل عليكم عبدٌ مجدَّعٌ): أي: مقطوع الأنف أو الأطراف. والجدع: القطع. والعبد الذي يكون في هذه الضعة هو في نهاية الضعة والخِسَّة. ويفهم منه: وجوب الطاعة لمن ولي شيئًا من أمور المسلمين إذا عدل فيهم. ولا تنزع يد من طاعته، ولا ينظر إلى نسبه ومنصبه، فيما عدا الإمامة الكبرى.\nو(قوله: (رمى الجمرة بمثل حصى الخذف)؛ قد تقدَّم: أن معنى الخذف: رمي الحصى الصغار. واختلف في مقدارها. وكلهم يكرهون الكبار؛ لما جاء عنه - ﷺ -: أنه قال في هذا: (إيَّاكم والغلوّ في الدِّين) (١). وأكثر ما قيل في ذلك: ما روي عن ابن عباس: أن حصاه كان مثل البندقة. وقال عطاء: مثل طرف الإصبع. وقال الشافعي: أصغر من الأنملة طولًا وعرضًا. وروي عن ابن عمر: مثل بعر الغنم. وروي عن مالك: أكبر من ذلك أعجب إلي.\nو(قوله: رمى رسول الله - ﷺ - الجمرة يوم النحر ضحًى)؛ لا خلاف في أن هذا\n_________\n(١) رواه النسائي (٥/ ٢٦٨) من حديث ابن عباس.","vol":"3","page":401},{"text":"وَأَمَّا بَعدُ فَإِذَا زَالَت الشَّمسُ.\nرواه البخاري تعليقًا (٣/ ٥٧٩)، ومسلم (١٢٩٩) (٣١٤)، وأبو داود (١٩٧١)، والترمذي (٨٩٤)، والنسائي (٥/ ٢٧٠)، وابن ماجه (٣٠٥٣).\n[١١٥٢] وعَنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: الِاستِجمَارُ تَوٌّ، وَرَميُ\nــ\nهو الوقت الأحسن لرميها. واختلف فيمن رماها قبل طلوع الفجر. وقد تقدم من مذهب الشافعي -﵀- جواز ذلك. وبه قال عطاء بن أبي رباح، وابن أبي مليكة، وعكرمة بن خالد. وقال مالك وجماعة معه: إن ذلك لا يجزئ، وإن فعله أعاد الرمي. فأمَّا بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس فقد تقدَّم مَن قال بجواز ذلك، وذكرنا حديث ابن عباس في المنع من ذلك، غير أن أبا بكر بن المنذر قال: من رماها بعد طلوع الفجر، وقبل طلوع الشمس فلا إعادة عليه، ولا أعلم أحدًا قال: لا يجزئه. فيلزم من هذا: أن الاتفاق قد حصل على أن ذلك إن وقع أجزأ، فيكون محمل النهي عن ذلك في حديث ابن عباس على كراهة الإقدام عليه في ذلك الوقت.\nو(قوله: وأما بعد فإذا زالت الشمس)؛ يعني: بعد جمرة العقبة. وهذا كقول (١) كافة العلماء والسلف، غير أن طاوسًا وعطاءً قالا: يجزئه في الثلاثة الأيام قبل الزوال. وقال أبو حنيفة وإسحاق: يجزئ (٢) في اليوم الثالث الرمي قبل الزوال. وهذا الحديث حجة عليهم.\nوقوله: (الاستجمار توٌّ)؛ قد تقدَّم في كتاب الطهارة: أن الاستجمار يُقال على استعمال الحجارة في محل الغائط والبول، ويقال على استعمال مجمرة\n_________\n(١) في (هـ) و(ل): قول.\n(٢) في النسخ: يجوز، والمثبت من (ج).","vol":"3","page":402},{"text":"الجِمَارِ تَوٌّ، وَالسَّعيُ بَينَ الصَّفَا وَالمَروَةِ تَوٌّ، وَالطَّوَافُ تَوٌّ، وَإِذَا استَجمَرَ أَحَدُكُم فَليَستَجمِر بِتَوٍّ.\nرواه مسلم (١٣٠٠).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-428>(٣٩) باب في الحلاق والتقصير</span>\n[١١٥٣] عن ابن عمر، قال: حَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَحَلَقَ طَائِفَةٌ مِن\nــ\nالبخور. وذكرنا هناك اختيار مالك فيها. وقد ذكر في هذا الحديث الاستجمار مرتين، فيحسن في هذا الحديث أن يحمل أحدهما: على استعمال الحجارة في المخرجين، والآخر: على استعمال البخور، كما صار إليه مالك. ويجوز حمل الثاني على التأكيد، وفيه بُعد.\nو(التوّ): الوتر والفرد. وفي الحديث: (فما مضت إلا توَّة واحدة) (١)؛ أي: ساعة واحدة. ويقال في غير هذا: جاء فلان توًّا؛ أي: قاصدًا لا يعرج على شيء. ولا خلاف في وجوب الوتر في السعي، والطواف، ورمي الجمار. واختلف في الاستنجاء على ما مضى (٢).\n(٣٩) ومن باب: الحلاق والتقصير\nأحاديث هذا الباب تدل: على أن الحِلاق نُسك يثاب فاعله. وهو مذهب\n_________\n(١) ذكره ابن الأثير في النهاية (١/ ٢٠١).\n(٢) في هامش مخطوطة التلخيص:\nالتَّوُّ: الوتر، ويكون على وجهين:\nأحدهما: أن الطوافَ سبعةُ أطواف، وكذلك السعي سبع، وهو غير شفع.\nوالوجه الآخر: أنَّ الطوافَ الواجبَ طوافٌ واحد، لا يثنّى، ولا يكرر، وكذلك السعي، سواء أكان المحرم مفردًا أو قارِنًا.","vol":"3","page":403},{"text":"أَصحَابِهِ، وَقَصَّرَ بَعضُهُم، قَالَ عَبدُ اللَّهِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ مَرَّةً، أَو مَرَّتَينِ، ثُمَّ قَالَ: (وَالمُقَصِّرِينَ).\nرواه أحمد (٢/ ١١٩ و١٤١)، والبخاري (١٧٢٧)، ومسلم (١٣٠١) (٣١٦)، وأبو داود (١٩٧٩)، والترمذي (٩١٣)، وابن ماجه (٣٠٤٤).\nــ\nالجمهور. وذهب الشافعي في أحد قوليه، وأبو ثور، وأبو يوسف، وعطاء: إلى أنه ليس بنسك، بل هو مباح. قال الشافعي: لأنه ورد بعد الحظر، فحُمِل على الإباحة، كاللباس، والطيب. وهذه الأحاديث ترد عليهم من وجهين:\nأحدهما: أنها تضمنت أن كل واحد من الحِلاق والتقصير فيه ثواب، ولو كان مباحًا لاستوى فعله وتركه.\nوثانيهما: تفضيل الحِلاق على التقصير. ولو كانا مباحين لما كان لأحدهما مزية على الآخر في نظر الشرع.\nواختلف القائلون بكونهما نسكين في الموجب لأفضلية الحِلاق على التقصير. فقيل: لما ذكر عن ابن عباس قال: حلق رجالٌ يوم الحديبية، وقصر آخرون، فقال رسول الله - ﷺ -: (اللهم ارحم المحلقين) ثلاثًا، قيل: يا رسول الله! لِمَ ظاهرت لهم بالترحم؟ قال: (لأنهم لم يشكوا) (١). وحاصله: أنه أمرهم يوم الحديبية بالحِلاق، فما قام منهم أحدٌ؛ لما وقع في أنفسهم من أمر الصلح، فلمَّا حلق النبي - ﷺ - ودعا للمحلقين، أو استغفر لهم ثلاثًا، وللمقصرين واحدة، فبادروا إلى ذلك. قال أبو عمر بن عبد البر: وكون ذلك يوم الحديبية هو المحفوظ. وقيل: بل كان ذلك في حجة الوداع؛ كما روته أمُّ الحصين من طريق قتادة، وهو إمام ثقة، وإنما كان الحِلاق أفضل لأنه أبلغ في العبادة، وأدلُّ على صدق النية في\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (٣٠٤٥).","vol":"3","page":404},{"text":"[١١٥٤] وعَنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ قَالُوا: وَالمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَالمُقَصِّرِينَ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: والمقصرينُ.\nرواه مسلم (١٣٠١) (٣١٧ - ٣١٩).\n[١١٥٥] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: اللَّهُمَّ اغفِر لِلمُحَلِّقِينَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَلِلمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ اغفِر لِلمُحَلِّقِينَ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَلِلمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ اغفِر لِلمُحَلِّقِينَ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَلِلمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: وَلِلمُقَصِّرِينَ.\nرواه البخاري (١٧٢٨)، ومسلم (١٣٠٢)، وابن ماجه (٣٠٤٣).\n[١١٥٦] وعَن يَحيَى بنِ الحُصَينِ، عَن جَدَّتِهِ، أَنَّهَا سَمِعَت\nــ\nالتذلل لله تعالى؛ لأن المقصر مبقٍ على نفسه بعض الزينة التي ينبغي للحاجّ أن يكون مُجانبًا لها. والله أعلم.\nوالمُحصَرُ في الحِلاق والتقصير كغيره؛ في كون ذلك نُسُكًا له، وقال أبو حنيفة، وصاحباه: ليس على المُحصر شيء من ذلك، ويرده حِلاق النبي - ﷺ - يوم الحديبية.\nولا خلاف في أن حكم النساء التقصير، وأن الحلاق غير لازم لهنَّ عندنا وعند كثير من العلماء، على أن الحِلاق لهن غير جائز؛ لأنه مُثلَةٌ فيهن. ويدل على أنه ليس بمشروع لهنَّ: بما رواه أبو داود عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ليس على النِّساء الحلق، إنما على النساء التقصير) (١).\nوجمهورهم: على أن مَن لبَّد، أو عقص، أو ضفر لزمه أن يحلق، ولا يقصر\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٩٨٥).","vol":"3","page":405},{"text":"النَّبِيَّ -ﷺ- فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ دَعَا لِلمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا، وَلِلمُقَصِّرِينَ مَرَّةً.\nرواه مسلم (١٣٠٣).\n[١١٥٧] وعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَتَى مِنًى، فَأَتَى الجَمرَةَ، فَرَمَاهَا، ثُمَّ أَتَى مَنزِلَهُ بِمِنًى وَنَحَرَ، ثُمَّ قَالَ لِلحَلَّاقِ: خُذ وَأَشَارَ إِلَى جَانِبِهِ الأَيمَنِ، ثُمَّ الأَيسَرِ، ثُمَّ جَعَلَ يُعطِيهِ النَّاسَ.\nــ\nللسُّنَّة الواردة بذلك؛ ولأن التقصير لا يعم الشعر. ومن سُنته عموم التقصير. وخالف في هذا أصحاب الثوري، وقالوا: إن الملبِّد والمضفر كغيره يجزئه التقصير.\nوقول أنس: (إن رسول الله - ﷺ - أتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى، ونحر، وحلق)؛ هذا يدل على أن مَن رمى جمرة العقبة حصل له تحلُّل؛ لأنه بعد أن رمى حلق، وهذا لا خلاف فيه في الجملة، لكن اختلفوا في ماذا يستحل من محظورات الإحرام:\nفقال أبو ثور: يتمُّ تحلل الحاج من كل شيء إلا النساء برمي جمرة العقبة. وقال الشافعي وأصحاب الرأي، وجماعة من العلماء: بل حتى يحلق. وذهب مالك إلى أن الذي يحل له برمي (١) جمرة العقبة كل شيء إلا النساء، والطيب، والصيد. واختلف قوله إذا تطيب بعد الجمرة، وقبل الإفاضة؛ هل يجب عليه دم أو لا؟ وروي عن عمر: أنه يحل له كل شيء إلا النساء والطيب. وعن عطاء: إلا النساء والصيد. ولا خلاف في أنه لا يحل النساء، ولا الصيد بعد الجمرة، وأنه يحل له جميع محظورات الإحرام بعد الإفاضة. وتعديد ما يحرم على المحرم مُفصل في كتب الفقه.\nوقوله للحلاق: (خذ) وأشار إلى جانبه الأيمن؛ هذا على عادته - ﷺ - في\n_________\n(١) في الأصول: رمي.","vol":"3","page":406},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: فَبَدَأَ بِالشِّقِّ الأَيمَنِ فَوَزَّعَهُ الشَّعَرَةَ، وَالشَّعَرَتَينِ بَينَ النَّاسِ، ثُمَّ قَالَ: بِالأَيسَرِ فَصَنَعَ مِثلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: هَاهُنَا أَبُو طَلحَةَ؟ فدفعه إلى أبي طلحة.\nوفي أخرى: لما حلق شِقَّهُ الأَيمَنَ دَعَا أَبَا طَلحَةَ الأَنصَارِيَّ، وَأَعطَاهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ نَاوَلَ الحالق الشِّقَّ الأَيسَرَ، فَقَالَ: احلِق فَحَلَقَهُ، فَأَعطَاهُ أَبَا طَلحَةَ، فَقَالَ: اقسِمهُ بَينَ النَّاسِ.\nــ\nالابتداء باليمين في أفعاله؛ فإنه كان يحب التيمُّن في شأنه كلِّه. وتوزيعُه شعره على الناس حرصًا منه على تشريكهم في التبرك به، وفي ثوابه.\nوقوله: (فوزَّعه: الشعرة والشعرتين بين الناس)؛ ليس بمخالف لقوله في الرواية الأخرى لأبي طلحة: (اقسمه بين الناس)؛ فإنه لما أمر بتوزيعه أبا طلحة صح أن يُضاف التوزيع له. كما يقال: إنه - ﷺ - رجم ماعزًا (١)، وقطع يد السارق في مجن (٢)؛ أي: أمر بذلك.\nوقوله: (لما حلق شعر رأسه الأيمن أعطاه أبا طلحة)؛ ليس مناقضًا لما في الرواية الثانية: أنه قسم شعر الجانب الأيمن بين الناس، وشعر الأيسر أعطاه أم سليم - وهي امرأة أبي طلحة، وهي أم أنس - ويحصل من مجموع هذه الروايات: أن النبي - ﷺ - لما حلق الشق الأيمن ناوله أبا طلحة ليقسمه بين الناس، ففعل أبو طلحة، وناول شعر الشق الأيسر لأم سليم ليكون عند أبي طلحة، فصحت نسبة كل ذلك إلى من نسب إليه على ما قررناه، والله أعلم.\nوهذا أولى من أن نُقدِّر تناقضًا واضطرابًا. والحمد لله.\n_________\n(١) رواه مسلم (١٦٩٤)، وأبو داود (٤٤٣٢ و٤٤٣٣).\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٦ و٨٢)، والبخاري (٦٧٩٧)، ومسلم (١٦٨٦)، والنسائي (٨/ ٧٧).","vol":"3","page":407},{"text":"وفي أخرى: أنَّهُ ﵊ قَسَّمَ شعر الجانب الأيمن بين الناس وشعر الأيسر أعطاه أم سليم.\nرواه أحمد (٣/ ١١١)، ومسلم (١٣٠٥) (٣٢٣ و٣٢٤ و٣٢٦)، وأبو داود (١٩٨٢)، والترمذي (٩١٢)، والنسائي في الكبرى (٤١١٦).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-429>(٤٠) باب من حلق قبل النحر ونحر قبل الرمي</span>\n[١١٥٨] عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ قَالَ: وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ لِلنَّاسِ بِمِنًى، يَسأَلُونَهُ فَجَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَم أَشعُر فَحَلَقتُ قَبلَ أَن أَنحَرَ، فَقَالَ: اذبَح وَلَا حَرَجَ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَم أَشعُر فَنَحَرتُ قَبلَ أَن أَرمِيَ قَالَ:\nــ\n(٤٠) ومن باب: من حلق قبل النحر أو نحر قبل الرمي\nأحاديث هذا الباب تدل على أن من قدَّم شيئًا أو أخره من الحِلاق، والرمي، والنحر، والطواف بالبيت؛ فلا شيء عليه. وبهذا قال الشافعي، وفقهاء أصحاب الحديث في جملة من السَّلف؛ تمسُّكًا بهذه الأحاديث. وحكي عن ابن عباس فيمن قدَّم شيئًا من النُّسك المذكور عليه الدم.\nوليس بالثَّابت عنه. وروي نحوه عن ابن جبير، وقتادة، والحسن، والنخعي. وكأن هؤلاء حملوا قوله - ﷺ -: (لا حرج)؛ أي: لا إثم، ورتبوا (١) الحكم المقرر على من أخلَّ بشيء من سُنن الحج على\n_________\n(١) في (ج) و(ع): أبقوا.","vol":"3","page":408},{"text":"ارمِ وَلَا حَرَجَ. قَالَ: فَمَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَن شَيءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: افعَل وَلَا حَرَجَ.\nرواه أحمد (٢/ ١٩٢)، والبخاري (٨٣ و١٧٣٦)، ومسلم (١٣٠٦) (٣٢٧)، وأبو داود (٢٠١٤)، والترمذي (٩١٦)، وابن ماجه (٣٠٥١).\n[١١٥٩] وعنه قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَتَاهُ رَجُلٌ يَومَ النَّحرِ وَهُوَ وَاقِفٌ عِندَ الجَمرَةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي حَلَقتُ قَبلَ أَن أَرمِيَ، فَقَالَ: ارمِ وَلَا حَرَجَ، وَأَتَاهُ آخَرُ، فَقَالَ: إِنِّي ذَبَحتُ قَبلَ أَن أَرمِيَ قَالَ: ارمِ وَلَا حَرَجَ وَأَتَاهُ آخَرُ، فَقَالَ: إِنِّي أَفَضتُ إِلَى البَيتِ قَبلَ أَن أَرمِيَ قَالَ: ارمِ وَلَا حَرَجَ قَالَ: فَمَا رَأَيتُهُ سُئِلَ يَومَئِذٍ عَن شَيءٍ إِلَّا قَالَ: افعَلُوا وَلَا حَرَجَ\nرواه مسلم (١٣٠٦) (٣٣٣).\nــ\nأصله: من وجوب جَبره بالدم. ولم يختلفوا فيمن نحر قبل الرَّمي: أنه لا شيء عليه. وقال أبو حنيفة: على من حلق قبل الرَّمي، أو نحر، دمٌ. وقال مالك: إنما يجب الدم على من حلق قبل الرمي؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَحلِقُوا رُءُوسَكُم حَتَّى يَبلُغَ الهَديُ مَحِلَّهُ﴾؛ ومحل الهدي من الزمان هو بعد رمي جمرة العقبة.\nواختلف قول مالك فيما إذا قدَّم الإفاضة على الرمي. فقيل: يجزئه، وعليه الهدي. وقيل: لا يجزئه، وهو كمن لم يفض. وقال: يعيده بعد الرمي، والنحر. وسبب هذا الخلاف: معارضة قوله تعالى: ﴿وَلا تَحلِقُوا رُءُوسَكُم حَتَّى يَبلُغَ الهَديُ مَحِلَّهُ﴾ لهذه الأحاديث، وتأويل قوله: (لا حرج) هل أراد به رفع الإثم فقط، أو رفع الإثم والحكم. والمفرق تأكد عنه بعض تلك الأفعال ما لم يتأكد غيره، فأوجب الدم في المتأكد، ولم يوجبه في غيره. والظاهر من الأحاديث مذهب الشافعي وأصحاب الحديث.","vol":"3","page":409},{"text":"[١١٦٠] وَعَن ابنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ قِيلَ لَهُ فِي الذَّبحِ، وَالحَلقِ، وَالرَّميِ، وَالتَّقدِيمِ وَالتَّأخِيرِ فَقَالَ: لَا حَرَجَ.\nرواه أحمد (١/ ٢١٦)، والبخاري (١٧٢١)، ومسلم (١٣٠٧)، والنسائي (٥/ ٢٧٢)، وابن ماجه (٣٠٥٠).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-430>(٤١) باب طواف الإفاضة يوم النحر ونزول المحصب يوم النفر</span>\n[١١٦١] عَن ابنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَفَاضَ يَومَ النَّحرِ، ثُمَّ رَجَعَ فَصَلَّى الظُّهرَ بِمِنًى. قَالَ نَافِعٌ: فَكَانَ ابنُ عُمَرَ يُفِيضُ يَومَ النَّحرِ، ثُمَّ يَرجِعُ فَيُصَلِّي الظُّهرَ بِمِنًى، وَيَذكُرُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ- فَعَلَهُ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٤)، ومسلم (١٣٠٨)، وأبو داود (١٩٩٨).\nــ\n(٤١) ومن باب: طواف الإفاضة\nلم يختلف في: أن طواف الإفاضة ركن من أركان الحج، وأن سنته يوم النحر. وإنما اختلف فيمن أخره عن يوم النحر على ما قد تقدَّم، فإن تركه حتى رجع إلى بلده. فكافتهم: على أنه يرجع فيطوف، ولا يجزئه إلا ذلك. وروي عن عطاء، والحسن: يحج من قابل. قال عطاء: ويعتمر. وقد تقدم قول مالك: أن طواف الوداع يجزئه (١).\nوقول ابن عمر: (أنه - ﷺ - أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى)\n_________\n(١) ساقط من (ع) و(ج).","vol":"3","page":410},{"text":"[١١٦٢] وعَن عَبدِ العَزِيزِ بنِ رُفَيعٍ، قَالَ: سَأَلتُ أَنَسَ بنَ مَالِكٍ فقُلتُ: أَخبِرنِي بشَيءٍ عَقَلتَهُ عَن رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَينَ صَلَّى الظُّهرَ يَومَ التَّروِيَةِ؟ قَالَ: بِمِنًى، قُلتُ: فَأَينَ صَلَّى العَصرَ يَومَ النَّحرِ. قَالَ: بِالأَبطَحِ، ثُمَّ قَالَ: افعَل مَا يَفعَلُ أُمَرَاؤُكَ.\nرواه البخاري (١٧٦٣)، ومسلم (١٣٠٩)، وأبو داود (١٩١٢)، والترمذي (٩٦٤)، والنسائي (٥/ ٢٤٩).\n[١١٦٣] وعَن نَافِعٍ أَنَّ ابنَ عُمَرَ كَانَ يَرَى التَّحصِيبَ سُنَّةً، وَكَانَ\nــ\nمخالف لما تقدَّم من حديث جابر (١): أنه أفاض إلى مكة، ثم صلَّى بمكة الظهر. وهذا هو الأصح، ويعضده حديث أنس، قال فيه: إنه - ﷺ - صلى العصر يوم النحر بالأبطح، وإنما صلى النبي - ﷺ - الظهر بمنى يوم التروية، كما قال أنس. وما في حديث ابن عمر وهم من بعض الرواة. وقد تقدم: أن التحصيب: نزول المحصب، وهو الأبطح، والبطحاء.\nو(خيف بني كنانة) والخيف: ما انحدر عن الجبل، وارتفع عن المسيل. وقد أخذ مالك بحديث ابن عمر، ورأى: أنه ينزل به عند رجوعه من منى، فيصلي به الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ثم يدخل مكة أول الليل؛ لا سيما للأئمة، وهو واسع لغيرهم.\nقال عياض: وهو مستحب عند جميع العلماء، وهو عند الحجازيين أوكد منه عند الكوفيين. وكلهم مُجمع على (٢): أنه ليس من المناسك التي تلزم، وإنما فيه اقتداء بالنبي - ﷺ -، وتبرُّك بمنازله. وعلى هذا: فقول عائشة: ليس نزول الأبطح سنة، وقول ابن عباس: ليس التحصيب بشيء، إنما يعنيان: أنه ليس من المناسك التي يلزم بتركها دم ولا غيره.\nونزوله - ﷺ - بخيف بني كنانة إنما كان شكرًا لله تعالى على ما أظهره على عدوِّه\n_________\n(١) سبق تخريجه برقم (١٣٩٤).\n(٢) ساقط من (ع) و(ج).","vol":"3","page":411},{"text":"يُصَلِّي الظُّهرَ يَومَ النَّفرِ بِالحَصبَةِ. قَالَ نَافِعٌ: قَد حَصَّبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَالخُلَفَاءُ بَعدَهُ.\nرواه مسلم (١٣١٠) (٣٣٨).\n[١١٦٤] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: نُزُولُ الأَبطَحِ لَيسَ سُنَّةٍ، إِنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِأَنَّهُ كَانَ أَسمَحَ لِخُرُوجِهِ إِذَا خَرَجَ.\nرواه البخاري (١٧٦٥)، ومسلم (١٣١١) (٣٣٩)، وأبو داود (٢٠٠٨)، والترمذي (٩٢٣)، وابن ماجه (٣٠٦٧).\nــ\nالمناكد له في ذلك الموضع، وإظهارًا لما صدقه الله تعالى من وعده في قوله: ﴿لَتَدخُلُنَّ المَسجِدَ الحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ الآية.\nوقضية قريش في الصحيفة ونقضها منقول في كتب السِّير والأحاديث.\nوقوله: (أسمح لخروجه)؛ أي: أسهل. والسَّماح في البيع هو التسهيل فيه. ومنه: السماح رباح. وقد تقدَّم أن الثَّقَل بفتح الثاء والقاف هو: اسم ما يحمله الحامل مما يُثقله. ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَحمِلُ أَثقَالَكُم إِلَى بَلَدٍ﴾؛ وظاهر هذه الرواية، وهي رواية سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة: أن ذلك كان في حجة الوداع. وقد جاء من رواية الأعرج عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - أنه قال: (منزلنا إن شاء الله إذا فتح الله الخيف) (١)؛ وظاهر هذا: أن ذلك كان يوم الفتح.\nقال عياض: فكان على هذا منزله في السنتين. وكذلك جاء مفسرًا في حديث أم هانئ (٢).\n_________\n(١) رواه مسلم (١٣١٤) (٣٤٥).\n(٢) منزل أم هانئ (بيتها) هو المكان الذي نزل فيه - ﷺ - عام الفتح، وهو المحصَّب.","vol":"3","page":412},{"text":"[١١٦٥] وَعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَيسَ التَّحصِيبُ بِشَيءٍ، إِنَّمَا هُوَ مَنزِلٌ نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ-.\nرواه البخاري (١٧٦٦)، ومسلم (١٣١٢)، والترمذي (٩٢٢).\n[١١٦٦] وَعَن أَبِي رَافِعٍ، وَكَانَ عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ -ﷺ-. قال لم يأمرني رسول الله - ﷺ - أن أنزل الأبطح حين خرج من منى، ولكن جئت فضربت قبته، فجاء فنزل.\nرواه مسلم (١٣١٣)، وأبو داود (٢٠٠٩).\n[١١٦٧] وعن أبي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَنَحنُ بِمِنًى: نَحنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيفِ بَنِي كِنَانَةَ. حيث تَقَاسَمُوا عَلَى الكُفرِ، وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيشًا وَبَنِي كِنَانَةَ حَالَفَت عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي المُطَّلِبِ: أَلَّا يُنَاكِحُوهُم، وَلَا يُبَايِعُوهُم، حَتَّى يُسلِمُوا إِلَيهِم رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- (يَعنِي بِذَلِكَ المُحَصَّبَ).\nرواه البخاري (١٥٩٠)، ومسلم (١٣١٤) (٣٤٤)، وأبو داود (٢٠١٠ و٢٠١١).\n* * *\nــ\nقلت: ويمكن أن تردَّ هذه الرواية إلى الأولى؛ بأن يقال: إن قوله: (إذا فتح الله)، لم يذكر المفتوح ما هو؟ و(الخيف) إنما هو مرفوع على أنه خبر المبتدأ الذي هو (منزلنا). فعلى هذا يكون مفعول (فتح) محذوفًا، فيكون تقديره: إذا فتح الله في السّير إلى مكة، بمعنى: سهلَّه، ويسّر فيه. والله أعلم.","vol":"3","page":413},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-431>(٤٢) باب الرخصة في ترك البيتوتة بمنى لأهل السقاية</span>\n[١١٦٨] عَن ابنِ عُمَرَ أَنَّ العَبَّاسَ بنَ عَبدِ المُطَّلِبِ استَأذَنَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَن يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِي مِنًى مِن أَجلِ سِقَايَتِهِ فَأَذِنَ له.\nرواه أحمد (٢/ ٢٢)، والبخاري (١٦٣٤)، ومسلم (١٣١٥)، وأبو داود (١٩٥٩).\n[١١٦٩] وَعَن بَكرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ المُزَنِيِّ، قَالَ: كُنتُ جَالِسًا مَعَ ابنِ عَبَّاسٍ عِندَ الكَعبَةِ فَأَتَاهُ أَعرَابِيٌّ، فَقَالَ: مَا لِي أَرَى بَنِي عَمِّكُم يَسقُونَ\nــ\n(٤٢) ومن باب: الرخصة في ترك البيتوتة بمنى لأهل السقاية\nالمبيت بمنى ليالي أيام التشريق من سنن الحج بلا خلاف، إلا لذوي السِّقاية أو للرُّعاة، ومن تعجل بالنفر، فمن ترك ذلك ليلة واحدة أو جميع الليالي كان عليه دم عند مالك. وقال الشافعي بالدم في الجميع، وبصدقة درهم في ليلة واحدة، ودرهمين في ليلتين، وقال مرة: يطعم مسكينًا. ونحوه لأحمد. وقال أصحاب الرأي: لا شيء على تارك ذلك، وقد أساء. وروي نحوه عن ابن عباس والحسن. قال مالك: فأما ترك المبيت بها ليلة عرفة فلا شيء فيه.\nوفي هذا الحديث من الفقه ما يدل على أن سقاية الحج ولايةٌ ثابتةٌ لولد العباس لا ينازعون فيها. وقال بعض أهل العلم: وفيه إشارة إلى أن الخلافة تكون في ولد العباس، وأنه لا ينبغي أن ينازعوا فيها، وأن ذلك يدوم لهم. وفيه أبواب من الفقه لا تخفى على متأمل. ومشروعية هذه السقاية من باب إكرام الضيف، واصطناع المعروف.","vol":"3","page":414},{"text":"العَسَلَ، وَاللَّبَنَ، وَأَنتُم تَسقُونَ النَّبِيذَ؟ أَمِن حَاجَةٍ بِكُم، أَم مِن بُخلٍ؟ فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: الحَمدُ لِلَّهِ! مَا بِنَا مِن حَاجَةٍ، وَلَا بُخلٍ قَدِمَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَخَلفَهُ أُسَامَةُ، فَاستَسقَى، فَأَتَينَاهُ بِإِنَاءٍ مِن نَبِيذٍ، فَشَرِبَ، وَسَقَى فَضلَهُ أُسَامَةَ، وَقَالَ: أَحسَنتُم، وَأَجمَلتُم كَذَا فَاصنَعُوا. وَلَا نُرِيدُ تَغيِيرَ مَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-.\nرواه أحمد (١/ ٣٦٩)، ومسلم (١٣١٦)، وأبو داود (٢٠٢١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-432>(٤٣) باب التصدق بلحوم الهدايا وجلودها وأجلتها والاشتراك فيها</span>\n[١١٧٠] عَن عَلِيٍّ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَن أَقُومَ عَلَى بُدنِهِ، وَأَن أَتَصَدَّقَ بِلَحومِهَا وَجُلُودِهَا، وَأَجِلَّتِهَا،\nــ\nوقوله: (كذا فاصنعوا)؛ إشارة إلى السِّقاية بالنبيذ. وكأن النبي - ﷺ - قصد التيسير عليهم، وتقليل الكلف، فإن الانتباذ يسير، قليل المؤنة؛ لكثرة التمر عندهم، وليس كذلك العسل، فإن في إحضاره كلفة، وفي ثمنه كثرة. والله تعالى أعلم.\n(٤٣) ومن باب: التصدق بلحوم الهدايا وجلودها وأجلَّتها\nالبُدن: جمع بدنة، وهي العظيمة الجسم. ومنه: بَدُن الرجل، بدانةً؛ أي: كثر لحمه. وقد تقدَّم ذلك.","vol":"3","page":415},{"text":"وَأَلَّا أُعطِيَ الجَزَّارَ مِنهَا قَالَ: نَحنُ نُعطِيهِ مِن عِندِنَا. . . وَفِي رِوَايَةٍ: في المساكين.\nرواه أحمد (١/ ١٣٢)، والبخاري (١٧١٦)، ومسلم (١٣١٧)، وأبو داود (١٧٦٩)، وابن ماجه (٣٠٩٩).\nــ\nوأمره - ﷺ - بالتصدق بلحوم البدن، وجلودها، وأجلتها؛ دليل: على أن جلود الهدي وجلالها لا تباع؛ لأنه عطفها على اللحم وحكم لها بحكمه. وقد اتفق على أن لحمها لا يُباع، فكذلك الجلود والجلال. وكان ابن عمر يكسو جلالها الكعبة، فلما كسيت الكعبة تصدق بها، أخذًا منه بهذا الحديث. وممن صار إلى منع بيع جلودها عطاء، والنخعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق؛ وقالوا: يتصدق وينتفع بها. وروي عن ابن عمر؛ أنه قال: لا بأس أن يبيع جلد هديه ويتصدق بثمنه. وروي هذا عن أحمد، وإسحاق. وكان أبو ثور يرخص في بيعه. وقال النخعي، والحكم: لا بأس أن يشتري به المنخل وشبهه.\nوقوله: (ولا أعطي الجازر منها)؛ يدل على أنه لا تجوز المعاوضة على شيء منها؛ لأن الجزار إذا عمل عمله استحق الأجرة على عمله، فإن دفع له شيء منها كان ذلك عوضًا على فعله، وهو بيع ذلك الجزء منها بالمنفعة التي عملها، وهي الجزر. والجمهور: على أنه لا يعطى الجازر منها شيئًا، تمسُّكًا بالحديث. وكان الحسن البصري، وعبد الله بن عمير لا يريان بأسًا أن يعطى الجزار الجلد.\nوقوله: (نحن نعطيه من عندنا)؛ مبالغة في سد الذريعة، وتحقيق للجهة التي تجب عليها أجرة الجازر؛ لأنه لما كان الهدي منفعته له تعينت أجرة التي تتم به تلك المنفعة عليه.\nوفيه أبواب من الإجارة، وحكمها (١).\n_________\n(١) في (ج) و(هـ) وأحكامها.","vol":"3","page":416},{"text":"[١١٧١] وَعَن جَابِرَ قَالَ: اشتَرَكنَا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي الحَجِّ، وَالعُمرَةِ كُلُّ سَبعَةٍ فِي بَدَنَةٍ، فَقَالَ رَجُلٌ لِجَابِرٍ: أَيُشتَرَكُ فِي البَدَنَةِ بمَا يُشتَرَكُ فِي الجَزُورِ؟ قَالَ: مَا هِيَ إِلَّا مِن البُدنِ، وَحَضَرَ جَابِرٌ الحُدَيبِيَةَ قَالَ: نَحَرنَا يَومَئِذٍ سَبعِينَ بَدَنَةً، اشتَرَكنَا كُلُّ سَبعَةٍ فِي بَدَنَةٍ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٠٤)، ومسلم (١٣١٨) (٣٥٣)، وأبو داود (٢٨٠٧ و٢٨٠٨)، والنسائي (٧/ ٢٢٢).\nــ\nوفيه دليل على تجليل البدن. وهو ما مضى عليه عمل السلف، ورآه أئمة العلماء: مالك، والشافعي، وغيرهما. وذلك بعد إشعار الهدي؛ لئلا تتلطَّخ الجلال. وهي على قدر سعة المهدي؛ لأنها تطوع غير لازم، ولا محدود. قال ابن حبيب: منهم من كان يُجلِّل الوشي، ومنهم من يُجلَّل الحبر (١)، والقباطي، والملاحف، والأُزُر. وتجليلها: ترفيه لها، وصيانة، وتعظيم لحرمات الله، ومباهاة على الأعداء من المخالفين، والمنافقين. قال مالك: وتشق على الأسنمة إن كانت قليلة الثمن لئلا تسقط، وما علمت من ترك ذلك إلا ابن عمر استبقاء للثياب؛ لأنه كان (٢) يُجلِّل الجلال المرتفعة من الأنماط، والبرود، والحِبَر. قال مالك: أما الحلل فتنزع لئلا يخرقها الشوك. قال: وأحب إلي إن كانت الجلال مرتفعة أن يترك شقُّها، ولا يجللها حتى تغدو من عرفات. ولو كانت بالثمن اليسير فتشق من حيث يُحرم. وهذا في الإبل، والبقر دون الغنم.\nوقول جابر: (اشتركنا مع رسول الله - ﷺ - في الحج والعمرة كل سبعة في بدنة): مع: هذه متعلقة بمحذوف، تقديره: كائنين مع رسول الله - ﷺ -، ولا يصح أن يكون متعلقًا به اشتركنا؛ لأنه كان يلزم منه أن يكون النبي - ﷺ - واحدًا من سبعةٍ\n_________\n(١) في (هـ): الخز.\n(٢) زيادة من (هـ) و(ج).","vol":"3","page":417},{"text":"[١١٧٢] وعن أبي الزُّبَيرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ عَن حَجَّةِ النَّبِيِّ - ﷺ- قَالَ: فَأَمَرَنَا إِذَا أَحلَلنَا أَن نُهدِيَ، وَيَجتَمِعَ النَّفَرُ مِنَّا فِي الهَدِيَّةِ وَذَلِكَ حِينَ أَمَرَهُم أَن يَحِلُّوا مِن حَجِّهِم.\nرواه مسلم (١٣١٩) (٣٥٤).\nــ\nيشتركون في بَدَنَة، وأنهم شاركوه في هديه. والنقل الصحيح بخلاف ذلك؛ كما تقدم في حديث جابر وغيره، وإنما أمرهم النبي - ﷺ - أن يجتمع السبعة في الهدية من بدنهم. وأحاديث جابر مُصرحة: بأن النبي - ﷺ - أمرهم بذلك في الحديبية، وفي حجة الوداع. وبهذه الأحاديث تمسَّك الجمهور من السلف وغيرهم على جواز في الهدي. وممن قال بهذا ابن عمر، وأنس، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وطاوس، وسالم، وعمرو بن دينار، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، حكاه ابن المنذر. قال: وقد روينا عن ابن عباس: أنه قال: البدنة عن سبعة، وإن تمتعوا. وبه قال عطاء، وطاوس، وعمرو بن دينار، والثوري، والشافعي. قال: وقد روينا عن سعيد بن المسيب: أنه قال: تجزئ الجزور عن عشرة. وبه قال إسحاق.\nقلتُ: وظاهر ما حكاه ابن المنذر: أنهم اشتركوا في الثمن، وأنهم سوّوا في ذلك بين الهدي الواجب والتطوّع، من غير تقييد، ولا تفصيل. قد فصل غيره الخلاف فقال: إن الشافعي يجيزه في الواجب، وإن كان بعضهم يريد اللحم، وبعضهم يريد الفدية. وأبو حنيفة يجيزه إذا أراد جميعهم الفدية؛ حكاه الإمام أبو عبد الله، وقال: عندنا في التطوع قولان. قال ابن المنذر، وقال مالك: لا يشترك في شيء من الهدي، ولا من البدن، ولا النسك في الفدية، ولا في شيء مما ذكرناه.\nقلت: وكأن هذا الذي صار إليه مالك مستنده قول الله تعالى: ﴿فَمَا استَيسَرَ مِنَ الهَديِ﴾ وأقل ما يطلق عليه اسم الهدي شاة، ولم يقل فيه أحدٌ هو جزءٌ مُسمَّى من اللحم. وقوله تعالى: ﴿فَفِديَةٌ مِن صِيَامٍ أَو صَدَقَةٍ أَو نُسُكٍ﴾","vol":"3","page":418},{"text":"[١١٧٣] وعَن جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا نَتَمَتَّعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِالعُمرَةِ، وَنَذبَحُ البَقَرَةَ عَن سَبعَةٍ، نَشتَرِكُ فِيهَا.\nرواه مسلم (١٣١٨) (٣٥٥)، وأبو داود (٢٨٠٧)، والترمذي (٩٠٤)، والنسائي (٧/ ٢٢٢).\nــ\nوقد فسَّر النبي - ﷺ - النسك بشاة في حديث كعب بن عجرة (١)، فكان ذلك أقل ما ينطلق عليه الاسم، فكأن هو المتعيِّن، ولأنهم قد اتفقوا: على أنه لا يجوز في الهدايا المريض البيِّن المرض، ولا المعيب بنقص عضو. وإذا كان كذلك مع صدق الاسم عليه فأحرى وأولى ألا يجوز جزءٌ من اللحم. واعتذر عن حديث جابر: بأن ذلك كان في التطوع. وهو مستند أحد القولين المتقدمين، وليس بالمشهور عن مالك. وبأن تلك الأحاديث ليس فيها تصريح بالاشتراك في الثمن، فلعلَّه قصد التشريك في الثواب، أو التشريك في قسمة الجزور، حتى تقسم البدنة أو الجزور سبع قسم بين سبعة نَفَر. والله أعلم.\nوقد أشار إلى هذا جابر فقال: أمرنا رسول الله - ﷺ - إذا أحللنا أن نهدي، ويجتمع النفر منا في الهدية، فإنه مشعر بأن التشريك إنما وقع بعد انفراد المهدي بالهدي، فتأمله.\nوهذا الخلاف إنما هو في الإبل والبقر. وأما الغنم: فلا يجوز الاشتراك فيها اتفاقًا. وقد قدمنا أن اسم البدنة مأخوذ من البدانة. وهي عِظَم الجسم. وأن الجزور من الجزر، وهو: القطع. وأن الجزور من الإبل، والجزرة من الغنم. وقد فرق في حديث جابر بين البدن والجزور؛ لأنه أراد بالبدنة ما ابتدئ هديه عند الإحرام. وبالجزور ما اشتري بعد ذلك للنحر. فكأنه ظهر للسائل: أن شأن هذه، أخف في أمر الاشتراك مما أهدي من البدن. فأجابه بما معناه: أن الجزور لما اشتريت للنسك صار حكمها حكم البدن.\nقلت: وقد سمعت من بعض مشايخنا: أن البدنة في هذا الحديث من الإبل.\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٨٦٠).","vol":"3","page":419},{"text":"[١١٧٤] وعنه، قَالَ: ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَن عَائِشَةَ بَقَرَةً يَومَ النَّحرِ.\nوفي رواية: نَحَرَ عَن نِسَائِهِ بَقرَةً فِي حِجَتِهِ.\nرواه مسلم (١٣١٩) (٣٥٦ و٣٥٧).\n[١١٧٥] وعَن زِيَادِ بنِ جُبَيرٍ، أَنَّ ابنَ عُمَرَ أَتَى عَلَى رَجُلٍ، وَهُوَ يَنحَرُ بَدَنَتَهُ بَارِكَةً، فَقَالَ: ابعَثهَا قِائمة مُقَيَّدَةً، سُنَّةَ نَبِيِّكُم.\nرواه البخاري (١٧١٣)، ومسلم (١٣٢٠)، وأبو داود (١٧٦٨).\n* * *\nــ\nوالجزور فيه من البقر. وكأن السائل سأله عن البقرة؛ هل يشترك فيها سبعة؛ كما يشترك في البدنة؟ فقال: هي منها في الحكم المسؤول عنه. وكأن هذا السائل لم يسمع في هذا ذكر البقر، فسأل عنها، والله أعلم.\nوقوله: (ذبح رسول الله - ﷺ - عن عائشة بقرة)؛ هذا لأنها أردفت، كما قدَّمنا، والله تعالى أعلم. ويحتمل أن يكون تطوّع بها عنها.\nوقوله في الرواية الأخرى: (نحر عن أزواجه بقرة)؛ أي: بقرة، بقرة عن كل واحدة؛ بدليل الرواية المتقدمة عن عائشة.\nوقوله في الروايتين: (نحر وذبح)؛ دليل على جواز كل واحد منهما في البقر، وسيأتي.\nوقوله: (ابعثها قائمة مقيدة، سنة نبيكم - ﷺ -)؛ أخذ به كافة العلماء، في استحباب ذلك. وبه فُسِّر قوله تعالى: ﴿فَاذكُرُوا اسمَ اللَّهِ عَلَيهَا صَوَافَّ﴾ إلا أبا حنيفة، والثوري؛ فإنهما أجازا أن ينحرهما باركة وقيامًا. وشذ عطاء، فخالف، واستحب نحرها باركة معقولة. والحديث حجة عليهم.","vol":"3","page":420},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-433>(٤٤) باب من بعث بهدي لا يلزمه أن يجتنب ما يجتنبه المحرم، وفي ركوب الهدي</span>\n[١١٧٦] عَن عَمرَةَ بِنتِ عَبدِ الرَّحمَنِ أَنَّ زِيَادا كَتَبَ إِلَى عَائِشَةَ أَنَّ عَبدَ اللَّهِ بنَ عَبَّاسٍ قَالَ: مَن أَهدَى هَديًا حَرُمَ عَلَيهِ مَا يَحرُمُ عَلَى الحَاجِّ حَتَّى يُنحَرَ الهَديُ، وَقَد بَعَثتُ بِهَديِي فَاكتُبِي إِلَيَّ بِأَمرِكِ. قَالَت عَمرَةُ: قَالَت عَائِشَةُ: لَيسَ كَمَا قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ، أَنَا فَتَلتُ قَلَائِدَ هَديِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِيَدِيهِ،\nــ\n(٤٤) ومن باب: من بعث بهدي لا يجتنب شيئًا مما يجتنبه المحرم\nقوله: (عن عمرة بنت عبد الرحمن: أن زيادًا كتب إلى عائشة)؛ كذا هو الصواب، وهو: زياد بن أبي سفيان، وكذا هو في جميع الموطآت، وفي البخاري. ورواية من رواه: (أن ابن زياد) خطأ. وما حكاه زياد عن ابن عباس هو مذهبه، ومذهب ابن عمر، وعطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير. وحكاه الخطابي عن أصحاب الرأي. وما أسندته إلى النبي - ﷺ - هو الذي عمل به جمهور العلماء، ما خلا من ذُكِرَ.\nو(القلائد): جمع قلادة، وهو ما يجعل في العنق من خيط أو سير (١).\nو(العهن): الصوف المصبوغ ألوانًا؛ قاله الخليل. وقال غيره: كل صوف عهن.\nوقولها: (أنا فتلت قلائد هدي رسول الله - ﷺ - ثم قلّدها)؛ يدل على\n_________\n(١) في (ع): أو غيره.","vol":"3","page":421},{"text":"ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي، فَلَم يَحرُم عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- شَيءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ حَتَّى نُحِرَ الهَديُ.\nرواه أحمد (٦/ ٧٨ و٨٥)، والبخاري (١٦٩٦)، ومسلم (١٣٢١) (٣٦٩)، وأبو داود (١٧٥٧ و١٧٥٩)، والترمذي (٩٠٨)، والنسائي (٥/ ١٧١)، وابن ماجه (٣٠٩٨).\nــ\nتجويدها لتلك الرواية، وأنها اعتنت بالقصة، وحققتها. وفيه (١) ما يدل على أن من بعث بهديه قلَّده، وأشعره من موضعه بخلاف من حَمَله معه، فإنه يُقلِّده من موضع إحرامه.\nوقولها: (ثم بعث بها مع أبي)؛ كان هذا - والله أعلم - حين بعثه النبي - ﷺ - على الحج أميرًا، ثم أردفه بعليّ لينبذ للناس عهدهم، كما تقدم. وقد مضى الكلام في الإشعار والتقليد.\nوقوله - ﷺ - لسائق البدنة: (اركبها)؛ أخذ بظاهره أحمد، وإسحاق، وأهل الظاهر. وروى ابن نافع عن مالك: لا بأس بركوب الرجل بدنته ركوبًا غير فادح. وأوجب ركوبها بعضهم لهذا الأمر. وذهب مالك في المشهور: إلى أنه لا يركبها إلا إن اضطر إليها، محتجًّا بقوله - ﷺ -: (اركبها إذا ألجئت إليها بالمعروف)؛ وهذا المقيَّد يقضي على ذلك المطلق على ما يعرف (٢) في الأصول. وبنحو ذلك قال الشافعي، وأبو حنيفة. ثم إذا ركبها عند الحاجة فاستراح؛ نزل. قال إسماعيل القاضي: وهو الذي يدل عليه مذهب مالك، وهو خلاف ما ذكره ابن القاسم: أنه لا يلزمه النزول، وحجته إباحة النبي - ﷺ - له الركوب، فجاز له استصحابه. وقال أبو حنيفة والشافعي: إن نقصها الركوب المباح فعليه قيمة ذلك، ويتصدَّق به.\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) في (ج): كما يعلم.","vol":"3","page":422},{"text":"[١١٧٧] وعَن أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً - وَفِي رِوَايَةٍ: مقلدة - فَقَالَ: اركَبهَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهَا بَدَنَةٌ فَقَالَ: اركَبهَا وَيلَكَ فِي الثَّانِيَةِ، أَو فِي الثَّالِثَةِ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٨٧)، والبخاري (١٦٨٩)، ومسلم (١٣٢٢) (٣٧١)، وأبو داود (١٧٦٠)، والنسائي (٥/ ١٧٦)، وابن ماجه (٣١٠٣).\n[١١٧٨] وعن جابر بنَ عَبدِ اللَّهِ، وسُئِلَ عَن رُكُوبِ الهَديِ، فَقَالَ: سَمِعتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: اركَبهَا بِالمَعرُوفِ إِذَا أُلجِئتَ إِلَيهَا، حَتَّى تَجِدَ ظَهرًا.\nــ\nوقوله: (اركبها ويلك!) تأديبٌ له لأجل مراجعته، وقول الرجل: (إنها بدنة)، وقد كان حالها غير خافٍ على النبي - ﷺ -، فإنها كانت مقلَّدة، ويحتمل أن يكون النبي - ﷺ - فهم عن الرجل: أنه لا يرى ركوبها بحال على عادة الجاهلية في البحيرة، والسائبة، والوصيلة، فزجره عن ذلك. وقيل: إنما قال له ذلك لأن هذا الرجل قد كان جهد من المشي، ووصل إلى حد الهلكة.\nو(الويل): الهلكة. فقوله: (ويلك)؛ أي: أشرفت على الهلاك لما رأى النبي - ﷺ - من الشدَّة. وقيل: إن هذه الكلمة مما تدغم فيها العرب كلامها. كقولهم: لا أمَّ له ولا أب. وتربت يمينك. ومن ذلك: قوله - ﷺ -: (ويل أمه مِسعَرُ حرب) (١). وقد تقدم هذا النحو في الطهارة.\nوقوله: (اركبها بالمعروف)؛ يعني: بالرفق في الركوب، والسير على الوجه المعروف، من غير عُنف، ولا إفحاش.\nوقوله: (إذا أُلجئت إليها، حتى تجد ظهرًا)؛ يدل على صحة ما قاله\n_________\n(١) رواه البخاري (٤١٧٨ و٤١٧٩)، وأبو داود (٢٧٦٥ و٢٧٦٦).","vol":"3","page":423},{"text":"رواه أحمد (٣/ ٣١٧)، ومسلم (١٣٢٤) (٣٧٥)، وأبو داود (١٧٦١)، والنسائي (٥/ ١٧٧).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-434>(٤٥) باب ما عطب من هدي التطوع قبل محله</span>\n[١١٧٩] عن ابن عباس قال: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِسِتَّ عَشرَةَ بَدَنَةً مَعَ رَجُلٍ وَأَمَّرَهُ فِيهَا، قَالَ: مَضَى، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيفَ أَصنَعُ بِمَا أُبدِعَ عَلَيَّ فيهَا؟\nــ\nالشافعي، وأبو حنيفة، وما حكاه إسماعيل عن مذهب مالك، وقد روي في غير كتاب مسلم: أن النبي - ﷺ - رأى رجلًا يسوق بدنة وقد جهد، فقال: (اركبها) (١).\n(٤٥) ومن باب: ما عطب من هدي التطوع قبل محله\nقوله: (كيف أصنع بما أُبدِع عليَّ منها)؛ أي: بما كل منها، وعَيي، فوقف. وقد يقال: على ما عطب منها. قال الهروي: يقال للرجل إذا كلَّت ركابه، أو عطبت وبقي منقطعًا به: أُبدِع به. وهو مبني لما لم يسم فاعله. وفي الأم (٢) قال: وانطلق سنان معه ببدنة يسوقها فأزحفت عليه، فعيي بشأنها إن هي أبدعت. الرواية: (أزحفت) رباعيًّا، مفتوح الحاء. قال الخطابي: كذا يقوله المحدِّثون.\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٧٦١)، والنسائي (٥/ ١٧٧).\n(٢) المقصود: أصل هذا الحديث في صحيح مسلم قبل تلخيصه، والذي يحمل رقم (١٣٢٥) (٣٧٧).","vol":"3","page":424},{"text":"قَالَ: انحَرهَا، ثُمَّ اصبُغ نَعلَيهَا فِي دَمِهَا، ثُمَّ اجعَلهُ فِي صَفحَتِهَا، وَلَا تَأكُل مِنهَا أَنتَ وَلَا أَحَدٌ مِن أَهلِ رُفقَتِكَ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: بَعَثَ بِثَمِانِي عَشرَةَ بَدَنَةَ.\nــ\nوالأجود: (فأُزحفت) بضم الألف، يقال: زحف البعير: إذا قام (١) من الإعياء، وأزحفه المسير. وقال أبو عبيد الهروي: أزحف البعير، فأزحفه السير. و(إن) تُروى بكسر الهمزة على الشرط، وبفتحها: على أنها معمولة لحرف جر حُذِف، فتعدَّى الفعل إليها الذي هو: عيَّ،: وعَيِيَ - مشددًا ومُفككًا، وهما لغتان معروفتان، وعليهما قرئ: ﴿مَن حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾ وفي الأم: لأستحفين عن ذلك؛ أي: لأكثرنَّ السؤال عنه. يقال: أحفى في المسألة، وألَحَّ، وألحف: إذا بالغ فيها. ومنه قوله تعالى: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنهَا﴾؛ أي: كأنه كثر سؤاله عنها حتى أخبر عنها، ومنه قول الأعشى:\nفَإن تسألي عَنَّا فَيَا رُبَّ سائلٍ ... حفيٍ عَنِ الأَعشَى به حيث أَصعَدا\nوقوله: (ثم اصبُغ نعليها في دمها، ثم اجعلها على صفحتها)؛ يعني: النَّعل الَّذِي قلَّدها به يجعله على صفحة عنقها، وإنما أمره بذلك ليكون ذلك علامة على أنه هديٌ، فيمتنع منه كل من لا يحل له أكله على ما يأتي.\nوقوله: (ولا تأكل منها أنت ولا أحد من رفقتك)؛ يعني برفقته: المرافقين له في سوق الهدي ومن يتعلَّق به. وإنما منعه النبي - ﷺ - ورفاقته من أكلها سدًّا للذريعة؛ لأنه لو لم يمنعهم من ذلك لأمكن أن يبادروا إلى نحرها، أو يتسبَّبوا إلى ذلك ليأكلوها، فلما منعهم من المحذور المتوقع انسدَّ ذلك الباب. وهذا وأشباهه من المواضع الواقعة في الشريعة حمل مالكًا على القول بسدِّ الذريعة. وهو أصل عظيم لم يظفز به إلا مالك بدَّقة نظره، وجودة قريحته. وبظاهر هذا النهي قال\n_________\n(١) في (ج): نام.","vol":"3","page":425},{"text":"رواه أحمد (١/ ٢١٧)، ومسلم (١٣٢٥)، وأبو داود (١٧٦٣)، والنسائي في الكبرى (٤١٣٦)، وابن ماجه (٣١٠٥).\n* * *\nــ\nابن عباس، واختاره ابن المنذر فقالا: لا يأكل منها سائقها، ولا أحد من أهل رفقته. وقال مالك والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، ومن تبعهم: لا يأكل منها سائقها شيئًا، ويخلي بينها وبين الناس يأكلونها. وروي عن ابن عمر: أنه كان يرى الأكل منها. وعلى قول المانعين: فإن أكل منها ضَمِنها عند مالك وغيره.\nوكونه - ﷺ - لم يُلزم صاحب الهدي المعطوب بدلًا؛ دليلٌ للجمهور على أنه لا بدل عليه في هدي التطوُّع؛ إذ لو كان لبيَّنه له؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. فأما الواجب منه: فعليه بدله؛ لأنه مُتعلِّق بذمته، وله الأكل منه، والإطعام للأغنياء وغيرهم عند جمهور العلماء غير مالك. واختلفوا: هل له بيعه؟ فمنعه مالك، وأجازه الآخرون، وعبد الملك.\nوأمَّا إذا بلغ الهدي محله، فاختلف العلماء فيما يأكل منه صاحبه. فمشهور مذهب مالك: أنه لا يأكل من ثلاثة: من جزاء الصيد، ونذر المساكين، وفدية الأذى، ويأكل مما سوى ذلك إذا بلغ محله - واجبًا كان أو تطوُّعًا - ووافقه على ذلك جماعة من السلف وفقهاء الأمصار. ثم إذا أكل مما منع منه؛ فهل يغرم قدر ما أكل منه؟ أو يغرم هديًا كاملًا؟ قولان في مذهبنا. وقال الشافعي، وأبو ثور: ما كان أصله واجبًا؛ فلا يأكل منه. وما كان تطوُّعًا، ونُسكًا أكل منه، وأهدى، وادَّخر، وتصدَّق. والمتعة والقِران عنده نسك. ونحوه مذهب الأوزاعي. وقال أبو حنيفة، وأصحاب الرأي: يأكل من هدي المتعة، والتطوُّع، ولا يأكل مما سوى ذلك. وحكي عن مالك: أنه لا يأكل من دم الفساد. وعلى قياس هذا: لا يأكل من دم الجبر، كقول الشافعي والأوزاعي.","vol":"3","page":426},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-435>(٤٦) باب ما جاء في طواف الوداع</span>\n[١١٨٠] عَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَنصَرِفُونَ فِي كُلِّ وَجهٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: لَا يَنفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهدِهِ بِالبَيتِ.\nرواه أحمد (١/ ٢٢٢)، ومسلم (١٣٢٧)، وأبو داود (٢٠٠٢).\n[١١٨١] وعن عَائِشَةَ قَالَت: حَاضَت صَفِيَّةُ بِنتُ حُيَيٍّ بَعدَ مَا أَفَاضَت، قَالَت عَائِشَةُ: فَذَكَرتُ حِيضَتَهَا لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ\nــ\n(٤٦) ومن باب: طواف الوداع\nقوله: (كان الناس ينصرفون في كل وجهٍ)؛ أي: يتفرقون من غير أن يودعوا البيت، فنهاهم النبي - ﷺ - عن ذلك بقوله: (لا ينفرنَّ أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت)؛ فظاهر هذا: أن طواف الوداع واجب على كل حاجٍّ أو معتمر غير مكيّ. وإليه ذهب أبو حنيفة، لكن أزال هذا الظاهر حديث صفية، حيث رخص لها في تركه لَمَّا حاضت، ففهم منه: أنه ليس على جهة الوجوب. وهو مذهب الجمهور.\nثم من تركه فهل يلزمه دم أو لا يلزمه شيء؟ فقال أبو حنيفة، والشافعي - في أحد قوليه -: إنه يلزمه دم. وقال مالك: لا يلزمه دم. وهو الصحيح؛ لأن صفية لم يأمرها النبي - ﷺ - بشيء من ذلك. ولو كان ذلك لازمًا؛ لما جاز السكوت عنه؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. والله أعلم.\nوقوله - ﷺ - لصفية - لَمَّا أعلمته أنها حاضت -: (انفري)؛ دليل على أن الحائض يجزئها طواف الإفاضة عن طواف الوداع. وعلى هذا جماعة الفقهاء إلا خلافًا شاذًّا روي عن بعض السلف: أنها لا تنفر حتى تودع. والحديث حجة عليهم.","vol":"3","page":427},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ قَالَت: فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهَا قَد أَفَاضَت وَطَافَت بِالبَيتِ، ثُمَّ حَاضَت بَعدَ الإِفَاضَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: فَلتَنفِر.\nرواه أحمد (٦/ ١٢٢ و١٩٢)، والبخاري (٣٢٨)، ومسلم (١٢١١) (٣٨٢)، والنسائي (١/ ١٩٤)، وابن ماجه (٣٠٧٣).\n[١١٨٢] وعنها قَالَت: لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ -ﷺ- أَن يَنفِرَ، إِذَا صَفِيَّةُ عَلَى بَابِ خِبَائِهَا كَئِيبَةً حَزِينَةً، فَقَالَ: عَقرَى حَلقَى، إِنَّكِ لَحَابِسَتُنَا، ثُمَّ قَالَ لَهَا: أَكُنتِ أَفَضتِ يَومَ النَّحرِ؟ قَالَت: نَعَم. قَالَ: فَانفِرِي.\nوِفي رواية: أَنَّهُ ﵊ قال: أحابستنا صفية؟ قلنا: قد أفاضت. قال: فلا إذا.\nرواه أحمد (٦/ ٣٩)، والبخاري (١٧٥٧)، ومسلم (١٢١١) (٣٨٤ و٣٨٧)، والترمذي (٩٤٣).\n* * *\nــ\nوقوله: (أحابستنا هي)؛ دليل على أن الكَرِي يُحبس على التي حاضت ولم تطف طوافَ الإفاضة حتى تطهر. وهو قول مالك. وقال الشافعي: لا يُحبس عليها كري، ولتكر جملها، أو تحمل مكانها غيرها، وهذا كله في الأمن ووجود ذي المحرم. وأما مع الخوف، أو عدم ذي المحرم؛ فلا يُحبس باتفاق؛ إذ لا يمكن أن يسير بها وحدها، ويفسخ الكراء، ولا تحبس عليها الرفقة إلا أن يبقى لطهرها كاليوم. وقد تقدَّم القول في: (عقرى حلقى)، وفي: طمثت.","vol":"3","page":428},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-436>(٤٧) باب ما جاء في دخول النبي - ﷺ - الكعبة وفي صلاته فيها</span>\n[١١٨٣] عَن ابنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- دَخَلَ الكَعبَةَ هُوَ وَأُسَامَةُ، وَبِلَالٌ، وَعُثمَانُ بنُ طَلحَةَ الحَجَبِيُّ - وفي رواية: ولم يدخلها معهم أحد - فَأَغلَقَهَا عَلَيهِ، ثُمَّ مَكَثَ فِيهَا، قَالَ ابنُ عُمَرَ: فَسَأَلتُ بِلَالًا حِينَ خَرَجَ:\nــ\n(٤٧) ومن باب: دخول النبي - ﷺ - الكعبة\nهذا إنما كان عام الفتح، كما جاء منصوصًا في الرواية الأخرى، ولم يكن النبي - ﷺ - مُحرِمًا يوم الفتح، فلا يستدل به، على أن دخول البيت نُسُك في الحج والعمرة؛ كما ذهب إليه بعضهم. وأما أحاديث حجة الوداع فليس في شيء منها تحقيق: أنه ﷺ دخل أولا. غير أن أبا داود روى من حديث عائشة -﵂-: أنه - ﷺ - خرج من عندها مسرورًا، ثم رجع إليها وهو كئيب، فقال: (إني دخلت الكعبة، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما دخلتها، إني أخاف أن أكون قد شققت على أمتي) (١)؛ وظاهره: أن ذلك كان في حجة الوداع، غير أن هذا الحديث في إسناده إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصغير، وهو ضعيف. وقد رواه البزار بإسناد آخر، ولا يثبت أيضًا.\nوقوله: (فأغلقها عليه)؛ فيه دليل على اختصاص السابق للمنفعة المشتركة بها، ومنعها ممن يخاف تشويشها عليه، وقال الشافعي: فائدة أمره - ﷺ - بإغلاقها وجوب الصلاة إلى جدار من جُدُرها، وأنه لو صلى إلى الباب وهو مفتوح؛ لم يجزه؛ لأنه لم يستقبل منها شيئًا. وألزم من مذهبه إبطال هذا؛ لأنه يجيز الصلاة في\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢٠٢٩).","vol":"3","page":429},{"text":"مَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-؟ قَالَ: جَعَلَ عَمُودَينِ عَن يَسَارِهِ، وَعَمُودًا عَن يَمِينِهِ، وَثَلَاثَةَ أَعمِدَةٍ وَرَاءَهُ، وَكَانَ البَيتُ يَومَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعمِدَةٍ، ثُمَّ صَلَّى.\nوَفِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ فَتَحَ البَابَ قَالَ عَبدُ اللَّهِ: فَبَادَرتُ النَّاسَ، فلَقَّيتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- خَارِجًا، وَبِلَالٌ عَلَى أثرِهِ، فَقُلتُ لِبِلَالٍ: هَل صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-؟ قَالَ: نَعَم قُلتُ: أَينَ؟ قَالَ: بَينَ العَمُودَينِ، تِلقَاءَ وَجهِهِ، قَالَ: وَنَسِيتُ أَن أَسأَلَهُ كَم صَلَّى.\nرواه أحمد (٢/ ٣٣ و٥٥)، والبخاري (٥٠٥)، ومسلم (١٣٢٩) (٣٨٨ و٣٨٩)، وأبو داود (٢٠٢٣ و٢٠٢٥)، والنسائي (٢/ ٦٣).\nــ\nأرضها لو تهدمت الجدر؛ لاستقباله أرضها. وقيل: إنما أغلقها دونهم لئلا يتأذى بزحامهم. وقيل: لئلا يُصلَّى بصلاته، فتتخذ الصلاة فيها سنة. ولا يلتفت لقول من قال: إنما فعل ذلك لئلا يستدبر شيئًا من البيت، كما وقع في زيادة البخاري عن بعض الرواة؛ لأن الباب إذا أغلق؛ صار كأنه جدار البيت.\nوقوله: (جعل عمودين عن يساره، وعمودًا عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه)؛ هكذا رواه مسلم عن يحيى بن يحيى التميمي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر. ورواه يحيى بن يحيى الأندلسي وغيره في الموطأ عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: (جعل عمودًا عن يساره، وعمودين عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه) (١). وفي مسلم من حديث ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه؛ أنه - ﷺ - صلَّى بين العمودين اليمانيين (٢). وظاهر هذا الاختلاف اضطراب. ويمكن أن يقال: إنه - ﷺ - تكررت صلاته في تلك المواضع، وإن كانت القضية واحدة، فإنه - ﷺ - مكث في الكعبة طويلًا.\n_________\n(١) رواه مالك (١/ ٣٩٨).\n(٢) رواه مسلم (١٣٢٩) (٣٩٣).","vol":"3","page":430},{"text":"[١١٨٤] وعنه، قَالَ: أَقبَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَامَ الفَتحِ عَلَى نَاقَةٍ لِأُسَامَةَ بنِ زَيدٍ، حَتَّى أَنَاخَ بِفِنَاءِ الكَعبَةِ، ثُمَّ دَعَا عُثمَانَ بنَ طَلحَةَ فَقَالَ: ائتِنِي بِالمِفتَاحِ، فَذَهَبَ إِلَى أُمِّهِ، فَأَبَت أَن تُعطِيَهُ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَتُعطِينِهِ، أَو لَيَخرُجَنَّ هَذَا السَّيفُ مِن صُلبِي، قَالَ: فَأَعطَتهُ إِيَّاهُ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ- فَدَفَعَهُ إِلَيهِ، فَفَتَحَ البَابَ، ثُمَّ ذَكَرَ نحوه.\nرواه مسلم (١٣٢٩) (٣٩٠).\nــ\nوحديث ابن عمر هذا، وروايته عن بلال يدل على أن النبي - ﷺ - صلَّى في البيت الصلاة المعهودة الشرعية. وبهذا أخذ الشافعي، وأبو حنيفة، والثوري، وجماعة من السلف، وبعض الظاهرية فقالوا: يُصلَّى في الكعبة التطوع والفرض. وقد خالف بلالًا أسامة، فقال: إن النبي - ﷺ - لم يصل في الكعبة، وإنما دعا فيها. وبهذا أخذ ابن عباس، وبعض الظاهرية؛ فلم يجيزوا فيها فرضًا ولا تطوُّعًا. وقال مالك: لا يُصلَّى فيها الفروض ولا السنن، ويُصلَّى فيها التطوع، غير أنه إن صلَّى فيها الفرض أعاد في الوقت. وقال أصبغ: يعيد أبدًا.\nويمكن أن يجمع بين حديث أسامة وبلال على مقتضى مذهب مالك. فيقال: إن قول بلال: أنه صلى فيها؛ يعني به: التطوع. وقول أسامة: إنه لم يصل فيها؛ يعني به: الفرض. وقد جمع بينهما بعض أئمتنا بوجهٍ آخر فقال: إن أسامة تغيَّب في الحين الذي صلَّى فيه النبي - ﷺ -، فلم يشاهده، فاستصحب النفي لسرعة رجعته، فأخبر عنه، وشاهد ذلك بلال فأخبر عما شاهد. وعضد هذا بما رواه ابن المنذر عن أسامة قال: رأى النبي - ﷺ - صورًا في الكعبة، فكنت آتيه بماء في الدَّلو يضرب به تلك الصور. فيحتمل أن يكون النبي - ﷺ - صلَّى في حالة مضي أسامة في طلب الماء، والله تعالى أعلم.\nوعلى الجملة: فحديث من أثبت أولى أن يؤخذ به؛ لأنه أخبر عن مشاهدة، فكان أولى من النَّافي.\nوفي هذا الحديث ما يدلُّ: على أن سدانة البيت ولاية باقية لعثمان بن طلحة","vol":"3","page":431},{"text":"[١١٨٥] وعن ابن عباس قال: أَخبَرَنِي أُسَامَةُ بنُ زَيدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- لَمَّا دَخَلَ البَيتَ دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا، وَلَم يُصَلِّ فِيهِ حَتَّى خَرَجَ، فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ فِي قُبُلِ البَيتِ رَكعَتَينِ، وَقَالَ: هَذِهِ القِبلَةُ.\nرواه البخاري (٣٩٨)، ومسلم (١٣٣٠) (٣٩٥)، والنسائي (٥/ ٢٢٠ - ٢٢١).\n[١١٨٦] وعنه، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- دَخَلَ الكَعبَةَ وَفِيهَا سِتُّ سَوَارٍ، فَقَامَ عِندَ سَارِيَةٍ فَدَعَا، وَلَم يُصَلِّ.\nرواه مسلم (١٣٣١).\nــ\nوذويه، فلا تنتزع منهم بحال؛ كالسقاية في بني العباس، ولذلك قال - ﷺ -: (كل مأثرة كانت في الجاهلية فهي تحت قدمي (١) إلا سقاية الحاج، وسدانة البيت). وقال: (يا بني عبد الدار! خذوها خالدةً، تالدةً) (٢). وبذلك قال جميع العلماء. وأعظم مالك أن يشرك غيرهم فيها معهم.\nوهذه العُمرة التي سُئل عنها ابن أبي أوفى هي عمرة القضاء، ولم يختلف أنه لم يدخل فيها النبي - ﷺ - البيت؛ لما كان فيه من الصور، والأصنام، ولم يكن يقدر على تغييرها إذ ذاك لأجل مشركي أهل مكة، فلما فتحها الله عليه دخل البيت، وصلَّى فيه، على ما تقدَّم. وسائر عُمُرِه لم يثبت فيها عن النبي - ﷺ - دخوله البيت، ولا نفيه.\nوقوله: (فلما خرج ركع في قُبُل البيت ركعتين، وقال: هذه القبلة)؛ أي: فيما يقابله منها إذا استقبل الباب. وفي هذه الإشارة قولان:\n_________\n(١) في (ع): قدمي هذا، والمثبت من باقي النسخ وسنن أبي داود.\n(٢) رواه أبو داود (٤٥٤٧)، وابن ماجه (٢٦٢٨).","vol":"3","page":432},{"text":"[١١٨٧] وعن عَبدِ اللَّهِ بنِ أَبِي أَوفَى صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: وسئل: أَدَخَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- البَيتَ فِي عُمرَتِهِ قَالَ: لَا.\nرواه البخاري (١٧٩١)، ومسلم (١٣٣٢)، وأبو داود (١٩٠٢ و١٩٠٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-437>(٤٨) باب في نَقضِ الكَعبَةِ وَبِنَائِهَا</span>\n[١١٨٨] عَن عُروَةَ، عَن عَائِشَةَ قَالَت: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: لَولَا حَدَاثَةُ عَهدِ قَومِكِ بِالكُفرِ لَنَقَضتُ الكَعبَةَ وَلَجَعَلتُهَا عَلَى أَسَاسِ إِبرَاهِيمَ\nــ\nأحدهما: أنها إلى الكعبة، ثم في المعنى قولان:\nالأول: أن الإشارة تقرير لحكم الانتقال عن بيت المقدس.\nالثاني: أنها إلى وجه البيت في حق حاضره بخلاف الغائب.\nوثانيهما: أن الإشارة إلى وجه الكعبة، فيكون التعليم للإمام أن يستقبل البيت من وجهه، وإن كانت الصلاة إلى جميعه جائزة.\n(٤٨) ومن باب: نقض الكعبة وبنائها\nقوله - ﷺ -: (لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت الكعبة)؛ فيه حجة لمالك على القول بسد الذرائع.\nوقوله: (ولجعلتها على أساس إبراهيم)؛ يدل على أن جدر البيت منه،","vol":"3","page":433},{"text":"فَإِنَّ قُرَيشًا حِينَ بَنَت البَيتَ استَقصَرَت وَلَجَعَلتُ لَهَا خَلفًا.\nرواه أحمد (٦/ ١٧٦)، والبخاري (١٥٨٤)، ومسلم (١٣٣٣) (٣٩٨)، والترمذي (٨٧٥)، والنسائي (٥/ ٢١٥)، وابن ماجه (٢٩٥٥).\n[١١٨٩] ومن حديث عَبدَ اللَّهِ بنَ أبي بكر بن أبي قحافة عنها، قالت: سمعت رسول الله -ﷺ- يَقُولُ: لَولَا أَنَّ قَومَكِ حَدِيثُو عَهدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ (أَو قَالَ: بِكُفرٍ) لَأَنفَقتُ كَنزَ الكَعبَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَجَعَلتُ بَابَهَا\nــ\nكما سيأتي. و(استقصرت)؛ أي: قصرت عن إتمام بنائها، واقتصرت على هذا القدر منها؛ إذ لم يجدوا نفقة.\nوقوله: (ولجعلت لها خلفًا): هو بفتح الخاء، وسكون اللام. وفي البخاري قال هشام بن عروة: يعني: بابًا. وقد جاء مفسَّرًا في الحديث بعد هذا. وفي البخاري أيضًا: (لجعلت لها خلفين). الرواية الصحيحة فيها: بفتح الخاء، كما قلناه، وهما: البابان. وقال ابن الأعرابي: الخلف: الظهر. وذكر الحربي هذا الحديث، وضبطه: خِلفين، بكسر الخاء، وقال: الخالفة: عمودٌ في مؤخر البيت. يقال: وراءه خِلفٌ جيد. والأول أصح.\nوقوله: (لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله)؛ هذا الكنز هو المالُ الذي كان يجتمع مما كان يُهدى إلى الكعبة، وأقر النبي - ﷺ - ذلك المال في الكعبة للعلَّة التي ذكر، وهي: مخافة التنفير. وأقره أبو بكر ولم يعرض له. ثم إن عمر همَّ بقسمته، فخالفه في ذلك بعض الصحابة، واحتج عليه: بأن النبي - ﷺ - وأبا بكر لم يفعلا ذلك، فتوقف.\nقلت: ولا يظن أن هذا الكنز الذي جرى فيه ما ذكرنا أنه يدخل فيه حُلِيُّ الكعبة الذي حُلِّيت به من الذهب والفضة، كما ظنَّه بعضهم، فإن ذلك ليس","vol":"3","page":434},{"text":"بِالأَرضِ، وَلَأَدخَلتُ فِيهَا مِن الحِجرِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ فَقَالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ: لَئِن كَانَت عَائِشَةُ سَمِعَت هَذَا مِن رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-\nــ\nبصحيح؛ لأن حليتها محتبسة عليها، كحُصرها، وقناديلها، وسائر ما يحبس عليها لا يجوز صرفها في غيرها، ويكون حكم حليها حكم حلية سيف أو مصحف حُبسا في سبيل الله؛ فإنه لا يجوز تغييره عن الوجه الذي حبس له، وإنما ذلك الكنز كما ذكرناه، وكأنه فضلةُ ما كان يهدى إليها عما كانت تحتاج إليه مما ينفق فيها، فلما افتتح النبي - ﷺ - خاف من نفرة قلوب قريش إن هو أنفقه في سبيل الله تعالى، كما قال. وذلك أنهم كانت عادتهم في ذلك: ألا يتعرضوا له. فأقره النبي - ﷺ - على ذلك لما ذكره، ثم إنه بقي على ذلك في إمارة أبي بكر وعمر، ولا أدري ما صنع به بعد ذلك. وينبغي أن يبحث عنه.\nوسبيل الله هنا: الجهاد. وهو الظاهر من عرف الشرع، كما قررناه في كتاب الزكاة.\nو(من) في قوله: (من الحجر) للتبعيض، بدليل قوله في الرواية الأخرى: (أدخلت من الحجر خمسة أذرع).\nوقول عبد الله بن عمر - ﵄ -: (لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله - ﷺ -)؛ ليس شكًّا منه في سماعها، ولا في سماع الراوي عنها، وإنما هذا على طريقة وضع الشَّرطي المتصل الذي يوضع شرطه تقديرًا ليتبيّن مشروطه تحقيقًا. وله في كلام الله تعالى، وكلام رسوله - ﷺ - نظائر، منها: قوله ﷿: ﴿قُل إِن كَانَ لِلرَّحمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ العَابِدِينَ﴾ وقوله: ﴿لَو كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ومثله كثير. ولبسط هذا وتحقيقه علمٌ آخر. وقد يأتي هذا النحو في الكلام على طريق تبيين الحال على وجهٍ يأنس به المخاطب،","vol":"3","page":435},{"text":"مَا أُرَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- تَرَكَ استِلَامَ الرُّكنَينِ اللَّذَينِ يَلِيَانِ الحِجرَ، إِلَّا أَنَّ البَيتَ لَم يُتَمَّم عَلَى قَوَاعِدِ إِبرَاهِيمَ.\nرواه مسلم (١٣٣٣) (٣٩٩ و٤٠٠).\n[١١٩٠] وعَن عَطَاءٍ قَالَ: لَمَّا احتَرَقَ البَيتُ زَمَنَ يَزِيدَ بنِ مُعَاوِيَةَ حِينَ غَزَاهَ أَهلُ الشَّامِ، فَكَانَ مِن أَمرِهِ مَا كَانَ، تَرَكَهُ ابنُ الزُّبَيرِ، حَتَّى قَدِمَ النَّاسُ المَوسِمَ، يُرِيدُ أَن يُجَرِّئَهُم، أَو يُحَزِّبَهُم عَلَى أَهلِ الشَّامِ، فَلَمَّا صَدَرَ\nــ\nوإظهار التناصف في الكلام، كقوله تعالى: ﴿قُل إِن ضَلَلتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفسِي وَإِنِ اهتَدَيتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ وعلى الجملة: فالشرط يأتي في الكلام على غير وجه الشكِّ، وهو كثير.\nوقوله: (ما ترك رسول الله - ﷺ - استلام الركنين اليمانيين إلا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم)؛ يعني: أن الركنين اللذين يليان الحجر ليسا بركنين، وإنما هما بعض الجدار الذي بنته قريش، فلذلك لم يستلمهما. وقد تقدَّم القول على هذا.\nوقوله: (يريد أن يُجرِّئهم - أو يُحزِّبهم -)؛ الأول: من الجرأة، وهي الشجاعة. والثاني من التحزيب، وهو التجميع. هكذا لابن سعيد، والفارسي، وغيرهما. ومعنى ذلك: أنه أراد أن يشجعهم أو يُجمعهم على أهل الشام بإظهار قبح أفعالهم في الكعبة. وروى العذري الحرف الأول: (يجربهم) بالباء بواحدة؛ من التجربة؛ أي: يختبر ما عندهم من الغضب لله تعالى، ولنبيِّه (١). وقيد كافتهم الحرف الثاني: (يحربهم) بالحاء والراء المهملتين، والباء بواحدة؛ من التحريب، وهو: التغضيب. يقال: حربت الأسد. وأسد مُحرَّب؛ أي: أغضبته، فهو مُغضَبٌ.\n_________\n(١) في (ج): ولبيته.","vol":"3","page":436},{"text":"النَّاسُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي الكَعبَةِ أَنقُضُهَا، ثُمَّ أَبنِي بِنَاءَهَا، أَو أُصلِحُ مَا وَهَى مِنهَا؟ فقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: فَإِنِّي قَد فُرِقَ لِي رَأيٌ فِيهَا، أَرَى أَن تُصلِحَ مَا وَهَى مِنهَا، وَتَدَعَ بَيتًا أَسلَمَ النَّاسُ عَلَيهِ، وَأَحجَارًا أَسلَمَ النَّاسُ عَلَيهَا، وَبُعِثَ عَلَيهَا النَّبِيُّ -ﷺ- فَقَالَ ابنُ الزُّبَيرِ: لَو كَانَ أَحَدُكُم احتَرَقَ بَيتُهُ مَا رَضِيَ حَتَّى يُجِدَّهُ، فَكَيفَ بَبيتُ رَبِّكُم، إِنِّي مُستَخِيرٌ رَبِّي ثَلَاثًا، ثُمَّ عَازِمٌ عَلَى أَمرِي، فَلَمَّا مَضَت ثَلَاثٌ أَجمَعَ رَأيَهُ أَن يَنقُضَهَا، فَتَحَامَاهُ النَّاسُ أَن يَنزِلَ بِأَوَّلِ النَّاسِ يَصعَدُ فِيهِ أَمرٌ مِن السَّمَاءِ، حَتَّى صَعِدَهُ رَجُلٌ فَأَلقَى مِنهُ حِجَارَةً، فَلَمَّا لَم يَرَهُ النَّاسُ أَصَابَهُ شَيءٌ، تَتَابَعُوا فَنَقَضُوهُ، حَتَّى بَلَغُوا بِهِ الأَرضَ، فَجَعَلَ ابنُ الزُّبَيرِ أَعمِدَةً، فَسَتَّرَ عَلَيهَا السُّتُورَ، حَتَّى ارتَفَعَ بِنَاؤُهُ.\nــ\nوقول ابن عباس: (إنه فُرِقَ لي فيها رأي)؛ أي: انكشف واتضح. ومنه قوله تعالى: ﴿وَقُرآنًا فَرَقنَاهُ لِتَقرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكثٍ﴾؛ أي: أوضحناه، وكشفنا معانيه. و(وهى): ضعف ورَثَّ. و(أجمع رأيه) - رباعيًّا -: عزم، وأمضى. فأما: جمع - ثلاثيًّا -: فضد التفريق. و(تحاماه الناس)؛ أي: امتنعوا من نقض البيت خوفًا وهيبة. و(تتابعوا) كافة الرواة على الباء بواحدة من التتابع. وهو الجيِّد هنا (١). وضبطه أبو بحر بالياء باثنتين من تحتها، ومعناهما واحد، غير أن: التتايع - بالياء، باثنتين - أكثره في الشرِّ.\nوقوله: (فجعل ابن الزبير أعمدة فستَّر عليها الستور)؛ إنما فعل ذلك ابن الزبير لاستقبال المستقبلين، وطواف الطائفين، ولأن ابن عباس قال: (إن كنتَ هادمَها فلا تدع الناس لا قِبلة لهم. وهذا يدل على أن بقعة البيت ما كانت تتنزَّل عندهما منزلة البيت، وقد خالفهما في ذلك جابر وقال: صلوا إلى موضعها. وقد ذكرنا الخلاف بين الفقهاء في ذلك. وما فعله عبد الله بن الزبير -﵁- في\n_________\n(١) في (ج): منها.","vol":"3","page":437},{"text":"وَقَالَ ابنُ الزُّبَيرِ: إِنِّي سَمِعتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: لَولَا أَنَّ النَّاسَ حديث عَهدُهُم بِكُفرٍ، وَلَيسَ عِندِي مِن النَّفَقَةِ مَا يُقَوِّيني عَلَى بِنَائِهِ لَكُنتُ أَدخَلتُ مِن الحِجرِ خَمسَ أَذرُعٍ، وَلَجَعَلتُ لَهَا بَابًا يَدخُلُ النَّاسُ مِنهُ، وَبَابًا يَخرُجُونَ مِنهُ. قَالَ: فَأَنَا اليَومَ أَجِدُ مَا أُنفِقُ، وَلَستُ أَخَافُ النَّاسَ. قَالَ: فَزَادَ فِيهِ خَمسَ أَذرُعٍ مِن الحِجرِ، حَتَّى أَبدَى أُسًّا نَظَرَ النَّاسُ إِلَيهِ، فَبَنَى عَلَيهِ البِنَاءَ، وَكَانَ طُولُ الكَعبَةِ ثَمَانِيَ عَشرَةَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا زَادَ فِيهِ استَقصَرَهُ، فَزَادَ فِي طُولِهِ عَشرَ أَذرُعٍ، وَجَعَلَ لَهُ بَابَينِ: أَحَدُهُمَا يُدخَلُ مِنهُ، وَالآخَرُ يُخرَجُ مِنهُ. قال: فَلَمَّا قُتِلَ ابنُ الزُّبَيرِ كَتَبَ الحَجَّاجُ إِلَى عَبدِ المَلِكِ بنِ مَروَانَ يُخبِرُهُ بِذَلِكَ، وَيُخبِرُهُ أَنَّ ابنَ الزُّبَيرِ قَد وَضَعَ البِنَاءَ عَلَى أُسٍّ نَظَرَ إِلَيهِ العُدُولُ مِن أَهلِ مَكَّةَ، فَكَتَبَ إِلَيهِ عَبدُ المَلِكِ: إِنَّا لَسنَا مِن تَلطِيخِ ابنِ الزُّبَيرِ فِي شَيءٍ، أَمَّا مَا زَادَ فِي طُولِهِ فَأَقِرَّهُ، وَأَمَّا مَا زَادَ فِيهِ مِن الحِجرِ فَرُدَّهُ إِلَى بِنَائِهِ. وسد الباب الذي فتحه. فنقضه وأعاده إلى بنائه.\nــ\nالبيت كان صوابًا وحقًّا. وقبَّح الله الحجاج، وعبد الملك، لقد جهلا سنَّة رسول الله - ﷺ - واجترأا على بيت الله وعلى أوليائه.\nو(التلطيخ): التلويث والتقذير (١). يقال: لطخت فلانًا بأمرٍ قبيح: إذا رماه به. ورجل لطيخ؛ أي: قذر. أراد بذلك العيب لفعله. وهو المعاب.\nوقوله: (ثم أعاده إلى بنائه (٢»؛ يعني: البناء الأول المتقدِّم على بناء ابن الزبير. وهو الذي عليه الآن. وقد كان الرشيد أراد أن يرده على ما بناه ابن الزبير، فقال له مالك: نشدتك الله يا أمير المؤمنين! ألا (٣) تجعل هذا البيت\n_________\n(١) في (ج): التقَذُّر.\n(٢) في (ج): ثم أعاد على بنائه. وفي (ل): ثم أعاده على بنائه.\n(٣) في الأصول: أن. وصُحِّحت ليستقيم المعنى.","vol":"3","page":438},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ عَبدُ المَلِكِ: مَا أَظُنُّ أَبَا خُبَيبٍ (يَعنِي ابنَ الزُّبَيرِ) سَمِعَ مِن عَائِشَةَ مَا كَانَ زعُمُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنهَا. قَالَ الحَارِثُ بن عبد الله: بَلَى أَنَا سَمِعتُهُ مِنهَا. قَالَ: سَمِعتَهَا تَقُولُ: مَاذَا؟ قَالَ: قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: إِنَّ قَومَكِ استَقصَرُوا مِن بُنيَانِ البَيتِ، وَلَولَا حَدَاثَةُ عَهدِهِم بِالشِّركِ أَعَدتُ مَا تَرَكُوا مِنهُ، فَإِن بَدَا لِقَومِكِ مِن بَعدِك أَن يَبنُوهُ فَهَلُمِّي لِأُرِيَكِ مَا تَرَكُوا مِنهُ. فَأَرَاهَا قَرِيبًا مِن سَبعَ أَذرُعٍ.\nوَفِي أُخرى: فقال عبد الملك: لو كنت سمعته قبل أن أهدمه لتركته على ما بنى ابن الزبير.\nرواه أحمد (٦/ ٢٣٩)، والبخاري (١٥٨٦)، ومسلم (١٣٣٣) (٤٠٢ و٤٠٣ و٤٠٤)، والنسائي (٥/ ٢١٦).\n[١١٩١] وعن عَبدَ اللَّهِ بنَ الزُّبَيرِ، قال: حَدَّثَتنِي خَالَتِي (يَعنِي عَائِشَةَ) قَالَت: قَالَ النبي -ﷺ-: يَا عَائِشَةُ لَولَا أَنَّ قَومَكِ حَدِيثُو عَهدٍ بِشِركٍ\nــ\nملعبة للملوك؛ لا يشاء أحدٌ إلا نقض البيت وبناه، فتذهب هيبته من صدور الناس. فترك ما هم به، واستحسن الناس هذا من مالك، وعملوا عليه، فصار هذا كالإجماع. على أنه لا يجوز التعرض له بهد أو تغيير. والله أعلم.\nوقوله: (فأراها قريبًا من سبع أذرع)؛ هذا ليس مخالفًا لما تقدم من خمس أذرع؛ لأن هذا تقدير، وذكر الخمس تحقيق.\nوقول عبد الملك: (لو كنت سمعته قبل أن أهدمه لتركته على ما بنى ابن الزبير)؛ تصريح منه بجهله بالسنة الواردة في ذلك، وهو غير معذور في ذلك؛ فإنه كان متمكنًا من التثبت في ذلك، والسؤال، والبحث، فلم يفعل؛ واستعجل، وقصَّر. فالله حسيبه، ومجازيه على ذلك.","vol":"3","page":439},{"text":"لَهَدَمتُ الكَعبَةَ فَأَلزَقتُهَا بِالأَرضِ، وَجَعَلتُ لَهَا بَابَينِ، بَابًا شَرقِيًّا وَبَابًا غَربِيًّا، وَزِدتُ فِيهَا سِتَّ أَذرُعٍ مِن الحِجرِ، فَإِنَّ قُرَيشًا اقتَصَرَتهَا حيث بَنَت الكَعبَةَ.\nرواه أحمد (٦/ ١٧٩)، ومسلم (١٣٣٣) (٤٠١).\n[١١٩٢] وعَن الأَسوَدِ بنِ يَزِيدَ، عَن عَائِشَةَ قَالَت: سَأَلتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَن الجَدرِ أَمِن البَيتِ هُوَ؟ قَالَ: نَعَم قُلتُ: فَلِمَ لَم يُدخِلُوهُ البَيتِ؟ قَالَ: إِنَّ قَومَكِ قَصَّرَت بِهِم النَّفَقَةُ. قُلتُ: فَمَا شَأنُ بَابِهِ مُرتَفِعًا؟ قَالَ: فَعَلَ ذَلِكِ قَومُكِ لِيُدخِلُوا مَن شَاؤوا، وَيَمنَعُوا مَن شَاؤوا، وَلَولَا أَنَّ قَومَكِ حديث عَهدُهُم فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَأَخَافُ أَن تُنكِرَه قُلُوبُهُم، لَنَظَرتُ أَن أُدخِلَ الجَدرَ فِي البَيتِ، وَأَن أُلزِقَ بَابَهُ بِالأَرضِ.\nرواه مسلم (١٣٣٣) (٤٠٥).\n* * *\nــ\nو(الجَدر) - بالفتح -: الجدار، وهو بالدال المهملة، والجيم المفتوحة. والمراد به هنا: أصل الجدار الذي أخرجته قريش عن بناء الجدار الذي بنوه، وهو المعبَّر عنه بالشاذروان. وقد يكون الجدر أيضًا: ما يرفع من جوانب الشرفات في أصول النخل، وهي كالحيطان لها. ومنه قوله: (اسق يا زبير حتى يبلغ الماء الجدر) (١).\n* * *\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ٤ و٥)، والبخاري (٢٣٥٩)، ومسلم (٢٣٥٧)، وأبو داود (٣٦٣٧)، والترمذي (١٣٦٣)، والنسائي (٨/ ٢٤٥)، وابن ماجه (١٥).","vol":"3","page":440},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-438>(٤٩) باب الحج عن المعضوب والصبي</span>\n[١١٩٣] عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الفَضلُ بنُ عَبَّاسٍ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ- فَجَاءَتهُ امرَأَةٌ مِن خَثعَمَ تَستَفتِيهِ، فَجَعَلَ الفَضلُ يَنظُرُ إِلَيهَا، وَتَنظُرُ إِلَيهِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَصرِفُ وَجهَ الفَضلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ قَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الحَجِّ أَدرَكَت أَبِي شَيخًا كَبِيرًا لَا يَستَطِيعُ أَن يَثبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنهُ؟ قَالَ: نَعَم وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ.\nــ\n(٤٩) ومن باب: الحج عن المعضوب\nقوله: (فجعل الفضل ينظر إليها، وتنظر إليه)؛ هذا النظر منهما بمقتضى الطباع؛ فإنها مجبولةٌ على الميل إلى الصور الحسنة. ولذلك قال في رواية: (وكان الفضل أبيض وسيمًا)؛ أي: جميلًا. و(صرف النبي - ﷺ - وجه الفضل إلى الشق الآخر)؛ منع له من مقتضى الطبع، وردٌّ له (١) إلى مقتضى الشرع.\nوفيه دليل: على أن المرأة تكشف وجهها في الإحرام، وأنها لا يجب عليها ستره وإن خيف منها (٢) الفتنة، لكنها تندب إلى ذلك، بخلاف أزواج النبي - ﷺ -، فإن الحجاب عليهن كان فريضة.\nوقولها: (إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة)؛ هذا هو المسمَّى بالمعضوب. والعضب: القطع. وبه سُمِّي السيف: عضبًا، وكأن من انتهى إلى هذه الحالة قطعت أعضاؤه؛ إذ لا يقدر على شيء. وقد\n_________\n(١) ساقط من (ج).\n(٢) في (ع): منه.","vol":"3","page":441},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَبِي شَيخٌ كَبِيرٌ عَلَيهِ فَرِيضَةُ اللَّهِ\nــ\nبيَّنَتُه في الرواية الأخرى بقولها: (لا يستطيع أن يستويَ على ظهر بعيره. فبمجموع الروايتين يحصل: أنه لا يقدر على الاستواء على الراحلة، ولو استوى لم يثبت عليها.\nوقولها: (أدركت أبي)، وفي الرواية الأخرى: (عليه فريضة الله في الحج)؛ ظاهرٌ في أن من لم يستطع الحج بنفسه أنه يخاطب به. وبهذا الظاهر أخذ الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو حنيفة، والجمهور على تفصيل لهم يأتي إن شاء الله تعالى. وخالفهم في ذلك مالك وأصحابه، ورأوا: أن هذا الظاهر مخالف لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيتِ مَنِ استَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلا﴾ فإن الأصل في الاستطاعة إنما هي القوة بالبدن. ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَا اسطَاعُوا أَن يَظهَرُوهُ وَمَا استَطَاعُوا لَهُ نَقبًا﴾؛ أي: ما قدروا، ولا قووا. وبالجملة: فإذا قال القائل: فلان مستطيع، أو غير مستطيع. فالظاهر منه السابق إلى الفهم: نفي القدرة أو إثباتها، فلما عارض ظاهر الحديث ظاهر القرآن رجح مالك ﵀ ظاهر القرآن. وهو مرجح بلا شك من أوجه: منها: أنه مقطوع بتواتره. ومنها: أن هذا القول إنما هو قول المرأة على ما ظنت. ثم إنه يحتمل أن يكون معنى: (أدركت أبي): أن الحج فرض وأبوها حي على تلك الحالة الموصوفة.\nقلت: وهذا التأويل، وإن قبله قولها: (أدركت). فلا يقبله قولها في الرواية الأخرى: (عليه فريضة الحج). لكن هذا كله منها ظن وحسبان، ولا حجة في شيء من ذلك، فإنها ظنت الأمر على خلاف ما هو عليه. ولا يقال: فقد أجابها رسول الله - ﷺ - على سؤالها، ولو كان سؤالها غلطًا لما أجابها عليه، ولبينه لها، فإن تأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز، لأنا نقول: إنه لم يُجبها على هذا القول، بل على قولها: (أفأحج عنه؟) فقال لها: (نعم). أو: (فحجي عنه) على اختلاف","vol":"3","page":442},{"text":"فِي الحَجِّ، وَهُوَ لَا يَستَطِيعُ أَن يَستَوِيَ عَلَى ظَهرِ بَعِيرِهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: فَحُجِّي عَنهُ.\nــ\nالرواية، وإنما قال لها ذلك لما رأى من حرصها على إيصال الخير والثواب لأبيها، فأجابها إلى ذلك. كما قال للأخرى التي قالت: إن أمي نذرت أن تحجَّ، فلم تحجَّ حتى ماتت، أفأحجَّ عنها؟ فقال: (حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته عنها؟) قالت: نعم (١)؛ ففي هذا ما يدل على أنه من باب التطوُّعات، وإيصال الخير والبرِّ للأموات. ألا ترى أنه قد شبَّه فعل الحج بالدَّين؟ ! وبالإجماع: لو مات ميت (٢) وعليه دين لم يجب على وليه قضاؤه من ماله، فإن تطوع بذلك تأدَّى الدين عنه. ولا يبعد في كرم الله وفضله إذا حجَّ الولي عن الميت الصَّرورة (٣) أن يعفو الله عن الميت بذلك، ويثيبه عليه، أو لا يطالبه بتفريطه. وقد تقدَّم الكلام على هذا المعنى في الصوم. ولم يتعرض النبي - ﷺ - لقولها؛ لأنه فهم أن مرادها الاحتمال الذي قدمناه. والله تعالى أعلم.\nقلت: وقد قال بعض أصحابنا - وهو أبو عمر بن عبد البر -: حديث الخثعمية عند مالك وأصحابه مخصوص بها. وقال آخرون: فيه اضطراب. قلت: وفي هذين القولين بُعد. والصحيح ما قدَّمته. والله أعلم.\nوقد قال بعض أصحابنا بموجب حديث الخثعمية فقال: لا تجوز النيابة في الحج إلا للابن عن أبيه خاصة. وفي هذا الحديث ردٌّ على الحسن بن حييِّ حيث قال: لا يجوز حج المرأة عن الرجل.\nوقد اختلف العلماء في النيابة في الحج قديمًا وحديثًا. فحكي عن النخعي\n_________\n(١) رواه مسلم (١١٤٨)، وأبو داود (٣٣٠٧)، والترمذي (٧١٦).\n(٢) من (هـ) و(ج).\n(٣) \"الصرورة\": الذي لم يحجَّ قطُّ.","vol":"3","page":443},{"text":"رواه أحمد (١/ ٣٤٦)، والبخاري (١٥١٣)، ومسلم (١٣٣٤) و(١٣٣٥) وأبو داود (١٨٠٩)، والئسائي (٥/ ١١٨)، وابن ماجه (٢٩٠٩).\nــ\nوبعض السَّلف: لا يحج أحدٌ عن أحد جملة من غير تفصيل. وحكي مثله عن مالك. وقال جمهور الفقهاء: يجوز أن يحج عن الميت، عن فرضه، ونذره، وإن لم يوص به (١)، ويجزئ عنه. واختلف قول الشافعي - ﵀ - في الإجزاء عن الفرض. ومذهب مالك، والليث، والحسن بن حيي: أنه لا يحج أحدٌ عن أحد إلا عن ميت لم يحج حجة الإسلام، ولا ينوب عن فرضه. قال مالك: إذا أوصى به. وكذلك عنده يتطوع بالحج عن الميت إذا أوصى به. وأجاز أبو حنيفة، والثوري وصية الصحيح بالحج عنه تطوُّعًا. وروي مثله عن مالك.\nوسبب الخلاف في هذه المسألة: ما قد أشرنا إليه من معارضة الظواهر بعضها بعضًا، ومعارضة القياس لتلك الظواهر، واختلافهم في تصحيح حديثي جابر وابن عباس. فأما حديث جابر: فخرَّجه عبد الرزاق قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إن الله يدخل بالحجة الواحدة ثلاثة الجنة: الميت، والحاج، والمنفِّذ لذلك) (٢). في إسناده أبو معشر؛ نجيح، وأكثر الناس يضعفه، ومع ضعفه يكتب حديثه.\nوأما حديث ابن عباس: فخرَّجه أبو داود. قال فيه: سمع رسول الله - ﷺ - رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة. فقال: (من شبرمة؟) قال: أخ لي، أو قريب لي. فقال: (حججت عن نفسك؟) قال: لا. قال: (حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة) (٣). علله بعضهم: بأنه قد روي موقوفًا، والذي أسنده ثقة. وقد قال سفيان، والحسن بن علي: لا يحج في الوصية بالحج من لم يحجَّ عن نفسه، أخذًا بحديث\n_________\n(١) في (ع) و(ج): يفرض له.\n(٢) رواه البيهقي (٥/ ١٨٠ و٣٥٦).\n(٣) رواه أبو داود (١٨١١)، وابن ماجه (٢٩٠٣).","vol":"3","page":444},{"text":"[١١٩٤] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ عَن النَّبِيِّ -ﷺ- لَقِيَ رَكبًا بِالرَّوحَاءِ فَقَالَ: مَن القَومُ؟ قَالُوا: المُسلِمُونَ فَقَالُوا: مَن أَنتَ؟ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ. فَرَفَعَت إِلَيهِ امرَأَةٌ صَبِيًّا فَقَالَت: أَلِهَذَا حَجٌّ\nــ\nشبرمة هذا. وقاله الشافعي فيمن حج عن ميِّت. وقال غيرُ مَن ذكر: بجواز ذلك، وإن كان الأولى هو الأول.\nوالجمهور على كراهية الإجارة في الحج. وقال أبو حنيفة: لا تجوز. وقال مالك والشافعي - في أحد قوليه -: لا تجوز، فإن وقع مضى. وقال بعض أصحابنا بجواز ذلك ابتداءً.\nو(الرَّوحاء): موضع معروف من عمل الفرع، بينه وبين المدينة نحو الأربعين ميلًا. وفي كتاب مسلم: ستة وثلاثون ميلًا. وفي كتاب ابن أبي شيبة: ثلاثون ميلًا. و(الركب): أصحاب الإبل الرَّاكبون عليها.\nوقوله (١): (مَنِ القوم؟) سؤال من لم يعلم مَن كانوا، إما لأنهم كانوا في ليل، وإما لأن هؤلاء الركب (٢) كانوا فيمن أسلم ولم يهاجروا.\nو(رفع المرأة الصبيَّ)؛ يدل على صغره، وأنه لم يكن جفرًا (٣)، ولا مراهقًا؛ إذ لا ترفعه غالبًا إلا وهو صغير. وفي الموطأ: فأخذت بضبعي (٤) صبي لها وهو في محفّتها. وفي غيره: فأخرجته من محفّتها. وهو حجة للجمهور في أن الصغير ينعقد حجُّه، ويجتنب ما يجتنبه الكبير (٥). وهو ردٌّ على قوم من أهل البدع منعوا حج الصبيِّ،\n_________\n(١) في الأصول: وقولهم. والصواب ما أثبتناه.\n(٢) في (ج): القوم.\n(٣) قال في اللسان: الجَفْر: الصبي إذا انتفخ لحمه، وأكل، وصارت له كرش.\n(٤) يقال: أخذ بضبعيه، أي: أمسك بعضديه.\n(٥) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"3","page":445},{"text":"قَالَ: نَعَم، وَلَكِ أَجرٌ.\nرواه أحمد (١/ ٢١٩)، ومسلم (١٣٣٦) (٤٠٩)، وأبو داود (١٧٣٦)، والنسائي (٥/ ١٢٠ - ١٢١).\n* * *\nــ\nوعلى أبي حنيفة إذ يقول: لا ينعقد، وإنما هو عنده من باب التمرين، ولا يلزم أن يجتنب شيئا يجتنبه المحرم. وكلُّ من قال بصحة حج الصغير متفقون: على أنه لا يجزئه عن حجة الإسلام. وقد شذَّت فرقة لا مبالاة بها، فقالت: يجزئه عنها (١)، بدليل: أن الصبي لا يجب عليه حكم شرعًا اتفاقًا، وإنما الخلاف: هل يُخاطبون بخطاب الندب من جهة الله تعالى؟ أو: إنما المخاطب أولياؤهم بحملهم على آداب الشريعة، وتمرينهم عليها، وأخذهم بما يمكنهم من أحكامها في أنفسهم، وأموالهم. وهذا هو المرتضى في (٢) الأصول. ثم لا بُعدَ في أن الله تعالى يثيبهم على ما يصدر عنهم من أفعال البر والخير، فإن الثواب فضل الله تعالى يؤتيه من يشاء. وبهذا قال عمر بن الخطاب ﵁ وكثير من العلماء. أعني: أنهم قالوا: إنهم يثابون على طاعاتهم، ولا يعاقبون على سيئاتهم.\nواختلف العلماء في الصبي إذا أحرم بالحج ثم بلغ: فقال مالك: لا يرفض إحرامه، ويتم حجَّه، ولا يجزئه عن حجة الإسلام. وقال: إن استأنف الإحرام قبل الوقوف بعرفة أجزأه عنها. وقال أبو حنيفة: يلزمه تجديد النية للإحرام، ورفض الأولى، إذ لا يترك فرضٌ لنافلة. وقال الشافعي: يجزئه، ولا يحتاج إلى تجديد نيَّةٍ.\nوالخلاف في يحرم ثم يُعتق كالخلاف في الصبي.\nوقوله: (ولك أجر)؛ يعني: فيما تكلفته من أمره بالحج وتعليمها إيَّاه، وتجنيبها إيَّاه ممنوعات الإحرام.\n_________\n(١) زاد في (ج): وهو فاسد.\n(٢) في (ج): من.","vol":"3","page":446},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-439>(٥٠) باب فرض الحج مرة في العمر</span>\n[١١٩٥] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! قَد فَرَضَ اللَّهُ عَلَيكُم الحَجَّ فَحُجُّوا، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ-: لَو قُلتُ: نَعَم لَوَجَبَت، وَلَمَا استَطَعتُم، ثُمَّ قَالَ: ذَرُونِي مَا تَرَكتُكُم، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَن كَانَ\nــ\n(٥٠) ومن باب: فرض الحج مرة في العمر\nقوله: (قد فرض عليكم الحج فحجُّوا)؛ أي: أوجب، وألزم. وإن كان أصل الفرض: التقدير، كما تقدم. ولا خلاف في وجوبه مرة في العمر على المستطيع. وقد تقدم الكلام على الاستطاعة.\nوقول السائل: (أكل عام؟) سؤال من تردَّد في فهم قوله: (فحجوا) بين التكرار والمرة الواحدة، وكأنه عنده مجملٌ، فاستفصل، فأجابه بقوله: (لو قلت نعم؟ لوجبت)؛ أي: لوجبت المسألة، أو الحجة في كل عام (١)، بحكم ترتيب الجواب على السؤال.\nوقوله: (ولما استطعتم)؛ أي: لا تطيقون ذلك، لثقله، ومشقته على القريب، ولتعذره على البعيد.\nوقوله: (ذروني ما تركتكم)؛ يعني: لا تكثروا من الاستفصال عن المواضع التي تكون مقيَّدة بوجهٍ ما ظاهرٍ وإن كانت صالحة لغيره. وبيان ذلك:\nأن قوله: (فحجوا) وإن كان صالِحًا للتكرار، فينبغي أن يكتفى بما يصدق\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"3","page":447},{"text":"قَبلَكُم بِكَثرَةِ سُؤَالِهِم، وَاختِلَافِهِم عَلَى أَنبِيَائِهِم، فَإِذَا أَمَرتُكُم بِشَيءٍ فَأتُوا مِنهُ مَا استَطَعتُم، وَإِذَا نَهَيتُكُم عَن شَيءٍ فَدَعُوهُ.\nرواه مسلم (١٣٣٧)، والنسائي (٥/ ١١٠ - ١١١).\n* * *\nــ\nعليه اللفظ، وهو المرة الواحدة، فإنها مدلولة للَّفظ قطعًا، وما زاد عليها يتغافل عنه، ولا يكثر السؤال فيه لإمكان أن يكثر الجواب المترتب عليه، فيضاهي ذلك قصة بقرة بني إسرائيل التي قيل لهم فيها: اذبحوا بقرة. فلو اقتصروا على ما يصدق عليه اللفظ، وبادروا إلى ذبح بقرة - أي بقرة كانت - لكانوا ممتثلين، لكن لما أكثروا السُّؤال كثر عليهم الجواب، فشدَّدوا، فَشُدِّد عليهم، فذُمُّوا على ذلك، فخاف النبي - ﷺ - مثل هذا على أمته، ولذلك قال: (فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم)، وعلى هذا يحمل قوله: (فإذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم)؛ يعني: بشيء مطلق. كما إذا قال: صُم، أو صلِّ، أو تصدَّق. فيكفي من ذلك أقل ما ينطلق عليه الاسم. فيصوم يومًا، ويصلِّي ركعتين، ويتصدَّق بشيء يُتصدَّق بمثله. فإن قيَّد شيئًا من ذلك بقيودٍ، ووصفه بأوصاف لم يكن بدٌّ من امتثال أمره على ما فصَّل وقيَّد، وإن كان فيه أشدُّ المشقَّات، وأشقُّ التكاليف. وهذا مما لا يختلف فيه إن شاء الله تعالى أنه هو المراد بالحديث.\nوقوله: (وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه)؛ يعني: أن النهي على نقيض الأمر، وذلك: أنه لا يكون ممتثلًا بمقتضى النهي حتى لا يفعل واحدًا من آحاد ما يتناوله النهي، ومن فعل واحدًا فقد خالف، وعصى، فليس في النهي إلا ترك ما نهي عنه مطلقًا دائمًا، وحينئذ يكون ممتثلًا لترك ما أُمر بتركه، بخلاف الأمر على ما تقدَّم. وهذا الأصل إذا فهم هو ومسألة مطلق الأمر، هل يحمل على الفور، أو التراخي، أو على المرة الواحدة، أو على التكرار؟ وفي هذا الحديث أبواب من الفقه لا تخفى.","vol":"3","page":448},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-440>(٥١) باب ما جاء أن المحرم من الاستطاعة</span>\n[١١٩٦] عَن ابنِ عُمَرَ عن النبي - ﷺ - قَالَ: لَا يحل لامَرأَةُ تؤمن\nــ\n(٥١) ومن باب: ما جاء أن المَحرَمَ من الاستطاعة\nظواهر أحاديث هذا الباب متواردةٌ على أنه لا يجوز للمرأة أن تسافر سفرًا طويلًا إلا ومعها ذو محرم منها أو زوج، وسيأتي القول في أقل السفر الطويل، وقد مرَّ منه طرف في كتاب الصلاة، فيلزم من هذه الأحاديث أن يكون المَحرم شرطًا في وجوب الحج على المرأة لهذه الظواهر، وقد روي ذلك عن النخعي والحسن، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحاب الرأي وفقهاء أصحاب الحديث، وذهب عطاء وسعيد بن جبير وابن سيرين والأوزاعي ومالك والشافعي إلى أن ذلك ليس بشرط. وروي مثله عن عائشة ﵂، لكن الشافعي - في أحد قوليه - يشترط أن يكون معها نساء أو امرأة ثقة مسلمة، وهو ظاهر قول مالك على اختلاف في تأويل قوله تخرج مع رجال أو نساء؛ هل بمجموع ذلك أم في جماعة من أحد الجنسين؟ وأكثر ما نقله أصحابنا عنه اشتراط النساء، وسبب هذا الخلاف مخالفة ظواهر هذه الأحاديث لظاهر قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيتِ مَنِ استَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلا﴾ وذلك أن قوله: ﴿مَنِ استَطَاعَ﴾ ظاهره الاستطاعة بالبَدَن (١) كما قررناه آنفًا، فيجبُ على كل من كان قادرًا عليه ببدنه، ومن لم تجد محرمًا قادرة ببدنها فيجب عليها. فلما تعارضت هذه الظواهر اختلف العلماء في تأويل ذلك؛ فجمع أبو حنيفة ومن قال بقوله بينهما بأن جعل الحديث مبينًا (٢) للاستطاعة في حق المرأة، ورأى مالك ومن\n_________\n(١) في (ج): في البدن.\n(٢) ساقط من (ع).","vol":"3","page":449},{"text":"بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة ثلاث ليالٍ\nــ\nقال بقوله أن الاستطاعة بيّنة في نفسها في حق الرجال والنساء وأن الأحاديث المذكورة في هذا لم تتعرض للأسفار الواجبة، ألا ترى أنه قد اتفق على أنه يجب عليها أن تسافر مع غير ذي محرم إذا خافت على دينها ونفسها، وتُهاجر من دار الكفر كذلك (١)، ولذلك لم يختلف في أنها ليس لها أن تسافر سفرًا غير واجب مع غير ذي محرم أو زوج، ويمكن أن يقال: إن المنع في هذه الأحاديث إنما خرج لما يؤدي إليه من الخلوة وانكشاف عوراتهن غالبًا، فإذا أمن ذلك بحيث يكون في الرفقة نساء تنحاش إليهن جاز - كما قاله الشافعي ومالك، وأما مع الرِّجال المأمونين ففيه إشكال لأنه مظنة الخلوة وكشف العورة، وقد أقام الشرع المظنة مقام العلة في غير ما موضع، والله تعالى أعلم.\nوقوله ﷺ لا يحل لامرأة هو على العموم لجميع المؤمنات؛ لأن امرأة نكرة في سياق النفي فتدخل فيه الشابة والمتجالَّة (٢)، وهو قول الكافة. وقال بعض أصحابنا: تخرج منه المتجالَّة؛ إذ حالها كحال الرجل في كثير من أمورها. وفيه بُعد؛ لأن الخلوة بها تحرم، وما لا يطلع عليه من جسدها غالبًا عورة، فالمظنة موجودة فيها، والعموم صالح لها، فينبغي ألا تخرج منه، والله تعالى أعلم.\nوقوله مسيرة ثلاث، أو يومين، أو يوم وليلة لا يتوهم منه أنه اضطراب أو تناقض، فإن الرواة لهذه الألفاظ من الصحابة مختلفون، روى بعض ما لم يَروِ بعض، وكل ذلك قاله النبي - ﷺ - في أوقات مختلفةٍ بحسب ما سئل عنه.\n_________\n(١) سقطت هذه اللفظة من (ع).\n(٢) \"المتجالة\": التي كبرت وأسنَّت.","vol":"3","page":450},{"text":"إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحرَمٍ.\nرواه مسلم (١٣٣٨) (٤١٤).\n[١١٩٧] وعَن أَبِي سَعِيدٍ الخدري قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: لَا تَشُدُّوا الرِّحَالَ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ؛ مَسجِدِي هَذَا، وَالمَسجِدِ الحَرَامِ، وَالمَسجِدِ الأَقصَى. وَسَمِعتُهُ يَقُولُ: لَا تُسَافِر المَرأَةُ يَومَينِ مِن الدَّهرِ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحرَمٍ مِنهَا أَو زَوجُهَا.\nرواه مسلم (٨٢٧) (٤١٥)، وأبو داود (١٧٢٦)، والترمذي (١١٦٩)، وابن ماجه (٢٨٩٨).\nــ\nوأيضًا فإن كل ما دون الثلاث داخل في الثلاث، فيصح أن يعيّن بعضها، ويحكم عليها بحكم جميعها، فينص تارة على الثلاث وتارة على أقل منها لأنه داخل فيها، وقد تقدَّم الخلاف في أقل مدة السفر في باب القصر.\nوقوله إلا ومعها ذو محرم منها، هذا يعم ذوي المحارم سواء كان بالصهر أو بالقرابة، وهو قول الجمهور، غير أن مالكًا قد كره سفر المرأة مع ابن زوجها، قال: وذلك لفساد الناس بعد.\nوقوله لا تشدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ يعني: لا يسافر لمسجد لفعل قُربة فيه إلا إلى هذه المساجد لأفضليتها وشرفيتها على غيرها من المساجد، ولا خلاف في أن هذه المساجد الثلاثة أفضل من سائر المساجد كلها. ومقتضى هذا النهي أن من نذر المشي أو المضي إلى مسجد من سائر المساجد للصلاة فيه - ما عدا هذه الثلاثة - وكان منه على مسافةٍ يحتاج فيها إلى إعمال المَطِيِّ وشدِّ رحالها لم يلزمه ذلك؛ إلا أن يكون نذر مسجدًا من هذه المساجد الثلاثة، وقد ألحق محمد بن مسلمة مسجدَ قِباء بهذه المساجد على ما يأتي إن شاء الله تعالى.","vol":"3","page":451},{"text":"[١١٩٨] وعن أبي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا يَحِلُّ لِامرَأَةٍ مُسلِمَةٍ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ لَيلَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا رَجُلٌ ذُو حُرمَةٍ مِنهَا.\nوَفِي رِوَايَةٍ: مَسِيَرَة يَوم.\nوَفِي أُخرَى: مَسِيرَةِ يَومٍ وَلَيلَةٍ.\nرواه البخاري (١٠٨٨)، ومسلم (١٣٣٩) (٤١٩ و٤٢١)، وأبو داود (١٧٢٤)، والترمذي (١١٧٠)، وابن ماجه (٢٨٩٩).\n[١١٩٩] وعن ابنَ عَبَّاسٍ قال: سَمِعتُ رسول الله -ﷺ- يَخطُبُ يَقُولُ: لَا يَخلُوَنَّ رَجُلٌ بِامرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحرَمٍ، وَلَا تُسَافِر امَرأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحرَمٍ. فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ امرَأَتِي خَرَجَت حَاجَّةً،\nــ\nفصار شدُّ الرِّحال في هذا الحديث عبارة عن السفر البعيد، فأمَّا لو كان المسجد قريبًا منه لزمه المضي إليه إذا نذر الصلاة فيه؛ إذ لم يتناوله هذا النَّهي، وسيأتي لهذا مزيد بيان وتفريع.\nوقوله مسيرة يوم أو ليلة، لما كان ذِكر أحدهما يدل على الآخر ويستلزمه اكتفى بذكر أحدهما عن الآخر، وقد جمعهما في الرواية الأخرى حيث قال يوم وليلة، والروايات يُفسر بعضها بعضًا. وقد وقع في بعض الروايات لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم (١) ولم يذكر مدة، فيقتضي بحكم إطلاقه منع السَّفر قصيره وطويله.\nوقوله لا يخلون رجل بامرأة عامٌّ في المتجالات وغيرهن، وفي الشيوخ وغيرهم، وقد اتقى بعض السَّلف الخلوة بالبهيمة وقال: شيطانٌ مُغوٍ وأنثى حاضرة - أو كلامًا هذا معناه.\n_________\n(١) رواه البخاري (١٨٦٢)، ومسلم (١/ ٢٢٢).","vol":"3","page":452},{"text":"وَإِنِّي اكتُتِبتُ فِي غَزوَةِ كَذَا وَكَذَا! قَالَ: انطَلِق فَحُجَّ مَعَ امرَأَتِكَ.\nرواه أحمد (١/ ٢٢٢)، والبخاري (٣٠٠٦)، ومسلم (١٣٤١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-441>(٥٢) باب ما يقال عند الخروج إلى السفر وعند الرجوع</span>\n[١٢٠٠] عن ابنَ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا استَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إِلَى السَفَرٍ كَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: سُبحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ، اللَّهُمَّ نَسأَلُكَ فِي\nــ\nوقول الرجل إني اكتتبت في غزوة كذا؛ أي: ألزمت وأثبت اسمي في ديوان ذلك البعث.\nوقوله ﷺ للرجل انطلق فحج مع امرأتك هو فسخٌ لما كان التزم من المضي للجهاد، ويدل على تأكد أمر صيانة النساء في الأسفار وعلى أن الزوج أحق بالسفر مع زوجته من ذوي رحمها، ألا ترى أنه لم يسأله هل لها محرم أم لا؟ ولأن الزوج يطلع من الزوجة على ما لا يطلع منها ذو المحرم، فكان أولى. فإذًا، قوله - ﷺ - في الأحاديث إلا ومعها ذو محرمٍ إنما خرج خطابا لمن لا زوج لها، والله تعالى أعلم.\n(٥٢) ومن باب: ما يقال عند الخروج إلى السفر وعند الرجوع\n﴿سَخَّرَ﴾ ذلَّل ومكَّن، ﴿مُقرِنِينَ﴾ مُطيقين - قاله ابن عباس، قال الشاعر:\nلَقَد عَلِمَ القَبَائلُ مَا عقِيل ... لنا في النَّائِباتِ بِمُقرِنينا\nأي بمطيقين، وقال الأخفش: ضابطين. وقال قتادة: مماثلين، من القرن","vol":"3","page":453},{"text":"سَفَرِنَا هَذَا البِرَّ وَالتَّقوَى وَمِن العَمَلِ مَا تَرضَى، اللَّهُمَّ هَوِّن عَلَينَا سَفَرَنَا هَذَا وَاطوِ عَنَّا بُعدَهُ، اللَّهُمَّ أَنتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالخَلِيفَةُ فِي الأَهلِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن وَعثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ المَنظَرِ، وَسُوءِ المُنقَلَبِ فِي المَالِ وَالأَهلِ. وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ، وَزَادَ فِيهِنَّ: آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ.\nــ\nفي القتال وهو المثل، ويحتمل أن يكون من المقارنة أي الملازمة.\nومُنقَلِبُونَ راجعون، تنبيهًا على المطالبة بالشكر على ما أنعم وعلى العدل فيما سخر.\nالبر العمل الصالح والخلق الحسن، والتقوى الخوف الحامل على التحرز من المكروه، الصاحب أي: أنت الصاحب الذي تصحبنا (١) بحفظك ورعايتك، والخليفة أي: الذي يخلفنا في أهلينا بإصلاح أحوالهم بعد مغيبنا وانقطاع نظرنا (٢) عنهم، ولا يسمى الله تعالى بالصاحب ولا بالخليفة لعدم الإذن وعدم تكرارهما في الشريعة.\nوأعوذ أستجير، ووعثاء السفر مشقته وشدته، وأصله من الوعث وهو الوحل والدَّهس. وكآبة المنظر أي: حزن المرأى وما يسوء منه، والمنقلب الانقلاب، وهو مصدر انقلب - مزيدًا. آيبون جمع آيب، وهو الراجع بالخير هنا. وتائبون جمع تائب من الذنب، وأصل التوبة الرجوع (٣)، كذلك حدّها بعض أئمتنا بأن قالوا: التوبة هي الرجوع (٤) عمَّا هو مذموم شرعًا إلى ما هو محمود شرعًا - وسيأتي القول فيها إن شاء الله تعالى، وقد تقدَّم القول في ذنوب الأنبياء.\nعابدون: خاضعون متذللون. حامدون: مُثنون عليه بصفات كماله\n_________\n(١) في (ز): تحفظنا.\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع) و(ج).\n(٣) ما بين حاصرتن ساقط من (ع).\n(٤) ساقط من (هـ).","vol":"3","page":454},{"text":"رواه أحمد (٢/ ١٤٤)، ومسلم (١٣٤٢)، وأبو داود (٢٥٩٩)، والترمذي (٣٤٤٧)، والنسائي في اليوم والليلة (٥٤٨).\n[١٢٠١] وعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ سَرجِسَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا سَافَرَ يَتَعَوَّذُ مِن وَعثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ المُنقَلَبِ، وَالحَورِ بَعدَ الكَورِ، وَدَعوَةِ المَظلُومِ، وَسُوءِ المَنظَرِ فِي الأَهلِ وَالمَالِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: يَبدَأُ بالأهل إذا رجع.\nرواه أحمد (٥/ ٨٢ - ٨٣)، ومسلم (١٣٤٣)، والترمذي (٣٤٣٥)، والنسائي (٨/ ٢٧٢)، وابن ماجه (٣٨٨٨).\n[١٢٠٢] وعَن ابنِ عُمَرَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا قَفَلَ مِن الجُيُوشِ\nــ\nوجلاله، وشاكرون عوارف أفضاله.\nوالحور بعد الكور بالراء، هكذا رواية العذري وابن الحذاء، ومعناه الزيادة والنقصان، وقيل: الخروج من الجماعة بعد أن كان فيها. يقال: كار عمامته؛ أي: لفَّها. وحارها؛ أي: نقضها. وقيل: الفساد بعد الصلاح. وقيل: القلَّة بعد الكثرة. وقيل: الرّجوع من الجميل إلى القبيح. ورواه الفارسي وابن سعيد - وهو المعروف من رواية عاصم الأحول - بعد الكون بالنون. قال أبو عبيد: سئل عن معناه فقال: ألم تسمع إلى قولهم حار بعدما كانَ. يقول: إنه كان على حالة جميلة فحار عن ذلك؛ أي: رجع. قال أبو إسحاق الحربي: يُقال إن عاصمًا وَهِمَ فيه، وصوابه الكور بالراء، والله أعلم.\nوإنما استعاذ من دعوة المظلوم لأنها مستجابة؛ كما جاء في الصحيح، ولما تضمنته من كفاية الظلم ورفعه.\nوقفل رجع من سفره، والقافلة (١): الرَّاجعون من السفر. ولا يقال لهم\n_________\n(١) في جميع النسخ: \"القافلون\" والتصحيح من (ج).","vol":"3","page":455},{"text":"أَو السَّرَايَا أَو الحَجِّ أَو العُمرَةِ إِذَا أَوفَى عَلَى ثَنِيَّةٍ أَو فَدفَدٍ كَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمدُ، وَهُوَ عَلَى\nــ\nفي مبدئهم قافلة - قاله القتبي وغيره، ولكن رفقة.\nوالجيوش جمع جيش، وهو العسكر العظيم. والسَّرايا جمع سرية وهي دون الجيش، وسُمّيت بذلك لأنها تسري بالليل. وقد قال ﷺ: خير الجيوش أربعة آلاف، وخير السَّرايا أربعمائة، ولن تُغلب اثنا عشر ألفًا من قلِّة (١).\nوأوفى أقبل وأطل، والثنيَّة الهضبة، وهي الكوم دون الجبل. والفدفد ما غلظ من الأرض وارتفع، وجمعه فدافد.\nوتكبيره - ﷺ - في هذه المواضع المرتفعة إشعار بأن أكبرية كل كبير إنما هي منه، وأنها محتقرة بالنسبة إلى أكبريته تعالى وعظمته، وتوحيدُه الله تعالى هناك إشعار بانفراده ﷾ بإيجاد جميع الموجودات وبأنه المألوه؛ أي المعبود في كل الأماكن من الأرضين والسماوات، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرضِ إِلَهٌ﴾\nوالمُلك والمِلك أصله الشدُّ والرَّبط، والمُلك بالضم يتضمن المِلك بالكسر، ولا ينعكس. وساجدين جمع ساجد، وأصله الخضوع والتذلل، ومنه قول الشاعر:\nتَرَى الأُكمَ فيها سُجَّدًا لِلحَوافِر (٢)\nأي متذللة خاضعة.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢٦١١)، والترمذي (١٥٥٥)، وابن ماجه (٢٧٢٨).\n(٢) كذا في اللسان مادة (سجد).","vol":"3","page":456},{"text":"كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعدَهُ، وَنَصَرَ عَبدَهُ، وَهَزَمَ الأَحزَابَ وَحدَهُ.\nرواه البخاريُّ (٦٣٨٥)، ومسلم (١٣٤٤)، ومالك في الموطأ (١/ ٤٢١)، وأبو داود (٢٧٧٠)، والترمذي (٩٥٠)، والنسائي في اليوم والليلة (٥٤٠).\n[١٢٠٣] وعن أَنَسُ بنُ مَالِكٍ قال: أَقبَلنَا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَا وَأَبُو طَلحَةَ وَصَفِيَّةُ رَدِيفَتُهُ عَلَى نَاقَتِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِظَهرِ المَدِينَةِ قَالَ: آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ. فَلَم يَزَل يَقُولُ ذَلِكَ حَتَّى قَدِمنَا المَدِينَةَ.\nرواه أحمد (٣/ ١٨٧)، والبخاريُّ (٣٠٨٥)، ومسلم (١٣٤٥)، والنسائي في اليوم والليلة (٥٥١).\n* * *\nــ\nوقوله ﷺ صدق الله وعده، ونصر عبده خبرٌ عن وفاء الله بما وعد به على جهة الثناء والشكر، حيث قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَستَخلِفَنَّهُم فِي الأَرضِ﴾ وقال: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾ ويعني بقوله عبده نفسه.\nوقوله وهزم الأحزاب وحده؛ أي: من غير مجاولة من أحد ولا سبب ولا شركة، بل كما قال الله تعالى: ﴿فَأَرسَلنَا عَلَيهِم رِيحًا وَجُنُودًا لَم تَرَوهَا﴾ ويحتمل أن يكون هذا الخبر بمعنى الدعاء، كأنه قال: اللهم افعل ذلك وحدك - والأول أظهر.\nوالأحزاب جمع حزب، وهو القطعة المجتمعة من الناس، ويعني بهم هنا على التأويل المتقدم الجيش الذين حاصروه بالمدينة، ثم نصره الله عليهم بالريح. وعلى التأويل الثاني يعني بهم كل من يتحزب من الكفار عليه ويجتمع.","vol":"3","page":457},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-442>(٥٣) باب التعريس بذي الحليفة إذا صدر من الحج أو العمرة</span>\n[١٢٠٤] عَن نَافِعٍ أَنَّ عَبدَ اللَّهِ بنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا صَدَرَ مِن الحَجِّ والعُمرَةِ أَنَاخَ بِالبَطحَاءِ الَّتِي بِذِي الحُلَيفَةِ، الَّتِي كَانَ يُنِيخُ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: وَيُصَليِ بِهَا.\nرواه أحمد (٢/ ٢٨)، والبخاري (١٥٧٦)، ومسلم (١٢٥٧) (٤٣١ و٤٣٢)، ومالك في الموطأ (١/ ٤٠٥)، وأبو داود (٢٠٤٤)، والنسائي (٥/ ١٢٦ - ١٢٧).\n[١٢٠٥] وعن ابنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أُتِيَ وَهُوَ فِي مُعَرَّسِهِ مِن ذِي الحُلَيفَةِ فِي بَطنِ الوَادِي، فَقِيلَ: إِنَّكَ بِبَطحَاءَ مُبَارَكَةٍ! قَالَ مُوسَى بن عقبة:\nــ\n(٥٣) ومن باب: التعريس بذي الحليفة إذا صدر من الحج أو العمرة\n(صدر): رجع. والمصدر: الموضع الذي يُصدَر منه. وبه سُمِّي المصدر النحوي. و(الإناخة): تنويخ الإبل. يقال: أنخت الجمل فبرك. ولا يقال: فناخ. و(التعريس): النزول من آخر الليل - قاله الخليل والأصمعي وغيرهما. وقال أبو زيد: عرَّس القوم في المنزل - نزلوا به، أي وقت كان من ليلٍ أو نهارٍ، والأول أعرفُ. والتعريس بذي الحليفة ليس من سنن الحج ولا العمرة، ولكنَّه مستحب تبركًا بالنبي ﷺ، وأيضًا: فإنها بطحاء مباركة، كما جاء في الحديث الآتي بعدُ، وقد استحب مالك النزول به والصلاة فيه، وقال: إن لم يكن وقت صلاة أقام به حتى يحل وقت الصلاة. وقيل: إنما نزل النبي - ﷺ - به بالناس لئلا يَفجؤوا أهليهم","vol":"3","page":458},{"text":"وَقَد أَنَاخَ بِنَا سَالِمٌ بِالمُنَاخِ مِن المَسجِدِ الَّذِي كَانَ عَبدُ اللَّهِ يُنِيخُ بِهِ يَتَحَرَّى مُعَرَّسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ أَسفَلُ مِن المَسجِدِ الَّذِي بِبَطنِ الوَادِي، بَينَهُ وَبَينَ القِبلَةِ وَسَطًا مِن ذَلِكَ.\nرواه أحمد (٢/ ٨٧)، والبخاري (١٥٧٥)، ومسلم (١٣٤٦) (٤٣٤).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-443>(٥٤) باب في فضل يوم عرفة ويوم الحج الأكبر</span>\n[١٢٠٦] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ فِي الحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ عَلَيهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَبلَ حَجَّةِ الوَدَاعِ فِي رَهطٍ يُؤَذِّنُونَ فِي النَّاسِ يَومَ النَّحرِ: لَا يَحُجُّ بَعدَ العَامِ مُشرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالبَيتِ عُريَانٌ. قَالَ\nــ\nليلًا، كما قد نهى أن يأتي الرَّجل أهله طروقًا حتى تمتشط الشعثة وتستحدَّ المُغِيبَة (١). ومعنى ذلك أن الرجل إذا فجأ أهله من سفره ربما وجدها على حالة يستقذرها من الشعث والتَّفَل (٢) ورثاثة الهيئة، فيكون ذلك سببًا لفقد الألفة وعدم الصحبة، وهذا منه - ﷺ - إرشاد إلى أمر مصلحي ينبغي للأزواج أن يراعوه.\nو(يتحرى):\n(٥٤) ومن باب: فضل يوم عرفة، ويوم الحج الأكبر\nقوله يؤذنون في الناس يوم النحر: لا يحج بعد العام مشرك؛ هذا يدل على أن يوم الحج الأكبر يوم النحر، كما قاله حميد. وهو قول سعيد بن جبير\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٢٤٧)، ومسلم (٧١٥) عن جابر ﵁.\n(٢) \"التفل\": ترك الطيب.","vol":"3","page":459},{"text":"ابنُ شِهَابٍ: فَكَانَ حُمَيدُ بنُ عَبدِ الرَّحمَنِ يَقُولُ: يَومُ النَّحرِ يَومُ الحَجِّ الأَكبَرِ - مِن أَجلِ حديث أَبِي هُرَيرَةَ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٩٩)، والبخاري (٣٦٩)، ومسلم (١٣٤٧)، وأبو داود (١٩٤٦)، والنسائي (٢٣٤).\n[١٢٠٧] وعن عَائِشَةُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: مَا مِن يَومٍ أَكثَرَ مِن أَن يُعتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبدًا مِن النَّارِ مِن يَومِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدنُو\nــ\nومالك، وقالت طائفة: إنه يوم عرفة. وبه قال عمر، وهو قول الشافعي. وقال مجاهد: الحج الأكبر القران، والأصغر الإفراد. وقال الشعبي: الحج الأكبر الحج، والأصغر العمرة. والأولى القول الأول، بدليل أن الله أمر نبيَّه بأن يؤذن في الناس يوم الحج الأكبر، فأذن المبلغون عنه يوم النحر بمنى. وفي كتاب أبي داود من حديث ابن عمر وأبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: يوم الحج الأكبر يوم النحر (١)، وهذا يرفع كل إشكال ويريح من تلك الأقوال.\nوقوله ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، روينا أكثر رفعًا ونصبًا، فرفعه على التميمية، ونصبه على الحجازية. وهو في الحالين خبر لا وصف، والمجروران بعده مبنيان، فـ من يوم عرفة يبيِّن الأكثرية مما هي، ومن أن يعتق يبيِّن المميِّز، وتقدير الكلام: ما يوم أكثرُ من يوم عرفة عتيقًا من النار.\nوقوله وإنه ليدنو، هذا الضمير عائد إلى الله تعالى، والدُّنو دنوُّ إفضال وإكرام لا دنوَّ انتقال ومكان؛ إذ يتعالى عنه ويتقدَّس.\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٩٤٥).","vol":"3","page":460},{"text":"ثُمَّ يُبَاهِي بِهِم المَلَائِكَةَ فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟\nرواه مسلم (١٣٤٨)، والنسائي (٥/ ٢٥١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-444>(٥٥) باب ثواب الحجِّ والعمرة</span>\n[١٢٠٨] عَن أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: العُمرَةُ إِلَى العُمرَةِ\nــ\nوقوله ثم يباهي بهم الملائكة؛ أي: يثني عليهم عندهم ويعظمهم بحضرتهم، كما قال في الحديث الآخر: يقول للملائكة: انظروا إلى عبادي جاؤوني شعثًا غبرًا، أشهدكم أني قد غفرت لهم (١). وكأن هذا - والله أعلم - تذكير للملائكة بقول (٢): ﴿أَتَجعَلُ فِيهَا مَن يُفسِدُ فِيهَا﴾ وإظهارٌ لتحقيق قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعلَمُ﴾.\nوقوله ما أراد هؤلاء؟؛ أي: إنما حملهم على ذلك حتى خرجوا من أوطانهم وفارقوا أهليهم ولذَّاتهم ابتغاء مرضاتي وامتثال أمري، والله أعلم.\n(٥٥) ومن باب: ثواب الحجِّ والعمرة\nالعمرة في اللغة هي الزيادة، قال:\nيُهِلُّ بالفَدفَدِ رُكبانُها ... كَما يُهِلُّ الرَّاكِبُ المُعتَمِر\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٢٢٤ و٣٠٥).\n(٢) فى (ع) و(هـ) و(ل): بيوم.","vol":"3","page":461},{"text":"كَفَّارَةٌ لِمَا بَينَهُمَا،\nــ\nوقال بعض اللغويين: الاعتمار والعُمرة القصد، قال (١):\nلقد سَما ابنُ مُعمَرٍ حين اعتَمَر (٢) ... . . . . . . . . . . . . . . . .\nأي حين قصد، وهي في عرف الشرع زيارة البيت على أحكام مخصوصة.\nوقد اختلف في حكمها؛ فذهب جماعة من السَّلف على وجوبها، وهو قول الأوزاعي والثوري وابن حبيب (٣) وابن الجهم من أصحابنا، وحكي عن أبي حنيفة. وذهب آخرون إلى أنها ليست بواجبة، وهو قول مالك ومشهور قول أبي حنيفة وأصحابه وداود. واختلفت الرواية فيها عن الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، إلا أن مالكًا قال: إنها سُنة مؤكدة. وبعض هؤلاء يجعلها مستحبة. ومُتمسَّك من قال بوجوبها قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمرَةَ لِلَّهِ﴾ وليس فيه حُجَّة؛ لأنا نقول بموجبه: فإن من شرع في شيء من أعمال الطاعات وجب عليه إتمامه وإن كان مستحبًا - وقد تقدَّم هذا المعنى غير ما مرة.\nوقوله العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما؛ يعني: لما يقع بينهما من السَّيِّئات. وقد استوفينا هذا المعنى في كتاب الطهارة، وقد استدل بظاهر هذا من قال بجواز تكرار العمرة في السَّنة الواحدة وهم الجمهور وأكثر أصحاب مالك، وذهب مالك إلى كراهية ذلك، ومتمسكه أن النبي - ﷺ - اعتمر خمس عُمر كل عمرة منها في سنة غير الأخرى، مع تمكنه من التكرار في السنة الواحدة، ولم يفعل.\n_________\n(١) القائل هو العجاج.\n(٢) الذي في اللسان: لقد غزا ابن معمر حين اعتمر.\n(٣) ساقط من (ع).","vol":"3","page":462},{"text":"وَالحَجُّ المَبرُورُ لَيسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٦٢)، والبخاري (١٧٧٣)، ومسلم (١٣٤٩)، والنسائي (٥/ ١١٥)، وابن ماجه (٢٨٨٨).\n[١٢٠٩] وعنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن أَتَى هَذَا البَيتَ فَلَم\nــ\nوأيضًا: فإنها نُسُك مشتملٌ على إحرام وطواف وسعي، فلا يفعل في السنة إلا مرة، أصله الحج. وعلى قول مالك: لو أحرم بالعمرة المكررة لزمته. وقال آخرون: لا يعتمر في شهر أكثر من مرة واحدة - ولا حُجة له في شيء مما تقدَّم.\nوقوله والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، المبرور: (١) اسم مفعول من بُرَّ، مبني لما لم يسم فاعله، فهو مبرور.\nو(بَرَّ): يتعدى بنفسه. يقال: برَّ الله حجَّك. ويُبنى لما لم يسم فاعله، فيقال: بُرَّ حجُّك، فهو مبرور. ولا معنى لقول من قال: إنه لا يتعدى إلا بحرف الجر. واختلف في معنى المبرور، فقيل: الذي لا يخالطه شيء من المأثم. وقيل: المتقبَّل. وقيل: الذي لا رياء فيه ولا سُمعَة.\nقلت: وهذه الأقوال كلها متقاربة المعنى. وهو: أنه الحج الذي وفيت أحكامه ووقع موافقًا لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل، والله تعالى أعلم.\nوقوله ليس له جزاء إلا الجنة؛ يعني أنه لا يقتصر فيه على مغفرة بعض الذنوب، بل لا بُدَّ لصاحبه من الجنة بسببه، والله تعالى أعلم.\nوقوله من أتى هذا البيت؛ أي (٢) حاجًّا، بيَّنته الرواية الأخرى.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٢) سقطت من (ع).","vol":"3","page":463},{"text":"يَرفُث وَلَم يَفسُق رَجَعَ كَمَا وَلَدَتهُ أُمُّهُ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: مَن حَجَّ هَذا البيت.\nرواه أحمد (٢/ ٤٨٤)، والبخاري (١٨٢٠)، ومسلم (١٣٥٠)، والترمذي (٨١١)، والنسائي (٥/ ١١٤)، وابن ماجه (٢٨٨٩).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-445>(٥٦) باب تَمَلُّك دُور مكة ورِباعها وكم كان مكث المهاجر بها</span>؟\n[١٢١٠] عَن أُسَامَةَ بنِ زَيدِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَنزِلُ فِي دَارِكَ\nــ\nو(الرفث): الفحش من القول. وقيل: الجماع. قال الأزهري: هي كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة.\nو(الفسوق): السِّباب (١) والمعاصي.\nو(الجدال): المجادلة والمخاصمة فيما لا يجوز، قال الجوهري: المجادلة الخصومة المحكمة.\nوقوله رجع كيوم ولدته أمُّه؛ أي بلا ذنب، وهذا يتضمن غفران الصغائر والكبائر والتبعات، وقد بيَّنَّا ذلك فيما تقدَّم من كتاب الصيام وغيره.\n(٥٦) ومن باب: تَمَلُّك دُور مكة ورِباعها\nقولُ أسامة للنبي ﷺ أتنزل في دارك؛ ظاهر هذه الإضافة أنها كانت ملكه، ويدلُّ عليه أيضًا قوله وهل ترك لنا عقيل من رِباع أو دور، فأضافها\n_________\n(١) في (ع): السيئات.","vol":"3","page":464},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nلنفسه، وظاهرُها الملك، فيكون عقيل اعتدى على دار النبي - ﷺ - ورباعه فأخذها وتصرَّف فيها، كما فعل أبو سفيان بدور من هاجر من المؤمنين. قَالَ الدَّاوُدِيُّ: إِنَّ عُقَيلًا بَاعَ مَا كَانَ لِلنبي - ﷺ - ولمن هاجر من بني عبد المطلب. فعلى هذا يكون تَركُ النبي - ﷺ - تحرُّجًا من أن يرجع في شيء أُخرج منه لأجل الله تعالى. وقيل: إنَّه حكم لها بحكم البلد (١). وقد خرجت عن ملكه لما غنمها المسلمون - كما يقوله مالك والليث في هذه المسألة لا في هذا الحديث. وهذا فيه بُعد؛ لأنه يكون تعليله - ﷺ - بأخذ عقيل لها ضائعًا، ويخرج أن يكون جوابًا عما سُئله. وقيل: كان أصلها لأبي طالب فأسكنه إيَّاها، فلما مات أبو طالب ورثه عقيل وطالب لكونهما مساويَين له في الكفر، ولم يرثه علي ولا جعفر لكونهما مسلمين، فأخذها عقيل لما هاجر النبي - ﷺ - بحكم ميراثه من أبيه. وعلى هذا فيكون إضافتها إليه مجازية لأنه سكنها فقط، والقول الأول أولى.\nوقد اختلف في مكة ودورها ورباعها؛ هل هي مملوكة لأحدٍ فيبيع ويكري؟ أو لا ملك لأحدٍ على شيء منها فلا يجوز فيها شيء من ذلك؟ وإلى الأول ذهب الشافعي وبعض السَّلف، وإلى الثاني ذهب أبو حنيفة والثوري، وتوسَّط مالك فكره ذلك، وللخلاف سببان:\nأحدهما: هل فتح مكة كان عُنوة فتكون مغنومة، لكن النبي - ﷺ - لم يقسمها وأقرها إلى أهلها ولمن جاء بعدهم، كما فعل عمر بالأرض المغنومة، فتبقى على ذلك لا تباع ولا تُشرى؟ وبأنها فتحت عُنوة - قال مالك وأبو حنيفة والأوزاعي، أو كان فتحها صُلحًا؟ وإليه ذهب الشافعي. فتبقى ديارهم بأيديهم وفي أملاكهم يتصرفون فيها كيف شاؤوا.\n_________\n(١) في الأصول: الدار. والتصحيح من: إكمال إكمال المعلم للأبي (٣/ ٤٤٦).","vol":"3","page":465},{"text":"بِمَكَّةَ؟ قَالَ: وَهَل تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِن رِبَاعٍ أَو دُورٍ؟ وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ هُوَ وَطَالِبٌ، وَلَم يَرِثهُ جَعفَرٌ وَلَا عَلِيٌّ شَيئًا لِأَنَّهُمَا كَانَا مُسلِمَينِ، وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَينِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ ذَلك القول كان في حجته.\nوفي أخرى أن ذلك زمن الفتح.\nرواه أحمد (٥/ ٢٠١)، والبخاري (٣٠٥٨)، ومسلم (١٣٥١) وأبو داود (٢٩٠٠)، وابن ماجه (٣٩٤٢).\n[١٢١١] وعن العَلَاءَ بنَ الحَضرَمِيِّ قال: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ-\nــ\nوالسبب الثاني: للنظر في قوله تعالى ﴿سَوَاءً العَاكِفُ فِيهِ وَالبَادِ﴾؛ هل الضمير راجع إلى المسجد الحرام أو إلى البلد؟ والظاهر الأول، وأن مكة فتحت عُنوة، وأنه - ﷺ - أمَّنهم وأقرَّهم على أموالهم، وهو الصحيح من الأحاديث، والله تعالى أعلم. قال أبو عبيد: ولا نعلم مكة يشبهها شيء من البلاد.\nقلت: وعلى قول مالك إنها مغنومة ينبغي أن يكون مذهبه كمذهب أبي حنيفة، لكنه راعى الخلاف على أصله في مراعاة الخلاف الظاهر، ويكون فائدة حكمه بالكراهة أن من باع شيئًا منها أو أَكرَاه لا يفسخ عقده ويُمضى، غير أنه لا يسوغ الإقدامُ عليه، والله تعالى أعلم.\nوقوله هل ترك لنا عقيل من رباع أو دور؟، هذا الاستفهام معناه النفي؛ أي: ما ترك لنا شيئًا من ذلك. واختلف الرواة؛ هل كان هذا القول في فتح مكة أو في حجة الوداع؟ فروي عن الزهري كل ذلك، ويحتمل أن يكون تكرر هذا السؤال والجواب في الحالتين، وفيه بُعد.","vol":"3","page":466},{"text":"يَقُولُ: لِلمُهَاجِرِ إِقَامَةُ ثَلَاثٍ بَعدَ الصَّدَرِ بِمَكَّةَ - كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَا يَزِيدُ عَلَيهَا.\nوفي أخرى: بعد قضاء نسكه.\nرواه أحمد (٤/ ٣٣٩)، والبخاري (٣٩٣٣)، ومسلم (١٣٥٢) (٤٤١ و٤٤٢)، وأبو داود (٢٠٢٢)، والترمذي (٩٤٩)، والنسائي (٣/ ١٢٢)، وابن ماجه (١٠٧٣).\n* * *\nــ\nوقوله للمهاجر إقامة ثلاثٍ بعد الصدر بمكة، المهاجر هنا يعني به كل من هاجر من مكة إلى المدينة لنصرة النبي ﷺ، ولا يعني به من هاجر من غيرها؛ لأن هذا الحديث خرج جوابًا عن سؤالهم حين تحرجوا من المقام بمكة، إذ كانوا تركوها لله تعالى، فأجابهم النبي - ﷺ - بذلك ورأى أن إقامة الثلاث ليست بإقامة. وقد تقدَّم احتجاج مالك بهذا على تحديد المدة الفاصلة بين الإقامة والسَّفر، وبهذا الحديث قال الجمهور، فحكموا بمنع المهاجر من أهل مكة من المقام بها بعد الفتح، وأجاز ذلك لهم جماعة بعد الفتح.\nقلت: وهذا الخلاف وإن كان فيمن مضى حكمهم وانقرض عصرهم وهجرتهم الخاصة بهم، لكن يبنى عليه خلاف فيمن فرَّ بدينه عن موضع ما يخاف فتنته وترك فيه رباعًا، ثم ارتفعت تلك الفتنة؛ فهل يرجع لتلك الرِّباع أم لا؟ فنقول: إن كان ترك رباعه لوجه الله تعالى كما فعله المهاجرون فلا يرجع لشيء من ذلك، وإن كان إنما فرَّ بدينه ليسلمَ له ولم يخرج عن شيء من أملاكه فإنه يرجع إلى ذلك كله؛ إذ لم يزُل شيء من ذلك عن ملكه، والله تعالى أعلم","vol":"3","page":467},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-446>(٥٧) باب تحريم مكة وصيدها وشجرها ولقطتها</span>\n[١٢١٢] عَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَومَ الفَتحِ فَتحِ مَكَّةَ: لَا هِجرَةَ، وَلَكِن جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا استُنفِرتُم فَانفِرُوا. وَقَالَ يَومَ الفَتحِ فَتحِ مَكَّةَ: إِنَّ هَذَا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَومَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرمَةِ اللَّهِ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ،\nــ\n(٥٧) ومن باب: تحريم مكة\nقوله لا هجرة بعد الفتح، هذا رفع لما كان تقرَّر من وجوب الهجرة إلى المدينة على أهل مكة باتفاق وعلى غيرهم بخلاف، ولم يتعرَّض هذا العموم لنفي هجرة الرجل بدينه؛ إذ تلك الهجرة ثابتة إلى يوم القيامة، وإنما رفع حكم الهجرة يوم الفتح لكثرة ناصري الإسلام ولظهور الدِّين وأمن الفتنة عليه.\nوقوله ولكن جهاد ونية دليل على بقاء فرض الجهاد وتأبيده خلافًا لمن أنكر فرضيته على ما يأتي.\nوقوله وإذا استنفرتم فانفروا؛ أي: طَلَب منكم الإمام النَّفير. وهو: الخروج إلى الغزو، فحينئذ يتعيَّن الغزو على من استُنفر بلا خلاف.\nوقوله إن هذا البلد حرَّمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة، معنى حرَّمه الله أي حرَّم على غير المحرم دخوله إلا أن يُحرم. ويجري هذا مجرى قوله: ﴿حُرِّمَت عَلَيكُم أُمَّهَاتُكُم﴾؛ أي: وطؤهن. و﴿حَرَّمَ عَلَيكُمُ المَيتَةَ﴾؛ أي: أكلها. فَعُرف الاستعمال دلَّ على تعيين المحذوف. وقد دلَّ على صحة هذا المعنى","vol":"3","page":468},{"text":"وَإِنَّهُ لَم يَحِلَّ القِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبلِي،\nــ\nاعتذاره - ﷺ - عن دخول مكة غير محرم مقاتلًا بقوله إنها لم تحل لي إلا ساعة من نهار. . . الحديث، وبهذا أخذ مالك والشافعي - في أحد قوليهما - وكثير من أصحابهما، فقالوا: لا يجوز لأحدٍ أن يدخل مكة إلا محرمًا، إلا أن يكون ممن يكثر التكرار إليها كالحطابين ونحوهم. وقد أجاز دخولها لغير المحرم ابن شهاب والحسن والقاسم، وروي عن مالك والشافعي والليث، وقال بذلك أبو حنيفة إلا لمن منزله وراء المواقيت، فلا يدخلها إلا بإحرام، واتفق الكل على أن من أراد الحج أو العمرة أنه لا يدخلها إلا محرمًا.\nثم اختلف أهل القول الأول فيمن دخلها غير محرم؛ فقال مالك وأبو ثور والشافعي أنه لا دم عليه، وقال الثوري وعطاء والحسن بن حييٍّ: يلزمه حج أو عمرة - ونحوه قال أبو حنيفة فيمن منزله وراء المواقيت.\nومتمسَّك من قال بجواز دخولها لغير المحرم قوله - ﷺ - في حديث المواقيت المتقدِّم: هن لهم ولكلِّ آتٍ أتى عليهنَّ من غيرهنَّ ممن أراد الحج أو العمرة) (١)، وتأولوا الحديث المتقدم بأن قالوا: إنما اعتذر - ﷺ - عن دخوله مكة مقاتلًا كما قال: (فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ. . .) الحديث.\nقال القاضي عياض: لم يختلف في دخول النبي - ﷺ - مكة أنه كان حلالًا؛ لدخوله والمغفر على رأسه، ولأنه دخلها مُحاربًا حاملًا للسلاح هو وأصحابه. ولم يختلفوا في تخصيص النبي - ﷺ - بذلك، وكذلك لم يختلفوا في أن من دخلها لحرب أو لشيء أنه لا يحل له أن يدخلها حلالًا.\nوقوله وإنه لم يحل القتال لأحدٍ قبلي، الضمير في إنَّه هو ضمير الأمر والشأن، وظاهر هذا أن حكم الله تعالى كان في مكة ألا يقاتل أهلها ويُؤمن من\n_________\n(١) سبق تخريجه برقم (١٠٥٠).","vol":"3","page":469},{"text":"وَلَم يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِن نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرمَةِ اللَّهِ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ، لَا يُعضَدُ شَوكُهُ،\nــ\nاستجار بها ولا يتعرض له، وهو أحد أقوال المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ وهو قول قتادة وغيره. قالوا: هو آمن من الغارات. وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿أَوَلَم يَرَوا أَنَّا جَعَلنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِن حَولِهِم﴾ وهو منقول من عادة العرب في احترامهم مكة، ومن كتب التواريخ.\nوقوله ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرامٌ، الضمير في يحل هو، وهو يعودُ على القتال قطعًا كما يدل عليه مساقه، فيلزم منه تحريم القتال فيه مطلقًا، سواء كان ساكنه مستحقًا للقتال أو لم يكن، وهو الذي يدل عليه قوله ﷺ: ولا يحل لأحد بعدي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار.\nوقوله فإن أحد ترخص بقتال رسول الله - ﷺ - فيها فقولوا: إن الله أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وهذا نصٌّ على الخصوصية واعتذار منه عما أُبيح له من ذلك، مع أن أهل مكة كانوا إذ ذاك مستحقين للقتل والقتال لصدِّهم عنه وإخراجهم أهله منه وكفرهم بالله تعالى وبرسوله ﷺ، وهذا هو الذي فهمه أبو شريح من هذا الحديث. وقد قال بذلك غير واحد من أهل العلم؛ منهم. . . (١)، غير أن هذا يعارضه ما جاء في حديث أبي شريح من قول عمرو بن سعيد على ما يأتي.\nوقوله لا يعضد شوكه، وفي حديث أبي هريرة لا يختبط شوكه، ولا يعضد شجره، يُعضد: يقطع. والمِعضَد: الآلة التي يقطع بها. والخَبَط: ضَرب أوراق الشجر بالعصي لعلف المواشي. يقال: خبط واختبط. والمصدر منه:\n_________\n(١) في الأصول: بياض بمقدار نصف سطر.","vol":"3","page":470},{"text":"وَلَا يُنَفَّرُ صَيدهُ، وَلَا يَلتَقِطُ لقطته إِلَّا مَن عَرَّفَهَا، وَلَا يُختَلَى خَلَاهَا. فَقَالَ\nــ\nخبطًا - بسكون الباء، والاسم بتحريكها.\nو(الخلى) مقصور، هو الرطب من الكلأ مقصورًا مهموزًا. والحشيش: هو اليابس منه، والكلأ يقال على الخلى والحشيش. والشجر: ما كان على ساقٍ. وفي بعض طرقه شجراؤها وهو جنس الشجر، وهي العضاه أيضًا في الحديث الآخر. والعِضاه من شجر البادية: كل شجر له شوك. ومنه ما يسمى بـ (الكَنَهبُل) و(السَّيَال)، ولهذا الحديث خصَّ الفقهاء مطلق الشجر المنهي عن قطعه مما يُنبته الله تعالى من غير صُنع آدمي اتفاقًا منهم، فأما ما ينبت بمعالجة آدمي فيجوز قطعه.\nثم اختلفوا في جزاء ما قطع من النوع الأول؛ فقال مالك: لا جزاءَ فيه لعدم ما يدل على ذلك. وقال الشافعي وأبو حنيفة: فيه الجزاء - فعند أبي حنيفة تؤخذ قيمة ما قطع فيشترى بها هدي، وعند الشافعي في الدوحة - وهي الشجرة العظيمة - بقرة وفيما دونها شاة. وأما قطع العشب للرعي فمنع ذلك أبو حنيفة ومحمد بن الحسن، وأجازه غيرهما.\nوقوله ولا ينفر صيده؛ أي: لا يُهاج عن حاله ولا يُعرَض له. قال عكرمة: هو أن ينحيه من الظل إلى الشمس - وقد تقدَّم القول فيه.\nوقوله ولا يلتقط لُقَطَته إلا منشدٌ، اتفق رواة المحدثين على ضمِّ اللام وفتح القاف من اللقطة هنا؛ أرادوا به الشيء الملتقط، وليس كذلك عند أهل اللسان، قال الخليل: اللقطة بفتح القاف اسم للذي يَلتقط، وبسكونها لما يُلتقط. قال الأزهري: هذا قياس اللغة؛ لأن (فُعَلَةٌ) في كلامهم جاء فاعلًا كالهُزَأة للذي يهزأ بالناس، وجاء مفعولًا كالهزأة للذي يهزأ به الناس، إلا أن الرواة أجمعوا على أن اللقطة الشيء الملتقط. و(المنشد): هو المعرِّف. و(الناشد): هو الطالب والباغي، كما قال:\nأنشدوا الباغي يُحِبُّ الوُجدَان (١)\n_________\n(١) \"الباغي\": الذي يطلب الشيء الضال. و\"الوجدان\": الاهتداء إلى الضالة ووجودها.","vol":"3","page":471},{"text":"العَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلَّا الإِذخِرَ، فَإِنَّهُ لِقَينِهِم وَلِبُيُوتِهِم! فَقَالَ: إِلَّا الإِذخِرَ.\nرواه أحمد (١/ ٢٢٦)، والبخاري (١٨٣٤)، ومسلم (١٣٥٣)، وأبو داود (٢٤٨٠)، والترمذي (١٥٩٠)، والنسائي (٧/ ١٤٦).\nــ\nوقال الآخر:\nإصاخَة النَّاشِدِ للمُنشِدِ\nيقال: نشدت الضالة طلبتها، وأنشدتها عَرَّفتها. وأصل الإنشاد الصوت، ومنه إنشاد الشعر. وقد أفاد ظاهر هذا الحديث وما في معناه أن للقطة مكة مزية على لقطة غيرها، لكن اختلف العلماء في أي شيء تلك المزية؟ فقالت طائفة: هي أنها لا تحل للملتقط بوجه من الوجوه، ولا يزال يعرفها (١) دائمًا. وممن ذهب إلى هذا: أبو عبيد، والشافعي، وابن مهدي، والداودي، والباجي، وابن العربي من أصحابنا، ويعتضدون بنهيه - ﷺ - عن لقطة الحاج. وقالت طائفة أخرى: إن المزية هي أنها لا يحل التقاطها إلا إن سمع من ينشدها، فيأخذها ويرفعها له. وذهب مالك في المشهور عنه إلى أن المزية أنها هي في زيادة التعريف والمبالغة فيها، وحكمها وحكم غيرها من البلاد سواء، وسيأتي بيان أحكامها، والقول الأول أظهر من الأحاديث المذكورة في هذا الباب.\nوقد فسَّر بعضهم المنشد بالطالب، يعني به ربَّها؛ أي لا تحل إلا له.\nويرجع هذا إلى القول الأول، وقد تقدم أن المنشد هو المعرِّف على ما قال أبو عبيد وغيره.\nو(الإذخر): هو نبت له رائحة طيبة معروفة. وفي قوله - ﷺ - في جواب\n_________\n(١) في (ع): تعريفها.","vol":"3","page":472},{"text":"[١٢١٣] وَعَن أَبِي شُرَيحٍ العَدَوِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِعَمرِو بنِ سَعِيدٍ وَهُوَ يَبعَثُ البُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ: ائذَن لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ أُحَدِّثكَ قَولًا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الغَدَ مِن يَومِ الفَتحِ، سَمِعَتهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلبِي، وَأَبصَرَتهُ عَينَايَ، حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ رسول الله ﷺ أَنَّهُ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثنَى عَلَيهِ، ثُمَّ قَالَ:\nــ\nالعباس وقد سأله عن الإذخر إلا الإذخر دليل على أن النبي ﷺ فُوِّضت إليه أحكام فكان يحكم فيها باجتهاده، واستيفاء المسألة في الأصول. وقد يورد على هذا أن يقال: إذا كانت مكة مما حرمها الله ولم يحرمها الناس، فكيف لأحدٍ أن يحكم بحلِّيَّة شيء منها وقد حرَّمه الله؟ والجواب أن الذي حرَّمه الله هو ما عدا المستثنى جملة؛ لأنه لما جعل لنبيه التخصيص مع علمه بأنه يخصّص كذا، فالمحكوم به لله تعالى هو ما عدا ذلك المخصَّص، والله تعالى أعلم.\nوأبو شريح: هو خويلد بن عمرو، وكذلك سَمَّاه البخاري ومسلم، وقال محمد بن سعد: خويلد بن صخر بن عبد العزيز. وقال أبو بكر البرقاني: اسمه كعب.\nوقوله وهو يبعث البعوث إلى مكة، البعوث جمع بعث، وهي الجيوش أو السرايا، ويعني بها هنا الجيوش التي وجها (١) يزيد بن معاوية إلى عبد الله بن الزبير، وذلك أنه لما توفي معاوية وجَّه يزيد (٢) إلى عبد الله يستدعي منه بيعته، فخرج إلى مكة ممتنعًا من بيعته يحرض الناس على بني أمية (٣)، فغضب يزيد، وأرسل إلى مكة يأمر واليها يحيى بن حكيم بأخذ بيعة عبد الله، فبايعه وأرسل إلى يزيد ببيعته، فقال: لا أقبل حتى يُؤتى به في وثاقٍ! فأبى\n_________\n(١) في (ل) و(هـ): سيَّرها.\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٣) زيادة من (ع).","vol":"3","page":473},{"text":"إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَم يُحَرِّمهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لِامرِئٍ يُؤمِنُ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ أَن يَسفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِن أَحَدٌ رَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِيهَا فَقُولُوا لَهُ: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَم يَأذَن لَكُم، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِن نَهَارٍ، وَقَد عَادَت حُرمَتُهَا اليَومَ كَحُرمَتِهَا بِالأَمسِ، وَليُبَلِّغ الشَّاهِدُ الغَائِبَ. فَقِيلَ لِأَبِي شُرَيحٍ: مَا قَالَ لك عَمرٌو؟ قَالَ: أَنَا أَعلَمُ بِذَلِكَ مِنكَ يَا أَبَا شُرَيحٍ، إِنَّ الحَرَمَ لَا يُعِيدُ عَاصِيًا وَلَا فَارًّا بِخَربَةٍ.\nرواه أحمد (٤/ ٣١)، والبخاريُّ (١٨٣٢)، ومسلم (١٣٥٤).\nــ\nابن الزبير وقال: أنا عائذٌ بالبيت. فأبى يزيد، وكتب يزيد إلى عمرو بن سعيد أن يوجه إليه جندًا، فبعث إليه هذه البعوث.\nوقوله إن الله حرَّم مكة، ولم يحرمها الناس؛ يعني أنه حرَّمها ابتداءً من غير سبب يُعزى إلى أحدٍ ولا مقدمة، ولا لأحد فيه مدخل؛ لا نبي ولا عالم ولا مجتهد. وأكد ذلك المعنى بقوله ولم يحرمها الناس، لا يقال: فهذا يعارضه قوله في الحديث الآخر اللهم إن إبراهيم حرَّم مكة، وإني أحرِّم المدينة (١)؛ لأنا نقول: إنما نسب الحكم هنا لإبراهيم لأنه مبلغه، وكذلك نسبته لنبينا ﷺ، كما قد ينسب الحكم للقاضي لأنه مُنَفّذُه، والحكم لله العلي الكبير بحكم الأصالة والحقيقة.\nوقول عمرو بن سعيد إن الحرم لا يعيذ عاصيًا ولا فارًا بدم، ولا فارا بِخَربة، روايتنا بِخَربة بفتح الخاء، وهي المشهورة الصحيحة، وضبطه الأصيلي بالضم، وكذلك قاله الخليل، وفُسِّرت بالسرقة وبالفساد في الأرض. والخارب:\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٩١٨)، ومالك في الموطأ (٢/ ٨٨٩).","vol":"3","page":474},{"text":"[١٢١٤] وعن أَبَي هُرَيرَةَ قال: إِنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا مِن بَنِي لَيثٍ عَامَ فَتحِ مَكَّةَ بِقَتِيلٍ مِنهُم قَتَلُوهُ، فَأُخبِرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَخَطَبَ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَن مَكَّةَ الفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيهَا رَسُولَهُ وَالمُؤمِنِينَ، أَلَا وَإِنَّهَا لَم تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبلِي، وَلَن تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعدِي، أَلَا وَإِنَّهَا أُحِلَّت لِي سَاعَةً مِن النَّهَارِ، أَلَا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ، لَا يُخبَطُ\nــ\nاللص المفسد، وقيل: سارق الإبل خاصة. قال أبو الفرج بن الجوزي (١): انعقد الإجماع على أن من جنى في الحرم يقاد منه فيه ولا يؤمن؛ لأنه هَتك حرمة الحرم ورد الأمان. واختلف فيمن ارتكب جناية خارج الحرم ثم لجأ إليه؛ فروي عن أبي حنيفة وأحمد أنه لا يقام عليه الحد فيه ويُلجأ إلى الخروج إلى الحِل، ويُمنع المعاملة والمبايعة حتى يضطر إلى الخروج، فيخرج إلى الحِل فيقام عليه الحد فيه.\nوقول عمرو بن سعيد لأبي شريح أنا أعلم بذلك منك ليس بصحيح للَّذي تمسك به أبو شريح، ولما في حديث ابن عباس كما قدمناه، وحاصل قول عمرو أنه تأويل غير معضود بدليل.\nوقوله إن الله حبس عن مكة الفيل؛ يعني به فيل أبرهة الأشرم الحبشي الذي قصَد خراب الكعبة، فلمَّا وصل إلى ذي المجاز - سوق للعرب قريب من مكة - عبَّأ فِيلَه وجهَّزه إلى مكة، فلمَّا استقبل الفيل مكة رزم؛ أي أقام وثبت، فاحتالوا عليه بكل حيلة فلم يقدروا عليه، واستقبلوا به جهة مكة فامتنع، فلم يزالوا به هكذا حتى رماهم الله بالحجارة التي أرسل الطير بها على ما هو مذكور في السِّير وفي كتب التفسير.\n_________\n(١) في الأصول: أبو الفرج الجوزي.","vol":"3","page":475},{"text":"شَوكُهَا، وَلَا يُعضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يَلتَقِطُ سَاقِطَتَهَا إِلَّا مُنشِدٌ، وَمَن قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيرِ النَّظَرَينِ: إِمَّا أَن يُعطَى - يَعنِي الدِّيَةَ، وَإِمَّا أَن يُقَادَ أَهلُ القَتِيلِ. قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِن أَهلِ اليَمَنِ يُقَالُ لَهُ أَبُو شَاةٍ، فَقَالَ: اكتُب لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: اكتُبُوا لِأَبِي شَاةٍ. فَقَالَ رَجُلٌ مِن قُرَيشٍ: إِلَّا الإِذخِرَ، فَإِنَّا نَجعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِلَّا الإِذخِرَ.\nقال الوليد بن مسلم: فقلت للأوزاعي: ما قوله اكتب لي يا رسول؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله ﷺ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٣٨)، والبخاريُّ (١١٢)، ومسلم (١٣٥٥)، وأبو داود (٢٠١٧).\nــ\nوقوله ومن قُتِل له قتيل فهو بخير النَّظَرَين، الحديث حجة للشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وروي عن ابن المسيب وابن سيرين على قولهم: إن ولي دم العمد بالخيار بين القصاص والدِّية، ويُجبَر القاتل عليها إذا اختارها الولي - وهي رواية أشهب عن مالك، وذهب مالك في رواية ابن القاسم وغيره إلى أن الذي للولي إنما هو القتل فقط أو العفو، وليس له أن يجبر القاتل على الدِّية تمسُّكًا بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ القِصَاصُ فِي القَتلَى﴾ و: ﴿وَكَتَبنَا عَلَيهِم فِيهَا أَنَّ النَّفسَ بِالنَّفسِ﴾ وقول النبي ﷺ: كتاب الله القصاص (١) (٢)، وفي المسألة أبحاث تنظر في مسائل الخلاف.\nوقوله اكتبوا لأبي شاة دليل على جواز كتابة العلم، وهو مذهب الجمهور، وقد كرهه قومٌ من أهل العلم تمسُّكًا بحديث أبي سعيد الآتي في كتاب\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ١٢٨)، والبخاري (٤٤٩٩)، والنسائي (٨/ ٢٦)، وابن ماجه (٢٦٤٩) من حديث أنس.\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ل) و(هـ).","vol":"3","page":476},{"text":"[١٢١٥] وعَن جَابِرٍ قَالَ: سَمِعتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: لَا يَحِلُّ لِأَحَدِكُم أَن يَحمِلَ السلاح بمكة.\nرواه مسلم (١٣٥٦).\n[١٢١٦] وعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الفَتحِ وَعَلَى رَأسِهِ المِغفَرٌ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يا رسول الله، ابنُ خَطَلٍ\nــ\nالعلم، وكان محمل النهي الذي في حديث أبي سعيد إنما هو لئلا يتكل الناس على الكتب ويتركوا الحفظ، أو لئلا يُخلط بالقرآن غيرُه؛ لقوله في الحديث نفسه: من كتب عني شيئًا سوى القرآن فليمحه (١).\nوقوله لا يحل لأحدٍ أن يحمل السلاح بمكة قال به الحسن البصري وأجازه الجمهور إن دعت إليه حاجة وضرورة؛ تمسُّكًا بدخول النبي - ﷺ - مكة بالسلاح. وهذا فيه بُعد لما قدَّمناه مما يدل على خصوصية النبي - ﷺ - بذلك، وقد أنكر عبد الله بن عمر على الحجاج أمره بحمل السلاح في الحرم، ويمكن أن يعلَّل بأن ذلك في أيام الموسم لكثرة الخلق فيخاف أن يصيب أحدًا أو يروّعه؛ كما قد نبَّه عليه النبي - ﷺ - في الحديث بقوله: من مرَّ بشيء من مساجدنا أو أسواقنا بنبلٍ فليأخذ على نصالها، لا يعقر بكفه مسلمًا (٢)!، والله أعلم.\n(المغفر): ما يلبس على الرأس من درع الحديد، وأصله من الغفر وهو\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ١٢)، ومسلم (٣٠٠٤).\n(٢) قال ابن حجر في فتح الباري (١/ ٥٤٧) والتقدير: فليأخذ بكفِّه على نصالها لا يعقر مسلمًا.\nوالحديث رواه البخاري (٤٥٢)، ومسلم (٢٦١٥) من حديث أبي موسى الأشعري.","vol":"3","page":477},{"text":"مُتَعَلِّقٌ بِأَستَارِ الكَعبَةِ! فَقَالَ: اقتُلُوهُ.\nرواه أحمد (٣/ ١٠٩)، والبخاريُّ (١٨٤٦)، ومسلم (١٣٥٧)، وأبو داود (٢٦٨٥)، والترمذيُّ (١٦٩٣)، والنسائيُّ (٥/ ٢٠٠)، وابن ماجه (٢٨٠٥).\n[١٢١٧] وعَن جَابِرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- دَخَلَ مَكَّةَ يَومَ فَتحِ مَكَّةَ وَعَلَيهِ عِمَامَةٌ سَودَاءُ بِغَيرِ إِحرَامٍ.\nرواه أحمد (١/ ٣٦٣)، ومسلم (١٣٥٨)، وأبو داود (٤٠٧٦)، والترمذيُّ (١٧٣٥)، والنَّسائيُّ (٥/ ٢٠١)، وابن ماجه (٢٨٢٢).\nــ\nالستر، وهو دليل على أن النبي - ﷺ - دخل مكة عُنوة، وهو الصحيح من الأحاديث والمعلوم من السِّير. لكنه عندما دخلها أمَّن أهلها، كما سيأتي. وإنما اغتر من قال بأنها فتحت صلحًا لما سمع أن النبي - ﷺ - لم يَعرِض لأهلها بقتل ولا سبي، فظن وقدَّر هنالك صلحًا في الخفاء مع أبي سفيان أو غيره، وهذا كله وهم، والصحيح الأول.\nو(ابن خطل) هو هلال بن خطل، وقيل عبد العزى ابن خطل - هذا قول ابن إسحاق وجماعة، وقال الزبير بن بكار: ابن خطل الذي أمر النبي - ﷺ - بقتله يوم الفتح هو هلال بن عبد الله بن عبد مناف بن أسعد بن جابر بن كثير بن تيم بن غالب بن فهر. قال: وعبد الله هو الذي يُقال له خطل، ولأخيه عبد العزى بن عبد مناف أيضًا خطل - هما جميعًا الخطلان؛ قاله أبو عمر. وكان قد أسلم وهاجر، فاستكتبه النبي - ﷺ - ثم ارتدَّ، فقتل رجلًا كان يخدمه وفرَّ إلى مكة، وجعل يسبَّ النبي - ﷺ - ويهجوه. وفيه دليل على صحَّة مذهب الجمهور في أن الحدود تُقام بالحرم كما تقدَّم.\nوقول جابر إنَّه - ﷺ - دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء ليس مناقضًا","vol":"3","page":478},{"text":"[١٢١٨] وعن عَمرِو بنِ حُرَيثٍ قَالَ: كَأَنِّي أَنظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَعَلَيهِ عِمَامَةٌ سَودَاءُ قَد أَرخَى طَرَفَيهَا بَينَ كَتِفَيهِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: يَخطُبُ النَّاسَ.\nرواه مسلم (١٣٥٩).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-447>(٥٨) باب تحريم المدينة وصيدها وشجرها والدعاء لها</span>\n[١٢١٩] عن عَبدِ اللَّهِ بنِ زَيدِ بنِ عَاصِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: إِنَّ إِبرَاهِيمَ ﵇ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لهَا، وَإِنِّي حَرَّمتُ المَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبرَاهِيمُ مَكَّةَ، وَإِنِّي دَعَوتُ فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا بِمِثلَي مَا دَعَا بِهِ إِبرَاهِيمُ لِأَهلِ مَكَّةَ.\nــ\nلقوله إنه دخل ذلك اليوم وعليه المغفر؛ لإمكان أن تكون العمامة تحت المغفر وقاية من صدأ الحديد وشعثه، أو يكون نزع المغفر عند انقياد أهل مكة ولبس العمامة، والله تعالى أعلم.\n(٥٨) ومن باب: تحريم المدينة\nقوله ﷺ إن إبراهيم حرَّم مكة؛ أي: بلَّغ حكم تحريمها. وعلى ذلك يحمل قول نبينا ﷺ وإني أحرِّم ما بين لابتي المدينة، وَقَد دَلَّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأوِيلِ قَولُهُ ﷺ إن الله حرَّم مكة ولم يحرّمها الناس.\nوقوله وإني دعوتُ في صاعها ومُدِّها بمثلي ما دعا به إبراهيم لأهل","vol":"3","page":479},{"text":"رواه أحمد (٤/ ٤٠)، والبخاريُّ (٢١٢٩)، ومسلم (١٣٦٠) (٤٥٤).\n[١٢٢٠] وعن عَامِرُ بنُ سَعدٍ، عَن أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَينَ لَابَتَي المَدِينَةِ أَن يُقطَعَ عِضَاهُهَا أَو يُقتَلَ صَيدُهَا.\nــ\nمكة؛ تفسيره ما جاء في حديث أنس، وهو قوله: اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما بمكة من البركة.\nوقوله في صاعها ومُدِّها؛ أي: في ذي صاعها وذي مدَّها، يعني: فيما يُكال بالصَّاع والمدِّ. ووجهُ البركة تكثير ذلك وتضعيفه في الوجود أو في الشبع، وقد فعل (١) الله تعالى كل ذلك بالمدينة، فانجلب الناس إليها من كل أرض وبلد، وصارت مستقر ملوكٍ، وجلبت إليها الأرزاق، وكثرت فيها مع قلة أكل أهلها وترك نهمهم، وإنما هي وجبة واحدة يأكلون فيها العُلقة (٢) من الطعام والكفِّ من التمر ويُكتفى به، ثم لا يلزم أن يكون ذلك فيها دائمًا ولا في كل شخص، بل تتحقق إجابة دعاء النبي - ﷺ - إذا وجد ذلك في أزمان أو في غالب أشخاص، والله تعالى أعلم.\nوقوله إني أحرِّم ما بين لابتي المدينة أن يُقطع عضاهها، أو يُقتل صيدها، اللابة: الأرض ذات الحجارة، وهي الحرَّة، وجمعها في القلة: لاباتٌ، وفي الكثرة: لابٌ، ولوبٌ. كـ (قارة) و(قور) و(ساحة) و(سوح) و(باحة) و(بوح)، قاله ابن الأنباري (٣). اللابتان: الحرتان الشرقية والغربية، وللمدينة لابتان في القبلة والجرف، وترجع إليهما الشرقية والغربية (٤)، قال الهروي:\n_________\n(١) في (ع): جعل.\n(٢) \"العُلْقة\": ما يتبلّغ به من الطعام.\n(٣) في (هـ) بياض وفي (ز): ابن حبيب، وفي (ع) و(ج): ابن فلان، والمثبت من (ل).\n(٤) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"3","page":480},{"text":"وَقَالَ: المَدِينَةُ خَيرٌ لَهُم لَو كَانُوا يَعلَمُونَ،\nــ\nيقال: ما بين لابتيها أجهل من فلان؛ أي: ما بين طرفيها - يعني المدينة.\nوهذا الحديث نصٌّ في تحريم صيد المدينة وقطع شجرها، وهو حجة للجمهور على أبي حنيفة وأصحابه في إباحة ذلك، وإنكارهم على من قال بتحريم المدينة بناء منهم على أصلهم في ردِّهم أخبار الآحاد فيما تعم به البلوى، وقد تكلَّمنا معهم في هذا الأصل في باب أحداث الوضوء، ولو سلم لهم ذلك جدلًا فتحريم المدينة قد انتشر عند أهل المدينة والمحدِّثين وناقلي الأخبار حتى صار ذلك معلومًا عندهم بحيث لا يشكون فيه، والذي قصَّر بأبي حنيفة وأصحابه في ذلك قلَّة اشتغالهم بالحديث ونقل الأخبار، وإلا فما الفرق بين الأحاديث الشاهدة بتحريم مكة وبين الشاهدة بتحريم المدينة في الشهرة، ولو بحثوا عنها وأمعنوا فيه حصل لهم منها مثل الحاصل لهم من أحاديث مكة.\nوالجمهور على أن صيدها لا جزاء فيه؛ لعدم النص في ذلك، ولم يتحققوا جامعًا بين الصَّيدين فلم يُلحقوه به، وقد قال بوجوب الجزاء فيه ابن أبي ذئب وابن أبي ليلى وابن نافع من أصحابنا، واختلف قول الشافعي في ذلك. فأما الشجر: فيحرم قطعه منها أيضًا، وهو محمول على مثل ما حمل عليه شجر مكة، وهو ما لم يُعالج إنباتَه الآدمي، ويدل على صحة ذلك أن النبي - ﷺ - قطع نخل المسجد (١)، وقد ذكر ابن نافع عن مالك أنه قال: إنما نهي عن قطع شجر المدينة لئلا تتوحش وليبقى فيها شجرها؛ ليستأنس ويستظل به مَن هاجر إليها.\nقلت: وعلى هذا فلا يُقطع منها نخل ولا غيره، وحينئذ تزول خصوصية ذكر العضاه وهو شجر البادية الذي ينبت لا بصنع آدمي، والأول أولى، والله تعالى أعلم.\nوقوله والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون؛ يعني: للمرتحلين عنها إلى\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٢٨)، ومسلم (٥٢٤).","vol":"3","page":481},{"text":"لَا يَدَعُهَا أَحَدٌ رَغبَةً عَنهَا إِلَّا أَبدَلَ اللَّهُ فِيهَا مَن هُوَ خَيرٌ مِنهُ، وَلَا يَثبُتُ أَحَدٌ عَلَى لَأوَائِهَا وَجَهدِهَا إِلَّا كُنتُ لَهُ شَفِيعًا أَو شَهِيدًا يَومَ القِيَامَةِ.\nــ\nغيرها، ويفسِّر هذا حديث سفيان بن زهير الآتي بعد هذا إن شاء الله تعالى.\nوقوله لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل فيها من هو خير منه. . . إلى آخر الحديث، رغبة عنها أي كراهية لها، يقال: رغبت في الشيء - أحببته، ورغبت عنه: كرهته.\nوفي معنى هذا الحديث قولان؛\nأحدهما: أن ذلك مخصوص بمدة حياته.\nوالثاني: أنه دائم أبدًا.\nويشهد له قوله في حديث آخر يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه هلم إلى الرخاء! والمدينة خير لهم (١)، وذكر ما تقدَّم (٢).\nوقوله لا يثبت أحدٌ على لأوائها وشدَّتها، اللأواء - ممدود: هو الجوع وشدَّة الكسب فيها والمشقات. ويحتمل أن يعود الضمير في شدَّتها على اللأواء فإنها مؤنثة، وعلى المدينة، والأول أقرب.\nوقوله إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا، زعم قوم أن أو هنا شكٌّ من بعض الرواة وليس بصحيح، فإنه قد رواه جماعة من الصحابة ومِن الرواة كذلك على لفظ واحد، ولو كان شكًّا لاستحال أن يتفق الكل عليه، وإنما أو هنا للتقسيم والتنويع، كما قال الشاعر:\nفقالوا لنا ثِنتانِ لا بُدَّ مِنهُما ... صدور رِماح أُشرِعت أو سَلاسِلُ\nويكون المعنى: إن الصابر على شدة المدينة صنفان؛ من يشفع له النبي - ﷺ -\n_________\n(١) رواه مسلم (١٣٨١)، وأحمد (٢/ ٤٣٩).\n(٢) في (هـ) و(ز): لو كانوا يعلمون بدل (وذكر ما تقدم).","vol":"3","page":482},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: وَلَا يُرِيدُ أَحَدٌ أَهلَ المَدِينَةِ بِسُوءٍ إِلَّا أَذَابَهُ اللَّهُ فِي النَّارِ ذَوبَ الرَّصَاصِ أَو ذَوبَ المِلحِ فِي المَاءِ.\nرواه أحمد (١/ ١٦٩)، ومسلم (١٣٦٣).\n[١٢٢١] وعنه أَنَّ سَعدًا رَكِبَ إِلَى قَصرِهِ بِالعَقِيقِ فَوَجَدَ عَبدًا يَقطَعُ شَجَرًا أَو يَخبِطُهُ، فَسَلَبَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ سَعدٌ جَاءَ أَهلُ العَبدِ فَكَلَّمُوهُ أَن يَرُدَّ عَلَى غُلَامِهِم أَو عَلَيهِم مَا أَخَذَ مِن غُلَامِهِم، فَقَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ أَن أَرُدَّ شَيئًا نَفَّلَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ! وَأَبَى أَن يَرُدَّ عَلَيهِم.\nرواه أحمد (١/ ١٦٨)، ومسلم (١٣٦٤).\nــ\nمن العصاة، ومن يشهد له بما نال فيها من الشدَّة ليوفَّى أجره. وشفاعته - ﷺ - وإن كانت عامة للعصاة من أمته إلا أن العصاة من أهل المدينة لهم زيادة خصوص منها، وذلك - والله تعالى أعلم - بأن يشفع لهم قبل أن يعذبوا بخلاف غيرهم، أو يشفع في ترفيع درجاتهم أو في السَّبق إلى الجنة، أو فيما شاء الله من ذلك.\nوقوله ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار، ظاهر هذا أن الله يعاقبه بذلك في النار، ويحتمل أن يكون ذلك كناية عن إهلاكه في الدُّنيا أو عن توهين أمره وطمس كلمته كما قد فعل الله ذلك بمن غزاها وقاتل أهلها فيمن تقدَّم؛ كمسلم بن عقبة إذ أهلكه الله منصرفه عنها، وكإهلاك يزيد بن معاوية إثر إغزائه أهل المدينة، إلى غير ذلك.\nوالعقيق موضع بينه وبين المدينة عشرة أميال، وبه مات سعد، وحُمل إلى المدينة فصلي عليه ودفن فيها.\nوالسَّلب بفتح اللام: الشيء المسلوب؛ أي المأخوذ، وبإسكانها المصدر. ونفلنيه: أعطانيه نافلة.","vol":"3","page":483},{"text":"[١٢٢٢] وعَن سَهلِ بنِ حُنَيفٍ قَالَ: أَهوَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِيَدِهِ إِلَى المَدِينَةِ فَقَالَ: إِنَّهَا حَرَمٌ آمِنٌ.\nرواه أحمد (٣/ ٤٨٦)، ومسلم (١٣٧٥).\n[١٢٢٣] وعن أَنَسَ بنَ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لِأَبِي طَلحَةَ التَمِس لِي غُلَامًا مِن غِلمَانِكُم يَخدُمُنِي! فَخَرَجَ بِي أَبُو طَلحَةَ يُردِفُنِي وَرَاءَهُ، فَكُنتُ أَخدُمُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كُلَّمَا نَزَلَ، قَالَ: ثُمَّ أَقبَلَ حَتَّى إِذَا بَدَا لَهُ أُحُدٌ\nــ\nوأصل النافلة الزيادة، وإنما فعل سعد هذا لأن النبي - ﷺ - أمر بذلك في حق مَن صاد في حرم المدينة، كما رواه أبو داود من حديث سعد أيضًا، وذكر نحو حديث مسلم في الشجر ثم قال: قال رسول الله ﷺ: من أخذ أحدًا بصيد في حرم المدينة فليسلبه (١)، وكأن سعدًا قاس قطع شجرها على صيدها بجامع كونهما محرمين بحرمة الموضع، وهذا كله مبالغة في الرَّدع والزجر لا أنها حدود ثابتة في كل أحدٍ وفي كل وقت، وامتناعه من رد السَّلب لأنه رأى أن ذلك أدخل في باب الإنكار والتشديد، ولتنتشر القضية في الناس فيكفوا عن الصيد وقطع الشجر.\nوقوله إنها حرم آمن، يروى آمن بمدة بعد الهمزة وكسر الميم على النعت لـ حرم؛ أي: من أن تغزوه قريش، كما قال يوم الأحزاب: لن تغزوكم قريش بعد اليوم (٢)، أو من الدجال، أو الطاعون، أو آمن صيدُها وشجرها، ويروى بغير مدٍّ وإسكان الميم، وهو مصدر؛ أي: ذات أمن - كما يقال: امرأة عَدلٌ.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢٠٣٧).\n(٢) رواه البيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٤٥٨).","vol":"3","page":484},{"text":"قَالَ: هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ. فَلَمَّا أَشرَفَ عَلَى المَدِينَةِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَينَ جَبَلَيهَا، مِثلَ مَا حَرَّمَ بِهِ إِبرَاهِيمُ مَكَّةَ، اللَّهُمَّ بَارِك لَهُم فِي مُدِّهِم وَصَاعِهِم.\nرواه أحمد (٣/ ١٥٩)، والبخاري (٥٤٢٥)، ومسلم (١٣٦٥).\nــ\nوقوله لأُحُدٍ هذا جبل يحبنا ونحبه، ذهب بعض الناس إلى أن هذا الحديث محمول على حقيقته وأن الجبل خُلِق فيه حياة ومحبَّة حقيقية، وقال: هو من معجزات رسول الله ﷺ. وهذا لا يصدر عن مُحقق؛ إذ ليس في اللفظ ما يدل على ما ذكروا، والأصل بقاء الأمور على مستمر عاداتها حتى يدل قاطع على انخراقها لنبي أو ولي على ما تقرر في علم الكلام.\nوالذي يصح أن يُحمل عليه الحديث أن يقال: إن ذلك من باب المجاز المستعمل؛ فإما من باب الحذف، فكأنه قال: يحبنا أهله، كما قال: ﴿وَاسأَلِ القَريَةَ﴾ وهذا المعنى موجود في كلام العرب وفي أشعارهم كثيرًا، كقوله:\nأَمُرُّ على الدِّيارِ دِيارِ ليلى ... أُقَبِّلُ ذا الجِدارَ وذا الجِدارا\nوما تلك الدِّيارُ شَغَفنَ قَلبِي ... ولكن حُبُّ مَن سَكَنَ الدِّيارا\nوإمَّا مِن باب الاستعارة؛ أي: لو كان ممن يعقل لأحبنا. أو على جهة مطابقة اللفظ اللفظ، أو لأنه استُشهد به من أحبَّه النبي - ﷺ - كحمزة وغيره من الشهداء الذين استشهدوا به يوم أحد ﵃.\nوقوله ﷺ اللهم إني أُحرِّم ما بين جَبَلَيها - وفي لفظ آخر: مَأزِمَيها بكسر الزاي وفتح الميم الثانية؛ بمعنى: جبليها - على ما قاله ابن شعبان، قال","vol":"3","page":485},{"text":"[١٢٢٤] وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما بمكة من البركة.\nرواه أحمد (٣/ ١٤٢)، والبخاري (١٨٨٥)، ومسلم (١٣٦٩).\n[١٢٢٥] وعن عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: مَن زَعَمَ أَنَّ عِندَنَا شَيئًا نَقرَؤُهُ إِلَّا كِتَابَ اللَّهِ وَهَذِهِ الصَّحِيفَةَ -قَالَ: وَصَحِيفَةٌ مُعَلَّقَةٌ فِي قِرَابِ سَيفِهِ- فَقَد كَذَبَ! فِيهَا: أَسنَانُ الإِبِلِ، وَأَشيَاءُ مِن الجِرَاحَاتِ، وَفِيهَا: قَالَ\nــ\nابن دريد: المأزم (١) المتضايق، ومنه: مأزمي منى، وهذا يقرب من تفسير ابن شعبان (٢)، لأن المتضايق منقطع الجبال بعضها من بعض، وهما المعبّر عنهما بـ اللابتان.\nومقدار حرم المدينة ما قاله أبو هريرة أنه - ﷺ - جعل اثني عشر ميلًا حول المدينة حمى.\nوقوله المدينة حرام (٣)، ما بين عير إلى ثور (٤)، كذا رواية الرواة من عير إلى ثور، وللعذري عائر بدل عير، وقد أنكر الزبيري مصعب وغيره هاتين الكلمتين فقالوا: ليس بالمدينة عير ولا ثور. وقالوا: إنما ثور بمكة. وقال الزبيري: عير جبل بمكة. وأكثر رواة البخاري ذكروا عيرًا، وأما ثور فمنهم من كنَّى عنه بـ كذا ومنهم من ترك مكانه بياضًا؛ إذ اعتقدوا الخطأ في ذكره - قاله\n_________\n(١) ساقط من (هـ) و(ل).\n(٢) من (ج).\n(٣) ساقط من (ع).\n(٤) زيادة من (هـ).","vol":"3","page":486},{"text":"النَّبِيُّ ﷺ: المَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَينَ عَيرٍ إِلَى ثَورٍ، فَمَن أَحدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَو آوَى مُحدِثًا فَعَلَيهِ لَعنَةُ اللَّهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجمَعِينَ، لَا يَقبَلُ اللَّهُ مِنهُ يَومَ القِيَامَةِ صَرفًا وَلَا عَدلًا، وَذِمَّةُ المُسلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسعَى بِهَا أَدنَاهُم، وَمَن ادَّعَى إِلَى\nــ\nعياض. وقال بعضهم: ثور وهمٌ من بعض الرواة. قال أبو عبيد: كأن الحديث أصله من عير إلى أُحد، والله أعلم.\nوقوله فمن أحدث فيها حدثًا؛ يعني: من أحدث ما يخالف الشرع من بدعة أو معصية أو ظلم، كما قال: من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردٌّ (١).\nوقوله أو آوى محدثًا؛ أي: ضمَّه إليه ومنعه مِمَّن له عليه حقٌّ ونصره، ويقال أوى بالقصر والمد متعديًا ولازمًا، والقصر في اللازم أكثر، والمد في المتعدي أكثر.\nوقوله فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لعنة الله: طرده للملعون وإبعاده عن رحمته. ولعنة الملائكة والناس: الإبعاد، والدعاء بالإبعاد. وهؤلاء هم اللاعنون، كما قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ والصرف: التوبة، والعدل: الفدية - قاله الأصمعي. وقيل: الصرف الفريضة، والعدل: التطوع - وعَكَس ذلك الحسن. وقيل: الصرف الحيلة والكسب، والعدل: المثل - كما قال الله تعالى: ﴿أَو عَدلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ ويقال في العدل بمعنى المثل: عَدلٌ وعِدلٌ، كسلم وسِلم.\nوقوله وذمة المسلمين واحدة؛ أي: من عَقَد من المسلمين أمانًا أو عهدًا لأحدٍ من العدو لم يحل لأحدٍ أن ينقضه.\nوالذمة: العهد - وهو لفظ مشترك بين أمورٍ مُتعددة.\n_________\n(١) رواه أحمد (٦/ ٢٤٠)، والبخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨) (١٧).","vol":"3","page":487},{"text":"غَيرِ أَبِيهِ أَو انتَمَى إِلَى غَيرِ مَوَالِيهِ فَعَلَيهِ لَعنَةُ اللَّهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجمَعِينَ، لَا يَقبَلُ اللَّهُ مِنهُ يَومَ القِيَامَةِ لا صَرفًا وَلَا عَدلًا.\nوَزَادَ فِي رواية: فَمَن أَخفَرَ مُسلِمًا فَعَلَيهِ لَعنَةُ اللَّهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجمَعِينَ، لَا يُقبَلُ مِنهُ يَومَ القِيَامَةِ صَرفٌ وَلَا عَدلٌ.\nرواه أحمد (١/ ١٢٦)، والبخاري (١٨٧٠)، ومسلم (١٣٧٠)، وأبو داود (٢٠٣٤)، والترمذي (٢١٢٨).\n[١٢٢٦] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَا بَينَ لَابَتَيِ المَدِينَةِ -قَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: فَلَو وَجَدتُ الظِّبَاءَ مَا بَينَ لَابَتَيهَا مَا ذَعَرتُهَا- وَجَعَلَ اثنَي عَشَرَ مِيلًا حَولَ المَدِينَةِ حِمًى.\nرواه البخاري (١٨٧٣)، ومسلم (١٣٧٢)، والترمذي (٣٩١٧).\nــ\nوقوله يسعى بذمتهم أدناهم؛ أي أقلُّهم منزلةً في الدُّنيا وأضعفهم، وهو حجة لمن أجاز أمان العبد والمرأة على ما سيأتي في الجهاد إن شاء الله تعالى.\nوقوله فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله؛ أي نَقَضَ عهده، يقال: أخفرت الرجل إخفارًا - إذا غدرته، وخفرته إذا أجرته، خفارة.\nومجيءُ الناس لرسول الله - ﷺ - بأول الثَّمر مبادرة بهديه ما يستظرف واغتنامٌ لدعائه وبركته، ولذلك كان - ﷺ - إذا أخذ أول ذلك الثمر وضعه على وجهه، كما رواه بعض الرواة عن مالك (١) في هذا الحديث من الزيادة.\n_________\n(١) رواه مالك (٢/ ٨٨٥).","vol":"3","page":488},{"text":"[١٢٢٧] وعنه قَالَ: كَانَ النَّاسُ إِذَا رَأَوا أَوَّلَ الثَّمَرِ جَاؤوا بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَإِذَا أَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِك لَنَا فِي ثَمَرِنَا، وَبَارِك لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، وَبَارِك لَنَا فِي صَاعِنَا، وَبَارِك لَنَا فِي مُدِّنَا، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبرَاهِيمَ عَبدُكَ وَخَلِيلُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنِّي عَبدُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَإِنِّي أَدعُوكَ لِلمَدِينَةِ بِمِثلِ مَا دَعَاكَ لِمَكَّةَ وَمِثلِهِ مَعَهُ. قَالَ: ثُمَّ يَدعُو أَصغَرَ وَلِيدٍ لَهُ فَيُعطِيهِ ذَلِكَ الثَّمَرَ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: أَصغَرُ مَن يَحضِرُهُ مِنَ الولِدَانِ.\nرواه مسلم (١٣٧٣)، والترمذي (٣٤٥٤)، والنسائي في اليوم والليلة (٣٠٢)، وابن ماجه (٣٣٢٩).\n* * *\nــ\nوتخصيص النبي - ﷺ - بذلك الثمر أصغر وليدٍ يراه لأنه أقل صبرًا ممن هو أكبر منه وأكثر جزعًا وأشدُ فرحًا، وهذا من حسن سياسته - ﷺ - ومعاملته للكبار والصِّغار، وقيل: إن ذلك من باب التفاؤل بنمو الصغير وزيادته كنحو الثمرة وزيادتها.\n* * *","vol":"3","page":489},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-448>(٥٩) باب الترغيب في سكنى المدينة والصبر على لأوائها</span>\n[١٢٢٨] عَن أَبِي سَعِيدٍ مَولَى المَهرِيِّ أَنَّهُ أَصَابَهُم بِالمَدِينَةِ جَهدٌ وَشِدَّةٌ، وَأَنَّهُ أَتَى أَبَا سَعِيدٍ الخُدرِيَّ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي كَثِيرُ العِيَالِ، وَقَد أَصَابَتنَا شِدَّةٌ، فَأَرَدتُ أَن أَنقُلَ عِيَالِي إِلَى بَعضِ الرِّيفِ! فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: لَا تَفعَل، الزَم المَدِينَةَ، فَإِنَّا خَرَجنَا مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ - أَظُنُّ أَنَّهُ قَالَ: حَتَّى قَدِمنَا عُسفَانَ - فَأَقَامَ بِهَا لَيَالِيَ، فَقَالَ النَّاسُ: وَاللَّهِ مَا نَحنُ هَاهُنَا فِي شَيءٍ وَإِنَّ عِيَالَنَا لَخُلُوفٌ مَا نَأمَنُ عَلَيهِم، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - ﷺ- فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِي يبَلَغَنِي مِن حَدِيثِكُم - مَا أَدرِي كَيفَ قَالَ - وَالَّذِي أَحلِفُ بِهِ - أَو وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ - لَقَد هَمَمتُ - أَو إِن شِئتُم، لَا أَدرِي أَيَّتَهُمَا قَالَ - لَآمُرَنَّ بِنَاقَتِي تُرحَلُ ثُمَّ لَا أَحُلُّ لَهَا عُقدَةً حَتَّى أَقدَمَ المَدِينَةَ. وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ إِبرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ\nــ\n(٥٩) ومن باب: الترغيب في سكنى المدينة\nقوله إن أهلنا لخلوف بضم الخاء المعجمة من فوقها؛ أي: لا حافظ لهم ولا حامي، يقال: حيٌّ خلوف - أي: غاب عنهم رجالهم.\nوقوله لآمرنَّ بناقتي ترحَّل مشدَّدة الحاء؛ أي: يجعل عليها الرَّحل.\nوقوله ثم لا أحل لها - أو عنها - عقدة؛ أي: أَصِلُ المشي والإسراع، وذلك لمحبته الكون (١) في المدينة وشدَّة شوقه إليها، وقد تقدَّم الكلام في المأزِمَين.\n_________\n(١) أي: الوصول إليها والاستقرار فيها.","vol":"3","page":490},{"text":"فَجَعَلَهَا حَرَمًا، وَإِنِّي حَرَّمتُ المَدِينَةَ حَرَامًا مَا بَينَ مَأزِمَيهَا؛ أَلَّا يُهرَاقَ فِيهَا دَمٌ، وَلَا يُحمَلَ فِيهَا سِلَاحٌ لِقِتَالٍ، وَلَا تُخبَطَ فِيهَا شَجَرَةٌ إِلَّا لِعَلفٍ، اللَّهُمَّ بَارِك لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، اللَّهُمَّ بَارِك لَنَا فِي صَاعِنَا، اللَّهُمَّ بَارِك لَنَا فِي مُدِّنَا، اللَّهُمَّ بَارِك لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، اللَّهُمَّ اجعَل مَعَ البَرَكَةِ بَرَكَتَينِ، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا مِن المَدِينَةِ شِعبٌ وَلَا نَقبٌ إِلَّا عَلَيهِ مَلَكَانِ يَحرُسَانِهَا حَتَّى تَقدَمُوا إِلَيهَا.\nــ\nوقوله لا يُحمل فيها سلاح، ولا تُخبط فيها شجرة، هذا كله يقضي بالتسوية (١) بين حرم المدينة وحرم مكة، وهو ردٌّ على أبي حنيفة على ما تقدَّم.\nوقوله إلا لعلف، لم يذكر هذا الاستثناء في شجر مكة، وهو أيضا جار فيها ولا فرق بينهما، وكذلك ذكر في مكة إلا الإذخر ولم يذكره في المدينة، وهو أيضًا جارٍ فيها؛ إذ لا فرق بين الحرمين. والحاصل من الاستثنائين أن ما دعت الحاجة إليه من العلف والانتفاع بالحشيش جاز تناوله على وجه المس والرفق من غير عنف ولا كسر غصن، وهو حجة على من منع شيئًا من ذلك.\nوقوله ما من المدينة شِعبٌ ولا نقبٌ إلا عليه ملكان يحرسانها، الشِعب - بكسر الشين: هو الطريق في الجبل، قاله يعقوب وغيره. والنقب - بفتح النون وضمها: هو الطريق على رأس الجبل. وقيل: هو الطريق ما بين الجبلين. وقال الأخفش: أنقاب المدينة طرقها وفجاجها. وما يهيجهم؛ أي: ما يحركهم. يقال: هاج الشيء وهجته، وهاجت الحرب وهاجها الناس؛ أي: حركوها وأثاروها. وبنو عبد الله بن غطفان كانوا يُسمَّون في الجاهلية بني عبد العزّى، سمَّاهم النبي ﷺ بني عبد الله فسمتهم العرب بني محولة لتحويل اسمهم، وفي هذا ما يدل على أن حراسة الملائكة للمدينة إنما كان إذ ذاك في مدة غيبة النبي - ﷺ - وأصحابه عنها نيابة عنهم.\n_________\n(١) في (ز): يقتضي التسوية.","vol":"3","page":491},{"text":"ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: ارتَحِلُوا - فَارتَحَلنَا فَأَقبَلنَا إِلَى المَدِينَةِ، فَوَالَّذِي يَحلِفُ بِهِ - أَو نحلَفُ بِهِ، الشَّكُّ مِن حَمَّادٍ - مَا وَضَعنَا رِحَالَنَا حِينَ دَخَلنَا المَدِينَةَ حَتَّى أَغَارَ عَلَينَا بَنُو عَبيدِ اللَّهِ بنِ غَطَفَانَ، وَمَا يَهِيجُهُم قَبلَ ذَلِكَ شَيءٌ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٤ و٤٧)، ومسلم (١٣٧٤) (٤٧٥).\n[١٢٢٩] وعنه أَنَّهُ جَاءَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدرِيَّ لَيَالِي الحَرَّةِ فَاستَشَارَهُ فِي الجَلَاءِ مِن المَدِينَةِ، وَشَكَا إِلَيهِ أَسعَارَهَا وَكَثرَةَ عِيَالِهِ، وَأَخبَرَهُ أَلَّا صَبرَ لَهُ عَلَى جَهدِ المَدِينَةِ وَلَأوَائِهَا، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: لَا يَصبِرُ أَحَدٌ عَلَى لَأوَائِهَا وشدتها فَيَمُوتَ إِلَّا كُنتُ لَهُ شَفِيعًا - أَو\nــ\nوقوله ليالي الحرة يعني به حرة المدينة، كان بها مقتلة عظيمة في أهل المدينة، كان سببها أن ابن الزبير وأكثر أهل الحجاز كرهوا بيعة يزيد بن معاوية، فلما مات معاوية وجَّه يزيدُ مسلمَ بنَ عقبة المدني في جيشٍ عظيم من أهل الشام فنزل بالمدينة فقاتل أهلها، فهزمهم وقتلهم بحرَّة المدينة قتلًا ذريعًا، واستباح المدينة ثلاثة أيام، فسميت وقعة الحرَّة بذلك، ثم إنه توجه بذلك الجيش يريد مكة، فمات مسلم بقديد، وولي الجيش الحصين بن نمير وسار إلى مكة، وحاصر ابن الزبير، وأحرقت الكعبة حتى انهدم جدارها وسقط سقفها، فبينما هم كذلك بلغهم موت يزيد فتفرقوا، وبقي ابن الزبير بمكة إلى زمان الحجاج وقتله لابن الزبير رضي الله عن ابن الزبير.\nوالجلاء - بفتح الجيم والمد - الانتقال من موضع إلى آخر، والجلاء - بكسر الجيم والمد - هو جلاء السيف والعروس، والجلا - بفتح الجيم والقصر - هو جلاء الجبهة وهو انحسار الشعر عنها، يقال: رجل أجلى وأجلح.","vol":"3","page":492},{"text":"شَهِيدًا - يَومَ القِيَامَةِ إِذَا كَانَ مُسلِمًا.\nرواه مسلم (١٣٧٤) (٤٧٧).\n[١٢٣٠] وَعَن عَائِشَةَ قَالَت: قَدِمنَا المَدِينَةَ وَهِيَ وَبِيئَةٌ، فَاشتَكَى أَبُو بَكرٍ، وَاشتَكَى بِلَالٌ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- شَكوَى أَصحَابِهِ قَالَ: اللَّهُمَّ حَبِّب إِلَينَا المَدِينَةَ كَمَا حَبَّبتَ مَكَّةَ أَو أَشَدَّ، وَصَحِّحهَا وَبَارِك لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا، وَحَوِّل حُمَّاهَا إِلَى الجُحفَةِ.\nرواه أحمد (٦/ ٥٦)، والبخاري (١٨٨٩)، ومسلم (١٣٧٦).\nــ\nوقوله إذا كان مسلمًا يُقَيّد ما تقدَّم من مطلقات هذه الألفاظ، ويُنَبَّه على القاعدة المقرَّرة من أن الكافر لا تناله شفاعة شافع، كما قال الله تعالى مخبرًا عنهم: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾.\nوقوله في المدينة وهي وبيئة بالهمزة من الوباء، وهو هنا شدَّة المرض والحمَّى، وكانوا لَمَّا قدموا المدينة لم توافقهم في صحتهم، فأصابتهم أمراض عظيمة ولقوا من حُمَّاها شدَّة، حتى دعا لهم النبي - ﷺ - وللمدينة فكشف الله ذلك ببركة دعائه، كما ذكر في هذا الحديث وفي غيره.\nوقوله وحوَّل حُمَّاها إلى الجحفة، قد ذكرنا الجحفة في باب المواقيت، وإنما دعا النبي - ﷺ - بهذا رحمة لأهل المدينة ولأصحابه ونقمة من أهل الجحفة؛ فإنهم كانوا إذ ذاك كفارًا. قال الخطابي: كانوا يهودًا. وقيل: إنه لم يبق أحد من أهل الجحفة في ذلك الوقت إلا أخذته الحمَّى. وفيه الدعاء للمسلم وعلى الكافر، وهذا وما في معناه من أدعية النبي - ﷺ - التي تفوق الحصر حجَّة على بعض المعتزلة القائلين لا فائدة في الدَّعاء مع سابق القدر، وعلى غلاة الصوفية القائلين إن الدعاء قادح في التوكل، وهذه كلها جهالات لا ينتحلها إلا جاهل غبيٌّ لظهور فسادها وقُبح ما يلزم عليها، ولبسط هذا موضع آخر.","vol":"3","page":493},{"text":"[١٢٣١] وعَن يُحَنَّسَ مَولَى الزُّبَيرِ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِندَ عَبدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ فِي الفِتنَةِ، فَأَتَتهُ مَولَاةٌ لَهُ تُسَلِّمُ عَلَيهِ، فَقَالَت: إِنِّي أَرَدتُ الخُرُوجَ يَا أَبَا عَبدِ الرَّحمَنِ! واشتَدَّ عَلَينَا الزَّمَانُ. فَقَالَ لَهَا عَبدُ اللَّهِ: اقعُدِي لَكَاعِ، فَإِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: لَا يَصبِرُ عَلَى لَأوَائِهَا وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ إِلَّا كُنتُ لَهُ شَهِيدًا أَو شَفِيعًا يَومَ القِيَامَةِ.\nرواه أحمد (٢/ ١١٣ و١١٩ و١٣٣)، ومسلم (١٣٧٧) (٤٨٢)، والموطأ (٢/ ٨٨٥).\n* * *\nــ\nويُحنِّسُ بضم الياء وكسر النون وتشديدها، رويناه، وهو المشهور. وقد ضبط عن أبي بحر يحنَّس بفتح النون.\nوقول ابن عمر لمولاته اقعدي لكاع معناه لئيمة، من اللكع وهو اللآمة، وقيل: أخذ من الملاكيع، وهو الذي يخرج مع السَّلا من البطن، ولا يستعمل إلا في النداء، يقال للذكر: يا لكع. وللأنثى: يا لكاع. وقيل: يا لكعاء. وربما جاء في الشعر للضرورة في غير النداء، كما قال (١):\n. . . . . . . . . ... إلى بيت قَعِيدتُه لَكَاعِ (٢)\nوقد يقال للصغير، كما قال النبي - ﷺ - للحسن حين طلبه أثمَّ لكع (٣)؛ أي الصغير، وهذا من ابن عمر تبسط مع مولاته وإنكار عليها إرادة الخروج من المدينة.\n_________\n(١) القائل: هو أبو الغريب النصري.\n(٢) صدر البيت: أطوِّفُ ما أطؤف ثم آوي.\n(٣) رواه البخاري (٢١٢٢)، ومسلم (٢٤٢١).","vol":"3","page":494},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-449>(٦٠) باب المدينة لا يدخلها الطاعون ولا الدَّجال، وتنفي الأشرار</span>\n[١٢٣٢] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: عَلَى أَنقَابِ المَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ، لَا يَدخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٣٧ و٣٧٥)، والبخاري (١٨٨٠)، ومسلم (١٣٧٩)، والنسائي في الكبرى (٧٥٢٦).\nــ\n(٦٠) ومن باب: المدينة لا يدخلها الطاعون ولا الدَّجال\nقوله على أنقاب المدينة ملائكة، لا يدخلها الطاعون ولا الدَّجال، قد تقدَّم القول في الأنقاب، والطاعون الموت العام الفاشي، ويعني بذلك أنه لا يكون في المدينة من الطاعون مثل الذي يكون في غيرها من البلاد، كالذي وقع في طاعون عمواس والجارف وغيرهما، وقد أظهر الله صدق رسوله ﷺ؛ فإنه لم يُسمع من النَّقلة ولا من غيرهم مَن يقول أنه وقع في المدينة طاعون عام، وذلك ببركة دعاء النبي - ﷺ - حيث قال: اللهم صححها لنا. وقد تقدَّم الكلام على اسم الدَّجال واشتقاقه، وهو وإن لم يدخل المدينة إلا أنه يأتي سبختها من دُبُرِ أُحُد فيضرب هناك رواقه فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فيخرج إليه منها كل كافر ومنافق، كما يأتي في حديث أنس في كتاب الفتن، ثم يهم بدخول المدينة، فتصرف الملائكة وجهه إلى الشام، وهناك يهلك بقتل عيسى ابن مريم إيَّاه بباب لُدٍّ على ما يأتي، وسيأتي أيضًا أن مكة لا يدخلها الدَّجال.","vol":"3","page":495},{"text":"[١٢٣٣] وعنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: يَأتِي المَسِيحُ وهِمَّتُهُ المَدِينَةُ حَتَّى يَنزِلَ دُبُرَ أُحُدٍ، ثُمَّ تَصرِفُ المَلَائِكَةُ وَجهَهُ قِبَلَ الشَّامِ، وَهُنَاكَ يَهلِكُ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٩٧)، ومسلم (١٣٨٠)، والترمذي (٢٢٤٣).\n[١٢٣٤] وعنه قال: قال رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: يَأتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَدعُو الرَّجُلُ ابنَ عَمِّهِ وَقَرِيبَهُ: هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ! هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ! وَالمَدِينَةُ خَيرٌ لَهُم لَو كَانُوا يَعلَمُونَ، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يَخرُجُ مِنهُم أَحَدٌ رَغبَةً عَنهَا إِلَّا أَخلَفَ اللَّهُ فِيهَا خَيرًا مِنهُ،\nــ\nوقوله يأتي على النَّاس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه: هَلُمَّ إلى الرخاء!، هذا منه - ﷺ - إخبار عن أمر غيب وقع على نحو ما ذكر، وكان ذلك من أدلة نبوَّته، وعنى بذلك أن الأمصار تفتح على المسلمين فتكثر الخيرات وتترادف عليهم الفتوحات، كما قد اتفق عند فتح (١) الشام والعراق والدِّيار المصرية وغير ذلك، فركن كثير ممن خرج من الحجاز وبلاد العرب إلى ما وجدوا من الخصب والدَّعة بتلك البلاد المفتوحة فاتخذوها دارًا ودعوا إليهم من كان بالمدينة لشدَّة العيش بها وضيق الحال، فلذلك قال ﷺ: والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، وهي خير من حيث تعذر الترفه فيها وعدم الإقبال على الدنيا بها وملازمة ذلك المحل الشريف ومجاورة النبي الكريم ﷺ؛ ففي حياته - ﷺ - صحبته ورؤية وجهه الكريم، وبعد وفاته مجاورة جدثه الشريف ومشاهدة آثاره المعظَّمة، فطوبى لمن ظفر بشيء من ذلك، وأحسن الله عزاءَ من لم ينل شيئًا مِمَّا هنالك.\nوقوله لا يخرج أحد رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خيرًا منه؛ يعني أن\n_________\n(١) في (ل): فتوح.","vol":"3","page":496},{"text":"أَلَا إِنَّ المَدِينَةَ كَالكِيرِ تُخرِجُ الخَبِيثَ، لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَنفِيَ المَدِينَةُ شِرَارَهَا كَمَا يَنفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٣٩)، ومسلم (١٣٨١).\n[١٢٣٥] وعنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أُمِرتُ بِقَريَةٍ تَأكُلُ القُرَى،\nــ\nالذي يخرج من المدينة راغبًا عنها - أي زاهدًا فيها - إنما هو إما جاهل بفضلها وفضل المقام فيها أو كافر بذلك، وكل واحد من هذين إذا خرج منها فمن بقي من المسلمين خير منه وأفضل على كل حال، وقد قضى الله تعالى بأن مكة والمدينة لا تخلوان من أهل العلم والفضل والدِّين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فهم الخلف ممن خرج رغبة عنها.\nوقوله إن المدينة كالكير تُخرِج الخبث، هذا تشبيه واقع؛ لأن الكيرَ لشدَّة نفخه ينفي عن النار السخام والدخان والرَّماد، حتى لا يبقى إلا خالصُ الجمر والنار، هذا إن أراد بالكير النفخ الذي تنفخ به النار، وإن أراد به الموضع المشتمل على النار وهو المعروف عند أهل اللغة فيكون معناه أن ذلك الموضع لشدَّة حرارته ينزعُ خبث الحديد والذهب والفضة، ويخرج خلاصة ذلك، والمدينة كذلك لما فيها من شدة العيش وضيق الحال تخلص النفس من شهواتها وشرهها وميلها إلى اللذات والمستحسنات، فتتزكى النفس عن أدرانها وتبقى خلاصتُها، فيظهر سرُّ جوهرها وتعم بركاتها، ولذلك قال في الرواية الأخرى تنفي خبثها وينصع طيبها.\nوقوله أمرت بقرية تأكل القُرى؛ أي بالهجرة إليها إن كان قاله بمكة، أو بسُكناها إن كان قاله بالمدينة، وأكلُها للقرى هو أن منها افتتحت جميعُ القُرى،","vol":"3","page":497},{"text":"يَقُولُونَ يَثرِبَ وَهِيَ المَدِينَةُ، تَنفِي النَّاسَ كَمَا يَنفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٣٧)، والبخاري (١٨٧)، ومسلم (١٣٨٢).\n[١٢٣٦] وَعَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ أَنَّ أَعرَابِيًّا بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأَصَابَ الأَعرَابِيَّ وَعكٌ بِالمَدِينَةِ، فَأَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَقِلنِي بَيعَتِي! فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ: أَقِلنِي بَيعَتِي! فَأَبَى، ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ: أَقِلنِي بَيعَتِي! فَأَبَى، فَخَرَجَ الأَعرَابِيُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّمَا المَدِينَةُ كَالكِيرِ؛ تَنفِي خَبَثَهَا وَيَنصَعُ طَيِّبُهَا.\nــ\nوإليها جُبِي فَيءُ البلاد وخَراجُها في تلك المُدَد، وهو أيضًا من علامات نبوَّته ﷺ.\nوقوله يقولون يثرب، وهي المدينة؛ أي: يسميها الناس يثرب، والذي ينبغي أن تُسمَّى به المدينة، فكأن النبي - ﷺ - كره ذلك الاسم على عادته في كراهته الأسماء غير المستحسنة وتبديلها بالمستحسن منها، وذلك أن يثرب لفظ مأخوذ من الثرب وهو الفساد، والتثريب: وهو المؤاخذة بالذنب. وكل ذلك من قبيل ما يكره. وقد فهم العلماء من هذا منع أن يقال يثرب، حتى قال عيسى بن دينار: مَن سمَّاها يثرب كُتِبت عليه خطيئة. فأما قوله تعالى: ﴿يَا أَهلَ يَثرِبَ لا مُقَامَ لَكُم فَارجِعُوا﴾ هو حكاية عن قول المنافقين. وقيل: سُميت يثرب بأرض هناك، المدينة ناحية منها. وقد سماها النبي - ﷺ - طيبة وطابة، من الطيب، وذلك أنها طيبة التربة والرائحة، وهي تربة النبي ﷺ، وتُطيِّبُ من سكنها ويستطيبها المؤمنون.\nوقوله تنفي خبثها، وينصعُ طِيبُها، ينصع: يصفو ويخلص. يقال: طيب ناصع إذا خلصت رائحته وصفَت مما ينقصها. وروينا طيِّبها هنا بفتح الطاء وتشديد الياء وكسرها، وقد رويناه في الموطأ هكذا، وبكسر الطاء","vol":"3","page":498},{"text":"رواه أحمد (٣/ ٣٠٦)، والبخاري (٧٢١١)، ومسلم (١٣٨٣)، والترمذي (٣٩٢٠)، والنسائي (٧/ ١٥١).\n[١٢٣٧] وَعَن زَيدِ بنِ ثَابِتٍ، عَن النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: إِنَّهَا طَيبَةُ - يَعنِي المَدِينَةَ - وَإِنَّهَا تَنفِي الخَبَثَ كَمَا تَنفِي النَّارُ خَبَثَ الفِضَّةِ.\nرواه أحمد (٥/ ١٨٤)، والبخاري (٤٥٨٩)، ومسلم (١٣٨٤)، والترمذي (٣٠٢٨).\n[١٢٣٨] وعَن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ ﷿ سَمَّى المَدِينَةَ طَابَةَ.\nرواه أحمد (٥/ ٨٩)، ومسلم (١٣٨٥).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-450>(٦١) باب إثم من أراد أهل المدينة بسوء والترغيب فيها عند فتح الأمصار</span>\n[١٢٣٩] عن سَعدَ بنَ أَبِي وَقَّاصٍ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن أَرَادَ أَهلَ المَدِينَةِ بِسُوءٍ أَذَابَهُ اللَّهُ كَمَا يَذُوبُ المِلحُ فِي المَاءِ.\nــ\nوتسكين الياء، وهو أليق بقوله وينصع؛ لأنه يقال: نصع الطيب - إذا قويت رائحته.\n(٦١) ومن باب: إثم من أراد أهل المدينة بسوء\nقد تقدم القول على قوله من أراد أهل المدينة بسوء في الباب الذي قبل هذا، وفي بعض ألفاظه من أراد أهل المدينة بدَهمٍ أو بسوء - على الشكِّ،","vol":"3","page":499},{"text":"رواه أحمد (١/ ١٦٩)، ومسلم (١٣٨٧) (٤٩٤).\n[١٢٤٠] ونحوه عن أبي هريرة.\nرواه أحمد (٢/ ٢٧٩)، ومسلم (١٣٨٦).\n[١٢٤١] وعَن سُفيَانَ بنِ أَبِي زُهَيرٍ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: تُفتَحُ اليَمَنُ، فَيَأتِي قَومٌ يَبُسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهلِيهِم وَمَن أَطَاعَهُم، وَالمَدِينَةُ خَيرٌ لَهُم لَو كَانُوا يَعلَمُونَ، ثُمَّ تفتَحُ الشَّامُ، فَيَأتِي قَومٌ يَبُسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهلِيهِم وَمَن أَطَاعَهُم، وَالمَدِينَةُ خَيرٌ لَهُم لَو كَانُوا يَعلَمُونَ، ثُمَّ يُفتَحُ العِرَاقُ، فَيَأتِي قَومٌ يَبُسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهلِيهِم وَمَن أَطَاعَهُم، وَالمَدِينَةُ خَيرٌ لَهُم لَو كَانُوا يَعلَمُونَ.\nرواه أحمد (٥/ ٢٢٠)، والبخاري (١٨٧٥)، ومسلم (١٣٨٨) (٤٩٧).\nــ\nبدهم بفتح الدال: الداهية والجيش العظيم، أو الفساد العظيم، والدهم والدهماء من أسماء الداهية.\nوقوله تفتح اليمن، فيأتي قوم يَبِسُون فيتحملون، رويناه بفتح الياء وبضم الباء وكسرها ثلاثيًّا، ورويناه أيضًا بضم الياء وكسر الباء رباعيًّا، قال الحربي (١): بسست الغنم والنوق إذا دعوتها. فمعناه: يدعون الناس إلى بلاد الخصب. وقال ابن وهب: يزينون لهم البلاد ويحببونها، مأخوذ من إبساس الحلوبة كي يدر لبنها. وقال أبو عبيد: معناه يسوقون، والبسُّ: سوق الإبل.\nقلت: والأول أليق بمساق الحديث ومعناه، وهذا الحديث من دلائل نبوته وصدقه ﷺ، فإنه أخبر بوقوع أمور قبل وقوعها ثم وقعت بعد ذلك على نحو خبره، فكان ذلك دليلًا على صدقه.\n_________\n(١) في (ز): القاضي، وفي (هـ) الجويني.","vol":"3","page":500},{"text":"[١٢٤٢] وعن أبي هُرَيرَةَ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: يَترُكُونَ المَدِينَةَ عَلَى خَيرِ مَا كَانَت لَا يَغشَاهَا إِلَّا العَوَافِي -يُرِيدُ عَوَافِيَ السِّبَاعِ وَالطَّيرِ- ثُمَّ يَخرُجُ رَاعِيَانِ مِن مُزَينَةَ يُرِيدَانِ المَدِينَةَ يَنعِقَانِ بِغَنَمِهِمَا فَيَجِدَانِهَا وَحشًا،\nــ\nوقوله تتركون المدينة على خير ما كانت، تتركون بتاء الخطاب، ومراده غير المخاطبين، لكن فرعهم من أهل المدينة أو نسلهم، وعلى خير ما كانت أي على أحسن حال كانت عليه فيما قبل، وقد وجد هذا الذي قاله النبي ﷺ، وذلك أنها صارت بعده - ﷺ - معدن الخلافة وموضعها ومقصد الناس وملجأهم ومعقلهم، حتى تنافس الناس فيها وتوسعوا في خططها، وغرسوا وسكنوا منها ما لم يسكن من قبل، وبنوا فيها، وشيَّدوا حتى بلغت المساكن إهاب، كما سيأتي في حديث أبي هريرة الآتي إن شاء الله تعالى، وجُلبت إليها خيرات الأرض كلها، فلما انتهت حالها كمالًا وحسنًا انتقلت عنها الخلافة إلى الشام فغلبت عليها الأعراب وتعاورتها الفتن، فخاف أهلها فارتحلوا عنها.\nوذكر الأخباريون أنها خَلَت من أهلها وبقيت ثمارها للعوافي الطير والسباع، كما قال ﷺ، ثم تراجع الناس إليها، وفي حال خلائها غَذَت الكلاب على سواري المسجد. وعوافي الطير: هي الطالبة لما تأكل. يقال: عضوته، أعضوه - إذا طلبت معروفه. وغَذَّى الكلب يُغَذِّي: إذا بال دفعة بعد دفعة.\nوقوله ثم يخرج راعيان من مزينة ينعقان بغنمهما؛ أي: يصيحان بها ليسوقاها. والنعاق: صوت السائق للغنم. ومنه قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنعِقُ بِمَا لا يَسمَعُ﴾\nوقوله فيجدانها وحشًا؛ أي خلاء، يقال: أرض وحش - أي خالية، ومشى وحشًا؛ أي: وحده. قاله الحربي. ويحتمل أن يكون معناه: كثيرة الوحش؛ كما قال في البخاري فيجدانها وحوشًا، أي: يجدان المدينة كثيرة الوحوش لما","vol":"3","page":501},{"text":"حَتَّى إِذَا بَلَغَا ثَنِيَّةَ الوَدَاعِ خَرَّا عَلَى وُجُوهِهِمَا.\nرواه البخاري (١٨٧٤)، ومسلم (١٣٨٩) (٤٩٩).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-451>(٦٢) باب فضل المنبر والقبر وما بينهما، وفضل أحد</span>\n[١٢٤٣] عَن أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: مَا بَينَ بَيتِي وَمِنبَرِي رَوضَةٌ مِن رِيَاضِ الجَنَّةِ،\nــ\nخلت من سكانها، كما قال للعوافي. والوحش: كل ما توحش من الحيوان، وجمعه: وحوش. والضمير في يجدانها على هذا راجع للمدينة، وقيل: إنه عائدٌ على الغنم؛ أي: صارت هي وحوشًا، إما بأن تنقلب كذلك - والقدرة صالحة - وإما بأن تتوحش فتنفر من أصوات الرُّعاة.\nوخرَّا على وجوههما؛ أي: سقطا ميتين. وهذا الذي ذكره النبي - ﷺ - من حديث الرَّاعيين إنما يكون في آخر الأمر عند انقراض الدنيا، بدليل ما قال البخاري في هذا الحديث آخر من يحشر راعيان من مزينة (١)، قيل: معناه آخر من يموت بها فيُحشر؛ لأن الحشر بعد الموت. ويحتمل أن يتأخر حشرهما لتأخير موتهما.\nقلت: ويحتمل أن يكون معناه آخر من يحشر إلى المدينة؛ أي: يساق إليها - كما في لفظ كتاب مسلم.\n(٦٢) ومن باب: فضل المنبر والقبر والمسجد\nقوله ﷺ ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، الصحيح من\n_________\n(١) رواه البخاري (١٨٧٤).","vol":"3","page":502},{"text":"وَمِنبَرِي عَلَى حَوضِي.\nرواه أحمد (٢/ ٣٧٦)، والبخاري (١١٩٦)، ومسلم (١٣٩١).\n[١٢٤٤] ونحوه عن عبد الله بن زيد المازني - ولم يقل: ومنبري عَلَى حَوضِي.\nرواه أحمد (٤/ ٤٥)، والبخاري (١١٩٥)، ومسلم (١٣٩٠)، والنسائي (٢/ ٣٥).\n[١٢٤٥] وعَن أَبِي حُمَيدٍ قَالَ: خَرَجنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- في غَزوَةَ\nــ\nالرواية بيتي، وروي في غير الأم قبري مكان بيتي، وجعل بعض الناس هذا تفسيرًا لقوله بيتي، والظاهر بيت سكناه، والتأويل الآخر جائز؛ لأنه - ﷺ - دفن في بيت سكناه (١).\nقال القاضي عياض: أجمع المسلمون على أن موضع قبر النبي - ﷺ - أفضل بقاع الأرض كلها، وقد حمل كثير من العلماء هذا الحديث على ظاهره فقال: ينقل ذلك الموضع بعينه إلى الجنة. وقال بعضهم: يحتمل أن يريد به أن العمل الصالح في ذلك الموضع يؤدي بصاحبه إلى الجنة.\nوقوله (ومنبري على حوضي حمله أكثرُهم على ظاهره فقال: يكون منبره ذلك بعينه على حوضه، وقيل: إن له على حوضه منبرًا آخر غير ذلك أعظم وأشرف منه. وقيل: معناه إن ملازمة منبر النبي - ﷺ - لسماع الذكر والوعظ والتعلم يُفضي بصاحبه إلى الورود على الحوض. وللباطنية في هذا الحديث من الغلوّ والتحريف ما لا ينبغي أن يلتفت إليه، والأولى التمسُّك بالظاهر، فقد جاء في الصحيح أن هنالك - أعني في أرض المحشر - أقوامًا على منابر تشريفًا لهم وتعظيمًا، كما قال: إن المقسطين على منابر من نور يوم\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ز).","vol":"3","page":503},{"text":"تَبُوكَ. . . وساق الحديث، وفيه: ثُمَّ أَقبَلنَا حَتَّى قَدِمنَا وَادِيَ القُرَى، فَقاَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنِّي مُسرِعٌ، فَمَن شَاءَ مِنكُم فَليُسرِع مَعِيَ، وَمَن شَاءَ فَليَمكُث. فَخَرَجنَا حَتَّى أَشرَفنَا عَلَى المَدِينَةِ، فَقَالَ: هَذِهِ طَابَةُ، وَهَذَا أُحُدٌ، وَهُوَ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ.\nرواه أحمد (٥/ ٤٢٤)، والبخاري (٤٤٢٢)، ومسلم (١٣٩٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-452>(٦٣) باب فضل مسجد رسول الله ﷺ والمسجد الحرام، وما تشد الرحال إليه، والمسجد الذي أسس على التقوى، وإتيان قباء</span>\n[١٢٤٦] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: صَلَاةٌ فِي مَسجِدِي هَذَا خَيرٌ مِن أَلفِ صَلَاةٍ فِي غَيرِهِ مِن المَسَاجِدِ، إِلَّا المَسجِدَ الحَرَامَ.\nــ\nالقيامة (١)، وإذا كان ذلك في أئمة العدل فأحرى الأنبياء، وإذا كان ذلك للأنبياء فأحرى وأولى بذلك نبينا ﷺ، فيكون منبره بعينه، ويزاد فيه ويعظم ويرفع وينوَّر على قدر منزلته ﷺ حتى لا يكون لأحدٍ في ذلك اليوم منبر أرفع منه؛ إذ ليس في القيامة أفضل منه ﷺ.\n(٦٣) ومن باب: فضل مسجد رسول الله - ﷺ - والمسجد الحرام (٢)\nقوله صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في غيره من المساجد، إلا المسجد الحرام، اختلف في استثناء المسجد الحرام؛ هل ذلك لأن المسجد\n_________\n(١) رواه مسلم (١٨٢٧).\n(٢) هذا العنوان ساقط من الأصول، واستدرك من التلخيص.","vol":"3","page":504},{"text":"وزاد في رواية: قَالَ رَسول الله ﷺ: فإني آخر الأنبياء، وإن مسجدي آخر المساجد.\nرواه أحمد (٢/ ٢٥٦)، والبخاري (١١٩٠)، ومسلم (١٣٩٤) (٥٠٦ و٥٠٧)، والترمذي (٣٢٥)، والنسائي (٢/ ٣٥)، وابن ماجه (١٤٠٤).\nــ\nالحرام أفضل من مسجده ﷺ؟ أو هو لأن المسجد الحرام أفضل من سائر المساجد غير مسجده ﷺ فإنه أفضل المساجد كلها؟ وانجرَّ مع هذا الخلافِ الخلافُ فِي أي البلدين أفضل؛ مكة أو المدينة؟ فذهب عمر وبعض الصحابة ومالك وأكثر المدنيين إلى تفضيل المدينة، وحملوا الاستثناء على تفضيل الصلاة في مسجد المدينة بألف صلاة على سائر المساجد إلا المسجد الحرام فبأقلّ من الألف، واحتجُّوا بما قال عمر ﵁: صلاة في المسجد الحرام خير من مائة صلاة فيما سواه - ولا يقول عمر هذا من تلقاء نفسه ولا من اجتهاده؛ إذ لا يُتوصَّل إلى ذلك بالاجتهاد، فعلى هذا تكون فضيلة مسجد رسول الله - ﷺ - على المسجد الحرام بتسعمائة وعلى غيره بألف.\nوذهب الكوفيون والمكيُّون وابن وهب وابن حبيب من أصحابنا إلى تفضيل مسجد مكة (١)، واحتجُّوا بما زاده قاسم بن أصبغ وغيره في هذا الحديث من رواية عبد الله بن الزبير بعد قوله إلا المسجد الحرام، قال: وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة.\nقلت: وقد روى هذا الحديث عبدُ بن حميد وقال فيه بمائة ألف صلاة، وهذه زيادات منكرة لم تشتهر عند الحفاظ ولا خرَّجها أهل الصحيح، والمشهور المعلوم الحديث من غير هذه الزيادات فلا يُعوَّل عليها، وينبغي أن يجرَّد النظر إلى الحديث المشهور وإلى لفظه. ولا شكَّ أن المسجد الحرام\n_________\n(١) زيادة من (ع) و(ج).","vol":"3","page":505},{"text":"[١٢٤٧] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ أنَّ امرَأَةً اشتَكَت شَكوَى، فَقَالَت: إِن شَفَانِي اللَّهُ لَأَخرُجَنَّ فَلَأُصَلِّيَنَّ فِي بَيتِ المَقدِسِ! فَبَرَأَت، ثُمَّ تَجَهَّزَت تُرِيدُ الخُرُوجَ، فَجَاءَت مَيمُونَةَ زَوجَ النَّبِيِّ -ﷺ- تُسَلِّمُ عَلَيهَا فَأَخبَرَتهَا ذَلِكَ، فَقَالَت: اجلِسِي فَكُلِي مَا صَنَعتِ، وَصَلِّي فِي مَسجِدِ رَسُولِ الله ﷺ، فَإِنِّي\nــ\nمستثنى من قوله من المساجد، وهي بالاتفاق مفضولة، والمستثنى من المفضول مفضول إذا سكت عليه، فالمسجد الحرام مفضول، لكن لا يقال إنه مفضول بألف لأنه قد استثناه منها، فلا بدَّ أن يكون له مزيَّة على غيره من المساجد، لكن ما هي؟ لم يُعيَّنها الشرع فيتوقف فيها، أو يُعتمد على قول عمر آنفًا. ويدل على صحة ما قلناه زيادة عبد الله بن قارظ بعد قوله إلا المسجد الحرام: فإني آخر الأنبياء، ومسجدي آخر المساجد، فربط الكلام بفاء التعليل مشعرًا بأن مسجده إنما فضل على المساجد كلها لأنه متأخر عنها ومنسوب إلى نبي متأخر عن الأنبياء كلهم في الزمان، فتدبره فإنه واضح!\nوقوله عن ابن عباس أن امرأة اشتكت شكوى، جميع رواة مسلم رووا هذا الحديث من طريق الليث عن نافع عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد عن ابن عباس أن امرأة، وقال النسائي: روى هذا الحديث الليث عن نافع عن إبراهيم عن ميمونة ولم يذكر ابن عباس، وكذلك البخاري عن الليث ولم يذكر فيه ابن عباس، وقال بعضهم: صوابه إبراهيم بن عبد الله بن معبدٍ بن عباس أنه قال أن امرأة اشتكت، وعن ابن عباس خطأ، والصواب ابن بدل عن، والله أعلم.\nوقول ميمونة للمرأة التي نذرت أن تصلي في بيت المقدس اجلسي وصلي في مسجد الرسول ﷺ، إنما أمرتها بذلك لأنها لو مشت إلى مسجد بيت المقدس فصلت فيه حصل لها أقل مما يحصل لها في مسجد النبي ﷺ، وضيعت على نفسها ألف صلاة في مسجد الرسول - ﷺ - مع ما يلحقها من مشقَّات","vol":"3","page":506},{"text":"سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: صَلَاةٌ فِيهِ أَفضَلُ مِن أَلفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِن المَسَاجِدِ إِلَّا مَسجِدَ الكَعبَةِ.\nرواه أحمد (٦/ ٣٣٣)، ومسلم (١٣٩٦)، والنسائي (٢/ ٣٣).\n[١٢٤٨] وعَن أبي هريرة يَبلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ: لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ؛ مَسجِدِي هَذَا، وَمَسجِدِ الحَرَامِ، وَمَسجِدِ الأَقصَى.\nوَفِي رِوَايَةٍ: إِنَّمَا يُسَافِرُ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدِ - وَذَكَرَهَا.\nرواه أحمد (٢٣٤)، والبخاري (١١٨٩)، ومسلم (١٣٩٧) (٥١١)، وأبو داود (٢٠٣٢)، والنسائي (٢/ ٣٧)، وابن ماجه (١٤٠٩).\n[١٢٤٩] وعنُ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: دَخَلتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي بَيتِ\nــ\nالأسفار وكثرة النفقات، فرفعت عنها الحرج وكثَّرت لها في الأجر. وعلى قياس هذا فعند مالك إذا نذر المدني الصلاة في مسجد مكة صلَّى في مسجد المدينة؛ لأنها أفضل عنده، ولو نذر المكي الصلاة في مسجد المدينة أتاه، ولو نذر كل واحدٌ منهما الصلاة في بيت المقدس صلَّى في مسجد بلده لأنه أفضل منه، قال الإمام أبو عبد الله: ذهب بعض شيوخنا إلى ما قالت ميمونة.\nوقوله صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه؛ أي: في مسجد المدينة. واختلفوا؛ هل يراد بالصلاة هنا الفرض؟ أو هو عام في الفرض والنفل؟ وإلى الأول ذهب الطحاوي، وإلى الثاني ذهب مُطرِّف من أصحابنا.\nوقوله لا تُشدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد، قد قلنا: إن شدَّ الرِّحال كناية عن السفر البعيد، وقد فسَّر هذا المعنى في الرواية الأخرى التي قال فيها إنما يُسافر إلى ثلاثة مساجد، ولا شكَّ في أن هذه المساجد الثلاثة إنما خُصَّت بهذا لفضلها على سائر المساجد، فمن قال لله عليَّ صلاة في أحدها وهو في","vol":"3","page":507},{"text":"بَعضِ نِسَائِهِ فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ المَسجِدَينِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقوَى؟ قَالَ: فَأَخَذَ كَفًّا مِن حَصبَاءَ فَضَرَبَ بِهِ الأَرضَ، ثُمَّ قَالَ: هُوَ مَسجِدُكُم هَذَا - لِمَسجِدِ المَدِينَةِ.\nرواه أحمد (٣/ ٨)، ومسلم (١٣٩٨)، والترمذي (٣٠٩٩)، والنسائي (٢/ ٣٦).\nــ\nغيرها فعليه إتيانها، بَعُدَ أو قَرُب، فإن (١) قال ماشيًا فلا يلزمه المشي - على المشهور - إلا في مسجد مكة خاصَّة، وأما المسجدان الآخران فالمشهور أنه لا يلزم المشي إليهما من نذره، ويأتيهما راكبًا. وقال ابن وهب: يأتيهما ماشيًا، كما سمَّى. وهو القياس؛ لأن المشي إلى مكة إنما يلزم من حيث كان قربة مُوصلة إلى عبادة تُفعل في مسجد له حرمة عظيمة، فكذلك يلزم كل مشي قربة بتلك الصفة، ولا يلزمه المشي إلى سائر المساجد؛ لأن البعيد منها قد نُهي عن السفر إليه، والقريبة منها متساوية الفضيلة، فيصلِّي حيث شاء منها. وقد قال بعض أصحابنا: إن كانت قريبة على أميال يسيرة فيأتيها، وإن نذر أن يأتيها ماشيًا أتى ماشيًا؛ لأن المشي إلى الصلاة طاعة تُرفع به الدرجات وتُحط به الخطايا. وقد ذهب القاضي إسماعيل إلى أن من قال: عليَّ المشي إلى المسجد الحرام أصلي فيه - فإنه يأتي راكبًا إن شاء، ويدخل مكة مُحرِمًا. وأحلَّ المساجد الثلاثة محلًا واحدًا، وسيأتي لهذا مزيد بيان في النَّذر إن شاء الله تعالى.\nوقوله - وقد سُئل عن أي المسجدين الذي أسس على التقوى هو مسجدكم هذا - لمسجد المدينة يردّ قول ابن عباس إذ قال: إنَّه مسجد قباء. قال: لأنه أول مسجد بُني في الإسلام. وهذا السؤال صدر مِمَّن ظهرت (٢) له\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) في (ل) و(ج): حصلت.","vol":"3","page":508},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالمساواة بين مسجدين معينين لهما مزية على غيرهما من المساجد بحيث يصلح أن يقال على كل واحدٍ منهما أسس على التقوى، وذلك أنه رأى مسجد قباء أول مسجد بناه النبي - ﷺ - وأصحابه، وذلك أنه لما هاجر - ﷺ- نزل على بني عمرو بن عوف في قباء يوم الاثنين فأقام فيهم أيامًا وأسس فيها مسجد قباء، ثم إنه ارتحل عنهم يوم الجمعة إلى بني سالم بن عوف فصلَّى عندهم الجمعة، وهي أول جمعة جمعت في الإسلام، ثم إنه دخل المدينة فنزل على بني مالك بن النجار على أبي أيوب فأسس مسجده بالمربد الذي كان للغلامين اليتيمين، فاشتراه من الناظر لهم على ما تقدَّم في كتاب الصلاة، فلما تساوى المسجدان المذكوران في بناء النبي - ﷺ - وأصحابه لهما صار كل واحدٍ من المسجدين مؤسسًا على التقوى، فلما قال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿لَمَسجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقوَى مِن أَوَّلِ يَومٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾ أشكل التعيين، فسئل عن ذلك، فأجاب بأنه مسجد المدينة. فإن قيل: إذا كان كل واحد منهما أسس على التقوى، فما المزية التي أوجبت تعيين مسجد المدينة؟ قلنا: يمكن أن يقال إن بناء مسجد قباء لم يكن بأمرٍ جزم من الله تعالى لنبيه ﷺ، بل ندب إليه، أو كان رأيًا رآه، بخلاف مسجد المدينة فإنه أمر بذلك وجزم عليه، فأشبه (١) امتثالَ الواجب، فكان بذلك الاسم أحق. أو حصل له - ﷺ - ولأصحابه ﵃ من الأحوال القلبية عند بنائه ما لم يحصل لهم عند غيره فكان أحق بذلك، والله أعلم.\nويلزم من تعيين النبي - ﷺ - مسجده لأن يكون هو المراد بقوله تعالى: ﴿لَمَسجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقوَى مِن أَوَّلِ يَومٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾ أن يكون الضمير في ﴿فِيهِ رِجَالٌ﴾ عائد على المسجد الذي أسس على التقوى؛ لأنه لم يتقدمه ظاهر غيره يعود عليه، وليس الأمر كذلك، بدليل ما رواه أبو داود من طريق صحيحة عن\n_________\n(١) في (ع) و(ج): أسسه، والمثبت من باقي النسخ.","vol":"3","page":509},{"text":"[١٢٥٠] وعَن ابنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يأتي قُبَاءً كل سبت رَاكِبًا وَمَاشِيًا.\nرواه أحمد (٢/ ٥٨)، والبخاري (٧٣٢٦)، ومسلم (١٣٩٩) (٥٢١)، والنسائي (٢/ ٣٧).\n* * *\nــ\nأبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: نزلت هذه الآية ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ في أهل قباء؛ لأنهم كانوا يستنجون بالماء (١)، فعلى هذا يكون الضمير في ﴿فِيهِ رِجَالٌ﴾ غير عائد على المسجد المذكور قبله، بل على مسجد قباء الذي دلت عليه الحال والمشاهدة عندهم، وأما عندنا فلولا هذا الحديث لحملناه على الأول. وعلى هذا يتعين على القارئ أن يقف على فِيهِ من قوله: ﴿أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾ ويبتدئ: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا﴾؛ ليحصل به التنبيه على ما ذكرناه، والله تعالى أعلم.\nوفي إتيانه - ﷺ - قباء كل سبت دليل على جواز تخصيص بعض الأيام ببعض الأعمال الصالحة والمداومة على ذلك، وأصل مذهب مالك كراهة تخصيص شيء من الأوقات بشيء من القُرب إلا ما ثبت به توقيف (٢)، وقباء بينها وبين المدينة نحو الثلاثة أميال، فليست مما تشدُّ الرِّحال إليها، فلا يتناولها الحديث المتقدم، وكونه - ﷺ - يأتيها راكبًا وماشيًا إنما كان ذلك بحسب ما اتفق له، وكان تعاهده لقباء لفضيلة مسجدها ولتفقد أهلها اعتناءً بهم وتشريفًا لهم، وليس في تعاهده - ﷺ - مسجد قباء ما يدل على إلحاق مسجدها بالمساجد الثلاثة كما ذهب إليه محمد بن مسلمة كما قدَّمنا.\nوقباء مُلحق ببعاث؛ لأنه من قَبَوت أو قَبيت، فليست همزته للتأنيث، بل للإلحاق، فلذلك صُرِف، والله تعالى أعلم.\n* * *\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٤).\n(٢) في (ع) و(ج): بدليل.","vol":"3","page":510},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-453>(١٣) كتاب الجهاد والسير</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-454>(١) باب في التأمير على الجيوش والسرايا ووصيتهم، والدعوة قبل القتال</span>\n[١٢٥١] عَن سُلَيمَانَ بنِ بُرَيدَةَ، عَن أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيشٍ أَو سَرِيَّةٍ، أَوصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقوَى اللَّهِ، وَمَن مَعَهُ مِن المُسلِمِينَ خَيرًا،\nــ\n(١٣) كتاب الجهاد\n(١) باب: التأمير على الجيوش\nقوله: (كان رسول الله - ﷺ - إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله)؛ فيه من الفقه: تأمير الأمراء، ووصيتهم. وقد تقدَّم القول في الجيش، والسَّرية. قال الحربي: السَّرية: الخيل تبلغ أربعمائة ونحوها. و(تقوى الله): التحرز بطاعته من عقوبته.\nوقوله: (ومن معه من المسلمين خيرًا)؛ أي: ووصاه بمن معه من المسلمين (١) أن يفعل معهم خيرًا.\n_________\n(١) في (هـ) و(ط) و(ج) ووصَّاه بمن معه منهم.","vol":"3","page":511},{"text":"ثُمَّ قَالَ: اغزُوا بِاسمِ اللَّهِ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَن كَفَرَ بِاللَّهِ، اغزُوا وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغدِرُوا، وَلَا تَمثُلُوا، وَلَا تَقتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِن المُشرِكِينَ فَادعُهُم إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ (أَو خِلَالٍ)،\nــ\nوقوله: (اغزوا باسم الله)؛ أي: اشرعوا في فعل الغزو مستعينين بالله، مخلصين له.\nوقوله: (قاتلوا من كفر بالله)؛ هذا العموم يشمل جميع أهل الكفر، المحاربين وغيرهم، وقد خُصص منه من له عهد، والرُّهبان، والنِّسوان، ومن لم يبلغ الحلم. وقد قال متصلًا به: (ولا تقتلوا وليدًا)؛ وإنما نهى عن قتل الرهبان والنساء؛ لأنهم لا يكون منهم قتال غالبًا، فإن كان منهم قتال أو تدبير أو أذىً قُتلوا؛ ولأن الذراري والأولاد مال. وقد نهى رسول الله - ﷺ - عن إضاعة المال (١).\nوقوله: (ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تَمثُلوا): الغلول: الأخذ من الغنيمة من غير قسمتها، والغدر: نقض العهد. والتمثيل هنا: التشويه بالقتيل؛ كجدع أنفه، وأذنه، والعبث به. ولا خلاف في تحريم الغلول، والغدر، وفي كراهة المُثلة.\nوقوله: (وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خلال، أو\n_________\n(١) جاء في فتح الباري للحافظ ابن حجر (٦/ ١٤٨) ما يلي:\n\"واتفق الجميعُ كما نقل ابن بطَّال وغيره: على مَنْع القصد إلى قَتْل النساء والولدان، أما النساء؛ فلضعفهن، وأما الولدان؛ فلقصورهم عن فِعْل الكفر، ولما في استبقائهم جميعًا من الانتفاع بهم، إمَّا بالرقِّ أو بالفداء فيمن يجوز أن يُفادى به\" وهذا أولى.\nوحديثُ نهي رسول الله - ﷺ - عن إضاعة المال، رواه البخاري (٢٤٠٨)، ومسلم (٥٣٩) من حديث المغيرة بن شعبة -﵁-.","vol":"3","page":512},{"text":"فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقبَل مِنهُم، وَكُفَّ عَنهُم، ثُمَّ ادعُهُم إِلَى الإِسلَامِ، فَإِن أَجَابُوا فَاقبَل مِنهُم وَكُفَّ عَنهُم، ثُمَّ ادعُهُم إِلَى التَّحَوُّلِ مِن دَارِهِم إِلَى دَارِ المُهَاجِرِينَ، وَأَخبِرهُم أَنَّهُم إِن فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُم مَا لِلمُهَاجِرِينَ وَعَلَيهِم مَا عَلَى المُهَاجِرِينَ،\nــ\nخصال)؛ الرواية بـ (أو) التي للشكّ، وهو من بعض الرواة. ومعنى الخلال والخصال واحد.\nوقوله: (فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم)؛ قيَّدناه عمن يوثق بعلمه، وتقييده، بنصب (أيتَهنَّ) على أن يعمل فيها (أجابوك) على إسقاط حرف الجرِّ. و(ما) زائدة. ويكون تقدير الكلام: فإلى أيتهن أجابوك فاقبل منهم. كما تقول: أجيبك إلى كذا، أو في كذا، فيتعدى إلى الثاني بحرف الجرِّ.\nوقوله: (ثم ادعهم إلى الإسلام)؛ كذا وقعت الرواية في جميع نسخ كتاب مسلم: (ثم ادعهم) بزيادة (ثم)، والصواب إسقاطها، كما روي في غير كتاب مسلم؛ كمصنف أبي داود (١)، وكتاب الأموال لأبي عبيد (٢)؛ لأن ذلك هو ابتداء تفسير الثلاث الخصال.\nوقوله: (ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين)؛ يعني: المدينة. وكان هذا في أول الأمر، في وقت وجوب الهجرة إلى المدينة على كل من دخل في الإسلام. أو على أهل مكة خاصة. في ذلك خلاف. وهذا يدل على أن الهجرة كانت واجبة على كل من آمن من أهل مكة وغيرها. وسيأتي إيعاب (٣) ذلك.\n_________\n(١) انظر: سنن أبي داود (٣/ ٨٣).\n(٢) انظر: كتاب الأموال (ص ٣٥).\n(٣) \"إيعاب\": استيفاء.","vol":"3","page":513},{"text":"فَإِن أَبَوا أَن يَتَحَوَّلُوا مِنهَا، فَأَخبِرهُم أَنَّهُم يَكُونُونَ كَأَعرَابِ المُسلِمِينَ، يَجرِي عَلَيهِم حُكمُ اللَّهِ الَّذِي يَجرِي عَلَى المُؤمِنِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُم فِي الغَنِيمَةِ وَالفَيءِ شَيءٌ إِلَّا أَن يُجَاهِدُوا مَعَ المُسلِمِينَ،\nــ\nوقوله: (فإن أبوا أن يتحوَّلوا فأخبرهم: أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء؛ إلا أن يجاهدوا مع المسلمين)؛ يعني: أن من أسلم ولم يجاهد، ولم يهاجر لا يُعطى من الخمس، ولا من الفيء شيئًا. وهذا يتمشى على مذهب مالك في قسمة الخمس، والفيء؛ إذ يرى أن ذلك موكول لاجتهاد الإمام، يضعه حيث يراه من المصالح الضرورية، والأمور المهمة، ومنافع المسلمين العامَّة، ويؤثر فيه الأحوج، فالأحوج، والأهم فالأهم، ولا شك أن المهاجرين كانوا في ذلك الوقت أولى به من غيرهم من المسلمين الذين لم يهاجروا، وأقاموا في بلادهم، فإن المهاجرين خرجوا من بلادهم (١)، وأموالهم لله تعالى، ووصلوا إلى المدينة فقراء، ضعفاء، غرباء، فلا شك في أنهم الأولى.\nقال القاضي عياض: ولذلك كان النبي - ﷺ - يؤثرهم بالخمس على الأنصار غالبًا، إلا أن يحتاج أحدٌ من الأنصار. وقد أخذ الشافعي بهذا الحديث في الأعراب، فلم ير لهم شيئًا من الفيء، وإنما لهم الصدقة المأخوذة من أغنيائهم، وترد على فقرائهم، كما أن أهل الجهاد وأجناد المسلمين لا حق لهم في الصدقة -عنده - ويصرف كل مال في أهله. وسوَّى مالك وأبو حنيفة بين المالين، وجوَّزا صرفهما للصنفين. وذهب أبو عبيد (٢): إلى أن هذا الحديث منسوخ، وأن هذا كان حكم من لم يهاجر أولًا، في أنه لا حق له في الفيء، ولا في الموالاة للمهاجر، ولا موارثته. قال\n_________\n(١) في (هـ) و(ط): ديارهم.\n(٢) في الأصول: أبو عبيدة، وهو خطأ، والمثبت من شرح صحيح مسلم للنووي (١٢/ ٣٨)، والأموال لأبي عبيد (ص ٣٠٧).","vol":"3","page":514},{"text":"فَإِن هُم أَبَوا فَسَلهُم الجِزيَةَ، فَإِن هُم أَجَابُوكَ فَاقبَل مِنهُم وَكُفَّ عَنهُم، فَإِن هُم أَبَوا فَاستَعِن بِاللَّهِ وَقَاتِلهُم،\nــ\nالله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَم يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِن وَلايَتِهِم مِن شَيءٍ﴾ ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الأَرحَامِ بَعضُهُم أَولَى بِبَعضٍ﴾ وبقوله - ﷺ - بعد فتح مكة: (لا هجرة ولكن جهاد ونية) (١)، وبقوله - ﷺ -: (المؤمنون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم) (٢)، وهذا فيه بُعد. وسيأتي بيان حكم الخمس والفيء والغنيمة، إن شاء الله تعالى. ومحمل الحديث عند أصحابنا المالكيين على ما تقدَّم من مذهب مالك رحمه الله تعالى.\nوقوله: (فإن هم أبوا فسلهم الجزية)؛ حجَّة لمالك، وأصحابه، والأوزاعي، في أخذ الجزية من كل كافر، عربيًّا كان أو غيره، كتابيًّا كان أو غيره. وذهب أبو حنيفة: إلى أنها تُقبل من الجميع إلا من مشركي العرب، ومجوسهم. وهو قول عبد الملك، وابن وهب من أصحابنا. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: لا تُقبل إلا من أهل الكتاب - عربًا كانوا أو عجمًا، ولا تقبل من غيرهم، والمجوس عنده أهل كتاب.\nواختلف في استرقاق العرب. فعند مالك، والجمهور: أنهم كغيرهم، يسترقون حيث كانوا. وعند أبي حنيفة، والشافعي: لا يسترقون، إما أن يسلموا، أو يقتلوا. وهو قول بعض أصحابنا، غير أن أبا حنيفة يسترق النساء، والصغار.\nوقد (٣) اختلف في القدر المفروض من الجزية؛ فقال مالك: هو أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعون درهمًا على أهل الوَرِق. وهل ينقص منها للضعيف أو لا؟ قولان. وقال الشافعي: هي دينار على الغني والفقير. وقال أبو حنيفة، والكوفيون: على الغني ثمانية وأربعون درهمًا. والوسط: أربعة وعشرون درهمًا.\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٠٧٧)، ومسلم (١٣٥٣) من حديث ابن عباس.\n(٢) رواه أحمد (١/ ١١٩)، والنسائي (٨/ ٢٤) من حديث علي.\n(٣) من (ع).","vol":"3","page":515},{"text":"وَإِذَا حَاصَرتَ أَهلَ حِصنٍ فَأَرَادُوكَ أَن تَجعَلَ لَهُم ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، فَلَا تَجعَل لَهُم ذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَلَكِن اجعَل لَهُم ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصحَابِكَ، فَإِنَّكُم أَن تُخفِرُوا ذِمَمَكُم وَذِمَمَ أَصحَابِكُم، أَهوَنُ مِن أَن تُخفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ، وَإِذَا حَاصَرتَ أَهلَ حِصنٍ فَأَرَادُوكَ أَن تُنزِلَهُم عَلَى حُكمِ اللَّهِ، فَلَا تُنزِلهُم عَلَى حُكمِ اللَّهِ، وَلَكِن أَنزِلهُم عَلَى حُكمِكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدرِي أَتُصِيبُ حُكمَ اللَّهِ فِيهِم أَم لَا.\nــ\nوالفقير: اثنا عشر. وهو قول أحمد بن حنبل. ويزاد وينقص على قدر طاقتهم. وهي عند مالك، وكافة العلماء على الرجال الأحرار، البالغين، العقلاء، دون غيرهم. وإنما تؤخذ ممن كان تحت قهر المسلمين، لا ممن نأى بداره. ويجب تحويلهم إلى بلاد المسلمين، أو حربهم.\nوقوله: (وإذا حاصرت أهل حصن) الكلام إلى آخره؛ فيه حجَّة لمن يقول من الفقهاء، وأهل الأصول: إن المصيب في مسائل الاجتهاد واحد، وهو المعروف من مذهب مالك وغيره. ووجه الاستدلال: هو أنه - ﷺ - قد نصَّ على أن لله تعالى حكمًا معيَّنًا في المجتهدات، فمن وافقه فهو المصيب، ومن لم يوافقه فهو مخطئ. وقد ذهب قوم من الفقهاء، والأصوليين: إلى أن كل مجتهد مصيب، وتأولوا هذا الحديث: بأن قالوا: إن معناه: أنه - ﷺ - كان يوصي أمراءه أن لا ينزلوا الكفار على حكم ما أنزل الله على نبيه في حال غيبة الأمراء عنه، وعدم علمهم به، فإنهم لا يدرون إذا فعلوا ذلك؛ هل يصادفون حكم ما أنزل الله على نبيه أم لا؟ وفي هذا التأويل بُعدٌ وتعسّفٌ، واستيفاء المباحث في هذه المسألة في علم الأصول.\nوقوله: (وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله) الحديث إلى آخره؛ الذمة: العهد. وتخفروا: تنقضوا، وهو رباعي. يقال:","vol":"3","page":516},{"text":"رواه أحمد (٥/ ٣٥٢ و٣٥٨)، ومسلم (١٧٣١) (٣)، وأبو داود (٢٦١٢)، والترمذي (١٦١٧)، وابن ماجه (٢٨٥٨).\n[١٢٥٢] وعَن سَعِيدِ بنِ أَبِي بُردَةَ، عَن أَبِيهِ، عَن جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- بَعَثَهُ وَمُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ، فَقَالَ: يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَختَلِفَا.\nرواه أحمد (٤/ ٣٩٩ و٤١٢)، والبخاري (٣٠٣٨)، ومسلم (١٧٣٣).\n[١٢٥٣] وعن أَنَسَ بنَ مَالِكٍ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَسَكِّنُوا وَلَا تُنَفِّرُوا.\nرواه أحمد (٣/ ١٣١ و٢٠٩)، والبخاري (٦١٢٥)، ومسلم (١٧٣٤).\n[١٢٥٤] وعَن ابنِ عَونٍ قَالَ: كَتَبتُ إِلَى نَافِعٍ أَسأَلُهُ عَن الدُّعَاءِ قَبلَ القِتَالِ قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيَّ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الإِسلَامِ، قَد أَغَارَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى بَنِي المُصطَلِقِ\nــ\nأخفرت الرَّجل: نقضت عهده، وخفرته: أجرته، ومعناه: أنه خاف من نقص من لا يعرف حق الوفاء بالعهد، كجهلة الأعراب، فكأنه يقول: إن وقع نقض من متعد كان نقض عهد الخلق أهون من نقض عهد الله. والله تعالى أعلم.\nوقول نافع - وقد سئل عن الدعوة قبل القتال -: (أنها كانت في أول الإسلام)، واستدلاله بقضية بني المصطلق؛ يفهم منه: أن حكم الدعوة كان متقدمًا، وأنه منسوخ بقضية بني المصطلق. وبه تمسَّك من قال بسقوط الدعوة مطلقًا.","vol":"3","page":517},{"text":"وَهُم غَارُّونَ، وَأَنعَامُهُم تُسقَى عَلَى المَاءِ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُم، وَسَبَى سَبيَهُم، وَأَصَابَ يَومَئِذٍ، قَالَ يَحيَى بن يحيى: أَحسِبُهُ قَالَ: جُوَيرِيَةَ، (أَو قَالَ: البَتَّةَ) ابنَةَ الحَارِثِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: وَأَصَابَ يَومَئِذ جويرية بنت الحارث. ولم يشك.\nــ\nومنهم من ذهب إلى أنها واجبة مطلقًا، متمسّكًا بظاهر وصية النبي - ﷺ - بذلك أمراءه، ولم تصلح عنده قضية بني المصطلق لأن تكون ناسخة لذلك؛ لأن تلك الوصايا (١) تقعيد قاعدة عامة، وقضية بني المصطلق قضية في عين (٢)؛ ولأن الوصية قول، وقضية بني المصطلق فعل، والفعل لا ينسخ القول على ما يُعرف في الأصول. والذي يجمع بين هذه الأحاديث صريح مذهب مالك، وهو أنه قال: لا يقاتل الكفار قبل أن يُدعَوا، ولا تلتمس غرّتهم، إلا أن يكونوا ممن بلغتهم الدعوة، فيجوز أن تؤخذ غرتهم. وعلى هذا فيحمل حديث بني المصطلق: على أنهم كانوا قد بلغتهم الدعوة، وعرفوا ما يطلبه المسلمون منهم. وهذا الذي صار إليه مالك هو الصحيح؛ لأن فائدة الدَّعوة أن يعرف العدو أن المسلمين لا يقاتلون للدنيا، ولا للعصبية، وإنما يقاتلون للدِّين. وإذا علموا بذلك أمكن أن يكون ذلك سببًا مُمِيلًا لهم إلى الانقياد للحق بخلاف ما إذا جهلوا مقصود المسلمين، فقد يظنون أنهم يقاتلون للملك، وللدنيا، فيزيدون عتوًّا، وتعصبًا.\nوقوله: (أغار عليهم)؛ أي: أرسل عليهم الغارة، وهي الخيل التي تغير في أول النهار. وغارون: غافلون. والغرة: الغفلة. والأنعام: الإبل، والبقر، والغنم. والمقاتلة: الصالحون للقتال، المطيقون له. والسبي: الذراري، والنساء.\nوقوله: (وأصاب يومئذ)؛ قال يحيى (٣): أحسبه قال: جويرية، أو قال: ابنة\n_________\n(١) في (ز) و(هـ): القضية، والمثبت من (ع).\n(٢) أي: في ذاتها.\n(٣) هو: يحيى بن يحيى التميمي، روى مسلمٌ هذا الحديثَ عنه.","vol":"3","page":518},{"text":"رواه أحمد (٢/ ٣١ و٣٢)، والبخاري (٢٥٤١)، ومسلم (١٧٣٠)، وأبو داود (٢٦٣٣).\n* * *\nــ\n\nالحارث. هكذا صواب هذه الرواية، بإسقاط: البتة. وقد غلط فيها بعض النَّقلة، فظن: أن يحيى إنما شك في اسم ابنة (١) الحارث: هل هو جويرية أو البتة؟ وحمله على ذلك الأخذ بظاهر ذلك اللفظ، وهو غلط فاحش؛ لأنه لم يذهب أحدٌ من الناس إلى أن اسم ابنة الحارث هذه: البتة. وإنما يحيى بن يحيى شك في سماع اسم جويرية، ثم بت القضية، وحقق السَّماع لاسمها؛ بدليل قوله في الرواية الأخرى: (جويرية بنت الحارث) ولم يشك. والله أعلم.\nفرع: إذا قتل من أمر بدعوته من (٢) قبل أن يُدعى، فهل على قاتله دية، أم لا؟ فذهب مالك وأبو حنيفة: إلى أنه لا دية عليه؛ لأنه حلال الدَّم بأصل الكفر، ولم يتجدد من جهته ما يوجب حرمة دمه، فبقي على الأصل لعدم الناقل، ولا يصلح المنع من قتالهم قبل الدعوة موجبًا لحرمتهم، كما لا (٣) يصلح ذلك موجبًا لحرمة نسائهم، وأبنائهم. والله تعالى أعلم.\n* * *\n_________\n(١) في (هـ): بنت.\n(٢) من (ع).\n(٣) المثبت من (ع)، وفي (ز): ولا، وفي (هـ) و(ط): كما لم.","vol":"3","page":519},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-455>(٢) باب النهي عن الغدر، وما جاء أن الحرب خدعة</span>\n[١٢٥٥] عَن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ يَومَ القِيَامَةِ، يُرفَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ، فَقِيلَ: هَذِهِ غَدرَةُ فُلَانِ ابنِ فُلَانٍ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٨)، والبخاري (٦١٧٨)، ومسلم (١٧٣٥) (٩)، وأبو داود (٢٧٥٦)، والترمذي (١٥٨١).\n[١٢٥٦] وعَن أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَومَ القِيَامَةِ، يُرفَعُ لَهُ بِقَدرِ غَدرتِهِ،\nــ\n(٢) ومن باب: النهي عن الغدر\nقوله: (لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له)؛ هذا منه - ﷺ - خطاب للعرب بنحو ما كانت تفعل، وذلك: أنهم يرفعون للوفاء راية بيضاء، وللغدر راية سوداء، ليشهروا به الوفي، فيعظموه، ويمدحوه، والغادر فيذموه، ويلوموه بغدره. وقد شاهدنا هذا فيهم عادة مستمرة إلى اليوم. فمقتضى هذا الحديث: أن الغادر يُفعل به مثل ذلك؛ ليشهر بالخيانة والغدر، فيذمه أهل الموقف، ولا يبعد أن يكون الوفي بالعهد يُرفع له لواء يُعرف به وفاؤه وبره، فيمدحه أهل الموقف، كما يرفع لنبينا محمد - ﷺ - لواء (١) الحمد فيحمده كل من في الموقف.\nوقوله: (بقدر غدرته)؛ يعني: أنه إن كانت غدرته كبيرة عظيمة رفع له لواء كبير، عظيم، مرتفع، حتى يعرفه بذلك من قرب منه ومن بَعُد.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"3","page":520},{"text":"أَلَا وَلَا غَادِرَ أَعظَمُ غَدرًا مِن أَمِيرِ عَامَّةٍ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ عند استه يَومَ القِيَامَةِ.\nرواه مسلم (١٧٣٨) (١٥ و١٦).\nــ\nوقوله: (عند استه)؛ معناه - والله أعلم -: عند مقعده؛ أي: يلزم اللواء به، بحيث لا يقدر على مفارقته (١)، ليمر به الناس فيروه، ويعرفوه، فيزداد خجلًا، وفضيحة عند كل من مرَّ به.\nوقوله: (ولا غادر أعظم غدرًا من أمير عامة)؛ يعني: أن الغدر في حقه أفحش، والإثم عليه أعظم منه على غيره لعدم حاجته إلى ذلك. وهذا كما قاله - ﷺ - في الملك الكذَّاب، كما تقدم في كتاب الإيمان (٢). وأيضًا: فلما في غدر الأئمة من المفسدة، فإنهم إذا غدروا، وعلم ذلك منهم، لم يأمنهم العدوّ على عهدٍ، ولا صلح، فتشتد شوكته، ويعظم ضرره، ويكون ذلك منفرًا من الدخول في الدين، وموجبًا لذم أئمة المسلمين. وقد مال أكثر العلماء: إلى أنه لا يقاتل مع الأمير الغادر، بخلاف الخائن، والفاسق. وذهب بعضهم إلى الجهاد معه. والقولان في مذهبنا. والله تعالى أعلم.\nفأما إذا قلنا (٣): لم يكن للعدوّ عهد فينبغي أن يتحيّل على العدو بكل حيلة، وتدار عليهم كل خديعة، وعليه يحمل قوله - ﷺ -: (الحرب خَدعة) بفتح الخاء، وسكون الدال، وهي لغة النبي - ﷺ -، وهي مصدر (خدع) المحدود بالتاء (٤)؛ كغرفة، وخطوة - بالفتح فيهما -، ومعناه: أن الحرب تكون\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) سبق تخريجه برقم (٨٣).\n(٣) من (ط) و(ل) و(ج).\n(٤) ساقط من الأصول، واستدرك من: إكمال إكمال المعلم للأُبِّي (٥/ ٥٢).","vol":"3","page":521},{"text":"[١٢٥٧] وعن أبي هريرة قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الحَربُ خَدعَةٌ.\nرواه أحمد (٢/ ٣١٢)، والبخاري (٣٠٢٩)، ومسلم (١٧٤٠).\n* * *\nــ\nذات خدعة. فوضع المصدر موضع الاسم. أي: ينبغي أن يستعمل فيها الخداع ولو مرَّة واحدة. ويحتمل: أن يكون معناه: أن الحرب تتراءى لأخفاء الناس بالصورة المستحسنة، ثم تتجلى عن صورة مستقبحة، كما قال الشاعر (١):\nالحرب أول ما تكون فتية ... تسعى ببزتها لكل جهول\nوقال آخر:\nوالحرب لا يبقى لجا ... حمها التخيل والمراح (٢)\nوفائدة الحديث على هذا: ما قاله في الحديث الآخر: (لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية) (٣).\nوقد روي هذا الحرف (خُدعَة) بضم الخاء، وسكون الدال، وهو اسم ما يفعل به الخداع، كاللعبة لما يلعب به، والضُّحكة لما يضحك منه، فكأنه لما أوقع فيها الخداع خُدِعت هي في نفسها. وروي: (خُدَعة) بضم الخاء، وفتح الدال؛ أي: هي التي تفعل ذلك لتخدع أهلها، على ما تقدم. وفُعلة: تأتي بمعنى الفاعل، كضُحكة، وهُزأة، ولُمزة، للذي يفعل ذلك، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) هو: عمرو بن معديكرب.\n(٢) فى (ط) و(ل):\nالحرب لا يبقى لجا ... حمها التحيُّل والمِزاح\nوالجاحم: الموقد.\n(٣) رواه أحمد (٤/ ٣٥٣)، والبخاري (٢٩٣٣)، ومسلم (١٧٤٢)، وسيأتي بعد قليل.","vol":"3","page":522},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-456>(٣) باب النهي عن تمنِّي لقاء العدو والصبر عند اللقاء والدعاء بالنصر</span>\n[١٢٥٨] عَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رسول الله -ﷺ- قَالَ: لَا تَمَنَّوا لِقَاءَ العَدُوِّ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُم فَاصبِرُوا.\nرواه أحمد (٢/ ٥٢٣)، والبخاري (٣٠٢٦)، ومسلم (١٧٤١).\nــ\n(٣) ومن باب: النهي عن تمنِّي لقاء العدو\nقوله: (لا تتمنوا لقاء العدو)؛ قيل: إن فائدة هذا النهي ألَّا يُستخف أمر العدو، فيتساهل في الاستعداد له، والتحرز منه، وهذا لما فيه من المكاره، والمحن، والنكال، ولذلك قال متصلًا به: (واسألوا الله العافية). وقيل: لما يخاف من إدالة العدو، وظفره بالمسلمين. وقد ذكر في هذا الحديث: (فإنهم يظفرون (١) كما تنصرون). وقيل: لما يؤدي إليه من إذهاب حياة النفوس التي يزيد بها المؤمن خيرًا، ويرجى للكافر فيها أن يراجع. وكل ذلك محتمل. والله تعالى أعلم.\nولا يقال: فلقاء العدو وقتاله طاعة يحصل منه إما الظفر بالعدو، وإما الشهادة، فكيف ينهى عنه؟ وقد حضّ الشرع على تمنّي الشهادة، ورغَّب فيه، فقال: (من سأل الله الشهادة صادقًا من قلبه، بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه) (٢)؟ ! لأنا نقول: لقاء العدو وإن كان جهادا وطاعة ومحصلًا لأحد الأمرين، فلم يُنه عن تمنيه من هذه الجهات، وإنما نهي عنه من جهات تلك الاحتمالات\n_________\n(١) في (ز): ينصرون.\n(٢) رواه أحمد (٥/ ٢٤٤)، ومسلم (١٩٠٩)، وأبو داود (١٥٢٠)، والترمذي (١٦٥٣)، والنسائي (٦/ ٣٦ و٣٧) من حديث سهل بن حنيف.","vol":"3","page":523},{"text":"[١٢٥٩] وعَن أَبِي النَّضرِ عن عَبدُ اللَّهِ بنُ أَبِي أَوفَى، أَنَّ النبي - ﷺ- كَانَ فِي بَعضِ أَيَّامِهِ الَّتِي لَقِيَ فِيهَا العَدُوَّ، يَنتَظِرُ حَتَّى إِذَا مَالَت الشَّمسُ قَامَ فِيهِم،\nــ\nالمتقدِّمة، ثم هو ابتلاء، وامتحان لا يعرف عما تسفر (١) عاقبته، وقد لا تحصل فيه لا غنيمة ولا شهادة، بل ضد ذلك. وتحريره: أن تمني لقاء العدو المنهي عنه غير تمني الشهادة المرغب فيه؛ لأنه قد يحصل اللقاء ولا تحصل الشهادة، ولا الغنيمة، فانفصلا.\nوقد فهم بعض العلماء من هذا الحديث كراهة المبارزة. وبها قال الحسن، وروي عن علي ﵁ أنه قال: (يا بني! لا تدع أحدًا إلى المبارزة، ومن دعاك إليها فاخرج إليه، فإنه باغ، وقد ضمن الله نصر من بُغي عليه) (٢). وقال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه على جواز المبارزة، والدَّعوة إليها، وشرط بعضهم فيها إذن الإمام؛ وهو قول الثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق. ولم يشترطه غيرهم. وهو قول مالك، والشافعي. واختلفوا، هل يعين المبارَز غيره أم لا؟ على قولين.\nوقوله: (إنَّه - ﷺ - كان ينتظر حتى إذا مالت الشمس)؛ يعني: أنه كان يؤخر القتال عن الهاجرة إلى أن تميل الشمس ليبرد الوقت على المقاتلة، ويخف عليهم حمل السلاح، التي يؤلم حملها في شدَّة الهاجرة؛ ولأن ذلك الوقت وقت الصلاة، وهو مظنَّة إجابة الدعاء. وقيل: بل كان يفعل ذلك لانتظار هبوب ريح النصر التي نُصر بها، كما قال: (نُصِرت بالصَّبا) (٣)، وفي حديث آخر؛ أنه - ﷺ - كان ينتظر حتى تزول الشمس، وتهب رياح النصر (٤).\n_________\n(١) في (ع): عمَّاذا استقرت، والمثبت من (ط) و(ز) و(ج) و(ل).\n(٢) ذكره القاضي عياض في إكمال المعلم، انظر: إكمال إكمال المعلم للأُبيِّ (٥/ ٥٤).\n(٣) رواه أحمد (١/ ٣٢٤ و٣٤١ و٣٥٥ و٣٧٣)، والبخاري (١٠٣٥) من حديث ابن عباس، ورواه مسلم (٣٧٢) من حديث أبي هريرة.\n(٤) رواه أبو داود (٢٦٥٥)، والترمذي (١٦١٢) من حديث النعمان بن مُقَرّن.","vol":"3","page":524},{"text":"فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَتَمَنَّوا لِقَاءَ العَدُوِّ، وَاسأَلُوا اللَّهَ العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُم فَاصبِرُوا، وَاعلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَحتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ. ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ -ﷺ- وَقَالَ: اللَّهُمَّ مُنزِلَ الكِتَابِ، وَمُجرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأَحزَابِ، اهزِمهُم وَانصُرنَا عَلَيهِم.\nوَفِي رِوَايَةٍ: اللَّهُمَّ مُنزِلَ الكِتَابِ، سَرِيعَ الحِسَابِ، اهزِم الأَحزَابَ، اللَّهُمَّ اهزِمهُم وَزَلزِلهُم.\nرواه أحمد (٤/ ٣٥٣)، والبخاري (٢٩٣٣)، ومسلم (١٧٤٢) (٢٠ و٢١)، وأبو داود (٢٦٣١).\nــ\nوقوله: (اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب (١)، سريع الحساب)؛ دليل على جواز السَّجع في الدعاء إذا لم يتكلَّف. والأحزاب: جمع حزب. وهم الجمع والقطعة من الناس، ويعني بهم الذين تحزبوا عليه في المدينة فهزمهم الله تعالى بالريح. ووصف الله بأنه سريع الحساب؛ يعني به: يعلم الأعداد المتناهية وغيرها في آنٍ واحدٍ، فلا يحتاج في ذلك إلى فكرٍ ولا عقدٍ (٢)؛ كما يفعله الحُسَّاب منَّا.\nوقوله: (الجنَّة تحت ظلال السيوف)؛ هذا من الكلام النفيس البديع، الذي جمع ضروب البلاغة من جزالة اللفظ، وعذوبته، وحسن استعارته، وشمول المعاني الكثيرة، مع الألفاظ المعسولة (٣) الوجيزة؛ بحيث تعجز الفصحاء اللسن البلغاء عن إيراد مثله، أو أن يأتوا بنظيره وشكله. فإنه استفيد منه مع وجازته الحضّ على الجهاد، والإخبار بالثواب عليه، والحضّ على مقاربة العدو،\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٢) في (ع) ذكر ولا عقل، والمثبت من باقي النسخ.\n(٣) \"الألفاظ المعسولة\" يُقال: هو معسولُ الكلام؛ أي: حلو المنطق.","vol":"3","page":525},{"text":"[١٢٦٠] وعَن أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ يَومَ أُحُدٍ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ إِن تَشَأ، لَا تُعبَد فِي الأَرضِ.\nرواه أحمد (٣/ ١٥٢)، ومسلم (١٧٤٣).\n* * *\nــ\nواستعمال السّيوف، والاعتماد عليها، واجتماع المقاتلين حين الزحف، بعضهم لبعض، حتى تكون سيوفهم بعضها يقع على العدوّ، وبعضها يرتفع عنهم؛ حتى كأن السيوف أظلت الضاربين بها، ويعني: أن الضارب بالسيف في سبيل الله يدخله الله الجنة بذلك. وهذا كما قاله في الحديث الآخر: (الجنة تحت أقدام الأمهات) (١)؛ أي: من برَّ أمَّه، وقام بحقها، دخل الجنَّة.\nوقوله يوم أحد: (اللهم إن تشأ لا تُعبد في الأرض)؛ هذا منه - ﷺ - تسليم لأمر الله تعالى فيما شاء أن يفعله، وهو ردٌّ على غلاة المعتزلة؛ حيث قالوا: إن الشرَّ غير مراد لله تعالى. وقد ردَّ مذهبهم نصوص الكتاب، كقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهدِي مَن يَشَاءُ﴾ ومثلها كثير. وفي هذا الحديث أنه - ﷺ - قال هذا الكلام يوم أحدٍ. والذي ذكره أهل السير: أن ذلك إنما قاله يوم بدرٍ. وكذلك وقع في بعض روايات مسلم، وسيأتي، ويحتمل: أن يكون قاله في اليومين معًا. والله تعالى أعلم.\n* * *\n_________\n(١) رواه القضاعي في مسند الشهاب (٨٢)، والخطيب في: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (٢/ ٢٨٩) من حديث أنس.\nورواه أحمد (٣/ ٤٢٩)، والنسائي (٦/ ١١)، وابن ماجه (٢٧٨١)، والحاكم (٤/ ١٥١) بلفظ: \"فالزمها فإن الجنة تحت رجليها\" من حديث معاوية بن جاهمة.","vol":"3","page":526},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-457>(٤) باب النهي عن قتل النساء والصبيان وجواز ما يصاب منهم إذا بيتوا وقطع نخيلهم وتحريقها</span>\n[١٢٦١] عَن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: وُجِدَت امرَأَةٌ مَقتُولَةً فِي بَعضِ تِلكَ المَغَازِي، فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَن قَتلِ النِّسَاءِ وَالصِّبيَانِ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٢ - ٢٣)، والبخاري (٣٠١٤)، ومسلم (١٧٤٤) (٢٥)، وأبو داود (٢٦٦٨)، والترمذي (١٥٦٩)، وابن ماجه (٢٨٤١).\nــ\n(٤) ومن باب: النهي عن قتل النساء والصبيان\nقوله: (نهى رسول الله - ﷺ - عن قتل النساء والصبيان) (١)؛ هذا اللفظ عام في جميع نساء أهل الكفر، فتدخل فيهم المرتدة وغيرها. وبه تمسَّك أبو حنيفة في منع قتل المرتدة. ورأى الجمهور أنه لم يتناول المرتدة لوجهين:\nأحدهما: أن هذا العموم خرج على نساء الحربيين كما هو مبيَّن في الحديث.\nوالثاني: قوله - ﷺ -: (من بدَّل دينه فاقتلوه) (٢). وفي المسألة أبحاث تُعلم في علم الخلاف.\nقال القاضي أبو الفضل عياض: أجمع العلماء على الأخذ بهذا الحديث في ترك قتل النساء، والصبيان، إذا لم يقاتلوا.\nواختلفوا إذا قاتلوا.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٢) رواه أحمد (١/ ٢١٧ و٢٨٢)، والبخاري (٦٩٢٢)، وأبو داود (٤٣٥١)، والترمذي (١٤٥٨)، والنسائي (٧/ ١٠٤ و١٠٥) من حديث ابن عباس.","vol":"3","page":527},{"text":"[١٢٦٢] وعَن الصَّعبِ بنِ جَثَّامَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قِيلَ لَهُ: لَو أَنَّ خَيلًا أَغَارَت مِن اللَّيلِ فَأَصَابَت مِن أَبنَاءِ المُشرِكِينَ؟\nــ\nفجمهور العلماء وكافة من يحفظ عنه: على أنهم إذا قاتلوا قُتلوا. قال الحسن: وكذلك: لو خرج النساء معهم إلى بلاد الإسلام.\nومذهبنا: أنها لا تقتل في مثل هذا، إلا إذا قاتلت.\nواختلف أصحابنا إذا قاتلوا ثم لم يظفر بهم حتى برد القتال، فهل يقتلون كما تقتل الأسارى، أم لا يقتلون إلا في نفس القتال؟ وكذلك اختلفوا إذا رموا بالحجارة؛ هل حكم ذلك حكم القتال بالسلاح أم لا؟ قلت: والصحيح: أنها إذا قاتلت بالسِّلاح، أو بالحجارة، فإنه يجوز قتلها لوجهين:\nأحدهما: قوله - ﷺ -: فيما خرَّجه النسائي من حديث عمر بن مرقّع بن صيفي بن رباح، عن أبيه، عن (١) جدِّه رباح: أنه - ﷺ - مرَّ في غزاة بامرأة قُتيل، فقال: (ما كانت هذه تقاتل) (٢)؛ فهذا تنبيه على المعنى الموجب للقتل، فيجب طرده إلا أن يمنع منه مانع.\nوالثاني: قتل النبي - ﷺ - لليهودية التي طرحت الرَّحى على رجل من المسلمين فقتلته، وذلك بعدما أسرها النبي - ﷺ - (٣). وكلا الحديثين مشهور.\nوقوله: (لو أن خيلًا أغارت من الليل)؛ أي: أسرعت طالبة غرَّة العدو، والإغارة: سرعة السير، ومنه قولهم: (أشرق ثُبير كيما نُغير) (٤)؛ أي: نسرع في\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٢) رواه النسائي في السنن الكبرى (٨٦٢٥ و٨٦٢٦).\n(٣) رواه أبو داود (٢٦٧١)، والبيهقي في الكبرى (٩/ ٨٢)، وانظر: الإصابة (٢/ ١٤٠)، وسيرة ابن هشام (٢/ ٢٤٢).\n(٤) ذكره ياقوت في معجم البلدان (٢/ ٧٣).","vol":"3","page":528},{"text":"فقَالَ: هُم مِن آبَائِهِم.\nرواه أحمد (٤/ ٣٨ و٧١)، ومسلم (١٧٤٥) (٢٨)، وأبو داود (٤٧١٢)، والترمذي (١٥٧٠).\n[١٢٦٣] وعَن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَطَعَ نَخيلَ بَنِي النَّضِيرِ، وَحَرَّقَ وهي البويرة. ولها يَقُولُ حَسَّانُ:\nــ\nالنَّفر. والغارة: الخيل نفسها. وشنّ الغارة؛ أي: أرسل الخيل مسرعة. ويقال: أغارت الخيل ليلًا، وضحًى، ومساءً، إذا كان ذلك في تلك الأوقات. فأما البيات: فهو أن يؤخذ العدو على غرة بالليل.\nوقوله في ذراري المشركين يبيتون: (هم من آبائهم)؛ الذرية: تطلقه العرب على الأولاد والعيال والنساء. حكاه عياض. ومعنى الحديث: أن حكمهم حكم آبائهم في جواز قتلهم عند الاختلاط بهم في دار كفرهم. وبه قال الجمهور: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، والثوري. ورأوا رميهم بالمجانيق في الحصون، والمراكب.\nواختلف أصحابنا؛ هل يرمون بالنار إذا كان فيهم ذراريهم ونساؤهم، على قولين. وأما إذا لم يكونوا فيهم؛ فهل يجوز رمي مراكبهم وحصونهم بالنار؟ أما إذا لم يوصل إليهم إلا بذلك، فالجمهور على جوازه، وأما إذا أمكن الوصول إليهم بغيره، فالجمهور على كراهته؛ لما ثبت من قوله - ﷺ -: (لا يعذب بالنار إلا الله) (١). وأما إذا كان فيهم مسلمون؛ فمنعه مالك جملة. وهو الصحيح من مذهبه ومذهب جمهور العلماء. وفي المسألة تفصيل يعرف في الأصول.\nوقوله: (قطع نخيل بني النضير، وحرق)؛ دليل للجمهور على جواز نخل العدو، وتحريقها إذا لم يرج مصيرها للمسلمين، وكان قطعها نكاية للعدو.\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٣٠٧ و٣٣٨ و٤٥٣)، والبخاري (٣٠١٦)، وأبو داود (٢٦٧٤)، والترمذي (١٥٧١).","vol":"3","page":529},{"text":"وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ ... حَرِيقٌ بِالبُوَيرَةِ مُستَطِيرُ\nوَفِي ذَلِكَ نَزَلَت: ﴿مَا قَطَعتُم مِن لِينَةٍ أَو تَرَكتُمُوهَا﴾ الآيَةَ.\nرواه البخاري (٣٠٢١)، ومسلم (١٧٤٦) (٣٠)، وأبو داود (٢٦١٥)، والترمذي (٣٢٩٨).\n* * *\nــ\nوقد منع ذلك الليث بن سعد، وأبو ثور، وقد روي عن الصدِّيق أبي بكر ﵁. واختلف في ذلك عن الأوزاعي، واعتذر لهم عن هذا الحديث: بأنه - ﷺ - إنما قطع تلك النخيل ليوسع موضع جَوَلان الخيل للقتال. وهذا تأويل يدل على فساده قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعتُم مِن لِينَةٍ أَو تَرَكتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذنِ اللَّهِ وَلِيُخزِيَ الفَاسِقِينَ﴾ ولا شك في أن هذه الآية نزلت فيما عاب المشركون على رسول الله - ﷺ - من قطع نخيل بني النضير، فبين فيها: أن الله تعالى أباحه لنبيه - ﷺ - خزيًا للمشركين، ونكاية لهم. والآية نصّ في تعليل ذلك. ويمكن أن يحمل ما روي عن أبي بكر الصديق ﵁ من منع ذلك على ما إذا لم يكن في قطعها نكاية، أو ارتجي عودها للمسلمين، والله تعالى أعلم.\nو(اللينة): النخلة؛ أيُّ نخلةٍ كانت. وقيل: العجوة. وقيل: كرام النخل، قاله سفيان. وقال جعفر بن محمد: هي العجوة. وقيل: الفسيل؛ لأنه ألين. وقيل: أغصان الأشجار للينها. وقيل: هي النخلة القريبة من الأرض. قال الأخفش: اللينة من اللون. وأصله: لونَة، وتجمع: لين، وليان. قال (١):\nوسالفةٍ كسحوق الليا ... ن أضرم فيها الغَويُّ السُّعُر\nو(البويرة) المذكورة في شعر حسَّان: موضع من بلاد بني النضير. و(مستطير): منتشر.\n_________\n(١) القائل: هو امرؤ القيس، يصف عنق فرسه.","vol":"3","page":530},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-458>(٥) باب تخصيص هذه الأمة بتحليل الغنائم</span>\n[١٢٦٤] عن أَبِي هُرَيرَةَ، عَن رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قال: غَزَا نَبِيٌّ مِن الأَنبِيَاءِ فَقَالَ لِقَومِهِ: لَا يَتبَعنِي رَجُلٌ قَد مَلَكَ بُضعَ امرَأَةٍ، وَهُوَ يُرِيدُ أَن يَبنِيَ بِهَا، وَلَمَّا يَبنِ، وَلَا آخَرُ قَد بَنَى بُنيَانًا، وَلَمَّا يَرفَع سُقُفَهَا، وَلَا آخَرُ قَد\nــ\n(٥) ومن باب: تخصيص هذه الأمة بتحليل الغنائم\nقول النبي المذكور في هذا الحديث - صلى الله على نبينا وعليه وعلى جميع النبيين - (١): (لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة، وهو يريد أن يبني بها، ولما يبن)؛ البُضع - بضم الباء -: كناية عن فرج المرأة، وقد يكنى به عن النكاح نفسه، كما قال - ﷺ -: (وفي بضع أحدكم أهله صدقة) (٢). والبَضع - بفتح الباء- مصدر بَضَعَ اللحم، يبضعه؛ إذا قطعه. والبِضع - بكسر الباء -: في العدد ما بين الثلاثة إلى التسعة. وقد تقدَّم تفسيره.\nو(الخلفات): جمع خَلِفَة، وهي الناقة التي دنا ولادها.\nوإنما نهى هذا النبي قومه عن اتباعه على هذه الأحوال؛ لأن أصحابها يكونون متعلقي النفوس بهذه الأسباب، فتضعف عزائمهم، وتفتر رغباتهم في الجهاد، والشهادة، وربما يُفرط ذلك التعلق بصاحبه فيفضي به إلى كراهية الجهاد، وأعمال الخير. وكأن مقصود هذا النبي - ﷺ - أن يتفرَّغوا من عُلق الدنيا (٣) ومهمات أغراضها، إلى تمني الشهادة بنيَّات صادقة، وعزومٍ جازمة، صافية، ليحصلوا على الحظ الأوفر، والأجر الأكبر.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (هـ).\n(٢) رواه أحمد (٥/ ١٦٧ و١٦٨)، ومسلم (١٠٠٦)، وأبو داود (٥٢٤٣).\n(٣) \"علق الدنيا\": ما يُتَمَسَّكُ به منها.","vol":"3","page":531},{"text":"اشتَرَى غَنَمًا، أَو خَلِفَاتٍ، وَهُوَ مُنتَظِرٌ وِلَادَهَا. قَالَ: فَغَزَا، فَأَدنَى لِلقَريَةِ حِينَ صَلَاةِ العَصرِ، أَو قَرِيبًا مِن ذَلِكَ، فَقَالَ لِلشَّمسِ: أَنتِ مَأمُورَةٌ، وَأَنَا مَأمُورٌ،\nــ\nوقوله: (فأدنى للقرية)؛ هكذا رواية جميع الرواة (أدنى) رباعيًّا.\nقال القاضي أبو الفضل: فإما أن يكون تعدية (دنا)؛ أي: قرب، فمعناه: أدنى جيوشه وجموعه إليها، أو يكون (أدنى) بمعنى: حان؛ أي: قرب، وحضر فتحها، من قولهم: أدنت الناقة؛ أي: إذا حان نتاجها، ولم يقل في غير الناقة.\nقلت: والذي يظهر لي: أن ذلك من باب: أنجد، وأغار، وأشهر، وأظهر؛ أي (١): دخل في هذه الأزمنة والأمكنة، فيكون معنى (أدنى) أي: دخل في هذا الموضع الداني منها. والله تعالى أعلم.\nوقوله للشمس: (أنت مأمورة)؛ أي: مسخرة بأمر الله تعالى، وهو كذلك أيضًا، وجميع الموجودات، غير أن أمر الجمادات أمر تسخير وتكوين، وأمر العقلاء أمر تكليف وتكوين. وحبس الشمس على هذا النبي من أعظم معجزاته، وأخص كراماته. وقد اشتهر: أن الذي حبست عليه الشمس (٢) من الأنبياء هو: يوشع بن نون. وقد روي أن مثل هذه الآية كانت لنبينا - ﷺ - في موطنين:\nأحدهما: في حفر الخندق حين شغلوا عن صلاة العصر، حتى غابت، فردها الله تعالى عليه حتى صلَّى العصر. ذكر ذلك الطحاوي، وقال: إن رواته كلهم ثقات (٣).\nوالثانية: صبيحة الإسراء، حين انتظروا العير التي أخبر النبي - ﷺ - بوصولها\n_________\n(١) في (ط): إذا.\n(٢) ساقط من (ع).\n(٣) ذكره القاضي عِياض في الشفا (١/ ٥٤٨) وعزاه للطحاوي في \"مشكل الآثار\" من حديث أسماء بنت عميس.","vol":"3","page":532},{"text":"اللَّهُمَّ احبِسهَا عَلَيَّ شَيئًا، فَحُبِسَت عَلَيهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيهِ. قَالَ: فَجَمَعُوا مَا غَنِمُوا، فَأَقبَلَت النَّارُ لِتَأكُلَهُ، فَأَبَت أَن تَطعَمَهُ، فَقَالَ: فِيكُم غُلُولٌ، وَليُبَايِعنِي مِن كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ، فَبَايَعُوهُ فَلَصِقَت يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ، فَقَالَ: فِيكُم الغُلُولُ، فَلتُبَايِعنِي قَبِيلَتُكَ، فَبَايَعَتهُ، قَالَ: فَلَصِقَ بِيَدِ رَجُلَينِ أَو ثَلَاثَةٍ، فَقَالَ: فِيكُم الغُلُولُ، أَنتُم غَلَلتُم، قَالَ: فَأَخرَجُوا لَهُ مِثلَ رَأسِ البَقَرَةٍ مِن ذَهَبٍ، قَالَ: فَوَضَعُوهُ فِي المَالِ وَهُوَ في الصَّعِيدِ، فَأَقبَلَت النَّارُ فَأَكَلَتهُ، فَلَم تَحِلَّ الغَنَائِمُ لِأَحَدٍ مِن قَبلِنَا، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ رَأَى ضَعفَنَا وَعَجزَنَا فَطَيَّبَهَا لَنَا.\nرواه أحمد (٢/ ٣١٨)، والبخاري (٥١٥٧)، ومسلم (١٧٤٧).\n* * *\nــ\nمع شروق الشمس. ذكره يونس بن بكير في زيادته في سير ابن إسحاق (١).\nوقوله: (فجمعوا ما غنموا، فأقبلت النَّار لتأكله، فأبت أن تطعمه)؛ كانت سنة الله تعالى في طوائف من بني إسرائيل أن يسوق لهم نارًا، فتأكل ما خلص من قربانهم، وغنائمهم، فكان ذلك الأكل علامة قبول ذلك المأكول. حكاه السُّدي وغيره، وهو الذي يدل عليه ظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَينَا أَلا نُؤمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأتِيَنَا بِقُربَانٍ تَأكُلُهُ النَّارُ﴾ ويدل على هذا أيضًا: ظاهر الحديث، وقد كان فيهم على ما حكاه ابن إسحاق نار تحكم بينهم عند تنازعهم، فتأكل الظالم، ولا تضر المظلوم. وقد رفع الله تعالى\n_________\n(١) ذكره ابن سيد الناس في (عيون الأثر ١/ ٢٤٤)، والقاضي عياض في الشفا (١/ ٥٤٩).\nوانظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٤٠٣) من رواية البكائي، دون ذكر حبس الشمس.","vol":"3","page":533},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-459>(٦) باب في قوله تعالى: ﴿يَسأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ﴾</span>\n[١٢٦٥] عَن مُصعَبِ بنِ سَعدٍ، عَن أَبِيهِ قَالَ: نَزَلَت فِيَّ أَربَعُ آيَاتٍ: أَصَبتُ سَيفًا، فَأَتَيت بِهِ النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَلتَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَفِّلنِيهِ، قَالَ:\nــ\nكل ذلك عن هذه الأمة، وأحل لهم غنائمهم، وقربانهم، رفقًا بهم، ورحمة لهم، كما قال - ﷺ -: (ذلك بأن الله رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا)، وجعل ذلك من خصائص هذه الأمة؛ كما قال: (فلم تحل الغنائم لأحدٍ قبلنا)، وقد جاء في الكتب القديمة: أن من خصائص هذه الأمة: أنهم يأكلون قربانهم في بطونهم. وما جرى لهذا النبي - ﷺ - مع قومه في أخذ (١) الغلول آية شاهدة على صدقه، وعلى عظيم مكانته عند ربِّه. وفي حديثه أبواب من الفقه لا تخفى على فطن. والله أعلم.\n(٦) ومن باب: قوله تعالى: ﴿يَسأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ﴾\nقول سعدٍ: (نزلت فيَّ أربعُ آيات)، ولم يذكر غير آية واحدة هنا، وقد جاءت الثلاثة الباقية مبيّنة في كتاب مسلم، وسيأتي.\nوقوله: (نفلنيه)؛ أي: أعطني إيَّاه. قال لبيد:\nإن تقوى ربنا خيرُ نَفَل ... وبإذن الله رَيثِي والعجل (٢)\nومنه سُمي الرَّجل نوفلًا لكثرة عطائه. ويكون النفل أيضًا: الزيادة. ومنه نوافل الصلوات، وهي الزوائد على الفرائض.\n_________\n(١) ساقطة من (ع).\n(٢) في جميع النسخ والديوان: وعجل، وما أثبتناه من اللسان. وفي (ج) و(ع) واللسان والديوان: ريثي. وفي باقي النسخ: (ربّي). والرَّيث: الإبطاء.","vol":"3","page":534},{"text":"ضَعهُ. ثُمَّ قَامَ. فَقَالَ: نَفِّلنِيهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أو أجعل كمن لا غناء له؟ فقال له النبي ﷺ: ضعه من حيث أخذته. قَالَ: فَنَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يَسأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ\nــ\nوقوله: (أو أُجعل كمن لا غناء له)؛ الرِّواية الصحيحة بفتح الواو، ومن سكَّنها غلط؛ لأنها الواو الواقعة بعد همزة الاستفهام، ولا تكون إلا مفتوحة. وأما (أو) الساكنة: فلا تكون إلا لأحد الشيئين. وهذا الاستفهام من سعد على جهة الاستبعاد والتعجب من أن ينزل من ليس في شجاعته منزلته، لا على جهة الإنكار، لأنه لا يصح، ولا يحل الإنكار على النبي - ﷺ -، لا سيما ممن يكون في منزلة سعد، ومعرفته بحق النبي - ﷺ -، واحترامه له.\nو(الغناء) بفتح الغين، والمد: النفع. و(الغِنى) - بكسر الغين والقصر -: كثرة المال.\nوقوله: (فنزلت هذه الآية: ﴿يَسأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ﴾؛ يقتضي أن يكون ثمَّ سؤال عن حكم الأنفال، ولم يكن هنالك سؤال عن ذلك على ما يقتضيه هذا الحديث، ولذلك قال بعض أهل العلم: إن (عن) صلة. ولذلك قرأ ابن مسعود بغير (عن): (يسألونك عن الأنفال). وقال بعضهم: إن (عن) بمعنى (مِن)؛ لأنه إنما سأل شيئًا معينًا، وهو السيف، وهو من الأنفال.\nو(الأنفال): جمع نفل - بفتح الفاء -؛ كجمل وأجمال، ولبن وألبان.\nوقد اختلف في المراد بالأنفال هنا في الآية؛ هل هي الغنائم؟ لأنها عطايا، أو هي مما ينفل من الخمس بعد القسم؟ وكذلك اختُلف في أخذ سعد لهذا السيف؛ هل كان أخذه له من القبض قبل القسم، أو بعد القسم؟ (١) وظاهر قوله: (ضعه حيث أخذته): أنه قبل القسم؛ لأنه لو كان أخذه له بعد القسم لأمره أن يرده إلى من صار إليه في القسم.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع) و(ج).","vol":"3","page":535},{"text":"قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية.\nرواه أحمد (١/ ١٨٥)، ومسلم (١٧٤٨) (٣٤)، وأبو داود (٢٠٨)، والترمذي (٣١٨٩).\nــ\nوقوله تعالى: ﴿قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾؛ ظاهره إن حملنا الأنفال على الغنائم؛ أن الغنيمة لرسول الله - ﷺ -، وليست مقسومة بين الغانمين. وبه قال ابن عباس وجماعة. ورأوا: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَاعلَمُوا أَنَّمَا غَنِمتُم مِن شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية، وظاهرها: أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين. وقد روي عن ابن عباس أيضًا: أنها محكمة، غير منسوخة، وأن للإمام أن ينفل من الغنائم ما شاء لمن شاء؛ لما يراه من المصلحة. وقيل: هي مخصوصة بما شذّ من المشركين إلى المسلمين من: عبدٍ، أو أمَةٍ، أو دابةٍ. وهو قول عطاء، والحسن. وقيل: المراد بها: أنفال السَّرايا. والأولى: أن الأنفال المذكورة في هذه الآية هي ما ينفله الإمام من الخمس؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَاعلَمُوا أَنَّمَا غَنِمتُم مِن شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ ولا يصح الحكم بالنسخ؛ إذ الجمع بين الآيتين ممكن، ومتى أمكن الجمع فهو أولى من النسخ (١)، باتفاق الأصوليين. وقال مجاهد في الآية: إنها محكمة، غير منسوخة، وأن المراد بالأنفال: ما ينفله الإمام من الخمس. وعلى هذا: فلا نفل إلا من الخمس، ولا يتعين الخمس إلا بعد قسمة الغنيمة خمسة أخماس، وهو المعروف من مذهب مالك، وقد روي عن مالك: أن الأنفال من خمس الخمس. وهو قول ابن المسيب، والشافعي، وأبي حنيفة، والطبري. وأجاز الشافعي النفل قبل إحراز الغنيمة، وبعدها. وهو قول أبي ثور، والأوزاعي، وأحمد، والحسن البصري.\nوقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصلِحُوا ذَاتَ بَينِكُم وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُؤمِنِينَ﴾؛ أي: أصلحوا فيما بينكم، وأطيعوا الله ورسوله فيما أمركم\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ز).","vol":"3","page":536},{"text":"[١٢٦٦] وعَن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سَرِيَّةً إِلَى نَجدٍ، فَخَرَجتُ فِيهَا، فَأَصَبنَا إِبِلًا وَغَنَمًا، فَبَلَغَت سُهمَانُنَا اثنَي عَشَرَ بَعِيرًا، اثنَي عَشَرَ بَعِيرًا، وَنَفَّلَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَعِيرًا بَعِيرًا.\nرواه مسلم (١٧٤٩) (٣٧).\nــ\nبه من الرضا بما قسم لكم إن كنتم محققين إيمانكم. وهذا يدل على أنهم وقع فيما بينهم شنآنٌ ومنافرةٌ بسبب الغنيمة. ويدل على هذا: ما رواه أبو أمامة الباهلي قال: سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال؟ فقال: فينا - أصحاب بدر - نزلت حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا، وجعله إلى رسول الله - ﷺ -، فقسمه علينا على بواء؛ أي: على سواء (١). وعن ابن عباس: أن النبي - ﷺ - قال يوم بدر: (من فعل كذا، فله كذا)، فتسارع الشبان، وثبت الشيوخ مع الرَّايات، فلما فتح لهم، جاء الشبان يطلبون ما جعل لهم، فقال لهم الأشياخ: لا تذهبون به دوننا، فقد كنَّا ردءًا لكم، فأنزل الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصلِحُوا ذَاتَ بَينِكُم﴾ (٢).\nوقوله: (بعث رسول الله - ﷺ - إلى نجد سرية) إلى قوله: (ونفلنا رسول الله - ﷺ - بعيرًا بعيرًا)؛ هذه السرية خرجت من جيش بعثهم رسول الله - ﷺ - إلى نجد، فلما غنمت قسم ما غنمت على الجيش والسرية، فكانت سهمان؛ كل واحد من الجيش والسَّرية اثني عشر بعيرًا، اثني عشر بعيرًا، ثم زيد أهل السَّرية بعيرًا بعيرًا، فكان لكل إنسان من أهل السَّرية ثلاثة عشر بعيرًا، ثلاثة عشر بعيرًا. بيّن ذلك ونصّ عليه أبو داود من حديث شعيب بن أبي حمزة، عن نافع، عن ابن عمر (٣)، ولهذا قال مالك، وعامة الفقهاء: إن السَّرية إذا خرجت من الجيش فما غنمته كان مقسومًا\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٣٢٢)، والبيهقي (٦/ ٢٩٢ و٣١٥ و٩/ ٥٧)، والحاكم (٢/ ١٣٦).\n(٢) رواه أبو داود (٢٧٣٧ - ٢٧٣٩).\n(٣) رواه أبو داود (٢٧٤١).","vol":"3","page":537},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nبينها وبين الجيش. ثم إن رأى الإمام أن ينفلهم من الخمس جاز عند مالك، واستُحبّ عند غيره. وذهب الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد: إلى أن النفل من جملة الغنيمة بعد إخراج الخمس، وما بقي للجيش، وحديث ابن عمر يرد على هؤلاء، فإنه قال فيه: فبلغت سهماننا اثني عشر بعيرًا، اثني عشر بعيرًا، ونفلنا رسول الله - ﷺ - بعيرًا بعيرًا (١)\nوظاهر مساق هذه الرواية: أن الذي قسَّم بينهم، ونفلهم، هو رسول الله - ﷺ -، حين رجعوا إليه. وفي رواية مالك عن نافع: (ونُفِّلُوا بعيرًا بعيرًا)، ولم يذكر رسول الله - ﷺ -. ومن رواية الليث عن نافع: (ونفلوا سوى ذلك بعيرًا بعيرًا، فلم يغيره رسول الله - ﷺ -. وفي كتاب أبي داود من حديث محمد بن إسحاق عن نافع قال: فأصبنا نعمًا كثيرًا، فنفلنا أميرنا بعيرًا بعيرًا، ثم قدمنا على رسول الله - ﷺ -، فقسم علينا غنيمتنا، فأصاب كل إنسان (٢) منا اثنا (٣) عشر بعيرًا، اثنا عشر بعيرًا، وما حاسَبَنا رسولُ الله - ﷺ - بالذي أعطانا صاحبنا، ولا عاب عليه ما صنع، فكان لكل رجل ثلاثة عشر بعيرًا بنفله (٤). وهذا اضطراب في حديث ابن عمر، على أنه يمكن أن تحمل رواية من رفع ذلك إلى رسول الله - ﷺ - على أنه لما بلغه ذلك أجازه، وسوَّغه. والله تعالى أعلم. أو تكون رواية عبيد الله عن نافع في الرَّفع وهمًا، وبمقتضى رواية ابن إسحاق عن نافع قال الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد كما قدمناه آنفًا من مذهبهم، لكن محمد بن إسحاق كذبه مالك (٥)، وضعفه غيره.\n_________\n(١) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٤٥٠).\n(٢) في (ع): واحدٍ.\n(٣) في (ع): اثني.\n(٤) رواه أبو داود (٢٧٤٣).\n(٥) انظر الأجوبة التي ذكرها ابن سيد الناس في عيون الأثر (١/ ٦٣ - ٦٧) في الرَّد عمّا =","vol":"3","page":538},{"text":"[١٢٦٧] وعنه قَالَ: نَفَّلَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- نَفَلًا سِوَى نَصِيبِنَا مِن الخُمسِ فَأَصَابَنِي شَارِفٌ. وَالشَّارِفُ: المُسِنُّ الكَبِيرُ.\nرواه مسلم (١٧٥٠) (٣٨ و٣٩).\n[١٢٦٨] وعنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَد كَانَ يُنَفِّلُ بَعضَ مَن يَبعَثُه مِن السَّرَايَا لِأَنفُسِهِم خَاصَّةً، سِوَى قَسمِ عَامَّةِ الجَيشِ،\nــ\nوقوله: (ونفلنا رسول الله نفلًا سوى نصيبنا من الخمس)؛ هذا المجرور الذي هو (من الخمس) هو في موضع الصفة لـ (نفل)؛ يعني: أنه نفلهم نفلًا من الخمس، وليس في موضع الحال من (نصيبنا)؛ لأنه كان يلزم عليه أن يكون لهم نصيب في الخمس غير النفل، ولم ينقل هذا بوجه، ولا قاله أحدٌ فيما علمته.\nو(الشارف): المسن الكبير من النُّوق.\nوقوله: (كان رسول الله - ﷺ - ينفل بعض من يبعث من السَّرايا)؛ يدل: على أن ذلك ليس حتمًا واجبًا على الإمام، وإنما ذلك بحسب ما يظهر له من المصلحة والتنشيط كما يقوله مالك. وقد كره مالك أن يحرض الإمام العسكر بإعطاء جزء من الغنيمة قبل القتال؛ لما يخاف من فساد النية. وقد أجازه بعض السَّلف، وأجاز النخعي، وبعض العلماء أن ينفل السَّرية جميع ما غنمت. والكافة على خلافه.\n_________\n= رُمي به ابن إسحاق من الكذب، وبخاصة من مالك، إذ كان قرينًا ومعاصرًا له. ورحم الله تعالى الذهبي حينما قال في ميزان الاعتدال (٢/ ٢٠٢): كلام النُّظراء والأقران ينبغي أن يُتأمَّل ويُتأَنَّى فيه.","vol":"3","page":539},{"text":"وَالخُمسُ فِي ذَلِكَ وَاجِبٌ كُلِّهِ.\nرواه مسلم (١٧٥٠) (٤٠).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-460>(٧) باب للإمام أن يخص (ل اتل بالسَّلب</span>\n[١٢٦٩] عَن أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: خَرَجنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَامَ حُنَينٍ، فَلَمَّا التَقَينَا، كَانَت لِلمُسلِمِينَ جَولَةٌ، قَالَ: فَرَأَيتُ رَجُلًا مِن المُشرِكِينَ قَد عَلَا رَجُلًا مِن المُسلِمِينَ، فَاستَدَرتُ إِلَيهِ حَتَّى أَتَيتُهُ مِن وَرَائِهِ، فَضَرَبتُهُ عَلَى حَبلِ عَاتِقِهِ، فَأَقبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدتُ مِنهَا رِيحَ المَوتِ، ثُمَّ أَدرَكَهُ\nــ\nوقوله: (والخمس في ذلك واجب كله)؛ يعني: أن التخميس لا بُدَّ منه فيما غنمته السَّرية، وفيما غنمه الجيش. وعلى هذا يكون (كله) مخفوضًا تأكيدًا لـ (ذلك) المجرور بـ (في)، وقد قيدناه بالرفع على أن يكون تأكيدًا لـ (الخمس) المرفوع. وفيه بُعدٌ.\n(٧) ومن باب: للإمام أن يخص القاتل بالسَّلب\n(الجولة): الاضطراب. ويعني به: انهزام المنهزمة يوم حنين على ما يأتي.\nو(حبل العاتق): هو موصل ما بين العنق والكاهل. وقيل: هو حبل الوريد. والوريد: عرق بين الحلقوم والعلباوَين (١).\nوقوله: (فضمني ضمة وجدت فيها ريح الموت)؛ أي: ضمة شديدة أشرف\n_________\n(١) في (ز): اللغاديد. وهي: اللحمات بين الحنك وصفحة العنق. والعلباوان، مثنى عِلْباء، وهو عصب غليظ في العنق.","vol":"3","page":540},{"text":"المَوتُ فَأَرسَلَنِي، فَلَحِقتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ، فَقَالَ: مَا لِلنَّاسِ؟ فَقُلتُ: أَمرُ اللَّهِ، ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ رَجَعُوا، وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: مَن قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيهِ بَيِّنَةٌ، فَلَهُ سَلَبُهُ. قَالَ: فَقُمتُ، فَقُلتُ: مَن يَشهَدُ لِي؟ ثُمَّ جَلَستُ، ثُمَّ قَالَ مِثلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: فَقُمتُ فَقُلتُ: مَن يَشهَدُ لِي؟ ثُمَّ جَلَستُ، ثُمَّ\nــ\nبسببها على الموت. وهي استعارة حسنة. وأصلها: أن من قرب من الشيء وجد ريحه.\nوقوله: (وجلس رسول الله - ﷺ - فقال: من قتل قتيلًا له عليه بيّنة فله سلبه)؛ دليل: على أن هذا القول منه - ﷺ - كان بعد أن برد القتال، وأما قبل القتال (١) فيكره مالك للإمام أن يقول مثل ذلك؛ لئلا تفسد نية المجاهدين. وهل قال - ﷺ - ذلك القول مُقَعِّدًا لقاعدة السلب للقاتل، ومبيِّنًا لحكم الله تعالى في ذلك دائمًا، وفي كل واقعة؟ وإليه صار الليث، والشافعي، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، والطبري، والثوري، وأبو ثور، قالوا: السلب للقاتل، قاله الإمام أو لم يقله، غير أن الشافعي -﵀- اشترط في ذلك: أن يقتله مقبلًا. واشترط الأوزاعي أن يكون ذلك قبل التحام الحرب.\nأو قاله - ﷺ - على جهة أن يبيِّن: أن للإمام أن يفعل ذلك إذا رآه مصلحة؟ وإلى هذا ذهب مالك، وأبو حنيفة، فقالا: إن السلب ليس بحق للقاتل، وإنه من الغنيمة إلا أن يجعل الأمير ذلك له.\nفأما الطائفة الأولى: فتمسَّكت بظاهر الحديث المتقدِّم، وقصر الشافعي عموم قوله: (من قتل قتيلًا) على نحو ما وقع لأبي قتادة؛ فإنه قتل الكافر مقبلًا، ولذلك ضمه الضمة الشديدة، وليس للأوزاعي على ما اشترط حجَّة من الحديث، بل هو حجَّة عليه؛ فإنه - ﷺ - إنما قال ذلك بعد فراغ القتال.\nوأما الطائفة الثانية: فإنهم ردُّوا ظاهر ذلك الحديث لما يعارضه، وهو قوله تعالى: ﴿وَاعلَمُوا أَنَّمَا غَنِمتُم مِن شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ فأضاف أربعة\n_________\n(١) في (ج): ذلك.","vol":"3","page":541},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nأخماس الغنيمة للغانمين، ولا يصلح قوله: (من قتل قتيلًا فله سلبه) للتخصيص، للاحتمال الذي أبديناه. ومما تمسَّكوا به قضية أبي جهل الآتية بعد هذا، وذلك: أنه - ﷺ - قال لابني عفراء: (كلاكما قتله)، ثم قضى بسلبه لأحدهما (١)، وهي نصٌّ في المقصود، لا يقال: إن قضية أبي جهل متقدَّمة وقضية أبي قتادة متأخرة، فتكون ناسخة؛ لأنا لا نسلم التعارض لإمكان الجمع بين القضيتين؛ لأن ذلك رأي رآه فيهما، فاختلف الحال بحسب اختلاف الاجتهاد. والله تعالى أعلم.\nومما يعتضدُ به هؤلاء: أنه لو كان قوله: من قتل قتيلًا فله سلبه) مقعدًا للقاعدة، ومبيِّنًا لها؛ لكان ذلك أمرًا معمولًا به عند الصحابة، وخصوصًا الخلفاء الأربعة ﵃، فإنهم كانوا حضورًا في ذلك الموطن، وقد انقرضت أعصارهم، ولم يحكموا: بأن السلب للقاتل مطلقًا، على ما حكاه ابن أبي زيد في مختصره. هذا مع كثرة وقائعهم في العدو، وغنائمهم، وعموم الحاجة إلى ذلك. فلما لم يكن ذلك كذلك؛ صح أن يقال: إن ذلك موكول لرأي الإمام. والله تعالى أعلم.\nتفريع: لا شك في أن من كان مذهبه: أن السلب للقاتل: أنه لا يخمسه، وإنما يملكه بنفس القتل المشهود عليه، وأما من صار إلى: أن ذلك للإمام يرى فيه رأيه، فاختلفوا؛ هل يخمس أو لا يخمس؟ فقال مالك، والأوزاعي، ومكحول: يخمس. وقاله إسحاق إذا كثر. ونحوه عن عمر، وحكى ابن خواز منداذ عن مالك: أن الإمام مخيَّر في ذلك كله. قاله القاضي إسماعيل.\nثم اختلفوا في السلب الذي يستحقه القاتل. فذهب الأوزاعي، وابن حبيب من أصحابنا إلى أنه فَرسه الذي ركبه، وكل شيء كان عليه من لبوس، وسلاح، وآلة، وحلية له ولفرسه. غير أن ابن حبيب قال: إن المنطقة التي فيها دنانير\n_________\n(١) يأتي الحديث في التلخيص (١٥٧١).","vol":"3","page":542},{"text":"قَالَ ذَلِكَ الثَّالِثَةَ، فَقُمتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا لك يَا أَبَا قَتَادَةَ؟ . فَقَصَصتُ عَلَيهِ القِصَّةَ. فَقَالَ رَجُلٌ مِن القَومِ: صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! سَلَبُ ذَلِكَ القَتِيلِ\nــ\nودراهم نفقة داخلة في السَّلب. ولم ير ذلك الأوزاعي. وقد عمل بقولهما جماعة من الصحابة. ونحوه مذهب الشافعي، غير أنه تردد في السوارين، والحلية، وما في معناهما من غير حلية الحرب.\nوذهب ابن عباس إلى أنه: الفرس، والسِّلاح، وهو معنى مذهب مالك. وشذَّ أحمد، فلم ير الفرس من السَّلب، ووقف في السَّيف. وللشافعي قولان فيما وجد في عسكر العدو من أموال المقتول؛ هل هو من سلبه أم لا؟ والصحيح: العموم فيما كان معه، تمسّكًا بالعموم. والله تعالى أعلم.\nوقوله: (له عليه بينة)؛ قال بظاهره الليث، والشافعي، وبعض أصحاب الحديث، فلا يستحق القاتل السلب إلا بالبيّنة، أو بشاهدٍ ويمين. وقال الأوزاعي والليث: ليست البيّنة شرطًا في الاستحقاق، بل إن اتفق ذلك فهو الأولى دفعًا للمنازعة، وإن لم يتفق كان للقاتل بغير بيّنة، ألا ترى أن النبي - ﷺ - أعطى أبا قتادة سلب مقتوله من غير شهادة، ولا يمين. ولا يكفي شهادة واحد، ولا يناط بها حكم بمجردها، لا يقال: إنما أعطاه إيَّاه بشهادة الذي هو في يده، وشهادة أبي بكر؛ لأن أبا بكر ﵁ لم يُقم شهادة لأبي قتادة، وإنما منع أن يُدفع السلب للذي ذكر أنه في يده، ويمنع منه أبو قتادة. ويخرج على أصول المالكية في هذه المسألة، ومن قال بقولها: أنه لا يحتاج الإمام فيه إلى بينة؛ لأنه من الإمام ابتداء عطيّة. فإن شرط فيه (١) الشهادة كان له، وإن لم يشترط، جاز أن يعطيه من غير شهادة. والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) في (هـ) و(ط): فيها.","vol":"3","page":543},{"text":"عِندِي، فَأَرضِهِ مِن حَقِّهِ يا رسول الله! وَقَالَ أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ: لَا هَا اللَّهِ إِذًا، لَا يَعمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِن أُسُدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَن اللَّهِ وَعَن رَسُولِهِ فَيُعطِيكَ سَلَبَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: صَدَقَ فَأَعطِهِ إِيَّاهُ. فَأَعطَانِي، قَالَ: فَبِعتُ الدِّرعَ فَابتَعتُ بِهِ مَخرَفًا فِي بَنِي سَلِمَةَ، فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلتُهُ فِي الإِسلَامِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ أَبُو بَكرٍ: كَلَّا لَا نُعطِيهِ، أُضَيبِعَ مِن قُرَيشٍ وَنَدَعُ أَسَدًا مِن أُسُدِ اللَّهِ؟\nــ\nوقوله: (فأرضه من حقه يا رسول الله!) أي: أعطه ما يرضى به بدلًا من حقه في السَّلب. فكأنه سأل من النبي - ﷺ - أن يتركه له، ويعطي أبا قتادة من غيره ما يرضى به.\nوقول أبي بكر: (لا ها الله إذًا)؛ الرواية هكذا (إذًا) بالتنوين. قال الخطابي: والصواب فيه: (لا ها الله ذا) بغير ألف قبل الذال. ومعناه في كلامهم: لا والله. يجعلون (الها) مكان (الواو). والمعنى: لا والله لا يكون ذا. قال المازري: معناه: ذا يميني، وذا قسمي. وقال أبو زيد: (ذا) صلة في الكلام.\nوقوله: (فبعت الدرع، فاشتريت به مخرفًا)، قال القاضي أبو الفضل: رويناه بفتح الميم، وكسرها. فمن كسره جعله مثل: مربَدٍ. ومن فتح جعله مثل: مضرَب.\nوالمخرف: البستان الذي تخترف ثماره؛ أي: تجتنى (١). فأما المخرف - بكسر الميم - فهو: الوعاء الذي يجمع فيه ما يُخترفُ.\nو(تأثلت المال): تملكته، فجعلته أصل مالي. وأَثَلَةُ كل شيء: أصله.\nوقوله: (كلا، لا نعطيه أضيبع من قريش)؛ كلا: ردع، وزجر. وقد تكون بمعنى: لا؛ كقوله تعالى حكاية عن موسى ﵊: كُلَا\n_________\n(١) في (ع) و(ج): تجنى.","vol":"3","page":544},{"text":"رواه أحمد (٥/ ٣٠٦)، والبخاري (٢١٠٥)، ومسلم (١٧٥١)، وأبو داود (٢٧١٧)، والترمذي (١٥٦٢)، وابن ماجه (٢٨٣٧).\n[١٢٧٠] وعن سَلَمَةُ بنُ الأَكوَعِ قَالَ: غَزَونَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- هَوَازِنَ، فَبَينَا نَحنُ نَتَضَحَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، إِذ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ\nــ\nفي جواب قولهم: ﴿إِنَّا لَمُدرَكُونَ﴾ وقد يكون استفتاحًا بمعنى: ألا؛ كما قيل في قوله تعالى: ﴿كَلا إِنَّ كِتَابَ الأَبرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ و(أضيبع) روايتنا فيه - وهي المشهورة - بالضاد المعجمة، والعين المهملة؛ وهو تصغير ضبع على غير القياس. فكأنه لما وصف الآخر بالأسدية، صغر هذا بالنسبة إليه، وشبهه بالضبع تصغيرًا له. ورواه السمرقندي: (أصيبغ) بالصاد المهملة، والغين المعجمة، فقيل: كأنه حقَّره، وذمَّه لسواد لونه. وقال الخطابي: الأصيبغ نوع من الطير. قال: ويجوز أن يشبهه بنبات صغير، يقال له: الصبغاء، أول ما تطلع من الأرض فيكون ما يلي الشمس منه أصفر. وقال الهروي بمعناه.\nومبادرة أبي بكر بالفتيا والرَّدع والنَّهي بحضرة رسول الله - ﷺ -، وإقرار النبي - ﷺ - على ذلك، وتصديقه على قوله، شرفٌ عظيم، وخصوصية لأبي بكر ﵁ ليس لأحدٍ من الصحابة مثلها، هذا مع أنه قد كان عدد من الصحابة نحو الأربعة عشر يفتون في حياة رسول الله - ﷺ -، يعلم بهم، ويقرهم، لكن لم يُسمع عن أحدٍ منهم أنه أفتى بحضرته، ولا صدر عنه شيء مما صدر عن أبي بكر في هذه القضية.\nوفي هذا الحديث أبواب من الفقه لا تخفى على متأمِّل.\nغريب حديث سلمة بن الأكوع:\nقول سلمة: (فبينا نحن نتضحَّى)؛ يعني: نتغدَّى في وقت الضحاء - بالمد - قاله الخطابي وغيره. و(الطلق): الحبل، وهو بفتح اللام.\nو(الحقب) بفتح","vol":"3","page":545},{"text":"أَحمَرَ فَأَنَاخَهُ، ثُمَّ انتَزَعَ طَلَقًا مِن حَقَبِهِ، فَقَيَّدَ بِهِ الجَمَلَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ يَتَغَدَّى مَعَ القَومِ، وَجَعَلَ يَنظُرُ وَفِينَا ضَعفَةٌ وَرِقَّةٌ فِي الظَّهرِ، وَبَعضُنَا مُشَاةٌ، إِذ خَرَجَ يَشتَدُّ، فَأَتَى جَمَلَهُ فَأَطلَقَ قَيدَهُ، ثُمَّ أَنَاخَهُ وَقَعَدَ فَأَثَارَهُ، فَاشتَدَّ بِهِ الجَمَلُ، فَاتَّبَعَهُ رَجُلٌ عَلَى نَاقَةٍ وَرقَاءَ، قَالَ سَلَمَةُ: وَخَرَجتُ أَشتَدُّ فَكُنتُ عِندَ وَرِكِ النَّاقَةِ، ثُمَّ تَقَدَّمتُ حَتَّى كُنتُ عِندَ وَرِكِ الجَمَلِ، ثُمَّ تَقَدَّمتُ حَتَّى أَخَذتُ بِخِطَامِ الجَمَلِ فَأَنَختُهُ، فَلَمَّا وَضَعَ رُكبَتَهُ فِي الأَرضِ اختَرَطتُ\nــ\nالقاف. والحقيبة: هو ما يجعله الرَّاكب خلفه.\nو(الضعَفَة) - بفتح العين -: جمع ضعيف، والأوجَه والأصح: (ضعفَة)؛ أي: حالة ضعيفة، وهزال. و(يشتدُّ): يجري سريعًا. و(قعد عليه)؛ أي: ركبه؛ لأن الرَّاكب قاعد. و(اخترطت السَّيف)؛ أي: سللته من غَمدِه سريعًا. (فندر)؛ أي: سقط، وخرج عن جسده. ومنه: الشيء النادر؛ أي: الخارج، والرواية فيه بالنون والدال المهملة. والرحل للبعير كالسرج للفرس، والإكاف للحمار.\nوفيه من الفقه: أن السَّلب إنما يستحقه القاتل بإذن الإمام كما تقدَّم؛ إذ لو كان واجبًا له بنفس القتل لما احتاج إلى تكرار هذا القول؛ إذ قد تقرر الحكم في يوم حنين على زعم الخصم، وعمل به.\nوفيه: أن كل ما يكون على القتيل، أو معه، أو عليه سلب للقاتل.\nوفيه: أن السَّلب لا يخمس.\nوفيه حجة لمن قال من أهل العلم: أن للإمام أن ينفل جميع ما أخذته السَّرية من الغنيمة لمن يراه منهم؛ إذ قد كان مع سلمة رجل على ناقة؛ ولم يعطه من الغنيمة شيئًا، وهذا إنما يتم للمحتج به إذا نقل: أنه لم يكن هناك غنيمة إلا ذلك السَّلب، فلعلهم غنموا شيئًا آخر غير السَّلب، فإن نقلوا ذلك تمسّكنا بقوله تعالى: ﴿وَاعلَمُوا أَنَّمَا غَنِمتُم مِن شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ وقلنا: ذلك خاص بالنبي - ﷺ -.","vol":"3","page":546},{"text":"سَيفِي، فَضَرَبتُ رَأسَ الرَّجُلِ فَنَدَرَ، ثُمَّ جِئتُ بِالجَمَلِ أَقُودُهُ، عَلَيهِ رَحلُهُ وَسِلَاحُهُ، فَاستَقبَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَالنَّاسُ مَعَهُ فَقَالَ: مَن قَتَلَ الرَّجُلَ؟ . قَالَوا: ابنُ الأَكوَعِ، قَالَ لَهُ: سَلَبُهُ أَجمَعُ.\nرواه أحمد (٤/ ٤٦ و٤٩)، ومسلم (١٧٥٤)، وأبو داود (٢٦٥٤).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-461>(٨) باب لا يستحق القاتل السَّلب بنفس القتل</span>\n[١٢٧١] عَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ قَالَ: بَينَا أَنَا وَاقِفٌ فِي الصَّفِّ يَومَ بَدرٍ، نَظَرتُ عَن يَمِينِي وَشِمَالِي، فَإِذَا أَنَا بَينَ غُلَامَينِ مِن الأَنصَارِ، حَدِيثَةٍ أَسنَانُهُمَا، تَمَنَّيتُ لَو كُنتُ بَينَ أَضلَعَ مِنهُمَا، فَغَمَزَنِي أَحَدُهُمَا\nــ\nوفيه: قتل الجاسوس، ولا خلاف في ذلك إذا لم يكن معاهدًا، أو مسلمًا. والمعاهد يقتل عندنا وعند الأوزاعي لنقضه العهد. وقال معظم الفقهاء: لا يكون ذلك نقضًا، وأما المسلم فالجمهور على أن الإمام يجتهد فيه. وقال كبار أصحاب مالك: أنه يقتل، واختلف في قبول توبته على ثلاثة أقوال، يفرق في الثالث بين أن يكون معروفًا بذلك أو لا.\nوفيه التنويه بأهل الفضائل، ومعرفة حق من فيه فضل وغناء.\n(٨) ومن باب: لا يستحق القاتل السَّلب بنفس القتل\nقوله: (تمنيت لو كنت بين أضلع منهما)؛ كذا الرواية، بالضاد المعجمة، والعين المهملة، ووقع في بعض روايات البخاري: (أصلح) بالحاء، والصاد، مهملتين، من الصلاح، والأول أصوب. ومعنى (أضلع): أقوى، والضلاعة:","vol":"3","page":547},{"text":"فَقَالَ: يَا عَمِّ، هَل تَعرِفُ أَبَا جَهلٍ؟ قَالَ: قُلتُ: نَعَم، وَمَا حَاجَتُكَ إِلَيهِ يَا ابنَ أَخِي؟ قَالَ: أُخبِرتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللَّهِﷺ-، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَئِن رَأَيتُهُ لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الأَعجَلُ مِنَّا، قَالَ: فَتَعَجَّبتُ لِذَلِكَ، فَغَمَزَنِي الآخَرُ فَقَالَ مِثلَهَا، قَالَ: فَلَم أَنشَب أَن نَظَرتُ إِلَى أَبِي جَهلٍ يَزُولُ فِي النَّاسِ، فَقُلتُ: أَلَا تَرَيَانِ؟ هَذَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي تَسأَلَانِ عَنهُ، قَالَ:\nــ\nالقوة. ومنه قولهم: هل يدرك الظالع شأو الضليع - بالضاد -؛ أي: القوي، والظالع - بالظاء المشالة -: هو الذي أصابه الظلع، وهو ألَمٌ يأخذ الدَّابة في بعض قوائمها. وكأنه استضعفهما (١) لصغر أسنانهما.\nوقوله: (لا يفارق سوادي سواده)؛ أي: شخصي شخصه. وأصله: أن الشخص يرى على البعد أسود. والله تعالى أعلم.\nوقوله: (حتى يموت الأعجل منَا)؛ أي: الأقرب أجلًا، وهو كلام مستعمل يفهم منه: أنه يلازمه، ولا يتركه إلى وقوع الموت بأحدهما. وصدور مثل هذا الكلام في حالة الغضب والانزعاج يدل على صحة العقل، وثبوت الفهم، والتثبت العظيم في النظر في العواقب؛ فإن مقتضى الغضب أن يقول: حتى أقتله؛ لكن العاقبة مجهولة.\nوقوله: (فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يزول في الناس)؛ معنى لم أنشب: لم أشتغل بشيء. وهو من: نشب بالشيء؛ إذا دخل فيه، وتعلَّق به. و(يزول)؛ أي: يجول ويضطرب في المواضع، ولا يستقر على حال. وهو فعل من يعبئ الناس، ويحرضهم. أو فعل من أخذه الزويل، وهو: الفزع والقلق. والأول أولى؛ لرواية ابن ماهان لهذا الحرف: (يجول) بالجيم.\n_________\n(١) في (ج): استصغرهما.","vol":"3","page":548},{"text":"فَابتَدَرَاهُ، فَضَرَبَاهُ بِسَيفَيهِمَا حَتَّى قَتَلَاهُ، ثُمَّ انصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَأَخبَرَاهُ فَقَالَ: أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟ . فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا: أَنَا قَتَلتُهُ، فَقَالَ: هَل مَسَحتُمَا سَيفَيكُمَا؟ . قَالَا: لَا، فَنَظَرَ فِي السَّيفَينِ فَقَالَ: كِلَاكُمَا قَتَلَهُ.\nــ\nوقوله: (هل مسحتما سيفيكما؟ قالا: لا، فنظر في السيفين فقال: كلاكما قتله)؛ هذا يدل على: أن للإمام أن ينظر في شواهد الأحوال ليترجح عنده قول أحد المتداعيين، وذلك أن سؤاله عن مسح السيفين إنما كان لينظر إن كان تعلق بأحدهما من أثر الطعام (١) أو الدَّم ما لم يتعلق بالآخر، فيقضي له، فلما رأى تساويَ سيفيهما في ذلك قال: (كلاكما قتله)، ومع ذلك فقضى بالسلب لأحدهما، فكان ذلك أدل دليل على صحة ما قدَّمناه من مذهب مالك، وأبي حنيفة. وقد اعتذر المخالفون عن هذا الحديث بأوجه:\nمنها: أن هذا منسوخ بما قاله يوم حنين. وهو فاسد لوجهين:\nأحدهما: أن الجمع بينهما ممكن. كما قدمناه، فلا نسخ.\nوالثاني: أنَّه قد روى أهل السِّير وغيرهم: أن النبي - ﷺ - قال يوم بدر: (من قتل قتيلًا فله سلبه)؛ كما قال يوم حنين. وغايته: أن يكون من باب تخصيص العموم على ما قلناه.\nومنها: أن بعض الشافعية قال: إنما فعل النبي - ﷺ - ذلك؛ لأنه استطاب نفس أحدهما. وهذا كلام غير محصل، فإنه - ﷺ - لا يستطيب الأنفس بما لا يحل. ثم كيف يستطيب نفس هذا بإفساد قلب الآخر؟ هذا مما لا يليق بذوي المروءات، فكيف بخاتم النبوات؟ !\nومنها: أنه لعله أن يكون رأى على سيف أحدهما من الأثر ما لم ير على الآخر، فأعطاه السلب لذلك، وقال: (كلاكما قتله) تطييبًا لقلب الآخر. وهذا\n_________\n(١) كذا في جميع النسخ، وفي إكمال إكمال المعلم للأبي: الطعان.","vol":"3","page":549},{"text":"وَقَضَى بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بنِ عَمرِو بنِ الجَمُوحِ، وَالرَّجُلَانِ: مُعَاذُ بنُ عَمرِو بنِ الجَمُوحِ، وَمُعَاذُ بنُ عَفرَاءَ.\nرواه أحمد (١/ ١٩٢ - ١٩٣)، والبخاري (٣١٤١)، ومسلم (١٧٥٢).\n[١٢٧٢] وعَن عَوفِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: قَتَلَ رَجُلٌ مِن حِميَرَ رَجُلًا مِن العَدُوِّ، فَأَرَادَ سَلَبَهُ، فَمَنَعَهُ خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ، وَكَانَ وَالِيًا عَلَيهِم، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَوفُ بنُ مَالِكٍ فَأَخبَرَهُ، فَقَالَ لِخَالِدٍ: مَا مَنَعَكَ أَن تُعطِيَهُ\nــ\nيبطله قوله: (كلاكما قتله). والقتل هو السبب عند القائل. وظاهره التسوية في القتل؛ فإن القائل إذا قال لمخاطبيه: كلاكما قال، أو كلاكما خرج، فظاهره المشاركة فيما نسب إليهما. ثم يلزم هذا القائل أن يجوّز على رسول الله - ﷺ - التورية في الأحكام. والقول بذلك باطل، وحرام.\nوقوله: (والرجلان: معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء)؛ هكذا الصحيح، وقد جاء في البخاري من حديث ابن مسعود: أن ابني عفراء ضرباه حتى برك. وكأن هذا وهم من بعض الرواة لحديث ابن مسعود. وسبب هذا الوهم: أن عفراء هذه من بني النجار، أسلمت وبايعت، وكان أولادها سبعة، كلهم شهد بدرًا، وكانت عند الحارث بن رفاعة، فولدت له: معاذًا، ومعوّذًا، ثم طلقها، فتزوَّجها بكير بن عبد ياليل، فولدت له: خالدًا، وإياسًا، وعاقلًا، وعامرًا، ثم راجعها الحارث، فولدت له عوفًا، فشهدوا كلهم بدرًا. فكأنه التبس على بعض الرُّواة عاذ بن عمرو بن الجموح بمعاذ بن عفراء وبمعوذ بن عفراء عند السكوت عن ذكر عمرو والد معاذ. والله تعالى أعلم.\nوفي البخاري ومسلم: أن ابن مسعود هو الذي أجهز على أبي جهل","vol":"3","page":550},{"text":"سَلَبَهُ؟ . قَالَ: استَكثَرتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: ادفَعهُ إِلَيهِ. فَمَرَّ خَالِدٌ بِعَوفٍ فَجَرَّ بِرِدَائِهِ، ثُمَّ قَالَ: هَل أَنجَزتُ لك مَا ذَكَرتُ لك عِن رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- فَاستُغضِبَ، فَقَالَ: لَا تُعطِهِ يَا خَالِدُ، لَا تُعطِهِ\nــ\nواحتزَّ رأسه بعد أن جرى له معه كلام سيأتي إن شاء الله تعالى.\nوقول عوف بن خالد: (هل أنجزت لك ما ذكرت عن رسول الله - ﷺ -؟) كلام فيه نوع من التقصير، والتهكم بمنصب الإمارة، والإزراء عليه، ولذلك غضب النبي - ﷺ - من ذلك حين سمعه، ثم أمضى ما فعله خالد بقوله: (لا تعطه يا خالد!)، ونوَّه به، وعظم حرمته بقوله: (هل أنتم تاركو لي أمرائي؟ !) وهذا يدل دلالة واضحة على: أن السَّلب لا يستحقه القاتل بنفس القتل، بل برأي الإمام ونظره، كما قدَّمناه.\nوقوله: (ادفعه إليه)؛ هو أمر على جهة الإصلاح ورفع التنازع، فلما صدر من عوف ما يقتضي الغض من منصب الإمارة أمضى ما رآه الأمير؛ لأنه لم يكن للقاتل فيه حق. وهذا نحو مما فعله النبي - ﷺ - بماء الزبير، حيث نازعه الأنصاري في السقي، فقال - ﷺ -: (اسق يا زبير! وأرسل الماء إلى جارك)، فأغضب الأنصاري النبي - ﷺ -، فقال للزبير: (اسق يا زبير! وأمسك الماء حتى يبلغ الجدر)، فاستوفى للزبير حقه (١).\nوهذا الحديث من أصعب الأحاديث على القائل بأن السَّلب يستحقه القاتل بنفس القتل.\nو(استغضب) هو مبني لما لم يسم فاعله؛ أي: أغضب، زيدت فيه السين والتاء، ومعناه: خلق فيه الغضب عندما سمع ما كرهه شيئا فشيئا، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ٤ و٥)، والبخاري (٢٣٥٩ و٢٣٦٠)، ومسلم (٢٣٥٧).","vol":"3","page":551},{"text":"يَا خَالِدُ، هَل أَنتُم تَارِكُو لِي أُمَرَائِي؟ إِنَّمَا مَثَلُكُم وَمَثَلُهُم كَمَثَلِ رَجُلٍ استُرعِيَ إِبِلًا أَو غَنَمًا فَرَعَاهَا، ثُمَّ تَحَيَّنَ سَقيَهَا، فَأَورَدَهَا حَوضًا، فَشَرَعَت فِيهِ\nــ\nوقوله: (هل أنتم تاركو لي أمرائي)؛ هكذا الرواية بإسقاط النون من (تاركو)، ولحذفها وجهان:\nأحدهما: أن يكون استطال الكلمة كما استطيلت كلمة الاسم الموصول، كما قال تعالى: ﴿وَخُضتُم كَالَّذِي خَاضُوا﴾ على أحد القولين. وكما قال الشاعر:\nابني كليب إن عمي اللذا ... قتلا الملوك وفكك الأغلالا\nوالوجه الثاني (١): أن يكون (أمرائي) مضافًا، وأقحم الجار والمجرور بين المضاف والمضاف إليه، ويكون هذا من نوع قراءة ابن عامر: (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم)، بنصب (أَولادُهُم)، وخفض (شُرَكَائهِم) (٢)، ففصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، وأكثر ما يكون هذا النوع في الشعر، كما أنشده سيبويه:\nكما خط الكتاب بكف يومًا ... يهودي يقارب أو يزيل\nوكما أنشد:\nفزججتها بمزجة ... زجّ القلوص أبي مزاده\nويفهم من هذا الحديث: احترام الأمراء، وترك الاستطالة عليهم.\nوقوله: (استرعي رعية)؛ أي: كلف رعيها ورعايتها، وهذا مثال مطابق\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).\n(٢) ساقط من (ع).","vol":"3","page":552},{"text":"فَشَرِبَت صَفوَهُ وَتَرَكَت كَدرَهُ، فَصَفوُهُ لَكُم وَكَدرُهُ عَلَيهِم.\nوَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ عَوفٌ: فَقُلتُ: يَا خَالِدُ! أَمَا عَلِمتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَضَى بِالسَّلَبِ لِلقَاتِلِ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي استَكثَرتُهُ.\nرواه أحمد (٦/ ٢٧)، ومسلم (١٧٥٣) (٤٣ و٤٤)، وأبو داود (٢٧١٩ و٢٧٢٠).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-462>(٩) باب في التنفيل بالأسارى، وفداء المسلمين بهم</span>\n[١٢٧٣] عنُ سَلَمَةَ بن الأكوع، قَالَ: غَزَونَا فَزَارَةَ وَعَلَينَا أَبُو بَكرٍ أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَينَا، فَلَمَّا كَانَ بَينَنَا وَبَينَ المَاءِ سَاعَةٌ، أَمَرَنَا أَبُو بَكرٍ فَعَرَّسنَا، ثُمَّ شَنَّ الغَارَةَ فَوَرَدَ المَاءَ، فَقَتَلَ مَن قَتَلَ عَلَيهِ وَسَبَى، وَأَنظُرُ إِلَى عُنُقٍ مِن النَّاسِ فِيهِم الذَّرَارِيُّ، فَخَشِيتُ أَن يَسبِقُونِي إِلَى الجَبَلِ، فَرَمَيتُ\nــ\nللمتُمثل به من كل وجه.\nو(الصفو): الصافي عن الكدر، وهو عبارة عما يأخذه الناس بالقسم.\nو(الكدر): المتغير، وهو مثال لما يبقى للأمراء؛ لما يتعلق به من التبعات والحقوق. والله تعالى أعلم\n(٩) ومن باب: التنفيل بالأسارى\nالتعريس: النزول من آخر الليل. و(شن الغارة): فرقها وأرسلها، وهو بالشين، فأما (سن الماء) فهو بالسين المهملة؛ أي: صبه. والعنق من الناس:","vol":"3","page":553},{"text":"بِسَهمٍ بَينهُم وَبَينَ الجَبَلِ، فَلَمَّا رَأَوا السَّهمَ وَقَفُوا، فَجِئتُ بِهِم أَسُوقُهُم وَفِيهِم امرَأَةٌ مِن بَنِي فَزَارَةَ، عَلَيهَا قَشعٌ مِن أَدَمٍ، (قَالَ: القَشعُ النِّطَعُ) مَعَهَا ابنَةٌ لَهَا مِن أَحسَنِ العَرَبِ، فَسُقتُهُم حَتَّى أَتَيتُ بِهِم أَبَا بَكرٍ فَنَفَّلَنِي أَبُو بَكرٍ ابنَتَهَا، فَقَدِمنَا المَدِينَةَ وَمَا كَشَفتُ لَهَا ثَوبًا، فَلَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي السُّوقِ فَقَالَ: يَا سَلَمَةُ! هَب لِي المَرأَةَ. فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَاللَّهِ لَقَد أَعجَبَتنِي، وَمَا كَشَفتُ لَهَا ثَوبًا، ثُمَّ لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِن الغَدِ فِي السُّوقِ فَقَالَ لِي: يَا سَلَمَةُ، هَب لِي المَرأَةَ لِلَّهِ أَبُوكَ. فَقُلتُ: هِيَ لك يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَوَاللَّهِ مَا كَشَفتُ لَهَا ثَوبًا، فَبَعَثَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى أَهلِ مَكَّةَ، فَفَدَى بِهَا نَاسًا مِن المُسلِمِينَ كَانُوا أُسِرُوا بِمَكَّةَ.\nرواه أحمد (٤/ ٤٦)، ومسلم (١٧٥٥)، وأبو داود (٢٦٩٧)، وابن ماجه (٢٨٤٦).\n* * *\nــ\nالجماعة منهم. و(القشع): النَّطع، وفيه لغتان: كسر القاف وفتحها. وروي بالوجهين هنا، وفي البخاري.\nوقوله: (فنفلني أبو بكر ابنتها)؛ أي: أعطانيها نافلة؛ أي: زيادة من الخمس على سهمه من الغنيمة، لما رأى من نجدته، وغنائه.\nوقوله: (لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوبًا)؛ يعني: أنه توقف عن الاستمتاع بها منتظر براءتها، أو إسلامها، وسيأتي في النكاح قول الحسن: إن عادة الصحابة كانت إذا سَبَوُا المرأة لم يقربوها حتى تُسلم وتطهّر (١).\nوقوله: (فبعث بها رسول الله - ﷺ - إلى مكة ففدى بها ناسًا من المسلمين)\n_________\n(١) في (ع) و(ل) و(هـ): تتطهر.","vol":"3","page":554},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-463>(١٠) باب ما يخمس من الغنيمة وما لا يخمس وكم يسهم للفرس والرجل</span>\n[١٢٧٤] عن أبي هُرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: أَيُّمَا قَريَةٍ أَتَيتُمُوهَا، وَأَقَمتُم فِيهَا، فَسَهمُكُم فِيهَا، وَأَيُّمَا قَريَةٍ عَصَت اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّ خُمُسَهَا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ هِيَ لَكُم.\nرواه أحمد (٢/ ٣١٧)، ومسلم (١٧٥٦)، وأبو داود (٣٠٣٦).\nــ\nحجَّة على أبي حنيفة، حيث لم يجز للإمام المفاداة، ولا الفداء بالأسير، وعند مالك: أن الإمام مخيَّر في الأسارى بين خمس خصال: القتل، والاسترقاق، والمن، والفداء، والاستبقاء. وذلك هو الصحيح، بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ ولأن النبي - ﷺ - فعل كل ذلك، فكان الأسارى مخصوصين من حكم الغنيمة بالتخيير. والله تعالى أعلم.\n(١٠) ومن باب: ما يخمس من الغنيمة وما لا يخمس\nقوله: (أيما قرية أتيتموها، وأقمتم فيها، فسهمكم فيها)؛ يعني بذلك - والله أعلم -: أن ما أجلي عنه العدو، أو صولحوا عليه، وحصل بأيدي المسلمين من غير قتال، فمن أقام فيه كان له سهم من العطاء. وليس المراد بالسَّهم هنا: أنها تخمس، فتقسم سهامًا؛ لأن هذا هو حكم القِسم الآخر الذي ذكره بعد هذا، حيث قال: (وأيما قرية عصت الله ورسوله فإن خمسها لله ورسوله، ثم هي لكم). تُقسم أخماسًا، فيكون الخمس لله ورسوله، وأربعة أخماسها لكم. يخاطب بذلك الغانمين. وهذا كما قال تعالى: ﴿وَاعلَمُوا أَنَّمَا غَنِمتُم مِن شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية. ولم يختلف العلماء في أن أربعة أخماس","vol":"3","page":555},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالغنيمة تقسم بين الغانمين. وأعني بالغنيمة ما عدا الأرضين، فإن فيها خلافًا يذكر إن شاء الله تعالى.\nوأما الأسرى ففيهم الخلاف المتقدم. وأما الخمس والفيء: فهل يقسم في أصناف، أو لا يقسم؟ وإنما هو موكول إلى نظر الإمام واجتهاده، فيأخذ منه حاجته من غير تقدير، ويعطي القرابة منه باجتهاده، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين. وهذا هو مذهب مالك، وبه قال الخلفاء الأربعة، وبه عملوا، وعليه يدل قوله - ﷺ -: (ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس) (١)، فإنه لم يقسمه أخماسًا، ولا أثلاثًا. وأما من قال: بأنه يقسم فقد اختلفوا، فمنهم من قال: يقسم (٢) على ستة أسهم: سهم لله، وسهم للرسول، وهكذا بقية الأصناف المذكورة في الآية. ثم منهم من قال: إن سهم الله يدفع للكعبة. وبه قال طاوس، وأبو العالية. ومنهم من قال: للمحتاج. وأما سهم رسول الله - ﷺ - فكان له في حياته، ثم هو للخليفة بعده. وقيل: يصرف في مصلحة الغزاة. وقيل: يرد على القرابة. وقال الشافعي: يقسم على خمسة. ورأى: أن سهم الله ورسوله واحد. ثم إنه يصرف في مصالح المسلمين. والأربعة الأخماس على الأربعة الأصناف المذكورين في الآية. وقال أبو حنيفة: يقسم على ثلاثة أسهم: سهم لليتامى، وسهم لابن السبيل، وسهم للمساكين، فأما سهم النبي - ﷺ - وسهم القرابة، فقد سقط؛ لأنه إنما كان لهم لغنائهم ونصرتهم؛ لأن رسول الله - ﷺ - لم يكن يأخذه لنبوته (٣). وأما ذكر الله في أول الآية: فهو على جهة التشريف لنبيه - ﷺ - لئلا يأنف من الأخذ. هذا نقل حُذاق المصنفين.\nقلت: ولا شك في أن الآية ظاهرة في قسمة الخمس على ستة، ولولا\n_________\n(١) رواه النسائي (٧/ ١٣١ و١٣٢)، ومالك في الموطأ (٢/ ٤٥٧ و٤٥٨).\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (هـ).\n(٣) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"3","page":556},{"text":"[١٢٧٥] وعَن عُمَرَ قَالَ: كَانَت أَموَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِمَّا لَم يُوجِف عَلَيهِ المُسلِمُونَ بِخَيلٍ وَلَا رِكَابٍ، فَكَانَت لِلنَّبِيِّ -ﷺ- خَاصَّةً،\nــ\nما استدل به لمالك من عمل الخلفاء على خلاف ظاهرها، لكان الأولى التمسُك بظاهرها، لكنهم -﵃- هم أعرف بالمقال، وأقعد بالحال، لا سيما مع تكرار هذا الحكم عليهم، وكثرته فيهم. فإنهم لم يزالوا آخذين للغنائم، قاسمين لها طوال مدتهم؛ إذ هي عيشهم، ومنها رزقهم، وبها قام أمرهم؛ فكيف يخفى عليهم أمرها، أو يشذ عنهم حكم من أحكامها؟ هذا ما لا يظنُّه بهم من يعرفهم.\nوقوله: (كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله)؛ أفاء: أي: رد على رسوله من أموال الكفار. وهذا يدل على: أن الأموال إنما كانت للمسلمين بالأصالة، ثم صارت للكفار بغير الوجوه الشرعية، فكأنهم لم يملكوا ملكًا صحيحًا، لا سيما إذا تنزلنا على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، ومع ذلك فلهم شبهة الملك؛ إذ قد أضاف الله إليهم أموالًا؛ كما أضاف (١) إليهم أولادًا، فقال: ﴿فَلا تُعجِبكَ أَموَالُهُم وَلا أَولادُهُم﴾ وقد اتفق المسلمون على: أن الكافر إذا أسلم وبيده مال غير متعين للمسلمين كان له، لا ينتزعه أحدٌ منه بوجه من الوجوه. وسيأتي للمسألة مزيد بيان.\nوقوله: (مما لم يوجف عليه)؛ أي: يسرع. والإيجاف: الإسراع، ووجيف الخيل: إسراعها. والرِّكاب: الإبل.\nوقوله: (فكانت للنبي - ﷺ - خاصَّة)؛ هذا الحديث حجَّة لمالك على: أن الفيء لا يقسم، وإنما هو موكول لاجتهاد الإمام، والخلاف الذي ذكرناه في الخمس هو الخلاف هنا، فمالك لا يقسمه، وأبو حنيفة يقسمه أثلاثًا، والشافعي أخماسًا.\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"3","page":557},{"text":"فَكَانَ يُنفِقُ عَلَى أَهلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ، وَمَا بَقِيَ جَعَلَهُ فِي الكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ.\nرواه البخاري (٤٨٨٥)، ومسلم (١٧٥٧) (٤٨).\n[١٢٧٦] وعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ: أَنَّ النبي -ﷺ- قَسَمَ فِي النَّفَلِ لِلفَرَسِ سَهمَينِ وَلِلرَّجُلِ سَهمًا.\nــ\nوقوله: (فكان ينفق على أهله نفقة سنة)؛ أي: يعطيهم قوت سنتهم، كما في البخاري: (أنه - ﷺ - كان يبيع نخل بني النضير، ويحبس لأهله قوت سنتهم) (١). وأما لنفسه فما روي عنه - ﷺ - أنه ادخر، ولا احتكر؛ وإنما كان يفعل ذلك بأهله قيامًا لهم بحقوقهم. ودفعًا لمطالبتهم، ومع ذلك فكان أهله يتصدقن، وقلما يمسكن شيئا، ولذلك ما قد كان (٢) للنبي - ﷺ - ربما ينزل به الضيف فيطلب (٣) له شيئا في بيوت أزواجه، فلا يوجد عندهن شيء.\nوفيه ما يدل على: جواز ادخار قوت العيال سنة، ولا خلاف فيه إذا كان من غلَّة المدخر، وأما إذا اشتراه من السُّوق، فأجازه قوم ومنعه آخرون إذا أضر بالناس. وهو مذهب مالك في الاحتكار مطلقًا.\nو(الكراع): الخيل والإبل.\nوقوله: (قسم رسول الله - ﷺ - في النَّفل للفرس سهمين وللرجل سهمًا)، رواه العذري، والخشني: للراجل -بألف- وغيرهما: بغير ألف. و(النَّفل): الغنيمة هنا؛ لأنها هي التي تقسم على الفارس والراجل بالسهام.\nوهذا الحديث حجَّة لمالك، والجمهور على: أنه يقسم للفرس وراكبه ثلاثة\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٣٥٧).\n(٢) كذا في النسخ، وفي هذا التعبير ضعف. ولعل الصواب: كان النبي - ﷺ - ربما ينزل. .\n(٣) في (ع) و(ج): فينظر.","vol":"3","page":558},{"text":"رواه أحمد (٢/ ٢)، والبخاري (٢٨٦٣)، ومسلم (١٧٦٢)، وأبو داود (٢٧٣٣)، والترمذي (١٥٥٤)، وابن ماجه (٢٨٥٤).\n* * *\nــ\nأسهم، وللراجل سهم، لا سيما على رواية: (وللرجل) فإنه يريد به راكب الفرس، وأن الألف واللام فيه للعهد. وقد روي من طريق صحيح عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - أسهم لرجل وفرسه ثلاثة أسهم، سهمًا له، ولفرسه سهمين. ذكره أبو داود (١). وفي البخاري عن ابن عمر: جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهمًا (٢). ومن جهة المعنى: إن مؤن الفارس أكثر (٣)، وغناؤه أعظم، فمن المناسب أن يكون سهمه أكثر من سهم الرَّاجل. وشذ أبو حنيفة فقال: يقسم للفرس كما يقسم للرَّجل. ولا أثر له يعضده، ولا قياس يعتمده، ولذلك خالفه في ذلك كبراء أصحابه، كأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وغيرهما.\nوقد ذكر أبو بكر بن أبي شيبة من حديث ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - قسم للفارس سهمين، وللراجل سهمًا (٤). والصحيح من حديث ابن عمر ما خرَّجه البخاري ومسلم، كما ذكرناه.\nثم اختلفوا هل يسهم (٥) لأكثر من فرس واحد، أو لا يسهم إلا لواحد؟ فقال مالك: لا يسهم إلا لفرس واحد؛ لأنه لا يقاتل إلا على فرس واحد، وما عداه إنما هو قوة، واستظهار.\nوقال الجمهور، وابن وهب، وابن جهم - من أصحاب مالك -: يقسم لفرسين، ولم يقل أحدٌ: أنه يسهم لأكثر من فرسين، إلا شيئا روي عن سليمان بن موسى - وهو الأشدق -: أنه يسهم لمن عنده أفراس، لكل فرس سهمان، وهو شاذ.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢٧٣٣).\n(٢) رواه البخاري (٢٨٦٣).\n(٣) من (ج).\n(٤) رواه ابن أبي شيبة (١٤/ ١٥١).\n(٥) في (ع) و(ج) و(ز): يقسم.","vol":"3","page":559},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-464>(١١) باب بيان ما يصرف فيه الفيء والخمس</span>\n[١٢٧٧] عن مَالِكَ بنَ أَوسٍ قَالَ: أَرسَلَ إِلَيَّ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، فَجِئتُهُ حِينَ تَعَالَى النَّهَارُ قَالَ: فَوَجَدتُهُ فِي بَيتِهِ جَالِسًا عَلَى سَرِيرٍ، مُفضِيًا إِلَى رُمَالِهِ، مُتَّكِئًا عَلَى وِسَادَةٍ مِن أَدَمٍ، فَقَالَ لِي: يَا مَالُ! إِنَّهُ قَد دَفَّ أَهلُ أَبيَاتٍ مِن قَومِكَ، وَقَد أَمَرتُ فِيهِم بِرَضخٍ، فَخُذهُ فَاقسِمهُ بَينَهُم. قَالَ: قُلتُ: لَو أَمَرتَ بِهَذَا غَيرِي؟ قَالَ: خُذ يَا مَالُ! قَالَ: فَجَاءَ يَرفَا فَقَالَ: هَل لك يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ! فِي عُثمَانَ، وَعَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ، وَالزُّبَيرِ، وَسَعدٍ؟ فَقَالَ عُمَرُ: نَعَم، فَأَذِنَ لَهُم، فَدَخَلُوا، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: هَل لك فِي عَبَّاسٍ، وَعَلِيٍّ؟ قَالَ: نَعَم، فَأَذِنَ لَهُمَا، فَقَالَ عَبَّاسٌ: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ! اقضِ بَينِي وَبَينَ هَذَا الكَاذِبِ الآثِمِ الغَادِرِ الخَائِنِ، فَقَالَ القَومُ: أَجَل يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ!\nــ\n(١١) ومن باب: ما يصرف فيه الفيء والخمس\n(تعالى النهار): ارتفع. و(مفضيًا إلى رماله)؛ أي: لم يكن بينه وبين الحصير حائل يقيه آثار عيدانه، ورُمال الحصير: ما يؤثر في جنب المضطجع عليه. ورملت الحصير: نسجته، وقد تقدَّم.\nو(مال) ترخيم مالك في النداء. و(دف أهل أبيات)؛ أي: نزلوا بهم مسرعين، محتاجين. وأصله من الدَّفيف، وهو: السَّير السَّريع، وكأن الذي تنزل به فاقة يسرع المشي لتنجلي عنه.\nو(الرضخ) - بسكون الضاد -: هو العطية القليلة، غير المقدرة.\nو(يرفى) مقصور، وهو مولى عمر وآذنه.\nوقوله: (هل لك يا أمير المؤمنين في عثمان، وعبد الرحمن؟) في الكلام حذف، تقديره: هل لك إذن في هؤلاء؟\nوقول العبَّاس: (اقض بيني وبين هذا الكاذب، الآثم، الغادر، الخائن)؛ قول","vol":"3","page":560},{"text":"فَاقضِ بَينَهُم وَأَرِحهُم، فَقَالَ مَالِكُ بنُ أَوسٍ: فُخَيَّلُ إِلَيَّ أَنَّهُم قَد كَانُوا قَدَّمُوهُم لِذَلِكَ، فَقَالَ عُمَرُ: اتَّئِدَا، أَنشُدُكُم بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ\nــ\nلم يرد به ظاهره؛ لأن عليًّا ﵁ منزه عن ذلك كله، مبرأ عنه قطعًا، ولو أراد ظاهره لكان محرَّمًا، ولاستحال على عمر، وعثمان، وعبد الرحمن، والزبير، وسعد، وهم المشهود لهم بالقيام بالحق وعدم المبالاة بمن يخالفهم فيه، فكيف يجوز عليهم الإقرار على المنكر؟ ! هذا ما لا يصح؛ وإنما هذا قول أخرجه من العبَّاس الغضب، وصولة سلطنة العمومة، فإن العم صنو الأب، ولا شكّ أن الأب إذا أطلق هذه الألفاظ على ولده؛ إنما يحمل ذلك منه على أنه قصد الإغلاظ، والرَّدع مبالغة في تأديبه، لا أنَّه موصوف بتلك الأمور، ثم انضاف إلى هذا: أنهم في محاجّة ولاية دينية، فكأن العباس يعتقد: أن مخالفته فيها لا تجوز، وأن المخالفة فيها تؤدي إلى أن يَتصف المخالف بتلك الأمور، فأطلقها ببوادر الغضب على هذه الأوجه، ولما علم الحاضرون ذلك لم ينكروه. والله تعالى أعلم.\nوهذا التأويل أشبه ما ذكر في ذلك، وإلا فتَطريق الغلط لبعض النقلة لهذه القضية فيه بُعد لحفظهم، وشهرتهم، والذي اضطرنا إلى تقدير أحد الأمرين ما نعلمه من أحوال تلك الجماعة، ومن عظيم منازلهم في الدِّين، والورع، والفضل. كيف لا، وهم من هم ﵃، وحشرنا في زمرتهم.\nو(أجل) بمعنى: نعم. و(اتَّئدوا) بمعنى: تثبتوا، وارفقوا.\nوقول عمر: (أنشدكم الله)؛ أي: أقسم عليكم بالله، يخاطب الحاضرين.\nوقوله - ﷺ -: (لا نورث، ما تركنا صدقة)؛ جميع الرواة لهذه اللفظة في الصحيحين وفي غيرهما يقولون: (لا نورث) - بالنون -، وهي نون جماعة الأنبياء، كما قال: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث) (١).\nو(صدقة): مرفوع على أنه: خبر\n_________\n(١) رواه الترمذي (١٦١٠).","vol":"3","page":561},{"text":"وَالأَرضُ، أَتَعلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: لَا نُورَثُ، مَا تَرَكنَا صَدَقَةٌ؟\nــ\nالمبتدأ الذي هو: (ما تركنا)، والكلام جملتان: الأولى: فعلية، والثانية: اسمية. لا خلاف بين المحدثين في هذا. وقد صحَّفه بعض الشيعة، فقال: (لا يورث - بالياء - ما تركنا صدقة) - بالنصب -، وجعل الكلام جملة واحدة، على أن يجعل (ما) مفعولًا لما لم يسم فاعله. و(صدقة) ينصب على الحال. ويكون معنى الكلام: إنما نتركه صدقة لا يورث، وإنما فعلوا هذا، واقتحموا هذا المحرم، لما يلزمهم على رواية الجمهور من إفساد قولهم، ومذهبهم، أنهم يقولون: إن النبي - ﷺ -: يورث كما يورث غيره، متمسكين بعموم آية المواريث، معرضين عمَّا كان معلومًا عند الصحابة من الحديث الذي يدل على خصوصية النبي - ﷺ -: بأنه لا يورث.\nوقد حكى الخطابي حكاية تدل على صحة مذهب أهل السُّنة، وعلى بطلان مذهب أهل البدع: حكي عن ابن الأعرابي: أن أبا العبَّاس السفاح قام في أول مقام قامه خطيبًا في قرية تسمى: العباسية بالأنبار، فحمد الله وأثنى عليه، فلما جاء عند الفراغ، قام إليه رجلٌ، وفي عنقه المصحف، فقال: يا أمير المؤمنين! أذكرك الله الذي ذكرته إلا ما قضيت لي على خصمي بما في كتاب الله. فقال: ومن خصمك؟ قال: أبو بكر الذي منع فاطمة فدك. فقال: هل كان بعده أحد؟ قال: نعم. قال: ومن؟ قال: عمر. قال: فأقام على ظلمكم؟ قال: نعم. قال: فهل كان بعده أحد؟ قال: نعم. قال: فمن؟ قال: عثمان. قال: فأقام على ظلمكم؟ قال: نعم. قال: فهل كان بعده أحد؟ قال: نعم. قال: فمن؟ قال: علي بن أبي طالب. قال: فأقام على ظلمكم؟ قال: فأسكت (١) الرجل، وجعل يلتفت يمينًا وشمالًا يطلب مخلصًا. فقال أبو العباس: والله الذي لا اله إلا هو لولا أنه أول مقام قمته، ولم أكن تقدمت إليك، لأخذت الذي فيه عيناك، اجلس. ثم أخذ في خطبته.\n_________\n(١) في (ع) و(ج): فأمسك.","vol":"3","page":562},{"text":"قَالَوا: نَعَم، ثُمَّ أَقبَلَ عَلَى العَبَّاسِ، وَعَلِيٍّ، فَقَالَ: أَنشُدُكُمَا بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذنِهِ\nــ\nوحاصل هذه الحكاية: أن الخلفاء ﵃ علموا وتحققوا صحَّة قول النبي - ﷺ -: (لا نورث، ما تركنا صدقة)، وعملوا على ذلك إلى أن انقرضت أزمانهم الكريمة بلا خلاف في ذلك.\nفأما طلب فاطمة ميراثها من أبيها من أبي بكر، فكان ذلك قبل أن تسمع الحديث الذي دلَّ على خصوصية النبي - ﷺ - بذلك، وكانت متمسكة بما في كتاب الله من ذلك، فلما أخبرها أبو بكر بالحديث توقفت عن ذلك، ولم تعد عليه بطلب، وأما منازعة علي والعباس، فلم تكن في أصل الميراث، ولا طلبًا أن يتملكا ما ترك النبي - ﷺ - من أموال بني النضير لأربعة أوجه:\nأحدها: أنهما قد كانا ترافعا إلى أبي بكر في ذلك، فمنعهما أبو بكر مستدلًا بالحديث الذي تقدَّم، فلما سمعاه أذعنا، وسكنا، وسلَّما، إلى أن توفي أبو بكر، وولي عمر، فجاءاه، فسألاه أن يوليَهُما على النظر فيها، والعمل بأحكامها، وأخذها من وجوهها، وصرفها في مواضعها، فدفعها إليهما على ذلك، وعلى ألا ينفرد أحدهما عن الآخر بعمل حتى يستشيره، ويكون معه فيه، فعملا كذلك إلى أن شق عليهما العمل فيها مجتمعين، فإنهما كانا بحيث لا يقدر أحدهما أن يستقل بأدنى عمل حتى يحضر الآخر، ويساعده، فلما شق عليهما ذلك، جاءا إلى عمر ﵁ ثانية، وهي هذه الكرة التي ذكرت هنا، يطلبان منه أن يقسمها بينهما، حتى يستقل كل واحد منهما بالنظر فيما يكون في يديه منها، فأبى عليهما عمر ذلك، وخاف إن فعل ذلك أن يظن ظانٌّ أن ذلك قسمة ميراث النبي - ﷺ -، فيعتقد بطلان قوله: (لا نورث)، لا سيما لو قسمها نصفين، (فإن ذلك كان يكون موافقًا لسنة القسم في المواريث؛ فإن من ترك بنتًا، وعمًا، كان المال بينهما نصفين) (١): للبنت النصف بالفرض، وللعم النصف بالتعصيب. فمنع ذلك عمر\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"3","page":563},{"text":"تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرضُ، أَتَعلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: لَا نُورَثُ، مَا تَرَكنَا\nــ\nحسمًا للذريعة، وخوفًا من ذهاب حكم قوله: (لا نورث).\nوالوجه الثاني: أن عليًّا لما ولي الخلافة لم يغيرها عما عُمل فيها في عهد أبي بكر، وعمر، وعثمان، ولم يتعرض لتملكها، ولا لقسمة شيء منها، بل كان يصرفها في الوجوه التي كان من قبله يصرفها فيها، ثم كانت بيد حسن بن علي، ثم بيد حسين بن علي، ثم بيد علي بن الحسين، ثم بيد الحسين بن الحسن، ثم بيد زيد بن الحسن، ثم بيد عبد الله بن الحسن، ثم تولاها بنو العباس على ما ذكره أبو بكر البرقاني في صحيحه. وهؤلاء كبراء أهل البيت ﵃، وهم معتمد الشيعة وأئمتهم، لم يُرو عن واحد منهم: أنه تملكها، ولا ورثها، ولا ورثت عنه، فلو كان ما يقوله الشيعة حقًّا لأخذها علي، أو أحدٌ من أهل بيته لما ظفروا بها، ولَم فلا.\nوالوجه الثالث: اعتراف علي والعبَّاس بصحة قوله - ﷺ -: (لا نورث، ما تركنا صدقة)، وبعلم ذلك حين سألهما عن علم ذلك، ثم إنهما أذعنا، وسلَّما، ولم يبديا - ولا أحد منهما - في ذلك اعتراضًا، ولا مدفعًا، ولا يحل لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول: إنهما اتقيا (١) على أنفسهما، لما يعلم من صلابتهما في الدين، وقوتهما فيه، ولما يعلم من عدل عمر، وأيضًا: فإن المحل محل مناظرة، ومباحثة عن حكم مال من الأموال، ليس فيه ما يفضي إلى شيء مما يقوله أهل الهذيان من الشيعة. ثم الذي يقطع دابر العناد ما ذكرناه من تمكن علي وأهل بيته من الميراث، ولم يأخذوه، كما قلناه.\nوالوجه الرابع: نصّ قول عمر لهما، وحكايته عنهما في آخر الحديث، حيث قال لهما: (ثم جئتني أنت وهذا، وأنتما جميع، وأمركما واحد، فقلتم: ادفعها\n_________\n(١) في (ج): أبقيا. وما أثبتناه أظهر في المعنى.","vol":"3","page":564},{"text":"صَدَقَةٌ؟ قَالَا: نَعَم، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ اللَّهَ كَانَ خَصَّ رَسُولَهُ -ﷺ- بِخَاصَّةٍ لَم يُخَصِّص بِهَا أَحَدًا غَيرَهُ، قَالَ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِن أَهلِ القُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ مَا أَدرِي هَل قَرَأَ الآيَةَ الَّتِي قَبلَهَا أَم لَا، قَالَ: فَقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَينَكُم أَموَالَ بَنِي النَّضِيرِ، فَوَاللَّهِ مَا استَأثَرَ عَلَيكُم وَلَا أَخَذَهَا دُونَكُم، حَتَّى بَقِيَ هَذَا المَالُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَأخُذُ مِنهُ نَفَقَةَ سَنَةٍ، ثُمَّ يَجعَلُ مَا بَقِيَ أُسوَةَ المَالِ، ثُمَّ قَالَ: أَنشُدُكُم اللَّه الَّذِي بِإِذنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرضُ، أَتَعلَمُونَ ذَلِكَ؟ قَالَوا: نَعَم، ثُمَّ نَشَدَ عَلِيًّا وعَبَّاسًا، بِمِثلِ مَا نَشَدَ بِهِ القَومَ: أَتَعلَمَانِ ذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَم، قَالَ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ\nــ\nإلينا، فقلت: إن شئتم دفعتها إليكما، على أن عليكما عهد الله أن تعملا فيها بالذي كان يعمل رسول الله - ﷺ -، فأخذتماها بذلك، قال: أكذلك؟ قالا: نعم). وهذه نصوص منهم على صحة ما ذكره.\nوإنما طوَّلنا الكلام في هذا الموضع لاستشكال كثير من الناس لهذا الحديث، وللآتي بعده، ولخوض الشيعة في هذا الموضع (١)، ولتقوّلهم فيه بالعظائم على الخلفاء البررة الحنفاء.\nوقول عمر: (إن الله خصَّ رسوله بخاصة لم يخصص بها أحدًا غيره). يعني بذلك أن الله جعل النظر (٢) لرسول الله - ﷺ - خاصة دون غيره ممن كان معه من ذلك الجيش، كما رواه ابن وهب عن مالك (٣)، ورواه أيضا ابن القاسم عنه.\n_________\n(١) من (ج).\n(٢) في (ج) و(م) و(هـ): النضير.\n(٣) جاء في إكمال إكمال المعلم للأُبِّي (٥/ ٧٥): قيل: هي إباحة الغنائم له ولأمته، أو كونها له خاصة، أو تخصيصه بما أفاء الله عليه، إما بملكه كله كما قال الأكثر، أو بملكه التصرف والحكم فيه كما قال الجمهور. أي: جعل حكم ذلك له، يحكم فيه بما يراه.","vol":"3","page":565},{"text":"أَبُو بَكرٍ: أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِﷺ-، فَجِئتُمَا تَطلُبُ مِيرَاثَكَ مِن ابنِ أَخِيكَ، وَيَطلُبُ هَذَا مِيرَاثَ امرَأَتِهِ مِن أَبِيهَا، فَقَالَ أَبُو بَكرٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: مَا نُورَثُ، مَا تَرَكنَا صَدَقَةٌ. فَرَأَيتُمَاهُ كَاذِبًا آثِمًا غَادِرًا خَائِنًا، وَاللَّهُ يَعلَمُ إِنَّهُ لَصَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلحَقِّ، ثُمَّ تُوُفِّيَ أَبُو بَكرٍ وَأَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَوَلِيُّ أَبِي بَكرٍ، فَرَأَيتُمَانِي كَاذِبًا آثِمًا غَادِرًا خَائِنًا، وَاللَّهُ يَعلَمُ إِنِّي لَصَادِقٌ بَارٌّ تَابِعٌ لِلحَقِّ فَوَلِيتُهَا، ثُمَّ جِئتَنِي أَنتَ وَهَذَا وَأَنتُمَا جَمِيعٌ، وَأَمرُكُمَا وَاحِدٌ، فَقُلتُم: ادفَعهَا إِلَينَا، فَقُلتُ: إِن شِئتُم دَفَعتُهَا إِلَيكُمَا عَلَى أَنَّ عَلَيكُمَا عَهدَ اللَّهِ أَن تَعمَلَا فِيهَا بِالَّذِي كَانَ يَعمَلُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَخَذتُمَاهَا بِذَلِكَ، قَالَ: أَكَذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَم، قَالَ: ثُمَّ جِئتُمَانِي لِأَقضِيَ بَينَكُمَا، وَلَا وَاللَّهِ لَا أَقضِي بَينَكُمَا بِغَيرِ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، فَإِن عَجَزتُمَا عَنهَا فَرُدَّاهَا إِلَيَّ.\nرواه أحمد (١/ ٢٥)، والبخاري (٥٣٥٧)، ومسلم (١٧٥٧) (٤٩)، وأبو داود (٢٩٦٤)، والترمذي (١٦١٠)، والنسائي (٧/ ١٣٦ - ١٣٧).\n* * *\nــ\nوقول عمر: (والله لا أقضي بينكما بغير ذلك)؛ أي: لا أولي أحدكما على جزء منها، والآخر على جزء آخر. وهذا هو الذي طلبا على ما قررناه.\nوقوله: (فإن عجزتما عنها)؛ أي: عن القيام بها مجتمعين، كما قررناه.\nوفي هذا الحديث أبواب من الفقه لا تخفى على متأمّل فطن.\n* * *","vol":"3","page":566},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-465>(١٢) باب تصدق رسول الله - ﷺ - بما وصل إليه من الفيء ومن سهمه</span>\n[١٢٧٨] عَن عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنتَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَرسَلَت إِلَى أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ تَسأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِن رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيهِ بِالمَدِينَةِ من الفيء، وَفَدَكٍ، وَمَا بَقِيَ مِن خُمسِ خَيبَرَ، فَقَالَ أَبُو بَكرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-\nــ\n(١٢) ومن باب: تصدق رسول الله - ﷺ - بما وصل إليه من الفيء والخمس\nسيأتي العذر لفاطمة عن طلبها ميراثها من رسول الله - ﷺ - بعد هذا.\nوقوله: (مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك)؛ كانت الأراضي التي تصدق بها رسول الله - ﷺ - تصيرت إليه بثلاثة طرق:\nأحدها: ما وصى له به عند موته مُخَيريق اليهودي لما أسلم يوم أحد، وكانت سبعة حوائط في بني النضير. وما أعطاه الأنصار من أرضيهم.\nوالثاني: حقه من الفيء من سائر أرض بني النضير، حين أجلاهم، وكذلك نصف أرض فدك، صالح أهلها على النصف بعد حنين، وكذلك ثلث أرض وادي القرى، صالح عليه يهود، وكذلك حصنان من حصون خيبر: الوطيح، والسلالم: أحدهما صلح، وأجلى أهلها.\nوالثالث: سهمه من خمس خيبر، وما افتتح منه عنوة، وهو حصن الكتيبة، خرج كله في خمس الغنيمة منها، وأقسم الناس سائرها؛ حكاه أبو الفضل عياض.\nفهذه الأراضي التي وصلت إلى رسول الله - ﷺ -، كان يأخذ منها حاجة عياله، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين. وهي التي تصدق بها، حيث قال: (ما تركت","vol":"3","page":567},{"text":"قَالَ: لَا نُورَثُ، مَا تَرَكنَا صَدَقَةٌ. إِنَّمَا يَأكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ -ﷺ- فِي هَذَا المَالِ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أُغَيِّرُ شَيئًا مِن صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَن حَالِهَا الَّتِي كَانَت عَلَيهَا فِي عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَلَأَعمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَبَى أَبُو بَكرٍ أَن يَدفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ شَيئًا، فَوَجَدَت فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكرٍ فِي ذَلِكَ، قَالَ: فَهَجَرَتهُ، فَلَم تُكَلِّمهُ حَتَّى تُوُفِّيَت، وَعَاشَت بَعدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-\nــ\nبعد نفقة نسائي، ومؤونة (١) عاملي فهو صدقة) (٢). فلما مات - ﷺ - عمل فيه أبو بكر ﵁ كذلك، ثم عمر، ثم عثمان، غير أنه يُروى: أن عثمان أقطع مروان فدك، وهو مما نُقم على عثمان. قال الخطابي: لعل عثمان تأول قول رسول الله - ﷺ -: (إذا أطعم الله نبيًا طُعمةً فهي للذي يقوم من بعده) (٣)، فلما استغنى عثمان عنها بماله، جعلها لأقربائه.\nقلت: وأولى من هذا: أن يقال: لعل عثمان دفعها له على جهة المساقاة، وخفي وجه ذلك على الراوي، فقال: أقطع. والله تعالى أعلم.\nوقوله: (إنما يأكل آل محمد في هذا المال)؛ يعني هنا بآل محمد: نساءه، كما قال في الحديث الآخر: (ما تركت بعد نفقة نسائي).\nوقوله: (فأبى أبو بكر أن يدفع لفاطمة شيئا، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجرته، فلم تكلمه)؛ لا يظن بفاطمة ﵂ أنها اتهمت أبا بكر فيما ذكره عن رسول الله - ﷺ -، لكنها ﵂ عظم عليها ترك العمل بالقاعدة الكلية، المقررة بالميراث، المنصوصة في القرآن، وجوّزت السهو والغلط على أبي بكر، ثم إنها لم تلتق بأبي بكر لشغلها بمصيبتها برسول الله - ﷺ -،\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٢) رواه مسلم (١٧٦٠).\n(٣) رواه البيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٣٠١ و٣٠٣).","vol":"3","page":568},{"text":"سِتَّةَ أَشهُرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَت دَفَنَهَا زَوجُهَا عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ لَيلًا، وَلَم يُؤذِن بِهَا أَبَا بَكرٍ، وَصَلَّى عَلَيهَا عَلِيٌّ، وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِن النَّاسِ جِهَةٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَت استَنكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ، فَالتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكرٍ وَمُبَايَعَتَهُ، وَلَم يَكُن بَايَعَ تِلكَ الأَشهُرَ، فَأَرسَلَ إِلَى أَبِي بَكرٍ: أَن ائتِنَا وَلَا يَأتِنَا مَعَكَ أَحَدٌ\nــ\nولملازمتها بيتها، فعبَّر الراوي عن ذلك بالهجران، وإلا فقد قال رسول الله - ﷺ -: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث) (١)، وهي أعلم الناس بما يحل من ذلك ويحرم، وأبعد الناس عن مخالفة رسول الله - ﷺ -، كيف لا يكون كذلك وهي بضعة من رسول الله - ﷺ -، وسيدة نساء أهل الجنة؟\nودفنُ علي لفاطمة ليلًا، يحتمل أن يكون ذلك مبالغة في صيانتها، وكونه لم يؤذن أبا بكر بها؛ لعله إنما لم يفعل ذلك لأن غيرَه قد كفاه ذلك، أو خاف أن يكون ذلك من باب النعي المنهي عنه، وليس في الخبر ما يدل على: أن أبا بكر لم يعلم بموتها، ولا صلَّى عليها، ولا شاهد جنازتها، بل اللائق بهم، المناسب لأحوالهم حضور جنازتها، واغتنام بركتها، ولا تسمع أكاذيب الرَّافضة المبطلين، الضالين، المضلين.\nوقوله: (وكان لعلي من الناس جهة حياة فاطمة)؛ جهة؛ أي: جاه واحترام، كان الناس يحترمون عليًّا في حياتها كرامة لها؛ لأنها بضعة من رسول الله - ﷺ -، وهو مباشر لها، فلما ماتت وهو لم يبايع أبا بكر، انصرف الناس عن ذلك الاحترام، ليدخل فيما دخل فيه الناس، ولا يفرق جماعتهم. ألا ترى أنه لما بايع أبا بكر أقبل الناس عليه بكل إكرام وإعظام؟ !\nوقوله: (ولم يكن علي بايع تلك الأشهر)؛ يعني: الستة الأشهر التي عاشتها\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٤٢٢)، والبخاري (٦٠٧٧)، ومسلم (٢٥٦٠)، وأبو داود (٤٩١١)، والترمذي (١٩٣٢).","vol":"3","page":569},{"text":"كَرَاهِيَةَ مَحضَرِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، فَقَالَ عُمَرُ لِأَبِي بَكرٍ: وَاللَّهِ لَا تَدخُل عَلَيهِم وَحدَكَ، فَقَالَ أَبُو بَكرٍ: وَمَا عَسَاهُم أَن يَفعَلُوا بِي؟ إِنِّي وَاللَّهِ لَآتِيَنَّهُم، فَدَخَلَ عَلَيهِم أَبُو بَكرٍ، فَتَشَهَّدَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّا قَد عَرَفنَا يَا أَبَا بَكرٍ فَضِيلَتَكَ، وَمَا أَعطَاكَ اللَّهُ، وَلَم نَنفَس عَلَيكَ خَيرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيكَ، وَلَكِنَّكَ استَبدَدتَ عَلَينَا بِالأَمرِ، وَكُنَّا نَحنُ نَرَى لَنَا حَقًّا لِقَرَابَتِنَا مِن رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَم يَزَل يُكَلِّمُ أَبَا بَكرٍ حَتَّى فَاضَت عَينَا أَبِي بَكرٍ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكرٍ قَالَ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَحَبُّ إِلَيَّ أَن أَصِلَ مِن قَرَابَتِي، وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَينِي وَبَينَكُم مِن هَذِهِ الأَموَالِ، فَإِنِّي لَم آلُ فِيهَا عَن الحَقِّ، وَلَم أَترُك أَمرًا رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَصنَعُهُ فِيهَا إِلَّا صَنَعتُهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَبِي بَكرٍ: مَوعِدُكَ العَشِيَّةُ لِلبَيعَةِ، فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكرٍ صَلَاةَ الظُّهرِ، رَقِيَ عَلَى المِنبَرِ، فَتَشَهَّدَ وَذَكَرَ شَأنَ عَلِيٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَن البَيعَةِ، وَعُذرَهُ بِالَّذِي اعتَذَرَ إِلَيهِ، ثُمَّ استَغفَرَ وَتَشَهَّدَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ، فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكرٍ، وَأَنَّهُ لَم يَحمِلهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى أَبِي بَكرٍ، وَلَا إِنكَارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَكِنَّا كُنَّا نَرَى لَنَا فِي الأَمرِ نَصِيبًا، فَاستُبِدَّ عَلَينَا بِهِ، فَوَجَدنَا فِي أَنفُسِنَا، فَسُرَّ بِذَلِكَ المُسلِمُونَ. وَقَالَوا: أَصَبتَ، فَكَانَ المُسلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا حِينَ رَاجَعَ الأَمرَ المَعرُوفَ.\nــ\nفاطمة ﵂ بعد رسول الله - ﷺ -، ولا يظن بعلي أنه خالف الناس في البيعة، لكنه تأخر عن الناس لمانعٍ منعه، وهو الموجدة التي وجدها حيث استُبِدَّ بمثل هذا الأمر العظيم، ولم يُنتظر مع أنه كان أحق الناس بحضوره، وبمشورته لكن العذر للمبايعين لأبي بكر على ذلك الاستعجال مخافة ثوران الفتنة بين المهاجرين والأنصار، كما هو معروف في حديث السقيفة، فسابقوا الفتنة، فلم يتأت لهم انتظاره لذلك، وقد جرى بينهم في هذا المجلس من المحاورة","vol":"3","page":570},{"text":"وَفَي رِوَايِةٍ: وَكَانَت فَاطِمَةُ تَسأَلُ أَبَا بَكرٍ نَصِيبَهَا مِمَّا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِن خَيبَرَ، وَفَدَكٍ، وَصَدَقَتِهِ بِالمَدِينَةِ، فَأَبَى أَبُو بَكرٍ عَلَيهَا ذَلِكَ، وَقَالَ: لَستُ تَارِكًا شَيئًا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَعمَلُ بِهِ إِلَّا عَمِلتُ بِهِ، إِنِّي أَخشَى إِن تَرَكتُ شَيئًا مِن أَمرِهِ أَن أَزِيغَ، فَأَمَّا صَدَقَتُهُ بِالمَدِينَةِ فَدَفَعَهَا عُمَرُ إِلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ، فَغَلَبَهُ عَلَيهَا عَلِيٌّ، وَأَمَّا خَيبَرُ وَفَدَكُ، فَأَمسَكَهُمَا عُمَرُ، وَقَالَ: هُمَا صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، كَانَتَا لِحُقُوقِهِ الَّتِي تَعرُوهُ، وَنَوَائِبِهِ، وَأَمرُهُمَا إِلَى مَن وَلِيَ الأَمرَ، قَالَ: فَهُمَا عَلَى ذَلِكَ إِلَى اليَومِ.\nرواه أحمد (١/ ١٠)، والبخاري (٤٢٤٥) و(٤٢٤١)، ومسلم (١٧٥٩) (٥٢ و٥٤)، وأبو داود (٢٩٦٨).\n* * *\nــ\nوالمكالمة، والإنصاف ما يدل: على معرفة بعضهم بفضل بعض، وأن قلوبهم متفقة على احترام بعضهم لبعض، ومحبة بعضهم لبعضٍ ما يشرق به الرافضي اللعين، وتُشرق قلوب أهل الدِّين.\nوالنفاسة هنا: الحسد. و(أزيغ): أميل عن الحق.\nوقوله: (فغلبه عليها علي)؛ يعني: على الولاية عليها، والقيام بها. وكأن العباس رأى عليًّا أقوى عليها، وأضلع بها، فلم يعرض له بسببها، فعبَّر الراوي عن هذا بالغلبة، وفيه بُعد.\nو(تعروه): تنزل به.\nوقوله: (قال: فهما على ذلك إلى اليوم)؛ يعني: إلى يوم حدَّث الراوي بهذا الحديث، وقد ذكرنا زيادة البُرقاني في هذا المعنى.\nوفي هذا الحديث أبواب من الفقه لا تخفى.","vol":"3","page":571},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-466>(١٣) باب الإمام مُخيَّر في الأسارى وذكر وقعة يوم بدر، وتحليل الغنيمة</span>\n[١٢٧٩] عن عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَومُ بَدرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى المُشرِكِينَ وَهُم أَلفٌ، وَأَصحَابُهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وسبعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاستَقبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ- القِبلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيهِ فَجَعَلَ يَهتِفُ بِرَبِّهِ: اللَّهُمَّ أَنجِز لِي مَا وَعَدتَنِي! اللَّهُمَّ آتِني مَا وَعَدتَنِي، اللَّهُمَّ إنك إِن تُهلِك هَذِهِ العِصَابَةَ مِن أَهلِ الإِسلَامِ لَا تُعبَد فِي الأَرضِ.\nــ\n(١٣) ومن باب: الإمام مُخيَّر في الأسارى\n(بدر): اسم بئر لرجل يقال له: بدر، فسُمِّي البئر به. قاله الشافعي.\nوقوله: (وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وسبعة عشر)؛ هذه رواية شاذّة، والمشهور بين أهل التواريخ: أن جميع من شهد بدرًا مع من ضرب له رسول الله - ﷺ - بسهمه وأجره في عدد ابن إسحاق: ثلاثمائة وأربعة عشر. وفي عدد موسى بن عقبة: ثلاثمائة وستة عشر.\nوقوله: (فجعل يهتف بربه)؛ أي: يرفع صوته. يقال: هتف يهتف: إذا رفع صوته بدعاء أو غيره.\nوقوله: (اللهم أنجز لي ما وعدتني)؛ أي: عجِّل لي ما وعدتني من النصر، وكأنه - ﷺ - لم يبين له وقت نصره، فطلب تعجيله.\nوقوله: (اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض)؛ العصابة: الجماعة من الناس. واعصَوصَب القوم: صاروا عصابة،","vol":"3","page":572},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوعصب القوم بفلان؛ أي: أحاطوا به، ومنه سُميت قرابة الرَّجل: عصبة (١). وقد أشكل هذا الحديث على طوائف من العلماء. ووجه الإشكال: أنه - ﷺ - أشار إلى أصحابه من أهل بدر، مع أنه قد كان قد انتشر الإسلام بمكة والمدينة، وكثر أهله في مواضع كثيرة، بحيث يكون أهل بدر بالنسبة إليهم قليلًا، وعلى هذا تقدير هلاك هؤلاء المشار إليهم، فيبقى من كان من المسلمين بالمدينة ومكة وغيرهما من المواضع التي أسلم أهلها. ولو لم يكن في الوجود مسلم غير أهل بدر تقديرًا، ففي الإمكان إيجاد قوم آخرين يعبدون الله، والقدرة صالحة لذلك، كما قال تعالى: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوا يَستَبدِل قَومًا غَيرَكُم ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمثَالَكُم﴾ وإذا كانت قدرة الله صالحة لهذا، فمن أين يجزم بذلك؟ ومن أين يلزم من هلاك هؤلاء عدم عبادة الله تعالى في الأرض؟\nوقد رسخ هذا الإشكال عند بعض المتشدِّقين وقال: إنها بادرة بدرت من رسول الله - ﷺ -، وقدَّر معاتبةً له من الله تعالى على ذلك في كلام تفاصح فيه، فعدّ ذلك من زلَاّت هذا القائل؛ إذ قد جهل من حال رسول الله - ﷺ - ما نزهه الله عنه بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى﴾ وقد قال حين قال له عبد الله بن عمرو: أنكتب عنك في السخط والرضا (٢)؟ قال: (نعم، لا ينبغي لي أن أقول إلَاّ حقًّا) (٣).\nوقد انفصل أهل التحقيق عن ذلك بأوجهٍ:\nأحدها: أنه يحتمل أن يكون قال ذلك عن وحي أوحي إليه بذلك، فمن الجائز أن يكون: لو هلكت تلك العصابة في ذلك الوقت على يدي عدوهم؛ أن\n_________\n(١) في (ع) و(ج) و(هـ): عصابة.\n(٢) ساقط من (ع) و(ج).\n(٣) رواه أحمد (٢/ ٢٠٧ و٢١٥)، وأبو داود (٣٦٤٦).","vol":"3","page":573},{"text":"فَمَا زَالَ يَهتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيهِ مُستَقبِلَ القِبلَةِ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَن مَنكِبَيهِ،\nــ\nيفتتن غيرهم، فلا يبقى على الأرض مسلم يعبد الله، ثم لا يبعث نبي آخر، وتنقطع العبادة.\nوثانيها: أن هذا اللفظ وهم من بعض الرُّواة في حديث عُمَر؛ إذ قد روي هذا الحديث من جهات متعددة من حديث أنس وابن عباس، وليس فيها هذا اللفظ، وإنما فيها: (اللهم إنك إن تشأ لا تعبد في الأرض) (١).\nوثالثها: أن هذه العصابة ليس المراد بها الحاضرين في بدر فقط، بل المسلمين كلهم في المدينة وغيرها. وسماهم عصابة بالنسبة إلى كثرة عدوهم، كما قال - ﷺ -: (عُصيبة من المسلمين يفتتحون البيت الأبيض، بيت كسرى) (٢). فقلّلهم بالنسبة إلى عدوهم، فكأنه - ﷺ - لما علم أنه لا نبي بعده، وقدَّر في نفسه الهلاك عليه وعلى كل من آمن به، ونظر إلى سنة الله في العبادة التي لا تُتلقّى إلا من جهة الأنبياء، لزم من ذلك نفي العبادة جزمًا، والله تعالى أعلم. وهذا أحسن الأوجه، وأولاها.\nوقوله: (فما زال يهتف بربه، مادًّا يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه)؛ هذا منه - ﷺ - قيام بوظيفة ذلك الوقت من الدُّعاء والالتجاء إلى الله تعالى، وتعليم لأمته ما يلجؤون إليه عند الشدائد والكرب الواقعة بهم، فإن ذلك الوقت كان وقت اضطرار وشدة، وقد وعد الله المضطر بالإجابة، حيث قال: ﴿أَمَّن يُجِيبُ المُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكشِفُ السُّوءَ﴾؛ يعني: عن المضطر عند الدُّعاء، فقام بعبادة ذلك الوقت، ولا يلزم من اجتهاده في الدعاء في ذلك الوقت أن يكون ارتاب في: أن الله سينجز له ما وعده به، كما ظهر مما وقع لأبي بكر\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ١٥٢)، ومسلم (١٣٦٣).\n(٢) رواه مسلم (١٨٢٢ و٢٩١٩).","vol":"3","page":574},{"text":"فَأَتَاهُ أَبُو بَكرٍ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلقَاهُ عَلَى مَنكِبَيهِ، ثُمَّ التَزَمَهُ مِن وَرَائِهِ\nــ\n﵁؛ حيث قال له: (كفاك مناشدتك ربك؛ فإنه سينجز لك ما وعدك). كما لا يلزم من دعائه في أن يدخله الله الجنة، وينجيه من النار، ويغفر له ذنوبه أن يكون في شك من شيء من ذلك، فإن الله قد أعلمه قطعًا أنه يدخله الجنة وينجيه من النار، ويغفر له (١)، لكنه قام بحق العبودية من إظهار الفاقة، وامتثال العبادة؛ فإن الدعاء مخ العبادة، فقلبه - ﷺ - مستغرق بمعرفة الواعد، وإنجاز الموعود، ولسانه وجوارحه مستغرقة بالقيام بحق عبادة المعبود، فقام في كل جارحة بوظيفتها، ولكل عبادة بحقيقتها.\nوسقوط ردائه - ﷺ - عن منكبيه أوجبه غيبته عن ظاهره بما وجده في باطنه. وردُّ أبي بكر ﵁ رداء رسول الله - ﷺ - على منكبيه بعد سقوطه أوجبه؛ مراعاة أبي بكر ﵁ أحوال رسول الله - ﷺ - حتى تنحفظ عليه محاسن آدابه والتزامه إيَّاه، وتثبيته له بما قاله له؛ أوجبه فرط محبته، وشفقته، وقصرُ نظره على ظاهره، مع ذهوله عما استغرقه من ذلك عن الالتفات إلى ما ذكرناه من المعاني والأسرار التي لاحت للنبي - ﷺ - في باطنه.\nولا يظن أحدٌ أن أبا بكر ﵁ كان في تلك الحالة أقوى من النبي - ﷺ - وأوثق بما وعده الله به من النصر، فإن ذلك ظن من لا يعرف محمدا - ﷺ - حق معرفته، ولا قدره حق قدره. وكيف يصير إلى غير هذا المعنى من سمع قوله في الغار ويوم سراقة: لَا تَحزَن إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا، وكيف يظن ذلك من يعلم أن رسول الله - ﷺ - سيد ولد آدم، وأكملهم وأقواهم، ولو وزن بجميع أمته لرجحهم؟ وبلا شك أن الأنبياء أفضل الناس، وأعلمهم بالله وبحدوده. ولا شك في: أنه - ﷺ - أفضل الأنبياء وأكملهم. وإذا كانت هذه حاله مع\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع) و(ز).","vol":"3","page":575},{"text":"وَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنجِزُ لك مَا وَعَدَكَ، فَأَنزَلَ اللَّهُ تعالى: ﴿إِذ تَستَغِيثُونَ رَبَّكُم فَاستَجَابَ لَكُم أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُردِفِينَ﴾\nــ\nالأنبياء، فحاله مع من ليس بنبي أعلى وأكمل، وهو فيها أقوى. وكيف لا يكون حاله في هذه القصة أتم، وأقوى من حال أبي بكر؛ وقبل ذلك الوقت بيسير كان قد أخبر أصحابه: بأن الله ينصره على عدوه ذلك، حتى (١) أراهم مصارعَهُم واحدًا واحدًا باسمه وعينه، فكان الأمر كما ذكر، فثبت ما قلناه.\nوقوله: (كفاك مناشدتك ربك)؛ هكذا رواية العذري: (كفاك) -بالفاء- ورواية الكافة: (كذاك مناشدتك ربك). ورواه البخاري: (حسبك). وكلها متقاربة، إلا أن: (كذاك)، بابها باب الإغراء، كـ (إليك)، كما أنشدوا:\nيقلن وقد تلاحقت المطايا ... كذاك القول إنَّ عليك عينًا\nوالرواية: (مناشدتك) بالرفع على أنه فاعل ما في كفاك، وكذاك من معنى الفعل. وقد ضبط عن أبي بحر بالنصب على المفعول، ويكون الفاعل مضمرًا في الأمر المقدَّر الذي ناب (كذاك) عنه.\nوقوله تعالى: ﴿إِذ تَستَغِيثُونَ رَبَّكُم﴾؛ أي: تطلبون منه الغوث، وهو النصر: ﴿فَاستَجَابَ لَكُم﴾؛ أي: أجاب. ﴿مُمِدُّكُم﴾: مقوِّيكم ومعينكم. ﴿مُردِفِينَ﴾ - بفتح الدال - اسم مفعول؛ أي: أردف الله بهم المسلمين. وبكسر الدال: اسم فاعل. قال أبو علي: يحتمل وجهين:\nأحدهما: مردفين مثلهم. يقال: أردفت زيدًا دابتي، فيكون المفعول الثاني محذوفًا.\n_________\n(١) في (ع): حيث.","vol":"3","page":576},{"text":"فَأَمَدَّهُ اللَّهُ بِالمَلَائِكَةِ. قَالَ أَبُو زُمَيلٍ: فَحَدَّثَنِي ابنُ عَبَّاسٍ قَالَ: بَينَمَا رَجُلٌ مِن المُسلِمِينَ يَومَئِذٍ يَشتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِن المُشرِكِينَ أَمَامَهُ، إِذ سَمِعَ ضَربَةً بِالسَّوطِ فَوقَهُ، وَصَوتَ الفَارِسِ يَقُولُ: اقدِم حَيزُومُ، إذ نَظَرَ إِلَى المُشرِكِ أَمَامَهُ فَخَرَّ مُستَلقِيًا، فَنَظَرَ إِلَيهِ فَإِذَا هُوَ قَد خُطِمَ أَنفُهُ، وَشُقَّ وَجهُهُ كَضَربَةِ السَّوطِ، فَاخضَرَّ ذَلِكَ أَجمَعُ، فَجَاءَ الأَنصَارِيُّ فَحَدَّثَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: صَدَقتَ، ذَلِكَ مِن مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ. فَقَتَلُوا يَومَئِذٍ سَبعِينَ، وَأَسَرُوا سَبعِينَ، قَالَ أَبُو زُمَيلٍ: قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: فَلَمَّا أَسَرُوا الأُسَارَى، قَالَ\nــ\nوالثاني: أن يكون المعنى: جاءوا بعدكم. تقول العرب: بنو فلان مردفونا؛ أي: يجيئون بعدنا.\n﴿مِن فَورِهِم﴾: وجهتهم وحينهم. و﴿مُسَوِّمِينَ﴾ - بفتح الواو -: اسم مفعول؛ أي: معلمين، من السِّيما، وهي العلامة؛ أي: قد علّموا بعلامة. وبكسر الواو: اسم فاعل؛ أي: علّموا أذناب خيلهم بصوف أبيض، وقيل: أنفسهم بعمائم صفر.\nوقوله: (اقدم حيزوم)؛ ضبط عن أبي بحر بضم الدال من: (أقدَم)، فيكون من القدوم، بمعنى التقدم، كقوله تعالى في فرعون: ﴿يَقدُمُ قَومَهُ يَومَ القِيَامَةِ﴾؛ أي: يتقدمهم إلى النار. وقاله ابن دريد بقطع الألف، وكسر الدال، من الإقدام. وعند الجمهور: (حيزوم) بالميم، وهو اسم ملك. وفي رواية العذري: (حيزون) بالنون، والأول المعروف.\nو(خطم أنفه)؛ أي: أثر فيه أثرًا كالخطام، وهو الزمام، إلا أنَّه أرق منه، والخطم والخرطوم: الأنف.\nوقوله: (ذلك من مدد السماء الثالثة)؛ أي: من ملائكة السَّماء الثالثة التي أمدوا بهم. وهذا يدل على أنهم كانوا أمدوا بملائكة من كل سماء. ويدل هذا الخبر على أن الملائكة قاتلت يومئذ، وهو قول أكثر أهل العلم.","vol":"3","page":577},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِأَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ: مَا تَرَونَ فِي هَؤُلَاءِ الأُسَارَى؟ . فَقَالَ أَبُو بَكرٍ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! هُم بَنُو العَمِّ وَالعَشِيرَةِ، أَرَى أَن تَأخُذَ مِنهُم فِديَةً، فَتَكُونُ لَنَا قُوَّةً عَلَى الكُفَّارِ، فَعَسَى اللَّهُ أَن يَهدِيَهُم لِلإِسلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِﷺ-: مَا تَرَى يَا بنَ الخَطَّابِ؟ . قُلتُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ!\nــ\nوقوله - ﷺ - لأصحابه: (ما ترون في هؤلاء الأسارى)؛ يدل على أنه - ﷺ - ما كان أوحي إليه في أمرهم بشيء، فاستشارهم لينظروا في ذلك بالنظر الأصلح، فاختلف نظر أبي بكر وعمر. فمال أبو بكر إلى الإبقاء طمعًا في إسلامهم، وإلى الفداء ليكون ذلك قوة عليهم. ومال عمر إلى القتل محقًا للكفر، وقصاصًا منهم، وردعًا لأهله، فمال رسول الله - ﷺ - إلى ما قال أبو بكر على مقتضى رأفته ورحمته بالمؤمنين؛ ليتقووا على عدوهم، وعلى مقتضى حرصه على إيمان من أسر منهم. وكل من النظرين له أصول تشهد بصحته، بل نقول: إن نظر أبي بكر يشهد لصحته قضية سرية عبد الله بن جحش، وكانت قبل بدر بنحو ثلاثة أشهر، قتل فيها ابن الحضرمي، وأسر عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان، وأخذوا عيرهم، وقدموا على رسول الله - ﷺ -، فقبل فداء الأسيرين. ولما عظم على الناس قتل ابن الحضرمي في الشهر الحرام، سألوا النبي - ﷺ - عن ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسأَلُونَكَ عَنِ الشَّهرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُل قِتَالٌ فِيهِ﴾ (١) وسوَّغ الله لهم الفداء، فكان ذلك دليلًا على صحة ما اختاره أبو بكر، وكذلك مال إليه رسول الله - ﷺ - وهويَه (٢). وعند هذا يشكل ما جاء في آخر هذا الحديث من عتب الله لنبيه - ﷺ - بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسرَى حَتَّى يُثخِنَ فِي الأَرضِ﴾ وبقوله - ﷺ -: (لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة) (٣).\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٢) في (هـ) و(م): وصوَّبه.\n(٣) هو حديث الباب.","vol":"3","page":578},{"text":"مَا أَرَى الَّذِي رَأَى أَبُو بَكرٍ، وَلَكِنِّي أَرَى أَن تُمَكِّنَّا فَنَضرِبَ أَعنَاقَهُم، فَتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِن عَقِيلٍ، فَيَضرِبَ عُنُقَهُ، وَتُمَكِّنِّي مِن فُلَانٍ (نَسِيبٍ لِعُمَرَ) فَأَضرِبَ عُنُقَهُ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الكُفرِ وَصَنَادِيدُهَا. فَهَوِيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَا قَالَ أَبُو بَكرٍ، وَلَم يَهوَ مَا قُلتُ، فَلَمَّا كَانَ مِن الغَدِ جِئتُ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَبُو بَكرٍ قَاعِدَينِ يَبكِيَانِ، فقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَخبِرنِي مِن أَيِّ شَيءٍ تَبكِي أَنتَ وَصَاحِبُكَ؟ فَإِن وَجَدتُ بُكَاءً بَكَيتُ، وَإِن لَم أَجِد تَبَاكَيتُ لِبُكَائِكُمَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِﷺ-: أَبكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصحَابُكَ مِن أَخذِهِم الفِدَاءَ،\nــ\nووجه هذا الإشكال: أن هذا الاجتهاد الذي صدر من أبي بكر، ووافقه عليه رسول الله - ﷺ - إما أن يكون الله قد سوَّغه لهم أو لا. فإن كان الأول، فكيف يعاتبون، ويتوعدون على ما سوّغ لهم؟ وإن لم يكن مسوَّغًا، فكيف أقدموا عليه، لا سيما النبي - ﷺ - الذي قد برأ الله نطقه عن الهوى، واجتهاده عن الخطأ؟ ! ولما أشكل هذا اختلفت أجوبة العلماء عنه، فقيل فيه أقوال:\nأحدها: أنهم أقدموا عليه لأنه أمر مصلحي دنيوي، والأمور المصلحية الإقدام عليها مسوّغ، ولا بعد في العتب على ترك المصلحة الراجحة وإن كانت دنيوية. وهذا فاسد من وجهين:\nأحدهما: أن هذا الاجتهاد منهم إنما كان في أمر شرعي حكمي؛ لأنه يقتضي سفك دماء، واستباحة أموال، وإرقاق أحرار، وهذه لا تستباح إلا بالشرع.\nوثانيهما: أن العتب الشرعي لا يتوجه على ترك مصلحة دنيوية لا يتعلق بها مقصود شرعي، كما لم يتوجه على النبي - ﷺ - عتب في قضية إبار النخل، وإن كان عدلَ فيه عن المصلحة الدنيوية الراجحة، وهذا من نوع الأول.\nالثاني: إنما عوتبوا؛ لأن قضية بدر عظيمة الموقع، والتصرف في صناديد قريش وساداتهم وأموالهم بالقتل، والاسترقاق، والتملك، ذلك كله عظيم الموقع، فكان حقهم أن ينتظروا الوحي، ولا يستعجلوا، فلما استعجلوا، ولم ينتظروا توجه","vol":"3","page":579},{"text":"ولَقَد عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُم أَدنَى مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ. (شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِن نَبِيِّ اللَّهِ -ﷺ-) وَأَنزَلَ اللَّهُ تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسرَى حَتَّى يُثخِنَ فِي الأَرضِ﴾ إِلَى قَولِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمتُم حَلالا طَيِّبًا﴾ فَأَحَلَّ اللَّهُ الغَنِيمَةَ لَهُم.\nــ\nعليهم ما توجه. وهذا أيضًا فاسد؛ لأنه يلزم منه أن يكونوا أقدموا على ما لا يجوز لهم شرعًا، ووافقهم على ذلك النبي - ﷺ -. وكل ذلك عليهم مُحال بما قدّمناه من وجوب عصمة النبي - ﷺ - عن الخطأ في الشريعة ومن ظهور الأدلة (١) المرجحة (٢) بما قدمناه.\nالثالث: أن ذلك إنما توجه على من أراد بفعله عرض الدنيا، ولم يرد الدِّين، ولا الدَّار الآخرة. بدليل قوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ ولم يكن النبي - ﷺ -، ولا أبو بكر، ولا من نحا نحوهما ممن يريد عرض الدنيا، فالوعيد والتوبيخ متوجهان إلى غيرهم ممن أراد ذلك. وهذا أحسنها. والله تعالى أعلم.\nوبكاء النبي - ﷺ - وأبي بكر لم يكن لأنهما دخلا فيمن توعد بالعذاب، بل شفقة على غيرهما ممن توعد بذلك؛ بدليل قوله - ﷺ -: (أبكي للذي عرض عليّ أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة)، لا سيما وقد أوحي إليه: أنه يقتل منهم عامًا قابلًا مثلهم (٣). فبكى رسول الله - ﷺ - لذلك.\nوأما قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسرَى حَتَّى يُثخِنَ فِي الأَرضِ﴾ فليس بتوبيخ، ولا ذم، وإنما هو من باب التنبيه على أن القتل كان\n_________\n(١) في (ز): الأمور.\n(٢) في (ج): الراجحة.\n(٣) في هذا إشارة إلى ما حصل في غزوة أُحُد بالنسبة للصحابة -رضوان الله عليهم-.","vol":"3","page":580},{"text":"رواه أحمد (١/ ٣٠)، ومسلم (١٧٦٣)، وأبو داود (٢٦٩٠)، والترمذي (٣٠٨١).\n[١٢٨٠] وعن أَنَس بن مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِﷺ-: مَن يَنظُرُ لَنَا مَا صَنَعَ أَبُو جَهلٍ؟ . فَانطَلَقَ ابنُ مَسعُودٍ، فَوَجَدَهُ قَد ضَرَبَهُ ابنَا عَفرَاءَ،\nــ\nالأولى، والأردع، مع أنه ما كان الله تعالى تقدَّم له في ذلك بشيء، كما قررناه. وهذا من باب قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُم﴾ فقدَّم العفو على المعاتبة؛ إذ لم يتقدَّم له في إذنهم بشيء، والله تعالى أعلم.\nو(الإثخان): إكثار القتل، والمبالغة فيه، ومنه الثخانة في الثوب، وهي: غلظه وكثرة سداه.\nو(الأسرى): جمع أسير، وأصل الأسر: الشدّ والرَّبط. وقرأ أبو جعفر: (أسارى). قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: أسارى، وأهل نجد يقولون: أسرى في أكثر كلامهم، وهو أصوبها في العربية؛ لأنه بمنزلة: جريح، وجرحى. قال الزجاج: فعلى: جمع لكل ما أصيب به الناس في أبدانهم، وعقولهم. يقال: هالك وهلكى، ومريض ومرضى. ومن قرأ: أُسَارَى فهو جمع الجمع؛ لأن جمع أسير: أسرى. وجمع أسرى: أسارى. قال أبو عمرو: أسارى في القدّ (١)، وأسرى في اليد (٢). ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ في قهر الأعداء ﴿حَكِيمٌ﴾ في عتاب الأولياء.\nوقوله تعالى: ﴿لَولا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾، فيها أربعة أقوال:\nأحدها: لولا أنه سبق في أم الكتاب: أنه سيحل لهم الغنائم والفداء؛ قاله ابن عباس.\n_________\n(١) \"القِدّ\": سُيُورٌ تُقَدُّ من جلْد فَطِير غير مدبوغ، فتشدُّ بها الأقتاب والمحامل.\n(٢) جاء في تفسير القرطبي (٨/ ٤٥): قال أبو عمرو بن العلاء: الأسرى هم غير الموثقين عندما يُؤخذون. والأُسارى: هم الموثقون ربطًا.","vol":"3","page":581},{"text":"حَتَّى بَرَدَ، قَالَ: فَأَخَذَ بِلِحيَتِهِ، فَقَالَ: أنتَ أَبُو جَهلٍ؟ فَقَالَ: وَهَل فَوقَ رَجُلٍ قَتَلتُمُوهُ! أَو قَالَ: قَتَلَهُ قَومُهُ.\nزَادَ فِي رِوَايَةٍ: فَلَو غَيرُ أَكَّارٍ قَتَلَنِي.\nرواه أحمد (٣/ ١١٥)، والبخاري (٣٩٦٢)، ومسلم (١٨٠٠) (١١٨).\n* * *\nــ\nالثاني: لولا ما سبق لأهل بدر من أنه لا يعذبهم؛ قاله الحسن.\nالثالث: لولا ما سبق من أنه لا يعذب من غير أن يتقدَّم بالإنذار؛ قاله ابن إسحاق.\nالرابع: لولا ما سبق من أنه يغفر لمن عمل الخطايا ممن تاب؛ قاله الزجاج.\nفيتخرَّج على هذه الأقوال في (الكِتَابُ) قولان:\nأحدهما: أنه كتاب مكتوب.\nوالثاني: أنه قضاء مقضي.\nوقد أفاد هذا الحديث: أن الإمام مخير في الأسارى بين الفداء، والقتل، والمن، فإنه قتل منهم، وفدى، ومَنَّ. وقد سوَّغ الله تعالى فيهم (١) كل ذلك. وقد استوفينا هذا المعنى فيما تقدَّم.\nوقول أبي جهل: (لو غير أكّارٍ قتلني)؛ الأكّار: الزرّاع، يغض ممن قتله كبرًا وأنفة، ويتمنى أن لو كان قتله على يدي أعظم منهم.\nو(برد) بمعنى: سكن.\nوقوله: (وهل فوق رجل قتلتموه)؛ أي: لا أعظم منه! وفي بعض طرق هذا\n_________\n(١) في (ع) و(ج): لهم.","vol":"3","page":582},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-467>(١٤) باب في المن على الأسارى</span>\n[١٢٨١] عن أبي هُرَيرَةَ قالُ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- خَيلًا قِبَلَ نَجدٍ فَجَاءَت بِرَجُلٍ مِن بَنِي حَنِيفَةَ، يُقَالَ لَهُ: ثُمَامَةُ بنُ أُثَالٍ، سَيِّدُ أَهلِ اليَمَامَةِ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِن سَوَارِي المَسجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: مَاذَا\nــ\nالحديث: وهل أعمدُ من رجل قتله قومه؛ أي: أعظم سؤددًا. وعميد القوم: سيدهم؛ لأنهم يعتمدون عليه في أمورهم.\nوهذا الحديث يدل على أن ابني عفراء قتلا أبا جهل؛ أي: أنفذا مقاتله، وأن عبد الله بن مسعود أجهز عليه. وفي كتاب أبي داود: أن ابن مسعود قتله، ونفله رسول الله - ﷺ - سيفه؛ ويعني بذلك أنه أجهز عليه. وعلى هذا: يرتفع التناقض بين هذه الأحاديث. والله أعلم.\n(١٤) ومن باب: المن على الأسارى\n(النَّج): المرتفع من الأرض، والغور: ما انخفض منها. و(أثال): أبو ثمامة - بضم الهمزة فيما أعلم -.\nوقوله: (فربطوه بسارية من سواري المسجد)؛ بهذا تمسَّك الشافعي على جواز الكفار المساجد، واستثنى من ذلك مسجد مكة وحرمها. وخص أبو حنيفة هذا الحكم بأهل الكتاب لا غير. ومنع مالك ﵀ دخول الكفار جميع المساجد والحرم. وهو قول عمر بن عبد العزيز، وقتادة، والمزني. ويستدل لهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المُشرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقرَبُوا المَسجِدَ الحَرَامَ﴾ ووجه التمسّك بها: أنه نبَّه على أن منعهم دخول المسجد الحرام إنما كان","vol":"3","page":583},{"text":"عِندَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ . فَقَالَ: عِندِي يَا مُحَمَّدُ خَيرٌ، إِن تَقتُل تَقتُل ذَا دَمٍ، وَإِن تُنعِم تُنعِم عَلَى شَاكِرٍ، وَإِن كُنتَ تُرِيدُ المَالَ فَسَل تُعطَ مِنهُ مَا شِئتَ، فَتَرَكَهُ\nــ\nلنجاستهم، وهذا يقتضي تنزيه المساجد عنهم، كما تنزه عن سائر الأنجاس.\nوالشافعي يحمل النجس هنا على عين المشرك. ومالك يحمله على أنه نجس بما يخالطه من النجاسة؛ إذ كان لا ينفك عنها، ولا يتحرز منها، وبقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرفَعَ وَيُذكَرَ فِيهَا اسمُهُ﴾ ودخول الكفار فيها مناقض لترفيعها، وبقوله - ﷺ -: (إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من البول والقذر) (١).\nوالكافر لا يخلو عن ذلك. وبقوله - ﷺ -: (لا أحل المسجد لحائض، ولا جنب) (٢). والكافر جنب.\nوإن كانت امرأة فعليها الغسل من الحيض، لا سيما إذا قلنا: إنهم مخاطبون بالفروع. وقد اعتذر أصحابنا عن حديث ثمامة بأوجه:\nأحدها: أن ذلك كان متقدَّمًا على قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المُشرِكُونَ نَجَسٌ﴾ وهذا يحتاج إلى تحقيق نقل التواريخ.\nوثانيها: أن النبي - ﷺ - كان قد علم بإسلامه. وهذا فيه بُعد؛ فإنه نص في الحديث على أنه إنما أسلم بعد أن منَّ عليه، وأطلقه، ثم إنه رجع فأسلم.\nوثالثها: أن هذه قضية في عين، فلا ينبغي أن ترفع بها الأدلة التي ذكرناها آنفًا؛ لكونها مفيدة حكم القاعدة الكلية. ويمكن أن يقال: إن النبي - ﷺ - إنما ربط ثمامة في المسجد لينظر حسن صلاة المسلمين، واجتماعهم عليها، وحسن آدابهم في جلوسهم في المسجد، فيأنسَّ بذلك ويسلم، وكذلك كان. ويمكن أن يقال: إنهم لم يكن لهم موضع يربطونه فيه إلا في المسجد. والله تعالى أعلم.\nوقوله: (إن تقتل تقتل ذا دم)؛ هو بالدال المهملة؛ ويعني به: إنه ممن يشتفى\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٩١)، ومسلم (٢٣٧).\n(٢) رواه أبو داود (٢٣٢)، وابن ماجه (٦٤٥).","vol":"3","page":584},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى كَانَ الغَدِ ثم قَالَ له: مَا عِندَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ . قَالَ: مَا قُلتُ لَكَ: إِن تُنعِم تُنعِم عَلَى شَاكِرٍ، وَإِن تَقتُل تَقتُل ذَا دَمٍ، وَإِن كُنتَ تُرِيدُ المَالَ فَسَل تُعطَ مِنهُ مَا شِئتَ. فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى كَانَ بعد الغَدِ فَقَالَ: مَا عِندَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ . فَقَالَ: ما قُلتُ لَكَ: إِن تُنعِم تُنعِم عَلَى شَاكِرٍ، وَإِن تَقتُل تَقتُل ذَا دَمٍ، وَإِن كُنتَ تُرِيدُ المَالَ فَسَل تُعطَ مِنهُ مَا شِئتَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِﷺ-: أَطلِقُوا ثُمَامَةَ. فَانطَلَقَ إِلَى نَخلٍ قَرِيبٍ مِن المَسجِدِ فَاغتَسَلَ، ثُمَّ دَخَلَ المَسجِدَ فَقَالَ: أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا\nــ\nبدمه؛ لأنه كبير في قومه، وقد سمعت من بعض النقلة أنه يقوله بالذال المعجمة، وفسَّره بالعيب، وليس بشيء في المعنى، ولا صحيح في الرواية، وهو تصحيف. ولو أراد به العيب لقال: ذامٍ، بألف، كما في المثل: لا تعدم الحسناء ذامًا؛ أي: عيبًا.\nوقوله - ﷺ -: (أطلقوا ثمامة)؛ دليل على جواز المنّ على الأسارى، كما قدّمناه.\nوقوله: (فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد)؛ هذا يدل: على أن غسل الكافر كان عندهم مشروعًا، معمولًا به، معروفًا. ألا ترى أنه لم يحتج في ذلك إلى من يأمره بالغسل، ولا لمن ينبهه عليه؟ !\nوقد ورد الأمر به من النبي - ﷺ - من حديث ابن عمر: أن قيس بن عاصم أسلم، فأمره النبي - ﷺ - أن يغتسل (١). وبه تمسك من قال: بوجوب الغسل على الكافر إذا أسلم. وهو قول أحمد، وأبي ثور. وأما مالك فقال في المشهور عنه: إنه إنما يغتسل لكونه جنبًا. ومن أصحابه من قال: يغتسل للنظافة. وقال بسقوط الوجوب الشافعي. وقال: أحبّ إلي أن يغتسل. ونحوه لابن القاسم. ولمالك أيضًا قول: إنه لا يعرف\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٥٥)، والترمذي (٦٠٥)، والنسائي (١/ ١٠٩).","vol":"3","page":585},{"text":"عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، يَا مُحَمَّدُ، وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الأَرضِ وَجهٌ أَبغَضَ إِلَيَّ مِن وَجهِكَ، فَقَد أَصبَحَ وَجهُكَ أَحَبَّ الوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِن دِينٍ أَبغَضَ إِلَيَّ مِن دِينِكَ، فَأَصبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ كُلِّهِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِن بَلَدٍ أَبغَضَ إِلَيَّ مِن بَلَدِكَ، فَأَصبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ البِلَادِ كُلِّهَا إِلَيَّ، وَإِنَّ خَيلَكَ أَخَذَتنِي وَأَنَا أُرِيدُ العُمرَةَ، فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِﷺ-، وَأَمَرَهُ أَن يَعتَمِرَ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لَهُ قَائِلٌ: أَصَبَوتَ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أَسلَمتُ مَعَ\nــ\nالغسل. رواه عنه ابن وهب، وابن أبي أويس. والرواية الصحيحة في البخاري ومسلم: نخل - بالخاء المعجمة -، وقال بعضهم: صوابه: بالجيم، وهو الماء المنثعب (١)، وقيل: الجاري. وقال ابن دريد: النجل: هو أول ما ينبعث من البئر إذا جرت. واستنجل الوادي؛ إذا ظهر ماؤه.\nوقوله: (إن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فبشره، وأمره أن يعتمر)؛ لا يفهم منه: أنه لما أراد أن يعتمر وهو في الجاهلية أن ذلك لزمه، فأمره النبي - ﷺ - بإتمامه؛ لأنه لم يصر أحدٌ من المسلمين إلى أن إرادة فعل القربة يلزمها من غير التزام بالنذر، ولا شروع في العمل، بل ولو التزم، وشرع لم يلزمه ذلك في حالة كفره؛ لأنا وإن قلنا: إنه مخاطب بالفروع، فلا يتأتى منه قصد الالتزام، ولا يصح منه الشروع! إذ لم يفعل ذلك على وجه شرعي، بل هو فاسد لعدم شروطه، لا سيما إذا كان ممن يحتاج إلى نية القربة، وإنما أمره النبي - ﷺ - أن ينشئ عمرة مبتدأة، ليحرز فيها له الأجر، وليغيظ بإسلامه كفار قريش، فإن الرجل كان عظيمًا في قومه وغيرهم، ولذلك لما قدم مكة أظهر إسلامه، ولم يبال بهم، بل أخبرهم بما ناقضهم به، وأغاظهم؛ وهو قوله: (والله! لا تأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى\n_________\n(١) ثعبَ الماءَ والدمَ: فجَّره فسال. وفي (م) و(هـ): المنسعب، وفي القاموس: انسعب الماء: سال.","vol":"3","page":586},{"text":"رَسُولِ اللَّهِﷺ-، وَلَا وَاللَّهِ لَا تَأتِيكُم مِن اليَمَامَةِ حَبَّةُ حِنطَةٍ حَتَّى يَأذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِﷺ-.\nرواه أحمد (٢/ ٤٥٢)، والبخاري (٤٦٢)، ومسلم (١٧٦٤) (٥٩)، وأبو داود (٢٦٧٩)، والنسائي (١/ ١١٠).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-468>(١٥) باب إجلاء اليهود والنصارى من المدينة ومن جزيرة العرب</span>\n[١٢٨٢] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: بَينَا نَحنُ فِي المَسجِدِ، إِذ خَرَجَ إِلَينَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: انطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ. فَخَرَجنَا مَعَهُ حَتَّى جِئنَاهُم، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَنَادَاهُم فَقَالَ: يَا مَعشَرَ يَهُودَ، أَسلِمُوا تَسلَمُوا. فَقَالَوا: قَد بَلَّغتَ يَا أَبَا القَاسِمِ! فَقَالَ لَهُم رَسُولُ اللَّهِﷺ-: ذَلِكَ أُرِيدُ، أَسلِمُوا\nــ\nيأذن فيها رسول اللهﷺ-). وأيضًا: فما كانت العمرة والحج في ذلك الوقت مشروعين، بل شرعا بعد ذلك. والله تعالى أعلم.\n(١٥) ومن باب: إجلاء اليهود والنصارى من المدينة ومن جزيرة العرب\nقوله: (أسلموا تسلموا)؛ أي: ادخلوا في دين الإسلام طائعين تسلموا من القتل والسباء مأجورين. وفيه دليل على استعمال التجنيس، وهو من أنواع البلاغة.","vol":"3","page":587},{"text":"تَسلَمُوا. فَقَالَوا: قَد بَلَّغتَ يَا أَبَا القَاسِمِ؟ فَقَالَ لَهُم رَسُولُ اللَّهِﷺ-: ذَلِكَ أُرِيدُ. ثم قَالَ لَهُم الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: اعلَمُوا أَنَّمَا الأَرضُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنِّي أُرِيدُ أَن أُجلِيَكُم مِن هَذِهِ الأَرضِ، فَمَن وَجَدَ مِنكُم بِمَالِهِ شَيئًا فَليَبِعهُ، وَإِلَّا فَاعلَمُوا أَنَّ الأَرضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ.\nرواه البخاري (٦٩٤٤)، ومسلم (١٧٦٥).\n[١٢٨٣] وعَن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ وَقُرَيظَةَ حَارَبُوا رَسُولَ اللَّهِﷺ-، فَأَجلَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَنِي النَّضِيرِ، وَأَقَرَّ قُرَيظَةَ، وَمَنَّ عَلَيهِم حَتَّى حَارَبَت قُرَيظَةُ بَعدَ ذَلِكَ، فَقَتَلَ رِجَالَهُم، وَقَسَمَ نِسَاءَهُم وَأَولَادَهُم\nــ\nوقولهم: (قد بلّغت يا أبا القاسم)؛ كلمة مكرٍ ومداجاة (١) ليدافعوه بما يوهمه ظاهرها، وذلك: أن ظاهرها يقتضي أنه قد بلّغ رسالة ربَّه تعالى؛ ولذلك قال لهم رسول الله -ﷺ-: (ذلك أريد)؛ أي: التبليغ. قالوا ذلك وقلوبهم منكرة مكذبة. ويحتمل أن يكونوا قالوا ذلك خوفًا منه، وطيبة له. والله تعالى أعلم.\nوقوله: (اعلموا: أن الأرض لله ولرسوله)؛ يعني: ملكًا وحكمًا. ويعني بها: أرضهم التي كانوا فيها، أعلمهم بهذه اللفظة: أنه يجليهم منها، ولا يتركهم فيها، وأن ذلك حكم الله فيهم.\nوقوله: (من كان له مال فليبعه)؛ دليل على أنهم كان لهم عهد على نفوسهم وأموالهم، لا على المقام في أرضهم، ولذلك أجلاهم منها. وهؤلاء هم يهود بني قينقاع، وبنو حارثة، ويهود المدينة المذكورون بعد هذا.\n_________\n(١) في المعجم: داجاه مداجاةً: ساتَرَهُ بالعداوة، ولم يُبْدِها له.","vol":"3","page":588},{"text":"وَأَموَالَهُم بَينَ المُسلِمِينَ، إِلَّا أَنَّ بَعضَهُم لَحِقُوا بِرَسُولِ اللَّهِﷺ-، فَأمنهُم وَأَسلَمُوا، وَأَجلَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَهُودَ المَدِينَةِ كُلَّهُم: بَنِي قَينُقَاعَ (وَهُم قَومُ عَبدِ اللَّهِ بنِ سَلَامٍ) وَيَهُودَ بَنِي حَارِثَةَ، وَكُلَّ يَهُودِيٍّ كَانَ بِالمَدِينَةِ.\nرواه البخاري (٤٠٢٨)، ومسلم (١٧٦٦)، وأبو داود (٣٠٠٥).\n[١٢٨٤] وعن عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: لَأُخرِجَنَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ، حَتَّى لَا أَدَعَ إِلَّا مُسلِمًا.\nرواه مسلم (١٧٦٧)، وأبو داود (٣٠٣٠)، والترمذي (١٦٠٦).\n* * *\nــ\nوفي قتل النبي -ﷺ- لبني قريظة حين حاربوا؛ دليل: على أن من نقض العهد من العدو جاز قتله، ولا خلاف فيه إذا حاربوا، وعاونوا أهل الحرب. قال أبو عبيد: وكذلك لو تيقن غدرًا أو غشًّا. قال الأوزاعي: وكذلك لو أطلع أهل الحرب على عورة المسلمين، أو آووا عيونهم. وليس هذا نقضًا عند الشافعي.\nوقوله: (لأخرجن اليهود والنَّصارى من جزيرة العرب). قال الخليل: جزيرة العرب: معدنها، ومسكنها، وإنما قيل لها: جزيرة العرب، لأن بحر الحبش، وبحر فارس، ودجلة، والفرات قد أحاطت بها. وقال الأصمعي: جزيرة العرب: من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق في الطول، وأما العرض: فمن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام.\n* * *","vol":"3","page":589},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-469>(١٦) باب إذا نزل العدو على حكم الإمام فله أن يرد الحكم إلى غيره ممن له أهلية ذلك</span>\n[١٢٨٥] عَن عَائِشَةَ قَالَت: أُصِيبَ سَعدٌ يَومَ الخَندَقِ، رَمَاهُ رَجُلٌ مِن قُرَيشٍ ابنُ العَرِقَةِ، رَمَاهُ فِي الأَكحَلِ، فَضَرَبَ عَلَيهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- خَيمَةً فِي المَسجِدِ يَعُودُهُ مِن قَرِيبٍ،\nــ\n(١٦) ومن باب: إذا نزل العدو على حكم الإمام فله أن يرد الحكم إلى غيره\n(ابن العَرِقة) - بالعين المهملة، وكسر الراء- هي رواية الحفاظ، وضبط المتقنين، واسمه: حبان- بكسر الحاء- ابن أبي قيس بن علقمة بن عبد مناف. والعَرِقة: أمَّه، واسمها: قِلابةُ- بكسر القاف، والباء بواحدة- بنت سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص. وقيل: اسمه: جبار بن قيس، أحد بني العرقة. قال الدارقطني: والأول أصح. وقيل: العرَقة - بفتح الراء- قاله الواقدي. وقال: إن أهل مكة يقولونه كذلك، والأول أصح، وأشهر.\nوالأكحل: عرق معروف. قال الأصمعي: إذا قطع في اليد لم يرقأ الدم، وهو عرق الحياة، في كل عضو منه شعبة لها اسم.\nوقوله: (فضرب عليه (١) رسول الله -ﷺ- خيمة في المسجد، يعوده من قريب)؛ هذا نص على أن سعدًا كان مقيمًا في المسجد في هذه الحالة، وقد ذكر في هذا الحديث بعد هذا: أن رسول الله -ﷺ - أرسل إليه، فأتاه، فلما دنا قريبًا من المسجد،\n_________\n(١) في النسخ: له. والمثبت من صحيح مسلم والتلخيص.","vol":"3","page":590},{"text":"فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِن الخَندَقِ وَضَعَ السِّلَاحَ، فَاغتَسَلَ، فَأَتَى جِبرِيلُ وَهُوَ يَنفُضُ رَأسَهُ مِن الغُبَارِ، فَقَالَ: وَضَعتَ السِّلَاحَ؟ وَاللَّهِ مَا وَضَعنَاه! اخرُج إِلَيهِم، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِﷺ-: فَأَينَ؟ . فَأَشَارَ إِلَى بَنِي قُرَيظَةَ، فَقَاتَلَهُم رَسُولُ اللَّهِﷺ-، فَنَزَلُوا عَلَى حُكمِ رَسُولِ اللَّهِﷺ-، فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الحُكمَ فِيهِم إِلَى سَعدٍ. فقال: فَإِنِّي أَحكُمُ فِيهِم أَن تُقتَلَ المُقَاتِلَةُ، وَأَن تُسبَى الذُّرِّيَّةُ وَالنِّسَاءُ، وَتُقسَمَ أَموَالُهُم.\nــ\nقال رسول الله -ﷺ-: (قوموا إلى سيدكم)، وظاهره: أنه كان خارجًا عن المسجد، وأنه أتى إليه. وهذا إشكال أوجبه اعتقاد اتخاذ المسجد في الموضعين، وأن النبي -ﷺ- كان قد استدعى سعدًا لمسجده في المدينة، وليس الأمر كذلك، بل كان نازلًا على بني قريظة، ومنها وجه إليه، فيحتمل أن يكون سعد اختط هنالك مسجدًا يصلي فيه، فعبّر الراوي عنه. وقال بعض علمائنا: المسجد هنا تصحيف من بعض الرواة، وإنما اللفظ: فلما دنا من النبي -ﷺ-، بدليل ما جاء في كتاب أبي داود: فلما دنا من رسول الله -ﷺ-، فكأن الراوي سمع: من النبي -ﷺ- فتصحف عليه. والله تعالى أعلم.\nوقوله: (فلما رجع رسول الله -ﷺ- من الخندق وضع السلاح، فاغتسل، فأتاه جبريل ﵇) هكذا وقع في الرواية: فأتاه- بالفاء- والصواب: طَرحُها؛ فإنه جواب لما، ولا تدخل الفاء في جواب لما، وكأنها زائدة، كما زيدت الواو في جوابها في قول امرئ القيس:\nفلما أجزنا ساحة الحي وانتحى ... بنا بطن حقفٍ ذي ركام عقنقل\nوإنما هو: انتحى، فزاد الواو.\nوقوله: (فقاتلهم رسول الله -ﷺ- فنزلوا على حكم رسول الله -ﷺ-، فرد رسول الله -ﷺ- الحكم فيهم إلى سعد)؛ هذا تفسير، فينبغي أن يحمل عليه ما ليس","vol":"3","page":591},{"text":"رواه أحمد (٦/ ١٤١ - ١٤٢)، والبخاري (٤١٢٢)، ومسلم (١٧٦٩) (٦٥).\n[١٢٨٦] وعن أبي سَعِيدٍ قَالَ: نَزَلَ أَهلُ قُرَيظَةَ عَلَى حُكمِ سَعدِ بنِ مُعَاذٍ، فَأَرسَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى سَعدٍ، فَأَتَاهُ عَلَى حِمَارٍ، فَلَمَّا دَنَا قَرِيبًا مِن المَسجِدِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِلأَنصَارِ: قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُم، (أَو خَيرِكُم)، ثُمَّ\nــ\nبمفسَّر مما في الرواية الأخرى: أنهم نزلوا على حكم سعد، فإنهم إنما نزلوا على حكمه بعد أن حكم رسول الله -ﷺ- فيهم. ومن هذا الموضع يؤخذ (١) الحكم الذي أشرنا إليه في الترجمة، وفيه ردٌّ على الخوارج المانعين للتحكيم في الدين، ولم يصر أحد من علماء الصحابة، ولا غيرهم إلى منعه سوى الخوارج.\nقال القاضي عياض: والنزول على حكم الإمام أو غيره جائز، ولهم الرجوع عنه ما لم يحكم، فإذا حكم لم يكن للعدو الرجوع، ولهم أن ينقلوا من حكم رجل إلى غيره. وهذا كله إذا كان الحكم ممن يجوز تحكيمه من أهل العلم، والفقه، والديانة، فإذا حكم لم يكن للمسلمين، ولا للإمام المجيز لتحكيمهم نقض حكمه، إذا حكم بما هو نظر للمسلمين من قتل، أو سباء (٢)، أو إقرار على الجزية، أو إجلاء. فإن حكم بغير هذا من الوجوه التي لا يبيحها الشرع لم ينفذ حكمه، لا على المسلمين، ولا على غيرهم.\nوقوله: (قوموا لسيدكم أو خيركم)؛ استدل بهذا من قال بجواز القيام للفضلاء، والعلماء، إكرامًا لهم، واحترامًا. وإليه مال عياض، وقال: إنما القيام المنهي عنه: أن يقام عليه وهو جالس، وهو الذي أنكره النبي -ﷺ- على أصحابه، حيث صلوا قيامًا وهو قاعد للخدش الذي أصابه، فقال لهم: (ما لكم تفعلون فعل\n_________\n١١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٢) في (ز): أو إسار.","vol":"3","page":592},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفارس والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود) (١). وعليه حمل قول عمر بن عبد العزيز: إن تقوموا نقم، وإن تقعدوا نقعد، وإنما يقوم الناس لرب العالمين. وقد رويت لعبد الملك جواز قيام الرجل لوالديه، والزوجة لزوجها. ومذهب مالك: كراهية القيام لأحد مطلقًا. واستدل له على ذلك بقوله -ﷺ-: (من سرَّه (٢) أن يتمثل له الناس قيامًا، فليتبوأ مقعده من النار) (٣). وعليه حمل قول عمر بن عبد العزيز. وقد جاء في كتاب أبي داود مرفوعًا: (لا تقوموا كما تقوم الأعاجم، يعظم بعضهم بعضًا) (٤). ويعتضد هذا: بأن النبي -ﷺ- لم يكن يقم له أحد، ولا يقوم هو لأحد. هذا هو المنقول من سيرته، وعليه درج الخلفاء رضوان الله عليهم، ولو كان القيام لأحد من العظماء مشروعًا، لكان أحق الناس بذلك رسول الله -ﷺ- وخلفاؤه. ولم فلا.\nوتأوَّل بعض أصحابنا حديث: (قوموا إلى سيدكم) على أن ذلك مخصوص بسعد، لما تقتضيه تلك الحال المعينة. وقال بعضهم: إنما أمرهم بالقيام له لينزلوه عن الحمار لمرضه، وفيه بُعد. والله تعالى أعلم.\nواختلف تأويل الصحابة فيمن عنى النبي -ﷺ- بذلك؛ هل الأنصار خاصة، أو جميع من حضر من المهاجرين والأنصار؟ وعلى الجملة: فهي قضية معينة، محتملة، والتمسك بالقاعدة المقررة أولى. والله تعالى أعلم.\nوالسيد: المتقدم على قومه بما فيه من الخصال (٥) الحميدة.\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (٣٨٣٦) بلفظ: \"لا تفعلوا كما يفعلُ أهل فارسَ بعظمائها\".\n(٢) في النسخ: أحب، والمثبت من (ع) و(ج) وسنن الترمذي.\n(٣) رواه الترمذي (٢٧٥٥)، وأبو داود (٥٢٢٩)، وابن أبي شيبة (٨/ ٣٩٨).\n(٤) رواه أبو داود (٥٢٣٠)، وابن ماجه (٣٨٣٦).\n(٥) في (ع) و(ج): الخلال.","vol":"3","page":593},{"text":"قَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكمِكَ. قَالَ: تَقتُلُ مُقَاتِلَتَهُم، وَتُسبى ذُرِّيَّتَهُم. قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّﷺ-: قَضَيتَ بِحُكمِ اللَّهِ.\nــ\nوقوله: (أو خيركم)؛ على جهة الشك من الراوي، وفي بعض طرقه في غير كتاب مسلم: (قوموا إلى سيدكم) من غير شك.\nوقوله -ﷺ-: (إن هؤلاء نزلوا على حكمك)؛ إنما قال له هذا بعد أن رد له الحكم، كما قال في الرواية المتقدمة.\nوقوله: (إني أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة، وتسبى الذرية، وتقسم الأموال)؛ إنما حكم فيهم بذلك لعظيم جناياتهم، وذلك: أنهم نقضوا ما بينهم وبين النبي -ﷺ- من العهد، ومالؤوا عليه قريشًا، وقاتلوه، وسبُّوه أقبح سبٍّ، فاستحقوا ذلك- لعنهم الله-، فلما حكم فيهم سعد بذلك، أخبره بأنه قد أصاب فيهم حكم الله، تنويهًا به، وإخبارًا بفضيلته، وانشراح صدره، وردعًا للقوم الذين سألوا رسول الله -ﷺ- في أن يتركهم، وأن يحسن فيهم (١)، فإنهم كانوا حلفاءهم، فلما جعل رسول الله -ﷺ- حكمهم إلى سعد انطلق مواليهم إلى سعد (٢)، فكلموه في ذلك، وقالوا له: أحسن في مواليك، فلما أكثروا عليه، قال: أما إنه قد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم. فلما سمعوا ذلك يئسوا مما طلبوا، وعزّى بعضهم بعضًا في بني قريظة. ومن هاهنا تظهر خصوصية سعد بقوله: (قوموا إلى سيدكم)، وإن الأولى أنه إنما قال ذلك لقومه خاصة دون غيرهم؛ لأن قومه كلهم مالوا إلى إبقاء بني قريظة، والعفو عنهم، إلا ما كان منه ﵁ لا جرم لما مات اهتز له عرش الرحمن. وسيأتي بيان معناه، إن شاء الله تعالى. وفيه دليل لمذهب مالك في تصويب (٣) أحد المجتهدين، وإن لله في الواقع حكمًا معيَّنًا، فمن أصابه\n_________\n(١) في (ع): إليهم.\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٣) في (ع): تجويز.","vol":"3","page":594},{"text":"وَرُبَّمَا قَالَ: قَضَيتَ بِحُكمِ المَلِكِ.\nوفي رواية: لَقَد حَكَمتَ بِحكم الله.\nرواه أحمد (٣/ ٢٢ و٧١)، والبخاري (٣٠٤٣) و(٤١٢٢)، ومسلم (١٧٦٨) (٦٤)، وأبو داود (٥٢١٥) و(٥٢١٦).\n[١٢٨٧] وعن عروة عَن عَائِشَةَ: أَنَّ سَعدًا قَالَ: وَتَحَجَّرَ كَلمُهُ لِلبُرءِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعلَمُ أَن لَيسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ أَن أُجَاهِدَ فِيكَ، مِن\nــ\nفهو المصيب، ومن لم يصبه، فهو المخطئ، لكنه لا إثم عليه إذا اجتهد. وقد تقدَّم هذا المعنى. وغاية ما في هذا الحديث: أن بعض الوقائع فيها حكم معين لله، لكن من أين يلزم منه أن يكون حكم كل واقعة كذلك؟ بل يقال: إنها منقسمة إلى ما لله فيه حكم معين، ومنها ما ليس لله فيه ذلك، وتكميل ذلك في علم الأصول.\nوقوله: (لقد قضيت بحكم الملك)؛ الرواية بكسر اللام، وهو الله تعالى. وكذلك في الرواية الأخرى: (بحكم الله)، وفي غير كتاب مسلم: (لقد حكمت بحكم الله من فوق سبع أرقعة) (١)، وهي السماوات، وهو جمع رقيع، كرغيف، وأرغفة. والفوقية هنا راجعة إلى أن الله تعالى أظهر الحكم لمن هناك من ملائكته، أو أثبته في اللوح المحفوظ. ونسبة الفوقية المكانية إلى الله تعالى محال؛ لأنه منزه عن الفوقية، كما هو منزه عن التحتية؛ إذ كل ذلك من لوازم الأجرام، وخصائص الأجسام، ويتقدّس عنها الذي ليس كمثله شيء من جميع الأنام (٢).\nوقوله: (وتحجَّر كَلمُهُ للبُرءِ)؛ أي: تجمَّد، وتهيَّأ للإفاقة، فظن عند ذلك أنها\n_________\n(١) رواه ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام (٢/ ٢٤٠)، وانظر: \"عيون الأثر\" لابن سيد الناس (٢/ ١٠٩) طبعة دار ابن كثير. تحقيق: محيي الدين مستو، ود. محمد العيد الخطراوي.\n(٢) سبق أن أشرنا إلى وجود رأي يناقض ما ذهب إليه القرطبي -﵀- من إثبات العلو لله ﷿.","vol":"3","page":595},{"text":"قَومٍ كَذَّبُوا رَسُولَكَ وَأَخرَجُوهُ، اللَّهُمَّ فَإِن كَانَ بَقِيَ مِن حَربِ قُرَيشٍ شَيءٌ فَأَبقِنِي أُجَاهِدهُم فِيكَ، اللَّهُمَّ فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّكَ قَد وَضَعتَ الحَربَ بَينَنَا وَبَينَهُم، فَإِن كُنتَ وَضَعتَ الحَربَ بَينَنَا وَبَينَهُم فَافجُرهَا وَاجعَل مَوتِي فِيهَا. فَانفَجَرَت مِن لَبَّتِهِ، فَلَم يَرُعهُم - وَفِي المَسجِدِ خَيمَةٌ مِن بَنِي غِفَارٍ - إِلَّا وَالدَّمُ يَسِيلُ إِلَيهِم، فَقَالَوا: يَا أَهلَ الخَيمَةِ! مَا هَو الَّذِي يَأتِينَا مِن قِبَلِكُم؟ فَإِذَا سَعدٌ جُرحُهُ يَغِذُّ دَمًا، فَمَاتَ مِنهَا.\nــ\nتفيق (١)، فقال عند ذلك ما ذكره من الدُّعاء.\nوقوله: (وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فافجرها، واجعل موتي فيها)؛ هذا منه تَمَن للشهادة، وشوق لما عند الله تعالى، وليس تمنيًا للموت؛ لضر نزل به الذي نهي عنه.\nوقوله: (فانفجرت من لبته)؛ كذا الرواية عن الأسدي (٢)، بالباء بواحدة. وعن الصدفي: (من لِيته) بلام مكسورة، وياء باثنتين من تحتها ساكنة. وعند الخشني: (من ليلته)، قال: وهو الصواب. واللبة: المنحر. والليت: صفحة العنق.\nوقوله: (فإذا سعد جرحه يغِذُّ) بكسر الغين، وتشديد الذال عند كافة الرواة، وعند بعضهم: (يَغذو)، ومعناه: يسيل. وهما لغتان. يقال: غذَّ الجرح يغِذُّ مشددًا، وغذا يغذو، وأنشدوا:\nبطَعنٍ كَفَمِ الزّقِّ ... غَذَا والزِّقُّ مَلآنُ\nوعند ابن ماهان: (يصبُّ) مكان (يغذو). وهو تفسير للَّفظ الأول.\n_________\n(١) فاق، يفيق، فَيْقًا: جاد بنفسه عند الموت.\n(٢) في (هـ) و(ل) و(م): الأسود.","vol":"3","page":596},{"text":"وفي رواية: قَالَ: فَانفَجَرَت مِن لَيلَتِهِ، فَمَا زَالَ يَسِيلُ حَتَّى مَاتَ. قَالَ: فَذَاكَ حِينَ يَقُولُ الشَّاعِرُ:\nأَلَا يَا سَعدُ سَعدَ بَنِي مُعَاذٍ ... فَمَا فَعَلَت قُرَيظَةُ وَالنَّضِيرُ؟\nلَعَمرُكَ إِنَّ سَعدَ بَنِي مُعَاذٍ ... غَدَاةَ تَحَمَّلُوا لَهُوَ الصَّبُورُ\nتَرَكتُم قِدرَكُم لَا شَيءَ فِيهَا ... وَقِدرُ القَومِ حَامِيَةٌ تَفُورُ\nوَقَد قَالَ الكَرِيمُ أَبُو حُبَابٍ ... أَقِيمُوا قَينُقَاعُ وَلَا تَسِيرُوا\nوَقَد كَانُوا بِبَلدَتِهِم ثِقَالَا ... كَمَا ثَقُلَت بِمَيطَانَ الصُّخُورُ\nرواه مسلم (١٧٦٩) (٦٧ و٦٨).\n* * *\nــ\nقوله في الشعر: (فما فعلت قريظة والنضير)؛ الرواية عند الكافة بالفاء هكذا، والصواب: (لما فعلت) باللام المكسورة، وقد رواه بعضهم هنا كذلك، وهي الرواية في السير، ليس فيها غيرها.\nوقوله:\nتركتم قدركم لا شيء فيها ... وقدر القوم حامية تفور\nهذا ضرب مثلٍ لعزَّة الجانب، وعدم الناصر. ويريد بقوله: تركتم قدركم: الأوس لقتل حلفائهم من قريظة. وقدر القوم: يعني به: الخزرج لشفاعتها لحلفائها بني قينقاع، حتى من عليهم النبي -ﷺ-، وتركهم لعبد الله بن أُبَيّ، وهو: أبو حباب المذكور في الشعر.\nوقوله: (كما ثقلت بِمَيطان الصخور). مَيطان: بفتح الميم، وبالنون، عليه أكثر الرواة، إلا أن أبا عبيد (١) البكري ضبطه بكسر الميم. قال: وهو من بلاد مزينة\n_________\n(١) في (ج): عبيد الله.","vol":"3","page":597},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمن أرض الحجاز. ووقع في رواية العذري: (بميطار) بالراء مكان النون. وفي رواية ابن ماهان: (بحيطان)، بالحاء مكان الميم. قال القاضي عياض: والصواب ما تقدم.\nوقائل هذا الشعر إنما قاله يحرض سعدًا على استحياء بني قريظة وحلفائهم، ويلومه على فعله فيهم، فيذكره بفعل أبي حباب، عبد الله بن أُبي وشفاعته لحلفائه بني قينقاع.\nويستفاد من ضرب رسول الله -ﷺ- الخيمة لسعد في المسجد مع ما كان عليه من الجراح والدَّم: أن الضرورة، أو الحاجة إذا دعت إلى مثل ذلك جاز. وإن أدى إلى تلطيخ المسجد بشيء مما يكون من المريض، لكن ذلك على حسب الحاجة والضرورة. والله تعالى أعلم. هذا إن تنزلنا على أنه كان بمسجد مخصوص مباح للمسلمين، وإن تنزلنا على أنه كان بمسجد بيته كما تقدم، لم ينتزع منه شيء من ذلك. والله تعالى أعلم (١).\nوقد قدَّمنا: أن المساجد الأصل فيها: الأمر بتطييبها، وتنظيفها، ومباعدتها عن الأنجاس، والأقذار. ووجه الضرورة في حديث سعد: أن النبي -ﷺ- لم يجد له موضعًا غير المسجد، وكان بالنبي -ﷺ- حاجة إلى معاهدته، وتفقد أحواله، فلو حمل إلى موضع بعيد منه، أدَّى إلى الحرج والمشقة على النبي -ﷺ-. وعلى هذا المعنى نبَّه الراوي بقوله: (يعوده من قريب).\n* * *\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"3","page":598},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-470>(١٧) باب أخذ الطعام والعلوفة من غير تخميس</span>\n[١٢٨٨] عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ: أَصَبتُ جِرَابًا مِن شَحمٍ يَومَ خَيبَرَ. قَالَ: فَالتَزَمتُهُ فَقُلتُ: لَا أُعطِي اليَومَ أَحَدًا مِن هَذَا شَيئًا، قَالَ: فَالتَفَتُّ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مُتَبَسِّمًا.\nــ\n(١٧) ومن باب: أخذ الطعام والعلوفة من الغنيمة من غير تخميس\nحديث ابن مغفل هذا يدل: على جواز أخذ الطعام من الغنيمة قبل القسمة، ألا ترى أنه -ﷺ- أقره على أخذ الجراب بما فيه من الطعام، وهو مما أجمع المسلمون عليه ما داموا في أرض الحرب، على ما حكاه عياض. والجمهور: على أنه لا يحتاج في ذلك إلى إذن الإمام. وحكي عن الزهري: أنه لا يجوز إلا بإذن الإمام، ثم اختلفوا في القدر الذي يأخذه الغانم؛ فقال الشافعي (١): لا يأخذ منه إلا بقدر حاجته، فإن أخذ فوقها، أدَّى قيمته في المقاسم، وكذلك: إن أخذ ما لا يضطر إليه في القوت، كالأشربة، والأدوية. وأجاز مالك له أخذ ما فضل عن كفايته وأكله في أهله، وقاله الأوزاعي، وذلك فيما قل. وقال سفيان وأبو حنيفة: يرد ذلك إلى الإمام. وأجازه الشافعي مرة. والجمهور على منع أن يخرج بشيء من الطعام له قيمة وبال إلى أرض الإسلام.\nواختلفوا فيما يحتاج إليه من غير الطعام، كالسلاح، والدَّواب، والثياب ليقاتل بها، ويركبه في قفوله، ويلبسه في مقامه. فعن مالك وأصحابه في ذلك قولان: بالمنع مطلقًا، وبالجواز. وبه قال الثوري، والحسن. وممن أجاز ذلك في وقت الحرب: الشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة،\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع) و(ج).","vol":"3","page":599},{"text":"وَفِي أُخرَى: فَاستَحيَيَت، وَفِيَهَا: جَراب فيه شحم وطعام.\nرواه أحمد (٣/ ٣١١)، والبخاري (٣١٥٣)، ومسلم (١٧٧٢) (٧٢ و٧٣)، وأبو داود (٢٧٠٢)، والنسائي (٧/ ٢٣٦).\n* * *\nــ\nوالجمهور. وقال ابن المنذر والخطابي: إن هذا مما لم يختلف أهل العلم فيه، إلا أن الأوزاعي شرط في هذا إذن الإمام.\nواختلفوا فيما قل قدره مما يحتاج إليه، كالجلد يقطعه خفافًا أو نعالًا؛ فأجازه مالك وغيره، وأحمد. ومنع ذلك الشافعي، وأصحاب الرأي. وقال الشافعي: وعليه قيمته إن تلف، وأجرة استعماله، وما نقصه الانتفاع. ولم يختلف فيما بيع من طعام أو غيره: أن ثمنه مغنم.\nوتبسُّم رسول الله -ﷺ- إنما كان لما رأى من شدَّة حرص ابن مغفل على أخذ الجراب، ومن ضنته به.\nوفيه ما يدل: على جواز أكل شحوم اليهود المحرمة عليهم. وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي وكافة (١) العلماء، غير أن مالكًا كرهه للخلاف فيه. وحكى ابن المنذر عن مالك تحريمها، وإليه ذهب كبراء أصحاب مالك. ومتمسَّك هؤلاء: أن ذكاتهم لم تعمل في الشحم، كما عملت في اللحم؛ لأن الذكاة تتبعَّض عندهم. والحديث حجَّة عليهم.\nوفيه دليل: على جواز ذبائح أهل الكتاب. وقد أجمع أهل العلم على ذلك إذا ذكروا اسم الله عليها. وأكثر العلماء على أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَكُم﴾ ذبائحهم، إلا ما روي عن ابن عمر من كراهتها على ما حكاه الداودي عنه، والمعروف عن ابن عمر: لا تؤكل ذبائحهم ما لم يسمُّوا الله عليها. وقد ذهب مالك، والليث، والثوري، والنخعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي: إلى كراهة ما أهلّوا به لغير الله من اسم المسيح، أو كنائسهم، وأشباهها. وأباحه\n_________\n(١) في (ج): وعامة.","vol":"3","page":600},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-471>(١٨) باب كتاب النبي -ﷺ- إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام</span>\n[١٢٨٩] عَن ابنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ أَبَا سُفيَانَ أَخبَرَهُ مِن فِيهِ إِلَى فِيهِ. قَالَ: انطَلَقتُ فِي المُدَّةِ الَّتِي كَانَت بَينِي وَبَينَ رَسُولِ اللَّهِﷺ-، قَالَ: فَبَينَا أَنَا بِالشَّامِ إِذ جِيءَ بِكِتَابٍ مِن رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى هِرَقلَ، يَعنِي: عَظِيمَ الرُّومِ،\nــ\nعطاء، ومجاهد، ومكحول، والشعبي. ورأوا: أن آية المائدة ناسخة لآية الأنعام (١)، أو مخصصة لها. وقالوا: قد علم الله أنهم يقولون ذلك، وقاله ابن حبيب.\nواختلفوا أيضًا إذا ذبح ولم يسم شيئا؛ فمنعه أبو ثور. وهو مذهب عائشة، وعلي، وابن عمر. وقال أحمد وإسحاق: لا بأس به.\nواختلف إذا ذبحوا ما كان لمسلم، وغير ملكهم؛ فمنعه ربيعة، واختلف فيه عن مالك.\n(١٨) ومن باب: كتاب النبي -ﷺ- إلى هرقل\nقول أبي سفيان: (في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله -ﷺ-؛ يعني به: صلح النبي -ﷺ- مع قريش بالحديبية، وكانوا تعاقدوا على صلح عشر سنين، فاستمر ذلك إلى أن نقضت قريش العقد، فكان ذلك سبب فتح مكة.\nو(دحية): يقال بفتح الدال وكسرها. قال ابن السكيت: هو بالكسر لا غير. وقال أبو حاتم: هو بالفتح لا غير. وقال المطرِّز: الدِّحى: الرؤساء، واحدهم: دِحية.\nقلت: وعلى هذا فالكسر هو الصواب، كما قال ابن السكيت؛ لأن: دحية (٢)، ودحًى، كلحيةٍ، ولِحًى، وفِدية، وفِدى، وهو القياس؛ لأن نظيره من الصحيح: قِربة وقِرب، لكن لا يبعد أن يقال: إنه لما نقل إلى العلمية غُيِّر بالفتح، كما قد فعلت العرب في كثير\n_________\n(١) هي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١].\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"3","page":601},{"text":"قَالَ: وَكَانَ دَحيَةُ الكَلبِيُّ جَاءَ بِهِ، فَدَفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ بُصرَى، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصرَى إِلَى هِرَقلَ، فَقَالَ هِرَقلُ: هَل هَاهُنَا أَحَدٌ مِن قَومِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ قَالَوا: نَعَم، فَدُعِيتُ فِي نَفَرٍ مِن قُرَيشٍ، فَدَخَلنَا عَلَى هِرَقلَ. فَأَجلَسَنَا بَينَ يَدَيهِ. فَقَالَ: أَيُّكُم أَقرَبُ نَسَبًا مِن هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالَ أَبُو سُفيَانَ: فَقُلتُ: أَنَا، فَأَجلَسُونِي بَينَ يَدَيهِ وَأَجلَسُوا أَصحَابِي خَلفِي، ثُمَّ دَعَا بِتَرجُمَانِهِ فَقَالَ لَهُ: قُل لَهُم: إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَن هذا الرَّجُلِ\nــ\nمن الأعلام.\nو(بُصرى) - بضم الباء-: وهي من مدن الشام، وهي مدينة حوران. و(الترجمان): هو المعبِّر عن القوم. يقال: بضم التاء وفتحها. و(هرقل) - بكسر الهاء، وفتح الراء، وسكون القاف-: وهو اسم لكل ملك للروم، كالنجاشي: اسم لكل ملك للحبشة. وكسرى: اسم لكل ملك للفرس. وقد قدَّمنا هذا في كتاب: الجنائز.\nقلت: إذا تأملت هذا الحديث علمت فطنة هذا الرجل، وجوّدة قريحته، وحسن نظره (١)، وسياسته، وتثبته. وأنه علم صحة نبوَّة نبينا محمد -ﷺ- وصدقه. غير أنه ظهر منه بعد هذا ما يدل: على أنه لم يؤمن، ولم ينتفع بذلك العلم الذي حصل له، فإنه هو الذي جيَّش الجيوش على أصحاب رسول الله -ﷺ-، وقاتلهم، وألّب عليهم، ولم يقصِّر في تجهيز الجيوش عليهم، وإرساله إليهم الجموع العظيمة من الروم وغيرهم الكرَّة بعد الكرَّة، فيهزمهم الله، ويهلكهم، ولا يرجع إليهم منهم إلا فلُّهم (٢)، واستمر على ذلك إلى أن مات، وقد فتح الله على المسلمين أكثر بلاد الشام، ثم ولي ولده بعده، وعليه فتحت جميع البلاد الشامية، وبهلاكه هلكت المملكة الرومية.\n_________\n(١) في (هـ) و(م): فكره.\n(٢) \"الفلُّ\": القوم المنهزمون.","vol":"3","page":602},{"text":"الَّذِي يَزعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَإِن كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ. قَالَ: فَقَالَ أَبُو سُفيَانَ: وَايمُ اللَّهِ، لَولَا مَخَافَةُ أَن يُؤثَرَ عَلَيَّ الكَذِبُ لَكَذَبتُ! ثُمَّ قَالَ لِتَرجُمَانِهِ: سَلهُ كَيفَ حَسَبُهُ فِيكُم؟ قَالَ: قُلتُ: هُوَ فِينَا ذُو حَسَبٍ، قَالَ: فَهَل كَانَ مِن آبَائِهِ مَلِكٌ؟ قُلتُ: لَا، قَالَ: فَهَل كُنتُم تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبلَ أَن يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلتُ:\nــ\nوقوله: (فإن كذبني فكذبوه)؛ كذبني- بفتح الذال، وتخفيفها، وبالنون-: يعني: أنه إن كذب لي فأظهروا كذبه، وهو مما يعدى بحرف الجر وبغيره، يقال: كذبته، وكذبت له. و(كذبوه) - مشدد الذال-؛ أي: عرّفوني بكذبه، وأظهروا كذبه، ولذلك أجلس أصحابه خلفه. وإنما سأل عن أقربهم نسبًا منه؛ لأنه أعلم بدخلة أمر صاحبه في غالب الحال. وهذه كلها التفاتات من هرقل تدل على قوة عقله.\nوقول أبي سفيان: (وايم الله) هي كلمة محذوفة من (ايمن الله) تستعملها العرب اسمًا مرفوعًا في القسم على الابتداء، والخبر محذوف. وقد اختلف النحويون فيها. هل هي: اسم مفرد همزته همزة وصل، وإنما فتحت همزته لأنه غير منصرف، فخالف جميع همزات الوصل، وهو مذهب سيبويه؟ أو هل هي: جمع يمين، وهمزته همزة قطع؛ لأنها همزة جمع. وهو قول الفراء، وهي عنده جمع يمين؟ وقول سيبويه أشبه، بدليل: أنهم كسروا همزتها، وأنهم تصرَّفوا فيها بلغات مختلفة، منها: ايمن بالكسر، وبالفتح: ايمن. وبحذف النون والهمزة و(١) ضم الميم من (مُّ الله) وكسرها. وقد أبدل بعضهم من الهمزة (هاء)، فقال: هيمن الله. وهذا النحو من التصرف لم تفعله العرب في صيغ الجموع.\nوقوله: (لولا أن يُؤثر علي الكذب لكذبتُ عليه)؛ يعني: لولا أن يتحدَّث ويُنقل عنه الكذب. وإنما وقع له هذا في ذلك الوقت لشدَّة عداوته للنبي -ﷺ-\n_________\n(١) زاد في اللسان: وحذف الياء.","vol":"3","page":603},{"text":"لَا، قَالَ: وَمَن تَبِعُهُ؟ أَشرَافُ النَّاسِ أَم ضُعَفَاؤُهُم؟ قَالَ: قُلتُ: بَل ضُعَفَاؤُهُم، قَالَ: أَيَزِيدُونَ أَم يَنقُصُونَ؟ قَالَ: قُلتُ: لَا بَل يَزِيدُونَ، قَالَ: هَل يَرتَدُّ أَحَدٌ مِنهُم عَن دِينِهِ بَعدَ أَن يَدخُلَ فِيهِ سَخطَةً لَهُ؟ قَالَ: قُلتُ: لَا، قَالَ: فَهَل قَاتَلتُمُوهُ؟ قُلتُ: نَعَم، قَالَ: فَكَيفَ كَانَ قِتَالُكُم إِيَّاهُ؟ قَالَ: قُلتُ: تَكُونُ الحَربُ بَينَنَا وَبَينَهُ سِجَالًا، يُصِيبُ مِنَّا وَنُصِيبُ مِنهُ، قَالَ: فَهَل يَغدِرُ؟ قُلتُ: لَا، وَنَحنُ مِنهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدرِي مَا هُوَ صَانِعٌ فِيهَا، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا أَمكَنَنِي مِن كَلِمَةٍ أُدخِلُ فِيهَا شَيئًا غَيرَ هَذِهِ، قَالَ: فَهَل قَالَ هَذَا القَولَ أَحَدٌ\nــ\nوحسده، وحرصه على إطفاء نوره، ويأبى الله إلا أن يتم نوره. وفيه ما يدل: على أن الكذب مذموم في الجاهلية، والإسلام، وأنه ليس من خلق الكرام.\nو(الحسب): الشرف. والحسيب من الرجال: هو الذي يحسب لنفسه آباء أشرافًا ومآثر جميلة. وهو من الحساب (١)، وهو العدد.\nو(السِّجال) مصدر: ساجله، يساجله، سجالًا: إذا ناوبه، وقاومه. وأصله من السجل: وهو: الدلو العظيمة التي لا يستقل واحد برفعها من البئر. وقد فسّر معناه بقوله: يصيب منا، ونصيب منه.\nوقوله: (والله ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة)؛ يعني: أنه كان يعلم من خلق رسول الله -ﷺ- الوفاء، والصدق، وأنه يفي بما عاهدهم عليه، لكن لما كان المستقبل غير حاصل في وقته ذلك لبَّس بتطريق الاحتمال، تمويهًا بما يعلم خلافه.\nوقول هرقل في الضعفاء: (هم أتباع الرسل)، إنما كان ذلك لاستيلاء الرئاسة على الأشراف، وصعوبة الانفكاك عنها، والأنفة من الانقياد للغير، والضعيف خلي عن تلك الموانع (٢)، وهذا غالب أحوال أهل الدنيا، وإلا فقد ظهر أن السُّباق\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) في (ز): المواضع.","vol":"3","page":604},{"text":"قَبلَهُ؟ قَالَ: قُلتُ: لَا، قَالَ لِتَرجُمَانِهِ: قُل لَهُ: إِنِّي سَأَلتُكَ عَن حَسَبِهِ، فَزَعَمتَ أَنَّهُ فِيكُم ذُو حَسَبٍ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبعَثُ فِي أَحسَابِ قَومِهَا، وَسَأَلت: هَل كَانَ فِي آبَائِهِ مَلِكٌ؟ فَزَعَمتَ أَن لَا، فَقُلتُ: لَو كَانَ مِن آبَائِهِ مَلِكٌ قُلتُ: رَجُلٌ يَطلُبُ مُلكَ آبَائِهِ، وَسَأَلتُكَ عَن أَتبَاعِهِ، أَضُعَفَاؤُهُم أَم أَشرَافُهُم، فَقُلتَ: بَل ضُعَفَاؤُهُم، وَهُم أَتبَاعُ الرُّسُلِ، وَسَأَلتُكَ هَل كُنتُم تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبلَ أَن يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَزَعَمتَ أَن لَا، فَقَد عَرَفتُ أَنَّهُ لَم يَكُن لِيَدَعَ الكَذِبَ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ يَذهَبَ فَيَكذِبَ عَلَى اللَّهِ، وَسَأَلتُكَ هَل يَرتَدُّ أَحَدٌ مِنهُم عَن دِينِهِ بَعدَ أَن يَدخُلَهُ سَخطَةً لَهُ؟ فَزَعَمتَ أَن لَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ إِذَا خَالَطَ بَشَاشَةَ القُلُوبِ، وَسَأَلتُكَ هَل يَزِيدُونَ أَم يَنقُصُونَ، فَزَعَمتَ أَنَّهُم يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلتُكَ هَل قَاتَلتُمُوهُ؟\nــ\nللإسلام كانوا أشرافًا في الجاهلية والإسلام، كأبي بكر، وعمر، وحمزة، وغيرهم من الكبراء والأشراف.\nوقوله: (وكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها)؛ إنما كان ذلك لما خص الله به الأشراف من مكارم الأخلاق، والتباعد عن سفسافها. والصدق والأمانة، ولتنجذب النفوس إليهم، فإن الأبصار مع الصور، وأقل ما في الوجود إدراك البصائر.\nوقوله: (وكذلك الإيمان حين يخالط بشاشة القلوب)؛ هكذا وقعت هذه الرواية هنا، وفي البخاري: (حين تخالط بشاشته القلوب)، وهي أوضح. وأصل البشاشة: التلطف والتأنس عند اللقاء. يقال: بش به، وبشبش. ومعنى هذا: أن القلوب المنشرحة إذا سمعت الإيمان، وأصغت إليه بشت له، ورحبت بلقائه، كما يفعل بالغائب عن اللقاء، ثم إذا حل الإيمان في القلب انكشفت له محاسنه، وتوالت عليه أنواره، حتى يكره أن يعود في الكفر، كما يكره أن يقذف في النار.","vol":"3","page":605},{"text":"فَزَعَمتَ أَنَّكُم قَد قَاتَلتُمُوهُ، فَيَكُونُ الحَربُ بَينَكُم وَبَينَهُ سِجَالًا، يَنَالُ مِنكُم وَتَنَالُونَ مِنهُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُم العَاقِبَةُ، وَسَأَلتُكَ هَل يَغدِرُ؟ فَزَعَمتَ أَنَّهُ لَا يَغدِرُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغدِرُ، وَسَأَلتُكَ: هَل قَالَ هَذَا القَولَ أَحَدٌ قَبلَهُ؟ فَزَعَمتَ أَن لَا، فَقُلتُ: لَو قَالَ هَذَا القَولَ أَحَدٌ قَبلَهُ، قُلتُ: رَجُلٌ ائتَمَّ بِقَولٍ قِيلَ قَبلَهُ. ثُمَّ قَالَ: بِمَ يَأمُرُكُم؟ قال: قُلتُ: يَأمُرُنَا بِالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصِّلَةِ، وَالعَفَافِ. قَالَ: إِن يَكُن مَا تَقُولُ فِيهِ حَقًّا، فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، وَقَد\nــ\nوقوله: (وكذلك الرسل تبتلى، ثم تكون لهم العاقبة)؛ ابتلاء الرسل بنحو ما ذكر إنما هو ترفيع لدرجاتهم، وستر لأحوالهم، حتى لا يصير العلم بهم ضروريًّا. والله تعالى أعلم.\nو(العاقبة): العقبى: الخاتمة الحسنة.\nوقوله: (هل قال هذا القول أحد قبله؟) يعني: من عرب قومه، وإلا فالرسل كثير، وقد كان في العرب غير قومه رسل، كهود، وصالح، كما ذكر في حديث أبي ذر (١)، ولذلك قال تعالى: ﴿لِتُنذِرَ قَومًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُم﴾؛ أي: لم يبعث في آبائهم المشهورين عندهم رسول ينذرهم. وهو قول المحققين من المفسرين. وقد دل عليه قوله تعالى في آية أخرى: ﴿لِتُنذِرَ قَومًا مَا أَتَاهُم مِن نَذِيرٍ مِن قَبلِكَ﴾\nو(الصلة): يعني بها: صلة الأرحام. و(العفاف) يعني به: عن الفواحش.\nوقوله: (إن يكن ما تقول حقًّا فإنه نبي)؛ هذا الكلام محذوف المقدمة الاستثنائية لدلالة الكلام عليها (٢)، وتقديرها: لكن ما تقول حقّ فهو نبي. ويدل\n_________\n(١) رواه ابن حبان (٣٦١)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٦٦ و١٦٨).\n(٢) أي: محذوف الشرط الذي جاء في أول الكلام، وأنه لا مبرر له بدلالة الكلام الذي بعده.","vol":"3","page":606},{"text":"كُنتُ أَعلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، وَلَم أَكُن أَظُنُّهُ مِنكُم، وَلَو أَنِّي أَعلَمُ أَنِّي أَخلُصُ إِلَيهِ، لَأَحبَبتُ لِقَاءَهُ، وَلَو كُنتُ عِندَهُ لَغَسَلتُ عَن قَدَمَيهِ، وَلَيَبلُغَنَّ مُلكُهُ مَا تَحتَ قَدَمَيَّ. قَالَ: ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ:\nــ\nعلى أن هذا مراده قطعًا الذي بعده فإنه قطع فيه بنبوته، فتأمله.\nوقوله: (وقد كنت أعلم أنه خارج)؛ أي: بما في الكتب التي اطلع عليها، والبشائر به، والإخبار بمجيئه، ووقته، وعلاماته.\nوقوله: (ولم أكن أظن أنه منكم)؛ كأنه استبعد أن يكون نبي من العرب، لما كانوا عليه من الأعمال الجاهلية، والطبيعة الأمية، والحالة الضعيفة الزرية، وتمسّكًا بكثرة الرسل في الملة الإسرائيلية، وقد كان كل ذلك، لكن جبر الله صدع هذه الأمة؛ بأن اختصهم بهذا الرسول العظيم؛ الذي شرّفهم به، وكرّمهم حتى صيرهم خير أمة، والحمد لله على هذه النعمة.\nوقوله: (ولو أني أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه)؛ هكذا جاءت هذه الرواية عند جميع رواة مسلم، وفيها بُعد. وأوضح منها ما جاء في البخاري: (لتجشمت لقاءه)؛ أي: لتكلفت ذلك على مشقة.\nوقوله: (ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه)؛ أي: إكرامًا، واحترامًا، وخدمة.\nوقوله: (وليبلغن ملكه ما تحت قدمي)؛ يعني بذلك أرضه التي كان فيها، ومملكته التي كان عليها. وكذلك كان. وهذا منه تحقيق لنبوَّته -ﷺ-، وعلم بما يفتح الله عليه، وبما ينتهي إليه أمره. ومع ذلك ففي البخاري: أنه استمر على كفره، فنعوذ بالله من علم لا ينفع.","vol":"3","page":607},{"text":"بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ، مِن مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى هِرَقلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَن اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعدُ، فَإِنِّي أَدعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسلَامِ، أَسلِم تَسلَم، وَأَسلِم يُؤتِكَ اللَّهُ أَجرَكَ مَرَّتَينِ،\nــ\nوقوله -ﷺ- في الكتاب الذي كتبه إليه: (إلى هرقل عظيم الروم)؛ أي الذي تعظمه الروم، وهو مفاتحته بخطاب استلطاف، ويقتضي التأنيس، والاستئلاف، مع أنه حق في نفسه، فإنه كان معظمًا في الروم، وكان أعظم ملوكهم.\nوقوله: (سلام على من اتبع الهدى)؛ عدول عن السلام عليه؛ لأن الكافر لا يفاتح بالسلام إلى التعريض له باتباع طريق الهداية، وقد رأى بعض أهل العلم: أن السلام على أهل الكفر والبدع هكذا يكون.\nو(دعاية الإسلام) بكسر الدال، وهي في أصلها: مصدر: دعا، يدعو، دعوة. ودعاية، كرمى، يرمي، رمية، ورماية، وشكا، يشكو، شكوة، وشكاية. ويعني بها هنا: كلمتي الإسلام، وهي: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. وأما رواية: (داعية) فهي صفة للكلمة المحذوفة، فكأنه قال: بالكلمة الداعية للإسلام.\nوقوله: (أسلم تسلم)؛ يعني: ادخل في دين الإسلام تسلم في الدنيا من الخزي وفي الآخرة من العذاب، وهو من التجنيس البديع.\nوقوله: (يؤتك الله أجرك مرتين)؛ يعني: باتباعه لدين عيسى - ﵇-، وباتباعه لدين محمد -ﷺ-، وهذا كقوله -﵊ -: (ثلاثة يؤتون أجرهم مرَّتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه، ثم أدرك النبي -ﷺ- فآمن به واتبعه، فله أجران).\nقلت: وهذا إنما يتحصَّل للكتابي إذا كان متبعًا لدين نبيه في الاعتقاد الصحيح، والعمل على مقتضى شريعته. أما لو اعتقد في عيسى، أو في الله تعالى ما لم تجئ به شريعته، فلا يحصل له أجران إذا أسلم، بل أجر الإسلام خاصة؛","vol":"3","page":608},{"text":"وَإِن تَوَلَّيتَ فَإِنَّ عَلَيكَ إِثمَ الأَرِيسِيِّينَ، ﴿يَا أَهلَ الكِتَابِ تَعَالَوا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَينَنَا وَبَينَكُم أَلا نَعبُدَ إِلا اللَّهَ﴾ إلى قوله: ﴿فَقُولُوا اشهَدُوا بِأَنَّا مُسلِمُونَ﴾ فَلَمَّا فَرَغَ مِن قِرَاءَةِ الكِتَابِ، ارتَفَعَت الأَصوَاتُ عِندَهُ\nــ\nلأنه لم يكن على شريعة عيسى، ولا على غيرها، فلم يتبعه، فلا يحصل له أجر.\nوقوله: (فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين)؛ يروى: الأريسيين بالهمزة، وبالياء مكان الهمزة، فأما بالهمزة: فقيل: هم الملوك، وقيل: الأكارون، وهم الفلاحون. قال ابن الأعرابي: أرس، يأرس، أرسا: إذا صار ريسًا. فيكون معناه: إن أعرض عن الدخول في الإسلام كان عليه إثم من اتبعه من رؤساء مملكته ورعاياه. قال أبو عبيد: ليس الفلاحون الزراعون فقط، لكن أراد بهم جميع أهل مملكته؛ لأن كل من يزرع عند العرب فلاح. وأما من رواه بالياء، فقد قيل فيه ما تقدم، فتكون لغتين. وقال بعضهم: يكون من التبختر. يقال: راس، يريس، ريسًا، وريسانًا: إذا تبختر. وراس يروس، روسًا، أيضًا.\nقلت: وعلى هذا فيكون المراد به: أن عليه إثم من تكبر على الحق، ولم يدخل فيه من أهل مملكته.\n(أهل الكتاب): اليهود، والنصارى، نسبوا إلى الكتابين المنزلين على موسى وعيسى ﵉. (تعالوا) بمعنى: أجيبوا إلى ما دعيتم إليه. وهو الكلمة العادلة المستقيمة، التي ليس فيها ميل عن الحق، وقد فسرها بقوله: ﴿أَلا نَعبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشرِكَ بِهِ شَيئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعضُنَا بَعضًا أَربَابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ (أرباب) جمع: رب. وقد تقدَّم تفسيره. و(دون): هنا بمعنى: غير. ﴿فَإِن تَوَلَّوا﴾ أعرضوا عمَّا دعوا إليه. ﴿فَقُولُوا اشهَدُوا بِأَنَّا مُسلِمُونَ﴾؛ أي: متصفون بدين الإسلام، منقادون لأحكامه، معترفون بما لله علينا في ذلك من المنن، والإنعام.","vol":"3","page":609},{"text":"وَكَثُرَ اللَّغطُ، وَأَمَرَ بِنَا فَأُخرِجنَا، فَقُلتُ لِأَصحَابِي حِينَ خَرَجنَا: لَقَد أَمِرَ أَمرُ ابنِ أَبِي كَبشَةَ، إِنَّهُ لَيَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصفَرِ!\nــ\nوفيه دليل: على جواز الجنب، والكافر كتب التفسير والفقه، وإن كان فيها قرآن، لأن القرآن فيها تابع لغيره، فجاء ضمنًا بخلاف ما إذا كان القرآن وحده؛ فلا يجوز للجنب ولا للكافر أن يمسا منه شيئا، قليلا كان أو كثيرا، ومن هنا قال مالك - ﵀ -: إن المصحف إذا كان في عدل أو خرج ليس مخصوصا بالمصحف جاز للجنب، والنصراني أن يحملاه في خرجه، أو عدله، وأما جواز قراءة الجنب الآيات اليسيرة للتعوذ، فلا يستمرأ من هذا الحديث، فتأمله، واللغط: اختلاف الأصوات، واختلاطها، وهو السخب أيضا، كما وقع في البخاري.\nوقول أبي سفيان: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة، إنه ليخافه ملك بني الأصفر أمر أي: علا وعظم، وهو من: أمر القوم: إذا كثروا، ومنه قوله تعالى: ﴿أَمَرنَا مُترَفِيهَا﴾ فيمن قرأه بالتخفيف على أحد الوجوه، ونسبة النبي - ﷺ - لابن أبي كبشة، قال فيه أبو الحسن الجرجاني (١) النسابة: نسبتهم إياه لابن أبي كبشة عداوة له إذ لم يمكنهم الطعن في نسبه الشهير، وكان وهب بن عبد مناف بن زهرة جده أبو أمه يكنى أبا كبشة، وكذلك عمرو بن زيد بن أسد النجاري أبو سلمى أم عبد المطلب كان يدعى أبا كبشة، وكذلك أيضا في أجداده من قبل أمه أبو كبشة جز بن غالب بن الحارث، وهو أبو قيلة أم وهب بن عبد مناف أبي آمنة أمه - ﷺ - وهو خزاعي، وهو الذي كان يعبد الشعرى (٢) وكان أبوه من الرضاعة يدعى\n_________\n(١) هو علي بن عبد العزيز بن الحسن، وُلد بجرجان، وولي قضاءها، له: \"الوساطة بين المتنبي وخصومه\" و\"تفسير القرآن\"، و\"تهذيب التاريخ\" وغير ذلك. توفي بنيسابور سنة (٣٩٠ هـ).\n(٢) \"الشِّعْرى\": كوكب نيِّر يقال له المرزم، وهما الشِّعريان: العَبُور التي في الجوزاء، والغُميصاء التي في الذِّراع -نجم من نجوم الجوزاء-.","vol":"3","page":610},{"text":"قَالَ: فَمَا زِلتُ مُوقِنًا بِأَمرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُ سَيَظهَرُ، حَتَّى أَدخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الإِسلَامَ.\nوفي رواية: وَكَانَ قَيصَرُ لَمَّا كَشَفَ اللَّهُ عَنهُ جُنُودَ فَارِسَ، مَشَى مِن حِمصَ إِلَى إِيلِيَاءَ، شُكرًا لِمَا أَبلَاهُ اللَّهُ. وَقَالَ فِيها: مِن مُحَمَّدٍ عَبدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَقَالَ: إِثمَ اليَرِيسِيِّينَ. وَقَالَ: بِدَاعِيَةِ الإِسلَامِ.\nــ\nأبا كبشة وهو الحارث بن عبد العزى السعدي، وقال مثل هذا كله محمد بن حبيب البغدادي، وزاد أبو نصر بن ماكولا، وقال: أبو كبشة: عمرو والد حليمة مرضعته، وقيل: إنما نسبوه لأبي كبشة لأنه خرج من دين العرب، كما فعل أبو كبشة الذي عبد الشعرى العبور، وإنما عبدها، لأنه رآها تقطع السماء عرضا بخلاف سائر النجوم.\nوفي تسمية الروم بـ (بني الأصفر) قولان).\nأحدهما: ما قاله ابن الأنباري: أن جيشًا من الحبشة غلبوا على ناحيتهم في بعض الدهر فوطئوا نساءهم، فولدن أولادًا صفرًا.\nوالثاني: قاله أبو إسحاق الحربي، وهو أنهم نسبوا إلى الأصفر بن الروم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم. وهذا أشبه من القول الأول.\nوقوله: (شكرًا لما أبلاه)؛ أي: أنعم عليه. وأصل الابتلاء: الاختبار. وفيه لغتان: ثلاثيًّا، ورباعيًّا. يقال: بلا، وأبلى. وقد جمع بينهما زهير فقال:\n. . . . . . . . . . . . . ... وأبلاهما خير البلاء الذي يَبلو (١)\nوقيل: (أبلى) في الخير، و(بلا) في الشر. والأول أشهر.\n_________\n(١) هذا عجز بيت، وصدره: جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم.","vol":"3","page":611},{"text":"رواه أحمد (١/ ٢٦٣)، والبخاري (٤٥٥٣)، ومسلم (١٧٧٣)، والترمذي (٢٧١٧).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-472>(١٩) باب كتب النبي -ﷺ- إلى الملوك يدعوهم</span>\n[١٢٩٠] عَن أَنَسٍ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ -ﷺ- كَتَبَ إِلَى كِسرَى وَإِلَى قَيصَرَ، وَإِلَى النَّجَاشِيِّ: وَإِلَى كُلِّ جَبَّارٍ، يَدعُوهُم إِلَى اللَّهِ، وَلَيسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي صَلَّى عَلَيهِ النَّبِيُّﷺ-.\nــ\n(١٩) ومن باب: كتب النبي -ﷺ- إلى الملوك يدعوهم (١)\nقوله: (وليس بالنجاشي الذي صلَّى عليه النبي - ﷺ -)؛ هذا تحرز من الراوي؛ لئلا يظن أن النجاشي المسمى: أصحمة؛ الذي هاجر إليه أصحاب رسول الله -ﷺ- هو هذا، وليس كذلك؛ لأن هذا احتاج في إسلامه إلى أن يدعوه النبي -ﷺ- إلى الإسلام (٢)، ويكاتبه في ذلك، ولم يحتج أصحمة إلى شيء من ذلك، بل بنفس ما سمع القرآن من جعفر وأصحابه الذين هاجروا إلى أرضه، وأُخبر بقواعد الإسلام، وبمحاسنه، ورأى ما كان الصحابة عليه، أحب دين الإسلام، وانقاد إليه، وصرَّح بأنه على اعتقاد المسلمين في عيسى - ﵇-، وعرض على أهل مملكته الدخول في الإسلام، فلما رأى نفرتهم، ويئس منهم، كتم إسلامه تقية على نفسه، منتظرًا التخلص منهم، إلى أن توفي على الإسلام والإيمان بشهادة\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من الأصول، واستدرك من التلخيص.\n(٢) ساقط من (ع).","vol":"3","page":612},{"text":"وقد رواه من طريقين، ولم يذكر: وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي - ﷺ -.\nرواه مسلم (١٧٧٤)، والترمذي (٢٧١٨).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-473>(٢٠) باب في غزاة حنين وما تضمنته من الأحكام</span>\n[١٢٩١] عن عَبَّاس بن عبد المطلب، قال: شَهِدتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَومَ حُنَينٍ، فَلَزِمتُ أَنَا وَأَبُو سُفيَانَ بنُ الحَارِثِ بنِ\nــ\nرسول الله -ﷺ- له بذلك، حيث نعاه لهم، وقال: (إن أخًا لكم بأرض الحبشة قد مات، فقوموا، فصلوا عليه (١»؛ كما تقدَّم في الجنائز، وإنما النجاشي الذي كاتبه رسول الله -ﷺ- آخر غير هذا من ملوك الحبشة، إما في جهة أخرى، أو بعد موت أصحمة. والله تعالى أعلم.\nوهذه الأحاديث كلها تدل على جواز مفاتحة الكفار بالمكاتبة. وهو حكم لم يختلف فيه.\n(٢٠) ومن باب: غزوة حنين\nكانت غزوة حنين (٢) بعد فتح مكة بأيام، وذلك أن مكة فتحت لعشر بقين من رمضان سنة ثمان من الهجرة، وكانت وقعة هوازن يوم حنين في أول شوَّال من\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"3","page":613},{"text":"عَبدِ المُطَّلِبِ رَسُولَ اللَّهِﷺ-، فَلَم نُفَارِقهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى بَغلَةٍ لَهُ بَيضَاءَ، أَهدَاهَا لَهُ فَروَةُ بنُ نُفَاثَةَ الجُذَامِيُّ، فَلَمَّا التَقَى المُسلِمُونَ وَالكُفَّارُ وَلَّى المُسلِمُونَ مُدبِرِينَ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَركُضُ بَغلَتَهُ قِبَلَ الكُفَّارِ. قَالَ\nــ\nتلك السَّنة. و(حنين): موضع معروف، سُمِّي باسم رجل لازمه، ويصرف ولا يصرف. وأنشد في الصحاح:\nنصروا نبيهم وشدوا أزره ... بحنين يوم تواكل الأبطال\nوالأغلب عليه الصرف.\nو(فروة بن نفاثة) صوابه: بالنون المرفوعة، والفاء، والثاء المثلثة. كذا لجميع الرواة. وقد قيده (١) بعضهم: (نباتة) بالنون والباء بواحدة، والتاء باثنتين من فوقها، وكأنه تصحيف، وقد رواه مسلم من حديث معمر عن ابن شهاب. فقال: فروة بن نعامة، والأول أشهر. واختلف في إسلامه. وفي البخاري: أن مُهدي البغلة للنبي -ﷺ- ملك أيلة، واسمه فيما ذكره ابن إسحاق: يُحَنَّة بن رؤبة (٢).\nوقبوله -ﷺ- هدية فروة يعارضه قوله -ﷺ-: (إني نهيت عن زبد المشركين) (٣)، وامتنع من قبول هديتهم.\nوقد اختلف في هذين الحديثين. فمن العلماء من ذهب إلى أن حديث فروة ناسخ للحديث الآخر. ومنهم من رام الجمع بينهما فقال: حيث قبل فإنما قبل استئلافًا، وطمعًا في إسلام المُهدي، وحيث رد لم يطمع في\n_________\n(١) في (هـ) و(ط): شذ.\n(٢) في (ل): روزنة، وفي (هـ): روزبة، والمثبت من (ع) و(ج) وتاريخ الطبري (٣/ ١٠٨).\n(٣) رواه أبو داود (٣٠٥٧)، والترمذي (١٥٧٧) من حديث عياض بن حمار ﵁. و\"الزَّبْد\" الرِّفْد والعطاء.","vol":"3","page":614},{"text":"عَبَّاسٌ: وَأَنَا آخِذٌ بِلِجَامِ بَغلَةِ رَسُولِ اللَّهِﷺ-، أَكُفُّهَا إِرَادَةَ أَن لَا تُسرِعَ، وَأَبُو سُفيَانَ آخِذٌ بِرِكَابِ رَسُولِ اللَّهِﷺ-، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِﷺ-: أَي عَبَّاسُ، نَادِ أَصحَابَ السَّمُرَةِ. فَقَالَ عَبَّاسٌ، وَكَانَ رَجُلًا صَيِّتًا، فَقُلتُ بِأَعلَى صَوتِي: أَينَ أَصحَابُ السَّمُرَةِ؟ قَالَ: فَوَاللَّهِ لَكَأَنَّ عَطفَتَهُم حِينَ سَمِعُوا\nــ\nذلك. وقيل: إنما رد حيث لم تكن فيه مصلحة للمسلمين، وقيل حيث كان فيه ذلك. وقيل: إنما رد (١) ما أهدي له في خاصة نفسه، وقبل ما علم منه خلاف ذلك؛ قاله الطبري. قال (٢): ولا حجة لمن احتج بنسخ أحد الحديثين للآخر؛ إذ لم يأت في ذلك بيان. وقيل: إنما قبل هدية أهل الكتاب؛ إذ قد أبيح لنا طعامهم، ورد هدايا المشركين؛ إذ لم يبح لنا ذلك منهم. وأشبه هذه الأقوال قول من قال بالاستئلاف والمصلحة. والكل محتمل. والله تعالى أعلم.\nوركوبه -ﷺ- البغلة في ذلك الموطن مبالغة في الثبات، والصبر، ويدل على العزم على عدم الفرار كما قد فعل حين انهزم الناس عنه، وهو مقبل على العدو، يركض بغلته نحوهم. وقد زاد على ذلك، كما ذكر في الرواية الأخرى: إنه نزل بالأرض على عادة الشجعان في المنازلة. وهذا كله يدل: على أنه -ﷺ- كان أشجع الناس وأثبتهم في الحرب، ولذلك قالت الصحابة ﵃: إن الشجاع منا للذي يلوذ بجانبه.\nو(السمرة): هي شجرة الرضوان التي بايعه تحتها أصحابه (٣) بيعة الرضوان بالحديبية. وكانوا بايعوه على ألا يفرُّوا، فلما سمعوا النداء، تذكروا العهد، فارتجعوا رجعة واحدة، كرجل واحد، وهم يلبون النبي -ﷺ-، ولسرعة رجعتهم\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٢) غير مثبتة في (هـ) و(م).\n(٣) كذا في (ع) وفي بقية النسخ: أصحاب.","vol":"3","page":615},{"text":"صَوتِي عَطفَةُ البَقَرِ عَلَى أَولَادِهَا، قال: فَقَالَوا: يَا لَبَّيكَ يَا لَبَّيكَ. فَاقتَتَلُوا وَالكُفَّارَ، وَالدَّعوَةُ فِي الأَنصَارِ، يَقُولُونَ: يَا مَعشَرَ الأَنصَارِ، يَا مَعشَرَ الأَنصَارِ، قَالَ: ثُمَّ قُصِرَت الدَّعوَةُ عَلَى بَنِي الحَارِثِ بنِ الخَزرَجِ، فَقَالَوا: يَا بَنِي الحَارِثِ بنِ الخَزرَجِ، يَا بَنِي الحَارِثِ بنِ الخَزرَجِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ عَلَى بَغلَتِهِ كَالمُتَطَاوِلِ عَلَيهَا إِلَى قِتَالِهِم، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- هَذَا حِينَ حَمِيَ الوَطِيسُ، قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-\nــ\nواجتماعهم شبههم بعطفة (١) البقر على أولادها. وهذا كله يدل على قربهم من النبي -ﷺ- إذ ذاك، وأن انهزامهم لم يكن إلى بُعد، ولا من جميعهم، بل المنهزم إنما كان أكثرهم من أهل مكة والطلقاء، ومن في قلبه مرض، ولذلك كان بعضهم يقول في حال انهزامه: لا يردهم إلا البحر.\nوقوله: (فاقتتلوا والكفار) بنصب الراء على أن تكون الواو بمعنى (مع) وهو أولى؛ لما يلزم في الأحسن من توكيد الضمير المرفوع حين يعطف عليه.\nوقوله -ﷺ- هذا حين حمي الوطيس يجوز في حين البناء على الفتح؛ لأنه مضاف إلى جملة مبنية، ويجوز فيه الضم، على أن يكون (الحين) خبر المبتدأ، وهذا على نحو قول الشاعر (٢):\nعلى حين عاتبت المشيب على الصبا (٣) ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nروي بالخفض والفتح. و(حمي): استعر واتقد. و(الوطيس): موضع\n_________\n(١) في (ع): برجعة.\n(٢) هو النابغة الذبياني.\n(٣) وعجز البيت: فقلتُ: ألمَّا أصْحُ والشَّيبُ وازعُ.","vol":"3","page":616},{"text":"حَصَيَاتٍ فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوهَ الكُفَّارِ، ثُمَّ قَالَ: انهَزَمُوا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ. قَالَ: فَذَهَبتُ أَنظُرُ، فَإِذَا القِتَالُ عَلَى هَيئَتِهِ فِيمَا أَرَى، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَن رَمَاهُم بِحَصَيَاتِهِ، فَمَا زِلتُ أَرَى حَدَّهُم كَلِيلًا، وَأَمرَهُم مُدبِرًا.\nوَفِي رواية: انهَزموا ورب الكعبة! انهزموا ورب الكعبة! حتى هزمهم الله. قال: وكأني أنظر إلى رسول الله - ﷺ - يركض خلفهم على بغلته.\nرواه أحمد (١/ ٢٠٧)، ومسلم (١٧٧٥) (٧٦ و٧٧).\nــ\nوقود النار، واستعاره هنا لشدة الحرب. وهذا نحو قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوقَدُوا نَارًا لِلحَربِ أَطفَأَهَا اللَّهُ﴾ وهذه الاستعارة العجيبة لا يُعرف من تكلم بها قبل النبي -ﷺ- من العرب، ومنه تلقيت فصيرت مثلًا في الأمر إذا اشتد، قاله ابن الأعرابي. وقال الأصمعي: الوطيس: الحجارة المحمَّاة. وعلى هذا فهو جمع وطيسة. وقال أبو عمر المطرّز: هو التنور. وحينئذ لا يكون جمعًا.\nورميه -ﷺ- في وجوه الكفار بالتراب، وإصابته أعين جميعهم من أعظم معجزاته؛ إذ ليس في قوة البشر إيصال ذلك إلى أعينهم، ولا يسع كفه ما يعمهم، وإنما كان ذلك من صنع الله لنبيه -ﷺ-، ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيتَ إِذ رَمَيتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ وكذلك قوله: (انهزموا ورب الكعبة) قبل وقوع الهزيمة، هو من معجزاته الخبرية، فإنه خبر عن الغيب.\nوقوله: (شاهت الوجوه) - على ما في حديث سلمة -: خبر معناه: الدعاء؛ أي: اللهم شوّه وجوههم. أو هو: خبر عما يحل بهم من التشويه عند القتل، والأسر، والانتقام.\nو(الحسر): جمع حاسر، وهو الذي لا درع معه، ولا شيء يتقي به النبل.","vol":"3","page":617},{"text":"[١٢٩٢] وعَن أَبِي إِسحَاقَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلبَرَاءِ: يَا أَبَا عُمَارَةَ، فَرَرتُم يَومَ حُنَينٍ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، مَا وَلَّى رَسُولُ اللَّهِﷺ-، وَلَكِنَّهُ خَرَجَ شُبَّانُ أَصحَابِهِ وَأَخِفَّاؤُهُم حُسَّرًا لَيسَ عَلَيهِم سِلَاحٌ، أَو كَثِيرُ سِلَاحٍ، فَلَقُوا قَومًا رُمَاةً لَا يَكَادُ يَسقُطُ لَهُم سَهمٌ، جَمعَ هَوَازِنَ وَبَنِي نَصرٍ، فَرَشَقُوهُم رَشقًا مَا يَكَادُونَ يُخطِئُونَ، فَأَقبَلُوا هُنَاكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- عَلَى بَغلَتِهِ البَيضَاءِ، وَأَبُو سُفيَانَ بنُ الحَارِثِ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ يَقُودُ بِهِ، فَنَزَلَ فَاستَنصَرَ فَقَالَ:\nأَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِب ... أَنَا ابنُ عَبدِ المُطَّلِب\nــ\nو(الأخفاء): المسرعون، المستعجلون. وقد رواه الحربي، والمغربي: (جفاء من الناس) بجيم مضمومة مخففة والمد، وفسَّره المهدوي بالسراع، شبههم بجفاء السيل، وهو غثاؤه. وقال غيره: إنما أراد به أخلاط الناس، وضعفاءهم ممن لم يقصد القتال، بل الغنيمة، وفي قلبه مرض، شبههم بغثاء السيل، وهو ما احتمله السيل.\nو(استنصر)؛ أي: سأل النصر، ودعا به.\nوقوله: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب)؛ أي: أنا النبي المعروف عند علماء الكتاب، المنعوت في كتبهم حقًّا بلا كذب. وانتسابه لعبد المطلب؛ لأنه بذلك كان شهر (١) عندهم؛ لأن أباه عبد الله مات وتركه حملًا، فولد، ونشأ في حجر جدِّه عبد المطلب، ثم إن عبد المطلب أحبه حبًّا شديدًا، بحيث كان يفضله على أولاده، لما كان ظهر له من بركاته، وكراماته، فكان يلازمه لذلك، فعرف به، ولذلك ناداه ضمام بن ثعلبة: يا بن عبد المطلب! فانتمى هو عند الحرب على عادة الشجعان في انتسابهم لمن كان يعرف به (٢). وقيل: إنما كان ذلك منه\n_________\n(١) في (ع): أشهر.\n(٢) في (ع): كانوا يعرفون بهم.","vol":"3","page":618},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nتنبيهًا على ما قال سيف بن ذي يزن لعبد المطلب حين قدم عليه في وفد قريش، حيث بشره بأنه يكون من ولده نبي يقتل أعداءه. ولم يكن ذلك منه -ﷺ- على جهة الافتخار بآبائه، فإن ذلك من خلق الجاهلية التي قد نهى عنها النبي -ﷺ-، وحرَّمها، وذمَّ من انتمى إليها.\nلا يقال؛ يصح أن ينسب هذا الشعر للنبي -ﷺ- مع قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمنَاهُ الشِّعرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾؛ لأنا نجيب عن ذلك بأوجه:\nأحدها: أن هذا قصد به السجع لا الشعر، فليس بشعر. قيل (١) قد قال الأخفش: إن هذا رجز، والرجز ليس من الشعر.\nوالثاني: أنه -ﷺ- لم يقصد نظمًا ووزنًا فيكون شعرًا، فقد يأتي في الكلام والقرآن ما يتزن بوزن الشعر وليس بشعر، كقوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وقوله: ﴿نَصرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتحٌ قَرِيبٌ﴾ وكثيرا ما يقع للعوام في كلامهم المقفى الموزون، وليس بشعر، ولا يسمى قائله شاعرًا؛ لأنه لم يقصده، ولا شعر به (٢). والشعر إنما سمي بذلك؛ لأن قائله يشعر به ويقصده نظمًا، ووزنًا، ورويًا، وقافية، ومعنى.\nوالثالث: على تسليم أن هذا شعر فلا يلزم منه أن يكون النبي -ﷺ- عالِمًا بالشعر، ولا شاعرًا؛ فإن التمثل بالبيت الندر، وإصابة القافيتين من الرجز وغيره؛ لا يوجب أن يكون قائلها عالمًا بالشعر، ولا يسمى شاعرًا باتفاق العقلاء. وأما الذي نفى الله عن نبيه -ﷺ- فهو العلم بالشعر، وأصنافه، وأعاريضه، وقوافيه،\n_________\n(١) فيِ (ع) و(ج): بل.\n(٢) \"شَعُر\": اكتسب ملكة الشِّعر فأجاده.","vol":"3","page":619},{"text":"-زاد في رواية: اللَّهُمَّ نَزِّل نَصرَكَ- قال: ثم صفهم. قَالَ البَرَاءُ: كُنَّا وَاللَّهِ إِذَا احمَرَّ البَأسُ نَتَّقِي بِهِ، وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا الَّذِي يُحَاذِي بِهِ، يَعنِي النَّبِيَّ - ﷺ-.\nوَفِي رواية: وَلَكِن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- لَم يَفِرَّ، وَكَانَت هَوَازِنُ يَومَئِذٍ رُمَاةً،\nــ\nوالاتصاف بقوله، ولم يكن موصوفًا بشيء من ذلك بالاتفاق، ألا ترى أن قريشًا تراوضت فيما يقولون (١) للعرب فيه إذا قدموا عليهم الموسم، فقال بعضهم: نقول: إنه شاعر. فقال أهل الفطنة منهم: والله لتكذبنكم العرب، فإنهم يعرفون أصناف الشعر، فوالله ما يشبه شيئا منها، وما قوله بشعر. وقال أنيس أخو أبي ذر: لقد وضعت قوله على أقراء الشعر (٢) فلم يلتئم أنه شعر. وكان أنيس من أشعر العرب. وهذا الوجه هو المعتمد في الانفصال. والله تعالى أعلم.\nوفائدة قوله -ﷺ-: (أنا النبي لا كذب) إلى آخره؛ جواز الانتماء عند الحرب، كما قال سلمة بن الأكوع: خذها وأنا ابن الأكوع. وقد روي ذلك عن جماعة من السَّلف. وقال ابن عبد الحكم من أصحابنا: إنما يكره أن يكون ذلك على وجه الكبر، والافتخار، كما كانت الجاهلية تفعل.\nوقوله- أعني البراء -: (كنا إذا احمر البأس نتقي به)؛ هذا كناية عن شدة الحرب، إما لحمرة دم الجرحى والقتلى. وإما لتشبيه ذلك بحمرة جمرة النار. و(البأس) هنا: الحرب.\nوقوله: (ولكن رسول الله -ﷺ- لم يفرّ)؛ هذا هو المعلوم من حاله، وحال الأنبياء صلى الله عليه وعليهم وسلم؛ من إقدامهم، وشجاعتهم، وثقتهم بوعد\n_________\n(١) ساقطة من (ع).\n(٢) \"أقراء الشعر\": قوافيه التي يختم بها (اللسان).","vol":"3","page":620},{"text":"وَإِنَّا لَمَّا حَمَلنَا عَلَيهِم انكَشَفُوا، فَاَنكبَبنَا عَلَى الغَنَائِمِ، فَاستَقبَلُونَا بِالسِّهَامِ.\nرواه أحمد (٤/ ٢٨١)، والبخاري (٢٨٧٤)، ومسلم (١٧٧٦) (٧٨ و٧٩ و٨٠)، والترمذي (١٦٨٨).\n[١٢٩٣] وعن سَلَمَةَ بن الأكوع قَالَ: غَزَونَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حُنَينًا، فَلَمَّا وَاجَهنَا العَدُوَّ تَقَدَّمتُ فَأَعلُو ثَنِيَّةً، فَاستَقبَلَنِي رَجُلٌ مِن العَدُوِّ فَأَرمِيهِ بِسَهمٍ، فَتَوَارَى عَنِّي، فَمَا دَرَيتُ مَا صَنَعَ، وَنَظَرتُ إِلَى القَومِ فَإِذَا هُم قَد طَلَعُوا مِن ثَنِيَّةٍ أُخرَى، فَالتَقَوا هُم وَصَحَابَةُ النَّبِيِّﷺ-، فَوَلَّى صَحَابَةُ النَّبِيِّﷺ-، وَأَرجِعُ مُنهَزِمًا، وَعَلَيَّ بُردَتَانِ مُتَّزِر بِإِحدَاهُمَا، مُرتَد بِالأُخرَى، فَاستَطلَقَ إِزَارِي، فَجَمَعتُهُمَا جَمِيعًا، وَمَرَرتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مُنهَزِمًا، وَهُوَ\nــ\nالله تعالى، ورغبتهم في الشهادة، وفي لقاء الله تعالى. ولم يثبت قط عن واحد منهم: أنه فرَّ، أو انهزم (١)، ومن قال ذلك عن النبي -ﷺ-، فقال: فرَّ أو انهزم؛ قتل، ولم يستتب؛ لأنه صار بمنزلة من قال: إنه -ﷺ- كان أسود، أو أعجميًا، فأنكر ما علم من وصفه قطعًا، وكذب به، وذلك كفر، ولأنه قد أضاف إليه نقصًا وعيبًا (٢). وقد حكى أصحابنا الإجماع على قتل من أضاف إليه نقصًا أو عيبًا. وقيل: يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل.\nوقول سلمة: (ومررت على رسول الله -ﷺ- منهزمًا) (٣)؛ يفهم منه ثبوت النبي -ﷺ-، وتوجهه نحو الكفار، بل كان يركض بغلته نحوهم، ولما غشيه القوم، نزل عن البغلة، وثبت لهم قائمًا، حتى تراجع الناس إليه عند نداء العباس. ولم يسمع لأحد من الشجعان مثل هذا. والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) في (ج): ولا انهزم.\n(٢) أراد المؤلف -﵀- بالنقص والعيب نسبة الفرار إلى الرسول - ﷺ -.\n(٣) (منهزمًا) حال، وصاحب الحال التاء من قوله: (مررتُ) أي: أنَّ المنهزم كان سلمة.","vol":"3","page":621},{"text":"عَلَى بَغلَتِهِ الشَّهبَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِﷺ-: لَقَد رَأَى ابنُ الأَكوَعِ فَزَعًا. فَلَمَّا غَشُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَزَلَ عَن البَغلَةِ، ثُمَّ قَبَضَ قَبضَةً مِن تُرَابٍ مِن الأَرضِ، ثُمَّ استَقبَلَ بِهِ وُجُوهَهُم، فَقَالَ: شَاهَت الوُجُوهُ. فَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنهُم إِنسَانًا إِلَّا مَلَأَ الله عَينَيهِ تُرَابًا بِتِلكَ القَبضَةِ، فَوَلَّوا مُدبِرِينَ، فَهَزَمَهُم اللَّهُ، وَقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- غَنَائِمَهُم بَينَ المُسلِمِينَ.\nرواه مسلم (١٧٧٧).\n[١٢٩٤] وعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: افتَتَحنَا مَكَّةَ، ثُمَّ إِنَّا غَزَونَا حُنَينًا. قال: فَجَاءَ المُشرِكُونَ بِأَحسَنِ صُفُوفٍ رَأَيتُ قَالَ: فَصُفَّت الخَيلُ، ثُمَّ صُفَّت المُقَاتِلَةُ، ثُمَّ صُفَّت النِّسَاءُ مِن وَرَاءِ ذَلِكَ، ثُمَّ صُفَّت الغَنَمُ، ثُمَّ صُفَّت النَّعَمُ قَالَ: وَنَحنُ بَشَرٌ كَثِيرٌ. قَد بَلَغنَا سِتَّةَ آلَافٍ، وَعَلَى مُجَنِّبَةِ خَيلِنَا خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ قَالَ: فَجَعَلَت خَيلُنَا تَلوِذ خَلفَ ظُهُورِنَا، فَلَم نَلبَث أَن انكَشَفَت خَيلُنَا وَفَرَّت الأَعرَابُ، وَمَن نَعلَمُ مِن النَّاسِ. قَالَ: فَنَادَى رَسُولُ اللَّهِﷺ- يَا للمُهَاجِرِينَ يَا للمُهَاجِرِينَ ثُمَّ قَالَ: يَا لَلأَنصَارِ يَا للأَنصَارِ قَالَ أَنَسٌ: هَذَا حديث عِمِّيَّه قَالَ: قُلنَا: لَبَّيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ،\nــ\nوقوله: (ونحن بشر كثير قد بلغنا ستة آلاف)؛ هذا من أنس تقدير لا تحقيق، إن لم يكن غلطًا من بعض الرواة. وَأَصَحُّ مِن هَذِهِ الرِّوَايَةِ الرِّوَايَةُ الأُخرَى الَّتِي فِيهَا: أَنَّهُم كَانُوا عَشرَةَ آلَافٍ غَيرَ الطُّلَقَاءِ. وسموا بذلك؛ لأن النبي -ﷺ- أطلقهم عند فتح مكة، وهم غير العتقاء. والعتقاء: هم السبعون أو الثمانون (١) الذين راموا أن يغدروا بالنبي -ﷺ- وبعسكره يوم الحديبية فأخذوا، وأعتقوا، فسمُّوا: العتقاء بذلك. قاله أبو عمر بن عبد البر.\nوقول أنس بن مالك: (هذا حديث عميّه)؛ يعني: عمي، وزاد هاء السكت\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع) و(ج).","vol":"3","page":622},{"text":"قَالَ: فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِﷺ- قَالَ: فَايمُ اللَّهِ ومَا أَتَينَاهُم حَتَّى هَزَمَهُم اللَّهُ، فَقَبَضنَا ذَلِكَ المَالَ، ثُمَّ انطَلَقنَا إِلَى الطَّائِفِ فَحَاصَرنَاهُم أَربَعِينَ لَيلَةً، ثُمَّ رَجَعنَا إِلَى مَكَّةَ فَنَزَلنَا قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِﷺ- يُعطِي الرَّجُلَ المِائَةَ. وذَكَرَ الحديث نَحوِ ما تقدم.\nوفي رواية: وَمَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- يَومَئِذٍ عَشَرَةُ آلَافٍ، وَمَعَهُ الطُّلَقَاءُ فَأَدبَرُوا عَنهُ حَتَّى بَقِيَ وَحدَهُ قَالَ: فَنَادَى يَومَئِذٍ نِدَاءَينِ لَم يَخلِط بَينَهُمَا شَيئًا قَالَ: فَالتَفَتَ عَن يَمِينِهِ فَقَالَ: يَا مَعشَرَ الأَنصَارِ! فَقَالُوا: لَبَّيكَ\nــ\nالتي تثبت في الوقف. يعني بذلك: أن نداء رسول الله -ﷺ-: (يال (١) المهاجرين) إنما رواه عن عمه.\nوقوله: (فايم الله ما أتيناهم حتى هزمهم الله)؛ يعني بذلك: أنه (٢) ما رجع أوّل المنهزمة حتى هزم الله العدو على أيدي المتسارعين إلى النداء من المهاجرين والأنصار الذين قاتلوا بين يدي رسول الله -ﷺ- حين تطاول عليهم وقال: (الآن حمي الوطيس) (٣)، وبعد أن رمى الحصا في وجوههم، وقال: (شاهت الوجوه)؛ كما تقدم.\nوقوله في الرواية الأخرى: (فأدبروا عنه حتى بقي وحده)؛ يعني به: المقاتلين، وإلا فقد ثبت أنه كان بقي معه العباس وأبو سفيان.\nوقوله: (فنادى يومئذ نداءين)؛ هذان النداءان من النبي -ﷺ- إنما كان (٤) بعد\n_________\n(١) كذا في جميع النسخ بلام مفصولة مفتوحة، والمعروف وَصْلها بلام التعريف التي بعدها. ولعلَّ المقصود: يا آلَ المهاجرين.\n(٢) من (ج).\n(٣) الرواية التي فيها كلمة (الآن) هي رواية أحمد بن حنبل في مسنده (١/ ٢٠٧).\n(٤) كذا في جميع النسخ، ولعل الصواب: كانا.","vol":"3","page":623},{"text":"يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَبشِر نَحنُ مَعَكَ. قَالَ: ثُمَّ التَفَتَ عَن يَسَارِهِ فَقَالَ: يَا مَعشَرَ الأَنصَارِ فقَالُوا: لَبَّيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَبشِر نَحنُ مَعَكَ. قَالَ: وَهُوَ عَلَى بَغلَةٍ بَيضَاءَ. فَنَزَلَ فَقَالَ: أَنَا عَبدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ فَانهَزَمَ المُشرِكُونَ، وَأَصَابَ رَسُولُ اللَّهِﷺ- غَنَائِمَ كَثِيرَةً، فَقَسَمَ فِي المُهَاجِرِينَ، وَالطُّلَقَاءِ، وَلَم يُعطِ الأَنصَارَ شَيئًا.\nفقالت الأنصار: ما ذكرناه في باب إعطاء المؤلفة قلوبهم من كتاب الزكاة.\nرواه أحمد (٣/ ٢٧٩ - ٢٨٠)، والبخاري (٤٣٣٧)، ومسلم (١٠٥٩) في الزكاة (١٣٥ و١٣٦).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-474>(٢١) باب في محاصرة العدو، وجواز ضرب الأسير وطرف من غزوة الطائف</span>\n[١٢٩٥] وعَن عَبدِ الرحمن بنِ عَمر قَالَ: حَاصَرَ رَسُولُ اللَّهِﷺ- أَهلَ الطَّائِفِ، فَلَم يَنَل مِنهُم شَيئًا، فَقَالَ: إِنَّا قَافِلُونَ إِن شَاءَ اللَّهُ. قَالَ\nــ\nأن رجع إليه المهاجرون والأنصار بنداء العباس حين نادى: يا أصحاب السمرة؛ كما تقدم. وقد تقدم في كتاب الزكاة الكلام على باقي ما في هذا الحديث.\n(٢١) ومن باب: محاصرة العدو\nقوله: (حاصر رسول الله -ﷺ- أهل الطائف)؛ كان هذا الحصار بعد هزيمة هوازن، وذلك: أنه لجأ إليها فلّهم (١)، واجتمع بها شوكتهم ورماتهم مع رماة\n_________\n(١) \"الفل\": المنهزم.","vol":"3","page":624},{"text":"أَصحَابُهُ: نَرجِعُ وَلَم نَفتَتِحهُ؟ فَقَالَ لَهُم رَسُولُ اللَّهِﷺ-: اغدُوا عَلَى القِتَالِ. فَغَدَوا عَلَيهِ، فَأَصَابَهُم جِرَاحٌ، فَقَالَ: لَهُم رَسُولُ اللَّهِﷺ-: إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا. فَأَعجَبَهُم ذَلِكَ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِﷺ-.\nرواه أحمد (٢/ ١١)، والبخاري (٤٣٢٥)، ومسلم (١٧٧٨).\n[١٢٩٦] وعَن أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِﷺ- شَاوَرَ حِينَ بَلَغَهُ إِقبَالُ أَبِي سُفيَانَ قَالَ: فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكرٍ فَأَعرَضَ عَنهُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ عُمَرُ فَأَعرَضَ عَنهُ،\nــ\nثقيف. وكان النبي -ﷺ- لما رأى جدهم وامتناعهم قال لأصحابه: (إنا قافلون غدًا إن شاء الله)؛ على جهة الرفق بهم، والشفقة عليهم، فعظم عليهم أن يرجعوا ولم يفتحوا ذلك الحصن. ورأوا أن هذا العرض من النبي -ﷺ- على جهة (١) المشورة، فلما رأى رسول الله -ﷺ- جدهم في هذا، وما ظهر لهم، قال لهم: (اغدوا على القتال)، فلما أصابتهم الجراح، وقتل منهم جماعة على ما ذكر أهل التواريخ، قال لهم: (إنا قافلون غدًا)؛ فأعجبهم ذلك لما أصابهم من شدة الحال، ولما لقوا، فضحك النبي -ﷺ- لما رأى من اختلاف قولهم عند اختلاف الحالين، ورجوعهم إلى الرأي السديد، لكن بعد مشقة.\nوفيه من الفقه: جواز محاصرة العدو، والتضييق عليهم، الإمام أصحابه، وعرضه عليهم ما في نفسه، وسلوكه بهم طريق الرفق والرحمة.\nو(القافل) هو الراجع من السفر. والجماعة: القافلة. ولا يقال لهم في ابتداء سيرهم: قافلة. بل: رفقة.\nومشاورة النبي -ﷺ- أصحابه حين بلغه (٢) إقبال أبي سفيان. وإعراضه عن\n_________\n(١) في (ج): سبيل.\n(٢) في (ج): بلغهم.","vol":"3","page":625},{"text":"فَقَامَ سَعدُ بنُ عُبَادَةَ فَقَالَ: إِيَّانَا تُرِيدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لَو أَمَرتَنَا أَن نُخِيضَهَا البَحرَ لَأَخَضنَاهَا، وَلَو أَمَرتَنَا أَن نَضرِبَ أَكبَادَهَا إِلَى بَركِ الغِمَادِ لَفَعَلنَا. قَالَ: فَنَدَبَ رَسُولُ اللَّهِﷺ- النَّاسَ، فَانطَلَقُوا حَتَّى نَزَلُوا بَدرًا، وَوَرَدَت عَلَيهِم رَوَايَا قُرَيشٍ، وَفِيهِم غُلَامٌ أَسوَدُ لِبَنِي الحَجَّاجِ فَأَخَذُوهُ، فَكَانَ أَصحَابُ رَسُولِ اللَّهِﷺ- يَسأَلُونَهُ عَن أَبِي سُفيَانَ وَأَصحَابِهِ، فَيَقُولُ: مَا لِي عِلمٌ بِأَبِي سُفيَانَ، وَلَكِن هَذَا أَبُو جَهلٍ، وَعُتبَةُ، وَشَيبَةُ، وَأُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ في الناس. فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ ضَرَبُوهُ، فَقَالَ: نَعَم، أَنَا أُخبِرُكُم: هَذَا أَبُو سُفيَانَ، فَإِذَا تَرَكُوهُ فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: مَا لِي بِأَبِي سُفيَانَ عِلمٌ، وَلَكِن هَذَا\nــ\nتكليم المهاجرين إنما كان ليستخرج ما عند الأنصار من خروجهم معه للحرب، وذلك: أنهم إنما كانوا بايعوه ليمنعوه من الأحمر والأسود، ولم يأخذ عليهم أن يخرجوا معه، فأراد أن يعلم ما عندهم من ذلك، فعرض عليهم ذلك، فأجابوه بالجواب الذي ذكره سعد بن عبادة، الذي حصل لهم به المقام المحمود، والشرف المشهود.\nو(بَرك الغِمَاد): موضع بأقاصى هجر، بينه وبينهم بُعد عظيم. والرواية المشهورة فيه (بَرك) بفتح الباء بواحدة وسكون الراء. و(الغِمَاد) بكسر الغين المعجمة. وقيده شيوخ أبي ذر في البخاري: بكسر الباء. وقال بعض اللغويين: هو الصواب. وضبطه الأصيلي: بفتح الراء وسكونها. أعني: راء (برك). وحكى ابن دريد: الكسر، والضم في غين (الغماد)، والصحيح المشهور؛ الأول.\nوفي ضرب الصحابة للغلام، وإقرار النبي -ﷺ- إيَّاهم عليه. ما يدل على جواز ضرب الأسير، وتعزير المتهم إذا كان هنالك سبب يقتضي ذلك، وأنه يضرب في التعزير فوق العشرة، خلافًا لمن أبى ذلك، وقال: لا يضرب فوق العشرة. وستأتي المسألة إن شاء الله تعالى.","vol":"3","page":626},{"text":"أَبُو جَهلٍ، وَعُتبَةُ، وَشَيبَةُ، وَأُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ فِي النَّاسِ، فَإِذَا قَالَ هَذَا أَيضًا ضَرَبُوهُ وَرَسُولُ اللَّهِﷺ- قَائِمٌ يُصَلِّي، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ انصَرَفَ. فقال: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لَتَضرِبُونهُ إِذَا صَدَقَكُم وَتَترُكُونهُ إِذَا كَذَبَكُم. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِﷺ-: هَذَا مَصرَعُ فُلَانٍ. قَالَ: وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى الأَرضِ هَاهُنَا وهَاهُنَا، قَالَ: فَمَا مَاطَ أَحَدُهُم عَن مَوضِعِ يَدِ رَسُولِ اللَّهِﷺ-.\nرواه أحمد (٣/ ٢١٩ - ٢٢٠)، ومسلم (١٧٧٩)، وأبو داود (٢٦٨١).\n* * *\nــ\nواختلف في المتهم عند الضرب. فعند الشافعي وكثير من أصحابه: لا يقبل إقراره حتى يتمادى (١)؛ سواء عين ما أقر به من سرقة أو قتل، أو لم يعين. ومن أصحابنا من ألزمه ذلك إذا عين المقر به، وإن رجع عن إقراره. ومنهم من أجازه وإن لم يعين. ومنهم من منعه وإن تمادى عليه لأن خوفه أن يعاد عليه العذاب باق.\nوقوله -ﷺ-: (والذي نفسي بيده! لتضربونه إذا صدقكم، وتتركونه إذا كذبكم)؛ إخبار عن غيب، فهو من أعلام نبوته، وكذلك قوله: (هذا مصرع فلان، وفلان)؛ إذ قد وقع ذلك، ووجد كما أخبر عنه.\nوقوله: (فما ماط أحدهم موضع يده -ﷺ -)؛ أي: ما تباعد. يقال: ماط الرجل: إذا تباعد، وأماط غيره: إذا باعده. وقيل: ماط الرجل، وأماط: إذا تباعد، لغتان.\n_________\n(١) أي: يمضي في إقراره، ويُداوم عليه، ولا يرجع عنه.","vol":"3","page":627},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-475>(٢٢) باب ما جاء أن فتح مكة عنوة وقوله ﵊: لَا يَقتِلُ قُرَشِيٌّ صَبرًّا بَعدَ اليَومِ</span>\n[١٢٩٧] عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ رَبَاحٍ قَالَ: وَفَدنَا إِلَى مُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي سُفيَانَ وَفِينَا أَبُو هُرَيرَةَ، فَكَانَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا يَصنَعُ طَعَامًا يَومًا لِأَصحَابِهِ، فَكَانَت نَوبَتِي فَقُلتُ: يَا أَبَا هُرَيرَةَ، اليَومُ نَوبَتِي، فَجَاءُوا إِلَى المَنزِلِ وَلَم يُدرِك طَعَامُنَا فَقُلتُ: يَا أَبَا هُرَيرَةَ، لَو حَدَّثتَنَا عَن رَسُولِ اللَّهِﷺ- حَتَّى يُدرِكَ طَعَامُنَا. فَقَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِﷺ- يَومَ الفَتحِ، فَجَعَلَ خَالِدَ بنَ الوَلِيدِ\nــ\n(٢٢) ومن باب: ما جاء أن فتح مكة عنوة\nقوله: (كان كل (١) رجل منَّا يصنع طعامًا يومًا لأصحابه، فكانت نوبتي)؛ هذه المناوبة في الطعام كانت منهم على جهة المكارمة، والمطايبة، والتبرك بالمؤاكلة والمشاركة فيها، لا على جهة المعاوضة، والمشاحة؛ ولذلك قال أبو هريرة للذي دعاه: (سبقتني) (٢). ففيه ما كان السلف عليه من حسن التودد، والمزاولة، والمواصلة، والمكارمة. و(لو) هي هنا للتمني؛ أي: ليتك حدثتنا. و(أدرك طعامنا)؛ أي: انتهى إلى النضج.\n_________\n(١) ساقطة من (ج).\n(٢) هذه اللفظة من رواية ثانية للحديث، وهي في صحيح مسلم برقم (١٧٨٠).","vol":"3","page":628},{"text":"عَلَى المُجَنِّبَةِ اليُمنَى، وَجَعَلَ الزُّبَيرَ عَلَى المُجَنِّبَةِ اليُسرَى، وَجَعَلَ أَبَا عُبَيدَةَ عَلَى البَيَاذِقَةِ وَبَطنِ الوَادِي، فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيرَةَ، ادعُ لِي الأَنصَارَ. فَدَعَوتُهُم فَجَاءُوا يُهَروِلُونَ، فَقَالَ: يَا مَعشَرَ الأَنصَارِ، هَل تَرَونَ أَوبَاشَ قُرَيشٍ؟ . قَالَوا: نَعَم، قَالَ: انظُرُوا إِذَا لَقِيتُمُوهُم غَدًا، أَن تَحصُدُوهُم\nــ\nوقوله: (وجعل أبا عبيدة على البياذقة)؛ البياذقة: هم الرَّجالة. وأصله بالفارسية: أصحاب ركاب الملك. وقد رواه بعضهم: (السَّاقة) وفيها بُعد. وبعضهم قال: (الشارفة)؛ أي: المشرفة. وهي تصحيف. والأُولى هي الصواب. وفي رواية أخرى: (الحسر) مكان (البياذقة) وهو جمع حاسر. وهو هنا: الذي لا درع معه. وهذا الوصف صادق على الرَّجالة؛ فإنهم كذلك غالبًا.\nوقوله: (وبطن الوادي) منصوب بفعل مضمر؛ أي: وجعل طريقه بطن الوادي، كما جاء مفسَّرًا في الرواية، ولا يجوز خفضه؛ لأنه يلزم منه أن يكون النبي -ﷺ- جعل أبا عبيدة على سكان بطن الوادي. وذلك غير مراد قطعًا.\nونداؤه -ﷺ- للأنصار خاصة: إما لأن المهاجرين كانوا حضورًا معه، فلم يحتج إلى ندائهم، وإما ليظهر لهم شدة اعتنائه بهم، وتعويله عليهم. ويظهر لي: أن اختصاصه بالأنصار في هذا الموضع، وقوله: (لا يأتيني إلا أنصاري)؛ كما جاء في الرواية الأخرى، إنما كان لأنه وصَّاهم بقتل من تعرض لهم من قريش؛ إذ لا قرابة، ولا رحم بينهم، فلا موجب للعطف عليهم، بخلاف المهاجرين؛ فإن بينهم قرابات وأرحامًا، فلا جرم لما سمعت الأنصار أمره مضوا لذلك، فلم يتعرض لهم أحد إلا أناموه؛ أي: قتلوه، فصيروه كالنائم. والله تعالى أعلم.\nو(أوباش قريش): أخلاطهم. وفي الرواية الأخرى: ووبشت قريش أوباشًا لها؛ أي: جمعت جموعًا من قبائل مختلفة. ويقال: أوباش وأوشاب. بمعنى","vol":"3","page":629},{"text":"حَصدًا. وَأَخفَى بِيَدِهِ وَوَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ، وَقَالَ: مَوعِدُكُم الصَّفَا. قَالَ: فَمَا أَشرَفَ يَومَئِذٍ لَهُم أَحَدٌ إِلَّا أَنَامُوهُ، قَالَ: وَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِﷺ- على الصَّفَا، وَجَاءَت الأَنصَارُ فَأَطَافُوا بِالصَّفَا، فَجَاءَ أَبُو سُفيَانَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُبِيدَت خَضرَاءُ قُرَيشٍ، لَا قُرَيشَ بَعدَ اليَومِ. قَالَ أَبُو سُفيَانَ:\nــ\nواحد.\nو(الحصد): القطع. وأصله في الزرع، واستعاره هنا للقتل لما كانت الرءوس والأيدي تقطع فيه.\nوقوله: (وأحفى بيده ووضع يمينه على شماله)؛ كذا صحيح الرواية- بالحاء المهملة- معناه: استأصل؛ أي: أشار إلى ذلك. وبعضهم رواه: (وأكفى) - بالكاف-؛ أي: مال بيده، فكأنه - ﷺ - وضع يمناه على يسراه، وأمرها عليها مشيرًا إلى الاستئصال. والله تعالى أعلم.\nوقوله: (موعدكم الصفا)؛ ظاهره خطابه للأنصار، فكأنه -ﷺ- سلك الطريق الأعلى من مكة، وسلكت الأنصار من أسفلها، حتى اجتمعوا عند الصفا. و(الموعد) هنا: موضع الوعد، وقد يأتي كذلك في الزمان، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَوعِدَهُمُ الصُّبحُ﴾ ويأتي كذلك للمصدر. وهو في كل ذلك مكسور العين.\nوقول أبي سفيان: (أبيدت خضراء قريش)؛ أي: أفنيت وأذهبت. وفي رواية أخرى: (أبيحت) من الإباحة. وكلاهما متقارب. و(خضراء قريش) معظمها، وجموعها.\nوقوله: (لا قريش بعد اليوم)؛ أي: لا وجود لقريش بعد هذا. وذلك لما رأى من هول الأمر، والغلبة، والقهر، والاستطالة، والاستيلاء عليهم.\nوهذا الحديث لمالك نص: على أن النبي -ﷺ- دخلها عنوة، وقهرًا. وهو","vol":"3","page":630},{"text":"فقَالَ رَسُولُ اللَّهِﷺ-: مَن دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَن أَغلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَن أَلقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ، فَقَالَت الأَنصَارُ: أَمَّا الرَّجُلُ فَقَد أَخَذَتهُ رَأفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ، وَرَغبَةٌ فِي قَريَتِهِ. وَنَزَلَ الوَحيُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِﷺ-، وقَالَ: قُلتُم: أَمَّا الرَّجُلُ فَقَد أَخَذَتهُ رَأفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ وَرَغبَةٌ فِي قَريَتِهِ، أَلَا فَمَا اسمِي إِذًا (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) أَنَا مُحَمَّدٌ عَبدُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، هَاجَرتُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيكُم، فَالمَحيَا مَحيَاكُم، وَالمَمَاتُ مَمَاتُكُم. قَالَوا: وَاللَّهِ مَا قُلنَا إِلَّا ضِنًّا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُم وَيَعذِرَانِكُم.\nــ\nالذي صار إليه جمهور العلماء، والفقهاء، مالك وغيره، ما عدا الشافعي، فإنه قال: فتحت صلحًا. وقد اعتذر بعض أصحابه عنه في ذلك بأن قال: أراد الشافعي بقوله: إنه - ﷺ - دخل مكة صلحًا؛ أي: فعل فيها ما يفعل من صالح. فملكهم أنفسهم، ومالهم (١)، وأرضيهم.\nقلت: والكل متفقون على أن النبي -ﷺ- لما دخل مكة أمن أهلها ولم يغنمهم، وترك لهم أموالهم، وذراريهم، وأراضيهم، ولم يجر عليها حكم الغنيمة، ولا حكم الفيء، فكان ذلك أمرًا خاصًّا بمكة، لشرفها، وحرمتها، ولا يساويها في ذلك غيرها من البلاد بوجه من الوجوه. والله تعالى أعلم. وقد تقدم الكلام في بيع دور مكة وإجاراتها.\nوقول الأنصار: (أما الرَّجل فقد أخذته رأفة بعشيرته، ورغبة في قريته)؛ هذا القول ليس فيه تنقيص، ولا تصغير، وإنما هم لما رأوا منه ما يقتضيه خلق الكرام، وجبلات الفضلاء من الرأفة على العشيرة، والصَّغو (٢) للوطن، والحنين له، خافوا أن يؤثر المقام فيها على المقام بالمدينة، فحملهم شدة محبتهم له، وكراهة\n_________\n(١) في (ج): وأموالهم.\n(٢) \"الصغو\": الميل.","vol":"3","page":631},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: فَأَقبَلَ النَّاسُ إِلَى دَارِ أَبِي سُفيَانَ، وَأَغلَقَ النَّاسُ أَبوَابَهُم، قَالَ: فأَقبَلَ رَسُولُ اللَّهِﷺ- حَتَّى أَقبَلَ إِلَى الحَجَرِ فَاستَلَمَهُ، ثُمَّ طَافَ بِالبَيتِ، قَالَ: فَأَتَى عَلَى صَنَمٍ إِلَى جَنبِ البَيتِ كَانُوا يَعبُدُونَهُ، قَالَ: وَفِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِﷺ- قَوسٌ. وَهُوَ آخِذٌ بِسِيَةِ القَوسِ، فَلَمَّا أَتَى عَلَى الصَّنَمِ جَعَلَ يَطعُنُ فِي عَينِهِ وَيَقُولُ: جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ فَلَمَّا فَرَغَ مِن طَوَافِهِ أَتَى الصَّفَا، فَعَلَا عَلَيهِ حَتَّى نَظَرَ إِلَى البَيتِ، وَرَفَعَ يَدَيهِ فَجَعَلَ يَحمَدُ اللَّهَ وَيَدعُو بِمَا شَاءَ أَن يَدعُوَ.\nرواه أحمد (٢/ ٥٣٨)، ومسلم (١٧٨٠) (٨٤ و٨٦)، وأبو داود (١٨٧٢) و(٣٠٢٣).\nــ\nمفارقته، أو مفارقة أوطانهم، على أن قالوا هذا الكلام، وقد بيَّنوا عذرهم عن هذا حيث قالوا: (ما قلناه إلا ضنًّا برسول الله -ﷺ -؛ أي: بخلًا.\nوإخباره -ﷺ- إياهم بما قالوا، معجزة من معجزاته.\nوقوله -ﷺ-: (ألا فما اسمي إذًا؟) قيل: إنما قال ذلك تنبيهًا على صدقه لما ظهرت معجزته بإخباره عما غاب عنه، كما كان يقول عند ظهور الخوارق على يديه: (أشهد أني رسول الله) (١). وقيل: إنما قال ذلك تنبيهًا على أن صدق اسمه (محمد) عليه يمنعه من نقض العهد، وترك القيام بحق من له حق، فكأنه قال: لو فعلت ذلك لما استحققت أن أسمّى: محمدًا، ولا: أحمد؛ وكلاهما مأخوذ من الحمد. ويدل على صحة هذا التأويل قوله: (المحيا محياكم، والممات مماتكم) (٢)؛ أي لا أفارقكم حياتي ولا موتي. وبكاء الأنصار إنما كان فرحًا وصبابة برسول الله -ﷺ-.\n_________\n(١) رواه البيهقي في دلائل النبوة (٦/ ٢٢٩).\n(٢) هو حديث الباب.","vol":"3","page":632},{"text":"[١٢٩٨] وعَن عَبدِ اللَّهِ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّﷺ- مَكَّةَ وَحَولَ الكَعبَةِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ نُصُبًا، وفي رواية: صنما، فَجَعَلَ يَطعُنُهَا بِعُودٍ كَانَ في يَدِهِ وَيَقُولُ: جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ، إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا، جَاءَ الحَقُّ، وَمَا يُبدِئُ البَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ.\nرواه البخاري (٢٤٧٨)، ومسلم (١٧٨١)، والترمذي (٣١٣٧).\n[١٢٩٩] وعن عَبدُ اللَّهِ بنُ مُطِيعٍ، عَن أَبِيهِ قَالَ: سَمِعتُ النَّبِيَّﷺ- يَقُولُ يوم فتح مكة: لَا يُقتَلُ قُرَشِيٌّ صَبرًا بَعدَ اليَومِ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ.\nــ\nو(سية القوس): طرفها المنحني. وله سيتان. وقد قال في طريق أخرى: (بعود في يديه)، يريد به القوس.\nوقوله: (كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا)؛ إنما كانت بهذا العدد؛ لأنهم كانوا يعظمون في كل يوم صنمًا، ويخصُّون أعظمها بيومين.\nوقوله: (فجعل يطعنها بعود في يده)؛ يقال: كانت مثبتة بالرَّصاص، وأنه كلما طعن منها صنمًا في وجهه خر لقفاه، أو في قفاه خر لوجهه (١). ذكر هذا القول عياض في كتاب الشفاء.\nوقوله -ﷺ-: (لا يقتل قرشي صبرًا بعد اليوم إلى يوم القيامة)؛ أصل الصبر: الحبس. فمعنى: قتل صبرًا؛ أي: محبوسًا، مأسورًا لا في معركة، ومنه: المصبورة: المنهي عن قتلها. قال الحميدي: وقد تأوَّل بعض العلماء هذا الحديث على معنى: أنه لا يقتل قرشي مرتدًّا ثابتًا على الكفر صبرًا؛ إذ قد وجد من قتل منهم صبرًا في القتال وغيره، ولم يوجد من قتل منهم صبرًا وهو ثابت على الكفر.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (هـ).","vol":"3","page":633},{"text":"زَادَ فِي رِوَايَةٍ: وَلَم يَكُن أَحَدٌ أَسلَمَ مِن عُصَاةِ قُرَيشٍ غَيرَ مُطِيعٍ، كَانَ اسمُهُ العَاصِي، فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِﷺ- مُطِيعًا.\nرواه أحمد (٣/ ٤١٢)، ومسلم (١٧٨٢) (٨٨ و٨٩).\n* * *\nــ\nوقد قال عياض: هذا إعلام منه -ﷺ-: أنهم يسلمون كلهم، كما كان، وأنهم لا يرتدون بعده كما ارتد غيرهم ممن حورب، وقتل صبرًا.\nوقوله: (لم يكن أسلم من عصاة قريش غير مطيع بن الأسود)؛ قال القاضي عياض: (عصاة) هنا: جمع العاصي، من الأسماء، لا من الصفات؛ أي: لم يسلم ممن كان اسمه (العاصي)، كالعاصي بن وائل السهمي، والعاصي بن هشام أبي البختري، والعاصي بن سعد بن العاصي بن أميَّة، والعاصي بن هشام بن المغيرة المخزومي، والعاصي بن منبه بن الحجاج وغيرهم، سوى العاصي بن الأسود العدوي، فغير النبي - ﷺ - اسمه، فسماه: مطيعًا. وإلا فقد أسلم عصاة قريش وعتاتهم، والحمد لله، لكنه قد ذكر: أن أبا (١) جندل بن سهيل بن عمرو هو ممن أسلم، واسمه: العاصي. فإذا صح هذا فيحتمل: أن لما غلبت كنيته عليه، وصار اسمه كأنه غير معروف، فلم يستثنه كما استثنى مطيع بن الأسود. والله تعالى أعلم.\n* * *\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"3","page":634},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-476>(٢٣) باب صلح الحديبية وقوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحنَا لَكَ فَتحًا مُبِينًا﴾</span>\n[١٣٠٠] عَن البَرَاءِ قَالَ: لَمَّا أُحصِرَ - يعني: النَّبِيُّﷺ- عِندَ البَيتِ، صَالَحَهُ أَهلُ مَكَّةَ عَلَى أَن يَدخُلَهَا فَيُقِيمَ بِهَا ثَلَاثًا، وَلَا يَدخُلَهَا إِلَّا بِجُلُبَّانِ السِّلَاحِ: السَّيفِ وَقِرَابِهِ، وَلَا يَخرُجَ بِأَحَدٍ مَعَهُ مِن أَهلِهَا، وَلَا يَمنَعَ أَحَدًا يَمكُثُ بِهَا مِمَّن كَانَ مَعَهُ، قَالَ لِعَلِيٍّ: اكتُب الشَّرطَ بَينَنَا: بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا قَاضَى عَلَيهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ لَهُ المُشرِكُونَ: لَو\nــ\n(٢٣) ومن باب: صلح الحديبية\n(جُلُبان السلاح) بضم الجيم واللام. وذكره الهروي: بإسكان اللام. وصوَّبه ثابت. وهو مثل الجلبان من القطاني، وقاله بعض المتقنين بالراء: (جربان) بدل اللام. وجربان السيف والقميص. وفي البخاري: بجلب السلاح. ولعله جمع جلبان. وقد فسر الجلبان في الحديث: بالسيف وما هو فيه، وهو شبه الجراب من الأدم، يوضع فيه السيف مغمودًا، ويطرح فيه السوط. وفائدة اشتراطهم ذلك: أن لا يدخل عليهم على حالة المحاربين وهيئتهم، فيظن أنه دخلها عليهم قهرًا.\nوقوله: (هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله)؛ أي: ما صالح عليه. وهو حجَّة لأرباب الوثائق على افتتاحهم الوثائق التي لها بال بهذا، كقولهم: هذا ما اشترى، وهذا ما أعتق، وهذا ما أصدق. وعلى تقديم الرجل الكبير في صدر الوثيقة، بائعًا كان، أو مبتاعًا.\nو(يمحاها): يذهبها ويزيلها؛ يعني: الكلمة التي نازعه فيها. يقال: محوت الشيء، ومحيته، أمحوه، وأمحاه، محوًا، ومحيًا.\nوامتناع علي ﵁ من المحو مع أمر النبي -ﷺ- بذلك: إنما كان لأنه لم يفهم من ذلك الأمر الجزم، ولا الإيجاب. وإنما فهم: أن النبي -ﷺ- أمره بذلك","vol":"3","page":635},{"text":"نَعلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ تَابَعنَاكَ، - وفي رواية: بايعناك - وَلَكِن اكتُب: مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ اللَّهِ. فَأَمَرَ عَلِيًّا أَن يَمحَاهَا، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَا وَاللَّهِ، لَا أَمحَاهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: أَرِنِي مَكَانَهَا. فَأَرَاهُ مَكَانَهَا. فَمَحَاهَا، وَكَتَبَ: ابنُ عَبدِ اللَّهِ. فَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا أَن كَانَ اليَومُ الثَّالِثِ قَالَوا لِعَلِيٍّ: هَذَا آخِرُ يَومٍ مِن شَرطِ صَاحِبِكَ فَأمُرهُ فَليَخرُج، فَأَخبَرَهُ بِذَلِكَ. فَقَالَ: نَعَم، فَخَرَجَ.\nرواه أحمد (٤/ ٢٨٩ - ٢٩١)، والبخاري (٢٦٩٨)، ومسلم (١٧٨٣) (٩٢)، وأبو داود (١٨٣٢).\nــ\nعلى جهة المصلحة في موافقتهم على ما طلبوه، لكن خفي على علي وعمر وغيرهما وجه المصلحة في ذلك؛ ولذلك عظمت عليهم تلك الحال، واشتدت عليهم حتى قال عمر ما قال: وحلف علي: ألا يمحو ما أمره بمحوه تعظيمًا لمحو اسم الرسالة عن النبي -ﷺ-، والنبي -ﷺ- في كل ذلك (١) مقبل على ما أراه الله، وممتثل أمر الله تعالى ساكن الجأش، واثقًا بأن الله لا يضيعه، وأن الله سيجعل لهم في ذلك خيرًا وفرجًا، ولذلك كان حال أبي بكر من سكون الجأش، والثقة بالله؟ حتى قال لعمر ما قال، مما يدل على موافقته رسول الله -ﷺ- ظاهرًا، وباطنًا، حتى نصَّ على عمر ما قاله له رسول الله -ﷺ- حرفًا، حرفًا، حسب ما نصه في حديث سهل بن حنيف.\nوقوله: (أرني مكانها، فأراه، فمحاها وكتب)؛ ظاهر هذا: أنه -ﷺ- محى تلك الكلمة التي هي (رسول الله -ﷺ-) بيده، وكتب مكانها: (ابن عبد الله)، وقد رواه البخاري بأظهر من هذا فقال: فأخذ رسول الله -ﷺ- الكتاب، فكتب. وزاد في طريق\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"3","page":636},{"text":"[١٣٠١] وعَن أَنَسٍ: أَنَّ قُرَيشًا صَالَحُوا النَّبِيَّ -ﷺ- فِيهِم سُهَيلُ بنُ عَمرٍو، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- لِعَلِيٍّ: اكتُب: بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ سُهَيلٌ: أَمَّا بِسمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم، فَمَا نَدرِي بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ،\nــ\nأخرى: (ولا يحسن أن يكتب). فقال جماعة بجواز هذا الظاهر عليه، وأنه كتب بيده. منهم: السمناني، وأبو ذر، والباجي. ورأوا: أن ذلك غير قادح في كونه: أمِّيًا، ولا معارض لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتلُو مِن قَبلِهِ مِن كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ ولا لقوله: (إنا أمة أميِّة، لا نكتب ولا نحسب) (١)؛ بل رأوه زيادة في معجزاته، واستظهارًا على صدقه، وصحة رسالته. وذلك: أنه كتب من غير تعلم الكتابة، ولا تعاط لأسبابها، فكان ذلك خارقًا للعادة، كما أنه -ﷺ- عَلِم عِلم الأولين والآخرين من غير تعلُّم، ولا اكتساب، فكان ذلك أبلغ في معجزاته، وأعظم في فضائله، هذا لو فرض أنه علم الكتابة كلها، وداوم عليها، فكيف ولم يرو عنه قط أنه كتب في غير ذلك الموطن الخاص، بل لم يفارق ما كان عليه من عدم معرفته بالكتابة حالة كتابته تلك، وإنما أجرى الله تعالى على يده، وقلمه حركات كانت عنها خطوط مفهومها: (ابن عبد الله) لمن قرأها (٢)، ثم هل كان عالِمًا في تلك الحال بنظم تلك الحروف الخاصة؛ كل ذلك محتمل. وعلى التقديرين: فلا يزول عنه اسم الأمي بذلك؛ ولذلك قال الراوي عنه في هذه الحالة: (ولا يحسن أن يكتب). فبقي عليه اسم الأمي مع كونه قال: (كتب). وقد أنكر هذا كثير من متفقهة الأندلس وغيرهم، وشدّدوا النكير فيه، ونسبوا قائله إلى الكفر. وذلك دليل: على عدم العلوم النظرية، وعدم التوقف في تكفير المسلمين، ولم يتفطنوا لأن تكفير المسلم كقتله،\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٤٣ و٥٢)، ومسلم (٧٦١)، وأبو داود (٢٣١٩)، والنسائي (٥/ ١٣٩).\n(٢) ساقط من (ع).","vol":"3","page":637},{"text":"وَلَكِن اكتُب مَا نَعرِفُ: بِاسمِكَ اللَّهُمَّ. فَقَالَ: اكتُب: مِن مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ. قَالَوا: لَو عَلِمنَا أَنَّكَ رَسُولُه لَاتَّبَعنَاكَ، وَلَكِن اكتُب: اسمَكَ وَاسمَ أَبِيكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: اكتُب مِن مُحَمَّدِ بنِ عَبدِ اللَّهِ. فَاشتَرَطُوا عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- أَن مَن جَاءَ مِنكُم لَم نَرُدَّهُ عَلَيكُم، وَمَن جَاءَ مِنَّا رَدَدتُمُوهُ عَلَينَا. فَقَالَوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَكتُبُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَم، إِنَّهُ مَن ذَهَبَ إِلَيهِم فَأَبعَدَهُ اللَّهُ، وَمَن جَاءَنَا مِنهُم سَيَجعَلُ اللَّهُ لَهُ فَرَجًا وَمَخرَجًا.\nرواه أحمد (٣/ ٢٦٨)، ومسلم (١٧٨٤).\nــ\nعلى ما جاء عنه -ﷺ- في الصحيح، لا سيما رمي من شهد له أهل عصره بالعلم، والفضل، والإمامة.\nعلى أن المسألة ليست قطعية، بل مستندها ظواهر أخبار آحاد صحيحة، غير أن العقل لا يحيلها، وليس في الشريعة قاطع يحيل وقوعها على ما تقدَّم.\nوقوله في الرواية الأخرى لعلي: (اكتب: من محمد بن عبد الله)؛ ليس معارضًا للرواية التي تقدَّم ذكرها؛ إذ ليس فيها: أن عليًّا كتب بيده، وإنما فيها: أنه -ﷺ- أمره بالكتابة كما أمره بالمحو، فلم يمح علي، ولم يكتب، فلما امتنع علي منهما جميعًا للوجه الذي ذكرناه، قال له -ﷺ-: (أرني مكانها)؛ فأراه إيَّاه، فمحاه النبي - ﷺ-، وكتب بيده، على ما تقرر من المذهب الأول. وعليه تجتمع الروايات المختلفة.\nوقوله: (فاشترطوا عليه: أن من جاء منكم لم نرده، ومن جاء منا رددتموه علينا)؛ لا خلاف بين الرواة والمتأولين: أن الرجال داخلون في هذا اللفظ العام، واختلفوا: هل دخل فيهم النساء؟ فمنهم من منع ذلك، واستدل بما جاء في البخاري في كتاب: الشروط، في هذا الحديث، وهو أنه قال: ولا يأتيك منا رجل","vol":"3","page":638},{"text":"[١٣٠٢] وعَن أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَامَ سَهلُ بنُ حُنَيفٍ يَومَ صِفِّينَ فَقَالَ: يا أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّهِمُوا أَنفُسَكُم، لَقَد كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِﷺ- يَومَ الحُدَيبِيَةِ، وَلَو نَرَى قِتَالًا لَقَاتَلنَا. وَذَلِكَ فِي الصُّلحِ الَّذِي كَانَ بَينَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَبَينَ\nــ\nعلى دينك إلا رددته إلينا (١). وهذا نص، وعلى هذا: فلا يحتاج إلى اعتذار عن حبس النبي -ﷺ- النساء اللاتي أسلمن وهاجرن إلى المدينة. ولا أن نقول في قوله تعالى: ﴿فَلا تَرجِعُوهُنَّ إِلَى الكُفَّارِ﴾ أنه ناسخ. والأكثر على أنهن دخلن في ذلك العموم. وقد روي أن سبيعة بنت الحارث الأسلمي جاء زوجها صيفي يطلبها، وكانت أسلمت، وهاجرت. وكذلك أم كلثوم بنت عقبة، فجاء زوجها: مسافر يطلبها بالشرط، فأنزل الله تعالى الآية في النهي عن ردهن، ورأوا: أن هذه الآية ناسخة لما تقرر بالشرط المتقدَّم؛ الذي هو: ردهن إلى الكفار. والطريقة الأولى أحسن، وأبعد عن الإشكال؛ إذ لم يدخلن في الشرط.\nثم اختلفوا: فيما إذا صولح العدو على مثل هذا الشرط. فذهب الكوفيون: إلى أن ذلك لا يجوز؛ لا في الرجال ولا في النساء. ورأوا: أن كل ذلك منسوخ.\nونحوه حكى مكي في الناسخ والمنسوخ له عن المذهب. وذهب مالك في المشهور عنه، وحكي عن أصحاب الشافعي جواز ذلك، ولزومه في الرجال دون النساء، لكن بشرط أن يكونوا مأمونين على دمه (٢).\nوقيل: إنما فعل النبي -ﷺ- ذلك لضعف المسلمين عن مقاومة عدوهم في ذلك الوقت، وذلك لأنه إنما رد من رد ممن جاء مسلمًا لآبائهم، وذوي أرحامهم؛ لعطفهم عليهم، ولحبهم فيهم، ولصحة إسلام من أسلم منهم، وللذي علمه النبي -ﷺ- من حال من رد: أنه سيجعل الله له فرجًا ومخرجًا، وكذلك كان. وكل هذه الأمور معدومة في حق غيره -ﷺ-، فلا يحتج بتلك القضية على جواز ذلك. والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٧٣١ و٢٧٣٢).\n(٢) في (ز): دينه.","vol":"3","page":639},{"text":"المُشرِكِينَ، فَجَاءَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَسنَا عَلَى حَقٍّ وَهُم عَلَى بَاطِلٍ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: أَلَيسَ قَتلَانَا فِي الجَنَّةِ وَقَتلَاهُم فِي النَّارِ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: ففيم نُعطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا؟ وَنَرجِعُ وَلَمَّا يَحكُمِ اللَّهُ بَينَنَا وَبَينَهُم؟ فقال: يَا بنَ الخَطَّابِ، إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَلَن يُضَيِّعَنِي اللَّهُ أَبَدًا. قَالَ: فَانطَلَقَ عُمَرُ فَلَم يَصبِر مُتَغَيِّظًا، فَأَتَى أَبَا بَكرٍ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكرٍ، أَلَسنَا عَلَى حَقٍّ وَهُم عَلَى بَاطِلٍ؟ قَالَ: بَلَى.\nــ\nوقول سهل بن حنيف: (أيها الناس اتهموا أنفسكم)، وفي الأخرى: (رأيكم)؛ يعني به: التثبت فيما كانوا فيه، والتصبر، وألا يستعجلوا في أمورهم. ووجه استدلاله بها: أن تلك الحالة كان ظاهرها مكروهًا لهم، صعبًا عليهم، فلما تثبتوا في أمرهم، وأطاعوا رسول الله -ﷺ- جعل الله لهم من أمرهم فرجًا ومخرجًا، فكأنه يقول لهم: إن صبرتم على المكروه، وتثبتم في أمركم، واتقيتم الله، جعل الله لكم من هذه الفتن مخرجًا، كما جعله لأصحاب رسول الله - ﷺ- يوم الحديبية.\nوقال القاضي عياض: إنما قال ذلك سهل بن حنيف لما ظهر في أصحاب علي من كراهة شأن التحكيم، ومراوضة الصلح، وكان الظفر لهم، حتى رفع لهم أهل الشام المصاحف، ودعوهم إليها، ورغبوا في المصالحة.\nوقول عمر: (لم نعطي الدنية في ديننا)؛ يعني بالدنية: الحالة الخسيسة، ويعني به: الصلح على ما شرطوا. ولم يكن ذلك من عمر شكًّا، ولا معارضة، بل كان استكشافًا لما خفي عنه، وحثًّا على قتال أهل الكفر، وإذلالهم، وحرصًا على ظهور المسلمين على عدوهم. وهذا على مقتضى ما كان عنده من القوة في دين الله، والجرأة والشجاعة التي خصَّه الله بها. وجواب النبي -ﷺ- وأبي بكر بما جاوباه به يدل: على أن عندهما من علم باطنة ذلك، وعاقبة أمره ما ليس عند عمر، ولذلك لم يسكن عمر حتى بشره النبي -ﷺ- بالفتح، فسكن جأشه، وطابت نفسه.","vol":"3","page":640},{"text":"قَالَ: أَلَيسَ قَتلَانَا فِي الجَنَّةِ وَقَتلَاهُم فِي النَّارِ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَعَلَامَ نُعطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا؟ وَنَرجِعُ وَلَمَّا يَحكُمِ اللَّهُ بَينَنَا وَبَينَهُم؟ قَالَ: يَا بنَ الخَطَّابِ، إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَن يُضَيِّعَهُ اللَّهُ أَبَدًا. قَالَ: فَنَزَلَ القُرآنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِالفَتحِ، فَأَرسَلَ إِلَى عُمَرَ فَأَقرَأَهُ إِيَّاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوفَتحٌ هُوَ؟ قَالَ: نَعَم. فَطَابَت نَفسُهُ وَرَجَعَ.\nوَفِي رِوَاية: قال: أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّهِمُوا رَأيَكُم، وَاللَّهِ لَقَد رَأَيتُنِي يَومَ أَبِي جَندَلٍ، وَلَو أَنِّي أَستَطِيعُ أَن أَرُدَّ أَمرَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لَرَدَدتُهُ، وَاللَّهِ مَا وَضَعنَا سُيُوفَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا إِلَى أَمرٍ قَطُّ إِلَّا أَسهَلنَ بِنَا إِلَى أَمرٍ نَعرِفُهُ، إِلَّا أَمرَكُم هَذَا.\nــ\nوقول سهل بن حنيف: (ما وضعنا سيوفنا على عواتقنا إلى أمر قط إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه، إلا أمركم هذا)؛ وضعنا: رفعنا هنا؛ أي: وضعناها على عواتقنا. والعواتق: جمع عاتق، وهو من المنكب وما يليه إلى العنق، وهو الكاهل، والكتد، والثبج (١).\nو(أسهلن)؛ أي: حملتنا إلى مر سهل، وهو من: أسهل: إذا دخل سهلًا من الأرض، كأنجد، وأشأم، وأعرق: إذا دخل تلك المواضع.\nويعني بهذا الكلام: أن كل قتال قاتل فيه ما رفع سيفه فيه إلا عن بصيرة لعاقبة أمره، فسهل عليه بسببها ما يلقاه من مشقات الحروب، غير تلك الأمور التي كانوا فيها، فكانوا كلما لاح لهم فيها مصلحة وعاقبة حسنة ظهر لهم نقيضها. ويدل على صحة هذا قوله: (ما فتحنا منها من خصم إلا انفجر علينا منه خصم). أصل الخصم: طرف الشيء وجانبه الذي يؤخذ به. وخصم الراوية: طرفها. وخُصم العِدل: جانبه الذي يؤخذ به.\n_________\n(١) \"الكَتِد\": مجتمع الكتفين من الإنسان والفرس. و\"الثَّبَج\": ما بين الكاهل إلى الظهر.\nوقيل: ثبج كلِّ شيء: وسطه.","vol":"3","page":641},{"text":"وَفِي أُخرَى: ما فتحنا من خصم إلا انفجر علينا منه خصم.\nرواه أحمد (٤/ ٣٢٨ - ٣٣١)، والبخاري (١٧٣١) و(٢٧٣٢)، ومسلم (١٧٨٥) (٩٤ و٩٥ و٩٦)، وأبو داود (٢٧٦٥).\n[١٣٠٣] وعن أَنَسَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَت: ﴿إِنَّا فَتَحنَا لَكَ فَتحًا مُبِينًا﴾ إِلَى قَولِهِ: ﴿فَوزًا عَظِيمًا﴾ مَرجِعَهُ مِن الحُدَيبِيَةِ، وَهُم مخَالِطُهُم الحُزنُ وَالكَآبَةُ، وَقَد نَحَرَ الهَديَ بِالحُدَيبِيَةِ، قال لَقَد نزِلَت عَلَيَّ آيَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِن الدُّنيَا جَمِيعًا.\nرواه أحمد (٣/ ١٢٢)، والبخاري (٤١٧٢)، ومسلم (١٧٨٦)، والترمذي (٣٢٦٣).\n* * *\nــ\nوقوله: (ما فتحنا) وَهمٌ من بعض الرواة، وصوابه: (ما سددنا)؛ لأنه مقابل: (انفجر علينا)، وكذا وقع في البخاري: (سددنا) مكان: (فتحنا).\nوهذا الحديث يدل على جواز على ما شرطه العدو عند ضعف المسلمين عن مقاومة عدوهم، وعند الحاجة إلى ذلك، ولا خلاف في جواز الصلح عند ذلك، إلا ما ذكر من الخلاف في رد من جاء مسلمًا، وكذلك لو صولحوا على مال يؤخذ منهم، فأما إن لم تدع حاجة، ولا ضرورة إلى ذلك، ولم يكن للعدو قوة إلا لما بذلوه من المال. فأجاز ذلك جماعة منهم: الأوزاعي. ومنع ذلك مالك وأصحابه، وعلماء المدينة.\nواختلف في مقدار مدة الصلح حيث يجوز. فقال مالك: ذلك مفوّض إلى اجتهاد الإمام. وحدّ الشافعي أكثره بعشرة أعوام (١) بناءً منه على صلح الحديبية\n_________\n(١) في (ج): سنين.","vol":"3","page":642},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-477>(٢٤) باب في التحصين بالقلع والخنادق عند الضعف عن مقاومة العدو وطرف من غزوة الأحزاب</span>\n[١٣٠٤] عن البَرَاءَ بن عازب قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ-: يَومَ الأَحزَابِ يَنقُلُ التُّرَابَ مَعَنَا، وَلَقَد وَارَى التُّرَابُ بَيَاضَ بَطنِهِ وَهُوَ يَقُولُ:\nــ\nفإنه كان عشر سنين، واختلف فيها، فقال عروة بن الزبير: كانت أربع سنين. وقال ابن جريج: ثلاث سنين. والأول أشهر.\n(٢٤) ومن باب: التحصين وحفر الخنادق\nالأحزاب: جمع حزب، وهو الجماعة من الناس، والجملة من الشيء. وتحزب الناس: اجتمعوا. والحزب من القرآن: جملة مجتمعة منه.\nويوم الأحزاب: عبارة عن غزوة الأحزاب، وهي غزوة الخندق. وكانت في السنة الخامسة من الهجرة في شهر شوال، وكان سببها: أن نفرًا من رؤساء اليهود انطلقوا إلى مكة مؤلبين على رسول الله -ﷺ- ومشجعين عليه، فجمعوا الجموع، وحزبوا الأحزاب، فاجتمعت قريش وقادتها، وغطفان وقادتها، وفزارة وقادتها، وغيرهم من أخلاط الناس. وخرجوا بحدهم وجدهم في عشرة آلاف حتى نزلوا المدينة، ولما سمع رسول الله -ﷺ- بهم شاور أصحابه، فأشار سلمان بالخندق، فحفروا الخندق، وتحصنوا به، ثم إن رسول الله -ﷺ- خرج بمن معه من المسلمين في ثلاثة آلاف، فبرز، وأقام على الخندق، وجاءت الأحزاب، ونزلت من الجانب الآخر، ولم يكن بينهم حرب إلا الرمي بالنبل، غير أن فوارس من قريش اقتحموا الخندق، فخرج عليُّ بن أبي طالب ﵁ في فرسان من المسلمين، فأخذوا عليهم الثغرة التي اقتحموا منها، فقتل عليٌّ عمرو بن ود مبارزةً، واقتحم الآخرون","vol":"3","page":643},{"text":"وَاللَّهِ لَولَا الله مَا اهتَدَينَا ... وَلَا تَصَدَّقنَا وَلَا صَلَّينَا\nفَأَنزِلَن سَكِينَةً عَلَينَا ... إِنَّ الأُلَى قَد بَغوا عَلَينَا\nزَادَ فِي رواية: فقال رسول الله - ﷺ -: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للمهاجرين والأنصار.\nرواه البخاري (٤١٠٤)، ومسلم (١٨٠٣)، والرواية الثانية عند مسلم (١٨٠٤) من حديث سهل بن سعد.\nــ\nبخيلهم الخندق منهزمين إلى قومهم. ونقضت قريظة ما كان بينها وبين رسول الله - ﷺ-، وعاونوا الأحزاب عليه، واشتد البلاء على أصحاب النبي -ﷺ-؛ إذ جاء عدوهم من فوقهم، ومن أسفل منهم، فأقام المسلمون على تلك الحال قريبًا من شهر إلى أن خذل الله بين قريش وبين بني قريظة على يدي نعيم بن مسعود الأشجعي (١)، فاختلفوا، وأرسل الله عليهم ريحًا عاصفةً في ليال شديدة البرد، فجعلت تقلب آنيتهم، وتطفئ نيرانهم، وتكفأ قدورهم، حتى أشرفوا على الهلاك. فارتحلوا متفرقين في كل وجه، لا يلوي أحدٌ على أحدٍ. وكفى الله المؤمنين القتال. ثم إن رسول الله خرج إلى بني قريظة، فحاصرهم حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، كما تقدم.\nوقوله: (فأنزلن سكينة علينا)؛ السكينة: السكون، والثبات، والطمأنينة.\nوقوله: (إن الأولى)؛ كذا صحَّت الرواية الأولى بالقصر، فيحتمل أن يريد به مؤنث الأول، ويكون معناه: إن الجماعة السابقة بالشر بغوا علينا. ويحتمل أن تكون (الألى) هي الموصولة بمعنى الذين، كما قال:\nويأشبني فيها الألى لا يلونها ... ولو علموا لم يأشبوني بباطل\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"3","page":644},{"text":"[١٣٠٥] وعَن أَنَسٍ: أَنَّ أَصحَابَ مُحَمَّدٍ كَانُوا يَقُولُونَ يَومَ الخَندَقِ:\nنَحنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا ... عَلَى الجهاد مَا بَقِينَا أَبَدًا\nــ\nوقال ابن دريد:\nإن الألى فارقت عن غير قلًى ... ما زاغ قلبي عنهم ولا هفا\nويكون خبر (إن) محذوفًا، تقديره: إن الذين بغوا علينا ظالمون. وقيل: إن هذا تصحيف من بعض الرواة، وإن صوابه: (أولاء) ممدود، التي لإشارة الجماعة. وهذا صحيح من جهة المعنى والوزن. والله تعالى أعلم.\nوغير خاف ما في هذا الحديث من الفقه؛ من جواز التحصن، والاحتراز من المكروهات، والأخذ بالحزم، والعمل في العادات بمقتضاها، وأن ذلك كله غير قادح في التوكل، ولا منقص منه (١)، فقد كان النبي -ﷺ- على كمال المعرفة بالله تعالى، والتوكل عليه، والتسليم لأمره، ومع ذلك فلم يطرح الأسباب، ولا مقتضى العادات على ما يراه جُهّال المتزهدين أهل الدّعاوى الممخرقين.\nوقد يستدل بإنشاد النبي -ﷺ- وأصحابه هذه الأسجاع وأشباهها أهل المجون والبدع من المتصوّفة على إباحة ما أحدثوه من السَّماع المشتمل على مناكر لا يرضى بها أهل المروءات -فكيف بأهل الديانات؟ ! - كالطارات، والشبابات، واجتماع المغاني وأهل الفساد والشبَّان، والغناء بالألحان، والرقص بالأكمام، وضرب الأقدام، كما يفعله الفسقة المُجَّان. ومجموع ذلك يعلم فساده وكونه معصية من ضرورة الأديان، فلا يحتاج في إبطاله إلى إقامة دليل ولا برهان. وقد كتبنا في ذلك جزءًا حسنًا سميناه: كشف القناع عن حكم مسائل الوجد والسَّماع.\nوقولهم: (نحن الذين بايعوا محمدًا ... على الجهاد ما بقينا أبدًا)؛ تذكير منهم\n_________\n(١) في (ج): له.","vol":"3","page":645},{"text":"وَالنَّبِيُّﷺ- يَقُولُ:\nاللَّهُمَّ إِنَّ الخَيرَ خَيرَ الآخِرَه ... فَاغفِر للأَنصَارَ وَالمُهَاجِرَة.\nرواه البخاري (٢٨٣٤)، ومسلم (١٨٠٥) (١٣٠)، والترمذي (٣٨٥٦).\n[١٣٠٦] وَعَن إِبرَاهِيمَ التَّيمِيِّ، عَن أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا عِندَ حُذَيفَةَ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَو أَدرَكتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَاتَلتُ مَعَهُ فَأَبلَيتُ. فَقَالَ حُذَيفَةُ: أَنتَ كُنتَ تَفعَلُ ذَلِكَ؟ ! لَقَد رَأَيتُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لَيلَةَ الأَحزَابِ وَأَخَذَتنَا رِيحٌ\nــ\nلأنفسهم بعهد البيعة، وتجديد منهم لها، وإخبار منهم له بالوفاء بمقتضاها. ولما سمع منهم ذلك أجابهم ببشارة: (لا عيش إلا عيش الآخرة)، وبدعاء: (فاغفر للأنصار والمهاجرة). و(المهاجرة) أجراها صفة مؤنثة على موصوف محذوف فكأنه قال: للجماعة المهاجرة (١)، الرواية: (والمهاجرة) بألف بعد الواو وقبل اللام، وهو غير موزون؛ لأنه سجع، ولا يشترط فيه الوزن، ولو اشترط فإن الله تعالى قال: ﴿وَمَا عَلَّمنَاهُ الشِّعرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾ ولو قال: وللمهاجرة - بلامين- لاتَّزن، إذا نقل حركة (الأنصار) إلى الساكن.\nوقول الرجل: (لو أدركت رسول الله -ﷺ- قاتلت معه فأبليت)؛ أي بالغت في ذلك، واجتهدت فيه حتى يظهر مني ما يبتلى؛ أي: ما يختبر. وقد تقدَّم: أن أصل هذا اللفظ: الاختبار. وأن فيه لغتين جمعهما زهير في قوله:\n. . . . . . . . . . ... فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو (٢)\nوقد قيل: إن (بلا) في الخير، و(أبلى) في الشر. ولما قال هذا الرجل هذا الكلام ولم يستثن فيه، فهم منه حذيفة الجزم، والقطع بأنه كذلك كان يفعل، فأنكر\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٢) هذا عجز البيت، وصدره: جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم.","vol":"3","page":646},{"text":"شَدِيدَةٌ وَقُرٌّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِﷺ-: أَلَا رَجُلٌ يَأتِينِي بِخَبَرِ القَومِ؟ جَعَلَهُ اللَّهُ مَعِي يَومَ القِيَامَةِ! فَسَكَتنَا فَلَم يُجِبهُ مِنَّا أَحَدٌ. ثُمَّ قَالَ: أَلَا رَجُلٌ يَأتِينَا بِخَبَرِ القَومِ؟ جَعَلَهُ اللَّهُ مَعِي يَومَ القِيَامَةِ. فَسَكَتنَا فَلَم يُجِبهُ مِنَّا أَحَدٌ. ثُمَّ قَالَ: أَلَا رَجُلٌ يَأتِينَي بِخَبَرِ القَومِ، جَعَلَهُ اللَّهُ مَعِي يَومَ القِيَامَةِ. فَسَكَتنَا فَلَم يُجِبهُ مِنَّا أَحَدٌ. فَقَالَ: قُم يَا حُذَيفَةُ، فَأتِنَا بِخَبَرِ القَومِ. فَلَم أَجِد بُدًّا إِذ دَعَانِي بِاسمِي أَن أَقُومَ، قَالَ: اذهَب فَأتِنِي بِخَبَرِ القَومِ، وَلَا تَذعَرهُم عَلَيَّ. فَلَمَّا وَلَّيتُ مِن عِندِهِ جَعَلتُ كَأَنَّمَا أَمشِي فِي حَمَّامٍ حَتَّى أَتَيتُهُم، فَرَأَيتُ أَبَا سُفيَانَ يَصلِي ظَهرَهُ بِالنَّارِ، فَوَضَعتُ سَهمًا فِي كَبِدِ القَوسِ، فَأَرَدتُ أَن أَرمِيَهُ، فَذَكَرتُ قَولَ رَسُولِ اللَّهِﷺ-: لَا تَذعَرهُم عَلَيَّ. وَلَو رَمَيتُهُ لَأَصَبتُهُ، فَرَجَعتُ\nــ\nذلك عليه، وأخبره بما يفهم منه: أن أصحاب رسول الله -ﷺ- كانوا أقوى في دين الله، وأحرص على إظهاره، وأحب في رسول الله -ﷺ-، وأشجع منك، ومع ذلك فقد انتهت بهم الشدائد، والمشاق إلى أن حصل منهم ما ذكره، وإذا كان هذا فغيرهم بالضعف أولى. وحاصله: أن الإنسان ينبغي له ألَاّ يتمنى الشدائد والامتحان، فإنه لا يدري كيف يكون حاله فيها. فإن ابتلي صبر، وإن عوفي شكر.\nوقوله -ﷺ-: (من يأتيني بخبر القوم؟) يتضمن إخباره -ﷺ- بسلامة المار (١)، ورجوعه إليه.\nوقوله: (جعله الله معي في الجنة)؛ أي: مصاحبًا لي، وملازمًا حضرتي. وكل واحد منهما على منزلته في الجنة، ومنزلة النبي -ﷺ- لا يلحقه فيها أحد.\nوقوله: (ولا تذعرهم علي)؛ الذعر: الفزع؛ أي: لا تفزعهم، فتهيجهم علي. و(يصلِي ظهره)؛ أي: يسخنه بالنار، ومصدره: الصلاء- مكسورًا، ممدودًا-. والصلى- مفتوحًا، مقصورا-.\n_________\n(١) أي: الذاهب.","vol":"3","page":647},{"text":"وَأَنَا أَمشِي فِي مِثلِ الحَمَّامِ، فَلَمَّا أَتَيتُهُ فَأَخبَرتُهُ خَبَرِ القَومِ وَفَرَغتُ قُرِرتُ، فَأَلبَسَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِن فَضلِ عَبَاءَةٍ كَانَت عَلَيهِ يُصَلِّي فِيهَا، فَلَم أَزَل نَائِمًا حَتَّى أَصبَحتُ، فَلَمَّا أَصبَحتُ قَالَ: قُم يَا نَومَانُ.\nرواه مسلم (١٧٨٨).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-478>(٢٥) باب في اقتحام الواحد على جمع العدو، وذكر غزوة أحد وما أصاب فيها النبي - ﷺ </span>-\n[١٣٠٧] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أُفرِدَ يَومَ أُحُدٍ فِي سَبعَةٍ مِن الأَنصَارِ، وَرَجُلَينِ مِن قُرَيشٍ، فَلَمَّا رَهِقُوهُ قَالَ: مَن يَرُدُّهُم عَنَّا\nــ\nوقوله: (كأنما أمشي في حمام)؛ أي: لم يصبه شيء من ذلك البرد ببركة طاعة رسول الله -ﷺ-، وهي من كراماته، ألا ترى أنه لما فرغ من ذلك العمل أخذه البرد كما كان أول مرة؟ ! و(كبد القوس): وسطها، حيث يقبض الرامي. قال الخليل: كبد كل شيء: وسطه. و(قررت)؛ أي: أصابني القرُّ، وهو: البرد. و(العباءة) - بفتح العين والمد-: هي الشملة، وهي كساء يشتمل به؛ أي: يلتف فيه. و(نومان): كثير النوم. نسبه إلى ذلك؛ لأنه نام حتى دخل عليه وقت صلاة الصبح.\n(٢٥) ومن باب: اقتحام الواحد على جمع العدو\n(رَهِقُوهُ)؛ أي: غشوه، ولحقوه، وهو مكسور العين ثلاثيًّا، وقد جاء رباعيًّ بمعنى. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا تُرهِقنِي مِن أَمرِي عُسرًا﴾ قال ابن الأعرابي: رهقته، وأرهقته: بمعنى واحد.","vol":"3","page":648},{"text":"وَلَهُ الجَنَّةُ، أَو هُوَ رَفِيقِي فِي الجَنَّةِ؟ فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِن الأَنصَارِ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَلَم يَزَل كَذَلِكَ حَتَّى قُتِلَ السَّبعَةُ، فَقَالَ النبي -ﷺ- لِصَاحِبَيهِ: مَا أَنصَفنَا أَصحَابَنَا.\nرواه أحمد (٣/ ٢٨٦)، ومسلم (١٧٨٩).\n[١٣٠٨] وعن سَهلَ بنَ سَعدٍ، وسئل عَن جُرحِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَومَ أُحُدٍ فَقَالَ: جُرِحَ وَجهُ رَسُولِ اللَّهِﷺ-، وَكُسِرَت رَبَاعِيَتُهُ، وَهُشِمَت البَيضَةُ عَلَى رَأسِهِ، فَكَانَت فَاطِمَةُ بِنتُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- تَغسِلُ الدَّمَ. وَكَانَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ يَسكُبُ عَلَيه بِالمِجَنِّ. فَلَمَّا رَأَت فَاطِمَةُ أَنَّ المَاءَ لَا يَزِيدُ الدَّمَ إِلَّا كَثرَةً، أَخَذَت قِطعَةَ حَصِيرٍ فَأَحرَقَتهُ حَتَّى صَارَ رَمَادًا، ثُمَّ أَلصَقَتهُ بِالجُرحِ فَاستَمسَكَ الدَّمُ.\nرواه البخاري (٢٩١١)، ومسلم (١٧٩٠) (١٠١)، وابن ماجه (٣٤٦٤).\nــ\nو(قوله -ﷺلصاحبيه)؛ يعني بهما: القرشيين المذكورين في أول الحديث. وقوله: (ما أنصفنا أصحابنا)، الرواية: (أنصفنا) بسكون الفاء. (أصحابنا) بفتح الباء؛ يعني بهم: السبعة الذين قتلوا.\nقال عياض: أي: لم نُدِلهُم القتال حتى قتلوهم خاصة (١). وقد رواه بعض شيوخنا: (ما أنصفَنا أصحابُنا) - بفتح الفاء، وضم الباء من (أصحابنا) - وهذا يرجع إلى من فرَّ عنه وتركه.\nو(المجن): الترس؛ لأنه يستجن به؛ أي: يستتر.\nو(الرُّباعية) - بفتح الراء، وتخفيف الياء- وهي: كل سن بعد ثنية، و(هشمت): كسرت. و(سلت الدم عنه): نزعه بيده.\n_________\n(١) في (ع) و(ز): لم يدلهم القتال حتى قتلوا هم خاصة.","vol":"3","page":649},{"text":"[١٣٠٩] وعَن أَنَسٍ: أَنَّ النبي -ﷺ- كُسِرَت رَبَاعِيَتُهُ يَومَ أُحُدٍ، وَشُجَّ فِي رَأسِهِ، فَجَعَلَ يَسلُتُ الدَّمَ عَنهُ، وَيَقُولُ: كَيفَ يُفلِحُ قَومٌ شَجُّوا نَبِيَّهُم وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ، وَهُوَ يَدعُوهُم. فَأَنزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الأَمرِ شَيءٌ﴾\nرواه أحمد (٣/ ٢٥٣)، ومسلم (١٧٩١)، والترمذي (٣٠٠٢)، وابن ماجه (٤٠٢٧).\n[١٣١٠] وعَن عَبدِ اللَّهِ قَالَ: كَأَنِّي أَنظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَحكِي نَبِيًّا مِن الأَنبِيَاءِ، ضَرَبَهُ قَومُهُ، وَهُوَ يَمسَحُ الدَّمَ عَن وَجهِهِ، وَهو يَقُولُ: رَبِّ اغفِر لِقَومِي فَإِنَّهُم لَا يَعلَمُونَ.\nرواه أحمد (١/ ٣٨٠)، والبخاري (٣٤٧٧)، ومسلم (١٧٩٢)، وابن ماجه (٤٠٢٥).\nــ\nوقوله: (كيف يفلح قوم شجُّوا نبيهم؟) هذا منه -ﷺ- استبعاد لتوفيق من فعل ذلك به.\nوقوله تعالى: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الأَمرِ شَيءٌ﴾ تقريب لما استبعده، وإطماع في إسلامهم، ولما أُطمع في ذلك، قال -ﷺ- (١): (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون). وإذا تأمل الفطن هذا الدعاء في مثل تلك الحال علم معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ فإنه -ﷺ- لم يدع عليهم فينتصر، ولم يقتصر على العفو حتى دعا لهم، ولم يقتصر على الدعاء لهم حتى أضافهم لنفسه على جهة الشفقة، ولم يقتصر على ذلك حتى جعل لهم جهلهم بحاله كالعذر، وإن لم يكن عذرًا. وهذا غاية الفضل والكرم التي لا يشارك فيها ولا يوصل إليها.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ج).","vol":"3","page":650},{"text":"[١٣١١] وَعَن أَبِي هُرَيرَةِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: اشتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَومٍ فَعَلُوا بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. وَهُوَ حِينَئِذٍ يُشِيرُ إِلَى رَبَاعِيَتِهِ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِﷺ-: اشتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى رَجُلٍ يَقتُلُهُ رَسُولُ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.\nرواه أحمد (١/ ١٦٥)، ومسلم (١٧٩٣)، والترمذي (١٦٩٢).\n* * *\nــ\nوقوله: (اشتد غضب الله على قوم كسروا رباعية نبيهم)؛ يعني بذلك المباشر لكسرها ولشجه، وهو: عمرو بن قمئة. فإنه لم يسلم، ومات كافرًا. فهذا عموم، والمراد به الخصوص، وإلا فقد أسلم جماعة ممن شهد أحدًا كافرًا، ثم أسلموا وحسن إسلامهم.\nوقوله: (اشتد غضب الله على رجل قتله رسول الله -ﷺ -)؛ خصوص، والمراد به العموم في كل كافر قتله نبي من الأنبياء على الكفر. فَيستَوِي في هذا الأنبياء كلهم. وقد جاء هذا نصًّا فيما ذكره البزار عن ابن مسعود مرفوعًا: (أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجل قتل نبيًّا، أو قتله نبي، أو إمام ضلالة) (١).\nوقول عبد الله: (كأني أنظر إلى رسول الله -ﷺ- يحكي نبيًا من الأنبياء) إلى آخره؛ النبي -ﷺ- هو الحاكي، وهو المحكي عنه، وكأنه أوحي إليه بذلك قبل وقوع قضية (٢) يوم أحد، ولم يعين له ذلك النبي -ﷺ-، فلما وقع ذلك له تعين: أنه هو المعني بذلك.\n_________\n(١) انظر: مجمع الزوائد (١/ ١٨١).\n(٢) في (ج): قصة.","vol":"3","page":651},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-479>(٢٦) باب فيما لقي النبي -ﷺ- من أذى قريش</span>\n[١٣١٢] عَن ابنِ مَسعُودٍ قَالَ: بَينَمَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي عِندَ البَيتِ وَأَبُو جَهلٍ وَأَصحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، وَقَد نُحِرَت جَزُورٌ بِالأَمسِ فَقَالَ أَبُو جَهلٍ: أَيُّكُم يَقُومُ إِلَى سَلَا جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ فَيَأخُذُهُ، فَيَضَعُهُ على كَتِفَي مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ فَانبَعَثَ أَشقَى القَومِ -وفي رواية عقبة بن أبي معيط -، فَأَخَذَهُ فَلَمَّا سَجَدَ النَّبِيُّ -ﷺ- وَضَعَهُ بَينَ كَتِفَيهِ، قَالَ: فَاستَضحَكُوا وَجَعَلَ بَعضُهُم يَمِيلُ عَلَى بَعضٍ، وَأَنَا قَائِمٌ أَنظُرُ، لَو كَانَت لِي مَنَعَةٌ طَرَحتُهُ عَن ظَهرِ رَسُولِ اللَّهِﷺ-، وَالنَّبِيُّ -ﷺ- سَاجِدٌ لَا يَرفَعُ رَأسَهُ، حَتَّى انطَلَقَ إِنسَانٌ فَأَخبَرَ فَاطِمَةَ، فَجَاءَت -وَهِيَ جُوَيرِيَةٌ- فَطَرَحَتهُ عَنهُ، ثُمَّ أَقبَلَت عَلَيهِم تَشتِمُهُم، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ -ﷺ- صَلَاتَهُ، رَفَعَ\nــ\n(٢٦) ومن باب: ما لقي النبي -ﷺ- من أذى المشركين\nالجزور من الإبل: ما يجزر؛ أي: يقطع. والجزرة من الشاء، و(سلاها) مقصورًا، مفتوح السين: هي الجلدة التي يكون فيها الولد، كاللفافة يقال لها من سائر البهائم: سلى، ومن بني آدم: المشيمة.\nوقوله: (فاستضحكوا) بضم التاء، وكسر الحاء مبنيًّا لما لم يسم فاعله؛ أي: أضحكوا، ومال بعضهم على بعض مبالغة في الضحك والاستهزاء. و(منعة) بسكون النون؛ أي: منع وقوة؛ وإنما قال ابن مسعود -﵁- ذلك؛ لأنه لم تكن له عشيرة فيهم؛ لأنه من هذيل، فلم يكن له قوم يمتنع بهم، ولا يمنع غيره. وقد روي: (ومنعة) بالفتح: جمع مانع، ككاتب وكتبة. واستمرار النبي -ﷺ- على سجوده والنجاسة عليه يدل لمن قال: إن إزالة النجاسة ليست بواجبة. وهو","vol":"3","page":652},{"text":"صَوتَهُ ثُمَّ دَعَا عَلَيهِم، وَكَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلَاثًا، وَإِذَا سَأَلَ، سَأَلَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ عَلَيكَ بِقُرَيشٍ. (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ). فَلَمَّا سَمِعُوا صَوتَهُ، ذَهَبَ عَنهُم الضِّحكُ وَخَافُوا دَعوَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ عَلَيكَ بِأَبِي جَهلِ بنِ هِشَامٍ، وَعُتبَةَ بنِ رَبِيعَةَ، وَشَيبَةَ بنِ رَبِيعَةَ، وَالوَلِيدِ بنِ عُقبَةَ، وَأُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ، وَعُقبَةَ بنِ أَبِي مُعَيطٍ. قَالَ أَبُو إِسحَاقِ. وَذَكَرَ السَّابِعَ وَلَم أَحفَظهُ، فَوَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا -ﷺ- بِالحَقِّ، لَقَد رَأَيتُ الَّذِينَ سَمَّى صَرعَى يَومَ بَدرٍ، ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى القَلِيبِ، قَلِيبِ بَدرٍ، قَالَ أَبُو إِسحَاقَ: الوَلِيدُ بنُ عُقبَةَ، غَلَطٌ فِي هَذَا الحَدِيثِ.\nــ\nقول أشهب من أصحابنا، كما تقدَّم في الطهارة، على أن بعض علمائنا قال: إن السَّلى لم تكن فيها نجاسة محققة. ومنهم من قال بموجبه، ففرَّق بين ابتداء الصلاة بالنجاسة؛ فقال: لا يجوز. وبيّن طروئها على المصلي في نفس الصلاة فقال: يطرحها عنه، وتصح صلاته، والمشهور من مذهب مالك - ﵀ -: قطع طروئها للصلاة إذا لم يمكن طرحها، بناءً على أن إزالتها واجبة. وإقبال فاطمة ﵂ على أشراف قريش وكبرائهم تسبُّهم وتلعنهم دليل على قوة نفسها من صغرها، وعلى عزتها وشرفها في قومها.\nوخوفهم من دعوة النبي -ﷺ- دليل على علمهم بفضله وبصحة حاله، ومكانته عند الله تعالى، وأنه من الله تعالى بحيث يجيبه إذا دعاه، ولكن لم ينتفعوا بذلك الحسد والشقوة الغالبة عليهم.\nووقع هنا في أصل كتاب مسلم: الوليد بن عقبة - عند جميع رواته-، وصوابه: الوليد بن عتبة كما قال في الرواية الأخرى.\nوقول أبي إسحاق: (لم أحفظ السابع). ذكر البخاري: أنه عمارة بن الوليد، وكذلك ذكره البرقاني.\nوقول ابن مسعود: (لقد رأيت الذين سمّى صرعى يوم بدر)؛ يعني به: أكثرهم، وإلا فعمارة بن الوليد؛ ذكر أهل السِّير: أنه هلك في أرض الحبشة حين","vol":"3","page":653},{"text":"وفي رواية: الوليد بن عتبة.\nرواه أحمد (١/ ٣٩٣)، والبخاري (٢٤٠)، ومسلم (١٧٩٤) (١٠٧ و١٠٩).\n[١٣١٣] وعن عَائِشَةَ: أَنَّهَا قَالَت لِرَسُولِ اللَّهِﷺ-: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَل أَتَى عَلَيكَ يَومٌ كَانَ أَشَدَّ مِن يَومِ أُحُدٍ؟ فَقَالَ: لَقَد لَقِيتُ مِن قَومِكِ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنهُم يَومَ العَقَبَةِ، إِذ عَرَضتُ نَفسِي عَلَى ابنِ عَبدِ يَالِيلَ بنِ عَبدِ كُلَالٍ، فَلَم يُجِبنِي إِلَى مَا أَرَدتُ، فَانطَلَقتُ وَأَنَا مَهمُومٌ عَلَى وَجهِي، فَلَم أَستَفِق إِلَّا بِقَرنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعتُ رَأسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَد أَظَلَّتنِي، فَنَظَرتُ\nــ\nاتهمه النجاشي فنفخ في إحليله سحرًا، فهام على وجهه في البرّية فهلك (١). ويدل على ذلك أيضًا: أن عقبة بن أبي مُعَيطٍ لم يقتل ببدر، بل حمل منها أسيرًا حتى قتله النبي -ﷺ- بعرق الظبية صبرًا.\nو(القليب): البئر غير المطوية.\nوإجابة الله تعالى لنبيه -ﷺ- في مثل هذا الدعاء من أدلة نبوَّته، وصحتها.\nو(سُحِبوا): جروا على وجوههم.\nويوم العقبة: هو اليوم الذي لقي فيه ابن عبد ياليل بن عبد كلال في آخرين فكذبوه، وسبُّوه، واستهزؤوا به، فرجع عنهم، فلقيه سفهاء قريش، فرموه بالحجارة حتى أدموا رجليه، وآذوه أذًى كثيرًا.\nوقوله: (لم أستفق)؛ أي: لم أفق- مما كان غشيه من الهم- إلا بقرن الثعالب (٢)؛ أي: لم يشعر بطريقه إلا وهو في هذا الموضع، وهو قريب من قرن المنازل، الذي هو ميقات أهل العراق، وهو على يوم من مكة.\nو(الأخشبان): جبلًا مكة. و(أطبق)؛ أي: أجعلهما عليهم كالطبق.\nوإذا تأملت هذا الحديث انكشف لك من حاله - ﷺ - معنى قوله: ﴿وَمَا أَرسَلنَاكَ إِلا رَحمَةً لِلعَالَمِينَ﴾\n_________\n(١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٧٠ و٧٦).\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ج).","vol":"3","page":654},{"text":"فَإِذَا فِيهَا جِبرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَد سَمِعَ قَولَ قَومِكَ لَكَ، وَمَا رُدُّوا عَلَيكَ، وَقَد بَعَثَ إِلَيكَ مَلَكَ الجِبَالِ لِتَأمُرَهُ بِمَا شِئتَ فِيهِم قَالَ: فَنَادَانِي مَلَكُ الجِبَالِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ قَد سَمِعَ قَولَ قَومِكَ لَكَ، وَأَنَا مَلَكُ الجِبَالِ، وَقَد بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيكَ لِتَأمُرَنِي بِأَمرِكَ، وَمَا شِئتَ؟ إِن شِئتَ أَن أُطبِقَ عَلَيهِم الأَخشَبَينِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِﷺ-: بَل أَرجُو أَن يُخرِجَ اللَّهُ مِن أَصلَابِهِم مَن يَعبُدُ اللَّهَ وَحدَهُ، لَا يُشرِكُ بِهِ شَيئًا.\nرواه البخاري (٣٢٣١)، ومسلم (١٧٩٥).\n[١٣١٤] وعَن جُندُبِ بنِ سُفيَانَ قَالَ: دَمِيَت إِصبَعُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي بَعضِ تِلكَ المَشَاهِدِ فَقَالَ:\nهَل أَنتِ إِلَّا إِصبَعٌ دَمِيتِ ... وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ\nوَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي غَارٍ فَنُكِبَت إِصبَعُهُ.\nــ\nوقوله -ﷺ-:\nهل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت\nهذا البيت أنشده النبي -ﷺ- وهو لغيره. قيل: إنه للوليد بن المغيرة (١)، وقيل: لعبد الله بن رواحة. ولو كان من قوله فقد تقدَّم العذر عنه في غزوة حنين.\nوقوله: (كان النبي -ﷺ- في غار فنكبت إصبعه)؛ أي: أصابتها نكبة دميت لأجلها. وفي الرواية الأخرى: أنه كان في بعض المشاهد. وفي البخاري: فبينا النبي -ﷺ- يمشي إذا أصابه حجر، فقال البيت المذكور. ظاهر هاتين الروايتين\n_________\n(١) كذا في الأصول، والصواب: الوليد بن الوليد بن المغيرة. انظر: سيرة ابن هشام (١/ ٤٧٦).","vol":"3","page":655},{"text":"رواه أحمد (٤/ ٣١٢)، والبخاري (٢٨٠٢)، ومسلم (١٧٩٦)، والترمذي (٣٣٤٥).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-480>(٢٧) باب دعاء النبي -ﷺ- إلى الله وصبره على الجفاء والأذى</span>\n[١٣١٥] عن أُسَامَةَ بنَ زَيدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- رَكِبَ حِمَارًا عَلَيهِ إِكَافٌ، تَحتَهُ قَطِيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ، وَأَردَفَ وَرَاءَهُ أُسَامَةَ، وَهُوَ يَعُودُ سَعدَ بنَ عُبَادَةَ فِي بَنِي الحَارِثِ بنِ الخَزرَجِ، وَذَلكَ قَبلَ وَقعَةِ بَدرٍ، حَتَّى مَرَّ بِمَجلِسٍ فِيهِ أَخلَاطٌ مِن المُسلِمِينَ وَالمُشرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوثَانِ وَاليَهُودِ، فِيهِم عَبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ، وَفِي المَجلِسِ عَبدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ، فَلَمَّا غَشِيَت المَجلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ، خَمَّرَ\nــ\nمختلف، وأنهما قضيتان، ولكن العلماء حملوا الروايتين على أنهما قضية واحدة. فقال القاضي أبو الوليد: لعل قوله: في غار. مصحّف من غزو.\nوقال القاضي عياض: قد يراد بالغار هنا: الجيش والجمع، لا واحد الغيران التي هي الكهوف. فيتوافق قوله: في بعض المشاهد. وقوله: يمشي. ولا يُعد ذلك وهمًا.\nقلت: وهذا ليس بشيء؛ إذ الغار ليس من أسماء الجيش.\n(٢٧) ومن باب: دعاء النبي -ﷺ- إلى الله تعالى\n(الإكاف) للدابة كالرحل للبعير، والسرج للفرس. و(القطيفة): كساء غليظ. و(فدكية) منسوبة إلى فدك؛ لأنها تعمل فيها. و(عجاجة الدابة): ما ارتفع","vol":"3","page":656},{"text":"عَبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ أَنفَهُ بِرِدَائِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَا تُغَبِّرُوا عَلَينَا، فَسَلَّمَ عَلَيهِم النَّبِيُّ -ﷺ-، ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ فَدَعَاهُم إِلَى اللَّهِ ﷿ وَقَرَأَ عَلَيهِم القُرآنَ، فَقَالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ: أَيُّهَا المَرءُ: لَا أَحسَنَ مِن هَذَا! إِن كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا، فَلَا تُؤذِنَا فِي مَجَالِسِنَا، وَارجِع إِلَى رَحلِكَ، فَمَن جَاءَكَ مِنَّا فَاقصُص عَلَيهِ. فَقَالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ: اغشَنَا فِي مَجَالِسِنَا فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ، قَالَ: فَاستَبَّ المُسلِمُونَ وَالمُشرِكُونَ وَاليَهُودُ حَتَّى هَمُّوا أَن يَتَوَاثَبُوا، فَلَم يَزَل النَّبِيُّ -ﷺ- يُخَفِّضُهُم، ثُمَّ رَكِبَ دَابَّتَهُ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعدِ بنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ: أَي\nــ\nمن غبارها. و(العجاج): الغبار المتطاير المتراكب.\nو(خَمَّر أنفه)؛ أي: غطاه. و(أن يتواثبوا)؛ أي: يثب بعضهم إلى بعض مناولة، ومقاتلة؛ من: الوثب. و«يخفضهم): يسكتهم، ويسهل أمرهم. و(البُحَيرة): صحيح الرواية فيه بضم الباء، مصغرة. وقد روي في غير كتاب مسلم: (البَحِيرة) بفتح الباء وكسر الحاء. وقيل: هما بمعنى واحد، وأراد به هنا: المدينة. والبحار: القرى. قال الشاعر:\n. . . . . . . . . . . . . . . ... ولنا البدو كله والبحار\nو(يتوجوه)؛ أي: يعمموه بعمامة الملك، فإن العمائم تيجان العرب. و(يعصبوه بعصابة (١) الملوك)، كما جاء في رواية ابن إسحاق: لقد جاءنا الله بك، وإنا لننظم له الخرز؛ ليتوِّجوه. فكأنهم كانوا ينظمون لملوكهم عصابة فيها خرز، فيعممونه بها تشريفًا وتعظيمًا. وهذا أولى من قول من قال: إن يعصبونه بمعنى: يملكونه، ويعصبون به أمورهم؛ لأن ذلك كله يبعده قولهم: أن يعصبوه بالعصابة.\nو(شرق): اختنق. يقال: شرق بالماء، وغص باللقمة، وشجي بالعظم، وجرض بالريق عند الموت. وأنشدوا على شرق:\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ز).","vol":"3","page":657},{"text":"سَعدُ، أَلَم تَسمَع مَا قَالَ أَبُو حُبَابٍ؟ (يُرِيدُ عَبدَ اللَّهِ بنَ أُبَيٍّ) قَالَ: كَذَا وَكَذَا. قَالَ: أعف عَنهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاصفَح، فَوَاللَّهِ لَقَد أَعطَاكَ اللَّهُ الَّذِي أَعطَاكَ، وَلَقَد اصطَلَحَ أَهلُ هَذِهِ البُحَيرَةِ أَن يُتَوِّجُوهُ، فَيُعَصِّبُوهُ بِالعِصَابَةِ، فَلَمَّا رَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ بِالحَقِّ الَّذِي أَعطَاكَهُ، شَرِقَ بِذَلِكَ، فَذَلِكَ الذي فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيتَ. فَعَفَا عَنهُ النَّبِيُّﷺ-.\nرواه أحمد (٥/ ٢٠٣)، والبخاري (٤٥٦٦)، ومسلم (١٧٩٨).\n[١٣١٦] وعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّﷺ-: لَو أَتَيتَ عَبدَ اللَّهِ بنَ أُبَيٍّ؟ قَالَ: فَانطَلَقَ إِلَيهِ وَرَكِبَ حِمَارًا، وَانطَلَقَ المُسلِمُونَ معه وَهِيَ أَرضٌ سَبَخَةٌ، فَلَمَّا أَتَاهُ النَّبِيُّ -ﷺ- قلنا: أَتَاكَ النَّبِيُّ -ﷺ- قَالَ: إِلَيكَ عَنِّي، فَوَاللَّهِ لَقَد آذَانِي نَتنُ حِمَارِكَ. قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِن الأَنصَارِ: وَاللَّهِ لَحِمَارُ\nــ\nلو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري (١)\nوفي هذا الحديث من الفقه: جواز الابتداء بالسلام على مسلمين وكفار في مجلس واحد. وينبغي أن ينوي المسلمين.\nوفيه: الاستراحة ببث الشكوى للصاحب، ولمن يتسلى بحديثه، وينتفع برأيه.\nو(الأرض السبخة): التي لا تنبت شيئا لملح أرضها. والطائفة التي غضبت لعبد الله كان منها منافقون على رأي عبد الله، ومنها مؤمنون حملهم على ذلك بقية حمية الجاهلية، ونزعة الشيطان، لكن الله تعالى لطف بهم، حيث أبقى عليهم اسم المؤمنين بقوله: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤمِنِينَ اقتَتَلُوا﴾ ليراجعوا بصائرهم، ويطهروا ضمائرهم.\n_________\n(١) البيت لعديِّ بن زيد.","vol":"3","page":658},{"text":"رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَطيَبُ رِيحًا مِنكَ. قَالَ: فَغَضِبَ لِعَبدِ اللَّهِ رَجُلٌ مِن قَومِهِ، قَالَ: فَغَضِبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنهُمَا أَصحَابُهُ، قَالَ: فَكَانَ بَينَهُم ضَربٌ بِالجَرِيدِ وَبِالأَيدِي وَبِالنِّعَالِ، قَالَ: فَبَلَغَنَا أَنَّهَا نَزَلَت فِيهِم: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤمِنِينَ اقتَتَلُوا فَأَصلِحُوا بَينَهُمَا﴾\nرواه البخاري (٢٦٩١)، ومسلم (١٧٩٩).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-481>(٢٨) باب جواز إعمال الحيلة في قتل الكفار وذكر قتل كعب بن الأشرف</span>\n[١٣١٧] عن جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِﷺ-: مَن لِكَعبِ بنِ الأَشرَفِ؟ فَإِنَّهُ قَد آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ. فَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ مَسلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،\nــ\nوقول سعد للنبي -ﷺ-: (ما قال في عبد الله)؛ إنما كان على جهة الاستلطاف والاستمالة ليستخرج منه ما كان في خلقه الكريم من العفو والصفح عن الجهال، فلا جرم عفا حتى تم له ما أراد، وصفا وصبر حتى ظفرﷺ- تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين (١).\n(٢٨) ومن باب: إعمال الحيلة في قتل الكفار\nقوله: (من لكعب بن الأشرف)؛ كعب هذا: رجل من بني نبهان من طيء، وأمه من بني النضير، وكان شاعرًا، وكان قد عاهده النبي -ﷺ- أن لا يعين عليه،\n_________\n(١) ما بين حاصرتين زيادة في (ع).","vol":"3","page":659},{"text":"أَتُحِبُّ أَن أَقتُلَهُ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: ائذَن لِي فَلأَقُل. قَالَ: قُل. فَأَتَاهُ،\nــ\nولا يتعرض لأذاه، ولا لأذى المسلمين، فنقض العهد، وانطلق إلى مكة إثر وقعة بدر، فجعل يبكِّي من قتل من الكفار، ويحرض على رسول الله - ﷺ-، وهو الذي أغرى قريشًا وغيرهم حتى اجتمعوا لغزوة أحد، ثم إنه رجع إلى بلده، فجعل يهجو رسول الله -ﷺ-، ويؤذيه، والمسلمين. فحينئذ قال رسول الله -ﷺ-: (من لكعب بن الأشرف، فإنه قد آذى الله ورسوله)، فأغرى بقتله، ونبه على علة ذلك، وأنه مستحق للقتل. ولا يظن أحد: أنه قتل غدرًا. فمن قال ذلك قتل، كما فعله علي بن أبي طالب ﵁، وذلك أن رجلًا قال ذلك في مجلسه، فأمر علي بضرب عنقه. وقال آخر: في مجلس معاوية، فأنكر ذلك محمد بن مسلمة، وأنكر على معاوية سكوته، وحلف ألا يظله وإيَّاه سقف أبدًا، ولا يخلو بقائلها إلا قتله.\nقلت: ويظهر لي: أنه يقتل، ولا يستتاب؛ لأن ذلك زندقة إن نسب الغدر للنبي -ﷺ-. فأما لو نسبه للمباشرين لقتله بحيث يقول: إنهم أمنوه، ثم غدروه. لكانت هذه النسبة كذبًا محضًا؛ لأنه ليس في كلامهم معه ما يدل على أنهم أمنوه، ولا صرحوا له بذلك، ولو فعلوا ذلك لما كان أمانًا؛ لأن النبي -ﷺ- إنما وجههم لقتله لا لتأمينه، ولا يجار على الله، ولا على رسوله. ولو كان ذلك لأدى لإسقاط الحدود، وذلك لا يجوز بالإجماع. وعلى هذا فيكون في قتل من نسب ذلك إليهم نظر، وتردد. وسببه: هل يلزم من نسبة الغدر لهم نسبته للنبي -ﷺ-؛ لأنه قد صوَّب فعلهم، ورضي به، فيلزم منه: أنه قد رضي بالغدر؟ ومن صرح بذلك قُتل -أو لا يلزم ذلك؛ لأنه لم يصرح به؛ وإنما هو لازم على قوله - ولعله لو تنبه لذلك الإلزام لم يصرح بنسبة الغدر إليهم، ويكون هذا من باب التكفير بالمآل، وقد اختلف فيه. والصحيح: أنه لا يكفر بالمآل، ولا بما يلزم على المذاهب، إلا إذا صرح بالقول اللازم. وإذا قلنا: إنه لا يقتل فإنه لا بد من تنكيل ذلك القائل، وعقوبته بالسجن، والضرب الشديد، والإهانة العظيمة.","vol":"3","page":660},{"text":"فَقَالَ لَهُ، وَذَكَرَ مَا بَينَهُمَا، وَقَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَد أَرَادَ صَدَقَةً، وَقَد عَنَّانَا، فَلَمَّا سَمِعَهُ قَالَ: وَأَيضًا وَاللَّهِ لَتَمَلُّنَّهُ، قَالَ: إِنَّا قَد اتَّبَعنَاهُ الآنَ وَنَكرَهُ أَن نَدَعَهُ حَتَّى نَنظُرَ إِلَى أَيِّ شَيءٍ يَصِيرُ أَمرُهُ، قَالَ: وَقَد أَرَدتُ أَن تُسلِفَنِي سَلَفًا، قَالَ: فَمَا تَرهَنُنِي؟ تَرهَنُنِي نِسَاءَكُم، قَالَ: أَنتَ أَجمَلُ العَرَبِ، أَنَرهَنُكَ نِسَاءَنَا؟ قَالَ: تَرهَنُونِي أَولَادَكُم، قَالَ: يُسَبُّ ابنُ أَحَدِنَا فَيُقَالَ: رُهِنَ فِي وَسقَينِ مِن تَمرٍ، وَلَكِن نَرهَنُكَ اللَّأمَةَ. (يَعنِي السِّلَاحَ) قَالَ: نَعَم. وَوَاعَدَهُ أَن يَأتِيَهُ بِالحَارِثِ، وَأَبِي عَبسِ بنِ جَبرٍ، وَعَبَّادِ بنِ بِشرٍ، قَالَ: فَجَاؤوا فَدَعَوهُ لَيلًا، فَنَزَلَ إِلَيهِم.\nوفي رواية: قَالَت امرَأَتُهُ: إِنِّي لَأَسمَعُ صَوتًا كَأَنَّهُ صَوتُ دَمٍ، قَالَ:\nــ\nوقوله: (إن هذا الرجل قد أراد صدقة، وقد عنانا)؛ هذا الكلام ليس فيه تصريح بأمان، بل هو كلام ظهر لكعب منه: أن محمد بن مسلمة ليس محققًا، ولا مخلصًا في اتباع النبي -ﷺ- ولا في الكون معه، ولذلك أجابه بقوله: وأيضًا والله لتمَلُّنَّه. وكلام محمد من باب المعاريض، وليس فيه من الكذب، ولا من باب الباطل شيء، بل هو كلام حق، فإن محمدا -ﷺ- رجل، لكن أي رجل، وقد أراد صدقةً من أمته، وأوجبها عليهم، وقد عنَّاهم بالتكاليف. أي: أتعبهم، لكن تعبًا حصل لهم به خير الدنيا والآخرة. وإذا تأملت كلام محمد هذا؛ علمت أن محمد بن مسلمة من أقدر الناس على البلاغة، واستعمال المعاريض، وعلى إعمال الحيلة، وأنه من أكمل الناس عقلًا ورأيًا.\nوقوله: (يسبُّ ابن أحدنا) من السَّب، وهو الصواب، وصحيح الرواية، وقد قيده الطبري: (يَشِبُّ) من الشباب، بالشين المعجمة، وهو تصحيف؛ وإنما عيَّن السلاح للرهن؛ لئلا ينكرها إذا جاؤوا بها.\nوقول امرأة كعب: (إني لأسمع صوتًا كأنه صوت دم)؛ أي: صوت طالب","vol":"3","page":661},{"text":"إِنَّمَا هَذَا مُحَمَّدُ، وَرَضِيعُهُ، وَأَبُو نَائِلَةَ، إِنَّ الكَرِيمَ لَو دُعِيَ إِلَى طَعنَةٍ لَيلًا لَأَجَابَ، قَالَ مُحَمَّدٌ: إِنِّي إِذَا جَاءَ فَسَوفَ أَمُدُّ يَدِي إِلَى رَأسِهِ، فَإِذَا استَمكَنتُ مِنهُ فَدُونَكُم، قَالَ: فَلَمَّا نَزَلَ، نَزَلَ وَهُوَ مُتَوَشِّحٌ، فَقَالَ: نَجِدُ\nــ\nدم. كانت هذه المرأة من شياطين الإنس، أو تكلم على لسانها شيطان، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَولِيَائِهِم لِيُجَادِلُوكُم﴾ وإلا فمن أين أدركت هذا؟ بل هذا من نوع ما وقع للزَّباء في قصتها مع قصير حين جاءها بالصَّناديق فيها الرِّجال، فأوهمها أن فيها تجارة، فلما رأتها أنشدت:\nمَا لِلجِمالِ مَشيُهَا وَئيدا؟ ... أجَندَلًا (١) يَحمِلنَ أم حَدِيدا؟\nأمِ صَرَفَانًا (٢) بَارِدًا شَدِيدا؟ ... أمِ الرِّجَالُ جُثَّمًا قُعُودا؟\nوكذلك كان.\nوقوله: (إنما هو محمد ورضيعه وأبو نائلة)؛ هكذا صحت الرواية فيه على أن أبا نائلة غير رضيع محمد. وقد رواه أهل السير بإسقاط الواو على أنه بدل من (رضيعه). وفي البخاري: (ورضيعي أبو نائلة) على أن يكون أبو نائلة رضيع كعب. والمعروف بأنه رضيع محمد. والله تعالى أعلم.\nوقوله: (نزل وهو متوشح)؛ أي: بثوب جعله على أحد منكبيه، وأخرج الآخر. و(دونكم) منصوب على الإغراء؛ أي: بادروا إلى قتله، ولازموه.\n_________\n(١) \"الجندل\": الحجارة والصخر.\n(٢) \"الصرفان\": هو ضرب من أجود أنواع التمر، وهو أيضًا: الرصاص القلعي، وهو كذلك: الموت.","vol":"3","page":662},{"text":"مِنكَ رِيحَ الطِّيبِ، فقَالَ: نَعَم، تَحتِي فُلَانَةُ، هِيَ أَعطَرُ نِسَاءِ العَرَبِ، قَالَ: فَتَأذَنُ لِي أَن أَشُمَّ مِنهُ، قَالَ: نَعَم، فَشُمَّ، فَتَنَاوَلَ فَشَمَّ، ثُمَّ قَالَ: أَتَأذَنُ لِي أَن أَعُودَ؟ فَاستَمكَنَ مِن رَأسِهِ، ثُمَّ قَالَ: دُونَكُم! قَالَ: فَقَتَلُوهُ.\nرواه البخاري (٢٥١٠)، ومسلم (١٨٠١)، وأبو داود (٢٧٦٨).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-482>(٢٩) باب في غزوة خيبر وما اشتملت عليه من الأحكام</span>\n[١٣١٨] عَن سَلَمَةَ بنِ الأَكوَعِ قَالَ: خَرَجنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى خَيبَرَ، فَسرنَا لَيلًا، فَقَالَ رَجُلٌ مِن القَومِ لِعَامِرِ بنِ الأَكوَعِ: أَلَا تُسمِعُنَا مِن هُنَيهَاتِكَ؟ -وَكَانَ عَامِرٌ رَجُلًا شَاعِرًا- فَنَزَلَ يَحدُو بِالقَومِ يَقُولُ:\nاللَّهُمَّ لَولَا أَنتَ مَا اهتَدَينَا ... وَلَا تَصَدَّقنَا وَلَا صَلَّينَا\nــ\n(٢٩) ومن باب: غزوة خيبر\nقوله: (ألا تسمعنا من هنيَّهاتك؟) أي: من أراجيزك، وهو تصغير: (هنة). و(هن): كناية عن النكرات. وفيه ما يدل على استنشاد الشعر وإنشاده على جهة التنشيط على الأعمال الشاقة والأسفار، وترويح النفوس من الغم، لكن إذا سَلِم من الآفات التي قدّمنا ذكرها، ثم على (ل لة، والنُّدور.\nو(الحدو) أصله: السوق. ولما كان إنشاد الشعر في السفر يسوق الإبل سمّي: حدوًا.\nوقوله: (اللهم لولا أنت ما اهتدينا)؛ كذا الرواية هنا مجزومًا (١) -بالزاي-؛\n_________\n(١) أي: بسكون اللام الأولى من اللهم.","vol":"3","page":663},{"text":"فَاغفِر فِدَاءً لَكَ مَا اقتَفَينَا ... وَثَبِّت الأَقدَامَ إِن لَاقَينَا\nوَأَلقِيَن سَكِينَةً عَلَينَا ... إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَتَينَا\nــ\nأي: زائدًا فيه حرف. وصوابه من جهة الوزن: لا هم، تالله، أو: والله، كما جاء في الحديث الآخر:\nوالله لولا الله ما اهتدينا.\nوقوله: (فاغفر فِداءٌ لك ما اقتفينا)؛ الرواية هنا بكسر الفاء من (فِداء) وبالمد. وقد رواه بعضهم بفتح الفاء والمد، وقد حكاه الأصمعي. وحكى الفراء: فَدًى- مفتوحًا مقصورًا- وهو- أعني في البيت- مرفوع بالابتداء، خبره: ما اقتفينا، ومفعول (اغفر) محذوف، أي: ذنوبنا. ويجوز أن يكون (ما اقتفينا) مفعول (اغفر) (١)، وخبر المبتدأ محذوف؛ أي: فداء لك نفوسنا (٢).\nومعنى (اقتفينا) أي: اكتسبنا. وأصله: من القفا. وكأن المكتسب للشيء يجري خلفه، حتى يصل إليه. وهذا الكلام إنما يقال لمن تجوز عليه لحوق المكاره والمشقات، فإذا قاله أحدنا لجنسه، كان معناه: إن نفسي وقاية لك من المكاره؛ أي: تصيبني ولا تصيبك. وهذا المعنى لا يليق بالله تعالى، فيحتمل أن يكون إطلاقه هذا اللفظ على الله تعالى بحكم جريان ذلك على ألسنتهم من غير قصد، كما قالوا: قاتله الله. وتربت يمينك. كما قدمناه في كتاب الطهارة. ويحتمل أن يحمل على الاستعارة. ووجهها: أنه لما كان الفداء مبالغة في رضا المفدى عبَّر بالفداء عن الرضا. أو يريد بذلك: فداء لدينك. أو: لطاعتك؛ أي: نجعل نفوسنا فداء لإظهارهما.\nوقوله: (إنا إذا صيح بنا أبينا) من الإباء. و(أتينا) من الإتيان. الروايتان صحيحتان، ومعناهما: إذا صاح بنا أعداؤنا أبينا الفرار، وبتنا لا يهولنا صياحهم. وعلى الأخرى: إذا صرخ بنا أتينا للنصرة، وإذا صاح بنا أعداؤنا أتيناهم مسرعين غير متربصين ولا متوقفين.\nوقوله: (وألقين سكينة علينا)؛ أي: سكونًا وتثبيتًا في أوقات الحروب،\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (هـ).\n(٢) ساقط من (هـ).","vol":"3","page":664},{"text":"وَبِالصِّيَاحِ عَوَّلُوا عَلَينَا\nفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِﷺ-: مَن هَذَا السَّائِقُ؟ قَالَوا: عَامِرٌ، قَالَ: ﵀. فَقَالَ رَجُلٌ مِن القَومِ: وَجَبَت يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَولَا أَمتَعتَنَا بِهِ؟ قَالَ: فَأَتَينَا خَيبَرَ فَحَاصَرنَاهُم حَتَّى أَصَابَتنَا مَخمَصَةٌ شَدِيدَةٌ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ فَتَحَهَا عَلَيكُم. قَالَ: فَلَمَّا أَمسَى النَّاسُ مَسَاءَ اليَومِ الَّذِي فُتِحَت عَلَيهِم، أَوقَدُوا نِيرَانًا كَثِيرَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِﷺ-: مَا هَذِهِ النِّيرَانُ؟ عَلَى أَيِّ شَيءٍ تُوقِدُونَ؟ قَالَوا: عَلَى لَحمٍ، قَالَ: أَيُّ لَحمٍ؟ قَالَوا: لَحمُ حُمُرِ إِنسِيَّةِ،\nــ\nوصبرًا في مواطن المشقات.\nوقوله: (وبالصياح عوَّلوا علينا)؛ أي: ليس عندهم إلا الصياح، فلا نبالي بهم.\nوقول الرجل: (وجبت)؛ أي: الرحمة التي دعا له بها النبي -ﷺ-، وكان هذا الرجل من أهل العلم بحال رسول الله -ﷺ-، وذلك: أنه علم أن دعوته مستجابة لمكانته عند ربِّه تعالى. وفهم: أن تلك الرحمة تعجل للمدعو له، فقال: (لولا متعتنا به)؛ أي: هلا دعوت الله في أن يمتعنا ببقائه.\nو(المخمصة): الجوع الشديد.\nوقوله -ﷺ-: (إن الله فتحها عليكم)؛ أي: يفتحها عليكم. فوضع الماضي موضع المستقبل لما كان أمرًا محققًا عنده. أو يكون أخبر عما علم الله من فتحها.\nو(أَنَسيَّة) روي بفتح الهمزة والنون. قال البخاري: كان ابن أبي أويس يقول: (الأَنسية) - بفتح الألف والنون- وأكثر روايات الشيوخ فيه: (الإِنسية) بكسر","vol":"3","page":665},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِﷺ-: أَهرِيقُوهَا وَاكسِرُوهَا. فَقَالَ رَجُلٌ من القوم: أَو يُهرِيقُونهَا وَيَغسِلُونهَا؟ فَقَالَ: أَو ذَاكَ. قَالَ: فَلَمَّا تَصَافَّ القَومُ، كَانَ سَيفُ عَامِرٍ فِيهِ قِصَرٌ، فَتَنَاوَلَ بِهِ سَاقَ يَهُودِيٍّ لِيَضرِبَهُ، وَرَجِعُ ذُبَابُ سَيفِهِ، فَأَصَابَ رُكبَةَ عَامِرٍ، فَمَاتَ مِنهُ، قَالَ: فَلَمَّا قَفَلُوا، قَالَ سَلَمَةُ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِي: قَالَ: فَلَمَّا رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- شَاحبًا قَالَ: مَا لَكَ؟ قُلتُ لَهُ: فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، زَعَمُوا أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ، قَالَ: مَن قَالَهُ؟ قُلتُ: فُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَأُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ الأَنصَارِيُّ، فَقَالَ: كَذَبَ مَن قَالَهُ، إِنَّ لَهُ لَأَجرَينِ،\nــ\nالهمزة وسكون النون- وكلاهما صحيح. والأَنس- بالفتح-: التأنس.\nقلت: وهو بالفتح منسوب إلى الأُنسِ، بِمَعنَى التَّأَنسِ، وَبِالكَسرِ إِلَى الإِنسِ الَّذِي هُوَ نَوعُ الإِنسَانِ. وقيل: إن كليهما منسوب إلى الإنس (١)، لكن الأول على غير قياس، والأول أولى. والله تعالى أعلم.\nوقوله: (أهريقوها واكسروها)؛ الضمير في (أهريقوها) للحوم. وفي (اكسروها) للقدور، وإن لم يجر لهما ذكر، لكنهما تدل عليهما الحال. والهاء الأول في (أهريقوها) زائدة؛ لأن أصله: أراق، يريق. وقد يبدلون من هذه الهمزة (هاء) فيقولون: هراق الماء، وهَرِق ماءك، كما تقول: أراق، وأرق.\nوفيه: دلالة على تحريم لحوم الحمر الإنسية، وسيأتي في الأطعمة إن شاء الله.\nوقوله: (أو ذاك) ساكنة الواو، إشارة إلى إجازة غسل القدور، وتخيير بينه وبين الكسر المأمور به أولًا. وهذا يدل لمن قال: إن النبي -ﷺ- كان أبيح له الحكم بالرأي والاجتهاد.\nو(قفلوا): رجعوا. و(شاحبًا): متغيرًا. و(حبط): بطل. و(كذا) أخطأ.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"3","page":666},{"text":"-وَجَمَعَ بَينَ إِصبَعَيهِ- إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ، قَلَّ عَرَبِيٌّ مَشَى بِهَا مِثلَهُ.\nرواه أحمد (٤/ ٤٧ و٤٨)، والبخاري (٢٤٧٧)، ومسلم (١٨٠٢) (١٢٣)؛ وابن ماجه (٣١٩٥).\n[١٣١٩] وعنه قال: لَمَّا كَانَ يَومُ خَيبَرَ، قَاتَلَ أَخِي قِتَالًا شَدِيدًا مَعَ\nــ\nوقوله: (لما كان خيبر قاتل أخي قتالًا شديدًا)؛ القصة مخالفة لما ذكره في الرواية المتقدَّمة، ولما يأتي بعد في أن هذه القضية إنما وقعت لعمه عامر بن الأكوع، وهو الصحيح، فلعل سلمة أطلق على عمه اسم الأخوة لرضاع كان بينهما، أو لمؤاخاة، وإلا فهو وهم من بعض الرواة، والله تعالى أعلم.\nوقوله: (إنه لجاهد مجاهد) الرواية الصحيحة المشهورة: بكسر الهاء فيهما، وضم الدال وتنوينها فيهما، وضم الميم. وعند ابن أبي جعفر: (لجاهد مجاهد)، بفتحها كلها إلا هاء (مجاهد) فإنها بالكسر. على أن يكون الأول: فعلًا ماضيًا، والثاني: جمعًا لا نظير له في الآحاد، فلم يصرفه. وكذلك رواه بعض رواة البخاري. والصواب الأول. ومعناه: جاهد جادٌ في أمره. قاله ابن دريد. والثاني: تكرار على جهة التأكيد. قال ابن الأنباري: العرب إذا بالغت في الكلام اشتقت من اللفظة الأولى لفظة على غير بنائها، زيادة في التوكيد. فقالوا: جادٌّ مجدٌ، وليلٌ لائل، وشعر شاعر. قال غيره: وقد يكون (جاهد)؛ أي: مبالغ في سبيل الخير (١). و(مجاهد) لأعدائه.\nقلت: ويظهر لي: أن هذا القول أحسن بدليل قوله في الرواية الأخرى: (مات جاهدًا مجاهدًا، فله أجره مرتين)؛ فأشار بفاء التعليل إلى الجهتين اللتين يؤجر منهما، وهما: جاهد مجاهد. فمعنى أحدهما غير الآخر. والله تعالى أعلم.\nوقوله: (قل عربي مشى بها مثله)؛ أكثر الروايات على أن (مشى) مفتوح\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"3","page":667},{"text":"رَسُولِ اللَّهِﷺ-، فَارتَدَّ عَلَيهِ سَيفُهُ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ أَصحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي ذَلِكَ، وَشَكُّوا فِيهِ: رَجُلٌ مَاتَ فِي سِلَاحِهِ، وَشَكُّوا فِي بَعضِ أَمرِهِ، قَالَ سَلَمَةُ: فَقَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِن خَيبَرَ. فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ائذَن لِي أَن أَرجُزَ بَكَ، فَأَذِنَ الرَسُولُ - ﷺ-، فَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: أَعلَمُ مَا تَقُولُ، قَالَ: فَقُلتُ:\nوَاللَّهِ لَولَا اللَّهُ مَا اهتَدَينَا ... وَلَا تَصَدَّقنَا وَلَا صَلَّينَا\nفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِﷺ-: صَدَقتَ.\nفَأَنزِلَن سَكِينَةً عَلَينَا ... وَالمُشرِكُونَ قَد بَغَوا عَلَينَا\nفَلَمَّا قَضَيتُ رَجَزِي، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ-: مَن قَالَ هَذَا؟ قُلتُ: قَالَهُ أَخِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِﷺ-: يَرحَمُهُ اللَّهُ. قَالَ: فَقُلتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! والله إِنَّ نَاسًا لَيَهَابُونَ الصَّلَاةَ عَلَيهِ، يَقُولُونَ: رَجُلٌ مَاتَ بِسِلَاحِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ-: مَاتَ جَاهِدًا مُجَاهِدًا.\nــ\nالميم على أنه فعل ماض، و(بها) بغير تنوين الهاء، على أنه جار ومجرور. وللفارسي وحده: (مُشابهًا) -بضم الميم، وتنوين الهاء- (١) من المشابهة. وفي البخاري لبعض الرواة: (نشأ بها) من النشء (٢). وكل بعيد في المعنى والعربية، والصواب رواية الجماعة، والضمير في (بها) عائد على الأرض، وقيل: على الحرب.\nقلت: ويحتمل أن يعود على الشهادة والحالة الحسنة التي مضى بها إلى الله تعالى. وهذا يعضده المعنى، ومساق الكلام. والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) ساقط من (ز).\n(٢) نشأ: شبَّ ونما، فهو ناشِئ.","vol":"3","page":668},{"text":"وفي رواية: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ-: كذبوا، مَاتَ جَاهِدًا مُجَاهِدًا، فله أجره مرتين - وأشار بإصبعيه.\nرواه مسلم (١٨٠٢) (١٢٤).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-483>(٣٠) باب في غزوة ذي قرد وما تضمنته من الأحكام</span>\n[١٣٢٠] عن سَلَمَةَ بن الأكوع قَالَ: قَدِمنَا الحُدَيبِيَةَ مع رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَنَحنُ أَربَعَ عَشرَةَ مِائَةً، وَعَلَيهَا خَمسُونَ شَاةً لَا تُروِيهَا. قَالَ: فَقَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى جَبَا الرَّكِيَّةِ فَإِمَّا دَعَا، وَإِمَّا بَسَقَ فِيهَا. قَالَ: فَجَاشَت فَسَقَينَا وَاستَقَينَا، قَالَ: ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- دَعَانَا لِلبَيعَةِ فِي أَصلِ الشَّجَرَةِ. قَالَ فَبَايَعتُهُ أَوَّلَ النَّاسِ، ثُمَّ بَايَعَ وَبَايَعَ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي وَسَطٍ مِن أول النَّاسِ. قَالَ: بَايِع يَا سَلَمَةُ، قَالَ: قُلتُ: قَد بَايَعتُكَ يَا رَسُولِ اللَّهِ فِي أَوَّلِ\nــ\n(٣٠) ومن باب: غزوة ذي قرد\n(الحديبية) تقال بتخفيف الياء، وتشديدها، لغتان. وهو موضع فيه ماء على قرب من مكة، كما تقدَّم. والرواية الصحيحة المشهورة: (جَبَا الرَّكية) بالفتح في الجيم والباء بواحدة مقصورًا، وهو جانب البئر. و(الركيَّة) البئر غير المطوية، فإذا طويت فهي: الطَّوِيُّ. وللعذري: (جُبِ ركية) بضم الجيم، وكسر الباء. والجُب: البئر ليست بعيدة القعر. و(جاشت)؛ أي: ارتفعت. يقال: جاش الشيء، يجيش جيشًا؛ إذا ارتفع.","vol":"3","page":669},{"text":"النَّاسِ. قَالَ: وَأَيضًا. قَالَ: وَرَآنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَزِلًا -يَعنِي لَيسَ مَعَهُ سِلَاحٌ- قَالَ: فَأَعطَانِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَجَفَةً أَو دَرَقَةً، ثُمَّ بَايَعَ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي آخِرِ النَّاسِ قَالَ: أَلَا تُبَايِعُنِي يَا سَلَمَةُ. قَالَ: قُلتُ: قَد بَايَعتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي أَوَّلِ النَّاسِ، وَفِي أسط النَّاسِ، قَالَ: وَأَيضًا. قَالَ: فقد بَايَعتُهُ الثَّالِثَةَ ثُمَّ قَالَ لِي: يَا سَلَمَةُ! أَينَ حَجَفَتُكَ أَو دَرَقَتُكَ الَّتِي أَعطَيتُكَ؟ قَالَ قُلتُ: يَا رَسُولُ اللَّهِ لَقِيَنِي عَمِّي عَامِرٌ عَزِلًا فَأَعطَيتُهُ إِيَّاهَا. قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وقَالَ: إِنَّكَ كَالَّذِي قَالَ الأَوَّلُ: اللَّهُمَّ أَبغِنِي حَبِيبًا هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِن نَفسِي. ثُمَّ إِنَّ المُشرِكِينَ رَاسَلُونَا الصُّلحَ، حَتَّى\nــ\nوقوله: (حجفة أو درقة) على الشك من الراوي. والحجفة: الترس. وإنما يكون من عيدان، والدّرق من الجلود.\nواختصاصه -ﷺ- سلمة بتكرار البيعة ثلاثًا؛ تأكيدا في حقّه، لما علم -ﷺ- من خصاله، وكثرة غنائه، كما قد ظهر منه على ما يأتي.\nو(عزلًا) الرواية فيه هنا، وفي الحرف الآتي بعده: بفتح العين وكسر الزاي. وقال بعض اللغويين: الصواب: أعزل، ولا يقال: عزل. وقيده بعضهم: عزلًا- بضم العين والزاي-، وكذا ذكره الهروي، كما يقال: ناقة عُلُط، وجمل فُنُق (١). والجمع: أعزال. كما يقال: جنب وأجناب، وماء سُدُمٌ، ومياه أسدام. والأعزل: الذي لا سلاح معه.\nو(أبغني): أعطني. يقال: بغيت الشيء من فلان فأبغانيه؛ أي: أعطاني ما طلبته.\nوقوله: (ثم إن المشركين راسلونا الصلح)؛ هذه رواية العذري، وهي من الرسالة. ورواه جماعة من رواة مسلم: (راسُّونا) بسين مهملة مشددة مضمومة،\n_________\n(١) جَمَل فُنُقٌ وفنيقٌ: مكرم مودع للفحلة. (اللسان).","vol":"3","page":670},{"text":"مَشَى بَعضُنَا فِي بَعضٍ، وَاصطَلَحنَا قَالَ: وَكُنتُ تَبِيعًا لِطَلحَةَ بنِ عُبَيدِ اللَّهِ أَسقِي فَرَسَهُ، وَأَحُسُّهُ، وَأَخدِمُهُ وَآكُلُ مِن طَعَامِهِ، وَتَرَكتُ أَهلِي وَمَالِي، مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ -ﷺ-. قَالَ: فَلَمَّا اصطَلَحنَا نَحنُ وَأَهلُ مَكَّةَ وَاختَلَطَ بَعضُنَا بِبَعضٍ أَتَيتُ شَجَرَةً فَكَسَحتُ شَوكَهَا، فَاضطَجَعتُ فِي أَصلِهَا. قَالَ: فَأَتَانِي أَربَعَةٌ مِن المُشرِكِينَ مِن أَهلِ مَكَّةَ، فَجَعَلُوا يَقَعُونَ فِي رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَأَبغَضتُهُم، فَتَحَوَّلتُ إِلَى شَجَرَةٍ أُخرَى، وَعَلَّقُوا سِلَاحَهُم، وَاضطَجَعُوا فَبَينَمَا هُم كَذَلِكَ، إِذ نَادَى مُنَادٍ مِن أَسفَلِ الوَادِي: يَا لِلمُهَاجِرِينَ! قُتِلَ ابنُ زُنَيمٍ. قَالَ: فَاختَرَطتُ سَيفِي، ثُمَّ شَدَدتُ عَلَى أُولَئِكَ الأَربَعَةِ، وَهُم رُقُودٌ، وَأَخَذتُ سِلَاحَهُم فَجَعَلتُهُ ضغثا في يدي، قَالَ: ثُمَّ قُلتُ: وَالَّذِي كَرَّمَ وَجهَ مُحَمَّدٍ لَا يَرفَعُ أَحَدٌ مِنكُم رَأسَهُ إِلَّا ضَرَبتُ الَّذِي فِيهِ عَينَاهُ، قَالَ: ثُمَّ جِئتُ بِهِم أَسُوقُهُم إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: وَجَاءَ عَمِّي عَامِرٌ برجل مِن العَبَلَاتِ، يُقَالُ لَهُ مِكرَزٌ، يَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى فَرَسٍ مُجَفَّفٍ فِي سَبعِينَ مِن المُشرِكِينَ، فَنَظَرَ إِلَيهِم رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- فَقَالَ: دَعُوهُم يَكُن لَهُم\nــ\nوهو من: رسِّ الحديث، يرسه: إذا ابتدأه. ورسست بين القوم: أصلحت بينهم. ورسا لك الحديث رسوًا: إذا ذكر لك منه طرفًا. وروي: (راسونا) - بفتح السين- لابن ماهان. قال عياض: ولا وجه لها.\nقوله: (كنت تبيعًا لأبي طلحة)؛ أي: خديمًا له. وهو من: تبعت الرَّجل: إذا سرت خلفه. و(أحسه) أنفض عنه التراب. والحسُّ: الحك. و(كسحت شوكها): كنسته. و(الضغث): القبضة من الحشيش وغيره. و(العبلات) بطن من بني عبد شمس، نسبوا إلى أم لهم تسمى: عبلة بنت عبيد، من البراجم. و(الفرس المجفف): الذي عليه تجفاف- بكسر التاء- وهو الجل. و(بدء الفجور): أوله، والفجور ضد البرِّ. و(ثناه): عوده، بكسر الثاء المثلثة، مقصورًا. وهي الرواية","vol":"3","page":671},{"text":"بَدءُ الفُجُورِ، وَثِنَاهُ فَعَفَا عَنهُم رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ-، وَأَنزَلَ اللَّهُ ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُم عَنكُم وَأَيدِيَكُم عَنهُم بِبَطنِ مَكَّةَ مِن بَعدِ أَن أَظفَرَكُم عَلَيهِم﴾ الآيَةَ كُلَّهَا. قَالَ: ثُمَّ خَرَجنَا راجعين إِلَى المَدِينَةِ، فَنَزَلنَا مَنزِلًا، بَينَنَا وَبَينَ بَنِي لَحيَانَ جَبَلٌ، وَهُم المُشرِكُونَ، فَاستَغفَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِمَن رَقِيَ هَذَا الجَبَلَ اللَّيلَةَ كَأَنَّهُ طَلِيعَةٌ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- وَأَصحَابِهِ. قَالَ سَلَمَةُ: فَرَقِيتُ تِلكَ اللَّيلَةَ مَرَّتَينِ أَو ثَلَاثًا، ثُمَّ قَدِمنَا المَدِينَةَ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- بِظَهرِهِ مَعَ رَبَاحٍ غُلَامِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَنَا مَعَهُ، وَخَرَجتُ مَعَهُ بِفَرَسِ طَلحَةَ أُنَدِّيهِ مَعَ الظَّهرِ، فَلَمَّا أَصبَحنَا إِذَا عَبدُ الرَّحمَنِ الفَزَارِيُّ قَد أَغَارَ عَلَى ظَهرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَاستَاقَهُ\nــ\nالمشهورة، ولابن ماهان: (وثنياه) بضم الثاء، وهو بالمعنى الأول. والفجور هنا هو (١): نقض العهد، ورَوم غرة المسلمين، وكان هذا في صلح الحديبية.\nوعفو النبي -ﷺ- عن هؤلاء السبعين ليتم أمر الصلح. والله تعالى أعلم.\nوقد اختلف في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُم عَنكُم﴾ على أقوال هذا أحدها، وهو أصحها.\nوقوله: (وهم المشركون) بضم الهاء، وتخفيف الميم، وهي ضمير الجمع. وقد ضبطه بعض الشيوخ: (وهَمَّ) بفتح الهاء، والميم وتشديدها؛ على أنه فعل ماض. و(المشركون) فاعل به.\nقال عياض: معناه: هم النبي -ﷺ- والمسلمين أمرهم لئلا يغدروهم، ويبيتوهم لقربهم منهم. يقال: همني الأمر، وأهمني. ويقال: همَّني: أذابني، وأهمَّني: غمني.\nقلت: والأقرب أن يكون معناه: هم المشركون بالغدر، واستشعر المسلمون منهم بذلك.\n_________\n(١) ساقط من (هـ) و(ج).","vol":"3","page":672},{"text":"أَجمَعَ، وَقَتَلَ رَاعِيَهُ قَالَ فَقُلتُ: يَا رَبَاحُ خُذ هَذَا الفَرَسَ فَأَبلِغهُ طَلحَةَ بنَ عُبَيدِ اللَّهِ، وَأَخبِر رَسُولَ اللَّهُ -ﷺ- أَنَّ المُشرِكِينَ قَد أَغَارُوا عَلَى سَرحِهِ، قَالَ: ثُمَّ قُمتُ عَلَى أَكَمَةٍ فَاستَقبَلتُ المَدِينَةَ فَنَادَيتُ ثَلَاثًا: يَا صَبَاحَاه! ثُمَّ خَرَجتُ فِي آثَارِ القَومِ أَرمِيهِم وَأَرتَجِزُ أَقُولُ:\nأَنَا ابنُ الأَكوَعِ ... وَاليَومُ يَومُ الرُّضَّعِ\nــ\nو(الظهر): الإبل التي تحمل على ظهورها الأثقال. و(أُنَدَّيه مع الظهر)؛ أي: أورده الماء فيشرب قليلًا، ثم أرعاه وأورده. وهي التَّندِيَة، وأصلها للإبل. وقد تكون التندية في الفرس بمعنى: التضمير، وهي: أن يجري الفرس حتى يعرق. ويقال لذلك العرق: الندى (١)، قاله الأصمعي.\nو(استاقه)؛ أي: حمله، والتاء زائدة للاستفعال. و(السَّرح) الإبل التي تسرح في المرعى. و(الأكمة): الجبيل الصغير.\nوقوله: (يا صباحاه) هاؤه ساكنة، وهو يشبه المنادى المندوب، وليس به. ومعناه هنا: الإعلام بهذا الأمر المهم الذي قد دهمهم في الصباح.\nوقوله: (وأنا ابن الأكوع) الكوع: اعوجاج في اليدين. قيل: الكوع والوكع في الرجل: أن تميل إبهامها على أصابعها. واسم الأكوع: سنان بن عبد الله بن بشير، وهو أبو سلمة على ما ذكره محمد بن سعد. وقيل: اسم أبي سلمة: عمرو بن الأكوع، وهو جدُّ سلمة، فنسب إليه (٢).\nوقوله: (واليوم يوم الرُّضع): الرُّضع: جمع راضع، وهو اللئيم. وأصله: أن رجلًا (٣) كان يرضع الإبل، ولا يحلبها، لئلا يُسمَع صوت الحلب فيقصد، فعبَّروا\n_________\n(١) في (ل) ويقال: العرق الذي لذلك الفرس: الندى.\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (هـ).\n(٣) في (ع): النحيل، وفي باقي النسخ: البخيل. وما أثبتناه من: تاج العروس واللسان.","vol":"3","page":673},{"text":"فَأَلحَقُ رَجُلًا مِنهُم، فَأَصُكُّ سَهمًا فِي رَحلِهِ، حَتَّى خَلَصَ النَصلُ إِلَى كتفه.\nقَالَ: قُلتُ خُذهَا:\nوَأَنَا ابنُ الأَكوَعِ ... وَاليَومُ يَومُ الرُّضَّعِ\nقَالَ: فَوَاللَّهِ مَا زِلتُ أَرمِيهِم، وَأَعقِرُ بِهِم، فَإِذَا رَجَعَ إِلَيَّ فَارِسٌ أَتَيتُ شَجَرَةً فَجَلَستُ فِي أَصلِهَا ثُمَّ رَمَيتُهُ، فَعَقَرتُ بِهِ، حَتَّى إِذَا تَضَايَقَ الجَبَلُ، فَدَخَلُوا فِي تَضَايُقِهِ، عَلَوتُ الجَبَلَ فَجَعَلتُ أُرَمِّيهِم بِالحِجَارَةِ، قَالَ: فَمَا زِلتُ كَذَلِكَ أَتبَعُهُم حَتَّى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن بَعِيرٍ مِن ظَهرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَّا خَلَّفتُهُ وَرَاءَ ظَهرِي، وَخَلَّوا بَينِي وَبَينَهُ، ثُمَّ اتَّبَعتُهُم أَرمِيهِم حَتَّى أَلقَوا أَكثَرَ مِن ثَلَاثِينَ بُردَةً وَثَلَاثِينَ رُمحًا، يَستَخِفُّونَ وَلَا يَطرَحُونَ شَيئًا إِلَّا جَعَلتُ عَلَيهِ آرَامًا مِن الحِجَارَةِ، يَعرِفُهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصحَابُهُ، حَتَّى أَتَوا مُتَضَايِقًا\nــ\nعن كل لئيم بذلك. وعليه قالوا في المثل: لئيم راضع. وقيل: لأنه يرضع اللؤم من أمه، وهو مطبوع عليه. وقيل: معناه: اليوم يظهر من أرضعته كريمة أو لئيمة. وقيل: اليوم يعرف من أرضعته الحربُ من صغره.\nوقوله: (فأصك سهمًا في رَحله، حتى خلص نصل السهم إلى كتفه)؛ كذا روايتنا فيه، بالحاء المهملة. ويعني به: أن سهمه أصاب أخرة رحله، فنفذها، ووصل (١) إلى كتفه. وفي بعض النسخ: (فأصكه سهمًا في رجله حتى خلص إلى كعبه)، والأول أشبه. و(أصك): أضرب. و(ألحق) و(أصك): مضارعان، ومعناهما: المضي.\nوقوله: (فما زلت أرميهم)؛ أي: أرميهم بالسهام (وأعقر بهم) خيلهم، ومنه (فعقر بعبد الرحمن فرسه)، ويحتمل أن يكون معناه: أصيحُ بهم، من قولهم: رفع\n_________\n(١) في (ل): ودخل.","vol":"3","page":674},{"text":"مِن ثَنِيَّةٍ، فَإِذَا هُم قَد أَتَاهُم فُلَانُ بنُ بَدرٍ الفَزَارِيُّ، فَجَلَسُوا يَتَضَحَّونَ يَعنِي يَتَغَدَّونَ، وَجَلَستُ عَلَى رَأسِ قَرنٍ قَالَ الفَزَارِيُّ: مَا هَذَا الَّذِي أَرَى؟ قَالُوا: لَقِينَا مِن هَذَا البَرحَ، وَاللَّهِ مَا فَارَقَنَا مُنذُ غَلَسٍ يَرمِينَا، حَتَّى انتَزَعَ كُلَّ شَيءٍ فِي أَيدِينَا. قَالَ: فَليَقُم إِلَيهِ نَفَرٌ مِنكُم أَربَعَةٌ. قَالَ فَصَعِدَ إِلَيَّ مِنهُم أَربَعَةٌ فِي الجَبَلِ. قَالَ: فَلَمَّا أَمكَنُونِي مِن الكَلَامِ، قَالَ: قُلتُ هَل تَعرِفُونِي؟ قَالُوا: لَا، وَمَن أَنتَ؟ قَالَ: قُلتُ: أَنَا سَلَمَةُ بنُ الأَكوَعِ وَالَّذِي كَرَّمَ وَجهَ مُحَمَّدٍ -ﷺ-، لَا أَطلُبُ رَجُلًا مِنكُم إِلَّا أَدرَكتُهُ، وَلَا يَطلُبُنِي فيدركني، قَالَ: أَحَدُهُم أَنَا أَظُنُّ قَالَ: فَرَجَعُوا فَمَا بَرِحتُ مَكَانِي حَتَّى\nــ\nعقيرته؛ أي: صوته. و(يتضحَّون)؛ أي: يتغدَّون. وأصله: يأكلون عند الضحى. و(يُقرَون): يُضافون. أخبرهم -ﷺ-: بأنهم قَد وَصَلُوا إِلِى بِلَادِهِم، وِأَنَّهُم قَد فَاتُوهُم. وَ(الأَرَام): بألف ساكنة من غير همز: الأعلام من الحجارة. قال الشاعر:\nوبَيداءَ تَحسَبُ آرامَها ... رجالَ إيَادٍ بأجلادِها\nيعني: بأشخاصها. و(الأرآم) بهمز الألف: الظباء. و(القرن): جبل صغير منفرد منقطع من جبل كبير. و(البَرح) مفتوحة الباء، ساكنة الراء، يعني به: المشقة الشديدة.\nوقوله: (أنا أظنُّ) أي: أتيقَّن. كما قال تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَه﴾؛ أي تحققت، وأيقنت. ويحتمل البقاء على أصل الظن الذي هو تغليب لأحد المحتملين، وقد اقتصر عليها ولم يذكر لها هنا مفعول. ويحتمل أن يكون حذف مفعولها للعلم به، وهو: ذاك الذي هو إشارة إلى أن المصدر الذي يكتفى به عن المفعولين، كما تقول: ظننت ذاك. والله أعلم.\nو(أعدو على رجلي)؛ أي: أشتد في الجري. و(حليتهم) كذا وقع في رواية القاضي بالياء، وقال: أصله الهمز فسُهّل.","vol":"3","page":675},{"text":"رَأَيتُ فَوَارِسَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ- يَتَخَلَّلُونَ الشَّجَرَ. قَالَ فَإِذَا أَوَّلُهُم الأَخرَمُ الأَسَدِيُّ عَلَى إِثرِهِ أَبُو قَتَادَةَ الأَنصَارِيُّ، وَعَلَى إِثرِهِ المِقدَادُ بنُ الأَسوَدِ الكِندِيُّ، قَالَ فَأَخَذتُ: بِعِنَانِ الأَخرَمِ. قَالَ فَوَلَّوا مُدبِرِينَ قُلتُ: يَا أَخرَمُ احذَرهُم لَا يقتطعوك حَتَّى يَلحَقَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصحَابُهُ، قَالَ: يَا سَلَمَةُ إِن كُنتَ تُؤمِنُ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ، وَتَعلَمُ أَنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارَ حَقٌّ فَلَا تَحُل بَينِي وَبَينَ الشَّهَادَةِ قَالَ: فَخَلَّيتُهُ فَالتَقَى هُوَ وَعَبدُ الرَّحمَنِ قَالَ: فَعَقَرَ بِعَبدِ الرَّحمَنِ فَرَسَهُ، فَطَعَنَهُ عَبدُ الرَّحمَنِ فَقَتَلَهُ، وَتَحَوَّلَ عَلَى فَرَسِهِ. وَلَحِقَ أَبُو قَتَادَةَ فَارِسُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِعَبدِ الرَّحمَنِ فَطَعَنَهُ فَقَتَلَهُ، فَوَالَّذِي كَرَّمَ وَجهَ مُحَمَّدٍ -ﷺ- لَتَبِعتُهُم أَعدُو عَلَى رِجلَيَّ، حَتَّى مَا أَرَى وَرَائِي مِن أَصحَابِ رسول الله -ﷺ- وَلَا غُبَارِهِم شَيئًا، حَتَّى يَعدِلُوا قَبلَ غُرُوبِ الشَّمسِ إِلَى شِعبٍ فِيهِ مَاءٌ، يُقَالُ لَهُ: ذَو قَرَدٍ؛ لِيَشرَبُوا مِنهُ، وَهُم عِطَاشٌ، قَالَ: فَنَظَرُوا إلي أَعدُو وَرَاءَهُم فَحلَيتُهُم عَنهُ (يَعنِي أَجلَيتُهُم عَنهُ) فَمَا ذَاقُوا مِنهُ قَطرَةً قَالَ: وَيَخرُجُونَ وَيَشتَدُّونَ فِي ثَنِيَّةٍ قَالَ: فَأَعدُو فَأَلحَقُ رَجُلًا مِنهُم وَأَصُكُّهُ بِسَهمٍ فِي نُغضِ كَتِفِهِ. قَالَ قُلتُ: خُذهَا:\nوَأَنَا ابنُ الأَكوَعِ ... وَاليَومُ يوُم الرضع\nقَالَ: يَا ثَكِلَتهُ أُمُّهُ أَكوَعُهُ بُكرَةَ. قَالَ: قُلتُ: نَعَم يَا عَدُوَّ نَفسِهِ\nــ\nقلت: وصوابه: الهمز، وهو أصله، وهذا تسهيل لا يقتضيه القياس، وروايتي فيه بالهمز على الأصل. ومعناه: طردتهم عن الماء.\nو(الثنية): الطريق في الجبل.\nوقوله: (يا ثكلته أمه) يا: للنداء، والمنادى محذوف ويشبه أن يكون المحذوف (مَن) الموصولة متعلقة بـ (ثكلته أمه)، وكأنه قال: يا من ثكلته أمه","vol":"3","page":676},{"text":"أَكوَعُكَ بُكرَةَ. قَالَ وَأَردَوا فَرَسَينِ على الثَنِيَّةٍ. قَالَ: فَجِئتُ بِهِمَا أَسُوقُهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ- قَالَ: وَلَحِقَنِي عَامِرٌ بِسَطِيحَةٍ فِيهَا مَذقَةٌ مِن لَبَنٍ، وَسَطِيحَةٍ فِيهَا مَاءٌ، فَتَوَضَّأتُ وَشَرِبتُ، ثُمَّ أَتَيتُ رَسُولَ اللَّهِ، وَهُوَ عَلَى المَاءِ الَّذِي حَلَّيتُهُم عَنهُ، فَإِذَا رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ-، قَد أَخَذَ تِلكَ الإِبِلَ وَكُلَّ شَيءٍ استَنقَذتُهُ مِن المُشرِكِينَ، وَكُلَّ رُمحٍ وكل بُردَةٍ، وَإِذَا بِلَالٌ نَحَرَ نَاقَةً مِن الإِبِلِ\nــ\nفحذفها للعلم بها. ويحتمل غير هذا، وهذا أشبه. والثكل: الفقد. والثكلى: المرأة الفاقدة ولدها، الحزينة عليه. ومنه قولهم: ثكل خير من عقوق، وكأنه دعا عليه بالفقد والهلاك.\nوقوله: (أكوعه بكرة) الضمير في أكوعه يعود على المتكلم على تقدير الغيبة، كأنه قال: أكوع الرجل المتكلم، وقد فهم منه هذا سلمة، حيث أجابه بقوله: (أكوعك بكرة)، فخاطبه بذلك و(بكرة) منصوب، غير منون على الظرف؛ لأنه لا ينصرف للتعريف والتأنيث؛ لأنه أريد بها بكرة معينة، وكذلك: غدوة. وليس ذلك لشيء من ظروف الأزمنة سواهما فيما علمت.\nوقوله: (وأرذوا فرسين)، روايتي فيه بالذال، ومعناه: تركوا فرسين معيبين لم يقدرا على النهوض من الضعف والكلال. والرذية: المعيبة، وجمعها: رذايا، ومنه قول الشاعر:\n. . . . . . . . . . . . . . . . ... فهن رذايا في الطريق ودائع\nوقد روي بالدال المهملة (أردوا)؛ أي: تركوهما هلكى، من الردى، وهو الهلاك، والأول أوجه؛ لأنه قال: فأقبلت بهما أسوقهما، فدل على أنهما لم يهلكا، وإنما ثقلا كلالًا وإعياءً.\nو(السَّطيحة): إناء من جلود يُسطَّح بعضها فوق بعض. و(المذقة): القطرة من اللبن الممزوج بالماء. و(المذق): مَزج اللبن بالماء، وقد تقدَّم القول في النواجذ، وأن المراد بها- هنا-: الضَّواحك.","vol":"3","page":677},{"text":"الَّذِي استَنقَذتُ مِن القَومِ، وَإِذَا هُوَ يَشوِي لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِن كَبِدِهَا وَسَنَامِهَا قَالَ: قُلتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! خَلِّنِي فَأَنتَخِبُ مِن القَومِ مِائَةَ رَجُلٍ فَأَتَّبِعُ القَومَ، فَلَا يَبقَى مِنهُم مُخبِرٌ إِلَّا قَتَلتُهُ. قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولَ اللَّهِ، -ﷺ- حَتَّى بَدَت نَوَاجِذُهُ فِي ضَوءِ النَّارِ، فَقَالَ: يَا سَلَمَةُ! أَتُرَاكَ كُنتَ فَاعِلًا؟ قُلتُ: نَعَم وَالَّذِي أَكرَمَكَ. قَالَ: إِنَّهُم الآنَ لَيُقرَونَ فِي أَرضِ غَطَفَانَ. قَالَ فَجَاءَ رَجُلٌ مِن غَطَفَانَ فَقَالَ: نَحَرَ لَهُم فُلَانٌ جَزُورًا، فَلَمَّا كَشَفُوا جِلدَهَا رَأَوا غُبَارًا فَقَالُوا: أَتَاكُم القَومُ، فَخَرَجُوا هَارِبِينَ فَلَمَّا أَصبَحنَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ خَيرَ فُرسَانِنَا اليَومَ أَبُو قَتَادَةَ، وَخَيرَ رَجَّالَتِنَا سَلَم. قَالَ: ثُمَّ أَعطَانِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سَهمَينِ: سَهمَ الفَارِسِ، وَسَهمَ الرَّاجِلِ، فَجَمَعَهُمَا لِي جَمِيعًا، ثُمَّ أَردَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَرَاءَهُ عَلَى العَضبَاءِ رَاجِعِينَ إِلَى المَدِينَةِ قَالَ: فَبَينَا نَحنُ نَسِيرُ، قَالَ: وَكَانَ رَجُلٌ مِن الأَنصَارِ لَا يُسبَقُ شَدًّا، قَالَ: فَجَعَلَ يَقُولُ: أَلَا مُسَابِقٌ إِلَى المَدِينَةِ؟ هَل مِن مُسَابِقٍ؟\nــ\nوقوله: (أعطاني سهمين: سهم الفارس، وسهم الرَّاجل)؛ أما سهم الرَّاجل فهو حقُّه، وأما سهم الفارس فإنما أعطاه النبي -ﷺ- إيَّاه لشدَّة غنائه، ولأنه هو الذي استنقذ تلك الغنائم، وهو الذي تنزل منزلة الجيش فيما فعل، ولم يُسمع بمن فعل مثل فعله في تلك الغزاة، ثم لعل النبي -ﷺ- إنما أعطاه سهم الفارس من الخمس، فإن كان أعطاه من الغنيمة فذلك خصوص به لخصوص فِعله.\nوقوله: (ألا مسابقَ؟) ألا مسابق: قيدناه مفتوحًا بغير تنوين؛ لأنها (لا) التي للنفي والتبرئة، زيدت عليها همزة الاستفهام، وأشربت معنى التمني؛ كما قالوا: ألا سيفَ صارما؟ ألا ماءَ باردا؟ بغير تنوين على ما حكاه سيبويه، وأنشد:\nألا طِعَانَ، ألا فُرسانَ عادِيَة ... ألا تجشُّؤُكُم عِندَ التَّنانِيرِ (١)\n_________\n(١) البيت لحسان. انظر: ديوانه (١/ ٢١٥)، وخزانة الأدب (٤/ ٦٩).","vol":"3","page":678},{"text":"فَجَعَلَ يُعِيدُ ذَلِكَ، قَالَ: فَلَمَّا سَمِعتُ كَلَامَهُ قُلتُ: أَمَا تُكرِمُ كَرِيمًا؟ وَلَا تَهَابُ شَرِيفًا؟ قَالَ: لَا، إِلَّا أَن يَكُونَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ-. قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بِأَبِي وَأُمِّي ذَرنِي فَلِأُسَبِقَ الرَّجُلَ. قَالَ: إِن شِئتَ. قَالَ: قُلتُ: اذهَب إِلَيكَ، قال: وَثَنَيتُ رِجلَيَّ فَطَفَرتُ، فَعَدَوتُ، قَالَ: فَرَبَطتُ عَلَيهِ شَرَفًا أَو شَرَفَينِ، أَستَبقِي نَفَسِي، ثُمَّ عَدَوتُ فِي إِثرِهِ فَرَبَطتُ عَلَيهِ شَرَفًا أَو شَرَفَينِ، قال ثُمَّ إِنِّي رَفَعتُ حَتَّى أَلحَقَهُ، قَالَ: فَأَصُكُّهُ بَينَ كَتِفَيهِ، قَالَ: قُلتُ: قَد سُبِقتَ وَاللَّهِ، قَالَ: أَنَا أَظُنُّ، قَالَ: فَسَبَقتُهُ إِلَى\nــ\nويجوز الرفعُ على أن تكون (ألا) استفتاحًا، ويكون (مسابق) مبتدأ خبره محذوف، تقديره: ألَا هنا مسابق، أو نحوه.\nوقول سلمة للرَّجل: أما تكرم كريمًا، ولا تهاب شريفًا؟ يدلُ على أنه فهم من قول الرَّجل: (ألا مسابق) النفي. فكأنه قال: لا أحد يسبقني. فلذلك أنكر عليه سلمة.\nولو كان عرضا فقط لم يكن فيه ما ينكره (١).\nو(ذرني)؛ أي: دَعني (فلأسبقَ) منصوب بلام كي، على زيادة الفاء. و(طفرت): وثبت وقفزت. و(ربطت عليه): شددت عليه. (شرفًا أو شرفين)؛ يعني: طَلَقاَ أو طَلَقين (٢). (أستبقي) أبقي. (نَفسي) رويناه بفتح الفاء وسكونها. ففي الفتح يعني به: التنفس. يريد: أنه رفق في جريه مخافةَ ضيق النفس. وبالسكون يعني به: أروح نفسي وأجمها لجريٍ آخرِ.\nوقوله: (ثَمَّ إني رفعت)؛ أي: زدتُ في السير. ويروى: (دفعت) بالدَال؛ أي: دفعتُ دفعةَ شديدةً من الجري، وكلاهما قريب (٣) في المعنى.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (هـ) و(ج) و(ط).\n(٢) \"الطَّلَق\": الشوط الواحد من سباق الخيل.\n(٣) في (ل): متقارب.","vol":"3","page":679},{"text":"المَدِينَةِ قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا لَبِثنَا إِلَّا ثَلَاثَ لَيَالٍ حَتَّى خَرَجنَا إِلَى خَيبَرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ-، قَالَ: فَجَعَلَ عَمِّي عَامِرٌ يَرتَجِزُ بِالقَومِ:\nتَاللَّهِ لَولَا اللَّهُ مَا اهتَدَينَا ... وَلَا تَصَدَّقنَا وَلَا صَلَّينَا\nوَنَحنُ عَن فَضلِكَ مَا استَغنَينَا ... فَثَبِّت الأَقدَامَ إِن لَاقَينَا\nوَأَنزِلَن سَكِينَةً عَلَينَا\nــ\nوقوله: (اذهب إليك)؛ قيدناه على من يوثق بعلمه على الأمر؛ أي: انفذ لوجهك، وخذ في الجري. يقوله سلمة وهو راكب خلف النبي -ﷺ- للرَّجل الذي قال: ألا مسابق. ولذلك قال: وثنيت رجلي؛ أي: نزلت عن ظهر العضباء. و(إليك) على هذا معمول لـ (اذهب)؛ أي: انفذ لوجهك.\nوقوله: (والله! ما لبثنا إلا ثلاث ليالٍ حتى خرجنا إلى خيبر)؛ ظاهر هذا الكلام: أن غزوة خيبر كانت على إثر غزوة ذي قرد؛ إذ لم يكن بينهما إلا هذا الزمان اليسير، الذي هو ثلاث ليال، وليس كذلك عند أحد من أصحاب السِّير والتواريخ؛ فإن غزوة ذي قرد كانت في جمادى الأولى من السَّنة السادسة من الهجرة، ثم غزا بعدها بني المصطلق في شعبان من تلك السنة، ثم اعتمر عمرة الحديبية في ذي القعدة من تلك السنة، ثم رجع إلى المدينة، وأقام بها ذا الحجَّة وبعض المحرم، وخرج في بقيةٍ منه إلى خيبر، هكذا ذكره أبو عمر بن عبد البر وغيره، ولا يكادون يختلفون في ذلك. وهذا الذي وقع في هذا الحديث وهم من بعض الرُّواة، ويحتمل أن يكون النبي -ﷺ- أغزى سرية فيهم سلمة إلى خيبر قبل فتحها، فأخبر سلمة عن نفسه، وعمن خرج معه. وقد ذكر ابن إسحاق في كتاب المغازي له: أنه -ﷺ- أغزى إليها عبد الله بن رواحة قبل فتحها مرتين. والله أعلم.\nو(ذو قُرد) المشهور فيه بفتح القاف والرَّاء. وقد قيل فيه بضمِّهما. والقَرَدُ في اللغة هو: الصوف الرديء. يقال في المثل: عَثَرت على الغَزل بأَخَرَة فلم تَدع","vol":"3","page":680},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِﷺ-: مَن هَذَا؟ . قَالَ: أَنَا عَامِرٌ، قَالَ: غَفَرَ لَكَ رَبُّكَ. قَالَ وَمَا استَغفَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِإِنسَانٍ يَخُصُّهُ، إِلَّا استُشهِدَ، قَالَ: فَنَادَى عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، وَهُوَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لَولَا مَا مَتَّعتَنَا بِعَامِرٍ؟ قَالَ: فَلَمَّا قَدِمنَا خَيبَرَ، قَالَ: خَرَجَ مَلِكُهُم مَرحَبٌ يَخطِرُ بِسَيفِهِ يَقُولُ:\nقد عَلِمَت خَيبَرُ أَنِّي مَرحَبُ ... شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ\nإِذَا الحُرُوبُ أَقبَلَت تَلَهَّبُ\nقَالَ: وَبَرَزَ لَهُ عَمِّي عَامِرٌ فَقَالَ:\nقَد عَلِمَت خَيبَرُ أَنِّي عَامِرٌ ... شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُغَامِرٌ\nــ\nبِنَجدِ (١) قَرَد (٢). وهو في الحديث: موضع معروف. حكى هذا كله السهيلي.\nوقول عمر: (يا رسولَ الله! لولا متَّعتَنَا به؛ أي: هلا دعوتَ الله أن يمتعنا ببقائه. و(يخطر بسيفه)؛ أي: يهزه متكبرًا، و(شاكي السلاح) هو الذي جَمَع عليه سلاحه. يقال: شاكي السلاح، و(شاكِ) بالكسر- و(شاكُ) بالرفع، و(شائك)، وهذا أصوب، وما قبله مقلوب. والشكة، والشوكة: السلاح. و(مجرب) روايتنا فيه بفتح الراء على أنه اسم مفعول؛ يعني: أنه جربت حروبه، وعلمت. ويصحُ أن يقال بالكسر على أنه اسم فاعل، يعني: أنه جرَّبَ الحروبَ بنفسه، فخبرها.\nوقول عامر: (بطل مغامر)؛ البطلُ: الشجاع. يقال: بطل بيِّن البطولة والبطالة. و(المغامر): اسم فاعل مِن غامر؛ يعني: أنه يأتي غمرات الحروب، ويقتحمها. وأصله من الغمر، وهو الماءُ الكثير. و(يسفّل) بسيفه؛ أي: يختِل أن يضربه (٣)، من أسفله.\n_________\n(١) في جميع النسخ: لعنز، وما أثبتناه من التاج واللسان ومجمع الأمثال.\n(٢) هذا مَثَلٌ يُضْرَبُ لمن ترك الحاجة وهي ممكنة، ثم جاء يطلبها بعد الفوت. (اللسان).\n(٣) كذا في (هـ) و(م) و(ز)، وفي (ع): يجيل، أي: يضرب به.","vol":"3","page":681},{"text":"قَالَ: فَاختَلَفَا ضَربَتَينِ فَوَقَعَ سَيفُ مَرحَبٍ فِي تُرسِ عَامِرٍ، وَذَهَبَ عَامِرٌ يَسفُلُ لَهُ، فَرَجَعَ سَيفُهُ عَلَى نَفسِهِ فَقَطَعَ أَكحَلَهُ، فَكَانَت فِيهَا نَفسُهُ.\nقَالَ سَلَمَةُ: فَخَرَجتُ فَإِذَا نَفَرٌ مِن أَصحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- يَقُولُونَ: بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ، قَتَلَ نَفسَهُ، قَالَ: فَأَتَيتُ النَّبِيَّ -ﷺ- وَأَنَا أَبكِي، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِﷺ-: مَن قَالَ ذَلِكَ؟ قَالَ: قُلتُ: نَاسٌ مِن أَصحَابِكَ، قَالَ: كَذَبَ مَن قَالَ ذَلِكَ، بَل لَهُ أَجرُهُ مَرَّتَينِ. ثُمَّ أَرسَلَنِي إِلَى عَلِيٍّ وَهُوَ أَرمَدُ، فَقَالَ: لَأُعطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أَو يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. قَالَ: فَأَتَيتُ عَلِيًّا فَجِئتُ بِهِ أَقُودُهُ، وَهُوَ أَرمَدُ حَتَّى أَتَيتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ-، فَبَسَقَ فِي عَينَيهِ، فَبَرَأَ، وَأَعطَاهُ الرَّايَةَ، وَخَرَجَ مَرحَبٌ فَقَالَ:\nقَد عَلِمَت خَيبَرُ أَنِّي مَرحَبُ ... شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ\nإِذَا الحُرُوبُ أَقبَلَت تَلَهَّبُ\nفَقَالَ عَلِيٌّ ﵁:\nأَنَا الَّذِي سَمَّتنِي أُمِّي حَيدَرَه ... كَلَيثِ غَابَاتٍ كَرِيهِ المَنظَرَه\nأُوفِيهِمُ بِالصَّاعِ كَيلَ السَّندَرَه\nــ\nوقول علي: (أنا الذي سمتني أمي حيدرة)؛ حيدرة: من أسماء الأسد، وله أسماء كثيرة. وكان علي سماه أبوه عليًّا، وسمته أمه أسدًا باسم أبيها، فغلب عليه ما سماه به أبوه، فذكر الآن ما سمته به أمه لمناسبة ما بين الحرب وصوّلة الأسد.\nوالهاء في (حيدره) وفي (المنظره) زائدة للاستراحة. والمنظرة: المنظر. ويعني: أنه كريه المنظر في عين عدوه؛ لأن موت عدوه مقرون بنظره إليه.\nو(ليث) من","vol":"3","page":682},{"text":"قَالَ: فَضَرَبَ رَأسَ مَرحَبٍ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ كَانَ الفَتحُ عَلَى يَدَيهِ.\nرواه مسلم (١٨٠٧).\n* * *\nــ\nأسماء الأسد. و(الغابات): جمع غابة، وهي ملتف الشجر؛ لأنها تغيب فيها من يدخلها. و(السندرة): مكيال واسع. قال القتبي: ويحتمل أن يكون أخذ من السندرة وهي شجرة يعمل منها النبل والقسيّ. قال صاحب العين: كيل السندرة: ضرب من الكيل، ومعناه: أقتلهم قتلًا واسعًا. وقيل: السندرة: العجلة؛ أي: أقتلهم قتلًا عجلًا عاجلًا.\nوفي هذا الحديث من معجزات رسول الله -ﷺ- أربع، ومن الفقه والأحكام ما فيه كثرة لا تخفى على فطن، من أهمها: جواز استقتال المرء نفسه في سبيل الله إرادة الشهادة، واقتحام الواحد على الجمع؛ إذا كان من أهل النجدة. وجواز المبارزة بغير إذن الإمام. وهو حجَّة على من كرهها مطلقًا، وهو الحسن، وعلى من اشترط في جوازها إذن الإمام: وهو إسحاق، وأحمد، والثوري. ثم هل يعان المبارز أم لا؟ أجازها أحمد وإسحاق، ومنعها الأوزاعي، وفسر الشافعي فقال: إن شرط المبارز عدمها لم يجز، وإن لم يشترط جاز.\nوظاهر هذا الحديث: أن الذي قتل مرحبًا هو علي ﵁. وقد روي: أن الذي قتله محمد بن مسلمة. وحكى محمد بن سعد: أن الذي قتله، محمد، وذفَّفَ عليه علي.\n* * *","vol":"3","page":683},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-484>(٣١) باب خروج النساء في الغزو</span>\n[١٣٢١] عَن أَنَسٍ: أَنَّ أُمَّ سُلَيمٍ اتَّخَذَت يَومَ حُنَينٍ خِنجَرًا، فَكَانَ مَعَهَا فَرَآهَا أَبُو طَلحَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذِهِ أُمُّ سُلَيمٍ مَعَهَا خِنجَرٌ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ-: مَا هَذَا الخِنجَرُ؟ قَالَت: اتَّخَذتُهُ، إِن دَنَا مِنِّي أَحَدٌ مِن المُشرِكِينَ بَقَرتُ بِهِ بَطنَهُ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَضحَكُ، قَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اقتُل مَن بَعدَنَا مِن الطُّلَقَاءِ انهَزَمُوا بِكَ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِﷺ-: يَا أُمَّ سُلَيمٍ، إِنَّ اللَّهَ قَد كَفَى وَأَحسَنَ.\nرواه مسلم (١٨٠٩).\nــ\n(٣١) ومن باب: خروج النساء في الغزو\n(الخنجر) بفتح الخاء: السكين، ويقال بكسرها. و(بقرت بطنه): شققته، ووسعته. و(الطلقاء) أهل مكة؛ لأنه -ﷺ- منَّ عليهم، وأطلقهم يوم فتح مكة. و(من بعدنا)؛ أي: من وراءنا.\nوقولها: (انهزموا بك)؛ أي: انهزموا حتى اتصلت هزيمتُهم بك، أو انهزموا عنك، بمعنى: فرُّوا، مُنكرة ذلك عليهم، ومقبحة لما فعلوا، ظانَّة: أنهم يستحقون القتل على ذلك، وبأنهم لم يتحققوا في الإسلام.\nوقوله: (إن الله قد كفى وأحسن)؛ أي: كفانا مؤونة العدو، وأغنانا عمَّن فرَّ، وأحسن في التمكين من العدوّ والظفر به.\nو(يسقين الماء)؛ أي: يحملنه على ظهورهن فيضعنه بقرب الرجال، فيتناوله الرجال بأيديهم فيشربوه. و(يداوين)؛ أي: يهيئن الأدوية للجراح ويصلحنها، ولا يلمسن من الرجال ما لا يحل.\nثم","vol":"3","page":684},{"text":"[١٣٢٢] وعنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَغزُو بِأُمِّ سُلَيمٍ وَنِسوَةٍ مِن الأَنصَارِ مَعَهُ إِذَا غَزَا، فَيَسقِينَ المَاءَ وَيُدَاوِينَ الجَرحَى.\nرواه مسلم (١٨١٠)، وأبو داود (٢٥٣١)، والترمذي (١٥٧٥).\n[١٣٢٣] وعنه: قَالَ: لَمَّا كَانَ يَومُ أُحُدٍ، انهَزَمَ نَاسٌ عَن النَّبِيِّ -ﷺ- وَأَبُو طَلحَةَ بَينَ يَدَي نَبِيِّ الله -ﷺ- مُجَوِّبٌ عَلَيهِ بِحَجَفَتهٍ، قَالَ: وَكَانَ أَبُو طَلحَةَ رَجُلًا رَامِيًا شَدِيدَ النَّزعِ، وَكَسَرَ يَومَئِذٍ قَوسَينِ أَو ثَلَاثًا، قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يَمُرُّ ومَعَهُ الجَعبَةُ مِن النَّبلِ فَيَقُولُ: انثُرهَا لِأَبِي طَلحَةَ، قَالَ: وَيُشرِفُ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ- يَنظُرُ إِلَى القَومِ، فَيَقُولُ أَبُو طَلحَةَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، بِأَبِي أَنتَ وَأُمِّي، لَا تُشرِف لَا يُصِيبنكَ سَهمٌ مِن سِهَامِ القَومِ، نَحرِي دُونَ نَحرِكَ،\nــ\nأولئك النساء إمَّا متجالاّت (١)، فيجوز لهن كشف وجوههن، وإمَّا شوابُّ، فيحتجبن. وهذا كله على عادة نساء العرب في الانتهاض، والنجدة، والجرأة، والعفة. وخصوصًا نساء الصحابة.\nو(مجوِّبٌ عليه (٢) بحجفته)؛ أي: مُترِّسٌ عليه بها يقيه الرمي. و(النَّزع): الرمي الشديد. و(بأبي أنت وأمي)؛ أي: أفديك بهما، و(أنت): مبتدأ، وخبره محذوف؛ أي: مفدًى. و(بأبي) متعلق به. و(الخَدَم) هنا: جمع خَدَمة، وهي الخلخال، و(سوقهما): جمع ساق. وقيل في الخدم: هي سيور من جلود تُجعل في الرِّجل، وقيل: أريد به هاهنا: مخرج الرِّجل من السراويل. ومنه: فرس مُخَدَّم؛ إذا كان أبيض الرُّسغين. وكان هذا منهن لضرورة ذلك العمل في ذلك الوقت. ويحتمل أن يكون ذلك قبل نزول الحجاب. وقد يتمسك بظاهره من يرى\n_________\n(١) مفردها: متجالَّة، وهي: المرأة الكبيرة المسنَّة.\n(٢) هذه اللفظة ليست في الأصول، واستدركناها من التلخيص.","vol":"3","page":685},{"text":"قَالَ: وَلَقَد رَأَيتُ عَائِشَةَ بِنتَ أَبِي بَكرٍ، وَأُمَّ سُلَيمٍ وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا، يَنقُلَانِ القِرَبَ عَلَى مُتُونِهِمَا، ثُمَّ يُفرِغَانِهِ فِي أَفوَاهِهِم، ثُمَّ يَرجِعَانِ فَيملَآَنِهَا، ثُمَّ يَجِيئَانِ يُفرِغَانِهِ فِي أَفوَاهِ القَومِ، وَلَقَد وَقَعَ السَّيفُ مِن يَدَي أَبِي طَلحَةَ إِمَّا مَرَّتَينِ وَإِمَّا ثَلَاثًا مِن النُّعَاسِ.\nرواه البخاري (٢٨٨٠)، ومسلم (١٨١١).\n[١٣٢٤] وعَن أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنصَارِيَّةِ، قَالَت: غَزَوتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- سَبعَ غَزَوَاتٍ أَخلُفُهُم فِي رِحَالِهِم، فَأَصنَعُ لَهُم الطَّعَامَ، وَأُدَاوِي الجَرحَى، وَأَقُومُ عَلَى المَرضَى.\nرواه مسلم (١٨١٢) (١٤٢).\n* * *\nــ\nأن تلك المواضع ليست بعورة من المرأة، وليس بصحيح؛ لأن النبي -ﷺ- في حديث أم سلمة؛ الذي رفعه أبو داود حين سئل: ما تصلي فيه المرأة؟ قال: (تصلي في الدرع السابغ الذي يغيب ظهور قدميها) (١). وقد أمرت المرأة أن ترخي ثوبها شبرًا، فإن خافت أن تنكشف أرخته ذراعًا.\nو(النُّعاس): ما يكون في الرأس، والسِّنة: في العين، وقد تقدَّم ذلك. وكان هذا النعاس الذي ألقي عليهم في يوم أحد لطفًا بهم من الله، زال به خوفهم، واستراحوا به من شدَّة التعب، وقويت به نفوسهم. وهكذا فعل الله بهم يوم بدر. وهو الذي دلّ عليه قوله تعالى: ﴿إِذ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنهُ﴾\n_________\n(١) رواه أبو داود (٦٣٩).","vol":"3","page":686},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-485>(٣٢) باب لا يسهم للنساء في الغنيمة بل يحذين منه</span>\n[١٣٢٥] عَن يَزِيدَ بنِ هُرمُزَ: أَنَّ نَجدَةَ كَتَبَ إِلَى ابنِ عَبَّاسٍ يَسأَلُهُ عَن خَمسِ خِلَالٍ، فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لَولَا أَن أَكتُمَ عِلمًا مَا كَتَبتُ إِلَيهِ، كَتَبَ إِلَيهِ نَجدَةُ: أَمَّا بَعدُ، فَأَخبِرنِي هَل كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَغزُو بِالنِّسَاءِ؟ وَهَل كَانَ يَضرِبُ لَهُنَّ بِسَهمٍ؟ وَهَل كَانَ يَقتُلُ الصِّبيَانَ؟ وَمَتَى يَنقَضِي يُتمُ اليَتِيمِ؟ وَعَن\nــ\n(٣٢) ومن باب: لا يسهم للنساء من الغنيمة\n(نجدة) هذا هو ابن عامر الحروري، نسب إلى حروراء، وهي موضع بقرب الكوفة، خرج منه الخوارج على علي ﵁، وفيه قُتلوا، وكان نجدة هذا منهم وعلى رأيهم؛ لذلك استثقل ابن عباس مجاوبته، وكرهها، لكن أجابه مخافة جهل يقع له، فيفتي، ويعمل به.\nوقول ابن عباس ﵁: (أن النساء كن يُحذَين من الغنيمة، ولا يسهم لهن منها)؛ هذا مذهب جمهور العلماء: أن المرأة لا يضرب لها بسهم وإن قاتلت، ما خلا الأوزاعي؛ فإنه قال: إن قاتلت أسهم لها. وقد مال إليه ابن حبيب من أصحابنا. وهل يحذين؛ أي: يعطين من الغنيمة بغير تقدير. فالجمهور على أنهن يرضخ لهن. وقال مالك: لا يرضخ لهن، ولم يبلغني ذلك.\nوكذلك الخلاف في العبد سواء؛ غير أن القائل: بأنه يسهم له إن قاتل؛ هو الحكم، وابن سيرين، والحسن، وإبراهيم. وقد تقدَّم: أن اليتيم في بني آدم من قبل فقد الأب، وفي البهائم من قبل فقد الأم.\nوقوله: (متى ينقضي يتم اليتيم؟) أي: متى ينقضي حكم اليتم عنهم، فيسلم لهم مالهم؛ هذا مما اختلف فيه. فمقتضى كلام ابن عباس هذا، ومذهب","vol":"3","page":687},{"text":"الخُمسِ لِمَن هُوَ؟ فَكَتَبَ إِلَيهِ ابنُ عَبَّاسٍ: كَتَبتَ تَسأَلُنِي: هَل كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَغزُو بِالنِّسَاءِ؟ وَقَد كَانَ يَغزُو بِهِنَّ يُدَاوِينَ الجَرحَى، وَيُحذَينَ مِن الغَنِيمَةِ، وَأَمَّا بِسَهمٍ، فَلَم يَضرِب لَهُنَّ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- لَم يَكُن يَقتُلُ الصِّبيَانَ، فَلَا تَقتُل الصِّبيَانَ، وَكَتَبتَ تَسأَلُنِي: مَتَى يَنقَضِي يُتمُ اليَتِيمِ؟ فَلَعَمرِي، إِنَّ الرَّجُلَ لَتَنبُتُ لِحيَتُهُ، وَإِنَّهُ لَضَعِيفُ الأَخذِ لِنَفسِهِ، ضَعِيفُ العَطَاءِ مِنهَا، فَإِذَا أَخَذَ لِنَفسِهِ مِن صَالِحِ مَا يَأخُذُ النَّاسُ، فَقَد ذَهَبَ عَنهُ اليُتمُ، وَكَتَبتَ تَسأَلُنِي عَن الخُمسِ: لِمَن هُوَ؟ وَإِنَّا كُنَّا نَقُولُ: هُوَ لَنَا، فَأَبَى عَلَينَا قَومُنَا ذَاكَ.\nرواه مسلم (١٨١٢) (١٣٧)، وأبو داود (٢٧٢٧).\nــ\nمالك، وأصحابه، وكافة العلماء: أن مجرد البلوغ لا يخرجه عن اليتم، بل حتى يؤنس رشده، وسداد تصرفه. وقال أبو حنيفة: إذا بلغ خمسًا وعشرين سنة، دفع إليه ماله وإن كان غير ضابط له.\nوهل من شرط رفع الحجر عنه العدالة، أو يكفي ذلك حسن الحال، وضبط المال؟ الأول للشافعي، والثاني للجمهور. وهو مشهور مذهب مالك. ثم إذا كان عليه مقدَّم، فهل بنفس صلاح حاله يخرج من الولاية، أو لا يخرج منها إلا بإطلاق حاكم أو وصي؟ في كل واحد منهما قولان عن مالك والشافعي، غير أن المشهور من مذهب مالك: أنه لا يخرج منها إلا بإطلاق من حاكم أو وصي. وكافة السَّلف، وأهل المدينة، وأئمة الفتوى على أن الكبير السفيه يحجر عليه الحاكم، وشذ أبو حنيفة فقال: لا يحجر عليه. وقد حكى ابن القصَّار في المسألة الإجماع، ويعني به: إجماع أهل المدينة. والله تعالى أعلم.\nوقوله: كتبت تسألني عن الخمس، لمن هو؟ وإنا كنا (١) نقول: هو لنا، فأبى علينا قومنا)؛ هذا الخمس المسؤول عنه هو خمس الخمس، لا خمس الغنيمة،\n_________\n(١) من التلخيص.","vol":"3","page":688},{"text":"[١٣٢٦] وعنه قَالَ: كَتَبَ نَجدَةُ بنُ عَامِرٍ إِلَى ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فَشَهِدتُ ابنَ عَبَّاسٍ حِينَ قَرَأَ كِتَابَهُ، وَحِينَ كَتَبَ جَوَابَهُ، وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: وَاللَّهِ لَولَا أَن أَرُدَّهُ عَن نَتنٍ يَقَعُ فِيهِ مَا كَتَبتُ إِلَيهِ، وَلَا نُعمَةَ عَينٍ، قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيهِ: إِنَّكَ سَأَلتَ عَن سَهمِ ذِي القُربَى الَّذِين ذَكَرَ اللَّهُ مَن هُم؟ وَإِنَّا كُنَّا نَرَى أَنَّ قَرَابَةَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- هُم نَحنُ، فَأَبَى ذَلِكَ عَلَينَا قَومُنَا، وَسَأَلتَ عَن اليَتِيمِ مَتَى يَنقَضِي يُتمُهُ؟ وَإِنَّهُ إِذَا بَلَغَ النِّكَاحَ وَأُونِسَ مِنهُ رُشدٌ وَدُفِعَ إِلَيهِ مَالُهُ، فَقَد انقَضَى يُتمُهُ، وَسَأَلتَ هَل كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقتُلُ مِن صِبيَانِ المُشرِكِينَ أَحَدًا؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَم يَكُن يَقتُلُ مِنهُم أَحَدًا، وَأَنتَ فَلَا تَقتُل مِنهُم أَحَدًا، إِلَّا أَن تَكُونَ تَعلَمُ مِنهُم مَا يعَلِمَ الخَضِرُ ﵇ مِن الغُلَامِ حِينَ\nــ\nولا يقول ابن عباس، ولا غيره: إن خمس الغنيمة يصرف في القرابة، وإنما يصرف إليهم خمس الخمس على قول من يقسم خمس الغنيمة على خمسة أخماس (١)؛ على ما تقدَّم من مذهب الشافعي، وهو الذي أشار إليه ابن عباس، وهو مذهب أحمد بن حنبل.\nوقوله: (فأبى علينا قومنا)؛ كأنه قال: هو لبني هاشم، وقال بنو المطلب: هو لنا. قاله أبو الفرج ابن الجوزي وقد قدَّمنا مذهب مالك في هذا، وحجته عليه.\nوقوله: (وكتبت تسألني عن قتل الصبيان. . . فلا تقتل الصبيان)؛ هذا مذهب كافة العلماء: أن الصبيان لا يقتلون إلا أن يبيت العدو، فيصاب صبيانهم معهم. وقد تقدَّم: أن الصبيان لا يقتلون لأنه لا يكون منهم قتال غالبًا، ولأنهم مال.\nوقوله: (إلا أن تكون تعلم منهم ما يعلم الخضر)؛ يعني: أن قتل الخضر؛\n_________\n(١) في (ع) و(ج): أقسام.","vol":"3","page":689},{"text":"قَتَلَهُ، وَسَأَلتَ عَن المَرأَةِ وَالعَبدِ هَل كَانَ لَهُمَا سَهمٌ مَعلُومٌ إِذَا حَضَرُوا البَأسَ، وَإِنَّهُم لَم يَكُن لَهُم سَهمٌ مَعلُومٌ، إِلَّا أَن يُحذَيَا مِن غَنَائِمِ القَومِ.\nرواه مسلم (١٨١٢) (١٤٠).\n* * *\nــ\nلذلك الصبي كان بأمر الله تعالى له بذلك، وبعد أن أعلمه الله تعالى أن قتله ذلك الغلام مصلحة لأبويه. وهذا النوع من العلم متعذر على السائل وغيره ممن لا يُعلمه الله بذلك، فلا يحل قتل صبي بحال من الأحوال. هذا معنى كلامه.\nوقوله: (لولا أن أرده عن نتنٍ يقع فيه)؛ أي: عن فعل فاحش يستقبحه من سمعه من العلماء، ويستخبثه كما يستخبث الشيء المنتن. وفي الرواية الأخرى: (لولا أن يقع في أُحمُوقةٍ) (١)؛ أي: في فعل من أفعال الحمقى. يعني به: العمل على غير العلم.\nوقوله: (ولا نُعمَةَ عينٍ)، الرواية بضم النون، وفيها لغات: نَعمة- بفتح النون-، ونعم عينٍ، ونِعم، ونُعمَى، ونُعامى، ونعيم، ونعام. وكل ذلك بمعنى واحد؛ أي: فلا أنعم عينه، ولا أريها ما يسرها. وهي منصوبة على المصدر.\nو(البأس): الحرب. ومنه قوله تعالى: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأسَكُم﴾ وأصل البأس: الشدة، والمشقة. والله تعالى أعلم.\n* * *\n_________\n(١) انظر: صحيح مسلم (١٨١٢/ ١٣٩).","vol":"3","page":690},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-486>(٣٣) باب عدد غزوات رسول الله -ﷺ</span>-\n[١٣٢٧] عن أَبِي إِسحاَقَ قَالَ: لَقِيتُ زَيدَ بنَ أَرقَمَ فَقُلتُ لَهُ: كَم غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: تِسعَ عَشرَةَ غزوة. فَقُلتُ: فكَم غَزَوتَ أَنتَ مَعَهُ؟ قَالَ: سَبعَ عَشرَةَ غَزوَةً. قَالَ: فَقُلتُ: مَا أَوَّلُ غَزاةٍ غَزَا؟ قَالَ: ذَاتُ العُشَيرِ أَو ذَاتُ العُسَيرِ.\nرواه البخاري (٤٤٧١)، ومسلم (١٢٥٤) في الجهاد (١٤٣)، والترمذي (١٦٧٦).\nــ\n(٣٣) ومن باب: عدد غزوات رسول الله -ﷺ -\nقول زيد بن أرقم - ﵄-: (إن رسول الله -ﷺ- غزا تسع عشرة غزوة)، وقول بريدة: (سبع عشرة، قاتل في ثمان منهن)؛ كله مخالف لما عليه أهل التواريخ والسِّير. قال محمد بن سعد في كتاب الطبقات، له (١): إن غزوات رسول الله - ﷺ- سبع وعشرون، وسراياه ست وخمسون. وفي رواية: ست وأربعون. والتي قاتل فيها رسول الله -ﷺ-: بدر، وأحد، والمريسيع، والخندق، وخيبر، وقريظة، والفتح، وحنين، والطائف. قال ابن سعد: هذا الذي اجتمع لنا عليه. وفي بعض الروايات: أنه قاتل في بني النضير، وفي وادي القرى؛ مُنصرفه من خيبر، وفي الغابة.\nقلت: وعلى هذا: فقول زيد بن أرقم وغيره: أنه غزا تسع عشرة، أو سبع عشرة، أو ست عشرة؛ إنما أخبر كل منهم عما في علمه، أو شاهده. والله تعالى أعلم.\nوقول زيد بن أرقم: (إن أول غزوة غزاها ذات العشير)؛ يقال بالشين\n_________\n(١) زيادة في (ع).","vol":"3","page":691},{"text":"[١٣٢٨] وعن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ قال: غَزَوتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- تِسعَ عَشرَةَ غَزوَةً، قَالَ جَابِرٌ: لَم أَشهَد بَدرًا، وَلَا أُحُدًا، مَنَعَنِي أَبِي، فَلَمَّا قُتِلَ أبي عَبدُ اللَّهِ يَومَ أُحُدٍ، لَم أَتَخَلَّف عَن رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي غَزوَةٍ قَطُّ.\nرواه مسلم (١٨١٣).\nــ\nوالسين. ويزاد عليها (ها)، فيقال: العشيرة. وهو موضع بقرب الينبوع سكن بني مدلج، بينه وبين المدينة تسعة برد. وهذا مخالف لما نقله أهل التواريخ والسير. قال محمد بن سعد: كان قبل غزوة العشيرة ثلاث غزوات؛ يعني: غزاها بنفسه. وقال أبو عمر بن عبد البر: أول غزوة غزاها رسول الله -ﷺ- غزوة ودّان، غزاها بنفسه في صفر، وذلك: أنه وصل إلى المدينة لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، وأقام بها بقية ربيع الأول، وباقي العام كله إلى صفر من سنة اثنتين من الهجرة، ثم خرج في صفر المذكور، واستعمل على المدينة سعد بن عبادة حتى بلغ ودّان، فوادع بني ضمرة، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق حربًا، وهي المسماة: بغزوة الأبواء، ثم أقام بالمدينة إلى ربيع الآخر من السنة المذكورة، ثم خرج منها، واستعمل على المدينة السَّائب بن عثمان بن مظعون، حتى بلغ بواط من ناحية رضوى، ثم رجع، ولم يلق حربًا، ثم أقام بها بقية ربيع الآخر، وبعض جمادى الأولى، ثم خرج غازيًا، واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد، وأخذ على طريق ملل إلى العشيرة، فأقام بها بقية جمادى الأولى، وليال من جمادى الآخرة، ووادع فيها بني مدلج، ثم رجع، ولم يلق حربًا، ثم كانت بعد ذلك غزوة بدر الأولى بأيام قلائل. هذا الذي لا يشك فيه أهل التواريخ والسّير، فزيد بن أرقم إنما أخبر عما عنده، والله تعالى أعلم.\nوقول جابر ﵁: (لم أشهد بدرًا ولا أُحدًا)؛ هذا هو الصحيح، وقد ذكر ابن الكلبي: إنه شهد أُحدًا، وليس بشيء.\nوقوله: (منعني أبي)، سبب منعه له: أنه كان لجابر أخوات، ولم يكن لأبيه","vol":"3","page":692},{"text":"[١٣٢٩] وعن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: غزا رسول الله ﷺ سبع عشرة غزوة قاتل في ثمان منهن.\nرواه البخاري (٤٤٧٣)، ومسلم (١٨١٤) (١٤٦).\n[١٣٣٠] وعن سَلَمَةَ قال: غَزَوتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- سَبعَ غَزَوَاتٍ، وَخَرَجتُ فِيمَا يَبعَثُ مِن البُعُوثِ تِسعَ غَزَوَاتٍ، مَرَّةً عَلَينَا أَبُو بَكرٍ، وَمَرَّةً عَلَينَا أُسَامَةُ بنُ زَيدٍ.\nرواه البخاري (٤٢٧٠ و٤٢٧١)، ومسلم (١٨١٥).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-487>(٣٤) باب في غزوة ذات الرِّقاع</span>\n[١٣٣١] عَن أَبِي مُوسَى قَالَ: خَرَجنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي غَزَاةٍ وَنَحنُ سِتَّةُ نَفَرٍ، بَينَنَا بَعِيرٌ نَعتَقِبُهُ قَالَ: فَنَقِبَت أَقدَامُنَا، فَنَقِبَت قَدَمَايَ\nــ\nعبد الله من يقوم عليهن غيره، فحبسه عن الغزو لذلك، كما جاء في الرواية الأخرى، وقتل أبوه يوم أحد، وهو عبد الله بن عمرو (١) بن حرام الأنصاري.\n(٣٤) ومن باب: غزوة ذات الرِّقاع\nكانت هذه الغزوة في جمادى الأولى من السنة الرابعة من الهجرة، وذلك: أنه خرج -ﷺ- من المدينة في الشهر المذكور، واستعمل على المدينة أبا ذر، وقيل:\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"3","page":693},{"text":"وَسَقَطَت أَظفَارِي، فَكُنَّا نَلُفُّ عَلَى أَرجُلِنَا الخِرَقَ، فَسُمِّيَت غَزاةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ لِمَا كُنَّا نُعَصِّبُ عَلَى أَرجُلِنَا مِن الخِرَقِ.\nوفي رواية: والله يجزي به، قال أبو بردة: فحدث أبو موسى بهذا الحديث، ثم كره ذاك، قال: كأنه كره أن يكون شيء من عمله أفشاه.\nرواه البخاري (٤١٢٨)، ومسلم (١٨١٦).\n* * *\nــ\nعثمان بن عفان، وغزا نجدًا يريد بني محارب، وبني ثعلبة بن سعد بن غطفان، فتواقفوا ولم يكن بينهم قتال، وصلى رسول الله -ﷺ- يومئذ صلاة الخوف.\nوفي تسمية هذه الغزوة بذات الرّقاع أربعة أقوال:\nأحدها: ما قاله جابر.\nوالثاني: لأنهم رفعوا راياتهم.\nوالثالث: لشجرة هنالك كانت تدعى: ذات الرقاع، وكان المشاة يجعلون عليها رقاعًا.\nوالرابع: لجبل كان هناك، كانت أرضه ذات ألوان.\nوفي هذا الحديث ما يدل على ما كانوا عليه من شدة الصبر والجلد، وتحمل تلك الشدائد العظيمة، وإخلاصهم في أعمالهم، وكراهية إظهار أعمال البر، والتحدث بها إذا لم تدع إلى ذلك حاجة.\n* * *","vol":"3","page":694},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-488>(٣٥) باب ترك الاستعانة بالمشركين</span>\n[١٣٣٢] عَن عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَت: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قِبَلَ بَدرٍ، فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الوَبَرَةِ، أَدرَكَهُ رَجُلٌ قَد كَانَ يُذكَرُ مِنهُ جُرأَةٌ وَنَجدَةٌ، فَفَرِحَ أَصحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ رَأَوهُ، فَلَمَّا أَدرَكَهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: جِئتُ لِأَتَّبِعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ-: تُؤمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَارجِع، فَلَن أَستَعِينَ بِمُشرِكٍ. قَالَ: ثُمَّ مَضَى حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالشَّجَرَةِ،\nــ\n(٣٥) ومن باب: ترك الاستعانة بالمشركين\nقوله: (فلما كان بحرَّة الوَبرة)؛ هو بفتح الباء والراء، وهي الرواية المعروفة، وقيده بعضهم بسكون الباء، وهو موضع على أربعة أميال من المدينة.\nوقوله -ﷺ-: (ارجع، فلن أستعين بمشرك)، بظاهر هذا الحديث قال كافة العلماء؛ مالك وغيره، فكرهوا الاستعانة بالمشركين في الحرب. وقال مالك وأصحابه: لا بأس (١) أن يكونوا نواتية (٢) وخدَّامًا.\nواختلف في استعمالهم برميهم بالمجانيق، فأجيز وكُرِه. وأجاز ابن حبيب: أن يستعمل من سالم منهم في قتال من حارب منهم. وقال بعض علمائنا بجواز ذلك، ويكونون ناحية من عسكر المسلمين. وقالوا: إنما قال النبي -ﷺ- ذلك في وقت مخصوص، لرجل مخصوص، لا على العموم. وظاهر الحديث حجَّة عليهم.\nثم إذا قلنا: يُستعان بهم. فهل يسهم لهم أو لا؟ قولان. وإلى الأول ذهب الزهري والأوزاعي. وإلى الثاني ذهب (٣) مالك، والشافعي، وأبو حنيفة،\n_________\n(١) في (ع): إلا، والمثبت من (ج) و(ج ٢).\n(٢) \"النواتي\": جمع نوتي، وهو: الملَّاح الذي يدير السفينة في البحر.\n(٣) من (ج ٢).","vol":"3","page":695},{"text":"أَدرَكَهُ الرَّجُلُ. فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، قَالَ: فَارجِع، فَلَن أَستَعِينَ بِمُشرِكٍ. قَالَ: ثُمَّ رَجَعَ فَأَدرَكَهُ بِالبَيدَاءِ فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ: تُؤمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ؟ قَالَ: نَعَم، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: فَانطَلِق.\nرواه أحمد (٣/ ١٤٨ و١٤٩)، ومسلم (١٨١٧)، وأبو داود (٢٧٣٢)، والترمذي (١٥٥٨).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-489>(٣٦) باب السن الذي يجاز في القتال</span>\n[١٣٣٣] عَن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: عَرَضَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَومَ أُحُدٍ فِي القِتَالِ، وَأَنَا ابنُ أَربَعَ عَشرَةَ سَنَةً، فَلَم يُجِزنِي، وَعَرَضَنِي يَومَ الخَندَقِ، وَأَنَا ابنُ خَمسَ عَشرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي. قَالَ نَافِعٌ: فَقَدِمتُ عَلَى عُمَرَ بنِ عَبدِ العَزِيزِ،\nــ\nوأبو ثور. وقال الشافعي مرة: لا يعطون من الفيء شيئا، ويعطون من سهم النبي -ﷺ-. وقال قتادة: لهم ما صالحوا عليه.\n(٣٦) ومن باب: السن الذي يجاز في القتال\nقول ابن عمر: (إن رسول الله -ﷺ- لم يجزه يوم أحد، وهو ابن أربع عشرة سنة، وأجازه في الخندق، وهو ابن خمس عشرة سنة)؛ ظاهر كلام ابن عمر هذا: أنه كان بين غزوة أحد وغزوة الأحزاب سنة، وليس كذلك، فإن النبي - ﷺ- خرج إلى أحد في شوال سنة ثلاث من الهجرة، وكانت غزوة الخندق - وهي غزوة الأحزاب - في شوال من السنة الخامسة، فكان بينهما سنتان، ولذلك قال بعض العلماء: إن","vol":"3","page":696},{"text":"وَهُوَ يَومَئِذٍ خَلِيفَةٌ، فَحَدَّثتُهُ بهَذَا الحَدِيثَ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَحَدٌّ بَينَ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ، فَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَن يَفرِضُوا لِمَن كَانَ ابنَ خَمسَ عَشرَةَ سَنَةً، وَمَن كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَاجعَلُوهُ فِي العِيَالِ.\nوفي رواية: وأنا ابن أربع عشرة سنة، فاستصغرني.\nــ\nذكر الأحزاب هنا وهم، وإنما كانت غزوة ذات الرقاع، فإنها كانت في الرابعة من الهجرة، كما قدمناه آنفًا.\nقلت: ويمكن أن يقال: لا وهم في ذلك؛ لإمكان أن يكون ابن عمر في غزوة أحد دخل في أول سنة أربع عشرة من حين مولده، وذلك في شوال في غزوة أحد، ثم كملت له سنة أربع عشرة في شوال من السنة الآتية، ثم دخل في الخامس عشر إلى شوالها الذي كانت فيه غزوة الأحزاب، فأراد: أنه كان في غزوة أحد في أول الرابعة، وفي غزوة الأحزاب في آخر الخامسة. والله تعالى أعلم.\nوقد تمسكت طائفة من العلماء بهذا الحديث: على أن خمس عشرة سنة بلوغ لمن لم يحتلم ولا حاضت، وهو قول الشافعي، والأوزاعي، وابن حنبل، وابن وهب من أصحابنا. وأبى ذلك مالك، وأبو حنيفة، وغيرهما من الحجازيين، والمدنيين، والكوفيين. قال مالك: لا يحكم لمن لم يحتلم بحكم البلوغ حتى يبلغ ما لا يبلغه أحد إلا احتلم، وذلك: سبع عشرة. ورأوا: أن حديث ابن عمر إنما موجبه الفرق بين من يطيق القتال، ويسهم له، وهو ابن خمس عشرة سنة، ومن لا يطيقه، فلا يقسم له، فيجعل في العيال. وهذا هو الذي فهم عمر بن عبد العزيز من الحديث.\nولم يختلف في: أن الحلم والحيض بلوغ، واختلفوا في الإنبات البيِّن. فمنهم من قال: يستدل به على البلوغ، وبه قال أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وروي عن القاسم، وسالم. وقاله مالك مرَّة. وقال الزهري وعطاء: لا حدّ على من لم يحتلم. وهو قول الشافعي، ولم يراع الإنبات، ومال إليه مالك مرَّة، وقال به بعض أصحابه.","vol":"3","page":697},{"text":"رواه أحمد (٢/ ١٧)، والبخاري (٢٦٦٤)، ومسلم (١٨٦٨) في الإمارة، وأبو داود (٤٤٠٦)، والترمذي (١٧١١)، والنسائي (٦/ ١٥٥ - ١٥٦)، وابن ماجه (٢٥٤٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-490>(٣٧) باب النهي عن أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو</span>\n[١٣٣٤] عن ابنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَن يُسَافَرَ بِالقُرآنِ إِلَى أَرضِ العَدُوِّ.\nرواه أحمد (٢/ ٧)، والبخاري (٢٩٩٠)، ومسلم (١٨٦٩) (٩٢)، وأبو داود (٢٦١٠)، وابن ماجه (٢٨٧٩).\n[١٣٣٥] وعنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِﷺ-: لَا تُسَافِرُوا بِالقُرآنِ،\nــ\nوعلى الاختلاف في هذا الأصل اختلفوا في إنكاح اليتيمة لمجرد الإنبات. وروي عن الشافعي: أن الإنبات يحكم به في الكفار، فيقتل من أنبت، ويجعل من لم ينبت في الذراري والعيال، ولا يقتل، كما فعل النبي -ﷺ- في بني قريظة، وكما يروى منه مرفوعًا: (اقتلوا من جرت عليه المواسي) (١).\n(٣٧) ومن باب: النهي عن أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو\nقوله -ﷺ-: (لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو) (٢)؛ يعني بالقرآن: المصحف، وقد جاء مفسَّرًا في بعض الطرق. وظاهر هذا النهي: تحريم السفر به\n_________\n(١) لم نجده.\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع) و(ج) واستدركناه من (ج ٢).","vol":"3","page":698},{"text":"فَإِنِّي لَا آمَنُ أَن يَنَالَهُ العَدُوُّ. قَالَ أَيُّوبُ: فَقَد نَالَهُ العَدُوُّ وَخَاصَمُوكُم بِهِ.\nرواه مسلم (١٨٦٩) في الإمارة (٩٤).\n* * *\nــ\nمطلقًا، فتستوي فيه الجيوش والسرايا. وهو مذهب مالك، وقدماء أصحابه، وسحنون، وابن حبيب. وذهب أبو حنيفة وغيره: إلى الفرق بين الجيوش العظام فيجاز ذلك فيها، وبين الصغار فيمنع ذلك فيها؛ نظرًا إلى العلة التي نص عليها في الحديث، حيث قال: (فإني لا آمن أن يناله العدو)؛ ونيل العدو له في الجيوش العظام نادر. ولأصحاب القول الأول بعد تسليم العلة المذكورة التمسك بسدّ الذريعة، وبأن نسيانه، وسقوطه ليس نادرًا.\nوقوله: (فإني لا آمن أن يناله العدو)؛ ظاهره: أنه من قول النبي -ﷺ- لأنه متصل بما تقدَّم من كلام النبي -ﷺ-، وكذلك رواه جماعة من الحفاظ الثقات متصلة به، ومن كلامه -ﷺ -، وكذلك رواه عبد الرحمن بن مهدي، وابن وهب عن مالك، غير أن يحيى بن يحيى الأندلسي، ويحيى بن بكير روياها من قول مالك، وموقوفة عليه. ويمكن حمل هذه الرواية على أن مالكًا عرض له شك في رفعها فوقفها عليه، والظاهر رواية الجماعة المتقدمة.\nوفي هذا الحديث ما يدل على أنه لا يمكن العدو من المصحف، ولا من بعضه؛ لئلا يستهزئ بذلك، ويستخف به. وأيضًا فإنهم على نجاسة وجنابة، ولا يعترض هذا بكتاب النبي -ﷺ- إلى هرقل، لما قدَّمناه في حديثه.\nوقول أيوب: (وقد ناله العدو وخاصموكم به)؛ يعني: أنكم لما خالفتم ما قاله لكم نبيكم، فمكنتم عدوكم من المصحف نالوه، وتوجهت حجته عليكم، من حيث مخالفتكم نبيكم، وأيضًا: فلما وقفوا عليه وجدوا فيه ما يشهد عليكم بالمخالفة، مثل قوله تعالى: ﴿إِن يَكُن مِنكُم عِشرُونَ صَابِرُونَ﴾ الآيتين، وغير ذلك من الآيات التي ترك العمل بها.","vol":"3","page":699},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-491>(٣٨) باب في المسابقة بالخيل، وأنها معقود في نواصيها الخير، وما يكره منها</span>\n[١٣٣٦] عَن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- سَابَقَ بِالخَيلِ الَّتِي قَد أُضمِرَت مِن الحَفيَاءِ، وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةَ الوَدَاعِ، وَسَابَقَ بَينَ الخَيلِ الَّتِي لَم\nــ\n(٣٨) ومن باب: المسابقة بالخيل\nقوله: (سابق بالخيل التي قد أضمرت من الحفياء)؛ المسابقة مفاعلة، ولا تكون إلا من (١) اثنين، وذلك: أن المتسابقين إذا جعلا غاية، وقصدا نحوها، فإن كل واحد منهما يسابق صاحبه إليها. وإضمار الخيل: هو أن تسمن وتصان، ثم يقلل علفها، ثم تُجرى على التدريج، وتجلل ليجف عرقها، فتتصلب بفعل ذلك بها، حتى يذهب لحمها، وتبقى فيه (٢) القوة (٣).\nو(الحفياء): موضع. و(الأمد): الغاية. وبين الحفياء وثنية الوداع خمسة أميال أو ستة على ما قاله سفيان. وقال ابن عقبة (٤): ستة أميال، أو سبعة. وسميت ثنية الوداع بذلك: لأن الخارج منها يودع مشيعهُ عندها، وهي التي قالت فيها نساء الأنصار فيما يحكى:\nطلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع\nيعنون بذلك النبي -ﷺ-. وبين الثنية ومسجد بني زريق ميل واحد. و(زريق) بتقديم الزاي هو الصواب.\n_________\n(١) في (ج ٢): بين.\n(٢) في (ج) و(ج ٢): فيها.\n(٣) زاد في (ج ٢): والموضع الذي تُضَمَّر فيه يُسمَّى مضمارًا.\n(٤) في (ع): عيينة. والمثبت من (ج) و(ج ٢) وإكمال إكمال المعلم للأبِّي (٥/ ٢١٩).","vol":"3","page":700},{"text":"تُضمَر مِن الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسجِدِ بَنِي زُرَيقٍ، وَكَانَ ابنُ عُمَرَ فِيمَن سَابَقَ بِهَا.\nــ\nولا خلاف في جواز تضمير الخيل والمسابقة بها على الجملة، وكذلك الإبل، وعلى الأقدام، كما جرى في حديث سلمة بن الأكوع، وكذلك المراماة بالسهام، واستعمال الأسلحة، ولا شك في جواز شيء من ذلك؛ إذا لم يكن هنالك مراهنة؛ لأن ذلك كله مما ينتفع به في الحروب، ويحتاج إليه. إنما اختلفوا: هل ذلك من باب الندب، أو من باب الإباحة إذا لم يحتج إلى ذلك، فإن احتيج إلى شيء من ذلك كان حكمه بحسب الحاجة.\nوأما المراهنة: فأجازها على الجملة مالك، والشافعي في الخفّ والحافر، والنصل، وذلك على ما يروى عن النبي -ﷺ-: (لا سبق إلا في خف، أو حافر، أو نصل) (١)، على أنه لا يروى هذا الحديث بإسناد صحيح، وهو مع ذلك مشهور عند العلماء، متداول بينهم. وقد منع بعض العلماء الرهان في كل شيء إلا في الخيل؛ لأنها التي كانت عادة العرب المراهنة عليها. وروي عن عطاء: السبق في كل شيء جائز. وقد تؤول عليه؛ لأن حمله على العموم في كل شيء يؤدي إلى إجازة القمار. وهو محرم باتفاق. ثم إن الذين أجازوا الرهان شرطوا فيها شروطًا، وذكروا لها صورًا منها متفق على جوازها، ومنها متفق على منعها، ومنها مختلف فيها. فالمتفق عليها: أن يخرج الإمام أو غيره متطوَّعًا سبقًا (٢)، ولا فرس له في الحلبة، فمن سبق فله ذلك السبق. وأما المتفق على منعه: فهو أن يخرج كل واحد من المتسابقين سَبقًا، ويشترط أنه إن سبق أمسك سبقه، وأخذ سبق صاحبه. فهذا قمار، فلا يجوز باتفاق؛ إذا لم يكن بينهما محلّلٌ. فإن أدخلا بينهما محللًا يكون له السبق، ولا يكون عليه شيء إن سُبق. فهذه مما اختلف فيها، فأجازها\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٤٧٤)، وأبو داود (٢٥٧٤)، والترمذي (١٧٠٠)، والنسائي (٦/ ٢٢٦)، وابن ماجه (٢٨٧٨).\n(٢) \"السَّبَق\": ما يُجعل من المال رهنًا على المسابقة.","vol":"3","page":701},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ عَبدُ اللَّهِ: فَجِئتُ سَابِقًا فَطَفَّفَ بِي الفَرَسُ المَسجِدَ.\nرواه البخاري (٢٨٦٨)، ومسلم (١٨٧٠)، وأبو داود (٢٥٧٥)، والترمذي (١٦٩٩)، والنسائي (٦/ ٢٢٦).\nــ\nابن المسيب، والشافعي، ومالك مرَّة، والمشهور عنه: أنه لا يجوز.\nقلت: والصحيح: جوازه إن كان المحلل لا يأمن أن يُسبق؛ لما خرَّجه أبو داود عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: (من أدخل فرسًا بين فرسين، وهو لا يأمن أن يُسبق فليس بقمار، ومن أدخله وقد أمن أن يُسبق فهو قمار) (١). وأما إذا لم يكن بينهما محلل لم يجز؛ لأن مقصودهما المخاطرة، والمقامرة. وهو مذهب الزهري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق. وقد حُكي فيها الاتفاق، فلو كان للوالي أو غيره فرس في الحلبة، فيخرج سبقًا على أنه إن سبق هو حبس سبقه، وإن سُبق أخذ السبق السابق؛ فأجازها الليث، والشافعي، والثوري، وأبو حنيفة، وهو أحد أقوال مالك؛ لأن الأسباق على ملك أربابها، وهم فيها على ما شرطوه. ومنع ذلك مالك في قول آخر، وبعض أصحابه، وربيعة، والأوزاعي، وقالوا: لا يرجع إليه سبقه، وإنما يأكله من حضر إن سبق مُخرجه، إن لم يكن مع المتسابقين ثالث.\nوالمسابقة عقد لازم كالإجارة، فيشترط في السَبق ما يشترط في الأجرة من انتفاء الغرر والجهالة. ومن شرط جوازها: أن تكون الخيل متقاربة في النوع والحال. فمتى جهل (٢) حال أحدها، أو كان مع غير نوعه، كان السبق قمارًا باتفاق.\nوقول ابن عمر: (فجئت سابقًا، فطفف بي الفرس المسجد)؛ أي: زاد على\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢٥٧٩)، وابن ماجه (٢٨٧٦).\n(٢) في (ع) و(ج): علم.","vol":"3","page":702},{"text":"[١٣٣٧] وعَن جَرِيرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَلوِي نَاصِيَةَ فَرَسٍ بِإِصبَعِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: الخَيلُ مَعقُودٌ بِنَوَاصِيهَا الخَيرُ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ: الأَجرُ وَالغَنِيمَةُ.\nرواه أحمد (٤/ ٣٦١)، ومسلم (١٨٧٢)، والنسائي (٦/ ٢٢١).\n[١٣٣٨] ونحوه، عن عُروَةَ البَارِقِيَّ، وابن عمر، وليس في حديثهما: رأيت رسول الله ﷺ يلوي ناصية فرس بإصبعه، وليس في حديث ابن عمر: إلى يوم القيامة.\nرواه أحمد (٤/ ٣٧٥ - ٣٧٦)، والبخاري (٢٨٥٠)، ومسلم (١٨٧١) (٣/ ١٤٩٣) و(١٨٧٣) (٩٨ و٩٩)، والترمذي (١٦٩٤).\nــ\nالغاية المفروضة. وأصل التطفيف: العلو ومجاوزة الحد. ومنه قالوا: طففّ (١) كذا؛ أي: علا. وإناء طفان؛ أي: علا ما فيه. ومنه: التطفيف في الكيل؛ فإنه إذا أخذ لنفسه فقد علا على الحق. وإذا نقص غيره فقد أعلى حقه على حقه.\nوقوله: (الخيل معقود في نواصيها الخير)؛ هذا الكلام جمع من أصناف البديع ما يعجز عنه كل بليغ، ومن سهولة الألفاظ ما يعجب، ويستطاب.\nو(النواصي): جمع ناصية، وهي: الشعر المنسدل على الجبهة.\nو(إلى يوم القيامة) متعلق بـ (معقود)، ويُفهم منه: دوام حكم الجهاد إلى يوم المعاد. و(الأجر والغنيمة) تفسير للخير المذكور. وهو مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف. وهذا المعنى هو الذي عبّر عنه بالبركة في حديث أنس.\nولَيُّ النبي -ﷺ- ناصية فرسه بيده؛ ليحسها، ويتعاهدها، ويكرمها بذلك، كما قال: (ارتبطوا الخيل، وامسحوا بنواصيها، وأكفالها، وجلودها) (٢).\n_________\n(١) في (ج ٢): طف.\n(٢) رواه أبو داود (٢٥٤٤)، والنسائي (٦/ ٢١٨ و٢١٩).","vol":"3","page":703},{"text":"[١٣٣٩] وعَن أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: البَرَكَةُ فِي نَوَاصِي الخَيلِ.\nرواه أحمد (٣/ ١١٤)، والبخاري (٢٨٥١)، ومسلم (١٨٧٤)، والنسائي (٦/ ٢٢١).\n[١٣٤٠] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَكرَهُ الشِّكَالَ مِن الخَيلِ.\nــ\nوقول أبي هريرة: (كان رسول الله -ﷺ- يكره الشكال من الخيل)؛ يحتمل أن يكون كره اسم الشكال من جهة اللفظ؛ لأنه يشعر بنقيض ما تُراد الخيل له. وهذا كما قال: (لا أحبُّ العقوق) (١)، ويحتمل أن يكرهه لما يقال: إن حوافر المشكل وأعضاءه ليس فيها من القوة ما في ما ليس كذلك. وقد جاء الشكال مفسَّرًا في تلك الرواية تفسيرًا ليس معروفًا عند اللغويين. قال أبو عبيد: الشكال: أن تكون منه ثلاث قوائم محجلة وواحدة مطلقة، أو يكون ثلاث قوائم مطلقة وواحد محجلة. ولا يكون الشكال إلا في الرِّجل، ولا يكون في اليد. وقال ابن دريد: هو أن يكون تحجيله في يد ورجل من شق واحد، فإن كان مخالفًا قيل: شكال مخالف. وقال أبو عمر المطرز: هو بياض الرِّجل اليمنى واليد اليسرى. وقيل: بياض الرجلين. وقيل: بياض اليدين والرجل الواحدة. وقيل: بياض الرجلين واليد الواحدة. وهذه أقوال اللغويين، وليس فيها ما يوافق ذلك التفسير إلا ما حكاه ابن دريد من الشكال\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ١٩٤ و٥/ ٣٦٩ و٤٣٠).\nوكلامه - ﷺ - هذا في معرض الجواب لمن سأله عن العقيقة. قال ابن الأثير في النهاية (٣/ ٢٧٧): ليس فيه توهين لأمر العقيقة، ولا إسقاط لها، وإنما كَرِه الاسْم، وأحبَّ أن تُسمَّى بأحْسَن منه، كالنَّسيكة والذبيحة، جَرْيًا على عادته في تغيير الاسم القبيح.","vol":"3","page":704},{"text":"وفي رواية: الشِّكَالُ: أَن يَكُونَ الفَرَسُ فِي رِجلِهِ اليُمنَى بَيَاضٌ، وَفِي يَدِهِ اليُسرَى، أَو فِي يَدِهِ اليُمنَى وَرِجلِهِ اليُسرَى.\nرواه أحمد (٢/ ٢٥٠)، ومسلم (١٨٧٥) (١٠١ و١٠٢)، وأبو داود (٢٥٤٧)، والترمذي (١٦٩٨)، والنسائي (٦/ ٢١٩).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-492>(٣٩) باب الترغيب في الجهاد وفضله</span>\n[١٣٤١] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: تَضَمَّنَ اللَّهُ لِمَن خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخرِجُهُ إِلَّا جِهَاد فِي سَبِيلِي، وَإِيمَان بِي، وَتَصدِيقٌ بِرَسُولِي، فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ أَن أُدخِلَهُ الجَنَّةَ، أَو أَرجِعَهُ إِلَى مَسكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ\nــ\nالمخالف، فإن صح أن ذلك من قول النبي -ﷺ- فهو حق. والله تعالى أعلم.\nوإن كان ذلك من قول بعض الرواة فالمعروف عند اللغويين ما قدَّمته من قول أبي عبيد.\n(٣٩) ومن باب: الترغيب في الجهاد\nقوله: (فهو عليّ ضامن)؛ قيل فيه: هو بمعنى مضمون. كما قالوا: ماء دافق؛ أي: مدفوق (١)، و: لا عاصم اليوم؛ أي: معصوم. وقيل معناه: ذو ضمان. كما قال في الحديث الآخر: (تكفل الله)؛ أي: ضمن. وهذا كله عبارة عن أن هذا الجزاء لا بد منه؛ إذ قد سبق هذا في علمه ونافذ حكمه. وعن هذا المعنى عبَّر بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشتَرَى مِنَ المُؤمِنِينَ أَنفُسَهُم وَأَموَالَهُم﴾ الآية؛ لأن من اشترى شيئا تعين عليه ثمنه، وكذلك من ضمنه.\nوقوله: (أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه)؛ يعني: أن الله تعالى\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"3","page":705},{"text":"مِنهُ نَائِلًا مَا نَالَ مِن أَجرٍ أَو غَنِيمَةٍ، وَالَّذِي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! مَا مِن كَلمٍ يُكلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا جَاءَ يَومَ القِيَامَةِ كَهَيئَتِهِ حِينَ كُلِمَ. . .\nــ\nضمن له إحدى الحسنيين؛ إما الشهادة، فيصير إلى الجنة حيًّا يرزق فيها، وإما الرجوع إلى وطنه بالأجر والغنيمة.\nوقوله: (نائلا ما نال من أجر أو غنيمة)؛ كذا لأكثر الرواة، بـ (أو) وهي هنا بمعنى الواو الجامعة على مذهب الكوفيين، وأنشدوا:\nنال الخلافة أو كانت له قدرًا ... كما أتى ربه موسى على قدر (١)\nوقد دلَّ على هذا المعنى رواية أبي داود لهذه اللفظة، فإنه قال فيها: (من أجر وغنيمة) بالواو الجامعة. وقد رواه بعض رواة كتاب مسلم بالواو. وذهب بعض العلماء إلى أنها (أو) على بابها لأحد الشيئين، وليست بمعنى الواو. وقال: إن الحاصل لمن لم يستشهد من الجهاد أحد الأمرين: إما الأجر؛ إن لم يغنم، وإما الغنيمة ولا أجر. وهذا ليس بصحيح؛ لما يأتي من حديث عبد الله بن عمرو: أنه قال: قال رسول الله -ﷺ-: (ما من غازية تغزو فيصيبوا ويغنموا إلا تعجلوا ثلثي أجورهم من الآخرة، ويبقى لهم الثلث) (٢)، وهذا نص في أنَّه يحصل له مجموع الأجر والغنيمة. فالوجه: التأويل الأول. والله تعالى أعلم.\nوقوله: (ما من كلم يكلم في سبيل الله)؛ أي: ما من جرح يجرح في الجهاد الذي يبتغى به وجه الله.\nوقوله: (إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين كلم)؛ فيه دليل: على أن الشهيد لا يغسل. وهو قول الجمهور. وقد تقدم في الجنائز.\n_________\n(١) هذا البيت لجرير بن عطية، يمدح الخليفة عمر بن عبد العزيز.\n(٢) رواه مسلم (١٩٠٦)، وأبو داود (٢٤٩٧)، والنسائي (٦/ ١٧ و١٨)، وابن ماجه (٢٧٨٥).","vol":"3","page":706},{"text":"لَونُهُ لَونُ دَمٍ، وَرِيحُهُ ريح مِسكٌ، وَالَّذِي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَولَا أَن يَشُقَّ عَلَى المُسلِمِينَ، مَا قَعَدتُ خِلَافَ سَرِيَّةٍ تَغزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَبَدًا، وَلَكِن لَا أَجِدُ سَعَةً فَأَحمِلَهُم، وَلَا يَجِدُونَ سَعَةً، وَيَشُقُّ عَلَيهِم أَن يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَالَّذِي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! لَوَدِدتُ أَن أَغزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقتَلُ، ثُمَّ أَغزُو فَأُقتَلُ، ثُمَّ أَغزُو فَأُقتَلُ.\nرواه مسلم (١٨٧٦) (١٠٣)، والنسائي (٨/ ١١٩).\n[١٣٤٢] وعَنه: عَن النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَن جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخرِجُهُ مِن بَيتِهِ إِلَّا جِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ، وَتَصدِيقُ كَلِمَتِهِ، بِأَن يُدخِلَهُ الجَنَّةَ، أَو\nــ\nوقوله: (لونه لون دم، وريحه ريح مسك)، وفي الرواية الأخرى: (وجرحه يثعب دمًا)؛ أي: يسيل. وقد يستدل بهذا الحديث على أن تغير ريح الماء بالمخالط النجس لا يخرجه عن أصله، كما لم يخرج الدم عن كونه دمًا استحالة رائحته إلى رائحة المسك، وهو قول عبد الملك في رائحة الماء أنها لا تفسده، ولا تخرجه عن أصله. وقد استدل به أيضًا على نقيض ذلك، وهو: أن تغير الرائحة يخرجه عن أصله، كما هو مذهب الجمهور. ووجه هذا الاستدلال: أن الدم لما استحالت رائحته إلى رائحة المسك خرج عن كونه مستخبثًا نجسًا، فإنه صار مسكًا، وإن المسك بعض دم الغزال، فكذلك الماء إذا تغيرت رائحته. وأخرج البخاري هذا الحديث في: المياه. وتؤول له كلا التأويلين.\nوقوله: (والله أعلم بمن يكلم في سبيله)؛ تنبيه على: وجوب الإخلاص في الجهاد، وتنويه بالمخلص فيه، واستبعاد للإخلاص، وإشعار بقلته.\nوقوله: (وتصديق كلماته)؛ بالجمع. وفي غير كتاب مسلم: (كلمته) (١).\n_________\n(١) كما في البخاري (٣١٢٣).","vol":"3","page":707},{"text":"يَرجِعَهُ إِلَى مَسكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنهُ مَعَ مَا نَالَ مِن أَجرٍ أَو غَنِيمَةٍ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٩٩)، والبخاري (٣١٢٣)، ومسلم (١٨٧٦) (١٠٤)، والنسائي (٦/ ١٦).\n[١٣٤٣] وعَنه: عَن النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: لَا يُكلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَعلَمُ بِمَن يُكلَمُ فِي سَبِيلِهِ- إِلَّا جَاءَ يَومَ القِيَامَةِ وَجُرحُهُ يَثعَبُ، اللَّونُ لَونُ الدَمٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ المِسكٍ.\nرواه مسلم (١٨٧٦) (١٠٥).\n[١٣٤٤] وعَنه قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّﷺ-: مَا يَعدِلُ الجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا تَستَطِيعُونَهُ. قَالَ: فَأَعَادُوا عَلَيهِ مَرَّتَينِ أَو ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ:\nــ\nوكل متقارب في المعنى؛ يعني به: كلام الله تعالى الذي أخبر به عن ثواب الجهاد، وفضل الشهادة.\nوسُمي الشهيد شهيدًا؛ لأنه حي يرزق، ويشاهد الجنة، وما أكرمه الله تعالى به. وقيل: لأنه ممن يشهد على الأمم يوم القيامة. وقيل: لأن الله تعالى وملائكته شهدوا له بالرضا والرضوان. فعلى هذا يكون فعيل بمعنى: مفعول؛ أي: مشهود له. وعلى التأويلين الأولين بمعنى: فاعل.\nوقوله: (ما يعدل)؛ أي: ما يعادله ويماثله في الثواب عند الله تعالى؟\nوقوله: (لا تستطيعونه)؛ أي: لا تطيقون أن تفعلوا ما يساوي ثواب الجهاد. ووجهه: أن كل ما يصدر من المجاهد في حالتي نومه ويقظته، وسكونه وحركته هو عمل صالح يكتب له ثوابه دائمًا، بدوام أفعاله، إذ لا يتأتى لغيره فيه؛ لأنه على كل حال في الجهاد، وملابس أحواله، وذلك: أن المجاهد إما أن ينال من العدو، أو يغيظه، أو يروّعه، أو يكثر سواد المسلمين، أو يصيبه نصب أو مخمصة. وكل ذلك أعمال كثيرة لها أجور عظيمة، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُم","vol":"3","page":708},{"text":"لَا تَستَطِيعُونَهُ. قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: مَثَلُ المُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ القَائِمِ القَانِتِ بِآيَاتِ اللَّهِ، لَا يَفتُرُ مِن صِيَامٍ وَلَا صَلَاةٍ، حَتَّى يَرجِعَ المُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.\nرواه مسلم (١٨٧٨)، والنسائي (٦/ ١٩).\n[١٣٤٥] وعَن أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: لَغَدوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَو رَوحَةٌ، خَيرٌ مِن الدُّنيَا وَمَا فِيهَا.\nرواه أحمد (٣/ ١٣٢)، والبخاري (٢٧٩٢)، ومسلم (١٨٨٠)، والترمذي (١٦٥١)، وابن ماجه (٢٧٥٧).\nــ\nلا يُصِيبُهُم ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوطِئًا يَغِيظُ الكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيلا إِلا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجرَ المُحسِنِينَ﴾ وعلى هذا نبه النبي -ﷺ- حيث قال: (مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم، القائم، القانت بآيات الله، لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد في سبيل الله) (١). فشبه المستغرق في أفضل العبادات التي هي الصوم والصلاة، الخاشع فيها؛ الذي لا يفتر بالمجاهد؛ لذلك المعنى الذي ذكرنا.\nو(القائم)؛ يعني به: في الصلاة. و(القانت): الخاشع فيها.\nو(الغدوة) - بفتح الغين-: واحدة المشي في الغدوِّ. وبضم الغين: وهو البكور. و(الروحة): المشية في الرواح، وهو الرجوع بالعشيّ. وأول العشي: الزوال. وقد تقدَّم هذا في الجمعة.\nوقوله: (خير من الدنيا وما فيها)، وفي الرواية الأخرى: (مما طلعت عليه الشمس)؛ يعني: أن الثواب الحاصل على مشية واحدة في الجهاد خير لصاحبه من\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٧٨٧)، والنسائي (٦/ ١٨).","vol":"3","page":709},{"text":"[١٣٤٦] وفي حديث أبي أيوب: خَيرٌ مِمَّا طَلَعَت عَلَيهِ الشَّمسُ أوَ غَرَبَت.\nرواه مسلم (١٨٨٣).\n[١٣٤٧] وعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَن رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَجَبَت لَهُ الجَنَّةُ. فَعَجِبَ لَهَا أَبُو سَعِيدٍ، فَقَالَ: أَعِدهَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَفَعَلَ، ثُمَّ قَالَ: وَأُخرَى يُرفَعُ بِهَا العَبدُ مِائَةَ دَرَجَةٍ فِي الجَنَّةِ، مَا بَينَ كُلِّ دَرَجَتَينِ كَمَا\nــ\nالدنيا كلها لو جمعت له بحذافيرها. وهذا كما قال في الحديث الآخر: (وموضع قوس أحدكم أو سوطه في الجنة خير من الدنيا وما فيها) (١). هذا منه -ﷺ- إنما هو على ما استقر في النفوس من تعظيم ملك الدنيا. وأما على التحقيق فلا تدخل الجنة تحت (أفعل) إلا كما يقال: العسل أحلى من الخل. وقد قيل: إن معنى ذلك- والله أعلم- أن ثواب الغدوة والروحة أفضل من الدنيا وما فيها لو ملكها مالك، فأنفقها في وجوه البر والطاعة غير الجهاد. وهذا أليق، والأول أسبق.\nوقوله: (من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ رسولًا، وجبت له الجنَّة)؛ أي: من مات على ذلك فلا بدَّ له من دخول الجنَّة قطعًا، ولو دخل النار في كبائر عليه فمآله إلى الجنة على كل حال.\nوقوله -ﷺ-: (وأخرى يرفع بها العبد مائة درجة)؛ أي: خصلة أخرى. والدرجة: المنزلة الرفيعة، ويراد بها غرف الجنة ومراتبها؛ التي أعلاها الفردوس، كما جاء في الحديث. ولا يظن من هذا: أن درجات الجنة محصورة بهذا العدد،\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٢٦٣ - ٢٦٤)، والبخاري (٦٥٦٨)، والترمذي (١٦٥١).","vol":"3","page":710},{"text":"بَينَ السَّمَاءِ وَالأَرضِ. قَالَ: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.\nرواه أحمد (٣/ ١٤)، ومسلم (١٨٨٤)، والنسائي (٦/ ١٩).\n* * *\nــ\nبل هي أكثر من ذلك، ولا يُعلم حصرها ولا عددها إلا الله تعالى، ألا تراه قد قال في الحديث الآخر: (يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها) (١)؛ فهذا يدل: على أن في الجنة درجات على عدد آي القرآن، وهي نيف على ستة آلاف آية، فإذا اجتمعت للإنسان فضيلة الجهاد مع فضيلة القرآن، جمعت له تلك الدرجات كلها. وهكذا ما زادت أعماله زادت درجاته. والله تعالى أعلم (٢).\n* * *\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ١٩٢)، وأبو داود (١٤٦٤)، والترمذي (٢٩١٤).\n(٢) زاد في (ج ٢):\nقال شيخنا أبو محمد عبد العظيم المنذري:\n(قوله \"مئة درجة\") يحتمل أن يكون الحديث على ظاهره، وأن الدرجات: المنازل التي بعضها أرفع من بعض في الظاهر، وكذلك منازل الجنة، كما جاء في أصحاب الغرف أنهم يراهم من هو أسفل منهم، كالكوكب الدُّريِّ، ويحتمل أن يكون المراد الرفعة المعنوية من عظيمِ الأجسام، وكثرة النعيم، وأن أنواع النعيم على المجاهد، وثوابه، يتفاضل تفاضلًا كثيرًا، ومثل ذلك تفاضله في البعد بما بين السماء والأرض من البعد. ورجَّح بعضُهم الأول.","vol":"3","page":711},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-493>(٤٠) باب فضل القتل في سبيل الله تعالى</span>\n[١٣٤٨] عن أَنَسَ بنَ مَالِكٍ، عَن النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: مَا مِن أَحَدٍ يَدخُلُ الجَنَّةَ يُحِبُّ أَن يَرجِعَ إِلَى الدُّنيَا، وَأَنَّ لَهُ مَا عَلَى الأَرضِ مِن شَيءٍ غَيرُ الشَّهِيدِ، فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى أَن يَرجِعَ فَيُقتَلَ عَشرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى مِن الكَرَامَةِ.\nوفي رواية: لما يرى من فضل الشهادة.\nرواه أحمد (٣/ ١٠٣)، والبخاري (٢٨١٧)، ومسلم (١٨٧٧)، (١٠٨ و١٠٩)، والترمذي (١٦٤٣)، والنسائي (٦/ ٣٦).\n[١٣٤٩] وعَن أَبِي قَتَادَةَ: عن رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُ قَامَ فِيهِم فَذَكَرَ لَهُم: أَنَّ الجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالإِيمَانَ بِاللَّهِ أَفضَلُ الأَعمَالِ. فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ:\nــ\n(٤٠) ومن باب: فضل القتل في سبيل الله تعالى\nقوله: (إن الإيمان والجهاد أفضل الأعمال)؛ الإيمان هنا: هو المذكور في حديث جبريل، ولا شك في أنه أفضل الأعمال؛ فإنه راجع إلى معرفة الله ورسوله، وما جاء به، وهو المصحح لأعمال الطاعات كلها، المتقدم عليها في الرتبة والمرتبة، وإنما قرن به الجهاد هنا في الأفضلية، وإن لم يجعله من جملة مباني الإسلام التي ذكرها في حديث ابن عمر؛ لأنه لم يتمكن من إقامة تلك المباني على تمامها وكمالها، ولم يظهر دين الإسلام على الأديان كلها إلا بالجهاد، فكأنه أصل في إقامة الدِّين والإيمان، أصل في تصحيح الدِّين، فجمع بين الأصلين في الأفضلية. والله تعالى أعلم.\nوقد حصل من مجموع هذه الأحاديث: أن الجهاد أفضل من جميع العبادات العملية، ولا شك في هذا عند تعيينه على كل مكلف","vol":"3","page":712},{"text":"يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيتَ إِن قُتِلتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أيُكَفَّرُ الله عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ لَهُ\nــ\nيقدر عليه، كما كان في أوّل الإسلام، وكما قد تعيَّن في هذه الأزمان (١)؛ إذ قد استولى على المسلمين أهل الكفر والطغيان، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وأمَّا إذا لم يتعين فحينئذ تكون الصلاة أفضل منه، على ما جاء في حديث أبي ذر؛ إذ سُئل عن أفضل الأعمال فقال: (الصلاة على مواقيتها) (٢).\nوقول السَّائل: (أرأيت إن قتلت في سبيل؛ أتكفر عني خطاياي)؛ هذا بحكم عمومه يشمل جميع الخطايا، ما كان من حقوق الله تعالى، وما كان من حقوق الآدميين. فجوابه بـ (نعم) مطلقًا يقتضي تكفير جميع ذلك، لكن الاستثناء الوارد بعد هذا يبيّن أن هذا الخبر ليس على عمومه؛ وإنما يتناول حقوق الله تعالى خاصَّة لقوله -ﷺ-: (إلا الدَّين). وذكره الدَّين تنبيه على ما في معناه من تعلق حقوق الغير بالذمم، كالغصب، وأخذ المال بالباطل، وقتل العمد، وجراحه، وغير ذلك من التبعات، فإن كل هذا أولى بأن لا يغفر بالجهاد من الدَّين، لكن هذا كله إذا امتنع من أداء الحقوق مع تمكنه منه، وأما إذا لم يجد للخروج من ذلك سبيلًا؛ فالمرجو من كرم الله تعالى إذا صدق في قصده، وصحت توبته أن يُرضي الله تعالى خصومه عنه، كما قد جاء نصًّا في حديث أبي سعيد الخدري المشهور في هذا، وقد دلَّ على صحة ما ذكرناه قوله -ﷺ-: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة) (٣)، الحديث، وسيأتي إن شاء الله تعالى. ولا يلتفت إلى قول من قال: إن هذا الذي ذكره من الدَّين إنما كان قبل قوله -ﷺ-: (من ترك دينًا أو ضياعًا فعليَّ) (٤)، الحديث؛ يشير بذلك إلى أن ذلك المعنى منسوخ. فإنه قول باطل\n_________\n(١) في (ع): الأوقات.\n(٢) رواه البخاري (٥٢٧)، ومسلم (٨٥) من حديث عبد الله بن مسعود.\n(٣) رواه أحمد (٢/ ٢٣٥)، ومسلم (٢٥٨٢)، والترمذي (٢٤٢٠).\n(٤) رواه البخاري (٥٣٧١)، ومسلم (١٦١٩)، والترمذي (١٠٧٠)، والنسائي (٤/ ٦٦).","vol":"3","page":713},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: نَعَم، إِن قُتِلتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَنتَ صَابِرٌ مُحتَسِبٌ، مُقبِلٌ غَيرُ مُدبِرٍ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: كَيفَ قُلتَ؟ . قَالَ: أَرَأَيتَ إِن قُتِلتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَتُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: نَعَم، وَأَنتَ صَابِرٌ مُحتَسِبٌ، مُقبِلٌ غَيرُ مُدبِرٍ، إِلَّا الدَّينَ، فَإِنَّ جِبرِيلَ قَالَ لِي ذَلِكَ.\nرواه مسلم (١٨٨٥) (١١٧)، والترمذي (١٧١٢)، والنسائي (٦/ ٣٤).\n[١٣٥٠] وعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرِو: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: القَتلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُكَفِّرُ كُلَّ شَيءٍ إِلَّا الدَّينَ.\nرواه مسلم (١٨٨٦) (١٢٠).\nــ\nمفسوخ؛ فإن المقصود من هذا الحديث بيان أحكام الديون في الدنيا، وذلك: أنه كان من أحكامها دوام المطالبة، وإن كان الإعسار. وقال بعض الرواة: إن الحر كان يباع في الدين. وامتنع النبي -ﷺ- من الصلاة على من مات وعليه دينار ولم يجد وفاءً له. فهذه الأحكام وأشباهها هي التي يمكن أن تنسخ، والحديث الأول لم يتعرض لهذه الأحكام؛ وإنما تعرض لمغفرة الذنوب فقط. هذا إذا قلنا: إن هذا ناسخ. فأما إذا حققنا النظر فيه فلا يكون ناسخًا، وإنما غايته: أن تحمل النبي -ﷺ- على مقتضى كرم خلقه عن المعسر دينه، وسدّ ضيعة الضائع. وقد دل على ذلك قوله -ﷺ- في هذا الحديث بعينه: (أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، وأنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم) (١)؛ فعلى هذا يكون هذا التحمل خصوصًا به، أو من جملة تبرعاته لما وسّع الله عليه، وعلى المسلمين. وقد قيل في معنى هذا الحديث: إن معنى ذلك: أن النبي -ﷺ- قام بذلك من مال الخمس والفيء ليبين: أن للغارمين ولأهل الحاجة حقًّا في بيت مال المسلمين، وإن الناظر لهم يجب عليه القيام بذلك لهم، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) هو الحديث السابق.","vol":"3","page":714},{"text":"[١٣٥١] وعَن مَسرُوقٍ قَالَ: سَأَلنَا عَبدَ اللَّهِ عَن هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَلا\nــ\nوفيه من الفقه: جواز تأخير الاستثناء قدرًا قليلًا؛ لأنه أطلق أولًا، فلما ولى دعاه، فذكر له الاستثناء، وقد يجاب عنه: بأنه لما أراد أن يستثني أعاد اللفظ الأوّل، ووصل الاستثناء به في الحال، فلا يجوز التأخير، ويدل على ذلك: أن الاستثناء والتخصيص وغيرهما الصادرة عنه -ﷺ- كلٌّ من عند الله، لا من عند النبي -ﷺ- بالاجتهاد، وقد تقدَّم الاختلاف في هذا الأصل.\nوقول مسروق: (سألنا عبد الله عن هذه الآية)؛ هو عبد الله بن مسعود، وهكذا في رواية أبي بحر: (سألنا عبد الله بن مسعود)، ومن قال فيه: عبد الله بن عمرو فقد أخطأ.\nوقول عبد الله: (أما إنا سألنا عن ذلك فقال)؛ كذا صحَّت الرواية، ولم يذكر فيها (رسول الله -ﷺ-)، وهو المراد منها قطعًا. ألا ترى قوله: (فقال)؛ وأسند الفعل إلى ضميره، وإنما سكت عنه للعلم به، فهو مرفوع، وليس هذا المعنى الذي في هذا الحديث مما يتوصل إليه بعقل ولا قياس، وإنما يُتوصل إليه بالوحي، فلا يُقال: هو موقوف على عبد الله بن مسعود.\nوقد تضمَّن هذا الحديث تفسير قوله تعالى: ﴿بَل أَحيَاءٌ عِندَ رَبِّهِم يُرزَقُونَ﴾ وأن معنى حياة الشهداء: أن لأرواحهم من خصوص الكرامة ما ليس لغيرهم، بأن جعلت في جوف طير، كما في هذا الحديث، أو في حواصل طير خضر، كما في الحديث الآخر، صيانة لتلك الأرواح، ومبالغة في إكرامها، لإطلاعها على ما في الجنة من المحاسن والنعم، كما يطلع الراكب المظلل عليه بالهودج الشفاف؛ الذي لا يحجب عما وراءه. ثم يدركون في تلك الحال التي يسرحون فيها من روائح الجنة، وطيبها، ونعيمها، وسرورها ما يليق بالأرواح مما ترتزق وتنتعش به. وأما اللذات الجسمانية فإذا أعيدت تلك الأرواح إلى أجسادها استوفت من النعيم جميع ما أعدَّ الله تعالى لها، ثم إن أرواحهم بعد سرحها في","vol":"3","page":715},{"text":"تَحسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَموَاتًا بَل أَحيَاءٌ عِندَ رَبِّهِم يُرزَقُونَ﴾ فقَالَ: أَمَا إِنَّا سَأَلنَا عَن ذَلِكَ فَقَالَ: إن أَروَاحُهُم فِي جَوفِ طَيرٍ\nــ\nالجنة ترجع تلك الطير بهم إلى مواضع مكرَّمة مشرَّفة منوَّرة عبّر عنها بالقناديل؛ لكثرة أنوارها، وشدّتها. والله تعالى أعلم.\nوهذه الكرامات كلها مخصوصة بالشهداء كما دلت عليه الآية وهذا الحديث، وأما حديث مالك الذي قال فيه: (إنما نسمة المؤمن طائر يعلّق في ثمر الجنة) (١)؛ فالمراد بالمؤمن هنا: الشهيد.\nوالحديثان واحد في المعنى، وهو من باب حمل المطلق على المقيد. وقد دل على صحة هذا قوله في الحديث الآخر: (إذا مات الإنسان عرض عليه مقعده بالغداة والعشي من الجنة والنار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة) (٢)؛ فالمؤمن غير الشهيد هو الذي يُعرض عليه مقعده من الجنة وهو في موضعه من القبر أو الصور، أو حيث شاء الله تعالى غير سارح في الجنة، ولا داخل فيها؛ وإنما يدرك منزلته فيها بخلاف الشهيد؛ فإنه يباشر ذلك ويشاهده وهو فيها، على ما تقدَّم، وكذلك أرواح الكفار تشاهد ما أعد الله لها من العذاب عند عرض ذلك عليها، كما قال تعالى في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعرَضُونَ عَلَيهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَومَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدخِلُوا آلَ فِرعَونَ أَشَدَّ العَذَابِ﴾ وعند هذا العرض تدرك روح الكافر من الألم، والتخويف، والحزن، والعذاب بالانتظار ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فنسأل الله العافية. كما أنه يحصل للمؤمن عند عرض الجنة من الفرح، والسرور، والتنعم بانتظار المحبوب ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فإذا أعيدت الأرواح إلى الأجساد استكمل كل فريق منهم ما أعد الله له. وبهذا الذي ذكرناه تلتئم الأحاديث، وتتفق. والله الموفق.\n_________\n(١) رواه مالك في الموطأ (١/ ٢٤٠).\n(٢) رواه أحمد (٥/ ٥١)، والبخاري (٦٥١٥)، والنسائي (٤/ ١٠٧)، وابن ماجه (٤٢٧٠).","vol":"3","page":716},{"text":"خُضرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالعَرشِ، تَسرَحُ في الجَنَّةِ حَيثُ شَاءَت، ثُمَّ تَأوِي\nــ\nوقد حصل من مجموع الكتاب والسنة. أن الأرواح باقية بعد الموت، وأنها متنعمة، أو معذبة إلى يوم القيامة.\nوقد اختلف الناس في الأرواح قديمًا وحديثًا ما هي؟ وعلى أي حال هي؟ اختلافًا كثيرًا، واضطربوا فيها اضطرابًا شديدًا؛ الواقف عليه يتحقق أن الكل منهم على غير بصيرة منها؛ وإنما هي أقوال صادرة عن ظنون متقاربة (١)، ولا يشك في أنه مما انفرد الله تعالى بعلم حقيقته. وعلى هذا المعنى حمل أكثر المفسرين قوله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أَمرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِنَ العِلمِ إِلا قَلِيلا﴾ فليقطع العاقل طمعه من علم حقيقته، ولينظر هل ورد في الأقوال الصادقة ما يدل على شيء من صفته؟ وعند تصفح ذلك، واستقراء ما هنالك يحصل للباحث: أن الروح أمر (٢) ينفخ في الجسد، ويقبض منه، ويتوفى بالنوم والموت، ويؤمن، ويكفر، ويعلم، ويجهل، ويفرح، ويحزن، ويتنعم، ويتألم، ويخرج، ويدخل، والإنسان يجد من ذاته بضرورته قابلًا للعلوم وأضدادها، وللفكر وأضدادها، ولغير ذلك من المعاني، فيحصل من مجموع تلك الأمور على القطع: أن الروح ليس من قبيل الأعراض لاستحالة كل ما ذكر عليها، فيلزم أن يكون الروح من قبيل ما يقوم بنفسه، وأنه قابل للأعراض.\nوهل هو متحيز أو ليس بمتحيز؟ ذهبت طوائف من الأوائل، ومن نحا نحوهم من الإسلاميين، إلى أنه قائم بنفسه غير متحيز. وذهب أكثر أهل الإسلام إلى أن ذلك من أوصاف الحق ﷾ الخاصة به، وأنه لا تصح مشاركته في ذلك لأدلة تذكر في علم الكلام، وأن الروح قائم بنفسه متحيز، فهو من قبيل الجواهر.\nثم اختلف، هل هو يقبل الانقسام فيكون جسمًا أو لا يقبله فيكون جوهرًا\n_________\n(١) في الأصول: متقابلة، وما أثبتناه من: إكمال إكمال المعلم للأُبِّي.\n(٢) ليست في الأصول، واستدركت من: إكمال إكمال المعلم للأُبِّي.","vol":"3","page":717},{"text":"إِلَى تِلكَ القَنَادِيلِ، فَاطَّلَعَ إِلَيهِم رَبُّهُم ﷿ اطِّلَاعَةً فَقَالَ: هَل تَشتَهُونَ شَيئًا؟ قَالَوا: أَيَّ شَيءٍ نَشتَهِي؟ وَنَحنُ نَسرَحُ مِن الجَنَّةِ حَيثُ شِئنَا؟ ! فَفَعَلَ بِهِم ذلك ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا رَأَوا أَنَّهُم لَن يُترَكُوا مِن أَن يُسأَلُوا قَالَوا:\nــ\nفردًا؟ فذهبت طائفة من جلّة علماء أهل السنة إلى أنه جسم لطيف مشابك لجميع أجزاء البدن، أجرى الله العادة ببقائه في الجسم ما دام حيًّا، فإذا أراد الله تعالى إماتة الحيوان نزعه منه، وأزال اتصاله بالحياة، وأعقبها بالموت. وأطبق معظم المتكلمين من أهل السنة على أنه جزء فرد من أجزاء القلب، أو غيره مما يكون في الإنسان، أجرى الله العادة بحياة ذلك الجسم ما دام ذلك الجزء متصلًا به. والله تعالى أعلم، وأحكم، والتسليم أولى وأسلم.\nوالذي اتفق أهل التحقيق عليه: أنه محدث مخترع؛ لأنه متغير، وكل متغير محدث على ما يُعرف في موضعه، ولا يلتفت لقول من قال: إن الروح قديم؛ إذ لا قديم إلا الله تعالى، على ما يُعرف في موضعه، ولا يلتفت أيضًا لقول التناسخية القائلين بأن الأرواح تنتقل إلى أجساد أخر، فأهل السعادة ينقلون إلى أجساد حسنة مشرقة مرفهة، فتتنعم بها، كما جاء في هذه الأحاديث، وأهل الشقاء تنقل أرواحهم إلى أجسام خسيسة قبيحة، فتعذب فيها، حتى إذا استوفت أمد عقابها رجعت إلى أحسن بنية، وهكذا أبدًا. وهذا معنى الإعادة والثواب والعقاب عندهم. وهو قول مناقض لما جاءت به الشريعة، ولما أجمعت الأمة عليه، ومعتقده يكفر قطعًا، فإنه أنكر ما علم قطعًا من إخبار الله تعالى، وإخبار نبيه -ﷺ- عن أمور الآخرة، وعن تفاصيل أحوالها، وأن الأمر ليس على شيء مما قالوه. فالتناسخ والقول به باطل، محال عقلًا، على ما يُعرف في علم الكلام.\nوقوله: (فاطلع إليهم ربهم اطلاعة)؛ أي: تجلى لهم برفع حجبهم، وكلمهم مشافهة بغير واسطة، مبالغة في الإكرام، وتتميمًا للإنعام.","vol":"3","page":718},{"text":"يَا رَبِّ نُرِيدُ أَن تَرُدَّ أَروَاحَنَا فِي أَجسَادِنَا، حَتَّى نُقتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخرَى، فَلَمَّا رَأَى أَن لَيسَ لَهُم حَاجَةٌ تُرِكُوا.\nرواه مسلم (١٨٨٧)، والترمذي (٣٠١٤ و٣٠١٥).\n[١٣٥٢] وعَن جَابِرٍ قال: قَالَ رَجُلٌ يوم أحد: أَينَ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِن قُتِلتُ؟ قَالَ: فِي الجَنَّةِ. فَأَلقَى تَمَرَاتٍ كُنَّ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٠٨)، والبخاري (٤٠٤٦)، ومسلم (١٨٩٩)، والنسائي (٦/ ٣٣).\n[١٣٥٣] وعَن البَرَاءِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِن بَنِي النَّبِيتِ -قَبِيلٍ مِن الأَنصَارِ- فَقَالَ: أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَقَالَ النَّبِيُّﷺ-: عَمِلَ هَذَا يَسِيرًا وَأُجِرَ كَثِيرًا.\nرواه البخاري (٢٨٠٨)، ومسلم (١٩٠٠).\n* * *\nــ\nوقولهم: (نريدُ أن تَرُدَّ أرواحَنا في أجسادنا)؛ دليل على أن مُجرَّد الأرواح هي المتكلِّمة، ويدلُ على: أن الروحَ ليس بِعَرَض خلافًا لمن ذهب إلى ذلك. وفيه ردٌّ على التناسخية، وأن أجوافَ الطير ليست أجسادًا لها، وإنما هي مُودعة فيها على سبيل الحفظ والصيانة والإكرام، على ما قدَّمناه. وهذا كلُه يدلُّ على أن لمنزلة الشهادة من خصوص الإكرام ما ليس لغيرها من أعمال البِرّ، كما قال في الحديث الآخر: (ليس أحد له عند الله خير يتمنى أن يرجعَ إلى الدنيا إلا الشهيد؛ لما يرى من فضل الشهادة (١» (٢).\n_________\n(١) ساقط من (ع) و(ج) واستدرك من (ج ٢).\n(٢) رواه الترمذي (١٦٤٠ - ١٦٤٣).","vol":"3","page":719},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-494>(٤١) باب في قوله تعالى: ﴿أَجَعَلتُم سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسجِدِ الحَرَامِ﴾ الآية</span>\n[١٣٥٤] عن النُّعمَانُ بنُ بَشِيرٍ قَالَ: كُنتُ عِندَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ رَجُلٌ: مَا أُبَالِي أَلَا أَعمَلَ عَمَلًا بَعدَ الإِسلَامِ، إِلَّا أَن أُسقِيَ الحَاجَّ. وَقَالَ آخَرُ: مَا أُبَالِي أَلَا أَعمَلَ عَمَلًا بَعدَ الإِسلَامِ إِلَّا أَن أَعمُرَ المَسجِدَ الحَرَامَ.\nــ\n(٤١) ومن باب: قوله تعالى: ﴿أَجَعَلتُم سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسجِدِ الحَرَامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ﴾\n(السقاية): مصدر كالسِعاية والحِماية، وهو على الحذف؛ أي: أجعلتم صاحبَ سقاية الحاج مثل مَن آمَنَ بالله، وجاهَدَ في سبيله؛ ويصح أن يقدَّر الحذفُ في: (مَن آمَنَ)؛ أي: أجعلتم عمل سقي الحاج كعمل مَن آمن؟ . و(الحَاجِّ): اسم جنس الحُجّاج. و(عِمَارَةَ المَسجِدِ الحَرَامِ): معاهدته، والقيام بمصالحه.\nوظاهِرُ هذه الآية أنَّها مبطلة قولَ من افتخر من المشركين بسقاية الحاجّ وعمارة المسجد الحرام، كما ذكره السُّدِّي. قال: افتخر عباسٌ بالسقاية، وشيبة بالعمارة، وعلي بالإسلام والجهاد، فصدَّق اللهُ عليًّا وكذبهما، وهذا واضح. وأما حديث النعمان هذا فمشكل على مساق الآية، فإنه يقتضي أنها إنما نزلت عند اختلافِ المسلمين في الأفضل من هذه الأعمال، وحينئذ لا يصلحُ أن يكون قولُه تعالى: ﴿أَجَعَلتُم سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسجِدِ الحَرَامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَستَوُونَ عِندَ اللَّهِ﴾؛ نزل جوابًا لذلك (١)، فإن أولئك\n_________\n(١) ساقط من (ع) و(ج) واستدركناه من (ج ٢).","vol":"3","page":720},{"text":"وَقَالَ الآخَرُ: الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفضَلُ مِمَّا قُلتُم. فَزَجَرَهُم عُمَرُ وَقَالَ: لَا تَرفَعُوا أَصوَاتَكُم عِندَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ يَومُ الجُمُعَةِ، وَلَكِن إِذَا صَلَّيتُ الجُمُعَةَ دَخَلتُ وَاستَفتَيتُهُ فِيمَا اختَلَفتُم فِيهِ، فَأَنزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿أَجَعَلتُم سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسجِدِ الحَرَامِ﴾ الآيَةَ إِلَى آخِرِهَا.\nرواه مسلم (١٨٧٩).\nــ\nالمسلمين لم يختلفوا في أن الإيمانَ مع الجهاد أفضل من مجرَّد السقاية والعمارة، وإنَّما اختلفوا في أي الأعمال أفضل بعد الإسلام، وقد نصّوا على ذلك في الحديث. وأيضًا: فلا يليقُ أن يقالَ لهم في هذا الذي اختلفوا فيه: ﴿وَاللَّهُ لا يَهدِي القَومَ الظَّالِمِينَ﴾ كما قال في آخر الآية. وأيضًا: فإن الآيات التي قبل هذه الآية من قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلمُشرِكِينَ أَن يَعمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ تدلُ على أن الخطاب مع المشركين، فتعيّن الإشكال، فلينظر في التخلص منه. ويمكن أن يتخلص منه بأن يقال: إن بعضَ الرُّواة تسامَحَ في قوله: فأنزل الله الآية. وإنما قرأ النبي -ﷺ- على عُمَرَ الآيةَ حين سأله، فظن الرَّاوي أنها نزلت حينئذ، وإنما استدلَ بها النبيُّ -ﷺ- على أن الجهادَ أفضل مما قال أولئك الذين سمعهم عُمر، فاستفتى لهم، فتلا عليه ما كان قد أنزل عليه في المشركين، لا أنها نزلت في هؤلاء. فيبقى أن يقال: فكيف يُستدلُ بما أنزل في المشركين في حالةٍ مخصوصة على مثل ذلك المعنى في المسلمين، وهم مخالفون لهم في تلك الحال؟\nوالجواب: أن هذا لا بُعدَ فيه. فقد تنتزعُ مما أنزل في المشركين أحكام تليقُ في المسلمين، كما قد فعله عمر، حيث قال: أما إنا لو شئنا لاتخذنا سلائق وشواء وتوضع صحفةٌ، وترفع أخرى، ولكنَّا سمعنا قوله تعالى: ﴿أَذهَبتُم طَيِّبَاتِكُم فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنيَا وَاستَمتَعتُم بِهَا﴾ وهذه الآية نصٌّ في أنها للكفار، ومع ذلك ففهم عمر منها الزجرَ عما يناسبُ أحوالهم بعض المناسبة، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فيمكن أن تكونَ هذه الآيةُ من هذا النوع، والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":721},{"text":"[١٣٥٥] وعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: أَيُّ النَّاسِ أَفضَلُ؟ فَقَالَ: رَجُلٌ مُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِمَالِهِ وَنَفسِهِ. قَالَ: ثُمَّ مَن؟ قَالَ: مُؤمِنٌ فِي شِعبٍ مِن الشِّعَابِ، يَعبُدُ اللَّهَ وَيَدَعُ النَّاسَ مِن شَرِّهِ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٧)، والبخاري (٢٧٨٦)، ومسلم (١٨٨٨) (١٢٢)، وأبو داود (٢٤٨٥)، والترمذي (١٦٦٠)، والنسائي (٦/ ١١)، وابن ماجه (٣٩٧٨).\n[١٣٥٦] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: عَن رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: مِن خَيرِ مَعَاشِ النَّاسِ لَهُم، رَجُلٌ مُمسِكٌ بعِنَانَ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَطِيرُ عَلَى مَتنِهِ، كُلَّمَا\nــ\nوقوله: (أي الناس أفضل؟) أي: أيّ الناس المجاهدين؟ بدليل أنه أجابه بقوله: (رجل مجاهِد بنفسه وماله). ثم ذكر بعده مَن جاهد نفسه بالعُزلة عن الناس؛ إذ كل واحد من الرَّجُلَين مجاهد. فالأول للعدوِّ الخارجيِّ، والآخر للداخليِّ؛ الذي هو: النفس والشيطان، فجاهدهما بقطع المألوفات، والمستحسنات من الأهل، والقرابات، والأصدقاء، والأوطان، والشهوات المعتادات. وكل ذلك فرارا بدينه، وخوفًا عليه. وهذا هو الجهادُ الأكبر؛ الذي من وصل إليه فقد ظفر بالكبريت الأحمر (١). غير أن العزلةَ إنما تكونُ مطلوبة إذا كفى المسلمون عدوَّهم، وقام بالجهاد بعضهم. فأما مع تعيّن الجهاد؛ فليس غيرُه بمراد، ولذلك بدأ النبي -ﷺ- بهذا الحديث ببيان (٢) أفضلية الجهاد على العزلة لما قدَّمناه في الباب الذي قبل هذا.\nوقوله: (مِن خير معاش الناس لهم)؛ المعاشُ: مصدر بمعنى المعيشة أو\n_________\n(١) قال في اللسان: أعزُّ من الكبريت الأحمر. ويُقال: ذهبٌ كبريت؛ أي: خالص.\n(٢) من (م) و(ج ٢).","vol":"3","page":722},{"text":"سَمِعَ هَيعَةً، أَو فَزعَةً طَارَ عَلَيهِ، يَبتَغِي القَتلَ وَالمَوتَ مَظَانَّهُ، أَو رَجُلٌ فِي غُنَيمَةٍ فِي رَأسِ شَعَفَةٍ مِن هَذِهِ الشَّعَفِ، أَو بَطنِ وَادٍ مِن هَذِهِ الأَودِيَةِ، فيُقِيمُ الصَّلَاةَ وَيُؤتِي الزَّكَاةَ، يَعبُدُ رَبَّهُ حَتَّى يَأتِيَهُ اليَقِينُ، لَيسَ مِن الله إِلَّا فِي خَيرٍ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٤٣)، ومسلم (١٨٨٩) (١٢٥)، وابن ماجه (٣٩٧٧).\n* * *\nــ\nالعيش؛ أي: مِن أشرفِ طُرُق المعاش الجهاد. ففيه دليل على جواز نية أخذ المغانم والاكتساب بالجهاد، لكن إذا كان أصلُ النية في الجهاد أن يجاهدَ لتكون كلمةُ الله هي العليا. ولهذا أشار ﷺ في هذا الحديث بقوله: (رجل مُمسِك بعِنان فرسه في سبيل الله)، وبقوله: (يبتغي القتلَ مظانَّه).\nومتنُ الفرس وغيره: ظَهرُه. و(الهيعة): الفزعة. يقال: هاع، يهيع، هيوعًا، وهيعةً؛ إذا خاف (١). و: هاع، يهاع؛ إذا جاع، وإذا تهوع. و(مظانَّه)؛ أي: في الأوقات التي يظن القتل فيها. وهو منصوب هنا على الظرف.\nو(الشَّعَفة) - بفتح العين غير معجمة-: واحدة الشُّعَف، وهي رؤوس الجبال. و(اليقين) هنا: هو المتيقن، وهو الموت.\n* * *\n_________\n(١) في (ج ٢): جبن.","vol":"3","page":723},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-495>(٤٢) باب في رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة، وفيمن قتل كافرًا</span>\n[١٣٥٧] عَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: يَضحَكُ اللَّهُ ﷿ إِلَى رَجُلَينِ يَقتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، كِلَاهُمَا يَدخُلُ الجَنَّةَ. قَالَ: يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُستَشهَدُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى القَاتِلِ فَيُسلِمُ، فَيُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُستَشهَدُ.\nرواه البخاري (٢٨٢٦)، ومسلم (١٨٩٠) (١٢٨)، والنسائي (٦/ ٣٩)، وابن ماجه (١٩١).\n[١٣٥٨] وعَنهُ: قال: قال رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-: لَا يَجتَمِعُ كَافِرٌ وَقَاتِلُهُ فِي النَّارِ أَبَدًا.\nــ\n(٤٢) ومن باب: رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة\nقوله: (يضحك الله إلى رجلين)؛ قد تقدَّم الكلامُ في الإيمان على الضحك المنسوب إلى الله تعالى، وأنه عبارة عن الرضا بالمضحوك منه، وإكرامه، والإقبال عليه. ويحتمل أن يكون من باب حذف المضاف؛ أي: يضحك رسول الله وملائكته ممن ذكر عند قبض أرواحهم (١). والله تعالى أعلم (٢).\nوقوله: (لا يجتمع كافر وقاتلُه في النار أبدًا)؛ ظاهِرُ هذا: أنَ المسلِمَ إذا\n_________\n(١) مذهب السلف: أن الله تعالى يضحك ضحكًا يليق به سبحانه من غير تأويل، ولا تشبيه، ولا تمثيل.\n(٢) زاد في (ج ٢): كما يُقال: قَتَل السلطانُ فلانًا، وإنما قتله رجالُه.","vol":"3","page":724},{"text":"وفي لفظ آخر: لَا يَجتَمِعَانِ فِي النَّارِ اجتِمَاعًا يَضُرُّ أَحَدُهُمَا الآخَرَ.\nــ\nقتل الكافر لم يدخل النَّارَ بوجهٍ من الوجوه. ولم يقيده في هذا الطريق بقيدٍ؛ لكن قال في الرِّواية الأخرى: (ثم سَدد)، وقد استشكل بعضُ الرواة هذا اللفظ. وجهةُ الإشكال: أن مآلَ السَّداد هو الاستقامة على الطريقة من غير زيغ، ومَن كان هذا حالُه لا يدخل النار؛ قتل كافرًا أو لم يقتله. وسلك في الانفصال عن هذا الإشكال أن حمل (سدد) على (أسلم)، بمعنى: أن القاتلَ كان كافرًا، ثم أسلم، وصرفه للحديث الآخر؛ الذي قال فيه: (يضحك الله لرجلين).\nقلتُ: وهذا الإشكالُ إنما وقع لهذا القائل من حيث فسَّر السَّداد بما ذكر، والذي يظهرُ لي: أنه ليس المراد بالسَّداد هنا ما ذكر؛ بل بعض ما ذكر، وهو أن يسدد حالَه في التخلص من حقوق الآدميين؛ التي تقدَّم الكلامُ عليها في قوله -ﷺ-: (القتل في سبيل الله يكفر كل شيءٍ إلا الدَّين) (١)، فإذا لم تكفر الشهادةُ الدينَ كان أبعد أن يكفره قتل الكافر. ويحتملُ أن يقالَ: سدد بدوام الإسلام حتى الموت. أو باجتناب الموبقات التي لا تُغفر إلا بالتوبة، كما تقدَّم في الطهارة. والله تعالى أعلم.\nوقوله في الطريق الآخر: (لا يجتمعان في النار اجتماعًا يضرُّ أحدُهما الآخر)؛ مخالف للرواية الأولى (٢)، فإن ظاهرَ تلك: نفي الاجتماع مطلقًا. وظاهرُ هذه: نفي اجتماع مخصوص. فتعارض الظاهران. ووجهُ الجمع: حملُ المطلق على المقيَّد. بمعنى: أنَّ من قتَل كافرًا ثمَّ مات مرتكبَ كبيرةِ، غير تائبٍ منها، فأمرُه إلى الله تعالى؛ إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه، وأدخله النار. ثم إن دخل النار فإنما يدخل حيث يدخلُ المؤمنون المذنبون، لا حيث يدخل الكافرون. فلا يجتمعُ ذلك المؤمنُ مع مقتوله الكافر أبدًا، ولا يلقاه حتى يخاصمه، كما قد جاء:\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) في (ج ٢): الأخرى.","vol":"3","page":725},{"text":"قِيلَ: مَن هُم يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ ! قَالَ: مُؤمِنٌ قَتَلَ كَافِرًا، ثُمَّ سَدَّدَ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٦٨)، ومسلم (١٨٩١) (١٣٠ و١٣١)، وأبو داود (٢٤٩٥).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-496>(٤٣) باب فضل الحمل في سبيل الله والجهاد ومن دل على خير</span>\n[١٣٥٩] عَن أَبِي مَسعُودٍ الأَنصَارِيِّ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ بِنَاقَةٍ مَخطُومَةٍ، وقَالَ: هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: لَكَ بِهَا يَومَ القِيَامَةِ سَبعُمِائَةِ نَاقَةٍ كُلُّهَا مَخطُومَةٌ.\nرواه أحمد (٤/ ١٢١)، ومسلم (١٨٩٢)، والنسائي (٦/ ٤٩).\nــ\nأن بعضَ الكفار يجتمعُ ببعض المؤمنين في النار، فيقولون لهم: ما أغنى عنكم إيمانكم ولا عبادتكم؛ إذ أنتم معنا. فيضجُ المؤمنون إلى الله تعالى حتى يخرجوا، فإذا خرجوا، وتفقدهم الكافرون، فلم يروهم، قال بعضُهم لبعضِ: ﴿مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُم مِنَ الأَشرَارِ * أَتَّخَذنَاهُم سِخرِيًّا أَم زَاغَت عَنهُمُ الأَبصَارُ﴾ وقيل في الآية غير هذا. والله تعالى أعلم.\n(٤٣) ومن باب: فضل الجهاد في سبيل الله\nقوله: (جاء رجل بناقةٍ مخطومةٍ)؛ أي: عليها خطامها؛ أي: زمامها (١).\nوقوله -ﷺ-: (لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة، كلها مخطومة)؛ هذه الحسنةُ\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"3","page":726},{"text":"[١٣٦٠] وفي رواية: فَقَالَ: إِنِّي أُبدِعَ بِي فَاحمِلنِي. فَقَالَ: مَا عِندِي. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا أَدُلُّهُ عَلَى مَن يَحمِلُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: مَن دَلَّ عَلَى خَيرٍ فَلَهُ مِثلُ أَجرِ فَاعِلِهِ.\nرواه أحمد (٥/ ٢٧٣)، ومسلم (١٨٩٣)، وأبو داود (٥١٢٩)، والترمذي (٢٦٧١).\nــ\nمما ضوعف إلى سبعمائة ضعف، وهو أقصى الأعداد المحصورة؛ التي تضاعف الحسنات إليها. وهذا كما قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَت سَبعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ وبقي بعد هذا المضاعفة من غير حصر، ولا حدّ، وهي مفهومة من قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ﴾ (١)\nوقوله: (إني أبدع بي)؛ أي: أهلكت راحلتي، وانقطع بي، وهو رباعي، مبني لما لم يسم فاعله. وقد وقع لبعض الرواة: (بُدِّعَ) على فُعِّل مشدد العين. وليس بمعروف في اللغة.\nوقوله: (احملني)؛ أي: أعطني ما أتحمل عليه، أي: أحمل رحلي، وأرتحل عليه.\nوقوله: (من دلَّ على خير فله مثل أجر فاعله)؛ ظاهر هذا اللفظ: أن للدَّال من الأجر ما يساوي أجر الفاعل المنفق. وقد ورد مثل هذا في الشرع كثيرًا؛\n_________\n(١) جاء في هامش (ج ٢) ما يلي:\nتتميم: (قوله سبعمئة ناقة) يحتمل أن يكون على ظاهره، فتكون له في الجنة يركبها. ويحتمل أن تكون إشارة إلى تضعيف الحسنات. وسُمِّي الثواب باسم الحسنة.\nويُقوِّي الأول قوله: مخطومة. وقوله: سبعمئة موافق لقوله - ﷺ - في تضعيف الحسنات إلى سبعمئة ضعف. والأصل في ذلك قوله ﵎: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١].","vol":"3","page":727},{"text":"[١٣٦١] وعَن أَنَسِ: أَنَّ فَتًى مِن أَسلَمَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرِيدُ\nــ\nكقوله: (من قال مثل ما يقول المؤذن كان له مثلُ أجره) (١)، وكقوله فيمن توضأ وخرجَ إلى الصلاة فوجد الناس قد صلَّوا: (أعطاه الله من الأجرِ مثل أجر من حضرها، وصلَاّها) (٢). وهو ظاهرُ قوله تعالى: ﴿وَمَن يَخرُج مِن بَيتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدرِكهُ المَوتُ فَقَد وَقَعَ أَجرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ وهذا المعنى يمكنُ أن يقال فيه (٣)، ويصار إليه بدليل: أن الثوابَ على الأعمال إنما هو تفضل من الله تعالى، فيهبه لمن يشاء على أي شيءٍ صدر عنه، وبدليل: أنَّ النية هي أصلُ الأعمال، فإذا صحَّت في فعل طاعةٍ فعجز عنها لمانعٍ منع منها فلا بُعدَ في مساواة أجر ذلك العاجز لأجر القادر الفاعل، أو يزيد عليه، وقد دلَّ على هذا: قوله -ﷺ-: (نية المؤمن خير من عمله) (٤)، ولقوله: (إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًّا إلا كانوا معكم، حبسهم العذر) (٥). وأنص ما في هذا الباب حديث أبي كبشة الأنماري؛ الذي قال فيه النبي -ﷺ-: (إنَّما الدنيا لأربعة نفر: رجل آتاه الله تعالى مالًا وعلمًا، فهو يتقي فيه ربَّه، ويصل به (٦) رحمه، ويعلم لله فيه حقًّا، فهذا بأفضل المنازل. ورجل آتاه الله علمًا ولم يؤته مالًا، فهو يقولُ: لو أن لي مالًا لعملت فيه بعَمَلِ (٧) فلانٍ، فهو بنيته، فأجرهما سواء، ورجلٌ آتاه الله مالًا، ولم يؤته علمًا؛\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٣٥٢)، والنسائي (٢/ ٢٤)، والحاكم (١/ ٢٠٤)، وابن حبان (١٦٦٧) بلفظ: \"من قال مثل ما قال هذا يقينًا دخل الجنة\".\n(٢) رواه أبو داود (٥٦٤)، والنسائي (٢/ ١١١).\n(٣) في (م) و(ج ٢): به.\n(٤) رواه الطبراني في الكبير (٦/ ٢٢٨)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٥٥).\n(٥) رواه أحمد (٣/ ١٠٣)، والبخاري (٢٨٣٩)، وأبو داود (٢٥٠٨)، وابن ماجه (٢٧٦٤).\n(٦) في (م) و(ج ٢): فيه.\n(٧) في (م): فعلت فيه بفعل.","vol":"3","page":728},{"text":"الغَزوَ، وَلَيسَ مَعِي مَا أَتَجَهَّزُ. قَالَ: ائتِ فُلَانًا، فَإِنَّهُ قَد كَانَ تَجَهَّزَ فَمَرِضَ. فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُقرِئُكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ: أَعطِنِي الَّذِي\nــ\nفهو لا يتقي فيه ربَّه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقًّا، فهذا بأخبث المنازل. ورجل لم يؤته الله مالًا ولا علمًا؛ فهو يقول: لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته، ووزرهما سواء) (١).\nوقد ذهب بعض الأئمة إلى أن المثل المذكور في هذه الأحاديث إنما هو بغير تضعيف. قال: لأنه يجتمع في تلك الأشياء أفعال أخر، وأعمال كثيرة من البر، لا يفعلها الدَّال الذي ليس عنده إلا مجرد النية الحسنة. وقد قال - ﷺ- للقاعد: (أيُّكم خلف الخارج في أهله وماله بخير فله مثل نصف أجر الخارج) (٢)، وقال: (لينبعث من كل رجلين أحدهما والأجر بينهما) (٣).\nقلت (٤): ولا حجة في هذا الحديث لوجهين:\nأحدهما: إنا نقول بموجبه، وذلك أنه لم يتناول محل النزاع، فإن المطلوب (٥) إنما هو: أن الناوي للخير المعوق عنه، له مثل أجر الفاعل من غير تضعيف. وهذا الحديث إنما اقتضى مشاركة ومشاطرة في المضاعف، فانفصلا.\nوثانيهما: أن القائم على مال الغازي، وعلى أهله نائبٌ عن الغازي في عمل لا يتأتى للغازي غزوه إلا بأن يكفى ذلك العمل، فصار كأنه يُباشر معه الغزو،\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ٢٣١).\n(٢) رواه مسلم (١٣٨)، وأبو داود (٢٥١٠)، وابن حبان (٤٦٢٩). وما بين حاصرتين مستدرك من مصادر التخريج.\n(٣) رواه مسلم (١٨٩٦).\n(٤) بين هذا الباب والباب الذي بعده تحت عنوان: باب البعوث ونيابة الخارج، تداخل في الشرح.\n(٥) في (ج ٢): الدعوة.","vol":"3","page":729},{"text":"تَجَهَّزتَ بِهِ، قَالَ: يَا فُلَانَةُ، أَعطِيهِ الَّذِي تَجَهَّزتُ بِهِ، وَلَا تَحبِسِي عَنهُ شَيئًا، فَوَاللَّهِ لَا تَحبِسِن مِنهُ شَيئًا فَيُبَارَكَ الله لَكِ فِيهِ.\nرواه مسلم (١٨٩٤)، وأبو داود (٢٧٨٠).\n[١٣٦٢] وعَن زَيدِ بنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ، عَن رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: مَن جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَد غَزَا، وَمَن خَلَفَهُ فِي أَهلِهِ بِخَيرٍ فَقَد غَزَا.\nــ\nفليس مُقتصرًا على النية فقط، بل هو عامل في الغزو، ولما كان كذلك كان له مثل أجر الغازي كاملًا، وافرًا، مضاعفًا، بحيث إذا أضيف ونسب إلى أجر الغازي كان نصفًا له، وبهذا يجتمعُ معنى قوله -ﷺ-: (من خلف غازيًا في أهله بخيرٍ فقد غزا)، وبين معنى قوله في اللفظ الأول: (فله مثل نصف أجره)، والله تعالى أعلم.\nوعلى هذا يحمل قوله: (والأجر بينهما) لا أن النائبَ يأخذ نصف أجر الغازي، ويبقى للغازي النصف، فإن الغازيَ لم يطرأ عليه ما يوجبُ تنقيصًا لثوابه، وإنَّما هذا كما قال: (من فطَّر صائمًا كان له مثلُ أجر الصائم، لا ينقصه من أجره شيء) (١). والله تعالى أعلم.\nوعلى هذا فقد صارت كلمةُ (نصف) مقحمةً هنا بين (مثل) و(أجر) وكأنها زيادةٌ مِمَّن تسامَحَ في إيراد اللفظ، بدليل قوله: (والأجر بينهما)، ويشهد له ما ذكرناه، فَليُتنبَّه له، فإنه حَسَن. وأمَّا من تحقق عجزه، وصدقت نيتُه، فلا ينبغي أن يختلف في: أن أجره مضاعف كأجر العامل المباشر؛ لما تقدَّم، ولما خرَّجه النسائيُّ من حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله -ﷺ-: (من أتى فراشه، وهو ينوي أن يقومَ يصلي من الليل فغلبته عيناه حتى يصبح؛ كان له ما نوى، وكان نومُه صدقة عليه) (٢).\nو(جهاز الغازي): ما يحتاج إليه في غزوه من العدّة والسلاح والنفقة وغير ذلك.\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ١١٤ - ١١٥)، والترمذي (٨٠٧)، وابن ماجه (١٧٤٦).\n(٢) رواه النسائي (٣/ ٢٥٨)، وابن ماجه (١٣٤٤).","vol":"3","page":730},{"text":"رواه أحمد (٤/ ١١٥)، والبخاري (٢٤٨٣)، ومسلم (١٨٩٥) (١٣٥)، وأبو داود (٢٥٠٩)، والترمذي (١٦٢٨)، والنسائي (٦/ ٤٦).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-497>(٤٤) باب في البعوث ونيابة الخارج عن القاعد وفيمن خلف غازيا في أهله بخير أو بشر</span>\n[١٣٦٣] عَن أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَعَثَ بَعثًا إِلَى بَنِي لَحيَانَ مِن هُذَيلٍ، فَقَالَ: لِيَنبَعِث مِن كُلِّ رَجُلَينِ أَحَدُهُمَا وَالأَجرُ بَينَهُمَا.\nوفي رواية: ثُمَّ قَالَ لِلقَاعِدِ: أَيُّكُم خَلَفَ الخَارِجَ فِي أَهلِهِ وَمَالِهِ بِخَيرٍ كَانَ لَهُ مِثلُ نِصفِ أَجرِ الخَارِجِ.\nرواه مسلم (١٨٩٦) (١٣٧ و١٣٨)، وأبو داود (٢٥١٠).\n[١٣٦٤] وعَن سُلَيمَانَ بنِ بُرَيدَةَ، عَن أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ\nــ\n(٤٤) ومن باب: البعوث ونيابة الخارج عن القاعد (١)\n(البعوث): جمع بعثِ، وهم السَّرايا، والعساكر الذين يبعثهم الإمامُ للغزو.\nوقوله: (آل بني لحيان) - بكسرِ اللام-، وهو: لحيان من هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر، بطن يُنسب إليهم نَفرٌ من أهل العلم. ويقال في النسب إليه: اللحياني (٢).\n_________\n(١) هذا العنوان ساقط من (ع) و(ج) ومستدرك من التلخيص و(ج ٢).\n(٢) ساقط من (ع) و(ج) ومستدرك من (ج ٢).","vol":"3","page":731},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: حُرمَةُ نِسَاءِ المُجَاهِدِينَ كَحُرمَةِ أُمَّهَاتِهِم، وَمَا مِن رَجُلٍ مِن القَاعِدِينَ يَخلُفُ رَجُلًا مِن المُجَاهِدِينَ فِي أَهلِهِ، فَيَخُونُهُ فِيهِم، إِلَّا وُقِفَ لَهُ يَومَ القِيَامَةِ فَيَأخُذُ مِن عَمَلِهِ مَا شَاءَ، فَمَا ظَنُّكُم؟\nرواه أحمد (٥/ ٣٥٢)، ومسلم (١٨٩٧) (١٣٩)، وأبو داود (٢٤٩٦)، والنسائي (٦/ ٥٠).\n* * *\nــ\nوقوله: (حُرمةُ نساء المجاهدين كحرمة أمَّهاتهم)؛ يعني: أنه يجبُ على القاعدين مِن احترامهن، والكفّ عن أذاهن، والتعرض لهن ما يجبُ عليهم في أمهاتهم.\nوقوله: (فما ظنكم)؛ يعني: أن المخونَ في أهله إذا مُكن مِن أخذ حسنات الخائن لم يُبقِ له منها شيئا، ويكون مصيرُه إلى النار. وقد اقتُصِرَ على مفعولي الظن.\nوظَهَرَ مِن هذا الحديث: أن خيانةَ الغازي في أهله أعظمُ من كل خيانةٍ؛ لأن ما عداها لا يخير في أخذ كل الحسنات؛ وإنما يأخذُ بكلّ خيانةٍ قدرًا معلومًا من حسنات الخائن.\n* * *","vol":"3","page":732},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-498>(٤٥) باب في قوله تعالى: ﴿لا يَستَوِي القَاعِدُونَ﴾ الآية</span>\n[١٣٦٥] عن البَرَاءَ فِي هَذِهِ الآيَةِ: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) قال: فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- زَيدًا فَجَاءَ بِكَتِفٍ فَكتُبُهَا، قال: فَشَكَا إِلَيهِ ابنُ أُمِّ مَكتُومٍ ضَرَارَتَهُ، فَنَزَلَت: ﴿لا يَستَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤمِنِينَ غَيرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾\nرواه البخاري (٤٥٩٣)، ومسلم (١٨٩٨) (١٤١)، والترمذي (١٦٧٠)، والنسائي (٦/ ١٠).\n[١٣٦٦] وعنه: لَمَّا نَزَلَت: ﴿لا يَستَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤمِنِينَ﴾ كَلَّمَهُ ابنُ أُمِّ مَكتُومٍ فَأنَزَلَت بـ: ﴿غَيرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾\nرواه مسلم (١٨٩٨) (١٤٢).\n* * *\nــ\n(٤٥) باب في قوله تعالى: ﴿لا يَستَوِي القَاعِدُونَ﴾ الآية (١)\nقوله: ﴿وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الحُسنَى﴾؛ أي: الموفقين المحقّقين في إيمانهم المجاهدين وغيرهم. وقيل: القاعدين من أولي الأعذار والمجاهدين. و﴿الحُسنَى﴾ الجنة، كما قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحسَنُوا الحُسنَى وَزِيَادَةٌ﴾، و﴿الحُسنَى﴾ الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم؛ كما قاله رسول الله -ﷺ- (٢).\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ليس في الأصول، واستدرك من التلخيص.\n(٢) انظر: الدر المنثور (٤/ ٣٥٧).","vol":"3","page":733},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-499>(٤٦) باب بعث العيون في الغزو وما جاء: أن الجنة تحت ظلال السيوف</span>\n[١٣٦٧] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بُسَيسَةَ عَينًا يَنظُرُ مَا صَنَعَت عِيرُ أَبِي سُفيَانَ، فَجَاءَ وَمَا فِي البَيتِ أَحَدٌ غَيرِي، وَغَيرُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وقَالَ: لَا أَدرِي هل استَثنَى بَعضَ نِسَائِهِ. قَالَ: فَحَدَّثَهُ الحَدِيثَ، قَالَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَتَكَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّ لَنَا طَلِبَةً، فَمَن كَانَ ظَهرُهُ حَاضِرًا فَليَركَب مَعَنَا. فَجَعَلَ رِجَالٌ يَستَأذِنُونَهُ فِي ظُهرَانِهِم أنهم فِي عُلوِ المَدِينَةِ، فَقَالَ: لَا، إِلَّا مَن كَانَ ظَهرُهُ حَاضِرًا. فَانطَلَقَ\nــ\nوقوله: ﴿دَرَجَاتٍ﴾ بدل من ﴿أَجرًا عَظِيمًا﴾ وهذه الدَّرجاتُ هي المائةُ الدرجة التي أعدَّها الله للمجاهدين، كما تقدَّم في حديث أبي سعيد.\n(٤٦) ومن باب: العيون في الغزو\n(بُسَيسَة) - بضم الباء بواحدةٍ، وفتح السين، وياء التصغير-؛ هكذا رواه جميعُ رواة الحديث، وكذا وقع في كتاب مسلم وأبي داود. والمعلومُ في كتاب السِّير: (بَسبَس) بفتح الباء غير مصغرٍ-؛ وهو: بَسبَسُ بن عمرو. ويقال: ابن بشرٍ من الأنصار، وقيل: حليفهم. وأنشد ابنُ إسحاق في خبره:\nأقِم لها صُدُورَهَا يَا بَسبَسُ ... أن تَرِدِ الماءَ بِمَاءِ أكيَسُ (١)\n_________\n(١) في سيرة ابن هشام (١/ ٦٣٤):\nأقِم لها صُدُورَهَا يَا بَسبَسُ ... ليس بذي الطلح لها معرّسُ","vol":"3","page":734},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصحَابُهُ حَتَّى سَبَقُوا المُشرِكِينَ إِلَى بَدرٍ، وَجَاءَ المُشرِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: لَا يُقَدِّمَنَّ أَحَدٌ مِنكُم إِلَى شَيءٍ حَتَّى أَكُونَ أَنَا أؤذنَهُ. فَدَنَا المُشرِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرضُ. قَالَ: يَقُولُ عُمَيرُ بنُ حُمَامِ الأَنصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَنَّةٌ عَرضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرضُ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: بَخٍ بَخٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: مَا يَحمِلُكَ عَلَى قَولِ بَخٍ بَخٍ؟ . قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلَّا رَجَاءُ أَن أَكُونَ مِن أَهلِهَا، قَالَ: فَإِنَّكَ مِن أَهلِهَا،\nــ\nو(العين) هنا: الجاسوس؛ سُمِي بذلك لأنه يعاينُ فيخبرُ مرسلَه بما يراه، فكأنه عينُه. و(العير): الإبلُ التي عليها الأثقال.\nو(ظُهرانهم) - بضم الظاء-: جمع ظهر، وقيل: جمع ظهير، كقضيب وقُضبان، وكثيب وكُثبان. وهو البعيرُ الذي ركب ظهره.\nو(بخ بخ): كلمة تقال لتفخيم الأمر، وتعظيمه، والتعجب منه. يقال بسكون الخاء، وكسرها مُنوّنة.\nوقوله: (قوموا إلى جنة عرضُها السماوات والأرض)؛ أي: كعرض السماء والأرض. شبَّه الجنة بسعة السماوات والأرض، وإن كانت الجنةُ أوسعَ، مخاطبةً لنا بما شاهدنا؛ إذ لم نشاهد أوسعَ من السماوات والأرض. وهذا أشبهُ ما قيل في هذا المعنى.\nوقوله: (لا والله إلا رجاءَ)؛ رويته بنصب الهمزة من غير تاء تأنيثٍ على أن يكونَ مفعولًا من أجله. والأولى فيه الرفع، على أن يكونَ فاعلًا بفعلٍ مضمر، يدلُّ عليه قولُه: (ما يحملُك على قولك: بخ بخ؟) لأنَه جوابُه؛ أي: لا يحملُني على قولي: بخٍ بخٍ إلا رجاءُ أن أكون من أهل الجنة. وقد رواه كثير من المشايخ: (إلَاّ رجاة) -بتاء التأنيث- وهو مصدرُ الرَّجاء، لكنه محدود. قال المبرّدُ: تقولُ العربُ: فعلته رجاتك؛ أي: رجاك؛ من الرَّجا، وهو الطمَعُ في تحصيل ما فيه عرضٌ ونَفعٌ.","vol":"3","page":735},{"text":"فَأَخرَجَ تَمَرَاتٍ مِن قَرَنِهِ فَجَعَلَ يَأكُلُ مِنهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: لَئِن أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ، إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ، قَالَ: فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِن التَّمرِ، ثُمَّ قَاتَلَهُم حَتَّى قُتِلَ.\nرواه مسلم (١٩٠١).\n[١٣٦٨] وعَن أَبِي بَكرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ بنِ قَيسٍ، عَن أَبِيهِ قَالَ: سَمِعتُ أَبِي وَهُوَ بِحَضرَةِ العَدُوِّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: إِنَّ أَبوَابَ الجَنَّةِ تَحتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ. فَقَامَ رَجُلٌ رَثُّ الهَيئَةِ، فَقَالَ: يَا أَبَا مُوسَى! أنتَ سَمِعتَ\nــ\nوقوله: (فأخرج تمرات من قُرنه) - بفتح القاف والرَاء-، وهي جَعبةُ السهام. وهكذا روايتنا فيه، وأمَّا من رواه بضم القاف، وسكون الراء، وكسر الباء قربه (١)، و(قَرقَرِهِ) فتغيير، وإن كانت لهما أوجه بعيدة.\nوقوله: (الجنَّةُ تحت ظلالِ السُّيوف)؛ من الاستعارة البديعة، والألفاظ السَّهلة البليغة؛ التي لا يُنسَجُ على منوالها، ولا يقدِرُ بليغ أن يأتيَ بمثالها. يعني بذلك: أن من خاض غمراتِ الحروب، وباشرَ حالَ المسايفة كان له جزاء الجنة. وهذا من باب قوله: (الجنَّة تحت أقدام الأمَهات) (٢)؛ أي: مَن تذلَّل لهنَّ، وأطاعهنَّ وَصَل إلى الجنة، ودخلها.\nوفي هذين الحديثين دليل على جواز استقتال الرجل نفسه في طلب الشَهادة، وإن علم أنه يقتَل. وقد فعله كثير من الصحابة والسَّلف وغيرهم. وروي عن عمر وأبي هريرة ﵄، وهو قولُ مالك، ومحمد بن الحسن،\n_________\n(١) ما بين حاصرتين زيادة من: إكمال إكمال المعلم للأُبِّي.\n(٢) رواه ابن عدي (١/ ٣٢٥)، والقضاعي في الشهاب رقم (٨٢)، والخطيب في: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (٢/ ٢٨٩).","vol":"3","page":736},{"text":"رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَم، قَالَ: فَرَجَعَ إِلَى أَصحَابِهِ، قَالَ: أَقرَأُ عَلَيكُم السَّلَامَ، ثُمَّ كَسَرَ جَفنَ سَيفِهِ فَأَلقَاهُ، ثُمَّ مَشَى بِسَيفِهِ إِلَى العَدُوِّ فَضَرَبَ بِهِ حَتَّى قُتِلَ.\nرواه أحمد (٤/ ٣٩٦)، ومسلم (١٩٠٢)، والترمذي (١٦٥٩).\n* * *\nــ\nغير أنَّ العلماءَ كرهوا فِعلَ ذلك لرأس الكتيبة؛ لأنه إن هلك هلك جيشُه. وقد روي عن عمر أيضًا كراهية الاستقتال، وقال: (لأن أموتَ على فراشي أحبُّ إليَّ من أن أقتل بين يدي صفٍ). يعني: مستقتلا. ورأى بعضُ العلماء هذا الفعلَ مِن إلقاء اليد للتهلكة المنهي عنه.\nقلتُ: وفي هذا بُعدٌ من وجهين:\nأحدهما: أن أحسنَ ما قيل في الآية (١)؛ أنها فيمن ترك الإنفاق في الجهاد.\nوثانيها: أن عملًا يُفضي بصاحبه إلى الشَّهادة ليس بتهلكة، بل التهلكةُ: الإعراضُ عنه، وتركُ الرَّغبة فيه.\nودلَّ على ذلك الأحاديث المتقدِّمة كلها، فلا يُعدل عنها.\n* * *\n_________\n(١) أشار بذلك إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].","vol":"3","page":737},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-500>(٤٧) باب في قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ﴾</span>\n[١٣٦٩] عَن ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: عَمِّيَ سُمِّيتُ بِهِ لَم يَشهَد مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بَدرًا، قَالَ: فَشَقَّ عَلَيهِ. قَالَ: أَوَّلُ مَشهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- غُيِّبتُ عَنهُ، فَإِن أَرَانِيَ اللَّهُ مَشهَدًا فِيمَا بَعدُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فلَيَرَينِ اللَّهُ مَا أَصنَعُ. قَالَ: فَهَابَ أَن يَقُولَ غَيرَهَا، قَالَ: فَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَومَ أُحُدٍ، قَالَ: فَاستَقبَلَ سَعدُ بنُ مُعَاذٍ فَقَالَ لَهُ أَنَسٌ:\nــ\n(٤٧) ومن باب: قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ﴾\nقول أنس: (عمِّي سُمِّيت به)؛ أي: سُميت باسمه، فإن عمَّه أنس بن النضر.\nوقوله: (إن أشهدني اللهُ مشهدًا (١) فيما بعد مع رسول الله -ﷺ- ليرينَّ اللهُ ما أصنع)؛ هذا الكلامُ تضمَّنَ أنه ألزمَ نفسه إلزامًا مؤكدًا، وهو: الإبلاءُ في الجهاد، والانتهاض فيه، والإبلاغُ في بذل ما يقدر عليه منه، ولم يصرِّح بذلك مخافةَ ما يتوقَّع من التقصير في ذلك، وتبرُؤا مِن حوّله وقوته؛ ولذلك قال: (فهاب أن يقول غيرها)، ومع ذلك فنوى بقلبه، وصمم على ذلك، فصح قصدُه، ولذلك سمَّاه الله عهدًا في الآية حيث قال: ﴿مِنَ المُؤمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ﴾ فسمَّاه عهدًا (٢).\n_________\n(١) كذا في الأصول، وفي التلخيص: فإن أراني الله مشهدًا.\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"3","page":738},{"text":"يَا أَبَا عَمرٍو، أَينَ؟ فَقَالَ: وَاهًا لِرِيحِ الجَنَّةِ، أَجِدُهُ دُونَ أُحُدٍ، قَالَ: فَقَاتَلَهُم حَتَّى قُتِلَ، قَالَ: فَوُجِدَ فِي جَسَدِهِ بِضعٌ وَثَمَانُونَ مِن بَينِ ضَربَةٍ وَطَعنَةٍ وَرَميَةٍ، قَالَ: فَقَالَت أُختُهُ عَمَّتِيَ الرُّبَيِّعُ بِنتُ النَّضرِ: فَمَا عَرَفتُ أَخِي إِلَّا بِبَنَانِهِ، وَنَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ﴾ الآية\nــ\nوقوله: (واهًا لريح الجنة)؛ أي: عجبًا منه، فهي هنا تعجب، وقد تأتي للترحم، والتلهف، والاستهانة.\nوقوله: (أجده دون أُحُدٍ)؛ ظاهرُه الحملُ على: أنه وجده حقيقةً، كما جاء في الحديث الآخر: (إن ريح الجنة توجدُ على مسيرة خمسمائة عامٍ) (١)، ويحتملُ أن يكون قاله على معنى التمثيل؛ أي: إن القتلَ دون أُحُد موجب لدخول الجنة، ولإدراك ريحها ونعيمها.\nوقوله: (فقاتلهم حتى قتل)؛ ظاهره: أنه قاتلهم وحده. فيكون فيه دليل على جواز الاستقتال، بل على نَدبيته؛ كما تقدم.\nوقولها: (فما عرفَتُه إلا ببنانه)؛ أي: بأصابعه. ومنه قوله تعالى: ﴿عَلَى أَن نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾\nوقوله: ﴿فَمِنهُم مَن قَضَى نَحبَهُ﴾؛ أي: وفَّى بنذره. يقال: نحب، ينحُب إذا نذر، ومنه قول الشاعر:\nإذا نحبت كلبٌ على الناس إنَّهم ... أحقّ بتاجِ الماجد المتكرِّم\nوقيل: قضى أجله على ما عاهد عليه. قال ذو الرمَّة:\nعَشِيَّةَ فرَّ الحارِثُيونَ بَعدَما ... قَضَى نَحبَهُ في مُلتَقى الجيشِ هَوبَرُ (٢)\n_________\n(١) رواه أبو نعيم في صفة الجنة (١٩٤)، والحلية (٣/ ٣٠٧).\n(٢) انظر: الديوان (٢/ ٦٤٧).\n\"هوبر\": هو ابن يزيد الحارثي.","vol":"3","page":739},{"text":"قَالَ: فَكَانُوا يُرَونَ أَنَّهَا نَزَلَت فِيهِ وَفِي أَصحَابِهِ.\nرواه مسلم (١٩٠٣)، والترمذي (٣١٩٨) و(٣١٩٩).\n[١٣٧٠] وعَن أَنَسِ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-: أَن ابعَث مَعَنَا رِجَالًا يُعَلِّمُونَا القُرآنَ وَالسُّنَّةَ. فَبَعَثَ إِلَيهِم سَبعِينَ رَجُلًا مِن الأَنصَارِ يُقَالَ لَهُم القُرَّاءُ -فِيهِم خَالِي حَرَامٌ- يَقرَؤونَ القُرآنَ وَيَتَدَارَسُونَ بِاللَّيلِ يَتَعَلَّمُونَ، وَكَانُوا بِالنَّهَارِ يَجِيئُونَ بِالمَاءِ فَيَضَعُونَهُ فِي المَسجِدِ، وَيَحتَطِبُونَ فَيَبِيعُونَهُ وَيَشتَرُونَ بِهِ الطَّعَامَ لِأَهلِ الصُّفَّةِ وَلِلفُقَرَاءِ، فَبَعَثَهُم النَّبِيُّ -ﷺ- إِلَيهِم،\nــ\nوقوله: ﴿وَمِنهُم مَن يَنتَظِرُ﴾؛ أي: الوفاء بما نذر الموت على ما عاهدوا.\nوقوله: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبدِيلا﴾؛ أي: استمرُّوا على ما التزموا، ولم يقع منهم نقض لما أبرموا.\nوقوله (قال: فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه)؛ هذا القائلُ هو: ثابت. والله تعالى أعلم؛ ويعني به: أن الصَّحابةَ ﵃ كانوا يظنون: أنَها نزلت فيمن ذكر. وقد قيل: نزلت في السَّبعين الذين بايعوا النبي -ﷺ- على أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم، وأبناءهم، فوفُّوا بذلك؛ قاله الكلبيُّ. وقد قيل غير ذلك.\nوقوله: (فبعث إليهم سبعين رجلًا)؛ هؤلاء السبعون هم الذين استشهدوا ببئر معونة، غَدَرَ بهم قبائلُ من سليم مع عدوِّ الله عامر بن الطفيل، فاستصرخوا عليهم، فقتلوهم عن آخرهم إلا رجلين، ولم يُصَب النبيُّ -ﷺ- ولا المسلمون بمثلهم ﵃.\nو(الصُّفَّة): بيت في المسجد مُقتَطَع عنه. وفيه دليل على جواز استيطان الغرباء والفقراء مكانًا من المسجد، وعلى وضع الماء فيه للشُرب وغيره، وعلى","vol":"3","page":740},{"text":"فَعَرَضُوا لَهُم فَقَتَلُوهُم قَبلَ أَن يَبلُغُوا المَكَانَ، فَقَالَوا: اللَّهُمَّ بَلِّغ عَنَّا نَبِيَّنَا، أَنَّا قَد لَقِينَاكَ فَرَضِينَا عَنكَ وَرَضِيتَ عَنَّا، قَالَ: وَأَتَى رَجُلٌ حَرَامًا - خَالَ أَنَسٍ- مِن خَلفِهِ فَطَعَنَهُ بِرُمحٍ حَتَّى أَنفَذَهُ، فَقَالَ حَرَامٌ: فُزتُ وَرَبِّ الكَعبَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِأَصحَابِهِ: إِنَّ إِخوَانَكُم قَد قُتِلُوا، وَإِنَّهُم قَالَوا: اللَّهُمَّ بَلِّغ عَنَّا نَبِيَّنَا، أَنَّا قَد لَقِينَاكَ فَرَضِينَا عَنكَ وَرَضِيتَ عَنَّا.\nرواه أحمد (١/ ٤١٦)، ومسلم (٦٧٧) في الإمارة (١٤٧).\n* * *\nــ\nالاجتماع على قراءة القرآن ومدارسة العِلم، وعلى أنَّ المتفرغ للعبادة وطَلَب العلم لا يُخِل بحاله، ولا ينقصُ توكلَه اشتغالُه بالنظر في مطعمه، ومشربه، وحاجته (١)؛ كما يذهب إليه بعضُ جُهَّال المتزهدة.\nوفيه دليل على أن أيدي الفقراء غير المتفرغين للعبادة فيما يكسبه بعضهم ينبغي أن تكون واحدة، ولا يستأثر بعضهم على الآخر بشيءٍ.\nوقولهم: (إنا قد لقيناك)؛ أي: قد وصلنا إلى ما أنعمت به من الجنَّة، والكرامة، ومنزلة الشهادة؛ لأن لقاءَ الله ليس على ما تعارفنا من لقاء بعضنا لبعض.\nوقولهم: (فرضينا عنك)؛ أي: بما أوصلتنا إليه من الكرامة والمنزلة الرفيعة. و(رضيت عنا)؛ أي: أحللتنا محل مَن ترضى عنه، فأكرِمَ غاية الإكرام، وأُحسِنَ إليه غاية الإحسان. وعلى هذا: فيكون رضا الله تعالى من صفات الأفعال. ويصح أن يعبّر بالرضا في حق الله تعالى عن إرادة الإكرام والإحسان؛ فيكون من صفات الذات.\nوقول حرام عندما طُعن: (فُزتُ ورب الكعبة)؛ أي: بما أعدَّ الله للشُهداء.\n_________\n(١) في (ع) و(ج): جماعة، والمثبت من (ج ٢).","vol":"3","page":741},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-501>(٤٨) باب الإخلاص وحسن النية في الجهاد</span>\n[١٣٧١] عن أبي مُوسَى الأَشعَرِيُّ: أَنَّ رَجُلًا أَعرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلمَغنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُذكَرَ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، فَمَن فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: مَن قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي أَعلَى، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.\nــ\nوظاهره: أنه عاين منزلته في الجنة في تلك الحالة. ويحتملُ أن يقول ذلك محققًا لوعد الله ورسوله الحقّ الصدق، فصار كأنه عاين. والله تعالى أعلم.\n(٤٨) ومن باب: الإخلاص وحسن النية في الجهاد\nقوله -ﷺ-: (من قاتل لتكون كلمةُ الله هي العليا؛ فهو في سبيل الله)؛ يعني بـ (كلمة الله): دين الإسلام. وأصله: أن الإسلامَ ظهر بكلام الله تعالى؛ الذي أظهره على لسان نبيه - ﷺ-.\nويُفهَمُ من هذا الحديث: اشتراط الإخلاص في الجهاد، وكذلك هو شرطٌ في جميع العبادات؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعبُدُوا اللَّهَ مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ والإخلاص: مصدر من: أخلصت العسل وغيره: إذا صفيته، وأفردتُه من شوائب كدره؛ أي: خلصته منها. فالمخلِصُ في عباداته هو الذي يُخلصها من شوائب الشركِ والرياء. وذلك لا يتأتى له إلا بأن يكون الباعثُ له على عملها قصدَ التقرب إلى الله تعالى، وابتغاء ما عنده. فأما إذا كان الباعثُ عليها غير ذلك من أعراض الدُّنيا؛ فلا يكونُ عبادة، بل يكون مصيبة موبقة لصاحبها، فإما كفرٌ، وهو: الشرك الأكبر، وإما رياء، وهو: الشركُ الأصغر. ومصيرُ صاحبه إلى النار، كما جاء في حديث أبي هريرة في الثلاثة المذكورين فيه. هذا إذا كان الباعثُ على تلك","vol":"3","page":742},{"text":"وفي رواية: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ غَضَبًا، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً؟ قَالَ: فَرَفَعَ رَأسَهُ إِلَيهِ، وَمَا رَفَعَ رَأسَهُ إِلَيهِ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا فَقَالَ: مَن قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُليَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.\nرواه أحمد (٤/ ٣٩٢)، والبخاري (١٢٣)، ومسلم (١٩٠٤) (١٤٩ و١٥١)، وأبو داود (٢٥١٧)، والترمذي (١٦٤٦)، والنسائي (٦/ ٢٣)، وابن ماجه (٢٧٨٣).\nــ\nالعبادة الغرضَ الدنيوي وحده، بحيث لو فُقِد ذلك الغرضُ لتُرِك العمل. فأما لو انبعث لتلك الحالة (١) لمجموع الباعثَينِ- باعث الدنيا وباعث الدين-؛ فإن كان باعثُ الدنيا أقوى، أو مساويًا ألحق القسم الأول في الحكم بإبطال ذلك عند أئمة هذا الشأن، وعليه يدل قولُه -ﷺ- حكاية عن الله ﵎: (مَن عَمِل عملًا أشركَ معي فيه غيري تركتُه وشريكه) (٢). فأما لو كان باعثُ الدِّين أقوى؛ فقد حكم المحاسبي (٣) ﵀ بإبطال ذلك العمل؛ متمسكًا بالحديث المتقدِّم، وبما في معناه، وخالفه في ذلك الجمهور، وقالوا بصحة ذلك العمل، وهو الأقدم في فروع مالك. ويُستدلُ على هذا بقوله -ﷺ-: (إن من خير معايش الناس رجلا ممسكا فرسه في سبيل الله) (٤)، فجعل الجهاد مما يصح أن يُتخذ للمعاش، ومن ضرورة ذلك أن يكونَ مقصودًا، لكن لما كان باعثُ الدِّين على الجهاد هو الأقوى والأغلب، كان ذلك الغرض مُلغى، فيكون معفوًّا عنه؛ كما إذا توضأ قاصِدًا رَفع الحدث والتبرُّد، فأما لو تفرَّد باعثُ الدِّين بالعمل، ثم عرض باعث الدنيا في أثناء العمل فأولى بالصحة. وللكلام في هذا موضع آخر، وما ذكرناه كافٍ هنا.\n_________\n(١) في (ج ٢): العبادة.\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٣٠١ و٤٣٥).\n(٣) هو: الحارث بن أسد المحاسبي، من أكابر الصوفية، كان عالمًا بالأصول والمعاملات، توفي سنة (٢٤٣ هـ).\n(٤) رواه مسلم (١٨٨٩).","vol":"3","page":743},{"text":"[١٣٧٢] وعَن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: إِنَّمَا الأَعمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِامرِئٍ مَا نَوَى، فَمَن كَانَت هِجرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَن كَانَت هِجرَتُهُ لِدُنيَا يُصِيبُهَا أَو امرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيهِ.\nرواه أحمد (١/ ٢٥)، والبخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧)، وأبو داود (٢٢٠١)، والترمذي (١٦٤٧)، والنسائي (١/ ٥٩ - ٦٠).\nــ\nوقوله: (فرفع رأسَه إليه، وما رفع رأسه إليه إلا أنه كان قائمًا)؛ فيه دليل على جواز سؤال القائم السائل للعالم وهو قاعد؛ إذا دعت إلى ذلك حاجة، أو عذر، وإلا فالأولى للسَّائل الجلوسُ، والتثبُّت؛ كما في حديث جبريل (١)، حيث سأل النبي -ﷺ-.\nوقوله: (إنما الأعمالُ بالنيَّات)؛ أي: الأعمال المتقرَّب بها إلى الله تعالى، بدليل بقية الحديث. وهذا الحديث بحكم عمومه يتناولُ جميعَ أعمال الطَّاعات، فيدخل في ذلك الوضوء، والغُسل، وغير ذلك. فيكون حُجَّة على مَن خالف في ذلك، كما تقدَّم في الطهارة. ووجه التمسُّك به: أنه عموم مؤكَّد بـ (إنَّما) الحاصرة، فصار في القوة كقوله: لا عمل إلا بنية، فصار ظاهرًا في نفي الإجزاء والاعتداد بعملٍ لا نية له. ولا يقال: فهو مخصصٍ بدليل إخراج العبادات المعقولة المعنى، كغسل الجنابة وما في معناها؛ لأنا نقول: اللفظُ العام محمول على عمومه بعد إخراج المخصص، كما قد تقدَّم غير ما مرَّةٍ.\nوقوله: (وإنَّما لامرئٍ ما نوى)؛ تحقيق لاشتراط النية، والإخلاص في الأعمال. وقد زاده وضوحًا قوله: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله)؛ أي: كانت هجرتُه مقبولةً عند الله تعالى، وثوابها عليه، (ومن\n_________\n(١) كذا في (ع)، وفي (ج) و(ج ٢): كما فعل جبريل.","vol":"3","page":744},{"text":"[١٣٧٣] وعَن جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي غَزَاةٍ فَقَالَ: إِنَّ بِالمَدِينَةِ لَرِجَالًا مَا سِرتُم مَسِيرة، وَلَا قَطَعتُم وَادِيًا، إِلَّا كَانُوا مَعَكُم، حَبَسَهُم المَرَضُ.\nرواه مسلم (١٩١١).\n* * *\nــ\nكانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوَّجها، فهجرتُه إلى ما هاجر إليه)؛ أي: ليس له من هجرته إلا ما قصده. وهذا كما قال في الحديث الآخر: (مَن أتى المسجد لشيءٍ فهو حظه) (١). وإنما ذُكِرَت في الحديث الهجرةُ؛ لأنه جَرَى سَبَبُها، وذلك: أنَّ رجلًا هاجر إلى المدينة ليتزوَّج امرأةً بها، تُسمَّى: أم قيس، فبلغ ذلك النبي -ﷺ- فذكر الحديث، وسُمِّي الرجل: مهاجر أم قيس. على ما ذكر أئمتنا (٢). وظاهرُ حال هذا الرجل بسبب هذه الإضافة التي غلبت على اسمه أنه لم تكن له في الهجرةِ الشرعية رغبة، ولا نية فسلبها، ونسب إلى ما نواه، وقَصَده. والله تعالى أعلم.\nوقوله: (إن بالمدينة لرجالًا ما سرتم مسيرًا، ولا قَطَعتُم واديًا إلا كانوا معكم، حَبَسَهُمُ المرض)؛ يدل على ما ذكرنا: من أنَّ الناوي لأعمال البرِّ؛ الصادق النية فيها؛ إذا منعه من ذلك عذر كان له مثلُ أجر المباشر مضاعفًا، كما قدَّمناه. وقد دلَّ عليه من الحديث ذكر قطع الوادي، والمسير، فإن هذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُم لا يُصِيبُهُم ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَلا يَقطَعُونَ وَادِيًا إِلا كُتِبَ لَهُم لِيَجزِيَهُمُ اللَّهُ أَحسَنَ مَا كَانُوا يَعمَلُونَ﴾ ولما كان القاعدون لأجل العُذر قد صحَّت نيَتهم في مباشرة\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٧٢)، والبيهقي (٢ ج ٤٤٧ و٣/ ٦٦).\n(٢) قال ابن رجب في كتابه \"جامع العلوم والحكم\" (ص ١٢): اشتهر أن قصة مهاجر أم قيىس؛ كانت سبب قول النبيِّ - ﷺ - \"من كانت هجرته. . .\" وذكر ذلك كثير من المتأخرين في كتبهم، ولم نر لذلك أصلًا يَصِحُّ.","vol":"3","page":745},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-502>(٤٩) باب إثم من لم يُخلص في الجهاد وأعمال البر</span>\n[١٣٧٤] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقضَى عَلَيهِ يَومَ القِيَامَةِ، رَجُلٌ استُشهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلتُ فِيكَ حَتَّى استُشهِدتُ، قَالَ: كَذَبتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلتَ لِأَن يُقَالَ جَرِيءٌ، فَقَد قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجهِهِ حَتَّى أُلقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ العِلمَ وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ القُرآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمتُ العِلمَ وَعَلَّمتُهُ، وَقَرَأتُ فِيكَ القُرآنَ، قَالَ: كَذَبتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمتَ العِلمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَقَرَأتَ\nــ\nكل ما باشره إخوانهم المجاهدون؛ أعطاهم الله تعالى مثل أجر مَن باشر كما قدَّمناه في حديث أبي كبشة الأنماري.\n(٤٩) ومن باب: إثم من لم يُخلص في الجهاد وأعمال البر\nقد تقدم: أن الإخلاصَ في الطاعات واجب، وأن الرِّياء يفسدها.\nوقوله: (إن أول الناس يُقضى عليه يوم القيامة رجل استُشهِد، ورجل تعلم العلم، ورجل أنفق ماله)؛ هذا يخالفُه: (أول ما يحاسب به العبد المسلم من عمله صلاته) (١)، الحديث، وقوله: (أول ما يقضى فيه بين الناس في الدِّماء) (٢). قد يسبق إلى الوهم أن هذه الأحاديثَ متعارضة من حيث الأولية\n_________\n(١) رواه أبو داود (٨٦٤ و٨٦٥).\n(٢) رواه البخاري (٦٥٣٣ و٦٨٦٤)، ومسلم (١٦٧٨)، والترمذي (١٣٩٦)، والنسائي (٧/ ٨٣).","vol":"3","page":746},{"text":"القُرآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَد قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجهِهِ، حَتَّى أُلقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيهِ، وَأَعطَاهُ مِن أَصنَافِ المَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكتُ مِن سَبِيلٍ تُحِبُّ أَن يُنفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنفَقتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ، فَقَد قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجهِهِ حتى أُلقِيَ فِي النَّارِ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٢٢)، ومسلم (١٩٠٥)، والنسائي (٦/ ٢٣).\n* * *\nــ\nالمذكورة في كل حديث منها؛ وليس كذلك؛ فإنه إنَّما كان يلزم ذلك لو أريد بكل أول منها أنه أوَّلٌ بالنسبة إلى كل ما يُسأل عنه، ويقضى فيه، وليس في شيءٍ من تلك الأحاديث ما ينصُّ على ذلك، وإنما أراد- والله أعلم-: أن كل واحد من تلك الأوليات أوَّلٌ بالنسبة إلى التي في بابه، فأول ما يحاسبُ به من أركان الإسلام الصلاة، وأول ما يحاسب به من المظالم الدِّماء، وأول ما يحاسب به مما ينتشر فيه صِيتُ فاعله تلك الأمور. وهذا أوَّلُ ما يقاربه ويناسبه، وهكذا تعتبر ما يردُ عليك من هذا الباب، والله تعالى أعلم.\nو(الجريء) بالهمز. هو: المقدامُ على الشيء، لا ينثني عنه، وإن كان هائلا، مأخوذٌ من الجرأة.\nو(سحب على وجهه)؛ أي: جُرّ. و(الجواد): الكريم، وهو الكثيرُ العطاء. والجود: الكرم.\n* * *","vol":"3","page":747},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-503>(٥٠) باب الغنيمة نقصان من الأجر وفيمن مات ولم ينو الغزو وفيمن تمنى الشهادة</span>\n[١٣٧٥] عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرٍو: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: مَا مِن غَازِيَةٍ تَغزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُصِيبُونَ الغَنِيمَةَ، إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَي أَجرِهِم مِن الآخِرَةِ، وَيَبقَى لَهُم الثُّلُثُ، وَإِن لَم يُصِيبُوا غَنِيمَةً، تَمَّ لَهُم أَجرُهُم.\nوفي رواية: ما من غازية أو سرية تغزو فتغنم وتسلم إلا كانوا\nــ\n(٥٠) ومن باب: الغنيمة نقصان من الأجر\nقوله: (ما من غازيةٍ تغزو في سبيل الله، فيصيبون الغنيمة، إلا تعجلوا ثلثي أجرهم، ويبقى لهم الثلث، وإن لم يصيبوا غنيمة تَمَّ لهم أجرُهم). قوله: (ما من غازية) هو صفة لموصوفٍ محذوفٍ للعلم به. أي: ما من جماعةٍ، أو سرية. و(تغزو) بالتأنيث والإفراد: راجع إلى لفظ غازية. و(يصيبون) بالتذكير والجمع: راجع إلى معناها. وقد ذهب غيرُ واحدٍ: إلى أن هذا الحديث معارضٌ بحديث أبي هريرة؛ الذي قال فيه: (نائلا ما نال من أجر أو غنيمة) (١)؛ على ما تقدم. وظاهِرُ هذا الحديث- أعني حديث عبد الله بن عمرو - أَنَّ له مجموعَ الأمرين، وقد اجتمع لأهل بدرٍ سهمهم (٢). ولما صح عند هؤلاء هذا التعارض، فمنهم من ردَّ هذا الحديث، وضعفه، وقال: في إسناده حُميد بن هانئ، وليس بمشهور، ورجحوا الحديث الأول عليه لشهرته.\n_________\n(١) سبق تخريجه (١٦٤١).\n(٢) كذا في الأصول، ولعلّ المقصود: اجتماع سهمهم من الغنيمة، وأجرهم، وثوابهم، وفضلهم عند الله تعالى.","vol":"3","page":748},{"text":"قد تعجلوا ثلثي أجورهم، وما من غازية، أو سرية تخفق، أو تصاب إلا تم أجورهم.\nرواه أحمد (٢/ ١٦٩)، ومسلم (١٩٠٦)، وأبو داود (٢٤٩٧)، والنسائي (٦/ ١٧ و١٨)، وابن ماجه (٢٧٨٥).\nــ\nقلتُ: وهذا ليس بشيء، فلا يُلتَفَتُ إليه؛ لأن البخاري قد ذكر حميد بن هانئ هذا فقال: هو مصري، سمع أبا عبد الرحمن الحُبُلِي، وعمرو بن مالك، وسمع منه حيوة بن شُريح، وابن وهب. ومنهم مَن رام الجمع بأن قال: إن الأولَ محمول على مجرد النية والإخلاص في الجهاد، فذلك هو الذي ضمن الله له إمَّا الشهادة، وإمَّا ردَّه إلى أهله مأجورًا غانِمًا. ويحمل الثاني على ما إذا نوى الجهادَ، ولكن مع نية المغنم؛ فلما انقسمت نيته انحط أجرُه عن الأول.\nقال القاضي عياض: وأوضحُ من هذا عندي: أن أجرَ الغانم بما فتح الله تعالى عليه (١) من الدنيا وحساب ذلك عليه، وتمتّعه به في الدنيا، وذهاب شظف عيشه في غزوه وبعده؛ إذا قوبل بمن أخفق ولم يصب شيئا، وبقي على شظف عيشه، والصبر على حالته، وجد أجر هذا وافيًا مُوفرًا بخلاف الأول. ومثله قوله في الحديث الآخر: (فمنَّا من مضى لم يأكل من أجره شيئا، ومنا من أينعت له ثمرته، فهو يَهدِبُها) (٢)، ويدل على صحة هذا التأويل قولُه: (إلا تعجَّلوا ثلثي أجرهم).\nقلتُ: ويحتملُ أن يقال: إن هذه التي أخفقت إنما يُزَادُ في أجرها لشدَّة ابتلائها، وأسفها على ما فاتها من الظفر والغنيمة. والله تعالى أعلم.\nوقوله: (تخفق)؛ أي: تخيب. يقال: أخفق الصائد، إذا خاب، وكذلك\n_________\n(١) في (ع): عنه.\n(٢) رواه البخاري (١٢٧٦)، ومسلم (٩٤٠).","vol":"3","page":749},{"text":"[١٣٧٦] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: مَن مَاتَ وَلَم يَغزُ، وَلَم يُحَدِّث نَفسَهُ، مَاتَ عَلَى شُعبَةٍ مِن نِفَاقٍ، قَالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ المُبَارَكِ: فَنُرَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-.\nرواه أحمد (٢/ ٣٧٤)، ومسلم (١٩١٠)، وأبو داود (٢٥٠٢)، والنسائي (٦/ ٨).\nــ\nكل طالب حاجةٍ إذا لم تحصل له.\nوقوله: (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه مات على شُعبةٍ من النفاق)؛ فيه ما يدل على أن من لم يتمكن من عمل الخير فينبغي له أن يعزمَ على فِعله إذا تمكن منه وأن ينويه، فيكون ذلك بدلًا من فعله في تلك الحال. فأما إذا أخلى نفسه عن ذلك العمل ظاهرًا وباطنًا عن نيته؛ فذلك حالُ المنافق الذي لا يعملُ الخير، ولا ينويه. وخصوصًا: الجهاد الذي به أعز اللهُ الإسلام، وأظهر به الدِّينَ حتى علا على كل الأديان، ولو كره الكافرون.\nوقوله: (شعبة من نفاق)؛ أي: على خُلُقٍ من أخلاق المنافقين. وقد تقدَّم ذِكرُ الشعَب في كتاب الإيمان.\nوقول عبد الله بن المبارك: (فَنُرَى ذلك كان على عهد رسول الله -ﷺ -)؛ يعني: حيث كان الجهادُ واجبًا (١)، وحمله على النفاق الحقيقي. ويحتمل أن يجمع على جميع الأزمان، ويكون معناه: أن كل من كان كذلك أشبه المنافقين وإن لم يكن كافرًا. والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) المقصود بالوجوب: فرض العين. وما قاله ابنُ المبارك مبنيٌّ على ظروف الدولة الإسلامية آنذاك، حيث كان الجهاد في زمانه فرض كفاية. والجهادُ ماضٍ إلى يوم القيامة، فتارة يكون فرض عين، وتارة يكون فرض كفاية؛ تبعًا لظروف الدولة المسلمة.","vol":"3","page":750},{"text":"[١٣٧٧] وعَن أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: مَن طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقًا أُعطِيَهَا وَلَو لَم تُصِبهُ.\nرواه مسلم (١٩٠٨).\n[١٣٧٨] ومن حديث سَهلِ بنِ حُنَيفٍ: مَن سَأَلَ اللَّهَ شهَادَةَ بِصِدقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِن مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ.\nرواه مسلم (١٩٠٩)، وأبو داود (١٥٢٠)، والترمذي (١٦٥٣)، والنسائي (٦/ ٣٦ - ٣٧)، وابن ماجه (٢٧٩٧).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-504>(٥١) باب الغزو في البحر</span>\n[١٣٧٩] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَدخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنتِ مِلحَانَ فَتُطعِمُهُ،\nــ\nوقوله: (من سأل الله الشَهادة بصدق بلَّغه الله تعالى منازلَ الشُهداء؛ وإن مات على فراشه)؛ هذا يدلُّ على صحة ما أصَّلناه في الباب الذي قبل هذا، وهو: أنَّه مَن نوى شيئا من أعمال البرِّ، ولم يتفق له عملُه لعذرٍ، كان بمنزلة مَن باشر ذلك العملَ، وعَمِلَه.\n(٥١) ومن باب: الغزو في البحر\nقوله: (إن رسول الله -ﷺ- كان يدخلُ على أمِّ حرام بنت مِلحان)؛ أمّ حرام هذه هي أخت أم سليم أم أنس بن مالك، وكان اسم أم حرام: الرميصاء. وقيل: الغميصاء، وإنما الرميصاء أمُّ سليم. وكذا ذكره البخاري.\nو(الرميصاء): من","vol":"3","page":751},{"text":"وَكَانَت أُمُّ حَرَامٍ تَحتَ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ، فَدَخَلَ عَلَيهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَومًا فَأَطعَمَتهُ، ثُمَّ جَلَسَت تَفلِي رَأسَهُ، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ استَيقَظَ وَهُوَ يَضحَكُ، قَالَت: فَقُلتُ: مَا يُضحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَاسٌ\nــ\nالرمص، وهو القذى الذي يجتمع في مآقي العين وأهدابها.\nو(الغمص): استرخاءٌ فيها وانكسار، وهما اسمان لهما، ويجوزُ أن يكون ذلك صفتين، ولعل الغمصَ هو الذي كان غالبًا على نساء الأنصار، وهو الذي عنى به النبيُّ -ﷺ- حيث قال لجابر: فإن في عيون الأنصار شيئا (١).\nودخولُ النبي -ﷺ- على أم حرام؛ لأنها كانت إحدى خالاته من الرَّضاعة، كما قال ابنُ وهب. وقال غيرُه: بل كانت خالة لأبيه (٢)، أو لجدِّه؛ لأن أم عبد المطلب (٣) من بني النجار.\nوقوله: (وكانت تحت عُبادة بن الصامت)؛ ظاهرُه: أن أم حرام كانت زوجًا لِعُبادة في الوقت الذي دخل عليها النبيُّ -ﷺ-، ورأى تلك الرؤيا، وليس الأمرُ كذلك، بل تزوَّجها عُبادةُ بعد ذلك بمدةٍ، كما قاله في الرواية الأخرى: فتزوَّجها عبادةُ بَعدُ، فغزا في البحر. فهذا يدلُّ على تعقيب تزوجها بغزوهم، وكان ذلك الغزو في زمان معاوية، إمَّا وهو أميرُ الجيش، أو أمير المؤمنين، على ما في ذلك من الخلاف.\nوفي قوله: (أطعمته)؛ دليل على جواز تصرُّف المرأة في إطعام الضيف من طعام زوجها؛ لأن الأصل في أطعمة الدَّار إنما هي مال الزوج.\nوفيه دليل على خلوة الرَّجل بذات محرم، والتبسُّط معها، والقرب منها، لا سيما على رواية من\n_________\n(١) أحمد (٢/ ٢٩٩)، ومسلم (١٤٢٤/ ٧٤)، والنسائي (٦/ ٧٧).\n(٢) في (ج): لأمّه.\n(٣) زاد في (ج ٢): بن هاشم.","vol":"3","page":752},{"text":"مِن أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَركَبُونَ ثَبَجَ هَذَا البَحرِ، مُلُوكًا عَلَى الأَسِرَّةِ، أَو مِثلَ المُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ. (يَشُكُّ أَيَّهُمَا قَالَ). قَالَت: فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: ادعُ اللَّهَ أَن يَجعَلَنِي مِنهُم، فَدَعَا لَهَا. ثُمَّ وَضَعَ رَأسَهُ، فَنَامَ\nــ\nروى: أنَّه -ﷺ- وضع رأسه على فخذها. ويمكن أن يقال: إنه - ﷺ- كان لا يستتر منه النساء؛ لأنه كان معصومًا بخلاف غيره.\nوضحكه -ﷺ- حين استيقظ إنما كان فَرَحًا مما اطلع عليه من أحوال من يكون كذلك حالُه من أمته بعده.\nو(ثبج البحر): ظهره، كما قال في الرواية الأخرى. وأصل الثَّبج: ما يلي الكتفين.\nوقوله: (ملوكًا على الأسرة، أو مثل الملوك على الأسرة)؛ هو شكّ من بعض الرواة، وقد ورد في طريقٍ أخرى: (كالملوك على الأسرَّة)، بغير شكِّ، ويحتمل أن يكون خبرًا عن حالهم في غزوهم. ويحتملُ أن يكونَ خبرًا عن حالهم في الجنة، كما قال تعالى في صفة أهل الجنَّة: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَصفُوفَةٍ﴾ و﴿عَلَى سُرُرٍ مَوضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيهَا مُتَقَابِلِينَ﴾\nوفيه دليل على ركوب البحر في الغزو. ويلحقُ به ما في معناه ن الحج وغيره؛ وهو مذهبُ جمهور الصحابة والعلماء، غير أنه قد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ وعمر بن عبد العزيز ﵁ منع ركوبه مطلقًا. وقيل: إنما منعاه للتجارة، وطلب الدنيا، لا للطاعات. وكره مالك ركوبه للنساء مطلقًا، لما يخاف عليهن من أن يُطلع منهن على عورةٍ، أو يطلعن على عورات المتصرِّفين.\nقال الأصحابُ: هذا فيما صَغُر من السُّفن، فأمَّا ما كَبُر منهن، بحيث يستترن بأماكن يختصصن بها، فلا بأس.\nوقولها في الثانية: (ادع الله أن يجعلني منهم)؛ كأنها ظنَّت أن المعروضين","vol":"3","page":753},{"text":"ثُمَّ استَيقَظَ وَهُوَ يَضحَكُ، قَالَت: فَقُلتُ: مَا يُضحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَاسٌ مِن أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ. كَمَا قَالَ فِي الأُولِ، قَالَت: فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادعُ اللَّهَ أَن يَجعَلَنِي مِنهُم، قَالَ: أَنتِ مِن الأَوَّلِينَ. فَرَكِبَت أُمُّ حَرَامٍ بِنتُ مِلحَانَ البَحرَ فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ، فَصُرِعَت عَن دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَت مِن البَحرِ فَهَلَكَت.\nوَفِي رِوَايَةٍ: يَركَبُونَ ظَهرَ هَذَا البَحرِ الأَخضَرِ.\nــ\nعليه ثانيا مساوون للأولين في الرتبة، فسألت رتبتهم ليتضاعف لها الأجر، ولم تشك في إجابة دعاء النبي -ﷺ- لها في المرة الأولى.\nوقوله: (أنت من الأولين)؛ أي: من الزمرة التي رآها أولًا. وهذا يدل: على أن المرئيين ثانيًا ليسوا الأولين، وكانت الطائفة الأولى غزاة أصحابه في البحر.\nوالثانية: غزاة التابعين فيه. والله تعالى أعلم.\nوقوله: (فركبت البحر في زمن معاوية)؛ ظاهره: في زمان خلافة معاوية. وقال به بعض أهل التاريخ. والأشهر من أقوالهم: إن ذلك إنما كان في خلافة عثمان بن عفان ﵁، وفيها كان معاوية قد غزا قبرص سنة ثمان وعشرين، ومعه زوجته فاختة بنت قرظة من بني عبد مناف، قاله خليفة بن خياط (١) وغيره. وفيها ركبت أم حرام البحر مع زوجها إلى قبرص، وبها توفيت حين صرعتها دابتها، ودفنت بها.\nوفيه دليل: على صحَّة نبوة النبي -ﷺ-، وعلى صدقه، فإنه قد وقع ما أخبر عنه من الغيب على نحو ما أخبر عنه.\n_________\n(١) هو العُصْفُري البصري الشيباني، محدِّث، نسَّابة، إخباري، صنَّف \"التاريخ\" و\"الطبقات\". توفي سنة (٢٤٠ هـ).","vol":"3","page":754},{"text":"وَفِي أُخرَى: قَالَ: فَتَزَوَّجَهَا عُبَادَةُ بنُ الصَّامِتِ بَعدُ، فَغَزَا فِي البَحرِ فَجَعَلَهَا مَعَهُ، فَلَمَّا أَن جَاءَت قُرِّبَت لَهَا بَغلَةٌ، فَرَكِبَتهَا فَصَرَعَتهَا، فَاندَقَّت عُنُقُهَا.\nرواه أحمد (٦/ ٣٦١)، والبخاري (٢٧٩٩)، ومسلم (١٩١٢)، وأبو داود (٢٤٩١)، والنسائي (٦/ ٤٠ - ٤١)، والترمذي (١٦٤٥)، وابن ماجه (٢٧٧٦).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-505>(٥٢) باب في فضل الرِّباط، وكم الشهداء</span>؟\n[١٣٨٠] عَن سَلمَانَ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: رِبَاطُ يَومٍ وَلَيلَةٍ خَيرٌ مِن صِيَامِ شَهرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِن مَاتَ جَرَى عَلَيهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ\nــ\nوفيه دليل: على أن من مات في طريق الجهاد من غير مشاهدته ومباشرته؛ له من الأجر والرتبة مثل ما للمباشر. كما قدَّمناه.\n(٥٢) ومن باب: فضل الرِّباط، وكم الشهداء؟\nالرِّباط: مصدر رابط، يرابط، رباطًا: إذا قام في ثغر من ثغور الإسلام حارسًا له من العدو. وأصله: من ربط الخيل فيها.\nوقوله: (وإن مات)؛ يعني: في حالة الرِّباط جرى عليه عمله)؛ أي: أجر عمله (الذي كان يعمله) في حال رباطه، وأجر رباطه. وقد جاء في غير مسلم","vol":"3","page":755},{"text":"يَعمَلُهُ، وَأُجرِيَ عَلَيهِ رِزقُهُ، وَأَمِنَ الفَتَّانَ.\nرواه أحمد (٥/ ٤٤٠)، ومسلم (١٩١٣)، والترمذي (١٦٦٥)، والنسائي (٦/ ٣٩).\n[١٣٨١] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: بَينَمَا رَجُلٌ يَمشِي بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصنَ شَوكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ. وَقَالَ: الشُّهَدَاءُ خَمسَةٌ: المَطعُونُ، وَالمَبطُونُ، وَالغَرِيقُ، وَصَاحِبُ الهَدمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.\nرواه أحمد (٢/ ٥٣٣)، والبخاري (٦٥٢)، ومسلم (١٩١٤)، والترمذي (١٩٥٨)، وابن ماجه (٢٦٨٢).\nــ\nبأوضح من هذا؛ قال: (كل ميتٍ يختم على عمله إلا المرابط، فينمو له عمله) (١).\nوقوله: (وأجري عليه رزقه)؛ يعني به- والله تعالى أعلم-: أنه يرزق في الجنة كما يرزق الشهداء؛ الذين تكون أرواحهم في حواصل الطير، تأكل من ثمر الجنة، كما تقدَّم في الشهيد.\nوقوله: (وأمِنَ الفتَّان)؛ يروى عن الأكثر من الرواة: بضم الفاء، جمع فاتن، ويكون للجنس؛ أي: يؤمن من كل ذي فتنة. ورواه الطبري: بفتح الفاء؛ يعني به: فتان القبر. وكذلك رواه أبو داود مفسرًا بالإضافة إلى القبر.\nوقوله -ﷺ- في مؤخر غصن الشوك: (فشكر الله له)؛ أي: رضي فعله ذلك، وأثابه عليه بالأجر، والثناء الجميل. وقد تقدَّم: أن أصل الشكر: الظهور.\nوقوله: (الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغرق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله)، وقال مالك من حديث جابر بن عتيك: أن رسول الله -ﷺ-\n_________\n(١) رواه أحمد (٦/ ٢٠)، وأبو داود (٢٥٠٠)، والترمذي (١٦٢١).","vol":"3","page":756},{"text":"[١٣٨٢] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: مَا تَعُدُّونَ\nــ\nقال: (الشهداء سبعة، والقتيل في سبيل الله) (١)، وذكر نحو ما تقدَّم، وزاد: (وصاحب ذات الجنب، والحريق، والمرأة تموت بجمع)، ولا يظن: أن بين قوله: (الشهداء خمسة)، و(الشهداء سبعة)، تناقضًا؛ لأنهما حديثان مختلفان، أخبر بهما في وقتين مختلفتين. ففي وقت أوحي إليه أنهم خمسة. وفي وقت آخر أوحي إليه أنهم أكثر. والله تعالى أعلم.\nفأما المطعون؛ فهو الذي يموت بالطاعون، وهو: الوباء. وقد فسَّره في الحديث الآخر؛ إذ قال فيه: (الطاعون شهادة لكل مسلم)، ولم يُرد المطعون بالسَّنان، لأنه هو المقتول في سبيل الله، المذكور من جملة الخمسة.\nو(المبطون): هو الذي يموت من علَّة البطن، كالاستسقاء، والحقن- وهو: انتفاخ الجوف-، والإسهال.\nو(الغرق) يروى بغير ياء، كحذر. ويروى بالياء، وهو للمبالغة كعليم.\nو(صاحب الهدم): هو الذي يموت تحت الهدم.\nو(الحريق): هو الذي يموت بحرق النار.\nوهؤلاء الثلاثة إنما حصلت لهم مرتبة الشهادة لأجل تلك الأسباب؛ لأنهم لم يغررّوا بنفوسهم، ولا فرّطوا في التحرز، ولكن أصابتهم تلك الأسباب بقضاء الله وقدره. فأما من غرر، أو فرط في التحرز حتى أصابه شيء من ذلك فمات، فهو عاص، وأمره إلى الله؛ إن شاء عذب، وإن شاء عفا.\nوأما صاحب ذات الجنب: فهي قرحة في الجنب، وورم شديد، وتُسمى: الشوصة.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣١١١)، والنسائي (٤/ ١٣)، وابن ماجه (٢٧٠٣).","vol":"3","page":757},{"text":"الشَّهِيدَ فِيكُم؟ . قَالَوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَن قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، قَالَ: إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذًا لَقَلِيلٌ. قَالَوا: فَمَن هُم يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَن قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَن مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَن مَاتَ من الطَّاعُونِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَن مَاتَ من البَطنِ فَهُوَ شَهِيدٌ.\nوفي رواية: والغريق شهيد.\nرواه أحمد (٢/ ٥٢٢)، ومسلم (١٩١٥)، وابن ماجه (٢٨٠٤).\n[١٣٨٣] وَعَن أَنسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهُ ﷺ: الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسلِمٍ.\nرواه البخاري (٢٨٣٠)، ومسلم (١٩١٦).\n* * *\nــ\nوأما المرأة تموت بجمع، ويُقال: بضم الجيم وكسرها، فهي المرأة تموت حاملًا، وقد جمعت ولدها في بطنها. وقيل: هي التي تموت في نفاسه وبسببه. وقيل: هي التي تموت بكرًا لم تفتض (١). وقيل: بكرًا لم تظهر لأحد. والأول أولى وأظهر. والله تعالى أعلم.\nوقوله: (ومن مات في سبيل الله فهو شهيد)؛ يعني: أنه يموت شهيدًا وإن لم يباشر الحرب، ولم يشاهده، كما قدَّمناه.\n* * *\n_________\n(١) اقتضاض البكر وافتضاضها: بمعنى واحد. وهو الافتراع.","vol":"3","page":758},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-506>(٥٣) باب في قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَا استَطَعتُم﴾</span>\n[١٣٨٤] عن عُقبَةَ بنَ عَامِرٍ قال: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ عَلَى المِنبَرِ يَقُولُ: وَأَعِدُّوا لَهُم مَا استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ أَلَا إنَّ القُوَّةَ الرَّميُ، أَلَا إِنَّ القُوَّةَ الرَّميُ، أَلَا إِنَّ القُوَّةَ الرَّميُ.\nرواه مسلم (١٩١٧)، وأبو داود (٢٥١٤)، والترمذي (٣٠٨٣)، وابن ماجه (٢٨٨٣).\nــ\n(٥٣) ومن باب: قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَا استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ﴾\nالقوَّة: التقوي بما (١) يحتاج إليه من الدروع، والمجان، والسيوف، والرِّماح، والرمي وسائر آلات الحرب، إلا أنه لما كان الرَّمي أنكاها في العدو، وأنفعها فسرها وخصصها بالذكر وأكدها ثلاثًا (٢)، ولم يرد أنها كل العدّة، بل أنفعها. ووجه أنفعيتها: أن النكاية بالسِّهام تبلغ العدو من الشجاع وغيره، بخلاف السيف والرمح، فإنه لا تحصل النكاية بهما إلا من الشجعان الممارسين للكرِّ والفرِّ، وليس كل أحد كذلك. ثم: إنها أقرب مؤونة، وأيسر محاولة وإنكاء. ألا ترى أنه قد يرمى رأس الكتيبة فينهزم أصحابه؟ إلى غير ذلك مما يحصل منه من الفوائد، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) في (م) و(ج ٢): إعداد ما.\n(٢) ساقط من (ع).","vol":"3","page":759},{"text":"[١٣٨٥] وعنه قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: سَتُفتَحُ عَلَيكُم الأَرَضُونَ وَيَكفِيكُمُ اللَّهُ، فَلَا يَعجِزُ أَحَدُكُم أَن يَلهُوَ بِأَسهُمِهِ.\nرواه أحمد (٤/ ١٥٧)، ومسلم (١٩١٨)، والترمذي (٣٠٨٣).\n[١٣٨٦] وعَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ شِمَاسَةَ: أَنَّ فُقَيمًا اللَّخمِيَّ قَالَ لِعُقبَةَ بنِ عَامِرٍ: تَختَلِفُ بَينَ هَذَينِ العرَضَينِ وَأَنتَ كَبِيرٌ يَشُقُّ عَلَيكَ! فقَالَ عُقبَةُ: لَولَا كَلَامٌ سَمِعتُهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لَم أُعَانِهِ، فَقِيلَ لِابنِ شَمَاسَةَ: وَمَا ذَلكَ؟ قَالَ: إِنَّهُ قَالَ: مَن عَلِمَ الرَّميَ ثُمَّ تَرَكَهُ، فَلَيسَ مِنَّا، أَو قَد عَصَى.\nــ\nوقوله -ﷺ-: (ستفتح عليكم الأرضون، ويكفيكم الله)؛ أي: أمر العدو بالظهور عليه، وبالتمكين منه، وقد كان كل ذلك، وهذا من دلائل صحة نبوته (١).\nوقوله: (فلا يعجز أن يلهو أحدَّكم بأسهمه)؛ أي: يجعل الرَّمي بدلًا من اللهو، فيندرج عليه، ويشتغل به حتى لا ينساه، ولا يغفل عنه فيأثم، على ما جاء في حديث عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: (إن الله يدخل بالسَّهم الواحد ثلاثة نفر الجنَّة: صانعه يحتسب في صنعته الخير، ومنبله، والرامي به. وأن ترموا أحبّ إليّ من أن تركبوا. ليس من اللهو إلا ثلاث: تأديب الرجل فرسه، وملاعبته أهله، ورميه بقوسه ونبله. ومن ترك الرمي بعدما علمه رغبة عنه فإنها نعمة تركها - أو قال: كفرها -). خرَّجه أبو داود (٢). ويدل عليه حديث فقيم المذكور في الأصل على ما يفسر بعد.\nوقوله: (من علم الرمي ثم تركه فليس منا، أو قد عصى)؛ هذا شك من\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٢) رواه أبو داود (٢٥١٣)، والترمذي (١٦٣٧)، والنسائي (٦/ ٢٨).","vol":"3","page":760},{"text":"رواه أحمد (٤/ ١٤٨)، ومسلم (١٩١٩)، وابن ماجه (٢٨١٤).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-507>(٥٤) باب في قوله -﵊ -: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين)</span>\n[١٣٨٧] عَن ثَوبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِن أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ لَا يَضُرُّهُم مَن خَذَلَهُم، حَتَّى يَأتِيَ أَمرُ اللَّهِ وَهُم كَذَلِكَ.\nــ\nبعض الرواة في أي اللفظين قال -ﷺ-. وهو ظاهر في ذم من ترك الرمي بعد أن علمه. وسبب هذا الذم: أن هذا الذي تعلم الرمي حصلت له أهلية الدفاع عن دين الله، والغناء فيه، والنكاية في العدو. فقد تعيّن لأن يقوم بوظيفة الجهاد، فإذا ترك ذلك حتى يعجز عنه فقد فرط في القيام بما تعين عليه، فذم على ذلك. وهذا مثل ما تقدَّم في كتاب الصلاة؛ فيمن تعلم القرآن فنسيه.\nوقوله: (وليس منا)؛ أي: ليس على طريقتنا، ولا سنتنا، كما قال: (ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب. و(ليس منا من دعا بدعوى الجاهلية). و(من غشنا فليس منا) (١)، وهو ذم بلا شك.\nوأما قوله: (فقد عصى)، فنص في الوجوب.\nوقوله: (لم أعانه)؛ أي: لم أكابده، ولم أقاسه.\n(٥٤) ومن باب: قوله -ﷺ-: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين\nقوله: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين)؛ الطائفة: الجماعة، وهم\n_________\n(١) رواه البخاري (١٢٩٨)، ومسلم (١٠٣)، والترمذي (٩٩٩)، والنسائي (٤/ ٢٠).","vol":"3","page":761},{"text":"رواه مسلم (١٩٢٠)، وأبو داود (٤٢٥٢)، والترمذي (٢١٧٧).\n[١٣٨٨] وعَن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ، عَن النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: لَن يَبرَحَ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا تُقَاتِلُ عَلَيهِ عِصَابَةٌ مِن المُسلِمِينَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ.\nرواه أحمد (٥/ ١٠٣)، ومسلم (١٩٢٢).\n[١٣٨٩] وعن عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ شِمَاسَةَ المَهرِيُّ قَالَ كُنتُ عِندَ مَسلَمَةَ بنِ مُخَلَّدٍ، وَعِندَهُ عَبدُ اللَّهِ بنُ عَمرِو بنِ العَاصِ، فَقَالَ عَبدُ اللَّهِ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ الخَلقِ، وهُم شَرٌّ مِن أَهلِ الجَاهِلِيَّةِ، لَا يَدعُونَ اللَّهَ بِشَيءٍ إِلَّا رَدَّهُ عَلَيهِم، فَبَينَمَا هُم عَلَى ذَلِكَ، أَقبَلَ عُقبَةُ بنُ عَامِرٍ فَقَالَ لَهُ مَسلَمَةُ: يَا عُقبَةُ، اسمَع مَا يَقُولُ عَبدُ اللَّهِ، فَقَالَ عُقبَةُ: هُوَ أَعلَمُ، وَأَمَّا أَنَا فَسَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: لَا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِن أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ\nــ\nالعصابة في الحديث الآخر، وهم الذين قال الله تعالى في حقهم (١): ﴿وَمِمَّن خَلَقنَا أُمَّةٌ يَهدُونَ بِالحَقِّ وَبِهِ يَعدِلُونَ﴾\nوالطائفة في الأصل هي: القطعة من الشيء. يقال: طائفة من كذا؛ أي: قطعة منه. وهي من الناس: الجماعة. قال مجاهد: هم من الواحد إلى الألف. وكذلك قال النخعي. وقال عطاء: أقله رجلان فصاعدًا. وقال الزهري: ثلاثة فصاعدًا. والطائفة هي الفرقة التي يمكن أن تكون حلقة، وكأنها الجماعة الحافة حول الشيء، أقلها ثلاثة أو أربعة (٢).\nو(ظاهرين): منصورين غالبين، كما قال في الحديث الآخر: (يقاتلون على أمر الله، قاهرين لعدوهم، لا يضرهم من خذلهم) (٣)؛ أي: من لم ينصرهم من الخلق.\nو(أمر الله): الساعة كما قد جاء مفسَّرًا في الرواية الأخرى.\n_________\n(١) في (ج) و(ج ٢): فيهم.\n(٢) ساقط من (ع) و(ج) و(ج ٢)، واستدركناه من (م).\n(٣) هو حديث عقبة بن عامر المتقدم.","vol":"3","page":762},{"text":"عَلَى أَمرِ اللَّهِ، قَاهِرِينَ لِعَدُوِّهِم، ولَا يَضُرُّهُم مَن خَالَفَهُم، حَتَّى تَأتِيَهُم السَّاعَةُ وَهُم عَلَى ذَلِكَ. فَقَالَ عَبدُ اللَّهِ: أَجَل، ثُمَّ يَبعَثُ اللَّهُ رِيحًا كَرِيحِ المِسكِ مَسُّهَا كمَس الحَرِيرِ، لَا تَترُكُ نَفسًا فِي قَلبِهِ مِثقَالَ حَبَّةٍ مِن إِيمَانِ إِلَّا قَبَضَتهُ، ثُمَّ يَبقَى شِرَارُ النَّاسِ عَلَيهِم تَقُومُ السَّاعَةُ.\nرواه مسلم (١٩٢٤).\nــ\nوقد اختلف في: من هذه الطائفة؟ وأين هم؟ فقال علي بن المديني: هم العرب، واستدل برواية من روى: (وهم أهل الغرب)، وفسَّر (الغرب) بالدلو العظيمة. وقيل: أراد بالغرب: أهل القوة، والشدَّة، والحدِّ. وغرب كل شيء حدَّه. وقيل: أراد به: غرب الأرض. وهو ظاهر حديث سعد بن أبي وقاص (١).\nوقال فيه: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق في المغرب (٢) حتى تقوم السَّاعة)، ورواه عبد بن حميد (٣)، وقال فيه: (لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم السَّاعة، أو يأتي أمر الله). ورواه بقي بن مخلد في مسنده كذلك: (لا يزال أهل المغرب) كذلك.\nقلت: وهذه الروايات تدل على بطلان (٤) التأويلات المتقدَّمة، وعلى أن المراد به أهل المغرب في الأرض، لكن أول المغرب بالنسبة إلى المدينة - مدينة النبي -ﷺ -؛ إنما هو الشام، وآخره: حيث تنقطع الأرض من المغرب الأقصى وما بينهما، كل ذلك يقال عليه: مغرب. فهل أراد المغرب كله، أو أوله؟ كل ذلك\n_________\n(١) زاد في (م) و(ج ٢): (وروى الدارقطني عن سعد بن أبي وقاص). ولم نجده في سنن الدارقطني، ولعلَّه في كتابه \"الأفراد\".\n(٢) ما بين حاصرتين ليس في (ع).\n(٣) في (ع): عبد بن حميد الهروي، وفي (ج ٢): عبد بن أحمد الهروي. وفي (ج): عبيد بن حميد الهروي.\n(٤) في (ج ٢): إبطال.","vol":"3","page":763},{"text":"[١٣٩٠] وعَن سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: لَا يَزَالُ أَهلُ الغَربِ ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ.\nرواه مسلم (١٩٢٥).\n* * *\nــ\nمحتمل، لا جرم قال معاذ في الحديث الآخر (١): (هم أهل الشام). ورواه الطبري وقال: (هم ببيت المقدس). وقال أبو بكر الطرطوشي في رسالة بعث بها إلى أقصى المغرب، بعد أن أورد حديثًا في هذا المعنى؛ قال- والله تعالى أعلم-: هل أرادكم رسول الله -ﷺ- أو أراد بذلك جملة أهل المغرب؛ لما هم عليه من التمسُّك بالسُّنة والجماعة، وطهارتهم من البدع والإحداث في الدِّين، والاقتفاء لآثار من مضى من السَّلف الصالح؟ والله تعالى أعلم (٢).\nقلت: وفي هذا الحديث دلالة على صحَّة الإجماع؛ لأن الأمة إذا أجمعت فقد دخلت فيهم هذه العصابة المختصة، فكل الأمة مُحق فإجماعهم حق. ويفيد هذا المعنى أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمِمَّن خَلَقنَا أُمَّةٌ يَهدُونَ بِالحَقِّ وَبِهِ يَعدِلُونَ﴾\nولا تعارض بين هذا الحديث وبين قوله -ﷺ-: (لا تقوم السَّاعة إلا على شرار الخلق) (٣)، وبين قوله: (لا تقوم السَّاعة وفي الأرض من يقول: الله، الله) (٤)؛ لما يأتي في حديث عقبة بن عامر وعبد الله بن عمرو، فإنه -ﷺ- بيّن ذلك فيه بيانًا شافيًا، فتأمله، فلا مزيد عليه.\n_________\n(١) ساقط من (ج ٢).\n(٢) انظر الموضوع في البخاري (الاعتصام: ١٠).\n(٣) هو حديث عقبة بن عامر المتقدم.\n(٤) رواه أحمد (٣/ ٢٦٨)، ومسلم (١٤٨)، وابن حبان (٦٨٤٩).","vol":"3","page":764},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-508>(٥٥) باب من آداب السفر</span>\n[١٣٩١] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: إِذَا سَافَرتُم فِي الخِصبِ، فَأَعطُوا الإِبِلَ حَظَّهَا مِن الأَرضِ، وَإِذَا سَافَرتُم فِي السَّنَةِ، فَأَسرِعُوا عَلَيهَا السَّيرَ، وَإِذَا عَرَّستُم بِاللَّيلِ، فَاجتَنِبُوا الطَّرِيقَ فَإِنَّهَا مَأوَى الهَوَامِّ بِاللَّيلِ.\nوفي رواية: فإذا سافرتم في السنة فبادروا بها نقيها.\nرواه أحمد (٢/ ٣٣٧)، ومسلم (١٩٢٦)، وأبو داود (٢٥٦٩)، والترمذي (٢٨٥٨).\nــ\n(٥٥) ومن باب: آداب السَّفر\nقوله: (إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حظها من الأرض)؛ أي: ارفقوا بها في الرَّعي حتى تأخذ منه ما يمسك قواها، ويرد شهوتها، ولا تعجّلوها فتمنعوها المرعى مع وجوده، فيجتمع عليها ضعف القوى مع ألم كسر شهوتها.\nوقوله: (وإذا سافرتم في السَّنة فأسرعوا عليها السير)؛ السَّنة: الجدب، ضد الخصب. وإنما أمر بالإسراع بها في الجدب لتقرب مدة سفرها، فتبقى قوتها الأولى، فإنه إن رفق بها طال سفرها، فهزلت وضعفت؛ إذ لا تجد مرعى تتقوَّى به. وإلى هذا أشار -ﷺ- بقوله: (بادروا بها نقيها)؛ والنقي: مخ العظام، وهو بكسر النون.\nو(التعريس): النزول من آخر الليل.\nوهذه الأوامر من باب الإرشاد إلى المصالح والندب إليها.","vol":"3","page":765},{"text":"[١٣٩٢] وعنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: السَّفَرُ قِطعَةٌ مِن العَذَابِ، يَمنَعُ أَحَدَكُم نَومَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ، فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُم نَهمَتَهُ مِن وَجهِهِ، فَليُعَجِّل إِلَى أَهلِهِ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٣٦)، والبخاري (١٨٠٤)، ومسلم (١٩٢٧)، وابن ماجه (٢٨٨٢).\n[١٣٩٣] وعَن أَنَسِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ لَا يَطرُقُ أَهلَهُ لَيلًا، وَكَانَ يَأتِيهِم غُدوَةً أَو عَشِيَّةً.\nرواه مسلم (١٩٢٨).\n[١٣٩٤] وعَن جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَن يَطرُقَ الرَّجُلُ أَهلَهُ لَيلًا، يَتَخَوَّنُهُم أَو يطلب عَثَرَاتِهِم.\nــ\nوقوله: (السَّفر قطعة من العذاب)؛ أي: لما فيه من المشقات، والأنكاد، ومكابدة الأضداد، والامتناع من الراحات، واللذات.\nو(النهمة) - بفتح النون-: بلوغ الغرض، والوصول إلى المقصود.\nوقوله: (فليعجل إلى أهله)؛ أي: يسرع بالرجوع إلى أهله ليزول عذابه، ويطيب له طعامه وشرابه، وتزول مشقته.\nوقوله: (فلا يأتينَّ أهله طُرُوقًا) (١) - بضم الطاء-؛ يعني: ليلًا، وهو مصدر: طرق، طروقًا، أي: خرج خروجًا. والطارق: الآتي ليلًا. ومنه سُمي النجم: طارقًا. ومنه: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾\nو(تستحد): أي: تستعمل\n_________\n(١) لم ترد هذه الرواية في التلخيص، وإنما هي في صحيح مسلم (٧١٥/ ١٨٢).","vol":"3","page":766},{"text":"رواه أحمد (٣/ ٢٩٩)، والبخاري (٥٢٤٣)، ومسلم (٧١٥) (١٨٤) في الإمارة، وأبو داود (٢٧٧٦)، والترمذي (٢٧١٢).\n* * *\nــ\nالحديدة في حلق الشعر.\nو(المغيبة): التي غاب عنها زوجها. وهو من: أغابت، تغيب، فهي: مغيبة. و(الشعثة)؛ التي علاها الشعث. وهو: الغبار، والوسخ في الشعر؛ يعني بذلك: أن المرأة في حال غيبة زوجها متبذلة، لا تمتشط، ولا تدَّهن، ولا تتنظف، فلو بغتها زوجها من سفره، وهي على تلك الحال، استقذرها، ونفرت نفسه منها، وربما يكون ذلك سبب فراقها، فإذا قدم نهارًا سمعت بخبر قدومه؛ فأصلحت من شأنها، وتهيأت له، فحسنت الحال، وأمنت النفرة المذكورة.\nوفيه من الفقه: أن المرأة ينبغي لها أن تتحسَّن، وتتزيَّن، وتتطيَّب وتتصنَّع للزوج بما أمكنها، وتجتهد في ألا يرى منها زوجها ما تنفر نفسه منها بسببه؛ من الشعث والوسخ، وغير ذلك.\nوأما نهيه -ﷺ- في حديث جابر عن الطروق: فلمعنًى آخر، وهو: أن يظن بهن خيانة في أنفسهن، أو فيما في أيديهن مما أمَّنهن عليه. وهو ظنّ لا يحل، وتخمين منهي عنه. فصار النهي عن طروق الرجل أهله معللًا بعلتين، بالأولى، وبالثانية. والله تعالى أعلم.\n* * *","vol":"4","page":767},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-509>(١٤) كِتَاب الإِمَارَةِ وَالبَيعَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-510>(١) بَاب اشتِرَاطِ نَسَبِ قُرَيشٍ في الخِلافَةِ</span>\n[١٣٩٥] عَن أبي هُرَيرَةَ قال: قال رسول الله ﷺ: النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيشٍ في هذا الشَّأنِ؛ مُسلِمُهُم لِمُسلِمِهِم، وَكَافِرُهُم لِكَافِرِهِم.\nرواه أحمد (٢/ ٢٤٢)، والبخاري (٣٤٩٥)، ومسلم (١٨١٨) (١)، والترمذي (٣٩٠٣).\nــ\n(١٤) كتاب الإمارة\n(١) ومن باب: اشتراط نسب قريش في الخلافة (١)\nقوله الناس تبعٌ لقريشٍ في هذا الشأن؛ يعني به شأنَ الولايةِ والإمارةِ، وذلك أنَّ قريشًا كانت في الجاهلية رؤساءَ العرب وقادتَها، لأنَّهم أهلُ البيت والحرم، حتَّى كانت العرب تسمِّيهم أهلُ اللهِ، وإليهم كانوا يرجعونَ في أمورِهم ويعتمدون عليهم فيما ينوبُهم، ولذلك توقَّف كثيرٌ من الأعرابِ عن الدُّخولِ في الإسلامِ قبل أن تدخل فيه قريشٌ، فلمّا أسلموا ودخلوا فيه أطبقت العرب على\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ليس في الأصول، واستدرك من التلخيص.","vol":"4","page":5},{"text":"[١٣٩٦] وَمِن حَدِيثِ جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ: النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيشٍ في الخَيرِ وَالشَّرِّ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٨٣)، ومسلم (١٨١٩).\n[١٣٩٧] وَعَن عَبدِ اللهِ قال: قال رسول الله ﷺ: لا يَزَالُ هذا الأمرُ في قُرَيشٍ مَا بَقِيَ مِن النَّاسِ اثنَانِ.\nرواه مسلم (١٨٢٠)، وعبد الله هو ابن عمر.\nــ\nالدُّخول في الدِّين بحكم أنَّهم كانوا لهم تابعينَ ولإسلامهم منتظرين - كذا ذكره ابنُ إسحاق وغيره، فهذا معنى تَبَعِيَّةِ النَّاسِ لهم في الجاهلية.\nثم لَمَّا جاء الإسلام استقر أمر الخلافة والملك في قريش شرعًا ووجودًا، ولذلك قالت قريشٌ يومَ السَّقِيفَةِ للأنصار: نحن الأمراء، وأنتم الوزراء. قال عمر في كلامه: إنَّ هذا الأمر لا تعرفه الناس إلا لهذا الحيِّ من قريش، فانقادوا لذلك ولم يخالف فيه أحدٌ، وهو إجماع السَّلف والخلف، ولا اعتبار بقول النَّظَّام (١) ولا ضرار بن عمرو وأهل البدع من الخوارج وغيرهم إذ قالوا بجواز صحتها لغير قريش؛ لأنَّهم إمَّا مُكَفَّرٌ وإما مُفَسَّقٌ، ثم إنهم مسبوقون بإجماع السَّلف ومُحجُوجون بهذه الأحاديث الكثيرة الشهيرة، ويعني بالخير في الرِّواية الأخرى ولاية قريش في الإسلام.\nوقوله لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان، هذا خبرٌ عن المشروعية؛ أي: لا تنعقدُ الإمامة (٢) الكبرى إلَاّ لهم متى وجد منهم واحدٌ، وفي\n_________\n(١) هو إبراهيم بن سيَّار بن هانئ البصري، أبو إسحاق، من أئمة المعتزلة. توفي سنة (٢٣١ هـ).\n(٢) في (ج ٢): الولاية.","vol":"4","page":6},{"text":"[١٣٩٨] وَعَن عَامِرِ بنِ سَعدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ قال: كَتَبتُ إِلَى جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ مَعَ غُلامِي نَافِعٍ أَن أَخبِرنِي بِشَيءٍ سَمِعتَهُ مِن رسول الله ﷺ. قال: فَكَتَبَ إِلَيَّ: سَمِعتُ رسول الله ﷺ يَومَ جُمُعَةٍ عَشِيَّةَ رُجِمَ الأَسلَمِيُّ\nــ\nحديث آخر الأَئِمَّةُ مِن قُرَيشٍ (١)، وقد استدلَ بهذا اللَّفظ وما في معناه من قوله قَدِّمُوا قُرَيشًا وَلا تَتَقَدَّمُوها (٢) كُبراء أصحاب الشافعي ﵀ على ترجيح مذهب الشافعي على غيره من حيث إنه قرشيٌّ، ولا حجة فيه؛ لأنَّه لا يصحُّ الاحتجاج به إلَاّ حتى تُحمَل الإمامةُ فيه على العموم في كل شيء يُحتاج إلى الاقتداء فيه، من الإِماَمةِ الكُبرى، وإمامة الفَتوى، والقضاء، والصَّلاة، وغير ذلك من الولايات. ولا يصح ذلك للإجماع على خِلافِه؛ إذ قد أجمعت الأمة على أن جميع الولايات تصحُّ لغير قريش ما خلا الإمامة الكبرى، فهي المقصودة بالحديث قَطعًا. وقد قدَّم النبي ﷺ غير قريش على قريش، فإنه قدَّم زيد بن حارثة وولده أسامة ومعاذ بن جبل، وقدَّم سالِمًا مولى أبي حُذيفة على الصلاة بقباء، فكان يَؤُمُّهُم وفيهم أبو بكر وعمر وغيرهم من كبراء قريش، ثم إن الشافعي رحمه الله تعالى أول من ترك عموم تلك الأخبار، فإنَّه قد اقتدى بمالك واستَفتَاهُ، ومالك ليس بقرشيٍّ، وإنما هو أَصبَحيٌّ صَرِيحًا. وأيضًا: فإنَّه لم يُرو عنه أنه منع من تقليد من ليس بقرشي - فدلَّ هذا كُلُّه على أن المُستَدلَّ بذلك الحديث على تقديم مذهب الشافعي صَحِبَتهُ غَفلَةٌ قارنها من تَصمِيم التَّقليد طَيشَةٌ، وربما رووا ألفاظًا رفعوها؛ كقوله: تَعَلَّمُوا من قريش ولا تُعَلِّمُوها، وذلك لا يصحُّ نَقلًا ولا معنى لما تقدَّم، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ١٨٣ و٤/ ٤٢١).\n(٢) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٥).","vol":"4","page":7},{"text":"يَقول: لا يَزَالُ الدِّينُ قَائِمًا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، أَو يَكُونَ عَلَيكُم اثنَا عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُم مِن قُرَيشٍ.\nــ\nوقوله لا يزال الدِّين قائمًا حتى تقوم الساعة، أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة، يعني بالدِّين دين الإسلام، وهو الظاهر، ويعني بقوله قائمًا أي عزيزًا ممتنعًا (١)، كما جاء مفسرًا في الرواية الأخرى.\nوقوله أو يكون عليكم قَيَّدناه على من يُوثَقُ بِتَقَيِّيدِه بالنَّصب، وتكون أو بمعنى (إلى أن)، كقوله (٢):\nفَقلتُ لَهُ لا تَبكِ عَينَكَ إِنَّما ... نُحَاوِلُ مُلكًا أَو نَمُوتَ فَنُعذَرَا\nوقد دلَّ على هذا الرِّواية الأخرى، وهي قولهُ لا يزال هذا الأمر عزيزًا إلى اثني عشر خليفة كلهم (٣) من قريش؛ يعني به أنه لا تزال عزَّةُ دين الإسلام قائمة إلى اثني عشر خليفة من قريش، وقد اختلف فيهم على ثلاثة أقوال؛\nأحدها: أنهم خلفاء العَدلِ؛ كالخلفاء الأربعة وعمر بن عبد العزيز، ولا بُدَّ من ظهور من يَتَنَزَّلُ مَنزِلَتُهم في إظهار الحق والعدل حتى يَكمُل ذلك العدد، وهو أولى الأقوال عندي (٤).\nوثانيها: أنَّ هذا إخبارٌ عن الولايات الواقعة بَعدَهُ وبَعدَ أصحابه، وكأنه أشار بذلك إلى مدة ولاية بني أُمَيَّة، ويعني بالدِّين الملك والولاية، وهو شرح الحال\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) هو امرؤ القيس.\n(٣) ساقط من (ع).\n(٤) من (ج ٢).","vol":"4","page":8},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفي استقامة السَّلطَنَةِ لهم لا على طريق المدح.\nوقد يقال الدِّينُ على المُلكِ؛ كما قال (١):\nلَئِن حَلَلتَ بِجوٍّ من (٢) بني أسدٍ ... في دِينِ عمرٍو وحَالت بيننا فَدَكُ\nوقيل ذلك في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَأخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ المَلِكِ﴾ (٣)\nثم عدّد هذا القائل ملوكهم فقال: أَوَّلُهم يزيدُ بنُ معاوية، ثم أتبعه معاويةُ بن يزيد - وقال: ولم يذكر ابن الزبير لأنه صحابي، ولا مروان لأنه غاصب لابن الزبير - ثم عبد الملك، ثم الوليد، ثم سليمان، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم يزيد بن عبد الملك، ثم هشام بن عبد الملك، ثم الوليد بن يزيد، ثم يزيد بن الوليد، ثم إبراهيم بن الوليد، ثم مروان بن محمد. فهؤلاء اثنا عشر، ثم خرجت الخلافة منهم إلى بني العباس.\nوثالثها: أن هذا خبر عن اثني عشر (٤) خليفة من قريش يجتمعون في زمان واحد في آفاق مختلفة كما قد وقع، فقد كان بالأندلس منهم في عصر واحد بعد أربعمائة وثلاثين سنة ثلاثة كلهم يَدَّعيها ويَلَقَّب بها، ومعهم صاحبُ مصر وخليفة بغداد، فكذلك يجوز أن يجتمع الاثنا عشر خليفة في العصر الواحد، وقد دلّ على هذا قوله ﷺ سيكون خلفاء فتكثر (٥)، وكلٌّ محتمل، والأول أولاها لبُعده عن الاعتراض.\n_________\n(١) القائل: زهير بن أبي سُلمى.\n(٢) في (ج ٢): في.\n(٣) ما بين حاصرتين مستدرك من (ج ٢).\n(٤) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٥) رواه أحمد (٢/ ٢٩٧)، والبخاري (٣٤٥٥)، ومسلم (١٨٤٢).","vol":"4","page":9},{"text":"وَسَمِعتُهُ يَقول: عُصَيبَةٌ مِن المُسلِمِينَ يَفتَتِحُونَ البَيتَ الأَبيَضَ بَيتَ كِسرَى أَو آلِ كِسرَى.\nوَسَمِعتُهُ يَقول: إِنَّ بَينَ يَدَي السَّاعَةِ كَذَّابِينَ، فَاحذَرُوهُم.\nــ\nوقوله عُصَيبَةٌ من المسلمين يفتتحون البيت الأبيض بيت كسرى، العُصَيبَة تصغير العِصابة، وهي الجماعة من الناس، قيل: أقلهم أربعون. ويحتمل أن يكون هذا التصغير للمفتتحين لقلة من يباشر فتح البيت - أعني بيتَ كسرى - فإنه يروى أن سعد بن أبي وقاص خاض دجلة - وهي مطلع إلى دار كسرى - فما بلغ الماء إلى حزام الفرس، وما ذهب للمسلمين شيء، ووجدوا قبابًا مملوءة سلالًا فيها آنية الذهب والفضة، ووجدوا كافورا كثيرا فظنوه ملحًا فعجنوا به فوجدوا مرارته، وكان في بيوت كسرى ثلاثة آلاف ألف ألف ألف دينار (١) - ثلاث مرات.\nويحتمل أن يكون تصغيرهم بالنسبة إلى عدوهم، ويحتمل أن يكون تصغيرهم على جهة التعظيم، كما قالوا:\n. . . . . . . . . . . . . . ... دُوَيهِيَّة تَصفَّرُ منها الأنامل (٢)\nووصف بيت كسرى بالأبيض لأنه كان مبنيًا بالجص ومزخرفًا بالفضة، والله تعالى أعلم.\nوقوله إن بين يدي السَّاعة كذابين، هذا يفسّره الحديث الآخر الذي قال فيه لا تقوم السَّاعة حتى يخرج ثلاثون كذّابون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين (٣).\n_________\n(١) زيادة من البداية والنهاية (٧/ ٦٦).\n(٢) البيت للشاعر لبيد، وصدره: وكلُّ أناسٍ سوف تدخل بينهم.\n(٣) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٣١٥).","vol":"4","page":10},{"text":"وَسَمِعتُهُ يَقول: أَنَا الفَرَطُ على الحَوضِ.\nوَسَمِعتُهُ يَقول: إِذَا أَعطَى اللَّهُ أَحَدَكُم خَيرًا فَليَبدَأ بِنَفسِهِ وَأَهلِ بَيتِهِ.\nوفي رواية: لا يَزَالُ هذا الأمر عَزِيزًا إِلَى اثنَي عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُم مِن قُرَيشٍ.\nرواه أحمد (٥/ ٩٠)، والبخاري (٧٢٢٣)، ومسلم (١٨٢١) (٨)، و(١٨٢٢) (١٠)، والترمذي (٢٢٢٣).\n* * *\nــ\nوقوله إذا أعطى الله أحدكم خيرًا فليبدأ بنفسه وأهل بيته، خيرًا يعني به مالًا، وهذا كما قال في الحديث الآخر ابدأ بمن تعول (١)، وكقوله في حديث آخر إذا أنعم الله على عبد نعمة أحبَّ أن يرى أثر نعمته عليه (٢).\nومعنى هذا الأمر الابتداء بالأهم فالأهم والأولى فالأولى، وقد بينّا هذا المعنى في كتاب الزكاة.\nوقوله أنا الفرط على الحوض فتح الراء، وهو المتقدّم إلى الماء ليهيئه ويصلحه، وهو الفارط أيضًا.\nوالفَرطُ - بسكون الراء - السَّبق والتقدّم.\n* * *\n_________\n(١) رواه النسائي (٥/ ٦١)، وابن حبان (٣٣٤١).\n(٢) ذكره ابن عبد البر في التمهيد (٣/ ٢٥٤)، وانظر: إتحاف السادة المتقين (٤/ ١٨٠).","vol":"4","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-511>(٢) باب في جواز ترك الاستخلاف</span>\n[١٣٩٩] عَن ابنِ عُمَرَ قال: دَخَلتُ عَلَى حَفصَةَ - ونوساتها تنطف - فَقالت: أَعَلِمتَ أَنَّ أَبَاكَ غير مُستَخلِفٍ؟ قال: قلتُ: مَا كَانَ لِيَفعَلَ! قالت: إِنَّهُ فَاعِلٌ! قال: فَحَلَفتُ أَنّ أُكَلِّمُهُ فِي ذلك، فَسَكَتُّ حَتَّى غَدَوتُ فَلَم أُكَلِّمهُ. قال: فَكُنتُ كَأَنَّمَا أَحمِلُ بِيَمِينِي جَبَلًا، حَتَّى رَجَعتُ فَدَخَلتُ عَلَيهِ، فَسَأَلَنِي عَن حَالِ النَّاسِ وَأَنَا أُخبِرُهُ. قال: ثُمَّ قلتُ لَهُ: إِنِّي سَمِعتُ النَّاسَ يَقولونَ مَقالةً فَآلَيتُ أَن أَقولهَا لَكَ؛ زَعَمُوا أَنَّكَ غير مُستَخلِفٍ وَأنَّهُ لَو كَانَ لَكَ رَاعِي غَنَمٍ أَو رَاعِي إِبِلٍ ثُمَّ جَاءَكَ وَتَرَكَهَا رَأَيتَ أَنه قَد ضَيَّعَ،\nــ\n(٢) ومن باب: جواز ترك الاستخلاف\nقوله ونوساتها تنطف، النّوسات: ما تحرك من شعر أو غيره متدليًا. والنَّوسُ: تحرُّك الشيء متذبذبًا - يقال منه: ناس، ينوس، نوسًا، ونوسانًا. ومنه: ذو نواس، سُمِّي بذلك لذؤابته؛ كانت تنوس على ظهره.\nونطف الشَّعرُ وغيره ينطِف وينطُف: إذا قطر. وليلةٌ نَطُوف: دائمةُ القطر. وكأنَّه دخل عليها وقد اغتسلت.\nوقول ابن عمر كأنما أحمل بيميني جبلًا؛ يعني (١) أنه وجد من الثقل بسبب اليمين التي حلفها كثقل مَن يحمل جبلًا، هو تشبيه واستعارة.\nوقوله زعموا أنك غير مستخلف، هذا إنما قاله الناس حين طعن عمر وسقوه لبنًا فخرج من طعنته - ﵁ - فيئسوا منه، وعلموا أنه هالك، فجرى ذلك.\nوقوله لو كان راعي غنم. . . إلى آخر الكلام - فيه من الفقه استعمال\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع) و(ج).","vol":"4","page":12},{"text":"فَرِعَايَةُ النَّاسِ أَشَدُّ! قال: فَوَافَقَهُ قولي، فَوَضَعَ رَأسَهُ سَاعَةً ثُمَّ رَفَعَهُ إِلَيَّ فَقال: إِنَّ اللَّهَ يَحفَظُ دِينَهُ، وَإِنِّي إن لَا أَستَخلِف فَإِنَّ رسول الله ﷺ لَم يَستَخلِف،\nــ\nالقياس، فإنه قَرَّرَ على الأصل المعلوم، وهي رعاية الغنم والإبل، ثم حمل عليه رعاية الناس ورأى أنها أولى، فكانَّ ذلك إلحاق مسكوتٍ عنه بمنطوقٍ به على طريق الأَولى، وهو نوع من أنواع الإلحاق كما يعرف في موضعه.\nوقوله فوافقه قولي؛ يعني أنه مال إليه ونظر فيه، ولذلك وضع عمر رأسه يفكر في المسألة، ثم لَمَّا لاح له نَظَرٌ آخر أخذ يُبدِيه، فرفع رأسه وقال: إن الله يحفظ دينه، وإنما قال ذلك للذي قد علمه من قوله تعالى: ﴿لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ ومن قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَستَخلِفَنَّهُم فِي الأَرضِ، ولغير ذلك مما بشر به النبي ﷺ من استيلاء المسلمين وما يفتح الله تعالى عليهم من المشارق والمغارب، ومن قوله إنَّ الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أُمَّتِي سيبلغ ما زوى لي منها (١)، وغير ذلك.\nوقوله فإن رسول الله ﷺ لم يستخلف؛ أي: لم ينصّ على خليفة، لا على أبي بكر ولا على غيره، وهذا هو مذهب جماعة من أهل السُّنة والصحابة ومن بعدهم.\nوقد ذهب بكر ابن أخت عبد الواحد إلى أن تقديم أبي بكر كان بالنص من النبي ﷺ، وذهب ابن الراوندي إلى أنه نصّ على العباس، وذهب الشيعة والرافضة (٢) إلى أنه نصّ على عليّ، وكل ذلك أقوال باطلة قطعًا؛ إذ لو كان ذلك لكان المهاجرون والأنصار أعرف بذلك، فإنهم اختلفوا في ذلك يوم السَّقيفة، وقال كل واحد منهم ما عنده في ذلك من النظر، ولم ينقل منهم أحدٌ نصًّا على\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٨٨٩)، وابن ماجه (٣٩٥٢).\n(٢) في (ج): والروافض.","vol":"4","page":13},{"text":"وَإِن أَستَخلِف فَإِنَّ أَبَا بَكرٍ قَد استَخلَفَ. قال: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَن ذَكَرَ رسول الله ﷺ وَأَبَا بَكرٍ فَعَلِمتُ أَنَّهُ لَم يَكُن لِيَعدِلَ بِرسول الله ﷺ أَحَدًا، وَأَنَّهُ غير مُستَخلِفٍ.\nرواه البخاري (٤١٠٨)، ومسلم (١٨٢٣) (١٢)، وأبو داود (٢٩٣٩)، والترمذي (٢٢٢٦).\n[١٤٠٠] وعَنه قال: حَضَرتُ أبي حِينَ أُصِيبَ، فَأَثنَوا عَلَيهِ وَقالوا: جَزَاكَ اللَّهُ خَيرًا. فَقال: رَاغِبٌ وَرَاهِبٌ! قالوا: استَخلِف. فَقال:\nــ\nرجل بعينه، ولو كان عندهم نصٌّ لاستحال السكوت عليه في مثل ذلك الوقت العظيم والخطب المهم الجسيم والحاجة الفادحة، مع عدم التقية والتواطُؤ من ذلك الجمع على الكتمان. ومدعي النص في ذلك كاذب قطعًا، فلا يُلتَفَتُ إليه.\nوكل من ذكر له خلاف في هذه المسألة لا يُعتَدُّ بخلافه، فإنه إما مُكَفِّر وإما مُفَسِّق مُبَدَّع، ومن كان كذلك لا يعتد بخلافه (١)، والمسألة إجماعية قطعية، والله الموفق.\nوقوله وإن أستخلف فإن أبا بكر قد استخلف؛ يعني أن أبا بكر استخلفه ونصّ عليه وعيَّنه، وهذا لا خلاف في أن الأمر كذلك وقع ولا في أنَّ هذا طريق مشروع في الاستخلاف.\nثم إن عمر ﵁ سلك طريقا بين طريقتين جمعت له الاقتداء بهما، فاقتدى برسول الله ﷺ في أنه لم ينصّ على واحدٍ بعينه فصدق عليه أنه غير مستخلف، واقتدى بأبي بكر من حيث إنه لم يترك أمر المسلمين مهملًا، فإنه جعل الأمر شورى في ستة ممن يصلح للخلافة وفوّض التعيين لاختيارهم.\nوقوله راغب وراهب هذا خبر مبتدأ محذوف؛ أي: أنتم على هذين\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"4","page":14},{"text":"أَتَحَمَّلُ أَمرَكُم حَيًّا وَمَيِّتًا! لَوَدِدتُ أَنَّ حَظِّي مِنهَ الكَفَافُ لَا عَلَيَّ وَلَا لِي، فَإِن أَستَخلِف فَقَد استَخلَفَ مَن هُوَ خَيرٌ مِنِّي - يَعنِي أَبَا بَكرٍ - وَإِن أَترُككُم فَقَد تَرَكَكُم مَن هُوَ خَيرٌ مِنِّي رسول الله ﷺ. قال عَبدُ اللَّهِ: فَعَرَفتُ أَنَّهُ حِينَ ذَكَرَ رسول الله ﷺ غير مُستَخلِفٍ.\nرواه مسلم (١٨٢٣) (١١).\n* * *\nــ\nالحالين، أو مبتدأ وخبره محذوف؛ أي: منكم راغب، ومنكم راهب. ثم ما الذي رغبوا فيه ورهبوا منه؟ وظاهره أنه الثناء المتقدّم الذي أثنوا عليه؛ أي: منهم من رغب في الثناء لغرض له، ومنهم من رغب عنه لما يخاف منه. وقيل: راغب في الخلافة لنيل منصبها، وراهب منها لعظيم حقوقها وشدّتها. وقيل: تقديره أنا راغب في الاستخلاف لئلا يضيع المسلمون، وراهب منه لئلا يفرّط المستخلَف ويقصر فيما يجب عليه من الحقوق - وكلٌّ محتمل، والله تعالى أعلم.\nوقد حصل من هذا الحديث أنَّ نَصبَ الإمام لا بدَّ منه، وأن لنصبه طريقين؛\nأحدهما: اجتهاد أهل الحل والعقد.\nوالآخر: النصُّ؛ إما على واحدٍ بعينه، وإما على جماعة بأعيانها ويفوّض التخيير إليهم في تعيين واحد منهم - وهذا مما أجمع عليه السَّلف الصالح، ولا مبالاة بخلاف أهل البدع في بعض هذه المسائل، فإنهم مسبوقون بإجماع السلف، وأيضًا: فإنهم لا يُعتدُّ بخلافهم على ما تقدَّم.\n* * *","vol":"4","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-512>(٣) باب النهي عن سؤال الإمارة والحرص عليها وأن من كان منه ذلك لا يولاها</span>\n[١٤٠١] عن عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ سَمُرَةَ قال: قال رسول الله ﷺ: يَا عَبدَ الرَّحمَنِ، لَا تَسل الإِمَارَةَ؛ فَإِنَّكَ إِن أُعطِيتَهَا عَن مَسأَلَةٍ وكِلتَ إِلَيهَا، وَإِن أُعطِيتَهَا عَن غير مَسأَلَةٍ أُعِنتَ عَلَيهَا.\nرواه أحمد (٥/ ٦٢ و٦٣)، والبخاريُّ (٧١٤٧)، ومسلم (١٦٥٢)، وأبو داود (٢٩٢٩)، والترمذيُّ (١٥٢٩)، والنسائي (٨/ ٢٢٥).\n[١٤٠٢] وعن أبي مُوسَى قال: أَقبَلتُ إِلَى النبي ﷺ وَمَعِي رَجُلَانِ\nــ\n(٣) ومن باب: النهي عن سؤال الإمارة\nقوله لا تسل الإمارة هو نهيٌ، وظاهره التحريم، وعلى هذا يدلّ قوله هذا إنَّا والله لا نولي على هذا العمل أحدًا يسأله أو حرص عليه، وسببه أن سؤالها والحرص عليها مع العلم بكثرة آفاتها وصعوبة التخلص منها دليلٌ على أنه يطلبها لنفسه ولأغراضه، ومَن كان هكذا أوشك أن تغلب عليه نفسه فيهلك، وهذا معنى قوله وكل إليها، ومن أباها لعلمه بآفاتها ولخوفه من التقصير في حقوقها وفرَّ منها ثم إن ابتلي بها فَيُرجَى له ألا تغلب عليه نفسه للخوف الغالب عليه، فيتخلّص من آفاتها، وهذا معنى قوله أعين عليها.\nوهذا كلّه محمول على ما إذا كان هنالك جماعة ممن يقوم بها ويصلح لها، فأما لو لم يكن هنالك ممن يصلح لها إلا واحد لتعيَّن ذلك عليه ووجب أن يتولاها ويسأل ذلك، ويخبر بصفاته التي يستحقها بها من العلم والكفاية وغير ذلك؛ كما قال يوسف ﵇: ﴿قَالَ اجعَلنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾","vol":"4","page":16},{"text":"مِن الأَشعَرِيِّينَ أَحَدُهُمَا عَن يَمِينِي وَالآخَرُ عَن يَسَارِي، فَكِلَاهُمَا سَأَلَ العَمَلَ، وَالنبي ﷺ يَستَاكُ، فَقال: مَا تَقول يَا أَبَا مُوسَى؟ أَو: يَا عَبدَ اللَّهِ بنَ قَيسٍ؟ قال: قلتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا أَطلَعَانِي عَلَى مَا فِي أَنفُسِهِمَا وَمَا شَعَرتُ أَنَّهُمَا يَطلُبَانِ العَمَلَ! قال: وَكَأَنِّي أَنظُرُ إِلَى سِوَاكِهِ تَحتَ شَفَتِهِ وَقَد قلصَت! فَقال: لَن - أَو: لَا - نَستَعمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَن أَرَادَهُ، وَلَكِن اذهب أَنتَ يَا أَبَا مُوسَى - أَو يَا عَبدَ اللَّهِ بنَ قَيسٍ. فَبَعَثَهُ عَلَى اليَمَنِ ثُمَّ أَتبَعَهُ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيهِ قال: انزِل - وَأَلقَى لَهُ وِسَادَةً، وَإِذَا رَجُلٌ عِندَهُ مُوثَقٌ، قال: مَا هذا؟ قال: هذا كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسلَمَ، ثُمَّ رَاجَعَ دِينَهُ\nــ\nوقوله ﷺ ما تقول يا أبا موسى؟ استفهامُ استعلامٍ عمَّا عنده من إرادته العمل أو من معونته لهما على استدعائهما العمل، فأجابه بما يقتضي أنه لم يكن عنده إرادة ذلك ولا خبر من إرادة الرجلين، فلمَّا تحقق النبي ﷺ ذلك ولَاّه العمل إذ لم يسأله ولا حرص عليه، ومنعه الرَّجلين لحرصهما وسؤالهما على ما تقرر آنفًا من أن الحريص عليها مخذول والكاره لها معان.\nومما جرى من الكلام بهذا المعنى مجرى المثل: الحرص على الأمانة دليل الخيانة.\nوقلصَت شَفَتُه تقبَّضت وقَصُرت، وكأنَّ السَّواك كان فيه قَبضٌ، أو يكون النبي ﷺ قبض شفته ليتمَكَّن من تسويك أسنانه.\nوقوله فبعثه على اليمن ثم أتبعه معاذ بن جبل، ظاهر هذا أنه ﷺ وَلَّى معاذًا على أبي موسى ولم يعزل أبا موسى، وعلى هذا يدل تنفيذ معاذ الحُكم بقتل المرتد وإمضاؤه. ويحتمل أن يكون (١) ﷺ وَلَّى كلّ واحد منهما على عمل غير عمل الآخر؛ فإما في الجهات، وإما في الأعمال (٢)، وهذا هو الصحيح\n_________\n(١) زيادة من (ج ٢) و(ج).\n(٢) زيادة من (ج ٢).","vol":"4","page":17},{"text":"دِينَ السَّوءِ فَتَهَوَّدَ! قال: لَا أَجلِسُ حَتَّى يُقتَلَ، قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ! فَقال: اجلِس، نَعَم! قال: لَا أَجلِسُ حَتَّى يُقتَلَ، قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ - ثَلَاثَ\nــ\nبدليل ما وقع في صحيح البخاري أن النبي ﷺ ولَّى معاذًا على مخلاف من اليمن وأبا موسى على مخلاف (١)، والمخلاف واحد المخاليف وهي الكُوَرُ (٢).\nوقوله لا أجلس حتى يُقتل، قضاء الله ورسوله يدل بظاهره على أن المرتدّ لا يستتاب وأنه يقتل من غير استتابة، وبه قال الحسن وطاوس وبعض السَّلف، وحُكي عن عبد العزيز بن أبي سلمة، وهو قول أهل الظاهر، وحكاه الطحاوي عن أبي يوسف. قالوا: وتنفعه توبته عند الله تعالى، ولكن لا تدرأ عنه القتل. وفرَّق عطاء بين من ولد مسلمًا فلم نستتبه وبين من أسلم ثم ارتد، وجمهور الأئمة والفقهاء على استتابته، وحكى ابن القَصَّار إجماع الصحابة على استتابته. ثم اختلف هؤلاء في مدة الاستتابة وهل يضرب لها أجل؛ فقال أحمد وإسحاق: ثلاثةُ أيام - واستحسنه مالك وأبو حنيفة، وقاله الشافعي مرةً، وحكى ابن القصَّار عن مالك فيه قولين: الوجوب، والاستحباب. وقال الزهري: يُدعى إلى الإسلام ثلاث مرات، فإن أبى قُتِلَ. وقاله الشافعي مرةً. وقال المزني: يُقتل مكانه إن لم يتب. وعن عليّ - ﵁ - أنه يستتاب شهرًا، وقال النَّخعي: يستتاب أبدًا - وقاله الثوري. وعن أبي حنيفة: يستتاب ثلاث مرات أو ثلاث جُمع، أو ثلاثة أيام مرة في كل يوم أو جمعة. والرَّجل والمرأة عند الجمهور سواء، وفرَّق أبو حنيفة فقال: تُسجن المرأة ولا تقتل. وشذَّ قتادة والحسن فقالا: تُستَرَقُّ ولا تقتل. ورُوي مثله عن علي. وخالف أصحاب الرأي في الأمةِ فقالوا: تُدفَعُ إلى سيدها، ويجبرها على الإسلام.\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٣٤١) و(٤٣٤٢)\n(٢) الكُوَرُ: جمع الكورة، وهي الصُّقع والبقعة التي يجتمع فيها قرى ومَحَالُّ.","vol":"4","page":18},{"text":"مَرَّاتٍ، فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ، ثُمَّ تَذَاكَرَا قِيَامَ اللَّيلِ، فَقال أَحَدُهُمَا - مُعَاذٌ:\nــ\nوَقَتل المرتد بالسيف عند الجمهور. وذهب ابن سُريج (١) من أصحاب الشافعي إلى أنه يُقتل بالخشب ضربًا؛ لأنه أبطأُ لقتله، لعله يُراجع التوبة أثناء ذلك.\nوفيه حجة على أن لولاة الأمصار إقامة الحدود في القتل والزنى وغير ذلك، وهو مذهب كافة العلماء: مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وغيرهم.\nواختلف في إقامة ولاة المياه وأشباههم لذلك؛ فرأى أشهب ذلك لهم إذا جعل ذلك لهم الإمام، وقال ابن القاسم نحوه، وقال الكوفيون: لا يقيمه إلا فقهاء الأمصار، ولا يقيمه عامل السَّواد.\nواختلف في القضاة إذا كانت ولايتهم مطلقة غير مقيّدة بنوع من الأحكام؛ فالجمهور على أن جميع ذلك لهم من إقامة الحدود وإثبات الحقوق وتغيير المناكر والنظر في المصالح، قام بذلك قائم أو اختص بحق الله تعالى (٢)، وحكمُه عندهم حكم الوصيِّ المطلق اليد في كل شيء إلا ما يختصّ بضبط بيضة الإسلام من إعداد الجيوش وجباية الخراج.\nواختلف أصحاب الشافعي: هل له نظر في مال الصدقات والتقديم للجُمَع والأعياد أم لا؟ على قولين، وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا نظر له في إقامة حدٍّ ولا في مصلحةٍ إلا لطالب مُخَاصِمٍ، وحكمه عندهم حكم الوكيل.\nوقوله ثم تذاكرا قيام الليل؛ أي فضل قيام الليل، هل الأفضل قيامُه كله أو قيام بعضه؟ فكأنّ أبا موسى ذهب إلى أن قيامه كله لمن قَوِيَ عليه\n_________\n(١) هو أحمد بن عمر بن سُريج البغدادي، أبو العبَّاس، فقيه الشافعية في عصره، له نحو (٤٠٠) مصنف، منها \"الأقسام والخصال- خ\" توفي سنة ٣٠٦ هـ.\n(٢) كذا في الأصول. وفي إكمال إكمال المعلم للأبي \"أكانَ الحقُّ لآدمي أو لله تعالى\".","vol":"4","page":19},{"text":"أَمَّا أَنَا فَأَنَامُ وَأَقُومُ، وَأَرجُو فِي نَومَتِي مَا أَرجُو فِي قَومَتِي.\nوفي رواية: فقال ﵊: إِنَّا وَاللَّهِ لَا نُوَلِّي عَلَى هذا العَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيهِ.\nرواه البخاريّ (٤٣٤١ و٤٣٤٢)، ومسلم (١٧٣٣) في الإمارة (١٤ و١٥)، وأبو داود (٤٣٥٤ - ٤٣٥٧)، والنسائي (١/ ١٠).\n[١٤٠٣] وعَن أبي ذَرٍّ قال: قلتُ: يَا رسول الله، أَلَا تَستَعمِلُنِي؟\nــ\nأفضل، وهذا كما وقع لعبد الله بن عمرو في حديثه المتقدّم (١)، وكأنّ معاذًا رأى أن قيام بعضه ونوم بعضه (٢) أفضل، وهذا كما أشار إليه النبي ﷺ في حديث عبد الله بقوله إنك إذا فعلت ذلك هجمت عينُك ونفهت نفسك، وكما قاله في حديث البخاري المتقدم (٣) أمَّا أنا فأقوم وأنام، وقال في آخره: فمن رغب عن سنتي فليس مني.\nوقوله وأرجو في نومتي ما أرجوه في قَومَتِي، إنما كان ذلك لأنه كان ينام ليقوم؛ أي: يقصد بنومه الاستعانة على قيامه والتنشيط عليه والتفرُّغ من شغل النوم عن فهم القرآن، فكان نومه عبادة يرجو فيها من الثواب ما يرجوه في القيام، ولا يتفطن لمثل هذا إلا مثل معاذ الذي يسبق العلماء يوم القيامة برتوة؛ أي: رمية قوس - كما قاله ﷺ.\nوعلى هذا فما من مُباحٍ إلا ويمكن أن يقصد فيه وجه من وجوه الخير، فيصير قُربَةٌ بحسب القصد الصحيح، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) سبق تخريجه في التلخيص في كتاب الصوم.\n(٢) زيادة من (ج ٢).\n(٣) ذكره الذهبي في السير (١/ ٤٤٦) وبهامشه: رواه أحمد (١/ ١٨). وانظره في مجمع الزوائد، للهيثمي (٩/ ٣١١).","vol":"4","page":20},{"text":"قال: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنكِبِي، ثُمَّ قال: يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةُ، وَإِنَّهَا يَومَ القِيَامَةِ خِزيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلَّا مَن أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيهِ فِيهَا.\nرواه أحمد (٥/ ١٧٣ - ٢٦٧)، ومسلم (١٨٢٥).\n[١٤٠٤] وعَنه أَنَّ رسول الله ﷺ قال: يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفسِي، لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثنَينِ، وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ.\nرواه مسلم (١٨٢٦)، وأبو داود (٢٨٦٨)، والنسائي (٦/ ٢٥٥).\n* * *\nــ\nوقوله ﷺ لأبي ذر إنك ضعيف؛ أي: ضعيف عن القيام بما يتعّين على الأمير من مراعاة مصالح رعيته الدنيوية والدينية، ووجهُ ضعف أبي ذر عن ذلك أنّ الغالب عليه كان الزهد واحتقار الدنيا وترك الاحتفال بها، ومَن كان هذا حاله لم يعتن بمصالح الدنيا ولا بأموالها اللذَين بمراعاتهما تنتظم مصالح الدين ويتم أمره. وقد كان أبو ذر أفرط في الزهد في الدنيا، حتى انتهى به الحال إلى أن يُفتِيَ بتحريم الجمع للمال وإن أُخرِجَت زكاته، وكان يرى أنه الكنز الذي توَعَّد اللَّهُ عليه بِكَيِّ الوجوه والجنوب والظهور، وقد قدّمنا ذلك في كتاب الزكاة، فلما علم النبي ﷺ منه هذه الحالة نَصَحَهُ ونهاه عن الإمارة وعن ولاية مال الأيتام، وأكَّد النصيحة بقوله وإنّي أحبُّ لك ما أحبُّ لنفسي، وغلَّظَ الوعيد بقوله وإنّها أي الإمارة خزيٌّ وندامة أي: فضيحة قبيحة على مَن لم يؤدِّ الأمانة حقّها ولم يقم لرعيته برعايتها، وندامة على تقلدها وعلى تفريطه فيها، وأمّا من عدل فيها وقام بالواجب منها ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنعَمَ اللَّهُ عَلَيهِم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ وهو من السبعة الذين يظلهم الله في","vol":"4","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-513>(٤) باب فضل الإمام المقسط وإثم القاسط وقوله كلكم راع</span>\n[١٤٠٥] عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرٍو قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ: إِنَّ المُقسِطِينَ عِندَ اللَّهِ تعالى عَلَى مَنَابِرَ مِن نُورٍ عَن يَمِينِ الرَّحمَنِ،\nــ\nظله يوم لا ظل إلا ظله، وقد شهد بصحة ما قلناه قوله في الحديث نفسه إلا من أخذها بحقها وأدَّى الذي عليه فيها.\n(٤) ومن باب: فضل الإمام المقسط وإثم القاسط\nالمقسطون جمع مُقسط، اسم فاعل من أقسط؛ أي: عدل. ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَقسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقسِطِينَ﴾\nوقَسَطَ: إذا جَارَ، واسم الفاعل منه: قاسط. ومنه: ﴿وَأَمَّا القَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾\nوقد فسَّر المقسطين في آخر الحديث فقال: الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا.\nوالمنبر سُمِّي بذلك لارتفاعه؛ يقال: نَبَرَ الجرح وانتبر - أي ارتفع وانتفخ، ويعني به مجلسًا رفيعًا يتلألأُ نورًا، ويُحتمل أن يكون عبَّر به عن المنزلة الرفيعة المحمودة، ولذلك قال عن يمين الرحمن، وقال ابن عرفة: يقال أتاه عن يمين إذا أتاه من الجهة المحمودة.\nوقال المفسرون في قوله تعالى ﴿وَأَصحَابُ اليَمِينِ مَا أَصحَابُ اليَمِينِ﴾ أي أصحاب المنزلة الرفيعة، وقيل غير هذا في الآية.\nوقد شهد العقل والنقل أن الله تعالى منزه عن مماثلة الأجسام وعن","vol":"4","page":22},{"text":"وَكِلتَا يَدَيهِ يَمِينٌ - الَّذِينَ يَعدِلُونَ فِي حُكمِهِم وَأَهلِيهِم وَمَا وَلُوا.\nرواه أحمد (٢/ ١٦٠)، ومسلم (١٨٢٧)، والنسائي (٨/ ٢٢١).\n[١٤٠٦] وعَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ شِمَاسَةَ قَالَ: أَتَيتُ عَائِشَةَ أَسأَلُهَا عَن\nــ\nالجوارح المركَّبة من الأعصاب والعظام، وما جاء في الشريعة مِمّا يوهم شيئًا من ذلك فهو توسُّعٌ واستعارة حسب عادات مخاطباتهم الجارية على ذلك.\nوقد توسَّعت العرب في اليمين فأطلقوه ولا يريدون به يمين الجارحة، بل الجهة المحمودة والظفر بالخصلة الشريفة المقصودة، كما قال شاعرهم (١):\nإذا ما رايةٌ رُفِعت لِمَجدٍ ... تلّقاها عُرابةُ باليمين\nوالمَجدُ: الشرف. ورايتُه عبارةٌ عَمَّا يظهرُ مَن خِصَالَه، وهما معنويان؛ فاليمين التي تتلَقَّى به تلك الراية معنويّ لا محسوس (٢)، فأشَبَهُ ما يُحمَلُ عليه اليمين في هذا الحديث ما قاله ابن عرفة: إنه عبارة عن المنزلة الرفيعة والدرجة المنيعة. وقد قدّمنا أن اشتقاق اليمين من اليُمن، وأن كل ذلك راجع إلى اليُمن والبركة.\nوقوله وكلتا يديه يمين تحرّز عن توهم نقصٍ وضعفٍ فيما أضافه إلى الحق ﷾ مِمّا قصد به الإكرام والتشريف على ما مَرَّ، وذلك أنه لما كانت اليمين في حقِّنا يقابلها الشمال - وهي أنقص منها رتبةً وأضعف حركةً وأثقل لفظًا - حَسَمَ تَوهُّم مثل هذه في حق الله تعالى، فقال وكلتا يديه يمين؛ أي: كُلَّ ما نُسِبَ إليه من ذلك شريف محمود لا نقص يُتوهم فيه ولا قصور.\n_________\n(١) هو الشماخ، والبيت الذي قبله:\nرأيتُ عرابةَ الأوسي يسمو ... إلى الخيراتِ منقطعَ القرينِ\n(٢) في (ج): معنوية لا محسوسة.","vol":"4","page":23},{"text":"شَيءٍ فَقَالَت: مِمَّن أَنتَ؟ فَقُلتُ: رَجُلٌ مِن أَهلِ مِصرَ. فَقَالَت: كَيفَ كَانَ صَاحِبُكُم لَكُم فِي غَزَاتِكُم هَذِهِ؟ قَالَ: مَا نَقَمنَا شَيئًا، إِن كَانَ لَيَمُوتُ لرَّجُلِ مِنَّا البَعِيرُ فَيُعطِيهِ البَعِيرَ، وَالعَبدُ فَيُعطِيهِ العَبدَ، وَيَحتَاجُ إِلَى النَّفَقَةِ فَيُعطِيهِ النَّفَقَةَ. فَقَالَت: أَمَا إِنَّهُ لَا يَمنَعُنِي الَّذِي فَعَلَ فِي مُحَمَّدِ بنِ أَبِي بَكرٍ أَخِي أَن أُخبِرَكَ بمَا سَمِعتُ مِن رسول الله ﷺ، يَقُولُ فِي بَيتِي هَذَا: اللَّهُمَّ مَن وَلِيَ مِن أَمرِ أُمَّتِي شَيئًا فَشَقَّ عَلَيهِم فَاشقُق عَلَيهِ، وَمَن وَلِيَ مِن أَمرِ أُمَّتِي شَيئًا فَرَفَقَ بِهِم فَارفُق بِهِ.\nرواه أحمد (٦/ ٩٣)، ومسلم (١٨٢٨).\n[١٤٠٦/م] وقد تقدم قوله ﵊ في حديث مَعقِلَ: مِن مُاتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِ الجَنَّةَ.\nرواه أحمد (٥/ ٢٥)، والبخاريُّ (٧١٥٠)، ومسلم (١٤٢) (٢٢٧).\n[١٤٠٧] وعن عَائِذَ بنَ عَمرٍو وَكَانَ مِن أَصحَابِ رسول الله ﷺ ودَخَلَ عَلَى عُبَيدِ اللَّهِ بنِ زِيَادٍ، فَقَالَ: أَي بُنَيَّ، إِنِّي سَمِعتُ رسول الله ﷺ\nــ\nوقول عائشة ﵂ لعبد الرحمن بن شُمَاسَة كيف كان صاحبكم لكم في غزاتكم هذه؟، اختلف في اسم هذا الصاحب من هو؟ فقيل: كان عمرو بن العاصي - قاله خليفةُ بن خَيَّاط، وقيل معاويةُ بن حُدَيج التَّجيبي فيما قاله الهمذاني.\nواختلف في كيفية قتل محمد بن أبي بكر؛ فقيل: قُتل في المعركة. وقيل: جيء به أسيرًا فقُتل. وقيل: دخل بعد الهزيمة خِربة فوجد فيها حمارًا ميتًا فدخل في جوفه، فأحرق فيه! (١)\n_________\n(١) انظر سير أعلام النبلاء (٣/ ٤٨١).","vol":"4","page":24},{"text":"يَقُولُ: إِنَّ من شَرَّ الرِّعَاءِ الحُطَمَةُ، فَإِيَّاكَ أَن تَكُونَ مِنهُم! فَقَالَ لَهُ: اجلِس، فَإِنَّمَا أَنتَ مِن نُخَالَةِ أَصحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ. فَقَالَ: وَهَل كَانَت لَهُم نُخَالَةٌ! إِنَّمَا كَانَت النُّخَالَةُ بَعدَهُم وَفِي غَيرِهِم.\nرواه أحمد (٥/ ٦٤)، ومسلم (١٨٣٠).\n[١٤٠٨] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ،\nــ\nوقوله إن من شرِّ الرّعاء، الرّعاء جَمع راع، كقاضٍ وقضاةٍ ورامٍ ورُماةٍ؛ وهو المُراعي للشيء والقائم بحفظه.\nوالحطمة هنا يعني الذي يشق على رعيته ويُلقي بعضها (١) على بعض، ومنه (٢) سُميت جهنّم الحطمة، وأصلها من الحَطمِ وهو كسر الحطام، وقيل: هو الأكول - يقال رجل حطمة إذا كان كثير الأكل.\nوهذا الكلام من عائذ بن عمرو وعظ ونصيحة وذكرى لو صادفت مَن تنفعه الذكرى، لكنها صادفت غليظ الطبع والفهم ومن إذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم، فلقد غلب عليه الشقاء (٣) والجهالة حتى جعل فيمن اختاره الله لصحبة نبيه ﷺ الحثالة ونسبهم إلى النُّخالة والرُّذالة، فهو معهم على الكلمة التي طارت وحلت: رمتني بدائها وانسلّت! ولقد أحسن عائِذ في الردّ عليه حيث أسمعه من الحق ما ملأ قلبه وأصمَّ أُذنيه، فقال - ولم يبال بهجرهم: وهل كانت الحثالة إلا بعدهم وفي غيرهم!\nحثالة الشيء ورُذَالتُهُ وسقطُهُ: شِرارُهُ.\nوقوله إنما الإمام جُنَّة، المَجَنُّ والجُنَّةُ والجَانُّ والجَنَّةُ والجِنَّةُ - كله راجع إلى معنى السِّتر والتَّوَقِّي؛ يعني أنه يُتَّقى بنظره ورأيه في الأمور\n_________\n(١) في (ج ٢): بعضًا على بعض.\n(٢) في (ع) و(ج): وبه.\n(٣) في (ج) و(ج ٢): الجفاء.","vol":"4","page":25},{"text":"يُقَاتَلُ مِن وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ، فَإِن أَمَرَ بِتَقوَى اللَّهِ وَعَدَلَ كَانَ لَهُ بِذَلِكَ أَجره،\nــ\nالعظام والوقائع الخطيرة ولا يُتَقدّم على رأيه، ولا يُنفرد دونه بأمر مهم حتى يكون هو الذي يشرع في ذلك.\nوقوله يُقاتل من ورائه؛ أي أمامه، ووراء من الأضداد، يقال بمعنى خلف وبمعنى أمام، وعلى هذا حمل أكثر المفسرين قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُم مَلِكٌ﴾؛ أي: أمامهم - وأنشدوا قول الشاعر (١):\nأترجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفَلاة ورائيا؟ !\nوأصله أن كل ما توارى عنك - أي غاب - فهو وراء، وهذا خبر منه ﷺ عن المشروعية، فكأنه قال: الذي يجب أو يتعيَّن أن يقاتل أمام الإمام ولا يترك يباشر القتال بنفسه لما فيه من تعرّضه للهلاك، فيهلك كل من معه. ويكفي دليلًا في هذا المعنى تغبية (٢) رسول الله ﷺ أصحابه يوم بدر وغيره، فإنه ﷺ كان في العريش في القلب والمقاتِلة أمامه.\nوقد تضمن هذا اللفظ - على إيجازه - أمرين؛\nأحدهما: أن الإمام يُقتدى برأيه ويُقاتل بين يديه، فهما خبران عن أمرين متغايرين، وهذا أحسن ما قيل في هذا الحديث، على أن ظاهره أنه يكون أمام الناس في القتال وغيره، وليس الأمر كذلك، بل كما بينَّاه، والله تعالى أعلم.\nوقوله فإن أمر بتقوى الله وعدل كان له بذلك أجر؛ أي أجر عظيم، فَسَكَتَ عن الصفة للعلم بها، وقد دلّ على ذلك ما تقدَّم من قوله ﷺ إن المقسطين على منابر من نور، وقوله في السبعة الذين يظلهم الله في ظله وإمام عادل (٣).\n_________\n(١) هو سوار بن المُضرِّب.\n(٢) من \"غبي\" بمعنى: خفي.\n(٣) رواه أحمد (٢/ ٤٣٩)، والبخاري (٦٦٠)، ومسلم (١٠٣١)، والترمذي (٢٣٩١) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"4","page":26},{"text":"وَإِن يَأمُر بِغَيرِهِ كَانَ عَلَيهِ مِنهُ.\nرواه البخاريُّ (٢٩٥٧)، ومسلم (١٨٤١)، وأبو داود (٢٧٥٧)، والنسائي (٨/ ١٥٥).\n[١٤٠٩] وعَن ابنِ عُمَرَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: أَلَا كُلُّكُم رَاعٍ وَكُلُّكُم مَسؤولٌ عَن رَعِيَّتِهِ؛ فَالأميرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسؤولٌ عَن رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهلِ بَيتِهِ وَهُوَ مَسؤولٌ عَنهُم، وَالمَرأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيتِ بَعلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسؤولَةٌ عَنهُم، وَالعَبدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسؤولٌ عَنهُ، أَلَا فَكُلُّكُم رَاعٍ وَكُلُّكُم مَسؤولٌ عَن رَعِيَّتِهِ.\nرواه أحمد (٢/ ٥ و٥٤ - ٥٥)، والبخاريُّ (٢٥٥٤)، ومسلم (١٨٢٩)، والترمذيُّ (١٧٠٥)، وأبو داود (٢٩٢٨).\n* * *\nــ\nوقوله وإن يأمر بغيره كان عليه منه؛ أي: إن أمر بجور (١) كان عليه الحظ الأكبر من إثم الجور. ومن هنا للتبعيض؛ أي لا يختص هو بالإثم، بل المُنَفِّذ لذلك الجَور يكون عليه أيضًا حظه من الإثم والراضي به، فالكل يشتركون في إثم الجَور، غير أن الإمام أعظمهم حظًّا منه لأنه مُمضِيه وَحَامِلٌ عليه.\nوقوله كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، قد تقدَّم أن الراعي هو الحافظ للشيء المراعي لمصالحه، وكل من ذكر في هذا الحديث قد كُلِّف ضبطَ ما أُسند إليه من رعيته واؤتُمِنَ عليه، فيَجِبُ عليه أن يجتهد في ذلك وينصح ولا يفرط في شيء من ذلك، فإن وفَّى ما عليه من الرعاية حصل له الحظ الأوفر\n_________\n(١) ساقطة من (ع).","vol":"4","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-514>(٥) باب تغليظ أمر الغلول</span>\n[١٤١٠] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَامَ فِينَا رسول الله ﷺ ذَاتَ يَومٍ فَذَكَرَ الغُلُولَ وَعَظَّمَ أَمرَهُ، ثُمَّ قَالَ: لَا أُلفِيَنَّ أَحَدَكُم يَجِيءُ يَومَ القِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ يَقُولُ: يَا رسول الله أَغِثنِي! فَأَقُولُ: لَا أَملِكُ لَكَ من الله\nــ\nوالأجر الأكبر، وإن كان غير ذلك طالبه كلُّ واحدٍ من رعيته بحقِّه فكثر مُطالبوه وناقشه محاسبوه، ولذلك قال ﷺ: مَا مِن أمير عشرة فما فوقهم إلا ويُؤتى به يوم القيامة مغلولًا؛ فإما أن يفكّه العدلُ، أو يُوبقُه الجور (١)، وقد تقدّم قوله ﷺ من استرعي رعية فلم يجتهد لهم ولم ينصح لم يدخل معهم الجنّة (٢).\n(٥) ومن باب: تغليظ أمر الغلول\nوهو في الأصل الخيانة مطلقا، ثم صار بحكم العرف عبارة عن الخيانة في المغانم، قال نَفطَوِيه: سِّمي بذلك لأن الأيدي تغل عنه - أي تُحبس، يقال: غل غلولًا، وأغل إغلالًا.\nوقوله لا أُلفِيَنَّ أحدَكم يوم القيامة يجيء على رقبته بعير، هكذا صحيح الرواية لا ألفين بالفاء، ومعناه: لا يأخذنَّ أحدٌ شيئًا من المغنم فأجده يوم القيامة على تلك الحال - وهذا مثل قول العرب: لا أرينَّك ها هنا؛ أي: لا تكن ها هنا فأراك. وقد رواه العذري بالقاف من اللقاء، وله وجه، وجاء في الحديث الآخر لا أعرفنَّ (٣)، والمعنى متقارب، وبعض الرواة يقوله لأعرفنَّ بغير مدٍّ على أن تكون لام القسم، وفيه بُعدٌ، والأول أوجه وأحسن.\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٤٣١)، وانظره في المجمع (٤/ ١٩٢)، والترغيب والترهيب (٣٢٤٩).\n(٢) تقدم تخريجه في التلخيص برقم (١١٠).\n(٣) رواه ابن ماجه (٢١) و(١٥٢٨).","vol":"4","page":28},{"text":"شَيئًا، قَد أَبلَغتُكَ! لَا أُلفِيَنَّ أَحَدَكُم يَجِيءُ يَومَ القِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمحَمَةٌ يَقُولُ: يَا رسول الله أَغِثنِي! فَأَقُولُ: لَا أَملِكُ لَكَ شَيئًا، قَد أَبلَغتُكَ! لَا أُلفِيَنَّ أَحَدَكُم يَجِيءُ يَومَ القِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ يَقُولُ: يَا رسول الله أَغِثنِي! فَأَقُولُ: لَا أَملِكُ لَكَ شَيئًا، قَد أَبلَغتُكَ! لَا أُلفِيَنَّ أَحَدَكُم يَجِيءُ يَومَ القِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ نَفسٌ لَهَا صِيَاحٌ فَيَقُولُ: يَا رسول الله أَغِثنِي! فَأَقُولُ: لَا أَملِكُ لَكَ شَيئًا، قَد أَبلَغتُكَ! لَا أُلفِيَنَّ أَحَدَكُم يَجِيءُ يَومَ القِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخفِقُ فَيَقُولُ: يَا رسول الله أَغِثنِي! فَأَقُولُ: لَا أَملِكُ لَكَ\nــ\nوالرُّغَاء للإبل، والثُّغاء للغنم، والنُّهيق للحمير، والنُّعاق للغراب، واليُعار للمعز خاصة - ومنه شاة تيعر، والحَمحَمَةُ للفرس، والصِّياح للإنسان؛ كل ذلك أصواتُ مَن أُضيفت إليه.\nوقوله ورقاع تخفق؛ أي: تحركها الرياح فتضطرب وتصفق فيها، والصَّامت الذهب والفضة.\nوكأنّ هذا الحديث تفصيلُ ما أجمله قوله تعالى: ﴿وَمَن يَغلُل يَأتِ بِمَا غَلَّ يَومَ القِيَامَةِ﴾؛ أي: يأت به مُعذَّبًا بحمله وثقله ومرعوبًا بصوته، ومُوَبَّخًا بإظهار خيانته على رؤوس الأشهاد، وهذا يدلُّ على أن الغلول كبيرة من الكبائر.\nوأجمع العلماء على أن على الغالّ أن يردّ الغلول إلى المقاسم قبل أن يتفرَّق الناس، فأما إذا تفرَّقوا ففات الردُّ فذهب معظمهم إلى أنه يدفع خمس ما أغلَّ للإمام ويتصدق بالباقي، وهو قول الحسن ومالك والأوزاعي والثوري والليث، وروي معناه عن معاوية وابن مسعود وابن عباس وأحمد بن حنبل، وقال الشافعي: ليس له الصدقة بمال غيره.\nثم اختلفوا فيما يُفعل بالغالّ؛ فالجمهور على أنه يعزّر بقدر اجتهاد الإمام","vol":"4","page":29},{"text":"شَيئًا، قَد أَبلَغتُكَ! لَا أُلفِيَنَّ أَحَدَكُم يَجِيءُ يَومَ القِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ فَيَقُولُ: يَا رسول الله أَغِثنِي! فَأَقُولُ: لَا أَملِكُ لَكَ شَيئًا، قَد أَبلَغتُكَ!\nرواه أحمد (٢/ ٤٢٦)، والبخاريُّ (٣٠٧٣)، ومسلم (١٨٣١) (٢٤).\n* * *\nــ\nولا يحرّق رَحلُهُ، ولم يثبت عندهم ما روي عن ابن عمر من أنه يُحرّق رحلُهُ ويُحرم سهمه؛ لأنه مما انفرد به صالح بن محمد عن سالم، وهو ضعيف، ولأن النبي ﷺ لم يُحرِّق رَحلَ الذي وجد عنده الخرزة والعباءة. وقال قوم بمقتضى ذلك الحديث: يُحَرَّقُ رحلُه ومتاعُه كله - وهو قول مكحول والحسن والأوزاعي، وقال: إلا سلاحه وثيابه التي عليه. وقال الحسن: إلا الحيوان والمصحف. قال الطحاوي: ولو صحّ حديث ابن عمر لَحُمل على أنه كان ذلك لَمَّا كانت العقوبة في الأموال، وذلك كله منسوخ.\nوقوله لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك!؛ أي: لا أملك لك مغفرةً ولا شفاعةً إلَاّ إذا أذن الله له في الشفاعة، فكأنَّ هذا القول منه أبرزه غضب وغيظ، ألا ترى قوله قد أبلغتك أي ليس لك عذر بعد الإبلاغ.\nثم إنه ﷺ بما قد جبله الله تعالى عليه من الرأفة والرَّحمة والخلق الكريم لا يزال يدعو الله تعالى ويرغب إليه في الشفاعة حتى يأذن الله تعالى له في الشفاعة، فيشفع في جميع أهل الكبائر من أمته حتى تقول خزنة النار: يا محمد، ما تركت لربك في أمتك من نقمة (١)، كما قد صحّ عنه.\nوفي هذا الحديث ما يدلّ على أن العقوبات في الآخرة تناسب الذنوب المكتسبة في الدنيا، وقد تكون على المقابلة، كما يحشر المتكبرون أمثال الذر في صور الرجال.\n_________\n(١) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب \"الأهوال\" كما في النهاية لابن كثير (٢/ ٢٠٤ - ٢٥٥).","vol":"4","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-515>(٦) باب ما جاء في هدايا الأمراء</span>\n[١٤١١] عَن أَبِي حُمَيدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: استَعمَلَ رسول الله ﷺ رَجُلًا مِن الأَسدِ - يُقَالَ لَهُ ابنُ اللُّتبِيَّةِ - عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُم، وَهَذَا أهدي لِي! قَالَ: فَقَامَ رسول الله ﷺ عَلَى المِنبَرِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثنَى عَلَيهِ، وَقَالَ: مَا بَالُ عَامِلٍ أَبعَثُهُ فَيَقُولُ: هَذَا لَكُم وَهَذَا أُهدِيَ لِي! أَفَلَا قَعَدَ فِي بَيتِ أَبِيهِ أَو فِي بَيتِ أُمِّهِ حَتَّى يَنظُرَ أَيُهدَى لهِ أَم لَا؟ ! وَالَّذِي نَفسُ\nــ\n(٦) ومن باب: ما جاء في هدايا الأمراء\nاللُّتبيَّة بضم اللام وفتح التاء هي الرواية المعروفة هنا، قال القاضي أبو الفضل عياض: وصوابُه الأُتبيَّة بسكون التاء باثنتين من فوقها. قال: ولُتب بضم اللام وسكون التاء بطنٌ من العرب.\nقلت: وقد جاء في الرواية الأخرى الأُتبِيَّة، وكلاهما صحيح الرواية جائز.\nوهذا الحديث يدلّ دلالة صحيحة واضحة على أن هدايا الأمراء والقضاة وكل من ولي أمرًا من أمور المسلمين العامَّة لا تجوز، وأن حكمها حكم الغلول في التغليظ والتحريم؛ لأنها أكل المال بالباطل وَرُشًا - وهو قول مالك وغيره بتفصيل يعرف في الفقه.\nوقوله أفلا قعد في بيت أبيه وأمه حتى ينظر أيهدى إليه أم لا؟؛ يعني أن الذي يستخرج الهدايا من الناس للأمير إنما هو رهبة (١) منه أو رغبة فيما في يديه أو في يدي غيره، ويستعين به عليه، فهي رشوة.\n_________\n(١) في (ج ٢): رهبة فيُداريه.","vol":"4","page":31},{"text":"مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَنَالُ أَحَدٌ مِنكُم شَيئًا إِلَّا جَاءَ يَومَ القِيَامَةِ يَحمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ: بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، أَو بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ، أَو شَاةٌ تَيعِرُ. ثُمَّ رَفَعَ يَدَيهِ حَتَّى رَأَينَا عُفرَتَي إِبطَيهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ هَل بَلَّغتُ - مَرَّتَينِ.\nوفي رواية: استَعمَلَ رسول الله ﷺ رَجُلًا مِن الأَسدِ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيمٍ يُدعَى ابنَ الأُتبِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ، قَالَ: هَذَا مَالُكُم، وَهَذَا هَدِيَّةٌ! فَقَالَ رسول الله ﷺ: فَهَلَّا جَلَستَ فِي بَيتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ حَتَّى تَأتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِن كُنتَ صَادِقًا؟ ! ثُمَّ خَطَبَنَا فذكر نحوه.\nرواه البخاريُّ (٦٩٧٩)، ومسلم (١٨٣٢) (٢٦ و٢٧)، وأبو داود (٢٩٤٦).\nــ\nوالعُفرة بياض يضرب إلى الصفرة - قاله الأصمعي.\nويفهم من تكرار اللهم هل بلغت؟ ومن هذه الحالة تعظيم ذلك وتغليظه.\nوليس لأحدٍ أن يتمسك في استباحة هدايا الأمراء بأن رسول الله ﷺ كان يقبل الهدية (١)، ولا بما يروى أن النبي ﷺ أباح لمعاذٍ الهدية حين وجَّههُ إلى اليمن.\nأما الجواب عن النبي ﷺ فمن وجهين؛\nأحدهما: أنه كان لا يقبل الهدية إلا ممن يعلم أنه طيب النفس بها، ومع ذلك فكان يكافئ عليها بأضعافها غالبًا.\nوالثاني: أنه ﷺ معصوم عن الجور والميل الذي يُخاف منه على غيره\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٥١٢)، وابن حبان (٦٣٨١) الإحسان.","vol":"4","page":32},{"text":"[١٤١٢] وعَن عَدِيِّ بنِ عَمِيرَةَ الكِندِيِّ قَالَ: سَمِعتُ رسول الله ﷺ يَقُولُ: مَن استَعمَلنَاهُ مِنكُم عَلَى عَمَلٍ فَكَتَمَنَا مِخيَطًا فَمَا فَوقَهُ كَانَ غُلُولًا يَأتِي بِهِ يَومَ القِيَامَةِ. قَالَ: فَقَامَ إِلَيهِ رَجُلٌ أَسوَدُ مِن الأَنصَارِ كَأَنِّي أَنظُرُ إِلَيهِ، فَقَالَ: يَا رسول الله، اقبَل عَنِّي عَمَلَكَ! قَالَ: وَمَالَكَ؟ قَالَ: سَمِعتُكَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: وَأَنَا أَقُولُهُ الآنَ، مَن استَعمَلنَاهُ مِنكُم عَلَى عَمَلٍ فَليَجِئ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ؛ فَمَا أُوتِيَ مِنهُ أَخَذَ، وَمَا نُهِيَ عَنهُ انتَهَى.\nرواه أحمد (٤/ ١٩٢)، ومسلم (١٨٣٣)، وأبو داود (٣٥٨١).\n* * *\nــ\nبسبب الهدية.\nوأما عن حديث معاذ (١) فلأنه لم يجئ في الصحيح، ولو صحَّ لكان ذلك مخصوصًا بمعاذ لما عَلِمَ رسول الله ﷺ من حاله وتحقُّقه من فضله ونزاهته ما لا يشاركه فيه غيره، ولم يُبح ذلك لغيره بدليل هذه الأحاديث الصّحاح، والله تعالى أعلم.\nوقوله من استعملناه على عمل فليجئ بقليله وكثيره يدلّ على أنه لا يجوز له أن يقتطع منه شيئًا لنفسه؛ لا أجرة ولا غيرها، ولا لغيره - إلا أن يأذن له الإمام الذي تلزمه طاعته.\nوالمِخيَطُ: الإبرة.\n* * *\n_________\n(١) ذكره ابن العربي المالكي في عارضة الأحوذي (٦/ ٨٢) وقال: قد روي أن النبي - ﷺ - لما قدم معاذًا على اليمن قال لي: \"قد علمتُ الذي دار عليك في مالك، وقد طيَّبْت لك الهدية\" ثم عقب عليه بقوله: ولم يصحَّ سندًا ولا معنى.","vol":"4","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-516>(٧) باب قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم﴾</span>\n[١٤١٣] عن ابنُ عباس قال: نَزَلَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمرِ مِنكُم فِي عَبدِ اللَّهِ بنِ حُذَافَةَ بنِ قَيسِ بنِ عَدِيٍّ السَّهمِيِّ؛ بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي سَرِيَّةٍ.\nرواه البخاري (٤٥٨٤)، ومسلم (١٨٣٤)، وأبو داود (٢٦٢٤)، والترمذيُّ (١٦٧٢)، والنسائيُّ (٧/ ١٥٤ - ١٥٥).\nــ\n(٧) ومن باب قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم﴾\nقول ابن عباس بعثه رسول الله ﷺ في سرية كلام غير تام، وتتمته (١) أن عبد الله بن حُذَافَةَ أمرهم بأمر فخالف بعضهم وأَنِفَ، على عادة العرب أنهم كانوا يأنفون من الطّاعة، قال الشافعي: كانت العرب تأنف من الطّاعة للأمراء، فلمَّا أطاعوا رسول الله ﷺ أمرهم بطاعة الأمراء. وقال أبو العالية: نزلت الآيةُ بسبب عمَّار بن ياسر (٢)؛ خرج في سرية أميرهم خالد بن الوليد، فأجار عَمَّار رجلًا فأبى خالد أن يُجِيزَ أمانَهُ، فأخبر بذلك النبي ﷺ فأجاز أمان عَمَّار ونهى أن يُجار على الأمير.\nقلت: وقول ابن عباس أشهر وأصح وأنسب، وعلى هذا فأولو الأمرِ في الآية هم الأمراء، وهو أظهر من قول من قال هم العلماء - قاله الحسن\n_________\n(١) في (ج) و(ج ٢): وتتميمه.\n(٢) انظر الدر المنثور (٢/ ٥٧٤).","vol":"4","page":34},{"text":"[١٤١٤] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَن أَطَاعَنِي فَقَد أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَن يَعصِنِي فَقَد عَصَى اللَّهَ،\nــ\nومالك، وله وجه؛ وهو أن الأمراء شرطهم أن يكونوا آمرين بما يقتضيه العلم، وكذلك كان أمراءُ رسول الله ﷺ، وحينئذ تجب طاعتهم، فلو أمروا بما لا يقتضيه العلم حَرُمَت طاعتهم، فإذًا: الحكم للعلماء والأمرُ لهم بالأصالة، غير أنهم لهم الفتيا من غير جبر، وللأمير الفتيا والجبر.\nوهذان القولان أشبه ما قيل في هذه الآية.\nوقوله: ﴿فَإِن تَنَازَعتُم فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية، تنازعتم اختلفتم، وأصله التجاذب والتعاطي، ومنه سُمِّي المستقيان متنازعين؛ لأنهما يتجاذبان الدّلو بالحبل، ولا شك أن المواجه بهذا الخطاب الصحابة.\nوعلى هذا فالمراد بقوله ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾؛ أي: انتظروا أن يُنزل الله فيه قرآنًا أو يبيّن فيه رسول الله ﷺ سُنَّة.\nوقيل: المراد الصحابة وغيرهم. والمعنى: أنَّ المرجع عند التنازع كتاب الله وسُنَّة رسوله ﷺ - قاله قتادة.\nوقوله ذلك خير؛ أي الردُّ إلى كتاب الله وسُنّة رسوله ﷺ خير من الردّ إلى التحكّم بالهوى، وخير للمفاضلة التي على منهاج قولهم: العسل أحلى من الخل. ومنه قوله تعالى: ﴿أَصحَابُ الجَنَّةِ يَومَئِذٍ خَيرٌ مُستَقَرًّا وَأَحسَنُ مَقِيلا﴾ وخير هنا بمعنى الواجب؛ أي: ذلك الواجب عليكم. وتأويلًا أي مآلًا ومرجعًا - قاله قتادة وغيره.\nوقوله من أطاعني فقد أطاع الله، هذا مُنتَزَعٌ من قوله تعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَد أَطَاعَ اللَّهَ﴾ وذلك أنه ﷺ لَمَّا كان مُبَلِّغًا أمر الله وحُكمَهُ وأمر الله بطاعته؛ فمن أطاعه فقد أطاع أمر الله ونفّذ حكمه.","vol":"4","page":35},{"text":"وَمَن يُطِع الأميرَ فَقَد أَطَاعَنِي، وَمَن يَعصِ الأميرَ فَقَد عَصَانِي.\nوفي رواية: ومن أطاع. . . ومن عصى أميري. . . .\nرواه أحمد (٢/ ٢٤٤ و٣٤٢)، والبخاريُّ (٢٩٥٧)، ومسلم (١٨٣٥) (٣٢ و٣٣)، والنسائي (٧/ ١٥٤)، وابن ماجه (٣).\n[١٤١٥] وعَنه قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ: عَلَيكَ السَّمعَ وَالطَّاعَةَ فِي عُسرِكَ وَيُسرِكَ، وَمَنشَطِكَ وَمَكرَهِكَ، وَأَثَرَةٍ عَلَيكَ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٨١)، ومسلم (١٨٣٦).\nــ\nوقوله ومن أطاع الأمير - أو أميري - فقد أطاعني، وَوَجهُهُ أنّ أمير رسول الله ﷺ إنما هو مُنَفِّذٌ أَمرَهُ، ولا يتصرف إلا بأمره، فمن أطاعه فقد أطاع أمر رسول الله ﷺ، وعلى هذا فكل من أطاع أمير رسول الله ﷺ فقد أطاع الرسول، ومن أطاع الرسول فقد أطاع الله. فينتج أنَّ مَن أطاع أمير رسول الله ﷺ فقد أطاع الله، وهو حق صحيح، وليس هذا الأمر خاصَّا بمن باشره رسول الله ﷺ بتولية الإمارة، بل هو عام في كل أمير للمسلمين عدل، ويلزم منه نقيض ذلك في المخالفة والمعصية.\nوقوله وعليك السَّمع والطَّاعة بالنصب على الإغراء، ويلزم منه الوجوب.\nولا خلاف في وجوب طاعة أمراء المسلمين على الجملة، وسيأتي تفصيله.\nوالمنشط والمكره مصدران، ويعني بذلك أنَّ طاعة الأمير واجبة على كل حال، سواء كان المأمور به موافقًا لنشاط الإنسان وهواه أو مخالفًا.\nوقوله وأَثَرَةٍ عليك رويناه بفتح الهمزة وفتح الثاء المثلثة، ورويناه","vol":"4","page":36},{"text":"[١٤١٦] وعَن أَبِي ذَرٍّ قَالَ: إِنَّ خَلِيلِي أَوصَانِي أَن أَسمَعَ وَأُطِيعَ، وَإِن كَانَ عَبدًا حبشيا مُجَدَّعَ الأَطرَافِ.\nرواه مسلم (١٨٣٧)، وأبو داود (٤٣١)، والترمذيُّ (١٣٦)، والنَّسائيُّ (٢/ ٧٥).\n* * *\nــ\nأيضًا بضم الهمزة وإسكان الثاء، وكلاهما بمعنى؛ والمعنى: أنّ الطاعة للأمراء واجبة وإن استأثروا بالأموال دون الناس، بل وعلى أشد من ذلك؛ لأنه ﷺ قال لحذيفة: فاسمع وأطع، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك (١).\nوقوله وإن كان عبدًا حبشيًّا مجدَّع الأطراف، الجَدعُ: القطُع - وأصله في الأنف. والأطراف: الأصابع.\nوهذا مبالغة في وصف هذا العبد بالضعة والخسّة؛ وذلك أن العبد إنما تنقطع أطرافه من كثرة العمل والمشي حافيًا، وهذا منه ﷺ على جهة الإغياء على عادة العرب في تمكينهم المعاني وتأكيدها، كما قال النبي ﷺ: من بنى مسجدًا لله ولو مثل مِفحَصِ قطاةِ بنى الله تعالى له بيتًا في الجنَّة (٢)، ومفحص قطاة لا يصلح لمسجد، وإنما هو تمثيل للتصغير على جهة الإغياء، فكأنَّه قال: أصغر ما يكون من المساجد. وعلى هذا التأويل لا يكون فيه حجة لمن استدل به على جواز تأمير العبد فيما دون الإمامة الكبرى، وهم بعض أهل الظاهر فيما أحسب، فإنه قد اتُّفِقَ على أن الإمام الأعظم لا بُدَّ أن يكون حرًّا على ما يأتي بنص أصحاب مالك، على أن القاضي لا بُدَّ أن يكون حرًّا.\nقلت: وأمير الجيش والحرب في معناه، فإنها مناصب دينية يتعلّق بها تنفيذ\n_________\n(١) رواه مسلم (١٨٤٧).\n(٢) رواه ابن حبان (١٦١١)، والبيهقي في السنن (٢/ ٤٣٧).","vol":"4","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-517>(٨) باب إنما الطاعة ما لم يأمر بمعصية</span>\n[١٤١٧] عَن يَحيَى بنِ حُصَينٍ قَالَ: سَمِعتُ جَدَّتِي تُحَدِّثُ أَنَّهَا سَمِعَت النَّبِيَّ ﷺ يَخطُبُ فِي حجة الوَدَاعِ، وَهُوَ يَقُولُ: وَلَو استُعمِلَ عَلَيكُم عَبدٌ يَقُودُكُم بِكِتَابِ اللَّهِ فَاسمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا.\nرواه أحمد (٤/ ٦٩)، ومسلم (١٨٣٨) (٣٧)، والنسائي (٧/ ١٥٤).\n[١٤١٨] وعَن ابنِ عُمَرَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: عَلَى المَرءِ المُسلِمِ السَّمعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلَّا أَن يُؤمَرَ بِمَعصِيَةٍ، فَإِن أُمِرَ بِمَعصِيَةٍ فَلَا سَمعَ وَلَا طَاعَةَ.\nرواه البخاري (٧١٤٤)، ومسلم (١٨٣٩)، وأبو داود (٢٦٢٦)، والترمذي (١٧٠٧)، والنسائي (٧/ ١٦٠)، وابن ماجه (٢٨٦٤).\nــ\nأحكام شرعية، فلا يصلح لها العبد لأنه ناقص بالرِّقِّ مَحجُورٌ عليه لا يستقل بنفسه، ومسلوبُ أهليةِ الشهادة والتنفيذ فلا يصلح للقضاء ولا للإمارة، وأظن أنَّ جمهور علماء المسلمين على ذلك.\nوقد ورد ذكر العبد في هذا الحديث مطلقا، وقد قيَّده بالحديث الآتي بعد هذا الذي قال فيه: ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله (١).\n(٨) ومن باب: إنما تجب طاعة الإمام ما لم يأمر بمعصية\nقوله على المرء المسلم السَّمع والطاعة ظاهر في وجوب السمع والطّاعة للأئمة والأمراء والقضاة، ولا خلاف فيه إذا لم يأمر بمعصية، فإن أمر\n_________\n(١) هو الحديث (١٤١٧).","vol":"4","page":38},{"text":"[١٤١٩] وعَن عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: بَعَثَ رسول الله ﷺ سَرِيَّةً وَاستَعمَلَ عَلَيهِم رَجُلًا مِن الأَنصَارِ، وَأَمَرَهُم أَن يَسمَعُوا لَهُ وَيُطِيعُوا،\nــ\nبمعصية فلا تجوز طاعته في تلك المعصية قولًا واحدًا، ثم إن كانت تلك المعصية كفرًا وَجَبَ خَلعُه على المسلمين كلهم، وكذلك لو ترك إقامة قاعدة من قواعد الدين كإقام الصلاة وصوم رمضان وإقامة الحدود ومَنَع من ذلك، وكذلك لو أباح شرب الخمر والزنا ولم يمنع منها لا يختلف في وجوب خَلعِهِ، فأمَّا لو ابتدع بدعة ودعا النَّاس إليها فالجمهور على أنه يُخلَع.\nوذهب البصريون إلى أنه لا يُخلَع تمسُّكًا بقوله ﵊: إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان (١)، وهذا يدلّ على استدامة ولاية المتأوّل وإن كان مبتدعًا، فأمَّا لو أمر بمعصية مثل أخذ مال بغير حق أو قتل أو ضرب بغير حق فلا يطاع في ذلك ولا ينفذ أمره، ولو أفضى ذلك إلى ضرب ظهر المأمور وأخذ ماله؛ إذ ليس دم أحدهما ولا ماله بأولى من دم الآخر ولا ماله، وكلاهما يحرم شرعًا؛ إذ هما مسلمان، ولا يجوز الإقدام على واحد منهما لا للآمر ولا للمأمور؛ لقوله ﷺ: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (٢) كما ذكره الطبري، ولقوله هنا: فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة.\nفأمَّا قوله في حديث حذيفة اسمع وأطع، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك (٣) فهذا أمر للمفعول به ذلك للاستسلام والانقياد، وترك الخروج عليه مخافة أن يتفاقم الأمر إلى ما هو أعظم من ذلك.\nويحتمل أن يكون ذلك خطابًا لمن يُفعل به ذلك بتأويل يسوّغ للأمير بوجهٍ يظهر له ولا يظهر ذلك للمفعول به، وعلى هذا يرتفع التعارض بين الأحاديث ويصحّ الجمع، والله تعالى أعلم.\nوقول عليٍّ واستعمل عليهم رجلًا من الأنصار ظاهر في أنه ليس\n_________\n(١) رواه مسلم (١٧٠٩) (٤٢).\n(٢) رواه أحمد (١/ ٤٠٩) من حديث عبد الله بن مسعود.\n(٣) رواه مسلم (١٨٤٧) (٥٢).","vol":"4","page":39},{"text":"فَأَغضَبُوهُ فِي شَيءٍ، فَقَالَ: اجمَعُوا لِي حَطَبًا. فَجَمَعُوا، ثُمَّ قَالَ: أَوقِدُوا نَارًا. فَأَوقَدُوا، ثُمَّ قَالَ: أَلَم يَأمُركُم رسول الله ﷺ أَن تَسمَعُوا لِي وَتُطِيعُوا؟ قَالَوا: بَلَى! قَالَ: فَادخُلُوهَا! قَالَ: فَنَظَرَ بَعضُهُم إِلَى بَعضٍ فَقَالَوا: إِنَّمَا فَرَرنَا إِلَى رسول الله ﷺ مِن النَّارِ! فَكَانُوا كَذَلِكَ، وَسَكَنَ غَضَبُهُ، وَطُفِئَتِ النَّارُ، فَلَمَّا رَجَعُوا إلى رسول الله ﷺ ذَكَرُوا ذَلِكَ إلى رسول الله ﷺ، فَقَالَ: لَو دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنهَا، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعرُوفِ.\nوفي رواية: فَأَرَادَ نَاسٌ أَن يَدخُلُوهَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: إِنَّما فَرَرنَا مِنهَا! فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرسول الله ﷺ، فَقَالَ لِلَّذِينَ أَرَادُوا أَن يَدخُلُوهَا: لَو دَخَلتُمُوهَا لَم تَزَالُوا فِيهَا إِلَى يَومِ القِيَامَةِ. وَقَالَ لِلآخَرِينَ قَولًا حَسَنًا،\nــ\nعبد الله بن حُذَافة؛ فإنه مهاجريٌّ وذلك أنصاريٌّ، فافترقا. وقضية عبد الله بن حُذَافة هي التي ذكر منها ابن عباس ﵄ طرفًا كما تقدَّم، فلا معنى لقول من قال: إن هذا الذي حكى عنه عليُّ بن أبي طالب ﵁ هو عبد الله بن حُذَافة. وكذلك لا معنى لقول من قال: إنَّ ذلك الأمير إنما أمرهم بدخول النار ليختبر طاعتهم له. وقد قال في هذه الرواية: إنهم أغضبوه. وقال: وسكن غَضَبُهُ عليهم، فأراد عقوبتهم بذلك. وهذه نصوص في أنه إنما حمله على ذلك غضبه عليهم.\nوقوله لو دخلتموها لم تزالوا فيها إلى يوم القيامة ظاهر في أنه تَحرُمُ الطاعةُ في المعصية المأمور بها، وأنَّ المطيع فيها يستحق العقاب.\nوقوله للآخرين قولًا حسنًا يدلّ على مدح المصيب في المجتهدات، كما أنّ القول الأول يدلّ على ذمِّ المقصر المخطئ وتعصيته، مع أنه ما كان تقدّم لهم في مثل تلك النازلة نصٌّ، لكنهم قصروا حيث لم ينظروا في قواعد الشريعة الكلية ومقاصدها المعلومة الجليّة.","vol":"4","page":40},{"text":"وَقَالَ: لَا طَاعَةَ فِي مَعصِيَةِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعرُوفِ.\nرواه أحمد (١/ ٩٤)، والبخاري (٧٢٥٧)، ومسلم (١٨٤٠)، (٣٩ و٤٥)، وأبو داود (٢٦٢٥)، والنسائي (٧/ ١٠٩).\n* * *\nــ\nوقوله إنّما الطاعة في المعروف، إنّما هذه للتحقيق والحصر؛ فكأنه قال: لا تكون الطّاعة إلا في المعروف. ويعني بالمعروف هنا ما ليس بمنكرٍ ولا معصية، فيدخل فيها الطاعات الواجبة والمندوب إليها والأمور الجائزة شرعًا، فلو أمر بجائزِ لصارت طاعته فيه واجبة ولما حَلَّت مخالفتُه، فلو أمر بما زجر الشرع عنه زَجرَ تنزيهٍ لا تحريمٍ فهذا مُشكِلٌ، والأظهر جواز المخالفة تمسَّكًا بقوله إنما الطاعة في المعروف، وهذا ليس بمعروف إلا بأن يخاف على نفسه منه، فله أن يمتثل (١)، والله تعالى أعلم.\nتنبيه: هذا الحديث يَرُدُّ حكايةً حُكيت عن بعض مشايخ الصوفية، وذلك أن مريدًا له قال له يومًا: قد حمي التنورُ، فما أصنع؟ فتغافل عنه، فأعاد عليه القول فقال له: ادخل فيه. فدخل المريد في التنور، ثم إن الشيخ تذكّر فقال: الحقوه، كان قد عقد على نفسه ألا يخالفني! فلحقوه فوجدوه في التنور لم تضره النار! وهذه الحكاية أظنها من الكذب الذي كُذِبَ به على هذه الطائفة الفاضلة، فكم قد كَذَبَ عليها الزنا قةُ وأعداءُ الدين، وبيان ما يحقق ذلك أنَّ هذا الشيخ إمّا أن يكون قاصدًا لأمر ذلك المريد بدخول التنور أو لا، فإن كان قاصدًا كان قَصدُهُ ذلك معصيةً، ولا طاعة فيها بنصِّ النبي ﷺ، ويكون امتثال المريد لذلك معصيةً، وكيف\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"4","page":41},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nتظهر الكراماتُ على العصاة في حال معصيتهم؟ ! فإنَّ الكرامةَ تدلُّ على حُسن حال من ظهرت على يديه وأنه مطيع لله تعالى في تلك الحالة مع جواز أمر آخر يكون في المستقبل، وإن كان ذلك الشيخ غير قاصدٍ لذلك ولا شاعرٍ بما صدر عنه فكيف يحلُّ للمريد أن يُلقي نفسه في النار بأمر غلطٍ لا حقيقةَ له؟ ! ثم هذا المريد عاصٍ بذلك الفعل، ولا يظهر على العاصي كرامةٌ في حال ملابسته للمعصية، ولو جاز ذلك لجاز للزَّناة وَشَرَبَةِ الخمر والفَسَقَة أن يدَّعوا الكرامات وهم ملابسون لفسقهم، هذا ما لا يجوز إجماعًا، وإنما تُنسب الكراماتُ لأولياء الله وهم أهل طاعته لا إلى أولياء الشيطان، وهم أهل الفسق والعصيان.\nوالأولى في هذه الحكاية وأشباهها مما لا يليق بأحوال الفضلاء والعلماء الطعن على الناقل لا على المنقول عنه، والله تعالى أعلم.\nفإن قيل: إن الشيخ لم يكن قاصدًا لإدخال المريد نفسه النار، وإنما صَدَر ذلك منه على جهة التأديب والتغليظ لكونه أكثر عليه من السؤال، فكأنَّه قَطَعَهُ عمَّا كان أولى به في ذلك الحال، والمريد لصحة اعتقاده في شيخه وللوفاء بما جعل له عليه من الطاعة وترك المخالفة ولاعتقاده أنه لا يأمره إلا بما فيه مصلحة دينية، ثم إنه قد صحَّ توكّل هذا المريد على الله تعالى وصِدقِه في حاله، فيحتمل (١) له من مجموع ذلك أن الله تعالى ينجيه من النار ويجعل له في ذلك مخرجًا.\nوالجواب أن يقول مَن يُجوّز الإقدام على تلك الحالة بتلك القيود المذكورة يلزمُه أن يُجوز ما هو محرّم إجماعًا، بيانُ ذلك أنه لو قال له على تلك الحال (٢) بتلك القيود اقتل فلانًا المسلم، أو: ازن بفلانة، أو: اشرب الخمر -\n_________\n(١) في (ج ٢): فحصل.\n(٢) في (ج ٢): الجهة.","vol":"4","page":42},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nلم يجز الإقدام على شيء من ذلك بالإجماع، ولو كانت له تلك القيود كلها. ولا فرق بين صورة الحكاية المذكورة وبين هذه الصور التي ذكرناها؛ إذ الكل مُحرَّمٌ قطعًا، وإن جُوِّزَ انخراق العادة في أن النار لا تحرق والسيف لا يحز الرقبة والمدية لا تقطع الحلق، لكن هذه التجويزات لا يُلتفت إليها ولا تُهَدُّ القواعدُ الشرعية لأجلها، فلو أقدم على شيء من تلك الأمور لأجل أمر هذا الشيخ لكان عاصيًا، فكذلك إذا ألقى نفسه في النار، ولا فرق.\nثم نقول: إنَّ التوكل على الله لا يصحّ مع المخالفة والمعصية، وذلك أن التوكل على الله تعالى هو الاعتماد عليه والتفويض إليه فيما يجوز الإقدام عليه أو فيما يخافُ وقوعه أو يُرتجى حصوله، وقد يُفضِي التوكّل بصاحبه إلى ألا يخاف شيئًا إلا الله ولا يرجو سواه؛ إذ لا فاعل على الحقيقة إلا هو، وهذه الحالة إنما تثمرها المعرفة بالله تعالى وبأحكامه وملازمة الطاعة والتقوى والتوفيق الخاص الإلهي.\nوعلى هذا فمن المحال حصول هذه الحالة مع المعصية والمخالفة، والصحيح ما قاله رسول الله ﷺ: لو دخلوها ما خرجوا منها، وهذا هو الحق المبين ولو كره أكثر الجاهلين.\nومن نوع هذه الحكاية حكاية أبي حمزة الذي وقع في البئر، ثم جاء قوم وغطّوا البئر وهو في قعره ساكت لم يتكلم؛ متوكلًا على الله تعالى، إلى أن غطّوا البئر وانصرفوا - وللكلام في هذا موضع آخر.\n* * *","vol":"4","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-518>(٩) باب في البيعة على ماذا تكون</span>\n[١٤٢٠] عَن عُبَادَةَ بنِ الصامت قَالَ: بَايَعنَا رسول الله ﷺ عَلَى السَّمعِ وَالطَّاعَةِ فِي العُسرِ وَاليُسرِ وَالمَنشَطِ وَالمَكرَهِ،\nــ\n(٩) ومن باب: البيعة\nوهي مأخوذة من البيع، وذلك أن المبايع للإمام يلتزم أن يقيَهُ بنفسه وماله، فكأنّه قد بذل نفسه وماله لله تعالى، وقد وعده الله تعالى على ذلك بالجنة، فكأنّه قد حصلت له المعاوضة، فصدق على ذلك اسم البيع والمبايعة والشراء؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشتَرَى مِنَ المُؤمِنِينَ أَنفُسَهُم وَأَموَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ إلى أن قال: فَاستَبشِرُوا بِبَيعِكُمُ الَّذِي بَايَعتُم بِهِ، وعلى نحوٍ من هذا قال النبي ﷺ لصهيب: ربح البيع أبا يحيى (١)، وكانت قريشُ تبعته لتردّه عن هجرته، فبذل لهم ماله في تخليص نفسه ابتغاء ثواب الله تعالى، فسمَّاه النبي ﷺ بيعًا، وهذا أحسن ما قيل في المبايعة.\nثم هي واجبة على كل مسلم لقوله ﷺ: من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية (٢)، غير أنّه مَن كان مِن أهل الحل والعقد والشهرة فبيعته بالقول والمباشرة باليد إن كان حاضرًا، أو بالقول والإشهاد عليه إن كان غائبًا، ويكفي مَن لا يُؤبَهُ لَهُ ولا يُعرَف أن يعتقد دخوله تحت طاعة الإمام ويسمع ويطيع له في السرّ والجهر ولا يعتقد خلافًا لذلك، فإن أضمره فمات مات ميتة جاهلية؛ لأنه لم يجعل في عنقه بيعة.\nوقوله بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، هذه البيعة تسمَّى بيعة\n_________\n(١) رواه الحاكم (٣/ ٣٩٨).\n(٢) رواه مسلم (١٨٥١).","vol":"4","page":44},{"text":"وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَينَا، وَعَلَى أَن لَا نُنَازِعَ الأمرَ أَهلَهُ، وَعَلَى أَن نَقُولَ بِالحَقِّ حَيثَمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَومَةَ لَائِمٍ.\nزاد في رواية بعد قوله وَأَلَا نُنَازِعَ الأمرَ أَهلَهُ قَالَ: إِلَّا أَن تَرَوا كُفرًا بَوَاحًا\nــ\nالأمراء، وسُمّيت بذلك لأن المقصود بها تأكيد السمع والطاعة على الأمراء، وقد كان عُبَادَةُ بايع رسول الله ﷺ بيعة النساء، وسُمّيت بذلك لأنه لم يكن فيها ذِكرُ حربٍ ولا قتال. وقد بايع النبي ﷺ أصحابه بيعة الرِّضوان، وسُمّيت بذلك لقول الله تعالى: ﴿لَقَد رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤمِنِينَ إِذ يُبَايِعُونَكَ تَحتَ الشَّجَرَةِ﴾ وسيأتي ذِكرُهَا.\nوقوله وعلى أَثَرةٍ علينا، قد تقدّم القول في تقييد أثرة وفي معناه، وكأنَّ هذا القول خاصٌّ بالأنصار، وقد ظهر أثر ذلك يوم حنين حيث آثر النبي ﷺ قريشًا بالفيء ولم يُعط الأنصار شيئًا، فجرى من الحديث ما تقدّم في كتاب الزكاة، وهناك قال النبي ﷺ: اصبروا حتى تلقوني على الحوض (١)، فقالوا: سنصبر إن شاء الله. وفيه أيضًا تنبيه لهم على أن الخلافة في غيرهم، وقد صرّح بذلك في قوله: وعلى ألا ننازع الأمر أهله، وكذلك فعلوا لَمّا علموا أهلية أبي بكر للخلافة أذعنوا وسلّموا وسمعوا وأطاعوا.\nوقوله إلا أن تروا كفرًا بواحًا، كذا روايةُ هذه اللفظة بالواو عند كافة الرّواة، وهي من باح الرجل بالشيء يبوح به بوحًا وبواحًا إذا أظهره، وقال ثابت (٢): رواه النسائي بُؤَاحًا أو بَؤُوحًا - وهي بمعناه، إلا ما زادت من معنى\n_________\n(١) رواه البخاري تعليقًا (١١/ ٤٦٣)، ومسلم (١٨٤٥).\n(٢) هو ثابت السَّرقُسطي: أبو القاسم، محدِّث، حافظ، لغوي. له كتاب \"الدلائل\" في شرح ما أغفل أبو عبيد وابن قتيبة من غريب الحديث. توفي سنة (٣١٣ هـ).","vol":"4","page":45},{"text":"عِندَكُم مِن اللَّهِ فِيهِ بُرهَانٌ.\nرواه أحمد (٥/ ٣١٦)، والبخاري (٧١٩٩)، ومسلم (١٧٠٩) في الإمارة (٤١ و٤٢)، والنسائي (٧/ ١٣٨).\n[١٤٢١] وعن ابنَ عُمَرَ قُالُ: كُنَّا نُبَايِعُ رسول الله ﷺ عَلَى السَّمعِ وَالطَّاعَةِ، فيَقُولُ: مَا استَطَعتَم.\nرواه أحمد (٢/ ٩)، والبخاري (٧٢٠٢)، ومسلم (١٨٦٧)، وأبو داود (٢٩٤٠)، والنسائي (٧/ ١٥٢).\n* * *\nــ\nالمبالغة، وقد رواها أبو جعفر بَرَاحًا بالراء، من قولهم: بَرِحَ الخَفَاءُ؛ أي: ظَهَرَ.\nوقوله عندكم من الله فيه برهان؛ أي: حجة بيّنة وأمرٌ لا شك فيه يحصل به اليقين أنه كفر، فحينئذ يجب (١) أن يخلع من عُقِدَت له البيعة على ما قدّمناه.\nوقوله ﷺ للمبايعين فيما (٢) استطعتم رفعٌ لِمَا يخاف من التحرّج بسبب مخالفة تقعُ غلطًا أو سهوًا أو غلبة، فإنَّ ذلك كله غير مُؤاخذٍ به. ولا يُفهم من هذا تسويغُ المخالفة فيما يشقّ ويثقل مما يأمر به الإمام، فإنه قد نصّ في الأحاديث المتقدّمة على خلافه حيث قال: على المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره؛ في المنشط والمكره، والعسر واليسر، وقال: فاسمع وأطع، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، فلا مشقة أكبر من هذه.\n_________\n(١) في (ج ٢): يجوز.\n(٢) في (ع): إذا.","vol":"4","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-519>(١٠) باب الأمر بالوفاء ببيعة الأول ويضرب عنق الآخر</span>\n[١٤٢٢] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: كَانَت بَنُو إِسرَائِيلَ تَسُوسُهُم الأَنبِيَاءُ؛ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ،\nــ\n(١٠) ومن باب: الوفاء ببيعة الأول وضرب عنق الآخر\nقوله كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء ﵈، كلما هلك نبي خَلَفَهُ نبي، إسرائيل هو يعقوب ﵇، وبنوه أولاده وهم الأسباط، وهم كالقبائل في أولاد إسماعيل، قال ابن عباس: إسرا هو عبد، وإيل هو الله تعالى، فمعناه: عبد الله - وفيه لغات، وقيل: هو عِبرِيٌّ، اسم واحد بمعنى يعقوب.\nويعني بهذا الكلام أنّ بني إسرائيل كانوا إذا ظهر فيهم فساد أو تحريفٌ في أحكام التوراة بعد موسى بعث الله تعالى لهم نبيا يقيم لهم أمرهم ويصلح لهم حالهم، ويزيل ما غُيّرَ وبُدِّلَ من التوراة وأحكامها، فلم يزل أمرهم كذلك إلى أن قتلوا يحيى وزكريا (١) ﵉، فقطع الله تعالى ملكهم وَبَدَّدَ شملهم ببختنصَّر وغيره، ثم جاءهم عيسى ثم محمد صلى الله عليهما وسلم فكذبوهما، ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾؛ وهو في الدنيا ضَربُ الجزية ولزوم الصَّغار والذلة، وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ.\nولما كان نبينا ﷺ آخر الأنبياء بعثًا، وكتابه لا يقبل التغيير أسلوبًا ونظمًا، وقد تَوَلَّى الله تعالى كلامه صيانةً وحفظًا، وجعل علماء أمته قائمين ببيان مشكله وحفظ حروفه وإقامة أحكامه وحدوده، كما قال ﷺ: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله؛ ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل\n_________\n(١) في (ع): يحيى بن زكريا. والمثبت من (ج) و(ج ٢).","vol":"4","page":47},{"text":"وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعدِي، وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ فتَكثُرُ.\nــ\nالجاهلين (١)، ويروى عنه ﷺ أنه قال: علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل (٢)، ولَمّا كان أمر هذه الأمة كذلك اكتفى بعلمائها عمَّا كان من توالي الأنبياء هنالك.\nوقوله وإنه لا نبي بعدي، هذا النفي عامٌ في الأنبياء والرُّسل؛ لأن الرَّسول نبي وزيادة، وقد جاء نصًّا في كتاب الترمذي قوله لا نبي بعدي ولا رسول (٣)، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَكِن رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ومن أسمائه في الكتب القديمة (٤) وفيما أطلقته هذه الأمة: خاتم الأنبياء. ومما سمى به نفسه: العاقب، والمقفي؛ فالعاقب: الذي يَعقُبُ الأنبياءَ، والمُقَفَّي: الذي يقفوهم؛ أي: يكون بعدهم.\nوعلى الجملة: هو أمرٌ مجمع عليه معلوم من دين هذه الأمة، فمن ادَّعى أنَّ بَعدَهُ نبي أو رسول فإن كان مُسِرًّا لذلك واطّلع عليه بالشهادة المعتبرة قُتل قِتلة زنديق، فإن صرَّح بذلك فهو مرتد يُستتاب، فإن تاب وإلا قُتِل قِتلة مُرتدٍّ فيسبى ماله.\nوقوله (٥) وستكون خلفاء فتكثر، هذا منه ﷺ إخبار عن غيب وقع على نحو ما أخبر به ووُجد كذلك في غير ما وقت؛ فمن ذلك مبايعة الناس لابن الزبير\n_________\n(١) رواه ابن عدي (١/ ١٥٢ - ١٥٣)، والقرطبي في تفسيره (١/ ٣٦ و٧/ ٣١١)، والعقيلي في الضعفاء الكبير (١/ ٩ - ١٠)، وابن حجر في لسان الميزان (١/ ٢١٠).\n(٢) قال في كشف الخفاء: قال السيوطي في الدر المنثور: لا أصل له. وقال في المقاصد: قال شيخنا -ابن حجر-: لا أصل له. (كشف الخفاء رقم ١٧٤٤).\n(٣) رواه الترمذي (٢٢١٩) دون قوله: (ولا رسول). وهو عند الحاكم (٢/ ٥٧٧) بلفظ المصنِّف.\n(٤) في (ج ٢): المتقدمة.\n(٥) ساقط من (ع).","vol":"4","page":48},{"text":"قَالَوا: فَمَا تَأمُرُنَا؟ قَالَ: فُوا بِبَيعَةِ الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ،\nــ\nبمكة ولمروان بالشام ولبني العباس بالعراق ولبني مروان بالأندلس ولبني عبيد بمصر، ثم لبني عبد المؤمن بالمغرب (١).\nوقوله فُوا ببيعة الأوّل فالأوّل دليل على وجوب الوفاء ببيعة الأول، وسكت في هذا الحديث عمَّا يحكم به على الآخر، وقد نصَّ عليه في الحديث الآتي حيث قال: فإن جاء أحد ينازعه فاضربوا عنق الآخر، وفي رواية فاضربوه بالسيف كائنًا من كان، وهذا الحكم مجمعٌ عليه عند تقارب الأقطار وإمكان استقلال واحد بأمور المسلمين وضبطها، فأمَّا لو تباعدت الأقطار وخيف ضَيعَةُ البعيد من المسلمين ولم يتمكن الواحد من ضبط أمور من بَعُدَ عنه فقد ذكر بعضُ الأصوليين أنهم يُقيمون لأنفسهم واليًا يدبرهم ويستقل بأمورهم، وقد ذكر أنَّ ذلك مذهب الشافعي في الأم.\nقلت: ويمكن أن يقال إنهم يقيمون من يدبّر أمورهم على جهة النيابة عن الإمام الأعظم، لا أنّهم يخلعون الإمام المتقدم حكمًا ويُوَلُّونَ هذا بنفسه مستقلًا، هذا ما لا يوجد نصًّا عن أحدٍ ممن يُعتبر قوله. والذي يمكن أن يُفعل مثل هذا إذا تعذر الوصول إلى الإمام الأعظم أن يُقيموا لأنفسهم من يدبّرهم ممن يعترفُ للإمام بالسَّمع والطَّاعة، فمتى أمكنهم الوصول إلى الإمام فالأمر له في إبقاء ذلك أو عَزلِه.\nثم للإمام أن يفوض لأهل الأقاليم البعيدة التفويض العام، ويجعل للوالي عليهم الاستقلال بالأمور كلِّها لتعذر المراجعة عليهم، كما قد اتفق لأهل الأندلس وأقصى بلاد العجم.\nفأمَّا لو عُقِدت البيعةُ لإمامين معًا في وقتٍ واحدٍ في بلدين متقاربين\n_________\n(١) زاد في (ج ٢): ولبني. . . باليمن.","vol":"4","page":49},{"text":"وَأَعطُوهُم حَقَّهُم، فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُم عَمَّا استَرعَاهُم.\nرواه البخاريّ (٣٤٥٥)، ومسلم (١٨٤٢).\n[١٤٢٣] وعن عَبدُ اللَّهِ بنُ عَمرِو قَالَ: كُنَّا مَعَ رسول الله ﷺ فِي سَفَرٍ، فَنَزَلنَا مَنزِلًا، فَمِنَّا مَن يُصلِحُ خِبَاءَهُ وَمِنَّا مَن يَنتَضِلُ، وَمِنَّا مَن هُوَ فِي جَشَرِهِ، إِذ نَادَى مُنَادِي رسول الله ﷺ: الصَّلَاةَ جَامِعَةً! فَاجتَمَعنَا إِلَى\nــ\nفالإمامة لأرجحهما، وهل قرابة أحدهما من الإمام المتوفى موجبة للرجحان أم لا؟ اختلفوا فيه؛ فمنهم من قال: يُقَدّم الأقعد فالأقعد به (١) كولاية النكاح. ومنهم من لم يعتبر ذلك وفرَّق بين الولايتين، والفرق واضحٌ، فأمَّا لو تساويا من كل وجه فَيُقرعُ بينهما. والفرض في اثنين كل واحد منهما كامل أهلية الولاية باجتماع الشروط المعتبرة المنصوص عليها في كتب أئمتنا المتكلمين.\nوقوله أعطوهم حقهم يعني به السَّمع والطاعة والذَّبَّ عِرضًا ونفسًا والاحترام، والنُّصرة له على مَن بغى عليه.\nوقوله ومنا من ينتضل؛ أي: يرمي بالسهام تَدرُّبا ومداومةً - والمناضلةُ: المراماة بالسهام.\nوقوله ومنَّا من هو في جشره، قال أبو عبيد: الجشر قوم يخرجون إلى المرعى بدوابهم. قال الأصمعي: وهم يبيتون فيه، فربما رأوا أنه (٢) سفر تُقصر فيه الصلاة وليس كذلك، ولذلك قال في حديث عثمان: لا يغرَّنكم جَشَرُكُم من صلاتكم (٣)؛ يعني: لا تَقصُروا صلاتكم فيه.\nوقول منادي رسول الله ﷺ الصلاة جامعة خبرٌ بمعنى الأمر؛ كأنَّه قال:\n_________\n(١) أي: الأقرب نسبًا.\n(٢) في (ج ٢): ذلك.\n(٣) ذكره الزمخشري في (الفائق) في غريب الحديث (١/ ٢١٥).","vol":"4","page":50},{"text":"رسول الله ﷺ فَقَالَ: إِنَّهُ لَم يَكُن نَبِيٌّ قَبلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيهِ أَن يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيرِ مَا يَعلَمُهُ لَهُم، وَيُنذِرَهُم شَرَّ مَا يَعلَمُهُ لَهُم، وَإِنَّ أُمَّتَكُم هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا، وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلَاءٌ وَأُمُورٌ تُنكِرُونَهَا، وَتَجِيءُ فِتنَةٌ فَيُدفِّقُ بَعضُهَا بَعضًا، وَتَجِيءُ الفِتنَةُ فَيَقُولُ المُؤمِنُ: هَذِهِ مُهلِكَتِي! ثُمَّ تَنكَشِفُ، وَتَجِيءُ الفِتنَةُ فَيَقُولُ المُؤمِنُ: هَذِهِ هَذِهِ! فَمَن أَحَبَّ أَن يُزَحزَحَ\nــ\nاجتمعوا للصلاة. وكأنَّهُ كان وقت صلاة، فلمَّا جاؤوا صلّوا معه، وسكت الراوي عن ذلك، وإلَاّ فمن المُحال أن يناديَ منادي الصَّادق بالصلاةِ ولا صلاةَ.\nوقوله ﷺ إنَّه لم يكن نبي إلَاّ كان حقًّا عليه أن يدلّ أُمَّته على خير ما يَعلَمُه لهم؛ أي حقًّا واجبا؛ لأن ذلك من طريق النصيحة والاجتهاد في التبليغ والبيان.\nوقوله وإن أمتكم هذه جُعِلَ عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاءٌ وأمورٌ تنكرونها، يعني بأوّل الأمة زمانَه وزمانَ الخلفاءِ الثلاثة إلى قتل عثمان، فهذه الأزمنة كانت أزمنة اتفاق هذه الأمة (١) واستقامة أمرها وعافية دينها (٢)، فلما قتل عثمان ماجت الفتن كموج البحر، وتتابعت كقطع الليل المظلم، ثم لم تزل ولا تزال متواليةً إلى يوم القيامة. وعلى هذا فأول آخر هذه الأمة - المَعنِيُّ في هذا الحديث - مقتل عثمان، وهو آخر بالنسبة إلى ما قبله من زمان الاستقامة والعافية، وقد دلّ على هذا قوله وأمور تنكرونها، والخطاب لأصحابه - فدلّ على أن منهم من يدرك أول ما سَمَّاه آخرًا، وكذلك كان.\nوقوله وتجيء الفتنةُ فَيَدفِقُ بعضها بعضًا، الرواية يدفق بالتخفيف وفتح الياء، هذه رواية الطبري عن الفارسي، ومعنى فيدفق يدفع، والدَّفقُ الدَّفعُ.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٢) ساقط من (م).","vol":"4","page":51},{"text":"عَن النَّارِ وَيُدخَلَ الجَنَّةَ فَلتَأتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤمِنُ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ، وَليَأتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَن يُؤتَى إِلَيهِ، وَمَن بَايَعَ إِمَامًا فَأَعطَاهُ صَفقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلبِهِ فَليُطِعهُ إِن استَطَاعَ، فَإِن جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضرِبُوا عُنُقَ الآخَرِ. قال عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة: فَدَنَوتُ مِنهُ فَقُلتُ: أَنشُدُكَ اللَّهَ، آنتَ سَمِعتَ هَذَا مِن رسول الله ﷺ؟ فَأَهوَى إِلَى أُذُنَيهِ وَقَلبِهِ بِيَدَيهِ وَقَالَ: سَمِعَتهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلبِي! فَقُلتُ لَهُ: هَذَا ابنُ عَمِّكَ مُعَاوِيَةُ يَأمُرُنَا أَن نَأكُلَ أَموَالَنَا\nــ\nومنه الماء الدَّافِق. ويعني: أنها كموج البحر الذي يدفق بعضه بعضًا، وشُبِّه المؤمنُ في هذه الفتن بالعائِم الغريق بين الأمواج، فإذا أقبلت عليه موجة قال: هذه مهلكتي! ثم تروح عنه تلك، فتأتيه أخرى فيقول: هذه هذه! إلى أن يغرق بالكلّية، وهذا تشبيه واقع. ورواه أكثر الرُّواة فيُرَقِّقُ بالراء المفتوحة والقاف الأولى المكسورة؛ أي: يُسَيبُ بعضها بعضًا ويشيرُ إليه، كما قالوا في المثل: عن صَبُوحٍ تًرَقِّقُ؟\nويُزَحزَح عن النار: يُنَحَّى عنها ويُؤخّر منها.\nوقوله وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه؛ أي: يجيء إلى الناس بحقوقهم من النصح والنيّة الحسنة بمثل الذي يحبُّ أن يُجَاءَ إليه به، وهذا مِثلُ قوله ﷺ لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه (١)، والنَّاسُ هنا الأئمة والأمراء، فيجب عليه لهم من السمع والطاعة والنُّصرة والنَّصيحة مثل ما لو كان هو الأمير لكان يحب أن يُجاءَ له به.\nوقوله ومن بايع إمامًا فأعطاه صَفقَةَ يده وثمرةَ فؤاده يدلّ على أن البيعة لا يكتفى فيها بمجرّد عقد اللسان فقط، بل لا بد من الضرب باليد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوقَ أَيدِيهِم﴾ ولكن\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ١٧٦ و٢٧٢)، والبخاري (١٣)، ومسلم (٤٥)، وابن ماجه (٦٦)، والترمذي (٢٥١٥)، والنسائي (٨/ ١٢٥).","vol":"4","page":52},{"text":"بَينَنَا بِالبَاطِلِ وَنَقتُلَ أَنفُسَنَا، وَاللَّهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأكُلُوا أَموَالَكُم بَينَكُم بِالبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِنكُم وَلَا تَقتُلُوا أَنفُسَكُم، قَالَ: فَسَكَتَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: أَطِعهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَاعصِهِ فِي مَعصِيَةِ اللَّهِ.\nرواه مسلم (١٨٤٤) (٤٦)، وأبو داود (٤٢٤٨)، والنسائي (٧/ ١٥٣).\n* * *\nــ\nذلك للرجال فقط على ما يأتي، ولا بُدَّ من التزام البيعة بالقلب وترك الغش والخديعة فإنها من أعظم العبادات، فلا بُدَّ فيها من النية والنصيحة.\nوالصفقة أصلها الضرب بالكفِّ على الكفِّ أو بأصبعين على الكفّ، وهو التصفيق، وقد تقدَّم في كتاب الصلاة.\nواستحلاف عبد الرحمن زيادةٌ في الاستيثاق لا أنه كذَّبَهُ ولا اتّهمه، وما ذكره عبد الرحمن عن معاوية إغيَاءٌ في الكلام على حسب ظنه وتأويله، وإلَاّ فمعاوية ﵁ لم يُعرف مِن حاله ولا من سيرته شيء مما قاله له، وإنما هذا كما قالت طائفة من الأعراب: إنَّ ناسًا من المُصَّدِّقين يظلموننا - فسمّوا أخذ الصدقة ظُلمًا حسب ما وقع لهم.\nوقول ابن عمرو أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية (١) الله، هذا كما قاله ﷺ: فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة (٢).\n* * *\n_________\n(١) في الأصول: \"في معصيته\" والتصحيح من التلخيص وصحيح مسلم.\n(٢) تقدم تخريجه في التلخيص برقم (١٧١٨).","vol":"4","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-520>(١١) باب يصبر على أذاهم وتؤدَّى حقوقهم</span>\n[١٤٢٤] عَن أُسَيدِ بنِ حُضَيرٍ أَنَّ رَجُلًا مِن الأَنصَارِ خَلَا بِرسول الله ﷺ فَقَالَ: أَلَا تَستَعمِلُنِي كَمَا استَعمَلتَ فُلَانًا؟ فَقَالَ: إِنَّكُم سَتَلقَونَ بَعدِي أَثَرَةً، فَاصبِرُوا حَتَّى تَلقَونِي عَلَى الحَوضِ.\nرواه البخاريُّ (٣٧٩٢)، ومسلم (١٨٤٥)، والترمذي (٢١٩٠)، والنسائي (٨/ ٢٢٤ - ٢٢٥).\n[١٤٢٥] وعَن سَلَمَةُ بنُ يَزِيدَ الجُعفِيُّ وسأل رسول الله ﷺ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَرَأَيتَ إِن قَامَت عَلَينَا أُمَرَاءُ يَسأَلُونَنا حَقَّهُم وَيَمنَعُونَنا حَقَّنَا، فَمَا تَأمُرُنَا؟ فَأَعرَضَ عَنهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَأَعرَضَ عَنهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَو فِي الثَّالِثَةِ فَجَذَبَهُ الأَشعَثُ بنُ قَيسٍ، فَقَالَ رسول الله ﷺ: اسمَعُوا وَأَطِيعُوا،\nــ\n(١١) ومن باب: يصبر على أذاهم وتؤدَّى حقوقهم\nقوله ﷺ للأنصار اصبروا حتى تلقوني على الحوض بشارة لهم بأنهم يَردُون عليه الحوض، ولعلّهم المشار إليهم بقوله ﷺ إني لأذود الناس عن حوضي بعصاي لأهل اليمن (١) فإن المدينة يمانية، وأهلها سبَّاق أهل اليمن إلى الإسلام وهم الأنصار. وسكوتُ النبي ﷺ عن السائل حتى كرّر السؤال ثلاثًا يُحتمل أن يكون لأنه كان ينتظر الوحي، أو لأنه كان يستخرج من السائل حرصه على مسألته واحتياجه إليها، أو لأنه كره تلك المسألة لأنها لا تصدر في الغالب إلا من قلب فيه تشوّف لمخالفة الأمراء والخروج عليهم.\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٢٨٠ و٢٨١ و٢٨٢)، ومسلم (٢٣٠١)، وابن حبان (٦٤٥٥).","vol":"4","page":54},{"text":"فَإِنَّمَا عَلَيهِم مَا حُمِّلُوا وَعَلَيكُم مَا حُمِّلتُم.\nرواه مسلم (١٨٤٦) (٤٩)، والترمذيُّ (٢٢٠٠).\n[١٤٢٦] وعن حُذَيفَةَ بنَ اليَمَانِ قالُ: كَانَ النَّاسُ يَسأَلُونَ رسول الله ﷺ عَن الخَيرِ وَكُنتُ أَسأَلُهُ عَن الشَّرِّ مَخَافَةَ أَن يُدرِكَنِي، فَقُلتُ: يَا رسول الله، إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الخَيرِ، فَهَل بَعدَ هَذَا الخَيرِ شَرٌّ؟ قَالَ: نَعَم.\nــ\nوقوله عليهم ما حُمّلوا وعليكم ما حملتم يعني أن الله تعالى كلَّف الولاة العدل وحسن الرعاية وكلّف المَولَّى عليهم الطاعة وحسن النصيحة، فأراد أنه إن عصى الأمراءُ الله فيكم ولم يقوموا بحقوقكم فلا تعصوا الله أنتم فيهم وقوموا بحقوقهم، فإن الله مُجاز كل واحدٍ من الفريقين بما عمل.\nوقول حذيفة كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر يعني أنه كان أكثر مسائل الناس عن الخير وكانت أكثر مسائله عن الشر، وإلَاّ فقد سأل غيره رسول الله ﷺ عن كثير من الشر، وقد كان حذيفة أيضًا يسأل رسول الله ﷺ عن كثير من الخير.\nوالخير والشر المعنِيان في هذا الحديث إنما هما استقامة أمر دين هذه الأمة والفتن الطارئة عليها، بدليل باقي الحديث وجواب النبي ﷺ له بذلك.\nوقوله مخافة أن يدركني يدل على حزم حذيفة وأخذه بالحذر، وذلك أنه كان يتوقع موت النبي ﷺ فيتغير الحال وتظهر الفتن كما اتفق، وفيه دليل على فرض المسائل والكلام عليها قبل وقوعها إذا خيف مَوتُ العالم.\nوقوله فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم يعني به الفتن الطارئة بعد انقراض زمان الخليفتين والصدر من زمان عثمان كما تقدّم.","vol":"4","page":55},{"text":"فَقُلتُ: هَل بَعدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِن خَيرٍ؟ قَالَ: نَعَم، وَفِيهِ دَخَنٌ. قُلتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: قَومٌ يَستَنُّونَ بِغَيرِ سُنَّتِي وَيَهدُونَ بِغَيرِ هَديِي، تَعرِفُ مِنهُم وَتُنكِرُ! فَقُلتُ: هَل بَعدَ ذَلِكَ الخَيرِ مِن شَرٍّ؟ قَالَ: نَعَم؛ دُعَاةٌ عَلَى\nــ\nوقوله فهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن بفتح الدال والخاء لا غير، وهو عبارةٌ عن الكدر، ومنه قولهم: هُدنَةٌ على دخنٍ - حكى معناه أبو عبيد. وقيل: هي لغة في الدُّخان. ومنه الحديث: وذكر فتنة فقال: دَخَنُهَا تحت قدمِي (١).\nوقيل: إنَّ خبر حذيفة هذا إشارةٌ إلى مُدَّة عمر بن عبد العزيز.\nقلت: وفيه بُعدٌ، بل الأولى أن الإشارة بذلك إلى مُدّة خلافة معاوية فإنها كانت تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر، وهي مدّة الهدنة التي كان فيها الدَّخن؛ لأنه لما بايع الحسن معاوية واجتمع الناس عليه كره ذلك كثير من الناس بقلوبهم وبقيت الكراهة فيهم، ولم تُمكِنُهم المخالفة في مدة معاوية ولا إظهارها إلى زمن يزيد بن معاوية فأظهرها كثير من الناس. ومدة خلافة معاوية كان الشرّ فيها قليلًا والخير غالبًا، فعليهم يصدق قوله ﵊ تعرف منهم وتنكر. وأمَّا خلافة ابنه فهي أول الشرِّ الثالث؛ فيزيد وأكثر ولاته ومن بعده من خلفاء بني أميةَ هم الذين يَصدُق عليهم أنّهم دُعَاةٌ على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، فإنهم لم يسيروا بالسَّواء ولا عدلوا في القضاء، يدل على ذلك تَصَفَّحَ أخبارهم ومطالعة سِيَرهم، ولا يُعتَرضُ على هذا بمدة خلافة عمر بن عبد العزيز بأنها كانت خلافة عدل لقصرها وندورها في بني أمية، فقد كانت سنتين وخمسة أشهر، فكأنَّ هذا الحديث لم يتعرض لها، والله تعالى أعلم.\nودعاة جَمعُ داعٍ، كقضاة وقاض. وقذفوه رموه - يعني بذلك أن\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ١٣٣)، وأبو داود (٤٢٤٢).","vol":"4","page":56},{"text":"أَبوَابِ جَهَنَّمَ، مَن أَجَابَهُم إِلَيهَا قَذَفُوهُ فِيهَا! فَقُلتُ: يَا رسول الله، صِفهُم لَنَا. قَالَ: هَم قَومٌ مِن جِلدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلسِنَتِنَا. قُلتُ: يَا رسول الله، فَمَا تَرَى إِن أَدرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: تَلزَمُ جَمَاعَةَ المُسلِمِينَ وَإِمَامَهُم. قُلتُ: فَإِن لَم تَكُن لَهُم جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟ قَالَ: فَاعتَزِل تِلكَ الفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَو أَن تَعَضَّ عَلَى أَصلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدرِكَكَ المَوتُ وَأَنتَ عَلَى ذَلِكَ.\nــ\nمَن وافقهم على آرائهم واتبعهم على أهوائهم كانوا قائديه إلى النار.\nوقوله هم قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا يعني بأنهم ينتمون إلى نَسَبِهِ، فإنهم من قريشٍ ويتكلمون بكلام العرب، وكذلك كانت أحوال بني أُميَّة.\nوقوله تلزم جماعة المسلمين وإمامهم يعني أنه متى اجتمع المسلمون على إمام فلا يُخرج عليه وإن جَارَ - كما تقدّم، وكما قال في الرواية الأخرى فاسمع وأطع، وعلى هذا فتُشهد مع أئمة الجَور الصلوات والجماعات والجهاد والحج، وتُجتَنَبُ معاصيهم ولا يطاعون فيها.\nوقوله فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام، هذه إشارة إلى مثل الحالة التي اتفقت للناس عند (١) موت معاوية بن يزيد بن معاوية، فإنه توفي لخمسٍ بقين من ربيع الأول سنة أربع وستين ولم يًعهَد لأحدٍ، وبَقِي الناس بعده بقية ربيع الأول وجمادين وأيامًا من رجب من السَّنة المذكورة لا إمام لهم حتى بايع الناس بمكة لابن الزبير وفي الشام لمروان بن الحكم.\nوقوله فاعتزل تلك الفرق كلَّها، هذا أمرٌ بالاعتزال عند الفتن، وهو على جهة الوجوب لأنه لا يَسلَمُ الدِّينُ إلَاّ بذلك، وهذا الاعتزال عبارة عن ترك الانتماء إلى من لم تتم إمامته من الفرق المختلفة، فلو بايع أهل الحل والعقد\n_________\n(١) في (م): بعد.","vol":"4","page":57},{"text":"وفي رواية قَالَ: يَكُونُ بَعدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهتَدُونَ بِهُدَايَ وَلَا يَستَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِم رِجَالٌ قُلُوبُهُم قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثمَانِ إِنسٍ! قَالَ: قُلتُ: كَيفَ أَصنَعُ يَا رسول الله إِن أَدرَكتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: تَسمَعُ وَتُطِيعُ، وَإِن ضُرِبَ ظَهرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسمَع وَأَطِع.\nرواه البخاري (٧٠٨٤)، ومسلم (١٨٤٧) (٥١ و٥٢).\n* * *\nــ\nلواحدٍ موصوف بشروط الإمامة لانعقدت له الخلافة وحرمت على كل أحدٍ المخالفة، فلو اختلف أهل الحل والعقد فعقدوا لإمامين كما اتفق لابن الزبير ومروان لكان الأول هو الأرجح كما تقدَّم.\nوقوله يكون بعدي أمراء قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، هذا خبرٌ عن أمرٍ غيب وقع موافقًا لمخبره، فكان دليلًا على صحة رسالته وصدقه ﷺ.\nوالشياطين جمع شيطان، وهو المارد من الجن الكثير الشر، وهل هو مأخوذ من شَطَنَ أي بَعُدَ عن الخير والرحمة، أو من شَاطَ يَشِيطُ إذا احتدَّ واحترق غيظًا؟ اختلف فيه النحويون، وعلى الأول فالنُّونُ أصلية فيُنصَرفُ وَاحِدُهُ، وعلى الثاني فهي غير أصلية فلا ينصَرِف. والجثمان والشخص والآل والطَّلَلُ - كلُّها الجسم، على ما حكاه اللغويون.\n* * *","vol":"4","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-521>(١٢) باب فيمن خلع يدا من طاعة وفارق الجماعة</span>\n[١٤٢٧] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: مَن خَرَجَ مِن الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الجَمَاعَةَ فَمَاتَ فمِيتَته جَاهِلِيَّةً، وَمَن قَاتَلَ تَحتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغضَبُ لِعَصَبَةٍ أَو يَدعُو إِلَى عَصَبَةٍ أَو يَنصُرُ عَصَبَةً فَقُتِلَ فَقِتلَته جَاهِلِيَّةٌ،\nــ\n(١٢) ومن باب: إثم من خلع يدا من طاعة\nقوله من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة فميتته جاهلية، يعني بالطاعة طاعة ولاة الأمر، وبالجماعة جماعة المسلمين على إمام أو أمر مجتُمِعُ عليه، وفيه دليل على وجوب نصب الإمام وتحريم مخالفة إجماع المسلمين، وأنَّه واجب الاتباع. ويُستَدلُ بظاهره من كَفَّر بخرق الإجماع مطلقا.\nوالحق التفصيل، فإن كان الإجماع مقطوعًا به فمخالفته وإنكاره كفر، وإن كان مظنونًا فإنكاره ومخالفته معصية وفسوق، ويعني بميتة الجاهلية أنهم كانوا فيها لا يبايعون إمامًا ولا يدخلون تحت طاعته، فمن كان من المسلمين لم يدخل تحت طاعة إمام فقد شابههم في ذلك، فإن مات على تلك الحالة مات على مثل حالهم مرتكبًا كبيرةً من الكبائر ويخاف عليه بسببها ألَاّ يموت على الإسلام.\nوقوله ومن قاتل تحت راية عمّية رويته بكسر العين وتشديد الميم والياء، ويقال بضم العين، قال بعضهم: العَمِّية الضلالة. وقال أحمد بن حنبل: هو الأمر الأعمى كالعصبية لا يستبين ما وُجهُهُ. وقال إسحاق: هذا في تهارج القوم وقتل بعضهم بعضًا، كأنَّه من التعمية وهو التلبيس.\nوقوله يغضب لعصبة أو ينصر عصبة، هكذا رواية الجمهور بالعين والصاد المهملتين من التَّعصُّب، وقد رواه العذري بالغين والضاد المعجمتين من","vol":"4","page":59},{"text":"وَمَن خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي يَضرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا وَلَا يَنَحَاشَ عِن مُؤمِنِهَا وَلَا يَفِي لِذِي عَهدٍ عَهدَهُ فَلَيسَ مِنِّي وَلَستُ مِنهُ.\nــ\nالغضب، والأوَّل أصحّ وأبيَن، ويَعضُدُهُ تأويلُ أحمد بن حنبل المتقدم. ولرواية العذري وَجهٌ، وهو: أنّه يريد به الغضب الذي يحمل عليه التعصب.\nوقوله ومن خرج على أُمَّتي يضرب بَرَّها وفاجرها، البَرُّ: التقي، والفاجر: المُسيء.\nوفيه دليل على أن ارتكاب المعاصي والفجور لا يخرج عن الأمة.\nوقوله ولا ينحاش عن مؤمنها؛ أي يجانب ولا يميل، يُقال: انحاش إلى كذا؛ أي: انضم إليه ومال. وفي الرَّواية الأخرى ولا يتحاشى من المحاشاة بمعنى ما تقدَّم.\nوقوله ولا يفي لذي عَهدٍ بعهده يعني به عَهد البيعة والولاية.\nوقوله فليس مني ولستُ منه، هذا التَّبَرِّي ظاهره أنه ليس بِمُسلم، وهذا صحيحٌ إن كان معتقدًا لحِلِّيَّة ذلك، وإن كان معتقدًا لتحريمه فهو عاصٍ من العصاة مرتكب كبيرة فأمره إلى الله تعالى، ويكون معنى التَّبَرِّي على هذا أي ليست له ذمّة ولا حرمة، بل إن ظُفِر به قُتِل أو عُوقب بحسب حاله وجريمته، ويحتمل أن يكون معناه: ليس (١) على طريقتي ولست أرضى طريقته - كما تقدم أمثال هذا.\nوهذا الذي ذكره في هذا الحديث هي أحوال المقاتلين على المُلك والأغراض الفاسدة والأهواء الركيكة وحمية الجاهلية، وقد أبعَدَ مَن قال إنهم الخوارج؛ فإنهم إنما حملهم على الخروج الغيرة للدِّين لا شيء من العصبية والملك، لكنهم أخطؤوا التأويل وحَرَّفوا التنزيل.\n_________\n(١) من (ج ٢).","vol":"4","page":60},{"text":"وفي رواية: وَمَن قُاتِلَ تَحتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغضَبُ لِلعَصَبَةِ وَيُقَاتِلُ لِلعَصَبَةِ فَلَيسَ مِني. وفيها: ولَا يَتَحَاشَ مُؤمِنِهَا.\nرواه أحمد (٢/ ٢٩٦)، ومسلم (١٨٤٨) (٥٣ و٥٤)، والنسائي (٧/ ١٢٣)، وابن ماجه (٣٩٤٨).\n[١٤٢٨] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ، عَن رسول الله ﷺ قَالَ: مَن كَرِهَ مِن أَمِيرِهِ شَيئًا فَليَصبِر عَلَيهِ، فَإِنَّهُ لَيسَ أَحَدٌ مِن النَّاسِ يخَرَجَ مِن السُّلطَانِ شِبرًا فَمَاتَ عَلَيهِ إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً.\nرواه أحمد (١/ ٢٧٥)، والبخاري (٧٠٥٣)، ومسلم (١٨٤٩) (٥٦).\n[١٤٢٩] وعَن نَافِعٍ قَالَ: جَاءَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ إِلَى عَبدِ اللَّهِ بنِ مُطِيعٍ حِينَ كَانَ مِن أَمرِ الحَرَّةِ مَا كَانَ مَنَ يَزِيدَ بنِ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: اطرَحُوا لِأَبِي عَبدِ الرَّحمَنِ وِسَادَةً. فَقَالَ: إِنِّي لَم آتِكَ لِأَجلِسَ؛ أَتَيتُكَ لِأُحَدِّثَكَ\nــ\nوعبد الله بن مطيع كان أميرًا على المدينة عند قيام ابن الزبير على يزيد بن معاوية في جماعة من أبناء المهاجرين والأنصار وبقية من مشيختهم وجمع من الصحابة، وعلى يديه كانت وقعة الحرَّة في الجيش الذي وَجَّه به يزيد بن معاوية لحربهم فهزموا أهل المدينة وقتلوهم واستباحوها ثلاثة أيام، وقُتِل فيها عدة من بقية الصَّحابة من أبناء المهاجرين والأنصار، وعطلت الصلاة والأذان في مسجد النبي ﷺ تلك الأيام - قاله القاضي عياض. وقال غيره من أهل التاريخ: إن الذي وجهه يزيد بن معاوية إلى المدينة وكانت على يديه وقعة الحرَّة هو مسلم بن عقبة المرّي، والله تعالى أعلم.\nوتحديثُ ابن عمر ابن مطيع بالحديث الذي سمعه من النبي ﷺ إنَّما كان ليبين له أنه لم ينكث بيعةَ يزيد ولم يخلعها من عنقه مخافة هذا الوعيد الذي تضمنه هذا الحديث، والله تعالى أعلم.","vol":"4","page":61},{"text":"حَدِيثًا سَمِعتُ رسول الله ﷺ يَقُولُهُ، سَمِعتُه يَقُولُ: مَن خَلَعَ يَدًا مِن طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَومَ القِيَامَةِ لَا حجة لَهُ، وَمَن مَاتَ وَلَيسَ فِي عُنُقِهِ بَيعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً.\nرواه أحمد (٢/ ٩٧)، ومسلم (١٨٥١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-522>(١٣) باب في حكم من فرَّق أمر هذه الأمة وهي جميع</span>\n[١٤٣٠] عَن عَرفَجَةَ قَالَ: سَمِعتُ رسول الله ﷺ يَقُولُ: إِنَّهُ سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، فَمَن أَرَادَ أَن يُفَرِّقَ أَمرَ هَذِهِ الأمةِ وَهِيَ جَمِيعٌ\nــ\nوقوله لا حجة له (١)؛ أي: لا يجد حجة يحتجّ بها عند السؤال فيستحق العذاب والنكال، لأن رسول الله ﷺ قد أبلغه ما أمره الله بإبلاغه من وجوب السمع والطاعة لأولي الأمر في الكتاب والسنة.\n(١٣) ومن باب: حكم من فرَّق أمر هذه الأمة\nهنات جمع هنة، وهي كناية عن نكرة أي شيء كان كما تقدَّم، ويعني به أنَّه سيكون أمور منكرة وفتن عظيمة كما قد ظهر ووجد، وقد بينه في اللفظ الذي بعد هذا.\nوقوله فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع؛ أي: مجتمعة على إمام واحد (٢).\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"4","page":62},{"text":"فَاضرِبُوهُ بِالسَّيفِ كَائِنًا مَن كَانَ.\nوفي رواية: مَن أَتَاكُم وَأَمرُكُم جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ منكم يُرِيدُ أَن يَشُقَّ عَصَاكُم أَو يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُم فَاقتُلُوهُ.\nرواه أحمد (٥/ ٢٤)، ومسلم (١٨٥٢) (٥٩ و٦٠)، وأبو داود (٤٧٦٢)، والنسائي (٧/ ٩٣).\n[١٤٣١] وعَن أَبِي سَعِيدٍ الخدري قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ: إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَينِ فَاقتُلُوا الآخَرَ مِنهُمَا.\nرواه مسلم (١٨٥٣).\n* * *\nــ\nوقوله فاضربوه بالسيف كائنًا من كان؛ أي: لا يحترم لشرفه ونسبه، ولا يهاب لعشيرته ونشبه، بل يبادر بقتله قبل شرارة شره واستحكام فساده وعدوى عرِّه (١).\nوقوله إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما فيه من الفقه تسمية الملوك بالخلفاء، وإن كانت الخلافةُ الحقيقيَّةُ إنَّما صَحَّت للخلفاء الأربعة ﵃، وفيه أنَّه لا يجوز نصّبُ خليفتين كما تقدم.\n* * *\n_________\n(١) \"العُرُّ\": الجرب.","vol":"4","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-523>(١٤) باب في الإنكار على الأمراء وبيان خيارهم وشرارهم</span>\n[١٤٣٢] عَن أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: سَتَكُونُ أُمَرَاءُ فَتَعرِفُونَ وَتُنكِرُونَ، فَمَن عَرَفَ بَرِئَ، وَمَن أَنكَرَ سَلِمَ، وَلَكِن مَن رَضِيَ وَتَابَعَ. قَالَوا: أَفَلَا نُقَاتِلُهُم؟ قَالَ: لَا، مَا صَلَّوا.\nــ\n(١٤) ومن باب: الإنكار على الأمراء وبيان خيارهم\nقوله ستكون أمراء فتَعرِفُون وتُنكِرُون؛ أي: يعمل الأمراءُ أعمالًا منها ما تعرفون كونه معروفًا، ومنها ما تعرفون كونه منكرا فتنكرونه.\nوقوله فمن عرف برئ؛ أي: من عرف المنكر وكرهه بقلبه، بدليل الرواية الأخرى، فتُقَيَّدُ إحداهما بالأخرى؛ يعني: أنَّ مَن كان كذلك فقد برئ - أي تبرَّأ من فعل المنكر ومن فاعله.\nوقوله ومن أنكر فقد سلم؛ أي بقلبه، بدليل تقييده بذلك (١) في الرواية الأخرى، أي اعتقد الإنكار بقلبه وجزم عليه بحيث لو تمكن من إظهار الإنكار لأنكره، ومَن كان كذلك فقد سَلِم من مؤاخذة الله تعالى على الإقرار على المنكر، وهذه المرتبة هي رتبة من لم يقدر على تغيير المنكر لا باللسان ولا باليد، وهي التي قال فيها ﷺ: وذلك أضعف الإيمان (٢)، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل.\nوقوله ولكن مَن رضي وتابع؛ أي: من رضي المنكر وتابع عليه هو المؤاخذ والمُعَاقَبُ عليه وإن لم يفعله.\n_________\n(١) من (ج ٢).\n(٢) رواه أحمد (٣/ ٥٤)، ومسلم (٤٩)، والترمذي (٢١٧٢)، والنسائي (٨/ ١١٢).","vol":"4","page":64},{"text":"وفي رواية: فَمَن كَرِهَ فَقَد بَرِئَ، وَمَن أَنكَرَ فَقَد سَلِمَ - وذكر نحوه.\nوفي أخرى: مَن كَرِهَ بِقَلبِهِ وَأَنكَرَ بِقَلبِهِ.\nرواه أحمد (٦/ ٣٩٥)، ومسلم (١٨٥٤) (٦٢ و٦٣).\n[١٤٣٣] وعَن عَوفِ بنِ مَالِكٍ، عَن رسول الله ﷺ قَالَ: خِيَارُ أَئِمَّتِكُم الَّذِينَ تُحِبُّونَهُم وَيُحِبُّونَكُم وَيُصَلُّونَ عَلَيكُم وَتُصَلُّونَ عَلَيهِم، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُم الَّذِينَ تُبغِضُونَهُم وَيُبغِضُونَكُم وَتَلعَنُونَهُم وَيَلعَنُونَكُم. قِيلَ: يَا رسول الله، أَفَلَا نُنَابِذُهُم بِالسَّيفِ؟ قَالَ: لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُم الصَّلَاةَ، وَإِذَا\nــ\nوقوله خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلُّون عليهم ويصلُّون عليكم؛ أي: تدعون لهم في المعونة على القيام بالحق والعدل، ويدعون لكم في الهداية والإرشاد وإعانتكم على الخير، وكل فريق يحب الآخر لما بينهم من المواصلة والتراحم والشفقة والقيام بالحقوق كما كان ذلك في زمن الخلفاء الأربعة وفي زمان عمر بن عبد العزيز ﵃، ونقيض ذلك في الشرار لترك كل فريق منهما القيام بما يجب عليه من الحقوق للآخر ولاتّباع الأهواء والجَورِ والبُخل والإساءة، فينشأ عن ذلك التباغض والتَّلاعن وسائر المفاسد.\nوقوله أفلا ننابذهم بالسيف؟؛ أي: أفلا ننبذ إليهم عهدهم، أي ننقضه، كما قال تعالى: فَانبِذ إِلَيهِم عَلَى سَوَاءٍ، ونخرج عليهم بالسيف، فيكون المجرور متعلقًا بمحذوف دلّ عليه المعنى وحُذف إيجازا واختصارًا.\nوقوله لا، ما أقاموا فيكم الصلاة ظاهره: ما حافظوا على الصلوات","vol":"4","page":65},{"text":"رَأَيتُم مِن وُلَاتِكُم شَيئًا تَكرَهُونَهُ فَاكرَهُوا عَمَلَهُ وَلَا تَنزِعُوا يَدًا مِن طَاعَةٍ.\nرواه أحمد (٦/ ٢٤)، ومسلم (١٨٥٥) (٦٥).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-524>(١٥) باب مبايعة الإمام على عدم الفرار وعلى الموت</span>\n[١٤٣٤] عَن جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا يَومَ الحُدَيبِيَةِ أَلفًا وَأَربَعَمِائَةً، فَبَايَعنَاهُ،\nــ\nالمعهودة بحدودها وأحكامها وداموا (١) على ذلك وأظهروه، وقيل: معناه ما داموا على كلمة الإسلام، كما قد عبَّر عن المصلين بالمسلمين، كما قال ﷺ: نهيتُ عن قتل المصلين (٢) أي المسلمين، والأوَّل أظهر، وقد تقدَّم التنبيه على ما في هذا الحديث من الأحكام والخلاف.\n(١٥) ومن باب: مبايعة الإمام على عدم الفرار\nالحديبية ماء قريب من مكة نزله النبي ﷺ حين أراد العمرة فصَدَّته قريش، فوجَّه إليهم عثمان بن عفان ليخبرهم بأنه جاء معتمرًا ولم يجئ لقتال، فأبطأ عليه، فأُرجِفَ بأنه قُتل، فبايع النبي ﷺ أصحابه هذه البيعة المسماة ببيعة الرُّضوان - وقد تقدّم ذِكرُها.\nوقول جابر كنَّا في الحديبية ألفًا وأربعمائة، قد روي أنَّهم كانوا ألفًا وخمسمائة، وإنما اختلف قوله لأنَّ ذلك العدد كان عنده تخمينًا لا تحقيقًا إن لم يكن غلطًا من بعض الرواة.\n_________\n(١) في (م): داوموا.\n(٢) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٩٦).","vol":"4","page":66},{"text":"وَعُمَرُ آخِذٌ بِيَدِهِ تَحتَ الشَّجَرَةِ - وَهِيَ سَمُرَةٌ، وَقَد بَايَعنَاهُ عَلَى أَن لَا نَفِرَّ، وَلَم نُبَايِعهُ عَلَى المَوتِ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٩٦)، والبخاريُّ (٤١٥٤)، ومسلم (١٨٥٦) (٦٧) والترمذيُّ (١٥٩١ و١٥٩٤)، والنسائي (٧/ ١٤٠ و١٤١).\nــ\nوقوله بايعناه على ألا نفرَّ، ولم نبايعه على الموت مخالفٌ لما قاله سلمةُ أنهم بايعوه في ذلك اليوم على الموت، وكذلك قال عبد الله بن زيد: وهذا خلاف لفظيٌّ، وأمَّا المعنى فمتَّفق عليه؛ لأن من بايع على ألا يفرَّ حتى يفتح الله عليه أو يُقتل فقد بايع على الموت، فكأنَّ جابرًا لم يسمع لفظ الموت وأخذ غيره الموتَ من المعنى فعبَّر عنه. ويشهد لما ذكرته أنَّه قد روي عن ابن عمر في غير كتاب مسلم أن البيعة كانت على الصبر (١)، وكان هذا الحكم خاصًّا بأهل الحديبية، فإنه مخالف لما في كتاب الله تعالى من إباحة الفرار عند مِثلَي العدد كما نصَّ عليه في سورة الأنفال (٢)، وعلى مقتضى بيعة الحديبية لا فرار أصلًا، فهذا حكمٌ خاصٌّ بهم، والله تعالى أعلم. ولذلك قال عبد الله بن زيد: لا أبايع على هذا أحدًا بعد رسول الله ﷺ (٣).\nثم إنَّ الناس اختلفوا في العدد المذكور في آيتي الأنفال (٤)؛ فحمله جمهور\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٩٥٨).\n(٢) يشير بذلك إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦].\n(٣) أشار المصنف -﵀- بهذه العبارة إلى ما جاء في صحيح مسلم رقم (١٨٦١).\nولم نجده في الأصول التي بين أيدينا.\n(٤) يشير إلى قول الله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا. . .﴾ [الأنفال: ٦٥]، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦٦].","vol":"4","page":67},{"text":"[١٤٣٥] وعن أَبي الزُّبَيرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَسأَلُ: هَل بَايَعَ النَّبِيُّ ﷺ بِذِي الحُلَيفَةِ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِن صَلَّى بِهَا، وَلَم يُبَايِع عِندَ شَجَرَةٍ إِلَّا الشَّجَرَةَ الَّتِي بِالحُدَيبِيَةِ.\nرواه مسلم (١٨٥٦) (٧٠).\n[١٤٣٦] وعَن مَعقِلِ بنِ يَسَارٍ قَالَ: لَقَد رَأَيتُنِي يَومَ الشَّجَرَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ يُبَايِعُ النَّاسَ، وَأَنَا رَافِعٌ غُصنًا مِن أَغصَانِهَا عَن رَأسِهِ، وَنَحنُ أَربَعَ عَشرَةَ مِائَةً. قَالَ: لَم نُبَايِعهُ عَلَى المَوتِ، وَلَكِن بَايَعنَاهُ عَلَى أَلَا نَفِرَّ.\nرواه مسلم (١٨٥٨).\n[١٤٣٧] وعَن يَزِيدَ بنِ أَبِي عُبَيدٍ قَالَ: قُلتُ لِسَلَمَةَ: عَلَى أَيِّ شَيءٍ بَايَعتُم رسول الله ﷺ يَومَ الحُدَيبِيَةِ؟ قَالَ: عَلَى المَوتِ.\nرواه البخاريُّ (٢٩٦٠)، ومسلم (١٨٦٠)، والترمذيُّ (١٩٥٢)، والنسائي (٧/ ١٤١).\n* * *\nــ\nالعلماء على ظاهره من غير اعتبار للقوة والضعف والشجاعة والجبن، وحكى ابن حبيب عن مالك وعبد الملك أنَّ المراد بذلك القوة والتكافؤ دون تعيين (١) العدد، وقال ابن حبيب: والقول الأول أكثر، فلا تفرَّ المائة من المائتين وإن كانوا أشد جلدًا وأكثر سلاحًا (٢).\nقلت: وهو الظاهر من الآية.\nقال عياض: ولم يختلف أنه متى جهل منزلة بعضهم على بعض في مراعاة العدد لم يجز الفِرارُ.\n_________\n(١) في (ج ٢): لفظ.\n(٢) ساقط من (ع).","vol":"4","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-525>(١٦) باب لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وعمل صالح</span>\n[١٤٣٨] عَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ يَومَ الفَتحِ فَتحِ مَكَّةَ: لَا هِجرَةَ،\nــ\n(١٦) ومن باب: لا هجرة بعد الفتح\nقوله لا هجرة؛ أي لا وجوب هجرة بعد فتح مكة، وإنما سقط فرضها إذ ذاك لقوة المسلمين وظهورهم على عدوهم، ولعدم فتنة أهل مكة لمن كان بها من المسلمين بخلاف ما كان قبل الفتح، فإنَّ الهجرة كانت واجبةً لأمور: سلامة دين المهاجرين من الفتنة، ونُصرة النبي ﷺ، وتعلُّم الدين وإظهاره. وقد تقدّم أنه لم يختلف في وجوب الهجرة على أهل مكة من المسلمين. واختلف في وجوبها على من كان بغيرها؛ فقيل: كانت (١) واجبة على كل من أسلم تمسُّكًا بمطلق الأمر بالهجرة وذم من لم يهاجر، وببيعة النبي ﷺ على الهجرة كما جاء في حديث مجاشع. وقيل: بل كانت مندوبًا إليها في حق غير أهل مكة - حكاه أبو عبيد. ويُستدلُّ لهذا القول بقول النبي ﷺ للأعرابيِّ الذي استشاره في الهجرة إن شأنها لشديد ولم يأمره بها، بل أَذِنَ له في ملازمة مكانه كما يأتي، وبدليل أنَّه لم يأمر الوفود عليه قبل الفتح بالهجرة. وقيل: إنما كانت واجبة على من لم يسلم جميعُ أهلِ بلده لئلا يبقى تحت أحكام الشرك ويخاف الفتنة على دينه.\nقلت: ولا يختلف في أنه لا يحل لمسلم المقام في بلاد الكفر مع التمكن من الخروج منها لجريان أحكام الكفر عليه ولخوف الفتنة على نفسه، وهذا حكم ثابت مؤبَّد إلى يوم القيامة، وعلى هذا فلا يجوز لمسلم دخول بلاد الكفر\n_________\n(١) في (ج ٢): هي.","vol":"4","page":69},{"text":"وَلَكِن جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا استُنفِرتُم فَانفِرُوا.\nرواه أحمد (١/ ٢٢٦)، والبخاريُّ (١٨٣٤)، ومسلم (١٣٥٣) في الإمارة (٨٥)، وأبو داود (٢٤٨٠)، والترمذي (١٥٩٠)، والنسائي (٧/ ١٤٦).\n[١٤٣٩] وعن مُجَاشِعُ بنُ مَسعُودٍ السُّلَمِيُّ قَالَ: أَتَيتُ النَّبِيَّ ﷺ أُبَايِعُهُ عَلَى الهِجرَةِ، فَقَالَ: إِنَّ الهِجرَةَ قَد مَضَت لِأَهلِهَا، وَلَكِن عَلَى الإِسلَامِ وَالجِهَادِ وَالخَيرِ.\nــ\nلتجارة (١) أو غيرها مما لا يكون ضروريًّا في الدِّين كالرُّسل وكافتكاك المسلم، وقد أبطل مالك رحمه الله تعالى شهادة من دخل بلاد الهند (٢) للتجارة.\nوقوله ولكن جهاد ونية؛ أي: ولكن يبقى جهاد ونية، أو جهاد ونية (٣) باقيان - أي نية في الجهاد أو في فعل الخيرات، وهذا يدلّ على أن استمرار حكم الجهاد إلى يوم القيامة وأنه لم ينسخ، لكنه يجب على الكفاية، وإنما يتعين إذا دَهَمَ العدوُّ بلدًا من بلاد المسلمين فيتعين على كلِّ مَن تمكن من نصرتهم، وإذا استنفرهم الإمام تعين على كل من استنفره لنصِّ هذا الحديث على ذلك، وهو أمرٌ مُجمَعٌ عليه.\nوقوله إن الهجرة قد مضت لأهلها؛ أي ثبتت لمن هاجر قبل الفتح وفازوا بها، وسقطت عن غيرهم لرفع وجوبها عنهم.\nوقوله ولكن على الإسلام والجهاد والخير؛ أي ولكن بايع على ملازمة الإسلام والجهاد وفعل الخير أبدًا دائمًا.\n_________\n(١) هذا الكلام فيه نظر، ومن المعلوم أن أكثر بلاد المسلمين دخلها الإسلام عن طريق التجار المسلمين.\n(٢) في إكمال إكمال المعلم: الحرب.\n(٣) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"4","page":70},{"text":"رواه أحمد (٣/ ٤٣٨)، والبخاري (٤٣٠٥ و٤٣٠٦)، ومسلم (١٨٦٣) (٨٣).\n[١٤٤٠] وعَن سَلَمَةَ بنِ الأَكوَعِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الحَجَّاجِ فَقَالَ: يَا ابنَ الأَكوَعِ، ارتَدَدتَ عَلَى عَقِبَيكَ؟ تَعَرَّبتَ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِن رسول الله ﷺ أَذِنَ لِي فِي البَدوِ.\nرواه البخاريُّ (٧٠٨٧)، ومسلم (١٨٦٢).\nــ\nوقول الحَجَّاج لسلمة بن الأكوع أرتددتَ؟ تَعَرَّبت؟ استفهامٌ على جهة الإنكار عليه؛ لأنه خرج من محل هجرته التي هي المدينة إلى البادية التي هي موطن الأعراب، لما كان المعلوم من حال المهاجر أنه يحرم عليه الانتقال منها إلى غيرها لا سيما إن رجع إلى وطنه، فإنّ ذلك محرم بإجماع الأمة على ما حكاه القاضي عياض، وربما أطلق على ذلك رِدَّة كما أطلقه الحجاج هنا، فأجابه سلمة بأن النبي ﷺ أذن له في ذلك، فكان ذلك خصوصًا في حقه.\nوتَعَرَّبت أي سكنت مع أعراب البادية، والبدو البادية، وسُمَّيت بذلك لأنها يبدو ما فيها ومن فيها؛ أي: يظهر. أو لأن من خرج إليها من الحاضرة بدا؛ أي: ظهر. والحاضر أصله: النازل على الماء، كما قال (١):\nمِن سَبَأَ الحاضرين مَأرِبَ إذ ... يَبنُونَ مِن دون سيلِهِ (٢) العَرِمَا\nوسُمِّي به أهل القرى والحصون؛ لأنهم لا يرحلون (٣) عن ماءٍ يجتمعون عليها.\nوسؤال الأعرابيّ عن الهجرة إنما كان عن وجوبها عليه، فأجابه النبي ﷺ\n_________\n(١) هو الجعدي.\n(٢) في اللسان: سيلها.\n(٣) في الأصول: لا يخلون، والمثبت من اللسان مادة: (حضر).","vol":"4","page":71},{"text":"[١٤٤١] وعن أَبُي سَعِيدٍ الخدري أَنَّ أَعرَابِيًّا سَأَلَ رسول الله ﷺ عَن الهِجرَةِ، فَقَالَ: وَيحَكَ! إِنَّ شَأنَ الهِجرَةِ لَشَدِيدٌ، فَهَل لَكَ مِن إِبِلٍ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: فَهَل تُؤدِي صَدَقَتَهَا؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: فَاعمَل مِن وَرَاءِ البِحَارِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَن يَتِرَكَ مِن عَمَلِكَ شَيئًا.\nزاد في رواية: فقَالَ: هَل تَحلُبُهَا يَومَ وِردِهَا؟ قَالَ: نَعَم.\nرواه أحمد (٣/ ١٤)، والبخاريُّ (١٤٥٢)، ومسلم (١٨٦٥)، وأبو داود (٢٤٧٧)، والنسائي (٧/ ١٤٣).\n* * *\nــ\nبقوله إن شأنها لشديد؛ أي: إن أمرها صعبٌ وشروطها عظيمة - ثم أخبره بعد ذلك بما يدلّ على أنها ليست واجبة عليه.\nقلت: ويحتمل أن يكون ذلك خاصًّا بذلك الأعرابيِّ لما علم من حاله وضعفه عن المقام بالمدينة، فأشفق عليه ورحمه؛ ﴿وَكَانَ بِالمُؤمِنِينَ رَحِيمًا﴾\nوصدقة الإبل: زكاتُها.\nوقوله هل تحلبها يوم وِردِهَا؟ يعني أنهم كانوا إذا اجتمعوا عند ورود المياه حَلَبُوا مواشيهم فسقوا المحتاجين والفقراء المجتمعين على المياه - وقد تقدَّم في كتاب الزكاة.\nوالبحار هنا يُراد بها القُرى، وقد تقدَّم ذِكرُ ذلك.\nوقوله لن يَتِرَكَ أي ينقصك، ومعنى ذلك أنَّه إذا قام بما يتعيّن عليه من الحقوق وبما يفعله من الخير فإن الله تعالى يثيبه على ذلك ولا يضيع شيئًا من عمله أينما كان من الأرض، ولا بُعدَ في أن يُحصِّل الله له ثواب مهاجرٍ بِحُسنِ نِيّته وفعلِهِ الخير، والله تعالى أعلم.","vol":"4","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-526>(١٧) باب في بيعة النساء والمجذوم وكيفيتها</span>\n[١٤٤٢] عن عَائِشَةَ قَالَت: كَانَت المُؤمِنَاتُ إِذَا هَاجَرنَ إِلَى رسول الله ﷺ يُمتَحَنَّ بِقَولِ اللَّهِ تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ المُؤمِنَاتُ يُبَايِعنَكَ عَلَى أَن لَا يُشرِكنَ بِاللَّهِ شَيئًا وَلَا يَسرِقنَ وَلَا يَزنِينَ. . . إِلَى آخِرِ الآيَةِ، قَالَت عَائِشَةُ: فَمَن أَقَرَّ بِهَذَا مِن المُؤمِنَاتِ فَقَد أَقَرَّ بِالمِحنَةِ، وَكَانَ رسول الله ﷺ إِذَا أَقرَرنَ بِذَلِكَ مِن قَولِهِنَّ قَالَ لَهُنَّ رسول الله ﷺ:\nــ\n(١٧) ومن باب: بيعة النساء والمجذوم\nيُمتَحَنَّ: يُختَبَرن. والامتحان: الاختبار.\nوقوله ﴿وَلا يَقتُلنَ أَولادَهُنَّ﴾ (١) قال بعض المفسرين: بالوأد والإزلاق (٢).\nقلت: واللفظ أعم مما ذكره؛ إذ يتناوله وغيره.\nوقوله: ﴿وَلا يَأتِينَ بِبُهتَانٍ يَفتَرِينَهُ بَينَ أَيدِيهِنَّ وَأَرجُلِهِنَّ﴾، قيل في البهتان هذا: إنه السِّحرُ. وقيل: النميمة. وقيل: الولد من غير الزوج بالالتقاط أو الزنا فتنسبه إلى الزوج. وقيل: النياحة وخَمش الوجه وشق الجيب والدعاء بالويل. قال الكلبي: هو عام في كل أمرٍ.\nقلت: وهو الصحيح؛ لعموم لفظ البهتان فإنَّه نكرة في سياق النهي. ونسبته إلى ما بين الأيدي والأرجل كناية عما يفعل بجميع الأعضاء والجوارح من البهتان بين الأيدي والأرجل لأنهما الأصل في أعمال الجوارح.\n_________\n(١) هي تتمة الآية رقم (١٢) من سورة الممتحنة.\n(٢) الإزلاق: الإسقاط والإجهاض.","vol":"4","page":73},{"text":"انطلقنَ فَقَد بَايَعتُكُنَّ. وَلَا وَاللَّهِ مَا مَسَّت يَدُ رسول الله ﷺ يَدَ امرَأَةٍ قَطُّ، غَيرَ أَنَّهُ يُبَايِعُهُنَّ بِالكَلَامِ. قَالَت عَائِشَةُ: وَاللَّهِ مَا أَخَذَ رسول الله ﷺ عَلَى النِّسَاءِ قَطُّ إِلَّا بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى.\nرواه البخاري (٤٨٩١)، ومسلم (١٨٦٦) (٨٨)، والترمذيُّ (٣٣٠٣).\nــ\nوحكى أهل التفسير أن النبي ﷺ لما فتح مكة جلس على الصَّفا وبايع النساء، فتلا عليهنَّ الآية، فجاءت هند - امرأة أبي سفيان - متنكرة، فلمَّا سمعت ﴿وَلا يَسرِقنَ﴾ قالت: قد سرقت من مال هذا الشيخ. قال أبو سفيان: ما أصبت فهو لك. ولَمَّا سمعت ﴿وَلا يَزنِينَ﴾ قالت: وهل تزني الحرَّة؟ فقال عمر: لو كانت قلوب نساء العرب على قلب هند ما زنت امرأة منهنَّ. ولَمَّا سمعت ﴿وَلا يَقتُلنَ أَولادَهُنَّ﴾ قالت: ربيناهم صغارًا فقتلتموهم كبارًا! ولَمَّا سمعت ﴿وَلا يَأتِينَ بِبُهتَانٍ يَفتَرِينَهُ بَينَ أَيدِيهِنَّ وَأَرجُلِهِنَّ﴾ قالت: والله إن البهتان لأمرٍ قبيح، ما تأمر إلا بالرشد ومكارم الأخلاق. ولما سمعت ﴿وَلا يَعصِينَكَ (١) فِي مَعرُوفٍ﴾ قالت: ما جلسنا هنا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء.\nوالمعروف هنا: الواجبات الشرعية التي يُعَصَّى من تركها.\nوقوله تعالى: فَبَايِعهُنَّ؛ أي بالكلام كما فعل، ﴿وَاستَغفِر لَهُنَّ اللَّهَ﴾؛ أي: سل الله لهن المغفرة فإنه غفور بتمحيق ما سلف رحيم بتوفيق ما ائتُنِفَ.\nوما قالته عائشة ﵂ من أن النبي ﷺ ما مَسَّت يده يد امرأة إلَاّ امرأة يملكها (٢)، وإنّما يبايع النساء بالكلام - هو الحقّ والصدق، وإذا كان\n_________\n(١) ما بين حاصرتين لم يرد في الأصول واستُدرك من الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٨/ ٧٢).\n(٢) ما بين حاصرتين ورد في صحيح البخاري حديث رقم (٧٢١٤).","vol":"4","page":74},{"text":"[١٤٤٣] وعَن عَمرِو بنِ الشَّرِيدِ، عَن أَبِيهِ قَالَ: كَانَ فِي وَفدِ ثَقِيفٍ رَجُلٌ مَجذُومٌ، فَأَرسَلَ إِلَيهِ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّا قَد بَايَعنَاكَ، فَارجِع.\nرواه مسلم (٢٢٣١)، والنسائي (٧/ ١٠٥)، وابن ماجه (٣٥٤٤).\n* * *\nــ\nالنبي ﷺ يمتنع من ذلك كان غيره أحرى وأولى بالامتناع منه، فيبطل قول من قال: إن عمر كان يأخذ بأيدي النساء عند هذه المبايعة - وليس بصحيح لا نقلًا ولا عقلًا.\nوفيه التباعد من النساء ما أمكن، وإن كلام المرأة فيما يحتاج إليه من غير تزيُّن ولا تصنُّع ولا رفع صوت ليس بحرام ولا مكروه.\nوقول عائشة ﵂ ما أخذ رسول الله ﷺ على النساء قط إلا بما أمره الله تعالى تعني به آية المبايعة المذكورة يتلوها عليهن، ولا يزيد شيئًا آخر من قبله.\nوقوله ﷺ للمجذوم اذهب فقد بايعناك ولم يأخذ بيده عند المبايعة تخفيف عن المجذوم والناس لئلا يشق عليه الاقتحام معهم فيتأذى هو في نفسه ويتأذى به الناس.\nوقد روى الترمذيُّ عن النبي ﷺ أنَّه أكل مع مجذوم فقال: بسم الله توكلًا على الله (١)، وقد جاء عنه في الصحيح أنه قال: فرَّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد (٢)، وهذا الخطاب إنما هو لمن يجد في نفسه نفرة طبيعية لا يقدر على الانتزاع منها، فأمره بالفرار لئلا يتشوّش عليه ويغلبه وَهمُهُ، وليس ذلك خوفًا\n_________\n(١) رواه الترمذي (١٨١٧)، وابن ماجه (٣٥٤٢).\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٤٤٣)، والبخاري (٥٧٠٧).","vol":"4","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-527>(١٨) باب وفاء الإمام بما عقده غيره إذا كان العقد جائزا ومتابعة سيد القوم عنهم</span>\n[١٤٤٤] عن حُذَيفَةُ بنُ اليَمَانِ قَالَ: مَا مَنَعَنِي أَن أَشهَدَ بَدرًا إِلَّا أَنِّي خَرَجتُ أَنَا وَأَبِي حُسَيلٌ، قَالَ: فَأَخَذَنَا كُفَّارُ قُرَيشٍ فقَالَوا: إِنَّكُم تُرِيدُونَ\nــ\nلعدوى، فقد قال ﷺ: لا يُعدي شيء شيئًا (١)، وقال: لا عدوى (٢)، وقال للأعرابيِّ: فمن أعدى الأول (٣).\nويفيد هذا الحديث إباحة مباعدة أهل الأسقام الفادحة المستكرهة إذا لم يؤد ذلك إلى إضاعتهم وإهمالهم، والله تعالى أعلم.\n(١٨) ومن باب: وفاء الإمام بما عقده غيره\nقول حذيفة خرجت أنا وأبي حُسيلٌ، روي بالتصغير والتكبير؛ أي: حِسلًا، وهو اسم لوالد حذيفة، واليمان لقب له غالبٌ عليه، وقيل: هو اسمٌ لأحد أجداد حذيفة، وهو: حذيفةُ بن حسل بن عامر بن ربيعة بن عمرو بن جِروَة، وهو (٤) اليمان، وكان جروةُ هذا قد أصاب دمًا في قومه فهرب إلى المدينة، فحالف بني عبد الأشهل، فسمَّاه قومه اليماني لأنه حَالَفَ اليمانية.\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢١٤٤) عن ابن مسعود.\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٥٠٧)، والبخاري (٥٧٥٧). ومسلم (٢٢٢٤) (١١٤).\n(٣) رواه البخاري (٥٧١٧)، ومسلم (٢٢٢٠).\n(٤) في (ع): بن.","vol":"4","page":76},{"text":"مُحَمَّدًا؟ فَقُلنَا: مَا نُرِيدُ إِلَّا المَدِينَةَ! فَأَخَذُوا مِنَّا عَهدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَنَنصَرِفَنَّ إِلَى المَدِينَةِ وَلَا نُقَاتِلُ مَعَهُ، فَأَتَينَا رسول الله ﷺ فَأَخبَرنَاهُ الخَبَرَ، فَقَالَ: انصَرِفَا، نَفِي لَهُم بِعَهدِهِم وَنَستَعِينُ اللَّهَ عَلَيهِم.\nرواه مسلم (١٧٨٧).\n[١٤٤٥] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ضِمَادًا قَدِمَ مَكَّةَ، وَكَانَ مِن أَزدِ شَنُوءَةَ، وَكَانَ يَرقِي مِن هَذِهِ الرِّيحِ، فَسَمِعَ سُفَهَاءَ مِن أَهلِ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا مَجنُونٌ! فَقَالَ: لَو أَنِّي رَأَيتُ هَذَا الرَّجُلَ لَعَلَّ اللَّهَ يَشفِيهِ عَلَى يَدَيَّ! قَالَ: فَلَقِيَهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي أَرقِي مِن هَذِهِ الرِّيحِ، وَإِنَّ اللَّهَ يَشفِي عَلَى يَدِي مَن يشَاءَ، فَهَل لَكَ؟ فَقَالَ رسول الله ﷺ: إِنَّ الحَمدَ لِلَّهِ، نَحمَدُهُ وَنَستَعِينُهُ، مَن يَهدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَن يُضلِل فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعدُ. قَالَ: فَقَالَ: أَعِد\nــ\nوقوله انصرفا، نَفِي لهم بعهدهم، هكذا وقع ها هنا نفي بنونٍ في أول الفعل، وعلى هذا فيكون هو ﷺ الذي وفَّى بما عهده حذيفة وأبوه للمشركين، وقد وقع في الجمع بين الصحيحين للحميدي تفيا باثنتين من فوقها والألف للاثنين بعد الياء المفتوحة، وعليه فيكون هما اللذان وفّيا بما عقداه إلا أن النبي ﷺ أمضَاهُ.\nوقوله ﷺ بعد خطبته لضماد أما بعد ولم يذكر جوابَ أمَّا، سكت عنه لأن ضمادًا قطع عليه ما أراد أن يقول حين قال له: أعد عليّ كلماتك هذه، فاشتغل بإعادته عن الجواب، ثمّ إنّ ضمادًا لَمّا (١) كان عالِمًا بأصناف الكلام البليغ ووجد عنده ما حصل له من العلم بذلك قطع بأنه لا يصدر مثل ذلك إلا\n_________\n(١) ساقط من (ج ٢).","vol":"4","page":77},{"text":"عَلَيَّ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ! فَأَعَادَهُنَّ عَلَيهِ رسول الله ﷺ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. قَالَ: فَقَالَ: لَقَد سَمِعتُ قَولَ الكَهَنَةِ وَقَولَ السَّحَرَةِ وَقَولَ الشُّعَرَاءِ، فَمَا سَمِعتُ مِثلَ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ، وَلَقَد بَلَغنَ قَامُوسَ البَحرِ! قَالَ: فَقَالَ: هَاتِ يَدَكَ أُبَايِعكَ عَلَى الإِسلَامِ! قَالَ: فَبَايَعَهُ، فَقَالَ رسول الله ﷺ: وَعَلَى قَومِكَ؟ فقَالَ: وَعَلَى قَومِي. قَالَ فَبَعَثَ رسول الله ﷺ سَرِيَّةً فَمَرُّوا بِقَومِهِ، فَقَالَ صَاحِبُ السَّرِيَّةِ لِلجَيشِ: هَل أَصَبتُم مِن هَؤُلَاءِ شَيئًا؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِن القَومِ: أَصَبتُ مِنهُم مِطهَرَةً! فَقَالَ: رُدُّوهَا؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ قَومُ ضِمَادٍ!\nرواه مسلم (٨٦٨).\n* * *\nــ\nعن نبي وأنه مُحِقٌّ في قوله، فأسلَم وحَسُنَ إسلامه، وضمن عن قومه الإسلام حتى قدم عليهم فأسلَمُوا، فلم يحتج النبي ﷺ بعد خطبته لإنشاء كلام يكون جوابًا لـ أمَّا.\nوقاموس البحر قَعرَهُ، وقد مضى تفسيره وتفسير ما شابه هذه الصيغة، وهذا القول من ضمادٍ يُحتمل أن يكون على الإغياء؛ يعني أنَّه لو كان في قعر البحر أحدٌ لبلغت ووصلت إليه، ويكون الماضي بمعنى المستقبل، ويحتمل أن يتجوز بالبحر ويعبِّر به عن قلبه؛ لأنه كثير المعارف والفضائل ولسعته لكل ذلك، فكأنَّه قال: بلغت كلماتك قعر قلبي. وتكون هذه الاستعارة كما قال ﷺ في الفرس: وإن وجدناه لبحرًا (١).\n* * *\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٢٠٢).","vol":"4","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-528>(١٩) باب جواز أمان المرأة</span>\n[١٤٤٦] عن أُمُّ هَانِئٍ بِنتُ أَبِي طَالِبٍ أنها قُالتُ: يَا رسول الله، زَعَمَ ابنُ أُمِّي عَلِيُّ أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا أَجَرتُهُ - فُلَانُ ابنُ هُبَيرَةَ! فَقَالَ رسول الله ﷺ: قَد أَجَرنَا مَن أَجَرتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ. قَالَ: وَذَلِكَ ضُحًى.\nرواه أحمد (٦/ ٣٤٣)، والبخاريُّ (٢٨٠)، ومسلم (٣٣٦) في صلاة المسافرين (٨٢) والترمذيُّ (٢٧٣٥)، والنسائيُّ (١/ ١٢٦).\n* * *\nــ\n(١٩) ومن باب: جواز أمان المرأة\nقول أمِّ هانئ زعم ابن أمي علي، ولم تقل ابن أبي مع أنه شقيقها لما يقتضيه رحم الأم من الشفقة والحنان والتعطّف، كما قال الشاعر (١):\nيا ابن أُمِّي وَيَا شُقَيَّق نَفسِي ... أَنتَ خَلَّيتَنِي لِدَهرٍ شَدِيد\nفكأنها قالت: عليٌّ مع شفقته ورحمته أراد أن يخفر ذمّتي فيقتل فلانًا الكافر الذي أجرتُه.\nوقوله ﷺ قد أجرنا من أجرت دليل على جواز أمان المرأة على ما ذهب إليه مالك وغيره، وقد تقدَّم. وقد دفع الاستدلال بهذا الحديث من منع أمان المرأة إلا بإذن الإمام بأن قالوا: لو لم يُجز النبي ﷺ أمانها لَمَا جاز. ولا يُسمع هذا؛ لأن موضع احتجاجنا به إنَّما هو قوله مَن أَجَرتِ، فسمَّى جوارها جوارًا حقيقيًّا، وهذا يقتضي نفوذه منفردًا أو مضمومًا إليه غيره، ثم قوله ﷺ قد أجرنا ليس هو إنشاء جوارٍ، إنّما هو موافقةٌ لها على ما أجارت وعملٌ بمقتضى ما عَقَدت، والله تعالى أعلم.\n* * *\n_________\n(١) هو: زبيدٌ الطائي.","vol":"4","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-529>(١٥) كتاب النكاح</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-530>(١) باب الترغيب في النكاح وكراهية التبتل</span>\n[١٤٤٧] عَن عَلقَمَةَ قَالَ: كُنتُ أَمشِي مَعَ عَبدِ اللَّهِ بِمِنًى فَلَقِيَهُ عُثمَانُ فَقَامَ سعد يتحَدّث، فَقَالَ لَهُ عُثمَانُ: يَا أَبَا عَبدِ الرَّحمَنِ، أَلَا نُزَوِّجُكَ جَارِيَةً شَابَّةً\nــ\n(١٥) كتاب النكاح\nحقيقة النكاح: الوطءُ، وأصله: الإيلاج. وهو: الإدخال. وقد اشتهر إطلاقه على العقد؛ كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحتُمُ المُؤمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقتُمُوهُنَّ مِن قَبلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾؛ أي: إذا عقدتم عليهن. وقد يُطلق النكاح ويُراد به العقد والوطء؛ كما قال تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا المُشرِكَاتِ حَتَّى يُؤمِنَّ﴾؛ أي: لا تعقدوا عليهن، ولا تطؤوهن.\n(١) باب الترغيب في النكاح (١)\n(قوله: ألا نزوجك جاريةً شابةً؟) (ألا): عرض وتحضيض. و(الجارية) هنا:\n_________\n(١) العنوان ساقط من الأصول، واستدركناه من التلخيص.","vol":"4","page":80},{"text":"- وفي رواية بكرا مكان شابة - لَعَلَّهَا تُذَكِّرُكَ مَا مَضَى مِن زَمَانِكَ؟ قَالَ: فَقَالَ عَبدُ اللَّهِ: لَئِن قُلت ذَاكَ، لَقَد قَالَ لَنَا رسول الله ﷺ: يَا مَعشَرَ الشَّبَابِ مَن استَطَاعَ\nــ\nالمعصر (١) وما قارب ذلك. والبِكرُ: الذي لم يتزوج من الرِّجال والنِّساء؛ يقال: رجلٌ بِكرٌ، وامرأةٌ بِكرٌ - بكسر الباء- والبكر أيضًا: أوّلُ الأولاد - بالكسر -؛ كما قال الشاعر:\nيا بِكرَ بِكرَينِ ويَا خِلبَ الكَبِدِ ... أصبحتَ مِنِّي كذِراعٍ مِن عَضُد\nوفي مقابلة البكر: الأيِّم، وسيأتي ذِكرُها إن شاء الله تعالى.\nو(قوله: لعلها تذكرك بعض ما مضى من زمانك) أي: زمان نشاطك وغُلمتك (٢). فقد قال في الرواية الأخرى: (لعلها (٣) ترجع إليك ما كنت تعهد من نفسك) وكان عبد الله قد قلت رغبته في النساء؛ إما للاشتغال بالعبادة، وإمّا للسِّنِّ، وإما لمجموعهما، فحرّكه عثمان بذلك.\nو(الباءة) - بفتح الباء، والمد -: النِّكَاح. وأصله: المَنزِل؛ يقال: باءةٌ، ومباءة، ومبوَّأ. ومنه قوله ﷺ في المدينة حين أطلَّ عليها: (هذه المبوَّأ) (٤) أي: المنزل. ثم قيل للتزويج: باه؛ لأن من تزوَّج امرأة بوَّأها منزلًا. قال الأصمعي: وفيه لغتان: باهٌ، وباءٌ. قال: هو الغشيان. وإن شئتَ جمعتَ بالتاء، فقلتَ: باءات. قال غيره: فيه أربع لغات، وزاد: باهة، فأبدل من الهمزة هاءً، وباها - بالقصر والهاء -.\nو(قوله ﷺ: (من استطاع) أي: مَن وَجَدَ ما به يتزوج. و(من لم يستطع)\n_________\n(١) هي التي بلغت عصر شبابها، وأدركت (اللسان).\n(٢) \"الغُلْمَةُ\": هيجان شهوة النكاح من الرجل والمرأة وغيرهما.\n(٣) ساقطة من (ج ٢).\n(٤) ذكره ابن الأثير في النهاية (١/ ١٥٩).","vol":"4","page":81},{"text":"مِنكُم البَاءَةَ فَليَتَزَوَّج\nــ\nأي: من لم يجد ذلك. ولا يُراد به هنا: القدرة على الوطءِ؛ لقوله: (فعليه بالصوم، فإنه له وِجَاء).\nو(قوله: فليتزوج) أمرٌ، وظاهره: الوجوب. وبه قال داود ومَن تابعه. والواجب عندهم العَقدُ لا الدخول، فإنه إنما يجب عندهم مرة في العمر. والجمهور: على أن التزويج مندوب إليه، مُرَغَّبٌ فيه على الجملة. وقد اعتبره بعض علمائنا بالنظر إلى أحوال النَّاس، وقسَّمه بأقسام الأحكام الخمسة (١). وذلك واضحٌ. وصرف الجمهورُ ذلك الأمرَ عن ظاهره لشيئين:\nأحدهما: أن الله تعالى قد خيَّر بين التزويج والتَّسَرِّي بقوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِنَ النِّسَاءِ مَثنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ ثم قال: ﴿أَو مَا مَلَكَت أَيمَانُكُم﴾، والتَّسرِّي ليس بواجب إجماعًا، فالنكاح لا يكون واجبا؛ لأن التخيير بين واجب وبين ما ليس بواجب يرفع وجوب الواجب. وبَسطُ هذا في الأصول.\nوثانيهما: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُم لِفُرُوجِهِم حَافِظُونَ * إِلا عَلَى أَزوَاجِهِم أو مَا مَلَكَت أَيمَانُهُم فَإِنَّهُم غَيرُ مَلُومِينَ﴾ ولا يقال في الواجب: إنه غير ملوم.\nثم هذا الحديث لا حجة لهم فيه لوجهين:\nأحدهما: أن نقول بموجبه في حق الشابّ المستطيع الذي يَخافُ الضررَ على نفسه ودينه من العُزبة، بحيث لا يرتفع عنه إلَاّ بالتزويج، وهذا لا يُختلف في وجوب التزويج عليه.\nوالثاني: أنهم قالوا: إنّما يجب العقد لا الوطء. وظاهرُ الحديث: إنّما هو الوطء، فإنّه لا يحصل شيءٌ من الفوائد التي أرشد إليها في ذلك الحديث؛ من\n_________\n(١) الأحكام الخمسة هي: الواجب، المندوب، المباح، المكروه، الحرام.","vol":"4","page":82},{"text":"فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلبَصَرِ، وَأَحصَنُ لِلفَرجِ،\nــ\nتحصين الفرج، وغَضِّ البصر بالعقد. بل: إنّما يحصل كلُّ ذلك بالوطء، وهو الذي يحصل دفع الشَّبق إليه بالصوم. فما ذهبوا إليه لم يتناوله الحديث. وما تناوله الحديثُ لم يذهبوا إليه. وذلك دليل على سوء فهمهم، وقلة فطنتهم.\nولا حجة لهم في قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية؛ لأنَّه أمرٌ قُصِدَ به بيانُ ما يجوز الجمع بينه من أعداد النساء، لا أنَّه قصد به حكم أصل القاعدة.\nولا حجة لهم في قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُم وَالصَّالِحِينَ مِن عِبَادِكُم﴾؛ فإنَّه أمرٌ للأولياء بالإنكاح، لا للأزواج بالنِّكاح.\nوأغض: أسدُّ (١). وأحصن: أمنع.\nو(قوله: فعليه بالصوم) قال الإمام أبو عبد الله: فيه إغراءٌ بالغائب، ومن أصول النحويين ألا يُغرى بغائبٍ، وقد جاء شاذًّا قول بعضهم: عليه رجلًا ليسني؛ على جهة الإغراء. قال القاضي أبو الفضل عياض: هذا الكلام لأبي محمد بن قتيبة والزَّجَّاجي وبعضهم، ولكن على قائله أغاليط ثلاثة:\nأولها: قوله: لا يجوز الإغراء بالغائب، وصوابه: لا يجوز إغراء الغائب، أو لا يُغرَى غائبٌ. فأمَّا الإغراء بالشاهد والغائب فجائزٌ. وهكذا نصَّ أبو عبيد في هذا الحديث، وكذلك كلام (٢) سيبويه ومَن بعده من أئمة هذا الشأن قالوا: وإنَّما يؤمر بمثل هذا الحاضر، والمخَاطَب، ولا يجوز: دونه زيدًا، ولا: عليه زيدًا - وأنت تريد غير المخاطب -؛ لأنه ليس بفعل له، ولا تصرّف تصرّفه. وإنما جاز\n_________\n(١) في اللسان: غضَّ طرفه وبصره: كفّه، وخفضه، وكسره.\n(٢) ساقط من (ع).","vol":"4","page":83},{"text":"وَمَن لَم يَستَطِع فَعَلَيهِ بِالصَّومِ،\nــ\nللحاضر؛ لما فيه من معنى الفعل، ودلالة الحال. فأمَّا الغائب فلا يوجد ذلك فيه؛ لعدم حضوره، وعدم معرفته بالحالة الدالة على المراد.\nوثانيها: عدُّ قولهم: عليه رجلًا ليس من إغراء الغائب. وقد جعله سيبويه والسّيرافي منه. ورأوه شاذًّا.\nقال القاضي: والذي عندي: أنه ليس المراد بها حقيقة الإغراء، وإن كانت صورته، فلم يُرِد هذا القائلُ تبليغ هذا الغائب، ولا أمره بإلزام غيره، وإنما أراد الإخبار عن نفسه بعدم (١) مبالاته بالغائب، وأنَّه غير متأتٍّ له منه ما يريد، فجاء بهذه الصورة يَدَلُّ على ذلك. ونحوه قولهم: إليك عنّي؛ أي: اجعل شغلك بنفسك عنِّي، ولم يُرِد أن يغريه به، وإنّما مرادُه: دَعني، وكن كمن شُغِلَ عَنِّي.\nوثالثها: عدُّهم هذه اللفظة في الحديث؛ من إغراء الغائب.\nقال القاضي: والصَّواب: أنه ليس في هذا الحديث إغراء الغائب جملة. والكلام كلُّه والخطابُ للحضور الذين خاطبهم ﷺ بقوله: (من استطاع منكم الباءة) فالهاء هنا (٢) ليست للغائب، وإنّما هي لمن خصَّ من الحاضرين بعدم الاستطاعة؛ إذ لا يصح خطابُه بكاف الخطاب؛ لأنه لم يتعيّن منهم، ولإبهامه بلفظة (من) وإن كان حاضرًا. وهذا النحو كثيرٌ في القرآن؛ كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ القِصَاصُ فِي القَتلَى الحُرُّ بِالحُرِّ إلى قوله: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أَخِيهِ شَيءٌ﴾ وكقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيرًا فَهُوَ خَيرٌ لَهُ﴾ وكقوله: ﴿وَمَن يَقنُت مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعمَل صَالِحًا نُؤتِهَا أَجرَهَا مَرَّتَينِ﴾، فهذه الهاءاتُ كلّها ضمائرُ للحاضر لا للغائب، ومثله: لو قلتَ\n_________\n(١) في (ج ٢): لقلّة.\n(٢) أي: الهاء في \"فعليه\".","vol":"4","page":84},{"text":"فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ.\nرواه أحمد (١/ ٤٣٢)، والبخاري (٥٠٦٦)، ومسلم (١٤٠٠)، وأبو داود (٢٠٤٦)، والترمذي (١٠٨١)، والنَّسائيُّ (٤/ ١٦٩)، وابن ماجه (١٨٤٥).\n[١٤٤٨] وعَن أَنَسٍ أَنَّ نَفَرًا مِن أَصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ سَأَلُوا أَزوَاجَ\nــ\nلرجلين: من قام الآن منكما فله درهم (١). فهذه الهاء لمن قام من الحاضرين.\nقلت: اختصرتُ كلام القاضي في هذا الفصل من غير تبديل، ولا زيادة، وهو حسن جيّدٌ، فلذلك نقلته بلفظه.\nو(قوله: فإنه له وِجَاء) - بكسر الواو، والمد - وهو: عض الأنثيين (٢)، أو رضهما بحجر ونحوه. وأصله: الغمز، والطّعن. ومنه: وَجَأَ في عُنُقِه، وَوَجَأَ بَطنَهُ بالخنجر. وقال بعضهم: الوَجءُ: أن توجأ العروق والخصيتان باقيتان بحالهما. والخصاء: شق الخصيتين، واستئصالهما. والجب: أن تحمى الشفرة، ثم تستأصل بها الخصيتان. وقد قاله بعضهم: (وجا) بفتح الواو، والقصر. وليس بشيء؛ لأن ذلك هو: الحفا في ذوات الخُفِّ، قاله الخطابي.\nوفيه دليل: على جواز المعاناة لقطع الباه بالأدوية. وعلى أن مقصود النكاح: الوطء. وعلى وجوب الخيار في العنّة.\nو(المعشر): الجماعة من الناس.\nو(قوله: أن نفرًا) النفر: الجماعة من الناس (٣)، وأقلهم ثلاثة وهم كذلك\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٢) أي: لزقهما مع بعضهما. انظر: إكمال إكمال المعلم (٤/ ٧).\n(٣) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"4","page":85},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nهنا. وقد ذكر البخاري حديث أنس هذا على سياق أحسن من هذا وأتم، فقال: جاء ثلاثة رهطٍ إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادته، فلمّا أخبروا كأنهم تقالوها. فقالوا: أين نحن من النبي ﷺ، قد غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر. قال أحدهم: أمَّا أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال الآخر: أمَّا أنا فأصوم الدَّهرَ ولا أفطر. وقال الآخر: وأنا أعتزلُ النساء، فلا أتزوّج أبدًا. فجاء رسول الله ﷺ فقال: (أنتم القائلون كذا؟ أَمَا والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكنِّي أصوم وأُفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سُنَّتِي فليس مني) (١).\nقلت: فهؤلاء القوم حَصَلَ عندهم أنَّ الانقطاعَ عن ملاذِّ الدُّنيا من النساء والطَّيِّب من الطَّعام والنوم، والتَّفرغ لاستغراق الأزمان بالعبادات أولى، فلما سألوا عن عمل رسول الله ﷺ وعبادته، لم يدركوا من عبادته ما وقع لهم أبدَوا فارقًا بينهم وبين النبي ﷺ: بأنَّه مغفورٌ له. ثمَّ أخبر كلّ واحد منهم بما عَزَمَ على فعله، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ أجابهم بأن ألغى الفارق بقوله: (إني أخشاكم لله) وتَقرِيرُ ذلك: إني وإن كنت مغفورًا لي فخشية الله وخوفه يحملني على الاجتهاد وملازمة العبادة، لكن طريق العبادة ما أنا عليه، فمن رغب عنه وتركه؛ فليس على طريقي في العبادة.\nقلت: ويوضح هذا المعنى ويُبيِّنَه: أنَّ عبادة الله إنَّما هي امتثالُ أوامره الواجبة والمندوبة، واجتناب نواهيه المحظورة والمكروهة، وما من زمان من الأزمان إلا وتتوجَّهُ على المكلَّف فيه أوامر أو نواهٍ، فمن قام بوظيفة كل وقت فقد أدَّى العبادة، وقام بها. فإذا قام بالليل مصلِّيًا: فقد قام بوظيفة ذلك الوقت. فإذا احتاج إلى النوم لدفع ألم السّهر، ولتقوية النفس على العبادة، ولإزالة تشويش\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٠٦٣).","vol":"4","page":86},{"text":"النَّبِيِّ ﷺ عَن عَمَلِهِ فِي السِّرِّ فَقَالَ بَعضُهُم: لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَقَالَ بَعضُهُم: لَا آكُلُ اللَّحمَ، وَقَالَ بَعضُهُم: لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ،\nــ\nمدافعة النوم المشوَّشة للقراءة، أو لإعطاء الزوجة حقَّها من المضاجعة: كان نومُه ذلك عبادةً كصلاتِه، وقد بيّن هذا المعنى سلمان الفارسي لأبي الدرداء بقوله: لكنِّي أقوم وأنام، وأحتسب في نومتي ما أحتسبه في قَومتي. وكذلك القول في الصيام. وأمَّا التزويج فيجري فيه مثل ذلك وزيادة نيَّة تحصين الفرج، والعين، وسلامة الدين، وتكثير نسل المسلمين. وبهذه القصود الصحيحة تتحقق فيه العبادات العظيمة.\nولذلك اختلف العلماء في: أيَّ الأمرين أفضل؟ التزويج أم التفرُّغ منه للعبادة؟ كما هو معروف في مسائل الخلاف. وعلى الجملة: فما من شيء من المباحات المستلذات وغيرها، إلا ويُمكن لمن شرح الله صدره أن يصرفه إلى باب العبادات والطاعات بإخطار معانيها بباله، وقصد نية التقرّب بها، كما قد نصَّ عليه المشايخ في كتبهم، كالحارث المحاسبي وغيره. ومَن فَهِمَ هذا المعنى وحصَّلَهُ تحقَّق: أنَّ النبي ﷺ قد حَلَ من العبادات أعلاها؛ لانشراح صدره، وحضور قصده، ولعلمه بحدود الله، وبما يُقرّب منه، ولما لم ينكشف هذا المعنى للنّفر السائلين عن عبادته استقلوها بناءً منهم على أن العبادة إنما هي استفراغ الوسع في الصلاة، والصوم، والانقطاع عن الملاذّ. وهيهات بينهما ما بين الثريَّا والثَّرى، وسُهيل والسُّها (١).\nوعند الوقوف على ما أوضحناه من هذا الحديث يتحقق أنَّ فيه ردًّا على غلاة المتزهدين، وعلى أهل البطالة من المتصوفين؛ إذ كُلُّ فريقٍ منهم قد عَدَلَ عن طريقه، وحاد عن تحقيقه.\nو(قوله: وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراشٍ) قال البخاري بدل هذا الكلام: أما أنا فأصوم ولا أفطر. وهذا المساق أحسن؛\n_________\n(١) كويكب صغير خفي في بنات نعش الكبرى، والناس يمتحنون به أبصارَهم (اللسان).","vol":"4","page":87},{"text":"وَأَثنَى عَلَيهِ فَقَالَ: مَا بَالُ أَقوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَن رَغِبَ عَن سُنَّتِي فَلَيسَ مِنِّي.\nرواه أحمد (٣/ ٢٤١)، والبخاريُّ (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١)، والنسائي (٦/ ٦٠).\n[١٤٤٩] وعن سَعدَ بنَ أَبِي وَقَّاصٍ قُالُ: أَرَادَ عُثمَانُ أَن يَتَبَتَّلَ فَنَهَاهُ رسول الله ﷺ، وَلَو أَجَازَ لَهُ ذَلِكَ لَاختَصَينَا.\nــ\nلأنه ﷺ أجابهم في الروايتين بقوله: (لكني أصوم وأفطر) ولم يرو فيه مسلم جوابًا عن الأكل والنَّوم على الفراش بأكثر من قوله: (لكنِّي أصوم وأفطر) فبقي أكل اللحم، والنوم على الفراش بغير جواب، فكان مساق البخاري أولى، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: ردَّ على عثمان التَّبَتُّل) (١) وهو هنا: الانقطاع عن النساء. وأصله: الانقطاع مطلقا. يقال: بَتلَ إلى كذا؛ أي: انقطع إليه. وَتَبَتَّل عن كذا؛ أي: انقطع عنه. ومنه: تبَتَلتُ الأمرَ. والبتلة والعذراء: البتول؛ أي: المنقطعة عن الرجل إلى عبادة الله تعالى. وردُّ التَبتل: عبارة عن أنَّه لم يأذن له فيه، ولم يُجزهُ له؛ كما قال: (لا رهبانية في الإسلام) (٢) أي: لا تَبَتُّل.\nو(قوله: ولو أجاز له ذلك لاختصينا) (٣). قد بيَّنَّا: أن الخصاء هو شَقُّ الخصيتين وانتزاعهما. وقد يقال: من أين يلزم من جواز التبتل عن النساء جواز\n_________\n(١) هذه العبارة من الحديث رقم (٦/ ١٤٠٢) وليست من الحديث الذي في التلخيص والذي رقمه (٨/ ١٤٠٢).\n(٢) ذكره العجلوني في كشف الخفاء (٢/ ٥٢٨).\n(٣) هذه العبارة من الحديث رقم (٨/ ١٤٠٢) وهو الوارد في التلخيص.","vol":"4","page":88},{"text":"رواه أحمد (١/ ١٧٥)، والبخاري (٥٠٧٣)، ومسلم (١٤٠٢)، والترمذي (١٠٨٣)، والنسائي (٦/ ٥٨)، وابن ماجه (١٨٤٨).\n* * *\nــ\nالاختصاء (١)؟ وهو قطع عضوين شريفين بهما قوام النسل، وفي قطعهما ألم عظيم لا يجوز لأحد أن يُدخِلَهُ على نفسه، وضررٌ عظيم ربما يفضي بصاحبه إلى الهلاك، وهو محرمٌ بالاتفاق.\nوالجواب: إن ذلك لازم من حيث إن مطلق التبتل يتضمنه، وكأنَّ قائل ذلك وقع له: أنَّ التبتل الحقيقي الذي تؤمن معه شهوة النساء هو الخصاء. فكأنّه أخذ بأكثر مما يدل عليه الاسم. وقولكم: هو ألم عظيم مُسَلَّم، لكنه مُغتفرٌ في جنب صيانة الدّين، فقد يُغتفر الألم العظيم في جنب ما هو أعظم منه، كقطع اليد للأكلة، وكالكيِّ، والبَطِّ (٢)، وغير ذلك. وقولكم: هو مُفض إلى الهلاك غالبًا، غير مُسلَّم، بل نقول: وقوعُ الهلاك منه نادرٌ، فلا يُلتَفتُ إليه، وخصاء البهائم يشهد لذلك. وما ذكرناه إنما هو تقدير ما وقع لسعدٍ، ولا يُظَنُّ أن ذلك يجوز لأحدٍ اليوم، بل هو محرّم بالإجماع. وكلُّ ما ذكرناه مبنيٌّ على الأخذ بظاهر: (لاختصينا)، ويحتمل أن يريد به سعدٌ: لمنعنا أنفسنا من النساء منع المختصي. والظاهر هو الأول، والله الموفق.\nوحديث أنس وسهلٍ يدلان على أن التزويج أفضل من التفرغ للعبادة. وهو أحد القولين المتقدمين. ويمكن أن يقال: كان ذلك في أول الإسلام، لما كان النساء عليه من المعونة على الدِّين والدنيا، وقلة الكلف، والتعاون على البر والتقوى، والحنوّ، والشفقة على الأزواج. وأمَّا في هذه الأزمان فنعوذ بالله من\n_________\n(١) في (ج ٢): الخصاء.\n(٢) البَطُّ: الشَّق، يقال: بط الدُّمَّل ونحوه: شقه.","vol":"4","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-531>(٢) باب ردّ ما يقع في النفس بمواقعة الزوجة</span>\n[١٤٥٠] عَن جَابِرٍ أَنَّ رسول الله ﷺ رَأَى امرَأَةً فَأَتَى امرَأَتَهُ زَينَبَ، وَهِيَ تَمعَسُ مَنِيئَةً لَهَا فَقَضَى حَاجَتَهُ منها، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَصحَابِهِ فَقَالَ: إِنَّ المَرأَةَ تُقبِلُ فِي صُورَةِ شَيطَانٍ، وَتُدبِرُ فِي صُورَةِ شَيطَانٍ، فَإِذَا أَبصَرَ أَحَدُكُم امرَأَةً، فَليَأتِ أَهلَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفسِهِ.\nــ\nالشيطان والنسوان. فوالله الذي لا إله إلا هو لقد حلَّت العزبة والعزلة، بل وتعيّن الفِرار من فتنتهنَّ، والرحلة، فلا حول ولا قوة إلا بالله (١).\n(٢) ومن باب: ردّ ما يقع في النفس بمواقعة الزوجة\n(قوله: رأى امرأة) أي: وقع بصره عليها فجأة، وكان ﷺ لا تحتجب النساء منه، وكان إذا أعجبته امرأة فرغب فيها حَرُمَ على زوجها إمساكها، هكذا ذكره أبو المعالي وغيره.\nو(قوله: وهي تَمعَسُ منيئةً لها) أي: تدبغ جلدًا. قال أبو عبيد: الجلد أول ما يُدبغ يسمّى: منيئة، على وزن فعيلة، ثم هو: أَفِيق، وجمعه: أَفَقٌ، ثم يكون أدِيمًا.\nو(قوله: إن المرأة تقبل في صورة شيطان) أي: في صفته من الوسوسة، والتحريك للشهوة؛ لما يبدو منها من المحاسن المثيرة للشهوة النفسية، والميل الطبيعي، وذلك يدعو إلى الفتنة التي هي أعظم من فتنة الشيطان، ولذلك قال ﷺ:\n_________\n(١) هذا رأي الإمام أبي العباس القرطبي رحمه الله تعالى، وبما يتناسب مع ظروفه وزمانه، والحقيقة أنَّ كل زمان فيه نساء مؤمنات صالحات طيِّبات، وفيه غير ذلك. ويبقى قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا. . .﴾ [الروم: ٢١]، وقوله - ﷺ -: \"يا معشر الشباب. . .\" وما فيهما من أحكام، هو الأصل.","vol":"4","page":90},{"text":"وفي رواية: إِذَا أَحَدُكُم أَعجَبَتهُ المَرأَةُ فَوَقَعَت فِي قَلبِهِ فَليَعمِد إِلَى امرَأَتِهِ فَليُوَاقِعهَا.\nرواه أحمد (٣/ ٣٣٠)، ومسلم (١٤٠٣) (٩) و(١٠)، وأبو داود (٢١٥١)، والترمذي (١١٥٨).\n* * *\nــ\n(ما تركت في أمتي فتنة أعظم على الرجال من النساء) (١) فلمّا خاف ﷺ هذه المفسدة على أمته أرشدهم إلى طريق بها تزول وتنحسم، فقال: (إذا أبصر أحدكم المرأة فأعجبته فليأت أهله) (٢) ثم أخبر بفائدة ذلك، وهو قوله: (فإن ذلك يردّ ما في نفسه). وللردّ وجهان:\nأحدهما: أنَّ المنَّي إذا خرج انكسرت الشهوة، وانطفأت، فزال تعلُّق النَّفس بالصّورة المَريبة.\nوثانيهما: أن محل الوطء والإصابة متساوٍ من النساء كلِّهن، والتفاوت إنما هو من خارج ذلك، فليُكتَف بمحلِّ الوطء، الذي هو المقصود، ويُغفَل عمَّا سواه، وقد دلّ على هذا ما جاء في هذا الحديث في غير الأم بعد قوله: (فليأت أهله): (فإن معها مثل الذي معها) (٣).\nتحذير: لا يُظنُّ برسول الله ﷺ - لَمَّا فعل ذلك - ميلُ نَفسٍ، أو غلبة شهوة - حاشاه عن ذلك، وإنما فعل ذلك لِيَسُنَّ، وليُقتدى به، وليحسمَ عن نفسه ما يتوقع وقوعه.\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٢٠٠ و٢١٠)، والبخاري (٥٠٩٦)، ومسلم (٢٧٤٠)، والترمذي (٢٧٨٠).\n(٢) هو حديث الباب.\n(٣) رواه ابن حبان (٥٥٧٢).","vol":"4","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-532>(٣) باب ما كان أبيح في أول الإسلام من نكاح المتعة</span>\n[١٤٥١] عن عَبدَ اللَّهِ قُالُ: كُنَّا نَغزُو مَعَ رسول الله ﷺ لَيسَ لَنَا نِسَاءٌ\nــ\n(٣) ومن باب: ما كان أبيح في أول الإسلام من نكاح المتعة ونسخه\n(قوله: كنا نغزو مع رسول الله ﷺ ليس لنا نساء) هذا الحديث، وأكثر أحاديث هذا الباب تدلّ على أن نكاح المتعة إنما أُبيح في السفر لحال الضرورة، في مدة قصيرة، كما قال ابن أبي عمرة: إنها كانت رخصة (١) في أول الإسلام، لمن اضطر إليها، كالميتة، والدّم، ولحم الخنزير.\nوقد اختلفت الروايات واضطربت في وقت إباحتها، وتحريمها، اضطرابًا شديدًا، بحيث يتعذر فيها التلفيق، ولا يحصل معه تحقيق، فعن ابن أبي عمرة: أنها كانت في أول الإسلام، كما تقدَّم.\nوفي رواية: ومن رواية سلمة أنها كانت عام أوطاس.\nومن رواية سبرة: إباحتُها يوم الفتح، وهما متقاربان، ثم تحريمها حينئذ في حديثيهما.\nومن رواية علي: تحريمها يوم خيبر. وهو قبل الفتح. وفي غير كتاب مسلم عن عليّ: نهيه ﷺ عنها في غزوة تبوك. وقد روى أبو داود من حديث الرّبيع بن سَبرَة: النهي عنها في حجة الوداع (٢).\nوروي أيضًا عن الحسن البصري: أنها ما حلّت قطُّ إلا في عمرة القضاء. وروي هذا عن سبرة أيضًا.\nقلت: ولما اختلفت هذه الروايات اختلف العلماءُ في ذلك على وجهين:\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٢) رواه مسلم (١٤٠٦)، وأبو داود (٢٠٧٢)، والنسائي (٦/ ١٢٦)، وابن ماجه (١٩٦٢).","vol":"4","page":92},{"text":"فَقُلنَا: أَلَا نَستَخصِي فَنَهَانَا عَن ذَلِكَ،\nــ\nأحدهما: ترجيح بعض هذه الروايات على بعض.\nوثانيهما: أن إباحة ذلك وتحريمه تكرَّر في مواطن.\nقلت: وعلى الجملة: فالروايات كلُّها متفقة على وقوع إباحة المُتعة، وأن ذلك لم يَطُل، وأنه نُسخ، وحُرِّم تحريمًا مؤبدًا.\nوأجمع السَّلف والخلف على تحريمها، إلا ما روي عن ابن عباس، ورُوي عنه: أنَّه رجع عنه، وإلَاّ الرافضة، ولا يُلتَفَت لخلافهم؛ إذ ليسوا على طريقة المسلمين.\nوأجمعوا: على أنَّ نكاح المتعة متى وقع فسخ قبل الدّخول وبعده، إلا ما حُكي عن زُفَر، فإنه يُلغي الأجل، ويصحَّحُ العقد، وكأنَّه رأى: أنه متى فسد ألغي الشرط؛ وَحَكَمَ بالصحة. وهو خلافٌ شاذٌّ.\nواختلف أصحابنا إذا دخل في نكاح المتعة هل يُحَدُّ ولا يُلحَقُ به الولد؟ أو يُدفَعُ الحَدُّ بالشبهة، ويُلحَقُ الولدُ؟ على قولين، ولكن يُعَزَّر ويُعاقب. وإذا تقررت هذه المقدِّمة فلنبحث عن ألفاظ الأحاديث الواقعة في هذا الباب.\nو(قوله: ألا نستخصي) أي: نستدعي من يفعل الخصاء، أو نحاول ذلك بأنفسنا. وقد تقدَّم تفسير الخصاء.\nو(قوله: فنهانا عن ذلك) هذا النهي على التحريم. ولا خلاف في تحريم ذلك في بني آدم؛ لما فيه من الضرر (١) وقطع النّسل، وإبطال معنى الرجولية. وهو في غير بني آدم ممنوع أيضًا في الحيوان، إلا لمنفعة حاصلة في ذلك، كتطييب اللحم، أو قطع ضرر ذلك الحيوان. وسيأتي لهذا مزيد تفصيل (٢).\n_________\n(١) في (ج ٢): الأضرار.\n(٢) في (ج ٢): بيان.","vol":"4","page":93},{"text":"ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أَن نَنكِحَ المَرأَةَ بِالثَّوبِ إِلَى أَجَلٍ، ثُمَّ قَرَأَ عَبدُ اللَّهِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُم وَلَا تَعتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ المُعتَدِينَ.\nرواه البخاري (٤٦١٥)، ومسلم (١٤٠٤).\n[١٤٥٢] وعَن سَلَمَةَ بنِ الأَكوَعِ، وجَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ قَالَا: خَرَجَ عَلَينَا مُنَادِي رسول الله ﷺ فَقَالَ: إِنَّ رسول الله ﷺ قَد أَذِنَ لَكُم أَن تَستَمتِعُوا (يَعنِي مُتعَةَ النِّسَاءِ).\nرواه البخاري (٥١١٧)، ومسلم (١٤٠٥) (١٣).\n[١٤٥٣] وعن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ قُالُ: كُنَّا نَستَمتِعُ بِالقَبضَةِ مِن التَّمرِ وَالدَّقِيقِ الأَيَّامَ عَلَى عَهدِ رسول الله ﷺ، وَأَبِي بَكرٍ حَتَّى نَهَى عَنهُ عُمَرُ فِي\nــ\nو(قوله: رخَّصَ لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل) وفي حديث جابر: (بالقبضة من التمر والدقيق) وليس في هذا حجة لمن قال: إن الصداق لا يتقدّر أقله بمقدار، وهو قول الشافعي؛ لأن هذا الحديث كلَّه منسوخ؛ ولأن ذلك للضرورة وعدم الوجدان لأكثر منه، ولإمكان أن تساوي القبضةُ من الدّقيق أو التمر أقل الصداق على قول من يحدّده؛ لأن تلك الأوقات أوقات المجاعات والشدائد، وكان نكاح المتعة ينفسخ بحلول الأجل، من غير طلاق، ولا يجب به ميراث. وقد قدّمنا الكلام على هذا في باب المتعة في الحج.\nواستدلال عبد الله بن مسعود على إباحته بقوله: لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُم، لا حجة فيه؛ لأن الله تعالى هو الذي حَرَّمَ نكاح المتعة لا نحن. وكأنَّه ما كان إذ ذاك بَلَغَه الناسخ، وبعد ذلك بلغه، ورجع عن ذلك.\nوقول جابر: (كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر - في رواية -: وعمر) ظاهر هذا: استمرار العمل عندهم، وفي أعصارهم","vol":"4","page":94},{"text":"شَأنِ عَمرِو بنِ حُرَيثٍ.\nرواه مسلم (١٤٠٥) (١٦).\n[١٤٥٤] وعَن أَبِي نَضرَةَ قَالَ: كُنتُ عِندَ جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ، فَأَتَاهُ آتٍ فَقَالَ: ابنُ عَبَّاسٍ وَابنُ الزُّبَيرِ اختَلَفَا فِي المُتعَتَينِ، فَقَالَ جَابِرٌ: فَعَلنَاهُمَا مَعَ رسول الله ﷺ، ثُمَّ نَهَانَا عَنهُمَا عُمَرُ فَلَم نَعُد لَهُمَا.\nرواه مسلم (١٤٠٥) (١٧).\n* * *\nــ\nعلى نكاح المتعة، واشتهار ذلك إلى أن نهى عنه عمر. وهذا مخالفٌ لأكثر أحاديث هذا الباب، كما ذكره. والصحيح الأوّل، كما ذكرناه. وهذا محمول من جابر على إخباره عمن لم يبلغه الناسخ كابن عباس، فاستمر على التمسك بالإباحة الأولى في هذه الأعصار، إلى أن أوضح عمر وعبد الله بن الزبير أن ذلك منسوخ، وتقدما في ذلك، وتوعَّدا عليه بالرجم، فتبين الصبح لذي عينين، وضاءت الشمس لسليم الحاسّتَين.\nوكان شأن عمرو بن حريث: أنّه تزوج امرأةً نكاح المتعة، وأنه استمر عليها إلى زمان خلافة عمر؛ لأنه لم يسمع الناسخ، فحملت منه، فأُنهِيَ أَمرُهُ إلى عمر، فنهي عن ذلك.\nوقد تقدّم القول على قول جابر: (فعلناها مع رسول الله ﷺ) في باب متعة الحج.\n* * *","vol":"4","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-533>(٤) باب نسخ نكاح المتعة</span>\n[١٤٥٥] عَن سَلَمَةَ بن الأكوع، قَالَ: رَخَّصَ رسول الله ﷺ عَامَ أَوطَاسٍ فِي المُتعَةِ ثَلَاثًا، ثُمَّ نَهَى عَنهَا.\nرواه مسلم (١٤٠٥) (١٨).\n[١٤٥٦] وعَن الرَّبِيعِ بنِ سَبرَةَ الجهني أَنَّ أَبَاهُ غَزَا مَعَ رسول الله ﷺ فَتحَ مَكَّةَ قَالَ: فَأَقَمنَا بِهَا خَمسَ عَشرَةَ (ثَلَاثِينَ بَينَ لَيلَةٍ وَيَومٍ) فَأَذِنَ لَنَا رسول الله ﷺ فِي مُتعَةِ النِّسَاءِ فَخَرَجتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِن قَومِي وَلِي عَلَيهِ فَضلٌ فِي الجَمَالِ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِن الدَّمَامَةِ، مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ\nــ\n(٤) ومن باب: نسخ نكاح المتعة (١)\nغزوة أوطاس هي: غزوة حنين، على ما قاله أبو عمر، وكانت غزوة حنين بعد فتح مكة بأيام (٢)، وذلك: أن فتح مكة كان لعشر بقين من شهر رمضان سنة ثمان من الهجرة، وكانت وقعة حنين في أول شوال من السنة المذكورة.\nو(قوله: رخَّصَ لنا في المتعة ثلاثًا) وفي حديث سبرة: (فكنّ معنا ثلاثًا) يدلُّ على قِصَرِ مدّة الرخصة، وأنه لم يكن إلا ثلاث ليال لا غير.\nو(الدَّمامةُ) - بالدال المهملة - هي: دِقة في الخَلق، وقُبحٌ في المنظر (٣).\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من الأصول، واستدركناه من التلخيص.\n(٢) من (ج ٢).\n(٣) في هامش (ج ٢) تتميم: الدمامة -بالدال المهملة- في الخَلْق، وبالمعجمة: في الخُلُق. وقد قيل: الدمامة تختصُّ بالوجه.","vol":"4","page":96},{"text":"مِنَّا بُردٌ، فَبُردِي خَلَقٌ، وَأَمَّا بُردُ ابنِ عَمِّي فَبُردٌ جَدِيدٌ غَضٌّ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِأَسفَلِ مَكَّةَ (أَو بِأَعلَاهَا) فَلَقّينَا فَتَاةٌ مِثلُ البَكرَةِ العَنَطنَطَةِ فَقُلنَا: هَل لَكِ أَن يَستَمتِعَ مِنكِ أَحَدُنَا؟ قَالَت: وَمَاذَا تَبذُلَانِ؟ فَنَشَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا بُردَهُ، فَجَعَلَت تَنظُرُ إِلَى الرَّجُلَينِ، وَيَرَاهَا صَاحِبِي تَنظُرُ إِلَى عِطفِهَا فَقَالَ: إِنَّ بُردَ هَذَا خَلَقٌ، وَبُردِي جَدِيدٌ غَضٌّ فَتَقُولُ: بُردُ هَذَا لَا بَأسَ بِهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، أَو مَرَّتَينِ، ثُمَّ استَمتَعتُ مِنهَا، فَلَم أَخرُج حَتَّى حَرَّمَهَا رسول الله ﷺ.\nوفي رواية: فَكُنَّ مَعَنَا ثَلَاثًا، ثُمَّ أَمَرَنَا رسول الله ﷺ بِفِرَاقِهِنَّ.\nرواه أحمد (٣/ ٤٠٤)، ومسلم (١٤٠٦) (٢٠) و(٢١)، وابن ماجه (١٩٦٢).\n[١٤٥٧] وعنه عن أبيه أَنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي كُنتُ أَذِنتُ لَكُم فِي الِاستِمتَاعِ مِن النِّسَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ قَد حَرَّمَ ذَلِكَ إِلَى يَومِ\nــ\nو(الجديد): الغضُّ الذي عليه نضارة الجدَّة، وغضارتها. والغضُّ من التفاح: الطَّريّ، المتناهي طيبًا. و(البكرة): الفتيَّة من الإبل؛ شبهها بها لقوتها، وعبالتها. و(العَنَطنَطَة): الطويلةُ العنق باعتدالٍ وحُسنٍ، وهي: العيطاء أيضًا؛ كما جاء في الرواية الأخرى. والعنقاء، والعطبول نحوه. وفي الأم (١): (بُردُ هذا خَلِقٌ مُحٌ) بالميم والحاء المهملة المشددة، وهو الدَّارس، المتغير من القدم. و(العِطف) بكسر العين: الجانب. وكأنها تتبختر، وتُزهَى بنفسها.\nو(قوله: فلم أخرج حتى حرَّمها) يعني: من مكة، وهذا نصٌّ صريح في التحريم بعد الإباحة.\nو(قوله: ثم أمرنا رسول الله ﷺ بفراقهن) وفي الرواية الأخرى: (من كان\n_________\n(١) انظر: صحيح مسلم (٢/ ١٠٢٥).","vol":"4","page":97},{"text":"القِيَامَةِ فَمَن كَانَ عِندَهُ مِنهُنَّ شَيءٌ فَليُخَلِّ سَبِيلَهُ، وَلَا تَأخُذُوا مِمَّا آتَيتُمُوهُنَّ شَيئًا.\nوفي رواية: قال رأيت رسول الله ﷺ قائما بين الركن والباب وهو يقول: أيها الناس. . . نحوه.\nرواه مسلم (١٤٠٦) (٢١).\n[١٤٥٨] وعن عَبدَ اللَّهِ بنَ الزُّبَيرِ أنه قَامَ بِمَكَّةَ فَقَالَ: إِنَّ نَاسًا أَعمَى اللَّهُ قُلُوبَهُم كَمَا أَعمَى أَبصَارَهُم يُفتُونَ بِالمُتعَةِ يُعَرِّضُ بِرَجُلٍ\nــ\nعنده منهنّ شيءٌ فليخلِّ سبيلها) هذا ردٌّ على زُفر؛ إذ صَحَّح العقد، وأبطل الشرط، وهو حجة للجمهور على قولهم: (إنه يُفسخُ على كل حال).\nو(قوله: ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا) يعني: لأنهن قد استحققن ذلك بالدّخول عليهن.\nو(قوله: بين الركن والباب) يعني: الحجر الأسود. وهذا كان يوم الفتح كما قاله (١) في الرواية الأخرى. ويمكن أن يقال: لا تناقض بين هذا وبين ما رُوي من تحريم نكاح المتعة يوم حنين، وفي حجة الوداع، ويوم الفتح، وفي غزوة تبوك؛ لأن ذلك محمولٌ على أنّه كرَّر تحريمها في هذه المواطن كلها توكيدًا لها، وزيادة في الإبلاغ.\nو(قوله: يُعَرِّضُ بِرَجُلٍ) يعني به: ابن عباس، وكان إذ ذاك قد عَمِي، وكان هذا من عبد الله زمن إمارته، وإنما قَدَعَه (٢) ابنُ الزبير بهذا القول؛ لظهور الناسخ لنكاح المتعة، وشهرة الأحاديث في ذلك، فكأنَّه نسبه إلى التفريط. وكان\n_________\n(١) في (ع): قالوه.\n(٢) \"القَدْع\": الكفُّ والمنع.","vol":"4","page":98},{"text":"فَنَادَاهُ فَقَالَ: إِنَّكَ لَجِلفٌ جَافٍ، فَلَعَمرِي لَقَد كَانَت المُتعَةُ تُفعَلُ عَلَى عَهدِ إِمَامِ المُتَّقِينَ يُرِيدُ رسول الله ﷺ فَقَالَ لَهُ ابنُ الزُّبَيرِ: فَجَرِّب بِنَفسِكَ، فَوَاللَّهِ لَئِن فَعَلتَهَا لَأَرجُمَنَّكَ بِأَحجَارِكَ. قَالَ ابنُ شِهَابٍ: فَأَخبَرَنِي خَالِدُ بنُ\nــ\nعبد الله بن عبَّاس في آخر عمره (١) قل ما يُصغي لمن يحدّث عن رسول الله ﷺ كما تقدّم من قوله: (فلما ركب الناس الصعب والذلول لم يأخذ من الناس إلا ما يعرف). وكان قد عرف الإباحة فاقتصر عليها، ولم يُصغِ إلى غيرها. كما قال: (لقد كانت تفعل على عهد إمام المتقين رسول رب العالمين، رسول الله ﷺ.\nو(الجِلفُ) و(الجافي) هما بمعنى واحد؛ قاله ابن السكيت وغيره. وكرَّرَهما لفظًا لاختلافهما على عادة العرب في ذلك، وعليه حملوا: ﴿إِنَّمَا أَشكُو بَثِّي وَحُزنِي إِلَى اللَّهِ﴾ و: حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَو تَكُونَ مِنَ الهَالِكِينَ. وأصل الجلف: الشاة المسلوخة بغير رأس ولا قوائم، قاله القُتبي والهروي.\nو(التائه) (٢): الحائد عن مقصوده، الحائر.\nو(قوله: لئن فعلتها لأرجمنَّك بأحجارك) حجة لأحد القولين المتقدمين في أن من نكح نكاح المتعة أقيم عليه الحدّ. ويحتمل أن يُحمل على الإرهاب والتغليظ.\nوكِنَايَتُهم عن ابن عباس في هذه المسألة بـ (رجل) سترٌ منهم له؛ لأجل هذه الفتيا التي صدرت عنه، فإنها ما كانت تليق بعلمه، ولا بمنصبه في الفضل والدين.\nوإنكار علي، وابن الزبير، وغيرهما، وإغلاظهم عليه، ولا منكر عليهم، يدلُّ على أن تحريم ذلك كان عندهم معلومًا.\n_________\n(١) في (ج ٢): أمره.\n(٢) وردت هذه الروايةُ في إحدى روايات الحديث (١٤٠٧/ ٢٩) ولم يوردها التلخيص.","vol":"4","page":99},{"text":"المُهَاجِرِ بنِ سَيفِ اللَّهِ أَنَّهُ بَينَما هُوَ جَالِسٌ عِندَ رَجُلٍ جَاءَهُ رَجُلٌ فَاستَفتَاهُ فِي المُتعَةِ، فَأَمَرَهُ بِهَا فَقَالَ لَهُ ابنُ أَبِي عَمرَةَ الأَنصَارِيُّ: مَهلًا قَالَ: مَا هِيَ؟ وَاللَّهِ لَقَد فُعِلَت فِي عَهدِ إِمَامِ المُتَّقِينَ. قَالَ ابنُ أَبِي عَمرَةَ: إِنَّهَا كَانَت رُخصَةً فِي أَوَّلِ الإِسلَامِ لِمَن اضطُرَّ إِلَيهَا كَالمَيتَةِ، وَالدَّمِ، وَلَحمِ الخِنزِيرِ، ثُمَّ أَحكَمَ اللَّهُ الدِّينَ، وَنَهَى عَنهَا.\nرواه مسلم (١٤٠٦) (٢٧)، وأبو داود (٣٠٧٢)، والنسائي (٦/ ١٢٦).\n[١٤٥٩] وعَن عَلِيٍّ بن أبي طالب وسَمِعَ ابنَ عَبَّاسٍ يُلَيِّنُ فِي نكاح المُتعَةِ فَقَالَ: مَهلًا يَا ابنَ عَبَّاسٍ، فَإِنَّ رسول الله ﷺ نَهَى عَن متعة النساء يَومَ خَيبَرَ، وَعَن أكل لُحُومِ الحُمُرِ الِأنسِيَّةِ.\nرواه أحمد (١/ ٧٩)، والبخاري (٥١١٥)، ومسلم (١٤٠٧) (٣٠)، والترمذي (١١٢١)، والنسائي (٧/ ٢٠٢)، وابن ماجه (١٩٦١).\n* * *\nــ\nوقول ابن عباس: (لقد فُعِلَت على عهد إمام المتقين) تنبيه منه: على أنه لو كانت المتعة مِمّا يُتَّقَى: لكان النبي ﷺ أولى بتقاةِ ذلك، فإنه أتقى لله، وأخوف من كل مُتِّقٍ.\nوقول ابن أبي عمرة هو الحق الصريح، كما شهدت له الأحاديث الصحيحة المتقدمة.\nوقول عليّ ﵁: (إنّ رسول الله ﷺ نهى عن المتعة يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الأَنَسِيَّة) إلى ظاهر هذا ذهب جمهور العلماء، فحكموا بتحريم المتعة على ما قدّمناه، وبتحريم الحمر الأهلية؛ إلا أنه روي عن","vol":"4","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-534>(٥) باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها وما جاء في نكاح المحرم</span>\n[١٤٦٠] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ: لَا يُجمَعُ بَينَ المَرأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَينَ المَرأَةِ وَخَالَتِهَا.\nــ\nابن عباس، وعائشة، وبعض السَّلف إباحة ذلك؛ أعني: الحمر. وقد اختلف عنهم في ذلك. واختلف عن مالك، هل ذلك النهي محمول على التحريم، أو على الكراهية؟ وسيأتي استيفاء هذا المعنى في كتاب الأطعمة، إن شاء الله تعالى.\nو(الأَنَسِيَّةُ) جمهور الرواة على فتح الهمزة والنون، ورواه جماعة: بكسر الهمزة وسكون النون، قال القاضي: والأنس - بفتح الهمزة -: الناس، وكذلك بكسرها.\nقلت: وعلى هذا فتكون النسبتان قياسيتين، ودّل على ذلك قول الجوهري: الإنس: البشر، الواحد: إِنسِيٌّ، وأَنَسِي. وهذا هو الصحيح.\n(٥) ومن باب: تحريم الجمع بين المرأة وعمتها\n(قوله: لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها). لا يجمع - برفع العين - هي الرواية على الخبر عن المشروعية، فيتضمّن النهي عن ذلك. وهذا الحديث مجمع على العمل به في تحريم الجمع بين من ذكر فيه بالنكاح. وكذلك: أجمع المسلمون على تحريم الجمع بين الأختين بالنكاح؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَن تَجمَعُوا بَينَ الأُختَينِ﴾ وأمَّا بملك اليمين؛ فروي عن بعض السَّلف جوازه، وهو خلاف شاذٌّ استقر الإجماع بعده على خلافه. وأجاز الخوارج الجمع بين الأختين، وبين المرأة وعمتها، وخالتها. ولا يُعتد بخلافهم؛ لأنهم","vol":"4","page":101},{"text":"قَالَ ابنُ شِهَابٍ: فَنُرَى خَالَةَ أَبِيهَا، وَعَمَّةَ أَبِيهَا بِتِلكَ المَنزِلَةِ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٦٢)، والبخاري (٥١٠٩)، ومسلم (١٤٠٨) (٣٣) و(٣٦)، والنسائي (٦/ ٩٦).\nــ\nمرقوا من الدِّين، وخرجوا منه؛ ولأنهم مخالفون للسُّنة الثابتة.\nو(قول ابن شهاب: (فنرى خالة أبيها، وعمة أبيها في تلك المنزلة) إنما صار ابن شهاب إلى ذلك؛ لأنه حمل الخالة والعمّة على العموم، وتَمَّ له ذلك؛ لأن العَمَّة: اسم لكل امرأة شاركت أباك في أصلَيه، أو في أحدهما. والخالة: اسم لكل أنثى شاركت أمك في أصليها، أو في أحدهما.\nوقد عقد علماؤنا فيمن يحرمُ الجمع بينهما عقدًا حسنًا، فقالوا: كل امرأتين بينهما نسب؛ بحيث لو كانت إحداهما ذكرًا لحرمت عليه الأخرى، فلا يجمع بينهما. وإن شئت أسقطَّت: بينهما نسب (١).\nوقلت بعد قولك: كانت إحداهما ذكرًا لحرمت عليه الأخرى من الطرفين. وفائدة هذا الاحتراز مسألةُ نكاح المرأة وربيبتها؛ فإن الجمع بينهما جائز، ولو قدرت امرأة الأب رجلًا لحلّت له الأخرى. وهذا التحرّي هو على مذهب الجمهور المجيزين للجمع بين المرأة وربيبتها، وقد منعه الحسن، وابن أبي ليلى، وعكرمة.\nوعلّل الجمهور منع الجمع بين من ذكرناه؛ لما يُفضِي إليه الجمع من قطع الأرحام القريبة؛ بما يقع بين الضرائر من الشَّنَآن والشرور بسبب الغيرة.\nوقد شهد لصحة هذا التعليل ما ذكره أبو محمد الأصيلي (٢) في فوائده، وأبو عمر بن عبد البر، عن ابن عباس قال: نهى رسول الله ﷺ أن يتزوج الرجل المرأة على العَمَّة، أو على\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) هو عبد الله بن إبراهيم بن محمد الأموى: عالم بالحديث والفقه، من أهل أصيلة في المغرب، له كتاب: \"الدلائل على أمهات المسائل\"، مات في قرطبة (٣٩٢ هـ).","vol":"4","page":102},{"text":"[١٤٦١] وعَنه عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا يَخطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطبَةِ أَخِيهِ، وَلَا يَسُومُ عَلَى سَومِ أَخِيهِ، وَلَا تُنكَحُ المَرأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، وَلَا عَلَى\nــ\nالخالة. وقال: (إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم) (١). ومن مراسيل أبي داود عن حسين قال: (نهى رسول الله ﷺ أن تنكح المرأة على قرابتها مخافة القطيعة) (٢).\nوقد طرد بعض السلف هذه العلة، فمنع الجمع بين بنتي العمَّتين والخالتين، وبنتي الخالين والعمّين). وجمهور السلف وأئمة الفتوى (٣) على خلافه، وقصر التحريم على ما ينطلق عليه لفظ العمّات والخالات. وقد روى الترمذي حديث أبي هريرة هذا وقال فيه: (إنَّ رسول الله ﷺ نهى أن تُنكح المرأة على عمتها، أو العمّة على ابنة أخيها، والمرأة على خالتها، أو الخالة على ابنة أختها، ولا تنكح الصغرى على الكبرى، ولا الكبرى على الصغرى) (٤). وقال: حديث حسن صحيح. وهو مَسَاق حسن بيِّن، غير أن فيه واوًا اقتضت إشكالًا، وهي التي في قوله: (ولا) وذلك: أنَّه قد ذكر العَمَّة؛ وهي الكبرى، وابنة أخيها وهي الصغرى، والخالة وهي الكبرى، وابنة أخيها وهي الصغرى، ثم أتى بالنهي عن إدخال إحداهنَّ على الأخرى، طردًا وعكسًا.\nويرتفعُ الإشكال بأن تُقدَّر الواو زائدةً. ويكون الكلام الذي بعدها مؤكِّدًا لما قبلها، ومؤيدًا له.\nوفي كتاب أبي داود من حديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا: نهى أن يجمع بين العَمَّة والخالة، وبين العمتين والخالتين (٥). قال ابن النحاس: الواجب على لفظ هذا الحديث: ألا يجمع بين امرأتين، إحداهما عمة الأخرى،\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٣٧٢)، وأبو داود (٢٠٦٧)، والترمذي (١١٢٥).\n(٢) رواه أبو داود في المراسيل رقم (٢٠٨).\n(٣) في (ج ٢): الفتيا.\n(٤) رواه الترمذي (١١٢٦).\n(٥) رواه أبو داود (٢٠٦٦).","vol":"4","page":103},{"text":"خَالَتِهَا، وَلَا تَسأَلُ المَرأَةُ طلاق أُختِهَا لِتَكتَفِئَ صَحفَتَهَا، وَلتَنكِح فَإِنَّمَا لَهَا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهَا.\nرواه البخاري (٢١٤٠)، ومسلم (١٤١٣) (٥١) و(٥٤)، وأبو داود (٢٠٨٠)، والترمذي (١١٣٤)، والنسائي (٧/ ٢٥٨)، وابن ماجه (١٢٧٢).\n[١٤٦٢] وعن عُثمَانَ بنَ عَفَّانَ أن رسول الله ﷺ قَالَ: لَا يَنكِحُ المُحرِمُ، وَلَا يُنكَحُ، وَلَا يَخطُبُ.\nــ\nوالأخرى خالة الأخرى.\nوهذا يخرج على وجه صحيح. وهو: أن يكون رجل وابنه تزوجا امرأة وابنتها؛ تزوج الأب البنت والابن الأم، فولدت كل واحدة منهما بنتًا، فابنة الأب عمة ابنة الابن، وابنة الابن خالة ابنة الأب.\nوأما الخالتان: فأن يتزوج رجل ابنة رجل، ويتزوج الثاني ابنة الأول، فيولد لكلِّ منهما ابنة، فابنة كل واحد منهما خالة الأخرى.\nوأما العمتان: فأن يتزوج رجل أم رجل، ويتزوج الآخر أم الآخر، ثم يولد لكل واحد منهما ابنة، فبنت كل واحد منهما عمة الأخرى.\nو(قوله: ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفئ صحفتها) قال الهروي: تكتفئ: تفتعل، من كفأتُ القدر: إذا فرّغتها. وهذا مثلُ لإمالة الضرّة حق صاحبتها من زوجها إلى نفسها. وقال الكسائي: أكفأت الإناء: كَبَبتُه. وكفأته: أملتُه. وقيل: هو كناية عن الجماع، والرغبة في كثرة الولد. والأول أولى.\nو(قوله: ولتنكح، فإنما لها ما كتب الله لها) يعني أنها تنكح ولا تشترط طلاق الضرّة، فإن الله تعالى إن كان قد قدر أن تنفرد بذلك الزوج وصلت إلى ذلك، وإن لم يقدّره لم ينفعها الشرط. فقد يطلق الضّرّة، ثم يردّها، فلا يحصل للمشترطة مقصودها.\nو(قوله: لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب) لا خلاف في منع","vol":"4","page":104},{"text":"رواه مسلم (١٤٠٩)، وأبو داود (١٨٤١)، والترمذي (٨٤٠)، والنسائي (٥/ ١٩٢).\n[١٤٦٣] وعَن ابنَ عَبَّاسٍ أَنَّه قال تزوج رسول الله ﷺ مَيمُونَةَ وَهُوَ مُحرِمٌ.\nرواه البخاري (٤٢٥٨)، ومسلم (١٤١٠) (٤٧)، وأبو داود (١٨٤٤)، والترمذي (٨٤٢)، والنسائي (٥/ ١٩١).\nــ\nالمُحرم من الوطء. والجمهور على منعه من العقد لنفسه، ولغيره، ومن الخطبة كما هو ظاهر هذا الحديث، وكما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلا رَفَثَ﴾؛ على أحد التأويلات المتقدمة في كتاب الحج. وذهب بعضهم: إلى أنه يجوز للمحرم ذلك تمسُّكًا بحديث ابن عباس: أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم. وهذا لا حجة فيه لأوجه:\nأحدها: إن هذا الحديث مما انفرد به ابن عباس دون غيره من كبراء الصحابة ومعظم الرواة.\nوثانيها: إنكار ميمونة لهذا، وإخبارها بأنه ﷺ تزوج بها وهو حلال، وهي أعلم بقصَّتها منه.\nوثالثها: أن بعض أهل النقل والسِّير ذكر (١): أن النبي ﷺ بعث مولاه أبا رافع من المدينة، فعقد نكاحها بمكة بوكالة النبي ﷺ له على ذلك، ثم وافى النبي ﷺ محرمًا، فبنى بها بسَرِف حلالًا، وأشهر تزويجها بمكة عند وصوله إليها.\n_________\n(١) في (ج): حكوا.","vol":"4","page":105},{"text":"[١٤٦٤] وعَن يَزِيدَ بنِ الأَصَمِّ قال: حَدَّثَتنِي مَيمُونَةُ بِنتُ الحَارِثِ أَنَّ رسول الله ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ قَالَ: وَكَانَت خَالَتِي وَخَالَةَ ابنِ عَبَّاسٍ.\nرواه أحمد (٦/ ٣٣٣)، ومسلم (١٤١١)، وأبو داود (١٨٤٣)، والترمذي (٨٤٥)، وابن ماجه (١٩٦٤).\n* * *\nــ\nورابعها: أن قول ابن عباس: (وهو محرم) يحتمل أن يكون دخل في الحرم، فإنَّه يقال: أحرم؛ إذا دخل في الحرم، واسم الفاعل منه: مُحرِم؛ كما يقال: أَنجَد، وأتهَمَ. وهو مُنجِد، ومُتهِم؛ إذا دخل ذلك.\nوخامسها: تسليم ذلك كلّه، وادعاء الخصوصية بالنبي ﷺ فقد ظهرت تخصيصاته في باب النكاح بأمور كثيرة؛ كما خُصَّ بالموهوبة، وبنكاح تسعٍ، وبالنكاح من غير ولي، ولا إذن الزوجة؛ كما فعل مع زينب، إلى غير ذلك.\nوسادسها: أن هذه حكاية حال واقعة معينة، تحتمل أنواعًا من الاحتمالات المتقدّمة.\nوالحديث المقتضي للمنع ابتداء تقعيد قاعدة وتقريرها، فهو أولى على كل حال، والله الموفق.\n* * *","vol":"4","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-535>(٦) باب النهي عن خِطبَةِ الرجل على خِطبَةِ أخيه وعن الشغار وعن الشرط في النكاح</span>\n[١٤٦٥] عَن نَافِعٍ، عَن ابنِ عُمَرَ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا يَبِع بَعضُكُم عَلَى بَيعِ بَعضٍ، وَلَا يَخطُب بَعضُكُم عَلَى خِطبَةِ بَعضٍ.\nرواه أحمد (٢/ ١٥٣)، والبخاري (٢١٣٩)، ومسلم (١٤١٢)، وأبو داود (٢٠٨٠)، والترمذي (١٢٩٢)، والنسائي (٦/ ٧٢ - ٧٣)، وابن ماجه (٢١٧١).\nــ\n(٦) ومن باب: النهي عن خِطبَةِ الرجل على خِطبَةِ أخيه\nالخِطبة - بالكسر -: هي استدعاء التزويج والكلام فيه، يقال منه: خطبت المرأة خطبة - بالكسر -: طلبتها منه (١). والخُطبة - بالضم -: هي كلام الخطباء. ومن كلام علمائنا: تستحب الخُطبةُ - بالضّم - عند الخِطبة - بالكسر -.\nوهذه الأحاديث التي جاء فيها النهي عن خطبة الرجل على (٢) خطبة أخيه ظاهرها العموم، لكن قد خصَّصها أصحابنا بحديث فاطمة بنت قيس الذي يأتي ذكره في الطلاق. وذلك: أنها لَمّا انقضت عدتُها أتت النبي ﷺ فقالت: إن أبا جهم بن حذيفة ومعاوية خطباني. فقال لها رسول الله ﷺ ما سيأتي ذِكرُه.\nوهذا يدلّ: على جواز الخِطبة على الخِطبة (٣)، لكن جمعَ أئمتنا بين الحديثين بأن حملوا النهي على ما إذا تقاربا وتراكنا. وحملوا حديث الجواز على ما قبل ذلك. وهي طريقة حسنة؛\n_________\n(١) ساقط من (ع) و(ج).\n(٢) ساقط من (ع) و(ج).\n(٣) ساقط من (ع) و(ج).","vol":"4","page":107},{"text":"[١٤٦٦] وعَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ شِمَاسَةَ أَنَّهُ سَمِعَ عُقبَةَ بنَ عَامِرٍ عَلَى\nــ\nفإن فيها إعمال كل واحد من الحديثين، ومراعاة للمعنى. فإن المفسدة إنما تحصل بتأكد التراكن.\nواختلف أصحابنا في التراكن. فقيل: هو مجرّد الرِّضا بالزوج، والميل إليه، وقيل: بتسمية الصَّداق. وهذا عند أصحابنا محمول على ما إذا كانا شكلين. قال ابن القاسم: لا أرى الحديث إلا في الرجلين المتقاربين، فأمَّا صالِحٌ وفاسقٌ فلا. قال ابن العربي: لا ينبغي أن يختلف في هذا. وقال الشافعي: إنما النهي فيما إذا أذنت المرأة لوليها أن ينكحها من رجل مُعيَّن.\nقلت: وهذا فيه بُعدٌ، فإنه حمل العموم الذي قُصِد به تقعيد قاعدة على صورة نادرة. وهذا مثل ما أنكره الشافعي على أبي حنيفة؛ إذ حمل قوله ﷺ: (لا نكاح إلا بولي) (١) على المكاتبة. وتحقيقه في الأصول.\nوالقول في قوله ﷺ: (لا يبع أحدكم على بيع أخيه) محمول على مثل ما تقدّم في قوله: (لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه).\nوقد حمله بعض العلماء على ظاهره وعمومه، حتى كره بيع المزايدة خوفًا من الوقوع في ذلك. وهذا ليس بصحيح؛ لأن الله تعالى قد أحل البيع مطلقا، وقد باع النبي ﷺ بنفسه بيع المزايدة على ما في كتاب (٢) أبي داود (٣): فأخذ في يده حِلسًا وقَدَحًا كانا لرجل سأله صدقة، فقال ﷺ: (من يشتري مني هذا بدرهم؟) وقال رجل: هو لي بدرهم. فقال: (من يشتري مني هذا بدرهمين؟) فقال آخر: هو لي بدرهمين. فباعه منه، ثم دفعهما لصاحب الحِلسِ والقدح. وسيأتي الحديث في كتاب البيوع إن شاء\n_________\n(١) رواه الترمذي (١١٠١)، وابن ماجه (١٨٨١)، والحاكم (٢/ ١٦٩) عن أبي موسى.\n(٢) ساقط من (ع).\n(٣) رواه أبو داود (١٦٤١)، وابن ماجه (٢١٩٨).","vol":"4","page":108},{"text":"المِنبَرِ يَقُولُ: إِنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: المُؤمِنُ أَخُو المُؤمِنِ، فَلَا يَحِلُّ لِلمُؤمِنِ أَن يَبتَاعَ عَلَى بَيعِ أَخِيهِ، وَلَا يَخطُبَ عَلَى خِطبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَذَرَ.\nرواه مسلم (١٤١٤).\nــ\nالله تعالى.\nفإذا طرح بيع المزايدة عن المنع، فلم يبق إلا أن يحمل على ما إذا تقاربا وتراكنا.\nواختلف فيما إذا وقعت الخِطبة على الخِطبة، والبيع على البيع. فذهب جُلُّ أصحابنا، والكوفيون إلى إمضاء العقد. وذهب داود وبعض أصحابنا إلى فسخه. وقد رُوِيَ القولان لمالك والشافعي على ما شرح من مذهبه.\nوقول ثالث في النكاح: الفسخ فيه قبل البناء، والإمضاء بعده. وهو لأصحابنا. ولا خلاف في أن فاعل ذلك عاصٍ، آثم.\nو(قوله: لا يبع) و(لا يسم (١» قد يصحُّ أن يحملا على معنى واحد. فيقال: سُمت؛ بمعنى: بعت، ويصحّ أن يحمل: سُمتُ على اشتريت، فيكونان متغايرين؛ أعني: بعتُ، وسمتُ. على أنَّ: بعتُ واشتريتُ يدخل كل واحد منهما على الآخر؛ فيقال: بعتُه؛ بمعنى: اشتريته، وشريتُه؛ بمعنى: بِعتُه. وكذلك: سُمتُ. وسيأتي لهذا مزيد بيان في البيوع إن شاء الله تعالى.\nو(قوله: المُؤمن أخو المُؤمن، فلا يحل له أن يبتاع على بيع أخيه) تنبيه على صحة هذا المعنى الذي أبديناه، فإنه أتى فيه بالأخوة الإيمانية، ثم علَّق فَاءَ التعليل بها.\nو(يذر) أي: يترك. وهو من الأفعال التي لم يستعمل منها إلا لفظ المضارع والأمر. فلا يقال: وَذِرَ، ولا: وَذرًا، ولا: وًاذِرً. اكتفوا عن ذلك بـ (تَرَكَ) وفيه\n_________\n(١) هذه الكلمة لم ترد في التلخيص، وإنما وردت في صحيح مسلم في الحديث رقم (١٤١٣) (٥١).","vol":"4","page":109},{"text":"[١٤٦٧] وعَن عبيد الله بن نَافِعٍ، عَن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رسول الله ﷺ نَهَى عَن الشِّغَارِ، قال عبيد الله: قلت لنافع ما الشِّغَارُ؟ قال: أَن يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابنَتَهُ عَلَى أَن يُزَوِّجَهُ ابنَتَهُ، وَلَيسَ بَينَهُمَا صَدَاقٌ.\nرواه البخاري (٥١١٢)، ومسلم (١٤١٥) (٥٧ و٥٨)، وأبو داود (٢٠٧٤)، والترمذيُّ (١١٢٤)، والنسائي (٦/ ١١٢)، وابن ماجه (١٨٨٣).\nــ\nإشعارٌ بصحة ما قلناه من التعليل بالرُّكون، فإنه لا يترك الشيء إلا من تشبّث به. وأوّل التشبث بهذه العقود التراكن من المتعاقدين، أو أحدهما.\nو(قوله: نهى عن الشِّغار). الشِّغار: مصدر: شاغر، يشاغر، شغارًا. وهو مفاعلة مما لا يكون إلا بين اثنين. قال بعض علمائنا: إن الشغار كان من أنكحة الجاهلية، يقول: شاغِرنِي وَلِيَّتي بوليّتك؛ أي: عاوضني جماعًا بجماع. وقال أبو زيد: شغرت المرأة: رفعت رجليها عند الجماع. قال ابن قتيبة: كُلُّ واحدٍ منهما: يشغر: إذا نكح (١). وأصله: الكلب إذا رفع رِجلَه ليبول. وقيل: إنه مأخوذ من: شَغَرَ البلد: إذا بَعُد. وقيل: من: شَغَر البلدُ بمعنى: إذا خلا.\nقلت: وتصح ملاحظة هذه المعاني في الحديث، وحملُه عليها. لكن منها ما يبعد عن صناعة الاشتقاق. ومنها ما يقرب. وأقربها القول الأول.\nولا خلاف بين العلماء في منع الإقدام عليه، لكن اختلفوا فيما إذا وقع، هل يفسخ أبدًا وإن دخل؟ فحكى ابن المنذر ذلك عن الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وهو أحد قولي مالك. أو هل يصحُّ وإن لم يدخل؟ وهو قول عطاء، وعمرو بن دينار، ومكحول، والثوري، والزهري، وأصحاب الرأي قالوا: يصحّ\n_________\n(١) في (ج ٢): إذا لَقَحَ.","vol":"4","page":110},{"text":"[١٤٦٨] وعَن ابنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا شِغَارَ فِي الإِسلَامِ.\nرواه مسلم (١٤١٥) (٦٠).\n[١٤٦٩] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: نَهَى رسول الله ﷺ عَن الشِّغَارِ. وَالشِّغَارُ: أَن يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: زَوِّجنِي ابنَتَكَ وَأُزَوِّجُكَ ابنَتِي، وزَوِّجنِي أُختَكَ وَأُزَوِّجُكَ أُختِي.\nرواه مسلم (١٤١٦)، والنسائي (٦/ ١١٢).\nــ\nويُرجع فيه إلى صداق المثل. وهل يُفسخ قبلُ ويفوت بالدخول ويثبت بَعد؟ وهو قول الأوزاعي، وأحد قولي مالك.\nوموجب هذا الخلاف: اختلافهم في: هل هذا النهي راجع لعين العقد؛ فيكون فاسدًا أبدًا؛ لأن كل واحد من الزوجين معقود عليه، ومعقود به. وهما متناقضان؟ أو هو راجع إلى إخلاء العقد من الصداق؟ وهو أمر يُتدارك بفرض صداق المثل، كنكاح التفويض؟ وأمّا وجه الفرق فهو: أن إيقاع العقد على غير الوجه المنهي عنه ممكن قبل الدخول فيفسخ، فيستأنفان عقدًا جائزًا. فأما إذا دخل؛ فقد فات، فيُرجع فيه إلى صداق المثل.\nو(قوله: لا شغار في الإسلام) أي: لا صحة لعقد الشغار في الإسلام، وهو حجة لمن قال بفساده على كل حال، وهو ظاهر هذه الصيغة؛ كقوله: (لا صيام لمن لم يبيت الصيام) (١) و: (لا عمل إلا بنية) (٢) و: (لا رجل في الدار) فإن الظاهر من هذه الصيغة (٣) نَفي الأصل والصحة، ونَفي الكمال محتمل فلا يصار إليه إلا بدليل، كما بيَّنَّاه في قوله: (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) (٤).\n_________\n(١) رواه النسائي (٤/ ١٩٧).\n(٢) رواه البيهقي (١/ ٤١).\n(٣) ساقطة من (ع).\n(٤) رواه البيهقي (٣/ ٧٥ و١١١).","vol":"4","page":111},{"text":"[١٤٧٠] وعَن عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ: إِنَّ أَحَقَّ الشَّروطِ أَن يُوفَى بِهِ مَا استَحلَلتُم بِهِ الفُرُوجَ.\nــ\nوقد جاء تفسير الشِّغار في حديث ابن عمر من قول نافع، وجاء في حديث أبي هريرة من كلام رسول الله ﷺ وفي مساقه. وظاهره الرفع إلى النبي ﷺ. ويحتمل أن يكون من تفسير أبي هريرة، أو غيره من الرواة، أعني: في حديث أبي هريرة. وكيفما كان فهو تفسير صحيح موافق لما حكاه أهل اللسان. فإن كان من قول رسول الله ﷺ فهو المقصود، وإن كان من قول صحابي فمقبول؛ لأنهم أعلم بالمقال، وأقعد بالحال.\nو(قوله: إن أحق الشروط أن يُوفَّى به ما استحللتم به الفروج) لا تدخل في هذا الشروط الفاسدة؛ لأنها لا يستحل بها شيء؛ ولقوله ﷺ: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط) (١) فإذا: المراد من الشروط ما كان جائزًا، ثم هم على ضربين: ما يرجع إلى الصَّداق، وما يكون خارجًا عنه.\nفالأول لا بد من الوفاء به؛ كشَّورة، ووَصِيف، وغير ذلك.\nوالثاني وهو: ما يكون خارجًا عنه؛ مثل: ألا يخرجها من بلدها، أو لا يتزوّج عليها، أو لا يفرق بينها وبين أولادها، وما أشبه ذلك.\nفهذا النوع إن علَّقه على طلاق أو عتق لزم اتفاقًا عند من يقول بتنفيذ الطلاق والعتق المُعَلَّقَين على التزويج والمِلك. وهو مشهور مذهب مالك. فإن لم يعلَّق عليه ذلك؛ فقيل هو لازم يُجبر عليه من أَبَاهُ للحديث. وقيل: يُستحبُّ الوفاء به، ولا يُجبر عليه، وهو مذهب مالك.\nواختلفوا فيما إذا اشترط المنكح حباءً (٢) لنفسه غير الصداق، وهو المسمى عند العرب: الحلوان. فقال قوم: هو للمرأة مطلقا. وبه قال عطاء، وطاوس،\n_________\n(١) رواه حمد (٦/ ٢١٣)، وابن ماجه (٢٥٢١).\n(٢) \"الحِباء\": ما يحبو به الرجل صاحبه، ويكرمه.","vol":"4","page":112},{"text":"رواه البخاريُّ (٢٧٢١)، ومسلم (١٤١٨)، وأبو داود (٢١٣٩)، والترمذي (١١٢٧)، والنسائي (٦/ ٩٢ - ٩٣).\n* * *\nــ\nوعكرمة، وعمر بن عبد العزيز، والثوري، وأبو عبيد.\nوقال آخرون: هو لمشترطه. وبه قال علي بن الحسين، ومسروق، وشرطَ عشرة آلاف؛ جعلها في الحجّ والمساكين لَمّا زوج ابنته. وقيل: هذا مقصورٌ على الأب خاصة للتبسُّط في مال ولده.\nوقال الشافعي: لها مَهرُ مثلها. وقال مالك: إن كان هذا الاشتراط في حال العقد، فهو للمرأة لاحقٌ بصداقها. وإن كان بعده فهو لمن وهب له. وفيه تفريعٌ يُعرفُ في كتب أصحابنا.\nويشهد لمذهب مالك ما خرَّجه أبو داود عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه: أن النبي ﷺ قال: (أيُّما امرأة نكحت على صداق وحباء، أو عدة، قبل عصمة النكاح فهو لمن أعطيه، وأحق ما أكرم عليه الرَّجل ابنته أو أخته) (١) يعني: لمن أعطيه المرأة؛ بدليل قوله: (على صداق) فإن الصَّداق لا يكون إلا للمرأة، وكذلك ما ذكر معه من الحباء والعدة.\nو(قوله: أحق ما أكرم عليه الرَّجل ابنته. . .) استئناف كلام يقتضي الحضَّ على إكرام الوليّ تطييبًا لنفسه، والله تعالى أعلم.\n* * *\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢١٢٩)، والنسائي (٦/ ١٢٠)، وابن ماجه (١٩٥٥).","vol":"4","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-536>(٧) باب استئمار الثيب واستئذان البكر والصغيرة يزوجها أبوها</span>\n[١٤٧١] عن أَبي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا تُنكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُستَأمَرَ، وَلَا تُنكَحُ البِكرُ حَتَّى تُستَأذَنَ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيفَ إِذنُهَا؟ قَالَ: أَن تَسكُتَ.\nرواه البخاريُّ (٥١٣٦)، ومسلم (١٤١٩)، وأبو داود (٢٠٩٢)، والترمذيُّ (١١٠٧)، والنسائي (٦/ ٨٥).\n[١٤٧٢] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفسِهَا مِن وَلِيِّهَا، وَالبِكرُ تُستَأمَرُ، وَإِذنُهَا سُكُوتُهَا.\nــ\n(٧) ومن باب: استئمار الثيب\n(قوله: الأيِّمُ أحقُّ بنفسها من وليِّها) اتفق أهل اللغة على أن الأيِّم في الأصل (١): هي المرأة التي لا زوج لها بكرًا كانت أو ثيبًا. ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُم﴾. تقول العرب: تَأَيَّمَت المرأة: إذا أقامت لا تتزوّج. ويقال: أيِّمٌ بَيِّنَةُ الأيمَةِ، وقد آمَت هي، وإمتُ أنا. قال الشاعر:\nلقد إمتُ حتى لامنِي كُلُّ صاحب ... رجاء بسَلمَى أن تَئِيمَ كما إِمتُ\nقال أبو عبيد: يقال: رجل أَيِّمٌ، وامرأة أَيِّم. وأكثر ما يكون في النساء، وهو كالمستعار في الرِّجال.\nقلت: والأيّم في هذا الحديث هي: الثَّيِّب؛ بدليل الرواية المفسِّرة التي جعل\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"4","page":114},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفيها الثَّيب مكان الأيِّم، وبدليل: أنها قوبل بها البكر، وفُصِلَ بينهما، فأُعطيت كلُّ واحدة منهما حكمهما. وهذا واضح جدًّا.\nوعليه: فلا مبالاة بما يقوله الكوفيون وزفر والشعبي (١) في هذا الحديث؛ من أنَّ المراد بالأيَّم: التي لا زوج لها بكرًا كانت أو ثيبًا. مستدلين به على أن الولي ليس بشرط في النكاح، بل للمرأة أن تُنكِح نفسها بغير ولي، بكرًا كانت أو ثيبا إذا بلغت. وحملوا قوله ﷺ: (أحق) على العقد؛ أي: أحقُّ من وليها بالعقد عليها.\nوهذا لا يصح؛ لما ذكرناه؛ ولأن مقصود الحديث بيانُ حكم الثَّيب والأبكار بالنسبة إلى سماع الإذن. فالثيب تُعرِبُ عن نفسها؛ أي: تنطق بنفسها مرادها، ولا يُكتفَى منها بالسكوت. والبكر يُكتفَى منها بالسكوت. فقوله: (أحق بنفسها) أي: تنطق بنفسها، ولا ينطق الوليُّ عنها.\nثم نقول: بل هذا الحديث حجة للجمهور في اشتراط الوليِّ؛ بدليل صحة ما وقعت فيه المفاضلة. وبيان ذلك: أنَّ (أَفعَلَ مِن كذا) لا بدَّ فيها من اشتراك في شيء مما وقع فيه التفاضل؛ فإنك إذا قلت: فلان أعلم من فلان. اقتضى ذلك اشتراكهما في أصل العلم، وانفرد أحدهما بمزية (٢) فيه؛ وكذلك قوله: (أحق) لا بدَّ فيه أنّ يشاركها الوليُّ في حَقِّيَّةٍ ما، فإذًا: له مدخل. ثم وجدنا في الشريعة مواضع كثيرة تدلّ على أن ذلك المدخل هو شرط في صحة النكاح.\nفمنها قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُم وَالصَّالِحِينَ مِن عِبَادِكُم﴾ ووجه الاستدلال بها: أنه خطابٌ للأولياء والسَّادة بالعقد على من يكون عليهم، وقد سَوَّى بينهما بالخطاب. فكما أنه لا ينعقد النكاح على أَمَةِ الغير إلا بولاية سيدها، فكذلك لا ينعقد نكاح الحرَّة إلا بإذن وليّها؛ ضرورة التسوية بين النوعين في حكم الخطاب. وهو واضح جدًّا.\n_________\n(١) في (م): الشافعي.\n(٢) في (ع) و(ج): بمزيد.","vol":"4","page":115},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nومنه قوله تعالى: ﴿فَلا تَعضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحنَ أَزوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوا بَينَهُم بِالمَعرُوفِ﴾ والاستدلال بها من وجهين:\nأحدهما: نهيه عن العَضل. فلولا أن له مدخلًا في الولاية لَمَا صح له العَضل.\nوثانيهما: تعليقُ النَّهي عّن العَضل على تراضي الأزواج بالمعروف. فإن لم يتراضوا به فللولي العضل.\nوسيأتي الكلام على هذه الآية عند ذكر حديث معقل بن يسار ﵁ وفيه: لما أنزل الله الآية قال معقل: الآن أفعل. فزوَّجها إيَّاه، مع أنها كانت مدخولًا بها (١).\nومنها: الحديث الذي ذكره الدارقطني، وصحّحه من حديث أبي هريرة مرفوعًا: (لا تزوِّج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها) (٢). قال: هذا صحيح.\nومنها: ما خرَّجه أبو داود من حديث أبي موسى مرفوعًا، قال: (لا نكاح إلا بوليّ) (٣).\nوفيه: عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: (أيُّما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل - ثلاث مرَّات -، فإن دخل بها فالمهرُ لها بما أصاب منها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له) (٤).\nوهذه الأحاديث مشهورة صحيحة عند تحقيق النظر فيها. ولا يلتفت إلى\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٥٢٩)، وأبو داود (٢٠٨٧)، والترمذي (٢٩٨٥).\n(٢) رواه الدارقطني (٣/ ٢٢٧).\n(٣) رواه أبو داود (٢٠٨٥).\n(٤) رواه أبو داود (٢٠٨٣).","vol":"4","page":116},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nشيء مما ذكر فيها، كما ذكر من أن حديث عائشة تفرّد به سليمان بن موسى؛ فإنه إمام ثقة، وهو الأشدق، ولم يكن في أصحاب مكحول أحفظ منه. قال البزار: هو أحفظ من مكحول. وقال: هو أَجَلُّ من ابن جريج. وكما قيل عن ابن جريج: أنه سأل ابن شهاب عن هذا الحديث فأنكره. وهذا لا يلتفت إليه؛ لأن هذه الحكاية أُنكرت على ابن عليَّة، وهو الذي أوردها، ولو صحّت، فلم ينكر ابن شهاب الحديث إنكار قطع بتكذيبه، بل إنكار ناسٍ، والراوي عنه ثقة جازم في الرواية، فينبغي للزهري أن يقول: حدثني فلان عني بكذا، كما قد حكي عنه: أنه قال في مثل هذا: حدثني مالك عني. وكل هذا نسيان، وليس بدعًا في الإنسان. وبسط الكلام فيه في كتب الخلاف.\nوكل ما ذكر أيضًا حجة على من قال: إن صحة عقد النكاح موقوفة على إجازة القاضي، وبه قال الأوزاعي، ومحمد بن الحسن، وأبو يوسف. وأنَصُّ ما في الردّ على هؤلاء حديث معقل.\nو(قوله: والبكر تستأمر) هكذا وقع في حديث ابن عباس، وفي حديث أبي هريرة: (الأيِّم تستأمر، والبكر تستأذن) وهو أتقن مساقًا من حديث ابن عباس (١)؛ لأن (تستأمر) معناه: يُستدعى أمرها. وهذا يظهر منه أن يصدر منها بالقول ما يُسَمَّى: أمرًا. وهذا ممكن من الثيّب؛ لأنها لا يلحقها من الخجل والانقباض ما يلحق البكر. فلا يكتفى منها إلا بنطق يدلّ على مرادها صريحًا. وأمّا (تستأذن) فإنه يقتضي أن يظهر منها ما يدلّ على رضاها وإذنها بأي وجه كان، من سكوت، أو غيره، ولا تُكلَّف النُّطق؛ ولذلك لما قال في حديث ابن عباس: (لا تنكح البكر حتى تستأذن) أشكل عليهم كيفية إذنها، فسألوا فأجيبوا: بأنَّ إذنها\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"4","page":117},{"text":"وفي رواية: وَالبِكرُ يَستَأذِنُهَا أَبُوهَا.\nرواه مسلم (١٤٢١)، وأبو داود (٢٠٩٨)، والترمذي (١١٠٨)، والنسائي (٦/ ٨٤).\nــ\nأن تسكت. وهذا منه ﷺ مراعاة لتمام صيانتها، ولإبقاء حالة الاستحياء، والانقباض عليها، بأن ينظر لها في ذلك المحل ما هو أصون لها، وأليق بها، فإنها لو تكلمت تصريحًا لظن أن ذلك رغبة منها في الرجال. وهذا غير لائق بالبكر، بل هو مُنقِصٌ لها، ومُزَهِّدٌ فيها، بخلاف الثَّيب.\nوقد استحب علماؤنا أن تُعَرَّف البكر أن سكوتها محمول منها على الإذن، ليكون ذلك زيادة في تعريفها، وتنبيهًا لها على ما يخاف أن تجهله. وقد كان بعض من لقيناه من الفقهاء يقول لها بعد عرض الزوج والمهر عليها: إن كنتِ راضية فاصمتي، وإن كنت كارهة فتكلَّمي. وهو تنبيه حسن.\nو(قوله في الرواية الأخرى: والبكر يستأذنها أبوها) هذه الزيادة من رواية ابن أبي عمر. قال أبو داود: وليست بمحفوظة. وعلى تقدير صحة هذه الزيادة، فمحملُها على الاستحباب، لا على الإيجاب؛ بدليل الإجماع المنعقد على أن للأب إنكاح ابنته الصغيرة وإجبارها عليه بغير إذنها. وكذلك السيّد في أَمَتِه. وقد أبدى بعض أصحابنا لاستئذان الأب لابنته البكر فائدة، وهي: تطييب قلبها، واستعلام حالها، فقد تكون موصوفةً بما يخفى على الأب مما يمنع النكاح، فإذا استأذنها أعلمته.\nوقد روى أبو داود من حديث أبي هريرة من طريق صحيحة قال: قال رسول الله ﷺ: (تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فهو إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها) (١) وفي رواية: (فإن بكت أو سكتت). قال: وليس ذلك بمحفوظ.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢٠٩٣)، والترمذي (١١٠٩)، والنسائي (٦/ ٨٥).","vol":"4","page":118},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nقلت: وتفسير حديث أبي داود مقيدٌ لمطلق البكر الذي جاء في حديث مسلم وغيره، ومبيّن أن استئذان الأب البكر ليس بواجب، وإنما يجب ذلك في اليتيمة باتفاق.\nثم اختلف القائلون باشتراط الولي، هل يكتفى في صحة العقد بوجود ولي، أيِّ وليٍّ كان، من غير مراعاة لولاية خاصة ولا عامة، أو لا بدّ من مراعاة الخاصّة على مراتبها، فإن فقدت رُجع للعامة؟ قولان:\nوللأول ذهب أبو ثور، وقال: كل مَن وَقَعَ عليه اسم وليٍّ فله أن ينكح. وقاله بعض علمائنا. وحكاه ابن المنذر عن مالك. والجمهور على القول الثاني؛ لقول النبي ﷺ: (أيُّما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل) ثم قال بعد ذلك: (فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له) (١). فاقتضى: أن ولاية القرابة مقدّمة على ولاية السلطان. وإذا كان كذلك كان أحرى أن تكون مُقدَّمة على ولاية الدين، وهو واضحٌ. ويقول عمر بن الخطاب ﵁: (لا تنكح المرأة إلا بإذن وليّها، أو ذي الرأي من أهلها، أو السلطان).\nثم اختلف المرتِّبون فيما إذا أنكح الأبعد مع وجود الأقعد (٢) في الولاية الخاصة فيمن يستأذن؟ على ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنه يفسخ على كل حال. وبه قال المغيرة.\nوثانيها: أن الأقعد مخيَّر في فسخه أو إجازته. وعليه جماعة من أصحابنا. ومأخذ خلافهما: أن الفسخ لحقِّ الله، فلا بدّ منه، أو لحق الولي فله إجازته وفسخه.\n_________\n(١) سبق تخريجه (ص ١١٦).\n(٢) \"الأقعد\": الأقرب.","vol":"4","page":119},{"text":"[١٤٧٣] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِسِتِّ سِنِينَ،\nــ\nوثالثها: أنه ماضٍ، ولا مقال للولي الخاص. وهو قول مالك. وهو بناءٌ على أنَّ مراعاة المراتب من باب الأَولى، والأحسن، والله تعالى أعلم.\nوقول عائشة ﵂: (تزوجني رسول الله ﷺ لستِّ سنين). وفي الرواية الأخرى: وهي بنت سبع سنين. ظاهر هاتين الروايتين الاختلاف. فيمكن أن يقال: إن ذلك تقدير لا تحقيق، ويمكن أن يقال: إن ذلك كان في أوائل السنة السابعة. فيكون (١) معنى قولها: (لست سنين) انقضت.\nو(قولها: وهي بنت سبع سنين) أي: هي فيها، والله تعالى أعلم.\nوهذا الحديث مستند الإجماع على أن الأب يجبر البكر الصغيرة على النكاح. وإذا جاز ذلك في الأنثى التي لا تملك حلَّ العقد عن نفسها، فلأن يجوز في الصغير؛ الذي يملك حلَّ العقد عن نفسه عند بلوغه أحرى وأولى.\nوما ذكرناه جارٍ على مذهب مالك والشافعي، وفقهاء أهل الحجاز. وأمَّا أهل العراق فقالوا: لها الخيار إذا بلغت، إلا أبا يوسف، فإنه قال: لا خيار لها.\nثم اختلفوا في غير الأب، من وليٍّ أو وصيٍّ، هل له أن يجبر أم لا؟ فمنع الجمهور ذلك؛ غير أن الشافعي جعل الجدَّ بمنزلة الأب، وغير ما روي عن مالك في الوصي على الإنكاح: أنه يجبر - في أحد قوليه - وهو الذي حكاه الخطَّابي عن مالك (٢)، وعن حمَّاد بن أبي سلمة، وقاله شريح، وعروة بن الزبير. والمشهور عن مالك المنع من ذلك. وقال أبو حنيفة وأصحابه، والأوزاعي، وجماعة من السلف بجواز ذلك. وليس بصحيح؛ لما يختصّ به الأب من فرط الشَّفقة، والاجتهاد في ابتغاء المصلحة، فإنه يختصُّ من ذلك بما لا يوجد في غيره غالبًا. ويكفي هذا فارقًا مانعًا من الإلحاق.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع) و(ج) واستدركناه من (ج ٢).","vol":"4","page":120},{"text":"وَبَنَى بِي وَأَنَا بِنتُ تِسعِ سِنِينَ. قَالَت: فَقَدِمنَا المَدِينَةَ فَوُعِكتُ شَهرًا، فَوَفَى شَعرِي جُمَيمَةً، فَأَتَتنِي أُمُّ رُومَانَ وَأَنَا عَلَى أُرجُوحَةٍ، وَمَعِي صَوَاحِبِي\nــ\nو(قولها: (وبنى بي وأنا بنت تسع سنين) ذهبت طائفة إلى أن بلوغ المرأة إلى تسعٍ يوجب إجبارها على الدخول إذا طلبه الزوج. وبه قال أحمد وأبو عبيد. وقال مالك وأبو حنيفة: حدُّ ذلك أن تطيق الرّجُل، فإن لم تطق؛ لم يُمَكَّن الزوج منها، وإن بلغت التسع. وقال الشافعي: حدُّ ذلك أن تطيق الرّجُل، وتقارب البلوغ.\nوحكم إلزام الزوج النفقة حكم الجبر، فمتى أجبرناها على الدخول ألزمناه لها النفقة. قال الدَّاودي: وكانت ﵂ قد شبّت شبابًا حسنًا.\nو(قولها: (فقدمنا المدينة فَوُعِكتُ شهرًا) أي: مرضت بالحمَّى، وكان هذا في أوّل قدومهم المدينة في الوقت الذي وعك فيه أبو بكر ﵁ وقبل أن يَدعُوُ النبي ﷺ للمدينة بأن يصحِّحها، وينقل حُمَّاها إلى الجُحفَة، فلمّا دعا؛ فعل الله ذلك.\nو(قولها: (فوفى شعري جُمَيمَة) أي: بلغ إلى أن صار جُمَّةً صغيرة. وقد تقدم: أنَّ (الجمَّة) إلى شحمة الأذن و(اللمَّة) للمنكب. وفي كلامها حذف، وتقديره: فوُعِكتُ؛ فسقط شعري، ثم بَرِئتُ فوفى جُميمةً.\nو(قوله: فأتتني أُمَّ رُومان) أم رُومان - بضم الراء المهملة، ويقال بفتحها، والأول أشهر -، واسمها: زينب بنت عامر الكنانية، وهي زوج أبي بكر الصديق وأم ولديه: عبد الرحمن، وعائشة. أسلمت وهاجرت، وتوفيت في حياة رسول الله ﷺ، ونزل رسول الله ﷺ في قبرها، واستغفر لها (١).\nو(الأرجوحة): خشبة يَركَبُ على طرفيها صغيران، فيترجح أحدهما على\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع) و(ج) وأثبتناه من (ج ٢).","vol":"4","page":121},{"text":"فَصَرَخَت بِي فَأَتَيتُهَا، وَمَا أَدرِي مَا تُرِيدُ، فَأَخَذَت بِيَدِي فَأَوقَفَتنِي عَلَى البَابِ فَقُلتُ: هَه هَه حَتَّى ذَهَبَ نَفَسِي فَأَدخَلَتنِي بَيتًا، فَإِذَا نِسوَةٌ مِن الأَنصَارِ فَقُلنَ: عَلَى الخَيرِ وَالبَرَكَةِ، وَعَلَى خَيرِ طَائِرٍ، فَأَسلَمَتنِي إِلَيهِنَّ\nــ\nالآخر تارة، والآخر أخرى. ويقال: الأرجوحة: حبل يُعَلَّق، فيركبه الصبيان، يلعبون عليه. قاله شيخنا المنذري الشافعي (١).\nو(صَرَخَت بِي) أي: صاحت صياحًا مُزعِجًا.\nو(قولها: (فقلت: هه، هه) هي حكاية عن صوت المنبَهِر؛ الذي ضاق نَفَسه، وذلك أنَّها كانت تترجح، ثم إنها صِيح بها صياحًا مزعجًا، فأتت مسرعة، فضاق نفسها لذلك، وانبهرت. ولذلك قالت: (حتى ذهب نفسي) وهو بفتح الفاء، وقد أخطأ من سكَّنها.\nوقول النساء: (على الخير والبركة) هو نحو مِمَّا روي من حديث معاذ: أنَّ النبي ﷺ قال لرجل من الأنصار شهد إملاكه، فقال: (على الألفة والخير والطائر الميمون) (٢). وقد قال ﷺ لابن عوف: (بارك الله لك) (٣). وروي عنه ﷺ أنه قال: (بارك الله لكم وعليكم) (٤).\nقلت: وهذه أدعية، والدُّعاء كلُّه حسن، غير أن الدُّعاء بما دعا به النبي ﷺ أولى، ولذلك كره بعضهم قول العرب: بالرفاء والبنين.\nوقولهن: على خير طائر. وقول النبي ﷺ: (وعلى الطائر الميمون) (٥) على\n_________\n(١) من (ج ٢).\n(٢) رواه البيهقي (٧/ ٢٨٨)، وانظر: مجمع الزوائد (٤/ ٢٩٠).\n(٣) رواه البخاري (٥٠٧٢)، ومسلم (١٣٦٥)، وأبو داود (٢٠٥٤)، والترمذي (١١١٥)، والنسائي (٦/ ١١٤).\n(٤) رواه أبو داود (٢١٣٠)، والترمذي (١٠٩١).\n(٥) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢٩٠).","vol":"4","page":122},{"text":"فَغَسَلنَ رَأسِي، وَأَصلَحنَنِي فَلَم يَرُعنِي إِلَّا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضُحًى، فَأَسلَمنَنِي إِلَيهِ.\nرواه البخاريُّ (٣٨٩٦)، ومسلم (١٤٢٢) (٦٩)، وأبو داود (٤٩٣٣)، والنسائي (٦/ ٨٢)، وابن ماجه (١٨٧٦).\n[١٤٧٤] وعَنها أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهِيَ بِنتُ سَبعِ سِنِينَ، وَزُفَّت إِلَيهِ وَهِيَ بِنتُ تِسعِ سِنِينَ وَلُعَبُهَا مَعَهَا، وَمَاتَ عَنهَا وَهِيَ بِنتُ ثَمَانَي عَشرَةَ.\nرواه مسلم (١٤٢٢) (٧١).\n(١٤٢٣) [١٤٧٥] وعَنها قَالَت: تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي شَوَّالٍ، وَبَنَى بِي\nــ\nجهة التفاؤل الحسن، والكلام الطيب، وليس هذا من قبيل الطيرة المنهي عنها؛ التي قال فيها ﷺ: (لا طيرة، وخيرها الفأل) (١). وقد ذكرنا أصل هذه اللفظة وحكمها في كتاب الإيمان.\nو(قولها: فلم يَرُعنِي) أي: لم يُفزِعني. والرَّوع: الفَزَع. وهو مستعملٌ في كلِّ أمر يطرأ على الإنسان فجأة من خير أو شرٍّ؛ فيرتاع لفجأته.\nو(قوله: ومعها لُعَبُها) أي: البنات التي تلعب بها الجواري. وقد جاء: أن النبي ﷺ رآهنّ يَلعَبن بها، فأقرّهنّ على ذلك (٢)؛ لتطييب قلوبهن، وليتدربن على تربية أولادهن، وإصلاح شأنهنّ وبيوتهن.\nوفي هذا الحديث أبواب من الفقه لا تخفى.\nو(قولها: تزوّجني رسول الله ﷺ في شوّال. . .) الحديث؛ هذا إنما قالته\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٧٥٥)، ومسلم (٢٢٢٠).\n(٢) رواه مسلم (٢٤٤٠).","vol":"4","page":123},{"text":"فِي شَوَّالٍ، فَأَيُّ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ أَحظَى عِندَهُ مِنِّي؟ وَكَانَت عَائِشَةُ تَستَحِبُّ أَن تُدخِلَ نِسَاءَهَا فِي شَوَّالٍ.\nرواه مسلم (١٤٢٣)، والترمذيُّ (١٠٩٣)، والنسائي (٦/ ١٠٣)، وابن ماجه (١٩٩٠).\n* * *\nــ\nعائشة ﵂ لتردَّ به قول مَن كان (١) يُكره عقدُ النكاح في شهر شوّال، ويتشاءم به من جهة: أن شَوَّالًا من الشَّول، وهو الرَّفع. ومنه: شالتِ الناقةُ بِذَنَبِهَا. وقد جعلوه كناية عن الهلاك؛ إذ قالوا: شالت نعامتُهم؛ أي: هلكوا.\nفـ (شوَّال) معناه: كثير الشول، فإنَّه للمبالغة، فكأنهم كانوا يتوهّمون أنَّ كلَّ مَن تزوّج في شوَّال منهن شال الشنآن بينها وبين الزوج، أو شالت نفرته، فلم تحصل لها حظوة عنده، ولذلك قالت عائشة رادَّةً لذلك الوهم: (فأي نسائه كان أحظى عنده مني) أي: لم يضرّني ذلك، ولا نقص من حظوتي. ثم إنها تبرّكت بشهر شوَّال، فكانت تحب أن تُدخل نساءها على أزواجهنّ في شوّال؛ للذي حصل لها فيه من الخير برسول الله ﷺ ومن الحظوة عنده، ولمخالفة ما يقول الجُهَّال من ذلك.\nومن هذا النوع كراهة الجُهَّال عندنا اليوم عقد النكاح في شهر المحرَّم، بل ينبغي أن يُتَيَمَّن بالعقد والدخول فيه، تَمَسُّكًا بما عظَّم الله ورسوله من حرمته، ورَدعًا للجُهَّال عن جهالاتهم.\n* * *\n_________\n(١) في (ج ٢): قال.","vol":"4","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-537>(٨) باب النّظر إلى المخطوبة</span>\n[١٤٧٦] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي تَزَوَّجتُ امرَأَةً مِن الأَنصَارِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: هَل نَظَرتَ إِلَيهَا فَإِنَّ فِي عُيُونِ الأَنصَارِ شَيئًا؟ قَالَ: قَد نَظَرتُ إِلَيهَا قَالَ: عَلَى كَم تَزَوَّجتَهَا؟ قَالَ: عَلَى أَربَعِ أَوَاقٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: عَلَى أَربَعِ أَوَاقٍ؟ ! كَأَنَّمَا تَنحِتُونَ\nــ\n(٨) ومن باب: إباحة النّظر للمخطوبة\n(قوله: اذهب فانظر إليها) هذا الأمر على جهة الإرشاد إلى المصلحة؛ فإنه إذا نظر إليها -أعني المخطوبة - فلعلّه يرى منها ما يرغبه في نكاحها. وقد نبه النبي ﷺ على هذا بقوله فيما ذكره أبو داود من حديث جابر إذ قال: (إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل) (١). ولا قائل فيما أعلمه بحمل هذا الأمر على الوجوب. وقد دلَّ على أنه ليس كذلك قوله: (فإن استطاع فليفعل) ولا يقال مثل هذا في الواجب.\nوقاعدة النكاح - وإن كان فيها معاوضة - مُفَارِقَةٌ لقاعدة البيوع، من حيث إنها مبنيَّة على المكارمة، والمواصلة، وإظهار الرَّغبات، والعمل على مكارم الأخلاق، بحيث يجوز فيها النكاح من غير ذكر صداق، وتجوز فيها ضروب من الجهالات والأحكام، لا يجوز شيءٌ منها في البيوع والمعاملات المبنية على المشاحَّة والمغَابنة.\nومن هنا جاز عقد النكاح على امرأة لا يعرف حالها من جمال، وشباب، وحُسن خُلُق، وتمام خُلق. وهذه وإن كانت مجهولة حالة العقد، لم يضر الجهل بها؛ إذ لم يلتفت الشرع إليه في هذا الباب. فالأمر بالنظر إلى المخطوبة أحرى بألَاّ يكون واجبا. فلم يبق إلا أن يُحمل ذلك الأمر على ما تقدَّم. وبهذا قال جمهور الفقهاء: مالك،\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢٠٨٢).","vol":"4","page":125},{"text":"الفِضَّةَ مِن عُرضِ هَذَا الجَبَلِ، مَا عِندَنَا مَا نُعطِيكَ، وَلَكِن عَسَى أَن نَبعَثَكَ فِي بَعثٍ تُصِيبُ مِنهُ. فَبَعَثَ بَعثًا إِلَى بَنِي عَبسٍ. بَعَثَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فِيهِم.\nــ\nوالشافعي، والكوفيون، وغيرهم، وأهل الظاهر. وقد كره ذلك قومٌ، لا مبالاة بقولهم؛ للأحاديث الصحيحة في هذا الباب.\nثم اختلف الجمهور، فقال مالك: يُنظر إلى وجهها، وكفَّيها، ولا ينظر إليها إلا بإذنها. وقال الشافعي وأحمد: بإذنها، وبغير إذنها إذا كانت مستترة. وقال الأوزاعي: ينظر إليها ويجتهد، وينظر مواقع اللحم منها. وقال داود: ينظر إلى سائر جسدها تمسكًا بظاهر اللفظ. وأصول الشريعة تردّ عليه في تحريم الاطلاع على الصورة.\nوقد تقدَّم ذكر (الأُوقِية) (١).\nو(تنحتون): تقطعون وتنجرون. والنَّحتُ: النَّجر والقَطع، ومنه: ﴿وَتَنحِتُونَ مِنَ الجِبَالِ بُيُوتًا﴾ وقوله تعالى: ﴿أَتَعبُدُونَ مَا تَنحِتُونَ﴾\nوالنَّحَّات: النَّجار. و(عُرضُ الجبل): جانبه، وصفحه.\nوهو بضم العين. والعَرض -بفتح العين -: خِلاف الطول. وعًرضُ البحر، والنَّهر، والمال: الوسَطُ من ذلك؛ قاله الحربي.\nوهذا الإنكار منه ﷺ على هذا الرَّجُل المتزوج على أربعة أواقٍ ليس إنكارًا لأجل المغالاة، والإكثار في المهر، فإنه ﷺ قد أصدق نساءه خمسمائة درهم، وأربعة أواقٍ: مائة وستون درهمًا (٢). وإنما أنكر بالنسبة إلى حال الرجل؛ فإنه كان فقيرًا في تلك الحال، فأدخل نفسه في مشقة تَعرَّض للسؤال بسببها، ولذلك قال له: (ما عندنا ما نعطيك). ثم إن النبي ﷺ بكرم أخلاقه، ورأفته، ورحمته جبرَ مُنكَسِرَ قلبه بقوله: (ولكن عسى أن نبعثك في بعث فتصيب منه) يعني به: سرية\n_________\n(١) تساوي في زماننا (١٢٥) غ.\n(٢) الدرهم يعادل في زماننا (٣.١٢) غ.","vol":"4","page":126},{"text":"وفي رواية: أَنَظَرتَ إِلَيهَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَاذهَب فَانظُر إِلَيهَا فَإِنَّ فِي أَعيُنِ الأَنصَارِ شَيئًا.\nرواه أحمد (٢/ ٢٩٩)، مسلم (١٤٢٤) (٧٤) و(٧٥)، والنسائيُّ (٦/ ٦٩).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-538>(٩) باب في اشتراط الصَّداق في النكاح وجواز كونه منافع</span>\n[١٤٧٧] عَن سَهلِ بنِ سَعدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: جَاءَت امرَأَةٌ إِلَى\nــ\nفي الغزو. فبعثه، فأصاب حاجته ببركة النبي ﷺ.\nو(قوله: فإن في عيون الأنصار شيئًا) قال أبو الفرج الجوزي: يعني: شيئًا زرقًا، أو صِغَرًا، وقيل: رَمَصًا.\n(٩) ومن باب: اشتراط الصَّداق في النكاح\nهذه الترجمة يدلُّ على صحتها قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحلَةً﴾ وقوله تعالى: ﴿أَن تَبتَغُوا بِأَموَالِكُم﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَن لَم يَستَطِع مِنكُم طَولا﴾ الآية. وقوله ﷺ في هذا الحديث: (هل عندك شيء تصدقه إيَّاها؟) إلى قوله: (التمس ولو خاتَمًا من حديد). ولا اختلاف في اشتراطه؛ وإن اختلفوا في مقدار أصله، وفي نوعه على ما يأتي بيانه، إن شاء الله تعالى.","vol":"4","page":127},{"text":"رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئتُ أَهَبُ لَكَ نَفسِي، فَنَظَرَ إِلَيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأطَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأسَهُ، فَلَمَّا رَأَت المَرأَةُ أَنَّهُ لَم يَقضِ فِيهَا شَيئًا جَلَسَت فَقَامَ رَجُلٌ مِن أَصحَابِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِن لَم يَكُن لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجنِيهَا فَقَالَ: فَهَل عِندَكَ مِن شَيءٍ؟ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: اذهَب إِلَى أَهلِكَ، فَانظُر هَل تَجِدُ شَيئًا؟ فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا وَجَدتُ شَيئًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: التمس وَلَو خَاتِمًا مِن حَدِيدٍ فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ:\nــ\nو(قولها: جئت أهب لك نفسي) أي: أُحكِّمُك فيها من غير عوضٍ. وكأنَّ هذه المرأة فهمت جواز ذلك من قوله تعالى: ﴿وَامرَأَةً مُؤمِنَةً إِن وَهَبَت نَفسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ وقد ذهب معظم العلماء: إلى أنَّ ذلك مخصوصٌ بالنبي ﷺ؛ لقوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤمِنِينَ﴾ وقد دلَّ على هذا المعنى من هذا الحديث قول الرُّجُل للنبي (١) ﷺ: (إن لم يكن لك حاجة بها زوّجنيها). ولم يقل: هَبهَا لي.\nواختلفوا في النكاح: هل ينعقد بلفظ الهبة، ويكون فيه صداق المثل، أو لا ينعقد بها وإن سمى فيه مهرًا؟ وإلى الأول ذهب مالك، وأبو حنيفة، والجمهور. وبالثاني قال الشافعي.\nو(قوله: فصعَّد النظر فيها، وصوَّبه، ثم طأطأ رأسه) أي: نظر أعلاها، وأسفلها مرارًا. و(طأطأ) أي: خفض وأَطرق. وهذا دليل على جواز نظر الخاطب إلى المخطوبة، وتأمُّله ما لاح من محاسنها؛ لكن وعليها ثيابها، كما قال مالك.\nو(قوله: التمس ولو خاتَمًا من حديد) تمسَّك به من لم ير للصَّداق حدًّا.\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"4","page":128},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوهم جَمعٌ كثير من الحجازيين، والشاميين؛ قالوا: يجوز النكاح بكل ما تراضى به الزوجان، أو مَن العقدُ إليه، مما فيه منفعة، كالسَّوط، والنعل، ونحوه. وبعضهم قال: بما له بال. وقالت طائفة أخرى: لا بُدَّ أن يكون أقله محدودًا. وحملوه على أقل ما تقطع فيه يد السَّارق، وعلى الطريقة القياسية. وتحريرها: أن يقال: عضو آدمي مُحتَرَم. فلا يُستباح بأقل من كذا. قياسًا على يد السارق. ويمكن أن (١) يكون تحريره على وجه آخر. وتوجيه الاعتراضات عليه والانفصالات، مذكور في مسائل الخلاف. غير أن هؤلاء اختلفوا في أقل ما تُقطع فيه يد السَّارق، فاختلفت لذلك مذاهبهم هنا. فذهب مالك: إلى أن أقل ذلك ربع دينار من الذهب، أو ثلاثة دراهم من الورق. وقال ابن (٢) شبرمة: أقل ذلك خمسة دراهم. وقال أبو حنيفة: أقله عشرة دراهم. وكذلك قال النخعي في أحد قوليه، وفي آخر: كره أن يتزوج بأقل من أربعين درهمًا. وقد اعتذر بعض المالكية عن قوله ﷺ: (التمس ولو خاتَمًا من حديد) بأوجه:\nأحدها: بأن ذلك على جهة الإغياء والمبالغة، كما قال: (تصدقوا ولو بظلف محرق) (٣).\nوفي أخرى: (ولو بفرسن شاة) (٤) وليس الظلف والفرسن مما ينتفع به، ولا يتصَّدق به. ومثل هذا كثير.\nوثانيها: لعل الخاتم كان يساوي ربع دينار فصاعدًا؛ لأن الصُنَّاع عندهم قليل.\nوثالثها: أنَّ أَمرَهُ بالتماس الخاتم لعلَّه لم يكن ليكون كلَّ الصداق، بل ليُعَجّلَهُ لها قبل الدّخول.\n_________\n(١) من (م).\n(٢) ساقط من (ع).\n(٣) رواه أحمد (٦/ ٤٣٥)، ومالك في الموطأ (٢/ ٩٢٣)، والنسائي (٥/ ٨١).\n(٤) رواه البخاري (٦٠١٧)، ومسلم (١٠٣٠)، والترمذي (٢١٣١).","vol":"4","page":129},{"text":"لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا خَاتِمًا مِن حَدِيدٍ، وَلَكِن هَذَا إِزَارِي. قَالَ سَهلٌ: مَا لَهُ رِدَاءٌ فَلَهَا نِصفُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا تَصنَعُ بِإِزَارِكَ؟ إِن لَبِستَهُ لَم يَكُن عَلَيهَا مِنهُ شَيءٌ، وَإِن لَبِسَتهُ لَم يَكُن عَلَيكَ مِنهُ شَيءٌ، فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى إِذَا طَالَ مَجلِسُهُ قَامَ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُوَلِّيًا، فَأَمَرَ بِهِ\nــ\nوالذي حمل أصحابنا على تأويل هذا الحديث قوله تعالى: ﴿أَن تَبتَغُوا بِأَموَالِكُم مُحصِنِينَ غَيرَ مُسَافِحِينَ﴾ والدرهم، وأقل منه تافه لا يُقال عليه مالٌ عُرفًا، ولذلك قالت عائشة ﵂: (لم تكن يد السَّارق تقطع في الشيء التافه) وإن كان يقال على من أخذه خفية: سارق. وهي التي قالت: (لم تكن يد السَّارق تقطع في أقل من ثلاثة دراهم). ففرَّقت بين التافه وغير التافه بهذا المقدار. وهي أعرفهم بالمقال، وأقعدهم بالحال.\nو(الإزار): ثوب يُشَدُّ على الوسط. و(الرداء): ما يُجعل على الكتفين. و(اللحاف): ما يُلحَفُ به جميع الجسد.\nو(قول سهل: ما له رداء، فلها نصفه) ظاهره: لو كان له رداء لَشَرَكَها النبي ﷺ فيه. وهذا في وَجه لزومه بُعدٌ؛ إذ ليس في كلام النبي ﷺ ولا في كلام الرَّجل ما يدلّ على شيء من ذلك. ويمكن أن يقال: إن مُراد سهل: أنَّه لو كان عليه رداء مضافًا إلى الإزار؛ لكان للمرأة نصف ما عليه؛ الذي هو إمَّا الرداء، وإمَّا الإزار. ألا ترى تعليله منع إعطاء الإزار بقوله: (إن لبِستَه لم يكن عليها منه شيء، وإن لبِسَتهُ لم يكن عليك منه شيء) فكأنه قال: لو كان لك ثوبٌ تنفرد أنت بلبسه، وثوبٌ آخر تأخذه هي، تنفرد بلبسه لكان لها أَخذُهُ، فأمَّا إذا لم يكن ذلك فلا.\nوفيه ما يدل على أن المهر الأولى فيه أن يكون معجلًا مقبوضًا، وهو الأولى عند العلماء باتفاق. ويجوز أن يكون مؤخَّرًا على ما يدلُّ عليه قوله ﷺ:","vol":"4","page":130},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n(اذهب فقد زوجتكها بما (١) معك من القرآن، فعلِّمها). فإنه قد انعقد النكاح، وتأخر المهر الذي هو التعليم. وهذا على الظاهر من قوله: (بما معك من القرآن) (٢). فإنَّ الباء للعِوض، كما تقول: خُذ هذا بهذا؛ أي: عوضًا عنه.\nو(قوله: علِّمها) نصٌّ في الأمر بالتعليم. والمَسَاقُ يشهد بأنَّ ذلك لأجل النكاح. ولا يُلتفت لقول من قال: إن ذلك كان إكرامًا للرَّجل بما حفظه من القرآن؛ فإن الحديث يُصَرِّح بخلافه. وقول المخالف: إن الباء بمعنى اللام، ليس بصحيح لغةً، ولا مساقًا. وكذلك لا يُعَوّل على قول الطحاوي والأبهري: إنَّ ذلك كان (٣) مخصوصًا بالنبي ﷺ كما كان مخصوصًا بجواز الهبة في النكاح لأمور:\nأحدها: مساق الحديث. وهو شاهد لنفي الخصوصية.\nوثانيها: قول الرَّجُل: زوجنيها، ولم يقل: هبها لي.\nوثالثها: قوله ﷺ: (اذهب، فقد زوجتكها بما معك من القرآن، فعلِّمها).\nورابعها: إن الأصل التمسُّك بنفي الخصوصية في الأحكام.\nوفي هذا الحديث من الفقه: جواز اتخاذ خاتم الحديد. وقد أجازه بعض السلف، ومنعه آخرون لقوله ﷺ فيه: (حلية أهل النار) (٤). ورأوا أن المنع هو المتأخر عن الإباحة.\nوفيه ما يدلّ على جواز كون الصَّداق منافع. وبه قال الشافعي، وإسحاق، والحسن بن حَيٍّ، ومالك في أحد قوليه. وكرهه أحمد، ومالك في القول الثاني. ومنعه أبو حنيفة في الحُرِّ، وأجازه في العبد، إلا أن تكون الإجارة تعليم القرآن، فلا يجوز بناءً على أصله في: أنَّ تعليم القرآن لا يؤخذ عليه\n_________\n(١) في (ع): على ما.\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٣) في (ج ٢): إن معنى جَعْل تعليم القرآن كان. . .\n(٤) رواه أبو داود (٤٢٢٣)، والترمذي (١٧٨٦)، والنسائي (٨/ ١٧٢).","vol":"4","page":131},{"text":"فَدُعِيَ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: مَاذَا مَعَكَ مِن القُرآنِ؟ قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا عَدَّدَهَا. قَالَ: تَقرَؤُهُنَّ عَن ظَهرِ قَلبِكَ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: اذهَب فَقَد مُلِّكتَهَا بِمَا مَعَكَ مِن القُرآنِ.\nــ\nأجر. والجمهور على جواز ذلك. أعني: على جواز كون الصَّداق منافع.\nوهذا الحديث ردٌّ على أبي حنيفة في منعه أخذ الأجر على تعليم القرآن. ويردُّ عليه أيضًا قوله ﷺ: (إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله) (١). وسيأتي.\nوقول الرَّجُل: معي سورة كذا، وسورة كذا) عدَّدَها. فقال: (اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن، فعلِّمها) يدلُّ على أن القَدر الذي انعقد به النكاح من التعليم معلومٌ؛ لأن قوله: (بما معك) معناه: بالذي معك. وهي السور المعدَّدة المحفوظة عنده التي نصَّ على أسمائها. وقد تعيَّنت المنفعة، وصَحَّ كونها صداقًا، وليس فيه جهالة. وقد روى هذا النسائي من طريق عِسلِ بن سفيان، وهو ضعيف. وذكر فيه: (فعلِّمها عشرين آية). وهذا نصٌّ في التحديد، غير أن الصحيح ما تقدَّم.\nو(قوله: فقد ملكتكها) وفي الرواية الأخرى: (زوّجتكها). وقع في مختصر شيخنا المنذري لكتاب مسلم: (اذهب فقد ملكتها) قال: وروي: (مُلِّكتَهَا) وروي: (ملكتكها) وروي: (زوجتكها). قال أبو الحسن الدارقطني: رواية من قال: (ملكتها) وَهمٌ، ورواية من قال: (زوجتكها) الصواب. وَهُم أكثرُ وأحفظُ. وقال غيره: (مَلَّكتُكَهَا): كلمة عَبَّر بها الراوي عن: زَوَّجتُكَهَا. وقد رواه جماعة فقالوا: (زوجتكها) (٢) دليلٌ على أنَّ كل صيغةٍ تقتضي التمليك مطلقا تجوز عقد النكاح عليها، وهو مذهب أبي حنيفة، وحاصل مذهب مالك. قال ابن القصَّار: يصح النكاح بلفظ الهبة، والصَّدقة، والبيع إذا قصد به النكاح، ولا يصحّ بلفظ الرَّهن،\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٧٣٧).\n(٢) ساقط من (ع) و(ج) واستدركناه من (ج ٢).","vol":"4","page":132},{"text":"وفي رواية قَالَ: انطلق فَقَد زَوَّجتُكَهَا، فَعَلِّمهَا مِن القُرآنِ.\nرواه البخاريُّ (٥٠٨٧)، ومسلم (١٤٢٥)، وأبو داود (٢١١١)، والترمذيُّ (١١١٤)، والنّسائي (٦/ ١١٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-539>(١٠) باب كم أصدق النبي ﷺ لأزواجه؟ وجواز الأكثر من ذلك والأقل والأمر بالوليمة</span>\n(١٤٢٦) [١٤٧٨] عَن أَبِي سَلَمَةَ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ قَالَ: سَئَلتُ عَائِشَةَ زَوجَ النَّبِيِّ ﷺ كَم كَانَ صَدَاقُ النبي ﷺ؟ قَالَت: كَانَ صَدَاقُهُ لِأَزوَاجِهِ ثِنتَي عَشرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًّ. قَالَت: أَتَدرِي مَا النَّشُّ؟ قَالَ: قُلتُ: لَا. قَالَت: نِصفُ\nــ\nوالإجارة والعارية، والوصية. ومن أصحابنا من أجازه بلفظ الإحلال، والإباحة، ومنعه آخرون؛ إذ لا يدلَاّن على عَقدٍ. وأصل مذهب الشافعي: أنَّه لا يجوز بغير لفظ النكاح والتَّزويج. ويردّ عليه قوله في هذا الحديث، في رواية مَن روى: (ملكتكها) وهي صحيحة. وفي بعض طرق البخاري: (فقد أمكنَّاكها) (١).\nو(قوله: فعَلِّمها من القرآن) يعني به: السُّور التي عدَّدها له، وأخبره أنه يحفظها، وهو بمعنى قوله في الرواية الأخرى: (بما معك من القرآن) والله تعالى أعلم.\n(١٠) ومن باب: كم أصدق النبي ﷺ لأزواجه؟\nقد تقدَّم ذكر الأوقية. فأمَّا (النَّشُّ) فقد فسَّرته عائشةُ ﵂.\n_________\n(١) قال ابن حجر في شرح الحديث رقم (٥١٤٦): وفي رواية أبي غسان: \"أمكنَّاكها\".","vol":"4","page":133},{"text":"أُوقِيَّةٍ، فَتِلكَ خَمسُمِائَةِ دِرهَمٍ، فَهَذَا صَدَاقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَزوَاجِهِ.\nرواه مسلم (١٤٢٦)، وأبو داود (٢١٠٥)، والنسائي (٦/ ١١٦ و١١٧).\n[١٤٧٩] وعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى عَلَى عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ أَثَرَ صُفرَةٍ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي تَزَوَّجتُ\nــ\nوقال كراع: هو نصف الشيء. وقال الخطَّابي: هو اسمٌ موضوع لهذا القدر.\nقلت: وهو مُعَرَّب مُنَوَّن، غير أنه وقع هنا (نش) على لغة من يقف على المنون بالسكون بغير ألف.\nوقد تقدَم أنّ هذا القول من عائشة، إنما هو إخبار عن غالب أزواج النبي ﷺ؛ لأن صفية من جملة أزواجه، وأصدقها نفسها (١) على ما تقدم من الخلاف. وزينب بنت جحش لم يذكر لها صداق. وأمُّ حبيبة بنت أبي سفيان أصدقها النجاشي أربعة آلاف درهم. فقد خرج هؤلاء من عموم قول عائشة، فدلَّ على ما ذكرناه.\nو(قوله: رأى على عبد الرحمن أثر صفرة) وفي أخرى: (وضر صفرة) وهو بمعنى: الأثر. وفي حديث آخر: (رَدع) بالعين المهملة. يعني: الأثر واللطخ. وفي الأم: (رأى عليَّ بشاشة العرس) (٢). قال الحربيُّ: أَثَرَهُ، وحُسنَهُ.\nاستدل بعض أهل العلم بعدم إنكار النبي ﷺ التزعفر على عبد الرحمن على جوازه للعروس، وأنه مُخَصَّص به؛ لعموم نهيه ﷺ عن التزعفر. وقيل: يحتمل أن تكون تلك الصفرة في ثيابه. ولباس الثياب المزعفرة للرّجال جائز عند مالك وأصحابه، وحكاه عن علماء المدينة. وكان ابن عمر يصبغ بالصفرة (٣)، ويرفعه إلى النبي ﷺ كما تقدَّم في الحج.\n_________\n(١) أي: كان صداقها عتقها.\n(٢) انظر: صحيح مسلم (١٤٢٧) (٨٢).\n(٣) رواه البخاري (٥٨٥١).","vol":"4","page":134},{"text":"امرَأَةً - وفي رواية: من الأنصار - عَلَى وَزنِ نَوَاةٍ مِن ذَهَبٍ قَالَ: فَبَارَكَ اللَّهُ\nــ\nقلت: وعلى هذا يدل ما رواه أبو داود من حديث أبي موسى مرفوعًا: (لا يقبل الله صلاة رجل في جسده شيء من خلوق) (١) فخصَّ الجسد؛ فيؤخذ من دليل خطابه جوازه في غيره. وحكى ابن شعبان كراهة ذلك في اللحية عن أصحابنا. وكره الشافعي وأبو حنيفة ذلك في الثوب واللحية. ويحتمل أن تُحمل صفرةُ عبد الرحمن على أنَّها تعلَّقت به من جهة العَرُوس، فكانت غير مقصودة له، ويحتمل أن تكون مقصودة له (٢)، لكنه لما احتاج إلى التطّيب لأجل العروس؛ استباح قليلًا منه عند عدم غيره من الطيب، كما قال ﷺ في يوم الجمعة: (ويمسَّ من الطيب ما قدر عليه) وفي بعض طرقه: (ولو من طيب المرأة) (٣) والله تعالى أعلم.\nو(النواة): قال الخطابي: هو اسمٌ معروف لمقدار معروف. وفسروها بخمسة دراهم، كما سُمِّي الأربعون: أوقية.\nقلت: وهذا هو تفسير أكثر العلماء، وابن وهب. وقال أحمد بن حنبل: النواة: ثلاثة دراهم وثلث. وقال بعض أصحاب مالك: النواة بالمدينة: ربع دينار. وقيل: النواة هنا: هي نوى التمر عينها؛ أي: وزنها. والأول أظهر وأكثر.\nوهذا الحديث وحديث عائشة يدلَاّن على أن الصَّداق لا بد منه، وأن أكثره لا حدَّ له. ولا خلاف فيهما. غير أن المغالاة فيه مكروهةٌ؛ لأنها من باب السَّرف، والتعسير، والمباهاة.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٦٠).\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٣) رواه مسلم (٨٤٦)، وأبو داود (٣٤٤).","vol":"4","page":135},{"text":"لَكَ. أَولِم وَلَو بِشَاةٍ.\nرواه البخاريُّ (٥٠٧٣)، ومسلم (١٤٢٧)، وأبو داود (٢٠٥٤)، والترمذيُّ (١١١٥)، والنسائي (٦/ ١١٤).\n* * *\nــ\nو(قوله: أولم ولو بشاة) ظاهره الوجوب. وبه تمسَّك داود في وجوب الوليمة. وهو أحد قولي الشافعي ومالك. ومشهور مذهب مالك والجمهور: أنها مندوب إليها.\nو(الوليمة): طعام العرس. وطعام البناء: الوكيرة، وطعام الولادة: الخرس، وطعام الختان: إعذار، وطعام القادم: النقيعة. وكلُّ طعام صُنع لدعوةٍ فهو: مأدبة - بضم الدال، وكسرها - قاله القتبي. وسيأتي ذكر الوليمة بأشبع من هذا.\nو(قوله: ولو بشاة) دليلٌ على أن التوسعة في الوليمة أولى وأفضل لمن قدر عليه، وإنَّ أقل ما يوسع به من أراد الاقتصار شاة.\nقال القاضي عياض: ولا خلاف في أنه لا حدَّ لها، ولا توقيت. واختلف السلف في تكرارها زيادة على يومين. فأجازه قومٌ ومنعه آخرون. وقال بعض من أجاز ذلك: إذا دُعِيَ كُلَّ يوم من لم يُدعَ قبله جاز. وكلٌّ كره المباهاة والسمعة.\n* * *","vol":"4","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-540>(١١) باب عِتق الأمةِ وتزويجها وهل يصح أن يجعل العتق صداقا</span>؟\n[١٤٨٠] عَن أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَزَا خَيبَرَ قَالَ: فَصَلَّينَا عِندَهَا صَلَاةَ الغَدَاةِ بِغَلَسٍ، فَرَكِبَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ، وَرَكِبَ أَبُو طَلحَةَ وَأَنَا رَدِيفُ أَبِي طَلحَةَ، فَأَجرَى نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فِي زُقَاقِ خَيبَرَ وَإِنَّ رُكبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ، وَانحَسَرَ الإِزَارُ عَن فَخِذِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ، وَإِنِّي لَأَرَى بَيَاضَ فَخِذِ\nــ\n(١١) ومن باب: عِتق الأمةِ وتزويجها\n(قوله: فانحسر الإزار عن فخذ نبي الله ﷺ) إلى قوله: (وإن ركبتي لتمسُّ فخذه) قد ذكرنا الخلاف في الفخذ: هل هو عورةٌ أم لا؟ وهذا الحديث مما يستدلُّ به من قال: إنه ليس بعورة، وكذلك حديث عائشة ﵂ الذي ذكرت فيه: أنَّ رسول الله ﷺ كان مُضطجعًا في بيتها كاشفًا عن فخذيه، فدخل أبو بكر وعمر -﵄ - وهو كذلك (١). وسيأتي الحديث في مناقب عثمان ﵁.\nوقد عارض هذه الأحاديث ما رواه الترمذي وصححه غيره من حديث جَرهَدٍ، عن أبيه: أن النبي ﷺ مرَّ به وهو كاشف فخذه، فقال: (غط فخذك فإنها من العورة) (٢). قال البخاري: حديث أنس أسند، وحديث جَرهَد أحوط كي يخرج من اختلافهم.\nقلت: وقد يترجّح الأخذ بحديث جَرهَد من وجهٍ آخر، وهو: أن تلك\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٤٠١).\n(٢) رواه الترمذي (٢٧٩٥).","vol":"4","page":137},{"text":"نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا دَخَلَ المدينَةَ قَالَ: اللَّهُ أَكبَرُ خَرِبَت خَيبَرُ إِنَّا إِذَا نَزَلنَا بِسَاحَةِ قَومٍ فَسَاءَ صَبَاحُ المُنذَرِينَ قَالَهَا ثَلَاثَ مرار قَالَ: وَقَد خَرَجَ القَومُ\nــ\nالأحاديث قضايا معيّنة في أوقات وأحوال مخصوصة، يتطرَّق إليها من الاحتمال ما لا يتطرَّق لحديث جرهد، فإنه إعطاء حُكم كلِّيٍّ وتقعيد للقاعدة، فكان أولى.\nبيان ذلك: أن تلك الوقائع تحتمل خصوصية النبي ﷺ بذلك، أو البقاء على البراءة الأصلية؛ إذ كان لم يحكم عليه في ذلك الوقت بشيء، ثم بعد ذلك حكم عليه: بأن الفخذ عورة. ويحتمل حديث أنس أن النبي ﷺ لم يشعر بانكشافه لِهَمِّه بشأن فتح خيبر، إلى غير ذلك من الاحتمالات التي لا يتوجه بشيء (١) منها على حديث جَرهَد، فكان أولى، والله تعالى أعلم.\nوتكبيرُه ﷺ تعظيم لله، وتحقيرٌ لهم، وتشجيع عليهم. وقد تكلَّمنا على معنى الله أكبر في كتاب الحج.\nو(قوله: خربت خيبر) أي: صارت خرابًا منهم. وهل ذلك على حقيقة الخبرية، فيكون ذلك من باب الإخبار عن الغيب، أو على جهة الدُّعاء عليهم، أو على جهة التفاؤل لَمَّا خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم ومرورهم؟ وقد قيل كل ذلك. والأوَّل أولى؛ لقوله ﷺ: (إنَّا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين).\nو(الساحة): الناحية، والجهة. و(ساء): أي: صار سيئًا؛ من السُّوء. و(المنذر): أبلغ الإنذار، وهو التخويف بالإخبار عن المكروه. و(البشارة): الإخبار بالمحبوب. و(الخميس): الجيش؛ سُمِّي بذلك؛ لأنه يقسم خمسة أخماس: القلب، والميمنة، والميسرة، والمقدمة، والساقة. وقيل: لأنه يخمَّس (٢). وليس بشيء؛ لأن هذا أمر مستجد من جهة الشرع، وكان الخميس\n_________\n(١) من (م).\n(٢) أي: تخمَّس فيه الغنائم.","vol":"4","page":138},{"text":"إِلَى أَعمَالِهِم فَقَالُوا: مُحَمَّدٌ وَالخَمِيسُ قَالَ: وَأَصَبنَاهَا عَنوَةً، وَجُمِعَ السَّبيُ، فَجَاءَهُ دِحيَةُ فَقَالَ: يَا نبي اللَّهِ أَعطِنِي جَارِيَةً مِن السَّبيِ فَقَالَ: اذهَب فَخُذ جَارِيَةً فَأَخَذَ صَفِيَّةَ بِنتَ حُيَيٍّ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَعطَيتَ دِحيَةَ صَفِيَّةَ بِنتَ حُيَيٍّ سَيِّدِ قُرَيظَةَ وَالنَّضِيرِ، مَا تَصلُحُ إِلَّا لَكَ قَالَ: ادعُوهُ بِهَا قَالَ: فَجَاءَ بِهَا، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيهَا نَّبِيُّ الله ﷺ قَالَ: خُذ جَارِيَةً مِن السَّبيِ غَيرَهَا قَالَ: وَأَعتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا.\nــ\nاسما للجيش معروفًا قبل ذلك.\nو(المكاتل): القفف والزنابيل. و(المرور): الحبال؛ لأنها تمرُّ؛ أي: تفتل، واحدها: مَرٌّ، كانوا يصعدون بها النخل، وقيل: هي المساحي.\nو(قوله: وأصبناها عنوة) يعني: أوَّل حصونهم، وسيأتي ما افتتح منها عنوة، وما افتتح منها صلحًا.\nو(قوله: فجاء دِحيَةُ فقال: يا رسول الله! أعطني جارية من السبي. فقال: (اذهب فخذ) فأخذ صفية. ثم ذكر استرجاع النبي ﷺ لصفية منه. قد ظنَّ بعض المتكلّمين على هذا الحديث: أن هذه العطية هبةٌ من النبي ﷺ لدحية، فأشكل عليه استرجاعه إيَّاها، فأخذ يعتذر عن هذا بأعذار. وهذا كله ليس بصحيح، ولا يحتاج إليه. وقد أزال إشكال هذه الرواية الروايات الآتية بعد التي ذكر فيها: أن صفية إنّما صارت لدحية في مَقسَمِه، وأن النبي ﷺ اشتراها منه بسبعة أرؤسٍ. وهذه الروايات المتفقة لا إشكال فيها. بل هي رافعة لما يتوهَّم من إشكال غيرها. ويبقى إشكال بين قوله: (خذ جارية من السَّبي) وبين قوله: (وإنها صارت إليه في مَقسَمِه) يزيله تقدير: إنه إنما أراد: (خذ) بطريق القسمة. وفهم ذلك دِحية بقرائن أو تصريح لم ينقله الراوي، فلم يأخذ دِحية شيئًا إلا بالقسمة. ثم إن النبي ﷺ حصل عنده أنها لا تصلح إلا له، من حيث إنها من بيت النبوَّة؛ فإنها من ولد هارون. ومن بيت الرئاسة؛ فإنها بنت سيد قريظة والنضير، مع ما كانت عليه من الجمال المراد","vol":"4","page":139},{"text":"فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ: يَا أَبَا حَمزَةَ مَا أَصدَقَهَا؟ قَالَ: نَفسَهَا أَعتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا،\nــ\nلكمال اللذة الباعثة على كثرة النكاح المؤدية إلى كثرة النسل، وإلى جمال الولد. وهذا من فعله كما قد نبَّه عليه بقوله: (تخيَّروا لنطفكم) (١).\nوأيضًا: فمثل هذه تصلح أن تكون أمًّا للمؤمنين. وحذارِ من أن يظنَّ جاهل برسول الله ﷺ أن الذي حمله على ذلك غلبةُ الشهوة النفسانية، وإيثار اللَّذة الجسمانية؛ فإن ذلك اعتقاد يَجره جهلٌ بحال النبي ﷺ وبأنّه معصوم من مثل ذلك؛ إذ قد أعانه الله تعالى على شيطانه فأسلم، فلا يأمره إلا بخير. وقد نزع الله من قلبه حظَّ الشيطان، حيث شقَّ قلبه، فأخرجه منه، وطهَّره، وملأه حكمة وإيمانًا، كما تقدَّم في الإسراء (٢). وإنما الباعث له على اختيار ما اختاره من أزواجه ما ذكرت لك، وما في معناه، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: أصدقها عتقها، أو نفسها) استدل بهذا طائفةٌ من أهل العلم على جواز جَعل العتق صداقًا. وبه قال الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو يوسف، وروي عن ابن المسيب، والحسن، والنخعي، والزهري. غير أن الشافعي يقول: هي بالخيار إذا أعتقها. فإن امتنعت فله عليها قيمتها. ومنع ذلك آخرون؛ منهم: مالك، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، وزُفر؛ متمسِّكين باستحالة ذلك. ويتقرر ذلك من وجهين:\nأحدهما: أن عقدها على نفسها، إمَّا أن يقع قبل عتقها؛ وهو محال؛ لتناقض الحكمين: الحرَّية، والرِّق. فإن الحرية حكمها الاستقلال، والرِّق حكمه الجبر، وهو عدم الاستقلال. فهما متناقضان. وإمَّا بعد العِتق، وهو أيضًا محال؛ لزوال حكم الجبر عنها بالعتق، فيجوز ألا ترضى، وحينئذ لا تنكح إلا برضاها.\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (١٩٦٨)، والبيهقي (٧/ ١٣٣) وانظر: فتح الباري (٩/ ١٢٥).\n(٢) انظر الحديث عند مسلم برقم (١٦٢/ ٢٦١).","vol":"4","page":140},{"text":"حَتَّى إِذَا كَانَت بِالطَّرِيقِ جَهَّزَتهَا لَهُ أُمُّ سُلَيمٍ فَأَهدَتهَا لَهُ مِن اللَّيلِ،\nــ\nوثانيهما: إنَّا إذا جعلنا العتق صداقًا، فإمَّا أن يتقرر العتق لها حالة رِقِّها، وهو محال؛ لتناقضهما، أو حال حُرِّيتها، وحينئذ يلزم بسبقيته على العقد، فيلزم وجود العتق حال فرض عدمه. وهو محال.\nوبيانه: أنَّ الصَّداق لا بدَّ أن يتقرر تقدمه على الزوج، إمَّا نصًّا، وإمَّا حُكمًا، حتى تملك الزوجة طلبته. وحينئذ يلزم ما ذكرناه، لا يقال يبطل بنكاح التفويض، فإنا قد تحررنا عنه بقولنا: وإمَّا حكمًا. فإنها وإن لم يتعين لها حالة العتق شيء، لكنها تملك مطالبته بالفرض وتعيين الصَّداق، لا سيما على مذهب الشافعي؛ فإن مرجعه عنده إلى صداق المثل في الحياة والموت. فقد ظهر أنها ثبت لها حالة العقد شيء تُطالب به الزّوج، ولا يتأتى مثل ذلك في العتق، فاستحال أن يكون صداقًا. ولَمَّا تقرَّر هذا عند أصحابنا اعتذروا عن قول أنس من أوجه:\nأحدها: إنَّه قوله، وموقوف عليه. والحجة في قول النبي ﷺ.\nوثانيها: إن ظاهر قوله: (أعتقها وتزوَّجها) أنه كان قد أعتقها ثم تزوَّجها بَعدُ. وهذا على ما قدمناه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَروَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ وقوله ﷺ: (أبدأ بما بدأ الله) (١) فبدأ بالصَّفا.\nوثالثها: إن قوله: (أصدقها نفسها) يحتمل أن يكون أنس لَمَّا لم ير صداقًا، وسُئل عنه، قال ذلك. ويعني به: أنه لم يصدقها شيئًا. ويكون هذا من خصوصياته ﷺ.\nورابعها: إنه لو سلم كونه مرفوعًا نصًّا؛ فحينئذ يكون من خصائصه ﷺ في باب النكاح. وقد ظهرت له فيه خصائص كثيرة، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: حتى إذا كانت بالطريق جهّزَتها له أُمُّ سُليم، وأهدتها له من الليل)\n_________\n(١) رواه مسلم (١٢١٨)، وأبو داود (١٩٠٥)، والنسائي (٥/ ١٤٣)، وابن ماجه (٣٠٧٤).","vol":"4","page":141},{"text":"فَأَصبَحَ النَّبِيُّ ﷺ عَرُوسًا فَقَالَ: مَن كَانَ عِندَهُ شَيءٌ فَليَجِئ بِهِ قَالَ: وَبَسَطَ نِطَعًا قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالأَقِطِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالتَّمرِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالسَّمنِ فَحَاسُوا حَيسًا فَكَانَت وَلِيمَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nرواه أحمد (٣/ ١٨٦)، والبخاريُّ (٩٤٧)، ومسلم (١٣٦٥) (٨٤)، والنسائي (١/ ٢٧١).\n[١٤٨١] وعنه قَالَ: صَارَت صَفِيَّةُ لِدِحيَةَ فِي مَقسَمِهِ، وَجَعَلُوا يَمدَحُونَهَا عِندَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: وَيَقُولُونَ: مَا رَأَينَا فِي السَّبيِ مِثلَهَا. قَالَ: فَبَعَثَ إِلَى دِحيَةَ فَأَعطَاهُ بِهَا مَا أَرَادَ.\nوفي رواية: ثُمَّ دَفَعَهَا إِلَى أُمِّي فَقَالَ: أَصلِحِيهَا.\nوفي رواية: فَاشتَرَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَبعَةِ أَرؤُسٍ، ثُمَّ دَفَعَهَا إِلَى أُمِّ سُلَيمٍ تُصَنِّعُهَا، وَتُهَيِّئُهَا له، قَالَ: وَأَحسِبُهُ قَالَ: تَعتَدُّ فِي بَيتِهَا، قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن خَيبَرَ، حَتَّى إِذَا جَعَلَهَا فِي ظَهرِهِ نَزَلَ، ثُمَّ ضَرَبَ عَلَيهَا القُبَّةَ، فَلَمَّا أَصبَحَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن كَانَ عِندَهُ فَضلُ زَادٍ فَليَأتِنَا\nــ\nيعني: طريقَ رجوعه من خيبر إلى المدينة، كما جاء في الرواية الأخرى مفَسَّرًا. وكان بين سبائها وبين دخول النبي ﷺ بها زمان أسلمت فيه، واستبرئت، وأصلح حالها فيه، ثم دخل بها بَعدُ. ولذلك قال أنس في الرواية الأخرى: (ثم دفعها لأُمِّي تُصَنِّعُها، وتُهَيِّئُهَا، وتعتّدُ في بيتها) يعني: في بيت أم أَنس.\nو(قوله: حين أصبح عروسًا: (من كان عنده فضل زاد فليأتنا) دليل على مشروعية الوليمة، وأنَّها بعد الدُّخول. وعلى أنَّ العروس إذا لم يكن له بما يولم، طلب ممن ينبسط معه من أصحابه، ويختصُّ به منهم بما لا يثقل عليهم به مما يخف ويسهل، إذا علم حال أصحابه، وسخاوة أنفسهم بذلك، وطيب قلوبهم.","vol":"4","page":142},{"text":"بِهِ قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِفَضلِ التَّمرِ وَفَضلِ السَّوِيقِ، حَتَّى جَعَلُوا مِن ذَلِكَ سَوَادًا حَيسًا، فَجَعَلُوا يَأكُلُونَ مِن ذَلِكَ الحَيسِ، وَيَشرَبُونَ مِن حِيَاضٍ إِلَى جَنبِهِم مِن مَاءِ السَّمَاءِ. قَالَ أنس: فَكَانَت تِلكَ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيهَا، قَالَ: فَانطلقنَا حَتَّى إِذَا رَأَينَا جُدُرَ المَدِينَةِ هَشِشنَا إِلَيهَا، فَرَفَعنَا مَطِيَّنَا، وَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَطِيَّتَهُ قَالَ: وَصَفِيَّةُ خَلفَهُ قَد\nــ\nو(قوله: فجعل الرجل يجيء بفضل التمر، وفضل السويق، حتى جعلوا من ذلك سوادًا حيسًا) يعني: جاء كل واحد منهم بما فضل عن حاجته مِمَّا كان عنده. وسواد الشيء: شخصه؛ يعني: أنه اجتمع من ذلك ما له جرمٌ وقدرٌ مرتفع عن الأرض. و(الحيس): تمرٌ، وأقط، وسمن مجتمعٌ، وقد تقدَّم.\nو(قوله في الأم (١): (فُحِصَتِ الأرض أفاحيص) أي: كشفت عما يمنع القعود عليها من حجارةٍ، وعُشب، وغير ذلك، وسوِّيت حتى خلص إلى التراب. ومنه: مفحص القطاة، وهو الموضع الذي تتخذه لبيضها. وواحد الأفاحيص: أفحوص.\nو(الأنطاع) جمع: نطع. وفيه أربع لغات: نِطَعٌ، وهي أفصحها. ونِطعٌ، ونَطعٌ، ونَطَعٌ.\nو(قوله: فانطلقنا حتى إذا رأينا جدر المدينة هششنا إليها) أي: اهتززنا فرحًا وسرورًا. وهذه فرحة القادم، السالم، الغانم؛ إذا وصل إلى وطنه وأهله.\nو(قوله: فرفعنا مطينا ورفع رسول الله ﷺ مطيته) أي: أجرينا، ورفعنا السير إلى غايته.\nو(قوله في الأم (٢): (ونَدَرَ رسول الله ﷺ ونَدَرَت) أي: صُرع وصُرعت؛ كما جاء في هذه الرواية مفسَّرًا. وأصل النُّدور: الخروج. ومنه قوله: نوادر الكلام.\n_________\n(١) أي: في صحيح مسلم، رقم الحديث (١٣٦٥/ ٨٧).\n(٢) انظر الحاشية السابقة.","vol":"4","page":143},{"text":"أَردَفَهَا، قَالَ: فَعَثَرَت مَطِيَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَصُرِعَ وَصُرِعَت. قَالَ: فَلَيسَ أَحَدٌ مِن النَّاسِ يَنظُرُ إِلَيهِ وَلَا إِلَيهَا، حَتَّى قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَتَرَهَا قَالَ: فَأَتَينَاهُ فَقَالَ: لَم نُضَرَّ قَالَ: فَدَخَلنَا المَدِينَةَ، فَخَرَجَ جَوَارِي نِسَائِهِ يَتَرَاءَينَهَا، وَيَشمَتنَ بِصَرعَتِهَا.\nوفي رواية، قال: وَقَالَ النَّاسُ: لَا نَدرِي أَتَزَوَّجَهَا أَم اتَّخَذَهَا أُمَّ وَلَدٍ، قَالُوا: إِن حَجَبَهَا فَهِيَ امرَأَتُهُ، وَإِن لَم يَحجُبهَا فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ فَلَمَّا أَرَادَ أَن يَركَبَ حَجَبَهَا فَقَعَدَت عَلَى عَجُزِ البَعِيرِ، فَعَرَفُوا أَنَّهُ قَد تَزَوَّجَهَا، وذكر صرعتها نحوه.\nرواه أحمد (٣/ ١٩٥)، ومسلم (١٣٦٥) (٨٧ و٨٨).\nــ\nوالنَّادر من النَّاس: الخارج عنهم بما فيه من الزيادة عليهم. وكون النَّاس امتنعوا من النظر إليهما إنما كان ذلك احترامًا وإجلالًا أن يقع بصرٌ على عورة منهما، فإنه كان قد انكشف منهما ما يستر. ألا ترى قوله: (فسترها)؟\nو(قوله: لم نُضَرَّ) أي: لم يصبنا ضررٌ؛ إزالة لما غشيهم من التخوِّف عليه، وتسكينًا لنفرتهم، وتطييبًا لقلوبهم.\nو(قوله: فخرج جواري نسائه يتراءينها، ويشمتن بصرعتها) يعني: الصغارَ الأسنان، اللَّواتي لا ثبات لهن ولا حنكة عندهن.\nو(يتراءينها): ينظرن، ويتشوَّفن إليها. (ويشمتن بصرعتها) كأنهن سُرِرن بذلك. وهذا فعلٌ يتضمنه طباع الضرائر ومن يتعصّب لهن.\nو(قولهم: (إن حَجبها فهي امرأته، وإن لم يحجبها فهي أم ولد) هذا يدل على أنه ما كان أبان لهم أمرها، ولا أشهدهم على تزويجها. فيكون فيه دليل على جواز عقد النكاح من غير إشهاد، وبه قال الزهري ومالك، وأهل المدينة،","vol":"4","page":144},{"text":"[١٤٨٢] وعَنه، عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ تَزَوَّجَ صَفِيَّةَ، وَأَصدَقَهَا عِتقَهَا.\nرواه مسلم (١٣٦٥) (٨٥).\n[١٤٨٢/م] وقد تقدم حديث أبي موسى فِي الَّذِي يُعتِقُ جَارِيَتَهُ ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا لَهُ أَجرَانِ.\nرواه أحمد (٤/ ٤١٥)، ومسلم (١٥٤) (٨٦)، والترمذيُّ (٢٣٨٤).\n* * *\nــ\nوأبو ثور، وجماعة من السَّلف. وذهب آخرون: إلى أنَّه لا يجوز إلا بشاهدي عدل. وهو قول جماعة من الصَّحابة، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد. وقال أبو حنيفة مثله، إلا أنه لا يشترط العدد. واتفق الجميع على أنه شرطٌ في الدُّخول.\nوعلى هذا فيكون دخوله ﷺ بصفيّة من غير إشهادٍ من خصائصه.\nولم يختلف أحدٌ من العلماء في أن كل نكاح استسرَّ به وليس فيه شاهدان أنَّه نكاح السرّ المنهيّ عنه، ويُفسخ أبدًا.\nواختلفوا فيما إذا استسرَّ مع الشاهد، فذهب الجمهور إلى أنه ليس بنكاح سرٍّ، ولا يُفسخ. وهو عند مالك نكاح سرٍّ، ويُفسخ.\nو(قوله في حديث أبي موسى في الذي يعتق جاريته ثم يتزوجها: (له أجران) دليلٌ على صحته، وفضيلته، خلافًا لمن كره ذلك من أهل العراق. وشَبَّهَهُ بركوب بدنته. وهو قياسٌ في مقابلة النصّ المذكور، فهو فاسد الوضع، والله تعالى أعلم.\n* * *","vol":"4","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-541>(١٢) باب تزويج زينب ونزول الحجاب</span>\n[١٤٨٣] عَن أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا انقَضَت عِدَّةُ زَينَبَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِزَيدٍ: فَاذكُرهَا عَلَيَّ، فَانطلق زَيدٌ حَتَّى أَتَاهَا وَهِيَ تُخَمِّرُ عَجِينَهَا قَالَ: فَلَمَّا رَأَيتُهَا عَظُمَت فِي صَدرِي حَتَّى مَا أَستَطِيعُ أَن أَنظُرَ إِلَيهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَهَا، فَوَلَّيتُهَا ظَهرِي، وَنَكَصتُ عَلَى عَقِبِي فَقُلتُ:\nــ\n(١٢) ومن باب: تزويج النبي ﷺ زينب ﵂\n(قول أنس: لما انقضت عدَّة زينب) يعني من طلاق زيد بن حارثة؛ الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَإِذ تَقُولُ لِلَّذِي أَنعَمَ اللَّهُ عَلَيهِ وَأَنعَمتَ عَلَيهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيدٌ مِنهَا وَطَرًا زَوَّجنَاكَهَا﴾ الآية. وقد ذكرنا في كتاب الإيمان الصحيح من أقوال العلماء في هذه الآية.\nو(قوله ﷺ لزيد: فاذكرها عليَّ) أي: اخطبها لي. هو امتحان لزيد، وابتلاء له، حتى يظهر صبره، وانقياده، وطوعه.\nو(تخمير العجين): جعل الخمير فيه، وتركه إلى أن يطيب.\nو(قوله: فلمَّا رأيتها عظمت في صدري، حتى ما أستطيع أن أنظر إليها أن رسول الله ﷺ ذكرها) بفتح (أن) لا غير؛ لأنها في معنى: (لأن) أو: من أجل أنَّ. وهي معمولة لـ (عظمت) ومعناه: أنَّه لما خطبها النبي ﷺ وعلم زيدٌ أنّها صالحة لأن تكون من أزواج النبي ﷺ ومن أمّهات المؤمنين؛ حصل لها في نفسه صورة أخرى، وإجلال زائد على ما كان لها عنده في حال كونها زوجته. وتوليته إيَّاها ظهره: مبالغة في التَّحرز من رؤيتها، وصيانة لقلبه من التعلّق بها. على أنَّ الحجاب إذ ذاك لم يكن مشروعًا بَعدُ، على ما يدلّ عليه بقية الخبر.\nو(قوله: ونكصت على عقبي) أي: رجع خلفه، وقهقر إليها حتى سمع","vol":"4","page":146},{"text":"يَا زَينَبُ أَرسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذكُرُكِ قَالَت: مَا أَنَا بِصَانِعَةٍ شَيئًا حَتَّى أُؤَامِرَ رَبِّي، فَقَامَت إِلَى مَسجِدِهَا. وَنَزَلَ القُرآنُ وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَدَخَلَ عَلَيهَا بِغَيرِ إِذنٍ قَالَ: فَقَالَ: وَلَقَد رَأَيتُنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَطعَمَنَا الخُبزَ، وَاللَّحمَ حِينَ امتَدَّ النَّهَارُ، فَخَرَجَ النَّاسُ، وَبَقِيَ رِجَالٌ يَتَحَدَّثُونَ فِي البَيتِ بَعدَ الطَّعَامِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاتَّبَعتُهُ، فَجَعَلَ يَتَبَّعُ حُجَرَ نِسَائِهِ يُسَلِّمُ عَلَيهِنَّ، وَيَقُلنَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيفَ وَجَدتَ أَهلَكَ؟ قَالَ: فَمَا أَدرِي أَنَا أَخبَرتُهُ أَنَّ القَومَ قَد خَرَجُوا، أَو أَخبَرَنِي قَالَ: فَانطلق حَتَّى دَخَلَ البَيتَ\nــ\nحديثها، فلمَّا أخبرها قالت: (حتى أؤامر ربي) أي: أستخيره، وأنظر أمره علي على لسان رسول الله ﷺ فلمَّا وَكَلَت أمرَها إلى الله، وصحَّ تفويضُها إليه؛ تولّى الله تعالى إنكاحها منه ﷺ ولم يحوجها إلى وليٍّ يتولى عقد نكاحها؛ ولذلك قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيدٌ مِنهَا وَطَرًا زَوَّجنَاكَهَا﴾ ولما أعلمه الله تعالى بذلك؛ دخل عليها بغير وليٍّ (١)، ولا تجديد عقد، ولا تقرير صداق، ولا شيء مما يكون شرطًا في حقوقنا، ومشروعًا لنا. وهذا من خصوصياته ﷺ اللاتي لا يشاركه فيها أحدٌ بإجماع المسلمين.\nو(قوله: ولقد رأيتنا أن رسول الله ﷺ أطعمنا الخبز واللحم حين (٢) امتد النهار) أي: ارتفع واشتدَّ ضحاؤه. وهذه الوليمة التي أولم فيها بالشاة، كما جاء في الرواية الأخرى. وفي خروجه من البيت، وترك المتحدثين على حالهم، ولم يهجُهم: ما يدلُّ على كرم أخلاقه، وحسن معاملته، وكثرة حيائه، وإن يتحمل فيه مشقةً ومخالفةَ مقصده.\n_________\n(١) في (ج ٢): إذن.\n(٢) في (ع): حتى.","vol":"4","page":147},{"text":"فَذَهَبتُ أَدخُلُ مَعَهُ، فَأَلقَى السِّترَ بَينِي وَبَينَهُ، وَنَزَلَ الحِجَابُ، قَالَ: وَوُعِظَ القَومُ بِمَا وُعِظُوا بِهِ.\nوفي رواية: فأنزل الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَن يُؤذَنَ لَكُم﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُم كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾\nرواه أحمد (٣/ ١٩٥)، ومسلم (١٤٢٨) (٨٧ م)، والنّسائي (٦/ ٧٩).\nــ\nودورانه على حجر نسائه تفَقُّد لأحوالهن، وجبر لقلوبهن، واستدعاء لما عندهنّ من أحوال قلوبهن؛ لأجل تزويجه؛ ولذلك استلطفنه بقولهن: كيف وجدت أهلك يا رسول الله؟ ! وصدور مثل هذا الكلام عنهن في حال ابتداء اختصاص الضرة الداخلة به يدلُّ على قوة عقولهن، وصبرهن، وحسن معاشرتهنَّ، وإلَاّ فهذا موضع الطيش والخفة للضرائر، لكنَّهنَّ طيِّبَات لطيِّبٍ.\nو(قوله: ونزل الحجاب، ووُعِظ القوم بما وعظوا به) يعني: أنَّه نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَن يُؤذَنَ لَكُم﴾ الآية، كما جاء في الرواية الأخرى.\nو﴿نَاظِرِينَ﴾ منتظرين. و﴿إِنَاهُ﴾: وقتَ نضجه، وهو مقصورٌ، وفيه لغات. يقال: إنًا، وأنًا - بكسر الهمزة وفتحها -، وإناء: بالمد والهمز.\n﴿وَلا مُستَأنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ من الأنس بالشيء، وهو معطوف على ﴿نَاظِرِينَ﴾\n﴿وَاللَّهُ لا يَستَحيِي مِنَ الحَقِّ﴾؛ أي: لا يمتنع من بيانه، وإظهاره.\nو(المتاع): ما يُتمتَّعُ به من العواري والجواري.\nو﴿أَطهَرُ لِقُلُوبِكُم وَقُلُوبِهِنَّ﴾؛ أي: أنقى للشهوة، والرَّيب، وتقولات المنافقين، وأذاهم.\nو(قوله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُم أَن تُؤذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَن تَنكِحُوا أَزوَاجَهُ مِن بَعدِهِ أَبَدًا﴾؛ أي: ما ينبغي، ولا يحل، ولا يجوز شيء من ذلك بوجهٍ من الوجوه.","vol":"4","page":148},{"text":"[١٤٨٤] وعنه قَالَ: مَا رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَولَمَ عَلَى امرَأَةٍ مَا أَولَمَ عَلَى زَينَبَ فَإِنَّهُ ذَبَحَ شَاةً.\nوفي رواية: قال ثابت: ثمَ أَولَمَ؟ قَالَ: أَطعَمَهُم خُبزًا وَلَحمًا حَتَّى تَرَكُوهُ.\nرواه البخاريُّ (٥١٦٨)، ومسلم (١٤٢٨) (٩٠)، وأبو داود (٣٧٤٣)، وابن ماجه (١٩٠٨).\n* * *\nــ\nويقال: إن هذه الآية نزلت لَمَّا قال بعضهم - وقد تكلَّم مع زوجة من زوجات النبي ﷺ: لأتزوجنَّ بها بَعدَه؛ فأنزل الله الآية. وقد حكي هذا القول عن بعض فضلاء الصحابة. وحاشاهم عن مثله. وإنما الكذب في نقله. وإنما يليق مثل هذا القول بالمنافقين الجُهَّال.\nوقد صرَّح أنس في هذا الحديث بأن الحجاب إنما نزل بسبب ما جرى.\nوقد جاء في الصحيح: أن عمر ﵁ كان قد ألَحَّ على النبي ﷺ في أن يحجب نساءه. وكان يقول له: (احجب نساءك، فإنهن يراهن البَرُّ والفاجر). وكان يقول لسودة إذا خرجت: (قد عرفناك (١) يا سودة) حرصًا على الحجاب؛ فأنزل الله تعالى آية الحجاب. ولا بُعدَ في نزول الآية عند اجتماع هذه الأسباب كلّها، والله تعالى أعلم.\n* * *\n_________\n(١) في (ج ٢): رأيناكِ.","vol":"4","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-542>(١٣) باب الهدية للعروس في حال خلوته</span>\n[١٤٨٥] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَدَخَلَ بِأَهلِهِ قَالَ: فَصَنَعَت أُمِّي أُمُّ سُلَيمٍ حَيسًا فَجَعَلَتهُ فِي تَورٍ فَقَالَت: يَا أَنَسُ اذهَب بِهَذَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُل: بَعَثَت بِهَذَا إِلَيكَ أُمِّي، وَهِيَ تُقرِئُكَ السَّلَامَ وَتَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَكَ مِنَّا قَلِيلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَذَهَبتُ بِهَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلتُ: إِنَّ أُمِّي تُقرِئُكَ السَّلَامَ وَتَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَكَ مِنَّا قَلِيلٌ فَقَالَ: ضَعهُ ثُمَّ قَالَ: اذهَب فَادعُ لِي فُلَانًا وَفُلَانًا، وَمَن لَقِيتَ - وَسَمَّى رِجَالًا - قَالَ: فَدَعَوتُ مَن سَمَّى وَمَن لَقِيتُ. قَالَ: قُلتُ لِأَنَسٍ: عَدَدَ كَم كَانُوا؟ قَالَ: زُهَاءَ ثَلَاثِمِائَةٍ وَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا أَنَسُ هَاتِ التَّورَ قَالَ: فَدَخَلُوا حَتَّى امتَلَأَت الصُّفَّةُ وَالحُجرَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\nــ\n(١٣) ومن باب: الهدية للعروس\n(قوله: فدخل بأهله) يعني بالأهل: زينب؛ كما نبَّه البخاري وغيره عليه. و(التَّور): آنية من حجارة كالقَدَح.\nوفيه أبواب من الفقه؛ منها: إدخال السرور على العروس بالإهداء إليه، والقيام عنه ببعض الكلف؛ لكونه مشتغلًا (١) بغيرها. وهو نحو مما يستحبُّ من الإهداء لأهل الميت.\nوفيه: تعيين مرسل الهدية، والاعتذار عن القليل، وإبلاغ السلام، واستدعاء المعيّن وغير المعيّن، وبالواسطة المفوَّض إليه في ذلك. وقد قال بعض علمائنا: إنه إذا لم يُتعيّن المدعو لم تجب عليه إجابة.\nوفيه: ما ظهر من معجزات رسول الله ﷺ ومن بركاته.\nو(قوله: زهاء ثلاثمائة) أي: مقدارها. و(الصُّفَّة): السقيفة. و(الحجرة):\n_________\n(١) في (ج ٢): مشغولًا.","vol":"4","page":150},{"text":"لِيَتَحَلَّق عَشَرَةٌ عَشَرَةٌ، وَليَأكُل كُلُّ إِنسَانٍ مِمَّا يَلِيهِ قَالَ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا قَالَ: فَخَرَجَت طَائِفَةٌ وَدَخَلَت طَائِفَةٌ حَتَّى أَكَلُوا كُلُّهُم، فَقَالَ لِي: يَا أَنَسُ ارفَع قَالَ: فَرَفَعتُ، فَمَا أَدرِي حِينَ وَضَعتُ كَانَ أَكثَرَ أَم حِينَ رَفَعتُ، قَالَ: وَجَلَسَ منهم طَوَائِفُ يَتَحَدَّثُونَ فِي بَيتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَزَوجَتُهُ مُوَلِّيَةٌ وَجهَهَا إِلَى الحَائِطِ، فَثَقُلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وذكر نحوا مما تقدم.\nوفي رواية قال: وَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ عَلَى الطَّعَامِ، فَدَعَا فِيهِ وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَن يَقُولَ، وَلَم أَدَع أَحَدًا لَقِيتُهُ إِلَّا دَعَوتُهُ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا. وذكر نحوه.\nرواه أحمد (١/ ١٨١)، ومسلم (١٤٢٨) (٩٤) و(٩٥)، والنسائيُّ (٦/ ١٣٦).\n* * *\nــ\nالدَّار التي كانت لسكناه. وسميت حجرةً؛ لأنها محجورة؛ أي: محاط بها.\nوفيه من آداب الأكل: بيان أكثر ما يجتمع على القصعة، وهم عشرة. وبيان الأكل مما يلي الآكل؛ إذا كان الطعام نوعًا واحدًا.\nو(قوله: وجلس منهم طوائف يتحدَّثون. . .) إلى آخر ما ذكر في الرواية التي قبل هذه؛ هذا يدلُّ على أن القصَّة في الروايتين واحدة، غير أنَّه ذكر في الأولى: أنَّه أولم بشاة، وأنَّه أطعمهم خبزًا ولحما حتى شبعوا، ولم يذكر فيها آيته في تكثير الطعام، وذكر في هذه الرِّواية: أنَّه أشبعهم من الحَيس الذي بعثت به أم سُلَيم في التور، وفيه كانت الآية. فقال القاضي عياض: هو وَهمٌ من بعض الرِّواة، وتركيب قصة على أخرى.\nقلت: وأولى من هذا أن يقال: إن القضيَّة واحدة، وليس فيها وَهم؛ فإنَّه","vol":"4","page":151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-543>(١٤) باب إجابة دعوة النكاح</span>\n[١٤٨٦] عن ابنَ عُمَرَ قُالُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَجِيبُوا هَذِهِ الدَّعوَةَ إِذَا دُعِيتُم، قَالَ: وَكَانَ عَبدُ اللَّهِ يَأتِي الدَّعوَةَ فِي العُرسِ وَغَيرِ العُرسِ، وَيَأتِيهَا وَهُوَ صَائِمٌ.\nرواه البخاري (٥١٧٩)، ومسلم (١٤٢٩) (١٠٣).\nــ\nيمكن أن يقال: اجتمع في تلك الوليمة الأمران، فأكل قوم الخبز واللحم حتى شبعوا وانصرفوا. ثم إنَّه لما جاءه الحَيس استدعى الناس وجرى ما ذكر. وهذا كلُّه والمتحدِّثون في بيته جلوسٌ لم يبرحوا إلى أن خرج النبي ﷺ ودار على بيوت أزواجه على ما تقدَّم. وليس في تقدير هذا بُعدٌ، ولا تناقض. وإذا أمكن هذا حملناه عليه، وكان أولى من تطريق الوهم للثقات والأثبات، من غير ضرورة تدعو إليه، ولا أمر بيِّنٍ يدلُّ عليه. والله تعالى أعلم.\n(١٤) ومن باب: إجابة دعوة النكاح\n(قوله: أجيبوا هذه الدعوة) قد تقدَّم القول (١) في الوليمة، وفي الأمر بها. والكلام هنا في حكم إجابتها. (الدَّعوة) - بفتح الدال - في الطعام وغيره، والدِّعوة - بالكسر- في النَّسب. ومن العرب من عكس (٢).\nقال عياض: لم يختلف العلماء في وجوب الإجابة في وليمة العرس. واختلفوا فيما عداها. فمالك وجمهورهم على أنها لا تجب. وذهب أهل الظاهر إلى وجوبها في كل دعوة: عرسا كانت أو غيرها.\n_________\n(١) في (ج ٢): الكلام.\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع) و(م) و(ج).","vol":"4","page":152},{"text":"[١٤٨٧] وعَنه أَنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُم إِلَى وَلِيمَةِ عُرسٍ فَليُجِب.\nوفي لفظ آخر: إِذَا دَعَا أَحَدُكُم أَخَاهُ فَليُجِب عُرسًا كَانَ أَو نَحوَهُ.\nوفي رواية: إِذَا دُعِيتُم إِلَى كُرَاعٍ فَأَجِيبُوا.\nرواه البخاريُّ (٥١٧٩)، ومسلم (١٤٢٩) (٩٨ و١٠٠ و١٠٤).\n[١٤٨٨] وعَن جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُم إِلَى طَعَامٍ فَليُجِب، فَإِن شَاءَ طَعِمَ وَإِن شَاءَ تَرَكَ.\nــ\nقلت: ومعتمد أهل الظاهر في التسوية بين الوليمة وغيرها في وجوب إتيان الوليمة وغيرها؛ مُطلق أوامر هذا الباب؛ لقوله: (إذا دعيتم فأجيبوا) (وإذا دعا أحدكم أخاه فليجب، عرسًا كان أو نحوه).\nو(قول أبي هريرة: فقد عصى الله ورسوله). وكأنَّ الجمهور صرفوا هذه المطلقات إلى وليمة العرس؛ لقوله: (أجيبوا هذه الدَّعوة) يعني: وليمة العرس، كما جاء في الرواية الأخرى: (إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس) ويعتضد هذا بالنظر إلى المقصود من الوليمة ومن غيرها. فإنَّ الوليمة يحصل فيها إشاعة النكاح، وإعلانه. وهو مقصود مهمٌّ للشرع. وليس ذلك موجودًا في غيرها، فافترقا.\nوكلُّ هذا: ما لم يكن في الدعوة منكر، فإن كان، فلا يجوز حضورها عند كافة العلماء. وقد شذَّ أبو حنيفة، وبعضهم، فقالوا: بجواز الحضور. فأما لو كان هناك لَعِبٌ مباح، أو مكروهٌ، فالأكثر على جواز الحضور، وعندنا فيه قولان. وكره مالك لأهل الفضل والهيئات التسرع لإجابة الدَّعوات، وحضور مواضع اللهو المباح.\nو(قوله: فإن شاء طعم، وإن شاء ترك) هذا صريح في أن الأكل في الوليمة","vol":"4","page":153},{"text":"رواه مسلم (١٤٣٠)، وأبو داود (٣٧٤٠)، وابن ماجه (١٧٥١).\n[١٤٨٩] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُم فَليُجِب، فَإِن كَانَ صَائِمًا فَليُصَلِّ، وَإِن كَانَ مُفطِرًا فَليَطعَم.\nرواه مسلم (١٤٣١)، وأبو داود (٣٧٤٢)، والترمذيُّ (٧٨١).\n[١٤٩٠] وعَنه أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: بِئسَ الطَّعَامُ طَعَامُ الوَلِيمَةِ يُدعَى لَهِ الأَغنِيَاءُ، وَيُترَكُ المَسَاكِينُ، فَمَن لَم يَأتِ الدَّعوَةَ، فَقَد عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ.\nوفي رواية مرفوعا إلى النبي ﷺ: شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الوَلِيمَةِ يمنعها\nــ\nليس بواجب، وهو مذهب الجمهور. ولأهل الظاهر في الوجوب قولان في الوليمة وغيرها. وقال الشافعي: إذا كان مفطرًا أكل، وإن كان صائمًا دعا، أخذًا بالحديث. ويظهر من هذا: أن الأكل أولى من التَّرك عندهم. وهو الحاصل من مذاهب العلماء؛ لما فيه من إدخال السُّرور، وحسن المعاشرة، وتطييب القلوب، ولما في تركه من نقيض ذلك.\nوهذا كله ما لم يكن في الطعام شبهة، أو تلحق فيه مِنَّة، أو قَارَنَه منكر. فلا يجوز الحضور، ولا الأكل. ولا يختلف فيه.\nو(قوله: إن كان صائمًا فليصل) معناه: فليدع. وهو تأويل الجمهور. وقد جاء مفسَّرًا في بعض الروايات: (فَليَدعُ) مكان (فليُصَلِّ) (١).\nوفيه دليل لمالك على قوله: إن من شرع في الصوم لم يجز له أن يفطر في أضعافه (٢)، على ما تقدَّم في باب الصوم.\nو(قوله: بئس الطعام طعام الوليمة) وفي رواية: (شرُّ الطعام) بدل (بئس).\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٢) أي: في أثناء فترة الصيام.","vol":"4","page":154},{"text":"من يأتيها، ويدعى إليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله.\nرواه البخاريُّ (٥١٧٧)، ومسلم (١٤٣٢)، وأبو داود (٣٧٤٢).\n* * *\nــ\n\nأكثرُ الرواة والأئمة على رواية هذا الحديث موقوفًا على أبي هريرة. وقد انفرد برفعه زياد بن سعد عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: (شرُّ الطَّعام. . .) وذكره. وهو ثقة إمام، وأيضًا فمن وقفه ذكر فيه ما يدلُّ: على أنه مرفوع؛ وذلك أنه قال فيه: (ومن لم يجب الدَّعوة فقد عصى الله ورسوله) (١) وظاهر هذا: الرفعُ؛ لأنَّ الرَّاوي لا يقول مثل هذا من قِبَل نفسه. وقد تبيّن في سياق الحديث أنَّ الجهة التي يكون فيها طعام الوليمة شرُّ الطعام: إنما هي ترك الأَولى. وذلك: أن الفقير هو المحتاج للطعام؛ الذي إن دُعي سارعَ وبادرَ، ومع ذلك فلا يُدعَى. والغنيُّ غير محتاج، ولذلك قد لا يجيب، أو تثقل عليه الإجابة، ومع ذلك فهو يدعى، فكان العكس أولى. وهو: أن يُدعى الفقير، ويُترك الغني. ولا يُفهم من هذا القول - أعني: الحديث -: تحريم ذلك الفعل؛ لأنه لا يقول أحد بتحريم إجابة الدعاء للوليمة فيما علمته؛ وإنما هذا مثل قوله ﷺ: (شرُّ صفوف الرِّجال آخرها، وخيرها أولها، وشرُّ صفوف النساء أولها، وخيرها آخرها) (٢) فإنَّه لم يقل أحد: إن صلاة الرجل في آخر صف حرام، ولا صلاة النساء في أول صف حرام. وإنَّما ذلك من باب ترك الأولى. كما قد يقال عليه: مكروه، وإن لم يكن مطلوب الترك، على ما يُعرَف في الأصول. فإذًا الشرُّ المذكور هنا: قلةُ الثواب والأجر. والخير: كثرة الثواب والأجر.\n_________\n(١) في (ج ٢): ومن لم يأت.\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٣٣٦)، ومسلم (٤٤٠)، وأبو داود (٦٧٨)، والنسائي (٢/ ٩٣).","vol":"4","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-544>(١٥) باب في قوله تعالى: (نساؤكم حرث لكم) الآية وما يقال عند الجماع</span>\n(١٤٣٥) [١٤٩١] عن جَابِرً بن عبد الله قُالُ: كَانَت اليَهُودُ تَقُولُ: إِذَا أَتَى\nــ\nولذلك كره العلماء اختصاص الأغنياء بالدَّعوة. ثم اختلفوا فيمن فعل ذلك: هل تجاب دعوته أم لا؟ فقال ابن مسعود: لا تجاب. ونحوه يحيى بنُ حبيب من أصحابنا (١). وظاهر كلام أبي هريرة وجوب الإجابة. ودعا ابن عمر في وليمة: الأغنياء والفقراء، فأجلس الفقراء على حِدَة؛ وقال: ها هنا، لا تفسدوا عليهم ثيابهم، فإنا سنطعمكم مما يأكلون.\nومقصود هذا الحديث: الحضُّ على دعوة الفقراء، والضعفاء، ولا تقصر الدعوة على الأغنياء، كما يفعل مَن لا مبالاة عنده بالفقراء من أهل الدنيا، والله تعالى أعلم.\n(١٥) ومن باب: قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُم حَرثٌ لَكُم﴾\nحديث جابر هذا نصٌّ على أن هذه الآية نزلت بسبب قول اليهود المذكور فيه. وفي كتاب أبي داود عن ابن عباس: أنها نزلت بسبب أن رجلًا من المهاجرين تزَوَّج أنصارية، فأراد أن يطأها شَرحًا (٢) على عادتهم في وطء نسائهم فأبت إلا على\n_________\n(١) في (ج ٢) زيادة: قال ابن مسعود: نُهينا أن نُجيب ثلاثًا: مَنْ دعا الأغنياء وترك الفقراءَ، ومن يتخذُ طعامَه رياءٌ وسمعةً، ومَنْ يتخذ بيتَه كما تتخذ الكعبة.\n(٢) يقال: شرح فلان زوجته: إذا وطأها مستلقية على قفاها.","vol":"4","page":156},{"text":"الرَّجُلُ امرَأَتَهُ مِن دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا كَانَ الوَلَدُ أَحوَلَ فَنَزَلَت: نِسَاؤُكُم حَرثٌ لَكُم فَأتُوا حَرثَكُم أَنَّى شِئتُم.\nــ\nجنب على عادتهن، فاختصما إلى النبي ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُم حَرثٌ لَكُم فَأتُوا حَرثَكُم أَنَّى شِئتُم﴾ (١)؛ أي: مُقبِلات، ومُدبرات، ومُستلقيات؛ يعني بذلك موضع الولد.\nقلت: هذان سببان مختلفان، لا بُعدَ في نزول الآية جوابًا للفريقين في وقت واحد، وتكرَّر نزول الآية في وقتين مختلفين، كما قد روي عن غير واحد من النقلة في الفاتحة: أنها تكرر نزولها بمكة والمدينة. وقد تمسَّك طائفة بعموم لفظ: ﴿أَنَّى شِئتُم﴾ ورأوا أنَّها متناولة لقُبُلِ المرأة ودُبُرِها. فأجازوا وطء المرأة في دبرها. وممن نُسب إليه هذا القول سعيد بن المسيِّب، ونافع، وابن الماجشون من أصحابنا. وحكي عن مالك في كتاب يُسمَّى: كتاب السرّ، ونسب الكتاب إلى مالك، وحذاق أصحابه ومشايخهم ينكرونه. وقد حكى العُتبِيُّ (٢) إباحة ذلك عن مالك. وأظنه من ذلك الكتاب المنكر نَقل. وقد تواردت روايات أصحاب مالك عنه بإنكار ذلك القول وتكذيبه لمن نقل ذلك عنه. وقد حكينا نصَّ ما نقل عن مالك من ذلك في جزء كتبناه في هذه المسألة سَمَّيناه: إظهار إدبار من أجاز الوطء في الأدبار، وذكرنا فيه غاية أدلة الفريقين، ومتمسكاتهم من الكتاب والسنة على طريقة التحقيق، والتحرير، والنقل، والتحبير. ومن وقف على ذلك قضى منه العَجب العُجاب، وعلم أنه لم يكتب مثله في هذا الباب. وجمهور السلف، والعلماء، وأئمة الفتوى على تحريم ذلك. ثم نقول: لا متمسك للمبُيحين في الآية لأوجه متعددة؛ أقربها ثلاثة أمور:\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢١٦٤).\n(٢) هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن حميد. . الأموي السفياني العتبي القرطبي المالكي، صاحب كتاب \"العُتْبِيَّة\" توفي سنة (٢٥٥ هـ) انظر السِّير (١٢/ ٣٣٥).","vol":"4","page":157},{"text":"زاد في رواية عَن الزُّهرِيِّ إِن شَاءَ مُجَبِّيَةً، وَإِن شَاءَ غَيرَ مُجَبِّيَةٍ غَيرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي صِمَامٍ وَاحِدٍ.\nرواه البخاريُّ (٤٥٢٨)، ومسلم (١٤٣٥)، وأبو داود (٢١٦٣)، والترمذي (٢٩٨٢).\nــ\nأحدها: أنها نزلت جوابًا لما ذكر، فيقتصر على نوع ما نزلت جوابًا له، فإنهم سألوا عن جواز الوطء في الفرج من جهات متعددة، فأجيبوا بجوازه. وأنى على عمومها في جهات المسلك الواحد، لا في المسالك.\nوثانيها: أن قوله تعالى: ﴿فَأتُوا حَرثَكُم أَنَّى شِئتُم﴾ تعيين للقُبُلِ؛ فإنَّه موضع الحَرث، فإنَّ الحرث إنَّما يكون في موضع البذر. وكذلك قال مالك لابن وهب، وعلي بن زياد لَمَّا أخبراه: أن ناسًا بمصر يتحدثون عنه: أنه يجيز ذلك، فنفر من ذلك، وبادر إلى تكذيب الناقل. فقال: كذبوا عليَّ، كذبوا عليَّ، كذبوا عليَّ، ثم قال: ألستم قومًا عربًا؟ ألم يقل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُم حَرثٌ لَكُم﴾؟ وهل يكون الحرث إلا في موضع المنبت؟ ! .\nوثالثها: أنَّه لو سُلِّم أنَّ أَنَّى شاملة للمسالك بحكم عمومها، فهي مخصَصَّةٌ بأحاديث صحيحة، ومشهورة، رواها عن رسول الله ﷺ اثنا عشر صحابيًّا بمتون مختلفة، كلّها متواردةٌ على تحريم وطء النساء في الأدبار. ذكرها أحمد بن حنبل في مسنده، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. وقد جمعها أبو الفرج بن الجوزي بطرقها في جزء سَمَّاه: تحريم المحل المكروه. ومن أراد في هذه المسألة زيادة على ما ذكرناه فليطالع الجزء المذكور؛ الذي ألَّفناه.\nو(قوله: مُجبيَةً وغير مُجبيَةٍ) أي: على وجهها. وقد يقال: (مجبية) على ما إذا وضعت يديها على ركبتيها؛ حكاهما أبو عبيد.\nو(قوله: غير أن ذلك في صمام واحد) -بالصاد المهملة -؛ أي: في جُحرٍ","vol":"4","page":158},{"text":"[١٤٩٢] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَو أَنَّ أَحَدَهُم إِذَا أَرَادَ أَن يَأتِيَ أَهلَهُ قَالَ: بِسمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبنَا الشَّيطَانَ، وَجَنِّب الشَّيطَانَ مَا رَزَقتَنَا، فَإِنَّهُ إِن يُقَدَّر بَينَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ لَم يَضُرَّهُ شَيطَانٌ أَبَدًا.\nرواه أحمد (١/ ٢٨٦)، والبخاريُّ (١٤١) و(٣٢٨٣)، ومسلم (١٤٣٤)، وأبو داود (٢١٦١)، والترمذيُّ (١٠٩٢)، والنَّسائي في عمل اليوم والليلة (٢٦٦)، وابن ماجه (١٩١٩).\n* * *\nــ\nواحدٍ؛ يعني به: القُبُل. وأصل الصمام هو: ما تسدُّ به القارورة.\nو(قوله: لو أن أحدهم إذا أتى أهله. . .) وذكر الحديث إلى قوله: (لم يضُرَّهُ شيطان أبدًا) قيل: معنى لم يضره: لم يصرَعه الشيطانُ. وقيل: لا يطعن فيه الشيطان عند ولادته، ويطعن في خاصرةِ مَن لا يقال له ذلك.\nقال القاضي: ولم يحمله أحد على العموم في جميع الضرر والإغواء والوسوسة.\nقلت: أمَّا قصره على الصرع وحده، فليس بشيء؛ لأنه تَحَكُّمٌ بغير دليل، مع صلاحية اللفظ له ولغيره. وأمَّا القول الثاني ففاسدٌ بدليل قوله ﷺ: (كل مولود يطعن الشيطان في خاصرته إلا ابن مريم، فإنَّه جاء يريد أن يطعنه فطعن في الحجاب) (١) هذا يدلُّ على أن الناجي من هذا الطعن إنما هو عيسى وحده ﵇؛ وذلك لخصوص دعوة أم مريم، حيث قالت: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ﴾ ثم إن طعنه ليس بضرر، ألا ترى أنه قد طعن كثيرًا من الأولياء والأنبياء، ولم يضرهم ذلك. ومقصود هذا الحديث - والله تعالى أعلم -: أنَّ الولد الذي يقال له ذلك يُحفَظُ من إضلال الشيطان وإغوائه، ولا يكون للشيطان عليه\n_________\n(١) رواه ابن عدي في الكامل (٦/ ٢٣٥٤).","vol":"4","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-545>(١٦) باب تحريم امتناع المرأة على زوجها إذا أرادها، ونشر أحدهما سر الآخر</span>\n[١٤٩٣] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا مِن رَجُلٍ يَدعُو امرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهَا، فَتَأبَى عَلَيهِ إِلَّا كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيهَا، حَتَّى يَرضَى عَنهَا.\nــ\nسلطان؛ لأنه يكون من جملة العباد المحفوظين، المذكورين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِم سُلطَانٌ﴾ وذلك ببركة نيَّة الأبوين الصالحين، وبركة اسم الله تعالى، والتعوُّذ به، والالتجاء إليه. وكأنَّ هذا شِوب (١) من قول أم مريم: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ﴾ ولا يُفهم من هذا نفي وسوسته، وتشعيثه، وصرعه. فقد يكون كلُّ ذلك، ويحفظ الله تعالى ذلك الولد من ضرره في: قلبه، ودينه، وعاقبة أمره، والله تعالى أعلم.\n(١٦) ومن باب: تحريم امتناع المرأة على زوجها\n(قوله: والذي نفسي بيده) هو قسم بالله تعالى؛ أي: والذي هو مالك نفسي، أو قادرٌ عليها. ففيه دليل: على أن الحلف بالألفاظ المبهمة المراد بها: اسم الله تعالى، يمين جائزة، حكمها حكم الأسماء الصريحة على ما يأتي.\nو(قوله: ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها، فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها) دليل على تحريم امتناع المرأة على زوجها إذا أرادها. ولا خلاف فيه، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ والمرأة في ذلك بخلاف الرَّجل، فلو دعت المرأة زوجها إلى ذلك لم يجب عليه\n_________\n(١) في (ع): أُشرب، وكلاهما بمعنى: المزج والخلط.","vol":"4","page":160},{"text":"وفي لفظ آخر: إِذَا بَاتَت المَرأَةُ هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوجِهَا لَعَنَتهَا المَلَائِكَةُ حَتَّى تُصبِحَ.\nرواه البخاري (٥١٩٣)، ومسلم (١٤٣٦)، وأبو داود (٢١٤١)، والنسائي (٨٤) في عشرة النساء.\n[١٤٩٤] وعن أَبي سَعِيدٍ الخدري قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ مِن شَرِّ النَّاسِ عِندَ اللَّهِ مَنزِلَةً يَومَ القِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفضِي إِلَى امرَأَتِهِ، وَتُفضِي إِلَيهِ، ثُمَّ يَنشُرُ سِرَّهَا.\nــ\nإجابتها، إلَاّ أن يقصد بالامتناع مضارَّتها، فيحرم عليه ذلك. والفرق بينهما: أن الرَّجل هو الذي ابتغى بماله، فهو المالك للبضع. والدرجة التي له عليها هي السلطنة التي له بسبب ملكه. وأيضًا: فقد لا ينشطُ الرَّجل في وقت تَدعُوه، فلا ينتشر، ولا يتهيأ له ذلك، بخلاف المرأة.\nو(قوله: الذي في السماء) ظاهره: أن المراد به: الله تعالى؛ ويكون معناه بمعنى قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُم مَن فِي السَّمَاءِ﴾ وقد تكلمنا عليه في كتاب الصلاة. ويحتمل أن يراد به هنا: الملائكة. كما جاء في الرواية الأخرى: (إلا لعنتها الملائكة حتى تُصبح).\nو(قوله: إن من شرِّ النَّاس منزلة الرَّجل يفضي إلى امرأته، ثم ينشر سرها) وقد تقدَّم الكلام على لفظي (شر) و(خير) وأنهما يكونان للمفاضلة، وغيرها. و(شر) هنا للمفاضلة؛ بمعنى: (أشر) وهو أصلها. و(من) هنا: زائدة على (شر).\nو(يفضي): يصل، وهو كناية عن الجماع، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَد أَفضَى بَعضُكُم إِلَى بَعضٍ﴾ و(سرّها): نكاحها، كما قال (١):\n_________\n(١) هو الأعشى.","vol":"4","page":161},{"text":"وفي لفظ آخر: إِنَّ مِن أَعظَمِ الأمانَةِ عِندَ اللَّهِ يَومَ القِيَامَةِ الرَّجُلَ. . . ثم ذكره.\nوفي رواية: إِنَّ أَعظَمِ. بإسقاط من.\nرواه مسلم (١٤٣٧) (١٢٣) و(١٢٤)، وأبو داود (٤٨٧٠).\nــ\nولا تنظرنَّ جارةً إنَّ سِرَّها ... عليك حرامٌ فانكِحَن أو تَأَبَّدا\nوكني به عن النكاح لأنه يفعل في السرّ.\nومقصود هذا الحديث هو: أن الرجل له مع أهله خلوة، وحالة يَقبُحُ ذِكرُها، والتحدُّث بها، وتحمل الغيرة على سترها، ويلزم من كشفها عار عند أهل المروءة والحياء. فإن تكلم بشيء من ذلك، وأبداه، كان قد كشف عورة نفسه وزوجته؛ إذ لا فرق بين كشفها للعيان، وكشفها للأسماع والآذان؛ إذ كل واحد منهما يحصل به الاطلاع على العورة، ولذلك قال ﷺ: (لا تعمد المرأة فتصف المرأة لزوجها، حتى كأنّه ينظر إليها) (١) فإن دعت حاجة إلى ذِكر شيء من ذلك، فليذكره مبهمًا، غير مُعَيّنٍ، بحسب الحاجة والضرورة، كما قال ﷺ: (فعلتُه أنا وهذه) (٢) وكقوله: (هل أعرستم الليلة؟) (٣) وكقوله: (كيف وجدت أهلك؟) والتصريح بذلك وتفصيله ليس من مكارم الأخلاق، ولا من خصال أهل الدين.\nو(قوله: إن أعظم الأمانة) أي: أوكد، وأكبر في مقصود الشرع. و(الأمانة) للجنس؛ أي: الأمانات. وقد تقدَّم: أن الأمانة ما يُوكل إلى حفظ\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٣٨٠ و٤٦٠).\n(٢) رواه البخاري تعليقًا (٩/ ٣٤٤)، ومسلم (٢١٤٤/ ٢٣).\n(٣) رواه البخاري (٥٤٧٥) ومسلم (٢١٤٤) (٣).","vol":"4","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-546>(١٧) باب في العزل عن المرأة</span>\n[١٤٩٥] عن أَبي سَعِيدٍ الخدري قال: غَزَونَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزوَةَ بَلمُصطلق،\nــ\nالإنسان، وقيامه به. وقد سقطت (من) في إحدى الروايتين. والصواب: إثباتها؛ فإنَّها تُفيد: أنَّ هذه الأمانة من جنس الأمانات العظيمة، وهو صحيح. وإسقاطها يشعر: بأن هذه الأمانة أعظم الأمانات كلها، وليس بصحيح، فإن الأمانة على صحيح الإيمان أعظم. وكذلك على الطهارة وغيرها مما يؤتمن عليه الإنسان من خفي الأعمال.\n(١٧) ومن باب: العزل\n(قوله: بَلمُصطلق) أي: بنو المصطلق، كما قالوا: بلعنبر. قال أبو عمر: بنو المصطلق: قومٌ من خزاعة، كانت الوقعة بهم في موضع يقال له: المريسيع من نحو قُديد، في سنة ست من الهجرة. وتعرف هذه الغزوة بـ (غزوة بني المصطلق) وبـ (غزوة المريسيع). قال: وقد روى هذا الحديث موسى بن عقبة، عن ابن مُحيريز، عن أبي سعيد، قال: (أصبنا سَبيًا من سبي أوطاس). قال: وهو سبي هوازن. وكان ذلك يوم حنين في سنة ثمانٍ من الهجرة. قال: فوهم ابن عقبة في ذلك والله تعالى أعلم. قال: وقد رواه أبو إسحاق السبيعي، عن أبي الودَّاك، عن أبي سعيد قال: لما أصبنا سبي حنين سألنا رسول الله ﷺ عن العزل. فقال: (ليس من كل الماء يكون الولد. . .) الحديث.\nقلت: الذي ذكره مسلم في كتابه عن علي بن أبي طلحة، عن أبي الودَّاك، عن أبي سعيد في هذا الحديث: سئل رسول الله ﷺ عن العزل فقال: (ليس من كل","vol":"4","page":163},{"text":"فَسَبَينَا كَرَائِمَ العَرَبِ، فَطَالَت عَلَينَا العُزبَةُ، وَرَغِبنَا فِي الفِدَاءِ،\nــ\nالماء يكون الولد). ولم يذكر فيه سبي (١) حنين، ولا غيره. وكذلك ما ذكره أبو عمر من رواية ابن عقبة عن ابن محيريز ذكره مسلم أيضًا، ولم يذكر فيه: (مِن سَبِي أوطاس) ولا غيره. وإنما ذكر مسلم (يوم أوطاس) في حديث أبي علقمة الهاشمي، عن أبي سعيد في قضية تحرُّج أصحابه من وطء المسبيات، من أجل أزواجهنَّ على ما يأتي، وهي قصة أخرى، في زمان آخر غير زمان بني المصطلق.\nوالصَّحيح في الحديث الأ ل رواية من رواه: (بني المصطلق) والله تعالى أعلم.\nو(قوله: فسبينا كرائم العرب) أي: كبراءَهم، وخيارَهُم. جمع كريمة. وبنو المصطلق وثنيون بلا شك.\nو(قوله: فطالت علينا العزبة) أي: لتعذُّر النكاح عليهم عند تعذُّر أسبابه، لا لطول إقامتهم في تلك الغزوة، فإن غيبتهم فيها عن المدينة لم تكن طويلة.\nو(قوله: ورغبنا في الفداء) أي: في أخذ المال عوضًا عنهن. يقال: (فدى أسيره): إذا دفع فيه مالًا وأخذه. و(فاداه): إذا دفع فيه رجلًا؛ على ما حكاه أبو عمر.\nوظاهر هذا: جواز إقدامهم على وطء المسبيات الوثنيات من غير أن يُسلِمنَ. وإنَّما توقفوا في وطئهن مخافة أن يَحمَلنَ منهم. فيتعذر فداؤهن؛ لأجل حملهن؛ فسألوا: هل يجوز لهم العزل؟ فأُجيبوا في العزل. وسكت لهم عن وطئهن في حال شركهن.\nوبهذا الظاهر اغتَّر قومٌ فقالوا بجواز الوثنيات، والمجوسيات بالمِلك، وإن لم يُسلمن. وإليه ذهب طاوس وسعيد بن المسيب. واختلف في ذلك عن عطاء، ومجاهد.\nويَرِدُّ هذا القول قوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا المُشرِكَاتِ حَتَّى يُؤمِنَّ﴾ وإلى التمسُّك بعموم هذه الآية صار جمهور العلماء. ولم يُعوِّلوا على ما ظهر من هذا الحديث، ورأوا أنَّ ذلك محمول على جواز وطء من أسلم\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"4","page":164},{"text":"فَأَرَدنَا أَن نَستَمتِعَ، وَنَعزِلَ فَقُلنَا: نَفعَلُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَينَ أَظهُرِنَا لَا نَسأَلُهُ؟\nــ\nمنهن، وأن الفداء المُتخوَّف مِن فَوتِه بوطئهنَّ إنما هو أثمانهن.\nوقد دلَّ على صحة هذا التأويل نصُّ ما جاء في رواية الزهري عن ابن محيريز، عن أبي سعيد قال: (جاء رجلٌ من الأنصار، فقال: يا رسول الله! إنَّا نصيب سبيًا، ونحب الأثمان، فكيف بالعزل؟) وَوَجهُ تخوّفهم من فوات الثمن بالوطء: أنهنَّ إذا حملنَ؛ لم يصح لهم بيعهنّ لكونهنّ حوامل من ساداتهن. وأمَّا بعد انفصال حملهن؛ فلكونهنّ أمهات أولادٍ، على ما صار إليه الجمهور، على ما يأتي إن شاء الله تعالى.\nثم إنَّا نقول: لو سلَّمنا أن ظاهر ذلك الحديث جواز الإقدام على وطء المسبيَّات من غير إسلام، لزم منه جواز الإقدام على وطئهنَّ من غير استبراء، ومع وجود الحمل البيِّن، وهو ممنوع اتفاقًا، فيلزم المنعُ من الوطء؛ لاستوائهما في الظهور.\nوأيضًا: فكما نعلم قطعًا أنهم كانوا لا يقدمون على وطء فرج لا تتحقَّقُ حلِّيته، فكذلك نعلم: أنهم لا بدَّ لهم من استبراءٍ وإسلام. وإن كان الراوي قد سكت عنه. وسكوت الراوي؛ إمَّا للعلم بها. وإمَّا لأنَّ الكلام يُجمل في غير مقصود، ويُفَصَّلُ في مقصوده.\nوالذي يزيح الإشكال ويرفعه جملة واحدة ما رواه عبد الرزاق بإسناده عن الحسن قال: (كنَّا نغزو مع أصحاب رسول الله ﷺ، فإذا أراد أحدهم أن يصيب الجارية من الفيء أمرها فغسلت ثيابها، واغتسلت، ثم علَّمها الإسلام، وأمرها بالصَّلاة، واستبرأها بحيضة، ثم أصابها) (١).\nوكذلك روى عبد الرزاق أيضًا عن سفيان الثوري: أنه قال: (السُّنَّة ألَاّ يقع أحدٌ على مشركة حتى تُصلي ويستبرئها، وتغتسل).\nوهذه أدلَّة تدلُّ على صحة ما اخترناه، والموفق الإله.\nو(قوله: فأردنا أن نستمتع ونعزل) وفي الرواية الأخرى: (فكنَّا نعزل)\n_________\n(١) رواه عبد الرزاق (٧/ ١٥٨).","vol":"4","page":165},{"text":"فَسَأَلنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لَا عَلَيكُم أَلَا تَفعَلُوا، مَا كَتَبَ اللَّهُ خَلقَ نَسَمَةٍ هِيَ كَائِنَةٌ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ، إِلَّا سَتَكُونُ.\nوفي رواية: لَا عَلَيكُم ألَا تَفعَلُوا، فَإِنَّمَا هُوَ القَدَرُ. قال محمد بن المثنى: لا عليكم. أقرب إلى النهي.\nرواه أحمد (٣/ ٦٨)، والبخاريُّ (٢٥٤٢)، ومسلم (١٤٣٨) (١٢٥)، وأبو داود (٢١٧٢).\nــ\nيعني: أنَّ منهم من وقع سؤاله قبل أن يعزل، ومنهم من وقع سؤاله بعد أن عزل. ويحتمل أن يكون معنى: (كنا نعزل) أي: عَزَمنا على ذلك. فيرجع معناها إلى الأولى.\nو(قوله: وقد سئل عن العزل: لا عليكم ألَاّ تفعلوا). العَزلُ: هو أن يُنَحِّي الرَّجلُ ماءه عند الجماع عن الرَّحم، فيلقيه خارجه. والذي حرَّكهم للسؤال عنه: أنهم خافوا أن يكون مُحَرَّمًا؛ لأنَّه قطعٌ للنَّسل، ولذلك أطلق عليه: الوأد الخفي.\nواختلف في قوله: (لا عليكم ألَاّ تفعلوا) ففهمت طائفةٌ منه: النهي والزجر عن العزل؛ كما حُكي عن الحسن، ومحمد بن المثنى. وكأنَّ هؤلاء فهموا من (لا) النهي عما سئل عنه، وحذف بعد قوله: (لا) فكأنَّه قال: لا تعزلوا، وعليكم ألَاّ تفعلوا. تأكيدا لذلك النهي. وفهمت طائفة أخرى منها الإباحة، وكأنَّها جعلت جواب السؤال قوله: (لا عليكم ألا تفعلوا) أي: ليس عليكم جناح في أن لا تفعلوا.\nوهذا التأويل أولى بدليل قوله: (ما من نسمة كائنة إلا ستكون) وبقوله: (لا عليكم ألَاّ تفعلوا، فإنما هو القدر) وبقوله: (إذا أراد الله خلق الشيء لم يمنعه شيء) وهذه الألفاظ كلها مصرَّحة بأنَّ العزل لا يَرُدُّ القَدَرَ، ولا يضره. فكأنه قال: لا بأس به. وبهذا تمسَّك من رأى إباحة العزل مطلقا عن الزوجة والسُّرِّيَّة، وبه قال كثير من الصحابة، والتابعين، والفقهاء. وقد كرهه آخرون من الصَّحابة وغيرهم","vol":"4","page":166},{"text":"[١٤٩٦] وعَنه قَالَ: أَصَبنَا سَبَايَا فَكُنَّا نَعزِلُ، ثُمَّ سَأَلنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَن ذَلِكَ. فَقَالَ لَنَا: وَإِنَّكُم لَتَفعَلُونَ؟ وَإِنَّكُم لَتَفعَلُونَ؟ (ثلاثا) مَا مِن نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ إِلَّا هِيَ كَائِنَةٌ.\nرواه مسلم (١٤٣٨) (١٢٧).\nــ\nمتمسّكين بالطريقة المتقدمة. وبقوله ﷺ: (ذلك الوأد الخفيّ) (١).\nقلت: وتشبيه العزل بالوأد المُحَرَّم يقتضي أن يكون محرمًا. ووجه التشبيه بينهما: أنهم كانوا في الجاهلية يدفنون البنات أحياء، يقتلونهن بذلك؛ خشية المعَرَّة، ومنهم من كان يفعل ذلك بالإناث والذكور خشية الفقر. كما هو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلا تَقتُلُوا أَولادَكُم خَشيَةَ إِملاقٍ﴾ والإملاق: الفقر؛ على أنَّه قد قيل: إن الأولاد هنا هم البنات. فإذًا الوأد: رفع الموجود والنسل. والعزل: مَنع أصل النَّسل. فتشابها، إلَاّ أن قتل النفس أعظم وزرًا، وأقبح فعلًا؛ ولذلك قال بعض علمائنا: إنه يفهم من قوله ﷺ في العزل: (إنه الوأد الخفي): الكراهة، لا التحريم.\nوذهب مالك والشافعي: إلى أن العزل عن الحرَّة لا يجوز إلا بإذنها. وكأنهم رأوا: أن الإنزال من تمام لذتها، ومن حقها في الولد، ولم يريا ذلك في الموطوءة بالمِلك، فله أن يعزل عنها بغير إذنها؛ إذ لا حقَّ لها في شيء مما ذكر.\nقلت: ويمكن على هذا المذهب الثالث أن يجمع بين الأحاديث المتعارضة في ذلك. فتُصيَّر الأحاديث التي يُفهم منها المنع: إلى الزوجة الحُرَّة، إذا لم تأذن، والتي يُفهم منها الإباحة إلى الأمةِ والزوجة، إذا أَذِنت. فيصحّ الجميع، ويرتفع التعارض، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: وإنكم لتفعلون - ثلاثا -) ظاهره: الإنكار، والزَّجر. غير أنَّه\n_________\n(١) رواه أحمد (٦/ ٣٦١ و٤٣٤)، ومسلم (١٤٤٢)، وابن ماجه (٢٠١١).","vol":"4","page":167},{"text":"[١٤٩٧] وعنه قَالَ: ذُكِرَ العَزلُ عِندَ رسول الله ﷺ قَالَ: وَمَا ذَاكُم؟ قَالُوا: الرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ المَرأَةُ تُرضِعُ له، فَيُصِيبُ مِنهَا، وَيَكرَهُ أَن تَحمِلَ مِنهُ، وَالرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ الأمةُ فَيُصِيبُ مِنهَا، وَيَكرَهُ أَن تَحمِلَ مِنهُ. قَالَ: فَلَا عَلَيكُم أَلَا تَفعَلُوا، فَإِنَّمَا هُوَ القَدَرُ قَالَ الحَسَنَ: وَاللَّهِ لَكَأَنَّ هَذَا زَجرٌ.\nرواه مسلم (١٤٣٨) (١٣١).\n[١٤٩٨] وعنه قَالَ: ذُكِرَ العَزلُ لرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: وَلِمَ يَفعَلُ ذَلِكَ أَحَدُكُم؟ (وَلَم يَقُل: فَلَا يَفعَل ذَلِكَ أَحَدُكُم) فَإِنَّهُ لَيسَت نَفسٌ مَخلُوقَةٌ إِلَّا اللَّهُ خَالِقُهَا.\nرواه مسلم (١٤٣٨) (١٣٢).\nــ\nيضعفه قوله: (ما من نسمة كائنة إلا هي كائنة) على ما قررناه آنفًا، فإذًا معناه: الاستبعاد لفعلهم له؛ بدليل ما جاء في الرواية الأخرى: (ولِمَ يفعل ذلك أحدكم؟). قال الراوي: ولم يقل: فلا يفعل ذلك أحدكم. ففهم: أنَّه ليس بنهيٍ، وهو أعلم بالمقال، وأقعد بالحال.\nو(قولهم: الرَّجل تكون له المرأة تُرضِعُ فيصيبُ منها، ويكره أن تحمل منه، والرجل تكون له الأمة، فيصيب منها، ويكره أن تحمل منه (١)؛ دليل على أن قوله: (فلا عليكم ألَاّ تفعلوا) إنما خرج جوابًا عن سؤالين: العزل عن الحرَّة، وعن الأمة، فلا بُعَدُ أن يذكر الراوي في وقت أحد السؤالين، ويسكت عن الآخر، ويذكرهما جميعًا في وقت آخر، كما قد جاء في هذه الروايات. ولا يُعَدُّ مثل هذا اضطرابًا.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ل ١).","vol":"4","page":168},{"text":"[١٤٩٩] وعنه قُالُ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن العَزلِ فَقَالَ: مَا مِن كُلِّ المَاءِ يَكُونُ الوَلَدُ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ خَلقَ شَيءٍ لَم يَمنَعهُ شَيءٌ.\nرواه مسلم (١٤٣٨) (١٣٣).\n[١٥٠٠] وعَن جَابِرٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ لِي جَارِيَةً هِيَ خَادِمُنَا وَسَانِيَتُنَا، وَأَنَا أَطُوفُ عَلَيهَا، وَأَنَا أَكرَهُ أَن تَحمِلَ. فَقَالَ: اعزِل عَنهَا إِن شِئتَ، فَإِنَّهُ سَيَأتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا. فَلَبِثَ الرَّجُلُ، ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ الجَارِيَةَ قَد حَملَت. فَقَالَ: قَد أَخبَرتُكَ أَنَّهُ سَيَأتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا.\nــ\nو(قوله: ما من كل الماء يكون الولد) يعني: أنّه ينعقد الولد في الرَّحم من جزءٍ من الماء، لا يشعر العازلُ بخروجه؛ فيظنَّ أنَّه قد عزلَ كلَّ الماء، وهو إنما عزل بعضه، فيخلق الله الولد (١) من ذلك الجزء اللطيف الذي بادر بالخروج (٢).\nو(قوله في حديث جابر ﵁: (إن لي جارية هي خادمنا، وسانِيَتُنَا) هكذا مشهور الرواية عند كافة الرواة. ويعني بالسَّانية: المستقية للماء. يقال: سنت الدَّابة، فهي سانية: إذا استُقيَ عليها. وعند ابن الحذَّاء: (سايستنا): اسم فاعل من: ساس الفرس، يسوسه: إذا خدمه.\nو(قوله: اعزل عنها إن شئت) نصٌّ في إباحة العزل. وهو حجة لمالك، ولمن قال بقوله على ما تقدَّم.\nو(قوله ﷺ عندما قيل له: إن الجارية قد حملت: (قد أخبرتُك أنَّه سيأتيها ما قدَّر لها) دليل على إلحاق الولد بمن اعترف بالوطء، وادَّعى العزل في الحرائر والإماء. وسبَبُه انفلاتُ الماء، ولا يشعر به العازلُ. ولم يُختلف عندنا في ذلك إذا\n_________\n(١) في (ل ١): فيُخْلَقُ الولدُ.\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"4","page":169},{"text":"وفي رواية: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَنَا عَبدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ.\nرواه مسلم (١٤٣٩)، وأبو داود (٢١٧٣).\n[١٥٠١] وعَنه قَالَ: كُنَّا نَعزِلُ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ، فَلَم يَنهَنَا.\nرواه أحمد (٣/ ٣٧٧)، والبخاريُّ (٥٢٠٧)، ومسلم (١٤٤٠) (١٣٨)، والترمذي (١١٣٧).\n* * *\nــ\nكان الوطء في الفَرج، فإن كان في غير الفرج مِمَّا يقاربه، أو كان العزل البيِّن؛ الذي لا شك فيه لم يلحق. وفيه حجة: على كون الأمة فراشًا إذا كان الوطء.\nو(قوله: أنا عبد الله ورسوله) تنبيه منه على صدقه وصحّة رسالته؛ كما قال عند تكثير الطَّعام: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأنِّي رسول الله) (١).\nوقول جابر ﵁: (كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ فبلغ ذلك نبي الله ﷺ فلم ينهنا) حجة واضحة على إباحة العزل مطلقا، ولكن مَحمله على ما إذا لم يعارضه حقُّ الزوجة كما ذكرنا، والله تعالى أعلم.\n* * *\n_________\n(١) رواه مسلم (٤٤).","vol":"4","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-547>(١٨) باب تحريم وطء الحامل من غيره حتى تضع، وذكر الغيل</span>\n[١٥٠٢] عَن أَبِي الدَّردَاءِ، عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَتَى بِامرَأَةٍ مُجِحٍّ عَلَى بَابِ فُسطَاطٍ فَقَالَ: لَعَلَّهُ يُرِيدُ أَن يُلِمَّ بِهَا؟ فَقَالُوا: نَعَم، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَقَد هَمَمتُ أَن أَلعَنَهُ لَعنًا يَدخُلُ مَعَهُ قَبرَهُ،\nــ\n(١٨) ومن باب: تحريم وطء الحامل المسبيَّة\n(قوله: أنَّه ﷺ أتى بامرأة، مُجِحٍّ) روايتنا فيه: (أتَى) - بفتح الهمزة والتاء -، على أنَّه فعل ماض؛ بمعنى: جاز، ومرَّ. و(مُجِحٍّ) - بضم الميم، وكسر الجيم، وتشديد الحاء المهملة -، وهي: المرأة (١) التي قربت ولادتها. و(الفسطاط): خِباءٌ صغير. وفيه لغتان: فَسطاط وفُسطاط.\nو(قوله: لعلَّه يريد أن يُلِمَّ بها؟) كناية عن إصابتها. وأصل الإلمام: النزول، كما قال:\nمتى تأتنا تُلمم بنا في دِيارنا ... تجد خير نار عندها خير مُوقِد (٢)\nو(قوله: لقد هممت أن ألعنه لعنًا يدخل معه قبره) هذا وعيدٌ شديدٌ على وطء الحبالى حتى يضعنَ. وهو دليل على تحريم ذلك مطلقا، سواء كان الحمل من وطء صحيح، أو فاسد، أو زنا. فإنَّه ﷺ لم يستفصل عن سبب الحمل، ولا ذكر أنه يختلف حكمه. وهذا موضع لا يصحُّ فيه تأخير البيان. وإلى الأخذ بظاهر هذا ذهب جماهير العلماء، غير أن القاضي عياضا قال في المرأة تزني\n_________\n(١) في (ج ٢): الحامل.\n(٢) البيت في اللسان للحطيئة، وصدره: متى تأته تعشو إلى ضوء ناره.","vol":"4","page":171},{"text":"كَيفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟ كَيفَ يَستَخدِمُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟ .\nرواه أحمد (٦/ ٤٤٦)، ومسلم (١٤٤١).\nــ\nفتحمل، ويتبين حملها: أن أشهب أجاز لزوجها وطأها. قال: وكرهه مالك وغيره من أصحابه. قال: فاتفقوا على كراهته، ومنعه من وطئها في ماء الزنا ما لم يتبين الحمل. وهذا الذي حكاه عن أشهب يردُّه هذا الحديث. ومعناه على ما يأتي. وكراهة مالك لذلك بمعنى: التحريم، والله تعالى أعلم. وإنما لم يُوقِع النبي ﷺ ما هَمَّ به من اللَّعن؛ لأنه ما كان بَعدُ تقدَّم في ذلك بشيء. وأمَا بَعدَ أن تقدَم هذا الوعيد وما في معناه: ففاعل ذلك متعرِّضٌ للّعن يدخل معه قبره، ويدخله جهنم.\nو(قوله: كيف يورثه وهو لا يحل له؟ ! كيف يستخدمه وهو لا يحل له؟ !) هذا تنبيه منه ﷺ على أن واطئ الحامل له مشاركة في الولد. وبيانه: أن ماء الوطء يُنَمِّي الولد، ويزيد في أجزائه، ويُنعِّمه، فتحصل مشاركة هذا الواطئ للأب؛ ولذلك قال رسول الله ﷺ: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسق ماءه زرع غيره) (١). فإذا وطئ الأمة الحامل لم يصحّ أن يحكم لولدها بأنه ابن لهذا الواطئ؛ لأنه من ماء غيره نشأ. وعلى هذا فلا يحلُّ له أن يرثه، ولا يصح أيضًا أن يحكم لذلك الولد بأنه عبدٌ للواطئ؛ لما حصل في الولد من أجزاء مائه، فلا يحلَّ له أن يستخدمه استخدام العبيد؛ إذ ليس له بعبدٍ، لِمَا خالطه من أجزاء الحُرِّ.\nوفيه من الفقه: ما يتبيَّن به استحالة اجتماع أحكام الحرية، والرِّق في شخص واحد، وأن مَن فيه شائبة بُنُوَّةٍ لا يُملَك، و(٢) أن من فيه شائبة رقٍّ لا يكون حكمه حكم الحرّ، على ما يأتي إن شاء الله تعالى.\nوفيه: أن السِّباء يهدمُ النكاح، وهو مشهورُ مذهبنا، سواء سُبيا مجتمعين أو مفترقين، على ما يأتي إن شاء الله تعالى.\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ١٠٨ - ١٠٩)، وأبو داود (٢١٥٨ و٢١٥٩)، والدارمي (٢/ ٢٣٠).\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"4","page":172},{"text":"[١٥٠٣] وعَن عَائِشَةَ عَن جُدَامَةَ بِنتِ وَهبٍ الأَسَدِيَّةِ أَنَّهَا سَمِعَت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَقَد هَمَمتُ أَن أَنهَى عَن الغِيلَةِ، حَتَّى ذَكَرتُ أَن الروم وَفَارِسَ يَصنَعُونَ ذَلِكَ، فَلَا يَضُرُّ أَولَادَهُم.\nوفي رواية: ثُمَّ سَأَلُوهُ عَن العَزلِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ذَلِكَ الوَأدُ الخَفِيُّ.\nرواه مسلم (١٤٤٢) (١٤٠) و(١٤١)، وأبو داود (٣٨٨٢)، والترمذي (٢٠٧٨)، والنسائي (٦/ ١٠٦ - ١٠٧).\nــ\nوقد ذكر أبو داود في المنع من وطء الحامل حديثًا نصًّا، هو أصلٌ في هذا الباب؛ من حديث أبي الودَّاك: جبر بن نوف، عن أبي سعيد الخدري، رفعه، قال في سبايا أوطاس: (لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير حامل حتى تحيض حيضة) (١). تفرد أبو الودَّاك بقوله: (حتى تحيض حيضة) (٢). وأبو الودَّاك وثّقه ابن معين. وقد خرَّج عنه مسلم في صحيحه.\nو(جُدامة الأسديَّة) رويناه بالدال المهملة. وهكذا قاله مالك، وهو الصواب. قال أبو حاتم: الجُدامة: ما لم يندق من السُّنبل. قال غيره: هو ما يبقى في الغِربال من نَصية (٣). وقال غير مالك بالذال المنقوطة. وهو من: الجذم؟ الذي هو القطع. وهي: جُدامة بنت وهب بن محصن الأسديَّة، تكنى: أم قيس؛ وهي ابنة أخي عكَّاشة بن محصن. أسلمت عام الفتح.\nو(قوله: لقد هممت أن أنهى عن الغِيلة) - بكسر الغين لا غير- وهي\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢١٥٧).\n(٢) ساقط من (م).\n(٣) \"النصية\": البقية.","vol":"4","page":173},{"text":"[١٥٠٤] وعَن سَعدَ بنَ أَبِي وَقَّاصٍ، أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النبي ﷺ فَقَالَ: إِنِّي أَعزِلُ عَن امرَأَتِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لِمَ تَفعَلُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ\nــ\nالاسم من الغَيل. وإذا دخلت عليه الهاء فليس إلا الكسر، وإذا حُذفت الهاء فليس إلا الفتح في الغين. وقال بعضهم: يقال: الغَيلة - بالفتح - للمرة الواحدة من الغَيل. وللغويين في تفسيرها قولان:\nأحدهما: أن الغِيلة هي: أن يجامع الرَّجل امرأته وهي تُرضع. حُكي معناه عن الأصمعي. يقال منه: غال الرَّجل المرأةَ، وأغالها، وأغيلها.\nوثانيهما: أنَّها أن تُرضع المرأة وهي حامل. يقال منه: غالت، وأغالت، وأغيلت؛ قاله ابن السِّكِّيت.\nقلت: والحاصل: أن كل واحد منهما (١) يقال عليه: (غيلة) في اللغة، وذلك: أن هذا اللفظ كيفما دار إنما يرجع إلى الضرر، والهلاك؛ ومنه تقول العرب: غالني أمرُ كذا؛ أي: أضرَّ بي. وغالته الغول؛ أي: أهلكته. وكلُّ واحدة من الحالتين المذكورتين مضرَّة بالولد. ولذلك يصح أن تحمل الغيلة في الحديث على كل واحد منهما.\nفأمَّا ضرر المعنى الأول: فقالوا: إن الماء - يعني: المني - يغيلُ اللَّبن؛ أي: يفسده. ويُسأل عن تعليله أهل الطبِّ.\nوأمَّا الثاني: فضرره بيِّنٌ محسوسٌ. فإن لبن الحامل داءٌ وعلَّة في جوف الصبي، يظهر أثره عليه. ومراده ﷺ بالحديث: المعنى الأول، دون الثاني؛ لأنه هو الذي يحتاج إلى نظر في كونه يضرُّ الولد؛ حتى احتاج النبي ﷺ إلى أن ينظر إلى أحوال غير العرب؛ الذين يصنعون ذلك. فلمَّا رأى أنَّه لا يضرُّ أولادهم لم يَنه عنه.\nوأمَّا الثاني: فضرره معلومٌ للعرب وغيرهم، بحيث لا يحتاج إلى نظر، ولا فكر.\nوإنما هَمَّ النبي ﷺ بالنهي عن الغيلة لما أكثرت العرب من اتقاء ذلك،\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"4","page":174},{"text":"الرَّجُلُ: إني أُشفِقُ عَلَى وَلَدِهَا أَو عَلَى أَولَادِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَو كَانَ ذَلِكَ ضَارًّا ضَرَّ فَارِسَ وَالرُّومَ.\nرواه مسلم (١٤٤٣).\n* * *\nــ\nوالتحدُّث بضرره، حتى قالوا: إنه ليدرك الفارس فيدعثره عن فرسه.\nوقد روي ذلك مرفوعًا من حديث أسماء ابنة يزيد، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تقتلوا أولادكم سرًّا فإن الغيل يدرك الفارس فيدعثره عن فرسه) (١). ذكره ابن أبي شيبة. ثم لما حصل عند النبي ﷺ أنه لا يضرّ أولاد العجم؛ سوى بينهم وبين العرب في هذا المعنى، فسوَّغه. فيكون حجة لمن قال من الأصوليين: إن النبي ﷺ كان يحكم بالرأي والاجتهاد. وقد تقدم ذلك.\nوقول السائل عن العزل: (أشفق على ولدها) يعني: أخاف إن لم أعزل أن تَحمِل فيضرَّ ذلك ولدها، على ما تقدَّم. ويحتمل: أنَّه يخاف فساد اللَّبن بالوطء. على ما ذكرناه آنفًا.\nو(قوله: لو كان ذلك ضارًّا ضرَّ فارس والرُّوم) دليل على أنَّ الأصل في نوع الإنسان المساواة في الجبلَاّت والخَلق، وإن جاز اختلاف العادات والمناشئ. وفيه حجة على إباحة العزل، كما تقدَّم، والله تعالى أعلم.\n* * *\n_________\n(١) رواه أحمد (٦/ ٤٥٨)، وأبو داود (٣٨٨١)، وابن ماجه (٢٠١٢).","vol":"4","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-548>أبواب الرضاع</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-549>(١٩) باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة</span>\n[١٥٠٥] عَن عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عِندَهَا، وَإِنَّهَا سَمِعَت صَوتَ رَجُلٍ يَستَأذِنُ فِي بَيتِ حَفصَةَ قَالَت عَائِشَةُ: فَقُلتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا رَجُلٌ يَستَأذِنُ فِي بَيتِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أُرَاهُ فُلَانًا (لِعَمِّ حَفصَةَ مِن الرَّضَاعَةِ) فَقَالَت عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَو كَانَ فُلَانٌ حَيًّا (لِعَمِّهَا مِن الرَّضَاعَةِ) دَخَلَ عَلَيَّ؟\nــ\nأبواب الرِّضاع\n(١٩) ومن باب: يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة (١)\n(قول عائشة ﵂: لو كان فلان حيًّا - لعمها من الرَّضاعة - دخل عليَّ؟) نصٌّ في: أنَّ هذا السؤال إنَّما كان بعد موت عمها، وهو يخالف قولها: إن عمّها من الرّضاعة يُسَمَّى: أفلح استأذن عليها. وهذا نصٌّ في أن سؤالها كان وهو حيٌّ، فاختلف المتأولون لذلك: هل هما عمَّان أو عمّ واحد؟ فقال أبو الحسن القابسي: هما عمَّان؛ أحدهما: أخو أبيها، أبي بكر ﵁ من الرَّضاعة، أرضعتهما امرأة واحدة. والثاني: أخو أبيها، أبي القُعَيس من\n_________\n(١) هذا العنوان لم يرد في الأصول واستدرك من التلخيص.","vol":"4","page":176},{"text":"فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نَعَم إِنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الوِلَادَةُ.\nرواه البخاريُّ (٢٦٤٦ و٥٠٩٩)، ومسلم (١٤٤٤) (١)، وأبو داود (٢٠٥٥)، والترمذي (١١٤٧)، والنسائي (٩٩١٦)، وابن ماجه (١٩٣٧).\n[١٥٠٦] وعَن عَائِشَةَ أَنَّ عَمَّهَا مِن الرَّضَاعَةِ يُسَمَّى أَفلَحَ استَأذَنَ عَلَيهَا فَحَجَبَتهُ، فَأَخبَرَت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهَا: لَا تَحتَجِبِي مِنهُ فَإِنَّهُ يَحرُمُ مِن الرَّضَاعَةِ مَا يَحرُمُ مِن النَّسَبِ.\nرواه مسلم (١٤٤٥) (٩).\n* * *\nــ\nالرضاعة. وقال ابن حازم: هما واحد. قال القاضي أبو الفضل: والأشبه قول أبي الحسن.\nقلت: وتتميم ما قاله: أنهما عمَّان، وأن سؤالها للنبي ﷺ كان مرتين في زمانين، وتكرر منها ذلك. إمَّا لأنها نسيت القضية (١) الأولى، فاستجدَّت سؤالًا آخر، وإمَّا لأنَّها جوزت تَبَدُّل الحكم. فسألت مرة أخرى، والله تعالى أعلم.\nو(قوله ﷺ: إن الرَّضاعة تحرّم ما تحرِّم الولادة) وفي الأخرى: (يحرم من الرَّضاعة ما يحرم من النسب) دليل على جواز نقلهم بالمعنى، إن كانت القضية واحدة. ويحتمل أن يكون تكرر ذلك المعنى منه باللفظين المختلفين.\nوقد صرَّح الرواة عن عائشة برفع هذه الألفاظ للنبي ﷺ فهي مسندة، مرفوعة، ولا يضرَّها وقف مَن وقفها على عائشة، كما جاء في الرواية الأخرى.\nويفيد هذا الحديث: أن ينشرُ الحرمةَ بين الرضيع والمرضعة، وزوجها صاحب اللَّبن، أو سيدها، فإذا أرضعت المرأةُ صبيًّا حُرِّمت عليه؛ لأنها أمه، وأمُّها؛\n_________\n(١) في (ل ١): القِصَّة.","vol":"4","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-550>(٢٠) باب التحريم من قِبَل الفحل</span>\n[١٥٠٧] عَن عَائِشَةَ قالت: جَاءَ أَفلَحُ أَخُو أَبِي القُعَيسِ يَستَأذِنُ عَلَيهَا بَعدَ مَا نَزَلَ الحِجَابُ، وَكَانَ أَبُو القُعَيسِ أَبَا عَائِشَةَ مِن الرَّضَاعَةِ، قَالَت عَائِشَةُ: فَقُلتُ: وَاللَّهِ لَا آذَنُ لِأَفلَحَ حَتَّى أَستَأذِنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَإِنَّ أَبَا القُعَيسِ لَيسَ هُوَ أَرضَعَنِي، وَلَكِن أَرضَعَتنِي امرَأَتُهُ قَالَت عَائِشَةُ: فَلَمَّا\nــ\nلأنها جدَّته. وأختها؛ لأنها خالته، وبنتها لأنَّها أخته. وكذلك بنت صاحب اللبن؛ لأنها أخته، وأمِّه؛ لأنّها جدته، وأخته لأنَّها عمته، وهكذا. غير أن التحريم لا يتعدَّى الرضيع إلى أحد من قرابته. فليس أخته من الرَّضاعة أختًا لأخيه، ولا بنتًا لأبيه، إذ لا رضاع بينهم.\nوحكمة ما ذكرناه: أن الشرع اعتبر في التحريم ما ينفصل من أجزاء المرأة وهو اللَّبن، ويتصل بالرضيع، فيغتذي به، فتصير أجزاؤها أجزاءه، فينتشر التحريم بينهما. واعتبر في حقّ صاحب اللبن: أن وجود اللَّبن بسبب مائه، وغذائه. فأمَّا قرابات الرَّضيع فليس بينهم ولا بين المرضعة، ولا زوجها نسبٌ، ولا سببٌ. فَتَدَبَّرهُ.\n(٢٠) ومن باب: التحريم من قِبَل الفحل\n(قولها: جاء أفلح أخو أبي القُعَيس) هكذا هو الصحيح. و(أفلح) هو الذي كُنِّي عنه في روايةٍ أخرى: بأبي الجُعَيد؛ وهو عمُّ عائشة من الرَّضاعة؛ لأنَّه أخو أبي القُعَيس نسبًا. و(أبو القعيس): أبو عائشة رضاعةً. وما سوى ما ذكرناه من الروايات وَهمٌ. فقد وقع في الأم (١): (جاء أفلح بن أبي قعيس) و(أن أبا القعيس استأذن عليها) وكل ذلك وهمٌ من بعض الرواة.\n_________\n(١) انظر: صحيح مسلم (٢/ ١٠٦٩ - ١٠٧١).","vol":"4","page":178},{"text":"دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَفلَحَ أَخَا أَبِي القُعَيسِ جَاءَنِي يَستَأذِنُ عَلَيَّ، فَكَرِهتُ أَن آذَنَ لَهُ حَتَّى أَستَأذِنَكَ قَالَت: فَقَالَ رسول الله ﷺ: ائذَنِي لَهُ قَالَ عُروَةُ: فَبِذَلِكَ كَانَت عَائِشَةُ تَقُولُ: حَرِّمُوا مِن الرَّضَاعَةِ مَا تُحَرِّمُونَ مِن النَّسَبِ.\nوفي رواية: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَليَلِج عَلَيكِ، قُلتُ: إِنَّمَا أَرضَعَتنِي المَرأَةُ، وَلَم يُرضِعنِي الرَّجُلُ قَالَ: إِنَّهُ عَمُّكِ فَليَلِج عَلَيكِ.\nوفي أخرى: إنه عمك تربت يمينك.\nرواه أحمد (٦/ ٣٣)، والبخاريُّ (٦١٥٦)، ومسلم (١٤٤٥) (٥ - ٧ - ٨).\n* * *\nــ\nوهذا الحديث حجة لمن يرى: أن لبن الفحل يُحرِّم؛ وهم الجمهور من الصحابة وغيرهم. قال القاضي أبو الفضل: لم يقل أحدٌ من أئمة الفقهاء، وأهل الفتيا بإسقاط حرمة لبن الفحل إلا أهل الظاهر، وابن عُليَّة. قال أبو محمد عبد الوهاب: ويتصوَّر مع افتراق الأمين، كرجلٍ له امرأتان؛ ترضع إحداهما صبيًّا، والأخرى صبيَّة: فيحرم أحدُهما على الآخر؛ لأنهما أخوان لأب.\nقلت: ووجه الاستدلال من حديث عائشة ﵂ هذا على أن لبن الفحل يحرم: أن النبي ﷺ أثبت لأفلح عمومة عائشة، وإنما ارتضعت عائشةُ لبنَ امرأةِ أبي القعيس؛ لأن أبا القعيس قد صار لها أبًا، فينتشر التحريم كما تقدَّم. وعلى هذا فلو تزوجت المرأة أزواجًا، وأصابوها على الوجه المسوِّغ؛ واللَّبن الأول باق انتشرت الحرمة بين الرضعاء وبين الأزواج؛ لأنهم أصحاب ذلك اللَّبن ما دام متصلًا، فإن انقطع اللَّبن فلكلِّ زوجٍ حُكم نَفسِه، والله تعالى أعلم.\nوقد تقدَّم القول على: (تربت يمينك) في كتاب الطهارة.","vol":"4","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-551>(٢١) باب تحريم الأخت وبنت الأخ من الرضاعة</span>\n[١٥٠٨] عَن عَلِيٍّ قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَكَ تَنَوَّقُ فِي قُرَيشٍ وَتَدَعُنَا؟ فَقَالَ: وَعِندَكُم شَيءٌ؟ قُلتُ: نَعَم ابِنة حَمزَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّهَا لَا تحل لي إِنَّهَا ابنَةُ أَخِي مِن الرَّضَاعَةِ.\nرواه أحمد (١/ ٨٢)، ومسلم (١٤٤٦)، والنسائي (٦/ ٩٩).\n[١٥٠٩] وبعده من حديث ابنِ عَبَّاسٍ: وَيَحرُمُ مِن الرَّضَاعَةِ مَا يَحرُمُ مِن الرَّحِمِ.\nرواه البخاري (٥١٠٠)، ومسلم (١٤٤٧)، والنسائيّ (٦/ ١٠٠)، وابن ماجه (١٩٣٨) وهذا الحديث لم يرد في النسخة (ش).\nــ\n(٢١) ومن باب: تحريم الأخت وبنت الأخ من الرضاعة\n(قوله: ما لك تنَوَّق في قريش وتدعنا؟) هذا الحرف عند أكثر الرواة بفتح النون والواو وتشديدها. وهو فعل مضارع محذوف إحدى التاءين، وماضيه: تَنَوَّقَ، ومصدره: تَنَوُّقًا؛ أي: بَالَغَ في اختيار الشيء، وانتقائه. وعند العُذري، والهَوزَنِي، وابن الحذَّاء: تَتُوق - بتاء مضمومة من: تَاقَ، يَتُوقُ، تَوقًا وتَوقَانًا: إذا اشتاق.\nوعرض عليٍّ ﵁ على النبي ﷺ ابنةَ حمزة ليتزوَّجها: كأنَّه لم يعلم بأخوَّة حمزة له من الرَّضاعة؛ لأن النبي ﷺ وحمزة بن عبد المطلب ﵁ عمَّ النبي ﷺ أرضعتهما ثويبةُ مولاة أبي لهب؛ حكاه ابن الأثير. وبعيد أن يقال: إنَّه لم يعلم بتحريم ذلك. وأمَّا أمُّ حبيبة فالأمران في حقها مسوّغان.","vol":"4","page":180},{"text":"[١٥١٠] ومن حديث أُمَّ سَلَمَةَ وقَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ حَمزَةَ أَخِي مِن الرَّضَاعَةِ.\nرواه مسلم (١٤٤٨) وهذا الحديث استدرك من النسخة (ك).\n[١٥١١] وعَنَّ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنتِ أَبِي سُفيَانَ قَالَت: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلتُ: هَل لَكَ فِي أُختِي عزة بِنتِ أَبِي سُفيَانَ؟ فَقَالَ: أَفعَلُ مَاذَا؟ قُلتُ: تَنكِحُهَا قَالَ: أَوَتُحِبِّينَ ذَلِكِ؟ قُلتُ: لَستُ لَكَ بِمُخلِيَةٍ وَأَحَبُّ مَن يشَرِكَنِي فِي الخَيرِ أُختِي قَالَ: فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي قُلتُ: فَإِنِّي أُخبِرتُ أَنَّكَ تَخطُبُ دُرَّةَ بِنتَ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: بِنتَ أُمِّ سَلَمَةَ؟ قُلتُ: نَعَم قَالَ: لَو أَنَّهَا لَم تَكُن رَبِيبَتِي فِي حِجرِي مَا حَلَّت لِي،\nــ\nو(قولها: لست لك بِمُخلِية) - بضم الميم، وسكون الخاء، وكسر اللام - اسم فاعل من: أخلى، يَخلِي؛ أي: لست بمنفردةٍ بك، ولا خالية من ضرَّة.\nو(دُرَّة): الصحيح في هذا الاسم: بضم الدَّال المهملة. ووقع لبعض الرواة: ذَرة - بفتح الذال المعجمة - وكأنَّه وَهمٌ.\nو(قوله: لو أنَّها لم تكن ربيبتي في حجري ما حلَّت لي) تقييد تحريم الرَّبيبة هنا بكونها في حجر المتزوِّج؛ كتقيدها به في قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُم مِن نِسَائِكُمُ﴾ وبهذا التقييد تمسَّك داود، فقال: لا تحرم الربيبة إلا إذا كانت في حجر المتزوّج بأمِّها. وجمهور العلماء من السَّلف والخلف على أن ذلك ليس بشرط في التحريم، وإنما خرج ذلك القيد على تعريفهنَّ بغالب أحوالهن.\nقال ابن المنذر (١): قد أجمع كلُّ مَن ذكرناه، وكلُّ مَن لم نذكره من علماء الأمصار على خلاف قول داود. وقد احتج بعضهم على عدم\n_________\n(١) في (ع): ابن دريد.","vol":"4","page":181},{"text":"إِنَّهَا ابنَةُ أَخِي مِن الرَّضَاعَةِ أَرضَعَتنِي وَأَبَاهَا ثُوَيبَةُ فَلَا تَعرِضنَ عَلَيَّ أَخَوَاتِكُنَّ، وَلَا بَنَاتِكُنَّ.\nرواه البخاريُّ (٥١٠١)، ومسلم (١٤٤٩)، وأبو داود (٢٠٥٦)، والنسائي (٦/ ٩٦)، وابن ماجه (١٩٣٩).\n* * *\nــ\nاشتراط الِحجر بقول النبي ﷺ: (لا تعرضن عليَّ بناتكن ولا أخواتكن) ولم يقل: اللاتي في حجري.\nو(قوله: إنَّها ابنة أخي من الرَّضاعة) هذا حجة على أن لبن الفحل يحرّم كما تقدَّم. وفيه تنبيه على جواز تعليل الحكم بعلّتين؛ فإنه علَّل تحريمها: بأنها ربيبة، وابنة أخ. وقد اختلف الأصوليون في ذلك، والصحيح جوازه لهذا الحديث وغيره.\nو(ثُوَيبَةُ) - بضم الثاء المثلثة، وفتح الواو، وياء التصغير-: تصغير: ثوبة؛ وهي المَرَّةُ الواحدةُ، من: ثَابَ: إذا رَجَع. يقال: ثاب، يثوب، ثوبًا، وثوبة. وثويبةُ هذه: جاريةُ لأبي لهب، كانت أرضعت النبي ﷺ وأبا سلمة، ولأجل رضاعها للنبي ﷺ سقي أبو لهب نطفةً من ماء في جهنم؛ وذلك أنه جاء في الصحيح: أنه رُئِيَ في النوم. فقيل له: ما فعل بك؟ فقال: سُقيت في مثل هذه، وأشار إلى ظفر إبهامه (١).\nو(قوله: فلا تَعرِضنَ عليَّ بناتكن، ولا أخواتكن) أي بلفظ الجمع وإن كانتا اثنتين؛ ردعًا وزجرًا أن يعود له أحدٌ بمثل ذلك. ولذلك يحسنُ من المنكر على المرأة مثلًا المكلِّمة لرجل واحدٍ أن يقول: أتكلمين الرِّجال يا لكعاء؟ !\n_________\n(١) رواه البخاري (٥١٠١).","vol":"4","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-552>(٢٢) باب لا تُحرِّم المَصَّةُ ولا المَصَّتان</span>\n[١٥١٢] عَن عَائِشَةَ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تُحَرِّمُ المَصَّةُ وَالمَصَّتَانِ.\nرواه أحمد (٦/ ٩٥)، ومسلم (١٤٥٠)، وأبو داود (٢٠٦٣)، والترمذي (١١٥٠)، والنسائي (٦/ ١٠١)، وابن ماجه (١٩٤١).\n[١٥١٣] وعَن أُمِّ الفَضلِ قَالَت: دَخَلَ أَعرَابِيٌّ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ فِي بَيتِي فَقَالَ، يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنِّي كَانَت لِي امرَأَةٌ، فَتَزَوَّجتُ عَلَيهَا أُخرَى، فَزَعَمَت امرَأَتِي الأُولَى أَنَّهَا أَرضَعَت امرَأَتِي الحُدثَى رَضعَةً أَو رَضعَتَينِ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: لَا تُحَرِّمُ الإِملَاجَةُ وَلا الإِملَاجَتَانِ.\nوفي لفظ آخر: لَا تُحَرِّمُ الرَّضعَةُ أَو الرَّضعَتَانِ، أَو المَصَّةُ أَو المَصَّتَانِ.\nــ\n(٢٢) ومن باب: لا تُحرِّم المَصَّةُ ولا المَصَّتان\n(قوله: لا تُحرِّم الإملاجة والإملاجتان) قال أبو عبيد: يعني: المَصَّة والمَصَّتين. والملج: المَصّ. يقال: ملج الصبي أمَّه، يملجها -بالجيم - وملح، يملح - بالحاء المهملة -. وأملَجَت المرأةُ صبيَّها. والإملاجة: أن تُمِصَّه لبنَهَا مرة واحدة. وأمَّا الرَّضاعة: فقال ابن السكيت وغيره: فيه لغتان؛ كسر الراء وفتحها. وكذلك: الرَّضاع. وقد رضع -بفتح الضاد وكسرها - لغتان. ورضُع - بضم الضاد -: إذا كان لئيمًا، فهو: راضع، وجمعه: رُضَّع. ومنه قول ابن الأكوع:\nواليوم يوم الرُضَّع\nأي: يوم هلاك اللِّئام.","vol":"4","page":183},{"text":"رواه أحمد (٦/ ٣٤٠)، ومسلم (١٤٥١) (١٨ و٢٠)، والنسائي (٦/ ١٠٠ و١٠١)، وأبو داود (٢٠٦٤)، والترمذي (١١٥٣).\nــ\nقلت: لم يقل أحدٌ فيما علمت بظاهر ذلك (١) الحديث إلا داود. فإنَّه قال: أقل ما يُحرِّم ثلاث رضعات، ولا تُحرِّم الرضعة ولا الرضعتان. وهو تمسُّكٌ بدليل الخطاب. وذهب الشافعي: إلى أن أقل ما يقع به التحريم خمس رضعات، أخذًا بحديث عائشة الآتي. وشذَّت طائفة، فقالت: أقل ما يقع به التحريم عشر رضعات. تمسُّكًا بأنَّه كان فيما أنزل: عشر رضعات. وكأنهم لم يبلغهم الناسخ. وذهب مَن عدا هؤلاء من أئمة الفتوى إلى أن الرضعة الواحدة تُحَرِّم إذا تحققت؛ متمسِّكين بأقل ما ينطلق عليه اسم الرَّضاع. ولا شك في صدق الاسم في مثل قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرضَعنَكُم وَأَخَوَاتُكُم مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ وفي قوله: (يحرم من الرَّضاعة ما يحرم من النَّسب) (٢) على القليل، كما صدق على الكثير. وعُضِّدَ هذا بما وُجِد من العمل عليه في المدينة. فقد روى مالك عن عروة، وسعيد بن المسيب، وابن شهاب: أن القطرة الواحدة تُحَرِّم. وقد عُضِّدَ ذلك بقياس الرَّضاع على الصِّهر بعلّة: أنه طارئ يقتضي تأبيد الحرمة (٣)، فلا يشترط فيه العدد، كالصِّهر (٤). أو يقال: مائع يلج الباطن محرمٌ، فلا يشترط فيه عدد كالمني. واعتذر عن تلك الأحاديث بأمور:\nأحدها: أنه ليس عليها العمل. قال مالك: ليس العمل على حديث: (ثم نُسِخنِ بخمس معلومات). وهذا إنما يتمشَّى على مذهب من يقول: إن العمل أولى من الخبر. وهو مذهب مالك وأصحابه على تفصيل يعرف في الأصول.\n_________\n(١) في (ج ٢): هذا.\n(٢) سبق تخريجه في أحاديث الباب.\n(٣) في (ج ٢): التحريم.\n(٤) ساقط من (ع).","vol":"4","page":184},{"text":"[١٥١٤] وعَنها: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ أَتُحَرِّمُ المَصَّةُ؟ قَالَ: لَا.\nرواه مسلم (١٤٥١) (٢٣).\n* * *\nــ\nوثانيها: أنها أحاديث مضطربة متعارضة، الأعداد؛ فيها: عشر، وخمس، وثلاث. فوجب تركها، والتمسَّك بالأصل.\nوثالثها: أن عائشة ﵂ ذكرت: (في عشر رضعات، ونسخها في خمس) (١): أن ذلك كان بالقرآن، ولم يتواتر إلينا، فليست بقرآن، ولا رفعته إلى النبي ﷺ فيكون خبرًا من أخبار الآحاد، فلا يصلح التمسُّك به، كما ذكر في الأصول.\nوغاية ما يحمل عليه حديث عائشة: أن ذلك كان كذلك، ثم نُسخ كُلُّ ذلك تلاوةً وحُكمًا، والله تعالى أعلم.\nوأمَّا حديث: (لا تُحَرِّمُ المصَّة ولا المصَّتان) فهو أنصُّ ما في الباب، غير أنه يمكن أن يُحمل على ما إذا لم يتحقق وصول اللَّبن إلى جوف الرَّضيع. ويؤيد هذا التأويل قوله: (عشر رضعات معلومات) و(خمس معلومات). فوَصفُهَا بالمعلومات إنما هو تحرُّز مما يتوهم، أو يشك في وصوله إلى الجوف من الرضعات. ويفيد دليل خطابه: أن الرضعات إذا كانت غير معلومات لم تُحرِّم. وقال بعضهم: لعل هذا حين كان يشترط في التحريم العشر والعدد، فلما نسخ ارتفع ذلك كلُّه، والله تعالى أعلم.\n* * *\n_________\n(١) ذُكِر نصُّ هذا الحديث في الباب التالي.","vol":"4","page":185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-553>(٢٣) باب نسخ عشر رضعات بخمس، ورضاعة الكبير</span>\n[١٥١٥] عَن عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَت: كَانَ فِيمَا أُنزِلَ مِن القُرآنِ عَشرُ رَضَعَاتٍ مَعلُومَاتٍ يُحَرِّمنَ، ثُمَّ نُسِخنَ بِخَمسٍ مَعلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَهُنَّ فِيمَا يُقرَأُ مِن القُرآنِ.\nرواه مسلم (١٤٥٢) (٢٤)، وأبو داود (٢٠٦٢)، والترمذي (١١٥٠)، والنسائيُّ (٦/ ١٠٠)، وابن ماجه (١٩٤٢).\n[١٥١٦] وعَنها قَالَت: جَاءَت سَهلَةُ بِنتُ سُهَيلٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَرَى فِي وَجهِ أَبِي حُذَيفَةَ مِن دُخُولِ سَالِمٍ (وَهُوَ\nــ\n(٢٣) ومن باب: رضاعة الكبير\n(سالم) هذا هو: سالم بن معقل، مولى سلمى بنت يعار، زوجة أبي حذيفة. وقيل: سَهلة بنت سُهيل. وقيل في اسمها غير سَلمى. وكان أبو حذيفة قد تبنَّاه على ما كانت عادتهم في التبنِّي، وكان قد نشأ في حجر أبي حذيفة وزوجته نشأة الابن، فلمَّا أنزل الله تعالى: ﴿ادعُوهُم لآبَائِهِم﴾ بطل حكم التبنِّي، وبقي سالم على دخوله على سهلة بحكم صغره، إلى أن بَلَغَ مبلغ الرجال، وجدا - أعني: أبا حذيفة وسهلة - في نفوسهما كراهة ذلك، وثَقل عليهما أن يمنعاه الدخول؛ للإلف السابق، إلى أن سألا عن ذلك (١) رسول الله ﷺ فقال لها رسول الله ﷺ: (أرضعيه تحرمي عليه، ويذهب ما في نفس أبي حذيفة) فأَرضعته، فكان ذلك. فرأى سائر أزواج النبي ﷺ خلا عائشة: أن ذلك خاصٌّ بسالم، وأن\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ل ١).","vol":"4","page":186},{"text":"حَلِيفُهُ) فَقَالَ رسول الله ﷺ: أَرضِعِيهِ قَالَت: وَكَيفَ أُرضِعُهُ وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ؟ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقَالَ: قَد عَلِمتُ أَنَّهُ رَجُلٌ كَبِيرٌ.\nوفي رواية: إِنَّهُ ذُو لِحيَةٍ. بدل رجل كبير.\nرواه أحمد (٦/ ٣٨ و٣٩)، ومسلم (١٤٥٣) (٢٦) و(٣٠)، والنسائي (٦/ ١٠٤ و١٠٥)، وابن ماجه (١٩٤٣).\nــ\nذلك لا يتعداه؛ لِمَا اقترن بذلك (١) من القرائن التي ذكرناها، ولِمَا يعارضه مما يأتي ذِكرُهُ.\nوإلى مذهبهنَّ في ذلك صار جمهور السَّلف والخلف من الفقهاء وغيرهم. وحملوا الحديث على الخصوص. ورأوا: أن رضاعة الكبير للأجنبية لا تجوز، وإن وقعت لم يلزم بها حكم، لا في النكاح، ولا في الحجاب، ما خلا داود فإنه قال: يرفع تحريم الحجاب لا غير؛ تمسُّكًا بحديث سالم.\nقال ابن الموَّاز (٢): لو أخذ بهذا في الحجابة لم أعِبه، وتركه أحبُّ إليَّ، وما علمت مَن أخذ به عامًّا إلا عائشة.\nقال الباجي: قد انعقد الإجماع على خلاف التحريم برضاعة الكبير. قال أبو الفضل عياض: لأن الخلاف إنما كان أوَّلا ثم انقطع.\nقلت: وفيما ذكره ابن المَوَّاز عن عائشة: أنها ترى رضاعة الكبير تحريِمًا عامًّا نظر؛ فإن نصَّ حديث الموطأ عنها: أنها إنما كانت تأخذ بذلك في الحجاب خاصَّة. فتأمل ما في الموطأ (٣) من حديث سالم هذا، فإن مالكا ﵁ ساقه أكمل مساق وأحسنه، وذكر فيه جملة من القرائن الدالة على خصوصية سالم بذلك.\n_________\n(١) في (ع): به.\n(٢) هو: محمد بن إبراهيم بن زياد الإسكندراني المالكي، ابن الموَّاز: صاحب التصانيف، قدم دمشق، وتوفي سنة (٢٦٩ هـ).\n(٣) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٦٠٥).","vol":"4","page":187},{"text":"[١٥١٧] وعَنها أَنَّ سَالِمًا مَولَى أَبِي حُذَيفَةَ كَانَ مَعَ أَبِي حُذَيفَةَ وَأَهلِهِ فِي بَيتِهِم، فَأَتَت (تَعنِي بنَت سُهَيلٍ) النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَت: إِنَّ سَالِمًا قَد بَلَغَ مَا يَبلُغُ الرِّجَالُ، وَعَقَلَ مَا عَقَلُوا، وَإِنَّهُ يَدخُلُ عَلَينَا، وَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّ فِي نَفسِ أَبِي حُذَيفَةَ مِن ذَلِكَ شَيئًا، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ: أَرضِعِيهِ تَحرُمِي عَلَيهِ، وَيَذهَب الَّذِي فِي نَفسِ أَبِي حُذَيفَةَ.\nرواه مسلم (١٤٥٣) (٢٧).\nــ\nوقد اعتضد للجمهور على الخصوصية بأمور:\nأحدها: أن ذلك مخالف للقواعد؛ منها: قاعدة الرَّضاع؛ فإن الله تعالى قد قال: ﴿وَالوَالِدَاتُ يُرضِعنَ أَولادَهُنَّ حَولَينِ كَامِلَينِ لِمَن أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ فهذه أقصى مدَّة الرضاع المحتاج إليه عادة، المعتبر شرعًا، فما زاد عليه بمدَّة مؤثرةٍ غير محتاج إليه عادةً، فلا يعتبر شرعًا؛ لأنه نادر، والنادر لا يحكم له بحكم المعتاد.\nومنها: قاعدة تحريم الاطلاع على العورة؛ فإنه لا يختلف في أن ثدي الحرَّة عورة، وأنَّه لا يجوز الاطلاع عليه، لا يقال: يمكن أن يرضع ولا يطلع؛ لأنَّا نقول: نفس التقام حَلَمَةَ الثدي بالفم اطّلاع، فلا يجوز.\nومنها: أنه مخالف لقوله ﷺ: (إنما الرَّضاعة من المَجَاعة) (١). وهذا منه ﷺ تقعيد قاعدة كلية؛ تُصرِّح بأن الرَّضاعة المعتبرة في التحريم؛ إنما هي في الزمان الذي تغني فيه عن الطعام، وذلك إنما يكون في الحولين وما قاربهما. وهو الأيام اليسيرة بعد الحولين عند مالك. وقد اضطرب أصحابه في تحديدها. فالمكثر يقول: شهرًا. وكأن مالكا يشير: إلى أنه لا يفطم الصبي في دفعة واحدة، في يوم\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٦٤٧)، ومسلم (١٤٥٥)، وأبو داود (٢٠٥٨)، والنسائي (٦/ ١٠٢).","vol":"4","page":188},{"text":"[١٥١٨] وعَن زَينَبَ بِنتَ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ أُمَّهَا أُمَّ سَلَمَةَ زَوجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَت تَقُولُ: أَبَى سَائِرُ أَزوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ أَن يُدخِلنَ عَلَيهِنَّ أَحَدًا بِتِلكَ الرَّضَاعَةِ، وَقُلنَ لِعَائِشَةَ: وَاللَّهِ مَا نَرَى هَذَا إِلَّا رُخصَةً أَرخَصَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِسَالِمٍ خَاصَّةً، فَمَا هُوَ بِدَاخِلٍ عَلَينَا أَحَدٌ بِهَذِهِ الرَّضَاعَةِ، وَلَا رَائِينَا.\nرواه مسلم (١٤٥٤).\n* * *\nــ\nواحد، بل في أيام وعلى تدريج. فتلك الأيام التي يحاول فيها فطامه حُكمها حكم الحولين؛ لقضاء العادة بمعاودة الرَّضاع فيها.\nوقد أطلق بعض الأئمة على حديث سالم: أنَّه منسوخ. وأظنُّه سُمِّى التخصيص نسخًا، وإلا فحقيقة النسخ لم تحصل هنا؛ على ما يعرف في الأصول.\nو(قوله: أرضعيه يذهب ما في نفس أبي حذيفة) يعني: أنه إذا علم أبو حذيفة أنَّه قد حكم له بحكم ذوي المحارم، وقد رفع عنه ما كان يخافه من الحرج والتأثيم (١): لم يبق له كراهة، ولا نفرة تغير وجهَه. وكذلك كان.\n* * *\n_________\n(١) في (ع): التأثم. وفي (م): المأثم.","vol":"4","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-554>(٢٤) باب إنما الرَّضاعة من المَجَاعة</span>\n[١٥١٩] عَن مَسرُوقٍ قَالَ: قَالَت عَائِشَةُ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَعِندِي رَجُلٌ قَاعِدٌ فَاشتَدَّ ذَلِكَ عَلَيهِ، وَرَأَيتُ الغَضَبَ فِي وَجهِهِ قَالَت: فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ أَخِي مِن الرَّضَاعَةِ، قَالَت: فَقَالَ: انظُرنَ إِخوَانَكُنَّ مِن الرَّضَاعَةِ، فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ عن المَجَاعَةِ.\nوفي رواية من بدل عن.\nرواه البخاري (٥١٠٢)، ومسلم (١٤٥٥)، وأبو داود (٢٠٥٨)، والنسائي (٦/ ١٠٢).\n* * *\nــ\n(٢٤) ومن باب: إنما الرَّضاعة من المَجَاعة (١)\n(غضب النبي ﷺ لما رأى في بيته من لا يعرفه): هو تأديب منه لها. وقد كان ﷺ أخذ على النساء: ألا يوطئن فرشهن أحدًا يكرهه الزوج. ولذلك بادرت بالعذر، فقالت: (إنه أخي من الرَّضاعة).\nو(قوله: انظرن إخوانكن من الرَّضاعة) يعني: تحققن صحة (٢) الرَّضاعة، ووقتها؛ فإنها إنما تنشر الحرمة إذا وقعت على شرطها، وفي وقتها، كما ذكرناه آنفًا.\nو(قوله: إنما الرَّضاعة عن المَجاعة) إنما: للحصر، فكأنه قال: لا رضاعة معتبرة إلا المُغنِية عن المَجَاعة، أو المطعمة من المَجَاعة، كما قال\n_________\n(١) ما بين حاصرتين غير موجود في الأصول، واستدركناه من التلخيص.\n(٢) في (م): صفة.","vol":"4","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-555>(٢٥) باب في قوله تعالى: (والمحصنات من النساء)</span>\n[١٥٢٠] عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَومَ حُنَينٍ\nــ\nتعالى: ﴿أَطعَمَهُم مِن جُوعٍ﴾ فـ (عن) أو (من) على اختلاف الروايتين متعلَّق بمحذوف، تقديره ما ذكرناه.\n(٢٥) ومن باب: قوله تعالى: ﴿وَالمُحصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾\n(المحصنة) اسم مفعول، من: أحصنت. وأصل الإحصان: المنع؛ ومنه الِحصن الذي يُمتَنَع فيه. والفرس حِصان؛ لأنه يتحصن عليه. ويقال: محصنة على ذات الزوج؛ لأن الزوج قد منعها من غيره، وعلى العفيفة؛ لأنها قد (١) منعت نفسها من الفواحش. ويقال على الحرة؛ لأن الحرية تمنعها مما يتعاطاه العبيد. وقد جاءت الأوجه الثلاثة في القرآن. والمراد به في هذه الآية: ذوات الأزواج؛ أي: هنَّ (٢) ممن حرم عليكم. ثم استثنى بقوله: ﴿إِلا مَا مَلَكَت أَيمَانُكُم﴾ وهذه الآية اختلف الناس في سبب نزولها. وحديث أبي سعيد هذا أصحُّ ما نقل في ذلك. وبه يرتفع الخلاف. فإنه نصَّ فيه: على أنها نزلت بسبب تحرُّج أصحاب رسول الله ﷺ عن إتيان المسبيَّات ذوات الأزواج، فأنزل الله تعالى في جوابهم: ﴿أَو مَا مَلَكَت أَيمَانُكُم﴾ فالمسبيات ذوات الأزواج داخلات في عموم ﴿إِلا مَا مَلَكَت أَيمَانُكُم﴾ (٣) فالسَّبي فَسخٌ لنكاحهنَّ بلا شك. وهل هو فسخ\n_________\n(١) ساقط من (ع).\n(٢) هذه اللفظة ليست في (ع).\n(٣) ما بين حاصرتين ساقط من (م).","vol":"4","page":191},{"text":"بَعَثَ جَيشًا إِلَى أَوطَاسَ، فَلَقُوا العَدُوًّ فَقَاتَلُوهُم فَظَهَرُوا عَلَيهِم، وَأَصَابُوا\nــ\nبطلاق، أو بغير طلاق؟ ذهب للأول الحسن البصري. ثم هل يقصر التحريم عليهن -أعني المسبيَّات لأنهن السبب -، أو يُحمل اللفظ على عمومه؟ قولان لأهل العلم. وعن هذا نشأ الخلاف في بيع الأمة ذات الزوج، وهبتها، وميراثها، وعتقها. فقال الحسن: إن ذلك كلّه طلاق لها من زوجها.\nوروي عن عمر في قوله: ﴿إِلا مَا مَلَكَت أَيمَانُكُم﴾ بملك نكاح، أو يمين، أو غلبة (١). وذهب مالك، وجمهور العلماء: إلى أنه ليس شيء من ذلك فسخًا ولا طلاقا؛ بدليل حديث بريرة: أنها لما أعُتقِت خُيِّرت. فلو كان عتقها طلاقا لما صحَّ خيارها، فإنَّه كان يقع بنفس العتق. وهو يدلّ على أن الآية مقصورة على سببها. فإذا تقرَّر: أن السَّبِي فسخٌ، فالمشهور من مذهبنا: أنه لا فرق بين أن يُسبى الزوجان مجتمعين أو مفترقين. وروى ابن بكير عن مالك: أنهما إن سُبيا جميعًا، واستبقي الرَّجل، أقرَّا على نكاحهما. فرأى في هذه الرواية: أن استبقاءه إبقاء لما يملكه؛ لأنه قد صار له عهد، وزوجته من جملة ما يملكه، فلا يحال بينها وبينه.\nوالصحيح الأول للتمسُّك بظاهر الآية كما تقدّم، ولأنها قد مُلِكَت رقبتُها بالسباء، فتُملَكُ جميع منافعها، ولا ينتقض ذلك بالبيع، ولا بغيره من الوجوه التي تنقل الملك المذكور على ما تقدَّم، لأنها خروج من مالك مِلكًا مُحقَّقًا، والكافر لا يملك ملكًا محضًا، فافترقا (٢).\nو(قوله: في سبي أوطاس) قد قدَّمنا أن غزوة أوطاس هي غزوة حنين. وقول (٣) مَن قال: إن ذلك كان في خيبر وَهمٌ.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع) و(ج) و(م) ومستدرك من (ج ٢).\n(٢) في (ج ٢): فانفصلا.\n(٣) ما بين حاصرتين ساقط من (ج).","vol":"4","page":192},{"text":"لَهُم سَبَايَا، فَكَأَنَّ نَاسًا مِن أَصحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَحَرَّجُوا مِن غِشيَانِهِنَّ مِن أَجلِ أَزوَاجِهِنَّ مِن المُشرِكِينَ فَأَنزَلَ اللَّهُ ﷿ فِي ذَلِكَ: وَالمُحصَنَاتُ مِن النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَت أَيمَانُكُم كِتَابَ اللَّهِ عَلَيكُم وَأُحِلَّ لَكُم مَا وَرَاءَ ذَلِكُم أَن تَبتَغُوا بِأَموَالِكُم مُحصِنِينَ غَيرَ مُسَافِحِينَ فَمَا استَمتَعتُم بِهِ مِنهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُم فِيمَا تَرَاضَيتُم بِهِ مِن بَعدِ الفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا. أَي فَهُنَّ لَكُم حَلَالٌ إِذَا انقَضَت عِدَّتُهُنَّ.\nرواه مسلم (١٤٥٦) (٣٣)، وأبو داود (٢١٥٥)، والترمذيُّ (١١٣٢)، والنسائي (٦/ ١١٠).\n* * *\nــ\nو(قوله: تحرَّجوا من غِشيانهن) أي: خافوا الحرج، وهو: الإثم هنا. وفي الأم (١) في إحدى الروايات: (تحوَّبوا) أي: خافوا الحوب. وهو الإثم أيضًا. و(غشيانهن) أي: وطؤهن.\nو(قوله: من أجل أزواجهن) أي: ظنُّوا أنَّ نكاح أزواجهن لم تنقطع عصمته. وفي هذا ما يدلُّ على وجوب توقف الإنسان، وبحثه، وسؤاله عمَّا لا يتحقق وجهه، ولا حكمه. وهو دأب من يخاف الله تعالى. ولا يختلف في أن ما لا يتبين حكمه لا يجوز الإقدام عليه.\nو(قوله: فهنّ لكم حلال إذا انقضت عدتهن) يعني بالعدَّة: الاستبراء من ماء الزوج الكافر، وذلك يكون بحيضة واحد، فإن نكاح الكافر فاسد عندنا بحكم\n_________\n(١) انظر: صحيح مسلم (٢/ ١٠٨٠) رقم (٣٥)، وفيه: تخوَّفوا. وكذا في (ع) و(ج).\nوالمثبت من (ج ٢).","vol":"4","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-556>(٢٦) باب الولد للفراش</span>\n[١٥٢١] عَن عَائِشَةَ قَالَت: اختَصَمَ سَعدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبدُ بنُ زَمعَةَ فِي غُلَامٍ فَقَالَ سَعدٌ: هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ابنُ أَخِي عُتبَةَ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ\nــ\nالأصالة على المشهور. وهو الصحيح لِعُرُّوِّ أنكحتهم عن الشروط الشرعية.\nوقد تقدَّم من حكاية الحسن: أن الصحابة ﵃ كانوا يستبرئون المسبيَّة بحيضة. وأمَّا على قول من يرى أن أنكحتهم صحيحة - وهو الشافعي، وأبو حنيفة - فتعتد عدَّةً كاملةً؛ لأنها قد انفسخ عنها نكاح صحيح كان، لولا أن عارض السَّبِي قَطَعَه، وهي أولى بذلك على مذهب الحسن الذي يقول: إن نكاحها ينفسخ بطلاق، فتكون مطلقة من زوج في نكاح صحيح، وتعتدّ عدَّة كاملة. وهل تعتد على مذاهب هؤلاء عدَّة الأمة، أو عدَّة الحرَّة؛ فيه نظر على أصولهم.\n(٢٦) ومن باب: الولد للفراش\n(قوله: اختصم سعد بن أبي وقاص، وعبد بن زمعة في غلام) سببُ هذا الاختصام: أنهم كانوا يبتاعون الإماء في الجاهلية، ويستأخرونهن للوطء، ويُلحقون النسب بالزنى، فمن ألحقته المزنيُّ بها التحق به، ومن ألحقه بنفسه من الزناة بها التحق به إذا لم ينازعه غيره. فكان عتبة بن أبي وقاص قد وقع بأَمَةِ زمعة؛ فحملت فولدت غلامًا، فلمَّا حضرت وفاةُ عتبة عَهِدَ لأخيه سعدٍ بأن يأخذه إليه، لأنه ابنه، ثم مات عتبة على شركه، فحينئذٍ تخاصم سعد مع عبد بن زمعة في ذلك الغلام، فاحتجّ سعد باستلحاق أخيه عتبة له على عاداتهم في الاستلحاق بالزنى. وتمسَّك عبدٌ بفراش أبيه، وكأنَّ عبدًا كان قد سمع: أن الشرع يُلحق بالفراش. وإلَاّ فلم تكن عادتهم الإلحاق به. فقضى النبي ﷺ بالولد لصاحب الفراش، وقطع الإلحاق بالزنى بقوله: (وللعاهر الحجر).","vol":"4","page":194},{"text":"عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابنُهُ انظُر إِلَى شَبَهِهِ، وَقَالَ عَبدُ بنُ زَمعَةَ: هَذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللَّهِ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِن وَلِيدَتِهِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى شَبَهِهِ فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتبَةَ، فَقَالَ: هُوَ لَكَ يَا عَبدُ؛\nــ\nو(قول عبد بن زمعة في الغلام: أخي، وابن وليدة أبي) تمسَّك به الشافعي: على أن الأخ يستلحق، ومنعه مالك وقال: لا يستلحق إلا الأب خاصَّة؛ لأنه لا يتنزل غيره في تحقيق الإصابة منزلته. وقد اعتذر لمالك عن ذلك الظاهر بوجهين:\nأحدهما: أن الحديث ليس نصًّا في أنه ألحقه به بمجرد نسبة الأخوة، فلعل النبي ﷺ علم وطء زمعة تلك الأمة (١) بطريق اعتمدها من اعترافٍ، أو غيره، فحكم بذلك، لا باستلحاق الأخ.\nوالثاني: أن حكمه به لم يكن لمجرد الاستلحاق، بل بالفراش. ألا ترى قوله: (الولد للفراش)؟ وهذا تقعيد قاعدة، فإنه لَمَّا انقطع إلحاق هذا الولد بالزاني، لم يَبق إلا أن يلحق بصاحب الفراش؛ إذ قد دار الأمر بينهما. وهذا أحسن الوجهين.\nوهذا الحديث حجة على أبي حنيفة، حيث يقول: إن الولد لا يلحق إلا إذا تقدَّمه ولد سابق، على ما حكاه عنه الإمام أبو عبد الله المازري.\nو(قوله: فرأى شبهًا بيِّنًا بعتبة، وقال: (هو لك يا عبد) يدلُّ على أن الشبه لا يعمل عليه في الإلحاق عند وجود ما هو أقوى منه، فإنَّه ألغاه هنا، وحكم بالإلحاق لأجل الفراش، كما ألغاه في حديث اللعان لأجل اللعان. وأمَّا في حديث القافة: فليس له هناك معارض هو أقوى منه، فأُعمِل.\nو(قوله: هو لك يا عَبدُ) هكذا الرواية بإثبات (يا) النداء و(عبد) منادى\n_________\n(١) في (ل ١): الوليدة.","vol":"4","page":195},{"text":"الوَلَدُ لِلفِرَاشِ،\nــ\nمفرد، يريد به: عبد بن زمعة، ولا شك في هذا. وقد وقع لبعض الحنفية: (عبدُ) بغير (يا) فنوَّنه. وفرَّ بذلك عمَّا لزمهم من إلحاق الولد من غير اشتراط ولد متقدم. وقالوا: إنما ملَّكَه إياه؛ لأنه ابن أَمَةِ أبيه، لا أنَّه ألحقه بأبيه. وهذه غفلةٌ عن الرواية واللسان. أمَّا الرواية: فقد ذكرناها. وأمَّا اللسان: فلو سلَّمنا أن الرواية بغير (يا) فالمخاطب عبد بن زمعة، وهو بلا شك: منادى، إلا أن العرب تحذف حرف النداء من الأسماء الأعلام؛ كما قال تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعرِض عَن هَذَا﴾، وهو كثير. و(عبد) هنا: اسم علمٌ يجوز حذفُ حرف النداء منه.\nو(قوله: الولد للفراش) الفراش هنا: كناية عن الموطوءة؛ لأن الواطئ يستفرشها؛ أي: يُصَيِّرها كالفراش. ويعني به: أن الولد لاحِقٌ بالواطئ. قال الإمام: وأصحاب أبي حنيفة يحملونه على أن المراد به صاحب الفراش، ولذلك لم يشترطوا إمكان الوطء في الحرَّة. واحتجُّوا بقول جرير:\nباتت تعانقه وبات فراشها ... خلق العباءة في الدماء قتيلًا\nيعني: زوجها، والأول أولى لما ذكرناه من الاشتقاق، ولأن ما قدَّره من حذف المضاف ليس في الكلام ما يدلُّ عليه، ولا يُحوج إليه. وعلى ما أصَّلناه فقد أخذ بعموم قوله: (الولد للفراش) الشعبيُّ، ومن قال بقوله. فقال: الولد لا ينتفي عمَّن له الفراش لا بلعان، ولا غيره. وهو شذوذ، وقد حكي عن (١) بعض أهل المدينة، ولا حجة لهم في ذلك العموم لوجهين:\nأحدهما: أنه خرج على سبب ولد الأمة، فيُقصر على سببه.\nوثانيهما: أن الشرع قد قعَّد قاعدة اللّعان في حقّ الأزواج، وأن الولد ينتفي\n_________\n(١) ليست في (ع).","vol":"4","page":196},{"text":"وَلِلعَاهِرِ الحَجَرُ، وَاحتَجِبِي مِنهُ يَا سَودَةُ بِنتَ زَمعَةَ، قَالَت: فَلَم يَرَ سَودَةَ قَطُّ.\nرواه أحمد (٦/ ٣٧)، والبخاريُّ (٢٢١٨)، ومسلم (١٤٥٧) (٣٦)، وأبو داود (٢٢٧٣)، والنَّسائيُّ (٦/ ١٨٠)، وابن ماجه (٢٠٠٤).\n* * *\nــ\nبالتعانهما، فيكون ذلك العموم المظنون مخصَّصًا بهذه القاعدة المقطوع بها. ولا يختلف في مثل هذا الأصل.\nو(قوله: وللعاهر الحجر) العاهر: الزاني. وهو اسم فاعل من: عَهَرَ الرَّجلُ المرأة، يعهَرُهَا: إذا أتاها للفجور. وقد عهرت (١) هي، وتعيهرت؛ إذا زنت. والعهر: الزنى.\nواختلف في معنى: (للعاهر الحجر). فمنهم من قال: عنى به الرَّجم للزاني المحصن. ومنهم من قال: يعني به: الخيبة؛ أي: لا حظَّ له في الولد؛ لأن العرب تجعل هذا مثلًا. كما يقولون: امتلأت يده ترابًا؛ أي: خيبة.\nقلت: وكأن هذا هو الأشبه بمساق الحديث، وبسببه. وهي حاصلة؛ أي: الخيبة لكل الزناة. فيكون اللفظ محمولًا على عمومه. وهو الأصل. ويؤخذ دليل الرَّجم من موضع آخر. وحمله على الزاني المحصن تخصيص اللفظ من غير حاجة ولا دليل.\nو(قوله ﷺ لسودة: (احتجبي منه) يُستَدلُّ به على إعطاء الشوائب المختلفة أحكامها المختلفة؛ فإنه ألحق الولد بصاحب الفراش، وأمر سودة بالاحتجاب من الغلام الملحق، وإن كان أخاها شرعًا للشَّبَه (٢). وهذا منه ﷺ من باب الاحتياط، وتوقَّي الشُّبهات. ويحتمل أن يكون ذلك لتغليظ أمر الحجاب في حق سودة؛ لأنها\n_________\n(١) في (ج ٢): عَيْهَرَت.\n(٢) أي: لشبه الغلام بـ \"عتبة بن أبي وقاص\".","vol":"4","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-557>(٢٧) باب قبول قول القافة في الولد</span>\n[١٥٢٢] عَن عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَت: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيَّ مَسرُورًا تَبرُقُ أَسَارِيرُ وَجهِهِ\nــ\nمن زوجاته ﵅. وقد غلّظ ذلك في حقهنَّ، ولذلك قال ﷺ لحفصة وعائشة في حق ابن أم مكتوم: (أفعمياوان أنتما، ألستما تبصرانه؟ !) (١). وقال لفاطمة بنت قيس: (انتقلي إلى بيت ابن أمِّ مكتوم، تضعين ثيابك عنده) (٢) فأباح لها ما منعه لأزواجه.\nوفيه ما يدلُّ على أن وطء الزنى يُوجب الحرمة. وهو مذهب أهل الرأي، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وهو أحد قولي مالك، وروي عنه في الموطأ: أنه لا يُحرِّم، وهو قول الشافعي، وأبي ثور. وهو الصحيح؛ لأن وطء الزنى لا حرمة له اتفاقًا، فلا تكون له محرمية. وتفصيله في الخلاف. وعلى القول بأنَّه لا يحرّم، يكون الأمر لسودة بالاحتجاب من الملحق (٣) واجبا.\n(٢٧) ومن باب: قبول قول القافة في الولد\n(قول عائشة ﵂: دخل عليَّ رسول الله ﷺ مسرورًا تبرقُ أسارير وجهه) وفي رواية: (أسارير جبهته) وهي: الطرائق الدقيقة، والتكَسُّر اليسير الذي يكون في الجبهة والوجه، والغضون أكثر من ذلك. وواحد الأسارير: أسرار، وواحدها: سِرٌّ وسَرَرٌ. فأسارير: جَمعُ الجمع. ويجمع في\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤١١٢)، والترمذي (٢٧٧٩).\n(٢) رواه مسلم (١٤٨٠) (٤١).\n(٣) أي: الغلام الملحق بالفراش.","vol":"4","page":198},{"text":"فَقَالَ: أَلَم تَرَي أَنَّ مُجَزِّزًا نَظَرَ آنِفًا إِلَى زَيدِ بنِ حَارِثَةَ، وَأُسَامَةَ بنِ زَيدٍ.\nــ\nالقلة أيضًا: أسرّة.\nوهذا عبارة عن انطلاق وجهه، وظهور السرور عليه، ويُعَبِّر عن خلاف ذلك بالمقطب؛ أي: المجمع. فكأنَّ الحزن والغضب جَمَعَهُ وقبضَه.\nو(مُجَزِّز) - بفتح الجيم، وكسر الزاي الأولى - هو المعروف عند الحفَّاظ. وكان ابن جريج يقول: مجزز - بفتح الزاي -. وقيل عنه أيضًا: مُحرِز - بحاء مهملة ساكنة، وراء مكسورة -. والصَّواب الأول. فإنه روي أنه إنما سُمِّي مُجززًا؛ لأنه كان إذا أخذ أسيرًا جز ناصيته. وقيل: حلق لحيتَه. قاله الزُّبيري. وكان من بني مُدلج، وكانت القِيافة فيهم وفي بني أسد.\nقال الإمام أبو عبد (١) الله: كانت الجاهلية تقدح في نسب أسامة، لكونه أسود شديد السَّواد، وكان زيدٌ أبوه أبيض من القطن. هكذا ذكره أبو داود عن أحمد بن صالح.\nقال القاضي: وقال غير أحمد: كان زيدٌ أزهر اللون، وكان أسامةُ شديد الأُدمة (٢). وزيد بن حارثة عربيٌّ صريحٌ من كلب، أصابه سِبَاءٌ، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد ﵂، فوهبته للنبي ﷺ فتبنَّاه، فكان يُدعَى: زيدَ بنَ محمد. حتى نزل قوله تعالى: ﴿ادعُوهُم لآبَائِهِم﴾ فقيل: زيد بن حارثة. وابن زيد أسامة، وأمُّه أمُّ أيمن: بركة، وكانت تُدعَى: أم الظِّباء، مولاة عبد الله بن عبد المطلب، وداية رسول الله ﷺ. ولم أر لأحد أنها كانت سوداء، إلا ما روي عن ابن سيرين في تاريخ أحمد بن سعيد. فإن كان هذا؛ فلهذا خرج أسامة أسود، لكن لو كان هذا صحيحًا لم ينكر النَّاس لونه؛ إذ لا ينكر أن يلد الإنسان أسود من سوداء. وقد نسبها الناس فقالوا: أم أيمن بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصن بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان. وقد ذكر مسلم في الجهاد عن ابن شهاب: أن أم أيمن كانت من الحبش وصيفة لعبد الله بن\n_________\n(١) هو الإمام أحمد بن حنبل، كما سيأتي بعد قليل.\n(٢) \"الأُدْمة\": السُّمْرة.","vol":"4","page":199},{"text":"وفي رواية: عَلَيهِمَا قَطِيفَةٌ قَد غَطَّيَا رُؤوسَهُمَا، وَبَدَت أَقدَامُهُمَا\nــ\nعبد المطلب: أبي النبي ﷺ، وقد ذكره الواقديُّ.\nوكانت للنبي ﷺ بركة أخرى حبشية، كانت تخدم أمِّ حبيبة، فلعلّه اختلط اسمها على ابن شهاب، على أن أبا عمر قد قال في هذه: أظنَّها أمَّ أيمن. أو لعلّ ابن شهاب نسبها إلى الحبشة؛ لأنها من مهاجرة الحبشة، والله تعالى أعلم.\nوقلت: هذا أظهر، وتزوَّجها عبيد بن زيد من بني الحارث، فولدت له أيمن، وتزوَّجها بعده زيد بن حارثة بعد النُّبوة، فولدت له أسامة. شهدت أحدًا، وكانت تداوي الجرحى. وشهدت خيبر، وتوفيت في أول خلافة عثمان بعشرين يومًا.\nروى عنها ابنها أنس، وأنس بن مالك، وطارق بن شهاب. قالت أم أيمن: بات رسول الله ﷺ في البيت، فقام من الليل، فبال في فخارة، فقمت وأنا عطشى، لم أشعر ما في الفخارة، فشربت ما فيها، فلما أصبحنا. قال: (يا أم أيمن! أهريقي ما في الفخارة) قلت: والذي بعثك بالحق! لقد شربت ما فيها، فضحك حتى بدت نواجذه، قال: (إنه لا تتجعّنَّ بطنُك بعدها أبدًا (١» (٢).\nو(القطيفة): كساء غليظ.\nوقد استدل جمهور العلماء على إلى قول القافة عند التنازع في الولد بسرور النبي ﷺ بقول هذا القائف. وما كان ﷺ بالذي يسر بالباطل، ولا يعجبه. ولم يأخذ بذلك أبو حنيفة والثوري، وإسحاق، وأصحابهم متمسّكين بإلغاء النبي ﷺ الشَّبَه في حديث اللعان على ما يأتي، وي حديث سودة كما تقدم، وقد انفصل عن هذا بما تقدم آنفًا، من أن إلغاء الشَبَه في تلك المواضع التي ذكروها، إنما كانت لمعارض أقوى منه، وهو معدوم هنا، فانفصلا، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) ذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة (٤/ ٤٣٣).\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من الأصول.","vol":"4","page":200},{"text":"فَقَالَ: إِنَّ بَعضَ هَذِهِ الأَقدَامِ لَمِن بَعضٍ. وفي رواية: وكان مجزز قائفا.\nرواه أحمد (٦/ ٨٢)، والبخاريُّ (٦٧٧٠)، ومسلم (١٤٥٩)، (٣٨) و(٣٩)، وأبو داود (٢٢٦٨)، والترمذيّ (٢١٢٩)، والنسائيُّ (٦/ ١٨١ و١٨٤).\n* * *\nــ\nثم اختلف الآخذون بأقوال القافة: هل يؤخذ بذلك في أولاد الحرائر والإماء، أو يختص بأولاد الإماء؟ على قولين:\nفالأول: قول الشافعي، ومالك في رواية ابن وهب عنه. ومشهور مذهبه: قَصرُه على ولد الأمة. وفرَّق بينهما: بأن الواطئ في الاستبراء يستند وطؤه لعقد صحيح فله شبهة المِلك، فيصح إلحاق الولد به، إذا أتت به لأكثر من ستة أشهر من وطئه، وليس كذلك الوطء في العدَّة؛ إذ لا عقد إذ لا يصحّ. وعلى هذا فيلزم من نكح في العدَّة أن يُحَدَّ، ولا يلحق به الولد؛ إذ لا شبهة له. وليس مشهور مذهبه. وعلى هذا فالأولى: ما رواه ابن وهب عنه، وقاله الشافعي.\nثم العجب أن هذا الحديث الذي هو الأصل في هذا الباب إنما وقع في الحرائر، فإن أسامة وأباه ابنا حُرَّتَين. فكيف يلغى السبب الذي خرج عليه دليل الحكم، وهو الباعث عليه؟ ! هذا ما لا يجوز عند الأصوليين.\nوكذلك اختلف هؤلاء؛ هل يكتفى بقول واحد؛ لأنه خبر من القافة، أو لا بدَّ من اثنين؛ لأنها شهادة؟ وبالأوَّل قال ابن القاسم. وهو ظاهر الخبر، بل نصُّه. وبالثاني قال مالك، والشافعي، ويلزم عليه أن يراعى فيها شروط الشهادة؛ من العدالة وغيرها.\nواختلفوا أيضًا فيما إذا ألحقته القافة بمدَّعِيَين، هل يكون ابنًا لهما؟ وهو قول سحنون، وأبي ثور. وقيل: يُترك حتى يكبر، فيُوالي من شاء منهما؛ وهو قول عمر بن الخطاب ﵁. وقاله مالك والشافعي. وقال عبد الملك، ومحمد بن مسلمة: يُلحَق بأكثرهما شبهًا.","vol":"4","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-558>(٢٨) باب المقام عند البكر والثيب</span>\n[١٥٢٣] عَن أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ أَقَامَ عِندَهَا ثَلَاثًا، وَقَالَ: إِنَّهُ لَيسَ بِكِ عَلَى أَهلِكِ هَوَانٌ إِن شِئتِ سَبَّعتُ لَكِ، وَإِن سَبَّعتُ لَكِ سَبَّعتُ لِنِسَائِي.\nــ\nواختلف نفاة القول بالقافة في حكم ما أشكل، وتُنُوزِع فيه. فقال أبو حنيفة: يلحق الولد بهما، وكذلك بامرأتين. وقال محمد بن الحسن: يلحق بالآباء وإن كثروا، ولا يلحق إلا بأم واحدة. ونحوه قال أبو يوسف. وقال إسحاق: يقرع بينهم. وقاله الشافعي في القديم. ويُستدل على هذا بما خرَّجه أبو داود من حديث عليّ ﵁ وذلك أن ثلاثة وقعوا على امرأة في طهر واحد، فأتت بولد فترافعوا إلى عليّ، وكلهم يدّعي الولد لنفسه، فأقرع عليّ بينهم، فألحقه بالذي طارت عليه القرعة. وكان عليّ باليمن، فلما قدم على النبي ﷺ أخبره بذلك، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه (١). وسنده صحيح.\n(٢٨) ومن باب: المقام عند البكر والثيب\n(قوله ﷺ لأم سلمة: إنه ليس بك على أهلك هوان) الضمير في (إنه) للأمر، والشأن. و(ليس بك) أي: لا يتعلّق بك، ولا يقع بك. و(أهلك): يريد به نفسه. وكل واحد من الزوجين أهل لصاحبه. و(الهوان): النقص، والاحتقار. وإنما قال لها ذلك حين أخذت بثيابه تستزيده من المقام عندها، فاستلطفها بهذا القول الحسن. ثم بعد ذلك بيَّن لها وجه الحكم بقوله: (للبكر سبع، وللثيب ثلاث) وهذا تقعيد للقاعدة، وبيان لحكمها. وهو حجة للجمهور على أبي حنيفة حيث\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢٢٦٩).","vol":"4","page":202},{"text":"زاد في رواية: وَإِن شِئتِ ثَلَّثتُ ودُرتُ. قَالَت: ثَلِّث.\nوفي أخرى: لما أَرَادَ أَن يَخرُجَ أَخَذَت بِثَوبِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِن شِئتِ زِدتُكِ وَحَاسَبتُكِ بِهِ لِلبِكرِ سَبعٌ، وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثٌ.\nرواه مسلم (١٤٦٠) (٤١) (٤٢)، وأبو داود (٢١٢٢).\nــ\nيقول: لا يختص بذلك واحدة منهن، بل يقضي لسائر نسائه بمثل ذلك، تمسُّكًا منه بمطلق الأمر بالعدل بينهن. ولا يتم له ذلك؛ لأنه مخصّص بهذا الحديث وشبهه.\nوقد يقال: إذا كان الحكم: أن للثيب ثلاثًا، وللبكر سبعًا؛ فكيف خيرها بين التسبيع والتثليث؟ ثم إن اختارت التسبيع سبّع لنسائه، وسقط حقها من الثلاث.\nويجاب عن ذلك: بأن ظاهر قوله: (للثيب ثلاث، وللبكر سبع) أن ذلك حق للزوجة. وهو أحد القولين عند مالك ﵀ في هذا. فإذا رضيت بإسقاطه سقط، فكأنه عرض عليها: أنها إن اختارت السبع سقط حقها من الثلاث.\nوقد اختلف؛ هل لغير النبي ﷺ أن يسبع للثيب أم لا؟ فذهب مالك فيما ذكر عنه ابن الموَّاز: إلى أنه ليس له أن يسبع. وكأنَّه رأى أن ذلك كان من خصوصيَّات النبي ﷺ؛ إذ قد ظهرت خصوصياته في هذا الباب كثيرًا.\nوقال ابن القصَّار: إذا سبع للثيب سبع لسائر نسائه؛ أخذًا بظاهر هذا الحديث. ولا يدلّ عنده على سقوط (١) الثلاث لها. وكأنه تمسك بالرواية التي قال لها فيها: (إن شئت زدتك وحاسبتك) وكل هذا منه ﷺ عمل بالعدل بين أزواجه، ومراعاة له.\nوهل كان ذلك منه - أعني القسم - على جهة الوجوب، كما هو على غيره بالاتفاق، أو هو مندوب إلى ذلك، لكنه أخذ نفسه بذلك رغبة في تحصيل الثواب، وتطييبًا لقلوبهن، وتحسينًا للعشرة على مقتضى خُلُقه الكريم، وليُقتدى به في ذلك؟ قولان لأهل العلم.\nمستند القول بالوجوب: التمسَّك بعموم القاعدة الكلية في وجوب العدل\n_________\n(١) في (ع): إسقاط.","vol":"4","page":203},{"text":"[١٥٢٤] وعَن أَنَسٍ قَالَ: مِن السُّنَّةِ أَن يُقِيمَ عِندَ البِكرِ سَبعًا قَالَ خَالِدٌ: وَلَو شِئتُ قُلتُ: رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ.\nرواه مسلم (١٤٦٠) (٤٥).\n* * *\nــ\nبينهن، وبقوله: (اللهم هذه قسمتي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك، ولا أملك) (١) يعني: الحب، والبغض.\nومستند نفيه: قوله تعالى: ﴿تُرجِي مَن تَشَاءُ مِنهُنَّ وَتُؤوِي إِلَيكَ مَن تَشَاءُ وَمَنِ ابتَغَيتَ مِمَّن عَزَلتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيكَ﴾ وقد تقدَّم التنبيه على الخلاف في تأويلها. ولم يختلف في حق غير النبي ﷺ ممن له زوجات: أن العدل عليه واجب؛ لقوله ﷺ: (من كانت له امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة، وشقه مائل، أو ساقط) (٢) ولقوله تعالى: ﴿وَلَن تَستَطِيعُوا أَن تَعدِلُوا بَينَ النِّسَاءِ وَلَو حَرَصتُم فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيلِ فَتَذَرُوهَا كَالمُعَلَّقَةِ﴾ وسيأتي القول (٣) في كيفية القسم.\nو(قوله: من السُّنة أن يقيم عند البكر سبعًا) ظاهره الرفع عند جمهور الأصوليين؛ لأنه إنما يعني به سنة النبي ﷺ وقد دلّ على الرفع هنا قول خالد: (لو شئت قلت: رفعه) وقد تقدَّم قوله ﷺ: (للبكر سبع، وللثيب ثلاث). والرفع فيه منصوصٌ عليه.\nوقد اختلف في هذا الحكم؛ هل هو لكل بكر وثيب؟ وإن لم يكن للزوج غيرها، أو إنما يكون ذلك إذا كان له غيرها. على قولين عندنا.\nقال أبو عمر: أكثر العلماء على أن ذلك واجب لها؛ كان عند الرجل زوجة أم لا؛ لعموم الحديث.\nوقال غيره: معنى الحديث فيمن له زوجة غير هذه؛ لأن من لا زوجة له مقيم مع هذه.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢١٣٤)، والترمذي (١١٤٠)، والنسائي (٧/ ٦٤).\n(٢) رواه أبو داود (٢١٣٣)، والترمذي (١١٤١)، والنسائي (٧/ ٦٣).\n(٣) في (ع): الكلام.","vol":"4","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-559>(٢٩) باب في القَسم بين النساء وفي جواز هبة المرأة يومها لضرتها</span>\n[١٥٢٥] عَن أَنَسٍ قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ تِسعُ نِسوَةٍ، فَكَانَ إِذَا قَسَمَ بَينَهُنَّ لَا يَنتَهِي إِلَى المَرأَةِ الأُولَى فِي تِسعٍ، فَكُنَّ يَجتَمِعنَ كُلَّ لَيلَةٍ فِي\nــ\nقلت: وهذا هو الصحيح لوجهين:\nأحدهما: أنه هو السبب الذي خرج عليه اللفظ.\nوالثاني: النظر إلى المعنى، وذلك: أن من له زوجات يحتاج إلى استئناف القسم بعد أن يوفي لهذه المستجدة حقها من تأنيسها، والانبساط إليها، وإزالة نُفرتها، وتطييب عيشها. وأيضًا: فيستوفي لنفسه ما يجده من التشوُّق إليها، والاستلذاذ بها، فإن الجديد له استلذاذ جديد. وذلك مفقود فيمن ليس له زوجة غير التي تَزَوَّجَ بها.\n(٢٩) ومن باب: القَسم بين الزوجات\nقد تقدم القول آنفا في حكم وجوب القَسم بين الزوجات. فأمَّا كيفية القسم: فلا خلاف في أن عليه أن يفرد كل واحدة بليلتها، وكذلك قول عامَّة العلماء في النَّهار. وذهب بعضهم إلى وجوب ذلك في الليل دون النهار، ولا يدخل لإحداهما في يوم الأخرى وليلتها ولغير حاجة.\nفي دخوله لحاجة وضرورة. فالأكثرون على جوازه؛ مالك وغيره. وفي كتاب ابن حبيب منعه. ويعدل بينهن في النفقة، والكسوة؛ إذا كنَّ معتدلات الحال، ولا يلزم ذلك في المختلفات المناصب. وأجاز مالك أن يُفضِّل إحداهما في الكسوة على غير جهة الميل. فأمَّا الحب والبغض فخارجان عن الكسب، فلا يتأتى العدل فيهما. وهو المعنِيُّ","vol":"4","page":205},{"text":"بَيتِ الَّتِي يَأتِيهَا، فَكَانَ فِي بَيتِ عَائِشَةَ، فَجَاءَت زَينَبُ فَمَدَّ يَدَهُ إِلَيهَا فَقَالَت: هَذِهِ زَينَبُ فَكَفَّ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ، فَتَقَاوَلَتَا حَتَّى استَخَبَتَا\nــ\nبقوله ﷺ: (فلا تلمني فيما تملك ولا أملك). وعند أبي داود: يعني القلب. وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلَن تَستَطِيعُوا أَن تَعدِلُوا بَينَ النِّسَاءِ وَلَو حَرَصتُم﴾\nو(قوله: كان للنبي ﷺ تسع نسوة، فكان إذا قسم لا ينتهي إلى المرأة الأولى في تسع) كذا صحت روايتنا (١): (في تسع) من غير إلَاّ الإيجابية. وقد وقع في بعض النسخ: (إلا في تسع) وهو أصوب، وأوضح. فتأمله.\nو(قوله: فكنَّ يجتمعن كل ليلة في بيت التي يأتيها) حجة في أن الزوج لا يأتي غير صاحبة القَسم. فأما اجتماعهن عند صاحبة القَسم في بعض الأوقات فباختيارهن، ومن حق صاحبة القَسم أن تمنعهن إن شاءت.\nو(قوله: فكان في بيت عائشة فجاءت زينب، فمدَّ يده إليها، فقالت: هذه زينب فكف) كان هذا في الوقت الذي لم يكن في البيوت مصابيح، وإنما مدَّ يده إليها يظنَّها عائشة.\nوفيه ما يدل: على صحة ما ذكرناه من أنه لا يجوز للزوج الاستمتاع بالواحدة في وقت الأخرى. فأمَّا ما خرَّجه البخاري وأبو داود من حديث عائشة: من أنَّه ﷺ (كان يطوف بعد العصر على نسائه، فيدنو منهن من غير مسيس (٢». فقد قيل: إن ذلك كان إذ لم يكن القَسم عليه واجبا. ويحتمل أن يقال: كان (٣) ذلك برضا أزواجه.\nو(قوله: فتقاولتا حتى استخبتا): عند كافة الشيوخ: بالخاء المعجمة، بعدها\n_________\n(١) في (ع): الرواية.\n(٢) رواه البخاري (٥٢١٦)، وأبو داود (٢١٣٥). والجملة الأخيرة ليست عند البخاري.\n(٣) في (ع): كلّ.","vol":"4","page":206},{"text":"وَأُقِيمَت الصَّلَاةُ. فَمَرَّ أَبُو بَكرٍ عَلَى ذَلِكَ، فَسَمِعَ أَصوَاتَهُمَا فَقَالَ: اخرُج يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَى الصَّلَاةِ، وَاحثُ فِي أَفوَاهِهِنَّ التُّرَابَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَت عَائِشَةُ: الآنَ يَقضِي النَّبِيُّ ﷺ صَلَاتَهُ فَيَجِيءُ أَبُو بَكرٍ فَيَفعَلُ بِي وَيَفعَلُ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ صَلَاتَهُ أَتَاهَا أَبُو بَكرٍ، فَقَالَ لَهَا قَولًا شَدِيدًا، وَقَالَ: أَتَصنَعِينَ هَكذَا؟ .\nرواه مسلم (١٤٦٢).\nــ\nباء بواحدة مفتوحتين: من السَّخب. وهو: اختلاط الأصوات، وارتفاعها. ويقال: بالصاد. ووقع في رواية السمرقندي: استحثيا -بالحاء المهملة - وسكونها، وبعدها ثاء مثلثة، وبعدها ياء باثنتين من تحتها. ومعناه -إن لم يكن تصحيفًا-: حثت كل واحدة منهما في وجه الأخرى التراب. وصوابه: استحثتا - باثنتين من فوقها (١)، وسبب هذا الواقع بينهما: الغيرة.\nوفيه ما يدل على جميل عشرة النبي ﷺ ومداراته.\nو(قوله: وأقيمت الصلاة) يدلّ على أن تلك الحالة الواقعة لهم كانت قريب الفجر، وأنهما دامتا على المقاولة إلى أن أقيمت صلاة الصبح (٢).\nوليس في مَدِّ يده إلى زينب دليلٌ على أن اللمس لا ينقض الوضوء، كما قد زعمه بعضهم؛ إذ لم ينقل أنه كان منه لمس على غير حائل، ولا أنه كان توضأ قبل ذلك، فلعلَّه بعد ذلك توضأ.\nوقول أبي بكر ﵁: (احث في أفواههن التراب) مبالغة في الرَّدع والزجر لهنَّ، عن رفع أصواتهن على صوت النبي ﷺ وترك احترامه.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٢) هذا استنتاج خاصّ للقرطبي دون دليل، والمعقول أن تكون هذه الحادثة قبيل صلاة العشاء. والله أعلم.","vol":"4","page":207},{"text":"[١٥٢٦] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: مَا رَأَيتُ امرَأَةً أَحَبَّ إِلَيَّ أَن أَكُونَ فِي مِسلَاخِهَا مِن سَودَةَ بِنتِ زَمعَةَ مِن امرَأَةٍ فِيهَا حِدَّةٌ. قَالَت: فَلَمَّا كَبِرَت جَعَلَت يَومَهَا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعَائِشَةَ. قَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَد جَعَلتُ يَومِي فيكَ لِعَائِشَةَ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقسِمُ لِعَائِشَةَ يَومَينِ يَومَهَا وَيَومَ سَودَةَ.\nــ\nو(قول عائشة: ما رأيت امرأة أحب إليَّ أن أكون في مسلاخها من سودة) أي: في جلدها. وحقيقة ذلك: أنَّها تمنَّت أن تكون هي؛ لأن أحدًا لا يتمنى أن يكون في جلد غيره. وهذا اللفظ قد جرى مجرى المثل. ومقصودها: أنها أحبت أن تكون على مثل حالها في الأوجه التي استحسنت منها.\nو(قولها: من امرأة فيها حِدَّة) (من) هنا: للبيان، والخروج من وصف إلى ما يخالفه، ولم تُرِد تنقيصَها بذلك، وإنما أرادت: أنَّها كانت شهمةَ النفس، حديدة القلب، حازمة مع عقل رصين، وفضل متين. ولذلك جعلت يومها لعائشة.\nوفيه دليل على أن حق للزوجة ذات الضرائر. وأنَّه يجوز لها بذله لغيرها بعوض وغير عوض، إذا رضيَ بذلك الزوجُ. ويشهد لهذا كله قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امرَأَةٌ خَافَت مِن بَعلِهَا نُشُوزًا أَو إِعرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَن يُصلِحَا بَينَهُمَا صُلحًا وَالصُّلحُ خَيرٌ﴾\nوفي هذه القصَّة نزلت هذه الآية على ما قيل. لكن عند مالك لها الرجوع في مثل هذا إذا شاءت؛ لأنها حقوق متجددة آنًا فآنًا، فلكل متجدِّد حكمه، بخلاف الحقوق الثابتة؛ تلك التي لا يًرجِعُ في شيء منها مَن أسقطها، مثل ما يترتب في الذمم، أو في الأبدان. وهذا أحد قولي مالك. وقيل: يلزم ذلك دائمًا (١).\nو(قوله: فكان يقسم لعائشة يومين، يومها ويوم سودة) لا يفهم من هذا\n_________\n(١) في (ع): أبدًا.","vol":"4","page":208},{"text":"وفي رواية: قَالَت: وَكَانَت أَوَّلَ امرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا بَعدِي.\nرواه البخاريُّ (٥٢١٢)، ومسلم (١٤٦٣) (٤٧) و(٤٨).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-560>(٣٠) باب في قوله تعالى: ﴿تُرجِي مَن تَشَاءُ مِنهُنَّ وَتُؤوِي إِلَيكَ مَن تَشَاءُ﴾</span>\n[١٥٢٧] عَن عَائِشَةَ قَالَت: كُنتُ أَغَارُ عَلَى اللَّاتِي وَهَبنَ أَنفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَقُولُ: وَتَهَبُ المَرأَةُ نَفسَهَا؟ فَلَمَّا أَنزَلَ اللَّهُ ﷿:\nــ\nتوالي اليومين. بل يوم سودة على الرتبة التي كانت لها قبل الهبة.\nو(قولها: وكانت أوَّل امرأة تزوَّجها بعدي) هذه رواية يونس، عن شريك. وهكذا قال يونس أيضًا عن ابن شهاب، وعبد الله بن محمد بن عقيل. وأشار بعضهم إلى الجمع بين القولين فقال: أول من عقد عليها بعد خديجة عائشة، وأول من دخل عليها بعد خديجة سودة، فإنه دخل عليها بمكة قبل (١) الهجرة، ودخل على عائشة بالمدينة في شوَّال سنة اثنتين من الهجرة (٢). وروى عقيل بن خالد عن ابن شهاب خلافه، وأنه ﷺ تزوج سودة قبل عائشة. قال أبو عمر: وهذا قول قتادة، وأبي عبيدة.\n(٣٠) ومن باب: قوله تعالى: ﴿تُرجِي مَن تَشَاءُ مِنهُنَّ وَتُؤوِي إِلَيكَ مَن تَشَاءُ﴾ الآية.\nاختلف السَّلف في هذه الآية. فقيل: هي ناسخة لقوله تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِن بَعدُ﴾ مبيحة له أن يتزوَّج ما شاء. وقيل: بل نُسخ\n_________\n(١) في (ج ٢): بعد. والصواب ما أثبتناه.\n(٢) ما بين حاصرتين مستدرك من (ج ٢).","vol":"4","page":209},{"text":"﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ [الأحزاب: ٥١]\nــ\nقوله: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ بالسنَّة. قال زيد بن أسلم: تزوَّج رسول الله ﷺ بعد نزول هذه الآية ميمونة، ومليكة، وصفية، وجويرية. وقالت عائشة: (ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل الله له النساء) (١).\nوقيل عكس هذا، وهو: إن قوله: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ ناسخة لقوله: ﴿إِنَّا أَحلَلنَا لَكَ أَزوَاجَكَ﴾ الآية، ولقوله: ﴿تُرجِي مَن تَشَاءُ مِنهُنَّ﴾ وقيل غير هذا مما هو ظاهر الفساد. وإن صحَّ ما نقله زيد بن أسلم: فالقول قوله، والله تعالى أعلم (٢).\nترجي: قُرئ مهموزًا وغير مهموز، وهما لغتان. يُقال: أرجيتُ الأمر، وأرجأته: إذا أخَّرته. وتُؤوي: تضم. ابن عباس: تطلق من تشاء، وتمسك من تشاء. فأراد تطليق سودة، فوهبت يومها لعائشة فَبَقَّاها. مجاهد: تعزل من تشاء بغير طلاق، وتضم إليك من تشاء.\nوكان ممن آوى إليه عائشة، وحفصة، وأم سلمة. وأرجأ سودة، وجويرية، وصفية، وميمونة، وأم حبيبة. وكان يقسم لهن ما شاء. وتوفي ﷺ وقد آوى جميعهن إلا صفية، وهذا يدلّ على أن القَسم لم يكن عليه (٣) واجبا. وهو أحد القولين كما قدمناه.\nابتغيت؛ أي: طلبت الإصابة. ذلك؛ أي: الابتغاء أدنى؛ أي: أقرب لطيب قلوبهن؛ أي: إذا علمن أنَّ العَزل بأمر الله تعالى قرَّت أعيُنُهُنَّ بذلك، ورضين. هذا قول أهل التفسير.\nوفي هذه الآيات أبحاث ليس هذا موضع ذكرها. وما نقلناه أشبه ما قيل فيها (٤).\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٢١٤)، والنسائي (٦/ ٥٦).\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ج ٢).\n(٣) ليست في (ع).\n(٤) ما بين حاصرتين ساقط من (ج ٢).","vol":"4","page":210},{"text":"قَالَت: قُلتُ: وَاللَّهِ مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ.\nوفي رواية: إن عَائِشَةَ كَانَت تَقُولُ: أَمَا تَستَحيِي المرَأَةٌ تَهَبُ نَفسَهَا لِرَجُلٍ؟ حَتَّى أَنزَلَ اللَّهُ وذكره.\nرواه البخاريُّ (٥١١٣)، ومسلم (١٤٦٤) (٤٩) و(٥٠)، وأبو داود (٢١٣٦)، والنسائي (٥٤١٦).\nــ\nو(قول عائشة ﵂: ما أرى ربَّك إلا يسارع في هواك). قول (١) أبرزته الغيرةُ والدَّلالُ. وهذا من نوع قولها: (ما أهجر إلا اسمك) (٢) و(لا أحمد إلا الله) (٣). وإلا فإضافة الهوى إلى النبي ﷺ مباعدٌ لتعظيمه، وتوقيره (٤)؛ الذي أمرنا الله تعالى به، فإن النبي ﷺ مُنَزَّهٌ عن الهوى بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى﴾، وهو ممن نهى النفس عن الهوى. ولو جعلت مكان (هواك) (مرضاتك) لكان أشبه، وأولى. لكن أبعد هذا في حقِّها عن نوع الذنوب: أنَّ ما يفعل المحبوب محبوب.\nو(قولها: (أما تستحيي المرأة تهب نفسها؟ !) تقبيح منها على من فعلت ذلك. وتنفير أوجبه غيرتها. وإلَاّ فقد علمت أن الله تعالى أباح هذا للنبي ﷺ خاصَّة، وأن النساء كلّهن لو مَلَّكنَ رقَّهُنَّ ورِقَابهنَّ للنبي ﷺ لكُنَّ معذورات في ذلك، ومشكورات عليه لعظيم بركته، ولشرف منزلة القرب منه.\nوعلى الجملة فإذا حُقِّقَ النظرُ في أحوال أزواجه؛ عُلِمَ: أنَّه لم يحصل أحدٌ في العالم على مثل ما حصلنَّ عليه. ويكفيك من ذلك مخالطة اللحوم، والدماء، ومشابكة الأعضاء،\n_________\n(١) سقطت من (ل ١).\n(٢) رواه البخاري (٥٢٢٨)، ومسلم (٢٤٣٩).\n(٣) رواه البخاري (٤٧٥٠)، ومسلم (٢٧٧٠).\n(٤) في (ل ١) و(ج ٢): تعزيره.","vol":"4","page":211},{"text":"[١٥٢٨] وعن عَطَاءٌ قَالَ: حَضَرنَا مَعَ ابنِ عَبَّاسٍ جَنَازَةَ مَيمُونَةَ زَوجِ النَّبِيِّ ﷺ بِسَرِفَ فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: هَذِهِ زَوجُ النَّبِيِّ ﷺ، فَإِذَا رَفَعتُم نَعشَهَا فَلَا تُزَعزِعُوا، وَلَا تُزَلزِلُوا، وَارفُقُوا فَإِنَّهُ كَانَ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تِسعٌ،\nــ\nوالأجزاء. وناهيك بها مراتب فاخرة. لا جرم هنَّ أزواجه المخصوصات به في الدنيا والآخرة.\nو(سرف): موضع على ستة أميال من مكة. وقيل: سبعة. وقيل: تسعة. وقيل: اثنا عشر ميلًا. ولا خلاف: أن ميمونة ﵂ توفيت به. وهي آخر أزواج النبي ﷺ موتًا. قيل: إنها ماتت سنة ثلاث وستين. وقيل: ست وستين. وعلى هذا تكون ميمونة آخرهن موتًا. وقيل: سنة إحدى وخمسين، قبل عائشة؛ لأن عائشة توفيت سنة سبع وخمسين. وقيل: ثمان وخمسين. وعلى هذا فتكون عائشة آخرهن موتًا. وأما صفية: فتوفيت سنة خمسين.\nوقول عطاء: (كانت آخرهن موتًا، ماتت بالمدينة) قول مشكل، يلزم عليه وهم؛ وذلك: أنَّه إن كان أراد ميمونة؛ فقد وَهِمَ في قوله: إنها ماتت بالمدينة. وقد بينَّا: أنها ماتت بسرف. إلا أن يريد بـ (المدينة) هنا (مكة) وفيه بُعدٌ. وإن أراد بها صفية؛ فقد وَهِمَ أيضًا؛ لأنها لم تكن آخرهن موتًا على ما قدّمناه. وقد وهم أيضًا في قوله: إن التي لا يقسم لها هي صفية، فإن المشهور: أن التي لا يقسم لها هي: سودة، وهبت يومها لعائشة، كما تقدَّم.\nوقول ابن عباس ﵄: (فإذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوا، ولا تزلزلوا، وارفقوا) كلُّ ذلك تنبيه على ما يجب من احترام أزواجه ﷺ لعظيم رتبتهنَّ، وشرف منزلتهن، كما قدمناه.\nوقد تقدَّم لنا القول في وجه خصوصية النبي ﷺ بكثرة النساء، وأبدينا هنالك فوائد كثرة النساء في أول كتاب النكاح، ونزيد هنا نكتة نبَّه عليها أبو سليمان الخطَّابي بكلام معناه: إن الله تعالى اختار لنبيه ﷺ من الأمور أفضلها، وأكملها، وجمع له من الفضائل التي تزداد بها نفوس","vol":"4","page":212},{"text":"فَكَانَ يَقسِمُ لِثَمَانٍ، وَلَا يَقسِمُ لِوَاحِدَةٍ. قَالَ عَطَاءٌ: الَّتِي لَا يَقسِمُ لَهَا صَفِيَّةُ بِنتُ حُيَيِّ بنِ أَخطَبَ. وكَانَت آخِرَهُنَّ مَوتًا مَاتَت بِالمَدِينَةِ.\nرواه أحمد (١/ ٢٣١)، والبخاريُّ (٥٠٦٧)، ومسلم (١٤٦٥) (٥١) و(٥٢)، والنسائيُّ (٦/ ٥٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-561>(٣١) باب الحث على نكاح الأبكار وذوات الدين</span>\n[١٥٢٩] عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ أَنَّ عَبدَ اللَّهِ هَلَكَ، وَتَرَكَ تِسعَ بَنَاتٍ\nــ\nالعرب جلالة، وفخامة. وكانت العرب تتفاخر بقوة النكاح، وكان ﷺ من قوة البنية، واعتدال المزاج، وكمال الخلقة على نهايتها، على ما شهدت به الأخبار. ومن كان بهذه الصِّفة؛ كانت دواعي هذا الباب أغلب عليه، وكان من عداها منسوبًا إلى نقص الجبلّة، وضعف النَّحيزة (١)، فأبيح له الزيادة على أربع لاحتياجه إلى ذلك. وأيضًا: فلقوَّته على العدل بينهن. ولَمَّا لم يكن غيره كذلك: قصر على أربع، والله تعالى أعلم.\n(٣١) ومن باب: الحث على نكاح الأبكار\n(قول جابر بن عبد الله ﵁: (إن عبد الله هلك) يعني: والده. وكان استشهد يوم أحد، اختلفت عليه أسياف المسلمين. وهم يظنونه من الكفار.\n_________\n(١) \"النحيزة\": الطبيعة.","vol":"4","page":213},{"text":"(أَو قَالَ: سَبعَ) فَتَزَوَّجتُ امرَأَةً ثَيِّبًا فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا جَابِرُ تَزَوَّجتَ؟ قَالَ: قُلتُ: نَعَم قَالَ: فَبِكرٌ أَم ثَيِّبٌ؟ قَالَ: قُلتُ: بَل ثَيِّبٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَال: فَهَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ وتُضَاحِكُهَا وَتُضَاحِكُكَ! قَالَ: قُلتُ لَهُ: إِنَّ عَبدَ اللَّهِ هَلَكَ، وَتَرَكَ تِسعَ بَنَاتٍ - أَو سَبعَ -، وَإِنِّي كَرِهتُ أَن آتِيَهُنَّ - أَو أَجِيئَهُنَّ - بِمِثلِهِنَّ، فَأَحبَبتُ أَن أَجِيءَ بِامرَأَةٍ تَقُومُ عَلَيهِنَّ، وَتُصلِحُهُنَّ قَالَ: فَبَارَكَ اللَّهُ لَكَ أَو قَالَ لِي: خَيرًا.\nوفي رواية: قَالَ: فَأَينَ أَنتَ مِن العَذَارَى وَلِعَابِهَا؟\nــ\nفكان جابر يقول: أبي! أبي! فلم يسمعوه حتى استشهد فتصدَّق ابنه بدمه على المسلمين (١).\nو(الثيب): المرأة التي دخل بها الزوج، وكأنَّها ثابت إلى غالب أحوال كبار (٢) النساء.\nو(قوله: فهلَاّ جارية (٣) تلاعبها، وتلاعبك) يدلُّ على تفضيل نكاح الأبكار، كما قال في الحديث الآخر: (فإنهنَّ أطيب أفواهًا، وأنتَقُ أرحامًا) (٤).\nو(تلاعبها): من اللعب، بدليل قوله: (وتضاحكها). وفي كتاب أبي عبيد: (تداعبها وتداعبك).\nو(قوله في الرواية الأخرى: (أين أنت من العذارى ولعابها) - بكسر\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع). . وفي حاشية (ل ١) ما يلي: من نسخة فرح بخطه: هذا وهمٌ في أن عبد الله والد جابر قتله المسلمون، وأن جابرًا حضر أحدًا، ولم يحضرها محققًا. إنما كان ذلك اليمان بن حُسيل، أبو حذيفة بن اليمان، والقائل: أبي! أبي! حذيفة، وهو المتصدق بدم أبيه على المسلمين -﵃ أجمعين-.\n(٢) سقطت من (ع).\n(٣) في (ع): بكرًا.\n(٤) رواه ابن ماجه (١٨٦١).","vol":"4","page":214},{"text":"رواه البخاري (٢٠٩٧)، ومسلم (٧١٥) (٥٥) و(٥٦)، والنسائي (٦/ ٦٥)، وابن ماجه (١٨٦٠).\n[١٥٣٠] وعَن أبي هريرة: عَن النَّبِيِّ ﷺ قَال: تُنكَحُ المَرأَةُ لِأَربَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا\nــ\nاللام هنا لا غير - وهو مصدر لاعب، من الملاعبة. كما يقال: قِتالًا؛ من: قَاتَل، يقاتل. وقد رواه أبو ذر (١) من طريق المستملي: (لُعَابها) - بالضم-؛ يعني به: ريقها عند التقبيل. وفيه بُعدٌ. والصواب: الأول.\nوهذا الحديث يدلُّ على فضل عقل جابر؛ فإنه راعى مصلحة صيانة أخواته، وآثرها على حق نفسه، ونيل لذته؛ ولذلك استحسنه منه النبي ﷺ وقال له: (فبارك الله لك) وقال له خيرًا.\nوفيه ما يدلُّ على قصد الرجل من الزوجة القيام له بأمور وبمصالح ليست لازمة لها في الأصل، ولا يُعاب من قصد شيئًا من ذلك.\nو(قوله: تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها) أي: هذه الأربع الخصال هي المُرغِّبة في نكاح المرأة. وهي التي يقصدها الرِّجال من النساء. فهو خبرٌ عما في الوجود من ذلك، لا أنه أمرٌ بذلك. وظاهره إباحة النكاح؛ لقصد مجموع هذه الخصال أو لواحدة منها، لكن قصد الدِّين أولى وأهم؛ ولذلك قال: (فاظفر بذات الدِّين تربت يمينك) (٢).\nو(الحسب) هنا: الشرف،\n_________\n(١) في (ل): أبو داود، وهو خطأ، والصحيح ما أثبتناه. وأبو ذر، هو: مصعب بن محمد ابن مسعود الخشني: من علماء الحديث والسير والنحو. توفي (٦٠٤ هـ).\n(٢) زاد في (ج ٢):\nتتميم: في كتاب \"ربيع الأبرار\" للزمخشري، في الحديث: \"تُنكح النساء على =","vol":"4","page":215},{"text":"فَاظفَر بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَت يَدَاكَ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٢٨)، والبخاري (٥٠٩٠)، ومسلم (١٤٦٦) (٥٣)، وأبو داود (٢٠٤٧)، والنسائي (٦/ ٦٨)، وابن ماجه (١٨٥٨).\nــ\nوالرفعة. وأصله من الحساب؟ الذي هو العدد، وذلك أن الشريف يعد لنفسه ولآبائه مآثر جميلة وخصالًا شريفة. والحسب - بسكون السين -: المصدر، وبفتحها: الاسم. كالنّقض، والنَّقَض، والقَبض، والقَبَض. وقد يراد بالحسب: قرابة الرجل، وأهله، وذريته؛ كما جاء في وفد هوازن؛ إذ قيل لهم: اختاروا، إما المال، وإمَّا السبي. فقالوا: إنا نختار الحسب. فاختاروا أبناءهم ونساءهم. وقد تقدم القول على: (تربت يداك).\nولا يُظَّنُّ من هذا الحديث أن مجموع هذه الأربع والمساواة فيها هي الكفاءة، فإن ذلك لم يقل به أحدٌ من العلماء فيما علمت، وإن كانوا قد اختلفوا في الكفاءة ما هي؟\nفعند مالك: الكفاءة في الدِّين. فالمسلمون بعضهم لبعض أكفاء، والمولى كفؤ للقُرشيّة. وروى مثله عمر، وابن مسعود، وجماعة من الصحابة والتابعين.\nوقال غيره: الكفاءة معتبرة في الحال والحسب. فعند أبي حنيفة: قريش كلهم أكفاء، وليس غيرهم من العرب لهم بكفؤ. والعرب بعضهم لبعض أكفاء، وليس الموالي لهم بأكفاء. ومن له من الموالي آباء في الإسلام؛ فبعضهم لبعض أكفاء، وليس المعتق نفسه لهم بكفؤ.\nوقال الثوري: يفرق بين العربية والمولى، وشدَّدَ في ذلك، وقاله أحمد (١). قال الخطابي: الكفاءة في قول أكثر العلماء في\n_________\n= أربع: الجمال والنسب والمال والدين\" فمن نكح للجمال عاقبه الله بالغَيْرة، ومَن نكح للنسب عاقبة الله بالذل، ومن نكح للمال لم يخرج من الدنيا حتى يبتليه الله بماله، ثم يقسِّي قلبها فلا تعطه قليلًا ولا كثيرًا، ومن نكح للدين أعطاه الله: المال والجمال والنسب وخير الدنيا والآخرة.\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"4","page":216},{"text":"[١٥٣١] وعن جَابِرُ قَالَ: تَزَوَّجتُ امرَأَةً على عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وذكر نحو ما تقدم، وزاد فقَالَ له رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: تُنكَحُ المَرأَةَ عَلَى دِينِهَا، وَجَمَالِهَا، وَمَالِهَا، فَعَلَيكَ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَت يَدَاكَ.\nرواه مسلم (٧١٥) (٥٤).\n* * *\nــ\nأربعة: في الدِّين، والنَّسب، والحرِّية، والصناعة. واعتبر بعضهم السلامة من العيوب. والكل منهم متفقون: على أنه لا يعتبر في الكفاءة المساواة فيما يُعَدُّ كفاءة، بل يكفي أن يكونا ممن ينطلق عليها اسم ذلك المعنى المعتبر في الكفاءة. فالمفضول كفؤ للأفضل، والمشروف كفؤ للأشرف؛ لأنهما قد اشتركا في أصل ذلك المعنى.\nوقد استدل أصحابنا بهذا الحديث: على أن للزوج حق الاستمتاع والتجمُّل بمال الزوجة. ووجه ذلك: أنها إذا كانت ذات مال رغب الزوج فيها ووسّع في المهر لأجل المال، وبذل لها من ذلك أكثر مما يبذل للفقيرة. وقد سوَّغ الشرع هذا القصد، فلا بدَّ له من أثر ومقابل، لا جائز أن يكون عين مالها بالاتفاق، فلم يبق إلا أن يكون الاستمتاع، والتجمُّل به، وكفاية كثير من المؤن. وينبني على ذلك: أنها تُمنع من تفويت مالها كلِّه لأجل حق الزوج.\nوقد شهد بصحة هذا الاعتبار قوله ﷺ فيما خرَّجه النسائي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أنه ﷺ قال: (لا يحل لامرأة أن تقضي في ذي بال من مالها إلا بإذن زوجها) (١). قال الإمام أبو عبد الله: وفي ظاهر هذا حجة لقولنا: إن المرأة إذا رفع لها الزوج في الصَّداق ليسارها، ولأنها تسوق إلى بيته من الجهاز ما جرت عادة أمثالها به، وجاء الأمر بخلافه، فإن للزوج مقالًا في ذلك، ويحط عنه من الصَّداق الزيادة (٢) التي زادها\n_________\n(١) رواه النسائي في الكبرى (٦٥٨٩ و٦٥٩٠).\n(٢) سقطت من (ع).","vol":"4","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-562>(٣٢) باب مَن قَدم من سفر فلا يعجل بالدخول على أهله فإذا دخل فالكيس الكيس</span>\n[١٥٣٢] عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ، فَلَمَّا أَقبَلنَا تَعَجَّلتُ عَلَى بَعِيرٍ لِي قَطُوفٍ، فَلَحِقَنِي رَاكِبٌ خَلفِي،\nــ\nلأجل الجهاز على الأصح عندنا، على أصلنا؛ إذ قد كان المقصود من الجهاز في حكم التبع لاستباحة البضع، كمن اشترى سلعتين، فاستُحِقَّ الأدنى منهما، فإنَّه إنما ينقض البيع في قدر المستحقَّة خاصة.\nقال القاضي: وإذا تقرر: أن للزوج حق الاستمتاع؛ فإن مكنته من ذلك؛ أي: من الاستمتاع بالجهاز (١)، وطابت نفسها به كان له ذلك، وإن منعته، فله مقدار ما بذل من الصَّداق. وعلى هذا في إجبارها على التجهيز بصداقها. فألزمها ذلك مالك، ولم يجز لها منه قضاء دينٍ، ولا نفقة في غير جهازها؛ إلا أن تنفق اليسير من الكثير. وقال الكوفيون: لا تُجبر على شيء، وهو مالها، تفعل فيه ما تشاء، والله أعلم.\n(٣٢) ومن باب: مَن قَدم من سفر فلا يعجل بالدخول على أهله\n(قوله: فلما أقفلنا) كذا لابن ماهان. ووجه الكلام: قفلنا -ثلاثيًّا -، يقال: قفل الجند من مبعثهم؛ أي: رجعوا، وأقفلهم الأمير، وقَفَلَهُم أيضًا. وتحتمل الرواية أن تكون بفتح اللام؛ أي: أقفَلَنَا النبي ﷺ وتحتمل أن تكون اللام ساكنة. ويكون معناه: أقفل بعضنا بعضًا. ورواه ابن سفيان: (أقبلنا) بالباء المنقوطة بواحدة، من الإقبال.\nو(القطوف): هو البعير البطيء المشي، المتقارب الخطو؛ قاله الخليل\n_________\n(١) ما بين حاصرتين مستدرك من (ج ٢).","vol":"4","page":218},{"text":"فَنَخَسَ بَعِيرِي بِعَنَزَةٍ كَانَت مَعَهُ، فَانطلق بَعِيرِي كَأَجوَدِ مَا أَنتَ رَاءٍ مِن الإِبِلِ، فَالتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا يُعجِلُكَ يَا جَابِرُ؟ قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي حَدِيثُ عَهدٍ بِعُرسٍ فَقَالَ: أَبِكرًا تَزَوَّجتَهَا أَم ثَيِّبًا؟ قَالَ: قُلتُ: بَل ثَيِّبًا قَالَ: هَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ؟ . قَالَ: فَلَمَّا قَدِمنَا المَدِينَةَ ذَهَبنَا لِنَدخُلَ فَقَالَ: أَمهِلُوا حَتَّى نَدخُلَ لَيلًا (أَي عِشَاءً) كَي\nــ\nوغيره. قال الثعالبي: إذا كان الفرس يمشي وثبًا وثبًا؛ فهو قطوف، فإن كان يرفع يديه ويقوم على رجليه؛ فهو شبوب، فإن كان يلتوي برأسه حتى يكاد يسقط عنه راكبه؛ فهو قموص، فإذا كان مانعًا ظهره؛ فهو شموس.\nو(العَنَزَةُ): عصا مثل نصف الرمح (١)، أو أكثر، وفيها: زُجٌّ؛ قاله أبو عبيد. قال الثعالبي: فإن طالت شيئًا؛ فهي النيزك، ومِطرَدٌ، فإذا زاد طولها وفيها سنان عريض؛ فهي ألة وحربة.\nو(قوله: فانطلق بعيري كأجود ما أنت راء) أي: كأسرع بعير تراه من الإبل. وهذا من بركات رسول الله ﷺ ومن كراماته.\nو(قوله: أمهلوا حتى ندخل ليلًا) أي: ارفقوا.\nو(الشَّعِثَة): المتغيرة الحال والهيئة. و(تَستَحِدَّ): تستعمل الحديدة؛ يعني به: حلق الشعر. و(المَغِيبة): هي التي غاب عنها زوجها. يقال: أغابت المرأة، فهي مغيبة - بالهاء -، وأشهدت: إذا حضر زوجها. فهي: مُشهِد - بغير هاء -.\nوفي هذا من التنبيه على رعاية المصالح الجزئية في الأهل، والإرشاد إلى مكارم الأخلاق، وتحسين المعاشرة ما لا يخفى. وذلك: أن المرأة تكون في حالة غيبة زوجها على حالة بذاذة، وقلة مبالاة بنفسها، وشعث. فلو قَدِمَ الزوج عليها وهي في تلك\n_________\n(١) في (ع): الذراع.","vol":"4","page":219},{"text":"تَمتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وَتَستَحِدَّ المُغِيبَةُ قَالَ: وَقَالَ: فإِذَا قَدِمتَ فَالكَيسَ الكَيسَ! .\nرواه أحمد (٣/ ٣٧٥)، والبخاري (٢٠٩٧)، ومسلم (٧١٥) (٥٧).\n* * *\nــ\nالحال ربما نفر منها، وزَهِدَ فيها، وهانت عليه. فنبَّه على ما يزيل ذلك، ولا يعارض قوله: (حتى ندخل ليلًا) نهيه في الحديث الآخر عن أن يطرق الرَّجل أهله؛ لأن ذلك إذا لم يتقدَّم إليهم خبره؛ لئلا يستغفلهم، ويرى منهم ما يكرهه. وقد جاء هذا مبيَّنًا في الجهاد؛ إذ قال: (كان لا يطرق أهله ليلًا) (١) وكان يأتيهم غدوًّا وعشيًّا. وقد جاء في حديث النهي عن الطروق التنبيه على علَّة أخرى. وهي: أنه لا يطرقهم يتخوَّنهم، ويطلب عثراتهم. وهو معنى آخر غير الأول. وينبغي أيضًا: أن يجتنب الطروق لأجل ذلك.\nو(قوله: فإذا قدمت فالكَيس الكَيس). قال ابن الأعرابي: الكَيس: الجماع، والكَيس: العقل. فكأنه جعل طلب الولد عقلًا. ومنه الحديث: (أي المؤمنين أكيَس) (٢) أي: أعقل.\n* * *\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ١٢٥)، والبخاري (١٨٠٠).\n(٢) رواه ابن ماجه (٤٢٥٩).","vol":"4","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-563>(٣٣) باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة، ومداراة النساء</span>\n[١٥٣٣] عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الدُّنيَا مَتَاعٌ، وَخَيرُ مَتَاعِ الدُّنيَا المَرأَةُ الصَّالِحَةُ.\nرواه مسلم (١٤٦٧)، والنسائي (٦/ ٦٩).\n[١٥٣٤] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ المَرأَةَ خُلِقَت مِن ضِلَعٍ، لَن تَستَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ، فَإِن استَمتَعتَ بِهَا استَمتَعتَ وَبِهَا عِوَجٌ، وَإِن ذَهَبتَ تُقِيمُهَا كَسَرتَهَا وَكَسرُهَا طلاقهَا.\nرواه البخاري (٥١٨٤)، ومسلم (١٤٦٨)، والترمذي (١١٨٨).\nــ\n(٣٣) ومن باب: خير متاع الدنيا المرأة الصالحة\n(قوله: الدُّنيا متاع) أي: شيء يتمتع به حينًا ما، كما قال تعالى: ﴿قُل مَتَاعُ الدُّنيَا قَلِيلٌ﴾\nو(المرأة الصَّالحة): هي الصالحة في دينها، ونفسها. والمُصلِحَةُ لحال زوجها. وهذا كما قال في الحديث الآخر: (ألا أخبركم بخير ما يكنز المرء؟) قالوا: بلى. قال: (المرأة الصالحة؛ التي إذا نظر إليها سرّته، وإذا غاب عنها حفظته، وإذا أمرها أطاعته) (١).\nو(قوله: إن المرأة خلقت من ضلع) هذا يؤيد ما ينقله المفسِّرون: أن\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٦٦٤).","vol":"4","page":221},{"text":"[١٥٣٥] وعَنه: عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَن كَانَ يُؤمِنُ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ، فَإِذَا شَهِدَ أَمرًا فَليَتَكَلَّم بِخَيرٍ أَو يَسكُت، وَاستَوصُوا بِالنِّسَاءِ خيرا، فَإِنَّ المَرأَةَ خُلِقَت مِن ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعوَجَ شَيءٍ فِي الضِّلَعِ أَعلَاهُ إِن ذَهَبتَ تُقِيمُهُ كَسَرتَهُ، وَإِن تَرَكتَهُ لَم يَزَل أَعوَجَ استَوصُوا بِالنِّسَاءِ خَيرًا.\nرواه مسلم (١٤٦٨) (٦٠).\n[١٥٣٦] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا يَفرَك مُؤمِنٌ مُؤمِنَةً، إِن كَرِهَ مِنهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنهَا آخَرَ أَو قَالَ غَيرَهُ.\nرواه مسلم (١٤٦٩).\nــ\nحواء خلقت من آخر أضلاع آدم - ﵉ -، وهي: القصيرى - مقصورً-. ومعنى (خلقت) أي: أخرجت كما تخرج النخلة من النَّواة. ويحتمل أن يكون هذا قصد به المثل. فيكون معنى (من ضلع) أي: من مثل ضلع. فهي كالضلع. ويشهد له قوله: (لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمعت بها؛ استمتعت وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكَسرُهَا طلاقها).\nو(عَوَج) - بالفتح -: في الأجسام المحسوسة. و(عِوَج) - بالكسر-: في المعاني.\nو(قوله: واستوصوا بالنساء خيرًا) أي: اقبلوا وصيتي فيهن، واعملوا بها، فاصبروا عليهن، وارفقوا بهنَّ، وأحسنوا إليهنَّ.\nو(قوله: لا يَفرك مؤمن مؤمنة) أي: لا يبغضها بغضًا كليًّا يحمله على فراقها؛ أي: لا ينبغي له ذلك، بل يغفر سيئتها لحسنها، ويتغاضى عما يكره لِمَا يحب. وأصل الفرك إنما يقال في النساء. يقال: فركت المرأةُ زَوجَها تفركه. وأبغض الرَّجلُ امرأته. وقد استعمل الفرك في الرَّجل قليلًا، وتجوزا. ومنه ما في هذا الحديث.","vol":"4","page":222},{"text":"[١٥٣٧] وعَنه قال: قال رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَولَا حَوَّاءُ لَم تَخُن أُنثَى زَوجَهَا الدَّهرَ ولَولَا بَنُو إِسرَائِيلَ لَم يَخبُث الطَّعَامُ، وَلَم يَخنَز اللَّحمُ.\nرواه البخاري (٣٣٣٠)، ومسلم (١٤٧٠) (٦٣).\n* * *\nــ\nو(قوله: لولا حواء لم تخن أنثى زوجها) يعني: أنها أمُّهُنَّ فأشبَهنَها بالولادة، ونزع العِرق؛ لما جرى في قصة الشجرة مع إبليس، فإنه أغواها من قَبلِ آدم، حتى أكلت من الشجرة، ثم إنها أتت آدمَ فزيَنت له ذلك، حتى حملته على أن أكل منها.\nو(قوله: ولولا بنو إسرائيل لم يَخبُث الطعام ولم يَخنَز اللحم) يقال: خَنَزَ اللَّحم - بفتح النون في الماضي، وقد تُكسر - خَنَزًا وخُنُوزًا: إذا تغير. ومثله: خَزِنَ - بكسر الزاي - يَخزَنُ خَزنًا وخَزَنًا. قال طرفة:\nنحن لا يَخزُنُ فينا لَحمُهَا ... إنَّما يَخزَنُ لحمُ المُدَّخِر\nويروى: يَخنَزُ. ويعني به: أنه لما أنزل الله تعالى على بني إسرائيل المَنَّ والسلوى، كان المَنَّ يسقط عليهم في مجالسهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس كسقوط الثلج، فيؤخذ منه بقدر ما يغني ذلك اليوم، إلا يوم الجمعة فيأخذون منه للجمعة والسبت، فإن تَعَدَّوا إلى أكثر من ذلك فسد ما ادخروا، ففسد عليهم، فكان ادخارهم فسادًا للأطعمة عليهم وعلى غيرهم، والله تعالى أعلم.\n* * *","vol":"4","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-564>(١٦) كتاب الطلاق</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-565>(١) باب في طلاق السنة</span>\n[١٥٣٨] عَن نَافِعٍ، عَن ابنِ عُمَرَ: أَنَّهُ طلق امرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ على عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَأَلَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَن ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مُرهُ فَليُرَاجِعهَا،\nــ\n(١٦) كتاب الطلاق\nالطلاق هو: حل العصمة المنعقدة بين الأزواج بألفاظ مخصوصة. والفسخ هو: إزالة ما يتوَّهم انعقاده لموجب يمنع العقد. وقد يطلق الفسخ ويراد به الطلاق على ما يأتي إن شاء الله تعالى.\n(١) ومن باب: طلاق السُّنَّة\n(قوله: إن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمرُ رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فأمره رسول الله ﷺ أن يراجعها). وفي الرواية الأخرى: (أن عمر لما ذكر ذلك للنبي ﷺ تغيَّظ، ثم أمره بمراجعتها). فيه دليل: على أن الطلاق في الحيض يحرم؛ فإنه أنكره بتغيُّظه عليه، مع أن ابن عمر لم يكن عرف تحريم ذلك عليه. فتغيَّظَ بسبب ذلك وأمره بالمراجعة. وهو مذهب الجمهور.","vol":"4","page":224},{"text":"ثُمَّ لِيَترُكهَا حَتَّى تَطهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطهُرَ،\nــ\nواختلف في منع الطلاق في الحيض. فقيل: هو عبادة غير معقولة. وقيل: هو معلَّل بتطويل العِدَّة. وهذا على أصلنا في أن الأقراء هي: الأطهار. وينبني على هذا الخلافِ الخلافُ في المطلقة قبل الدخول والحامل في حال الحيض. فإذا قلنا: هو عبادة؛ لم يجز أن يُطلقا وهما حائضان، وإذا قلنا هو للتطويل جاز ذلك؛ لأن المطلقة قبل الدخول لا عدة عليها، ولأن عدة الحامل وضع حملها.\nوقيل: إن علّة ذلك: خوف الإسراع إلى الطلاق، والتساهل فيه بسبب: أنه لا يتلذذ الزوج بوطئها لأجل الحيض، بل تنفر نفسُهُ منها، ويهون عليه أمرها غالبًا، فقد تحمله تلك الحالة على الإسراع في الطلاق، والتساهل فيه.\nو(الطلاق أبغض الحلال إلى الله) كما قاله (١) ﷺ؛ لأنه نقيض الألفة المطلوبة شرعًا، وإنما شُرع الطلاق تخلُّصًا من الضرر اللاحق بالزوج؛ ولذلك كُرِهَ الطلاق من غير سبب. وإلى هذا الإشارة بقوله: (لا يفرك مؤمن مؤمنة) (٢) و(المرأة خلقت من ضلع أعوج) (٣) الحديثين المتقدمين.\nوأمره ﷺ ابن عمر بالمراجعة دليل لمالك على وجوب الرجعة في مثل ذلك. وهو حجة على أبي حنيفة والشافعي، حيث قالا: لا يجب ذلك.\nوفيه دليل: على أن الطلاق في الحيض يقع، ويلزم. وهو مذهب الجمهور خلافًا لمن شذَّ وقال: إنه لا يقع. ثم إذا حكمنا بوقوعه اعتد له بها من عدد الطلاق الثلاث. كما قال نافع، وابن عمر في هذا الحديث على ما يأتي.\nو(قوله: ثم يتركها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر) اختلف في المعنى\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢١٧٧) و(٢١٧٨)، وابن ماجه (٢٠١٨).\n(٢) تقدم تخريجه في التلخيص برقم (١٨٣٦).\n(٣) تقدم تخريجه في التلخيص برقم (١٨٣٤).","vol":"4","page":225},{"text":"ثُمَّ إِن شَاءَ أَمسَكَ، وَإِن شَاءَ أن يطلق قَبلَ أَن يَمَسَّ فَتِلكَ العِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَن يُطلق لَهَا النِّسَاءُ.\nــ\nالذي لأجله منعه من إيقاع الطلاق في الطهر الثاني للحيضة التي طلق فيها. فقيل فيه أقوال:\nأحدها: أنه لو طلق فيه لكان كالموقع طلقتين في قُرءٍ واحد، من حيث: إنه لا يعتدّ بالحيض الذي طلق فيه من العِدَّة، وليس كذلك طلاق السُّنَّة.\nوثانيها: أنها مؤاخذة بنقيض القصد، من حيث: إنه عجَّل ما حقَّه أن يتأخر، فكان كمستعجل الميراث بقتل مُوَرِّثه. وله نظائر. ولا يقال: إن هذا ليس بشيء؛ لأن ابن عمر لم يقصد فعل المحرم؛ إذ لم يعلم التحريم، فلا يعاقب؛ لأنَّا نقول: هو تقعيد القاعدة، وبيان حكمها مطلقا، وليس هذا من قبيل العقوبة الأخروية، وإنما هذا من قبيل ربط الأحكام بالأسباب، كما لو حلف فحنث ساهيًا، فإنه يقع الحنث وإن لم يكن مأثومًا.\nوثالثها: إنما منع من ذلك لَتَحَقَّق الرجعة؛ لأنه إن (١) لم يمس فيه؛ فكأنه ارتجع للطلاق، لا للنكاح. وليس هذا موضوع الرجعة.\nورابعها: ليطول مقامه معها. ويتمكن منها بزوال الحيض، فتزول تلك النُّفرَة التي ذكرناها، فيتلذذ، ويطأ، فيمسك، ويحصل مقصود الزوجية، والألفة. وهذا أشبهها، وأحسنها، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: فتلك العدّة التي أمر الله أن تطلق لها النساء). (تلك): إشارة إلى الحالة التي عيَّنها بقوله المتقدم؛ لجواز إيقاع الطلاق فيها، وهي أن تكون في طهر لم تُمَسَّ فيه، وهي حوالة على قوله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وفي بعض رواياته: أن رسول الله ﷺ قرأ الآية: (فطلقوهن لِقُبُلُ\n_________\n(١) ساقطة من (ل ١).","vol":"4","page":226},{"text":"وفي رواية: قَالَ ابنُ عُمَرَ: وَقَرَأَ رسول الله ﷺ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طلقتُم النِّسَاءَ فَطلقوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ.\nــ\nعدَّتهن).\nوفيها دليل واضح لمالك، ولمن قال بقوله: على أن الأقراء هي الأطهار. كما قالت عائشة، وغيرها. وهي حجة على من قال: إن الأقراء هي الدِّماء؛ وهو أبو حنيفة، وغيره.\nوقد دلَّ هذا الحديث: على أن طلاق السُّنة يراعى فيه وقت الطهر. وهل يكفي ذلك في كون الطلاق للسُّنة، أو لا بدَّ من زيادة قيود أُخَر.\nفقال الشافعي وأحمد وأبو ثور: يكفي ذلك، وليس في عدد الطلاق سنة ولا بدعة.\nوقال مالك وعامَّة أصحابه: لا بدَّ في طلاق السُّنَّة من أن يعتبر مع الوقت أن يطلقها واحدة، ويتركها حتى تنقضي عدتها، ولا يُردِفُهَا، ومتى خالف شيئًا من ذلك خرج عن طلاق السُّنة، ووصف بالبدعة.\nوقال أبو حنيفة وأصحابه: هذا أحسن الطلاق. وله قول آخر: إن شاء طلقها ثلاثًا، طلقها في كل طهر مرَّة. وكلاهما عند الكوفيين طلاق سنة. وقاله ابن مسعود. واختلف فيه قول أشهب. فقال مرة مثل ذلك. وقال مرة: يجوز أن يرتجع، ثم يطلق ثلاثًا.\nومعنى طلاق السُّنَّة: هو الواقع على الوجوه المشروعة، وطلاق البدعة نقيضه.\nوقد اختلف فيما إذا طلقها في طهر مسَّ فيه. فالجمهور على أنه لا يجبر على الرجعة. وقد شذَّ بعضهم فقال: يُجبر كما يُجبر عليها في الحيض. والفريقان متفقان: على أن ذلك لا يجوز لإلباس العدة عليها؛ لأنها إن لم تكن حاملًا اعتدّت بالأقراء، وإن كانت حاملًا اعتدت بوضع الحمل، ولإمكان وقوع (١) الندم للمطلق عند ظهور الحمل.\n_________\n(١) في (ج ٢): لحوق.","vol":"4","page":227},{"text":"وفي رواية: أَنَّهُ طلق امرَأَةً لَهُ وَهِيَ حَائِضٌ تَطلِيقَةً وَاحِدَةً، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَن يُرَاجِعَهَا، ثُمَّ يُمسِكَهَا حَتَّى تَطهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ عِندَهُ حَيضَةً أُخرَى، ثُمَّ يُمهِلَهَا حَتَّى تَطهُرَ مِن حَيضَتِهَا، فَإِن أَرَادَ أَن يُطلقهَا فَليُطلقهَا\nــ\nواختلف عندنا فيما إذا لم تُرتَجع المطلقة في الحيض حتى جاء الطهر الذي يجوز أن تطلق فيه. هل يُجبر على الرجعة؛ لأنها حق عليه، ولا يزول بزوال وقته، أو لا يجبر؛ لأنه قادر على إيقاع الطلاق في الحال فلا معنى للرجعة.\nو(قوله: إنه طلقها تطليقة واحدة) هذا هو الصحيح، أنها كانت واحدة. ورواية من روى: أنها كانت ثلاثًا وَهمٌ، كما ذكره مسلم عن ابن سيرين: أنَّه أقام عشرين سنة يحدّثه من لا يتهم: أنه طلقها ثلاثًا حتى أتى الباهليُّ، واسمه: يونس بن جبير، يكنى: أبا غَلاب، بفتح الغين، وتخفيف اللام عند أبي بَحرٍ، وتشديدها عند غيره، وكذا قيَّده الأمير: أبو نصر بن ماكولا - وكان ذا ثبت - فحدَّثه عن ابن عمر: أنَّه طلقها تطليقة. وقد روي كذلك من غير وجه مسألة متعلقة بالطهر الذي مسَّ فيه. وتلك: أنَّ كُلَّ من قال: إن الأقراء هي الأطهار، فإذا طلق في طهر مَسَّ فيه، اعتدّ له بذلك الطهر عند الجمهور خلا ابن شهاب، فإنه يلغيه. وقد وجَّهت الحنفيةُ عليهم اعتراضًا؛ وهو: أنهم قالوا: أمر الله المطلقة ذات الأقراء أن تعتدّ ثلاثة أقراء، وأنتم تجعلون ذلك قرأين وبعضَ قرء، فكان قولكم مخالفًا للنص، فدلَّ ذلك على إبطال قولكم: إن الأقراء هي الأطهار. ودلَّ على صحة مذهبنا: أن الأقراء هي الحيض. وقد صحت تسمية الدَّم قرءا في كلام العرب، كما قال: (دعي الصلاة أيام أقرائك) (١) أي: دمك. وكما قال الشاعر (٢):\nيا رُبَّ ذِي ضِغنٍ عَليَّ فَارِضِ ... له قُرُوءٌ كَقُروءِ الحائضِ\n_________\n(١) رواه الدارقطني (١/ ٢١٢) عن عائشة، وانظره في تلخيص الحبير (١/ ١٧٠) فاطمة بنت أبي حبيش.\n(٢) أنشده الصاغاني (انظر تاج العروس).","vol":"4","page":228},{"text":"حِينَ تَطهُرُ مِن قَبلِ أَن يُجَامِعَهَا، فَتِلكَ العِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَن تُطلق لَهَا النِّسَاءُ.\nــ\nيعني: أنه طعنه، فكان له دم كدم الحائض. وهو المنقول عن أبي عمر، والأخفش (١).\nوالجواب: أما عن قولهم: إن الأقراء هي الحيض في اللغة، فالمعارضة بأنها أيضًا فيها الأطهار؛ كما قال الشاعر، وهو الأعشى:\nمورّثةٍ مالًا وفي الحيِّ غبطةٍ ... لِمَا ضَاعَ فيها مِن قُرُوء نِسائِكا\nأي: من أطهارهن.\nوقالت عائشة: الأقراء: الأطهار. وهو منقول عن كثير من أئمة اللغة.\nوالإنصاف: أن لفظ: (القرء) مشترك في اللغة، ولكنه ينطلق عليهما، لاشتراكهما في أصل واحد، وذلك: أن أصل القرء في اللغة (٢)، هو: الجمع، كما قال الشاعر (٣) يصف ناقته:\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... هِجَانِ اللَّونِ لَم تَقرَأ جَنِينًا\n_________\n(١) في (ج ٢) زيادة: لتميم: قال الأزهري: قال أبو عبيد: الأقراء: الحِيَض. والأقراء: الأطهار. وأصله من دنوِّ وقت الشيء. قال الأزهري: وقد قال الشافعيُّ: القرء: اسم الوقت، فلما كان الحيض يجيء لوقت؛ جاز أن تكون الأقراء حيضًا وطهرًا، وإنما السُّنَّة دلت على تخصيصها بالطهر. قال الزجَّاج بعد أن ذكر كلام أهلِ الفقه في ذلك: والظاهر من كلام هؤلاء العلماء أن القرء من الأضداد، يجوز إطلاقه على الحيض والطهر، وإنما السنة دلت على تخصيصه بالطهر، كما ذهب إليه الشافعي. ولو لم يكن فيه إلا ما قالت عائشة ﵂: أتدرون ما الأقراء: هي الأطهار. لكان في قولها كفاية، لأن الأقراء من أمر النساء، وكانت ﵂ من العربية والفقه بحيث برزت على أكثر أصحاب رسول الله - ﷺ - حفظًا، وعلمًا، وبيانًا.\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٣) هو عمرو بن كلثوم، وصدر البيت:\nذِرَاعَيْ عَيْطَلٍ أدْمَاءَ بِكْرٍ","vol":"4","page":229},{"text":"وَكَانَ عَبدُ اللَّهِ إِذَا سُئِلَ عَن ذَلِكَ، قَالَ لِأَحَدِهِم: إمَّا أَنتَ طلقتَ امرَأَتَكَ مَرَّةً أَو مَرَّتَينِ؛\nــ\nأي: لم تجمع في جوفها، أو التَّغير من حال إلى حال، كما قالوا: قرأ النَّجم: إذا أفل، وإذا ظهر. وكل واحد من الأصلين موجود في المُسمَّى: قرءا.\nأمَّا الأول: فلأن الدَّم (١) يجتمع في الرَّحم في أيام الطهر، ثم يجتمع في الخروج في أيام الحيض. وأيضًا: فإن الطهر، والحيض يتصل أحدهما بالآخر، ويجتمع معه.\nوأمَّا الثاني: فانتقال المرأة من حال الحيض إلى حال الطهر محسوس، وحال القرء فيما ذكرناه كحال الصريم، فإنه ينطلق على الليل والنهار؛ لأن كل واحد منهما ينصرم عن صاحبه. وعند الوقوف على ما ذكرناه يحصل الانفصال عما ألزمنا الحنفية من إطلاق القرء على بعض قرء، فإنه إذا كان القرء: الجمع بين الطهر والحيض، فلو طلقها في آخر الطهر الذي مسَّ فيه فقد صحَّ مسمَّى القرء؛ لاجتماع الدَّم معه. وقد انفصل حالها من الطهر إلى الحيض، فصحَّ الاسم، والله الموفق.\nوقد أجاب أصحابنا بجواب آخر، وهو: أن قوله: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ كقوله تعالى: ﴿الحَجُّ أَشهُرٌ مَعلُومَاتٌ﴾ وهي شهران وبعض شهر. وسِرُّه: أنَّ البعض بالنسبة إلى الكل قد لا يلتفت إليه، والله تعالى أعلم.\nوأمَّا ما ذهب إليه ابن شهاب: فليس بشيء؛ لأنه انفرد به دون العلماء، ولأنه إذا ألغى ذلك أضرَّ بالمرأة، وزاد في تطويل العدّة طولًا كثيرًا، فإنَّه يلغي ذلك الطُّهر، والدَّم الذي بعده، فتشتد المضرَّة عليها، ويحصل الحرج المرفوع بأصل الشريعة.\nوقول ابن عمر ﵄: (إمَّا أنت طلقت امرأتك مرة أو مرتين؛ فإن رسول الله ﷺ أمرني بهذا. وإن كنت طلقتها ثلاثًا، فقد حرمت عليك،\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"4","page":230},{"text":"فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنِي بِهَذَا، وَإِن كُنتَ طلقتَهَا ثَلَاثًا فَقَد حَرُمَت عَلَيكَ، حَتَّى تَنكِحَ زَوجًا غَيرَكَ، وَعَصَيتَ اللَّهَ فِيمَا أَمَرَكَ مِن طلاق امرَأَتِكَ.\nــ\nوعصيت ربَّك). (إمَّا أنت): هو بكسر الهمزة؛ كقولهم:\nأبا خُراشة إِمَّا أنتَ ذا نَفَرِ ... فإن قوّمِيَ لم تَأكُلهُم الضَّبُعُ\nأي: إن كنت. فحذفوا الفعل الذي يلي (إن) وجعلوا (ما) عوضًا منه، وأدغموا (إن) في (ما) ووضعوا (أنت) مكان (التاء) في كنت. هذا قول النحويين.\nو(قوله: وعصيت ربك) يعني: بالطلاق ثلاثًا في كلمة. وظاهره: أنه مُحَرَّم، وهو قول ابن عباس المشهور عنه، وعمر بن الخطاب، وعمران بن حصين. وإليه ذهب مالك. وقال الكوفيون: إنه غير جائز، وإنه للبدعة.\nوقال الشافعي: له أن يطلق واحدة، أو اثنتين، أو ثلاثًا. كل ذلك سُنَّة. ومثله قال أحمد بن حنبل، إلا أنَّه قال: أحبُّ إليَّ أن يوقع واحدةً. وهو الاختيار. والأول أولى؛ لما يأتي إن شاء الله تعالى.\nو(قوله: فإن رسول الله ﷺ أمرني بهذا) إشارة إلى أمره ﷺ بالمراجعة. فكأنَّه قال للسائل: إن طلقت تطليقة أو تطليقتين فأنت مأمور بالمراجعة لأجل الحيض، وإن طلقت ثلاثًا (١) لم تكن لك مراجعة؛ لأنها لا تحل لك (٢) إلا بعد زوج. وكذا جاء مفسَّرًا في رواية أخرى في الأم.\nو(قوله: وإن كنت طلقت ثلاثًا؛ فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجًا غيرك، وعصيت الله) دليلٌ على أن الطلاق الثلاث من كلمة واحدة محرَّم لازم إذا وقع\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٢) ليس في (ع).","vol":"4","page":231},{"text":"وفي طريق أخرى: قَالَ عُبَيدُ اللَّهِ: قُلتُ لِنَافِعٍ: مَا صَنَعَت التَّطلِيقَةُ؟ قَالَ: وَاحِدَةٌ اعتَدَّ بِهَا.\nوفي أخرى: لما ذَكَرَ عُمَرُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، تَغَيَّظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ نحو ما تقدم. وفيها: وَكَانَ عَبدُ اللَّهِ طلقهَا تَطلِيقَةً وَاحِدَةً فَحُسِبَت مِن طلاقهَا وَرَاجَعَهَا عَبدُ اللَّهِ، كَمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.\nوفي أخرى: فَقَالَ ﵊: مُرهُ فَليُرَاجِعهَا، ثُمَّ لِيُطلقهَا طَاهِرًا أَو حَامِلًا.\nوفي أخرى: قال أَنَسِ بنِ سِيرِينَ قَلَت لابنَ عُمَرَ: فَاعتَدَدتَ بِتِلكَ التَّطلِيقَةِ الَّتِي طلقتَ وَهِيَ حَائِضٌ؟ قَالَ: مَا لِيَ لَا أَعتَدُّ بِهَا؟ وَإِن كُنتُ عَجَزتُ وَاستَحمَقتُ.\nــ\nعلى ما يأتي (١) وهو مذهب الجمهور.\nو(قوله: مرّه فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا) فيه دليل على جواز طلاق الحامل في أي وقت شاء، وإنه للسُّنة. وهو قول كافة العلماء، وهم على أصولهم. فمالك، ومحمد بن الحسن، وزفر يرون: أنَّه لا يكرر عليها الطلاق إلى أن تضع. والشافعي: يجوز تكرار الطلاق عليها فيه. وأبو حنيفة وأبو يوسف: يجعل بين التطليقتين شهرًا.\nو(قوله: أرأيت إن عجز أو استحمق؟ !) هذه الرواية فيها إشكال. يفسره ما وقع في رواية أخرى: (أرأيت إن كان ابن عمر عجز أو استحمق، فماذا يمنعه أن يكون طلاقا) يعني: أنَّه لو طرأ عليه عجز عن الرجعة أو ذهاب عقل حتى\n_________\n(١) في (ج ٢) على ما ذكرناه آنفًا.","vol":"4","page":232},{"text":"رواه أحمد (٢/ ٦)، والبخاري (٥٣٣٢)، ومسلم (١٤٧١) (١) و(٣) و(١١) و(١٤)، وأبو داود (٢١٧٩)، والنسائي (٦/ ١٣٨)، وابن ماجه (٢٠١٩).\n* * *\nــ\nلا يتأتى له الارتجاع، أكان يُنحِلُّ ذلك بالطلاق المتقدم، أو كانت المرأة تبقى معلقة، لا ذات زوج، ولا مطلقة. وكأنَّه يقول: المعلوم من الشريعة: أنه لو طرأ شيء مما ذكر لما كان قادحًا في الطلاق المُتقدِّم. فإذًا: الطلقة واقعة يحتسب له بها، كما قال: (فحسبت من طلاقه).\n(واستحمق) - بفتح التاء -: مبنيًّا للفاعل، وهو غير متعدٍّ، فلا يجوز أن يُرَدّ لِما لم يُسَمَّ فاعله لذلك. ومعناه: حمق، وظهر عليه ذلك.\nو(قوله: وقرأ النبي ﷺ: (فطلقوهن لقبل عدتهن) هذا تصريح برفع هذه القراءة إلى رسول الله ﷺ غير أنها شاذة عن المصحف، ومنقولة آحادًا، فلا تكون قرآنًا، لكنها خبر مرفوع إلى النبي ﷺ صحيح، فهي حجة واضحة لمن يقول بأن الأقراء هي الأطهار، كما تقدَّم. وهي قراءة ابن عمر، وابن عباس. وفي قراءة ابن مسعود: (لقبل طهرهن). قال جماعة من العلماء: وهي محمولة على التفسير، لا التلاوة.\n* * *","vol":"4","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-566>(٢) باب ما يُحِلُّ المطلقة ثلاثًا</span>\n[١٥٣٩] عَن عَائِشَةَ قَالَت: جَاءَت امرَأَةُ رِفَاعَةَ القرظي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَت: كُنتُ عِندَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلَاقِي، فَتَزَوَّجتُ عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ الزَّبِيرِ، وَإِنَّمَا مَعَهُ مِثلُ هُدبَةِ الثَّوبِ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: أَتُرِيدِينَ أَن تَرجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيلَتَهُ، وَيَذُوقَ عُسَيلَتَكِ. قَالَت:\nــ\n(٢) ومن باب: ما يُحِلُّ المطلقة ثلاثًا\n(قول المرأة: (فطلقني، فبتَّ طلاقي) ظاهره: أنَّه قال لها: أنتِ طالقٌ البتَّة، فيكون حجة لمالك على: أن البتَّة محمولة على الثلاث في المدخول بها. ويحتمل أن تريد به آخر الثلاث تطليقات (١)، كما جاء في الرواية الأخرى: (أن رجلًا طلق امرأته ثلاثًا). وجاز أن يعبِّر عنها بالبتات؛ لأن الثلاث قطعت جميع العُلَق، والطلاق. ولم تبقِ شيئًا بين الزوجين.\n(وعبد الرحمن بن الزبير) - بفتح الزاي، وكسر الباء، ولم يختلف في ذلك -: وهو الزبير بن باطا.\nو(هدبة الثوب): طرفه الذي لم ينسج، وتعني به: ما يبقى بعد قطع الثوب من السَّدى، شُبِّه بـ (هُدَبِ العَين) وهو: الشعر النابت على حرفها.\nو(قوله: حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك) مذهب الجمهور: أن هذا كناية عن الجماع. وقال بعضهم: في تصغير (عُسَيلَة) دليل: على أن الوطأة الواحدة كافية في إباحتها لمطلقها. وشذَّ الحسن فقال: العسيلة هنا: كناية عن المني، فلا تحل له عنده إلا بإنزاله.\nقلت: ولا شك أن أول الإيلاج مبدأ اللذة، وتمامها الإنزال، والاسم\n_________\n(١) سقطت من (ع).","vol":"4","page":234},{"text":"وَأَبُو بَكرٍ عِندَهُ وَخَالِدٌ بِالبَابِ يَنتَظِرُ أَن يُؤذَنَ لَهُ، فَنَادَى: يَا أَبَا بَكرٍ أَلَا تَسمَعُ هَذِهِ مَا تَجهَرُ بِهِ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ .\nــ\nيصدق (١) على أقل ما ينطلق عليه. فالأولى ما ذهب إليه الجمهور، والله تعالى أعلم.\nوهذا الحديث نصٌّ في الردِّ على ما شذَّ فيه سعيد بن المسيب عن جماعة من العلماء في قوله: إن عقد النكاح بمجرده يُحلِّهُا لمطلقها. وقال بعض علمائنا: ما أظن سعيدا بلغه هذا الحديث، فأخذ بظاهر القرآن، وشذَّ في ذلك، ولم يقل أحدٌ بقوله.\nقلت: قد قال بقول سعيد بن المسيب: سعيدُ بن جبير وجماعة من السلف، على ما حكاه القاضي عبد الوهاب في شرح رسالة ابن زيد.\nويفهم من قوله: (حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك) استواؤهما في إدراك لذة الجماع. وهو حجة لأحد القولين عندنا في: أنه لو وطئها نائمة، أو مغمى عليها لم تحل لمطلقها؛ لأنها لم تذق العسيلة؛ إذ لم تدركها.\nوتبسم رسول الله ﷺ إما من تغطية مرادها في الرجوع إلى زوجها الأول، أو تعجبا من تصريحها بشكواها بما عادة النساء الاستحياء منه.\nوفيه دليل على أن مثل هذا إذا صدر من مدَّعيته لا ينكر عليها، ولا توبّخ بسببه، فإنه في معرض المطالبة بالحقوق. ويدل على صحته: أن أبا بكر ﵁ لم ينكره، وإن كان خالد قد حرَّكه للإنكار، وحَضَّه عليه.\nو(تجهر): ترفع صوتها. وفي غير كتاب مسلم: (تهجر) من الهجر. وهو: الفحش من القول.\nو(قوله ﷺ: (أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة) تمسَّك به داود، وابن عُلَيَّة،\n_________\n(١) في (ع): ينطلق.","vol":"4","page":235},{"text":"وفي رواية: أنَّ رِفَاعَةَ طَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطلِيقَاتٍ.\nرواه أحمد (٦/ ١٩٣)، والبخاريُّ (٥٢٦١)، ومسلم (١٤٣٣) (١١٢) و(١١٣).\n[١٥٤٠] وعَنها قَالَت: طَلَّقَ رَجُلٌ امرَأَتَهُ ثَلَاثًا، فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبلَ أَن يَدخُلَ بِهَا، فَأَرَادَ زَوجُهَا الأَوَّلُ أَن يَتَزَوَّجَهَا فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن ذَلِكَ فَقَالَ: لَا حَتَّى يَذُوقَ الآخِرُ مِن عُسَيلَتِهَا مَا ذَاقَ الأَوَّلُ.\nرواه أحمد (٦/ ٣٤)، والبخاريُّ (٢٦٣٩)، ومسلم (١٤٣٣) (١١٥) وأبو داود (٣٣٠٩)، والترمذي (١١١٨)، والنسائي في الكبرى (٩٣١٦)، وابن ماجه (١٩٣٢).\nــ\nوالحكم. وقالوا: لا تطلق المرأة بسبب عُنَّةِ زوجها؛ لأن النبي ﷺ لم يطلق عليه، ولا ضرب له أجلًا. وجمهور العلماء من السَّلف وغيرهم على خلافهم، وأنه يُضرَبُ له أجل، فإن دخل بها، وإلا فرق بينهما. وقد حكى بعض أئمتنا الإجماع على ذلك، وكأنَّه يريد إجماع السَّلف، والله تعالى أعلم.\nولا حجة لداود، ولا لمن قال بقوله في الحديث الذي تمسَّكوا به؛ لأن الزوج لم يصدِّقها على ذلك؛ بدليل ما رواه البخاري في هذا الحديث: أنَّها لما قالت: إن ما معه ليس بأغنى عَنِّي من هذه -وأخذت هدبة من ثوبها -، فقال: كذبت، والله إني لأنفضها نفض الأديم، ولكنها ناشزة تريد أن ترجع إلى رفاعة (١). وإنما يضرب الأجل إذا تصادقا على عدم المسيس، أو عرضت عليه اليمين فنكل، على ما يقوله بعضهم.\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٣١٧).","vol":"4","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-567>(٣) باب إمضاء الطلاق الثلاث من كلمة</span>\n[١٥٤١] عَن طَاوُسٍ، عَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَبِي بَكرٍ، وَسَنَتَينِ مِن خِلَافَةِ عُمَرَ طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً، فَقَالَ\nــ\nواختلف الجمهور في الأجل. فمعظمهم (١): على سَنَةٍ؛ لأنه إن كان مرضًا؛ دارت عليه فصول السَّنَة، ولا بدَّ أن يوافقه (٢) فصل منها غالبًا، فيرتجى برؤُه فيها. فإذا انقضت السَّنَةُ، ولم يبرأ دلّ ذلك على أنه زمانةٌ لازمة، فيفرَّق بينهما رفعًا للضرر عنها.\nوقال بعض السَّلف: عشرة أشهر. والأمر قريب؛ فإنه نَظَرَ في تحقيق مناطٍ. وكل ذلك فيمن يرتجى زوال ما به. وأما المجبوب، والخصيُّ؛ فَيُطلق عليه من غير أجلٍ.\n(٣) ومن باب: إمضاء الطلاق الثلاث من كلمة\n(قوله: كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ طلاق الثلاث واحدة) وفي الرواية الأخرى: (إنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، وثلاثًا من إمارة عمر) وفي الرواية الثالثة: (ألم يكن طلاق الثلاث واحدة، فقال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتايع الناس في الطلاق فأجازه عمر عليهم) تمسَّك بظاهر هذه الروايات شذوذٌ من أهل العلم، فقالوا: إن طلاق الثلاث في كلمة يقع واحدة؛ وهم: طاوس، وبعض أهل الظاهر. وقيل: هو مذهب محمد بن إسحاق، والحجاج بن أرطاة، وقيل عنهما: لا يلزم منه شيء. وهو مذهب مقاتل، والمشهور عن الحجاج بن أرطاة.\nوجمهور السَّلف والأئمة:\n_________\n(١) في (ع): فبعضهم.\n(٢) في (ل ١): يواتيه.","vol":"4","page":237},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nأنَّه لازمٌ واقعٌ ثلاثًا، ولا فرق بين أن يوقع مجتمعًا في كلمة أو مفرَّقًا في كلمات، غير أنهم اختلفوا في جواز إيقاعه كما قدمناه.\nفأما من ذهب: إلى أنه لا يلزم شيء منه - وهو مذهب ابن إسحاق ومقاتل (١): ففساده ظاهر بدليل الكتاب، وذلك: أن الله تعالى قال: ﴿وَالمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ وهذا يَعُم كُلَّ مطلقةٍ خُصَّ منه المطلقة قبل الدخول، ومن تعتد بالشهور والحمل. وبقيت متناولة لما بقي. لا يقال: يراد بالمطلقات هنا: الرجعية؛ بدليل قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ لأنَّا نقول: ليس ذلك بتخصيص لذلك العموم (٢)، وإنما هو بيانُ حُكم بعض ما تناوله العموم، ويدل على ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحتُمُ المُؤمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقتُمُوهُنَّ مِن قَبلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُم عَلَيهِنَّ مِن عِدَّةٍ﴾ وقوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحنَ أَزوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوا بَينَهُم بِالمَعرُوفِ﴾ ونحو هذا.\nووجه دلالة (٣) هذا النمط: أنَّه قد حكم بأن وقوع ما يقال عليه طلاق يقتضي منع الزوج مِمَّا كان له على الزوجة من التصرف، ويلزمه أحكامً أُخر لا تكون في حالة الزوجية، ولا يعني بكونه واقعًا إلا ذلك، وإيقاع الطلاق ثلاثًا يقال عليه طلاق بالاتفاق فتلزم تلك الأحكام. وقد أشبعنا القول في هذه المسألة في جزء كتبناه في هذه المسألة سؤالًا وجوابًا.\nثم حديث ابن عباس هذا يدلُّ ظاهرًا على أنَّه كان الطلاق ثلاثًا واقعًا لازمًا في تلك الأعصار، فيستدل به عليهم على جهة الإلزام، وإن كنَّا لا نرى التمسُّك به؛ لما سنذكره إن شاء الله تعالى.\nوعلى الجملة فمذهب هذين الرجلين شاذُّ الشاذِّ،\n_________\n(١) ساقط من (ج ٢).\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٣) في (ع): الاستدلال.","vol":"4","page":238},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nولا سلف لهم فيه، ولا بعد في أن يقال: إن إجماع السَّلف على خلافهما - على ما يتبيَّن مِما نذكره - بَعدُ عن السَّلف -، فإنهم كانوا منقسمين إلى من يراه ثلاثًا، وإلى من يراه واحدة. والكل متفقون على وقوعه، والله تعالى أعلم.\nوأمَّا من ذهب إلى أنَّه واقعٌ واحدةً؛ فهو أيضًا فاسدٌ. وقد استدل القائلون به على صحته بثلاثة أحاديث:\nأحدها: حديث ابن عبَّاس هذا.\nوثانيها: حديث ابن عمر على رواية من روى: أنَّه طلق امرأته ثلاثًا، وأنَّه ﷺ أمره برجعتها، واحتُسِبَت له واحدة.\nوثالثها: أن أبا رُكَانَة طلق امرأته ثلاثًا، فأمره رسول الله ﷺ برجعتها؛ والرَّجعة تقتضي وقوع واحدة. ولا حجة لهم في شيء من ذلك.\nأمَّا حديث ابن عباس؛ فلا يصح به الاحتجاج لأوجه:\nأحدها: أنَّه ليس حديثًا مرفوعًا للنبي ﷺ وإنما ظاهره الإخبار عن أهل عصر رسول الله ﷺ وعصر أبي بكر باتفاقهم على ذلك، وإجماعهم عليه، وليس ذلك بصحيح. فأوّل مَن خالف ذلك بفتياه ابن عباس. فروى أبو داود من رواية مجاهد عنه قال: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: إنَّه طلق امرأته ثلاثًا. قال: فسكت حتى ظننت أنَّه رادّها إليه، ثم قال: ينطلق أحدكم يركب الحموقة، ثم يقول: يا بن عباس! يا بن عباس! قال: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجعَل لَهُ مَخرَجًا﴾ وإنك لم تتق الله، فما أجد لك مخرجًا، عصيت ربك وبانت منك امرأتك (١).\nوفي الموطأ عنه: أن رجلًا قال لابن عباس: إني طلقت امرأتي مائة تطليقة.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢١٩٧).","vol":"4","page":239},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفقال له ابن عباس: طلقت منك بثلاث (١)، وسبعة وتسعون اتخذتَ بها آيات الله هزوًا (٢).\nوقال أبو داود: قول ابن عباس هو: إن طلاق الثلاث يبين من الزوجة، فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، مدخولًا بها كانت، أو غير مدخول بها. ونحوه عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمر (٣). وفي الموطأ: أن رجلًا جاء إلى ابن مسعود، فقال: إنِّي طلقت امرأتي ثماني تطليقات. قال ابن مسعود: فماذا قيل لك؟ قال: قيل لي: إنها بانت منك. قال ابن مسعود: صدقوا، هو كما يقولون (٤)؛ فهذا يدلُّ على وجود الخلاف فيها في عصر الصحابة، وأن المشهور عندهم، المعمول به، خلاف مقتضى حديث ابن عباس. فبطل التمسَّك به.\nالوجه الثاني: لو سلمنا أنه حديث مسند مرفوع للنبي ﷺ لما كان فيه حجة؛ لأن ابن عباس هو راوي الحديث، وقد خالفه بعمله وفتياه. وهذا يدلُّ على ناسخ ثبت عنده، أو مانع شرعي منعه من العمل. ولا يصح أن يُظَّن به: أنه ترك العمل بما رواه مجانًا (٥) أو غالطًا؛ لما علم من جلالته، وورعه، وحفظه، وتثبته.\nقال أبو عمر بن عبد البر - بعد أن ذكر عن ابن عباس فتياه من طرق متعددة بلزوم الطلاق ثلاثًا من كلمة واحدة -: ما كان ابن عباس ليخالف رسول الله ﷺ والخليفتين، إلى رأي نفسه.\nورواية طاوس وهم وغلط، لم يُعَرَّج عليها أحدٌ من فقهاء الأمصار بالحجاز، والعراق، والشام، والمشرق، والمغرب. وقد قيل: إن أبا الصهباء لا يُعرف في موالي ابن عباس.\n_________\n(١) فى (ل ١) و(ع): ثلاثًا.\n(٢) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٥٥٠).\n(٣) انظر سنن أبي داود (٢/ ٦٤٨).\n(٤) الموطأ (٢/ ٥٥٠).\n(٥) أي: بلا بدل من ناسخٍ أو مانعٍ شرعي.","vol":"4","page":240},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالوجه الثالث: لو سلمنا كل ما تقدَّم؛ لَمَا كان فيه حجة؛ للاضطراب والاختلاف الذي في سنده ومتنه؛ وذلك: أن أبا الصهباء رواه عن ابن عباس بتلك الألفاظ المختلفة؛ التي وقعت في كتاب مسلم كما ذكرناها. وقد روى أبو داود من حديث أيوب، عن غير واحد، عن طاوس: أن رجلًا يقال له: أبا الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس. قال: أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدةً على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر. فقال ابن عباس: بل كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر، فلمَّا رأى الناس تتايعوا فيها قال: أجيزوهُنَّ عليهم (١). فقد اضطرب فيه أبو الصهباء عن ابن عباس في لفظه كما ترى. وقد اضطرب فيه طاوس. فمرَّة رواه عن أبي الصهباء، ومرَّة عن ابن عباس نفسه. ومهما كثر الاختلاف والتناقض ارتفعت الثقة، لا سيما عند المعارضة على ما يأتي.\nثم العَجب: أنَّ معمرًا روى عن ابن طاوس، عن أبيه: أن ابن عباس سُئل عن رجل طلق امرأته ثلاثًا. فقال له: لو اتقيت الله لجعل لك مخرجًا (٢). وظاهر هذا أنَّه لا مخرج له من ذلك، وأنَّها ثلاث. وهذه كرواية الجماعة الكثيرة عن ابن عباس؛ كسعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، وعمرو بن دينار، ومحمد بن إلياس بن البكير، والنعمان بن أبي عياش، كلهم روى عنه: أنَّه ثلاث، وأنها لا تحل له إلا من بعد زوج.\nالوجه الرابع: لو سلمنا سلامته من الاضطراب لَمَا صحَّ أن يحتج به؛ لأنه يلزم منه ما يدلُّ على أن أهل ذلك العصر الكريم كانوا يكثر فيهم إيقاع المحرمات والتساهل فيها، وترك الإنكار على من يرتكبها. وبيان اللزوم: أن ظاهره أن\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢١٩٩).\n(٢) انظر سنن أبي داود (٢/ ٦٤٩).","vol":"4","page":241},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nأصحاب رسول الله ﷺ كان يقع الطلاق الثلاث كثيرًا منهم في عصر النبي ﷺ وعصر أبي بكر، وسنتين من خلافة عمر، أو ثلاث، ويستفتون علماءهم فيفتونهم بأنه واحدة، ولا ينكرون عليهم. مع أن الطلاق ثلاثًا في كلمة واحدة محرم بدليل قول ابن عمر، وابن عباس، للمطلق ثلاثًا: (بانت منك، وعصيت ربك) (١). وبدليل ما رواه ابن عباس، عن محمود بن لبيد - قال البخاري: له صحبة - قال: أُخبِرَ رسول الله ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقام غضبان، ثم قال: (أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟) (٢) هذا يدل على أنه محرم، ومنكر. فكيف يكثر فيهم العمل بمثل هذا، ولا ينكرونه؟ ! هذا محال على قوم وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالمَعرُوفِ وَتَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ﴾ إلى غير ذلك مما وصفهم الله تعالى به. لا يُقال: هذا يبطل بما وقع عندهم من الزِّنا، والسرقة، وغير ذلك من الأسباب التي ترتبت عليها الأحكام؛ لأنا نقول: هذه لما وقعت أنكروا تلك الأمور، وأقاموا الحدود فيها، ولم يفعلوا ذلك فيما ذكرناه، فافترقا، وصحَّ ما أبديناه.\nفإن قيل: لعل تحريم ذلك لم يكن معلومًا عندهم. قلنا: هذا باطل. فإنهم أعرف بالأحاديث ممن بعدهم. وقد ذكرنا ما روي في ذلك عن ابن عباس وابن عمر، والله تعالى أعلم.\nالوجه الخامس: إن ظاهر ذلك الحديث خبر عن جميعهم أو عن معظمهم، والعادة تقتضي - فيما كان هذا سبيله - أن يفشو، وينتشر، ويتواتر نقله، وتحيل أن ينفرد به الواحد. ولم ينقله عنهم إلا ابن عباس، ولا عنه إلا أبو الصهباء.\nوما رواه طاوس عن ابن عباس في الأصل قد رواه أبو داود عن طاوس عن أبي الصهباء، عن ابن عباس. ولو رواه عنه لم يخرج بروايته عنه عن كونه خبر واحد غير\n_________\n(١) فى (ل ١): الله.\n(٢) رواه النسائي (٦/ ١٤٢).","vol":"4","page":242},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمشهور. وهذا الوجه يقتضي القطع ببطلان هذا الخبر. فإن لم يقتض ذلك؛ فلا أقل من أن يفيدنا الريبة فيه والتوقف، والله تعالى أعلم.\nالوجه السادس: تطرُّق التأويل إليه. ولعلمائنا فيه تأويلان:\nأحدهما: ما قاله بعض البغداديين: إن معناه الإنكار على من يخرج عن سنَّة الطلاق بإيقاع الثلاث، والإخبار عن تساهل الناس في مخالفة السُّنَّة في الزمان المتأخر عن العصرين السابقين، فكأنه قال: كان الطلاق الموقع الآن ثلاثًا في ذينك العصرين واحدة، كما يقال: كان الشجاع الآن جبانًا في عصر الصحابة. وكان الكريم الآن بخيلًا في ذلك الوقت. فيفيد تغير الحال بالناس.\nوثانيهما: قال غير البغداديين: المراد بذلك الحديث من تكررَّ الطلاق منه، فقال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. فإنها كانت عندهم محمولة في القدم على التأكيد. فكانت واحدة. وصار الناس بعد ذلك يحملونها على التجديد، فأُلزِمُوا ذلك لَمَّا ظهر قصدَهم إليه. ويشهد بصحة هذا التأويل قول عمر ﵁: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة. وقد تأوَّله غير علمائنا على أن ذلك كان في المطلقة قبل الدُّخُول، كما دلَّ عليه حديث أبي داود؛ الذي تقدَّم ذكره، وأبدى بين المدخول بها وغيرها فرقًا. فقال: إنما جعلوه في غير المدخول بها (١) واحدة؛ لأنها تبين بها، وكأنَّ هؤلاء أشاروا إلى أن قوله لغير المدخول بها: أنت طالق. قد أبانها، وبقي قوله: ثلاثًا. لم يصادف محلًا، فأجروا المتصل مجرى المنفصل. وهذا ليس بشيء؛ فإنَّ قوله: أنت طالق ثلاثًا. كلام واحد متصل غير منفصل. ومن المحال البَيِّن إعطاء الشيء حُكم نَقِيضِه، وإلغاء بعض الكلام الواحد. وأشبه هذه التأويلات الثاني على ما قرَّرناه، والله تعالى أعلم.\nهذا الكلام على حديث ابن عباس.\nوأمَّا حديث ابن عمر: أنَّه طلق امرأته ثلاثًا، فغير صحيح، كما قد ذكره\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"4","page":243},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمسلم عن ابن سيرين، كما قدمناه. وأيضًا: فإن الدارقطني روى عن أحمد بن صبيح، عن طريف بن ناصح، عن معاوية بن عمار الدُّهني، عن أبي الزبير قال: سألت ابن عمر عن رجل طلق امرأته ثلاثًا وهي حائض؟ فقال لي: أتعرف ابن عمر؟ قلت: نعم. قال: طلقت امرأتي ثلاثًا على عهد رسول الله ﷺ فردّها رسول الله ﷺ إلى السُّنَّة.\nقال الدارقطني: كلهم شيعة (١). وقال غيره: ما فيهم من يحتج به.\nوأمَّا حديث أبي رُكَانة فحديث مضطرب، منقطع، لا يُسنَد من وجه يحتج به؛ رواه أبو داود من حديث ابن جريج عن بعض بني أبي رافع، وليس فيه من يحتج به، عن عكرمة، عن ابن عباس، وقال فيه: إن عبد يزيد بن ركانة طلق امرأته ثلاثًا، فقال له رسول الله ﷺ: (أرجعها) (٢). وقد رواه أيضًا من طريق نافع بن عُجَير: أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته البتة، فاستحلفه رسول الله ﷺ: ما أراد بها؟ فحلف: ما أراد إلا واحدة. فردَّها إليه (٣).\nفهذا اضطراب في الاسم والفعل. ولا يحتج بشيء من مثل هذا، فقد ظهر وتبيَّن: أنَّهم لا حجة لهم في شيء مما تمسَّكوا به. فأمَّا حجة الجمهور: فالتمسَّك بالقاعدة المقررة: أنَّ المطلقة ثلاثًا، لا تحلُّ لمطلقها حتى تنكح زوجًا غيره. ولا فرق بين مفرّقها ومجموعها؛ إذ معناهما واحد لغة وشرعًا. وما يتَخَيَّل من الفرق بينهما فصوريٌّ؛ ألغاه الشرع قطعًا في النكاح، والعتق، والإقرار. فلو قال الولي للخاطب في كلمة واحدة: أنكحتك هؤلاء الثلاث، فقال: قبلت. لزم النكاح، كما إذا قال: أنكحتك (٤) هذه،\n_________\n(١) رواه الدارقطني (٤/ ٧).\n(٢) رواه أبو داود (٢١٩٦).\n(٣) رواه أبو داود (٢٢٠٦).\n(٤) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"4","page":244},{"text":"عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: إِنَّ النَّاسَ قَد استَعجَلُوا فِي أَمرٍ كَانَت لَهُم فِيهِ أَنَاةٌ، فَلَو أَمضَينَاهُ عَلَيهِم فَأَمضَاهُ عَلَيهِم.\nرواه مسلم (١٤٧٢) (١٥).\n[١٥٤٢] وعَن أَبِي الصَّهبَاءِ أنه قَالَ لِابنِ عَبَّاسٍ: أَتَعلَمُ أَنَّمَا كَانَت الثَّلَاثُ تُجعَلُ وَاحِدَةً عَلَى عَهدِ رسول الله ﷺ، وَأَبِي بَكرٍ وَثَلَاثًا مِن إِمَارَةِ عُمَرَ؟ فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: نَعَم.\nرواه مسلم (١٤٧٢) (١٦).\n[١٥٤٣] وعَنه أَنَّه قَالَ لِابنِ عَبَّاسٍ: هَاتِ مِن هَنَاتِكَ أَلَم يَكُن الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكرٍ وَاحِدَةً؟ فَقَالَ: قَد كَانَ\nــ\nوهذه، وهذه. وكذلك في العتق، والإقرار. فكذلك الطلاق. وقد ذكر الدارقطني جملة من الأحاديث المرفوعة عن عليّ، وعبادة بن الصامت، وحفص بن المغيرة، وابن عمر كلها تقتضي البينونة، وأنها لا تحلُّ له حتى تنكح زوجًا غيره. ولم يفرِّق فيها بين المدخول بها وغيرها. رأينا ألا نطوِّل بذكرها، ولا بذكر أسانيدها. وفيما ذكرناه كفاية، والله تعالى الموفق للهداية، وإنما أطنبنا في الكلام على حديث ابن عباس لأن كثيرًا من الجهَّال اغتروا به، فأحلوا ما حرَّم الله، فافتروا على الله، وعلى كتابه، ورسوله، ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا، وعدل عن سبيله.\nوقول عمر: (إن النَّاس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة) أي: مهلة، وسعة بانتظار الرجعة. وهذا يدل على صحة التأويل الثاني كما ذكرناه.\nوقول أبي الصهباء لابن عباس: (هات من هناتك) هي: جمع هنة. وأصلها: أنها كناية عن نكرة، غير أن مقصوده هنا: هات فتيا من فتاويك المُستَغرَبة. أو خبرًا من أخبارك المُستَكرَهة. وهو إشعار باستشناع تلك المقالة عندهم.","vol":"4","page":245},{"text":"ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرَ تَتَايَعَ النَّاسُ فِي الطَّلَاقِ، فَأَجَازَهُ عَلَيهِم.\nرواه مسلم (١٤٧٢) (١٧).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-568>(٤) باب في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾</span>\n[١٥٤٤] عن عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَمكُثُ عِندَ زَينَبَ بِنتِ جَحشٍ، فَيَشرَبُ عِندَهَا عَسَلًا قَالَت: فَتَوَاطَأتُ أَنَا وَحَفصَةُ أَنَّ أَيَّتَنَا مَا دَخَلَ عَلَيهَا النَّبِيُّ ﷺ، فَلتَقُل: إِنِّي أَجِدُ مِنكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، أَكَلتَ مَغَافِيرَ؟ فَدَخَلَ عَلَى\nــ\nو(قوله: فلما تتايع الناس في الطلاق أجازه عليهم) رويناه: بالياء باثنتين، وبالباء بواحدة، وهما بمعنى واحد. غير أن الياء باثنتين أكثر ما تستعمل في الشَّرِّ. وهي أليق بهذا المعنى، والله تعالى أعلم.\nوكذلك القول في الرواية في: (تتايعوا) (١).\n(٤) ومن باب: في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾\n(المغافير): جمع مُغفُور، وهو: صمغ حلو له رائحة كريهة؛ يخرجه شجر العُرفُط، وهو بالحجاز.\nو(العُرفُط): من شجر العِضَاه، وهو: كل شجر له شوك. وقيل: تشبه رائحته رائحة النبيذ. وقيل: إذا رعته الإبل خبثت رائحة (٢) ألبانها حتى\n_________\n(١) هي في رواية أبي داود (٢١٩٩).\n(٢) سقطت من (ل ١).","vol":"4","page":246},{"text":"إِحدَاهُمَا، فَقَالَت ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ: بَل شَرِبتُ عَسَلًا عِندَ زَينَبَ بِنتِ جَحشٍ، وَلَن أَعُودَ لَهُ.\nــ\nيتأذى بها الناس (١).\nو(جرست): أكلت. يقال: جَرَستِ النحل، تَجُرسُ جَرسًا: إذا أكلت لِتَعسِّل. ويقال للنحل: جوارس؛ أي: أواكل.\nو(العكة): أصغر من القِربَة.\nوقول سودة: (لقد كدت أبادئه فرقًا منك) -بالباء بواحدة-؛ أي: أبتدئه بالكلام خوفًا من لومك. وفي رواية ابن الحذَّاء: (أناديه) من النداء. وليس بشيء.\nو(قولها: كان يُحبُّ الحلواء والعسل) (الحلواء): هي الشيء المُستَحلَى، وهو دليل على استعمال مباحات لذائذ الأطعمة، والميل إليها، خلافًا لما يذهب إليه أهلُ التَّعمق والغلوِّ في الدين.\nو(قوله: بل شربت عسلًا عند زينب، ولن أعود له) زاد البخاري هنا: (وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدًا) وذلك لئلا يبلغ الأخرى الخبر، وأنه فعله ابتغاء مرضاة أزواجه، فيتغير قلبها. وقيل: كان ذلك في قصة مارية، واستكتامه ﷺ حفصة: ألا تخبري بذلك عائشة. وقيل: أسرَّ إلى حفصة أن الخليفة بعده أبو بكر ثم عمر. والصحيح: أنه في العسل (٢).\nويعني بقوله: (لن أعود له): على جهة التحريم. وبقوله: (حلفت) أي: بالله تعالى؛ بدليل: أنَّ الله تعالى\n_________\n(١) زاد في (ج ٢):\nتتميم: المغافير، ويقال: المغاثير -بالثاء المثلثة-: واحدها: مُفعول -بضم الميم-. واختلف في الميم هل هي زائدة أو أصلية؟ وقيل: ليس في الكلام مُفعول -بضم الميم- إلا: مُغفور ومُغرود؛ لضربٍ من الكمأة، ومُنخور: للمنخر.\nوهو صمغٌ حلوٌ كالناطف، وله رائحة كريهة، وقيل: له رائحة تشبه رائحة النبيذ.\n(٢) ما بين حاصرتين مستدرك من (ج ٢).","vol":"4","page":247},{"text":"فَنَزَلَ: لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ إِلَى قَولِهِ: إِن تَتُوبَا إلى الله (لِعَائِشَةَ وَحَفصَةَ)\nــ\nأنزل عليه معاتبته على ذلك، وحوالته على كفارة اليمين بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾؛ يعني: العسل المحرم بقوله: (لن أعود له) ﴿تَبتَغِي مَرضَاتَ أَزوَاجِكَ﴾؛ أي: تفعل ذلك طلبًا لرضاهنَّ ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ غفور: لما أوجب المعاتبة، رحيم: برفع المؤاخذة. ﴿قَد فَرَضَ اللَّهُ لَكُم تَحِلَّةَ أَيمَانِكُم وَاللَّهُ مَولاكُم وَهُوَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾؛ أي: قدَّر وبيَّن. والفرض: التقدير. وتحلة اليمين: ما يستحل به الخروج عن اليمين. وهي التي قال الله تعالى فيها: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغوِ فِي أَيمَانِكُم وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُمُ الأَيمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ الآية. والأيمان: جمع يمين. واليمين التي حلف النبي ﷺ بها هي قوله: (وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدًا). وهذا أصحّ ما قيل في هذه الآية، وأجوده.\nوقد روى النسائي من حديث أنس: أن رسول الله ﷺ كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرَّمها، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآيات (١). وكأنَّ ابن عباس أشار إلى هذا الحديث حيث قال: إن الرَّجل إذا حرَّم عليه امرأته فهي يمين يكفرها. وقال: ﴿لَقَد كَانَ لَكُم فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسوَةٌ حَسَنَةٌ﴾\nوقد اختلف السَّلف ومن بعدهم في تحريم الزوجة اختلافًا كثيرًا. مجموعه فيما بلغنا أربعة عشر قولًا:\nأحدها: لا شيء عليه. وبه قال الشعبي، ومسروق، وأبو سلمة، وأصبغ. وهو عندهم كتحريم الماء والطعام.\nوثانيها: هي ظهار، ففيها كفارة ظهار. قاله إسحاق.\nوثالثها: كفارة يمين. قاله ابن عباس، وبعض التابعين.\nورابعها: إن نوى الطلاق؟ فواحدة بائنة، إلا أن ينوي ثلاثًا، فإن نوى اثنتين\n_________\n(١) رواه النسائي في الكبرى (١١٦٠٧).","vol":"4","page":248},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفواحدة، فإن لم ينو شيئًا؛ فهي يمين. وهو قول قاله أبو حنيفة، وأصحابه. وبمثله قال زُفر، إلا أنَّه قال: إذا نوى اثنتين ألزمناه.\nوخامسها: إن نوى الطلاق؛ فما أراد من أعداده. وإن نوى واحدة؛ فهي رجعية. وهو قول الشافعي. وروي مثله عن أبي بكر، وعمر، وغيرهما من الصحابة والتابعين.\nوسادسها: إن نوى ثلاثًا فثلاث، وإن نوى واحدة فواحدة، وإن نوى يمينًا فهي يمين، وإن لم ينو شيئًا؛ فلا شيء عليه. وهو قول سفيان. وبمثله قال الأوزاعي، وأبو ثور، إلا أنهما قالا: إن لم ينو شيئًا؛ فهي واحدة.\nوسابعها: له نيّته، ولا يكون أقل من واحدة. قاله ابن شهاب.\nوثامنها: هي في المدخول بها ثلاثٌ، ويُنوَى في غير المدخول بها. وهو قول علي بن زيد، والحكم، والحسن. وهو مشهور مذهب مالك.\nوتاسعها: لا ينوى في أقل وإن لم يدخل بها. قاله عبد الملك في المبسوط. وبه قال ابن أبي ليلى.\nوعاشرها: هي لمن لم يدخل بها واحدة، وفي المدخول بها: ثلاث. قاله أبو مصعب، ومحمد بن عبد الحكم.\nوحادي عشرها: هي واحدة بائنة وإن كانت مدخولًا بها. حكاه ابن خويز منداد عن مالك.\nوثاني عشرها: هي واحدة رجعية. حكاه ابن سحنون عن عبد العزيز بن سلمة (١).\nوقد تداخل في العدد الذي ذكرنا قولا زفر، والأوزاعي. فالأقوال أربعة عشر.\n_________\n(١) في (ع) و(ل ١): عبد العزيز بن أبي سلمة، والمثبت من (ج ٢) وسير أعلام النبلاء (٨/ ٣٢١).","vol":"4","page":249},{"text":"وَإِذ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعضِ أَزوَاجِهِ حَدِيثًا (لِقَولِهِ: بَل شَرِبتُ عَسَلًا).\nرواه أحمد (٦/ ٢٢١)، والبخاري (٦٦٩١)، ومسلم (١٤٧٤) (٢٠)، وأبو داود (٣٧١٤).\nــ\nوسبب هذا الاختلاف العظيم: أنَّه ليس في كتاب الله الكريم، ولا سنَّة رسوله ﷺ نصٌّ، ولا ظاهرٌ صحيح يعتمد عليه في هذه المسألة، فتجَاذَبَها الفقهاءُ لذلك. فمن متمسِّك بالبراءة الأصلية، فقال: لا حكم، فلا يلزم بها شيء. ومن ملحق لهذه الكلمة بأصل يعتمده. فواحدٌ يلحقها بالظهار، وآخر يلحقها بالنذر المطلق. وآخر يرى أنها قابلة للنية مطلقا، أو في غير المدخول بها. وأصحابنا يحتجّون لمشهور مذهبهم بعرفٍ ثبتَ عندهم صيَّرها من كنايات الطلاق الظاهرة. والله تعالى أعلم. وهذا كله في الزوجة.\nوأما في الأمة: فلا يلزم فيها شيء من ذلك كله، إلا أن ينوي به العتق عند مالك.\nوذهب عامة العلماء: إلى أن عليه كفارة يمين، وكأنهم تمسَّكوا بحديث أنس المُتقدِّم. وقال أبو حنيفة: إذا قال ذلك حَرُمَ عليه كل ما حَرَّمَ على نفسه من طعام، أو شراب، أو أمة. ولا شيء عليه حتى إذا تناوله لزمه كفارة يمين. وأُمُّ الولد كالأمة على ما تقدَّم.\nو(قوله تعالى: ﴿وَإِذ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعضِ أَزوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ هو قوله لحفصة: (بل شربتُ عسلًا، وقد حلفت: لا تخبري أحدًا) على ما تقدم في حديث البخاري. وقيل: هو تحريمه مارية على ما تقدَّم في حديث النسائي. وقيل غير ذلك. وهذان القولان أحسن ما قيل في ذلك.\nو(قوله: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَت بِهِ وَأَظهَرَهُ اللَّهُ عَلَيهِ عَرَّفَ بَعضَهُ وَأَعرَضَ عَن بَعضٍ﴾؛ أي: حديث حفصة حين أفشت ما أمرها بإسراره النبي ﷺ و﴿وَأَظهَرَهُ اللَّهُ عَلَيهِ﴾؛ أي: أطلَعَ الله تعالى نبيه على ذلك الحديث. ﴿عَرَّفَ بَعضَهُ﴾ مشدَّدًا، وهي","vol":"4","page":250},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالقراءة المشهورة؛ أي: عاتبها على ذلك. وأعرض عن بعضه، فلم يبالغ في المعاتبة عملًا بمكارم الأخلاق، وحسن المصاحبة. وقرأه الكسائي بتخفيف الراء، من: (عَرَفَ) ومعناه: جازى عليه؛ بأن غضب. يقال: عرفتُ حقَّك؛ أي: جازيتُك عليه. و(لأعرفنَّ حقك) بمعناه. وقال الضحاك: إن الذي أعرض عنه حديث الخلافة لئلا ينتشر. وهذا بناه: على أنَّه هو الحديث الذي أسرَّه لحفصة. وهذا القول ليس بشيء؛ إذ لم يثبت بذلك نقل، ولم يدلّ عليه عقل. بل النقل الصحيح ما ذكرناه.\nو(قوله: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَت مَن أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾؛ يعني: أن النبي ﷺ أعلم حفصة بالخبر الذي أفشته، فقالت مستفهمة عمن أعلمه بذلك: ﴿مَن أَنبَأَكَ هَذَا﴾؟ وكأنها خَطَر ببالها أن أحدًا من أزواجه أو غيرهن أخبره. فأجابها بأن قال: ﴿نَبَّأَنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾؛ أي: العليم بالسرائر، الخبير بما تجنُّه الضمائر. ثم قال تعالى: ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَد صَغَت قُلُوبُكُمَا﴾؛ يخاطب عائشة وحفصة، وهذا يدلُّ على أن الصحيح من الروايات رواية من روى أن هذه القصة إنما جرت لعائشة وحفصة (١)؛ لأجل العسل الذي شرب عند زينب، أو لأجل مارية، وأنهما هما اللتان تظاهرتا عليه، كما جاء نصًّا من حديث ابن عبَّاس عن عمر على ما يأتي. وهو رواية حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمر، عن عائشة.\nوأمَّا رواية أبي أسامة التي ذكر فيها: أن المتظاهرات عليه: عائشة (٢) وسودة وصفية (٣)؛ فليست بصحيحة؛ لأنها مخالفة للتلاوة؛ فإنها جاءت بلفظ خطاب الاثنتين. ولو كان كذلك لجاءت بخطاب جماعة المؤنث. قال أبو محمد الأصيلي: حديث الحجاج أصحّ طرقه. وهو أولى\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (م).\n(٣) في (ع): حفصة.","vol":"4","page":251},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nبظاهر الكتاب. قال غيره: انقلبت الأسماء في حديث أبي أسامة، والله تعالى أعلم.\nو﴿صَغَت قُلُوبُكُمَا﴾ مالت عن الحق. وأراد قلب عائشة وحفصة. وعدل إلى لفظ الجمع استثقالًا للجمع بين تَثنِيَتَين، وقد جمع بينهما من قال: ظَهرَاهُمَا مثل ظُهورِ التُّرسَين.\nو(قوله: ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيهِ﴾؛ أي: تعاونا عليه بما تواطأتما عليه في العسل أو في مارية ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَولاهُ﴾؛ أي: وليه، ومعينه، وكافيه، فلا يضره من كاده، أو من تعاون عليه. والوقف على مولاه، حسن، ويُبتَدَئ: ﴿وَجِبرِيلُ وَصَالِحُ المُؤمِنِينَ وَالمَلائِكَةُ بَعدَ ذَلِكَ﴾؛ أي: بعد تولي الله له (١). ﴿ظَهِيرٌ﴾ أي: مُعِينون له على ما يصلحه، ويحفظه، ويوافقه. وظهير وإن كان واحدًا؛ فمعناه الجمع. وقيل: كل واحد ظهير؛ كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُخرِجُكُم طِفلا﴾؛ أي: كل واحد منكم طفلًا. و﴿وَصَالِحُ المُؤمِنِينَ﴾؛ أحسن ما قيل فيه: أبو بكر، وعمر ﵄، ومن جرى مجراهما ممن سبق إسلامه، وظهر غناؤه. وقيل: كان حق ﴿وَصَالِحُ﴾ أن يكتب بالواو، ولكنهم حذفوها، ليوافق الخطُّ اللفظ. ويحتمل أن يقال: ﴿وَصَالِحُ﴾ مفرد، لكنه سُلِك به مسلك الجنس، والله تعالى أعلم.\nثم بالغ الله تعالى في تأديب أزواج النبي ﷺ وتهديدهن بقوله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبدِلَهُ أَزوَاجًا خَيرًا مِنكُنَّ مُسلِمَاتٍ﴾؛ أي: منقادات بالإسلام والاستسلام. ﴿مُؤمِنَاتٍ﴾؛ أي: مصدقات بما جاء به النبي ﷺ ملازمات أحوال المؤمنين به من التعظيم والاحترام. ﴿قَانِتَاتٍ﴾ خاضعات لله بالعبودية، ولرسوله\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"4","page":252},{"text":"[١٥٤٥] وعَنها قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ الحَلوَاءَ وَالعَسَلَ، فَكَانَ إِذَا صَلَّى العَصرَ دَارَ عَلَى نِسَائِهِ فَيَدنُو مِنهُنَّ، فَدَخَلَ عَلَى حَفصَةَ فَاحتَبَسَ عِندَهَا أَكثَرَ مِمَّا كَانَ يَحتَبِسُ، فَسَأَلتُ عَن ذَلِكَ فَقِيلَ لِي: أَهدَت لَهَا امرَأَةٌ مِن قَومِهَا عُكَّةً مِن عَسَلٍ، فَسَقَت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنهُ شَربَةً. فَقُلتُ: أَمَا وَاللَّهِ لَنَحتَالَنَّ لَهُ، فَذَكَرتُ ذَلِكَ لِسَودَةَ وَقُلتُ: إِذَا دَخَلَ عَلَيكِ فَإِنَّهُ سَيَدنُو مِنكِ، فَقُولِي لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكَلتَ مَغَافِيرَ؟ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: لَا. فَقُولِي لَهُ: مَا هَذِهِ الرِّيحُ؟ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَشتَدُّ عَلَيهِ أَن تُوجَدَ مِنهُ\nــ\nبإيثار الطَّواعية على الغيرة النفسية. ﴿عَابِدَاتٍ﴾ يقمن لله بما له عليهن من العبادة، وبما لك عليهن من الحرمة والخدمة. ﴿سَائِحَاتٍ﴾ ابن عباس: صائمات، زيد بن أسلم: مهاجرات، من السياحة في الأرض. ويمكن أن يقال: مسرعات إلى ما يرضيك، ذاهبات فيه، فلا يشتغلن (١) بسوى ذلك؛ لأن من ساح في الأرض فقد ذهب فيها، وانقطع إلى غيرها. ﴿ثَيِّبَاتٍ﴾ جمع ثيب. قيل: يعني بذلك: آسية امرأة فرعون. ﴿وَأَبكَارًا﴾ جمع بكر. قيل: يعني بذلك: مريم. وفيه نظر وبُعدٌ.\nوما ذكرناه في هذه الآية إشارة إلى المختار. والأقوال فيها أكثر مما ذكرناه. فلنقتصر على ذلك القدر، والله تعالى الموفق (٢).\nو(قول عائشة: (كان رسول الله ﷺ إذا صلى العصر دار على نسائه فيدنو منهن) يُستَدَلُّ بهذا لأحد القولين المُتقدِّمين، وهو: أن النبي ﷺ لم يكن القسم عليه واجبا. ويمكن أن يصرف عن ذلك؛ بأن يقال: إن ذلك إنما كان يفعله؛ لأنهن كن قد أذن له في ذلك؛ بدليل ما جاء في الأم (٣): أنَّه كان ﷺ يستأذنهن إذا كان في\n_________\n(١) في (ج ٢): يستعجلن.\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ج ٢).\n(٣) انظر صحيح مسلم، الحديث رقم (١٤٧٦).","vol":"4","page":253},{"text":"الرِّيحُ، فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: سَقَتنِي حَفصَةُ شَربَةَ عَسَلٍ فَقُولِي لَهُ: جَرَسَت نَحلُهُ العُرفُطَ، وَسَأَقُولُ ذَلِكِ لَهُ، وَقُولِيهِ أَنتِ يَا صَفِيَّةُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى سَودَةَ قَالَت: تَقُولُ سَودَةُ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَقَد كِدتُ أَن أُبَادِئَهُ بِالَّذِي قُلتِ لِي، وَإِنَّهُ لَعَلَى البَابِ فَرَقًا مِنكِ، فَلَمَّا دَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكَلتَ مَغَافِيرَ؟ قَالَ: لَا، قلَت: مَا هَذِهِ الرِّيحُ؟ قَالَ: سَقَتنِي حَفصَةُ شَربَةَ عَسَلٍ، قَالَت: جَرَسَت نَحلُهُ العُرفُطَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيَّ قُلتُ لَهُ مِثلَ ذَلِكَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى صَفِيَّةَ فَقَالَت له مِثلِ ذَلِكَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى حَفصَةَ قَالَت له: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَسقِيكَ مِنهُ؟ قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي بِهِ. قَالَت: تَقُولُ سَودَةُ: سُبحَانَ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَقَد حَرَمنَاهُ قَالَت: قُلتُ لَهَا: اسكُتِي.\nرواه البخاريُّ (٥٢٦٨)، ومسلم (١٤٧٤) (٢١)، وأبو داود (٣٧١٥)، والنسائي (٦/ ١٥١)، وابن ماجه (٣٣٢٣).\n[١٥٤٦] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قالُ: إذا حَرمِ الرجل عليه امرأته فهي يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا.\nوَقَالَ: لَقَد كَانَ لَكُم فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسوَةٌ حَسَنَةٌ.\nرواه البخاريُّ (٥٢٦٦)، ومسلم (١٤٧٣) (١٨)، والنسائي (٦/ ١٥١).\n* * *\nــ\nيوم المرأة منهن. وقد يُستدل به من يرى القَسمَ واجبا؛ لكنه بالليل دون النهار.\nوقال الداودي: كأن النبي ﷺ جعل ما بعد العصر ملغى؛ أي: جعله وقتًا مشتركًا لجميعهن.\nو(قولها: (فيدنو منهنَّ) أي: من غير مسيس. وقد جاء كذلك في بعض الروايات، وإنما كان يفعل ذلك تأنيسًا لهن، وتطييبًا لقلوبهن؛ حتى ينفصل عنهن إلى التي هو في يومها، ويتركها طيبة القلب، والله تعالى أعلم.","vol":"4","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-569>(٥) باب في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدنَ الحَيَاةَ الدُّنيَا﴾ الآية</span>.\n[١٥٤٧] وعَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ، قَالَ: دَخَلَ أَبُو بَكرٍ يَستَأذِنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَوَجَدَ النَّاسَ جُلُوسًا بِبَابِهِ، لَم يُؤذَن لِأَحَدٍ مِنهُم. قَالَ: فَأُذِنَ لِأَبِي بَكرٍ فَدَخَلَ، ثُمَّ أَقبَلَ عُمَرُ فَاستَأذَنَ فَأُذِنَ لَهُ، فَوَجَدَ النَّبِيَّ ﷺ جَالِسًا حَولَهُ نِسَاؤُهُ وَاجِمًا سَاكِتًا، قَالَ: فَقَالَ: والله لَأَقُولَنَّ شَيئًا أُضحِكُ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَو رَأَيتَ بِنتَ خَارِجَةَ سَأَلَتنِي النَّفَقَةَ، فَقُمتُ إِلَيهَا، فَوَجَأتُ عُنُقَهَا فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: هُنَّ حَولِي كَمَا تَرَى،\nــ\n(٥) ومن باب: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدنَ الحَيَاةَ الدُّنيَا﴾ الآية.\n(قوله: وَاجِمًا، ساكتًا) أي: مُطرِقًا إِطراقَ المغضب.\nو(قوله: وَجَأتُ عنقها) أي: طعنت فيه ودققت. وأصل الوَجءِ: الدَّقُّ، والطَّعن؛ يقال: وجأتُ البعير: إذا طعنتُ في مَنحَرِهِ. ووجأت الوتد: ضربتُه. ووجأته بالسكين: طعنته بها.\nوهذا الفعل من أبي بكر وعمر بابنتيهما مبالغة في تأديبهما، وكذلك غضب رسول الله ﷺ عليهن، وهجرانه لهن إنما كان مبالغة في أدبهن، فإنهن كن كثَّرنَ عليه، وتبسَّطن (١) عليه تبسُّطًا (٢) تعدين فيه ما يليق بالنبي ﷺ من احترامه، وإعظامه. وكان ذلك منهن بسبب حسن معاشرته، ولين خلقه، وربما امتدت أعين\n_________\n(١) في (م): تسلَّطْن.\n(٢) في (م): تسلُّطًا.","vol":"4","page":255},{"text":"يَسأَلنَنِي النَّفَقَةَ. فَقَامَ أَبُو بَكرٍ إِلَى عَائِشَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، وَقَامَ عُمَرُ إِلَى حَفصَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، كِلَاهُمَا يَقُولُ: تَسأَلنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا لَيسَ عِندَهُ فَقُلنَ: وَاللَّهِ لَا نَسأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَيئًا أَبَدًا لَيسَ عِندَهُ. ثُمَّ اعتَزَلَهُنَّ شَهرًا أَو تِسعًا وَعِشرِينَ، ثُمَّ نَزَلَت عَلَيهِ هَذِهِ الآيَةُ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِأَزوَاجِكَ حَتَّى بَلَغَ: لِلمُحسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجرًا عَظِيمًا قَالَ: فَبَدَأَ بِعَائِشَةَ. فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ إِنِّي أُرِيدُ أَن أَعرِضَ عَلَيكِ أَمرًا أُحِبُّ ألَا تَعجَلِي فِيهِ حَتَّى تَستَشِيرِي أَبَوَيكِ؟ قَالَت: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَتَلَا عَلَيهَا الآيَةَ قَالَت: أَفِيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَستَشِيرُ أَبَوَيَّ؟ بَل أَختَارُ اللَّهَ، وَرَسُولَهُ، وَالدَّارَ الآخِرَةَ، وَأَسأَلُكَ أَلَا تُخبِرَ امرَأَةً مِن نِسَائِكَ بِالَّذِي قُلتُ. قَالَ: لَا تَسأَلُنِي امرَأَةٌ\nــ\nبعضهن إلى شيء من متاع الدنيا. ولذلك أمر الله تعالى نبيه ﷺ بأن يخيرهنَّ بين إرادة زينة الدنيا، وإرادة الله تعالى، وما عنده، فاخترن الله ورسوله، والدار الآخرة. ولم يكن فيهن من توقف في شيء من ذلك، ولا تردد فيه، لأنهن مختارات لمختار، وطيبات لطيب، سلام الله تعالى عليهم أجمعين.\nو(قوله في هذه الرواية: اعتزلهن شهرًا، أو تسعًا وعشرين) ظاهره شك من الراوي (١)، وسيأتي حديث ابن عباس: أنَّه إنما اعتزلهن تسعًا وعشرين، وهو الصحيح.\nوقول عائشة للنبي ﷺ: لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت) هو قول أخرجته غيرتُها، وحرصها على انفرادها بالنبي ﷺ.\nو(قوله لها: (إن الله لم يبعثني معنتًا، ولا متعنتًا، ولكن بعثني معلمًا، وميسرًا) أصل العنت: المشقة. والمُعَنِّتُ: هو الذي يوقع العنت بغيره. والمتعنِّت: هو الذي يحمل غيره على العمل بها. ويحتمل أن يقال: المعنت: هو\n_________\n(١) زاد في (ج ٢): وكأنه إنما سُمِّي شهرًا بثلاثين.","vol":"4","page":256},{"text":"مِنهُنَّ إِلَّا أَخبَرتُهَا، إِنَّ اللَّهَ لَم يَبعَثنِي مُعَنِّتًا وَلَا مُتَعَنِّتًا، وَلَكِن بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا.\nرواه مسلم (١٤٧٨).\n[١٥٤٨] وعَنها (١) قَالَت: خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فاخترناه، فَلَم يَعُدَّهُ علينا طَلَاقًا.\nرواه أحمد (٦/ ٢٠٢)، والبخاريُّ (٥٢٦٣)، ومسلم (١٤٧٧) (٢٧)، والترمذيُّ (١١٧٩)، والنسائيُّ (٦/ ٥٦)، وابن ماجه (٢٠٥٢).\n* * *\nــ\nالمجبول على ذلك. والمتعنت: هو الذي يتعاطى ذلك وإن لم يكن في جبلَّته.\nوكأن عائشة ﵂ توقعت: أنَّه إذا لم يخبر أحدًا من زوجاته يكون فيهن من يختار الدنيا، فيفارقها النبي ﷺ وأنهن إذا سَمِعنَ باختيارها هي له اقتدين بها فَيَختَرنَهُ، وكذلك فعلنَّ.\nووقع للنبي ﷺ: أنَّه إن سألته واحدة منهن عن فِعل عائشة فلم يخبرها كان ذلك نوعًا من العنت، وإدخال الضرر عليهن بسبب إخفاء ما يُسأل عنه، فقال مجيبًا: (إن الله لم يبعثني معنتًا، ولكن بعثني معلمًا ميسِّرًا). ووجه التيسير في هذا: أنه إذا أخبر بذلك اقتدى بها غيرها من أزواجه، وسهل عليها اختيار الله ورسوله، والدار الآخرة.\nو(قولها: خيَّرنا رسول الله ﷺ فاخترناه، فلم يعدّه علينا طلاقا) حجة لجمهور العلماء من السلف وغيرهم وأئمة الفتوى: على أن المخيرة إذا اختارت زوجها أنَّه لا يلزمه طلاق، لا واحدة، ولا أكثر. وحكي عن علي وزيد بن ثابت ﵄ روايتان:\nإحداهما كما قال جماعة السلف وأئمة الفتوى: إنه لا يقع بذلك طلقة رجعية (٢). وروي عن عليّ، وزيد بن ثابت، والحسن،\n_________\n(١) أي: عن عائشة، وقول المؤلف -﵀-: وعنها؛ لورود اسمها في حديث جابر السابق.\n(٢) ما بين حاصرتين مستدرك من (ج ٢).","vol":"4","page":257},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوالليث: أن نفس الخيار طلقة واحدة بائنة؛ وإن اختارت زوجها. وحكاه الخطابي، والنقَّاش عن مالك، ولا يصح عنه. وروي عن ربيعة نحوه في التمليك (١)، وهذا الحديث حجة عليهم.\nوأمَّا إذا اختارت نفسها، فاختلف العلماء فيها قديمًا وحديثًا على أقوال:\nفقالت فِرقَة: ليس للمُخيِّرة ولا للمملَّكة شيء من الطلاق.\nوقالت فرقة أخرى: هو ما قضت به من واحدة أو أكثر.\nوقيل: هو على ما نواه الزوج، وله مناكرتها في الخيار، والتمليك. وهو قول ابن جهم من أصحابنا وغيره.\nوقال بعضهم: تكون رجعية. وهو قول عبد العزيز، والشافعي، والثوري، وابن أبي ليلى، وأبي يوسف. وحكى ابن سحنون عن أبيه نحوه. وروي عن عمر، وابن مسعود (٢).\nوقيل: إنه واحدة بائنة. وهو قول أبي حنيفة، وحكي عن مالك، وروي عن علي بن أبي طالب ﵁.\nوالمشهور من مذهب مالك: أن المخيرة إذا اختارت نفسها كان ثلاثًا، وليس له المناكرة، بخلاف التمليك؛ فإن له المناكرة إذا قضت بالثلاث، إذا نوى أقل من ذلك، ولم يكن عن عوض.\nثم اختلف عندنا في المخيَّرة إذا قضت بأقل من ثلاث. فقال مالك مرة: لا يلزمه، وسقط ما بيدها. وقال أشهب: ترجع على خيارها. وقال عبد الملك: هي ثلاث بكل حال.\nوفي قول عائشة هذا دليلٌ على أن المخيرة إذا اختارت نفسها أن نفس ذلك الخيار يكون طلاقا، من غير احتياج إلى النطق بلفظ (٣) يدل على الطلاق سوى الخيار، ويُقتَبَسُ ذلك من مفهوم لفظها، فتأمَّله.\n_________\n(١) أي: جَعْل أمر طلاق المرأة بيدها.\n(٢) ليس في (ع).\n(٣) سقط من (ع).","vol":"4","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-570>(٦) باب إيلاء الرَّجل من نسائه وتأديبهن باعتزالهن مدة</span>\n[١٥٤٩] عَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَم أَزَل حَرِيصًا أَن أَسأَلَ عُمَرَ عَن المَرأَتَينِ مِن أَزوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ، اللَّتَينِ قَالَ اللَّهُ: إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَد صَغَت قُلُوبُكُمَا حَتَّى حَجَّ عُمَرُ وَحَجَجتُ مَعَهُ، فَلَمَّا كُنَّا بِبَعضِ الطَّرِيقِ عَدَلَ عُمَرُ وَعَدَلتُ مَعَهُ بِالإِدَاوَةِ فَتَبَرَّزَ، ثُمَّ أَتَانِي فَسَكَبتُ عَلَى يَدَيهِ فَتَوَضَّأَ فَقُلتُ: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ مَن المَرأَتَانِ مِن أَزوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ اللَّتَانِ قَالَ اللَّهُ: إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَد صَغَت قُلُوبُكُمَا قَالَ عُمَرُ: وَاعَجَبًا لَكَ يَا بنَ عَبَّاسٍ.\nــ\n(٦) ومن باب: إيلاء الرَّجل من نسائه\nالإيلاء في اللغة هو: الحلف. يقال: آلى، يُؤلي إيلاءً؛ أي: حلف. ويقال: تألَّى، تألِّيًا. و: ائتلى، يأتلي، ائتلاءً. وهو في الشرع: الحلف على الامتناع من وطء الزوجة بيمين يلزم بها حكم أكثر من أربعة أشهرٍ بمدَّة مؤثِّرة. وتفصيلُ ذلك في كتب الفقه.\nو(قول عمر: واعجبا لك يا بن عباس!) فهم الزهري من هذا التعجب الإنكار لما سأله عنه، وفيه بُعدٌ. ويمكن أن يقال: إنَّ تعجبه إنما كان لأنه استبعد أن يخفى مثل هذا على مثل ابن عباس مع مداخلته لأزواج النبي ﷺ وشُهرة هذه القصة، وشدّة حرصه هو على سماع الأحاديث، وكثرة حفظه، وغزارة علمه، ولما كان في نفس عمر من ابن عباس، فإنه كان يُعظِّمه، ويقدِّمُهُ على كثير من مشايخ الصحابة، كما اتفق له معه؛ إذ سأله عن قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصرُ اللَّهِ وَالفَتحُ﴾ والقصة مشهورة (١).\n_________\n(١) انظر: فتح الباري، الحديث رقم (٤٩٧٠) وشرحه.","vol":"4","page":259},{"text":"قَالَ الزُّهرِيُّ: كَرِهَ وَاللَّهِ مَا سَأَلَهُ عَنهُ، وَلَم يَكتُمهُ. قَالَ: هِيَ حَفصَةُ وَعَائِشَةُ، ثُمَّ أَخَذَ يَسُوقُ الحَدِيثَ. قَالَ: كُنَّا مَعشَرَ قُرَيشٍ قَومًا نَغلِبُ نساءنا، فَلَمَّا قَدِمنَا المَدِينَةَ وَجَدنَا قَومًا تَغلِبُهُم نِسَاؤُهُم. فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَتَعَلَّمنَ مِن نِسَائِهِم. قَالَ: وَكَانَ مَنزِلِي فِي بَنِي أُمَيَّةَ بنِ زَيدٍ بِالعَوَالِي، فَتَغَضَّبتُ يَومًا عَلَى امرَأَتِي، فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي فَأَنكَرتُ أَن تُرَاجِعَنِي. فَقَالَت: مَا تُنكِرُ أَن أُرَاجِعَكَ؟ فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ لَيُرَاجِعنَهُ، وَتَهجُرُهُ إِحدَاهُنَّ اليَومَ إِلَى اللَّيلِ، فَانطَلَقتُ فَدَخَلتُ عَلَى حَفصَةَ فَقُلتُ: أَتُرَاجِعِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَت: نَعَم. فَقُلتُ: أَتَهجُرُهُ إِحدَاكُنَّ اليَومَ إِلَى اللَّيلِ؟ قَالَت: نَعَم. فقُلتُ: قَد خَابَ مَن فَعَلَ ذَلِكَ مِنكُنَّ، وَخَسِرَ أَفَتَأمَنُ إِحدَاكُنَّ أَن يَغضَبَ اللَّهُ عَلَيهَا لِغَضَبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَإِذَا هِيَ قَد هَلَكَت؟ لَا تُرَاجِعِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَلَا تَسأَلِيهِ شَيئًا وَسَلِينِي مَا بَدَا لَكِ، وَلَا يَغُرَّنَّكِ أَن كَانَت جَارَتُكِ هِيَ أَوسَمَ وَأَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنكِ (يُرِيدُ عَائِشَةَ) قَالَ: وَكَانَ لِي جَارٌ مِن الأَنصَارِ فَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَنزِلُ يَومًا وَأَنزِلُ يَومًا، فَيَأتِينِي\nــ\nو(قوله: فلا يغرَّنك أن كانت جارتُكِ هي أوسمُ وأحب) أراد بالجارة: الضَّرَّة، وكنَّى بها عنها مراعاةً للأدب، واجتنابًا للفظِ الضرر أن يُضاف لمثل أزواج النبي ﷺ ورضي عنهن، ويعني بذلك عائشة ﵂، والله تعالى أعلم.\nو(أوسم): أجمل، والوسيم: الجميل، فكأنًّ الحُسنَ وَسَمَه؛ أي: علَّمه بعلامة يُعرف بها.\nو(المشربة): الغرفة. يقال بضم الراء وفتحها، لغتان.\nو(أُسكُفة المشربة) - بضم الهمزة والكاف: عتبة الباب السفلى.\nو(الفقير) - بتقديم الفاء - فسَّره في الحديث بجذع يُرقى عليه، وهو الذي جُعِلَت فيه فِقَرٌ كالدرج يُصعَدُ عليها. أُخذ من فقار الظهر. وفي الأم: (يرتقي إليها بعجلة). كذا صحيح الرواية.\nو(العجلة): درج من النخل، قاله القتبي. وفي الأم: قالت عائشة لعمر: ما لي ولك يا بن الخطاب! عليك بعيبتك؛ أي: بخاصتك، وموضع سرِّك؛ ومنه","vol":"4","page":260},{"text":"بِخَبَرِ الوَحيِ وَغَيرِهِ وَآتِيهِ بِمِثلِ ذَلِكَ، وَكُنَّا نَحَدَّثُ: أَنَّ غَسَّانَ تُنعِلُ الخَيلَ لِتَغزُوَنَا، فَنَزَلَ صَاحِبِي ثُمَّ أَتَانِي فَضَرَبَ بَابِي، ثُمَّ نَادَانِي فَخَرَجتُ إِلَيهِ فَقَالَ: حَدَثَ أَمرٌ عَظِيمٌ قُلتُ: مَاذَا؟ أَجَاءَت غَسَّانُ؟ قَالَ: لَا. بَل أَعظَمُ مِن ذَلِكَ وَأَطوَلُ؛ طَلَّقَ النَّبِيُّ ﷺ نِسَاءَهُ. فَقُلتُ: قَد خَابَت حَفصَةُ وَخَسِرَت - وقَد كُنتُ أَظُنُّ أن هَذَا كَائِن - حَتَّى إِذَا صَلَّيتُ الصُّبحَ شَدَدتُ عَلَيَّ ثِيَابِي، ثُمَّ نَزَلتُ فَدَخَلتُ عَلَى حَفصَةَ وَهِيَ تَبكِي. فَقُلتُ: أَطَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَت: لَا أَدرِي هَا هُوَ ذَا يعتَزِلٌ فِي هَذِهِ المَشرُبَةِ فَأَتَيتُ غُلَامًا أَسوَدَ.\nوفي رواية: فَإِذَا أَنَا بِرَبَاحٍ غُلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَاعِدًا عَلَى أُسكُفَّةِ المَشرُبَةِ، مُدَلٍّ رِجلَيهِ عَلَى فَقِيرٍ مِن خَشَبٍ وَهُوَ جِذعٌ يَرقَى عَلَيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَيَنحَدِرُ. فَقُلتُ: استَأذِن لعمر فَدَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ فَقَالَ: قَد ذَكَرتُكَ لَهُ فَصَمَتَ، فَانطَلَقتُ حَتَّى انتَهَيتُ إِلَى المِنبَرِ فَجَلَستُ،\nــ\nقوله ﷺ: (الأنصار كرشي، وعيبتي) (١). قال ابن الأنباري: معنى كرشي: أصحابي، وجماعتي الذين أعتمدهم. وأصل الكرش في اللغة: الجماعة. وقال غيره: ومعنى عيبتي: خاصتي، وموضع سرِّي. وأصل العيبة: الوعاء الذي يُجعل فيه الشيء النفيس الرفيع (٢). وتعني بذلك: ابنته حفصة.\nو(رباح) هذا هو بباء بواحدة من تحتها. و(رمل الحصير): نَسجُه. وقال ابن القوطية: رملت الحصير رملًا، وأرملتُه: نَسَجتُهُ.\nو(متكئ): قال القاضي عياض: أي متمكِّنًا في قعوده كالمتربِّع ونحوه.\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ١٨٨ و٢٠١)، وابن حبان (٧٢٦٨)، وابن أبي شيبة (١٢/ ١٦٠)، والنسائي في فضائل الصحابة (٢٢١).\n(٢) قال في النهاية: \"الأنصار كرشي وعيبتي\" أراد بطانته وموضع سرّه وأمانته، والذين يعتمد عليهم في أموره. واستعار الكرش والعيبة لذلك؛ لأنَّ المجتر يجمع علفه في كرشه، والرجل يضع ثيابه في عيبته.","vol":"4","page":261},{"text":"فَإِذَا عِندَهُ رَهطٌ جُلُوسٌ يَبكِي بَعضُهُم فَجَلَستُ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ. ثُمَّ أَتَيتُ الغُلَامَ فَقُلتُ: استَأذِن لِعُمَرَ فَدَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ فَقَالَ: قَد ذَكَرتُكَ لَهُ فَصَمَتَ، فَوَلَّيتُ مُدبِرًا فَإِذَا الغُلَامُ يَدعُونِي فَقَالَ: ادخُل فَقَد أَذِنَ لَكَ. فَدَخَلتُ، فَسَلَّمتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإِذَا هُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى رَملِ حَصِيرٍ قَد أَثَّرَ فِي جَنبِهِ. فَقُلتُ: أَطَلَّقتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ نِسَاءَكَ؟ فَرَفَعَ رَأسَهُ إِلَيَّ وَقَالَ: لَا. فَقُلتُ: اللَّهُ أَكبَرُ لَو رَأَيتَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكُنَّا مَعشَرَ قُرَيشٍ قَومًا نَغلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمنَا المَدِينَةَ وَجَدنَا قَومًا تَغلِبُهُم نِسَاؤُهُم، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَتَعَلَّمنَ مِن نِسَائِهِم، فَتَغَضَّبتُ عَلَى امرَأَتِي يَومًا، فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي فَأَنكَرتُ أَن تُرَاجِعَنِي فَقَالَت: مَا تُنكِرُ أَن أُرَاجِعَكَ؟ فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ لَيُرَاجِعنَهُ، وَتَهجُرُهُ إِحدَاهُنَّ اليَومَ إِلَى اللَّيلِ. فَقُلتُ: قَد خَابَ مَن فَعَلَ ذَلِكِ مِنهُنَّ وَخَسِرَ، أَفَتَأمَنُ إِحدَاهُنَّ أَن يَغضَبَ اللَّهُ عَلَيهَا لِغَضَبِ رَسُولِهِ، فَإِذَا هِيَ قَد هَلَكَت؟ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَد دَخَلتُ عَلَى حَفصَةَ فَقُلتُ: لَا يَغُرَّنَّكِ أَن كَانَت جَارَتُكِ\nــ\nقلت: وهذه غفلة منه عن قوله: قد أثر في جنبه. والذي ينبغي أن يقال: إن الاتكاء هو: التمكُّن، والتثبُّت. فيكون ميلًا على جنب، ويكون ترَبُّعًا (١)؛ إذ كل واحدٍ منهما متمكِّنٌ ومتثبِّتٌ. ويعني به هاهنا: التمكّن على أحد جنبيه على كل حال.\nو(قوله: طفق) معناه: جعل وأخذ، و(تَغَضَّبتُ): استعملتُ الغضب؛ أي: أسبابه. و(تبسَّم) أي: بدأ يضحك. وفي الأم: (كشر) في رواية. قال ابن السكيت: كَشَرَ، وتبسَّم، وابتسم، وافترَّ كلها بمعنى واحد. فإن زاد قيل: قهقه، وزمدق، وكركر. فإن أفرط؛ قيل: استغرب ضحكًا. وقال صاحب\n_________\n(١) ساقط من (ج ٢).","vol":"4","page":262},{"text":"هِيَ أَوسَمُ مِنكِ، وَأَحَبُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنكِ، فَتَبَسَّمَ أُخرَى، فَقُلتُ: آَستَأنِسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَم، فَجَلَستُ، فَرَفَعتُ رَأسِي فِي البَيتِ فَوَاللَّهِ مَا رَأَيتُ فِيهِ شَيئًا يَرُدُّ البَصَرَ إِلَّا أُهَبًا ثَلَاثَةً. فَقُلتُ: ادعُ اللَّهَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَن يُوَسِّعَ عَلَى أُمَّتِكَ، فَقَد وَسَّعَ عَلَى فَارِسَ وَالرُّومِ وَهُم لَا يَعبُدُونَ اللَّهَ، فَاستَوَى جَالِسًا، ثُمَّ قَالَ: أَفِي شَكٍّ أَنتَ يَا بنَ الخَطَّابِ؟ أُولَئِكَ قَومٌ عُجِّلَت لَهُم طَيِّبَاتُهُم فِي حَيَاتهم الدُّنيَا.\nوفي رواية: فقال: أَمَا تَرضَى أَن تَكُونَ لَهُم الدُّنيَا، وَلَنَا الآخِرَةُ. ولم\nــ\nالأفعال: كَشَرَ: أبدى أسنانه تبسُّمًا، أو غضبًا.\nو(قوله: فقلت: آستأنس يا رسول الله؟ قال: نعم) هو على الاستفهام، فيكون بهمزتين: همزة الاستفهام دخلت على همزة المتكلم. فإن شئت حققتهما، وإن شئت حققت الأولى وسَهَّلت الثانية، ومعناه: آنبسط في الحديث انبساط المتأنس؟ الذي لا يخاف عتبًا، ولا لومًا. استأذنه في ذلك. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا مُستَأنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾\nو(الأهب): جمع إهاب. وهو: الجلد غير مدبوغ. ويقال له أيضًا: أَفِيقٌ. فإذا جعل في الدِّباغ سُمِّي: منيئة. فإذا دبغ، فهو: أديم. ورُوي: (أُهُبٌ) - بضم الهاء -: جمع إهاب؛ كحمار، وحُمُر. ويروى بفتح الهاء والهمزة، كأنَّه جمع: أَهَبَة وأهب؛ كثمرة وثمر، وشجرة وشجر.\nو(قوله: حين استوى جالسًا: (أفي شك أنت يا بن الخطاب؟ !) إنكار منه على عمر لما وقع له من الالتفات إلى الدنيا، ومدِّ عينيه إليها. وقد بالغ رسول الله ﷺ في الجواب والردع بقوله: (أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم) وبقوله: (أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟). وفيه حجة على تفضيل الفقر.","vol":"4","page":263},{"text":"يذكر: أولئك قوم. فقلت: استَغفِر لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَانَ أَقسَمَ أَلَا يَدخُلَ عَلَيهِنَّ شَهرًا مِن شِدَّةِ مَوجِدَتِهِ عَلَيهِنَّ، حَتَّى عَاتَبَهُ اللَّهُ. قالت عَائِشَةَ: لَمَّا مَضَى تِسعٌ وَعِشرُونَ لَيلَةً، دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَدَأَ بِي. فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ أَقسَمتَ أَن لَا تَدخُلَ عَلَينَا شَهرًا، وَإِنَّكَ دَخَلتَ مِن تِسعٍ\nــ\nو(قوله: وكان أقسم: ألا يدخل عليهن شهرًا من أجل موجدته عليهن) هذا يدلُّ: على أن المُؤلِي لا يُلزم إيقافه إذا حلف على أقل من أربعة أشهر، كما قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤلُونَ مِن نِسَائِهِم تَرَبُّصُ أَربَعَةِ أَشهُرٍ﴾ فإن حلف على زيادة عليها لزم إيقافه، فإما حنَّثَ نَفسَهُ ووطِئ، وإما طلق؛ هذا مذهب جمهور الصحابة، والتابعين وأئمة الفتيا (١).\nولم يعتبر مالك الزيادة القليلة مثل الأيام اليسيرة، ورأى: أن لها حكم الأربعة الأشهر. واعتبرها غيره؛ لأنها زيادة على ما حدَّده الله تعالى. ولو اقتصر عندهم على الأربعة الأشهر لم يكن موليًا.\nوذهب الكوفيون: إلى أنه مول. وشذ ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، والحسن في آخرين معهم فقالوا: إن حلف على ألا يجامعها يومًا، أو أقل، ثم تركها حتى مضت أربعة أشهر فهو مول.\nوروي عن ابن عمر (٢) عكس هذا: أن كل من وقَّت ليمينه وقتًا، وضرب مدَّةً - وإن طالت - فليس بمولٍ، وإنما المولي من حلف على الأبد.\nوسبب خلافهم اختلافُهم في فهم الآية. وحجة الجمهور منها واضحة. ولا خلاف بينهم أنَّه لا يقع عليه طلاق قبل الأربعة الأشهر، وأنه لو أحنث نفسه قبل تمامها سقط الإيلاء عنه.\nثم اختلفوا: هل بانقضاء الأربعة الأشهر يقع الطلاق؟ وهو قول الكوفيين، ويقدرون الآية؛ فإن فاءوا فيهنَّ، أو حتى يوقف الزوج، فإمَّا فَاءَ، وإمَّا طلق، أو طلق عليه السلطان؟ وهو قول الجماهير، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِن عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ولو وقع الطلاق بمضيِّ المُدَّة؛\n_________\n(١) في (ع) و(ج ٢): الفقهاء، والمثبت من (ل ١).\n(٢) في (ع): ابن عباس.","vol":"4","page":264},{"text":"وَعِشرِينَ أَعُدُّهُنَّ فَقَالَ: إِنَّ الشَّهرَ تِسعٌ وَعِشرُونَ، ثُمَّ قَالَ: يَا عَائِشَةُ إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمرًا، فَلَا عَلَيكِ أَلَا تَعجَلِي فِيهِ حَتَّى تَستَأمِرِي أَبَوَيكِ. ثُمَّ قَرَأَ عَلَيَّ الآيَةَ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِأَزوَاجِكَ حَتَّى بَلَغَ أَجرًا عَظِيمًا قَالَت عَائِشَةُ: قَد عَلِمَ وَاللَّهِ أَنَّ أَبَوَيَّ لَم يَكُونَا لِيَأمُرَانِي بِفِرَاقِهِ. قَالَت: فَقُلتُ: أَفِي هَذَا أَستَأمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ. قَالَت عَائِشَةَ: لَا تُخبِر نِسَاءَكَ أَنِّي اختَرتُكَ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ\nــ\nلما كان لعزمهم على الطلاق بعدها معنى. ومشهور مذهب مالك كقول الجماهير. وحُكي عنه مثل قول الكوفيين. وقال أشهب: إن قال: أنا أفيء، أمهل حتى تنقضي عدتها. فإن لم يفِئ بانت منه، ولا خلاف بين الجماهير: أن الطلاق فيه رجعيُّ، غير أن مالكا يقول: رجعته موقوفة على الوطء.\nواختلف الكوفيون في ذلك الطلاق: هل هو بائن أو رجعيٌّ؟\nثم ظاهر قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤلُونَ مِن نِسَائِهِم﴾؛ العموم في كل مول على أكثر من أربعة أشهر، فسواء كان إيلاؤه على وجه الغضب، أو الرضا، أو لمصلحة، أو غيرها. لكن اختلفوا في هذه المسائل. فذهب مالك، والأوزاعي: إلى أنَّه إذا أدَّى إلى مصلحة الولد أنَّه لا يكون مُوليًا، ولا يوقف، وهو قياس قولهم في شبه هذا مما لا يقصد به الضرر. فأمَّا لو قصد الضرر بحلفه: فلا يختلفون في أنَّه موجب لحكم الإيلاء، وهو المفهوم (١) من قوله: ﴿فَإِن فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ فإنَّ المغفرة مشعرة بالذنب، وذلك يكون بإضراره بها أو بقصده إلى ذلك.\nوروي عن عليٍّ، وابن عباس ﵃: أنه إنما يكون مُوليًا إذا حلف على وجه الغضب، وأمَّا على وجه الرِّضا: فلا.\nو(قوله: إن الشهر تسع وعشرون) ظاهره: أنَّه دخل في أول ذلك الشهر،\n_________\n(١) في (ج ٢): المشهور.","vol":"4","page":265},{"text":"اللَّهَ أَرسَلَنِي مُبَلِّغًا، وَلَم يُرسِلنِي مُتَعَنِّتًا. قَالَ قَتَادَةُ: صَغَت قُلُوبُكُمَا: مَالَت.\nرواه البخاريُّ: (٥١٩١)، ومسلم (١٤٧٩) (٣٠ و٣١ و٣٤ و٣٥)، والترمذيُّ (٣٣١٥)، والنسائي (٤/ ١٣٧).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-571>(٧) باب فيمن قال: إن المطلقة البائن لا نفقة لها ولا سكنى</span>\n[١٥٥٠] عَن فَاطِمَةَ بِنتِ قَيسٍ: أَنَّ أَبَا عَمرِو بنَ حَفصٍ طَلَّقَهَا البَتَّةَ\nــ\nوأنه كان تسعًا وعشرين، لكن قول عائشة ﵂: أعدُّهن؛ يدلُّ على أنَّه أراد به العدد. وقد تقدَّم استيفاء هذا المعنى في الصيام.\n(٧) ومن باب: فيمن قال: إن المطلقة البائن لا نفقة لها ولا سكنى\n(قوله: عن فاطمة بنت قيس: أن أبا عمرو بن حفص) هكذا رواية أكثر الأئمة الحفَّاظ: مالك وغيره. وقد قلبه شيبان، وأبان العطَّار، عن يحيى بن أبي كثير؛ فقال: إن أبا حفص بن عمرو. والمحفوظ الأوَّل. واسمه: أحمد؛ على ما ذكره الداوديُّ عن النسائي. قال القاضي: والأشهر: عبد الحميد. وقيل: اسمه كنيته، ولا يعرف في الصحابة من اسمه أحمد سواه (١).\nو(قوله: طلقها البتة) هذا هو الصحيح: أنه طلقها عند جميع الحفاظ.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين مستدرك من (ج ٢).","vol":"4","page":266},{"text":"وَهُوَ غَائِبٌ، فَأَرسَلَ إِلَيهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ فَسَخِطَتهُ. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا لَكِ عَلَينَا مِن شَيءٍ، فَجَاءَت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَت ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: لَيسَ لَكِ نَفَقَةٌ،\nــ\nوسيأتي في حديث الجسَّاسة لفظٌ يوهم: أنه مات عنها. وله تأويل يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى، ويعني بالبتة: آخر الثلاث تطليقات، كما جاء مفسَّرًا في الرواية الأخرى. لا أنه أوقع عليها لفظ البتة، وإنما سَمَّى آخر الثلاث: البتة؛ لأنها طلقة تَبُتُّ العصمة، ولا تُبقي منها شيئًا. ولما كملت بهذه الطلقة الثلاث عَبَّر عنها بعض الرواة بالثلاث. والرواية المفصَّلة قاضيةٌ على غيرها، وهي الصحيحة.\nو(قوله: فأرسل إليها وكيله بشعير، فسخطته) كان صوابه أن يقول: وَكِيلَيه؛ لأنهما الحارث بن هشام، وعياش بن ربيعة؛ كما جاء مفسَّرًا في الرواية الأخرى.\nوفيه دليل على العمل بالوكالة، وشهرتها عندهم. وكأنَّ إرساله بهذا الشعير كان منه متعة، فحسبته هي نفقةً واجبةً عليه، ولذلك سخطته، ورأت: أنها تستحق عليه (١) أكثر من ذلك وأطيب. فحين تحقَّق الوكيلان منها ذلك؛ أخبراها بالحكم، فلم تقبل منهما حتى أتت رسول الله ﷺ فقال لها: (لا نفقة لك) على ما رواه مالك، وأكثر الرواة من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة، وعلى ما رواه الزهري، عن عبيد الله بن عتبة. ولم يذكروا فيها قوله: (ولا سكنى) على أنها رواية مرسلة على ما قاله أبو مسعود.\nولم يرو مالك، ولا أكثر الأئمة هذه اللفظة في السكنى، وإنما هي من رواية أبي حازم عن أبي سلمة. ومن رواية الشعبي عن فاطمة. وهي التي أنكرها عليه الأسود.\nولأجل اختلاف هذه الطرق، واختلافهم في تأويل قوله تعالى: ﴿لا تُخرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخرُجنَ﴾؛ اختلفوا في المطلقة البائن، فقال بعضهم: لها السُّكنى، والنفقة. وهو قول عمر ﵁ وأبي حنيفة\n_________\n(١) سقطت من (ع).","vol":"4","page":267},{"text":"فَأَمَرَهَا أَن تَعتَدَّ فِي بَيتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ قَالَ: تِلكِ امرَأَةٌ يَغشَاهَا أَصحَابِي،\nــ\n- ﵀ - ولم يُعَرّجا على حديث فاطمة هذا. ولذلك قال عمر ﵁: (لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة) يعني بذلك: قوله تعالى: ﴿لا تُخرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخرُجنَ﴾؛ ولأنها محبوسة بسبب المطلق، فنفقتها عليه، وكذلك سُكناها. وقال آخرون: لا سُكنى لها، ولا نفقة. وهو قول ابن عباس ﵄ وأحمد متمسِّكين بانقطاع أسباب الزوجية بينهما (١)، ولقوله: (لا سكنى لك ولا نفقة).\nوقال آخرون: لها السكنى ولا نفقة. وهو مذهب مالك متمسكًا في إسقاط النفقة بما رواه من قوله ﷺ: (لا نفقة لك). وفي إثبات السكنى بقوله تعالى: ﴿لا تُخرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ الآية.\nوأمَّا المطلقة الرجعية فلا خلاف في وجوب النفقة والسكنى لها. وأما المتوفى عنها زوجها، فلا خلاف في أنها لا تجب لها نفقة؛ لأن ماله قد انتقل لورثته. واختلفوا في السكنى، فقال مالك: لا سكنى لها، إلا أن تكون رقبة الدار، ومنفعتها ملكًا للميت، فهي أحقّ بالسكنى (٢) طول عدَّتها من ورثته. وقال أبو حنيفة وغيره: لا سكنى لها جملة بغير تفصيل. وعن مالك قولةٌ شاذةٌ نحو هذا. وإليها أشار القاضي أبو الحسن بن القصار، وقال: هو القياس كالنفقة.\nو(قولها: فأمرها أن تعتدّ في بيت أم شريك) لا خلاف في أن كل زوجة مدخول بها طلقها زوجُها يجب عليها العدّة، ثم هي - أعني: العدَّة - منقسمة بحسب أحوالهنَّ: فالحامل عدَّتُها وضعُ حملها. والحائل إن كانت حرَّة: ثلاثة أقراء. وإن لم تكن من ذوات الأقراء: فثلاثة أشهر. وأمَّا الأمة: فقرءان، أو شهران، ويجري الفسخ بغير طلاق مجرى الطلاق.\nوأمَّا المتوفَّى عنها زوجها: فالحرَّة تعتدّ أربعة أشهر وعشرًا. والأمة: شهران\n_________\n(١) ليست في (ع).\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"4","page":268},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوخمس ليال عندنا، وسيأتي بعض ذلك. وتفصيله في كتب الفقه.\nوأمُّ شريك اسمها: غَزِيَّة. وقيل: غُزَيلة. وهي قرشية عامريّة. وقد ذكرها بعضهم في أزواج النبي ﷺ (١). وقيل فيها: إنها أنصارية، على ما ذكره مسلم في حديث الجسَّاسة (٢)، وسيأتي. وكانت كثيرة المعروف، والنفقة في سبيل الله تعالى، والتضييف للغرباء من المهاجرين وغيرهم. ولذلك قال: (تلك امرأة يغشاها أصحابي ﵂).\nوإنما أذن النبي ﷺ لفاطمة أن تخرج من البيت الذي طلقت فيه؛ لما ذكره مسلم في الرواية الأخرى من أنها خافت على نفسها من عورة منزلها (٣).\nوفيه دليل: على أن المعتدة تنتقل لأجل الضرر. وهذا أولى من قول من قال: إنها كانت لَسِنَةً تُؤذي زوجَها وأحماءهَا بلسانها؛ فإن هذه الصِّفَة لا تليق بمن اختارها رسول الله ﷺ لِحبِّه ابن حِبِّه. وتواردت رغبات الصحابة عليها حين انقضت عدَّتُها، ولو كانت على مثل تلك الحال لكان ينبغي ألا يُرغَبَ فيها، ولا يُحرَصَ عليها. أيضًا: فلم يثبت بذلك نقل مُسنَدٌ صحيحٌ. وإنما الذي تمسَّك به في ذلك قول عائشة: ما لفاطمة خير أن تذكر هذا (٤).\nوقول عمر: (لا ندع كتاب الله لقول امرأة لا نعلم حفظت أو نسيت) (٥). وقول بعضهم: تلك امرأة فتنت الناس. وليس في شيء من ذلك دليل على ذلك. ويا للعجب! كيف يجترئ ذو دِينٍ أن يُقدِمَ على غيبة مثل هذه الصحابية؛\n_________\n(١) في حاشية (ل ١): قيل: إنها التي وهبت نفسها للنبي - ﷺ -.\n(٢) رواه مسلم (٢٩٤٢) (١١٩).\n(٣) في حاشية (ل ١): وبدليل ما رواه مسلم من قولها: أخاف أن يُقتحم عليَّ.\n(٤) انظر مسلم (١٤٨١/ ٥٢ و٥٤).\n(٥) انظر مسلم (١٤٨٠/ ٤٦).","vol":"4","page":269},{"text":"اعتَدِّي عِندَ ابنِ أُمِّ مَكتُومٍ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعمَى، تَضَعِينَ ثِيَابَكِ ولا يراك،\nــ\nالتي اختارها النبي ﷺ لِحِبِّه ابن حِبِّه، لسبب خبر لم يَثبُت. وأعجب من ذلك قول بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَلا يَخرُجنَ إِلا أَن يَأتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ إنها نزلت في فاطمة؛ لأنها كانت فيها بذاذة لسان، وأذى للأحماء. وهذا لم يثبت فيه نقل، ولا يدلُّ عليه نظرٌ. فَذِكرُ ذلك عنها، ونسبَتُه إليها غيبة، أو بهتان.\nوأحسن ما قيل في التفسير؛ قول ابن عمر ﵄: إن الفاحشة: الزنا. فيخرجن لإقامة الحد عليهنَّ؛ وتعليله منع اعتدادها في بيت أمِّ شريك بدخول أصحابه؛ دليل على أن المرأة ممنوعة من التعرض لموضع يشقُّ عليها فيه التحرُّز من أن يُطَّلع منها على ما لا يجوز.\nو(قوله: اعتدِّي عند ابن أم مكتوم) وفي رواية في الأم: (عند ابن عمك عمرو بن أم مكتوم) وكذلك جاء في آخر الكتاب. وزاد: (رجل من بني فهر، من البطن الذي هي منه. والمعروف خلاف هذا، وليسا من بطن واحد. هي من بني محارب بن فهر. وهو من بني عامر بن لؤي.\nواختلفوا في اسم ابن أمّ مكتوم. فقيل: عمرو، كما ذكر. وقيل: عبد الله. وكذا ذكره في الموطأ، وفي آخر الكتاب. والخلاف في ذلك كثير، قاله القاضي أبو الفضل عياض.\nو(قوله: فإنَّه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده) فيه دليل: على أن المرأة يجوز أن لها أن تطَّلع من الرجل على ما لا يجوز للرجل أن يطلع عليه من المرأة، كالرأس، ومعلق القرط، ونحو ذلك. فأمَّا العورة فلا. ولكنَّ هذا يعارضه ما ذكره الترمذي من قول النبي ﷺ لميمونة وأم سلمة - وقد دخل عليهما ابن أمّ مكتوم - فقال: (احتجبا منه) فقالتا: إنه أعمى! ! قال: (أفعمياوان أنتما؟ ! ألستما تبصرانه؟ !) (١). والجواب من وجهين:\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٧٧٨).","vol":"4","page":270},{"text":"فَإِذَا حَلَلتِ فَآذِنِينِي قَالَت: فَلَمَّا حَلَلتُ ذَكَرتُ لَهُ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ بنَ أَبِي سُفيَانَ، وَأَبَا جَهمٍ خَطَبَانِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَمَّا أَبُو الجَهمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَن عَاتِقِهِ،\nــ\nأحدهما: أن هذا الحديث لا يصح عند أهل النقل؛ لأن راويه عن أم سلمة نبهانُ مولاها. وهو ممن لا يحتج بحديثه.\nوثانيهما: - على تقدير صحته - فذلك تغليظٌ منه ﷺ على أزواجه لحرمتهنَّ، كما غلَّظ عليهن أمر الحجاب. ولهذا أشار أبو داود، وغيره من الأئمة.\nو(قوله: فإذا حللت فآذنيني) أي: إذا انقضت عِدَّتُك. و(آذنيني): أعلميني. وفي لفظ آخر: (فلا تبدئيني (١) بنفسك) وكل ذلك بمعنى واحدٍ؛ أي: لا تزوِّجي نَفسَكِ حتى تعرِّفيني. وفيه التَّعرِيض في العدَّة.\nو(قولها: فلمَّا حللتُ ذكرتُ له: أن معاوية، وأبا جهم خطباني) فيه دليل على جواز الخطبة على خطبة الغير، لكن ما لم يقع التراكن؛ على ما قدمناه.\nو(قوله: أمَّا أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه) المعروف: أبو جهم على التكبير، وقد صغَّره بعضهم، وهو: أبو جهم (٢) بن حذيفة القرشي، العدوي. وهو صاحب الأَنبِجَانية (٣). وقد غلط فيه يحيى بن يحيى الأندلسي فقال: أبو جهم بن هشام، ولا يعرف في الصحابة من اسمه: أبو جهم بن هشام (٤)\n_________\n(١) في (ل ١): تسبقنِّي.\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٣) هي: ثوب غليظ خشن، كان لأبي جهم، الذي أهدى خميصة (ثوبًا) ذات أعلام للنبي - ﷺ -، فلمَّا شغلته عن الصلاة قال: \"ردُّوها عليه وآتوني بأنبجانيته\". رواه البخاري (٥٨١٧).\n(٤) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"4","page":271},{"text":"وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، انكِحِي أُسَامَةَ بنَ زَيدٍ فَكَرِهتُ، ثُمَّ قَالَ: انكِحِي أُسَامَةَ،\nــ\nولم يوافقه أحد من رواة الموطأ على ذلك.\nواختلف في معنى قوله: (لا يضع عصاه عن عاتقه) فقيل: معناه: أنه ضرَّاب للنساء، كما جاء مفسَّرًا في الرواية الأخرى. وفي أخرى: (فيه شدَّة على النساء). وقيل: المراد به: أنَّه كثير الأسفار. وقد جاء أيضًا في بعض رواياته في غير كتاب مسلم ما يدل على ذلك. غير أن التأويل الأول أحسن وأصحّ.\nوفيه ما يدل: على جواز تأديب النساء بالضرب، لكن غير المبرح. ولا خلاف في جواز ذلك على النشوز. وهو الامتناع من الزوج.\nقال بعضهم (١): واختلف في ضربهنَّ على خدمة بيوتهن. وهذا إنما يتمشَّى على قول من أوجب ذلك عليهنَّ. ولا يعارض هذا قوله ﷺ: (لا يجلد أحدكم زوجته جلد العبد ثم يضاجعها) (٢) لأن هذا النهي إنما يقتضي المنع من الضرب المبرح الذي لا يجوز. وهو الشديد المفرط. ولا خلاف في منع مثله.\nو(قوله: وأما معاوية: فصعلوك لا مال له) هذا تفسير للرواية التي وقع فيها: تِرَبٌ. وقد تقدم: أنه يقال: ترب الرجل: إذا افتقر. وأترب: إذا استغنى.\nوفيه ما يدلُّ على أن ذكر مساوئ الخاطب، أو من يعامل، أو من يحتاج إلى قبول قوله، أو فتياه جائز. ولا يعدُّ ذلك غيبة، ولا بهتانًا؛ إذ لا يذكر ذلك على جهة التنقيص وإضافة العيب إليه، لكن على جهة التعريف، وأداء النصيحة، وأداء الأمانة، كما فعله أهل الحديث وغيرهم.\nو(قوله: ولكن (٣) انكحي أسامة) فيه ما يدل على جواز نكاح المولى\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٢) رواه البخاري (٥٢٠٤)، ومسلم (٢٨٥٥)، والترمذي (٣٣٤٠) من حديث عبد الله بن زمعة ﵁.\n(٣) هذه الكلمة ليست في التلخيص، ولكنها من الحديث (١٤٨٠/ ٤٧ و٤٨).","vol":"4","page":272},{"text":"فَنَكَحتُهُ فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيرًا، وَاغتَبَطتُ.\nوفي رواية: فَقَالَ: لَا نَفَقَةَ لَكِ وَلَا سُكنَى.\nوفي أخرى: أنه طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، وأخبر بذلك النبي ﷺ، وَقيلُ: فَهَل لَهَا مِن نَفَقَةٍ؟ فَقَالَ ﷺ: لَيسَت لَهَا نَفَقَةٌ، وَعَلَيهَا العِدَّةُ.\nرواه أحمد (٦/ ٤١٢)، ومسلم (١٤٨٠) (٣٦ و٣٧ و٣٨)، وأبو داود (٢٢٨٥ - ٢٢٨٩)، والترمذيُّ (١١٨٠)، والنسائي (٦/ ٧٤).\n* * *\nــ\nللقرشية؛ فإن أسامة مولى، وفاطمة قرشية، كما تقدم. وإن الكفاءة المعتبرة هي كفاءة الدين، لا النسب، كما هو مذهب مالك.\nوقد روى الدارقطني عن حنظلة بن أبي سفيان الجمحي عن أمِّه قالت: رأيت أخت عبد الرحمن بن عوف تحت بلال (١).\nو(قولها: (فنكحته، فجعل الله في ذلك (٢) خيرًا واغتبطت) كان ذلك منها بعد أن صدر منها توقّف، وما يدلّ على كراهتها لذلك، كما جاء في روايةٍ في الأم: فقالت بيدها - هكذا - أسامة، أسامة! فقال لها رسول الله ﷺ: (طاعة الله وطاعة رسوله خير لك). قالت: فتزوجته فاغتبطت (٣).\n* * *\n_________\n(١) رواه الدارقطني (٣/ ٣٠٢).\n(٢) في التلخيص وصحيح مسلم: (فيه).\n(٣) رواه مسلم (١٤٨٠/ ٤٧).","vol":"4","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-572>(٨) باب فيمن قال: لها السكنى والنفقة</span>\n[١٥٥١] عَن أَبِي إِسحَاقَ قَالَ: كُنتُ مَعَ الأَسوَدِ بنِ يَزِيدَ جَالِسًا فِي المَسجِدِ الأَعظَمِ وَمَعَنَا الشَّعبِيُّ، فَحَدَّثَ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنتِ قَيسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَم يَجعَل لَهَا سُكنَى وَلَا نَفَقَةً. ثُمَّ أَخَذَ الأَسوَدُ كَفًّا مِن حَصًى فَحَصَبَهُ بِهِ فَقَالَ: وَيلَكَ تُحَدِّثُ بِمِثلِ هَذَا، قَالَ عُمَرُ: لَا نَترُكُ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا لِقَولِ امرَأَةٍ لَا نَدرِي لَعَلَّهَا حَفِظَت أَو نَسِيَت. لَهَا السُّكنَى\nــ\n(٨) ومن باب: فيمن قال: لها السكنى والنفقة (١)\n(قول الشعبي: لم يجعل لها سكنى، يحتمل أن يكون معنى ذلك: أنه لَمَّا لم تطالب الزوجَ بأجرة السكنى -إذ كانت قد انتقلت من البيت الذي طلقت فيه حين خافت عورة منزلها إلى بيت أم شريك (٢)، فلم تطالبها أم شريك بأجرة ذلك، عبَّر الراوي عن ذلك بتلك العبارة. وإنكار الأسود على الشعبي هذا الحديث: إنما كان للذي نبَّه عليه عمرُ ﵁ بقوله: (لا نترك كتاب الله لقول امرأة) ومعنى ذلك: أنه لم يجز القرآن بخبر الواحد. وقد اختلف في ذلك الأصوليون. ويجوز أن يكون قد استمر العمل بالسكنى على مقتضى العموم، فلا يقبل حينئذ خبر الواحد في نسخه اتفاقًا.\nو(قوله: وسنة نبينا) قال الدارقطني: (وسنة نبينا) غير محفوظة، لم يذكرها جماعة من الثقات. قال القاضي إسماعيل: الذي في كتاب ربنا النفقة لذوات الأحمال وبحسب الحديث. ولها السكنى؛ لأن السكنى موجود في كتاب الله؛\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ليس في الأصول، واستدرك من التلخيص.\n(٢) في حاشية (ل ١) صوابه: بيت ابن أم مكتوم.","vol":"4","page":274},{"text":"وَالنَّفَقَةُ، قَالَ اللَّهُ: لَا تُخرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخرُجنَ إِلَّا أَن يَأتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ.\nرواه مسلم (١٤٨٠) (٤٦).\n* * *\nــ\nلقوله تعالى: ﴿أَسكِنُوهُنَّ﴾ الآية (١). وزاد أهل الكوفة في الحديث عن عمر: (والنفقة).\nقلت: ويظهر من كلام هؤلاء الأئمة: أن الثابت عن عمر ﵁ قوله: (لها السكنى) لا غير. ولم يثبتوا قوله: (والنفقة). وليس بمعروف عند أهل المدينة. ولذلك قال مالك (٢): إنه سمع ابن شهاب يقول: المبتوتة لا تخرج من بيتها حتى تحل، وليس لها نفقة إلا أن تكون حاملًا. قال مالك: وهذا الأمر عندنا. وإلى هذا أشار مروان بقوله: سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها؛ أي: بالأمر الذي اعتصم الناس به، وعملوا عليه؛ يعني بذلك: أنها لا تخرج من بيتها، ولا نفقة لها (٢).\n* * *\n_________\n(١) سقطت من (ع).\n(٢) زاد في (ج ٢): ومروان: هو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية القرشي الأموي، كنيته أبو عبد الملك، لم يصحّ سماعُه من رسول الله - ﷺ -، واختلفَ في رؤيته لرسول الله - ﷺ -، وكان مولده في السنة الثانية من الهجرة.","vol":"4","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-573>(٩) باب لا تخرج المطلقة من بيتها حتى تنقضي عدتها إلا إن اضطرت إلى ذلك</span>\n[١٥٥٢] عَن عُبَيدِ اللَّهِ بنِ عَبدِ اللَّهِ بنِ عُتبَةَ - وهو مرسل على ما قاله أبو مسعود الدمشقي - أَنَّ أَبَا عَمرِو بنَ حَفصِ بنِ المُغِيرَةِ خَرَجَ مَعَ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى اليَمَنِ فَأَرسَلَ إِلَى امرَأَتِهِ فَاطِمَةَ بِنتِ قَيسٍ بِتَطلِيقَةٍ كَانَت بَقِيَت مِن طَلَاقِهَا، وَأَمَرَ لَهَا الحَارِثَ بنَ هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بنَ أَبِي رَبِيعَةَ بِنَفَقَةٍ فَقَالَا لَهَا: وَاللَّهِ مَا لَكِ نَفَقَةٌ إِلَّا أَن تَكُونِي حَامِلًا، فَأَتَت النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَت لَهُ قَولَهُمَا فَقَالَ: لَا نَفَقَةَ لَكِ. فَاستَأذَنَتهُ فِي الِانتِقَالِ، فَأَذِنَ لَهَا فَقَالَت: أَينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: إِلَى ابنِ أُمِّ مَكتُومٍ وَكَانَ أَعمَى تَضَعُ ثِيَابَهَا عِندَهُ وَلَا يَرَاهَا، فَلَمَّا مَضَت عِدَّتُهَا أَنكَحَهَا النَّبِيُّ ﷺ أُسَامَةَ بنَ زَيدٍ، فَأَرسَلَ إِلَيهَا مَروَانُ قَبِيصَةَ بنَ ذُؤَيبٍ يَسأَلُهَا عَن الحَدِيثِ، فَحَدَّثَتهُ بِهِ فَقَالَ مَروَانُ: لَم نَسمَع هَذَا الحَدِيثَ إِلَّا مِن امرَأَةٍ سَنَأخُذُ بِالعِصمَةِ الَّتِي وَجَدنَا النَّاسَ عَلَيهَا. فَقَالَت فَاطِمَةُ حِينَ بَلَغَهَا قَولُ مَروَانَ: فَبَينِي وَبَينَكُم القُرآنُ قَالَ اللَّهُ تعالى: لَا تُخرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ، قَالَت: هَذَا لِمَن\nــ\n(٩) ومن باب: لا تخرج المطلقة من بيتها حتى تنقضي عدتها (١)\n(قول فاطمة لما بلغها قول مروان: (فبيني وبينكم القرآن) وتلت قوله تعالى: ﴿لا تُخرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ الآية، وقالت: هذا لمن كانت له الرجعة، وأشارت بقولها: (فأي أمر يحدث بعد الثلاث؟ !) إلى قوله تعالى: ﴿لَعَلَّ\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ليس في الأصول، واستدرك من التلخيص.","vol":"4","page":276},{"text":"كَانَت لَهُ مُرَاجَعَةٌ فَأَيُّ أَمرٍ يَحدُثُ بَعدَ الثَّلَاثِ؟ فَكَيفَ تَقُولُونَ: لَا نَفَقَةَ لَهَا إِذَا لَم تَكُن حَامِلًا؟ فَعَلَامَ تَحبِسُونَهَا؟\nرواه مسلم (١٤٨٠) (٤١).\n[١٥٥٣] عَن فَاطِمَةَ بِنتِ قَيسٍ قَالَت: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زَوجِي طَلَّقَنِي ثَلَاثًا، وَأَخَافُ أَن يُقتَحَمَ عَلَيَّ قَالَ: فَأَمَرَهَا فَتَحَوَّلَت.\nرواه مسلم (١٤٨٢) (٥٣).\nــ\nاللَّهَ يُحدِثُ بَعدَ ذَلِكَ أَمرًا﴾ ظاهر كلامها هذا إنما هو ردٌّ على مروان في منعه البائن من الانتقال من بيتها؛ لأنها كانت تجيز الخروج للبائن على نحو ما أباحه لها النبي ﷺ وكأنها فهمت عن مروان، أو نقل إليها: أنه يمنع البائن من الخروج مطلقا، فاستدلَّت بأن الآية التي تلتها إنما تضمنت النهي عن خروج المطلقة الرجعية؛ لأنها بصدد أن يحدث لمطلقها رأي في ارتجاعها ما دامت في عدَّتها، فكأنها تحت تصرف الزوج في كل وقت، وأما البائن فليس لها شيء من ذلك فيها، فيجوز لها أن تخرج إذا دعتها إلى ذلك حاجة، أو خافت عورة، كما أباح لها ذلك النبي ﷺ. هذا ظاهر صدر كلامها مع مروان، غير أن عجز كلامها هذا يظهر منه: أن منازعتها لمروان إنما كانت في النفقة لها. فكان مروان لا يراها لها، وهي تراها لها. وهو ظاهر قولها: (فكيف تقولون: لا نفقة لها إذا لم تكن حاملًا، وليس كذلك. فإنها قد نصَّت في أول الحديث على أنَّ النبي ﷺ قال: (لا نفقة لك) فكيف تخالف هي هذا النصّ؟ وتقول: إن لها النفقة. هذا محال، وكأنَّ هذا وهم من بعض الرواة في قوله: (فكيف يقولون لا نفقة لها إذا لم تكن حاملًا؟).\nو(قولها: فعلام تحبسونها؟) معناه: فلأيِّ شيء تمنعونها من الانتقال إذا لم تكن عليها رجعة؟ ! وقد دلَّ على هذا قوله: (فاستأذنته في الانتقال، فأذن لها) فهذا ما ظهر لي، والله تعالى أعلم.\nوعلى الجملة: فحديثُ فاطمة: كثرةِ اضطرابه","vol":"4","page":277},{"text":"[١٥٥٤] وعَن القَاسِمِ، عَن عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَت: مَا لِفَاطِمَةَ خَيرٌ أَن تَذكُرَ هَذَا الحديث. قَالَ: تَعنِي قَولَهَا: لَا سُكنَى وَلَا نَفَقَةَ.\nرواه مسلم (١٤٨١) (٥٤)، وأبو داود (٢٢٩٣).\nــ\nقاصمةٌ، فما أولاه لاختلاف معناه ولفظه بقول عمر: الذي جعل الله تعالى الحقَّ على لسانه وقلبه.\nو(قول عائشة: (ما لفاطمة خير أن تذكر هذا الحديث) لا يلتفت منه إلى فَهمِ مَن فَهِمَ من قول عائشة هذا نقصًا في حق فاطمة، ولا تكذيبًا من عائشة لها على ما تقدَّم، وإنما أنكرت عليها قولها: لا سكنى لها ولا نفقة؛ كما نصَّ عليه الراوي. ويظهر من إنكار عائشة: أنها ترى: لها السكنى والنفقة، كما رآه عمر، تمسُّكًا منها بما تمسَّك هو به. والله تعالى أعلم.\nويحتمل أن تكون أنكرت قولها: لا سكنى فقط، والظاهر الأول. ويغفر الله تعالى لسعيد بن المسيب ما وقع فيه حيث قال في هذه الصحابية المختارة (١): (تلك امرأةٌ فتنتِ الناس، إنها كانت لسنة، فوضعت على يد ابن أم مكتوم) وروي عنه أيضًا أنه قال: (تلك امرأة استطالت على أحمائها، فأمرها النبي ﷺ أن تنتقل) فلقد أفحش في القول، واغتابها، ولا بُدَّ لها معه من موقف بين يدي الله تعالى.\nوحديث فاطمة إذًا تُتُبِّعَت ألفاظ رواياته استُخرج منها أبواب كثيرة من الفقه لا تخفى على متأمِّل فطن.\nووقع في الأم (٢) قول فاطمة: (فشرَّفني الله بابن زيد) و(كرمني بابن زيد) كذا لكافة الرواة، وعند السمرقندي: (بأبي زيد) فيهما، وكلاهما صحيح؛ لأن زيدًا أبوه، ويكنى هو: بأبي زيد. وقيل: أبو محمد. وهذا يدلُّ على فضلها،\n_________\n(١) ليست في (ع).\n(٢) انظره في صحيح مسلم (١٤٨٠) (٤٩).","vol":"4","page":278},{"text":"[١٥٥٥] وعن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ يَقُولُ: طُلِّقَت خَالَتِي، فَأَرَادَت أَن تَجُدَّ نَخلَهَا، فَزَجَرَهَا رَجُلٌ أَن تَخرُجَ، فَأَتَت النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: بَلَى فَجُدِّي نَخلَكِ فَإِنَّكِ عَسَى أَن تَصَدَّقِي أَو تَفعَلِي مَعرُوفًا.\nرواه مسلم (١٤٨٣)، وأبو داود (١٢٩٧)، والنسائي (٦/ ٢٠٩)، وابن ماجه (٢٠٣٤).\n* * *\nــ\nوتواضعها ﵂. وعلى صدق رسول الله ﷺ؛ حيث قال لها: (طاعة الله وطاعة رسوله خير لك) فكان كما قال ﷺ.\nو(قوله للمعتدَّة: (فَجُدِّي نَخلِك) وإباحته لها الخروج لجدِّ نخلها؛ دليل لمالك، والشافعي، وأحمد، والليث على قولهم: إن المعتدة تخرج بالنهار في حوائجها، وإنما تلزم منزلها بالليل. وسواء عند مالك كانت رجعية أو بائنة. وقال الشافعي في الرجعية: لا تخرج ليلًا ولا نهارًا، وإنما تخرج نهارًا المبتوتة. وقال أبو حنيفة: ذلك في المتوفى عنها زوجها، وأمَّا المطلقة: فلا تخرج ليلًا ولا نهارًا. وقال الجمهور بهذا الحديث: إن الجداد بالنهار عرفًا، وشرعًا. أما العرف: فهو عادة الناس في مثل ذلك الشغل. وأما الشرع: فقد نهى ﷺ عن جداد الليل. ولا يقال: فيلزم من إطلاقه أن تخرج بالليل؛ إذ قد يكون نخلها بعيدًا تحتاج إلى المبيت فيه؛ لأنا نقول: لا يلزم ذلك من هذا الحديث؛ لأن نخلهم لم يكن الغالب عليها البعد من المدينة، بحيث يحتاج إلى المبيت، وإنما هي بحيث يخرج إليها، ويرجع منها في النهار.\nو(قوله: فلعلَّكِ أن تصَّدَّقي، أو تفعلي معروفًا) ليس تعليلًا لإباحة الخروج إليها بالاتفاق، وإنما خرج هذا مخرج التنبيه لها، والحضِّ على فعل الخير، والله تعالى أعلم.","vol":"4","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-574>(١٠) باب ما جاء أن الحامل إذا وضعت حملها فقد انقضت عدتها</span>\n[١٥٥٦] عن سُلَيمَانُ بنُ يَسَارٍ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بنَ عَبدِ الرَّحمَنِ، وَابنَ عَبَّاسٍ اجتَمَعَا عِندَ أَبِي هُرَيرَةَ وَهُمَا يَذكُرَانِ المَرأَةَ تُنفَسُ بَعدَ وَفَاةِ زَوجِهَا بِلَيَالٍ فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: عِدَّتُهَا آخِرُ الأَجَلَينِ، وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قَد حَلَّت فَجَعَلَا يَتَنَازَعَانِ ذَلِكَ. فَقَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: أَنَا مَعَ ابنِ أَخِي يَعنِي: أَبَا سَلَمَةَ فَبَعَثُوا كُرَيبًا مَولَى ابنِ عَبَّاسٍ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ يَسأَلُهَا عَن ذَلِكَ؟ فَجَاءَهُم،\nــ\n(١٠) ومن باب: ما جاء أن الحامل إذا وضعت فقد انقضت عدتها\n(قول ابن عباس: عِدَّتها آخر الأجلين) يعني: عدة الوفاة، أو الوضع، فلا تحل بالأول منهما، بل بجميعهما. وهذا الذي ذهب إليه ابن عباس روي عن علي، واختاره سحنون من أصحابنا.\nوقال جمهور العلماء من السلف، وأئمة الفتوى: إنها تحل بوضع الحمل وإن لم تنقض عدَّةُ الوفاة. وقد روي أن ابن عباس رجع إلى هذا.\nوالكل متفقون على أنها إذا انقضت لها عدَّة الوفاة ولم تضع لم تحل حتى تضع. والذي حمل الفريق الأول على ذلك روم الجمع بين قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّونَ مِنكُم وَيَذَرُونَ أَزوَاجًا يَتَرَبَّصنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَربَعَةَ أَشهُرٍ وَعَشرًا﴾ وبين قوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الأَحمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعنَ حَملَهُنَّ﴾ وذلك أنَّها إذا قعدت أقصى الأجلين فقد عملت بمقتضى الآيتين، وإن اعتدَّت بوضع الحمل فقد تركت العمل بآية عدَّة الوفاة. والجمع أولى من الترجيح باتفاق أهل الأصول. وهذا نَظَرٌ حَسَنٌ لولا حديث سُبَيعة هذا؛ فإنَّه نصَّ في أنها تحلُّ بوضع الحمل، ومبيِّنٌ أنَّ قوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الأَحمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾؛ محمول على","vol":"4","page":280},{"text":"فَأَخبَرَهُم أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَت: إِنَّ سُبَيعَةَ الأَسلَمِيَّةَ نُفِسَت بَعدَ وَفَاةِ زَوجِهَا بِلَيَالٍ، وَأنَّهَا ذَكَرَت ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَمَرَهَا أَن تَتَزَوَّجَ.\nرواه البخاريُّ (٥٣١٨ و٥٣١٩)، ومسلم (١٤٨٥)، والترمذيُّ (١١٩٣)، والنسائي (٦/ ١٩١).\n[١٥٥٧] ومن حديث عُمَرَ بنِ عَبدِ اللَّهِ بنِ الأَرقَمِ أَن سُبَيعَةَ سألت رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عن ذلك، قَالَت: فَأَفتَانِي بِأَنِّي قَد حَلَلتُ حِينَ وَضَعتُ حَملِي، وَأَمَرَنِي بِالتَّزَوُّجِ إِن بَدَا لِي قَالَ ابنُ شِهَابٍ: فَلَا أَرَى بَأسًا أَن تَتَزَوَّجَ حِينَ وَضَعَت، وَإِن كَانَت فِي دَمِهَا غَيرَ أَنه لَا يَقرَبُهَا زَوجُهَا حَتَّى تَطهُرَ.\nــ\nعمومه في المطلقات والمتوفَّى عنهنّ أزواجهنّ، وأن عدَّة الوفاة مختصة بالحامل من الصنفين. ويعتضد هذا بقول ابن مسعود: إن آية سورة النساء القصرى (١) نزلت بعد آية عدَّة الوفاة. وظاهر كلامه: أنها ناسخة لها. وليس مراده -والله أعلم - وإنما يعني: أنها مخصِّصة لها؛ فإنها أخرجت منها بعض متناولاتها. وكذلك حديث سبيعة متأخر عن عدَّة الوفاة؛ لأن قصة سبيعة كانت بعد حجة الوداع، وزوجها هو سعد بن خولة، توفي بمكة حينئذ. وهو الذي رثى له رسول الله ﷺ أن مات (٢) بمكة، والله تعالى أعلم.\nوقد تقدَّم القول في الطهارة على قوله: (نُفِسَت).\nو(قول ابن شهاب: فلا بأس أن تتزوَّج حين وضعت، وإن كانت في دمها، غير أنه لا يقربها زوجها حتى تطهر) هذا مذهب الجمهور. وقد شذَّ الحسن،\n_________\n(١) هي سورة الطلاق.\n(٢) في (ل ١) و(ج ٢): من أن توفي.","vol":"4","page":281},{"text":"رواه مسلم (١٤٨٤) (٥٦)، وأبو داود (٢٣٠٦)، والنسائي (٦/ ١٩٦)، وابن ماجه (٢٠٢٧).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-575>(١١) باب في الإحداد على المَيِّت في العدة</span>\n[١٥٥٨] عَن حُمَيدِ بنِ نَافِعٍ، أن زَينَبَ ابِنةِ أَبِي سَلَمَةَ أَخبَرَتهُ هَذِهِ الأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ قَالَ: قَالَت زَينَبُ: دَخَلتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ زَوجِ النَّبِيِّ ﷺ، حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا أَبُو سُفيَانَ فَدَعَت أُمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ فِيهِ صُفرَةٌ خَلُوقٌ أَو\nــ\nوالشعبي، والنخعي، وحماد فقالوا: لا تنكح ما دامت في دم نفاسها. والحديث حجة عليهم، ولا حجة لهم في قوله في الأم: فلمَّا تعلّت من نفاسها تجملت للخطَّاب (١)؛ لأن (تعلَّت) وإن كان أصله: طهرت من دم نفاسها، على ما حكاه الخليل، فيحتمل أن يكون المراد به هاهنا: تعلت من آلام نفاسها؛ أي: استقلت من أوجاعها وتغييراته. ولو سلِّم أن معناه ما قاله الخليل، فلا حجة فيه، وإنما الحجة في قوله ﷺ لسبيعة: (قد حللت حين وضعت) فأوقع الحِلَّ حين الوضع، وعلَّقه عليه، ولم يقل: إذا انقطع دمُكِ. ولا: إذا طَهُرتِ: فصحَّ ما قاله الجمهور.\nوفي حديث سُبَيعة هذه دليل: على جواز المنازعة، والمناظرة في المسائل الشرعية، وعلى أخبار الآحاد، وعلى الرجوع في الوقائع إلى من يُظَّنُّ علم ذلك عنده، وإن كان امرأة. إلى غير ذلك.\n(١١) ومن باب: الإحداد على المَيِّت\n(الخلوق) - بفتح الخاء المنقوطة -: أنواع من الطيب تخلط بالزعفران.\n_________\n(١) الحديث في صحيح مسلم (١٤٨٤/ ٥٦).","vol":"4","page":282},{"text":"غَيرُهُ، فَدَهَنَت مِنهُ جَارِيَةً، ثُمَّ مَسَّت بِعَارِضَيهَا، ثُمَّ قَالَت: وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ حَاجَةٍ غَيرَ أَنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا يَحِلُّ لِامرَأَةٍ تُؤمِنُ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ، تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوجٍ أَربَعَةَ أَشهُرٍ وَعَشرًا.\nقَالَت زَينَبُ: ثُمَّ دَخَلتُ عَلَى زَينَبَ بِنتِ جَحشٍ، حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا فَدَعَت بِطِيبٍ، فَمَسَّت مِنهُ، ثُمَّ قَالَت: وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِن حَاجَةٍ غَيرَ أَنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَلَى المِنبَرِ: لَا يَحِلُّ لِامرَأَةٍ تُؤمِنُ بِاللَّهِ\nــ\nوهو: العبير أيضًا. وأصل العوارض: الأسنان. وسُمِّيت الخدود: عوارض لأنها عليها، من باب: تسمية الشيء باسم الشيء إذا جاوره، أو كان منه بسبب. والعارضان هاهنا هما: الخدَّان. والإحداد: مصدر: أحدَّت المرأة على زوجها فهي مُحِدٌّ: إذا امتنعت من الزينة. ويقال: حدَّت فهي حادٌّ. وكل ما يصاغ من (ح. د) كيفما تصرَّف فهو راجع إلى معنى المنع.\nو(قوله: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحدَّ على ميت فوق ثلاث) فاعل (لا يحل) المصدر الذي يمكن صياغته من (تحد) مع (أن) المرادة. فكأنَّه قال: الإحداد.\nووصفُ المرأة بالإيمان يدلُّ على صحة أحد القولين عندنا في الكتابية المتوفَّى عنها زوجها المسلم: أنها لا إحداد عليها. وبه قال أبو حنيفة، والكوفيون، وابن كنانة، وابن نافع، وأشهب من أصحابنا. وقال الشافعي وعامة أصحابنا: عليها الإحداد.\nو(قوله: فوق ثلاث) يعني به: الليالي، ولذلك أنَّثَ العدد (١).\nويستفاد منه: أن المرأة إذا مات حميمُها فلها أن تمتنع من الزينة ثلاث ليال متتابعة، تبدأ\n_________\n(١) الحقيقة: أنه ذكَّر العدد، فقال ثلاث، ولكن تذكيره يدلُّ على أن المعدود مؤنث، وهو الليالي التي واحدها: ليلة.","vol":"4","page":283},{"text":"وَاليَومِ الآخِرِ، تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوجٍ أَربَعَةَ أَشهُرٍ وَعَشرًا.\nقَالَت زَينَبُ: سَمِعتُ أُمِّي أُمَّ سَلَمَةَ تَقُولُ: جَاءَت امرَأَةٌ إِلَى\nــ\nبالعدد من الليلة التي تستقبلها إلى آخر ثالثها، فإن مات حميمُها في بقية (١) يوم، أو ليلة ألغتها، وحسبت من الليلة القابلة (٢) المستأنفة.\nو(قوله: إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا) (أربعة) منصوب على الظرف، والعامل فيه (تُحِدُّ) و(عشرًا) معطوف عليه.\nوهذا الحديث بحكم عمومه يتناول الزوجات كلهن، المتوفَّى عنهن أزواجهن. فيدخل فيه الحرائر، والإماء، والكبار، والصغار. وهو مذهب الجمهور.\nوذهب أبو حنيفة: إلى أنه لا إحداد على أمة، ولا صغيرة. والحديث (٣) حجة عليه. ولا خلاف أعلمه: أنهما لا بدَّ لهما من العدَّة.\nفبالطريق التي تلزمهما به العدَّة يلزمهما الإحداد.\nو(إلا على زوج) إيجاب بعد نفي. فيقتضي حصر الإحداد على المتوفى عنها زوجها، فلا تدخل المطلقة فيه من جهة لفظه بوجه. فلا إحداد على مطلقة عندنا، رجعية كانت أو بائنة واحدة، أو أكثر. وهو مذهب مالك، والشافعي، وربيعة، وعطاء، وابن المنذر.\nوقال قوم: إن المطلقة ثلاثًا عليها الإحداد. وإليه ذهب أبو حنيفة، والكوفيون، وأبو ثور، وأبو عبيد. وقال الشافعي، وأحمد، وإسحاق: الاحتياط أن تتقي المطلقة الزينة، وقد شذَّ الحسن فقال: لا إحداد على مطلقة، ولا متوفى عنها زوجها. وهو قول يدلّ على إبطاله نَصُّ الحديث المُتقدِّم.\nوأمَّا من رأى أن الإحداد على المطلقة فمستنده: إلحاقها بالمتوفَّى عنها زوجها. وليس بصحيح؛ وللحصر الذي في الحديث، لوجود الفرق بينهما.\n_________\n(١) ساقطة من (ع).\n(٢) من (ج ٢).\n(٣) في (ج ٢): والعموم.","vol":"4","page":284},{"text":"رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابنَتِي تُوُفِّيَ عَنهَا زَوجُهَا، وَقَد اشتَكَت عَينُهَا أَفَنَكحُلُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا (مَرَّتَينِ أَو ثَلَاثًا كُلَّ\nــ\nوذلك: أن الإحداد إنما هو مبالغة في التحرز من تعرضها لأسباب النكاح في حق المتوفى عنها، لعدم الزوج؛ إذ ليس من جهته من يقوم مقامه في البحث عنها والتحرز بها، بخلاف المطلق؛ فإنه حيٌّ، متمكِّن من البحث عن أحوالها، فافترقا. هذا إن قلنا: إن الإحداد معقول المعنى. فإن قلنا: إنه تعبد؛ انقطع الإلحاق القياسي. ولو سُلِّم صحة الإلحاق القياسي؛ لكان التمسَّك بظاهر اللفظ أولى. وقد بينَّا: أنه يدلُّ على الحصر، والله تعالى أعلم.\nوإنَّما خصَّ الله تعالى عدَّة الوفاة بأربعة أشهر وعشر؛ لأن غالب الحمل يبين تحركه في تلك المدَّة؛ لأن النُّطفَة تبقى في الرَّحم أربعين، ثم تصير علقة أربعين، ثم مضغة أربعين، فتلك أربعة أشهر، ثم ينفخ فيه الروح بعد ذلك، فتظهر حركته في العشر الزائد على الأربعة الأشهر. وهذا على ما جاء من حديث ابن مسعود ﵁.\nوأنَّثَ عشرًا؛ لأنه أراد به مدَّة العشر. قاله المبرد. وقيل: لأنه أراد الأيام بلياليها. وإلى هذا ذهب كافة العلماء. فقالوا: إنها عشرة أيام بعد الأربعة الأشهر. وقال الأوزاعي: إنما أنَّث العشر؛ لأنه أراد الليالي. فعلى قول الجمهور: تحل باليوم العاشر بآخره. وعلى قول الأوزاعي: تحل بانقضاء الليلة العاشرة. وقد احتج قوم بقوله: أربعة أشهر وعشرا: على أن ما زاد على هذا العدد إذا كانت حاملًا لم يلزم فيه الإحداد. وقال أصحابنا: عليها الإحداد إلى أن تضع؛ نظرًا إلى المعنى؛ إذ كل ذلك عدَّةٍ من وفاة، وإنما خَصَّ ذلك العدد بالذكر؛ لأن الحِيَّلَ من النساء (١) أغلب، وهنَّ الأصل، والحمل طارئ. والله تعالى أعلم.\nومنعه ﷺ الكحل للمرأة التي تُخُوِّفَ على عينها يدلُّ: على التشديد في منع المُحدّ من الاكتحال بما فيه زينة، أو طيب إذا وجدت منه بًّدا، إثمدًا كان أو\n_________\n(١) أي: النساء غير الحوامل.","vol":"4","page":285},{"text":"ذَلِكَ يَقُولُ: لَا) ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا هِيَ أَربَعَةُ أَشهُرٍ وَعَشرٌ، وَقَد كَانَت إِحدَاكُنَّ فِي الجَاهِلِيَّةِ تَرمِي بِالبَعرَةِ عَلَى رَأسِ الحَولِ قَالَ حُمَيدٌ: فقُلتُ لِزَينَبَ: وَمَا تَرمِي بِالبَعرَةِ عَلَى رَأسِ الحَولِ؟ فَقَالَت زَينَبُ: كَانَت المَرأَةُ إِذَا تُوُفِّيَ\nــ\nغيره. وهو مذهب الجمهور.\nفأما إذا اضطرت إليه فاختلفوا؛ فمنهم من قال: تجعله بالليل، وتمسحه بالنهار. وبه قال الكوفيون، والنخعي، وعطاء، والشافعي، أخذًا بما في الموطأ من حديث أم سلمة، من قوله: (اجعليه بالليل، وامسحيه بالنهار) (١).\nومنهم من قال: تستعمله ليلًا ونهارًا، بحسب ضرورتها. وبه قال سالم، وسليمان بن يسار، ومالك، حكاه عنه الباجي وغيره. وتأول هؤلاء قوله في هذا الحديث: (تخوفوا عليها): إن هذا الخوف لم يكن محقَّقًا، ولو كان الضرر محقَّقًا حاصلًا بلا بدَّ لأباحه لها؛ لأن المنع إذ ذاك كان يكون حرجًا في الدِّين، وهو مرفوع بقاعدة الشرع.\nو(قوله: إنما هي أربعة أشهر وعشر) إنما تفيد التقليل والحصر. يتمسَّك بها من يرى: أن الإحداد لا تزيد فيه الحامل على أربعة أشهر والعشر. وقد تقدَّم.\nو(قوله: قد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول) هذا منه ﷺ إخبار عن حالة المتوفَّى عنهن أزواجهن قبل ورود الشرع. وحاصله: أنهن كنَّ يقمنَّ في بيوتهن حولًا ملازمات لحالة الشَّعث، والبذاذة، والتَّفل، ووحشة المسكن، وفي شرار الثياب، والأحلاس، إلى أن ينقضي الحول، وعند ذلك تخرج، فترمي ببعرة مُشعِرَة بأن أمر العدَّة المذكورة - وإن كان شديدًا - قد هان عليها في حقِّ من مات عنها كرمي البعرة. وقيل: إنَّ معنى ذلك: أنها رمت بالعدَّة وراء ظهرها كما رمت بالبعرة. فلما جاء الإسلام أمرهن الله تعالى بملازمة البيوت\n_________\n(١) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٥٩٨).","vol":"4","page":286},{"text":"عَنهَا زَوجُهَا دَخَلَت حِفشًا، وَلَبِسَت شَرَّ ثِيَابِهَا، وَلَم تَمَسَّ طِيبًا وَلَا شَيئًا حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ، ثُمَّ تُؤتَى بِدَابَّةٍ حِمَارٍ أَو شَاةٍ أَو طَيرٍ، فَتَفتَضُّ بِهِ، فَقَلَّمَا تَفتَضُّ بِشَيءٍ إِلَّا مَاتَ، ثُمَّ تَخرُجُ فَتُعطَى بَعرَةً، فَتَرمِي بِهَا، ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعدُ مَا شَاءَت مِن طِيبٍ أَو غَيرِهِ.\nــ\nحولًا. وقد دلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّونَ مِنكُم وَيَذَرُونَ أَزوَاجًا وَصِيَّةً لأَزوَاجِهِم مَتَاعًا إِلَى الحَولِ غَيرَ إِخرَاجٍ﴾ وأشهر قول المفسرين فيها، وأحسنه: أن المتوفَّى عنها زوجها كانت تجلس في بيت المتوفى حولًا، وينفق عليها من ماله ما لم تخرج من المنزل، فإن خرجت لم يكن على الورثة جناح في قطع النفقة عنها. ثم نسخ الحول بالأربعة الأشهر والعشر. ونسخت النفقة بالربع، أو الثمن؛ قاله ابن عباس وقتادة، والضحاك، وعطاء، وغيرهم.\nوفي هذه الآية مباحث كثيرة لذكرها موضع آخر.\nقال القاضي عياض: والإجماع منعقد على أن الحول منسوخ، وأن عدَّتها أربعة أشهر وعشر. يعني: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّونَ مِنكُم وَيَذَرُونَ أَزوَاجًا يَتَرَبَّصنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَربَعَةَ أَشهُرٍ وَعَشرًا﴾\nو(الحِفشُ) هنا: الخصّ الصغير. وهو أيضًا الدرج، وجمعه: أحفاش. و(الأحلاس): الثياب الخشنة، وأصلها للدَّواب، وهي: المسوح التي تجعل على ظهورها.\nو(قولها: ثم تؤتى بدابةٍ: حمار، أو شاة، أو طير) سُمِّيت هذه كلها دواب؛ لأنها تدبُّ؛ أي: تمشي. وهذه تسمية لغوية أصلية. كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزقُهَا﴾\nو(قوله: فتفتضُّ به، فقل ما تفتضُّ) الرواية الصحيحة بالفاء والضاد المعجمة. قال القتبي: سألت الحجازي عن الافتضاض، فذكروا: أن المعتدة","vol":"4","page":287},{"text":"رواه أحمد (٦/ ٣٢٤ و٣٢٥)، والبخاريُّ (٥٣٣٤ - ٥٣٣٦)، ومسلم (١٤٨٦ - ١٤٨٩)، وأبو داود (٢٢٩٩)، والترمذيُّ (١١٩٥ - ١١٩٧)، والنسائيُّ (٦/ ٢٠٢).\n[١٥٥٩] وعن أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ امرَأَةً تُوُفِّيَ زَوجُهَا، فَخَافُوا عَلَى عَينِهَا، فَأَتَوا النَّبِيَّ ﷺ، فَاستَأذَنُوهُ فِي الكُحلِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قَد كَانَت إِحدَاكُنَّ تَكُونُ فِي شَرِّ بَيتِهَا فِي أَحلَاسِهَا (أَو فِي شَرِّ أَحلَاسِهَا فِي بَيتِهَا) حَولًا، فَإِذَا مَرَّ كَلبٌ رَمَت بِبَعرَةٍ، فَخَرَجَت أَفَلَا أَربَعَةَ أَشهُرٍ وَعَشرًا.\nرواه البخاريُّ (٥٣٣٦)، ومسلم (١٤٨٨) (٦١).\n[١٥٦٠] وعَن أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا تُحِدُّ امرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوجٍ أَربَعَةَ أَشهُرٍ وَعَشرًا، وَلَا تَلبَسُ ثَوبًا مَصبُوغًا إِلَّا ثَوبَ عَصبٍ،\nــ\nكانت لا تغتسل، ولا تمس ماءً، ولا تقلم ظفرًا، وتخرج بعد الحول بأقبح منظر، ثم تفتضُّ؛ أي: تكسر ما هي فيه من العدَّة بطائر تمسح به قبلها، وتنبذه، فلا يكاد يعيش. وقال مالك: تفتضُّ: تمسح به جلدها كالنُّشرة (١). وقال ابن وهب: تمسح بيدها عليه، أو على ظهره. وقيل: معناه: تمسح به ثم تفتض؛ أي: تغتسل بالماء العذب حتى تصير كالفِضَّة. وقيل: تفتض: تُفارق ما كانت عليه. قال الأزهري: رواه الشافعي: (فتقبص) بالقاف، وبالباء بواحدة، وبالصاد المهملة. والقبص: الأخذ بأطراف الأصابع. قال: وقرأ الحسن: ﴿فَقَبَضتُ قَبضَةً مِن أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ ذكره الهروي.\nو(قوله: ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عَصبٍ) قال ابن المنذر:\n_________\n(١) النُّشرَةُ: الرُّقيا.","vol":"4","page":288},{"text":"وَلَا تَكتَحِلُ، وَلَا تَمَسُّ طِيبًا إِلَّا إِذَا طَهُرَت نُبذَةً مِن قُسطٍ أَو أَظفَارٍ.\nوفي رواية: مِن قُسطٍ وأَظفَارٍ.\nرواه مسلم (٩٣٨) (٦٦)، وأبو داود (٢٣٠٢)، والنسائيُّ (٦/ ٢٠٢)، وابن ماجه (٢٠٨٧).\n* * *\nــ\nأجمعوا على أنه لا يجوز لها لباس المُصَبَّغَة، والمعصفرة، إلا ما صُبغ بالسواد. ورخَّص فيه مالك، والشافعي، وعروة. وكرهه الزهري، وكره عروة، والشافعي العصب. وهي: برود اليمن يعصب غزلها، ثم يصبغ معصوبًا، ثم ينسج فيوشَّى. وأجازه الزهري. وأجاز غليظه مالك. قال ابن المنذر: رخَّص كلُّ من يحفظ عنه من أهل العلم في البياض.\nقال القاضي: ذهب الشافعي إلى أن كل صبغ كان زينة، فلا تمسّه الحادّ غليظًا كان أو رقيقًا. ونحوه للقاضي عبد الوهاب. قال: كل ما كان من الألوان تتزين به النساء لأزواجهنَّ فتمنع منه الحاد. ومنع بعض شيوخنا المتأخرين جَيِّد البياض الذي يتزين به. وكذلك الرفيع من السواد.\nو(قوله: ولا تمس طيبًا إلا إذا طهرت نُبذَةً من قُسط، أو أظفار). قال القاضي أبو الفضل: النبذة: الشيء اليسير، وأدخل فيه الهاء لأنه بمعنى القطعة. وإنما رُخِّص لها في هذا لقطع الروائح الكريهة، والتنظيف، لا على معنى التَّطيب مع أن القسط، والأظفار ليس من مؤنث الطيب المستعمل نفسه في ذلك. وظاهره: أنها تتبخر بذلك. وقال الداودي: تسحق القسط والأظفار وتلقيه في الماء آخر غسلها. والأول أظهر؛ لأن القسط والأظفار لا يحصل منهما شيء إلا من بخورهما. ويقال: قسط - بالقاف والكاف - وأكثر ما يستعمل القسط، والأظفار مع غيرهما فيما يتبخر به، لا بمجردهما.\nووقع في كتاب البخاري: (قُسطُ أظفار) وهو خطأ؛ إذ لا يضاف أحدهما","vol":"4","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-576>(١٢) باب ما جاء في اللِّعَان</span>\n[١٥٦١] عَن سَهلَ بنَ سَعدٍ: أَنَّ عُوَيمِرًا العَجلَانِيَّ جَاءَ إِلَى عَاصِمِ بنِ عَدِيٍّ الأَنصَارِيِّ فَقَالَ لَهُ: أَرَأَيتَ يَا عَاصِمُ لَو أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقتُلُهُ فَتَقتُلُونَهُ؟ أَم كَيفَ يَفعَلُ؟ سَل لِي يَا عَاصِمُ عَن ذَلِكَ\nــ\nللآخر؛ لأنهما لا نسبة بينهما. وعند بعضهم: (قُسط ظَفَار) وهذا له وجه؛ فإن ظفار مدينة باليمن نسب إليها القُسط. وما في مسلم أحسن، والله تعالى أعلم.\nوعلى هذا: فينبغي (١) ألا يصرف للتعريف والتأنيث. ويكون كـ (حَذَامِ) و(قَطَامِ) أو يكون مبنيًّا على القول الثاني في (حذام) و(قطام) أعني: مبنيًّا (٢) على الكسر.\n(١٢) ومن باب: اللِّعَان\nوهو موضوع لحفظ الأنساب، ودفع المضرَّة عن الأزواج.\n(قوله: أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل؟) هذا سؤال غيران متحرِّز من الحدِّ، متشوِّف لمعرفة الحكم، ولو صرَّح للزمه الحدُّ، أو يُبَيِّن، أو يلتعن، كما جاء في الحديث (٣) الآخر لمن صرَّح: (البينة وإلا حدٌّ في ظهرك) (٤). وكونه ﷺ لم ينكر على السَّائل قوله: أيقتله؟ تقرير منه على ذلك.\n_________\n(١) في (ل ١) و(ع): فيتعين.\n(٢) ما بين حاصرتين استدرك من (ل ١).\n(٣) في (ج ٢) كما قد قال في الحديث.\n(٤) رواه البخاري (٢٦٧١)، وأبو داود (٢٢٥٤)، والترمذي (٣١٧٨).","vol":"4","page":290},{"text":"رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَسَأَلَ عَاصِمٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسَائِلَ، وَعَابَهَا حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِمٍ مَا سَمِعَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إِلَى أَهلِهِ جَاءَهُ عُوَيمِرٌ فَقَالَ: يَا عَاصِمُ مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ عَاصِمٌ لِعُوَيمِرٍ: لَم تَأتِنِي بِخَيرٍ قَد كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسأَلَةَ الَّتِي سَأَلتُهُ عَنهَا، قَالَ عُوَيمِرٌ: فوَاللَّهِ لَا أَنتَهِي حَتَّى أَسأَلَهُ عَنهَا، فَأَقبَلَ عُوَيمِرٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَسَطَ النَّاسِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ\nــ\nويلزم منه إن قتله لم يكن فيه قصاص، ولا غيرهُ. وقد عضده قول سعد: (لو رأيته ضربته بالسيف). ولم ينكر عليه. بل صوَّبه بقوله: (تعجبون من غيرة سعد) (١).\nولهذا قال أحمد، وإسحاق: يهدر دمه إذا جاء القاتل بشاهدين.\nواختلف أصحابنا بذلك. فقال ابن القاسم: يهدر دمه إن قتله إذا قامت البينة؛ محصنًا كان أو غير مُحصَن، واستحب الدية في غير المحصن. وقال ابن حبيب: إن كان مُحصنًا فهذا الذي ينجي قاتله البينة.\nوقد اختلف عن عمر ﵁ في هدر دم مثل هذا. وروي عن علي ﵁: يُقَاد منه. فأمَّا لو لم يأت ببيَّنة فإنَّه يقتل به، ولا يقبل قوله عند الجمهور. وقال الشافعي، وأبو ثور: وسعه فيما بينه وبين الله تعالى قتله. يعنيان: إذا كان محصنًا، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: كره رسول الله ﷺ المسائلَ وعابها) يحتمل أن تكون هذه الكراهة لكثرة المسائل، كما قد جاء النهي عنها نصًّا. ويحتمل أن تكون لقبح هذه المسألة. ويدلّ على هذا قول عاصم: (وقد كره رسول الله ﷺ المسألة التي سألتُه عنها).\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٤١٦)، ومسلم (١٤٩٩).","vol":"4","page":291},{"text":"امرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقتُلُهُ فَتَقتُلُونَهُ؟ أَم كَيفَ يَفعَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قَد نَزَلَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ، فَاذهَب فَأتِ بِهَا. قَالَ سَهلٌ: فَتَلَاعَنَا (في رواية: في المسجد) وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا فَرَغَا قَالَ عُوَيمِرٌ: كَذَبتُ عَلَيهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِن أَمسَكتُهَا فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبلَ أَن يَأمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ\nــ\nو(قوله: قد أُنزل فيك وفي صاحبتك) يدل: على أنه ﷺ عرف أنه صاحب المسألة: فإمَّا بقرائن الأحوال، وإمَّا بالوحي.\nو(قوله: فتلاعنا في المسجد) فيه بيان: أن سنَّة اللعان كونه في المسجد (١)، ولم يختلف في ذلك إلا ما روي عن عبد الملك: أنَّه يكون في المسجد أو عند الإمام، وفيه: أنه يكون بحضرة الإمام. والقياس والإجماع على أنه لا يكون إلا بسلطان.\nو(قوله: كذبت عليها إن أمسكتُها. فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ) هذا حجة للشافعي على جواز إيقاع الطلاق الثلاث في كلمة واحدة. ووجه احتجاجه: أنه ﷺ أقرَّه على ذلك. وقد انفصل أصحابنا عن ذلك بأن قالوا: إنَّه إنما أقرَّه؛ لأن الطلاق لم يقع؛ إذ لم يصادف محلًا؛ فإنها قد بانت منه بفراغهما من اللَّعان؛ بدليل قوله في الحديث الآخر: (لا سبيل لك عليها) (٢). وقد تقدَّم القول في هذه المسألة.\nو(قوله ﷺ للذي سمعه يطلق ثلاثًا في كلمة واحدة: (أَيُلعَب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ !) (٣) إنكارُ محقَّقٌ.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٢) رواه البخاري (٥٣١٢)، ومسلم (١٤٩٣) (٥).\n(٣) رواه النسائي (٦/ ١٤٢).","vol":"4","page":292},{"text":"قَالَ ابنُ شِهَابٍ: فَكَانَت تلك سُنَّةَ المُتَلَاعِنَينِ.\nوفي رواية: فَفَارَقَهَا عِندَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ذَاكُم التَّفرِيقُ بَينَ كُلِّ مُتَلَاعِنَينِ.\nرواه البخاريُّ (٥٣٠٨)، ومسلم (١٤٩٢)، وأبو داود (٢٢٤٥)، والنسائيُّ (٦/ ١٤٤)، وابن ماجه (٢٠٦٦).\n* * *\nــ\nو(قول ابن شهاب: (فكانت تلك سنة المتلاعنين) ظاهره: أنها إشارة إلى كونه طلقها ثلاثًا. وكذلك قوله ﷺ: (ذاكم التفريق بين كل متلاعنين) وبه تمسَّك من شذَّ من العلماء، فقال: هو ثلاث. والجمهور على أنه ليس بثلاث.\nلكن اختلفوا؛ فأكثرهم: على أنه بفراغها من اللِّعَان يقع التحريم المؤبَّد، ولا تحل له أبدًا؛ وإن أكذب نفسه، متمسِّكين في ذلك بقوله: (لا سبيل لك عليها). وبما جاء في حديث ابن شهاب من رواية ابن وهب: (فمضت سنَّة المتلاعنين أن يفرق بينهما، ولا يجتمعا). وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن، وعبيد الله بن الحسن (١)، هو واحدة بائنة، وإن أكذب نفسه بعد اللعان حدّ، وحلت له. وغيرهم يحدُّونه، ويلحقون به الولد، ولا يحلونها له، وأشذُّ الخلاف في هذه المسألة قول عثمان البَتِّي: إنه لا يفرق بينهما. وحكاه الطبري عن جابر بن زيد. وهذا القول مردود بالنصوص المُتقدِّمة.\nقلت: وهذه الرواية ظاهرها: أنَّه لاعنها لمجرد القذف، فإنَّه لم ينصّ فيها على رؤية الزنا، ولا على نفي الحمل، فيمكن أن يحتجّ بها من رأى اللعان لمجرد القذف، وهو الشافعي، والأوزاعي، وفقهاء المحدثين، والكوفيون. وهو أحد\n_________\n(١) في (ع): عبد الله بن الحسين.","vol":"4","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-577>(١٣) باب كيفية اللِّعان ووعظ المتلاعنين</span>\n[١٥٦٢] عَن سَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ قَالَ: سُئِلتُ عَن المُتَلَاعِنَينِ فِي إِمرَةِ مُصعَبٍ أَيُفَرَّقُ بَينَهُمَا؟ قَالَ: فَمَا دَرَيتُ مَا أَقُولُ، فَمَضَيتُ إِلَى مَنزِلِ ابنِ عُمَرَ بِمَكَّةَ فَقُلتُ لِلغُلَامِ: استَأذِن لِي قَالَ: إِنَّهُ قَائِلٌ فَسَمِعَ صَوتِي فقَالَ ابنُ جُبَيرٍ؟ قُلتُ: نَعَم قَالَ: ادخُل فَوَاللَّهِ مَا جَاءَ بِكَ في هَذِهِ السَّاعَةَ إِلَّا حَاجَةٌ فَدَخَلتُ فَإِذَا هُوَ مُفتَرِشٌ بَرذَعَةً مُتَوَسِّدٌ وِسَادَةً حَشوُهَا لِيفٌ قُلتُ: أَبَا عَبدِ الرَّحمَنِ المُتَلَاعِنَانِ أَيُفَرَّقُ بَينَهُمَا؟ قَالَ: سُبحَانَ اللَّهِ\nــ\nقولي مالك. ويتمسَّكون أيضًا بمطلق قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرمُونَ أَزوَاجَهُم﴾ الآية.\nومشهور مذهب مالك: أنَّه لا لعان في القذف المجرد، ويحدّ حتى ينصَّ على الزنا. وهو قول الليث، وأبي الزناد، والبَتِّي، ويحيى بن إسماعيل. والصحيح: أنَّه لا متمسَّك في هذا الحديث على أن مطلق الرمي موجب للِّعان؛ لأنه وإن كان قد سكت في هذه الطريق عن صفة (١) الرَّمي، فقد ذكره في رواية أخرى مفصَّلًا، وأنَّه نفى حملها. وأمَّا الآية فمتمسكهم بها واضحٌ. ولا خلاف في صحة اللَّعان في ادعاء رؤية الزنا، وفي نفي الحمل على الجملة، والله تعالى أعلم.\n(١٣) ومن باب: كيفية اللِّعان\n(قوله: إنَّه قائل): هو اسم فاعل من: قال، يقيل؛ إذا نام (٢) في كِنَّه وقت القائلة.\n_________\n(١) في (ع): موجب.\n(٢) في (ج ٢): قام.","vol":"4","page":294},{"text":"نَعَم إِنَّ أَوَّلَ مَن سَأَلَ عَن ذَلِكَ فُلَانُ بنُ فُلَانٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيتَ لَو وَجَدَ أَحَدُنَا امرَأَتَهُ عَلَى فَاحِشَةٍ كَيفَ يَصنَعُ؟ إِن تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِأَمرٍ عَظِيمٍ، وَإِن سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثلِ ذَلِكَ قَالَ: فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَم يُجِبهُ، فَلَمَّا كَانَ بَعدَ ذَلِكَ أَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي سَأَلتُكَ عَنهُ قَد ابتُلِيتُ بِهِ فَأَنزَلَ اللَّهُ ﷿ هَؤُلَاءِ الآيَاتِ فِي سُورَةِ النُّورِ: وَالَّذِينَ يَرمُونَ أَزوَاجَهُم فَتَلَاهُنَّ عَلَيهِ وَوَعَظَهُ، وَذَكَّرَهُ وَأَخبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنيَا أَهوَنُ مِن\nــ\nو(قوله: أول من سأل عن ذلك فلان بن فلان) هو -والله أعلم: عويمر العجلاني المُتقدِّم الذكر.\nو(قوله: إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به) ظاهر هذا: أنَّه خطابٌ من السَّائل للنبي ﷺ لَمَّا لم يجبه، فأخبره بوقوع ذلك له، ليحقق عنده: أنه مضطر إلى المسألة فيجيبه كما فعل النبي ﷺ. وقد جاء في الأم من حديث ابن عباس (١) قال: ذكر التلاعن عند رسول الله ﷺ فقال عاصم بن عدي في ذلك قولًا، ثم انصرف، فأتاه رجل من قومه يشكو إليه: أنه وجد مع امرأته رجلًا. فقال عاصم: ما ابتليت بهذا إلا لقولي. فذهب (٢) به إلى رسول الله ﷺ وذكر الحديث. وهذا نصٌّ في أن المبتلى به عاصم من جهة: أنه امتُحن بوقوع ذلك برجل من قومه، فعظم عليه ذلك، وشق عليه، حتى تكلّف سؤال النبي ﷺ عن تلك المسألة القبيحة، ورأى أن ذلك كالعقوبة له؛ لَمَّا تكلَّم في اللعان قبل وقوعه، والله تعالى أعلم.\nوأما ابتلاء السَّائل الذي سأل النبي ﷺ فإنما هو: وجوده الرجل مع أهله، فهو ابتلاء آخر (٣) غير ابتلاء عاصم.\nو(قوله: ووعظه، وذكَّره) هذا الوعظ، والتذكير كان منه ﷺ قبل اللَّعان.\n_________\n(١) صحيح مسلم (١٤٩٧) (١٢).\n(٢) في (ل ١) و(ج ٢): فذهبت.\n(٣) في (ج ٢): فهي قضية أخرى.","vol":"4","page":295},{"text":"عَذَابِ الآخِرَةِ قَالَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا كَذَبتُ عَلَيهَا، ثُمَّ دَعَاهَا فَوَعَظَهَا وَذَكَّرَهَا، وَأَخبَرَهَا أَنَّ عَذَابَ الدُّنيَا أَهوَنُ مِن عَذَابِ الآخِرَةِ قَالَت: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ إِنَّهُ لَكَاذِبٌ، فَبَدَأَ بِالرَّجُلِ فَشَهِدَ أَربَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِن الصَّادِقِينَ وَالخَامِسَةُ أَنَّ لَعنَةَ اللَّهِ عَلَيهِ إِن كَانَ مِن الكَاذِبِينَ، ثُمَّ ثَنَّى بِالمَرأَةِ فَشَهِدَت أَربَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِن الكَاذِبِينَ،\nــ\nوينبغي أن يتخذ سُنة في وعظ المتلاعنين قبل الشروع في اللعان. ولذلك قال الطبري: إنه يجب على الإمام أن يعظ كل من يحلّفه، وذهب الشافعي إلى أنه يعظ (١) كل واحد بعد تمام الرابعة وقبل الخامسة؛ تمسُّكًا منه بما في البخاري من حديث ابن عباس في لعان هلال بن أمية؛ أنَّه ﷺ وعظها عند الخامسة (٢).\nو(قوله: فبدأ بالرَّجل) إنَّما بدأ به لأنه القاذف، فيدرأ الحدَّ عن نفسه، ولأنه هو الذي بدأ الله تعالى به. فإذا فرغ من أيمانه تعيَّن عليها: أن تُقابل أيمانَه بأيمانها النافية لِما أثبته عليها، أو الحدُّ. وهذا مما أجمع عليه العلماء.\nو(قوله: فشهد أربع شهادات) أي: حلف أربع أيمان. وهذا معنى قوله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِم أَربَعُ شَهَادَاتٍ﴾؛ أي: يحَلفُ أربع أيمان. والعرب تقول: أشهد بالله؛ أي: أحلف. وكما قال شاعرهم:\nفَأَشهدُ عِندَ اللهِ أَنِّي أُحبُّها ... فهذا لَها عِندِي فَمَا عندَهَا لِيَا؟\nوهذا مذهب الجمهور. وقال أبو حنيفة: هي شهادات محقَّقة من المتلاعنين على أنفسهما.\nوانبنى على هذا الخلاف في لعان الفاسقين والعبدين. فعند الجمهور يصحُّ، وعند أبي حنيفة لا يصحُّ. وربما اُستَدَل لأبي حنيفة بما رواه\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٢) انظر صحيح البخاري (٤٧٤٧).","vol":"4","page":296},{"text":"وَالخَامِسَةُ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيهَا إِن كَانَ مِن الصَّادِقِينَ ثُمَّ فَرَّقَ بَينَهُمَا.\nوفي رواية: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلمُتَلَاعِنَينِ حِسَابُكُمَا عَلَى اللَّهِ\nــ\nأبو عمرو من حديث عمرو بن شعيب مرفوعًا: (لا لعان بين مملوكين ولا كافرين) (١). وبما رواه الدارقطني من هذا المعنى، ولا يصح منها كلها شيء عند المحدِّثين.\nواختلفوا في الألفاظ التي يقولها المتلاعنان. وأولى ذلك كله ما دلَّ عليه كتاب الله تعالى. وهو: أن يقول الرجل: أشهد بالله لقد زنيتِ. أو: لقد رأيتُها تزني، أو: أن هذا الحمل ليس مني، أو: هذا الولد - أربع مرات - ثم يخمس فيقول (٢): لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ثم تقوم هي فتقول: أشهد بالله لقد كَذَبَ عليَّ فيما رماني به. أو: إن هذا الحمل منه، أو: هذا الولد ولده، ثم تُخَمِّسُ بأن تقول: غضب الله عليها إن كان من الصادقين. وقد زاد بعض علمائنا في اليمين: بالله الذي لا إله إلا هو. ومشهور مذهبنا: أنه إن لاعنها على رؤية الزنا: نصَّ على ذلك، كما ينصُّه شهود الزنا، فيقول كالمِروَدِ (٣) في المكحلة. وكل ذلك منهما وهما قائمان.\nو(قوله: ثم فرَّق بينهما) دليل لمالك ولمن قال بقوله: على أن الفرقة تقع بنفس فراغهما من التعانهما. وقد ذكرنا الخلاف في ذلك.\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (٢٠٧١)، والدارقطني (٣/ ١٦٣ و١٦٤)، والبيهقي (٧/ ٣٩٦، ٣٩٧) بنحوه.\nوقال الإمام الغماري في: \"الهداية في تخريج أحاديث البداية\" (٧/ ١٣٧): لم أجده بهذا اللفظ.\n(٢) ما بين حاصرتين ليس في الأصول، واستدرك من عندنا لتمام المعنى.\n(٣) المِرْود: الميل من الزجاج أو المعدن يُكتحل به.","vol":"4","page":297},{"text":"أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيهَا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَالِي؟ قَالَ: لَا مَالَ لَكَ إِن كُنتَ صَدَقتَ عَلَيهَا فَهُوَ بِمَا استَحلَلتَ مِن فَرجِهَا، وَإِن كُنتَ كَذَبتَ عَلَيهَا فَذَاكَ أَبعَدُ لَكَ مِنهَا.\nرواه أحمد (٢/ ١١ و٤٢)، والبخاريُّ (٥٣١١)، ومسلم (١٤٩٣) (٤ و٥)، وأبو داود (٢٢٥٧)، والترمذيُّ (١٢٠٢)، والنسائي (٦/ ١٧٧).\n* * *\nــ\nو(قوله في حديث ابن عمر: (أحدكما كاذب) ظاهره أنه بعد الملاعنة، وحينئذ يحقق الكذب عليهما جميعًا. وقال بعضهم: إنما قاله ﷺ قبل اللعان تحذيرًا لهما، ووعظًا. ورجح بعضهم الأول (١).\nو(قوله: لا سبيل لك عليها) دليل لمالك ولمن قال بقوله في تأبيد التحريم، فإن ظاهره النفي العام. وقد ذكر الدارقطني زيادة في حديث سهل بعد قوله: (ففرَّق رسول الله ﷺ بينهما) وقال: (لا يجتمعان أبدًا) (٢). وقال أبو داود عن سهل: (مضت سنَّة المتلاعنين: أن يفرَّق بينهما، ثم لا يجتمعان أبدًا) (٣). قال مالك: وهي السُّنة التي لا اختلاف فيها عندنا.\n* * *\n_________\n(١) ما بين حاصرتين مستدرك من (ج ٢).\n(٢) رواه الدارقطني (٣/ ٢٧٥).\n(٣) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"4","page":298},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-578>(١٤) باب ما يتبع اللِّعان إذا كمل من الأحكام</span>\n[١٥٦٣] عَن ابنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امرَأَتَهُ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَينَهُمَا وَأَلحَقَ الوَلَدَ بِأُمِّهِ.\nرواه أحمد (٢/ ٧)، والبخاريُّ (٥٣١٥)، ومسلم (١٤٩٤) (٨)، وأبو داود (٢٢٥٩)، والترمذيُّ (١٢٠٣)، والنسائي (٦/ ١٧٨)، وابن ماجه (٢٠٦٩).\nــ\n(١٤) ومن باب: ما يتبع اللِّعان إذا كمل من الأحكام\nقد تقدَّم: أنَّه يتبعه الفراق المؤبَّد.\nو(قوله: وألحق الولد بأمه) أي: إنما يدعى وينسب لأمه، ولقومها، أو لمواليها - إن كانت مولاة - ويرثها وترث هي منه فرضها في كتاب الله تعالى. ويرثه إخوته لأمه ميراث الإخوة للأم. وتَوأَمَا الملاعنة يتوارثان توارث الأشقاء؛ لاستوائهما في النفي باللعان. وما بقي من ميراث ولد الملاعنة بعد أصحاب السِّهام فلموالي أمه؛ إن كانت مولاةً، أو لجماعة المسلمين؛ إن كانت عربيةً، هذا قول مالك، والزهري، والشافعي، وأبي ثور. وقال الحكم، وحماد: يرثه (١) ورثة أمه. وقال آخرون: عصبته عصبة أمه. وبه قال أحمد بن حنبل. وروي عن علي، وابن مسعود، وعطاء، وابن عمر ﵃. وقالت طائفة: أمه عصبته،\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"4","page":299},{"text":"[١٥٦٤] وعَن أَنَسَ أنَّ هِلَالَ بنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امرَأَتَهُ بِشَرِيكِ بنِ سَحمَاءَ، وَكَانَ أَخَا البَرَاءِ بنِ مَالِكٍ لِأُمِّهِ، وَكَانَ أَوَّلَ رَجُلٍ لَاعَنَ فِي الإِسلَامِ قَالَ: فَلَاعَنَهَا، فَقَالَ النبي ﷺ: أَبصِرُوهَا، فَإِن جَاءَت بِهِ أَبيَضَ\nــ\nفما بقي عن أهل السِّهام فلها. وقال أبو حنيفة: يرد ما فضل على ورثته إن كانوا ذوي أرحام. وهذا على أصله في الردّ.\nو(قوله في هلال بن أمية: (إنه كان أول من لاعن في الإسلام) هذا يقتضي: أن آية اللعان نزلت بسبب هلال بن أمية، وكذلك ذكره البخاري. وهو مخالف لما تقدَّم: أنها نزلت بسبب عويمر العجلاني. وهذا يحتمل: أن تكون القضيتان متقاربتي الزمان فنزلت بسببهما معًا. ويحتمل: أن تكون الآية أُنزلت على النبي ﷺ مرَّتين؛ أي: كرر نزولها عليه، كما قال بعض العلماء في سورة الفاتحة: إنها نزلت بمكة، وتكرَّر نزولها بالمدينة. وهذه الاحتمالات وإن بَعُدت؛ فهي أولى من أن يُطَرَّق الوهم للرواة الأئمة الحفَّاظ.\nوقد أنكر أبو عبد الله أخو المهلب في هذه الأحاديث هلال بن أمية، وقال: هو خطأ، والصحيح: أنه عويمر. ونحوًا منه قاله الطبري. وقال: إنما هو عويمر، وهو الذي قذفها بشريك بن سحماء (١)، والله تعالى أعلم.\nوظاهر هذا الحديث: أن هلالًا لَمَّا صرَّح بذكر شريك: أنَّه قذفه. ومع ذلك فلم يحدّه النبي ﷺ له. وبهذا قال الشافعي: إنه لا حدَّ على الرَّامي لزوجته إذا سَمَّى الذي رماها (٢) به ثم التعن ورأى أنه التعن لهما. وعند مالك: أنَّه يحدّ،\n_________\n(١) زاد في (ج ٢): تتميم: وهو شريك بن عبدة بن مغيث -بضم الميم، وكسر الغين المعجمة، وسكون الياء تحتها نقطتان، ثم ثاء مثلثة- وقد قيل بفتح العين المهملة، وتشديد التاء فوقها نقطتان، وبالباء الواحدة- والأول أصح. ابن الجد بن عجلان البلويّ، حليف الأنصار، وهو شريك بن سحماء، وهي أَمَةٌ عُرِف بها، شهد مع أبيه أُحُدًا، وهو أخو البراء بن مالك لأمه.\n(٢) في (ع): زنى.","vol":"4","page":300},{"text":"سَبِطًا قَضِيءَ العَينَينِ فَهُوَ لِهِلَالِ بنِ أُمَيَّةَ، وَإِن جَاءَت بِهِ أَكحَلَ جَعدًا حَمشَ السَّاقَينِ فَهُوَ لِشَرِيكِ بنِ سَحمَاءَ قَالَ: فَأُنبِئتُ أَنَّهَا جَاءَت بِهِ أَكحَلَ جَعدًا حَمشَ السَّاقَينِ.\nرواه مسلم (١٤٩٦)، والنسائي (٦/ ١٧١ و١٧٣).\nــ\nولا يكتفى بالتعانه؛ لأنه إنما التعن للمرأة، ولم تكن له ضرورة إلى ذِكره، بخلاف المرأة. فهو إذًا قاذف فيحدُّ. واعتذر بعض أصحابنا عن حديث شريك: بأن يقال: بأنه كان يهوديًّا. وأيضًا: فلم يطلب شريك بشيء من ذلك. وهو حقه، فلا متعلق في الحديث.\nقال القاضي عياض: لا يصحُّ قول من قال: إن شريكًا كان يهوديًّا. وهو باطل. وهو: شريك بن عبدة بن مغيث، وهو بلوي حليف الأنصار، وهو أخو البراء بن مالك (١) لأمِّه.\nوالسَّبط الشعر: هو المسترسِلُه، المنبَسِطُه. يقال: شعرٌ سبطٌ بكسر الباء وفتحها، لغتان و: سَبِطَ شعره، يَسبَط: إذا صار كذلك، وهو ضد الجعودة.\nو(قضيء العينين): فاسدهما. قال ابن دريد في الجمهرة: قَضِئَت عين الرَّجل: إذا احمرَّت، ودمعت. وقضئت القربة، تقضأ قَضأَ، فهي قضيئة، على وزن فعيلة: إذا عَفِنَت، وتهافتت.\nو(الجعد) في هذا هو: المتكسر، على ضد السُّبوطة المتقدمة.\nوفي رواية أخرى: (إن جاءت به جعدًا قططًا) أي: شديد الجعودة.\nو(أحمش الساقين): دقيقهما. ويقال للمرأة: حمشاء السَّاقين. قاله الهروي، وغيره.\nوضد ذلك: الخدل. وهو: امتلاء الساقين. يقال: رجل أخدل،\n_________\n(١) في (ع): عازب، والصواب ما أثبتناه. انظر: الإصابة (٢/ ٢٠٦).","vol":"4","page":301},{"text":"[١٥٦٥] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: ذُكِرَ التَّلَاعُنُ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ عَاصِمُ بنُ عَدِيٍّ فِي ذَلِكَ قَولًا، ثُمَّ انصَرَفَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِن قَومِهِ يَشكُو إِلَيهِ أَنَّهُ وَجَدَ مَعَ أَهلِهِ رَجُلًا. فَقَالَ عَاصِمٌ مَا ابتُلِيتُ بِهَذَا إِلَّا لِقَولِي، فَذَهَبَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَخبَرَهُ بِالَّذِي وَجَدَ عَلَيهِ امرَأَتَهُ وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مُصفَرًّا قَلِيلَ اللَّحمِ سَبِطَ الشَّعَرِ، وَكَانَ الَّذِي ادَّعَى عَلَيهِ أَنَّهُ وَجَدَ عِندَ أَهلِهِ خَدلًا آدَمَ كَثِيرَ اللَّحمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُمَّ بَيِّن فَوَضَعَت شَبِيهًا بِالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ زَوجُهَا أَنَّهُ وَجَدَهُ عِندَهَا، فَلَاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَينَهُمَا فَقَالَ رَجُلٌ لِابنِ عَبَّاسٍ فِي\nــ\nوامرأة خدلاء. وهو بالدال المهملة. وهو الخدلَّج أيضًا.\nو(الآدم): من الأدمة، وهي: شدَّة السُّمرة. يقال: رجل آدم. وامرأة أدماء: كأحمر، وحمراء. ويجمع آدم: أُدُمٌ، كحُمُر.\nوقد جاء في هذا الحديث في كتاب أبي داود (١) ألفاظ فسَّرها الخطابي فقال: (الأُرَيصِحُ: تصغير الأرصح. وهو: الخفيف الأليتين. قال الأصمعي: وهو أيضًا: الأرصع - بالعين -. و(الأَثيبج): تصغير: أثبج. والثَّبج: نتوءٌ في السُّرة. والثبج أيضًا: ما بين الكاهل ووسط الظهر. و(الجمالي): العظيم الخلق. شَبَّه خَلقه بِخَلق الجمل. ويقال من ذلك: امرأة جمالية.\nو(قوله ﷺ: (اللهم بيِّن) ظاهره أنه دعاء في أن يبيّن له مِمَّن الولد؟ فأجيب بأنه للذي رُمي به. وتبيَّن له ذلك: بأن الله تعالى خلقه يشبه الذي رُميت به، وعلى الصِّفة التي قال النبي ﷺ. ولذلك نسق قوله: (فوضعت) على الكلام المتقدم بـ (الفاء). وقيل معناه: اللهم بين الحكم في هذه الواقعة، كما جاء في\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢٢٥٦).","vol":"4","page":302},{"text":"المَجلِسِ: أَهِيَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَو رَجَمتُ أَحَدًا بِغَيرِ بَيِّنَةٍ رَجَمتُ هَذِهِ؟ فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لَا تِلكَ امرَأَةٌ كَانَت تُظهِرُ فِي الإِسلَامِ السُّوءَ.\nوفي رواية: بَعدَ قَولِهِ كَثِيرَ اللَّحمِ: جَعدًا قَطَطًا.\nرواه البخاريُّ (٥٣١٦)، ومسلم (١٤٩٧)، والنسائي (٦/ ١٧٤).\nــ\nالرواية الأخرى: (اللهم افتح) (١) أي: احكم، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَفتَحُ بَينَنَا بِالحَقِّ﴾؛ أي: يحكم.\nو(قوله: تلك امرأة كانت تظهر في الإسلام السوء) أي: تظهر عليها قرائن تدل على أنها بغي، تتعاطى الفاحشة، لكن لم يثبت عليها سبب شرعي يتعلق عليها به الرجم، لا إقرار، ولا حمل، ولا بينة. فلم يقم عليها حد لتلك الأسباب المحصورة.\nو(قوله: أبصروها، فإن جاءت به - وذكر النعوت المتقدمة - فهو لهلال، وإن جاءت به - على النعوت الأخرى- فهو لشريك) يدلُّ على أن هذا كان منه تفرسًا وحدسًا، لا وَحيًا. ولو كان وَحيًا لكان معلومًا عنده.\nوفيه ما يدلُّ على إلغاء حكم الشبه في الحرائر، كما هو مذهب مالك على ما قدمناه في القافة.\nوقوله في كتاب أبي داود لما جاءت على النعت المكروه: (لولا الأيمان لكان لي ولها شأن). وفي البخاري: (لولا ما مضى من كتاب الله) يُفهم من ذلك: أن الحكم إذا وقع على شروطه لا ينقض، وإن تبيَّن خلافه. هذا إن لم يقع خلل، أو تفريط في شيء من أسبابه. فأمَّا لو فرط الحاكم فغلط، وتبيَّن تفريطه، وغلطه بوجهٍ واضح نقض حكمه. وهذا مذهب الجمهور.\nوفيه: أن ذكر الأوصاف المذمومة للضرورة، والتحلية (٢) بها للتعريف ليس بغيبة.\n_________\n(١) انظر صحيح مسلم (١٤٩٥) (١٠).\n(٢) أي: الوصف.","vol":"4","page":303},{"text":"[١٥٦٦] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ سَعدُ بنُ عُبَادَةَ لرَسُولَ اللَّهِ ﷺ: لَو وَجَدتُ مَعَ أَهلِي رَجُلًا لَم أَمَسَّهُ حَتَّى آتِيَ بِأَربَعَةِ شُهَدَاءَ؟ فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نَعَم قَالَ: كَلَّا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ إِن كُنتُ لَأُعَاجِلُهُ بِالسَّيفِ قَبلَ ذَلِكَ قَالَ ﷺ: اسمَعُوا إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُم إِنَّهُ لَغَيُورٌ، وَأَنَا أَغيَرُ مِنهُ، وَاللَّهُ أَغيَرُ مِنِّي.\nرواه مسلم (١٤٩٨) (١٦)، وأبو داود (٤٥٣٢ - ٤٥٣٣).\n[١٥٦٧] وعَن المُغِيرَةِ بنِ شُعبَةَ قَالَ: قَالَ سَعدُ بنُ عُبَادَةَ: لَو رَأَيتُ رَجُلًا مَعَ امرَأَتِي لَضَرَبتُهُ بِالسَّيفِ غَيرُ مُصفِحٍ عَنهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَتَعجَبُونَ مِن غَيرَةِ سَعدٍ فَوَاللَّهِ لَأَنَا أَغيَرُ مِنهُ، وَاللَّهُ أَغيَرُ مِنِّي ومِن\nــ\nو(قوله: اسمعوا إلى ما يقول سيدكم) قال ابن الأنباري: السيد: الذي يفوق قومه في الفخر.\nقلت: وذلك لا يكون حتى يجتمع له من خصال الشرف، والفضائل، والكمال ما يُبرز بها عليهم، ويتقدَّمهم بسببها. كما قال:\nفَإِن كُنتَ سيَّدَنَا سُدتَنَا ... وإِن كُنتَ للخَالِ فَاذهب فَخُل\nو(قوله: لضربته بالسَّيف ضربًا غير مُصفحٍ) أي: غير ضارب بصفحه. وصفحَتا السيف: وجهاه، وغِراراه: حدَّاه.\nو(قوله: إنَّه لغيور، وأنا أغير منه، والله أغير منِّي) الغيرة في حقِّنا: هيجان، وانزعاج يجده الإنسان من نفسه يحمل على صيانة الحرم، ومنعهم من الفواحش ومقدماتها. والله تعالى مُنَزَّهٌ عن مثل ذلك الهيجان، فإنه تَغير يدلُّ على الحدوث. فإذا أطلقت لفظ الغيرة على الله تعالى فإنما معناه: أنه تعالى منع من الإقدام على الفواحش، بما توعَّد عليها من العقاب، والزجر، والذَّمِّ، وبما نصب","vol":"4","page":304},{"text":"أَجلِ غَيرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا شَخصَ أَغيَرُ مِن اللَّهِ، وَلَا شَخصَ أَحَبُّ إِلَيهِ العُذرُ مِن اللَّهِ،\nــ\nعليها من الحدود.\nوقد دلَّ على صحَّة هذا قوله في حديث آخر: (وغيرة الله ألا يأتي المؤمن ما حرَّمه الله عليه) (١).\nو(قوله: لا شخص أغير من الله) أصل وضع الشخص لِجُرم الإنسان وجسمه. يقال: شخص الإنسان، وجثمانه، وطلله، وآله. كلها بمعنى واحد على ما نقل أهل اللغة. وشخص الشيء، يشخص: إذا ظهر شخصه. وهذا المعنى على الله تعالى محالٌ بالعقل والنقل على ما قدَّمناه في غير موضع، فتعيَّن تأويله هنا.\nوقد قيل فيه: لا مرتفع (٢)؛ لأن الشخص: ما شخص وظهر وارتفع، وفيه بُعدٌ. وقيل فيه: (لا شيء). وهذا أشبه من الأول، وأوضح منه؛ أي: لا موجود، أو: لا أحد. وهو أحسنها. وقد جاء في رواية أخرى: (لا أحد) منصوصًا. وأطلق الشخص مبالغة في تثبيت إيمان من يتعذر على فهمه موجود لا يشبه شيئًا من الموجودات؛ لئلا يقع في النفي والتعطيل، كما قال في حديث الجارية، لما قالت: في السماء (٣). فحكم بإيمانها مخافة أن تقع في النفي؛ لقصور فهمها عمّا ينبغي له تعالى من حقائق الصفات. وعمَّا يُنَزَّه عنه مما يقتضي التشبيهات. والله تعالى أعلم.\nو(قوله: ولا شخص أحبُّ إليه العذر من الله). أحب: مرفوعٌ على أنَّه خبر المبتدأ الذي هو: العذر، على التقديم والتأخير. وخبر التنزيه (٤) محذوف؛ أي: لا أحد موجودٌ العذر أحبّ إليه من الله. ويمكن فيه إعراب آخر. وهذا أوضح.\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٣٤٣)، والبخاري (٥٢٢٣)، ومسلم (٢٧٦١)، والترمذي (١١٦٨).\n(٢) في (ج ٢): مُترفع.\n(٣) رواه مسلم (٥٣٧)، وأبو داود (٣٢٨٢)، والنسائي (٣/ ١٤ - ١٨).\n(٤) أي: خبر (لا) التي هي للتبرئة والتنزيه.","vol":"4","page":305},{"text":"مِن أَجلِ ذَلِكَ بَعَثَ اللَّهُ المُرسَلِينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ، وَلَا شَخصَ أَحَبُّ إِلَيهِ المِدحَةُ مِن اللَّهِ، مِن أَجلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللَّهُ الجَنَّةَ.\nرواه أحمد (٤/ ٢٤٨)، والبخاريُّ (٧٤١٦)، ومسلم (١٤٩٩).\n* * *\nــ\nو(قوله: من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين) ذلك إشارة إلى العذر. ومعناه: الإعذار للمكلفين. قال بعض أهل المعاني: إنما قال النبي ﷺ: (لا أحد أغير من الله، ولا أحد أحبَّ إليه العذر من الله) منبِّها لسعدٍ، ورادعًا له عن الإقدام على قتل من وَجَدَه مع امرأته. فكأنه قال: إذا كان الله مع شدّة غيرته يُحبُّ الإعذار، ولم يؤاخذ أحدًا إلا بعد إنهاء الإعذار، فكيف تقدم على قتل من وجدته على تلك الحال؟ ! والله تعالى أعلم.\nو(المدحة): المدح. وهو: الثناء بذكر أوصاف الكمال، والإفضال، فإذا أدخلت الهاء كسرت الميم. وإن أسقطتها فتحتها.\nو(قوله: من أجل ذلك وعد الله الجنة) أي: من سبب حُبِّه للمدح وَعَدَ عليه بالجنَّة. وذِكرُه المدح مقرونًا مع ذكر الغيرة والإعذار: تنبيهٌ لسعدٍ على ألا يعمل غيرته، ولا يعجل بمقتضاها، بل يتأنى، ويترفق، ويتثبت؛ حتى يحصل على وجه الصواب من ذلك، وعلى كمال الثناء والمدح بالتأني، والرفق، والصبر، وإيثار الحق، وقمع النفس عند هيجانها، وغلبتها عند منازلتها. وهذا نحو من قوله ﷺ: (ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) (١) والله تعالى أعلم.\nو(قول الملاعن: مالي) يعني: أنَّه طلب المهر الذي كان أمهرها.\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٢٣٦)، والبخاري (٦١١٤)، ومسلم (٢٦٠٩).","vol":"4","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-579>(١٥) باب لا ينفى الولد لمخالفة لون أو شبه</span>\n[١٥٦٨] عَن أبي هريرة: أَنَّ أَعرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ امرَأَتِي وَلَدَت غُلَامًا أَسوَدَ، أَنكَرتُهُ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ:\nــ\nو(قوله ﷺ له: (إن كنت صادقًا فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كاذبًا كان ذلك أبعد منها (١» يعني: أنَّه لها، على حالتي: صدقه، أو كذبه؛ لأنه قد كان دخل بها. وهو واجب لها عليه بعد الدخول بالإجماع.\nوأما لو تلاعنا قبل الدخول بها، فقال فقهاء الأمصار: إنها كغيرها، لها نصف الصداق. وقال الزهري: لا صداق لها جملة واحدة؛ لأنه فسخ. وحكاه البغداديون عن المذهب. والمشهور: أن عليه النصف مع أن اللعان فسخ بغير طلاق. وحينئذ يشكل إلزام نصف الصداق.\nواعتذر عنه بعض أصحابنا بأن قال: إنما قسم الصداق بينهما لتعارض أيمانهما كمتداعيين شيئًا تعارضت فيه دعاويهما وبيناتهما ولا مرجح، فإنه يقسم بينهما. وهذا ليس بشيء؛ لأنهما لم يتنازعا في الدخول، بل قد فرضناهما متصادقين على عدمه. وقال بعضهم: إنما قسم بينهما مراعاة للخلاف في اللعان. هل هو فسخ أو طلاق؟ وقال الحكم، وحماد، وأبو الزناد: لها الصداق كله؛ إذ ليس بطلاق.\n(١٥) ومن باب: لا ينفى الولد لمخالفة لون أو شبه\nلا خلاف في مقتضى هذه الترجمة. والحديث الذي تحتها شاهدٌ لصحتها. ومن قال بأن الولد يلحق بالشَّبه القافي لم ينفه لمخالفة الشَبه ولا اللون.\nوفي هذا الحديث: تنبيه على استحالة التسلسل العقلي، وأن الحوادث لا بدّ\n_________\n(١) انظر: صحيح مسلم (١٤٩٣/ ٥).","vol":"4","page":307},{"text":"هَل لَكَ مِن إِبِلٍ؟ قَالَ: نَعَم قَالَ: مَا أَلوَانُهَا؟ قَالَ: حُمرٌ قَالَ: فَهَل فِيهَا مِن أَورَقَ؟ قَالَ: نَعَم قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَأَنَّى هُوَ؟ قَالَ: لَعَلَّهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَكُونُ نَزَعَهُ عِرقٌ، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: وَهَذَا لَعَلَّهُ يَكُونُ نَزَعَهُ عِرقٌ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٣٩)، والبخاريُّ (٥٣٠٥)، ومسلم (١٥٠٠)، وأبو داود (٢٢٦٠ - ٢٢٦٢)، والترمذيُّ (٢١٢٨)، والنسائيُّ (٦/ ١٧٨ - ١٧٩)، وابن ماجه (٢٠٠٢).\n* * *\nــ\nأن تستند إلى أولٍ ليس بحادثٍ، كما يعرف في الأصول الكلامية.\nو(الأورق): الأسمر الذي يميل إلى الغبرة. ومنه قيل للرَّماد: أورق. وللحمام: وُرق.\nو(قوله: فلعل عرقًا نزعه) (١) أي: أشبهه. والعرق: الأصل من النسب. شبهه بعرق الثمرة. يقال: فلان معرق في الحسب، وفي الكرم. وأصل النزع: الجذب. كأنَّه جذبه بشبهه له.\nوفي هذا الحديث: أن التعريض اللطيف إذا لم يقصد به العيب، وكان على جهة الشكوى، أو الاستفتاء لم يكن فيه حدٌّ. وقد استدل به من لا يرى الحدَّ في التعريض، وهو الشافعي، ولا حجة له فيه لما ذكرناه، والله تعالى أعلم.\n* * *\n_________\n(١) في التلخيص: فلعله عرق نزعه.","vol":"4","page":308},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-580>(١٧) كتاب العتق</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-581>(١) باب فيمن أعتق شركًا له في عبد وذكر الاستسعاء</span>\n[١٥٦٩] عَن ابنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن أَعتَقَ شِركًا لَهُ فِي عَبدٍ، كَانَ لَهُ مَالٌ يَبلُغُ ثَمَنَ العَبدِ، قُوِّمَ عَلَيهِ قِيمَةَ العَدلِ، فَأَعطي شُرَكَاؤهُ حِصَصَهُم، وَعَتَقَ عَلَيهِ العَبدُ، وَإِلَّا فَقَد عَتَقَ مِنهُ مَا عَتَقَ.\nرواه أحمد (٢/ ١١٢)، والبخاري (٢٥٢٢)، ومسلم (١٥٠١)، وأبو داود (٣٩٤٠) و(٣٩٤١)، والترمذي (١٣٤٦)، والنسائي (٧/ ٣١٩)، وابن ماجه (٢٥٢٨).\nــ\n(١٧) كتاب العتق\n(١) ومن باب: فيمن أعتق شركًا له في عبد (١)\nقوله ﷺ: (من أعتق شِركًا له في عبدٍ، وكان له مال يبلغ ثمنَ العبد قوَّم عليه قيمة العدل، فَأُعطِي شركاؤه حِصَصَهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عَتَقَ منه ما عَتق).\nقلت: هذا الحديث من رواية مالك، عن نافع، عن ابن عمر - رضي الله\n_________\n(١) ليس في الأصول، واستدرك من التلخيص.","vol":"4","page":309},{"text":"[١٥٧٠] وعَن أبي هريرة: عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَن أَعتَقَ شِقصًا لَهُ\nــ\nعنهما - وهو أتقن ما روي عن نافع من ذلك، وأكمله. فلنبحث عن كلماته. فـ (من) بحكم عمومها تتناول كُلَّ من يلزمه العتق. وهم المكلفون، الأحرار، المسلمون، ذكرهم، وأنثاهم. فمن أعتق نصيبه منهم في مملوك مشترك نفذ عِتقه في نصيبه، وقوَّم عليه نصيب شريكه إن كان موسرًا، ودفعت القيمة للشريك، وكُمِّل على المبتدئ بالعتق. فلو من ليس بمكلف من صبي، أو مجنون لم يلزمه العتق، ولم يكمل عليه. وكذلك لو العبد بغير إذن سيده. فلو أذن له السيد أو أجاز انتقل الحكم إليه، ولزمه العتق، وكمل عليه.\nوأما الكفار: فلا يصح العتق الشرعي منهم. إمَّا لأنَّهم غير مخاطبين بالفروع. وإما لأن صحة القرب الشرعية موقوفة على الإسلام. فلو كان العبد مسلمًا وسيداه نصرانيين، فأعتق أحدهما كمل عليه؛ لأنه حكم بين مسلم وذمي. وكذلك لو كان العبد وأحدُ سيديه نصرانيين، فأعتق النصراني كمّل عليه لحقِّ المسلم على قول أشهب، ومطرِّف، وابن الماجشون. وفي المختصر الكبير: لا يقوَّم عليه. وقال ابن القاسم: إن كان العبد مسلمًا قوَّم عليه، وإلا فلا، بناءً على أن القُربَ لا تصحُّ منهم، ولا يجبرون عليها.\nو(الشرك): النصيب. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُم فِيهِمَا مِن شِركٍ﴾ ويكون بمعنى: الشريك. لقوله تعالى: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ ويكون بمعنى: الاشتراك، كما جاء في حديث معاذ: أنه أجاز من أهل اليمن الشرك (١). يعني: الاشتراك في الأرض.\nو(الشَّقصُ) والشُّقَيصُ: النصيب والجزء. والتشقيص: التجزئة.\n_________\n(١) انظر كتاب الأموال لأبي عبيد، باب: تقسيم الأراضي.","vol":"4","page":310},{"text":"فِي عَبدٍ فَخَلَاصُهُ فِي مَالِهِ إِن كَانَ لَهُ مَالٌ، فَإِن لَم يَكُن لَهُ مَالٌ استُسعِيَ العَبدُ غَيرَ مَشقُوقٍ عَلَيهِ.\nزاد في أخرى: إِن لَم يَكُن لَهُ مَالٌ قُوِّمَ عَلَيهِ العَبدُ قِيمَةَ عَدلٍ، ثُمَّ\nــ\nو(العبد): اسم للمملوك الذكر بأصل وضعه، ومؤنثه: أمة - من غير لفظه -، وقد حُكي: عبدةٌ. ولهذا قال إسحاق بن راهويه: إنَّ هذا الحديث إنّما يتناول ذكور العبيد دون إناثهم، فلا يكمَّل على من أعتق شِركًا في أنثى.\nوهو على خلاف الجمهور من السَّلف، ومن بعدهم: فإنهم لم يفرِّقوا بين الذكر والأنثى؛ إمَّا لأن لفظ العبد يُراد به الجنس، كما قال تعالى: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ إِلا آتِي الرَّحمَنِ عَبدًا﴾ فإنه قد يتناول الذكر والأنثى من العبيد قطعًا. وإمَّا على طريق الإلحاق بنفي الفارق الذي هو القياس في معنى الأصل، كما بينَّاه. ومراتبه في كتابنا في أصول الفقه.\nو(المال) هنا: كل ما يُتَموَّلُ؛ أي: يتملك، فيباع عليه كل ما يُباع على المفلس.\nو(الثمن): أراد به هنا القيمة. والتقويم: اعتبار مقدار ثمن العبد المعتق بعضُه. ولا يكون ذلك إلا من عارفٍ بقيم السِّلع، موثوقٍ بدينه، وأمانته؛ لأنَّ التقويم فَصل بين الخصوم، وتمييز لمقادير الحقوق.\nوظاهر هذا الحديث: أنَّه يقوَّم عليه كاملًا، لا عتق فيه، وهو المعروف من المذهب. وقيل: يقوَّم على أن بعضه حُرٌّ. والأول أصحُّ؛ لأن جناية المعتق هي سبب تفويت مِلك الشَّريك، فيقوَّم عليه على ما كان عليه حال الجناية، كالحكم في سائر الجنايات المفوتة، وهل تعتبر قيمته يوم العتق، أو يوم الحكم؟ قولان. والثاني هو المشهور.\nو(قوله: فأُعطِيَ شركاؤه حِصَصَهم). الرواية: (أعطي) مبنيًّا للمفعول. (شركاؤه) مفعول لما لم يُسمِّ فاعله. وهو مُشعرٌ بِجبرِ المُعتِق على الإعطاء، وجبرِ الشَّرِيك على الأخذ. لكن إنما يجبرُ الشَّريك إذا لم يَعتِق حصَّتَه، فلو أعتقها لم يجبر على المشهور، وسيأتي.\nويعني بقوله: (حصصهم) أي: قيمة حصصهم.","vol":"4","page":311},{"text":"يُستَسعَى فِي نَصِيبِ الَّذِي لَم يُعتِق غَيرَ مَشقُوقٍ عَلَيهِ.\nــ\nو(قوله: وعتق عليه العبد) (عَتَق) - بفتح العين والتاء، مبنيًّا للفاعل، واسم الفاعل: عتيق. ولا يقال مبنيًّا لما لم يسمِّ فاعله إلا بهمزة التعدية، فيقال: أُعتِق، فهو: مُعتَق.\nويستفاد منه: أن من حكم عليه بالعتق نسب إليه، وإن كان كارهًا. وإذا صحت نسبته إليه ثبت الولاء له؛ لقوله ﷺ: (إنما الولاء لمن أعتق) (١).\nوظاهر هذا الحديث: أن العتق لا يكمل للعبد إلا بعد التقويم ودفع القيمة إلى الشريك. وهو مشهور قول مالك وأصحابه، والشافعي في القديم، وبه قال أهل الظاهر. وعليه فيكون المعتق بعضه قبل التقويم والدفع حكم العبد مطلقا. ولو مات لم يقوَّم على المعتق. ولو أعتق الشريك نفذ عتقه، وكان الولاء بينهما.\nوذهبت طائفة أخرى: إلى أن عتق البعض يسري إلى نصيب الشريك، فيلزم التكميل على الأول إن كان موسرًا، ولا يقف ذلك على تقويم، ولا حكم، ولا دفع. وإليه ذهب الثوري، والأوزاعي. وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، ومالك، والشافعي في قولهما الآخر.\nوعلى هذا فيكون حكم المعتق بعضه حكم الأحرار مطلقا من يوم العتق. ولو أعتق الشريك لم ينفذ عتقه. ولو مات العبد قبل التقويم ودفع القيمة مات حرًّا. ومتمسَّك هؤلاء حديث أبي هريرة ﵁ الذي قال فيه: (من أعتق شقصًا له في عبد فخلاصُه في ماله إن كان له مال) (٢). وأظهر من هذا: ما رواه النسائي من حديث ابن عمر وجابر: أن رسول الله ﷺ قال: (من أعتق عبدًا وله فيه شركاء، وله وفاء فهو حُرٌّ، ويضمن نصيب شركائه بقيمته لما أساء من مشاركتهم) (٣).\n_________\n(١) سيأتي تخريجه في التلخيص برقم (١٨٧٢).\n(٢) هو الحديث رقم (١٨٧١) في التلخيص.\n(٣) رواه النسائي في الكبرى (٤٩٦١).","vol":"4","page":312},{"text":"وفي رواية: قَالَ ﵊ فِي المَملُوكِ بَينَ الرَّجُلَينِ فَيُعتِقُ أَحَدُهُمَا قَالَ: يَضمَنُ.\nــ\nقلت: وهذا التمسك ليس بصحيح لما يقتضيه النظر الأصولي. وذلك: أن هذه الأحاديث وإن تعدد رواتها، وكثرت ألفاظها؛ فمقصودها كلها واحد. وهو: بيان حكم من أعتق شركًا في عبدٍ، فهي قضية واحدة. غير أن من ألفاظ الرواة ما هو مقيَّد، ومنها ما هو مطلق، فيحمل مطلقها على مقيدها. وقد اتفق الأصوليون على ذلك، فيما إذا اتحدت القضية. وهذا من ذلك النوع المتفق عليه، ثم إن هذا من باب الجمع بين الأحاديث الواردة في هذا المعنى. والجمع أولى من الترجيح إذا أمكن باتفاق أهل الأصول. ثم ظاهر ذلك اللفظ الأول: أنَّه لو وجد التقويم دون الإعطاء لم يكمل الإعتاق إلا بمجموعهما. وهو ظاهر حكاية الأصحاب عن المذهب، غير أن سحنونًا قال: أجمع أصحابنا: على أن من أعتق شقصًا له في عبد إنَّه بتقويم الإمام عليه حُرٌّ بغير إحداث حكم. فظاهر هذا: أن نفس التقويم على الموسر موجب للحرية، وإن لم يكن إعطاء، وفيه بُعدٌ؛ لأن التقويم لو كان محصِّلًا للعتق للزم الشريك أن يتبع ذمة المعتق إذا أعسر بالقيمة بعد التقويم. وذلك لا يتمشى؛ لا على القول بالسِّراية، ولا على مراعاة التقويم ولا على قوله: (وعتق عليه) (١).\nو(قوله: وإلا فقد عتق منه ما عتق (٢». ذكره مالك عن نافع على أنّه من قول النبي ﷺ وجزم بذلك. وهو الظاهر من مساق الحديث. فروايته أولى من رواية أيوب عن نافع، حيث اضطرب في ذلك. فقال مرة: قال نافع: (وإلا فقد عتق منه ما عتق) (٣) ومرة قال: فلا أدري، أشيء قاله نافع، أم هو من الحديث؛ لأن\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع) و(ج ٢).\n(٢) في (ع): فلا وقوله: وإلا فقد عتق عليه وفي (ل ١) و(ج ٢) فلا وقوله: وإلا فقد عتق منه ما عتق. وما أثبتناه يقتضيه السياق، والله أعلم.\n(٣) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"4","page":313},{"text":"رواه أحمد (٢/ ٢٥٥)، والبخاري (٢٤٩٢)، ومسلم (١٥٠٢) و(١٥٠٣) (٣) و(٤)، وأبو داود (٣٩٣٨ و٣٩٣٩) والترمذي (١٣٤٨)، والنسائي في الكبرى (٤٩٦٢)، وابن ماجه (٢٥٢٧).\n* * *\nــ\nمالكا جازم غير شاك! وقد تابعه على ذلك جماعة من الحفاظ عن نافع كجرير بن حازم، وعبيد الله، وغيرهما.\nوتضمَّن هذا الحديث: أنَّه لا بدَّ من عتق نصيب المعتق وتنفيذه موسرًا كان أو معسرًا. وهو مذهب كافة العلماء. وشذَّ آخرون، فأبطلوا عتق ذلك الشقص إن كان معسرًا. وهو مصادمة للنص المذكور. وكأنَّه راعى حق الشريك بما يدخل عليه من الضرر بحرية الشقص. وهو قياس فاسد الوضع؛ لأنه مخالف للنص. ويلزمه على هذا: أن يرفع الحكم بالحديث رأسًا، فإنه مخالف للقياس، حيث حكم الشرع بعتق حصة الشريك، وإخراجها عن ملكه جبرًا، فإن اعتذر عن هذا: بأن الشرع إنما حكم بذلك تعبدًا، أو تشوفًا للعتق، اعتذرنا بذلك عن تنفيذ عتق الشقص على المعتق المعسر.\nوحاصله: أن مراعاة حق الله تعالى في العتق مقدَّمة على مراعاة حقِّ الآدمي، ولا سيما والعتق قد وقع على حصة المعتِق. وما وقع فالأصل بقاؤه.\nوظاهر حديث ابن عمر وإن اختلفت طرقه، وألفاظه -: أن المعتق إذا كان معسرًا لم يكلف العبد السعي في تخليص ما بقي منه، وهو مذهب كافة العلماء ما عدا أبا حنيفة؛ فإنَّه يجبر الشريك في العتق، واستسعاء العبد، متمسِّكًا في ذلك بما في حديث أبي هريرة من ذكر الاستسعاء الذي قال فيه: (فإن لم يكن له مالٌ استُسعِي العبد غير مشقوقٍ عليه).","vol":"4","page":314},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوقد رد علماؤنا ذكر الاستسعاء المذكور في هذا الباب بوجهين:\nأحدهما: التأويل. وهو أن قالوا: معناه: أن يُكلَّف المتمسَّك بالرِّق عَبدَه الخدمة على قدر ملكه، لا زيادة على ذلك. ولفظ الاستسعاء قابل لذلك؛ لأنه استدعاءٌ للسعي؛ الذي هو العمل. لكن لماذا؟ هل لحق العتق، أو لحق السَّيد؟ الأمر محتمل، ولا نصَّ، غير أن تأويلنا أولى؛ لأنه موافق للقواعد الشرعية، وتأويلهم مخالف لها على ما نبينه إن شاء الله تعالى.\nقلت: هذا معنى ما أشار إليه أصحابنا. وقد جاء في كتاب أبي داود ما يبطل هذا التأويل من حديث أبي هريرة. قال: (فإن لم يكن له مال قوِّم العبد قيمة عدلٍ، ثم يُستسعى لصاحبه في قيمته غير مشقوق عليه) (١).\nوالوجه الثاني: الترجيح. وهو من أوجه:\nالأول: أن سند حديثنا أقرب سندًا من حديثهم، فتطرُّق احتمال الغلط إليه أبعد.\nالثاني: أن حديثهم قد رواه شعبة، وهشام، وهمَّام موقوفًا على قتادة من قوله، وفتياه. وحديثنا متفق على رفعه، فكان أولى.\nوالثالث: أن حديثنا معمولٌ به عند أهل المدينة، وجمهور العلماء. وحديثهم إنما عمل به أبو حنيفة وأصحابه من أهل العراق، فكيف تخفى سُنَّة على أهل المدينة، وتظهر بالعراق؟ ! وهذا في الاستبعاد والهذر (٢)، كمستبضع التمر إلى هجر (٣).\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٩٣٨).\n(٢) في (ع) و(ل ١): الندر.\n(٣) هذا مثل. وهجر: معدن التمر.","vol":"4","page":315},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالرابع: أن حديثهم مخالف للأصول في حق السَيِّد والعبد، أما في حق السيد: فإنه إخراج لملك عن مالك من غير عوض ولا تنجيز عتق جبرًا (١). وبيانه: أن مدَّة الاستسعاء تفوِّت على السيد عبده، وقد لا يحصل له شيء يعتق به، فتفوت عليه منافع عبده لغير فائدة. وأما في حق العبد: فإن تكليفه السعي ليحصل له العتق في معنى الكتابة. والكتابة لا يجبر عليها العبد إذا لم يطلبها بالاتفاق بيننا وبينه. والسعي لا يجبر عليه. وأيضًا فإن منع المالك من التصرف في ملكه، وإدخال العبد فيما لا يريده مؤاخذات لهما بسبب جناية (٢) غيرهما الذي هو المعتق. ومن الأنسب الأحرى: أَن لَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزرَ أُخرَى. فقد ظهر بهذه الأوجه: أن حديث ابن عمر أولى وأوجه.\nتنبيهان:\nالأول: ذهب بعض المتأخرين: إلى أن الحكم بالتكميل غير معلَّل، وليس بصحيح. بل قد نصَّ الشرع على تعليله في الحديث الذي ذكرناه من حديث ابن عمر، وجابر، حيث قال فيه: (من أعتق عبدا وله فيه شركاء، وله وفاء فهو حرٌّ، ويضمن نصيب شركائه بقيمته، لما أساء من مشاركتهم، وليس على العبد شيء) (٣). وإذا علل ذلك بسوء المشاركة فذلك موجود فيما إذا دبَّر بعض عبده (٤)، فيكمِّل عليه التدبير بعد التقويم. وهو أحد الأقوال في المذهب. أو لا يلحق به\n_________\n(١) سقطت من (ع).\n(٢) هذه اللفظة ليست في (ع) و(ل ١) واستدركت من (ج ٢).\n(٣) رواه النسائي في الكبرى (٤٩٦١).\n(٤) أي: أن يقول لعبده: نصفك أو ثلثك أو. . حرٌّ بعد موتي.","vol":"4","page":316},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nذلك لمخالفة حكم الفرع حكم الأصل؛ فإن حكم الأصل عتق (١) ناجز لازمٌ، إمَّا في الجزء، وإمَّا في الكلِّ. وفي الفرع تدبير قد لا يحصل منه شيء لإمكان لحوق الدين تركة السيد، فيباع المدبَّر، فلا يَكمُل التدبير. وهو القول الثاني عندنا. وإذا لم يصحّ ذلك في التدبير فالكتابة أبعد؛ لأنها مع توقع عجز المكاتب معاوضة. وعلى هذا: فتكون علَّه الحديث قاصرة، والله تعالى أعلم.\nالثاني: إن الشَّرع لَمَّا جبر الشَّريك على أخذ قيمة شقصه، فَهِمَ العلماء من ذلك تشوُّف الشَّارِع إلى العتق. وإذا كان ذلك في ملك الغير كان أحرى وأولى في ملك نفسه. فإذا أعتق جزءًا من عبده كُمِّل عليه عتق جميعه. وهل بالسراية، أو بالحكم؟ قولان. القول بالسراية هنا أولى؛ إذ لا حاجة إلى التقويم، ولا إلى الحكم بخلاف الأصل، فإن التقويم ثَمَّ أحوج إليه حق الشريك. وقد شذَّ بعض العلماء فمنع هذا الإلحاق، وقصر وجوب التكميل على من أعتق شقصًا من مشترك. وكذلك شذَّ عثمان البَتِّيِّ فقال: لا شيء على المعتق إلا أن تكون جارية رائعة الجمال تراد للوطء، فيضمن ما أدخل على صاحبه فيها من الضرر. وكذلك أيضًا شذَّ ابن سيرين؛ فرأى القيمة في بيت المال. وشذَّ آخرون منهم زفر، والبصريون؛ فقالوا: يقوَّم على الموسر والمعسر، ويُتّبع إذا أيسر. وهذه كلها أقوال شاذَّة مخالفة للنصوص والظواهر، فلا يلتفت إليها.\n* * *\n_________\n(١) في (ع): حكم.","vol":"4","page":317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-582>(٢) باب إنما الولاء لمن أعتق</span>\n[١٥٧١] عَن عَائِشَةَ قَالَت: دَخَلَت عَلَيَّ بَرِيرَةُ فَقَالَت: إِنَّ أَهلِي كَاتَبُونِي عَلَى تِسعِ أَوَاقٍ فِي تِسعِ سِنِينَ كُلِّ سَنَةٍ أُوقِيَّةٌ فَأَعِينِينِي فَقالت:\nــ\n(٢) ومن باب: إنما الولاء لمن أعتق\nحديث بريرة: حديث مشهور، كثرت رواياته، فاختلفت ألفاظه، وكثرت أحكامه. وقد جمع ما فيه من الفوائد في أجزاء كتب فيه الطبري ستة أجزاء، واستخرج غيره منه مائة فائدة. والتطويل ثقيل. فلنقتصر على البحث عن مضمون ألفاظه، ومشكل معانيه على ما شرطناه من الإيجاز.\n(قول عائشة ﵂: دخلت علي بريرة فقالت: إن أهلي كاتبوني على تسع أواق في تسع سنين، كل سنة أوقية) دليلٌ على جواز كتابة المرأة المأمون عليها أن تكسب بفرجها (١)، وعلى أن مشروعية الكتابة أن تكون مُنَجَّمة أو مُؤَجَّلة. وهو مشهور المذهب. ومن الأصحاب من أجاز الكتابة الحالَّة، وسَمَّاها قطاعةً، وهو القياس؛ لأن الأجل فيها إنَّما هو فسحةٌ للعبد في التكسب، ألا ترى: أنَّه لو جاء بالمنجم عليه قبل محله لوجب على السيد أن يأخذه ويتعجل المكاتب عتقه؟ !\nوالمكاتبة: مفاعلةٌ مِمَّا لا يكون إلا بين اثنين؛ لأنها معاقدة بين السيد وعبده. يقال: كاتب يكاتب، كتابًا، وكتابةً، ومكاتبة. كما يقال: قاتل، قتالًا، ومقاتلة. فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبتَغُونَ الكِتَابَ﴾؛ يعني به: المكاتبة. وهي عند جمهور العلماء مستحبة؛ لأن الله سبحانه أمر بها، وجعلها طريقًا\n_________\n(١) أي: ألا تكسب بفرجها.","vol":"4","page":318},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nلتخليص الرقاب من الرِّق، والأمر بها على جهة الندب عند الجمهور خلافًا لعطاء، وعكرمة، وأهل الظاهر، تمسُّكا بأن ظاهر الأمر المطلق: الوجوب، لكن الجمهور وإن سلموا ذلك الأصل الكلِّي، لكنهم قالوا: لا يصحُّ حمل هذا الأمر على الوجوب لأمور:\nأحدها: أنَّه ظاهرٌ تُخالِفُه الأصول، فيُترك لها، وذلك: أن الإجماع منعقدٌ على أن السيد لا يجبر على بيع عبده، وإن ضُوعف له في الثمن. وإذا كان كذلك كان أحرى وأولى ألا يخرج عن ملكه بغير عوض. لا يقال: الكتابة طريقٌ للعتق. والشَّرع قد تشوَّف للعتق، فخالف البيع. فلا يقاس عليه؛ لأنا نمنع أن يكون للشرع تشوُّف للعتق مطلقا بل في محل مخصوص. وهو: ما إذا ابتدأ عتق الشقص، وألزمه نفسه، فتشوّف الشرع لتكميل الباقي. ولو اعتبرنا مطلق تشوّف الشرع للعتق للزم عتق العبد إذا طلبه مجانًا، ولا قائل به.\nالثاني: أن رقبة العبد وكسبه ملك لسيده، فإذا قال العبد لسيده: خُذ كسبي وأعتقني. كان بمنزلة قوله: أعتقني بلا شيء، وذلك غير لازم. فالكتابة غير لازمة.\n(بريرة) بفتح الباء بواحدة من تحتها، وكسر الراء المهملة، على وزن فعيلة، من البِرِّ. ويحتمل أن تكون بمعنى: مفعولة؛ أي: مبرورة، كأكيلة السبع؛ أي: مأكولة. ويحتمل أن تكون بمعنى: فاعلة؛ كرحيمة بمعنى: راحمة.\nوظاهر قولها: (إن أهلي كاتبوني على تسع أواق): أن الكتابة قد كانت انعقدت، وصحَّت. وأن ذلك ليس بمراوضة على الكتابة. وعند هذا يكون مع ما وقع من شراء عائشة لها بإذن النبي ﷺ ظاهرًا في جواز فسخ الكتابة، وبيع المكاتب للعتق، كما قد صار إليه طائفة من أهل العلم. وأما من لم يجز ذلك، وهم الجمهور، فأشكل عليهم الحديث، وتحزّبوا في تأويله؛ فمنهم من قال: إن","vol":"4","page":319},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالكتابة المذكورة لم تكن انعقدت، وإن قولها: (كاتبت أهلي) معناه: أنها راوضتهم عليها. وقدروا مبلغها وأجلها، ولم يعقدوها. وقد بيَّنَّا: أن الظاهر خلافه. بل إذا تُؤمِّل مساقُ الحديث (١) مع قولها: (فأعينيني) وجواب عائشة؛ قطع بأنها قد كانت عقدتها، وأن هذا التأويل فاسد.\nومنهم من قال: إن المبيع الكتابة، لا الرقبة. وهذا فاسدٌ (٢)؛ لأن من أجاز بيع الكتابة لم يجعل بيع الولاء لمشتري الكتابة، بل لعاقدها.\nوأشبه ما قيل في ذلك: أن بريرة عجزت عن الأداء، فاتفقت هي وأهلها على فسخ الكتابة. وحينئذ صحَّ البيع، إلا أن هذا إنما يتمشى على قول من يقول: إن تعجيز المكاتب غير مفتقر إلى حكم حاكم إذا اتفق السيد والعبد عليه؛ لأن الحق لا يعدوهما، وهو المذهب المعروف. وقال سحنون: لا بدَّ من السلطان. وهذا: إنما خاف أن يتواطآ على ترك حق الله تعالى. وهذه التهمة فيها بَعُدَ، فلا يلتفت إليها. ويدلُّ على أنها عجزت: ما وقع في الأصل من رواية ابن شهاب، حيث قال: إن بريرة جاءت عائشة تستعينها في كتابتها، ولم تكن قضت من كتابتها شيئًا، فقالت لها عائشة: ارجعي إلى أهلك؛ فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك فعلت (٣). فظاهر هذا: أن جميع كتابتها أو بعضها استحقت عليها؛ لأنه لا يقضى من الحقوق إلا ما وجبت المطالبة به، والله أعلم.\nالولاء: نسبةٌ ثابتةٌ بين المعتِق والمعتَق، تشبه النسب، وليس منه. ولذلك قال ﷺ: (الولاء لحمة كلحمة النسب) (٤). ووجه ذلك ما قد نبهنا عليه فيما تقدَّم.\n_________\n(١) في (م): اللفظ.\n(٢) ما بين حاصرتين سقط من (م).\n(٣) انظر: صحيح مسلم (١٥٠٤/ ٦).\n(٤) رواه الحاكم (٤/ ٣٤١)، والبيهقي (١٠/ ٢٩٢)، وابن حبان (٤٩٥٠).","vol":"4","page":320},{"text":"إِن شَاءَ أَهلُكِ أَن أَعُدَّهَا لَهُم عَدَّةً وَاحِدَةً، وَأُعتِقَكِ وَيَكُونَ الوَلَاءُ لِي، فَعَلتُ فَذَكَرَت ذَلِكَ لِأَهلِهَا، فَأَبَوا إِلَّا أَن يَكُونَ الوَلَاءُ لَهُم، فَأَتَتنِي فَذَكَرَت\nــ\nولبابه: أن العبد في حكم المفقود لنفسه، والمُعتِق يُصَيِّره موجودًا لنفسه، فأشبه حال الولد مع الوالد. ولهذا أشار النبي ﷺ بقوله: (لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه، فيعتقه) (١). فإذا ثبتت هذه النسبة ترتب عليها من الأحكام الشرعية ما يترتب على النَّسب، لكنه متأخر عنه، فمهما وُجد نسب كان هو المتقدِّم على الولاء.\nثم إن الأحكام لا تثبت بينهما من الطرفين، بل من طرف المعتق؛ لأنه المنعم بالعتق، والمُعتَق مُنعَم عليه، فلا جرم: يَرِثُ المعتِق المعتَق، ولا ينعكس اتفاقًا فيما أعلم. وعلى هذا: فيلي المعتق على بنات مُعتَقِه، ولا ينعكس في المشهور الصحيح. وقيل: ينعكس.\nو(قولها: إن أهلي كاتبوني على تسع أواق في تسع سنين) هكذا صحَّ في رواية هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. وقد ذكر البخاري تعليقًا من حديث يونس، عن ابن شهاب، عن عروة: قالت عائشة: (إن بريرة دخلت عليها تستعينها في كتابتها، وعليها خمس أواق نُجِّمت عليها في خمس سنين) (٢). وظاهره تعارض، غير أن حديث هشام أولى؛ لاتصاله وانقطاع حديث يونس؛ ولأن هشامًا أثبت في حديث أبيه وجدَّته من غيره. ويحتمل أن تكون هذه الخمس الأواقي هي التي استُحِقَّت عليها بحلول نجومها من جملة التسع الأواقي المذكورة في حديث هشام. وقد بيَّنَّا فيما تقدَّم مقدار الأوقية.\nو(قول عائشة لبريرة في حديث هشام: إن شاء أهلك أن أَعُدَّها لهم عَدَّةً واحدةَ، وأُعتِقَك، ويكون ولاؤكِ لِي فَعَلتُ). وفي حديث يونس عن ابن شهاب:\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٢٣٠)، ومسلم (١٥١٠)، وأبو داود (٥١٣٧)، والترمذي (١٩٠٦)، وابن ماجه (٣٦٥٩).\n(٢) رواه البخاري (٢٥٦٠).","vol":"4","page":321},{"text":"ذَلِكَ قَالَت: فَانتَهَرتُهَا فَقَالَت: لَا هَا اللَّهِ إِذن قَالَت فَسَمِعَ\nــ\nأنها قالت لها: (أرأيت إن عددت لهم عدَّة واحدة، أيبيعك أهلك فأعتِقَكِ، ويكون ولاؤكِ لِي) (١) ليس بتعارض بين الروايتين، وإنما هو نقل بالمعنى على عادتهم الأكثرية في ذلك. وفيه دليل على صحَّة ما قلناه: أنها إنما اشترتها للعتق مع إمكان أن يكون ذلك عند عجزها عن أداء ما تَعَيَّن عليها من الكتابة.\nو(قول عائشة: فانتهرتها) يعني: أنها عظم عليها أن تشتريها بمالها لتعتقها، ثم يكون ولاؤها لمن باعها، وأخذ ثمنها. فبأي طريق يستحق الولاء، ولا طريق له يستحقه به!\nثم وقع بعد قول عائشة: (فانتهرتها) فقالت: (لا ها الله إذًا). كذا لأكثر الرواة: (فقالت) وظاهره: أن هذا قول بريرة أجابت به عائشة لما انتهرتها مستلطفة لها، ومُسكّنة. فكأنها قالت: فإذا كان ذلك، يعني: موجدة عائشة. فلا أستعينك على شيء. ويحتمل أن يكون الراوي أخبر به عن عائشة، ويؤيده ما قد وقع في بعض النسخ: (فقلت) مكان (قالت) وعلى هذا: فيكون من قول عائشة، ويكون معناه: أن أهل بريرة لما أبوا إلا اشتراط الولاء لهم امتنعت من الشراء والعتق؛ لأجل الشرط، وأقسمت على ذلك بقولها: (لا ها الله إذًا). والرواية المشهورة في هذا اللفظ: (هاء) بالمد والهمز، و(إذًا) بالهمز والتنوين، التي هي حرف جواب. وقد قيّده العذري، والهوزني بقصرها، وبإسقاط الألف من (إذًا) فيكون: (ذا). واستصوب ذلك جماعة من العلماء، منهم: القاضي إسماعيل، والمازري، وغيرهما. قالوا: وغيره خطأ. قالوا: ومعناه: ذا يميني. وصوَّب أبو زيد وغيره المدّ والقصر. قال: و(ذا) صلة في الكلام. وليس في كلامهم: (لا ها الله إذًا). وفي البارع (٢): قال أبو حاتم: يقال: (لا ها الله ذا) في القسم،\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٥٦٠).\n(٢) \"البارع في غريب الحديث\" للشيخ أبي علي إسماعيل بن القاسم اللغوي القالي (توفي سنة ٣٥٦ هـ).","vol":"4","page":322},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوالعرب تقوله بالهمز، والقياس تَركُه. والمعنى: لا والله، هذا ما أقسم به. فأدخل اسم الله بين (ها) و(ذا). انتهى كلامهم.\nقلت: ويظهر لي: أن الرواية المشهورة صوابٌ، وليست بخطأ. ووجه ذلك: أن هذا الكلام قسم على جواب إحداهما للأخرى على ما قررناه آنفًا. والهاء هنا: هي التي يعوَّض بها عن تاء القسم، فإن العرب تقول: آلله لأفعلنَّ - ممدودة الهمزة، ومقصورتها -، ثم إنهم عوَّضوا من الهمزة (هاء) فقالوا: ها الله؛ لتقارب مخرجيهما، كما قد أبدلوها منها في قولهم:\nألا يا سَنَا بَرقٍ على قللِ الحِمَى ... لِهَنَّك مِن بَرقٍ عليَّ كريم\nوقالوا: فهيَّاك والأمر فهياك والأمر الذي إن توسعت موارده ضاقت عليك مصادره (١) ولَمَّا كانت الهاءُ بدلًا من الهمزة، وفيها المدُّ والقصر، فالهاء تمدُّ وتقصر، كما قد حكاها أبو زيد. وتحقيقه أن الذي مدَّ مع الهاء كأنَّه نطق بهمزتين أبدل من إحداهما ألفًا استثقالًا لاجتماعهما، كما تقول: آلله. والذي قصر كأنَّه نطق بهمزةٍ واحدةٍ، فلم يحتج إلى المدِّ، كما تقول: الله.\nوأما (إذا) فهي بلا شك حرف جواب، وتعليل. وهي مثل التي وقعت في قوله ﷺ وقد سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: (أينقص الرطب إذا يبس؟) (٢) فقالوا: نعم. قال: (فلا إذًا) (٣). فلو قال: فلا والله إذًا، لكان مساويًا لهذه من كل وجهٍ، لكنَّه لم يحتج إلى القسم، فلم يذكره. وقد بيَّنَّا تقدير المعنى، ومناسبته، واستقامته معنى ووضعًا\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (م).\n(٢) في (م): جفَّ.\n(٣) رواه أحمد (٢/ ١٧٥)، وأبو داود (٣٣٥٩)، والترمذي (١٢٢٥)، والنسائي (٧/ ٢٦٩)، وابن ماجه (٢٢٤٦).","vol":"4","page":323},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَسَأَلَنِي فَأَخبَرتُهُ فَقَالَ: اشتَرِيهَا، وَأَعتِقِيهَا، وَاشتَرِطِي لَهُم الوَلَاءَ فَإِنَّ الوَلَاءَ لِمَن أَعتَقَ فَفَعَلتُ. قَالَت: ثُمَّ خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشِيَّةً فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثنَى عَلَيهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعدُ فَمَا بَالُ أَقوَامٍ يَشتَرِطُونَ\nــ\nمن غير حاجة إلى ما تكلُّفه من سبقت حكاية كلامه من النحويين من التقدير البعيد المخرج للكلام عن البلاغة (١). وأبعدُ من هذا كلِّه وأفسد: أن جعلوا (الهاء) للتنبيه و(ذا) للإشارة، وفصلوا بينهما بالمقسم به. وهذا ليس قياسًا فيطرد، ولا فصيحًا فيحمل عليه كلام رسول الله ﷺ ولا مرويًا برواية ثابتة. وما وجد للعذري من ذلك فإصلاح منه، أو من غيره، ممن اغترّ بما حكي عمَّن سبق ذكرهم من اللغويين. والحق أول مطلوب. والتمسُّك بالقياس المنقول أجل مصحوب. والصحيح رواية المحدثين والله خير معين.\nوقول أبي زيد: ليس في كلامهم: (لا ها الله إذًا) شهادةٌ على نفي فلا تسمع. ثَمَّ تعارضه بنقل أبي حاتم: أنه يقال: (لا ها الله) (٢) وليس كل ما يقتضيه القياس نوعًا يجب وجودُ جميع أشخاصه وضعًا.\nو(قولها: فقال رسول الله ﷺ: (اشتريها، وأعتقيها، واشترطي لهم الولاء) هذه اللفظة التي هي: (واشترطي لهم الولاء) لفظة انفرد بها هشام. والرواة كلهم لا يذكرونها. وهي مشكلة. ووجه إشكالها: أن ظاهره: أنه أمرها باشتراط ما لا يجوز، ولا يصحّ، ولا يلزم لمن لا يعلم ذلك ليتم البيع، وذلك حَمل على ما لا يجوز، وغشٌّ، وغرر لمن لا يعلم ذلك. وكل ذلك محال على النبي ﷺ. ولَمَّا وقع هذا الإشكال العظيم تحزَّب العلماء في التخلص منه أحزابًا. فمنهم من أنكر هذه الرواية عن هشام من حيث انفرد بها عن الحفاظ. وهو: يحيى بن أكثم. والجمهور على القول بصحَّة الحديث؛ لأن هشامًا ثقة، حافظ، إمام. ثم قد روى هذا الحديث الأئمة منه، وقبلوه، كمالك وغيره مع تَحَّرزهم، ونقدهم، وعلمهم\n_________\n(١) في (ج ٢): المبالغة.\n(٢) ما بين حاصرتين سقط من (م). وجملة: (فهَيَّاك والأمرَ) الثانية سقطت من (ج ٢).","vol":"4","page":324},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nبما يُقبَلُ وبما يُرَدُّ، وخصوصًا أمير المؤمنين بالحديث مالك بن أنس (١). فقد أخذه عنه، ورواه عُمُرَه لجماهير الناس، ولا إنكار منه، ولا نكير عليه. فصار الحديث مُجمَعًا على صحته. ولَمَّا ثبت ذلك رام العلماء القابلون للحديث التخلُّص من ذلك الإشكال بإبداء تأويلاتٍ، أقربها أربعة:\nالأول: أن قوله: (واشترطي لهم) أي: عليهم. كما قال تعالى: ﴿إِن أَحسَنتُم أَحسَنتُم لأَنفُسِكُم وَإِن أَسَأتُم فَلَهَا﴾؛ أي: عليها. ومنه قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعنَةُ﴾؛ أي: عليهم.\nالثاني: أن قوله: (اشترطي) لم يكن على جهة الإباحة، لكن على جهة التنبيه على أن ذلك الشرط لا ينفعهم، فوجوده وعدمه سواء. فكأنه يقول: اشترطي أو لا تشترطي فذلك لا يفيدهم. وقد قوَّى هذا الوجه ما جاء من رواية أيمن المكي عن عائشة: (اشتريها ودعيهم يشترطون) (٢).\nالثالث: أن النبي ﷺ قد كان أعلم بأن اشتراط البائع الولاء باطل، واشتهر ذلك، بحيث لا يخفى على هؤلاء، فلمَّا أرادوا أن يشترطوا لما علموا بطلانه أطلق صيغة الأمر مريدًا بها التهديد على مآل الحال، كما قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُم وَرَسُولُهُ﴾ فكأنه يقول: اشترطي لهم، فسيعلمون: أن ذلك لا يفيد. ويؤيِّده قوله ﷺ حين خطبهم: (ما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟ ! من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق) (٣). فتوبيخهم بمثل هذا القول يدلُّ على أنه كان\n_________\n(١) انظر الموطأ (٢/ ٧٨٠).\n(٢) رواه البخاري (٢٥٦٥) بلفظ: \"اشتريها وأعتقيها ودعيهم يشترطوا ما شاؤوا\".\n(٣) انظره في أحاديث الباب.","vol":"4","page":325},{"text":"شُرُوطًا لَيسَت فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ مَا كَانَ مِن شَرطٍ لَيسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ،\nــ\nقد تقدَّم بيانه لحكم الله تعالى بإبطاله، إذ لو لم يتقدَّم بيان ذلك لبدأ الآن ببيان الحكم لا بتوبيخ الفاعل، لأنه باق على البراءة الأصلية. وهذه التأويلات الثلاث لعلمائنا.\nالرابع: ما قاله الطحاوي: أن الشافعي روى هذه اللفظة عن مالك عن هشام بن عروة بإسناده، ولفظه، وقال فيها: (واشرطي لهم الولاء) - بغير تاء -، وقال: معناه: أظهري لهم حكم الولاء؛ لأن الإشراط هو: الإظهار في كلام العرب. قال أوس بن حُجر:\nفأشرط فيها نفسه وهو معلم ... وألقى بأسباب له وتوكلًا\nيعني: أظهر نفسه لما حاول أن يفعل.\nقلت: وهذه الرواية مما انفرد بها الشافعي عن مالك، والجمهور من الأئمة الحفاظ على ما تقدم من ذلك.\nو(قوله: من شرط شرطًا ليس في كتاب الله، فهو باطل) أي: ليس مشروعًا في كتاب الله لا تأصيلًا ولا تفصيلًا. ومعنى هذا: أن من الأحكام والشروط ما يوجد تفصيلها في كتاب الله تعالى؛ كالوضوء، وكونه شرطًا في صحة الصلاة. ومنها: ما يوجد فيه أصله، كالصلاة، والزكاة، فإنهما فيه مجملتان. ومنها: ما أصل أصله. وهو كدلالة الكتاب على أصلية السُّنة والإجماع والقياس. فكل ما يقتبس من هذه الأصول تفصيلًا فهو مأخوذ من كتاب الله تأصيلًا، كما قد بيَّناه في أصول الفقه.\nوعلى هذا فمعنى الحديث: أن ما كان من الشروط مما لم يدل على صحته","vol":"4","page":326},{"text":"وَإِن كَانَ مِائَةَ شَرطٍ كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرطُ اللَّهِ أَوثَقُ، مَا بَالُ رِجَالٍ مِنكُم يَقُولُ أَحَدُهُم: أَعتِق فُلَانًا وَالوَلَاءُ لِي\nــ\nدليلٌ شرعيٌ كان باطلًا؛ أي: فاسدا مردّودًا. وهذا كما قاله ﷺ في الحديث الصحيح: (من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو ردٌّ) (١). وفي هذا من الفقه ما يدلُّ على أن العقود الشرعية إذا قارنها شرط فاسدٌ بطل ذلك الشرط خاصة، وصحَّ العقد. لكن هذا إنما يكون إذا كان ذلك الشرط خارجًا عن أركان العقد، الولاء في الكتابة، واشتراط السَّلف في البيع. فلو كان ذلك الشرط مخلًاّ بركن من أركان العقد، أو مقصودًا؛ فسخ العقد والشرط. وسيأتي لهذا مزيد بيان في حديث جابر، إن شاء الله تعالى.\nو(قوله: ولو كان مائة شرط) خرج مخرج التكثير؛ يعني: أن الشروط غير المشروعة باطلة ولو كثرت. ويفيد دليل خطابه: أن الشروط المشروعة صحيحة، كما قد نصَّ النبي ﷺ بقوله: (المؤمنون على شروطهم، إلا شرطًا أحل حرامًا، أو حرَّم حلالًا) (٢) خرَّجه الترمذي من حديث عمرو بن عوف، وقال: حديث حسن.\nو(قوله: كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق) أي: حكم الله. كما قال ﷺ في الحديث الآخر - لَمَّا قال له الخصم: اقض بيننا بكتاب الله تعالى- فقال: (لأقضين بينكما بكتاب الله) (٣) ثم قضى على الزاني البكر بالجلد والتغريب، وعلى الزانية بالرجم. وليس التغريب والرجم موجودين في كتاب الله تعالى. لكن في حكم الله المسمَّى بالسُّنة، وكذلك اختصاص الولاء بالمعتق ليس موجودًا في كتاب الله، لكن في حكم الله به على لسان رسوله ﷺ مما يسمَّى سُنَّة.\n_________\n(١) رواه أحمد (٦/ ٢٤٠)، والبخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨/ ١٧).\n(٢) رواه الترمذي (١٣٥٢).\n(٣) رواه البخاري (٧٢٧٨)، ومسلم (١٦٩٧) و(١٦٩٨).","vol":"4","page":327},{"text":"إِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَن أَعتَقَ؟ !\nرواه أحمد (٦/ ٨١ - ٨٢)، والبخاري (٢١٥٥)، ومسلم (١٥٠٤) (٨ و٩)، وأبو داود (٢٢٣٣)، والترمذي (١١٥٤)، والنسائي (٦/ ١٦٤ - ١٦٥)، وابن ماجه (٢٥٢١).\n* * *\nــ\nو(قوله: إنما الولاء لمن أعتق) هذا حصر للولاء على من باشر العتق بنفسه من كان من رجل أو امرأة ممن يصح منه العتق، ويستقل بتنفيذه. وقوة هذا الكلام قوة النفي والإيجاب. فكأنه قال: لا ولاء إلا لمن أعتق. وإيَّاه عنى النبي ﷺ بقوله: (شرط الله أوثق) في أصحِّ الأقوال وأحسنها. وقال الداودي: هو قوله تعالى: ﴿فَإِخوَانُكُم فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُم﴾، ﴿وَإِذ تَقُولُ لِلَّذِي أَنعَمَ اللَّهُ عَلَيهِ وَأَنعَمتَ عَلَيهِ﴾ وقال: ﴿وَلا تَأكُلُوا أَموَالَكُم بَينَكُم بِالبَاطِلِ﴾ وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾\nوهو حجة على أبي حنيفة وأصحابه القائلين: بأن من أسلم على يديه رجل فولاؤه له. وبه قال الليث، وربيعة، وعلي وإسحاق في حكمه بثبوت الولاء بالالتقاط. وعلى أبي حنيفة في حكمه بثبوت الولاء بالموالاة. ولمن قال: إن من أعتق عبده عن غيره أو عن المسلمين إن ولاءه له أعني للمعتق. وإليه ذهب ابن نافع فيمن أعتق عن المسلمين. ويلزمه فيمن أعتق عن غيره مطلقا. وخالفه في ذلك مالك، والجمهور، متمسكين بأن مقصود الحديث بيان حكم من أعتق عن نفسه بدليل اتفاق المسلمين: على أن الوكيل عن العتق معتق. ومع ذلك فالولاء للمعتق عنه إجماعًا، فكذلك حكم من أعتق عن الغير، وتقدره الشافعية أنه مَلَكَه ثم ناب عنه في العِتق. وأما أصحابنا فإنهم قالوا: لا يحتاج إلى تقدير ذلك؛ لأنه يصح العتق عن الميت، وهو لا يملك. وفيه نظر، فإنه إن لم يُقَدَّر الملك لزم منه هبة الولاء. وقد النبي ﷺ عن بيع الولاء، وعن هبته. وإن قُدَّر الملك لم يصح العتق عن","vol":"4","page":328},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالميت؛ لأنه لا يملك. ويُتَخَلَّص عن هذا الإشكال ببحث طويل لا يليق بما نحن بصدده.\nومسائل هذا الباب وفروعه كثيرة، لكن نذكر منها ما لها تعلُّق قريب بالحديث الذي ذكرناه، وهي ثماني مسائل:\nالأولى: جواز كتابة من لا مال له ولا صنعة. فإن بريرة كانت كذلك. وإليه ذهب مالك، والشافعي، والثوري، غير أن مالكا في المشهور كره كتابة الأنثى؛ التي لا صنعة لها. وكرهها أيضًا الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق. وروي مثله عن ابن عمر.\nوهذا كلُّه يدل على أن (الخير) في قوله تعالى: ﴿إِن عَلِمتُم فِيهِم خَيرًا﴾ لم يرد به المال، بل: الدين، والأمانة، والقوة على الكسب. وقد ذهب قوم إلى أنه المال، فمنعوا ما أجازه المتقدمون، والحديث حجة عليهم.\nالثانية: إن المكاتب عبدٌ ما بقي عليه شيء من الكتابة. وهو قول عامَّة العلماء، وفقهاء الأمصار. وحكي عن بعض السلف: إنه بنفس عقد الكتابة حرٌّ، وهو غريم بالكتابة، ولا يرجع إلى الرِّق أبدًا. وحكي عن علي بن أبي طالب ﵁: إنه إن عجز عتق منه بقدر ما أدَّى. وحكي عن عمر، وابن مسعود، وشريح: إنه إذا أدَّى الثلث من كتابته، فهو حرٌّ وغريم بالباقي. وعن بعض السَّلف: الشَّطر. وعن عطاء: مثله؛ إذا أدَّى الثلاثة الأرباع. وقد روي عن ابن مسعود، وشريح مثله؛ إذا أدَّى قيمته. وأضعف هذه الأقوال قول من قال: بعقد الكتابة يكون حرًّا، وغريِمًا بالكتابة، فإن حديث بريرة هذا يردُّه، وكذلك كتابة سلمان، وجويرية؛ فإن النبي ﷺ حكم لجميعهم بالرِّق حتى ودُّوا (١) الكتابة.\nوهذه الأحاديث أيضًا حجة للجمهور على أنَّ المكاتَب على حكم الرِّق ما بقي عليه\n_________\n(١) وَدَوْا: أعطوا.","vol":"4","page":329},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nشيء منها؛ مع ما رواه النسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: (المكاتب عبدٌ ما بقي عليه من كتابته درهم) (١). وقد روى نحوه النسائي أيضًا من حديث عطاء الخراساني، عن عبد الله بن عمر (٢).\nوالصحيح موقوف على ابن عمر. وقد رُوي مثله عن عمر، وزيد بن ثابت، وعائشة، وأم سلمة. ومثل هذا لا يقوله الصحابي من رأيه، فهو إذًا مرفوع.\nوأما أقوال السلف؛ فأشبه ما فيها قول علي بن أبي طالب ﵁ ويشهد له ما خرَّجه النسائي أيضًا عن ابن عباس، وعلي ﵃، عن رسول الله ﷺ؛ أنه قال: (المكاتب يعتق منه بقدر ما أدَّى، ويقام عليه الحد بقدر ما وَدَى (٣)، ويرث بقدر ما عتق منه). وإسناده صحيح. ويعتضد بما رواه الترمذي عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ: (إذا كان عند مكاتب إحداكن ما يؤدِّي فلتحتجب منه) (٤). قال: حديث حسن صحيح.\nقلت: وظاهره أنَّ هذا خطاب مع زوجاته؛ أخذًا بالاحتياط، والورع في حقهنَّ، كما قال لسودة: (احتجبي منه) (٥). مع أنه قد حكم بأخوتها له، وبقوله لعائشة وحفصة: (أفعمياوان أنتما؟ ! ألستما تبصرانه؟) يعني: ابن أم مكتوم، مع أنه قد قال لفاطمة بنت قيس: (اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى، تضعين ثيابك عنده).\nالثالثة: حديث بريرة - على اختلاف طرقه، وألفاظه - يتضمن: أن بريرة وقع\n_________\n(١) رواه النسائي في الكبرى (٥٠٢٦).\n(٢) رواه النسائي في الكبرى (٥٠٢٧).\n(٣) رواه النسائي في الكبرى (٧٠١٤).\n(٤) رواه الترمذي (١٢٦١).\n(٥) رواه البخاري (٧١٨٢)، ومسلم (١٤٥٧)، وأبو داود (٢٢٧٣).","vol":"4","page":330},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفيها بيع بعد كتابة تقدَّمت، فاختلف الناس في بيع المكاتب بسبب ذلك. فمنهم من أجازه إذا رضي المكاتب بالبيع، ولو لم يكن عاجزا. وهو الذي ارتضاه أبو عمر بن عبد البرّ. وبه قال ابن شهاب، وأبو الزناد، وربيعة. غير أنهم قالوا: لأن رضاه بالبيع عجز منه.\nومنهم من قال: يجوز بيعه على أن يمضي في كتابته؛ فإن أدَّى عتق، وكان ولاؤه للذي ابتاعه. ولو عجز فهو عبدٌ له. وبه قال النخعي، وعطاء، والليث، وأحمد، وأبو ثور.\nومنهم من منع بيع المكاتب إلا أن يعجز. وبه قال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابهم. وأجاز (١) مالك بيع الكتابة، فإن أدَّاها عتق، وإلا كان رقيقًا لمشتري الكتابة. ومنع ذلك أبو حنيفة لأنه بيع غرر. واختلف قول الشافعي في ذلك بالمنع والإجازة. وكل هذا الخلاف سببه اختلاف فُهومهم في حديث بريرة وقواعد الشريعة، وقد قدمنا: أن الأظهر من الحديث جواز بيع المكاتب للمعتق، وهو أحسنها؛ لأنه الأظهر من الحديث، والأنسب لقواعد الشرع؛ لأن الكتابة عقد عتق على شرط عمل أو مال، وقد يحصل ذلك أو لا يحصل. وبيعه للعتق إسقاط لذلك الشرط، وتنجيز للعتق. والله أعلم.\nوالولاء للمشتري؛ لأن عقد الكتابة قد انفسخ.\nالمسألة الرابعة: اتفق المسلمون على أن المكاتب إذا حلَّ عليه نجم (٢) أو أكثر، فلم يطالبه سيده بذلك، وتركه على حاله؛ أن الكتابة لا تنفسخ ما داما على ذلك. واختلفوا فيما إذا كان العبد قويًا على السعي والأداء. فقال مالك: ليس له تعجيز نفسه إذا كان له مال ظاهر، وإن لم يظهر له مال كان له ذلك. وقال الأوزاعي: لا يُمَكَّن من تعجيز نفسه إذا كان قويًّا على الأداء. وقال الشافعي: له أن يعجز نفسه؛ علم له مال أو قوة، أو لم يعلم. وإذا قال: قد عجزت، وأبطلت الكتابة، فذلك إليه.\n_________\n(١) في (ج ٢): اختار.\n(٢) أي: القِسْط المترتب على المكاتب حسب ما ينصّ عليه عقد المكاتبة.","vol":"4","page":331},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nقلت: والصحيح: أن الكتابة لا سبيل إلى إبطال حكمها ما أمكن ذلك؛ لأنها إما أن تكون عقدًا بين السيد وعبده، وقد أمر الله تعالى بالوفاء بالعقود (١)، وإما وعدًا بالعتق وعهدًا، فقد قال الله تعالى: ﴿وَأَوفُوا بِالعَهدِ إِنَّ العَهدَ كَانَ مَسئُولا﴾ وإما عتقًا على شرط يمكن تحصيله؛ فيجب الوفاء به؛ لقوله ﷺ: (المؤمنون على شروطهم) (٢) ولأنه لو علَّق عتقه على أجل يأتي، أو على أمرٍ يحصل لزمه العقد، وحصل العتق عند حصول ذلك الشرط، فكذلك عقد الكتابة. ويستثنى من هذا بيعه للعتق، كما بيَّناه. وإذا كان كذلك، فلا يقبل من السيد، ولا من العبد دعوى العجز حتى يتبين بالطرق المعتبرة في ذلك.\nالمسألة الخامسة: إذا عجز العبد وكان السيد قبض منه بعض نجوم الكتابة حلَّ ذلك للسيد، سواء كان ذلك من صدقة على المكاتب أو غيرها، ولا رجوع للمكاتب بذلك، ولا لمن أعطاه على وجه فكاك الرقبة. هذا قول الشافعي، وأبي حنيفة، وأصحابهما، وأحمد بن حنبل، ورواية عن شريح، ومالك، غير أنه قال: إن ما أُعني به - على جهة فك رقبته -: لا يحل للسيد، ويرد على ربه. وقال إسحاق: ما أعطي بحال الكتابة ردَّ على أربابه (٣). وقال الثوري: يجعل السيد ما أعطاه في الرقاب. وهو قول مسروق، والنخعي، ورواية عن شريح.\nقلت: وما قاله مالك ظاهر، لا إشكال فيه.\nالمسألة السادسة: فيه دليل على أن بيع الأمة ذات الزوج لا يوجب طلاقها. وعليه فقهاء الأمصار. وقد روي عن ابن عباس، وابن مسعود: أنه طلاق لها.\n_________\n(١) في هذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].\n(٢) رواه أبو داود (٣٥٩٤)، والترمذي (١٣٥٢).\n(٣) ما بين حاصرتين سقط من (م).","vol":"4","page":332},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوالعجب من ابن عباس أنه أحد رواة حديث بريرة، ومع ذلك: لم يقل بما روى من ذلك.\nالمسألة السابعة: الولاء - وإن لم يوهب ولم يبع- يصح فيه الجرُّ في صورتين:\nإحداهما: وهي التي قال فيها مالك: الأمر المجمع عليه عندنا في ولد العبد من امرأة حُرَّة، ووالد العبد حر: أن الجدَّ - أبا العبد - يجرُّ ولاءَ ولد ابنه الأحرار من امرأةٍ حرَّة، ويرثهم ما دام أبوهم عبدًا، فإن أعتِقَ أبوهم رجع الولاء إلى مواليه، وإن مات وهو عبد كان الولاء والميراث للجد.\nوأما الصورة الثانية: فاختلف أهل العلم في انتقال الولاء الذي قد ثبت لموالي الأمة المعتقة في بنيها من الزوج العبد إن أعتق. فروي عن جماعة من العلماء: أن ولاءهم لموالي أمهم (١)، ولا يجره الأب إن أُعتق. وروي ذلك عن عمر، وعطاء، وعكرمة بن خالد ومجاهد، وابن شهاب وقبيصة بن ذؤيب، وقضى به عبد الملك بن مروان في آخر خلافته، لما بلغه قضاء عمر به، وكان قبلُ يقضي بقضاء مروان: أن الولاء يعود إلى موالي أبيهم، وبهذا القول قال مالك، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.\nالمسألة الثامنة: ولاء السائبة - وهو: الذي بقول له معتقه: أنت عتيق سائبة، أو أنت مسيب، أو ما أشبهه -: للمسلمين عند مالك، وجُلّ أصحابه. لا للذي أعتقه. وليس للمعتق أن يوالي من شاء. وبه قال عمر بن عبد العزيز، وروي عن عمر.\nوقال ابن شهاب، ويحيى بن سعيد، والأوزاعي، والليث: له أن يوالي من شاء،\n_________\n(١) في (ع): الأمة.","vol":"4","page":333},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-583>(٣) باب كان في بريرة ثلاث سنن</span>\n[١٥٧٢] عَن عَائِشَةَ قَالَت: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ قَضِيَّاتٍ أَرَادَ أَهلُهَا أَن يَبِيعُوهَا، وَيَشتَرِطُوا وَلَاءَهَا، فَذَكَرتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: اشتَرِيهَا، وَأَعتِقِيهَا فَإِنَّ الوَلَاءَ لِمَن أَعتَقَ قَالَت: وَعَتَقَت فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاختَارَت نَفسَهَا\nــ\nوإلا فللمسلمين. وكان الشعبي وإبراهيم يقولان: لا بأس ببيع ولاء السائبة وهبته. وقال أبو حنيفة، والشافعي رحمهما الله تعالى وأصحابهما، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود: هو لمعتقه لا لغيره، ولا يوالي أحدًا (١).\n(٣) ومن باب: كان في بريرة ثلاث سنن\n(قول عائشة ﵂: كان في بريرة ثلاث قضيَّات) تعني به: أن هذه الثلاث هي أظهر ما في حديثها من القضايا والسُّنن، وإلا فقد تبيَّن: أن فيه من ذلك العدد الكثير، حتى قد بلغت سننه إلى مائةٍ أو أكثر. ويحتمل أن يكون تخصيصها هذه الثلاث بالذكر؛ لكونها أصولًا لما عداها مِمَّا تضمنه الحديث، أو لكونها أهم، والحاجة إليها أمسّ. والله تعالى أعلم.\nفإحدى القضيَّات الثلاث: عتقها. والثانية: تخييرها. والثالثة: أَكلُ النبي ﷺ مِمَّا تُصدِّقَ به عليها.\nو(قولها: وعتقت فخيرها رسول الله ﷺ فاختارت نفسها) هذه الرواية فيها إجمال وإطلاق. وقد زال إجمالها، وتقيَّد إطلاقها بالروايتين المذكورتين\n_________\n(١) المسألة السابعة والمسألة الثامنة، سقطتا من (م).","vol":"4","page":334},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nبعدها (١). فإن فيهما: أن بريرة كان لها زوج حين أعتقت، وأن زوجها كان عبدًا. ومقتضى هذا الحديث بقيوده مجمعٌ عليه؛ وهو: أن الأمة ذات الزوج العبد إذا أُعتِقت مخيرةٌ في الرِّضا بالبقاء مع زوجها أو مفارقته؛ لشرف الحرّية الذي حصل لها على زوجها، ولدفع مضرَّة المعرَّة اللاحقة لها بملك العبد لها. ولَمَّا كان هذا راجعًا لحقها، لا لحق الله تعالى: خيّرها الرسول ﷺ في أن تأخذ بحقها فتفارقه، أو تسقطه؛ فترضى بالمقام معه. وعلى هذا: فلو كان زوجها حرًّا لم يكن لها خيار للمساواة بينهما، ولنفي الضرر اللاحق بها. هذا مذهب جمهور العلماء. وقد شذَّ أبو حنيفة، فأثبت لها الخيار، وإن كان زوجها حرًّا؛ متمسِّكًا بما قال الحكم (٢): إن زوج بريرة كان حرًّا (٣)، وكذلك قال الأسود. وكلاهما لا يصح. قال البخاري: إن قول الحكم مرسل، وقول الأسود منقطع، قال: وقول ابن عباس: (كان عبدا) أصح. وكذلك رواه جماعة عن يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة: أنه كان عبدًا. وهو الصحيح عنها. وقد تمسَّك أيضًا أبو حنيفة بما تخيَّله من أن علَّة تخيير بريرة كونها كانت مجبورة على النكاح، فلما عتقت ملكت نفسها. وهو مطالب بدليل اعتبار هذه العلَّة. وقد يتمسَّكون في ذلك بزيادة في حديث بريرة غير ثابتة فيه، ولا مشهورة. وهي: أن النبي ﷺ قال لبريرة: (ملكت نفسك فاختاري) ولو سلمنا صحتها، لكن لا نسلم: أن الفاء هنا للتعليل، بل هي لمجرد العطف، سلمنا أنها ظاهرة فيه، لكن عندنا الإجماع على عدم اعتبار تلك العلَّة في ولاية الإجبار على الأصاغر. وذلك: أنهم يلزمهم ما عقد عليهم في حال صغرهم ذكرانًا كانوا أو إناثًا إذا زال حجرهم، واستقلوا بأنفسهم، ولا خيار يثبت بالإجماع.\n_________\n(١) في (ج): بعد.\n(٢) هو الحكم بن عتيبة.\n(٣) انظر: فتح الباري (١٢/ ٣٩).","vol":"4","page":335},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nلا يقال: بينهما فرق. وهو: أن جبر الأمة للرق (١)، وجبر الحرة للصغر؛ لأنا نقول: ذلك الفرق صوري، خلي عن المناسبة؛ إذ الكل ولاية إجبار، وقد ارتفع في الصورتين، فيلزم تساويهما في الخيار فيهما، أو في عدمه. والله تعالى أعلم.\nقلت: وقد خرَّج البخاري حديث بريرة هذا عن ابن عباس فقال فيه: إن زوج بريرة كان عبدًا، يقال له: مغيث، كأني أنظر إليه خلفها يطوف يبكي، ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي ﷺ: (لو راجعته) (٢) قالت: يا رسول الله! تأمرني؟ قال: (إنما أشفع). قالت: فلا حاجة (٣). وزاد عليه أبو داود: وأمرها أن تعتد. وزاد الدارقطني: عدة الحرَّة. وخرَّجه أبو داود (٤) من حديث عائشة فقال: إن بريرة عتقت وهي تحت مغيث - عبد لآل أبي أحمد - فخيرها رسول الله ﷺ وقال: (إن قَرُبَكِ فلا خيار لك) (٥).\nوهذه الطرق فيها أبواب من الفقه زيادة على ما ذكره مسلم.\nفمنها: جواز إظهار الرجل محبة زوجته. وجواز التذلل والرغبة والبكاء بسبب ذلك؛ إذ لم ينكر النبي ﷺ على مغيث شيئًا من ذلك، ولا نبَّهَهُ عليه.\nوفيه: جواز عرض الاستشفاع، والتلطف فيه، وتنزل الرجل الكبير للمشفوع عنده؛ وإن كان نازل القدر.\nوفيه ما يدلُّ على فقه بريرة حيث فرقت بين الأمر والاستشفاع، وأن أمر النبي ﷺ كان محمولًا عندهم على الوجوب، بحيث لا يُرَدُّ، ولا يُخَالَف.\n_________\n(١) في (م): للمِلْك.\n(٢) في الأصول: راجعتيه، وهي رواية ابن ماجه. قال الحافظ في الفتح (٩/ ٤٠٩): وهي لغة ضعيفة.\n(٣) رواه البخاري (٥٢٨٣)، وأبو داود (٢٢٣١ و٢٢٣٢)، والدارقطني (٢/ ١٥٤).\n(٤) ما بين حاصرتين ساقط من (ع) و(ل ١) و(ج ٢) وهو مستدرك من (م).\n(٥) رواه أبو داود (٢٢٣٣ و٢٢٣٥).","vol":"4","page":336},{"text":"قَالَت: وَكَانَ النَّاسُ يَتَصَدَّقُونَ عَلَيهَا وَتُهدِي لَنَا، فَذَكَرتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: هُوَ عَلَيهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لَكُم هَدِيَّةٌ فَكُلُوهُ.\nوفي رواية: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الوَلَاءُ لِمَن وَلِيَ النِّعمَةَ وَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ زَوجُهَا عَبدًا.\nرواه أحمد (٦/ ٤٥ - ٤٦)، ومسلم (١٥٠٤) (١٠) و(١١) و(١٣)، والنسائي (٦/ ١٦٢ - ١٦٣).\nــ\nوفيه: النصوص: على أن الزوج كان عبدًا.\nوفيه: ما يدلُّ على أن تمكين المخيرة من نفسها طائعة يُبطل خيارها.\nويفهم منه: أن كل من له الخيار في شيء فتصرف فيه تصرُّف المُلاك مختارًا، إنه قد أسقط خياره.\nوفيه: جواز تصريح المرأة بكراهة الزوج.\nوفيه: ما يدلُّ على أن نفس اختيارها لنفسها كافٍ في وقوع الطلاق؛ إذا لم تصرّح بلفظ طلاق، ولا غيره. لكن حالها دلَّ على ذلك، فاكتفي به، ووقع الطلاق عليها، وحينئذ أمرها أن تعتدَّ عدَّة الحرَّة.\nو(قولها: وكان الناس يتصدَّقون عليها، وتهدي لنا) يعني: أنها كانت معلومة الفقر، فكانت تُقصَد بالصدقات - واجبها، وتطوُّعها - وفي بعض ألفاظ هذا الحديث: (يهدون لها) ولا تناقض فيه، فإنها كانت يُفعل معها الوجهان: الصدقة، والهدية. وقد يجوز أن تُسمِّى الصدقة هدية، كما قد أطلق عليها ذلك (١) بعض الرواة فقال: (أهدي لها لحم) يعني به: تُصدِّق عليها، بدليل قوله ﷺ: (هو لها صدقة ولنا هدية).\nوقد اضطربت ألفاظ الرواة لهذا الحديث، فقال بعضهم: (أهدي لها لحم). وقال بعضهم: (تُصدِّق (٢) عليها بلحم بقر). وقال بعضهم: (قالت عائشة:\n_________\n(١) سقطت من (ل ١).\n(٢) في (ع): تصدقوا.","vol":"4","page":337},{"text":"[١٥٧٣] وعَنها قَالَت: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ خُيِّرَت عَلَى زَوجِهَا حِينَ عَتَقَت، وَأُهدِيَ لَهَا لَحمٌ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالبُرمَةُ عَلَى النَّارِ، فَدَعَا بِطَعَامٍ، فَأُتِيَ بِخُبزٍ وَأُدُمٍ مِن أُدُمِ البَيتِ، فَقَالَ: أَلَم أَرَ عَلَى النَّارِ بُرمَةً فِيهَا لَحمٌ؟ فَقَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَلِكَ لَحمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَكَرِهنَا أَن نُطعِمَكَ مِنهُ فَقَالَ: هُوَ عَلَيهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ مِنهَا لَنَا هَدِيَّةٌ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهَا: إِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَن أَعتَقَ.\nرواه البخاريُّ (٥٠٩٧)، ومسلم (١٥٠٤) (١٤)، والنسائي (٦/ ١٦٢).\n* * *\nــ\nتُصدِّق على مولاتي بشاة من الصدقة) (١). وقال بعضهم: (قالت عائشة: بعث النبي ﷺ إلى بريرة بشاة من الصدقة).\nقلت: وهذان اللفظان أنصُّ ما في الباب، فليعتمد عليهما. وقد استوفينا في كتاب الزكاة ما بقي في هذا الحديث، مِمَّا يحتاج إلى التنبيه عليه. وفيه أبواب من الفقه لا تخفى.\n* * *\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ج ٢).","vol":"4","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-584>(٤) باب النهي عن بيع الولاء وعن هبته وفي إثم من تولى غير مواليه</span>\n[١٥٧٤] عَن ابنِ عُمَرَ، أَنَّ النبي ﷺ نَهَى عَن بَيعِ الوَلَاءِ، وَعَن هِبَتِهِ.\nرواه أحمد (٢/ ٩)، والبخاريُّ (٦٧٥٦)، ومسلم (١٥٠٦)، والترمذيُّ (١٢٣٦)، وابن ماجه (٢٧٤٧).\nــ\n(٤) ومن باب: النهي عن بيع الولاء وهبته\nإنما لم يجز بيع الولاء، ولا هبته؛ للنهي عن ذلك، ولأنه أمرٌ وجوديٌّ لا يتأتَّى الانفكاك عنه كالنسب. ولذلك قال ﷺ: (الولاء لحمة كلحمة النسب) (١) فكما لا تنتقل الأبوة والجُدودة، كذلك لا ينتقل الولاء. وقد بينا وجه ذلك ومناسبته، غير أنه يصحُّ في الولاء جرُّ ما يترتب عليه الميراث. ومثاله: أن يتزوَّج عبدٌ مُعتَقَته، فيولد له منها ولد، فيكون حرًّا بحرِّية أُمِّه، ويكون ولاؤه لمواليها ما دام أبوه عبدًا، فلو أعتقه سيده عاد ولاؤه لمعتق أبيه بالاتفاق كما ذكرناه.\nوللولاء أحكامٌ خاصة ثبتت بالسُّنَّة:\nمنها: أنه لا يرث به إلا العصبات الذكور، ولا مدخل للنساء فيه إلا فيما أعتقن أو أعتق من أعتقن.\nومنها: أنه لا يورث إلا بالكبر. فلا يستحق البطن الثاني منه شيئًا ما بقي من البطن الأول شيء. وتفصيل ذلك في الفروع. وقد حكي عن بعض السلف: أن الولاء ينتقل. ولعلَّه إنما يعني به: الجرُّ. والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) رواه الشافعي (٢/ ٢٧ و٧٣)، والحاكم (٤/ ٣٤١)، وابن حبان (٤٩٥٠)، والبيهقي (١٠/ ٢٩٢).","vol":"4","page":339},{"text":"[١٥٧٥] وعن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ قال: كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى كُلِّ بَطنٍ عُقُولَهُ، ثُمَّ كَتَبَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَن يُتَوَالَى مَولَى رَجُلٍ مُسلِمٍ بِغَيرِ إِذنِهِ، ثُمَّ أُخبِرتُ أَنَّهُ لَعَنَ فِي صَحِيفَتِهِ مَن فَعَلَ ذَلِكَ.\nرواه مسلم (١٥٠٧).\nــ\nو(قوله: كتب على كل بطن عُقوله) أي: أثبت، وأوجب.\nوالبطن: دون القبيلة، والفخذ: دون البطن. والعُقول: يعني بها: الدِّيات. وذلك: أن النبي ﷺ لما هاجر إلى المدينة، واستقرَّ أمره فيها آخى بين المهاجرين والأنصار، وصالح من كان فيها من اليهود، وميز القبائل بعضها من بعض، وضم البطون بعضها إلى بعض فيما ينوبهم من الحقوق والغرامات، وكان بينهم دماء وديَّات بسبب الحروب العظيمة التي كانت بينهم قبل الإسلام، فرفع الله تعالى كل ذلك عنهم، وألَّف بين قلوبهم ببركة الإسلام، وبركة النبي ﷺ حتى صاروا كما قال تعالى: ﴿وَاذكُرُوا نِعمَتَ اللَّهِ عَلَيكُم إِذ كُنتُم أَعدَاءً فَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِكُم فَأَصبَحتُم بِنِعمَتِهِ إِخوَانًا﴾ الآية.\nو(قوله: لا يحل أن يتوالى مولى رجل مسلم بغير إذنه) هذا يقتضي: تحريم أن ينسب أحد مولى رجل لنفسه. وحديث أبي هريرة يقتضي: تحريم نسبة المولى لغير معتقه. وكلاهما محرم هنا، كما هو محرم في النَّسب. وقد سوَّى النبي ﷺ بينهما في الردع والوعيد، فقال: (من ادعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه، فالجنة عليه حرام) (١).\nو(قوله: بغير إذنه) وفي الحديث الآخر: (بغير إذنهم) يعني: بغير إذن\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٣٢٨)، وابن ماجه (٢٦٠٩)، وابن حبان (٤١٧).","vol":"4","page":340},{"text":"[١٥٧٦] وعَن أبي هريرة: عن النبي ﷺ قَالَ: مَن تَوَلَّى قَومًا بِغَيرِ إِذنِ مَوَالِيهِ فَعَلَيهِ لَعنَةُ اللَّهِ وَالمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجمَعِينَ لَا يَقبَلُ مِنهُ يَومَ القِيَامَةِ صَرف وَلَا عَدل.\nرواه مسلم (١٥٠٨)، وأبو داود (٥١١٤).\n* * *\nــ\nالسَّادة. ودليل خطابه يدلُّ على أن السيد إذا أذن في ذلك جاز، كما قد ذهب إليه بعض الناس، وليس بصحيح، والجمهور على منع ذلك؛ وإن أذن السيد؛ لأن السيد إن أذن في ذلك بعوض، فهو المبايعة للولاء المنهي عنها، أو ما في معناه. وإن كان بغير عوض؛ فهي هبة الولاء، وما في معناها، ولا يجوز واحد منهما وإنما جرى ذكر الإذن في هذين الحديثين؛ لأن أكثر ما يقع من ذلك، إنما يكون بغير إذن السَّادة، فلا دليل خطاب لمثل هذا اللفظ.\nوقد بيَّنا في أصول الفقه: أن ما يدلّ على جهة النطق مرجح على ما يدل على جهة المفهوم.\nوقد تقدَّم: أن اللعنة أصلها: الطرد والبعد. فلعنة الله تعالى هي: إبعاده للملعون عن رحمته، وإحلاله في وبيل عقوبته. ولعنة الملائكة والناس هي: دعاؤهم عليه بذلك وذمهم له وطرده عنهم. وقد تقدَّم القول على الصرف والعدل في الإيمان.\n* * *","vol":"4","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-585>(٥) باب ما جاء في فضل عتق الرِّقبة المؤمنة وفي عتق الوالد</span>\n[١٥٧٧] عَن أبي هريرة قال: سمعت رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يقَولَ: مَن أَعتَقَ رَقَبَةً مؤمنة أَعتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضوٍ مِنه عُضوًا مِن النَّارِ حَتَّى فَرجَهُ بِفَرجِهِ.\nــ\n(٥) ومن باب: فضل عتق الرِّقاب\n(قوله ﷺ: (من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منه عضوًا من النَّار).\nقلت: مقتضى هذا: التسوية بين عتق الذكر والأنثى، والصحيح والمعيب، بحكم عموم (رقبة) فإنها نكرة في سياق الشرط. وقد صحَّ في ذلك تفصيل. وهو ما خرَّجه الترمذي عن أبي أمامة وغيره، عن النبي ﷺ قال: (أيما امرئ مسلم أعتق امرأ مسلمًا كان فكاكه من النار، يجزي كل عضو منه عضوًا منه، وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار، يجزي كل عضو منهما عضوًا منه، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار، يجزي كل عضو منها عضوًا منها). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (١). وقد صحَّ من حديث أبي ذر أنَّه سأل النبي ﷺ فقال: أي الرِّقاب أفضل؟ فقال: (أنفسها عند أهلها، وأغلاها ثمنًا) (٢). وهذا يدلُّ على أن المعيب ليس كالصحيح، ولا الكبير مثل الصغير، ولا القليل الثمن مثل الكثير، لتفاوت ما بينهم، ولما شهد حديث الترمذي بتفاوت ما بين الذكر والأنثى؛ لزم منه التفاوت بين من ذكرناهم في ذلك. والله تعالى أعلم. وإنما فضل عتق الذكر على الأنثى؛ لأن جنس الرِّجال أفضل،\n_________\n(١) رواه الترمذي (١٥٤٧).\n(٢) رواه البخاري (١٥١٩)، ومسلم (٨٣)، والترمذي (١٦٥٨)، والنسائي (٥/ ١١٣).","vol":"4","page":342},{"text":"ورواه من حديث سَعِيدُ بنُ مَرجَانَةَ وقَالَ: فَانطَلَقتُ حِينَ سَمِعتُ الحَدِيثَ مِن أَبِي هُرَيرَةَ فَذَكَرتُهُ لِعَلِيِّ بنِ الحُسَينِ، فَأَعتَقَ عَبدًا لَهُ قَد أَعطَى بِهِ ابنُ جَعفَرٍ عَشرَةَ آلَافِ أَو أَلفَ دِينَارٍ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٢٠ و٤٢٢)، والبخاريُّ (٢٥١٧)، ومسلم (١٥٠٩) (٢٢) و(٢٤)، والترمذيُّ (١٥٤١)، والنسائي في الكبرى (٤٨٧٤).\n[١٥٧٨] وعنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا يَجزِي وَلَدٌ وَالِدًا،\nــ\nولأن قوام الدُّنيا والدين إنما هو بالرجال، والنساء محل لشهواتهم، ومقر للإنسال (١).\nوفيه: ما يدل على أن هذا الفضل العظيم إنما هو في عتق المؤمن. ولا خلاف في جواز عتق الكافر تطوّعًا. فلو كان الكافر أغلى ثمنًا، فروي عن مالك: أنه أفضل من المؤمن القليل الثمن تمسكًا بحديث أبي ذر. وخالفه في ذلك أكثر أهل العلم نظرًا إلى حرمة المسلم، وإلى ما يحصل منه من المنافع الدينية، كالشهادات، والجهاد، والمعونة على إقامة الدين، وهو الأصح. والله تعالى أعلم.\nو(قوله: لا يجزي ولد والدًا) من الجزاء الذي (٢) بمعنى المجازاة.\n_________\n(١) هذا الكلام للشيخ القرطبي رحمه الله تعالى لا ينسجم مع النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي سوَّت بين الرجل والمرأة في أصل الخلق والكرامة والتكليف والثواب والعقاب، منها قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]. وغيرها كثير. ولا يخفى على مسلم دور المرأة المسلمة -قديمًا وحديثًا- الرائد في الدعوة إلى الله، والتضحية، وتربية النشء تربية لها أثرها الكبير في بناء أمتنا المسلمة.\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"4","page":343},{"text":"إِلَّا أَن يَجِدَهُ مَملُوكًا فَيَشتَرِيَهُ، فَيُعتِقَهُ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٣٠)، ومسلم (١٥١٠)، وأبو داود (٥١٣٧)، والترمذيُّ (١٩٠٦)، وابن ماجه (٣٦٥٩).\n* * *\nــ\nوالمعنى: أنَّه لا يقوم بما له عليه من الحقوق حتى يفعل معه ذلك. وقد بينا فيما سبق وجه مناسبة ذلك.\nو(قوله: إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه، فيعتقه) ظاهره: أنه لا يعتق عليه بمجرد الملك، بل: حتى يعتقه هو. وإليه ذهب أهل الظاهر، وقالوا: لا يعتق أحدٌ من القرابة بنفس الملك، ولا يلزم ذلك فيهم. بل إن أراد أن يعتق فحسن. وخالفهم في ذلك جمهور علماء الأمصار (١)، غير أنهم في تفصيل ذلك مختلفون. فذهب مالك فيما حكاه ابن خوازمنداذ: إلى أن الذي يعتق بالملك عمودا النسب (٢) علوًّا وسفلًا خاصة. وبه قال الشافعي.\nومشهور مذهب مالك: عمودا النسب، والجناحان: وهما الإخوة. وذكر ابن القصَّار عن مالك: ذوو الأرحام المحرمة. وبه قال أبو حنيفة. ومتعلق الظاهرية من الحديث ليس بصحيح؛ لأن الله تعالى قد أوجب علينا الإحسان للأبوين، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالوَالِدَينِ إِحسَانًا﴾ فقد سوَّى بين عبادته وبين الإحسان للأبوين في الوجوب. وليس من الإحسان أن يبقى والده في ملكه، فإذا يجب عتقه، إما لأجل الملك عملًا بالحديث، أو لأجل الإحسان عملًا بالآية. والظاهرية لجهلهم بمقاصد الشرع تركوا العمل بكل واحد منهما للتمسك بظاهر لم يحيطوا بمعناه.\n_________\n(١) في (م): علماء الأمة.\n(٢) في (ل ٢): عمودي النسب.","vol":"4","page":344},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nومعنى الحديث عند الجمهور: أنَّ الولد لَمَّا تسبب إلى عتق أبيه باشترائه إيَّاه: نسب الشرع العتق إليه نسبة الإيقاع منه. ودل على صحة هذا التأويل فهم معنى الحديث والتنزيل.\nوأما اختلاف العلماء فيمن يعتق بالملك. فوجه القول الأول والثاني: إلحاق القرابة القريبة المحرمة بالأب المنصوص عليه في الحديث، ولا أقرب للرجل من أبيه؛ فيحمل على الأب، والأخ يقاربه في ذلك؛ لأنه يُدلِي بالأبوَّة، فإنه يقول: أنا ابن أبيه.\nوأما القول الثالث: فمتعلقه الحديث الثابت في ذلك؛ الذي خرَّجه أبو داود والترمذي من طرق متعددة. وأحسن طرقه: ما خرَّجه النسائي في كتابه من حديث ضمرة، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (من ملك ذا رحم محرم فقد عتق) (١).\nقلت: وهذا الحديث ثابت بنقل العدل عن العدل، ولم يقدح فيه أحد من الأئمة بعلة توجب تركه. غير أن بعضهم قال: تفرد به ضمرة. وهذا لا يلتفت إليه، لأن ضمرة عدل، ثقة. وانفراد الثقة بالحديث لا يضره على ما مهَّدناه في الأصول، فلا ينبغي أن يعدل عن هذا الحديث. بل: يجب العمل به لصحته سندًا، ولشهادة الكتاب له معنى. وذلك: أن الله ﷿ قد قال: ﴿وَاعبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشرِكُوا بِهِ شَيئًا وَبِالوَالِدَينِ إِحسَانًا وَبِذِي القُربَى﴾ وليس من الإحسان إلى الأبوين، ولا للقرابة استرقاقهم، فإن نفس الاسترقاق، وبقاء اليد على المسترق إذلال له وإهانة. ولذلك فسخنا على النصراني شراءه للمسلم على رواية، ولم نبق ملكه عليه في الأخرى. وإذا ثبت أن بقاء الملك إذلال، وإهانة؛ وجبت إزالته ورفعه عن الآباء والقرابة؛ لأنه نقيض الإحسان؛ الذي أمر الله به.\nفإن قيل: فهذا يلزم في القرابات كلّهم وإن بعدوا؛ قلنا: هذا يلزم من مطلق القرآن. لكن النبي ﷺ قد\n_________\n(١) رواه النسائي في الكبرى (٤٨٩٧).","vol":"4","page":345},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nخصَّص بعض القرابات بقوله: (من ملك ذا رحم محرم) (١) فوصفه بالمحرمية، فمن ليس كذلك لا تتضمنه الآية، ولا الحديث. والله تعالى أعلم.\nوفي المسألة مباحث تذكر في مسائل الخلاف.\nثم حيث قلنا بوجوب العتق، فهل بنفس الملك، أو يقف ذلك على حكم الحاكم؛ قولان عندنا:\nوالأول أولى لظاهر الحديث، ولأنه قد جاء من حديث الحسن عن سمرة: (من ملك ذا رحم محرم فهو حرٌّ) وهذا اللفظ يكاد أن يكون نصًّا في الفرض، ولأن بقاء الأب تحت يد الملك إلى أن ينظر الحاكم؛ فيه إذلال يناقض الإحسان المأمور به. فيجب وقوع العتق مقارنًا للملك، وإنما صار إلى إيقافه (٢) على الحكم في القول الثاني للاختلاف الذي في أصل المسألة. قال بعض الأصحاب: فإذا حكم الحاكم بذلك وجب التنفيذ، وارتفع الخلاف. وهذا ليس بشيء؛ لأنه يلزم منه إيقاف مقتضيات الأدلة على نظر الحكَّام وحكمهم، وهذا باطل بالإجماع، ولأنه ترك الدليل لما ليس بدليل، فإن حكم الحاكم ليس بدليل، بل الذي يستند إليه حكمه هو الدليل. فإن اقتضى دليله وجوب العتق بنفس الملك؛ فقد حصل المطلوب، وإن اقتضى دليله إيقاف العتق على الحكم؛ فإما إلى حكمه، وهو دور، وإمَّا إلى حكم غيره ويتسلسل (٣).\n* * *\n_________\n(١) رواه النسائي في الكبرى (٤٩٠٣) من حديث عمر بن الخطاب.\n(٢) في (ع) و(ج ٢): إبقائه.\n(٣) في (م): ويلزم التسلسل.","vol":"4","page":346},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-586>(٦) باب تحسين صحبة ملك اليمين، والتغليظ على سيده في لطمه، أو ضربه في غير حد ولا أدب، أو قذفه بالزنا</span>\n[١٥٧٩] عَن زَاذَانَ: أَنَّ ابنَ عُمَرَ دَعَا بِغُلَامٍ لَهُ، فَرَأَى بِظَهرِهِ أَثَرًا فَقَالَ لَهُ: أَوجَعتُكَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَأَنتَ عَتِيقٌ. قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ شَيئًا مِن الأَرضِ فَقَالَ: مَا لِي فِيهِ مِن الأَجرِ مَا يَزِنُ هَذَا، إِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَن ضَرَبَ غُلَامًا لَهُ حَدًّا لَم يَأتِهِ أَو لَطَمَهُ، فَإِنَّ كَفَّارَتَهُ أَن يُعتِقَهُ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٥ و٦١)، ومسلم (١٦٥٧)، وأبو داود (٥١٦٨).\nــ\n(٦) ومن باب: تحسين صحبة المماليك\nكان ضرب ابن عمر ﵄ لعبده أدبًا على جناية، غير أنه أفرط في أدبه بحسب الغضب البشري، حتى جاوز مقدار الأدب، ولذلك أثر الضرب في ظهره. وعندما تحقق ذلك رأى: أنه لا يخرجه (١) مما وقع فيه إلا عتقه، فأعتقه بنيّة الكفارة، ثم فهم أن الكفارة غايتها إذا قبلت أن تكفر إثم الجناية، فيخرج الجاني رأسًا برأس، لا أجر، ولا وزر، ولذلك قال ابن عمر ﵄: (ما لي فيه من الأجر شيء).\nو(قوله ﷺ: (من ضرب غلامه له حدًّا لم يأته، أو لطمه، فإن كفارته أن يعتقه) ظاهر هذا الحديث والأحاديث المذكورة بعده: أن من لطم عبده، أو تعدَّى في ضربه وجب عليه عتقه لأجل ذلك. ولا أعلم من قال بذلك. غير أن أصول أهل الظاهر تقتضي ذلك.\nوإنما اختلف العلماء فيمن مَثَّل بعبده مُثلة ظاهرة، مثل\n_________\n(١) في (ل ١): لا يجزئه.","vol":"4","page":347},{"text":"[١٥٨٠] وعَن مُعَاوِيَةَ بنِ سُوَيدٍ قَالَ: لَطَمتُ مَولًى لَنَا، فَهَرَبتُ ثُمَّ جِئتُ قُبَلَ الظُّهرِ فَصَلَّيتُ خَلفَ أَبِي، فَدَعَاهُ وَدَعَانِي، ثُمَّ قَالَ: امتَثِل مِنهُ، فَعَفَا ثُمَّ قَالَ: كُنَّا بَنِي مُقَرِّنٍ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيسَ لَنَا إِلَّا خَادِمٌ وَاحِدَةٌ، فَلَطَمَهَا أَحَدُنَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أَعتِقُوهَا. قَالَوا: لَيسَ لَهُم خَادِمٌ غَيرُهَا، قَالَ: فَليَستَخدِمُوهَا، فَإِذَا استَغنَوا عَنهَا فَليُخَلُّوا سَبِيلَهَا.\nرواه أحمد (٣/ ٤٤٨)، ومسلم (١٦٥٨)، وأبو داود (٥١٦٦ و٥١٦٧)، والترمذي (١٥٤٢).\n[١٥٨١] وعَن هِلَالِ بنِ يَسَافٍ قَالَ: عَجِلَ شَيخٌ فَلَطَمَ خَادِمًا لَهُ، فَقَالَ لَهُ سُوَيدُ بنُ مُقَرِّنٍ: عَجَزَ عَلَيكَ إِلَّا حُرُّ وَجهِهَا، لَقَد رَأَيتُنِي سَابِعَ سَبعَةٍ مِن\nــ\nقطع يده، أو فقء عينه. فقال مالك، والليث: يجب عليه عتقه. وهل يعتق بالحكم، أو بنفس وقوع المثلة؟ قولان لمالك. وذهب الجمهور: إلى أن ذلك لا يجب. وسبب الخلاف اختلافهم في تصحيح ما روي من ذلك من قوله ﷺ: (من مثل بعبده عتق عليه).\nقلت: ومحمل الحديث الأول عند العلماء على التغليظ على من لطم عبده، أو تعدَى في ضربه لينزجر السَّادة عن ذلك. فمن وقع منه ذلك أثم، وأمر بأن يرفع يده عن ملكه عقوبة، كما رفع يده عليه ظلمًا. ومحمله عندهم (١) على الندب، وهو الصحيح؛ بدليل قول النبي ﷺ لبني مقرِّن حين أمرهم بعتق الملطومة، فقالوا: ليس لنا خادم غيرها، فقال: (استخدموها، فإذا استغنيتم عنها فخلوا سبيلها). فلو وجب العتق بنفس اللطم لحرم الاستخدام؛ لأنها كانت تكون حرَّة،\n_________\n(١) في (ل ١): ويحمله غيرهم.","vol":"4","page":348},{"text":"بَنِي مُقَرِّنٍ مَا لَنَا خَادِمٌ إِلَّا وَاحِدَةٌ، لَطَمَهَا أَصغَرُنَا فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَن نُعتِقَهَا.\nوفي رواية: فَقَالَ لَهُ سُوَيدٌ: أَمَا عَلِمتَ أَنَّ الصُّورَةَ مُحَرَّمَةٌ؟ ثم ذكر نحوه.\nرواه مسلم (١٦٥٨) (٣٢ و٣٣).\n[١٥٨٢] وعَن أَبِي مَسعُودٍ الأَنصَارِيِّ قَالَ: كُنتُ أَضرِبُ غُلَامًا لِي، فَسَمِعتُ مِن خَلفِي صَوتًا: اعلَم أَبَا مَسعُودٍ، لَلَّهُ أَقدَرُ عَلَيكَ مِنكَ عَلَيهِ. فَالتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ حُرٌّ لِوَجهِ اللَّهِ تعالى، فَقَالَ: أَمَا لَو لَم تَفعَل، لَلَفَحَتكَ النَّارُ، أَو قال: لَمَسَّتكَ النَّارُ.\nرواه أحمد (٤/ ١٢٠)، ومسلم (١٦٥٩) (٣٥)، وأبو داود (٥١٥٩ و٥١٦٠)، والترمذي (١٩٤٩).\nــ\nواستخدام الحر بغير رضاه حرام. فمقصود هذه الأحاديث-والله أعلم-: أن من تعدَّى على عبده أثم، فإن أعتقه يكفر أجر عتقه إثم تعديه، وصارت الجناية كأن لم تكن، ومع ذلك: فلا يقضى عليه بذلك؛ إذ ليس بواجب، على ما تقدَّم.\nو(اللطم): الضرب في الوجه. و(امتَثِل): معناه: استَقِد؛ أي: خذ القود. و(سابع سبعة): أحد سبعة. و(الصورة) هنا: الوجه. وقد تكون: الصفة، كما تقدَّم.\nو(قوله لأبي مسعود: (لو لم تفعل للفحتك النار) تنبيه على أن الذي فعله من ضرب عبده حرام، فكأنه تعدَّى في أصل الضرب؛ بأن ضربه على ما لا يستحق، أو في صفة الضرب، فزاد على المستحق. ولا يختلف: في أن تأديب العبد بالضرب، والحبس، وغيره جائز إذا وقع في محله وعلى صفته.\nومساق","vol":"4","page":349},{"text":"[١٥٨٣] وعنه: أَنَّهُ كَانَ يَضرِبُ غُلَامَا لهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ، قَالَ: فَجَعَلَ يَضرِبُهُ، فَقَالَ: أَعُوذُ بِرَسُولِ اللَّهِ، فَتَرَكَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَاللَّهِ لَلَّهُ أَقدَرُ عَلَيكَ مِنكَ عَلَيهِ. قَالَ: فَأَعتَقَهُ.\nرواه مسلم (١٦٥٩) (٣٦).\n[١٥٨٤] وعن أَبي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو القَاسِمِ ﷺ: مَن قَذَفَ مَملُوكَهُ بِالزِّنَى، أقَامُ عَلَيهِ الحَدُّ يَومَ القِيَامَةِ، إِلَّا أَن يَكُونَ كَمَا قَالَ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٣١)، والبخاري (٦٨٥٨)، ومسلم (١٦٦٠)، وأبو داود (٥١٦٥)، والترمذي (١٩٤٠).\n* * *\nــ\nالرواية الأخرى يدلُّ على تحريم قذف المملوك، وأنَّه ليس فيه في الدنيا حدٌّ للقذف. وهو مذهب مالك، والجمهور. وهو المفهوم من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرمُونَ المُحصَنَاتِ ثُمَّ لَم يَأتُوا بِأَربَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجلِدُوهُم﴾ فإن الإحصان هنا يمكن حمله على الإسلام والحرية والعفة، على قول من يرى: أن اللفظ المشترك يحمل على جميع محامله، ولأن العبد ناقص عن درجة الحر نقصانًا عن كفر، فلا يحدُّ قاذفه، كما لا يحدُّ قاذف الكافر، ولأنَّه ناقصٌ عن درجة الحِّر، فلا يحدُّ الحر لقذفه؛ كما لا يقتل به (١).\nوقد ذهب قوم: إلى أن الحرّ يحدُّ إذا قذف العبد. والحجة عليهم كل ذكرناه من الحديث، والقرآن، والقياس.\n* * *\n_________\n(١) في حاشية (م): وقال مالك بن أنسٍ: لا تشتم لك عبدًا، ولا أمة بزنى، فإنه بلغني عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"من قذف أمةً أو حرَّة، أو يهودية، أو نصرانية، فلم يُضرب في الدنيا ضُرِب يوم القيامة\".","vol":"4","page":350},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-587>(٧) باب إطعام المملوك مما يأكل ولباسه مما يلبس، ولا يكلف ما يغلبه</span>\n[١٥٨٥] عَن المَعرُورِ بنِ سُوَيدٍ قَالَ: مَرَرنَا بِأَبِي ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَعَلَيهِ بُردٌ وَعَلَى غُلَامِهِ مِثلُهُ، فَقُلنَا: يَا أَبَا ذَرٍّ، لَو جَمَعتَ بَينَهُمَا كَانَت حُلَّةً، فَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ بَينِي وَبَينَ رَجُلٍ مِن إِخوَانِي كَلَامٌ، وَكَانَت أُمُّهُ أَعجَمِيَّةً، فَعَيَّرتُهُ بِأُمِّهِ، فَشَكَانِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَلَقِيتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ امرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ. قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَن سَبَّ الرِّجَالَ سَبُّوا أَبَاهُ وَأُمَّهُ، قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ امرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، هُم إِخوَانُكُم، جَعَلَهُم اللَّهُ تَحتَ\nــ\n(٧) ومن باب: إطعام المملوك\nقد تقدَّم تفسير (الحُلَّة).\n(قوله: كان بيني وبين رجل من إخواني) يعني به: عبده. وأطلق عليه أنه من إخوانه لقوله ﷺ: (إخوانكم خولكم) ولأنه أخ في الدِّين.\nو(قول النبي ﷺ لأبي ذرٍّ: (إنك امرؤ فيك جاهلية) أي: خصلة من خصالهم، يعني بها: تعيير عبده بأمه. فإن الجاهلية كانوا يعيِّرون بالآباء والأمهات، وذلك شيء أذهبه الإسلام بقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللَّهِ أَتقَاكُم﴾ وبقوله ﷺ: (إن الله أذهب عنكم عبية (١) الجاهلية، وفخرها بالآباء. الناس كلهم بنو آدم، وآدم خلق من تراب) (٢).\n_________\n(١) أي: الكِبْر.\n(٢) رواه أبو داود (٥١١٦)، والترمذي (٣٩٥٥). وانظر: الترغيب والترهيب (٤٣٧٠).","vol":"4","page":351},{"text":"أَيدِيكُم، فَأَطعِمُوهُم مِمَّا تَأكُلُونَ، وَأَلبِسُوهُم مِمَّا تَلبَسُونَ، وَلَا تُكَلِّفُوهُم مَا يَغلِبُهُم، فَإِن كَلَّفتُمُوهُم فَأَعِينُوهُم.\nوفي رواية: بَعدَ قَولِهِ: (إِنَّكَ امرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ) قَالَ: قُلتُ: عَلَى حَالِ سَاعَتِي مِن الكِبَرِ، قَالَ: نَعَم.\nــ\nو(قول أبي ذر: على حال ساعتي من الكبر) استبعاد منه أن يبقى فيه شيء من خصال الجاهلية مع كبر سنِّه، وطول عمره في الإسلام، فلما أخبره النبي ﷺ ببقاء ذلك عليه زال استبعاده، ووجب تسليمه لذلك القول وانقياده.\nو(قوله: فأطعموهم مِمَّا تأكلون، وألبسوهم مِمَّا تلبسون) أي: من نوع ما تأكلون وما تلبسون. وهذا الأمر على الندب؛ لأن السَّيد لو أطعم عبده أدنى مما يأكله، وألبسه أقل مما يلبسه - صفةً ومقدارًا - لم يذمَّه أحدٌ من أهل الإسلام؛ إذ قام بواجبه عليه، ولا خلاف في ذلك فيما علمته. وإنما موضع الذمِّ: إذا منعه ما يقوم به أوده، ويدفع به ضرورته، كما نصَّ عليه النبي ﷺ بقوله: (كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوتهم). وإنما هذا على جهة الحض على مكارم الأخلاق، وإرشادٌ إلى الإحسان، وإلى سلوك طريق التواضع حتى لا يرى لنفسه مزية على عبده؛ إذ الكل عبيد الله، والمال مال الله، ولكن سَخَّر بعضهم لبعض، وملَّك بعضهم بعضًا؛ إتمامًا للنعمة، وتقعيدا (١) للحكمة.\nو(قوله: ولا تكلّفوهم ما يغلبهم) أي: لا تكلفوهم ما لا يطيقونه. وهو نهيٌّ، وظاهره التحريم.\nو(قوله: فإن كلفتموهم فأعينوهم) أي: إن أخطأتم فوقع ذلك منكم، فارفعوا عنهم ذلك؛ بأن تعينوهم على ذلك العمل، فإن لم يمكنكم ذلك فبيعوهم؛ كما جاء في الرواية الأخرى: (ممن يرفق بهم).\n_________\n(١) في (ل ١): تنفيذًا.","vol":"4","page":352},{"text":"وفي رواية: فَإِن كَلَّفَهُ مَا يَغلِبُهُ فَليَبِعهُ.\nوفي أخرى: فَليُعِنهُ.\nرواه أحمد (٥/ ١٦١)، والبخاريُّ (٣٠)، ومسلم (١٦٦١) (٣٨) و(٣٩)، وأبو داود (٥١٥٧)، وابن ماجه (٣٦٩٠).\n[١٥٨٦] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: لِلمَملُوكِ طَعَامُهُ وَكِسوَتُهُ، وَلَا يُكَلَّفُ مِن العَمَلِ إِلَّا مَا يُطِيقُ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٤٧)، ومسلم (١٦٦٢).\n[١٥٨٧] وعنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِذَا صَنَعَ لِأَحَدِكُم خَادِمُهُ طَعَامَهُ، ثُمَّ جَاءَ بِهِ وَقَد وَلِيَ حَرَّهُ وَدُخَانَهُ، فَليُقعِدهُ مَعَهُ فَليَأكُل، فَإِن كَانَ الطَّعَامُ مَشفُوهًا قَلِيلًا، فَليَضَع فِي يَدِهِ مِنهُ أُكلَةً أَو أُكلَتَينِ، يَعنِي لُقمَةً أَو لُقمَتَينِ.\nــ\nو(قوله: للمملوك طعامه وكسوته) أي: يجب ذلك له على سيده، كما قال في حديث أبي هريرة: (يقول عبدك: أنفق علي، أو بعني) (١) وهذا لا يختلف فيه. والقدر الواجب من ذلك ما يدفع به ضرورته، وما زاد على ذلك مندوب إليه.\nو(قوله: فليُقعِده معه) أمرٌ بتعليم التواضع، وترك الكبر على العبد. وهذا كان خلقه ﷺ، فإنه كان يأكل مع العبد، ويطحن مع الخادم، ويشاركه في عمله، ويقول: (إنما أنا عبدٌ آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد) (٢).\nو(المشفوه): الذي تكثر عليه الشِّفاه، أو تغلب عليه الشِّفاه عند أكله لِقلتِه.\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٥٢٤) بنحوه.\n(٢) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢١).","vol":"4","page":353},{"text":"رواه البخاريُّ (٢٥٥٧)، ومسلم (١٦٦٣)، وأبو داود (٣٨٤٦)، والترمذي (١٨٥٤).\n[١٥٨٨] وعن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرٍو: وجَاءَهُ قَهرَمَانٌ لَهُ، فَقَالَ: أَعطَيتَ الرَّقِيقَ قُوتَهُم؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَانطَلِق فَأَعطِهِم، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَفَى إِثمًا أَن تَحبِسَ عَمَّن تَملِكُ قُوتَهُم.\nرواه مسلم (٩٩٦)، وأبو داود (١٦٩٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-588>(٨) باب في مضاعفة أجر العبد الصالح</span>\n[١٥٨٩] عَن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ العَبدَ إِذَا نَصَحَ لِسَيِّدِهِ وَأَحسَنَ عِبَادَةَ اللَّهِ، فَلَهُ أَجرُهُ مَرَّتَينِ.\nرواه البخاري (٢٥٤٦)، ومسلم (١٦٦٤)، وأبو داود (٥١٦٩).\n[١٥٩٠] وعَن أَبي هُرَيرَةَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لِلعَبدِ المَملُوكِ\nــ\nو(الأُكلَة): اللقمة - بالضم في الهمزة-، وهذا كله (١) أمرٌ بمكارم الأخلاق، واستدراج للإيثار. ونقيض ذلك: أخلاق البخلاء، أهل النَّهم، والجشع.\n(٨) ومن باب: مضاعفة أجر العبد الصالح\nقد تقدَّم في الإيمان القول على مضاعفة أجر الكتابي.\n_________\n(١) من (ل ١).","vol":"4","page":354},{"text":"المُصلِحِ أَجرَانِ وَالَّذِي نَفسُ أَبِي هُرَيرَةَ بِيَدِهِ، لَولَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالحَجُّ وَبِرُّ أُمِّي، لَأَحبَبتُ أَن أَمُوتَ وَأَنَا مَملُوكٌ. قَالَ سعيد بن المسيب: وَبَلَغَنَا أَنَّ أَبَا هُرَيرَةَ لَم يَكُن يَحُجُّ حَتَّى مَاتَت أُمُّهُ لِصُحبَتِهَا.\nرواه البخاري (٢٥٤٨)، ومسلم (١٦٦٥).\n[١٥٩١] وعنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نِعِمَّا لِلمَملُوكِ أَن يُتَوَفَّى\nــ\nو(قول أبي هريرة: (لولا الجهاد، والحج، وبرُّ أمِّي لأحببت أن أموت وأنا مملوك) تصريح: بأن العبد لا يجب عليه جهاد ولا حجّ. وهو المعلوم من الشرع؛ لأن الحجّ، والجهاد لا يخاطب بهما إلا المستطيع لهما. والعبد غير مستطيع؛ إذ لا استقلال له بنفسه، ولا مال؛ إذ لا يملك عند كثير من العلماء. وإن ملك عندنا فليس مستقلًا بالتصرف فيه. ويظهر من تمني أبي هريرة كونه مملوكًا: أنه فضل العبودية على الحرية. وكأنَّه فهم هذا من مضاعفة أجر العبد الصالح. وهذا لا يصحُّ مطلقا؛ فإن المعلوم من الشرع خلافه؛ إذ الاستقلال بأمور الدين والدُّنيا إنما حصل بالأحرار. والعبد كالمفقود لعدم استقلاله، وكالآلة المصرفة بالقهر، والبهيمة المسخرة بالجبر. ولذلك سلب مناصب الشهادات، ومعظم الولايات، ونقصت حدوده عن حدود الأحرار، إشعارًا بخسَّة المقدار.\nوكونه: له أجره مرتين؛ إنما ذلك لتعدد الجهتين؛ لأنه مطالب من جهة الله تعالى بعبادته، ومن جهة سيده بطاعته، ومع ذلك فالحر وإن طولب من جهة واحدة، فوظائفه فيها أكثر، وغناؤه أعظم، فثوابه أكثر. وقد أشار إلى هذا أبو هريرة بقوله: (لولا الجهاد والحجّ وبرُّ أمِّي لأحببت أن أموت عبدًا) أي: لولا النقص الذي يلحق العبد لفوت هذه الأمور.\nو(نعمَّا) هي: نعم التي للمدح وزيدت عليها (ما) النكرة، وهي في موضع نصب على التمييز، كقوله تعالى: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾","vol":"4","page":355},{"text":"بحسِنُ عِبَادَةَ اللَّهِ وَصَحَابَةَ سَيِّدِهِ، نِعِمَّا لَهُ.\nرواه مسلم (١٦٦٧)، والترمذي (١٩٨٥).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-589>(٩) باب فيمن أعتق عبيده عند موته وهم كل ماله</span>\n[١٥٩٢] عَن عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ: أَنَّ رَجُلًا أَعتَقَ سِتَّةَ مَملُوكِينَ عِندَ مَوتِهِ، لَم يَكُن لَهُ مَالٌ غَيرَهُم، فَدَعَاهِم رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَجَزَّأَهُم أَثلَاثًا،\nــ\n(٩) ومن باب: من أعتق عبيده عند موته\n(قوله: إن رجلا أعتق ستة مملوكين عند موته) ظاهره: أنه نَجز عتقهم في مرض موته. وفي الرواية الأخرى: (أنه أوصى بعتقهم). وهذا اضطراب؛ لأن القضية واحدة. ويرتفع ذلك: بأن بعض الرواة تجوز في لفظ: (أوصى) لما نفذ عتقهم بعد موت سيدهم في ثلثه؛ لأنه قد تساوى في هذه الصورة حكم تنجيز العتق وحكم الوصية به؛ إذ كلاهما يخرج من الثلث، وإنما كان يظهر الفرق بينهما لو لم يمت، فإنه كان يكون له الرجوع عن الوصية بالعتق دون تنجيز العتق؛ فإنه إذا صحَّ لزمه إما عتق جميعهم، وإما عتق ثلثهم؛ إذ ليس له مال غيرهم على الخلاف الذي في ذلك لأهل العلم.\nو(قوله: فجزأهم أثلاثًا) ظاهره: أنه اعتبر عدد أشخاصهم دون قيمتهم. وإنما فعل ذلك لتساويهم في القيمة والعدد، فلو اختلفت قيمتهم لم يكن بد من تعديلهم بالقيمة، مخافة أن يكون ثلثهم في العدد أكثر من ثلث الميت في القيمة. ولو اختلفوا في القيمة أو في العدد لَجزئوا بالقيمة، ولعتق منهم ما يخرجه السهم، وإن كان أقل من ثلث العدد. وكيفية العمل في ذلك مفصلة في كتب أئمتنا.","vol":"4","page":356},{"text":"ثُمَّ أَقرَعَ بَينَهُم فَأَعتَقَ اثنَينِ وَأَرَقَّ أَربَعَةً، وَقَالَ لَهُ قَولًا شَدِيدًا.\nوفي رواية: أَنَّ رَجُلًا مِن الأَنصَارِ أَوصَى عِندَ مَوتِهِ، فَأَعتَقَ سِتَّةَ مَملُوكِينَ.\nرواه أحمد (٤/ ٤٣٨)، ومسلم (١٦٦٨) (٥٦) و(٥٧)، وأبو داود (٣٩٦١).\n* * *\nــ\nو(قوله: ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة) هذا نصٌّ في صحَّة اعتبار القرعة شرعا. وهو حجة للجمهور: مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق على أبي حنيفة حيث يقول: إنه يعتق من كل واحد منهم ثلثه، ولا يقرع بينهم، وهذا مخالف لنصّ الحديث، ولا حجة له بأن يقول: إن هذا الحديث مخالف للقياس، فلا يعمل به؛ لأنا قد أوضحنا في الأصول: أن القياس في مقابلة النص فاسد الوضع. ولو سلَّمنا: أنَه ليس بفاسد الوضع لكانا كالدليلين المتعارضين، وحينئذ يكون الأخذ بالحديث أولى؛ لكثرة الاحتمالات في القياس وقلتها في الحديث، كما بيناه في الأصول.\nو(قوله: وقال له قولًا شديدا) أي: غلظ له بالقول، والذم، والوعيد؛ لأنه أخرج كل ماله عن الورثة، ومنعهم حقوقهم منه. ففيه دليل على أن المريض محجور عليه في ماله، وأن المدبر، والوصايا، إنما تخرج من الثلث، وأن الوصية إذا منع من تنفيذها على وجهها مانعٌ شرعي استحالت إلى الثلث، كما يقوله مالك.\n* * *","vol":"4","page":357},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-590>(١٠) باب ما جاء في التدبير وبيع المُدَبَّر</span>\n[١٥٩٣] عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ: أَنَّ رَجُلًا مِن الأَنصَارِ أَعتَقَ غُلَامًا لَهُ عَن دُبُرٍ لَم يَكُن لَهُ مَالٌ غَيرُهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: مَن يَشتَرِيهِ مِنِّي؟ فَاشتَرَاهُ نُعَيمُ بنُ عَبدِ اللَّهِ بِثَمَانِمِائَةِ دِرهَمٍ، فَدَفَعَهَا إِلَيهِ.\nــ\n(١٠) ومن باب: بيع المُدَبَّر\nوهو الذي يعتقه سيده عن دُبُر منه؛ بأن يقول: أنت مدَبَّرٌ، أو: قد دبَّرتُكَ، أو: أنت حرٌّ عن دبُر منِّي. وما أشبه ذلك مما يذكر فيه لفظ المدبَّر.\nولا خلاف في أنَّه عقد شرعي مآله العتق بعد الموت. وهل هو لازم بحيث لا يحل ببيع ولا غيره، أو هو عقد جائز، فيجوز حله ببيع المدبَّر، أو هبته، ثم هل يُكره حلُّه أو لا؟ اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال:\nفذهب مالك، والثوري، والأوزاعي، والحسن بن صالح، وأصحاب الرأي إلى الأول. فلا يخرج عن ملك المدبَّر بوجه من الوجوه إلا بأن يعتقه.\nوذهب إلى الثاني عائشة، ومجاهد، والحسن البصري، وطاوس، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. فيجوز أن يبيعه صاحبه متى شاء.\nوكرهت طائفة ذلك، وهو القول الثالث. وممن ذهب إلى ذلك ابن عمر، وسعيد بن المسيب، وابن سيرين، والشعبي، والزهري، والنخعي. وقال الليث: يكره بيعه. فإن جهل إنسان أو غفل فباعه، فأعتقه الذي اشتراه، فإن بيعه جائز، وولاؤه لمن أعتقه.\nقلت: وهذا قياس من ذكر في القول الثالث. وقد تقدَّم سبب الخلاف في ذلك في كتاب الزكاة. ونكتته: تعارض الأدلة. وذلك: أن التدبير عقد شرعي، فالوفاء به واجب؛ لقوله تعالى: ﴿أَوفُوا بِالعُقُودِ﴾ ولقوله: ﴿وَأَوفُوا","vol":"4","page":358},{"text":"وفي رواية: فَاشتَرَاهُ ابنُ النَّحَّامِ عَبدًا قِبطِيًّا مَاتَ عَامَ أَوَّلَ فِي إِمَارَةِ ابنِ الزُّبَيرِ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٠٨)، والبخاري (٢٢٣١)، ومسلم (٩٩٧) (٥٨) و(٥٩)، والترمذي (١٢١٩)، وابن ماجه (٢٥١٣).\n* * *\nــ\nبِالعَهدِ﴾ (١) وظاهر الأمر الوجوب، ولأن التدبير عقد عتق موقوف على وقت، فيلزم كالعتق إلى أجل، ولما حكاه مالك من إجماع أهل المدينة على منع بيع المدبَّر، أو هبته. فهذه أدلة القول الأول. ويعارض ذلك كله حديث جابر المذكور في هذا الباب. فإن النبي ﷺ باع المدبَّر. وهو حجة القول الثاني، وقد اعتذر عنه أصحابنا بأنها قضية معينة، فيحتمل أن يكون بيعه في دين سابق على التدبير، ويشعر بذلك قوله: (لم يكن له مال غيره). ومباشرة النبي ﷺ لبيعه بنفسه، فكأنه باعه عليه بالحكم للغُرماء، والله تعالى أعلم.\nوأوضح المسالك ما صار (٢) إليه مالك.\n* * *\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٢) في (ع): ذهب.","vol":"4","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-591>(١٨) كتاب البيوع</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-592>(١) باب النهي عن الملامسة، والمنابذة، وبيع الحصاة، والغرر</span>\n[١٥٩٤] عَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن المُلَامَسَةِ\nــ\n(١٨) ومن كتاب البيوع\nالبيعُ في اللغة مصدر: باع كذا بكذا؛ أي: دفع معوضًا، وأخذ عوضا منه. وهو يقتضي بائعًا، وهو المالك، أو من يتنزل منزلته، ومبتاعًا، وهو الذي يبذل الثمن، ومبيعًا، وهو المثمون، وهو الذي يبذل في مقابلة الثمن.\nوعلى هذا فأركان البيع أربعة: البائع، والمبتاع، والثمن، والمثمَّن (١)، وكل واحد من هذه يتعلَّق النظر فيها بشروط ومسائل ستراها إن شاء الله تعالى.\nوالمعاوضة عند العرب تختلف بحسب اختلاف ما يضاف إليه، فإن كان أحد العوضين في مقابلة الرّقبة سُمي: بيعًا. وإن كان في مقابلة منفعة رقبة؛ فإن كانت منفعة بضع سُمِّي: نكاحًا. وإن كانت منفعة غيرها سُمِّي: إجارة.\n(١) ومن باب: النهي عن بيع (٢) الملامسة والمنابذة وبيع الغرر\n(الملامسة): مفاعلة، وأصلها لا يكون إلا بين اثنين. وأصلها من لمس\n_________\n(١) في (ع): المثمون.\n(٢) زيادة من (ل ١).","vol":"4","page":360},{"text":"وَالمُنَابَذَةِ، أَمَّا المُلَامَسَةُ: فَأَن يَلمِسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا ثَوبَ صَاحِبِهِ بِغَيرِ تَأَمُّلٍ، وَالمُنَابَذَةُ: أَن يَنبِذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا ثَوبَهُ إِلَى الآخَرِ، وَلَم يَنظُر وَاحِدٌ مِنهُمَا إِلَى ثَوبِ صَاحِبِهِ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٧٦)، والبخاري (٣٦٨)، ومسلم (١٥١١) (٢)، والترمذي (١٣١٠)، والنسائي (٧/ ٢٦٠)، وابن ماجه (٢١٦٩).\n[١٥٩٥] وعن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيَّ قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن بَيعَتَينِ وَلِبسَتَينِ: نَهَانا عَن المُلَامَسَةِ وَالمُنَابَذَةِ فِي البَيعِ. وَالمُلَامَسَةُ: لَمسُ الرَّجُلِ ثَوبَ الآخَرِ بِيَدِهِ بِاللَّيلِ والنَّهَارِ، وَلَا يَقلِبُهُ إِلَّا بِذَلِكَ، وَالمُنَابَذَةُ: أَن يَنبِذَ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ بِثَوبِهِ، وَيَنبِذَ الآخَرُ إِلَيهِ ثَوبَهُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بَيعَهُمَا، عن غَيرِ نَظَرٍ وَلَا تَرَاضٍ.\nرواه البخاري (٢١٤٤)، ومسلم (١٥١٢)، وأبو داود (٣٣٧٨ و٣٣٧٩)، والنسائي (٧/ ٢٦٠)، وابن ماجه (٢١٧٠).\nــ\nالشيء باليد. و(المنابذة): مأخوذة من النبذ. وهو الرَّمي. وقد جاء تفسيرهما في الحديث.\nو(قوله: ويكون ذلك بيعهما عن (١) غير نظر ولا تراض) يعني: أنه كان يجب البيع بنفس اللمس والنبذ، ولا يبقى لواحد منهما خيرةٌ في حلّه. وبهذا تحصل المفسدة العظيمة؛ إذ لا يدري أحدهما ما حصل له، فيعم الخطر، ويكثر القمار والضرر.\n_________\n(١) في (ل ١): من.","vol":"4","page":361},{"text":"[١٥٩٦] وعنه قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن بَيعِ الحَصَاةِ، وَعَن بَيعِ الغَرَرِ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٣٦)، ومسلم (١٥١٣)، وأبو داود (٣٣٧٦)، والنسائي (٧/ ٢٦٢)، وابن ماجه (٢١٩٤).\nــ\nو(بيع الحصاة) اختلف فيه على أقوال:\nأولها: أن يبيعه من أرضه قدر ما انتهت إليه رمية الحصاة.\nوثانيها: أيُّ ثوب وقعت عليه الحصاة فهو المبيع.\nوثالثها: أن يقبض على الحصى، فيقول: (١) ما خرج كان لي بعدده دراهم أو دنانير.\nورابعها: أيُّ زمان وقعت الحصاة من يده وجب البيع. فهذا إيقاف لزوم على زمن مجهول.\nوهذه كلها فاسدة لما تضمنته من الخطر، والجهل، وأكل المال بالباطل.\nو(بيع الغرر): هو البيع المشتمل على غرر مقصود، كبيع الأجنَّة، والسمك في الماء، والطير في الهواء، وما أشبه ذلك. فأمَّا الغرر اليسير الذي ليس بمقصود فلم يتناوله هذا النَّهي؛ لإجماع المسلمين على جواز إجارة العبد والدار مشاهرة ومساناةً، مع جواز الموت وهدم الدار قبل ذلك، وعلى جواز إجارة (٢) الدَّخول في الحمَّام، مع تفاوت الناس فيما يتناولون من الماء، وفي قدر المقام فيه، وكذلك الشرب من السقاء مع اختلاف أحوال الناس في قدر المشروب. وأيضًا: فإن كل بيع لا بدَّ فيه من نوع من الغرر، لكنَّه لما كان يسيرًا غير مقصود لم يلتفت الشرع إليه. ولما انقسم الغرر على هذين الضربين فما تبين أنه من الضرب الأول منع. وما كان من الضرب الثاني أجُيز. وما أشكل أمره، اختلف فيه، من أي القسمين هو، فيلحق به.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع) و(ل ١).\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"4","page":362},{"text":"[١٥٩٧] وعن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ أَهلُ الجَاهِلِيَّةِ يَتَبَايَعُونَ لَحمَ الجَزُورِ إِلَى حَبَلِ الحَبَلَةِ. وَحَبَلُ الحَبَلَةِ: أَن تُنتَجَ النَّاقَةُ، ثُمَّ تَحمِلَ الَّتِي نُتِجَت، فَنَهَاهُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن ذَلِكَ.\nرواه البخاري (٢١٤٣)، ومسلم (١٥١٤) (٦)، وأبو داود (٣٣٨٠)، والنسائي (٧/ ٢٩٣).\n* * *\nــ\nو(الجزور): ما يجزر من الإبل. والجزرة: من غيرها.\nو(حبل الحبلة) بفتح الباء فيهما، وهو الصحيح في الرواية واللغة. والحبل: مصدر حبلت المرأة - بكسر الباء - تحبل - بفتحها -: إذا حملت (١). والحبلة: جمع حابلة. وأصل الحبل في بنات آدم، والحمل في غيرهن. قاله أبو عبيد. وقد فسَّره ابن عمر في الحديث. وإلى تفسيره ذهب مالك، والشافعي. قال المبرِّد: حبل الحبلة عندي: حمل الكرمة قبل أن تبلغ. والحبلَة: الكرمة -بسكون الباء وفتحها-. وقال ابن الأنباري: والهاء في (حبلة) للمبالغة، كقولهم: سُخَرة (٢).\nقلت: وهذه البيوع كانت بيوعًا في الجاهلية نهى الرسول ﷺ عنها، لما فيها من الجهل والغرر، والقمار والخطر، وكلها تؤدي إلى أكل المال بالباطل، فمتى وقع شيء منها فهو فاسد، لا يصح بوجه، ولا خلاف أعلمه في ذلك.\nو(اللِّبستان) - بكسر اللام -: تثنية لبسة، وهي: هيئة اللباس. ويعني بهما: الاحتباء في ثوب واحد، وليس على فرجه شيء، واشتمال الصماء (٣). وسيأتي لهما مزيد بيان إن شاء الله تعالى.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين من (ج ٢).\n(٢) \"سُخَرة\": كثير السخرية من الناس.\n(٣) \"اشتمال الصَّمَّاء\": أن يُجَلِّل جسدَه بثوبه نحو شِمْلة الأعراب بأكسيتهم، وهو أن يَرُدَّ =","vol":"4","page":363},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-593>(٢) باب النهي عن أن يبيع الرجل على بيع أخيه، وعن تلقي الجلب، وعن التصرية، وعن النجش</span>\n[١٥٩٨] عَن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يَبِع بَعضُكُم عَلَى بَيعِ بَعضٍ.\nرواه أحمد (٢/ ٦٣)، والبخاري (٢١٣٩)، ومسلم (١٤١٢) (٧)، والترمذي (١٢٩٢)، والنسائي (٧/ ٢٥٨)، وابن ماجه (٢١٧١).\n[١٥٩٩] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: عَن النَّبِيِّ ﷺ نَهَى أَن يَستَامَ الرَّجُلُ عَلَى سَومِ أَخِيهِ.\nــ\n(٢ و٣ و٤) ومن باب: النهي أن يبيع الرجل على بيع أخيه (١)\nقد تقدَّم القول في كتاب النكاح على قوله: (لا يبع بعضكم على بيع بعض).\nو(قوله: نهى أن يَستَام الرَّجل على سوم أخيه) أي: يشتري. ووزن (استام): استفعل؛ أي: استدعى من البائع أن يخبره بسوم السلعة؛ أي: بثمنها. وقد يكون مصدرًا، فيقال: سامه بسلعة كذا، يسومه، سومًا. والمَرَّة منه: سَومَةٌ. وقد يكسر ما قبل الواو فتنقلب ياء؛ فيقال: سِيمَة، كما قد جاء هنا. وقد بيَّنَّا: أن\n_________\n= الكِساءَ من قِبَل يمينه على يده اليسرى، وعاتِقِه الأيسر، ثم يَرُدّه ثانيةً من خَلْفه على يده اليمنى، وعاتِقِه الأيمن، فيغطِّيهما جميعًا.\n(١) تحت هذا العنوان شرح المؤلف -﵀- أيضًا ما أشكل في باب: لا يبع حاضر لبادٍ، وباب: ما جاء أن التَّصرية عيب يوجب الخيار؛ التي أوردها في التلخيص، ولم يُخصِّص لها عنوانًا في المفهم.","vol":"4","page":364},{"text":"وَفِي رِوَايَةِ: عَلَى سِيمَةِ أَخِيهِ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٧٤)، والبخاري (٢١٤٠)، ومسلم (١٥١٥) (١٠)، وأبو داود (٢٠٨٠)، والنسائي (٦/ ٧١)، وابن ماجه (٢١٧٢).\n[١٦٠٠] وعنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يُتَلَقَّى الرُّكبَانُ لِبَيعٍ، وَلَا يَبِع بَعضُكُم عَلَى بَيعِ بَعضٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِع حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالغَنَمَ، فَمَن ابتَاعَهَا بَعدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيرِ النَّظَرَينِ، بَعدَ أَن يَحلُبَهَا، فَإِن رَضِيَهَا أَمسَكَهَا، وَإِن سَخِطَهَا رَدَّهَا، وَصَاعًا مِن تَمرٍ.\nرواه البخاري (٢٧٢٧)، ومسلم (١٥١٥) (١١)، والنسائي (٧/ ٢٥٥).\n[١٦٠١] وعَن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن النَّجشِ ونَهَى أَن تَلَقَّى السِّلَعُ حَتَّى تَبلُغَ الأَسوَاقَ.\nرواه أحمد (٢/ ٦٣)، والبخاري (٢١٦٥)، ومسلم (١٥١٧)، وأبو داود (٣٤٣٦)، والنسائي (٧/ ٢٥٧)، وابن ماجه (٢١٧٩).\n[١٦٠٢] وعن أبي هُرَيرَةَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا تَلَقَّوا الجَلَبَ، فَمَن تَلَقَّاهُ فَاشتَرَى مِنهُ، فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالخِيَارِ.\nــ\nمحل النهي عن البيع وعن السوم المذكورين في هذه الأحاديث؛ إنما هو بعد التراكن.\nو(قوله: لا يتلقى الرُّكبان لبيع) وفي لفظ آخر: (لا تلقوا الجلب) (١) أي: لا تخرجوا للقاء الرِّفاق (٢) القادمة بالسِّلع، فتشتروها (٣) منها قبل أن تبلغ\n_________\n(١) رواه النسائي (٧/ ٢٥٧).\n(٢) \"الرفاق\": جمع رُفْقة، وهم المترافقون في السَّفر.\n(٣) في (ج ٢): فتشتروا منها.","vol":"4","page":365},{"text":"رواه البخاري (٢١٦٢)، ومسلم (١٥١٩) (١٧)، وأبو داود (٣٤٣٧)، والترمذي (٢٢٢١)، والنسائي (٧/ ٢٥٧)، وابن ماجه (٢١٧٨).\n* * *\nــ\nالأسواق. وقد اختلف أصحابنا في مسافة منع ذلك. فقيل: يومان. وقيل: ستة أميال. وقيل: قرب المصر.\nقلت: هذه التحديدات متعارضة لا معنى لها؛ إذ لا توقيف، وإنما محل المنع أن ينفرد المتلقِّي بالقادم خارج السُّوق بحيث لا يعرفُ ذلك أهل السُّوق غالبًا. وعلى هذا فيكون ذلك في القريب والبعيد حتى يصحَّ قول بعض أصحابنا: لو تلقى الجلب في أطراف البلد، أو أقاصيه لكان تلقيًا منهيًا عنه، وهو الصحيح؛ لنهيه ﷺ في الرواية الأخرى عن تلقي السِّلع حتى تورد الأسواق. فلو لم يكن للسلعة سوق، فلا يخرج إليها، لأنه التلقي المنهي عنه. غير أنه يجوز أن يشتري في أطراف البلد؛ لأن البلد كله سوقها.\nواختلف في وجه النهي عن ذلك. فقيل: ذلك لحق الله تعالى. وعلى هذا: فيفسخ البيعُ أبدًا. وقال به بعض أصحابنا. وهذا إنما يليق بأصول أهل الظاهر. والجمهور على أنه لحق الآدمي لما يدخل عليه من الضرر.\nثم اختلفوا فيمن يرجع إليه هذا الضرر. فقال الشافعي: هو البائع، فيدخل عليه ضرر الغبن. وعلى هذا فلو وقع لم يفسخ، ويكون صاحبه بالخيار. وعلى هذا يدل ظاهر الحديث، فإنه قال فيه: (إذا أتى سيده السوق فهو بالخيار). وقال مالك: بل هم أهل السوق بما يدخل عليهم من غلاء السِّلع. ومقصود الشرع الرفق بأهل الحاضرة، كما قد قال: (دع الناس يرزق الله بعضهم من بعض). وكأن مالكا لم تبلغه هذه الزيادة، أو لم تثبت عنده أنها من قول النبي ﷺ. وعلى قول مالك فلا يفسخ، ولكن يخير أهل السُّوق، فإن لم يكن سوق، فأهل المصر بالخيار. وهل يدخل المتلقي معه،","vol":"4","page":366},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-594>(٣) باب لا يبع حاضر لباد</span>\n[١٦٠٣] عَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَن يُتَلَقَّى الرُّكبَانُ، وَأَن يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ قَالَ طاوس: فَقُلتُ لِابنِ عَبَّاسٍ: مَا قَولُهُ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟ قَالَ: لَا يَكُن لَهُ سِمسَارًا.\nرواه البخاري (٢١٥٨)، ومسلم (١٥٢١)، وأبو داود (٣٤٣٩)، والنسائي (٧/ ٢٥٧)، وابن ماجه (٢١٧٧).\n[١٦٠٤] وعَن جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا يَبِع حَاضِرٌ لِبَادٍ، دَعُوا النَّاسَ يَرزُق اللَّهُ بَعضَهُم مِن بَعضٍ.\nــ\nأو لا؛ قولان. سبب المنع عقوبته بنقيض قصده (١). وقد أجاز أبو حنيفة، والأوزاعي التلقي إلا أن يضر بالناس فيُكره. وهذه الأحاديث حجة عليهما.\nو(قوله: ولا تناجشوا) أصل النجش: الاستثارة والاستخراج. ومنه سُمي الصَّائد: ناجشًا لاستخراجه الصيد من مكانه. والمرادُ به في الحديث: النهي عن أن يزيد في ثمن السلعة ليغرَّ غيره، وكأنه استخرج منه في ثمن السلعة ما لا يريد أن يخرجه. فإذا وقع؛ فمن رآه لحق الله تعالى فسخ. ومن رآه لحق المشتري خيره، فإما رضي، وإمَّا فسخ.\nقال أبو عبيد الهروي: قال أبو بكر: أصل النَّجش: مدح الشيء وإطراؤه. فالنَّاجش يغرُّ المشتري بمدحه ليزيد في الثمن.\nو(قوله: لا يبع حاضر لبادٍ) مفسَّر بقول ابن عباس: لا يكن له سمسارًا، وظاهر هذا النهي العموم في جميع أهل البوادي، أهل العمود وغيرهم، قريبًا كانوا من الحضر، أو بعيدًا، كان أصل المبيع عندهم بشراء أو كسب. وإليه صار غير\n_________\n(١) في (ع): مقصوده.","vol":"4","page":367},{"text":"رواه أحمد (٢/ ٣٠٧)، ومسلم (١٥٢٢)، والترمذي (١٢٢٣)، والنسائي (٧/ ٢٥٦)، وابن ماجه (٢١٧٦).\nــ\nواحدٍ. وحمله مالك على أهل العمود ممن بعد منهم عن الحضر، ولا يعرف الأسعار، إذا كان الذي جلبوه من فوائد البادية بغير شراء. وإنما قيده مالك بهذه القيود نظرًا إلى المعنى المستفاد من قوله ﷺ: (دع الناس يرزق الله بعضهم من بعض). وذلك: أن مقصوده أن يرتفق أهل الحاضرة بأهل البادية، بحيث لا يضر ذلك بأهل البادية ضررًا ظاهرًا. وهذا لا يحصل إلا بمجموع تلك القيود.\nوبيانه: أنهم إذا لم يكونوا أهل عمود كانوا أهل بلاد وقرى، وغالبهم يعرف الأسعار. وإذا عرفوها صارت مقاديرها مقصودة لهم. فلهم أن يتوصلوا إلى تحصيلها بأنفسهم أو بغيرهم. وإذا كان الذي جلبوه عليهم بالشراء فهم تجار يقصدون الأرباح، فلا يحال بينهم وبينها. فلهم التوصل إليها بالسَّماسرة وغيرهم، وأما أهل العمود، والموصوفون بالقيود المذكورة: فإن باع لهم السماسرة وغيرهم ضروا بأهل الحاضرة في استخراج غاية الأثمان، فيما أصله على أهل البادية بغير ثمن، فقصد الشرع أن يباشروا بيع سلعهم بأنفسهم ليرتفق أهل الحاضرة بالرخص فيما لا ضرر على أهل البادية فيه. وأعرض الشرع عما يلحق أهل البادية في ذلك دفعًا لأشد الضررين، وترجيحًا لأعظم المصلحتين.\nواختلف في شراء أهل الحاضرة للبادي. فقيل بمنعه قياسًا على البيع لهم. وقيل: يجوز ذلك؛ لأنه لما صار ثمن سلعته بيده عينًا أشبه أهل الحضر. فإذا وقع هذا البيع فهل يفسخ معاقبة لهم، أو لا يفسخ لعدم خلل ركن من أركان البيع؟ قولان.\nو(قوله: لا تُصَرُّوا الإبل والغنم): روايتنا فيه بضم التاء وفتح الصاد، وضم الراء مشددة بعدها واو الجمع. (الإبلَ) بالنصب، نحو: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُم﴾ وهو الصحيح تقييدًا ولغة. وقد قيده بعضهم (لا تَصُرُّوا بفتح التاء،","vol":"4","page":368},{"text":"[١٦٠٥] وعَن أَنَسِ قَالَ: نُهِينَا أَن يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَإِن كَانَ أَخَاهُ أَو أَبَاهُ.\nــ\nوضم الصاد، ونصب (الإبل). وبعضهم: بضم التاء وفتح الصاد، ورفع (الإبل) والأول هو الصحيح. ووجهه: أنها مأخوذة من: صريت اللبن في الضَّرع: إذا جمعته. وليست من الصَّر الذي هو الربط، ولو كانت من ذلك لقيل فيها: مُصَرَّرة. وإنما جاء: مصراة. وإلى معناه ذهب أبو عبيد وغيره، وعلى هذا: فأصل (تُصَروا الإبل): تقربوا، استثقلت الضمَّة على الياء، فنقلت إلى ما قبلها؛ لأن واو الجمع لا يكون ما قبلها إلا مضمومًا فانقلبت الياء واوًا، واجتمع ساكنان، فحذفت الواو الأولى، وبقيت واو الجمع ساكنة، فحذفت لاجتماع الساكنين (١). و(الإبل): نصب على أنه مفعول (تُصَرُّوا). هذا أحسن ما قيل في هذا، وأجراه على قياس التصريف.\nومعنى: (التصرية) عند الفقهاء: أن يجمع اللَّبن في الضرع اليومين والثلاثة حتى يعظم، فيظن المشتري: أن ذلك لكثرة اللبن، وعظم الضرع. وهي المسمَّاة أيضًا بـ (المُحَفَّلَة) في حديث آخر (٢). يقال: ضرع حافل؛ أي: عظيم. و(المحفَل): الجمع العظيم. وقال الشافعي: التصرية: أن يربط أخلاف النَّاقة، أو الشاة، ويترك حلبها اليومين والثلاثة حتى يجتمع لبنها، فيزيد المشتري في ثمنها لما يرى من ذلك. قال الخطابي: والذي قال الشافعي صحيح. والعرب (٣) تصُرُّ الحلوبات، وتسمي ذلك الرباط: صِرارًا. واستشهد لهم بقول العرب: العبد لا يحسن الكرَّ، وإنما يحسن الحلب والصرَّ (٤). قال: ويحتمل أن تكون المصراة\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٢) رواه البخاري (٢١٤٩).\n(٣) في (ع): لأن العرب.\n(٤) هذا قول عنترة لأبيه. (الأغاني ٨/ ٢٣٩).","vol":"4","page":369},{"text":"رواه البخاري (٢١٦١)، ومسلم (١٥٢٣)، وأبو داود (٣٤٤٠)، والنسائي (٧/ ٢٥٦).\n* * *\nــ\nأصلها: مصرورة، فأبدل من إحدى الراءين ياءً، كما قالوا: تقضَّى (١) البازيُّ.\nواختلف في الأخذ بحديث المُصَرَّاة. فأخذ به الشافعي، وأبو ثور، وأبو يوسف، ومالك في المشهور عنه، وابن أبي ليلى في إحدى الروايتين عنه، وفقهاء أصحاب الحديث. ولم يأخذ به أبو حنيفة، ولا الكوفيون، ولا مالك، ولا ابن أبي ليلى في الرواية الأخرى عنهما. فقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن: التصرية ليست بعيب، ولا تردّ بذلك. وقد حكي عن أبي حنيفة: أنه يرجع بأرش التصرية. ولهذا الخلاف سببان:\nأحدهما: أن هذا الحديث يعارضه قوله ﷺ: (الخراج بالضمان) (٢). خرَّجه الترمذي من حديث ابن عباس، وقال فيه: حديث حسن صحيح. ووجهها: أن مشتري المصرَّاة ضامن لها لو هلكت عنده، واللَّبن غلة فيكون له.\nوثانيهما: أنه معارضٌ لأصول شرعية، وقواعد كليه. وبيانها بأوجه:\nأحدها: أن اللبن مما يضمن بالمثل، والتمر ليس بمثل له.\nوثانيها: أنه لما عدل عن المثل إلى غيره فقد نحا به نحو المبايعة، فهو: بيع الطعام بالطعام غير يد بيد، وهو الرِّبا.\nوثالثها: أن الصَّاع المقابل للَّبن محدودٌ، واللَّبن ليس بمحدود، فإنَّه يختلف بالكثرة والقلة.\n_________\n(١) أصلها: تقضض.\n(٢) رواه أحمد (٦/ ٨٠)، وأبو داود (٣٥١٠)، والترمذي (١٢٨٥ و١٢٨٦)، وابن ماجه (٢٢٤٣) كلهم من حديث عائشة.","vol":"4","page":370},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nورابعها: أن اللبن غلَّة، فيكون للمشتري كسائر المنافع، فإنها لا تردُّ في الردّ بالعيب. ولما كان ذلك، فالحديث وإن كان صحيحًا؛ فإما منسوخ بقوله: (الخراج بالضمان) (١) وإما مرجوح بهذه القواعد المخالفة له، فإنها قواعد كلية قطعية. ولو لم يكن كذلك فالقياس مقدَّم عند أبي حنيفة، وكثير من الكوفيين، وهو قول مالك في العتبية، وفي مختصر ابن عبد الحكم.\nوالجواب عن السبب الأول: أنه لا معارضة بينهما؛ لأنا لا نسلم أن اللبن خراج سَلَّمناه. لكنه إذا نشأ على ضمان المشتري، ولبن المصراة نشأ على ضمان البائع؛ فإنَّه كان موجودًا في الضرع حالة التبايع سلّمناه. لكن حديث المصرَّاة خاصٌّ، وحديث الخراج بالضمان عام. ولا معارضة بينهما، لأن الجمع بينهما ممكن بأن يُبنى العام على الخاص. وهو الصحيح على ما مهدناه في أصول الفقه. وحينئذ يبطل قول من زعم: أن حديث المصراة منسوخ بحديث: (الخراج بالضمان). سلمنا المعارضة، لكن المتقدم منهما من المتأخر مجهول، فلا يصح الحكم بالنسخ لعدم العلم بالتاريخ.\nوالجواب عن السبب الثاني: أن حديث المصرَّاة أصل منفرد بنفسه، مستثنى من تلك القواعد، كما قد استثني ضرب الدِّية على العاقلة، ودية الجنين، والعرية (٢)، والجعل، والقراض، عن أصول ممنوعة، لدعاء الحاجة إلى هذه المستثنيات، ولحصول مصالح خاصة منها. وبيانه في مسألة المصراة: أن الشرع إنما ضمن لبنها بالصاع دفعًا للخصام، وسدًّا لذريعة المنازعة لتعذُّر ضبط مقدار اللبن، فإنه يختلف بالكثرة والقلة، ولتعذر تمييز اللبن الكائن في الضرع من الحادث. وخصَّه بالطعام؛ لأنه قوت كاللبن، وبالتَّمر؛ لأنه أغلب قوتهم، ووصفه\n_________\n(١) هو الحديث السابق.\n(٢) \"بيع العرايا\": هو بيع الرُّطَبِ على النخل خرصًا بتمر.","vol":"4","page":371},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nبقوله: (لا سمراء) رفعًا للحرج في تكلُّف (١)؛ لقلتها عندهم. وعلى هذا: فلم تخرج المصراة عن قانون الالتفات للمصالح، لكنَّها مصالح مخصوصة لا يلحق بها غيرها لعدم نظائرها، ولو سلَّمنا أنها معارضة لأقيسة تلك القواعد من كل وجه، لكن لا نسلم: أن القياس مقدَّم على خبر الواحد؛ لأن النبي ﷺ قدَّم السُّنة على القياس في حديث معاذ ﵁ حيث قال له: (بم تحكم؟) قال: بكتاب الله. قال: (فإن لم تجد؟) قال: بسنة رسول الله ﷺ. قال: (فإن لم تجد؟) قال: أجتهد رأيي (٢). والسَّنة: تعم التواتر، والآحاد. ولكثرة الاحتمالات في القياسات، وقلتها في خبر الواحد. وقد أوضحنا هذا في الأصول. وهذا هو الصحيح من مذهب مالك وغيره من المحققين.\nوفي حديث المصراة أبواب من الفقه نشير إليها:\nفمنها: أن العقد المنهي عنه، المحرّم إذا كان لأجل الآدمي لم يدلّ على الفساد، ولا يفسخ العقد. ألا ترى: أن التصرية غش محرَّم. ثم إن النبي ﷺ لم يفسخ العقد، لكن جعل للمشتري الخيار.\nومنها: أن الغرور بالفعل معتبر شرعا؛ لأنه صار كالتصريح باشتراط نفي العيب. ولا يختلف في الغرور الفعلي. وإنما اختلف في الغرور بالقول، هل هو معتبر أو لا؟ فيه قولان:\nفرع: لو كان الضرع كثير اللحم، فظنه المشتري لبنًا، لم يجب له الخيار؛ إذ لا غرور، ولا تدليس، لا بالفعل، ولا بالقول.\nومنها: جواز خيار الشرط. وهذا لا يختلف فيه. وإنما اختلف في مقداره.\n_________\n(١) في (ل ١): تكليف.\n(٢) رواه أبو داود (٣٥٩٢)، والترمذي (١٣٢٧).","vol":"4","page":372},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-595>(٤) باب ما جاء: أن التصرية عيب يوجب الخيار</span>\n[١٦٠٦] عَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَن ابتَاعَ شَاةً\nــ\nفذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أن أجل الخيار غايته ثلاثة أيام في كل شيء؛ تمسُّكًا بهذا الحديث، وبقوله ﷺ للرجل الذي شكا إليه: أنه يُخدع في البيوع، فقال له: (إذا بايعت فقل: لا خلابة، وأنت في كل ما تبتاعه بالخيار ثلاثًا) (١).\nوذهب مالك إلى أن أجله غير محدود بحدٍّ، إنما هو بحسب ما يحتاج إليه المبيع في اختياره. وذلك يختلف بحسب اختلاف المبيعات. وتفصيله في الفروع. ويعتذر عن تلك الأحاديث بالقول بموجبها؛ فإنها المدة التي تُختبر فيها المصراة، فتعرف عادتها. ولذلك اختلف أصحابنا في الحَلبة الثالثة، هل تعدُّ رضًا أو لا تُعدُّ؟\nوقول مالك: إنها لا تُعدُّ رضًا. وهو الصحيح؛ لأن الحلبة الأولى بها ظهرت الدُّلسَة، وبالثانية تحقَّقت، وبالثالثة تُعرف عادتها.\nقلت: ولا يتمشَّى هذا إلا إذا حُلبت في كل يوم حلبة. وأما حديث المخدوع: فالقول بموجبه أيضًا؛ فإن ذلك الخيار صار بالشرط لنصّ النبي ﷺ على اشتراطه، ولا نزاع فيه إذا لم يكن بعيدًا يلزم منه غررٌ، أو يلحق به ضرر، فلو شرط فيما يختبر في عشرة أيام - مثلًا - ثلاثة لصحَّ البيع، ولزم الشرط، ولا يختلف في هذا إن شاء الله تعالى.\nومنها: أنَّ التصرية عيبٌ يوجب الخيار. وهو حجة على أبي حنيفة ومحمد بن الحسن؛ حيث قالا: إنَّ التصرية ليست بعيب، ولا توجب خيارًا. وقد روي عن أبي حنيفة أنها عيب توجب الأرش. وقال زُفر -من أصحاب أبي حنيفة -: يردُّ صاعًا من تمرٍ، أو نصف صاع من بُرٍّ.\n_________\n(١) رواه البخاري (٢١١٧)، وأبو داود (٣٥٠٠)، والنسائي (٧/ ٢٥٢).","vol":"4","page":373},{"text":"مُصَرَّاةً، فَهُوَ فِيهَا بِالخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، إِن شَاءَ أَمسَكَهَا، وَإِن شَاءَ رَدَّهَا، وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِن تَمرٍ.\nــ\nومنها: أن بيع الخيار موضوع لتمام البيع، واستقراره. لا للفسخ. وهو أحد القولين عندنا. وقيل: هو موضوع للفسخ. والأول أولى؛ لقوله ﷺ: (إن شاء أمسكها) والإمساك: استدامة التمسك لما قد ثبت وجوده، كما قال ﷺ لغيلان: (أمسك أربعًا، وفارق سائرهن) (١) أي: استدم حكم العقود السابقة. وقد بيَّناه في الأصول.\nو(قوله: وإن سخطها ردَّها وصاعًا من تمر) وفي أخرى: (صاعًا من تمر لا سمراء) وفي أخرى: (صاعًا من طعام لا سمراء). ذهب الشافعي وأكثر العلماء: إلى أنه لا يجوز فيها إلا الصَّاع من التمر. وقال الداودي: الطعام المذكور هنا هو: التمر. وذهب مالك: إلى أن التمر إنما ذكر في الحديث؛ لأنه أغلب قوتهم، فيخرج الغالب من قوت بلده؛ قمحا، أو شعيرًا، أو تمرًا؛ متمسكًا بعموم قوله: (طعام) فإنَّه يَعُم التمر وغيره. ومستأنسًا بأن الشرع قد اعتبر نحو هذا في الدِّيات، ففرض على أهل الإبل إبلًا، وعلى أهل الذهب الذهب، وعلى أهل الورق الورق. وكذلك فعل في زكاة الفطر. وقد روي عن مالك رواية شاذَّة: أنه يخرج فيها مكيلة ما حلب من اللبن تمرًا، أو قيمته. وقد تقدَّم قول أبي حنيفة وزُفر. وقال أبو يوسف وابن أبي ليلى: يخرج القيمة بالغة ما بلغت. وأحسن هذه الأقوال مشهور مذهب مالك؛ لما ذكرناه، والله أعلم.\nواختلف أصحابنا فيما إذا رضي البائع بقبولها بلبنها. فأجازها بعضهم، وقال: هي إقالة. وقال غيره: لا يجوز؛ لأن اللبن غير متعين؛ إذ لا يتميز كائنه عن حادثه، فكيف تصح الإقالة فيه؟ !\n_________\n(١) رواه البيهقي (٧/ ١٨١)، وابن حبان (٤١٥٧).","vol":"4","page":374},{"text":"وفي أخرى: فَهُوَ بِخَيرِ النَّظَرَينِ، بعد أن يحلبها، إِن شَاءَ أَمسَكَهَا، وَإِن شَاءَ رَدَّهَا، وَصَاعًا مِن تَمرٍ، لَا سَمرَاءَ.\nوفي أخرى: صاعًا مِن طعام لَا سَمرَاءَ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٤٢)، والبخاري (٢١٥١)، ومسلم (١٥٢٤) (٢٣ و٢٥ و٢٦)، وأبو داود (٣٤٤٥)، والترمذي (١٢٥١)، والنسائي (٧/ ٢٥٣)، وابن ماجه (٢٢٣٩).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-596>(٥) باب النهي عن بيع الطعام قبل أن يقبض أو ينقل</span>\n[١٦٠٧] عَن ابنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَن ابتَاعَ طَعَامًا، فَلَا يَبِعهُ حَتَّى يَستَوفِيَهُ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: وَأَحسِبُ كُلَّ شَيءٍ مِثلَهُ.\nــ\nو(قوله: لا سمراء) هو معطوف على (صاعا) وهمزته للتأنيث، فلذلك لم تصرف. و(السَّمراء): قمحة الشام. والبيضاء: قمحة مصر. وقيل: البيضاء: الشعير. والسمراء: القمح مطلقا. وإنما نفاها تخفيفًا، ورفعًا للحرج، وهو يشهد لقول مالك.\n(٥) ومن باب: النهي عن بيع الطعام قبل أن يقبض\n(قوله ﷺ: (من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه) وفي أخرى: (حتى يكتاله). وروى أبو داود من حديث ابن عمر ﵄: نهى","vol":"4","page":375},{"text":"وفي أخرى: مَن ابتَاعَ طَعَامًا، فَلَا يَبِعهُ حَتَّى يَكتَالَهُ.\nرواه أحمد (٢/ ١١١)، ومسلم (١٥٢٥) (٢٩ و٣١)، وأبو داود (٣٤٩٦)، والنسائي (٧/ ٢٨٦).\n[١٦٠٨] ومثله عن أبي هريرة قَالَ طَاوُسٍ: فَقُلتُ لِابنِ عَبَّاسٍ: لِمَ؟ فَقَالَ: أَلَا تُرَاهُم يَتَبَايَعُونَ بِالذَّهَبِ وَالطَّعَامُ مُرجَأٌ.\nرواه مسلم (١٥٢٥) (٣١).\nــ\nرسول الله ﷺ أن يبيع أحدٌ طعامًا اشتراه بكيل حتى يستوفيه (١). وبظاهر هذا الحديث قال مالك. غير أنَّه ألحق بالشراء جميع المعاوضات، وحمل الطعام على عمومه - ربويًا كان أو غير ربوي - في مشهور الروايتين عنه. وروى ابن وهب عنه تخصيصه بما فيه الرِّبا من الأطعمة. ورأي ابن حبيب وسحنون: أنه يتعدى إلى كل ما فيه حق توفية، فحذفا خصوصية الطعام، وكذلك فعل الشافعي، غير أنَّه لم يخصَّه بما فيه حق توفية، بل عدَّاه لكل مشترى. وكذلك فعل أبو حنيفة غير أنه استثنى من ذلك العقار، وما لا ينقل. وقال: يجوز بيع كل شيء قبل قبضه عثمان البَتِّي، وانفرد به.\nفحجة مالك رحمه الله تعالى للمشهور عنه: التمسك بظاهر الحديث، وعضده بما ذكره في موطئه (٢): من أنه مجمع عليه بالمدينة، وأنه لا خلاف عندهم في منعه وقصره على ما بيع بكيل، أو وزن من الطعام، تمسكًا بدليل خطاب الأحاديث المتقدّمة.\nثم اختلف أصحابه: هل هذا المنع شرع غير معلل بالعينة، وإليه أشار مالك في موطئه (٢)، حيث أدخل هذا الحديث في باب العينة، وهو\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٤٩٥).\n(٢) انظر الموطأ (٢/ ٦٤٠).","vol":"4","page":376},{"text":"[١٦٠٩] وعَن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: كُنَّا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَبتَاعُ الطَّعَامَ، فَيَبعَثُ عَلَينَا مَن يَأمُرُنَا بِانتِقَالِهِ، مِن المَكَانِ الَّذِي ابتَعنَاهُ فِيهِ إِلَى مَكَانٍ سِوَاهُ.\nرواه أحمد (٢/ ١٥)، والبخاريُّ (٢١٦٧)، ومسلم (١٥٢٧)، وأبو داود (٣٤٩٤)، والنسائي (٧/ ٢٨٧)، وابن ماجه (٢٢٢٩).\nــ\nالذي عنى ابن عباس حيث قال: (يتبايعون بالذهب، والطعام مُرجَأٌ). وأمَّا الشافعي: فإنما حذف خصوصية الطعام لما صَحَّ عنه ﷺ من نهيه عن ربح ما لم يضمن؛ خرَّجه الترمذي (١) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄، فهذا اللفظ قد عم الطعام وغيره. ولقول ابن عباس: وأحسب كل شيء مثله.\nقلت: ويعتضد مذهب الشافعي بما رواه الدارقطني من حديث حكيم بن حزام ﵁؛ أنه قال: يا رسول الله! إني أشتري فما يحل وما يحرم علي؟ قال: (يا ابن أخي! إذا ابتعت شيئًا فلا تبعه حتى تقبضه) (٢). وروى أبو داود من حديث زيد بن ثابت - ﵁ - أنه قال: نهى رسول الله ﷺ أن تباع السِّلع حيث تبتاع، حتى يحوزها التجار إلى رحالهم. ومتمسَّكات مالك والشافعي تبطل قول عثمان البَتِّي.\nو(قول ابن عمر ﵄: (كنا في زمن رسول الله ﷺ وفي عهد رسول الله ﷺ نبتاع الطعام، فيبعث علينا من يأمرنا بانتقاله) وفي الأخرى: (جزافًا - وأنهم كانوا - يُضرَبُون في أن يبيعوه حتى يؤووه إلى رحالهم) (٣) دليل لمن سوَّى بين الجزاف في المكيل من الطعام في المنع من بيع ذلك حتى يقبض،\n_________\n(١) رواه الترمذي (١٢٣٤)، وهو عند أحمد (٢/ ١٧٥)، وابن ماجه (٢١٨٨).\n(٢) رواه الدارقطني (٣/ ٩).\n(٣) رواه أبو داود (٣٤٩٩).","vol":"4","page":377},{"text":"[١٦١٠] وعنه قَالَ: رَأَيتُ النَّاسَ فِي عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا ابتَاعُوا الطَّعَامَ جِزَافًا يُضرَبُونَ فِي أَن يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِم، وَذَلِكِ حَتَّى يُؤوُوهُ إِلَى رِحَالِهِم.\nــ\nورأى: أن قبض الجزاف نقله. وبه قال الكوفيون، والشافعي، وأبو ثور، وأحمد، وداود. وهم على أصولهم في منعه في كل شيء إلا ما استثني حسب ما تقدم، وحمل مالك ﵀ هذه الأحاديث على الأولى والأحبِّ، فلو باع الجزاف قبل نقله جاز؛ لأنه بنفس تمام العقد، والتخلية بينه وبين المشتري صار في ضمانه، ولدليل الخطاب في قوله ﷺ: (من ابتاع طعامًا بكيل) (١) وما في معناه. وإلى جواز ذلك صار البتِّيّ، وسعيد بن المسيب، والحسن، والحكم، والأوزاعي، وإسحاق على أصولهم.\nفرع: ألحق مالك ﵀ بيع الطعام قبل قبضه بسائر عقود المعاوضات كلّها، فمن حصل له طعام بوجه معاوضة؛ كأخذه في صلح من دم، أو مهر، فلا يجوز له بيعه قبل قبضه. واستثنى من ذلك الشركة والتولية، والإقالة (٢). وقد روي عنه منعه في الشركة. ووافقه الشافعي، وأبو حنيفة في الإقالة خاصة.\nقلت: والذي أوجب استثناء هذه الأربعة العقود عند مالك أنها عقود؛ المقصود بها: المعروف، والرِّفق، لا المشاركة، والمكايسة، فأشبهت القرض. وأولى من هذا: مرسلان صحيحان، مشهوران:\nأحدهما: قال سعيد بن المسيب في حديث ذكره -كأنَّه عن النبي ﷺ -: لا بأس\n_________\n(١) من حديث أبي داود (٣٤٩٥).\n(٢) انظر الموطأ (٢/ ٦٤٩).","vol":"4","page":378},{"text":"وَقال عُبَيدُ اللَّهِ بنِ عُمَرَ، إنَّ أَبَاهُ كَانَ يَشتَرِي الطَّعَامَ جِزَافًا فَيَحمِلُهُ إِلَى أَهلِهِ.\nرواه أحمد (٢/ ٧)، والبخاريُّ (٢١٣١)، ومسلم (١٥٢٧) (٣٧ و٣٨)، والنسائي (٧/ ٢٨٧).\n[١٦١١] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّهُ قَالَ لِمَروَانَ: أَحلَلتَ بَيعَ الرِّبَا؟ فَقَالَ مَروَانُ: مَا فَعَلتُ. فَقَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: أَحلَلتَ بَيعَ الصِّكَاكِ، وَقَد نَهَى\nــ\nبالتولية، والإقالة، والشرك في الطعام قبل أن يستوفى. ذكره أبو داود (١) وقال: هذا قول أهل المدينة.\nوذكر عبد الرزاق عن ابن جريج، قال: أخبرني ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن النبي ﷺ حديثا مستفاضًا بالمدينة قال: (من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه، ويستوفيه إلا أن يشرك فيه، أو يوليه، أو يقيله) (٢).\nقلت: وينبغي للشافعي، وأبي حنيفة أن يعملا بهذين المرسلين. أما الشافعي: فقد (٣) نصَّ على أنه يعمل بمراسيل سعيد. وأما أبو حنيفة: فإنه يعمل بالمراسيل مطلقا، كمالك.\nوقول أبي هريرة لمروان: (أحللت بيع الصكاك!) إنكار منه عليه، وتغليظ. وهذا (٤) نصٌّ في أن أبا هريرة ﵁ كان يفتي على الأمراء وغيرهم. وهو ردٌّ على من جهل حال أبي هريرة، وقال: إنه لم يكن مفتيًا. وهو قول باطل\n_________\n(١) رواه أبو داود في المراسيل (١٩٨).\n(٢) رواه عبد الرزاق (١٤٢٥٧).\n(٣) في (ع): فإنه.\n(٤) في (ع) و(ج ٢): وهو.","vol":"4","page":379},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن بَيعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُستَوفَى قَالَ: فَخَطَبَ مَروَانُ النَّاسَ فَنَهَاهم عَن بَيعِهَا. قَالَ سُلَيمَانُ بن يسار: فَنَظَرتُ إِلَى حَرَسٍ يَأخُذُونَهَا مِن أَيدِي النَّاسِ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٤٩)، ومسلم (١٥٢٨) (٤٠).\n* * *\nــ\nبما يوجد له من الفتاوى، وبالمعلوم من حاله؛ وذلك: أنَّه كان من أحفظ الناس لحديث رسول الله ﷺ وألزم الناس للنبي ﷺ ولخدمته حضرًا، وسفرًا. وأغزرهم علمًا.\nو(الصكوك): جمع صَك. وهي: التواقيع السُّلطانية بالأرزاق. وهذا البيع الذي أنكره أبو هريرة للصُّكوك إنما هو بيع من اشتراه ممن رزقه، لا بيع من رزقه؛ لأن الذي رزقه وصل إليه الطعام على جهة العطاء، لا المعاوضة. ودليل ذلك ما ذكره مالك في الموطأ (١)، قال: إن صكوك الجار خرجت للناس في زمن مروان من طعام الجار، فتبايع الناس تلك الصكوك بينهم قبل أن يستوفوها، وذكر الحديث في الموطأ أيضًا: أن حكيم بن حزام ابتاع طعامًا أمر به عمر بن الخطاب (٢) للناس، فباع حكيم الطعام قبل أن يستوفيه، فبلغ ذلك عمر، فردَّه، وقال: لا تبع طعامًا ابتعته قبل أن تستوفيه (٣).\nفإن قيل: فما في الموطأ يدل على فسخ البيعتين: بيع المعطى له، وبيع المشترى منه؛ إذ فيه: أن مروان بعث الحرس لينتزعوا الصكوك من أيدي الناس، ولم يفرق. فالجواب ما قد بينه بتمام الحديث، حيث قال: ويردُّونها إلى من ابتاعها. وكذلك فعل عمر بحكيم، فإنه ردَّ الطعام\n_________\n(١) انظر الموطأ (٢/ ٦٤١).\n(٢) في (ع) و(ل ١): عمر بن عبد العزيز، وما أثبتناه من الموطأ (٢/ ٦٤١).\n(٣) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٦٤١).","vol":"4","page":380},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-597>(٦) باب بيع الخيار، والصدق في البيع، وترك الخديعة</span>\n[١٦١٢] عَن ابنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: البَيِّعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا بِالخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَم يَتَفَرَّقَا،\nــ\nعليه؛ لأنه هو الذي كان اشتراه من الذي أعطيه، فباعه قبل أن يستوفيه كما قد نصَّ عليه فيه. والجار موضع معروف بالسَّاحل كان يجتمع فيه الطعام فيُرزق الناس منه (١).\n(٦) ومن باب: بيع الخيار\nقد تقدَّم القول على أصل الخيار في الباب قبل هذا. و(البيِّعان) تثنية (بيع) وهو يقال على البائع وعلى المشتري. كما يقال كل واحد منهما على الآخر. وهو اسم فاعل من: باع. كما يقال: تيِّق، من: تاق، وميِّقٌ من: ماق.\nو(قوله: كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا) وفي الرواية الأخرى: (وكانا جميعًا) ظاهر ألفاظ هذا الحديث وإن كثرت متواردة على ثبوت خيار المجلس لكل واحد من المتبايعين. وإن التفرُّق المذكور فيه؛ إنما هو بالأبدان. وإليه ذهب كثير من الصحابة والتابعين، كسعيد بن المسيب، والزهري، وابن أبي ذئب، والليث، والثوري، وسفيان بن عيينة، وابن المبارك، والأوزاعي، والشافعي، وأهل الظاهر. وذهبت طائفة من أصحابنا وغيرهم: إلى أنه محمول على ظاهره، لكن على جهة الندب، لا على الوجوب. وترك العمل به مالك، وربيعة، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، وأبو يوسف، والثوري، والنخعي\n_________\n(١) الجار: بتخفيف الراء، مدينة على ساحل بحر القلزم (الأحمر) بينها وبين المدينة المنورة يوم وليلة. معجم البلدان (٢/ ٩٢).","vol":"4","page":381},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفي أحد قوليهما. ورأوا: أن التفرُّق إذا حصل بالأقوال وجب البيع، ولا خيار إلا إن اشترط.\nوالذي لأجله ترك مالك العمل بظاهر الحديث: ما نص عليه في الموطأ لما ذكر هذا الحديث، ثم قال: وليس لهذا عندنا حدٌّ معروف، ولا أمر معمول به (١). وظاهر هذا: أن أهل المدينة اتفقوا على ترك العمل به. وليس ذلك الظاهر بصحيح؛ لأن سعيد بن المسيب والزهري وابن أبي ذئب من أهل المدينة وقد قالوا به، وقد أنكره ابن أبي ذئب على مالك. وقد اعتذر أصحابنا عن مالك بأعذار كثيرة أجمعها: ما ذكره القاضي أبو بكر بن العربي فقال على قول مالك: ليس لهذا عندنا حدٌّ معروف؛ يريد: أن فرقتهما ليس لها وقت معلوم. وهذه جهالة وقف البيع عليها، فيكون كبيع الملامسة، والمنابذة. وكبيع على خيار إلى أجل مجهول. وما كان كذلك فهو فاسد قطعًا، ولا يعارض هذا الأصل بظاهر لم يتحصَّل المراد منه مفهومًا؛ إذ تفسير ابن عمر ليس بحجة، ولهذا عدل عن ظاهره الفقهاء السبعة (٢)، وغيرهم من السَّلف. وأوَّلوه على أنه قد روي في بعض طرقه: ما لم\n_________\n(١) الموطأ (٢/ ٦٧١).\n(٢) جُمِعَت أسماؤهم في هذين البيتين:\nألا كل من لا يقتدي بأئمةٍ ... قسمتُه ضيزى عن الحق خارجة\nفَخُذْهُم: عبيد الله، عروة، قاسم ... سعيد، سليمان، أبو بكر، خارجة\n- عبيد الله: هو ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي.\n- عروة: هو ابن الزبير.\n- القاسم: هو ابن محمد بن أبي بكر الصديق.\n- سعيد: هو ابن المسيب بن حَزْن بن أبي وهب.\n- سليمان: هو ابن يسار الهلالي المدني.\n- أبو بكر: هو ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي.\n- خارجة: هو ابن زيد بن ثابت الأنصاري.","vol":"4","page":382},{"text":"إِلَّا بَيعَ الخِيَارِ.\nرواه أحمد (٢/ ٤)، والبخاريُّ (٢١٠٩)، ومسلم (١٥٣١) (٤٣)، وأبو داود (٣٤٥٥)، والترمذي (١٢٤٥)، والنسائي (٧/ ٢٤٩).\n[١٦١٣] وعَن ابنِ عُمَرَ، عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا بِالخِيَارِ مَا لَم يَتَفَرَّقَا، وَكَانَا جَمِيعًا، أَو يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَإِن خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكِ، فَقَد وَجَبَ البَيعُ، وَإِن تَفَرَّقَا بَعدَ أَن تَبَايَعَا، وَلَم يَترُك وَاحِدٌ مِنهُمَا البَيعَ، فَقَد وَجَبَ البَيعُ.\nــ\nيتفرَّقا، إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله. رواه الليث عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه قال: قال رسول الله ﷺ فذكره. فظاهر هذه الزيادة مخالف لظاهر أول الحديث، فإن تأول من أخذ بظاهر الحديث لفظ الاستقالة: باختيار الفسخ تأولنا لفظ الخيار باختيار الاستقالة، فإذا تقابل التأويلان وقف الحديث. والقياس في جانبنا.\nقلت (١): وهذا كلام وجيزٌ في لفظه، جامعٌ في معناه لكل ما يَتَمسَّك به متمسِّك من المالكيِّين، وممن هو على مذهبهم. فلنقتصر عليه. والله الموفق.\nو(قوله ﷺ: (إلا بيع الخيار) معناه على مذهب الشافعي: أن خيار المجلس لا أثر له مع وجود خيار الشرط، فلو تفرَّقا مع اشتراط خيار الثلاث لم يجب البيع بنفس التفرُّق، بل بمضي مدة الخيار المشترط، ويكون هذا الاستثناء من قوله: (لا بيع بينهما) وهو استثناء موجب من منفيّ. فكأنه قال: كلٌّ بيِّعَين فلا حُكم لبيعهما ما داما في مجلسهما إلا بيع الخيار المشترط، فحكمه باق إلى مدته،\n_________\n(١) سقطت من (ع).","vol":"4","page":383},{"text":"وفي أخرى: كُلُّ بَيِّعَينِ لَا بَيعَ بَينَهُمَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إِلَّا بَيعُ الخِيَارِ.\nوفي رواية: قَالَ نَافِعٌ: فَكَانَ - يعني ابن عمر - إِذَا بَايَعَ رَجُلًا، فَأَرَادَ أَلَا يُقِيلَهُ، قَامَ فَمَشَى هُنَيَّهةً، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيهِ.\nرواه البخاريُّ (٢١١٢)، ومسلم (١٥٣١) (٤٤ و٤٥ و٤٦).\n[١٦١٤] وعَن حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ - وولد في جوف الكعبة وعاش مائة وعشرين سنة - عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَم يَتَفَرَّقَا، فَإِن صَدَقَا وَبَيَّنَا، بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيعِهِمَا، وَإِن كَذَبَا وَكَتَمَا، مُحِقَت بَرَكَةُ بَيعِهِمَا.\nرواه أحمد (٣/ ٤٠٣)، والبخاري (٢٠٧٩)، ومسلم (١٥٣٢)، وأبو داود (٣٤٥٩)، والنسائي (٧/ ٢٤٤ و٢٤٥).\nــ\nوإن افترقا بالأبدان. ويمكن تنزيله على مذهب مالك على هذا النحو، غير أن التفرُّق يحمل على التفرُّق بالأقوال، ويكون البيعان بمعنى المتساومين. غير أن الاستثناء يكون منقطعًا؛ لأن المتبايعين بالخيار الشرطي ليسا متساومين، بل متعاقدين، فيكون تقديره: لكن بيع الخيار يلزم حكمه بانقضاء مدته. والله تعالى أعلم. وقد تقدَّم القول في بيع الخيار وفي مدته.\nو(قول نافع: إن ابن عمر كان إذا بايع رجلًا، وأراد ألا يقيله، قام فتمشى هنيهة ثم رجع إليه) دليل: على أن ابن عمر كان يرى التفرُّق بالأبدان، وأن ذلك يجوز. وحينئذ يعارضه قول النبي ﷺ: (ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله) ويعتذر عن ابن عمر بأن هذه الزيادة لم يسمعها، أو لم تصح عنده. وقد حكى أبو عمر الإجماع: على جواز ما فعل ابن عمر. فإن صحَّ هذا، فتلك الزيادة متروكة الظاهر بالإجماع.\nو(هنيهة): تصغير هنةٍ، وهي كلمه يعبَّر بها عن كل شيء قليل.\nو(قوله: فإن صدقا وبيَّنا) أي: إن صدقا في الإخبار عن الثمن والمثمون","vol":"4","page":384},{"text":"[١٦١٥] وعن ابنَ عُمَرَ قَالَ: ذَكَرَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ يُخدَعُ فِي البُيُوعِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن بَايَعتَ فَقُل: لَا خِلَابَةَ. فَكَانَ إِذَا بَايَعَ يَقُولُ: لَا خِيَابَةَ.\nرواه أحمد (٢/ ٦١)، والبخاريُّ (٢٤٠٧)، ومسلم (١٥٣٣).\n* * *\nــ\nفيما يباع مرابحة، وبيّنا ما فيها من العيوب.\nو(بورك لهما) أي: بورك في الثمن: بالنماء، وفي المثمون بدوام الانتفاع به. (وإن كذبا، وكتما، محقت تلك البركة) أي: أذهبت، ورفعت. والرَّجل الذي كان يخدع في البيوع، هو: حَبَّان بن منقذ بن عمرو الأنصاري، والد يحيى وواسع، ابني حبَّان، شهد أحدًا. أتى عليه مائة وثلاثون سنة، وكان شُجَّ في بعض مغازيه مع النبي ﷺ مأمومة (١) خُبل (٢) منها عقله، ولسانه.\nوذكر الدارقطني: أنه كان ضرير البصر. وقد روي: أن النبي ﷺ جعل له عهدة الثلاث (٣)؛ إذ كان أكثر مبايعته في الرَّقيق.\nو(الخلابة): الخديعة. ومنه قولهم: إذا لم تغلِب فاخلُب.\nو(قوله: لا خيابة) روايتنا فيه: بالياء باثنتين من تحتها مكان اللام. وهو الصحيح؛ لأنه كان ألثغ، يخرج اللام من غير مخرجها. وقد رواه بعضهم: (لا خيانة) بالنون، وليس بالمشهور. وفي غير كتاب مسلم: أنه كان يقول: لا خذابة - بالذال المعجمة -. وهذا الحديث قد رواه الترمذي من حديث أنس. وقال: هو\n_________\n(١) قال في اللسان: شجاج الرأس عشرة، وذكر منها: المأمومة، ويقال لها: الآمّة، وهي التي لا يبقى بينها وبين الدماغ إلا جلدة رقيقة، وفيها ثلث الدية.\n(٢) جاء في حاشية (ل ١): قال ابنُ القطاع: خَبِل الزمانُ والشيءُ خَبْلًا، وخَبَالًا: اضطرب. وخُبِل الرجل: اضطرب عقله.\n(٣) رواه الحاكم (٢/ ٢٢).","vol":"4","page":385},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالصحيح. وقال فيه: إن رجلًا كان في عقله ضعف، وكان يبايع، وأن أهله أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله! احجر عليه. فدعاه النبي ﷺ (١) فنهاه، فقال: يا رسول الله! إني لا أصبر عن البيع! فقال: (إذا بايعت فقل: لا خلابة (٢». وخرَّجه أبو داود وقال فيه: (إن كنت غير تارك للبيع فقل: ها وها ولا خلابة (٣». وذكره البخاري في التاريخ وقال فيه: (إذا بايعت فقل: لا خلابة، وأنت في كل سلعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليال) (٤) وفيه (٥) أبواب من الفقه مختلف فيها:\nأولها: أن كل من يخدع في البيوع لقلة خبرته، وضعف عقله، فهل يحجر عليه أم لا؟ فقال بالحجر عليه أحمد، وإسحاق. وقال آخرون: لا يحجر عليه. والقولان في المذهب (٦).\nوثانيها: أن الغبن هل يوجب الخيار للمغبون أم لا؟ فذهب الشافعي وأبو حنيفة، ومالك - في أحد قوليه - إلى نفي الخيار. وذهب آخرون إلى لزوم الخيار. وإليه ذهب البغداديون من أصحابنا.\nثم اختلف هؤلاء في حدِّ الغبن الموجب للخيار. فمنهم من حدَّه بالثلث. ومنهم من حدَّه بالتفاحش الذي لا يُتغابن بمثله.\nوثالثها: مدَّة الخيار. هل هي مقدَّرة بالثلاث في كل مبيع، أو يختلف ذلك بحسب الاحتياج إلى اختيار المبيع على ما قد تقدم.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٢) رواه الترمذي (١٢٥٠).\n(٣) رواه أبو داود (٣٥٠١).\n(٤) ذكره البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٢/ ١٧).\n(٥) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٦) ساقط من (ع) و(ل ١).","vol":"4","page":386},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-598>(٧) باب النهي عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها</span>\n[١٦١٦] عَن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تَبتَاعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبدُوَ صَلَاحُهُ وَتَذهَبَ عَنهُ الآفَةُ. قَالَ: يَبدُوَ صَلَاحُهُ: حُمرَتُهُ وَصُفرَتُهُ.\nوفي رواية: نَهَى عَن بَيعِ الثَّمرِ حَتَّى يَبدُوَ صَلَاحُها، نَهَى البَائِعَ وَالمُشتَرِيَ.\nوفي أخرى: نَهَى عَن بَيعِ النَّخلِ حَتَّى يَزهُوَ، وَعَن السُّنبُلِ حَتَّى يَبيَضَّ وَيَأمَنَ العَاهَةَ، نَهَى البَائِعَ وَالمُشتَرِيَ.\nرواه أحمد (٢/ ٥٩)، والبخاريُّ (٢١٨٣)، ومسلم (١٥٣٤) (٥١) و(١٥٣٥) (٥٠)، والنسائي (٧/ ٢٦٢).\nــ\nوسبب الخلاف في هذه الأبواب اختلافهم في هذا الحديث. هل هو خاصٌّ بهذا الرجل، أو هو عام له ولغيره، وإذا تنزلنا على حمله على العموم، فهل دلالة هذا الحديث على هذه الأحكام ظاهرة فيها، أم لا؟ وإذا تنزلنا على الظهور. فهل سلمت مِمَّا يعارضها، أم لا؟ وبسط هذا يستدعي تطويلًا.\n(٧) ومن باب: النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها\n(قوله: نهى عن بيع النخل حتى يزهو أو حتى تزهي) جاء الحديث باللفظتين. يقال: أزهت الثمرة تزهو، وأزهت، تزهي: إذا بدا طيبها وتلونها.","vol":"4","page":387},{"text":"[١٦١٧] وعن جَابِرٍ قَالَ: نَهَى، أَو نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن بَيعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَطِيبَ.\nرواه مسلم (١٥٣٦).\nــ\nحكاه صاحب الأفعال (١). وقال ابن الأعرابي: يقال: زها النخل يزهو (٢): إذا ظهرت ثمرته. وأزهى: إذا احمرَّ أو اصفرَّ، قال غيره: (يزهو) خطأ. وإنما يقال: يزهي. وحكاهما أبو زيد. وقال الخليل: أزهى الثمر: بدا صلاحه. قال غيره: هو ما احمرَّ منه واصفرَّ. وهو الزَّهو والزُّهو معًا.\nقلت: أحاديث هذا الباب؛ وإن اختلفت ألفاظها متواردة على النهي عن بيع الثمرة - وإن أُبِّرت - حتى تصلح لأن يؤكل منها أكلًا غالبًا. وهل ذلك النهي محمول على ظاهره من التحريم - وهو مذهب الجمهور - أو على الكراهة - وهو مذهب أبي حنيفة -؟ وعليه: فلو وقع بيع الثمرة قبل أن يبدو صلاحها، فسخه الجمهور، وصححه أبو حنيفة إذا ظهرت الثمرة، وبناء على أصله في ردِّ أخبار الآحاد للقياس. والصحيح مذهب الجمهور للتمسُّك بظاهر النهي، ولقوله ﷺ: (أرأيت إن منع الله الثمرة، بم يأكل أحدكم مال أخيه بغير حق!) (٣). وهذا يدل على أن بيعها قبل بدوِّ صلاحها من أكل المال بالباطل، ولأنَّه غررٌ، وبيع الغرر محرَّم.\nوعلى مذهب الجمهور؛ فهل يجوز بيعها قبل بدوِّ الصلاح بشرط القطع\n_________\n(١) ما بين حاصرتين مستدرك من (م).\n(٢) جاء في حاشية (ل ١): النخل يذكر ويؤنث. قال الخطابي: التمر: اسم للرُّطب واليابس في قول أكثر أهل العلم. وعند بعض أهل اللغة: اسم للرُّطب لا غير. وعلى هذا ما جاء من النهي عن بيع التمر بالتمر.\n(٣) رواه البخاري (٢١٩٨)، والنسائي (٧/ ٢٦٤).","vol":"4","page":388},{"text":"[١٦١٨] وعَن أَبِي البَختَرِيِّ قَالَ: سَأَلتُ ابنَ عَبَّاسٍ عَن بَيعِ النَّخلِ فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن بَيعِ النَّخلِ حَتَّى تَأكُلَ مِنهُ، أَو يُؤكَلَ، وَحَتَّى يُوزَنَ. قَالَ: فَقُلتُ: مَا يُوزَنُ؟ فَقَالَ رَجُلٌ عِندَهُ: حَتَّى يُحزَرَ.\nرواه البخاريُّ (٢٢٤٦)، ومسلم (١٥٣٧).\n* * *\nــ\n- وهو مذهب عامتهم-، أو لا يجوز؛ وإن شرطه؟ وهو مروي عن الثوري، وابن أبي ليلى، تمسكًا بعموم تلك الأحاديث. وخصصه العامة بالقياس الجلي؛ لأنه بيع معلوم، يصح قبضه حالة العقد عليه، كسائر المبيعات، فإن وقع بيعها قبل بدوِّ الصلاح من غير شرط؛ فهل يصح، ويُحمل على القطع، أو لا يفسخ؟ قولان، وبالثاني قال الجمهور؛ لأنه إذا لم يشترط القطع تناوله النهي عن بيع الثمار قبل بدوِّ صلاحها. وقد اتفق العلماء: على أنه لا يجوز شراؤها قبل البدوِّ على التبقية، فأمَّا بعد الطيب فيجوز اشتراط البقاء عند كافة العلماء، خلا ما ذكر من مذهب الحنفي (١)، وكذلك له الإبقاء (٢) وإن لم يصرَّح باشتراطه عند مالك، إذ لا يصح اجتناء الثمرة دفعة واحدة؛ لأن تناهي طيبها ليس حاصلًا حالة التعاقد، وإنما يحصل في أوقات مختلفة. وقد شذَّ ابن حبيب، فقال: هي على الجَدِّ حتى يشترط البقاء. وما صار إليه مالك أوضح المسالك.\n* * *\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع) و(ل ١).\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ل ١).","vol":"4","page":389},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-599>(٨) باب النَّهي عن المزابنة</span>\n[١٦١٩] عَن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن المزابنة، وَالمزابنة: بَيعُ ثَمَرِ النَّخلِ بِالتَّمرِ كَيلًا، وَبَيعُ الزَّبِيبِ بِالعِنَبِ كَيلًا، وَعَن كُلِّ تَمَرٍ بِخَرصِهِ.\nوفي رواية: وَالمزابنة: أَن يُبَاعَ مَا فِي رُؤوسِ النَّخلِ بِتَمرٍ بِكَيلٍ مُسَمَّى، إِن زَادَ فَلِي، وَإِن نَقَصَ فَعَلَيَّ.\nرواه البخاريُّ (٢١٧١)، ومسلم (١٥٤٢) (٧٤ و٧٥)، والنسائي (٧/ ٢٦٦).\nــ\n(٨) ومن باب: النَّهي عن المزابنة\nووزنها: مفاعلة، ولا تكون إلا بين (١) اثنين. وأصلها في اللغة: الدفع الشديد. ومنه وصفت الحرب بـ (الزَّبون) لشدة الدفع فيها. وبه سُمِّي الشُّرطي: زِبنيًا؛ لأنه يدفع الناس بعنف وشدة. ومنه: زَبنُ النَّاقة الإناء عند الحلب. ولما كان كل واحد من المتبايعين يدفع الآخر في هذه المبايعة عن حقه سميت بذلك. هذا معنى المزابنة لغة. وأمَّا معناها في الشرع: فقد جاء تفسيرها في هذه الأحاديث بألفاظ مختلفة، كما وقع في الأصل. حاصلها عند الشافعي: بيع مجهول بمجهول، أو بمعلوم من جنس يحرم الرِّبا في نقده. وخالفه مالك في هذا القيد، فقال: سواء كان مما يحرم الرِّبا في نقده، أو لا، مطعومًا، أو غير مطعوم.\nو(قوله في المزابنة: هي بيع ثمر النخل بالتمر كيلًا، وبيع الزبيب بالعنب كيلًا؛ يعني: أن يكون أحدهما بالكيل والآخر بالجزاف، للجهل بالمقدار في\n_________\n(١) في (م): مِنْ.","vol":"4","page":390},{"text":"[١٦٢٠] وعَن سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن المزابنة، وَالمُحَاقَلَةِ، وَالمزابنة: أَن يُبَاعَ ثَمَرُ النَّخلِ بِالتَّمرِ، وَالمُحَاقَلَةُ: أَن يُبَاعَ الزَّرعُ بِالقَمحِ، وَاستِكرَار الأَرضِ بِالقَمحِ. قَالَ: وَأَخبَرَنِي سَالِمُ بنُ عَبدِ اللَّهِ، عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَبتَاعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبدُوَ صَلَاحُهُ، وَلَا تَبتَاعُوا التَّمَرَ بِالتَّمرِ. وَقَالَ سَالِمٌ: أَخبَرَنِي عَبدُ اللَّهِ، عَن زَيدِ بنِ ثَابِتٍ، عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَنَّهُ أرَخَّصَ بَعدَ ذَلِكَ فِي بَيعِ العَرِيَّةِ بِالرُّطَبِ أَو التَّمرِ، وَلَم يُرَخِّص فِي غَيرِ ذَلِكَ.\nرواه البخاري (٥٨٢٠)، ومسلم (١٥٣٩) (٥٩)، وأبو داود (٣٣٧٧ و٣٣٧٨)، والنسائي (٧/ ٢٦٠ و٢٦١)، وابن ماجه (٢١٧٠).\n[١٦٢١] وعن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن بَيعِ الصُّبرَةِ مِن التَّمرِ، لَا يُعلَمُ مَكِيلَتُهَا بِالكَيلِ المُسَمَّى مِن التَّمرِ.\nرواه مسلم (١٥٣٠)، والنسائي (٧/ ٢٦٩ و٢٧٠).\n* * *\nــ\nالجنس، فيدخله الخطر. وإذا كان هذا ممنوعا للجهل من جهة واحدة، فالجهل من جهتين؟ كجزاف بجزاف أدخل في المنع، وأولى. وهذا الحديث يشهد للشافعي على تفسيره للمزابنة، فإنه ما ذكر في الحديث الأول إلا النخل، والعنب. وكلاهما يحرم الرِّبا في نقده، وألحق بهما ما في معناهما. وأما مالك ففهم أن المنع فيها إنما كان من حيث الغرر اللاحق في الجنس الواحد، فعداه لكل جنس وجد فيه ذلك المعنى. والله تعالى أعلم.\nو(المحاقلة) مفاعلة من الحقل، وهي: المزارعة، كما قال النبي ﷺ","vol":"4","page":391},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-600>(٩) باب الرُّخصة في بيع العَرِيَّةِ بخرصها تمرا</span>\n[١٦٢٢] عن زَيد بن ثَابِتٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي بَيعِ العَرِيَّةِ بِخَرصِهَا تَمرًا.\nــ\nللأنصار: (ما تصنعون بمحاقلكم؟) (١) يعني: مزارعهم. وفي مثل العرب: لا تنبت البقلة إلا الحقلة. وهي التي تسمى في العراق: القراح. وقال الليث: هي بيع الزرع قبل أن يغلظ. وقال أبو عبيد: هي بيع الطعام في سنبله بالبر. وقال قوم: هي المزارعة بالجزء مما تنبته الأرض. وسيأتي القول في كراء الأرض.\n(٩) ومن باب: الرُّخصة في بيع العَرِيَّةِ\nوهي في اللغة - على ما نقله الجوهري -: النخلة يُعرِيهَا صاحبها رجلًا محتاجًا، فيجعل ثمرها له عامًا، فيعروها، أي: يأتيها. وهي: فعيلة، بمعنى: مفعولة. وإنما أدخلت فيها الهاء لأنها أفردت، فصارت في عداد الأسماء، كالنطيحة، والأكيلة، ولو جئت بها مع النخلة؛ قلت: نخلة عري. وأنشد لسويد بن الصامت:\nلَيسَت بِسَنهاء ولا رُجبيَّة ... ولكن عَرَايَا في السِّنِين الجَوائح (٢)\nوقال غيره: هي فعيلة، بمعنى: فاعلة؛ أي: عريت من ملك مُعريها. وقال غيرهما: عراه، يعروه: إذا أتاه يطلب منه عرية، فأعراه؛ أي: أعطاه إياها، كما\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ١٤٣)، والبخاري (٢٣٣٩)، ومسلم (١٥٤٨) (١١٤)، وأبو داود (٣٢٩٤)، والنسائي (٧/ ٤٩)، وابن ماجه (٢٤٥٩).\n(٢) قال في اللسان: سانهت النخلة، وهي: سنهاء: حملت سنة، ولم تحمل أخرى.\nوالرَّجْبَةُ: أن تُعْمَدَ النخلة بخشبة ذات شعبتين، إذا كثُر حملُها؛ لئلّا تتكسَّر أغصانُها.","vol":"4","page":392},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nيقال: سألني فأسألته. وطلبني فأطلبته. فالعريَّة: اسم للنخلة المعطى ثمرها. فهي اسم لعطيَّة خاصة. وقد سمت العرب عطايا خاصة بأسماء خاصة، كالمنيحة: لعطية الشاة لِلَّبن. والإفقار: لما ركب فقاره. والإخبال: لما ينتفع به من المال.\nقلت: فقد حصل من نقل أهل اللغة: أن العرية عطية؛ لا بيعٌ. ولما ثبت ذلك فسَّر مالك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، والأوزاعي العرية المذكورة في الحديث: بأنَّها إعطاء الرَّجل من جملة حائطه نخلة أو نخلتين عامًا، على ما تقتضيه اللغة. غير أنهم اختلفوا في شروط كثيرة، وأحكام متعددة. وحاصل مذهب مالك في العرية: أنها عطية ثمرة نخلة أو نخلات من حائط، فيجوز لمن أُعطيها أن يبيعها إذا بدا صلاحها من كل أحد بالعين، والعروض، ومن معطيها خاصة بخرصها تمرًا، وذلك بشروط:\nأحدها: أن تكون أقل من خمسة أوسقٍ. وفي الخمسة خلاف.\nوثانيها: أن تكون بخرصها من نوعها ويابسها نخلًا، وعنبًا. وفي غيرهما مما يوسق، ويدخر للقوت، خلاف.\nوثالثها: أن يقوم بالخرص عند الجداد.\nورابعها: أن يكون المشترى جملتها، لا بعضها.\nوخامسها: أن يكون بيعها عند طيبها، فلو باعها من المُعرِي قبل ذلك على شرط القطع لم يجز، لتعدِّي محل الرُّخصة.\nوأما الشافعي: فالعرية عنده: بيع الرُّطب في رؤوس النخل بتَمر مُعَجَّل. فلم يعرج على اللغة المعروفة فيها. وكأنه اعتمد في مذهبه على تفسير يحيى بن سعيد راوي الحديث، فإنه قال: العرية: أن يشتري الرجل ثمر النخلات لطعام أهله رطبًا بخرصها تمرًا. وهذا لا ينبغي أن يعوَّل عليه؛ لأن يحيى بن سعيد ليس صحابيًّا، فيقال: فهمه عن النبي ﷺ ولا رفعه للنبي ﷺ ولا يثبت به عرف غالب","vol":"4","page":393},{"text":"وفي رواية: رَخَّصَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي العَرِيَّةِ، يَأخُذُهَا أَهلُ البَيتِ بِخَرصِهَا تَمرًا، يَأكُلُونَه رُطَبًا.\nــ\nشرعي حتى يرجِّحه على اللغة. وغايته: أن يكون رأيًا ليحيى، لا رواية له، ثم يعارضه بتفسير ابن إسحاق، فإنه قال: العرايا: أن يهب الرجل للرجل النخلات، فيّشق عليه أن يقوم عليها، فيبيعها بمثل خرصها. ثم هو عين المزابنة المنهي عنها، ووضع رخصة في موضع لا ترهق إليه حاجة وكيدة، ولا تندفع بها مفسدة، فإن المشتري لها بالتمر متمكن من بيع تمره بعين أو عروض، ويشتري بذلك رطبًا، فإن قيل: قد يتعذَّر هذا. قيل: فأجدر بيع الرُّطب بالتمر؛ إذا كان لا على رؤوس النخل؛ إذ قد يتعذر بيع التمر على من هو عنده ممن يريد أن يشتري الرطب به، ولا يجوز ذلك، فلا يجوز تفسير العرية بما ذكروا.\nوأمَّا أبو حنيفة: فإنَّه فسَّر العرية بما إذا وهب رجل ثمر نخلة، أو نخلات، ولم يقبضها الموهوب له، فأراد الواهب أن يعطي الموهوب له تمرا، ويتمسك بالثمرة، جاز له ذلك؛ إذ ليس من باب البيع، وإنما هو من باب الرجوع في الهبة؛ التي لم تجب بناء على أصله في أن الهبة لا تجب إلا بالقبض. وهذا المذهب إبطال لحديث العرية من أصله فيجب اطراحه. وذلك: أن حديث العرية تضمن أنه بيع مُرَخَّص فيه في مقدار مخصوص. وأبو حنيفة يلغي هذه القيود الشرعية.\nو(قوله: ورخص في بيع العرية بخرصها تمرًا يأكلها أهل البيت رطبًا) الخِرصُ -بكسر الخاء - هو: اسم للمخروص، وبفتح الخاء هو: المصدر. والرواية هنا: بالكسر. و(أهل البيت) - على مذهب مالك ومن قال بقوله -: هم المُعرُون، فيضمنون مقدار العرية، فيدفعون ذلك للمعرى له تمرًا عند الجداد رفقًا به حيث كفي المؤن، وأعطي ما يقتات به. ويحصل من ذلك للمعري (١) دفع ضرر\n_________\n(١) سقطت من (ل ١).","vol":"4","page":394},{"text":"وفي أخرى: أَن يُبَاعَ بخرصها كيلا مكان تمرا. قَالَ يَحيَى بن سعيد: العَرِيَّةُ: أَن يَشتَرِيَ الرَّجُلُ تَمَرَ النَّخَلَاتِ لِطَعَامِ أَهلِهِ رُطَبًا بِخَرصِهَا تَمرًا.\nرواه أحمد (٥/ ١٨٦)، والبخاريُّ (٢١٨٨)، ومسلم (١٥٣٩) (٦١ و٦٣)، والنسائي (٧/ ٢٦٧)، وابن ماجه (٢٢٦٩).\n[١٦٢٣] وعَن بُشَيرِ بنِ يَسَارٍ، عَن بَعضِ أَصحَابِ رَسُولِ اللَّهِ مِن أَهلِ دَارِهِم، مِنهُم سَهلُ بنُ أَبِي حَثمَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن بَيعِ الثَّمَرِ بِالتَّمرِ، وَقَالَ: ذَلِكَ الرِّبَا، تِلكَ المزابنة. إِلَّا أَنَّهُ رَخَّصَ فِي بَيعِ العَرِيَّةِ: النَّخلَةِ وَالنَّخلَتَينِ، يَأخُذُهَا أَهلُ البَيتِ بِخَرصِهَا تَمرًا، يَأكُلُونَهَا رُطَبًا.\nرواه أحمد (٤/ ٢)، والبخاريُّ (٢١٩١)، ومسلم (١٥٤٠)، وأبو داود (٣٣٦٣)، والترمذيُّ (١٣٠٣)، والنسائي (٧/ ٢٦٨).\n[١٦٢٤] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي بَيعِ العَرَايَا بِخَرصِهَا فِيمَا دُونَ خَمسَةِ أَوسُقٍ، أَو فِي خَمسَةِ أوسق، يَشُكُّ دَاوُدُ بن الحصين.\nــ\nتكرار دخول المعرى له إلى عريته لتعاهدها، وسقيها، واجتنائها. فظهر لمال: أن العرية إنما رخص فيها لأنها من باب المعروف، والرفق، والتسهيل في فعل الخير، والمعونة عليه. وأما على مذهب الشافعي: فأهل البيت عنده هم: المشترون الذين يشترون الرطب بالتمر ليأكلوها رطبًا. وظهر له: أن الموجب لهذه الرخصة هو حاجة من له تمر لأكل الرطب. وقد ذكرنا آنفًا ضعف هذا المعنى.\nو(قوله: فيما دون خمسة أوسق) أو (في خمسة أوسق) دليل على أن في العرية إنما تجري فيما يُوسَّق ويُكال. ثم هل تقصر على التمر والزبيب، أو يلحق","vol":"4","page":395},{"text":"رواه أحمد (٢/ ٢٣٧)، والبخاري (٢١٩٠)، ومسلم (١٥٤١)، وأبو داود (٣٣٦٤)، والترمذي (١٣٠١)، والنسائي (٧/ ٢٦٨).\n* * *\nــ\nبهما ما في معناهما مما يُدَّخر للقوت؟ قولان؛ وقد تقدَّما. والأولى: التعدية، والإلحاق؛ لأن المنصوص عليه في الحديث التمر، وقد ألحق بها الزبيب قولًا واحدًا عندنا، وليس منصوصًا عليه، ولا سبب للإلحاق إلا أن الزبيب في معنى التمر، فيلحق بهما كل ما في معناهما من المدخر للقوت.\nوقد وسَّع المناط يحيى بن عمر من أصحابنا فقاس سائر الثمار على النخل والعنب، فأجاز بيع الثمار كلها بخرصها إذا طابت إلى الجداد. وشذَّ في ذلك شذوذًا منكرًا لم يقل به أحدٌ من أهل العلم. وقد دلَّ هذا الحديث على قصر الرُّخصة على هذا القدر فلا يزاد عليه. لكن هذا إنما شرط في بيعها من معريها بخرصها كما تقدَّم، وأمَّا من غيره، أو منه بالعين أو بالعروض، فجائز مطلقا من غير تقدير. هذا هو المشهور عن المذهب. وقد روي عنه أنه لا يجوز شراؤها للمعري إلا بالخرص خاصة، لا بغيره؛ لأنه من باب: العود في الهبة، ومحل الرُّخصة الخرص فيقصر عليه. وهذا هو سبب الخلاف في أكثر مسائل هذا الباب؛ أعني: هل يقاس على الرخص، أو لا؟\nو(قوله: فيما دون خمسة أوسق، أو في خمسة أوسق) هو شكٌّ من داود بن الحصين. وموضع الشك: الخمسة. فتطرح، ويعوَّل على أن الجواز مخصوص بما دونها لأوجه:\nأحدها: أن الحكم لا يثبت بالشك.\nوالثاني: أن الأصل في المزابنة المنع، إلا فيما تحققت فيه الرخصة، ولم تتحقق هنا في الخمسة، بل فيما دونها.\nوالثالث: أن الخمسة الأوسق هو أول مقادير المال الكثير، الذي تجب فيه","vol":"4","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-601>(١٠) باب فيمن باع نخلًا فيه تمر، أو عبدا وله مال</span>\n[١٦٢٥] عَن ابنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَن ابتَاعَ نَخلًا بَعدَ أَن تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلَّذِي بَاعَهَا،\nــ\nالزكاة من هذا النوع. ويكون مالكه من الأغنياء الذين (١) يجب عليهم مواساة الفقير. وهو الذي لا نصاب له، فقصر المرفق على من هو من نوع الفقراء مناسب لتصرف الشرع. وبهذا قال الشافعي، إلا أنه قال: لا أفسخ البيع في مقدار خمسة أوسق، وأفسخه فيما فوقها.\nقلت: والأولى فسخه؛ لأن الأصل منعه؛ لأنه مزابنة، ولم يتحقق الرافع للمنع. وقد تقدَّم: أن مالكا يشترط في جواز بيع العرية من معريها أن تُقَوَّم بالخرص عند الجداد. وهو قول جل أصحابه. ولم يجيزوه بالنقد. وزعم بعضهم: أن ذلك جاء في الحديث. ولم أقف عليه في شيء من كتب الحديث مع طول بحثي عنه. ومثل هذا الشرط لا يثبت إلا بالسمع، فكأنَّ عند مالك سمع ولم يبلغنا، والله تعالى أعلم.\nتنبيه: العرية عندنا مستثناة من أصول ممنوعة: من المزابنة، والغرر، ومن ربا التفاضل، والنَّساء، ومن الرجوع في الهبة. والذي سوَّغها ما فيها من المعروف، والرفق، وإزالة الضرر. كما قدَّمناه، والله تعالى أعلم.\n(١٠) ومن باب: من ابتاع نخلًا بعد أن تُؤَبَّر\n(قوله: من ابتاع نخلًا بعد أن تُؤَبَّر فثمرتها للذي باعها) أبار النخل، وتأبيره: تلقيحه، وتذكيره. وهو: أن يجعل في النخلة فحالة، وعند ذلك تثبت\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ج ٢).","vol":"4","page":397},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nثمرتها بإذن الله تعالى. يقال: أَبَرتُ النخلة، أبُرها بكسر الباء وضمها، فهي مأبورة. ومنه قولهم: (خير المال مهرة مأمورة، أو سكَّة مأبورة) (١).\nويقال: أبرت النخل - مشدَّدًا - تأبيرًا. وهي مؤبَّرة، كقوِّمت الشيء تقويمًا، وهو مقوَّم. ويقال: تأبَّر الغسيل: إذا قبل الإبار. قال الراجز:\nتَأَبَّرِي يا خَيرَةَ الغَسِيل ... إِذ ضَنَّ أهلُ النَّخل بالفُحُول\nويقال: ائتبرت؛ إذا سألت غيرك أن يأبُرَ لك نخلك، أو زرعك. قال (٢):\nوَلِيَ الأصل الذي في مثله ... يُصلِح الآبِرُ زَرعَ المؤتَبر\nهذا إبار ثمر النخل، وإبار كل ثمر بحسب ما جرت العادة بأنه إذا فعل به ثبت ثمره وانعقد. ثم قد يعبَّر به عن ظهور الثمرة وعن انعقادها، وإن لم يفعل فيها شيء. ومن هنا اختلف أصحابنا في إبار الزرع. هل هو ظهوره على الأرض، أو إفراكه (٣)، وإذا تقرَّر هذا، فظاهر هذا الحديث يقتضي بلفظه: أن الثمرة المأبورة لا تدخل مع أصولها إذا بيعت الأصول إلا بالشرط. ويقتضي دليل خطابه: أن غير المأبورة داخلة في البيع. وهو مذهب مالك، والشافعي، والليث (٤). وذهب أبو حنيفة: إلى أن الثمرة للبائع قبل الإبار وبعده. وقال ابن أبي ليلى: الثمرة للمشتري قبل الإبار وبعده. وهذا القول مخالف للنص الصحيح، فلا يلتفت إليه. وأما أبو حنيفة فالخلاف معه مبني على القول بدليل الخطاب، فهو ينفيه. وخصمه يثبته. والقول بدليل الخطاب في مثل هذا ظاهر؛ لأنه لو كان حكم غير\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٤٦٨)، وانظر: أطراف مسند الإمام أحمد رقم (٢٧٧٦)، ومجمع الزوائد (٥/ ٢٥٨).\n(٢) الشاعر هو طرفة بن العبد.\n(٣) أي: قوّته واشتداده.\n(٤) سقط من (ع).","vol":"4","page":398},{"text":"إِلَّا أَن يَشتَرِطَه المُبتَاعُ، وَمَن ابتَاعَ عَبدًا فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ، إِلَّا أَن يَشتَرِطَ المُبتَاعُ.\nــ\nالمؤبر حكم المؤبر لكان تقييده بالشرط لغوًا لا فائدة له. فإن قيل: فائدته التنبيه بالأعلى على الأدنى. قيل له: ليس هذا بصحيح لغة ولا عرفًا. ومن جعل هذا بمنزلة قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُل لَهُمَا أُفٍّ﴾ تعين أن يقال لفهمه: أفّ، وتف.\nو(قوله: إلا أن يشترطه المبتاع) يعني: الثمر المؤبر لا يدخل مع الأصول في البيع إلا بالشرط. وصحَّ اشتراطه؛ لأنه عينٌ موجودة، يحاط بها، أمن سقوطها غالبًا، بخلاف التي لم تؤبَّر، إذ ليس سقوطها مأمونًا، فلم يتحقق لها وجود، فلا يجوز للبائع اشتراطها، ولا استثناؤها، لأنها كالجنين. هذا هو المشهور عندنا. وقيل: يجوز استثناؤها. وهو قول الشافعي. وخرج هذا الخلاف على الخلاف في المستثنى. هل هو مبقى على ملك البائع، أو هو مشترى من المشتري؟\nفرع: لو اشترى النخل وبقي الثمر للبائع؛ جاز لمشتري الأصل شراء الثمرة. قبل طيبها على مشهور قول (١) مالك. ويرى لها حكم التبعية؛ وإن أفردت بالعقد لضرورة تخليص الرقاب. وعنه في رواية: أنه لا يجوز. وبذلك قال الشافعي، والثوري، وأهل الظاهر، وفقهاء الحديث. وهذا هو الأظهر من أحاديث النهي عن بيع الثمار قبل بدوِّ صلاحها.\nو(قوله: من باع عبدًا، فمال للبائع إلا أن يشترطه المبتاع) دليل على صحة قولنا: إن العبد يملك، خلافًا للشافعي، وأبي حنيفة، حيث قالا: إنه لا يملك. وقد تقدَّم ذلك. ويلتحق بالبيع في هذا الحكم كل عقد معاوضةٍ، كالنكاح،\n_________\n(١) في (ج ٢): مذهب.","vol":"4","page":399},{"text":"رواه أحمد (٢/ ٦)، والبخاري (٢٢٠٤)، ومسلم (١٥٤٣) (٨٠)، وأبو داود (٣٤٣٤)، وابن ماجه (٢٢١٠ و٢٢١٢).\n* * *\nــ\nوالإجارة. فأما العتق فيتبع العبد فيه مالُهُ؛ لما رواه أبو داود عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: (من أعتق عبدًا وله مال، فمال العبد له، إلا أن يشترط السَّيد) (١). وقد رواه مالك في الموطأ موقوفًا على ابن عمر (٢). ولا يضره التوقيف، فإن المرفوع صحيح السند. وهذا الحديث حجة على أبي حنيفة، والشافعي، حيث قالا: إن المال في العتق للسيد. فأمَّا في الصدقة والهبة، فهل يتبعه ماله فيهما، أو لا؟ قولان، سببهما تردُّدهما بين البيع والعتق؛ إذ فيهما شَبَهٌ من كل واحد منهما. وذلك: أن الهبة، والصدقة خروج من ملك إلى ملك، فأشبهت البيع، وخروج عن ملك بغير عوض، فأشبهت العتق. والأرجح: إلحاقها بالبيع، وقطعها عن العتق؛ لاختصاص العتق بمعنى لا يوجد في غيره، على ما قد أوضحه أصحابنا في كتبهم. وأما الجناية: فالمال فيها تبع للرَّقبة، فينتقل بانتقالها؛ لأن العبد الجاني إذا كان له مال فالجناية فيه، فإن وسع الجناية بقيت الرقبة لسيده، وإن لم يكن له مال؛ تعلَّقت برقبته، فكأن الرقبة مرجع عند العدم.\n* * *\n_________\n(١) رواه أحمد (٣٩٦٢)، وابن ماجه (٢٥٢٩).\n(٢) انظر الموطأ (٢/ ٧٧٥).","vol":"4","page":400},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-602>(١١) باب النَّهي عن المحاقلة والمخابرة والمعاومة</span>\n[١٦٢٦] عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن المُخَابَرَةِ، وَالمُحَاقَلَةِ، وَالمزابنة، وَعَن بَيعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تُطعِمَ، وَلَا تُبَاعُ إِلَّا\nــ\n(١١) ومن باب: النَّهي عن المحاقلة والمخابرة والمعاومة\nقد تقدَّم القول في أصل اشتقاق المحاقلة. وقد فسَّرها ها هنا جابر: بأنَّها بيع الزرع القائم بالحب كيلًا. وقال الجوهري في الصحاح: المحاقلة: بيع الزرع في سنبله بالبرِّ. وقد نُهِي عنه.\nقلت: وهذا يرجع إلى المزابنة، كما قدمناه. وقد فسرها غيره: بأنها كراء الأرض بما يخرج منها. وهو الذي صار إليه أصحابنا. فأمَّا المخابرة فمأخوذة من الخبر - بضم الخاء - وهو النصيب. هكذا حكاه أهل اللغة، وأنشدوا عليه:\nإِذَا مَا جَعلت الشاة للناس خبرة ... فَشَأنُك أنِّي ذاهبٌ لِشُؤوني\nوقال ابن الأعرابي: أصل المخابرة مأخوذ من خيبر؛ لأن النبي ﷺ كان قد أقرها في أيدي أهلها على النصيب منها، فقيل: خابرهم؛ أي: عاملهم في خيبر.\nقلت: وعلى هذا فلا تكون المخابرة منهيًا عنها، وقد ثبت النهي عنها فهي غيرها. والصحيح ما حكاه الجوهري وغيره: أن المخابرة هي المزارعة بجزء مما يخرج من الأرض. وهو: الخِبر أيضًا -بالكسر- ويشهد له ما ذكرناه آنفًا عن اللغويين. وعلى هذا فيكون الفرق بين المحاقلة والمخابرة: أن المحاقلة كراء الأرض بما يخرج منها مطلقا. والمخابرة: كراؤها بجزء مما يخرج منها؛ كثلث وربع. وقد قال بعض الناس: إنهما بمعنى واحد. والمشهور ما ذكرناه. وهو الأولى. والله تعالى أعلم. وسيأتي القول في كراء الأرض.\nو(قوله: ونهى عن بيع الثمرة حتى تطعم، ولا تباع إلا بالدراهم أو الدنانير","vol":"4","page":401},{"text":"بِالدَّرَاهِمِ أَوِ الدَّنَانِيرِ، إِلَّا العَرَايَا قَالَ عَطَاءٌ: فَسَّرَ لَنَا جَابِرٌ قَالَ: أَمَّا المُخَابَرَةُ: فَالأَرضُ البَيضَاءُ يَدفَعُهَا الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ، فَيُنفِقُ فِيهَا، ثُمَّ يَأخُذُ مِن الثَّمَرِ. وَزَعَمَ أَنَّ المزابنة: بَيعُ الرُّطَبِ فِي النَّخلِ بِالتَّمرِ كَيلًا، وَالمُحَاقَلَةُ فِي الزَّرعِ: عَلَى نَحوِ ذَلِكَ يَبِيعُ الزَّرعَ القَائِمَ بِالحَبِّ كَيلًا.\nوفي رواية: حَتَّى تُشقِحَ.\nوفي رواية: حَتَّى تُشقِهَ مكان تطعم، قال وَالإِشقَاهُ: أَن تَحمَرَّ أَو تَصفَرَّ أَو يُؤكَلَ مِنهَا شَيءٌ. وَالمُحَاقَلَةُ: أَن يُبَاعَ الحَقلُ بِكَيلٍ مِن الطَّعَامِ مَعلُومٍ. وَالمزابنة: أَن يُبَاعَ النَّخلُ بِأَوسَاقٍ مِن التَّمرِ. وَالمُخَابَرَةُ: الثُّلُثُ وَالرُّبُعُ وَأَشبَاهُ ذَلِكَ.\nــ\nإلا العرايا) هذا المساق فيه تثبيجٌ (١) بالتقديم والتأخير، وذلك أن مساقه يقتضي أن تباع الثمرة قبل طيبها بالدراهم أو الدنانير (٢) وذلك لا يجوز بالاتفاق، لا بهما، ولا بالعروض إلا على شرط القطع. فيجوز بالعين، والعرض، فلا يصح أن يكون ذلك استثناء من بيع الثمرة بوجه، وإنما يصح رجوع الاستثناء للمحاقلة، والمخابرة، فإنها هي التي نهي عن بيعها إلا بالعين، كما يأتي بعد هذا في حديث رافع بن خديج حيث قال: (أما بالذهب والورق فلا بأس به) (٣).\nو(قوله: إلا العرايا) مستثنى من المزابنة، كما جاء في الحديث المتقدِّم. وترتيب هذا الحديث أن يقال: نهى عن المحاقلة، والمخابرة إلا بالدنانير أو الدراهم، وعن المزابنة إلا العرايا. وهذا واضح، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) أي: تخليط.\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (م).\n(٣) انظره في التلخيص برقم (١٩٣٣).","vol":"4","page":402},{"text":"قَالَ زَيدٌ بن أبي أنيسة: أَسَمِعتَ جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ يَذكُرُ هَذَا عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: نَعَم.\nرواه أحمد (٣/ ٣٢٠)، والبخاري (٢١٩٦)، ومسلم (١٥٣٦) (٨١ و٨٢ و٨٣ و٨٤)، وأبو داود (٣٣٧٠)، والنسائي (٧/ ٢٦٣).\n[١٦٢٧] وعنه قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن المُحَاقَلَةِ، وَالمزابنة، والمخابرة وَالمُعَاوَمَةِ، وفي رواية: بَيعُ السِّنِينَ: (عوض المُعَاوَمَةُ). وَعَن الثُّنيَا، وَرَخَّصَ فِي العَرَايَا.\nــ\nو(قول زيد بن أبي أُنَيسة لعطاء: (أسمعت جابر بن عبد الله يذكر هذا عن رسول الله ﷺ؟ قال: نعم) تحتمل هذه الإشارة أن تكون عائدة إلى الحديث، وتفسيره المتقدم. فيكون كل ذلك من قول رسول الله ﷺ ويحتمل أن تكون عائدة إلى الأمور التي نهى عنها في صدر الحديث لا إلى التفسير. وهو الأولى؛ لقول عطاء: فسَّر لنا جابر، فذكر التفسير.\nالتشقيح والتشقية - بالحاء والهاء - كما فسَّره الراوي بقوله: أن تحمَرَّ وتَصفَرَّ، ويؤكل منها. وكذلك فسَّره (١) أهل اللغة قالوا: يقال: أشقح النخل، وشقَّح - مشدَّدًا -: إذا أزهى. ويقال: أشقه النخل - بالهاء - فيبدلون من الحاء هاءَ لتقارب مخرجيهما.\nوالمعاومة: بيع الثمر أعوامًا. وهو المعبَّر عنه باللفظ الآخر (٢): بيع السنين. ولا خلاف في تحريم بيعه؛ لكثرة الغرر والجهل.\nوالثُّنيَا - بالضم والقصر، على وزن الكُبرى - هي: الاسم من الاستثناء،\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ج ٢).\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"4","page":403},{"text":"رواه مسلم (١٥٤٣) (٨٥)، وأبو داود (٣٤٠٤)، والترمذي (١٣١٣)، والنسائي (٧/ ٢٩٦)، وابن ماجه (٢٢٦٦).\n* * *\nــ\nوكذلك: الثَّنوى - بفتح الثاء - على وزن: طَرفَى. ذكر ذلك في الصحاح. قال الهروي: بيع الثُّنيا هو: أن يُستثنى من المبيع شيء مجهول، فيفسد البيع. وقال القتبي: هو أن يبيع شيئًا جزافًا ويستثني منه شيئًا.\nقلت: والحاصل: أن الثنيا اسم جنس لما فيه استثناء، سواء كان ذلك من البائع، أو من المبتاع. فيكون الأصل في كل ذلك المنع لأجل النَّهي، غير أن في ذلك تفصيلًا يظهر بصور:\nالأولى: جائزة باتفاق، وهي: أن يستثني البائع نخلات معينات من حائط، قلت، أو كثرت؛ لأن البيع لم يقع عليهن، بل على ما عداهن.\nالثانية: أن يستثني نخلات مجهولات، أو كيلًا مجهولًا من الثمرة؛ على أن يعين ذلك بعد البيع. فذلك ممنوع فاسد باتفاق؛ لتناول النهي له وللجهل بالمبيع والغرر (١).\nالثالثة: أن يستثني من الثَّمر كيلًا معلومًا. فذهب الجمهور إلى أن ذلك لا يجوز منه قليل ولا كثير. ورأوا أن ذلك النهي متناول له؛ لما فيه من الجهالة. وذهب مالك في جماعة أهل المدينة: إلى أن ذلك جائز فيما بينه وبين ثلث الثمرة، ولا يجوز زيادة على ذلك. ورأوا: أن خرص الثمرة وحَزرها مما يُعرف\n_________\n(١) ساقط من (ع).","vol":"4","page":404},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمقدارها، وأن استثناء القليل منها لا يكثر فيه الغرر. والقليل من الغرر مغتفر في مواضع كثيرة من الشرع. وما دون الثلث قليل.\nقلت: وهذا تخصيص للعموم بالنظر.\nالرابعة: أن يستثني جزءًا من الثَّمرة مشاعًا. فيجوز عند مالك وعامة أصحابه، قل، أو كثر. وذهب عبد الملك: إلى أنَّه لا يجوز استثناء الأكثر. والخلاف في ذلك مبني على جواز استثناء الأكثر من الأقل، وعدم جوازه. وقد بيّنا جوازه في أصول الفقه.\nالخامسة: أن يقول البائع للمشتري: أبيعك هذا الشيء بكذا، على أنك إن جئتني بالثمن إلى أجل كذا رددت عليك ملكك. فهذا فاسد للنهي عنه، ولأنه ذريعة للسَّلف الذي يجر نفعًا. ويفسخ ما لم يَفُت، فإن فات ضمن بالقيمة، ويُفيتُه ما يُفيت البيع الفاسد.\nالسادسة: أن يعقد المشتري على أنه إن لم يأت بالثمن إلى وقت كذا فلا بيع بينهما. فاختلف فيه. فبعضهم أبطل الشرط، وصحح العقد. ومنهم من ألزم قائله الشرط، وجعل للآخر الخيار. والوجهان مرويان عن مالك.\n* * *","vol":"4","page":405},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-603>(١٢) باب ما جاء في كراء الأرض</span>\n[١٦٢٨] وعَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن كِرَاءِ الأَرضِ.\nرواه أحمد (١/ ٢٣٤)، ومسلم (١٥٤٧) (١١١)، وأبو داود (٣٣٨٩)، والنسائي (٧/ ٣٧).\n[١٦٢٩] وعنه قال: كَانَ لِرِجَالٍ فُضُولُ أَرَضِينَ مِن أَصحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن كَانَ لَهُ فَضلُ أَرضٍ فَليَزرَعهَا أَو لِيَمنَحهَا أَخَاهُ، فَإِن أَبَى فَليُمسِك أَرضَهُ.\nوفي أخرى: مَن كَانَت لَهُ أَرضٌ فَليَزرَعهَا، أَو لِيُزرِعهَا أَخَاهُ، وَلَا يُكرِهَا.\nرواه أحمد (٣/ ٣٥٤)، والبخاري (٢٣٤٠)، ومسلم (١٥٣٦) (٨٩ و٩٢)، والنسائي (٧/ ٣٧).\nــ\n(١٢ و١٣) ومن باب: كراء الأرض (١)\nنَهيُه ﷺ عن كراء الأرض و(قوله: من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه، ولا يُكرِها) حجة لمن منع كراء الأرض مطلقا، وحرَّمه؛ وهم: رافع بن خديج، وابن عمر - فيما رجع إليه -، وطاوس اليماني، وأبو بكر بن\n_________\n(١) شرح المصنِّف -رحمه الله تعالى- تحت هذا العنوان ما أشكل في أحاديث هذا الباب، والباب الذي يليه، باب: فيمن رأى أن النهي عن كراء الأرض إنما هو من باب الإرشاد إلى الأفضل.","vol":"4","page":406},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nعبد الرحمن، والحسن البصري. وخالفهم في ذلك الجمهور. ثم هم فريقان:\nالأول: أجاز كراءها بكلِّ ما يجوز أن يكون ثمنًا في البياعات من العروض، والذهب، والفضة، والأطعمة المضمونة. وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، والأوزاعي، والثوري، متمسكين بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيعَ﴾ والإجارة بيعٌ، وبقول رافع: أما بالذهب والفضة فلا بأس. وفي طريق آخر: أما بشيء معلوم مضمون فلا بأس به، وبقياس إجارة الأرض على العقار، وهو من أقوى أنواع القياس، لأنه في معنى الأصل. واعتذر هؤلاء عن أحاديث النَّهي بوجهين:\nأما أبو حنيفة: فعلى أصله في ترجيح القياس على خبر الواحد (١). وأما الشافعي ومن قال بقوله: فيمكن أن يقال: حملوا مطلق تلك النواهي على مقيدها، ورأوا: أن محل النهي إنما هو ما لم يكن مضمونًا، ولا معلومًا. ويمكن أن يقال: إنهم صرفوا ظاهر النهي إلى التنزه عن ترك الأولى والأحسن، كما فهمه ابن عباس حيث قال: لم ينه عن ذلك رسول الله ﷺ إنما قال: (يمنح أحدكم أرضه خير من أن يأخذ عليها خرَجًا معلومًا) وفي اللفظ الآخر: (لأن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير له من أن يأخذ عليه كذا وكذا - لشيء معلوم -). وقوله: (لم ينه) أي: لم ينه (٢) عنه نهي تحريم، بل نهي تنزيه، على ما تقرر.\nالفريق الثاني: هو مالك وأصحابه. فالمشهور من مذهبه: أنه لا يجوز كراؤها بشيء من الطعام كان؛ مما تُنبته، أو مما لا تنبته؛ كالعسل واللبن وغيرهما، ولا بشيء مما تنبته ما عدا القصب والخشب. وقال ابن كنانة: لا تكرى بشيء إن أعيد فيها نبت، ولا بأس أن تكرى بغير ذلك. وبه قال يحيى بن يحيى،\n_________\n(١) في (ع): الآحاد.\n(٢) من (م).","vol":"4","page":407},{"text":"[١٦٣٠] وعنه قَالَ: كُنَّا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَأخُذُ الأَرضَ بِالثُّلُثِ أَو الرُّبُعِ بِالمَاذِيَانَاتِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: مَن كَانَت لَهُ أَرضٌ. وذكر نحو ما تقدم.\nوفي أخرى: قَالَ: كُنَّا نُخَابِرُ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنُصِيبُ مِن\nــ\nوقال: إنه من قول مالك. وقال ابن نافع: تكرى بجميع الأشياء كلها؛ ما أكل منها وما لم يؤكل؛ خرج منها، أو لم يخرج؛ إذا كان ما تكرى به بخلاف ما يزرع فيها، وكأن مالكا ﵀ جمع بين الأدلة، فحمل أحاديث النهي على كرائها بالطعام أو بما تنبت. وأدلة الإباحة على ما عدا ذلك، وفهم: أن علة المنع: الرِّبا. وذلك: أن الأرض تكرى ليخرج منها الطعام، فجعل لها حكم الطعام، فلا يجوز أن تكرى بطعام؛ لأنه يضارع طعامًا بطعام إلى أجل. وقد شهد بصحة ما رآه ما جاء في بعض ألفاظ حديث رافع بن خديج؛ فيما خرَّجه أبو داود: أنه زرع أرضًا فمرَّ به النبي ﷺ وهو يسقيها، فسأله: (لمن الزرع؟ ولمن الأرض؟) فقال: زرعي بيدي وعملي، لي الشطر، ولبني فلان الشطر. فقال: (أربيتما، فرُدَّ الأرض إلى أهلها، وخذ نفقتك) (١). وهذا صريح: في أن ذلك من باب الربا وجهته. وهذا في الطعام واضح. وأما فيما ليس بطعام مما تنبته فسدٌ للذريعة على أصله، والله تعالى أعلم. وهذا القدر كاف. وقد كتبنا في هذه المسألة جزءًا حسنا.\nو(قوله: كنا نأخذ الأرض بالثلث والربع في الماذيانات) الماذيانات معروفة - بكسر الذال-، وقد فتحت وليست عربية، ولكنها سوادية. قاله الإمام. وهي: مسايل الماء. والمراد بها ها هنا: ما ينبت على شطوط الجداول، ومسايل الماء. وهو من باب تسمية الشيء باسم غيره إذا كان مجاورًا له أو كان منه بسبب.\nو(أقبال الجداول) - بفتح الهمزة -: أوائلها. و(الجداول): السواقي.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٤٠٢).","vol":"4","page":408},{"text":"القِصرِيِّ وَمِن كَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن كَانَت لَهُ أَرضٌ. وذكر نحوه.\nرواه مسلم (١٥٤٣) (٩٥ و٩٦).\nــ\nويسمى الجدول: الربيع. ويجمع: ربعان. وقال الخليل: الأربعاء: الجداول. جمع ربيع.\nومعنى هذا: أن صاحب الأرض كان يؤاجر أرضه بالثلث، أو بالربع، وبأن يكون له ما يزرع على جوانب الأنهار والجداول، وعلى أفواهها، وكان منهم من يؤاجر أرضه بالماذيانات خاصة، كما قال في الرواية الأخرى.\nوفي هذا الحديث حجة للجمهور وأئمة الفتوى: مالك، والشافعي، وأبي حنيفة. وهو مذهب ابن عباس، وابن عمر، ورافع بن خديج على منع كراء الأرض بجزء مما يخرج منها على من أجاز ذلك؛ وهم: الليث بن سعد، وابن أبي ليلى، وسفيان الثوري، والحسن بن حي، والأوزاعي. وهو مذهب علي وعمار، وابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص. ووجه الاستدلال بذلك: أن هذه كانت مزارعاتهم، فلما أخبر النبي ﷺ بذلك نهى عنها، وبين ما يجوز فعله في الأرض، وهو: أن يزرعها بنفسه، أو يزرعها غيره، أو يكريها بشيء معلوم مضمون، كما قد بيناه، ولأن ذلك هي المخابرة المنهي عنها، كما تقدَّم، ولما فيه من الجهالة، والغرر، والخطر، بل قد جاءت نصوص في كتاب أبي داود بتحريم ذلك:\nفمنها: ما رواه عن زيد بن ثابت قال: نهى رسول الله ﷺ عن المخابرة. فقيل له: وما المخابرة؟ قال: أن تأخذ الأرض بنصف، أو ثلث، أو ربع (١). وهذا نصٌّ من تفسير الصحابي، وهو أعلم بالحال، وأقعد بالمقال. وقد روي أيضًا من حديث جابر: أن رسول الله ﷺ قال: (من لم يذر المخابرة فليأذن (٢) بحرب من الله ورسوله) (٣).\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٤٠٧).\n(٢) في الأصول: (فليُؤذن) وأثبتنا ما في سنن أبي داود.\n(٣) رواه أبو داود (٣٤٠٦).","vol":"4","page":409},{"text":"[١٦٣١] وعَن نَافِعٍ: أَنَّ ابنَ عُمَرَ كَانَ يُكرِي مَزَارِعَهُ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَفِي إِمَارَةِ أَبِي بَكرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثمَانَ، وَصَدرًا مِن خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، حَتَّى بَلَغَهُ فِي آخِرِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ: أَنَّ رَافِعَ بنَ خَدِيجٍ يُحَدِّثُ فِيهَا بِنَهيٍ عَن النَّبِيِّ ﷺ، فَدَخَلَ عَلَيهِ وَأَنَا مَعَهُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنهَى عَن كِرَاءِ المَزَارِعِ، فَتَرَكَهَا ابنُ عُمَرَ بَعدُ، وَكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنهَا بَعدُ قَالَ: زَعَمَ ابنُ خَدِيجٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنهَا.\nقال مُجَاهِدٍ قَالَ ابنُ عُمَرَ: لَقَد مَنَعَنَا رَافِعٌ نَفعَ أَرضِنَا.\nرواه أحمد (٤/ ١٤٠)، والبخاري (٢٣٤٣)، ومسلم (١٥٤٧) (١٠٨ و١٠٩)، والنسائي (٧/ ٤٥)، وابن ماجه (٢٤٥٣).\n[١٦٣٢] وعَن رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ قَالَ: كُنَّا نُحَاقِلُ الأَرضَ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنُكرِيهَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَالطَّعَامِ المُسَمَّى، فَجَاءَنَا ذَاتَ يَومٍ رَجُلٌ مَن عُمُومَتِي فَقَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن أَمرٍ كَانَ لَنَا نَافِعًا،\nــ\n(القِصري) - بكسر القاف والراء، وسكون الضاد -: هو الرواية الصحيحة؛ وهو ما يبقى من الحبوب في سنبله بعد الدَّرس. وهي لغة شامية. قاله ابن دريد. وقد قيده بعضهم بفتح القاف مقصورًا، وبعضهم بضمها مقصورًا.\nو(قول ابن عمر: (كنا نكري الأرض على عهد رسول الله ﷺ وإمارة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وصدرًا من خلافة معاوية) يدل على أن ذلك كان أمرًا معمولًا به، مشهورًا. وهو محمول على أنهم كانوا يكرونها بشيء معلوم، مضمون. وأمَّا بالجزء مما يخرج منها فلا، لما تقدَّم، ثم إن ابن عمر ترك ذلك لما بلغه حديث رافع (١) ترك ورع وتقية، لا أنه جزم بالتحريم. ويظهر من قوله التوقف\n_________\n(١) في (ع) و(ل ١): حديث النهي.","vol":"4","page":410},{"text":"فَطَوَاعِيَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنفَعُ لَنَا نَهَانَا أَن نُحَاقِلَ الأَرضَ فَنُكرِيَهَا عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَالطَّعَامِ المُسَمَّى، وَأَمَرَ رَبَّ الأَرضِ أَن يَزرَعَهَا أَو يُزرِعَهَا، وَكَرِهَ كِرَاءَهَا وَمَا سِوَى ذَلِكَ.\nرواه أحمد (٤/ ١٤٢)، والبخاري (٢٣٤٦)، ومسلم (١٥٤٨) (١١٣)، وأبو داود (٣٢٩٤)، والنسائي (٧/ ٤٩).\n[١٦٣٣] وعَن حَنظَلَةَ بنِ قَيسٍ: أَنَّهُ سَأَلَ رَافِعَ بنَ خَدِيجٍ عَن كِرَاءِ الأَرضِ فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن كِرَاءِ الأَرضِ قَالَ: فَقُلتُ: أَبِالذَّهَبِ وَالوَرِقِ؟ فَقَالَ: أَمَّا بِالذَّهَبِ وَالوَرِقِ فَلَا بَأسَ بِهِ.\nرواه أحمد (٣/ ٤٦٣)، ومسلم (١٥٤٨) (١١٥)، وأبو داود (٣٣٩٣ و٣٣٩٧)، والنسائي (٧/ ٤٣).\n[١٦٣٤] وعنه قَالَ: سَأَلتُ رَافِعَ بنَ خَدِيجٍ عَن كِرَاءِ الأَرضِ بِالذَّهَبِ وَالوَرِقِ فَقَالَ: لَا بَأسَ بِهِ، إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يُؤَاجِرُونَ عَلَى عَهدِ رسول الله ﷺ بما عَلَى المَاذِيَانَاتِ، وَأَقبَالِ الجَدَاوِلِ والأنهار، وَأَشيَاءَ مِن الزَّرعِ فَيَهلِكُ هَذَا وَيَسلَمُ هَذَا، وَيَسلَمُ هَذَا وَيَهلِكُ هَذَا، فَلَم يَكُن لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إِلَّا هَذَا، فَلِذَلِكَ زُجِرَ عَنهُ، فَأَمَّا شَيءٌ مَعلُومٌ مَضمُونٌ فَلَا بَأسَ بِهِ.\nرواه أحمد (٤/ ١٤٠)، ومسلم (١٥٤٨) (١١٦)، وأبو داود (٣٣٩٢)، والنسائي (٧/ ٤٣).\nــ\nفي حديث رافع بن خديج، لكنه غلب حكم الورع، فعمل على عادته ﵁. وأما سكوت ابن عمر عن مدَّة إمارة عليٍّ، فلم يذكرها - والله أعلم -؛ لأن","vol":"4","page":411},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-604>(١٣) باب فيمن رأى أن النهي عن كراء الأرض إنما هو من باب الإرشاد إلى الأفضل</span>\n[١٦٣٥] عَن عَمرٍو بنُ طَاوُسٍ، عَن طَاوُسٍ: أَنَّهُ كَانَ يُخَابِرُ، قَالَ عَمرٌو: فَقُلتُ: يَا أَبَا عَبدِ الرَّحمَنِ، لَو تَرَكتَ هَذِهِ المُخَابَرَةَ، فَإِنَّهُم يَزعُمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَن المُخَابَرَةِ. فَقَالَ: أَي عَمرُو، أَخبَرَنِي أَعلَمُهُم بِذَلِكَ، (يَعنِي ابنَ عَبَّاسٍ): أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَم يَنهَ عَنهَا، إِنَّمَا قَالَ: يَمنَحُ أَحَدُكُم أَخَاهُ خَيرٌ لَهُ مِن أَن يَأخُذَ عَلَيهَا خَرجًا مَعلُومًا.\nرواه أحمد (١/ ٢٣٤)، ومسلم (١٥٥٠) (١٢١).\n[١٦٣٦] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَأَن يَمنَحَ أَحَدُكُم\nــ\nابن عمر لم يتفرغ فيها لكراء الأرض، ولا للبحث عنها لما كان في تلك المدَّة من الحروب والفتن، ولفراره (١) عنها، والله تعالى أعلم.\nوعلى الجملة حديث رافع بن خديج مضطرب غاية الاضطراب، كما قد وقع في الأصل وفي غيره من كتب الحديث. فينبغي ألا يعتمد عليه، ويتمسك في جواز كرائها بشيء معلوم بالقياس الذي ذكرناه، غير أنه لا تكرى بطعام مخافة طعام بطعام، فإنها ريبة. وقد أمر عمر ﵁ بتركها. والرِّبا أحق ما حُمِيت مراتعه (٢)، وسُدَّت ذرائعه، أو يسلك في الامتناع من ذلك طريقة الورع، كما سلكها ابن عمر، وهي الأسلم، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) خرج ابن عمر ﵁ زمن الفتنة إلى مكة.\n(٢) في (ل ١): موانعه وفي (ع): مرابعه.","vol":"4","page":412},{"text":"أَخَاهُ أَرضَهُ، خَيرٌ لَهُ مِن أَن يَأخُذَ عَلَيهَا كَذَا وَكَذَا لِشَيءٍ مَعلُومٍ، وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: هُوَ الحَقلُ، وَهُوَ بِلِسَانِ الأَنصَارِ المُحَاقَلَةُ.\nرواه أحمد (١/ ٣١٣)، ومسلم (١٥٥٠) (١٢٢).\n[١٦٣٧] وعَن ثَابِتٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن المُزَارَعَةِ، وَأَمَرَ بِالمُؤَاجَرَةِ، وَقَالَ: لَا بَأسَ بِهَا.\nرواه مسلم (١٥٤٩) (١١٩).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-605>(١٤) باب المساقاة على جزء من الثمر والزرع</span>\n(١٥٥١) (٢) [١٦٣٨] عَن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: أَعطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيبَرَ بِشَطرِ مَا\nــ\n(١٤) ومن باب: المساقاة\nوهي مأخوذة من السقي. وأصلها: تعاهد الأشجار بالماء. ثم قد صارت عبارة - بحكم العرف- عن العمل في الأشجار بما يصلحها من سقي، وإبار، وجداد، وغير ذلك من العمل الذي تصلح به الثمرة على جزء مسمى، يأخذه العامل من الثمرة. وقد اختلف العلماء في حكمها، ومحلها، ووقتها.\nفأما حكمها: فالجواز عند مالك، والشافعي، وابن أبي ليلى، وكثير من الكوفيين، تمسّكًا بهذه الأحاديث المذكورة في هذا الباب، وبقياسها على القراض. وهو متفق عليه؛ لأنها في معناه. ومنعها أبو حنيفة، وزفر من أصحابه لما فيها من الغرر؛ ولأنها من باب: بيع الثمر قبل طيبه. وهو منهي عنه كما تقدَّم. وحمل أحاديث مساقاة خيبر على أن أهلها كانوا عبيدًا للنبي ﷺ فما أخذ فهو له،","vol":"4","page":413},{"text":"يَخرُجُ مِن تَمَرٍ أَو زَرعٍ، وكَانَ يُعطِي أَزوَاجَهُ كُلَّ سَنَةٍ مِائَةَ وَسقٍ ثَمَانِينَ وَسقًا\nــ\nوهذا بناه على أن النبي ﷺ فتحها عنوة. وهذا غير مُسَلّم له، فإن خيبر كانت قرى كثيرة؛ فمنها ما فتح عنوة، ومنها ما فتح صلحًا؛ كذلك رواه مالك ومن تابعه، وهو قول ابن عقبة. ولو سُلِّم: أنه فتحها عنوة فلا يُسلّم أن السيد يجوز له أن يعامل عبده بالرِّبا، ولا أن يعاقده عقدًا فاسدًا بغرر أو مجهول. وقد نصَّ في هذا: أنَّه عاقدهم عليها، وشرط عليهم، وشرطوا عليه. ولا يجوز أن يحمل ذلك على أنه انتزاع مال من أيديهم، لا لغة، ولا عرفًا. فبطل ما قالوه.\nوأما محلها: فمنعها داود في كل شيء إلا في النخل. والشافعي إلا في النخل، والكرم. وأجازها مالك في سائر الشجر؛ إذا احتاج للمساقاة. والمشهور عندنا: منعها في الزرع إلا إذا عجز عنه أهله. فأمَّا داود: فقصرها على محل ورودها، وأما الشافعي: فبناه على أنها رخصة، ولا تتعدى الرخص. لكنه قد ألحق بالنخيل الكرم، مع أنه ليس فيه حديث صحيح. فإن كان ثبت عنده به نقل فقد صح له المشي على ذلك الأصل، وإن لم يثبت ذلك فليزمه مذهب داود. والإلحاق كما ذهب إليه مالك، لأن الشجر كله في معنى النخل، من حيث إنه يحتاج إلى علاج، وعمل، وسقي إلى انتهاء الثمرة. وهي أصول قائمة ثابتة يدوم أمرها، وتدوم الحاجة إلى القيام عليها. ومن هنا فارقت الزرع القائم. فإن ألغينا هذا القيد؛ جازت فيه المساقاة على ما تقدَّم. والله تعالى أعلم.\nوأما وقت انعقادها: فعند الشافعي ما لم تظهر الثمرة؛ لأنها إذا ظهرت فقد ملكها رب النخل، فإذا دفع جزأها في مقابلة العمل؛ فقد باع الثمرة قبل بدوِّ صلاحها. وعند مالك: ما لم تطب، وإن كانت قد ظهرت. وعنه في ذلك بعد الطيب قولان. وأصله في ذلك: أن القراض، والمساقاة، عقدان مستثنيان من الإجارة المجهولة، للحاجة إلى ذلك، وللرفق الحاصل لرب المال والعامل؛ إذ ليس كل من له مال يحسن القيام عليه ولا العمل فيه، ثم من الناس من يحسن","vol":"4","page":414},{"text":"مِن تَمرٍ، وَعِشرِينَ وَسقًا مِن شَعِيرٍ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بن الخطاب قَسَمَ خَيبَرَ خَيَّرَ أَزوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ أَن يُقطِعَ لَهُنَّ الأَرضَ وَالمَاءَ، أَو يَضمَنَ لَهُنَّ الأَوسَاقَ\nــ\nالعمل ولا مال له. فاقتضت حكمة الشرع أن يرفق بكل واحد منهما على ما تيسر غالبًا. ولما ظهر له ذلك طرد المعنى، فحيث دعت الحاجة إلى ذلك أعملها. وعلى هذا فتجوز المساقاة في النخل بعد الطيب. وفي الزرع إذا عجز عنه أهله. والله تعالى أعلم.\nو(قوله: أعطى رسول الله ﷺ خيبر) وفي لفظ آخر: (عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع) بإثبات لفظ: (أو) التي للتنويع. أو بمعنى: (الواو) كما قال في الرواية الأخرى: (على نصف ما يخرج منها من الثمر والزرع) بغير ألف، وظاهر هذا الحديث: أن أرض خيبر - أعني: بياضها - كان كثيرًا، وأنه كان مقصودًا له ﷺ ولهم، وأنه ضم المساقاة في الأصول وكراء الأرض بما يخرج منها في عقد واحد. ويتمسَّك به من قال: يجوز كراء الأرض بجزء مما تنبت، كما تقدم (١). ويتمسَّك به أيضًا من جوز أن يضم إلى المساقاة عقد غيرها.\nقلت: والجمهور على ترك هذا الظاهر لما تقدَّم في منع كراء الأرض بجزء مما يخرج منها. وإذا منع ذلك منفردًا للغرر والرِّبا؛ كان أحرى، وأولى أن يمنع إذا اجتمع مع غيره مما يكثر فيه الغرر، ولما كان ذلك حمل الجمهور هذا على أحد محملين.\nفأمَّا مالك فقال: إن بياض خيبر كان قليلًا تابعًا للأصول بين أضعاف السو د، فجاز ذلك فيه لتبعية الأصول، وشرط في الجواز اتفاق البياض والأصول في الجزء. فلو اختلفا في الجزء لم يجز لزوال التبعية.\nوقال غيره: يجوز أن يكون الذين ساقى غير الذين زارع. وتكون مزارعته لمن زارعه منهم على الوجه الجائز فيها، ثم إن الراوي نقل ذلك جملة، ولم يفصل كيف وقعت المزارعة، ولا من الذين سوقوا من الذين زورعوا، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع) و(ل ١).","vol":"4","page":415},{"text":"كُلَّ عَامٍ فَاختَلَفنَ، فَمِنهُنَّ مَن اختَارَ الأَرضَ وَالمَاءَ، وَمِنهُنَّ مَن اختَارَ الأَوسَاقَ كُلَّ عَامٍ، فَكَانَت عَائِشَةُ وَحَفصَةُ مِمَّن اختَارَتَا الأَرضَ وَالمَاءَ.\nرواه البخاري (٢٢٨٥)، ومسلم (١٥٥١) (٢)، وأبو داود (٣٠٠٨)، وابن ماجه (٢٤٦٧).\n[١٦٣٩] وعنه: أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ أَجلَى اليَهُودَ وَالنَّصَارَى مِن أَرضِ الحِجَازِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى خَيبَرَ، أَرَادَ إِخرَاجَ اليَهُودِ مِنهَا، فَسَأَلَت اليَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَن يُقِرَّهُم بِهَا، عَلَى أَن يَكفُوا عَمَلَهَا وَلَهُم نِصفُ الثَّمَرِ، فَقَالَ لَهُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نُقِرُّكُم بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئنَا. فَقَرُّوا بِهَا حَتَّى أَجلَاهُم عُمَرُ إِلَى تَيمَاءَ وَأَرِيحَاءَ.\nــ\nو(قوله: وكان يعطي أزواجه كل سنة مائة وسق) يريد بقسمته بينهن ألا تطالبه واحدة منهن بنفقة تلك السنة، وهذا - والله أعلم - كان بعد أن كان أزواجه طالبنه بالنفقة، وأكثرن عليه، كما تقدَّم في كتاب النكاح. ويدل هذا على أن ادخار ما يحتاج الإنسان إليه، ويعده للحاجات المتوقعة في الاستقبال، ليس قادحًا في التوكل، ولا منقصًا منه.\nو(قوله: فلما ولي عمر قسم خيبر) يعني: قسم سهم النبي ﷺ الذي كان له بخيبر الذي كان وقفه النبي ﷺ لمؤونة عياله وعامله بعد إجلاء عمر ﵁ اليهود منها. وإنما أجلى عمر بن الخطاب اليهود والنصارى من الحجاز؛ لأنهم لم يكن لهم عهد من النبي ﷺ على بقائهم بالحجاز دائمًا، بل ذلك كان موقوفًا على مشيئته، ولما عهد النبي ﷺ عند موته بإخراجهم من جزيرة العرب، وانتهت النوبة إلى عمر، أخرجهم من الحجاز إلى تيماء، وأريحاء، على ما يأتي، إن شاء الله تعالى.\nو(قوله ﷺ: (نقركم بها على ذلك ما شئنا) تمسَّك به بعض أهل الظاهر","vol":"4","page":416},{"text":"رواه أحمد (٢/ ١٤٩)، والبخاري (٢٣٣٨)، ومسلم (١٥٥١) (٦) وأبو داود (٣٠٠٨)، وابن ماجه (٢٤٦٧).\n* * *\nــ\nعلى جواز المساقاة إلى أجل مجهول. وجمهور الفقهاء: مالك، والشافعي، والثوري، وأكثر علماء المدينة: على أنها لا تجوز إلا لأمد معلوم. وقالوا: إن هذا الكلام جواب لما طلبوه حين أراد إخراجهم منها. وقولهم له: على أن نكفيكم العمل، إنما كان منهم على سبيل إظهار المصلحة المرغبة في إبقائهم في تلك البلاد، فكأنهم قالوا: إبقاؤنا فيها أنفع لكم من إخراجنا؛ لأنا نكفيكم مؤونة العمل في أرضكم، وتأخذون نصف ما يخرج منها، فإن أخرجنا بقيت الأرض أو غالبها لا عامر لها. فلما فهمت المصلحة أجابهم إلى الإبقاء، ووقفه على مشيئته. وبعد ذلك عاملهم على عقد المساقاة، والله تعالى أعلم.\nوقد دلَّ على ذلك قول ابن عمر ﵁: (عامل رسول الله ﷺ أهل خيبر على شطر ما يخرج منها). فأفرد العقد بالذكر دون ذكر الصلح على الإبقاء. فإن قيل: فلم ينصّ ابن عمر على مدَّة معلومة، لا هو ولا غيره ممن روى القصة، فمن أين يشترط الأجل؛ فالجواب: أن الإجماع قد انعقد على منع الإجارة المجهولة فيما من شأنه أن يعرف العمل فيه بالزمان.\nوالمساقاة من باب الإجارة، لكن اغتُفِرَت فيها حالة جهالة مقدار ما يحصل من الأجرة. وهذا موضع الرخصة الخاصة بها، فاستثني جواز ذلك، وبقي تعيين الزمان على أصله من وجوب المراعاة. فإن قيل: لا نسلم أنها من باب الإجارة، بل هي أخت القراض، وهو أصلها، كما قدمتم. والقراض لا يحتاج إلى ضرب مدة، فكذلك المساقاة. فالجواب: أن المساقاة، وإن أشبهت القراض (١)، فيما ذكرناه، غير أنها تفارقه من وجه آخر؛ وهو: أن الفائدة الحاصلة منها مقيدة في العادة بالزمان؛ إذ الغالب من\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"4","page":417},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالثمرة أنها لا بدّ منها في كل سنة، وهي الفائدة. ولذلك قلنا نحن وأبو ثور: إذا وقعت المساقاة، ولم تتعين فيها مدة، صحت، وحملت على مدة فائدة تلك السَّنة، وليس كذلك القراض؛ إذ لا يدرى هل يحصل منه فائدة أو لا؟ وإذا حصلت فلا يدرى ما هي؟ فكان القراض بباب الجعل أولى، ولذلك كان في المشهور عقدًا جائزًا (١)، ولا يحتاج إلى أجل. وكانت المساقاة بباب الإجارة أولى، ولذلك كانت عقدًا لازمًا، واحتاج إلى ضرب الأجل.\nوعلى هذا فيحتمل الحديث أن يكون النبي ﷺ عيَّ للمساقاة أجلًا لم يسمعه الراوي، فلم ينقله، أو وقع عقد المساقاة، وحمل على سنة واحدة، فلما جاءت السنة الأخرى بقاهم على ذلك. وهكذا في الأعوام المتوالية، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: دفع رسول الله ﷺ نخل خيبر ليهودها على أن يعملوها من أموالهم) يعني به: النفقة فيما تحتاج الثمرة إليه من نفقة الأجراء، والدواب، والعلوفة، والآلات، والأجر في العزاق والجداد، وغير ذلك مما يذهب بذهاب المساقاة. وأما ما يبقى بعدها كبناء حائط، أو حفر بئر أو نحوه فلا يلزم العامل.\nو(قوله: كان يعطي أزواج النبي ﷺ كل سنة مائة وسق: ثمانين وسق من تمر، وعشرين وسق من شعير) دليل لمالك: على قوله: إن بياض خيبر كان تابعًا لسوادها. ألا ترى: أن الشعير خمس، والتمر أربعة أخماس؛ ولذلك صحَّ أن يدخل في المساقاة بالشرط، ولكن بشرط اتفاق الجزء كما تقدَّم. وقد استحب مالك أن يلغيه للعامل رفقًا به، وإحسانًا إليه. وهذا الحديث وغيره دليل على أن النبي ﷺ كان قسم أرض خيبر على خمسة أخماس، على قسم الغنائم. وكذلك قال الشافعي. وهو مقتضى عموم قوله تعالى: ﴿وَاعلَمُوا أَنَّمَا غَنِمتُم مِن شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ ومالك وأصحابه يرون إيقاف الأرض للمسلمين ممن\n_________\n(١) في (ج ٢): لازمًا.","vol":"4","page":418},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nحضر وغاب، وممن يأتي بعد، تمسكًا بفعل عمر ﵁ في أرض العراق والشام ومصر، فإنه أقرها، ولم يقسمها، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعدِهِم﴾ وتأول عطفه على قوله: ﴿لِلفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ﴾ وذهب الكوفيون إلى تخيير الإمام في قسمتها، أو إقرارها بأيدي أهلها، وتوظيف الخراج عليها، وتصييرها ملكًا لهم كأرض الصلح.\nفإن قيل: فكيف يرفع فعل النبي ﷺ وعمله بمقتضى عموم الآية بقول عمر وفعله؟ فالجواب: أن عمر بن الخطاب ﵁ فهم عن النبي ﷺ أن الذي فعله في قسم خيبر ليس على جهة التحتيم الذي لا يجوز غيره، وإنما هو أحد الوجهين الجائزين. غير أن النبي ﷺ ظهر له: أن الأولى قسمتها في ذلك الوقت، لشدَّة حاجة أولئك الغانمين. ولما كان زمن عمر ﵁ اتسعت أموال المسلمين لكثرة الفتوحات عليهم؛ فرأى: أن إيقافها لمصالح المسلمين أولى من قسمتها (١)، وتابعه على ذلك أهل عصره، ولم يخالفه أحد من الصحابة، فصار كالإجماع على صحة ما فعل وجوازه. وعند هذا يظهر: أن الأولى قول الكوفيين؛ الذي هو التخيير؛ لأنه جمع بين الأمرين. وهو الذي فهمه عمر ﵁ قطعًا. ولذلك قال عمر ﵁ فيما رواه عنه مالك (٢): لولا أن أترك آخر الناس لا شيء لهم ما افتتح المسلمون قرية إلا قسمتها سهمانًا، كما قسم رسول الله ﷺ خيبر سهمانًا. فلم يخبر بنسخ فعل النبي ﷺ ولا بتخصيصه بهم. فلم يبق إلا ما ذكرناه. غير أن الكوفيين زادوا على ما فعل عمر. فإن عمر إنما وقفها على مصالح المسلمين، ولم يملكها لأهل الصلح، وهم قالوا للإمام أن يملكها أهل الصلح. وأما من لم يسلك هذه الطريقة فيلزمه: إما نسخ\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٢) رواه البخاري (٢٣٣٤)، وأبو داود (٣٠٢٠).","vol":"4","page":419},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفعل النبي ﷺ بفعل عمر ﵁ وهو باطل قطعًا. وإما نسبة عمر ومن كان معه من الصحابة إلى الخطأ، حيث فعلوا ما لا يجوز. وهو باطل قطعًا.\nوقد استمر العمل بين الأمة بعد ذلك الصدر على استمرار وقف تلك الأراضي التي وقف عمر ﵁ إلى الآن، ولم يتعرض أحد إلى نقضها، ولا إلى تغييرها عما وضعها عليه عمر - فيما علمت - حتى اليوم. فتطابق إجماع السابقين واللاحقين، ولم يلتفت إلى من خالفهم من المتأخرين.\nوإنما خيّر عمر ﵁ أزواج النبي ﷺ بين إقطاع الأرض، وبين ضمان الأوساق مبالغة في صيانتهن، وكفايتهن التبذل في تحصيل ذلك، فسلك معهن ما يطيب قلوبهن ويصونهن. ولم يكن هذا الإقطاع لمن اختاره منهن إقطاع تمليك؛ لأنه لو كان ذلك منه لكان تغييرًا لما فعله النبي ﷺ. وقد قال عمر لعليّ والعباس: لا أغير من أمرها شيئًا، إني أخاف إن غيرت من أمرها شيئًا أن أزيغ. وقد كان النبي ﷺ قال: (ما تركت بعد نفقة عيالي، ومؤونة عاملي فهو صدقة) (١) ووقف الأرض لذلك. وإنما كان إقطاع اغتلال. وذلك أنه قسم عدد الأوساق المائة على عدد أزواج النبي ﷺ فمن اختارت الأوساق ضمنها لها. ومن اختارت النخل أقطعها قدر ذلك لتتصرف فيها تصرف المستغل، لا المالك، والله تعالى أعلم.\n* * *\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٢٠٨)، والبخاري (٥٣٥٨).","vol":"4","page":420},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-606>(١٥) باب في فضل من غرس غرسًا</span>\n[١٦٤٠] عَن جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا مِن مُسلِمٍ يَغرِسُ غَرسًا إِلَّا كَانَ مَا أُكِلَ مِنهُ لَهُ صَدَقَةً، وَمَا سُرِقَ مِنهُ لَهُ صَدَقَةٌ، وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ\nــ\n(١٥) ومن باب: فضل من غرس غرسًا\n(قوله: ما من مسلم يغرس غرسًا إلا كان ما أكل منه له صدقة. . .) الحديث؛ إنما خصَّ المسلم بالذكر لأنه ينوي عند الغرس غالبًا أن يتقوَّى بثمرة ذلك الغرس المسلمون على عبادة الله تعالى، ولأن المسلم هو الذي يحصل له ثواب. وأما الكافر فلا يحصل له بما يفعله من الخيرات ثواب، وغايته أن يُخَفَّف العذاب عنه، وقد يطعم في الدنيا، ويعطى بذلك؛ كما تقدَّم في كتاب الإيمان.\nويعني بـ (الصدقة) هنا: ثواب صدقة مضاعفًا، كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَموَالَهُم فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَت سَبعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ الآية.\nوفيه دليل: على أن الغراس، واتخاذ الضياع مباح، وغير قادح في الزهد، وقد فعله كثير من الصحابة. وقد ذهب قوم من المتزهدة: إلى أن ذلك مكروه وقادح. ولعلّهم تمسكوا في ذلك بما قد خرَّجه الترمذي من قوله ﷺ: (لا تتخذوا الضيعة، فتركنوا إلى الدنيا) (١) من حديث ابن مسعود، وقال فيه: حديث حسن.\nوالجواب: أن هذا النهي محمول على الاستكثار من الضياع والانصراف إليها بالقلب الذي يفضي بصاحبه إلى الركون للدنيا. فأما إذا اتخذها غير مستكثر، وقلل منها، وكانت له كفافًا وعفافًا فهي مباحة، غير قادحة في الزهد، وسبيلها كسبيل المال الذي استثناه النبي ﷺ بقوله: (إلا من أخذه بحقه، ووضعه في\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٣٢٨).","vol":"4","page":421},{"text":"فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ، وَمَا أَكَلَت الطَّيرُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ، وَلَا يَرزَؤُهُ أَحَدٌ إِلَّا كَانَت لَهُ صَدَقَةٌ.\nرواه مسلم (١٥٥٢) (٧).\n[١٦٤١] وعنه: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَى أُمِّ مُبَشِّرٍ الأَنصَارِيَّةِ فِي نَخلٍ لَهَا فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ: مَن غَرَسَ هَذَا النَّخلَ، أَمُسلِمٌ أَم كَافِرٌ؟ . فَقَالَت: بَل مُسلِمٌ. فَقَالَ: لَا يَغرِسُ مُسلِمٌ غَرسًا، وَلَا يَزرَعُ زَرعًا، فَيَأكُلَ مِنهُ إِنسَانٌ وَلَا دَابَّةٌ.\nوفي رواية: وَلَا طَيرٌ وَلَا شَيءٌ، إِلَّا كَانَت لَهُ صَدَقَةٌ.\nوفي رواية: إِلَّا كَانَ لَهُ فِيهِ أَجرٌ.\nرواه مسلم (١٥٥٢) (٨ و٩).\n* * *\nــ\nحقه) (١) فأمَّا لو غرس، واتخذ الضيعة ناويًا بذلك معونة المسلمين، وثواب ما يؤكل ويتلف له منها، ويفعل بذلك معروفًا، فذلك من أفضل الأعمال، وأكرم الأحوال، ولا بُعد في أن يقال: إن أَجرَ ذلك يعود عليه أبدًا دائمًا، وإن مات وانتقلت إلى غيره. ولولا الإكثار لذكرنا فيمن اتخذ الضياع من الفضلاء، والصحابة جملة من صحيح الأخبار.\nو(قوله: ولا يرزؤه أحد) أي: لا ينقصه. يقال: ما رزأته زِبَالًا؛ أي: ما نقصته. والزبال: ما تحمله النملة في فيها.\nو(قوله: دخل على أمِّ مبشِّر) هذا أصحّ الروايات الواقعة في كتاب مسلم. وقد روي فيه: أمُّ مِعبَد. وقد روي: أمُّ معبد، أو أم مُبشر على الشك، وقد روي:\n_________\n(١) رواه مسلم (١٠٥٢).","vol":"4","page":422},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-607>(١٦) باب في وضع الجائحة</span>\n[١٦٤٢] عَن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَو بِعتَ مِن أَخِيكَ ثَمَرًا فَأَصَابَتهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَن تَأخُذَ مِنهُ شَيئًا، بِمَ تَأخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيرِ حَقٍّ؟\nرواه مسلم (١٥٥٤)، وأبو داود (٣٤٧٠)، والنسائي (٧/ ٢٦٥)، وابن ماجه (٢١١٩).\n[١٦٤٣] وعنه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِوَضعِ الجَوَائِحِ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٠٩)، ومسلم (١٥٥٤) (١٧)، وأبو داود (٣٣٧٤)، والنسائي (٧/ ٢٦٥).\nــ\nعن أم بشر. وقد روي عن امرأة زيد بن حارثة. قال أبو علي الجياني: إن الصواب: أم مبشر. قال: وكذا في ديوان الليث بن سعد. قال: وقال لي أبو عمر: أم مبشر الأنصارية بنت البراء بن معرور، وزوج زيد بن حارثة. ويقال لها: أم مبشر قال: واسمها فيما قيل: خليدة. ولم يصح.\n(١٦) ومن باب: وضع الجوائح\n(قوله: لو بعت من أخيك ثمرًا، فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق) دليل واضح على وجوب إسقاط ما أُجيج من الثمرة عن المشتري. ولا يلتفت إلى قول من قال: إن ذلك لم يثبت مرفوعًا إلى النبي ﷺ وإنما ثبت من قول أنس؛ لأن ذلك ليس بصحيح؛ بل الصحيح: رَفعُ ذلك من حديث جابر وأنس. على ما ذكرناه في الأصل، واعتضد ذلك بأمره ﷺ بوضع الجوائح.","vol":"4","page":423},{"text":"[١٦٤٤] وعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن بَيعِ الثَّمَرَةِ\nــ\nوقد اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:\nأحدها: لا يوضع منها شيء عن المشتري؛ لأنها كلها في ضمانه بالشراء. وبه قال الشافعي في الجديد.\nوثانيها: أنها توضع عنه، قليلها، وكثيرها. وبه قال أحمد بن حنبل، وأبو عبيد القاسم بن سلام. وبه قال الشافعي في القديم.\nوثالثها: الفرق بين أن تأتي الجائحة على الثلث فأكثر، فتوضع عن المشتري (١)، أو على أقل من الثلث، فلا توضع، وتكون منه، وهو قول مالك وأصحابه.\nحجة القول الأول: حديث أبي سعيد الخدري؛ الذي قال فيه: أصيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فتصدَّق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه. فقال رسول الله ﷺ لغرمائه: (خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك) (٢). وهذا واضح في أنه أُجيحت الثمرة، ولم يوضع منها شيء عن المشتري، ويعضد هذا: بأنه قد أقبضه؛ إذ قد خلَّى بينه وبينها. وذلك هو قبضها، فإن قبض كل شيء بحسبه. وقد انفصل أصحابنا عن هذا الحديث: بأن الأحاديث المتقدِّمة أولى لوجهين:\nأحدهما: أنها ذكرت لبيان القاعدة وحكمها. وهذا الحديث واقعة معينة. فالأول أولى.\nوثانيهما: أنه يحتمل أن يكون اشترى تلك الثمرة بعد تناهي طيبها، وإذ ذاك\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ل ١).\n(٢) رواه أحمد (٣/ ٣٦ و٥٨)، ومسلم (١٥٥٦/ ١٨)، وأبو داود (٣٤٦٩)، والترمذي (٦٥٥)، والنسائي (٧/ ٢٦٥)، وابن ماجه (٢٣٥٦).","vol":"4","page":424},{"text":"حَتَّى تُزهِيَ. قَالُوا: وَمَا تُزهِيَ؟ قَالَ: تَحمَرُّ.\nــ\nلا تحتاج إلى تبقية، ولا إلى سَقي، فيكون ضمانها من المشتري على كل حال.\nحجة القول الثاني: ما تقدَّم من الحديث. ويعضد ذلك: بأنها بقي فيها حق توفية. فكأنها لم تقبض. وذلك: أنها محتاجة إلى بقائها إلى تكامل طيبها على أصولها؛ إذ بقي على البائع سقيها إلى انتهائها، فكان ذلك كالتوفية بالكيل والوزن. فما بيع من ذلك فهلك قبل كيله ووزنه، فمصيبته من بائعه قولًا واحدًا.\nوأما تفريق مالك بين القليل والكثير فوجهه: أن القليل معلوم الوقوع، بحكم العادة؛ إذ لا بدَّ من سقوط شيء منه، وعفنه، وتتريبه (١). فكأن المشتري دخل عليه، ورضي به، وليس كذلك الكثير. فإنه لم يدخل عليه. فلما افترق الحال في العادة فينبغي أن يفترق في الحكم. وإذا لم يكن بُدٌّ من فرق بينهما، فالقليل ما دون الثلث. والكثير: الثلث فما زاد؛ لقوله ﷺ: (الثلث، والثلث كثير، أو كبير) (٢).\nثم هل يعتبر ثلث مكيله الثمرة، أو ثلث الثمن؟ قولان:\nالأول لابن القاسم. والثاني لأشهب. وقد اعتذر لأبي حنيفة رحمه الله تعالى عن الأمر بوضع الجوائح: بأن ذلك إنما كان في حق من باع الثمرة قبل بدوِّ الصلاح، كما كانوا يفعلون قبل النهي عن ذلك. وأجيب بأن ذلك تخصيص لا دليل عليه. فإن الأمر بوضع الجوائح عام. وأيضًا: فقوله ﷺ: (لو بعت من أخيك ثمرًا. . .) يدل على البيع الشرعي، لا الممنوع. فكيف يذكر البيع الفاسد، ولا ينهى عنه، ولا يبين فساده، ثم يعدل عنه في إبطاله إلى أمر خارج عنه؛ فظاهر هذا الحديث: أن هذا البيع وقع صحيحًا. وذلك لا يكون إلا بعد الزهو، ثم طرأت الجائحة. فعلل منع حِلِّيَةِ المال بها. وحاصل ما ذكرنا: أن الأمر بوضع الجائحة يتضمن صحة بيع ما توضع فيه الجائحة لا إفساده. وهذا واضح لمن تأمَّله.\n_________\n(١) أي: لزق به التراب، وتلوَّث به، وتلطَّخ.\n(٢) رواه البخاري (١٢٩٥)، وأبو داود (٣١٠٤).","vol":"4","page":425},{"text":"وفي رواية: وَتَصفَرُّ، وَقَالَ: إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ تَستَحِلُّ مَالَ أَخِيكَ؟\nرواه أحمد (٣/ ١١٥)، والبخاري (٢١٩٥)، ومسلم (١٥٥٥)، والنسائي (٧/ ٢٦٤).\n[١٦٤٥] وعنه، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِن لَم يُثمِرهَا اللَّهُ، فَبِمَ يَستَحِلُّ أَحَدُكُم مَالَ أَخِيهِ؟\nرواه مسلم (١٥٥٥) (١٦).\n* * *\nــ\nو(قوله: إذا منع الله الثمرة) أي: إذا منع تكاملها، وطيبها. لأن الثمرة قد كانت موجودة مزهية حين البيع، كما قال في الرواية الأخرى: (إن لم يثمرها الله) أي: لم يكمل ثمرتها. وقد تقدَّم القول في أصل الجائحة في كتاب الزكاة.\nواختلف أصحابنا في حدِّها. فروي عن ابن القاسم: أنها ما لا يمكن دفعه. وعلى هذا الخلاف فلا يكون (١) السارق جائحة. وكذا في كتاب محمد. وفي الكتاب: إنه جائحة. وقال مُطرِّف وابن الماجشون: الجائحة: ما أصاب الثمرة من السماء من عَفَنٍ، أو برد، أو عطش، أو حرٍّ، أو كسر الشجر بما ليس بصنع آدميّ. والجيش ليس بجائحة. وفي رواية ابن القاسم: إنه جائحة.\n* * *\n_________\n(١) هكذا في (ع) (وعلى هذا الخلاف يكون) وكذا في: إكمال إكمال المعلم للأُبِّي ومكمل إكمال الإكمال للسنوسي، وفي (ل ١) و(م): وعلى هذا فلا يكون: والمثبت من (ج ٢).","vol":"4","page":426},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-608>(١٧) باب قسم مال المفلس، والحث على وضع بعض الدين</span>\n[١٦٤٦] عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ثِمَارٍ ابتَاعَهَا فَكَثُرَ دَينُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: تَصَدَّقُوا\nــ\n(١٧) ومن باب: قسم مال المفلس\n(قوله: أصيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها) هذا الرَّجل هو معاذ بن جبل. وكان غرماؤه يهود، فكلمهم النبي ﷺ في أن يخففوا عنه، أو ينظروه، فأبوا، فحكم النبي ﷺ بما ذكر. وظاهر هذا الحديث: أن الجائحة أتت على كل الثمرة، حتى لم يبق له منها ما يباع عليه، فقد ثبتت عسرته. فحكمه الإنظار إلى الميسرة، كما قال الله تعالى (١). فمن كان كذلك فلا يحبس مثله خلافًا لشريح؛ فإنه قال: يحبس أبدًا، ولا يلازم. خلافًا لأبي حنيفة؛ فإنه قال: يلازم لإمكان أن يظهر له مال، ولا يكلَّف أن يكتسب، لا هو ولا مستولدته. وهذا كلّه مردود بنص القرآن، وبقوله ﷺ لغرماء معاذ: (خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك). ولا يجب أن يتصدق عليه، ومن فعل ذلك، أو حضَّ عليه كان خيرًا له، وفيه ثواب كثير؛ لأنه سعى في تخليص ذمة المسلم من المطالبة المستقبلة، أو من الإثم اللاحق بتأخير الأداء عند الإمكان إن كان قد وقع ذلك. وفعل النبي ﷺ ذلك بمعاذ ليتبين خصومه: أنه ليس عنده شيء، ولتطيب قلوبهم بما أخذوا، فيسهل عليهم ترك ما بقي، وليخف الدَّين عن معاذ، وليتشارك المتصدقون في أجر المعونة وثوابها. وليكن ذلك سُنَّة حسنة.\nوفيه ما يدل على نسخ بيع الجزء في الدَّين، كما كان في أول الإسلام. وعلى نسخه تدل الآية، والإجماع.\n_________\n(١) يشير المصنف -﵀- إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠].","vol":"4","page":427},{"text":"عَلَيهِ. فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيهِ، فَلَم يَبلُغ ذَلِكَ وَفَاءَ دَينِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِغُرَمَائِهِ: خُذُوا مَا وَجَدتُم، وَلَيسَ لَكُم إِلَّا ذَلِكَ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٦)، ومسلم (١٥٥٦) (١٨)، وأبو داود (٣٤٦٩)، والترمذي (٦٥٥)، والنسائي (٧/ ٢٦٥)، وابن ماجه (٢٣٥٦).\n[١٦٤٧] وعن عَائِشَةَ قَالَت: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَوتَ خُصُومٍ بِالبَابِ عَالِيَةٍ أَصوَاتُهُم، وَإِذَا أَحَدُهُم يَستَوضِعُ الآخَرَ وَيَستَرفِقُهُ فِي شَيءٍ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَفعَلُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَينَ المُتَأَلِّي عَلَى\nــ\nو(قوله: خذوا ما وجدتم) يدلُّ على أن المفلس يؤخذ منه كل ما يوجد له، ويستثنى من ذلك ما كان من ضرورته. وروى ابن نافع عن مالك: أنه لا يترك له إلا ما يواريه. والمشهور: أنه يترك له كسوته المعتادة، ما لم يكن فيها فضل، ولا ينزع منه رداؤه، إن كان ذلك مزريًا به، أو منقصًا. وفي ترك كسوة زوجته، وبيع كتبه إن كان عالمًا خلافٌ. ولا يترك له مسكن، ولا خاتم، ولا ثوب جمعته، ما لم تقل قيمتها.\nو(الخصوم): جمع خصم، كفلس وفلوس. وقد يقال: خصم على الجمع، والاثنين، كما قال تعالى: ﴿وَهَل أَتَاكَ نَبَأُ الخَصمِ إِذ تَسَوَّرُوا المِحرَابَ﴾ ويقال: خصم أيضًا للمذكر والمؤنث.\nو(قوله: وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه) أي: يسأله أن يضع عنه، ويرفق به.\nو(المتألي): الحالف. يقال: تألَّى، يتألَّى، وائتلى، يأتلي. وآلى يؤلي. كل ذلك بمعنى الحلف.\nوفيه ما يدلُّ على أن سؤال الحطيطة والرفق جائز؛ إذ لم ينكر النبي ﷺ ذلك إذ سمعه. وقد كره مالك ذلك، لما فيه من المهانة، والمنَّة.","vol":"4","page":428},{"text":"اللَّهِ ألَا يَفعَلُ المَعرُوفَ؟ قَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَهُ أَيُّ ذَلِكَ أَحَبَّ.\nرواه أحمد (٦/ ٦٩)، والبخاري (٢٧٠٥)، ومسلم (١٥٥٧).\n[١٦٤٨] وعن كَعبِ بنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ تَقَاضَى ابنَ أَبِي حَدرَدٍ دَينًا كَانَ لَهُ فِي عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي المَسجِدِ، فَارتَفَعَت أَصوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي بَيتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى كَشَفَ سِجفَ حُجرَتِهِ، وَنَادَى كَعبَ بنَ مَالِكٍ فَقَالَ: يَا كَعبُ. فَقَالَ: لَبَّيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قال: فَأَشَارَ إِلَيهِ بِيَدِهِ أَن ضَع الشَّطرَ مِن دَينِكَ، قَالَ كَعبٌ:\nــ\nقلت: وهذه الكراهة من مالك: إنما هي من طريق تسمية ترك الأولى: مكروهًا.\nو(قوله: فله أي ذلك أحبَّ) أي: الوضع أو الرفق. وكان حقه: أي ذينك. فإن المشار إليهما اثنان، لكنه أشار إلى الكلام المتقدِّم المذكور. فكأنه قال: فله أي ذلك المذكور أحب. كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَفعَل ذَلِكَ يَلقَ أَثَامًا﴾ وإذا تأملت هذا الكلام بان لك لطافة النبي ﷺ وحُسن سياسته، وكرم خلق الرَّجل، ومسارعته إلى فعل الخير.\nو(قوله: إن كعبًا تقاضى ابن أبي حَدرد دَينًا في المسجد) أي: سأل من ابن أبي حدرد أن يقضيه دينه الذي له عليه، فارتفعت أصواتهما بسبب ذلك حتى سمعهما النبي ﷺ من بيته، ولم ينكر عليهم، فكان ذلك دليلًا على استباحة مثل ذلك في المسجد ما لم يتفاحش. فإن تفاحش كان ذلك ممنوعًا؛ إذ قد نهى رسول الله ﷺ عن رفع الأصوات في المساجد.\nو(قوله بالإشارة: (ضع الشطر من دينك) دليل: على أن الإشارة بمنزلة","vol":"4","page":429},{"text":"قَد فَعَلتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قُم فَاقضِهِ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٩٠)، والبخاري (٤٥٧)، ومسلم (١٥٥٨) (٢٠)، والنسائي (٨/ ٢٤٤)، وابن ماجه (٢٤٢٩).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-609>(١٨) باب من أدرك ماله عند مُفلس</span>\n[١٦٤٩] عَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا أَفلَسَ الرَّجُلُ، فَوَجَدَ الرَّجُلُ عِندَهُ سِلعَتَهُ بِعَينِهَا، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا.\nــ\nالكلام إذا فُهِمَت؛ لأنها دلالة على الكلام كالحروف والأصوات، فتصح شهادة الأخرس، ويمينه، ولعانه، وعقوده إذا فهم ذلك عنه، وهذا منه ﷺ أمر على جهة الإرشاد إلى الصلح. وهذا صُلح على الإقرار؛ لأن نزاعهما لم يكن في أصل الدَّين، وإنما كان في التقاضي. وهو متفق عليه. وأما الصُّلح على الإنكار، فهو الذي أجازه مالك، وأبو حنيفة والشعبي، والحسن البصري. وقال الشافعي: الصلح على الإنكار باطل. وبه قال ابن أبي ليلى.\nو(قوله: قم فاقضه) أمرٌ على جهة الوجوب؛ لأن ربَّ الدَّين لَمَّا أطاع بوضع ما وضع تعيَّن على المِديان أن يقوم بما بقي عليه، لئلا يُجمع على ربِّ الدَّين وضيعة ومُطل. وهكذا ينبغي أن يبتَّ الأمر بين المتصالحين، فلا يترك بينهما علقة ما أمكن.\n(١٨) ومن باب: من أدرك ماله عند مُفلس\n(قوله: إذا أفلس الرَّجل فوجد الرَّجل عنده سلعته بعينها فهو أحق بها). وقوله: (أفلس الرجل): في اللغة: صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دنانير، كما يقال:","vol":"4","page":430},{"text":"وفي رواية: أَيُّمَا امرِئٍ فُلِّسَ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٢٨)، والبخاري (٢٤٠٢)، ومسلم (١٥٥٩) (٢٢ و٢٥)، وأبو داود (٣٥١٩)، والترمذي (١٢٦٢)، والنسائي (٧/ ٣١١)، وابن ماجه (٢٣٥٨).\nــ\nأخبث الرجل، أي: صار أصحابه خبثاء. وأقطف الرَّجل؛ إذا صارت دابته قطوفًا (١). والمفلس في عرف العرب: من لا مال له عينًا، ولا عرضًا، ولا غيره. ولذلك قال النبي ﷺ لأصحابه ﵃: (أتدرون من المفلس؟) قالوا: ما هو المعروف عندهم، فأجابوه بقولهم: من لا درهم له، ولا متاع (٢). وهو في عرف الشرع: عبارة عن مِديان (٣) قصر ما بيده عن وفاء ما عليه من الديون، فطلب الغرماء أخذ ما بيده. وإذا كان كذلك، فللحاكم أن يحجر عليه، ويمنعه من التصرف فيما بيده، ويُحَصِّله، ويجمع الغرماء، فيقسمه عليهم. وهذا هو مذهب الجمهور من الصحابة وغيرهم، كعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وعروة بن الزبير، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأحمد. وقال النخعي والحسن البصري وأبو حنيفة: ليس للحاكم أن يحجر عليه، ولا يمنعه من التصرف في ماله، لكن يحبسه ليوفي ما عليه، وهو يبيع ما عنده. والحجة للجمهور على هؤلاء حديث تفليس معاذ المتقدم. وقد قال فيه الزهري: ادَّانَ معاذٌ فباع رسول الله ﷺ ماله حتى قضى دينه (٤). وكذلك فعل عمر بن الخطاب ﵁ بالجهني الذي قال فيه: ألا إن أُسَيفَعَ جُهينة رضي لدينه وأمانته أن يقال: سَبَقَ الحَاجَّ، ثم\n_________\n(١) أي: تسيء السير وتبطئ.\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٣٠٣)، ومسلم (٢٥٨١)، والترمذي (٢٤١٨).\n(٣) إذا كانت عادته أن يأخذ بالدَّين، ويستقرض.\n(٤) رواه أبو نعيم في الحلية (١/ ٢٣١)، والحاكم (٣/ ٢٧٣) وانظر: سير أعلام النبلاء (١/ ٤٥٣).","vol":"4","page":431},{"text":"[١٦٥٠] وعنه عَن النَّبِيِّ ﷺ فِي الرَّجُلِ الَّذِي يُعدِمُ إِذَا وُجِدَ عِندَهُ المَتَاعُ وَلَم يُفَرِّقهُ، إنَّهُ لِصَاحِبِهِ الَّذِي بَاعَهُ.\nرواه مسلم (١٥٥٩) (٢٣).\n* * *\nــ\nادَّان مُعرضًا (١). فمن كان له عليه دين فليحضر، فإنا نبيع ماله (٢). ولم يخالفه أحدٌ، ثم يباع عليه كل ماله وعقاره. وقال أبو حنيفة: لا يباع عليه عقاره. وقوله مخالف (٣) للأدلة التي ذكرناها، فإنها عامة لجميع الأموال، ولأن الدَّين حق مالي في ذمَّته، فيباع عليه فيه عقاره، كما يباع في نفقة الزوجات، ولأن الفلس معنى طارئ يوجب قسمة المال، فيباع فيه لعقار كالموت.\nوقد اختلف العلماء في مشتري السِّلعة إذا أفلس أو مات، ولا وفاء عنده بثمنها ووُجِدت. فقال الشافعي: صاحبها أحق بها في الفَلَس والموت. وقال أبو حنيفة: صاحبها أسوة الغرماء فيها. وقال مالك: هو أحق بها في الفَلَس دون الموت. وسبب الخلاف: معارضة الأصل الكلِّي للأحاديث. وذلك: أن الأصل أن الدَّين في ذمَّة المفلس والمَيِّت وما بأيديهما محل للوفاء، فيشترك جميع الغرماء فيه بقدر رؤوس أموالهم، ولا فرق في هذا من أن تكون أعيان السلع موجودة، أو لا؛ إذ قد خرجت عن مالك بائعها، ووجبت أثمانها لهم في الذمة بالإجماع، فلا يكون لهم إلا أثمانها إن وجدت، أو ما وُجِد منها. فتمسَّك أبو حنيفة بهذا، وردَّ الأخبار بناءً على أصله في ردِّ أخبار الآحاد عند معارضة القياس. وأما الشافعي ومالك:\n_________\n(١) يريد بالمعرض: المعترض، أي: اعترض لكل من يُقرضه، وقيل: أراد معرضًا عن الأداء. (النهاية في غريب الحديث ٣/ ٢١٥ وانظر (غريب الحديث) لابن الجوزي (٦/ ٨٦).\n(٢) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٧٧٠).\n(٣) في (م): فاسد.","vol":"4","page":432},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفتمسكا بالأخبار الواردة في الباب، وخصَّصَا بها تلك القاعدة. غير أن الشافعي تمسَّك في التسوية بين الموت والفَلَس بما رواه أبو داود من حديث أبي المعتمر، عن عمر بن خَلدة قال: أتينا أبا هريرة ﵁ في صاحب لنا أفلس. فقال: لأقضين فيكم بقضاء رسول الله ﷺ: من أفلس أو مات، فوجد رجل متاعه بعينه فهو أحق به (١). وبإلحاق الموت بالفلس؛ لأنه في معناه، ولم ينقدح بينهما فرق مؤثر عنده. وأما مالك: فإنه فرَّق بينهما، لما رواه عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن: أن رسول الله ﷺ قال: (أيُّما رجل باع متاعًا فأفلس الذي ابتاعه، ولم يقبض من ثمنه شيئًا، فوجده بعينه، فهو أحق به، فإن مات الذي ابتاعه، فصاحب المتاع أسوة الغرماء) (٢).\nقلت: وهذا مرسل صحيح. وقد أسنده أبو داود من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة (٣)، وهو طريق صحيح، وفيه زيادة ألفاظ نذكرها بعد إن شاء الله تعالى، ومذهب مالك أولى؛ لأن حديثه أصح من حديث الشافعي؛ لأن أبا المعتمر مجهول على ما ذكره أبو داود، وللفرق بين الفلس والموت، وذلك: أن ذمَّة المفلس باقية، غير أنها انعابت، ويمكن أن يزول ذلك العيب بالإيسار، فيجد الغرماء الذين لم يأخذوا من السلعة شيئًا ما يرجعون عليه، وليس كذلك في الموت، فإن ذمَّة الميت قد انعدمت، فلا يرتجعون (٤) شيئًا؛ فافترقا، والله تعالى أعلم.\nوقد تعسَّف بعض الحنفية في تأويل أحاديث الإفلاس تأويلات لا تقوم على أساس، ولا تتمشى على لغةٍ، ولا قياسٍ. فلنُضرب عن ذكرها، لوضوح فسادها.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٥٢٣).\n(٢) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٦٧٨).\n(٣) رواه أبو داود (٣٥١٩).\n(٤) في (ع): فلا يرجعون. وفي (ل ١): فلا يرتجون.","vol":"4","page":433},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nو(قوله: فوجد الرَّجل سلعته بعينها، فهو أحق بها) مقتضى دليل خطابه: أنَّه لو وجدها قد تغيرت عن حالها، أو وجد بعضها، لم يكن له أن يأخذها. وهذا يليق بمذهب أهل الظاهر. لكن علماؤنا فصلوا التغير إلى ثلاثة أنواع:\nالنوع الأول: تغير انتقال، كالعبد المتغير بزمانة، أو بعتق، أو عقد من عقوده. وكالثوب المتغير بقطعه قُمُصًا، أو غيرها، وكالحنطة المتغيرة بخلط مُسوِّس بها أو بغير نوعها، أو بطحنها، أو خبزها. وكالخشبة المتغيرة بجعلها بابًا، أو غيره. فهذا النوع مفوِّت، ليس له الرُّجوع معه.\nالثاني: تغير غير انتقال، كالمتغير بالمرض اليسير، وكخلط القمح بمثله. فهذا له الرُّجوع فيه؛ إذ لا أثر لذلك التغير. ومن هذا النوع وجدان بعض السلعة. فله أن يأخذ ويضرب معهم بسهمه فيما بقي.\nالثالث: تغير بإضافة غير السلعة إليها، كالعرصة تُبنى، والغزل يُنسج. فهذا يرجع في سلعته، ويدفع قيمة البناء، والنسج. وله مشاركة الغرماء في تلك القيمة؛ إن بقي له من دينه شيء.\nوفي هذا الباب فروع مختلف فيها بسبب تردُّدها بين هذه الأنواع.\nو(قوله في حديث الزهري؛ الذي خرَّجه أبو داود: (فإن كان قضاه من ثمنه شيئًا، فما بقي فهو أسوة الغرماء) بمقتضى هذا قال الشافعي، فرأى: أن قبض بعضه مفوِّت. ولم يره مالك مفوِّتًا، مع أنه روي معناه عن الزهري، كما قدَّمناه من حديثه. فقال-أعني مالكا -: إن شاء ربُّ السِّلعة أن يردَّ ما اقتضى، ويأخذ السِّلعة، كان له ذلك. وهذا مخالف لذلك الظاهر. وفيه إشكال، غير أنّ الذي صح عند مالك هو اللفظ الذي في موطئه؛ أعني مرسل أبي بكر بن عبد الرحمن،","vol":"4","page":434},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nونصَّه ما قد بيَّنَّاه (١). وهو يدل: على هذا الشرط بدليل المفهوم. وحديث أبي هريرة الذي في الأصل يدلُّ على إلغاء ذلك الشرط (٢) بدليل العموم. والتمسك به راجح على التمسك بالمفهوم كما ذكرناه في أصول الفقه. فتأمل هذا، فإنَّه حَسنٌ بالغٌ. والشافعي حيث تمسك بما رواه أبو داود من ذلك كان يلزمه أن يفرِّق بين الموت والفَلَس؛ لأن الحديث واحد، فإنه قال فيه: (وأيُّما امرئ هلك وعنده متاع امرئ بعينه اقتضى منه شيئًا، أو لم يقتض فهو أسوة الغرماء) (٣). فأخذ ببعضه، وترك بعضه لحديث مجهول، كما قد بيَّنَّاه.\nوما تقدَّم من الأحاديث في المفلس تدلُّ على أن جميع ما عليه من الدَّين يدخل في المحاصَّة، ما حل منها، وما لم يحل. وهو قول الجمهور، خلا أن الشافعي قال في أحد قوليه: لا يحل عليه من دين مؤجل. وهذا ليس بصحيح للأحاديث المتقدِّمة؛ ولأنه إذا خربت ذمَّة المفلس فقد لا تنعمر. فلا يحصل لمن تأخر دينه شيء مع أنه يمكن أن يكون عِوَض دينه موجودًا حال الفلس، أو بدله، فيؤخذ شيئه ولا يحصل له شيء، وإذا كان ذلك في الفلس كان الموت بذلك أولى. وهو متفق عليه، إلا ما يحكى عن الحسن أنه قال: لا يحل ما على الميت من دين مؤجل. وهو محجوج بما تقدَّم؛ وبأن الدَّين إما أن يبقى متعلقًا بذمة الميت، وهو محالٌ لذهابها، أو بذمَّة الورثة، وهو محال لعدم الموجب. ثم لا يلزم صاحب الدَّين اتباع ذمَّتهم، وتسليم التركة إليهم. أو يبقى هذا الدَّين لا في ذمَّة؛ فلا يطالب به أحدٌ، وهو محال. فلم يبق إلا ما ذكرناه، والله تعالى أعلم.\n* * *\n_________\n(١) في (ج ٢) ما قدمناه.\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٣) رواه أبو داود (٣٥٢٠).","vol":"4","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-610>(١٩) باب في إنظار المُعسِر والتجاوز عنه ومطل الغني ظلم، والحوالة</span>\n[١٦٥١] عَن حُذَيفَةَ قَالَ: أُتِيَ اللَّهُ بِعَبدٍ مِن عِبَادِهِ، آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَقَالَ لَهُ: مَاذَا عَمِلتَ فِي الدُّنيَا؟ قَالَ: يَومَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَو تُسَوَّى بِهِمُ الأَرضُ وَلَا يَكتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا قَالَ: يَا رَبِّ، آتَيتَنِي مَالَكَ فَكُنتُ أُبَايِعُ النَّاسَ، فَكَانَ مِن خُلُقِي الجَوَازُ، وَكُنتُ\nــ\n(١٩) ومن باب: إنظار المُعسِر والتجاوز عنه\nالإنظار: التأخير. والمعسر هنا: هو الذي يتعذَّر عليه الأداء في وقت دون وقت. فندب الشرع إلى تأخيره إلى الوقت الذي يمكنُ له ما يؤدي. وأما المُعسِر بالإفلاس: فتحرم مطالبته إلى أن يتبين يساره. والمال: كل ما يتموَّل، أو يُتملَّك من عين، وعَرَض، وحيوان، وغير ذلك. ثم قد يخصُّه أهلُ كل مال بما يكون غالب أموالهم. فيقول أصحاب الإبل: المال: الإبل. وأصحاب النخل: النخل. وهكذا.\nو(قوله: ولا يكتمون الله حديثًا) أي: لا يستطيع أحد أن يكتم يوم القيامة شيئًا من أعماله. فإن كتم شهدت عليه جوارحه كما يأتي.\nو(قوله: وكان من خلقي الجواز) أي: التجاوز عن حقوقه، فأمَّا من حلول الأجل فيؤخره، وأما من استيفاء الحق فيسقط بعضه، أو يسامح في الزّيف.\nو(قول الله تعالى: (أنا أحق بذلك) صدقٌ، وحقٌ؛ لأنه تعالى متفضل ببذل ما لا يستحق عليه، ومسقط بعفوه عن عبده ما يجب له من الحقوق عليه. ثم يتلافاه برحمته، فيكرمه، ويقرِّبه منه، وإليه. فله الحمد كِفَاءَ إنعامه، وله الشكر على إحسانه.","vol":"4","page":436},{"text":"أَتَيَسَّرُ عَلَى المُوسِرِ، وَأُنظِرُ المُعسِرَ. فَقَالَ اللَّهُ ﵎: أَنَا أَحَقُّ بِذَا مِنكَ، تَجَاوَزُوا عَن عَبدِي فَقَالَ عُقبَةُ بنُ عَامِرٍ الجُهَنِيُّ، وَأَبُو مَسعُودٍ الأَنصَارِيُّ: هَكَذَا سَمِعنَاهُ مِن فِيِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nرواه مسلم (١٥٦٠) (٢٩).\n[١٦٥٢] وعَن أَبِي مَسعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّن كَانَ قَبلَكُم، فَلَم يُوجَد لَهُ مِن الخَيرِ شَيءٌ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ، وَكَانَ مُوسِرًا، فَكَانَ يَأمُرُ غِلمَانَهُ أَن يَتَجَاوَزُوا عَن المُعسِرِ. قَالَ: قَالَ اللَّهُ ﷿: نَحنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنهُ، تَجَاوَزُوا عَنهُ.\nرواه مسلم (١٥٦١)، والترمذي (١٣٠٧).\nــ\nو(قوله: حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له شيء من الخير) هذا العموم مخصَّص قطعًا بأنه كان مؤمنًا، ولولا ذلك لما تجاوز عنه، فـ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغفِرُ أَن يُشرَكَ بِهِ وَيَغفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ وهل كان قائمًا بفرائض دينه من الصلاة، والزكاة، وما أشبهها؛ هذا هو الأليق بحاله. فإن هذا الحديث يشهد بأنه كان ممَّن وُقي شح نفسه. وعلى هذا: فيكون معنى هذا العموم: أنه لم يوجد له شيء من النوافل إلا هذا. ويحتمل أن يكون له نوافل أخر، غير أن هذا كان الأغلب عليه، فنودي به، وجوزي عليه، ولم يذكر غيره اكتفاءً بهذا، والله تعالى أعلم. ويحتمل أن يكون المراد بالخير: المال، فيكون معناه: أنه لم يوجد له فِعل برّ في المال إلا ما ذكر من إنظار المعسر، والله تعالى أعلم.\nوالتنفيس عن المعسر: تأخيره إلى الإمكان. والوضع: الإسقاط.\nو(قوله: كان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر) دليل على جواز إذن السيد لعبده في التجارة. وفي الأم: (أَقبَلُ المَيسُورَ، وأَتجاوزُ عن المعسر) (١)\n_________\n(١) انظر: صحيح مسلم (١٥٦٠/ ٢٧).","vol":"4","page":437},{"text":"[١٦٥٣] وعَن أَبِي قَتَادَةَ: أَنَّه طَلَبَ غَرِيمًا لَهُ، فَتَوَارَى عَنهُ ثُمَّ وَجَدَهُ فَقَالَ: إِنِّي مُعسِرٌ، قَالَ: آللَّهِ؟ قَالَ: أللَّهِ. قَالَ: فَإِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَن سَرَّهُ أَن يُنجِيَهُ اللَّهُ مِن كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، فَليُنَفِّس عَن مُعسِرٍ أَو يَضَع عَنهُ.\nرواه مسلم (١٥٦٣).\n[١٦٥٤] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَطلُ الغَنِيِّ ظُلمٌ،\nــ\nرواية الجماعة: أقبل - بالهمزة المفتوحة، وبالقاف ساكنة، وبالباء بواحدة تحتها مفتوحة - من القبول. والميسور: المُتَيسَّر. ووقع لبعضهم: بضم الهمزة، وكسر القاف، وياء باثنتين تحتها، من الإقالة، وفيه بُعدٌ؛ لأنه لا يستقيم المعنى حتى يكون الميسور بمعنى الموسر. ولا يعطيه قانون التصريف، ولا يعضده نقل. والكرب: جمع كُربَة، وهي: الشدَّة، والفاقة. وكُرَب الآخرة: شدائدها، وأهوالها.\nو(قوله: مطل الغني ظلم) المطل: منع قضاء ما استحق أداؤه مع التمكن من ذلك، وطلب المستحق حقه. وهو الذي قال فيه في الحديث الآخر: (لَيّ الواجد يحل عرضه وعقوبته) (١) أي: مطل الموسر المتمكن إذا طولب بالأداء ظلم للمستحق، يبيح من عرضه أن يقال فيه: فلان يمطل الناس، ويحبس حقوقهم. ويبيح للإمام أدبه وتعزيره حتى يرتدع عن ذلك. حُكي معناه عن سفيان. و(الظلم): وضع الشيء في غير موضعه في أصل اللغة. وهو في الشرع محرَّم مذموم. ووجهه هنا: أنه وضع المنع موضع ما يجب عليه من البذل، فحاق به\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ٢٢٢)، والنسائي (٧/ ٣١٦ - ٣١٧)، وابن ماجه (٢٤٢٧).","vol":"4","page":438},{"text":"وَإِذَا أُتبِعَ أَحَدُكُم عَلَى مَلِيءٍ فَليَتبَع.\nرواه البخاري (٢٢٨٧)، ومسلم (١٥٦٤)، وأبو داود (٣٣٤٥)، والترمذي (١٣٠٨)، والنسائي (٧/ ٣١٧)، وابن ماجه (٢٤٠٤).\n* * *\nــ\nالذم والعقاب. والغني الذي أضيف المطل إليه هو الذي عليه الحق؛ بدليل قوله: (لي الواجد) وهو الظاهر من الحديث والمراد منه، ولا يلتفت لقول من قال: إنه صاحب الحق، لبعد المعنى، وعدم ما يدل عليه.\nو(قوله: وإذا أُتبِعَ أحدكم على مليء فليتبع) أُتبع -بضم الهمزة، وتخفيف التاء، وكسر الباء - مبنيًّا لما لم يُسم فاعله عند الجميع. فأما: (فليتبع) فبعضهم قَيَّده بتشديد التاء، وكذلك قيَّدته على من يوثق به. وقد روي بتخفيفها. وهو الأجود؛ لأن العرب تقول: تبعت الرَّجل بحِّقي، أتبعه، تباعة: إذا طلبته به، فأنا له تبيع -كل ذلك بالتخفيف -، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُم عَلَينَا بِهِ تَبِيعًا﴾، ومعناه: إذا أحيل أحدكم فليحتل. وهذا الأمر عند الجمهور محمول على الندب؛ لأنه من باب المعروف والتيسير على المعسر. وقد حمله داود على الوجوب تمسَّكًا بظاهر الأمر. وهذا ليس بصحيح؛ لأن ملك الذمم كملك الأموال. وقد أجمعت الأمة على أن الإنسان لا يجبر على المعاوضة بشيء من ملكه بملك غيره، فكذلك الذمم. وأيضًا: فإن نقل الحق من ذمة إلى ذمة تيسير على المعسر، وتنفيسٌ عنه، فلا يجب، وإنما هو من باب المعروف بالاتفاق. وإذا تقرَّر ذلك فالحوالة معناها: تحويل الدَّين (١) من ذمَّة إلى ذمَّة. وهي مستثناة من بيع الدَّين بالدَّين لما فيها من الرِّفق، والمعروف. ولها شروط:\n_________\n(١) في (م): الحق.","vol":"4","page":439},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفمنها: أن تكون بدين، فإن لم تكن بدين لم تكن حوالة، لاستحالة حقيقتها إذ ذاك، وإنما تكون حمالة.\nومنها: رضا المحيل والمحال دون المحال عليه. وهو قول الجمهور، خلافًا للإصطخري، فإنَّه اعتبره. وإطلاق الحديث حجة عليه. وقد اعتبره مالك إن قصد المحيل بذلك الإضرار بالمحال عليه. وهذا من باب دفع الضرر.\nومنها: أن يكون الدين المحال به حالًاّ؛ لقوله ﷺ: (مطل الغني ظلم). ولا يصح المطل، ولا يصدق الظلم إلا في حق من وجب عليه الأداء، فيمطل. ثم قال بعده: (فإذا أتبع أحدكم فليتبع) فأفاد ذلك: أن الدَّين المحال به لا بُدَّ أن يكون حالًاّ؛ لأنه إن لم يكن حالًاّ كَثُرَ الغَرَرُ بتأجيل الدينين.\nومنها: أن يكون الدين المحال عليه من جنس المحال به؛ لأنه إن خالفه في نوعه خرج من باب المعروف إلى باب المبايعة، والمكايسة، فيكون بيع الدَّين بالدَّين المنهي عنه.\nفإذا كملت شروطها برئت ذمة المحيل بانتقال الحق الذي كان عليه إلى ذمة المحال عليه. فلا يكون للمحال الرُّجوع على المحيل، وإن أفلس المحال عليه، أو مات. وهذا قول الجمهور.\nوقد ذهب أبو حنيفة إلى رجوعه عليه، إن تعذر أخذه الدين من المحال عليه. والأول الصحيح؛ لأن الحوالة عقد معاوضة، فلا يرجع بطلب أحد العوضين بعد التسليم، كسائر عقود المعاوضات؛ ولأن ذمة المحيل قد برئت من الحق المحال به بنفس الحوالة، فلا تعود مشتغلةً به إلا بعقد آخر، ولا عقد، فلا شغل. غير أن مالكا قال: إن غرَّ المحيل المحال بذمَّة المحال عليه كان له الرُّجوع على المحيل. وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه؛ لوضوحه.\n* * *","vol":"4","page":440},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-611>(٢٠) باب النَّهي عن بيع فضل الماء، وإثم منعه</span>\n[١٦٥٥] عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن بَيعِ فَضلِ المَاءِ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٥٦)، ومسلم (١٥٦٥) (٣٤)، والنسائي (٧/ ٣٠٦)، وابن ماجه (٢٤٧٧).\nــ\n(٢٠) ومن باب: النَّهي عن بيع فضل الماء\n(قوله: نهى عن بيع فضل الماء) ظاهر هذا اللفظ النهي عن نفس بيع الماء الذي يشرب، فإنه السَّابق إلى الفهم، وقد حمله بعض العلماء على ماء الفحل. وفيه بُعدٌ، لا سيما وقد قرنه في الحديث الآخر بالنهي عن ضراب الجمل. فدل على أنه ليس هو، فإنَّه يكون تكرارًا بلا فائدة.\nوقد اختلف في المسألتين. فأما بيع الماء: فالمسلمون مُجمعون على أن الإنسان إذا أخذ الماء من النيل مثلًا، فقد ملكه، وأن له بيعه. قال بعض مشايخنا: فيه خلاف شاذٌّ، لا يلتفت إليه.\nوأما ماء الأنهار، والعيون، وآبار الفيافي، التي ليست بمملوكة: فالاتفاق حاصل على أن ذلك لا يجوز منعه، ولا بيعه، ولا يشك في تناول أحاديث النهي لذلك.\nوأما فضل ماء في ملك: فهذا هو محل الخلاف، هل يُجبر على بذل فضله لمن احتاجه، أو لا يُجبر؟ وإذا أجبر، فهل بالقيمة أو لا؟ قولان سببهما معارضة عموم النهي عن بيع فضل الماء لأصل الملكية، وقياس الماء على الطعام إذا احتاج إليه. والأرجح - إن شاء الله - حمل الخبر على عمومه، فيجب بذل الفضل بغير قيمة. ويفرّق بينه وبين الطعام بكثرة الماء غالبًا، وعدم المشاحة فيه، وقلة الطعام غالبًا، ووجود المشاحة فيه.","vol":"4","page":441},{"text":"[١٦٥٦] وعنه قال: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن بَيعِ ضِرَابِ الجَمَلِ، وَعَن بَيعِ المَاءِ، وَالأَرضِ لِتُحرَثَ، فَعَن ذَلِكَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.\nرواه مسلم (١٥٦٥) (٣٥)، والنسائي (٧/ ٣١٠).\n[١٦٥٧] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يُمنَعُ فَضلُ المَاءِ لِيُمنَعَ بِهِ الكَلَأُ.\nوفي رواية: لَا يُبَاعُ فَضلُ المَاءِ لِيُبَاعَ بِهِ الكَلَأُ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٤٤)، والبخاري (٢٣٥٣)، ومسلم (١٥٦٦)، (٣٦ و٣٨)، والترمذي (١٢٧٢)، وابن ماجه (٢٤٧٨).\n* * *\nــ\nو(قوله: لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ) وفي اللفظ الآخر: (لا يبع) (١) فمعناه - والله أعلم -: أن الإنسان السَّابق للماء الذي في الفيافي إذا منعه من الماشية، فقد منع الكلأ، وهو العشب الذي حول ذلك الماء، من الرعي؛ لأن البهائم لا ترعى إلا بعد أن تشرب. وهذه اللام وإن سَمَّاها النحويون: لام كي، فهي لبيان العاقبة، والمآل، كما قال تعالى: ﴿فَالتَقَطَهُ آلُ فِرعَونَ لِيَكُونَ لَهُم عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ والكلام في حكم الكلأ وتفاصيله كالكلام في الماء، فتأمَّله.\nوهذا الحديث يفيد النهي عن بيع الكلأ، وهو حجة لمالك في القول بسدِّ الذرائع. وقال أهل اللغة: الكلأ - مهموزًا مقصورًا، مفتوح الكاف - هو: العشب والنبات. والأخضر منه يُسمَّى: الرُّطب - بضم الراء، وسكون الطاء -، واليابس منه يُسَمَّى: الحشيش.\nوأمَّا المسألة الثانية - وهي مسألة بيع ماء الفحل -: فلا يختلف في فساده إذا\n_________\n(١) في التلخيص وصحيح مسلم: لا يُباع.","vol":"4","page":442},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-612>(٢١) باب النهي عن ثمن الكلب، والسنور، وحلوان الكاهن، وكسب الحجام</span>\n[١٦٥٨] عَن أَبِي مَسعُودٍ الأَنصَارِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن ثَمَنِ الكَلبِ، وَمَهرِ البَغِيِّ، وَحُلوَانِ الكَاهِنِ.\nرواه البخاري (٥٣٤٦)، ومسلم (١٥٦٧)، وأبو داود (٣٤٨١)، والترمذي (١٢٧٦)، والنسائي (٧/ ٣٠٩).\nــ\nوقع بلفظ البيع، وأريد تحصيل العوض؛ الذي هو حصول ماء الفحل في محل الرَّحم، وعقوق الأنثى (١). فإنه غرر، ومجهول. وأما على معنى إجارة الفحل للطَّرق أعوامًا معلومة، أو إلى مدَّة معلومة: فأجازه مالك؛ لكمال شروط الإجارة، مع أن أخذ الأجرة على ذلك ليس من مكارم الأخلاق، ولا يفعله غالبًا إلا أولو الدناءة. ويكون هذا كالحجامة على ما يأتي بيانه -إن شاء الله تعالى -.\nوقد ذهب أبو حنيفة، والشافعي، وأبو ثور: إلى منع ذلك جملة. والأرجح -إن شاء الله تعالى - ما صار إليه مالك، لما ذكرناه. وبأنه قول جماعة من الصحابة والتابعين على ما حكاه القاضي عياض.\n(٢١) ومن باب: النهي عن ثمن الكلب\n(قوله: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب) وفي الحديث الآخر: (وثمن الكلب خبيث) ظاهرٌ في تحريم بيع الكلاب كلها، ولا شك في تناول هذا العموم لغير المأذون فيه منها، لأنها إمَّا مضرّة؛ فيحرم اقتناؤها، فيحرم بيعها. وإما غير\n_________\n(١) \"عَقُوق الأنثى\": قال في اللسان: العَقُوق من البهائم: الحامل.","vol":"4","page":443},{"text":"[١٦٥٩] وعَن رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:\nــ\nمضرة، فلا منفعة فيها. وأما المأذون في اتخاذها: فهل تناولها عموم هذا النهي، أم لا؟ فذهب الشافعي، والأوزاعي، وأحمد: إلى تناوله لها. فقالوا: إن بيعها محرّم، ويفسخ إن وقع، ولا قيمة لما يقتل منها، واعتضد الشافعي لذلك: بأنها نجسة عنده. ورأى أبو حنيفة: أنه لا يتناولها؛ لأن فيها منافع مباحة يجوز اتخاذها لأجلها، فتجوز المعاوضة عليها، ويجوز بيعها. وجل مذهب مالك على جواز الاتخاذ، وكراهية البيع، ولا يفسخ إن وقع. وقد قيل عنه مثل قول الشافعي. وقال ابن القاسم: يكره للبائع، ويجوز للمشتري للضرورة. وكأن مالكا ﵀ في المشهور: لما لم يكن الكلب عنده نجسًا، وكان مأذونًا في اتخاذه لمنافعه الجائزة؛ كان حكمه حكم جميع المبيعات. لكن الشرع نهى عن بيعه تنزيها؛ لأنَّه ليس من مكارم الأخلاق. فإن قيل: فقد سوى النبي ﷺ بين ثمن الكلب، وبين مهر البغي، وحلوان الكاهن في النهي عنها. والمهر والحلوان محرمان بالإجماع، فليكن ثمن الكلب كذلك.\nفالجواب: إنَّا كذلك نقول. لكنه محمولٌ على الكلب الغير مأذون فيه. ولئن سلمنا: أنَّه متناول للكل، لكن هذا النهي ها هنا قصد به القدر المشترك الذي بين التحريم والكراهة؛ إذ كل واحد منهما منهي عنه. ثم تؤخذ خصوصية كل واحد منهما من دليل آخر، كما قد اتفق هنا فإنا إنما علمنا تحريم مهر البغي، وحلوان الكاهن بالإجماع، لا بمجرد النهي سلمنا ذلك، لكنا لا نسلم: أنه يلزم من الاشتراك في مجرد العطف الاشتراك في جميع الوجوه؛ إذ قد يعطف الأمر على النهي، والإيجاب على النفي. وإنما ذلك في محل (١) مخصوص، كما بيناه في أصول الفقه.\n_________\n(١) في (ع): عطف.","vol":"4","page":444},{"text":"شَرُّ الكَسبِ: مَهرُ البَغِيِّ، وَثَمَنُ الكَلبِ، وَكَسبُ الحَجَّامِ.\nرواه مسلم (١٥٦٨) (٤٠).\nــ\nو(قوله: شرُّ الكسب مهر البغيّ، وثمن الكلب، وكسب الحجَّام). (الكسب) في الأصل هو: مصدر. تقول: كسبت المال، أكسبه، كسبًا. وقد وقع في هذا بعض الحديث موضع المكسوب، فإنه أخبر عنه بالثمن. وقد قدمنا القول في: (شر) و(خير) في كتاب الصلاة.\nومساق هذا الحديث يدلُّ على صحة ما قلناه، من أنه لا تلزم المساواة في المعطوفات على ما ذكرناه في الأصول (١)، ألا ترى أنه شرَّك بين مهر البغي، وثمن الكلب، وكسب الحجام في (شر) ثم إن نسبة الشر لمهر البغي كنسبته إلى كسب الحجَّام، مع أن (٢) مهر البغي حرام بالاتفاق، وكسب الحجَّام مكروه. فقد صحَّ: أن النبي ﷺ احتجم وأعطى الحجَّام أجره (٣). قال ابن عبَّاس: ولو كان حرامًا لم يعطه. وقد سأل رجل النبي ﷺ عن كسب الحجَّام، فنهاه، ثم سأله، فنهاه، ثم سأله فقال في الثالثة: (اعلفه ناضحك، وأطعمه رقيقك) (٤) فلو كان حرامًا لما أجاز له تملكه، ولا أن يدفع به حقًّا واجبا عليه، وهو: نفقة الرقيق، فيكون (شرّ) في كسب الحجَّام بمعنى: ترك الأولى، والحضّ على الورع. وهذا مثل ما تقدَّم من قوله: (شر صفوف النساء أولها) (٥). ويكون (شرّ) في مهر البغي\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٢) في (ج ٢): لأنَّ.\n(٣) رواه البخاري (٢١٠٣)، وأبو داود (٢٤٢٣).\n(٤) رواه أحمد (٣/ ٣٠٧)، وأبو داود (٣٤٢٢)، والترمذي (١٢٧٧)، وابن ماجه (٢١٦٦). وعند البيهقي في السنن (٩/ ٣٣٧): \"اعلفه ناضحَك ورقيقك\". وما بين حاصرتين مستدرك من مصادر التخريج.\n(٥) سبق تخريجه في التلخيص (٣٤٩).","vol":"4","page":445},{"text":"[١٦٦٠] وعنه عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ثَمَنُ الكَلبِ خَبِيثٌ، وَكَسبُ الحَجَّامِ خَبِيثٌ.\nرواه مسلم (١٥٦٨) (٤١)، وأبو داود (٣٤٢١)، والترمذي (١٢٧٥)، والنسائي (٧/ ١٩٠).\nــ\nعلى التحريم.\nوعلى هذا: فإما أن يحمل لفظ: (شر) في صدر الحديث على قدر مشترك بين المحرَّم والمكروه، أو على أن اللفظ المشترك قد يراد به جميع متناولاته. وقد بيَّنَّا ذلك في أصول الفقه. وهذا كلُّه إذا تنزلنا على أن كسب الحجَّام هو ما يأخذه أجرة على نفس عمل الحجامة، فإن حملناه على ما يكتسبه من بيع الدَّم. فقد كانوا في الجاهلية يأكلونه، فلا يبعُد أن يكونوا يشترونه للأكل، فيكون ثمنه حرامًا. كما قد قال ﷺ: (إن الله إذا حرَّم على قوم شيئًا حرَّم عليهم ثمنه) (١). وقد جاء في بعض طرق هذا الحديث: (ثمن الدَّم حرام).\nو(حلوان الكاهن) هو: ما يأخذه على تكهنه. يقال: حلوت الرجل، أحلوه: إذا أعطيته شيئًا يستحليه. كما يقال: عسلته، أعسله: إذا أطعمته عسلًا. ومنه: قيل للرِّشوة، ولما يأخذه الرَّجل من مهر ابنته حلوانًا؛ لأنها كلَّها عطايا حلوة مستعذبة.\nوفيه ما يدلُّ على تحريم ما يأخذه الحسَّاب، والمنجمون في الرمل، والخط، وغير ذلك؛ لأن ذلك كلُّه تعاطي علم الغيب، فهي في معنى الكهانة. وما يؤخذ على كل ذلك محرَّم بالإجماع على ما حكاه أبو عمر.\nو(قوله: ثمن الكلب خبيث، وكسب الحجَّام خبيث) إن حملنا الكلب ها هنا على العموم كان الخبيث بمعنى المكروه تسوية بينه وبين كسب الحجَّام. وقد تبيَّن أنه مكروه، وإن حملناه على غير المأذون في اتخاذه كان الخبيث بمعنى: الحرام. وحينئذ ينشأ البحث الذي قررناه آنفًا.\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٢٩٢)، وأبو داود (٣٤٨٨).","vol":"4","page":446},{"text":"[١٦٦١] وعَن أَبِي الزُّبَيرِ قَالَ: سَأَلتُ جَابِرًا عَن ثَمَنِ الكَلبِ، وَالسِّنَّورِ، فقَالَ: زَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَن ذَلِكَ.\nرواه مسلم (١٥٦٩)، وأبو داود (٣٤٧٩)، والترمذي (١٢٧٩)، والنسائي (٧/ ٣٠٩).\n* * *\nــ\nو(قوله: زجر رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب والسِّنَّور) لفظ: (زجر) يشعر بتخفيف النهي عنهما، وأنَّه ليس على التحريم كما قررناه بل على التنزه عن ثمنهما. وقد كره بيع السِّنور أبو هريرة، ومجاهد، وغيرهما أخذًا بظاهر هذا الحديث.\nواختلفوا في معنى ذلك؛ فمنهم من علَّله: بأنه لا يثبت، ولا يمكن انضباطه، وهذا ليس بشيء. وهذه مناكرة للحِسِّ، فإنها تنضبط في البيوت آمادًا طويلة، وتسلُّمه ممكن حالة البيع، فقد كملت شروط البيع. ثم إن شاء مشتريه ضبطه، وإن شاء سيَّبَه. وأحسن من هذا أن بيعه، وبيع الكلب ليس من مكارم الأخلاق، ولا من عادة أهل الفضل. والشرع ينهى عما يناقض ذلك، أو يباعده، كما قلنا في طرق الفحل، وكذلك نقول في كسب الحجَّام؛ لأنه عمل خسيس، لا يتعاطاه إلا أهل الخسَّة والدناءة كالعبيد، ومن جرى مجراهم.\nو(مهر البغي) هو: ما تأخذه الزانية على الزنى. والبغاء: الزنى. والبغيُّ: الزانية. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا تُكرِهُوا فَتَيَاتِكُم عَلَى البِغَاءِ﴾؛ أي: على الزنى. وأصل البغي: الطلب، غير أنه أكثر ما يُستعمل في طلب الفساد وفي الزنى.\n* * *","vol":"4","page":447},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-613>(٢٢) باب ما جاء في قتل الكلاب واقتنائها</span>\n[١٦٦٢] عَن عَبدِ اللَّهِ بن عمر قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأمُرُ بِقَتلِ الكِلَابِ، فَنَنبَعِثُ فِي المَدِينَةِ وَأَطرَافِهَا، فَلَا نَدَعُ كَلبًا إِلَّا قَتَلنَاهُ، حَتَّى إِنَّا لَنَقتُلُ كَلبَ المُرَيَّةِ مِن أَهلِ البَادِيَةِ يَتبَعُهَا.\nرواه أحمد (٢/ ١١٣)، والبخاري (٣٢٢٣)، ومسلم (١٥٧٠) (٤٥)، والترمذي (١٤٨٨)، والنسائي (٧/ ١٨٤ و١٨٥)، وابن ماجه (٣٢٠٢).\nــ\n(٢٢) ومن باب: ما جاء في قتل الكلاب\nحديث ابن عمر روي مطلقا من غير استثناء، كما قال في رواية مالك عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب. وروي مقيَّدًا بالاستثناء المتَّصل، كرواية عمرو بن دينار، عن ابن عمر: أن النبي ﷺ أمر بقتل الكلاب إلا كلب صيد، أو كلب غنم، أو ماشية. فيجب على هذا ردّ مطلق إحدى الروايتين على مقيَّدهما، فإن القضية واحدة، والرَّاوي لهما واحد. وما كان كذلك وجب فيه ذلك بالإجماع، كما بيَّنَّاه في أصول الفقه. وهذا واضح في حديث ابن عمر.\nوعليه: فكلب الصيد، والماشية، لم يتناولهما قط عموم الأمر بقتل الكلاب، لاقتران استثنائهما من ذلك العموم.\nوإلى الأخذ بهذا الحديث ذهب مالك، وأصحابه، وكثير من العلماء. فقالوا: بقتل الكلاب إلا ما استثني منها، ولم يروا الأمر بقتل ما عدا المستثنى منسوخًا، بل محكمًا. وأما حديث عبد الله بن مغفل: فمقتضاه غير هذا. وذلك: أنَّه قال فيه: أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، ثم قال: (ما بالهم وبال الكلاب). ثم رخص في كلب الصيد، وكلب الغنم، والزرع. ومقتضى هذا: أنَّه أمرهم بقتل","vol":"4","page":448},{"text":"[١٦٦٣] وعنه قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتلِ الكِلَابِ، وَأَرسَلَ فِي أَقطَارِ المَدِينَةِ أَن تُقتَلَ.\nــ\nجميع الكلاب من غير استثناء شيء منها، فبادروا، وقتلوا كل ما وجدوا منها، ثم بعد ذلك رخص فيما ذكر. فيكون هذا الترخيص من باب النسخ؛ لأن العموم قد استقرَّ، وبردَ، وعمل عليه، فرفع الحكم عن شيء مما تناوله نسخ لا تخصيص. وقد ذهب إلى هذا في هذا الحديث بعض العلماء.\nونحو من حديث عبد الله بن المغفل حديث جابر بن عبد الله، قال: قد أمرنا رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، حتى إن المرأة تقدم من البادية بكلبها، فنقتله، ثم نهى رسول الله ﷺ عن قتلها فقال: (عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين؛ فإنه شيطان). فمقتضاه: أن الأمر كان بقتل الكلاب عامًّا لجميعها، وأنه نسخ عن جميعها إلا الأسود. وقد ذهب إلى هذا بعض العلماء.\nولَمَّا اضطربت هذه الأحاديث المروية وجب عرضها على القواعد الأصولية، فنقول: إن حديث ابن عمر ليس فيه أكثر من تخصيص عموم باستثناء مقترن به، وهو أكثر في تصرفات الشرع من نسخ العموم بكليته. وأيضًا: فإن هذه الكلاب المستثنيات الحاجة إليها شديدة، والمنفعة بها عامَّة وكيدة، فكيف يأمر بقتلها؛ هذا بعيد من مقاصد الشرع، فحديث ابن عمر أولى، والله تعالى أعلم.\nقلت: والحاصل من هذه الأحاديث: أن قتل الكلاب غير المستثنيات مأمور به إذا أضرَّت بالمسلمين، فإن كثر ضررها وغلب، كان ذلك الأمر على الوجوب، وإن قل وندر، فأي كلب أضرَّ وجب قتله، وما عداه جائز قتله؛ لأنه سبع لا منفعة فيه، وأقل درجاته توقع الترويع، وأنه يُنقص من أجر مقتنيه كل يوم قيراطين (١). فأمَّا المرَوِّع منهن غير المؤذي: فقتله مندوب إليه. وأما الكلب\n_________\n(١) في (ل ١): يَنقصُ من أجر مقنيه كل يوم قيراطان.","vol":"4","page":449},{"text":"وفي رواية: إِلَّا كَلبَ صَيدٍ، أَو كَلبَ غَنَمٍ، أَو مَاشِيَةٍ. فَقِيلَ لِابنِ عُمَرَ: إِنَّ أَبَا هُرَيرَةَ يَقُولُ: أَو كَلبَ زَرعٍ؟ فَقَالَ ابنُ عُمَرَ: إِنَّ لِأَبِي هُرَيرَةَ زَرعًا.\nرواه مسلم (١٥٧٠) (٤٤) و(١٥٧١).\n[١٦٦٤] وعن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتلِ الكِلَابِ، حَتَّى إِنَّ المَرأَةَ تَقدَمُ مِن البَادِيَةِ بِكَلبِهَا فَنَقتُلُهُ، ثُمَّ نَهَى رسول الله ﷺ عَن قَتلِهَا فَقَالَ: عَلَيكُم بِالأَسوَدِ البَهِيمِ ذِي النُّقطَتَينِ، فَإِنَّهُ شَيطَانٌ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٣٣)، ومسلم (١٥٧٢)، وأبو داود (٢٨٤٦).\nــ\nالأسود ذو النقطتين: فلا بُدَّ من قتله للحديث المتقدِّم، وقل ما ينتفع بمثل تلك الصفة؛ لأنه إن كان شيطانًا على الحقيقة فهو ضرر محض، لا نفع فيه، وإن كان على التشبيه به، فإنما شبه به للمفسدة الحاصلة منه. فكيف يكون فيه منفعة؟ ! ولو قدرنا فيه: أنه ضار، أو للماشية، لقتل؛ لنصّ النبي ﷺ على قتله.\nو(قول ابن عمر: كان لأبي هريرة زرع) لا يفهم منه أحد من العقلاء تهمة في حق أبي هريرة. وإنما أراد ابن عمر: أن أبا هريرة لما كان صاحب زرع وكان محتاجًا لما يحفظ به زرعه سأل النبي ﷺ عن ذلك، فأجابه بالاستثناء، فحصل له علم لم يكن عند ابن عمر، ولا عند غيره ممن لم يكن له اعتناء بذلك ولا هم (١).\nوكلب الماشية المباح اتخاذه عند مالك هو: الذي يسرحُ معها، لا الذي يحفظها في الدَّار من السُّرَّاق.\n_________\n(١) في (ج ٢): تهمم.","vol":"4","page":450},{"text":"[١٦٦٥] وعَن ابنِ المُغَفَّلِ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتلِ الكِلَابِ، ثُمَّ قَالَ: مَا بَالُهُم وَبَالُ الكِلَابِ. ثُمَّ رَخَّصَ فِي كَلبِ الصَّيدِ، وَكَلبِ الغَنَمِ.\nوفي رواية: وَأرَخَّصَ فِي كَلبِ الغَنَمِ وَالصَّيدِ وَالزَّرعِ.\nرواه أحمد (٤/ ٨٥) و(٥/ ٥٦)، ومسلم (١٥٧٣) (٤٨ و٤٩)، وأبو داود (٢٨٤٥)، والترمذي (١٤٨٦)، والنسائي (٧/ ١٨٥)، وابن ماجه (٣٢٠٥).\n[١٦٦٦] وعَن ابنِ عُمَرَ، عن النبي ﷺ قَالَ: مَن اقتَنَى كَلبًا إِلَّا كَلبَ صيد أَو مَاشِيَةٍ، نَقَصَ مِن أجرهِ كُلَّ يَومٍ قِيرَاطَانِ.\nرواه أحمد (٢/ ٤)، والبخاري (٥٤٨٢)، ومسلم (١٥٧٤)، (٥١)، والترمذي (١٤٨٧)، والنسائي (٧/ ١٨٨).\nــ\nوكلب الزرع هو: الذي يحفظه من الوحوش بالليل والنهار، لا من السُّراق. وقد أجاز غير مالك اتخاذها لسُّرَّاق الماشية والزرع.\nوالكلب الضاري هو: المعلَّم للصيد؛ الذي قد ضري به.\nو(قوله: من اقتنى كلبًا ليس كلب صيد ولا ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان) وفي أخرى: (من عمله كل يوم قيراط). اقتنى، واتَّخذ، واكتسب: كلها بمعنى واحد.\nواختلف في معنى قوله: (نقص من عمله كل يوم قيراطان) وأقرب ما قيل في ذلك قولان:\nأحدهما: أن جميع ما عمله من عمل ينقص؛ لمن اتخذ ما نُهي عنه من الكلاب بإزاء كل يوم يُمسكه فيه جزآن من أجزاء ذلك العمل. وقيل: من عمل","vol":"4","page":451},{"text":"[١٦٦٧] وعن أبي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن اتَّخَذَ كَلبًا لَيسَ بِكَلبِ صَيدٍ وَلَا غَنَمٍ، نَقَصَ مِن عَمَلِهِ كُلَّ يَومٍ قِيرَاطٌ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٢٥)، والبخاري (٢٣٢١)، ومسلم (١٥٧٥) (٦٠)، وأبو داود (٢٨٤٤)، والترمذيُّ (١٤٩٠)، والنسائي (٧/ ١٨٩).\n* * *\nــ\nذلك اليوم الذي يمسكه فيه، وذلك لترويع الكلب للمسلمين، وتشويشه عليهم بنباحه، ومنع الملائكة من دخول البيت. ولنجاسته على ما يراه الشافعي.\nالثاني: أن يَحبِط من عمله كله عملان، أو من عمل يوم إمساكه -على ما تقدم - عقوبة له على ما اقتحم من النهي، والله تعالى أعلم.\nوالقيراط: مثل لمقدار الله أعلم به، وإن كان قد جرى العرف في بلاد يعرف فيها القيراط، فإنه جزء من أربعة وعشرين جزءًا. ولم يكن هذا اللفظ غالبًا عند العرب، ولذلك قال ﷺ: (تفتح عليكم أرض يذكر فيها القيراط، فإذا فتحتموها فاستوصوا بأهلها خيرًا) (١) يعني بذلك مصر، والله أعلم. وجاء في إحدى الروايتين: (قيراطان). وفي أخرى: (قيراط). وذلك يحتمل أن يكون في نوعين من الكلاب. أحدهما أشدُّ أذى من الآخر، كالأسود المتقدم الذكر. ويحتمل أن يكون ذلك باختلاف المواضع، فيكون ممسكه بالمدينة مثلًا، أو بمكة ينقصه قيراطان، وبغيرهما قيراط، والله تعالى أعلم.\n* * *\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٥٤٣) (٢٢٦ و٢٢٧).","vol":"4","page":452},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-614>(٢٣) باب في إباحة أجرة الحجَّام</span>\n[١٦٦٨] عَن حُمَيدٍ قَالَ: سُئِلَ أَنَسُ بنُ مَالِكٍ عَن كَسبِ الحَجَّامِ فَقَالَ: احتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَجَمَهُ أَبُو طَيبَةَ، فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعَينِ مِن طَعَامٍ، وَكَلَّمَ أَهلَهُ فَوَضَعُوا عَنهُ مِن خَرَاجِهِ، وَقَالَ: إِنَّ أَفضَلَ مَا تَدَاوَيتُم بِهِ الحِجَامَةُ، أَو هُوَ مِن أَمثَلِ دَوَائِكُم.\nوفي رواية: إِنَّ أَفضَلَ مَا تَدَاوَيتُم بِهِ الحِجَامَةُ، وَالقُسطُ البَحرِيُّ،\nــ\n(٢٣) ومن باب: إباحة أجرة الحجَّام\nحديث أنس؛ وحديث ابن عبَّاس يدلَاّن: على الاحتجام: الحاجم والمحجوم. وجواز أخذ الأجرة على ذلك. وقد بيَّنا وَجه كراهيتها. وفيه ما يدل: على توظيف الخراج على العبيد إذا كانت لهم صنائع، لكن على جهة الرِّفق، لا العنف. ويكلَّف من ذلك ما يقدر عليه، ويُستحب التخفيف عنهم، كما قد كلَّم النبي ﷺ سادات أبي طيبة في التخفيف.\nو(قوله: إن أفضل ما تداويتم به الحجامة) هذا الخطاب متوجهٌ لمن غلب عليه الدَّم، فإخراجه بالحجامة أولى وأسلم من إخراجه بقطع العروق والفصاد. ويحتمل أن يكون الذين قال لهم هذا كان الغالب عليهم هيجان الدَّم، فأرشدهم إلى إخراجه على الجملة بالحجامة لما ذكرناه من السَّلامة.\nو(القسط البحري) يتداوى به تبخرًا واستعاطًا. وفي بعض الحديث: (يستعط به من العذرة) وهي: وجع الحلق.","vol":"4","page":453},{"text":"فَلَا تُعَذِّبُوا صِبيَانَكُم بِالغَمزِ.\nرواه مسلم (١٥٧٧) (٦٢ و٦٣)، والترمذي (١٢٧٨)، وأبو داود (٣٢٢٤).\n[١٦٦٩] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ احتَجَمَ وَأَعطَى الحَجَّامَ أَجرَهُ وَاستَعَطَ.\nرواه البخاري (٥٦٩١)، ومسلم (١٢٠٢) (٦٥)، وأبو داود (٣٤٢٣).\n[١٦٧٠] وعنه قَالَ: حَجَمَ النَّبِيَّ ﷺ عَبد بَنِي بَيَاضَةَ، فَأَعطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ أَجرَهُ، وَكَلَّمَ سَيِّدَهُ فَخَفَّفَ عَنهُ مِن ضَرِيبَتِهِ، وَلَو كَانَ سُحتًا لَم يُعطِهِ النَّبِيُّ ﷺ.\nرواه مسلم (١٢٠٢) (٦٦).\n* * *\nــ\nو(قوله: لا تعذِّبوا أولادكم بالغمز)، يعني بذلك: من إصابة وجع الحلق؛ وهو: سقوط اللهاة من الصبيان، فلا تعذبوه برفعها بالأصابع. وأحال على السعوط بالقسط البحري، فإنه ينفع من ذلك إن شاء الله، وسيأتي تكميل ذلك في الطب إن شاء الله تعالى.\n* * *","vol":"4","page":454},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-615>(٢٤) باب تحريم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام</span>\n[١٦٧١] وعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخطُبُ بِالمَدِينَةِ فقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ يُعَرِّضُ بِالخَمرِ، وَلَعَلَّ اللَّهَ سَيُنزِلُ فِيهَا أَمرًا، فَمَن كَانَ عِندَهُ مِنهَا شَيءٌ فَليَبِعهُ وَليَنتَفِع بِهِ. قَالَ: فَمَا لَبِثنَا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الخَمرَ، فَمَن أَدرَكَتهُ هَذِهِ\nــ\n(٢٤) ومن باب: تحريم بيع الخمر\n(قوله ﷺ: (إن الله يعرِّض بالخمر، ولعل الله سينزل فيها أمرًا، هذا التعريض، وهذا التوقع إنما فهمه النبي ﷺ من قوله تعالى: ﴿يَسأَلُونَكَ عَنِ الخَمرِ وَالمَيسِرِ قُل فِيهِمَا إِثمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثمُهُمَا أَكبَرُ مِن نَفعِهِمَا﴾ ومن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُم سُكَارَى حَتَّى تَعلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ وذلك: أنه لما سمع أن فيهما إِثمًا كبيرًا، وأن إثمهما أكبر من نفعهما، وأنه قد منع من الصلاة في حال السُّكر؛ ظهر له: أن هذا مناسب للمنع منها، فتوقع ذلك.\nو(قوله: فمن كان عنده منها شيء فليبعه، ولينتفع به) فيه دليل على أن الخمر وبيعها كانا مباحين إباحة متلقاة من الشرع؛ لأن النبي ﷺ قرر أصحابه عليها، وليس ذلك من باب البقاء على البراءة الأصلية؛ لأن إقراره دليلُ الجواز والإباحة، كما قررناه في الأصول. وفيه دليل على اغتنام فرصة المصالح المالية إذا عرضت، وعلى صيانة المال، وعلى بذل النصيحة والإشارة بأرجح ما يعلمه من الوجوه المصلحية.\nو(قوله: فما لبثنا إلا يسيرًا حتى قال النبي ﷺ: (إن الله حرَّم الخمر، فمن","vol":"4","page":455},{"text":"الآيَةُ وَعِندَهُ مِنهَا شَيءٌ فَلَا يَشرَب وَلَا يَبِع. فَاستَقبَلَ النَّاسُ مَا كَانَ عِندَهُم مِنهَا فِي طَرِيقِ المَدِينَةِ فَسَفَكُوهَا.\nرواه مسلم (١٥٧٨).\nــ\nأدركته هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشرب، ولا يبع) يعني بالآية: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الخَمرُ وَالمَيسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزلامُ رِجسٌ مِن عَمَلِ الشَّيطَانِ﴾ الآية، وسيأتي الحديث عليها.\nويعني بقوله: (من أدركته) أي: من بلغته وهو بصفات المكلفين من العقل والبلوغ. وقد فهمت الصحابة ﵃ من نهيه عن الشرب والبيع: أنها لا ينتفع بها بوجه من الوجوه، ولذلك بادروا إلى إراقتها، وإتلافها. ولو كان فيها منفعة من المنافع الجائزة لنبَّه النبي ﷺ عليها، كما نبَّه على ما في جلد الميتة من المنفعة؛ لما قال: (هلَاّ أخذتم إهابها فدبغتموه، فانتفعتم به) (١) وعلى هذا: فلا يجوز تخليلها، ولا أن تعالج بالملح والسَّمك فيصنع منها المُري. وإلى مَنع ذلك ذهب الجمهور: مالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم. وحكي جواز تخليلها عن أبي حنيفة، والأوزاعي، والليث. وقد دلَّ على فساد هذا ما ذكرناه آنفًا، وما يأتي من نهيه عن اتخاذ الخمر خلًاّ. وسيأتي مزيد بيان على هذا.\nقال القاضي عياض: وفي هذا أيضًا: منع الانتفاع بها للتداوي، وغير ذلك من العطش عند عدم الماء، ولتجويز لقمة غص بها. وهو قول مالك، والشافعي، وغيرهم. وأجاز ذلك أبو حنيفة، وأحمد. وقاله بعض أصحابنا. وروي عن الشافعي: جوازه أيضًا إذا خاف التلف، وقاله أبو ثور.\nقلت: وإذا امتنع الانتفاع بها مطلقا فلا يصح تملكها لمسلم، ولا تقر في يديه، بل تتلف عليه. ويجب ذلك عليه. ويتلفها الوصي على اليتيم. وقد ذكر ابن\n_________\n(١) رواه البخاري (١٤٩٢)، ومسلم (٣٦٣/ ١٠١)، وأبو داود (٤١٢٠)، والنسائي (٧/ ١٧١)، وابن ماجه (٣٦١٠).","vol":"4","page":456},{"text":"[١٦٧٢] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ أنَّ رَجُلًا أَهدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَاوِيَةَ خَمرٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَل عَلِمتَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا؟ قَالَ: لَا. فَسَارَّ إِنسَانًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بِمَ سَارَرتَهُ؟ قَالَ: أَمَرتُهُ بِبَيعِهَا، فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُربَهَا حَرَّمَ بَيعَهَا.\nــ\nخواز منداذ من قدماء أصحابنا العراقيين: أنها تملك، ونزع إلى ذلك: بأنها يمكن أن يزال بها الغُصص، ويُطفأ بها الحريق، فتملك لذلك. وهذا نقل لا يعرف لمالك، ولا يلتفت لشيء مما قيل هنالك؛ لأنا لا نسلم جواز ذلك، على ما ذكرناه آنفًا فيمن غص بلقمة. ولو سلمنا ذلك فلا يلتفت إليه لندوره، وعدم وقوعه. وإنما ذلك تجويز وهمي، وتقدير، فاعتباره وسواسٌ أعرض النبي ﷺ وأصحابه عنه، ولم يلتفتوا إلى شيء منه.\nو(قوله ﷺ للمُهدِي راوية الخمر: (هل علمت أن الله حرَّمها) وقول المُهدِي: لا؛ يدلُّ على قرب عهد التحريم بزمن الإهداء. ثم إن النبي ﷺ بيَّن له الحكم، ولم يوبخه، ولم يذمَّه؛ لأن الرَّجل كان متمسِّكًا بالإباحة المتقدِّمة، ولم يبلغه الناسخ، فكان ذلك دليلًا: على أن الحكم لا يرتفع بوجود الناسخ، بل ببلوغه، كما قرَّرناه في الأصول.\nو(قوله ﷺ: (بم ساررته؟) دليل: على أن العالم إذا خاف على أحد الوقوع فيما لا يجوز وجب عليه أن يستكشف عن ذلك الشيء حتى يتبين وجهه له، ولا يكون هذا من باب التجسس، بل من باب النصيحة والإرشاد.\nو(قوله: إن الذي حرَّم شربها حرَّم بيعها) الذي هنا: كناية عن اسم الله تعالى، فكأنه قال: إن الله حرَّم شربها وحرَّم بيعها. ويحتمل أن يكون معناه:","vol":"4","page":457},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nإن الذي اقتضى تحريم شربها اقتضى تحريم بيعها؛ إذ لا تراد إلا للشرب، فإذا حرم الشرب لم يجز البيع؛ لأنه يكون من أكل المال بالباطل. وقد دلَّ على صحة هذا قوله ﷺ: (إن الله إذا حرَّم على قوم شيئًا حرَّم عليهم ثمنه) يعني: شيئًا يؤكل، أو يشرب؛ لأن ذلك هو السبب الذي خرج عليه الحديث، ويلحق به كل محرَّم نجس لا منفعة فيه.\nواختلف في جواز بيع ما فيه منفعة منها، كالأزبال، والعذرة. فحرم ذلك الشافعي، ومالك، وجُلّ أصحابنا. وأجاز ذلك الكوفيون، والطبري. وذهب آخرون: إلى إجازة ذلك للمشتري دون البائع. ورأوا: أن المشتري أعذر من البائع؛ لأنه مضطر إلى ذلك. روي ذلك عن بعض أصحابنا. وهي قولة عن الشافعي.\nوقد فهم الجمهور من تحريم الخمر وبيعها، والمنع من الانتفاع بها، واستخباث الشرع لها، وإطلاق الرِّجس عليها، والأمر باجتنابها، الحكمَ بنجاستها. وخالفهم في ذلك ربيعة وحده من السلف فرأى (١): أنها طاهرة، وأن المحرَّم إنما هو شربها. وهو قول شاذ يردُّه ما تقدَّم. وما كان يليق بأصول ربيعة، فإنه قد علم: أن الشرع قد بالغ في ذم الخمر حتى لعنها وعشرة بسببها (٢)، وأمر باجتنابها، وبالغ في الوعيد عليها. فمن المناسب بتصرفات الشرع الحكم بتنجيسها مبالغة في المباعدة عنها، وحماية لقربانها. فإن قيل: التنجيس حكم شرعي، ولا نصّ فيه، فلا يلزم من كون الشيء محرَّمًا أن يكون نجسًا؛ فكم من محرّم في الشرع ليس بنجس.\n_________\n(١) في (م) و(ج ٢) وحكي ذلك عن الليث بن سعد، والمزني من أصحاب الشافعي، فرأوا.\n(٢) في هذا إشارة إلى حديث: \"لعن اللهُ في الخمر عشرة. . .\" رواه الترمذي (١٢٩٥)، وابن ماجه (٣٣٨١).","vol":"4","page":458},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفالجواب: أنها وإن لم يكن فيها نصٌّ بالوضع المُتَّحِد، لكن فيها ما يدلُّ دلالة النصوصية بمجموع قرائن الآية ومساقها. ويَعرفُ ذلك من تصفَّح الآية وتفهَّمها. ثم ينضاف إلى الآية جملة ما ذكرناه، فيحصل اليقين بالحكم بتنجيسها. ثم لو التزمنا ألا نحكم بحكم إلا حتى نجد فيه نصًّا لتعطلت الشريعة، فإن النصوص فيها قليل. وأيُّ نص يوجد على تنجيس البول، والعذرة، والدَّم، والميتة، وغير ذلك، ولا يوجد نصٌّ على تنجيس شيء مما هنالك. وإنما هي الظواهر، والعمومات، والأقيسة.\nوقوله: لا يلزم من الحكم بالتحريم الحكم بالتنجيس. قلنا: لم نستدل بمجرد التحريم، بل بتحريم مستخبث شرعي يحرم شربه، وإن شئت أن تحرر قياسًا؛ قلت: مستخبث شرعا (١)، يحرم شربه، فيكون نجسًا كالبول، والدَّم. وهذا هو الأولى بربيعة، فإنه الملقَّب بـ (ربيعة الرأي). والله تعالى أعلم.\nوقد استدل بعض من تابع ربيعة على عدم تنجيس الخمر، وهو سعيد بن الحداد القروي بسفك الخمر على طرق المدينة. قال: ولو كانت نجسة لما فعلوا ذلك، ولنهى رسول الله ﷺ عنه، كما نهى عن التخلِّي في الطرق.\nوالجواب: أن الصحابة ﵃ فعلت ذلك لضرورة الحال، لأنهم لم تكن لهم سُروبٌ (٢)، ولا آبارٌ يريقونها فيها؛ إذ الغالب من حالهم: أنهم لم تكن لهم كُنُف (٣) في بيوتهم. وقالت عائشة ﵂: إنهم كانوا يتقذرون من اتخاذ الكنف في البيوت. ونَقلها إلى خارج المدينة فيه كلفة، ومشقة، ويلزم منه تأخير ما وجب على الفور، فالتحق صبها في الطرق بالنجاسات التي لا تنفكُّ الطرق عنها، كأرواث الدواب، وأبوالها. وأيضًا: فإنها يمكن التحرُّز منها،\n_________\n(١) في (ع) و(م): شرعي.\n(٢) جمع سَرَب، وهو: القناة التي يجري فيها الماء.\n(٣) جمع كنيف، وهو المكان المعدّ لقضاء الحاجة.","vol":"4","page":459},{"text":"قَالَ: فَفَتَحَ المَزَادَةَ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهَا.\nرواه أحمد (١/ ٣٢٣)، ومسلم (١٥٧٩)، والنسائي (٧/ ٣٠٧).\n[١٦٧٣] وعَن عَائِشَةَ قالت: لَمَّا أنَزَلَت الآيَاتُ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ -وفي رواية: في الربا- خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاقتَرَأَهُنَّ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ نَهَى عَن التِّجَارَةِ فِي الخَمرِ.\nرواه مسلم (١٥٨٠) (٦٩ و٧٠).\nــ\nفإن طرق المدينة كانت واسعة، ولم تكن الخمر من الكثرة، بحيث تصير نهرًا يعم الطريق كلّها، بل إنما جرت في مواضع يسيرة يمكن التحرُّز عنها. هذا مع ما يحصل في ذلك من فائدة شهرة إراقتها في طرق المدينة ليشيع العمل على مقتضى تحريمها من إتلافها، وأنه لا ينتفع بها. ويتتابع (١) الناس، ويتوافقوا على ذلك، والله أعلم.\nو(قوله: ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها) دليل: على أن أواني الخمر إذا لم تكن مضرّاة (٢) بالخمر؛ أنه يجوز استعمالها في غير الخمر إذا غسلت، ألا ترى: أن النبي ﷺ لم ينكر عليه إبقاءها عنده، ولا أمره بشقها، ولو كانت نجسة لا يطهرها الغسل لأمره بشقِّها، وتقطيعها، كما فعل أبو طلحة لَمَّا قال لأنس: قم إلى هذه الجرار فكسرها. قال أنس: فقمت إلى مهراس لنا، فضربتها بأسفله حتى تكسرت.\nو(الراوية): القربة الكبيرة التي يُحمَل فيها الماء. وقد سُمِّي البعير الذي يحملها: راوية؛ لأنه يحملها. وسُميت بذلك: لأنها تَروِي من كانت عنده، وتُسمَّى أيضًا: مزادة؛ لأنها زيد فيها جلد آخر، ويحتمل أن تُسمَّى بذلك؛ لأنها من كانت عنده في سفره كان عنده معظم الزَّاد.\n_________\n(١) في (ل ١): ويتسامع.\n(٢) الضاري من الآنية: الذي ضري بالخمر -أي: اشتدّ- فإذا جُعِل فيه النبيذ صار مُسْكِرًا.","vol":"4","page":460},{"text":"[١٦٧٤] وعَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَامَ الفَتحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ: إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيعَ الخَمرِ، وَالمَيتَةِ، وَالخِنزِيرِ، وَالأَصنَامِ.\nــ\nو(قول جابر ﵁: إنه سمع رسول الله ﷺ عام الفتح يقول: (إن الله ورسوله حرَّم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام) كذا صحَّت الرواية: (حرَّم) مُسندًا إلى ضمير الواحد. وكان أصله: حَرَّما؛ لأنه تقدَّم اثنان، لكن تأدَّب النبي ﷺ فلم يجمع بينه وبين اسم الله تعالى في ضمير الاثنين؛ لأن هذا من نوع ما ردَّه على الخطيب الذي قال: ومن يعصهما فقد غوى. فقال له: (بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله) (١) وقد قدَّمنا الكلام عليه في كتاب الصلاة. وصار هذا مثل قوله تعالى: الله بريء من المشركين ورسوله (٢)، فيمن قرأ بنصب (رسولَه) غير أن الحديث فيه تقديم، وتأخير؛ لأنه كان حقه أن يقدم: (حرَّم) على (رسوله) كما جاء في الآية، والله تعالى أعلم (٣).\nوهذا الحديث يدلُّ: على أن تحريم الخمر كان متقدِّما على فتح مكة، وقد سوَّى في هذا الحديث بين الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام، فلا يجوز بيع شيء مِمَّا يقال عليه خمرٌ. وقد قدمنا، ويأتي: أن الخمر: كل شراب يُسكر من أي شيء كان، من عنب أو غيره. فيحرم بيع قليله وكثيره. وقد قلنا: إن تحريم نفعه (٤) مُعَلَّل بنجاسته، وأنه ليس فيه منفعة مسوِّغة شرعا.\nوأما الميتة: فيحرم بيع\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ٢٥٦)، ومسلم (٨٧٠)، وأبو داود (١٠٩٩)، والنسائي (٦/ ٩٠).\n(٢) رسولُه: مبتدأ، والخبر محذوف، أي: ورسولُه بريءٌ من المشركين، وإنما حُذف لدلالة الأول عليه، وهذا أصح الأوجه. إعراب القرآن الكريم لمحيي الدين درويش (٤/ ٥٢).\n(٣) ما بين حاصرتين ساقط من (م).\n(٤) في (ل ١): بيعه.","vol":"4","page":461},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nجميع أجزائها، حتى عظمها، وقرنها، ولا يستثنى عندنا منها شيء إلا ما لا تحله الحياة كالشعر، والصوف، والوبر، فإنه طاهر من الميتة، وينتزع من الحيوان في حال حياته وهو قول مالك، وأبي حنيفة. وزاد أبو حنيفة، وابن وهب من أصحابنا إلى ذلك: أن العظم من الفيل وغيره، والسن، والقرن، والظلف، كلها لا تَحُلُّها الحياة، فلا تنجس بالموت.\nوالجمهور على خلافهما في العظم، وما ذكر معه، فإنها تحله الحياة. وهو الصحيح. فإن العظم والسن يألم، وتُحَسُّ به الحرارة والبرودة، بخلاف الشعر، وهذا معلوم بالضرورة. فأمَّا أطراف القرون، والأظلاف، وأنياب الفيل: فاختلف فيها. هل حكمها حكم أصولها فتنجس؟ أو حكمها حكم الشعر؟ على قولين.\nوأمَّا الريش: فالشعري منه شعرٌ، وأسفله عظم. ومتوسطه؛ هل يلحق بأطرافه أو بأصله؟ فيه قولان لأصحابنا. وقد قال بنجاسة الشعر الحسن البصري، والليث بن سعد، والأوزاعي، لكنها تطهر بالغسل عندهم، فكأنها عندهم نجسة بما يتعلق بها من رطوبات الميتة. وإلى نحو من هذا ذهب ابن القاسم في أنياب الفيل فقال: تطهر إن سُلِقَت بالماء.\nوعن الشافعي في الشعور ثلاث روايات:\nإحداها: أن الشعر ينجس بالموت.\nوالثانية: أنها طاهرة كقولنا.\nوالثالثة: أن شعر ابن آدم وحده طاهر، وأن ما عداه نجس.\nوأمَّا الميتة: فلا تباع قبل الدباغ، ولا ينتفع بها؛ لأنها كلحم الميتة، ولقوله ﷺ: (لا تنتفعوا من الميتة بإهاب، ولا عصب) (١) وأما بعد الدِّباغ؛ فمشهور مذهب مالك: أنها لا تطهر بالدِّباغ، وإنما ينتفع بها. وهو مذهب جماعة\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤١٢٨)، والترمذي (١٧٢٩)، والنسائي (٧/ ١٧٥)، وابن ماجه (٣٦١٣).","vol":"4","page":462},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمن أهل العلم. وعلى هذا فلا يجوز بيعها، ولا الصلاة عليها، ولا بها، ولا ينتفع بها إلا في اليابسات دون المائعات، إلا في الماء وحده.\nوذهب الجمهور من السَّلف، والخلف: إلى أنها تطهر طهارة مطلقة، وأنها يجوز بيعها، والصلاة عليها، وبها. وإليه ذهب الشافعي، ومالك في رواية ابن وهب. وهو الصحيح لقوله ﷺ: (أيُّما إهاب دبغ فقد طهر) (١) ولقوله ﷺ: (دباغ الإهاب طهوره) (٢) وغير ذلك. وكلها صحيح.\nومما لا يجوز بيعه لأنه ميتة جسد الكافر. وقد أُعطي النبي ﷺ يوم الخندق في جسد نوفل بن عبد الله المخزومي عشرة آلاف درهم. فلم يأخذها، ودفعه إليهم، وقال: (لا حاجة لنا بجسده، ولا بثمنه) (٣).\nوأمَّا الخنزير، وهو الحيوان المعروف البريُّ، ولا تعرف العرب في البحر خنزيرًا. وقد سُئل مالك عن خنزير الماء؟ فقال: أنتم تسمونه خنزيرًا؛ أي: لا تسمِّيه العرب بذلك. وقد اتَّقاه مرة أخرى على جهة الورع، والله تعالى أعلم.\nفأمَّا البري: فلا خلاف في تحريمه، وتحريم بيعه، وأنه لا تعمل الذكاة فيه. ومن هنا قال كافة العلماء: إن جلده لا يُطَهِّرهُ الدِّباغ، وإنما يُطَهِّرُ الدباغ جلد ما تعمل الذكاة في حيه. وألحق الشافعي بالخنزير الكلب، فلا يطهر جلده عنده. وقال الأوزاعي، وأبو ثور: إنما الدِّباغ جلد ما يؤكل لحمه.\nوقد أجاز مالك تذكية السِّباع والفيل لأخذ جلودها، وهذا إنما يتمشى على قوله بكراهة لحومها. وأما\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤١٢٣)، والترمذي (١٧٢٨)، والنسائي (٧/ ١٧٣)، وابن ماجه (٣٦٠٩).\n(٢) رواه أحمد (٣/ ٤٧٦)، وابن حبان (٢/ ٢٩١)، وانظر: بلوغ المرام لابن حجر رقم (٢٢) طبعة دار ابن كثير، وتحقيق يوسف علي بديوي.\n(٣) رواه ابن أبي شيبة (١٢/ ٤١٩) وانظر: تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي ص ٣٠٥).","vol":"4","page":463},{"text":"فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيتَ شُحُومَ المَيتَةِ، فَإِنَّهُ يُطلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدهَنُ بِهَا الجُلُودُ، وَيَستَصبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: لَا، هُوَ حَرَامٌ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ\nــ\nعلى ما قاله في الموطأ من أن السِّباع حرام: فلا تعمل الذكاة فيها، فلا تطهر جلودها بالدباغ، كالخنزير. وقد شذَّ داود، وأبو يوسف فقالا: إنه يطهر بالدِّباغ جلدُ كل حيوان، حتى الخنزير. ومتمسكهما: قوله ﷺ: (أيما إهاب دبغ فقد طهر) (١). ويعتضد أبو يوسف بقياس جلد الخنزير على جلد الميتة. وينفصل الجمهور عنهما: بأن هذا العموم محمولٌ على نوع السبب الذي أخرجه. وهو ميتة ما تعمل الذكاة فيه، وبأن جلد الخنزير نادرٌ لا يخطر بالبال حالة الإطلاق، فلا يقصد بالعموم، كما قررناه في أصول الفقه، وبأنه: لا يقال: إهاب إلا على جلد ما يؤكل لحمه، كما قاله النَّضر بن شُمَيل. وأمَّا القياس: فليس بصحيح؛ لوجود الفرق. وذلك: أن الأصل: ميتة ما تعمل الذَّكاة فيه. والفرع: ميتة ما لا تعمل الذكاة فيه. فكانت أغلظ، وأفحش. والله تعالى أعلم.\nوأمَّا الأصنام: فهي الصور المُتَخِذَةُ للعبادة، ولا خلاف في تحريم اتخاذها، وبيعها، وأنها يجب كسرها، وتغييرها. وكذلك كل صورة مجسدة، كانت صورة ما يعقل، أو ما لا يعقل. وأما ما كان رقما في ثوب أو بناء في حائط (٢)، ففيه تفصيل سيأتي إن شاء الله تعالى.\nو(قوله - وقد سُئل عن بيع شحوم الميتة -: لا، هو حرام) نصٌّ في أنه يحرم بيعها؛ وإن كانت فيها منافع، وذلك: لأنها جزء من الميتة كاللحم، أو هي كالشحم مع اللحم، فإنه عنه يكون. ولا يلزم من تحريم بيعها، والحكم بنجاستها، ألا يجوز الانتفاع بها، على ما قدمناه. وهذا هو الذي يتمشى على مذهب مالك،\n_________\n(١) سبق تخريجه في الصفحة السابقة.\n(٢) انظر: كتاب اللباس، الباب رقم (١٥).","vol":"4","page":464},{"text":"اللَّهِ ﷺ عِندَ ذَلِكَ: قَاتَلَ اللَّهُ اليَهُودَ، إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيهِم شُحُومَهَا\nــ\nفإنه قد أجاز الانتفاع بما ماتت فيه ميتة من المائعات؛ كالزيت، والسمن، والعسل، وغير ذلك، مع الحكم بنجاسته. فقال: يعمل من الزيت النجس الصابون، ويستصبح به في غير المساجد. ويعلف العسلُ النحلَ. ويطعم النجس الماشية. وإلى نحو ذلك ذهب الشافعي، والثوري، وأبو حنيفة. وروي عن علي وابن عمر. وقد فَرَّق بعض أهل العلم بين شحوم الميتة، وبين ما ينجس بما وقعت فيه نجاسة. فقال: لا ينتفع بالشحوم؛ لأنها نجسة لعينها، بخلاف ما ينجس بما وقع فيه، فإنه ينتفع به؛ لأن نجاسته ليست لعينه، بل عارضة.\nقلت: وهذا الفرق ليس بصحيح. فإن النجاسة حكم شرعي. والأحكام الشرعية ليست صفات للأعيان، بل هي راجعة لقول الشارع: افعلوا، أو لا تفعلوا. كما قد حققناه في الأصول (١). ولو سلمناه لقلنا: إن النجاسة العينية قد اختلطت مع العارضة ولا مميز، فحكمهما سواء.\nفإن قيل: فكيف يجوز أن يقال بجواز الانتفاع بشيء من ذلك، وفي الحديث الصحيح: (إذا وقعت الفأرة في السَّمن، فإن كان جامدًا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا فلا تقربوه) (٢). والانتفاع بها قربان لها فلا يجوز؟ ! ثم في الانتفاع بها التلطخ بها عند مباشرتها، ولا يجوز التلطخ بالنجاسات شرعا.\nفالجواب: القول بموجب ما ذكر. فإن القرب المنهي عنه إنما هو الأكل؛ بدليل قوله في أول الحديث: (إن كان جامدًا فألقوها، وكلوه) وفي بعض طرقه: (وكلوا سمنكم) ثم قال بعد هذا: (وإن كان مائعًا فلا تقربوه) أي: بأكل. وأيضًا: فقد قررنا في أصول الفقه: أن الشرع إذا نهى عن شيء، وأوقع نهيه عليه، فإنما يعني به: النهي\n_________\n(١) في (ج ٢): أصول الفقه.\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٢٣٢ و٢٦٥ و٤٩٠)، وأبو داود (٣٨٤٢). وانظر: \"بلوغ المرام\" لابن حجر رقم (٨٠٧) طبعة دار ابن كثير.","vol":"4","page":465},{"text":"أَجمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٢٦)، والبخاري (٢٢٣٦)، ومسلم (١٥٨١)، وأبو داود (٣٤٨٦)، والترمذي (١٢٩٧)، والنسائي (٧/ ٣٠٩)، وابن ماجه (٢١٦٧).\nــ\nعما يراد ذلك الشيء له، وإن سكت عنه. كما قال تعالى: ﴿وَلا تَقرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطهُرنَ﴾؛ أي: بالوطء، وكقوله: ﴿حُرِّمَت عَلَيكُم أُمَّهَاتُكُم﴾ أي: وطؤهن ومقدماته. وكذلك العرف إذا قال العربي: لا تقرب الماء؛ أي: لا تشربه. والخبز؛ أي: لا تأكله. وهذا معلوم.\nوأما النهي عن مباشرة النجاسات: فإنما يحمل على التحريم عند محاولة فعل الطهارة شرط فيه؛ كالصلاة، ودخول المسجد، ونحو ذلك. وأما فيما لم يكن كذلك فلا يكون حرامًا بالاتفاق.\nثم اختلف القائلون بجواز الانتفاع بها. هل يجوز بيع ما ينتفع به منها أو لا؟ على قولين؛ والصحيح: منع (١) الجواز؛ لقوله ﷺ: (قاتل الله اليهود، نُهوا عن الشحم، فباعوه، وأكلوا ثمنه) (٢). وفي بعض طرقه: (إن الله إذا حرَّم على قوم شيئًا حرَّم عليهم ثمنه) (٣).\nوقوله: (قاتل الله اليهود) أي: قتلهم؛ كقوله تعالى: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤفَكُونَ﴾ قاله الهروي. قال: وسبيل (فَاعَلَ) أن يكون من اثنين، وربما يكون من واحد؛ كقولك: سافرت، وطارقت النعل. وقال ابن عباس: لعنهم. وقد جاء ذلك مصرَّحا به في الرواية الأخرى. وقال غيره: عاداهم.\nو(قوله: اجتملوها (٤» أي: أذابوها. يقال: جملت الشحم، واجتملته:\n_________\n(١) في (م) و(ج ٢) نفي. والمثبت من (ع) و(ل).\n(٢) رواه أحمد (٣/ ٣٢٦)، والبخاري (٢٢٣٦ و٤٦٣٣)، ومسلم (١٥٨١).\n(٣) أحمد (١/ ٢٤٢ و٢٩٣ و٣٢٢)، وأبو داود (٣٤٨٨).\n(٤) في التلخيص: أجملوه.","vol":"4","page":466},{"text":"[١٦٧٥] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَلَغَ عُمَرَ: أَنَّ سَمُرَةَ بَاعَ خَمرًا، فَقَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ سَمُرَةَ، أَلَم يَعلَم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ، حُرِّمَت عَلَيهِم الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا.\nرواه أحمد (١/ ٢٤٢)، والبخاريُّ (٢٢٢٣)، ومسلم (١٥٨٢)، وأبو داود (٣٤٨٨).\n* * *\nــ\nإذا أذبته. والجميل: الشحم المذاب. قال أبو عبيد: يقال: جملت، وأجملت، واجتملت.\nو(قوله: أنَّه بلغ عمر: أن سمرة باع خمرًا) اختلف في كيفية بيع سمرة ﵁ الخمر على ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنه أخذها من أهل الكتاب عن قيمة الجزية فباعها منهم، ظنًّا منه: أن ذلك جائز.\nوالثاني: أن يكون باع العصير ممن يتخذه خمرًا، والعصير يُسمَّى خمرًا؛ كما قد سمي العنب به في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعصِرُ خَمرًا﴾ وُسمي بذلك لأنه يؤول إلى الخمر.\nوالثالث: أن يكون خلل الخمر وباعها خلًاّ. ولعل عمر كان يعتقد: أن ذلك لا يحلِّلها، كما قد ذهب إليه جماعة من أهل العلم على ما يأتي.\nقلت: وفي هذين الوجهين بُعدٌ. والأشبه: الأول.\n* * *","vol":"4","page":467},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-616>أبواب الصرف والربا</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-617>(٢٥) باب تحريم التفاضل والنساء في الذهب بالذهب والورق بالورق</span>\n[١٦٧٦] عن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ قَالَ: أَبصَرَت عَينَايَ، وَسَمِعَت أُذُنَايَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَلَا تَبِيعُوا الوَرِقَ\nــ\nومن أبواب الصَّرف والربا\n(٢٥) ومن باب: تحريم التفاضل والنساء (١)\nالصَّرف: مصدر صرف، يصرف، صرفًا: إذا دفع ذهبا، وأخذ فضة، أو عكسه. هذا عُرفُه الشرعي. وحقيقته: بيع ذهب بفضة. وللشرع فيه معنيان:\nأحدهما: منع النَّساء فيه، مع اتفاق النوع، واختلافه، فلا يجوز بيع ذهب بذهب، ولا بفضة نَساء. وهذا مجمع عليه.\nوثانيهما: منع التفاضل في النوع الواحد منهما، فلا يجوز ذهب بذهب، ولا فضة بفضة متفاضلًا عند جمهور العلماء من الصحابة والتابعين من أهل المدينة، والحجاز، والشام، وغيرهم. وفيه خلاف شاذٌّ عن بعض الصحابة مرجوع عنه، وسيأتي ذكرهم في بابه إن شاء الله تعالى.\nوقد دلّ على صحة ما ذكرناه من المنعين، وإبطال قول المخالف نصوص هذا الباب؛ كقوله: (لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق إلا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا\n_________\n(١) هذا العنوان مستدرك من التلخيص.","vol":"4","page":468},{"text":"بِالوَرِقِ إِلَّا مِثلًا بِمِثلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعضَهَا عَلَى بَعضٍ، وَلَا تَبِيعُوا شَيئًا غَائِبًا مِنهُ بِنَاجِزٍ إِلَّا يَدًا بِيَدٍ.\nــ\nتبيعوا منها شيئًا غائبًا بناجز). وفي اللفظ الآخر: (إلا وزنًا بوزن، مثلًا بمثل، سواء بسواء) وفي رواية: (يدًا بيد) وفي أخرى: (إلا هاء وهاء) وغير ذلك مما في هذا الباب.\nفهذه نصوصٌ مؤكدة، وألفاظ متعددة، تفيد: أن تحريم التفاضل كتحريم النَّساء، ويستوي في ذلك أنواع كل جنس منها، فلا يلتفت للخلاف في ذلك. وسيأتي القول إن شاء الله تعالى على قوله ﷺ: (إنما الربا في النسيئة) (١) ثم اختلف العلماء: هل هذا الحكم معلل بعلة، أو ليس معللًا؟ فنفاة القياس منعوا ذلك على أصلهم في نفي التعليل مطلقا. وممن قال بهذا القول: داود وأتباعه. وقد تابعهم على نفي تعليل هذا الحكم بعض من قال بالقياس. بناء على أنه لم يجد دليلًا عليه، أو: على أنه لم يجد لعلَّة ذلك فرعًا يلحقه بها. فتكون العلَّة قاصرة، ولا يعلل بالعلة القاصرة. وهو مذهب أبي حنيفة. وذهب مالك والشافعي وأتباعهما إلى تعليل ذلك الحكم بكونها أثمانًا. وهل هو معلل بمطلق الثمنية، فيلحق بذلك كلما يكون ثمنًا كالفلوس، والجلود المطبوعة إذا تُعُومل بها، أو بثمنية تكون رءوس الأثمان، وقيمًا للمتلفات غالبًا، فتخرج الفلوس، وغيرها منهما؟ قولان لأصحابنا. والذي حمل المعللين على القول بالتعليل التمسك بالقاعدة الكلية: إن الشرع جاء باعتبار المصالح. والمصلحة لا تعدو أوصاف المحل. وقد سبرنا أوصافه، فلم نجد أولى من هذا، فتعين أن يكون هو العلَّة. وقد حققنا هذه الأصول في الأصول، فلتنظر هنالك.\nو(قوله: ولا تشفوا بعضها على بعض) أي: لا يكن لأحدهما شفوف على\n_________\n(١) رواه مسلم (١٥٩٦) (١٠٢).","vol":"4","page":469},{"text":"وفي رواية: لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَلَا الوَرِقَ بِالوَرِقِ، إِلَّا وَزنًا بِوَزنٍ، مِثلًا بِمِثلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ.\nرواه البخاريُّ (٢١٧٧)، ومسلم (١٥٨٤)، والنسائي (٧/ ٢٧٨ و٢٧٩).\n[١٦٧٧] وعَن عُثمَانَ بنِ عَفَّانَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَينِ، وَلَا الدِّرهَمَ بِالدِّرهَمَينِ.\nرواه مسلم (١٥٨٥).\n[١٦٧٨] وعَن مَالِكِ بنِ أَوسِ بنِ الحَدَثَانِ، أَنَّهُ قَالَ: أَقبَلتُ أَقُولُ: مَن يَصطَرِفُ الدَّرَاهِمَ؟ فَقَالَ طَلحَةُ بنُ عُبَيدِ اللَّهِ، وَهُوَ عِندَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ: أَرِنَا ذَهَبَكَ، ثُمَّ ائتِنَا، ثُمَّ إِذَا جَاءَ خَادِمُنَا نُعطِيكَ وَرِقَكَ. فَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: كَلَّا وَاللَّهِ، لَتُعطِيَنَّهُ وَرِقَهُ، أَو لَتَرُدَّنَّ إِلَيهِ ذَهَبَهُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الوَرِقُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالبُرُّ بِالبُرِّ رِبًا إِلَّا\nــ\nالآخر؛ أي: زيادة. وقد بالغ مالك ﵀ في منع الزيادة في هذا، حتى جعل المتوهّم كالمتحقق. فمنع دينارًا ودرهما بدينار ودرهم، سدًا للذريعة، وحَسمًا للتوهمات؛ إذ لولا توهم الزيادة لما تبادلا. وقد علل منع ذلك بتعذر المماثلة عند التوزيع، فإنه يلزم منه: ذهب وفضة بذهب. وأوضح من هذا: منعه التفاضل المعنوي. وذلك: أنه منع دينارًا من الذهب العالي، ودينارًا من الذهب الدُّون بدينارين من الوسط. فكأنه جعل الدينار من الوسط في مقابلة العالي، وألغى الدُّون. وهذا من دقيق نظره رحمه الله تعالى.\nو(قوله: الورق بالذهب ربا إلا هاء وهاء) الرواية المشهورة في (هاء): بالمد، وبهمزة مفتوحة، وكذلك رويته. ومعناها: خذ. فكأنها اسم من أسماء","vol":"4","page":470},{"text":"هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمرُ بِالتَّمرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ.\nرواه البخاريُّ (٢١٣٤)، ومسلم (١٥٨٦)، وأبو داود (٣٣٤٨)، والترمذي (١٢٤٣)، والنسائي (٧/ ٢٧٣)، وابن ماجه (٢٢٥٩ و٢٢٦٠).\n* * *\nــ\nالأفعال. كما تقول: هاؤم. وفيها أربع لغات:\nإحداها: ما تقدَّم، وفيها لغتان:\nإحداهما: أنها تُقال للمذكر والمؤنث، والواحد والاثنين، والجمع، بلفظ واحد (ها) من غير زيادة. قال السيرافي: كأنهم جعلوها صوتًا، كصه، ومه.\nوثانيهما: تلحق بها العلامات المفرَّقة. فتقول للذكر: هاءَ، وللمؤنث: هائي. وللاثنين: هاءا. وللجمع: هاءوا، كالحال في: هاؤم، وفي: هلم.\nالثانية: بالقصر والهمزة الساكنة، فتقول: هأ، كما تقول: خَف. وفيها اللغتان المتقدمتان. حكاهما ثابت وغيره من أهل اللغة.\nالثالثة: هاءِ بالمد وكسر الهمزة. وهي للواحد، والاثنين، والجميع. بلفظ واحد، غير أنهم زادوا ياءً مع المؤنث. فقالوا: هائي.\nالرابعة: ها، بالقصر، وترك الهمز. حكاها بعض اللغويين. وأنكرها أكثرهم، وخُطِّئ من رواها من المحدِّثين كذلك. وقد حكيت لغة خامسة: هاءَكِ، بمدَّةٍ، وهمزة مفتوحة، وكاف خطاب مكسورة للمؤنث.\nقلت: ولا بُعد في أن يقال: إن (هاء) هذه هي اللغة الأولى، وإنما زادوا عليها كاف الخطاب المؤنث خاصة، فلا تكون خامسة.\nومعنى: (هاء وهاء): خذ وهات في هذه الحال من غير تراخ، كما قال: (يدًا","vol":"4","page":471},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-618>(٢٦) باب تحريم الرِّبا في البُرِّ والشعير والتمر والملح</span>\n[١٦٧٩] عَن أَبِي الأَشعَثِ قَالَ: غَزَونَا غَزَاةً وَعَلَى النَّاسِ مُعَاوِيَةُ،\nــ\nبيد). وقد بالغ مالك ﵀ في هذا، حتى منع المواعدة على الصرف، والحوالة، والوكالة على عقد الصرف دون القبض. ومنع أن يعقد الصرف، ويقوم إلى قعر دكانه، ثم يفتح صندوقه، ويخرج ذهبه. بناء على ما تقدَّم من أصله. وهذا هو الذي فهمه عمر ﵁ عن الشرع حين قال: (وإن أنظرك إلى أن يلج بيته فلا تنظره، إني أخاف عليكم الربا). وقال: (دعوا الربا والريبة).\nو(الورق) - بكسر الراء -: الفضة. وهو اسم جنس معرَّف بالألف واللام الجنسيتين، فيتضمن ذلك الجنس كله، مسكوكه، ومصوغه، وتبره، ونقاره. وكذلك الذهب، فلا يجوز مصوغ بتبر إلا مثلًا بمثل. وكذلك جميع أنواعها. وليس له أن يستفضل (١) قيمة الصنعة، ولا عمالتها. وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى.\n(٢٦) ومن باب: تحريم الرِّبا في البُرِّ والشعير والتمر والملح\nالرِّبا في اللغة: الزيادة مطلقا. يقال: ربا الشيء، يربو: إذا زاد. ومنه الحديث: (فلا والله ما أخذنا من لقمة إلا ربا من تحتها) (٢) يعني به: الطَّعام الذي دعا فيه النبي ﷺ بالبركة. ثم إن الشرع قد تصرَّف في هذا الإطلاق، فقصره على بعض موارده، فمرَّة أطلقه على اكتساب الحرام كيفما كان، كما قال تعالى في اليهود: ﴿وَأَخذِهِمُ الرِّبَا وَقَد نُهُوا عَنهُ﴾ ولم يرد به الرِّبا الشرعي الذي حكم بتحريمه علينا؛ وإنما أراد المال الحرام، كما قال تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلكَذِبِ\n_________\n(١) سقطت من (ع).\n(٢) رواه البخاري (٣٥٨١)، ومسلم (٢٠٥٧).","vol":"4","page":472},{"text":"فَغَنِمنَا غَنَائِمَ كَثِيرَةً، فَكَانَ فِيمَا غَنِمنَا آنِيَةٌ مِن فِضَّةٍ، فَأَمَرَ مُعَاوِيَةُ رَجُلًا أَن يَبِيعَهَا فِي أَعطِيَاتِ النَّاسِ، فَتَسَارَعَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ، فَبَلَغَ عُبَادَةَ بنَ الصَّامِتِ، فَقَامَ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنهَى عَن بَيعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، وَالفِضَّةِ بِالفِضَّةِ، وَالبُرِّ بِالبُرِّ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمرِ بِالتَّمرِ، وَالمِلحِ بِالمِلحِ، إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، عَينًا بِعَينٍ، فَمَن زَادَ أَو ازدَادَ فَقَد أَربَى.\nــ\nأَكَّالُونَ لِلسُّحتِ﴾ يعني به: المال الحرام من الرُّشا، وما استحلوه من أموال الأميين حيث: ﴿قَالُوا لَيسَ عَلَينَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ وعلى هذا: فيدخل فيه النهي عن كل مال حرام بأي وجه اكتسب.\nوالربا الذي غلب عليه عُرفُ الشرع: تحريم النَّساء، والتفاضل في النقود، وفي المطعومات، على ما تقدم وعلى ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.\nو(قوله: غزونا غزاة، وعلى الناس معاوية) يعني: أميرًا، لا خليفة؛ فإن زمان خلافته متأخر عن ذلك الوقت بكثير.\nو(قوله: فغنمنا آنية من فضة، فأمر معاوية أن يبيعها في أُعطيات الناس) هذا البيع لهذه الآنية كان بالدَّراهم، ولذلك أنكره عبادة بن الصامت ﵁ واستدلّ عليه بقوله: (الفضة بالفضة) ولو كان بذهب أو عرض لَمَا كان للإنكار، ولا للاستدلال وجه.\nو(قوله: فتسارع الناس في ذلك) يعني في شراء تلك الآنية بالدَّراهم. وهو يدلُّ على أقلية العلماء، وأن الأكثر الجهال. ألا ترى معاوية ﵁ قد جهل ذلك مع صحبته، وكونه من كُتَّاب الوحي، ويحتمل أن يقال: إن معاوية كان لا يرى ربا الفضل كابن عباس وغيره. والأول أظهر من مساق هذا الخبر. فتأمل نصَّه؛ فإنَّه صريح: في أن معاوية لم يكن علم بشيء من ذلك.\nو(قوله: نهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح) قد تقدَّم القول في النقود،","vol":"4","page":473},{"text":"في رواية: الآخِذُ وَالمُعطِي فِيهِ سَوَاءٌ. فَرَدَّ النَّاسُ مَا أَخَذُوا، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ، فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: أَلَا مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَحَدَّثُونَ عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَادِيثَ، قَد كُنَّا نَشهَدُهُ وَنَصحَبُهُ فَلَم نَسمَعهَا مِنهُ؟ فَقَامَ عُبَادَةُ بنُ الصَّامِتِ، فَأَعَادَ القِصَّةَ، قَالَ: لَنُحَدِّثَنَّ بِمَا سَمِعنَا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِن كَرِهَ مُعَاوِيَةُ، (أَو قَالَ: وَإِن رَغِمَ) مَا أُبَالِي أَلَا أَصحَبَهُ فِي جُندِهِ لَيلَةً سَودَاءَ. قَالَ حَمَّادٌ هَذَا أَو نَحوَهُ.\nــ\nوالقول هنا في الأطعمة. ولم يختلف في جريان الربا في هذه الأصناف الستة (١)، لكن هل تعلق حكم الرِّبا بأسمائها أم بمعانيها؟ فأهل الظاهر قصروه على أسمائها، فلا يجري الرِّبا عندهم في غير هذه الأصناف الستة. وفقهاء الأمصار من الحجازيين وغيرهم رأوا: أن ذلك الحكم متعلق بمعانيها. وتمسَّكوا في ذلك بما تقدَّم، وبأن الدقيق يجري فيه حكم الرِّبا بالاتفاق، ولا يصدق عليه اسم شيء من تلك الأصناف المذكورة في الحديث. فإن قيل: دقيق كل صنف منها مردودٌ إلى حَبِّه في حكمه. قلنا: فهذا اعتراف بأن الحكم لم يتعلَّق بأسمائها، بل بمعانيها. والله تعالى أعلم.\nوقد اختلفوا في تعيين ذلك المعنى. فقال أبو حنيفة: إن علة ذلك كونه مكيلًا أو موزونًا جنسًا. وذهب الشافعي في القديم: إلى أن المعنى: هو أنه مأكول مكيل، أو موزون جنسًا. وفي الجديد: هو أنَّه مطعوم جنس. وحُكي عن ربيعة: أن العلة هي: كونه جنسًا تجب فيه الزكاة. واختلفت عبارات أصحابنا. وأحسن ما في ذلك هو كونه مقتاتًا، مدخرًا للعيش غالبًا جنسًا. ولبيان الأرجح من هذه العلل والفروع المبنية عليها علم الخلاف، وكتب الفروع.\nو(قوله: البُرُّ بالبُرِّ، والشعير بالشعير) دليل على أنهما نوعان مختلفان؛\n_________\n(١) في (م) و(ج ٢) و(ع): الأربعة. ويشير بذلك إلى المطعومات فقط. والمثبت من (ل ١).","vol":"4","page":474},{"text":"وفي رواية: مِثلًا بِمِثلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اختَلَفَت هَذِهِ الأَصنَافُ، فَبِيعُوا كَيفَ شِئتُم إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ. ومن حديث أبي هريرة:\nــ\nكمخالفة التمر للبُرٍّ؛ وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، والثوري، وابن عُلّيَّة، وفقهاء أهل الحديث. وذهب مالك، والأوزاعي، والليث، ومعظم علماء المدينة والشام: إلى أنهما صنف واحد. وهو مروي عن عمر، وسعيد، وغيرهما من السَّلف متمسكين بتقاربهما في المنبت، والمحصد، والمقصود؛ لأن كل واحد منهما في معنى الآخر، والاختلاف الذي بينهما إنما هو من باب مخالفة جيِّد الشيء لرديئه.\nو(قوله: فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم) إشارة إلى ما ذكره في الحديث من الأصناف، ويلحق بها ما في معناها على ما ذكرناه آنفًا، وينضاف إلى كل نوع منها ما في معناه، وما يقاربه، وما بعد عن ذلك كان صنفًا منفردًا بنفسه، ولذلك لم يختلف قول مالك: في أن الدُّخنَ صنف منفرد، وكذلك الأرز، وهو قول كافة العلماء. والعَلَس عند أكثر المالكية صنف منفرد. وقال الشافعي: هو صنف من أصناف الحنطة. وقاله بعض أصحابنا. واختلف قول مالك في القطاني. هل هو صنف واحد، أو أصناف؟ وقد ضم مالك السَّلت إلى البر والشعير. وقال الشافعي: هو صنف منفرد بنفسه. وقال الليث: السَّلت، والدُّخن، والذرة، صنف واحد. وقاله ابن وهب. وسبب هذا الاختلاف اختلاف الشهادة بالتقارب في المقصود، والمحصد، والمنبت. فمن شهدت له عادة استعمال صنف في معنى صنف، وشابهه في شيء مما ذكرناه ألحقه به. ومن لم يحصل له ذلك لم يلحق. والأصل: أن ما اختلفت أسماؤه، ومقاصده أن يعدَّ أصنافًا مختلفة بدليل ظاهر الحديث المتقدِّم، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: وزنًا بوزن، مثلًا بمثل، سواءً بسواء) يدل على وجوب تحقيق المماثلة في بيع الرِّبَوِيّ بصنفه. وذلك لا يكون إلا بمعيار معلوم مقداره بالشرع،","vol":"4","page":475},{"text":"فَمَن زَادَ أَو استَزَادَ فَهو ربا.\nرواه مسلم (١٥٨٧)، وأبو داود (٣٣٤٩)، والنسائي (٧/ ٢٧٤)، وابن ماجه (٤٤٥٤).\n* * *\nــ\nأو بالعادة وزنًا أو كيلًا. والأولى عند مالك: أن تجعل ذهبك في كفة، ويجعل ذهبه في كفة، فإذا استوى أخذ وأعطي، وكذلك يكون الكيل واحدًا، ويجوز بصنجة واحدة؛ معلومة المقدار بالعادة أو بالتحقيق. ولا يجوز عند مالك والشافعي في الصرف ولا غيره من البيوع أن يتعاملا بمعيار مجهول، يتفقان عليه؛ لجهل كل واحد منهما بما يصير إليه.\nقلت: وعلى هذا التعليل؛ فلا تجوز المراطلة (١) المذكورة، لوجود الجهل المذكور.\nو(قوله: فمن زاد أو استزاد فقد أربى) أي: من بذل الزيادة، وطاع بها، ومن سألها، كل واحد منهما قد فعل الرِّبا. وهما سواء في الإثم؛ كما قال في الرواية الأخرى: (الآخذ والمعطي فيه سواء) أي: في فعل المُحَرَّم، وإثمه. وفي كتاب أبي داود: أن رسول الله ﷺ لعن آكل الرِّبا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه). وقال: (هم سواء) (٢) أي: في استحقاق اللعنة والإثم.\n* * *\n_________\n(١) قال في اللسان: رطله: رازه ووَزَنه ليعلم كم وزنه.\n(٢) رواه أبو داود (٣٣٣٣) دون قوله: \"هم سواء\". والحديث بتمامه عند مسلم (١٥٩٨)، وانظره في التلخيص برقم (١٩٩١).","vol":"4","page":476},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-619>(٢٧) باب بيع القلادة فيها خرز وذهب بذهب</span>\n[١٦٨٠] عن فَضَالَةَ بنَ عُبَيدٍ الأَنصَارِيَّ قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِخَيبَرَ بِقِلَادَةٍ فِيهَا خَرَزٌ وَذَهَبٌ، وَهِيَ مِن المَغَانِمِ تُبَاعُ، فَأَمَرَ\nــ\n(٢٧) ومن باب: بيع القلادة فيها خرز وذهب بذهب\n(قوله: أُتِي رسول الله ﷺ بقلادة فيها خرز وذهب تباع من الغنائم). كان بيع هذه القلادة بعد قَسم الغنيمة، وبعد أن صارت إلى فَضَالة في سهمه، كما قال في رواية حَنَش؛ ولأن الغنيمة لا يتصرف في بيع شيء منها إلا بعد القِسمة.\nوأمره ﷺ بتفصيل القلادة وبيع الذهب على انفراده: إنما كان لأن المشتري أراد أن يشتريها بذهب؛ لقوله بعد هذا: (الذهب بالذهب وزنًا بوزن) أو يكون قد وقع البيع بذهب، كما جاء في الرواية الأخرى التي قال فيها: إنه اشتراها باثني عشر دينارا، ففصَّلها، فوجد فيها أكثر من اثني عشر دينارًا، ففسخ النبي ﷺ البيع بقوله: (لا تباع حتى تُفَصَّل) ووجه هذا المنع في هذه الصورة: وجود المفاضلة بين الذهبين، فإنَّه إن كان مساويًا للآخر، فقد فضله من صار إليه الذهب، والعَرَضُ بالعَرَض، وإن لم يكن متساويًا فقد حصل التفاضل في عين أحد الذهبين، كما قال في رواية الاثني عشر دينارًا. وهذا قول الجمهور.\nوقد شذَّ أبو حنيفة، ومن قال بقوله، وترك مضمون هذا الحديث فقال: إذا كان الذهب المنفرد أكثر من الذهب المضموم إليه السلعة جاز، بناء منه على جعل السِّلعة في مقابلة الزائد من الذهب. واعتذر عن الحديث: بأنه إنما فسخ ذلك لأن الذهب المنفرد كان أقل، فلو كان أكثر جاز. وهذا التأويل فاسد بدليل الحديث الأول، فإنَّه ﷺ لما رأى القلادة قد عرضت للبيع بالذهب أمر بتفصيلها، وبيَّن حكم القاعدة الكلية بقوله: (الذهب بالذهب وزنًا بوزن) ولم يلتفت إلى التوزيع الذي قال به أبو حنيفة.","vol":"4","page":477},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالذَّهَبِ الَّذِي فِي القِلَادَةِ فَنُزِعَ وَحدَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزنًا بِوَزنٍ.\nرواه مسلم (١٥٩١) (٨٩)، وأبو داود (٣٣٥١)، والنسائي (٧/ ٢٧٩).\nــ\nوقد غفل الطَّحاوي في تأويل ذلك الحديث، حيث قال: إنما نهى النبي ﷺ عن ذلك لئلا يُغبَن المسلمون في المغانم عمَّا (١) ذكرناه: من أن هذا البيع إنما كان بعد القسمة، ولو سلَّمنا أنها كانت قبل القِسمة لكان عدوله ﷺ عن ذلك المعنى إلى قوله: (الذهب بالذهب وزنًا بوزن) ضائعًا، لا معنى له؛ لأنه كان يلزم منه أن يعدل عن علَّة الحكم في وقت الحاجة إلى بيانه، وينطق بما ليس بعلَّة ولا يُحتاج إليه، بالنسبة إليه في تلك الواقعة.\nومن الناس من زاد على أبي حنيفة في الشذوذ، وهو حمَّاد بن أبي سليمان، فقال: يجوز بيع الذهب بالذهب الذي معه السِّلعة مطلقا، ولم يُفرَّق بين المنفردة والمضموم إليها السلعة في الأقل ولا الأكثر. وهذا طرح للحديث بالكلية، ولم يعرِّج على القاعدة الشرعية. فأما لو باع القلادة التي فيها الذهب بفضة، فذلك هو البيع والصَّرف، ولا يجوز عند مالك؛ لاختلاف حكم البيع والصرف، وسدًّا للذريعة. وهذا ما لم يكن أحدهما تابعًا للآخر، فإن كان ذلك جاز إلغاء للتَّبعيَّة.\nوقال أشهب: إنَّه يجوز البيع والصَّرف مطلقا، وكل ما ذكرناه إنَّما هو فيما يمكن تفصيله. فأمَّا ما لا يمكن ذلك فيه، إما لتعذره حِسًّا، أو لأنَّه يؤدي إلى إتلاف مالية: فذلك إمَّا أن يكون ممنوع الاتخاذ، فلا يجوز فيه إلا المصارفة على اعتبار التبعية على ما ذكرناه آنفًا. وأما ما يجوز اتخاذه؛ كالسَّيف، والمصحف، والخاتم، وحلي النساء: فيجوز عندنا بيع ذلك كلِّه، بخلاف ما فيه من العين؛\n_________\n(١) في (ل ١): كما.","vol":"4","page":478},{"text":"[١٦٨١] وعنه قَالَ: اشتَرَيتُ يَومَ خَيبَرَ قِلَادَةً فِيهَا اثنَا عَشَرَ دِينَارًا، فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ، فَفَصَّلتُهَا فَوَجَدتُ فِيهَا أَكثَرَ مِن اثنَي عَشَرَ دِينَارًا، فَذَكَرتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: لَا تُبَاعُ حَتَّى تُفَصَّلَ.\nرواه مسلم (١٥٩١) (٩٠)، وأبو داود (٣٣٥٢)، والترمذي (١٢٥٥).\n[١٦٨٢] وعَن حَنَشٍ الصنعاني قَالَ: كُنَّا مَعَ فَضَالَةَ بنِ عُبَيدٍ فِي غَزوَةٍ، فَطَارَت لِي وَلِأَصحَابِي قِلَادَةٌ فِيهَا ذَهَبٌ وَوَرِقٌ وَجَوهَرٌ، فَأَرَدتُ أَن أَشتَرِيَهَا، فَسَأَلتُ فَضَالَةَ بنَ عُبَيدٍ فَقَالَ: انزِع ذَهَبَهَا فَاجعَلهُ فِي كِفَّةٍ، وَاجعَل ذَهَبَكَ فِي كِفَّةٍ، ثُمَّ لَا تَأخُذَنَّ إِلَّا مِثلًا بِمِثلٍ، فَإِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَن كَانَ يُؤمِنُ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَلَا يَأخُذَنَّ إِلَّا مِثلًا بِمِثلٍ.\nرواه مسلم (١٥٩١) (٩٢)، وأبو داود (٣٣٥٣).\n* * *\nــ\nناجزا مطلقا من غير فصل بين قليل ولا كثير؛ لأن ذلك إما صرف، وإما بيع، والتبع مُلغى. وإما بجنس ما فيه من العين: فيجوز إذا كان فيه من العين الثلث فدون؛ عند مالك، وجمهور أصحابه، وكافة العلماء إلغاءً للتبعية؛ ولأن ذلك قد يضطر إليه. ومنع ذلك الشافعي، وأحمد، وإسحاق، ومحمد بن عبد الحكم. وروي عن جماعة من السلف؛ منهم: عمر، وابن عمر ﵄؛ اعتبارًا بوجود المفاضلة بين الذهبين، وأبو حنيفة وحمَّاد على أصليهما المذكورين.\nو(قول فضالة: اشتريت يوم خيبر قلادة فيها اثنا عشر دينارًا) كذا وقع هذا اللفظ عند كافة الشيوخ: (فيها اثنا عشر دينارًا). وقد سقط هذا اللفظ عند ابن عيسى، وابن الحذَّاء، واتصل قوله: (قلادة) بقوله: (فيها خرز وذهب) وهذا","vol":"4","page":479},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-620>(٢٨) باب من قال: إن البُرَّ والشعير صنف واحد</span>\n[١٦٨٣] عَن مَعمَرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ: أَنَّهُ أَرسَلَ غُلَامَهُ بِصَاعِ قَمحٍ فَقَالَ: بِعهُ ثُمَّ اشتَرِ بِهِ شَعِيرًا، فَذَهَبَ الغُلَامُ فَأَخَذَ صَاعًا وَزِيَادَةَ بَعضِ صَاعٍ، فَلَمَّا جَاءَ مَعمَرًا أَخبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ مَعمَرٌ: لِمَ فَعَلتَ ذَلِكَ؟ انطَلِق فَرُدَّهُ وَلَا تَأخُذَنَّ إِلَّا مِثلًا بِمِثلٍ، فَإِنِّي كُنتُ أَسمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثلًا بِمِثلٍ. وَكَانَ طَعَامُنَا يَومَئِذٍ الشَّعِيرَ، وقِيلَ: فَإِنَّهُ لَيسَ بِمِثلِهِ. قَالَ: إِنِّي أَخَافُ أَن يُضَارِعَ.\nرواه أحمد (٦/ ٤٠٠ - ٤٠١)، ومسلم (١٥٩٢).\n* * *\nــ\nهو الصَّواب. وقد وجد ذلك اللفظ في أصول بعض أصحاب أبي علي الغساني مُصلَحًا (باثني عشر دينارا). وله وجه صحيح.\nقلت: وقد رويته كذلك من طريق شيخنا أبي ذر بن مسعود الخشني عن أبي محمد عبد الحق (١)، صاحب كتاب الأحكام في ذلك الكتاب.\n(٢٨) ومن باب: من قال: إن البُرَّ والشعير صنف واحد، وفسخ صفقه الرِّبا\nقد تقدَّم ذكر الخلاف في عدَّ البُرِّ والشعير صنفًا واحدًا بما يغني عن إعادته، لكنا نبين في هذا الحديث: أن حديث معمر لا حجة فيه لأصحابنا، وإن كانوا قد\n_________\n(١) هو عبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي الأندلسي الإشبيلي، أبو محمد المتوفى سنة ٥٨٢ هـ، وكتابه \"الأحكام الكبرى في الحديث\" انظر كشف الظنون (١/ ٢٠)، ومعجم المؤلفين (٥/ ٩٢).","vol":"4","page":480},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-621>(٢٩) باب فسخ صفقة الربا</span>\n[١٦٨٤] عن أَبي سَعِيدٍ قَالَ: جَاءَ بِلَالٌ بِتَمرٍ بَرنِيٍّ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مِن أَينَ هَذَا؟ . فَقَالَ بِلَالٌ: تَمرٌ كَانَ عِندَنَا رَدِيءٌ، فَبِعتُ مِنهُ صَاعَينِ بِصَاعٍ لِمَطعَمِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِندَ ذَلِكَ: أَوَّه،\nــ\nأطبقوا على الاحتجاج به. ووجه ذلك: أن غايتهم في التمسك به أن يحتجوا بمذهب معمر. وهو صحابي، وهو أعلم بالمقال، وأقعد بالحال.\nقلت: إن قول معمر هذا رأي منه، لا رواية. وما استدل به من قوله ﷺ: (الطَّعام بالطَّعام) لا حجة له فيه؛ لأنه إن حمل على عمومه لزم منه: ألا يباع التمر بالبُرِّ، ولا الشعير بالملح، إلا مثلًا بمثل. وذلك خلاف الإجماع، فظهر: أن المراد به: الجنس الواحد من الطَّعام. وقد بيَّن النبي ﷺ الأجناس المختلفة في حديث عبادة بن الصامت (١) وغيره، وفصَّلها واحدًا واحدًا، ففصل التمر عن البر، والشعير عنه، ثم قال بعد ذلك: (فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم). ثم الظاهر من فتيا معمر: أنها إنما كانت تقية وخوفا. ألا ترى نصَّه، حيث قال: إني أخاف أن يُضَارع؟ ! والحجة في قول النبي ﷺ لا في قول غيره.\n(٢٩) ومن باب: وفسخ صفقة الرِّبا\n(البَرنِّي): نوع من أجود أنواع التمر. وكذلك: الجنيب. و(الجمع) خلطٌ من التَّمر. وقيل: هو من أدنى التَّمر.\nو(قوله ﷺ لبلال: من أين هذا؟) دليل: على أن للإنسان أن يبحث عمَّا يستريب فيه، حتى ينكشف له حاله.\nو(قوله: أوَّه) كلمة تحزُّن، وتوجُّع. وهي مقصورة الهمزة، مشدَّدة الواو،\n_________\n(١) رواه مسلم برقم (١٥٨٧) (٨١).","vol":"4","page":481},{"text":"عَينُ الرِّبَا، لَا تَفعَل، وَلَكِن إِذَا أَرَدتَ أَن تَشتَرِيَ التَّمرَ فَبِعهُ بِبَيعٍ آخَرَ، ثُمَّ اشتَرِ بِهِ.\nرواه أحمد (٣/ ٦٢)، والبخاريُّ (٢٣١٢)، ومسلم (١٥٩٤)، والنسائي (٧/ ٢٧٢ - ٢٧٣).\n[١٦٨٥] وعنه قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَمرٍ فَقَالَ: مَا هَذَا التَّمرُ مِن تَمرِنَا. فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِعنَا تَمرَنَا صَاعَينِ بِصَاعٍ مِن هَذَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَذَا الرِّبَا فَرُدُّوهُ، ثُمَّ بِيعُوا تَمرَنَا وَاشتَرُوا لَنَا مِن هَذَا.\nرواه مسلم (١٥٩٤) (٩٧).\nــ\nساكنة الهاء. وقد قيلت أيضا: بمد الهمزة. وقد قيلت أيضًا: (أووه).\nو(قوله: عين الربا) أي: هو الربا المحرم نفسه، لا ما يشبهه.\nو(قوله: لا تفعل) وفي الرواية الأخرى: (فردُّوه) يدل على: وجوب فسخ صفقة الربا، وأنها لا تصح بوجه. وهو حجة للجمهور على أبي حنيفة حيث يقول: إن بيع الربا جائز بأصله، من حيث إنه بيع ممنوع بوصفه من حيث هو ربا، فيسقط الرِّبا، ويصحَّ البيع. ولو كان على ما ذكر لما فسخ النبي ﷺ هذه الصفقة، ولأمره برد الزيادة على الصَّاع، ولصحَّح الصفقة في مقابلة الصَّاع.\nو(قوله: ولكن إذا أردت أن تشتري التمر فبعه ببيع آخر، ثم اشتر به) وفي الرواية الأخرى: (بيعوا تمرنا، واشتروا لنا من هذا) قد يحتج بإطلاقه من لم يقل بسدِّ الذرائع. وهو الشافعي، وأبو حنيفة، وكافتهم، فأجازوا شراء (البرني) مثلًا ممن باع منه (الجمع). ومنعه مالك ﵀ على أصله في سدِّ الذرائع. فإن هذه الصورة تؤدي إلى بيع التمر بالتمر متفاضلًا، ويكون الثمن لغوا. ولا حجة","vol":"4","page":482},{"text":"[١٦٨٦] وعنه قَالَ: كُنَّا نُرزَقُ تَمرَ الجَمعِ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ الخِلطُ مِن التَّمرِ، فَكُنَّا نَبِيعُ صَاعَينِ بِصَاعٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لَا صَاعَي تَمرٍ بِصَاعٍ، وَلَا صَاعَي حِنطَةٍ بِصَاعٍ، وَلَا دِرهَمَ بِدِرهَمَينِ.\nرواه أحمد (٣/ ٤٩ - ٥٠)، ومسلم (١٥٩٤) (٩٨)، والنسائي (٧/ ٢٧٢).\n* * *\nــ\nلهم في هذا الحديث؛ لأنَّه ﷺ لم ينص على جواز شراء التمر الثاني ممن باع منه التمر الأول، ولا تناوله ظاهر اللفظ بعموم، بل بإطلاقه. والمطلق يحتمل التقييد احتمالًا يوجب الاستفسار، فكأنه إلى الإجمال أقرب. وبهذا فرق بين العموم والإطلاق. فإن العموم ظاهر في الاستغراق، والمطلق صالح له، لا ظاهر فيه. وإذا كان كذلك فيتقيد بأدنى دليل. وقد دلَّ على تقييده الدليل الذي دلَّ على سدِّ الذرائع، كما بيَّنَّاه في الأصول. وقد نصَّ ابن عبَّاس ﵄ على منع مثل هذا، حيث منع فقال: ألا تراهم يتبايعون بالذهب والطعام مرجأ.\nوفي هذا الحديث من الفقه جواز اختيار طيبات الأطعمة دون أدانيها (١). وجواز الوكالة. وفيه ما يدلُّ على أن البيوع الفاسدة كلَّها تفسخ، وتُرَدُّ إذا لم تفت.\n* * *\n_________\n(١) في (ج ٢): دانيها.","vol":"4","page":483},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-622>(٣٠) باب ترك قول من قال: لا ربا إلا في النسيئة</span>\n[١٦٨٧] عَن أَبِي نَضرَةَ قَالَ: سَأَلتُ ابنَ عُمَرَ، وَابنَ عَبَّاسٍ عَن الصَّرفِ فَلَم يَرَيَا بِهِ بَأسًا، فَإِنِّي لَقَاعِدٌ عِندَ أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ فَسَأَلتُهُ عَن الصَّرفِ فَقَالَ: مَا زَادَ فَهُوَ رِبًا، فَأَنكَرتُ ذَلِكَ لِقَولِهِمَا، فَقَالَ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا سَمِعتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: جَاءَهُ صَاحِبُ نَخلِهِ بِصَاعٍ مِن تَمرٍ طَيِّبٍ،\nــ\n(٣٠) ومن باب: ترك قول من قال: لا ربا إلا في النسيئة\n(قول أبي نضرة: سألت ابن عمر، وابن عباس عن الصرف فلم يريا به بأسًا) يعني به: صرف الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة. سألهما عن التفاضل بينهما، فأفتياه بالجواز أخذًا منهما بظاهر قوله ﷺ: (إنما الربا في النسيئة) فإن هذا اللفظ ظاهره الحصر، فكأنه قال: لا ربا إلا في النسيئة. وهكذا وقع هذا اللفظ في البخاري (١)، وهو مقتضى قوله هنا: (لا ربا فيما كان يدًا بيد) فينتفي ربا الفضل. وقد قدَّمنا: أن هذا الخلاف شاذٌّ، متقدَّم، مرجوع عنه، كما قد نص عليه هنا من رجوع ابن عمر، وابن عبَّاس عنه. وممن قال بقولهما من السَّلف: عبد الله بن الزبير، وزيد بن أرقم، وأسامة بن زيد. ولا شك في معارضة هذا الحديث لحديث عبادة، وأبي سعيد، وغيرهما. فإنَّها نصوصٌ في إثبات ربا الفضل.\nولَمَّا كان كذلك اختلف العلماء في كيفية التخلص من ذلك على أوجهٍ، أشبهها وجهان:\nأحدهما: أن حديث ابن عباس منسوخ بحديث عبادة وأبي سعيد، غير أنهم لم ينقلوا التاريخ نقلًا صريحًا، وإنما أخذوه من رجوع ابن عباس عن ذلك، ومن عمل الجمهور من الصحابة وغيرهم من علماء المدينة على خلاف ذلك.\n_________\n(١) رواه البخاري (٢١٧٨ و٢١٧٩).","vol":"4","page":484},{"text":"وَكَانَ تَمرُ النَّبِيِّ ﷺ هَذَا اللَّونَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: أَنَّى لَكَ هَذَا؟ . قَالَ:\nــ\nقلت: وهذا لا يدل على النسخ، وإنما يدل على الأرجحية.\nوثانيهما: إن قوله: (لا ربا إلا في النسيئة). إنما مقصوده نفي الأغلظ الذي حرَّمه الله بنص القرآن، وتوعَّد عليه بالعقاب الشديد، وجعل فاعله محاربًا لله، وذلك بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ المَسِّ﴾ إلى آخر الآيات، وما كانت العرب تعرف ربًا إلا ذلك، فكانت إذا حل دينها قالت للغريم: إما أن تقضي، وإما أن تربي؛ أي تزيد في الدَّين. وهذا هو الذي نسخه النبي ﷺ يوم عرفة لما قال: (ألا إن كل ربًا موضوع، وإن أول ربًا أضعه ربانا ربا عباس) (١). وهذا كما تقول العرب: إنما المال الإبل، وإنما الشجاع عليٌّ، وإنما الكريم يوسف ابن نبي الله. ولا عالم في البلد إلا زيد. ومثله كثير. يعنون بذلك نفي الأكبر والأكمل، لا نفي الأصل. وهذا واضح. ومما يقرب فيه هذا التأويل جدًّا رواية من روى: (لا ربا فيما كان يدًا بيد) أي: لا ربا كثير أو عظيم، كما قال: (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) (٢) أي: لا صلاة كاملة.\nقلت: ويظهر لي وجه آخر وهو حسن. وذلك: أن دلالة حديث ابن عباس على نفي ربا الفضل دلالة بالمفهوم، ودلالة إثباته دلالة بالمنظوم. ودلالة المنظوم (٣) راجحة على دلالة المفهوم باتفاق النظار، والحمد لله.\nو(قول أبي سعيد: كان تمر رسول الله ﷺ هذا اللون) يشير به إلى أنه نوع\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٣٧ و٣٩ و٤٩)، والبخاري (١٠٥ و١٧٤١ و٣١٩٧ و٤٤٠٦)، ومسلم (١٦٧٩)، وأبو داود (١٩٤٨)، وابن ماجه (٢٣٣).\n(٢) رواه البيهقي (٣/ ٧٥ و١١١)، والدارقطني (١/ ٤٢٠)، والحاكم (١/ ٢٤٦).\n(٣) في (ج ٢): المنطوق.","vol":"4","page":485},{"text":"انطَلَقتُ بِصَاعَينِ فَاشتَرَيتُ بِهِ هَذَا الصَّاعَ، فَإِنَّ سِعرَ هَذَا فِي السُّوقِ كَذَا وَسِعرَ هَذَا كَذَا، فَقَالَ له رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَربَيتَ، إِذَا أَرَدتَ ذَلِكَ فَبِع تَمرَكَ بِسِلعَةٍ، ثُمَّ اشتَرِ بِسِلعَتِكَ أَيَّ تَمرٍ شِئتَ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَالتَّمرُ بِالتَّمرِ أَحَقُّ أَن يَكُونَ رِبًا أَم الفِضَّةُ بِالفِضَّةِ؟ قَالَ: فَأَتَيتُ ابنَ عُمَرَ بَعدُ، فَنَهَانِي وَلَم آتِ ابنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: فَحَدَّثَنِي أَبُو الصَّهبَاءِ: أَنَّهُ سَأَلَ ابنَ عَبَّاسٍ عَنهُ فَكَرِهَهُ.\nرواه أحمد (٣/ ٦٠)، ومسلم (١٥٩٤) (١٠٠).\n[١٦٨٨] وعَن أَبِي سَعِيدٍ أنه لَقِيَ ابنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ: أَرَأَيتَ قَولَكَ فِي الصَّرفِ، أَشَيئًا سَمِعتَهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَو شَيئًا وَجَدتَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟\nــ\nرديء من التمر، وهو الذي سُمِّي في الحديث المتقدم بالجمع.\nو(قوله: فالتمر بالتمر أحق أن يكون ربًا، أم الفضة بالفضة؟) استدلال نظري ألحق فيه الفرع بالأصل بطريق الأولى والأحق. وهي أقوى طرق القياس. ولذلك وافق على القول بها أكثر منكري القياس، وقد بيَّنَّاه في الأصول، وكأن أبا سعيد ﵁ إنما عدل إلى هذه الطريقة لأنه لم يحضره شيء من نصوص حديث عبادة، وفضالة المتقدِّمة. وهي أحق وأولى بالاستدلال بها على ذلك.\nو(قول أبي سعيد لابن عباس: أرأيت قولك في الصرف، أشيئًا سمعته من رسول الله ﷺ أو شيئًا وجدته في كتاب الله؟) سؤال منكر لما سمعه، طالب للحقيقة بالدليل، بان على أن لا دليل على الأحكام الشرعية إلا الكتاب والسُّنة.\nو(قول ابن عباس: كلا، لا أقول) أي: لم أسمع فيه من النبي ﷺ شيئًا، ولا فهمت من كتاب الله، ثم أخذ فأسند الحديث عن أسامة، وأخبر أنه سمعه منه، فثبت الحديث بنقله - وهو الإمام العدل - عن أسامة ذي المآثر والفضل. فلا شك","vol":"4","page":486},{"text":"فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: كَلَّا لَا أَقُولُ، أَمَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَنتُم أَعلَمُ بِهِ، وَأَمَّا كِتَابُ اللَّهِ فَلَا أَعلَمُهُ، وَلَكِن حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بنُ زَيدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ.\nوفي رواية: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا رِبًا فِيمَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ.\nرواه أحمد (٥/ ٢٠٠ و٢٠٤)، والبخاريُّ (٢١٧٨)، ومسلم (١٥٩٦) (١٠٤)، والنسائي (٧/ ٢٨١)، وابن ماجه (٢٢٥٧).\n* * *\nــ\nفي صحة سند الحديث، وإنما هو متروك بأحد الأوجه المتقدمة (١)، والله أعلم.\nو(قول ابن عباس: أمَّا رسول الله ﷺ فأنتم أعلم به مني) أي: بأحاديثه، فإنَّهم أسن منه، وهم ملازموه حضرًا وسفرًا، فعندهم من حديثه ما ليس عنده لصغر سنه، وقد بيَّنَّا: أن النبي ﷺ توفي وابن عبَّاس لم يحتلم، والذي سمع من النبي ﷺ أحاديث يسيرة، وأكثر حديثه (٢) عن كبار (٣) الصحابة ﵃ وفي سِنِّهِ يوم توفي رسول الله ﷺ ثلاثة أقوال. قيل: عشر. وقيل: خمس عشرة. وقيل: ثلاث عشرة. قال أبو عمر: وهو الذي عليه أهل السِّير والعلم. وهو عندي أصح (٤).\n_________\n(١) في هامش (م): قال الشافعي: يحتمل أن يكون أسامة قد سمع رسولَ الله - ﷺ - يُسألُ عن الرِّبا في صنفين مختلفين ذهب بفضة، وتمر بحنطة، فقال: \"إنما الرِّبا في النسيئة\" فحفظه، فأدَّى قول النبي - ﷺ -، ولم يؤدِّ مسألة السائل فكان ما أُدِّي منه عند من سمعه: \"لا ربا إلا في النسيئة\".\n(٢) في (ل ١): أحاديثه.\n(٣) في (ل ١): كبراء.\n(٤) ما بين حاصرتين ساقط من (م) و(ج ٢).","vol":"4","page":487},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-623>(٣١) باب اتِّقاء الشبهات ولعن المقدم على الربا</span>\n[١٦٨٩] عَن النُّعمَانِ بنِ بَشِيرٍ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: وَأَهوَى النُّعمَانُ بِإِصبَعَيهِ إِلَى أُذُنَيهِ: إِنَّ الحَلَالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَينَهُمَا أمور مُشتَبِهَاتٌ\nــ\n(٣١) ومن باب: اتِّقاء الشبهات\n(قوله ﷺ: الحلال بيِّن، والحرام بيِّن، وبينهما أمور متشابهات) (١) يعني: أن كل واحد منهما مبين بأدلته في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ تأصيلًا وتفصيلًا. فمن وقف على ما في كتاب الله والسُّنة من ذلك وجد فيهما أمورًا جلية التحليل، وأمورًا جلية التحريم، وأمورًا مترددة بين التحليل والتحريم. وهي التي تتعارض فيها الأدلة. فهي المتشابهات. وقد اختلف في حكمها فقيل: مواقعتها حرام؛ لأنها توقع في الحرام. وقيل: مكروهة والورع تركها. وقيل: لا يقال فيها واحد منهما. والصواب الثاني؛ لأن الشرع قد أخرجها من قسم الحرام، فلا توصف به، وهي مما يرتاب فيه. وقد قال ﷺ: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) (٢) وهذا هو الورع. وقد قال فيها بعض الناس: إنها حلال ويتورَّع عنها (٣).\nقلت: وليست بعبارة صحيحة؛ لأن أقل مراتب الحلال أن يستوي فعله\n_________\n(١) في التلخيص ومسلم: مشتبهات.\n(٢) رواه أحمد (١/ ٢٠٠)، والترمذي (٢٥١٨)، والنسائي (٨/ ٣٢٧).\n(٣) في حاشية (ل ١): والظاهر: أنها مخرجة على الخلاف المعروف في حُكْم الأشياء قبل ورود الشرع. وفيه أربعة مذاهب. الأصحُّ: أنه لا حكم بحلٍّ، ولا حرمة، ولا إباحة، ولا غيرها؟ لأنَّ التكليف عند أهل الحقِّ لا يثبت إلا بالشرع، والثاني: أنَّ حكمها التحريم، والثالث: الإباحة، والرابع: التوقف.","vol":"4","page":488},{"text":"لَا يَعلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِن النَّاسِ،\nــ\nوتركه، فيكون مباحًا. وما كان كذلك لم يتصور فيه الورع من حيث هو متساوي الطرفين. فإنَّه إن ترجَّح أحد طرفيه على الآخر خرج عن كونه مباحًا. وحينئذ يكون تركه راجحًا على فعله، وهو المكروه. أو فعله راجحًا على تركه، وهو المندوب.\nفإن قيل: فهذا يؤدِّي إلى رفع معلوم من الشرع، وهو: أن النبي ﷺ والخلفاء بعده، وأكثر الصحابة ﵃ كانوا يزهدون في المباح. فإنَّهم رفضوا التنعم بأكل الطيبات من الأطعمة، وبلباس اللَّين الفاخر من الملابس، وبسكنى المباني الأنيقة من المساكن. ولا شك في إباحة هذه الأمور. ومع هذا فآثروا أكل الخشن، ولباس الخشن، وسكنى الطين واللَّبن. وكل هذا معلوم من حالهم، منقول من سيرتهم.\nفالجواب: إن تركهم التنعم بالمباح لا بدّ له من موجب شرعي أوجب ترجيح الترك على الفعل، وحينئذ يلزم عليه خروج المباح عن كونه مباحًا، فإن حقيقته التساوي من غير رجحان. فلم يزهدوا في مباح، بل في أمرٍ تَركُهُ خيرٌ من فعله شرعا. وهذه حقيقة المكروه. فإذًا إنما زهدوا في مكروه. غير أن المكروه تارة يكرهه الشرع من حيث هو، كما كره لحوم السِّباع. وتارة يكرهه لما يؤدِّي إليه، كما يكره القبلة للصَّائم، فإنها تكره لما يخاف منها من فساد الصوم. وتركهم للتنعم من هذا القبيل، فإنَّه انكشف لهم من عاقبته ما خافوا على نفوسهم منه مفاسد إما في الحال، كالرُّكون إلى الدنيا. وإما في المآل كالحساب عليه، والمطالبة بالشكر، وغير ذلك ممَّا ذكر في كتب الزهد. وعلى هذا فقد ظهر ولاح: أنهم لم يزهدوا ولا تورعوا عن مباح.\nو(قوله: لا يعلمهن كثير من الناس) أي: لا يعلم حكمهن من التحليل أو التحريم، وإلا فالذي يعلم الشبهة يعلمها من حيث إنها مشكلة، لترددها بين أمور محتملة، فإذا علم بأي أصل تلحق زال كونها شبهة، وكانت إما من الحلال، أو من الحرام. وفيه دليل: على أن الشبهة لها حكم خاص بها، عليه دليل شرعي،","vol":"4","page":489},{"text":"فَمَن اتَّقَى الشُّبُهَاتِ استَبرَأَ لِدِينِهِ وَعِرضِهِ،\nــ\nيمكن أن يصل إليه بعض الناس، فمن ظفر به فهو المصيب كما بيناه في الأصول.\nو(قوله: فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) أي: من ترك ما يشتبه عليه سلم دينه مما يفسده، أو ينقصه. وعرضه مما يشينه، ويعيبه، فيسلم من عقاب الله وذمِّه. ويدخل في زمرة المتقين الفائزين بثناء الله تعالى وثوابه، لكن لا يصحّ اتقاء الشبهات حتى تعرف، ومعرفتها على التعيين والتفصيل يستدعي فصل تطويل، لكن نعقد فيه عقدًا كليًّا إن شاء الله تعالى عن التفصيل مُغنيًا، فنقول:\nالمكلف بالنسبة إلى الشرع: إما أن يترجح فعله على تركه، أو تركه على فعله، أو لا يترجح واحد منهما. فالراجح الفعل أو الترك؛ إما أن يجوز نقيضه بوجه ما، أو لا يجوز نقيضه. فإن لم يجز نقيضه فهو المعلوم الحكم من التحليل، كحِلِّيةِ لحوم الأنعام. أو من التحريم؛ كتحريم الميتة والخنزير على الجملة. فهذان النوعان هما المرادان بقوله: (الحلال بيِّن، والحرام بيِّن). وأما إن جوز نقيض ما ترجَّح عنده: فإمَّا أن يكون ذلك التجويز (١) بعيدًا لا مستند له أكثر من توهم، وتقدير: فلا يلتفت إلى ذلك، ويُلغى بكل حال. وهذا كترك النكاح من نساء بلدة كبيرة مخافة أن يكون له فيها ذات محرم من النسب أو الرِّضاع. أو كترك استعمال ماء باق على أوصافه في فلاة من الأرض مخافة تقدير نجاسة وقعت فيه، أو كترك الصلاة على موضع لا أثر، ولا علامة للنجاسة فيه، مخافة أن يكون فيها بول قد جف. أو كتكرار غسل الثوب مخافة طروء نجاسة لم يشاهدها. إلى غير ذلك مما في معناه. فهذا النوع يجب ألا يلتفت إليه، والتوقف لأجل ذلك التجويز هَوَسٌ. والورع فيه وسوسة شيطانية؛ إذ ليس فيه من معنى الشبهة شيء، وقد دخل الشيطان على كثير من أهل الخير من هذا الباب، حتى يُعطِّل عليهم واجبات، أو يُنقص ثوابها لهم. وسبب الوقوع في ذلك عدم العلم بالمقاصد الشرعية، وأحكامها.\nفإن قيل: كيف\n_________\n(١) في (ج ٢): التحريم.","vol":"4","page":490},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nيقال هذا، وقد فعل النبي ﷺ مثل ذلك لما دخل بيته فوجد فيه تمرة فقال: (لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها) (١). ودخول الصدقة بيت النبي ﷺ بعيد؛ لأنها كانت محرمة عليه وعلى آله، لكنه راعى الاحتمال البعيد، والاحتمالات في الصور التي ذكرتم ليس بأبعد من هذا الاحتمال (٢)، فما وجه الانفصال؟ !\nقلنا: لا نسلّم أن ما توقعه النبي ﷺ كان بعيدًا؛ لأنهم كانوا يأتون بصدقات التَّمر للمسجد، وحجرته متصلة بالمسجد، فتوقع أن يكون صبي أو من يغفل عن ذلك يدخل التمر من الصدقة في البيت. فاتقى ذلك لقربه بحسب ما ظهر مِمَّا قرب ذلك التقدير، وليس من تلك الصور في شيء؛ لأنها خلية عن الأمارات. وإنما هي محض تجويزات.\nوأما إن كان ذلك التجويز له مستند معتبر بوجه ما، فالأصل: العمل بالراجح، والورع الترك إن لم يلزم منه العمل بترك الراجح وب انه بالمثال. وهو: أن جلد الميتة لا يطهره الدباغ في مشهور مذهب مالك. فلا يجوز أن يستعمل في شيء من المائعات، لأنها تنجس إلا الماء وحده، فإنه يدفع النجاسة عن نفسه؛ لأنه لا ينجس إلا إذا تغير. هذا الذي ترجَّح عنده. ثم إنه اتقى الماء في خاصة نفسه. ونحو ذلك حكي عن أبي حنيفة أو سفيان الثوري أنه قال: لأن أخرَّ من السَّماء أهون عليَّ من أن أفتي بتحريم قليل النبيذ، وما شربته قط، ولا أشربه. فقد أعملوا الراجح في الفتيا، وتورعوا عنه في أنفسهم. وقد قال بعض المحققين: من حكم الحكيم أن يوسع على المسلمين في الأحكام، ويضيق على نفسه؛ يعني به ذلك المعنى.\nومنشأ هذا الورع الالتفات إلى مكان اعتبار الشرع ذلك المرجوح. وهذا\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ١٨٤).\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ج ٢).","vol":"4","page":491},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالالتفات نشأ من القول: بأن المصيب واحد. وهو مشهور قول مالك. ومنه ثار القول في مذهبه بمراعاة الخلاف. كما بينَّاه في الأصول. غير أن تلك التجويزات المعتبرة -وإن كانت مرجوحة - فهي على مراتب في القرب والبعد، والقوة والضعف. وذلك بحسب (١) الموجب لذلك الاعتبار. فمنها ما يوجب حزازة في قلب المتقي (٢)، ومنها ما لا يوجب ذلك. فمن لم يجد ذلك، فلا ينبغي له أن يتوقف؛ لأنه يلتحق ذلك بالقسم الأول عنده. ومن وجد ذلك توقف وتورَّع وإن أفتاه المفتون بالرَّاجح؛ لقوله ﷺ: (لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به البأس) (٣). وهنا يصدق قولهم: استفت قلبك وإن أفتوك. لكن هذا إنما يصح ممن نوَّر الله قلبه بالعلم، وزين جوارحه بالورع، بحيث يجد للشبهة أثرًا في قلبه. كما يحكى عن كثير من سلف هذه الأمة، كما نقل عنهم في الحلية (٤) وصفة الصفوة (٥)، وغيرهما من كتب ذلك الشأن.\nوأما إن لم يترجح الفعل على الترك، ولا الترك على الفعل: فهذا هو الأحق (٦) باسم الشبهة، والمتشابه؛ لأنه فد تعارضت فيه الأشباه. فهذا النوع يجب فيه التوقف إلى الترجيح، لأن الإقدام على أحد الأمرين من غير رجحان حكم بغير دليل. فيحرم، إذ لا دليل مع التعارض. ولعل الذي قال: إن الإقدام على الشبهة حرام؛ أراد هذا النوع. والذي قال: إن ذلك مكروه؛ أراد النوع الذي قبل هذا، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) في (ل ١) و(م): بسبب.\n(٢) في (ل ١): المفتي.\n(٣) رواه الترمذي (٢٤٥١)، وابن ماجه (٤٢١٥).\n(٤) هو كتاب: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، لأبي نعيم الأصبهاني (ت ٤٣٠ هـ).\n(٥) هو كتاب: صفة الصفوة، لابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ).\n(٦) في (ل ١) و(م): اللاحق.","vol":"4","page":492},{"text":"وَمَن وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الحَرَامِ، كَالرَّاعِي حَولَ الحِمَى يُوشِكُ أَن يَرتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ،\nــ\nو(قوله: ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام) وذلك يكون بوجهين:\nأحدهما: أن من لم يتق الله تعالى، وتجرَّأ على الشبهات، أَفضَت به إلى المحرمات بطريق اعتياد الجرأة، والتساهل في أمرها، فيحمله ذلك على الجرأة على الحرام المحض؛ ولهذا قال بعض المتقين: الصغيرة تجر إلى الكبيرة. والكبيرة تجر إلى الكفر. ولذلك قال ﷺ: (المعاصي بريد الكفر) (١). وهو معنى قوله تعالى: ﴿كَلا بَل رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَا كَانُوا يَكسِبُونَ﴾\nوثانيهما: أن من أكثر من مواقعة الشبهات أظلم عليه قلبه، لفقدان نور العلم، ونور الورع، فيقع في الحرام، ولا يشعر به. وإلى هذا النور الإشارة بقوله تعالى: ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدرَهُ لِلإِسلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ وإلى ذلك الإظلام الإشارة بقوله: ﴿فَوَيلٌ لِلقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِن ذِكرِ اللَّهِ﴾\nو(قوله: كالرَّاعي حول الحمى يوشك أن يرتع فيه) هذا مثل ضربه النبي ﷺ لمحارم الله تعالى. وأصله: أن ملوك العرب كانت تحمي مراعي لمواشيها الخاصة بها، وتُحرَّجُ بالتوعد بالعقوبة على من قربها. فالخائف من عقوبة السلطان يَبعُد بماشيته من ذلك الحمى؛ لأنه إن قرب منه فالغالب الوقوع، وإن كثر الحذر؛ إذ قد تنفرد الفاذة (٢)، وتشذ الشاذة ولا تنضبط، فالحذر أن يجعل بينه وبين ذلك الحمى مسافة بحيث يأمن فيها من وقوع الشاذة والفاذة. وهكذا محارم الله تعالى، لا ينبغي أن يحوم حولها مخافة الوقوع فيها على الطريقتين المتقدمتين.\n_________\n(١) قال في كشف الخفاء (حديث ٢٣١٧): قال ابن حجر المكي في \"شرح الأربعين\": أظنه من قول السلف. وقيل: إنه حديث.\n(٢) أي: المنفردة.","vol":"4","page":493},{"text":"أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضغَةً، إِذَا صَلَحَت صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَت، فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلبُ.\nرواه البخاريُّ (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩)، وأبو داود (٣٣٢٩ - ٣٣٣٠)، والترمذيُّ (١٢٠٥)، والنسائي (٧/ ٢٤١).\nــ\nو(يوشك) بكسر الشين، مضارع (أوشك) بفتحها. وقد قدَّمنا: أنها من أفعال المقاربة، والملابسة، ومعناها هنا: يقع في الحرام بسرعة.\nو(يرتع) بفتح التاء مضارع (رتع) بفتحها أيضًا. وفتحت في المضارع مراعاة لحرف الحلق؛ ومعناها: أكل الماشية من المرعى. وأصله: إقامتها فيه، وتبسطها في الأكل. ومنه قوله تعالى: ﴿يَرتَع وَيَلعَب﴾\nو(قوله: ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله) الحديث، المضغة: القطعة من اللحم. وهي قدر ما يمضغه الماضغ؛ يعني بذلك: صغير جرمها، وعظيم قدرها. و(صلحت) رويناه بفتح العين في الماضي ومضارعه: يصلح بضمها، وكذلك مقابلها. وهي: فسد، يفسد. ومعناه: إذا صارت تلك المضغة ذات صلاح أو ذات فساد. وقد يقال: صلح، وفسد - بضم العين فيهما-: إذا صار الصلاح أو الفساد هيئة لازمة لها. كما يقال: ظَرُف، وشَرُف.\nو(قوله: ألا وهي القلب) هذا اللفظ في الأصل مصدر: قلبت الشيء، أقلبه، قلبًا: إذا رددته على بدأته. وقلبت الإناء: إذا رددته على وجهه. وقلبت الرَّجل عن رأيه: إذا صرفته عنه، وعن طريقه، كذلك. ثم نقل هذا اللفظ، فسُمِّي به هذا العضو الذي هو أشرف أعضاء الحيوان، لسرعة الخواطر فيه، ولترددها عليه. وقد نظم بعض الفضلاء هذا المعنى فقال:","vol":"4","page":494},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nما سُمِّي القلب إلا من تقلبه ... فاحذر على القلبِ من قلبٍ وتَحوِيلِ (١)\nثم لما نقلت العرب هذا المصدر لهذا العضو التزمت فيه تفخيم قافه؛ تفريقًا بينه وبين أصله، وليحذر اللبيب من سرعة انقلاب قلبه؛ إذ ليس بين القلب والقلب إلا التفخيم، وما يعقلها إلا كل ذي فهم مستقيم.\nثم اعلم: أن الله خص جنس الحيوان بهذا العضو المسمى: بالقلب، وأودع فيه المعنى الذي تنتظم به المصالح المقصودة من ذلك النوع، فتجد البهائم تدرك مصالحها ومنافعها، وتميز بين مفاسدها ومضارها مع اختلاف أشكالها، وصورها، إذ منها ما يمشي على بطنه، ومنها ما يمشي على أربع، ومنها ما يطير بجناحيه. ثم خص الله تعالى من بين سائر الحيوان نوع الإنسان؛ الذي هو المقصود الأول من الكونين، والمعني في العالمين بهذا القلب المخصوص المشتمل على هذا المعنى المخصوص، الذي به تميز الإنسان. ووقع به بينه وبين سائر الحيوانات الفرقان. وهو المعنى الذي به يفهم القلب المفهومات، ويحصل به على معرفة الكليات والجزئيات، ويعرف به فرَّق ما بين الواجبات والجائزات والمستحيلات. وقد (٢) أضاف الله تعالى العقل إلى القلب، كما أضاف السمع إلى الأذن، والإبصار إلى العين. فقال تعالى: ﴿أَفَلَم يَسِيرُوا فِي الأَرضِ فَتَكُونَ لَهُم قُلُوبٌ يَعقِلُونَ بِهَا أَو آذَانٌ يَسمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعمَى الأَبصَارُ وَلَكِن تَعمَى القُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ وهو ردٌّ على من قال من أهل الضلال: إن العقل في الدماغ. وهو قول من زل عن الصواب، وزاغ. كيف لا، وقد أخبرنا عن محلّه خالقه القدير: ﴿أَلا يَعلَمُ مَن خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ وقد روي ذلك عن أبي حنيفة، وما أظنها عنه معروفة.\n_________\n(١) ورد في اللسان وتاج العروس كما يلي:\nما سُمِّي القلبُ إلا مِن تقلُّبه ... والرأيُ يصرف بالإنسان أطوارا\n(٢) في (ج ٢): وبه.","vol":"4","page":495},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوإذا فهمت: أن الإنسان إنما شرَّفه الله تعالى على سائر الحيوان بهذا القلب، وأن هذا القلب لم يشرف من حيث صورته الشكلية، فإنها موجودة لغيره من الحيوانات البهيمية، بل من حيث هو مقرّ لتلك الخاصية الإلهية؛ علمت أنه أشرف الأعضاء، وأعزَّ الأجزاء؛ إذ ليس ذلك المعنى موجودًا في شيء منها. ثم إن الجوارح مسخرة له، ومطيعة، فما استقرَّ فيه ظهر عليها، وعملت على مقتضاه: إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. وعند هذا انكشف لك معنى قوله: (إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله). ولما ظهر ذلك وجبت العناية بالأمور التي يصلح بها القلب، ليتصف بها، وبالأمور التي تفسد القلب ليتجنبها. ومجموع ذلك علوم، وأعمال، وأحوال.\nفالعلوم ثلاثة:\nالأول: العلم بالله تعالى، وصفاته، وأسمائه، وتصديق رسله فيما جاءوا به.\nوالثاني: العلم بأحكامه عليهم، ومراده منهم.\nوالثالث: العلم بمساعي القلوب من خواطرها، وهمومها، ومحمود أوصافها، ومذمومها.\nوأمَّا أعمال القلوب: فالتحلِّي بالمحمود من الأوصاف، والتخلِّي عن المذموم منها، ومنازلة المقامات، والترقي عن مفضول المنازلات إلى سَنِي الحالات.\nوأما الأحوال: فمراقبة الله تعالى في السر والعلن، والتمكن من الاستقامة على السُّنن. وإلى هذا أشار رسول الله ﷺ حيث قال: (أن تعبد الله كأنك تراه) (١). وتفصيل هذه المعاقد الجملية توجد في تصانيف محققي الصوفية.\n_________\n(١) رواه مسلم (٨)، وأبو داود (٤٦٩٥)، والترمذي (٢٦١٠)، والنسائي (٨/ ٩٧)، وابن ماجه (٦٣).","vol":"4","page":496},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nتنبيه:\nالجوارح وإن كانت تابعة للقلب فقد يتأثر القلب بأعمالها، للارتباط الذي بين الباطن والظاهر. والقلب مع الجوارح كالملك مع الرَّعية؛ إن صلح صلحت، ثم يعود صلاحها (١) عليه بزيادة مصالح ترجع إليه. ولذلك قيل: الملك سوق، ما نفق عنده جلب إليه. وقد نصَّ على هذا المعنى النبي ﷺ فقال: (إن الرَّجل ليصدق فينكت في قلبه نكتة بيضاء، حتى يكتب عند الله صديقًا. وإن الرَّجل ليكذب الكذبة فيسودّ قلبه حتى يكتب عند الله كذابًا) (٢). وفي الترمذي عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: (إن الرَّجل ليصيب الذنب، فيسودّ قلبه، فإن هو تاب صقل قلبه) قال: وهو الرَّان الذي ذكر الله تعالى في كتابه: ﴿كَلا بَل رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَا كَانُوا يَكسِبُونَ﴾ (٣) وقال مجاهد: القلب كالكف تقبض منه بكل ذنب أصبع، ثم يطبع. وإلى هذا المعنى الإشارة بقوله: (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد) متصلًا بقوله: (الحلال بيِّن، والحرام بيِّن) إشعارًا بأن أكل الحلال ينوِّره، ويُصلحه، وأكل الحرام والشبهة يفسده، ويقسيه، ويظلمه. وقد وجد ذلك أهل الورع، حتى قال بعضهم: استسقيت جنديًا فسقاني شربة ماء، فعادت قسوتها على قلبي أربعين صباحًا. وقيل: الأصل المصحِّح للقلوب والأعمال: أكل الحلال. ويخاف على آكل الحرام، والمتشابه، ألا يقبل له عمل، ولا تسمع له دعوة. ألا تسمع قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ وآكل الحرام، المسترسل في الشبهات ليس بمتق على الإطلاق. وقد عضد ذلك قوله ﷺ: (أيها الناس! إن الله طيب ولا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر\n_________\n(١) في (ج ٢): تعود مصالحها.\n(٢) رواه أحمد (٣/ ٨٧)، والترمذي (٢١٩١)، وابن ماجه (٤٠٠٧).\n(٣) رواه الترمذي (٣٣٣٤)، وابن ماجه (٤٢٤٤).","vol":"4","page":497},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالمؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقنَاكُم﴾ وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعمَلُوا صَالِحًا﴾ ثم ذكر الرَّجل يطيل السفر أشعث أغبر، يقول: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأنَّى يستجاب لذلك؟ ! (١)، ولَمَّا شرب أبو بكر جرعة لبن من شبهة استقاءها، فأجهده ذلك حتى تقيأها. فقيل له: أكل ذلك في شربة؟ ! فقال: والله! لو لم تخرج إلا بنفسي لأخرجتها، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به) (٢).\nوعند هذا يعلم الواحد منا قدر المصيبة التي هو فيها، وعظم المحنة التي ابتلي بها؛ إذ المكاسب في هذه الأوقات قد فسدت، وأنواع الحرام والشبهات قد عمَّت، فلا يكاد أحدٌ منَّا اليوم يتوصل (٣) إلى الحلال، ولا ينفك عن الشبهات. فإن الواحد منَّا - وإن اجتهد فيما يعمله - فكيف يعمل فيمن يعامله، مع استرسال الناس في المحرمات والشبهات، وقلة من يتقي ذلك من جميع الأصناف، والطبقات، مع ضرورة المخالطة، والاحتياج للمعاملة. وعلى هذا: فالخلاص بعيد، والأمر شديد، ولولا النهي عن القنوط واليأس، لكان ذلك الأولى بأمثالنا من الناس. لكنَّا إذا دفعنا عن أنفسنا أصول المحرمات، واجتهدنا في ترك ما يمكننا من الشبهات، فعفو الله تعالى مأمول، وكرمه مرجوّ، فلا ملجأ إلا هو، ولا مفزع إلا إليه، ولا استعانة إلا به، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله العلي العظيم.\nتنبيه:\nهذا الحديث أصل عظيم من أصول الشريعة. حتى لقد قال أبو داود: كتبت\n_________\n(١) رواه مسلم (١٠١٥)، والترمذي (٢٩٩٢).\n(٢) رواه الطبراني في الكبير (١٩/ ١٣٦).\n(٣) فى (ع): يخلص.","vol":"4","page":498},{"text":"[١٦٩٠] وعَن جَابِرٍ بن عبد الله قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيهِ، وَقَالَ: هُم سَوَاءٌ.\nرواه مسلم (١٥٩٨).\n* * *\nــ\nعن رسول الله ﷺ خمسمائة ألف حديث، الثابت منها: أربعة آلاف حديث. وهي ترجع إلى أربعة أحاديث: قوله ﷺ: (إنَّما الأعمال بالنيات) (١) و(من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) (٢) و(لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) (٣) و(الحلال بيِّن والحرام بيِّن) (٤). وقد جعل غيره مكان (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) قوله: (ازهد في الدنيا يحبك الله) (٥). وقد نظم هذا المعنى أبو الحسن طاهر بن مفوز فقال:\nعُمدَةُ الدِّين عندنا كلمات ... أربع من كلام خير البرية\nاتق المشبهات وازهد ودع ... ما ليس يعنيك واعملن بنية\nقلت: وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة ﵃ أجمعين - حسن، غير أنهم لو أمعنوا النظر في هذا الحديث كله، من أوَّله إلى آخره، لوجدوه متضمنًا لعلوم الشريعة كلها، ظاهرها وباطنها. وإن أردت الوقوف على ذلك فأعد النظر فيما عقدناه من الجمل في الحلال، والحرام، والمتشابهات، وما يصلح القلوب،\n_________\n(١) رواه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧). وانظر: الوافي في شرح الأربعين النووية (ص ٩) تأليف محيي الدين ديب مستو ود. مصطفى ديب البغا.\n(٢) رواه الترمذي (٢٣١٨)، وابن ماجه (٣٩٧٦).\n(٣) رواه البخاري (١٣)، ومسلم (٤٥).\n(٤) هو حديث الباب.\n(٥) رواه ابن ماجه (٤١٠٢).","vol":"4","page":499},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوما يفسدها، وتعلُّق أعمال الجوارح بها. وحينئذ يستلزم ذلك الحديث معرفة تفاصيل أحكام الشريعة كلَّها، أصولها وفروعها. والله هو المسئول أن يستعملنا بما علمنا، ويوفقنا لما يرضى به عنَّا. إنه ولي ذلك والقادر عليه.\nو(قوله: لعن رسول الله ﷺ آكل الرِّبا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه). وقال: (هم سواء). آكل الربا: آخذه. وعبَّر عن الأخذ بالأكل؛ لأن الأخذ إنما يُرَاد للأكل غالبًا؛ ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأكُلُونَ أَموَالَ اليَتَامَى ظُلمًا﴾؛ أي: يأخذونها، فإنه لم يعلّق الوعيد على أموال اليتامى من حيث الأكل فقط، بل من حيث إتلافها عليهم بأخذها منهم. وموكل الربا: معطيه. وهذا كما قال في الحديث الآخر: (الآخذ والمعطي فيه سواء) (١) وفي معنى المعطي: المعين عليه، وكاتبه: الذي يكتب وثيقته. وشاهداه: من يتحمَّل الشهادة بعقده، وإن لم يؤدها. وفي معناه: من حضره فاقرَّه. وإنما سوَّى بين هؤلاء في اللعنة؛ لأنه لم يحصل عقد الرِّبا إلا بمجموعهم. ويجب على السلطان إذا وقع له أحد من هؤلاء أن يُغلِّظ العقوبة عليهم في أبدانهم بالضرب، والإهانة، وبإتلاف مال الربا عليهم بالصدقة به، كما يفعل المسلم إذا آجر نفسه في عمل الخمر، فإنه يتصدَّق بالأجرة، وبثمن الخمر إذا باعها المسلم. ويدلّ على صحة ما ذكرناه قوله تعالى: ﴿يَمحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾؛ أي: يفسخ عقده، ويرفع بركته، وتمام المحق بإتلاف عينه.\n* * *\n_________\n(١) رواه مسلم (١٥٨٤)، والنسائي (٧/ ٢٧٧).","vol":"4","page":500},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-624>(٣٢) باب بيع البعير واستثناء حملانه</span>\n[١٦٩١] عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: غَزَوتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَتَلَاحَقَ بِي وَتَحتِي نَاضِحٌ لِي قَد أَعيَا فلَا يَكَادُ يَسِيرُ، قَالَ: فَقَالَ لِي: مَا لِبَعِيرِكَ؟ . قَالَ: قُلتُ: عَلِيلٌ، قَالَ: فَتَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَزَجَرَهُ وَدَعَا، فَمَا زَالَ بَينَ يَدَي الإِبِلِ قُدَّامَهَا يَسِيرُ، قَالَ: فَقَالَ لِي: كَيفَ تَرَى بَعِيرَكَ. قَالَ: قُلتُ بِخَيرٍ، قَد أَصَابَتهُ بَرَكَتُكَ، قَالَ: أَفَتَبِيعُنِيهِ؟ . فَاستَحيَيتُ، وَلَم يَكُن لَنَا نَاضِحٌ غَيرُهُ، قَالَ: نَعَم، فَبِعتُهُ إِيَّاهُ، في رواية: بأوقية، عَلَى أَنَّ لِي فَقَارَ ظَهرِهِ حَتَّى أَبلُغَ المَدِينَةَ، قَالَ: فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي عَرُوسٌ، فَاستَأذَنتُهُ\nــ\n(٣٢) ومن باب: بيع البعير\nالبعير من الإبل بمنزلة الإنسان من الناس. يقال للجمل: بعير. وللناقة: بعير. تقول العرب: صرعني بعيرك. وشربت من لبن بعيري. وإنما يقال له بعير: إذا أجذع (١)، والجمع: أبعرة، وأباعر، وبعران.\nحديث جابر هذا: كثرت طرقه، واختلفت روايته، وألفاظه، وخصوصًا ثمن الجمل. فقد اضطربت فيه الرواة اضطرابًا لا يقبل التلفيق. وتكلُّف ذلك بعيدٌ عن التحقيق. ومع ذلك فهو حديث عظيم، فيه أبواب من الفقه، أكثرها واضحة. فلنقصد إلى إيضاح ما يمكن أن يخفى منها؛ فمنها:\n(قوله: أفتبيعنيه) دليل على جواز مساومة من لم يعرض سلعته للبيع.\nو(قوله: فبعته بأوقية على أن لي فقار ظهره إلى المدينة) وفي الأخرى: (فقال: لك ظهره إلى المدينة). وهذا صريحٌ في جواز بيع الدابة واستثناء ركوبها. وقال به ابن شبرمة وغيره من الناس. ومنعه أبو حنيفة، والشافعي أخذًا بنهي\n_________\n(١) الجَذَع من الإبل: ما استكمل أربعة أعوام، ودخل في السنة الخامسة.","vol":"4","page":501},{"text":"فَأَذِنَ لِي، فَتَقَدَّمتُ إِلَى المَدِينَةِ حَتَّى انتَهَيتُ، فَلَقِيَنِي خَالِي فَسَأَلَنِي عَن البَعِيرِ، فَأَخبَرتُهُ بِمَا صَنَعتُ فِيهِ، فَلَامَنِي فِيهِ، قَالَ: وَقَد كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِي حِينَ استَأذَنتُهُ: مَا تَزَوَّجتَ، أَبِكرًا أَم ثَيِّبًا؟ فَقُلتُ لَهُ: تَزَوَّجتُ ثَيِّبًا، قَالَ: أَفَلَا تَزَوَّجتَ بِكرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ؟ . وذكر نحو ما تقدم، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ غَدَوتُ بِالبَعِيرِ، فَأَعطَانِي ثَمَنَهُ وَرَدَّهُ عَلَيَّ.\nــ\nالنبي ﷺ عن بيع وشرط. ورأوا: أن هذا النهي أولى من حديث جابر. إما لأنَّه ناسخ له، أو مرجَّح عليه. وقال مالك: يجوز ذلك إذا كانت المسافة قريبة معلومة. وحمل هذا الحديث عليه.\nوقد اختلفوا في جواز البيع والشرط. فصحَّحهما ابن شبرمة، وأبطلهما أبو حنيفة. وصحح ابن أبي ليلى البيع وأبطل الشرط تمسُّكًا بحديث بريرة المتقدم (١). وأما مالك ﵀ فيحمل النهي عن بيع وشرط عنده على شرط يناقض مقصود العقد. كقوله: أبيعك هذه الجارية على ألا تطأها. أو: على ألا تبيع. وما شاكل ذلك. فجمع بين الأحاديث. وهي طريقته في القديم والحديث.\nو(فقار الظهر): كناية عن ركوب الظهر. ومنه: أفقرت الرجل: إذا أعرته ذلك. والفقار: جمع فقارة، وهي: خرزات الصلب.\nو(الناضح): الذي يستقى عليه الماء. وقد تقدَّم أيضًا الكلام على ما تضمنه هذا الحديث من ذكر النكاح في كتابه.\nو(المماكسة) هي: الكلام في مناقصة الثمن.\nو(قوله لبلال: أعطه وزده) دليل: على صحة الوكالة، وعلى جواز الزيادة في القضاء. وهي من باب قوله ﷺ: (إن خيركم أحسنكم قضاءً) (٢) وهذا\n_________\n(١) سبق تخريجه برقم (١٥٧٢).\n(٢) رواه البخاري (٢٣٩٢)، ومسلم (١٦٠١)، والترمذي (١٣١٦ و١٣١٧)، والنسائي (٧/ ٢٩١).","vol":"4","page":502},{"text":"وفي رواية: فَلَمَّا قَدِمنا المَدِينَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِبِلَالٍ: أَعطِهِ أُوقِيَّةً مِن ذَهَبٍ، وَزِدهُ. قَالَ فَأَعطَانِي أُوقِيَّةً مِن ذَهَبٍ وَزَادَنِي قِيرَاطًا، قَالَ: فَقُلتُ: لَا تُفَارِقُنِي زِيَادَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: فَكَانَ فِي كِيسٍ لِي، فَأَخَذَهُ أَهلُ الشَّامِ يَومَ الحَرَّةِ.\nــ\nلا يختلف فيه إذا كان من بيع. وإنما يختلف فيه إذا كان من قرض. فاتفق على جوازه في الزيادة في الصفة؛ إذا كان بغير شرط، ولا عادة. وزاد أصحابنا: ولا قصد من المقرض للزيادة، لقوله ﷺ: (كل قرض جرَّ نفعًا فهو ربا) (١). وأما الزيادة في العدد والوزن، فمنعها مالك في مجلس القضاء حسمًا للذريعة. وأجازها ابن حبيب. ولم يختلف في جواز ذلك؛ إذا كانت الزيادة بعد مجلس القضاء.\nو(قوله: أعطه أوقية من ذهب) قال أبو جعفر الداودي: ليس لأوقية الذهب وزن يعرف. وأما أوقية الفضة: فأربعون درهمًا (٢).\nوفيه دليل على أن وزن الثمن وكَيله على المشتري، كما أنه على البائع إذا كان المبيع مما يكال، أو يوزن. ولأن على كل واحد منهما أن يسلِّم ما لزمه دفعه. ولا يتحقق التسليم إلا بذلك.\nو(قوله: وزادني قيراطًا) وفي أخرى: (درهمًا أو درهمين) هذا اضطراب، وقد تكلَّف القاضي أبو الفضل الجمع بين هذه الروايات المختلفة التي في الثمن، وفي الزيادة، تكلُّفًا مبنيًا على تقدير أمر لم يصح نقله، ولا استقام\n_________\n(١) رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده. انظر: فيض القدير (٥/ ٢٨).\n(٢) في حاشية (ع): قال النووي في \"شرح مسلم\" له: يُحتمل أن تكون أوقية الذهب حينئذٍ وزن أربعة دنانير. وأما من روى: خمس أواق، فالمراد: خمس أواقٍ من الفضة، وهي بقدر أوقية الذهب في ذلك الوقت؛ فيكون الإخبار بأوقية الذهب عمَّا وقع به العقد، وعن أواق الفضة عمَّا حصل به الإيفاء، ولا يتغير الحكم. انظر: صحيح مسلم بشرح النووي (١١/ ٣٣).","vol":"4","page":503},{"text":"وفي أخرى: فَقَالَ ﷺ: أَتُرَانِي مَاكَستُكَ لِآخُذَ جَمَلَكَ؟ خُذ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ فَهُوَ لَكَ.\nوفي أخرى: قَالَ: فَنَخَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: اركَب بِاسمِ اللَّهِ. وَقَالَ: فَمَا زَالَ يَزِيدُنِي وَيَقُولُ: وَاللَّهُ يَغفِرُ لَكَ. اختلفت الروايات\nــ\nضبطه، مع أنه لا يتعلَّق بتحقيق ذلك حكم، ولا يفيد حكمة. والحاصل: أنَّه باعه البعير بثمن معلوم لهما، وزاده عند القضاء زيادة محققة، ولا يضرنا جهلنا بمقدار ذلك.\nو(قوله: خذ جملك ودراهمك، فهو لك) هذا يدلُّ على أن هذا من رسول الله ﷺ عطية مبتدأة بعد صحة شرائه، وملكه للبعير. وهذا مبطل لتأويل بعض الشافعية في هذا الحديث؛ إذ قال: إن ذلك لم يكن من النبي ﷺ شراء للبعير، ولا بيعًا من جابر حقيقة. وهذا من قائله تغيير وتحريف، لا تأويل. وكيف يقبل هذا التأويل مع قوله: (أتبيعنيه بأوقية) فقال: قد بعته منك بأوقية، على أن لي ظهره إلى المدينة. بعد المماكسة. وهذا نصٌّ لا يقبل التأويل. وكذلك قوله: (فهو لك) بعد قوله: (خذ جملك ودراهمك) وذلك واضح لمن تأمل أفراد تلك الكلمات ومركّباتها.\nو(قوله: أتراني ماكستك لكي آخذ جملك) بكسر لام كي، ونصب الفعل المضارع بعدها. كذا لجميع الرواة. وقُيِّد على أبي بحر. (لا، خذ جملك) على (لا) النافية، و(خذ) على الأمر. والمعنيان واضحان.\nو(قوله: فما زال يزيدني) يدلُّ على أنه زاده بعد القيراط شيئًا آخر. ولعلها: الدرهم، والدرهمان اللذان قال في الرواية الأخرى.\nو(قوله: والله يغفر لك) قال أبو نضرة: وكانت كلمة يقولها المسلمون: افعل كذا، والله يغفر لك.","vol":"4","page":504},{"text":"في كم كان ثمن الجمل، ففي بعضها: أوقية، وفي بعضها: أوقيتان ودرهم، أو درهمان، وفي بعضها: خمس أواق، وكلها ثابت في الأم.\nرواه أحمد (٣/ ٣٧٥)، والبخاري (٢٠٩٧)، ومسلم (٧١٥) (١٠٩ - ١١٧)، وأبو داود (٣٥٠٥)، والترمذي (١٢٥٣)، والنسائي (٧/ ٢٩٧)، وابن ماجه (٢٢٠٥).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-625>(٣٣) باب الاستقراض وحسن القضاء فيه</span>\n[١٦٩٢] عَن أَبِي رَافِعٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ استَسلَفَ مِن رَجُلٍ بَكرًا، فَقَدِمَت عَلَيهِ إِبِلٌ مِن إِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَن يَقضِيَ الرَّجُلَ بَكرَهُ،\nــ\nقلت: وهو كلام يخرجه فرط المحبة، والشفقة، وإرادة الخير للمسلمين، وهو على معنى الدعاء.\nو(قوله: اركب باسم الله) دليل: على استحباب التبرك باسم الله عند افتتاح كل فعل، وإن كان من المباحات، فليس مخصوصًا بالقرب، فإنه كما قال ﷺ في الوضوء: (توضئوا باسم الله) (١) قال هنا في الركوب: (اركب باسم الله).\n(٣٣) ومن باب: جواز الاستقراض وحسن القضاء فيه\n(قوله: استسلف بَكرًا) استسلف: طلب السَّلف، وهو القرض. ويدل: على جواز الأخذ بالدَّين، ولا يختلف العلماء في جواز سؤاله عند الحاجة إليه،\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ١٦٥)، والنسائي (١/ ٦١).","vol":"4","page":505},{"text":"فَرَجَعَ إِلَيهِ أَبُو رَافِعٍ فَقَالَ: لَم أَجِد فِيهَا إِلَّا خِيَارًا رَبَاعِيًا، فَقَالَ له: أَعطِهِ إِيَّاهُ، إِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحسَنُهُم قَضَاءً.\nرواه مسلم (١٦٠٠)، وأبو داود (٣٣٤٦)، والترمذي (١٣١٨)، والنسائي (٧/ ٦٥).\nــ\nولا نقص على طالبه، ولا تثريب، ولا منة تلحق فيه. ولو كان فيه شيء من ذلك لما استسلف النبي ﷺ، فإنه كان أنزه الناس، وأبعدهم عن تلك الأمور.\nو(البَكر): الفتي من الإبل، وهو فيها كالغلام في الرجال. والقلوص فيها: كالجارية في النساء. وخيار الإبل والشيء: أحسنه، وأفضله. و(الرباعي): هو الذي في السَّنَة السابعة؛ لأنَّه يُلقي فيها رباعيته. وهي التي تلي الثنايا. وهي أربع رباعيات - مخفَّفة الياء- والذكر: رباع. والأنثى: رباعية.\nوهذا الحديث دليل على جواز قرض الحيوان. وهو مذهب الجمهور. ومنع ذلك الكوفيون. وهذا الحديث الصحيح حجة عليهم. واستثنى من الحيوان أكثر العلماء الجواري. فمنعوا قرضهن؛ لأنه يؤدي إلى عارية الفروج. وأجاز ذلك بعض أصحابنا بشرط أن يردَّ غيرها. وأجاز ذلك مطلقا الطبري، والمزني، وداود الأصبهاني. وقصر بعض الظاهرية جواز القرض على ما لا مثل من المعيَّن، والمكيل، والموزون. وهذا الحديث حجة عليهم.\nواختلف أرباب التأويل في استسلاف النبي ﷺ هذا البَكر، وقضائه عنه من مال الصدقة. هل كان ذلك السَّلف لنفسه، أو لغيره؟ فمنهم من قال: كان لنفسه، وكان هذا قبل أن تحرم عليه الصدقة. وهذا فاسد؛ فإنه ﷺ لم تزل الصدقة محرمة عليه منذ قدوم المدينة. وكان ذلك من خصائصه، ومن جملة علاماته المذكورة في الكتب المتقدَّمة؛ بدليل قصة سلمان الفارسي، فإنه عند قدوم النبي ﷺ المدينة جاءه سلمان بتمر، فقدَّمه إليه، وقال: كُل، فقال: (ما هذا؟) فقال: صدقة.","vol":"4","page":506},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفقال لأصحابه: (كلوا) ولم يأكل. وأتاه يومًا آخر بتمر وقال: هدية، فأكل (١). (٢) فقال سلمان: هذه واحدة. ثم رأى خاتم النبوَّة فأسلم. وهذا واضح. وقيل: استسلفه لغيره ممن يستحق أخذ الصدقة، فلما جاءت إبل الصدقة دفع منها. وقد استبعد هذا من حيث: إنه قضاء أزيد من القرض من مال الصدقة. وقال: (إن خيركم أحسنكم قضاء) فكيف يعطي زيادة من مال ليس له؟ ويجعل ذلك من باب حسن القضاء؟ ! وقد أجيب عن هذا: بأن قيل: كان الذي استقرض منه من أهل الصدقة، فدفع الرُّباعي بوجهين: بوجه القرض، وبوجه الاستحقاق.\nوقيل وجه ثالث، وهو أحسنها، إن شاء الله تعالى. وهو: أن يكون استقرض البَكر على ذمته، فدفعه لمستحق، فكان غارمًا، فلما جاءت إبل الصدقة أخذ منها بما هو غارم جملًا رباعيًا، فدفعه فيما كان عليه، فكان أداء عمَّا في ذمته وحسن قضاء بما يملكه. وهذا كما روي: أنه ﷺ أمر ابن عمرو أن يجهز جيشًا، فنفدت (٣) الإبل، فأمره أن (٤) يأخذ على قلائص الصدقة (٥). فظاهره: أنَّه أخذ على ذمَّته. فبقي أن يقال: فكيف يجوز له أن يؤدِّي دينه، ويبرئ ذمته مِمَّا لا يجوز له أخذه.\nويجاب عنه: بأنه لَمَّا لم يأخذه لنفسه صار بمنزلة من ضمنه في ذمته إلى وقت مجيء الصدقة. فلو لم يجئ من إبل الصدقة شيء لضمنه لمقرضه من ماله، والله أعلم. وقد تقدَّم الكلام على الزيادة في القضاء.\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٤٤١ - ٤٤٤)، وابن هشام في السيرة (١/ ٢١٤ - ٢٢١)، والذهبي في سير أعلام النبلاء (١/ ٥١٠).\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (م).\n(٣) في (ج ٢): فتعذر.\n(٤) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٥) رواه أبو داود (٣٣٥٧).","vol":"4","page":507},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفإن قيل: كيف شغل النبي ﷺ ذمَّته بدين، وقد قال: (إياكم والدَّين، فإنه شين، الدَّين هَمٌّ بالليل، ومذلة بالنهار) (١) وقد كان كثيرًا ما يتعوَّذ منه، حتى قيل له: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم. فقال: (إن الرَّجل إذا غرم حدَّث فكذب، ووعد فأخلف) (٢). لا يقال: إنما استقرض عند الحاجة والضرورة؛ لأنا نقول: لم يكن في ضرورة إلى ذلك، فإن الله تعالى خيَّره بين أن يجعل له بطحاء مكة ذهبا، كما رواه الترمذي (٣) من حديث أبي أمامة، واستحسنه؛ ومن كانت هذه حاله لم يكن في ضرورة، ولا حاجة. ولذلك قال الله تعالى له: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغنَى﴾\nقلت: أما الأخذ بالدَّين عند الحاجة، وقصد الأداء عند الوجدان: فلا يختلف في جوازه. وقد يجب في بعض الأوقات عند الضرورات المتعينة. وأما النهي عن أخذه -إن صحَّ -: فإنما ذلك لمن لم تدعه إليه حاجة، لما يطرأ من تحمله من الأمور التي ذكرتها، من الإذلال، والمطالبة، وما يخاف من الكذب في الحديث، والإخلاف في الوعد. وقد عصم الله نبينا ﷺ من ذلك كله، فلم يحوجه إلى شيء من ذلك، ولا أجراه عليه.\nوأما قولهم: إنه لم يكن في ضرورة؛ لأن الله خيَّره. فجوابه: إن الله تعالى لما خيَّره، فاختار أن يجوع ثلاثًا، ويشبع يومًا؟ أجرى الله تعالى عليه ما اختاره لنفسه، وما أشار إليه به صفيَّه، ونصيحه جبريل صلى الله عليهما وسلم، فسلك الله تعالى به من ذلك أعلى السبيل، ليصبر على المشقات والشدائد، كما صبر أولو العزم من الرسل، ولينال أعلى المقامات\n_________\n(١) رواه البيهقي في شعب الإيمان (٥٥٥٤) دون قوله: \"فإنه شين\". ورواه مالك في الموطأ (٢/ ٧٧٠) بلفظ: \"إياكم والدين؛ فإن أوَّله همٌّ، وآخِرَهُ حَرْبٌ\".\n(٢) رواه أحمد (٦/ ٨٨ - ٨٩)، والبخاري (٨٣٢) و(٣٣٩٧)، ومسلم (٥٨٠/ ١٠٩)، وأبو داود (٨٨٠)، والترمذي (٣٤٩٥)، والنسائي (٣/ ٥٦)، وابن ماجه (٣٨٣٨).\n(٣) رواه الترمذي (٢٣٤٧).","vol":"4","page":508},{"text":"[١٦٩٣] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَقٌّ، فَأَغلَظَ لَهُ، فَهَمَّ بِهِ أَصحَابُ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالَا. فَقَالَ لَهُم: اشتَرُوا لَهُ سِنًّا فَأَعطُوهُ إِيَّاهُ. فَقَالَوا: إِنَّا لَا نَجِدُ إِلَّا سِنًّا\nــ\nالفاخرة. ألا تسمع قوله لعمر ﵁: (أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟) (١) ثم لَمَّا أخلص الله جوهره. وطيَّب خُبرَهُ وخَبَرَهُ؛ أغناه بعد العيلة، وكثَّره بعد القلة، وأعزه (٢) به بعد الذلة. ومن تمام الحكمة في أخذه ﷺ بالدِّيون ليقتدَي به في ذلك المحتاجون.\nو(قوله: كان لرجل على رسول الله ﷺ دين، فأغلظ له) هذا الرجل كان من اليهود، فإنهم كانوا أكثر من يعامل بالدَّين. وحكي: أن القول الذي قاله، إنما هو: إنكم يا بني عبد المطلب مُطل. وكذب اليهودي؛ لم يكن هذا معروفًا من أجداد النبي ﷺ ولا أعمامه. بل المعروف منهم: الكرم، والوفاء، والسَّخاء. وبعيد أن يكون هذا القائل مسلمًا؛ إذ مقابلة النبي ﷺ بذلك أذى للنبي ﷺ وأذاه كفر.\nو(قوله: فهمَّ به أصحاب النبي ﷺ) أي: بأخذه لِيُقام عليه الحكم.\nو(قوله لأصحابه: دعوه (٣» دليل: على حسن خلقه، وحلمه، وقوة صبره على الجفاء مع القدرة على الانتقام.\nو(قوله ﷺ: إن (٤) لصاحب الحق مقالا) يعني به: صولة الطلب، وقوَّة الحجة، لكن على من يمطل، أو يسيء المعاملة. وأما من أنصف من نفسه: فبذل\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ١٣٩ - ١٤٥). وانظر: مجمع الزوائد (١٠/ ٣٢٦).\n(٢) في (م) و(ل ١): وأعزَّ به.\n(٣) هذه اللفظة لم تردْ في رواية مسلم، ولكنها في رواية البخاري الحديث (٢٣٠٦).\n(٤) في (ع) و(ل ١): فإن. وهي رواية البخاري في الحديث المذكور آنفًا.","vol":"4","page":509},{"text":"هُوَ خَيرٌ مِن سِنِّهِ؟ قَالَ: فَاشتَرُوهُ فَأَعطُوهُ إِيَّاهُ، فَإِنَّ مِن خَيرِكُم أَو خَيرَكُم أَحسَنُكُم قَضَاءً.\nرواه البخاري (٢٣٩٢)، ومسلم (١٦٠١)، والترمذي (١٣١٦)، والنسائي (٧/ ٢٩١).\n[١٦٩٤] عَن جَابِرٍ قَالَ: جَاءَ عَبدٌ فَبَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الهِجرَةِ وَلَم يَشعُر أَنَّهُ عَبدٌ،\nــ\nما عنده، واعتذر عما ليس عنده، فيقبل عذره، ولا تجوز الاستطالة عليه، ولا كهره (١).\nو(قوله: اشتروا له سنًّا فأعطوه إياه) دليلٌ على أن هذا الحديث قضية أخرى غير قضية حديث أبي رافع. فإن ذلك الحديث يقتضي: أنه أعطاه من إبل الصدقة، وهذا اشتري له.\nوفيه دليل: على صحة الوكالة في القضاء.\nوفيه: جواز الزيادة فيه. وقد تقدَّم تفصيله، وذكر الخلاف فيه.\nو(قوله: خيركم أحسنكم قضاء) هذا هو اللفظ الفصيح الحسن. وقد روي: (أحاسنكم) وهو جمع: أحسن. ذهبوا به مذهب الأسماء، كأحمد، وأحامد. وقد وقع في الأم في بعض طرقه: (محاسنكم) بالميم، وكأنَّه جمع: مَحسِن، كمطلِع ومطالع. وفيه بُعد. وأحسنُها الأول، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: جاء عبدٌ فبايع النبي ﷺ على الهجرة، ولم يشعر: أنَّه عبد) فيه دليل: على أن الأصل في الناس الحرِّية، ولذلك لم يسأله؛ إذ حمله على ذلك\n_________\n(١) قال في اللسان: كهَرَهُ: زَبَره، واستقبله بوجهٍ عابسٍ، وانتهره تهاونًا به.","vol":"4","page":510},{"text":"فَجَاءَ سَيِّدُهُ يُرِيدُهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: بِعنِيهِ. فَاشتَرَاهُ بِعَبدَينِ أَسوَدَينِ،\nــ\nالأصل، حيث لم يظهر له ما يخرجه عن ذلك. ولو لم يكن الأمر كذلك لتعيَّن أن يسأله. وهذا أصل مالك في هذا الباب. فكل من ادعى ملك أحد من بني آدم كان مدفوعًا إلى بيان ذلك، لكن إذا ناكره المدعي رقَّه، وادعى الحرية، وسواءٌ كان ذلك المدَّعى رقُّه ممن كثر ملك نوعه، أو لم يكن. فإن كان في حَوز المدعي لرقِّه كان القول قوله؛ إذا كان حَوز رِقٍّ، فإن لم يكن فالقول قول المدَّعى عليه مع يمينه.\nو(قوله: فجاء سيِّده يريده، فقال له رسول الله ﷺ: بعنيه) لم يرد في شيء من طرقه: أنه ﷺ طالب سيِّده بإقامة بينة. فيحتمل أن يكون النبي ﷺ علم صحة ملكه له حين عرفَ سيِّده. ويحتمل أن يكون اكتفى بدعواه، وتصديق العبد له. فإن العبد بالغٌ عاقل، يُقبل إقراره على نفسه. ولم يكن للسيِّد من ينازعه، ولا يستحلف السيِّد، كما إذا ادعى اللقطة وعرف عفاصها (١)، ووكاءها، أخذها ولم يستحلف لعدم المنازع فيها.\nو(قوله: فاشتراه منه بعبدين) هذا إنما فعله النبي ﷺ على مقتضى مكارم أخلاقه، ورغبة في تحصيل ثواب العتق، وكراهية أن يفسخ له عقد الهجرة. فحصل له العتق، وثبت له الولاء. فهذا المعتق مولى للنبي ﷺ غير أنه لا يعرف اسمه.\nوفيه دليل على جواز بيع الحيوان بالحيوان متفاضلًا نقدًا. وهذا لا يختلف فيه. وكذلك في سائر الأشياء ما عدا ما يحرم التفاضل في نقده من الرِّبويات على ما قدمناه.\nوأما بيع ذلك بالنسيئة ففيه تفصيل وخلاف نذكره. فذهب الكوفيون إلى منع ذلك في الحيوان. فلا يجوز عندهم فرس بفرسين. ولا شاة بشاتين مطلقا إلى أجل، اختلفت صفاتها أو اتفقت؛ لنهيه ﷺ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة.\n_________\n(١) عرف عفاصَها: أي وعاءَها.","vol":"4","page":511},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nخرَّجه البزار (١) من حديث ابن عباس.\nوالترمذي (٢) من حديث الحسن، عن سَمُرة. وقال: إنه حسن صحيح.\nقلت: ويلزمُهم على هذا: ألا يجيزوا بيع الحيوان بمثله، ولا بخلافه. فلا يجيزون بيع شاة بشاة، ولا بفرس إلى أجل. ويلزمهم عليه ألا يجيزوا فيه القرض (٣)، وكل ذلك معلوم البطلان من الشرع. ويدل على خلاف ما قالوه ما روي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي: أنه ﷺ أمره أن يجهز جيشًا فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ البعير بالبعيرين إلى الصدقة (٤). ومنع مالك ذلك في الجنس الواحد. والجنسية المعتبرة عنده هي اتفاق الأغراض والمنافع، دون الخلق والألوان، مخافة الوقوع في سلف يجرّ نفعًا. فإذا تباينت المقاصد، واختلفت المنافع؛ جاز ذلك. فيجوز عنده حمار فارهٌ في حمارين من حواشي (٥) الحمر إلى أجل، ونقدًا. ولا يجوز في مثليه إلى أجل؛ لأنه سلف جرَّ نفعًا. وكذلك في الثياب وسائر العروض. وقد روي نحو ذلك عن عليّ، وابن عمر، والزهري. وأجاز الشافعي ذلك كله مع الاتفاق والاختلاف. وتابعه على ذلك الثوري، وأبو ثور. وروي عن ابن عباس مثله لحديث عبد الله بن عمرو المتقدم. ولم يروا: أنَّه يلزم منه ما حذره مالك. وقد انفصلت المالكية عن حديث عبد الله بن عمرو بأنه محمول على مختلفَي الجنسين بحسب اختلاف الأسنان والمقاصد، بدليل قوله فيه: أمره أن يأخذ في قلائص الصدقة البعير بالبعيرين. فلو كان البعير المأخوذ\n_________\n(١) رواه البزار كما في المجمع (٤/ ١٠٥).\n(٢) رواه الترمذي (١٢٣٧).\n(٣) ما بين حاصرتين ساقط من (ع) و(ل ١).\n(٤) رواه أبو داود (٣٣٥٧).\n(٥) في (ع): وحشي.","vol":"4","page":512},{"text":"ثُمَّ لَم يُبَايِع أَحَدًا بَعدُ، حَتَّى يَسأَلَهُ: أَعَبدٌ هُوَ؟ .\nرواه أحمد (٣/ ٣٤٩)، ومسلم (١٦٠٢)، وأبو داود (٣٣٥٨)، والترمذي (١٢٣٩)، والنسائي (٧/ ١٥٠).\n* * *\nــ\nناجزا من جنس البعيرين المأخوذين إلى أجل لكان هذا السلف الجارّ نفعًا المتفق على منعه؛ لأنه لم يقترن به صيغة بيع، ولا شيء يدل عليه. فالصورة صورة القرض، ولا مفرق بينها وبين البيع فيمنع، فلا بدّ أن يُقدر فيها اختلاف الجنسين.\nوبهذا التأويل يصح الجمع بين الأحاديث؛ أعني: بين هذا الحديث، وبين النهي عن سلف جرّ نفعًا. والجمع أولى من الترجيح. فإن لم يقبل هذا التأويل؛ فالقضية محتملة، مترددة بين أن يكون البعير من جنس البعيرين، أو من غير جنسهما على حدٍّ سواء. فالتحق بالمجملات، فلا يكون فيه حجة لهم. ونبقى نحن متمسكين بالقاعدة الكلية؛ التي هي: حماية المحرَّمات، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: فلم يبايع أحدًا بعد حتى يسأله: أعبد هو؟) يعني: أنه لما وقعت له هذه الواقعة أخذ بالحزم والحذر، فكان يسأل من يرتاب فيه. وفيه من الفقه: الأخذ بالأحوط.\n* * *","vol":"4","page":513},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-626>(٣٤) باب في السلم والرهن في البيع</span>\n[١٦٩٥] عَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ وَهُم يُسلِفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَينِ\nــ\n(٣٤) ومن باب: السلم والرهن\n(قوله: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السَّنة والسنتين) (يسلفون) معناه: يسلمون. وقد جاء هذا اللفظ في رواية أخرى. فالسَّلم، والسلف هنا: عبارتان عن معبر واحد، غير أن الاسم الخاص بهذا الباب السَّلم؛ لأن السَّلف يقال على القرض، كما تقدَّم. والسَّلم في عرف الشرع: بيع من البيوع الجائزة بالاتفاق. غير أنَّه مختص بشروط. منها متفق عليها ومنها مختلف فيها. وقد حدَّه أصحابنا بأن قالوا: هو بيع معلوم في الذمَّة، محصور بالصفة، بعين حاضرة، أو ما هو في حكمها، إلى أجل معلوم. فتقييده بمعلوم في الذمة يفيد التحرز من المجهول، ومن السَّلم في الأعيان المعينة، مثل الذي كانوا يسلفون في المدينة حين قدم عليهم النبي ﷺ، فإنهم كانوا يسلفون في ثمار بأعيانها. فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك، لما فيه من الغرر؛ إذ قد تخلف تلك النخيل فلا تثمر شيئًا.\nوقولنا: (محصور بالصفة) تحرز عن المعلوم على الجملة دون التفصيل. كما لو أسلم في ثمر، أو ثياب، ولم يبين نوعها، ولا صفتها المعينة. وقولنا: (بعين حاضرة) تحرز من الدَّين بالدَّين. وقولنا: (أو ما هو في حكمها) تحرز من اليومين والثلاثة التي يجوز تأخير رأس مال السَّلم إليها. فإنه يجوز عندنا تأخيره ذلك القدر بشرط، وبغير شرط؛ لقرب ذلك. ولا يجوز اشتراط زيادة عليها. وقولنا: (إلى أجل معلوم) تحرز من السَّلم الحال. فإنه لا يجوز على المشهور. ووصف الأمد بالمعلوم: تحرز من الأجل المجهول الذي كانوا في الجاهلية يسلمون إليه. وسيأتي تفصيل ذلك كله.","vol":"4","page":514},{"text":"فَقَالَ: مَن أَسلَفَ فِي تَمرٍ فَليُسلِف فِي كَيلٍ مَعلُومٍ، وَوَزنٍ مَعلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعلُومٍ.\nــ\nو(قوله: من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم) إنما جرى ذكر التمر في هذه الرواية؛ لأنه غالب ما يسلم فيه عندهم. وقد سكت عنه في الرواية الأخرى، فكانت هذه الرواية دليلًا على جواز السَّلم في كل شيء من الحيوان وغيره من العروض مما تجتمع شروط السَّلم فيه، وهو مذهب الجمهور من الصحابة، والتابعين، وأئمة الفتيا. وقد منع السَّلم والقرض في الحيوان الأوزاعي، والثوري. وروي عن ابن عمر، وابن مسعود. والكتاب والسُّنة حجة عليهم. فمن الكتاب عموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيعَ﴾ وقوله: ﴿إِذَا تَدَايَنتُم بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ﴾ ومن السُّنة الحديث المتقدم، وقياس الحيوان على العروض، ولا فارق بينهما.\nوفيه دليل: على اشتراط كون المُسلَم فيه معلوم المقدار. وكذلك لا بُدَّ أن يكون معلوم الصفة المقصودة المعينة، ليرتفع الغرر والجهالة. وهو مجمع عليه، وإنما لم يذكر اشتراطها في هذا الحديث؛ لأنهم كانوا يشترطونها ويعملون عليها، فاستغني عن ذكرها، واعتني بذكر ما كانوا يُخِلُّون به من المقدار والأجل. وأما رأس مال السَّلم: فقد اشترط فيه أبو حنيفة أن يكون معلوم الكيل، أو الوزن. وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز السَّلم بما كان معينًا، ولم يعلم كيله، ولا وزنه. وبه قال الشافعي في أحد قوليه. ولم يرد عن مالك فيه نصٌّ، لكن يتخرج من مسألة جواز بيع الجزاف فيما يجوز فيه جواز السَّلم بالمعين جزافًا. وهو الصحيح إن شاء الله تعالى؛ لأن التقدير في الجزاف كالتحقيق، فيستوي في جواز ذلك رأس مال السَّلم وغيره.\nوفيه دليل: على اشتراط الأجل في السَّلم. وهو قول أبي حنيفة. والمشهور من قول مالك، غير أن أبا حنيفة لم يُفرق بين قريب الأجل وبعيده. وأما أصحابنا فقالوا: لا بدَّ من أجل تتغير فيه الأسواق. وأقله عند ابن القاسم خمسة عشر يومًا. وقال غيره: ثلاثة","vol":"4","page":515},{"text":"وفي رواية: مَن أَسلَفَ فَلَا يُسلِف إِلَّا فِي كَيلٍ مَعلُومٍ، وَوَزنٍ مَعلُومٍ.\nرواه أحمد (١/ ٢١٧)، والبخاريُّ (٢٢٣٩)، ومسلم (١٦٠٤)، وأبو داود (٣٤٦٣)، والترمذي (١٣١١)، والنسائي (٧/ ٢٩٠).\nــ\nأيام. ولم يَحُدَّها ابن عبد الحكم في روايةٍ (١) عن مالك. بل قال: أيامًا يسيرة. وهذا في البلد الواحد، وأما في البلدين فيغني ما بينهما من المسافة عن اشتراط الأجل إذا كانت معلومة وتعين وقت الخروج.\nوقال الشافعي: يجوز السَّلم الحالّ (٢). وهذا الحديث حجة عليه، ولا سيما على رواية من رواه: (من أسلم فلا يسلم إلا في كيل معلوم، ووزن معلوم، وإلى أجل معلوم). وكذلك الحديث الذي قال فيه: نهى رسول الله ﷺ عن بيع ما ليس عندك، وأرخص في السَّلم) (٣) لأن السَّلم لما كان بيعٌ معلومٌ في الذمة كان بيعَ غائبٍ، فإن لم يكن فيه أجل كان هو البيع المنهي عنه. وإنما استثنى الشرع السَّلم من بيع ما ليس عندك؛ لأنه بيع تدعو إليه ضرورة كل واحد من المتبايعين، فإن صاحب رأس المال محتاج أن يشتري الثمر، وصاحب الثمرة محتاج إلى ثمنها قبل إبَّانها لينفقه عليها. فظهر: أن صفقة السَّلم من المصالح الحاجيَّة. وقد سَمَّاه الفقهاء بيع المحاويج. فإن جاز حالًاّ بطلت هذه الحكمة، وارتفعت هذه المصلحة، ولم يكن لاستثنائه من بيع ما ليس عندك فائدة. والله أعلم.\nوأما رأس مال السَّلم: فيجوز أن يتأخر عندنا ثلاثة أيام بشرط وبغير شرط، ولا يجوز تأخيره زيادة عليها بالشرط. فالشرط: وإن وقع كذلك بطل؛ لأنه ظهر\n_________\n(١) في (م): في روايته.\n(٢) في حاشية (ل ١): حالًا.\n(٣) زيادة من (ل ١).","vol":"4","page":516},{"text":"[١٦٩٦] وعَن عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اشتَرَى مِن يَهُودِيٍّ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ وَرَهَنَهُ دِرعًا لَهُ مِن حَدِيدٍ.\nــ\nمع الزيادة عليها مقصود الدَّين بالدَّين، فلا يجوز بخلاف ما قبلها؛ إذ لا يتبيَّن فيه المقصد إلى ذلك؛ إذ يكون تأخير اليومين والثلاثة ليهيِّئ الثمن، ويحتال في تحصيله. ولم يجز الكوفيون، ولا الشافعي تأخيره عن العقد والافتراق، ورأوا: أنه كالصَّرف، وهذا القياس غير مسلم لهم؛ لأن البابين مختلفان بأخص أوصافهما، فإن الصَّرف بابه ضيق، كثرت فيه التعبُّدات والشروط بخلاف السَّلم فإن شوائب المعاملات عليه أكثر. وأيضًا: فإنه على نقيضه. ألا ترى: أن مقصود الشرع في الصَّرف المناجزة، والمقصود في السَّلم التوسع بالتأخير؛ فكيف تحمل فروع أحدهما على الآخر مع وجود هذه الفروق؟\nوالسَّلم عندنا له شروط: أن يكون مضمونًا، ومعلوم المقدار، والصِّفة، ثم وإلى أجل لا يتعذر عنده وجود المسَّلم فيه، وأن يكون رأس ماله حاضرًا، أو في حكمه، معلوم المقدار، أو في حكمه. وليس من شرطه أن يكون المسلم إليه مالكا للمسلم فيه، خلافًا لبعض السلف، ولا أن يكون مما لا ينقطع من أيدي الناس جملة، خلافًا لمن شرط ذلك، ولا أن يكون موجودًا حين العقد خلافًا لأبي حنيفة، ولا يشترط فيه أن يذكر موضع القبض، خلافًا للكوفيين، فإنهم اشترطوا ذلك فيما له حمل ومؤونة. وعندنا: أنهم لو سكتوا عنه لم يفسد العقد، ويتعيَّن موضع العقد. وليس من شرطه ألا يكون رأس ماله جزافًا، ولا أن يتأخر، ولا أن يكون المسلم فيه حيوانًا، خلافًا لمن تقدم ذكرهم. ومسائل السلم كثيرة؛ فلتنظر في كتب الفقه، وفيما ذكرناه كفاية.\nو(قوله: إنه ﷺ اشترى من يهودي طعامًا إلى أجل، ورهنه درعًا له من حديد) فيه دليل على جواز معاملة أهل الذمة - مع العلم بأنهم يبيعون الخمر،","vol":"4","page":517},{"text":"رواه البخاريُّ (٢٠٦٨)، ومسلم (١٦٠٣) (١٢٦).\n* * *\nــ\nويأكلون الرِّبا - لأنَّا قد أقررناهم على ما بأيديهم من ذلك، وكذلك: لو أسلموا (١) لطاب لهم ذلك، وليس كذلك المُسلِم الذي يعمل بشيء من ذلك، لا يقرّ على ذلك، ولا يترك بيده على ما تقدَّم، ولا يجوز أن يعامل من كان كسبه من ذلك، وإذا تاب تصدَّق بما بيده منه. وأما أهل الحرب: فيجوز أن يعاملوا، ويُشترى منهم كل ما يجوز لنا شراؤه وتملكه. ويُباع منهم كل شيء من العروض، والحيوان ما لم يكن ذلك مضرًّا بالمسلمين مما يحتاجون إليه، وما خلا آلة الحرب، وعدَّته، وما يخاف أن يتقوَّوا به على المسلمين، فلا يباع منهم شيء منه، ولا يباع منهم ولا من أهل الذمَّة مسلم ولا مصحف. وقال ابن حبيب: لا يباع من أهل الحرب: الحرير، ولا الكتان، ولا البسط؛ لأنهم يتجمَّلون بذلك في حروبهم، ولا الطَّعام، لعلهم أن يضعفوا.\nوفيه من الفقه: جواز الأخذ بالدَّين عند الحاجة كما تقدَّم، وجواز الاستيثاق بالرهن والكفالة في الدَّين والسَّلم. وقد منع الرَّهن في السَّلم زفر، والأوزاعي. وهذا الحديث؛ أعني: حديث عائشة ﵂ حجة عليهم؛ إذ لا فرق بين الدَّين والسَّلم. وكذلك عموم قوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنتُم بِدَينٍ﴾ الآية.\nوفيه دليل: على جواز الرَّهن في الحضر، وهو قول الجمهور. ومنعه مجاهد، وداود، وهذا الحديث حجة عليهم. ولا حجة لهم في قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم عَلَى سَفَرٍ وَلَم تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقبُوضَةٌ﴾؛ لأنه تمسُّك بالمفهوم في مقابلة المنظوم. وهو فاسد بما قررناه في الأصول. ومعنى الرَّهن\n_________\n(١) من السَّلم.","vol":"4","page":518},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nعندنا: احتباس العين وثيقة بالحق ليستوفى الحق من ثمنها، أو من ثمن منافعها عند تعذر أخذه من الغريم. ويلزم الرَّهن بالعقد، ويجبر الرَّاهن على دفع الرَّهن ليحوزه المرتهن عندنا خلافًا للشافعي، وأبي حنيفة، فإنهما قالا: لا يجبر عليه، ولا يلزم. والحجة عليهما قوله تعالى: ﴿أَوفُوا بِالعُقُودِ﴾ وهذا عقد، وقوله: ﴿وَأَوفُوا بِالعَهدِ﴾ وهذا عهد، وقوله ﷺ: (المؤمنون عند شروطهم) (١). وهذا شرط، والقبض عندنا شرط في كمال فائدته، واختصاص المرتهن (٢) به، خلافًا لهما، فإن القبض عندهما شرط في لزومه وصحته. ثم إذا حصل الحوز فمتى رجع إلى الرَّاهن باختيار المرتهن بطل الرَّهن عندنا وعند أبي حنيفة. غير أن أبا حنيفة قال: إن رجع إلى يده بعارية أو وديعة لم يبطل. وقال الشافعي: إن رجوعه إلى يد الراهن مطلقا لا يبطل حكم القبض المتقدِّم. ودليلنا قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقبُوضَةٌ﴾ فإذا خرج عن يد القابض إلى يد المقبوض منه لم يصدق عليه ذلك اللفظ لغة، ولا يصدق عليه حكمًا. واستيفاء هذه المباحث في المطوَّلات.\n* * *\n_________\n(١) ذكره الحافظ في الفتح (٤/ ٤٥٢) وعزاه لابن أبي شيبة، وهو عنده في المصنف (٦/ ٥٦٨).\n(٢) في (ج ٢): الراهن.","vol":"4","page":519},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-627>(٣٥) باب النَّهي عن الحكرة، وعن الحلف في البيع</span>\n[١٦٩٧] عَن يَحيَى، - وَهُوَ ابنُ سَعِيدٍ - قَالَ: كَانَ سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ يُحَدِّثُ: أَنَّ مَعمَرًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن احتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ. فَقِيلَ لِسَعِيدٍ: فَإِنَّكَ تَحتَكِرُ؟ قَالَ سَعِيدٌ: إِنَّ مَعمَرًا الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُ هَذَا الحَدِيثَ كَانَ يَحتَكِرُ.\nوفي لفظ آخر: لَا يَحتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ.\nرواه مسلم (١٦٠٥)، وأبو داود (٣٤٤٧)، والترمذيُّ (١٢٦٧).\nــ\n(٣٥) ومن باب: النَّهي عن الحكرة\n(قوله: لا يحتكر إلا خاطئ). الاحتكار في اللغة: الادِّخار و(خاطئ): اسم فاعل من: خطئ - بكسر العين، وهمز اللام - يخطأ -بفتح العين - خطئًا في المصدر - بكسر الفاء، وسكون العين -؛ إذا أثم في فعله، على وزن: علم، يعلم، علمًا، والاسم منه: الخطأ - بفتح الخاء، والطاء -. وأخطأ: إذا سلك سبيل خطأ عامدًا، أو غير عامد. قاله أبو عبيد. وقال: سمعت الأزهري يقول: خطئ: إذا تعمَّد، وأخطأ: إذا لم يتعمَّد، إخطاء، وخطئًا. والخطأ: الاسم.\nقلت: وهذا الحديث بحكم إطلاقه، أو عمومه يدل: على منع الاحتكار في كل شيء. غير أن هذا الإطلاق قد تقيّد، أو العموم قد تخصص بما قد فعله النبي ﷺ فإنَّه قد ادَّخر لأهله قوت سنتهم. ولا خلاف في أن ما يدخره الإنسان لنفسه وعياله من قوت، وما يحتاجون إليه جائز لا باس به. فإذًا مقصود هذا منع التجار من الادخار. وإذا ظهر ذلك. فهل يمنعون من ادِّخار كل شيء من الأقوات، والحيوان، والعلوفة، والسَّمن، واللَّبن، والعسل، وغير ذلك - أضر","vol":"4","page":520},{"text":"[١٦٩٨] وعَن أَبي هُرَيرَةَ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:\nــ\nبالناس أو لم يضر - إذا اشتري في أسواقهم، كما قاله ابن حبيب أخذًا بعموم الخبر أو بإطلاقه؟ أو: إنما يمنعون من ادِّخار ما يضر بالناس ادِّخاره عند الحاجة إليه من الأقوات؟ وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وهو مشهور مذهب مالك. وحملوا النهي على ذلك.\nقلت: وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى. لأن ما لا يضر بالناس شراؤه، واحتكاره لا يخطأ مشتريه بالاتفاق. ثم إذا اشتراه وصار ملكه فله أن يحتكره، أو لا يحتكره. ثم قد يكون احتكاره لذلك مصلحة ينتفع بها في وقت آخر. فلعل ذلك الشيء ينعدم، أو يقل، فتدعو الحاجة إليه، فيوجد، فترتفع المضرة، والحاجة بوجوده، فيكون احتكاره مصلحة، وترك احتكاره مفسدة. وأما الذي ينبغي أن يمنع ما يكون احتكاره مضرة بالمسلمين. وأشدُّ ذلك في الأقوات لعموم الحاجة، ودعاء الضرورة إليها؛ إذ لا يتصور الاستغناء عنها، ولا يتنزل غيرها منزلتها. فإن أبيح للمحتكرين شراؤها ارتفعت أسعارها، وعز وجودها، وشحت النفوس بها، وحرصت على تحصيلها، فظهرت الفاقات، والشدائد، وعمت المضار، والمفاسد، فحينئذ يظهر: أن الاحتكار من الذنوب الكبار. وكل هذا فيمن اشترى من الأسواق. فأمَّا من جلب طعامًا؛ فإن شاء باع، وإن شاء احتكر، ولا يعرض له إلا إن نزلت حاجة فادحة، وأمر ضروري بالمسلمين، فيجب على من كان عنده ذلك أن يبيعه بسعر وقته، فإن لم يفعل جبر على ذلك، إحياء للمهج، وإبقاء للرَّمق. وأما إن كان اشتراه من الأسواق، واحتكره، وأضر بالناس؛ فيشترك فيه الناس بالسعر الذي اشتراه به.\nو(قول يحيى بن سعيدٍ لسعيد: إنك تحتكر) يدل على أنهم كانوا لا يتسامحون في ترك العمل بما يروُونه من الحديث. وجواب سعيد أن معمرًا كان","vol":"4","page":521},{"text":"الحَلِفُ مَنفَقَةٌ لِلسِّلعَةِ، مَمحَقَةٌ لِلرِّبحِ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٣٥)، والبخاري (٢٠٨٧)، ومسلم (١٦٠٧)، وأبو داود (٣٣٣٥)، والنسائي (٧/ ٢٤٦).\n[١٦٩٩] وعَن أَبِي قَتَادَةَ الأَنصَارِيِّ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِيَّاكُم وَكَثرَةَ الحَلِفِ فِي البَيعِ، فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ ثُمَّ يَمحَقُ.\nرواه مسلم (١٦٠٧)، والنسائي (٧/ ٢٤٦)، وابن ماجه (٢٢٠٩).\n* * *\nــ\nيحتكر دليل على أن العموم يخصص بمذهب الرَّاوي. وقد أوضحنا هذه الطريقة في الأصول. وذلك منهم محمول على أنهم كانوا يحتكرون ما لا يضر بالناس؛ كالزيت، والأدم، والثياب، ونحو ذلك.\nو(قوله: الحَلِفُ مَنفَقَةٌ للسلعة مَمحَقَةٌ للربح) الرواية: مَنفَقَةٌ، مَمحَقَةٌ -بفتح الميم، وسكون ما بعدها، وفتح ما بعدها- وهما في الأصل: مصدران مزيدان محدودان بمعنى: النَّفاق. والمحق؛ أي: الحلف الفاجرة، تنفق السِّلعة، وتمحق بسببها البركة، فهي ذات نفاق، وذات مَحق (١)؛ ومعنى تمحق البركة: أي تذهبها. وقد تذهب رأس المال والربح، كما قال الله تعالى: ﴿يَمحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُربِي الصَّدَقَاتِ﴾ وقد يتعدى المحق إلى الحالف، فيعاقب بإهلاكه، وبتوالي المصائب عليه. وقد يتعدَّى ذلك إلى خراب بيته وبلده، كما روي: أن النبي ﷺ قال: (اليمين الفاجرة تذر الدِّيار بلاقع) (٢) أي: خالية من سكانها إذا توافقوا على التجرؤ على الأيمان الفاجرة. وأما مَحق الحسنات في الآخرة: فلا بدّ\n_________\n(١) في (ج ٢) أي: الحَلِف الكاذبة تنفق السلعة، ثم تمحق البركة، أي: تذهبها.\n(٢) رواه البيهقي في شعب الإيمان (٤٨٤٢). وانظر: التركيب والترهيب رقم (٢٧٤٠).","vol":"4","page":522},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-628>(٣٦) باب الشفعة</span>\n[١٧٠٠] عَن جَابِرٍ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفعَةِ فِي كُلِّ شِركَ\nــ\nمنه لمن لم يتب. وسبب هذا كلِّه: أن اليمين الكاذبة يمين غموس، يؤكل بها مال المسلم بالباطل.\nو(قوله: إيَّاكم وكثرة الحلف فإنه ينفق ثم يمحق) (إياكم) معناه: الزَّجر، والتحذير. و(كثرة) منصوب على الإغراء، كما تقول: إياك والأسد؛ أي: احذره واتقه. وإنما حذر من كثرة الحلف؛ لأن الغالب ممن كثرت أيمانه وقوعه في الكذب والفجور، وإن سلم من ذلك على بعده لم يسلم من الحنث، أو النَّدم؛ لأن اليمين حنث أو مندمة. وإن سلم من ذلك لم يسلم من مدح السلعة المحلوف عليها، والإفراط في تزيينها ليروجها على المشتري، مع ما في ذلك من ذكر الله تعالى لا على جهة التعظيم، بل على جهة مدح السِّلعة، فاليمين على ذلك تعظيم للسِّلع، لا تعظيم لله تعالى. وهذه كلها أنواع من المفاسد لا يقدم عليها إلا من عقله ودينه فاسد.\n(٣٦) ومن باب: الشفعة\n(قوله: قضى رسول الله ﷺ بالشُّفعة في كل شرك لم يُقسَم) أي: حكم، وألزم.\nوالشُّفعة في اللغة: هي الضم، والجمع، كما قدمناه في الإيمان. وهي في عرف الشرع: أخذ الشريك الجزء الذي باعه شريكه من المشتري بما اشتراه به، وهي حق للشريك على المشتري، فيجب عليه أن يُشفِعَهُ، ولا يحل له الامتناع من ذلك.\nو(الشرك): النصيب المشترك. وقد يقال على الشريك، كقوله تعالى: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾؛ أي: شريكًا. ويدل على أن الشفعة إنما","vol":"4","page":523},{"text":"لَم يُقسَم رَبعَةٍ أَو حَائِطٍ\nــ\nتستحق بالاشتراك في رقبة الملك، لا باستحقاق منفعة في الملك، كممر طريق، ومسيل ماء، واستحقاق سكنى؛ لأن كل ذلك ليس بشرك.\nو(قوله: لم يقسم) يفيد أن الشفعة لا تجب إلا بالجزء المشاع؛ الذي يتأتى إفرازه بالقسمة، فلا تجب فيما لا ينقسم، كالحمَّام، والرَّحا، وفحل النخل، والبئر، وما أشبه ذلك مما لا ينقسم. وأعني بكونه لا ينقسم: أنه لو قسم لبطلت المنفعة المقصودة منه قبل القسم. كالحمَّام إذا قسم بطل كونه حمامًا، وكذلك الرَّحا. وهذا هو مشهور المذهب. وقيل: تجري الشفعة في ذلك لأنه وإن بطل كونه حمامًا فيصح أن ينقسم بيوتًا مثلًا، أو دكاكين. والظاهر الأول، وهو قول ابن القاسم؛ لأنه يلزم من قسمه إفساد مالية عظيمة، وذلك ضرر عظيم فيدفع.\nو(قوله: رَبعَة، أو حائط، أو أرض) الرواية الصحيحة فيه بخفض ربعة وما بعده على البدل من: (كل شرك) فهو تفسير له، وتقييد. والرَّبعة: تأنيث الرَّبع. وهو: المنزل. ويجمع ربوعًا، وإنما قيل للمنزل ربع؛ لأن الإنسان يربع فيه؛ أي: يقيم. يقال: هذه ربع، وهذه ربعة. كما يقال: دار، ودارة (١). والحائط: بستان النخل. والأرض يعني بها: البراح الذي لا سكن فيها ولا شجر، وإنما هي معدَّة للزراعة.\nوقد دلَّ هذا الحديث: على أن الشفعة إنما تستحق في العقار المشترك الذي يقبل القسمة. وهذا هو المحل المتفق على وجوب الشفعة فيه. واختلف فيما عدا ذلك. فذهب بعض المكيين (٢) إلى وجوبها في كل شيء من العقار، والحيوان، والعروض، والأطعمة. وإليه ذهب عطاء في إحدى الروايتين عنه معتمدًا في ذلك\n_________\n(١) ما بين حاصرتين مستدرك من (م).\n(٢) في (ج ٢): المالكيين.","vol":"4","page":524},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nعلى ما خرَّجه الترمذي من حديث ابن عباس مرفوعًا: (الشريك شفيع، والشفعة في كل شيء) (١). وروى الطحاوي نحوه مرفوعًا، ومُتمسِّكًا في ذلك بقياس غير العقار عليه، بعلِّة وجود الاشتراك، ولا حجة في ذلك؛ لأن الحديث ليس بصحيح الإسناد. وإنما صحيحه مرسل، ولو سلمنا صحته، لكنه مقيّد بما ذكرناه من قوله: (ربعة، أو حائط، أو أرض). ومثل هذا التقييد متفق على قبوله عند أهل الأصول؛ لأنه قد اتفق فيه الموجب والموجب، بدليل قوله ﷺ: (إنما الشفعة فيما لم يقسم: ربعة، أو حائط، أو أرض). فأتى بـ (إنَّما) التي هي للحصر. وهو أيضًا مفهوم من الألف واللام في قوله: (الشفعة فيما لم يقسم) وبدليل: زيادة البخاري في هذا الحديث: (فإذا ضربت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة) (٢) وهذا نصٌّ في أن الشفعة مخصوصة بما ذكر في ذلك الحديث. وأما ذلك القياس: فليس بصحيح لوجود الفرق بين الفرع والأصل، فإن الأصل الذي هو العقار يعظم الضرر فيه على الشريك بمشاركة الأجنبي له، ومخالطته، فقد يؤذيه، ولا يقدر على التخلص منه لصعوبة بيع العقار، وتعذر ذلك في أكثر الأوقات، وليست كذلك العروض، وما ينقل ويحوَّل، فإن الانفصال عن الشركة فيه يسير لسهولة بيعها، والخروج عنها في كل الأوقات، وأكثر الحالات؛ فانفصلا، فلا يصح القياس. وإذا ثبت: أن الشفعة شرعت لرفع الضرر الكثير اللازم. فهل الوصفان جزءا علَّة، فلا تجري الشفعة إلا فيما اجتمعا فيه، أو يكون كل واحد منهما علّة مستقلة؟ فيه احتمال. وعليه ينبني الخلاف الذي عند أصحابنا في الشفعة في الثمرة، والدِّيون، وكتابة المكاتب، والكراء، والمساقاة. فإن الضرر فيها يعظم، وإن لم يلازم. فمن رأى أنه علَّة مستقلة أوجب الشفعة، ومن رأى أن العلَّة مجموع الوصفين منعها في ذلك\n_________\n(١) رواه الترمذي (١٣٧١).\n(٢) رواه البخاري (٢٢١٣).","vol":"4","page":525},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nكله. وذهب الشعبي: إلى أنه لا شفعة في مشاع لا يسكن. وقال ابن شعبان مثله عن مالك. فلا شفعة على هذا في أرض، ولا عقار يتخذ للغلَّة. وهو مخالف للحديث المتقدم. فإنه قد نص فيه على الحائط. وهذا المتخذ للغلَّة. وعلى الأرض، وهي تراد للزراعة. والصحيح: الأول.\nوذهب الجمهور: إلى أن الشفعة لا تجب في الجوار؛ وهو مذهب عمر، وعلي، وعثمان، ومن بعدهم، كسعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وربيعة، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وذهب أبو حنيفة والكوفيون: إلى أنه تجب به الشفعة، وبه قال ابن مسعود. وسببهما معارضة حديثين صحيحين:\nأحدهما: حديت جابر المتقدم. وقد خرَّجه البخاري. ولفظه فيه: (الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق، فلا شفعة) (١).\nوثانيهما: خرَّجه البخاري عن أبي رافع قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (الجار أحق بصقبه) (٢). وقد خرَّجه الترمذي من حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ: (الجار أحق بشفعته، ينتظر إن كان غائبًا إذا كان طريقهما واحدًا) (٣). وقد تأوَّل بعض العلماء (الجار) في حديث البخاري بأنَّه الشريك، كما قد تأول بعضهم: أن (الصقب) المذكور فيه حق الجوار، كما قال في الحديث الآخر: أن رجلا قال: يا رسول الله! إن لي جارين. فإلى أيُّهما أُهدي؟ قال: (إلى أقربهما منك بابا) (٤). وهذان التأويلان فيهما بُعدٌ. فإن حديث الترمذي ينصّ على خلاف ذلك. وأشبه ما\n_________\n(١) هو الحديث السابق.\n(٢) رواه البخاري (٦٩٧٧ - ٦٩٨١).\n(٣) رواه الترمذي (١٣٦٩).\n(٤) رواه البخاري (٢٢٥٩).","vol":"4","page":526},{"text":"لَا يَحِلُّ لَهُ أَن يَبِيعَ حَتَّى يُؤذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِن شَاءَ أَخَذَ، وَإِن شَاءَ تَرَكَ،\nــ\nيقال في ذلك - فيما يظهر لي -: إن حديث جابر الأول أرجح، لما قارنه من عمل الخلفاء، وجمهور العلماء، وأهل المدينة، وغيرهم، والله تعالى أعلم.\nوأيضًا فإن أحاديث الجمهور مشهورة متفق على صحتها. وأحاديث الكوفيين ليست بمنزلتها في ذلك، فهي أولى.\nتفريع: قال سفيان: الشريك أولى بالشفعة، ثمَّ الجار الذي حدُّه إلى حدَّه. وقال أبو حنيفة: الشريك في الملك، ثم الشريك في الطريق، ثم الجار الملاصق، ولا حق للجار الذي بينك وبينه الطريق.\nو(قوله: لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه) وفي طريق أخرى: (لا يصلح) مكان: (لا يحل). هو محمول على الإرشاد إلى الأولى، بدليل قوله: (فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به). ولو كان ذلك على التحريم لذمَّ البائع، ولفسخ البيع، لكنه أجازه وصحَّحه، ولم يذمّ الفاعل، فدلَّ على ما قلناه. وقد قال بعض شيوخنا: إن ذلك يجب عليه.\nو(قوله: فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك) يعني: إن شاء أخذ الشقص (١) بما أعطي به من الثمن؛ لأنه أحق به بعد البيع، فيكون له بما أعطي به من الثمن قبله. وفيه دليل: على أن من نزل عن الشفعة قبل وجوبها لزمه ذلك إذا وقع البيع، ولم يكن له أن يرجع فيه. وبه قال الثوري، وأبو عبيد، والحكم. وهي إحدى الروايتين عن مالك، وأحمد بن حنبل. وذهب مالك في المشهور عنه، وأبو حنيفة (٢)، وعثمان البتي، وابن أبي ليلى: إلى أن له الرُّجوع في ذلك، وهذا الخلاف جار في كل من أسقط شيئًا قبل وجوبه، كإسقاط الميراث قبل موت\n_________\n(١) \"الشقْص\": القطعة من الشيء.\n(٢) زاد في (ج ٢) والشافعي.","vol":"4","page":527},{"text":"فَإِذَا بَاعَ وَلَم يُؤذِنهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ.\nوفي رواية: مَن كَانَ لَهُ شَرِيكٌ فِي رَبعَةٍ أَو نَخلٍ، فَلَيسَ لَهُ أَن يَبِيعَ حَتَّى يُؤذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِن رَضِيَ أَخَذَ، وَإِن كَرِهَ تَرَكَ.\nــ\nالمورث، وإجازة الوارث الوصية قبل الموت، وإسقاط المرأة ما يجب لها من نفقة وكسوة في السَّنة القابلة. ففي كل واحدة من تلك المسائل قولان.\nو(قوله: وإن باع فهو أحق به) يعني: أن الشريك أحق به بالثمن الذي اشتراه به المشتري من عين أو عرض، نقدا أو إلى أجل. وهو قول مالك وأصحابه. وذهب أبو حنيفة والشافعي: إلى أنَّه لا يشفع إلى الأجل، وأنه إن شاء شفع بالنقد، وإن شاء صبر إلى الأجل، فيشفع عنده. واختلف أصحابنا إذا لم يعلم الشفيع إلا بعد حلول الأجل. هل يضرب له مثل ذلك الأجل، أو يأخذه بالنقد؛ على قولين.\nو(قوله: من كان له شرك) عموم في المسلم وفي الذمِّي. وهو قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة. وحكي عن الشعبي، والثوري: أنه لا شفعة للذمِّي؛ لأنه صاغر. وهو قول أحمد. والصواب: الأول للعموم، ولأنَّه حق جرى بسببه، فيترتب عليه حكمه من استحقاق طلبه وأخذه، كالدَّين، وأرش الجناية.\nو(قوله في حديث البخاري: فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة) حجة للجمهور على الكوفيين القائلين بوجوب الشفعة لجار الدار. وقد ذهب بعض شيوخنا: إلى أن حديث الترمذي في شفعة الجار محمول على الندب، لا على الوجوب.\nقلت: أحاديث الشفعة إنما جاءت في انتقال الملك بالبيع، ويلحق به ما في معناه من المعاوضات، كدفع الشَّقص في صداق، أو أجرة، أو أرش جناية، وما أشبه ذلك. فهذا فيه الشفعة. ولا ينبغي أن يختلف فيه؛ لأنه من أقوى مراتب","vol":"4","page":528},{"text":"وفي أخرى: الشُّفعَةُ فِي كُلِّ شِركٍ فِي أَرضٍ، أَو رَبعٍ، أَو حَائِطٍ. وذكر نحو الأول.\nرواه أحمد (٣/ ٢٩٦)، والبخاريُّ (٢٢١٣)، ومسلم (١٦٠٨)، وأبو داود (٣٥١٤)، والترمذيُّ (١٣٧٠)، والنسائيُّ (٧/ ٣٢١)، وابن ماجه (٢٤٩٩).\n* * *\nــ\nالإلحاق. وأما انتقال الملك بالميراث فلا شفعة فيه؛ لأنه لا يصح إلحاقه بالمعاوضات؛ لأنه انتقال في (١) غير عوض؛ ولا اختيار، فلا شفعة فيه بوجه. وقد حكي الاتفاق على ذلك، غير أنه قد انفرد الطابقي (٢) فحكى عن مالك: أنه رأى الشفعة في الميراث. وهو قول شاذّ، منكر نقلًا ونظرًا.\nواختلف في المنتقل بالهبة، والصدقة. هل فيه شفعة أو لا؟ على قولين مشهورين. سببهما: تردّد الصدقة والهبة بين المعاوضات والميراث. فمن حيث إنه انتقال عن اختيار يشبه البيع، ومن حيث إنه خلي عن العوض أشبه الميراث. والأولى - والله أعلم - إجراء الشفعة فيها؛ لعموم قوله ﷺ: (الشفعة في كل شرك لم يقسم) ولم يفرق بين جهات الأملاك. وللحوق الضرر الشديد الملازم الداخل على الشريك اختيارًا. ولا يُرَدُّ الميراث؛ لأنَّه ملك جبري، لا اختيار فيه للمنتقل إليه، والله تعالى أعلم.\n* * *\n_________\n(١) في (ج ٢): عن.\n(٢) في (ع) و(ج ٢): الطابثيُّ.","vol":"4","page":529},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-629>(٣٧) باب غرز الخشب في جدار الغير، وإذا اختلف في الطريق</span>\n[١٧٠١] عَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يَمنَع أَحَدُكُم جَارَهُ أَن يَغرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ\nــ\n(٣٧) ومن باب: غرز الخشب في جدار الغير، وإذا اختلف في الطريق\n(قوله: لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره) اختلف العلماء في تمكين رب الحائط من هذا عند السؤال. فصار مالك في المشهور عنه، وأبو حنيفة: إلى أن ذلك من باب الندب، والرفق بالجار، والإحسان إليه، ما لم يضر ذلك بصاحب الحائط. ولا يجبر عليه من أباه، متمسكين في ذلك بقول النبي ﷺ: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه) (١) ولأنه لما كان الأصل المعلوم من الشريعة: أن المالك لا يجبر على إخراج ملك عن يده بعوض، كان أحرى وأولى ألا يخرج عن يده بغير عوض. وصار آخرون: إلى أن ذلك على الوجوب، ويجبر من أباه عليه. وممن ذهب إلى ذلك: الشافعي، وأحمد بن حنبل، وداود بن علي، وأبو ثور، وجماعة من أهل الحديث، وهو مذهب عمر. وحكي ذلك عن المُطَّلب - قاضٍ كان بالمدينة - يقضي (٢) به، متمسكين بظاهر النهي المذكور، ولأنه قد روي من طريق آخر عن أبي هريرة في هذا الحديث: (لا يحل لامرئ مسلم أن يمنع جاره أن يغرز خشبات في جداره) (٣). وبقضاء عمر\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٤٢٥)، والبيهقي (٦/ ١٠٠ و٨/ ١٨٢)، والدارقطني (٣/ ٢٦). وانظر مجمع الزوائد (٤/ ١٧٢)، وتلخيص الحبير (٣/ ٤٥)، والتمهيد (١٠/ ٢٢٢)، ومسند الفردوس رقم (٧٦٣٥).\n(٢) في (ع) يفتي به.\n(٣) ذكره الطحاوي في مشكل الآثار (٣/ ١٥٤)، وابن عبد البر في التمهيد (١٠/ ٢٢٩).","vol":"4","page":530},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n﵁ على محمد بن مسلمة وعلى يحيى المازني بمثل ذلك من المرور بالربيع (١)، وتحويله في أرضهما، على ما رواه مالك في الموطأ (٢). ولم يسمع بمخالف له في ذلك من الصحابة غير محمد بن مسلمة. وهو المحكوم عليه.\nقلت: وقد دفعت كل طائفة ما احتجت به الأخرى بوجوه من التأويلات لا تبعد على من تأملها، تركناها لطولها. والأولى: القول الأول؛ لأنه الذي تشهد له الأصول.\nفرع على القول بالندب: إذا أذن له في ذلك إذنًا مطلقا لم يكن له أن يطالبه بقلعها إلا إن دعت إلى ذلك ضرورة، كبناء الجدار، أو شيء لا بدّ منه؛ لأن الإذن المطلق يقتضي التأبيد، فإن أذن له إلى مدَّة معينة فله ذلك عند انقضائها.\nو(قوله: أن يغرز خشبة) روي بتوحيد (خشبة) وبجمعها، قال الطحاوي عن روح بن الفرج: سألت أبا زيد، والحارث بن مسكين، ويونس بن عبد الأعلى عنه. فقالوا: (خشبة) بالنصب والتنوين واحدة. قال عبد الغني: كل الناس يقولون بالجمع إلا الطحاوي.\nقلت: وإنما اعتنى هؤلاء الأئمة بتحقيق الرواية في هذا الحرف؛ لأن أمر الخشبة الواحدة يخف على الجار المسامحة به. وأما إذا قال: خُشُبَهُ؛ فقد لا يتسامح في الكثير منها، ويثقل ذلك للحوق الضرر بذلك. حكي: أن يونس بن عبد الأعلى الصُّدفي سأل عبد الله بن وهب: كيف تروي الحديث: (خشبة) على الإفراد؛ فقال: الذي سمعناه من جماعة: (خشبة) على لفظ الواحد. وقال عبد الغني بن سعيد الحافظ: كل الناس يقوله على الجمع إلا الطحاوي. ورجَّح بعض الأشياخ ما قاله عبد الغني بن سعيد بالألفاظ الواردة في طرق الحديث منها:\n_________\n(١) \"الربيع\": النهر الصغير.\n(٢) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٧٤٦).","vol":"4","page":531},{"text":"قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيرَةَ: مَا لِي أَرَاكُم عَنهَا مُعرِضِينَ، وَاللَّهِ لَأَرمِيَنَّ بِهَا بَينَ أَكتَافِكُم.\nرواه أحمد (٤/ ٤٦٣)، والبخاري (٢٤٦٣)، ومسلم (١٦٠٩)، وأبو داود (٣٦٣٤)، والترمذي (١٣٥٣)، وابن ماجه (٢٣٣٥).\nــ\nقوله ﷺ: (ليس لجار أن يمنع جاره أن يضع أعواده على جداره). وفي رواية أخرى: (أن يضع جذوعه) وفي أخرى: (أن يغرز خشبًا) وفي أخرى: (أطراف خشب). فهذه الألفاظ جميعها توضح: أنه جمع (١).\nو(قوله: ما لي أراكم عنها معرضين) الضمير في (عنها) يعود إلى (٢) المقالة التي صدرت منه لهم. وأنثها على المعنى. وهذا القول منه إنكارٌ عليهم، لما رأى منهم من الإعراض واستثقال ما سمعوه منه، وذلك: أنهم لم يقبلوا عليه، بل طأطؤوا رؤوسهم، كما رواه الترمذي (٣) في هذا الحديث.\nو(قوله: والله لأرمين بها بين أظهركم) وفي أخرى: (لأضربن بها بين أعينكم وإن كرهتم) ذكرها أبو عمر (٤)؛ أي: لأحدثنكم بتلك المقالة التي استثقلتم سماعها من غير مبالاة. ولا تقية، وأوقعها بينكم كما يوقع السهم بين الجماعة.\nففيه من الفقه: تبليغ العلم لمن لم يرده، ولا استدعاه؛ إذا كان من الأمور المهمة. ويظهر منه: أن أبا هريرة كان يعتقد وجوب بذل الحائط لغرز الخشب، وأن السامعين له لم يكونوا يعتقدون ذلك. وأما رواية: (لأضربن بها أعينكم): فهي على جهة المثل؛ الذي قصد به الإغياء في الإنكار؛ لأنه فهم عنهم الإعراض عما\n_________\n(١) ما بين حاصرتين زيادة من حاشية (م).\n(٢) في (ج ٢): على.\n(٣) رواه الترمذي (١٣٥٣).\n(٤) انظر: التمهيد (١٠/ ٢١٦ وما بعدها).","vol":"4","page":532},{"text":"[١٧٠٢] وعنه: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا اختَلَفتُم فِي الطَّرِيقِ، جُعِلَ عَرضُهُ سَبعَ أَذرُعٍ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٢٨ و٤٢٩)، والبخاري (٢٤٧٣)، ومسلم (١٦١٣)، وأبو داود (٣٦٣٣)، والترمذي (١٣٥٥)، وابن ماجه (٢٢٣٨).\n* * *\nــ\nقال، والكراهة، فقابلهم بذلك. والرواية المشهورة: (أكتافكم) - بالتاء باثنتين من فوقها - جمع: كتف. وقد وقع في الموطأ من رواية يحيى: (أكنافكم) بالنون، جمع: كنف، وهو: الجانب.\nو(قوله: إذا اختلفتم في الطريق جعل عرضه سبع أذرع) هذا محمول على أمهات الطرق؛ التي هي ممر عامة الخلق بأحمالهم، ومواشيهم. فإذا تشاح من له أرض تتصل بها مع من له فيها حق جعل بينهما سبع أذرع، بالذراع المتعارفة في ذلك طريقًا للناس، وخلي بينهما وبين ما زاد على ذلك. وأما بنيات الطرق فبحسب ما تدل عليه العادة، وتدعو إليه الحاجة، وذلك يختلف بحسب اختلاف أحوال المتنازعين. فليست طريق من عادته استعمال الدواب والمواشي وأهل البادية كعادة من لا يكون كذلك من أهل الحاضرة، ولا مسكن الجماعة كمسكن الواحد والاثنين، وإنما ذلك بحسب مصلحتهم. وعلى هذا يحتاج أهل البادية من توسيع الطريق إلى ما لا يحتاج إليه أهل الحاضرة. وتحتاج طرق الفيافي والقفار من التوسيع أكثر من سبع أذرع؛ لأنها مجرُّ الجيوش والرِّفاق الكبار. وهذا كله تفصيل أصحابنا، وصحيح مذهب مالك. ولو جعل الطريق في كل محل سبع أذرع لأضر ذلك بأملاك كثير من الناس. ويلزم أن تجعل بنيَّات الطرق من الأزقة وغيرها كالأمهات المسلوكة للناس، وكطرق الفيافي. وذلك محالٌّ عادي، وفساد ضروري.","vol":"4","page":533},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-630>(٣٨) باب إثم من غصب شيئًا من الأرض</span>\n[١٧٠٣] عَن هِشَامِ بنِ عُروَةَ، عَن أَبِيهِ: أَنَّ أَروَى بِنتَ أُوَيسٍ، ادَّعَت عَلَى سَعِيدِ بنِ زَيدٍ أَنَّهُ أَخَذَ شَيئًا مِن أَرضِهَا، فَخَاصَمَتهُ إِلَى مَروَانَ بنِ الحَكَمِ، فَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا كُنتُ آخُذُ مِن أَرضِهَا شِبرًا بَعدَ الَّذِي سَمِعتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: وَمَا سَمِعتَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَن أَخَذَ شِبرًا مِن الأَرضِ ظُلمًا، طُوِّقَهُ إِلَى سَبعِ أَرَضِينَ،\nــ\n(٣٨) ومن باب: إثم من غصب شيئًا من الأرض\n(قوله ﷺ: (من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا طوقه إلى سبع أرضين) هذا وعيدٌ شديدٌ، يفيد: أن أخذ شيء من الأرض بغير حقه من أكبر الكبائر على أي وجه كان من غضب، أو سرقة، أو خديعة، قليلًا كان أو كثيرًا. ألا تسمع قوله ﷺ: (وإن كان قيد شبر).\nواختلف في معنى: (طوقه). فقيل: معناه: كلّف أن يطيق حمله، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَغلُل يَأتِ بِمَا غَلَّ يَومَ القِيَامَةِ﴾ وقد جاء في غير مسلم: (جاء يحمله يوم القيامة إلى سبع أرضين) (١) وفي أخرى: (كُلِّف أن يحمل ترابها إلى المحشر) (٢). وقيل: جعلت في عنقه كالطَّوق؛ كما قال تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَومَ القِيَامَةِ﴾ وهو ظاهر حديث عائشة ﵂: (طوقه من سبع أرضين). وقيل:\n_________\n(١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٧٦): رواه الطبراني في الكبير والصغير.\n(٢) رواه أحمد (٤/ ١٧٢ و١٧٣) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٧٥) رواه أحمد والطبراني في الكبير. وانظر: الترغيب والترهيب رقم (٢٧٨٣).","vol":"4","page":534},{"text":"فَقَالَ لَهُ مَروَانُ: لَا أَسأَلُكَ بَيِّنَةً بَعدَ هَذَا.\nــ\nخسف به في مثل الطوق منها. وهو ظاهر قوله: (طوقه الله إلى سبع أرضين). وفي البخاري (١) نصًّا: (خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين). وقيل: يجمع ذلك كله عليه. وقد دلّ على ذلك ما رواه الطبري في هذا الحديث، وقال: (كلفه الله حمله حتى يبلغ سبع أرضين، ثم يطوقه يوم القيامة حتى يقضي الله بين الناس). والله تعالى أعلم.\nوفيه ما يدل: على أن الأرضين سبع، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرضِ مِثلَهُنَّ﴾؛ أي: في العدد؛ لأن الكيفية والصفة مختلفة بالمشاهدة والأخبار، فتعيَّن العدد، والله تعالى أعلم. وقد استدل به الداودي: على أن السبع الأرضين لم يفتق بعضها من بعض. قال: لأنه لو فتق بعضها من بعض لم يطوق منها ما ينتفع به غيره. وقد جاء في غلظهن، وما بينهن خبر، وليس في ذلك شيء صحيح. وقد استدل غيره به: على أن من ملك شيئًا من الأرض ملك ما تحته مما يقابله. فكل ما يجد فيه من معدن، أو كنز فهو له. وقد اختلف في ذلك في المذهب. فقيل ذلك، وقيل: هو للمسلمين. وعلى ذلك فله أن ينزل بالحفر ما شاء ما لم يضر بمن يجاوره. وكذلك: أن يرفع في الهواء المقابل لذلك القدر من الأرض من البناء ما شاء ما لم يضر بأحد، فيُمنَع.\nوقول مروان لما سمع الحديث: (لا أسألك بينة) قرأناه بفتح الكاف على خطاب سعيد، وهو صحيح (٢)، وفيه إشكال، وذلك: أن الأرض كانت في يد سعيد وادعت المرأة: أنَّه غصبها إيَّاها. ألا ترى قول عروة: إن أروى ادعت على سعيد: أنه أخذ لها شيئًا من أرضها، فهو المدَّعى عليه، وكيف يكلف المدَّعى عليه إقامة البينة على إبطال دعوى المُدَّعِي؟ ! وإنما القضاء كما قال النبي ﷺ للحضرمي\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٤٥٤) من حديث ابن عمر.\n(٢) ساقط من (م).","vol":"4","page":535},{"text":"فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِن كَانَت كَاذِبَةً فَأعم بَصَرَهَا، وَاقتُلهَا فِي أَرضِهَا. قَالَ: فَمَا مَاتَت حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهَا، ثُمَّ بَينَا هِيَ تَمشِي فِي أَرضِهَا إِذ وَقَعَت فِي حُفرَةٍ فَمَاتَت.\nــ\nالمدَّعِي: (شاهداك أو يمينه) (١) وإنما يصلح أن يخاطب بهذه الكاف المدَّعِية. وعلى هذا: فينبغي أن تكون مكسورة، ويكون مروان قال ذلك لها كفًّا لها عن تماديها على دعواها؛ لعلمه بصدق سعيد من جهة قرائن أحواله، لا أن الخبر الذي ذكره يدلُّ على براءته من دعواها، لكن ما كان معلومًا من دين سعيد ومن ورعه وفضله، وأنه مشهود له بالجنة، وعظم هذا الوعيد الشديد الذي سمعه من النبي ﷺ مشافهة مع نزارة هذا القدر المدّعى عليه به. فحصل عند مروان العلم بصدقه، فقال للمرأة: لا أسألك بينة؛ أي: لأنك لا تجدينها بوجه. ثم إنه لم يقض بينهما بشيء، ولم يحوجه سعيدٌ إلى قضاء، بل بادر إلى أن سلم لها ما ادَّعته وزادها من أرضه. فقال: دعوها لها.\nقلت: فهذا الذي ظهر لي في هذا الخطاب، فإنه إن كان متوجهًا لسعيد لزم أن يكون مروان عدل عن جهة القضاء المنصوص عليها؛ التي لا اختلاف فيها، وأن سعيدًا أقرَّه عليها. وكل ذلك باطل، فتعيَّن ما اخترناه، والله تعالى أعلم.\nويعني بـ (البينة): من يشهد لسعيد بصحة الحديث الذي رواه، لأنه صدقه في الرواية، ولم يحتج إلى الاستظهار بزيادة شهادة غيره على ذلك، ولم يرد بالبينة هنا: الشهادة التي يستند حكم الحاكم إليها؛ لأنها لا تلزم المدّعى عليه، فكيف يسقط عنه ما لا يلزم؟ (٢)\nو(قول سعيد: اللهم! إن كانت كاذبة فأعم بصرها، واقتلها في أرضها)\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٢١١)، والبخاري (٢٥١٥ و٢٥١٦).\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (م) و(ج ٢).","vol":"4","page":536},{"text":"وفي رواية: فَقَالَ سعيد: دَعُوهَا وَإِيَّاهَا. وفيها: فَرَأَيتُهَا عَميَاءَ تَلتَمِسُ الجُدُرَ، تَقُولُ: أَصَابَتنِي دَعوَةُ سَعِيدِ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٨٧)، ومسلم (١٦١٠) (١٣٩).\nــ\nدليلٌ على أن سعيدًا استجاز الدُّعاء على الظالم بأكثر مما ظلم فيه. وفيه إشكال مع قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثلُهَا﴾ وقوله: ﴿فَمَنِ اعتَدَى عَلَيكُم فَاعتَدُوا عَلَيهِ بِمِثلِ مَا اعتَدَى عَلَيكُم﴾ ووجه الإشكال: أنه كما لا يجوز أن يأخذ من الظالم والغاصب زيادة على القصاص، أو على مقدار ما أخذ، كذلك لا يجوز أن يدعو عليه بزيادة على ذلك، لإمكان الإجابة، فتحصل الزيادة الممنوعة، ولو لم يستجب له؛ أليس قد أراد وتمنى شرًّا زائدًا على قدر الجناية للمسلم؟ ! وهو ممنوع منه، وإنما الذي يجوز أن يدعو به على الظالم: أن يقول: اللهم خذ لي حقي منه. اللهم افعل به ما فعل، وما أشبه ذلك ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزمِ الأُمُورِ﴾\nويجاب عنه بالفرق بين الدَعاء على الظالم بأكثر مما ظلم فيه، وبين أن يفعل به أكثر مما ظلم فيه؛ فإن الدعاء ليس مقطوعًا بإجابته، فإذا صدر عن المظلوم بحكم حرقة مظلمته، وشدَّة موجدته، لم نقل: إنه صدر عنه محرَّم، وغاية ذلك: أن يكون ترك الأولى؛ لأنه منتصر، ولأنه لم يصبر. ولذلك قال النبي ﷺ: (إيَّاك ودعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب (١» (٢) ويدل على جواز ذلك: ما روي: أن النبي ﷺ رأى رجلًا خَلِق الثياب، فأمره أن يلبس ثوبيه، فلما لبسهما قال: (ما له؟ - ضرب الله عنقه - أليس هذا خيرًا) (٣) وفي كتاب أبي داود: عن\n_________\n(١) رواه البيهقي (٧/ ٨٤)، وانظر: مجمع الزوائد (٢/ ٤٠).\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٣) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٩١٠ - ٩١١)، والحاكم (٤/ ١٨٣)، وابن حبان (٥٤١٨)، والبزار كما في كشف الأستار (٢٩٦٢). وانظر: مجمع الزوائد (٥/ ١٣٤).","vol":"4","page":537},{"text":"[١٧٠٤] وعَن أَبي سَلَمَةَ، وَكَانَ بَينَهُ وَبَينَ قَومِهِ خُصُومَةٌ فِي أَرضٍ، وَأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهَا فَقَالَت: يَا أَبَا سَلَمَةَ، اجتَنِب الأَرضَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَن ظَلَمَ قِيدَ شِبرٍ مِن الأَرضِ، طُوِّقَهُ مِن سَبعِ أَرَضِينَ.\nرواه البخاري (٢٤٥٣)، ومسلم (١٦١٢).\n[١٧٠٥] ومن حديث أَبِي هُرَيرَةَ: لَا يَأخُذُ أَحَدٌ شِبرًا مِن الأَرضِ بِغَيرِ حَقِّهِ إِلَّا طَوَّقَهُ اللَّهُ إِلَى سَبعِ أَرَضِينَ يَومَ القِيَامَةِ.\nرواه مسلم (١٦١١).\n* * *\nــ\nسعيد بن غزوان، عن أبيه: أنه مرَّ بين يدي رسول الله ﷺ بتبوك، وهو يصلي، فقال: (قطع صلاتنا، قطع الله أثره) قال: فما قمت عليهما إلى يومي هذا - يعني: رجليه (١) -؛ (٢) فدلَّ هذا على أن الدَّعاء المذكور ليس محرَّمًا.\nوأما قوله: إنه أراد الشرَّ للظالم وتمنَّاه. فنقول بجواز ذلك، ليرتدع الظالم عن شره، أو غيره ممن يريد الظلم والشر. ولو سلمنا: أن ذلك لا يجوز لأمكن أن يقال: إنه لا يلزم من الدُّعاء بالشر أن يكون ذلك الشر متمنَّى، ولا مرادًا للدَّاعي، فإن الإنسان قد يدعو على ولده وحبيبه بالشر؛ بحكم بادرة الغضب (٣)، ولا يريد وقوعه به، ولا يتمناه، والله تعالى أعلم.\n* * *\n_________\n(١) رواه أبو داود: (٧٠٦).\n(٢) ما ببن حاصرتين ساقط من (م) و(ج ٢).\n(٣) ما بين حاصرتين ساقط من (ل ١).","vol":"4","page":538},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-631>(١٩) كتاب الوصايا والفرائض</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-632>(١) باب الحث على الوصية وأنها بالثلث لا يتجاوز</span>\n[١٧٠٦] عَن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَا حَقُّ امرِئٍ مُسلِمٍ لَهُ شَيءٌ يُرِيدُ أَن يُوصِيَ فِيهِ يَبِيتُ لَيلَتَينِ، إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكتُوبَةٌ عِندَهُ.\nــ\n(١٩) كتاب الوصايا والفرائض\n(١) باب الحث على الوصية وأنها بالثلث لا يتجاوز (١)\nالوصايا: جمع وصية؛ كالقضايا: جمع قضية، وهي في الأصل: عبارة عن كل شيء يؤمر بفعله، ويعهد به في الحياة، وبعد الموت. وخصَّصها العرف بما يعهد بفعله وتنفيذه بعد الموت.\nو(قوله ﷺ: (ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده) الحق في اللغة هو: الثابت مطلقا. فإذا أطلق في الشرع، فالمراد به: ثبوت الحكم فيه. ثم الحكم الثابت في الشريعة يكون: واجبا، ومندوبًا، ومباحًا؛ إذ كل واحد منها ثابت وموجود فيها، لكن إطلاق الحق على\n_________\n(١) هذا العنوان للباب ليس في الأصل، واستدرك من التلخيص.","vol":"4","page":539},{"text":"وفي رواية: يَبِيتُ ثَلَاثَ لَيَالٍ، وفيها: قَالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ:\nــ\nالمباح قل ما يقع في الشريعة، وإنما يوجد فيها بمعنى الواجب، والندب. فإن اقترن به (على) أو ما في معناها؛ ظهر فيه قصد الوجوب. وإن لم يقترن به ذلك؛ كان محتملًا للأمرين، كما قد جاء في هذا الحديث. وعلى هذا: فلا حجة لداود في التمسك بحق الذي في هذا الحديث على وجوب الوصية؛ لأنه لم يقترن به قرينة تزيل إجماله، فإن أبى إلا دعوى ظهوره قابلناه بما قاله بعض أصحابنا في هذا الحق: إنه قد اقترن به ما يدلّ على الندب. وهو إضافته للمسلم، وتعليق الوصية على الإرادة في قوله: (ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه). واقتران مثل هذا يقوِّي إرادة الندب. ثم لو سلمنا: أن ظاهره الوجوب فنقول بموجبه، فيمن كانت عليه حقوق للناس يخاف ضياعها عليهم، أو كانت له حقوق عند أناس يخاف تلفها على الورثة، فهذا تجب عليه الوصية. ولا يختلف فيه إذا خاف ضياعها بسبب الموت.\nوإذا تقرر هذا؛ فاعلم: أن الوصية في أول الإسلام كانت واجبة للوالدين والأقربين قبل نزول المواريث، كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُم إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوتُ إِن تَرَكَ خَيرًا الوَصِيَّةُ لِلوَالِدَينِ وَالأَقرَبِينَ بِالمَعرُوفِ حَقًّا عَلَى المُتَّقِينَ﴾ وهي بمجموع قرائنها نصٌّ في وجوب الوصية لمن ذكر فيها، ثم: إنها بعد ذلك نسخت. واختلف في ناسخها. فقيل: آية المواريث. وفيه إشكال؛ إذ لا تعارض بين أن يجمع بينهما، فيكون للقرابة أخذ المال بالوصية عن المورث، وبالميراث إن لم يوص، أو ما بقي بعد الوصية، لكن هذا قد منع الإجماع منه. وهو خلاف نص قوله ﷺ: (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، ألا لا وصيه لوارث) (١). فإذًا آية المواريث لم تستقل بنسخ آية الوصية، بل بضميمةٍ أخرى، وهي السُّنَّة المذكورة، ولذلك قال بعض علمائنا: إن نسخ الوصية للقرابة إنما كان بالسُّنة المذكورة، غير أنه يرد عليه: أن هذا نسخ القرآن بخبر الواحد.\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ٢٣٨ و٥/ ٢٦٧)، وأبو داود (٢٨٧٠ و٣٥٦٥)، والترمذي (٢١٢٠ و٢١٢١)، والنسائي (٦/ ٢٤٧)، وابن ماجه (٢٧١٣ و٢٧١٤).","vol":"4","page":540},{"text":"مَا مَرَّت عَلَيَّ لَيلَةٌ مُنذُ سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَلِكَ إِلَّا وَعِندِي وَصِيَّتِي.\nرواه أحمد (٢/ ٥٧ و٨٠)، والبخاري (٢٧٢٨)، ومسلم (١٦٢٧)، وأبو داود (٢٨٦٢)، والترمذي (٩٧٤)، والنسائي (٦/ ٢٣٨)، وابن ماجه (٢٦٩٩).\nــ\nوالجواب عنه: إنَّ ذلك قد كان معمولًا به في الصحابة كما قد حكاه الأصوليون في كتبهم. ولو سلمنا: أن ذلك لا يجوز؛ فلم يكن ذلك الخبر آحادًا، بل كان متواترًا. فإن النبي ﷺ ألقاه على أهل عرفة يوم عرفة، وأخبرهم بنسخ ذلك بسنَّته. وأهل عرفة عدد (١) كثير، وجم غفير، لا يحيط بهم بلد، ولا يحصرهم عدد، فقد كان متواترًا، فنسخ المقطوع بالمقطوع. ونحن وإن كان هذا الخبر قد بلغنا آحادًا؛ لكن قد انضم إليه إجماع المسلمين: أنَّه لا تجوز الوصية لوارث، فقد ظهر: أن وجوب الوصية للأقربين منسوخ بالسُّنة، وأنها مستند المجمعين، غير أنه قد ذهبت طائفة؛ وهم: الحسن، وقتادة، والضحاك، وطاوس: إلى أن وجوب الوصية ليس منسوخًا في حق جميع القرابة، بل في حق الوارثين خاصة. واختاره الطبري.\nقلت: وعلى هذا فلا يكون هذا نسخًا عند هؤلاء، بل: تخصيصًا لعموم قوله تعالى: ﴿وَالأَقرَبِينَ﴾ بقوله ﷺ: (لا وصية لوارث) (٢) وهذا لا يحتاج فيه أن يكون قوله: (لا وصية لوارث) متواترًا؛ لأنه يجوز تخصيص القرآن بالسنة غير المتواترة اتفاقًا من الأكثر. وهو الصحيح على ما ذكرناه في الأصول.\nو(قوله: له شيء يوصي فيه) عامٌّ في الأموال والبنين الصغار، والحقوق التي له وعليه كلها، من ديون، وكفارات، وزكوات فرَّط فيها، فإذا وصَّى بذلك؛ أخرجت الديون من رأس المال. والكفارات، والزكوات من ثلثه، على تفصيل يعرف في الفقه.\n_________\n(١) في (ل ١): جمع.\n(٢) سبق تخريجه قبل قليل.","vol":"4","page":541},{"text":"[١٧٠٧] وعَن عَامِرِ بنِ سَعدٍ، عَن أَبِيهِ قَالَ: عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ مِن وَجَعٍ أَشفَيتُ مِنهُ عَلَى المَوتِ، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،\nــ\nو(قوله: يبيت ليل ين) المقصود بذكر الليلتين، أو الثلاث: التقريب، وتقليل مدَّة ترك كتب الوصية. ولذلك لَمَّا سمعه ابن عمر لم يبت ليلة إلا بعد أن كتب وصيته. والحزم المبادرة إلى كتبها أول أوقات الإمكان، لإمكان بغتة الموت التي لا يأمنها العاقل ساعة. ويحتمل أن يكون إنما خصَّ الليلتين بالذكر فسحة لمن يحتاج إلى أن ينظر فيما له وما عليه، فيتحقق بذلك، ويروي (١) فيها ما يوصي به، ولمن يوصي، إلى غير ذلك.\nو(قوله: إلا ووصيته مكتوبة عنده) ذِكرُ الكتابة مبالغة في زيادة الاستيثاق؛ لأنه إنما يعني: بكونها مكتوبة، مشهودًا بها. وهي الوصية المتفق على العمل بها، فلو أشهد بها العدول، وقاموا بتلك الشهادة لفظًا لعُمِل بها، وإن لم تكتب خطًا، فلو كتبها بيده، ولم يشهد بها؛ فلم يختلف قول مالك: أنه لا يُعمل بها إلا فيما يكون فيها من إقرار بحق لمن لا يتهم عليه، فيلزم تنفيذه. واختلف عن مالك فيما إذا كتبها، وأشهد عليها، فقال فيها: إن مت في سفري هذا، أو في مرضي هذا، فسلم من الموت في ذلك السَّفر والمرض، ولم يخرجها من يده حتى مات بعد ذلك. فهل تنفذ أو لا؟ قولان. فلو وضعها على يد غيره نُفِّذَت. ولو لم يقيدها بذلك المرض ولا بذلك السَّفر، وأمسكها عنده إلى أن مات نُفِّذت قولًا واحدًا. وتفصيل مسائل الوصايا في الأمهات.\nو(قوله في حديث سعد: عادني رسول الله ﷺ في وجع أشفيت منه على الموت) عادني: زارني. ولا يقال ذلك إلا لزيارة المريض. فأما الزيارة فأكثرها للصحيح. وقد تقال للمريض. فأمَّا قوله تعالى: ﴿حَتَّى زُرتُمُ المَقَابِرَ﴾\n_________\n(١) روَّى في الأمر: نظر فيه، وتعقبه، وتفكر.","vol":"4","page":542},{"text":"بَلَغَنِي مَا تَرَى مِن الوَجَعِ، وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا بنَت لِي وَاحِدَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَي مَالِي؟ قَالَ: لَا. قَالَ: قُلتُ: أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطرِهِ؟ قَالَ:\nــ\nفكناية (١) عن الموت.\nو(الوجع) اسم لكل مرض. قاله الحربي. و(أشفيت): أشرفت. يقال: أشفى وأشاف بمعنى واحد. قاله الهروي. وقال القتبي: لا يقال: أشفى إلا على شرّ.\nوفيه: عيادة الفضلاء والكبراء للمرضى، وتفقد الرَّجل الفاضل أصحابه وإخوانه.\nو(قوله: بلغني من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي) فيه ما يدلُّ على أن إخبار المريض بحاله لا على جهة التشكّي والتَّسخُّط جائز، وغير منقص لثوابه. ألا ترى: أن النبي ﷺ لم يصدر عنه إنكار، ولا تنبيه على تنقيص أجر ولا غيره (٢).\nو(ذو مال): وإن صلح للكثير والقليل الذي ليس بتافه؛ فالمراد به ها هنا: المال الكثير بقرينة الحال.\nو(قوله: ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة) ظاهر هذا: أنه ليس له وارث إلا ابنة واحدة. وليس كذلك. فإنَّه كان له ورثة وعصبة. وإنما معنى ذلك: لا يرثني بالسَّهم إلا ابنة واحدة. وقيل: لا يرثني من النساء إلا ابنة واحدة. وكلاهما محتمل. ثم أفاق من مرضه، وكان له بعده ثلاثة من الولد ذكور؛ أحدهم: اسمه عامر، وهو راوي هذا الحديث عن أبيه كما ذكرناه.\nو(قوله: أفاتصدَّق بثلثي مالي؛ قال: لا) ظاهر هذا السؤال: أنه إنما سأل عن الوصية بثلثي ماله لتنفذ بعد الموت. يدل على ذلك: قرائن المرض، وذكر الورثة، وغير ذلك. ويحتمل: أن يكون عن صدقة بتلة (٣)، يخرجها في الحال. وفيه بُعدٌ. وكيف ما كان فقد أجيب: بأن ذلك لا يجوز إلا في الثلث خاصة.\nقال\n_________\n(١) في (ل ١): فكنَّى به.\n(٢) ما بين حاصرتين سقط من (ع).\n(٣) صدقة بَتْلَةٌ: منقطعة من مال المتصدِّق بها، خارجة إلى سبيل الله.","vol":"4","page":543},{"text":"لَا، الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ،\nــ\nالقاضي عياض: أجمع العلماء: على أن من مات وله ورثة فليس له أن يوصي بجميع ماله إلا شيئًا روي عن بعض السَّلف، أجمع الناس بعده على خلافه. والجمهور: على أنه لا يوصي بجميع ماله (١)، وإن لم يكن له وارث. وذهب أبو حنيفة، وأصحابه، وإسحاق، وأحمد، ومالك - في أحد قوليهما - إلى جواز ذلك. وروي عن علي، وابن مسعود. وسبب هذا الخلاف: الخلاف في بيت المال هل هو وارث، أو حافظ لما يجعل فيه.\nوفيه دليل: على أن المريض محجور عليه في ماله (١). وهو مذهب الجمهور. وشذَّ أهل الظاهر، فقالوا: لا يحجر عليه في ماله وهو كالصحيح. وظاهر هذا: الحديث، والنظر، والمعنى: حجة عليهم.\nومنع أهل الظاهر الوصية بأكثر من الثلث وإن أجازها الورثة. وأجاز ذلك الكافة إذا أجازها الورثة. وهو الصحيح؛ لأن المريض إنما منع من الوصية بزيادة على الثلث لحق الوارث، بدليل قوله ﷺ: (إنك أن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالة) فإذا أسقط الورثة حقهم كان ذلك جائزًا وصحيحًا.\nو(قوله: الثلث، والثلث كثير) وروي: (الثلث) الأول بالرفع على الابتداء، وإضمار الخبر؛ أي: الثلث كافيك. وقيل: يجوز على أن يكون فاعلًا لفعل مضمر.\nقلت: وفيه ضعف؛ لأنه لا يكون ذلك إلا بعد أن يكون في صدر الكلام ما يدل على الفعل دلالة واضحة، كقوله تعالى: ﴿وَإِن أَحَدٌ مِنَ المُشرِكِينَ استَجَارَكَ فَأَجِرهُ حَتَّى يَسمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾، على خلاف بين الكوفيين والبصريين. فالبصريون يرفعونه بالفعل. والكوفيون بالابتداء. وروي بالنصب على أن يكون\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).","vol":"4","page":544},{"text":"إِنَّكَ أَن تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغنِيَاءَ خَيرٌ مِن أَن تَذَرَهُم عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَلَستَ تُنفِقُ نَفَقَةً تَبتَغِي بِهَا وَجهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرتَ بِهَا،\nــ\nمفعولًا بفعل مضمر تقديره: نفذ الثلث. أو: أمض الثلث. وما أشبهه، وقيل: على الإغراء. وفيه بُعدٌ.\nوهو حجة للجمهور على جواز الوصية بالثلث على من شذّ، وخالفهم، وقال: لا يجوز إلا بالربع، لكن لما استكثر النبي ﷺ الثلث؛ قال ابن عباس: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع حَضًّا على ذلك. وكل ذلك رفق بالورثة، وترجيح لجانبهم على الصدقة للأجانب.\nقلت: وعلى هذا فمن حسنت نيَّته فيما يبقيه لورثته كان أجره في ذلك أعظم من الصدقة به، لا سيما إذا كانوا ضعافًا، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة) روايتنا في (أن تذر) بفتح الهمزة، و(أن) مع الفعل بتأويل المصدر في موضع رفع بالابتداء، وخبره (خير) المذكور بعده، والمبتدأ وخبره خبر (إنك) تقديره: إنك تركك ورثتك أغنياء خير من تركهم فقراء. وقد وهم من كسر الهمزة من (أن) وجعلها شرطًا؛ إذ لا جواب له ويبقى (خير) لا رافع له. فتأمله.\nو(العالة): الفقراء. و(يتكففون الناس): يسألون الصدقة من أكف الناس: أو يسألونهم بأكفهم. وهذا يدلُّ على أنَّه كان له ورثة غير الابنة التي ذكرها، ويصحح ذلك التأويل الذي ذكرناه.\nوفيه دليل: على صحة ميراث ذي السهم مع العصبة. ولا خلاف فيه.\nو(قوله: ولست تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها) هذا يفيد بمنطوقه: أن الأجر في النفقات لا يحصل إلا بقصد القربة إلى الله ﷿ وإن كانت واجبة. وبمفهومه: أن من لم يقصد القربة لم يؤجر على شيء منها.","vol":"4","page":545},{"text":"حَتَّى اللُّقمَةُ تَجعَلُهَا فِي فِيِّ امرَأَتِكَ.\nــ\nوالمعنيان صحيحان. يبقى أن يقال: فهل إذا أنفق نفقةً واجبةً على الزوجة، أو الولد الفقير، ولم يقصد التقرب؛ هل تبرأ ذمته، أم لا؟ فالجواب: أنها تبرأ ذمته من المطالبة؛ لأن وجوب النفقة من العبادات المعقولة المعنى، فتجري بغير نيَّة، كالدِّيون، وأداء الأمانات، وغيرها من العبادات المصلحية، لكن إذا لم ينو لم يحصل له أجر. وقد قرَّرنا هذا في أصول الفقه. ويفهم منه بحكم عمومه: أن من أنفق نفقة مباحة، وصحَّت له فيها نيَّةُ التَّقرب أثيب عليها، كمن يطعم ولده لذيذ الأطعمة ولطيفها ليردَّ (١) شهوته، ويمنعه من التشوُّف لما يراه بيد الغير من ذلك النوع، وليرق طبعه، فيحسن فهمه، ويقوى حفظه، إلى غير ذلك مما يقصده الفضلاء.\nو(قوله: حتى اللقمة تضعها (٢) في فِي امرأتك) يجوز في (اللقمة) النصب على عطفها على (نفقة). وأظهر من ذلك أن تنصبها بإضمار فعل؛ لأن الفعل قد اشتغل عنها بضميره. وهذا كقول العرب: أكلتُ السمكةَ حتى رأسها أكلته. وقد أجاز في (رأسها) الرفع، والنصب، والجر، وأوضح هذه الأوجه: النصب. وأبعدها الخفض. وكل ذلك جائز في (حتى اللقمة) ها هنا فَنَزِّلهُ عليه. والذي به قرأت هذا الحرف: النصب لا غير. وإنما خصَّ الزوجة بالذِّكر لأن نفقتها دائمة، تعودُ منفعتُها إلى المنفق، فإنها تحسنها في بدنها، ولباسها، وغير ذلك. فالغالب من الناس: أنه ينفق على زوجته لقضاء وطره، وتحصيل شهوته، وليس كذلك النفقة على الأبوين، فإنها تخرج بمحض الكلفة، والمشقة غالبًا، فكانت نية التقرُّب فيها أقرب وأظهر. والنفقة على الولد فيها شبه من نفقة الزوجة، ومن نفقة الأبوين، من حيث المحبة الطبيعية، والكلفة الوجودية.\n_________\n(١) في (ع): ليبرِّدَ.\n(٢) كذا في جميع النسخ، وفي التلخيص: \"تجعلُها\".","vol":"4","page":546},{"text":"قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أأُخَلَّفُ بَعدَ أَصحَابِي؟ قَالَ: إِنَّكَ لَن تُخَلَّفَ فَتَعمَلَ عَمَلًا تَبتَغِي بِهِ وَجهَ اللَّهِ إِلَّا ازدَدتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفعَةً، وَلَعَلَّكَ تُخَلَّفُ حَتَّى يُنتفَعَ بِكَ أَقوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، اللَّهُمَّ أَمضِ لِأَصحَابِي هِجرَتَهُم، وَلَا تَرُدَّهُم عَلَى أَعقَابِهِم،\nــ\nوإنما ذكر النبي ﷺ لسعد هذا الكلام في هذا الموطن تنبيها على الفوائد التي تحصلُ بسبب المال، فإنه إن مات أُثيب على ترك ورثته أغنياء من حيث إنه وصل رحمهم، وأعانهم بماله على طاعة الله تعالى، كما قال: (إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة) أي: ذلك أفضل من صدقتك بمالك، وإن لم تمت حصل لك أجر النفقات الواجبة والمندوب إليها. ويخرج من هذا الحديث: أن كسب المال وصرفه على هذه الوجوه أفضل من ترك الكسب، أو من الخروج عنه جملة واحدة. وكل هذا: إذا كان الكسب من الحلال الخلي عن الشبهات؛ الذي قد تعذَّر الوصول إليه في هذه الأوقات.\nو(قوله: أَأُخلَّفُ بعد أصحابي؟) هذا الاستفهام إنما صدر عن سعد مخافة أن يكون مقامه بمكة بعد أصحابه إلى أن يموت بها قادحًا في هجرته، كما قد نصَّ عليه في الرواية الأخرى؛ إذ قال فيها: (لقد خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها). فأجابه النبي ﷺ بما يقتضي: أن ذلك لا يكون، وأنه يطول عمره إلى أن ينتفع به قومٌ، ويستضرُّ به آخرون. وقد كان ذلك. فإنه عاش بعد ذلك نيفًا وأربعين سنة، وولي بالعراق أميرًا، وفتحها الله تعالى على يديه، فأسلم على يديه بشرٌ كثير، فانتفعوا به، وقتل وأسر من الكفار خلقًا كثيرًا، فاستضروا به، فكان ذلك القول من أعلام نبوَّته، وأدلَّة صدق رسالته.\nو(قوله: اللهم! أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم) يقتضي أن تبقى عليهم حال هجرتهم وأحكامها. ويفيد: أن استصحاب أحكامها كان واجبا على من هاجر، فيحرم عليه الرجوع إلى وطنه، وترك المدينة إلى أن","vol":"4","page":547},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nيموت بها، وإن كان قد ارتفع حكم وجوب أصلها عمن لم يهاجر يوم الفتح، حيث قال: (لا هجرة بعد الفتح) (١) وقال: (إن الهجرة قد مضت لأهلها) (٢) أي: من كان هاجر قبل الفتح صحَّت له هجرته، ولزمه البقاء عليها إلى الموت. ومن لم يكن هاجر سقط ذلك عنه. ومن نقض الهجرة خاف المهاجرون، حيث تحرَّجوا من مقامهم بمكة في حجة الوداع. وهذا هو الذي خاف منه سعد. فإن قضيته هذه كانت في حجة الوداع. وهذا هو الذي نقمه الحجَّاجُ على ابن الأكوع (٣) لما ترك المدينة ولزم الربذة فقال: تغربت يا ابن الأكوع (٣)؟ ! فأجابه: بأن قال له: إن رسول الله ﷺ أذن لي في البدو. وهذا هو الظاهر من جملة ما ذكرناه من هذه الأحاديث. وبه قال بعض أهل العلم. وهو الذي يدلُّ عليه قوله ﷺ: (لكن البائسُ سعدُ بن خولة) رثى له رسول الله ﷺ أن توفي بمكة، وسيأتي الكلام عليه.\nوقال آخرون: إن وجوب الهجرة؛ ووجوب استدامة حكمها؛ قد ارتفع يوم الفتح، وإنما لزم المهاجرون المقام بالمدينة بعد الهجرة في حياة رسول الله ﷺ لنصرته، ولأخذ شريعته، ومشافهته، وللكون معه اغتنامًا لبركته. ثم لما مات: فمنهم من أقام بالمدينة، وأكثرهم ارتحل عنها. ولما فتحت الأمصار استوطنوها، وتركوا سكنى المدينة. فاستوطن الشام قوم منهم، واستوطن آخرون العراق، وآخرون مصر.\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٢٢٦)، والبخاري (٢٨٢٥)، ومسلم (١٣٥٣).\n(٢) رواه البخاري (٤٣٠٧)، ومسلم (١٨٦٣) (٨٣).\n(٣) في (ع) و(ل ١): يا أبا ذر، والمثبت من (ج ٢) وجاء في حاشية (ل ١) بخط ابن فرح على نسخته: صوابه: في سلمة بن الأكوع، وقد ذكره الشيخ فبم الصواب فيما تقدم في باب لا هجرة بعد الفتح، وأمَّا أبو ذرّ فلم يدركه الحجَّاج، فإنَّ أبا ذرّ مات سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان، والحجاج قد تولى لعبد الملك جيشه في السبعين، فتأمله تجده سبق خاطرٍ وقلمٍ. انظر باب: لا هجرة بعد الفتح في كتاب الإمارة والبيعة.","vol":"4","page":548},{"text":"لَكِن البَائِسُ سَعدُ بنُ خَولَةَ. قَالَ: رَثَى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن أَن تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ.\nرواه أحمد (١/ ١٧٩)، والبخاري (٦٧٣٣)، ومسلم (١٦٢٨) (٥)، والترمذي (٢١١٦)، والنسائي (٦/ ٢٤١)، وابن ماجه (٢٧٠٨).\nــ\nوتأول أهل هذا القول ما تقدَّم: بأن ذلك إنما كان منهم مخافة أن تنقص أجورهم في هجرتهم متى زالوا عن شيء من أحكامها، فدعا لهم النبي ﷺ بألا يُنقِصَهم شيئًا من ذلك. وللأولين أن ينفصلوا عن هذا، بأن يقولوا: إنما استوطنوا تلك الأمصار للجهاد وفتح البلاد، وإظهار الدين، ونشر العلم، حتى أنفذوا في ذلك أعمارهم، ولما يقضوا من ذلك أوطارهم.\nو(قوله: لكن البائس سعد بن خولة) البائس: اسم فاعل من بئس، يبأس: إذا أصابه بؤسٌ، وهو الضرر. وسعد بن خولة: هو زوج سبيعة الأسلمية، وهو رجل من بني عامر بن لؤي، من أنفسهم. وقيل: حليفٌ لهم. وقيل: إنه مولى أبي رُهم بن عبد العزى العامري.\nواختلف في أمره؛ فقال ابن مزين، وعيسى بن دينار: إنه لم يهاجر من مكة حتى مات فيها. والأكثر على أنَّه هاجر ثم رجع إلى مكة مختارًا. وعلى هذين القولين يكون بؤسُه ذمًّا له؛ إما لعدم هجرته، وإما لفسخها (١) برجوعه عنها. وقال ابن هشام: إنَّه هاجر الهجرة إلى الحبشة، والهجرة الثانية، وشهد بدرًا، وغيرها، وتوفي بمكة في حجة الوداع. وعلى هذا فلا يكون بؤسه ذمًّا له، بل توجُّعًا له ورحمة؛ إذ كان منه: أنه هاجر الهجرتين، ثم إنَّه مات بعد ذلك بمكة، فيكون إشعارًا بما قدَّمناه من نقص ثواب من اتفق له ذلك. ومن ذلك تحرَّج سعد، والمهاجرون. والله تعالى أعلم.\nوظاهر هذا القول: أنه من قول النبي ﷺ ولذلك قال المحدِّثون: انتهى كلام رسول الله ﷺ في قوله: (لكن البائس سعد بن خولة) وأما قوله بعد ذلك: رثى له رسول الله ﷺ أن توفي بمكة؛\n_________\n(١) في (ج ٢): لسقوطها.","vol":"4","page":549},{"text":"[١٧٠٨] وعنه، عَن أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى سَعدٍ يَعُودُهُ بِمَكَّةَ فَبَكَى، قَالَ: مَا يُبكِيكَ؟ . فَقَالَ: لقَد خَشِيتُ أَن أَمُوتَ بِالأَرضِ الَّتِي هَاجَرتُ مِنهَا كَمَا مَاتَ سَعدُ بنُ خَولَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اللَّهُمَّ اشفِ سَعدًا، اللَّهُمَّ اشفِ سَعدًا. ثَلَاثَ مِرَارٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي مَالًا كَثِيرًا، وَإِنَّمَا يَرِثُنِي ابنَتِي، أَفَأُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَبِالثُّلُثَينِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَالنِّصفُ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَالثُّلُثُ؟ قَالَ: الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّ صَدَقَتَكَ مِن مَالِكَ صَدَقَةٌ، وَإِنَّ نَفَقَتَكَ عَلَى عِيَالِكَ صَدَقَةٌ،\nــ\nفظاهره: أنه من كلام غير النبي ﷺ. فقيل: هو قول سعد بن أبي وقاص. وقد جاء ذلك في بعض طرقه. وأكثر الناس على أنَّه من قول الزهري. والله تعالى أعلم.\nوقد وقع في بعض طرق هذا الحديث انقطاع في أصل كتاب مسلم. وهو من المواضع المنقطعة الأربعة عشر، لكن لا يضر ذلك إن صحَّ؛ لأنه قد رواه من طرق أخر متصلة.\nو(قوله ﷺ: (اللهم! اشف سعدًا - ثلاث مرارٍ (١» يدلُّ على ندبية تطييب قلب المريض بالدعاء، وعلى إجابة دعاء النبي ﷺ فإنَّه أفاق، وعاش مدة طويلة، وفتح، وملك، كما قدَّمناه.\nو(قوله: إن لي مالًا كثيرًا) دليل: على جواز الاستكثار من المال الحلال؛ لحصول الفوائد التي ذكرناها.\nو(قوله: إنَّ صدقتك من مالك صدقة) أي: مقبولة عند الله، حاصل لك ثوابها.\nو(قوله: وإنَّ نفقتك على أهلك صدقة) أي: يحصل لك عليها من الثواب مثل ما يحصل من ثواب الصَّدقة، واجبها كواجبها، ونفلها كنفلها.\n_________\n(١) في (ج ٢) مرتين، وهو مخالف لبقية النسخ وللتلخيص.","vol":"4","page":550},{"text":"وَإِنَّ مَا تَأكُلُ امرَأَتُكَ مِن مَالِكَ صَدَقَةٌ، وَإِنَّكَ أَن تَدَعَ أَهلَكَ بِخَيرٍ أَو قَالَ بِعَيشٍ خَيرٌ مِن أَن تَدَعَهُم يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَقَالَ بِيَدِهِ.\nرواه أحمد (١/ ١٦٨)، والبخاري (٥٦٥٩)، ومسلم (١٢٢٨) (٨).\n[١٧٠٩] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَو أَنَّ النَّاسَ غَضُّوا مِن الثُّلُثِ إِلَى الرُّبُعِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ.\nوفي رواية: كَثِيرٌ أَو كَبِيرٌ.\nرواه مسلم (١٦٢٩).\n* * *\nــ\nو(قوله: بخير) أو: (بعيش) شك مِن الرَّاوي في هذه الرِّواية. والخير هنا: هو المال. وكذلك هو في أكثر مواضع القرآن. والعيش هنا: هو ما يعاش به، وهو: المال.\nو(قوله: لو أن النَّاس غضوا من الثلث إلى الربع) (لو) هنا: حرف تمن بمعنى: ليت. وقد ذكرنا مواضعها في أول كتاب الإيمان.\nو(غضوا) بالغين المعجمة؛ أي: نقصوا. وأصله من غضِّ العين. واختلف في المستحب من الوصية، فالجمهور: على أنَّه الثلث. وذهب بعضهم: إلى أن ذلك إنَّما يستحب لمن لا وارث له، وروي عن بعض السَّلف: النقص منه. فأوصى أبو بكر بالخمس، وقال: إن الله تعالى رضي من عباده به. ونحوه عن علي. وأوصى عمر بالربع. وهو ظاهر قول ابن عباس. وبه قال إسحاق. وقال الحسن: السدس، أو الخمس، أو الربع. وقال النخعي: كانوا يكرهون الوصية بمثل نصيب أحد الورثة. واختار آخرون: العشر؛ لما قد روي في حديث سعدٍ- إن صحَّ -؛ أنه قال: العشر. وروي عن عليّ، وابن عباس، وعائشة، وغيرهم: لِمَن ماله قليل، وله ورثة، ترك الوصية؛ لقوله ﷺ: (إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة).\nو(قوله: الثلث، والثلث كثير - أو كبير -) شكٌّ من الرَّاوي. والمعنى","vol":"4","page":551},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-633>(٢) باب الصدقة عمَّن لم يوص، وما ينتفع به الإنسان بعد موته</span>\n[١٧١٠] عَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ أَبِي مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا وَلَم يُوصِ فيه، فَهَل يُكَفِّرُ عَنهُ أَن أَتَصَدَّقَ عَنهُ؟ قَالَ: نَعَم.\nرواه مسلم (١٦٣٠)، والنسائي (٦/ ٢٥١).\nــ\nفيهما واحد. والحاصل منهما: أن النبي ﷺ استكثر الثلث، مع أنه أجازه أولًا بقوله. فينبغي أن ينقص منه شيءٌ له بالٌ، وهو غير محدود.\n(٢) ومن باب: الصدقة عمَّن لم يوص\n(قوله: إن أبي مات وترك مالًا، ولم يوص فيه. فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه؟ قال: نعم) ظاهر قوله: (فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه): أنه علم أن أباه كان فرَّط في صدقات واجبة، فسأل: هل يجزئ عنه أن يقوم بها عنه؛ فأجابه النبي ﷺ: بـ (نعم). وعلى هذا فيكون فيه دليل على أن من قام عن آخر بواجب مالي في الحياة، أو بعد الموت أجزأ عنه، وهذا مما تجوز النيابة فيه بالإجماع، وإنه مما يستحب، وخصوصًا في الآباء؛ فإنَّها مبالغة في برهم، والقيام بحقوقهم. وقد قال ﷺ: (من مات وعليه صيام صام عنه وليُّه إن شاء) (١) وقد تقدم في كتاب الصوم. وإذا كان هذا في الصيام؛ كان الحق المالي بذلك أولى. وقيل: إنَّما سأل: هل تكفَّر بذلك خطاياه؟ ولا ينبغي أن يُظَنَّ بصحابي تفريط في زكاة واجبة إلى أن مات. فإن هذا بعيد في حقوقهم. فالأولى به أن يحمل على أنَّه سأل: هل لأبيه أجرٌ بذلك فيكفر عنه به، كما قال السائل الآخر في حق أمه: أفلها أجر؟ ويحتمل أن يكون ذلك في الوقت الذي كانت فيه الوصية واجبة.\n_________\n(١) رواه أحمد (٦/ ٦٩)، والبخاري (١٩٥٢)، ومسلم (١١٤٧).","vol":"4","page":552},{"text":"[١٧١١] وعَن عَائِشَةَ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّيَ افتُلِتَت نَفسُهَا وَلَم تُوصِ، وَأَظُنُّهَا لَو تَكَلَّمَت تَصَدَّقَت، أَفَلَهَا أَجرٌ إِن تَصَدَّقتُ عَنهَا؟ قَالَ: نَعَم.\nوفي رواية: فَلِي أَجرٌ أَن أَتَصَدَّقَ عَنهَا؟ قَالَ: نَعَم.\nرواه البخاري (٢٧٦٠)، ومسلم (١٦٣٠) (١١٢)، وأبو داود (٢٨٨١)، والنسائي (٦/ ٢٥٠).\nــ\nقلت: وهذا محتمل لا سبيلَ إلى دفعه.\nوعلى القول الأول: فإذا علم الوارث أن مورثه فرط في زكوات، أو واجبات مالية، فقال الشافعي: واجب على الوارث إخراج ذلك من رأس المال، كالدَّين. وقال مالك: إن أوصى بذلك أخرج من الثلث. وإلا فلا. وقال بعض أصحابه: إذا علم أنه لم يخرج الزكاة؛ أخرجت من رأس المال؛ وصى بها، أو لم يوص، قاله أشهب. وهو الصحيح؛ لأن ذلك دين الله. وقد قال ﷺ: (دين الله أحق بالقضاء) (١) أو نقول: هو من جملة ديون الآدميين؛ لأنه حق الفقراء، وهم موجودون، وليس للوارث حق إلا بعد إخراج الدين والوصايا.\nو(قوله: إن أمّي افتُلِتَت نفسُها) أي: ماتت فلتة؛ أي: (٢) بغتة.\nو(افتُلِتَت) تقييده: بضم التاء، وكسر اللام، مبنيًا لما لم يسم فاعله.\n(نفسها) مرفوع؛ لأنه مفعول لم يسم فاعله. وقد روي بنصب (نفسها) على أن يضمر المفعول الذي لم يسم فاعله في (افتلتت) وبنصب (نفسها) على المفعول الثاني.\nو(قوله: وأظنُّها لو تكلمت تصدقت) ظن ذلك بما علم من قصدها للخير،\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٢٣٩ - ٢٤٠)، والبخاري (٦٦٩٩)، والنسائي (٥/ ١١٦).\n(٢) ما بين حاصرتين مستدرك من (ج ٢).","vol":"4","page":553},{"text":"[١٧١٢] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا مَاتَ الإِنسَانُ انقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِن صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَو عِلمٍ يُنتَفَعُ بِهِ، أَو وَلَدٍ صَالِحٍ يَدعُو لَهُ.\nرواه مسلم (١٦٣١)، وأبو داود (٢٨٨٠)، والترمذيُّ (١٣٧٦)، والنسائي (٦/ ٢٥١).\n* * *\nــ\nوفعلها للمعروف. وقد روي: أن هذا السائل كان سعد بن عبادة (١) (احتضرت أمه في غيبة سعد) فقيل لها: أوصي! فقالت: إنما المال لسعد، فتوفيت قبل قدومه. فسأل سعد النبي ﷺ عن ذلك.\nو(قوله: فلها أجر؟) وفي الرواية الأخرى: (فلي أجر). لا تناقض بين الروايتين؛ لأنه يمكن أن يكون سأل النبي ﷺ بالصيغتين، فأجابه بمجموعهما، غير أنه حدَّث تارة بإحداهما، وتارة بالأخرى، أو يكون من نقل بعض الرواة عنه. ومعنى الجمع بينهما صحيح؛ لأنها يكون لها أجر بما تصدَّق عنها، وله أجرٌ بما برَّها به، وأدخله عليها.\nو(قوله: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة. . .) الحديث، هذه الثلاثُ الخصال إنما جرى عملها بعد الموت على من نسبت إليه؛ لأنه تسبب في ذلك، وحرص عليه، ونواه. ثم إن فوائدها متجددة بعده دائمةٌ (٢)؛ فصار كأنَّه باشرها بالفعل، وكذلك حكم كل ما سنَّه الإنسان من الخير، فتكرر بعده؛ بدليل قوله ﷺ: (من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها، وأجر من عمل بها إلى\n_________\n(١) في (ع) و(م) و(ل ١): سعد بن أبي وقاص، والمثبت من (ج ٢). وانظر: فتح الباري (٥/ ٣٨٩).\n(٢) في (م): تتجدد بعده دائمًا.","vol":"4","page":554},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-634>(٣) باب ما وصى به النبي ﷺ عند موته</span>\n[١٧١٣] عَن طَلحَةَ بنِ مُصَرِّفٍ قَالَ: سَأَلتُ ابنَ أَبِي أَوفَى: هَل أَوصَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالَ: لَا. قُلتُ: فَلِمَ كُتِبَ، وفي رواية: كيف كتب عَلَى المُسلِمِينَ الوَصِيَّةُ؟ أَو فَلِمَ أُمِرُوا بِالوَصِيَّةِ؟ قَالَ: أَوصَى بِكِتَابِ اللَّهِ.\nرواه أحمد (٤/ ٣٨١)، والبخاري (٢٧٤٠)، ومسلم (١٦٣٤)، (١٦ و١٧)، والترمذي (٢١١٩)، والنسائي (٨/ ٢٤٠).\nــ\nيوم القيامة) (١). وقد تقدَّم الكلام على هذا الحديث في كتاب الزكاة. وإنما خصَّ هذه الثلاثة بالذكر في هذا الحديث، لأنَّها أصول الخير، وأغلب ما يقصد أهل الفضل بقاءه بعدهم. والصدقة الجارية بعد الموت هي: الحُبُس، فكان حجة على من ينكر الحُبُس.\nوفيه ما يدل على الحضِّ على تخليد العلوم الدينية بالتعليم والتصنيف، وعلى الاجتهاد في حمل الأولاد على طريق الخير والصلاح، ووصيتهم بالدعاء عند موته (وبعد الموت) (٢).\n(٣) ومن باب: ما أوصى به النبي ﷺ\n(قول طلحة لابن أبي أوفى: هل أوصى رسول الله ﷺ) ظاهره: أنه سأله (٣): هل كانت من النبي ﷺ وصيَّةٌ بشيء من الأشياء؛ لأنه لو أراد شيئًا واحدًا لعيَّنه،\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ٣٥٧ و٣٥٨)، ومسلم (١٠١٧)، والترمذي (٢٦٧٥)، والنسائي (٥/ ٧٥ - ٧٦)، وابن ماجه (٢٠٣).\n(٢) زيادة من (ل ١).\n(٣) من (ج ٢).","vol":"4","page":555},{"text":"[١٧١٤] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِينَارًا وَلَا دِرهَمًا، وَلَا شَاةً وَلَا بَعِيرًا، وَلَا أَوصَى بِشَيءٍ.\nرواه مسلم (١٦٣٥)، وأبو داود (٢٨٦٣)، والنسائي (٦/ ٢٤٠)، وابن ماجه (٢٦٩٥).\nــ\nفلمَّا لم يقيِّده بقي على إطلاقه. فأجابه بنفي ذلك. فلمَّا سمع طلحة هذا النفي العام قال مستبعدًا: كيف كتب على المسلمين الوصية؟ ومعناه: كيف ترك النبي ﷺ الوصية، والله تعالى قد كتبها على الناس؟ ! وهذا يدل: على أن طلحة، وابن أبي أوفى كانا يعتقدان الوصية واجبة على كل (١) النَّاس، وأن ذلك الحكم لم ينسخ. وفيه بُعد.\nثم: إن ابن أبي أوفى غفل عمَّا أوصى به النبي ﷺ وهي وصايا كثيرة؛ فمنها: أنه قال: (لا يقسم ورثتي دينارًا ولا درهمًا) (٢) و(لا نورث ما تركنا صدقة) (٣) وقال عند موته: (لا يبقين دينان بجزيرة العرب. وأخرجوا المشركين منها. وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم) (٤). وآخر ما وصَّى به - وهو ما يفيض - (٥) أن قال: (الصلاة وما ملكت أيمانكم) (٦) وهذه كلها وصايا منه ذهل عنها ابن أبي أوفى. وذكر ابن إسحاق: أن النبي ﷺ أوصى عند موته لجماعة من قبائل العرب بجِدَاد أوساقٍ من تمر سهمه بخيبر. ذكره في السيرة. ولم يذكر ابن أبي أوفى من جملة ما وصَّى به النبي ﷺ إلا كتابَ الله، إمَّا ذهولًا، وإما اقتصارًا\n_________\n(١) زيادة من (ع).\n(٢) رواه مسلم (١٧٦٠).\n(٣) رواه أحمد (٦/ ٢٦٢)، والبخاري (٦٧٣٠)، ومسلم (١٧٥٨).\n(٤) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٨٩٢).\n(٥) الحديث في سنن ابن ماجه (١٦٢٥) وقد جاء فيه: \"فما زال يقولها حتى ما يفيض بها لسانه\".\n(٦) رواه أحمد (١/ ٧٨ و٣/ ١١٧ و٦/ ٢٩٠)، وابن ماجه (٢٦٩٨).","vol":"4","page":556},{"text":"[١٧١٥] وعَن الأَسوَدِ بنِ يَزِيدَ قَالَ: ذَكَرُوا عِندَ عَائِشَةَ: أَنَّ عَلِيًّا كَانَ وَصِيًّا، فَقَالَت: مَتَى أَوصَى إِلَيهِ؟ فَقَد كُنتُ مُسنِدَتَهُ إِلَى صَدرِي أَو قَالَت حَجرِي فَدَعَا بِالطَّستِ، فَلَقَد انخَنَثَ فِي حَجرِي وَمَا شَعَرتُ أَنَّهُ مَاتَ، فَمَتَى أَوصَى إِلَيهِ؟ .\nرواه أحمد (٦/ ٣٢)، والبخاري (٢٧٤١)، ومسلم (١٦٣٦)، وابن ماجه (١٦٢٦).\nــ\nعليه؛ لأنه أعظمُ وأهمُّ من كل ما وصَّى به. وأيضًا: فإذا استوصى النَّاس بكتاب الله، فعملوا به قاموا بكل ما أوصى به. والله تعالى أعلم.\nوأما (قول عائشة ﵂: (ما أوصى رسول الله ﷺ بشيء) فإنَّها أرادت في شيء من أمر الخلافة، بدليل الحديث المذكور.\nثانيا: إنهم لما ذكروا: أن عليًّا كان وصيًّا قالت: ومتى أوصى إليه؟ وذكرت الحديث.\nوقد أكثرَ الشِّيعةُ والرَّوافض من الأحاديث الباطلة الكاذبة، واخترعوا نصوصًا على استخلاف النبي ﷺ عليًّا، وادعوا أنَّها تواترت عندهم. وهذا كلُّه كذبٌ مركبٌ. ولو كان شيء من ذلك صحيحًا، أو معروفًا عند الصحابة يوم السَّقيفة لذكروه، ولرجعوا إليه. ولذكره عليٌّ مُحتجًّا لنفسه، ولما حل أن يسكت عن مثل ذلك بوجه، فإنَّه حق الله، وحق نبيه ﷺ وحقه وحق المسلمين. ثم ما يعلم من عظيم علم عليّ ﵁ وصلابته في الدين، وشجاعته يقتضي: ألا يتَّقِي أحدًا في دين الله، كما لم يتِّق معاويةَ، وأهل الشام حين خالفوه، ثم: إنه لما قُتِل عثمان ولَّى المسلمون باجتهادهم عليًّا. ولم يذكر هو، ولا أحدٌ منهم نصًّا في ذلك. فعُلم قطعًا كذب من ادعاه. وما التوفيق إلا من عند الله.\nو(قولها: ولقد انخنث في حجري) انخنث: مال؛ تعني: حين مات. والمخنَّث من الرجال: هو الذي يميل ويتثنى تشبُّهًا بالنساء. واختناث السقاء: هو","vol":"4","page":557},{"text":"[١٧١٦] وعَنِ ابنُ عَبَّاسٍ قَالَ: يَومُ الخَمِيسِ، وَمَا يَومُ الخَمِيسِ؟ ثُمَّ بَكَى حَتَّى بَلَّ دَمعُهُ الحَصَى، فَقُلتُ: يَا ابنَ عَبَّاسٍ، وَمَا يَومُ الخَمِيسِ؟ قَالَ: اشتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعُهُ فَقَالَ: ائتُونِي أَكتُب لَكُم كِتَابًا لَا تَضِلُّون بَعدِي. فَتَنَازَعُوا\nــ\nإمالةُ فمه بعضه على بعض وتليينه ليُشربَ منه. والحَجر هنا: هو حَجر الثوب. وفصيحة بفتح الحاء، ويقال بكسرها. فأمَّا الحَجر على السَّفيه: فهو بالفتح لا غير، وهو بمعنى: المنع. فأما الحِجر -بالكسر - فهو: العقل. ومنه قوله تعالى: ﴿لِذِي حِجرٍ﴾ والحرام، ومنه قوله تعالى: ﴿حِجرًا مَحجُورًا﴾ (١).\nوقوله يوم الخميس! وما يوم الخميس؟ ! تعظيم وتفخيم لذلك اليوم على جهة التفجع على ما فاتهم في ذلك من كتب كتاب لا يكون معه ضلالٌ، وهو حقيقٌ بأكثر من ذلك التفجُّع، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿الحَاقَّةُ * مَا الحَاقَّةُ﴾ و: ﴿القَارِعَةُ * مَا القَارِعَةُ﴾ وهذا المعنى الذي همَّ رسول الله ﷺ بكتابته يحتمل أن يكون تفصيل أمور مهمَّةٍ وقعت في الشريعة جملية فأراد تعيينها، ويحتمل أن يريد به بيان ما يرجعون إليه عند وقوع الفتن، ومن أولى بالاتباع والمبايعة. ويحتمل أن يريد به بيان أمر الخلافة وتعيين الخليفة بعده - وهذا أقربها، والله تعالى أعلم.\nوقوله ائتوني أكتب لكم كتابًا لا تضلون بعده، لا شك في أن ائتوني أمرٌ وطلبٌ توجَّه لكل من حضر، فكان حق كل من حضر المبادرةُ للامتثال، لا سيما وقد قرنه بقوله لا تضلُّون بعده، لكن ظهر لعمر ولطائفة معه أن هذا الأمر\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).","vol":"4","page":558},{"text":"وَمَا يَنبَغِي عِندَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ، وَقَالَوا: مَا شَأنُهُ، أَهَجَرَ؟ استَفهِمُوهُ.\nــ\nليس على الوجوب وأنَّه من باب الإرشاد إلى الأصلح (١)، مع أن ما في كتاب الله يرشد إلى كل شيء، كما قال تعالى: ﴿تِبيَانًا لِكُلِّ شَيءٍ﴾ ومع ما كان فيه رسول الله ﷺ من الوجع، فكره أن يتكلَّف من ذلك ما يشق ويثقل عليه، فظهر لهم أن الأوَّلى ألا يكتب، وأرادت الطائفة الأخرى أن يكتب متمسِّكة بظاهر الأمر واغتنامًا لزيادة الإيضاح ورفع الإشكال، فيا ليتَ ذلك لو وقع وحصلَ! ولكن قدَّر الله وما شاءَ فعل.\nومع ذلك فلا عتب ولا لوم على الطائفة الأولى؛ إذ لم يعنفهم النبي ﷺ ولا ذمَّهم، بل قال للجميع: دعوني، فالذي أنا فيه خير، وهذا نحو مِمَّا جرى لهم حيث قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: لا يصلين أحدٌ العصر إلا في بني قريظة (٢)، فتخوَّف ناسٌ فوت الوقت فصلُّوا دون بني قريظة، وقال آخرون: لا نصلِّي إلا حيث أمرنا رسول الله ﷺ وإن فاتنا الوقت! قال: فما عنف واحدًا من الفريقين. وسبب ذلك أن ذلك كله إنَّما حمل عليه الاجتهاد المسوَّغ والقصد الصالح، وكل مجتهد مصيب أو أحدهما مصيب والآخر غير مأثوم بل مأجور - كما قررناه في الأصول.\nوقوله وما ينبغي عند نبي تنازع؛ أي اختلاف، هذا إشعار بأن الأولى المبادرة إلى امتثال أمر النبي ﷺ وأن لا يتوقف في شيء منه إذا فهم مقصوده ولم يُشكل منه شيء، كيف لا وهو المبلِّغ عن الله أحكامه ومصالح الدنيا والدين!\nوقوله أهجرَ؟ استفهموه، كذا الرِّواية الصحيحة في هذا الحرف أهَجَرَ؟ بهمزة الاستفهام، وهَجَرَ بالفتح بغير تنوين على أنَّه فعل ماض، وقد رواه بعضهم أهُجُرًا بفتح الهمزة وبضم الهاء وتنوين الراء على أن يجعله مفعولًا\n_________\n(١) في (ع): إلى الأوْلى.\n(٢) رواه البخاري تعليقًا (٢/ ٥٣)، ومسلم (١٧٧٠).","vol":"4","page":559},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nبفعل مضمر؛ أي: أقال هُجرًا؟ وقد روي في غير الأم (١) هَجَرَ بلا استفهام، والهجر يراد به هذيان المريض، وهو الكلام الذي لا ينتظم ولا يعتد به لعدم فائدته، ووقوع مثل هذا من النبي ﷺ في حال مرضه أو صحته محال؛ لأن الله تعالى حفظه من حين بعثه إلى حين قبضه عمَّا يُخِلّ بالتبليغ، ألا تسمع قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى * إِن هُوَ إِلا وَحيٌ يُوحَى﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾؟ وقد شهد له بأنه على صراط مستقيم، وأنه على الحق المبين، إلى غير ذلك. ولذلك قال ﷺ: خذوا عني في الغضب والرضا، فإني لا أقول على الله إلا حقًّا (٢)، ولمَّا علم أصحابه هذا كانوا يأخذون عنه ما يقوله في كل حالاته حتَّى في هذه الحالة، فإنهم تلقَّوا عنه وقبلوا منه جميع ما وصَّى به عند موته، وعملوا على قوله لا نورث ولقوله أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، إلى غير ذلك. ولم يتوقفوا ولا شكُّوا في شيء منه، وعلى هذا يستحيل أن يكون قولهم أَهَجَرَ لشكٍّ عرض لهم في صحة قوله زمن مرضه، وإنَّما كان ذلك من بعضهم على جهة الإنكار على من توقف في إحضار الكتف والدواة وتلكَّأ عنه، فكأنه يقول لمن توقف: كيف تتوقف؟ أتظن أنه قال هذيانًا؟ ! فدع التوقف وقرِّب الكتفَ فإنه إنما يقول الحق لا الهَجَرَ! وهذا أحسنُ ما يحمل ذلك عليه، فلو قدَّرنا أن أحدًا منهم قال ذلك عن شكٍّ عرض له في صحَّة قوله كان خطأ منه، وبعيدٌ أن يقرَّه على ذلك القول من كان هناك ممن سمعه من خيار الصحابة وكبرائهم وفضلائهم، هذا تقديرٌ بعيدٌ ورأيٌّ غير سديد، ويحتمل أن يكون هذا صدَرَ عن قائله عن دهشٍ وحيرةٍ أصابته في ذلك المقام العظيم والمصاب الجسيم كما قد أصاب عمر وغيره عند موته.\n_________\n(١) انظر هذه الرواية في فتح الباري (٨/ ١٣٣).\n(٢) رواه أحمد (٢/ ١٦٢ و١٩٢ و٢٠٧ و٢١٥).","vol":"4","page":560},{"text":"قَالَ: دَعُونِي، فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيرٌ، أُوصِيكُم بِثَلَاثٍ: أَخرِجُوا المُشرِكِينَ مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ،\nــ\nوقوله أوصيكم بثلاث نصٌّ في أنه أوصى عند موته، وهو مخصِّصٌ لقول مَن قال: إنه ﷺ لم يوص بشيء - وقد تقدَّم ذلك.\nوقوله أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، يعني بالمشركين اليهود؛ لأنه ما كان بقي مشرك في أرض العرب في ذلك الوقت غيرهم فتعيَّنوا، وقد جاء في بعض طرقه أخرجوا اليهود من جزيرة العرب مفسّرًا.\nوالجزيرة: فعيلة بمعنى مفعولة، وهي مأخوذة من الجزر وهو القطع، ومنه الجزار والجزارة من الغنم، والجزور من الإبل - كل ذلك راجع إلى القطع.\nوسُميَّت أرض العرب بالجزيرة لانقطاعها بإحاطة البحار بها والحرار، وأضيفت إلى العرب لاختصاصهم بها ولكونهم فيها ومنها.\nواختلف في حدِّها؛ فقال الأصمعي: هي ما بين أقصى عدن أبين إلى ريف العراق في الطول، وفي العرض من جدِّة وما والاها إلى أطراف الشام. وقال أبو عبيد: هي ما بين حفر أبي موسى الأشعري إلى أقصى اليمن، وما بين رمل يَبرِين إلى منقطع السَّماوة. وقال المخزومي عن مالك: هي مكة والمدينة واليمامة واليمن. وحكى الهروي عنه: المدينة - والأول المعروف عنه، فقال مالك: يخرج من هذه المواضع التي ذكر المخزومي كل من كان على غير دين الإسلام، ولا يمنعون من التردُّد بها مسافرين - وكذلك قال الشافعي، غير أنه استثنى من ذلك اليمن ويضرب لهم أجل ثلاثة أيَّام كما ضربه لهم عمر حين أجلاهم. وقال الشافعي: ولا يدفنون فيها موتاهم، ويلجؤون إلى الدَّفن بغيرها. وقد رأى الطبري أن هذا الحكم ليس خاصًّا بجزيرة العرب؛ فقال: الواجب على كل إمام إخراجهم من كل مصر غلب عليه المسلمون إذا لم يكن من بلادهم التي صولحوا عليها، إلا أن تدعو ضرورة لبقائهم بها لعمارتها، فإذا كان ذلك فلا يدعهم في مصر مع المسلمين أكثر من","vol":"4","page":561},{"text":"وَأَجِيزُوا الوَفدَ بِنَحوِ مَا كُنتُ أُجِيزُهُم. قَالَ: وَسَكَتَ عَن الثَّالِثَةِ، أَو قَالَ أُنسِيتُهَا.\nــ\nثلاث وليسكنهم خارجًا عنهم، ويمنعهم اتخاذ المساكن في أمصار المسلمين، فإن اتخذوها باعها عليهم، واستدل على ذلك بما رواه عن النبي ﷺ من قوله: لا تبقى قبلتان بأرض العرب (١)، (٢) وبقول ابن عبَّاس: لا يساكنكم أهل الكتاب في أمصاركم. وبإخراج علي ﵁ أهل الذِّمَّة من الكوفة إلى الحيرة. قال: وإنما خصَّ في الحديث جزيرة العرب لأنه لم يكن للإسلام يومئذ ظهور إلا بها.\nقلت: وتخصيص الحكم بجزيرة العرب هو قول المتقدمين والسلف الماضين، فلا يُعدَلُ عنه.\nولم يعرِّج أبو حنيفة على هذا الحديث، فأجاز استيطان المشركين بالجزيرة ومخالفة مثل هذا جريرة.\nوقوله وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، الوفد جمع وافد، كصحب وصاحب، وركب وراكب. وجمع الوفد: أوفاد، ووفود. والوفادة الاسم وهو القادم (٣) على القوم والرسول إليهم، يقال أوفدته أرسلته. والإجازة: العطية. وهذا منه ﷺ عهدٌ ووصيةٌ لولاة المسلمين بإكرام الوفود والإحسان إليهم قضاء لحق قصدهم ورفقًا بهم واستئلافًا لهم.\nقال القاضي أبو الفضل: وسواء في ذلك عند أهل العلم، كانوا مسلمين أو كفارًا؛ لأن الكافر إنَّما يفد في مصالح المسلمين. قال: وهذه سنة لازمة للأمة بعد النبي ﷺ.\nوقوله وسكت عن الثالثة - أو قال: أنسيتها، يريد سعيد بن جبير، قال\n_________\n(١) لفظة \"العرب\" ليست في (ج ٢).\n(٢) رواه أبو داود (٣٠٣٢)، والترمذي (٦٣٣) بلفظ: \"لا تكون قبلتان في بلدٍ واحد\".\n(٣) في (ل ١): الوافد.","vol":"4","page":562},{"text":"وفي رواية: ائتُونِي بِالكَتِفِ وَالدَّوَاةِ أَو اللَّوحِ وَالدَّوَاةِ أَكتُب لَكُم كِتَابًا لَن تَضِلُّوا بَعدَهُ أَبَدًا. فَقَالَوا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَهجُرُ.\n[١٧١٧] وعنه قَالَ: لَمَّا حُضِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي البَيتِ رِجَالٌ فِيهِم عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: هَلُمَّ أَكتُب لَكُم كِتَابًا لَا تَضِلُّونَ بَعدَهُ. فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَد غَلَبَ عَلَيهِ الوَجَعُ، وَعِندَكُم القُرآنُ، حَسبُنَا كِتَابُ اللَّهِ، فَاختَلَفَ أَهلُ البَيتِ فَاختَصَمُوا، مِنهُم مَن يَقُولُ قَرِّبُوا يَكتُب لَكُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِتَابًا لَن تَضِلُّوا بَعدَهُ، وَمِنهُم مَن يَقُولُ مَا قَالَ عُمَرُ، فَلَمَّا أَكثَرُوا اللَّغوَ وَالِاختِلَافَ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قُومُوا. قَالَ عُبَيدُ اللَّهِ: فَكَانَ ابنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَينَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَينَ أَن يَكتُبَ لَهُم ذَلِكَ الكِتَابَ مِن اختِلَافِهِم وَلَغَطِهِم.\n* * *\nــ\nالمهلِّبُ: هي تجهيزُ جيش أسامة. قال غيره: ويحتمل أن تكون هي قوله لا تتخذوا قبري وثنًا، وقد ذكر مالك في الموطأ ما يدل على ذلك من حديث عمر، فإنه قال فيه: أول ما تكلَّم به رسول الله ﷺ: قاتل الله اليهود؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد! لا يبقين دينان بجزيرة العرب (١).\nوالكتف هنا يراد به عظم الكتف، فإنهم يكتبون فيها. واللوح من الخشب - وفيه دليل على جواز كتابة العلم والحديث، وهذا وأشباهه ناسخٌ\n_________\n(١) رواه مالك (٢/ ٨٩٢).","vol":"4","page":563},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-635>(٤) باب ألحقوا الفرائض بأهلها، ولا يرث المسلم الكافر</span>\n[١٧١٨] عَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَلحِقُوا الفَرَائِضَ\nــ\nلقوله ﷺ لا تكتبوا عني شيئًا سوى القرآن، ومن كتب شيئًا فليمحه (١)، وقد قدَّمنا ذلك.\n(٤) ومن باب: ألحقوا الفرائض بأهلها\nالفرائض: جمع فريضة. وأصل الفرض: القطع. والألف واللام في الفرائض للعهد؛ لأنَّه يعني بها الفرائض الواقعة في كتاب الله تعالى، وهي ستة: النصف، والرُّبع، والثُّمن، والثلثان، والثلث، والسُّدس.\nفالنصف فرض خمسة: ابنة الصُّلب، وابنة الابن، والأخت الشقيقة، والأخت للأب، والزوج - وكل ذلك إذا انفردوا عمَّن يحجبهم عنه.\nوالربع: فرض الزوج مع الحاجب، وفرض الزوجة أو الزوجات مع عدمه.\nوالثُّمن: فرض الزوجة أو الزوجات مع الحاجب.\nوالثلثان فرض أربع: الاثنتين فصاعدا من بنات الصلب أو بنات الابن أو الأخوات الأشقاء، أو للأب - وكل هؤلاء إذا انفردن عمَّن يحجبهن عنه.\nوالثلث فرض صنفين: الأم مع عدم الولد وولد الابن وعدم الاثنين فصاعدًا من الإخوة والأخوات، وفرض الاثنين فصاعدًا من ولد الأم - وهذا هو ثلث كل المال.\nفأما ثلث ما يبقى فذلك للأُم في مسألة زوج أو زوجة وأبوين؛ فللأم فيها ثلث ما يبقى، وفي مسائل الجدِّ مع الإخوة إذا كان معهم ذو سهم وكان ثلث ما يبقى له أحظى له.\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ١٢ و٢١ و٣٩ و٥٦)، ومسلم (٣٠٠٤)، والدارمي (١/ ١١٩).","vol":"4","page":564},{"text":"بِأَهلِهَا، فَمَا تَرَكَت الفَرَائِضُ فلِأَولَى رَجُلٍ ذَكَرٍ.\nوفي رواية: اقسِمُوا المَالَ بَينَ أَهلِ الفَرَائِضِ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، فَمَا تَرَكَت الفَرَائِضُ فَلِأَولَى رَجُلٍ ذَكَرٍ.\nرواه أحمد (١/ ٢٩٢)، والبخاري (٦٧٤٦)، ومسلم (١٦١٥) (٢ و٣)، والترمذي (٢٠٩٨)، والنسائي في الكبرى (٦٣٣١)، وابن ماجه (٢٧٤٠).\nــ\nوالسُّدس فرض سبعة: فرض كل واحد من الأبوين والجد مع الولد وولد الابن، وفرض الجدة والجدَّات إذا اجتمعن، وفرض بنات الابن مع بنت الصُّلب، وفرض الأخوات للأب مع الأخت الشقيقة، وفرض الواحد من ولد الأم ذكرًا كان أو أنثى.\nوهذه الفروض كلّها مأخوذةٌ من كتاب الله تعالى، إلا فرض الجدَّات فإنَّه مأخوذ من السُّنَّة.\nفهؤلاء أهل الفرائض الذين أمر النبي ﷺ أن يقسم المال عليهم لَمَّا قال: اقسموا المال بين أهل الفرائض، وهو معنى قوله: ألحقوا الفرائض بأهلها.\nوقوله فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر، وفي غير مسلم لأولى عصبة ذكر تقييد أوَّلى بفتح الهمزة وواو ساكنة بعدها ياءٌ تأنيث أوَّل، هذه الرواية المشهورة، وقد رواها ابن الحذَّاء عن ابن ماهان لأدنى، وهو تفسير لـ أولى، ويعني به الأقرب للميت.\nوقد اختلفوا في وصف الرَّجل بالذُّكوريَّة هنا هل له فائدة أو لا؛ فقال بعضهم: لا فائدة له غير التأكيد اللفظيِّ، فإن العرب قد تعيد اللفظ الأول بحاله وقد تأتي في كلامها متبعة على جهة التأكيد، كما قالوا: حسن بَسَنٌ، وقبيح شقيحٌ. وكذلك قالوا هنا: رجل ذكر، وابن لبون ذكر، ويطير بجناحيه، وعشرة كاملةٌ - فهذا كلامُ العرب، وأجيبوا بأن العرب","vol":"4","page":565},{"text":"[١٧١٩] وعَن أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا يَرِثُ المُسلِمُ الكَافِرَ، وَلَا يَرِثُ الكَافِرُ المُسلِمَ.\nــ\nلا تؤكد إلا حيث تفيدُ به فائدةً؛ إمَّا تمكين المعنى في النفس، أو رفع المجاز المتوهَّم - وكل ذلك معدومٌ فيما نحن فيه. وقيل: أفاد بقوله ذكر هنا وفي قوله ابن لَبُون ذكر التحرز من الخناثى، فلا تُؤخذ الخنثى في فريضة الزَّكاة ولا يحوز المال إذا انفرد، وإنَّما له نصف الميراثين. وقيل في اللَّبُون: إنَّما وصف بالذُّكوريَّة ليتحرز من إطلاق ابن على الأنثى كما قد أطلق ولد على الذكر والأنثى. وقيل: إنَّما نبَّه بالذكورية في المحلين لينبِّه على معنى مُشعرٍ بتعليل، وذلك أن ابن اللبون أفضل من بنت المخاض من حيث السِّن، وقد نزَّله الشارعُ بمنزلتها في الأخذ، فقد يخفى على من بعد فهمه ويقول: كيف يَجعَلُ بدلها وهو أفضل؟ فوصفه بـ ذكر ليشعر بنقصه عنها بالذكورية وإن زاد عليها بالسِّن. وكذلك وصف الرَّجل بالذُّكوريَّة مشعرا بأن الذي استحق به التعصيب هو كمال الذُّكوريَّة التي بها قوام الأمور ومقاومة الأعداء، والله تعالى أعلم.\nوالعصبة كل رجل بينه وبين الميت نسب يحوز المال إذا انفرد، ويرث ما فضل عن ذوي السِّهام.\nوالعصبات ثلاثة أصناف: الأبناء وبنوهم، والآباء وبنوهم (١)، والأجداد وبنوهم - وتفصيل هذه الجملة في كتب الفقه.\nويُستفاد من هذا الحديث أن النساء لا يكنَّ عصبةً، وقد أطلق الفقهاءُ على الأخت مع البنت أنَّها عصبة، وذلك تجوز؛ لأن الأخت لا تحوز المالَ إذا انفردت، لكنَّها لما كانت في هذه المسألة تأخذ ما فضل عن البنت أشبهت العاصب فأطلق عليها اسمه.\nوقوله لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم، تضمَّن هذا الحديث أمرين؛ أحدهما مجمع على منعه وهو ميراث الكافر للمسلم، والثاني\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"4","page":566},{"text":"رواه أحمد (٥/ ٢٠٠)، والبخاري (٦٧٦٤)، ومسلم (١٦١٤)، وأبو داود (٢٩٠٩)، والترمذي (٢١٠٧)، والنسائي في الكبرى (٦٣٧١).\n* * *\nــ\nمختلف فيه وهو ميراث المسلم الكافر - فذهب إلى منعه الجمهور من السَّلف ومن بعدهم، فمنهم: عمر، وعلي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وجمهور أهل الحجاز والعراق: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وابن حنبل، وعامة العلماء. وذهب إلى توريث المسلم من الكافر معاذ ومعاوية وابن المسيب ومسروق وغيرهم، وروي عن أبي الدرداء والشعبي والنخعي والزهري وإسحاق، والحديث المتقدِّم حجة عليهم (١)، ويَعضُده حديث أسامة بن زيد وهو أن رسول الله ﷺ قال: لا يتوارث أهل ملتين (٢)، ونحوه في كتاب أبي داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه، وقد احتجَّ للقول الثاني بما خرَّجه أبو داود من حديث يحيى بن يعمر واختصم إليه أخوان - يهودي ومسلم، فورَّث المسلم منهما وقال: حدثني أبو الأسود أن رجلا حدثه أن معاذًا قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: الإسلام يزيد ولا ينقص (٣) - فورَّث المسلم، وبما يحكى عن النبي ﷺ أنَّه قال - إن صحَّ: إن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه (٤)، وبقياس الميراث على النكاح، قالوا: كما يجوز لنا أن ننكح نساءهم ولا يجوز لهم أن ينكحوا نساءنا، كذلك يجوز لنا أن نرثهم ولا يرثونا.\nقلت: ولا حجة لهم في شيء مما ذكروه، وأمَّا الحديثان فلا يصحُّ منهما شيء؛ أمَّا الأول فلأن فيه مجهولًا، وأمَّا الثاني فكلام يحكى ولا يُروى سلَّمنا\n_________\n(١) في (ج ٢): نصٌّ في المنع.\n(٢) رواه أبو داود (٢٩١١).\n(٣) رواه أبو داود (٢٩١٢).\n(٤) رواه البخاري (٣/ ٢١٨) تعليقًا والبيهقي (٦/ ٢٠٥).","vol":"4","page":567},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nصحتهما، لكنَّا نقول بموجبهما، فإن دين الإسلام لم يزل يزيد إلى أن كمل في الحين الذي أنزل الله تعالى فيه ﴿اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم﴾ ولم ينقص من أحكامه ولا شريعته التي شاء الله تعالى بقاءها شيءٌ، وقد أعلاه الله تعالى وأظهرَه على الدِّين كلِّه وكما وعدنا تعالى. سلَّمنا ذلك، لكن الأحاديث الأول أرجح؛ لأنها متفق على صحتها، وهي نصوص في المطلوب، والقياس الذي ذكروه فاسد الوضع لأنَّه في مقابلة النَّصّ ولخلوه عن الجامع، فإذا ثبت هذا فاعلم أن المسلم والكافر المذكورين في الحديث للعموم، فلا مسلمًا ما يرث كافرًا ما ولو كان مرتدًّا، وهو مذهب مالك وربيعة والشافعي وابن أبي ليلى - قالوا: لا يرث المرتدَّ أحدٌ من المسلمين، ومالُهُ فَيءٌ لبيت المال.\nوخالفهم في ذلك طائفة أخرى فقالوا: إن ورثته من المسلمين يرثونه - وبه قال الأوزاعي وإسحاق والحسن البصري والشعبي وعمر بن عبد العزيز، وروي ذلك عن عليّ وابن مسعود.\nوفرَّقت طائفة ثالثة فقالت: يرث ماله الذي كان له قبل ردَّته ورثته المسلمون، وما استفاده بعد الرَّدة فيءٌ - وهو قول الثوريِّ وأبي حنيفة، والعموم المتقدم حجة على هؤلاء الطائفتين.\nوقوله يتوارث أهل ملَّتين قال بظاهره مالك، فلا يرث اليهودي النصرانيَّ ولا يرثان المجوسيَّ، وهكذا جميع أهل الملل أخذًا بظاهر هذا الحديث. وقال الشافعي وأبو حنيفة وداود: إن الكفار كلهم أهل ملة واحدة، وإنهم يتوارثون - محتجِّين بقوله تعالى: ﴿وَلَن تَرضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم﴾ فوحَّد المِلَّة. وبقوله: ﴿لَكُم دِينُكُم وَلِيَ دِينِ﴾ والخطاب بـ لكم للكفار كلهم مع توحيد دين، وتأولوا قوله لا يتوارث أهل ملتين على أن المراد به الإسلام والكفر، كما قال في الحديث الأول لا يرث المسلم الكافر، ولا حجة لهم في ذلك.\nأمَّا الآية الأولى فلأن ملّتهم وإن كانت موحدة في اللفظ فهي مكثرة في المعنى؛ لأنه قد","vol":"4","page":568},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-636>(٥) باب ميراث الكلالة</span>\n[١٧٢٠] عَن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: مَرِضتُ، فَأَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكرٍ يَعُودَانِي مَاشِيَينِ، فَأُغمِيَ عَلَيَّ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَبَّ عَلَيَّ مِن وَضُوئِهِ، فَأَفَقتُ\nــ\nأضافها إلى ضمير الكثرة، كما تقول: أخذتُ عن علماء المدينة علمهم - مثلًا - وسمعتُ عليهم حديثهم؛ يعني علومهم وأحاديثهم.\nوأمَّا الثانية فلأن الذين نزلت الآية جوابًا لهم إنَّما هم مشركو قريش، قالوا للنبي ﷺ: تعال نشترك في أمرنا وأمرك؛ تدين بديننا وندين بدينك، فنستوي في الأخذ بالخير! فأنزلها الله ﷾ مخاطبةً لهم، وهم صنفٌ واحدٌ من الكفار وهم الوثنيون، وكيف لا يكون ما قاله مالك وقد قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلنَا مِنكُم شِرعَةً وَمِنهَاجًا﴾؟ فالعربُ تزعم أنها على شريعة إبراهيم، واليهود على شريعة موسى، والنَّصارى على شريعة عيسى، فهي ملل متعددة وشرائع مختلفة.\n(٥) ومن باب: ميراث الكلالة\nقول جابر ﵁ مرضت، فأتاني رسول الله ﷺ وأبو بكر يعوداني ماشِيَينِ، إنَّما أتياه ماشيين مبالغة في التواضع وفي كثرة أجر المشي؛ لأن المشي للقرب التي لا يحتاج فيها إلى كبير مؤونة ولا نفقة أفضل من الركوب بدليل ما ذكرناه في الجمعة، وقد ذكرنا الخلاف في ذلك في الحج.\nوقوله فأغمي عليّ، فتوضأ فصبَّ عليَّ من وَضُوئه فأفقتُ فيه دليل","vol":"4","page":569},{"text":"فقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيفَ أَقضِي فِي مَالِي؟ فَلَم يَرُدَّ عَلَيَّ شَيئًا، حَتَّى نَزَلَت آيَةُ المِيرَاثِ: يَستَفتُونَكَ قُل اللَّهُ يُفتِيكُم فِي الكَلَالَةِ.\nوفي رواية: فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا يَرِثُنِي كَلَالَةٌ - فَنَزَلَت آيَةُ المِيرَاثِ. قال شعبة: فَقُلتُ لِمُحَمَّدِ بنِ المُنكَدِرِ: يَستَفتُونَكَ قُل اللَّهُ يُفتِيك فِي الكَلَالَةِ؟ قَالَ: هَكَذَا أُنزِلَت.\nــ\nعلى جواز المداواة ومحاولة دفع المرض بما تُرجى فائدته، وخصوصًا بما يرجع إلى التَّبَرُّك بما عظمه الله ورسوله.\nوفيه ظهور بركة رسول الله ﷺ فيما باشره أو لمسه، وكم له منها وكم! وقد ذكرنا من ذلك جملة صالحة في كتاب الإعلام بمعجزات النبي ﵊.\nوقوله فقلت: يا رسول الله، كيف أقضي في مالي؟ إنَّما يرثني كلالة، هذا السؤال كان قبل نزول آيات المواريث على ما يدل عليه قوله فنزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَولادِكُم﴾، وقد تقدَّم أن الحكم كان قبل ذلك وجوب الوصية للأقربين، وعلى هذا فيكون سؤال جابر للنبي ﷺ بقوله كيف أقضي في مالي؟: كيف أوصي فيه؟ وبماذا أوصي؟ ولمن أوصي؟ فأنزل الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ فنسخت وجوب الوصيَّة للأقربين على ما قدَّمناه. وأما إن كان الذي نزل في جوابه ﴿يَستَفتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفتِيكُم فِي الكَلالَةِ﴾ فيكون هذا السؤال بعد نزول ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ وقبل نزول آية الكلالة، وهذا هو الأقرب والأنسب لقوله إنما يرثني كلالة، وذلك السؤال هو الذي عنى الله تعالى بقوله ﴿يَستَفتُونَكَ﴾ ثم قال: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفتِيكُم فِي الكَلالَةِ﴾ وقد تقدم ذكر الاختلاف في اشتقاق الكلالة وفي معناها في كتاب الصلاة، والقول هنا في بيان المختار من الأقوال، ولا شكَّ أن جابرًا قد أطلق على ورثته كلالة وما كان له وارث يومئذ سوى أخواته، فإن أباه كان قتل يوم أحد وترك سبع بنات وجابرًا،","vol":"4","page":570},{"text":"وفي أخرى: فَنَزَلَت: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَولَادِكُم لِلذَّكَرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثَيَينِ.\nرواه البخاري (١٩٤)، ومسلم (١٦١٦)، وأبو داود (٢٨٨٦ و٢٨٨٧)، والترمذي (٢٠٩٨ و٣٠١٩).\nــ\nفهنَّ اللاتي سَمَّاهنَّ كلالة، وهنَّ اللاتي أجيب فيهنَّ بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفتِيكُم فِي الكَلالَةِ﴾ ولم يكن له ولد ولا والد، فقد ظهرت صحَّة قول من قال: إن الكلالة ما عدا الولدَ والوالد، وإن الإخوة المذكورين فيها ليسوا إخوة لأم قطعًا؛ لأن أخوات جابر لم يكن لأم، ولأن الإخوة للأم لا يقتسمون للذكر مثل حظِّ الأنثيين. ومقصود هذه الآية بيان حكم الإخوة والأخوات للأب والأم أو للأب إذا لم يكن معهنَّ ولدٌ ولا والدٌ، وإنما قلنا ذلك لأن الولد مصرَّحٌ بنفيه في الآية بقوله ﴿لَيسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ والأب أيضًا لا بدَّ من نفيه في هذه الآية؛ لأنه لو كان أبٌ مع الإخوة لحجبهم كلَّهم جملة بغير تفصيل. وأمَّا الجدَّ مع الإخوة الأشقاء أو للأب فيقاسمهم ما لم تنقصه المقاسمة من الثلث فله أن يأخذه، وعلى هذا فالجدّ تصحُّ معه الكلالة لأنه كالأخ معهم، وأما الآية التي في أول السورة فالمراد بالكلالة فيها الإخوة للأم إذا لم يكن معهم ابن ولا أب ولا جدّ؛ لأن هؤلاء كلّهم يحجبون الإخوة للأم. ولقراءة سعد: وله أخ أو أخت لأم، ولأن الإخوة الأشقاء أو للأب لا يرث الواحد منهم السدس ولا الاثنان فصاعدا الثلث، وإنما ذلك فرض الإخوة للأم، فقد ظهر بهذا البحث الدقيق أن القول ما قاله أبو بكر الصدِّيق. وأمَّا قولا الاشتقاق فكلاهما معنى صحيح بالاتفاق؛ لأن من فقد الطرفين فقد تَكلَّله نفي المانعين، أو لأنه لما كلَّ منه الرحم الوالد وثب على متروكه الأباعد.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً﴾ القراءة المشهورة ﴿يُورَثُ﴾ بفتح الراء على أنَّه فعل مضارع مبني لما لم يسم فاعله، وفيه","vol":"4","page":571},{"text":"[١٧٢١] وعَن مَعدَانَ بنِ أَبِي طَلحَةَ أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ خَطَبَ يَومَ جُمُعَةٍ فَذَكَرَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ وَذَكَرَ أَبَا بَكرٍ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لَا أَدَعُ بَعدِي شَيئًا أَهَمَّ عِندِي مِن الكَلَالَةِ، مَا رَاجَعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي شَيءٍ مَا رَاجَعتُهُ فِي الكَلَالَةِ، وَمَا أَغلَظَ لِي فِي شَيءٍ مَا أَغلَظَ لِي فِيهِ، حَتَّى طَعَنَ بِإِصبَعِهِ فِي صَدرِي وَقَالَ: يَا عُمَرُ، أَلَا تَكفِيكَ آيَةُ الصَّيفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ! وَإِنِّي إِن أَعِش أَقضِ فِيهَا بِقَضِيَّةٍ يَقضِي بِهَا مَن يَقرَأُ القُرآنَ وَمَن لَا يَقرَأُ القُرآنَ.\nرواه أحمد (١/ ٢٨)، ومسلم (١٦١٧).\nــ\nضمير مفعول لم يُسم فاعله عائدًا على رجل، و﴿كَلالَةً﴾ حال من ذلك الضمير، فتكون الكلالة الميِّت. وقرأه الحسن ﴿يُورَثُ﴾ بكسر الراء مبنيًا للفاعل، وتكون ﴿كَلالَةً﴾ مفعولًا بـ ﴿يُورَثُ﴾ وقرئ كذلك مضعف الرَّاء، وعلى هذا فيصحُّ أن تكون الكلالة الوارث ويصحُّ أن تكون المالَ، وأحد مفعولي ﴿يُورَثُ﴾ مسكوت عنه لأنه يجوز الاقتصار على أحدهما، والله تعالى أعلم.\nوقوله ما راجعت رسول الله ﷺ في شيء ما راجعته في الكلالة، ولا أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه، هكذا جاء هذا الضمير مذكَّرًا وقبله الكلالة، وكان حقُّه أن يكون مؤنثًا، لكنه لما كان السؤال عن حكم الكلالة أعاده مذكَّرًا على الحكم المراد.\nوقوله حتى طعن بإصبعه في صدري، هذا الطَّعن مبالغة في الحث على النظر والبحث، وألا يرجع إلى السؤال مع التمكُّن من البحث والاستدلال ليحصل على رتبة الاجتهاد ولينال أجر من طلب فأصاب الحكم ووافق المراد.\nوقوله ﷺ ألا تكفيك آية الصيف يعني به آخر سورة النساء، فإنها نزلت في الصَّيف، وإنما أحاله على النظر في هذه الآية لأنه إذا أمعن النظر فيها","vol":"4","page":572},{"text":"[١٧٢٢] وعَن البَرَاءَ بنَ عَازِبٍ قَالَ: آخِرُ آيَةٍ أُنزِلَت آيَةُ الكَلَالَةِ، وَآخِرُ سُورَةٍ أُنزِلَت بَرَاءَةُ.\nوفي رواية: أُنزِلَت كَامِلَةً، وآخِرَ سُورَةٍ أُنزِلَت تَامَّةً.\nرواه البخاري (٤٦٥٤)، ومسلم (١٦١٨)، والترمذي (٣٠٤٤ و٣٠٤٥).\n* * *\nــ\nعلم أنها مخالفة للآية الأولى في الورثة وفي القسمة، فيتبين من كل آية معناها ويُرتِّب عليها حكمها فيزول الإشكال، والله يعصم من الخطأ والضلال. وقد تقدَّم القول في قول عمر: وإن أعش أقضِ فيها بقضيَّة.\nوقول البراء آخرُ آيةٍ أُنزلت آية الكلالة. . . إلى آخره، اختلف في آخر آية أنزلت؛ فقيل ما قال البراء، وقال ابن عباس: ﴿اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم﴾ وقيل: قُل لَا أَجِدُ. . .، والتلفيق أن يقال: إن آية الكلالة آخر ما نزل من آيات المواريث، وآخر آية أنزلت في حصر المحرمات: ﴿قُل لا أَجِدُ﴾ والظاهر أن آخر الآيات نزولًا: ﴿اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم﴾؛ لأن الكمال لما حصل لم يبق بعده ما يزاد، والله أعلم.\nوأما قوله آخر سورة نزلت براءة فقد فسَّر مراده بقوله في الرواية الأخرى أنزلت كاملة، ومع ذلك فقد قيل: إن آخر سورة نزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصرُ اللَّهِ وَالفَتحُ﴾ وكانت تسمى سورة التوديع.\nوقد اختلف في وقت نزولها على أقوال، أشبهها قول ابن عمر: إنها نزلت في حجة الوداع، ثم نزلت بعدها: ﴿اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم﴾ فعاش بعدها ثمانين يومًا، ثم نزلت بعدها آية الكلالة فعاش بعدها خمسين يومًا، ثم نزل بعدها ﴿لَقَد جَاءَكُم رَسُولٌ مِن أَنفُسِكُم﴾ فعاش بعدها خمسة وثلاثين يومًا، ثم نزلت بعدها ﴿وَاتَّقُوا يَومًا","vol":"4","page":573},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-637>(٦) باب من ترك مالًا فلورثته وعصبته</span>\n[١٧٢٣] عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُؤتَى بِالرَّجُلِ المَيِّتِ عَلَيهِ الدَّينُ، فَيَسأَلُ: هَل تَرَكَ لِدَينِهِ مِن قَضَاءٍ؟ فَإِن حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً صَلَّى عَلَيهِ، وَإِلَّا قَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُم. فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيهِ الفُتُوحَ قَالَ: أَنَا أَولَى بِالمُؤمِنِينَ مِن أَنفُسِهِم، فَمَن تُوُفِّيَ وَعَلَيهِ دَينٌ فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَن تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٩٠)، والبخاري (٢٣٩٨)، ومسلم (١٦١٩)، وأبو داود (٢٩٥٥)، والنسائي (٤/ ٦٦)، وابن ماجه (٢٤١٥).\n[١٧٢٤] وعنه، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: وَالَّذِي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِن\nــ\nتُرجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ فعاش بعدها أحدًا وعشرين يومًا. وقال مقاتل: سبعة أيام. والله تعالى أعلم.\nذكر هذا الترتيب أبو الفضل محمد بن يزيد بن طيفور الغزنوي في كتابه المسمَّى بـ عيون معاني التفسير.\n(٦ و٧) ومن باب: ترك مالًا فلورثته\nسؤال النبي ﷺ عن الميت هل عليه دين أو لا؟ وامتناعه من الصلاة على من مات وعليه دين ولم يترك وفاءً إشعار بصعوبة أمر الدِّين وأنه لا ينبغي أن يتحمله الإنسان إلا من ضرورة، وأنَّه إذا أخذه فلا ينبغي أن يتراخى في أدائه إذا تمكن منه، وذلك لما قدمناه من أن الدَّين شَينٌ، الدَّين همٌّ بالليل ومذلةٌ بالنهار، وإخافة للنفوس، بل وإرقاقٌ لها. وكان هذا من النبي ﷺ ليرتدعَ من يتساهلُ في","vol":"4","page":574},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nأخذ الدَّين حتى لا تتشوش أوقاتهم عند المطالبة، وكان هذا كله في أول الإسلام. وقد حكي أن الحُرَّ كان يُباع في الدَّين في ذلك الوقت، كما قد رواه البزار (١) من حديث رجل من أصحاب النبي ﷺ يُقال له سُرَّق، ثم نسخ ذلك كله بقوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيسَرَةٍ﴾ وقيل: إن النبي ﷺ إنَّما كان يمتنع من الصلاة على من ادَّان دينًا غير جائز أو في سعة. والأول أظهر؛ لقول الرَّاوي في الحديث: فلما فتح الله عليه الفتوح قال أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، مَن توفي وعليه دَينٌ فعلي قضاؤه، ومن ترك مالًا فلورثته (٢) - فهذا يعمُّ الدُّيون كلَّها، ولو افترق الحال لتعيَّن التنويع أو السؤال. ويحتمل أن يكون النبي ﷺ تبرَّع بالتزام ذلك على مقتضى كرم أخلاقه، لا أنه أمرٌ واجب عليه.\nوقال بعض أهل العلم: بل يجب على الإمام أن يقضي من بيت المال دين الفقراء اقتداء بالنبي ﷺ؛ فإنَّه قد صرَّح بوجوب ذلك عليه، حيث قال فعلي قضاؤه، ولأن الميِّت الذي عليه الدَّين يخاف أن يعذب في قبره على ذلك الدَّين كما قد صحَّ عن النبي ﷺ حيث دُعِي ليصلي على ميِّت، فأُخبر أن عليه دينًا ولم يترك وفاءً، فقال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة: صل عليه يا رسول الله وعلي دينه! فصلَّى عليه، ثم قال له: قم فأده عنه، فلمَّا أدَّى عنه قال ﷺ: الآن حين بردت عليه جلدته (٣). وكما كان على الإمام أن يسدَّ رمقه ويراعي مصلحته الدنيوية كان أحرى وأولى أن يسعى فيما يرفع عنه به العذاب الأخروي.\nوالمولى الذي يتولَّى أمور الرَّجل بالإصلاح والمعونة على الخير والنصر على الأعداء وسدّ الفاقات ورفع الحاجات.\n_________\n(١) رواه البزار كما في كشف الأستار (١٣٠٣).\n(٢) هو حديث الباب.\n(٣) رواه أحمد (٣/ ٣٣٠)، والبيهقي (٦/ ٧٤ و٧٥)، والحاكم (٢/ ٥٨).","vol":"4","page":575},{"text":"عَلَى الأَرضِ مُؤمِنٍ إِلَّا أَنَا أَولَى النَّاسِ بِهِ، فَأَيُّكُم مَا تَرَكَ دَينًا أَو ضَيَاعًا فَأَنَا مَولَاهُ، وَأَيُّكُم ما تَرَكَ مَالًا فَإِلَى العَصَبَةِ مَن كَانَ.\nوفي رواية: فَأَيُّكُم مَا تَرَكَ دَينًا أَو ضَيعَةً فَادعُونِي فَأَنَا وَلِيُّهُ، وَأَيُّكُم مَا تَرَكَ مَالًا فَليُؤثَر بِهِ عَصَبَتُهُ مَن كَانَ.\nرواه مسلم (١٦١٩) (١٥).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-638>(٧) باب قوله ﵊: لا نورث</span>\n[١٧٢٥] عَن أَبِي هُرَيرَةَ أن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا نُورَثُ، مَا تَرَكنَا صَدَقَةٌ.\nــ\nوقوله فأيُّكم ما ترك ضياعًا فأنا مولاه، ما هنا زائدة، تقدير الكلام: فأيكم ترك. وضياعًا بفتح الضاد لا غير، وهو ما يحتاج (١) إلى الإصلاح، والضياع في الأصل مصدر ضاع، ثم جعل اسمًا لكل ما هو بصدد أن يضيع من عيال وبنين لا كافل لهم ومال لا قيِّم له، وسميت الأرض ضيعة لأنها معرضة للضياع، وتجمع: ضياعًا - بكسر الضاد. وفي رواية من ترك كلا (٢) مكان ضياعًا، والكل بفتح الكاف ما يتحمله الإنسان مما يشق عليه ويثقله، فكأنه قد كلَّ تحته لثقله كلالًا.\nوقوله من ترك مالًا فليؤثر به عصبته من كان؛ يعني إذا لم يكن معه ذو سهم أو فضل شيء عن ذوي السِّهام. ورواية من رواه فهو لورثته أتقن.\n_________\n(١) في (ج ٢): الاحتياج.\n(٢) رواه البخاري (٩/ ٥١٥) تعليقًا.","vol":"4","page":576},{"text":"وفي رواية: لَا يَقتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا، مَا تَرَكتُ بَعدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمَؤونَةِ عَامِلِي صَدَقَةٌ.\nرواه البخاري (٢٧٧٦)، ومسلم (١٧٦٠ - ١٧٦١)، وأبو داود (٢٩٧٤).\n[١٧٢٦] عَن عَائِشَةَ قَالَت: إِنَّ أَزوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرَدنَ أَن يَبعَثنَ عُثمَانَ بنَ عَفَّانَ إِلَى أَبِي بَكرٍ فَيَسأَلنَهُ مِيرَاثَهُنَّ مِن النَّبِيِّ ﷺ. قَالَت عَائِشَةُ لَهُنَّ: أَلَيسَ قَد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا نُورَثُ، مَا تَرَكنَا صَدَقَةٌ؟\nرواه أحمد (٦/ ١٤٥)، والبخاري (٤٠٣٤)، ومسلم (١٧٥٨)، وأبو داود (٢٩٧٦ - ٢٩٧٧).\n* * *\nــ\nوقد تقدم القول في كتاب الجهاد على قوله نورث، ما تركنا صدقة بما فيه كفاية.\n* * *","vol":"4","page":577},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-639>(٢٠) كتاب الصَّدقة والهِبَة والحَبس</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-640>(١) باب النهي عن العود في الصدقة</span>\n[١٧٢٧] عَن زَيدِ بنِ أَسلَمَ، عَن أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ قَالَ: حَمَلتُ عَلَى فَرَسٍ عَتِيقٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَضَاعَهُ صَاحِبُهُ،\nــ\n(٢٠) كتاب الصَّدقة والهِبَة والحَبس\n(١) ومن باب: النهي عن العود في الصدقة\nقول عمر ﵁ حملت على فرس عتيق في سبيل الله يعني أنه تصدَّق به على رجل ليجاهد عليه ويتملَّكه، لا (١) على وجه الحبس؛ إذ لو كان كذلك لما جاز له أن يبيعه، وقد وجده عمر ﵁ في السوق يباع، وقد قال ﷺ لا تبتعه، ولا تَعُد في صدقتك، فدلَّ على أنه ملكه إيَّاه على جهة الصَّدقة ليجاهد عليه في سبيل الله.\nوالعتيق من الخيل: الكريم الأبوين. وسبيل الله: الجهاد هنا - وهو العُرف فيه.\nوقوله فأضاعه صاحبه؛ أي: فرَّط فيه، ولم يحسن القيام عليه. وهذا\n_________\n(١) ليست في (ج ٢).","vol":"4","page":578},{"text":"فَظَنَنتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخصٍ، فَسَأَلتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَن ذَلِكَ فَقَالَ: لَا تَبتَعهُ، وَلَا تَعُد فِي صَدَقَتِكَ؛ فَإِنَّ العَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالكَلبِ يَعُودُ فِي قَيئِهِ.\nــ\nالذي قلناه أولى من قول من قال إنه حبسٌ في سبيل الله وبيعه إنما كان لما أضاعه صاحبه صار بحيث لا يصلح للجهاد، وهذا هو الذي صار إليه مالك تفريعًا على القول بجواز تحبيس الحيوان أنه يباع إذا هرم ويُستبدل بثمنه في ذلك الوجه المحبس فيه أو يعين بثمنه فيه. والقول الأول أظهر لما ذكرناه، ولأنه لو كان ذلك لسأل عن هذا الفرس هل تغير عن حاله أم لا، ولنظر في أمره.\nوقوله فظننت أنه بائعُه بِرُخصٍ، إنَّما ظن ذلك لأنه هو الذي كان أعطاه إيَّاه، فتعلَّق خاطره بأنه يسامحه في ترك جزء من الثمن، وحينئذ يكون ذلك رجوعًا في عين ما تصدَّق به في سبيل الله. ولَمَّا فهم النبي ﷺ هذا نهاه عن ابتياعه وسمَّى ذلك عودًا، فقال: لا تبتعه، ولا تَعُد في صدقتك.\nواختلف في هذا النَّهي هل يحمل على ظاهره من التحريم؟ ولأنه يفهم من تشبيهه بالكلب التحريم؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلبِ﴾ أو على الكراهة لأن تشبيهه بالقيء إنما يدلُّ على الاستقذار والعيافة للنَّفرة الموجودة من ذلك لا أنه يحرم العود في القيء إلا أن يتغير للنجاسة، فحينئذ يحرم لكونه نجاسة (١) لا لكونه قيئًا - والأول في كتاب ابن المواز (٢) وقال به الداودي، والثاني عليه أكثر النَّاس.\nقلت: ويحتاج موضع الخلاف إلى تنقيح، فنقول: أما الصَّدقة في السَّبيل أو على المسكين أو على ذي الرَّحم إذا وصلت للمتصدِّق عليه فلا يحل له\n_________\n(١) في (ع): نجسًا.\n(٢) هو محمد بن إبراهيم الإسكندري المالكي: فقيه. من آثاره: مصنف في الفقه. توفي سنة (٢٦٩ هـ).","vol":"4","page":579},{"text":"وفي رواية أَنَّه حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَوَجَدَهُ يُبَاعُ - وذكر نحوه.\nرواه أحمد (٢/ ٥٥)، والبخاري (٢٩٧١)، ومسلم (١٦٢١)، (١ - ٣)، وأبو داود (١٥٩٣)، والترمذي (٦٦٨)، والنسائي (٥/ ١٠٩).\nــ\nالرُّجوع فيها بغير عوض قولا واحدًا؛ لأنه قد أخرجها عن ماله على وجه القربة لله تعالى واستحقها المتصدق عليه وملكها بالصدقة والحوز، فالرجوع فيها أو في بعضها حرام. وأما الرُّجوع فيها بالشراء الذي لا يُحَطُّ عنه من ثمنها شيءٌ فمكروه؛ لأنه قد استرد عينًا أخرجها لله تعالى.\nوالأولى حمل النهي الواقع في الحديث المذكور عن الابتياع على التحريم؛ لأن النبي ﷺ فهم عن عمر ما كان وقع له من أنَّه يبيعه منه بحطيطة من الثمن، وهذا رجوع في بعض عين الصَّدقة، إلا أن الكراهية هي المشهورة في المذهب في هذه المسألة، وكأنَّهم رأوا أن هذه عطية مبتدأة من المتصَدَّق عليه أو الموهوب له لأنها عن طيب نفس منه، فكان ذلك للمتصدق أو الواهب مِلكًا جديدًا بطريق آخر. وهذا كما قال ﷺ لمن وهب أمةً لأمِّه فماتت أمُّه، فسأل النبي ﷺ عن ذلك، فقال له النبي ﷺ: وجب أجرك، وردَّها عليك الميراث (١)، غير أنه لا يليق بمكارم الأخلاق أن يعود في شيء خرج عنه على وجه المعروف، ولا بأهل الدِّين أن يرجعوا في شيء خرجوا عنه لله تعالى بوجه، فكان مكروها من هذا الوجه. وهذا نحو مما قررناه في قضيَّة تحرّج المهاجرين من المقام بمكة.\nقلت: والظاهر من ألفاظ الحديث ومساقه التحريم، فاجمع ألفاظه وتدبر معانيها يلح لك ذلك إن شاء الله تعالى!\n_________\n(١) رواه مسلم (١١٤٩)، والترمذي (٦٦٧). وذكره الحافظ في فتح الباري (٤/ ٦٥) وعزاه لمسلم.","vol":"4","page":580},{"text":"[١٧٢٨] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَثَلُ الَّذِي يَرجِعُ فِي صَدَقَتِهِ كَمَثَلِ الكَلبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيئِهِ فَيَأكُلُهُ.\nرواه أحمد (١/ ٢١٧ و٣٤٩)، والبخاري (٢٥٨٩)، ومسلم (١٦٢٢) (٥)، والترمذي (١٢٩٨)، والنسائي (٦/ ٢٦٦).\n* * *\nــ\nوقوله مثل الذي يرجع في هبته (١) كمثل الكلب يقيء ثم يعود في قيئه، إن كان المراد بالهبة الصدقة كما قد جاء في الرواية الأخرى فقد تكلّمنا عليها، وإن كان المراد مطلق الهبة فهي مخصوصة؛ إذ يخرج منها الهبة للثواب وهبة أحد الأبوين، فأما هبة الثواب فقد قال بها مالك وإسحاق والطبري والشافعي - في أحد قوليه - إذا علم أنه قصد الثواب إما بالتصريح به وإما بالعادة والقرائن كهبة الفقير للغني والرَّجل للأمير، وبها قال أبو حنيفة إذا شرط الثواب، وكذلك قال الشافعي في القول الآخر. وقد روي عنهما وعن أبي ثور منعها مطلقا، ورأوا أنَّها من البيع المجهول الثمن والأجل، والأصل في جواز هبة الثواب ما خرَّجه الدارقطني من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يُثَب منها (٢)، قال: رواته كلهم ثقات. والصواب عن ابن عمر عن عمر قوله، وما خرَّجه مالك عن عمر أنه قال: من وهب هبة لصلة الرَّحم أو على وجه الصَّدقة أنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنَّه إنما أراد بها الثواب، فهو على هبته يرجع فيها ما لم يرض منها (٣)، وما خرَّجه الترمذي من\n_________\n(١) في التلخيص والمخطوط: صدقته. والذي أثبته المصنف -﵀- هو إحدى روايات مسلم (١٦٢٢) (٧ و٨).\n(٢) رواه الدارقطني (٣/ ٤٣).\n(٣) الموطأ (٢/ ٧٥٥).","vol":"4","page":581},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nحديث أبي هريرة قال: أهدى رجل من بني فزارة إلى النبي ﷺ ناقة فعوضه منها بعض العوض، فتسخَّطه. وفي رواية: أهدى له بكرة فعوَّضه ستَّ بكرات، فقال رسول الله ﷺ على المنبر: إن رجالًا من العرب يُهدي أحدُهم الهديَّة فأعوِّضه منها بقدر ما عندي، فيظل يتسخَّطُ عليِّ! وايم الله لا أقبل بعد يومي هذا من رجل من العرب هديَّة إلا من قرشيٍّ أو أنصاريٍّ أو ثقفيٍّ أو دوسيٍّ (١). وهذا الحديث وإن لم يكن إسناده بالقوي فيعضده كل ما تقدم، وما حكاه مالك من أن هبة الثواب مجتمعٌ عليها عندهم، وكيف لا تجوز وهي معاوضةٌ تشبه البيع في جميع وجوهه (٢) إلا وجهًا واحدًا! وهو أن العوض فيها غير معلوم حالة العقد، وإنما سامح الشرع في هذا القدر لأنهما دخلا في ذلك على وجه المكارمة لا المشاحَّة، فعفا عن تعيين العوض فيه كما فعل في نكاح التفويض.\nوأما هبة الأب لولده فللأب الرجوع فيها، وإلى ذلك (٣) ذهب مالك والشافعي وأبو ثور والأوزاعي، وقد اتفق هؤلاء على أن ذلك للأب، وهل يلحق بالأب الأم والجد؟ اختلف في ذلك قول مالك والشافعي؛ ففي قول: يُقصَرُ ذلك على الأب. وفي قول آخر: إلحاقهما به. والمشهور من مذهب مالك إلحاق الأم، ومن مذهب الشافعي إلحاق الأم والأجداد والجدَّات مطلقا، والأصل في هذا الباب ما خرَّجه النسائي من حديث ابن عمر وابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: لا يحل لرجل يعطي عطية يرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده، ومثل الذي يعطي عطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب أكل حتَّى إذا شبع قاء ثم عاد في قيئه (٤)، وهذا حديث صحيح. وقال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٩٤٥).\n(٢) في (ع): وجوهها.\n(٣) في (ع): هذا.\n(٤) رواه النسائي (٦/ ٢٦٨).","vol":"4","page":582},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nأن من أعطى ولده عطيَّة ليس بصدقة أن له أن يعتصرها (١)، ما لم يستحدث الولد دينًا أو ينكح فليس للأب الاعتصار. وسبب اختلافهم في إلحاق غير الأب بالأب هو أنَّه هل يتناول الملحق اسم الأبوة أو الوالد أم لا؟ وهل هم في معنى الأب أو يُفرَّق بينهم وبينه؟ فإن للأب من الحق في مال الولد ما ليس لغيره، وله من خصوصية (٢) القرب ما ليس لهم.\nقلت: أما إلحاق الأم فلا إشكال فيه، وقد أوغل الشافعي في استرجاع الأب لما وهب، ولو تعلَّق بالولد من الدين والتزويج كل طلب، وللأب أن يعتصرها من كل من يقع عليه اسم ولد حقيقة أو مجازا مثل ولده لصُلبه وولد ولده من أولاد البنين والبنات.\nوحملت طائفة حديث النَّهي عن الارتجاع في الهبة على عمومه، ولم يستثنوا من ذلك ولدًا ولا غيره، وبه قال طاووس وأحمد، والرجوع عندهم في الهبة محرم مطلقا، والحجة عليهم ما تقدَّم من الحديث وعمل أهل المدينة الدَّالّين على استثناء الأب، وقالت طائفة أخرى: إن المراد بذلك النهي من وهب لذي رحم أو زوج فلا يجوز له الرُّجوع، وإن وهب لغيرهم جاز الرُّجوع - وهو قول الثوري والنخعي وإسحاق، وقصره أبو حنيفة والكوفيون على كل ذي رحم محرم فلا رجوع له فيما يهبه لهم، ويرجع فيما وهبه لغيرهم وإن كانوا ذوي رحم.\nقلت (٣): وهذه تحكُّمات على ذلك العموم، فيا لله من تلك الفهوم! !\n_________\n(١) في (ع): يرجع. ومعنى يعتصرها: يرتجعها.\n(٢) في (ج ٢): حقوق.\n(٣) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"4","page":583},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-641>(٢) باب فيمن نحل بعض ولده دون بعض</span>\n[١٧٢٩] عَن النُّعمَانِ بنِ بَشِيرٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي قد نَحَلتُ ابنِي هَذَا غُلَامًا كَانَ لِي! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلتَهُ مِثلَ هَذَا؟ قَالَ: لَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَارجِعهُ.\nوفي رواية: فرده.\nــ\n(٢) ومن باب: من نحل بعض ولده دون بعض\nحديث النعمان بن بشير في هذا الباب كثرت طرقه فاختلفت (١) ألفاظه، حتَّى لقد قال بعض الناس: إنَّه مضطرب - وليس كذلك؛ لأنه ليس في ألفاظه تناقض، بل يمكن الجمع بينها على ما نبينه إن شاء الله تعالى.\nوقوله إني نَحَلتُ ابني هذا غلامًا، كان هذا النُّحل منه بعد أن سألته أمُّه - وهي عمرة بنت رواحة - بعض الموهبة من ماله، كما قال قد جاء في الرواية الأخرى.\nونحلت: أعطيت. والنحلة: العطية بغير عوض. والنحل: الشيء المنحول. والموهبة رواية أبي عيسى، وهي مصدرٌ مزيدٌ من وهب يهب هبة وموهبة، وهي هنا بمعنى الشيء الموهوب، وعند كافة الرواة: الموهوبة - أي: بعض الأشياء الموهوبة. وجاء في الرواية الأخرى وهبت بدل نحلت، وهو بمعناه. وفي رواية: قال النعمان: تصدق عليَّ أبي ببعض ماله، فسمَّي ذلك صدقة تجوزا، فأمَّا أبوه بشير فسمَّاها نحلة وهبة حقيقة، وهو أعلم بنيَّته وأثبت في قضيَّته؛ لأن النعمان إذ ذاك كان غلامًا.\nوقوله أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ تنبيه على أن الإنسان إذا أعطى بنيه\n_________\n(١) في (م): باختلاف.","vol":"4","page":584},{"text":"وفي رواية: أَفَعَلتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِم؟ قَالَ: لَا. قَالَ: اتَّقُوا اللَّهَ، وَاعدِلُوا فِي أَولَادِكُم - فَرَجَعَ أَبِي فَرَدَّ تِلكَ الصَّدَقَةَ.\nرواه البخاري (٢٥٨٦)، ومسلم (١٦٢٣) (٩ و١٢ و١٣)، والنسائي (٦/ ٢٥٨).\nــ\nسوَّى بينهم ذكرهم وأنثاهم، وأن ذلك الأفضل، وإليه ذهب القاضي أبو الحسن بن القصار من أصحابنا وجماعة من المتقدِّمين، وذهب آخرون منهم عطاء والثوري ومحمد بن الحسن وأحمد وإسحاق وابن شعبان من أصحابنا - إلى أن الأفضل للذكر مثل حظ الأنثيين على قسمة الله تعالى المواريث.\nوقوله في الرِّواية الأخرى أفعلت هذا بولدك كلهم؟، هذه الرواية بمعنى اللفظ الأول، فهو نقل بالمعنى. وكان هذا القول من النبي ﷺ بعد أن سأله فقال له ألك ولدٌ غيره؟ كما جاء في الرواية الأخرى، فلما أجابه عن قوله أفعلت هذا بولدك كلهم؟ بقوله لا قال اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم، وحينئذ قال: لا تشهدني لا يصلح هذا، أشهد غيري فإني لا أشهد على جَور، وفي الرواية الأخرى فإني لا أشهد إلا على حق، وهي بمعنى لا أشهد على جَور. وكان هذا منه ﷺ لما سأله بشير أن يشهد على الهبة، كما قال: إن ابنة رواحة أعجبها أن أشهدك على ما وهبت لابنها، ثم نبهه ﷺ على علَّة أمره بالتسوية بينهم بقوله أتحبُّ أن يكونوا لك في البرِّ سواء؟ قال: نعم. قال: فلا إذًا. وإذا تأملت هذا تبيَّنتَ ألا اضطراب في الروايات وانتظام ما يظهر في بادئ الأمر من الشَّتات، ولما تبيَّن هذا تعيَّن أن نبحث عمَّا فيه من الأحكام، والله المستعان.\nفأول ذلك أنَّه لا يجوز أن يخصَّ بعض ولده بعطاء ابتداء، وهل ذلك على جهة التحريم أو الكراهة؟ قولان لأهل العلم، وإلى التحريم ذهب طاووس،","vol":"4","page":585},{"text":"[١٧٣٠] وعنه أَنَّ أُمَّهُ ابنة رَوَاحَةَ سَأَلَت أَبَاهُ بَعضَ المَوهِبَةِ مِن مَالِهِ لِابنِهَا، فَالتَوَى بِهَا سَنَةً ثُمَّ بَدَا لَهُ، فَقَالَت: لَا أَرضَى حَتَّى تُشهِدَ\nــ\nومجاهد والثوري وأحمد وإسحاق، وأن ذلك يُفسَخُ إن وقع. وذهب الجمهور - مالك في المشهور عنه، والشافعي، وأبو حنيفة، وغيرهم - إلى أن ذلك لا يُفسَخ إذا وقع، وقد حكى ابن المنذر عن مالك وغيره جواز ذلك ولو أعطاه ماله كله. وحكى غيره عن مالك أنَّه إن أعطاه ماله كله ارتجعه. قال سحنون: من أعطى ماله كله ولدًا أو غيره ولم يبق له ما يقوم به لم يجز فِعله. فمن قال بالتحريم تمسَّك بظاهر النهي وأيده بقوله: لا يصلح هذا، ولا أشهد على جور، وبقوله: اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم وبأمره بردّ ذلك. ومن قال بالكراهة انصرف عن ذلك الظاهر بقوله أشهد على هذا غيري. قال: ولو كان حرامًا لما قال هذا. وأنه إنما كان يذمُّ من فَعَلَه ومن يشهد فيه ويغلِّظ عليه كعادته في العقود المحرَّمة، وبقوله أيسرُّك أن يكونوا لك في البرِّ سواء؟؛ فإنه نبَّه على مراعاة الأحسن. وبأن أبا بكر ﵁ نحل عائشة ﵂ جادَّ (١) عشرين وسقًا من ماله بالغابة ولم ينحل غيرها من ولده شيئًا من ذلك، ولأن الأصل جواز تصرُّف الإنسان في ماله مطلقا. وتأول هؤلاء ما احتجَّ به المتقدِّمون من قوله ﷺ لا يصلح هذا وأن ذلك جَور على أن ذلك على الكراهة؛ لأن من عدل عن الأولى والأصلح يصدق عليه مثل ذلك الإطلاق، لأنه مما لا ينبغي أن يُقدِم عليه، ولذلك لم يشهد فيه النبي ﷺ.\nوأما أمره بالارتجاع بذلك لأنه يجوز للأب أن يرجع فيما وهب ولده كما تقدَّم، وهو يدل على صحَّة الهبة المتقدمة كما قال ﷺ: مُره فليراجعها (٢)، وكان ذلك دليلًا على صحة الطلاق الواقع في الحيض. وللطائفة الأولى أن تنفصل عن ذلك المنع: أن قوله\n_________\n(١) أي: نحلها نخلًا كان يجُدُّ (يقطف) منها كل سنةٍ عشرين وسقًا.\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٥٤)، والبخاري (٥٢٥١)، ومسلم (١٤٧١) (٢).","vol":"4","page":586},{"text":"رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَا وَهَبتَ لِابنِي! فَأَخَذَ أَبِي بِيَدِي وَأَنَا يَومَئِذٍ غُلَامٌ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمَّ هَذَا ابِنة رَوَاحَةَ أَعجَبَهَا أَن\nــ\nأشهد على هذا غيري ليس إذنًا في الشهادة وإنَّما هو زجرٌ عنها؛ لأنه ﷺ قد سمَّاه جورًا وامتنع من الشهادة فيه، فلا يمكن أن يشهد أحد من المسلمين في ذلك بوجه.\nوعن قوله أيسرك أن يكونوا في البر سواء؟ أن ذلك تنبيه على الأحسن، فإن ذلك ممنوع، بل ذلك تنبيه على مدخل المفسدة الناشئة عنه وهو العقوق الذي هو أكبر الكبائر، وعن نُحلِ أبي بكر ﵁ أن ذلك يحتمل أنَّ كان قد نحل أولاده نحلًا يعادل ذلك ولم ينقل، ثم إن ذلك الفعل منه لا يعارض به قول النبي ﷺ. وعن التمسك بالأصل أن ذلك غير قادح (١)؛ لأن الأصل الكلِّيّ والواقعة المعينة المخالفة لذلك الأصل في حكمه لا تعارض بينهما كالعموم والخصوص، وقد تقرر في الأصول أن الصحيح بناء العام على الخاص. وعن التأويل (٢) أن ذلك مجاز، وهو على خلاف الأصل. وعن الارتجاع بمنع أن يحمل ذلك على الاعتصار؛ فإن لفظ الردِّ ظاهر في الفسخ، كما قال ﷺ: من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردٌّ (٣)؛ أي: مفسوخ. ويؤيد ذلك قوله فردَّ أبي تلك الصدقة، والصَّدقة لا يعتصرها الأب بالاتفاق.\nوعند هذا الانفصال يتبيَّن للناظر أن القائل بالتحريم هو الذي صال (٤)، وأمَّا القول بالجواز فلم يظهر له وجه به يجاز.\n_________\n(١) في (ج ٢): صحيح.\n(٢) في (ج ٢): الثاني.\n(٣) رواه أحمد (٦/ ٧٣)، والبخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨) (١٨)، وأبو داود (٤٦٠٦)، وابن ماجه (١٤).\n(٤) أي: غَلَب.","vol":"4","page":587},{"text":"أُشهِدَكَ عَلَى الَّذِي وَهَبتُ لِابنِهَا! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا بَشِيرُ، أَلَكَ وَلَدٌ سِوَى هَذَا؟ قَالَ: نَعَم. فَقَالَ: أَكُلَّهُم وَهَبتَ لَهُ مِثلَ هَذَا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَلَا تُشهِدنِي إِذًا؛ فَإِنِّي لَا أَشهَدُ عَلَى جَورٍ!\nــ\nتنبيه: مِن أبعد تأويلات ذلك الحديث قول من قال إن النهي فيه إنَّما يتناول من وهب ماله كلَّه لبعض ولده، وكأنه لم يسمع في الحديث نفسه إن الموهوب كان غلامًا فقط، وإنما وهبه له لمَّا سألته أمُّه بعض الموهبة من ماله، وهذا يعلم منه على القطع أنه كان له مالٌ غيره.\nوفي هذا الحديث ما يدل على الاحتياط في العقود بشهادات الأفضل والأكبر، وعلى حضِّ الأب على سلوك الطرق المفضية بابنه إلى برِّه، ويجتنب ما يفضي إلى نقيض ذلك.\nوفيه دليل على أن حَوز الأب لابنه الصغير ما وهبه له جائز، ولا يحتاج إلى أن يحوزه غيره؛ فإن النُّعمان كان صغيرا، وقد جاء به أبوه إلى النبي ﷺ وهو يحمله.\nقال عياض: ولا خلاف في هذا بين العلماء فيما يعرف بعينه. واختلف المذهب فيما لا يعرف بعينه - كالمكيل، والموزون، وكالدراهم - هل يجزئ تعيينه والإشهاد عليه والختم عليه في (١) الحوز أم لا يجزئ ذلك حتى يخرجها من يده إلى يد غيره؟ وأجاز ذلك أبو حنيفة وإن لم يخرجه من يده.\nوكذلك اختلف في هبته له جزءًا من ماله مشاعًا.\nقلت: وهذا الحكم إنما ينتزعه من هذا الحديث من حمل قوله فارجعه على الاعتصار.\nواختلف العلماء فيما لم يقبض من الهبات هل تلزم بالقول أم لا حتى تقبض؟ فذهب الحسن البصري وحمَّاد بن أبي سليمان وأبو ثور وأحمد بن حنبل إلى أنَّها تلزم بالقول ولا تحتاج إلى حوزٍ كالبيع، وقال أبو حنيفة\n_________\n(١) في (ج ٢): عن.","vol":"4","page":588},{"text":"وفي رواية قَالَ: فَأَشهِد عَلَى هَذَا غَيرِي. ثُمَّ قَالَ: أَيَسُرُّكَ أَن يَكُونُوا لَكَ فِي البِرِّ سَوَاءً؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَلَا إِذًا.\nوفي أخرى قَالَ: فَلَيسَ يَصلُحُ هَذَا، وَإِنِّي لَا أَشهَدُ إِلَّا عَلَى حَقٍّ.\nرواه أحمد (٤/ ٢٦٨)، ومسلم (١٦٢٣) (١٠ و١٢)، وأبو داود (٣٥٤٣)، والترمذي (١٣٦٧)، والنسائي (٦/ ٢٥٨)، وابن ماجه (٢٣٧٦).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-642>(٣) باب المنحة مردودة</span>\n[١٧٣١] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ المُهَاجِرُونَ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةَ قَدِمُوا وَلَيسَ بِأَيدِيهِم شَيءٌ، وَكَانَ الأَنصَارُ أَهلَ الأَرضِ وَالعَقَارِ، فَقَاسَمَهُم الأَنصَارُ عَلَى أَن أَعطَوهُم أَنصَافَ ثِمَارِ أَموَالِهِم كُلَّ عَامٍ وَيَكفُونَهُم العَمَلَ وَالمَؤونَةَ، وَكَانَت أُمُّ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ - وَهِيَ تُدعَى أُمَّ سُلَيمٍ، وَكَانَت أُمُّ عَبدِ اللَّهِ بنِ أَبِي طَلحَةَ، كَانَ أَخًا لِأَنَسٍ لِأُمِّهِ، وَكَانَت أَعطَت أُمُّ\nــ\nوالشافعي: لا تلزم بالقول (١)، بل بالحوز. وذهب مالك إلى أنها تلزم بالقول وتتم بالحوز - وقد تقدم ذلك. والعلماء مُجمِعُون على لزومها بالقبض، وهبة المشاع جائزة عند الجمهور، ومنعها أبو حنيفة.\n(٣) ومن باب: المنحة مردودة\nظاهر قول أنس فقاسمهم الأنصار على أن أعطوهم أنصاف أموالهم كل عام ويكفونهم المؤونة يقتضي أن الأنصار ساقَوا المهاجرين، فيكون فيه حجة\n_________\n(١) في (ع): القبول. وفي باقي النسخ: القول. (والقول يشمل الإيجاب والقبول).","vol":"4","page":589},{"text":"أَنَسٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِذَاقًا لَهَا، فَأَعطَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّ أَيمَنَ مَولَاتَهُ أُمَّ أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ. قَالَ ابنُ شِهَابٍ: فَأَخبَرَنِي أَنَسُ بنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا فَرَغَ مِن قِتَالِ أَهلِ خَيبَرَ وَانصَرَفَ إِلَى المَدِينَةِ رَدَّ المُهَاجِرُونَ إِلَى الأَنصَارِ مَنَائِحَهُم الَّتِي كَانُوا مَنَحُوهُم مِن ثِمَارِهِم. قَالَ: فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أُمِّي عِذَاقَهَا، وَأَعطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّ أَيمَنَ مَكَانَهُنَّ مِن حَائِطِهِ. قَالَ ابنُ شِهَابٍ: وَكَانَ مِن شَأنِ أُمِّ أَيمَنَ - أُمِّ أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ - أَنَّهَا كَانَت وَصِيفَةً لِعَبدِ اللَّهِ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ، وَكَانَت مِن الحَبَشَةِ، فَلَمَّا وَلَدَت آمِنَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعدَمَا تُوُفِّيَ أَبُوهُ، وَكَانَت أُمُّ أَيمَنَ تَحضُنُهُ حَتَّى كَبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَعتَقَهَا، ثُمَّ أَنكَحَهَا زَيدَ بنَ حَارِثَةَ، ثُمَّ تُوُفِّيَت بَعدَمَا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَمسَةِ أَشهُرٍ.\nرواه البخاريُّ (٢٦٣٠)، ومسلم (١٧٧١)، (٧٠)، والنسائي في الكبرى (٨٣٢٠).\nــ\nعلى من أنكر المساقاة وهو أبو حنيفة، غير أن هذا لم يكن من جميع الأنصار، بل كان منهم من فعل هذا ومنهم من أعطى الثَّمرة من غير عمل كما فعلت أم سليم مع رسول الله ﷺ، وكما قال أنس في الرواية الأخرى إن الرَّجل كان يعطي النبي ﷺ النخلات من أرضه، وكان هذا من المهاجرين تنزها عن الأخذ العَرِيِّ عن المعاوضة على مقتضى كرم أخلاقهم، ولم يفعل الأنصار ذلك إلا عند امتناع المهاجرين من القبول، وذلك أن النبي ﷺ لما آخى بين المهاجرين والأنصار كان الأنصاري يقول للمهاجري: إن عندي من المال كذا، فتعال أشاطرك عليه! وكان منهم من يقول: إن عندي زوجتين؛ أنزل لك عن أحسنهما! فيقول المهاجري: بارك الله لك في أهلك ومالك، دُلَّني على السوق (١)! وإنَّما أعطى\n_________\n(١) رواه النسائي (٦/ ١٣٧).","vol":"4","page":590},{"text":"[١٧٣٢] وعنه أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَجعَلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ النَّخَلَاتِ مِن أَرضِهِ حَتَّى فُتِحَت عَلَيهِ قُرَيظَةُ وَالنَّضِيرُ، فَجَعَلَ بَعدَ ذَلِكَ يَرُدُّ عَلَيهِ مَا كَانَ أَعطَاهُ. قَالَ أَنَسٌ: وَإِنَّ أَهلِي أَمَرُونِي أَن آتِيَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَسأَلَهُ مَا كَانَ أَهلُهُ أَعطَوهُ أَو بَعضَهُ، وَكَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ قَد أَعطَاهُ أُمَّ أَيمَنَ، فَأَتَيتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَعطَانِيهِنَّ، فَجَاءَت أُمُّ أَيمَنَ فَجَعَلَت الثَّوبَ فِي عُنُقِي وَقَالَت: وَاللَّهِ لَا نُعطِيكَهُنَّ وَقَد أَعطَانِيهِنَّ! فَقَالَ النَبِيُّ ﷺ: يَا أُمَّ أَيمَنَ، اترُكِيهِ وَلَكِ كَذَا وَكَذَا. وَتَقُولُ: كَلَّا وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ! فَجَعَلَ يَقُولُ: كَذَا - حَتَّى أَعطَاهَا عَشرَةَ أَمثَالِهِ.\nرواه أحمد (٣/ ٢١٩)، والبخاري (٣١٢٨)، ومسلم (١٧٧١) (٧١).\n* * *\nــ\nالنبي ﷺ لأمِّ أيمن ما كان يملكه من ثمر ذلك العَذق، فظنت أمُّ أيمن أنَّه إنما أعطاها الأصل، فلذلك امتنعت من ردِّه بناء منها على أنه كان يملكه، فكان منها ما يأتي بعد.\nوهذا الحديث يدلُّ على جواز هبة المجهول؛ فإن الثمرة مجهولة، ولا وجه لمنع ذلك إذ لا يؤدي إلى فساد في عوض ولا إلى غرر في عقد؛ لأن هذه الهبة إن قصد بها الأجر فهو حاصل بحسب نيّة الواهب، وصل الموهوب لتلك الهبة أو لا. وإن أراد المحبَّة والتودد فإن حصلت الهبة للموهوب حصل ذلك المقصود، وإلا فقد علم الموهوبُ له اعتناءَ الواهب به وإرادة إيصال الخير له.\nوفعل أم أيمن بأنس ما فعلت بحضرة النبي ﷺ وامتناعها من ردِّ ما أمرها بردِّه رسول الله ﷺ، إنما صدر عنها كل ذلك لما كان لها على النبي ﷺ من","vol":"4","page":591},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-643>(٤) باب ما جاء في العمرى</span>\n[١٧٣٣] عَن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ الأَنصَارِيَّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَيُّمَا رَجُلٍ أَعمَرَ رَجُلًا عُمرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَقَالَ: قَد أَعطَيتُكَهَا وَعَقِبَكَ\nــ\nالإدلال (١) والانبساط بحكم أنها كأمه من جهة الحضانة والتربية والكفالة، ومسامحة النبي ﷺ لها في ذلك على جهة الإكرام لها والقيام بحقها، ومع ذلك فلم يزل النبي ﷺ يسوسها ويتلطف بها إلى أن أخذ منها ما ليس لها وأعطاها ما كان لها مُستَرضِيًا لها ومطيِّبًا قلبها على كرم خلقه وحُسن محاولته ﷺ.\nوفيه دليل على أن ما وُهِبَت منفعته فإذا انقضت وَجب ردُّ الأصل، ولا خلاف فيه.\n(٤) ومن باب: العمرى\n(قوله: أيُّما رجل أعمر عُمرى له ولعقبه) العمرى في اللغة: هي أن يقول الرَّجل للرَّجل: هذه الدار لك عمري أو عمرك. وأصلها من العمر؛ قاله أبو عبيد. وقال غيره: أعمرته الدَّار جعلتها له عمره. وقال الحربي: سمعت ابن الأعرابي يقول: لم يختلف العرب أن هذه الأشياء على ملك أربابها: العمرى، والرُّقبى، والسُّكنى، والإطراق، والمنحة، والعرية، والعارية، والأفقار. ومنافعها لمن جعلت له.\nقلت: وعلى هذا: فالعُمرى الواردة في الحديث حقها أن تحمل على هذا. فتكون: تمليك منافع الرَّقبة مدة عمر من قُيِّدت بعمره، فإن لم يذكر عقبًا؛ فمات المُعمَرُ رجعت إلى الذي أعطاها ولورثته. فإن قال: هي لك ولعقبك؛ لم ترجع إلى الذي أعطاها إلا أن ينقرض العَقِبُ.\n_________\n(١) في (ع) و(م): الدلال.","vol":"4","page":592},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوعلى هذا: فيكون الإعمار بمعنى الإسكان؛ إذا قيّده بالعمر، غير أن الأحاديث التي جاءت في هذا الباب تقتضي بحكم ظاهرها أنَّها تمليك الرَّقبة على ما هي مسرودة في الأصل، فاختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:\nأحدها: ما تقدَّم، وهي أنها تمليك منافع الرَّقبة. وهو قول القاسم بن محمد، ويزيد بن قُسَيط، واللَّيث بن سعد، وهو مشهور مذهب مالك، وأحد قولي (١) الشافعي. وقال مالك: وللمُعمِر أن يُكريها ولا يُبعِد، وله أن يبيعها من الذي أعطاها، لا من غيره.\nوثانيها: أنها تمليك الرَّقبة ومنافعها، وهي هبة مبتولة. وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وأصحابهما، والثوري، والحسن بن حيّ، وأحمد بن حنبل، وابن شبرمة، وأبي عبيد؛ قالوا: من أعمر رجلًا شيئًا حياته فهو له حياته، وبعد وفاته لورثته؛ لأنه قد ملك رقبتها. وشرط المعطي الحياة أو العمر باطل؛ لأن رسول الله ﷺ قد أبطل شرطه، وجعلها بتلةً. وسواء قال: هي لك حياتك، أو: هي لك ولعقبك بعدك.\nوثالثها: إن قال: عمرك؛ ولم يذكر العقب كان كالقول الأول. وإن قال: هي لك ولعقبك؛ كان كالقول الثاني. وبه قال الزهري، وأبو ثور، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وابن أبي ذئب، وقد روي عن مالك. وهو ظاهر قوله في موطأ يحيى بن يحيى.\nفأهل القول الأول تمسَّكوا بأصل اللغة، وعضدوا ذلك بما رواه ابن القاسم (٢) عن مالك قال: رأيت محمدًا وعبد الله ابني أبي بكر بن محمد بن عمرو\n_________\n(١) في (ع) و(ج ٢): أقوال.\n(٢) انظر الموطأ (٢/ ٧٥٦).","vol":"4","page":593},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nابن حزم، وعبد الله يعاتب محمدًا - وهو يومئذ قاض - يقول له: ما لك لا تقضي بحديث ابن شهاب في العُمرى؟ فقال: يا أخي! لم أجد النَّاس عليه، وأباه الناس. قال مالك: ليس عليه العمل، ولوددت: أنه مُحِي. وعضدوه أيضًا بأن قالوا: الأصل بقاء ملك المعطي للرَّقبة بإجماع، ولم يرد قاطع بإخراجه عن يده قبل الإعمار (١)، وتأولوا جميع تلك الظواهر الواردة في الباب.\nوأما أهل القول الثاني: فظواهر الأحاديث معهم، غير أنَّهم لا يُسلَّم لهم أن رسول الله ﷺ أبطل شرط العمر؛ لأنَّه لو أبطله لبطلت العمرى بالكليَّة، ولامتنع إطلاق ذلك الاسم عليها، ولم تبطل؛ لأن الأصل في شروط المسلمين صحتها وبقاؤها بدليل قول رسول الله ﷺ: (المسلمون على شروطهم) (٢) ذكره أبو داود وغيره عن أبي هريرة.\nفإن قيل: هذا من الشروط التي قد أبطلها الشرع بقوله: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) (٣)، قلنا: لا نسلّم: أنَّه ليس في كتاب الله؛ لأن كتاب الله هنا يراد به: حكم الله؛ بدليل السبب الذي خرج عليه الحديث المتقدَّم. وقد تقدَّم في العتق. ثم يلزم على هذا إبطال المنحة، والإفقار، والعارية، فإنَّها كلها عطايا بشروط، وليست كذلك باتفاق. فإن قيل: فقد قال رسول الله ﷺ فيما رواه ابن أبي ذئب في موطئه من حديث جابر عن النبي ﷺ: أنَّه قضى فيمن أعمر عُمرى له ولعقبه: فهي بتلةٌ لا يجوز للمعطي فيها شرط، ولا مثوبة. وهذا صريح في إبطال الشرط. فالجواب: إنا لا نسلم: أن هذا الشرط المنهي عنه هو نفس الإعمار في قوله: هي لك عمرك؛ لأنه لو كان كذلك لبطلت حقيقة العمرى، كما قلناه، ولأنه لو بطل ذلك لبطل قول المعطي: هي لك سنة من عمرك، ولم يبطل بالاتفاق، فلا تبطل. والجامع بين الصورتين: أن كل واحد منهما إعطاء ذكر فيه العمر. وقد قال\n_________\n(١) زيادة من (ج ٢).\n(٢) رواه البخاري (٣/ ١٨٧) تعليقًا، وأبو داود (٣٥٩٤).\n(٣) رواه أحمد (٦/ ٢١٣)، والنسائي (٦/ ١٦٤ - ١٦٥)، وابن ماجه (٢٥٢١).","vol":"4","page":594},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالقاسم بن محمد: ما أدركت الناس إلا وهم على شروطهم في أموالهم (١). ومما يتمسكون به قوله ﷺ: (لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث) فقد صيَّرها ملكًا؛ لأنه لا يورث عن الإنسان إلا ما كان يملك. ويجابون عن ذلك: بأن اللفظ ليس من كلام النبي ﷺ وإنما هو من قول أبي سلمة بن عبد الرحمن؛ كما قد رواه ابن أبي ذئب عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، وذكر الحديث المتقدِّم، فلما فرغ قال: قال أبو سلمة: (لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث). ولئن سلم ذلك؛ فإنما جاء ذلك من حيث ذكر العقب، فيكون فيه حجة لأهل القول الثالث، لا للثاني.\nوأما أهل القول الثالث، فكأنهم أعملوا الاسم فيما لم يذكر فيه العقب، وتركوا مقتضاه، حيث منع منه الشرع. وكأنهم جمعوا بين الاسم والأحاديث التي في الباب. وقد شهد لصحة هذا رواية من قال عن جابر: إنَّما العُمرى التي أجاز رسول الله ﷺ أن يقول: هي لك ولعقبك. فأمَّا إذا قال: هي لك ما عشت: فإنها ترجع إلى صاحبها. قال: وبه كان الزهري يُفتي. ثم ما ورد من الروايات مطلقا فإنه مقيد بهذا الحديث. غير أن كلام النبي ﷺ انتهى عند قوله: (هي لك ولعقبك) وما بعده من كلام الزهري، على ما قاله محمد بن يحيى الذهلي. وهو مما انفرد به معمر عن الزهري. وخالفه في ذلك سائر من رواه عن الزهري من الأئمة الحفاظ، كالليث، ومالك، وابن أخي الزهري، وابن أبي ذئب. ولم يذكروا ذلك. .\nقلت: والذي يظهر لي، وأستخير الله في ذكره: أنَّ حديث جابر في العُمرى رواه عنه جماعة، واختلفت ألفاظهم اختلافًا كثيرًا، ثم رواه عن كل واحد من تلك الجماعة قوم آخرون. واختلفوا كذلك. ثم كذلك القول في الطبقة الثالثة. وخلط فيه بعضهم بكلام النبي ﷺ ما ليس منه، فاضطرب، فضعفت الثقة به، مع ما ينضاف إلى ذلك من مخالفته للأصل المعلوم المعمول به: من أن الناس على شروطهم\n_________\n(١) انظر الموطأ (٢/ ٧٥٦).","vol":"4","page":595},{"text":"مَا بَقِيَ مِنكُم أَحَدٌ، فَإِنَّهَا لِمَن أُعطِيَهَا، وَإِنَّهَا لَا تَرجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا مِن أَجلِ أَنَّهُ أَعطَى عَطَاءً وَقَعَت فِيهِ المَوَارِيثُ.\nرواه مسلم (١٦٢٥) (٢٠)، وأبو داود (٣٥٥٣)، والترمذي (١٣٥٠)، والنسائي (٦/ ٢٧٥).\n[١٧٣٤] وعنه، قَالَ: إِنَّمَا العُمرَى الَّتِي أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَن يَقُولَ: هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: هِيَ لَكَ مَا عِشتَ، فَإِنَّهَا تَرجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا. قَالَ مَعمَرٌ: وَكَانَ الزُّهرِيُّ يُفتِي بِهِ.\nوفي رواية: قَالَ ﵊: العُمرَى لِمَن وُهِبَت لَهُ.\nــ\nفي أموالهم، كما قال القاسم بن محمد، وكما دلَّ عليه الحديث المتقدم في الشروط. وينضاف إلى ذلك: أن الناس تركوا العمل به؛ كما قال محمد بن أبي بكر. فتعيَّن تركه، كما قال مالك: ليته مُحِي. ووجب التمسك بأصل وضع العُمرى، كما تقدَّم، وبالأصل المعلوم من الشريعة: من أن الناس على ما شرطوه في أعطياتهم. وهُذا (١) القول الأول، وليس على غيره معوَّل. وإذا تقرر ذلك فلنبين وجه ردِّ تلك الروايات إلى ما قررناه.\nفأمَّا قوله: (وإنها لا ترجع إلى صاحبها، من أجل: أنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث). فيعني به: أنه لما جعلها للعقب؛ فالغالب أن العقب لا ينقطع، فلا تعود لصاحبها لذلك.\nوأمَّا قوله: (وقعت فيه المواريث) فإن سلَّمنا أنه من قول النبي ﷺ فمعناه - والله أعلم -: أنَّها لما كانت تنتقل للعقب بحكم تلقيهم عن مورِّثهم، ويشتركون في الانتفاع بها أشبهت المواريث، فأطلق عليها ذلك.\n_________\n(١) في (ع) و(ج ٢): وهو.","vol":"4","page":596},{"text":"وفي أخرى: أَمسِكُوا عَلَيكُم أَموَالَكُم وَلَا تُفسِدُوهَا، فَإِنَّهُ مَن أَعمَرَ عُمرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعمِرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِعَقِبِهِ.\nوفي أخرى: جَعَلَ الأَنصَارُ يُعمِرُونَ المُهَاجِرِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَمسِكُوا عَلَيكُم أَموَالَكُم.\nوفي أخرى: قَالَ ﵊: العُمرَى جَائِزَةٌ.\nــ\nوأمَّا قوله: (أمسكوا عليكم أموالكم، ولا تفسدوها) فإنه من باب الإرشاد إلى الأصلح؛ لأن الإعمار يمنع المالك من التصرف فيما يملكُ رقبته آمادًا طويلة، لا سيما إذا قال: هي لك ولعقبك؛ فإن الغالب: أنها لا ترجع إليه، كما قررناه. ولا يصح حمل هذا النهي على التحريم؛ لأنَّه قد قال في الرِّواية الأخرى: (العمرى جائزة لمن وهبت له) (١) أي: عطيَّة جائزة، ولأنها من أبواب البر، والمعروف، والرفق. فلا يمنع منه. وقول ابن عباس: لا تحِلُّ العُمرى ولا الرُّقبى؛ محمول على ذلك، فإنه قال إثر ذلك: فمن أعمر شيئًا فهو له، ومن أرقب شيئًا فهو له (٢). فقد جعلهما طريقين للتمليك. فلو كان عقدهما حرامًا كسائر العقود المحرَّمة لأمر بفسخهما.\nوأمَّا قوله: (فهي للذي أعمرها حيًّا وميتًا) فيعني بذلك: إذا قال: هي لك ولعقبك؛ فإنَّه ينتفع بها في حياته، ثم ينتقل نفعها إلى عقبه بعد موته. وهذه الرواية وإن وقعت هنا مطلقة؛ فهي مقيدة بالروايات الأخر التي ذكر فيها العقب، لا سيما والرَّاوي واحد، والقضية واحدة. فيحمل المطلق منها على المقيَّد قولًا واحدًا، كما قررناه في الأصول.\nو(قوله: إنما العمرى التي أجاز رسول الله ﷺ: أن يقول: هي لك ولعقبك؛ أي: أمضى جوازها وألزمه دائمًا على ما ذكرناه.\n_________\n(١) قوله: لمن وُهبتْ له: ليست في التلخيص.\n(٢) رواه النسائي (٦/ ٢٧٠).","vol":"4","page":597},{"text":"رواه أحمد (٣/ ٢٩٤)، ومسلم (١٦٢٥) (٢٣ و٢٦ و٢٧)، وأبو داود (٣٥٥٥)، والنسائي (٦/ ٢٧٤).\n[١٧٣٥] وعن أَبي الزُّبَيرِ، عَن جَابِرٍ قَالَ: أَعمَرَت امرَأَةٌ بِالمَدِينَةِ حَائِطًا لَهَا ابنًا لَهَا، ثُمَّ تُوُفِّيَ وَتُوُفِّيَت بَعدَهُ، وَتَرَكَ وَلَدًا، وَلَهُ إِخوَةٌ بَنُونَ لِلمُعمِرَةِ، فَقَالَ وَلَدُ المُعمِرَةِ: رَجَعَ الحَائِطُ إِلَينَا، وَقَالَ بَنُو المُعمَرِ: بَل كَانَ لِأَبِينَا حَيَاتَهُ وَمَوتَهُ، فَاختَصَمُوا إِلَى طَارِقٍ مَولَى عُثمَانَ، فَدَعَا جَابِرًا فَشَهِدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالعُمرَى لِصَاحِبِهَا، فَقَضَى بِذَلِكَ طَارِقٌ ثُمَّ كَتَبَ إِلَى عَبدِ المَلِكِ فَأَخبَرَهُ ذَلِكَ، وَأَخبَرَهُ بِشَهَادَةِ جَابِرٍ، فَقَالَ عَبدُ المَلِكِ: صَدَقَ جَابِرٌ، فَأَمضَى ذَلِكَ طَارِقٌ، فَإِنَّ ذَلِكَ الحَائِطَ لِبَنِي المُعمَرِ حَتَّى اليَومِ.\nرواه مسلم (١٦٢٥) (٢٨).\n* * *\nــ\nو(قوله: وأمَّا إذا قال: فهي لك ما عشت) فإنها ترجع إلى صاحبها، فإن كان من قول النبي ﷺ فهو نصٌّ فيما اخترناه. وإن كان من قول الرَّاوي؛ فهو أقعد بالحال، وأعلم بالمقال.\nتنبيه: القائلون: بأن العمرى تمليك الرقبة؛ فرَّقوا بينها وبين السُّكنى. فلو قال: أسكنتك حياتك. فإذا مات رجعت إلى صاحبها (١). إلا الشَّعبي: فإنه سوَّى بينهما، وقال في السَّكنى: لا ترجع إلى صاحبها بوجه. وهو شاذٌّ لا يعضده نظر، ولا خبر. فإن العمرى عند القائلين: بأنها تمليك الرَّقبة، خارجة عن القياس. وإنما صاروا إليه من جهة ظواهر الأخبار، فلا تقاس السُّكنى عليها؛ لأن الخارج عن القياس لا يُقَاس عليه كما قررناه في الأصول. ولا خبر فيه، فلا يصار إليه. والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) في (ع): صاحبه.","vol":"4","page":598},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-644>(٥) باب فيما جاء في الحُبس</span>\n[١٧٣٦] عَن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: أَصَابَ عُمَرُ أَرضًا بِخَيبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَستَأمِرُهُ فِيهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبتُ أَرضًا بِخَيبَرَ لَم\nــ\n(٥) ومن باب: الحُبس\n(قول عمر ﵁: يا رسول الله! إنِّي أصبت أرضًا بخيبر لم أُصِبُ مالًا قطُّ هو أنفسُ منه) يعني: أنَّه صارت له هذه الأرض بالقسمة. فإن النبي ﷺ قسم أرض خيبر التي افتتحت عُنوة كما قررناه في الجهاد. والمال النفيس: المغتبط به لجودته. ويُسَمَّى هذا المال: ثَمغ. ولما كان هذا المال أطيب أموال عمر، وأحبَّها إليه أراد أن يتصدَّق به لينالَ البرَّ الذي ذكر الله تعالى في قوله: ﴿لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وهذا كما قال الأنصاري صاحبُ بيرحاء، فأرشده رسول الله ﷺ إلى الأصلح في الصَّدقة وهو التحبيس؛ من حيث إن صدقته جارية، وأجره دائم في الحياة، وبعد الموت. كما قال ﷺ: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) (١).\nو(قوله: فما تأمر به؟) استشارة من عمر مع حُسن أدب، ولذلك أجابه ﷺ بقوله: (إن شئت حبست أصلها، وتصدَّقت بها) أي: بثمرها (٢)، كما قد قال في الرِّواية الأخرى، وليس هذا أمرًا من النبي ﷺ له، ولا حُكمًا عليه بالتحبيس. وإنما هي إشارة إلى الأصلح والأولى. ففيه دليل على جواز الاستشارة في الأمور؛ وإن\n_________\n(١) رواه مسلم (١٦٣١)، والبخاري في الأدب المفرد (٣٨)، وأبو داود (٢٨٨٠)، وانظره في الترغيب والترهيب رقم (١٢٤).\n(٢) فى (ل ١): بثمرتها.","vol":"4","page":599},{"text":"أُصِب مَالًا قَطُّ هُوَ أَنفَسُ عِندِي مِنهُ، فَمَا تَأمُر بِهِ؟ قَالَ: إِن شِئتَ حَبَستَ\nــ\nكانت من نوع القرب. وعلى أن المستشار يجب عليه أن يشير بأحسن ما يظهر له، كما قال صلى (ل هـ عليه وسلم: (من أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره؛ فقد خانه) (١)، وقال: (المستشار مؤتمن) (٢). ولما فهم عمر ﵁ أنَّه أشار عليه بالأصلح بادر إلى ذلك، فتصدَّق به على جهة تقتضي تحبيس الأصل، والتصدُّق بالثمرة، فكان ذلك دليلًا لجمهور العلماء على جواز الحُبس، وصحته على من شذَّ ومنعه. وهذا خلاف لا يُلتفت إليه. فإن قائله خرق إجماع المسلمين في المساجد، والسقايات؛ إذ لا خلاف في ذلك. وهو أيضًا حجة للجمهور على قولهم: إن الحُبس لازم، وإن لم يقترن به حكم حاكم. وخالف في ذلك أبو حنيفة، وزفر، فقالا: لا يلزم، وهو عطيَّة، يرجع فيها صاحبها، وتورث عنه إلا أن يحكم به حاكم، أو يكون مسجدًا، أو سقاية، أو يوصي به، فيكون في ثلثه.\nووجه الحجة عليه من هذا الحديث: أن عمر ﵁ لما فهم عن النبي ﷺ إشارته بالتحبيس بادر إلى ذلك بحضرة النبي ﷺ وقال: إنه لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث. ثم إنه أمضى ذلك من غير أن يحكم به النبي ﷺ؛ إذ لم يصدر من النبي ﷺ أكثر من (٣) الإشارة.\nوأيضًا: فإن الصحابة قد أجمعت على ذلك من غير خلاف بينهم فيه. فقد حبس الأئمة الأربعة ﵃ وطلحة، وزيد بن ثابت، والزبير، وابن عمر، وخالد بن الوليد، وأبو رافع، وعائشة، وغيرهم. واستمرت أحباسهم معمولًا بها على وجه الدَّهر، من غير أن يقف شيء من ذلك على حكم حاكم. ولم يُحكَ أن شيئًا من تلك الأحباس رجعت إلى المحبِّس، ولا\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٦٥٧)، والبيهقي (١/ ١٠٣)، والحاكم (١/ ١٠٣).\n(٢) رواه أحمد (٥/ ٢٧٤)، وأبو داود (٥١٢٨)، والترمذي (٢٨٢٢ و٢٨٢٣)، وابن ماجه (٣٧٤٥ و٣٧٤٦)، والدارمي (٢/ ٢١٩).\n(٣) في (ل ١): غير.","vol":"4","page":600},{"text":"أَصلَهَا وَتَصَدَّقتَ بِهَا. قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِه عُمَرُ، أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصلُهَا، وَلَا\nــ\nإلى ورثته (١).\nومن جهة المعنى: فإنَّها عطية على جهة القربة، فتلزم؛ كالهبة للمساكين، ولذي الرَّحم، وكالصَّدقة. ولأنه قد أُجمع على تحبيس المساجد من غير حكم. ولا فرق بين تحبيسها وتحبيس العقار لا سيما على الفقراء والمساكين. فإذا ثبت هذا: فالحُبس لازم في كل شيء تمكن العطية فيه.\nواختلف عن مالك في تحبيس الحيوان؛ كالإبل، والخيل، على قولين: المنع؛ وبه قال أبو حنيفة، وأبو يوسف.\nوالصحة: وبه قال الشافعي، وهو الصحيح؛ لأنه عطية على وجه القربة، يتكرر أجرها، كالعقار، وغيره، ولأن المسلمين على شروطهم، وقد شرط صاحب الفرس في صدقته: أنها لا تباع، ولا توهب، ولا تورث. فَينفُذُ شرطه. وقد تقدم القول على هذا المعنى في باب العُمرى.\nفإذا فهمت هذا؛ فاعلم: أن الألفاظ الواقعة في هذا الباب إما أن يقترن معها ما يدل على التأبيد أو لا.\nفالأوَّل: نحو قوله: لا يباع، ولا يوهب، ولا يورَّث، أو: أبدًا، أو: دائمًا، أو: على مجهولين، أو: على العقب. فهذا النَّوع لا يبالي بأيِّ لفظ نُسِق معه؛ لأنه يفيد ذلك المعنى؛ كقوله: وقف، أو: حبس، أو: صدقة، أو: عطية.\nفأما الثاني: وهو إذا تجرد عما يدل على ذلك، فلفظ الوقف صريح الباب، فيقتضي التأبيد، والتحريم. ولم يختلف المذهب في ذلك.\nوفي الحُبس روايتان: إحداهما: أنه كالوقف. والثانية: أنه يرجع إلى المحبِّس بعد موت المحبَّس عليه. والظاهر الأول؛ لأنه يستعمل في ذلك شرعا\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع) و(ل ١)، ومستدرك من (ج ٢).","vol":"4","page":601},{"text":"يُورَثُ وَلَا يُوهَبُ، قَالَ: فَتَصَدَّقَ عُمَرُ فِي الفُقَرَاءِ، وَفِي القُربَى، وَفِي الرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَابنِ السَّبِيلِ، وَالضَّيفِ ولَا جُنَاحَ عَلَى مَن وَلِيَهَا أَن يَأكُلَ مِنهَا بِالمَعرُوفِ، أَو يُطعِمَ صَدِيقًا غَيرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ. وفي رواية: غَيرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا.\nــ\nوعرفًا. وأما الصدقةُ: فالظاهر منها أنها تمليك الرَّقبة. وفي رواية: أنها كالوقف. وفيها بُعدٌ إلا عند القرينة. واختلف فيما لو جمع بينهما فقال: حُبسُ صدقةٍ. والظاهر: أن حكمه حكم الحُبس. وصدقة: تأكيد.\nو(قوله: فتصدَّق بها عمر في الفقراء، وفي القربى، وفي الرِّقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف) قد تقدَّم القول في الفقير في كتاب الزكاة، وكذلك: في الرِّقاب، وفي سبيل الله، وفي ابن السبيل. وأما القربى: فظاهره أنه أراد به قرابته. ويحتمل أن يريد به: قرابة النبي ﷺ المذكورين في الخمس والفيء. وفيه بُعد؛ لأنه قد أطلق على ذلك الحبس صدقة، وهم قد حرموا الصدقة، إلا إن تنزَّلنا: على أن الذي حرموه هي الصدقة الواجبة (١) فقط. والرَّافع لهذا الاحتمال الوقوف على ما صنع في صدقة عمر. فينبغي أن يبحث عن ذلك. والأولى حمله على قرابة عمر الخاصة به. والله أعلم.\nو(قوله: لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف) هذا رفع للحرج عن الوالي عليها، والعامل في تلك الصَّدقة في الأكل منها، على ما جرت به عادة العمَّال في الحيطان (٢) من أكلهم من ثمرها حالة عملهم فيها. فإن المنع من ذلك نادر، وامتناع العامل من ذلك أندر، حتى أنه لو اشترط رب الحائط على العامل فيه ألا يأكل لاستُقبِح ذلك عادة وشرعا. وعلى ذلك: فيكون المراد بالمعروف: القدر\n_________\n(١) أي: الزكاة.\n(٢) \"الحيطان\": جمع حائط، وهو البستان المحاط بجدار.","vol":"4","page":602},{"text":"رواه أحمد (٢/ ١٢)، والبخاري (٢٧٣٧)، ومسلم (١٦٣٢)، وأبو داود (٢٨٧٨)، والترمذي (١٣٧٥)، والنسائي (٦/ ٢٣٠)، وابن ماجه (٢٩٦).\n* * *\nــ\nالذي يدفع الحاجة، ويردُّ الشَّهوة، غير أكل بسرفٍ، ولا نَهمةٍ، ولا متخذًا خيانة ولا خُبنَة (١). وقيل: مراد عمر بذلك: أن يأكل العامل منها بقدر عمله. وفيه بُعدٌ؛ لأنه لا يصح ذلك حتى يُتأوَّل (يأكل) بمعنى: (يأخذ) لأن العامل إنَّما يأخذ أجرته، فيتصرَّف فيها بما شاء من بيع، أو أكل، أو غير ذلك. و(أكل) بمعنى: (أخذ) على خلاف الأصل، ولأن مساق اللفظ لا يشعر بقصد إلى أن تلك الإباحة إنما هي بحسب العمل وبقدره. فتأمله، لا سيما وقد أردف عليه: ويطعم صديقًا غير متأثلٍ مالًا؛ يعني به: صديقًا للوالي عليها، وللعامل فيها. ويحتمل: صديقًا للمحبِّس. وفيه بُعدٌ. والمتأثل للشيء هو: المتَّخِذُ لأصله، حتى كأنَّه قديم عنده.\nومنه قول الشاعر:\nولكنَّما أَسعى لِمَجدٍ مُؤثَّلٍ ... وقد يُدرِكُ المَجد المؤَثَّلَ أَمثَالي\nأي: المجد القديم المؤصَّل. وأثلةُ الشيء: أصله. وفيه ما يدلُّ على أنه يجوز الحبس على الأغنياء.\n* * *\n_________\n(١) \"الخُبْنة\": ما يحمله الإنسان في حِضْنه أو تحت إبطه. قال رسول الله - ﷺ -: \"من دَخَل حائطأ فليأكل ولا يتخذ خُبْنةً\"، رواه الترمذي (١٢٨٧)، وابن ماجه (٢٣٠١).","vol":"4","page":603},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-645>(٢١) كتاب النذور والأيمان</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-646>(١) باب الوفاء بالنذر، وأنه لا يرد من قدر الله شيئا</span>\n[١٧٣٧] عَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: استَفتَى سَعدُ بنُ عُبَادَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي نَذرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ تُوُفِّيَت قَبلَ أَن\nــ\n(٢١) كتاب النذور والأيمان\nالنُّذور: جمع نَذر، كفَلسٍ، وفلوس. وهو عبارة عن التزام فعل الطَّاعات بصيغ مخصوصة؛ كقوله: للهِ عليَّ صومٌ، أو صلاةٌ، أو صدقة.\nوالأيمان: جمع يمين، وهو في أصل اللغة: الحَلفُ (١) بمعظَّم - في نفسه، أو عند الحالف - على أمر من الأمور؛ من فعل، أو ترك، بصيغ مخصوصة؛ كقوله: والله لأفعلن، وبحياتك لأتركن.\nوأمَّا تسمية العتق، والطلاق، والصَّدقة المعلقات على أمر مستقبل أيمانًا؛ فليست كذلك لغة، ولا ورد في كلام الشارع تسميتها أيمانًا، لكن الفقهاء سَمُّوا ذلك أيمانًا، فيقولون: كتاب الأيمان بالطلاق. ومن حلف بطلاق زوجته، أو بعتق أمته فقال: إن شاء الله لم ينفعه الاستثناء. وهم يريدون: إن دخلتِ الدَّار فأنتِ طالق إن شاء الله. وتسمية هذه أيمانًا وَضعٌ من جهتهم. والأحق بهذا النَّوع أن يُسمَّى التزامًا؛ لأنه شرط ومشروط، وليس من نوع ما تسمِّيه العرب يمينًا.\n(١) ومن باب: الوفاء بالنَّذر\n(قوله: استفتى سعدٌ رسول الله ﷺ في نذرٍ كان على أمِّه توفيت قبل أن\n_________\n(١) ويقال: الحِلْف والحَلِفُ.","vol":"4","page":604},{"text":"تَقضِيَهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَاقضِهِ عَنهَا.\nرواه أحمد (١/ ٢١٩)، والبخاري (٦٦٩٨)، ومسلم (١٦٣٨)، وأبو داود (٣٣٠٧)، والنسائي (٦/ ٢٥٣).\n[١٧٣٨] وعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَومًا يَنهَانَا عَن النَّذورِ وَيَقُولُ: إِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيئًا، وَإِنَّمَا يُستَخرَجُ بِهِ مِن الشَّحِيحِ.\nوفي رواية: قَالَ ﵊: النَّذرُ لَا يُقَدِّمُ شَيئًا وَلَا يُؤَخِّرُهُ، وَإِنَّمَا يُستَخرَجُ بِهِ مِن البَخِيلِ.\nوفي أخرى: إِنَّهُ لَا يَأتِي بِخَيرٍ، (بدل): لَا يُقَدِّمُ وَلَا يُؤَخِّرُ.\nرواه أحمد (٢/ ١١٨)، والبخاري (٦٦٩٢)، ومسلم (١٦٣٩).\nــ\nتقضيه) فيه من الفقه: استفتاء الأعلم ما أمكن. وقد اختلف أهل الأصول في ذلك. هل يجب على العامِّيّ أن يبحث عن الأعلم، أو يكتفي بسؤال عالم - أي عالم كان - على قولين. وقد أوضحناهما في الأصول، وبيَّنا: أنه يجب عليه أن يبحث عن الأعلم؛ لأن الأعلم أرجح، والعمل بالرَّاجح واجب.\nوقد اختلف في هذا النذر الذي كان على أم سعد؛ فقيل: إنه كان نذرًا مطلقا. وقيل: صومًا. وقيل: عتقًا. وقيل: صدقةً. والكل محتمل، ولا مُعيِّن، فهو مُجمَل. ولا خلاف: أن حقوق الأموال من العتق، والصَّدقة تصحّ فيها النيابة، وتصحّ توفيتها عن المَيِّت والحيِّ. وإنَّما اختلف في الحجِّ والصوم كما تقدم ذلك في كتابيهما.\nو(قوله: فاقضه عنها) أمرٌ بالقضاء على جهة الفتوى فيما سئل عنه، فلا يحمل على الوجوب، بل على جهة بيان: أنه إن فعل ذلك صحَّ، بل نقول: لو ورد","vol":"4","page":605},{"text":"[١٧٣٩] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا تَنذِرُوا، فَإِنَّ النَّذرَ لَا يُغنِي مِن القَدَرِ شَيئًا، وَإِنَّمَا يُستَخرَجُ بِهِ مِن البَخِيلِ.\nرواه أحمد (٢/ ٤١٢)، والبخاري (٦٦٩٤)، ومسلم (١٦٤٠)، وأبو داود (٣٢٨٨)، والترمذي (١٥٣٨)، والنسائي (٧/ ١٦)، وابن ماجه (٢١٢٣).\nــ\nذلك ابتداءً وافتتاحًا لما حمل على الوجوب، إلا أن يكون ذلك النذر ماليًّا، وتركت (١) مالًا، فيجب على الوارث إخراج ذلك من رأس المال، أو من الثلث، كما قد ذكرناه في الوصايا. وإن كان حقًّا بدنيًا: فمن يقول بأن الوليَّ يقضيه عن الميت؛ لم يقل: إن ذلك يجب على الوليِّ، بل ذلك على النَّدب إن طاعت بذلك نفسُه. ومن تخيَّل شيئًا من ذلك فهو محجوج بقوله ﷺ: (من مات وعليه صيام صام عنه وليُّه لمن شاء) (٢) وهو نصٌّ في الغرض.\nو(قوله ﷺ: لا تنذروا! فإن النَّذر لا يردّ من قدر الله شيئًا) هذا النذر (٣) محله أن يقول: إن شفى الله مريضي، أو قدم غائبي فعليَّ عتق رقبة، أو صدقة كذا، أو صوم كذا. ووجه هذا النهي هو: أنه لما وقف فعل هذه القربة على حصول غرض عاجل ظهر: أنه لم يتمحض له نيَّة التقرب إلى الله تعالى بما صدر منه، بل سلك فيها مسلك المعاوضة. ألا ترى: أنَّه لو لم يحصل غرضه لم يفعل؟ ! وهذه حال البخيل؛ فإنَّه لا يخرج من ماله شيئًا إلا بعوض عاجل يربي على ما أخرج. وهذا المعنى هو الذي أشار إليه بقوله ﷺ: (وإنما يستخرج به من البخيل ما لم يكن البخيل يخرجه) ثم ينضاف إلى هذا اعتقاد جاهل يظن: أن\n_________\n(١) أي: أم سعد.\n(٢) رواه أحمد (٦/ ٦٩)، والبخاري (١٩٥٢)، ومسلم (١١٤٧)، وأبو داود (٢٤٠٠).\n(٣) في (ج ٢): النهي.","vol":"4","page":606},{"text":"[١٧٤٠] وعنه، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّ النَّذرَ لَا يُقَرِّبُ مِن ابنِ آدَمَ\nــ\nالنذر يوجب حصول ذلك الغرض، أو: أن الله تعالى يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النذر. وإليهما الإشارة بقوله ﷺ: (فإن النَّذر لا يردُّ من قدر الله شيئًا). وهاتان جهالتان. فالأولى تُقارب الكفر. والثانية خطأ صراح.\nوإذا تقرر هذا، فهل هذا النهي محمول على التحريم، أو على الكراهة؟ المعروف من مذاهب العلماء الكراهة.\nقلت: والذي يظهر لي: حمله على التحريم في حق من يخاف عليه ذلك الاعتقاد الفاسد. فيكون إقدامه على ذلك محرما. والكراهة في حق من لم يعتقد ذلك. والله تعالى أعلم.\nوإذا وقع هذا النذر على هذه الصفة لزمه الوفاء به قطعًا من غير خلاف. ولقوله ﷺ: (من نذر أن يطيع الله فليطعه) (١) ولم يفرق بين النذر المعلَّق ولا غيره. ومما يلحق بهذا النَّهي في الكراهة: النذر على وجه التبرُّم والتَّحرُّج. فالأول: كمن يستثقل عبدًا لقلة منفعته، وكثرة مؤنته، فينذر عتقه تخلُّصًا منه، وإبعادًا له. وإنما يكره ذلك لعدم تمحُّض نية القربة. والثاني: أن يقصد التضييق على نفسه، والحمل عليها؛ بأن ينذر كثيرًا من الصوم، أو من الصلاة، أو غيرهما مما يؤدي إلى الحرج والمشقة مع القدرة عليه. فأمَّا لو التزم بالنذر ما لا يطيقه لكان ذلك محرَّمًا. فأمَّا النذر الخارج عمَّا تقدَّم: فما كان منه غير معلَّق على شيء، وكان طاعة؛ جاز الإقدام عليه، ولزم الوفاء به. وأمَّا ما كان منه على جهة الشكر: فهو مندوب إليه؛ كمن شُفي مريضه فقال: للهِ عليَّ أن أصوم كذا، أو أن أتصدق بكذا شكرًا لله تعالى.\n_________\n(١) رواه أحمد (٦/ ٣٦)، والبخاري (٦٦٩٦)، وأبو داود (٣٢٨٩)، والترمذي (١٥٢٦)، والنسائي (٧/ ١٧)، وابن ماجه (٢١٢٦).","vol":"4","page":607},{"text":"شَيئًا لَم يَكُن اللَّهُ قَدَّرَهُ، وَلَكِن النَّذرُ يُوَافِقُ القَدَرَ، فَيُخرَجُ بِذَلِكَ مِن البَخِيلِ مَا لَم يَكُن البَخِيلُ يُرِيدُ أَن يُخرِجَ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٧٣)، ومسلم (١٦٤٠) (٧).\n* * *\nــ\nوقد روي عن مالك كراهة النذر مطلقا. فيمكن حمله على الأنواع التي بينَّا كراهتها. ويمكن حمله على جميع أنواعه؛ لكن من حيث: إنَّه أوجب على نفسه ما يخاف عليه التفريط فيه، فيتعرض للوم الشرع وعقوبته. كما قد كره الدُّخول في الاعتكاف. وعلى هذا فتكون هذه الكراهة من باب تسمية ترك الأولى مكروها. ووجه هذا واضح. وهو: أن فعل القرب من غير التزامها خير محض، عَرِيّ عن خوف العقاب، بخلاف الملتزم لها؛ فإنَّه يخاف عليه ذلك فيها. وقد شهد لهذا ذمُّ من قصَّر فيما التزم في قوله تعالى: ﴿فَمَا رَعَوهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ ولا إشكال في أن النذر من جملة العقود والعهود المأمور بالوفاء بها، وأن الوفاء بذلك من أعظم القرب المثنى عليها. وكفى بذلك مدحًا وتعزيزًا قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذرِ وَيَخَافُونَ يَومًا كَانَ شَرُّهُ مُستَطِيرًا﴾","vol":"4","page":608},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-647>(٢) باب لا وفاء لنذرٍ في معصية، ولا فيما لا يملك العبد</span>\n[١٧٤١] عَن عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ قَالَ: كَانَت ثَقِيفُ حُلَفَاءَ لِبَنِي عُقَيلٍ، فَأَسَرَت ثَقِيفُ رَجُلَينِ مِن أَصحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَسَرَ أَصحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا مِن بَنِي عُقَيلٍ، وَأَصَابُوا مَعَهُ العَضبَاءَ، فَأَتَى عَلَيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي الوَثَاقِ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَأَتَاهُ، فَقَالَ: مَا شَأنُكَ؟ فَقَالَ: بِمَ أَخَذتَنِي، وَبِمَ أَخَذتَ سَابِقَةَ الحَاجِّ؟ قَالَ: إِعظَامًا لِذَلِكَ\nــ\n(٢) ومن باب: لا وفاء لنذرٍ في معصية الله، ولا فيما لا يملك العبد\nالحلفاء: جمع حليف، كظرفاء: جمع ظريف. والحليف: اسم فاعل من حلف، عدل عن حالف للمبالغة. وقد كثر حتى صار كالأسماء. والمحالفة، والتحالف: التعاهد والتعاقد على التناصر والتعاضد. والأسر: الأخذ. وأصله: الشَّدُّ والرَّبط؛ قاله القتبي. والعضباء: اسم للناقة. وهي التي صارت للنبي ﷺ؛ إما بحكم سهمه الخاص به من المغنم المسمَّى بـ (الصفيِّ)، وإمَّا بالمعاوضة الصحيحة. وهي المسمَّاة بالجدعاء، والقصواء، والخرماء في روايات أخر. وقد ذكرنا الخلاف فيها فيما تقدَّم. والعضب، والقصو، والجدع، والخرم، كلها بمعنى القطع. وسميت هذه الناقة بتلك الأسماء؛ لأنها كان في أذنها قطع، وسميت به، فصدقت عليها تلك الأسماء كلها. وعلى هذا: فأصول هذه الأسماء تكون صفات لها، ثم كثرت فاستعملت استعمال الأسماء.\nو(قول الرجل المأسور: (يا محمد! بم أخذتني، وأخذتَ سابقةَ الحاجِّ؟) هو استفهام عن السبب الذي أوجب أخذه وأخذ ناقته. وكأنَّه كان يعتقد: أن له أو","vol":"4","page":609},{"text":"أَخَذتُكَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ ثَقِيفَ. ثُمَّ انصَرَفَ عَنهُ فَنَادَاهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، يَا مُحَمَّدُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَحِيمًا رَقِيقًا، فَرَجَعَ إِلَيهِ فَقَالَ: مَا شَأنُكَ؟ قَالَ: إِنِّي مُسلِمٌ،\nــ\nلقبيلته عهدًا من النبي ﷺ. فأجابَه النبي ﷺ بذكر السبب إعظامًا لحق الوفاء، وإبعادًا لنسبة الغدر إليه. فقال: (أخذتُك بجريرة حلفائِك ثقيفٍ) أي: بما فعلته ثقيفٌ من الجناية التي نقضوا بها ما كانَ بينَهم وبينَ رسول الله ﷺ من العهد (١). وكانت بنو عقيل دخلوا معهم في ذلك. فإمَّا بحكم الشرط، وفيه بُعد، والظاهر أنَّهم دخلوا معهم بحكم الحِلف الذي كان بينَهم. ولذلك ذكر حلفهم في الحديث. ولما سمع الرَّجلُ ذلك لم يجد جوابًا، فسكتَ. وعنى بسابقة الحاجِّ: ناقته العضباء. فإنها كانت لا تُسبق. وقد كانت معروفة بذلك، حتى جاء أعرابيٌّ بقَعودٍ له فسبقَها؛ فعظمَ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، وقالوا: سُبقت العضباء. فقال رسول الله ﷺ: (إن حقًّا على اللهِ ألا يُرفعَ شيء من الدُّنيا إلا وضعه) (٢).\nو(قوله: ثم انصرف، فنادَاه: يا محمَّدُ! يا محمَّدُ!) هذا النِّداء من الرَّجل على جهة الاستلطاف، والاستعطاف، ولذلك رقَّ له رسول الله ﷺ فرجعَ له وقال له: (ما شأنك؟) - رحمةً ورفقًا - على مقتضى خلقه الكريم، ولذلك قال الرَّاوي: (وكان رسول الله ﷺ رحيمًا رفيقًا).\nو(قوله: إني مسلمٌ) ظاهر هذا اللفظ: أنَّه قد صار مسلمًا بدخوله في دين\n_________\n(١) في حاشية (م): فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥] قيل: لما نقض حلفاؤهم رضوا هم بذلك، والراضي كالفاعل. وجواب ثان: أي: أنهم كفار لا عهدَ لهم، والكافرُ الذي لا عهدَ له مباح مالُه ودمُه، فيكون معنى قولهم: \"بجريرة حلفائك\" أي: بمثل دينهم من الكفر. وجواب ثالث: أنْ يُقدَّرَ في الكلام حذف معناه: أخذناك لنفاديَ بك من حلفائك.\n(٢) رواه البخاري (٢٨٧٢)، وأبو داود (٤٨٠٣).","vol":"4","page":610},{"text":"قَالَ: لَو قُلتَهَا وَأَنتَ تَملِكُ أَمرَكَ، أَفلَحتَ كُلَّ الفَلَاحِ. ثُمَّ انصَرَفَ، فَنَادَاهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، يَا مُحَمَّدُ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: مَا شَأنُكَ؟ قَالَ: إِنِّي جَائِعٌ فَأَطعِمنِي، وَظَمآنُ فَاسقِنِي، قَالَ: هَذِهِ حَاجَتُكَ. فَفُدِيَ بِالرَّجُلَينِ. فقَالَ: وَأُسِرَت امرَأَةٌ مِن الأَنصَارِ، وَأُصِيبَت العَضبَاءُ، فَكَانَت المَرأَةُ فِي الوَثَاقِ،\nــ\nالإسلام.\nوظاهر قوله ﷺ أنه لم يقبل ذلك منه؛ لما أجابه بقوله: (لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح)، وحينئذ يلزم منه إشكال عظيم؛ فإن ظاهره: أنه لم يقبل إسلامه لأنه أسيرٌ مغلوبٌ عليه، لا يملك نفسه. وعلى هذا: فلا يصح إسلام الأسير في حال كونه أسيرًا، وصحة إسلامه معلوم من الشريعة، ولا يختلف فيه، غير أن إسلامه لا يزيل ملك مالكه بوجه. وهو أيضًا معلوم من الشارع (١).\nولما ظهر هذا الإشكال اختلفوا في الانفصال عنه. فقال بعض العلماء: يمكن أن يكون علم النبي ﷺ من حاله: أنه لم يصدق في ذلك بالوحي. ولذلك لما سأله في المرَّة الثالثة فقال: (إني جائع فأطعمني، وظمآن فاسقني) قال: (هذه حاجتك). وقال بعضهم: بل إسلامه صحيح، وليس فيه ما يدل على أنه ردَّ إسلامه.\nفأمَّا قوله: (لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح) أي: لو قلت كلمة الإسلام قبل أن تؤسر لبقيت حرًّا من أحرار المسلمين، لك ما لهم من الحرية في الدُّنيا، وثواب الجنة في الآخرة. وأمَّا إذا قلتها وأنت أسير: فإن حكم الرق لا يزول عنك بإسلامك. فإن قيل: فلو كان مسلمًا فكيف يفادى به من الكفار رجلان مسلمان؟ ! فالجواب: أنَّه ليس في الحديث نصٌّ: أنه رجع إلى بلاده بلاد الكفر. فيمكن أن يُقال: إنما فدي بالرَّجلين من الرِّق فأعتق منه بسبب ذلك، وبقي مع المسلمين حرًّا من الأحرار. وليس في قوله: (هذه حاجتك) ما يدلُّ على أن إسلامه ليس بصحيح، كما ظنه القائل الأول. وإنما معنى ذلك: هذه حاجتك حاضرة مُتيسِّرة.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).","vol":"4","page":611},{"text":"وَكَانَ القَومُ يُرِيحُونَ نَعَمَهُم بَينَ يَدَي بُيُوتِهِم، فَانفَلَتَت ذَاتَ لَيلَةٍ مِن الوَثَاقِ، فَأَتَت الإِبِلَ، فَجَعَلَت إِذَا دَنَت مِن البَعِيرِ رَغَا فَتَترُكُهُ، حَتَّى تَنتَهِيَ إِلَى العَضبَاءِ، فَلَم تَرغُ، قَالَ: وَنَاقَةٌ مُنَوَّقَةٌ فَقَعَدَت فِي عَجُزِهَا، ثُمَّ زَجَرَتهَا فَانطَلَقَت، وَنَذِرُوا بِهَا فَطَلَبُوهَا\nــ\nقلت: وهذا الوجه الثاني أولى؛ لأنه لا نص في الحديث يردَّه، ولا قاعدة شرعية تبطله. والله تعالى أعلم.\nو(قوله: وكان القوم يريحون نعمهم بين أيدي بيوتهم) النعم هنا: الإبل، وإراحتها: إناختها لتستريح من تعب السَّير ومشقة السفر.\nو(بين أيدي بيوتهم) بمعنى: عند بيوتهم وبحضرتها.\nو(قوله: وناقة مُنوَّقةٌ) أي: مذللة، مدرَّبة، لا نفرة عندها. وهي المجرَّبة أيضًا. هذا قول العلماء، ويظهر لي: أن كونها مدرَّبة ليس موجبا لئلا ترغو؛ لأنا قد شاهدنا من الأباعر والنُّوق ما لم يزل مدرَّبًا على العمل ومع ذلك فيرغو عند ركوبه، وعند الحمل عليه، وكأن هذه الناقة إنما كانت كذلك إما لأنها دربت على ترك الرُّغاء من صغرها، وإما لأنها كان لها هوًى في السَّير والجري لنشاطها، فكلما حركت بادرت لما في هواها، وإما لأنها خصَّت في أصل خلقتها بزيادة هدوء، أو كان غير ذلك ببركة ركوب رسول الله ﷺ عليها.\nو(قوله: فقعدت في عجزها) أي: ركبتها. والعجز: المؤخر.\nوقوله: (نذروا بها) أي: علموا. وهو بكسر الذال المعجمة في الماضي، وفتحها في المستقبل (نذارة) في المصدر. ونذر، ينذر - بفتحها في الماضي، وكسرها في المستقبل- نذرًا؛ أي: أوجب. يقال: نذرت بالشيء؛ أي: علمته ونذرت الشيء؛ أي: أوجبته. ابن عرفة: النذر: ما كان وعدًا على شرط، فإن لم يكن شرط لم يكن نذرًا. فلو قال: لله عليَّ صدقة؛ لم يكن ناذرًا حتى يقول: إن شفى الله مريضي، أو قدم غائبي.","vol":"4","page":612},{"text":"فَأَعجَزَتهُم، قَالَ: فَنَذَرَت لِلَّهِ إِن نَجَّاهَا اللَّهُ عَلَيهَا لَتَنحَرَنَّهَا، فَلَمَّا قَدِمَت المَدِينَةَ رَآهَا النَّاسُ، فَقَالَوا: العَضبَاءُ نَاقَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَت: إِنَّهَا نَذَرَت إِن نَجَّاهَا اللَّهُ عَلَيهَا لَتَنحَرَنَّهَا، فَأَتَوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: سُبحَانَ اللَّهِ، بِئسَمَا جَزَتهَا، نَذَرَت لِلَّهِ إِن نَجَّاهَا اللَّهُ عَلَيهَا لَتَنحَرَنَّهَا،\nــ\nقلت: والمشهور عدم التفرقة، وأن كل ذلك نذر عند اللغويين والفقهاء. والإنذار: الإعلام بما يخاف منه.\nو(قوله: أعجزتهم) أي: سبقتهم، ففاتتهم، فعجزوا عنها. ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَن نُعجِزَ اللَّهَ فِي الأَرضِ وَلَن نُعجِزَهُ هَرَبًا﴾؛ أي: لن نفوته، فلا يعجز عنا.\nو(قوله: فنذرت لله: إن نجَّاها الله عليها لتنحرنَّها) ظنت هذه المرأة: أن ذلك النَّذر يلزمها بناء منها على أنها لما استنقذتها من أيدي العدو ملكتها، أو جاز لها التصرُّف فيها لذلك. فلمَّا أُعلم بذلك النبي ﷺ أجابها بما يوضح لها: أنَّها لم تملكها، وأن تصرُّفها فيها غير صحيح.\nو(قوله ﷺ: (بئس ما جزتها) ذمٌّ لذلك النذر، من حيث إنه لم يصادف محلًا مملوكًا لها، ولو كانت ملكًا لها للزمها الوفاء بذلك النذر؛ إذ كان يكون نذر طاعةٍ، فيلزم الوفاء به اتفاقًا. هذا إن كان ذلك الذمُّ شرعيًّا. ويمكن أن يقال: إنَّما صدر هذا الذمُّ منه لأن ذلك النذر مستقبحٌ عادة؛ لأنه مقابلة الإحسان بالإساءة. وذلك: أن النَّاقة نجتها من الهلكة، فقابلتها على ذلك بأن تُهلكها. وهذا هو الظاهر من قوله ﷺ: (سبحان الله! بئس ما جزتها! نذرت لله: إن نجاها الله عليها لتنحرنَّها).\nوفي هذا الحديث حجة: على أن ما وجد من أموال المسلمين بأيدي الكفار، وغلبوا عليه، وعرف مالكه؛ أنَّه له دون آخذه. وفيه مستروحٌ لقول من يقول: إن الكفار لا يملكون. وقد تقدَّم الكلام في ذلك.","vol":"4","page":613},{"text":"لَا وَفَاءَ لِنَذرٍ فِي مَعصِيَةٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَملِكُ العَبدُ.\nوَفِي رِوَايَةِ: لَا نَذرَ فِي مَعصِيَةِ اللَّهِ.\nــ\nو(قوله: لا وفاء لنذر في معصية، ولا فيما لا يملك العبد) ظاهر هذه الكلمة يدل على أن ما صدر من المرأة نذر معصية؛ لأنَّها التزمت أن تهلك ملك الغير، فتكون عاصية بهذا القصد. وهذا ليس بصحيح؛ لأن المرأة لم يتقدَّم لها من النبي ﷺ بيان تحريم ذلك، ولم تقصد ذلك، وإنَّما معنى ذلك - والله تعالى أعلم -: أن من أقدم على ذلك بعد التقدمة، وبيان: أن ذلك محرَّم: كان عاصيًا بذلك القصد. ولا يدخل في ذلك المعلَّق على الملك، كقوله: إن ملكت هذا البعير فهو هدي، أو صدقة؛ لأن ذلك الحكم معلَّق على ملكه، لا ملك غيره. وليس مالكا في الحال، فلا نذر. وقد تقدَّم الكلام على هذا في الطلاق والعتق المعلَّقين على الملك. وأن الصحيح لزوم المشروط عند وقوع الشرط. وفيه دليل: على أن من نذر معصية حرم عليه الوفاء بها، وأنَّه لا يلزمه على ذلك حكم بكفارة يمين، ولا غيره. إذ لو كان هنالك حكم لبيَّنه للمرأة؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. وعليه جمهور العلماء. وذهب الكوفيون: إلى أنه يحرم عليه الوفاء بالمعصية، لكن تلزمه كفارة يمين؛ متمسكين في ذلك بحديث معتل عند أهل الحديث. وهو ما يروى من حديث عائشة ﵂، عن النبي ﷺ أنه قال: (لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين) (١) ذكره أبو داود، والطحاوي، والصحيح من حديث عائشة ما خرَّجه البخاري عن النبي ﷺ: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه) (٢) وليس فيه شيء من ذلك. والله تعالى أعلم.\nثم: النذر إمَّا طاعة، فيجب الوفاء به بالاتفاق، أو: معصية، فيحرم الوفاء به\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٢٩٠).\n(٢) رواه البخاري (٦٦٩٦).","vol":"4","page":614},{"text":"وفي رواية: كَانَت العَضبَاءُ لِرَجُلٍ مِن بَنِي عُقَيلٍ، وَكَانَت مِن سَوَابِقِ الحَاجِّ. وَقال: فَأَتَت عَلَى نَاقَةٍ ذَلُولٍ مُجَرَّسَةٍ.\nوفي أخرى: وَهِيَ نَاقَةٌ مُدَرَّبَةٌ.\nرواه أحمد (٤/ ٤٣٠)، ومسلم (١٦٤١)، وأبو داود (٣٣١٦)\n* * *\nــ\nبالاتفاق. أو: لا طاعة، ولا معصية، وهو المكروه والمباح، فلا يلزم الوفاء بشيء منهما. وهو مكروه؛ لأنه من تعظيم ما لا يعظم. وهو مذهب الجمهور. وشذَّ أحمد بن حنبل، فقال: إذا نذر مباحًا لزمه: إمَّا الوفاء به، أو كفارة يمين. وحيث قلنا: بلزوم الوفاء فلا اعتبار بالوجه الذي يخرج عليه النذر من تبرر، أو لجاج، أو غضبٍ، أو غير ذلك. وهو مذهب الجمهور. وقال الشافعي في نذر الحرج المعيَّن: مخرجه: هو بين الوفاء به، وبين كفارة يمين (١). وعموم قوله: (من نذر أن يطيع الله فليطعه) حجة. وكل ما روي في هذا الباب عن النبي ﷺ من قوله: (لا نذر في غضب، أو غيظ، وكفارته كفارة يمين) (٢) لا يصح من طرقه شيء عند أئمة المحدثين.\nومن أوضح الحجج في عدم وجوب الكفارة على أن من نذر معصية، أو ما لا طاعة فيه أنه لا تلزمه كفارة، حديث أبي إسرائيل الذي خرَّجه مالك مرسلًا، والبخاري، وأبو داود مسندًا عن ابن عبَّاس، وهذا لفظه: قال: بينما النبي ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم في الشمس فسأل عنه، فقالوا: هذا أبو إسرائيل نذر أن يقوم، ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم. فقال: (مروه فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه) (٣). قال مالك: ولم أسمع أن رسول الله ﷺ أمره بكفارة.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).\n(٢) رواه النسائي (٧/ ٢٨ - ٢٩).\n(٣) رواه البخاري (٦٧٠٤)، ومالك في الموطأ (٢/ ٤٧٥)، وأبو داود (٣٣٠٠).","vol":"4","page":615},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-648>(٣) باب فيمن نذر أن يمشي إلى الكعبة</span>\n[١٧٤٢] عَن أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى شَيخًا يُهَادَى بَينَ ابنَيهِ قَالَ: مَا بَالُ هَذَا؟ قَالَوا: نَذَرَ أَن يَمشِيَ، فقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَن تَعذِيبِ هَذَا نَفسَهُ لَغَنِيٌّ. وَأَمَرَهُ أَن يَركَبَ.\nرواه أحمد (٣/ ١١٤)، والبخاري (١٨٦٥)، ومسلم (١٦٤٢)، وأبو داود (٣٣٠١)، والترمذي (١٥٣٧)، والنسائي (٧/ ٣٠).\nــ\n(٣) ومن باب: نذر المشي إلى بيت الله\n(قوله: إنه رأى شيخًا يهادى بين رجلين (١» أي: يمشي بينهما متوكئًا عليهما، كما فسَّره في الرواية الثانية. وكان يفعل ذلك لضعفه عن المشي. وفي هذا الحديث وحديث أخت عقبة المذكور بعد هذا - وهو أنصُّ مما قبله-؛ دليل على أن نذر المشي إلى البيت الحرام يجب الوفاء به لمن قدر عليه، فإن لم يقدر وجب عليه المضي راكبًا. وظاهرهما: لزوم المشي، وإن لم يذكر حجًّا ولا عمرة، كما هو مذهب مالك؛ لأنه لما سأله عقبة عمَّن نذر المشي إلى البيت مطلقا، فأجاب عنه، ولم يستفصل، تعيَّن حملُ الجواب على إطلاق ذلك السؤال؛ إذ لو اختلف الحال بقيدٍ لسأل عنه، أو لبيَّنه؛ إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. وإلى هذا ذهب الشافعي. وهو مروي عن عليّ، وابن عباس. وقال أبو حنيفة: إن لم يسم حجًّا ولا عمرة لم يلزمه مشيٌ، ولا شيء جملة واحدة. وقال الحسن البصري: إن نذر حجًّا أو عمرة فلا مشي عليه، ويركب وعليه دم. وقاله أبو حنيفة أيضًا. والحجة عليهما ما تقدَّم.\nو(قوله ﷺ: (إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني) أي: لم يكلفه بذلك، ولم\n_________\n(١) في أصول التلخيص: ابنين.","vol":"4","page":616},{"text":"[١٧٤٣] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَدرَكَ شَيخًا يَمشِي بَينَ ابنَيهِ يَتَوَكَّأُ عَلَيهِمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَا شَأنُ هَذَا؟ قَالَ ابنَاهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،\nــ\nيحوجه إليه؛ لأنه غير مستطيع. وفي اللفظ الآخر: (إن الله لغني عنك وعن نذرك) أي: عن مشيك الذي لا تستطيعه، لا أنَّ أصل النذر يسقط عنه؛ فإنَّه قد أمره بالرُّكوب. وخرجت هذه العبارة على ما تعارفناه بيننا: من أنَّ من استغنى عن شيء لم يلتفت إليه، ولم يعبأ به. وكيف لا، والله تعالى هو الغني الحميد، وكل الموجودات مفتقرة إليه افتقار ضعفاء العبيد.\nوظاهر حديث هذا الشيخ: أنَّه كان قد عجز عن المشي في الحال، وفيما يأتي بعد، ولذلك لم يقل له النبي ﷺ ما قال لأخت عقبة: (مُرها فلتمش ولتركب) فإنَّها كانت ممن يقدر على بعض المشي، فأمرها أن تركب ما عجزت عنه، وتمشي ما قدرت عليه. وهذا هو المناسب لقواعد الشريعة. ولم يذكر لواحد منهما وجوب دم عليه، ولا ذكر لأخت عقبة وجوب الرُّجوع لتمشي ما ركبته.\nفأمَّا من يئس عن المشي فلا رجوع عليه قولًا واحدًا، ولا يلزمه دم؛ إذ لم يخاطب بالمشي، فيكون الدَّم بدله، وإنما هو استحباب عند مالك.\nوأمَّا من خوطب بالمشي فركب لموجب مرض، أو عجز: فيجب عليه الهدي عند الجمهور. وقال الشافعي: لا يجب عليه الهدي، ويختار له الهدي. وروي عن ابن الزبير: أنه لم يجعل عليه هديًا (١)؛ متمسِّكًا بما قررناه من الظاهر. وقد تمسَّك الجمهور بزيادةٍ زادها أبو داود والطحاوي في حديث عقبة، وهذا لفظه: قال عقبة بن عامر: أنه أتى النبي ﷺ فأخبره: أن أخته نذرت أن تمشي إلى الكعبة حافية ناشرة شعرها. فقال له النبي ﷺ: (مرها فلتركب، ولتختمر، ولتهد هديًا). وعند أبي داود: بدنة، وليس فيه: ناشرة شعرها. وزيادة الهدي قد رواها عن النبي ﷺ مع عقبة بن عامر ابنُ عبَّاس. ورواها عنهما الثقات، فلا سبيل\n_________\n(١) في (ل ١) و(ج ٢): دمًا.","vol":"4","page":617},{"text":"كَانَ عَلَيهِ نَذرٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اركَب أَيُّهَا الشَّيخُ، فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكَ وَعَن نَذرِكَ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٧٣)، ومسلم (١٦٤٣)، وأبو داود (٣٣٠١).\nــ\nإلى ردَّها. وليس سكوت من سكت عنها حجة على من نطق بها. وقد عمل بها الجماهير من السلف وغيرهم.\nثم هل يجب عليه مع الهدي الرجوع فيمشي ما ركبه أم لا؟ اختلف فيه: فقيل: لا يجب عليه مطلقا. وإليه ذهب الشافعي، وأهل الكوفة، وهذا أحد قولي ابن عمر. وقيل: يرجع، وإليه ذهب سلف أهل المدينة، وابن الزبير، وهو القول الآخر عن ابن عمر. وفرَّق مالك فقال: إن كان المشي يسيرًا لم يرجع، ويرجع في الكثير، ما لم يرجع لبلده البعيدة، فيكفيه الدَّم.\nقلت: والتمسَّك بحديث عقبة في ترك إيجاب الرُّجوع ظاهر، وعمل سلف أهل المدينة باهر.\nو(قوله: إن الشيخ نذر أن يمشي) يعني به: إلى بيت الله؛ لأنَّه عرَّف المشي، كما قال عقبة: إن أخ هـ نذرت أن تمشي إلى بيت الله. وقال الطحاوي: إلى الكعبة. ولم يرد فيما صحَّ من الحديث أكثر من هذين اللفظين: بيت الله، والكعبة. وألحق العلماء بهما ما في معناهما، مثل أن يقول: إلى مكة، أو ذكر جزءًا من البيت. وهذا قول مالك وأصحابه. واختلف أصحابه فيما إذا قال: إلى الحرم،، أو مكانًا من مدينة مكة، أو المسجد. هل يرجع إلى البيت أم لا؟ على قولين. وقال الشافعي: من قال: عليَّ المشي إلى شيء مما يشتمل عليه الحرم؛ لزمه. وإن ذكر ما خرج عنه، لم يلزمه. وبه قال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وابن حبيب من أصحابنا، إلا إذا ذكر عرفات؛ فيلزمه وإن كانت خارج الحرم. وقال أبو حنيفة: لا يلزمه في هذا مشي ولا مسير في القياس، لكن الاستحسان في","vol":"4","page":618},{"text":"[١٧٤٤] وعَن عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ أَنَّهُ قَالَ: نَذَرَت أُختِي أَن تَمشِيَ إِلَى بَيتِ اللَّهِ حَافِيَةً، فَأَمَرَتنِي أَن أَستَفتِيَ لَهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَاستَفتَيتُهُ، فَقَالَ: لِتَمشِ وَلتَركَب.\nرواه البخاري (١٨٦٦)، ومسلم (١٦٤٤)، وأبو داود (٣٢٩٣)، والترمذي (١٥٤٤)، والنسائي (٧/ ١٩).\n* * *\nــ\nقوله: إلى بيت الله، أو الكعبة، أو مكة فقط. وكل هذا إذا ذكر المشي، فلو قال: علي المسير إلى مكة، أو الانطلاق، أو الذهاب؛ فلا شيء عليه؛ إلا أن يقول: في حجٍّ، أو عمرةٍ، أو ينويهما. وتردد قول مالك في الرُّكوب، وأوجب أشهب الحج والعمرة فيهما، كالمشي. وكل هذا: إذا ذكر مكة، أو موضعًا منها على ما فصلناه.\nفلو قال: عليَّ المشي إلى مسجد من المساجد الثلاثة لم يلزمه المشي عند ابن القاسم، بل المضي إليها. وقال ابن وهب: يلزمه المشي. وهو القياس. ولو قال: إلى مسجد غير هذه الثلاثة، قال ابن الموَّاز: إن كان قريبًا كالأميال، لزمه المشي إليه، وإن كان بعيدًا لم يلزمه.\n* * *","vol":"4","page":619},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-649>(٤) باب كفارة النذر غير المسمى كفارة يمين، والنهي عن الحلف بغير الله تعالى</span>\n[١٧٤٥] عَن عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كَفَّارَةُ النَّذرِ، كَفَّارَةُ اليَمِينِ.\nرواه مسلم (١٦٤٥)، وأبو داود (٣٣٢٣)، والترمذي (١٥٢٨)، والنسائي (٧/ ٢٦).\nــ\n(٤) ومن باب: كفارة النذر غير المسمى\n(قوله: كفارة النَّذر كفارة اليمين) يعني به: النذر الذي لم يسمَّ مخرجه بدليلين:\nأحدهما: أن هذا الحديث قد رواه أبو داود من حديث ابن عبَّاس مرفوعًا: (من نذر نذرًا لم يسمه فكفارته كفارة يمين) (١)، فقيَّد في هذا الحديث ما أطلقه في حديث عقبة.\nوثانيهما: أنَّه ﷺ أمر أبا إسرائيل بإتمام الصوم الذي نذره (٢)، وقال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) (٣). ولا يتميَّزُ آحاد النوعين إلا بالتعيين والتسمية.\nوالمفهوم من الأمر بالوفاء بالنذر: أن يفعل عين ما التزمه. وأما ما لم يعيّن\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٣٢٢).\n(٢) رواه البخاري (٦٧٠٤)، ومالك في الموطأ (٢/ ٤٧٥)، وأبو داود (٣٣٠٠).\n(٣) رواه أحمد (٦/ ٣٦)، والبخاري (٦٦٩٦)، وأبو داود (٣٢٨٩)، والترمذي (١٥٢٦)، والنسائي (٧/ ١٧)، وابن ماجه (٢١٢٦).","vol":"4","page":620},{"text":"[١٧٤٦] وعَن عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ يَنهَاكُم أَن تَحلِفُوا بِآبَائِكُم. قَالَ عُمَرُ: فَوَاللَّهِ مَا حَلَفتُ بِهَا مُنذُ سَمِعتُ\nــ\nلفظًا ولا نية: فالأصل عدم لزومه. وما ذكرناه هو مذهب مالك، وأصحابه، وكثير من أهل العلم. وقد ذهبت طائفة من فقهاء المحدثين وأبو ثور (١): إلى أن كفارة اليمين تجري في جميع أبواب النذر تمسُّكًا بإطلاق الحديث الأول. والحجة عليهم ما ذكرناه.\nو(قوله: إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم) إنما نهى النبي ﷺ عن الحلف بالآباء لما فيه من تعظيمهم بصيغ الأيمان؛ لأن العادة جارية بأن الحالف منَّا إنما يحلفُ بأعظم ما يعتقده؛ كما بينَّاه. وإذا كان ذلك: فلا أعظم عند المؤمن من الله تعالى، فينبغي ألا يحلف بغيره، فإذا حلف بغير الله فقد عظم ذلك الغير بمثل ما عظم به الله تعالى، وذلك ممنوع منه. وهذا الذي ذكرناه في الآباء جار في كل محلوف به غير الله تعالى، وإنما جرى ذكر الآباء هنا لأنه هو السبب الذي أثار الحديث حين سمع النبي ﷺ عمر يحلف بأبيه. وقد شهد لهذا المعنى قوله: (من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله) وهذا حصرٌ، وعلى ما قررناه فظاهر النهي التحريم. ثم هذا النهي وإن كان ظاهره التحريم فيتحقق فيما إذا حدث بملة غير الإسلام، أو بشيء من المعبودات دون الله تعالى، أو ما كانت الجاهلية تحلف به كالدُّمى (٢)، والدِّماء، والأنصاب. فهذا لا يُشكُّ في تحريمه. وأما الحلف بالآباء، والأشراف، ورءوس السلاطين، وحياتهم ونعمهم (٣)، وما شاكل ذلك فظاهر هذا الحديث يتناولهم بحكم عمومه، ولا ينبغي أن يختلف في تحريمه. وأما ما كان معظمًا في الشرع مثل: والنبي ﷺ والكعبة، والعرش، والكرسي، وحرمة الصالحين: فأصحابنا يطلقون على الحلف بها الكراهة. وظاهر الحديث وما قدَّمناه من النظر\n_________\n(١) سقط من (ع).\n(٢) في حاشية (ل ١): الدُّمى: جمع دُمْية، وهو الصَّنم. قاله الجوهري.\n(٣) ساقطة من (ع).","vol":"4","page":621},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفي المعنى يقتضي التحريم. والله تعالى أعلم.\nفإن قيل: كيف يحكم بتحريم الحلف بالآباء والنبي ﷺ قد حلف بذلك لما قال: (أفلح وأبيه إن صدق) (١)؟ وكيف يًحكَمُ بتحريم الحلف بغير الله وقد أقسم الله تعالى بغيره فقال: ﴿وَالضُّحَى﴾، ﴿وَالشَّمسِ﴾، ﴿وَالعَادِيَاتِ﴾، ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾ وغير ذلك مما في كتاب الله تعالى من ذلك (٢)؟\nفالجواب: أما عن قوله ﷺ: (أفلح وأبيه): فقد تقدَّم في الإيمان. وحاصله: أن ذلك يُحتَمَل أن يكون صدر منه قبل أن يوحى إليه بهذا النهي. ويحتمل أن يكون جرى هذا على لسانه من غير قصد للحلف به، كما يجري في لغو اليمين؛ الذي هو: لا والله، وبلى والله.\nوأما عن قسم الله تعالى بتلك الأمور فمن وجهين:\nأحدهما: أن المقسم به محذوف. تقديره: ورب الضحى. ورب الشمس، ونحو ذلك. قاله أكثر أئمة المعاني.\nوثانيهما: أن الله تعالى يقسم بما يريد كما يفعل ما يريد (٣)؛ إذ لا حكم عليه، ولا حاكم فوقه، ونحن المحكوم عليهم، وقد أبلَغَنا حكمه على لسان نبيه ﷺ فقال: (من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت (٤» (٥)، و(من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله) (٦). فيجب الانقياد، والامتثال لحكم ذي العزة والجلال.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٩٢ و٣٢٥٢).\n(٢) زيادة من (م).\n(٣) ما بين حاصرتين سقط من (ع).\n(٤) هو حديث الباب.\n(٥) ما بين حاصرتين ساقط من (م) و(ج ٢).\n(٦) هو حديث الباب.","vol":"4","page":622},{"text":"رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنهَا، ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا.\nرواه البخاري (٦٦٤٧)، ومسلم (١٦٤٦)، وأبو داود (٣٢٥٠)،\nوالترمذي (١٥٣٣)، والنسائي (٧/ ٤) وابن ماجه (٢٠٩٤).\n[١٧٤٧] وعَن عَبدِ اللَّهِ عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَنَّهُ أَدرَكَ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ فِي رَكبٍ، وَعُمَرُ يَحلِفُ بِأَبِيهِ، فَنَادَاهُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَلَا إِنَّ اللَّهَ يَنهَاكُم أَن تَحلِفُوا بِآبَائِكُم، فَمَن كَانَ حَالِفًا فَليَحلِف بِاللَّهِ أَو لِيَصمُت. وفي لفظ آخر: مَن كَانَ حَالِفًا فَلَا يَحلِف إِلَّا بِاللَّهِ. وَكَانَت قُرَيشٌ تَحلِفُ بِآبَائِهَا، فَقَالَ: لَا تَحلِفُوا بِآبَائِكُم.\nــ\nو(قوله: من كان حالفًا فليحلف بالله) لا يفهم منه قَصرُ اليمين الجائزة على الحلف بهذا الاسم فقط، بل حكم جميع أسماء الله تعالى حكم هذا الاسم. فلو قال: والعزيز، والعليم، والقادر، والسميع، والبصير؛ لكانت يمينًا جائزة. وهذا متفق عليه. وكذلك الحكم في الحلف بصفات الله تعالى؛ كقوله: وعزة الله، وعلمه، وقدرته، وما أشبه ذلك مما يَتَمَحَّضُ فيه الصفة لله تعالى، ولا ينبغي أن يختلف في هذا النوع أنها أيمان كالقسم الأول.\nوأما ما يضاف إلى الله تعالى مما ليس بصفة له كقوله: وخلق الله، ونعمته، ورزقه، وبيته؛ فهذه ليست بأيمان جائزة؛ لأنها حلف بغير الله ﷿؛ على ما (١) تقدم.\nوبين هذين القسمين قسم آخر متردد بينهما، فاختلف فيه لتردده، كقوله: وعهد الله، وأمانته، وكفالته، وحقه. فعندنا: أنَّها أيمان ملحقة بالملحق بالقسم الأول؛ لأنها صفات. وعند الشافعي: ليست بأيمان. ورأى: أنها من القسم الثاني.\nوقول عمر: (فما حلفت بها ذاكرًا ولا آثرًا) أي: لم يقع مني الحلف بها. ولا تحدثت بالحلف بها عن غيري. وأثرت الحديث: نقلتَهُ عن غيرك.\n_________\n(١) في (ل ١): كما.","vol":"4","page":623},{"text":"رواه البخاري (٦٦٤٦)، ومسلم (١٦٤٦) (٣ و٤)، وأبو داود (٣٢٤٩)، والترمذي (١٥٣٤)، والنسائي (٧/ ٥).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-650>(٥) باب النهي عن الحلف بالطواغي، ومن حلف باللات فليقل: لا إله إلا الله</span>\n[١٧٤٨] عَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تَحلِفُوا بِالطَّوَاغِي وَلَا بِآبَائِكُم.\nرواه مسلم (١٦٤٨)، والنسائي (٧/ ٧)، وابن ماجه (٢٠٩٥).\nــ\n(٥) ومن باب: النهي عن الحلف بالطواغي\nالطواغي: جمع طاغية، كالروابي: جمع رابية. والدوالي: جمع دالية. وهي مأخوذة من الطغيان، وهو: الزيادة على الحد. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى المَاءُ حَمَلنَاكُم فِي الجَارِيَةِ﴾؛ أي: زاد. وقد تقدَّم أن الطواغي، والطواغيت: كل معبود سوى الله تعالى في كتاب الإيمان. وقد تقرر أن اليمين بذلك محرم، ومع ذلك فلا كفارة فيه عند الجمهور لأجل الحلف بها، ولا لأجل الحنث فيها.\nأمَّا الأول؛ فلأن النبي ﷺ قد قال: (من قال: واللات والعزى (١) فليقل: لا إله إلا الله) ولم يذكر كفَّارة. ولو كانت لوجب تبيينها لتعيُّن الحاجة لذلك.\nوأمَّا الثاني: فليست بيمين منعقدة، ولا مشروعة فيلزم بالحنث فيها الكفارة (٢). وقد شذَّ بعض الأئمة (٣) وتناقَضَ، فيما إذا قال: أشرك بالله، أو اكفر بالله، أو هو يهودي، أو\n_________\n(١) من (ج ٢).\n(٢) في (ج ٢): فيلزم الحنث فيها حكم الكفارة.\n(٣) في (ج ٢): أبو حنيفة.","vol":"4","page":624},{"text":"[١٧٤٩] وعَن أَبي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن حَلَفَ مِنكُم فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: بِاللَّاتِ، فَليَقُل: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَمَن قَالَ لِصَاحِبِهِ\nــ\nنصراني، أو بريء من الإسلام، أو من النبي ﷺ، أو من القرآن، وما أشبه ذلك. فقال: هي أيمانٌ يلزم بها كفارةٌ إذا حنث فيها.\nأما شذوذه: فلأنَّه لا سلفَ له فيه من الصحابة، ولا موافق له من أئمة الفتوى فيما أعلم. وأما تناقضه: فلأنَّه قال: لو قال: واليهودية، والنصرانية، والنبي، والكعبة؛ لم يجب عليه كفارة عنده مع أنها على صيغ الأيمان اللغوية، فأوجب الكفارة فيما لا يقال عليه يمين لا لغة ولا شرعا، ولا هو من ألفاظها، ولو عكس لكان أولى، وأمسَّ. ولا حجة له في آية كفارة اليمين؛ إذ تلك الكلمات ليست أيمانًا، كما بيَّناه. ولو سلَّمنا: أنها أيمان؛ فليست بمنعقدةٍ، فلا يتناولها العموم. ثم يلزم بحكم العموم أن يوجب الكفارة في كل ما يقال عليه يمين لغة، وعرفًا، ولم يقل بذلك. والله تعالى أعلم.\nو(قوله: من قال: واللات؛ فليقل: لا إله إلا الله) اللات، والعزى، ومناة: أصنام ثلاثة كانت في جوف الكعبة. وقيل: كانت اللات بالطائف. والعزى بغطفان، وهي التي هدمها خالد بن الوليد. ومناة بقديد. وقيل بالمشلل. فأمَّا اللات فقيل: إنَّهم أرادوا به تأنيث اسم الله تعالى. وقيل: أرادوا أن يسموا بعض آلهتهم باسم الله تعالى، فصرف الله ألسنتهم عن ذلك؛ فقالوا: اللات؛ صيانة لذلك الاسم العظيم أن يُسمَّى به غيره، كما صرف ألسنتهم عن نسب (١) محمد ﷺ إلى: مُذَمَّم، فكانوا إذا تكلموا باسمه في غير السَّبِّ قالوا: محمَّد، فإذا أرادوا أن يسبُّوه قالوا: مُذَمَّم. حتى قال النبي ﷺ: (ألا تعجبون! مِمَّا صرف الله عني من أذى قريش، يسبون مذمَّمًا، وأنا مُحمَّد) (٢). ولَمَّا نشأ القوم على تعظيم تلك الأصنام، وعلى الحلف بها، وأنعم الله عليهم بالإسلام بقيت تلك الأسماء تجري على\n_________\n(١) في (ع) و(ل ١): سب، والمثبت من (ج ٢).\n(٢) رواه البخاري (٣٥٣٣)، والنسائي (٦/ ١٥٩).","vol":"4","page":625},{"text":"تَعَالَ أُقَامِركَ فَليَتَصَدَّق.\nرواه أحمد (٢/ ٣٠٩)، والبخاري (٤٨٦٠)، ومسلم (١٦٤٧)، وأبو داود (٣٢٤٧)، والترمذي (١٥٤٥)، والنسائي (٧/ ٧)، وابن ماجه (٢٠٩٦).\n* * *\nــ\nألسنتهم من غير قصد للحلف بها، فأمر النبي ﷺ من نطق بذلك أن يقول بعده: لا إله إلا الله؛ تكفيرًا لتلك اللفظة، وتذكيرًا من الغفلة وإتمامًا للنعمة.\nوخص اللات بالذكر في هذا الحديث لأنها كانت أكثر ما كانت تجري على ألسنتهم. وحكم غيرها من أسماء آلهتهم حكمها؛ إذ لا فرق بينها. والعزى: تأنيث الأعز، كالجُلَّى: تأنيث الأجل.\nو(قوله: من قال: تعال أقامرُك فليتصدق) القول فيه كالقول في اللات؛ لأنهم كانوا اعتادوا المقامرة. وهي من أكل المال بالباطل. ولما ذمَّها النبي ﷺ بالغ في الزجر عنها، وعن ذكرها، حتَّى إذا ذكرها الإنسان طالبًا للمقامرة بها؛ أمره بصدقة. والظاهر: وجوبها عليه؛ لأنها كفارةٌ مأمور بها، وكذلك قول: لا إله إلا الله؛ على من قال: واللات. ثم هذه الصَّدقة غير محدودة، ولا مقدَّرة، فيتصدق بما تيسَّر له مِمَّا يصدق عليه الاسم. كالحال في صدقة مناجاة الرسول ﷺ في قوله تعالى: ﴿إِذَا نَاجَيتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نَجوَاكُم صَدَقَةً﴾ فإنها غير مقدَّرة. وقال الخطابي: يتصدَّق بقدر ما أراد أن يقامر به، وليس في اللفظ ما يدل عليه، ولا في قواعد الشرع، ولا للعقل مجال في تقدير الكفارات. فهو تحكم. وأبعد من هذا قول من قال من الحنفية: إن المراد بها: كفارة اليمين. وهذا فاسد قطعًا؛ لأن كفارة اليمين ما هي صدقة فقط، بل عتق، أو كسوة، أو إطعام، فإن لم يجد فصيام. فكيف يصح أن يقال: أطلق الصدقة، وهو يريد به إطعام عشرة مساكين، وأنه مخيَّر بينه وبين غيره من الخصال المذكورة معه في الآية؛ وأيضًا:","vol":"4","page":626},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-651>(٦) باب من حلف على يمين فرأى خيرًا منها فليكفر</span>\n[١٧٥٠] عَن زَهدَمٍ الجَرمِيِّ، قَالَ: كُنَّا عِندَ أَبِي مُوسَى فَدَعَا بِمَائِدَتِهِ وَعَلَيهَا لَحمُ دَجَاجٍ، فَدَخَلَ رَجُلٌ مِن بَنِي تَيمِ اللَّهِ أَحمَرُ شَبِيهٌ بِالمَوَالِي فَقَالَ لَهُ: هَلُمَّ، فَتَلَكَّأَ، فَقَالَ: هَلُمَّ فَإِنِّي قَد رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأكُلُ مِنهُ، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي رَأَيتُهُ يَأكُلُ شَيئًا فَقَذِرتُهُ، فَحَلَفتُ ألَا أَطعَمَهُ، فَقَالَ: هَلُمَّ\nــ\nفإنه لا يتمشى على أصل الحنفية المتقدم الذكر، فإنهم قالوا: لا تجب الكفارة إلا بالحنث في قوله: هو يهودي، أو نصراني، إلى غير ذلك مما ذكروه. وهذا حكم معلَّق على نطق بقول ليس فيه يمين، ولا التزام، وإنما هو استدعاء للمقامرة. فأين الأرض من السماء؟ والعرش من الثَّرى؟\n(٦) ومن باب: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفر\n(قوله: إن أبا موسى دعا بمائدته وعليها لحم دجاج) يدل على أن أكل الطيِّبات على الموائد جائز معمولٌ به عندهم. وأن ذلك لا يناقض الزهد، ولا يُنقصه خلافًا لبعض متقشِّفة المتزهدة.\nوقول الرَّجل: (رأيته يأكل شيئًا فقذرته) يعني به: أنه رأى الدَّجاج يأكل نجاسة فاستقذره، فحلف ألا يأكله لذلك. وظاهر قول هذا الرجل؛ أنه كان يكره أكل ما يأكل النجاسات من الحيوانات. وقد اختلف في ذلك. فكرهه قوم، فكان ابن عمر لا يأكل الدَّجاجة حتَّى يقصرها أيامًا. ومثل ذلك روي عن ابن القاسم في الجدي الذي ارتضع على خنزيرة: إنَّه لا يذبح حتَّى يذهب ما في بطنه. وكره الكوفيون أكل لحوم الجلَاّلة، والشافعي: إن كان أكلُها أو غالبُه النجاسة، فإن كان غالبه الطَّهارة لم يكرهه. وأجاز مالك أكل لحوم الإبل الجلَاّلة، وأكل ما يأكل الجيف من الطَّير وغيره لبعد الاستحالة.","vol":"4","page":627},{"text":"أُحَدِّثكَ عَن ذَلِكَ: إِنِّي أَتَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي رَهطٍ مِن الأَشعَرِيِّينَ نَستَحمِلُهُ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَحمِلُكُم، وَمَا عِندِي مَا أَحمِلُكُم عَلَيهِ. فَلَبِثنَا مَا شَاءَ اللَّهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَهبِ إِبِلٍ، فَدَعَا بِنَا، فَأَمَرَ لَنَا بِخَمسِ ذَودٍ غُرِّ الذُّرَى، قَالَ: فَلَمَّا انطَلَقنَا قَالَ بَعضُنَا لِبَعضٍ: أَغفَلنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمِينَهُ،\nــ\nقلت: وهذا محمول على ما إذا ذهب ما في بطونها من ذلك، كما حكيناه عن ابن القاسم، لأن مالكا قد قال في روث ما يأكل النجاسة وبوله: أنَّه نجس، بخلاف أصله في أن الأبوال تابعة للُّحوم.\nوكره ابن حبيب من أصحابنا أكل ما يأكل النجاسات مطلقا.\nقلت: وقد روى أبو داود من حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ نهى عن أكل الجلَاّلة وألبانها (١). وهو حجة لابن حبيب؛ لولا أنَّه من رواية محمد بن إسحاق.\nو(قوله: فتَلَكَّأ) أي: تثاقل، وتأخر. و(نستحمله) أي: نسأله أن يحملنا؛ أي: يعطينا ما نتحمَّل عليه وبه، و(ن هبُ إبل) أي: غنيمتها. والنهب: الغنيمة. وكان أبو بكر ﵁ إذا أوتر من أول الليل قال: أحرزت نهبي؛ أي: غنيمتي. وقد تقدَّم الكلام في الذَّود في كتاب الزكاة.\nو(قوله: غُرِّ الذُّرى) غرُّ: جمع أغرُّ. وأصله: الذي في جبهته بياض من الخيل. و(الذُّرى): جمع ذروة، وهي: من كل شيء أعلاه. والمراد بـ (غُرّ الذُّرى): أن تلك الإبل كانت بيض الأسنمة. وقد روي: (بُقعُ الذُّرى) أي: فيها لمعٌ بيضٌ وسودٌ. ومنه قيل: الغراب الأبقع، والشَّاة البقعاء: إذا كانا كذلك.\nو(قوله: أغفَلنا رسول الله ﷺ يمينه) أي: وجدناه غافلًا عنها. كما تقول العرب: أحمدت الرَّجل: وجدته محمودًا. وأذممته: وجدته مذمومًا. فكأنه قال:\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٧٨٥).","vol":"4","page":628},{"text":"لَا يُبَارَكُ لَنَا، فَرَجَعنَا إِلَيهِ فَقُلنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا أَتَينَاكَ نَستَحمِلُكَ، وَإِنَّكَ حَلَفتَ أَلَا تَحمِلَنَا، ثُمَّ حَمَلتَنَا، فَنَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ إِن شَاءَ اللَّهُ لَا أَحلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيرَهَا خَيرًا مِنهَا إِلَّا أَتَيتُ الَّذِي هُوَ خَيرٌ وَتَحَلَّلتُهَا، فَانطَلِقُوا فَإِنَّمَا حَمَلَكُم اللَّهُ ﷿.\nــ\nوجدناه غافلًا عنها، فاغتنمنا غفلته، فأخذنا منه في حال غفلته.\nو(قوله: لا يبارك لنا) أي: فيما أعطانا إن سكتنا عن ذلك ولم نعرّفه. وفيه من الفقه ما يدل على جواز اليمين عند التبرُّم، وجواز ردّ السَّائل المثقل عند تعذر الإسعاف، وتأديبه بنوع من الإغلاظ بالقول. وذلك: أنَّهم سألوه في حال تحقق فيها: أنَّه لم يكن عنده شيء فأدَّبهم بذلك القول، ثم: إنَّه ﷺ بقي مترقِّبًا لما يُسعِفُ به طِلبتَهُم، ويجبرُ به انكسارهم، فلمَّا يسَّر الله تعالى ذلك عليه أعطاهم، وجبرهم على مقتضى كرم خلقه.\nو(قوله: إني والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحلَّلتها)، وفي الرواية الأخرى: (إلا كفَّرتُ عن يميني، وأتيت الذي هو خير) اختلاف هاتين الروايتين أوجب اختلاف العلماء في الكفارة قبل الحنث هل تجزئ أم لا؟ على ثلاثة أقوال: جوازها مطلقا. وهو مذهب أربعة عشر من الصحابة، وجمهور الفقهاء. وهو مشهور مذهب مالك. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تجزئ بوجه. وهي رواية أشهب عن مالك. وقال الشافعي: تجزئ بالإطعام، والعتق، والكسوة. ولا تجزئ بالصَّوم. وقد ذكر أصحابنا للخلاف في هذه المسألة سببًا آخر. وهو اختلافهم في اليمين. هل هو جزء السبب، والحنث الجزء الآخر؟ أم ليس كذلك؟ بل وجود اليمين هو السبب فقط، والحنث شرط وجوب الكفارة. وبسط هذا في مسائل الخلاف.\nوذكر (١) مسلم في بعض طرق حديث أبي موسى الأشعري المردفة. حدثنا شيبان بن فرُّوخ، حدثنا الصَّعِقُ\n_________\n(١) انظر صحيح مسلم (٣/ ١٢٧١).","vol":"4","page":629},{"text":"وفي رواية: إِلَّا كَفَّرتُ يَمِينِي، وَأَتَيتُ الَّذِي هُوَ خَيرٌ.\nرواه البخاري (٧٥٥٥)، ومسلم (١٦٤٩) (٩ و٧)، وأبو داود (٣٢٧٦)، والنسائي (٧/ ٩).\nــ\nابن حَزن - بكسر العين - من الصعق، حدثنا مطر الوَّراق، حدثنا زَهدَم الجَرمِي. وهذا سندٌ فيه نظر. وذلك أن الدارقطني استدركه على مسلم؛ فقال: ابن الصَّعِق، ومطر ليسا بالقويين، ولم يسمع مطر من زُهدم.\nقلت: وهذا لا عتب على مسلم فيه، ولا نقص يلحق كتابه بسبب ذلك؛ لأنَّه قد أخرج الحديث من طرق كثيرة صحيحة، ثم أردف هذا السَّند بعد تلك الطرق الصحيحة المتصلة، ولذلك قال فيه: عن زهدم قال: دخلت على أبي موسى، وهو يأكل لحم دجاج، وساق الحديث بنحو حديثهم، وزاد فيه: قال: إني والله ما نسيت. فذكره مردفًا لأجل هذه اللفظة الزائدة، ثم هذا على ما شرطه في أول كتابه؛ حيث قَسَم الأسانيد إلى ثلاثة أقسام، وثلاث طبقات. فهذا السَّند من الطبقة الأخيرة؛ التي هي دون من قبلها، وفيها مغمزٌ بوجه ما. وهذا يدل على أنه أدخل الثلاث الطبقات في كتابه خلافًا لمن زعم: أنه لم يدخل فيه من الطبقة الثالثة أحدًا. وذكر مسلم بعد هذا السند: ضُرَيب بن نُقَير عن زهدم.\nقال القاضي عياض: ضُرَيب بن نُقَير: مصغران، ونُفَير (١) هذا بالقاف أشهر. وهي رواية الصَّدفي، والأسدي، والتميمي من أشياخنا. وكذا قيَّدناه عنهم. وكان الخشني قيَّده بالفاء. وقال الحافظ أبو علي: يقال بهما، والقاف أشهر. وأمَّا جبير بن نُفَير: فلم يختلف أنه بالفاء.\nوقول أبي موسى: (وافقته وهو غضبان) (٢) وحلفه في تلك الحال يدلُّ\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).\n(٢) إشارة إلى إحدى روايات الحديث في مسلم برقم (١٦٤٩) (٨) والتي لم تُذكر في التلخيص.","vol":"4","page":630},{"text":"[١٧٥١] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: أَعتَمَ رَجُلٌ عِندَ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهلِهِ فَوَجَدَ الصِّبيَةَ قَد نَامُوا، فَأَتَاهُ أَهلُهُ بِطَعَامِهِ فَحَلَفَ لَا يَأكُلُ مِن أَجلِ صِبيَتِهِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَأَكَلَ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيرَهَا خَيرًا مِنهَا، فَليَأتِهَا وَليُكَفِّر عَن يَمِينِهِ.\nوفي أخرى: فَليُكَفِّر عن يَمِينَهُ وَليَفعَل الَّذِي هُوَ خَيرٌ.\nرواه مسلم (١٦٥٠) (١١ و١٤)، والترمذي (١٥٣٠).\nــ\nلمالك: على صحة قوله بلزوم حكم اليمين الواقعة في حال الغضب. وهو له حجة على الشافعي حيث قال: إنَّها لا تلزم، كما تقدَّم. ويدلُّ أيضًا على قول مالك حديث عدي بن حاتم المذكور.\nو(قوله: أَعتَم رجل عند النبي ﷺ) أي: تأخر عنده إلى عتمة الليل. وهي شدَّة ظلمته. ولعله يريد بذلك: أنه صلى مع رسول الله ﷺ العتمة، وكان النبي ﷺ قد أخرها منتظرًا للناس، فإنَّه ﷺ كان إذا رآهم قد اجتمعوا عجَّل، وإذا رآهم قد أبطئوا أخر؛ يعني: في العشاء الآخرة.\nو(قوله ﷺ: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفِّر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير) هذا أمرٌ من النبي ﷺ بتقديم الكفَّارة على الحنث. وهو نصٌّ في الردِّ على أبي حنيفة، فإن أقل مراتب هذا الأمر أن يكون من باب الإرشاد إلى المصلحة. وأقل مراتب المصلحة أن تكون مباحة. فالكفارة قبل الحنث جائزة مجزية. وقد تضافر على هذا المعنى فعل النبي ﷺ المتقدِّم في حديث أبي موسى، وأمره هذا، وكذلك حديث عدي الآتي بعد هذا.\nو(قوله: فليفعل الذي هو خير) أي: الذي هو أكثر خيرًا؛ أي: الذي هو أصلح؛ يعني: من الاستمرار على موجب اليمين، أو ما يخالف ذلك مما يحنث","vol":"4","page":631},{"text":"[١٧٥٢] وعَن تَمِيمِ بنِ طَرَفَةَ قَالَ: جَاءَ سَائِلٌ إِلَى عَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ فَسَأَلَهُ نَفَقَةً فِي ثَمَنِ خَادِمٍ أَو فِي بَعضِ ثَمَنِ خَادِمٍ، فَقَالَ: لَيسَ عِندِي مَا أُعطِيكَ، إِلَّا دِرعِي وَمِغفَرِي، قَالَ: فَأَكتُبُ إِلَى أَهلِي أَن يُعطُوكَهَا. قَالَ: فَلَم يَرضَ، فَغَضِبَ عَدِيٌّ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أُعطِيكَ شَيئًا. ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ رَضِيَ، فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَولَا أَنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَن حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ ثُمَّ رَأَى أَتقَى لِلَّهِ مِنهَا، فَليَأتِ التَّقوَى مَا حَنَّثتُ يَمِينِي.\nرواه مسلم (١٦٥١) (١٥).\nــ\nبه. والأصلح تارة يكون من جهة الثواب وكثرته.\nوهو الذي أشار إليه في حديث عدي، حيث قال: (فليأت التقوى). وقد يكون من حيث المصلحة الراجحة الدنيويَّة التي تطرأ عليه بسبب تركها حرجٌ ومشقَّةٌ. وهي التي أشار إليها النبي ﷺ بقوله: (لأن يلج أحدكم بيمينه آثم له عند الله من أن يكفر) (١) يعني بذلك: أن استمراره على مقتضى يمينه إذا أفضى به إلى الحرج - وهو المشقة - قد يفضي به إلى أن يأثم، فالأولى به أن يفعل ما شرع الله له من تحنيثه نفسه وفعل الكفارة (٢).\nوغضب عدي في الحديث الأول ويمينه سببهما: أن الرَّجل السائل لم يرض بالدِّرع والمغفر مع أنه لم يكن عنده غيرهما. ويمينه في الحديث الثاني وما يفهم من غضبه فيه سببه فيما يظهر من مساق الحديث: أن عديًّا استقل ما سُئِل منه. ألا ترى قوله: تسألني مائة درهم، وأنا ابن حاتم؟ ! فكأنه قال: تسألني هذا الشيء اليسير وأنا من عرفت؛ أي: نحن معروفون ببذل الكثير. فهذا سبب غير السبب\n_________\n(١) الحديث في صحيح مسلم (١٦٥٥) (٢٦).\n(٢) في حاشية (م): الحرج الذي يلحقه في المضيِّ على اليمين أشدُّ من الحرج الذي يلحقه في إخراج الكفارة. هذا معناه.","vol":"4","page":632},{"text":"[١٧٥٣] وعنه، قَالَ: سَمِعتُ عَدِيَّ بنَ حَاتِمٍ، وَأَتَاهُ رَجُلٌ يَسأَلُهُ مِائَةَ دِرهَمٍ، قَالَ: تَسأَلُنِي مِائَةَ دِرهَمٍ وَأَنَا ابنُ حَاتِمٍ، وَاللَّهِ لَا أُعطِيكَ، ثُمَّ قَالَ: لَولَا أَنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَن حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، ثُمَّ رَأَى خَيرًا مِنهَا، فَليَأتِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ.\nوفي رواية: فَرَأَى خَيرًا مِنهَا فَليُكَفِّرهَا وَليَأتِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ.\nرواه مسلم (١٦٥١) (١٨ و١٧)، والنسائي (٧/ ١١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-652>(٧) باب اليمين على نية المستحلف والاستثناء فيه</span>\n[١٧٥٤] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ عَلَيهِ صَاحِبُكَ.\nــ\nالأول. هذا ظاهر الحديث، غير أن القاضي عياضا قال: معنى قوله عندي: وأنا ابن حاتم؛ أي: قد عُرِفت بالجود، وورثتُهُ، ولا يمكنني ردَّ سائلٍ إلا لعذر، وقد سأله ويعلم: أنه ليس عنده ما يعطيه، فكأنه أراد أن يبخله. فلذلك قال: والله لا أعطيك؛ إذ لم يعذره.\nقلت: وهذا المعنى إنما يليق بالحديث الأول، لا بالثاني. فتأمَّلهما.\nوفيه من الفقه: أن اليمين في الغضب لازمة كما تقدم.\n(٧) ومن باب: اليمين على نية المستحلف\n(قوله: يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك) يعني: أن يمينك التي يجوز لك أن تحلفها؛ هي التي تكون صادقة في نفسها، بحيث لو اطَّلع عليها صاحبك","vol":"4","page":633},{"text":"وفي رواية: يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٢٨)، ومسلم (١٦٥٣)، وأبو داود (٣٢٥٥).\n[١٧٥٥] وعَنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اليَمِينُ عَلَى نِيَّةِ المُستَحلِفِ.\nرواه مسلم (١٦٥٣) (٢١).\nــ\nلعلم: أنها حقٌّ وصدقٌ، وأن ظاهر الأمر فيها كباطنه، وسرَّه كعَلَنِه، فيصدقك فيما حلفت عليه. فهذا خطاب لمن أراد أن يُقدِم على يمين، فحقُّه أن يعرض اليمين على نفسه، فإن رآها كما ذكرناه حلف إن شاء، وإلا أمسك؛ فإنَّها لا تحل له. هذا فائدة هذا اللفظ.\nفأمَّا قوله: (اليمين على نيِّة المستحلف) فمقصوده: أن من توجَّهت عليه يمين في حق ادُّعي عليه به؛ فحلف على ذلك لفظًا، وهو ينوي غيره، لم تنفعه نيَّته، ولا يخرج بها عن إثم تلك اليمين. ويظهر من كلام الأئمة على هذين الحديثين: أن معنى الأول مردودٌ إلى الثاني، وما ذكرته أولى إن شاء الله تعالى. ويتبيَّن لك ذلك من سياق اللفظين. فتأملهما تجد ما ذكرته.\nوإذا تقرر هذا؛ فاعلم: أن اليمين إما أن يتعلَّق بها حق لآدمي أو لا. فإن لم يتعلَّق بها حق لآدمي، وجاء صاحبها مستفتيًا، ولم يضبط بشهادة؛ فله نيته. قال القاضي: ولا خلاف في ذلك نعلمه. وأما إن حلف لغيره في حق عليه؛ فلا خلاف أنه يحكم عليه بظاهر يمينه إذا قامت عليه بيّنَة، سواء حلف متبرعًا، أو مُستَحلفًا. وأمَّا فيما بينه وبين الله تعالى: فاختلف فيه قول مالك وأصحابه اختلافًا كثيرًا. فقيل: على نية المحلوف له. وقيل: على نية الحالف. وقيل: إن كان مستحلفًا؛ فاليمين على نيِّة المحلوف له. وإن كان متبرعًا؛ فعلى نيِّة الحالف. وهو ظاهر قول مالك، وابن القاسم. وقيل: عكسه. وقيل: تنفعه نيَّته فيما لا يقضى عليه فقط.","vol":"4","page":634},{"text":"[١٧٥٦] وعَنه، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ سُلَيمَانُ بنُ دَاوُدَ نَبِيُّ اللَّهِ: لَأَطيفَنَّ اللَّيلَةَ عَلَى سَبعِينَ امرَأَةً، كُلُّهُنَّ تَأتِي بِغُلَامٍ يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ،\nــ\nوروي عن مالك: إن كان على وجه المكر والخديعة؛ فهو آثم. وإن كان على وجه العُذر فلا. وعكسه ابن حبيب.\nذكر هذه الأقوال كلها القاضي عياض، وقال: ولا خلاف في أن الحالف بما يقتطع به حق غيره ظالم، آثم، حانث.\nوقول سليمان: لأطيفن الليلة على سبعين امرأة) هذا الكلام قَسَمٌ، وإن لم يذكر فيه مُقسَم به؛ لأن لام (لأطيفن) هي التي تدخل على جواب القسم. فكثيرًا ما تحذف معها العرب المقسم به اكتفاءً بدلالتها على المُقسَم به، لكنها لا تدلُّ على مُقسَم به مُعَيَّن. وعلى هذا: ففيه من الفقه ما يدل على أن من قال: أحلف، أو أشهد، أو ما أشبه ذلك مما يفيد القسم، ونوى بذلك الحلف بالله تعالى؛ كانت يمينًا جائزة، منعقدة. وهو مذهب مالك. وقد قال الشافعي: لا تكون يمينًا بالله تعالى حتى يتلفظ بالمُقسَم به. وقال أبو حنيفة: هي يمين أراد بها اليمين بالله تعالى أم لا. وكأن الأولى ما صار إليه مالك؛ لأن ذلك اللفظ صالح وضعًا للقَسَم بالله تعالى، فإذا أراده الحالف؛ لزمه كسائر الألفاظ المقيدة بالمقاصد من العمومات، والمطلقات، وغير ذلك. وأمَّا إذا لم يرد باللفظ القَسَم أو القَسَم بغير الله تعالى؛ فلا يلزمه به شيء (١)؛ لأن الأوَّل لا يكون يمينًا، والثاني غير جائز، ولا مُنعَقد، فلا يلزم به حكم على ما تقدَّم.\nو(قوله: كُلُّهُنَّ تأتي بغلام يقاتل في سبيل الله) وفي اللفظ الآخر: (بفارس). قد تقدَّم القول في الغلام، وأنه الصغير. وأراد به ها هنا: الشاب المطيق للقتال. وهذا الكلام من سليمان ﷺ ظاهره الجزم على أن الله يفعل ذلك\n_________\n(١) في (ج ٢): حكم.","vol":"4","page":635},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالذي أراد، لكن الذي حمله على ذلك صدق نيته في حصول الخير، وظهور الدِّين، وفعل الجهاد، وغلبة رجاء فضل الله تعالى في إسعافه بذلك. ولا يظن به: أنه قطع بذلك على الله تعالى إلا من جهل حالة الأنبياء في معرفتهم بالله تعالى وبحدوده، وتأدبهم معه.\nورواية العذري: (لأطوفن). ورواية الجماعة كما تقدم. وكلاهما صحيح في اللغة. يقال: أطفت بالشيء، أطيف به، وأنا مطيف. وطفت على الشيء، وبه، أطوف، وأنا طائف، كما قال تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيهَا طَائِفٌ مِن رَبِّكَ وَهُم نَائِمُونَ﴾ وأصله: الدَّوران حول الشيء. ومنه: الطواف بالبيت. وهو في هذا الحديث كناية عن الجماع، كما جاء عن نبينا ﷺ: أنَّه كان يطوف على نسائه، وهن تسع، في ساعة واحدة من ليل أو نهار (١). وهذا يدل على ما كان الله تعالى خصَّ به الأنبياء من صحة البنية، وقوة الفحولية، وكمال الرُّجولية، مع ما كانوا فيه من الجهد، والمجاهدات، والمكابدات على ما هو المعلوم من حال نبينا ﷺ وأنَّه توفي ولم يشبع من خبز البرِّ ثلاث ليال تباعًا (٢). وقد روي عن سليمان ﷺ: أنه كان يفترش الرَّماد، ويأكل خبز الرَّماد (٣). وهذا هو المعلوم من حال الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، ومن كان هذه حاله فالعادة جارية بأن يضعف عن الجماع، لكن خرق الله لهم العادة في أبدانهم، كما خرقها لهم في معجزاتهم، وأكثر أحوالهم.\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ١١١).\n(٢) رواه البخاري (٥٤١٦) من حديث عائشة، وأحمد (٢/ ٤٣٤)، ومسلم (٢٩٧٦) من حديث أبي هريرة.\n(٣) \"خبز الرماد\": هو الطُّلْمةُ، وهي: عجين يُوضع في الملَّة حتى ينضج. والملَّة: الرَّماد والتراب الذي أُوقِد فيه النار.","vol":"4","page":636},{"text":"فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ أَو المَلَكُ: قُل: إِن شَاءَ اللَّهُ،\nــ\nوقد اختلفت الرِّوايات في عدد النساء اللواتي طاف عليهن سليمان. ففي الأصل: ستون، وسبعون، وتسعون. وفي غير كتاب مسلم: مائة. والله تعالى أعلم أيُّ ذلك كان.\nو(قوله: قال له صاحبه أو الملك) هذا شكٌّ من أحد الرواة في الذي قاله النبي ﷺ منهما. فإن كان صاحبه، فيعني به: وزيره من الإنس، أو الجن. وإن كان الملك؛ فهو الذي كان يأتيه بالوحي. وقد أبعد من قال: هو خاطره.\nو(قوله: قل: إن شاء الله) هذا تذكير له بأن يقول بلسانه، لا أنه غفل عن التفويض إلى الله تعالى بقلبه؛ فإن ذلك بعيدٌ على الأنبياء، وغير لائق بمناصبهم الرفيعة، ومعارفهم المتوالية. وإنَّما هذا كما قد اتفق لنبينا ﷺ لما سئل عن الرُّوح، والخضر، وذي القرنين؛ فوعدهم بأن يأتي بالجواب غدًا، جازمًا بما عنده من معرفته بالله تعالى، وصدق وعده في تصديقه، وإظهار كلمته، لكنه ذهل عن النطق بكلمة: (إن شاء الله) لا عن التفويض إلى الله تعالى بقلبه، فأُدِّب بأن تأخر الوحي عنه؛ حتى رموه بالتكذيب لأجلها. ثم إن الله تعالى علَّمه وأدَّبه بقوله: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ فكان بعد ذلك يستعمل هذه الكلمة حتى في الواجب (١). وهذا لعلوِّ مناصب الأنبياء، وكمال معرفتهم بالله تعالى، يناقشون، ويعاتبون على ما لا يعاتب عليه غيرهم، كما قد قال النبي ﷺ في حق لوط: (ويرحم الله لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد) (٢) فعتب عليه نطقه بكلمة يسوغ لغيره أن ينطق بها، وقد استوفينا هذا المعنى فيما تقدَّم.\n_________\n(١) في (ل): الوجوب.\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٣٢٦)، والبخاري (٣٣٧٢)، ومسلم (١٥١) (٢٣٨)، وابن ماجه (٤٠٢٦).","vol":"4","page":637},{"text":"فَلَم يَقُل وَنَسِيَ، فَلَم تَأتِ وَاحِدَةٌ مِن نِسَائِهِ إِلَّا وَاحِدَةٌ جَاءَت بِشِقِّ غُلَامٍ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَلَو قَالَ: إِن شَاءَ اللَّهُ، لَم يَحنَث وَكَانَ دَرَكًا لحَاجَتِهِ.\nــ\nو(قوله: فلم يقل، ونسي) أي: لم ينطق بتلك الكلمة ذهولًا ونسيانًا، أنساه الله تعالى إيَّاها لينفذ قدر الله تعالى الذي سبق به علمه، من جعل ذلك النسيان سببًا لعدم وقوع ما تمنَّاه وقصده سليمان ﵇.\nو(قوله: فلو قال: إن شاء الله لم يحنث) دليل على جواز قول: (لو) و(لولا) بعد وقوع المقدور. وقد وقع من ذلك مواضع كثيرة في الكتاب، والسُّنة، وكلام السَّلف، كقوله تعالى: ﴿لَو أَنَّ لِي بِكُم قُوَّةً أَو آوِي إِلَى رُكنٍ شَدِيدٍ﴾ وكقوله: ﴿وَلَولا رِجَالٌ مُؤمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤمِنَاتٌ﴾ وكقوله ﷺ: (لولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدَّهر، ولولا بنو إسرائيل لم يخبث الطعام، ولم يخنز اللحم) (١).\nفأمَّا قول النبي ﷺ في الصحيح: (لا يقولن أحدكم: لو؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان (٢» فمحمول على من يقول ذلك معتمدًا على الأسباب، مُعرضًا عن المقدور، أو متضجرًا منه، كما حكاه الله تعالى من قول المنافقين حيث قالوا: ﴿لَو أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ ثم ردَّ الله قولهم، وبيَّن لهم عجزهم، فقال: ﴿قُل فَادرَءُوا عَن أَنفُسِكُمُ المَوتَ إِن كُنتُم صَادِقِينَ﴾ ولذلك قال ﷺ في ذلك الحديث: (المؤمن القوي خير وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير. احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، ولا تقل: لو كان كذا لكان كذا؟ فإن لو تفتح عمل الشيطان. قل: ما شاء الله كان، وما شاء فعل) (٣)، فالواجب عند وقوع المقدور التسليم لأمر الله، وترك الاعتراض على\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٣١٥)، والبخاري (٣٣٩٩)، ومسلم (١٤٧٠) (٦٢).\n(٢) هو الحديث التالي.\n(٣) رواه أحمد (٢/ ٣٦٦ و٣٧٠)، ومسلم (٢٦٦٤)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٦٢٣ و٦٢٤)، وابن ماجه (٧٩) و(٤١٦٨).","vol":"4","page":638},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالله، والإعراض عن الالتفات إلى ما فات. فيجوز النطق بـ (لو) عند السلامة من تلك الآفات. والله تعالى أعلم.\nوفيه دليل على أن اليمين بالله تعالى إذا قرن بها (إن شاء الله) لفظًا منويًّا؛ لم يلزم الوفاء بها، ولا يقع الحنث فيها. ولا خلاف في ذلك. واختلفوا فيما إذا وقع الاستثناء منفصلًا عن اليمين. فالجمهور: على أنه لا ينفع (١) الاستثناء حتى يكون متصلًا به، منويا معه، أو مع آخر حرف من حروفه. وإليه ذهب مالك، والشافعي، والأوزاعي، والجمهور. وقد اتفق مالك والشافعي: على أن السُّعال، والعِطَاس، وما أشبه ذلك لا يكون قاطعًا إذا كان ناويًا له. وقال بعض أصحابنا: لا ينفع الاستثناء إلا أن ينويه قبل نطقه بجميع حروف اليمين. وعند هؤلاء: أن السكوت المختار الذي يقطع به كلامه، أو يأخذ في غيره لا ينفع معه الاستثناء. وكان الحسن، وطاوس، وجماعة من التابعين يرون للحالف الاستثناء ما لم يقم من مجلسه. وقال قتادة: ما لم يقم أو يتكلم. وعن عطاء: قَدر حلبة ناقة. وعن سعيد بن جبير: بعد أربعة أشهر. وروي عن ابن عباس: بعد سنة. وقد أنكرت هذه الرواية عنه، وضُعفت، وتأولها بعضهم: بأن له أن يستثني امتثالًا لأمر الله: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ لا لحل اليمين. والصحيح الأول إن شاء الله؛ لأنه لو لم يشترط الاتصال لما انعقدت يمين، ولا تصوَّر عليها ندم، ولا حنث، ولا احتيج للكفَّارة فيها. وكل ذلك حاصل بالاتفاق. فاشتراط الاتصال صحيح. ولتفصيل هذه الجملة علم الخلاف.\nوقد احتجَّ من قال بفصل الاستثناء بما قال في هذا الحديث: إن سليمان ﵇ لما حلف قال له صاحبه - أو الملك -: قل: إن شاء الله. ووجهه:\n_________\n(١) في (ع) و(م): يقع.","vol":"4","page":639},{"text":"وفي رواية: عَلَى تِسعِينَ امرَأَةً كُلُّهَا تَأتِي بِفَارِسٍ يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ\nــ\nأنَّه إنَّما عرض عليه الاستثناء بعد فراغه من اليمين. فلو قالها بعد فراغ قول الصَّاحب لكان قولها غير متصل باليمين، ومع ذلك (١)، فلو قالها لكانت تنفع، ولم يحنث، كما قال النبي ﷺ: (لو قال: إن شاء الله لم يحنث).\nوالجواب: منع أنه قاله بعد فراغه من اليمين. بل لعلَّه قال ذلك في أضعاف يمينه؛ لأن يمينه تلك كثرت كلماتها فطالت. وليس ذلك الاحتمال بأولى من هذا، فلا حجة فيه، لا له، ولا عليه. وقد احتجَّ المخالف أيضًا بما رواه أبو داود عن عكرمة - مولى ابن عباس -: أن رسول الله ﷺ قال: (والله لأغزون قريشًا! والله لأغزون قريشًا! والله لأغزون قريشًا!) ثم قال: (إن شاء الله)، وفي رواية: ثم سكت، ثم قال: (إن شاء الله) (٢). وهذا مرسل. وقد أُسند من حديث عبد الواحد بن صفوان. وليس حديثه بشيء على ما قاله أهل الحديث. والمرسل هو الصحيح.\nقلت: وهذا الحديث حجة ظاهرة على جواز الفصل بالسُّكوت اليسير، وأن ذلك القدر ليس بقاطع؛ لأن الحال شاهدة على الاتصال، لكن عند من يقبل المرسل. ويحتمل أن يكون ذلك السكوت عن غلبة نفس خارج أو أمر طارئ. وفيه بُعد.\nثم اختلف العلماء في الاستثناء بمشيئة الله تعالى؛ هل يرفع حكم الطلاق، والعتاق، والمشي لمكة، وغيرها من الأيمان بغير الله تعالى، أم لا؟ فذهب مالك والأوزاعي: إلى أن ذلك لا يرفع شيئًا من ذلك. وذهب الكوفيون، والشافعي، وأبو ثور، وبعض السَّلف: إلى أنه يرفع ذلك كله. وقصر الحسن الرفع على العتق، والطلاق خاصة.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٢) رواه أبو داود (٣٢٨٥ و٣٢٨٦).","vol":"4","page":640},{"text":"اللَّهِ، وفيها: فَلَم تَحمِل مِنهُنَّ إِلَّا امرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، فَجَاءَت بِشِقِّ رَجُلٍ، وَايمُ الَّذِي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَو قَالَ: إِن شَاءَ اللَّهُ، لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُرسَانًا أَجمَعُونَ.\nــ\nقلت: وسببُ الخلاف اختلافهم في معنى قوله ﷺ فيما رواه النسائي من حديث ابن عمر من طرق متعددة، وهو صحيح، عن النبي ﷺ أنه قال: (من حلف على يمين؛ فقال: إن شاء الله؛ فهو بالخيار، إن شاء مضى، وإن شاء ترك)، وفي رواية: (إن شاء ترك غير حنث) (١). فحمل مالك ومن قال بقوله هذا الحديث على اليمين الجائزة، وهي اليمين بأسماء الله وصفاته بناء على أنه هو المقصود الأصلي، واليمين العرفي. وحمله المخالف على العموم في كل ما يمكن أن يقال عليه يمين.\nقلت: والصحيح الأول؛ لما قدَّمناه: من أن هذا النوع الذي قد أطلق عليه الفقهاء يمينًا لا يُسمَّى يمينًا لا لغةً، ولا شرعا؛ إذ ليس من ألفاظها اللغوية، ولا من معانيها الشرعية، كما بيَّناه.\nو(قوله: قل: إن شاء الله) دليل على صحة قول من يقول: إن الاستثناء لا يصحُّ إلا بالقول، ولا يصح بالنيَّة المجردة. وهو قول كافة العلماء، وأئمة أهل الفتيا. وقال بعض متأخري شيوخنا: إنه يصحُّ بالنيَّة كالمحاشاة؛ فإنَّهم اتفقوا على أنها تصحُّ بالنيَّة (٢). وفرَّق المتقدمون بين الاستثناء وبين والمحاشاة؛ بأن الاستثناء رفعٌ لأصل اليمين. والمحاشاة رفعٌ لبعض ما تناولته اليمين، فافترقا.\nو(قوله: وايم الذي نفس محمدٍ بيده!) قد قدمنا ذكر خلاف النحويين في:\n_________\n(١) رواه النسائي (٧/ ١٢ و٢٥)، ورواه أحمد (٢/ ٦٨ و١٢٧ و١٥٣)، وأبو داود (٣٢٦٢)، والترمذي (١٥٣١)، وابن ماجه (٢١٠٥).\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ل ١).","vol":"4","page":641},{"text":"رواه البخاري (٣٤٢٤)، ومسلم (١٦٥٤) (٢٣ و٢٥)، والنسائي (٧/ ٢٥).\n* * *\nــ\n(ايم الله) واللغات المذكورات فيه فيما تقدَّم. والكلام هنا في بيان حكمها. فحكى ابن خواز منداذ، والطحاوي عن مالك: أنَّها يمين. وبه قال الشافعي، وأصحاب أبي حنيفة، وابن حبيب من أصحابنا. وفي كتاب محمَّد عن مالك: أخشى أن تكون يمينًا.\nقلت: وعلى كونها يمينًا جائزة يدلُّ قَسَم النبي ﷺ بها، ويتمشى ذلك على قول الفراء: إنها جمعُ يمين. وهو الذي اختاره أبو عبيد. واستدل عليه بقول زهير:\nفَتُجمَع أَيمُنٌ مِنَّا وَمِنكُم ... . . . . . . . . . . . . . . (١)\nقال: وكثر استعمالهم فيه، فحذفوا النون، كما حذفوا نون (لم يك).\nقلت: ويلزم على هذا: أن الحالف به يلزمه ثلاثة أيمان؛ لأن الثلاثة أقل مراتب الجمع. وأمَّا على ما فسَّره سيبويه: من أنه مأخوذ من اليُمن والبركة فلا يلزم بها كفارة؛ لأن الحالف بها كأنَّه قال: وبركة الله، ويُمن الله. وذلك راجع إلى الحلف بفعل من أفعال الله تعالى؛ كما لو قال: ورزق الله، وفضل الله. وحينئذ تكون يمينًا غير جائزة، ولو كان ذلك لما حلف بها النبي ﷺ. فإذًا قول الفراء أولى، إن شاء الله تعالى.\n_________\n(١) هذا صدر البيت وعجزه: بِمُقسَمَةٍ تَمُورُ بها الدِّماء.","vol":"4","page":642},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-653>(٨) باب ما يخاف من اللجاج في اليمين، وفيمن نذر قربة في الجاهلية</span>\n[١٧٥٧] عَن أَبي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَاللَّهِ لَأَن يَلَجَّ أَحَدُكُم بِيَمِينِهِ فِي أَهلِهِ آثَمُ لَهُ عِندَ اللَّهِ مِن أَن يُعطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ.\nرواه البخاري (٦٦٢٥)، ومسلم (١٦٥٥).\nــ\n(٨) ومن باب: ما يخاف من اللجاج في اليمين\n(قوله: والله لأن يلج أحدكم في يمينه (١» اللجاج في اليمين: هو المضي على مقتضاها؛ وإن لزم من ذلك حرج، ومشقَّة، أو ترك ما فيه منفعة عاجلة، أو آجلة. فإن كان فيه شيء من ذلك فالأولى له: تحنيث نفسه، وفعل الكفارة على ما تقدَّم (٢).\nو(قوله: آثم له عند الله من أن يعطي ما فرض الله من الكفارة (٣» أي: أكثر إثما. وذلك إنما يكون إذا لزم من المضي في اليمين ترك واجب، هذا ظاهره. ويحتمل ما قدمناه في معنى هذا الحديث. وفيه ما يدل: على أن الكفارة واجبة على من حنث. وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ ولا خلاف في ذلك.\n_________\n(١) الرواية الواردة في التلخيص وصحيح مسلم: (بيمينه).\n(٢) جاء في حاشية (م): معنى الحديث: من حلف على إثم وقطيعة رحمه وأهله، وترك برّهم، ولجَّ في ذلك، وآذاهم به، آثمُ له من أن يكفِّر، ويعود إلى جميل العشرة.\n(٣) الرواية الواردة في التلخيص ومسلم: (من أن يعطيَ كفارته التي فرض الله).","vol":"4","page":643},{"text":"[١٧٥٨] وعَن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي نَذَرتُ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَن أَعتَكِفَ لَيلَةً فِي المَسجِدِ الحَرَامِ؟ قَالَ: فَأَوفِ بِنَذرِكَ.\nــ\nوقول عمر: (إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة)، وفي الرواية الأخرى: (يومًا في المسجد الحرام). فقال: (أوف (١) بنذرك) ظاهره: لزوم نذر الكافر إذا أوجبه على نفسه في حال كفره؛ إذا كان من نوع القرب؛ التي يوجبها المسلمون، غير أنه لا يصح منه إيقاعه في حالة كفره لعدم شرط الأداء؛ الذي هو الإسلام. فأمَّا إذا أسلم وجب عليه الوفاء. وبذلك قال الشافعي، وأبو ثور، والمغيرة المخزومي، والبخاري، والطبري. ورأوا أن قوله ﷺ: (أوف بنذرك) على الوجوب. وذهب مالك، والكوفيون: إلى أنَّه لا يلزمه شيء من ذلك؛ لا عتق، ولا صوم، ولا اعتكاف؛ لعدم تصوُّر نيَّة القربة منهم حالة كفرهم. واعتذروا عن ظاهر الحديث: بأن قول عمر: نذرت في الجاهلية. إنما يريد: في أيام الجاهلية، لا أنه كان هو في الجاهلية. ومنهم من قال: إن هذا الأمر على جهة النَّدب.\nقلت: والاعتذاران ضعيفان؛ لأنهما خلاف الظاهر من مساق الحديث، ومن ظاهر الأمر. وأما قولهم: لا يلزمهم شيء من نذر تلك القرب؛ لأنه لا تصح نيَّة التقرُّب منهم؛ فقول لا يصبر على السبر؛ لأنا نقول: لا يلزم من كون العبادة لا تصحُّ من المكلَّف إلا أن يكون مخاطبًا بها؛ لأنَّا نجوز التكليف بالمشروط حالة عدم شرطه الممكن التحصيل. كما يؤمر الكافر بالإيمان بالرُّسول حالة عدم معرفة المرسل (٢)، والمحدث في الصلاة حالة الحدث، والبعيد عن مكة بالحج. وسر هذا: أنه لما كانت هذه الشروط ممكنة التحصيل للمكلَّف؛ أُمِر بفعل المشروط.\n_________\n(١) في التلخيص ومسلم: فأوف.\n(٢) في (ج ٢): معرفته بالرسل.","vol":"4","page":644},{"text":"وفي رواية: إِنِّي نَذَرتُ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَن أَعتَكِفَ يَومًا فِي المَسجِدِ الحَرَامِ، فَكَيفَ تَرَى؟ قَالَ: اذهَب فَاعتَكِف يَومًا.\nرواه أحمد (١/ ٣٧)، والبخاري (٢٠٤٢)، ومسلم (١٦٥٦) (٢٧ و٢٨)، وأبو داود (٣٣٢٥)، والترمذي (١٥٣٩)، وابن ماجه (٢١٢٩).\n* * *\nــ\nويتضمن ذلك الأمر (١) الأمر بتحصيل ما لا يصح ذلك المشروط إلا به. وهذه مسألة خطاب الكفار بفروع الشريعة. وقد ذكرنا في أصول الفقه: أن الصحيح أنهم مخاطبون بها، وأنه الصحيح من مذهب مالك وغيره من العلماء. وعلى هذا: فيلزم الكافر ما نذره في حال كفره، كما هو الظاهر من حديث عمر ﵁ هذا. وكذلك يلزمه عتق ما أعتق، وصدقة ما تصدَّق به. فإن أسلم صحَّت له تلك الأعمال كلّها، وأُثيب عليها، كما هو الظاهر من قوله ﷺ لحكيم بن حزام: (أسلمتَ على ما أسلفتَ عليه من خير) (٢). ومالك - حيث لم يلزمه بشيء - إنما بناه على القول الآخر عنه: في أن الكفار ليسوا مخاطبين بالفروع. والصحيح المشهور من مذهبه، ومذهب أصحابه: أنهم مخاطبون بها. وعلى هذا: يخرج من مذهبه قول آخر في إلزام الكفار ما التزموه من النَّذر والعتق في حالة الكفر. والله تعالى أعلم.\nو(قوله: أنه نذر أن يعتكف ليلة) يحتجُّ به من يجيز الاعتكاف بالليل وبغير صوم. ولا حجة له فيه؛ لأنه قد قال في الرواية الأخرى (٣): (أنَّه نذر أن يعتكف\n_________\n(١) في (ل ١): الأصل.\n(٢) رواه أحمد (٣/ ٤٠٢)، والبخاري (١٤٣٦)، ومسلم (١٢٣) (١٩٥).\n(٣) في (ج ٢): الأولى.","vol":"4","page":645},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nيومًا) والقصة واحدة. فدلَّ مجموع الروايتين: على أنَّه نذر يومًا وليلة، غير أنه أفرد أحدهما بالذكر لدلالته على الآخر، من حيث: إنهما تلازما في الفعل، ولهذا قال مالك: إن أقل الاعتكاف يومٌ وليلةٌ، فلو نذر أحدهما لزمه تكميله بالآخر. ولو سلمنا: أنَّه لم يجئ لليوم ذكر لما كان في تخصيص الليلة بالذكر حجة؛ لإمكان حمل ذلك الاعتكاف على المجاورة؛ فإنَّها تُسمَّى اعتكافًا لغةً. وهي تصحُّ بالليل والنهار، وبصوم وبغير صوم. والله تعالى أعلم.\n* * *","vol":"5","page":646},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-654>(٢٢) كتاب القسامة والقصاص والديات</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-655>(١) باب في كيفية القسامة وأحكامها</span>\n[١٧٥٩] عَن سَهلِ بنِ أَبِي حَثمَةَ: أَنَّهُ أَخبَرَ عَن رِجَالٍ مِن كُبَرَاءِ قَومِهِ: أَنَّ عَبدَ اللَّهِ بنَ سَهلٍ، وَمُحَيِّصَةَ خَرَجَا إِلَى خَيبَرَ مِن جَهدٍ أَصَابَهُم، فَأَتَى مُحَيِّصَةُ فَأَخبَرَ: أَنَّ عَبدَ اللَّهِ بنَ سَهلٍ قَد قُتِلَ، فطُرِحَ فِي عَينٍ أَو فَقِيرٍ، فَأَتَى يَهُودَ فَقَالَ: أَنتُم وَاللَّهِ قَتَلتُمُوهُ، قَالَوا: وَاللَّهِ مَا قَتَلنَاهُ، ثُمَّ أَقبَلَ حَتَّى\nــ\n(٢٢) كتاب القسامة والقصاص\n(١) ومن باب: كيفية القسامة وأحكامها\nفي الصِّحاح: يقال: أقسمت: حلفت. وأصله من القسامة، وهي: الأيمانُ تُقسَمُ على الأولياء في الدَّم. والقَسَمُ - بالتحريك -: اليمين. وكذلك: المَقسَم. وهو المصدر. مثل: المَخرَج. والمَقسَم أيضًا: موضع القسم. قال زهير:\n. . . . . . . . . . . . . . . . . ... بِمَقسَمةٍ تَمُورُ بها الدِّماءُ (١)\n[يعني: بمكة] (٢).\n(قوله: فأتى مُحَيِّصةُ فقال: أنتم والله قتلتموه) ظاهره: أنَّه لم يكن هناك\n_________\n(١) هذا عجز بيت، وصدره: فتجمع أيمنٌ منا ومنكم.\n(٢) ساقط من (ج ٢).","vol":"5","page":5},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nلوثٌ (١) يستند إليه في دعواه على اليهود إلا كون القتيل وجد في محلَّتِهم وقريتهم.\nوإلى هذا ذهب أبو حنيفة، والثوري، ومعظم الكوفيين. فرأوا: أن ذلك لوثٌ يوجب القسامة، ولم يروا لوثًا غيره تمسُّكًا بهذا الحديث. ولم ير الجمهور: مالك، والشافعي، والليث، وأحمد، وداود، وغيرهم، ذلك لوثًا موجبًا للقسامة، والقتيل هَدر؛ لأنه قد يقتل الرَّجلُ الرَّجل ويلقيه في محلَّة القوم لِيُلَطِّخَهُم (٢) به، غير أن الشافعي قال: إلا أن يكون مثل القصة التي حكم فيها النبي - ﷺ - في خيبر، فتجبُ فيها القسامة؛ لما بين اليهود والأنصار من العداوة، ولأنه لم يكن هنالك سواهم؛ ولأن عبد الله خرج بعد العصر، فوُجد قتيلًا قبل الليل. ونحوه قال أحمد. وقد تأول النسائي هذا على مالك.\nقلت: وحاصل ما قال هؤلاء: إن هذه القضية اجتمعت فيها قرائن غير كون القتيل وجد في محلتهم، وإنَّ المحلَّة لم تنفرد باللوث، بل مجموع ما أبدوه من القرائن. وما قالوه صحيح؛ إذ لا مُعيّن، ولا مخصص، ولا ما يدل على إلغاء ما أبدوه.\nوقد اختلف العلماء في الأمور التي تكون لوثًا. ومجموع ما اختلف فيه من ذلك سبعة أمور:\nأحدها: المحلَّة، وقد ذكرناها.\nوثانيها: قول القتيل: دمي عند فلان. أو فلان قتلني عمدًا. أو ضربني؛ وجد به أثر، أو لم يوجد. فقال مالك، والليث: إنه لوث يوجب القسامة. قال\n_________\n(١) اللوث عند الشافعي: شبه الدلالة، ولا يكون بينة تامة. واللوث أيضًا: المطالبات بالأحقاد.\n(٢) في (ع): ليسحتهم.","vol":"5","page":6},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمالك: إنه مِمَّا اجتمع عليه في الحديث والقديم، وروي عن عبد الملك بن مروان. وشَرَط بعض أصحاب مالك وجود الأثر والجرح، وتمسَّك مالك في ذلك بقصّة قتيل بقرة بني إسرائيل، فإنَّه لَمَّا حيي القتيل قال: فلان قتلني (١). فاعتمد على ذلك، وبأن المسلم المُشرِف على الموت لا يُتَّهم بكذبٍ يُسفَكُ به دمُ مسلم عند آخر عهده بالدنيا، فظاهر حاله الصدق. وقد خالفه في ذلك سائر العلماء، ولم يروا شيئًا من ذلك لوثا.\nوثالثها: شهادة غير البيِّنة القاطعة. ولم يختلف قول مالك، والشافعي، والليث: في أن الشاهد الواحد العدل ولفيف الناس لوث (٢)؛ واختلف قول مالك في الواحد غير العدل، وفي المرأة. هل ذلك لوث، أم لا؟ وجعل الليث وربيعة ويحيى بن سعيد شهادة النِّساء، والعبيد، والذميين لوثًا. وقال بعض أصحابنا: شهادة النِّساء والصبيان لوث. وأباه أكثرهم.\nورابعها: أن يشهد شاهدان على الجرح، ثمَّ يحيا المجروح حياة بيِّنة، ثم يموت. فذلك لوث يوجب القسامة عند مالك، وأصحابه، واللَّيث. واختلف عندنا فيما إذا شهد بالجرح شاهد واحد؛ هل يوجب ذلك قسامة، أم لا؟ على قولين، والأصح: أنها لا تجب إلا بشاهدين. ولم ير الشافعي، ولا أبو حنيفة في هذا قسامة، بل القصاص من غير قسامة.\nوخامسها: وجود المتهم عند المقتول، أو قربه، أو آتيًا من جهته وعليه آثار القتل من التلطُّخ بالدَّم وشبهه. فهو لوث عند مالك. وقال الشافعي نحوه. قال:\n_________\n(١) انظر: الدر المنثور (١/ ١٨٦ - ١٨٩).\n(٢) قال الشافعي: اللوث: الشاهد العدل، أو يأتي ببينة وإن لم يكلونوا عدولًا. (تفسير القرطبي ١/ ٤٦٠)، وقال الشوكاني في (نيل الأوطار ٧/ ٤٨): إذا كان الشهود غير عدول، أو كان الشاهد واحدًا، فإنها تثبت القسامة عند مالك والليث.","vol":"5","page":7},{"text":"قَدِمَ عَلَى قَومِهِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُم، ثُمَّ أَقبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ، - وَهُوَ أَكبَرُ مِنهُ - وَعَبدُ الرَّحمَنِ بنُ سَهلٍ، فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ - وَهُوَ الَّذِي كَانَ\nــ\nوذلك: إذا لم يوجد هنالك أحد به أثر، ولا سَبُع. قال: ولو وجد في بيت، أو دار، أو صحراء قتيل ليس فيها أحدٌ سواهم فيتفرقون عن قتيل. فهذا كلُّه شبهة توجب القسامة.\nوسادسها: فئتان تقتتلان، فيوجد بينهما قتيل؛ ففيه روايتان:\nإحداهما: أن أولياءه يقسمون على من يدَّعون عليه، أو من يدَّعي عليه المقتول؛ كان من الفئتين، أو غيرهم.\nوالأخرى: لا قسامة فيه في هذه الوجوه، وفيه الدِّية على الطائفة التي نازعت طائفته؛ إن كان منها، وعلى الطائفتين إن كان من غيرهما، وبالقسامة في هذا قال الشافعي. وقال أحمد وإسحاق: عقله على الفئة المنازعة؛ فإن عيّنوا رجلًا؛ ففيه القسامة.\nوسابعها: الميِّت في مزاحمة الناس. قال الشافعي: تجب بذلك القسامة، وتكون فيه الدِّية. وعند مالك: هو هدر. وقال إسحاق، والثوري: ديته على بيت المال. وروي مثله عن عمر، وعلي - ﵄ -، وقال الحسن، والزهري: ديته على من حضر.\nوقوله: (ثم أقبل هو وأخوه حُوَيِّصَة) يعني به: مُحَيِّصَة. وهما ابنا مسعود بن زيد. والمشهور في حُوَيصَة ومُحَيِّصَة تخفيف الياء. وقد رويا بكسر الياء وتشديدها. وعلى الوجهين فهما مصغران، والمقتول: عبد الله بن سهل بن زيد، وأخوه عبد الرحمن بن سهل، فالأربعة بنو عم، بعضهم لبعض. وإنَّما تقدم مُحَيِّصَة بالكلام لكونه كان بخيبر حين قُتل عبد الله، غير أنه كان أصغر سنًّا من حُوَيِّصَة؛ ولذلك قال النبي - ﷺ -: (كَبِّر، كَبِّر) أي: قدِّم للكلام قبلك من هو أكبر سنًّا منك. فتقدم حويصةُ، وكأنه كان أكبر منه ومن عبد الرحمن أخي المقتول.","vol":"5","page":8},{"text":"بِخَيبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمُحَيِّصَةَ: كَبِّر كَبِّر. يُرِيدُ السِّنَّ - فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِمَّا أَن يَدُوا صَاحِبَكُم، وَإِمَّا أَن يُؤذِنُوا بِحَربٍ.\nــ\nففيه من الفقه: أن المشتركين في طلب حقّ ينبغي لهم أن يقدِّموا للكلام واحدًا منهم، وأحقهم لذلك أسنُّهم؛ إذا كانت له أهلية القيام بذلك. وهذا كما قال في الإمام (١): فإن كانوا في الفقه (٢) سواءً فأقدمهم سنًّا. وقد قدَّمنا أنَّ كبر السنِّ لم يستحق التقديمَ إلا من حيث القدم في الإسلام، والسبق إليه، والعلم به، وممارسة أعماله وأحواله، والفقه فيه، ولو كان الشيخُ عَرِيًّا عن ذلك لاستحق التأخير، ولكان المتصفُ بذلك هو المستحق للتقديم - وإن كان شابا -، وقد قدِم وفدٌ على عمر بن عبد العزيز، فتقدَّم شابٌّ للكلام، فقال عمرُ له: كبِّر، كبِّر. فقال: يا أمير المؤمنين! لو كان الأمرُ بالسنِّ لكان هنا من هو أولى بالخلافة منك! فقال: تكلَّم. فتكلم فأبلغ، فأوجز.\nو(قوله - بعد سماع كلام المدَّعين -: (إمَّا أن يَدُوا صاحبكم، وإمَّا أن يُؤذِنُوا بحربٍ) هذا الكلامُ من النبي - ﷺ - على جهة التأنيس، والتسلية لأولياء المقتول، وعلى جهة الإخبار بالحكم على تقدير ثبوت القتل عليهم. لا أن ذلك كان حكمًا من النبي - ﷺ - على اليهود في حال غيبتهم، فإنَّه بَعدُ لم يسمع منهم، ولا حضروا حتى يسألهم. ولذلك كتبَ إليهم بعد أن صدر منه ذلك القول. ثم إن النبي - ﷺ - بعد أن سمعَ الدعوى لم يستحضر المدَّعى عليهم إليه.\nوفيه من الفقه: أنَّ مجرَّدَ الدَّعوى لا يُوجب إحضارَ المدَّعى عليه؛ لأنَّ في إحضاره منعًا له من أشغاله، وتضييعًا لما له من غير مُوجبٍ ثابتٍ. فلو ظهرَ هنالك\n_________\n(١) أي: من له حقُّ التقدُّم في الإمامة في الصلاة.\n(٢) في (ل ١) و(ج ٢): السنة.","vol":"5","page":9},{"text":"فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيهِم فِي ذَلِكَ، فَكَتَبُوا: إِنَّا وَاللَّهِ مَا قَتَلنَاهُ،\nــ\nما يقوِّي دعوى المدَّعي من لطخ، أو شبهة، لتعيَّن أن يستحضر ويسمع جوابه عمَّا ادعي عليه. ثم قد يختلف هذا في القرب، والبعد، وشدة الضرر، وقلَّته.\nو(قوله: فكتبوا: إنَّا والله ما قتلناه!) فيه من الفقه: الاكتفاء بالكتبِ، وبأخبار الآحاد مع إمكان المشافهة، وأن اليمين قبل استدعائها، وتوجهها لا اعتبار بها.\nو(قوله للمدَّعين: [أتحلفون خمسين يمينًا] (١» دليل: على أن القسامة يبدأ فيها المدَّعون بالأيمان. وهو قول معظم القائلين: بأن القسامة يُستوجب بها الدَّم. وقال مالك: الذي أجمعت عليه الأمة في القديم والحديث: أن المدَّعين يبدؤون في القسامة، وخالف في ذلك الكوفيون، وكثير من البصريين، والمدنيين، والأوزاعي. وروي عن الزهري، وعمر بن الخطاب - ﵁ -، وقالوا: يُبدَأ بالمدَّعى عليهم؛ متمسكين في ذلك بالأصل الذي دلَّ عليه قوله - ﷺ - للمدَّعي: (شاهداك، أو يمينه)، وبأنه قد روي هذا الحديث من طرق ذكرها أبو داود، والنسائي. ذكر فيها: أنه - ﷺ - طالب المدَّعين بالبينة. فقالوا: ما لنا بيِّنة، فقال: (فتحلف لكم يهود خمسين يمينًا) (٢). وهذا هو الأصل المقطوع به في باب الدَّعاوى؛ الذي نبَّه الشرع على حكمته بقوله: (لو أعطي الناس بدعاويهم لاستحل رجال دماء رجال وأموالهم، ولكن البيِّنة على المدَّعي، واليمين على من أنكر) (٣). وقد أجاب الجمهور عن ذلك: بأن الصحيح المشهور المعروف من حديث حُويصة ومحيصة تبدئة المدَّعين بالأيمان. وهي رواية الأئمة الحفَّاظ\n_________\n(١) ما بين حاصرتين لم يرد في التلخيص ولا في صحيح مسلم، وأوردها المؤلف -﵀- من سنن الترمذي (١٤٢٢)، والنسائي (٨/ ٩).\n(٢) رواه أبو داود (٤٥٢٠) و(٤٥٢١)، والنسائي (٨/ ٩).\n(٣) رواه البخاري (٤٥٥٢)، ومسلم (١٧١١)، وأبو داود (٣٦١٩)، والنسائي (٨/ ٢٤٨).","vol":"5","page":10},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحُوَيِّصَةَ، وَمُحَيِّصَةَ، وَعَبدِ الرَّحمَنِ: أَتَحلِفُونَ\nــ\nبالطرق المسندة المستفيضة، وما ذكروه مما رواه أبو داود والنسائي بالطرق المسندة المستفيضة، وما ذكروه مما رواه أبو داود والنسائي: مراسيل، وغير معروفة عند المحدِّثين، وليست مِمَّا تعارض بها الطُّرُق الصِّحاح؛ فيجب ردَّها بذلك. وأجابوا عن التمسك بالأصل: بأن هذا الحكم أصل بنفسه لحرمة الدِّماء، ولتعذر إقامة البيِّنة على القتل غالبًا. فإن القاصد للقتل إنَّما يطلب الخلوة، والغيلة، بخلاف سائر الحقوق، وبشهادات الروايات الصحيحة لهذا الأصل الخاص بهذا الحكم الخاص، وبقي ما عداه على ذلك الأصل الآخر. ثم ليس ذلك خروجًا عن ذلك الأصل بالكلية. وذلك أن المدَّعي إنَّما كان القول قوله لقوَّة جنبته بشهادة الأصل له بالبراءة مما ادُّعي عليه، وذلك المعنى موجود هنا، فإنَّه إنما كان القول قول المدَّعين لقوة جنبتهم باللوث الذي يشهد لهم بصدقهم. فقد أعملنا ذلك الأصل، ولم نطرحه بالكليَّة.\nو(قوله: أتحلفون خمسين يمينًا؟)، وفي الأخرى: (أيُقسم خمسون منكم؟) دليل: على استحقاق هذا العدد من الأيمان، فلا يجزئ فيها أقل من ذلك. فإن كان المستحقون خمسين؛ حلف كل واحد منهم يمينًا واحدة. فإن كانوا أقل من ذلك، أو نكل منهم من لا يجوز عفوه رُدَّت الأيمان عليهم بحسب عددهم. ولا يحلف في العمد أقل من اثنين من الرجال، لا يحلف فيه الواحد من الرِّجال ولا النساء، يحلف الأولياء ومن يستعين بهم الأولياء من العصبة خمسين يمينًا. هذا مذهب مالك، والليث، وربيعة، والثوري، والأوزاعي، وأحمد وداود، وأهل الظاهر. واختلف عن مالك فيما إذا زاد الأولياء على الخمسين. هل يحلف كلهم يمينًا، يمينًا؟ أو يقتصر منهم على خمسين؟ وهذا هو الأولى لقوله: (يحلف خمسون منكم)، و(من) للتبيين (١). والخطاب لجميع الأولياء. فأفادَ\n_________\n(١) في (ج ٢): للتبعيض.","vol":"5","page":11},{"text":"وَتَستَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُم؟ .\nقَالَوا: لَا والله.\nــ\nذلك: أنهم إذا حلف منهم خمسون أجزأ.\nوأمَّا القسامة في الخطأ عند القائلين بها: فيحلف فيها الواحد من الرجال، والنساء، فمهما كملت خمسون يمينًا من واحد أو أكثر استحق الحالف ميراثه، ومن نكل لم يستحق شيئًا. فإن جاء من غاب حلف من الأيمان ما كان يجب عليه لو حضر بحسب ميراثه. هذا قول مالك المشهور عنه. وقد روي عنه: أنه لا يرى في الخطأ قسامة. وقال الليث: لا ينقص من ثلاثة أنفس. وقال الشافعي: لا يحلف في العمد، ولا في الخطأ إلا أهل الميراث على قدر مواريثهم. ولا يحلف على مال مَن لا يستحقه. وهو قول أبي ثور، وابن المنذر.\nو(قوله: وتستحقون دم صاحبكم)، وفي الرواية الأخرى: (فيُدفَع إليكم برمَّتِه (١» نصٌّ في أن القسامة يُستحقُّ بها الدَّم. وهو مذهب معظم الحجازيين، وهو قول الزهري، وربيعة، والليث، ومالك، وأصحابه، والأوزاعي، وأبي ثور، وأحمد، وإسحاق، وداود، وأحد قولي الشافعي. وروي ذلك عن ابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز ﵃. قال أبو الزناد: قتلنا بالقسامة وأصحاب رسول الله - ﷺ - متوافرون؛ إني لأراهم ألف رجل، فما اختلف منهم في ذلك اثنان. وقال الكوفيُّون، وإسحاق، والشافعي - في قوله الآخر -: إنَّما تجب بها الدِّية. وهو قول الحسن البصري، والحسن بن حي، والبتِّي، والنخعي، والشعبي. وروي عن أبي بكر، وعمر، وابن عبَّاس، ومعاوية. والحديث المتقدِّم نصٌّ في موضع الخلاف، فلا ينبغي أن يُعدَل عنه.\nو(قوله: على رجل منهم)، وفي اللفظ الآخر: (وتستحِقُّون دم صاحبكم) دليلٌ على أن القسامة إنما تكون على واحد. وهو قول أحمد، ومشهور قول\n_________\n(١) هي من رواية أبي داود (٤٥٢١ و٤٥٢٣).","vol":"5","page":12},{"text":"وفي رواية: فقالوا: يا رسول الله! ما شهدنا، ولا حضرنا.\nقَالَ:\nــ\nمالك. وقال أشهب: لهم أن يقسموا على جماعة، ويختارون واحدا للقتل، ويسجن الباقون عامًا، ويضربون مائة مائة. وقال المغيرة: يقتل بها الجماعة. وهو قول الشافعي في القديم. وذهب ابن سريج من أصحابه: إلى أنه يقسم على الجماعة، ويقتل منهم واحد. وقد فهم الشافعي من قوله: (وتستحقون دم صاحبكم): أنَّه لا يحلف إلا الورثة الذين يستحقون المال. وهو فهم عجيب ينبني على أن المستحق بالقتل العمد تخيير الولي بين القصاص وبين الدِّية. وسيأتي ذلك إن شاء الله. وقد بناه بعضهم على قولته الأخرى: في أن المستَحَقَّ بالقسامةِ الدِّيةَ لا القصاص. وهو خلاف نص الحديث.\nو(قوله: ما حضرنا، ولا شهدنا)، وفي اللفظ الآخر: [أمرٌ لم نحضره، فكيف نحلف عليه؟ !] (١)؛ دليلٌ: على أن الأيمان في القسامة على القطع. وهو الأصل في الأيمان، إلا أن يتعذر ذلك فيها، كما سيأتي تفصيل ذلك. وسبب ذلك: أن الحالف جازم في دعواه، فلا يحلف إلا على ما تحققه، كالشاهد، غير أنَّه لا يشترط في تحقيق ذلك الحضور والمشاهدة؛ إذ قد يحصل له التحقيق من الأخبار، والنَّظر في قرائن الأحوال (٢).\nو(قوله: فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم) دليل: على أن من توجهت عليه يمين فنكل عنها: أنَّه لا يُقضى عليه بمجرد النُّكول حتى تردَّ اليمينُ على الآخر، ويحلف. وهو قول مالك، والشافعي. وروي عن عمر، وعثمان، وعلي، وجماعة من السلف. وقال أبو حنيفة، والكوفيون، وأحمد بن حنبل: يُقضى عليه\n_________\n(١) ما بين حاصرتين لم يرد في التلخيص، وأورده المؤلف -﵀- من روايات أبي داود (٤٥٢٠)، والنسائي (٨/ ٩).\n(٢) وهذه القرائنُ أصبحت علمًا واسعًا، تُكشفُ به كثير من الجرائم والجنايات، وهو في تطور مستمر، كمعرفة الزمرة الدموية، وتمييز البصمات، وآثار الجاني. . . وغيرها.","vol":"5","page":13},{"text":"فَتَحلِفُ لَكُم يَهُودُ. قَالَوا: لَيسُوا بِمُسلِمِينَ.\nفَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن عِندِهِ، فَبَعَثَ إِلَيهِم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِائَةَ نَاقَةٍ حمراء، حَتَّى أُدخِلَت عَلَيهِم الدَّارَ، فَقَالَ سَهلٌ: فَلَقَد رَكَضَتنِي مِنهَا نَاقَةٌ حَمرَاءُ.\nوفي رواية: فقالوا: يا رسول الله! (كيف نقبل أيمان قوم كفار؟)\nــ\nدون رد اليمين. وقال ابن أبي ليلى: يُؤخذ باليمين. ومعنى تبرئكم يهود: أي: يبرؤون إليكم مما طالبتموهم به، فتبرؤون أنتم منهم؛ إذ ينقطع طلبكم عنهم شرعًا.\nوفيه دليل على أن الأيمان المردودة لا تكون أقل من خمسين يمينًا من خمسين رجلًا إذا كان المدَّعى عليهم خمسين. فإن كانوا أقل من ذلك؛ حلفوا خمسين يمينًا، ورُدَّت عليهم بحسب عددهم. وهل لهم أن يستعينوا بمن يحلف معهم من أوليائهم أم لا؟ قولان. فمشهور مذهب مالك: لهم الاستعانة. وعليه فلا يحلف فيها أقل من اثنين. ولا يحلفُ المدَّعى عليه معهم إلا أن لا يجد من يحلفُ معه، فيحلفُ هو خمسين يمينًا. وروى مطرف عن مالك: أنَّه لا يحلفُ مع المدَّعى عليه أحدٌ، ويحلفُ هم أنفسهم كانوا واحدًا أو أكثر خمسين يمينًا يبرئون بها أنفسهم. وهو قول الشَافعي. وهو الصحيح؛ لأن من لم يُدَّع عليه لم يكن له سبب يتوجَّه عليه به يمين، ثم مقصود هذه الأيمان: البراءة من الدَّعوى. ومن لم يُدَّع عليه بريء، ولأن أيمانهم على أن وليَّهم لم يُقتل شهادةٌ على نفي، وهي باطل. وأيضًا فقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزرَ أُخرَى﴾\nو(قوله: فيُدفع بِرُمَّتِه) هو بضم الراء، وهو: الحبل البالي. وأصله: أنَّ رجلًا سلَّم رجلًا لآخر بحبلٍ في عنقه ليقتلَه، فقيل: ذلك لكل من سلم شيئًا بكلِّيته، ولم يبق له به تعلُّق. والرِّمَّةُ - بكسر الراء -: العظم البالي. يقال: رمَّ العظم، وأرم: إذا بلي. والرميم: الشيء البالي، المتفتت كالورق، المتهشم. ومنه قوله تعالى: ﴿مَا تَذَرُ مِن شَيءٍ أَتَت عَلَيهِ إِلا جَعَلَتهُ كَالرَّمِيمِ﴾\nو(قول المدَّعين: كيف نقبل أيمانَ قومٍ كُفَّار) هذا استبعاد لصدقهم وتقريبٌ","vol":"5","page":14},{"text":"بدل: (ليسوا بمسلمين).\nوفي أخرى: فكره رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أن يبطل دمه، فوداه مائة من إبل الصدقة.\nرواه البخاري (٧١٩٢)، ومسلم (١٦٦٩) (٦ و١ و٥)، وأبو داود (٤٥٢٠ و٤٥٢١)، والترمذي (١٤٢٢)، والنسائي (٨/ ٩)، وابن ماجه (٢٦٧٧).\nــ\nلإقدامهم على الكذب، وجرأتهم على الأيمان الفاجرة. وعلى هذا يدل قولهم: (ليسوا بمسلمين) أي: ما هم عليه من الكفر والعداوة للمسلمين يجرؤهم على الأيمان الكاذبة، لكنهم مع هذا كله لو رضوا بأيمانهم لحلفوا لهم، ولا خلاف أعلمه في أن الكافر إذا توجَّهت عليه يمين: أنه يحلفها أو يُعَدُّ ناكلًا.\nوبماذا يحلف؟ فالمشهور عن مالك: أنَّه إنما يحلف بالله؛ الذي لا إله إلا هو. سواء كان يهوديًّا، أو نصرانيًّا، أو غيرهما من الأديان، كما يحلف المسلم. وفيه نظر. وروى الواقدي عن مالك: أن اليهودي يحلف بالله الذي أنزل التوراة على موسى. والنصراني: بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى. وهذا القول أمشى على الأصول من الأول. وذلك: أنَّا إذا أجبرنا النصراني على أن يحلف بالتوحيد مع قطعنا: بأنَّه خلاف معتقده، ودينه؛ فقد أجبرناه على الخروج عن دينه، مع أنا قد عاهدناه على إبقائه على اعتقاده، ودينه. وأيضًا: فلا مانع له من أن يقدم على الحلف بذلك؛ إذ هو في اعتقاده ليس بصحيح. فالأولى القول الثاني. ويحلف في المواضع التي يعتقد تعظيمها.\nو(قوله: فودَاه رسول الله - ﷺ - من عنده) إنَّما فعل ذلك على مقتضى كرم خلقه، وحسن إيالته (١)، وجلبًا للمصلحة، ودفعًا للمفسدة، وإطفاءً للثائرة،\n_________\n(١) في حاشية (م): الإيالة: السياسة.","vol":"5","page":15},{"text":"[١٧٦٠] وعن سليمان بن يسار، عن ناس من الأنصار: أن\nــ\nوتأليفًا للأغراض المتنافرة عند تعذر الوصول إلى استيفاء الحق لتعذر طرقه. وهذا اللفظ الذي هو: (من عنده) ظاهر في: أن الإبل التي دفع كانت من ماله. وهذا أصحُّ من رواية من روى: أنها كانت من إبل الصَّدقة؛ إذ قد قيل: إنَّها غلط من بعض الرُّواة؛ إذ ليس هذا من مصارف الزكاة.\nقلت: والأولى ألا يغلَّط الراوي العدل الجازم بالرواية ما أمكن. ويحتمل ذلك أوجهًا من التأويلات:\nأحدها: أنَّه تسلَّف ذلك من مال الصَّدقة؛ حتَّى يؤديها من الفيء.\nوثانيها: أن يكون أولياء القتيل مستحقين للصدقة، فأعطاها إياهم في صورة الدِّية، تسكينًا لنفرتهم وجبرًا لهم؛ مع أنَّهم مستحقون لها.\nوثالثها: أنَّه أعطاهم تلك من سهم المؤلفة قلوبهم استئلافًا لهم، واستجلابًا لليهود.\nورابعها: قول من قال: إنَّه يجوز صرف الصدقة في مثل هذا؛ لأنَّه من المصالح العامَّة. وهذا أبعد الوجوه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ﴾ الآية.\nتفسير غريبه: الفريضة (١): واحدة الفرائض، وهي: النوق المأخوذة في الزكاة والدِّية. وقد فسَّرها في الرِّواية التي قال فيها: (فلقد ركضتني منها ناقة حمراء). وأصل الفرض: التقدير، كما تقدم. ولا معنى لقول من قال: إنَّها المسنة\n_________\n(١) في حاشية (م) يقال: فرضت الناقةُ تَفْرِضُ وتفرُض: إذا هرمت، وهي فارض وفريضة.\nقال الله تعالى: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ [البقرة: ٦٨] والفريضة: واحدة الفرائض المأخوذة في الزكاة والدِّيات.","vol":"5","page":16},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَقَرَّ القَسَامَةَ عَلَى مَا كَانَت عَلَيهِ فِي الجَاهِلِيَّةِ.\nرواه مسلم (١٦٧٠) (٧)، والنسائي (٨/ ٥).\n* * *\nــ\nمن الإبل. والشَّرَبة (١) - بفتح الشِّين والرَّاء - هي: حوض في أصل النَّخلة تشرب منه النخلة. وجمعه: شَرَب - بفتح الرَّاء -؛ وهي التي عبَّر عنها في الرواية الأخرى بـ (الفقير). وقيل: الفقير: هو الحفر العميق الذي يحفر للفسيلة. والجهد - بفتح الجيم -: الشدَّة والمشقَّة. والجهد - بضمها -: غاية الوسع والطَّاقة. والعقل (٢): الدِّية. وسمِّيت بذلك: لأن الإبل كانت تعقل بفناء المستحقين للدِّية. وقد تقدم القول في (الرِّمَّة) (٣).\nوفيه من الفقه: أن أهل الذِّمَّة يحكم عليهم بحكم الإسلام، لا سيما إذا كان الحكم بين ذمِّي ومسلم، فإنَّه لا يختلف في ذلك. وكذلك لو كان المقتول من أهل الذمة فادَّعي به على مسلم؛ فإن ولاة الدَّم يحلفون خمسين يمينًا، ويستحقون به دِّية ذمِّي. هذا قول مالك. وقال بعض أصحابه: يحلف المسلم المدَّعى عليه خمسين يمينًا، ويبرأ، ولا تحمل العاقلة ديته. فلو قام للذمي شاهدٌ واحدٌ بالقتل؛ فقال مالك: يحلف ولاته يمينًا واحدة ويستحقون الدِّية من ماله في العمد، ومن عاقلته في الخطأ. وقال غيره: يحلف المدَّعى عليه خمسين يمينًا ويجلد مائة، ويحبس عامًا.\nوفيه ما يدلُّ على جواز سماع حجَّة أحد الخصمين في غيبة الآخر. وأن أهل الذمِّة إن امتنعوا من فعل ما وجب عليهم لنقض عهدهم.\nوالحديث كله حجَّة واضحة للجمهور من السَّلف والخلف على من أنكر العمل بالقسامة؛ وهم: سالم بن عبد الله، وأبو قلابة، ومسلم بن خالد، وقتادة،\n_________\n(١) هي في إحدى روايات مسلم رقم (١٦٦٩) (٣).\n(٢) هي في إحدى روايات مسلم رقم (١٦٦٩) (١) و(٣).\n(٣) هي في إحدى روايات مسلم رقم (١٦٦٩) (٢).","vol":"5","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-656>(٢) باب القصاص في العين وحكم المرتد</span>\n[١٧٦١] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ: أَنَّ نَاسًا مِن عُرَينَةَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ فَاجتَوَوهَا، فَقَالَ لَهُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِن شِئتُم أَن\nــ\nوابن عُلَيَّة، وبعض المكيين. فنفَوا الحكم بها شرعًا في العمد والخطأ. وقد روي ذلك عن عمر بن عبد العزيز، والحكم بن عتَيبة. وقد روي عنهما العمل بها. وقد روي نفي العمل بها عن سليمان بن يسار.\nوالصحيح عنه روايته المذكورة عنه هنا. حيث قال عن رجال من الأنصار: أن رسول الله - ﷺ - أقرَّ القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية. وظاهر هذا: أنَّه يقول بها. وهذا الحديث أيضًا حجة للجمهور على من أنكر العمل بها. فإن ظاهره: أنَّه - ﷺ - وجدَ الناس على عمل، فلمَّا أسلموا، واستقل بتبليغ الأحكام أقرَّها على ما كانت عليه، فصار ذلك حكما شرعيًّا يُعمل عليه، ويحكم به، لكن يجب أن يبحث عن كيفية عملهم الذي كانوا يعملونه فيها، وشروطهم التي اشترطوها، فيعمل بها من جهة إقرار النبي - ﷺ -، لا من جهة الاقتداء بالجاهلية فيها.\n(٢) ومن باب القصاص في العين وحكم المرتد\n(قوله: إن ناسًا من عُرَينَة قدموا المدينة فاجتَوَوها) أي: لم توافقهم في صحتهم. يقال: اجتوى البلد، واستوبله، واستوخمه: إذا سقم فيه عند دخوله. و(استاقوا الذود) أي: حملوا الإبل معهم، وهو من السَّوق، وهو: السير السَّريع العنيف. وفي الرِّواية الأخرى: مكان: (الذود): (لقاح رسول الله - ﷺ -)، وهي: جمع: لِقحَة. وهي: الناقة ذات اللبن. و(سَمَلَ أعينهم) أي: غرز فيها الشوك حتَّى فقأها. قال أبو ذُؤَيب:\nوالعَينُ بَعدَهُمُ كأنَّ حِدَاقِهَا ... سُمِلَت بشوكٍ فهي عُورٌ تدمَعُ","vol":"5","page":18},{"text":"تَخرُجُوا إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَتَشرَبُوا مِن أَلبَانِهَا وَأَبوَالِهَا. فَفَعَلُوا فَصَحُّوا، ثُمَّ\nــ\nو(سَمَرَ) أي: فقأها بمسامير محميَّةٍ؛ قاله أبو عبيد. وقال غيره: (سَمَلَ) و(سَمَّرَ) بمعنى واحد. أبدلت الرَّاء من اللام. وفيه بُعدٌ.\n(يستسقون): يسألون أن يسقوا. وفي الأصل (١): (وقد وقع بالمدينة ألمُوم، وهو البرسام). والبرسام: لفظة يونانية تستعملها الأطبَّاء في كتبهم، يعنون به: وجعَ الرأسِ أو الصَّدر.\nوفي الحديث أبواب من الفقه؛ منها: جواز التطبب، وأن يطب كل جسم بما اعتاد. فإن هؤلاء القوم أعراب البادية، عادتهم شرب أبوال الإبل وألبانها، وملازمتهم الصحارى. فلمَّا دخلوا القرى، وفارقوا أغذيتهم، وعادتهم؛ مرضوا. فأرشدهم النبي - ﷺ - إلى ذلك، فلمَّا رجعوا إلى عادتهم من ذلك، صحُّوا، وسمنوا.\nوفيه دليل لمالك على طهارة بول ما يؤكل لحمه. وقد تقدَّم.\nوفيه جواز (٢) قتل المرتدين من غير استتابةٍ.\nوفيه: القصاص من العين بمثل ما فقئت به، كما قال أنس: إنما سَمَل رسول الله - ﷺ - أعينهم؛ لأنهم سَمَلوا أعين الرِّعاء، وإنَّما قطع رسول الله - ﷺ - أيديهم وأرجلهم لأنهم فعلوا كذلك بالرَّاعي؛ على ما حكاه أهل التاريخ (٣) والسِّير. قالوا: كان هذا الفعل من هؤلاء المرتدِّين سنة ست من الهجرة. واسم الرَّاعي: يسار، وكان نوبيًّا. فقطعوا يديه، ورجليه، وغرزوا الشوك في عينيه حتَّى مات، وأدخل المدينة ميتًا. ففعل بهم رسول الله - ﷺ - مثل ما فعلوا به.\nقلت: وعلى هذا: فلا يكون فيه إشكال. ويكون فيه دليل على القصاص من الجماعة بالواحد في النفس والأطراف. وهو قول مالك، وجماعة. وخالف في\n_________\n(١) أي: في الرواية رقم (١٦٧١/ ١٣) في كتاب مسلم.\n(٢) زيادة من (ل ١).\n(٣) في (ج ٢): التواريخ.","vol":"5","page":19},{"text":"مَالُوا عَلَى الرُّعَاء، فَقَتَلُوهُم وَارتَدُّوا عَن الإِسلَامِ، وَاستاقُوا ذَودَ\nــ\nذلك أبو حنيفة فقال: لا تقتل الجماعة بالواحد. والحديث حجَّة عليه.\nوقول عمر - ﵁ -: (لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به). غير أن ذلك الحديث يُشكِل بما زاده أبو داود فيه من حديث أنس أيضًا قال: فبعث رسول الله - ﷺ - في طلبهم قافة، فأُتي بهم، فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسعَونَ فِي الأَرضِ فَسَادًا﴾ الآية (١).\nوعلى هذا فإنما قطعهم وقتلهم لأنهم محاربون، فلا يكون فيه حجَّة على شيء مما ذكر قبل هذا من الأوجه المستنبطة؛ لأنَّهم إذا كانوا محاربين فهو مخيَّر فيهم. ثم يشكل هذا بما زاده أبو داود فيه من حديث أنس، فإنَّه قال فيه بعد ذلك: ثم نهى عن المثلة (٢).\nوفيه من حديث أبي الزناد: أن رسول الله - ﷺ - لما قطع أيدي الذين سرقوا لقاحه، وسمل أعينهم بالنار عاتبه الله في ذلك، فأنزل الله ﷿ في ذلك: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية (٣). فإن كان فعل ذلك قصاصًا منهم، أو حدًّا؛ لأنهم محاربون؛ فذلك ليس بمثلة منهيًّا عنها، ولا يعاتب عليه.\nقلت: والذي يرتفع به الإشكال -إن شاء الله -: أن طرق حديث أنس الواقعة في كتاب مسلم والبخاري أشهر وأصح من طرق أبي داود. وتلك الطرق متوافقة: على أن ذلك من النبي - ﷺ - كان قصاصًا منهم بما فعلوا، غير تركهم حتى ماتوا عطاشًا، وتكحيلهم بمسامير محمَّاة، كما ذكره أبو داود، وكما دل عليه قوله: (وسمر أعينهم). فيمكن أن يقال: إن الله تعالى عاتبه على ذلك القدر الذي زاده فقط، دون القصاص والقتل، فإن ذلك كان حكمهم. ولم يَستَتِبهُم من الرِّدة، إما لأن الاستتابة لم تكن إذ ذاك مشروعة، وإمَّا لأنهم كانوا قد وجب قتلهم إمَّا\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٣٦٦).\n(٢) رواه أبو داود (٤٣٦٨).\n(٣) رواه أبو داود (٤٣٧٠).","vol":"5","page":20},{"text":"رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ، فَبَعَثَ فِي أَثَرِهِم، فَأُتِيَ بِهِم، فَقَطَعَ أَيدِيَهُم وَأَرجُلَهُم، وَسَمَلَ أَعيُنَهُم، وَتَرَكَهُم فِي الحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا.\nــ\nبالقصاص، وإمَّا بالحرابة؛ فلا بدَّ من قتلهم، فلا يظهر للاستتابة فائدة، فاستغنى عنها، والله تعالى أعلم.\nغير أنه يبقى على هذا إشكال آخر، وهو: أن من قطع يد رجل أو رجله، أو فقأ عينه، ثم قتله، قتل به، ولم يُفعل به شيء مما فعل بالمقتول من قطع، أو جرح. بل يُقتل خاصة إلا أن يكون قد مَثَّل به فيُفعل به كما فعل، ثمَّ يقتل. هذا مذهب مالك. وقال أبو حنيفة، والشافعي: يجرح، أو يقطع، ثم يُقتل. فعلى قولهما لا إشكال فيه. ويزول الإشكال على قول مالك بأنهم مثَّلوا بالرَّاعي فمُثِّل بهم، ثم قُتِلوا.\nوقد اختلف العلماء فيماذا نزلت: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾؟ فقيل: نزلت في هؤلاء العُرَنيَّين كما ذكرناه في حديث أبي داود. وذهب الحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح: إلى أنها نزلت في المشركين. وذهب ابن جرير: إلى أنها نزلت في اليهود. قال: ويدخل تحتها كلُّ ذِمِّي وملِّي. وذهب مالك، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: إلى أنها نزلت في المسلمين المحاربين. وهذا القول أصحها - إن شاء الله تعالى - لوجهين:\nأحدهما: أن الكفار لا تخيير فيهم بين القتل والصَّلب، وقطع الأيدي والأرجل. وإنَّما حكم الكافر الأصلي: إمَّا القتل، وإمَّا السباء، أو الجزية. وأمَّا المرتد: فالقتل. وهل يستتاب أو لا؟ هذا محل الخلاف كما تقدم.\nوثانيهما: أن الكافر لو تاب فأسلم بعد القدرة عليه لصحت توبته، وحرم قتله بالإجماع. وآية المحاربة بنصِّها مخالفة لهذين الوجهين. فدلَّ اختلاف حكم الكافر لحكم المحارب: أن المحارب إنَّما هو مسلمٌ بحكم اعتقاده، محارب بفعله. فحكمه ما ذكره الله تعالى في آية المحاربة. ثم المحاربة عندنا هي: إخافة السبيل، وإشهار السلاح قصدًا لأخذ الأموال، وسعيا بالفساد في الأرض، ويكون خارج","vol":"5","page":21},{"text":"وفي رواية: قال: وسملت أعينهم، وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون.\nرواه أحمد (٣/ ١٠٧)، والبخاري (٤١٩٢)، ومسلم (١٦٧١)، (٩ و١٠)، وأبو داود (٤٣٦٤)، والترمذي (٧٢)، والنسائي (٧/ ٩٣) وابن ماجه (٢٥٧٨) (٩ و١٠).\nــ\nالمصر وداخله عندنا، وعند الشافعي. وقال أبو حنيفة، وعطاء: لا تكون في المصر. وقد فسَّر مجاهد المحاربة بالزنى والسرقة. وليس بصحيح؛ لأن الله تعالى قد بيَّن في كتابه، وعلى لسان رسوله - ﷺ -: (أن السارق تقطع يده فقط، وأن الزاني يجلد ويغرَّب إن كان بكرًا، أو يرجم إن كان ثيِّبًا محصنًا). وأحكام المحارب في هذه الآية خلاف ذلك؛ اللهم إلا أن يريد (مجاهد): إخافة الطُّرق بإظهار السِّلاح قصدا للغلبة على الفروج؛ فهذا أفحش المحاربة، وأقبح من أخذ الأموال. ولا ينبغي أن يختلف في ذلك. وقد دخل ذلك في قوله تعالى: ﴿وَيَسعَونَ فِي الأَرضِ فَسَادًا﴾ وأي فسادٍ أعظم من الهجم على حرم المسلمين وأولادهم، وإشهار ذلك، وإظهار السلاح لأجله. وقد كثر ذلك في بلاد الأندلس في هذه المُدَد القريبة، وظهر فيهم ظهورًا فاحشًا، بحيث اشترك فيه الشُّبَّان بالفعل، وأشياخهم بالإقرار عليه، [وترك الإنكار. فسلط الله عليهم عدوَّهم فأهلكهم، واستولى على بلادهم. فإنا لله وإنَّا إليه راجعون] (١).\nفأمَّا حكم المحارب: فأولى الأقوال فيه ما شهد له ظاهر الآية. وهو: تخيير الإمام بين القتل مع الصَّلب، والقطع، والنفي. فأي ذلك رأى الإمام أنكى، أو أحق، فعل. وهو مروي عن ابن عباس. وإليه ذهب عطاء، والحسن البصري، والنخعي، ومجاهد، والضحاك، ومالك، وأبو ثور. واختلف عن مالك في\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).","vol":"5","page":22},{"text":"[١٧٦٢] عَن أَنَسٍ قَالَ: إِنَّمَا سَمَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَعيُنَ أُولَئِكَ لِأَنَّهُم سَمَلُوا أَعيُنَ الرِّعَاءِ.\nرواه مسلم (١٤٧١) (١٤).\n* * *\nــ\nالصَّلب. هل يكون قبل القتل، أو بعده؟ وروي أيضًا عن ابن عباس: أنه إن أخاف السبيل وأخذ المال؛ قُطعت يده ورجله من خلاف. وإن أخذ المال وقَتَل؛ قُطعت يده ورجله، ثم قُتل. وإن قتل، ولم يأخذ مالًا؛ قُتل. وإن لم يأخذ مالًا (١) ولم يقتل: نُفي. وبه قال قتادة، وأبو مجلز. وقال الأوزاعي: إن أخاف السبيل، وشهر السلاح؛ قتل، ولم يصلب. وإن أخذ، وقتل؛ قتل مصلوبًا. وإن أخاف السبيل ولم يقتل؛ قطع؛ أخذ المال أو لم يأخذ. وقال الشافعي: إن قتل، وأخذ؛ قتل، وصلب. وإن قتل ولم يأخذ؛ قُتل ولم يصلب، ودُفع إلى أوليائه، وإن أخذ ولم يقتل؛ قطعت يده اليمنى، ثم حسمت بالنار، ثم رجله اليسرى، ثم حسمت. وقال أحمد: من قَتَل قُتِل، ومن أخذ المال قُطِع. والأولى: القولُ بالتخيير. [والله العليم الخبير] (٢).\n* * *\n_________\n(١) زيادة من (ل ١).\n(٢) في (ع): والله تعالى أعلم، وهو العليم الخبير.","vol":"5","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-657>(٣) باب القصاص في النفس بالحجر</span>\n[١٧٦٣] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ: أَنَّ جَارِيَةً وُجِدَ رَأسُهَا قَد رُضَّ بَينَ حَجَرَينِ، فَسَأَلُوهَا مَن صَنَعَ هَذَا بِكِ؟ فُلَانٌ؟ فُلَانٌ؟ حَتَّى ذَكَرُوا يَهُودِيًّا،\nــ\n(٣) ومن باب: القصاص في النفس\n(قوله: إن جارية وجد رأسها قد رضَّ بين حجرين فجيء بها [إلى النبي - ﷺ - وبها رمق] (١» الرَّضُّ: الكسر غير المُبَان. و(الرَّمَق): بقية الحياة؛ يعني: أنها قد أشرفت على الموت. ولذلك لما سُئلت عمَّن أصابها أومأت برأسها لما ذُكِر لها القاتل، ولم تقدر على الكلام بلسانها. ومن قال من الرواة: إنَّها قالت: نعم. فإنما عبَّر عمَّا فهم عنها من الإشارة بالقول، فإنَّها تنزلت منزلة القول.\nففيه من الفقه: قتل الرَّجل بالمرأة. وهو قول الجمهور خلافًا لمن شذَّ فقال: لا يقتل بها. وهو عطاء، والحسن. وقد روي عن علي - ﵁ -.\nوأمَّا القصاص بينهما في الأطراف: فهو أيضًا مذهب الجمهور. وقد ذهب إلى نفيه فيها من نفاه في النفس، وأبو حنيفة، وحماد، وإن قالا به في النفس. والصحيح قول الجمهور في المسألتين؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَتَبنَا عَلَيهِم فِيهَا أَنَّ النَّفسَ بِالنَّفسِ﴾\nوفيه: جواز ذكر من اتُّهم، وعرضهم على المقتول واحدًا واحدًا بعينه واسمه، وإن لم تقم دلالة على لطخه أكثر من أنَّه يحتمل ذلك احتمالًا قريبًا. ولا يكون ذلك عرضًا يستباح.\nوفيه: ما يدلُّ على اعتبار التَّدمية على الجملة. وقد تقدَّم الكلام فيها، لكن\n_________\n(١) ما بين حاصرتين من الرواية التي في صحيح مسلم برقم (١٦٧٢) (١٥).","vol":"5","page":24},{"text":"فَأَومَأت بِرَأسِهَا، فَأُخِذَ اليَهُودِيُّ، فَأَقَرَّ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَن يُرَضَّ رَأسُهُ بِالحِجَارَةِ.\nــ\nالصحيح في هذا الحديث: أن اليهودي إنَّما قتل بالمرأة باقراره، لا بمجرد التَّدمية. والرواية التي يظهر منها: أنَّه قتل بمجرد التَّدمية مردودة إلى الرواية التي ذكر فيها: أنه قتل بإقراره لوجهين:\nأحدهما: أن القضية واحدة وإن اختلفت الرِّوايات، فيحمل مطلقها على مقيَّدِها.\nوالثاني: أن ظاهر تلك الرِّواية المطلقة مجمع على تركه؛ إذ لم يقل أحد من المسلمين: أن التَّدمية بمجردها يقتل بها، وإنَّما هي عند من قال بها لوثٌ يقسم معها. ولم يسمع قطّ في شيء من طرق هذا الحديث، ولا رواياته: أن أولياء هذه الجارية أقسموا على اليهودي.\nوفيه: قتل الكبير بالصَّغير؛ لأن الجارية اسم لمن لم يبلغ من النساء، كالغلام في الرجال. وهذا لا يختلف فيه.\nوفيه: أن من قَتَل بشيء قُتل به. وقد اختلف فيه، فذهب الجمهور: إلى أنَّه يُقتل بمثل ما قَتَل من حجر، أو عصا، أو تغريق، أو خنق، أو غير ذلك، ما لم يقتله بفسق كاللوطية، وإسقاء الخمر؛ فيقتل بالسيف. وحجَّتهم هذا الحديث، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعتَدَى عَلَيكُم فَاعتَدُوا عَلَيهِ بِمِثلِ مَا اعتَدَى عَلَيكُم﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ والقصاص أصله: المساواة في الفعل. ومن هؤلاء من خالف في التحريق بالنار، وفي قتله بالعصا. فجمهورهم: على أنَّه يقتل بذلك. وقال ابن الماجشون وغيره: لا يحرَّق بالنار لقول رسول الله - ﷺ -: (لا يعذب بالنَّار إلا الله) (١). وقال مالك في إحدى الروايتين عنه:\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٣٠٧)، والبخاري (٣٠١٦)، وأبو داود (٢٦٧٤)، والترمذي (١٥٧١).","vol":"5","page":25},{"text":"وفي رواية: فقتله رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بين حجرين.\nرواه أحمد (٣/ ١٨٣)، والبخاري (٢٤١٣)، ومسلم (١٦٧٢) (١٥)، وأبو داود (٤٥٢٧)، والترمذي (١٣٩٤)، وابن ماجه (٢٦٦٥).\nــ\nإنَّه إن كان في قتله بالعصا تطويل وتعذيب، قتل بالسَّيف. وفي الأخرى: يقتل بها، وإن كان فيه ذلك، وهو قول الشافعي. وقال الشافعي فيمن حبس رجلًا أيَّامًا في بيت حتَّى مات جوعًا، أو عطشًا (١)، أو قطع يديه ورجليه، ورمى به من جبل، أن يُفعل به مثل ذلك، فإن مات، وإلا قتل. وذهبت طائفة إلى خلاف ذلك كلِّه فقالوا: لا قود إلا بالسيف، وهو مذهب أبي حنيفة، والشعبي، والنخعي. واحتجوا على ذلك بما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: (لا قود إلا بحديدة) (٢)، وبالنهي عن المثلة. والصحيح مذهب الجمهور لما تقدم، ولأن الحديث الذي هو: (لا قود إلا بحديدة) ضعيف عند المحدثين، لا يروى من طريق صحيح، ولأن النهي عن المثلة نقول بموجبه إذا لم يمثل بالمقتول، فإذا مَثَّل مثَّلنا به؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعتَدُوا عَلَيهِ بِمِثلِ مَا اعتَدَى عَلَيكُم﴾ ولحديث العُرَنِيِّين على ما تقدم.\nوقد شذَّ بعضهم (٣) فقال فيمن قتل بخنق، أو بسم، أو تردية من جبل أو في بئر، أو بخشبة: أنه لا يقتل، ولا يقتص منه إلا إذا قتل بمحدد: حديد، أو حجر، أو خشب، أو كان معروفًا بالخنق والتردية. وهذا منه ردٌّ للكتاب، والسُّنة، وإحداث ما لم يكن عليه أمر الأمَّة، وذريعةٌ إلى رفع القصاص الذي شرعه الله حياة للنفوس، فليس عنه مناصٌ.\nثم اختلف العلماء فيما إذا قَتَل بما لا يَقتُل مِثلُه (٤) غالبًا، كالعضَّة واللَّطمة،\n_________\n(١) ساقط من (ج ٢).\n(٢) رواه البيهقي (٨/ ٦٢)، وعبد الرزاق في مصنفه (١٧١٧٩).\n(٣) في (م) و(ج ٢): أبو حنيفة.\n(٤) في (ع): به.","vol":"5","page":26},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوضربة السَّوط، والقضيب، وشبه ذلك. فقال مالك، والليث: هو عمدٌ، وفيه القود. قال أبو عمر: وقال بقولهما جماعة من السلف من الصحابة والتابعين. وذهب جمهور فقهاء الأمصار: إلى أن هذا كلُّه شبه عمد، إنما فيه الدِّية مغلظة. وهو قول الثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وقد ذكر عن مالك، وقاله ابن وهب، وجماعة من الصحابة والتابعين.\nقلت: وهو الصحيح إن شاء الله تعالى؛ إذ العمد: القصدُ إلى القتل، وهو أمر خفي لا يُطَّلعُ عليه، فلا بُدَّ من دليل عليه، ولا بدَّ أن تكون تلك الدَّلالة واضحة رافعة للشَّك. ودلالة ما يقتل مثله (١) غالبًا دلالة محقَّقة، صحيحة، وليس كذلك اللطمة، وضربة السوط، فلا دلالة فيهما. والدِّماء أحق ما احتيط لها؛ إذ الأصل صيانتها في أهبها، فلا نستبيحها إلا بأمر بيِّن، لا إشكال فيه، وهذا فيه إشكال، ولا نستبيح به دمًا، ولما كان مترددًا بين العمد والخطأ؛ حكم له بشبه العمد، وهو حُكمٌ بين حُكمين، فلا هو عمد محضّ، ولا خطأ محضّ، فلا قود فيه؛ إذ لم يتحقق العمد. ومع ذلك فيمكن أن يكون قصد القتل، فتكون فيه الدِّية المغلظة، هذا مع ما قد رواه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو: أن رسول الله - ﷺ - خطب يوم الفتح بمكة، فذكر الحديث، وقال فيه: (ألا وإن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسَّوط، أو العصا مائة من الإبل، أربعون في بطونها أولادها) (٢). وهذا نصٌّ في الباب، فلا ينبغي أن يعدل عنه.\nثمَّ اختلف القائلون بشبه العمد في الدِّية المغلظة ما هي؟ فقال عطاء، والشافعي: هي ثلاثون حِقَّة، وثلاثون جَذَعة، وأربعون خَلِفَة. وقد روي ذلك عن عمر، وزيد بن ثابت، والمغيرة، وأبي موسى. وهو مذهب مالك حيث يقول: بشبه العمد.\n_________\n(١) سقطت من (ع).\n(٢) رواه أبو داود (٤٥٤٧ و٤٥٤٨)، والنسائي (٨/ ٤١)، وابن ماجه (٢٦٢٧).","vol":"5","page":27},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nومشهور مذهبه: أنه لم يقل به إلا في مثل فعل المدلجي بابنه حيث ضربه بالسَّيف. وقيل: إن دية شبه العمد أربعون جَذَعة إلى بازلٍ عامها، وثلاثون حِقَّة، وثلاثون بنت لبون. وروي هذا عن عثمان. وبه قال الحسنُ، وطاووس، والزُّهري.\nوأمَّا ديةُ العمد: فهي عند الشافعي ثلاثون حِقَّةً، وثلاثون جَذَعةً، وأربعون خلفة، كما قال في شبه العمد. وقال مالك: هي أرباع: ربع بنات مخاض، وربع بنات لبون، وربع جِذاعٌ، وربعٌ حقاقٌ. وبه قال الزهري، وربيعةُ، وأحمدُ. وقال أبو ثور: أخماس، ويزيد على الأربعة الأسنان المتقدِّمة بني لبون. وهي عنده ديةُ شبه العمد.\nوأمَّا دية الخطأ: فهي عنده (١) أخماسٌ كما ذكرناه آنفًا. وبه قال عمر بن عبد العزيز، وسليمان بن يسار، والزهري، وربيعةُ، والشافعي. ونحوه قال أبو حنيفة، غير أنه جعل بدل بني لبون بني مخاضٍ. وبه قال النَّخعي، وأحمدُ، ويعقوبُ، ومحمد. ورُوِي عن ابن مسعودٍ. وقيل: إنها أرباعٌ كما تقدَّم في دية العمد. وبه قال الشعبي، والحسن البصري، والنخعي، وإسحاق بن راهويه.\nقلتُ: وهذا في أهل الإبل مجمعٌ عليه: أن في النَّفس مائة من الإبل. واختلف في غيرهم. فقالت طائفة: يجب على أهل الذهبِ الذهبُ، وعلى أهل الورِقِ الورِقُ. وروي ذلك عن عمر، وعروة، وقتادة، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، ولم يختلف هؤلاء: أن دية الذهب ألفُ دينار. واختلفوا في الفضة. فقال الثوري، والنعمان، وصاحباه، وأبو ثورٍ: هي عشرةُ آلاف درهم. [وقال الحسن البصري، وعروةُ، ومالكٌ، وأحمدُ، وإسحاقُ: اثنا عشر ألف درهم] (٢). وقال مالك، وأبو حنيفة: الدِّيةُ من الذهب، والإبل،\n_________\n(١) أي: عند أبي ثور.\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ج ٢).","vol":"5","page":28},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوالفضة، ولم يعرفا الحُلَل، ولا الشاء، ولا البقر. وقال آخرون: هي على أهل البقر مائتا بقرة. وعلى أهل الشاء ألفا شاة. وعلى أهل الحُلَل مائتا حُلَّة. وروي هذا عن عمر، والحسن البصري. وبه قال عطاء، والزهري، وقتادة، غير أن هؤلاء الثلاثة لم يقولوا بالحلل.\nقلت: وسبب هذا الخلاف اختلاف الأحاديث الواردة في الباب، والاختلاف في تصحيحها، وذلك: أنه ليس شيء منها متفقًا على صحته، وهي ما بين مرسلٍ، وضعيفٍ. فلنذكر منها (١) ما خرَّجه الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جدِّه: أن رسول الله - ﷺ - قال: (من قَتَل متعمدًا دفع إلى أولياء المقتول؛ فإن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا أخذوا الدِّية، وهي: ثلاثون حِقَّة، وثلاثون جَذَعة، وأربعون خَلِفة، وما صالحوا عليه فهو لهم، وذلك لتشديد العقل) (٢).\nقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وروى أبو داود عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه: أن رسول الله - ﷺ - قضى: أن من قتل خطأ فديته مائة من الإبل: ثلاثون بنت مخاض، وثلاثون بنت لبون، وثلاثون حِقَّة، وعشر بني لبونٍ ذكر (٣). وروى أبو داود من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: كانت قيمة الدية على عهد رسول الله - ﷺ - ثمانمائة دينار، أو ثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب على النصف من دية المسلمين. قال: فكان ذلك حتى استخلف عمر، فقام خطيبًا فقال: ألا إن الإبل قد غلت، ففرضها على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة. قال: وترك دية أهل\n_________\n(١) في (ج ٢): فلنذكرها فمنها.\n(٢) رواه الترمذي (١٣٨٧).\n(٣) رواه أبو داود (٤٥٤١).","vol":"5","page":29},{"text":"[١٧٦٤] وعنه: أَنَّ رَجُلًا مِن اليَهُودِ قَتَلَ جَارِيَةً مِن الأَنصَارِ عَلَى حُلِيٍّ لَهَا، ثُمَّ أَلقَاهَا فِي القَلِيبِ، وَرَضَخَ رَأسَهَا بِالحِجَارَةِ، فَأُخِذَ فَأُتِيَ بِهِ\nــ\nالذمَّة لم يرفعها فيما رفع من الدِّية. وفي رواية أخرى عنه قال: عقل شبه العمد مغلَّظة مثل العمد، ولا يقتل صاحبه (١). وعن عطاء، عن جابر: أن رسول الله - ﷺ - فرض في الدية على أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلَّة (٢). وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ - في دية الخطأ عشرون حِقَّة، وعشرون جَذَعة، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون بني مخاض ذكر (٣). وعن عكرمة، عن ابن عبَّاس: أن رجلًا من بني عدي قتل، فجعل رسول الله - ﷺ - ديته اثني عشر ألفًا (٤).\nفهذه الأحاديث التي دارت بين العلماء الذين تقدم ذكر مذاهبهم، فصار كل فريق منهم إلى ما صحَّ عنده منها، وعمل به، ومن بلغه جميعها فلا بد له من البحث عنها حتى يتبيَّن له الأرجح منها.\nو(قوله في الرواية الأخرى: أن رجلًا من اليهود قتل جارية من الأنصار على حلي لها)، وفي رواية (٥): (على أوضاح، فألقاها في القليب). و(الأوضاح): جمع: وضح، وهو الحُلِي من الدراهم (٦)؛ قاله أبو عبيد. و(القليب): البئر غير المطوية (٧). و(رضخ رأسها): شدخه.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٥٤٢).\n(٢) رواه أبو داود (٤٥٤٣).\n(٣) رواه أبو داود (٤٥٤٥)، والترمذي (١٣٨٦)، والنسائي (٨/ ٤٣ و٤٤).\n(٤) رواه أبو داود (٤٥٤٦)، والترمذي (١٣٨٨)، وابن ماجه (٢٦٢٩).\n(٥) هذه الرواية في مسلم برقم (١٦٧٢).\n(٦) في (ج ٢): الفضة.\n(٧) جاء في حاشية (ل ١): وقال أبو عبيد: القليب: البئر العادية القديمة التي لا يُعْرَف لها ربٌّ، ولا حافر لها. تُذكَّر وتؤنث.","vol":"5","page":30},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَمَرَ بِهِ أَن يُرجَمَ حَتَّى يَمُوتَ، فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ.\nرواه مسلم (١٦٧٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-658>(٤) باب من عض يد رجل فانتزع يده فسقطت ثنية العاض</span>\n[١٧٦٥] عَن عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ قَالَ: قَاتَلَ يَعلَى بنُ مُنيَةَ - أَو ابنُ أُمَيَّةَ - رَجُلًا، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَانتَزَعَ يَدَهُ مِن فَمِهِ فَنَزَعَ ثَنِيَّتَهُ، - وفي\nــ\nو(قوله: فأمر به رسول الله - ﷺ - أن يرجم حتى يموت، فرجم حتى مات) هذا مخالف لمساق الرِّواية الأولى، فلذلك قيل في هذا: إنَّها قضية أخرى غير تلك. والأولى: أن القضية واحدة، غير أن الرَّاوي عبَّر عن رض رأس اليهودي بالحجارة بالرَّجم. ولا بُعد في ذلك؛ فإنَّه من تسمية الشيء بما يشبهه.\n(٤) ومن باب: من عَضَّ يد رَجُلٍ\n(قوله: قاتل يعلى بن أمية - أو: ابن مُنيَة - رجلًا) كذا صواب هذا اللفظ. وصحيح مُنيَة: بميم مضمومة، ونون ساكنة، وياء باثنتين من تحتها. وهي امرأة، وبها كان يُعرف. واختلف فيها؛ هل كانت أمُّه، أو جدَّته؟ قال أبو الحسن الدارقطني (١): مُنيَة بنت الحارث هي جدة يعلى، وبها كان يعرف. قاله الزبير بن بكَّار. وقال أهل الحديث: يقولون: هي أمَّه، وأنها مُنيَة بنت غزوان. وقال الطبري: يعلى بن أمية، أمُّه: مُنيَة بنت جابر. ومن قال: (مُنَبِّه) بنون مفتوحة، وباء مكسورة بواحدة تحتها فقد صحَّف؛ قاله القاضي عياض.\n_________\n(١) المؤتلف والمختلف (٣/ ١٥٠٦).","vol":"5","page":31},{"text":"رواية: ثَنِيَّتَيهِ - فَاختَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَيَعَضُّ أَحَدُكُم كَمَا يَعَضُّ الفَحلُ؟ لَا دِيَةَ لَهُ.\nوفي رواية: فقال رسول الله ﷺ: ما تأمرني؟ تأمرني أن آمره أن يدع يده في فيك تقضمها كما يقضم الفحل؟ ادفع يدك حتى يقضمها، ثم انتزعها.\nــ\nقلت: ويُعرف أيضًا بأبيه، وقد صحَّت نسبته إليهما في كتب الحديث. فمرة نُسب إلى أبيه، وهو: أميَّة، ومرة نسب إلى هذه المرأة. وهذه الرِّواية يظهر منها: أن يعلى هو الذي قاتل الرَّجل. وفي الرواية الأخرى: أن أجيرًا ليعلى بن أميَّة عضَّ يد رجل. وهذا هو الأولى، والأليق؛ إذ لا يليق هذا (١) الفعل بيعلى بن أميَّة مع جلالته وفضله.\nو(قوله: أن يدع يده في فيك يقضمها كما يقضم الفحل؟) أي: يعضها كما يعض الفحل، كما جاء مبينًا في الرواية الأخرى. يقال: قضمت الدَّابة شعيرها - بكسر الضاد - تقضمه - بفتحها - على اللغة الفصيحة: إذا أكلته بأطراف أسنانها. وخضمته - بالخاء المنقوطة بواحدة من فوقها -: إذا أكلته بفيها كلِّه. ويقال: الخضم: أكل الرُّطب واللَّيِّن. والقضم: أكل اليابس. ومنه قول الحسن: تخضمون ونقضم، والموعد: الحساب.\nو(قوله: ادفع يدك حتى يقضمها ثم انتزعها) هو أمرٌ على جهة الإنكار، كما قال قبل هذا: (بم تأمرني؟ تأمرني أن آمره أن يدع يده في فيك (٢) تقضمها؟ !) فمعناه: أنك لا تدع يدك في فمه يقضمها، ولا يمكن أن يؤمر بذلك.\n_________\n(١) في (ج ٢): ذلك.\n(٢) في (ج ٢): فمك.","vol":"5","page":32},{"text":"رواه أحمد (٤/ ٢٢٢)، والبخاري (٢٢٦٥)، ومسلم (١٦٧٤) (١٨ و٢١)، وأبو داود (٤٥٨٤ و٤٥٨٥)، والنسائي (٨/ ٣٠)، وابن ماجه (٢٦٥٦).\n* * *\nــ\nو(قوله: لا دية له، وفي الأخرى: فأبطله رسول الله - ﷺ -) نصٌّ صريحٌ في إسقاط القصاص والدِّية في ذلك. ولم يقل أحدٌ بالقصاص فيما علمت، وإنما الخلاف في الضمان. فأسقطه أبو حنيفة وبعض أصحابنا، وضمنه الشافعي. وهو مشهور مذهب مالك. ونزَّل بعض أصحابنا القول بالضَّمان على ما إذا أمكنه نزع يده برفق، فانتزعها بعنف. وحمل بعض أصحابنا الحديث على أنه كان متحرك الثنايا. وهذا يحتاج إلى خُطُم (١)، وأزمَّة، ولا ينبغي أن يُعدل عن صريح الحديث. وقد روي عن مالك والشافعي في الجمل الصائل إذا دفعه الرَّجل عن نفسه، فأدَّى إلى تلف الصائل، لم يكن فيه ضمان؛ لأنَّه مأمور بالدَّفع عن نفسه. ومن فعل ما أمر به لم يلزمه ضمان.\nقلت: وعلى هذا: فيخرج من هذه المسألة قول بإسقاط الضمان في مسألة العضّ المتقدمة عن مالك، والشافعي؛ لأنَّه مأمور بنزع يده من فيه، وأبو حنيفة يلزم الضمان في مسألة الصائل، لكنه يجيب عن هذا المعنى بأنه وإن سلَّم أنه مأمور بالدَّفع عن نفسه، فلم يؤذن له في إتلاف مال فيضمن.\nقلت: ويخرج من هذا قول عن أبي حنيفة في إثبات الضمان في مسألة العضّ. ويقرب من هذا مسألة من اطَّلع من باب بيتٍ ففقئت عينه لذلك، فاختلف أصحابنا في ذلك. فأكثر منهم على الضمان. وبه قال أبو حنيفة، وبعضهم قال بنفيه. وبه قال الشافعي.\n_________\n(١) في (م): خصم.","vol":"5","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-659>(٥) باب القصاص في الجراح</span>\n[١٧٦٦] عَن أَنَسٍ: أَنَّ أُختَ الرُّبَيِّعِ أُمَّ حَارِثَةَ جَرَحَت إِنسَانًا،\nــ\nقلت: وهو الظاهر من قوله - ﷺ -: (لو أن امرأً اطَّلع عليك بغير إذن فخذفته بحصاةٍ، ففقأت عينه لم يكن عليك جناح) (١)، وأيضًا: فقد رام النبي - ﷺ - أن يطعن بالمدراة في عين من أراد أن يطَّلع من حُجرٍ في باب بيته. وقال: (لو أعلم أنك تطَّلع لطعنت به في عينك) (٢)، وما كان النبي - ﷺ - بالذي يريد أن يفعل ما لا يجوز، أو ما يؤدي إلى ديةٍ. وأيضًا: فقد جاء عنه أنه قال: (من اطَّلع في بيت قومٍ بغير إذنهم فقد حلَّ لهم أن يفقؤوا عينه) (٣). وأمَّا من زعم: أنه يضمن، فمن حُجَّته: أنَّه لو نظر إنسان إلى عورة آخر لما أباح ذلك منه فقء عينه، ولما سقط عنه الضمان بالاتفاق. [فهذا أول بنفي الضمان] (٤). وحملوا قوله: (لا جناح عليك) أي: لا إثم. ومنهم من قال: يحمل الحديث على أنَّه رماه بحصاةٍ. ولم يرد فقء عينه، فانتفى عنه الإثم لذلك.\nقلت: وهذا تحريف وتبديل، لا تأويل، ولا قياس مع النصوص.\n(٥) ومن باب: القصاص في الجراح\n(قوله: إن أخت الرُّبيِّع أم حارثة جرحت إنسانًا) كذا وقع هذا اللفظ في كتاب\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٢٤٣)، والبخاري (٦٩٠٢)، ومسلم (٢١٥٨)، والنسائي (٨/ ٦١).\n(٢) رواه أحمد (٥/ ٣٣٠)، والبخاري (٦٢٤١)، ومسلم (٢١٥٦) (٤٠)، والترمذي (٢٧٠٩)، والنسائي (٨/ ٦٠ - ٦١).\n(٣) البخاري (٦٨٨٨)، ومسلم (٢١٥٨).\n(٤) في (ج ٢): وكذلك هذا.","vol":"5","page":34},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمسلم. قال القاضي عياض: المعروف: أن الرَّبيع هي صاحبة القصة. وكذا جاء الحديث في البخاري في الروايات الصحيحة: أنها الرَّبيع بنت النضر، وأخت أنس بن النَّضر، وعمَّة أنس بن مالك. وأن الذي أقسم هو أخوها أنس بن النَّضر، وكذا في المصنفات، وجاء مفسَّرًا عند البخاري وغيره: أنها لطمت جارية، فكسرت ثنيَّتها. ورواية البخاري هذه تدل: على أن الإنسان المجروح المذكور في رواية مسلم هو جارية. فلا يكون فيه حجَّة لمن ظن أنَّه رجل، فاستدلَّ به: على أن القصاص جار بين الذكر والأنثى فيما دون النفس. والصحيح: أن الإنسان ينطلق على الذكر والأنثى وهو من أسماء الأجناس. وهي تعمُّ الذكر والأنثى، كالفرس يعمُّ الذكر والأنثى. والجمهور من السلف والخلف على جريان القصاص بين الذكر والأنثى، فيقتل الذكر بالأنثى إلا خلافًا شاذًّا عن الحسن وعطاء، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب. وهم محجوجون بقوله تعالى: ﴿وَكَتَبنَا عَلَيهِم فِيهَا أَنَّ النَّفسَ بِالنَّفسِ﴾ فعمَّ، وبأنه قد تقدم: أن النبي - ﷺ - قتل اليهودي بالجارية (١). فأمَّا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ القِصَاصُ فِي القَتلَى﴾؛ فإنما اقتضت بيان حكم النوع إذا قتل نوعه، فبيَّنت حكم الحرِّ إذا قتل حرًّا، والعبد إذا قتل عبدًا، والأنثى إذا قتلت أنثى. ولم تتعرض لأحد النَّوعين إذا قتل الآخر، لكن بين ذلك بقوله تعالى: ﴿وَكَتَبنَا عَلَيهِم فِيهَا أَنَّ النَّفسَ بِالنَّفسِ﴾ وبيَّنه النبي - ﷺ - بسنَّته لما قتل اليهودي بالمرأة. وأمَّا القِصاص بين الرَّجل والمرأة فيما دون النفس: فهو قول الجمهور أيضًا، وخالفهم في ذلك ممن يرى القصاص بينهما في النفس أبو حنيفة، وحمَّاد، فقالا: لا قصاص بينهما فيما دون النفس. وهما محجوجان بإلحاق ما دون النَّفس على طريق الأحرى والأولى. وذلك: أنهما قد وافقا الجمهور: على أن الرَّجل يقتل بالمرأة مع عظم حرمة\n_________\n(١) انظر الحديث في التلخيص برقم (٢٠٦٣ و٢٠٦٤).","vol":"5","page":35},{"text":"فَاختَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: القِصَاصَ القِصَاصَ! . فَقَالَت أُمُّ الرَّبِيعِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُقتَصُّ مِن فُلَانَةَ؟ ! وَاللَّهِ لَا يُقتَصُّ مِنهَا،\nــ\nالنَّفس. ولا شكَّ: أن حرمة ما دون النفس أهونُ من حرمة النَّفس. فكان القِصاص فيها أحرى وأولى. وفي المسألتين مباحث مستوفاة في علم الخلاف.\nو(قوله: القصاصَ، القصاصَ!) الرِّواية بنصب القصاص في اللفظين. ولا يجوز غيره. وهو منصوب بفعل مضمر لا يجوز إظهاره. تقديره: ألزمكم القصاص. أو: أقيموا القصاص. غير أن هذا الفعل لا تظهره العرب قطّ؛ لأنهم استغنوا عنه بتكرار اللفظ. كما قالوا: الجدارَ الجدارَ (١). والصبي، الصبي.\nولما فهم أنس بن النضر - على ما ذكره البخاري، أو أمّ الرَّبيع على ما ذكره مسلم - لزوم القصاص؛ عظم عليه أن تكسر ثنية الجانية، فبذلوا الأرش؛ فلم يرضَ أولياء المجني عليها به، فكلَّم أهلها في ذلك، فأبَوا، فلما رأى امتناعهم من ذلك، وأن القصاص قد تعيَّن قال: أيُقتَصُّ من فلانة، والله لا يُقتصُّ منها؟ ! ثقة منه بفضل الله تعالى، وتعويلًا عليه في كشف تلك الكُربة، لا أنه ردَّ حكم الله وعانده، بل هو مُنزَّهٌ عن ذلك لما علم من فضله، وعظيم قدره، وبشهادة النبي - ﷺ - بما له عند الله تعالى من المنزلة. وهذا التأويل أولى من تأويل من قال: إن ذلك القسم كان منه على جهة الرَّغبة للنبي - ﷺ -، أو للأولياء؛ لأن النبي - ﷺ - قد أنكر ذلك عليه بقوله: (سبحان الله! كتاب الله القصاص). ولو كان رَغِبَهُ لما أنكره. وأيضًا: فإن النبي - ﷺ - قد سمَّاه قسمًا، وأخبر: أنه قسم على الله، وأن الله تعالى قد أبرَّه فيه لما قال: (إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرَّه).\nففيه: العمل بشرع من قبلنا إذا صحَّ عندنا، ولم يثبت في شرعنا ناسخ له. ولا مانع منه. وقد اختلف في ذلك الفقهاء، والأصوليون. وفي المذهب فيه\n_________\n(١) في (ع): الحذارَ الحذارَ.","vol":"5","page":36},{"text":"فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: سُبحَانَ اللَّهِ، يَا أُمَّ الرَّبِيعِ، القِصَاصُ كِتَابُ اللَّهِ. قَالَت: لَا وَاللَّهِ، لَا يُقتَصُّ مِنهَا أَبَدًا، قَالَ: فَمَا زَالَت حَتَّى قَبِلُوا الدِّيَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ مِن عِبَادِ اللَّهِ مَن لَو أَقسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ.\nرواه أحمد (٣/ ١٢٨)، والبخاري (٢٨٠٦)، ومسلم (١٦٧٥)، وأبو داود (٤٥٩٥)، والنسائي (٨/ ٢٦ - ٢٧)، وابن ماجه (٢٦٤٩).\n* * *\nــ\nقولان، ووجه هذا الفقه قوله: (كتاب الله القصاص)، وليس في كتاب الله القصاص في السِّن إلا في قوله تعالى حكاية عمَّا حكم به في التوراة في قوله تعالى: ﴿وَكَتَبنَا عَلَيهِم فِيهَا﴾ الآية، إلى قوله: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾\nوفيه: القصاص في السِّن إذا قُلِعَت أو طُرِحَت. وفي كسرها وكسر عظام الجسد خلاف؛ هل يُقتَصُّ منها، أو لا؟ فذهب مالك إلى القصاص في ذلك كلِّه إذا أمكنت المماثلة وما لم يكن مخوفًا، كعظم الفخذ، والصُّلب، أخذًا بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعتَدَى عَلَيكُم فَاعتَدُوا عَلَيهِ بِمِثلِ مَا اعتَدَى عَلَيكُم﴾ وبقوله: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ وذهب الكوفيون، والليث، والشافعي: إلى أنَّه لا قود في كسر عظم ما خلا السِّن لعدم الثقة بالمماثلة. وفيه ما يدلّ على كرامات الأولياء.\n* * *","vol":"5","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-660>(٦) باب لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، وتكرار إثم من سن القتل، وأنه أول ما يقضى فيه</span>\n[١٧٦٧] عَن عَبدِ اللَّهِ - هو ابن مسعود - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا يَحِلُّ دَمُ امرِئٍ مُسلِمٍ يَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفسُ بِالنَّفسِ،\nــ\n(٦) ومن باب: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث\n(قوله - ﷺ -: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنَّفس بالنَّفس، والتَّارك لدينه المفارق للجماعة) الثيب هنا: المحصن. وهو اسم جنس يدخل فيه الذكر والأنثى. وهو حجَّة على ما اتفق المسلمون عليه: من أن حكم الزاني المحصن الرَّجم. وسيأتي شروط الإحصان، وبيان أحكام الرَّجم.\nو(قوله: النفس بالنَّفس) موافق لقوله تعالى: ﴿وَكَتَبنَا عَلَيهِم فِيهَا أَنَّ النَّفسَ بِالنَّفسِ﴾ ويعني به: النفوس المتكافئة في الإسلام، والحرِّيَّة؛ بدليل قوله: (لا يقتل مسلم بكافر) (١) خرَّجه البخاري عن علي بن أبي طالب - ﵁ -، وهو حجَّة للجمهور من الصَّحابة، والتابعين على من خالفهم، وقال: يقتل المسلم بالذمي. وهم أصحاب الرأي، والشَّعبي، والنَّخعي، ولا يصحُّ لهم ما رووه من حديث ربيعة: أن النبي - ﷺ - قتل يوم خيبر مسلمًا بكافر (٢)؛ لأنَّه\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٩٠٣).\n(٢) رواه أبو داود في المراسيل (٢٥٠)، والشافعي في المسند (٢/ ١٥٩ - ١٦٠)، والبيهقي (٨/ ٣٠)، والدارقطني (٣/ ١٣٥)، وعبد الرزاق في المصنف (١٨٥١٤). قال الدارقطني والصواب عن ربيعة، عن ابن البيلماني مرسل عن النبي - ﷺ -. وابن البيلماني ضعيف لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث، فكيف بما يرسله؟ .","vol":"5","page":38},{"text":"وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ\nــ\nمنقطع، ومن حديث ابن البيلماني، وهو ضعيف، ولا يصحُّ في الباب إلا حديث البخاري المتقدم.\nوأما الحرية فشرط في التكافؤ، فلا يقتل حر بعبد عند مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور. وهو قول الحسن، وعطاء، وعمرو بن دينار، وعمر بن عبد العزيز؛ محتجِّين في ذلك: بأن العبد لما كان مالًا متقوَّمًا كان كسائر الأموال إذا تلفت؛ فإنما يكون فيها قيمة المتلف بالغة ما بلغت، والحرُّ ليس بمال بالاتفاق، فلا يكون كفؤًا للعبد، فلا يقتل به، ويغرم قيمته ولو فاقت على دية الحرِّ، ويجلد القاتل مائة، ويحبس عامًا عند مالك.\nوذهبت طائفة أخرى: إلى أنَّه يُقتل به. وإليه ذهب سعيد بن المسيب، والنخعي، والشعبي، وقتادة، والثوري، وأصحاب الرأي؛ محتجين بقوله - ﷺ -: (المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم) (١)، وذهب النخعي، والثوري في أحد قوليه: إلى أنه يقتل به، وإن كان عبده، محتجين في ذلك بما رواه النسائي من حديث الحسن عن سمرة: أن رسول الله - ﷺ - قال: (من قتل عبده قتلناه، ومن جدعه جدعناه، ومن أخصاه خصيناه) (٢). قال البخاري عن علي بن المديني: سماع الحسن من سمرة صحيح. وأخذ بهذا الحديث. وقال البخاري: وأنا أذهب إليه. وقال غيره: لم يسمع الحسن من سمرة إلا حديث العقيقة.\nو(قوله: التارك لدينه) يعني به: المرتد؛ الذي قال فيه النبي - ﷺ -: (من بدَّل دينه فاقتلوه) (٣). وهذا الحديث يدل: على أن المرتد الذي يقتل هو الذي يبدل بدين الإسلام دين الكفر؛ لأنَّه - ﷺ - استثناه من قوله: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث)، ثم ذكرهم، وذكر منهم: التارك لدينه. وقد تقدم الكلام في الرِّدَّة، وأحكامها.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢٧٥١)، وابن ماجه (١٦٨٣).\n(٢) رواه النسائي (٨/ ٢٠ - ٢١).\n(٣) رواه أحمد (١/ ٢٨٢)، والبخاري (٦٩٢٢).","vol":"5","page":39},{"text":"المُفَارِقُ لِلجَمَاعَةِ.\nرواه أحمد (١/ ٤٦٥)، ومسلم (١٦٧٦) (٢٥)، وأبو داود (٤٣٥٢)، والترمذي (١٤٠٢)، والنسائي (٨/ ١٣)، وابن ماجه (٢٥٣٤).\n[١٧٦٨] وعنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تُقتَلُ نَفسٌ ظُلمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفلٌ مِن دَمِهَا؛\nــ\nو(قوله: المفارق للجماعة) ظاهره: أنَّه أتى به نعتًا جاريًا على التارك لدينه؛ لأنَّه إذا ارتد عن دين الإسلام، فقد خرج عن جماعتهم، غير أنه (يلحق بهم) (١) في هذا الوصف كل من خرج عن جماعة المسلمين، وإن لم يكن مرتدًّا، كالخوارج، وأهل البدع إذا منعوا أنفسهم من إقامة الحدِّ (٢) عليهم، وقاتلوا عليه، وأهل البغي، والمحاربون، ومن أشبههم؛ فيتناولهم لفظ (المفارق للجماعة) بحكم العموم، وإن لم يكن كذلك لم يصحّ الحصر المذكور في أول الحديث الذي قال: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث)، فلو كان المفارق للجماعة إنما يعني به: المفارقة بالرِّدَّة فقط لبقي من ذكرناه من المفارقين للجماعة بغير الردة لم يدخلوا في الحديث، ودماؤهم حلال بالاتفاق، وحينئذ لا يصحُّ الحصر، ولا يصدق، وكلام الشارع مُنَزَّهٌ عن ذلك؛ فدلَّ: على أن ذلك الوصف يعم جميع ذلك النوع، والله تعالى أعلم. وتحقيقه: أنَّ كلَّ من فارق الجماعة يصدق عليه: أنه بدَّل دينه، غير أن المرتدَّ بدَّل كلَّ الدِّين، وغيره من المفارقين بدَّل بعضه.\nو(قوله: لا تقتل نفس ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها) يدخل فيه بحكم عمومه نفس الذمِّي والمعاهد إذا قتلا ظلمًا؛ لأنَّ (نفسًا) نكرة في سياق النفي، فهي للعموم.\nو(الكفل): الجزء والنصيب، كما قال تعالى: ﴿وَمَن\n_________\n(١) في (ل ١): يَدْخل.\n(٢) في (ع) و(ل ١): الحق، والمثبت من (م) و(ج ٢).","vol":"5","page":40},{"text":"لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَن سَنَّ القَتلَ.\nرواه أحمد (١/ ٣٨٣)، والبخاري (٣٣٣٥)، ومسلم (١٦٧٧)، والنسائي (٧/ ٨٢)، وابن ماجه (٢٦١٦).\nــ\nيَشفَع شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَهُ كِفلٌ مِنهَا﴾؛ أي: نصيب. وقال الخليل: الكفل من الأجر والإثم: الضعف.\nو(قوله: لأنَّه أول من سنَّ القتل) نصٌّ على تعليل ذلك الأمر؛ لأنَّه لما كان أول من قتل كان قتله ذلك تنبيهًا لمن أتى بعده، وتعليمًا له. فمن قتل كأنَّه اقتدى به في ذلك، فكان عليه من وزره. وهذا جار في الخير والشَّرِّ؛ كما قد نصَّ عليه النبي - ﷺ - في الحديث المتقدم بقوله: (من سنَّ في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة. ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة) (١). وبهذا الاعتبار يكون على إبليس كفل من معصية كل من عصى بالسجود؛ لأنَّه أول من عصى به. وهذا - والله أعلم - ما لم يتب ذلك القاتل الأول من تلك المعصية؛ لأنَّ آدم - ﵇ - أول من خالف في أكل ما نهي عنه، ولا يكون عليه شيء من أوزار من عصى بأكل ما نهي عنه، ولا شربه ممن بعده بالإجماع؛ لأنَّ آدم ﵇ تاب من ذلك، وتاب الله عليه، فصار كأن لم يجن؛ فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. والله تعالى أعلم.\nوابن آدم المذكور هنا هو: قابيل، قتل أخاه هابيل لما تنازعا تزويج إقليمياء، فأمرهما آدم أن يقربا قربانًا، فمن تقبل منه قربانه؛ كانت له. فتُقُبِّل قربان هابيل، فحسده قابيل، فقتله بغيًا وعدوانًا. هكذا حكاه أهل التفسير.\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٦٧٤)، وأبو داود (٤٦٠٩)، والترمذي (٢٦٧٦).","vol":"5","page":41},{"text":"[١٧٦٩] وعنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَوَّلُ مَا يُقضَى بَينَ النَّاسِ يَومَ القِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ.\nرواه أحمد (١/ ٤٤٠)، والبخاري (٦٨٦٤)، ومسلم (١٦٧٨)، والترمذي (١٣٩٧)، والنسائي (٧/ ٨٣)، وابن ماجه (٢٦١٧).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-661>(٧) باب تحريم الدماء والأموال والأعراض</span>\n[١٧٧٠] عَن أَبِي بَكرَةَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الزَّمَانَ قَد استَدَارَ كَهَيئَتِهِ يَومَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ،\nــ\nو(قوله: إن أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدِّماء) هذا يدل: على أنه ليس في حقوق الآدميين أعظم من الدماء. ولا تعارض بين هذا وبين قوله - ﷺ -: (أول ما يحاسب به العبد من عمله الصلاة) (١) لأنَّ كل واحد منهما أول في بابه. فأول ما ينظر فيه من حقوق الله الصلاة. فإنَّها أعظم قواعد الإسلام العملية. وأول ما ينظر فيه من حقوق الآدميين الدِّماء؛ لأنَّها أعظم الجرائم. وقد تقدم هذا في كتاب الصلاة.\n(٧) ومن باب: تحريم الدماء والأموال والأعراض\nقوله: (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض) اختلف في (معنى هذا اللفظ) (٢) على أقوال كثيرة. وأشبه ما فيها ثلاثة أقوال:\n_________\n(١) رواه النسائي (٧/ ٨٣).\n(٢) في (ع): هذا المعنى.","vol":"5","page":42},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nأحدها: قاله إياس بن معاوية، وذلك: أن المشركين كانوا يحسبون السنة اثني عشر شهرًا وخمسة عشر يومًا، فكان الحجُّ يكون في رمضان، وفي ذي القعدة، وفي كل شهر من السَّنة [بحكم استدارة الشهر بزيادة الخمسة عشر يومًا، فحجَّ أبو بكر - ﵁ - سنة تسع في ذي القعدة] (١)، بحكم الاستدارة، ولم يحج النبي - ﷺ -. فلما كان في العام المقبل وافق الحجّ ذا الحجَّة في العشر، ووافق ذلك الأهلة. وقد روي أن أبا بكر إنما حجَّ في ذي الحجة.\nالثاني: روي عن ابن عباس أنَّه قال: كانوا إذا كانت السنة التي ينسأ فيها، قام خطيبهم وقد اجتمع إليه الناس يوم الصَّدر فقال: أيها الناس! إني قد نسأت العام صفرًا الأول. يعني: المُحَرَّم. فيطرحونه من الشهور، ولا يعتدُّون به. ويبدؤون العدَّة، فيقولون لصفر وشهر ربيع الأول: صفران، ولربيع الآخر وجمادى الأولى: شهرا ربيع، ولجمادى الآخرة ورجب: جماديان، ولشعبان: رجب، ولرمضان: شعبان، وهكذا إلى محرَّم. ويبطلون من هذه السَّنة شهرًا، فيحجون في كل شهر حجتين. ثم ينسأ في السَّنة الثالثة صفرًا الأوّل في عدَّتهم، وهو الآخر في العدَّة المستقيمة، حتى تكون حجتهم في صفر حجتين. وكذلك الشهور كلها حتى يستدير الحجَّ في كل أربع وعشرين سنة إلى المحرم الشهر الذي ابتدؤوا فيه النَّساء. ونحوه قال ابن الزبير، إلا أنه قال: يفعلون ذلك في كل ثلاث سنين، يزيدون شهرًا. قيل: وكانوا يقصدون بذلك موافقة شهور العجم لشهور الأهلة حتى تأتي الأزمان واحدة.\nالثالث: قيل: كانت العرب تحجُّ عامين في ذي القعدة، وعامين في ذي الحجة، فصادفت حجَّة أبي بكر - ﵁ - ذا القعدة من السَّنة الثانية. وصادفت حجَّة النبي - ﷺ - ذا الحجة بالاستدارة.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).","vol":"5","page":43},{"text":"السَّنَةُ اثنَا عَشَرَ شَهرًا، مِنهَا أَربَعَةٌ حُرُمٌ،\nــ\nوالأشبه القول الأول؛ لأنَّه هو الذي استفيد نفيه من قوله - ﷺ -: (إن الزمان قد استدار) أي: زمان الحجِّ عاد إلى وقته الأصلي؛ الذي عينه الله تعالى له يوم خلق السماوات والأرض بأصل المشروعية التي سبق بها علمه، ونفذ بها حكمه. ثم قال: (السَّنة اثنا عشر شهرًا) ينفي بذلك الزيادة التي زادوها في السنَّة؛ وهي الخمسة عشر يومًا بتحكمهم. ثمَّ هذا موافق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثنَا عَشَرَ شَهرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَومَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ مِنهَا أَربَعَةٌ حُرُمٌ﴾ فتعيَّن الوقت الأصلي، وبطل التحكُّم الجهلي. والحمد لله الولي.\nقلت: وهذه أقوال سلف هذه الأمَّة، وعلماء أهل السُّنة، وقد تكلَّم على هذا الحديث بعض من يدَّعي علم التعديل بقولٍ صدر عنه من غير تحقيق ولا تحصيل، فقال: إن الله سبحانه أول ما خلق الشمس أجراها في برج الحمل، وكأن الزمان الذي أشار إليه (١) النبي - ﷺ - صادف حلول الشمس في برج الحمل.\nقلت: وهذا تقوُّل بما لم يصحّ نقله؛ إذ مقتضى قوله: إن الله تعالى خلق البروج قبل الشمس، وأنه أجراها في أول برج الحمل. وهذا لا يتوصل إليه إلا بالنقل عن الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - ولا نقلا صحيحا عنهم بشيء من ذلك. ومن ادَّعاه فليُسنده. ثمَّ: إن العقل يجوز خلاف ما قال. وهو: أن يخلق الله تعالى الشمس قبل البروج. ويجوز أن يخلق ذلك دفعة واحدة. ثم إن علماء التعديل قد اختبروا كلام ذلك الرجل فوجدوه خطأ صراحًا؛ لأنَّهم اعتبروا بحساب التعديل اليوم الذي قال فيه النبي - ﷺ - ذلك القول، فوجدوا الشمس فيه في برج الحوت، بينها وبين الحمل عشرون درجة. ومنهم من قال: عشر درجات، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: منها أربعة حرم) أي: من الاثني عشر شهرًا، وأولها المحرم.\n_________\n(١) في (ج ٢): به.","vol":"5","page":44},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nسُمي بذلك: لتحريم القتال فيه. ثمَّ صفر. سُمي بذلك: لخلوِّ مكة من أهلها فيه. وقيل: وقع فيه وباءٌ فاصفرَّت وجوههم. أبو عبيد: لصفر الأواني من اللَّبن. ثم الربيعان: لارتباع الناس فيهما؛ أي: لإقامتهم في الربيع. ثم جماديان، وسُميا بذلك: لأن الماء جمد فيهما. ثم رجب، سُمي بذلك: لترجيب العرب إياه؛ أي: لتعظيمهم له، أو لأنَّه لا قتال فيه. والأرجب: الأقطع. ثم شعبان. وسُمي بذلك: لتشعب القبائل فيه. ثم رمضان. وسمي بذلك: لشدَّة الرمضاء فيه. ثم شوَّال. وسُمي بذلك: لأن اللقاح تشول فيه أذنابها. ثم ذو القعدة، سُمي بذلك لقعودهم فيه عن الحرب. ثم ذو الحجَّة، وسمي بذلك: لأن الحجَّ فيه. ويجوز في (فاء): ذي القعدة وذي الحجَّة الفتح والكسر، غير أن الفتح في (ذي القعدة) أفصح.\nوسميت الحُرُم حرمًا: لاحترامها وتعظيمها بما خصَّت به من أفعال البر، وتحريم القتال، وتشديد أمر البغي والظلم فيها.\nوذلك: أن العرب كانت في غالب أحوالها، ومعظم أوقاتها قبل مجيء الإسلام أهل غارة، ونهب، وقتال، وحرب، يأكل القوي الضعيف، ويصول على المشروف الشريف، لا يرجعون لسلطان قاهر، ولا لأمر جامع، وكانوا فوضى فضا (١)، من غلب سلب، ومن عز بزَّ (٢)، لا يأمن لهم سِرب، ولا يستقر بهم حال. فلطف الله بهم بأن جعل في نفوسهم احترام أمور يمتنعون فيها من الغارة، والقتال، والبغي، والظلم، فيأمن بعضهم من بعض، ويتصرَّفون فيها في حوائجهم، ومصالحهم، فلا يهيج فيها أحدٌ أحدًا، ولا يتعرَّض له، حتى إن الرَّجل يلتقي فيها بقاتل أبيه وأخيه فلا يتعرض له بشيء، ولا بغدر؛ بما جعل الله في قلوبهم من تعظيم تلك الأمور. ولا يبعد أن يكون أصل ذلك مشروعًا لهم من دين إبراهيم وإسماعيل؛ كالحجِّ، والعمرة، وغيرهما مما كان عندهم من شرائعهما.\n_________\n(١) يقال: أمرهم فوضى فضًا، أي: سواءٌ بينهم. وأمرهم فضًا بينهم، أي: لا أمير عليهم.\n(٢) أي: مَن غلب أخذ السَّلَب.","vol":"5","page":45},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوهذه الأمور من الزمان: الأشهر الحرم. ومن المكان: حرم مكة. ومن الأموال: الهدي والقلائد. ويشهد لما ذكرناه قوله تعالى: ﴿يَسأَلُونَكَ عَنِ الشَّهرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُل قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿مِنهَا أَربَعَةٌ حُرُمٌ﴾ ثم قال: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ وقوله تعالى في الحرم: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ وقوله: ﴿أَوَلَم يَرَوا أَنَّا جَعَلنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِن حَولِهِم﴾ وقوله: ﴿وَإِذ جَعَلنَا البَيتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمنًا﴾ وقوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعبَةَ البَيتَ الحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ ومعنى كون هذه الأمور قيامًا للناس؛ أي: تقوم بها أحوالهم، وتنتظم بها مصالحهم من أمر أديانهم ومعايشهم. هذا معنى ما قاله المفسرون. فلما جاء الإسلام لم يزد تلك الأمور إلا تعظيمًا وتشريفًا، غير أنه لما حدَّ الحدود، وشرع الشرائع، ونصب العقوبات والزواجر؛ اتفقت كلمة المسلمين، والتزمت شرائع الدين، فأمن الناس على دمائهم ونفوسهم، وأموالهم، فامتنع أهل الظلم من ظلمهم، وكف أهل البغي عن بغيهم، واستوى في الحق القوي والضعيف، والمشروف والشريف. فمن صدر عنه بغي، أو عدوان، قمعته كلمة الإسلام، وأقيمت عليه الأحكام، فحينئذ لا يعيده شيء من تلك المحرَّمات، ولا يحول بينه وبين حكم الله تعالى أحدٌ من المخلوقات. فالحمد لله الذي هدانا لهذا الدِّين القويم، والمنهج المستقيم. وهو المسؤول بأن ينعم علينا بالدَّوام، والتَّمام، ويحشرنا في زمرة واسطة النظام محمد ﵊.\nوالهَدي: ما يُهدى من الأنعام إلى البيت الحرام، والقلائد يعني به: ما تُقلَّدُ به الهدايا؛ وذلك بأن يجعل في عنق البعير حبل يُعلَّق به نعل، كما تقدَّم في كتاب الحج. ويعني بذلك: أن الهدي مهما أُشعر وقُلِّد لم يجز لأحد أن يتملَّكه، ولا أن يأخذه إن وجده. بل يجب عليه أن يحمله إلى مكة إن أمكنه ذلك حتى يُنحَر هناك على ما تقدَّم.","vol":"5","page":46},{"text":"ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعدَةِ، وَذُو الحِجَّةِ، وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبٌ شَهرُ مُضَرَ، الَّذِي بَينَ جُمَادَى وَشَعبَانَ. ثُمَّ قَالَ: أَيُّ شَهرٍ هَذَا؟ . قُلنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ، قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيرِ اسمِهِ، قَالَ: أَلَيسَ ذَا الحِجَّةِ؟ . قُلنَا: بَلَى، قَالَ: فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ . قُلنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ، قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيرِ اسمِهِ، قَالَ: أَلَيسَ البَلدَةَ؟ . قُلنَا: بَلَى، قَالَ: فَأَيُّ يَومٍ هَذَا؟ . قُلنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ، قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيرِ اسمِهِ، قَالَ: أَلَيسَ يَومَ النَّحرِ؟ . قُلنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُم، وَأَموَالَكُم - قَالَ: وَأَحسِبُهُ قَالَ -\nــ\nوقوله - ﷺ -: (ثلاثة متواليات) أي: يتلو بعضها بعضًا، كما قد قال في الرواية الأخرى: (ثلاثة سردٌ، وواحدٌ فرد).\nو(قوله: رجب شهر مُضَر الذي بين جمادى وشعبان) هذه مبالغةٌ في تعيين هذا الشهر ليتميَّز عمَّا كانوا يتحكَّمون به من النَّساء، ومن تغيير أسماء الشهور. وقد تقدَّم: أنهم كانوا يسقطون من السَّنة شهرًا وينقلون اسم الشهر للَّذي بعده، حتى سَمُّوا شعبان رجبًا. ونسبة هذا الشهر لِمُضَر: إما لأنهم أول من عظمه، أو: لأنهم ك نوا أكثر العرب له تعظيمًا، واشتهر ذلك حتى عرف بهم.\nو(قوله: أي شهر هذا؟) و: (أي بلد هذا؟) و: (أي يوم هذا؟) وسكوته بعد كل واحد منها؛ كان ذلك منه استحضارًا لفهومهم، وتنبيهًا لغفلتهم، وتنويهًا بما يذكره لهم؛ حتى يُقبلوا عليه بكليتهم، ويستشعروا عظمة حرمة ما عنه يخبرهم. ولذلك قال بعد هذا: (فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا). وهذا منه - ﷺ - مبالغة في بيان تحريم هذه الأشياء، وإغياءٌ في التنفير عن الوقوع فيها؛ لأنَّهم كانوا قد اعتادوا فعلها، واعتقدوا حليتها، كما تقدَّم في بيان أحوالهم، وقبح أفعالهم.","vol":"5","page":47},{"text":"وَأَعرَاضَكُم حَرَامٌ عَلَيكُم، كَحُرمَةِ يَومِكُم هَذَا، فِي بَلَدِكُم هَذَا، فِي شَهرِكُم هَذَا، وَسَتَلقَونَ رَبَّكُم فَيَسأَلُكُم عَن أَعمَالِكُم، فَلَا تَرجِعُوا بَعدِي كُفَّارًا يَضرِبُ بَعضُكُم رِقَابَ بَعضٍ،\nــ\nو(قوله: وسَتَلقُون ربكم فيسألكم عن أعمالكم) أي: ستقفون في العرض موقف من لقي فحبس حتَّى تعرض عليه أعماله، فيسأل عنها، وهذا إخبارٌ بمقام عظيم، وأمر هائل، لا يُقدَرُ قدرُه، ولا يتصور هوله، أصبح الناس عن التذكر فيه معرضين، وعن الاستعداد له متشاغلين. فالأمر كما قال في كتابه المكنون: ﴿قُل هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُم عَنهُ مُعرِضُونَ﴾ فنسأل الله تعالى من فضله أن يوقظنا من رقدتنا، وينبهنا من غفلتنا، ويجعلنا ممن استعدَّ للقائه، وكُفِي فواجِئ نِقمَه وبلائه.\nو(قوله: فلا ترجعوا بعدي كفارًا (١) يضرب بعضكم رقاب بعض) بهذا وأشباهه كفر الخوارج عليًّا، ومعاوية، وأصحابهما. وهذا إنما صدر عنهم؛ لأنَّهم سمعوا الأحاديث ولم تحط بها فهومهم، كما قرؤوا القرآن ولم يجاوز تراقيهم، فكأنهم ما قرؤوا قول الله ﷿: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤمِنِينَ اقتَتَلُوا فَأَصلِحُوا بَينَهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا المُؤمِنُونَ إِخوَةٌ فَأَصلِحُوا بَينَ أَخَوَيكُم﴾ فأبقى عليهم اسم الإيمان وأخوّته، مع أنهم قد تقاتلوا، وبغت إحداهما على الأخرى، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغفِرُ أَن يُشرَكَ بِهِ وَيَغفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ والقتل ليس بشرك بالاتفاق والضرورة. وكأنهم لم يسمعوا قول رسول الله - ﷺ -: (تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا النفس التي حرَّم الله إلا بالحق. فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئًا من ذلك فعوقب به فهو كفارةٌ له) (٢)، وقد تقدم هذا المعنى في كتاب: الإيمان.\n_________\n(١) في (ج ٢): ضلالًا.\n(٢) رواه البخاري (٧٢١٣)، ومسلم (١٧٠٩)، والترمذي (١٤٣٩)، والنسائي (٧/ ١٤٢).","vol":"5","page":48},{"text":"أَلَا لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعضَ مَن يُبَلِّغُهُ يَكُونُ أَوعَى لَهُ مِن بَعضِ مَن سَمِعَهُ. قَالَ: أَلَا هَل بَلَّغتُ؟ .\nــ\nوإنَّما يُحمل الحديث على التشبيه تغليظًا؛ وذلك: أن المسلمين إذا تحاجزوا، وتقاتلوا؛ فقد ضلَّت الطائفة الباغية منهما، أو كلاهما إن كانتا باغيتين عن الحق، وكفرت حق الأخرى وحرَّمتها. وقد تشبَّهوا بالكفار. وكأنه - ﷺ - اطَّلع على ما يكون في أمَّته من المِحَن والفتن، فحذَّر من ذلك، وغلَّظه بذلًا للنصيحة، ومبالغة في الشفقة - ﷺ -.\nو(قوله: ألا ليبلِّغ الشاهد الغائب) أمرٌ بتبليغ العلم، ونشره. وهو فرض من فروض الكفايات.\nو(قوله: فلعل بعض من يبلغه يكون أوعى له ممن سمعه) حجة على جواز أخذ العلم والحديث عمَّن لا يفقه ما ينقل؛ إذا أدَّاه كما سمعه. وهذا كما قال - ﷺ - فيما خرَّجه الترمذي: (نضَّر الله امرأً سمع منَّا حديثًا فبلَّغه غيره كما سمعه، فربَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه، وربَّ حامل فقه ليس بفقيه) (١).\nفأمَّا نقل الحديث بالمعنى: فمن جوَّزه إنَّما جوَّزه من الفقيه العالم بمواقع الألفاظ. ومن أهل العلم من منع ذلك مطلقًا. وقد تقدَّم ذلك.\nوفيه حجَّة: على أن المتأخر قد يفهم من الكتاب والسُّنة ما لم يخطر للمتقدم؛ فإن الفهم فضل الله يؤتيه من يشاء. لكن هذا يندر ويقل، فأين البحر من الوَشَل (٢). والعَلُّ من العَلَلِ. ليس التكحُّل في العينين كالكَحَل.\nو(قوله: ألا هل بلَّغت) استفهام على جهة التقرير؛ أي: قد بلغتكم ما\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٤٣٧)، والترمذي (٢٦٥٧)، وابن ماجه (٢٣٢).\n(٢) \"الوشل\": الماء القليل يتحلب من جبلٍ أو صخرةٍ يقطر منه قليلًا، لا يتصل قطره.","vol":"5","page":49},{"text":"وفي رواية: وأعراضكم - من غير شك - وفيها زيادة: ثم انكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما، وإلى جزيعة من الغنم فقسمها بيننا.\nــ\nأمرت بتبليغه لكم، فلا عُذر لكم؛ إذ لم يقع مني تقصير في التبليغ. ويحتمل: أن يكون على جهة استعلام ما عندهم، واستنطاقهم بذلك، كما تقدَّم في حديث جابر، حيث ذكر خطبته - ﷺ - بعرفة فقال: (وأنتم تسألون عنِّي، فما أنتم قائلون؟) قالوا: نشهد: أنك قد بلَّغت، وأدَّيت، ونصحت. فقال بإصبعه - السبابة - يرفعها إلى السماء، ويَنكُتها إلى الأرض (١): (اللهم اشهد - ثلاث مرات -) (٢).\nو(قوله: ثم انكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما) وإلى جُزَيعَةٍ من الغنم فقسمها بيننا. (انكفأ): انقلب ومال. و(الملحة): أن يكون في الشاة لمعٌ سودٌ، ويكون الغالب البياض. و(الجزيعة): القطيعة. والجزع: منقطع الوادي. ورواية الكافة: (جزيعة) بالزاي. وقد قيَّدها بعضهم: (جذيعة) بالذَّال، وهو وَهمٌ.\nقال الدارقطني: قوله: (ثم انكفأ إلى كبشين .. .) الخ، وهم من ابن عون فيما قيل؛ وإنما رواه ابن سيرين عن أنس.\nقلت: إنما نسب هذا الوهم لابن عون؛ لأنَّ هذا الحديث قد رواه عن ابن سيرين أيوب السّختياني، وقرَّة بن خالد، وانتهى حديثهما في خطبة النبي - ﷺ - في حجّه يوم النَّحر عند قوله: (ألا هل بلغت) في رواية أيوب. وزاد قرَّة إلى هذا: قالوا: نعم. قال: (اللهم اشهد). وبعد قوله: (ألا هل بلغت) زاد ابن عون عن ابن سيرين، عن أبي بكرة: ثم انكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما .. . الخ. وهذا الكلام إنما كان من النبي - ﷺ - في خطبة عيد الأضحى؛ على ما رواه أيوب وهشام،\n_________\n(١) في (م)، وصحيح مسلم: الناس.\n(٢) رواه مسلم (١٢١٨).","vol":"5","page":50},{"text":"وفي أخرى: قال أبو بكرة: خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر فقال: أي يوم هذا؟ .\nرواه أحمد (٥/ ٣٧)، والبخاري (١٠٥)، ومسلم (١٦٧٩) (٢٩ و٣٠ و٣١)، وأبو داود (١٩٤٨)، وابن ماجه (٢٣٣).\n* * *\nــ\nعن ابن سيرين، عن أنس بن مالك؛ على ما ذكره مسلم في الضحايا، عنه، قال أنس: إن رسول الله - ﷺ - صلَّى ثمَّ خطب، فأمر مَن كان ذبح قبل الصلاة أن يعيد ذبحا. قال: وانكفأ رسول الله - ﷺ - إلى كبشين أملحين، فذبحهما، فقام الناس إلى غنيمة، فتوزعوها. أو قال: فتجزعوها (١). فكأن ابن عون اختلط عليه الحديثان فساقهما مساقًا واحدًا. وأن ذلك كان في خطبة عرفة. وهو وَهمٌ لا شكَّ فيه.\nوقد فهم بعض علمائنا: أن يوم الحج الأكبر يوم النحر من تعظيمه - ﷺ - ليوم النَّحر بما ذكره في هذا الحديث. وفيه نظر، غير أنَّه قد ورد في بعض روايات البخاري: أنه - ﷺ - قال: (أي يوم تعلمونه أعظم؟) (٢)، قالوا: يومنا هذا. وهذا حجَّة واضحة على ذلك. وقد ذكرنا الخلاف في ذلك في كتاب الحج.\n* * *\n_________\n(١) رواه مسلم (١٩٦٢).\n(٢) رواه البخاري (٦٧٨٥).","vol":"5","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-662>(٨) باب الحث على العفو عن القصاص بعد وجوبه</span>\n[١٧٧١] عن عَلقَمَةَ بن وَائِلٍ عن أبيه قَالَ: إِنِّي لَقَاعِدٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ؛ إِذ جَاءَ رَجُلٌ يَقُودُ آخَرَ بِنِسعَةٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا قَتَلَ أَخِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَقَتَلتَهُ؟ (فَقَالَ: إِنَّهُ لَو لَم يَعتَرِف أَقَمتُ عَلَيهِ البَيِّنَةَ). قَالَ:\nــ\n(٨) ومن باب: الحث على العفو\nعن القصاص بعد وجوبه\nقوله: (جاء رجل يقود آخر بنِسعَةٍ) النِّسعة: ما ضفر من الأدم كالحبال. وجمعها: أنساع. فإذا فُتل ولم يُضفر؛ فهو الجديل. والجدل: الفَتل. وفيه من الفقه: العنف على الجاني، وتثقيفه، وأخذ الناس له حتى يحضروه إلى الإمام، ولو لم يجعل ذلك للناس لفرَّ الجناة، وفاتوا، ولتعذر نصر المظلوم، وتغيير المنكر.\nو(قوله: هذا قتل أخي، فقال رسول الله - ﷺ -: أقتلته) فيه من الفقه سماع دعوى المدَّعي في الدَّم قبل إثبات الموت والولاية. ثم لا يثبت الحكم حتى يثبت كل ذلك. فإن قيل: فقد حكم النبي - ﷺ - على القاتل في هذا الحديث من غير إثبات ولاية المدَّعي. فالجواب: إن ذلك كان معلومًا عند النبي - ﷺ - وعند غيره، فاستغنى عن إثباته لشهرة ذلك.\nوفيه: استقرار المدَّعى عليه بعد سماع الدعوى لإمكان إقراره، فتسقط وظيفة إقامة البينة عن المدَّعي. كما جرى في هذا الحديث.\nو(قوله: لو لم يعترف أقمت عليه البينة) بيان: أن الأصل في ثبوت الدِّماء الإقرار، أو البيِّنة. وأمَّا القسامة: فعلى خلاف الأصل، كما تقدم؛ وفيه: استقرار المحبوس، والمتهدَّد، وأخذه بإقراره. وقد اختلف في ذلك العلماء، واضطرب","vol":"5","page":52},{"text":"نَعَم قَتَلتَهُ، قَالَ: فكَيفَ قَتَلتَهُ؟ . قَالَ: كُنتُ أَنَا وَهُوَ نَختَبِطُ مِن شَجَرَةٍ، فَسَبَّنِي، فَأَغضَبَنِي، فَضَرَبتُهُ بِالفَأسِ عَلَى قَرنِهِ، فَقَتَلتُهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: هَل لَكَ مِن شَيءٍ تُؤَدِّيهِ عَن نَفسِكَ؟ .\nــ\nالمذهب عندنا في إقراره بعد الحبس والتهديد. هل يُقبل جملة، أو لا يقبل جملة؟ والفرق (١) (فيقبل إذا عيَّن ما اعترف به من قتل، أو سرقة، ولا يُقبل إذا لم يعين) ثلاثة أقوال.\nو(قوله: كيف قتلته؟) سؤال استكشاف عن حال القتل، لإمكان أن يكون خطأ، أو عمدًا. ففيه من الفقه: وجوب البحث عن تحقيق الأسباب التي تنبني عليها الأحكام، ولا يكتفى بالإطلاق. وهذا كما فعله النبي - ﷺ - مع ماعز حين اعترف على نفسه بالزنى على ما يأتي.\nو(قوله: كنت أنا وهو نختبط من شجرة، فسبَّني، فأغضبني، فضربته بالفأس على قرنه فقتلته). نختبط (نفتعل) من الخبط، وهو ضرب بالعصا ليقع يابسُ ورقها، فتأكله الماشية. وقرن الرأس: جانبه الأعلى. قال الشاعر:\n. . . . . . . . . . . . . . . ... وضَرَبتُ قَرنِي كَبشِها فَتَجَدَّلا (٢)\nو(قوله: هل لك من شيء تؤدِّيه عن نفسك) يدلّ: على أنه ﷺ قد ألزمَه حكم إقراره، وأن قتله كان عمدًا؛ إذ لو كان خطأ لما طالبه بالدِّية، ولطولب بها العاقلة، ويدلُّ على هذا أيضًا قوله: (أترى (٣) قومك يشترونك؟) لأنه لما استحق أولياء المقتول نفسه بالقتل العمد صاروا كالمالكين له، فلو دفع أولياء القاتل عنه عوضًا فقبله أولياء المقتول لكان ذلك كالبيع. وهذا كله إنما عرضه\n_________\n(١) أي: إن القول الثالث هو التفريق بين ما إذا عيَّن أو لم يُعيِّن.\n(٢) في (ل): فتجندلا. و(جدَّله): صرعه وأوقعه على الأرض فهو مجدَّل.\n(٣) في التلخيص: فترى.","vol":"5","page":53},{"text":"قَالَ: مَا لِي مَالٌ إِلَّا كِسَائِي وَفَأسِي، قَالَ: فَتَرَى قَومَكَ يَشتَرُونَكَ؟ . قَالَ: أَنَا أَهوَنُ عَلَى قَومِي مِن ذَاكَ، فَرَمَى إِلَيهِ النبي ﷺ بِنِسعَتِهِ وَقَالَ: دُونَكَ صَاحِبَكَ. فَانطَلَقَ بِهِ الرَّجُلُ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِن قَتَلَهُ فَهُوَ مِثلُهُ.\nــ\nالنبي - ﷺ - على القاتل بناء منه: على أنه إذا تيسَّر له ما يؤدي إلى أولياء المقتول سألهم في العفو عنه.\nففيه من الفقه: السعي في الإصلاح بين الناس، وجواز الاستشفاع، وإن رفعت حقوقهم للإمام؛ بخلاف حقوق الله تعالى، فإنَّه لا تجوز الشفاعة فيها إذا بلغت الإمام.\nو(قوله: ما لي مال إلا كسائي وفأسي) فيه من الفقه: أنَّ المال يُقال على كل ما يتموَّل من العروض وغيرها. وأن ذلك ليس مخصوصًا بالإبل، ولا بالعين. وقد تقدَّم ذلك.\nو(قوله: فرمى إليه النبي ﷺ بنِسعَته وقال: دونك صاحبك) أي: خذه فاصنع به ما شئت. هذا: إنَّما حكم به النبي - ﷺ - لَمَّا تحقق السبب، وتعذَّر عليه الإصلاح، وبعد أن عرض على الولي العفو فأبى، كما قاله ابن أشوع، وبعد أن علم: أنه لا مستحِقَّ للدَّم إلا ذلك الطالب خاصة. ولو كان هناك مستحقٌّ آخر لتعيَّن استعلام ما عنده من القصاص أو العفو.\nوفيه ما يدلُّ: على أن القاتل إذا تحقق عليه السبب، وارتفعت الموانع لا يقتلُه الإمام، بل يدفعه للولي يفعل به ما يشاء من قتل، أو عفو، أو حبس، إلى أن يرى رأيه فيه. ولا يسترقَّه بوجه؛ لأنَّ الحرَّ لا يملك. ولا خلاف فيه فيما أعلمه.\nو(قوله: فانطلق به، فلمَّا ولى قال رسول الله - ﷺ -: إن قتله فهو مثله) ظاهره: إن قتله كان عليه من الإثم مثل ما على القاتل الأول. وقد صرَّح بهذا في الرواية الأخرى التي قال فيها: (القاتل والمقتول في النَّار)، وهذا فيه إشكال عظيم.","vol":"5","page":54},{"text":"فَرَجَعَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَلَغَنِي أَنَّكَ قُلتَ: إِن قَتَلَهُ فَهُوَ مِثلُهُ. وَأَخَذتُهُ\nــ\nفإن القاتل الأوَّل قَتَل عمدًا. والثاني يَقتُلُ قِصَاصًا، ولذلك: لما سمع الولي ذلك قال: (يا رسول الله! قلت ذلك؟ ! وقد أخذته بأمرك).\nفاختلف العلماء في تأويل هذا على أقوال:\nالأول: قال الإمام أبو عبد الله المازري: أمثلُ ما قيل فيه: أنَّهما استويا بانتفاء التِّباعةِ عن القاتل بالقِصاص.\nقلت: وهذا كلامٌ غير واضح. ويعني به - والله أعلم -: أن القاتل إذا قَتَل قِصَاصًا لم يبق عليه تبعة من القتل. والمقتصّ: لا تبعة عليه؛ لأنَّه استوفى حقه، فاستوى الجاني والولي المقتصُّ في أن كل واحد منهما لا تبعة عليه.\nالثاني: قال القاضي عياض: معنى قوله: (فهو مثله) أي: قاتل مثله، وإن اختلفا في الجواز والمنع، لكنهما اشتركا في طاعة الغضب، وشِفَاء النفس، لا سيما مع رغبة النبي - ﷺ - في العفو، على ما جاء في الحديث.\nقلت: والعجيبُ من هذين الإمامين: كيف قنعا بهذين الخيالين (١) ولم يتأمَّلا مساق الحديث، وكأنهما لم يسمعا قول النبي - ﷺ - حين انطلق به يجرُّه ليقتله: (القاتل والمقتول في النار). وهذه الرواية مفسِّرة لقوله في الرواية المتقدمة: (إن قَتَلَه فهو مِثلُه) [لأنها ذُكِرت بدلًا منها، فعلى مقتضى قوله: (فهو مثله) أي: هو في النار مثله] (٢)، ومن هنا عظم الإشكال. ولا يلتفت لقول من قال: إن ذلك إنما قاله - ﷺ - للولي لِمَا عَلِمَه منه من معصية يستحق بها دخول النار؛ لأنَّ المعصية المقدرة (٣)، إما أن يكون لها مدخل في هذه القصَّة، أو لا مدخل لها فيها. فإن كان\n_________\n(١) في (ع) و(م): الحالين.\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٣) المقدرة ليست في (ع).","vol":"5","page":55},{"text":"بِأَمرِكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\nــ\nالأول فينبغي لنا أن نبحث عنها حتى نتبيَّنها ونعرف وجه مناسبتها لهذا الوعيد الشديد. وإن لم يكن لها مدخل في تلك القضية لم يلق بحكمة النبي - ﷺ -، ولا ببلاغته، ولا ببيانه، أن يذكر وعيدًا شديدًا في قضية ذات أحوال وأوصاف متعددة، ويقرن ذلك الوعيد بتلك القصَّة، وهو يريد: أن ذلك الوعيد إنَّما هو لأجل شيء لم يذكره هو، ولا جرى له ذكر من غيره. ثمَّ إن المقول له ذلك قد فهم: أن ذلك إنما كان لأمر جرى في تلك القصة، ولذلك قال للنبي - ﷺ -: تقول ذلك، وقد أخذته بأمرك؟ ! ولو كان كما قاله هذا القائل؛ لقال له النبي - ﷺ -: إنَّما قلت ذلك للمعصية التي فعلت، أو: الحالة التي أنت عليها، لا لهذا، ولما كان يسكت عن ذلك، ولبادر لبيانه في تلك الحال؛ لأنَّ الحاجة له داعية، والنصيحة والبيان واجبان عليه - ﷺ -. والله تعالى أعلم.\nالثالث: أن أبا داود (١) روى هذا الحديث من طريق أبي هريرة وقال فيه: قتل رجل على عهد رسول الله - ﷺ - فرفع ذلك إلى النبي - ﷺ - فدفعه إلى ولي المقتول. فقال القاتلُ: يا رسول الله! والله ما أردت قتله! فقال رسول الله - ﷺ - للولي: (أما إنَّه إن كان صادقًا ثمَّ قتلته دخلت النار) فحاصله: أن هذا المعترف بالقتل زعم أنه لم يرد قتله، وحلف عليه، فكان القتل خطأ، فكأن النبي - ﷺ - خاف أن يكون القاتل صدق فيما حلف عليه، وأن القاتل يعلم ذلك؛ لكن سلمه له بحكم إقراره بالعمد، ولا شاهد يشهد له بالخطأ. ومع ذلك فتوقَّع صدقَهُ، فقال: إن قتلته دخلت النَّار. فكأنه قال: إن كان صادقًا وعلمت أنت صدقه، ثمَّ قتلته فأنت في النار. وهذا - على ما فيه من التكلُّف - يبطله قوله: (القاتل والمقتول في النار)، فسوَّى بينهما في الوعيد. فلو كان القاتلُ مُخطِئًا لما استحق بذلك النَّار، ولَمَا باء بإثمِه وإثم صاحبه؛ فإن المخطئ لا يكون آثِمًا، ولا يتحمَّل إثمَ من أخطأ عليه.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٤٩٨) عن أبي هريرة.","vol":"5","page":56},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالرابع: أن أبا داود (١) روى هذا الحديث عن وائل بن حجر، وذكر فيه ما يدلّ: على أن النبي - ﷺ - قصد تخليصه فعرض (٢) الدِّية، أو العفو على الولي ثلاث مرَّات، والولي في كل ذلك يأبى إلا القتل معرضًا عن شفاعة النبي - ﷺ - وعن حرصه على تخليص الجاني من القتل، فكأن الولي صدر منه جفاء في حق النبي - ﷺ - حيث ردَّ متأكد شفاعته، وخالفه في مقصوده. ويظهر هذا من مساق الحديث. وذلك: أن وائل بن حجر قال: كنت عند النبي - ﷺ - إذ جيء برجل قاتل في عنقه نسعة. قال: فدعا ولي المقتول، فقال: (أتعفو؟)، قال: لا. فقال: (أتأخذ الدِّية؟) قال: لا. قال: (أتقتل؟) قال: نعم. قال: (اذهب به)، فلمَّا ولى، قال: (أتعفو؟) قال: لا. قال: (أفتأخذ الدِّية؟) قال: لا. قال: (أفتقتل؟) قال: نعم. قال: (اذهب به)، فلمَّا كان في الرابعة قال: (أما إنَّك إن عفوت عنه يبوء بإثمه وإثم صاحبه)، قال: فعفا عنه (٣). فهذا المساق يفهم منه: صحَّة قصد النبي - ﷺ - لتخليص ذلك القاتل، وتأكد شفاعته له في العفو، أو قبول الدِّية. فلمَّا لم يلتفت الولي إلى ذلك كله صدرت منه - ﷺ - تلك الأقوال الوعيدية مشروطة باستمراره على لَجَاجه، ومضيه على جفائه. فلما سمع الولي ذلك القول عفا وأحسن، فقُبِلَ، وأُكرِمَ. وهذا أقرب من تلك التأويلات والله أعلم بالمشكلات. وهذا الذي أشار إليه ابن أشوع حيث قال: إن النبي - ﷺ - سأله أن يعفو فأبى.\nتنبيه: إنَّما عظم الإشكال من جهة قوله - ﷺ -: (القاتل والمقتول في النار)، ولما كان ذلك قال بعض العلماء: إن هذا اللفظ يعني: قوله: (القاتل والمقتول في النار) إنما ذكره النبي - ﷺ - في حديث آخر، وهو قوله ﷺ: (إذا التقى المسلمان\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٤٩٩) عن وائل بن حجر.\n(٢) في (ل ١): بعرْضِ.\n(٣) رواه أبو داود (٤٤٩٩).","vol":"5","page":57},{"text":"أَمَا تُرِيدُ أَن يَبُوءَ بِإِثمِكَ وَإِثمِ صَاحِبِكَ؟ . قَالَ: بلى يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنَّ ذَاكَ كَذَاكَ. قَالَ: فَرَمَى بِنِسعَتِهِ وَخَلَّى سَبِيلَهُ.\nــ\nبسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار) (١). فوهم بعض الرواة، فضمه إلى هذا الحديث الآخر.\nقلت: وهذا فيه بُعد. والله تعالى أعلم.\nو(قوله: أما تريد أن يبوء بإثمك وإثم صاحبك؟) أي: ينقلب، ويرجع. وأكثر ما يُستعمل: (باء بكذا) في الشر. ومنه قوله تعالى: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ ويعني بذلك - والله تعالى أعلم -: أن المقتول ظلمًا تُغفر له ذنوبه عند قتل القاتل له. والولي يغفر له عند عفوه عن القاتل. فصار ذهاب ذنوبهما بسبب القاتل، فلذلك قيل عنه: إنَّه باء بذنوب كل واحد منهما. هذا أحسن ما قيل فيه. والله تعالى أعلم.\nو(قوله: ألك شيء تؤدِّيه عن نفسك) يفيد: أنَّه لو حضرت الدِّية لدفعت للولي، ولسقط القصاص لكن برضى الولي، ولا يُجبر على أخذها؛ لأنَّ الذي للولي القصاص أو التخيير. وهو حقه، ولا يختلف في هذا. وإنَّما اختلف في إجبار القاتل على إعطاء الدية إذا رضي بها الولي. فذهب جماعة: إلى إجباره عليها؛ منهم: الشافعي وغيره على ما تقدَّم في كتاب الحجِّ. وقالت طائفة أخرى: لا يجبر عليها، ولا يكون ذلك إلا برضا القاتل والولي، وإليه ذهب الكوفيون. وهو مشهور مذهب مالك. وسبب هذا الخلاف معارضة السُّنة للقرآن. وذلك: أن ظاهر القرآن وجوب القصاص. وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ القِصَاصُ فِي القَتلَى﴾ وقوله: ﴿وَكَتَبنَا عَلَيهِم فِيهَا أَنَّ النَّفسَ بِالنَّفسِ﴾ وقد ثبت: أن النبي - ﷺ - قال: (من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين،\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٤٦)، ومسلم (٢٨٨٨) (١٥)، وأبو داود (٤٢٦٩)، والنسائي (٧/ ١٢٤)، وابن ماجه (٣٩٦٥).","vol":"5","page":58},{"text":"وفي رواية: فانطلق به وفي عنقه نسعة يجرها، فلما أدبر قال رسول الله ﷺ: القاتل والمقتول في النار فأتى رجل الرجل فقال له مقالة رسول الله ﷺ، فخلى عنه، قال ابن أشوع: إن النبي ﷺ إنما سأله أن يعفو عنه فأبى.\nرواه مسلم (١٦٨٠) (٢٢ و٢٣)، وأبو داود (٤٤٩٩ - ٤٥٠١)، والنسائي (٧/ ١٥ و١٦).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-663>(٩) باب دية الخطأ على عاقلة القاتل، وما جاء في دية الجنين</span>\n[١٧٧٢] عن أَبي هُرَيرَةَ قَالَ: اقتَتَلَت امرَأَتَانِ مِن هُذَيلٍ، فَرَمَت إِحدَاهُمَا الأُخرَى بِحَجَرٍ،\nــ\nبين أن يأخذوا العقل، وبين أن يقتلوا) (١)، وهذا نصَّ في التخيير. وبيان الأرجح يستدعي تطويلًا. وبسطه في كتب الخلاف.\n(٩) ومن باب: دية الخطأ على عاقلة القاتل وما جاء في دية الجنين\n(قوله: اقتتلت امرأتان من هذيل - وفي أخرى -: من بني لحيان، فرمت إحداهما الأخرى بحجر). وفي حديث المغيرة: ضربتها بعمود فسطاط (٢).\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٢٩٥)، ومسلم (١٣٥٤)، والترمذي (٨٠٩ و١٤٠٦)، والنسائي (٥/ ٢٠٥ و٢٠٦).\n(٢) رواه مسلم (١٦٨٢) (٣٨).","vol":"5","page":59},{"text":"فَقَتَلَتهَا وَمَا فِي بَطنِهَا، فَاختَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ، عَبدٌ، أَو وَلِيدَةٌ،\nــ\nلا تباعد بينهما؛ إذ يحتمل أن تكون جمعت ذلك عليها، فأخبر أحدهما بإحدى الآلتين، والثاني بالأخرى.\nو(قوله: فقتلتها وما في بطنها) ظاهر العطف بالفاء: أن القتل وقع عقب الضرب، وليس كذلك لما رواه سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: إن رسول الله ﷺ قضى في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتًا بغرة - عبد أو وليدة - ثمَّ: إن المرأة توفيت) (١)، وهذا نصٌّ في تأخر موتها عن وقت الضرب. وفي هذه الرواية أيضًا: بيان أن الجنين خرج ميتًا. والأولى محتملة لأن يكون خرج، ولأن يكون لم يخرج، لكنه مات، وبينهما فرقان، فإنَّه إذا مات في بطنها ولم يخرج فلا شيء فيه عند كافة العلماء؛ لأنَّه لم تتحقق حياته، ولأنَّه كالعضو منها، ولم ينفصل عنها، فلا شيء فيه. وأجمع أهل العلم: على أن في الجنين الذي يسقط من ضرب أمه حيًّا، ثم يموت؛ الدِّية كاملة في الخطأ وفي العمد بعد القسامة. وقيل: بغير قسامة، لكن اختلفوا فيما به تُعلم حياته. وقد اتفقوا: على أنه إذا استهل صارخًا، أو ارتضع، أو تنفس نفسًا محققًا حي، فيه الدِّية كاملة. واختلفوا فيما إذا تحرَّك. فقال الشافعي، وأبو حنيفة: حركته تدل على حياته. وقال مالك: لا؛ إلا أن يقارنها طول إقامة. وسببه اختلاف شهادة الحركة في الوجود للحياة.\nو(قوله: فقضى رسول الله - ﷺ -: أن دية جنينها غرة - عبد، أو وليدة). قضى: حكم وألزم. و(غرة - عبد أو وليدة -) روي: (غرة) - بالتنوين - ورفع (عبدٌ) على البدل. وروي بغير تنوين وخفض عبد بالإضافة. ومعناهما متفاوت (٢) وإن اختلف توجيههما النحوي.\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٥٣٥)، والبخاري (٦٩١٠)، ومسلم (١٦٨١).\n(٢) في (ج ٢): تقارب.","vol":"5","page":60},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nو(قوله: أو وليدة) معطوف على (عبد) رفعًا وخفضًا. و(أو) فيه للتنويع، أو للتخيير، لا للشكِّ. وكذلك فهمه مالك وغيره. ويعني بالوليدة: الأمَة. وقد جاء في بعض ألفاظه: (أو أمة) مكان: (وليدة). وغرَّة المال: خياره. قال ابن فارس: غرة كل شيء: أكرمه وأنفسه. وقال أبو عمرو (١): معناه: الأبيض. ولذلك سميت: غرة. فلا يؤخذ فيها أسود. ولذلك: اختار مالك أن تكون من الحُمر. ومقتضى مذهب مالك: أنَّه مخيَّر بين إعطاء غرة، أو عُشر دية الأمِّ، من نوع ما يجري بينهم؛ إن كانوا أهل ذهب فخمسون دينارًا، أو أهل ورق فستمائة درهم، أو خمس فرائض من الإبل. وقيل: لا يعطى من الإبل. وعلى هذا في قيمة الغرة الجمهور. وخالف الثوري، وأبو حنيفة، فقالا: الغرة خمسمائة درهم؛ لأنَّ دية أمِّه عندهم خمسة آلاف درهم. وعمدة الجمهور في تقويم الغرَّة بما ذكر قضاء الصحابة بذلك. وذهب بعض السَّلف؛ منهم: عطاء، ومجاهد، وطاووس: إلى غرة عبد، أو وليدة، أو فرس. وقال بعضهم: أو بغل. وقال ابن سيرين: عبد، أو وليدة، أو مائة شاة. ومتمسك هؤلاء ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة قال: قضى رسول الله - ﷺ - في الجنين بغرة عبد، أو أمة، أو فرس، أو حمار، أو بغل. وفي بعض طرقه: خمسمائة شاة (٢). وهو وهمٌ. وصوابه: مائة شاة. وفي مسند الحارث بن أبي أسامة: في الجنين غرَّة عبد، أو أمة، أو عشر من الإبل، أو مائة شاة (٣). خرَّجه من حديث حمل بن مالك (٤). والصحيح: ما خرَّجه مسلم. وقال داود\n_________\n(١) هو أبو عمرو بن العلاء، من أئمة اللغة والأدب، وأحد القراء السبعة. مات بالكوفة سنة (١٥٤ هـ).\n(٢) رواه أبو داود (٤٥٧٩).\n(٣) رواه الحارث بن أبي أسامة كما في (المطالب العالية رقم ١٨٥٥) وفيه: عشرون من الإبل.\n(٤) في المطالب العالية: حَمَل بن النابغة.","vol":"5","page":61},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوأصحابه: كل ما وقع عليه اسم (غرة) يجزئ. وأقل سن الغرَّة عند الشافعي سبع سنين في أحد قوليه.\nوقد شذَّت شرذمة فقالوا: لا شيء في الجنين. وهي محجوجةٌ بكل ما تقدم في الباب، وبإجماع الصحابة على أن فيه حكمًا، وبحديث المغيرة الآتي بعده.\nو(قوله: فطرحت جنينها) (١)، وفي اللفظ الآخر: (سقط ميتًا) (٢). والجنين: اسم لما يجتنُّ في بطن المرأة [من الولد] (٣). والمتفق على اعتباره من أحواله أن يزايل أُمَّه وهو تامُّ التصوير والتخطيط.\nواختلف فيما قبل ذلك من كونه: علقة، أو مضغة؛ هل يعتبر أم لا؟ فعندنا وعند أبي حنيفة: يعتبر. وعند الشافعي: لا، حتى يتبيَّن شيء من خلقه وتصويره، ولا فرق بين أن يكون ذكرًا، أو أنثى؛ إذ كل واحد منهما يسمَّى جنينًا، وكأن الشرع قصد بمشروعية الغرَّة في الجنين دفع الخصومة والتنازع. [كما قد فعل في باب المصرَّاة، حيث قدر فيها الصاع من الطعام رفعًا للتنازع] (٤) وجبرًا للمتلف بما تيسَّر. وقد بالغت الصحابة في هذا المعنى، حيث قدَّروا الغرَّة بخمسين دينارًا، أو ستمائة درهم. والله تعالى أعلم. فإن زايل الجنين أمَّه بعد موتها، فهل فيه غرَّة أم لا؟ قولان:\nالأول: لربيعة، والليث، والزهري، وأشهب، وداود.\nوالثاني: لمالك، والشافعي، وعامة العلماء.\n_________\n(١) هذا القول ليس في التلخيص، وإنما هو في إحدى روايات صحيح مسلم برقم (١٦٨١) (٣٤).\n(٢) هذا القول رواه مسلم في صحيحه (١٦٨١) ٣٥).\n(٣) ما بين حاصرتين ليس في (ع) و(ج ٢).\n(٤) ما بين حاصرتين سقط من (ع).","vol":"5","page":62},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nو(قوله: فقضى فيه بغرَّة، وجعله على أولياء المرأة) يعني: الضاربة. وهذا نصٌّ: في أن الغرة تقوم بها العاقلة. وبه قال الكوفيون، والشافعي. وهو أحد قولي مالك. وقيل: على الجاني. وهو المشهور من قول مالك. وقاله أهل البصرة. واختلفوا: هل تلزمه الكفارة مع الغرَّة أم لا؟ قولان. الأول لمالك.\nقلت: وهذه الأحاديثُ كلُّها إنَّما جاءت في جنين واحد، انفصل من حرَّة مسلمة ميتًا. فلو خالف شيئًا من هذه القيود ففيه تفصيل. وذلك يعرف بمسائل:\nالأولى: لو ألقت أجنة لكان في كل جنين غرَّة. هذا قول الكافة، ولا يعرف فيه خلاف.\nالثانية: لو ألقت بعضه فلا غرَّة فيه. وقال الشافعي: فيه الغرَّة.\nالثالثة: لو كان جنين أمة ففيه عشر قيمة أمَّه. هذا قول عامة أهل العلم. وذهب الثوري، والنعمان، وابن الحسن: إلى أن فيه عشر قيمته لو كان حيًّا ذكرًا كان أو أنثى. وذهب الحسن: إلى أن فيه نصف عشر ثمن أمَّه. وذهب سعيد بن المسيب: إلى أن فيه عشرة دنانير. وقال حمَّاد بن أبي سليمان: فيه حُكم.\nالرابعة: جنين الكتابية. وفيه عشر دية أمَّه، ولا يحفظ فيه خلاف.\nالخامسة: من أعتق ما في بطن جاريته، فضربها ضارب، فطرحته، فديته دية المملوك. وهو قول الزهري، والثوري، وأحمد، وإسحاق.\nالسادسة: إذا اختلف الجاني والمجني عليه، فقال الجاني: طرحته ميتًا. وقال المجني عليه: بل حيًّا. فالقول قول الجاني. وبه قال الشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي.\nالسابعة: دية الجنين موروثة على كتاب الله تعالى. وقال الزهري والشافعي:","vol":"5","page":63},{"text":"وَقَضَى بِدِيَةِ المَرأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرَّثَهَا وَلَدَهَا وَمَن مَعَهُم، فَقَالَ حَمَلُ بنُ النَّابِغَةِ الهُذَلِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وكَيفَ أَغرَمُ مَن لَا شَرِبَ، وَلَا أَكَلَ، وَلَا نَطَقَ وَلَا استَهَلَّ؟ ! فَمِثلُ ذَلِكَ يُطَلُّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّمَا هَذَا مِن إِخوَانِ الكُهَّانِ، مِن أَجلِ سَجعِهِ الَّذِي سَجَعَ.\nــ\nإن كان الضارب هو الأب لم يرث من الغرَّة شيئًا. وقال الليث، وربيعة: هي للأم خاصَّة.\nو(قول حمل بن النابغة: أنغرم من لا شربَ، ولا أكلَ، ولا نطقَ، ولا استهلَ) يدل: على أن عاقلة الجاني تحمل الغرَّة كما هو أحد القولين.\nو(قوله: فمثل ذلك يُطَلُّ) رويناه بالياء باثنتين من تحتها، بمعنى: يُهدر [ولا يطلب به] (١). ورويناه بالباء بواحدة من تحتها، من البطلان؛ أي: هو ممن ينبغي أن يبطل. والمعنيان يرجعان إلى شيء واحد؛ أي: هذا لا ينبغي فيه شيء.\nو(قوله - ﷺ -: إنَّما هذا من إخوان الكهَّان) فسَّره الراوي: بقوله: من أجل سجعه؛ يعني بذلك: أنه تشبَّه بالكهَّان، فسجع كما يسجعون حين يخبرون عن المغيِّبات، كما قد ذكر ابن إسحاق من سجع شقّ وسطيح (٢) وغيرهما. وهي عادةٌ مستمرَّة في الكهَّان. وقيل: إنما أنكر النبي - ﷺ - ذلك السَّجع لأنه جاء به في مقابلة حكم الله مستبعدًا له، ولا يذمُّ من حيث السَّجع؛ [لأن النبي - ﷺ - قد تكلم بكلام يشبه السجع] (٣) في غير ما موضع. وقيل: إنما أنكر عليه تكلّف الإسجاع على طرق الكهَّان وحوشية الأعراب. وليس بسجع فصحاء العرب، ولا على مقاطعها.\nقلت: وهذا القول الأخير إنَّما يصحُّ أن يقال على قوله - ﷺ -: (أسجع\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٢) شقّ وسطيح: كاهنان من كهّان العرب.\n(٣) ما بين حاصرتين ساقط من (ج ٢).","vol":"5","page":64},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nكسجع الأعراب) (١)، لا على قوله: (إنَّما هذا من إخوان الكهَّان) (٢)، فتأمله.\nوحَمَل بن النابغة - بفتح الحاء المهملة والميم -. وقال فيه في الرواية الأخرى: حمل بن مالك. وهو هذلي من قبيل القاتلة. ولحيان: فخذ من هذيل، [ولذلك صدق أن يقال على القاتلة: أنها هذلية لحيانية. ولحيان] (٣) يقال بفتح اللام وكسرها.\nقلت: وقد ذكر الحديث الحارث بن أبي أسامة عن أبي المليح مرسلًا قال: إن حمل بن مالك كانت له امرأتان: مليكة، وأم عفيف، فحذفت إحداهما الأخرى (٤) بحجر فأصابت قبلها، فماتت، وألقت جنينها ميِّتًا (٥)، وذكر الحديث كنحو ما تقدم. وعلى هذا فكان حَمَلٌ زوجَ المقتولة والقاتلة، وعاصبَ القاتلة، ووالدَ الجنين. وحينئذ يكون قوله: أنغرم من لا شربَ ولا أكلَ؛ دليل: على أنه غارم وليس بوارث. ولهذا قال الليث بن سعد، وربيعة: إن الغرَّة للأمّ خاصة. ويحتمل: أن يكون معبِّرا عن العصبة دون نفسه، مستبعدًا للحكم، كما تقدم. والله تعالى أعلم.\nو(قوله: وقضى بدية المرأة على عاقلتها) فيه تلفيف في الضمائر أزالته الرِّواية الأخرى؛ التي قال فيها: (فجعل دية المقتولة على عصبة القاتلة).\nوقد احتج\n_________\n(١) رواه مسلم (١٦٨٢) (٣٨)، وأبو داود (٤٥٦٨)، والترمذي (١٤١١)، والنسائي (٨/ ٥١)، وابن ماجه (٢٦٣٣).\n(٢) هو حديث الباب رقم (٢٠٧٢).\n(٣) ما بين حاصرتين ساقط من (م).\n(٤) في حاشية (م): الضاربة: أم عفيف بنت مسروح، ويُقال فيها أيضًا: أم غطيف.\nوالمضروبة: مليكة بنت ساعدة الهذليّ.\n(٥) ذكره ابن حجر في المطالب العالية برقم (١٨٥٥).","vol":"5","page":65},{"text":"وفي رواية: قال: فجعل رسول الله ﷺ دية المقتولة على عصبة القاتلة، وغرة لما في بطنها.\nــ\nبظاهر الحديث من رأى: أنه لا يستقاد ممن قتل بمثقل، وإنَّما عليه الدِّية. وهم الحنفية. ولا حجَّة لهم في ذلك لما تقدم: من أن النبي - ﷺ - قد أقاد ممن قتل بحجر، كما تقدم في حديث اليهودي (١)، ولقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعتَدَى عَلَيكُم فَاعتَدُوا عَلَيهِ بِمِثلِ مَا اعتَدَى عَلَيكُم﴾ والمماثلة بالمثقَّل ممكنة، ولإمكان كون هذا القتل خطأ أو شبه عمد [فاندفع القصاص بذلك] (٢)، ولو سلّم: أنه كان عمدًا لكان ذلك برضا العصبة، وأولياء الدَّم، لا بالحكم، وكل ذلك محتمل، فلا حجَّة لهم فيه.\nوفيه ما يدل: على أن العاقلة تحمل الدِّية. وقد أجمع المسلمون: على أنَّها تحمل دية الخطأ، وما زاد على الثلث. واختلفوا في الثلث. فقال الزهري: الثلث فدونه هو في مال الجاني، [ولا تحمله العاقلة. وقال سعيد بن المسيب: الثلث فما زاد على العاقلة، وما دون الثلث في مال الجاني] (٣)، وبه قال مالك، وعطاء، وعبد العزيز بن أبي سلمة. وأمَّا ما دون الثلث فلا تحمله العاقلة عند من ذكر، ولا عند أحمد. وقالت طائفة: عقل الخطأ على عاقلة الجاني؛ قَلَّت الجنايةُ أو كثرت. وهو قول الشافعي. وقد تقدم في الدِّيات وانقسامها. فإن قيل: كيف ألزم العاقلة الدية، والقتل عمدٌ؟ والعاقلة لا تعقل عمدًا، ولا صلحًا، ولا اعترافًا.\nفالجواب: أن هذا الحديث خرَّجه النَّسائي من حديث حَمَل بن مالك. وقال فيه: قضى رسول الله - ﷺ - في جنينها بغرَّة، وأن تقتل بها (٤). وهو طريق صحيح.\n_________\n(١) سبق تخريجه في التلخيص برقم (٢٠٦٣ و٢٠٦٤).\n(٢) ما بين حاصرتين مستدرك من (ج ٢).\n(٣) ما بين حاصرتين سقط من (ع).\n(٤) رواه النسائي (٨/ ٤٧).","vol":"5","page":66},{"text":"وفي أخرى: فقضى فيه بغرة، وجعله على أولياء المرأة.\nرواه أحمد (٢/ ٤٣٨ و٥٣٥)، والبخاري (٦٩١٠)، ومسلم (١٦٨١) (٣٦ و٣٧ و٣٨)، وأبو داود (٤٥٧٦ و٤٥٧٩)، وابن ماجه (٢٦٣٩ و٢٦٤١).\nــ\nوهذا نصٌّ: في أنه قضى بالقصاص من القاتلة؛ بخلاف الأحاديث المتقدمة؛ فإن فيها: أنه قضى على العاقلة بالدِّية.\nووجه التلفيق؛ وبه يحصل [الجواب على] (١) التحقيق: أن رسول الله - ﷺ - قضى بقتل القاتلة أولًا، ثم إن العصبة، والأولياء اصطلحوا: على أن التزم العصبة الدِّية ويعفو الأولياء. فقضى النبي - ﷺ - بالدِّية على العصبة لما التزموها. والله تعالى أعلم.\nو(قوله: وورثها عصبتها ومن معهم) أعاد الضمير الأول على الدِّية، والثاني على المقتولة. وعنى بالعصبة: بنيها، وبمن معهم من الزوج. ولم يختلف: في أن الزوج يرث هنا من دية زوجته فرضه، وإن كانوا قد اختلفوا فيه: هل يرث من دية الجنين؟ على ما تقدم. والدِّية موروثة على الفرائض سواء كانت عن خطأ، أو عن عمدٍ تعذَّر فيه القود. والذي يبين الحق في هذا الباب حديثان خرَّجهما الترمذي.\nأحدهما: عن سعيد بن المسيب. قال: قال عمر: الدِّية على العاقلة، ولا ترث المرأة من زوجها شيئًا (٢). فأخبره الضحَّاك بن سفيان الكلابي: أن رسول الله - ﷺ - كتب إليه: أن ورث امرأة أشيم الضَّبابي من دية زوجها. وقال: هذا حديث حسن صحيح (٣).\nوثانيهما: عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ج ٢).\n(٢) ليست في (ل ١).\n(٣) رواه الترمذي (٢١١٠).","vol":"5","page":67},{"text":"[١٧٧٣] وعَن المِسوَرِ بنِ مَخرَمَةَ قَالَ: استشار عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، الناس فِي مِلَاصِ المَرأَةِ، فقال المُغِيرَةُ بنُ شُعبَةَ: شَهِدتُ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى\nــ\nقضى في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتًا بغرَّة عبد أو أمة، ثم إن المرأة التي قضى عليها (١) بغرة توفيت، فقضى رسول الله - ﷺ -: بأن ميراثها لبنيها وزوجها، وإن عقلها على عصبتها (٢).\nثمَّ حيث وجبت الدِّية على العاقلة؛ فلا تؤخذ منهم حالَّة، بل مُنجَّمة في ثلاث سنين. وهو قول عامَّة أهل العلم من السَّلف والخلف. وتوزع على الأحرار، البالغين، الأغنياء، الذكور. فلا تؤخذ من عبدٍ، ولا من صبي، ولا من امرأة، ولا من فقير بالإجماع على ما حكاه ابن المنذر. واختلفوا في قدر ما يوزع على من يُطالَب بها.\nفقال الشافعي: من كثر ماله أخذ منه نصف دينار، ومن كان دونه ربع دينار، لا ينقص منه، ولا يزاد عليه. وحكى أبو ثور عن مالك: أنه قال: على كل رجل ربع دينار. وبه قال أبو ثور. وقال أحمد: يحملون بقدر ما يطيقون. وقال أصحاب الرأي: ثلاثة دراهم، [أو أربعة دراهم] (٣).\nقلت: والقول ما قاله أحمد. فإن التحديد يحتاج إلى شرع جديد.\nو(قوله: استشار عمر بن الخطاب الناس في ملاص المرأة) كذا صحيح الرواية: (ملاص) من غير ألف. وقد وقع في بعض نسخ الأئمة: (إملاص)، وكذا قيَّده الحميدي. وكلاهما صحيح في اللغة. فإنَّه قد جاء: أملص، وملص: إذا أفلت. قال الهروي: وسُئل عن إملاص المرأة الجنين قال: يعني: أن تزلقه قبل\n_________\n(١) في حاشية (م): عليها، بمعنى لها، وهي المضروبة.\n(٢) رواه الترمذي (٢١١١).\n(٣) ما بين حاصرتين سقط من (ج ٢).","vol":"5","page":68},{"text":"فِيهِ بِغُرَّةٍ: عَبدٍ أَو أَمَةٍ، قال: فَقَالَ عُمَرُ: ائتِنِي بِمَن يَشهَدُ مَعَكَ، قَالَ: فَشَهِدَ له مُحَمَّدُ بنُ مَسلمَةَ.\nرواه أحمد (٤/ ٢٤٤)، والبخاريُّ (٦٩٠٥)، ومسلم (١٦٨٣)، وابن ماجه (٢٦٤٠).\n* * *\nــ\nوقت الولادة. وكل ما زلق من اليد فقد ملَص يملَص. ومنه حديث الدَّجال: وأملصت به أمُّه (١). قال أبو العبَّاس: يقال: أملصت به. وأزلقت به. وأسهلت به، وخطأت به.\nقلت: وإملاص فيما حكاه الهروي عن عمر هو المصدر؛ لأنَّه ذكر بعده الجنين، وهو مفعوله. وفيما ذكره مسلم (٢): (ملاص) ويعني به: الجنين نفسه، فلا يتعدَّى هنا؛ لأنه نقل من المصدر المؤكد، فسمِّي به. فإن أصله: ملص يملص ملاصًا؛ كـ (لزم، يلزم، لزامًا).\nوفيه من الفقه: الاستشارة في الوقائع الشرعية، وقبول أخبار الآحاد، والاستظهار بالعدد في أخبار العدول. وليس ذلك عن شك في العدالة، وإنَّما هو استزادة يقين، وطمأنينة نفس. ولا حجَّة فيه لمن يشترط العدد في قبول أخبار الآحاد؛ لأنَّ عمر - ﵁ - قد قبل خبر الضَّحَّاك وغيره من غير استظهار. والله تعالى أعلم (٣).\n* * *\n_________\n(١) ذكره ابن الأثير في النهاية (٤/ ٣٥٦).\n(٢) من (ج ٢).\n(٣) في (ع): ورد بعد هذا الكتاب: كتاب الضحايا، وهو مخالف لترتيب التلخيص والنسخ المخطوطة.","vol":"5","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-664>(٢٣) كتاب الحدود</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-665>(١) باب حد السرقة وما يقطع فيه</span>\n[١٧٧٤] عَن عَائِشَةَ قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقطَعُ السَّارِقَ فِي رُبعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا.\nرواه أحمد (٦/ ٣٦)، ومسلم (١٦٨٤) (١)، وأبو داود (٤٣٨٣)، والترمذيُّ (١٤٤٥)، والنسائي (٨/ ٧٩)، وابن ماجه (٢٥٨٥).\nــ\n(٢٣) كتاب الحدود (١)\nهي: جمع حدّ. وأصل الحدّ: المنع حيث وقع وإن اختلفت أبنيته وصيغه. وسميت العقوبات المترتبة على الجنايات: حدودًا؛ لأنَّها تمنع من عود الجاني ومن فعل المعتبر بها.\n(١) ومن باب حدّ السَّرِقة وما يقطع فيه\nالسَّرِقةُ والسَّرِقُ - بكسر الراء فيهما -: هو اسم الشيء المسروق، والمصدر من (سَرَق، يَسرِقُ): سَرَقًا - بفتح الرَّاء - كذا قاله الجوهري. وأصل هذا اللفظ إنما هو: أخذ الشيء في خفية. ومنه: استَرَق السَّمع. وسَارَقَه النظر. قال ابن عرفة:\n_________\n(١) في \"ع\": تقديم كتاب الضحايا على كتاب الحدود.","vol":"5","page":70},{"text":"[١٧٧٥] وعنها: أنها سمعت رَسُول اللَّهِ ﷺ يقول: لا تقطع يد السارق إلا فِي رُبعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا\nرواه مسلم (١٦٨٤) (٣)، والنسائي (٨/ ٨١).\nــ\nالسارق عند العرب هو: من جاء مستترًا إلى حرزٍ فأخذ منه ما ليس له. فإن أخذ من ظاهرٍ فهو مختلس، ومستلبٌ، ومنتهبٌ، ومحترسٌ. فإن منع مما في يده فهو غاصبٌ له.\nقلت: وهذا الذي قاله ابن عرفة هو السارق في عُرفِ الشرع.\nويستدعي النَّظر في هذا الباب النَّظر في: السَّارق، والمسروق منه، والشيء المسروق، وحكم السَّارق. ولا خلاف في أن السَّارق إذا كملت شروطه يقطع دون الغاصب، والمُختَلِس، والخَائِن. وفيمن يستعير المتاع فيَجحَدُهُ (١) خلاف شاذٌّ، حكي عن أحمد، وإسحاق، فقالا: يقطع. والسَّلف والخلف على خلافهما. وسيأتي القول في حديث المخزوميَّة (٢).\nوإنَّما خصَّ الشرع القطع بالسَّارق؛ لأن أخذ الشيء مُجاهَرَة يمكن أن يُستَرجع منه غالبًا. والخائن مكَّنَهُ ربُّ الشيء منه، وكان متمكنًا من الاستيثاق بالبينة. وكذلك المُعير. ولا يُمَكَّن شيء من ذلك في السَّرِقة، فبالغ الشرع في الزجر عنها؛ لما انفردت به عن غيرها بقطع اليد.\nوقد أجمع المسلمون: على أن اليمنى [تقطع إذا وجدت؛ لأنَّها الأصل في محاولة كل الأعمال].\nو(قول عائشة - ﵂ -: كان رسول الله - ﷺ -] (٣) يَقطع في ربع دينار\n_________\n(١) ليست في (ج ٢).\n(٢) سيأتي في التلخيص برقم (٢٠٧٨ و٢٠٧٩).\n(٣) ما بين حاصرتين سقط من (ع).","vol":"5","page":71},{"text":"[١٧٧٦] وعن ابن عمر: أن رَسُول اللَّهِ ﷺ قطع سارقا في مجن قيمته ثلاثة دراهم.\nرواه أحمد (٢/ ٨٠)، والبخاريُّ (٦٧٩٧)، ومسلم (١٦٨٦) (٦)، وأبو داود (٤٣٨٦)، والنسائي (٨/ ٧٧)، وابن ماجه (٢٥٨٤).\nــ\nفصاعدًا). وفي الطريق الأخرى: (لا تُقطع يد السَّارق إلا في ربع دينار فصاعدًا). هذا تقرير لقاعدة ما تقطع فيه يد السَّارق من النبي - ﷺ - وبلفظه. لكنَّه ظاهر فيما إذا كان المسروق ذهبًا، فلو كان غير ذهب، وكان فضة، فهل يعتبر قيمتها بالذهب؛ فإن سوّيت ربع دينار فصاعدًا قطع فيها، أو إنما تعتبر بنفسها؛ فإذا بلغت ثلاثة دراهم وزنًا قطع فيها، فيكون كل واحد من الذهب والفضة أصلًا معتبرًا بنفسه؛ قولان:\nالأول: للشافعي، والأوزاعي، والليث بن سعد، وأبي ثور، وهو مروي عن عمر، وعلي، وعثمان، وبه قالت عائشة، وعمر بن عبد العزيز. والثاني: لمالك وأصحابه.\nوقال أحمد وإسحاق: إن سرق ذهبًا فربع دينار، وإن سرق غير الذهب والفضة فكانت قيمته ربع دينار، أو ثلاثة دراهم من الورق. وهذا نحو مما صار إليه مالك في أحد القولين. وفي المشهور: أنه إنما تقوَّم العروض بالدراهم، كما قال في حديث ابن عمر. وقال بعض أصحابنا: يقوَّم بالغالب في موضع السَّرِقة من الذهب والفضة كما تقوَّم المتلفات. وهو القياس. وهذان القولان ناشئان من حديثي عائشة، وابن عمر المذكورين في هذا الباب.\nوقد نقلت أقوال عن كثير من السلف والعلماء في تحديد نصاب السَّرِقة لم يثبت فيها عن النبي - ﷺ - حديث معتمد، ولا لها في الأصول ظاهر مستند؛ فمنها ما روي عن عمر، وقال به سليمان بن يسار، وابن شبرمة. وهو: أنَّ الخَمسَ لا تقطع إلا في خَمسٍ.\nومنها:","vol":"5","page":72},{"text":"[١٧٧٧] وعن أبي هريرة، قال: قال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لعن الله السارق، يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده.\nــ\nأنَّها لا تقطع إلا في عشرة دراهم. وبه قال عطاء، والنُّعمان، وصاحباه.\nومنها: أنها تقطع في أربعة دراهم فصاعدًا. وهو مروي عن أبي هريرة، وأبي سعيد.\nومنها: أنها تقطع في درهم فما فوقه، وهو مروي عن عثمان.\nومنها: أنها تقطع في كل ما له قيمة، وروي عن الحسن في أحد أقواله، وهو قول الخوارج، وأهل الظاهر. [واختاره ابن بنت الشافعي] (١).\nومنها: أنها لا تقطع في أقل من درهمين، وروي عن الحسن.\nومنها: أنها لا تقطع في أقل من أربعين درهما، أو أربعة دنانير. وروي عن النخعي.\nقلت: وهذه كلها أقوال متكافئة، خلية عن الأدلة الواضحة الشافية، ولا يصحُّ ما رواه الحجَّاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه مرفوعًا: (لا تقطع يد السَّارق في أقل من عشرة دراهم) (٢) لضعف إسناده، ولما يعارضه من قوله في الصحيح: (لا تقطع يد السَّارق إلا في ربع دينار فصاعدًا). ولا حجَّة لمن احتجَّ بقوله - ﷺ -: (لعن الله السَّارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده) لأنَّه وإن احتمل أن يراد بالبيضة بيضة الحديد، وبالحبل حب السُّفن، كما قد قيل فيه: فالأظهر من مساقه: أنَّه يراد به التقليل، لكن أقل ذلك القليل مقيَّد بقوله: (لا تقطع يد السَّارق إلا في ربع دينار)، وهذا نصٌّ، وبقول عائشة: لم تكن يد السَّارق تقطع في الشيء التَّافه، خرَّجه البخاري (٣) وغيره. وهذا منها خبر عن عادة الشرع الجارية عندهم. ومعلوم: أن الواحدة من بيض الدَّجاج، والحبل الذي يشدّ\n_________\n(١) ما بين حاصرتين زيادة من (ج ٢).\n(٢) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٧٣).\n(٣) ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح (١٢/ ١٠٤) بلفظ: \"إن اليد لا تقطع في الشيء التافه\" عن عائشة ﵂.","vol":"5","page":73},{"text":"وفي رواية: إن سرق حبلا وإن سرق بيضة.\nــ\nبه المتاع والرَّحل تافهٌ. وإنَّما سلك النبي - ﷺ - في هذا الحديث مسلك العرب فيما إذا أغيَت في تكثير شيء أو تحقيره، فإنَّها تذكر في ذلك ما لا يصحّ وجوده، أو ما يندر وجوده إبلاغًا في ذلك، فتقول: لأصعَدنَّ بفلان إلى السماء، ولأهبطنَّ به إلى تخوم الثَّرى. وفلانٌ مناطُ الثُّريَّا. وهو مِنِّي مقعد القابلة. ومن بنى لله مسجدًا ولو مثل مفحص قطاة بُني له بيتٌ في الجنة. ولا يُتصوَّر مسجد مثل ذلك. وتصدَّقن ولو بظلفٍ مُحرَّقٍ. وهو مِمَّا لا يُتصدقُ به. ومثل هذا كثير في كلامهم، وعادة لا تستنكر في خطابهم. وقيل في الحديث: إنَّه إذا سرق البيضة أو الحبل ربما حمله ذلك على أن يسرق ما يقطع فيه، لأنه ربما يجترئ على سرقة غيرهما، فيعتاد ذلك فتقطع يده.\nو(قوله: لعن الله السَّارق) أي: أبعده الله. وقد تقدَّم: أن أصل اللعن: الطرد، والبعد.\nوفيه ما يدلّ: على جواز لعن جنس العصاة؛ لأنَّه لا بدَّ أن يكون في ذلك الجنس من يستحق ذلك اللعن، أو الذم، أو الدُّعاء عليه. وليس كذلك العاصي المعيَّن؛ لأنَّه قد لا يستحق ذلك، فيعلم الله أنَّه يتوب من ذلك، فلا يستحق ذلك اللعن بذلك.\nوقد ذهب بعض النَّاس: إلى أنَّه يجوز لعن المعيَّن من أهل المعاصي ما لم يُحَدّ. فإذا حدّ لم يجز؛ لأن الحدود كفارة. وهذا فاسد؛ لأنَّ العاصي المؤمن لم يخرج بمعصيته عن اسم المؤمن. وقد قال - ﷺ -: (لعن المؤمن كقتله) (١). وقد نهي عن اللَّعن. وهو كثير. وقد نهى النبي - ﷺ - عن لعن الملقب بـ (حمار) الذي كان يشرب الخمر كثيرًا، فلعنه بعضهم، فنهاهم النبي - ﷺ - عن لعنه (٢). وهو صحيح\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٦٥٢)، ومسلم (١١٠)، وأبو داود (٣٢٥٧)، والترمذي (٢٦٣٨)، والنسائي (٧/ ٥ - ٦).\n(٢) رواه البخاري (٦٧٨٠).","vol":"5","page":74},{"text":"رواه البخاريُّ (٦٧٨٣)، ومسلم (١٦٨٧) (٧)، والنسائي (٨/ ٦٥).\n* * *\nــ\nنصٌّ في الباب. وفرق بين لعن الجنس والشخص؛ لأنَّ لعن الجنس تحقيق وتحذير، ولعن الشخص حسبان (١) وتعيير. وأمَّا الكافر فلا حُرمةَ له. ويجب الكفُّ عن أذى مَن له ذمَّة.\nولا حجَّة لمن رأى: أنَّه لا تقطع الخَمس إلا في خَمسٍ بما رواه أنس عن أبي بكر: أنَّه قَطَع في خمسة دراهم؛ لأنَّه ليس فيه دلالة على أن هذا أقلّ ما يقطع فيه، ولو كان نصًّا لما كان معارضًا لقوله - ﷺ -: (لا تقطع يد السَّارق في أقل من ربع دينار). فإن هذا نصٌّ من النبي - ﷺ - فلا يعارض بغيره.\nواختلف العلماء في الحدّ الذي تقطع منه اليد. وفيمن قطعت يده ثمَّ سرق؛ ما الذي يقطع له؟ وفيمن كانت له يمين شَلَاّء. فهذه مسائل:\nالأولى: لا خلاف أن اليمين هي التي تقطع أولًا. ثمَّ اختلفوا إن سرق ثانية. فقال مالك، وأهل المدينة، والشافعي، وأبو ثور، وغيرهم: تقطع رجله اليسرى، ثمَّ في الثالثة يده اليسرى، ثمَّ في الرابعة رجله اليمنى، ثم بعد هذا يعزر ويحبس. قال أبو مصعب من أصحابنا: يقتل بعد الرابعة. وقد ثبت عن أبي بكر وعمر: أنهما قطعا اليد بعد اليد، والرِّجل بعد الرِّجل. وقيل: تقطع في الثانية رجله اليسرى، ثمَّ لا قطع في غيرها، فإن عاد حبس، وعزر. روي ذلك عن علي، وبه قال الزهري، وحمَّاد، وأحمد.\nفلو كانت اليمنى شلَاّء، أو مقطوعة أكثر الأصابع، أو لا يمين له - وهي المسألة الثانية -؛ ففيه عن مالك روايتان:\nإحداهما: تُقطع يده اليسرى. والأخرى: رِجله اليسرى. وقال الزُّهري: تُقطع الشَّلَاّء؛ لأنَّها جمال. وبه قال إسحاق، وأبو ثور. وقال أحمد: إذا كان يُحَرِّكُها قُطِعت. وعند الحنفية تفصيلٌ بعيدُ التحصيل (٢).\n_________\n(١) \"الحُسبان\": العذاب والبلاء.\n(٢) في (ع) و(ل ١): تفصيل طويل.","vol":"5","page":75},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nثم إلى أين تُقطع- وهي المسألة الثالثة -؛ فعند الكافة: تقطع اليد من الرُّسغ، والرِّجل من المفصل. وهو مروي عن عمر وعثمان - ﵄ -. وقال علي - ﵁ -: تُقطع الرجل من شطر القدم، ويُترك له العقب، وبه قال أحمد، وأبو ثور. وقيل: تُقطع اليد إلى المرفق. وقيل: إلى المنكب. وهما شاذان.\nتنبيه: آيةُ السَّرقة وردت عامة مطلقة، لكنها مخصَّصة مقيَّدة عند كافة العلماء؛ إذ قد خرج من عموم السَّارق من سرق ملكه، ومن سرق أقل من نصاب، وغير ذلك. وتقيَّدت باشتراط الحِرز، فلا قطع على من سرق شيئًا من غير حرز بالإجماع إلا ما شذَّ فيه الحسن، وأهل الظاهر، فلم يشترطوا الحِرز. وقد روى النسائي من حديث رافع بن خديج: أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا قطع في كَثَرٍ ولا ثَمَرٍ) (١)، والكَثَر: الجُمَّار (٢). وروى من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أنَّه سُئل عن الثمر المُعَلَّق؟ فقال: (من أصاب منه من ذي حاجة غير مُتَّخِذٍ خُبنَة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق شيئًا منه بعد أن يؤويه الجرين (٣) فبلغ ثمن المِجَنِّ فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة) (٤). وفي رواية: (وليس في الماشية قطعٌ إلا فيما آواه المراح فبلغ ثمن المِجَنِّ ففيه قطع اليد، وما لم يبلغ ثمن المِجَنِّ ففيه غرامة مثليه وجلدات (٥). قال أبو عمر: قوله: وغرامة مثليه: هو منسوخ. ولا أعلم أحدًا من الفقهاء قال به إلا رواية أحمد. ومحمل هذا على التشديد، والعقوبة. وأبو عمر يصحح حديث عمرو بن شعيب إذا كان الرَّاوي عنه ثقةٌ، والراوي عنه\n_________\n(١) رواه النسائي (٨/ ٨٧).\n(٢) \"الكَثَر\" بفتحتين: جُمَّار النخل، وهو شحمه الذي وسط النخلة.\n(٣) \"الجرين\": البيدر، وموضع تجفيف الثمار.\n(٤) رواه النسائي (٥/ ٨٥).\n(٥) رواه النسائي (٨/ ٨٦).","vol":"5","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-666>(٢) باب النهي عن الشفاعة في الحدود إذا بلغت الإمام</span>\n[١٧٧٨] عَن عَائِشَةَ: أَنَّ قُرَيشًا أَهَمَّهُم شَأنُ المَخزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَت، فَقَالَوا: مَن يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ وَمَن يَجتَرِئُ عَلَيهِ إِلَّا أُسَامَةُ حِبُّ\nــ\nلهذا الحديث ابن عجلان، وهو ثقة.\nوإذا تقرَّر اشتراط الحِرز في السرقة: فالحِرز عبارة عن المحلّ الذي يحفظ فيه ذلك الشيء عادة. ثم هو مختلف بحسب اختلاف الشيء المُحرز. وتفصيل ذلك وبقية ما يتعلَّق بالسَّرِقة في الفروع.\n(٢) ومن باب: النهي عن الشفاعة في الحدود إذا بلغت الإمام\n(قوله: إن قريشًا أهمَّهم شأن المخزومية التي سرقت) هذا هو الصحيح: أن هذه المرأة سرقت، وقطعت يدها لأجل سرقتها، لا لأجل جحد المتاع. ويدلّ على صحة ذلك أربعة أوجه:\nأولها: إن رواية من روى: أنها سرقت؛ أكثر وأشهر من رواية من قال: إنَّها كانت تجحد المتاع. وإنَّما انفرد معمر بذكر الجحد وحده من بين الأئمة الحفاظ، وقد تابعه على ذلك من لا يعتد بحفظه كابن أخي ابن شهاب ونَمَطِه. هذا قول المحدِّثين.\nثانيها: إن معمرًا وغيره ممن روى هذه القضية متفق: على أن النبي - ﷺ - قال - حيث أنكر على أسامة -: (لو أن فاطمة سرقت لقطعت يدها)، ثم أمر بيد المرأة فقطعت. وهذا يدلُّ دلالة قاطعة: على أن المرأة قطعت في السَّرِقة؛ إذ لو كان قطعها لأجل جحد المتاع لكان ذكر السِّرِقة هنا لاغيًا، لا فائدة له، وإنما كان يقول: لو أن فاطمة جحدت المتاع لقطعت يدها.\nوثالثها: إن جاحد المتاع خائن، ولا قطع على خائن عند جمهور العلماء","vol":"5","page":77},{"text":"رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَتَشفَعُ فِي حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ؟ !\nــ\nخلافًا لما ذهب إليه أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه؛ لقوله - ﷺ - فيما رواه الترمذي من حديث جابر مرفوعًا: (ليس على خائن، ولا منتهب، ولا مختلس، قطع) (١). وقال: هذا حديث حسن صحيح. وهذا نصٌّ. ولأنَّه لو كان في جَحد المتاع قطعٌ لكان يلزم القطع على كلَّ من جَحَد شيئًا من الأشياء ثمَّ ثبت عليه. وهذا لا قائل به فيما أعلم.\nورابعها: إنَّه لا تعارض بين رواية من روى: (سرقت) ولا بين رواية من روى: (جحدت ما استعارت) إذ يمكن أن يقال: إن المرأة فعلت الأمرين، لكن قطعت في السرقة، لا في الجحد، كما شهد به مساق الحديث، فتأمله (٢).\nو(قوله - ﷺ -: أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟ !) إنكارٌ على أسامة، يُفهَم منه: تحريم الشفاعة في الحدود إذا بلغت الإمام، فيَحرُم على الشافع وعلى المُشَفَّع، وهذا لا يختلف فيه. وقد ذكر الدارقطني عن عروة بن الزبير قال: شفع الزبير في سارق، فقيل: حتى نُبلِغَهُ الإمامَ. قال: إذا بلغ الإمام فلعن الله الشافع والمُشَفَّع، كما قال رسول الله - ﷺ - (٣). ورواه مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن: أن الزبير قال ذلك، ولم يذكر النبي - ﷺ - (٤). والموقوف هو الصحيح.\n_________\n(١) رواه الترمذي (١٤٤٨).\n(٢) جاء في حاشية (م): وجه خامس وهو: أن قولها: كانت تستعير المتاع وتجحده تعريف لها. أي: أن المرأة التي كانت تستعير المتاع سرقت. كما يقال: المرأة التي تغزل الحرير -مثلًا- سرقت، فحذف لفظ (سرقت) لدلالة الروايات عليه. وفي الحديث نفسه ما يدل عليه. وقد جاء صريحًا أنها سرقت قطيفة من بيت رسول الله - ﷺ - فقطعت لذلك. ذكره الخطابي في \"المعالم\".\n(٣) رواه الدارقطني (٣/ ٣٠٥).\n(٤) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٨٣٥).","vol":"5","page":78},{"text":"ثُمَّ قَامَ فَاختَطَبَ فَقَالَ: يا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَهلَكَ الَّذِينَ قَبلَكُم أَنَّهُم كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِم الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِم الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيهِ الحَدَّ، وَايمُ اللَّهِ، لَو أَنَّ فَاطِمَةَ بِنتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَت لَقَطَعتُ يَدَهَا.\nوفي رواية: فَتَلَوَّنَ وَجهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَتَشفَعُ فِي حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ؟ ! فَقَالَ أُسَامَةُ: استَغفِر لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ! وفيها: ثُمَّ أَمَرَ بِتِلكَ المَرأَةِ الَّتِي سَرَقَت فَقُطِعَت يَدُهَا، قَالَت عَائِشَةُ: فَحَسُنَت تَوبَتُهَا بَعدُ، وَتَزَوَّجَت، وَكَانَت تَأتِينِي بَعدَ ذَلِكَ فَأَرفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nرواه البخاريُّ (٣٤٧٥)، ومسلم (١٦٨٨) (٨ و٩)، وأبو داود (٤٣٧٣)، والترمذيُّ (١٤٣٠)، والنسائي (٨/ ٧٣)، وابن ماجه (٢٥٤٧).\nــ\nوأمَّا الشفاعة قبل بلوغ الإمام: فقد أجازها أكثر أهل العلم لما جاء في السِّتر على المسلم مطلقًا، لكن قال مالك: ذلك فيمن لم يُعرف منه أذى للنَّاس، فأما من عرف منه شرٌّ، وفسادٌ: فلا أحبُّ أن يُشفع فيه.\nوأمَّا الشفاعة فيما ليس فيه حدٌّ وليس فيه حق لآدمي، وإنَّما فيه التعزير فجائزة عند العلماء بلغ الإمام أم لا.\nو(قوله: إنَّما أهلك الذين قبلكم أنَّهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدَّ) تهديد، ووعيد شديد على ترك القيام بالحدود، وعلى ترك التسوية فيما بين الدَّنيء والشريف، والقوي والضعيف. ولا خلاف في وجوب ذلك.\nوفيه حجَّة لمن قال: إن شرع من قبلنا شرع لنا.\nو(قوله: لو أن فاطمة سرقت لقطعت يدها) إخبارٌ عن مقدَّر يفيد القطع بأمر محقق. وهو وجوب إقامة الحد على البعيد والقريب، والبغيض والحبيب، لا تنفع في ذريةٍ شفاعة، ولا تحولُ دونه قرابة ولا جماعة.\nو(قولها: فحسنت توبتها، وتزوَّجت .. . إلى آخره) يدلّ على صحة توبة","vol":"5","page":79},{"text":"[١٧٧٩] وعنها: قالت: كَانَت امرَأَةٌ مَخزُومِيَّةٌ تَستَعِيرُ المَتَاعَ وَتَجحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بقطع يَدهَا، فَأَتَى أَهلُهَا أُسَامَةَ فَكَلَّمُوهُ، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحوَ الأول.\nرواه مسلم (١٦٨٨) (١٠)، وأبو داود (٤٣٧٤).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-667>(٣) باب حد البكر والثيب إذا زنيا</span>\n[١٧٨٠] عَن عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَد جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا؛ البِكرُ بِالبِكرِ، جَلدُ مِائَةٍ ونَفيُ\nــ\nالسَّارق، وأنها ماحيةٌ لإثم السَّرِقة، وللمعرَّة اللاحقة، فيحرم تعييره بذلك. أو يعاب عليه شيء مما كان هنالك. وهكذا حكم أهل الكبائر إذا تابوا منها، وحسنت أحوالهم بعدها، تُسمعُ أقوالهم، وتُقبل شهادتهم. وهذا مذهب الجمهور، غير أن أبا حنيفة قال: لا تقبل شهادة القاذف المحدود مطلقًا وإن تاب. وقال مالك: لا تُقبل شهادة المحدود فيما حدّ فيه، وتُقبل في غيره.\n(٣) ومن باب: حدّ البكر والثيِّب إذا زنيا\n(قوله - ﷺ -: خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا) أي: افهموا عني تفسير السبيل المذكور في قوله تعالى: ﴿فَأَمسِكُوهُنَّ فِي البُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ المَوتُ أَو يَجعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ واعملوا به. وذلك: أن مُقتضى هذه الآية: أن من زنى حبس في بيته إلى أن يموت. كذا قاله ابن عباس في النساء، وحكي عن ابن عمر: أن ذلك حكم الزانيين؛ يعني: الرَّجل والمرأة. فكان ذلك","vol":"5","page":80},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالحبس هو حدّ الزناة؛ لأنَّه كان يحصل به إيلام الجاني وعقوبته؛ بأن يمنع من التصرف والنكاح وغيره طول حياته، وذلك عقوبةٌ وزجرٌ، كما يحصل من الجلد والتغريب. فحقيق أن يُسمّى ذلك الحبس حدًّا، غير أن ذلك الحكم كان محدودًا إلى غاية وهو أن يبين الله لهن سبيلًا آخر غير الحبس، فلما بلغ وقت بيانه المعلوم عند الله أوضحه الله تعالى لنبيّه - ﷺ - فبلَّغه لأصحابه، فقال لهم: (خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد مائة، وتغريب عام، والثيِّب بالثيِّب جلد مائة والرَّجم)، فارتفع حكم الحبس في البيوت لانتهاء غايته. وهذا نحو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾ فإذا جاء الليل ارتفع حكم الصيام، لانتهاء غايته، لا لنسخه. وبهذا يعلم بطلان قول من قال: إن الحبس في البيوت في حق البكر منسوخ بالجلد المذكور في النور، وفي حق الثيِّب بالرَّجم المجمع عليه. وهذا ليس بصحيح لما ذكرناه أولًا، ولأن الجمع بين الحبس، والجلد، والرَّجم ممكن، فلا تعارض، وهو شرط النسخ مع علم [المتأخر من] (١) المتقدم، كما قدَّمناه في باب النسخ في الأصول. وإذا تقرر هذا فاعلم: أن الأمَّة مُجمِعة: على أن البكر - ويعني به: الذي لم يحصن - إذا زنى جلد الحدّ. وجمهور العلماء من الخلفاء، والصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، على وجوب التغريب مع الحدّ إلا أبا حنيفة، وصاحبه محمد بن الحسن، فإنَّهما قالا: لا تغريب عليه. فإن النصّ الذي في الكتاب إنَّما هو على جلد الزاني، والتغريب زيادةٌ عليه، والزيادة على النصّ نسخ، فيلزم عليه نسخ القرآن القاطع بخبر الواحد، فإن التغريب إنما ثبت بخبر الواحد.\nوالجواب: أنا لا نسلِّم: أن الزيادة على النص نسخٌ، بل زيادة حكم آخر مع\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"5","page":81},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالأصل، فلا تعارض، فلا نسخ. وقد بيَّنا ذلك في الأصول، سلمنا ذلك، لكن هذه الآية ليست بنصٍّ، بل عموم ظاهرٌ، فيخصّص منها بعض الزناة بالتغريب، كما يخصِّص بعضهم بالرَّجم، ثمَّ يلزمهم ردَّ الحكم بالرجم فإنه زيادة على نصّ القرآن، وهو ثابت بأخبار الآحاد. ولو سلَّمنا: أن الرَّجم ثبت بالتواتر، فشرطه الذي هو الإحصان ثبت بأخبار الآحاد، ثم هم قد نقضوا هذه القاعدة التي قعدوها في مواضع كثيرةٍ بيَّناها في الأصول.\nومن أوضح ذلك: أنهم أجازوا الوضوء بالنبيذ معتمدين في ذلك على خبر ضعيف لم يصحّ عند أهل العلم بالحديث، وهو زيادة على ما نصّ عليه القرآن من استعمال الماء.\nثم القائلون بالتغريب اختلفوا فيه. فقال مالك: ينفى من مصر إلى الحجاز وشَعب وأسوان ونحوها. ومن المدينة إلى خيبر وفدك، وكذلك فَعَل عمر بن عبد العزيز. وقد نفى علي - ﵁ - من الكوفة إلى البصرة. قال مالك: ويحبس في البلد الذي نُفي إليه. وقيل: يُنفى إلى عمل غير عمل بلده. وقيل: إلى غير بلده. وقال الشافعي: أقلُّ ذلك يوم وليلة.\nقلت: والحاصل: أنَّه ليس في ذلك حدٌّ محدود، وإنَّما هو بحسب ما يراه الإمام، فيختلف بحسب اختلاف أحوال الأشخاص على حسب ما يراه أردع.\nثمَّ القائلون بالتغريب لم يختلفوا في تغريب الذكر الحرّ. واختلفوا في تغريب المرأة والعبد. فممن رأى التغريب فيهما؛ أخذا بعموم حديث التغريب، ابن عمر، وقد حدّ مملوكة له في الزنى، ونفاها إلى فدك. وبه قال الشافعي، وأبو ثور، والثوري، والطبري، وداود.\nوهل يُنفى العبد والأمة سنة أو نصف سنة؟ قولان عند الشافعي. وذهب معظم القائلين بالنفي: إلى أنه لا نفي على مملوك، وبه قال الحسن وحماد بن","vol":"5","page":82},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nأبي سليمان، ومالك، وأحمد، وإسحاق. ولم ير مالك، والأوزاعي على النساء نفيًا. وروي مثله عن علي بن أبي طالب بناءً على تخصيص حديث النفي.\nأما في الأَمَة: فبقوله - ﷺ -: (إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ثلاثًا). ثم قال بعد ذلك: (ثم إن زنت فبيعوها ولو بِضَفِير) (١)، ولم يذكر النفي، وهو موضع بيان، ووقته، لا يجوز تأخيره عنه، ولأن تغريب المملوك عقوبة لمالكه يمنعه من منافعه في مدة تغريبه، ولا يناسب ذلك تصرُّف الشرع، فلا يعاقب غير الجاني، ألا ترى أن العبد لا يجب عليه الحجَّ، ولا الجمعة، ولا الجهاد لحق السيِّد؛ فِبأن لا يغرب أولى.\nوإمَّا في حق الحرَّة: فلأنها لا تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم أو زوج، فإن أوجبنا التغريب على هؤلاء معها كنا قد عاقبناهم وهم برءاءُ، وإن لم نوجبه عليهم لم يجز لها أن تسافر وحدها فتعذَّر سفرها. فإن قيل: تسافر مع رفقة مأمونة أو النساء؛ كما يقوله مالك في سفر الحجّ. فالجواب: إن ذلك من مالك سعي في تحصيل وظيفة الحجّ لعظمها وتأكد أمرها، بخلاف الزانية؛ فإن المقصود منه المبالغة في الزجر والنكال، وذلك حاصل بالجلد، ولأن إخراج المرأة من بيتها الأصل منعه.\nألا ترى: أن صلاتها في بيتها أفضل، ولا تخرج منه في العِدَة. وقد قال - ﷺ -: (أَعرُوا النساء يَلزَمن الحِجالَ) (٢).\nوحاصل ذلك: أن في إخراجها من بيتها إلى بلد آخر تعريضها لكشف عورتها، وتضييعا لحالها، وربما يكون ذلك سببًا لوقوعها فيما أخرجت من سببه، وهو الفاحشة. ومآل هذا البحث تخصيص عموم التغريب بالمصلحة المشهود لها بالاعتبار، وهو مختلف فيه، كما ذكرناه في الأصول.\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ١١٧)، والبخاري (٢١٥٣)، ومسلم (١٧٠٤) (٣٣)، وأبو داود (٤٤٦٩)، وابن ماجه (٢٥٦٥).\n(٢) رواه الطبراني في الكبير (١٩/ ١٠٦٣)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١٣٨) وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه مجمع بن كعب ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وانظر: تنزيه الشريعة (٢/ ٢١٢).","vol":"5","page":83},{"text":"سَنَةٍ، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم.\nرواه أحمد (٥/ ٣١٣)، ومسلم (١٦٩٠) (١٢)، وأبو داود (٤٤١٦)، والترمذي (١٤٣٤).\nــ\nو(قوله: والثيِّب بالثيِّب جلد مائة والرَّجم) الثيب هنا: هو المحصن، وهو البالغ، العاقل، الحرّ، المسلم، الواطئ وطئًا مباحًا في عقد صحيح. هذه شروط الإحصان عند مالك، وقد اختلف في بعضها. ولبيان ذلك موضع آخر. فإذا زنى المحصن وجب الرَّجم بإجماع المسلمين، ولا التفات لإنكار الخوارجِ والنّظَّامِ (١) الرَّجمَ، إمَّا لأنهم ليسوا بمسلمين عند من يكفِّرهم، وإما لأنَّهم لا يعتد بخلافهم؛ لظهور بدعتهم وفسقهم على ما قرَّرناه في الأصول.\nوهل يجمع عليه الجلد والرَّجم؟ كما هو ظاهر هذا الحديث؛ وبه قال الحسن البصري، وإسحاق، وداود، وأهل الظاهر. وروي عن علي بن أبي طالب - ﵁ -: أنَّه جمع ذلك على شراحة، وقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله - ﷺ -. أو يقتصر على الرَّجم وحده؟ وهو مذهب الجمهور، متمسكين بأن النبي - ﷺ - رجم ماعزًا والغامدية ولم يجلدهما، وقال: (اغدُ يا أُنَيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها) (٢)، ولم يذكر الجلد، فلو كان مشروعًا لما سكت عنه، وكأنَّهم رأوا: أن هذا أرجح من حديث الجمع بين الجلد والرَّجم، إما لأنَّه منسوخ إن عرف التاريخ، وإمَّا لأن العمل المتكرر من النبي - ﷺ - في أوقات متعددة أثبت في النفوس، وأوضح، فيكون أرجح. وقد شذَّت طائفة فقالت: يجمع الجلد والرجم على الشيخ، ويُجلد الشابُّ تمسُّكًا بلفظ الشيخ. وهو خطأ، فإنَّه قد سَمَّاه في الحديث الآخر: الثيب.\n_________\n(١) هو إبراهيم بن سيّار، من أئمة المعتزلة. توفي سنة (٢٣١ هـ).\n(٢) رواه البخاري (٢٣١٥)، ومسلم (١٦٩٧)، وأبو داود (٤٤٤٥)، والنسائي (٨/ ٢٤٠ - ٢٤١)، وابن ماجه (٢٥٤٩).","vol":"5","page":84},{"text":"[١٧٨١] وعن عَبد اللَّهِ بن عَبَّاسٍ قَالَ: قال عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ - وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالحَقِّ، وَأَنزَلَ عَلَيهِ الكِتَابَ، فَكَانَ مِمَّا أُنزِلَ الله عَلَيهِ آيَةُ الرَّجمِ، قَرَأنَاهَا، وَوَعَينَاهَا، وَعَقَلنَاهَا، فَرَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَرَجَمنَا بَعدَهُ، فَأَخشَى إِن طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَن يَقُولَ قَائِلٌ: مَا نَجِدُ الرَّجمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ! فَيَضِلُّوا بِتَركِ فَرِيضَةٍ أَنزَلَهَا اللَّهُ،\nــ\nو(قوله في الأصل (١): كرب لذلك وتَرَبَّد وجهه) أي: أصابه كربٌ، وعلت وجهه غَبَرَةٌ. والرَّبدة: تغيير البياض للسواد، وقد تقدم في الإيمان.\nو(قول عمر: كان مما أنزل الله تعالى على نبيه - ﷺ - آية الرَّجم، فقرأناها، ووعيناها، وعقلناها) هذا نصٌّ من عمر - ﵁ - على أنَّ هذا كان قرآنًا يُتلى. وفي آخره ما يدلُّ على أنَّه نُسخ كَونُها من القرآن، وبقي حُكمُها معمولًا به، وهو الرَّجم. وقال ذلك عمر بمحضرِ الصحابة - ﵃ -. وفي مَعدن الوحي، وشاعت هذه الخطبة في المسلمين، وتناقلها الرُّكبان، ولم يسمع في الصحابة ولا فيمن بعدهم من أنكر شيئًا مِمَّا قاله عمر، ولا راجعه لا في حياته ولا بعد موته، فكان ذلك إجماعًا منهم على صحة هذا النوع من النسخ. وهو نسخ التلاوة مع بقاء الحكم، ولا يلتفت لخلاف من تأخر زمانه، وقل علمه في ذلك.\nوقد بيَّنا في الأصول: أن النسخ على ثلاثة أضرب: نسخ التلاوة، ونسخ الحكم مع بقاء التلاوة، ونسخ التلاوة مع بقاء الحكم.\nو(قوله: فرجم رسول الله - ﷺ - ورجمنا بعده) يعني: نفسه وأبا بكر - ﵄ -.\nو(قوله: فأخشى إن طال زمان أن يقول قائل: ما نجدُ الرَّجم في كتاب الله فيضلُّوا بترك فريضةٍ أنزلها الله تعالى) هذا الذي توقعه عمر قد وقع بعده للخوارج،\n_________\n(١) أي: في مسلم، الحديث رقم (١٦٩٠) (١٣).","vol":"5","page":85},{"text":"فإِنَّ الرَّجمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَن زَنَى إِذَا أَحصَنَ مِن الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ؛ إِذَا قَامَت البَيِّنَةُ، أَو كَانَ الحَبَلُ، أَو الِاعتِرَافُ.\nــ\nوالنّظَّام؛ فإنَّهم أنكَرُوا الرَّجم، فهم ضالون بشهادة عمر - ﵁ - وهذا من الحق الذي جعل الله تعالى على لسان عمر وقلبه - ﵁ -، ومما يدلُّ على أنَّه كان محدِّثًا بكثير مما غاب عنه، كما شهد له بذلك رسول الله - ﷺ -.\nو(قوله: فإن الرَّجم في كتاب الله) أي: في حكم الله الذي كان نزل في الكتاب، وكان فيه ثابتًا قبل نسخه، كما قدَّمناه. وقد نصَّ على هذا المعنى فيما ذكره عنه مالك في الموطأ؛ فقال: لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله لكتبته بيدي: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة (١). وهذا من قوله يدلّ على أن الكتاب قد أحكمت آياته وانحصرت حروفه وكلماته، فلا يقبل الزيادة ولا النقصان.\nو(قوله: حقٌّ) أي: ثابت يعمل به إلى يوم القيامة.\nو(قوله: على من زنى من الرِّجال أو النساء إذا أحصن) هذا مجمع عليه؛ إذ لم يسمع بمن فرَّق فيه بين الرجال والنساء. وقد رجم رسول الله - ﷺ - ماعزًا والغامدية على ما يأتي.\nو(قوله: إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف) فيعني بالبينة الأربعة الشهداء العدول، المؤدين للشهادة في فَورٍ واحد؛ الذين يَصفُون رؤية فرجه في فرجها كالمِرُّود في المكحلة، المقيمين على شهادتهم إلى أن يقام الحدّ على ما يُعرف في كتب الفقه.\nو(الحَبَلُ): يعني به: أن يظهر بامرأة لا زوج لها، ولا سيِّد، وكانت غير طارِئةٍ (٢) - حَبَلٌ، ولم يظهر ما يدلُّ على الإكراه [مثل أن تتعلق\n_________\n(١) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٨٢٤).\n(٢) جاء في شرح النووي على صحيح مسلم لهذا الحديث: إلا أن تكون غريبةٌ طارئة، =","vol":"5","page":86},{"text":"رواه البخاريُّ (٣٨٧٢)، ومسلم (١٦٩١) (١٥)، وأبو داود (٤٤١٨)، والترمذيُّ (١٤٣١).\n* * *\nــ\nبه، وتفضح نفسها، وهي تُدمَى، فأما لو لم يكن إلا قولها أنها أكرهت، ولم يظهر ما يدلّ على الإكراه] (١)، فإنَّها لا يَدفَع الحدّ عنها مجرَّدُ قولِها، ولا يكون قولها شبهة عندنا، وهو شبهة عند أبي حنيفة يدرأ بها الحدّ. وبه قال ابن المنذر، والكوفيون، والشافعي، قالوا: إذا وجدت المرأة حاملًا فلا حدّ عليها إلا أن تقرَّ بالزنى، أو تقوم عليها بيِّنة. ولم يفرِّقوا بين الطارئة وغيرها. ويرد عليهم قول عمر - ﵁ -: أو الحَبَل - بحضرة الصحابة - ولا منكر. وأيضًا: فمثل هذا لا يقوله عمر - ﵁ - عن اجتهاد، إنَّما يقوله عن النبي - ﷺ - لكنه لم يصرَّح بالرفع. ولا يضرُّنا ذلك. ولو سلَّمنا: أنَّه قاله عن اجتهاد فاجتهاده راجحٌ على اجتهاد غيره؛ لشهادة النبي - ﷺ - (إن الله تعالى قد جعل الحق على لسانه وقلبه) (٢). وسيأتي الكلام في الاعتراف.\n* * *\n_________\n= وتدعي أنه من زوج أو سيِّد. وقال في اللسان: يقال للغرباء: الطُّرّاء، وهم الذين يأتون من مكانٍ بعيد.\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٢) رواه ابن عمر (٢/ ٤٠١)، والبزار كما في كشف الأستار (٢٥٠١) من حديث أبي هريرة.","vol":"5","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-668>(٤) باب إقامة الحد على من اعترف على نفسه بالزنا</span>\n[١٧٨٢] عَن عَلقَمَةَ بنِ مَرثَدٍ، عَن سُلَيمَانَ بنِ بُرَيدَةَ، عَن أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ مَاعِزُ بنُ مَالِكٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، طَهِّرنِي، فَقَالَ: وَيحَكَ! ارجِع فَاستَغفِر اللَّهَ وَتُب إِلَيهِ. قَالَ: فَرَجَعَ غَيرَ بَعِيدٍ ثُمَّ جَاءَ\nــ\n(٤ و٥ و٦) ومن باب: إقامة الحد على من اعترف على نفسه بالزنى (١)\n(قول ماعز - ﵁ - في هذه الرِّواية: يا رسول الله! طهرني) ولم يذكر فيها مماذا يُطهَّر؟ وإنما أراد به: من إثم الزنى، بإقامة الحدّ، كما جاء في الرِّواية الأخرى، فإنَّه قال: يا رسول الله! إني قد ظلمت نفسي، وزنيت، وإني أريد أن تطهرني. وهذه رواية محكمة، وهكذا هذا الحديث روي بألفاظ متعددة بعضها يفسر بعضًا، أو يُقيِّده (٢).\nو(قوله - ﷺ -: ويحك! ارجع فاستغفر الله، وتب إليه) يدل على أن ما كان من حقوق الله تعالى يكفي في الخروج من إثمه التوبة، والاستغفار، وإن كان فيه حدٌّ. وفيه: جواز ستر الإمام على الزاني ما لم يتحقق السبب، فإذا تحقق السبب الذي يترتب عليه الحدّ فلا بدَّ من إقامته، كما ذكره مالك في الموطأ من مراسيل ابن شهاب، عن النبي - ﷺ - أنه قال: (من بلي بشيء من هذه القاذورات فليستتر،\n_________\n(١) ضمَّن المؤلف -﵀- شرحَ ما أشكل في هذا الباب شرح ما أشكل في (باب: يُحفر للمرجوم حفرة إلى صدره ويشدّ عليه ثيابه)، (وباب: من روى أن ماعزًا لم يُحْفَر له ولا شدّ ولا استغفر له) التاليين في التلخيص.\n(٢) جاء في حاشية (م): والمرأة التي وقع عليها ماعز هي: فاطمة جارية هزَّال الأسلمي.","vol":"5","page":88},{"text":"فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، طَهِّرنِي، فَقَالَ النبي ﷺ: وَيحَكَ! ارجِع فَاستَغفِر اللَّهَ وَتُب إِلَيهِ. قَالَ: فَرَجَعَ غَيرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، طَهِّرنِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مِثلَ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَت الرَّابِعَةُ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فِيمَ أُطَهِّرُكَ؟ . فَقَالَ: مِن الزِّنَى، فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَبِهِ جُنُونٌ؟ . فَأُخبِرَ أَنَّهُ لَيسَ بِمَجنُونٍ، فَقَالَ: أَشَرِبَ خَمرًا؟ . فَقَامَ رَجُلٌ فَاستَنكَهَهُ، فَلَم يَجِد مِنهُ\nــ\nفإنَّه من يُبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله) (١). فأمَّا حقوق الآدميين: فلا بدَّ مع التوبة من الخروج منها.\nو(قوله - ﷺ -: أبه جنون؟) هذا سؤال أوجبه ما ظهر على السَّائل من الحال التي تشبه حال المجنون، وذلك: أنَّه جاء إلى رسول الله - ﷺ - منتفش الشعر، ليس عليه رداء، يقول: زنيت فطهرني. كما قد صحَّ في الرِّواية، وإلا فليس من المناسب أن ينسب الجنون إلى من أتى على هيئة العقلاء، وأتى بكلام منتظم مُقيد، لا سيما إذا كان فيه طلب الخروج من مأثم.\nو(قوله: أَشرِبَ (٢) خمرًا؟ واستِنكَاهُهُم له) يدلُّ على أن مَن وجدت منه رائحة الخمر حكم له بحكم من شربها. وهو مذهب مالك، والشافعي. وهو قول عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وعمر بن عبد العزيز. وقال آخرون: لا يُحَدُّ بالرِّيح بل بالاعتراف، أو البيِّنة، أو يُوجد سكران. وإليه ذهب عطاء وعمرو بن دينار، والثوري، غير أنه قال: يعزر من وجد منه ريح الخمر.\nوفيه من الفقه ما يدلُّ على أن المجنون لا تعتبر أقواله، ولا يتعلَّق بها حكم، وهذا لا يختلف فيه.\n_________\n(١) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٨٢٥).\n(٢) في (م) و(م ٢) و(ل ١): و(ز): أشربت.","vol":"5","page":89},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوظاهر هذا الحديث: أن السَّكران مثل المجنون في عدم اعتبار إقراره، وأقواله. وبه قالت طائفة من أهل العلم. وقالت طائفة أخرى، وهو مالك، وجل أصحابه: يؤخذ بإقراره؛ لأنه لا يعرف المتساكر من السَّكران، ولأنَّه لَمَّا كان مختارًا لإدخال السُّكر على نفسه صار كأنه مختار لما يكون في سكره. وهذا مع أنا نقول: إن من ذهب عقله حتى لا يميز شيئًا فليس بمكلَّف، ولا مخاطب خطاب تكليف في تلك الحال بالإجماع، على ما حكاه ابن العربي. وإنَّما يتعلَّق به خطاب الإلزام المسمَّى بخطاب الوضع والإخبار؛ على ما بيَّناه في الأصول.\nواعترافه على نفسه أربع مرَّات يَستدلُ به من يشترط في قبول إقرار الزاني العدد. وهم: الحكم، وابن أبي ليلى، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي؛ فقالوا: لا يقام عليه الحدّ إلا إذا أقرَّ على نفسه أربع مرَّات تمسُّكًا بهذا الحديث، وبأن الإقرار بالزنى كالشهادة عليه، وقد انعقد الإجماع: على أن شهود الزنى أربعة، فيكون الإقرار أربعة. ومن هؤلاء من شرط أن تكون الأربع الإقرارات في مجلس واحد. وإليه ذهب ابن أبي ليلى، وأحمد. وقال أصحاب الرأي: إذا أقرَّ أربع مرَّات في مجلس واحد فهو بمنزلة مرة واحدة.\nقلت: والأوَّل مقتضى قياس الإقرار بالزنى على الشهادة به، وعلى القول الثاني يمتنع الإلحاق.\nوالصحيح: أنَّه لا يشترط في الإقرار بالزنى، ولا غيره عدد. وهو مذهب الجمهور: مالك، والشافعي، وأبي ثور. وبه قال الحسن، وحمَّاد. والدَّليل على صحة ذلك: أنه - ﷺ - رجم الغامدية بإقرارها مرة واحدة، ولم يستعد منها الإقرار، ولقوله - ﷺ -: (واغدُ يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) (١) ولم يأمره أن\n_________\n(١) سيأتي تخريجه في التلخيص برقم (٢٠٨٧).","vol":"5","page":90},{"text":"رِيحَ خَمرٍ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَزَنَيتَ؟ . فَقَالَ: نَعَم،\nــ\nيستعيد إقرارها بذلك أربع مرَّات. وأما تكرار اعتراف ماعز فإنما كان لأجل إعراضه عنه - ﷺ - في الثلاث المرَّات ليستر نفسه، وليتوب، ولم يأمره النبي - ﷺ - بإعادة ذلك. وأمَّا قياسهم الإقرار على الشهادة فليس بصحيح، للفرق بينهما من وجوه متعددة. وذلك: أن إقرار الفاسق والعبد على نفسه مقبول بخلاف شهادتهما، ويكفي منه في سائر الحقوق مرة واحدة بالإجماع، إلا من شذَّ فقال: إنَّ الإقرار بالقتل لا يكون إلا مرَّتين كالشهادة به، ولو كان الإقرار كالشَّهادة مطلقًا لاشترط فيه العدد مطلقًا، ولو كان كالشهادة لما قُبل إقرار المرأة على نفسها بأنها جُرِحت أو أعتقت؛ لأنَّها لا تقبل شهادتها في ذلك، فبطل تمسكهم بالخبر والقياس. والله الموفق.\nو(قوله: أزنيتَ؟ فقال: نعم) جاء هذا المعنى في كتاب أبي داود بأوضح من هذا: قال له النبي - ﷺ -: (أنكتها؟) قال: نعم. قال: (حتى غاب ذلك منك في ذلك منها؟) قال: نعم. قال: (كما يغيب المِروَد في المُكحُلَة، والرِّشاء في البِئر؟) قال: نعم. قال: (هل تدري ما الزنى؟) قال: نعم، أتيتُ منها حرامًا ما يأتي الرَّجُل من أهله حلالًا) (١). وهذا منه - ﷺ - أخذ لماعز بغاية النصّ الرافع لجميع الاحتمالات كلها تحقيقًا للأسباب، وسعيًا في صيانة الدماء. ثمَّ لما فرغ - ﷺ - من استفصاله (٢) عن ذلك سأله عن الإحصان. فقال: (هل أحصنت؟) قال: نعم؛ يعني: هل تزوجت تزويجًا صحيحًا، ووطئت وطئًا مباحًا؟ فعندما أجابه بنعم، أمر برجمه، وذلك عند تحقق السبب الذي هو الزنى بشرطه؛ الذي هو الإحصان. وقد أخذ علماؤنا من حديث أبي داود: أن شهود الزنى يصفون الزنى كما وصف ماعز، فيقول الشاهد: رأيت فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة. وإليه ذهب معاوية، والزهري، ومالك، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٤٢٨).\n(٢) في (ل ١) و(م ٣) و(ز): استقصائه.","vol":"5","page":91},{"text":"فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَكَانَ النَّاسُ فِيهِ فِرقَتَينِ، قَائِلٌ يَقُولُ: لَقَد هَلَكَ، لَقَد\nــ\nو(قوله: فأمر به، فرجم)، وفي الرِّواية الأخرى: (فأمر به فحفر له)، وفي الرواية الأخرى قال: (فما أوثقناه، ولا حفرنا له)، وفي حديث الغامدية: (أنها حُفِر لها إلى صدرها) اختلاف هذه الروايات هو الموجب لاختلاف العلماء في هذا الحكم الذي هو: الحفر. فلم يبلغ مالكًا من أحاديث الحفر شيء، فلم يقل به، لا في حق المرأة، ولا في حق الرَّجل، لا هو، ولا أصحابه. وكذلك قال أحمد، وأصحاب الرأي. وقالوا: إن حفر للمرأة فحسن. وقيل: يحفر لهما. وبه قال قتادة وأبو يوسف. وروي في ذلك عن علي، ووسَّع الشافعي، وابن وهب للإمام في ذلك، وخيراه.\nثم قال في هذه الرواية الأخيرة: (فرميناه بالعظم، ثمَّ المدر، والخزف)، قال: (فاشتد واشتددنا خلفه حتى أتى عُرض الحَرَّة، فانتصب لنا، فرميناه بِجَلامِيد الحرَّةِ حتى سكت) يعني بالعظم: العظام، والمدر: التراب الأحمر المنعقد، والخزف: الشِّقاف، وهي: كِسَر الفخَّار. وعُرض الحَرَّة - بضم العين -: جانبها، وسكت: معناه: سكن؛ أي: مات. وقال أبو داود فيه من حديث هَزَّال، فقال رسول الله - ﷺ -: (هلَاّ تركتموه لعلَّه أن يتوب فيتوب الله عليه) (١).\nوقال أيضًا من حديث جابر: أن جابرًا قال: لما خرجنا به فرجمناه، فوجد مس الحجارة صرخ بنا: يا قوم! ردوني إلى رسول الله - ﷺ -، فإن قومي قتلوني، وغرُّوني من نفسي، وأخبروني: أن رسول الله - ﷺ - غير قاتلي. فلم ننزع عنه حتى قتلناه، فلمَّا رجعنا إلى رسول الله - ﷺ - وأخبرناه فقال: (هلا تركتموه وجئتموني به) ليستثبت رسول الله - ﷺ - فيه، فأمَّا لترك حدّ فلا (٢).\nهذه الروايات متواردة: على أن ماعزًا لَمَّا وجد ألم الحجارة صدر منه ما\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٤٢٠).\n(٢) رواه أحمد (٣/ ٣٨١)، وأبو داود (٤٤٢٠).","vol":"5","page":92},{"text":"أَحَاطَت بِهِ خَطِيئَتُهُ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: مَا تَوبَةٌ أَفضَلَ مِن تَوبَةِ مَاعِزٍ، إنَّهُ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: اقتُلنِي بِالحِجَارَةِ، قَالَ: فَلَبِثُوا بِذَلِكَ يَومَينِ أَو ثَلَاثَةً، ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُم جُلُوسٌ فَسَلَّمَ، ثُمَّ جَلَسَ فَقَالَ: استَغفِرُوا لِمَاعِزِ بنِ مَالِكٍ. قَالَ: فَقَالَوا: غَفَرَ اللَّهُ لِمَاعِزِ بنِ مَالِكٍ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَقَد تَابَ تَوبَةً لَو قُسِمَت بَينَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتهُم.\nــ\nيدلّ على أنه أراد أن يردَّ إلى النبي - ﷺ - لا سيما وقد صرح بذلك في حديث جابر، وأن النبي - ﷺ - قال: (فهلا تركتموه، وجئتموني به)، فاستنبط منه كثير من العلماء: أن المعترف بما يجب عليه من الحد إن رجع عن إقراره مطلقًا لم يُحدَّ، وممن ذهب إلى هذا: عطاء، ويحيى بن يعمر، والزهري، وحمَّاد، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، والنعمان، ومالك في رواية القعنبي. وقيل: لا ينفعه رجوعه مطلقًا. وبه قال سعيد بن جبير، والحسن، وابن أبي ليلى، وأبو ثور. وهي رواية ابن عبد الحكم عن مالك. وقال أشهب: قال مالك: إن جاء بعذر قُبل منه، وإلا لم يقبل ذلك منه.\nقلت: وليس في شيء من هذه الروايات ما ينصّ على أنَّه - ﷺ - كان يقبل رجوعه مطلقًا لا سيما مع قول جابر: ليستثبت في أمره، فأمَّا لترك حدّ فلا. ولعلَّه كان يستدعي منه النبي - ﷺ - الرُّجوع إلى شبهة كما صار إليه مالك في رواية أشهب. وهذا القول أعجب ما في هذه المسألة.\nإنَّه إن رجع إلى شبهة درئ عنه الحد، وإلا فلا. وقد قال أحمد بن حنبل، وأبو ثور: إذا هرب تُرك اتِّباعًا لهذه الزيادة. وقاله بعض أصحابنا. وقال: إن وُجد بالفور كمل عليه الحد. وإن وجد بعد زمان تُرِكَ.\nو(قوله: فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة) الإشارة بـ (ذلك) إلى ما وقع لهم من الاختلاف في شأن ماعز؛ يعني: أنَّهم بقوا كذلك إلى أن تبيَّن لهم حاله بقوله:","vol":"5","page":93},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n(لقد تاب توبة لو قُسِمَت بين أُمَّةٍ لوسعتهم). والأمَّة: الجماعة من الناس. وقد يقال على الجماعة مما لا يعقل. فيقال: أمَّة من الحمير، ومن الطير. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيهِ إِلا أُمَمٌ أَمثَالُكُم﴾ ويعني بالأمَّة في هذا الحديث السبعين الذين ذكروا في حديث الغامدية. وزاد أبو داود من رواية ابن عباس: أن ماعزًا لما رجم سمع النبي - ﷺ - رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه: انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه، فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب، فسكت عنهما، ثم سار ساعة حتى مرَّ بجيفة حمار شائلٍ بِرِجلِه. فقال: (أين فلان وفلان؟) فقالا: نحن ذانِ يا رسول الله! فقال: (انزلا وكلا من جيفة هذا الحمار) فقالا: يا رسول الله! من يأكل من هذا؟ قال: (فما نِلتُما من عِرضِ أَخِيكُما آنفًا أشد من أكلٍ منه، والذي نفسي بيده! إنَّه الآن في أنهار الجنة ينغمسُ فيها) (١).\nقلت: فهذه الروايات كلها متواردة على أن الحدّ كفارة، كما جاء في حديث عبادة بن الصامت حيث قال: (فمن أصاب شيئًا من ذلك فعوقب به فهو كفارة) (٢).\nوقد زاد أبو داود في حديث ماعز من حديث خالد بن اللجلاج: أنه لَمَّا رجم جاء رجل يسأل عن المرجوم، فانطلقنا به إلى النبي - ﷺ - فقلنا: هذا جاء يسأل عن الخبيث. فقال رسول الله - ﷺ -: (لهو أطيب عند الله من ريح المسك)، فإذا هو أبوه، فأعنَّاه على غسله وتكفينه، ودفنه. قال: وما أدري؛ قال: والصلاة عليه، أم لا (٣)؟\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٤٢٨)، والدارقطني (٣/ ١٩٦ - ١٩٧)، والبيهقي (٨/ ٢٢٧ - ٢٢٨).\n(٢) رواه البخاري (٧٢١٣)، ومسلم (١٧٠٩)، والترمذي (١٤٣٩)، والنسائي (٧/ ١٤٨).\n(٣) رواه أبو داود (٤٤٣٥).","vol":"5","page":94},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوفيه دليل: على أن المرجوم يُغسَّل، ويكفَّن، ويصلَّى عليه. وفي معناه: كل من قتل في حدّ من المسلمين، غير أن الإمام يجتنب الصلاة على من قتله في حدّ؛ على مذهب مالك، وأحمد بن حنبل؛ لأنَّ النبي - ﷺ - لم يصل على ماعز. وعند أبي بكر بن أبي شيبة (١): أن النبي - ﷺ - أمر بالغامدية فصُلِّي عليها - بضم الصاد -كذا الرواية. وفي كتاب أبي داود (٢): أنَّه أمرهم: أن يصلوا عليها. وظاهر هذين الحديثين: أنَّه لم يصل عليها، غير أنَّه في كتاب مسلم: صَلَّى عليها. وظاهره: أنَّه صلَّى بنفسه، حتى قال له عمر: أتصلي عليها وقد زنت؟ ! وبهذا استدل من قال: إن الإمام يُصلِّي على من قتله في حدّ، على أنه يحتمل أن قول الراوي: صلَّى عليها؛ أي: دعا لها، واستغفر لها. أو يكون معناه: أنه أمر أن يصلّى عليها. ويعتضد هذا بأنه لم يُصلِّ على ماعز، كما قد روي من حديث معمر: أنه لم يصلِّ عليه. وفي بعض طرقه: أنَّه ما صلَّى عليه، ولا استغفر له، مع أنَّه قد صحَّ قوله: (استغفروا لأخيكم). فقالوا: غفر الله له (٣). ولم يتلفظ هو بالاستغفار، ولكنه أمر به، فيجوز أن يكون جرى في الصلاة عليه كذلك.\nو(قوله: لعلك قبَّلت أو غمزت (٤»، وفي بعض طرقه: (لعلك)، واقتصر عليها.\nفيه من الفقه: جواز تلقين الإمام للمقرِّ ما يدرأ عنه الحدّ. وقد روي ذلك عن رسول الله - ﷺ -، وأئمة العلماء. وروي عنه - ﷺ - أنَّه قال لسارقٍ: (ما إخالُك سَرَقتَ) (٥)، وروي عن أبي بكر، وعمر، وأبي الدرداء قالوا لسارقٍ: (أسرقتَ؟ قُل\n_________\n(١) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٨٨٥٦).\n(٢) رواه أبو داود (٤٤٤٢).\n(٣) هو حديث الباب رقم (٢٠٨٢).\n(٤) هذه الرواية ليست في مسلم وهي في البخاري برقم (٦٨٢٤)، وأحمد بن حنبل (١/ ٢٧٠ و٢٨٥ و٣٢٥).\n(٥) رواه أبو داود (٤٣٨٠)، والنسائي (٨/ ٦٧).","vol":"5","page":95},{"text":"قَالَ: ثُمَّ جَاءَتهُ امرَأَةٌ مِن غَامِدٍ مِن الأَزدِ فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، طَهِّرنِي، فَقَالَ: وَيحَكِ، ارجِعِي فَاستَغفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيهِ. فَقَالَت: أَرَاكَ تُرِيدُ أَن تُرَدّنِي كَمَا رَدَّدتَ مَاعِزَ بنَ مَالِكٍ، قَالَ: وَمَا ذَاكِ؟ . قَالَت: إِنَّهَا حُبلَى مِن الزِّنَى، فَقَالَ: آنتِ؟ . قَالَت: نَعَم، فَقَالَ لَهَا: حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطنِكِ. قَالَ: فَكَفَلَهَا رَجُلٌ مِن الأَنصَارِ حَتَّى وَضَعَت، قَالَ: فَأَتَى\nــ\n: لا). وعن عمر: ما أَرَى يد سارقِ. وعن ابن مسعود: لعلك وجدته. وعن علي - ﵁ - وقال لِحُبلَى: لعلَّكِ استُكرِهتِ، لعلَّك وُطِئتِ نائمةً. وقال للحُبلى الباكِيَة: إن المرأة قد تُستَكرَه. وقد أجاز ذلك أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وغيرهم.\nو(قوله: جاءت امرأة من غامد من الأزد) كذا قال في هذه الرِّواية. وفي الرواية الأخرى: (من جهينة)، ولا تباعد بين الروايتين؛ فإن غامدًا قبيلة من جهينة، قاله عياض. وأظن جهينة من الأزد. وبهذا تتفق الروايات (١).\nوقولها (٢): (إنَّها لَحُبلَى من الزنى) اعتراف منها من غير تكرار يطلب منها. ففيه دليلٌ على عدم اشتراطه على ما مرَّ. وكونه - ﷺ - لم يستفصلها كما استفصل ماعزًا؛ لأنَّها لم يظهر عليها ما يُوجب ارتيابًا في قولها، ولا شكًّا في حالها، بخلاف حال ماعز، فإنَّه ظهر عليه ما يشبه الجنون، فلذلك استفصله النبي - ﷺ - لِيَستَثبِت في أمره، كما تقدَّم.\nو(قوله - ﷺ -: حتى تضعي ما في بطنك) يدل على أن الجنين - وإن كان من زنى - له حُرمَة، وأن الحامل لا تُحَدُّ حتى تضع؛ لأجل حملها. وهذا\n_________\n(١) جاء في حاشية (م ١): اسم الغامدية: سبيعة، وقيل: أميَّة بنت فرح.\n(٢) في (ع) و(م ٢): قوله.","vol":"5","page":96},{"text":"النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: قَد وَضَعَت الغَامِدِيَّةُ، فَقَالَ: إِذًا لَا نَرجُمُهَا وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا، لَيسَ لَهُ مَن يُرضِعُهُ. فَقَامَ رَجُلٌ مِن الأَنصَارِ فَقَالَ: إِلَيَّ رَضَاعُهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَالَ: فَرَجَمَهَا.\nرواه أحمد (٥/ ٣٤٧ و٣٤٨)، ومسلم (١٦٩٥) (٢٢)، والنسائي في الكبرى (٧١٦٣).\n* * *\nــ\nلا خلاف فيه إلا شيء روي عن أبي حنيفة على خلاف عنه فيه.\nوقال في الرواية الأخرى: (إمَّا لا، فاذهبي حتى تلدي) إمَّا: بكسر الهمزة التي هي همزته (إن) الشَّرطية، زيدت عليها (ما) المؤكدة؛ بدليل دخول الفاء في جوابها. و(لا) التي بعدها للنفي. فكأنه قال: إن رأيت أن تستري على نفسك وترجعي عن إقرارك فافعلي، وإن لم تفعلي فاذهبي حتى تلدي.\nثمَّ اختلف العلماء فيها إذا وضعت. فقال مالك: إذا وضعت رجمت، ولم ينتظر بها إلى أن تكفل ولدها. وقاله أبو حنيفة، والشافعي في أحد قوليه. وهذا قول من لم تبلغه هذه الرواية التي فيها تأخير الغامدية إلى أن فطمت ولدها. وقد روي عن مالك: أنها لا ترجم حتى تجد من يكفل ولدها بعد الرَّضاع. وهو مشهور قول مالك، والشافعي، وقول أحمد، وإسحاق.\nوقد اختلفت الروايات في رجمها متى كان؟ هل كان قبل فطام الولد، أو بعد فطامه. والأولى: رواية من روى: أنها لم ترجم حتى فطمت ولدها، ووجدت من يكفله؛ لأنَّها مُثبِتةٌ حكما زائدًا على الرواية الأخرى التي ليس فيها ذلك، ولمراعاة حق الولد. وإذا روعي حقه وهو جنين، فلا ترجم لأجله بالإجماع، فمراعاته إذا خرج للوجود أولى.\nويستفاد من هذه الرِّواية: أن الحدود لا يبطلها طول الأزمان. وهو مذهب الجمهور. وقد شذَّ بعضهم فقال: إذا طال الزمان على الحدّ بطل. قاله أبو حنيفة في الشهادة بالزِّنى والسَّرِقة القَدِيمين. وهو قول لا أصل له.","vol":"5","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-669>(٥) باب يحفر للمرجوم حفرة إلى صدره وتشد عليه ثيابه</span>\n[١٧٨٣] عن بَشِير بن المُهَاجِرِ، عن عَبد اللَّهِ بن بُرَيدَةَ، عَن أَبِيهِ: أَنَّ مَاعِزَ بنَ مَالِكٍ الأَسلَمِيَّ أَتَى النبي ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَد ظَلَمتُ نَفسِي وَزَنَيتُ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَن تُطَهِّرَنِي. فَرَدَّهُ، فَلَمَّا كَانَ مِن الغَدِ أَتَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي زَنَيتُ، فَرَدَّهُ الثَّانِيَةَ، فَأَرسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى قَومِهِ فَقَالَ: أَتَعلَمُونَ بِعَقلِهِ بَأسًا تُنكِرُونَ مِنهُ شَيئًا؟ فَقَالَوا: مَا نَعلَمُهُ إِلَّا وَفِيَّ العَقلِ، مِن صَالِحِينَا فِيمَا نُرَى، فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَأَرسَلَ إِلَيهِم أَيضًا، فَسَأَلَ عَنهُ فَأَخبَرُوهُ أَنَّهُ لَا بَأسَ بِهِ وَلَا بِعَقلِهِ، فَلَمَّا كَانَ الرَّابِعَةَ حَفَرَ لَهُ حُفرَةً، فَرُجِمَ. قَالَ: فَجَاءَت الغَامِدِيَّةُ فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لِمَ تَرُدُّنِي؟ لَعَلَّكَ أَن تَرُدَّنِي كَمَا رَدَدتَ مَاعِزًا، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَحُبلَى، قَالَ: إِمَّا لَا، فَاذهَبِي حَتَّى تَلِدِي. فَلَمَّا وَلَدَت أَتَتهُ بِالصَّبِيِّ فِي خِرقَةٍ. قَالَت: هَذَا قَد وَلَدتُهُ، قَالَ: اذهَبِي فَأَرضِعِيهِ حَتَّى تَفطِمِيهِ. فَلَمَّا فَطَمَتهُ أَتَتهُ بِالصَّبِيِّ فِي يَدِهِ كِسرَةُ خُبزٍ. فَقَالَت: هَذَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ! قَد فَطَمتُهُ، وَقَد أَكَلَ الطَّعَامَ! فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إِلَى رَجُلٍ مِن المُسلِمِينَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَحُفِرَ لَهَا إِلَى صَدرِهَا، وَأَمَرَ النَّاسَ فَرَجَمُوهَا،\nــ\nو(قوله: وأمر الناس فرجموها) ظاهره: أنَّه - ﷺ - لم يرجمها معهم، لا في أول الأمر، ولا في آخره. فلا يلزم الإمام أن يبدأ بالرجم. وهو مذهب الجمهور. وقد ذهب أبو حنيفة: إلى أنَّه إن ثبت الزنى بالإقرار حضر الإمام، وبدأ قبل الناس بالرَّجم. وإن كان بالشهادة حضر الشهود، وبدؤوا بالرَّجم قبل الناس.\nقلت: وأحاديث هذا الباب تردُّ ما قاله أبو حنيفة، غير أنَّه وقع في كتاب أبي داود من حديث الغامدية: أن رسول الله - ﷺ - أخذ حصاة مثل الحِمَّصَة فرماها","vol":"5","page":98},{"text":"فَيُقبِلُ خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ بِحَجَرٍ، فَرَمَى رَأسَهَا فَتَنَضَّحَ الدَّمُ عَلَى وَجهِ خَالِدٍ، فَسَبَّهَا، فَسَمِعَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ سَبَّهُ إِيَّاهَا. فَقَالَ: مَهلًا يَا خَالِدُ، فَوَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَقَد تَابَت تَوبَةً، لَو تَابَهَا صَاحِبُ مَكسٍ لَغُفِرَ لَهُ. ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصَلَّى عَلَيهَا، وَدُفِنَت.\nرواه مسلم (١٦٩٥) (٢٣)، وأبو داود (٤٤٤٢)، والنسائي في الكبرى (٧١٦٧).\nــ\nبه (١). وهي رواية شاذةٌ، مخالفة للمشهور من حديث الغامدية.\nو(قوله: فَتَنَضَّخ الدَّم على وجه خالد) أي: تطاير متفرقًا، وهو بالخاء المعجمة. والعين النضاخة هي: الفوارة بالماء الغزير؛ الذي يسيل ويتفرَّق. وقد روي بالحاء المهملة، وهو الرشُّ الخفيف، وهو أخف من النضخ - بالخاء المعجمة.\nو(قوله: مهلًا يا خالد!) أي: كفَّ عن سبِّها. ففيه دليل: على أن من أقيم عليه الحدَّ لا يُسَبُّ، ولا يُؤذَى بِقَذَعٍ كلامٍ.\nو(قوله - ﷺ -: لقد تابت توبةً لو تابها صاحبُ مَكسٍ لغُفِر له). صاحب المكس: هو الذي يأخذ من الناس ما لا يلزمهم شرعًا من الوظائف المالية بالقهر والجبر. ولا شك في أنه من أعظم الذنوب، وأكبرها، وأفحشها، فإنَّه غصب، وظلمٌ، وعَسفٌ على الناس، وإشاعةٌ للمنكر، وعملٌ به، ودوامٌ عليه. ومع ذلك كلِّه: إن تاب من ذلك، وردَّ المظالم إلى أربابها صحَّت توبته، وقبلت، لكنَّه بعيد أن يتخلص من ذلك؛ لكثرة الحقوق وانتشارها في النَّاس، وعدم تعيين المظلومين، وهؤلاء كضمان ما لا يجوز ضمان أصله من الزكوات، والمواريث،\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٤٤٤).","vol":"5","page":99},{"text":"[١٧٨٤] وعَن عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ: أَنَّ امرَأَةً مِن جُهَينَةَ أَتَت نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ حُبلَى مِن الزِّنَى. فَقَالَت: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَصَبتُ حَدًّا، فَأَقِمهُ عَلَيَّ، فَدَعَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَلِيَّهَا فَقَالَ: أَحسِن إِلَيهَا، فَإِذَا وَضَعَت فَائتِنِي بِهَا. فَفَعَلَ، فَأَمَرَ بِهَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فَشُكَّت عَلَيهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَت، ثُمَّ صَلَّى عَلَيهَا، فَقَالَ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيهَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَقَد زَنَت؟ ! قَالَ: لَقَد تَابَت تَوبَةً لَو قُسِمَت بَينَ سَبعِينَ مِن أَهلِ المَدِينَةِ لَوَسِعَتهُم، وَهَل وَجَدتَ تَوبَةً أَفضَلَ مِن أَن جَادَت بِنَفسِهَا لِلَّهِ.\nرواه أحمد (٤/ ٤٢٩)، ومسلم (١٦٩٦)، وأبو داود (٤٤٤٠ و٤٤٤١)، والترمذيُّ (١٤٣٥)، والنسائي (٤/ ٦٣ - ٦٤).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-670>(٦) باب من روى أن ماعزا لم يحفر له ولا شد ولا استغفر له</span>\n[١٧٨٥] عَن أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ رَجُلًا مِن أَسلَمَ يُقَالَ لَهُ: مَاعِزُ بنُ مَالِكٍ، أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي أَصَبتُ فَاحِشَةً فَأَقِمهُ عَلَيَّ، فَرَدَّهُ النَّبِيُّ ﷺ مِرَارًا، قَالَ: ثُمَّ سَأَلَ قَومَهُ، فَقَالَوا: مَا نَعلَمُ بِهِ بَأسًا، إِلَّا أَنَّهُ أَصَابَ\nــ\nوالملاهي، والمرتَّبين في الطرق، إلى غير ذلك مِمَّا قد كثر في الوجود، وعمل عليه في سائر البلاد.\nو(قوله: فشكت عليها ثيابها) أي: جمع بعضها إلى بعض بشوك أو خُيُوط، ومنه: المِشَكُّ، وهي: الإبرة الكبيرة. وشككت الصيد بالرَّمح؛ أي: نفذته به.","vol":"5","page":100},{"text":"شَيئًا، يَرَى أَنَّهُ لَا يُخرِجُهُ مِنهُ إِلَّا أَن يُقَامَ فِيهِ الحَدُّ، قَالَ: فَرَجَعَ إِلَى رسول الله ﷺ، فَأَمَرَنَا أَن نَرجُمَهُ، قَالَ: فَانطَلَقنَا بِهِ إِلَى بَقِيعِ الغَرقَدِ، قَالَ: فَمَا أَوثَقنَاهُ وَلَا حَفَرنَا لَهُ، قَالَ: فَرَمَينَاهُ بِالعَظمِ وَالمَدَرِ، وَالخَزَفِ، قَالَ: فَاشتَدَّ وَاشتَدَدنَا خَلفَهُ، حَتَّى أَتَى عُرضَ الحَرَّةِ، فَانتَصَبَ لَنَا فَرَمَينَاهُ بِجَلَامِيدِ الحَرَّةِ - يَعنِي: الحِجَارَةَ - حَتَّى سَكَتَ، قَالَ: ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطِيبًا مِن العَشِيِّ فَقَالَ: أَوَكُلَّمَا انطَلَقنَا غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَخَلَّفَ رَجُلٌ فِي عِيَالِنَا لَهُ نَبِيبٌ كَنَبِيبِ التَّيسِ، عَلَيَّ ألا أُوتَى بِرَجُلٍ فَعَلَ ذَلِكَ إِلَّا نَكَّلتُ بِهِ.\nقَالَ: فَمَا استَغفَرَ لَهُ وَلَا سَبَّهُ.\nرواه أحمد (٥/ ١٠٣)، ومسلم (١٦٩٤) (٢٠)، وأبو داود (٤٤٣٢).\nــ\nو(قوله: فخرجنا به إلى بقيع الغرقد) الغرقد: شجر من شجر البادية كانت في ذلك الموضع، فنسب إليها، فذهبت تلك الشجر، واتخذ ذلك الموضع مقبرة، وهو الذي عبَّر عنه في الرِّواية الأخرى بـ (المصلى) أي: مصلى الجنائز.\nو(قوله: له نبيب كنبيب التَّيس) [وهو صوت التيس] (١) عند السفاد.\nو(قوله: يمنح أحدهم الكثبة) (٢). (يمنح): يعطي. و(الكثبة): القليل من اللَّبن، والطعام. والجمع: كُثب. وقد كَثَبتُهُ، أكثِبُهُ؛ أي: جَمَعتُه.\nو(قوله: علي ألا أُوتَى برجل فعل ذلك إلا نَكَّلتُ به) أي: فعلت به ما ينكِّله؛ أي: ما يسوؤه، ويكدره. وأصله من النَّكَل، وهو: القيد. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَدَينَا أَنكَالا﴾؛ أي: قيودًا. قاله الأخفش. وقال الكلبي: أغلالًا. ويعني به: الرَّجم لمن كان محصنًا، أو الجلد لمن لم يحصن.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٢) هذه الرواية ليست في التلخيص، وهي في صحيح مسلم (١٦٩٢) (١٧).","vol":"5","page":101},{"text":"[١٧٨٦] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمَاعِزِ بنِ مَالِكٍ: أَحَقٌّ\nــ\nو(قوله في صفة ماعز: أعضل) (١) أي: ذو عضلات. والعضلة: كل ما اشتمل من اللحم على عصب. وماعز هذا: هو ابن مالك الأسلمي. قيل: يكنى: أبا عبد الله، لولدٍ كان له. [وفي الصَّحابة: ماعز التميمي غير منسوب لأبٍ. ويقال: هو المكنى بأبي عبد الله] (٢). وكان ماعز هذا تحت حِجر هزَّال بن رئاب، أبي نُعَيم الأسلمي، فوقع على جارية هزَّال، فجاء به إلى النبي - ﷺ - فقال له: (هلا سترته بردائك؟ !) (٣)\nو(قوله: فلمَّا أذلقته الحجارة) (٤) أي: أصابته بحدِّها. وذلق كل شيء: حدَّه. ومنه: لسان ذَلِق. وفي حديث ابن عبَّاس: أن النبي - ﷺ - قال لماعز: (أحقٌّ ما بلغني عنك؟) قال: وما بلغك عني؟ قال: (بلغني أنَّك وقعت بجارية آل فلان)، قال: نعم (٥). هذه الرِّواية مخالفة لما تقدَّم؛ لأنَّها تضمنت: أن ماعزًا هو الذي بدأ النبي - ﷺ - بالسؤال، والنبي - ﷺ - مُعرضٌ عنه؟ حتى أقرَّ أربع مرات، وهذا أحد المواضع الثلاثة المضطربة في حديث ماعز. والثاني: في الحفر له، ففي بعضها: أنه حُفِر له، وفي بعضها: أنَّه لم يُحفَر له، وفي بعضها: أنَّه - ﷺ - صلَّى عليه بعدما رُجِمَ. وفي بعضها: لم يصلِّ عليه. وكذلك في الاستغفار له، وكلُّها في الصحيح - والله تعالى أعلم - بالسقيم من الصحيح.\n_________\n(١) هذه العبارة لم ترد في الرواية المثبتة في التلخيص، وهي في صحيح مسلم (١٦٩٢) (٧).\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ج ٢).\n(٣) رواه أحمد (٥/ ٢١٧)، وأبو داود (٤٣٧٧)، ومالك في الموطأ (٢/ ٨٢١).\n(٤) هذه العبارة لم ترد في الرواية المثبتة في التلخيص، وهي في صحيح مسلم (١٦٩١) (١٦).\n(٥) هو حديث الباب رقم (٢٠٨٦).","vol":"5","page":102},{"text":"مَا بَلَغَنِي عَنكَ؟ قَالَ: وَمَا بَلَغَكَ عَنِّي؟ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّكَ وَقَعتَ بِجَارِيَةِ آلِ فُلَانٍ. قَالَ: نَعَم، قَالَ: فَشَهِدَ أَربَعَ شَهَادَاتٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ.\nرواه أحمد (١/ ٢٤٥)، ومسلم (١٦٩٣)، وأبو داود (٤٤٢٥)، والترمذيُّ (١٤٢٧)، والنسائي في الكبرى (٧١٧١).\n* * *\nــ\nوفي حديث ماعز والغامديَّة ما يدلُّ على: أن التوبة - وإن صحت - لا تسقط حدّ الزنى، وهو متفق عليه. واختلف فيما عداه من الحدود، فالجمهور: على أنَّها لا تسقط شيئًا من الحدود إلا حدّ الحرابة؛ فإنَّه يسقط لقوله تعالى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبلِ أَن تَقدِرُوا عَلَيهِم فَاعلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فتسقط عنه الحدود، ويؤخذ بحقوق الآدميين من الدِّماء والأموال. وروي عن علي: أن التوبة تسقط عنه كل شيء. وروي عن ابن عبَّاس وغيره: أن التوبة لا تُسقط عن المحارب حقًّا ولا حدًّا. وروي عن الشافعي: أن التوبة تُسقط حدّ الخمر.\n* * *","vol":"5","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-671>(٧) باب لا تغريب على امرأة ويقتصر على رجم الزاني الثيب ولا يجلد قبل الرجم</span>\n[١٧٨٧] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، وَزَيدِ بنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ أَنَّهُمَا قَالَا: إِنَّ رَجُلًا مِن الأَعرَابِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنشُدُكَ إِلَّا قَضَيتَ لِي بِكِتَابِ اللَّهِ، فَقَالَ الخَصمُ الآخَرُ - وَهُوَ أَفقَهُ مِنهُ -: نَعَم، فَاقضِ بَينَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَائذَن لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قُل. قَالَ: إِنَّ ابنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامرَأَتِهِ، وَإِنِّي أُخبِرتُ أَنَّ عَلَى ابنِي الرَّجمَ، فَافتَدَيتُ\nــ\n(٧) ومن باب: لا تغريب على امرأة، ويقتصر على رجم الزاني الثيِّب، ولا يجلد قبل الرَّجم\nقوله: (يا رسول الله! أنشدك إلا قضيت لي بكتاب الله) هكذا وقع في صحيح الرواية: (أنشدك) من غير ذكر اسم الله. وهو المراد به، لكنَّه حُذِف لفظًا للعلم به. وقد وقع في بعض النُّسخ: (أنشدك الله!) ومعناه: أقسم عليك بالله. وكتاب الله هنا: يُراد به: حكم الله إن كانت هذه القضية وقعت بعد نسخ تلاوة آية الرَّجم كما تقدم. وإن كانت قبل ذلك: فكتاب الله محمول على حقيقته.\nو(قوله: فقال الخصم الآخر -وهو أفقه منه -: نعم، فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي) إنما فضل الراوي الثاني على الأول بالفقه؛ لأنَّ الثاني ترفق ولم يستعجل، ثمَّ تلطَّف بالاستئذان في القول، بخلاف الأوَّل، فإنَّه استعجل، وأقسم على النبي - ﷺ - في شيء كان يفعله بغير يمين، ولم يستأذن، وهذا كله من جفاء الأعراب، فكان للثاني عليه مزيَّة في الفهم والفقه. ويحتمل: أن يكون ذلك؛ لأنَّ الثاني وصف القضية بكمالها، وأجاد سياقتها.\nو(قوله: إن ابني كان عَسِيفًا على هذا، فزنى بامرأته) العسيف: الأجير،","vol":"5","page":104},{"text":"مِنهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ، فَسَأَلتُ أَهلَ العِلمِ، فَأَخبَرُونِي أَنَّمَا عَلَى ابنِي جَلدُ مِائَةٍ وَتَغرِيبُ عَامٍ، وَأَنَّ عَلَى امرَأَةِ هَذَا الرَّجمَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَالَّذِي\nــ\nعلى ما قاله مالك. ولم يكن هذا من الأب قذفًا لابنه، ولا للمرأة؛ لاعترافهما بالزنى على أنفسهما.\nوفي هذا الحديث أبواب من الفقه. فمنها: أن كل صلح خالف السُّنَّة فهو باطل، ومردودٌ. وأن الحدود التي هي ممحَّضةٌ لحقِّ الله تعالى لا يصح الصُّلح فيها.\nواختلف في حدّ القذف؛ هل يصحُّ الصلح فيه أم لا؟ ولم يختلف في كراهته لأنَّه ثمنُ عِرضٍ. ولا خلاف في أنَّه يجوز قبل رفعه. وأمَّا حقوق الأبدان من الجراح، وحقوق الأموال: فلا خلاف في جوازه مع الإقرار. واختلف في الصلح على الإنكار. فأجازه مالك، ومنعه الشافعي.\nوفيه: جواز استنابة الحاكم في بعض (ل ضايا من يحكم فيها مع تمكُّنه من مباشرته.\nوفيه: أن الإقرار بالزنى لا يشترط فيه تكرار أربع مرَّات، ولا أن المرجوم يجلد قبل الرَّجم. وقد تقدم الخلاف فيهما.\nوفيه: أن ما كان معلومًا من الشروط والأسباب التي تترتب عليها الأحكام لا يحتاج إلى السؤال عنها. فإن إحصان المرأة كان معلومًا عندهم، فإنَّها كانت ذات زوج معروف الدخول عليها. وعلى هذا: يحمل حديث الغامدية؛ إذ لو لم تكن محصنة؛ لما جاز رجمها بالإجماع.\nوفيه: إقامةُ الحاكم الحدّ بمجرَّد إقرار المحدود وسماعه منه من غير شهادة عليه. وهو أحد قولي الشافعي، وأبي ثور. ولا يجوز ذلك عند مالك إلا بعد الشهادة عليه. وانفصل عن ذلك بأنه ليس في الحديث ما ينصُّ على أنها لم يسمع إقرارها إلا أُنَيس خاصَّة، بل العادة قاضية بأن مثل هذه القضيَّة لا تكون في خلوةٍ،","vol":"5","page":105},{"text":"نَفسِي بِيَدِهِ لَأَقضِيَنَّ بَينَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ: الوَلِيدَةُ وَالغَنَمُ رَدٌّ، وَعَلَى ابنِكَ\nــ\nولا ينفرد بها الآحاد، بل لا بدَّ من حضور جمع كثير تلك القضيَّة، وشهرتها (١)، لا سيما قضية مثل هذه تُرفع إلى الإمام، ويَبعَث من يكشفها ويرجم فيها. ولا بدَّ من إحضار طائفة من المؤمنين لإقامة الحدّ كما قال تعالى (٢)، مع صغر المدينة، فمثل هذا لا يخفى، ولا ينفرد به الواحد ولا الاثنان. وهذا كلُّه مبني: على أن أنيسًا كان حاكمًا، ويحتمل أن يكون رسولًا لها ليستفصلها، ويعضد هذا التأويل قوله في آخر الحديث: (فاعترفت فأمر بها رسول الله - ﷺ - فرجمت) فهذا يدلُّ على أن أنيسًا إنَّما سمع إقرارها، وأن تنفيذ الحكم؛ إنما كان من النبي - ﷺ - بعد سماع إقرارها من أُنَيس، حين أبلغه إيَّاه، وحينئذ يتوجَّه إشكال آخر. وهو: أن يقول: فكيف اكتفى بشاهد واحد؟ !\nوقد اختلف في الشهادة على الإقرار بالزنى. هل يكتفى فيه بشهادة شاهدين كسائر الإقرارات أم لا بدَّ من أربعة كالشهادة على رؤية الزنى؟ على قولين لعلمائنا، ولم يذهب أحدٌ من المسلمين إلى الاكتفاء بشهادة واحد.\nفالجواب: أن هذا اللفظ؛ الذي قال فيه: فاعترفت، فأمر بها رسول الله - ﷺ - فرجمت. هو من رواية الليث عن الزهري. وقد روى هذا الحديث عن الزُّهري مالك، وقال فيه: فاعترفت، فرجمها (٣). ولم يذكر: (فأمر بها رسول الله - ﷺ - فرجمت). وعند التعارض: فحديث مالك أولى لما يعلم من حال مالك، وحفظه، وضبطه، وخصوصًا في حديث الزهري، فإنَّه أعرف الناس به. وعلى رواية مالك فظاهرها: أن أُنيسًا كان حاكمًا، فيزول الإشكال، ولو سلَّمنا: أنَّه كان رسولًا؛ فليس في الحديث ما ينصُّ على انفراد أُنيس بالشهادة عليها، فيكون غيره شهد عند\n_________\n(١) أي: لا بدَّ من شهرتها.\n(٢) في هذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢].\n(٣) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٨٢٢).","vol":"5","page":106},{"text":"جَلدُ مِائَةٍ وَتَغرِيبُ عَامٍ، وَاغدُ يَا أُنَيسُ إِلَى امرَأَةِ هَذَا؛ فَإِن اعتَرَفَت فَارجُمهَا. قَالَ: فَغَدَا عَلَيهَا فَاعتَرَفَت، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَت.\nرواه أحمد (٤/ ١١٥)، والبخاريُّ (٢٣١٤)، ومسلم (١٦٩٧)، وأبو داود (٤٤٤٥)، والترمذيُّ (١٤٣٣)، والنسائي (٨/ ٢٤١ و٢٤٢)، وابن ماجه (٢٥٤٩).\n* * *\nــ\nالنبي - ﷺ - بذلك. ويعتضد هذا بما ذكرنا: من أن القضيَّة انتشرت، واشتهرت. فيَبعد أن ينفرد بها واحدٌ، سلَّمناه، لكنَّه خبر، وليس بشهادة، فلا يشترط فيه العدد. وحينئذ يستدلُّ به على قبول أخبار الآحاد والعمل بها في الدِّماء وغيرها. والله تعالى أعلم.\nوفيه دليل على جواز الاستفتاء والفُتيا في زمان رسول الله - ﷺ - مع إمكان الوصول إليه. وجواز استفتاء المفضول مع وجود الأفضل. ولو كان ذلك غير جائز لأنكره النبي - ﷺ.\nوفيه دليل: على جواز اليمين بالله تعالى، وإن لم يُستَحلَف. وعلى أنَّ ما يفهم منه اسم الله تعالى يمين جائزة وإن لم يكن من أسمائه تعالى، فإنَّ قوله: (والذي نفسي بيده!) ليس من أسماء الله تعالى، ولكنه تنزل منزلة الأسماء في الدلالة، فيلحق به كل ما كان في معناه، كقوله: والذي خلق الخلق، وبسط الرزق. وما أشبه ذلك.\nو(قوله: واغدُ يا أنيس على امرأة هذا) معناه: امضِ، وسِر. وليس معناه: سر إليها بُكرةً، كما هو موضوع الغداة. وكذلك قوله: (فغدا عليها) أي: مشى إليها، وسار نحوها.\nوفيه ما يدلُّ على أن زنى المرأة تحت زوجها لا يفسخ نكاحها، ولا يوجب","vol":"5","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-672>(٨) باب إقامة حكم الرجم على من ترافع إلينا من زناة أهل الذمة</span>\n[١٧٨٨] عَن عَبد اللَّهِ بن عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِيَهُودِيٍّ وَيَهُودِيَّةٍ قَد زَنَيَا، فَانطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى جَاءَ يَهُودَ، فَقَالَ: مَا تَجِدُونَ\nــ\nتفرقة بينها وبين زوجها؛ إذ لو كان ذلك لفرَّق بينهما قبل الرَّجم ولَفَسَخَ النِّكاحَ. ولم يُنقَل شيءٌ من ذلك، ولو كان لَنُقِل كما نُقِلَت القصة، وكثيرٌ من تفاصيلها.\nوفيه دليلٌّ على صحة الإجَارَة.\n(٨) ومن باب: إقامة الحدّ على من ترافع إلينا من زناة أهل الذمة\n(قوله: إنَّ رسول الله - ﷺ - أتِي بيهودي ويهوديَّةٍ قد زنيا)، وفي الرواية الأخرى: (إن اليهود جاؤوا إلى النبي - ﷺ - برجل وامرأة قد زنيا)، وفي الثالثة: (مرَّ على رسول الله - ﷺ - بيهودي مُحَمَّمٍ مَجلُودٍ) هذه الروايات كلها متقاربة في المعنى، ولا يعدُّ مثل هذا اضطرابًا؛ لأن ذلك كلّه حكاية عن حال قضيَّة وقعت، فعبَّر كلٌّ منهم بما تيسَّر له. والكلُّ صحيحٌ إذ هي متواردة: على أنَّه حضر بين يديه - ﷺ - يهودي زنى بيهوديةٍ، وهو في موضعه. وفي كتاب أبي داود: أنَّه كان في المسجد. غير أنَّه قد جاء في كتاب أبي داود أيضًا من حديث ابن عمر (١) ما يظهر منه تناقضٌ، وذلك أنَّه قال: (أَتَى نفرٌ من يهود فدعوا رسول الله - ﷺ - إلى القُفِّ، فأتاهم في بيت المِدرَاس. فقالوا: يا أبا القاسم! إن رجلًا مِنَّا زنى بامرأة فاحكم بينهم. وظاهر هذا: أنه مشى\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٤٤٩) والقف: اسم وادٍ بالمدينة. انظر: (معجم البلدان ٤/ ٣٨٣).","vol":"5","page":108},{"text":"فِي التَّورَاةِ عَلَى مَن زَنَى؟ قَالَوا: نُسَوِّدُ وُجُوهَهُمَا وَنُحَمِّلُهُمَا، وَنُخَالِفُ\nــ\nإليهم، وأن ذلك لم يكن في مسجده، بل في بيت دَرسِهم. ويرتفع هذا التَّوهُم بحديث أبي هريرة الذي ذكره أبو داود أيضًا. واستوفى هذه القصَّة، وساقها سياقة حسنة فقال: زنى رجل من اليهود وامرأة، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبي، فإنَّه نبي بُعِثَ بالتخفِيفَات، فإن أفتى بالفتيا دون الرَّجم قبلناها، واحتججنا بها عند الله. وقلنا: فتيا نبي من أنبيائك. قال: فأتَوا النبي - ﷺ - وهو جالسٌ في المسجد في أصحابه. فقالوا: يا أبا القاسم! ما ترى في رجل وامرأة منهم زنيا. فلم يُكلِّمهُمُ النبي - ﷺ - حتى أتى بيت مدراسهم، فقام على الباب فقال: (أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى! ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن؟) قالوا: يُحَمَّم، ويُجَبَّه، ويُجلَد - والتَّجبيهُ: أن يحمل الزانيان على حمار، وتقابل أقفيتهما، ويطاف بهما - قال: وسكت شابٌّ منهم. فلمَّا رآه النبي - ﷺ - سكت: أَلَظَّ (١) به النُّشدَةَ، فقال: اللَّهم إِذ نشدتنا، فإنا نجد في التوراة الرَّجم. وساق الحديث إلى أن قال: قال النبي - ﷺ -: (فإني أحكم بما في التوراة)، فأمر بهما فرجما (٢).\nفقد بيَّن في هذا الحديث: أن اليهود جاؤوا إلى النبي - ﷺ - وهو في مسجده، ثمَّ بعد ذلك مشى معهم إلى بيت المدراس بعد أن سألوه عن ذلك، على ما رواه ابن عمر. وذكر في هذا الحديث أيضًا السبب الحامل لهم على سؤال النبي - ﷺ -؛ وعليه يدلُّ مساق قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الكُفرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفوَاهِهِم وَلَم تُؤمِن قُلُوبُهُم﴾ إلى آخر الآيات وما بعدها. وذكر أبو داود أيضًا من حديث جابر؛ فقال: جاءت اليهود برجلٍ وامرأةٍ منهم زنيا، فقال: (ائتُوني بأعلم رجلين منكم)، فأتوا بابني\n_________\n(١) \"ألظَّ\": ألحَّ.\n(٢) رواه أبو داود (٤٤٥٠).","vol":"5","page":109},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nصوريا، فنشدهما: (كيف تجدون في التوراة؟) قالا: نجد في التوراة: إذا شهد أربعة: أنَّهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المُكحُلة؛ رجما. وذكر الحديث (١). قال: فدعا رسول الله - ﷺ - بالشهود، فجاء أربعة فشهدوا: أنهم رأوا فرجه في فرجها مثل المِيل في المكحلة. فأمر برجمهما (٢).\nقلت: فالحاصل من هذه الروايات: أن اليهود حَكَّمَت النبي - ﷺ - فَحَكَم عليهم بمقتضى ما في التوراة، واستند في ذلك إلى قول ابني صوريا. وأنَّه سمع شهادة اليهود وعمل بها، وأنَّه ليس الإسلام شرطًا في الإحصان. وهذه مسائل يجب البحث عنها، فلنشرع في ذلك مستعينين بالله.\nالمسألة الأولى في التحكيم: فإذا ترافع أهل الذمَّة إلى الإمام؛ فإن كان ما رفعوه ظلمًا، كالقتل العدوان، والغصب؛ حكم بينهم، ومنعهم منه بلا خلاف. وأمَّا إن لم يكن كذلك؛ فالإمام مخيَّر في الحكم بينهم، وتركه عند مالك والشافعي، غير أن مالكًا رأى الإعراض عنهم أولى، فإن حكم حكم بحكم الإسلام، غير أن الشافعي قال: لا يحكم بينهم في الحدود. وقال أبو حنيفة: يحكم بينهم على كل حال. وهو قول الزهري، وعمر بن عبد العزيز، والحَكَم، وروي عن ابن عبَّاس، وهو أحد قولي الشافعي. والأولى ما صار إليه مالك لقوله تعالى: ﴿فَإِن جَاءُوكَ فَاحكُم بَينَهُم أَو أَعرِض عَنهُم﴾ وهو نصٌّ في التخيير. ثم إنَّ النبي - ﷺ - حيث حكم عليهم فعل أحد ما خيَّره الله تعالى فيه، غير أنَّه يبقى على مالك أن يقال له: لِمَ قلتَ: إن الإعراض عنهم أولى مع أن النبي - ﷺ - قد حكم بينهم؟ ولا يُتخلص من ذلك بأن يقال: لأنهم يستهزئون بأحكام المسلمين؛ لأنَّا نقول: إن أظهروا ذلك\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٤٥٢).\n(٢) هو حديث الباب رقم (٢٠٨٩).","vol":"5","page":110},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nعاقبناهم، وإن أخفوه، فما يخفون من اعتقادهم تكذيب نبينا - ﷺ - أكبر، مع قطعنا بأنَّهم يعتقدون ذلك، لكنا عاقدناهم على ذلك، ولأن النبي - ﷺ - قد علم منهم أنهم يهزؤون بديننا وأحكامنا، ومع ذلك فحكم عليهم، وأقرَّهم. ألا تسمع إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيتُم إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾؟ !\nوأمَّا قول الشافعي: إنه لا يحكم بينهم في الحدود؛ فمخالف لنصّ الحديث المذكور في الواقعة، فلا يعول عليه. وقد تأوَّل الشافعي حكم النبي - ﷺ - على اليهود بالرجم بأن ذلك منه كان إقامة لحكم كتابهم لَمَّا حرفوه، وأخفوه، وتركوا العمل به. ألا ترى أنَّه قال - ﷺ -: (اللهم! إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه). وأيضًا: فإن النبي - ﷺ - لم يكن بعد نزل عليه حكم الزاني، ولذلك جاء في بعض طرق هذا الحديث: أن ذلك كان حين قدم المدينة، وأيضًا: فلأنه - ﷺ - قد استثبت ابني صُوريا عن حكم التوراة، واستحلفهما على ذلك. وأقوال الكُفَّار في الحدود وفي شهاداتهم عليها غير مقبولة بالإجماع، لكن فعل ذلك على طريق إلزامهم ما التزموه وعملوا به. وقد قال هذا كله بعض أصحابنا. وهذا البحث هو المسألة الثانية.\nوالجواب عنه أن نقول: إنَّه - ﷺ - حكم بما علم أنَّه حقٌّ من التوراة، وأنه حكم الله، ولولا ذلك لما أقدم على قتل من ثبت أن له عهدًا. ثمَّ لا يلزم أن يكون طريق حصول العلم بذلك له قول ابني صوريا، بل الوحي، أو ما ألقى الله تعالى في روعه من تعيين صدقهما فيما قالاه من ذلك. ولا نسلِّم: أن حكم الرَّجم لم يكن مشروعًا له قبل ذلك، فإنَّها دعوى تحتاج إلى إثباتها بالنقل. سلمنا ذلك، لكنا نقول: من ذلك الوقت بيان مشروعية الرَّجم ومبدؤه، فيكون النبي - ﷺ - أفاد بما فعله إقامة حكم التوراة، وبيان أن ذلك حكم شريعته، وأن التوراة يحكم بما صحَّ وثبت فيها أنَّه حكم الله. وعلى هذا يدلُّ قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلنَا التَّورَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسلَمُوا﴾ وهو نبي من الأنبياء. وقد قال عنه","vol":"5","page":111},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nأبو هريرة: (فإني أحكم بما في التوراة) (١) على ما ذكره أبو داود. وقد استوفينا هذا المعنى في الأصول.\nالمسألة الثالثة في شهادة أهل الذمَّة: فالجمهور على أن الكافر لا تقبل شهادته على مسلم، ولا على كافر؛ لأنَّ الله ﷿ قد شرط في الشهادة العدالة. والكافر ليس بعدل؛ ولأن الفاسق المسلم مردود الشهادة بالنص، فالكافر أولى؛ ولأن العبد المسلم مسلوب أهلية الشهادة للكفر الأصلي الذي كان سبب رقِّه (٢). فالكفر الحاصل في الحال أولى بأن يكون مانعًا، ولا فرق بين الحدود وغيرها، ولا بين السفر والحضر. وقد قبل شهادتهم جماعة من التابعين، وأهل الظاهر إذا لم يوجد مسلم؛ تمسُّكًا بما ذكرناه من حديث أبي داود المتقدم. وقال أحمد بن حنبل: تجوز شهادة أهل الذمَّة على المسلمين في السفر عند عدم المسلمين تمسُّكًا في ذلك بما جاء في كتاب أبي داود عن الشعبي: أن رجلًا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقاء (٣) هذه، ولم يجد أحدًا من المسلمين يشهد على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب، فقدما الكوفة، فأتيا الأشعري، فأخبراه، وقدما بتركته ووصيته، فقال الأشعري: هذا أمرٌ لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله - ﷺ - فأحلفهما بعد العصر بالله: ما كذبا، ولا خانا، فأمضى شهادتهما (٤).\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٤٥٠) و(٤٤٥١).\n(٢) جاء في كتاب \"الفقه الإسلامي وأدلته\" (٦/ ٥٦٢) للدكتور وهبة الزحيلي: من شروط الشاهد: الحرية: اتفق الحنفية والمالكية والشافعية على أن الشاهد يُشترط فيه: أن يكون حرًا، فلا تُقبل شهادة رقيقٍ؛ لقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥]، ولأن الشهادة فيها معنى الولاية، وهو لا ولاية له.\n(٣) \"دقوقاء\": بلد بين بغداد وإربل.\n(٤) رواه أبو داود (٣٦٠٥).","vol":"5","page":112},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nولا حجة فيه؛ لأنَّه مرسل وموقوف. ولو صحَّ؛ فلم يحكم بمجرد شهادتهما حتى ضم إليها يمينهما، والشاهد لا يستحلف. وإنَّما كان هذا من أبي موسى عملًا بما [تُفِيدُه القرائن] (١). والله تعالى أعلم.\nفأمَّا أخبَار أهل الكفر فيما لا يُعرَف إلا من جهتهم، كإخبارهم عن ذبائحهم، ونسائهم، وأحكامهم، وأقوال أطِبَّائهم، فتُسمَع إذا احتيج إلى ذلك لضرورة الحال، وهي أخبار لا شهادات. والله تعالى أعلم.\nويُعتَذَر للجمهور عن رجم النبي - ﷺ - الزانيين عند شهادة اليهود: بأن النبي - ﷺ - نفَّذ عليهم ما علم أنَّه حكم التوراة، وألزمهم العمل به على نحو ما عملت به بنو إسرائيل إلزامًا للحجَّة عليهم، وإظهارًا لتحريفهم وتغييرهم، فكان منفِّذًا لا حاكمًا. وهذا يمشي على تأويل الشافعي المتقدم. وأمَّا على ما قرَّرناه من أن النبي - ﷺ - كان حاكمًا في القضيَّة بحكم الله، فيكون العذر عن سماع شهادة اليهود: أن ذلك كان خاصًّا بتلك الواقعة؛ إذ لم تسمع في الصدر الأول شهاداتهم في مثل ذلك. والله تعالى أعلم.\nالمسألة الرابعة: وهي أن هذا الحديث يدلُّ على أن ليس شرطًا في الإحصان. فإنه - ﷺ - رجم اليهوديين، ولو كانا شرطًا لما رجمهما. وبهذا قال الزهري، وابن أبي ليلى، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد. وقالت طائفة أخرى: إنَّه من شروط الإحصان. وبه قال مالك، والشافعي - في أحد قوليه - متمسكين بأن الشرع إنَّما حكم برجم الحرِّ، المسلم، الثيب، إذا زنى؛ لعلو منصبه، وشرفيته بالحرية والإسلام؛ بدليل: أن العبد لا يرجم، وينصف عليه الحدّ لخسَّة قدره. والكافر أخس من العبد المسلم، فكان أولى بألا يرجم، ولأن من شرط\n_________\n(١) في (ل ١) و(ز) و(م ٣): يفيده ظاهر القرآن.","vol":"5","page":113},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالإحصان صحة النكاح، وأنكحة الكفار فاسدة (١)، فلا يصح فيهم الإحصان لعدم شرطه، واستيفاء مباحثها في الخلاف. ويُعتذر لمالك، ولمن قال بقوله بما تقدم، وبما رواه عيسى عن ابن القاسم أنَّه قال: إن اليهوديين المرجومين لم يكونا أهل ذِمَّة، وإنَّما كانا أهل حرب، كما رواه الطبري وغيره: أن الزانيين كانا من أهل فدك وخيبر، وكانوا حربًا لرسول الله - ﷺ -. واسم المرأة الزانية: بُسرة. وكانوا بعثوا إلى يهود المدينة ليسألوا النبي - ﷺ - فقالوا لهم: سلوا محمدًا عن هذا، فإن أفتاكم بغير الرَّجم فخذوا به، وإن أفتى بالرَّجم فاحذروا.\nقلت: وهذا الاعتذار يحتاج إلى أن يعتذر عنه. وسبب ذلك بعد تسليم صحة الحديث: أن مَجِيئهم سائلين يوجب عهدًا لهم، كما إذا جاؤونا، ودخلوا بلادنا لغرضٍ مقصود: من تجارة، أو رسالة، أو ما أشبه ذلك. فإن ذلك يوجب لهم أمانًا، فإمَّا أن يقضى غرضهم، أو يُرَدُّوا إلى مأمنهم، ولا يحل قتلهم، ولا أخذ مالهم. قاله القاضي أبو بكر بن العربي.\nالمسألة الخامسة: قد يحتجُّ بهذا الحديث من يرى على الإمام إقامة الحدّ على زناة أهل الذمِّة وإن لم يتحاكموا إلينا، وهو قول أبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي. وقد روي عن ابن عباس. وقال مالك: لا يعرض لهم الإمام، ويردُّهم\n_________\n(١) هذا قول المالكية، أما الجمهور فعندهم: أن أنكحة الكفار غير المرتدين صحيحة، يقرون عليها إذا أسلموا أو تحاكموا إلينا. واتفق الجمهور على: أنه لا يُعتبر في نكاحهم صفة عقدهم وكيفيته، ولا يُعتبر له شروط أنكحة المسلمين من: الولي، والشهود، وصيغة الإيجاب والقبول، وأشباه ذلك. فيجوز في حقِّهم ما اعتقدوه، ويقرُّون عليه بعد الإسلام. ولو قلنا بفساد أنكحتهم لأدَّى إلى أمرٍ قبيح، هو: الطعن في نسب كثير من الأنبياء. انظر: الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبة الزحيلي (٧/ ١٥٩ - ١٦٠).","vol":"5","page":114},{"text":"بَينَ وُجُوهِهِمَا، وَيُطَافُ بِهِمَا. قَالَ: فَأتُوا بِالتَّورَاةِ إِن كُنتُم صَادِقِينَ. فَجَاؤوا بِهَا فَقَرَؤوهَا، حَتَّى إِذَا مَرُّوا بِآيَةِ الرَّجمِ، وَضَعَ الفَتَى الَّذِي يَقرَأُ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجمِ، وَقَرَأَ مَا بَينَ يَدَيهَا وَمَا وَرَاءَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ - وَهُوَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ-: مُرهُ فَليَرفَع يَدَهُ، فَرَفَعَهَا، فَإِذَا تَحتَهَا آيَةُ الرَّجمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَا، قَالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ: كُنتُ فِيمَن\nــ\nإلى أهل دينهم إلا أن يظهر منهم ذلك بين يدي (١) المسلمين؛ فيمنعوا من ذلك. ولا حجَّة لمن خالف مالكًا في هذا الحديث، لما قدَّمناه من أنهم حكَّموا النبي - ﷺ - في ذلك، فحكم بأحد ما خيَّره الله تعالى فيه على ما تقدَّم.\nالغريب: الحُمَم: الفَحم، واحدته: حُمَمَة. والمُحمَّمُ: المسوَّد. وروى العذري، والسمرقندي: نُسَوِّد وجوههما ونُحمِّمهُما. ورواه السَّجزي: نُجمِلهُما - بنون مضمومة، وجيم -؛ بمعنى: نحملهما على جمل، ويطاف بهم. ورواها الطبري: نَحمِلهما - بنون مفتوحة، وحاء مهملة - من الحمل. وكلتا الروايتين أحسن من رواية العذري، لأن فيها تكرارًا. فإن قوله: نسوِّدهما. هو بمعنى: نُحَمِّمهُما. وقد تقدم ذكر (التَّجبيه)، وقد تقدم أن هذا الفعل إنما كان مما اخترعته اليهود، وابتدعوه، وجعلوه عوضًا عن حكم الرَّجم، ولذلك لم يقل به أحدٌ من أهل الإسلام في الزنى، وإنَّما عمل به بعض أهل العلم في شاهد الزور، فرأى أن يحمم وجهه، ويجلد، ويحلق رأسه، ويطاف به. وروي ذلك عن عمر بن الخطاب. وقد روي ذلك عن بعض قضاة البصرة. ولم يره مالك.\nو(قوله: فأتوا بالتوراة) دليل على جواز المطالبة بإقامة الحجج على الأحكام.\n_________\n(١) ليست في (ج ٢).","vol":"5","page":115},{"text":"رَجَمَهُمَا، فَلَقَد رَأَيتُهُ يَقِيهَا مِن الحِجَارَةِ بِنَفسِهِ.\nوفي رواية: إن اليهود جاؤوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ برجل منهم وامرأة قد زنيا. وساقه بنحو ما تقدم.\nرواه أحمد (٢/ ٧)، والبخاري (٣٦٣٥)، ومسلم (١٦٩٩) (٢٦ و٢٧)، وأبو داود (٤٤٤٦)، والترمذيُّ (١٤٣٦).\nــ\nو(قوله: فلقد رأيته يقيها الحجارةَ بنفسه) هذا يدلُّ على أنهما لم يُحفر لهما، ولا رُبِطا. وقد تقدَّم القولُ في ذلك. وقد وقع هذا اللفظُ في الموطأ (١): فرأيتُ الرَّجلَ يحني على المرأة، يقيها الحجارة. رويناه: (يَحنِي) بياء مفتوحةٍ، وبحاء مهملة، من الحنُوِّ، وهو الصواب. ورويناه: «يَجنِي) بالجيم من غير همزٍ، وليست بصوابٍ. وحكى بعضُ مشايخنا: أن صوابها: (يَجنَأ) بفتح الياء والجيم وهمزة، وحكاها عن أبي عبيد، وأظنه: القاسم بن سلام. والذي رأيته في الغريبين لأبي عبيد الهروي: قال: (فجعل الرَّجل يُجنِئ عليها)، بياء مضمومة وهمزةٍ. قال: أي: يكبُّ عليها. يقال: أجنأ عليه، يُجنئ، إجناءً: إذا أكبَّ عليه يقيه شيئًا. قال: وفي حديثٍ آخر: فلقد رأيته يُجانئ عليها يقيها الحجارة بنفسه. هذا نصُّه (٢). وفي الصِّحاح: جنأ الرَّجل على الشيء، وجانأ عليه، وتجانأ عليه: إذا أكبَّ عليه. قال الشاعر (٣):\nأغَاضِرُ (٤) لَو شهدتِ غَداةَ بِنتُم ... جُنُوءَ العَائِداتِ على وِسَادِي\nورجلٌ أجنأُ: بيِّن الجَنَاء؛ أي: أحدب الظهر. والمُجنأُ - بالضم -: الترس.\n_________\n(١) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٨١٥).\n(٢) انظر كتاب \"غريب الحديث\" (٢/ ٦٢).\n(٣) هو كثير عزّة.\n(٤) منادى مرخم، والأصل: أغاضرة.","vol":"5","page":116},{"text":"[١٧٨٩] وعَن البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ قَالَ: مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمًا مَجلُودًا، فَدَعَاهُم ﷺ فَقَالَ: هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُم؟ قَالَوا: نَعَم، فَدَعَا رَجُلًا مِن عُلَمَائِهِم فَقَالَ: أَنشُدُكَ بِاللَّهِ الَّذِي أَنزَلَ التَّورَاةَ عَلَى مُوسَى، أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُم؟ قَالَ: لَا، وَلَولَا أَنَّكَ نَشَدتَنِي بِهَذَا لَم أُخبِركَ! نَجِدُهُ الرَّجمَ، وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشرَافِنَا، فَكُنَّا إِذَا أَخَذنَا الشَّرِيفَ تَرَكنَاهُ، وَإِذَا أَخَذنَا الضَّعِيفَ أَقَمنَا عَلَيهِ الحَدَّ، قُلنَا: تَعَالَوا فَلنَجتَمِع عَلَى شَيءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالوَضِيعِ، فَجَعَلنَا التَّحمِيمَ وَالجَلدَ مَكَانَ الرَّجمِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَن أَحيَا أَمرَكَ إِذ أَمَاتُوهُ! فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَأَنزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الكُفرِ﴾ إِلَى قَولِهِ ﴿إِن أُوتِيتُم هَذَا فَخُذُوهُ﴾ يَقُولُ: ائتُوا مُحَمَّدًا ﷺ، فَإِن أَمَرَكُم بِالتَّحمِيمِ وَالجَلدِ فَخُذُوهُ، وَإِن أَفتَاكُم بِالرَّجمِ فَاحذَرُوا، فَأَنزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن لَم يَحكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ﴾ ﴿وَمَن لَم يَحكُم بِمَا\nــ\nقلت: ويحصل من مجموع حكاية أبي عبيد وصاحب الصِّحاح: أنَّه يُقال: جنأَ - مهموزًا ثلاثيًّا ورباعيًّا -.\nو(قوله تعالى: ﴿وَمَن لَم يَحكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ﴾ يحتجُّ بظاهره من يُكفِّرُ بالذنوب، وهم الخوارج، ولا حجَّة لهم فيه؛ لأنَّ هذه الآيات نزلت في اليهود المحرفين كلام الله تعالى، كما جاء في هذا الحديث، وهم كفار، فيشاركهم في حكمها من يشاركهم في سبب نزولها. وبيان هذا: أن المسلم إذا علم حكم الله تعالى في قضيَّة قطعًا، ثم لم يحكم به؛ فإن كان عن جَحدٍ كان كافرًا، لا يختلف في هذا. وإن كان لا عن جَحدٍ كان عاصيًا مرتكب كبيرة؛ لأنَّه مصدق بأصل ذلك الحكم، وعالم بوجوب تنفيذه عليه، لكنه عصى بترك العمل به،","vol":"5","page":117},{"text":"أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿وَمَن لَم يَحكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ﴾ فِي الكُفَّارِ كُلُّهَا.\nرواه مسلم (١٧٠٠)، وأبو داود (٤٤٤٨)، والنسائي في الكبرى (٧٢١٨)، وابن ماجه (٢٥٥٨).\n* * *\nــ\nوهكذا في كل ما يعلم من ضرورة الشرع حكمه، كالصلاة، وغيرها من القواعد المعلومة. وهذا مذهب أهل السُّنة. وقد تقدم ذلك في كتاب الإيمان؛ حيث بيَّنَّا: أن الكفر هو الجحد والتكذيب بأمرٍ معلوم ضروري من الشرع، فما لم يكن كذلك فليس بكفر.\nومقصود هذا البحث: أن هذه الآيات المراد بها: أهل الكفر، والعناد. وأنها كانت ألفاظها عامة، فقد خرج منها المسلمون؛ لأنَّ ترك العمل بالحكم مع الإيمان بأصله هو دون الشرك. وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغفِرُ أَن يُشرَكَ بِهِ وَيَغفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ وترك الحكم بذلك ليس بشرك بالاتفاق، فيجوز أن يُغفر، والكفر لا يُغفر، فلا يكون ترك العمل بالحكم كفرًا. ويعتضد هذا بالقاعدة المعلومة من الشرع المتقدمة.\nوالظلم والفسق في هاتين الآيتين المراد به: الكفر؛ لأنَّ الكافر وضع الشيء في غير موضعه، وخرج عن الحق، فصدق على الكافر: أنَّه ظالم وفاسق، بل هو أحق بذينك الاسمين ممن ليس بكافر؛ لأنَّ ظلمه أعظم الظلم، وفسقه أعظم الفسق. وقد تقدَّم في الإيمان بيان كفر دون كفر، وظلم دون ظلم.\n* * *","vol":"5","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-673>(٩) باب إقامة السادة الحد على الأرقاء</span>\n[١٧٩٠] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قال: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا زَنَت أَمَةُ أَحَدِكُم فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَليَجلِدهَا الحَدَّ، وَلَا يُثَرِّب عَلَيهَا، ثُمَّ إِن زَنَت\nــ\n(٩) ومن باب: إقامة السَّادة الحدَّ على الأرقَّاء\n(قوله: إذا زنت أَمَةُ أحدكم فتبيَّن زناها فليجلدها)، الأمة: هي المملوكة. وتجمع الأمة: إماءٌ وأَمَوانٌ. قال (١):\nأمَّا الإماء فلا يدعونني ولدًا ... إذا ترامى بنو الأُموانِ بالعار\nوتبيُّنُ زنى الأمة يكون بالإقرار وبالحَبَل، وبصحة الشهادة عند الإمام. وهل يكتفي السيِّد بعلم الزنى أو لا؟ عندنا في ذلك روايتان.\nو(قوله: فليجلدها)، أمرٌ للسيِّد بجلد أمته الزانية وعبده. وبه قال الجمهور من الصحابة، والتابعين، والفقهاء، خلا أهل الرأي أبا حنيفة وأصحابه، فإنَّهم قالوا: لا يقيم الحدّ إلا السلطان. وهذه الأحاديث - النصوص الصحيحة - حجَّة عليهم. وفي معنى حدّ الزنى عند الجمهور سائر الحدود، غير أنهم اختلفوا في حد السَّرِقة، وقصاص الأعضاء. فمنع مالك وغيره إقامة السيِّد ذلك مخافة أن يمثل بعبده، ويدعي أنَّه سرق وأقام الحدّ عليه، فيسقط العتق الواجب بالمُثلَة.\nقلت: وعلى هذا: لو قامت بيِّنة توجب حدّ السَّرِقة أقامه. وقاله بعض أصحابنا إذا قامت على السَّرِقة البيِّنة. وقال الشافعي: يقطع السيِّد عبده إذا سرق.\nقلت: وعلى هذا: فله أن يَقتل عبده إذا قتل؛ لكن إذا قامت البيِّنة.\n_________\n(١) هو القَتَّال الكلابي.","vol":"5","page":119},{"text":"فَليَجلِدهَا الحَدَّ وَلَا يُثَرِّب عَلَيهَا، ثُمَّ إِن زَنَت الثَّالِثَةَ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَليَبِعهَا وَلَو بِحَبلٍ مِن شَعَرٍ.\nرواه البخاريُّ (٢١٥٢)، ومسلم (١٧٠٣) (٣٠)، وأبو داود (٤٤٧٠).\nــ\nوكل من قال بإقامة السيِّد الحدّ على أمته لم يفرِّق بين أن تكون الأمة ذات زوج، أو غير ذات زوج؛ خلا مالكًا فإنَّه قال: إن كانت غير ذات زوج، أو كانت متزوجة بعبد السيِّد أقام عليها الحدّ، فلو كانت متزوجة بأجنبي لم يقم سيِّدها عليها الحدّ لحق الزوج؛ إذ قد يُعِيبُها عليه، وإنَّما يقيمه الإمام.\nوالجلد المأمور به هنا: هو نصف حدِّ الحرِّ. الذي قال الله تعالى فيه: ﴿فَعَلَيهِنَّ نِصفُ مَا عَلَى المُحصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ﴾\nو(قوله: ولا يُثَرِّب عليها) أي: لا يُوبِّخ، ولا يُعيِّر، ولا يُكثِر من اللَّوم، فإنَّ الإكثار من ذلك يزيل الحياء والحشمة، ويُجرئ على ذلك الفعل. وأيضًا: فإن العبد غالب حاله: أنَّه لا ينفعه اللوم والتوبيخ، ولا يؤثر، فلا يظهر له أثر، وإنما يظهر أثره في حق الحر. ألا ترى قول الشاعر:\nواللَّوم للحرِّ مُقيمٌ رادِعٌ ... والعبدُ لا يَردَعُهُ إلا العصا\nوأيضًا: فإن التوبيخ واللَّوم (١) عقوبة زائدة على الحد الذي نصّ الله تعالى عليه، فلا ينبغي أن يلتزم ذلك. ولا يدخل في ذلك الوعظ والتخويف بعقاب الله تعالى، والتهديد إذا احتيج إلى ذلك؛ إذ ليس بتثريب، ولأن الصحابة - ﵃ - قد قالوا لشارب الخمر: أما اتَّقيت الله، أما استحيت من رسول الله - ﷺ -.\n_________\n(١) في (ج ٢): الذم.","vol":"5","page":120},{"text":"[١٧٩١] وعنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَن الأَمَةِ إِذَا زَنَت وَلَم تُحصِن قَالَ: إِن زَنَت فَاجلِدُوهَا، ثُمَّ إِن زَنَت فَاجلِدُوهَا، ثُمَّ إِن زَنَت\nــ\nو(قوله: ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير)، الضفير: الحبل المضفور، فعيل بمعنى: مفعول. وفي الرِّواية الأخرى: (ولو بحبل من شعر) [فوصف الحبل بكونه من شعر] (١)؛ لأنَّه أكثر حبالهم. وهذا خرج مخرج التقليل والتزهيد في الجارية الزانية، فكأنَّه قال: لا تمسكها، بعها بما تيسَّر. ففيه دليل على إبعاد أهل المعاصي واحتقارهم.\nفروع: إذا باعها عرَّف بزناها، فإنَّه عيبٌ، فلا يحلُّ أن يكتم. فإن قيل: إذا كان مقصود هذا الحديث إبعاد الزانية، ووجب على بائعها التعريف بزناها، فلا ينبغي لأحد أن يشتريها، لأنها مِمَّا قد أُمِرنا بإبعادها. فالجواب: إنَّها مالٌ، ولا يُضاع؛ للنهي عن إضاعة المال، ولا تُسيَّب، ولا تحبس دائمًا؛ إذ كل ذلك إضاعة مال، ولو سُيِّبت لكان ذلك إغراءً لها بالزنى وتمكينًا منه، فلم يبق إلا بيعها. ولعل السيِّد الثاني يُعِفُّها بالوطء، أو يبالغ في التحرز بها، فيمنعها من ذلك. وعلى الجملة فعند تَبَدُّل الأملاك تختلف عليها الأحوال. وجمهور العلماء حملوا الأمر ببيع الأمة الزانية على النَّدب، والإرشاد للأصلح، ما خلا داود وأهل الظاهر فإنهم حملوه على الوجوب تمسُّكًا بظاهر الأمر، والجمهور صرفوه عن ظاهره تمُّسكًا بالأصل الشرعي، وهو: أنَّه لا يجبر أحدٌ على إخراج ملكه لملك آخر بغير الشفعة. فلو وجب ذلك عليه لجبر عليه، ولم يجبر عليه فلا يجب. وقد استنبط بعض العلماء من هذا الحديث جواز البيع بالغَبن، قال: لأنه بيع خطير بثمن يسير. وهذا ليس بصحيح؛ لأنَّ الغبن المختلف فيه إنَّما هو مع الجهالة من المغبون. وأمَّا مع علم البائع بقدر ما باع وبقدر ما قبض فلا يختلف فيه؛ لأنَّه\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ج ٢).","vol":"5","page":121},{"text":"فَاجلِدُوهَا، ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَو بِضَفِيرٍ. قَالَ ابنُ شِهَابٍ: لَا أَدرِي بَعدَ الثَّالِثَةِ أَو الرَّابِعَةِ. وَالضَّفِيرُ: الحَبلُ.\nرواه أحمد (٤/ ١١٧)، والبخاري (٢١٥٣)، ومسلم (١٧٠٤) (٣٣)، وأبو داود (٤٤٦٩)، وابن ماجه (٢٥٦٥).\nــ\nعن علم منه ورضًا، فهو إسقاط لبعض الثَّمن، وإرفاق بالمشتري، لاسيَّما وقد بيَّنَّا: أن الحديث خرج على جهة التزهيد، وترك الغبطة.\nو(قوله: سُئِل عن الأَمَة إذا زنت ولم تحصن) هذه الزيادة التي هي قوله: (ولم تحصن) هي رواية مالك عن ابن شهاب. قال الطحاوي: لم يقله غير مالك. قال غيره: ليس ذلك بصحيح، بل قد رواه سفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد، عن ابن شهاب، كما قاله مالك.\nواختلف في تأويل قوله: (ولم تحصن). فقيل: لم تعتق، وتكون فائدته: أنها لو زنت وهي مملوكة فلم يحدَّها سيِّدها حتى عتقت لم يكن له سبيل إلى جلدها. والإمام هو الذي يقيم ذلك عليها إذا ثبت عنده. وقيل: ما لم تتزوَّج. وفائدة ذلك: أنَّها إذا تزوَّجت لم يكن للسِّيد أن يجلدها لحق الزوج؛ إذ قد يضره ذلك. وهذا مذهب مالك إذا لم يكن الزوج ملكًا للسيِّد، فلو كان جاز للسيِّد ذلك؛ لأنَّ حقَّهُما حقُّه. وقيل: لم تسلم. وفائدته: أن الكافرة لا تُحدُّ، وإنما تُعزر وتُعاقب. وعلى هذا فيكون الجلد المأمور به في هذا الحديث على جهة التعزير، لا الحدّ. وهذا كله إنَّما هو تَنَزُّل على أن النبي - ﷺ - علَّق الجلد المأمور به في الجواب على نفي الإحصان المأخوذ قيدًا في السؤال، وعلى القول بدليل الخطاب. وحينئذ يكون هذا الحديث على نقيض قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحصِنَّ فَإِن أَتَينَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيهِنَّ نِصفُ مَا عَلَى المُحصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ﴾ فإن شرط الجلد نفي الإحصان، وشرط الحدِّ في الآية ثبوت الإحصان، فلا بدَّ أن يكون أحد الإحصانين غير الآخر. ولو قدَّرناه واحدًا فيهما للزم أن يكون الجلد المترتب على نفي الإحصان في الحديث غير الحد المترتب على الإحصان المثبت في الآية.","vol":"5","page":122},{"text":"[١٧٩٢] وعَن أَبِي عَبدِ الرَّحمَنِ قَالَ: خَطَبَ عَلِيٌّ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا\nــ\nوقد اختلف في إحصان الآية، كما اختلف في الإحصان المنفي في الحديث. فقال قوم: هو الإسلام. قاله ابن مسعود، والشعبي، والزهري، وغيرهم. وعلى هذا: فلا تُحدُّ كافرةٌ. وقال آخرون: إنَّه التزويج. قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير. وعلى هذا فتُحدُّ المتزوجة وإن كانت كافرة، كما قاله الشافعي. وقال آخرون: إنَّه الحرية. وروي ذلك عن عمر، وابن عباس، وعلي. وعلى هذا: فلا تُحدُّ أمةٌ بوجه وإن كانت مسلمة، لكنها يجلدها سيِّدها تعزيرًا. وكل هذا الخلاف أوجبه اشتراك لفظ الإحصان، فإنَّه قد جاء في كتاب الله تعالى بمعنى: الإسلام، والحرية، والتزويج، والعفاف. والعفاف غير مراد في هذا الحديث، ولا في هذه اآية بالاتفاق، فبقي لفظ الإحصان محتملًا لأن يراد به واحد من تلك المعاني الثلاثة، فترتب عليه الخلاف المذكور.\nوالذي يرفع الإشكال عن الحديث إن شاء الله تعالى: أن نفي الإحصان إنما هو من قول السَّائل، ولم يصرَّح النبي - ﷺ - بأخذه قيدًا في الجلد. فيحتمل أن يكون النبي - ﷺ - أعرض عنه، وأفتى (١) بالجلد مطلقًا. ويشهد لهذا التأويل: أن الأحاديث الواردة في جلد الأمة إذا زنت، ليس فيها ذكر لذلك القيد من كلام النبي - ﷺ - لقوله: (إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحدّ. . . الحديث) ولو سلمنا: أن ذلك القيد من كلام النبي - ﷺ - وتنزلنا على القول بدليل الخطاب، فأولى الأقوال به أن يحمل على التزويج، ويستفاد منه صحة مذهب مالك على ما قدَّمناه دفعا للاشتراك، وتنزيلًا للحديث على فائدة مستجدَّة. والذي يحسم مادة الإشكال عن الحديث والآية حديث علي بعد هذا، وهو قوله في حال خطبته: يا أيها النَّاس أقيموا على أرقائكم الحدّ، من أحصن منهم ومن لم يحصن. وهذا الحديث وإن كان موقوفًا على علي - ﵁ - في كتاب مسلم، فقد رواه النسائي، وقال فيه: قال\n_________\n(١) في (ج ٢): وأجابه.","vol":"5","page":123},{"text":"النَّاسُ، أَقِيمُوا عَلَى أَرِقَّائِكُم الحَدَّ، مَن أَحصَنَ مِنهُم، وَمَن لَم يُحصِن، فَإِنَّ أَمَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَنَت،\nــ\nرسول الله - ﷺ -: (أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم؛ من أحصن منهم، ومن لم يحصن) (١) وهذا ينصّ على أمر السَّادة بإقامة الحد الذي ذكره الله تعالى، وليس بتعزير، فإنَّه قد سمَّاه حدًّا، وصرَّح بإلغاء اعتبار الإحصان مطلقًا؛ إذ سوَّى بين وجوده وعدمه، فتُحدُّ الأَمَة الزانية على أي حال كانت. ويعتذر عن تخصيص الإحصان في الآية بالذكر: بأنه أغلب حال الإماء، أو الأهم في مقاصد الناس، لا سيما إذا حمل الإحصان على الإسلام. وهو أولى الأقوال على ما قد أوضحه القاضي أبو بكر بن العربي. والله تعالى أعلم.\nو(قوله: فإن أمة لرسول الله - ﷺ - زنت) كذا جاء في كتاب مسلم. وفي كتاب أبي داود: (فجرت جارية لآل رسول الله - ﷺ -). وظاهره: أن هذه الجارية كانت لبعض عشيرته. وهذه الرواية أحسن من رواية مسلم وأليق بحال من ينتسب لحضرة بيت رسول الله - ﷺ - وملكه، استصحابًا لما شهد الله تعالى به من الطهارة لذلك الجناب الكريم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أَهلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطهِيرًا﴾ وكيف يليق بمن كان في مثل هذا (٢) البيت الكريم، وبمن صحَّ له ذلك الملك الشريف أن تقع منه فاحشة الزنى. هذا والله من البعد على الغاية القصوى، فإن العبد من طينة سيِّده. ألا ترى أنَّه لما كثر المنافقون على مارية في ابن عمها؛ الذي كان يزورها، فبعث النبي - ﷺ - علي بن أبي طالب ليقتله، فدخل عليه، فلما رآه كشف عن فرجه فإذا هو أَجَبُّ، فقرأ علي - ﵁ -: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أَهلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطهِيرًا﴾\n_________\n(١) رواه النسائي في الكبرى (٧٢٣٩) دون قوله: \"من أحصن. . .\". وانظر: تلخيص الحبير (٤/ ٦٦).\n(٢) في (ج ٢): ذلك.","vol":"5","page":124},{"text":"فَأَمَرَنِي أَن أَجلِدَهَا، فَإِذَا هِيَ حَدِيثة عَهدٍ بِنِفَاسٍ، فَخَشِيتُ إِن أَنَا جَلَدتُهَا أَن أَقتُلَهَا، فَذَكَرتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَحسَنتَ.\nرواه مسلم (١٧٠٥)، وأبو داود (٤٤٧٣)، والترمذيُّ (١٤٤١).\n* * *\nــ\n[الأحزاب: ٣٣] (١). هذا كله مع احتمال أن يراد بآل محمد نفسه، كما قدمناه في قوله - ﷺ -: (اللَّهم صلِّ على آل أبي أوفى) (٢)، وفي قوله: (لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود) (٣). وتكون هذه الأمة من الإماء المُتخذات للخدمة والتصرف، ولعلَّها قريبة عهد بالجاهلية. لكن الأوَّل أليق وأسلم. والله تعالى أعلم.\nو(قوله: فأمرني أن أجلدها) هذا إنَّما كان لما ظهر من زناها بالحَبَل، كما دلَّ عليه قوله: (فإذا هي حديثة عهد بنفاس).\nو(قوله: فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها). هذا فيه أصل من أصول الفقه. وهو ترك العمل بالظاهر لِمَا هو أولى منه، وتسويغ الاجتهاد. ألا ترى أن عليًّا - ﵁ - قد ترك ظاهر الأمر بالجلد مخافة أمر آخر؛ هو أولى بالمراعاة، فحسَّنه النبي - ﷺ - له وصوَّبه. ولو كان الأمر على ما ارتكبه أهل الظاهر من الأصول الفاسدة لجلدها وإن هلكت.\nوفيه من الفقه ما يدلُّ على أن من كان حدُّه دون القتل لم يقم عليه الحدّ في مرضه حتى يفيق، لا مُفَرَّقًا، ولا مجموعًا، ولا مخففًا، ولا مثقلًا. وهو مذهب الجمهور تمسُّكًا بهذا الحديث، وهو أولى مما خرَّجه أبو داود من حديث سهل بن\n_________\n(١) سيأتي تخريجه في التلخيص برقم (٢١٠٠).\n(٢) رواه أحمد (٣/ ٣٥٣)، والبخاري (١٤٩٧)، ومسلم (١٠٧٨).\n(٣) رواه البخاري (٥٠٤٨)، ومسلم (٧٩٣) (٢٣٦)، والترمذي (٣٨٥٥).","vol":"5","page":125},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nحنيف: أن رجلًا من أصحاب النبي - ﷺ - اشتكى حتى أَضنَى، فعاد جِلدَةً على عَظمٍ، فوقع على جارية لغيره، ثمَّ ندم، فاستُفتِي له رسول الله - ﷺ - فأمر رسول الله - ﷺ - أن يأخذوا له مائة شمراخ فيضربوه بها ضربة واحدة (١)؛ لأنَّ إسناده مختلف فيه. ولحديث سهل هذا؛ قال الشافعي: يضرب المريض بِعثكُولِ نخل تصل شماريخه كلها إليه، أو بما يقوم مقامه. وهذا في مريض ليس عليه حدُّ القتل. فلو كان عليه جلدٌ وقتلٌ؛ يجلد الحدّ ثم يقتل بعد ذلك. وحديث علي هذا: قد أخرجه النسائي، والترمذي، وزاد فيه: فقال رسول الله - ﷺ -: (دعها حتى ينقطع دمها ثم أقم عليها الحدّ، وأقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم)، وهذا لفظ أبي داود (٢). وهو نصٌّ على صحة مذهب الجمهور، وهو أصحُّ من حديث سهل وأعلى، فالعمل به أوجب وأولى، والحدُّ الذي أمر علي بإقامته هو نصف حدّ الحرَّة الذي قال الله تعالى فيه: ﴿فَعَلَيهِنَّ نِصفُ مَا عَلَى المُحصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ﴾ وهو خمسون جلدة، وهو قول الجمهور. ولا رجم على أمة وإن كانت متزوجة بالإجماع.\nفروع: قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم: أن الجلد بالسَّوط؛ والسَّوط الذي يجلد به سوط بين سوطين، ولا تُجَرَّد المرأة، وتُستَر، ويُنزع عنها ما يقيها. وهو مذهب مالك وغيره، بل لا خلاف فيه فيما أعلم. وأمَّا الرَّجل: فاختلف في تجريده. فقيل: لا يجرد. وبه قال طاوس، والشعبي، وقتادة، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. وروي ذلك عن ابن مسعود، وأبي عبيدة بن الجرَّاح. وقالت طائفة أخرى: يجرَّد وتستر عورته. وبه قال عمر بن عبد العزيز، ومالك. وقال الأوزاعي: ذلك إلى الإمام، إن شاء جرَّد، وإن شاء لم يجرد. واتفقوا على أن المجلود وعليه قميصه مجلود.\nوتُضرب المرأة قاعدة عند\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٤٧٢).\n(٢) رواه أبو داود (٤٤٧٣)، والترمذي (١٤٤١)، والنسائي في الكبرى (٧٢٣٩).","vol":"5","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-674>(١٠) باب الحد في الخمر وما جاء في جلد التعزير</span>\n[١٧٩٣] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَد شَرِبَ الخَمرَ،\nــ\nالجمهور. واختلف في الرِّجال. فالجمهور على أنهم يجلدون قيامًا. قاله الشافعي، وغيره. وقال مالك: قعودًا. واتفقوا: على أن الجلد كيفما وقع أجزأ. ولا يُمدُّ المجلود، ولا يُربط. وتُترك له يداه عند الجمهور. قال ابن مسعود: لا يحل في هذه الأُمَّة تجريدٌ، ولا مَدٌّ. والضرب الذي يجب هو أن يكون مؤلِمًا؛ لا يجرح، ولا يبضع، ولا يُخرج الضارب يده من تحت إبطه. وبه قال الجمهور، وعلي، وابن مسعود. وأتي عمر برجلٍ في حدٍّ، فأُتي بسوط بين سوطين، وقال للضارب: اضرب، ولا يُرى إبطك، وأعط كل عضو حقَّه. واتفقوا: على أنه لا يضرب في الوجه؛ لنهي النبي - ﷺ - عن ذلك، ولا يُضرب في الفرج عند العلماء. والجمهور على اتِّقاء الرأس. وقال أبو يوسف: يُضرب في الرأس. وقد روي: أن عمر ضرب صَبِيغًا (١) في رأسه، وكان تَعزِيرًا، لا حدًّا.\nقلت: وإنَّما منع من الضرب في الفرج مخافة الموت. فيجب أن تُتَّقَى المقاتل كلُّها، كالدماغ، والقلب، وما أشبه ذلك. وهذا لا يُختَلف فيه إن شاء الله تعالى.\n(١٠) ومن باب: الحدّ في الخمر\n(قوله: أُتي رسول الله - ﷺ - برجل قد شرب الخمر فجلده) ظاهره يقتضي: أن الخمر بمجرَّده موجبٌ للحدِّ؛ لأن الفاء للتعليل، كقولهم: سها فسجد،\n_________\n(١) في (ع) و(ل ١): \"ضُبَيعًا\"، والتصحيح من (ج ٢)، والإصابة (٢/ ١٩٨).","vol":"5","page":127},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوزنى فرُجِم. وهو مذهب الجمهور من الصحابة وغيرهم. ولم يفرِّقوا بين شرب خمر العنب وغيره، ولا بين شرب قليله وكثيره؛ إذ الكل خمر، كما قدَّمناه، وللكوفيين تفصيل ينبني على ما تقدَّم ذكره في باب تحريم الخمر. وهو: أن من شرب شيئًا من خمر العنب النيَّئة وجب عليه الحدّ، قليلًا كان أو كثيرًا، لأن هذا هو المجمع عليه، فإن شرب غيره من الأشربة فسكر: حُدَّ، [وهذا أيضًا مجمع عليه] (١)، فإن لم يسكر لم يُحدَّ عندهم. وكذلك قالوا في مطبوخ العنب. وذهب أبو ثور: إلى أن من رأى تحريم القليل من النبيذ جلد ومن لم يره لم يجلد؛ لأنَّه متأوِّل. وقد مال إلى هذا الفرق بعض شيوخنا المتأخرين. والصحيح ما ذهب إليه الجمهور بما سبق ذكره في باب تحريم الخمر، وبدليل قوله: (من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاقتلوه) (٢)، فعلَّق الحكم على نفس شرب ما يقال عليه خمر، ولم يفرق بين قليل، ولا كثير. وقد بيَّنَّا: أن الكل يقال عليه خمر لغة وشرعًا، بالطرق التي لا مدفع لها.\nفأما قتل الشارب في الرابعة: فمنسوخ بما روي من حديث جابر الذي خرَّجه النسائي: أن رسول الله - ﷺ - أُتي بنعيمان، فضربه رسول الله - ﷺ - أربع مرات. قال: فرأى المسلمون أن الحدّ قد وقع، وأن القتل قد رفع (٣).\nفيحصل من هذا الحديث معرفة التاريخ ومعرفة إجماع المسلمين على رفع القتل. ومن حكي عنه\n_________\n(١) ما بين حاصرتين زيادة من (ج ٢).\n(٢) رواه أحمد (٤/ ٩٣)، وأبو داود (٤٤٨٢)، والترمذي (١٤٤٤). وفي (ج ٢) و(ع): النص على القتل إذا شرب في الثالثة، وما أثبتناه من (ل ١) والمسند. وقد جمع الشيخ أحمد شاكر -﵀- طرق الحديث في رسالةٍ سمَّاها: \"كلمة الفصل في قتل مدمني الخمر\".\n(٣) رواه النسائي في الكبرى (٥٣٠٣).","vol":"5","page":128},{"text":"فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَينِ نَحوَ أَربَعِينَ، قَالَ: وَفَعَلَهُ أَبُو بَكرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ استَشَارَ النَّاسَ، فَقَالَ عَبدُ الرَّحمَنِ: أَخَفُّ الحُدُودِ ثَمَانونَ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ.\nرواه البخاري (٦٧٧٣)، ومسلم (١٧٠٦) (٣٥)، وأبو داود (٤٤٧٩)، والترمذي (١٣٤٣).\nــ\nخلاف ذلك فإنما هو خلاف متأخر مسبوق بالإجماع المتقدم. وقد عضد حديث جابر ما خرَّجه البخاري من حديث عمر بن الخطاب - ﵁ -: أن رجلًا كان اسمه: عبد الله، وكان يلقب حمارًا، وكان يُضحِك النبي - ﷺ -، وكان رسول الله - ﷺ - قد جلده في الشراب، فأُتي به يومًا، فأمر به فجلد. فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يُؤتى به! فقال النبي - ﷺ -: (لا تلعنوه، فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله (١). وظاهره: أن هذا الشارب شرب أكثر من أربع مرَّات، ثم لم يقتله، بل شهد له أنَّه يحب الله ورسوله.\nو(قوله: فجلده بجريدتين نحو أربعين)، وفي الرواية الأخرى: (جلد في الخمر بالجريد والنعال أربعين). هذه الروايات تدل على أن النبي - ﷺ - لم يحد في الخمر حدًّا محدودًا، وإنما كان ذلك منه تعزيرًا وأدبًا، لكن انتهى في ذلك إلى أربعين. ومما يدلّ على ذلك ما رواه أبو داود عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - أُتي برجل شرب، فقال: (اضربوه). قال: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه. ثم قال لأصحابه: (بكتوه)، فأقبلوا عليه يقولون: أما اتقيت الله؟ ! أما استحييت من رسول الله - ﷺ - (٢)؟ ! وهذا كله يدلّ على أن ذلك كله أدب، وتعزير. ولذلك قال علي - ﵁ -: إن رسول الله - ﷺ - لم يَسُنَّه؛ أي: لم يحدَّ فيه حدًّا، ولذلك اجتهدت الصحابة فيه، فألحقوه بأخف الحدود، وهو حدُّ\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٧٨٠).\n(٢) رواه أبو داود (٤٤٨٧).","vol":"5","page":129},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالقذف. هذا قولُ طائفةٍ من علماء أصحابنا وغيرهم، وهو ظاهرٌ من الأحاديث التي ذكرناها. غير أنه يرد عليهم أن يقال: هذا معارضٌ بوجهين:\nأحدهما: أن علي بن أبي طالب قد قال: جلد رسولُ الله - ﷺ - أربعين، وأبو بكرٍ أربعين، وجلد علي بحضرة عثمان، والصحابة - ﵃ - أربعين، ودوامهم على مراعاة هذا العدد يدل على أنَّه حدٌّ محدود، ولو كان تعزيرًا لاختلف بحسب اجتهاد كلّ واحدٍ منهم.\nوثانيهما: أن الأمَّة مُجمعة على أنَّ الحدَّ في الخمر أحد العددين؛ إمَّا أربعون، وإمَّا ثمانون.\nقال القاضي عياض: أجمع المسلمون على وجوب الحدِّ في الخمر. وكيف تُجمِعُ الأمَّةُ على خلاف ما جاء به النبي - ﷺ -؟ !\nفالجواب عن الوجهين: أن الصحابة - رضوان الله عليهم - هم الذين نقلوا عن النبي - ﷺ - ما يدلُّ على التعزير، وهم الذين نقلوا ما يدل على التحديد. والذين قاسوا واجتهدوا هم الذين عدَّدوا وحدَّدُوا، ولم ينصَّ أحدٌ منهم على نفي أحد الوجهين وثبوت الآخر، وإنما هو نقل أحوالٍ محتملة، فلا بدَّ من التلفيق بين أقوالهم؛ لاستحالة التناقض والكذب عليهم.\nووجهُ التلفيق: أن الصحابةَ - رضي الله تعالى عنهم - فهمت عن النبي - ﷺ -: أنَّ جَلده كان تعزيرًا؛ لأنَّه قد اختلف حاله فيه، فمرةً جلد فيه بالأيدي، والنِّعال، والثياب من غير عددٍ. ومرَّةً جلد فيه بالجريد والنعال أربعين. ومرَّةً جلد فيه بجريدتين نحو الأربعين، فهذه نحو الثمانين. فهذا تعزير بلا شك، لكن لَمَّا كان أكثر جلده أربعين اختاره أبو بكر، وعمر في أول أمره، فلمَّا كثر إقدامُ الناس على شرب الخمر، تفاوضت الصحابة في ذلك ونظروا، فظهر لهم: أن ذلك القدر","vol":"5","page":130},{"text":"[١٧٩٤] وعنه: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ جَلَدَ فِي الخَمرِ بِالجَرِيدِ وَالنِّعَالِ،\nــ\nلا يزجرهم، ولا يبالون به، فظهر لهم أن يلحقوه بأخف حدود الأحرار المذكورة في القرآن، فوجدوه القذف، مع أنه قد ظهر لهم جامع بينهما، فقالوا: إذا سَكِرَ هَذَى، وإذا هَذَى افترى. ومع ما تقدَّم لهم من أن النبي - ﷺ - قد قارب فيه الثمانين، فأثبتوها، ومنعوا من الزيادة عليها. ولما ظهر هذا المعنى لعلي بن أبي طالب - ﵁ - قال مصرِّحًا به: جلد رسولُ الله - ﷺ - أربعين، وأبو بكرٍ أربعين، وعمر ثمانين، وكل سُنَّة. ثمَّ إنَّه جلد هو أربعين، وأقرَّه على ذلك عثمان، ومَن حضر من الصحابة - ﵃ - وظهر له أن الاقتصار على أربعين أولى من الثمانين؛ مخافةَ أن يموتَ فتلزمه الدِّية، كما قد صرَّح به؛ حيث قال: ما كنت أقيمُ على أحدٍ حدًّا فيموت فيه، فأجد في نفسي، إلا صاحب الخمر، لأنه إن مات وَدَيتُهُ. وهذا يدلُّ على أنَّه جلد فيه ثمانين في ولايته، وأنَّه لم يخالف عمر في الثمانين، وإيَّاها عَنَى بقوله: (فإن رسول الله - ﷺ - لم يَسُنَّه)، ولا يصحُّ أن يريدَ بذلك الأربعين؛ لأنه هو الذي روى أن النبي - ﷺ - جلد فيه أربعين. ولو مات في الأربعين لم تجب له ديةٌ بوجهٍ. ولذلك قال الشافعي: لو مات في الأربعين فالحقُّ قَتَلَهُ، كما تقدَّم. فتفهَّم هذا البحث، فإنَّه حسن.\nوحاصله: أن الجلدَ على الخمر تعزير مُنِع من الزيادة على غايته. فرأت طائفه: أن غايته أربعون، فلا يُزاد عليه. وبه قال الشافعي من الفقهاء، والإجماع: على أنَّه لا يزاد على الثمانين، فإن قيل: كيف يكون تعزيرًا وقد قال - ﷺ -: (لا يُجلَدُ أحدٌ فوق عشرة أسواطٍ إلا في حدٍّ من حدود الله (١)؟ فمقتضى هذا: ألا يُزاد في التعزير على العشرة. وبه قال من يأتي ذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى. فالجواب: إنَّه سيأتي الكلام على ذلك الحديث.\n_________\n(١) سبق تخريجه في التلخيص برقم (٢٠٩٧).","vol":"5","page":131},{"text":"- وفي رواية: أربعين - ثُمَّ جَلَدَ أَبُو بَكرٍ أَربَعِينَ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ وَدَنَا النَّاسُ مِن الرِّيفِ وَالقُرَى، قَالَ: مَا تَرَونَ فِي جَلدِ الخَمرِ؟ فَقَالَ عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ: أَرَى أَن تَجعَلَهَا كَأَخَفِّ الحُدُودِ، قَالَ: فَجَلَدَ عُمَرُ ثَمَانِينَ.\nرواه مسلم (١٧٠٦) (٣٦).\nــ\nو(قوله: فلمَّا كان عمر ودنا النَّاس من الرِّيف والقرى) كان هنا تامَّة. وفي الكلام حذفٌ؛ أي: لما وقع، ووجد زمن خلافة عمر. والرِّيف: أرض الزرع والخصب. والجمع: أرياف. يقال: أَرَافَت الأرض - رباعيًّا - أخصبت. ورافت الماشية: إذا رعت الريف. وأَريَفنا: أي: صرنا إلى الريف. (من الصحاح) ويعني بذلك: أنَّه لما فتحت البلاد بالشَّام وغيرها، وكثرت الكروم ظهر في الناس شُربُ الخمر، فشاور عمرُ الصحابةَ - ﵃ - في التشديد في العقوبة عليها، فتفاوضوا في ذلك، واتفقوا على إلحاقها بحدِّ القذف؛ لأنَّه أخف الحدود، كما قال عبد الرحمن. وقد جاء في الموطأ: أن عمر لَمَّا استشارهم في ذلك قال علي: نرى أن تجلده ثمانين، فإنه إذا شرب سكر، وإذا سَكِرَ هَذَى، وإذا هَذَى افترى (١). فصرَّح بكيفية الإلحاق. وحاصلها راجعٌ إلى أنه أقام السُّكر مقامَ القذف؛ لأنه لا يخلو عنه غالبًا، فأعطاه حكمه، فكان هذا الحديث من أوضح حجج القائلين بالقياس والاجتهاد؛ إذ هذه القضيةُ نصٌّ منهم على ذلك. وهم الملأ الكريم. وقد انتشرت القضيةُ في ذلك الزَّمان، وعمل عليها في كل مكانٍ، ولم يتعرَّض بالإنكار عليها إنسان، مع تكرار الأعصار، وتباعد الأقطار، فكان ذلك إجماعًا على صحة العمل بالقياس الذي لا ينكره إلا الأغبياء من الناس. وقد أورد بعض من يتعاطى العلم الجدلي على هذا النظر السديد العَلَوِي أن قال: إن حكم للسُّكر بحكم القذف - لأنه مظنَّته - فليحكم له بحكم الزِّنى والقتل لأنه مظنتهما. وأيضًا: فلأنه يلزم عليه ألا يُحَدَّ على مجرد الشرب، بل على السُّكر خاصةً، لأنَّه هو المظنَّة، لا الشُرب.\n_________\n(١) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٨٤٢).","vol":"5","page":132},{"text":"[١٧٩٥] وعن حُضَين بن المُنذِرِ أَبي سَاسَانَ قَالَ: شَهِدتُ عُثمَانَ بنَ عَفَّانَ أُتِيَ بِالوَلِيدِ قَد صَلَّى الصُّبحَ رَكعَتَينِ، ثُمَّ قَالَ: أَزِيدُكُم؟ قال: فَشَهِدَ عَلَيهِ رَجُلَانِ - أَحَدُهُمَا حُمرَانُ -: أَنَّهُ شَرِبَ الخَمرَ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ رَآهُ يَتَقَيَّأُ،\nــ\nوقد حدُّوا على شرب الخمر وإن لم يسكر. فدلَّ على أن السُّكر ليس معتبرًا في الحدِّ، فلا يكون علَّة له، ولا مظنَّة.\nوالجواب عن الأول: منع كون السُّكر مظنة للزنى والقتل؛ لأنَّ المظنَّة اسم لما يظن فيها تحقق المعنى المناسب غالبًا. ومن المعلوم: أن السُّكر لا يخلو عن الهذيان والقذف غالبًا في عموم الأوقات والأشخاص، وليس كذلك الزنى والقتل؛ فإن ذلك إن وقع فنادرٌ، وغير غالبٍ. والوجود يحققه.\nوالجواب عن الثاني: أن الحدّ على قليل الخمر إنما هو من باب سدِّ الذرائع؛ لأنَّ القليل يدعو إلى الكثير، والكثير يُسكر، والسُّكر المظنَّة، كما قررته الصحابة - ﵃ -؛ فهم الأسوة، وهم القدوة.\nو(قوله في الأم: عبد الله الدَّاناج (١» بالجيم. ويقال: الدَّاناء. بهمزة مكان الجيم. ويقال بهاء. وهو بالفارسية: العالم. (عن حُضَين) بالحاء المهملة، والضاد المعجمة: تصغير (حُضن) وهو ما دون الإبط إلى الكشح. وحضن الشيء: جانبه. ونواحي كل شيء: أحضانه. و(الوليد) هو ابن عقبة بن أبي مُعيط، ظهر عليه أنَّه شرب الخمر، فَكُثِّرَ على عثمان فيه، فلما شهد عنده بأنَّه شربها أقام عليه الحدّ كما ذكر.\nو(قوله: فشهد حمران: أنَّه شربها، وشهد آخر: أنَّه رآه يتقيَّأ): فيه من\n_________\n(١) ورد هذا الاسم في سند الحديث (١٧٠٧) (٣٨) في صحيح مسلم.","vol":"5","page":133},{"text":"فَقَالَ عُثمَانُ: إِنَّهُ لَم يَتَقَيَّأ حَتَّى شَرِبَهَا، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ، قُم فَاجلِدهُ،\nــ\nالفقه: تلفيق الشهادتين إذا أدَّتا إلى معنى واحد، فإن أحدهما شهد برؤية الشرب. والآخر بما يستلزم الشرب، ولذلك قال عثمان: إنَّه لم يتقيَّأ حتى شربها. غير أنَّه قد ذكر الحُمَيدِي محمد بن نصر في حديث عمر حين شهد عنده الجارود: بأن قدامة شرب الخمر ثمَّ دعا بأبي هريرة وقال: علام تشهد؟ فقال: لم أره حين شرب! وقد رأيته سكران يقيء. فقال عمر: لقد تنطَّعتَ يا أبا هريرة في الشهادة! فلمَّا استحضر قُدامة أنكر. فقال أبو هريرة: يا أمير المؤمنين! إن كنت تشك في شهادتنا فَسَل بنت الوليد امرأة ابن مظعون. فأرسل عمر إلى هند ينشدها بالله. فأقامت هند على زوجها الشهادة، فجلده. فظاهر هذا: أن عمر لم يسمع شهادة أبي هريرة لما قال له: إنَّه لم يره يشرب، وإنَّما رآه يتقيَّأ.\nوالجواب: أن عمر إنَّما توقف في شهادة أبي هريرة؛ لأنَّ أبا هريرة سلك في أداء الشهادة مسلك من يُخبر بتفصيل قرائن الأحوال التي أفادته العلم بالمشهود فيه، ومهما شرع الشاهد في تفصيل ذلك وحكايته لم يحصل لسامع الشهادة الجزم بصحتها؛ لأنَّ قرائن الأحوال لا تنضبط بالحكاية عنها، وإنما حق الشاهد أن يعرض عنها، ويُقدِم على الأداء إقدام الجازم المخبر عن علم حاصل، فكان توقف عمر لذلك. ثمَّ إن أبا هريرة لما جزم في الشهادة سمعها عمر وحكم بها، لكنه استظهر بقول هند على عادته في الاستظهار في الشهادات والإخبار، ولا يظن به أنه ردَّ شهادة أبي هريرة، وقبل شهادة امرأة في الحدود، إلا من هو عن المعارف مصدود.\nو(قول عثمان لعلي: قم يا علي فاجلده) دليل على أن الحدَّ إنَّما ينبغي أن يقيمه بين أيدي الخلفاء والحكام فضلاء الناس، وخيارهم. وكذلك كانت الصحابة تفعل كلَّما وقع لهم شيء من ذلك. وسبب ذلك: أنَّه قيامٌ بقاعدةٍ شرعية، وقُربة تعبديِّة تجب المحافظة على فعلها، وقدرها، ومحلِّها، وحالها، بحيث لا يُتَعَدَّى","vol":"5","page":134},{"text":"فَقَالَ عَلِيٌّ: قُم يَا حَسَنُ فَاجلِدهُ، فَقَالَ الحَسَنُ: وَلِّ حَارَّهَا مَن تَوَلَّى قَارَّهَا، فَكَأَنَّهُ وَجَدَ عَلَيهِ، فَقَالَ: يَا عَبدَ اللَّهِ بنَ جَعفَرٍ، قُم فَاجلِدهُ، فَجَلَدَهُ وَعَلِيٌّ يَعُدُّ حَتَّى بَلَغَ أَربَعِينَ، فَقَالَ: أَمسِك،\nــ\nشيء من شروطها، ولا أحكامها. ولذلك يجب عند جميع العلماء أن يختار لها أهل الفضل، والعدل؛ إذا أمكن ذلك مخافة التعدِّي في الحدود. وقد وقع في زماننا من جلد في الخمر ثمانين، فتعدَّى عليه الضاربُ، فقتله بها، وحُرمةُ دم المسلم عظيمة، فتجب مراعاتها بكل ممكن.\nو(قول علي: قم يا حسن فاجلده!) دليل على أن من استنابه الإمام في أمر فله أن يستنيب من يتنزل منزلته في ذلك الأمر.\nو(قول حسن: ولِّ حارَّها من تولى قارَّها). هذا مثل من أمثال العرب. قال الأصمعي: معناه: وَلِّ شدَّتها من تولى هنيئها. والقارُّ: البارد. ويعني الحسن بهذا: ولِّ شدة إقامة الحدّ من تولى إمرة المسلمين، وتناول حلاوة ذلك.\nو(قوله: فكأنه وجد عليه) أي: غضب عليه لأجل توقفه فيما أمره به، وتعريضه بالأمراء.\nو(قوله: فقال: يا عبد الله! قم فاجلده) يحتمل أن يكون الآمر لعبد الله عليًّا، فكأنه أعرض عن الحسن لَمَّا توقف. ويحتمل أن يكون الحسن استناب عبد الله فيما أمره به علي طلبًا لرضا علي. والله تعالى أعلم.\nو(قوله: فجلده وعلي يعدُّ حتى بلغ أربعين، فقال: أمسك) ظاهر هذا: أنَّه لم يزد على الأربعين. وفي البخاري من حديث المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن الأسود، وذكر هذا الحديث طويلًا، وقال في آخره: إن عليًّا جلد الوليد ثمانين (١). وهذا تعارض، غير أن حديث حضين أولى، لأنَّه مفصل في مقصوده،\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٦٩٦).","vol":"5","page":135},{"text":"ثُمَّ قَالَ: جَلَدَ النَّبِيُّ ﷺ وأَبُو بَكرٍ أَربَعِينَ، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ.\nرواه مسلم (١٧٠٧) (٣٨)، وأبو داود (٤٤٨٠ و٤٤٨١).\nــ\nحسنٌ في مساقه، وساقه رواية مساق المُتثبِّت. والأقرب أن بعض الرواة وَهِمَ في حديث المسور، فوضع (ثمانين) مكان (أربعين).\nو(قول علي: جلد رسول الله - ﷺ - أربعين. وأبو بكر أربعين، وكل سُنَّة) دليل واضح على اعتقاد علي - ﵁ - صحة إمامة الخليفتين أبي بكر، وعمر، وأن حكمهما يقال عليه: سُنَّة؛ خلافًا للرافضة والشيعة، وهو أعظم حُجَّة عليهم؛ لأنَّه قول متبوعهم؛ الذي يتعصبون له، ويعتقدون فيه ما يتبرأ هو منه. وكيف لا تكون أقوال أبي بكر وعمر وأفعالهما سنة، وقد قال - ﷺ -: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) (١)؟ ! .\nو(قوله: وهذا أحبُّ إلي) ظاهره: أنَّه أشار إلى الأربعين التي أمر بالإمساك عليها. وقد روي: أن المعروف من مذهبه الثمانون. فيكون له في ذلك القولان، لكنه دام هو على الثمانين لما كثر الإقدام على شرب الخمر.\nوحاصل هذا الاختلاف في الأحاديث، وبين الصحابة راجع إلى أنه لم يتقدَّر في الخمر حدٌّ محدود. وإنما كان الأدب والتعزير، لكن استقر الأمر: أن أقصى ما بلغ فيه إلى الثمانين، فلا يزاد عليها بوجه. وقد نصَّ على هذا المعنى السائب بن يزيد فيما خرَّجه البخاري قال: كنَّا نُؤتى بالشارب على عهد رسول الله - ﷺ - وإِمرة أبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر، فنقوم إليه بأيدينا، ونعالنا، وأرديتنا، حتى كان آخر إمرة عمر، فجلد أربعين، حتى إذا عَتَوا وفَسَقُوا جلد ثمانين (٢). وعلى هذا:\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٣٨٢)، والترمذي (٣٦٦٣)، وابن ماجه (٩٧).\n(٢) رواه البخاري (٦٧٧٩).","vol":"5","page":136},{"text":"[١٧٩٦] وعَن عَلِيٍّ قَالَ: مَا كُنتُ أُقِيمُ عَلَى أَحَدٍ حَدًّا فَيَمُوتَ فِيهِ فَأَجِدَ فِي نَفسِي إِلَّا صَاحِبَ الخَمرِ؛ لِأَنَّهُ إِن مَاتَ وَدَيتُهُ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَم يَسُنَّهُ.\nرواه أحمد (١/ ١٢٥)، والبخاريُّ (٦٧٧٨)، ومسلم (١٧٠٧) (٣٩)، وأبو داود (٤٤٨٦)، وابن ماجه (٢٥٦٩).\nــ\nفلا ينبغي أن يعدل عن الثمانين؛ لأنَّه الذي استقرَّ عليه آخر أمر الصحابة أجمعين.\nو(قول علي: ما كنت لأقيم على أحد حدًّا فيموت فأجد في نفسي إلا صاحب الخمر؛ لأنَّه إن مات وديته) يدلُّ على أن ما كان فيه حدٌّ محدود فأقامه الإمام على وجهه، فمات المحدود بسببه؛ لم يلزم الإمام شيء، ولا عاقلته، ولا بيت المال. وهذا مجمعٌ عليه؛ لأنَّ الإمام قام بما وجب عليه، والميت قتيل الله. وأمَّا حدّ الخمر فقد ظهر: أن رسول الله - ﷺ - لم يحدّ فيه حدًّا. فلما قصرته الصحابة على عدد محدود، هو الثمانون، وجد علي في نفسه من ذلك شيئًا، فصرَّح بالتزام الدِّية إن وقع له موت المجلود احتياطًا، وتوقيًّا، لكن ذلك - والله أعلم - فيما زاد على الأربعين إلى الثمانين. وأمَّا الأربعون: فقد نص (١) هو على أن رسول الله - ﷺ - وأبا بكر جلداها، وسمى ذلك سنة. فكيف يخاف من ذلك؟\nوهذا هو الذي فهمه الشافعي من فعل علي هذا، فقال: إن حدّ أربعين بالأيدي، والنعال، والثياب، فمات؛ فالله قتله. وإن زِيدَ على الأربعين بذاك، أو ضرب أربعين بسوط فمات؛ فديته على عاقلة الإمام.\nقلت: ويظهر لي من فعل عمر خلافُ ذلك: إنه لما شُهِدَ على قُدامة بشُرب الخمر استشار من حضره في جَلدِه، فقال القوم: لا نرى أن تَجلِدَه ما دام\n_________\n(١) في (ج ٢): صرَّح.","vol":"5","page":137},{"text":"[١٧٩٧] وعَن أَبِي بُردَةَ الأَنصَارِيِّ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا يُجلَدُ أَحَدٌ فَوقَ عَشَرَةِ أَسوَاطٍ، إِلَّا فِي حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ.\nرواه أحمد (٤/ ٤٥)، والبخاريُّ (٦٨٥٠)، ومسلم (١٧٠٨)، وأبو داود (٤٤٩٢)، والنسائي في الكبرى (٧٣٣٠).\n* * *\nــ\nوَجِعًا، فسكت عمر عن جلده أيامًا، ثم أصبح يومًا قد عزم على جلده، فاستشارهم. فقالوا: لا نرى أن تجلده ما دام وَجِعًا. فقال عمر: والله لأن يلقى الله تحت السياط أحبُّ إلي من أن ألقى الله وهي في عنقي. والله لأجلدنَّه. فجلده بسوط بين سوطين (١). وهذا يدلُّ: على أنَّه لا يلزم في ذلك دية لا على العاقلة، ولا في بيت المال؛ لأنَّ عمر سلك في حد الخمر مسلك الحدود المحدودة بالنصّ. وأمَّا جلد عمر لقدامة على ما ذكروا له من وَجَعِه، فكأنه فهم أن وجعه لم يكن بحيث يبالى به، ولا يخاف منه. وكأنهم اعتذروا به ليتأخر ضربه شفقة عليه، وحُنُوًّا. وقد ظهر ذلك منهم لما أَتَوه بسوطٍ دقيق صغير. فقال لأسلم: أخذتك دقرارة أهلك؛ أي: حميتهم الحاملة على المخالفة.\nواختلفوا فيمن مات من التعزير. فقال الشافعي: عَقلُه على الإمام، وعليه الكفارة. وقيل: على بيت المال. وجمهور العلماء: على أنَّه لا شيء عليه.\nو(قوله - ﷺ -: لا يجلد أحدٌ فوق عشرة أسواط إلا في حدٍّ من حدود الله) أخذ بظاهر هذا الحديث أحمد بن حنبل، وأشهب من أصحاب مالك في بعض أقواله. وقال ابن أبي ذئب وابن أبي ليلى: لا يضرب في الأدب أكثر من ثلاثة. وقال أشهب في مؤدِّب الصبيان. قال: وإن زاد اقتَّص منه. والجمهور: على أنَّه يُزاد في التعزير على العشرة. فمنهم من قصره على عدد بحيث لا يزاد عليه. فقال\n_________\n(١) أي: سوط متوسط بين اللين والشدّة.","vol":"5","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-675>(١١) باب من أقيم عليه الحد فهو كفارة له</span>\n[١٧٩٨] عَن عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ قَالَ: أَخَذَ عَلَينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا أَخَذَ عَلَى النِّسَاءِ: أَن لَا نُشرِكَ بِاللَّهِ شَيئًا، وَلَا نَسرِقَ، وَلَا نَزنِيَ، وَلَا نَقتُلَ\nــ\nأبو حنيفة: أربعين. وقاله الشافعي، وقال أيضًا: عشرين. وروي عن مالك: خمسة وسبعين سوطًا. وإليه مال أصبغ بن الفرج، وقاله ابن أبي ليلى، وأبو يوسف. وقال محمد بن مسلمة: لا أرى أن يبلغ به الحدّ. وقد روي عن عمر: ما يبلغ به ثمانون. وعن ابن أبي ليلى وابن شبرمة: لا يبلغ به مائة. ومنهم من رأى ذلك موكولًا إلى رأي الإمام بحسب ما يراه أردع، وأليق بالجاني، وإن زاد على أقصى الحدود. وهو مشهور مذهب مالك، وأبي يوسف، وأبي ثور، والطحاوي، ومحمد بن الحسن. وقال: وإن بلغ ألفًا. وقد روي عنه مثل قول أبي حنيفة. والصحيح عن عمر: أنَّه ضرب من نقش على خاتمه مائة. وضرب ضبيعا (١) أكثر من الحدّ. وقد روي عن الشافعي: أنَّه يُضرب في الأدب أبدًا، وإن أتى على نفسه حتى يُقرَّ بالإنابة. وقال المُزني من أصحاب الشافعي: تعزير كل ذنب مستنبط من حدِّه لا يجاوز.\nقلت: والصحيح: القول العمري، والمذهب المالكي؛ لأنَّ المقصود بالتعزير الرَّدع، والزجر. ولا يحصل ذلك إلا باعتبار أحوال الجنايات والجناة. فأمَّا الحديث فخرج على أغلب ما يحتاج إليه في ذلك الزمان. والله تعالى أعلم.\n(١١) ومن باب: من أقيم عليه الحدّ فهو كفارة له\n(قوله: أَخَذَ علينا رسول الله - ﷺ - كما أخذ على النساء) يعني: أنَّه بايعهم على\n_________\n(١) في (ل ١) و(ع): ضبيعًا، والمثبت من الإصابة (٢/ ١٩٨).","vol":"5","page":139},{"text":"أَولَادَنَا، وَلَا يَعضَهَ بَعضُنَا بَعضًا،\nــ\nالتزام هذه الأمور المذكورة كما بايع النساء عليها. وإنَّما نبَّه بهذا على أن هذه البيعة لما لم يكن فيها ذكر القتال استوى فيها الرِّجال والنساء؛ ولذلك كانت تسمى هذه البيعة بيعة النساء. وهذه البيعة كانت بالعقبة خارج مكة. وهي أول بيعة بايعها رسول الله - ﷺ - لنقباء الأنصار، وذلك قبل الهجرة، وقبل فرض القتال.\nو(قوله: ولا يَعضَهُ بعضنا بعضًا) هكذا رواية الجماعة، وقيل فيه ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنه السِّحر؛ أي: لا يسحر بعضنا بعضا. والعَضهُ، والعَضِيهَة: السِّحر. والعاضِهُ: السَّاحر. والعاضِهَةُ: السَّاحرة.\nوالثاني: أنَّه النَّمِيمَة والكذب.\nوالثالث: البُّهتان.\nقلت: وهذه الثلاثة متقاربة في المعنى؛ لأنَّ الكل كذبٌ وزور. ويقال لكلِّها عَضهٌ، وعَضِيهةٌ. ويُصرف فعلها كما سبق.\nوقد روى العذري هذه اللفظة: (ولا يَعضِي بعضنا بعضًا) - بالياء مكان الهاء - على وزن: يقضي. ويكون من التعضية، وهي التفريق والتجزئة. ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرآنَ عِضِينَ﴾ قال ابن عباس: فرَّقوه فآمنوا ببعضه، وكفروا ببعض. وعلى هذا: فيكون عضين: جمع عضه. فيكون منقوضًا؛ لأنَّ أصله: عِضوةٌ، فحذفوا الواو، ونقلوا حركتها إلى الساكن قبلها، كما فعلوه في عزة، فيكون معناه في الحديث: لا تكذب عليه فتبهته بأنواع من البهتان والكذب، فتفرقها عليه في أوقات، وتنسبها إليه في حالات. ورواية الجماعة أوضح.\nو(النُّقَباء): جمع نقيب، كظريف، وظرفاء. وهو الذي ينقب عن أخبار أصحابه، وأحوالهم، فيرفعها للأمراء. وهم المسمُّون بالعرفاء أيضًا: جمع","vol":"5","page":140},{"text":"فَمَن وَفَى مِنكُم فَأَجرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَن أَتَى مِنكُم حَدًّا فَأُقِيمَ عَلَيهِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ،\nــ\nعريف، لتعرُّفهم بالأحوال، وتعريفهم بها. وقد تقدم الكلام في (النهبة).\nو(قوله: ولا نقتل أولادنا) يعني بهم: البنات اللواتي كانوا يدفنونهم (١) أحياء. وهي الموءودة. وكانوا يفعلون ذلك للأنفة الجاهلية وخوف الفقر والإملاق. ولا يُعارض هذا قوله في الرواية الأخرى: (ولا نقتل (٢) النَّفس التي حرَّم الله إلا بالحق) لأنَّ هذه البيعة كانت فيها أمورٌ كثيرة منعهم منها، ونهاهم عنها؛ قد تقدم ذكر بعضها في كتاب الإمارة. وقد شمل ذلك كُلَّه بقوله: (ولا نعصي)، وكذلك قال تعالى في حق النساء: ﴿وَلا يَعصِينَكَ فِي مَعرُوفٍ﴾\nو(قوله: فمَن وَفَى منكم) بتخفيف الفاء. وقاله الأصيلي بتشديدها، ومعناهما واحد؛ أي: فعل ما أمر به، وانتهى عمَّا نُهِي عنه.\nو(قوله: فأجره على الله) أي: إن الله تعالى ينجيه من عذابه وإهانته، ويوصله إلى جنته وكرامته.\nو(قوله: ومن أتى منكم حدًّا فأُقِيم عليه فهو كفارته) هذا حجَّة واضحة لجمهور العلماء على أن الحدود كفارات. فمن قتل فاقتُصَّ منه لم يبق عليه طِلبَةٌ في الآخرة؛ لأنَّ الكفارات ماحيةٌ للذنوب، ومصَيِّرةٌ لصاحبها كأن ذنبه لم يكن (٣). وقد ظهر ذلك في كفارة اليمين والظِّهار وغير ذلك. فإن بقي مع الكفارة شيء من آثار الذنب لم يصدق عليها ذلك الاسم. وقد سمعنا من بعض علماء مشايخنا: أن الكفارة إنَّما تكفر حق الله تعالى، ويبقى على القاتل حق المقتول يطلبه به يوم القيامة. وتَطَّرِدُ هذه الطريقة في سائر حقوق الآدميين.\n_________\n(١) كذا في جميع النسخ، والصواب: يدفنونهن.\n(٢) في (ع) و(م ٣): تقتلوا.\n(٣) في (ج ٢): يقع.","vol":"5","page":141},{"text":"وَمَن سَتَرَهُ اللَّهُ فَأَمرُهُ إِلَى اللَّهِ، إِن شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِن شَاءَ غَفَرَ لَهُ.\nرواه أحمد (٥/ ٣٢٥)، والبخاريُّ (٧١٩٩)، ومسلم (١٧٠٩) (٤٣)، والنسائي (٧/ ١٣٧)، وابن ماجه (٢٨٦٦).\n[١٧٩٩] وعنه، قَالَ: إِنِّي مِن النُّقَبَاءِ الَّذِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: بَايَعنَاهُ عَلَى ألَا نُشرِكَ بِاللَّهِ شَيئًا، وَلَا نَزنِيَ، وَلَا نَسرِقَ، وَلَا نَقتُلَ النَّفسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَلَا نَنتَهِبَ وَلَا نَعصِيَ، فَالجَنَّةُ إِن فَعَلنَا ذَلِكَ، فَإِن غَشِينَا مِن ذَلِكَ شَيئًا، كَانَ قَضَاءُ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ.\nرواه مسلم (١٧٠٩) (٤٤).\n* * *\nــ\nقلت: وهذا ليس بصحيح؛ لأنَّه تخصيص لعموم ذلك الحديث بغير دليل، وما ذكره من اختلاف الحقوق صحيحٌ، غير أنَّه لما أباح الله دم القاتل بسبب جريمته، وقتل، فقد فعل به مثل ما فعل من إيلام نفسه واستباحة دمه، فلم يبق عليه شيء. وهذا معنى القصاص.\nو(قوله: ومن ستر الله عليه، فأمره إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له) يعني: إذا مات ولم يَتُب منه. فأمَّا لو تاب منه لكان كمن لم يُذنب؛ بنصوص القرآن والسُّنة كما قد تقدم. وهذا تصريحٌ بأن ارتكاب الكبائر ليس بكفر؛ لأنَّ الكفر لا يغفر لمن مات عليه بالنصّ والإجماع. وهو حجَّة لأهل السُّنة على المُكَفِّرة بالذنوب، وهم الخوارج، وأهل البدعة.\nو(قوله: فإن غَشينا شيئًا من ذلك كان قضاء ذلك إلى الله تعالى) أي: إن ارتكبنا شيئًا من ذلك، وفعلناه؛ كان حكمه لله؛ أي: إن شاء عذب، وإن شاء عفا. كما فسَّره في الرواية الثانية.","vol":"5","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-676>(١٢) باب الجبار الذي لا دية فيه ومن ظهرت براءته مما اتهم به لم يحبس ولم يعزر</span>\n[١٨٠٠] عَن أَنَسٍ: أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُتَّهَمُ بِأُمِّ وَلَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: اذهَب فَاضرِب عُنُقَهُ. فَأَتَى عَلِيٌّ فَإِذَا هُوَ فِي رَكِيٍّ يَتَبَرَّدُ فِيهَا، فَقَالَ لَهُ: اخرُج، فَنَاوَلَهُ يَدَهُ، فَأَخرَجَهُ، فَإِذَا هُوَ مَجبُوبٌ لَيسَ لَهُ ذَكَرٌ، فَكَفَّ عَلِيٌّ عَنهُ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُ لَمَجبُوبٌ مَا لَهُ ذَكَرٌ.\nرواه أحمد (١/ ٨٣)، و(٣/ ٢٨١)، ومسلم (٢٧٧١).\n[١٨٠١] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: العَجمَاءُ جَرحُهَا جُبَارٌ، وَالبِئرُ جُبَارٌ، وَالمَعدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الخُمسُ.\nــ\n(١٢) ومن باب: الجُبَار الذي لا دية فيه\n(قوله: العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس) هكذا جاء هذا الحديث بمجموع هذه الأمور. فظاهره: أن النبي - ﷺ - ذكرها في وقت واحد متصلة مجموعة، فيكون فيه حجَّة لمالك على أبي حنيفة: في أن الركاز ليس هو المعدن؛ إذ قد عدل عن لفظ المعدن إلى اسم آخر في مساق واحد، وذكره بعده. فلو كان الركاز هو المعدن لقال: والمعدن جُبار وفيه الخمس. وكان يكون أيسر، وأفصح، وأبعد عن الإشكال، بل لو ذكر لفظ المعدن نفسه بدل الرِّكاز فقال: وفي المعدن الخمس؛ لكان مستقبحًا عند الفصحاء، فإنَّه وضع الظاهر موضع المضمر من غير فائدة، ولا تفخيم، بل مع ما يجرُّه من اللَّبس. وهذا النوع من الكلام ركيك، ويُجَلُّ كلام الشارع أن يحمل عليه. ويحتمل","vol":"5","page":143},{"text":"رواه أحمد (٢/ ٢٣٩)، والبخاريُّ (٦٩١٢)، ومسلم (١٧١٠) (٤٥)، وأبو داود (٣٠٨٥)، والترمذيُّ (١٣٧٧)، والنسائي (٥/ ٤٤)، وابن ماجه (٢٦٧٣).\n* * *\nــ\nأن يقال: إن النبي - ﷺ - ذكر هذه الأمور في أوقات مختلفة، فجمعها الرَّاوي، وساقها سياقة واحدة، وحينئذ لا يكون فيه حجَّة على ما ذكرناه، لكن الظاهر الأول، والله تعالى أعلم.\nو(الجُبار): الذي لا قود فيه، ولا دية، ولا شيء. وهو بضم الجيم، على وزن: غُرَاب. و(العجماء) - ممدودة، مهموزة-: اسم جنس لجميع البهائم، سُمِّيت بذلك لأنَّها لا تنطق. فظاهر قوله: (العَجمَاء جرحها جُبار) أن ما انفردت البهيمة بإتلافه لم يكن فيه شيء، وهذا مُجمعٌ عليه. فلو كان معها قائد، أو سائق، أو راكب، فحملها أحدهم على شيء فأتلفته لزمه حكم المُتلَف. فإن كانت جناية مضمونة بالقصاص، وكان الحمل عمدًا؛ كان فيه القصاص. ولا يختلف فيه؛ لأنَّ الدَّابة كالآلة. وإن كان عن غير قصد كانت فيه الدية على العاقلة. وفي الأموال الغرامة في مال الجاني قصدًا كان أو غير قصد. وهذا كلُّه لا يختلف فيه إن شاء الله تعالى.\nواختلفوا فيما أصابته برجلها أو ذنبها. فلم يُضمِّن مالك، والليث، والأوزاعي صاحبها، وضَمَّنه الشافعي، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة. واختلفوا في الضَّارِيَة. فجمهورهم على أنَّها كغيرها. ومالك وبعض أصحابه يُضَمِّنُونَه.\nواختلفوا فيما رعت المواشي. فضَمَّن مالك ربَّها ما أفسدته ليلًا دون ما أفسدته نهارًا. وبه قال الشافعي، والجمهور. ومعتمد التفرقة: أن على أرباب الحوائط والمراعي حفظها نهارًا؛ إذ غالب المواشي أنَّها تسرح فيه، ولا تنضبط، وعلى أرباب المواشي حفظها بالليل، فكأن رعي النهار تمكين من أرباب الزروع للماشية من الرَّعي، ورَعي الليل تسليط من أرباب المواشي على الرَّعي. وقال أبو حنيفة:","vol":"5","page":144},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nلا ضمان فيما رعته المواشي ليلًا ولا نهارًا تمسُّكًا منه بالحديث. وهذا إنما يليق بأهل الظاهر لا بأبي حنيفة. وقال الليث، وسحنون: يضمن ما رعت نهارًا.\nو(قوله: والبئر جُبار) يعني: إذا حفرها الإنسان في ملكه على الوجه الجائز. فلو حفرها في ملك غيره بغير إذنه، أو في طريق فهلك فيها شيء؛ ضمنه عند مالك، والشافعي. فإن هلك فيها إنسان كانت ديته على الجاني. وكذلك لو حفرها لسارق؛ فهلك فيها. وقال الليث: لا دية فيه ولا ضمان. وكذلك الحكم في المعدن. فلو انهار المعدن على العملة؛ فإن كان ربُّ المعدن قد غرَّهم؛ كانت دياتهم على عاقلته، وإن لم يَغرَّهُم فهلكوا فيه؛ لم يلزمه شيء ولا عاقلته.\nوالركاز عند مالك هو: ما يوجد (١) من دفين الجاهلية. فخمسه لبيت مال المسلمين، وأربعة أخماسه لواجده. وهل هذا حُكم كل ركاز. أو يختلف ذلك بحسب نوعه وأرضه؟ فيه خلاف بين أصحابنا وغيرهم. وكله مذكور في كتبهم.\nو(قوله في حديث أنس: أن رجلًا كان يُتهم بأمِّ ولد رسول الله - ﷺ -) هذه مارية أمّ إبراهيم، ولد رسول الله - ﷺ - كان يزورها رجل قبطي، فتكلم المنافقون في ذلك وشنَّعوا، فأظهر الله براءتها بما ظهر من حال الرَّجل - وهذا نحو مِمَّا جرى لعائشة - ﵂ - حتَّى برَّأها الله تعالى، وأظهر من حال المرمي أنَّه حصور. كل ذلك مبالغةٌ في صيانة حرم رسول الله - ﷺ - وإظهار تكذيب من تَفَوَّهَ بشيء من ذلك.\nو(قوله - ﷺ - لعلي: اذهب فاضرب عنقه) في هذا اللفظ إشكال، وهو: أنَّه - ﷺ - كيف يأمر بضرب عنق هذا الرجل ولم يكن هناك موجبٌ للقتل، وقد ظهر ذلك حين انكشف حال الرَّجل؟ ويزول هذا الإشكال: بأن هذا الحديث رواه\n_________\n(١) في (ل ١) و(م ٣) و(ج ٢): يؤخذ.","vol":"5","page":145},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nأبو بكر البزار، فساق فيه أكمل من هذا، وأوضح، فقال فيه: عن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: كثر على مارية في قبطي ابن عم لها كان يزورها، ويختلف إليها، فقال لي رسول الله - ﷺ -: (خذ هذا السيف فانطلق، فإن وجدته عندها فاقتله) قال: قلت: يا رسول الله! أكون في أمرك كالسِّكة المحماة، لا يثنيني شيء، حتى أمضي لما أمرتني، أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب؟ فقال: (بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب) (١)، وذكر الحديث بنحو ما تقدم. فهذا يدلّ على أن أمره بقتله إنَّما كان بشرط أن يجده عندها على حالة تقتضي قتله. ولما فَهِمَ عنه علي ذلك سأله، فبيَّن له بيانًا شافيًا، فزال ذلك الإشكال، والحمد لله ذي الجلال. ويحتمل أن يقال: إن ذلك خرج من النبي - ﷺ - مخرج التغليظ والمبالغة في الزجر على موجب الغيرة الجِبِلِّيَّة. والأول أليق وأسلم. والله بحقائق الأمور أعلم.\nوفيه من الفقه: إعمال النظر، والاجتهاد، وترك الجمود على الظواهر، وأنَّه يجوز الاطلاع على العورة عند الضرورة، كتحمُّل شهادة الزنى، كما صار إليه مالك.\n* * *\n_________\n(١) رواه البزار كما في كشف الأستار (١٤٩١)، وانظر: مجمع الزوائد (٤/ ٣٢٩).","vol":"5","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-677>(٢٤) كتاب الأقضية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-678>(١) باب اليمين على المدعى عليه والقضاء باليمين والشاهد</span>\n[١٨٠٢] عَن ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَو يُعطَى النَّاسُ بِدَعوَاهُم، لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَموَالَهُم، وَلَكِنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيهِ.\nرواه أحمد (١/ ٣٤٣)، والبخاريُّ (٢٥١٤)، ومسلم (١٧١١) (١)، وأبو داود (٣٦١٩)، والنسائي (٨/ ٢٤٨)، وابن ماجه (٢٣٢١).\nــ\n(٢٤) كتاب الأقضية\n(١) ومن باب: اليمين على المدَّعَى عليه (١)\n(قوله: لو يُعطى الناس بدعواهم لادَّعَى ناسٌ دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدَّعَى عليه) هذا الحديث رواه مسلم والبخاري مرفوعًا من حديث ابن جريج عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس. قال الأصيلي: لا يصح رفعه، وإنَّما هو من قول ابن عباس، كذلك رواه أيوب ونافع الجمحي عن ابن أبي مليكة.\nقلت: إذا صحَّ رفعه بشهادة الإمامين فلا يضرُّه من وقفه، ولا يكون ذلك\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من الأصول، واستدرك من التلخيص.","vol":"5","page":147},{"text":"[١٨٠٣] وعنه: أن رسول الله ﷺ قضى باليمين على المدعى عليه.\nرواه مسلم (١٧١١) (٢)، والترمذي (١٣٤٢).\nــ\nتعارضًا، ولا اضطرابًا، فإن الرَّاوي قد يعرض له ما يوجب السكوت عن الرفع من نسيان، أو اكتفاء بعلم السَّامع، أو غير ذلك. والرَّافع عدلٌ، ثبتٌ، ولم يكذبه الآخر، فلا يُلتفت إلى الوقف إلا في الترجيح عند التعارض، كما بيَّنَّاه في الأصول.\nوهذا الحديث أصل من أصول الأحكام، وأعظم مرجع عند التنازع والخصام، يقتضي ألا يحكم لأحد بدعواه - وإن كان فاضلًا شريفًا - بحقٍّ من الحقوق - وإن كان محتقرًا يسيرًا - حتَّى يستند المدَّعي إلى ما يقوي دعواه، وإلا فالدَّعاوي متكافئة، والأصل: براءة الذمم من الحقوق، فلا بدَّ مما يدلّ على تعلُّق الحق بالذمَّة، وتترجَّحُ به الدعوى.\nو(قوله: لادَّعَى ناسٌ دماء رجال وأموالهم) استدل به بعض الناس على إبطال قول مالك في التَّدمِية. ووجه استدلاله: أنَّه - ﷺ - قد سوَّى بين الدماء والأموال في أنَّ المدَّعِي لا يسمع قوله فيها، فإذا لم يُسمع قول المدَّعِي في مرضه: لي عندَ فلانٍ دينارٌ أو درهم؛ كان أحرى وأولى ألا يُسمع قوله: دَمي عند فلان؛ لحرمة الدماء، ولا حجَّة لهم فيه؛ لأنَّ مالكًا - ﵀ - لم يسند القصاص أو الدِّية في التَّدمِية لقول المدَّعِي: دمي عند فلان؛ بل للقسامة على القتل، والتَّدمِية لوث يقوي جنبة المدَّعِين حتى يبدؤوا بالأيمان كسائر أنواع اللَّوث التي تقدم ذكرها في كتاب القسامة. وقد بيَّنَّا ذلك فيه، وعلى هذا: فنقول بموجب الحديث، فتأمَّلهُ.\nو(قوله: ولكن اليمين على المدَّعَى عليه) المدَّعَى عليه: هو المطلوب منه. والمدَّعِي: هو الطالب. وإنَّما كانت اليمين على المدَّعَى عليه؛ لأنَّ الأصل براءة ذمته عمَّا طُلِبَ منه، وهو متمسّك به. لكن يمكن أن يقال: قد شغلها بما طلب منه، فيدفع ذلك الاحتمال عن نفسه باليمين إن شاء. وظاهر عموم هذا اللفظ","vol":"5","page":148},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nيقتضي: أن اليمين تتوجَّه على كل من ادُّعِي عليه؛ كانت هنالك مخالطة أو لم تكن. وهو قول أكثر الفقهاء، وابن نافع، وابن لبابة من أصحابنا. وذهب مالك وجل أصحابه: إلى أن اليمين لا تتوجَّه على المدَّعَى عليه حتى تثبت بينهما خلطة. وهو مذهب الفقهاء السبعة (١). وبه قضى علي. وإنما مال هؤلاء إلى هذا مراعاة للمصلحة، ودفعًا للمفسدة الناشئة من ذلك. وذلك: أنَّ السُّفهاء يتبذلون الأفاضل والعلماء بتكثير الأيمان عليهم مهما شاؤوا، حتى يحلف الرَّجل الجليل القدر في العلم والدين في اليوم الواحد مرارًا، ويكون ذلك الوضيع يقصد ذلك به ليتخلَّص منه بما يبذله. ويهون على أهل الدِّين والفضل بذل الجزيل من المال في مقابلة دفع هذا الامتهان والابتذال.\nثم اختلف مشايخنا في معنى الخلطة. فقيل: معرفة المعاملة والمداينة معه بشاهدٍ أو شاهدين. وقيل: أن يكون المدَّعى عليه يشبه أن يعامل المدَّعي. وقيل: يجزئ من ذلك الشبهة.\nوأجمع العلماء على استحلاف المدَّعَى عليه في الأموال، واختلفوا في غير ذلك. فذهب الشافعي، وأحمد، وأبو ثور إلى وجوبها على كل مدَّعَى عليه في حدٍّ، أو طلاقٍ، أو نكاح، أو عتقٍ؛ أخذًا بظاهر عموم الحديث، فإن نَكَلَ؛ حلف المدَّعي، وثبتت دعواه. وقال أبو حنيفة، وأصحابه: يحلف على النكاح، والطلاق، والعتق، وإن نَكَلَ لزمه ذلك كلُّه. وقال الثوري، والشعبي، وأبو حنيفة: لا يستحلف في الحدود، والسَّرِقة. وقال نحوه مالك. قال: ولا يستحلف في السَّرِقة إلا إذا كان متَّهمًا، ولا في الحدود، والنكاح، والطلاق، والعتق، إلا أن يقوم شاهدٌ واحد، فيستحلف المدَّعَى عليه لقوة شبهة الدَّعوى.\nواختَلَف قوله إذا نَكَلَ؛\n_________\n(١) الفقهاء السبعة: هم عبيد الله بن عبد الله الهذلي، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وسليمان بن يسار، وأبو بكر بن عبد الرحمن المخزومي، وخارجة ابن زيد بن ثابت الأنصاري، وسعيد بن المسيِّب.","vol":"5","page":149},{"text":"[١٨٠٤] وعنه: أن رسول الله ﷺ قضى بيمين وشاهد.\nرواه مسلم (١٧١٢)، وأبو داود (٣٦٠٨)، والنسائي في الكبرى (٦٠١١ و٦٠١٢)، وابن ماجه (٢٣٧٠).\n* * *\nــ\nهل يحكم عليه بما ادّعي عليه، أو يسجن حتى يحلف، أو حتى يطول سجنه. وفي كتاب الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي - ﷺ - قال: (إذا ادَّعت المرأة طلاق زوجها، فأتت على ذلك بشاهد عدلٍ؛ استحلف زوجها، فإن حلف بطلت شهادة الشاهد، وإن نَكَلَ؛ فنكوله بمنزلة شاهد آخر، وجاز طلاقه) (١). وهذا الحديث نصٌّ في الباب، لكنه يحتاج إلى قوائم وأطناب.\nو(قوله: البيَّنةُ على المدَّعِي (٢» هذا بيان حكم المدَّعِي، وإن لم يتعرض لبيان حكم المدَّعَى عليه، وهو تعيين اليمين عليه، لكنه قد بيَّن ذلك في حديث الحضرمي؛ الذي قال فيه النبي - ﷺ - للمدَّعِي: (شاهداك أو يمينه) (٣) وقد تقدم في الأيمان. وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله - ﷺ -: (البيِّنَة على المدَّعِي، واليمين على من أنكر؛ إلا في القسامة) (٤). وهذا الحديث وإن كان ضعيف السند - لأنه من حديث مسلم بن خالد الزنجي، ولا يحتجُّ به - فمعناه صحيح، يشهد له قوله - ﷺ -: (شاهداك أو يمينه)، وقول ابن عباس في الطريق الأخرى: إن رسول الله - ﷺ - قضى باليمين على المدَّعَى عليه.\nو(قوله: إن رسول الله - ﷺ - قضى بيمين وشاهد) ظاهره: أنَّه - ﷺ - حكم في\n_________\n(١) رواه الدارقطني (٤/ ٦٤ و١٦٦).\n(٢) هذا الحديث رواه الترمذي (١٣٤١) عن عبد الله بن عمرو ﵄.\n(٣) تقدم في التلخيص، وهو في مسلم برقم (١٣٨) (٢٢١).\n(٤) ذكره ابن عبد البر (٢٣/ ٢٠٤) في التمهيد.","vol":"5","page":150},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nقضية معيَّنة تُحُوكِمَ عنده فيها بيمين وشاهد. ويحتمل أن يكون ذلك عبارة عن تقعيد هذه القاعدة. فكأنه قال: أوجب رسول الله - ﷺ - الحكم باليمين والشاهد. ومِمَّا يشهد لهذا التأويل: ما زاده أبو داود في حديث ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - قضى بشاهد ويمين في الحقوق (١). وهذا الذي يظهر من حديث أبي هريرة الذي قال فيه: قضى رسول الله - ﷺ - باليمين مع الشاهد (٢). فعلى الظاهر الأول من حديث مسلم لا يكون له عموم؛ لأنَّها قضيَّة في عين، وعلى زيادة أبي داود، وظاهر حديث أبي هريرة يكون له عموم. ومع ذلك فهو مخصوصٌ بالأموال وما يتعلَّق بها.\nقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب - ﵀ -: ذلك في الأموال وما يتعلَّق بها دون حقوق الأبدان للإجماع على ذلك من كلِّ قائل باليمين مع الشاهد. قال: لأن حقوق الأموال أخفض من حقوق الأبدان، بدلالة قبول شهادة النساء فيها.\nوقد اختلف قول مالك في جراح العمد. هل يجب القود فيها بالشاهد واليمين؟ فيه روايتان:\nإحداهما: أنه يجب به التخيير بين القود والدِّية.\nوالأخرى: أنَّه لا يجب به؛ لأنَّه من حقوق الأبدان. قال: وهو الصحيح. قال مالك في الموطأ: وإنما يكون ذلك في الأموال خاصَّة. وقال الإمام أبو عبد الله: يُقبل ذلك في المال المَحض من غير خلاف، ولا يُقبل في النكاح والطلاق المحضين من غير خلاف. وإن كان مضمون الشهادة ما ليس بمال، ولكنه يُؤدي إلى المال؛ كالشهادة بالوصية، والنكاح بعد الموت، حتى لا يُطلب من ثبوتها إلا المال، إلى غير ذلك؛ ففي قبوله اختلاف. فمن راعى المال قبله، كما يُقبل في المال. ومن راعى الحال لم يقبله.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٦٠٩).\n(٢) رواه أبو داود (٣٦١٠)، وابن ماجه (٢٣٦٨).","vol":"5","page":151},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nقلت: والعذر لمالك عن خروجه عن ذلك الأصل المجمع عليه فيما كان المقصود فيه المال فقط واضح. وأمَّا الجراح العمد فليست بمال، ولا تؤدي إليه، وإنما يدخل المال فيها برضا المجروح. ثم يلزمه عليه أن يعمل بالشاهد واليمين في قتل النفس العمد؛ لأنَّه قد يرضى بها الأولياء ولا قائل به، ولا يلتفت لتفريق من فرَّق من أصحابنا بين الجراح والنفس، بأن من جنس الجراح ما لا يكون فيه إلا المال؛ لأنَّا كذلك نقول في القتل، فإن من جنسه ما لا يكون فيه إلا المال، وهو قتل الخطأ. فالصحيح من هذا: أنَّه لا يحكم بالشاهد واليمين في الجراح بوجه.\nثمَّ: أحاديث هذا الباب كلها حجَّة للجمهور على الكوفيين، والأوزاعي، والنَّخعي، وابن أبي ليلى، والزهري، والليث، والحكم، والشعبي، حيث نَفَوا الحكم بالشاهد واليمين، ونقضوا حكم من حكم به، وبدَّعوه، وقال الحكم: الشاهد واليمين بدعة، وأول من حكم به معاوية.\nقلت: يا للعجب! ولضيعة العلم والأدب! كيف ردَّ هؤلاء القوم هذه الأحاديث مع صحتها، وشهرتها؟ ! وكيف اجترؤوا على تبديع من عمل بها حتى نقضوا حكمه، واستقصروا علمه، مع أنَّه قد عمل بذلك الخلفاء الراشدون وغيرهم: أبو بكر، وعمر، وعلي، وأبي بن كعب، ومعاوية، وشريح، وعمر بن عبد العزيز، - وكتب به إلى عمَّاله -، وإياس بن معاوية، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو الزناد، وربيعة. ولذلك قال مالك: وإنَّه ليكفي من ذلك ما مضى من السُّنة. أترى هؤلاء تنقض أحكامهم، ويحكم ببدعتهم؟ !\nقالوا: والذي حمل هؤلاء المانعين على هذا اللجاج ما اغترُّوا به من واهن الحِجَاج، وذلك: أنَّهم وقع لهم: أن الحكم باليمين مع الشاهد زيادة على نصِّ (١)\n_________\n(١) من (ج ٢).","vol":"5","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-679>(٢) باب حكم الحاكم في الظاهر لا يغير حكم الباطن والحكم على الغائب</span>\n[١٨٠٥] عَن أُمِّ سَلَمَةَ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّكُم\nــ\nقوله تعالى: ﴿وَاستَشهِدُوا شَهِيدَينِ مِن رِجَالِكُم فَإِن لَم يَكُونَا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وَامرَأَتَانِ﴾ ووجه تمسُّكهم: أنها حاصرة للوجوه التي يستحق بها المال نصٌّ في ذلك، والزيادة على ذلك نسخ. ونسخ القاطع بخبر الواحد لا يجوز إجماعًا، والقضاء بالشاهد واليمين إنَّما جاء بخبر الواحد فلا يُقبل.\nوالجواب: منع كون الزيادة على النصِّ نسخًا؛ إذ الجمع بين النصّ والزيادة يصحّ، وليس ذلك نسخًا لحكم شرعي، كما بيَّنَّاه في الأصول. سلَّمناه، لكن لا نُسلِّم: أن الآية نصٌّ في حصر ذلك؛ لأنَّ ذلك يبطل بنكول المطلوب، ويمين الطالب، فإن ذلك يستحق به المال إجماعًا. وهذا معنى ما أشار إليه مالك في الموطأ، وهو واضح. ثمَّ نقول بموجب الآية؛ إذ نصُّها الأمر بمن يستشهد في المعاملات، لا ما يُقضى به عند الدَّعاوي والخصومات.\n(٢) ومن باب: حكم الحاكم في الظاهر لا يغير حكم الباطن\n(قوله - ﷺ -: إنَّما أنا بشرٌ) تنبيه على: أن أصل البشرية عدم العلم بالغيب، وبما يخفى من البواطن؛ إلا من أطلعه الله تعالى على شيء من ذلك، وعلى جواز الغلط والسَّهو عليهم؛ إلا من عصمه الله من ذلك. وقد كان الله تعالى قادرًا أن يُطلع نبيَّه - ﷺ - على بواطن كل من يتخاصم إليه، فيحكم بخفي ذلك ويخبر به، كما اتفق له في مواضع، كقصة كتاب حاطب بن أبي بلتعة، وحديث فضالة بن","vol":"5","page":153},{"text":"تَختَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعضَكُم أَن يَكُونَ أَلحَنَ بِحُجَّتِهِ مِن بَعضٍ،\nــ\nعمير (١)، وذلك: أنه أراد قتل النبي - ﷺ - وهو يطوف بالبيت. قال: فلما دنوت منه قال: (أفضالة؟) قلت: نعم. قال: (ما كنت تحدث به نفسك؟) قلت: لا شيء، فضحك، وأخبرني بذلك، واستغفر لي، ووضع يده على صدري، فسكن قلبي (٢). وغير ذلك من الوقائع التي أخبر بها، فوجدت كما أخبر. وكما قد اتفق ذلك للخضر في قصة السفينة، والغلام، والجدار، لكن إنَّما كان ذلك للأنبياء من جملة كراماتهم، ومعجزاتهم. ولم يجعل الله ذلك طريقًا عامًّا، ولا قاعدة كليَّة، لا لهم، ولا لغيرهم؛ لاستمرار العادة بأن ذلك لا يقع من غير الأنبياء، ولأنَّ وقوع ذلك من الأنبياء نادرٌ. وتلك سنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلًا. وقد شاهدت بعض الممخرقين، وسمعنا منهم: أنهم يعرضون عن القواعد الشرعية، ويحكمون بالخواطر القلبية؛ ويقول: الشاهد المتصل بي أعدل من الشاهد المنفصل عني. وهذه مَخرَقةٌ أبرزتها زندقة، يقتل صاحبها، ولا يستتاب من غير شكٍّ ولا ارتياب.\nوهذا خير البشر - ﷺ - يقول في مثل هذا الموطن: (إنَّما أنا بشرٌ) معترفًا بالقصور عن إدراك المغيبات، وعاملًا بما نصبه الله تعالى له من اعتبار الأيمان والبينات.\nو(قوله: يأتيني الخصم) أي: الخصوم. فهو - هاهنا - للجنس. ويقال للواحد، والاثنين، والجمع، والمذكَّر، والمؤنث بلفظ واحد: خصم. كما قال تعالى: ﴿وَهَل أَتَاكَ نَبَأُ الخَصمِ﴾؛ أي: الخصوم، فإنَّه قال بعد ذلك: ﴿إِذ تَسَوَّرُوا المِحرَابَ﴾.\nو(قوله: ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجَّته من بعض) أي: أفصح\n_________\n(١) في الأصول: عبيد، والتصويب من كتب التاريخ.\n(٢) ذكره ابن هشام في السيرة (٢/ ٤١٧)، وابن كثير في البداية والنهاية (٤/ ٣٠٨).","vol":"5","page":154},{"text":"فَأَقضِيَ لَهُ عَلَى نَحو ما أَسمَعُ مِنهُ،\nــ\nوأفطن. قال أبو زيد: لَحَنتُ له - بالفتح - أَلحَنُ لَحنًا: إذا قلت له قولًا يفهمه عنك، ويخفى على غيره. ولَحِنَهُ هو عَنِّي - بالكسر- يَلحَنهُ لَحنًا؛ أي: فَهِمَهُ. وأَلحَنتُه أنا إيَّاه، ولاحَنتُ النَّاس؛ أي: خاطبتهم (١). كما قال الشاعر (٢):\nولقد لحنت (٣) إليكم كي تفهموا ... ولحنت لحنًا ليس بالمرتاب\nوقال غير أبي زيد: اللَّحن - بالتحريك -: الفِطنَة. وقد لَحِنَ -بالكسر- قاله الجوهري.\nقلت: وعلى هذا: يقال فيه بمعنى الفطنة: بفتح الماضي وكسره، وفي المصدر: بفتح الحاء وإسكانها.\nويقال: اللَّحن، على الخطأ في القول، وعلى تلحين الشعر، وعلى القصد إلى الشيء، والإشارة إليه.\nقلت: وقد جاء هذا اللفظ مفسَّرًا في الرواية الأخرى، فقال: (فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض) أي: أكثر بلاغة، وإيضاحًا لحجَّته.\nو(قوله: فأقضي له على نحو ما أسمع منه)، يتمسَّك به من قال: إن الحاكم لا يحكم بعلمه في شيء من الأشياء [إلا بما يعلمه في مجلس حكمه] (٤). ووجه تمسُّكه: أن كلامه - ﷺ - يفضي إلى أنَّه لا يحكم إلا بما سمع في حال حكمه. وقد رُوي هذا الحرف: (إنما أحكم بما أسمع)، و(إنما) للحصر. فكأنه قال: لا أحكم إلا بما أسمع.\n_________\n(١) كذا في الأصول، وفي اللسان والصحاح والقاموس: فاطنتهم.\n(٢) هو القتال الكلابي.\n(٣) كذا في (ل ١) و(م ٣) و(ع). وفي (م ١) و(م ٢): وحيت.\n(٤) ما بين حاصرتين سقط من (م ١).","vol":"5","page":155},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوقد اختلف في هذا. فقال مالك في المشهور عنه: إن الحاكم لا يحكم بعلمه في شيء. وبه قال أحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، والشعبي، وروي عن شريح، وذهبت طائفة: إلى أنَّه يقضي في كل شيء من الأموال والحدود وغير ذلك مطلقًا. وبه قال أبو ثور ومن تبعه، وهو أحد قولي الشافعي. وذهبت طوائف إلى التفريق. فقالت طائفة: يقضي بما سمعه في مجلس قضائه خاصة، لا قبله، ولا في غيره؛ إذا لم تحضر مجلسه بيِّنة، وفي الأموال خاصة. وبه قال الأوزاعي، وجماعة من أصحاب مالك، وحكوه عنه. وقالت طائفة: يحكم بما سمعه في مجلس قضائه، وفي غيره، لا قبل قضائه، ولا في غير مِصرِه في الأموال خاصة، وبه قال أبو حنيفة. وقالت طائفة: إنَّه يقضي بعلمه في الأموال خاصة، سواء سمع ذلك في مجلس قضائه وفي غيره، قبل ولايته أو بعدها. وبه قال أبو يوسف، ومحمد. وهو أحد قولي الشافعي. وذهب بعض أصحابنا: إلى أنَّه يقضي بعلمه في الأموال، والقذف خاصة، ولم يشترط مجلس القضاء. واتفقوا: على أنَّه يحكم بعلمه في الجرح والتعديل؛ لأنَّ ذلك ضروري في حقِّه.\nوالصحيح: الأول؛ لقوله - ﷺ - في حديث هلال بن أمية، لَمَّا لاعن زوجته: (أبصروه؛ فإن جاءت به - يعني: الولد - على نعت كذا؛ فهو لهلال، وإن جاءت به على نعت كذا؛ فهو لشريك). فجاءت به على النعت المكروه. وقال: (لو كنت راجمًا بغير بيِّنة لرجمت هذه) (١)، فلم يحكم بعلمه، لعدم قيام البينة. وعند المخالف: يجب أن يرجمها إذا علم ذلك. قاله عبد الوهاب. فهذا ظاهرٌ قوي في الحدود. وأمَّا في غيرها فيدلّ عليه حديث خزيمة، حيث اشترى النبي - ﷺ - من أعرابي بعيرًا، فمشى معه ليعطيه ثمنه، فعرض للأعرابي من زاده في الثمن، فأراد\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٣٣٤)، والبخاري (٢٦٧١)، وأبو داود (٢٢٢٤)، والترمذي (٣١٧٨)، وابن ماجه (٢٠٦٧).","vol":"5","page":156},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nأن يبيعه، فقال له رسول الله - ﷺ -: (قد بعته مني)، فأنكر الأعرابي وقال: من يشهد لك؟ فاستدعى النبي - ﷺ - من يشهد، فشهد خزيمة (١). فهذا النبي - ﷺ - لم يحكم بعلمه حتى قامت الشهادة. ولا ينفصل عن هذا بأن النبي - ﷺ - فعل ذلك لأن الحق كان له، ولا يشهد أحدٌ لنفسه، ولا يحكم لها، ولأنَّه لا يُعطَى أحد بدعواه، ولأنه قصد قطع حجَّة الأعرابي لما طلب منه الشهادة؛ لأنَّا نقول: إنَّما اعتبر ذلك كلَّه في حق غير النبي - ﷺ - لإمكان ادِّعاء الباطل والكذب، وإرادة أخذ مال الغير، ودفعه عن حقِّه. وكل ذلك معدومٌ في حق النبي - ﷺ - قطعًا. ولذلك قال - ﷺ - للمنافقين: (أَيَأمَنُنِي الله تعالى على خزائنه ولا تأمنوني، والله! إني لأمين من في السماء) (٢).\nوأمَّا قوله: إنما فعله لقطع حجَّة الخصم. فإنَّه باطل؛ إذ لا حجَّة له، ولا لغيره، على خلاف ما قاله النبي - ﷺ -. فإن هذا الأعرابي إن كان مسلمًا؛ فقد علم صدق النبي - ﷺ -. وإن كان كافرًا؛ فلا مبالاة بقوله؛ إذ قد قام دليل على صدقه، وعلمه العقلاء، كما لم يُبال بقول من كذَّبه من الكُفَّار، ولا بقول الذي اتهمه في القسمة؛ حيث قال: يا محمد! اعدل، فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله (٣).\nومن أوضح ما يدلّ على المطلوب، وأصحُّهُ حديث أبي جهم؛ حيث بعثه رسول الله - ﷺ - مصدِّقًا، فلاحاه رجلان، فشجَّهما، فأتيا النبي - ﷺ - يطلبان القصاص، فبذل لهما مالًا، فرضيا به، فقال: (إني أخطُبُ الناس، وأذكُرُ لهم ذلك، أفرضيتما؟) قالا: نعم. فخطب الناس ثم قال: (أرضيتما؟) قالا: لا. فهمَّ بهما المهاجرون والأنصار، فمنعهم النبي - ﷺ -، ثمَّ نزل فزادهما، فرضيا، ثم صعد\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٦٠٧).\n(٢) رواه البخاري (٣٣٤٤)، ومسلم (١٠٦٤).\n(٣) رواه أحمد (١/ ٤١١ و٤٤١)، والبخاري (٣٤٠٥)، ومسلم (١٠٦٢) (١٤١).","vol":"5","page":157},{"text":"فَمَن قَطَعتُ لَهُ مِن حَقِّ أَخِيهِ شَيئًا، فَلَا يَأخُذهُ، فَإِنَّمَا أَقطَعُ لَهُ بِهِ قِطعَةً مِن النَّارِ.\nــ\nالمنبر فقال: (أرضيتما؟) قالا: نعم (١).\nوموضع الحجَّة: أنَّه لم يحكم عليهما بعلمه لما جحدا. وهو المطلوب. ذكره أبو داود من حديث عائشة. وهو صحيح. وذكر: [أن المشجوج إنَّما كان رجلًا واحدًا، وقد ذكر] (٢) غيره: أنهما كانا اثنين. وحاصل هذا: أن النبي - ﷺ - لم يحكم بعلمه تعليمًا لأمته (٣)، وسعيًا في سدِّ باب التُّهم، والظنون. والله تعالى أعلم.\nو(قوله في الرواية الأخرى: فأحسب (٤) أنَّه صادق) دليل على العمل بالظنون وبناء الأحكام عليها. وهو أمرٌ لم يختلف فيه في حق الحاكم والمفتي.\nو(قوله: فمن قطعت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه) نصٌّ في أن حكم الحاكم على الظاهر لا يغيِّر حكم الباطن. وسواء كان ذلك في الدِّماء، والأموال، والفروج. وهو قول الكافة، إلا ما حكي عن أبي حنيفة من أن حكم الحاكم يغير حكم الباطن في الفروج خاصة. وزعم أنه لو شهد شاهدا زور على رجل بطلاق زوجته، وحكم الحاكم بشهادتهما، فإن فرجها يحل لمتزوجها ممن يعلم: أن القضيِّة باطل، وقد شنع عليه بإعراضه عن هذا الحديث الصحيح الصريح، وبأنه صان الأموال، ولم ير استباحتها بالأحكام الفاسدة في الباطن، ولم يصن الفروج عن ذلك. والفروج أحق أن يحتاط لها وتصان.\nو(قوله: فإنَّما أقطع له قطعة من النار) أي: ما يأخذه بغير حقه سببٌ يوصل آخذه إلى النَّار. وهو تمثيل يفهم منه شدة العذاب والتنكيل.\n_________\n(١) رواه أحمد (٦/ ٢٣٢)، وأبو داود (٤٥٣٤)، والنسائي (٨/ ٣٥)، وابن ماجه (٢٦٣٨).\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ج ٢).\n(٣) من (ج ٢).\n(٤) في (ع) و(ل ١): فأحسبه.","vol":"5","page":158},{"text":"وفي رواية: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّما يَأتِينِي الخَصمُ، فَلَعَلَّ بَعضَكم أَن يَكُونَ أَبلَغَ مِن بَعضٍ، فَأَحسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ، فَأَقضِي لَهُ، فَمَن قَضَيتُ لَهُ بِحَقِّ مُسلِمٍ، فَإِنَّمَا هِيَ قِطعَةٌ مِن النَّارِ، فَليَحمِلهَا أَو يَذَرهَا.\nرواه البخاريُّ (٢٤٥٨)، ومسلم (١٧١٣) (٤ و٥)، وأبو داود (٣٥٨٣)، والترمذيُّ (١٣٣٩)، والنسائي (٨/ ٢٣٣).\n[١٨٠٦] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: جَاءَت هِندٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ! ومَا كَانَ عَلَى ظَهرِ الأَرضِ أَهلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ أَن يُذِلَّهُم اللَّهُ مِن أَهلِ خِبَائِكَ، وَمَا عَلَى ظَهرِ الأَرضِ أَهلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِن أَن يُعِزَّهُم اللَّهُ مِن أَهلِ خِبَائِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَأَيضًا، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ. ثُمَّ قَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَبَا سُفيَانَ رَجُلٌ مُمسِكٌ - وفي أخرى: مسيك - فَهَل عَلَيَّ حَرَجٌ أَن أُنفِقَ عَلَى عِيَالِهِ مِن مَالِهِ بِغَيرِ إِذنِهِ؟ فَقَالَ\nــ\nو(قوله: فليحملها أو يذرها) لفظه: لفظ الأمر، ومعناه: التهديد، والوعيد.\nو(قول هند: يا رسول الله! والله ما كان على ظهر الأرض أهل خباءٍ) أي: أهل بيت، كما قد جاء مفسَّرًا في بعض طرقه، وسُمِّي البيت: خباءً؛ لأنَّه يخبَّأ ما فيه. والخباء في الأصل: مصدر. تقول: خبأتُ الشيء خَبئا، وخِبَاءً. ووصف هند في هذا الحديث حالها في الكفر، وما كانت عليه من بغض رسول الله - ﷺ - وبغض أهل بيته، وما آلت إليه حالها لما أسلمت، تذكر لنعمة الله عليها بما أنقذها الله منه، وبما أوصلها إليه، وتعظيم لحرمة رسول الله - ﷺ - ولتنبسط فيما تريد أن تسأل عنه، ولتزول آلام القلوب لما كان منها يوم أحد في شأن حمزة وغير ذلك.\nو(قولها: إن أبا سفيان رجل ممسك)، وفي أخرى: (مسيك). وكلاهما بمعنى: شحيح، كما جاء في الرواية الأخرى. ولم ترد: أنه شحيح مطلقًا، فتذمُّه","vol":"5","page":159},{"text":"النَّبِيُّ ﷺ: لَا حَرَجَ عَلَيكِ أَن تُنفِقِي عَلَيهِم بِالمَعرُوفِ.\nوفي رواية: فَقَالَت: إِنَّ أَبَا سُفيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، ولَا يُعطِينِي مِن النَّفَقَةِ مَا يَكفِينِي وَيَكفِي بَنِيَّ، إِلَّا مَا أَخَذتُ مِن مَالِهِ بِغَيرِ عِلمِهِ، فَهَل عَلَيَّ فِي ذَلِكَ مِن جُنَاحٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: خُذِي مِن مَالِهِ بِالمَعرُوفِ مَا يَكفِيكِ وَيَكفِي بَنِيكِ.\nرواه أحمد (٦/ ٣٩)، والبخاريُّ (٢٢١١)، ومسلم (١٧١٤) (٧ و٨)، وأبو داود (٣٥٣٢)، والنسائي (٨/ ٢٤٦)، وابن ماجه (٢٢٩٣).\n* * *\nــ\nبذلك؛ وإنما وصفت حاله معها، فإنَّه كان يقتر عليها، وعلى أولادها، كما قالت: (لا يعطيني وبني ما يكفيني)، وهذا لا يدلّ على البخل مطلقًا، فقد يفعل الإنسان مع أهل بيته، لأنه يرى غيرهم أحوج، وأولى، ليعطي غيرهم. فعلى هذا: فلا يجوز أن يُستدل بهذا الحديث على أن أبا سفيان كان بخيلًا، فإنه لم يكن معروفًا بهذا.\nو(مسيك): يروى بفتح الميم، وكسر الشين، وتخفيفها. وبكسر الميم، وتشديد السين مكسورة. وكلاهما للمبالغة. الأول: كعليم، وكبير. والثاني: كسكِّير، وخِمِّير.\nو(قوله - ﷺ - لهندٍ: وأيضًا؛ والذي نفسي بيده) أي: سيتمكَّن الإيمان من قلبك، ويزيد حبُّك لله ولرسوله، ويقوى رجوعك عن بغضه. وأصل (أيضًا): أنه مصدر: آضَ إلى (١) كذا، يَئِيضُ، أيضًا، أي: رجع رجوعًا.\nو(قوله: خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك، ويكفي بنيك)، هذا الأمر على جهة الإباحة؛ بدليل قوله في الرواية الأخرى: (لا جناح عليك أن تنفقي\n_________\n(١) ليست في (ع) و(ل ١).","vol":"5","page":160},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nعليهم بالمعروف). ويعني بالمعروف: القدر الذي عرف بالعادة أنه كفاية، وهذه الإباحة وإن كانت مطلقة لفظًا فهي مقيدة معنى، فكأنه قال: إن صحَّ أو ثبت ما ذكرت فخذي.\nوفي هذا الحديث أبواب من الفقه:\nفمنها: وجوب نفقة الزوجة والأولاد على أبيهم، وإن لأمهم طلب ذلك عند الحاكم، وسماع الدعوى على الغائب، والحكم عليه، وإن كان قريب الغَيبَة؛ إذا دعت حاجة الوقت إلى ذلك. وهو قول الجمهور. وقال الكوفيون: لا يقضى عليه بشيء.\nوفيه دليل: على أن النفقة ليست مقدَّرة بمقدار مخصوص؛ وإنما ذلك بحسب الكفاية المعتادة، خلافًا لمن ذهب: إلى أنَّها مقدَّرة.\nوفيه دليل: على اعتبار العرف في الأحكام الشرعية خلافًا للشافعية وغيرهم من المنكرين له لفظًا، الآخذين به عملًا.\nوقد استنبط البخاري منه: جواز حكم الحاكم بعلمه فيما اشتهر وعرف. فقال: باب حكم الحاكم بعلمه إذا لم يخف الظنون والتُّهم، وكان أمرًا مشهورًا، وقد تقدم.\nوفيه دليل: على أن من تعذر عليه أخذ حقّه من غريمه، ووصل من مال الغريم إلى شيء؛ كان له أخذه بأي وجه توصل إليه. واختلف فيما إذا ائتمنه الغريم على مال، فهل يأخذ منه حقَّه أم لا؟ على قولين. حكاهما الداودي عن مالك. ومشهور مذهبه المنع. وبه قال أبو حنيفة تمسُّكًا بقوله - ﷺ -: (أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك) (١)، وإلى الإجازة ذهب الشافعي، وابن المنذر،\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٤١٤)، وأبو داود (٣٥٣٤)، والترمذي (١٢٦٤).","vol":"5","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-680>(٣) باب الاعتصام بحبل الله وأن الحاكم المجتهد له أجران في الإصابة وأجر في الخطأ</span>\n[١٨٠٧] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ يَرضَى لَكُم ثَلَاثًا، وَيَكرَهُ لَكُم ثَلَاثًا: فَيَرضَى لَكُم أَن تَعبُدُوهُ وَلَا تُشرِكُوا بِهِ شَيئًا،\nــ\nبناءً على أن ذلك ليس بخيانة، وإنَّما هو وصول إلى حقٍ.\nوفيه دليل: على أن المرأة لا يجوز لها أن تأخذ من مال زوجها شيئًا بغير إذنه، قَلَّ ذلك، أو كَثُرَ. وهذا لا يختلف فيه. ألا ترى: أنَّه - ﷺ - قال لهند في الرواية الأخرى - لما قالت له: فهل علي جناحٌ أن أطعم من الذي له عيالنا؟ - قال: (لا)، ثم استثنى فقال: (إلا بالمعروف) (١). فمنعها من أن تأخذ من ماله شيئًا إلا القدر الذي يجب لها.\n(٣) ومن باب: الاعتصام بحبل الله\n(قوله: إن الله يرضى لكم ثلاثًا) أي: شرع هذه الثلاثة، وأمر بها، وجعلها سببًا لكل ما عنده من الكرامة في الدنيا والآخرة.\nو(قوله: ويكره لكم ثلاثًا)، وفي الرواية الأخرى: (سخط) أي: نهى عنها وحرَّمها، وجعلها سبب إهانته، وعقوبته في الدنيا والآخرة. وهذا كما قاله تعالى: ﴿وَلا يَرضَى لِعِبَادِهِ الكُفرَ وَإِن تَشكُرُوا يَرضَهُ لَكُم﴾ هذا أولى ما قيل فيه. وقد تقدم القول على الرضا والسَّخط، وعلى العبادة والشرك في الإيمان (٢).\n_________\n(١) رواه مسلم (١٧١٤) (٩).\n(٢) أي: في كتاب الإيمان.","vol":"5","page":162},{"text":"وَأَن تَعتَصِمُوا بِحَبلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَيَكرَهُ لَكُم: قِيلَ وَقَالَ،\nــ\nو(قوله: وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا) الاعتصام بالشيء: التمسُّك به، والتحرز بسببه من الآفات. وأصل العصمة: المنع. تقول العرب: عصم فلانًا الطعام؛ أي: منعه من الجوع، وكنُّوا السَّويق بأبي عاصم لذلك، فالمعتصم بالشيء يمتنع به من أسباب الهلاك والشدائد.\nو(حبل الله) هنا: شَرعُهُ الذي شَرَعَهُ، ودينه الذي ارتضاه. قال قتادة: هو القرآن. وهو بمعنى القول الأول. والحبل ينصرف على وجوه:\nمنها: العهد والوصل، وما يُنجَى به من المخاوف. ومنها: الأمان. وكلُّها متقاربة المعنى؛ لأنَّ الحبل في الأصل: واحد الحبال التي تُربَط بها الآلات، وتجمع بها المتفرقات، ثمَّ استعير لكل ما يعول عليه، ويتمسك به، ثمَّ كثر استعماله في العهد ونحوه. ومعنى هذا: أن الله تعالى أوجب علينا التمسُّك بكتابه، وسُنَّة نبيه - ﷺ -، والرجوع إليهما عند الاختلاف.\nو(قوله: ولا تفرَّقوا) أي: اجتمعوا على الاعتصام بالكتاب والسُّنة اعتقادًا، وعملًا، فتتفق كلمتكم، وينتظم شتاتكم، فتَتمّ لكم مصالح الدنيا والدِّين، وتسلموا من الاختلاف والافتراق الذي حصل لأهل الكتابين.\nوفيه دليلٌ: على صحة الإجماع كما بيَّنَّاه في أصول الفقه.\nو(قوله: وكره لكم: قيل وقال) كلاهما مبني على الفتح، فِعل ماضٍ. هكذا الرواية التي لا يُعرف غيرها. ومعناه: أن الله تعالى حرَّم الخوض في الباطل، وفيما لا يعني من الأقوال، وحكايات أحوال الناس التي لا يسلم فاعلها من الغيبة، والنميمة، والبهتان، والكذب. و(من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كانت النار أولى به) (١).\n_________\n(١) انظره في كشف الخفاء (٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥).","vol":"5","page":163},{"text":"وَكَثرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ المَالِ.\nــ\nقال القاضي عياض: (قيل) منصوبة، فعل ما لم يسم فاعله. و(قال): فعل ماض أيضًا. ويصحُّ أن يكونا اسمين، ويكونا مخفوضين (١). يعني: على رواية من رواه: (نهى عن قيل وقال) (٢).\nثم قال بعد هذا: والقيل، والقال، والقول: كلُّه بمعنى، وكذلك القالة. وهذا كلُّه صحيحٌ؛ فإن مصدر (قال) يقال فيه ذلك كلُّه.\nو(قوله: وكثرة السؤال) يحتمل أوجهًا:\nأحدها: أن يريد به كثرة سؤال الناس الأموال، والحوائج إلحاحًا، واستكثارًا.\nوثانيها: أن يكثر من المسائل الفقهية تنطُّعًا وتكلُّفًا فيما لم ينزل. وقد كان السَّلف يكرهون ذلك، ويرونه من التكلُّف. وقال مالك في هذا الحديث: لا أدري أهو ما أنهاكم عنه من كثرة المسائل، فقد كره رسول الله - ﷺ - المسائل وعابها، أو هو: مسألة الناس أموالهم.\nوثالثها: أن يكثر من السؤال عمَّا لا يعنيه من أحوال النَّاس، بحيث يُؤدِي ذلك إلى كشف عوراتهم، والاطلاع على مساوئهم.\nقلت: والوجه: حمل الحديث على عمومه، فيتناول جميع تلك الوجوه كلِّها.\n(وإضاعة المال): إتلافه وإهلاكه، كما قد حكي عن بعض جُهَّال المتزهدة:\n_________\n(١) زاد في (ج ٢):\nقلتُ: هكذا وجدنا هذا الكلام في الإكمال، وهو كلام مختل؛ لأنهما لو كانا اسمين لنوِّنا؛ إذ لا مانع لهما من الصرف، ولكانا منصوبين نكرة، ولا موجب لخفضهما، وأظنُّ أن هذا خلل وقع من بعض النُّساخ.\n(٢) انظره في صحيح مسلم (٩٣) (١٤).","vol":"5","page":164},{"text":"وفي رواية: ويسخط لكم ثلاثا، بدل: يكره.\nرواه أحمد (٢/ ٣٢٧)، ومسلم (١٧١٥) (١٠ و١١).\n[١٨٠٨] وعَن المُغِيرَةِ بنِ شُعبَةَ، عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيكُم عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، وَوَأدَ البَنَاتِ،\nــ\nأنَّه رمى مالًا كان عنده. وحرَّق آخر منهم كتب علم الحديث كانت عنده. وربما أمر بهذا بعض الشيوخ الجُهَّال. وهذا محرَّم بإجماع الفقهاء. ويلحق بإتلاف عينه منع صرفه في وجوهه من مصالح دنياه ودينه، كما يفعله أهل البُّخل، ودناءة الهمم؛ يدَّخرون المال، ويكثرونه، ولا ينفعون نفوسهم بإنفاق شيء منه، ولا يصونون به وجوههم، ولا أديانهم. فهذا الصنف هو المحروم الخاسر؛ الذي قال فيه الشاعر:\nرزقت مالًا ولم ترزق منافعه ... إنَّ الشقي هو المحروم ما رُزِقا\nوأشدُّ من هذا كلِّه قبحًا وإثمًا من يتلف ماله في معاصي الله تعالى، فيستعين بمال الله على معاصيه، ويخرجه في شهواته المحرمة، ولا يباليه، ويدخل في عموم النهي عن إضاعة المال القليل منه والكثير، لأن المال هنا: هو كلُّ ما يُتَمَوَّل؛ أي: يُتَملَّك؛ حتى لو رمى بثمن درهم في البحر مثلًا لكان ذلك محرمًا. وكذلك لو منعه من صرفه في وجهه الواجب، وكذلك لو أنفقه في معصية الله. ولا خلاف في هذا إن شاء الله.\nو(قوله: وحرَّم عليكم عقوق الأمهات) العقوق: مصدر عق، يعق، عقوقًا؛ أي: قطع وشقَّ. فكأنَّ العاقَّ لوالديه يقطع ما أمره الله تعالى به من صلتهما، ويشق عصا طاعتهما. ولا خلاف في أن عقوقهما من أكبر الكبائر. وخصَّ الأمهات هنا بالذِّكر لتأكيد حرمتهن على الآباء؛ لأنَّ الأم لها ثلاثة أرباع البرِّ، كما قد بيَّنَّا وجه ذلك في الأيمان.\nو(وأد البنات): هو دفنهن أحياء، كما","vol":"5","page":165},{"text":"وَمَنعًا وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُم ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ المَالِ.\nوفي رواية: ولا وهات، مكان: منعا.\nرواه أحمد (٤/ ٢٤٦)، والبخاري (٢٤٠٨)، ومسلم (٥٩٣) في الأقضية، (١٢ و١٤).\n[١٨٠٩] وعَن عَمرِو بنِ العَاصِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجتَهَدَ ثُمَّ أَخطَأَ فَلَهُ أَجرٌ.\nرواه أحمد (٤/ ١٩٨)، والبخاري (٧٣٥٢)، ومسلم (١٧١٦)، وأبو داود (٣٥٧٤)، وابن ماجه (٢٣١٤).\n* * *\nــ\nكانت الجاهلية تفعل بهن. وقد بيَّنَّا ذلك فيما تقدم.\nو(قوله: ومنعًا وهات)، وفي الرواية الأخرى: (ولا وهات) ومعناهما واحد، وهو أن يمنع ما يجب عليه بذله، ويطلب شيئًا يحرم عليه طلبه. هذا إن حملنا (كره) على معنى: (حرَّم)، كما قد بيَّنَّاه، حيث فَسَّر (كره): بمعنى: (سخط). وعدل عن لفظ هذا الحديث عن لفظ (حرَّم) الذي ذكره قبل هذا اللفظ؛ لأنَّ تلك الأمور التي قرن بها لفظ (حرم) أفحش وأكبر من هذه الأمور التي قرن بها لفظ (كره). وقد قيل: إن الكراهة هنا من باب التنزيه. وفيه بُعدٌ لما بيَّنَّاه في إضاعة المال.\nو(قوله - ﷺ -: إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) كذا وقع هذا اللفظ في كتاب مسلم: (إذا حكم فاجتهد).","vol":"5","page":166},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفبدأ بالحكم قبل الاجتهاد، والأمر بالعكس، فإنَّ الاجتهاد مقدَّمٌ على الحكم؛ إذ لا يجوز الحكم قبل الاجتهاد بالإجماع. ووجهُ مساق هذا اللفظ: أن قوله: (إذا حكم) معناه: إذا أراد أن يحكم، فعند ذلك يجتهد في النازلة، ويفيد هذا صحة ما قاله الأصوليون: إن المجتهد يجب عليه أن يجدد نظرا عند وقوع النازلة، ولا يعتمد على اجتهاده المتقدم، لإمكان أن يظهر له ثانيًا خلاف ما ظهر له أولًا. اللهم إلا أن يكون ذاكرًا لأركان اجتهاده، مائلًا إليه، فلا يحتاج إلى استئناف نظر في إمارة أخرى.\nو(قوله: فأصاب) أي: حكم فأصاب وجه الحكم. وهو أن يحكم بالحق لمستحقه في نفس الأمر عند الله تعالى. فهذا يكون له أجرٌ بحسب اجتهاده، وأجر بسبب إصابة ما هو المقصود لنفسه. والخطأ الذي يناقض هذا هو: أن يجتهد في حجج الخصمين، فيظن: أن الحق لأحدهما، وذلك بحسب ما سمع من كلامه وحجَّته، فيقضي له، وليس كذلك عند الله تعالى. فهذا له أجر اجتهاده خاصَّة؛ إذ لا إصابة. وهذا المعنى هو الذي أراده النبي - ﷺ - بقوله: (فلعلَّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على حسب ما أسمع)، وفي الأخرى: (فأحسب: أنَّه صادق، فأقضي له). وهذا في الحاكم بين الخصوم واضحٌ؛ لأن هنالك حقًّا معيَّنا عند الله تعالى تنازعه الخصمان، لأن أحد الخصمين مبطل قطعًا؛ لأنَّهما تقاسما الصدق والكذب، فمتى صدق أحدهما كذب الآخر. والحاكم إنما يجتهد في تعيين الحق، فقد يصيبه وقد يخطئه. وعلى هذا: فلا ينبغي أن يختلف هنا في أنَّ المصيب واحدٌ، وأنَّ الحق في طرف واحد. وإنَّما ينبغي أن يختصَّ الخلاف بالمجتهد في استخراج الأحكام من أدلَّة الشريعة بناءً على الخلاف في أن النوازل غير المنصوص عليها؛ هل لله تعالى فيها أحكام معيَّنة أم لا؟ وللمسألة غَورٌ، وفيها أبحاث استوفيناها في كتابنا في الأصول.","vol":"5","page":167},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوأعظم فوائد هذا الحديث: أن الحاكم لا بدَّ أن يكون من أهل الاجتهاد، فإذا اجتهد وحكم فلا بدَّ له من الأجر؛ فإمَّا ضعفان مع الإصابة، وإمَّا ضعف واحد مع الخطأ. فأمَّا لو كان جاهلًا، أو مقصرًا في اجتهاده فهو عاصٍ آثمٌ في كل ما يحكم به. أمَّا الجاهل: فلعدم أهليته. وأمَّا المقصِّر: فلعدم استيفاء شرطه. وكلاهما حَكَمَ بغير حكم الله، بل بالباطل، والاختلاق على الله. وقد دلَّ على هذا أيضًا ما خرَّجه النسائي من حديث بريدة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة. رجل عرف الحق فقضى به، فهو في الجنَّة. ورجل عرف الحق فلم يقضِ به، وجار في الحكم، فهو في النار. ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل، فهو في النار) (١).\nفإذا تقرَّر ذلك فاعلم: أنَّ المجتهد ضربان:\nأحدهما: المجتهد المطلق، وهو: المستقل باستنباط الأحكام من أدلَّتها. فهذا لا شكَّ في أنَّه إذا اجتهد مأجور، كما قدمناه، لكنه يُعزُّ وجوده، بل قد انعدم في هذه الأزمان. فلو لم ينفذ إلا حكم من كان كذلك لتعطلت الأحكام، وضاعت الحقوق.\nوثانيهما: مجتهد في مذهب إمام. وهذا غالب قضاة العدل في هذا الزمان. وشرط هذا أن يحقق أصول إمامه، وأدلَّته، وينزل أحكامه عليها فيما لم يجده منصوصًا من مذهب إمامه. وأمَّا ما وجده منصوصًا: فإن لم يختلف قول إمامه؛ عمل على ذلك النَّصَّ، وقد كُفِي مؤنة البحث. والأولى به: تَعَرَّفُ وجه ذلك الحكم. وأما إن اختلف قول إمامه: فهناك يجب عليه البحث في تعيين الأولى من القولين على أصول إمامه.\n_________\n(١) رواه النسائي في الكبرى (٥٩٢٢).","vol":"5","page":168},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nواختلف أصحابنا فيمن يحفظ أقوال إمامه فقط. هل يصلح للحكم عند الضرورة أو لا؟ على قولين؟ فمن أجازه شرط فيه: أنَّه لا يخرج عن نصوص إمامه، أو نصوص من فهم عن إمامه، فإذا تعارضت عنده الأقوال لم يحكم بشيء منها أصلًا حتى يسأل عن الأرجح من له أهلية الترجيح. ولا يحكم بنظره أصلًا؛ إذ لا نظر له. ومتى فعل شيئًا من ذلك كان حكمه منقوضًا، وقوله مردودًا. وقد كان أهل الأندلس يرجحون الأقوال بالناقلين لها من غير نظر في توجيه شيء منها. فيقولون: إن قول ابن القاسم ونقله أولى من نقل غيره وقوله، بناءً على أن ابن القاسم اقتصر على مالك، ولم يتفقَّه بغيره، ولطول ملازمته له. فإن لم نجد لابن القاسم قولًا كان قول أشهب أولى من قول ابن عبد الحكم؛ لأنَّه أخذ عن الشافعي، فخلَّط، وهكذا. وقد بلغني: أنهم كانوا بالأندلس يشترطون على القضاة في سجلاتهم مراعاة ذلك الترتيب.\nقلت: وهذه رتبة لا أخسَّ منها؛ إذ صاحبها معزولٌ عن رتبة الفقهاء، ومنخرط في زمرة الأغبياء؛ إذ لا يفهم معاني الأقوال، ولا يعرف فصل ما بين الحلال والحرام، فحق هذا ألا يتعاطى منصب الأحكام، فإنَّه من جملة العوام. والمشهور: أنَّه لا يُستَقضَى من عَرِي عن الاجتهاد المذكور، ولذلك قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: ولا يُستقضى إلا فقيه من أهل الاجتهاد. وهذا محمولٌ على ما تقدم، والله تعالى أعلم.\nوالاجتهاد المعني في هذا الباب هو: بذل الوسع في طلب الحكم الشرعي في النوازل على ما قلناه.\n* * *","vol":"5","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-681>(٤) باب لا يقضي القاضي وهو على حال تشوش عليه فكره، ورد المحدثات، ومن خير الشهداء</span>؟\n[١٨١٠] عَن عَبدِ الله بنِ أَبِي بَكرَةَ قَالَ: كَتَبَ أَبِي وَكَتَبتُ لَهُ إِلَى عُبَيدِ اللَّهِ بنِ أَبِي بَكرَةَ، وَهُوَ قَاضي بِسِجِستَانَ: أَلَا تَحكُمَ بَينَ اثنَينِ وَأَنتَ غَضبَانُ، فَإِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا يَحكُم أَحَدٌ بَينَ اثنَينِ وَهُوَ غَضبَانُ.\nرواه أحمد (٥/ ٣٦ و٣٧ و٥٢)، والبخاري (٧١٥٨)، ومسلم (١٧١٧)، وأبو داود (٣٥٨٩)، والترمذيُّ (١٣٣٤)، والنسائي (٨/ ٢٣٧ و٢٣٨)، وابن ماجه (٢٣١٦).\nــ\n(٤) ومن باب: لا يقضي القاضي وهو على حال تشوش عليه فكره\n(قوله: لا يحكم أحدٌ بين اثنين وهو غضبان) إنَّما كان الغضب مانعًا من الحكم؛ لأنَّه يشوِّش عليه فكره، ويخلُّ بفهمه، فيجب أن يُلحق به ما في معناه، كالجوع، والألم، والخوف، وما أشبه ذلك. وذلك إما بطريق الأولى، كالخوف، والمرض، فإنهما أولى بذلك من الغضب. وإما بطريق توسيع المناط، وذلك أن تَحذِف خصوصية ذكر الغضب، وتُعدِّيه إلى ما في معناه. وهذا النوع من القياس من أجل أنواعه، ولذلك قال به جماعة الفقهاء، وكثير من نفاة القياس. وقد استوفينا ذلك في الأصول، ولا يعارض هذا الحديث بحكم النبي - ﷺ - للزبير بإمساك الماء إلى أن يبلغ الجدُر. وقد غضب من قول الأنصاري: أن كان ابن عمتك (١)؟ !\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ٤ - ٥)، والبخاري (٢٣٥٩ و٢٣٦٠)، ومسلم (٢٣٥٧)، والترمذي (١٣٦٣)، والنسائي (٨/ ٢٤٥)، وابن ماجه (١٥).","vol":"5","page":170},{"text":"[١٨١١] وعن عَائِشَةَ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن أَحدَثَ فِي أَمرِنَا هَذَا مَا لَيسَ مِنهُ فَهُوَ رَدٌّ.\nوفي رواية: مَن عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيهِ أَمرُنَا فَهُوَ رَدٌّ.\nرواه أحمد (٦/ ٧٣ و٢٤٠ و٢٧٠)، والبخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨) (١٧ و١٨)، وأبو داود (٤٦٠٦)، وابن ماجه (١٤).\nــ\nلأن النبي - ﷺ - معصوم من الهوى، والباطل، والخطأ في غضبه، ورضاه، وصحته، ومرضه. ولذلك قال: (اكتبوا عني في الغضب والرضا) (١). ولذلك نفذت أحكامه، وعمل بحديثه الصادر منه في حال شدَّة مرضه ونزعه، كما قد نفذ في حال صحته ونشاطه.\nو(قوله: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ) أي: من اخترع في الشرع ما لا يشهد له أصل من أصوله فهو مفسوخ، لا يعمل به، ولا يلتفت إليه.\nوفيه حجَّة: على أن النهي يدلُّ على الفساد. وهو قول جمهور الفقهاء. وذهب بعض أصحابنا، وأكثر المتكلمين: إلى أنه لا يدل على الفساد، وإنما مدلوله المنع من إدخال المنهي عنه في الوجود فقط. وأما حكمه إذا وقع من فساد أو صحة: فالنَّهي لا يدلُّ عليه، وينظر دليل ذلك من خارج النَّهي.\nوقد اختلف حال المنهيات في الشرع؛ فبعضها يصحُّ إذا وقع، كالطلاق في الحيض. وبعضها لا يصحُّ، كبيع الملاقيح والمضامين. وبعضها يختلف فيه أصحابنا والفقهاء، كالبيع وقت النداء. وللمسألة غَورٌ. وقد بيَّنَّاه في الأصول.\nوفتى (٢) القاسم بن محمد فيمن له مساكن، فأوصى بثلث كل مسكن منها،\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ١٦٢ و١٩٢)، وأبو داود (٣٦٤٦) بنحوه.\n(٢) أي: فتيا أو فتوى. انظر: اللسان مادة (فتا).","vol":"5","page":171},{"text":"[١٨١٢] وعَن زَيدِ بنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَلَا أُخبِرُكُم بِخَيرِ الشُّهَدَاءِ؟ ! الَّذِي يَأتِي بِشَهَادَتِهِ قَبلَ أَن يُسأَلَهَا.\nــ\nفإنَّه يجمع ذلك كلُّه في مسكن واحد. فيه إشكال؛ إذ هي مخالفة لما أوصى به الموصي. والأصل اتِّباع أقواله والعمل بظاهرها؛ فإنَّه كالمشرع. ففتيا القاسم ليس على ظاهرها، وإنما هي محمولة على ما إذا أراد أحد الفريقين من الورثة، أو الموصى لهم القسمة، وتمييز حقه، وكانت المساكن متقاربة، بحيث يضم بعضها إلى بعض في القسمة، فحينئذ تقوَّم تلك المساكن قيمة التعديل، وتقسم بينهم، فيجمع نصيب الموصى لهم في موضع واحد يشتركون فيه بحسب وصاياهم، ويبقى نصيب الورثة فيما عدا ذلك، بحسب مواريثهم.\nفإن قيل: فقد استحالت الوصية عن أصلها.\nفالجواب: أن ذلك بحسب ما أدَّت إليه سُنَّة القسمة عند الدُّعاء إليها، فإن الموصي لو أوصى بثلث كل مسكن، ومنع من القَسم لم يلتفت إلى منعه، وكان ذلك المنع مردودًا. وهو الذي استدلَّ على ردِّه القاسم بقوله - ﷺ -: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردٌّ) فلو لم يطلب أحدٌ من الفريقين قسمة، أو كانت المساكن لا يُضمُّ بعضها إلى بعض لبعدها، وتباين اختلافها بقي كلُّ واحد منهم على نصيبه حسب ما وُصِّي له به. وهذا كلُّه مذهب مالك.\nو(قوله: ألا أخبركم بخير الشهداء) الشهداء: جمع شهيد، كظرفاء: جمع ظريف، ويجمع أيضًا على: شهود، لكنه جمع شاهد، كحضور جمع حاضر، وخروج جمع خارج. ويعني بخير الشهداء: أكملهم في رتبة الشهادة، وأكثرهم ثوابًا عند الله تعالى.\nو(قوله: الذي يأتي بشهادته قبل أن يسأَلَها) يعني به الشهادة التي يجب أداؤها، ولم يَسألها؛ كشهادة بحق لم يحضر مستحقه، أو بشيء يخاف ضياعه، أو فوته بطلاق، أو عتق على من أقام على تصرُّفه من الاستمتاع بالزوجة، واستخدام العبد، إلى غير ذلك، فيجب على من تحمَّل شيئًا من ذلك أداء تلك الشهادة، ولا","vol":"5","page":172},{"text":"رواه أحمد (٥/ ١١٤ و١١٦ و١١٧) و(٥/ ١٩٢ و١٩٣)، ومسلم (١٧١٩)، وأبو داود (٣٥٦٩)، والترمذيُّ (٢٢٩٦ و٢٢٩٧)، وابن ماجه (٢٣٦٤).\n* * *\nــ\nيقف أداؤها على أن تُسأَلَ منه، فيضيع الحق، وقد قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ ولا يعارض هذا بقوله - ﷺ - في الصحيح: (ثم يأتي من بعد ذلك قوم يشهدون ولا يُستشهدون) (١) لأن هذا محمولٌ على أحد وجهين:\nأحدهما: أن يراد به: شاهد الزور؛ فإنَّه يشهد بما لم يستشهد؛ أي: بما لم يحمله.\nوالثاني: أن يراد به الذي يحمله الشَّرَهُ على تنفيذ ما يشهد به فيبادر بالشهادة قبل أن يُسأَلَها. فهذه شهادة مردودة، فإن ذلك يدلُّ على هوى غالب على الشاهد. ولا خلاف عندنا في هذا إن شاء الله تعالى. وما ذكرناه أحسن ما حمل عليه هذا الحديث.\nوقد روي عن النَّخعي: أنَّه قال: المراد بالشهادة في هذا الحديث: اليمين. واستدلَّ عليه بقوله - ﷺ - في بقيَّة الحديث: (تسبق يمين أحدهم شهادته، وشهادته يمينه)، وفيه نظر. وسيأتي إن شاء الله تعالى.\nفرع: لا إشكال في أن من وجبت عليه شهادة على أحد الأوجه التي ذكرناها فلم يؤدها أنَّها جُرحَةٌ في الشَّاهد والشهادة. ولا فرق في هذا بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين. هذا قول ابن القاسم وغيره. وذهب بعضهم: إلى أن تلك الشهادة إن كانت بحق من حقوق الآدميين كان ذلك جُرحَة في تلك الشهادة نفسها خاصة، فلا يصلح له أداؤها بعد ذلك.\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ٤٢٧ و٤٣٦)، والبخاري (٢٦٥١)، ومسلم (٢٥٣٥) (٢١٤)، وأبو داود (٤٦٥٧)، والترمذي (٢٢٢٢)، والنسائي (٧/ ١٧ - ١٨).","vol":"5","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-682>(٥) باب تسويغ الاجتهاد</span>\n[١٨١٣] عَن ابن عمر قَالَ: نَادَى فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَومَ انصَرَفَ عَن الأَحزَابِ: أَلَا لا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العصر إِلَّا فِي بَنِي قُرَيظَةَ. فَتَخَوَّفَ نَاسٌ فَوتَ الوَقتِ، فَصَلَّوا دُونَ بَنِي قُرَيظَةَ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا نُصَلِّي إِلَّا حَيثُ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَإِن فَاتَنَا الوَقتُ. قَالَ: فَمَا عَنَّفَ وَاحِدًا مِن الفَرِيقَينِ.\nرواه البخاريُّ (٩٤٦)، ومسلم (١٧٧٠).\n* * *\nــ\nقلت: وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ الذي يوجب جرحته: إنما هو فسقه بامتناعه من القيام بما وجب عليه من غير عُذرٍ. والفسق يسلب أهلية الشهادة مطلقًا. وهذا واضح.\n(٥) ومن باب: تسويغ الاجتهاد\n(قوله: نادى فينا رسول الله - ﷺ -) أي: أمر من ينادي فنادى، فنسب النداء إليه؛ لأنَّه أمر به.\nو(قوله: ألا لا يصلين أحدٌ العصر إلا في بني قريظة) كان هذا من النبي - ﷺ - لما هزم الله تعالى الأحزاب، ورجع هو وأصحابه إلى المدينة، فألقوا السِّلاح، فجاءه جبريل - ﵇ - فقال له: ألقيت السِّلاح؟ ولا والله ما ألقت الملائكة السِّلاح، فاخرج إلى بني قريظة فإني منطلق إليهم، ومزلزلٌ بهم حصونهم. فحينئذ نادى رسول الله - ﷺ - ذلك النداء، فأخذ قومٌ من أصحابه بظاهر الأمر، وقالوا: لا نُصلِّي إلا حيث أمرنا رسول الله - ﷺ - وإن فاتنا الوقت. ونظر آخرون إلى المعنى، فقالوا: إن المقصود من ذلك الأمر الاستعجال، فصلُّوا قبل أن","vol":"5","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-683>(٦) باب اختلاف المجتهدين في الحكم لا ينكر</span>\n[١٨١٤] عَن أَبِي هُرَيرَةَ: عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: بَينَمَا امرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابنَاهُمَا، جَاءَ الذِّئبُ، فَذَهَبَ بِابنِ إِحدَاهُمَا، فَقَالَت هَذِهِ لِصَاحِبَتِهَا: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابنِكِ أَنتِ، وَقَالَت الأُخرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابنِكِ، فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ فَقَضَى بِهِ لِلكُبرَى، فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيمَانَ بنِ دَاوُدَ ﵉ فَأَخبَرَتَاهُ،\nــ\nيَصِلُوا إلى بني قريظة. وعجَّلوا السَّير، فجمعوا بين المقصودين، فأقرَّ النبي - ﷺ - كلًا منهم على ما ظهر له من اجتهاده، فكان فيه حجَّة لمن يقول: إنَّ كلَّ مجتهد مصيبٌ؛ إذ لو كان أحد الفريقين مخطئًا لعيَّنه النبي - ﷺ -. ويمكن أن يقال: إنه إنما سكت عن تعيين المخطئ؛ لأنَّه غير آثم، بل مأجور، فاستغنى عن تعيينه، والله أعلم.\n[(٦) ومن باب: اختلاف المجتهدين بالحكم لا ينكر] (١)\n(قوله: فتحاكمتا إلى داود فقضى به للكبرى) قد أشكل هذا على كثير من الشارحين، حتى قال بعضهم: إن هذا لم يكن من داود حكمًا، وإنَّما كان فتيا. وهذا فاسدٌ لنصِّه؛ على أنه قضى، ولأن فتيا النبي - ﷺ - وحكمه سواء؛ إذ يجب تنفيذ ذلك. وقالت طائفة أخرى: إن ذلك كان من شرع داود أن يحكم به للكبرى؛ يعني: من حيث هي كبرى. وهذا أيضًا فاسدٌ؛ لأنَّ اللفظ ليس نصًّا في ذلك، ولأن الكُبر والصغر طَردٌ محض عند الدعاوي، كالطول والقصر، والسّواد والبياض؛ إذ لا يوجب شيء من ذلك ترجيح أحد المتداعيين، حتى يحكم له، أو عليه لأجل ذلك، وهذا مما يقطع به من فهم ما جاءت به الشرائع، كما بيَّنَّاه في الأصول، والذي ينبغي أن يقال: إن داود - ﵇ - إنما حكم للكبرى لسبب اقتضى عنده\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ليس في الأصول، واستدرك من التلخيص.","vol":"5","page":175},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nترجيح قولها، ولم يذكره في الحديث بعينه؛ إذ لم تَدعُ حاجةٌ إليه، فيمكن أن يقال: إن الولد كان في يد الكبرى، وعلم عجز الأخرى عن إقامة البيِّنة، فقضى به لها إبقاء لما كان على ما كان. وهذا تأويل حسن لا يمنعه اللفظ، وتشهد له قاعدة الدعاوي الشرعية التي يبعد اختلاف الشرائع فيها. فإن قيل: فإن كان داود - ﵇ - قضى بسبب شرعي، فكيف ساغ لسليمان نقض حكمه؟ !\nفالجواب: أن سليمان - ﵇ - لم يتعرَّض لحكم أبيه بالنقض، وإنَّما احتال حيلة لطيفة، ظهر له بسببها صدق الصغرى. وهي: أنَّه لَمَّا قال: هات السكين أشقه بينهما! فقالت الصغرى: لا. ظهر له من قرينة الشفقة في الصغرى، وعدم ذلك في الكبرى مع ما عساه انضاف إلى ذلك من القرائن ما حصل له العلم بصدقها فحكم لها. ولعله كان ممن سُوِّغ له أن يحكم بعلمه، ولعل الكبرى اعترفت بأن الولد للصغرى عندما رأت من سليمان الجزم والجِدّ في ذلك، فقضى بالولد للصغرى. ويكون هذا كما إذا حكم الحاكم باليمين، فلما مضى ليحلف حضر من استخرج من المنكر ما أوجب إقراره، فإنَّه يحكم عليه بذلك الإقرار قبل اليمين، وبعدها، ولا يكون ذلك من باب نقض الحكم الأول، ولكن من باب: تبدل الأحكام بحسب تبدل الأسباب. والله أعلم.\nوفي هذا الحديث: أن الأنبياء - ﵈ - سُوِّغ لهم الحكم بالاجتهاد، وهو مذهب المحققين من الأصوليين، ولا يُلتفت لقول من يقول: إن الاجتهاد إنما يسُوِّغ عند فقد النَّصِّ، والأنبياء ﵈ لا يفقدون النصّ، فإنَّهم مُتَمِكِّنون من استطلاع الوحي وانتظاره؛ لأنَّا نقول: إذا لم يأتهم الوحي في الواقعة صاروا كغيرهم في البحث عن معاني النصوص التي عندهم. والفرق بينهم وبين غيرهم من المجتهدين: أنَّهم معصومون عن الغلط والخطأ، وعن التقصير في اجتهادهم، وغيرهم ليس كذلك.","vol":"5","page":176},{"text":"فَقَالَ: ائتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَينَكُمَا! فَقَالَت الصُّغرَى: لَا، يَرحَمُكَ اللَّهُ، هُوَ ابنُهَا، فَقَضَى بِهِ لِلصُّغرَى.\nقَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: وَاللَّهِ إِن سَمِعتُ بِالسِّكِّينِ قَطُّ إِلَّا يَومَئِذٍ، مَا كُنَّا نَقُولُ إِلَّا المُديَةَ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٢٢)، رمسلم (١٧٢٠) (٢٠)، والنسائي (٨/ ٢٣٥).\nــ\nوفيه من الفقه: استعمال الحكَّام الحيل التي تُستخرج بها الحقوق، وذلك يكون عن قوة الذكاء، والفطنة، وممارسة أحوال الخليقة. وقد يكون في أهل التقوى فراسةٌ دينية، وتوسُّمات نورِّية، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.\nو(قولها: لا) أي: لا تفعل. ثمَّ دعت له بقولها: (يرحمك الله) فينبغي للقارئ أن يقف على (لا) وقيفة؛ حتى يتبيَّن للسامع: أن ما بعده كلام مستأنف؛ لأنَّه إذا وصل بما بعده توهَّم السَّامع: أنَّه دعاء عليه، وهو دعاء له. وقد روي عن أبي بكر الصِّديق - ﵁ - أنه قال لرجل سمعه يقول مثل ذلك القول: لا تقل هكذا، وقل: يرحمك الله، لا.\nقلت: وقد يزول ذلك الإبهام بزيادة (واو)، فيقال: لا، ويرحمك الله.\nوفيه حجَّة لمن يقول: إن الأمّ تَستَلِحقُ، وليس مشهور مذهب مالك، ولا يلحق الولد عند مالك بإحداهما إلا ببيِّنة. وقد تقدم القول في الاستلحاق في النكاح.\n* * *","vol":"5","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-684>(٧) باب للحاكم أن يصلح بين الخصوم، وإثم الخصم الألد</span>\n[١٨١٥] عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: اشتَرَى رَجُلٌ مِن رَجُلٍ عَقَارًا لَهُ، فَوَجَدَ الرَّجُلُ الَّذِي اشتَرَى العَقَارَ فِي عَقَارِهِ جَرَّةً فِيهَا ذَهَبٌ، فَقَالَ لَهُ الَّذِي اشتَرَى العَقَارَ: خُذ ذَهَبَكَ مِنِّي، إِنَّمَا اشتَرَيتُ مِنكَ الأَرضَ، وَلَم أَبتَع مِنكَ الذَّهَبَ، فَقَالَ الَّذِي شَرَى الأَرضَ: إِنَّمَا بِعتُكَ الأَرضَ وَمَا فِيهَا، قَالَ: فَتَحَاكَمَا إِلَى رَجُلٍ، فَقَالَ الَّذِي تَحَاكَمَا إِلَيهِ: أَلَكُمَا وَلَدٌ؟ فَقَالَ\nــ\n(٧) ومن باب: للحاكم أن يصلح بين الخصوم\nالعقار: أصل (١) الأموال من الأرض وما يتصل بها، وعقر الشيء: أصله - ومنه: عقرُ الأرض - بفتح العين وضمها -.\nو(قوله: فقال الذي شَرَى الأرض: إنَّما بعتك الأرض وما فيها) هكذا للسمرقندي، ومعنى (شَرَى): باع، كما قال تعالى: ﴿وَشَرَوهُ بِثَمَنٍ بَخسٍ﴾؛ أي: باعوه. وقد تقدَّم: أن (شرى) من الأضداد. يقال: شريت الشيء: أي: بعته واشتريته. وقد رواه غير السمرقندي: (الذي اشترى الأرض)، وفيها بُعدٌ؛ لأنَّ المشتري هو الذي تقدَّم ذكره، وهو هنا البائع، ولا يصحُّ أن يقال عليه: مُشترٍ؛ إلا أن صحَّ في (اشترى): أنه من الأضداد، كما قلناه في (شَرَى). والأول هو المعروف.\nو(قوله: فتحاكما إلى رجل) ظاهره: أنهما حكَّماه في ذلك، وأنَّه لم يكن حاكمًا منصوبًا للناس، مع أنَّه يحتمل ذلك. وعلى ظاهره يكون فيه لمالك حجَّة\n_________\n(١) في (ج ٢): أصول.","vol":"5","page":178},{"text":"أَحَدُهُمَا: لِي غُلَامٌ، وَقَالَ الآخَرُ: لِي جَارِيَةٌ، قَالَ: أَنكِحُوا الغُلَامَ الجَارِيَةَ، وَأَنفِقُوا عَلَى أَنفُسِكُمَا مِنهُ، وَتَصَدَّقَا.\nرواه أحمد (٢/ ٣١٦)، والبخاريُّ (٣٤٧٢)، ومسلم (١٧٢١)، وابن ماجه (٢٥١١).\nــ\nعلى صحة قوله: إن المتداعيين إذا حَكَّما بينهما من له أهلية الحكم صحَّ، ولزمهما حكمه، ما لم يكن جوَّرًا، سواء وافق ذلك الحكم رأي قاضي البلد، أو خالفه. وقال أبو حنيفة: إن وافق رأيه رأي قاضي البلد نَفَذَ، وإلا فلا. واختلف قول الشافعي، فقال مثل قول مالك، وقال أيضًا: لا يلزم حكمه، ويكون ذلك كالفتوى منه. وبه قال شريح.\nوهذا الرَّجل المُحكَّم لم يحكم على أحد منهما؛ وإنما أصلح بينهما، بأن ينفقا ذلك المال على أنفسهما وعلى ولديهما، ويتصدَّقا. وذلك أن هذا المال ضائع، إذا لم يدَّعِه أحدٌ لنفسه. ولعلهم لم يكن لهم بيت مال، فظهر لهذا الرَّجل: أنهما أحق بذلك المال من غيرهما من المستحقين لزهدهما، وورعهما، ولحسن حالهما، ولِمَا ارتجي من طيب نسلهما، وصلاح ذريتهما.\nقال الشيخ أبو عبد الله المازري: واختلف عندنا فيمن ابتاع أرضًا فوجد فيها شيئًا مدفونًا؛ فهل يكون ذلك للبائع أو للمشتري؛ فيه قولان.\nقلت: ويعني بذلك ما يكون من أنواع الأرض، كالحجارة، والعمد، والرُّخام، ولم يكن خِلقَةً فيها. وأمَّا ما يكون من غير أنواع الأرض، كالذهب والفضة، فإن كان من دفن الجاهلية كان ركازًا. وإن كان من دفن الإسلام (١) فهو لُقَطة. وإن جُهِل ذلك كان مالًا ضائعًا. فإن كان هنالك بيت مالٍ حفظ فيه. وإن لم\n_________\n(١) في (ج ٢): المسلمين.","vol":"5","page":179},{"text":"[١٨١٦] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ أَبغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الأَلَدُّ الخَصِمُ.\nرواه أحمد (٦/ ٥٥)، والبخاري (٢٤٥٧)، ومسلم (٢٦٦٨)، والترمذي (٢٩٧٦)، والنسائي (٨/ ٢٤٧ و٢٤٨).\n* * *\nــ\nيكن؛ صرف للفقراء (١) والمساكين. وفيمن يستعين به على أمور الدِّين، وفيما أمكن من مصالح المسلمين. والله تعالى أعلم.\nو(قوله: إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخَصِم) الألد: اسم فاعل من: لدَّ في الخصومة، يَلَدُّ - بفتح العين - لَدًّا: إذا اشتدَّ في خصومته، فهو ألدُّ، والجمع: لُدٌّ. ومنه قوله تعالى: ﴿قَومًا لُدًّا﴾ وامرأة لَدَّاءٌ. وسمي الخَصِم بذلك لإعماله لدَيدَيهِ في الخصومة، وهما جانبا الفم. وقيل: لأنك كلما أخذت في جانب من الحجَّة أخذ جانبًا آخر منها. وعلى هذا: فالألد صفة. فكان حقَّه أن يكون تابعًا للخصم. فيقول: الخصم الألد. لكنه لما كثر استعماله عومل معاملة الأسماء وحُذي به حَذوَ قوله تعالى: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾؛ لأن الأصل أن يقال: أسودٌ غِربِيب. فلو جاء على الأصل لقال: وسودٌ غرابيب.\nوهذا الخصم المذموم هو الذي يعدل عن الحق في خصومته، ويُوَهِّيه، ويَعضِدُ الباطلَ، ويُقَوِّيه. فأمَّا من اشتدت خصومته في حق حتى يظهره، ويبديه، ويزيح الباطل، ويخفيه؛ فهي حالةُ القائمين بالحق، الناصرين له، الذين لا يزالون ظاهرين إلى يوم الدِّين.\n_________\n(١) في (ج ٢): في الفقراء.","vol":"5","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-685>(٨) باب الحكم في اللقطة والضوال</span>\n[١٨١٧] عَن زَيدِ بنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى\nــ\n(٨) ومن باب: حكم اللقطة والضوال\nقد تقدم القول في اللقطة وإنشادها في كتاب الحجِّ. و(العِفَاص): الوعاء. وأصله: جلدٌ يلبسه رأس القارورة. يقال: عفصت القارورة: شددت عليها العِفاص. و(الوكاء): الخيط الذي يشدُّ به الوعاء. تقول: عفصتُ عفصًا: إذا شددت العِفاص، فإن جعلت العِفاص؛ قلت: أعفصته. وتقول: أوكيت إيكاءً، والشيءَ مُوكى، كما تقول: أعطيت إعطاء، والشيء مُعطَى.\nوالكلام في اللقطة في مسائل:\nالأولى: في حدِّها، وهي عندنا: وجدان مالٍ معصوم (١) لمعصوم معرَّض للضياع، فيدخل في المال كلُّ ما يُتمَّول من جمادٍ وحيوانٍ. ونعني بالمعصوم: كل مال لمالكه حرمة شرعيَّة، فيدخل فيه مال المسلم، والذمِّي، والمعاهد، ويخرج عنه مال الحربي؛ إذ لا حرمة له. وأموال الجاهلية؛ إذ هي ركاز، ويدخل فيه القليل من المال والكثير منه، سواء كان في عامر من (٢) الأرض أو غامرها، مدفونًا أو غير مدفون. وتحرزنا بقولنا: (مُعرَّض للضياع) عمَّا يكون في حرز مُحترم، أو عليه حافظ.\nالمسألة الثانية: في أقسام اللقطة، وهي: جمادٌ، وحيوان. والحيوان: إنسان وغير إنسان، والإنسان إمَّا صغير أو كبير. فالصغير إن علم: أنه مملوك؛ فهو\n_________\n(١) من (ج ٢).\n(٢) مستدرك من (ج ٢).","vol":"5","page":181},{"text":"النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَن اللُّقَطَةِ فَقَالَ: اعرِف عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا،\nــ\nلُقطة. وإلا فهو اللقيط، ويجب حفظه، والقيام به على المسلمين؛ إذا كان ذلك في بلادهم وجوب كفاية، وله أحكام مذكورة في الفروع. ولا يكون المملوك الكبير لُقطة إلا إن كان مِمَّن لا يفهم. وأمَّا غير الإنسان: فإبل، وبقر، وغنم، وخيل، وبغال، وحمير.\nالمسألة الثالثة: في بيان حكمها. فأمَّا الجماد: فاختلف في حكم التقاطه؛ فذهب الشافعي إلى استحباب ذلك مطلقًا، وعندنا فيه تفصيل. فقيل: لا يجب إلا أن يكون بين قوم غير مأمونين، والإمام عدل؛ فيجب أخذها بنيَّة الحفظ على من وثق بأمانة نفسه، فإن علم خيانة نفسه حرم الأخذ عليه، وإن ظن ذلك كره له، وإذا كانت بين مأمونين، ووثق بأمانة نفسه، فقيل: يستحب له أخذها بنيَّة الحفظ. وروي عن ابن القاسم كراهة التقاطها؛ إلا أن يكون لها قدر وبال. وكذلك روى أشهب في الدنانير، فأمَّا الدرهم وما لا بال فيه (١)؛ فلا أحِبُ له أن يأخذه. وقد رويت عن مالك الكراهة مطلقًا. وباقي ما يتعلّق بها من المسائل يأتي مع البحث في الحديث.\nو(قوله: اعرف عِفاصها ووكاءها)، وفي رواية: (وعددها) هذا الأمر للملتقط بتعرف هذه الأمور الثلاثة تفيد إباحة حل وكائها، والوقوف على عينها، وعددها للملتقط. وفائدة ذلك: أنَّه إذا جاء من عرف أولئك الأوصاف دفعت له، كما قال: (فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها، وعددها، ووكاءها، فادفعها إليه) وظاهره: اشتراط معرفة مجموع تلك الأوصاف، وأنها تدفع له بغير بيِّنة. وقد اختلف في المسألتين.\nفأمَّا المسألة الأولى: فقال ابن القاسم: لا بدَّ من ذكر جميعها؛ يعني:\n_________\n(١) في (ج ٢): له.","vol":"5","page":182},{"text":"ثُمَّ عَرِّفهَا سَنَةً،\nــ\nالوكاء، والعِفاص، والعدد. ولم يعتبر أصبغ العدد. وظاهر الحديث حجَّة لابن القاسم، ولأصبغ التمسك بالحديث الذي ليس فيه ذكر العدد. وحجَّة ابن القاسم أوضح؛ لأن من ذكر شيئًا حجَّة على من سكت عنه، ولأنَّه من باب حمل المطلق على المقيد، فإذا أتى بجميع أوصافها؛ فهل يُحَلَّف مع ذلك أو لا؟ قولان. النَّفي لابن القاسم. وتحليفه لأشهب.\nولا تلزمه بينة عند مالك وأصحابه، وأحمد بن حنبل، وغيرهم. وقال أبو حنيفة، والشافعي: لا تدفع له (١) إلا إذا أقام بينة أنها له. والأول أولى؛ لنصّ الحديث على ذلك، ولأنَّه لو كان إقامة البيِّنة شرطًا في الدَّفع لما كان لذكر العِفاص، والوكاء، والعدد معنًى؛ فإنَّه يستحقها بالبيِّنة على كل حال، ولما جاز سكوت النبي - ﷺ - عن ذلك، فإنه تأخير للبيان عن وقت الحاجة. وقال أصبغ: إن عرف العِفاص وحده استُبرئ له، فإن جاء أحدٌ، وإلا أُعطيها. وقال ابن عبد الحكم: لو أصاب تسعة أعشار الصفة، وأخطأ العشر لم يعطها إلا أن يصف العدد، فيصاب أقل. وقال أشهب: إن عرف منها وصفين، ولم يعرف الثالث دفعت إليه.\nو(قوله: ثم عرِّفها سنة) تعريفها هو: أن ينشدها في مجتمعات الناس، وحيث يظن أن ربَّها هنالك، أو قربه، فيعرفها تعريفًا لا يضرُّ به، ولا يُخُفِي أمرها. والتعريف واجبٌ؛ لأنَّه مأمورٌ به. ثمَّ يختص الوجوب بسنة في المال الكثير؛ الذي لا يفسد، ولا ينقص منها. وهو قول فقهاء الأمصار. ولم يذهب أحدٌ منهم إلى زيادة على السنة إلا شيء روي عن عمر بن الخطاب - ﵁ -، فإنَّه قال: يعرفها ثلاثة أعوام. وإلا: ما تقدَّم من الخلاف في لقطة الحاجِّ.\nفأما الشيء القليل التافه؛ الذي لا يتعلَّق به نفس مالكه كالتمرة، والكِسرة، فلا تعريف فيه. وقد مرَّ النبي - ﷺ - بتمرة في الطريق فقال: (لولا أني أخاف أن تكون من\n_________\n(١) في (ل ١) و(م ٢) و(م ٣): إليه.","vol":"5","page":183},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالصَّدقة لأكلتها) (١)، ولم يعرِّفها.\nولو كانت من القليل الذي تتعلَّق به النفس غالبًا، فهل يُعرَّف أو لا؟ وإذا عُرِّف؛ فهل يُعرَّف سنة، أو يجزئ أقل من ذلك؟ كل ذلك مختلف فيه. فظاهر رواية ابن القاسم: أنَّه يُعرَّف سنة كالكثير. وهو قول الشافعي. وقال ابن القاسم في الكتاب: يُعرِّفه أيَّامًا. وبه قال ابن وهب، ولم يحدد الأيام، بل بحسب ما يظن أن مثلها يطلب فيها. وهذا كالحبل، والمخلاة، والدَّلو، والعصا، والسَّوط، والسِّقاء، والنَّعال. وقال أشهب: إن لم يعرفها فأرجو أن يكون واسعًا (٢). وقال بعض العلماء: لا يلزم تعريف شيء من ذلك، وألحقوه بالقسم الأول. وفيه بُعدٌ؛ لأنَّ ما تتشُّوف النفسُ إليه فالغالب: أن صاحبه يطلبه، فلا بدَّ من تعريفه، ولكنه لا ينتهي التعريف فيه إلى السَّنة؛ لأنَّ صاحبه لا يستديم طلبه فيها غالبًا، فحينئذ تضيع استدامة التعريف. فإن قيل: فقد جاء في كتاب أبي داود من حديث جابر: رخَّص لنا رسول الله - ﷺ - في السوط، والعصا، والحبل، وأشباهه، يلتقطه الرَّجل ينتفع به (٣). وظاهره: أنه لا يحتاج مثل هذا إلى تعريف.\nفالجواب: أن هذا لا يصحُّ رفعه؛ لأنَّه من رواية المغيرة بن زياد، عن أبي الزبير، عن جابر. وقد رواه المغيرة بن مسلم عن أبي الزبير، عن جابر، قال: كانوا، ولم يذكر النبي - ﷺ -. والمغيرة بن مسلم أصلح حديثًا، وأصح من حديث المغيرة بن زياد. هكذا قاله أبو محمد عبد الحق.\nقلت: مع أن حديث أبي الزبير عن جابر لا يؤخذ منه إلا ما ذكر فيه سماعه منه؛ لأنَّه كان يُدلِّس في حديث جابر، ولم يذكر سماعه في هذا الحديث، سلمنا صحته، لكنه يحتمل أن تكون هذه الإباحة بعد التعريف. ويعتضدُ هذا بما رواه\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٤٣١)، ومسلم (١٠٧١)، وأبو داود (١٦٥١ و١٦٥٢).\n(٢) لعل المقصود: أن الأمر فيه متسع.\n(٣) رواه أبو داود (١٧١٧).","vol":"5","page":184},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nأبو محمد بن أبي حاتم عن حكيمة بنت غيلان عن أبيها: أن رسول الله - ﷺ - قال: (من التقط لقطة يسيرة، درهمًا، أو حبلا، أو شبه ذلك؛ فليعرفه ثلاثة أيام، فإن كان فوق ذلك فليعرِّفه ستة أيام) (١). وأصح من هذا وأحسن ما خرَّجه النسائي عن عياض بن حمار المجاشعي: أن رسول الله - ﷺ - قال: (من أخذ لقطة فليشهد ذوي عدل، وليحفظ عفاصها، ووكاءها، ولا يكتم، ولا يُغيِّب، فإن جاء صاحبها، فهو أحق بها، وإن لم يجئ صاحبها فهو (٢) مال الله يؤتيه من يشاء) (٣)، وهذا عام في كل لُقطة.\nو(قوله: فليشهد ذوي عدلٍ) أمرٌ للملتقط بأن يشهد على نفسه بأنه وجد كذا، على جهة الاحتياط للُّقطة مخافة طارئ يطرأ على الملتقط من موت، أو آفة، أو طروء خاطر خيانةٍ.\nو(قوله: ولا يكتم، ولا يُغيِّب) يعني به: أنَّه يعرِّفها بأعمِّ أوصافها، ويستدعي من المُدَّعي أخصَّ أوصافها المميَّزة لها، كما تقدم.\nوأمَّا ما رواه أبو داود (٤) من حديث علي - ﵁ -: أنَّه وجد دينارًا فرهنه في درهم لحمًا، وأنه أعلم النبي - ﷺ - بذلك، فأقرَّه، ولم يُنكر عليه تصرَّفه في الدينار بالرَّهن. فلا حجَّة فيه لمن يستدلُّ به: على أن القليل من اللقطة لا يُعرَّف؛ لأنَّ عليًّا - ﵁ - إنما فعل ذلك في حال ضرورة؛ لأنه دخل بيته والحسن والحسين يبكيان من الجوع، فخرج فوجد الدينار، ففعل ذلك حين لم يجد شيئًا آخر، وفي مثل هذه الحال تحل الميتة، فأحرى التصرف في الوديعة، ثم إنَّه لم يُتلف عين الدينار، وإنَّما رهنه، فلمَّا جاء صاحبه، افتَكَّهُ ودفعه إليه. وذكر في هذا الحديث:\n_________\n(١) رواه البيهقي (٦/ ١٩٥). وانظر: المجمع (٤/ ١٦٩).\n(٢) في الأصول: وإلا فهو، وما أثبتناه أنسب للسياق، وموافق لرواية النسائي.\n(٣) رواه النسائي في الكبرى (٥٨٠٨).\n(٤) رواه أبو داود (١٧١٦).","vol":"5","page":185},{"text":"فَإِن جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَّا فَشَأنَكَ بِهَا. قَالَ: فَضَالَّةُ الغَنَمِ؟ قَالَ: لَكَ أَو لِأَخِيكَ أَو لِلذِّئبِ. قَالَ: فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟ قَالَ: مَا لَكَ وَما لَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ المَاءَ وَتَأكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَلقَاهَا رَبُّهَا.\nــ\nأن النبي - ﷺ - استدعى مدَّعِي الدينار، فسأله، فقال: سقط مني في السُّوق. فأمر عليًّا بافتكاكه، ثم دفعه إلى الرَّجل. من غير أن يسأله عن وصف من أوصاف الدينار، فيحتمل أن يكون اكتفى منه بقوله: أنَّه ضاع مني في السُّوق، وقد كان علي وحده في السُّوق؛ لأنَّ الدينار الواحد ليس فيه عدد، وقد لا يكون له وعاء، ولا وكاء، والدنانير متساوية الأشخاص غالبًا. ويحتمل أن يكون النبي - ﷺ - علم أنه صاحبه بوحي، أو بقرائن، فلا حجَّة فيه على سقوط السؤال عن الأوصاف. والله تعالى أعلم.\nوقد حصل من هذا: أن اللقطة لا بدَّ لها من تعريف؛ فإن كانت مما لها بال ومقدار عُرِّفت سنة. وإن كانت مما ليس لها ذلك المقدار؛ كان تعريفها بحسبها من غير حدٍّ بعدد مخصوص، ولا زمان مخصوص، بل على الاجتهاد. وأما التمرة، والكِسرة: فلا تحتاج إلى تعريف؛ لأنها مزهودٌ فيها، ولا تتشوف نفس صاحبها إليها. وهذا مذهب مالك وغيره. والله أعلم.\nو(قوله: فإن جاء صاحبها، وإلا فشأنُك بها -) أو: (فهي لك)، أو: (فاستنفقها)، وفي حديث أبي: (وإلا فاستمتع بها) (١). وفي كتاب الترمذي (٢): (ثمَّ كُلها). وفي كتاب النسائي من حديث عياض بن حمار: (وإلا فهي مال الله يؤتيه من يشاء) (٣). أفادت هذه الروايات كلها: أن واجد اللقطة بعد التعريف أحق\n_________\n(١) رواه مسلم (١٧٢٣) (١٠) من رواية ابن نُمَيْر.\n(٢) انظر: سنن الترمذي (٣/ ٦٥٧).\n(٣) رواه النسائي في الكبرى (٥٨٠٩).","vol":"5","page":186},{"text":"وفي رواية: فَإِن جَاءَ صَاحِبُهَا؛ فَعَرَفَ عِفَاصَهَا وَعَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا، فَأَعطِهَا إِيَّاهُ، وَإِلَّا فَهِيَ لَكَ.\nوفيها أنه ﷺ: غَضِبَ عندما سئل عن ضالة الإبل حَتَّى احمَرَّت وَجنَتَاهُ.\nرواه البخاري (٢٤٢٧ و٢٤٢٨ و٢٤٢٩ و٢٤٣٨)، ومسلم (١٧٢٢) (١ و٦)، وأبو داود (١٧٠٤ - ١٧٠٨)، والترمذيُّ (١٣٧٢)، والنسائي في الكبرى (٥٨١٤ - ٥٨١٦).\nــ\nبالنظر فيها من غيره، فلا ينتزعها منه السلطان ولا غيره. وهو قول أهل العلم. غير أن الأوزاعي قال: إن كان مالًا كثيرًا جعله في بيت المال.\nواختلفوا إن كان غير مأمون؛ هل يتركها السلطان بيده، أو يأخذها منه؟ فعن الشافعي في ذلك قولان.\nقال القاضي عياض: ومقتضى مذهب مالك، وأصحابه: أن يأخذها منه إن كان غير مأمون. وهو الصحيح إن شاء الله تعالى. فإذا أقرَّت بيده؛ فما الذي يفعل فيها؟ !\nالجمهور: على أن له أن يمسكها عنده، ولا ضمان عليه؛ لأنَّها وديعة، كما جاء في بعض طرقه: (ولتكن وديعة عندك). وله أن يصرفها في مصالحه من أكل، أو انتفاع. وله أن يتصدَّق بها، ولا بدَّ في هذين من الضمان متى جاء صاحبها. وإلى هذا ذهب عمر بن الخطاب، وابنه، وابن مسعود، وعائشة، وعطاء، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو حنيفة. غير أنه - أعني: أبا حنيفة - لم يُبح أكلها إلا للفقير. وشذَّ داود فأسقط عنه الضمان بعد السَّنة.\nوموجب الخلاف اختلاف تلك الروايات، وذلك: أن ظاهر قوله: (فهي لك)، و(قوله: ثم كُلها)، و(قوله: وإلا فهي مال الله يؤتيه من يشاء): التمليك، وسقوط الضمان، وبه اغتَرَّ داود، لكن قد أزال ذلك الظاهر، ودَحَضَه رواية العدل والضابط الحافظ الإمام يحيى بن سعيد عن يزيد - مولى المنبعث -: أنَّه سمع زيد بن خالد الجهني يقول: سُئل رسول الله - ﷺ - عن اللقطة؛ الذهب والورق فقال: (اعرف وكاءها،","vol":"5","page":187},{"text":"[١٨١٨] وعنه، قال: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن اللُّقَطَةِ: الذَّهَبِ أَو الوَرِقِ، فَقَالَ: اعرِف وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفهَا سَنَةً، فَإِن لَم تَعترِف فَاستَنفِقهَا، وَلتَكُن وَدِيعَةً عِندَكَ، فَإِن جَاءَ طَالِبُهَا يَومًا مِن الدَّهرِ فَأَدِّهَا\nــ\nوعِفاصها، ثمَّ عرِّفها سَنَة، فإن لم تُعرف فاستنفقها، ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يومًا من الدَّهر، فأدِّها إليه) (١). فهذه أحسن الروايات، وأنصُّها على المطلوب، وهي المبيِّنة لتلك الظواهر الحاكمة عليها. والعجب من داود كيف صُرف عنها وهي بين يديه، وأنَّى تغافلَ عنها؛ وهي حجَّة عليه؟ لكن من حرم التوفيق استدبر الطريق.\nو(قوله: ولتكن وديعة عندك) بعد قوله: (استنفقها) معناه: ولتكن في ضمانك على حُكم الوديعة؛ يعني: إذا أنفقها المُودَعُ عنده فإنَّه يضمنها، وإلا: فإذا أنفقها لم تبق عَينُها، فكيف تبقى وديعة إلا على ما ذكرناه؟ والله تعالى أعلم.\nو(قوله: فضالةُ الغنم؟) فقال: (هي لك، أو لأخيك، أو للذئب) أي: لا بدَّ لها من حال من هذه الأحوال الثلاثة. و(أو) هذه للتقسيم والتنويع. ويفيد هذا: الغنم إذا كانت في موضع يخاف عليها فيه الهلاك جاز لملتقطها أكلها، ولا ضمان عليه؛ إذ قد سوّى بينه وبين الذئب، والذئب لا ضمان عليه، فالملتقط لا ضمان عليه. وهو مذهب مالك وأصحابه، وقد ضمَّنه الشافعي وأبو حنيفة تمسُّكًا ببقاء ملك ربِّها عليها، وبما قد روي من حديث عمرو بن يثربي (٢): أنَّه - ﷺ - قال: (إن لقيتها لقحة تحمل شفرةً وأزنادًا فلا تمسَّها) (٣). ولا حجَّة في شيء من ذلك؛\n_________\n(١) هو حديث الباب الثاني رقم (٢٠٢٨).\n(٢) هو عمرو بن يثربي الضمري، له صحبة، روى عنه عمارة بن حارثة \"الجرح والتعديل\" (٦/ ٢٦٩).\n(٣) رواه أحمد (٣/ ٤٢٣ و٥/ ١١٣)، وفيه: نعجة بدل لقحة.","vol":"5","page":188},{"text":"إِلَيهِ. وَسَأَلَهُ عَن ضَالَّةِ الإِبِلِ فَقَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا، دَعهَا. وذكر نحو ما تقدم.\nــ\nقد اتفقنا على أن لواجدها أخذها، وأكلها. والأصل: أنَّه لا يجوز التصرُّف في ملك الغير؛ فقد تركنا ذلك (١) الأصل، فلا نتمسك به في باب اللقطة؛ لأن الشرع قد سلَّط الملتقط عليها، ولما كانت هذه مآلها الهلاك إن تُركت ولا ضمان؛ كان أكلها لواجدها أولى بغير ضمان؛ لأنَّه انتفع بها رجل مسلم، ولا حجَّة أيضًا في الحديث لأنَّه من رواية عمارة بن حارثة، وليس بالمشهور الرواية، ولو سُلِّم أنه صحيح فلا حجَّة فيه أيضًا؛ لأنَّ ذلك القول إنما صدر عن النبي - ﷺ - جوابًا لمن قال له: أرأيت إن لقيت غنم ابن عمي فأخذت شاة فأجزرتها؛ أعلي في ذلك شيء؟ فأجابه - ﷺ - بذلك. فلم يسأله عن ضالة الغنم، بل عن غنم ابن عمِّه، وذلك عندما قال النبي - ﷺ -: (لا يحل لامرئ من مال أخيه شيء إلا بطيب نفسٍ منه) (٢). فحينئذ سأله عن ذلك، فأجابه بذلك. ويلحق بالغنم عند مالك: ما لا يبقى من الأطعمة، ويخافُ عليه الفساد، وكان بموضع لا ينحفظ فيه، ولا يوجد من يشتريه، فله أكله، ولا ضمان. وضمَّنه الإمامان، كما قدمناه، فإن كان شيء من ذلك قريبًا من العمران، وأمن الهلاك عليه فلا يجوز له أكله، ولا خلاف فيه، فإن شاء أخذها بنيَّة حفظها، وإن شاء تركها على ما تقدم.\nو(قوله في ضالَّة الإبل: ما لك ولها؟) إلى آخر الكلام، وغضبه حين قال ذلك يدلُّ على تحريم التعرُّض لضالَّة الإبل؛ لأنَّها يؤمن عليها الهلاك لاستقلالها بمنافعها. وقد نصّ على ذلك بقوله في الرواية الأخرى: (دعها عنك). ومقتضاه:\n_________\n(١) في (ج ٢): هذا.\n(٢) رواه أحمد (٣/ ٤٢٣ و٥/ ١١٣)، والحاكم (١/ ١٩٣). وانظر: مجمع الزوائد (٤/ ١٧١).","vol":"5","page":189},{"text":"وفي رواية: ثم كلها، فإن جاء صاحبها فأدها إليه.\nرواه البخاريُّ (٣٤٣٦)، ومسلم (١٧٢٢) (٥ و٧)، وأبو داود (١٧٠٦)، والترمذي (١٣٧٣)، والنسائي في الكبرى (٥٨١١)، وابن ماجه (٢٥٠٧).\n* * *\nــ\nالمنع من التصرف فيها مطلقًا، وأن تترك حيث هي. لكن هذا إذا لم تكن بأرض مسبعة. وعلى هذا يدلُّ قوله - ﷺ -: (ضالة المسلم حرق النار) (١). قال العلماء: هكذا كان في أول الإسلام، وعلى ذلك استمر زمن أبي بكر، وعمر، فلمَّا كان زمن عثمان وعلي، وكثر فساد الناس، واستحلالهم: رأوا التقاطها، وضمَّها، والتعريف بها، وهذا كلُّه منهم وفاءً بمقصود هذا الحديث في لقطة الإبل؛ فإن مقصوده: أنها إذا أمن عليها الهلاك، وبقيت بحيث تتمكن مما تعيش به من الأكل والشرب حتى يجيء ربُّها، فيجدها سليمة، فحينئذ لا يتعرَّض لها أحدٌ، فلو تعذر شيء من ذلك، وخِيف عليها الهلاك أو السَّرق؛ التقطت، وحفظت؛ لأنَّها مال مسلم؛ فيجب حفظه، ولا تُؤكل. ولو كانت بالمواضع المنقطعة عن العمران البعيدة؛ لأنَّ سَوقها ممكن، ومؤونتها متيسرة بخلاف الغنم.\nوهل يلحق بها البقر أو بالغنم؟ عندنا في ذلك قولان. فرأى مالك إلحاقها بالغنم لضعفها عن الامتناع عند انفرادها. ورأى ابن القاسم إلحاقها بالإبل إذا كانت بموضع لا يخاف عليها فيه من السِّباع.\nقلت: وكأن هذا تفصيل أحوال، لا اختلاف أقوال. وقد بيَّنَّا: أن مثله جار في الإبل، فالأولى: إلحاقها بها.\nوكذلك اختلف في التقاط الخيل، والبغال، والحمير. وظاهر قول ابن القاسم: أنها تلتقط. وقال أشهب، وابن كنانة: لا تلتقط.\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٨٠).","vol":"5","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-686>(٩) باب الاستظهار في التعريف بزيادة على السنة إذا ارتجى ربَّها</span>\n[١٨١٩] عن سُوَيد بن غَفَلَةَ قَالَ: خَرَجتُ أَنَا وَزَيدُ بنُ صُوحَانَ، وَسَلمَانُ بنُ رَبِيعَةَ غَازِينَ، فَوَجَدتُ سَوطًا، فَأَخَذتُهُ، فَقَالَا لِي: دَعهُ، فَقُلتُ: لَا، وَلَكِنِّي أُعَرِّفُهُ، فَإِن جَاءَ صَاحِبُهُ، وَإِلَّا استَمتَعتُ بِهِ، قَالَ: فَأَبَيتُ عَلَيهِمَا، فَلَمَّا رَجَعنَا مِن غَزَاتِنَا، قُضِيَ لِي أَنِّي حَجَجتُ فَأَتَيتُ المَدِينَةَ، فَلَقِيتُ أُبَيَّ بنَ كَعبٍ، فَأَخبَرتُهُ بِشَأنِ السَّوطِ، وَبِقَولِهِمَا، فَقَالَ: إِنِّي وَجَدتُ صُرَّةً فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَتَيتُ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: عَرِّفهَا حَولًا. قَالَ: فَعَرَّفتُهَا فَلَم أَجِد مَن يَعرِفُهَا، ثُمَّ أَتَيتُهُ فَقَالَ: عَرِّفهَا حَولًا. فَعَرَّفتُهَا، فَلَم أَجِد مَن يَعرِفُهَا، ثُمَّ أَتَيتُهُ فَقَالَ: عَرِّفهَا حَولًا. فَلَم أَجِد مَن يَعرِفُهَا. ثم أتيته فَقَالَ: عَرِّفهَا حَولًا. فعرفتها،\nــ\nو(حذاء الإبل): أخِفافُها. وأصل الحذاء: ما يحتذي به الإنسان من نعال أو غيره. و(السِّقاء) ما يشرب به، فيعني: أن الإبل لا تحتاج إلى شيء مما يحتاج إليه غيرها من المواشي، فإنَّها تمشي حيث شاءت، وتأكل من الأشجار، وترد على الأنهار.\n(٩) ومن باب: الاستظهار في التعريف\nاستدلال أُبي بن كعب بحديث المائة الدينار حيث سُئل عن التقاط السَّوط؛ يدلُّ على أن مذهبه التسوية بين قليل اللقطة وكثيرها في وجوب التعريف بها سَنَةً، وأنَّه يستظهر بعد ذلك بحولين، وهذا لم يقل به أحدٌ في الشيء اليسير. وقد قدمنا: أنَّه لم يأخذ أحد من العلماء بتعريف ثلاثة أعوام إلا شيء روي عن عمر بن الخطاب - ﵁ -، والجمهور على أن التعريف فيما له بال سَنَةً؛ لأنَّ","vol":"5","page":191},{"text":"فَلَم أَجِد مَن يَعرِفُهَا. فقال: احفَظ عَدَدَهَا وَوِعَاءَهَا وَوِكَاءَهَا، فَإِن جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَّا فَاستَمتِع بِهَا. فَلَقِيتُهُ بَعدَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ. فَقَالَ: لَا أَدرِي بِثَلَاثَةِ أَحوَالٍ أَو حَولٍ وَاحِدٍ.\nوفي رواية شُعبَة، قال: فَسَمِعتُهُ بَعدَ عَشرِ سِنِينَ يَقُولُ: عَرَّفَهَا عَامًا وَاحِدًا. وفي أخرى: فَإِن جَاءَ أَحَدٌ يُخبِرُكَ بِعَدَدِهَا وَوِعَائِهَا وَوِكَائِهَا فَأَعطِهَا إِيَّاهُ. وَإِلَّا فَهِيَ كَسَبِيلِ مَالِكَ.\nرواه أحمد (٥/ ١٢٦ و١٢٧)، والبخاري (٢٤٢٦ و٢٤٣٧)، ومسلم (١٧٢٣) (٩ و١٠)، وأبو داود (١٧٠١)، والترمذي (١٣٧٤)، وابن ماجه (٢٥٠٦).\n* * *\nــ\nصاحبها إن كان حاضرًا تنبَّه لها، وتذكرها، وظهر طلبه لها في هذه السَّنَة. وإن كان غائبًا أمكن عوده وطلبها في هذه السَّنة، أو يسمع خبره فيها، فإذا لم يأت بعد السَّنة؛ فالظاهر الغالب: أنَّه هلك، وأن هذا المال ضائع؛ فواجده أولى به، لما تقدم في الشيء الكثير، فأمَّا في الشيء اليسير: فيمكن أن يكون صاحبه تركه استسهالًا واستخفافًا، وأنَّه غير محتاج إليه. وهذا في التمرة والكِسرة واضح، فلا يحتاج إلى تعريف. وألحق بعض أصحابنا أقل من الدرهم بذلك. وأبعد أبو حنيفة فقال: لا تعريف في أقل من ثمانية دراهم. وأبعد من هذا قول إسحاق: إن الدينار لا يحتاج إلى تعريف، تمسُّكًا بحديث علي المتقدم، وقد قدَّمنا: أنَّه لا حجَّة فيه.\nوأمَّا أمره - ﷺ - لأُبَي بزيادة التعريف على سَنَة بسَنَةٍ أو سَنَتين - على اختلاف الرواية فذلك مبالغة، واحتياط على جهة الاستحباب كما تقدم، لا سيما مع استغناء الملتقط عن الانتفاع بها. قالوا: وكذلك كان أُبي - ﵁ - مستغنيًا عنها.\nو(قول شعبة: فسمعته بعد عشر سنين يقول: عَرَّفَهَا عامًا واحدًا) يعني:","vol":"5","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-687>(١٠) باب النهي عن لقطة الحاج وعن أن يحلب أحد ماشية أحد إلا بإذنه</span>\n[١٨٢٠] عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن لقطة الحاج.\nرواه أحمد (٣/ ٤٩٩)، ومسلم (١٧٢٤)، وأبو داود (١٧١٩)، والنسائي في الكبرى (٥٨٠٥).\n[١٨٢١] وعَن زَيدِ بنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ، عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَن آوَى ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ، مَا لَم يُعَرِّفهَا.\nــ\nسلمة بن كُهَيل؛ الذي روى عنه هذا الحديث. يعني: أنَّه لقيه بعد أن سمع الحديث منه بعشر سنين، فأعاد سلمة الحديث، فقال: عَرَّفَها عامًا واحدًا؛ يعني: في الاستظهار، وكأن شعبة شكَّ في عدم الاستظهار. هل هو في سَنَة واحدة؟ فلقيه بعد ذلك بعشر سنين، فسأله، فأخبره: أنه كان عامًا واحدًا، فزال شكه. والله تعالى أعلم.\nومن باب: النَّهي عن لقطة الحاج، وعن أن يَحلِب أحدٌ ماشية أحد إلا بإذنه قد تقدم القول في لقطة الحاجِّ، والخلاف فيها.\nو(قوله: من آوى ضالَّة فهو ضالٌّ، ما لم يُعرِّفها) يعني: أنَّها إذا كانت مِمَّا يعرَّف فلم يعرفها كان ذلك دليلًا على أنَّه قصد الخيانة فيها، وأنَّه إنَّما أخذها لنفسه، لا ليحفظها على صاحبها. وقد قلنا: إن من أخذها وجب عليه أن يأخذها","vol":"5","page":193},{"text":"رواه أحمد (٤/ ١١٦)، ومسلم (١٧٢٥)، والنسائي في الكبرى (٥٨٠٦).\n[١٨٢٢] وعَن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يَحلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذنِهِ،\nــ\nبنيَّة حفظها على مالكها، وأداء الأمانة فيها، وإلا فهو ضالٌّ عن طريق الحق فيها، خائن، آثمٌ.\nو(قوله: لا يحلبن أحدٌ ماشية أحدٍ إلا بإذنه) إنَّما كان هذا لأن أصل الأملاك بقاؤها على ملك مُلَاّكِها، وتحريمها على غيرهم، كما قال - ﷺ -: (إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا) (١)، وكما تقدم من قوله - ﷺ -: (إنَّه لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه) (٢)، إلى غير ذلك. وهذا أصل ضروري معلومٌ من الشرائع كلها. وإنما خصَّ اللَّبن بالذكر لتساهل الناس في تناوله، ولا فرق بين اللَّبن والثمرة وغيرها في ذلك، غير أن العلماء قد اختلفوا فيهما. فذهب الجمهور: إلى أنَّه لا يحل شيء من لبن الماشية، ولا من التمر إلا إذا علم طيب نفس صاحبه به، تمسُّكًا بالأصل المذكور، وبهذا الحديث. وذهب بعض المحدثين: إلى أن ذلك يحل وإن لم يُعلم حال صاحبه؛ لأنَّ ذلك حقٌّ جعله الشرع له، تمسُّكًا بما رواه أبو داود عن الحسن، عن سمرة: أن النبي - ﷺ - قال: (إذا أتى أحدكم على ماشية؛ فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه، فإن أذن له، فليحتلب، وليشرب، وإن لم يكن فيها فليصوِّت ثلاثًا؛ فإن أجابه فليستأذنه، فإن أذن له، وإلا فليحتلب وليشرب ولا يحمل) (٣).\n_________\n(١) رواه مسلم (١٢١٨)، وأبو داود (١٩٠٥)، والنسائي (١/ ٢٩٠)، وابن ماجه (٣٠٧٤).\n(٢) سبق تخريجه (ص ١٨٩).\n(٣) رواه أبو داود (٢٦١٩).","vol":"5","page":194},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوذكره الترمذي عن يحيى بن سليم، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: (من دخل حائطًا فليأكل، ولا يتخذ خبنة) (١). قال: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سُليم. وذكر من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه: أن النبي - ﷺ - سئل عن الثمر المعلَّق فقال: (من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه) (٢). قال فيه: حديث حسن.\nقلت: ولا حجَّة في شيء من هذه الأحاديث لأوجه:\nأحدها: أن التمسك بالقاعدة المعلومة أولى.\nوثانيها: أن حديث النهي أصحُّ سندًا، فهو أرجح.\nوثالثها: أن ذلك محمولٌ على ما إذا علم طيب نفوس أرباب الأموال بالعادة أو بغيرها.\nورابعها: أن ذلك محمول على أوقات المجاعة والضرورة، كما كان ذلك في أول الإسلام. والله تعالى أعلم.\nفرع: لو اضطر فلم يجد ميتة؛ وجب عليه إحياء رمقه من مال الغير. وهل يلزمه قيمة ما أكل أم لا؟ قولان في المذهب، والجمهور على وجوبها عليه إذا أمكنه ذلك، فإن وجد ميتة وطعامًا للغير؛ فإن أمن على نفسه من القطع والضرر أكل الطعام ويغرم قيمته. وقيل: لا يغرم. وإن لم يأمن على نفسه أكل الميتة، قاله مالك.\nغير أنه قد جرت عادة بعض الناس بالمسامحة في أكل بعض الثمر، كما قد\n_________\n(١) رواه الترمذي (١٢٨٧).\n(٢) رواه الترمذي (١٢٨٩).","vol":"5","page":195},{"text":"أَيُحِبُّ أَحَدُكُم أَن تُؤتَى مَشرُبَتُهُ، فَتُكسَرَ خِزَانَتُهُ، فَيُنتَقَلَ طَعَامُهُ؟ فإِنَّمَا تَخزُنُ لَهُم ضُرُوعُ مَوَاشِيهِم أَطعِمَتَهُم، فَلَا يَحلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذنِهِ.\nوفي رواية: (فينتثل) بدل: (فينتقل).\nرواه البخاريُّ (٢٤٣٥)، ومسلم (١٧٢٦)، وأبو داود (٢٦٢٣)، وابن ماجه (٢٣٠٢).\n* * *\nــ\nاتفق في بعض بلادنا، وفي شرب بعض لبن الماشية، كما كان ذلك في أهل الحجاز، فيكون استمرار العادة بذلك وترك النكير فيه دليلًا على إباحة ذلك، ولذلك شرب النبي - ﷺ -، وأبو بكر - ﵁ - من لبن غنم الراعي في طريق الهجرة، ويمكن أن تُحمل الأحاديث المتقدمة على العادة الجارية عندهم في اللبن والثمرة.\nو(قوله: أيحبُّ أحدكم أن تؤتى مشربته، فتكسر خزانته، فينتقل طعامه). المشربة: سقيفة يختزن فيها الطعام. وقيل: هي كالغرفة، وتقال بضم الراء وفتحها.\nفيه من الفقه: استعمال القياس، وإباحة خزن الطعام واحتكاره إلى وقت الحاجة، خلافًا لغلاة المتزهدة القائلة: لا يجوز الادِّخار مطلقًا.\nو(يُنتقل طعامُه) معناه: يؤخذ وينقل إلى موضع آخر. وهو معنى: (يُنتَثَل) في الرواية الأخرى، إلا أنَّ النَّثل: النثر بمرةٍ واحدة. يقال: نَثَلَ ما في كنانته؛ أي: صبَّها.\nو(قوله: فإنما تُخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم) ظاهر تشبيه ضرع الماشية بالخزانة يقتضي: أن من حلب ماشية أحد في خفية، وكان قيمة ما حلب نصابًا قُطِعَ، كما يُقطع مَن أخذه من خزانته، فيكون ضرع الماشية حرزًا. وقد قال به بعض العلماء. فأمَّا مالك: فلم يقل به، إلا إذا كانت الغنم (١) في حرز.\nوفيه من\n_________\n(١) في (م ١) و(م ٢): الماشية.","vol":"5","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-688>(١١) باب الأمر بالضيافة والحكم فيمن منعها</span>\n[١٨٢٣] عَن أَبِي شُرَيحٍ العَدَوِيِّ الخزاعي أَنَّهُ قَالَ: سَمِعَت أُذُنَايَ، وَأَبصَرَت عَينَايَ حِينَ تَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَن كَانَ يُؤمِنُ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَليُكرِم ضَيفَهُ جَائِزَتَهُ.\nــ\nالفقه: تسمية اللَّبن طعامًا. فمن حلف ألا يأكل طعامًا؛ فشرب لبنًا؛ حنث، إلا أن يكون له نيَّةٌ في نوع من الأطعمة.\nوفيه حجَّة لمن منع بيع الشاة اللبون باللَّبن إذا كان في ضرعها لبن حاضر. وهو مذهب مالك والشافعي. فإن لم يكن فيها لبن حاضر أجازه مالك نقدًا، ومنعه إلى أجل. واختلف أصحابه، فحمله جلُّتهم على عمومه. وقال بعضهم: إنَّما هذا إذا قدَّم الشاة، فلو كانت هي المؤخرة جاز، وأجاز بيعها بالطعام نقدًا، وإلى أجل. وأجاز الأوزاعي شراءها باللبن وإن كان في ضرعها لبن. ورآه لغوًا وتابعًا. ولم يجز الشافعي ولا أبو حنيفة بيعها بطعام إلى أجلٍ.\n(١١) ومن باب الأمر بالضيافة والحكم فيمن منعها\nقوله: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته) قد تقدم القول في حكم الضيافة، وأن الأمر بها عند الجمهور على جهة الندب، لأنَّها من مكارم الأخلاق، إلا أن تتعين في بعض الأوقات بحسب ضرورة أو حاجة، فتجب حينئذ.\nوقد أفاد هذا الحديث: أنها من أخلاق المؤمنين، ومما لا ينبغي لهم أن يتخلَّفوا عنها، لما يحصل عليها من الثواب في الآخرة، ولما يترتب عليها في الدنيا","vol":"5","page":197},{"text":"قَالَوا: وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ ! قَالَ: يَومُهُ وَلَيلَتُهُ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ،\nــ\nمن إظهار العمل بمكارم الأخلاق، وحُسن الأحدوثة الطيبة (١)، وطيب الثناء، وحصول الرَّاحة للضيف المتعوب بمشقَّات السَّفر، المحتاج إلى ما يخفف عليه ما هو فيه من المشقَّة، والحاجة.\nولم تزل الضيافة معمولًا بها في العرب من لدن إبراهيم - ﷺ -؛ لأنَّه أول من ضيَّف الضيف. وعادة مستمرة فيهم، حتى إنَّ من تركها يُذَمُّ عُرفًا، ويُبَخَّلُ ويُقَبَّحُ عليه عادة، فنحن وإن لم نقل: إنَّها واجبة شرعًا فهي متعيِّنة لما يحصل منها من المصالح، ويندفع بها من المضار عادة وعُرفًا.\nو(الجائزة): العطية. يقال: أجزته جائزة، كما تقول: أعطيته عطية. و(جائزته) هنا منصوبة، إما على إسقاط لفظ حرف الجر، فكأنه قال: فليكرم ضيفه بجائزته. وإما بأن يُشرِبَ (فليكرم) معنى: (فليُعط)، فيكون مفعولا ثانيًا لـ (يكرم).\nو(قوله: وما جائزته؟) استفهام عن مقدار الجائزة، لا عن حقيقتها، ولذلك أجابهم بقوله: (يومه وليلته) أي: القيام بكرامته في يومه وليلته؛ أي: أقل ما يكون هذا القدر، فإنَّه إذا فعل هذا حصلت له تلك الفوائد.\nو(قوله بعد ذلك: والضيافة ثلاثة أيام) يعني بها بالكاملة التي إذا فعلها المضيف فقد وصل إلى غاية الكمال، وإذا أقام الضيف إليها لم يلحقه ذمٌّ بالمقام فيها؛ فإن العادة الجميلة جاريةٌ بذلك. وأمَّا ما بعد ذلك فخارج عن هذا كله، وداخل في باب: إدخال المشقات والكُلَف على المُضيِّف، فإنَّه يتأذى بذلك من أوجه متعددة. وهو المعني بقوله - ﷺ -: (ولا يحل له أن يقيم عنده حتى يؤثمه) أي: حتى يشق عليه، ويثقل، لا سيما مع رقة الحال، وكثرة الكلف.\nوقيل: معنى\n_________\n(١) من (ج ٢).","vol":"5","page":198},{"text":"فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَيهِ. وَقَالَ: مَن كَانَ يُؤمِنُ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَليَقُل خَيرًا أَو لِيَصمُت.\nرواه أحمد (٤/ ٣١) و(٦/ ٣٨٥)، والبخاريُّ (٦٠١٩ و٦٤٧٦)، ومسلم (٤٨) في اللقطة (١٤)، وأبو داود (٣٧٤٨)، والترمذيُّ (١٩٦٧)، وابن ماجه (٣٦٧٥).\n[١٨٢٤] وعنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَجَائِزَتُهُ يَومٌ وَلَيلَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ مُسلِمٍ أَن يُقِيمَ عِندَ أَخِيهِ حَتَّى يُؤثِمَهُ. قَالَوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيفَ يُؤثِمُهُ؟ قَالَ: يُقِيمُ عِندَهُ وَلَا شَيءَ لَهُ يَقرِيهِ بِهِ.\nرواه أحمد (٤/ ٣١) و(٦/ ٣٨٥)، والبخاريُّ (٦١٣٥)، ومسلم (٤٨) في اللقطة (١٥ و١٦)، وأبو داود (٣٧٤٨)، والترمذيُّ (١٩٦٨)، وابن ماجه (٣٦٧٥).\nــ\n(يؤثمه): يحرجه، فيقع في الإثم. وقد جاء ذلك مفسَّرًا في بعض الروايات: (حتى يحرجه). فإن تحمَّل المضيِّف شيئا من ذلك؛ فهو صدقة منه على الضيف، فحقُّه أن يأنف منها، ولا يقبلها، لا سيما إن لم يكن أهلًا لها، فإنَّها تحرم عليه.\nوقيل: معنى قوله: (جائزته يوم وليلة) أن ذلك حق المجتاز، ومن أراد الإقامة فثلاثة أيام.\nو(جائزته) هنا: مرفوعٌ بالابتداء، وخبره: (يوم وليلة). وقيل: الجائزة غير الضيافة، يضيفه ثلاثة أيام، ثم يعطيه ما يجوز به مسافة يوم وليلة. قال الهروي: والجيزة: قدر ما يجوز به المسافر من منهل إلى منهل. وما ذكرناه أولى للمساق والمعنى.\nو(قوله: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت) يعني: أن المصدِّق بالثواب والعقاب المُترتبين على الكلام في الدَّار الآخرة لا يخلو من","vol":"5","page":199},{"text":"[١٨٢٥] وعَن عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ أَنَّهُ قَالَ: قُلنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّكَ تَبعَثُنَا، فَنَنزِلُ بِقَومٍ ولَا يَقرُونَنَا، فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِن نَزَلتُم بِقَومٍ فَأَمَرُوا لَكُم بِمَا يَنبَغِي لِلضَّيفِ فَاقبَلُوا، فَإِن لَم يَفعَلُوا، فَخُذُوا مِنهُم حَقَّ الضَّيفِ الَّذِي يَنبَغِي لَهُم.\nرواه أحمد (٤/ ١٤٩)، والبخاريُّ (٢٤٦١)، ومسلم (١٧٢٧)، وأبو داود (٣٧٥٢)، والترمذي (١٩٨٥)، وابن ماجه (٣٦٧٦).\n* * *\nــ\nإحدى الحالتين. إما أن يتكلَّم بما يحصل له ثوابًا وخيرًا فيغنم، أو يسكت عن شيء يجلب له عقابًا وشرًّا فيسلم. وعلى هذا: فتكون (أو) للتنويع والتقسيم. وقد أكثر الناس في تفصيل آفات الكلام، وهي أكثر من أن تدخل تحت حصر ونظام.\nوحاصل ذلك: أن آفات اللسان أسرع الآفات للإنسان، وأعظمها في الهلاك والخسران. فالأصل: ملازمة الصمت إلى أن تتحقق السلامة من الآفات، والحصول على الخيرات، فحينئذ تخرج تلك الكلمة مخطومة وبأزمَّة التقوى مزمومة. والله الموفق.\nو(قوله: إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا) هذا أمر على جهة النَّدب للضيف بالقبول. فحقه ألا يُرَّد لما فيه مِمَّا يؤدي إلى أذى المضيف بالامتناع من إجابة دعوته، وغمِّ قلبه بترك أكل طعامه، ولأنه ترك العمل بمكارم الأخلاق. وقد قال - ﷺ -: (إذا دعي أحدكم إلى طعامٍ فليجب - عرسًا كان أو غيره -) (١).\nو(قوله: فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف) هذا مما استدلَّ به الليث\n_________\n(١) رواه مسلم (١٤٢٩) (١٠٠) من حديث ابن عمر.","vol":"5","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-689>(١٢) باب الأمر بالمواساة بالفضل وجمع الأزواد إذا قلت</span>\n[١٨٢٦] عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ قَالَ: بَينَمَا نَحنُ فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، إِذ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ، قَالَ: فَجَعَلَ يضرب يَمِينًا وَشِمَالًا،\nــ\nعلى وجوب الضيافة. وهو ظاهرٌ في ذلك، غير أن هذا محمولٌ على ما كان في أول الإسلام من شدَّة الأمر، وقلَّة الأزواد، فقد كانت السَّرية يخرجها النبي - ﷺ - ولا يجد لها إلا مِزوَدَي تمر. فكان أمير السَّرية يقوتهم إيَّاه، كما قد اتفق في جيش أبي عبيدة، وسيأتي.\nوإذا وجب التضييف كان للضيف طلب حقه شرعًا، وإن لم يكن الحال هكذا فيحتمل أن يكون هذا الحق المأمور بأخذه هو حقُّ ما تقتضيه مكارم الأخلاق، وعادات العرب، كما قررناه، فيكون هذا الأخذ على جهة الحضِّ والترغيب بإبداء ما في الضيافة من الثواب والخير، وحُسن الأحدوثة، ونفي الذمِّ، والبخل، لا على جهة الجبر والقهر؛ إذ الأصل ألا يحلَّ مالُ امرئ مسلم إلا بطيب قلبه، ويحتمل أن يراد بالقوم الممرور بهم أهل الذمة، فينزل بهم الضيف، فيمنعونه ما قد جعل عليهم من التضييف، فهؤلاء يؤخذ منهم ما جعل عليهم من الضيافة على جهة الجبر من غير ظلمٍ ولا تعدٍّ. وقد رأى مالك سقوط ما وجب عليهم من ذلك لما أحدث عليهم من الظلم. والله تعالى أعلم.\n(١٢) ومن باب: الأمر بالمواساة وجمع الأزواد إذا قلت\n(قوله: جاء رجل على راحلته فجعل يضرب يمينًا وشمالًا) كذا رواه ابن ماهان بالضاد المعجمة، وبالباء الموحدة من تحتها، من الضرب في الأرض؛ الذي يراد به: الاضطراب والحركة، فكأنه كان يجيء بناقته، ويذهب بها فعل المجهود الطالب. وفي كتاب أبي داود: يضرب راحلته يمينًا وشمالًا. وقد رواه العذري فقال: يُصرِّف - بالصاد المهملة والفاء -من الصَّرف، ولم يذكر المصروف","vol":"5","page":201},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن كَانَ مَعَهُ فَضلُ ظَهرٍ فَليَعُد بِهِ عَلَى مَن لَا ظَهرَ لَهُ، وَمَن كَانَ لَهُ فَضلٌ مِن زَادٍ فَليَعُد بِهِ عَلَى مَن لَا زَادَ لَهُ. قَالَ: فَذَكَرَ مِن أَصنَافِ المَالِ مَا ذَكَرَ، حَتَّى رئينَا: إنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضلٍ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٤)، ومسلم (١٧٢٨)، وأبو داود (١٦٦٣).\n[١٨٢٧] وعن إِيَاس بن سَلَمَةَ، عَن أَبِيهِ قَالَ: خَرَجنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزوَةٍ، فَأَصَابَنَا جَهدٌ، حَتَّى هَمَمنَا أَن نَنحَرَ بَعضَ دوابنا، فَأَمَرَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ، فَجَمَعنَا أزَوَادَنَا، فَبَسَطنَا لَهُ نِطَعًا، فَاجتَمَعَ زَادُ القَومِ عَلَى\nــ\nما هو؟ وقد رواه السَّمرقندي والصدفي كذلك، وبيَّنوا المصروف، فقالوا: يصرف بصره يمينًا وشمالًا. يعني: كان يقلب طرفه فيمن يعطيه ما يدفع عنه ضرورته. ولا تباعد بين هذه الروايات؛ إذ قد صدر من الرجل كل ذلك، ولما رآه النبي - ﷺ - على تلك الحال أمر كل من كان عنده زيادة على قدر كفايته أن يبذله، ولا يمسكه، وكان ذلك الأمر على جهة الوجوب لعموم الحاجة، وشدَّة الفاقة؛ ولذلك قال الصحابي: حتى رئينا: أنَّه لا حق لأحد منا في فضل؛ أي: في زيادة على قدر الحاجة. وهكذا الحكم إلى يوم القيامة؛ مهما نزلت حاجة، أو مجاعة، في السَّفر، أو في الحضر، وجبت المواساة بما زاد على كفاية تلك الحال، وحرم إمساك الفضل.\nو(قوله: حتى رئينا) هكذا وقعت هذه الرواية بضم الراء وكسر ما بعدها مبنيًا لما لم يسم فاعله؛ أي: أظهر لنا. وفي بعض النسخ: (رأينا) مبنيًا للفاعل. وفي بعضها: حتى قلنا. من القول بمعنى الظن، كما قال الشاعر (١):\nمتى تقول القُلُصَ الرَّواسِمَا ... يُدنِين أُمَّ قاسمٍ وقاسما؟\nو(قوله: فجمعنا أزوادنا): هذه الرواية الواضحة المحفوظة. وقد وقع\n_________\n(١) هو هُدْبة بن خشرم.","vol":"5","page":202},{"text":"النِّطَعِ، قَالَ: فَتَطَاوَلتُ لِأَحزِرَهُ كَم هُوَ، فَحَزَرتُهُ كَرَبضَةِ العَنزِ، وَنَحنُ أَربَعَ عَشرَةَ مِائَةً، قَالَ: فَأَكَلنَا حَتَّى شَبِعنَا جَمِيعًا، ثُمَّ حَشَونَا جُرُبَنَا، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: فَهَل مِن وَضُوءٍ؟ . قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ بِإِدَاوَةٍ، وفِيهَا نُطفَةٌ، فَأَفرَغَهَا فِي قَدَحٍ، فَتَوَضَّأنَا كُلُّنَا، نُدَغفِقُهُ دَغفَقَةً، أَربَعَ عَشرَةَ مِائَةً. قَالَ: ثُمَّ جَاءَ بَعدَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةٌ، فَقَالَوا: هَل مِن طَهُورٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَرِغَ الوَضُوءُ.\nرواه مسلم (١٧٢٩).\n* * *\nــ\nلبعضهم: (تزوادنا) بالتاء باثنتين من فوقها، بفتح التاء وكسرها، وهو اسم من الزاد؛ كالتِّسيار، والتمثال. ووقع لبعضهم: (مزاودنا)، والأول أوجه، وأصح.\nو(قوله: فحزرته كربضة العَنز) أي: قدرته مثل جُثَّة العنز، فحقُّه على هذا أن يكون مضموم الراء؛ لأنَّه اسم. وكذلك حفظي عمَّن أثق به. فيكون: كـ (ظلمة) و(غرفة). وقد روي بكسر الراء، ذهب فيه مذهب الهيئات، كـ (الجلسة)، و(المشية). وقد روي بفتح الراء، وهي أبعدُها؛ لأنَّه حينئذ يكون مصدرًا، ولا يُحزَر المصدر، ولا يُقدَّر.\nو(النُّطفة): القطرة، ومراده بها هنا: القليل من الماء. يقال: نطف الماء ينطف؛ أي: قطر.\nو(ندغفقه دغفقة) أي: نأخذ منه ونصب على أيدينا صبًّا شديدًا.\nو(الجُرُبُ): جمع جراب، وهي الأوعية التي يجعل فيها الزاد. وتسمى أيضًا: مزاوِد.\nوهذا الحديث قد اشتمل على معجزتين من معجزات النبي - ﷺ - في الطعام والشراب. وقد وقع ذلك منه مرات كثيرة. وروي من طرق عديدة، ووقع منه في جموع كثيرة، ومشاهد عظيمة؛ فهي من معجزاته المتواترة، وكراماته المتظاهرة، وقد بيَّنَّا ذلك في كتابنا في الردِّ على النصارى.","vol":"5","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-690>(٢٥) كتاب الصيد والذبائح وما يحل أكله من الحيوان وما لا يحل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-691>(١) باب الصيد بالجوارح وشروطها</span>\n[١٨٢٨] عَن عَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرسِلُ\nــ\n(٢٥) كتاب الصيد\nالأصلُ في جواز الصيد على الجملة: الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة.\nفأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَسأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُم قُل أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمتُم مِنَ الجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾؛ أي: وصيد ما علَّمتم، الآية. وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيءٍ مِنَ الصَّيدِ﴾ وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُم صَيدُ البَحرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُم وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ الآية.\nوأما السُّنة: فصحيحها الأحاديث الآتية.\nوأما الإجماع: فمعلومٌ.\nوالصيد: ذكاة في المتوحش طبعًا، غير المقدور عليه، المأكول نوعه. والنظر فيه: في الصائد، والمصيد، والآلة التي يصاد بها. ولكل منها شروط يأتي ذكرها أثناء النظر في الأحاديث إن شاء الله تعالى.","vol":"5","page":204},{"text":"الكِلَابَ المُعَلَّمَةَ فَيُمسِكنَ عَلَيَّ، وَأَذكُرُ اسمَ اللَّهِ عَلَيهِ. فَقَالَ: إِذَا أَرسَلتَ كَلبَكَ المُعَلَّمَ؛\nــ\n(١ و٢) ومن باب: الصيد بالجوارح وشروطها (١)\nقوله: (إذا أرسلت كلبك المعلَّم) تعليم الكلب وغيره مما يصاد به هو: تأديبه على الصيد، بحيث يأتمر إذا أمر، وينزجر إذا زُجِر. ولا يختلف في هذين الشرطين في الكلاب وما في معناها من سباع الوحوش.\nواختلف فيما يصاد به من الطير. فالمشهور: أن ذلك مشترطٌ فيها. وذكر ابن حبيب: أنه لا يشترط أن تنزجر إذا زُجِرَت؛ فإنَّه لا يتأتى ذلك فيها غالبًا. فيكفي أنها إذا أمرت أطاعت.\nقلت: والوجود يشهد للجمهور، بل الذي لا ينزجر نادرٌ فيها، وقد شرط الشافعي، وجمهور من العلماء في التعليم أن يمسك على صاحبه، ولا يأكل منه شيئًا. ولم يشترطه مالك في المشهور عنه، وسيأتي.\nوقد ألحق الجمهور بالكلب كلَّ حيوان مُعَلَّم يتأتى به الاصطياد تمسُّكًا بالمعنى، وبما رواه الترمذي عن عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن صيد البازي فقال: (ما أمسك عليك فَكُل) (٢) على أن في إسناده مجالدًا، ولا يُعرف إلا من حديثه، وهو ضعيف. والمعتمد: النظر إلى المعنى، وذلك أن كل ما يتأتى من الكلب يتأتى من الفهد مثلًا، فلا فارق إلا فيما لا مدخل له في التأثير، وهذا هو القياس في معنى الأصل، كقياس السيف على المِديَة؛ التي ذبح النبي - ﷺ - بها، وقياس الأَمَة على العبد في سراية العتق.\nوقد خالف في ذلك قوم، وقصروا الإباحة على الكلاب خاصة. ومنهم من يستثني الكلب الأسود، وهو الحسن،\n_________\n(١) ضمَّن المؤلف -﵀- في شرح ما أشكل في هذا الباب، شرحَ ما أشكل في الباب الذي يليه وهو: باب: الصيد بالسهم ومحدد السلاح وإذا غاب الصيد.\n(٢) رواه الترمذي (١٤٦٧).","vol":"5","page":205},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوالنخعي، وقتادة؛ لأنَّه شيطان كما قال النبي - ﷺ -، متمسكين بقوله: (مكلِّبين)، وبأنَّه ما وقع في الصحيح إلا ذكر الكلاب، وهذا لا حجَّة لهم فيه؛ لأنَّ ذكر الكلاب في هذه المواضع إنما كان لأنها الأغلب والأكثر. وأيضًا فإن ذكرها خصوصًا لا يدل على أن غيرها لا يصاد بها؛ لأنَّ الكلب لقب، ولا مفهوم للقب عند جماهير المحققين من الأصوليين، ولم يصر إليه إلا الدَّقاق، وليس هو فيه على توفيق، ولا وفاق. ولو صحَّ زعمه ذلك لكفر من قال: عيسى رسول الله؛ فإنَّه كان يلزم منه بحسب زعمه: أن محمدًا وغيره من الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - ليس رسولًا.\nوفي (قوله - ﷺ -: إذا أرسلت) ما يدلُّ على أن الإرسال لا بدَّ أن يكون من جهة الصائد، ومقصودًا له؛ لأنَّ أفعل فعل الفاعل كأَخرَج، وأَكرم، ثم هو فعل عاقل، فلا بدَّ أن يكون مفعولًا لغرض صحيح، وفيه مسألتان:\nالأولى: أن يقصد الصائد عند الإرسال قصد التذكية والإباحة، وهذا لا يختلف فيه، فلو قصد مع ذلك اللهو؛ فكرهه مالك، وأجازه ابن عبد الحكم. وهو ظاهر قول الليث: ما رأيت حقًّا أشبه بباطل منه. يعني: الصيد. فأما لو فعله بغير نيَّة التذكية: فهر حرام؛ لأنَّه من باب الفساد وإتلاف نفس حيوان بغير منفعة. وقد نهى رسول الله - ﷺ - عن قتل الحيوان إلا لمأكلة.\nالثانية: لا بدَّ أن يكون انبعاثُ الكلب بإرسالٍ من يد الصائد، بحيث يكون زمامه بيده [فيُخلِّي عنه، ويُغرِيه عليه، فينبعثُ، أو يكون الجارح ساكنًا مع رؤية الصيد، فلا يتحرَّك له إلا بإغراء الصائد. فهذا بمنزلة ما زمامه بيده] (١) فأطلقه مُغريًا له على أحد القولين. فأما لو انبعث الجارح من تلقاء نفسه من غير إرسال،\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"5","page":206},{"text":"وَذَكَرتَ اسمَ اللَّهِ عَلَيهِ فَكُل.\nــ\nولا إغراء: فلا يجوز صيده، ولا يحل أكله؛ لأنَّه إنَّما صاد لنفسه، وأمسك عليها، ولا صُنعَ للصائد فيه، فلا يُنسبُ إليه إرساله؛ لأنَّه لا يصدق عليه: (إذا أرسلت كلبك المعلم). ولا خلاف في هذا فيما علمته.\nو(قوله: وذكرت اسم الله)، وفي الأخرى: (واذكر اسم الله) على الأمر.\nوظاهر هذا: أنه لا بدَّ من التسمية بالقول عند الإرسال، فلو لم توجد على أي وجه كان لم يؤكل الصيد. وهو مذهب أهل الظاهر، وجماعة أهل الحديث، ويعضدهم ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلا تَأكُلُوا مِمَّا لَم يُذكَرِ اسمُ اللَّهِ عَلَيهِ﴾\nوذهب طائفة من أصحابنا، وغيرهم: إلى أنه يجوز أكل ما صاد المسلم وذبحه، وإن ترك التسمية عمدًا. وحملوا الأمر بالتسمية على الندب، وكأنهم حملوا هذه الظواهر على ذكر اسم الله بالقلب، وهو لا يخلو عنه المسلم غالبًا، فإنَّه إذا نوى التذكية فقد ذكر الله تعالى بقلبه، فإن معنى ذلك: القصد إلى فعل ما أباحه الله تعالى على الوجه الذي شرعه الله، وهذا كما قاله بعض العلماء في قوله - ﷺ -: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) (١) أي: من لم ينو، وأصل هذا: أن الذِّكر إنما هو التنبه بالقلب للمذكور، ثم سمي القول الدال على الذكر: ذكرًا، ثم اشتهر ذلك حتى صار السابق إلى الفهم من الذكر: القول اللِّساني. فأما الآية: فمحمولة على أن المراد بها ذبائح المشركين، كما هو أشهر أقوال المفسرين وأحسنها. وذهب مالك في المشهور عنه إلى الفرق بين ترك التسمية عمدًا، أو سهوًا، فقال: لا تؤكل مع العمد، وتؤكل مع السهو. وهو قول كافة فقهاء الأمصار، وأحد قولي الشافعي.\nثم اختلف أصحاب مالك في تأويل قوله:\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٠١ و١٠٢).","vol":"5","page":207},{"text":"قُلتُ: وَإِن قَتَلنَ؟ قَالَ: وَإِن قَتَلنَ، مَا لَم يَشرَكهَا كَلبٌ لَيسَ مَعَهَا.\nــ\n(لا يؤكل)، فمنهم من قال: تحريمًا، ومنهم من قال: كراهةً. ووجه الفرق: أن الناسي غير مكلَّف بما نسيه، ولا مؤاخذة عليه، فلا يؤثر نسيانه بخلاف العامد.\nو(قوله: وإن قَتَلن) هذا لا يختلف فيه أن قتل الجوارح للصيد ذكاة إذا كان قتلها بِتَخلِيب، أو تَنيِيب، فأما لو قتله صدمًا، أو نطحًا: فلا يؤكل عند ابن القاسم. وبه قال أبو حنيفة. وقال أشهب: يؤكل. وهو قول أحد قولي الشافعي. وسبب الخلاف: هل صدم الجارح له، أو نطحه كالمعراض إذا أصاب بعرضه، أم لا؟ فشبهه ابن القاسم به؛ فمنع، وفرَّق الآخرون: بأن الجوارح حيوان، وقد أمسك على صاحبه، وقد قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمسَكنَ عَلَيكُم﴾ وليس كذلك المعراض؛ فإنَّه لا يقال فيه: أمسك عليك.\nقلت: وهذا الفرق لفظي لا فقه فيه، فإن المِعرَاض، وإن لم يُقل فيه: أمسك عليك؛ لكنه يقال فيه: أمسك - مُطلقًا -؛ لأنَّه لما أصاب الصيد وقتله فقد أمسكه، والأفقه: قول ابن القاسم، والله أعلم.\nفأما لو مات الصيد فزعًا، أو دهشًا، ولم يكن للجوارح فيه فعل: فلا يختلف في أنه لا يؤكل فيما علمت.\nو(قوله: فإن أدركته حيًّا فاذبحه) هذا يدلُّ على أن المقدور عليه لا تكون ذكاته العقر، بل الذبح، أو النحر. وعلى هذا: فيجب على الصائد إذا أرسل الجوارح أن يجتهد في الجري مُهيِّئًا لآلة الذبح؛ فإنَّه إن فرَّط في شيء من ذلك حتى هلك الصيد بين يدي الجوارح لم يجز أكله؛ لأنَّه لما أمسكته الجوارح صار مقدورًا عليه. والصائد لو لم يُفرط كان متمكنًا من ذبحه، فإن أدركه الصائد منفوذ المقاتل فحكمه حكم المقتول؛ لأنَّه ميؤوس من بقائه. إلا أن مالكًا استحب ذكاته مراعاة للخلاف. هذا هو مشهور قوله.\nو(قوله: ما لم يشركها كلب ليس معها)، وفي أخرى: (فإن خالطها","vol":"5","page":208},{"text":"قُلتُ لَهُ: فَإِنِّي أَرمِي بِالمِعرَاضِ الصَّيدَ فَأُصِيبُ؟ فَقَالَ: إِذَا رَمَيتَ بِالمِعرَاضِ فَخَزَقَ فَكُلهُ، وَإِن أَصَابَهُ بِعَرضِهِ فَلَا تَأكُلهُ.\nوفي رواية: فإنه وقيذ فلا تأكله.\nرواه أحمد (٤/ ٢٥٨)، والبخاري (٥٤٧٧)، ومسلم (١٩٢٩) (١ و٣)، والترمذي (١٤٦٥)، والنسائي (٧/ ١٨٠)، وابن ماجه (٣٩٥).\nــ\nكلاب من غيرها فلا تأكل)، وفي الأخرى: (وإن وجدت مع كلبك كلبًا غيره وقد قتل، فلا تأكل، فإنك لا تدري أيهما قتله) هذه الروايات وإن اختلفت ألفاظها فمعناها واحد. وهذا الاختلاف يدل: على أنهم كانوا ينقلون بالمعنى. وتفيد هذه الروايات: أن سبب إباحة الصيد الذي هو عَقرُ الجارح له لا بدَّ أن يكون متحققًا غير مشكوك فيه، ومع الشكِّ لا يجوز الأكل. وهذا الكلب المخالط محمول على أنه غير مرسل من صائد آخر، وأنه إنما انبعث في طلب الصيد بطبعه ونفسه. ولا يختلف في هذا. فأما لو أرسله صائدٌ آخر على ذلك الصيد فاشترك الكلبان فيه: فإنَّه للصائدين؛ يكونان شريكين. فلو أنفذ أحد الكلبين مقاتله، ثم جاء الآخر، فهو للذي أنفذ مقاتله.\nو(قوله: فإني أرمي بالمعراض). قال أبو عبيد: المعراض: سهم لا ريش فيه، ولا نصل. وقال غيره: المعراض: خشبة ثقيلة، أو عصا غليظة في طرفها حديدة، وقد تكون بغير حديدة، غير أنها محدَّدُ طرفها. وهذا التفسير أولى من تفسير أبي عبيد، وأشهر.\nو(قوله: إذا رميت بالمعراض فخزق فكل، وإن أصابه بعرضه فلا تأكله فإنَّه وقيذٌ) معنى خزق: خرق ونفذ. والعرض: خلاف الطول. والوقيذ: الموقوذ؛ أي: المضروب بالعصا حتى يموت. وبه فسر قوله تعالى: ﴿وَالمَوقُوذَةُ﴾","vol":"5","page":209},{"text":"[١٨٢٩] وعنه: قَالَ: سَأَلتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قُلتُ: إِنَّا قَومٌ نَصِيدُ بِهَذِهِ الكِلَابِ، فَقَالَ: إِذَا أَرسَلتَ كِلَابَكَ المُعَلَّمَةَ، وَذَكَرتَ اسمَ اللَّهِ عَلَيهَا\nــ\nوبظاهر هذا الحديث قال جمهور العلماء من السلف والخلف. وقد شذَّ مكحول، والأوزاعي، فأباحا أكل ما أصاب المعراض بعرضه. وهو قول مردودٌ بالكتاب والسُّنَّة؛ لأنَّه مخالف لنصوصهما.\nو(قوله: وإن رميت بسهمك فاذكر اسم الله) هذا دليلٌ على جواز الصيد بمحدَّد السلاح، وكذلك قوله في المعراض: (إذا أصاب بحدِّه فكل)، وكذلك قوله تعالى: ﴿تَنَالُهُ أَيدِيكُم وَرِمَاحُكُم﴾ ولا خلاف فيه.\nو(قوله: فإن غاب عنك يومًا، فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل)، ونحوه في حديث أبي ثعلبة، غير أنه زاد: (فكله بعد ثلاث ما لم ينتن). وإلى الأخذ بظاهر هذه الأحاديث صار مالك في أحد أقواله، وسوى بين السَّهم والكلب.\nوالقول الثاني: إنه لا يؤكل شيء من ذلك إذا غاب عنك.\nوالقول الثالث: الفرق بين السَّهم، فيؤكل، وبين الكلب فلا يؤكل. ووجهه: أن السهم يقتل على جهة واحدة فلا يُشكل، والجارح على جهات متعدِّدة فيُشكل. والقول الثاني أضعفها.\nو(قوله: ما لم يُنتِن) اختلف العلماء في تعليل هذا المنع، فمنهم من قال: إذا أنتن لحق بالمستقذرات التي تمجُّها الطِّباع، فيكره أكلها تنزيهًا، فلو أكلها لجاز، كما قد أكل النبي - ﷺ - الإهالة السنخة (١)، وهي المنتنة. ومنهم من قال: بل هو مُعلَّلٌ بما يخاف منه الضرر على آكله. وعلى هذا التعليل يكون أكله محرَّمًا؛ إن كان الخوف محققًا. وقيل: إن ذلك النتن يمكن أن يكون من نهش ذوات السُّموم. قال ابن شهاب: كُل مما قتل إلا أن يَنعَطِن، فإذا انعَطَن فإنَّه نهشٌ. وفسَّروا\n_________\n(١) ذكره ابن الأثير في النهاية (٢/ ٤٠٨).","vol":"5","page":210},{"text":"فَكُل مِمَّا أَمسَكنَ عَلَيكَ وَإِن قَتَلنَ، إِلَّا أَن يَأكُلَ الكَلبُ، فَإِن أَكَلَ فَلَا تَأكُل، فَإِنِّي أَخَافُ أَن يَكُونَ إِنَّمَا أَمسَكَ عَلَى نَفسِهِ، وَإِن خَالَطَهَا كِلَابٌ مِن غَيرِهَا فَلَا تَأكُل.\nوفي رواية: فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره.\nرواه مسلم (١٩٢٩) (٢ و٣).\n* * *\nــ\n(ينعطن) بأنَّه إذا مُدَّ تَمَرَّط. قال ابن الأعرابي: إهاب معطون، وهو الذي تَمَرَّط شعره (١).\nو(قوله: وإن وجدته غريقًا في الماء، فلا تأكل، فإنك لا تدري الماء قتله، أو سهمك؟) هذا محمله على الشك المحقق في السبب القاتل للصيد، والشك: تردد بين مُجوّزين لا ترجيحَ لأحدهما على الآخر، فما كان كذلك لم يؤكل، وأما لو تحقق أن سهمه أنفذ مقاتله، ثم وقع في الماء، أو سقط من الهواء، أو ما شاكل ذلك، فإنَّه يؤكل. وهو مذهب الجمهور: مالك، والشافعي، وغيرهما. وقد روى ابن وهب عن مالك كراهة ذلك على ما حكاه ابن المنذر، وهي من جهة الورع، والله أعلم.\nوقوله - ﷺ -: (إلا أن يأكل الكلب، فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه) بهذا قال الجمهور من السلف وغيرهم، منهم: ابن عباس، والزهري، وأبو هريرة، والشعبي، وسعيد بن جبير، والنخعي، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة، وقتادة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، والنعمان.\n_________\n(١) جاء في حاشية (ل ١): قال ابن القطاع: عَطَنْتَ الإهابَ عَطْنًا: غممته لينتثر صوفه.\nوعَطِن الجلدُ عَطَنًا: تغيَّرتْ ريحُه.","vol":"5","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-692>(٢) باب الصيد بالسهم ومحدد السلاح وإذا غاب الصيد</span>\n[١٨٣٠] عَن عَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: إِذَا أَرسَلتَ كَلبَكَ، فَاذكُر اسمَ اللَّهِ، فَإِن أَمسَكَ عَلَيكَ فَأَدرَكتَهُ حَيًّا فَاذبَحهُ، وَإِن أَدرَكتَهُ قَد قَتَلَ وَلَم يَأكُل مِنهُ فَكُلهُ، وَإِن وَجَدتَ مَعَ كَلبِكَ كَلبًا غَيرَهُ وَقَد قَتَلَ، فَلَا تَأكُل، فَإِنَّكَ لَا تَدرِي أَيُّهُمَا قَتَلَهُ، وَإِن رَمَيتَ سَهمَكَ فَاذكُر اسمَ اللَّهِ، فَإِن غَابَ عَنكَ يَومًا فَلَم تَجِد فِيهِ إِلَّا أَثَرَ سَهمِكَ فَكُل إِن شِئتَ، وَإِن وَجَدتَهُ غَرِيقًا فِي المَاءِ فَلَا تَأكُل.\nــ\nوذهبت طائفة أخرى إلى جواز أكل ما أكل الكلب منه. منهم: ابن عمر، وسعد بن مالك، وسلمان، وبه قال مالك، متمسكين بحديث أبي ثعلبة الخشني الذي خرجه أبو داود وغيره. قال فيه الرسول - ﷺ -: (إذا أرسلت كلبك المعلَّم، وذكرت اسم الله فكل، وإن أكل منه). وقد روي مثل حديث أبي ثعلبة عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. وروي أيضًا من طرق متعدِّدة عن عدي بن حاتم مثله، والأشهر عنه: الحديث الأول، وقد رام بعض أصحابنا الجمع بين حديثي: عدي بن حاتم، وأبي ثعلبة؛ بأن حملوا حديث النَّهي على التنزيه، والورع، وحديث الإباحة على الجواز. وقالوا: إن عديًّا كان موسَّعًا عليه، فأفتاه بالكف ورعًا، وأبو ثعلبة كان محتاجًا فأفتاه بالجواز، والله تعالى أعلم. وقد دلَّ على صحة هذا التأويل قوله - ﷺ -: (فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه).\nوقد روي عن قوم من السَّلف التفرقة بين ما أكل منه الكلب فمنعوه، وبين ما أكل منه البازي فأجازوه. وبها قال النخعي، وحماد بن أبي سليمان، والثوري، وأصحابه. وحكي ذلك عن ابن عباس، وفيها ضعفٌ وبُعدٌ، والله تعالى أعلم.","vol":"5","page":212},{"text":"وفي رواية: فإنك لا تدري الماء قتله أم سهمك.\nرواه مسلم (١٩٢٩) (٦) و(٧).\n[١٨٣١] وعن أَبِي ثَعلَبَةَ الخُشَنِيِّ قَالَ: أَتَيتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا بِأَرضِ قَومٍ أَهلِ كِتَابِ، نَأكُلُ فِي آنِيَتِهِم، وَأَرضِ صَيدٍ أَصِيدُ بِقَوسِي، وَأَصِيدُ بِكَلبِي المُعَلَّمِ، أَو بِكَلبِي الَّذِي لَيسَ بِمُعَلَّمٍ، فَأَخبِرنِي مَا الَّذِي يَحِلُّ لَنَا مِن ذَلِكَ؟ قَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرتَ أَنَّكُم بِأَرضِ قَومٍ أَهلِ كِتَابِ تَأكُلُونَ فِي آنِيَتِهِم، فَإِن وَجَدتُم غَيرَ آنِيَتِهِم فَلَا تَأكُلُوا فِيهَا، وَإِن لَم تَجِدُوا فَاغسِلُوهَا ثُمَّ كُلُوا فِيهَا، وَأَمَّا مَا ذَكَرتَ أَنَّكَ بِأَرضِ صَيدٍ، فَمَا أَصَبتَ بِقَوسِكَ فَاذكُر اسمَ اللَّهِ ثُمَّ كُل، وَمَا أَصَبتَ بِكَلبِكَ المُعَلَّمِ فَاذكُر اسمَ اللَّهِ ثُمَّ كُل، وَمَا أَصَبتَ بِكَلبِكَ الَّذِي لَيسَ بِمُعَلَّمٍ فَأَدرَكتَ ذَكَاتَهُ فَكُل.\nوفي رواية: إذا رميت بسهمك فغاب عنك فأدركته فكل ما لم ينتن.\nــ\nو(قوله: فإنك لا تدري الماء قتله، أم سهمك) دليل على أن المشاركة في قتل الصيد لا تضر إذا تحقق: أن سهمه، أو جارحه قتله، وكذلك إذا أصابه السهم في الهواء، فسقط، أو تردَّى من جبل، لكن هذا إنما يتحقق إذا وجد السهم، أو الجارح قد أنفذ مقاتله، فحينئذ لا تضرُّ المشاركة، فلو لم يعلم ذلك حرم الأكل على نصَّ هذا الحديث؛ خلافًا للشافعي، فإنَّه قال فيما رمي في الهواء، فسقط ميتًا، ولم يُدر مِمَّ مات: إنه يؤكل. وقاله أبو ثور، وأصحاب الرأي. قال ابن المنذر: وروى ابن وهب عن مالك نحو قول هؤلاء.\nقلت: والصحيح الأول، وهو المشهور من قول مالك. وهو قول الجمهور. وهو الذي يظهر من هذا الحديث.\nو(قوله: ما لم يُنتن) هو رباعي مضموم الأول، من: أنتن الشيء: إذا","vol":"5","page":213},{"text":"وفي رواية: بعد ثلاث فكله ما لم ينتن.\nوقال في رواية في الكلب: كله بعد ثلاث إلا أن ينتن فدعه.\nرواه أحمد (٤/ ١٩٥)، والبخاري (٥٤٧٨)، ومسلم (١٩٣٠ و١٩٣١) (٩ و١٠ و١١)، وأبو داود (٢٨٥٥)، والترمذي (١٤٦٤)، والنسائي (٧/ ١٨١)، وابن ماجه (٣٢٠٧).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-693>(٣) باب النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير</span>\n[١٨٣٢] عن أَبي ثَعلَبَةَ قال: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن كُلِّ ذِي نَابٍ مِن السِّبَاعِ. قَالَ ابنُ شِهَابٍ: وَلَم أَسمَع ذَلِكَ مِن عُلَمَائِنَا بِالحِجَازِ حَتَّى\nــ\nتغيرت رائحته. وقال بعض اللغويين: يقال: أنتن اللحم: إذا تغير بعد طبخه. و(صَلَّ) و(أَصَلَّ): إذا تغير وهو نيء.\nقلت: وهذا الحديث الصحيح يَرُدُّ ما قاله هذا اللغوي، بل يقال: أنتن اللحم نيئًا ومطبوخًا. ويقال في غير اللحم: أنتن أيضًا، كما يقال: أنتن الأنف.\n(٣) ومن باب: النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع\n(قول أبي ثعلبة: نهى رسول الله - ﷺ - عن أكل كل ذي ناب من السباع) ظاهر هذا النهي: التحريم، وقد جاء نصًّا في حديث أبي هريرة إذ قال: (كل ذي ناب من السباع فأكله حرام). الناب: واحد الأنياب، وهي مما يلي الرُّباعيات من","vol":"5","page":214},{"text":"حَدَّثَنِي أَبُو إِدرِيسَ الخولاني، وَكَانَ مِن فُقَهَاءِ أَهلِ الشَّامِ.\nرواه أحمد (٤/ ١٩٤)، والبخاريُّ (٥٥٣٠)، ومسلم (١٩٣٢) (١٢ و١٣)، وأبو داود (٣٨٠٢)، والترمذيُّ (١٤٧٧)، والنسائي (٧/ ٢٠٠)، وابن ماجه (٣٢٣٢).\nــ\nالأسنان. ذهب الجمهور من السَّلف وغيرهم إلى الأخذ بهذا الظاهر في تحريم السباع، وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، ومالك في أحد قوليه، وهو الذي صار إليه في الموطأ، وقال فيه: وهو الأمر عندنا، وروى عنه العراقيون الكراهة، وهو ظاهر المدوَّنة، وبه قال جمهور أصحابه.\nتنبيه: هذا الخلاف إنما هو في السباع العادية المفترسة كالأسد، والنمر، والذئب، والكلب. وأما ما ليس كذلك فجُلِّ أقوال الناس فيه: الكراهة. وحيث صار أحدٌ من العلماء إلى تحريم شيء من هذا النوع؛ فإنما ذلك لأنه ظهر للقائل بالتحريم أنَّه عاد، وذلك كاختلافهم في الضَّبع، والثعلب، والهرِّ وشبهها. فرآها قوم من السباع فحكموا بتحريمها، وأجاز أكلها: الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وهو قول علي، وجماعة من الصحابة، وكرهها مالك. حكى ذلك القاضي عياض.\nتنبيه: إنما عدل القائلون بالكراهة عن ظاهر التحريم (١) المتقدم؛ لأنَّهم اعتقدوا معارضة بينه وبين قوله تعالى: ﴿قُل لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطعَمُهُ إِلا أَن يَكُونَ مَيتَةً أَو دَمًا مَسفُوحًا أَو لَحمَ خِنزِيرٍ﴾ الآية. ووجه ذلك أنهم حملوا قوله: ﴿فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ على عموم وحي القرآن، والسُّنَّة، وقالوا: إن هذه الآية نزلت على النبي - ﷺ -، وهو واقف بعرفة في حجة الوداع، فهي متأخرة عن تلك الأحاديث، والحصر فيها ظاهر، فالأخذ بها أولى؛\n_________\n(١) في (ل ١): الحديث.","vol":"5","page":215},{"text":"[١٨٣٣] وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: كل ذي ناب من السباع فأكله حرام.\nرواه مسلم (١٩٣٣)، والترمذيُّ (١٤٧٩)، والنسائي (٧/ ٢٠٠)، وابن ماجه (٣٢٣٣).\n[١٨٣٤] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن كُلِّ ذِي نَابٍ مِن السِّبَاعِ، وَعَن كُلِّ ذِي مِخلَبٍ مِن الطَّيرِ.\nــ\nلأنها: إما ناسخة لما تقدمها، أو راجحة على تلك الأحاديث. وأما القائلون بالتحريم، فظهر لهم، وثبت عندهم أن سورة الأنعام: مكِّيَّة، نزلت قبل الهجرة، وأن هذه الآية قصد بها الرد على الجاهلية في تحريمهم البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحامي، ولم يكن في ذلك الوقت مُحرَّم في الشريعة إلا ما ذكره في الآية، ثم بعد ذلك حرَّم أمورًا كثيرة؛ كالحمر الإنسية، والبغال، وغيرها، كما رواه الترمذي عن جابر قال: حرَّم رسول الله - ﷺ - لحوم الحمر الأهلية، ولحوم البغال، وكلَّ ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطَّير (١). وذكر أبو داود عن جابر أيضًا قال: ذبحنا يوم خيبر الخيل، والبغال والحمير، فنهانا رسول الله - ﷺ - عن البغال، والحمير، ولم ينهنا عن الخيل (٢).\nقلت: والصحيح ما ذهب إليه الجمهور. والله أعلم بحقائق الأمور.\nو(قوله: عن كل ذي مخلب من الطير) هو معطوف على قوله: (نهى عن كل ذي ناب من السِّباع). وقد تقرَّر أن ذلك النهي محمولٌ على التحريم في السباع،\n_________\n(١) رواه الترمذي (١٤٧٨).\n(٢) رواه أبو داود (٣٧٨٩).","vol":"5","page":216},{"text":"رواه أحمد (١/ ٢٤٤)، ومسلم (١٩٣٤)، وأبو داود (٣٨٠٥)، والنسائي (٧/ ٢٠٦)، وابن ماجه (٣٢٣٤).\n* * *\nــ\nفيلزم منه تحريم كل ذي مخلب من الطير؛ لأنَّ الواو تُشَرِّك بين المعطوف والمعطوف عليه في العامل ومعناه؛ لأنَّها جامعة. وقد صار إلى تحريم كل ذي مخلب من الطير طائفة؛ تمسُّكًا بهذا الظاهر. وممن قال بذلك: أبو حنيفة، والشافعي. وأمَّا مذهب مالك: فحكى عنه ابن أويس كراهة أكل كل ذي مخلب من الطير. وجل أصحابه، ومشهور مذهبه: على إباحة ذلك؛ متمسكين بقوله تعالى: ﴿قُل لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ وقد تقدم الكلام عليها، والظاهر: التمسك بما قررناه من ذلك الحديث الظاهر.\nوتقييد الطير بـ (ذي المخلب) يقتضي: منع أكل سباع الطير العادية: كالعقاب، والشاهين، والغراب، وما أشبهها، ولا يتناول الخَطَّاف وما أشبهها.\nوقوله - ﷺ - لأبي ثعلبة في أواني أهل الكتاب: (إن وجدتم غير آنيتهم، فلا تأكلوا فيها (١» إنما كان هذا لأنهم لا يتوقَّون النجاسات فيأكلون لحم الخنزير، وربما أكلوا الميتات، فإذا طبخوا ذلك في القدر تنجست، وربما سرت النجاسة في أجزاء قدور الفخار، فإذا طبخ فيها بعد ذلك، وبعد أن غسلت توقع مخالطة تلك الأجزاء النجسة للمطبوخ في القدر ثانية؛ فاقتضى الورع الكفّ عنها. وقد أشار إلى هذا ابن عباس؛ فإنه روي عنه أنه قال: إن كان الإناء من نحاس، أو حديد: غسل، وإن كان من فخار: أغلي فيه الماء، ثم غسل.\nو(قوله: وإن لم تجدوا غيرها (٢) فاغسلوه) هذه إباحة عند الحاجة، لكن\n_________\n(١) هذه العبارة بكاملها من حديث الباب السابق في التلخيص.\n(٢) هذه الكلمة ليست في أصل الحديث، والعبارة بكاملها من حديث الباب السابق حسب التلخيص.","vol":"5","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-694>(٤) باب إباحة أكل ميتة البحر وإن طفت</span>\n[١٨٣٥] عَن جَابِرٍ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَمَّرَ عَلَينَا أَبَا عُبَيدَةَ نَتَلَقَّى عِيرًا لِقُرَيشٍ، وَزَوَّدَنَا جِرَابًا مِن تَمرٍ، لَم يَجِد لَنَا غَيرَهُ، فَكَانَ أَبُو عُبَيدَةَ\nــ\nبشرط الغسل؛ فإن الماء طهور، لكن ينبغي أن يكون الغسل على ما قاله ابن عباس كما حكيناه عنه آنفًا. وهذا فيما يطبخون فيه من أوانيهم، فأما ما يستعملونه من غير أن يطبخوا فيه: فخفيف، إن لم تظن فيه نجاسة، وقد توضأ عمر - ﵁ - من بيت نصراني في حُقِّ نصرانية. فأما لو كان الإناء من أواني الخمر، أو مما يجعل فيه شيء من النجاسات، فلا شك في المنع من استعماله؛ إلا أن يغسل غسلًا بالغًا؛ فإن كان منها ما يبعد انفصال النجاسة عنه، لم يجز استعماله ألبتة.\nقلت: ويظهر لي - على مقتضى هذا الحديث - أنه لا ينبغي للوَرِع أن يُقدِم على أكل طعام أهل الكتاب، ما وجد منه بدًّا؛ بل هو أولى بالانكفاف عنه من الأواني. والله تعالى أعلم.\n(٤) ومن باب: إباحة أكل ميتة البحر\nالعير: الإبل المُحَملة.\nقوله: (وزوَّدنا جرابًا من تمر؛ لم يجد لنا غيره) اختلفت ألفاظ الرواة في هذا المعنى؛ فمنها: ما ذكرناه. وفي رواية: (فكنا نحمل أزوادنا على رقابنا). وفي أخرى: (ففني زادهم). وفي الموطأ: (فكان مزودي تمر)، وفي أخرى: (فكان يعطينا قبضة قبضة، ثم أعطانا تمرة تمرة)، ويلتئم شتات هذه الروايات بأن يقال: إن النبي - ﷺ - زادهم ذلك المزود، أو المزودين إلى ما كان عندهم من زاد أنفسهم الذي كانوا يحملونه على رقابهم، ثم إنهم لما اشتدت بهم الحال جمع أبو عبيدة ما كان","vol":"5","page":218},{"text":"يُعطِينَا تَمرَةً تَمرَةً. قَالَ: فَقُلتُ: كَيفَ كُنتُم تَصنَعُونَ بِهَا؟ قَالَ: نَمَصُّهَا كَمَا يَمَصُّ الصَّبِيُّ، ثُمَّ نَشرَبُ عَلَيهَا مِن المَاءِ، تَكفِينَا يَومَنَا إِلَى اللَّيلِ، وَكُنَّا نَضرِبُ بِعِصِيِّنَا الخَبَطَ ثُمَّ نَبُلُّهُ بِالمَاءِ فَنَأكُلُهُ.\nوفي رواية: فسمي جيش الخبط.\nــ\nعندهم إلى المزود الذي زادهم النبي - ﷺ - فكان يُفرِّقُه عليهم قبضة قبضة، إلى أن أشرف على النَّفاذ، فكان يعطيهم إيَّاه تمرة تمرة إلى أن فني ذلك.\nوَجَمعُ أبي عبيدة الأزواد، وقسمتها بالسَّويَّة: إما أن يكون حكمًا حكم به لِمَا شاهد من ضرورة الحال، ولِمَا خاف من تلف من لم يكن معه زاد، فظهر له: أنه قد وجب على من معه زاد أن يُحيي من ليس له شيء، أو يكون ذلك عن رضا من كان له زادٌ رغبةً في الثواب، وفيما قاله النبي - ﷺ -[في الأشعريين من أنهم إذا قل زادهم جمعوه فاقتسموه بينهم بالسَّويَّة. قال رسول الله - ﷺ -] (١): (فهم مني، وأنا منهم) (٢)، وقد فعل ذلك النبي - ﷺ - غير مرَّة. ولذلك قال بعض العلماء: إنه سنة.\nو(الخَبَط) بفتح الخاء والباء: اسم لما يُخبط فيتساقط من ورق الشجر. وبسكون الباء: المصدر. وتبليلهم الخَبَط بالماء ليلين للمضغ. وإنَّما صاروا لأكل الخبط عند فقد التمرة الموزعة عليهم. وهذا كله يدلُّ على ما كانوا عليه من الجِدِّ، والاجتهاد، والصبر على الشدائد العظام، والمشقات الفادحة، إظهارًا للدِّين، وإطفاءً لكلمة المبطلين. ﵃ أجمعين.\nوساحل البحر، وسيفه، وشطِّه، كل ذلك بمعنى واحد.\nو(رفع لنا) أي: ظهر لنا، واطَّلعنا عليه. وهو مبني لما لم يسم فاعله.\nو(الكثيب) و(الضرب): الجبل الصغير، والكوم أصغر منه. و(الضخم): المرتفع الغليظ.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).\n(٢) رواه مسلم (٢٥٠٠).","vol":"5","page":219},{"text":"قَالَ: وَانطَلَقنَا عَلَى سَاحِلِ البَحرِ، فَرُفِعَ لَنَا عَلَى سَاحِلِ البَحرِ كَهَيئَةِ الكَثِيبِ الضَّخمِ، فَأَتَينَاهُ فَإِذَا هِيَ دَابَّةٌ تُدعَى العَنبَرَ، قَالَ: قَالَ أَبُو عُبَيدَةَ: مَيتَةٌ، ثُمَّ قَالَ: لَا بَل نَحنُ رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَد اضطُرِرتُم فَكُلُوا. قَالَ: فَأَقَمنَا عَلَيهِ شَهرًا، وَنَحنُ ثَلَاثُمِائَةٍ، حَتَّى سَمِنَّا. قَالَ: وَلَقَد رَأَيتُنَا نَغتَرِفُ مِن\nــ\nو(قوله: تُدعى العَنبَر) أي: تسمَّى بـ (العنبر)، ولعلها سميت بذلك لأنها الدابَّة التي تلقي العنبر، وكثيرًا ما يوجد العنبر على سواحل البحر، وقد وجد عندنا منه على ساحل البحر بقادس - موضع بالأندلس - قطعة كبيرة كالكوم، حصل لواجديه منه أموال عظيمة.\nو(قول أبي عبيدة: مَيتَة) أي: هي مَيتَة، فلا تُقرب؛ لأنَّها حرام بنصِّ القرآن العام، ثم إنه أضرب عمَّا وقع له من ذلك لما تحقق من الضرورة المبيحة له، ولذلك قال: (لا، بل نحن رسل رسول الله - ﷺ - وقد اضطررتم فكلوا) وهذا يدلّ على جواز حمل العموم على ظاهره، والعمل به من غير بحث عن المخصِّصات، فإن أبا عبيدة حكم بتحريم ميتة البحر تمسُّكًا بعموم القرآن، ثم إنه استباحها بحكم الاضطرار، مع أن عموم القرآن في الميتة مخصَّصٌ بقوله - ﷺ -: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته) (١)، ولم يكن عنده خبر من هذا المخصِّص، ولا عند أحد من أصحابه.\nو(قوله: فأقمنا عليها شهرًا حتى سَمِنَّا) دليل لمالك، ولمن يقول بقوله: على أن يأكل من الميتة شبعه، ويتبسط في أكلها، فإنَّها قد أبيحت له، وارتفع تحريمها في تلك الحال فأشبهت الذَّكيَّة، وخالفه في ذلك جماعة، منهم: الحسن، والنخعي، وقتادة، وابن حبيب، فقالوا: لا يأكل منها حتى يضطرَّ إليها ثانية، ولا يأكل منها إلا ما يُقيم (٢) رمقه. وقال عبد الملك: إن تغدَّى حَرُمَت عليه\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٢٣٧)، وأبو داود (٨١)، والترمذي (٦٩)، والنسائي (١/ ١٧٦)، وابن ماجه (٣٨٦).\n(٢) في (ل ١): يسدُّ.","vol":"5","page":220},{"text":"وَقبِ عَينِهِ بِالقِلَالِ الدُّهنَ، وَنَقتَطِعُ مِنهُ الفِدَرَ كَالثَّورِ، أَو كَقَدرِ الثَّورِ، ولَقَد أَخَذَ مِنَّا أَبُو عُبَيدَةَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَأَقعَدَهُم فِي وَقبِ عَينِهِ، وَأَخَذَ ضِلَعًا مِن\nــ\nيومه، وإن تعشى حرمت عليه ليلته. وهذا الذي قاله هؤلاء تعضده القاعدة، وهي: أن كل ما أبيح لضرورة (١) فيتقدَّر بقدرها، على أنَّه يمكن أن يقال في قضيَّة أبي عبيدة، وأكلهم من تلك الميتة شهرًا حتى سمنوا: إن ذلك القَدر كان قدر ضرورتهم، وذلك أنهم كانوا قد أشرفوا على الهلاك من الجوع، والضعف، وسقطت قواهم، وهم مستقبلون سفرًا، وعَدَوًّا، فإن لم يفعلوا ذلك ضعفوا عن عدوهم، وانقطعوا عن سفرهم، وهذا كما قال النبي - ﷺ - لأصحابه عند الفتح: (تقوَّوا لعدوكم، والفطر أقوى لكم) (٢).\nو(قوله: حتى سَمِنَّا) يعني: تقوينا، وزال ضعفنا، كما قال في الرواية الأخرى: (حتى ثابت إلينا أجسامنا) أي: رجعت إلينا قوَّتنا. وإلا فما كانوا سِمَانًا قطُّ.\nو(حجاج العين) يقال: بفتح الحاء وكسرها، وهو الوقب أيضًا. وهو غار العين الذي فيه حبَّتها. وأصل الوقب: الحفرة في الحجر.\nو(الفِدَرُ): جمع فِدرَة: وهي القطعة من اللحم، والعجين، وشبههما. وهي: (الثَّور) أيضًا، وجمعه: أثوار. والمراد بها هنا: قطع العجين أو السويق، ولذلك شبَّه قطع اللحم بها؛ إذ قال: كقدر الثور.\nفإن قيل: كيف جاز لهم أن يأكلوا من هذه الميتة إلى شهر، ومعلوم: أن اللحم إذا أقام هذه المدَّة، بل أقل منها، أنه يُنتِن، ويشتدُّ نَتَنُه، فلا يحل الإقدام عليه، كما تقدم في الصيد؛ إذ قال: (كله ما لم يُنتِن) (٣).\nفالجواب: أن يقال: لعل ذلك لم يَنتَهِ نَتَنُه إلى حال يخاف منه الضرر لبرودة\n_________\n(١) ليست في (ع).\n(٢) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٢٩٤).\n(٣) انظره في التلخيص برقم (٢٠٤١).","vol":"5","page":221},{"text":"أَضلَاعِهِ فَأَقَامَهَا، ثُمَّ رَحَلَ أَعظَمَ بَعِيرٍ مَعَنَا، فَمَرَّ مِن تَحتِهَا، وَتَزَوَّدنَا مِن لَحمِهِ وَشَائِقَ، فَلَمَّا قَدِمنَا المَدِينَةَ أَتَينَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرنَا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: هُوَ رِزقٌ أَخرَجَهُ اللَّهُ لَكُم، فَهَل مَعَكُم مِن لَحمِهِ شَيءٌ فَتُطعِمُونَا؟ قَالَ:\nــ\nالموضع، أو يقال: إنهم أكلوه طريًّا، ثم مَلَّحُوه، وجعلوه وشائِق؛ أي: قدَّدوه قدائد، كما يُفعل باللحم. ويقال فيه: وشقت اللحم، فاتَّشق، والوَشيقَة: القديدة. وعلى هذا يدلّ قوله: (ونقتطع منه الفدر) أي: القطع الكبار.\nو(قوله: وتزوَّدنا من لحمه وشائق) أي: قدائد. وهذا اللفظ يدلّ أيضًا: على أنه يتزوَّد من الميتة إذا خاف ألا يجد غيرها، فإن وجد غيرها، أو ارتجى وجوده لم يستصحبها. وهو قول مالك، وغيره من العلماء.\nو(قوله: كنا نَغتَرف من وَقب عينها (١) بالقلال الدُّهن) دليل على أنهم كانوا يجيزون الانتفاع بشحوم الميتة، وبالزيت النجس، كما يقوله ابن القاسم، ويجنب المساجد. وخالفه عبد الملك وغيره، فقالوا: لا ينتفع بشيء من ذلك؛ لقوله - ﷺ - في سمن الفأرة: (إن كان مائعًا فلا تقربوه) (٢).\nو(قوله - ﷺ -: هو رزق الله أخرجه لكم) تذكير لهم بنعمة الله تعالى ليشكروه عليها.\nو(قوله - ﷺ -: فهل عندكم شيء منه فتطعمونا) وأكله منه ليبيِّن لهم بالفعل جواز أكل ميتة البحر في غير الضرورة، وأنها لم تدخل في عموم الميتة المحرَّمة في القرآن، كما قد بيَّن ذلك بقوله - ﷺ -: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته) (٣).\nوفي\n_________\n(١) في التلخيص: عينه.\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٢٣٣ و٢٦٥)، وأبو داود (٣٨٤١). وانظره في: بلوغ المرام لابن حجر برقم (٨٠٧).\n(٣) سبق تخريجه قبل قليل.","vol":"5","page":222},{"text":"فَأَرسَلنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنهُ، فَأَكَلَهُ.\nرواه أحمد (٣/ ٣١١)، ومسلم (١٩٣٥) (١٧ و١٨)، وأبو داود (٣٨٤٠)، والنسائي (٧/ ٢٠٨).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-695>(٥) باب النهي عن لحوم الحمر الأهلية، والأمر بإكفاء القدور منها</span>\n[١٨٣٦] عَن عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن مُتعَةِ النِّسَاءِ يَومَ خَيبَرَ، وَعَن لُحُومِ الحُمُرِ الإِنسِيَّةِ.\nرواه البخاري (٥٥٢٣)، ومسلم (١٤٠٧)، والنسائي (٦/ ١٢٦)، وابن ماجه (١٩٦١).\nــ\nهذا الحديث للجمهور ردٌّ على من قال بمنع ما طفا من ميتات الماء. وهو: طاووس، وابن سيرين، وحماد بن زيد، وأصحاب الرأي - أبو حنيفة وأصحابه -. وروي عن جابر بن عبد الله أنه قال: يُؤكل ما يوجد في حافتي البحر، وما جَزَرَ عنه، ولا يُؤكل ما طفا. ومثله روي عن ابن عباس، وكأنهما قصرا الإباحة على حديث أبي عبيدة المذكور. والصحيح: الإباحة في الجميع لقوله - ﷺ -: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته)، والله تعالى أعلم.\n(٥) ومن باب: النَّهي عن لحوم الحمر الأهلية\nقد تقدم الكلام في (١) تحريم نكاح المتعة في كتاب النكاح.\n_________\n(١) في (ل ١): على.","vol":"5","page":223},{"text":"[١٨٣٧] وعن أَبي ثَعلَبَةَ قَالَ: حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لُحُومَ الحُمُرِ الأَهلِيَّةِ.\nرواه البخاريُّ (٥٥٢٧)، ومسلم (١٩٣٦)، والنسائي (٧/ ٣٠٤).\nــ\nو(قوله: حرَّم رسول الله - ﷺ - لحوم الحمر الأهلية) وفي الروايات الأخر: (نهى)، والأُولى نصٌّ في تحريمها. وهي مفسِّرة للنَّهي الوارد في الروايات الأخر. وبالتحريم للحمر الأهلية قال جمهور العلماء - سلفًا وخلفًا - وفي مذهب مالك قولٌ بالكراهة المغلظة، والصحيح: الأول؛ لما تقدم. لا يقالُ: كيف يُجزِم بتحريم أكلها مع اختلاف الصحابة في تعليل النهي الوارد فيها على أقوال؟ فمنهم من قال: نهى عنها لأنَّها لم تُخَمس. ومنهم من قال: لأنها كانت حمولتهم. ومنهم من قال: لأنها كانت تأكل الجَلَّة، كما ذكره أبو داود. ومنهم من قال: لأنها رجس. وهذه كلها ثابتة بطرق صحيحة، وهي متقابلة، فلا تقوم بواحد منها حجَّة. فكيف يجزم بالتحريم؟ وإذا لم يجزم بالتحريم فأقل درجات النهي أن يحمل على الكراهة؛ لأنَّا نجيب عن ذلك: بأن الصحابي قد نصَّ على ذلك التحريم كما ذكرناه آنفًا، وبأن أولى العلل ما صرَّح به منادي رسول الله - ﷺ - حيث قال: (إن الله ورسوله ينهيانكم عنها، فإنَّها رجسٌ من عمل الشيطان). والرِّجس: النَّجس. فلحومها نجسة؛ لأنَّها هي التي عاد عليها ضمير (إنها رجس). وهي التي أمر بإراقتها من القدور، وغسلها منها، وهذا حكم النجاسة. فظهر: أن هذه العلَّة أولى من كل ما قيل فيها.\nوأما التعليل الذي ذكره أبو داود من حديث غالب بن أبجر، وهو الذي قال فيه عن النبي - ﷺ -: (إنما حرمتها عليكم من أجل جوَّال القرية) (١) فحديث لا يصح؛ لأنَّه يرويه عن عبد الله بن عمرو بن لويم، وهو مجهول، وقد رواه رجل يقال له: عبد الرحمن بن بشر، وهو أيضًا مجهولٌ على ما ذكره أبو محمد عبد الحق.\nوأما\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٨٠٩).","vol":"5","page":224},{"text":"[١٨٣٨] وعَن ابنِ عُمَرَ، نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن أَكلِ الحِمَارِ الأَهلِيِّ يَومَ خَيبَرَ، وَكَانَ النَّاسُ احتَاجُوا إِلَيهَا.\nرواه البخاريُّ (٤٢١٨)، ومسلم (٥٦١) في الصيد والذبائح (٢٥)، والنسائي (٧/ ٢٠٣).\n[١٨٣٩] وعن عَبدَ اللَّهِ بنَ أَبِي أَوفَى، وسئل عَن لُحُومِ الحُمُرِ الأَهلِيَّةِ، فَقَالَ: أَصَابَتنَا مَجَاعَةٌ يَومَ خَيبَرَ، وَنَحنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَد أَصَبنَا لِلقَومِ حُمُرًا خَارِجَةً مِن المَدِينَةِ فَنَحَرنَاهَا، فَإِنَّ قُدُورَنَا لَتَغلِي؛ إِذ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَن اكفَؤوا القُدُورَ، وَلَا تَطعَمُوا مِن لُحُومِ الحُمُرِ\nــ\nما عدا ذلك من العلل التي ذكرناها فمتوهمة مقدَّرة، لا يشهد لها دليل. فصح ما قلناه، والحمد لله.\nثم نقول: لا بُعد في تعليل تحريمها بعلل مختلفة، كل واحدة منها مستقلة بإفادة التحريم. وهو الصحيح من أحد القولين للأصوليين. وأمَّا تعليل من علَّلها بعدم التخميس فغير صحيح؛ لأنَّه: يجوز أكل الطعام والعلوفة قبل التخميس اتفاقًا، لا سيما في حال المجاعة، والحاجة.\nوقد تقدم القول في الإنسيَّة، وأنها تقال بفتح الهمزة والنون. [وهي الأشهر عند المحققين من أهل التقييد. ويقال أيضًا: بكسر الهمزة وسكون النون] (١). وكلاهما منسوب إلى الإنس.\nو(قوله: أن اكفؤوا القدور) الرواية المشهورة بوصل الألف، وفتح الفاء، من: كفأت القدر إذا قلبتها، وقد رويت بقطع الهمزة وكسر الفاء من: أكفأت. قال ابن السكيت وابن قتيبة: هما لغتان بمعنى واحد. وقال الأصمعي: كفأت الإناء،\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (م ٢).","vol":"5","page":225},{"text":"شَيئًا. فَقُلتُ: حَرَّمَهَا تَحرِيمَ مَاذَا؟ قَالَ: تَحَدَّثنَا بَينَنَا فَقُلنَا: حَرَّمَهَا أَلبَتَّةَ، وَحَرَّمَهَا مِن أَجلِ أَنَّهَا لَم تُخَمَّس.\nوفي رواية: فقال: إنما نهى عنها رسول الله ﷺ لأنها لم تخمس، وقال آخرون: نهى عنها ألبتة.\nرواه البخاري (٣١٥٥)، ومسلم (١٩٣٧) (٢٦ و٢٧)، والنسائي (٧/ ٢٠٣).\n[١٨٤٠] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا أَدرِي أنَهَى عَنهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن أَجلِ أَنَّهُ كَانَ حَمُولَةَ النَّاسِ، فَكَرِهَ أَن تَذهَبَ حَمُولَتُهُم، أَو حَرَّمَهُ يَومِ خَيبَرَ؛ لُحُومَ الحُمُرِ الأَهلِيَّةِ.\nرواه البخاريُّ (٤٢٢٧)، ومسلم (١٩٣٩).\n[١٨٤١] وعَن سَلَمَةَ بنِ الأَكوَعِ قَالَ: خَرَجنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى خَيبَرَ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ فَتَحَهَا عَلَيهِم، فَلَمَّا أَمسَى النَّاسُ اليَومَ الَّذِي فُتِحَت عَلَيهِم أَوقَدُوا نِيرَانًا كَثِيرَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا هَذِهِ النِّيرَانُ؟ عَلَى أَيِّ شَيءٍ تُوقِدُونَ؟ . قَالَوا: عَلَى لَحمٍ، قَالَ: عَلَى أَيِّ لَحمٍ؟ . قَالَوا: عَلَى لَحمِ حُمُرٍ إِنسِيَّةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَهرِيقُوهَا وَاكسِرُوهَا. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَو نُهَرِيقُهَا وَنَغسِلُهَا؟ قَالَ: أَو ذَاكَ.\nرواه أحمد (٤٧١٤)، والبخاري (٢٤٧٧)، ومسلم (١٨٠٢)، وابن ماجه (٣١٩٥).\nــ\nوكلَّ شيء قلبته، ولا يقال: أكفأت، وقيل: كفأتُ القِدر: كببتها ليخرج ما فيها، وأكفأتها: أملتها.\nو(قوله - ﷺ - في القدور: (أهريقوها، واكسروها)، كأن الأمر بكسر هذه","vol":"5","page":226},{"text":"[١٨٤٢] وعَن أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيبَرَ أَصَبنَا حُمُرًا خَارِجًا مِن القَريَةِ، فَطَبَخنَا مِنهَا، فَنَادَى مُنَادِي النبي ﷺ: أَلَا إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنهَيَانِكُم عَنهَا؛ فَإِنَّهَا رِجسٌ مِن عَمَلِ الشَّيطَانِ. فَأُكفِئَت القُدُورُ بِمَا فِيهَا، وَإِنَّهَا لَتَفُورُ بِمَا فِيهَا.\nوفي رواية: لَمَّا كَانَ يَومُ خَيبَرَ، جَاءَ جَاءٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُكِلَت الحُمُرُ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُفنِيَت الحُمُرُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا طَلحَةَ فَنَادَى: إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنهَيَانِكُم ... وذكر نحوه.\nرواه البخاري (٥٥٢٨)، ومسلم (١٩٤٠) (٣٤ و٣٥)، والنسائي (٧/ ٢٥٤)، وابن ماجه (٣١٩٦)\n* * *\nــ\nالقدور إنما صدر منه بناءً على أن هذه القدور لا ينتفع بها مطلقًا، وأن الغسل لا يؤثر فيها لما يسري فيها من النجاسات، كما نقوله في أواني الخمر المضرَّاة (١)، فلما قال له الرجل: (أو نهريقها، ونغسلها)، فهم الرسول - ﷺ - أنها مِمَّا ينغَسل، فأباح له ذلك، فتبدَّل الحكم لتبَدُّل سببه. ولهذا في الشريعة نظائر. وهي تدل على أنَّه - ﷺ - كان يحكم بالاجتهاد فيما لم يُوح إليه فيه شيء. وقد تقدم التنبيه على هذا في الحجِّ عند قول العباس: (إلا الإذخر).\nوفيه دليلٌ: على أن إزالة النجاسات إنما تكون بالماء، خلافًا لأبي حنيفة، وقد تقدم.\n* * *\n_________\n(١) الضاري من الآنية: الذي ضُرِّي بالخمر (عُتِّقَ) فإذا جُعِل فيه النبيذ صار مُسكِرًا.","vol":"5","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-696>(٦) باب في إباحة لحوم الخيل وحمر الوحش</span>\n[١٨٤٣] عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى يَومَ خَيبَرَ عَن لُحُومِ الحُمُرِ الأَهلِيَّةِ، وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الخَيلِ.\nــ\n(٦) ومن باب: إباحة لحوم الخيل\n(قول جابر: وأذن في لحوم الخيل)، وفي الرواية الأخرى: (أكلنا زمن خيبر الخيل)، و(قول أسماء: نحرنا فرسًا على عهد رسول الله - ﷺ - فأكلناه) كلها ظاهرةٌ في إباحة الخيل، وبذلك قال الجمهور من الفقهاء، والمحدِّثين، والسَّلف، كالحسن، وعطاء، وحمَّاد بن أبي سليمان، وسعيد بن جبير، والشافعي، والثوري، وأبي يوسف، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المبارك. وذهبت طائفة إلى كراهتها. منهم: ابن عباس، ومجاهد، ومالك، والأوزاعي، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، وأبو عبيد: متمسكين بقول الله تعالى: ﴿وَالخَيلَ وَالبِغَالَ وَالحَمِيرَ لِتَركَبُوهَا وَزِينَةً﴾ ويتقرر الاستدلال بها من وجهين:\nأحدهما: أن الله تعالى ذكر الأنعام التي هي: البقر، والإبل، والغنم، في صدر الآية، ثم عدَّد جميع ما ينتفع به منها، ومن جملتها الأكل. ثمَّ ذكر بعدها: الخيل، والبغال، والحمير، وذكر منافعها، ولم يذكر فيها الأكل، فلو كان الأكل جائزًا لكان مذكورًا فيها؛ لأنَّ مقصود الآية التذكير بالنعم، وتعديد ما أنعم الله به علينا في هذه الحيوانات من الفوائد، ثم إن الأكل من أهمِّ الفوائد، فلو كان مشروعًا فيها لما أغفله مع القصد إلى تعديدها، وذكر الامتنان بآحادها.\nالثاني: أن الله تعالى قد سوى بين الخيل، والبغال، والحمير في العطف والنَّسق، والبغال والحمير لا تؤكل بالاتفاق على ما مر، فالخيل لا تؤكل، ثم اعتذر القائلون بالكراهة عن الحديث بأن ذلك كان في حالة مجاعة وشدَّة حاجة،","vol":"5","page":228},{"text":"وفي رواية: قال: أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش، ونهانا النبي ﷺ عن الحمار الأهلي.\nرواه البخاريُّ (٥٥٢٠)، ومسلم (١٩٤١) (٣٦ و٣٧)، وأبو داود (٣٧٨٨)، والترمذيُّ (١٤٧٨)، والنسائيُّ (٧/ ٢٠٢)، وابن ماجه (٣١٩١).\n[١٨٤٤] وعن أسماء قالت: نحرنا فرسا على عهد رسول الله ﷺ فأكلناه.\nرواه أحمد (٦/ ٣٤٥)، ومسلم (١٩٤٢)، وابن ماجه (٣١٩٠).\n* * *\nــ\nفأباحها لهم، وكانت الخيل بالإباحة أولى من البغال والحمير، لخِفَّة الكراهة فيها، فكانت بالإباحة أولى. ويستثمر من هذا: أن المضطرَّ مهما وجد شيئين أحدهما أغلظ في المنع، عدل إلى الأخف، واجتنب الأثقل، وكذلك يفعل في المحرمات؛ إذا كان أحدهما - مثلًا - مُتَّفقًا على تحريمه، والثاني مختلفًا فيه، فينبغي للمضطرِّ أن يأكل المختلف فيه. وقد شذَّت طائفة منهم، فقالت بتحريم لحوم الخيل. منهم: الحكم بن عتيبة، وفيه بُعدٌ؛ لأنَّ الآية لا تدل عليه، والأحاديث تخالفه. والله تعالى أعلم.\nو(قول جابر: أكلنا يوم (١) خيبر حمر الوحش) يعني: أنهم صادوها، ولا خلاف في جواز أكلها فيما علمته؛ لأنَّها من جملة الصَّيد الذي أباحه الله تعالى في كتابه، وعلى لسان رسوله - ﷺ -.\n* * *\n_________\n(١) في التلخيص: زمن.","vol":"5","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-697>(٧) باب ما جاء في أكل الضب</span>\n[١٨٤٥] عن ابنَ عُمَرَ قال: سُئِلَ رسول الله ﷺ عَن الضَّبِّ فَقَالَ: لَستُ بِآكِلِهِ وَلَا مُحَرِّمِهِ.\nوفي رواية: أتي رسول الله ﷺ بضب فلم يأكله ولم يحرمه.\nرواه أحمد (٢/ ٦٢ و٧٤)، والبخاري (٥٥٣٦)، ومسلم (١٩٤٣) (٣٩ - ٤١)، والترمذيُّ (١٧٩٠)، والنسائي (٧/ ١٩٧)، وابن ماجه (٣٢٤٢).\nــ\n(٧ و٨) ومن باب: أكل الضبِّ (١)\nوهو حرذونٌ كبير يكون في الصحراء. و(المَحنُوذ): المشوي بالرَّضف، وهي الحجارة المحمَّاة، وهو الحنيذ أيضًا. وقيل: المشوي مطلقًا. يقال: حَنَذَته النار، والشمس؛ إذا شوته.\nو(قوله ﷺ في الضبِّ: لست بآكله، ولا محرِّمه)، و(قول خالد: (أحرامٌ الضبُّ يا رسول الله؟ فقال: لا) دليل على أنه ليس بحرام. وهي تبطل قول من قال بتحريمه. حكاه المازري عن قومٍ، ولم يُعيِّنهم. وحكى ابن المنذر عن علي - ﵁ - النهي عن أكله. والجمهور من السلف والخلف على إباحته لما ذكرناه، وقد كرهه آخرون: فمنهم من كرهه استقذارًا، ومنهم من كرهه مخافة أن يكون مما مسخ. وقد جاء في هذه الأحاديث التنبيه على هذين التعليلين. وقد جاء\n_________\n(١) شرح الشيخُ -﵀- تحت هذا العنوان ما أشكل في أحاديث هذا الباب، وما أشكل في أحاديث الباب الذي يليه في التلخيص بعنوان: باب: ما جاء في أن الضَّبَّ والفأر يتوقّع أن يكونا مما مسخ.","vol":"5","page":230},{"text":"[١٨٤٦] وعن ابن عَبَّاسٍ أَنَّ خَالِدَ بنَ الوَلِيدِ الَّذِي يُقَالَ لَهُ: سَيفُ اللَّهِ، أَخبَرَهُ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَيمُونَةَ زَوجِ النَّبِيِّ ﷺ - وَهِيَ خَالَتُهُ وَخَالَةُ ابنِ عَبَّاسٍ - فَوَجَدَ عِندَهَا ضَبًّا مَحنُوذًا، قَدِمَت بِهِ أُختُهَا حُفَيدَةُ بِنتُ الحَارِثِ مِن نَجدٍ، فَقَدَّمَت الضَّبَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ قَلَّمَا يُقَدّمُ يديه لطَعَام حَتَّى يُحَدَّثَ بِهِ، وَيُسَمَّى لَهُ، فَأَهوَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ إِلَى الضَّبِّ، فَقَالَت امرَأَةٌ مِن النِّسوَةِ الحُضُورِ: أَخبِرنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَا قَدَّمتُنَّ لَهُ، قُلنَ: هُوَ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ، فَقَالَ خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ: أَحَرَامٌ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُ لَم يَكُن بِأَرضِ قَومِي، فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ.\nــ\nفي غير كتاب مسلم: أنه - ﷺ - كرهه لرائحته، فقال: (إني يحضرني من الله حاضرة) (١)، يريد: الملائكة. فيكون هذا كنحو ما قال في الثوم: (إِنِّي أناجي من لا تناجي) (٢).\nقلت: ولا بُعد في تعليل كراهة الضب بمجموعها (٣).\nوإنما كان يُسمَّى له الطعام إذا وُضع بين يديه ليقبل على ما يحب، ويترك ما لا يحب؛ فإنَّه - ﷺ - ما كان يذمُّ ذواقًا، فإن أحبَّه أكله، وإن كرهه تركه، كما فعل بالضبِّ.\nو(قوله: لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه) أي: أكرهه. يقال: عِفت الشيء أعافه [عيفًا: إذا كرهته. وعِفتُه أُعِيفُه] (٤) عيافة: من الزجر. وعافَ الطيرُ،\n_________\n(١) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٩٦٧).\n(٢) رواه البخاري (٨٥٥)، والبخاري (٥٦٤) (٧٣).\n(٣) سقطت من (ز).\n(٤) ما بين حاصرتين سقط من (ع).","vol":"5","page":231},{"text":"قَالَ خَالِدٌ: فَاجتَرَرتُهُ فَأَكَلتُهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنظُرُ، فَلَم يَنهَنِي.\nرواه البخاريُّ (٥٥٣٧)، ومسلم (١٩٤٥ و١٩٤٦) (٤٤)، وأبو داود (٣٧٩٤)، والنسائي (٧/ ١٩٧ و١٩٨)، وابن ماجه (٣٢٤١).\n[١٨٤٧] وعَن يَزِيدَ بنِ الأَصَمِّ قَالَ: دَعَانَا عَرُوسٌ بِالمَدِينَةِ فَقَرَّبَ إِلَينَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ ضَبًّا، فَآكِلٌ وَتَارِكٌ، فَلَقِيتُ ابنَ عَبَّاسٍ مِن الغَدِ فَأَخبَرتُهُ، فَأَكثَرَ القَومُ حَولَهُ حَتَّى قَالَ بَعضُهُم: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا آكُلُهُ، وَلَا أَنهَى عَنهُ، وَلَا أُحَرِّمُهُ. فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: بِئسَ مَا قُلتُم، مَا بُعِثَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِلَّا\nــ\nيَعيفُ: إذا حام على الماء ليشرب.\nو(قوله: بأرض قومي) ظاهره: أنه لم يكن موجودًا فيها، وقد حكي عن بعض العلماء: أن الضبَّ موجودٌ عندهم بمكة؛ غير أنه قليل، وأنهم لا يأكلونه. والله تعالى أعلم.\nو(قول خالد: فاجتررته، فأكلته ورسول الله - ﷺ - ينظر، فلم يمنعني) هذا تقرير منه - ﷺ - على جواز أكله، ولو كان حرامًا لم يقرَّ عليه، ولا أُكِلَ على مائدته، ولا بحضرته، فثبت: أنه حلال مطلقٌ لعينه. وإنَّما كرهه لأمور خارجةٍ عن عينه، كما نصَّ عليها فيما ذكرناه آنفا.\nو(قول يزيد بن الأصم: دعانا عروسٌ بالمدينة، فقرَّب إلينا ثلاثة عشر ضبًّا) دليل: على أن أكلهم للضباب كان فاشيًا عندهم، معمولًا به في الحاضرة، وفي البادية، ولذلك قال عمر - ﵁ -: إنه طعام عامة الرُّعاء، ولو كان عندي طعمته.\nوإنكار ابن عباس على الذي نقل عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: (لا آكله، ولا أنهى عنه، ولا أحرِّمه) إنما كان لأنَّه فهم من الناقل: أنه اعتقد أن النبي - ﷺ - لم يحكم في الضبِّ بشيء، ولذلك قال له: بئس ما قلت، ما بعث رسول الله - ﷺ - إلا محرِّمًا ومحلِّلًا. ثم بيَّن له بعد ذلك الدليل على أنَّه - ﷺ - أباحه، فذكر الحديث.","vol":"5","page":232},{"text":"مُحِلّلا وَمُحَرِّمًا، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَينَمَا هُوَ عِندَ مَيمُونَةَ وَعِندَهُ الفَضلُ بنُ عَبَّاسٍ، وَخَالِدُ بنُ الوَلِيدِ، وَامرَأَةٌ أُخرَى، إِذ قُرِّبَ إِلَيهِم خُوَانٌ عَلَيهِ لَحمٌ، فَلَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَن يَأكُلَ، قَالَت لَهُ مَيمُونَةُ: إِنَّهُ لَحمُ ضَبٍّ، فَكَفَّ يَدَهُ، وَقَالَ: هَذَا لَحمٌ لَم آكُلهُ قَطُّ. وَقَالَ لَهُم: كُلُوا. فَأَكَلَ مِنهُ الفَضلُ، وَخَالِد، وَالمَرأَةُ، وَقَالَت مَيمُونَةُ: لَا آكُلُ مِن شَيءٍ إِلَّا شَيءٌ يَأكُلُ مِنهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.\nوفي رواية: قَالَ ابن عَبَّاسٍ: أَهدَت خَالَتِي أَمُّ حُفَيدٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَمنًا وَأَقِطًا وَأَضُبًّا، فَأَكَلَ مِن السَّمنِ وَالأَقِطِ، وَتَرَكَ الضَّبَّ\nــ\nو(الخوان): ما يجعل عليه الطعام، يقال بكسر الخاء وضمها، وجمعه: أَخوِنَة وخُونٌ. ويُسمَّى بذلك إذا لم يكن عليه طعام، وإذا وضع عليه الطعام يسمّى: مائدة.\nوفيه دليل: على جواز اتخاذ الأخونة، والأكل عليها؛ فإنَّه - ﷺ - قد كان له خوان، وأُكِل عليه بحضرته، على ما اقتضاه ظاهر هذا الحديث. وما روي: أنه - ﷺ - وأصحابه - ﵃ - لم تكن لهم موائد، وإنما يأكلون على السُّفَرِ، فذلك كان غالب أحوالهم. والله تعالى أعلم.\nو(قول ابن عباس: أهدت خالتي أمُّ حُفيد) مصغر بغير هاء. كذا صوابه؛ لأنَّه الأشهر. واسمها: هزيلة. وهكذا ذكره أبو عمر في الصحابة، وهي رواية النَّسفي في البخاري، وما عدا هذه الرواية فاضطراب من الرواة. فمنهم من قال: حُفيدة. ومنهم من قال: أمّ حُفيدة. ومنهم من قال: أمّ حُفيد (١). وعند بعض رواة البخاري: أمُّ حذيفة. والأول الصواب. والله تعالى أعلم.\nو(الأَقِطُ): اللَّبن المجبَّن المُجَّفف.\n_________\n(١) في (ل ١): حميد.","vol":"5","page":233},{"text":"تَقَذُّرًا، وَأُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَو كَانَ حَرَامًا مَا أُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nرواه البخاري (٥٥٣٧)، ومسلم (١٩٤٧ و١٩٤٨)، وأبو داود (٣٧٩٣)، والنسائي (٤٣٢٤)، وابن ماجه (٣٢٤١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-698>(٨) باب ما جاء في أن الضب والفأر يتوقع أن يكونا مما مسخ</span>\n[١٨٤٨] عن جَابِر بن عَبدِ اللَّهِ قال: أُتِيَ النبي ﷺ بِضَبٍّ، فَأَبَى أَن يَأكُلَ مِنهُ، وَقَالَ: لَا أَدرِي لَعَلَّهُ مِن القُرُونِ الَّتِي مُسِخَت\nرواه أحمد (٣/ ٣٢٣ و٣٨٠)، ومسلم (١٩٤٩).\n[١٨٤٩] وعَن أَبِي الزُّبَيرِ قَالَ: سَأَلتُ جَابِرًا عَن الضَّبِّ، فَقَالَ: لَا تَطعَمُوهُ، وَقَذِرَهُ. وَقَالَ: قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَم يُحَرِّمهُ؛ إِنَّ اللَّهَ يَنفَعُ بِهِ غَيرَ وَاحِدٍ، فَإِنَّمَا طَعَامُ عَامَّةِ الرِّعَاءِ مِنهُ، وَلَو كَانَ عِندِي طَعِمتُهُ.\nرواه مسلم (١٩٥٠).\n[١٨٥٠] وعَن أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ أَعرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي فِي غَائِطٍ مَضَبَّةٍ، وَإِنَّهُ عَامَّةُ طَعَامِ أَهلِي. قَالَ: فَلَم يُجِبهُ، فَقُلنَا: عَاوِدهُ،\nــ\nو(قول الأعرابي: في غائطٍ مَضَبَّة)، الغائط: المنخفض من الأرض، و(مضبَّة) أي: ذات ضِباب كثيرة، وهي بفتح الميم والضاد، كقولهم: أرض","vol":"5","page":234},{"text":"فَعَاوَدَهُ فَلَم يُجِبهُ، ثَلَاثًا، ثُمَّ نَادَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الثَّالِثَةِ فَقَالَ: يَا أَعرَابِيُّ، إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ - أَو غَضِبَ - عَلَى سِبطٍ مِن بَنِي إِسرَائِيلَ فَمَسَخَهُم دَوَابَّ يَدِبُّونَ فِي الأَرضِ، فَلَا أَدرِي لَعَلَّ هَذَا مِنهَا، فَلَستُ آكُلُهَا وَلَا أَنهَى عَنهَا.\nرواه مسلم (١٩٥١) (٥٠ - ٥١).\nــ\nمَسبَعة، ومأسدة؛ أي: كثيرةُ ذلك. قال سيبويه: مَفعَلَة - بالهاء والفتح - للتكثير، وقد حكى غيره في مَضَبَّة: كسر الميم والضاد، والأول المعروف. و(السَّبط): واحد الأسباط، وهم كالقبائل في العرب.\nو(قوله - ﷺ -: إن الله لعن - أو: غضب - على سبط من بني إسرائيل، فمسخهم دوابَّ يَدِبُّون، ولا أدري لعل هذا منها) هذا منه - ﷺ - تَوقُّعٌ، وخوف لأن يكون الضَّبُّ من نسل ما مسخ من الأمم. ومثله ما ذكره في الفأرة لما قال: (فُقِدت أمَّة من بني إسرائيل لا أدري ما فَعَلت، ولا أراها إلا الفأر) كان هذا منه - ﷺ - ظنًّا، وحدسا قبل أن يوحى إليه: (إن الله تعالى لم يجعل لمسخٍ نسلًا) (١). فلما أوحي إليه بذلك زال عنه ذلك التخوُّف، وعلم أن الضَّبَّ والفأر ليسا من نسل ما مُسِخ. وعند ذلك أخبرنا بقوله: (إن الله لم يجعل لمسخٍ نسلًا) (١).\nوقد تقدَّمت النصوص بإباحة أكل الضَّبِّ، وأما الفأر: فلا يأكل، لا لأنه مسخ، بل لأن رسول الله - ﷺ - قد استخبثه، كما قد استخبث الوزغ، وأمر بقتله، وسَمَّاه: فويسقًا. وإذا ثبت ذلك فقد تناوله قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيهِمُ الخَبَائِثَ﴾ فيكون أكلها حرامًا.\nوأما الهِرَّ: فقد تناوله (٢) عموم تحريم كل ذي ناب. فإنَّه من ذوات الأنياب على ما تقدم. وقد جاء فيه حديث\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٤٣٣)، ومسلم (٢٦٦٣).\n(٢) ما بين حاصرتين سقط من (ع).","vol":"5","page":235},{"text":"[١٨٥١] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فُقِدَت أُمَّةٌ مِن بَنِي إِسرَائِيلَ لَا يُدرَى مَا فَعَلَت، وَلَا أُرَاهَا إِلَّا الفَأرَ، أَلَا تَرَونَهَا إِذَا وُضِعَ لَهَا أَلبَانُ الإِبِلِ لَم تَشرَبهُ، وَإِذَا وُضِعَ لَهَا أَلبَانُ الشَّاءِ شَرِبَتهُ؟ قَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: فَحَدَّثتُ هَذَا الحَدِيثَ كَعبًا فَقَالَ: آنتَ سَمِعتَهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قُلتُ: نَعَم. قَالَ ذَلِكَ مِرَارًا، قُلتُ: آقرَأُ التَّورَاةَ؟ . وفي أخرى: أأنزلت علي التوراة؟ ولفظها: الفأرة مسخ، وآية ذلك: أنه يوضع ... وذكر نحوه.\nرواه أحمد (٢/ ٤١١)، ومسلم (٢٩٩٧) (٦١ و٦٢).\n* * *\nــ\nصحيح ذكره أبو داود من حديث جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن أكل الهِرِّ، وأكل ثمنه (١).\nو(قول أبي هريرة: آقرأ التوراة؟) هو بمد همزة أَقرأُ؛ لأنَّها للاستفهام على جهة الإنكار على كعب لَمَّا كرَّر عليه السؤال بقوله: آنت سمعته من رسول الله - ﷺ -؟ وقد بيَّنه في الرواية الأخرى حيث قال: أَأُنزِلَت علي التوراة؟ . وكان هذا من أبي هريرة تعريضًا بكعب، فإنَّه كان يقرأ التوراة، وكان أكثر أحاديثه منها. وأما أبو هريرة فما كان يُحَدِّثُ إلا عن رسول الله - ﷺ -.\n* * *\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٤٨٠)، والترمذي (١٢٨٠)، وابن ماجه (٣٢٥٠).","vol":"5","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-699>(٩) باب أكل الجراد والأرانب</span>\n[١٨٥٢] عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: غزونا مع رسول الله - ﷺ - نأكل الجراد.\nوفي رواية: سبع غزوات.\nرواه أحمد (٤/ ٣٥٧)، والبخاريُّ (٥٤٩٥)، ومسلم (١٩٥٢)، وأبو داود (٣٨١٢)، والترمذي (١٨٢٢)، والنسائي (٧/ ٢١٠).\nــ\n(٩) ومن باب: أكل الجراد والأرنب\n(قوله: غزونا مع رسول الله - ﷺ - سبع غزوات نأكل الجراد) ظاهره جواز أكل الجراد مطلقًا، ولم يُختلف في جواز أكل الجراد على الجملة، لكن اختلف فيه؛ هل يحتاج إلى سبب يموت به أم لا يحتاج؟ فعامَّة الفقهاء: على أنه لا يحتاج إلى ذلك. فيجوز أكل الميتة منه. وإليه ذهب ابن عبد الحكم، ومطرِّف من أصحابنا. وذهب مالك: إلى أنَّه لا بدَّ له من سبب يموت به، كقطع رأسه، أو رجله، أو أجنحته إذا مات من ذلك، أو يشوى، أو يُصلَق. وقال اللَّيث: يُكره أكل ميت الجراد إلا ما أخذ حيًّا ثم مات، فإن أخذه ذكاته، وإليه ذهب سعيد بن المسيب، والجمهور تمسُّكًا بظاهر حديث ابن أبي أوفى المتقدم، وبما ذكره ابن المنذر: أن أزواج النبي - ﷺ - كن يتهادين الجراد فيما بينهن (١). وبما ذكره الدارقطني عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - قال: (أحل لنا ميتتان: الحوت والجراد، ودمان: الكبد والطحال) (٢)، على أنه لا يصحُّ لأنه من رواية عبد الله، وعبد الرحمن ابني\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (٣٢٢٠).\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٩٧)، وابن ماجه (٣٣١٤ و٣٢١٨). وانظره في بلوغ المرام رقم (١٥).","vol":"5","page":237},{"text":"[١٨٥٣] وعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: مَرَرنَا فَاستَنفَجنَا أَرنَبًا بِمَرِّ الظَّهرَانِ، فَسَعَوا عَلَيهِ فَلَغَبُوا، قَالَ: فَسَعَيتُ حَتَّى أَدرَكتُهَا، فَأَتَيتُ بِهَا أَبَا\nــ\nزيد بن أسلم، ولا يحتج بحديثهما. ومن الجمهور من رأى: أنه من صيد البحر، وعلى هذا فيجوز للمُحرِم صيدها (١)، من غير جزاء، ويجوز أكل ما صاد المجوسي منه، وإليه ذهب النَّخعي، والشافعي، والنعمان، وأبو ثور. فأما مالك والليث فرأيا: أن الجراد من حيوان البر، فميتته محرَّمة؛ لأنَّها داخلة في عموم قوله: ﴿حُرِّمَت عَلَيكُمُ المَيتَةُ﴾ ولم يصح عندهم: (أحلّت لنا ميتتان)، وقالا بموجب حديث ابن أبي أوفى، وبما ذكره ابن المنذر بشرط الذكاة؛ إذ ليسا بنصَّين. وإذا كان كذلك فلا بُدَّ من ذكاة، إلا أن ذكاة كل شيء بحسب ما يتأتى فيه. فرأى مالك: أنه لا بدَّ من فعلٍ يُفعل فيها حتى تموت بسببه. ورأى اللَّيث: أن أخذها وتركها إلى أن تموت سببٌ يبيحها. ولم ير مالك ذلك لأنه لم يفعل فيها شيئًا. وقال أشهب: لا يؤكل الجراد إلا إذا قُطعت رؤوسه، أو يُطرح حيًّا في نار، أو ماء. فأما قطع أرجله، وأجنحته فلا يكون ذلك ذكاة عنده؛ وإن مات بسببه، وعلى هذا: فلو صُلِقَ الحي منه مع الميت فقال أشهب: يُطرح الجميع، وقال سحنون: يؤكل الأحياء، وتكون الموتى بمنزلة خشاش الأرض يموت في القِدر.\nقلت: وهذا من سحنون ميل إلى أنه من الحيوان الذي ليس له نفسٌ سائلةٌ. ويلزم على هذا ألا ينجس بالموت، ولا ينجس ما مات فيه. وحينئذ يجوز أكله ميتًا. والله تعالى أعلم.\nو(قول أنس: استَنفَجنا أرنبًا) هذا الحرف صحيح روايته ومشهورها عند أهل التقييد واللغة بالنون والفاء، لا يعرفون غيره. ومعناه: استَثَرنا الأرنب وأخرجناه من مكمنه. يقال: نفَجت الأرنب إذا وثبت. قال الهروي: أنفجتُ\n_________\n(١) في (ل ١): صيده.","vol":"5","page":238},{"text":"طَلحَةَ فَذَبَحَهَا، فَبَعَثَ بِوَرِكِهَا وَفَخِذَيهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأَتَيتُ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَبِلَهُ.\nرواه أحمد (٣/ ٢٩١)، والبخاري (٥٥٣٥)، ومسلم (١٩٥٣)، وأبو داود (٣٧٩١)، والترمذيُّ (١٧٩٠)، والنسائي (٧/ ١٩٧)، وابن ماجه (٣٢٤٣).\n* * *\nــ\nالأرنبَ (١) من جحره فنفج؛ أي: أثرتُه: فثار. وقد وقع للمازري: (فبعجنا) بالباء بواحدة من تحتها، والعين المهملة. وفسَّره بـ: شققنا، من: بعج بطنه؛ إذا شقَّه، وهذا لا يصحُّ رواية ولا معنى، وإنما هو تصحيف، وكيف يَشُقُّون بطنها، ثم يسعون خلفها؟ !\nو(السَّعي): الجري. و(اللُّغوب): التعب والإعياء. وجمهور السَّلف والخلف من الفقهاء وغيرهم على العمل بحديث أنس هذا، في جواز أكل الأرنب. وقد حكي عن عبد الله بن عمرو بن العاصي تحريمه. وعن ابن أبي ليلى كراهته. وقد ذكر عبد الرزاق من حديث عبد الكريم بن أمية - وهو ضعيف - قال: سأل جريرُ بن أنس رسول الله - ﷺ - عن الأرنب فقال: (أُنبئت أنها تحيضُ، لا آكُلُها) (٢). وهو منقطع. وذكر النسائي أيضًا عن موسى بن طلحة، قال: أتي النبي - ﷺ - بأرنب قد شواها رجل، وقال: يا رسول الله! إني رأيت بها دمًا. فتركها رسول الله - ﷺ - فلم يأكلها، وقال لمن عنده: (فإني لو اشتهيتها أكلتها) (٣). وهذا\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).\n(٢) رواه عبد الرزاق في مصنفه (٨٦٩٩)، وفيه أن الراوي عن النبي - ﷺ - هو: جرير بن أوس الأسلمي، وفي الإصابة: جزء بن أنس السلمي. وفي المحلى لابن حزم (٧/ ٤٣٣): جرير بن أنس. قال حبيب الرحمن الأعظمي: وظني أن ما في المحلى تحريف.\n(٣) رواه النسائي (٧/ ١٩٦) من حديث موسى بن طلحة عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ -.\nومن حديث موسى بن طلحة عن أبي الحوتكية قال: قال عمر. . .","vol":"5","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-700>(١٠) باب الأمر بإحسان الذبح وحد الشفرة</span>\n[١٨٥٤] عَن شَدَّادِ بنِ أَوسٍ قَالَ: ثِنتَانِ حَفِظتُهُمَا من رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحسَانَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، فَإِذَا قَتَلتُم\nــ\nمرسل. وليس في شيء من الأحاديث - وإن ضَعُفَت - ما يدلّ على تحريم الأرنب. وغاية هذين الخبرين استقذارها مع جواز أكلها. فأمَّا من حَرَّم أكلها: فلا متمسك له فيما علمناه، والحديث الأول حُجَّة عليه.\n(١٠ و١١) ومن باب: الأمر بتحسين الذبح والنهي عن صبر البهائم (١)\n(قوله: إن الله كتب الإحسان على كل شيء) أي: أَمَر به، وحضَّ عليه. وأصل كتب: أثبت وجمع. ومنه قوله تعالى: ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ﴾؛ أي: ثبَّته وجمعه. ومنه: كتبتُ البغلة؛ إذا جمعتَ حياءها. و(على) هنا بمعنى: (في)، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلكِ سُلَيمَانَ﴾؛ أي: في ملكه. ويقال: كان كذا على عهد فلان؛ أي: في عهده. حكاه القتبي.\nو(الإحسان) هنا بمعنى: الإحكام، والإكمال، والتحسين في الأعمال المشروعة، فحقُّ من شرع في شيء منها أن يأتي به على غاية كماله، ويحافظ على آدابه المصححة، والمكمِّلة، وإذا فعل ذلك قُبِل عمله، وكَثُر ثوابه.\nو(القِتلة) بكسر القاف، هي الرواية، وهي: هيئة القتل. و(القَتلة) بالفتح: مصدر قتل المحدود. وكذلك: الرِّكبَة والمِشيَةُ: الكسر للاسم، والفتح للمصدر. والذَّبح أصله: الشقُّ، والقطع. قال (٢):\n_________\n(١) شرح الشيخ -﵀- تحت هذا العنوان ما أشكل في أحاديث هذا الباب، وما أشكل في أحاديث الباب الذي يليه، وهو في التلخيص بعنوان: باب النهي عن صبر البهائم، وعن اتخاذها غرضًا، وعن الخذف.\n(٢) هو منظور بن مرثد الأسديّ.","vol":"5","page":240},{"text":"فَأَحسِنُوا القِتلَةَ، وَإِذَا ذَبَحتُم فَأَحسِنُوا الذَّبحَ، وَليُحِدَّ أَحَدُكُم شَفرَتَهُ، وليُرِح ذَبِيحَتَهُ.\nرواه أحمد (٤/ ١٢٣)، ومسلم (١٩٥٥)، وأبو داود (٢٨١٥)، والترمذي (١٤٠٩)، والنسائي (٧/ ٢٢٧)، وابن ماجه (١٣٧٠).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-701>(١١) باب النهي عن صبر البهائم وعن اتخاذها غرضا وعن الخذف</span>\n[١٨٥٥] عن هِشَامَ بنَ زَيدِ بنِ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: دَخَلتُ مَعَ جَدِّي أَنَسِ بنِ مَالِكٍ دَارَ الحَكَمِ بنِ أَيُّوبَ، فَإِذَا قَومٌ قَد نَصَبُوا دَجَاجَةً يَرمُونَهَا، قَالَ: فَقَالَ أَنَسٌ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَن تُصبَرَ البَهَائِمُ.\nرواه البخاري (٥٥١٣)، ومسلم (١٩٥٦)، وأبو داود (٢٨١٦)، والنسائي (٧/ ٢٣٨).\nــ\nكأنَّ بين فَكها والفَكِّ ... فأرةَ مِسكٍ ذُبِحت في سُكِّ (١)\nوإحسان الذبح في البهائم: الرفق بالبهيمة، فلا يصرعها بعنف، ولا يجرُّها من موضع إلى موضع، وإحداد الآلة، وإحضار نيَّة الإباحة، والقُربَة، وتوجيهها إلى القبلة، والتَّسمية، والإجهاز، وقطع الودجين والحلقوم، وإراحتها، وتركها إلى أن تبرد، والاعتراف لله تعالى بالمنَّة، والشكر له على النعمة بأنه سخر لنا ما لو\n_________\n(١) السُّك: ضرب من الطيب يُضاف إلى غيره من الطيب.","vol":"5","page":241},{"text":"[١٨٥٦] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا تَتَّخِذُوا شَيئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا.\nرواه أحمد (١/ ٢٨٠)، ومسلم (١٩٥٧)، والترمذيُّ (١٤٧٥)، والنسائي (٧/ ٢٣٨)، وابن ماجه (٣١٨٧).\n[١٨٥٧] وعَن سَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ قَالَ: مَرَّ ابنُ عُمَرَ بِنَفَرٍ قَد نَصَبُوا دَجَاجَةً يَرمَونَهَا.\nوفي رواية: قَد جَعَلُوا لِصَاحِبِ الطَّيرِ كُلَّ خَاطِئَةٍ مِن نَبلِهِم، فَلَمَّا رَأَوا ابنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا عنها. فَقَالَ ابنُ عُمَرَ: مَن فَعَلَ هَذَا؟ لَعَن اللَّهُ مَن فَعَلَ هَذَا. إن رَسُول اللَّهِ ﷺ لعن من فعل هذا.\nوفي رواية: لَعَنَ مَن اتَّخَذَ شَيئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا\nرواه البخاريُّ (٥٥١٥)، ومسلم (١٩٥٨)، والنسائي (٧/ ٢٣٨).\nــ\nشاء لسلطه علينا، وأباح لنا ما لو شاء لحرَّمه علينا. وقال ربيعة: من إحسان الذبح: ألا تذبح بهيمة، وأخرى تنظر. وحكي جوازه عن مالك. والأوَّل أولى.\nثم قوله - ﷺ -: (إذا قتلتم فأحسنوا القِتلَة) يحمل على عمومه في كل شيء من التذكية، والقصاص، والحدود، وغيرها، وليجهز في ذلك، ولا يقصد التعذيب.\nونهيه عن صبر البهائم مفسَّر في حديث ابن عباس حيث قال: (لا تتخذوا شيئًا فيه الرُّوح غرضًا). وأصل الصَّبرِ: الحبس. وقد تقدم في الأيمان. وهذا النَّهي على ظاهره من التحريم. وقد دلَّ على ذلك: لَعنُ رسولُ الله - ﷺ - لِمَن فعل ذلك، كما في حديث ابن عمر. و(خاطئة النبل) هي: التي لا تُصيب. وظاهره: أن الذي جُعِل لصاحب الطير أن يأخذه السَّهم. ويحتمل: أن يكون الذي جُعِل له جُعلا غيرُ ذلك على المخطئ كُلَّما أخطأ، وكل ذلك قِمَارٌ لا يجوز. و(الخَذفُ)","vol":"5","page":242},{"text":"[١٨٥٨] وعن جَابِر قال: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَن يُقتَلَ شَيءٌ مِن الدَّوَابِّ صَبرًا.\nرواه مسلم (١٩٥٩).\n[١٨٥٩] وعَن سَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ أَنَّ قَرِيبًا لِعَبدِ اللَّهِ بنِ مُغَفَّلٍ خَذَفَ؛ قَالَ: فَنَهَاهُ وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن الخَذفِ وَقَالَ: إِنَّهَا لَا تَصِيدُ صَيدًا، وَلَا تَنكَأُ عَدُوًّا، وَلَكِنَّهَا تَكسِرُ السِّنَّ وَتَفقَأُ العَينَ. قَالَ: فَعَادَ، فَقَالَ: أُحَدِّثُكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنهُ، ثُمَّ تَخذِفُ! لَا أُكَلِّمُكَ أَبَدًا! .\nرواه أحمد (٤/ ٨٦)، والبخاريُّ (٥٤٧٩)، ومسلم (١٩٥٤) (٥٤)، والنسائي (٨/ ٤٧)، وابن ماجه (٣٢٢٧).\n* * *\nــ\nبالخاء المعجمة بواحدة من فوقها: الرَّمي بالحجر. وبالحاء المهملة: الضرب بالعصا.\nو(قوله: إنها لا تصيد صيدًا) أي: لا يحلُّ ما يُصادُ بالبُندُق، ولا الحَجَرِ؛ لأنَّه ليس بمحددٍ، ولا سلاح.\nو(قوله: لا تَنكَأ عدوًّا) المشهور في هذا الحرف عند أكثر الرواة: الهمز، وكذلك قيدته ورويته، وهو من: نكأت القرحة، وفيه بُعدٌ. وقد وقع في بعض النسخ لبعض الرواة: (لا تُنكِي) بغير همز، من: نكاية العدو. وهو هنا أشبه، وأوجه، غير أن صاحب العين (١) قد حكى عن قوم من العرب: أنهم يقولون: نكأت العدوّ. فعلى هذا تتمشى الرواية المشهورة.\nو(قول عبد الله للخاذف بعد التحذير: لا أُكلِّمك أبدًا) دليلٌ على هجران من خالف الشرع على علمٍ تأديبًا لهم، وزجرًا، حتى يرجعوا. والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) هو الخليل بن أحمد الفراهيدي.","vol":"5","page":243},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-702>(١٢) باب من ذبح لغير الله ولعنه</span>\n[١٨٦٠] عن أَبي الطُّفَيلِ عَامِر بن وَاثِلَةَ قَالَ: كُنتُ عِندَ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسِرُّ إِلَيكَ؟ قَالَ: فَغَضِبَ، وَقَالَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسِرُّ إِلَيَّ شَيئًا يَكتُمُهُ النَّاسَ، غَيرَ أَنَّهُ قَد حَدَّثَنِي\nــ\n(١٢) ومن باب لعن من ذبح لغير الله\n(قول علي - ﵁ - للسائل: ما كانَ رسولُ الله - ﷺ - يُسِرُّ إلي شيئًا يكتمُه النَّاسَ)، وفي لفظ آخر: (ما خصَّنا رسول الله - ﷺ - بشيءٍ لم يَعُمَّ به النَّاسَ) (١) رد وتكذيب للفِرَق الغالية فيه - وهم: الشيعةُ، والإماميةُ، والرافضةُ - الزاعمين أن النبي - ﷺ - وصَّى لعلي، وولاه بالنَّصِّ، وأسرَّ إليه دونَ الناس كلهم بعلومٍ عظيمةٍ، وأمورٍ كثيرةٍ. وهذه كلها منهم أكاذيبُ، وتُرَّهات، وتمويهات، يشهد بفسادها نصوصُ متبوعهم، وما تقتضيه العاداتُ من انتشار ما تدعو إليه الحاجةُ العامَّةُ.\nوغضبُ علي على ذلك دليلٌ على أنَّه لا يرتضي شيئًا مما قيل هنالك.\nوإنما استحقَّ لاعنُ أبويه لعنةَ الله لمقابلته نعمةَ الأبوين بالكُفران، وانتهائه إلى غاية العُقوق والعِصيان، كيف لا وقد قَرَن الله بِرَّهُما بعبادته وإن كانا كافرين بتوحِيده وشريعته.\nوأما لعن مَن ذَبَح لغير الله؛ فإن كان كافرًا يذبحُ للأصنام فلا خفاءَ بحاله، وهي التي أُهِلَّ بها لغير الله، والتي قال الله تعالى فيها: ﴿وَلا تَأكُلُوا مِمَّا لَم يُذكَرِ اسمُ اللَّهِ عَلَيهِ﴾ على ما تقدَّم. وأما إن كان مسلمًا فيتناوله عمومُ هذا اللعن، ثم لا تَحِل ذبيحتُه؛ لأنه لم يقصد بها الإباحة الشرعية، وقد تقدَّم أنها شرط\n_________\n(١) هو رواية في مسلم رقم (١٩٧٨) (٤٥).","vol":"5","page":244},{"text":"بِكَلِمَاتٍ أَربَعٍ، فَقَالَ: مَا هُنَّ يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ؟ قَالَ: قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ مَن لَعَنَ وَالِدَيه، وَلَعَنَ اللَّهُ مَن ذَبَحَ لِغَيرِ اللَّهِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَن آوَى مُحدِثًا، وَلَعَنَ اللَّهُ مَن غَيَّرَ مَنَارَ الأَرضِ.\nرواه مسلم (١٩٧٨) (٤٣)، والنسائي (٧/ ٢٣٢).\n* * *\nــ\nفي الذكاة. ويُتَصوَّر ذبح المسلم لغير الله فيما إذا ذبح عابثًا، أو مُجرِّبًا لآلةِ الذبح، أو للَّهوِ، ولم يقصد الإباحة، وما أشبه هذا. وقد تقدم الكلام على لعن من آوى محدثًا في الحج.\nو(منار الأرض) هي التخوم، والحدود التي بها تتميَّز الأملاك. والمغيِّر لها: إن أضافها إلى ملكه فهو غاصبٌ، وإن لم يضفها إلى ملكه فهو متعدٍّ ظالِمٌ مفسدٌ لِمُلك الغير. وقد قال - ﷺ -: (من غصب شبرًا من الأرض طوَّقه يوم القيامة من سبع أرضين) (١). وقد حمل أبو عبيد هذا الحديث على تغيير حدود الحرم، ولا معنى للتخصيص، بل هو عام في كل الحدود والتخوم. والله تعالى أعلم.\n* * *\n_________\n(١) رواه أحمد (١٨٨١)، وأبو داود (٤٧٧٢)، والترمذي (١٤١٩ و١٤٢١)، والنسائي (٧/ ١١٥ - ١١٦)، وابن ماجه (٢٥٨٠).","vol":"5","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-703>(٢٦) كتاب الأشربة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-704>(١) باب تحريم الخمر</span>\n[١٨٦١] عن عَلِيّ بن أبي طالب قَالَ: كَانَت لِي شَارِفٌ مِن نَصِيبِي مِن المَغنَمِ يَومَ بَدرٍ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعطَانِي شَارِفًا مِن الخُمُسِ يَومَئِذٍ، فَلَمَّا أَرَدتُ أَن أَبتَنِيَ بِفَاطِمَةَ بِنتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَاعَدتُ رَجُلًا صَوَّاغًا مِن بَنِي قَينُقَاعَ يَرتَحِلُ مَعِيَ، فَنَأتِي بِإِذخِرٍ أَرَدتُ أَن أَبِيعَهُ مِن الصَّوَّاغِينَ، فَأَستَعِينَ بِهِ فِي وَلِيمَةِ عُرسِي، فَبَينَا أَنَا أَجمَعُ لِشَارِفَيَّ مَتَاعًا مِن الأَقتَابِ وَالغَرَائِرِ وَالحِبَالِ، وَشَارِفَايَ مُنَاخَتانِ إِلَى جَنبِ حُجرَةِ رَجُلٍ مِن الأَنصَارِ، وَجَمَعتُ حتى جَمَعتُ مَا جَمَعتُ، فَإِذَا شَارِفَايَ قَد اجتُبَّت أَسنِمَتُهُمَا وَبُقِرَت خَوَاصِرُهُمَا وَأُخِذَ مِن أَكبَادِهِمَا، فَلَم أَملِك عَينَيَّ حتى رَأَيتُ ذَلِكَ المَنظَرَ مِنهُمَا، قُلتُ: مَن فَعَلَ هَذَا؟ قَالَوا: فَعَلَهُ حَمزَةُ بنُ عَبدِ المُطَّلِبِ، وَهُوَ فِي هَذَا البَيتِ فِي شَربٍ مِن الأَنصَارِ، غَنَّتهُ قَينَةٌ وَأَصحَابَهُ، فَقَالَت فِي غِنَائِهَا:\nأَلَا يَا حَمزُ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ\nــ\n(٢٦) كتاب الأشربة\n(١) ومن باب: تحريم الخمر (١)\n(قولها: ألا يا حَمزُ للشُّرُفِ النَّواءِ) الرواية الصحيحة المشهورة في هذا\n_________\n(١) هذا العنوان ليس في الأصول واستدرك من التلخيص.","vol":"5","page":246},{"text":"فَقَامَ حَمزَةُ بِالسَّيفِ فَاجتَبَّ أَسنِمَتَهُمَا وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا، فَأَخَذَ مِن\nــ\nاللفظ: (للشُّرُف) باللام وضم الراء. و(النواء) بكسر النون. فالشرف بضم الراء: جمع شارف على غير قياس، وذلك أن الشارف مؤنث؛ لأنَّه اسم للناقة المُسِّنة. وهو في أصله صفة لها، فكان حَقَّه أن يجمع على (فواعل)، أو (فُعَّل) لأنَّهما مثالًا جمع فاعل إذا كان للمؤنث، لكنه لما كان مذكر اللفظ - أي ليس فيه علامة تأنيث - حملوه على (بازل) الذي هو صفة للجمل المسنِّ، فجمعوه جَمعَهُ، فقالوا: شُرُف. كما قالوا: بُزُل. واللام في الشُّرُف لام الجر، وهي متعلقة بفعل محذوف دلَّ عليه الحال؛ أي: انهض للشُّرُف، أو: قُم لها. تُحرِّضُه على نحرها، ولذلك قام حمزة فنحرها.\nو(النواء): السمان. يقال: نوت الناقة، تنوي، فهي ناوية، وجمعها: نواء، وهو أيضًا على غير قياس، كما تقدَّم. قال الخطابي: وقد روى هذا اللفظ أبو جعفر الطبري: (ذا الشَرَف) بـ (ذا) التي بمعنى صاحب، وبفتح الراء والشين. قال: وفسَّره بالبعد.\nقلت: وفي هذه الرواية ومعناها بُعدٌ، والصواب: رواية الجماعة كما ذكرناه السَّاعة.\nو(الصُّوَّاغ): الصَّائِغ، وهو الذي يصوغُ الذهب والفضة، وهو للمبالغة. و(الأقتاب): جمع قتب، وهو أداة الرَّحل، وقد يكون في موضع آخر الأمعاء. و(اجتبَّ أسنمتها) أي: شق عنها الجلد، وأخرج الشحم الذي فيها. و(بُقِرت خواصرها) أي: نُقِبَت. وهذا إنما فعل ذلك بعد أن نحرها على عادتهم. وعلى هذا يدلُّ الشعر المذكور بعد هذا. ويحتمل أن يكون فعل ذلك بها من غير نحر استعجالًا لإجابة الإغراء الذي أغرته به المغنية، لا سيما وقد كانت الخمر أخذت منه.\nو(قوله: فلم أملك عيني) أن بكيت، يعني: مغلوبًا لشدَّة الموجدة.\nو(الشَّربُ) بفتح الشين وسكون الراء: اسم للقوم يجتمعون للشُّرب، بضم الشين. و(القينة): المُغَنِّيةُ.","vol":"5","page":247},{"text":"أَكبَادِهِمَا. فَقَالَ عَلِيٌّ: فَانطَلَقتُ حَتَّى أَدخُلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعِندَهُ زَيدُ بنُ حَارِثَةَ، قَالَ: فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي وَجهِيَ الَّذِي لَقِيتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا لَكَ؟ . قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا رَأَيتُ كَاليَومِ! عَدَا\nــ\nو(قوله: ما رأيت كاليوم قطّ) هذا كلام كثر عندهم، حتى صار كالمثل. والكاف فيه نعت لـ (يوم) محذوف، تقديره: ما رأيت يومًا مثل اليوم. يهوله لما لقي فيه. ويحتمل أن يكون نعتًا لمصدر محذوف. أي: ما رأيت كربًا مثل كرب اليوم، أو ما شاكل ذلك. ويدلُّ على الأول ما أنشده ابن شبَّة من الزيادة في شعر القَينة فقال:\nألا يا حمز للشُّرفِ النَّواءِ ... وهنَّ مُعَقَّلاتٌ بالفِنَاء\nضع السكين في اللَّبَّات مِنها ... وضَرِّجهُنَّ حمزةُ بالدِّماءِ\nوعَجِّل من أَطايِبها لِشَربٍ ... قَدِيرًا من طَبِيخٍ أو شِواءِ\nقلت: وعلى هذا: فيكون فيه حجة على إباحة أكل ما ذبحه غير المالك تعديًّا، كالغاصب، والسارق. وهو قول جمهور العلماء: مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي. وخالف في ذلك: إسحاق، وداود، وعكرمة، فقالوا: لا يؤكل. وهو قول شاذٌّ، وحجَّة الجمهور: أن الذكاة وقعت من المتعدِّي على شروطها الخاصة بها. وقيمة الذبيحة قد تعلَّقت بذمة المتعدِّي، فلا موجب للمنع، وقد وقع التفويت. وقد روى ابن وهب حديثًا يدلُّ على جواز الأكل، فليبحث عنه، وليُكتب هنا (١).\nو(قوله: وجمعتُ حتَّى جمعتُ ما جمعت) هكذا رواه الطبري، والعذري، وابن ماهان بـ (حتى) التي هي للغاية. وقد رواه السجزي، والسَّمرقندي: (حين)\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٢٩٣)، وأبو داود (٣٣٣٢)، والدارقطني (٤/ ٢٨٦) من حديث عاصم بن كليب.","vol":"5","page":248},{"text":"حَمزَةُ عَلَى نَاقَتَيَّ فَاجتَبَّ أَسنِمَتَهُمَا وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا، وَهَا هُوَ فِي بَيتٍ\nــ\nمكان (حتى) والأول أوضح. وقد سقط (وجمعت) الأوَّل في بعض النسخ، وسقوطه وثبوت (حتى) يَحسُن الكلام، وقد ذكره الحميدي في مختصره بلفظ أحسن من هذا، فقال: (وأقبلت حين جمعت ما جمعت).\nقلت: وهذا الحديث يدلُّ على أن شُرب الخمر كان إذ ذاك مباحًا، معمولًا به، معروفًا عندهم بحيث لا يُنكر، ولا يُغير، وأن النبي - ﷺ - أقرَّ عليه، وعليه يدلُّ قوله تعالى: ﴿لا تَقرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُم سُكَارَى﴾ وقوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا وَرِزقًا حَسَنًا﴾ وهل كان يباح لهم شرب القدر الذي يسكر؟ ظاهر هذا الحديث يدلّ عليه، فإنَّ ما صدر عن حمزة - ﵁ - للنبي - ﷺ - من القول الجافي المخالف لما يجب من احترام النبي - ﷺ - وتوقيره، وتعزيره، يدلُّ: على أن حمزة كان قد ذهب عقله بما يسكر، ولذلك قال الراوي: فعرف رسول الله - ﷺ -: أنه ثَمِلَ. ثم إن النبي - ﷺ - لم يُنكر على حمزة، ولا عنَّفه، لا في حال سكره، ولا بعد ذلك. فكان ذلك دليلًا على إباحة ما يُسكر عندهم. وهذا خلاف ما قاله الأصوليون وحكوه، فإنَّهم قالوا: إن السكر حرام في كل شريعة قطعًا لأن الشرائع مصالح العباد قطعًا، لا مفاسدهم. وأصل المصالح العقل، كما أن أصل المفاسد ذهابه. فيجب المنع من كل ما يذهبه ويشوشه. وما ذكروه واضح، ويمكن أن ينفصل عن حديث حمزة بأن النبي - ﷺ - ترك الإنكار على حمزة في حال سكره؛ لكونه لا يعقل، وعلى إثر ذلك نزل تحريم الخمر. أو أن حمزة لم يقصد بشربه السُّكر، لكنه أسرع فيه فغلبه. والله تعالى أعلم.\nولم يقع في شيء من الصحيح أن النبي ألزم حمزة غرامة الشارفين، لكن روى هذا الحديث عمر بن شبَّة في كتابه، وزاد فيه من رواية أبي بكر بن عياش: فغرمهما النبي - ﷺ - عن حمزة، وهذه الرواية جارية على الأصول؛ إذ لا خلاف في أنَّ","vol":"5","page":249},{"text":"مَعَهُ شَربٌ، قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرِدَائِهِ فَارتَدَاهُ، ثُمَّ انطَلَقَ يَمشِي. فاتَّبَعتُهُ أَنَا وَزَيدُ بنُ حَارِثَةَ حَتَّى جَاءَ البَابَ الَّذِي فِيهِ حَمزَةُ، فَاستَأذَنَ فَأَذِنُوا لَهُ، فَإِذَا هُم شَربٌ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَلُومُ حَمزَةَ فِيمَا فَعَلَ، فَإِذَا حَمزَةُ مُحمَرَّةٌ عَينَاهُ، فَنَظَرَ حَمزَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ إِلَى رُكبَتَيهِ، ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ فَنَظَرَ إِلَى سُرَّتِهِ، ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ فَنَظَرَ إِلَى وَجهِهِ، قَالَ حَمزَةُ: وَهَل أَنتُم إِلَّا عَبِيدٌ لِأَبِي؟ فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ ثَمِلٌ، فَنَكَصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عَقِبَيهِ القَهقَرَى، حتى خَرَجَ، وَخَرَجنَا مَعَهُ.\nرواه البخاريُّ (٣٠٩١)، ومسلم (١٩٧٩) (٢)، وأبو داود (٢٩٨٦).\nــ\nما يُتلِف السكران من الأموال يلزمه غرمه. وعلى تقدير ألَاّ تثبت هذه الزيادة؛ فعدم النقل لا يدلّ على عدم المنقول، ولو دلَّ على ذلك لأمكن أن يقال: إنما لم يحكم عليه النبي - ﷺ - بالغرامة لأن عليًّا - ﵁ - لم يطلبها منه، أو لأن النبي - ﷺ - تحمَّلها عنه كما قال في صدقة العباس. والله تعالى أعلم.\nوقد احتج بهذا الحديث من لا يلزم السكران؛ من جهة أن النبي - ﷺ - لم يؤاخذ حمزة بما صدر عنه من قوله. وإليه ذهب: المُزني، والليث، وبعض أصحاب أبي حنيفة. وتوقف فيه: أحمد بن حنبل. والجمهور من السَّلف والخلف وكافة الفقهاء: على أن ذلك يلزمه؛ لأنَّ السكران بعد التحريم أدخل نفسه في السُّكر بمعصية الله تعالى فكان مختارًا لما يكون منه فيه، ولم يكن حمزة كذلك، بل كان شُربُه مباحًا كما قدَّمناه، فصار ذلك بمثابة من سكر من شُرب اللَّبن، أو غيره من المباحات، فإنَّه لا يلزمه شيء مما يجري منه من القول، ويكون كالمُغمى عليه. والله أعلم.\nو(قوله: فنكص رسول الله - ﷺ - على عقبيه القهقرى). نكص، أي: تأخر. و(القهقرى): الرجوع إلى وراء، ووجهه إليك. قاله الأخفش. يقال منه: تقهقر","vol":"5","page":250},{"text":"[١٨٦٢] وعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنتُ سَاقِيَ القَومِ يَومَ حُرِّمَت الخَمرُ فِي بَيتِ أَبِي طَلحَةَ، وَمَا شَرَابُهُم إِلَّا الفَضِيخُ: البُسرُ وَالتَّمرُ، فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الخَمرَ قَد حُرِّمَت، قَالَ: فَجَرَت فِي سِكَكِ المَدِينَةِ، فَقَالَ لِي أَبُو طَلحَةَ: اخرُج فَاهرِقهَا، فَهَرَقتُهَا، فَقَالَوا: أَو قَالَ بَعضُهُم: قُتِلَ فُلَانٌ، قُتِلَ فُلَانٌ، وَهِيَ فِي بُطُونِهِم، قَالَ: فَلَا أَدرِي هُوَ مِن حَدِيثِ أَنَسٍ، فَأَنزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿لَيسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾\nرواه البخاري (٥٥٨٢)، ومسلم (١٩٨٠)، وأبو داود (٣٦٧٣)، والنسائي (٨/ ٢٨٧ و٢٨٨).\nــ\nالرجل، يتقهقر؛ إذا فعل ذلك، وظاهر هذا أن النبي - ﷺ - رجع إلى خلفه ووجهه إلى حمزة مخافة أن يصدر من حمزة شيء يُكره، فإنَّه قد كان أذهب السكر عقله. وقيل في هذا: إنه خرج عنهم مسرعًا. والأوَّل أولى.\nو(قوله: فارتدى رسول الله - ﷺ - بردائه، ثم انطلق يمشي) دليلٌ على المحافظة على حُسن الهيئات عند ملاقاة الناس، والتَّزَيُّن للمحافل على ما تقتضيه عادات أهل المروءات، ولا يُعد ذلك رياءً ولا سمعةً.\nو(قوله: فطفق يلوم حمزة) أي: جعل وأخذ. يقال: بفتح الفاء وكسرها، والكسر أشهر وأكثر.\nو(قول أنس: وما شرابهم إلا الفضيخ البسر والتمر) الفضيخ: هو أن يفضخ البسر، ويصبُّ عليه الماء حتَّى يغلي. قاله الحربي. وقال أبو عبيد: هو ما فضخ من البسر من غير أن تمسَّه نار، فإنَّ كان معه تمر فهو خليط.\nقلت: وعلى هذا يدلّ قوله في أوَّل الرواية الأخرى: (وكانت عامة","vol":"5","page":251},{"text":"[١٨٦٣] وعنه؛ وسئل عن الفضيخ فقال: مَا كَانَت لَنَا خَمرٌ غَيرَ فَضِيخِكُم، هَذَا الَّذِي تُسَمُّونَهُ الفَضِيخَ، إِنِّي لَقَائِمٌ أَسقِيهَا أَبَا طَلحَةَ، وَأَبَا أَيُّوبَ،\nــ\nخمورهم يومئذ خليط البسر والتمر). وهذه الأحاديث على كثرتها تبطل مذهب أبي حنيفة، والكوفيين القائلين بأن الخمر لا تكون إلا من العنب. وما كان من غيره لا يُسمَّى خمرًا، ولا يتناوله اسم الخمر، وإنما يُسمى نبيذًا. وهذا مخالف للُّغة، والسُّنَّة.\nألا ترى: أنه لما نزل تحريم الخمر فهمت الصحابة جميعهم من ذلك تحريم كل ما يُسكر نوعه؟ فسَوَّوا في التحريم بين المعتصر من العنب وغيره، ولم يتوقفوا في ذلك، ولا سألوا عنه؛ لأنَّهم لم يشكل عليهم شيء من ذلك، فإنَّ اللِّسان لسانهم، والقرآن نزل بلغتهم. ولو كان عندهم في ذلك شكٌّ، أو توهُّم، لتوقفوا عن الإراقة حتى يستكشفوا، ويسألوا، لا سيما وكان النبيذ عندهم مالًا محترمًا منهيًّا عن إضاعته قبل التحريم، فلما فهموا التحريم نصًّا ترجَّح عندهم مقتضى الإراقة والإتلاف على مقتضى الصيانة والحفظ. ثم كان هذا من جميعهم من غير خلاف من أحد منهم، فصار القائل بالتَّفريق سالكًا غير سبيلهم. ثم إنَّه قد ثبتت أحاديث نصوصٌ في التسوية بين تلك الأشياء، وأن كلَّ ذلك خمر على ما يأتي بعد هذا.\nوقد خطب عمر بن الخطاب - ﵁ - الناس فقال: ألا وإن الخمر نزل تحريمها يوم نزل، وهي من خمسة أشياء: من الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والعسل. والخمر: ما خامر العقل. وهذه الخطبة بمحضر الصحابة - رضوان الله عليهم - وهم أهل اللسان، ولم ينكر ذلك عليه أحد، وهو الذي جعل الله الحق على لسانه وقلبه.\nوإذا ثبت أن كل ذلك يقال عليه (١): خمر؛ فيلزمه تحريم قليله وكثيره، ولا يحل شيء منه تمسُّكًا بتحريم مُسمَّى الخمر، ولا مخصص، ولا مفصل يصحّ في ذلك. بل قد وردت الأحاديث الصحيحة والحسان بالنص على: أنَّ ما حَرُمَ كثيره حَرُمَ قليله. روى الترمذي من حديث جابر بن\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).","vol":"5","page":252},{"text":"وَرِجَالًا مِن أَصحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَيتِنَا، إِذ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: هَل بَلَغَكُم\nــ\nعبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ما أسكر كثيره فقليله حرام) (١). قال: هذا حديث حسن غريب. وروى أبو داود عن عائشة - ﵂ - قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (كلُّ مسكر حرام، وما أسكر منه الفَرَق (٢)، فملء الكفِّ منه حرام) (٣). وإسناده صحيح.\nوأمَّا الأحاديث التي تمسك بها المخالف؛ فلا يصح شيء منها على ما قد بيَّن عللها المحدِّثون في كتبهم، وليس في الصحاح شيء منها، ثم العجب من المخالفين في هذه المسألة؛ فإنَّهم قالوا: إن القليل من الخمر المعتصر من العنب حرام ككثيره، وهو مُجمع عليه، فإذا قيل لهم: فلم حرم القليل من الخمر، وليس مُذهبًا للعقل؟ فلا بدَّ أن يقال: لأنه داعية إلى الكثير، أو للتَّعَبُّد، فحينئذ يقال لهم: كل ما قدَّرتموه في قليل الخمر هو بعينه موجود في قليل النبيذ. فيحرم أيضًا؛ إذ لا فارق بينهما. إلا مجرَّد الاسم إذا سُلّم ذلك. القياس أرفع أنواع القياس؛ لأنَّ الفرع فيه مساو للأصل في جميع أوصافه. وهذا كما نقوله في قياس الأمة على العبد في سراية العتق. ثم العجب من أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - وأصحابه، فإنَّهم يتوغلون في القياس، ويرجحونه على أخبار الآحاد، ومع ذلك فقد تركوا هذا القياس الجلي المعضود بالكتاب والسُّنة، وإجماع صدر الأمَّة.\nتفصيل: ذهب جمهور العلماء من السَّلف، وغيرهم: إلى أن كل ما يسكر نوعه حرم شربه، قليلًا كان أو كثيرًا، نَيِّئًا كان أو مطبوخًا، ولا فرق بين المستخرج من العنب، أو غيره كما قررناه. وأن من شرب شيئًا من ذلك حُدَّ. فأمَّا المستخرج من العنب المسكر النِّيء: فهو الذي انعقد الإجماع على تحري كثيره وقليله، ولو\n_________\n(١) رواه الترمذي (١٨٦٥).\n(٢) \"الفَرَق والفَرْق\": مكيال ضخم لأهل المدينة معروف يقرب من (٧) كيلوغرام.\n(٣) رواه أبو داود (٣٦٨٧).","vol":"5","page":253},{"text":"الخَبَرُ؟ قُلنَا: لَا، قَالَ: فَإِنَّ الخَمرَ قَد حُرِّمَت، فَقَالَ: يَا أَنَسُ، أَرِق هَذِهِ القِلَالَ، قَالَ: فَمَا رَاجَعُوهَا وَلَا سَأَلُوا عَنهَا بَعدَ خَبَرِ الرَّجُلِ.\nــ\nالنُّقطة منه. وأما ما عدا ذلك فالجمهور على تحريمه على ما ذكرناه.\nوخالف الكوفيون في القليل مما عدا ما ذكر. وهو الذي لا يبلغ الإسكار. وفي المطبوخ من المستخرج من العنب: فذهب قومٌ من أهل البصرة إلى قصر التحريم على عصير العنب، ونقيع الزبيب النَّيِّء، وأما المطبوخ منهما والنَّيِّء والمطبوخ مما سواهما فحلال ما لم يقع الإسكار. وذهب أبو حنيفة إلى قصر التَّحريم على المعتصر من ثمرات النخيل والأعناب على تفصيل. فيرى: أنَّ سُلافَةَ العنب يحرم قليلها وكثيرها إلا أن تطبخ حتى ينقص ثُلثاها. وأمَّا نقيع الزبيب والتمر: فيحل مطبوخهما، وإن مسَّته النار مسًّا قليلًا من غير اعتبار بحدٍّ. وأما النَّيِّء منه فحرام، ولكنه مع تحريمه إيَّاه لا يوجب الحدَّ فيه. وهذا كله ما لم يقع الإسكار، فإنَّ وقع الإسكار استوى الجميع. هذه حكاية الإمام أبي عبد الله. والصحيح ما ذهب إليه الجمهور على ما قررناه، والحمد لله.\nوفي حديث أنس هذا أبواب من الفقه. منها: أن الواحد كان معمولًا به عندهم، معلومًا لهم، ألا ترى أنهم لم يتوقفوا عند إخبار المخبر، بل بادروا إلى إتلاف الخمر، والامتناع مما كان مباحًا لهم.\nومنها: أن نداء المنادي عن الأمير يتنزل في العمل منزلة سماع قوله.\nومنها: أن المحَّرم الأكل أو الشُّرب لا ينتفع به في شيء من الأشياء، لا من بيع، ولا من غيره.\nوفيه: كسر أواني الخمر. وعليه تُخَرَّج إحدى الروايتين عن مالك في كسرها؛ لما داخلها من الخمر، ولعسر غسلها، وفي الأخرى: إذا طبخ فيها الماء وغسلت جاز استعمالها. وعلى هذا: فإذا كانت الأواني مضرَّاة في الخمر لا ينتفع بها لشيء من الأشياء؛ تكسر على كل حال، ولذلك شدَّد مالك في الزقاق، فإنَّ تَعَلَّق الرائحة بها عَسر الانفكاك، بل لا ينفك.","vol":"5","page":254},{"text":"وفي رواية: فَقَالَ أَبُو طَلحَةَ: يَا أَنَسُ، قُم إِلَى هَذِهِ الجَرار فَاكسِرهَا، فَقُمتُ إِلَى مِهرَاسٍ لَنَا فَضَرَبتُهَا بِأَسفَلِهِ حَتَّى تَكَسَّرَت.\nرواه مسلم (١٩٨٠) (٤ و٥).\n[١٨٦٤] وعنه: لقد أنزل الله الآية التي حرم الله فيها الخمر وما بالمدينة شراب يشرب إلا من تمر.\nرواه مسلم (١٩٨٢).\n* * *\nــ\nو(المهراس): الحجر الذي يُهرَس، ويدق به.\nو(قول أنس: لقد أنزل الله الآية التي حرَّم فيها الخمر) يعني بها: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الخَمرُ وَالمَيسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزلامُ رِجسٌ مِن عَمَلِ الشَّيطَانِ فَاجتَنِبُوهُ﴾ وهي نصٌّ في تحريم الخمر بمجموع كلماتها، لا بآحادها. وقد فَهِم منها التحريم قطعًا الصَّحابة، ولذلك قال عمر - ﵁ - عند سماع: ﴿فَهَل أَنتُم مُنتَهُونَ﴾ انتهينا، انتهينا. وقد سبق: أن الخمر: كل ما يخامر العقل. والميسر: القِمار، وهو لعب يُؤكل به مال الغير بحيث لا يحصل له به لا أجر، ولا شكر. ومنه: النرد، والشطرنج. حكي ذلك عن عثمان ومجاهد. والأنصاب: كل ما ينصب ليعبد من دون الله تعالى، ويذبح عنده، كما كانت الجاهلية تفعل، والأزلام: قداح يضربون بها عند العزم على الأمر، في بعضها: افعل. وفي بعضها: لا تفعل. وبعضها لا شيء فيه. فإذا خرج هذا؛ أعادوا الضرب. وقيل: كان في أحدهما: أمرني ربي، وفي الأخرى: نهاني ربي. والرجس: النجس، وهو المستخبث شرعًا.\nو(قوله: ﴿مِن عَمَلِ الشَّيطَانِ﴾؛ أي: يَحمِلُ عليه، ويُزَيِّنُه. وقيل: هو الذي كان عمل مبادي هذه الأمور بنفسه حتى اقتدي به فيها. والعَدَاوَةَ وَالبَغضَاءَ: معروفان.","vol":"5","page":255},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n﴿وَيَصُدَّكُم عَن ذِكرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ﴾: يصرفكم عنهما، فيُذهب العقل، ويُضيِّع الوقت.\nويُفهم من هذه الآية أيضًا: الحكم بتنجيس الخمر. وهو مذهب كافة علماء السَّلف والخلف إلا شذوذًا. وإليه ذهب ربيعة، وحكي عن الليث، والمزني. ووجه التمسك بها على التَّنجيس: أن الله تعالى قد أخبر عنها أنها رجس، والرجس: النجس القذر، فتنجس. وأيضًا: فلما غلَّظ تحريمها، وأخبر بالمفاسد النَّاشئة عنها اقتضى ذلك الزجر عنها مطلقًا، مبالغة في التحريم، كما فعل في الخنزير، والدم، وغير ذلك من الخبائث المحرمات. ويتحرَّر القياس بأن يقال: مستخبث شرعًا حرم شربه، فيكون نجسًا كالبول.\nوفي الآية مباحث كثيرة، سنكتب فيها إن شاء الله تعالى جزءًا مفردًا.\nو(قوله: قال بعضهم: قُتِل فلان، قُتِل فلان، وهي في بطونهم) هذا القول أصدره عن قائله إما غلبة خوف وشفقة، وإما غفلة عن المعنى. وبيان ذلك: أن الخمر كانت مباحة لهم، كما قد صحَّ أنهم كانوا يشربونها، والنبي - ﷺ - يُقرّهم عليها. وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿لا تَقرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُم سُكَارَى﴾ ومن فعل ما أبيح له حتى مات على فعله لم يكن له، ولا عليه شيء، لا إثم، ولا مؤاخذة، ولا ذمٌّ، ولا أجر، ولا مدح؛ لأنَّ المباح مستوي الطرفين بالنسبة للشرع كما يعرف في الأصول. وعلى هذا: فما ينبغي أن يُتخوَّف ولا يُسأل عن حال من مات والخمر في بطنه وقت إباحتها، فإمَّا أن يكون ذلك القائل غفل عن دليل الإباحة، فلم يخطر له، أو يكون لغلبة خوفه من الله تعالى، وشفقته على إخوانه المؤمنين توهَّم مؤاخذة، ومعاقبة لأجل شرب الخمر المتقدِّم، فإنَّ الشفيقَ بسوءِ الظنِّ مولعٌ، فرفع الله ذلك التوهُّم بقوله تعالى: ﴿لَيسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾؛ أي: فيما شربوا. وهذا مثل قوله تعالى في نَهر طالوت: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيسَ مِنِّي وَمَن لَم يَطعَمهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾؛","vol":"5","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-705>(٢) باب الخمر من النخيل والعنب</span>\n[١٨٦٥] عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة.\nــ\nأي: ومن لم يشربه. وأصل هذا اللفظ في الأكل. يُقال: طَعِمَ الطَّعام، وشَرِب الشراب. لكن قد تجوَّز في ذلك. وأحسن ما قيل في الآية: إن معنى قوله: ﴿طَعِمُوا﴾ شربوا الخمر قبل تحريمها، ﴿إِذَا مَا اتَّقَوا﴾ شربها بعده، ﴿وَآمَنُوا﴾ بتحريمها، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ التي تَصدُّ عنها، ﴿ثُمَّ اتَّقَوا﴾ داوموا على اجتنابها، ﴿وَآمَنُوا﴾ بالوعيد عليها، ﴿ثُمَّ اتَّقَوا﴾ سوء التأويل في تحريمها، ﴿وَأَحسَنُوا﴾ في اجتنابها مراقبة الله. وقيل: إنَّ تكرار الاتقاء في مقابلة دواعي النفس، وتكرار الإيمان تذكير بتحريمها، وتشديد الوعيد فيها. و(الجناح): الإثم والمؤاخذة.\n\n(٢ و٣) ومن باب: الخمر من النخل والعنب والنهي عن اتخاذها خلًا (١)\n(قوله - ﷺ -: الخمر من هاتين الشجرتين: العنبة، والنخلة) حجَّة للجمهور على تسمية ما يُعتصر من غير العنب: بالخمر إذا أسكر، كما قدَّمناه. ولا حجَّة فيه لأبي حنيفة على قوله، حيث قصر الحكم بالتحريم على هاتين الشجرتين؛ لأنَّه قد جاء في أحاديث أخر ما يقتضي تحريم كل مسكر، كقوله: (كل مسكر حرام) (٢)،\n_________\n(١) سبق تخريجه قبل قليل.\n(٢) شرح المصنف -﵀- تحت هذا العنوان ما أشكل في أحاديث هذا الباب، وما أشكل في أحاديث الباب الذي يليه، تحت عنوان: النهي عن اتخاذ الخمر خلًّا. . .","vol":"5","page":257},{"text":"وفي رواية: الكرمة، والنخلة.\nرواه أحمد (٢/ ٥٢٦)، ومسلم (١٩٨٥) (١٤ و١٥)، وأبو داود (٣٦٧٨)، والترمذي (١٨٧٥)، وابن ماجه (٣٣٧٨).\n[١٨٦٦] وعن أَنَس بن مَالِكٍ قال: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَن يُخلَطَ التَّمرُ وَالزَّهوُ، ثُمَّ يُشرَبَ، وَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ عَامَّةَ خُمُورِهِم يَومَ حُرِّمَت الخَمرُ.\nرواه أحمد (٣/ ١٤٠)، ومسلم (١٩٨١)، والنسائي (٨/ ٢٩١).\n* * *\nــ\nو: (كل ما أسكر حرام) (١)، وحديث معاذ حيث سُئل رسول الله - ﷺ - عن شراب العسل، والذرة، والشعير، فقال: (أنهى عن كل مسكر) (٢). وإنَّما خُصَّ في هذا الحديث هاتين الشجرتين بالذكر؛ لأن أكثر الخمر منهما، أو أعلى الخمر عند أهلها. والله أعلم. وهذا نحو قولهم: المال الإبل؛ أي: أكثرها وأعمَّها.\nو(قوله في رواية: الكَرمَة والنخلة) يشكل مع قوله - ﷺ -: (لا تقولوا للعنب الكرم، فإنَّ الكرم قلب المؤمن) (٣)، ويزول الإشكال بأن نقول: إطلاق هذا كان قبل النهي، ثم بعد ذلك ورد النهي. أو يقال: إنه - ﷺ - لم يدخل في هذا الخطاب، فإنَّه قال فيه: (ولا تقولوا، فواجهنا به، والمخاطب غير المخاطب، كما تقرَّر في الأصول.\nو(قول أنس: نهى رسول الله - ﷺ - أن يخلط التمر والزهو، ثم يشرب) ظاهرٌ\n_________\n(١) رواه مسلم (١٧٣٣) بلفظ: \"كل ما أسكر عن الصلاة فهو حرام\".\n(٢) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٥٣) بنحوه.\n(٣) رواه أحمد (٢/ ٣١٦)، ومسلم (٢٢٤٧) (١٠).","vol":"5","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-706>(٣) باب النهي عن اتخاذ الخمر خلا، وعن التداوي بها، وعن خلط شيئين مما يبغي أحدهما على الآخر</span>\n[١٨٦٧] عَن أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَن الخَمرِ تُتَّخَذُ خَلًّا فَقَالَ: لَا.\nرواه أحمد (٣/ ١١٩)، ومسلم (١٩٨٣)، وأبو داود (٣٦٧٥)، والترمذي (١٢٩٤).\nــ\nفي تحريم خلطهما وشربه، وهو مذهبُ كافة فقهاء الأمصار، وجمهور العلماء، ومالك في أحد قوليه، وفي الثاني الكراهة، وهو مشهورُ مذهبه. وقد شذَّ أبو حنيفة، وأبو يوسف فقالا: لا بأس بخلط ذلك وشُربه. وقالا: ما حل مفردًا حلَّ مجموعًا. وهذه مخالفة للنصوص الشرعية، وقياسٌ فاسد الوضع، ثم هو منتقِضٌ بجواز نكاح كلِّ واحدةٍ من الأختين مُنفرِدَةً، والجمع بينهما حرامٌ بالإجماع. وأعجب من ذلك تأويلُ أصحابهما للحديث، إذ قالوا: إن النَّهي عن ذلك إنما هو من باب السَّرف بجمع إدامين. وهذا تغيير وتبديل، لا تأويل. ويشهد ببطلانه نصوص أحاديث هذا الباب كلها. ثم إنهم جعلوا الشرابَ إدامًا، فِعل من ذَهَل عن الشرع والعادة، وتعامى، وكيف ينهى عن الجمع بين إدامين وقد جُمعا على مائدة رسول الله - ﷺ - بغير مَينٍ (١) على ما يأتي إن شاء الله تعالى.\nواختلف القائلون بمنع الخلط في تعليل ذلك وعدمه، فالذي يليق بمذهب أهل الظاهر عدمُ التعليل. والجمهورُ يُعَلِّلونه بخوف إسراع الشدَّة المسكرة. وعلى هذا: يقصر النهي عن الخلط على كل شيئين يُؤَثِّر كل واحدٍ منهما في الآخر إسراع\n_________\n(١) \"المَين\": الكذب.","vol":"5","page":259},{"text":"[١٨٦٨] وعن طَارِق بن سُوَيدٍ الجُعفِيَّ أنه سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَن\nــ\nالشِّدَّة إذا خلطا، وهذا هو الذي يُفهم من الأحاديث الواردة في هذا الباب؛ فإنها مصرَّحة بالنَّهي عن الخلط للانتباذ والشرب. وقد أبعد بعض أصحابنا فمنع الخلط وإن لم يكن كذلك، حتى منع خلطهما للتخليل، وهذا إنما يليق بمن لم يعلِّل النهي عن الخليطين بعلَّة، ويلزم عليه أن يجري النهي على خلط العسل واللبن، وشراب الورد والبنفسج، والعسل والخلِّ، وغير ذلك. والصواب ما ذهب إليه مالك والجمهور. والله الموفق.\nونهيه - ﷺ - عن اتخاذ الخمر خلًا ظاهرٌ في تحريم ذلك. وبه قالت طائفة من أهل العلم، وروي عن عمر، وبه قال الزهري، وكرهه مالك، وقال أبو حنيفة: لا بأس بأن تتخذ الخمر خلًا. وكيف يصحُّ له هذا مع هذا الحديث ومع سببه الذي خرج عليه؟ وهو: أن أنسًا روى أن أبا طلحة سأل النبي - ﷺ - عن أيتام ورثوا خمرًا: أنجعله خلًا؟ قال: (لا)، فهراقه (١)، فلو كان هذا جائزًا لكان قد ضيَّع على الأيتام ما لهم، ولوجب الضمان على من أراقها عليهم، وهو: أبو طلحة. وكل ذلك لم يلزم، فدلَّ ذلك على فساد ذلك القول.\nوهذا الحديث أيضًا يدلّ: على أن الخمر لا تُملك بوجه، وهو مذهب الشافعي. وقال بعض أصحابنا: إنَّها تُملك. وليس بصحيح؛ إذ لا تُقرُّ تحت يد أحد من المسلمين، ولا يجوز له التصرُّف فيها إلا بالإراقة، ولا ينتفع بها. فأي معنى لقول من قال: إنه يملكها؟ ! غير أنه يُطلق لفظ التمليك بالمجاز المحض. والله أعلم.\nفرع: لو تخلَّلت الخمر بأمرٍ من الله ﷿ حلَّت. ولا خلاف في ذلك على ما حكاه القاضي عبد الوهاب. فأمَّا لو خلَّلها آدمي فقد أثم؛ لاقتحامه النهي، ثم إنها تحل وتطهر، على الرواية الظاهرة عن مالك، وعنه رواية أخرى: أنها\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٢٦٠).","vol":"5","page":260},{"text":"الخَمرِ، فَنَهَاهُ أَو كَرِهَ أَن يَصنَعَهَا، فَقَالَ: إِنَّمَا أَصنَعُهَا لدوَاءِ. فَقَالَ: إِنَّهُ لَيسَ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ.\nرواه مسلم (١٩٨٤)، وأبو داود (٣٨٧٣)، والترمذيُّ (٢٠٤٧).\nــ\nلا تحل تغليظًا على المقتحم. وقال الشافعي: إنها تحل وهي على النجاسة. وهذا ضعيف لوجهين:\nأحدهما: أنه منتقضٌ بما إذا تخلَّلت من نفسها.\nوالثاني: أن الموجب للتحريم والتنجيس - وهو الشدَّة - قد زال، فيزول الحكم.\nفإن قيل: هَبكَ أن الشدة قد زالت، لكن بقيت علَّة أخرى للتَّنجيس وهو مخالطة الوعاء النجس فإنَّه تنجس بالخمر، فلما استحالت عينها للخلِّيِّة بقيت ممازجته الوعاء النجس، فتنجست بما خالطها من نجاسة الوعاء.\nفالجواب: أن الوعاء حيث استحالت الخمر خلًا طاهرٌ لطهارة ما تعلق به فيه؛ إذ هو الآن جزء من الخل الذي في الوعاء. فإن قيل: فيلزم على هذا أن يزول حكم النجاسة عن المحل بغير الماء، وليس بأصلكم!\nفالجواب: إنا وإن لم يكن ذلك أصلنا، فقد خرج عن ذلك الأصل الكلِّي فروع: كالمخرجين، وذيل المرأة، والخف، والنعل إذا تعلقت بها أرواث الدواب، وكالسَّيف الصقيل، وغير هذا مِمَّا استثني عن ذلك الأصل بحكم الدليل الخاصّ، فيمكن أن تَلحق هذه المسألة بتلك المواضع. والتحقيق في الجواب ما أشرنا إليه: من أن عين ما حكمنا بنجاسته لأجله قد طهر، فالمتعلق به الآن طاهرٌ لا نجس، فالوعاء ليس بنجس. والله الموفق.\nو(قوله - ﷺ - للذي سأله عن الخمر فقال: إنما أصنعها للدواء: إنها ليس بدواء، ولكنها داء) دليل: على أنه لا يجوز التداوي بالخمر، ولا بما حرمه","vol":"5","page":261},{"text":"[١٨٦٩] وعَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ نَهَى أَن يُنبَذَ الزَّبِيبُ والتَّمرُ جَمِيعًا، وَنَهَى أَن يُنبَذَ الرُّطَبُ وَالبُسرُ جَمِيعًا.\nرواه أحمد (٣/ ٢٩٤)، والبخاريُّ (٥٦٠١)، ومسلم (١٩٨٦) (١٦ و١٧)، وأبو داود (٣٧٠٣)، والترمذي (١٨٧٦)، والنسائي (٨/ ٢٩٠)، وابن ماجه (٣٣٩٥).\n[١٨٧٠] وعن أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن عَن خَلِيطِ الزَّبِيبِ وَالتَّمرِ، وَعَن خَلِيطِ الزَّهوِ وَالرُّطَبِ، وعن خَلِيطِ التَّمرِ وَالبُسرِ، وَقَالَ: انتَبِذُوا كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَتِهِ.\nوفي رواية: لا تنتبذوا الزهو والرطب جميعا، ولا تنتبذوا الزبيب والتمر جميعا، وانتبذوا كل واحد منهما على حدته.\nرواه مسلم (١٩٨٨) (٢٤ و٢٥)، وأبو داود (٣٧٠٤)، والنسائيُّ (٨/ ٢٨٩).\n[١٨٧١] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَن يُخلَطَ التَّمرُ وَالزَّبِيبُ جَمِيعًا، وَأَن يُخلَطَ البُسرُ وَالتَّمرُ جَمِيعًا، وَكَتَبَ إِلَى أَهلِ جُرَشَ يَنهَاهُم عَن خَلطِ التَّمرِ وَالزَّبِيبِ.\nرواه مسلم (١٩٩٠)، والنسائي (٨/ ٢٩٠).\n* * *\nــ\nالله تعالى من النجاسات والميتات، وغيرهما أكلًا، ولا شربًا. وبه قال كثير من أهل العلم.","vol":"5","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-707>(٤) باب النهي عما ينتبذ فيه</span>\n[١٨٧٢] عن أَبي هُرَيرَةَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تَنتَبِذُوا فِي الدُّبَّاءِ، وَلَا فِي المُزَفَّتِ. ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيرَةَ: وَاجتَنِبُوا الحَنَاتِمَ.\nوفي رواية: أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَن المُزَفَّتِ وَالحَنتَمِ وَالنَّقِيرِ. قِيلَ لِأَبِي هُرَيرَةَ: مَا الحَنتَمُ؟ قَالَ: الجِرَارُ الخُضرُ.\nرواه مسلم (١٩٩٣) (٣٢)، وأبو داود (٣٦٩٣)، والنسائي (٨/ ٢٩٧).\n[١٨٧٣] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن الدُّبَّاءِ وَالحَنتَمِ، وَالمُزَفَّتِ وَالنَّقِيرِ، وَأَن يُخلَطَ البَلَحُ والزَّهو.\nرواه أحمد (١/ ٣٠٤)، والبخاريُّ (٤٣٦٨)، ومسلم (١٧) (٤٠ و٤١)، وأبو داود (٣٦٩٢)، والنسائي (٨/ ٣٢٣)، والترمذيُّ (٢٦١٤).\n[١٨٧٤] وعَن أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن الشُّربِ فِي الحَنتَمَةِ وَالدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ.\nوقد تقدم: أن وفد عبد القيس سألوا رسول الله ﷺ\nــ\n(٤ و٥) ومن باب: النهي عن الانتباذ في المزفت والحنتم وغيرهما ونسخ ذلك (١)\nقد تقدَّم تفسير هذه الأوعية المذكورة في هذا الباب في كتاب الإيمان، وقد بقيت ألفاظ. فمنها في الأصل: قوله - ﷺ -: (أنهاكم عن الدُّباء، والحنتم، والنقير،\n_________\n(١) وردت أحاديث هذا العنوان في التلخيص في بابين: باب النهي عما ينتبذ فيه، وباب نسخ ذلك والنهي عن كل مسكر.","vol":"5","page":263},{"text":"عما ينتبذ فيه، فنهاهم أن ينتبذوا في الدباء والنقير والمزفت والحنتم.\nرواه مسلم (١٨) في الإيمان، والنسائي (٨/ ٣٠٦)، وحديث قدوم وفد عبد القيس تقدم في التلخيص رقم (١٤).\n[١٨٧٥] وعَن سَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ قَالَ: سَأَلتُ ابنَ عُمَرَ عَن نَبِيذِ الجَرِّ فَقَالَ: حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَبِيذَ الجَرِّ، فَأَتَيتُ ابنَ عَبَّاسٍ فَقُلتُ: أَلَا تَسمَعُ مَا يَقُولُ ابنُ عُمَرَ؟ قَالَ: وَمَا يَقُولُ؟ قُلتُ: قَالَ: حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَبِيذَ الجَرِّ. فَقَالَ: صَدَقَ ابنُ عُمَرَ، حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَبِيذَ الجَرِّ. فَقُلتُ: وَأَيُّ شَيءٍ نَبِيذُ الجَرِّ؟ فَقَالَ: كُلُّ شَيءٍ يُصنَعُ مِن المَدَرِ.\nرواه مسلم (١٩٩٧) (٤٧)، وأبو داود (٣٦٩١)، والترمذيّ (١٨٦٩)، والنسائيُّ (٨/ ٣٠٣ - ٣٠٤).\nــ\nوالمقيَّر، والحنتم: المزادة المجبوبة. كذا رواية الكافة. (والحنتم: المزادة) بغير واو، وكأنه تفسير للحنتم، وليس بشيء؛ لأنَّ الحنتم الجرّ، والمزادة: السِّقاء. وقد رواه الهوزني: (والحنتم والمزادة) بالواو، وكذا وقع في كتاب أبي (١) داود. وقد جوَّده النسائي (٢)، فقال: (الحنتم، وعن المزادة المجبوبة)، والمجبوبة (بالجيم، وبالباء الموحدة من تحتها) أي: مقطوعة العنق. قال الهروي وثابت: هي التي قطع رأسها فصارت كهيئة الدّنِّ، وذلك أنَّها لا توكأ، فيعلم إذا غلى ما فيها. وقال الخطابي: لأنها ليست لها عراقي (٣) فتنفس منها، فقد يتغيَّر شرابها ولا يشعر به. وأصل الجبِّ: القطع. وقد رواه بعضهم: (المخنوثة) بالخاء المعجمة،\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٦٩٣).\n(٢) رواه النسائي (٨/ ٣٠٩).\n(٣) \"عَرَاقيّ\": مَسَامّ وثقوب دقيقة جدًا، تسمح برشح الشراب.","vol":"5","page":264},{"text":"[١٨٧٦] وعن زَاذَان قَالَ: قُلتُ لِابنِ عُمَرَ: حَدِّثنِي بِمَا نَهَى عَنهُ النَّبِيُّ ﷺ مِن الأَشرِبَةِ بِلُغَتِكَ، وَفَسِّرهُ لِي بِلُغَتِنَا، فَإِنَّ لَكُم لُغَةً سِوَى لُغَتِنَا. فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن الحَنتَمِ وَهِيَ الجَرَّةُ، وَعَن الدُّبَّاءِ وَهِيَ القَرعَةُ، وَعَن المُزَفَّتِ وَهُوَ المُقَيَّرُ، وَعَن النَّقِيرِ وَهِيَ النَّخلَةُ تُنسَحُ نَسحًا وَتُنقَرُ نَقرًا، وَأَمَرَ أَن يُنتَبَذَ فِي الأَسقِيَةِ.\nرواه مسلم (١٩٩٧) (٥٧).\n[١٨٧٧] وعن أبي الزبير، عَن جَابِرٍ قَالَ: كَانَ يُنتَبَذُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سِقَاءٍ، فَإِذَا لَم يَجِدُوا سِقَاءً نُبِذَ لَهُ فِي تَورٍ مِن حِجَارَةٍ، فَقَالَ بَعضُ القَومِ لِأَبِي الزُّبَيرِ: مِن بِرَامٍ؟ فقَالَ: مِن بِرَامٍ.\nرواه مسلم (١٩٩٩) (٦٢)، وأبو داود (٣٧٠٢)، والنسائي (٨/ ٣٠٩ - ٣١٠)، وابن ماجه (٣٤٠٠).\n* * *\nــ\nوالنون، والثاء المثلثة. وكأنَّه عنده من الحديث الآخر: نهى عن اختناث الأسقية (١). والصواب الأوَّل.\nو(قوله في تفسير النَّقير: هي النخلة تُنسج نَسجًا) بالجيم عند ابن الحذاء. وعند غيره: (تُنسحُ نَسحًا) بالسين والحاء المهملتين. وهو الصواب. ومعناه: يقشر عنها قشرها. والنُّساحة -بضم النون -: ما تساقط من قشر الثمر. و(تُنقر نقرًا) - بالنون فيهما -: رواية الجماعة. والله تعالى أعلم. وعند ابن الحذاء: بالباء بواحدة من تحتها؛ أي: تشق. و(المدر): الطين. يقال: مدرت الحوض، أمدره: إذا أصلحته بالمدر. وهو الطِّين. و(البرام): جمع بُرَّمة. وتجمع أيضًا: بُرُم. وهي قدور من حجارة.\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٦٩)، ومسلم (٢٠٢٣)، وابن ماجه (٣٤١٨).","vol":"5","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-708>(٥) باب نسخ ذلك والنهي عن كل مسكر</span>\n[١٨٧٨] عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ بُرَيدَةَ، عَن أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نَهَيتُكُم عَن النَّبِيذِ إِلَّا فِي سِقَاءٍ، فَاشرَبُوا فِي الأَسقِيَةِ كُلِّهَا، وَلَا تَشرَبُوا مُسكِرًا.\nوفي رواية: نَهَيتُكُم عَن الظُّرُوفِ، وَإِنَّ الظُّرُوفَ - أَو: ظَرفًا - لَا يُحِلُّ شَيئًا وَلَا يُحَرِّمُهُ، وَكُلُّ مُسكِرٍ حَرَامٌ.\nرواه مسلم (٩٧٧) في الأشربة (٦٣ و٦٤)، وأبو داود (٣٦٩٨)، والترمذي (١٨٧٠)، والنسائي (٨/ ٣١١)، وابن ماجه (٣٤٠٥).\n[١٨٧٩] وعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرٍو قَالَ: لَمَّا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن النَّبِيذِ فِي الأَوعِيَةِ قَالَوا: لَيسَ كُلُّ النَّاسِ يَجِدُ سقاء، فَأَرخَصَ لَهُم فِي الجَرِّ، غَيرِ المُزَفَّتِ.\nرواه البخاري (٥٥٩٣)، ومسلم (٢٠٠٠)، وأبو داود (٣٧٠٠).\n* * *\nــ\nوحاصل أحاديث النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية: المنع للذي يخاف من سرعة تغيُّر النبيذ وشربه، ولا يشعر الشارب بتغيُّره، وتفسد أيضًا ماليِّته. فهو من باب حماية ذرائع السكر، وإفساد المال، فلما تعذرت ظروف الأدم عليهم لقِلَّتها حين قالوا له: ليس كل الناس يجد سقاء، وبأكل الجرذان لها، كما قال في حديث وفد عبد القيس - وشق ذلك عليهم - رفع ذلك عنهم بأن وسَّع عليهم، وأباح لهم ما كان منعهم منه من تلك الأوعية، ونصَّ على المعنى الذي ينبغي أن يُتحرَّز منه، وهو المسكر، فقال: (نهيتكم عن النبيذ إلا في سقاءٍ، وإنَّ ظرفًا لا يُحلُّ شيئا ولا يُحرِّمه، وكل مسكر حرام). وفي اللفظ الآخر: (فاشربوا في الأسقية كلَّها،","vol":"5","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-709>(٦) باب كل شراب مسكر خمر وحرام وما جاء في إثم من شربه</span>\n[١٨٨٠] عَن عَائِشَةَ قَالَت: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن البِتعِ؟ فَقَالَ: كُلُّ شَرَابٍ أَسكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ.\nرواه أحمد (٦/ ١٩٠)، والبخاريُّ (٥٥٨٥)، ومسلم (٢٠٠١) (٦٧)، وأبو داود (٣٦٨٢)، والترمذي (١٨٦٣)، والنسائي (٨/ ٢٩٨)، وابن ماجه (٣٣٨٦).\n[١٨٨١] وعن أبي موسى قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ فَقَالَ: ادعُوَا النَّاسَ، وَلَا تُنَفِّرَا، وَيَسِّرَا، وَلَا تُعَسِّرَا. قَالَ: فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفتِنَا فِي شَرَابَينِ كُنَّا نَصنَعُهُمَا بِاليَمَنِ: البِتعُ، وَهُوَ مِن العَسَلِ يُنتبَذُ حَتَّى يَشتَدَّ، وَالمِزرُ، وَهُوَ مِن الذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ، يُنبَذُ حَتَّى يَشتَدَّ. قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَد أُعطِيَ جَوَامِعَ الكَلِمِ بِخَوَاتِمِهِ، ..........\nــ\nولا تشربوا مسكرًا) فثبت النسخ، وارتفع التضييق، والحمد لله. ومع وضوح هذا النسخ فقد كره مالك الانتباذ في الدُّباء والمزفت مبالغة في الاتقاء والورع؛ لأنَّ هذين الوعاءين أمكن في المعنى الذي قرَّرناه، ولحديث عبد الله بن عمرو، الذي قال فيه: فأرخص لهم رسول الله - ﷺ - في الجرِّ غير المزفت (١). والله تعالى أعلم.\n(٦) ومن باب: كل مسكر خمرٌ وحرامٌ\n(قوله: وكان رسول الله - ﷺ - قد أُعطي جوامع الكلم وخواتمه) يعني بالجوامع: الكلمات البليغة، الوجيزة الجامعة للمعاني الكثيرة، وقد جاء هذا اللفظ\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ج ٢).","vol":"5","page":267},{"text":"فَقَالَ: أَنهَى عَن كُلِّ مُسكِرٍ أَسكَرَ عَن الصَّلَاةِ.\nوفي رواية: كُلُّ مَا أَسكَرَ عَن الصَّلَاةِ فَهُوَ حَرَامٌ.\nرواه أحمد (٤/ ٤١٧)، والبخاريُّ (٦١٢٤)، ومسلم (١٧٣٣) (٧٠ و٧١)، وأبو داود (٣٦٨٤)، والنسائي (٨/ ٢٩٩).\n[١٨٨٢] وعَن جَابِرٍ: أَنَّ رَجُلًا قَدِمَ مِن جَيشَانَ - وَجَيشَانُ مِن اليَمَنِ - فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَن شَرَابٍ يَشرَبُونَهُ بِأَرضِهِم مِن الذُّرَةِ يُقَالَ لَهُ: المِزرُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَوَمُسكِرٌ هُوَ؟ قَالَ: نَعَم، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\nــ\nويراد به: القرآن في غير هذا الحديث. ويعني بخواتيم الكلام: أنه يختم كلامه بمقطع وجيز بليغ كما بدأه بمبدأ وجيز بليغ جامع. ويعني بجملة هذا الكلام - والله أعلم -: أن كلامه من مبدئه إلى خاتمته كله بليغ وجيز، ولذلك كانت العرب الفصحاء تقول له: ما رأينا الذي هو أفصح منك. فيقول: (وما يمنعني وقد أنزل القرآن بلساني؛ لسانٍ عربي مبينٍ) (١).\nو(قوله: أنهى عن كل مسكرٍ أسكر عن الصلاة) أي: صَدَّ عنها بما فيه من السكر، كما أشار الله تعالى إليه حيث قال: ﴿وَيَصُدَّكُم عَن ذِكرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَل أَنتُم مُنتَهُونَ﴾\nو(قوله - ﷺ -: أومُسكرٌ هو؟) الرواية التي لا يعرف غيرها هي بفتح الهمزة، وفتح الواو، وعلى جهة الاستفهام عن صفة النبيذ المسؤول عنه، وهو حجَّة على من يعلق التحريم على وجود الإسكار بالشارب من غير اعتبار وصف المشروب. وهم الحنفية. وهذا نص في أن المعتبر شرعًا إنما هو المعنى الذي في الخمر؛ الذي يعبر عنه الفقهاء بالشَّدَّة المطربة والمسكرة.\n_________\n(١) ذكره القاضي عياض في \"الشفاء\" (١/ ١٧٧ - ١٧٨).","vol":"5","page":268},{"text":"كُلُّ مُسكِرٍ حَرَامٌ، إِنَّ عَلَى اللَّهِ عَهدًا لِمَن شرَبُ المُسكِرَ أَن يَسقِيَهُ مِن طِينَةِ الخَبَالِ. قَالَوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا طِينَةُ الخَبَالِ؟ قَالَ: عَرَقُ أَهلِ النَّارِ، أَو عُصَارَةُ أَهلِ النَّارِ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٦١)، ومسلم (٢٠٠٢)، والنسائي (٨/ ٣٢٧).\n[١٨٨٣] وعَن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كُلُّ مُسكِرٍ خَمرٌ،\nــ\nو(قوله: إن على الله عهدًا لمن شرب المسكر) أي: التزم ذلك بقوله ووعيده حسب ما سبق في علمه. وقد فسَّر (طينة الخبال) بأنها عُصَارة أهل النار. وفي حديث آخر: (صديد أهل النار). وسُمِّي ذلك بطينة الخبال؛ لأنها تخبل عقل شاربها، وتفسد حاله. مأخوذ من الخبل في العقل، والله تعالى أعلم.\nوهذا الوعيد وإن كان مُعلَّقًا على مطلق الشرب فقد قيده في الحديث الآخر منها فقال: (من شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها، لم يتب، لم يشربها في الآخرة). وأما من تاب منها: فلم يدخل في هذا الوعيد إذا حسنت توبته.\nوفيه ما يدلّ على أن التوبة من الذنب مكفرة له. وهو الذي صرحت به آي الكتاب، والسُّنَّة، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقبَلُ التَّوبَةَ عَن عِبَادِهِ وَيَعفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ وكقوله: ﴿إِلا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِم حَسَنَاتٍ﴾ وغير ذلك من الآي. ولقوله - ﷺ -: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) (١)، وغير ذلك (٢). وهذا مقطوعٌ به في التوبة من الكفر، وهل هو مقطوعٌ به، أو مظنون في التوبة من غير الكفر؟ اختلف فيه أهل السُّنَّة. والذي أقول به: إن من استقرأ الشريعة قرآنًا وسُنَّة، وتتبع ما فيهما من هذا المعنى علم على القطع واليقين: أن الله يقبل توبةَ الصَّادقين.\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (٤٢٥٠).\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ج ٢).","vol":"5","page":269},{"text":"وَكُلُّ مُسكِرٍ حَرَامٌ، وَمَن شَرِبَ الخَمرَ فِي الدُّنيَا فَمَاتَ وَهُوَ يُدمِنُهَا ولَم يَتُب؛ لَم يَشرَبهَا فِي الآخِرَةِ.\nوفي رواية: مَن شَرِبَ الخَمرَ فِي الدُّنيَا لَم يَشرَبهَا فِي الآخِرَةِ، إِلَّا أَن يَتُوبَ.\nرواه البخاري (٥٥٧٥)، ومسلم (٢٠٠٣) (٧٣ و٧٤)، والترمذي (١٨٦١)، والنسائي (٨/ ٣١٨).\n* * *\nــ\nو(قوله: من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة)، أو: (حرمها في الآخرة) ظاهره تأبيد التحريم، وإن دخل الجنة فشرب جميع أشربة الجنة من ماء وعسل ولبن، ولا يشرب الخمر، ومع ذلك: فلا يتألم لعدم شُربها، ولا يتنغص من فقدها، ولا يحسد من يشربها، فإنَّ الجنة محل مطهَّر منزه عن ذلك كلّه. وإنَّما يكون حال هذا مع فقد شُرب الخمر كحاله مع المنازل التي رفع بها غيره عليه مع علمه برفعتها، وبأن صاحبها أعلى منه درجة، وأفضل منه عند الله تعالى. ومع ذلك فلا يحسده، ولا يتألم بفقد شيء من ذلك استغناء بالذي أُعطي، وغبطة به، ولأن الله تعالى قد طهرهم من كل نقص وصفة مذمومة. ألا ترى قوله تعالى: ﴿وَنَزَعنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِن غِلٍّ إِخوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾؟ وقال بهذا المعنى جماعة من العلماء. وقيل: يُنسى خمر الجنة. وقيل: لا يشتهيها. وكل ذلك محتمل. والأولى: الوجه الأول، والله تعالى أعلم.\nوقيل: معنى الحديث: أن حرمانه الخمر إنما هو في الوقت الذي يعذب في النار، ويسقى من طينة الخبال، فإذا خرج من النار بالشفاعة، أو بالرحمة العامة - المعبَّر عنها في الحديث بالقبضة - أدخل الجنة، ولم يُحرم شيئا منها، لا خمرًا، ولا حريرًا، ولا غيره. قال هذا القائل: فإنَّ حرمان شيء من لذات الجنة لمن كان في","vol":"5","page":270},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-710>(٧) باب كم المدة التي يشرب إليها النبيذ</span>\n[١٨٨٤] عن ابن عَبَّاسٍ قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنبَذُ لَهُ أَوَّلَ اللَّيلِ فَيَشرَبُهُ إِذَا أَصبَحَ يَومَهُ ذَلِكَ، وَاللَّيلَةَ الَّتِي تَجِيءُ، وَالغَدَ وَاللَّيلَةَ الأُخرَى، وَالغَدَ إِلَى العَصرِ، فَإِن بَقِيَ شَيءٌ سَقَاهُ الخَادِمَ؛ أَو أَمَرَ بِهِ فَصُبَّ.\nرواه مسلم (٢٠٠٤) (٧٩ و٨٠)، وأبو داود (٣٧١٣)، والنسائي (٨/ ٣٣٣).\nــ\nالجنة نوع عقوبة، ومؤاخذة فيها، والجنة ليست بدار عقوبة، ولا مؤاخذة فيها بوجه من الوجوه. والله تعالى أعلم. وكذلك القول في قوله - ﷺ -: (من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة)، ومن شرب في آنية الذهب والفضة لم يشرب بها في الآخرة (١)، يجري فيهما كل ما ذكرناه.\n(٧ و٨) ومن باب: كم المدة التي يشرب إليها النبيذ (٢)؟\n(قوله: كنا ننبذ لرسول الله - ﷺ - أوَّل الليل فيشربه إذا أصبح يومه ذلك، والليلة التي تجيء، والغد، والليلة الأخرى إلى العصر) هذا الحديث وما في معناه يدلّ على جواز الانتباذ وشُربه حلوًا، وعلى أكثر قدر المدَّة التي يشرب إليها، وهي مقدرة في هذا الحديث بيومين وليلتين، غير أنَّه جعل غاية اليومين العصر، ثم سقاه الخادم. وفي الرواية الأخرى: (المساء، ثم أمر به فأريق)، وظاهر هاتين الروايتين: أنهما مرَّتان. أما الأولى: فإنَّه لم يظهر فيه ما يقتضي إراقته، وإتلافه، لكن اتَّقاه\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٢٨١)، والبخاري (٥٨٣٢)، ومسلم (٢٠٧٣)، وابن ماجه (٣٥٨٨).\n(٢) شرح المؤلف -﵀- تحت هذا العنوان ما أشكل أيضًا في الباب الذي يليه في التلخيص، وهو: باب كيفية النبيذ الذي يجوز شربه.","vol":"5","page":271},{"text":"[١٨٨٥] وعَن النَّخَعِيِّ قَالَ: سَأَلَ قَومٌ ابنَ عَبَّاسٍ عَن بَيعِ الخَمرِ وَشِرَائِهَا وَالتِّجَارَةِ فِيهَا، قَالَ: آمُسلِمُونَ أَنتُم؟ قَالَوا: نَعَم، قَالَ: فَإِنَّهُ لَا يَصلُحُ بَيعُهَا وَلَا شِرَاؤُهَا وَلَا التِّجَارَةُ فِيهَا، قَالَ: فَسَأَلُوهُ عَن النَّبِيذِ فَقَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، ثُمَّ رَجَعَ وَقَد نَبَذَ نَاسٌ مِن أَصحَابِهِ فِي حَنَاتِمَ وَنَقِيرٍ وَدُبَّاءٍ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُهرِيقَ، ثُمَّ أَمَرَ بِسِقَاءٍ فَجُعِلَ فِيهِ زَبِيبٌ وَمَاءٌ، فَجُعِلَ مِن اللَّيلِ فَأَصبَحَ، فَشَرِبَ مِنهُ يَومَهُ ذَلِكَ، وَلَيلَتَهُ المُستَقبَلَةَ، وَمِن الغَدِ حَتَّى أَمسَى، فَشَرِبَ وَسَقَى، فَلَمَّا أَصبَحَ أَمَرَ بِمَا بَقِيَ فَأُهرِيقَ.\nرواه مسلم (٢٠٠٤) (٨٣).\n[١٨٨٦] وعن عائشة قالت: كُنَّا نَنبِذُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سِقَاءٍ يُوكَى أَعلَاهُ، وَلَهُ عَزلَاءُ، نَنبِذُهُ غُدوَةً فَيَشرَبُهُ عِشَاءً، وَنَنبِذُهُ عِشَاءً فَيَشرَبُهُ غُدوَةً.\nــ\nفي خاصَّة نفسه أخذًا بغاية الورع، وسقاه الخادم؛ لأنَّه حلال جائز، كما قال في أجرة الحجَّام: (اعلفه ناضحك) (١) يعني: رقيقك. وأما في المرة الأخرى: فتبين له فساده فأمر بإراقته، ولا يستبعد أن يفسد النبيذ فيما بين العصر والمغرب في آخر مُدَّته في شدة الحر. وقد ذكر أبو داود من حديث أبي هريرة ما يبيِّن هذا المعنى؛ وذلك: أن أبا هريرة تحيَّن فِطر النبي - ﷺ - بنبيذ صنعه له، فجاءه به وهو يَنِشُّ، فقال له: (اضرب بهذا الحائط، فإنَّ هذا شراب من لا يؤمن بالله واليوم الآخر) (٢).\nو(قول عائشة: إنها كانت تنبذ له غدوة فيشربه عشاءً، وتنبذ له عشاءً فيشربه غدوة) يدل على أقصى زمان يشرب فيه، فإنَّه لا تخرج حلاوة التمر، أو الزبيب في أقل من ليلة، أو يوم.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٤٢٢)، والترمذي (١٢٧٧)، وابن ماجه (٢١٦٦).\n(٢) رواه أبو داود (٣٧١٦).","vol":"5","page":272},{"text":"رواه مسلم (٢٠٠٥) (٨٥)، وأبو داود (٣٧١١)، والترمذيُّ (١٨٧٢)، والنسائيُّ (٨/ ٣٢٠).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-711>(٨) باب كيفية النبيذ الذي يجوز شربه</span>\n[١٨٨٧] عَن سَهلِ بنِ سَعدٍ قَالَ: دَعَا أَبُو أُسَيدٍ السَّاعِدِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي عُرسِهِ، فَكَانَت امرَأَتُهُ يَومَئِذٍ خَادِمَهُم وَهِيَ العَرُوسُ، قَالَ سَهلٌ: تَدرُونَ مَا سَقَت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ أَنقَعَت لَهُ تَمَرَاتٍ مِن اللَّيلِ فِي تَورٍ، فَلَمَّا أَكَلَ سَقَتهُ إِيَّاهُ.\nــ\nوالحاصل من هذه الأحاديث: أنه يجوز شرب النبيذ ما دام حلوًا؛ غير أنه إذا اشتد الحرِّ أسرع إليه التَّغَيُّر في زمان الحرِّ دون زمان البرد. فليتَّق الشارب هذا، ويختبره قبل شربه إذا أقام يومين أو نحوهما برائحته، أو تغيره، أو ابتداء نَشِيشِه، فإن رابه شيء فعل كما فعل النبي - ﷺ -.\nو(قول ابن عباس للسائلين: أومسلمون أنتم؟) استفهام لهم عن دخولهم في الإسلام؛ لأنَّهم سألوا عن بيع الخمر، والتجارة فيها. وذلك الحكم كان معلومًا عند المسلمين، بحيث لا يجهله من دخل في الدين، وامتد مقامه فيه. وكأن هؤلاء السائلين كانوا حديثي عهد بالإسلام، أو كانوا من الأعراب. وفتيا ابن عباس بقوله: لا يصح. إنما معناه: أن ذلك حرام لنصوص السُّنَّة بالتحريم، كقوله - ﷺ -: (إن الذي حرَّم شربها حرم بيعها) (١)، و(إن الله إذا حرَّم على قومٍ شيئًا حرَّم عليهم\n_________\n(١) رواه مسلم (١٥٧٩).","vol":"5","page":273},{"text":"وفي رواية: فِي تَورٍ مِن حِجَارَةٍ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن الطَّعَامِ، أَمَاثَتهُ فَسَقَتهُ، تَخُصُّهُ بِذَلِكَ.\nرواه أحمد (٣/ ٤٩٨)، والبخاري (٥١٧٦)، ومسلم (٢٠٠٦) (٨٦ و٨٧)، وابن ماجه (١٩١٧).\n* * *\nــ\nثمنه) (١). وهذا كله مفهوم من الأمر بإراقتها وباجتنابها، فإنَّه إذا لم ينتفع بها، فأخذ المال عوضًا عنها أكلٌ للمال بالباطل.\nوإراقة النبي - ﷺ - لما نبذ في الحنتم والنقير كان ذلك - والله أعلم - قبل أن ينسخ ذلك كما تقدَّم.\nو(قوله في حديث سهل: فأماثته) هكذا الرواية بالهمز رباعيًّا، والثاء المثلثة، والتاء باثنتين من فوقها. ومعناه: عركته. ويقال ثلاثيًّا. قال الهروي: يقال: مثثتُ الشيء، أَمِيثُه، وأمثتُه أُمِيثُه. والثلاثي حكاه ابن السِّكِّيت. وقد وقع في بعض نسخ مسلم: (أماتته) بتاءين، كل واحدة منهما باثنتين فوق. وهو تصحيف، والله أعلم. و(العزلاء): فم السقاء الأسفل.\nو(قوله: تَخُصُّه بها) (٢) كذا لجميع رواة مسلم. وإنما خَصَّته بذلك لقلَّته؛ فإنَّه كان لا يكفي أكثر من واحد. ويحتمل أن تكون بدأته به رجاء بركته على عاداتهم معه. وقد رواه ابن السَّكن في كتاب البخاري: تتحفه به. وهو قريب المعنى من: تخصُّه به، فإنَّه من التُّحفة، وهي الطُّرفة.\n* * *\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٤٨٨).\n(٢) في (ز): به: وفي التخليص ومسلم: بذلك.","vol":"5","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-712>(٩) باب استدعاء الشراب من الخادم والشرب في القدح</span>\n[١٨٨٨] عَن سَهلِ بنِ سَعدٍ قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ امرَأَةٌ مِن العَرَبِ، فَأَمَرَ أَبَا أُسَيدٍ أَن يُرسِلَ إِلَيهَا، فَأَرسَلَ إِلَيهَا، فَقَدِمَت، فَنَزَلَت فِي أُجُمِ بَنِي سَاعِدَةَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى جَاءَهَا فَدَخَلَ عَلَيهَا، فَإِذَا امرَأَةٌ مُنَكِّسَةٌ رَأسَهَا، فَلَمَّا كَلَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَت: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنكَ! قَالَ: قَد أَعَذتُكِ مِنِّي. فَقَالَوا لَهَا: أَتَدرِينَ مَن هَذَا؟ فَقَالَت: لَا، قَالَوا: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَاءَكِ لِيَخطُبَكِ، قَالَت: أَنَا كُنتُ أَشقَى مِن ذَلِكَ، قَالَ سَهلٌ: فَأَقبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَومَئِذٍ حَتَّى جَلَسَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ هُوَ وَأَصحَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: اسقِنَا يا سَهلٍ، قَالَ: فَأَخرَجتُ لَهُم هَذَا القَدَحَ، فَأَسقَيتُهُم فِيهِ.\nــ\n(٩) ومن باب: استدعاء الشراب من الخادم\n(قوله: الأُجُم بضم الهمزة: الحِصنُ، وجمعه آجام). قاله أبو عبيد، وكذلك: أُطُم، وآطام.\nو(قول هذه المرأة لرسول الله - ﷺ -: أعوذ بالله منك) يدلّ: على أنها لم تعرفه، ولم تعرف ما يراد منها. ولذلك قالت لما أخبرت بمن هو، وما أريد بها: (أنا كنت أشقى من ذلك).\nو(قوله - ﷺ -: قد أعذتك) جواب لقولها، وموافقة لها على قصدها. وذلك: أنه فهم منها كراهية من قولها، ومن حالها؛ إذا كانت مُعرِضةً عمَّن يُكلِّمُها، ولعلَّها لم تعجبه لا خلقًا، ولا خلقًا.","vol":"5","page":275},{"text":"قَالَ أَبُو حَازِمٍ: فَأَخرَجَ لَنَا سَهلٌ ذَلِكَ القَدَحَ فَشَرِبنَا فِيهِ، قَالَ: ثُمَّ استَوهَبَهُ بَعدَ ذَلِكَ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ، فَوَهَبَهُ لَهُ.\nوَفِي رِوَايَة: اسقِنَا يَا سَهلُ.\nرواه البخاريُّ (٥٦٣٧)، ومسلم (٢٠٠٧).\n[١٨٨٩] وعَن أَنَسٍ قَالَ: لَقَد سَقَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِقَدَحِي هَذَا الشَّرَابَ كُلَّهُ: العَسَلَ وَالنَّبِيذَ وَاللَّبَنَ وَالمَاءَ.\nرواه أحمد (٣/ ٢٤٧)، والبخاري (٥٦٣٨)، ومسلم (٢٠٠٨).\n* * *\nــ\nو(قوله - ﷺ -: اسقنا يا سهل) دليل على التَّبَسُّط مع الصديق، واستدعاء ما عنده من طعام أو شراب، وهذا لا خلاف فيه إذا كان الصديق ملاطفًا، طيب النفس، وعلم من حاله ذلك. وهذا الذي قاله الله تعالى فيهم: ﴿أَو صَدِيقِكُم﴾\nو(قول أنس: لقد سقيت رسول الله - ﷺ - بقدحي هذا الشراب كلَّه: العسل، والنبيذ، واللبن، والماء) فيه دليل على استعمال الحلاوة، والأطعمة اللذيذة، وتناولها. ولا يقال: إن ذلك يناقض الزهد، ويباعده، لكن إذا كان ذلك من وجهه، ومن غير سرف، ولا إكثار.\nواستيهابُ عمر بن عبد العزيز القدح من سهل؛ إنما كان على جهة التَّبُّرك بآثار النبي - ﷺ -، ولم يزل ذلك دأب الصحابة والتابعين وأتباعهم، والفضلاء في كلِّ عصر. فكان أصحابه يتبرَّكون بوضوئه، وشرابه، وبعرقه، ويستشفون بِجُبَّته، ويتبركون بآثاره، ومواطنه، ويدعون، ويصلُّون عندها. وهذا كلُّه عمل بمقتضى الأمر بالتعزير، والتعظيم. ونتيجة الحُبِّ الصحيح. رزقنا الله الحظَّ الأكبر من تعظيمه، ومحبَّته، وحشرنا في زمرته.","vol":"5","page":276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-713>(١٠) باب شرب اللبن، وتناوله من أيدي الرعاء من غير بحث عن كونهم مالكين</span>\n[١٨٩٠] عن البراء بن عازب قال: لَمَّا أَقبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ قال: تبَعَهُ سُراقَةُ بنُ مَالِكِ بنِ جُعشُمٍ، قَالَ: فَدَعَا عَلَيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَسَاخَت فَرَسُهُ، فَقَالَ: ادعُ اللَّهَ لِي وَلَا أَضُرُّكَ، قَالَ: فَدَعَا اللَّهَ. قَالَ: فَعَطِشَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَمَرُّوا بِرَاعِي غَنَمٍ، قَالَ أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ: فَأَخَذتُ قَدَحًا فَحَلَبتُ فِيهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُثبَةً مِن لَبَنٍ، فَأَتَيتُهُ بِهِ، فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ.\nــ\n(١٠) ومن باب: شرب اللبن من أيدي الرُّعاة\n(قوله في هذه الرواية: أقبل رسول الله - ﷺ - من مكة إلى المدينة) هذا كان في وقت هجرته، كما جاء في الرواية الأخرى: (قال أبو بكر: لما هاجرنا من مكة مع رسول الله - ﷺ -) وذكر نحو ما تقدَّم. وقد وقع في هذا الحديث في كتاب مسلم زيادة فيها وَهمٌ، وذلك: أن أبا بكر سأل الراعي: لمن الغنم؟ فقال الراعي: إنها لرجل من أهل المدينة. والصواب: من أهل مكة. ورواه البخاري من رواية إسرائيل: إبل لرجل من قريش. وفي رواية أخرى: من أهل مكة أو المدينة - على الشك -.\nقلت: وقيل: إنَّه ليس بوهم؛ لأنَّه أطلق على مكة مدينة، وهي كذلك، فإنَّ كل بلدة يصح أن يقال عليها: مدينة، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي المَدِينَةِ تِسعَةُ رَهطٍ﴾ وهي مدينة ثمود، وهي الحجر.\nوأمَّا تسمية بلد مهاجر رسول الله - ﷺ - بالمدينة، فقد صار علمًا لها بحكم: أن النبي - ﷺ - سَمَّاها بذلك، وغلب ذلك عليها، وكره أن يقال: يثرب، كما تقدَّم في الحجِّ.\nو(قوله: فشرب منها رسول الله - ﷺ - حتى رضيت) أي: حتى رَوي فرضيت","vol":"5","page":277},{"text":"وفي رواية عن البراء: قال: قَالَ أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ: لَمَّا خَرَجنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِن مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ. وذكر نحوه.\nرواه أحمد (١/ ٣)، والبخاريُ (٢٤٣٩)، ومسلم (٢٠٠٩) (٩٠ و٩١).\nــ\nرَيَّه، وكأنَّه شقَّ عليه ما كان فيه من الحاجة إلى اللَّبن، فلمَّا شرب وزال عنه ذلك رضي به. وفي رواية أخرى: فأرضاني. والمعنى واحد. وقد يقال: كيف أقدم أبو بكر على حلب ما لم يؤذن له في حلبه؟ وكيف شرب رسول الله - ﷺ - ذلك اللَّبن ولم يكن مالكه حاضرًا، ولا أذن في ذلك، مع نهيه - ﷺ - عن مثل هذا بقوله: (لا يحلبن أحدٌ ماشية أحد إلا بإذنه).\nوقد أجيب عن ذلك بأجوبة:\nأحدها: إن ذلك اللَّبن كان تافهًا لا قيمة له، لا سيما مع بُعدِه عن العمارة، فكأنه إن لم يَشرَب وإلا تَلِفَ. فيكون هذا من باب قوله في الشَّاة: (هي لك، أو لأخيك، أو للذئب) (١).\nقلت: وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ الحبَّة من مال الغير لا تحل إلا بطيب نفس منه. وتشبيهها باللقطة فاسدٌ، فإنَّ اللَّبن في الضَّرع محفوظ كالطَّعام في المشربة. ثم لم يكن على بعد من العمران بدليل إدراك سراقة لهم حين سمع أخبارهم من مكة، وخرج من فوره، فأدركهم يومه ذلك، على ما تدلُّ عليه قصته في كتب السِّير، والله أعلم.\nوثانيها: إن عادة العرب جارية بذلك، فعَمِلا على العادة، وذلك قبل ورود النهي المذكور عن ذلك.\nوثالثها: إنه - ﷺ - كان في حاجة وضرورة إلى ذلك، ولا خلاف في جواز مثل\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ١١٦)، والبخاري (٥٢٩٢)، ومسلم (١٧٢٢) (٥)، وأبو داود (١٧٠٨)، والنسائي في الكبرى (٥٨٠٢)، وابن ماجه (٢٥٠٤).","vol":"5","page":278},{"text":"[١٨٩١] وعن أَبي هُرَيرَةَ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ لَيلَةَ أُسرِيَ بِهِ بِإِيلِيَاءَ بِقَدَحَينِ مِن خَمرٍ وَلَبَنٍ، فَنَظَرَ إِلَيهِمَا، فَأَخَذَ اللَّبَنَ، فَقَالَ لَهُ جِبرِيلُ ﵇: الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلفِطرَةِ، لَو أَخَذتَ الخَمرَ غَوَت أُمَّتُكَ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٨٢)، والبخاري (٣٣٩٤)، ومسلم (١٦٨) في الأشربة (٩٢)، والترمذي (٣١٣٠)، والنسائي (٨/ ٣١٢).\n* * *\nــ\nذلك عند الضرورة إذا أمن على نفسه. وهل يلزمه قيمة ذلك أو لا؟ قولان لأهل العلم.\nورابعها: إن ذلك كان مالًا لكافر، والأصل في أموالهم الإباحة.\nقلت: وقد يمنع هذا الأصل، لا سيما على مذهب من يقول: إن الكافر له شُبهة مُلك. وقد تقدَّم الخلاف في هذا في الجهاد.\nوخامسها: إنهما علما لِمَن هي، فإمَّا أن يكون قد أباح لهما ذلك، أو علما من حاله أنه يطيب قلبه بذلك. وهذا أشبهها وأبعدها عن الاعتراض إن شاء الله تعالى.\nو(إيلياء): هي بيت المقدس، وهو ممدود بهمزة التأنيث، ولذلك لا ينصرف (١).\nو(قول جبريل - ﵇ -: الحمد لله الذي هداك للفطرة) يعني بها: فطرة دين الإسلام، كما قال تعالى: ﴿فِطرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيهَا﴾ ثم قال: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ وقيل: جعل الله ذلك علامة لجبريل على هداية هذه\n_________\n(١) في هامش (ج ٢) زيادة: ويقال: إيليا: مقصورًا، ويقال: أليا، على وزن عليا، ثلاث لغات.","vol":"5","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-714>(١١) باب الأمر بتغطية الإناء، وإيكاء السقاء، وذكر الله تعالى عليهما</span>\n[١٨٩٢] عَن جَابِرٍ: عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: غَطُّوا الإِنَاءَ، وَأَوكُوا السِّقَاءَ، وَأَغلِقُوا البَابَ، وَأَطفِئُوا السِّرَاجَ، فَإِنَّ الشَّيطَانَ لَا يَحُلُّ\nــ\nالأمة؛ لأنَّ اللَّبن أول ما يغتذيه الإنسان. وهو قوت خلي عن المفاسد، به قوام الأجسام، ولذلك آثره - ﷺ - على الخمر، كما ذكرناه في الإسراء. ودين الإسلام كذلك، هو أوَّل ما أخذ على بني آدم، وهم كالذَّرِّ، ثم هو قوت الأرواح، به قوامها، وحياتها الأبدية، وصار اللبن عبارة مطابقة لمعنى دين الإسلام من جميع جهاته، والخمر على النقيض من ذلك في جميع جهاتها، فكان العدول إليه لو كان ووقع علامة على الغواية. وقد أعاذ الله من ذلك نبيَّه - ﷺ - طبعًا وشرعًا. والحمد لله تعالى. ويفهم من نسبة الغواية إلى الخمر تحريمه، لكن ليس بصريح، ولذلك لم يَكتَفِ النبي - ﷺ - بمثل ذلك في التحريم حتَّى قَدِم المدينة فشربوها زمانًا، حتَّى أنزل الله التحريم.\n(١١ و١٢) ومن باب: الأمر بتغطية الإناء (١)\n(قوله: غطُّوا الإناء، وأوكُوا السقاء) جميع أوامر هذا الباب من باب الإرشاد إلى المصلحة الدنيوية، كقوله تعالى: ﴿وَأَشهِدُوا إِذَا تَبَايَعتُم﴾\n_________\n(١) شرح المؤلف -﵀- تحت هذا العنوان أيضًا ما أشكل في أحاديث ما جاء في التلخيص تحت عنوان: باب: بيان أن الأمر بذلك من باب الإرشاد إلى المصلحة، وأنَّ ترك ذلك لا يمنع الشُّربَ من ذلك الإناء.","vol":"5","page":280},{"text":"سِقَاءً، وَلَا يَفتَحُ بَابًا، وَلَا يَكشِفُ إِنَاءً، فَإِن لَم يَجِد أَحَدُكُم إِلَّا أَن يَعرُضَ عَلَى إِنَائِهِ عُودًا وَيَذكُرَ اسمَ اللَّهِ، فَليَفعَل، فَإِنَّ الفُوَيسِقَةَ تُضرِمُ عَلَى أَهلِ البَيتِ بَيتَهُم.\nرواه أحمد (٣/ ٣٥٥)، ومسلم (٢٠١٢) (٩٦)، وأبو داود (٣٧٣٢)، والترمذيُّ (١٨١٢)، وابن ماجه (٣٤١٠).\n[١٨٩٣] وعنه، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِذَا كَانَ جُنحُ اللَّيلِ أَو أَمسَيتُم، فَكُفُّوا صِبيَانَكُم، فَإِنَّ الشَّيطَانَ يَنتَشِرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِن اللَّيلِ فَخَلُّوهُم، وَأَغلِقُوا الأَبوَابَ، وَاذكُرُوا اسمَ اللَّهِ، فَإِنَّ الشَّيطَانَ لَا يَفتَحُ بَابًا مُغلَقًا، وَأَوكُوا قِرَبَكُم، وَاذكُرُوا اسمَ اللَّهِ، وَخَمِّرُوا آنِيَتَكُم، وَاذكُرُوا اسمَ اللَّهِ، وَلَو أَن تَعرُضُوا عَلَيهَا شَيئًا، وَأَطفِئُوا مَصَابِيحَكُم.\nرواه البخاريُّ (٣٣٠٤)، ومسلم (٢٠١٢) (٩٧).\nــ\nوليس الأمر الذي قُصِد به الإيجاب، وغايته أن يكون من باب الندب، بل قد جعله كثير من الأصوليين قسمًا منفردًا بنفسه عن الوجوب والندب.\nوإيكاء السِّقاء: شَدُّهُ بالخيط. وهو الوكاء، ممدود مهموز، ولذلك يجب أن يكون أوكئوا - رباعيًّا مهموز اللام.\nو(الفويسقة): الفأرة، سميت بذلك لخروجها من جحرها للفساد.\nو(قوله: فإنَّ لم يجد أحدكم إلا أن يَعرُض عودًا ويذكر اسم الله فليفعل) هو بضم الراء، وكذلك قاله الأصمعي، وقد رواه أبو عبيد بكسر الراء، والوجه الأول: أن يجعل العود معروضًا على فم الإناء، ولا بدَّ من ذكر الله تعالى عند هذه الأفعال كُلِّها، كما جاء في الحديث الآخر بعد هذا، فيذكر الله تعالى، وببركة اسمه تندفع المفاسد، ويحصل تمام المصالح. فمطلق هذه الكلمات مردود إلى مُقَيَّدِها.\nو(الشيطان) هنا للجنس بمعنى الشياطين.\nو(الفواشي): كل ما فشا وانتشر من","vol":"5","page":281},{"text":"[١٨٩٤] وعنه؛ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تُرسِلُوا فَوَاشِيَكُم وَصِبيَانَكُم إِذَا غَابَت الشَّمسُ حَتَّى تَذهَبَ فَحمَةُ العِشَاءِ، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ يبَعِثُ إِذَا غَابَت الشَّمسُ حَتَّى تَذهَبَ فَحمَةُ العِشَاءِ.\nرواه أحمد (٣/ ٣١٢ و٣٨٦ و٣٩٥)، ومسلم (٢٠١٣) (٩٨)، وأبو داود (٣٧٣٣).\n[١٨٩٥] وعنه؛ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: غَطُّوا الإِنَاءَ، وَأَوكُوا السِّقَاءَ، فَإِنَّ فِي السَّنَةِ لَيلَةً يَنزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ، لَا يَمُرُّ بِإِنَاءٍ لَيسَ عَلَيهِ غِطَاءٌ، أَو سِقَاءٍ لَيسَ عَلَيهِ وِكَاءٌ، إِلَّا نَزَلَ فِيهِ مِن ذَلِكَ الوَبَاءِ.\nوفي رواية: فَإِنَّ فِي السَّنَةِ يَومًا يَنزِلُ فِيهِ وَبَاءٌ.\nقال الليث: فالأعاجم عندنا يتقون ذلك في كانون الأول.\nرواه مسلم (٢٠١٤) (٩٩).\n* * *\nــ\nالمال: الإبل، والغنم، والبقر. قال ابن الأعرابي: يقال: أفشى، وأمشى، وأوشى، بمعنى واحد: إذا كثرت مواشيه.\nو(فحمة الليل): سواده.\nوقد تضمنت جملة هذه الأحاديث: أن الله تعالى قد أطلع نبيَّه ﷺ على ما يكون في هذه الأوقات من المضارِّ من جهة الشياطين، والفأر، والوباء. وقد أرشدنا النبي - ﷺ - إلى ما يُتَّقى به ذلك، فليبادر الإنسان إلى فعل تلك الأمور ذاكرًا الله تعالى، مُمتثلًا أمر نبيَّه - ﷺ -، وشاكرًا لله تعالى على ما أرشدنا إليه وأعلمنا به، ولنبيِّه - ﷺ - على تبليغه، ونصحه. فمن فعل ذلك لم يصبه من شيء من ذلك ضررٌ بحول الله وقوته، وبركة امتثال أوامره - ﷺ - وجازاه عنَّا أفضل ما جازى نبيًّا عن أمته، فلقد بلَّغ، ونصح.","vol":"5","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-715>(١٢) باب بيان أن الأمر بذلك من باب الإرشاد إلى المصلحة وأن ترك ذلك لا يمنع الشرب من ذلك الإناء</span>\n[١٨٩٦] عن أَبي حُمَيدٍ السَّاعِدِيّ، قَالَ: أَتَيتُ النَّبِيَّ ﷺ بِقَدَحِ لَبَنٍ مِن النَّقِيعِ لَيسَ مُخَمَّرًا، قَالَ: أَلَّا خَمَّرتَهُ، وَلَو تَعرُضُ عَلَيهِ عُودًا؟\nقَالَ أَبُو حُمَيدٍ: إِنَّمَا أُمِرَ بِالأَسقِيَةِ أَن تُوكَأَ لَيلًا، وَبِالأَبوَابِ أَن تُغلَقَ لَيلًا.\nرواه أحمد (٥/ ٤٢٥)، ومسلم (٢٠١٠).\n[١٨٩٧] وعَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاستَسقَى، فَقَالَ رَجُلٌ: أَلَا نَسقِيكَ نَبِيذًا؟ قَالَ: بَلَى. فَخَرَجَ الرَّجُلُ يَسعَى، فَجَاءَ بِقَدَحٍ فِيهِ نَبِيذٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَلَّا خَمَّرتَهُ، وَلَو تَعرُضُ عَلَيهِ عُودًا؟ قَالَ: فَشَرِبَ.\nرواه أحمد (٣/ ٢٩٤ و٣٧٠)، والبخاريُّ (٥٦٠٥)، ومسلم (٢٠١١) (٩٤ و٩٥)، وأبو داود (٣٧٣٤).\nــ\nو(قوله: أتيت النبي - ﷺ - بقدح لبن من النقيع ليس مخمَّرًا) اختلف في رواية هذا الحرف الذي هو (من النقيع)، فأكثر الرواة واللغويين على أنه بالنون والقاف. وقال الهروي: هو وادي العقيق على عشرين فرسخًا من المدينة، وهو الذي حماه عمر - ﵁ - لنعم الصَّدقة. وقال الخطابي: هو القاع. قال غيره: وأصله كل موضع يستنقع فيه الماء. وقد رواه أبو بحر سفيان بن العاصي بالباء الموحدة.","vol":"5","page":283},{"text":"[١٨٩٨] وعن ابن عمر، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا تَترُكُوا النَّارَ فِي بُيُوتِكُم حِينَ تَنَامُونَ.\nرواه أحمد (٢/ ٨)، والبخاريُّ (٦٢٩٣)، ومسلم (٢٠١٥)، وأبو داود (٥٢٤٦)، والترمذي (١٨١٤)، وابن ماجه (٣٧٦٩).\n[١٨٩٩] وعَن أَبِي مُوسَى قَالَ: احتَرَقَ بَيتٌ عَلَى أَهلِهِ بِالمَدِينَةِ مِن اللَّيلِ، فَلَمَّا حُدِّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَأنِهِم قَالَ: إِنَّ هَذِهِ النَّارَ إِنَّمَا هِيَ عَدُوٌّ لَكُم، فَإِذَا نِمتُم فَأَطفِئُوهَا عَنكُم.\nرواه أحمد (٤/ ٣٩٩)، والبخاري (٦٢٩٤)، ومسلم (٢٠١٦)، وابن ماجه (٣٧٧٠).\n* * *\nــ\nقال الخليل: البقيع بالباء: الأرض التي فيها شجر شتَّى. وأما بقيع الغرقد، وبقيع بطحان فبالباء الموحدة. ويحتمل أن يريد واحدًا منهما على رواية أبي بحر، والله تعالى أعلم.\nو(المخمر): المغطى. والتخمير: التغطية.\nوشربه - ﷺ - من الإناء الذي لم يُخَمَّر دليلٌ على أن ما بات غير مخمَّر، ولا مُغطَّى، أنه لا يحرم شربه، ولا يكره. وهذا يحقق ما قلناه: من أن المقصود الإرشاد إلى المصلحة، والله تعالى أعلم.\n* * *","vol":"5","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-716>(١٣) باب النهي عن الشرب قائما، وعن اختناث الأسقية، والشرب من أفواهها</span>\n[١٩٠٠] عَن قَتَادَةَ، عَن أَنَسٍ: عَن النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ نَهَى أَن يَشرَبَ الرَّجُلُ قَائِمًا. قَالَ قَتَادَةُ: فَقُلنَا: فَالأَكلُ؟ قَالَ: ذَلكَ أَشَرُّ وأَخبَثُ.\nرواه مسلم (٢٠٢٤) (١١٣)، وأبو داود (٣٧١٧)، والترمذي (١٨٨٠)، وابن ماجه (٣٤٢٤).\nــ\n(١٣) ومن باب: النهي عن الشرب قائمًا\nلم يَصِر أحدٌ من العلماء فيما علمت إلى أن هذا النهي على التحريم، وإن كان جاريًا على أصول الظاهرية، وإنَّما حمله بعض العلماء على الكراهة، والجمهور: على جواز الشرب قائمًا. فمن السلف: أبو بكر، وعمر، وعلي - ﵃ -. وجمهور الفقهاء، ومالك، متمسكين في ذلك بشرب النبي - ﷺ - من زمزم قائمًا. وكأنهم رأوا هذا الفعل منه متأخرًا عن أحاديث النهي، فإنَّه كان في حجة الوداع، فهو ناسخٌ. وحَقق ذلك حُكم الخلفاء الثلاثة بخلافها، ويبعدُ أن تخفى عليهم تلك الأحاديث مع كثرة علمهم، وشدة ملازمتهم للنبي - ﷺ -، وتشدُّدهم في الدين. وهذا وإن لم يصلح للنسخ فيصلح لترجيح أحد الحديثين على الآخر.\nوأمَّا من قال بالكراهة: فيجمع بين الحديثين بأن فعل النبي - ﷺ - يبيِّن الجواز، والنَّهي يقتضي التنزيه؛ فالأولى: ترك ذلك على كل حال. وأما قول قتادة: (الأكلُ أَشَرُّ): فَشَيءٌ لم يقل به أحدٌ من أهل العلم فيما علمت. وعلى ما حكاه النقلة والحفاظ، فهو رأيه، لا روايته. والأصل: الإباحة. والقياس خلي عن الجامع. وقد ذهب بعض الناس: إلى أن النهي عن الشرب قائمًا إنما كان لئلا","vol":"5","page":285},{"text":"[١٩٠١] وعَن أَبِي سَعِيدٍ وأنس: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ زَجَرَ عَن الشُّربِ قَائِمًا.\nرواه مسلم (٢٠٢٥) (١١٤ و١١٥) من حديث أبي سعيد و(٢٠٢٤) (١١٢) من حديث أنس.\n[١٩٠٢] وعن أَبي هُرَيرَةَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا يَشرَبَنَّ أَحَدكُم قَائِمًا، فَمَن نَسِيَ فَليَستَقِئ.\nرواه مسلم (٢٠٢٦).\nــ\nيستعجل القائم فَيَعُبُّ، فيأخذه الكُباد (١)، أو يشرق، أو يأخذه وجع في الحلق، أو في المعدة؛ فينبغي ألا يشرب قائمًا، وحيث شرب النبي - ﷺ - قائمًا أمن ذلك، أو دعته إلى ذلك ضرورة، أو حاجة، لا سيما وكان على زمزم، وهو موضع مزدحم الناس، أو لعلَّه فعل ذلك ليري الناس أنه ليس بصائم، أو لأن شرب ماء زمزم في مثل ذلك الوقت مندوبٌ إليه. والله تعالى أعلم.\nو(قوله: لا يشربن أحدكم قائمًا، فمن نَسِي فليستقئ) قال الإمام أبو عبد الله: لا خلاف بين أهل العلم: في أن من شرب قائمًا ناسيًا ليس عليه أن يستقيء. قال بعض الشيوخ: والأظهر: أن هذا موقوف على أبي هريرة.\nولا خلاف في جواز الأكل قائمًا، وإن كان قتادة قال: الأكل أَشَرُّ وأخبث.\nقلت: ويمكن أن يقال: إن القيء وإن لم يقل أحدٌ بأنَّه واجبٌ عليه، فلا بعد في أن يكون مأمورًا به على جهة التطبُّب. وهو يؤيد قول من قال: إن النهي عن ذلك مخافة مرض أو ضرر، فإنَّ القيء استفراغ مما يخاف ضرره.\nونهيه - ﷺ - عن اختناث الأسقية. قال الراوي: واختناثها أن يُقلَبَ رأسُها\n_________\n(١) \"الكباد\": وجع الكبد.","vol":"5","page":286},{"text":"[١٩٠٣] وعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن اختِنَاثِ الأَسقِيَةِ أَن يُشرَبَ مِن أَفوَاهِهَا.\nوفي رواية: قال: وَاختِنَاثُهَا؛ أَن يُقلَبَ رَأسُهَا، ثُمَّ يُشرَبَ مِنهُ.\nرواه أحمد (٣/ ٦)، والبخاري (٥٦٢٥)، ومسلم (٢٠٢٣) (١١١)، وأبو داود (٣٧٢٠)، والترمذيُّ (١٨٩٠)، وابن ماجه (٣٤١٨).\n[١٩٠٤] وعن ابن عَبَّاسٍ قَالَ: سَقَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِن زَمزَمَ فَشَرِبَ قَائِمًا، وَاستَسقَى وَهُوَ عِندَ البَيتِ.\nوفي رواية: فأتيته بدلو.\nرواه أحمد (١/ ٣٦٩)، والبخاريُّ (١٦٣٧)، ومسلم (٢٠٢٧) (١١٧ و١١٨)، والنسائي (٥/ ٢٣٧)، وابن ماجه (٣٤٢٢).\n* * *\nــ\nويُشرب منه. قال ابن دريد: اختناث الأسقية: كسر أفواهها إلى خارج ليشرب منها. فأمَّا كسرها إلى داخل: فهو القمع.\nقلت: وأصل هذه اللفظة: التَّكسر والتثني. ومنه: المخنث وهو الذي يتكسَّر في كلامه تكسُّر النساء، ويَنثَنِي في مِشيَته كمشيتهنَّ.\nوقيل في هذا، وفي نهيه - ﷺ - عن الشرب من فم السقاء: إن ذلك مخافة أن يتقزَّز منه بعض الناس فيستقذره. وقيل: لما يخاف من ضرر يكون هنالك، كما روي عن أبي سعيد: أن رجلا شرب من في سقاء فانساب جان (١) في بطنه، فنهى\n_________\n(١) \"الجان\": ضرب من الحيات، أكحل العينين، يضرب إلى الصُّفرة، لا يؤذي.\nوالجمع: جِنان.","vol":"5","page":287},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-717>(١٤) باب النهي عن التنفس في الإناء وفي مناولة الشراب الأيمن فالأيمن</span>\n[١٩٠٥] عن أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَن يُتَنَفَّسَ فِي الإِنَاءِ.\nرواه البخاريُّ (٥٦٣٠)، ومسلم (٢٦٧) في الأشربة (١٢١)، والترمذيُّ (١٨٩٠)، والنسائي (١/ ٤٣).\nــ\nالنبي - ﷺ - عن اختناث الأسقية، وأن يشرب من أفواهها. ذكره أبو بكر بن أبي شيبة من رواية الزهري. وقد خرَّج الزبيري وغيره: أن النبي - ﷺ - قام إلى قربة، فخنثها، وشرب من فيها (١). وهذا - إن صحَّ - محمله: أن النبي - ﷺ - علم أنه لم يكن هنالك شيء يضر، وأنه - ﷺ - لم يكن يستقذر منه شيء، بل كان كلُّ ما يستقذر من غيره يستطاب منه، وتطيب به الأشياء.\nومن باب: النهي عن التَّنَفُّس في الإناء\nنهيه - ﷺ - عن التنفس في الإناء إنما هو لئلا يتنفس فيه فيتقذر الماء ببزاقٍ يخرج من الفم، أو بريح كريهة تتعلَّق بالماء، أو بالإناء، وعلى هذا: فإذا لم يتنفس في الإناء فليشرب في نفسٍ واحد ما شاء. قاله عمر بن عبد العزيز. وأجازه جماعة؛ منهم: ابن المسيِّب، وعطاء بن أبي رباح، ومالك بن أنس. وكره ذلك قومٌ؛ منهم: ابن عباس، وطاوس، وعكرمة، وقالوا: هو شرب الشيطان. والقول الأول أظهر لقوله - ﷺ - للذي قال: إنه لا يروى من نفس واحدٍ: (أَبِنِ القَدَحَ عن فِيكَ، ثم تَنَفَّس) (٢). وظاهره: أنه أباح له الشرب في نفس واحدٍ إذا كان يَروى منه.\n_________\n(١) رواه الترمذي (١٨٩٢) من حديث عبد الله بن أنيس.\n(٢) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٩٢٥)، وأبو داود (٣٧٢٢)، والترمذي (١٨٨٨).","vol":"5","page":288},{"text":"[١٩٠٦] وعَن أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثًا وَيَقُولُ: إِنَّهُ أَبرَأُ وأَروَى وَأَمرَأُ. قَالَ أَنَسٌ: وأَنَا أَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثًا.\nوفي رواية: في الإناء.\nرواه البخاري (٥٦٣١)، ومسلم (٢٠٢٨) (١٢٣)، وأبو داود (٣٧٢٧)، والترمذيُّ (١٨٨٥)\nــ\nو(قول أنس: كان رسول الله - ﷺ - يتنفس في الشراب ثلاثًا)، وفي رواية: (في الإناء) قد حمل بعضهم هذا الحديث على ظاهره، وهو أن يتنفس في الإناء (١) ثلاثًا. وقال: فعل ذلك ليبيِّن به جواز ذلك. ومنهم من علل جواز ذلك في حقه - ﷺ - بأنه لم يكن يُتَقَذَّرُ منه شيء، بل الذي يُتَقَذَّرُ من غيره يُستطاب منه، فإنَّهم كانوا إذا بزق، أو تنخع تدلكوا بذلك، وإذا توضأ اقتتلوا على فضل وضوئه، إلى غير ذلك مما في هذا المعنى.\nقلت: وحمل هذا الحديث على هذا ليس بصحيح؛ بدليل بقية الحديث، فإنَّه قال: (إنه أروى، وأبرأ، وأمرأ، وهذه الثلاثة الأمور إنما تحصل بأن يشرب في ثلاثة أنفاس خارج القدح، فأما إذا تنفس في الماء وهو يشرب: فلا يأمن الشَّرَق، ويحصل تقذير الماء، وقد لا يروى إذا سقط من بزاقه شيء، أو خالطه من رائحة نفسه إن كانت هنالك رائحة كريهة. وعلى هذا المعنى حمل الحديث الجمهور. وهو الصواب إن شاء الله تعالى نظرًا إلى المعنى، ولبقية الحديث، ولقوله للرجل: (أَبِنِ القدح عن فيك). ولا شك: أن هذا من مكارم الأخلاق، ومن باب النظافة، وما كان - ﷺ - يأمر بشيء من مكارم الأخلاق ثم لا يفعله.\nو(أروى) من الرِّي؛ أي: أكثر رَيَّا. و(أمرأ) و(أبرأ) قيل: إنهما بمعنى\n_________\n(١) في (ج ٢): الماء.","vol":"5","page":289},{"text":"[١٩٠٧] وعَن أَنَس بن مالك قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ وَأَنَا ابنُ عَشرٍ، وَمَاتَ وَأَنَا ابنُ عِشرِينَ، وَكُنَّ أُمَّهَاتِي يَحثُثنَنِي عَلَى خِدمَتِهِ، فَدَخَلَ عَلَينَا دَارَنَا، فَحَلَبنَا لَهُ مِن شَاةٍ دَاجِنٍ، وَشِيبَ لَهُ مِن بِئرٍ فِي الدَّارِ، فَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ - وَأَبُو بَكرٍ عَن شِمَالِهِ -: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعطِ أَبَا بَكرٍ، فَأَعطَاهُ أَعرَابِيًّا عَن يَمِينِهِ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الأَيمَنَ فَالأَيمَنَ.\nوفي رواية: فَأَعطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الأَعرَابِيَّ وَتَرَكَ أَبَا بَكرٍ، وَعُمَرَ.\nــ\nواحد؛ أي: أحسن شربًا. والباء تبدل من الميم في مواضع. و(أمرأ) من قوله تعالى: ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ يقال: استمرأت الطعام: إذا استحسنته واستطبته. وعلى هذا المعنى الذي صار إليه الجمهور يكون الشراب المذكور بمعنى: الشرب مصدرًا، لا بمعنى الشراب الذي هو المشروب. فتأمله، فإنَّه حسنٌ معنًى، وفصيحٌ لغةً، فإنَّه يقال: شرب شُربًا وشرابًا بمعنى واحد.\nو(قول أنس: وكن أُمَّهاتي) هذا على لغة قوله - ﷺ -: يتعاقبون فيكم ملائكة (١). و(يَحثُثنَنِي) أي: يَحضُضنَنِي. حثَّ، وحضَّ، ورغَّب بمعنى واحد. و(شِيبَ) أي: خلط بالماء ومزج ليبرد.\nوإنما بدأ النبي - ﷺ - بالأعرابي لأنه كان عن يمينه، فبيَّن: أن ذلك سُنَّة، ولذلك قال: الأيمن فالأيمن أي: أعط الأيمن، وابدأ به. وقيل أيضًا: إنه قصد استئلافه، فإنَّه كان من كبراء قومه، فلذلك جلس عن يمينه. والأول أظهر، ولا يبعد قصد المعنى الثاني.\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٤٨٦)، والبخاري (٥٥٥)، ومسلم (٦٣٢)، والنسائي (١/ ٢٤٠).","vol":"5","page":290},{"text":"وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ الأَيمَنُونَ الأَيمَنُونَ الأَيمَنُونَ، قَالَ أَنَسٌ: فَهِيَ سُنَّةٌ، فَهِيَ سُنَّةٌ، فَهِيَ سُنَّةٌ.\nرواه أحمد (٣/ ١١٣)، والبخاريُّ (٥٦١٩)، ومسلم (٢٠٢٩) (١٢٤ - ١٢٦)، وأبو داود (٣٧٢٦)، والترمذي (١٨٩٣)، وابن ماجه (٣٤٢٥).\n[١٩٠٨] وعَن سَهلِ بنِ سَعدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِشَرَابٍ، فَشَرِبَ مِنهُ، وَعَن يَمِينِهِ غُلَامٌ، وَعَن يَسَارِهِ أَشيَاخٌ، فَقَالَ لِلغُلَامِ: أَتَأذَنُ أَن أُعطِيَ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ الغُلَامُ: لَا وَاللَّهِ، لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنكَ أَحَدًا ......\nــ\nو(قول أنس: فهي سُنَّة، فهي سُنَّة) يعني: مناولة الشراب الأيمن فالأيمن. وهل تجري هذه السُّنَّة في غير الشراب، كالمأكول، والملبوس، وغيرهما من جميع الأشياء؟ قال المهلَّب وغيره: نعم. وقال مالك: إن ذلك في الشراب خاصة. قال أبو عمر: ولا يصحُّ ذلك عن مالك.\nقال القاضي عياض: ويشبه أن يكون معنى قول مالك: إن ذلك في الشراب خاصة: أنه فيه جاءت السنة بتقديم الأيمن فالأيمن، وغيره إنما هو من باب الاجتهاد والقياس.\nو(قوله - ﷺ -: الأيمنون الأيمنون) هذا مبتدأ، وخبره محذوف؛ أي: الأيمنون أولى. والغلام الذي كان عن يمين النبي - ﷺ - هو عبد الله بن عباس، وإنما استأذن النبي - ﷺ - الغلام، ولم يستأذن الأعرابي في الحديث الآخر، وبدأ به قبل أبي بكر لما علم النبي - ﷺ - من حال الغلام: أن ذلك الاستئذان لا يخجله ولا ينفره لرياضته، وحسن خلقه، ولِينه بخلاف الأعرابي؛ فإنَّ الجفاء والنُّفرة غالبة على الأعراب، فخاف عليه أن يصدر منه سوء أدب. والله تعالى أعلم.\nو(قول الغلام: والله لا أوثر بنصيبي منك أحدًا) قول أبرزه ما كان عنده من تعظيم رسول الله - ﷺ - ومحبته، واغتنام بركته مع صغر سِنِّه.","vol":"5","page":291},{"text":"قَالَ: فَتَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي يَدِهِ.\nوفي رواية: فأعطاه إياه (مكان) فتله.\nرواه أحمد (٥/ ٣٣٣)، والبخاري (٥٦٢٠)، ومسلم (٢٠٣٠) (١٢٧ و١٢٨).\n* * *\nــ\nو(قوله: فتلَّه في يده) أي: ألقاه فيه. قاله ابن الأنباري. قال: ومنه قوله - ﷺ -: (أُتيت بمفاتيح خزائن الأرض فَتُلَّت في يدي) (١) أي: ألقيت. وقال ابن الأعرابي: معناه: فَصُبَّت.\nو(التل): الصَّبُّ. يقال: تل، يتل - بكسر التاء-: إذا صَبَّ. وقال غيره: التل: الصَّرعُ، والدَّفع. ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَلَّهُ لِلجَبِينِ﴾؛ أي: صرعه.\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٣٩٦) وفيه: فوضعت، مكان: فَتُلَّت.","vol":"5","page":292},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-718>(٢٧) كتاب آداب الأطعمة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-719>(١) باب التسمية على الطعام</span>\n[١٩٠٩] عَن حُذَيفَةَ قَالَ: كُنَّا إِذَا حَضَرنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا، لَم نَضَع أَيدِيَنَا حَتَّى يَبدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَضَعَ يَدَهُ، وَإِنَّا حَضَرنَا مَعَهُ مَرَّةً طَعَامًا، فَجَاءَت جَارِيَةٌ كَأَنَّما تُدفَعُ، فَذَهَبَت لِتَضَعَ يَدَهَا فِي الطَّعَامِ، فَأَخَذَ\nــ\n(٢٧) كتاب الأطعمة\n(١) باب: التسمية\n(قول حذيفة: كنا إذا حضرنا مع رسول الله - ﷺ - طعامًا لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله - ﷺ -) هذا تأدب مع النبي - ﷺ -. وكذلك ينبغي أن يتأدب مع الفضلاء، والعظماء، والعلماء، فلا يبدأ بطعام، ولا شراب، ولا أمر من الأمور التي يشاركون فيها قبلهم.\nو(قوله: فجاءت جارية كأنما تدفع) الجارية في النساء كالغلام في الذكور، وهو ما دون البلوغ. و(تدفع) أي: يدفعها دافع؛ يعني: أنها جاءت مسرعة، كما","vol":"5","page":293},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهَا، ثُمَّ جَاءَ أَعرَابِيٌّ كَأَنَّمَا يُدفَعُ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ الشَّيطَانَ ليَستَحِلُّ الطَّعَامَ أَلَا يُذكَرَ اسمُ اللَّهِ عَلَيهِ، وَإِنَّهُ جَاءَ بِهَذِهِ الجَارِيَةِ لِيَستَحِلَّ بِهَا، فَأَخَذتُ بِيَدِهَا، فَجَاءَ بِهَذَا الأَعرَابِيِّ لِيَستَحِلَّ بِهِ، فَأَخَذتُ بِيَدِهِ، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، إِنَّ يَدَهُ فِي يَدِي مَعَ يَدِهَا.\nوفي رواية: كأنما تطرد، مكان: تدفع، وكذلك في الأعرابي. وفيها: ثم ذكر اسم الله وأكل.\nرواه أحمد (٥/ ٣٨٣)، ومسلم (٢٠١٧)، وأبو داود (٣٧٦٦).\n[١٩١٠] وعَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ رسول الله ﷺ يَقُولُ: إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيتَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ عِندَ دُخُولِهِ وَعِندَ طَعَامِهِ قَالَ الشَّيطَانُ: لَا مَبِيتَ لَكُم وَلَا عَشَاءَ، وَإِذَا دَخَلَ فَلَم يَذكُر اللَّهَ عِندَ دُخُولِهِ قَالَ الشَّيطَانُ: أَدرَكتُم المَبِيتَ، وَإِذَا لَم يَذكُر اللَّهَ عِندَ طَعَامِهِ قَالَ: أَدرَكتُم المَبِيتَ وَالعَشَاءَ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٨٣)، ومسلم (٢٠١٨)، وأبو داود (٣٧٦٥)، وابن ماجه (٣٨٨٧).\n* * *\nــ\nقال في الرواية الأخرى: (كأنما تُطرد)، وكذلك فعل الأعرابي. وكل ذلك إزعاج من الشيطان لهما؛ ليسبقا إلى الطعام قبل النبي - ﷺ -، وقبل التسمية، فيصل إلى غرضه من الطعام. ولما اطَّلع النبي - ﷺ - على ذلك أخذ بيديهما ويدي الشيطان منعًا لهم من ذلك.\nففيه ما يدلّ على مشروعية التسمية عند الطعام والشراب، وعلى بركتها، وعلى أن للشيطان يدًا، وأنه يصيب من الطعام إذا لم يذكر الله تعالى عليه. وهل هذه الإصابة أكل كما قد نصَّ عليه حيث قال: (فإنَّ الشيطان يأكل بشماله، ويشرب","vol":"5","page":294},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-720>(٢) باب الأمر بالأكل باليمين والنهي عن الأكل بالشمال</span>\n[١٩١١] عَن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُم فَليَأكُل بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَليَشرَب بِيَمِينِهِ،\nــ\nبشماله) (١) وهو الظاهر. أو يكون شَمًّا للطعام يحصل له به من التغذي كنحو ما يحصل لنا به من الأكل. قد قيل كل ذلك، وهو محتمل، والقدرة صالحة.\nواستحلال الشيطان الطعام الذي لا يذكر اسم الله عليه إنما هو عبارة عن تناوله منه على نحو ما ذكرناه.\nوقيل: هو استحسانه رفع البركة من ذلك الطعام. وروي عن وهب بن منبه أنه قال: هم أجناس؛ فخالص الجن لا يأكلون، ولا يشربون، ولا يتناكحون، هم ريح. ومنهم أجناس يفعلون ذلك كلَّه، ويتوالدون، ومنهم: السعالي، والغيلان، والقطاربة.\n(٢ و٣ و٤) ومن باب: الأمر بالأكل باليمين ومما يلي (٢)\n(قوله: إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بها) هذا الأمر على جهة الندب؛ لأنَّه من باب تشريف اليمين على الشمال، وذلك لأنها أقوى في الغالب، وأسبق للأعمال، وأمكن في الأشغال. ثم هي مشتقة من اليمن، والبركة. وقد شرف الله تعالى أهل الجنة بأن نسبهم إليها، كما ذمَّ أهل النار حين نسبهم إلى الشمال، فقال: ﴿فَأَصحَابُ المَيمَنَةِ مَا أَصحَابُ المَيمَنَةِ﴾ وقال: ﴿وَأَمَّا إِن كَانَ مِن أَصحَابِ اليَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِن أَصحَابِ اليَمِينِ﴾ وقال\n_________\n(١) سيأتي تخريجه برقم (٢٢٢١).\n(٢) تحت هذا العنوان شرح المؤلف -﵀- ما أشكل من أحاديث التلخيص في هذا الباب: باب: الأكل مما يليه، وباب: لعق الأصابع والصحفة.","vol":"5","page":295},{"text":"فَإِنَّ الشَّيطَانَ يَأكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشرَبُ بِشِمَالِهِ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٣)، ومسلم (٢٠٢٠) (١٠٥)، وأبو داود (٣٣٧٦)، والترمذي (١٨٠٠)، والنسائيُّ في الكبرى (٦٧٤٨).\n[١٩١٢] وعنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يَأكُلَنَّ أَحَدٌ مِنكُم بِشِمَالِهِ وَلَا يَشرَبَنَّ بِهَا، فَإِنَّ الشَّيطَانَ يَأكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشرَبُ بِهَا، قَالَ: وَكَانَ نَافِعٌ يَزِيدُ فِيهَا: وَلَا يَأخُذُ بِهَا وَلَا يُعطِي بِهَا.\nرواه مسلم (٢٠٢٠) (١٠٦).\nــ\nعكس هذا في أصحاب الشمال. وعلى الجملة: فاليمين وما نسب إليها، وما اشتق عنها محمود لسانًا، وشرعًا، ودنيا، وآخرة. والشمال على النقيض من ذلك حتى قد قال شاعر من العرب:\nأبيني أفي يمنى يديك جعلتني ... فأفرح أم صيرتني في شمالكا (١)\nوإذا كان هذا، فمن الآداب المناسبة لمكارم الأخلاق، والسيرة الحسنة عند الفضلاء اختصاص اليمين بالأعمال الشريفة، والأحوال النظيفة، وإن احتيج في شيء منها إلى الاستعانة بالشمال فبحكم التبعية. وأما إزالة الأقذار، والأمور الخسيسة فبالشمال لما يناسبها من الحقارة، والاسترذال.\nو(قوله: فإنَّ الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله) ظاهره أن من أكل بشماله تشبَّه بالشيطان في ذلك الفعل؛ إذ الشيطان بشماله يأكل وبها يشرب. ولقد أبعد وتعسَّف من أعاد الضمير في (شماله) على الآكل.\n_________\n(١) جاء في هامش (ل ١): كذا في جميع النسخ: أبيني. . . شمالكا. أعنى: صدره مؤنث، وعجزه مذكر.","vol":"5","page":296},{"text":"[١٩١٣] وعن سلمة بن الأكوع: أَنَّ رَجُلًا أَكَلَ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشِمَالِهِ فَقَالَ: كُل بِيَمِينِكَ. قَالَ: لَا أَستَطِيعُ. قَالَ: لَا استَطَعتَ. مَا مَنَعَهُ إِلَّا الكِبرُ. قَالَ: فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ.\nرواه أحمد (٤/ ٤٥)، ومسلم (٢٠٢١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-721>(٣) باب الأكل مما يليه والأكل بثلاث أصابع</span>\n[١٩١٤] عن عُمَرَ بنِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: كُنتُ فِي حَجرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَت يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحفَةِ، فَقَالَ لِي: يَا غُلَامُ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُل بِيَمِينِكَ، وَكُل مِمَّا يَلِيكَ.\nــ\nو(قوله - ﷺ - للذي قال له: كل بيمينك، فقال: لا أستطيع، فقال: لا استطعت) دعاء منه عليه؛ لأنَّه لم يكن له في ترك الأكل باليمين عذر، وإنما قصد المخالفة، وكأنه كان منافقًا. والله تعالى أعلم. ولذلك قال الراوي: وما منعه إلا الكبر. وقد أجاب الله تعالى دعاء النبي - ﷺ - في هذا الرجل، حتى شُلَّت يمينه، فلم يرفعها لفيه بعد ذلك اليوم.\nو(قول عمر بن أبي سلمة: كنت في حجر رسول الله - ﷺ -)، هو بفتح الحاء: الحضانة، وبالكسر: الاسم. ومنه: حجر الثوب، والحجر: الحرام، بالكسر أيضًا.\nو(قوله: كانت يدي تطيش في الصَّحفة) أي: تخف وتسرع، وقد دلَّ عليه قوله في الرواية الأخرى: (فجعلت آخذ من لحم حول القصة).\nو(قوله: يا غلام! سمِّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك) فيه تعليم","vol":"5","page":297},{"text":"وفي رواية: أَكَلتُ يَومًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَعَلتُ آخُذُ مِن لَحمٍ حَولَ الصَّحفَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كُل مِمَّا يَلِيكَ.\nرواه أحمد (٤/ ٢٦)، والبخاري (٥٣٧٦)، ومسلم (٢٠٢٢) (١٠٨ و١٠٩)، وابن ماجه (٣٢٦٧).\nــ\nالصبيان ما يحتاجون إليه من أمور الدين وآدابه. وهذه الأوامر كلها على الندب؛ لأنَّها من المحاسن المكمِّلة، والمكارم المستحسنة. والأصل فيما كان من هذا الباب: الترغيب، والنَّدب.\nو(قوله: كل مما يليك) سُنَّة متفق عليها، وخلافها مكروه شديد الاستقباح، لكن إذا كان الطعام نوعًا واحدًا. وسبب ذلك الاستقباح: أنَّ كل آكل كالحائز لما يليه من الطعام، فآخذ الغير له تعدٍّ عليه مع ما في ذلك من تقزز النفوس ما خاضت فيه الأيدي والأصابع، ولما فيه من إظهار الحرص على الطعام، والنَّهم. ثم هو سوء أدب من غير فائدة إذا كان الطعام نوعًا واحدًا. وأما إذا اختلفت أنواع الطعام فقد أباح ذلك العلماء؛ إذ ليس فيه شيء من تلك الأمور المستقبحة.\nوكونه - ﷺ - كان يأكل بثلاث أصابع: أدب حسن، وسنة جميلة؛ لأنَّها تشعر بعدم الشَّرَه في الطعام، وبالاقتصار على ما يحتاج إليه من غير زيادة عليه، وذلك أن الثلاث الأصابع يستقل بها الظريف الخبير. وهذا فيما يتأتى فيه ذلك من الأطعمة، وأما ما لا يتأتى ذلك فيه استعان عليه بما يحتاج إليه من أصابعه.\nولعقه - ﷺ - أصابعه الثلاثة، وأمره بذلك يدل: على أنه سُنَّة مستحبة. وقد كرهه بعض العامة، واستقذره، وقوله بالكراهة والاستقذار أولى من سنَّة رسول الله - ﷺ - (١)، ولو سكت الجهال قلَّ الخلاف. وفائدة اللَّعق احترام للطعام،\n_________\n(١) المقصود بهذه العبارة: أن قول من أنكر سُنَّة رسول الله - ﷺ - وكرهها واستقذرها، قوله هذا أولى بالكراهة والاستقذار.","vol":"5","page":298},{"text":"[١٩١٥] وعَن كَعبِ بنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ، وَيَلعَقُ يَدَهُ قَبلَ أَن يَمسَحَهَا.\nرواه أحمد (٣/ ٤٥٤)، ومسلم (٢٠٣٢) (١٣٢)، وأبو داود (٣٨٤٨)، والترمذيُّ في الشمائل (١٤٠ و١٤٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-722>(٤) باب لعق الأصابع والصحفة وأكل اللقمة إذا سقطت</span>\n[١٩١٦] عَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُم طَعَامًا فَلَا يَمسَح يَدَهُ حَتَّى يَلعَقَهَا أَو يُلعِقَهَا.\nرواه البخاريُّ (٥٤٥٦)، ومسلم (٢٠٣١) (١٢٩ و١٣٠)، وأبو داود (٣٨٤٧)، وابن ماجه (٣٢٦٩).\nــ\nواغتنام للبركة، ألا ترى أنه - ﷺ - أمر بلعق الأصابع والقصعة وقال: (فإنَّه لا يدري في أي طعامه البركة؟) ومعناه - والله أعلم -: أن الله تعالى قد يخلق الشِّبع في الأكل عند لعق الأصابع أو القصعة، فلا يترك شيء من ذلك احتقارًا له. ومثل هذا يفهم من قوله - ﷺ -: (إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى، ثم ليأكلها، ولا يدعها للشيطان).\nو(قوله: فلا يمسحها حتَّى يَلعقها أو يُلعقها) هذا يدلّ على جواز مسح اليد من الطعام بالمنديل قبل الغسل، لكن بعد لعقها. وهو محمول على ما إذا لم يكن في الطعام غمر، فأمَّا إذا كان فيه غمرٌ فينبغي أن يغسلها، لما جاء في الترمذي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: (من نام وفي يده غمرٌ؛ فأصابه شيء؛ فلا","vol":"5","page":299},{"text":"[١٩١٧] وعَن كَعبِ بنِ مَالِكٍ، قَالَ: رَأَيتُ النَّبِيَّ ﷺ يَلعَقُ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَة مِن الطَّعَامِ.\nرواه أحمد (٣/ ٤٥٤)، ومسلم (٢٠٣٢) (١٣١).\n[١٩١٨] وعَن جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِلَعقِ الأَصَابِعِ وَالصَّحفَةِ وَقَالَ: إِنَّكُم لَا تَدرُونَ فِي أَيِّهِ البَرَكَةُ.\nرواه مسلم (٢٠٣٣) (١٣٣).\nــ\nيلومن إلا نفسه) (١)، قال: حديث حسن غريب.\nوقد ذهب قومٌ إلى استحباب غسل اليد قبل الطعام وبعده لما رواه الترمذي من حديث سلمان: أنه - ﷺ - قال: (بركة الطعام الوضوء قبله وبعده) (٢). وروي عنه - ﷺ - أنه قال: (الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، وبعده ينفي اللمم) (٣). ولا يصحُّ شيء منهما. وكرهه قبله كثير من أهل العلم. منهم: سفيان، ومالك، والليث. قال مالك: هو من فعل الأعاجم. واستحبوه بعده. وقد روي عن النبي - ﷺ -: أنه شرب لبنًا، فمضمض وقال: (إن له دسمًا) (٤)، وأمر بالمضمضة من اللبن. وقد روي عن مالك: أنه كره ذلك، وقال: وقد تؤول على أن يتخذ ذلك سُنَّة، أو في طعام لا دسم فيه. والله تعالى أعلم.\nو(قوله: يلعقها) ثلاثيًّا؛ أي: يلعقها بنفسه. والثاني - رباعيًّا - أي:\n_________\n(١) روه الترمذي (١٨٥٩ و١٨٦٠) بلفظ: \"من بات. . .\".\n(٢) رواه الترمذي (١٨٤٦).\n(٣) رواه الطبراني في الأوسط، كما في (مجمع الزوائد ٥/ ٢٣ - ٢٤) وقال: وفيه نهشل بن سعيد، وهو متروك.\n(٤) رواه أحمد (١/ ٢٢٣)، والبخاري (٥٦٠٩)، ومسلم (٣٥٨)، وابن ماجه (٤٩٨).","vol":"5","page":300},{"text":"[١٩١٩] وعَنه، قَالَ: سَمِعتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ الشَّيطَانَ يَحضُرُ أَحَدَكُم عِندَ كُلِّ شَيءٍ مِن شَأنِهِ، حَتَّى يَحضُرَهُ عِندَ طَعَامِهِ، فَإِذَا سَقَطَت مِن أَحَدِكُم اللُّقمَةُ فَليُمِط مَا كَانَ بِهَا مِن أَذًى، ثُمَّ لِيَأكُلهَا، وَلَا يَدَعهَا لِلشَّيطَانِ، فَإِذَا فَرَغَ فَليَلعَق أَصَابِعَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَدرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ تَكُونُ البَرَكَةُ.\nزاد في رواية: وَلَا يَمسَح يَدَهُ بِالمِندِيلِ حَتَّى يَلعَقَ أصابعه أَو يُلعِقَهَا. فإنه لا يدري في أي طعامه البركة.\nرواه مسلم (٢٠٣٣) (١٣٥).\nــ\nيجعل غيره يلعقها. وهذا كله يدلّ على استحباب لعق الأصابع إذا تعلَّق بها شيء من الطعام، كما قدَّمناه. لكنه في آخر الطعام، كما نص عليه، لا في أثنائه؛ لأنَّه يمس بأصابعه بزاقه في فيه إذا لعق أصابعه ثم يعيدها، فيصير كأنه يبصق في الطعام، وذلك مستقذر، مستقبح.\nو(قوله - ﷺ -: إن الشيطان يحضر أحدكم عند كلِّ شيء من شأنه) فائدته أن يحضر الإنسان هذا المعنى عند إرادته فعلًا من الأفعال كائنًا ما كان، فيتعوذ بالله من الشيطان ويُسمِّي الله تعالى فإنَّه يكفى مضرَّة الشيطان، كما قد جاء في حديث الجماع؛ الذي ذكرناه في النكاح، وكما يأتي في الدعوات - إن شاء الله تعالى -.\nو(قوله: فليمط عنها الأذى) أي: يزيله.\nو(قوله: ليأكلها) أمر على جهة الاحترام لتلك اللقمة، فإنَّها من نعم الله تعالى، لم تصل للإنسان حتى سخر الله فيها أهل السماوات والأرض.\nو(قوله: ولا يدعها للشيطان) يعني: إنه إذا تركها، ولم يرفعها، فقد مكَّن الشيطان منها؛ إذ قد تكبر عن أخذها، ونسي حق الله تعالى فيها، وأطاع الشيطان في ذلك، وصارت تلك اللقمة مناسبة للشيطان؛ إذ","vol":"5","page":301},{"text":"[١٩٢٠] وعَن أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَكَلَ طَعَامًا لَعِقَ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ، قَالَ: وَقَالَ: إِذَا سَقَطَت لُقمَةُ أَحَدِكُم فَليُمِط عَنهَا الأَذَى، وَليَأكُلهَا، وَلَا يَدَعهَا لِلشَّيطَانِ. وَأَمَرَنَا أَن نَسلُتَ القَصعَةَ، قَالَ: فَإِنَّكُم لَا تَدرُونَ فِي أَيِّ طَعَامِكُم البَرَكَةُ.\nرواه أحمد (٣/ ١٧٧)، ومسلم (٢٠٣٤)، وأبو داود (٣٨٤٥)، والترمذي (١٨٠٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-723>(٥) باب من دعي إلى الطعام فتبعه غيره</span>\n[١٩٢١] عَن أَبِي مَسعُودٍ الأَنصَارِيِّ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِن الأَنصَارِ يُقَالَ لَهُ: أَبُو شُعَيبٍ، وَكَانَ لَهُ غُلَامٌ لَحَّامٌ، فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَرَفَ فِي\nــ\nقد تكبر عليها، وهو متكبر، فصارت طعامه. وهذا كله ذمٌّ لحال التارك، وتنبيه على تحصيل غرض الشيطان من ذلك.\n(٥ و٦) ومن باب: إذا دعي إلى طعام (١)\nاللَّحَّام: الذي يبيع اللحم، وهو الجزَّار. وهذا على قياس قولهم: عطَّار، وتَمَّار، للذي يبيع ذلك. و(خامس خمسة) أي: أحد خمسة. هذا الحديث، وما يأتي بعده يدلّ: على ما كانوا عليه من شدَّة الحال وشظف العيش، وذلك للتمحيص في الدنيا، وليتوفر لهم أجر الآخرة.\n_________\n(١) شرح المؤلف -﵀- تحت هذا الباب ما أشكل أيضًا في باب: إباحة تطييب الطعام، كما في التلخيص.","vol":"5","page":302},{"text":"وَجهِهِ الجُوعَ، فَقَالَ لِغُلَامِهِ: وَيحَكَ، اصنَع لَنَا طَعَامًا لِخَمسَةِ نَفَرٍ، فَإِنِّي أُرِيدُ أَن أَدعُوَ النَّبِيَّ ﷺ خَامِسَ خَمسَةٍ. قَالَ: فَصَنَعَ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَدَعَاهُ خَامِسَ خَمسَةٍ، وَاتَّبَعَهُم رَجُلٌ، فَلَمَّا بَلَغَ البَابَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ هَذَا اتَّبَعَنَا، فَإِن شِئتَ أَن تَأذَنَ لَهُ، وَإِن شِئتَ رَجَعَ. قَالَ: لَا، بَل آذَنُ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ.\nرواه أحمد (٤/ ١٢٠)، والبخاريُّ (٢٠٨١)، ومسلم (٢٠٣٦)، والترمذيُّ (١٠٩٩).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-724>(٦) باب إباحة تطييب الطعام وعرض من لم يدع</span>\n[١٩٢٢] عَن أَنَسٍ: أَنَّ جَارًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَارِسِيًّا كَانَ طَيِّبَ المَرَقِ، فَصَنَعَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ طعاما، ثُمَّ جَاءَ يَدعُوهُ، فَقَالَ: وَهَذِهِ؟\nــ\nوهذا المتبع لهم كان ذا حاجة، وفاقة، وجوع، واستئذان النبي - ﷺ - لصاحب الدعوة في حق المتبع بيان لحاله، وتطييب لقلب المستأذن، ولو أمره بإدخاله معهم لكان له ذلك، فإنَّه - ﷺ - قد أمرهم بذلك، وقال: (من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، أو أربع فليذهب بخامس) (١)، والوقت كان وقت فاقة وشدِّة، وكانت المواساة واجبة إذ ذاك، والله أعلم. ومع ذلك فاستأذن صاحب المكان تطييبًا لقلبه، وبيانًا للمشروعية في ذلك؛ إذ الأصل: ألا يتصرَّف في ملك الغير أحدٌ إلا بإذنه.\nو(قول أنس: كان لرسول الله - ﷺ - جار فارسي طيب المرق) دليل على جواز\n_________\n(١) انظر تخريجه في التلخيص برقم (٢٢٥٤).","vol":"5","page":303},{"text":"لِعَائِشَةَ. فَقَالَ: لَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا. فَعَادَ يَدعُوهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَهَذِهِ؟ فقَالَ: لَا. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا. ثُمَّ عَادَ يَدعُوهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَهَذِهِ؟ قَالَ: نَعَم - فِي الثَّالِثَةِ -. فَقَامَا يَتَدَافَعَانِ حَتَّى أَتَيَا مَنزِلَهُ.\nرواه أحمد (٣/ ١٢٣)، ومسلم (٢٠٣٧)، والنسائيُّ (٦/ ١٥٨).\n* * *\nــ\nتطييب الأطعمة، والاعتناء بها، ولا خلاف في جواز ذلك بين الأئمة، وامتناع الفارسي من الإذن لعائشة - ﵂ -: أولى ما قيل فيه: إنه إنَّما كان صنع من الطعام ما يكفي النبي - ﷺ - وحده؛ للذي رأى عليه من الجوع، فكأنه رأى: أن مشاركة النبي - ﷺ - في ذلك يجحف بالنبي - ﷺ -. وامتناع النبي - ﷺ - من إجابة الفارسي عند امتناعه من إذن عائشة: إنما كان - والله أعلم - لأن عائشة كان بها من الجوع مثل الذي كان بالنبي - ﷺ -، فكره النبي - ﷺ - أن يستأثر عليها بالأكل دونها، وهذا تقتضيه مكارم الأخلاق، وخصوصًا مع أهل بيت الرجل، ولذلك قال بعض الشعراء (١):\n. . . . . . . . . . . . ... وشِبَعُ الفتى لؤمٌ إذا جاع صاحبه (٢)\nوقد نبَّه مالك - ﵀ - على هذا المعنى حين سُئل عن الرجل يدعو الرجل يكرمه، قال: إذا أراد فليبعث بذلك إليه يأكله مع أهله.\nوفي هذين الحديثين أبواب من الفقه من تتبعها ظفر بها.\n_________\n(١) القائل هو: بشر بن المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة.\n(٢) هذا عجز البيت، وصدره: وكلُّهُمْ قد نال شِبْعًا لِبَطْنِهِ.","vol":"5","page":304},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-725>(٧) باب من اشتد جوعه تعين عليه أن يرتاد ما يرد به جوعه</span>\n[١٩٢٣] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَومٍ أَو لَيلَةٍ، فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكرٍ، وَعُمَرَ، فَقَالَ: مَا أَخرَجَكُمَا مِن بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ؟ قَالَا: الجُوعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: وَأَنَا وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لَأَخرَجَنِي الَّذِي أَخرَجَكُمَا، قُومُوا. فَقَامُوا مَعَهُ، فَأَتَى رَجُلًا مِن الأَنصَارِ\nــ\n(٧) ومن باب: من اشتد جوعه تعين عليه أن يرتاد لنفسه\n(قوله - ﷺ - لأبي بكر وعمر: ما أخرجكما من بيوتكما؟) قالا: الجوع. قال: (وأنا أخرجني الذي أخرجكما) هذا يدلّ على شدَّة حالهم في أوَّل أمرهم. وسبب ذلك: أن أهل المدينة كانوا في شظف من العيش عندما قدم عليهم النبي - ﷺ - مع المهاجرين، وكان المهاجرون فرُّوا بأنفسهم، وتركوا أموالهم، وديارهم، فقَدِموا فقراء على أهل شدَّة، وحاجة، مع أن الأنصار - ﵃ - واسوهم فيما كان عندهم (١)، وشركوهم فيما كان لهم، ومنحوهم، وهادوهم، غير أن ذلك ما كان يسدُّ خلَاّتهم، ولا يرفع فاقاتهم، مع إيثارهم الضراء على السراء، والفقر على الغنى. ولم يزل ذلك دأبهم إلى أن فتح الله عليهم وادي القرى، وخيبر، وغير ذلك؛ فردُّوا لهم منائحهم، واستغنوا بما فتح الله عليهم. ومع ذلك فلم يزل عيشهم شديدًا، وجهدهم جهيدًا حتَّى لقوا الله تعالى مؤثرين بما عندهم، صابرين على شدَّة عيشهم، معرضين عن الدنيا وزهرتها ولذاتها. مقبلين على الآخرة، ونعيمها، وكراماتها، فحماهم الله ما رغبوا عنه، وأوصلهم إلى ما رغبوا فيه. حشرنا الله في زمرتهم، واستعملنا بسنَّتهم.\nو(قوله: قوموا) أمرٌ بالقيام لطلب العيش عند الحاجة. وهو دليل ما\n_________\n(١) ما بين حاصرتين من (ج ٢).","vol":"5","page":305},{"text":"فَإِذَا هُوَ لَيسَ فِي بَيتِهِ، فَلَمَّا رَأَتهُ المَرأَةُ قَالَت: مَرحَبًا وَأَهلًا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَينَ فُلَانٌ؟ قَالَت: ذَهَبَ يَستَعذِبُ لَنَا مِن المَاءِ، إِذ جَاءَ الأَنصَارِيُّ، فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَاحِبَيهِ ثُمَّ قَالَ: الحَمدُ لِلَّهِ، مَا أَحَدٌ اليَومَ أَكرَمَ أَضيَافًا مِنِّي. قَالَ: فَانطَلَقَ فَجَاءَهُم بِعِذقٍ فِيهِ بُسرٌ وَتَمرٌ وَرُطَبٌ، فَقَالَ: كُلُوا مِن هَذِهِ. وَأَخَذَ المُديَةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِيَّاكَ\nــ\nرسمناه في الترجمة، وهذا الرجل الأنصاري هو: أبو الهيثم بن التَّيهان على ما جاء مفسَّرًا في رواية أخرى. واسمه: مالك بن التَّيهان. قاله أبو عمر (١).\nو(قولها: يستعذب لنا ماء) أي: يطلب الماء العذب. وفيه دليلٌ على جواز الميل للمستطابات طبعًا من الماء وغيره.\nو(قول الرجل: الحمد لله، ما أحدٌ اليوم أكرم أضيافًا منِّي) قولٌ صدق، ومقالٌ حق؛ إذ لم تقل الأرض، ولا أظلَّت السَّماء في ذلك الوقت أفضل من أضيافه؛ فإنَّهم: محمد رسول الله - ﷺ -، وخليفتاه: أبو بكر، وعمر. ولما تحقق الرجل عظيم هذه النعمة قابلها بغاية مقدور الشكر، فقال: الحمد لله!\nو(العِذق) - بكسر العين -: الكباسة، وهي: العرجون. و(العذق) - بفتح العين -: النخلة. وإنما قدَّم لهم هذا العرجون؛ لأنَّه الذي تيسَّر له بغير كلفة، لا سيما مع تحققه حاجتهم، ولأن فيه ألوانًا من التمر، والبسر، والرطب، ولأن الابتداء بما يتفكه به من الحلاوة أولى من حيث إنه أقوى للمعدة؛ لأنَّه أسرع هضمًا.\nو(المدية): السكين. و(الحلوب) - بفتح الحاء -: الشاة التي تحلب لبنًا كثيرًا. وإنَّما نهاه عنها؛ لأنَّ ذبحها تضييعٌ للبنها، مع أن غير ذات اللبن تتنزل منزلتها عند الضيف، ويحصل بها المقصود.\n_________\n(١) من (ج ٢).","vol":"5","page":306},{"text":"وَالحَلُوبَ. فَذَبَحَ لَهُم فَأَكَلُوا مِن الشَّاةِ، وَمِن ذَلِكَ العِذقِ، وَشَرِبُوا، فَلَمَّا أَن شَبِعُوا وَرَوُوا؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي بَكرٍ، وَعُمَرَ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لَتُسأَلُنَّ عَن هَذَا النَّعِيمِ يَومَ القِيَامَةِ، أَخرَجَكُم مِن بُيُوتِكُم الجُوعُ، ثُمَّ لَم تَرجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُم هَذَا النَّعِيمُ.\nرواه مسلم (٢٠٣٨)، والترمذي (٢٣٧٠).\n* * *\nــ\nو(قوله: فأكلوا من تلك الشاة، ومن ذلك العذق) دليلٌ على جواز جمع طعامين فأكثر على مائدة.\nو(قوله: حتى شبعوا، ورووا) دليل على جواز الشبع من الحلال. وما جاء مما يدلُّ على كراهة الشبع عن النبي - ﷺ -، وعن السلف: إنما ذلك في الشبع المثقل للمعدة، المبطئ بصاحبه عن الصلوات، والأذكار، المضرُّ للإنسان بالتخم، وغيرها؛ الذي يفضي بصاحبه إلى البطر، والأشر، والنوم، والكسل. فهذا هو المكروه. وقد يلحق بالمُحرَّم إذا كثرت آفاته، وعمَّت بليَّاته.\nوالقسطاس المستقيم ما قاله مَن عليه الصلاة والتسليم: (ما ملأ آدمي وعاءً شرًّا من بطن، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه؛ فإنَّ كان ولا بدَّ: فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه) (١).\nو(قول النبي - ﷺ -: لتُسألُنَّ عن نعيم هذا اليوم) أي: سؤال عرض لا سؤال مناقشة، وسؤال إظهار التفضل والمنن، لا سؤالا يقتضي المعاتبة، والمحن.\nو(النعيم): كل ما يتنعم به؛ أي: يستطاب، ويتلذذ به. وإنما قال النبي - ﷺ - هذا استخراجًا للشكر على النعم، وتعظيمًا (٢) لذلك. والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ١٣٢)، والترمذي (٢٣٨٠).\n(٢) في (ج ٢): تعليمًا.","vol":"5","page":307},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-726>(٨) باب جعل الله تعالى قليل الطعام كثيرا ببركة رسول الله ﷺ، وذكر كثير من آداب الأكل</span>\n[١٩٢٤] عن جَابِر بن عَبدِ اللَّهِ قال: لَمَّا حُفِرَ الخَندَقُ رَأَيتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمَصًا، فَانكَفَأتُ إِلَى امرَأَتِي فَقُلتُ لَهَا: هَل عِندَكِ شَيءٌ؟ فَإِنِّي قد رَأَيتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمَصًا شَدِيدًا. فَأَخرَجَت لِي جِرَابًا فِيهِ صَاعٌ مِن شَعِيرٍ، وَلَنَا بُهَيمَةٌ دَاجِنٌ، قَالَ: فَذَبَحتُهَا وَطَحَنَت، فَفَرَغَت إِلَى فَرَاغِي، فَقَطَّعتُهَا فِي بُرمَتِهَا، ثُمَّ وَلَّيتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَت: لَا تَفضَحنِي بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَن مَعَهُ، قَالَ: فَجِئتُهُ فَسَارَرتُهُ فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا قَد ذَبَحنَا بُهَيمَةً لَنَا، وَطَحَنَت صَاعًا مِن شَعِيرٍ كَانَ عِندَنَا، فَتَعَالَ أَنتَ ونَفَر مَعَكَ. فَصَاحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: يَا أَهلَ الخَندَقِ، إِنَّ جَابِرًا قَد صَنَعَ لَكُم سُورًا، فَحَيَّهَلًا بِكُم. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تُنزِلُنَّ\nــ\n(٨) ومن باب: جعل قليل الطعام كثيرًا ببركة النبي - ﷺ -\n(الخمص): الجوع، وأصله: من خمص البطن، وهو: ضموره، ولما كان الجوع يضمر البطن سُمِّي به. و(البهيمة) الصغيرة من الضأن، تصغير: بهمة. والجمع: بهم. و(الدَّاجن): الملازم للبيت، ودجن في كذا؛ أي: أقام فيه.\nو(قوله: انكفأت إلى أهلي) (١) أي: انقلبت إليهم، وانصرفت.\nو(الجراب): وعاء من جلد.\nو(قوله: إن جابرًا قد صنع لكم سورًا) أي: اتخذ طعامًا لدعوة الناس. كلمة فارسية. قاله الطبري وغيره. وقال غيرهما: هو الطعام نفسه بالفارسية.\nو(قوله: حيَّهلا بكم) أي: أقبلوا وهلمُّوا. قال الهروي: (حي) كلمة على\n_________\n(١) في التلخيص: امرأتي.","vol":"5","page":308},{"text":"بُرمَتَكُم، وَلَا تَخبِزُنَّ عَجِينَكُم حَتَّى أَجِيءَ. فَجِئتُ، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقدَمُ النَّاسَ، حَتَّى جِئتُ امرَأَتِي فَقَالَت: بِكَ وَبِكَ، فَقُلتُ: قَد فَعَلتُ الَّذِي قُلتِ لِي، فَأَخرَجتُ لَهُ عَجِينَتَنَا فَبَصَقَ فِيهَا وَبَارَكَ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرمَتِنَا فَبَصَقَ فِيهَا وَبَارَكَ، ثُمَّ قَالَ: ادعِي خَابِزَةً فَلتَخبِز مَعَكِ، وَاقدَحِي مِن بُرمَتِكُم، وَلَا تُنزِلُوهَا. وَهُم أَلفٌ، فَأُقسِمُ بِاللَّهِ لَأَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانحَرَفُوا،\nــ\nحدة، ومعناها: هلمّ، و(هلا): كلمة على حدة، فجُعِلا كلمة واحدة. قال غيره: وفيها لغات، يقال: حي هل، وهل، وهلى، وهلا، وحي هل، وحي هل - بسكونهما -. وحكى أبو عبيدة: حيهلك، وهي التي يقال فيها: حي على بمعنى. وهي عند أبي عبيدة بمعنى: عليك بكذا؛ أي: ادع به.\nو(قولها: بك وبك) عتب عتبت عليه، وكأنها قالت له: فعلت هذا برأيك، وسوء نظرك. تعني: دعاءه للناس كلهم، وظنَّت أنه لم يخبر رسول الله - ﷺ - بقدر الطعام. ويحتمل أن يكون معناه: بك تنزل الفضيحة، وبك يقع الخجل. ويحتمل أن يكون دعاء؛ أي: أوقع الله بك الفضيحة، أو الخجل، ونحو هذا.\nو(قوله: فجاء رسول الله - ﷺ - يقدم الناس) هذا منه - ﷺ - مخالفٌ للذي نقل من سيرته مع أصحابه: أنه كان لا يتقدمهم، ولا يوطأ عقبه؛ وإنما كان يمشي بين أصحابه، أو يقدمهم. وإنَّما تقدمهم في هذا الموضع لأنه هو الذي دعاهم، فكان دليلهم إلى الموضع الذي دعاهم إليه.\nو(قوله: وبارك فيها) أي: دعا بالبركة، فاستجيب له على الفور، وظهرت معجزاته وبركاته لما أكل من الصاع الشعير والبهمة ذلك العدد الكثير، ثم بقي الطعام على حاله كما كان أوَّل مرة. وعلى هذا (١): لو كانوا مائة ألف لكفاهم.\nوغطيط القدر: صوت فورانها.\n_________\n(١) في (ج ٢): ذلك.","vol":"5","page":309},{"text":"وَإِنَّ بُرمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ، وَإِنَّ عَجِينَنَا لَيخبَزُ كَمَا هُوَ.\nرواه البخاري (٣٠٧٠)، ومسلم (٢٠٣٩).\n[١٩٢٥] وعن أَنَسَ بنَ مَالِكٍ قال: قَالَ أَبُو طَلحَةَ لِأُمِّ سُلَيمٍ: قَد سَمِعتُ صَوتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ضَعِيفًا أَعرِفُ فِيهِ الجُوعَ، فَهَل عِندَكِ مِن شَيءٍ؟ فَقَالَت: نَعَم، فَأَخرَجَت أَقرَاصًا مِن شَعِيرٍ، ثُمَّ أَخَذَت خِمَارًا لَهَا، فَلَفَّت الخُبزَ بِبَعضِهِ، ثُمَّ دَسَّتهُ تَحتَ ثَوبِي، وَرَدَّتنِي بِبَعضِهِ، ثُمَّ أَرسَلَتنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: فَذَهَبتُ بِهِ، فَوَجَدتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا فِي المَسجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ، فَقُمتُ عَلَيهِم، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَرسَلَكَ أَبُو طَلحَةَ؟ قَالَ: فَقُلتُ: نَعَم. قَالَ: إلى طَعَامٍ؟ فَقُلتُ: نَعَم. فَقَالَ\nــ\nو(قوله في حديث أنس: فأخرجت أقراصًا من شعير، فلفته بالخمار ثم أرسلت بذلك إلى رسول الله - ﷺ -). وفي الرواية الأخرى: (إن أبا طلحة أمر أمَّ سليم أن تصنع للنبي - ﷺ - طعامًا لنفسه خاصة). وفي أخرى: (إن أبا طلحة قال لأم سليم: هل من شيء؟ فقالت: نعم، عندي كسر وتمرات، فإنَّ جاء رسول الله - ﷺ - وحده أشبعناه، وإن جاء أحدٌ معه قلَّ عنهم).\nقلت: وهذه روايات مختلفة، فإن كان وقع ذلك مرَّات فلا إشكال، وإن كان مرة واحدة كان ذلك اضطرابًا، غير أنه يمكن الجمع بين تلك الألفاظ، ويرتفع الاضطراب، لكن على تكلف وبُعد.\nو(قوله: فدسته تحت ثوبي) كذا في كتاب مسلم عند سائر رواته. وفي الموطأ: تحت يدي. أي: إبطي. والدسّ: وضع الشيء في خفية، ولطافة.\nو(قوله: وردتني ببعضه) يعني به: أنها جعلت الطرف الثاني من الخمار عليه كالرداء.","vol":"5","page":310},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَن مَعَهُ: قُومُوا. قَالَ: فَانطَلَقَ وَانطَلَقتُ بَينَ أَيدِيهِم، حَتَّى جِئتُ أَبَا طَلحَةَ فَأَخبَرتُهُ، فَقَالَ أَبُو طَلحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيمٍ، قَد جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ، وَلَيسَ عِندَنَا مَا نُطعِمُهُم! فَقَالَت: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ. قَالَ: فَانطَلَقَ أَبُو طَلحَةَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأَقبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ حَتَّى دَخَلَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَلُمِّي مَا عِندَكِ يَا أُمَّ سُلَيمٍ. فَأَتَت بِذَلِكَ الخُبزِ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَفُتَّ، وَعَصَرَت عَلَيهِ أُمُّ سُلَيمٍ عُكَّةً لَهَا فَأَدَمَتهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَن يَقُولَ، ثُمَّ قَالَ: ائذَن لِعَشَرَةٍ. فَأَذِنَ لَهُم فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائذَن لِعَشَرَةٍ.\nــ\nو(قول أبي طلحة لأم سليم: قد جاء رسول الله - ﷺ - بالناس وليس عندنا ما نطعمهم) قولٌ على مقتضى العادة. و(جواب أم سليم بقولها: الله ورسوله أعلم) قولٌ أخرجه النظر إلى إمكان خرق العادة، ورجاء بركة رسول الله - ﷺ - كالذي كان.\nو(العكة): وعاء صغير من جلد يجعل فيه السمن، والنحي أكبر منه. و(أدمته) بمدِّ الألف وقصرها؛ أي: جعلت السمن في الخبز وهو الأدم (١)، فصار الخبز مأدومًا.\nو(قوله: ليتحلق عشرة عشرة) (٢) فيه دليل على استحباب اجتماع هذا العدد على جفنة واحدة عند كثرة الناس، لكن هذا إذا لم تحمل الجفنة أكثر من ذلك، فلو كانت كجفنة الرَّكب (٣) لأكل عليها أكثر من هذا العدد.\nو(قوله: فأكلوا حتى شبعوا) دليل على جواز الشبع، خلافًا لمن كرهه\n_________\n(١) في (ج ٢): الإدام.\n(٢) هذه العبارة لم تردْ في كل روايات هذا الحديث، وإنما وردت في كتاب النكاح من صحيح مسلم برقم (١٤٢٨) (٩٣). والعبارة المقصود شرحها هنا هي: \"ائذنْ لعشرة\".\n(٣) \"الركب\": أصحاب الإبل في السفر.","vol":"5","page":311},{"text":"فَأَذِنَ لَهُم فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائذَن لِعَشَرَةٍ. حَتَّى أَكَلَ القَومُ كُلُّهُم وَشَبِعُوا، وَالقَومُ سَبعُونَ رَجُلًا أَو ثَمَانُونَ رَجُلًا.\nوفي رواية: قَالَ: رَأَى أَبُو طَلحَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُضطَجِعًا فِي المَسجِدِ يَتَقَلَّبُ ظَهرًا لِبَطنٍ، فَأَتَى أُمَّ سُلَيمٍ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُضطَجِعًا فِي المَسجِدِ، يَتَقَلَّبُ ظَهرًا لِبَطنٍ، وَأَظُنُّهُ جَائِعًا.\nفأَمَرَ أَبُو طَلحَةَ أُمَّ سُلَيمٍ أَن تَصنَعَ لِلنَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا لِنَفسِهِ خَاصَّةً، ثُمَّ أَرسَلَنِي إِلَيهِ. وَسَاقَ الحَدِيثَ. وفِيهِ: فَوَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ وَسَمَّى عَلَيهِ، ثُمَّ قَالَ: ائذَن لِعَشَرَةٍ. فَأَذِنَ لَهُم فَدَخَلُوا فَقَالَ: كُلُوا وَسَمُّوا اللَّهَ. فَأَكَلُوا حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ بِثَمَانِينَ رَجُلًا، ثُمَّ أَكَلَ النَّبِيُّ ﷺ بَعدَ ذَلِكَ، وَأَهلُ البَيتِ، وَتَرَكُوا سُؤرًا.\nوفي رواية: وأفضلوا ما أبلغوا جيرانهم.\nرواه أحمد (٣/ ٢١٨)، والبخاري (٥٤٥٠)، ومسلم (٢٠٤٠) (١٤٢ - ١٤٣)، والترمذيُّ (٣٦٣٠).\nــ\nمطلقًا. وهم قومٌ من المتصوفة، لكن الذي يكره منه ما يزيد على الاعتدال، وهو الأكل بكل البطن، حتى لا يترك للماء، ولا للنَّفس مساغًا. وقد ينتهي هذا إلى تجاوز الحد، فيحكم عليه بالتحريم كما تقدَّم. وكونه - ﷺ - أكل بعدهم؛ إنَّما كان ذلك لأنه هو أطعمهم ببركة دعائه، فكان آخرهم أكلًا، كما قال في الشراب: (ساقي القوم آخرهم شربًا) (١). وأيضًا: فليحصل على درجة الإيثار؛ فإنَّه - ﷺ - كان\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٣٠٣)، ومسلم (٦٨١)، والترمذي (١٨٩٤).","vol":"5","page":312},{"text":"[١٩٢٦] وعنه، قال: جِئتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَومًا فَوَجَدتُهُ جَالِسًا مَعَ أَصحَابِهِ يُحَدِّثُهُم، وَقَد عَصَّبَ بَطنَهُ بِعِصَابَةٍ، قَالَ أُسَامَةُ: وَأَنَا أَشُكُّ - عَلَى حَجَرٍ - فَقُلتُ لِبَعضِ أَصحَابِهِ: لِمَ عَصَّبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَطنَهُ؟ فَقَالَوا: مِن الجُوعِ، فَذَهَبتُ إِلَى أَبِي طَلحَةَ، وَهُوَ زَوجُ أُمِّ سُلَيمٍ بِنتِ مِلحَانَ، فَقُلتُ: يَا أَبَتَاهُ، قَد رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَصَّبَ بَطنَهُ بِعِصَابَةٍ، فَسَأَلتُ بَعضَ أَصحَابِهِ فَقَالَوا: مِن الجُوعِ، فَدَخَلَ أَبُو طَلحَةَ عَلَى أُمِّي فَقَالَ: هَل مِن شَيءٍ؟ فَقَالَت: نَعَم، عِندِي كِسَرٌ مِن خُبزٍ، وَتَمَرَاتٌ، فَإِن جَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَحدَهُ أَشبَعنَاهُ، وَإِن جَاءَ أحد مَعَهُ قَلَّ عَنهُم، وساق الحديث.\nوفي أخرى: ثم أخذ ما بقي فجمعه، ثم دعا فيه بالبركة. قال: فعاد كما كان. فقال: دونكم هذا.\nرواه مسلم (٢٠٤٠) (١٤٣).\n* * *\nــ\nأشدهم جوعًا؛ لأنَّه كان قد شدَّ على بطنه بحجرين، ومع ذلك فقدَّمهم عليه وآثرهم بالأكل قبله.\nوشدُّ البطن بالحجر يسكن سورة الجوع، وذلك: أنه يلصق البطن بالأمعاء، والأمعاء بالبطن، فتلتصق المعدة بعضها بالبعض، فيقل الجوع. وقيل: إنما يفعل ذلك ليقوى من الضعف الذي يجده بسبب الجوع. والأول أبين. وفيه أبواب من الفقه لا تخفى.\n* * *","vol":"5","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-727>(٩) باب في أكل الدباء والقديد</span>\n[١٩٢٧] عن أَنَس بن مَالِكٍ قال: إِنَّ خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ، قَالَ أَنَسُ بنُ مَالِكٍ: فَذَهَبتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ، فَقَرَّبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خُبزًا مِن شَعِيرٍ، وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاءٌ وَقَدِيدٌ، قَالَ أَنَسٌ: فَرَأَيتُ النبي ﷺ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِن حَوَالَي القصعة، قَالَ: فَلَم أَزَل أُحِبُّ الدُّبَّاءَ من يَومَئِذٍ.\nوفي رواية: فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأكُلُ مِن ذَلِكَ الدُّبَّاءِ وَيُعجِبُهُ، قَالَ: فَلَمَّا رَأَيتُ ذَلِكَ؛ وجَعَلتُ أُلقِيهِ إِلَيهِ، وَلَا أَطعَمُهُ. قَالَ أَنَسٌ: فَمَا زِلتُ يُعجِبُنِي الدُّبَّاءُ.\nــ\n(٩ و١٠) ومن باب: أكل الدُّبَّاء والقديد والتمر (١)\nالدباء: اليقطين. واحده: دباءة - ممدود - وقد حكى فيه القصر: ابن السَّرَّاج، وليس معروفًا، وعليه فيكون واحده دبأة.\nو(قول أنس: وجعلت ألقيه إليه) دليل على جواز مناولة بعض المجتمعين على الطعام لبعض شيئًا منه (٢)، ولا ينكر على من فعل ذلك؛ وإنما الذي يكره: أن يتناول شيئًا من أمام غيره، أو يتناول من على مائدة من مائدة أخرى، فقد كرهه ابن المبارك.\nو(تتبع النبي - ﷺ - الدباء من حوالي القصعة): إنما كان ذلك لأن الطعام كان مختلفًا، فكان يأكل ما يعجبه منه - وهو الدُّباء - ويترك ما لا يعجبه - وهو القديد -. وقد قدمنا جواز ذلك.\n_________\n(١) شرح المؤلف تحت هذا العنوان ما أشكل أيضًا في باب: في أكل التمر مقعيًا.\n(٢) ما بين حاصرتين مستدرك من (ج ٢).","vol":"5","page":314},{"text":"وفي أخرى: قال أنس: فَمَا صُنِعَ لِي طَعَامٌ بَعدُ أَقدِرُ عَلَى أَن يُصنَعَ فِيهِ دُبَّاءٌ إِلَّا صُنِعَ.\nرواه البخاريُّ (٢٠٩٢)، ومسلم (٢٠٤١) (١٤٤ و١٤٥)، وأبو داود (٣٧٨٢)، والترمذيُّ (١٨٥٠).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-728>(١٠) باب في أكل التمر مقعيا، وإلقاء النوى بين إصبعين، وأكل القثاء بالرطب</span>\n[١٩٢٨] عن أَنَس بن مَالِكٍ قَالَ: رَأَيتُ رسول الله ﷺ مُقعِيًا يَأكُلُ تَمرًا.\nرواه أحمد (٣/ ١٨٠)، مسلم (٢٠٤٤) (١٤٨)، وأبو داود (٣٧٧١).\nــ\nو(قول أنس: رأيت رسول الله - ﷺ - مقعيًا، يأكل تمرًا) الإقعاء: جلسة المستوفز على أطراف أليتيه. مأخوذ من إقعاء السبع. وقد تقدم في كتاب الصلاة. وهو معنى قوله في الرواية الأخرى: (وهو محتفز) بالزاي؛ أي: مستعجل، غير متمكِّن. وإنما كان يأكل كذلك لعدم نهمه، وقلَّة مبالاته بأكله؛ إذ لم تكن همته فيما يجعل في بطنه، وإنما كان يأكل القليل من الطعام عند الحاجة، وعلى جهة التواضع، ولذلك قال - ﷺ -: (أما أنا فلا آكل متكئًا، ولكن آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد) (١).\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ٣٠٨ و٣٠٩)، والبخاري (٥٣٩٩)، وأبو داود (٣٧٦٩)، والترمذي (١٨٣٠)، وابن ماجه (٣٢٦٢).","vol":"5","page":315},{"text":"[١٩٢٩] وعنه، قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَمرٍ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقسِمُهُ - وَهُوَ مُحتَفِزٌ - يَأكُلُ مِنهُ أَكلًا ذَرِيعًا.\nوفي رواية: أكلا حثيثا.\nرواه مسلم (٢٠٤٤) (١٤٩).\n[١٩٣٠] وعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ بُسرٍ قَالَ: نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي، قَالَ: فَقَرَّبنَا إِلَيهِ طَعَامًا وَوَطبَةً، فَأَكَلَ مِنهَا، ثُمَّ أُتِيَ بِتَمرٍ، فَكَانَ يَأكُلُ منه\nــ\nو(قوله: فقدَّمنا إليه طعامًا ووطبة) كذا في كتاب أبي عيسى؛ بسكون الطاء، وباء بواحدة.\nقلت: وهي مؤنثة الوطب، وهي: قربة اللبن. وكأنه قدَّم له هذه القربة ليشرب منها.\nوعند أبي بحر، وقرئ عليه: ووطيئة - بكسر الطاء، والهمزة المفتوحة - قال ابن دريد: الوطيئة: التمر يستخرج نواه، ويعجن بالسمن. قال ثابت: هو طعام للعرب يتخذ من تمر أراه كالحيس.\nقلت: وقد فسَّر القتبي الوطيئة بغير هذا. قال في حديث: أتيت رسول الله - ﷺ - في تبوك، فأخرج لنا ثلاث أكل من وطيئة (١). قال: والوطيئة: الغرارة، والأكل: اللقم.\nو(قوله: أكلًا ذريعًا) أي: كثيرًا. و(حثيثًا): أي: مستعجلًا. وحاصلهما: أنَّه كان يأكل أكلًا لا تصنُّع فيه، ولا رياء، ولا كبر؛ فإذا احتاج إلى الإكثار أكل، وإذا حفزه أمرٌ استعجل، لكنه ما كان يخرج عن أدب، ولا يفعل شيئًا غير مستحسن - ﷺ -.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢٠٤)، وابن ماجه (١٠٤١) مختصرًا عن ابن مسعود، وانظر النهاية لابن الأثير (٥/ ٢٠٢).","vol":"5","page":316},{"text":"وَيُلقِي النَّوَى بَينَ إِصبَعَيهِ، وَيَجمَعُ السَّبَّابَةَ وَالوُسطَى، ثُمَّ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الَّذِي عَن يَمِينِهِ، قَالَ: فَقَالَ أَبِي - وَأَخَذَ بِلِجَامِ دَابَّتِهِ -: ادعُ اللَّهَ لَنَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَارِك لَهُم فِيمَا رَزَقتَهُم، وَاغفِر لَهُم وَارحَمهُم.\nرواه أحمد (٤/ ١٨٨)، ومسلم (٢٠٤٢)، وأبو داود (٣٧٢٩)، والترمذيُّ (٣٥٧٦)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٢٩٢ و٢٩٣).\n[١٩٣١] وعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ جَعفَرٍ قَالَ: رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأكُلُ القِثَّاءَ بِالرُّطَبِ.\nرواه البخاريُّ (٥٤٤٠)، ومسلم (٢٠٤٣)، وأبو داود (٣٨٣٥)، والترمذي (١٨٤٥)، وابن ماجه (٣٣٢٥).\n* * *\nــ\nو(كونه - ﷺ - يلقي النوى بين السَّبابة والوسطى) مبين: أنَّه يجوز تصريف الإصبعين لذلك، لئلا يظن: أنَّه لا يجوز تصريف السَّبابة إلا مع الإبهام؛ لأنَّه الأمكن، والذي جرت به العادة. وإلقاء النوى خارجًا عنهم تعليم لاجتناب إلقائها بين أيدي الآكلين؛ لأنَّ ذلك مِمَّا يستكره، ويستقذر. وقد تقدَّم التنبيه على سُنَّة مناولة الشراب على اليمين.\nوفي هذه الأحاديث: جواز أكل الطيبات من الأطعمة، والحلاوة الحلال، وجمع ذلك في وقت واحد خلافًا لمن كرهه من المتقشفين. وكان - ﷺ - يأكل القثاء بالرُّطب، ويقول: (أكسر حرّ هذا ببرد هذا) (١).\nوفيه دليل على جواز مراعاة صفات الأطعمة، وطبائعها، واستعمالها على الوجه الأليق بها، كما يقوله الأطباء. والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٨٣٦) وفيه: كان رسول الله - ﷺ - يأكل البطيخ بالرطب، عن عائشة ﵂، وانظر فتح الباري (٩/ ٥٧٣).","vol":"5","page":317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-729>(١١) باب النهي عن القران في التمر عند الجهد</span>\n[١٩٣٢] عن جَبَلَةَ بن سُحَيمٍ قَالَ: كَانَ ابنُ الزُّبَيرِ يَرزُقُنَا التَّمرَ، قَالَ: وَقَد كَانَ أَصَابَ النَّاسَ يَومَئِذٍ جَهدٌ، وَكُنَّا نَأكُلُ فَيَمُرُّ عَلَينَا ابنُ عُمَرَ - وَنَحنُ نَأكُلُ - فَيَقُولُ: لَا تُقَارِنُوا، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن الإِقرَانِ؛\nــ\n(١١) ومن باب: النهي عن القران في التمر\n(الجهد) - بفتح الجيم -: المشقة، وبالضم: الطاقة.\nو(قوله: نهى عن الإقران) هكذا وقعت هذه اللفظة لجميع رواة مسلم هنا، وليست بمعروفة؛ أعني: لفظة الإقران؛ فإنها وقعت رباعيَّة من: أقرن، وصوابه: القران؛ لأنَّه من: قرن، يقرن - ثلاثيًّا -، كما جاء في الرواية الأخرى: أن يقرن. قال الفرَّاء: يقال: قرن بين الحج والعمرة، ولا يقال: أقرن. قال غيره: إنَّما يقال: أقرن على الشيء: إذا قوي عليه، وأطاقه. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقرِنِينَ﴾؛ أي: مطيقين.\nقلت: غير أنه جاء في الصَّحاح: أقرن الدَّم في العرق، واستقرن؛ أي: كثر. فيحتمل أن يحمل الإقران المذكور في هذا الحديث على ذلك، فيكون معناه: أنه نهى عن الإكثار من أكل التمر إذا أكل مع غيره. ويرجع معناه إلى القران المذكور في الرواية الأخرى، والله أعلم.\nوقد حمل أهل الظاهر هذا النهي على التحريم مطلقًا. وهو منهم جهل بمساق الحديث وبالمعنى. وحمل الجمهور، والفقهاء، والأئمة هذا النهي على حالة المشاركة في الأكل والاجتماع عليه، بدليل فهم ابن عمر راوي الحديث ذلك المعنى، وهو أفهم للمقال، وأقعد بالحال، وبدليل قوله: إلا أن يستأذن الرجل","vol":"5","page":318},{"text":"إِلَّا أَن يَستَأذِنَ الرَّجُلُ أَخَاهُ. قَالَ شُعبَةُ: لَا أُرَى هَذِهِ الكَلِمَةَ إِلَّا مِن كَلِمَةِ ابنِ عُمَرَ، يَعنِي الِاستِئذَانَ.\nوفي رواية: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَن يَقرِنَ الرَّجُلُ بَينَ التَّمرَتَينِ حَتَّى يَستَأذِنَ أَصحَابَهُ.\nرواه البخاريُّ (٥٤٤٦)، ومسلم (٢٠٤٥) (١٥٠ و١٥١)، وأبو داود (٣٨٣٤)، والترمذيُّ (١٨١٤)، وابن ماجه (٣٣٣١).\nــ\nأخاه. فإنَّ كان هذا من قول النبي - ﷺ - فهو نصٌّ في المقصود، وإن كان من قول ابن عمر؛ فكما قلناه.\nوقد علله الجمهور بعلتين:\nإحداهما: أن ذلك يدلّ على كثرة الشَّرَه، والنَّهم. وبهذا عللته عائشة - ﵂ - حيث قالت: إنها نذالة (١).\nوثانيتهما: إيثار الإنسان نفسه بأكثر من حقه على مشاركه، وحكمهم في ذلك التساوي.\nو(قوله: إلا أن يستأذن أخاه). قال الخطابي: إن ذلك النهي إنما كان في زمنهم لما كانوا عليه من الضيق والمواساة، فأمَّا اليوم: فلا يحتاجون إلى الاستئمار.\nقلت: وهذا فيه نظر، وذلك أن الطعام إذا قُدِّم إلى قوم فقد تشاركوا فيه، وإذا كان كذلك فليأكل كل واحد منهم على الوجه المعتاد على ما تقتضيه المروءة، والنصفة من غير أن يقصد اغتنام زيادة على الآخر، فإنَّ فعل وكان الطعام شركة بحكم الملك؛ فقد أخذ ما ليس له، وإن كان إنما قدَّمه لهم غيرهم، فقد اختلف العلماء فيما يملكون منه. فإنَّ قلنا: إنهم يملكونه بوضعه بين أيديهم؛ فكالأول. وإن قلنا: إنهم إنما يملك كل واحد منهم ما رفع إلى فيه؛ فهذا سوء أدب، وشَرَه،\n_________\n(١) انظر فتح الباري (٩/ ٥٧٢).","vol":"5","page":319},{"text":"[١٩٣٣] عَن عَائِشَةَ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا عَائِشَةُ، بَيتٌ لَا تَمرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهلُهُ - أَو - جَاعَ أَهلُهُ، قَالَهَا مَرَّتَينِ أَو ثَلَاثًا.\nرواه أحمد (٦/ ١٠٥)، رمسلم (٢٠٤٦) (١٥٣)، وأبو داود (٣٨٣١)، والترمذي (١٨١٥)، وابن ماجه (٣٣٢٧).\n* * *\nــ\nودناءة. فعلى الوجه الأول: يكون محرَّمًا، وعلى الثاني: مكروها؛ لأنَّه يناقض مكارم الأخلاق، والله تعالى أعلم.\nو(قوله - ﷺ -: بيتٌ لا تمر فيه جياع أهله) هذا إنما عنى به النبي - ﷺ - المدينة، ومن كان على حالهم، ممن غالب قوتهم: التمر، وذلك: أنه إذا خلا البيت عن غالب القوت في ذلك الموضع كان عن غير الغالب أخلى، فيجوع أهله؛ إذ لا يجدون شيئًا. ويصدق هذا القول على كل بلد ليس فيه إلا صنف واحد، أو يكون الغالب فيه صنفًا واحدًا، فيقال على بلد ليس فيه إلا البر: بيت لا بر فيه جياع أهله. ويفيد هذا التنبيه على مصلحة تحصيل القوت، وادِّخاره؛ فإنَّه أسكن للنفس غالبًا، وأبعد عن التشويش.\n* * *","vol":"5","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-730>(١٢) باب بركة عجوة المدينة وأنها دواء</span>\n[١٩٣٤] عن سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَن أَكَلَ سَبعَ تَمَرَاتٍ مِمَّا بَينَ لَابَتَيهَا حِينَ يُصبِحُ، لَم يَضُرَّهُ سُمٌّ حَتَّى يُمسِيَ.\nوفي رواية: مَن تَصَبَّحَ بِسَبعِ تَمَرَاتٍ عَجوَةً لَم يَضُرَّهُ ذَلِكَ اليَومَ سُمٌّ وَلَا سِحرٌ.\nرواه أحمد (١/ ١٦٨ و١٨١)، والبخاري (٥٤٤٠ و٥٧٦٨)، ومسلم (٢٠٤٧) (١٥٤ و١٥٥)، وأبو داود (٣٨٧٦).\nــ\n(١٢ و١٣ و١٤ و١٥) ومن باب: بركة عجوة المدينة والكمأة (١)\nقوله: (من أكل سبع تمرات مما بين لابتيها حين يصبح لم يضره ذلك اليوم سُمٌّ)، وفي أخرى: (من تصبَّح في سبع تمرات عجوة لم يضرُّه ذلك اليوم سُمٌّ، ولا سحر)، ولم يذكر: مما بين لابتيها.\nقد تقدم الكلام (٢) في اللابة، وأنها الحجارة السود التي في المدينة (٣). وأعاد الضمير على المدينة، ولم يجر لها ذكر في اللفظ، لكنه مما يدل الحال، والمشاهدة عليه. ومطلق هاتين الروايتين مقيَّد بالأخرى، فحيث أطلق العجوة هنا إنما أراد به عجوة المدينة، وكذلك في حديث عائشة: لما أطلق العالية فمراده به: المدينة وجهاتها. ومعنى تصبَّح: أكل عند\n_________\n(١) شرح المؤلف -﵀- تحت هذا الباب ما أشكل من أحاديث التلخيص في باب: بركة عجوة المدينة، وباب: الكمأة من المَنِّ، وباب: نعم الإدامُ الخَلُّ، وباب: كراهية النبي - ﷺ - الثومَ.\n(٢) في (ج ٢): القول.\n(٣) في (ج ٢): حول المدينة.","vol":"5","page":321},{"text":"[١٩٣٥] وعَن عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ فِي عَجوَةِ العَالِيَةِ شِفَاءً، وإِنَّهَا تِريَاقٌ أَوَّلَ البُكرَةِ.\nرواه أحمد (٦/ ٧٧)، ومسلم (٢٠٤٨).\n* * *\nــ\nالصباح، كما جاء مفسَّرًا في الرواية الأخرى، وهذا على طريقة: تغدى، وتعشى، وتسحر: إذا أكل في تلك الأوقات.\nوظاهر هذه الأحاديث: خصوصية عجوة المدينة بدفع السُّم، وإبطال السحر. وهذا: كما توجد بعض الأدوية مخصوصة ببعض المواضع، وببعض الأزمان. وهل هذا من باب الخواص التي لا تدرك بقياس طبي، أو هو مما يرجع إلى قياس طبي؛ اختلف علماؤنا فيه، فمنهم من تكلَّفه وقال: إن السموم إنما تقتل لإفراط برودتها، فإذا دام على التصبُّح بالعجوة تحكمت فيه الحرارة، واستعانت بها الحرارة الغريزية، فقابل ذلك برودة السُّم ما لم يستحكم، فبرأ صاحبه بإذن الله تعالى.\nقلت: وهذا يرفع خصوصية عجوة المدينة، بل خصوصية العجوة مطلقًا، بل خصوصية التمر، فإنَّ هناك من الأدوية الحارة ما هو أولى بذلك منه، كما هو معروف عند أهله. والذي ينبغي أن يقال: إن ذلك خاصة عجوة المدينة كما أخبر به الصادق - ﷺ -.\nثم هل ذلك مخصوص بزمان نطقه - ﷺ - أو هو في كل زمان؟ كل ذلك محتمل، والذي يرفع هذا الاحتمال التجربة المتكررة، فإنَّ وجدنا ذلك كذلك في هذا الزمان؛ علمنا أنها خاصة دائمة، وإن لم نجده مع كثرة التجربة؛ علمنا أن ذلك مخصوص بزمان ذلك القول. والله تعالى أعلم.\nوأما تخصيصه بسبع: فخاصية لهذا العدد قطعًا، وقد جاء عن النبي - ﷺ - في","vol":"5","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-731>(١٣) باب الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين، واجتناء الكباث الأسود</span>\n[١٩٣٦] عَن سَعِيدِ بنِ زَيدِ بنِ عَمرِو بنِ نُفَيلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الكَمأَةُ مِن المَنِّ الَّذِي أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَنِي إِسرَائِيلَ،\nــ\nمواطن كثيرة؛ منها: قوله - ﷺ - (١) في مرضه: (صبوا علي من سبع قرب) (٢)، ومنها: غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا. ومنها: قوله للرَّجل المريض الذي وجهه للحارث بن كلدة وقال: (ليأخذ سبع تمرات، وليلده بهن) (٣) وتعويذه سبع مرات. ومثله كثير. وقد جاء هذا العدد في غير الطب؛ كقوله تعالى: ﴿سَبعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ و﴿سَبعٌ عِجَافٌ﴾ وسبع كسبع يوسف (٤)، و﴿وَسَبعَ سُنبُلاتٍ﴾ وكذلك السبعون، والسبعمائة قد جاء في مواضع كثيرة. فما جاء من هذا العدد مجيء التداوي فذلك بخاصية لا يعلمها إلا الله، ورسوله، ومن أطلعه الله عليها. وأما ما جاء لا في معرض التداوي. فقال بعض اللغويين: العرب تضع هذا العدد موضع الكثرة وإن لم تُرد عددًا بعينه، ولا حصرًا. والله أعلم.\nو(الترياق): دواء مركب معلوم، ينفع من السُّموم، ويقال عليه: درياق، وطرياق، وترياق.\nو(قوله: الكمأة من المن الذي أنزل الله على بني إسرائيل) الكمء للمفرد،\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ز).\n(٢) رواه أحمد (٦/ ١٥١)، والبخاري (١٩٨).\n(٣) رواه أبو داود (٣٨٧٥).\n(٤) هذه العبارة أدرجها المؤلف بين الآيات، وهي ليست كذلك، بل جزء من حديث في البخاري برقم (١٠٠٦).","vol":"5","page":323},{"text":"وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلعَينِ.\nوفي رواية: مِن المَنِّ الَّذِي أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى.\nرواه البخاريُ (٤٤٧٨)، ومسلم (٢٠٤٩) (١٥٩ و١٦٠)، والترمذي (٢٠٦٨)، وابن ماجه (٣٤٥٤).\n[١٩٣٧] وعَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَرِّ الظَّهرَانِ، وَنَحنُ نَجنِي الكَبَاثَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: عَلَيكُم بِالأَسوَدِ مِنهُ. قَالَ: فَقُلنَا:\nــ\nوالكمأة للجمع، على عكس شجرة وشجر. هكذا حكى أهل اللغة، وظاهر هذا اللفظ: أنها مما أنزل الله على بني إسرائيل؛ مما خلقه الله تعالى لهم في التيه، وذلك أنه كانوا ينزل عليهم في أشجارهم مثل السكر. ويقال: هو الطرنجبين، وهو المنُّ في قول أكثر المفسرين. وعلى ظاهر هذا الحديث تكون الكمأة أيضًا مما خلق لهم في مواضع نزولهم. وقيل: الكمء من المن، بمعنى: يشبهه من حيث: أن الكمأة تطلع من عند الله تعالى من غير كلفة منا ببذر، ولا حرث، ولا سقي، كما أن المنِّ ينزل عليهم عفوًا من غير سبب منهم.\nو(قوله: وماؤها شفاء للعين) قال القاضي: قال بعض أهل العلم بالطب في معنى هذا الحديث: إما لتبريد العين من بعض ما يكون فيها من الحرارة فتستعمل بنفسها مفردة، وإما لغير ذلك فمركبة مع غيرها.\nو(الكباث): هو النضيج من ثمر الأراك. قاله الأصمعي. وقال غيره: الصواب: إن الكباث هو الذي لم ينضج، و(المرد): هو الذي نضج، واسود. وأنشد (١):\nوغيَّر ماء المرد فاها فلونه ... كلون النؤور وهي أدماءُ سارها\n_________\n(١) هو أبو ذؤيب.","vol":"5","page":324},{"text":"يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّكَ رَعَيتَ الغَنَمَ، قَالَ: نَعَم، وَهَل مِن نَبِيٍّ إِلَّا وَقَد رَعَاهَا؟ ! أَو نَحوَ هَذَا مِن القَولِ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٢٦)، والبخاري (٣٤٠٦)، ومسلم (٢٠٥٠).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-732>(١٤) باب نعم الإدام الخل</span>\n[١٩٣٨] عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَ أَهلَهُ الأُدُمَ.\nــ\nأي: سائرها. وقد حكي أيضًا عن الأصمعي. وحكي عن ابن الأعرابي: أن الذي لم يسود هو الكباث، والأسود: هو البرير، وجماعه (المرد). وعن مصعب: أن المرد هو إذا ورَّد؛ فإذا اخضر فهو الكباث، فإذا اسود فهو البرير.\nو(قوله: كأنك رعيت الغنم؟ قال: نعم. وهل من نبي إلا رعاها؟) قد تقدَّم الكلام على هذا، وحاصله راجع: إلى أن الله تعالى درَّب الأنبياء على رعاية الغنم، وسياستها؛ ليكون ذلك تدريجًا إلى سياسة الأمم؛ إذ الراعي يقصد مصلحة الغنم، ويحملها على مراشدها، ويقوم بكلفها وسياستها. ومن تدرَّب على هذا وأحكمه؛ كان متمكنًا من سياسة الخلق ورحمتهم، والرفق بهم. وكانت الغنم بهذا أولى لما خص به أهلها من السكينة، وطلب العافية، والتواضع. وهي صفات الأنبياء، ولذلك قال - ﷺ -: (السكينة في أهل الغنم، والفخر والخيلاء في أهل الإبل) (١).\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٣٨٨)، ومسلم (٥٢)، والترمذي (٢٢٤٤) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"5","page":325},{"text":"فَقَالَوا: مَا عِندَنَا إِلَّا خَلٌّ، فَدَعَا بِهِ، فَجَعَلَ يَأكُلُ بِهِ وَيَقُولُ: نِعمَ الأُدُمُ الخَلُّ، نِعمَ الأُدُمُ الخَلُّ.\nرواه مسلم (٢٠٥٢) (١٦٦)، وأبو داود (٣٨٢٠)، والترمذيُّ (١٨٤٠ - ١٨٤٣)، والنسائي (٧/ ١٤)، وابن ماجه (٣٣١٧).\n[١٩٣٩] وعنه؛ قَالَ: كُنتُ جَالِسًا فِي دَارِي، فَمَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَقُمتُ إِلَيهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَانطَلَقنَا، حَتَّى أَتَى بَعضَ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَدَخَلَ، ثُمَّ أَذِنَ لِي فَدَخَلتُ الحِجَابَ عَلَيهَا، فَقَالَ:\nــ\nو(قوله: نعم الإدام (١) الخل) الإدام: كل ما يؤتدم به؛ أي: يؤكل به الخبز مما يطيبه، سواء كان مما يصطبغ به كالأمراق، والمائعات، أو مما لا يصطبغ به، كالجامدات: كاللحم، والبيض، والجبن، والزيتون، وغير ذلك. هذا معنى الإدام عند الجمهور من الفقهاء والعلماء سلفًا وخلفًا. وشذَّ أبو حنيفة وصاحبه أبو يوسف، فقالا في البيض، واللحم المشوي، وشبه ذلك مما لا يصطبغ به: ليس شيء من ذلك بإدام. وينبني على هذا الخلاف الخلاف فيمن حلف ألا يأكل إدامًا فأكل شيئًا من هذه الجامدات. فحنَّثه الجمهور، ولم يحنِّثه أبو حنيفة ولا صاحبه. والصحيح: ما صار إليه الجمهور، بدليل قوله - ﷺ - وقد وضع تمرة على كسرة وقال: (هذه إدام هذه) (٢)، وبدليل قوله أيضًا - وقد سُئل عن إدام أهل الجنة أول ما يدخلونها - فقال: (زيادة كبد الحوت) (٣).\nو(قول جابر: فدخلت الحجاب عليها) ظاهره: أن هذا كان بعد نزول الحجاب، غير أنه ليس فيه: أنه رآها، فقد تستتر بثوب آخر، أو بحجاب آخر.\n_________\n(١) الذي في التلخيص وصحيح مسلم: \"الأُدُم\".\n(٢) رواه أبو داود (٣٢٥٩).\n(٣) رواه أحمد (٣/ ١٠٨)، والبخاري (٣٣٢٩).","vol":"5","page":326},{"text":"هَل مِن غَدَاءٍ؟ . قَالَوا: نَعَم، فَأُتِيَ بِثَلَاثَةِ أَقرِصَةٍ، فَوُضِعنَ عَلَى بتي، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُرصًا فَوَضَعَهُ بَينَ يَدَيهِ، وَأَخَذَ قُرصًا آخَرَ فَوَضَعَهُ بَينَ يَدَيَّ،\nــ\nويحتمل أن يكون ذلك قبل نزول الحجاب.\nو(قوله: فأتي بثلاثة أقرصة فوضعن على بتي) كذا ضبطه الصدفي، والأسدي بباء واحدة مفتوحة، وبعدها تاء باثنتين من فوقها مكسورة، مشدَّدة، وبعدها: ياء باثنتين من تحتها مشدَّدة، منوَّنة.\nقلت: (والبت): كساء من وبر أو صوف. قال الشاعر:\nمن كان ذا بَتٍّ فهذا بَتِّي ... مُصَيِّفٌ مُقَيِّظٌ مُشَتِّي\nوكأن الذي وضعت القرصة عليه منديل من صوف، وكذلك عند ابن ماهان، غير أنه فتح التاء، وعند الطبري: (بُني) بضم الباء، بعدها نون مكسورة مشددة، والياء المشدَّدة. قال الكناني: وهو الصواب، وهو: طبق من خوص. قال ابن وضاح: (بُني): طبق، أو مائدة من خوص، أو حلفاء. ووقع في بعض النسخ: (على نبيء) بتقديم النون مفتوحة، وكسر الباء بواحدة بعدها. وقيل في تفسيره: إنَّه مائدة من خوص. قال ثعلب: النبيئة شيء مدوَّر يعمل من خوص وشريط.\nوقسمة النبي - ﷺ - الأقرصة الثلاثة نصفين يدلّ: على جواز فعل مثل (١) ذلك مع الضيف، بل يدلّ على كرم أخلاق فاعله، وإيثاره الضيف عند قلَّة الطعام، كما فعل النبي - ﷺ -؛ فإنَّ الذي قدم إليه كان غداءه؛ فإنَّ أقرصتهم صغار، لا سيما في مثل ذلك الوقت، ومع ذلك فشرك فيه الغير وفاء بقوله - ﷺ -: (طعام الواحد كافي الاثنين، وطعام الاثنين كافي الثلاثة) (٢).\n_________\n(١) من (ج ٢).\n(٢) رواه أحمد (٣/ ٣٨٢)، ومسلم (٢٠٥٩)، والترمذي (١٨٢٠).","vol":"5","page":327},{"text":"ثُمَّ أَخَذَ الثَّالِثَ فَكَسَرَهُ بِاثنَينِ، فَجَعَلَ نِصفَهُ بَينَ يَدَيهِ، وَنِصفَهُ بَينَ يَدَيَّ، ثُمَّ قَالَ: هَل مِن أُدُمٍ؟ . قَالَوا: لَا، إِلَّا شَيءٌ مِن خَلٍّ، قَالَ: هَاتُوهُ، فَنِعمَ الأُدُمُ هُوَ.\nوفي رواية: قَالَ جَابِرٌ: فَمَا زِلتُ أُحِبُّ الخَلَّ مُنذُ سَمِعتُهَا مِن نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ. قال ابن نافع: مَا زِلتُ أُحِبُّ الخَلَّ مُنذُ سَمِعتُهَا مِن جَابِرٍ.\nرواه مسلم (٢٠٥٢) (١٦٩)، وابن ماجه (٣٣١٨).\n* * *\nــ\nو(قوله: أحرام الثوم؟) هذا سؤال من يعتقد: أن النبي - ﷺ - إذا ترك أكل شيء جرت العادة بأكله كان ذلك دليلًا على تحريمه، ولذلك أجابه النبي - ﷺ - بقوله: (لا)، وهو رد على من يقول من أهل الظاهر: إنه حرام، يمنع حضور الجماعات للصلاة. وقد تقدم الكلام على هذا في كتاب الصلاة.\nو(قوله: ولكني أكرهه) هذا يدل: على كراهة أكل الثوم وإن كان مطبوخًا. وقد تقدم قول عمر - ﵁ - فمن أكلهما فليمتهما طبخًا (١). وإنما كان النبي - ﷺ - يكرههما مطلقًا لخصوصيته بمناجاة الملائكة، ولذلك قال في بعض الحديث: (فإني أناجي من لا تناجي) (٢).\nو(قول أبي أيوب: فإني أكره ما تكره) فيه جواز الامتناع من المباح، وإطلاق اسم الكراهة عليه، وإن لم يكن مطلوب الترك.\nوإنما تحرج أبو أيوب من البقاء في العلو الذي كان النبي - ﷺ - تحت؛ إعظامًا للرسول - ﷺ -، واحتراما عن أن يعلوه، ولإمكان أن يسقط من العلو شيء عند حركتهم في العلو، فيؤذي النبي - ﷺ -.\n_________\n(١) رواه مسلم (٥٦٧).\n(٢) رواه البخاري (٧٣٥٩)، ومسلم (٥٦٤) (٧٣).","vol":"5","page":328},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-733>(١٥) باب كراهية النبي ﷺ الثوم</span>\n[١٩٤٠] عَن أَبِي أَيُّوبَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَزَلَ عَلَيهِ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي السُّفلِ، وَأَبُو أَيُّوبَ فِي العِلوِ، قَالَ: فَانتَبَهَ أَبُو أَيُّوبَ لَيلَةً فَقَالَ: نَمشِي فَوقَ رَأسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَتَنَحَّوا، فَبَاتُوا فِي جَانِبٍ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: السُّفلُ أَرفَقُ. فَقَالَ: لَا أَعلُو سَقِيفَةً أَنتَ تَحتَهَا، فَتَحَوَّلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي العُلُوِّ، وَأَبُو أَيُّوبَ فِي السُّفلِ، فَكَانَ يَصنَعُ لِلنَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا، فَإِذَا جِيءَ بِهِ إِلَيهِ سَأَلَ عَن مَوضِعِ أَصَابِعِ رسول الله ﷺ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فِيهِ ثُومٌ، فَلَمَّا رُدَّ إِلَيهِ سَأَلَ عَن مَوضِعِ أَصَابِعِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقِيلَ لَهُ: لَم يَأكُل، فَفَزِعَ وَصَعِدَ إِلَيهِ، فَقَالَ: أَحَرَامٌ هُوَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَا، وَلَكِنِّي أَكرَهُهُ. قَالَ: فَإِنِّي أَكرَهُ مَا تَكرَهُ، أَو مَا كَرِهتَ، قَالَ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُؤتَى. يعني: يأتيه الوحي.\nرواه أحمد (٥/ ٤١٥)، ومسلم (٢٠٥٣) (١٧١).\n* * *\nــ\nو(قوله - ﷺ -: السُّفل أرفق بنا) يعني بذلك من جهة الصعود إلى العلو، وبما يلحق في تكرار ذلك من المشقة، ومع ذلك فتجشمها النبي - ﷺ - لما رأى صدق أبي أيوب في احترامه، وعزمه على ألا يسكن العلو بوجه، فلو لم يجبه إلى ذلك لانتقل منه أبو أيوب إلى موضع آخر، وربما تكثر عليه المشقة، والحرج، فآثر موافقته على المشقة اللاحقة له في الصعود.\nو(قوله: كان - ﷺ - يؤتى) قد فسَّره الراوي بقوله: يعني: يأتيه الوحي. ومعناه: يؤتى بالوحي؛ أي: يجاء إليه به. والوحي: ما يبلّغه عن الله تعالى مما يبلغه جبريل - ﵇ -.","vol":"5","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-734>(١٦) باب الأكل مع المحتاج بالإيثار</span>\n[١٩٤١] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي مَجهُودٌ، فَأَرسَلَ إِلَى بَعضِ نِسَائِهِ فَقَالَت: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا عِندِي إِلَّا مَاءٌ، ثُمَّ أَرسَلَ إِلَى أُخرَى فَقَالَت مِثلَ ذَلِكَ، حَتَّى قُلنَ كُلُّهُنَّ مِثلَ ذَلِكَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا عِندِي إِلَّا مَاءٌ، فَقَالَ: مَن يُضِيفُ هَذَا اللَّيلَةَ ﵀. فَقَامَ رَجُلٌ مِن الأَنصَارِ في رواية: يقال له أبو طلحة، فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَانطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحلِهِ.\nفَقَالَ لِامرَأَتِهِ: هَل عِندَكِ شَيءٌ؟ قَالَت: لَا، إِلَّا قُوتُ صِبيَانِي، قَالَ: عَلِّلِيهِم بِشَيءٍ، فَإِذَا دَخَلَ ضَيفُنَا فَأَطفِئي السِّرَاجَ، وَأَرِيهِ أَنَّا نَأكُلُ، فَإِذَا أَهوَى لِيَأكُلَ فَقُومِي إِلَى السِّرَاجِ حَتَّى تُطفِئِيهِ، قَالَ: فَقَعَدُوا وَأَكَلَ الضَّيفُ،\nــ\n(١٦ و١٧ و١٨ و١٩) ومن باب: الأكل مع المحتاج بالإيثار (١)\n(قول الرَّجل: إني مجهودٌ) أي: قد أُصبنا بجهد. وهو هنا: المشقة، والجوع.\nو(قول أزواج النبي - ﷺ -: ليس عندنا إلا ماء) يدلّ على شدة حالهم، وضيق عيشهم. وكان هذا - والله أعلم - في أول الأمر. وأما بعد ذلك لما فتحت خيبر، فقد كان النبي - ﷺ - يحبس لأهله قوت سنتهم. ويحتمل أن يكون بعد ذلك، وأن أزواج النبي - ﷺ - كنَّ يتصدَّقن بما كان عندهن، ويؤثرن غيرهن بذلك ويبقين على ما يفتح\n_________\n(١) شرح المؤلف تحت هذا الباب ما أشكل أيضًا في باب: الأكل مع المحتاج بالإيثار، وباب: إطعام الجائع وقسمة الطعام على الأضياف، وباب: يخبأ لمن غاب عن الجماعة نصيبه، وباب: الحضّ على تشريك الفقير الجائع في طعام الواحد.","vol":"5","page":330},{"text":"فَلَمَّا أَصبَحَ غَدَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: قَد عَجِبَ اللَّهُ مِن صَنِيعِكُمَا بِضَيفِكُمَا اللَّيلَةَ.\nوفي رواية: فنزلت: وَيُؤثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِم وَلَو كَانَ بِهِم خَصَاصَةٌ.\nرواه البخاري (٣٧٩٨)، ومسلم (٢٠٥٤) (١٧٢ و١٧٣)، وأبو داود (٣٧٤٨)، والترمذيُّ (١٩٦٧)، وابن ماجه (٣٦٧٥).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-735>(١٧) باب إطعام الجائع وقسمة الطعام على الأضياف عند قلته، وبركة النبي ﷺ</span>\n[١٩٤٢] عَن المِقدَادِ قَالَ: أَقبَلتُ أَنَا وَصَاحِبَانِ لِي، وَقَد ذَهَبَت أَسمَاعُنَا وَأَبصَارُنَا مِن الجَهدِ، فَجَعَلنَا نَعرِضُ أَنفُسَنَا عَلَى أَصحَابِ\nــ\nالله تعالى، ولا يطلبن من النبي - ﷺ - لسقوط ذلك عنه بالذي دفع لهنَّ.\nو(قوله: عجب الله من صنيعكما بضيفكما) أي: رضي بذلك، وعظَّمه عند ملائكته، كما يباهي بأهل عرفة الملائكة. وهذا الحديث يدلّ على فضل أبي طلحة، وأهل بيته - ﵃ -، وأنَّهم المعنيون بقوله تعالى: ﴿وَيُؤثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِم وَلَو كَانَ بِهِم خَصَاصَةٌ﴾ و(الخصاصة): الجوع والفاقة.\nو(قول المقداد: قد ذهبت أسماعنا وأبصارنا) أي: ضعفت حتى قاربت الذهاب.\nو(قوله: فجعلنا نعرض أنفسنا) أي: نتعرَّض لهم ليطعمونا، وذلك لشدة ما كانوا عليه من الجوع، والضعف.","vol":"5","page":331},{"text":"رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَيسَ أَحَدٌ مِنهُم يَقبَلُنَا، فَأَتَينَا النَّبِيَّ ﷺ فَانطَلَقَ بِنَا إِلَى أَهلِهِ، فَإِذَا ثَلَاثَةُ أَعنُزٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: احتَلِبُوا هَذَا اللَّبَنَ بَينَنَا. قَالَ: فَكُنَّا نَحتَلِبُ، فَيَشرَبُ كُلُّ إِنسَانٍ مِنَّا نَصِيبَهُ، وَنَرفَعُ لِلنَّبِيِّ ﷺ نَصِيبَهُ، قَالَ: فَيَجِيءُ مِن اللَّيلِ فَيُسَلِّمُ تَسلِيمًا لَا يُوقِظُ نَائِمًا، وَيُسمِعُ اليَقظَانَ، قَالَ: ثُمَّ يَأتِي المَسجِدَ فَيُصَلِّي، ثُمَّ يَأتِي شَرَابَهُ فَيَشرَبُ، فَأَتَانِي الشَّيطَانُ ذَاتَ لَيلَةٍ وَقَد شَرِبتُ نَصِيبِي، فَقَالَ: مُحَمَّدٌ يَأتِي الأَنصَارَ فَيُتحِفُونَهُ وَيُصِيبُ عِندَهُم، مَا بِهِ حَاجَةٌ إِلَى هَذِهِ الجُرعَةِ، فَأَتَيتُهَا فَشَرِبتُهَا، فَلَمَّا أَن وَغَلَت فِي صدري،\nــ\nو(قوله: فليس أحدٌ منهم يقبلنا) أي: يطعمنا. وظاهر حالهم: أن ذلك الامتناع ممن تعرضوا له إنَّما كان لأنهم ما وجدوا شيئًا يطعمونهم إيَّاه، كما اتفق للنبي - ﷺ - حيث طلب جميع بيوت نسائه، فلم يجد عندهم شيئًا؛ فإنَّ الوقت كان شديدًا عليهم.\nو(قوله: فيسلِّم تسليمًا لا يوقظ نائمًا، ويسمع اليقظان) فيه دليل على مشروعية السَّلام عند دخول البيت. وقد استحبَّه مالك. وأن ذلك مما ينبغي أن يكون برفق، واعتدال.\nو(الجرعة): الشربة الواحدة - بضم الجيم - وبالفتح: المصدر المحدود.\nو(قوله: وغلت في بطني) أي: دخلت، فكل من دخل في شيء فهو واغل فيه. ومنه قول الشاعر (١):\nفاليوم أشربُ (٢) غير مُستَحقب ... إثمًا من الله ولا واغل\nيقال: وغَلتُ، أُغِلَ، وغولا، ووغلًا. وهو ثلاثي. فأمَّا (أوغل): رباعيًّا، فهو\n_________\n(١) هو امرؤ القيس.\n(٢) في اللسان والديوان: أُسْقَى. وفي (ج ٢): أشرَب -بالسكون-.","vol":"5","page":332},{"text":"وَعَلِمتُ أَنَّهُ لَيسَ إِلَيهَا سَبِيلٌ، قَالَ: نَدَّمَنِي الشَّيطَانُ فَقَالَ: وَيحَكَ، مَا صَنَعتَ؟ أَشَرِبتَ شَرَابَ مُحَمَّدٍ، فَيَجِيءُ فَلَا يَجِدُهُ، فَيَدعُو عَلَيكَ فَتَهلِكُ، فَتَذهَبُ دُنيَاكَ وَآخِرَتُكَ؟ وَعَلَيَّ شَملَةٌ إِذَا وَضَعتُهَا عَلَى قَدَمَيَّ خَرَجَ رَأسِي، وَإِذَا وَضَعتُهَا عَلَى رَأسِي خَرَجَ قَدَمَايَ، وَجَعَلَ لَا يَجِيئُنِي النَّومُ، وَأَمَّا صَاحِبَايَ فَنَامَا وَلَم يَصنَعَا مَا صَنَعتُ، قَالَ: فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ، فَسَلَّمَ كَمَا كَانَ يُسَلِّمُ، ثُمَّ أَتَى المَسجِدَ فَصَلَّى، ثُمَّ أَتَى شَرَابَهُ فَكَشَفَ عَنهُ فَلَم يَجِد فِيهِ شَيئًا، فَرَفَعَ رَأسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقُلتُ: الآنَ يَدعُو عَلَيَّ فَأَهلِكُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَطعِم مَن أَطعَمَنِي، وَأَسقِ مَن أَسقَانِي. قَالَ: فَعَمَدتُ إِلَى الشَّملَةِ\nــ\nبمعنى: السَّير الشديد، والإمعان فيه، قاله الأصمعي. ومنه قوله - ﷺ -: (إن هذا الدِّين متين، فأوغل فيه برفق) (١) أي: فسر فيه برفق.\nو(الشَّملة): كساء صغير يشتمل به؛ أي: يُلتحف به على كيفية مخصوصة، قد ذكرناها في الصلاة.\nو(قوله: ثم أتى المسجد) يعني به - والله أعلم -: مسجد بيته، أي: حيث كان يصلِّي النوافل.\nوقوله - ﷺ - لما لم يجد شيئًا: (اللهم أطعم من أطعمني، وأسق من سقاني) يدلّ على كرم أخلاقه، ونزاهة نفسه - ﷺ -؛ إذ لم يسأل عن نصيبه، ولم يُعرّج على ذلك، لكنَّه دعا الله تعالى.\nو(سقاني) بمعنى يسقيني. و(من أطعمني) بمعنى: يطعمني. ولما فهم المقداد منه الدعاء، وطلب أن يفعل الله ذلك معه في الحال؛ عرف: أن الله يجيبه، ولا يرد دعوته، لا سيما عند شدَّة الحاجة، والفاقة. فقام لينظر له شيئًا تكون به إجابة دعوته، فوجد الأعنز حفلًا؛ أي: ممتلئة الضروع باللبن.\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ١٩٩).","vol":"5","page":333},{"text":"فَشَدَدتُهَا عَلَيَّ، وَأَخَذتُ الشَّفرَةَ فَانطَلَقتُ إِلَى الأَعنُزِ أَيُّهَا أَسمَنُ فَأَذبَحُهَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإِذَا هِيَ حَافِل، وَإِذَا هُنَّ حُفَّلٌ كُلُّهُنَّ، فَعَمَدتُ إِلَى إِنَاءٍ لِآلِ مُحَمَّدٍ ﷺ، مَا كَانُوا يَطمَعُونَ أَن يَحتَلِبُوا فِيهِ، قَالَ: فَحَلَبتُ فِيهِ حَتَّى عَلَتهُ رَغوَةٌ، فَجِئتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: أَشَرِبتُم شَرَابَكُم اللَّيلَةَ؟ . قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اشرَب. فَشَرِبَ ثُمَّ نَاوَلَنِي، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اشرَب. فَشَرِبَ ثُمَّ نَاوَلَنِي، فَلَمَّا عَرَفتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَد رَوِيَ وَأَصَبتُ دَعوَتَهُ، ضَحِكتُ حَتَّى أُلقِيتُ إِلَى الأَرضِ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِحدَى سَوآتِكَ يَا مِقدَادُ. فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَانَ مِن أَمرِي كَذَا وَكَذَا، وَفَعَلتُ كَذَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَا هَذِهِ إِلَّا رَحمَةٌ مِن اللَّهِ، أَفَلَا كُنتَ آذَنتَنِي فَنُوقِظَ صَاحِبَينَا فَيُصِيبَانِ مِنهَا؟ . قَالَ: فَقُلتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا أُبَالِي إِذَا أَصَبتَهَا وَأَصَبتُهَا مَعَكَ مَن أَصَابَهَا مِن النَّاسِ.\nرواه أحمد (٦/ ٣)، ومسلم (٢٠٥٥).\n* * *\nــ\nو(الرَّغوة) بضم الراء: ما يعلو اللبن عند الصب والحلب.\nو(رَوِي) بكسر الواو، وتحريك الياء في الماضي، يروَى بفتح الواو وسكون الياء: في الشرب. فأما (رَوَى) بفتح الواو في الماضي، وكسره في المستقبل: فهو في رواية الأخبار. ويقال أيضًا بمعنى: الاستقاء على الإبل. وهذا الحديث من دلائل نبوة النبي - ﷺ -.\nو(قوله: فضحكت حتى ألقيت إلى الأرض) كذا قيدناه مبنيًا لما لم يسم فاعله. وقد وجدناه في بعض النسخ: (ألقيت) مبنيا للفاعل؛ أي: ألقيت نفسي إلى الأرض من شدَّة الضحك. ولما رأى النبي - ﷺ - منه ذلك كره ذلك، وقال له: (إحدى سوآتك يا مقداد) أي: هذه الحالة حالة سيئة من جملة حالاتك التي","vol":"5","page":334},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-736>(١٨) باب يخبأ لمن غاب من الجماعة نصيبه</span>\n[١٩٤٣] عَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ أَبِي بَكرٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: هَل مِن أَحَدٍ مِنكُم طَعَامٌ؟ . فَإِذَا مَعَ رَجُلٍ صَاعٌ مِن طَعَامٍ أَو نَحوُهُ، فَعُجِنَ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشعَانٌّ طَوِيلٌ بِغَنَمٍ يَسُوقُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَبَيعٌ أَم عَطِيَّةٌ؟ . أَو قَالَ: أَم هِبَةٌ؟ قَالَ: لَا، بَل بَيعٌ. فَاشتَرَى مِنهُ شَاةً فَصُنِعَت، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَوَادِ البَطنِ أَن يُشوَى. قَالَ: وَايمُ اللَّهِ، مَا مِن الثَّلَاثِينَ وَمِائَةٍ إِلَّا حَزَّ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حُزَّةً مِن سَوَادِ بَطنِهَا، إِن كَانَ شَاهِدًا أَعطَاهُ، وَإِن كَانَ غَائِبًا خَبَأَ لَهُ. قَالَ: وَجَعَلَ\nــ\nتسوء؛ منكرًا لذلك؛ لأن كثرة الضحك تميت القلب (١)، كما قاله - ﷺ - لأبي ذر. فلما أخبره المقداد بما جرى له، وبما أجاب الله من دعوته قال النبي - ﷺ -: (ما هذه إلا رحمة من الله) معترفًا بفضل الله تعالى، وشاكرًا لنعمته، ومقرًّا بمنته، فله الحمد أولًا وآخرًا، وباطنًا وظاهرًا.\nو(قوله: مشعان طويل) هو بضم الميم، وشين معجمة، وتشديد النون؛ أي: منتفش الشعر. يقال: اشعان الشعر، اشعينانا: إذا انتفش. و(سواد البطن) هو الكبد. وقيل: هو جميع الحشا. وفيه بُعد.\n(وايم الله): قسم بيمن الله، وبركته، وألفه ألف وصل، وفيه لغات قد ذكرت، وهذا قول سيبويه. وقال الفراء: ألفه ألف قطع، وهي عنده: جمع يمين. والذي قاله سيبويه أولى سماعًا، وقياسًا بدليل الحذف الذي دخل الكلمة في اللغات التي رويت فيها.\nو(حزَّ): قطع. والحزة، بضم الحاء: القطعة. وفي هذا الحديث شاهدان بنبوة النبي - ﷺ -: أحدهما: في الكبد، والثاني: في الشاة.\n_________\n(١) رواه الترمذي (٤٢١٧).","vol":"5","page":335},{"text":"قَصعَتَينِ، فَأَكَلنَا مِنهُمَا أَجمَعُونَ وَشَبِعنَا، وَفَضَلَ فِي القَصعَتَينِ، فَحَمَلتُهُ عَلَى البَعِيرِ. أَو كَمَا قَالَ.\nرواه أحمد (١/ ١٩٧)، والبخاريُّ (٢٦١٨)، ومسلم (٢٠٥٦).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-737>(١٩) باب الحض على تشريك الفقير الجائع في طعام الواحد وإن كان دون الكفاي </span>ة\n[١٩٤٤] عن عَبد الرَّحمَنِ بن أَبِي بَكرٍ: أَنَّ أَصحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا نَاسًا فُقَرَاءَ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَرَّةً: مَن كَانَ عِندَهُ طَعَامُ اثنَينِ فَليَذهَب بِثَلَاثَةٍ، وَمَن كَانَ عِندَهُ طَعَامُ أَربَعَةٍ فَليَذهَب بِخَامِسٍ، بِسَادِسٍ. أَو\nــ\nو(الصُّفة): سقيفة المسجد، كانت منزلًا للغرباء والمهاجرين، وكانوا ضيف الإسلام، وكانوا يحتطبون في النهار، ويسوقون الماء لأبيات رسول الله - ﷺ -، ويقرؤون القرآن بالليل، ويصلُّون. هكذا وصفهم البخاري وغيره.\nو(قوله: من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثلاثة) هكذا صحَّت الرواية فيه عن جميع رواة مسلم. والصواب: (بثالث) لأن البخاري ذكره: بثالث؛ ولأن بقية الحديث تدل عليه؛ إذ قال: (ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس، بسادس) ولأنه إن حمل على ظاهره فسد المعنى، وذلك: أن الذي عنده طعام اثنين إذا أكله في خمسة لم يكف أحدًا منهم، فلا يرد جوعًا، ولا يمسك لأحدهم رمقًا. فاقتصار الاثنين على طعامهما كان أصلح؛ لأنَّه كان يرد جوعهما، ويمسك رمقهما، وذلك بخلاف الواحد فإنَّه يتحمل الاثنان أكله، ولا يجحف بهما، ونحو ذلك في تشريك الاثنين في طعام الأربعة لا يجحف بهم، وكذلك الخامس بسادس","vol":"5","page":336},{"text":"كَمَا قَالَ: وَإِنَّ أَبَا بَكرٍ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ، وَانطَلَقَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ بِعَشَرَةٍ، وَأَبُو بَكرٍ بِثَلَاثَةٍ، قَالَ: فَهُوَ وَأَنَا وَأَبِي وَأُمِّي، وَلَا أَدرِي هَل قَالَ: وَامرَأَتِي وَخَادِمٌ بَينَ بَيتِنَا وَبَيتِ أَبِي بَكرٍ. قَالَ: وَإِنَّ أَبَا بَكرٍ تَعَشَّى عِندَ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى صُلِّيَت العِشَاءُ، ثُمَّ رَجَعَ فَلَبِثَ حَتَّى نَعَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَجَاءَ بَعدَمَا مَضَى مِن اللَّيلِ مَا شَاءَ اللَّهُ. قَالَت لَهُ امرَأَتُهُ: مَا حَبَسَكَ عَن أَضيَافِكَ؟ أَو قَالَت: ضَيفِكَ. قَالَ: أَوَمَا عَشَّيتِهِم؟ قَالَت: أَبَوا حَتَّى تَجِيءَ، فَقَد عَرَضُوا عَلَيهِم فَغَلَبُوهُم. قَالَ: فَذَهَبتُ أَنَا فَاختَبَأتُ، وَقَالَ: يَا غُنثَرُ، فَجَدَّعَ وَسَبَّ، وَقَالَ: كُلُوا، لَا هَنِيئًا، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَطعَمُهُ أَبَدًا. قَالَ: فَايمُ اللَّهِ،\nــ\nلمن كان عنده طعام أربعة. وفي ذلك كانت المواساة واجبة لشدَّة الحال. والحكم كذلك مهما وقعت شدَّة بالمسلمين، والله الكافي والواقي.\nو(قوله: يا غنثر! فجدَّع، وسبَّ) هو بضم الغين المعجمة، وفتح الثاء المثلثة وضمها. وهو: الجاهل. مأخوذ من الغثارة، وهي: الجهل. وقيل: من الغثر، وهو: اللوم. وعلى هذين: فالنون فيه زائدة. قال: كسراع الغنثر: ذباب أزرق.\nقلت: والحاصل: أنها كلمة ذمّ وتنقيص.\nوقد روى الخطابي هذا الحرف بالعين المهملة، والتاء باثنتين من فوقها، وقال: هو الذباب؛ تحقيرًا له. وقيل: هو الأزرق منه.\nو(قوله: جدَّع) أي: دعا عليه بالجدع، وهو قطع الأنف. وقال أبو عمرو الشيباني: معناه: سبَّ. يقال: جادعته مجادعة: ساببته.\nقلت: وهذا فيه بُعدٌ؛ لقوله: (جدَّع وسبَّ)، فلو كان كما قال لكان تكرارًا لا فائدة له. والأول أصوب.\nوكل ذلك أبرزه من أبي بكر الصديق - ﵁ - على عبد الرحمن ظن: أنه فرط في الأضياف، فلما تبين له: أنه لم يكن منه","vol":"5","page":337},{"text":"مَا كُنَّا نَأخُذُ مِن لُقمَةٍ إِلَّا رَبَا مِن أَسفَلِهَا أَكثَرَ مِنهَا، قَالَ: حَتَّى شَبِعنَا، وَصَارَت أَكثَرَ مِمَّا كَانَت قَبلَ ذَلِكَ، فَنَظَرَ إِلَيهَا أَبُو بَكرٍ فَإِذَا هِيَ كَمَا هِيَ أَو أَكثَرُ. قَالَ لِامرَأَتِهِ: يَا أُختَ بَنِي فِرَاسٍ، مَا هَذَا؟ قَالَت: لَا وَقُرَّةِ عَينِي،\nــ\nتفريط، وأنَّه إنما كان ذلك امتناعًا من الأضياف: أدَّبهم بقوله لهم: (لا هنيئًا). وحلف لا يطعمه. وذلك: أن هؤلاء الأضياف تحكموا على ربِّ المنزل بالحضور معهم، وقالوا: لا نأكل حتى يحضر أبو منزلنا، فنكدوا على أهل المنزل. ولا يلزم حضور ربِّ المنزل مع الضيف إذا أحضر ما يحتاجون إليه، فقد يكون في مهم من أشغاله لا يمكنه تركه، فهذا منهم جفاء. لكن حملهم على ذلك: صدق رغبتهم في التبرُّك بمؤاكلته، وحضوره معهم. فأبوا حتى يجيء، وانتظروه، فجاء فصدر منه ذلك، فتكدَّر الوقت، وتشوش الحال عليهم أجمعين. وكانت نزغة شيطان، فأزال الله تعالى ذلك النكد بما أبداه من الكرامة، والبركة في ذلك الطعام، فعاد ذلك النكد سرورًا، وانقلب الشيطان مدحورًا، وعند ذلك عاد أبو بكر - ﵁ - إلى مكارم الأخلاق، فأحنث نفسه، وأكل مع أضيافه، وطيَّب قلوبهم، وحصل مقصودهم لقوله - ﷺ -: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير) (١).\nوقول أبي بكر لامرأته - وهي: أم رومان -: (يا أخت بني فراس!) هو ابن غنم بن مالك بن كنانة، وهي من ولده.\nوقولها في جواب أبي بكر: (لا، وقرَّة عيني لهي الآن أكثر) أي: ما نقصت شيئًا، بل زادت. فحذفت اختصارًا؛ قاله عياض.\nقلت: والأولى أن يقال: إنها أقسمت بما رأت من قرة عينها بكرامة الله\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ١٨٥ و٢١١)، والنسائي (٧/ ١٥)، وابن ماجه (٢١١١).","vol":"5","page":338},{"text":"لَهِيَ الآنَ أَكثَرُ مِنهَا قَبلَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ مِرَارٍ. قَالَ: فَأَكَلَ مِنهَا أَبُو بَكرٍ، وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِن الشَّيطَانِ، يَعنِي يَمِينَهُ، ثُمَّ أَكَلَ مِنهَا لُقمَةً، ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَصبَحَت عِندَهُ، قَالَ: وَكَانَ بَينَنَا وَبَينَ قَومٍ عَقدٌ فَمَضَى الأَجَلُ، فَعَرَّفنَا اثنَي عَشَرَ رَجُلًا منهم، مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنهُم أُنَاسٌ، اللَّهُ أَعلَمُ كَم مَعَ كُلِّ رَجُلٍ، قَالَ: إِلَّا أَنَّهُ بَعَثَ مَعَهُم فَأَكَلُوا مِنهَا أَجمَعُونَ. أَو كَمَا قَالَ.\nرواه أحمد (١/ ١٩٧)، والبخاريُّ (٣٥٨١)، ومسلم (٢٠٥٧) (١٧٦).\n[١٩٤٥] وعنه؛ قَالَ: نَزَلَ عَلَينَا أَضيَافٌ لَنَا. قَالَ: وَكَانَ أَبِي يَتَحَدَّثُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن اللَّيلِ. فَانطَلَقَ، وَقَالَ: يَا عَبدَ الرَّحمَنِ، افرُغ مِن أَضيَافِكَ. قَالَ: فَلَمَّا أَمسَيتُ جِئنَا بِقِرَاهُم، قَالَ: فَأَبَوا، فَقَالَوا: حَتَّى يَجِيءَ أَبُو مَنزِلِنَا، فَيَطعَمَ مَعَنَا، قَالَ: فَقُلتُ: إِنَّهُ رَجُلٌ حَدِيدٌ، وَإِنَّكُم إِن لَم تَفعَلُوا خِفتُ أَن يُصِيبَنِي مِنهُ أَذًى. قَالَ: فَأَبَوا، فَلَمَّا جَاءَ لَم يَبدَأ بِشَيءٍ أَوَّلَ مِنهُم،\nــ\nتعالى لزوجها، وافتتحت الكلام بـ (لا) الزائدة (١). كقوله تعالى: ﴿لا أُقسِمُ بِيَومِ القِيَامَةِ﴾ وما في معناه، وكقول الشاعر (٢):\nفلا وأبيك ابنةَ العامري ... لا يدَّعي القومُ أني أَفِرّ\nو(قرَّة العين): ما يسر به الإنسان، مأخوذ من القرّ، وهو: البرد، وقد تقدَّم ذلك.\nو(قوله: فعرَّفنا اثني عشر رجلًا) مشدَّد الراء من عرفنا؛ أي: جعلنا عرفاء؛ أي: نقباء على قومهم، وسُمُّوا بالعرفاء: لأنَّهم: يعرفون الإمام بأحوال جماعتهم. وسُمُّوا بالنقباء: لأنهم ينقبون عن أخبار أصحابهم. والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) في (ع) و(ل): النافية الزائدة.\n(٢) هو امرؤ القيس.","vol":"5","page":339},{"text":"فَقَالَ: أَفَرَغتُم مِن أَضيَافِكُم؟ قَالَ: قَالَوا: لَا وَاللَّهِ مَا فَرَغنَا، قَالَ: أَلَم آمُر عَبدَ الرَّحمَنِ؟ قَالَ: وَتَنَحَّيتُ عَنهُ، فَقَالَ: يَا عَبدَ الرَّحمَنِ، قَالَ: فَتَنَحَّيتُ، قَالَ: فَقَالَ: يَا غُنثَرُ، أَقسَمتُ عَلَيكَ إِن كُنتَ تَسمَعُ صَوتِي إِلَّا جِئتَ. قَالَ: فَجِئتُ فَقُلتُ: وَاللَّهِ مَا لِي ذَنبٌ، هَؤُلَاءِ أَضيَافُكَ فَسَلهُم، قَد أَتَيتُهُم بِقِرَاهُم فَأَبَوا أَن يَطعَمُوا حَتَّى تَجِيءَ. قَالَ: فَقَالَ: مَا لَكُم أَلَا تَقبَلُوا عَنَّا قِرَاكُم؟ قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكرٍ: فَوَاللَّهِ لَا أَطعَمُهُ اللَّيلَةَ. قَالَ: فَقَالَوا: فَوَاللَّهِ لَا نَطعَمُهُ حَتَّى تَطعَمَهُ. قَالَ: فقال: مَا رَأَيتُ كَالشَّرِّ كَاللَّيلَةِ قَطُّ. وَيلَكُم، مَا لَكُم أَلَا تَقبَلُوا عَنَّا قِرَاكُم؟ قَالَ: ثُمَّ قَالَ: أَمَّا الأُولَى مِن الشَّيطَانِ، هَلُمُّوا قِرَاكُم. قَالَ: فَجِيءَ بِالطَّعَامِ فَسَمَّى فَأَكَلَ وَأَكَلُوا. قَالَ: فَلَمَّا أَصبَحَ غَدَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَرُّوا وَحَنِثتُ، قَالَ: فَأَخبَرَهُ فَقَالَ: أَنتَ أَبَرُّهُم وَأَخيَرُهُم. قَالَ: وَلَم تَبلُغنِي كَفَّارَةٌ.\nــ\nوقول أبي بكر: (ما لكم ألا تقبلوا عنا قراكم) قال عياض: بتخفيف اللام على التحضيض واستفتاح الكلام عند الجمهور.\nقلت: ويلزم على هذا ثبوت النون من (تقبلون) إذ لا موجب لحذفها مع الاستفتاح.\nو(ما لكم؟): استفهام إنكار. وعند ابن أبي جعفر بتشديدها على زيادة (لا)، كما قال تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلا تَسجُدَ إِذ أَمَرتُكَ﴾ و﴿مَا لَكَ أَلا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾\nوقول أبي بكر: (بَرُّوا وحنثت) يعني بذلك: أضيافه؛ لأنَّهم لم يأكلوا حتى أكل معهم، فبرُّوا في يمينهم، وحنث هو في يمينه، حيث أكل معهم.\nوقوله - ﷺ -: (أنت أبَرُّهم، وأخيرهم) أي: أحقهم بذلك في هذه القصة،","vol":"5","page":340},{"text":"رواه أحمد (١/ ١٩٧ - ١٩٨)، والبخاريُّ (٦١٤٠)، ومسلم (٢٠٥٧) (١٧٧)، وأبو داود (٣٢٧١).\n[١٩٤٦] وعن جَابِر بن عَبدِ اللَّهِ قال: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: طَعَامُ الوَاحِدِ يَكفِي الِاثنَينِ، وَطَعَامُ الِاثنَينِ يَكفِي الأَربَعَةَ، وَطَعَامُ الأَربَعَةِ يَكفِي الثَّمَانِيَةَ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٨٢)، ومسلم (٢٠٥٩)، والترمذي (١٨٢٠)، وابن ماجه (٣٢٥٤).\n[١٩٤٧] وفي الباب عن أبي هريرة؛ ولم يذكر الثمانية.\nرواه البخاريُّ (٥٣٩٢)، ومسلم (٢٠٥٨)، والترمذيُّ (١٨٢١).\n* * *\nــ\nومطلقًا. وقد أتى بـ (أخيرهم) على الأصل المطرح. وتأمل ما فيه من أبواب الفقه.\n* * *","vol":"5","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-738>(٢٠) باب المؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء</span>\n[١٩٤٨] عن نافع؛ قال: رَأَى ابنُ عُمَرَ مِسكِينًا، فَجَعَلَ يَضَعُ بَينَ يَدَيهِ، وَيَضَعُ بَينَ يَدَيهِ. قَالَ: فَجَعَلَ يَأكُلُ أَكلًا كَثِيرًا، قَالَ: فَقَالَ: لَا يُدخَلَنَّ هَذَا عَلَيَّ، فَإِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ الكَافِرَ يَأكُلُ فِي سَبعَةِ أَمعَاءٍ.\nزاد في أخرى: وَالمُؤمِنُ يَأكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٣ و٧٤)، والبخاريُّ (٥٣٩٥)، ومسلم (٢٠٦٠) (١٨٢ و١٨٣).\nــ\n(٢٠) ومن باب: المؤمن يأكل في معى واحد\nإنما قال ابن عمر للمسكين الذي أكل كثيرًا: (لا يدخلن عليكم هذا) (١)؛ لأنَّه شبهه بالكافر من حيث إنه كان يأكل بالشره، والحرص، وإفراط الشهوة. وهكذا أكل الكافر. وأما المؤمن الذي يعلم أن مقصود الشرع من الأكل ما يسد الجوع، ويمسك الرَّمق، ويقوى به على عبادة الله تعالى، ويخاف من الحساب على الزائد على ذلك، فيقل أكله ضرورة. ولذلك قال - ﷺ -: (ما ملأ ابن آدم (٢) وعاءً شرًّا من بطن، حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإنَّ كان ولا بدَّ: فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه) (٣). وعلى هذا فقد يكون أكل المؤمن المذكور إذا نسب إلى\n_________\n(١) في التلخيص ومسلم: \"لا يدخلن هذا عليَّ\".\n(٢) في (ج ٢): آدمي.\n(٣) رواه أحمد (٤/ ١٣٢)، والترمذي (٢٣٨٠)، وابن حبان (٦٧٤) الإحسان.","vol":"5","page":342},{"text":"[١٩٤٩] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَافَهُ ضَيفٌ وَهُوَ كَافِرٌ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ فَحُلِبَت - فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ أُخرَى فَشَرِبَهُ، ثُمَّ أُخرَى فَشَرِبَهُ، حَتَّى شَرِبَ حِلَابَ سَبعِ شِيَاهٍ - ثُمَّ إِنَّهُ أَصبَحَ فَأَسلَمَ، فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِأُخرَى فَلَم يَستَتِمَّهَا،\nــ\nأكل الكافر المذكور سبعًا، فيصير الكافر كأن له سبعة أمعاء يأكل فيها، والمؤمن له معى واحد. وهذا أحد تأويلات الحديث، وهو أحسنها عندي. وقيل: المراد بالسبعة أمعاء: صفات سبع: الحرص، والشره، وبعد الأمل، والطَّمع، وسوء الطبع، والحسد، وحب السمن. وقيل: شهوات الطعام سبع: شهوة الطبع، وشهوة النفس، وشهوة العين، وشهوة الفم، وشهوة الأذن، وشهوة الأنف، وشهوة الجوع، وهي الضرورية التي بها يأكل المؤمن. وقيل: إن ذلك في واحد مخصوص، وهو الذي ذكره في حديث أبي هريرة. واختلف في اسمه؛ فقيل: نضلة بن عمرو الغفاري. وقيل: بصرة بن أبي بصرة الغفاري. وقيل: ثمامة بن أثال. وقيل: جهجاه الغفاري (١).\nو(قوله: ضافه ضيف) أي: نزل وصار ضيفه. و(أضفته): أنزلته. وضفت الرجل: نزلت به. والضيف: اسم للواحد، والجميع، والمذكر، والمؤنث، يذهب به مذهب المصدر، كما يقال: زور، وعدل، ورضا. وقد جمع: أضيافًا،\n_________\n(١) جاء في هامش (ج ٢): تتميم: وقيل: أبو غزوان. وقيل: حُميد بن بصرة. وقال أبو عُبيد: لا أعلم للحديث وجهًا إلا ما روي: أن رجلًا كان كثير الأكل قبل أن يُسلمَ، فلما أسلمَ نقصَ من ذلك، فذُكر ذلك للنبي - ﷺ - فقال هذا القول؛ فإن كثيرًا من الكفَّار من يَقِلُّ أكلُه، ومن المسلمين من يكثر أكله. وروي عن عمر أنه كان يأكل الصَّاعَ من التمر! فأي المؤمنين كان له كإيمان عمر ﵁؟ ! وقيل: معنى قوله: يأكل في سبعة أمعاء: أن يأكل أكل مَن له سبعة أمعاء. والمؤمن: أكله كأكل من ليس له إلا مِعىً واحد، فيشاركُ الكافرَ بجزء من أجزاء أكل الكافر، ويزيد عليه الكافر أمثالَه. والمِعَى في هذا الحديث هو المعدة.","vol":"5","page":343},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: المُؤمِنُ يَشرَبُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالكَافِرُ يَشرَبُ فِي سَبعَةِ أَمعَاءٍ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٧٥)، ومسلم (٢٠٦٣)، والترمذيُّ (١٨١٩).\n[١٩٥٠] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: مَا عَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَعَامًا قَطُّ، كَانَ إِذَا اشتَهَى شَيئًا أَكَلَهُ، وَإِن كَرِهَهُ تَرَكَهُ.\nوفي رواية: (سكت) مكان (تركه).\nرواه البخاريُّ (٣٥٦٣)، ومسلم (٢٠٦٤) (١٨٧ و١٨٨)، وأبو داود (٣٧٦٣)، والترمذيُّ (٢٠٣١)، وابن ماجه (٣٢٥٩).\n* * *\nــ\nوضيوفًا، وضيفانًا.\nو(الحلاب) هنا هو: المحلوب، وهو اللبن. وقد يقال على المحلب: حلاب. وهو: الإناء الذي يحلب فيه، وقد تقدَّم في الطهارة.\nقلت: قوله - ﷺ -: (المؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء) المقصود به: التمثيل، وذم كثرة الأكل، ومدح التقليل منه.\nو(قوله: ما عاب رسول الله - ﷺ - طعامًا قط) هذا من أحسن آداب الأكل، وأهمها، وذلك: أن الأطعمة كلها نعم الله تعالى، وعيب شيء من نعم الله تعالى مخالف للشكر الذي أمر الله تعالى به عليها، وعلى هذا: فمن استطاب طعامًا فليأكل، ويشكر الله تعالى؛ إذ مكنه منه، وأوصل منفعته إليه. وإن كرهه؛ فليتركه، ويشكر الله تعالى؛ إذ مكنه منه، وأعفاه عنه، ثم قد يستطيبه، أو يحتاج إليه في وقت آخر فيأكله، فتتم عليه النعمة، ويَسلَم مما يناقض الشكر.","vol":"5","page":344},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-739>(٢١) باب النهي عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة</span>\n[١٩٥١] عَن أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إن الَّذِي يأكل أو يَشرَبُ فِي آنِيَةِ الذهب والفِضَّةِ، إِنَّمَا يُجَرجِرُ فِي بَطنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ.\nرواه أحمد (٦/ ٣٠٠)، والبخاريُّ (٥٦٣٤)، ومسلم (٢٠٦٥)، وابن ماجه (٣٤١٣).\nــ\n(٢١) ومن باب: النَّهي عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة\n(قوله - ﷺ -: الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم) يروى برفع: نار، ونصبه. فمن رفع حمل (يجرجر) على: يصوِّت. والجرجرة: الصوت الضعيف المتراجع، كصوت حركة اللِّجام في فم الفرس. يقال: جرجر الفرس: إذا حرَّك فمه باللجام. ومن نصبه حمله على معنى: يتجرع.\nوهذا الحديث دليلٌ على تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب، ويلحق بهما ما في معناهما مثل: التطيب، والتكحل، وما شابه ذلك. وبتحريم ذلك قال جمهور العلماء سلفًا وخلفًا. وروي عن بعض السلف إباحة ذلك. وهو خلاف شاذٌّ مطرح للأحاديث الصحيحة الكثيرة في هذا الباب.\nثم اختلف العلماء في تعليل المنع. فقيل: إن التحريم راجع إلى عينهما. وهذا يشهد له قوله - ﷺ -: (هي لهم في الدنيا، ولنا في الآخرة). وقيل: ذلك معلل بكونهما رؤوس الأثمان، وقيم المتلفات؛ فإذا اتخذ منهما الأواني قلت في أيدي الناس، فيجحف ذلك بهم. وهذا كما حُرّم فيهما ربا الفضل. وقد حسَّن الغزالي هذا المعنى، فقال: إنهما في الوجود كالحكام الذين حقهم أن يتصرفوا في الأقطار ليظهروا العدل، فلو منعوا من التصرُّف والخروج للناس لأخل ذلك بهم، ولم يحصل عدل في الوجود. وصياغة الأواني من الذهب والفضة حبس لهما عن","vol":"5","page":345},{"text":"[١٩٥٢] وعن عَبد الرَّحمَنِ بن أَبِي لَيلَى قَالَ: استَسقَى حُذَيفَةُ فَسَقَاهُ مَجُوسِيٌّ فِي إِنَاءٍ مِن فِضَّةٍ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا تَلبَسُوا الحَرِيرَ وَلَا الدِّيبَاجَ، وَلَا تَشرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلَا تَأكُلُوا فِي صِحَافِهَا، فَإِنَّهَا لَهُم فِي الدُّنيَا.\nوفي رواية: وهي لكم في الآخرة.\nرواه أحمد (٥/ ٣٩٧)، والبخاريُّ (٥٨٣٧)، ومسلم (٢٠٦٧) (٤ و٥)، وأبو داود (٣٧٢٣)، والترمذي (١٨٧٨)، والنسائي (٨/ ١٩٨ و١٩٩)، وابن ماجه (٣٤١٤).\n* * *\nــ\nالتصرُّف الذي ينتفع به الناس. وقيل: إن ذلك معلل بالسَّرف، والتشبُّه بالأعاجم.\nقلت: وهذا التعليل ليس بشيء؛ لأنَّه يلزم عليه أن يكون اتخاذ تلك الأواني، واستعمالها مكروهًا؛ لأنَّ غاية السَّرف والتشبه بالأعاجم أن يكون مكروها، والتهديد الذي اشتمل عليه الحديث المتقدِّم مفيدٌ للتحريم لا للكراهة.\nوكل ما ذكرناه من التحريم إنما هو في الاستعمال، وأما اتخاذ الأواني من الذهب والفضة من غير استعمال: فمذهبنا، ومذهب جمهور العلماء: أن ذلك لا يجوز. وذهبت طائفة من العلماء: إلى جواز اتخاذها دون استعمالها.\nوفائدة هذا الخلاف بناء الخلاف عليه في قيمة ما أفسد منها، وجواز الاستئجار على عملها، فمن جوَّز الاتخاذ، قوَّم الصياغة على مفسدها، وجوَّز أخذ الأجرة عليها. ومن منع الاتخاذ؛ منع هذين الفرعين.\nفأمَّا ما ضبب من الأواني بذهب، أو فضة، أو كانت فيه حلقة من ذهب أو فضة: فذهب الجمهور إلى كراهة استعمال ذلك، وأجازه أبو حنيفة، وأصحابه، وأحمد، وإسحاق إذا لم يجعل فمه على التضبيب، أو الحلقة. وروي أيضًا مثله عن بعض السلف. قالوا: وهو كالعلم في الثوب، والخاتم في اليد يشرب به. وقد استحب بعض العلماء الحلقة دون التضبيب.","vol":"5","page":346},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-740>(٢٨) كتاب الأضاحي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-741>(١) باب في التسمية على الأضحية وفي وقتها وأن من ذبح قبله أعاد</span>\n[١٩٥٣] عن جُندَب بن سُفيَانَ قَالَ: شَهِدتُ الأَضحَى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَما أَن صَلَّى وَفَرَغَ مِن صَلَاتِهِ، سَلَّمَ؛ فَإِذَا هُوَ يَرَى لَحمَ\nــ\n(٢٨) كتاب الضحايا (١)\n(١ و٢ و٣) ومن باب: التسمية على الأضحية، وفي وقتها، وأين تذبح (٢)؟\nقال الأصمعي: في الأضحية أربع لغات: أضحيَّةٌ، وإضحيَّة، والجمع: أضاحي. وضحيَّة - على وزن فعيلة - والجمع ضحايا. وأضحاةٌ، والجمع أضحى،\n_________\n(١) جاء هذا الكتاب متقدمًا في بعض النسخ، ومتاخرًا في بعضها حسب ما يلي: في (ع) جاء متقدمًا على كتاب الحدود. وفي (م ٢) بعد كتاب آداب الأطعمة، وكذلك في (ز) و(ل ١) و(م ٣). وفي (ج ٢) جاء بعد كتاب الأقضية.\n(٢) شرح المؤلف تحت هذا العنوان ما أشكل أيضًا في باب: إعادة ما ذبح بعد الصلاة وقبل ذبح الإمام، وباب: ما يجوز في الأضاحي من السن.","vol":"5","page":347},{"text":"أَضَاحِيَّ قَد ذُبِحَت قَبلَ أَن يَفرُغَ مِن صَلَاتِهِ. فَقَالَ: مَن كَانَ ذَبَحَ أُضحِيَّتَهُ قَبلَ أَن يُصَلِّيَ - أَو: نُصَلِّيَ - فَليَذبَح مَكَانَهَا أُخرَى،\nــ\nكما يقال: أرطاةٌ، وأرطى. وبها سَمَّي يوم الأضحى، وفي الصحاح: ضحوة النهار بعد طلوع الشمس، ثم بعده: الضحى، وهو حين تشرق الشمس، مقصورة، مؤنثة، وتذكَّر. فمن أنَّث ذهب إلى أنها جمع ضحوة، ومن ذَكَّر ذهب إلى أنه اسم على فعل، مثل: نُغَرٍ، وصُرَدٍ، قال: وهو ظرف غير متمكِّن، مثل: سحر. تقول: لقيته ضحًى وضحى؛ إذا أردت به ضحى يومك لم تنوِّنه.\nقلت: قياسه: ضحى على سحر قد أخذ عليه فيه ابن بري. وهي مؤاخذة صحيحة؛ لأنَّ الظروف التي لا تنصرف إذا عينت هي: سحر - كما ذكر - وغدوة، وبكرة لا غير، فسحر: إذا أريد به يوم بعينه لم ينصرف للتعريف، والعدل. وفي: غدوة وبكرة للتعريف والتأنيث. فأمَّا بكير، وعشاء، وعتمة، وضحوة، وعشية، وضحى ونحوها فإنها منصرفة على كل حال. فإنَّ أريد بها وقت بعينه كانت نكرات اللفظ معرَّفة بالمعنى على غير وجه التعريف. وهكذا ذكره الحسن بن خروف، وغيره.\nوقوله - ﷺ -: (من كان ذبح أضحيته قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى) هذا اللفظ بظاهره يفيد حكمين:\nأحدهما: وجوب الأضحية من حيث إنه أمر بالإعادة.\nوثانيهما: وقت الذبح: عند الفراغ من صلاة الإمام.\nوقد اختلف في الحكمين، فلنذكرهما.\nفأما الأول: فالجمهور من السلف والخلف على أنها سنة مؤكدة. وهو مشهور مذهب مالك؛ متمسِّكين في ذلك بمداومة النبي - ﷺ - وأصحابه - ﵃ - على فعلها، وأنه لم يرد نصٌّ في وجوبها، بل ولا ظاهر صحيح، سليم عن","vol":"5","page":348},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالقوادح. وقد روى الترمذي عن ابن عمر: أنه قال: أقام رسول الله - ﷺ - بالمدينة عشر سنين يضحي (١). وسُئل ابن عمر عن الأضحية: أواجبة هي؟ فقال: ضحَّى رسول الله - ﷺ -، وضحى المسلمون (٢). قال الترمذي: إنهما حديثان حسنان. قال: والعمل على هذا عند أهل العلم: أن الأضحية ليست بواجبة، ولكنها سنة من سنن النبي - ﷺ -، وما روي عن بعض السلف مِن تركه الأضحية مع تمكنه، فذلك محمول على (٣) أنهم إنما تركوها مخافة أن يعتقد: أنها واجبة. وقال ابن عبد الحكم (٤): سألت مالكًا عن الأضحية: أواجبة هي؟ فقال: إنها سنة. ثم قال: قال رسول الله - ﷺ -: (أمرت بالأضحى، وهي لكم سنة) (٥).\nقلت: فأفتى، واستدلَّ؛ وهذا يدلّ على صحة هذا الحديث عند مالك؛ إذ قد استدلَّ به، ولا يجوز الاستدلال بما لا يصح.\nوقد ذهب إلى وجوب الأضحية طائفة، منهم: الأوزاعي، والليث، وأبو حنيفة؛ غير أنه اشترط في الوجوب أن يملك المضحي نصابًا. وقد روي القول بالوجوب عن مالك، وبعض أصحابه. وقد تُمُسِّك القائلون بالوجوب بقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانحَر﴾، وبما رواه أبو داود وغيره من حديث مخنف بن سلم، عن النبي - ﷺ - قال: (يا أيها الناس! إن على كلِّ بيت في كلِّ عام\n_________\n(١) رواه الترمذي (١٥٠٧).\n(٢) رواه الترمذي (١٥٠٦).\n(٣) ما بين حاصرتين ساقط من (ج ٢).\n(٤) هو عبد الله بن عبد الحكم بن أعين بن ليث بن رافع، أبو محمد: فقيهٌ مصريٌّ، من أصحاب مالك. له مُصنفات في الفقه وغيره، منها: \"سيرة عمر بن عبد العزيز\" و\"المناسك\". توفي سنة (٢١٤ هـ) في القاهرة.\n(٥) انظر الموطأ (٢/ ٤٨٧). وذكر أحمد الحديث في مسنده (١/ ٢٣٤ و٣١٧) بلفظ: \"أمرت بالأضحى، ولم تكتب\".","vol":"5","page":349},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nأضحية، وعتيرة. أتدرون ما العتيرة؟ هذه التي يقول الناس: الرَّجبيَّة) (١)، وبظاهر الأمر بالإعادة في الحديث المتقدِّم.\nقلت: ولا حجَّة في شيء من ذلك. أما الآية: فلأنها محتملة لأمور متعددة، ولذلك اختلفت أقوال العلماء فيها. فقيل: معناهما: صلِّ الصلوات المعهودة، وضع يمينك على شمالك، وضعهما على نحرك. قاله علي - ﵁ -. وقال أبو الأحوص: ارفع يديك في التكبير إلى نحرك. وقيل: استقبل القبلة بنحرك في الصلاة. وقال مجاهد: صلِّ بالمزدلفة، وانحر الهَدي. وقال عطاء: صل العيد، وانحر الأضحية. ونحوه قال مالك. وقال ابن جبير: ادع لربك، وارفع يديك إلى نحرك عند الدعاء. وقال عطاء: استو بين السجدتين حتى يبدو نحرك.\nقلت: وهذه الأقوال كلها؛ الآية قابلة لها؛ على أن الأظهر منها قول من قال: إن المراد بها: صلِّ الصلوات المعهودة، وانحر الهدايا الواجبة؛ تمسُّكًا بالعُرف المستعمل في ذينك اللفظين، والله أعلم. وعند هذا ظهر: أن لا حجَّة في الآية.\nوأما قوله: (على أهل كل بيت أضحية، وعتيرة): فليس بصحيح. قيل: هو حديث ضعيف على ما قاله أبو محمد عبد الحق وغيره، ولو سُلِّمت صحته فلا حجة فيه لوجهين:\nأحدهما: أنه ليس صريحا في الوجوب، بل قد يقال مثله في المندوب، كما قال في السواك: (وعليكم بالسواك) (٢)، وليس السواك واجبًا في الجمعة بالاتفاق، وإنما يحمل ذلك على أن من أراد تحصيل الأجر الكثير، وإقامة السُّنَّة، فعليه\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢٧٨٨)، والترمذي (١٥١٨)، وابن ماجه (٣١٢٥).\n(٢) رواه ابن حبان (١٠٧٠) من حديث أبي هريرة ﵁. وانظر: البخاري (٨٨٧).","vol":"5","page":350},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nبالأضحية والسواك. وهذا نحو قوله - ﷺ -: (من أراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا بشره شيئًا) (١).\nوالثاني: عطف العتيرة على الأضحية. والعتيرة ليست بواجبةً باتفاق على ما ذكره المازري. وقال أبو داود: العتيرة منسوخة. وهذا من قول أبي داود يدل على أن العتيرة كانت مشروعة في أول الإسلام، ثم نسخت، وكذلك قال ابن دريد، قال: العتيرة شاة كانت تذبح في رجب في الجاهلية يُتقرَّب بها، وكان ذلك في صدر الإسلام أيضًا. والعَتر: الذبح. قال غيره: وهي فعيلة بمعنى مفعولة، كذبيحة: بمعنى مذبوحة. يقال: عتر الرجل يعتر عترًا، بالفتح: إذا ذبح العتيرة. ويقال: هذه أيام ترجيب، وتعتار.\nقلت: وظاهر قول أبي داود في العتيرة: إنها منسوخة: أنها لم تبق لها مشروعية على جهة الوجوب، ولا الجواز. قال القاضي أبو الفضل: وعامة أهل العلم على تركها للنهي عنها، إلا ابن سيرين فإنَّه كان يذبح العتيرة في رجب، ولم يره منسوخًا؛ يعني: الجواز. وأما الوجوب فمتفق على تركه على ما حكاه المازري. فإن قيل: لا نسلِّم أنَّ نسخ وجوب العتيرة يلزم منه نفي وجوب الأضحية؛ لأنَّ الحديث تضمن أمرين:\nأحدهما: الأضحية - ولم يقل أحدٌ: إنها منسوخة -، - والعتيرة - وهي المنسوخة، فلا يلزم من نسخِها نسخُها. فالجواب: إنهما وإن كانا أمرين متغايرين، لكنهما قد اجتمعا في مفيد الوجوب، وهو: على؛ الذي استدللتم بها على الوجوب؛ لأنَّه لما عطف العتيرة على الأضحية بالواو من غير إعادة: على. علمنا: أن العتيرة دخلت مع الأضحية في معنى: على. وهو معنى واحدٌ، فإذا رفع ذلك المعنى عن العتيرة ارتفع عن الأضحية؛ لضرورة الاتحاد. وهذا حكم حروف\n_________\n(١) رواه أحمد (٦/ ٣٠١) والنسائي (٧/ ٢١٢).","vol":"5","page":351},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالعطف المشَرِّكة في المعنى إذا عطف بها المفردات. فإنك إذا قلت: قام زيد وعمرو؛ استحال أن يرفع القيام عن عمرو، ويبقى لزيد، فلو أعاد العامل لصحَّ أن يرفع حكم أحدهما ويثبت حكم الآخر؛ لأنَّه يكون من باب عطف الجمل، ويجوز عطف الجمل المختلفة بعضها على بعض. وقد أشبعنا القول في هذا في الأصول. وهو أصل حسن يجب الاعتناء به.\nوأما الاستدلال بقوله - ﷺ -: (اذبح مكانها أخرى): فقد عضدوه بما جاء في بعض طرق هذا الحديث، في (١) قوله: (أعد نسكًا)، وقوله: ضحِّ بها - يعني: الجذعة من المعز - ولا تجزي عن أحد بعدك)، ولا حجَّة في شيء من ذلك واضحة؛ لأنَّ المقصود بيان كيفية مشروعية الأضحية لمن أراد أن يفعلها، أو من التزمها فأوقعها على غير الوجه المشروع غلطًا، أو جهلًا، فبين له النبي - ﷺ - وجه تدارك ما فرط فيه. وهذا هو المعني بقوله: (لا تجزي) أي: لا يحصل لك مقصود القربة، ولا الثواب. وهذا كما يقال في صلاة النفل: لا تجزي إلا بطهارة، وستر عورة؛ أي: لا تصح في نفسها؛ إذ لا يحصل مقصود القربة إلا بتمام شروطها. وهذا واضح جدًّا.\nوقد استدلَّ بعض من رأى الوجوب: أن الأضحية من شريعة إبراهيم - ﵇ - وقد أُمِرنا باتِّباعه، لقوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُم إِبرَاهِيمَ﴾ وهذا ترد عليه أسئلة كثيرة، قد ذكرناها في الأصول، فلا حجة فيه؛ لأنَّا نقول بموجب ذلك، ونسألهم: هل كانت الأضحية واجبة في شرعه، أو سُنَّة؟ وليس هناك ما يدلّ على شيء من ذلك، فإنَّ استدلوا بقصة الذبيح؛ فتلك قضية خاصة، أو منسوخة، ولا حجة في شيء منها. والله تعالى أعلم.\nوأما وقت ذبحها: فهو عند مالك بعد صلاة الإمام، وذبحه، إلا أن يؤخر\n_________\n(١) في (ج ٢): من.","vol":"5","page":352},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nتأخيرًا يتعدَّى فيه فيسقط الاقتداء به معتمدًا في ذلك على حديث جابر المذكور في الأصل. وهو نصٌّ في ذلك. وعند أبي حنيفة: الفراغ من الصلاة دون مراعاة ذبح الإمام. ويشهد له حديث البراء؛ فإنَّه قال فيه: (من ذبح بعد الصلاة فقد تمَّ نسكه). فعلَّق الذبح على الصلاة، ولم يذكر الذبح للإمام.\nوعند الشافعي: وقتها دخول وقت الصلاة، ومقدار ما توقع فيه. فاعتبر الوقت دون الصلاة، وهو خروج عن ظواهر هذه الأحاديث، غير أنه لما صحَّ عنده: أن الأضحية مخاطب بها أهل البوادي، ومن لا إمام له، ومن لا يخاطب بصلاة عيد: ظهر له أن حكمها متعلِّق بمقدار وقت الصلاة لأهل المصر وغيرهم. والله تعالى أعلم.\nوأما على مذهب مالك: فردَّ مطلق حديث البراء إلى مقيد حديث جابر؛ لأنَّه قد اتحد الموجب والموجب. وقد قلنا في أصول الفقه: إن هذا النوع متفق عليه عند الأصوليين.\nوأما قبل الصلاة: فقال القاضي عياض: أجمع المسلمون: أن الذبح لأهل المصر لا يجوز قبلها؛ وإنما اختلفوا إذا ذبح بعدها وقبل ذبح الإمام. واختلفت فيه الآثار. وأما أهل البوادي، ومن لا إمام له، أو إذا لم يبرز الإمام أضحيته: فمشهور مذهب مالك يتحرى وقت ذبح الإمام، أو أقرب الأئمة إليه. وقال ربيعة وعطاء فيمن لا إمام له: إن ذبح قبل طلوع الشمس لم يُجزِه، ويجزيه إن ذبح بعده. وقال أهل الرأي: يجزيهم من بعد الفجر. وكأن هؤلاء تمسكوا في ذلك بقوله: ﴿وَيَذكُرُوا اسمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِن بَهِيمَةِ الأَنعَامِ﴾ فأضاف النحر إلى اليوم، وهل اليوم من بعد طلوع الفجر أو من طلوع الشمس؟ هذا سبب اختلافهم. وهذا لا تعويل عليه هنا؛ لأنَّ النبي - ﷺ - قد عيَّن للأضحية وقتًا من اليوم بفعله، وقوله؛ فإنه ذبح بعدما صلَّى، وقال: (إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلِّي، ثم ننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن","vol":"5","page":353},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nلم يفعل فإنما هو لحم قدَّمه لأهله، ليس من النُّسك في شيء) (١). وهذا اللفظ عام يتناول كل مضحٍّ، وأمر رسول الله - ﷺ - في حديث جابر من ذبح قبله أن يعيد أضحية أخرى، ونهى أن يذبح قبل ذبحه. فإذًا: أحسن المسالك ما ذهب إليه مالك.\nهذا القول في مبدأ زمان الذبح.\nفأما منتهاه: فهو عند مالك: يوم النَّحر، ويومان بعده. وعند الشافعي: وثلاثة بعده. وعند غيرهما: يوم النحر خاصَّة. وقاله سليمان بن يسار وأبو سلمة بن عبد الرحمن، ورويا حديثًا مرسلًا (٢). ومعتمد أصحابنا قوله تعالى: ﴿وَيَذكُرُوا اسمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعلُومَاتٍ﴾ الآية قالوا: والمعلومات: جمع قلَّة، لكن المتيقن منه الثلاثة، فإنَّه أقل الجمع على ما تقرر في الأصول. وما بعد الثلاثة غير متيقن، فلا يعمل به، فإنَّ تعيين عدد بعد ذلك تحكم؛ إذ لم يعينه الشرع.\nوأما القول الثالث: فلا وجه له - في علمي - غير التمسك بإضافة النحر إلى اليوم الأول خاصة، وهو ضعيف مع قوله: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعلُومَاتٍ﴾\nواختلف في ليالي أيام النحر: هل تدخل مع الأيام فيجوز فيها الذبح أو لا؟ فروي عن مالك في المشهور: أنها لا تدخل. فلا يجوز الذبح بالليل، وعليه جمهور أصحابه. وقال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور: الليالي داخلة في الأيام، ويجزي الذبح فيها، وروي عن مالك، وأشهب نحوه. ولأشهب تفريق بين الهدي والضحية، فأجاز الهدي ليلًا، ولم يجز الضحية ليلًا. وقد تمسَّك مالك بأصل وضع الأيام؛ فإنَّه الحقيقة في الكلام. وقد روي في ذلك نهي عن النبي - ﷺ - من حديث عطاء بن يسار مرسلًا، ولا يصح؛ لأنَّه من حديث مُبَشِّر بن عبيد، وهو متروك.\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ٢٨١ - ٢٨٢)، ومسلم (١٩٦١) (٥)، والترمذي (١٥٠٨)، والنسائي (٧/ ٢٢٢).\n(٢) ما بين حاصرتين مستدرك من (ج ٢).","vol":"5","page":354},{"text":"وَمَن كَانَ لَم يَذبَح فَليَذبَح بِاسمِ اللَّهِ.\nرواه أحمد (٤/ ٣١٢)، والبخاريُّ (٩٨٥)، ومسلم (١٩٦٠) (١ و٢)، وابن ماجه (٣١٥٢).\n[١٩٥٤] وعَن البَرَاءِ قَالَ: ضَحَّى خَالِي أَبُو بُردَةَ قَبلَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: تِلكَ شَاةُ لَحمٍ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عِندِي جَذَعَةً مِن المَعزِ. فَقَالَ: ضَحِّ بِهَا، وَلَا تَصلُحُ لِغَيرِكَ. ثُمَّ قَالَ: مَن ضَحَّى قَبلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا ذَبَحَ لِنَفسِهِ، وَمَن ذَبَحَ بَعدَ الصَّلَاةِ فَقَد تَمَّ نُسُكُهُ، وَأَصَابَ سُنَّةَ المُسلِمِينَ.\nــ\nو(قوله: ومن لم يذبح فليذبح باسم الله) فيه دليل: على وجوب التسمية عند الذبح، وقد ذكر الخلاف فيه في الصيد.\nوكونه - ﷺ - صلَّى يوم الأضحى ثم خطب: دليل واضح على من أجاز تقديم الخطبة على الصلاة. وقد تقدَّم ذلك في كتاب الإيمان.\nو(قوله: إن عندي جذعة من المعز)، وفي رواية: (أعناقًا)، وفي رواية أخرى: (عَتُودًا)، وكلها بمعنى واحد. واختلف في سنِّ الجذعة من الغنم. فأقل ما قيل في ذلك: ستة أشهر. وأقصى ما قيل في ذلك: سنة تامَّة. وفي الصحاح: الجَذَعُ قبل الثني، والجمع: جذعان، وجذاع، والأنثى: جذعة. والجمع: جذعات. يقال منه لولد الشاة في السنة الثانية، ولولد البقر والحافر في السنة الثالثة، وللإبل في السنة الخامسة: أجذع. والجذع: اسم له في زمن، وليس بسن ينبت ويسقط (١). وقد قيل في ولد النعجة: إنه يجذع في ستة أشهر، أو تسعة أشهر، وذلك جائز في الأضحى.\n_________\n(١) في اللسان والصحاح: ولا تسقط.","vol":"5","page":355},{"text":"وفي رواية: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَوَّل مَا نَبدَأُ بِهِ فِي يَومِنَا هَذَا، أن نُصَلِّي ثُمَّ نَرجِعُ فَنَنحَرُ، فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ فَقَد أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَن ذَبَحَ؛ فَإِنَّمَا هُوَ لَحمٌ قَدَّمَهُ لِأَهلِهِ، لَيسَ مِن النُّسُكِ فِي شَيءٍ. وَكَانَ أَبُو بُردَةَ بنُ نِيَارٍ قَد ذَبَحَ فَقَالَ: عِندِي جَذَعَةٌ خَيرٌ مِن مُسِنَّةٍ. فَقَالَ: اذبَحهَا، وَلَن تَجزِيَ عَن أَحَدٍ بَعدَكَ.\nرواه أحمد (٤/ ٣٠٣)، والبخاريُّ (٩٥١ و٦٧٣)، ومسلم (١٩٦١) (٥ و٧)، وأبو داود (٢٨٠٠)، والترمذي (١٥٠٨)، والنسائي (٧/ ٢٢٢).\n* * *\nــ\nو(قوله: عندي جذعة خير من مسنة) يعني به: طيب لحمها، وهو أهم المقصودين في الأضاحي، فإنَّ النبي - ﷺ - ضحَّى بالغنم، كما أن أهم المقصودين في الهدايا: كثرة اللحم، ولذلك أهدى الإبل، ومن هنا ظهر حسن ما ذهب إليه مالك، فقال: الغنم في الضحايا أفضل، والإبل في الهدايا أفضل. والشافعي يرى أن الإبل أفضل في الضحايا والهدايا نظرًا إلى كثرة اللحم.\nو(قوله: ولا تَجزِي جذعة عن أحدٍ بعدك) يعني: من المعز، وهو الذي لا نعرف فيه خلافًا. وأما الجذع من الضأن: فإنَّه جائز عند الجمهور، وفيه خلاف شاذّ يرده حديث جابر، وهو قوله - ﷺ -: (لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم، فتذبحوا جذعة من الضأن) (١)، وما روى الترمذي عن أبي كباش، قال: جلبت غنمًا جذعانًا إلى المدينة، فكسدت علي، فلقيتُ أبا هريرة، فسألته، فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (نعم -أو: نعمت - الأضحية الجذع من الضأن) فانتهبها الناس (٢). قال: هذا حديث حسن غريب. والعمل على هذا عند أهل العلم\n_________\n(١) رواه مسلم (١٩٦٣)، وأبو داود (٢٧٩٧)، والنسائي (٧/ ٢١٨).\n(٢) رواه الترمذي (١٤٩٩).","vol":"5","page":356},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-742>(٢) باب إعادة ما ذبح بعد الصلاة وقبل ذبح الإمام</span>\n[١٩٥٥] عن جَابِر بن عَبدِ اللَّهِ قال: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ يَومَ النَّحرِ بِالمَدِينَةِ، فَتَقَدَّمَ رِجَالٌ فَنَحَرُوا، وَظَنُّوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَد نَحَرَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ مَن كَانَ نَحَرَ قَبلَهُ أَن يُعِيدَ بِنَحرٍ آخَرَ، وَلَا يَنحَرُوا حَتَّى يَنحَرَ النَّبِيُّ ﷺ.\nرواه مسلم (١٩٦٤) (١٤).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-743>(٣) باب ما يجوز في الأضاحي من السن</span>\n[١٩٥٦] عَن جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تَذبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً، إِلَّا أَن يَعسُرَ عَلَيكُم فَتَذبَحُوا جَذَعَةً مِن الضَّأنِ.\nرواه أحمد (٣/ ٣١٢)، ومسلم (١٩٦٣)، وأبو داود (٢٧٩٧)، والنسائي (٧/ ٢١٨)، وابن ماجه (٣١٤١).\nــ\nمن أصحاب النبي - ﷺ - أن الجذع من الضأن يَجزِي في الأضحية. فأمَّا الجذع من المعز، فلا يَجزِي لقوله - ﷺ - لأبي بردة: (لا تَجزِي عن أحدٍ بعدك).\nقال القاضي عياض: وقد أجمع العلماء على الأخذ بحديث أبي بردة، وأنَّه لا يَجزي الجذع من المعز، فإن لم يتمكَّن إلا من الجذع من الضأن كان نعم الأضحية، كما قال - ﷺ -. ويعني بالمسنَّة: الكبيرة، وأوَّل ذلك: الثني، وهو المعني هنا، فإنَّها أطيب لحمًا مما قبلها، وأسرع نضجًا مما بعدها. والله تعالى أعلم.\nو(قوله: إلا أن يعسر عليكم، فتذبحوا جذعة من الضأن) دليل: على أنَّه","vol":"5","page":357},{"text":"[١٩٥٧] وعَن عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ الجُهَنِيِّ قَالَ: قَسَمَ فينا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَحَايَا، فَأَصَابَنِي جَذَعٌ، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ أَصَابَنِي جَذَعٌ؟ فَقَالَ: ضَحِّ بِهِ.\nوفي رواية: (عتود) بدل (جذع).\nرواه أحمد (٤/ ٤٤٩)، والبخاري (٥٥٥٥)، ومسلم (١٩٦٥) (١٥ و١٦)، والترمذيُّ (١٥٠٠)، والنسائي (٧/ ٢١٨)، وابن ماجه (٣١٣٨).\n[١٩٥٨] وعَن البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ: أَنَّ خَالَهُ أَبَا بُردَةَ بنَ نِيَارٍ ذَبَحَ قَبلَ أَن يَذبَحَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا يَومٌ اللَّحمُ فِيهِ مَكرُوهٌ، وَإِنِّي عَجَّلتُ نَسِيكَتِي لِأُطعِمَ أَهلِي وَجِيرَانِي وَأَهلَ دَارِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَعِد نُسُكًا. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عِندِي عَنَاقَ لَبَنٍ، هِيَ\nــ\nلا يجوز في الأضحية الجذع من المعز، ولا من البقر، ولا من الإبل. وهو قول أهل العلم. وإنَّما اختلف في إجزاء الجذعة من الضأن كما قلناه آنفًا.\nو(قوله: إن هذا يومٌ اللحم فيه مكروه) قال القاضي: هكذا رويناه بالهاء والكاف من طريق الفارسي، والسجزي، وكذا ذكره الترمذي، ورويناه من طريق العذري: (مقروم) بالقاف والميم.\nقلت: وهذه الرواية هي الصواب الواضح. ومعناها: أن اللحم في هذا اليوم تتشوَّف النفوس إليه لشهوتها. يقال: قَرِمتُ إلى اللحم، وقَرِمتُه: إذا اشتهيته، أَقرُمُ قرمًا. وأما رواية مكروه: ففيها بُعد. وقد تكلَّف لها بعضهم ما لا يصحّ رواية ولا معنى، فقال: صوابه: اللَّحم - بفتح الحاء - قال: ومعناه: أن يترك أهله بلا لحم حتى يشتهوه. و(اللَّحم) -بالفتح -: شهوة اللحم. فانظر مع هذا التكلُّف القبيح كيف لا يظهر منه معنى صحيح. وقال آخر: معنى: (اللحم فيه مكروه) أي:","vol":"5","page":358},{"text":"خَيرٌ مِن شَاتَي لَحمٍ. فَقَالَ: هِيَ خَيرُ نَسِيكَتَيكَ، وَلَا تَجزِي جَذَعَةٌ عَن أَحَدٍ بَعدَكَ.\nرواه مسلم (١٩٦١) (٥)، والترمذيُّ (١٥٠٨)، والنسائي (٧/ ٢٢٢).\n* * *\nــ\nلمخالفته السنة، كما قال في الحديث الآخر: (شاتك شاة لحم) (١).\nقلت: وهذا من قول من لم يتأمل مساق الحديث (٢)، فإنَّ هذا التأويل ليس ملائمًا له، ولا موافقًا لمعناه؛ إذ لا يستقيم أن يقول: إن هذا اليوم اللحم فيه مخالف للسنة، وإني عجلت نسيكتي لأطعم أهلي. وهذا فاسد. وأقرب ما يتكلّف لهذه الرواية وأنسبه: أن يقال: إن معناه: اللحم فيه مكروه التأخير. فحذف التأخير، وهو يريده. ويشهد لهذا قوله بعده متصلًا به: (وإني عجلت نسيكتي لأطعم أهلي وجيراني). وهذا مناسب لما قدَّرناه من المحذوف. والله تعالى أعلم.\nو(قوله: هي خير نسيكتيك) سَمَّى ما ذبح قبل الصلاة نسيكة بحسب توهُّم الذابح وزعمه، وذلك: أنه إنما ذبحها في ذلك الوقت بنيَّة النسك، وبعد ذلك بيَّن له النبي - ﷺ -: أنها ليست نسكًا شرعًا؛ لما قال: (من ذبح قبل الصلاة، فإنما هو لحم عجله لأهله، ليس من النُّسك في شيء).\nوقول عقبة: (قسم فينا رسول الله - ﷺ - ضحايا فأصابني جذع، فقلت: يا رسول الله! أصابني جذع، فقال: ضحِّ به). وفي الرواية الأخرى: (عَتُود) هذه الرواية تدلُّ على أن الجذع المذكور في حديث عقبة هو من المعز، فإنَّ العَتُود إنما هو بأصل وضعه اسم لما رعى وقَوِي من أولاد المعز، وأتى عليه حول. هذا هو المعروف في اللغة، وعلى هذا: فيكون هذا الحديث معارضًا لحديث\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٥٥٧)، ومسلم (١٩٦١) (٩).\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (م ٢).","vol":"5","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-744>(٤) باب ما يختار في الأضحية</span>\n[١٩٥٩] عَن عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِكَبشٍ أَقرَنَ، يَطَأُ فِي سَوَادٍ، وَيَبرُكُ فِي سَوَادٍ، وَيَنظُرُ فِي سَوَادٍ، فَأُتِيَ بِهِ لِيُضَحِّيَ بِهِ، فَقَالَ:\nــ\nأبي بردة، ولذلك قال علماؤنا: إن حديث عقبة منسوخ بحديث أبي بردة، ودلَّ على هذا: ما حكي من الإجماع على عدم إجزاء الجذع من (١) المعز.\nقلت: ويمكن في حديث عقبة تأويلان، ولا يصار فيه إلى النَّسخ:\nأحدهما: أن الجذع المذكور فيه: هو من الضأن، وأطلق عليه العَتُود؛ لأنَّه في سِنِّه وقوته، ولا يستنكر هذا، فمن المعلوم: أن العرب تسمي الشيء باسم الشيء إذا جاوره، أو كان منه بسبب، أو شبه.\nوثانيهما: أن العَتُود وإن كان من المعز، فقد يقال على ما خرج من السنة الأولى، ودخل في السنة الثانية لتقارب ما بينهما. وقد دلَّ على صحة هذا ما حكاه القاضي عن أهل اللغة: أن العتود: الجدي الذي بلغ السِّفَاد. قال ابن الأعرابي: المعز، والإبل، والبقر: لا تضرب فحولها إلا بعد أن تثني، فإذا صحَّ هذا ارتفع التعارض، وصحَّ الجمع بين الحديثين، والجمع أولى من الترجيح، والنسخ لا يصح مع إمكان الجمع. وفي حديث عقبة دليل على تأكد أمر الأضحية، وأن الإمام ينبغي أن يفرِّق الضحايا على من لا يقدر عليها من بيت مال المسلمين.\n(٤) ومن باب: ما يختار في الأضحية\nقوله: (أمر بكبش أقرن، يطأ في سواد، وينظر في سواد، ويبرك في سواد) أي: أمر بأن ينتخب له كبش على هذه الشِّيَة، ففيه ما يدل على أن المضحي ينبغي\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (م ٢).","vol":"5","page":360},{"text":"يَا عَائِشَةُ، هَلُمِّي المُديَةَ. ثُمَّ قَالَ: اشحَذِيهَا بِحَجَرٍ، فَفَعَلَت، ثُمَّ أَخَذَهَا وَأَخَذَ الكَبشَ فَأَضجَعَهُ ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ: بِاسمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ تَقَبَّل مِن مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ. ثُمَّ ضَحَّى بِهِ.\nرواه أحمد (٦/ ٧٨)، ومسلم (١٩٦٧)، وأبو داود (٢٧٩٢).\n[١٩٦٠] وعَن أَنَسٍ قَالَ: ضَحَّى النبي ﷺ بِكَبشَينِ أَملَحَينِ أَقرَنَينِ، ذبَحُهُمَا بِيَدِهِ، وسمى وكبر، ووضع رجله عَلَى صِفَاحِهِمَا.\nــ\nله أن يختار الأفضل نوعًا، والأكمل خلقًا، والأحسن شِيَة. فالأقرن: الطويل القرن، وهو أفضل. ولا خلاف في جواز الأجم (١). واختلف في المكسورة القرن. فالجمهور على الجواز، وقد روى أبو داود عن علي: أن النبي - ﷺ - نهى أن يُضحَّى بعضباء الأذن والقرن (٢). وكرهه مالك إن كان يدمى؛ لأنَّه مرض، وأجازه إن لم يَدم. ومعنى: (يطأ في سواد) أي: أسود القوائم. (ويبرك في سواد) أي: في بطنه سواد. (وينظر في سواد) أي: ما حول عينيه أسود.\nو(قوله: ضحَّى بكبشين أملحين أقرنين) اختلف في الأملح. فقال الأصمعي: هو الأبيض؛ لون الملح، ونحوه. قال ابن الأعرابي: هو النقي البياض. وقال غيرهما: الملحة من الألوان: بياض يخالطه سواد. يقال: كبش أملح إذا كان شعره خليسًا (٣). هذا الذي حكاه في الصحاح، ولم يحك ما ذكر عن الأصمعي وابن الأعرابي.\nو(المُدية): السكِّين، وتجمع: مُدى، كغرفة وغرف.\nو(الشحذ): الحد، ومنه قوله:\n_________\n(١) \"الأجَمّ\": ليس له قرن.\n(٢) رواه أبو داود (٢٨٠٥).\n(٣) أخلس الشعر، فهو مخلس وخليسٌ: استوى سواده وبياضه. وقيل: إذا كان سواده أكثر من بياضه.","vol":"5","page":361},{"text":"وفي رواية: يقول: باسم الله والله أكبر.\nرواه أحمد (٣/ ١١٥)، والبخاريُّ (٥٥٥٨)، ومسلم (١٩٦٦) (١٧ و١٨)، وأبو داود (٢٧٩٤)، والترمذيُّ (١٤٩٤)، والنسائي (٧/ ٢٣٠)، وابن ماجه (٣١٢٠).\n* * *\nــ\nفيا حَجَر الشَّحذِ حتَّى متى ... تسن الحديدَ ولا تقطُع؟\nوفيه الأمر بحدِّ آلة الذبح، كما قال في الحديث الآخر: (إذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة، وليحدَّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته (١). وهو من باب الرِّفق بالبهيمة بالإجهاز عليها، وترك التعذيب، فلو ذبح بسكين كالَّةٍ، أو بشيء له حدٌّ، وإن لم يكن مجهزًا بل مُعذِّبًا فقد أساء، ولكنه إن أصاب سنة الذبح؛ لم تحرم الذبيحة، وبئس ما صنع، إلا إذا لم يجد إلا تلك الآلة.\nوفيه من الفقه: استحباب العدد في الأضاحي، ما لم يقصد المباهاة. وأن المضحِّي يلي ذبح أضحيته بنفسه؛ لأنَّه المخاطب بذلك، ولأنه من باب التواضع. وكذلك الهدايا، فلو استناب مسلمًا جاز. واختلف في الذمي، فأجاز ذلك عطاء ابتداءً. وهو أحد قولي مالك. وقال له في قول له آخر: لا يُجزئه، وعليه إعادة الأضحية. وكره ذلك جماعة من السلف، وعامة أئمة الأمصار، إلا أنهم قالوا: يجزئه إذا فعل.\nوفيه: استحباب إضجاع الذبيحة، ولا تذبح قائمة، ولا باركة. وكذلك مضى العمل بإضجاعها على الشِّق الأيسر؛ لأنَّه أمكن من ذبحها.\nوفيه: استحباب وضع الرِّجل على جانب عنق الذبيحة. وهو المعبر عنه بالصِّفاح. وصفحة كل شيء: جانبه وصفحه أيضًا، وإنما يستحب ذلك لئلا تضطرب الذبيحة\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ١٢٣)، ومسلم (١٩٥٥)، وأبو داود (٢٨١٥)، والترمذي (١٤٠٩)، والنسائي (٧/ ٢٢٧)، وابن ماجه (١٣٧٠).","vol":"5","page":362},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفتَزِلَّ يدُ الذابح عند الذبح. وقد روي نهي عن ذلك، والصحيح: ما ذكر عن النبي - ﷺ - من وضعه رجله على صفاحهما.\nوفيه من الفقه: التسمية؛ فإنَّه قال: باسم الله، والله أكبر. وقد اختلف في ذلك، فقال أبو ثور: التسمية متعينة كالتكبير في الصلاة. وكافة العلماء على استحباب ذلك. فلو قال ذكرًا آخر فيه اسم من أسماء الله وأراد به التسمية جاز، وكذلك لو قال: الله أكبر - فقط - أو: لا إله إلا الله، قاله ابن حبيب، فلو لم يرد التسمية لم تُجزئ عن التسمية، ولا تؤكل. قاله الشافعي، ومحمد بن الحسن. وكره كافة العلماء من أصحابنا، وغيرهم؛ الصلاة على النبي - ﷺ - عند التسمية في الذبح، أو ذكره، وقالوا: لا يذكر هنا إلا الله وحده. وأجاز الشافعي الصلاة على النبي - ﷺ - عند الذبح.\nو(قوله: اللهم تقبَّل من محمدٍ، وآل محمدٍ، ومن أمة محمد) هذا دليلٌ للجمهور على جواز قول المضحِّي: اللهم تقبل مني. على أبي حنيفة؛ حيث كره أن يقول شيئًا من ذلك، وكذلك عند الذبح. وقد استحسنه بعض أصحابنا، واستحب بعضهم أن يقول ذلك بنص الآية: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّل مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ وكره مالك قولهم: اللهم منك، وإليك، وقال: هذه بدعة. وأجاز ذلك ابن حبيب من أصحابنا، والحسن.\nقلت: وقد روى أبو داود من حديث جابر بن عبد الله قال: ذبح النبي - ﷺ - يوم الذبح كبشين أقرنين موجئين (١)، أملحين، فلما وجههما قال: ﴿إِنِّي وَجَّهتُ وَجهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ حَنِيفًا﴾ وقرأ إلى قوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ المُسلِمِينَ﴾ اللهم منك وإليك عن محمد وأمته، باسم\n_________\n(١) مُوجَئَيْنِ: يُريد منزعيّ الأنثيين، والوِجاء: الخصاء. يقال: وجأت الدابة، فهي موجوءة: إذا خصيتها.","vol":"5","page":363},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالله، والله أكبر (١)، ثم ذبح. فهذا الحديث حجَّة للحسن وابن حبيب. وأما مالك: فلعل هذا الحديث لم يبلغه، أو لم يصحّ عنده، أو رأى: أن العمل يُخالفه. وعلى هذا يدلّ قوله: إنَّه بدعة.\nوفيه من الفقه ما يدلّ على جواز تشريك الرجل أهل بيته في أضحيته، وأن ذلك يجزئ عنهم. وكافة علماء الأمصار على جواز ذلك. مع استحباب مالك أن يكون لكل واحدٍ من أهل البيت أضحية واحدة، وكان أبو حنيفة، وأصحابه، والثوري يكرهون ذلك. وقال الطحاوي: لا يجزئ. وزعم: أن الحديث في ذلك من فعل النبي - ﷺ - منسوخ، أو مخصوص. وممن قال بالمنع: عبد الله بن المبارك.\nقلت: وهذه المسألة فيها نظر، وذلك: أن الأصل أن كل واحد مخاطب بأضحية، وهذا متفق عليه، فكيف يسقط عنهم بفعل أحدهم؟ ! وقوله: (اللهم تقبَّل من محمد وآل محمد) ليس نصًّا في إجزاء ذلك عن أهل بيته، بل هو دعاء لمن ضحَّى بالقبول. ويدلُّ عليه قوله: (ومن أمة محمد)، وقد اتَّفق الكل: على أن أضحية النبي - ﷺ - لا تجزئ عن أمته، ولو سُلِّم ذلك لكان يلزم عليه أن تجزئ أضحية النبي - ﷺ - عن آل النبي - ﷺ - حيث كانوا، وإن لم يكونوا في بيته، ثم يلزم عليه ألا يدخل أزواجه فيهم؛ فإنَّهم ليسوا آلًا له على الحقيقة اللغوية. وقد تقدَّم القول على آل النبي - ﷺ - في الزكاة. والذي يظهر لي: أن الحجَّة للجمهور على ذلك: ما روي أن النبي - ﷺ - ضحَّى عن نسائه ببقرة، وروي: بالبقر. وأيضًا فلم يرو أن النبي - ﷺ - أمر كل واحدة من نسائه بأضحية، ولو كان ذلك؛ لنقل، لتكرار سِنِي الضحايا عليهن معه، ولكثرتهن. فالعادة تقتضي أن ذلك لو كان؛ لنقل كما نقل غير ذلك من جزئيات أحوالهن، فدلَّ ذلك على أنَّه كان يكتفي بما يضحِّي عنه وعنهن. والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢٧٩٥).","vol":"5","page":364},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوقد روى الترمذي عن عطاء بن يسار، قال: سألت أبا أيوب الأنصاري: كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله - ﷺ -؟ فقال: كان الرجل يضحِّي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون، ويطعمون، حتى تباهى الناس فيها كما ترى. قال: هذا حديث (١) حسن صحيح.\nقال القاضي: وضبطُ من يصحُّ أن يُدخله الرجل في الأضحية عندنا بثلاث صفات:\nأحدها: أن يكونوا من قرابته، وحكم الزوجين، وأمِّ الولد حكمهم عند مالك والكافة. وأباه الشافعي في أم الولد، وقال: لا أجيز لها، ولا للمكاتب، والمدبر، والعبد أن يضحُّوا.\nوالثاني: أن يكونوا في نفقته، وجبت عليه، أو تطوّع بها.\nوالثالث: أن يكونوا في بيته، ومساكنته غير نائين عنه، فإن انخرم شيء من هذه الشروط لم يصح اشتراكهم في ضحيَّته. قال: ولا يجوز عند جميعهم شركة جماعة في ضحية يشترونها، ويذبحونها عن أنفسهم، أو في هدي إذا كانوا أكثر من سبعة. واختلفوا فيما دونها. فمذهب الليث، ومالك: أن الشركة لا تجوز بوجهٍ فيها؛ كانت بدنة، أو بقرة، أو شاة، أَهدُوا أو ضحُّوا. وذهب جمهور العلماء من الحجازيين، والكوفيين، والشاميين: إلى جواز إشراك السبعة فما دون ذلك في البقرة، والبدنة، في الهدي والضحيَّة، ولا تجزئ شاة إلا عن واحد.\nوقد حصل من مجموع حديث عائشة وأنس وجابر أن الأولى في الأضحية نهاية الكمال في الخلق والصّفة. وهو متفق عليه، وأن الوجاء ليس منقصا؛ لأنَّه وإن كان نقصان عضو، فإنَّه يصلح اللَّحم ويُطَيِّبُه. وقد قلنا: إن الطيب في الأضحية: هو المقصود الأول. وأما العيوب المُنقِّصة، فقال القاضي: أجمعوا أنَّ العيوب الأربعة المذكورة في حديث البراء (٢)؛ من: المرض، والعجف، والعور،\n_________\n(١) رواه الترمذي (١٥٠٥).\n(٢) رواه الترمذي (١٤٩٧)، والنسائي (٧/ ٢١٥ - ٢١٦)، وابن حبان (٥٩١٩) الإحسان.","vol":"5","page":365},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوالعرج، لا تجزئ بها الضحيَّة. وكذلك ما هو من نوعها أشنع، كالعمى، وقطع الرِّجل. واختلف فيما عدا ذلك. فذهب قومٌ: إلى أنها تجزئ بكل عيب غير هذه الأربعة؛ إذ لم ينصَّ النبي - ﷺ - على غيرها، وهو موضع بيان. وبه قال بعض أئمتنا البغداديين. وذهب الجمهور إلى اعتبار ما كان نقصًا وعيبًا، ثم اختلفوا في أعيانها على ما ترتَّب في كتب الفقه.\nقال: ولم يخرج البخاري، ولا مسلم حديث عيوب الضحايا؛ لأنَّه مما تفرَّد به عبيد بن فيروز عن البراء، ولا يُعرف إلا بهذا الحديث. وقد أدخله مالك في الموطأ لما صحبه عنده العمل من المسلمين، ولاتفاقهم على قبوله.\nقلت: يعني القاضي: حديث البراء الذي خرَّجه مالك عن عمرو بن الحارث المصري عن عبيد بن فيروز، عن البراء بن عازب: أن رسول الله - ﷺ - سُئل: ماذا يُتَّقى من الضحايا؟ فأشار بيده وقال: (أربع .. .)، وذكر الحديث (١). وهذا الحديث صحيح، وانفراد الثقة به لا يضرُّه، وإنَّما لم يخرِّجه البخاري ولا مسلم؛ لأنَّه ليس على ما شرطاه في كتابيهما، وقد خرَّجه النسائي، والترمذي، وقال: حديث حسن، صحيح، غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبيد بن فيروز.\nوكذلك خرَّج النسائي (٢) أيضًا حديث علي بن أبي طالب - ﵁ - من طرق قال فيه: أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نستشرف العين والأذن، وألا نضحِّي بعوراء، ولا مقابلة، ولا مدابرة، ولا شَرقاء، ولا خَرقاء. وفي أخرى: ولا بتراء. وفي أخرى: ولا جدعاء. وصححه (٣) الترمذي.\nوقوله: أمرنا أن نستشرف العين والأذن. أي: نرفع نظرنا إلى ذلك، ونختار السالم من عيوب ذينك. ثم فسَّر ذلك\n_________\n(١) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٤٨٢).\n(٢) رواه الترمذي (١٤٩٨)، والنسائي (٧/ ٢١٦ - ٢١٧).\n(٣) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٤٨٩) بلاغًا.","vol":"5","page":366},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-745>(٥) باب الذبح بما أنهر الدم والنهي عن السن والظفر</span>\n[١٩٦١] عَن رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ قال: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَاقُو العَدُوِّ غَدًا، وَلَيسَت مَعَنَا مُدًى.\nوفي رواية: فنذكي بالليط؟\nــ\nبقوله: ولا نضحِّي بعوراء، وبما بعده.\nو(المقابلة) هي: التي يقطع بعض أذنها، ويُترك مُعلَّقًا على وجهها. و(المدابرة): أن يُترك معلَّقًا إلى خلفها. و(الشرقاء) هي: المشقوقة الأذن طولًا. و(الخرقاء): التي خرق من غير شق. و(الجدعاء): المقطوعة الأذن. وظاهر عطف هذه العيوب على العوراء - وهي لا تجزئ باتفاق - ألا تجزئ الأضحية مع شيء من هذه العيوب. وهو أصل الظاهرية، لكن لما كانت العوراء مقيَّدة بالبيِّن عَوَرُها، كما قال في حديث البراء؛ تحققنا: أن المنهي عنه من هذه العيوب ما تفاحش منها، ولا شكَّ أن ما أذهب الأُذن من هذه الأمور، أو جلها، لا تجزئ به، وما لم يكن كذلك، فقال أصحابنا في المقطوع بعض أذنها: إن زاد القطع على الثلث منع الإجزاء، وإن نقص عنه أجزأت. واختلف في الثلث. هل يجزئ أو لا؟ على قولين. وكذلك القول في البتراء، والنظر في آحاد العيوب، وتفصيل الخلاف يستدعي تطويلًا، فلنقتصر على ما ذكرناه.\n(٥) ومن باب: الذبح بما أنهر الدَّم\nقولهم: (إنا لاقو العدو غدًا، وليست معنا مدى؟ فنُذَكِّي باللِّيط) وهو قطع القصب، والشَّصير: قطعة العصا، والظُّرَرُ: قطعة الحجر، ويجمع: ظِرَّان، كما قال امرؤ القيس:","vol":"5","page":367},{"text":"قَالَ: أَعجِل، أَو أَرنِي، مَا أَنهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسمُ اللَّهِ فَكُل،\nــ\nتَطايَرُ ظِرانُ الحَصَى بمناسِمٍ (١) ... . . . . . . . . . . . . . . . .\nويقال عليها: المروة أيضًا، وكذلك رواه أبو داود في هذا الحديث: أفنذكِّي بالمروة؟ مكان (اللَّيط). والشِّظاظ: فِلقة العود. فهذه كلُّها إذا قطع بها الودجان والحلقوم جازت الذبيحة؛ غير أنه لا يذبح بها إلا عند عدم الشِّفار وما يتنزل منزلتها؛ لما تقدَّم من الأمر بحدِّ الشِّفار، وتحسين الذَّبح، والنهي عن تعذيب البهائم. وقد نبَّه مالك على هذا لما ترجم على الذكاة بالشِّظاظ ما يجوز من الذكاة على الضرورة.\nومعنى هذا السؤال: أنهم لما كانوا عازمين على قتال العدو صانوا ما عندهم من السِّيوف، والأسنة، وغير ذلك عن استعمالها في الذَّبح؛ لأنَّ ذلك ربما يفسد الآلة، أو يعيبها، أو ينقص قطعها، ولم تكن لهم سكاكين صغار مُعِدَّة للذَّبح، فسألوا: هل يجوز لهم الذبح بغير محدَّد السِّلاح؛ فأجابهم النبي - ﷺ - بما يقتضي الجواز. وقد دخل في هذا العموم: أن كل آلة تقطع ذبحًا أو نحرًا فالذكاة بها مبيحة للذبيحة، والحديد المُجهِز أولى لما تقدَّم. ولا يستثنى من الآلات شيء إلا السنُّ، والظُّفُر على ما يأتي.\nو(قوله: وذكر اسم الله) ظاهر قوي في كون شرطًا في الإباحة؛ لأنَّه قرنها بالذَّكاة المشترطة، وعلَّق الإباحة عليهما، فقد صار كل واحد منهما شرطًا، أو جزء شرط في الإباحة. وقد تقدَّم هذا. والرواية الصحيحة المشهورة: أنهر بالرَّاء. وذكر الخشني في شرحه هذا الحرف - بالزاي -. والنَّهز: بمعنى: الدَّفع. وهذا توجيهٌ للتصحيف، فلا يُلتفت إليه.\n_________\n(١) هذا صدر البيت، وعجزه: صِلاب العُجَى مثلُومُها غيرُ أمْعَرا. انظر: ديوان امرئ القيس ص (٦٤).","vol":"5","page":368},{"text":"لَيسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ، وَسَأُحَدِّثُكَ: أَمَّا السِّنُّ فَعَظمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الحَبَشِ.\nــ\nو(قوله: ليس السِّنّ، والظُّفُر) ليس هنا للاستثناء، بمعنى: إلا. وظاهر هذا: أنه لا تجوز الذكاة بهما على حال، سواء كانا متصلين بالمذكِّي، أو منفصلين عنه. قال القاضي أبو الحسن: وهذا الظاهر من قول مالك من رواية ابن الموَّاز عنه. وروى ابن وهب عنه الجواز مطلقًا. وقيل: بالفرق بين المتصل منهما، فلا تجوز الذَّكاة به، وبين المنفصل؛ فتجوز الذكاة به، قاله ابن حبيب. فالأول: تمسُّك بالعموم، والثاني: نظرٌ للمعنى؛ لأنَّه يحصل بهما الذبح. وهو ضعيف؛ لأنَّه تعطيل للاستثناء المذكور في الحديث. والثالث: تمسُّك بأن الظُّفُر المتصل خنق، والسِّن المتصل نَهشٌ. وربما جاء ذلك في بعض الحديث. والمنفصل ليس كذلك، فجازت الذَّكاة به. والصحيح: الأول، وما عداه، فليس عليه مُعوَّلٌ.\nو(قوله: وسأحدِّثُك، أمَّا السِّنُّ: فعظمٌ. وأمَّا الظُّفُر: فمدى الحبش) ظاهر هذا: أنَّه من كلام النبي - ﷺ - وهو تنبيه على تعليل منع التذكية بالسِّنُّ، لكونه عظمًا، فيلزم على هذا: تعدية المنع من السِّنِّ إلى كل عظم، من حيث: إنَّه عظم؛ متصلًا كان، أو منفصلًا. وإليه ذهب النخعي، والحسن بن صالح، والليث، والشافعي. وفقهاء أصحاب الحديث منعوا الذكاة بالعظم، والظُّفر كيف كانا، وأجازوه بما عدا ذلك للحديث. وهو أحد أقوال مالك، كما تقدَّم. وروي عن مالك التفريق بين السِّن والعظم. فأجازها بالعظم، وكرهها بالسنِّ، وهو مشهور مذهبه.\nو(قوله: وأمَّا الظُّفُر فمدى الحبش) يعني: أن الحبش يذبحون بأظفارهم، ولا يستعملون السَّكاكين في الذَّبح؛ فمَنَعَنا الشرع من ذلك؛ لئلا نتشبَّه بهم. فقيل: إنهم يغرزون أظفارهم في موضع الذبح، فتنخنق الذبيحة. وعلى هذا: فيكون محل المنع إنَّما هو الظُّفر المتصل، ويكون حجَّة لما صار إليه ابن حبيب من ذلك.\nوقد روى حديث رافع هذا غيرُ من ذكرناه، وقال فيه: (ما فرى الأوداج وذكر","vol":"5","page":369},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nاسم الله عليه فكُله) أي: ما قطع. وظاهره: الاقتصار في الذكاة على الودجين خاصَّة. وقال بذلك قومٌ منهم: ابن عبَّاس، وعطاء. وقد روي عن مالك: أنَّه قال فيما قطعت أوداجه: أنَّه قد تَمَّت ذكاته. ومشهور مذهبه ومذهب أصحابه: اشتراط قطع الحلقوم، والودجين، وهو قول الليث. وحكى عنه البغداديون: أنه يشترط قطع أربع: الثلاثة المذكورة، والمري. وهو قول أبي ثور. ثمَّ اختلف أصحاب مالك في قطع أحد الودجين والحلقوم. هل هو ذكاة، أو لا؟ على قولين. وذهب الشافعي: إلى اشتراط الحلقوم والمري دون الودجين، لكن في تمامها الودجان، ولا يجزيان دون الحلقوم والمري. والناس مجمعون: على أن الذَّبح مهما كان في الحلق تحت الغلصمة؛ فقد تَمَّت الذكاة.\nواختلف فيما إذا ذبح فوقها وجازها إلى البدن؛ هل ذلك ذكاة أم لا؟ على قولين. وقد روي عن مالك: أنها لا تُؤكل، وقد تمسك بقوله - ﷺ -: (ما أنهر الدَّم .. .) من يجيز نحر ما يذبح، وذبح ما ينحر، وأن النَّحر والذبح ذكاة للجميع لإنهاره الدَّم. وهو قول عامَّة السلف، والعلماء، وفقهاء الأمصار، وأشهب من أصحابنا. ومالك كره أكله مرة، وأخرى حرَّمه. قال ابن المنذر: ولا نعلم أحدًا حرَّم أكل شيء من ذلك كُلِّه، ولم يختلفوا: أن الذبح أولى في الغنم، والنحر أولى في الإبل، والتخيير في البقر. وقيل: الذبح أولى؛ لأنَّه الذي ذكره الله تعالى.\nو(قوله: أَعجِل وأَرني) هذا الحرف وقع في كتاب البخاري، ومسلم، وأبي داود. واختلف الرواة في تقييده على أربعة أوجه:\nالأول: قيَّده النَّسفي، وبعض رواة البخاري: أَرِن. بكسر الراء، وسكون النون؛ مثل: أَقِم.\nالثاني: قيَّده الأصيلي: أَرِني. بكسر النون بعدها ياء المتكلم.\nالثالث: قيَّده بعض رواة مسلم كذلك إلا أنَّه سكَّن الراء.","vol":"5","page":370},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالرابع: قيَّده في كتاب أبي داود بسكون الراء، ونون مطلقة. هذه التقييدات المنقولة.\nقال الخطابي: وطالما استثبتُّ فيه الرواة، وسألت عنه أهل العلم، فلم أجد عند أحد منهم ما يقطع بصحته.\nتنبيه: قال بعض علمائنا في الوجه الأول: هو بمعنى: قد أنشط وأسرع. فهو بمعنى: أَعجل. فكأنَّه يشير إلى أنَّه شكٌّ وقع من أحد الرواة في أي اللفظين قال رسول الله - ﷺ -.\nقلت: وهذه غفلة؛ إذ لو كان من الأَرَنِ الذي بمعنى النشاط؛ للزم أن يكون مفتوح الراء؛ لأنَّ ماضيه: أَرِن، ومضارعه: يأرن. قال الفرَّاء: الأَرَن: النشاط. يقال: أَرِنَ البعير بالكسر، يأرن بالفتح أرنًا: إذا مرح مرحًا، فهو آرِنٌ؛ أي: نشيط. وقياس الأمر من هذا أن تُجتَلَبَ له همزة الوصل مكسورة وتفتح الراء، فيقال: اِئرَن كـ (ائذن)، من أَذِنَ يأذن. ولم يُروَ كذلك.\nوأمَّا تقييد الأصيلي: فقال بعضهم: يكون بمعنى: أَرِني سيلان الدم.\nقلت: وعلى هذا فيبُعدُ أن تكون (أو) للشك، بل للجمع بمعنى الواو على المذهب الكوفي؛ فإنَّه طلب الاستعجال، وأن يريه دم ما ذبح.\nوما وقع في كتاب مسلم من تسكين الراء: هو تخفيفٌ للراء المكسورة وهي لغة معروفة، قرأ بها ابن كثير.\nوأما ما وقع في كتاب أبي داود: فقيل: هو بمعنى: أَدِم الحزَّ، ولا تفتر. من: رنوت؛ أي: أدمت النظر.\nقلت: ويلزم على هذا: أن تكون مضمومة النُّون؛ لأنه أمرٌ من: رنا،","vol":"5","page":371},{"text":"قَالَ: وَأَصَبنَا نَهبَ إِبِلٍ وَغَنَمٍ، فَنَدَّ مِنهَا بَعِيرٌ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهمٍ فَحَبَسَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ لِهَذِهِ الإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الوَحشِ، فَإِذَا غَلَبَكُم مِنهَا شَيءٌ؛ فَاصنَعُوا بِهِ هكذا.\nــ\nيرنو، فتحذف الواو لبناء الأمر، ويبقى ما قبلها مضمومًا على أصله، ولم يحقَّق ضبطه كذلك.\nوقد ذكر الخطَّابي في هذه اللفظة أوجها محتملة لم يجئ بها تقييد عن مُعتبر، ولا صحَّت بها رواية، رأيت الإضراب عنها لعدم فائدتها، وبُعدها عن مقصود الحديث. وأثبت ما فيها رواية، وأقربه معنى مَن جعله من رؤية العين، وذلك أن اللِّيط والمروة، وما أشبههما مما ليس بمحدَّد يخاف منه ألا يكون مُجهِزًا، فإن لم يستعجل بالمرِّ لم يقطع، وربما يموت الحيوان خنقًا، فإذا استعجل في المرِّ، ورأى أن الدَّم قد سال من موضع القطع فقد تحقَّق الذبح المبيح، والله تعالى أعلم بما أراد رسوله - ﷺ -.\nو(قوله: ما أنهر الدم) أي: ما أساله وصبَّه بكثرة. ووزنه: أفعل، من النهر. شبَّه خروج الدَّم بجري الماء في النهر. و(ما) موصولة في موضع رفع بالابتداء، وخبرها: (كُله)، ودخلت الفاء على الخبر هنا كما دخلت في قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِن نِعمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ ولا يلتفت لقول من تخيَّل أن ما أنهر الدَّم مفعوله بـ: أرني؛ لأنَّه يبقى فعله: (فكله) ضائعًا. فتأمله.\nو(قوله: وأصبنا نهب إبل، وغنم، فندَّ منها بعيرٌ فرماه رجل بسهم، فحبسه) النهب: الغنيمة، ومنه قول عباس بن مرداس: أتجعل نهبي ونهب العبيد؛ أي: حظي من الغنيمة. و(ندَّ): نفر وشذَّ عن الإبل. و(قوله: إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش، فإذا غلبكم منها شيء فاصنعوا به هكذا) الأوابد: جمع آبدة، وهي التي نفرت من الإنس، وتوحَّشت.","vol":"5","page":372},{"text":"رواه أحمد (٣/ ٤٦٣)، والبخاريُّ (٢٥٠٧)، ومسلم (١٩٦٨) (٢٠ - ٢٢)، وأبو داود (٢٨٢١)، والترمذيُّ (١٤٩١)، والنسائي (٧/ ٢٢٦)، وابن ماجه (٣١٣٧).\nــ\nويقال: أبدت البقرة، تأبد، وتَأبُد، وتأبَّدت الديار: توحَّشت (١)، وخلت من سُكَّانها. فالأوابد: الوحش. قال امرؤ القيس:\nوقد أغتَدِي والطَّيرُ في وُكُناتِها ... بِمُنجَرِدٍ قيدِ الأوابدِ هَيكَلِ\nوظاهر هذا الحديث أن ما ند من الإنسي، ولم يقدر عليه جاز أن يُذَكَّى بما يُذكَّى به الطير. وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، وقال مالك: لا يُؤكل إلا بذكاة الإنسي بالنحر، أو الذبح استصحابًا لمشروعية أصل ذكاته، ولأنه وإن كان قد لحق بالوحش في الامتناع؛ فلم يلحق بها لا في النوع، ولا في الحكم. ألا ترى: أن ملك مالكه باقٍ عليه، واعتذر أصحابنا عن هذا الحديث بمنع ظهور ما ادُّعي ظهوره من ذلك؛ إذ لم يقل فيه: إن السهم قتله. وإنَّما قال: حبسه. ثم بعد أن حبسه فقد حصل مقدورًا عليه. فلا يؤكل إلا بالذبح أو النحر، ولا فرق بين أن يكون وحشيًّا، أو إنسيًّا.\nو(قوله: فإذا (٢) غلبكم منها شيء فاصنعوا به هكذا) نقول بموجبه: أي: نرميه، ونحبسه، فإنَّ أدركناه حيًّا ذكَّيناه، وإن تلف بالرَّمي، فهل نأكله أم لا؟ ليس في الحديث تعيين أحدهما، فلحق بالمجملات، فلا ينهض حجَّة، وحينئذ يبقى متمسك مالك واضح الحجَّة، والله تعالى أعلم. وقد استدل المخالف بما رواه الترمذي، وأبو داود عن أبي العشراء، عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله! أما تكون\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (م ٢).\n(٢) في (ل ١) و(ج ٢): وما، والمثبت من (ع) والتلخيص.","vol":"5","page":373},{"text":"[١٩٦٢] وعنه؛ قال: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذِي الحُلَيفَةِ مِن تِهَامَةَ،\nــ\nالذَّكاة إلا في الحلق واللَّبَّة؟ قال: (لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك) (١). قال يزيد بن هارون: هذا في الضرورة. وقال أبو داود: لا يصلح هذا إلا في المتردية، والنافرة، والمستوحش. وقد حمل ابن حبيب هذا الحديث على ما سقط في مهواة، فلا يوصل إلى ذكاته إلا بالطعن في غير موضع الذكاة. وهو قول انفرد به عن مالك، وجميع أصحابه. وقد ألزمه بعض الأصحاب مذهب المخالف، فيجيز ذلك في النادِّ، والمستوحش، وهذا إلزام صحيح؛ إذ كل واحد منهما غير مقدور على ذكاته في الحلق واللَّبَّة. وقد اعتذر أصحابنا عن هذا الحديث: بأنَّه ليس بصحيح؛ لأنَّ الترمذي قال فيه: حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث حمَّاد بن سلمة، ولا نعرف لأبي العشراء عن أبيه غير هذا الحديث.\nواختلفوا في اسم أبي العشراء. فقال بعضهم: اسمه: أسامة بن قِهطِم. ويقال: اسمه: يسار بن بَزرٍ، ويقال: بَلز، ويقال: اسمه عُطارد. نُسب إلى جدِّه، فهذا سند مجهولٌ، ولو سُلِّمت صحته لما كان فيه حجَّة؛ إذ مقتضاه جواز الذَّكاة في أي عضو كان مطلقًا؛ في المقدور على تذكيته وفي غيره. ولا قائل به في المقدور عليه، فظاهره ليس بمراد قطعًا. وقول يزيد وأبي داود تأويل لهما غير متفق عليه، فلا يكون فيه حجَّة. والله تعالى أعلم.\nوقوله في الأم: (فرميناه بالنبل حتى وهضناه (٢» كذا الرواية في كتاب مسلم بالواو. ومعناه: رميناه، وشدخناه حتى أسقطناه بالأرض. وفي غير كتاب مسلم: (رهصناه) بالرَّاء (٣). ومعناه: حبسناه بالرمي، وأوثقناه. يقال: رهصني فلان بحقه؛ أي: أخذني به أخذًا شديدًا.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢٨٢٥)، والترمذي (١٤٨١).\n(٢) انظر الحديث في صحيح مسلم (١٩٦٨) (٢٢).\n(٣) انظر: النهاية لابن الأثير (٢/ ٢٨٢).","vol":"5","page":374},{"text":"فَأَصَبنَا غَنَمًا وَإِبِلًا، فَعَجِلَ القَومُ، فَأَغلَوا بِهَا القُدُورَ، فَأَمَرَ بِهَا فَكُفِئَت، ثُمَّ عَدَلَ عَشرًا مِن الغَنَمِ بِجَزُورٍ ... الحديث.\nرواه أحمد (٤/ ١٤٠)، والبخاري (٢٥٠٧)، ومسلم (١٩٦٨) (٢١).\n* * *\nــ\nو(قوله: فأصبنا غنمًا وإبلًا، فعجل القوم، فأغلوا بها القدور، فأمر بها، فكفئت) اختُلفوا في سبب أمره - ﷺ - بإكفاء القدور، فقيل فيه أقوال كثيرة، أشبهها قولان:\nأحدهما: أنهم انتهبوها متملكين لها من غير قسمة، ولم يأخذوها بجهة القسمة العادلة، وعلى وجه الحاجة لأكلها، ويشهد لهذا قوله في بعض الروايات: (فانتهبناها).\nالثاني: أن ذلك إنما كان لتركهم النبي - ﷺ - في أخريات القوم، واستعجالهم للنهب، ولم يخافوا من مكيدة العدو، فحرمهم الشرع ما استعجلوه عقوبة لهم بنقيض قصدهم، كما منع القاتل من الميراث. قاله المهلب.\nقلت: ويشهد لهذا التأويل مساق حديث أبي داود، فإنَّه قال فيه: وتقدم سرعان الناس، فتعجَّلوا، فأصابوا من الغنائم، ورسول الله - ﷺ - في آخر الناس) (١). و(كفئت القدور): قلبت. وهذه الرواية الصحيحة المعروفة في اللغة. يقال: كفأت الإناء: قلبته وكببته. وزعم ابن الأعرابي: أن: (أكفأته) لغة.\nو(قوله: ثمَّ عدل عشرًا من الغنم بجزور) يعني: أنه - ﷺ - قسم ما بقي من الغنيمة على الغانمين، فجعل عشرة من الغنم بإزاء جزور، ولم يحتج إلى القرعة، لرضا كل منهم بما صار إليه من ذلك. ولم يكن بينهم تشاحٌ في شيء من ذلك، والله تعالى أعلم. وكأنَّ هذه الغنيمة لم يكن فيها إلا الإبل، والغنم. ولو كان فيها غيرهما: لقوَّم جميع الغنيمة، ولقسم على القيم.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢٨٢١).","vol":"5","page":375},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-746>(٦) باب النهي عن أكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث</span>\n[١٩٦٣] عن أَبي عُبَيدٍ مَولَى ابنِ أَزهَرَ أَنَّهُ شَهِدَ العِيدَ مَعَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ قَالَ: ثُمَّ صَلَّيتُ مَعَ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: فَصَلَّى لَنَا قَبلَ الخُطبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَد نَهَاكُم أَن تَأكُلُوا لُحُومَ نُسُكِكُم فَوقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، فَلَا تَأكُلُوا.\nرواه البخاريُّ (١٩٩٠)، ومسلم (١٩٦٩) (٢٥)، وأبو داود (٢٤١٦)، والترمذي (٧٧١).\nــ\n(٦ و٧) ومن باب: النهي عن أكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث ونسخه (١)\nحديث أبي عبيد مولى ابن أبي أزهر، وابن عمر يدلان: على أن عمر، وعليًّا، وابن عمر، كانوا يرون بقاء حكم النهي عن ادِّخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، وأن ذلك ليس بمنسوخ، ولا مخصوصًا بوقت، ولا بقومٍ. وكأنَّهم لم يبلغهم شيء من الأحاديث المذكورة - بعد هذا - الدالَّة على نسخ المنع، أو على أن ذلك المنع كان لعلَّة الدافَّة التي دفت عليهم. وإنما لم تبلغهم تلك الأحاديث الرافعة؛ لأنَّها أخبار آحاد لا متواترة، وما كان كذلك صحَّ أن يبلغ بعض الناس دون البعض. وظاهر النهي عن الادِّخار التحريم. وقيل: كان محمولًا على الكراهة.\nواختلف في أول الثلاثة الأيام التي كان الادِّخار جائزًا فيها. فقيل: أولها يوم\n_________\n(١) شرح المؤلف -﵀- تحت هذا العنوان ما أشكل أيضًا من باب: الرخصة في ذلك.","vol":"5","page":376},{"text":"[١٩٦٤] وعَن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَن تُؤكَلَ لُحُومُ الأَضَاحِيِّ بَعدَ ثَلَاثٍ، قَالَ سَالِمٌ: فَكَانَ ابنُ عُمَرَ لَا يَأكُلُ لُحُومَ الأَضَاحِيِّ فَوقَ ثَلَاثٍ.\nرواه مسلم (١٩٧٠) (٢٦).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-747>(٧) باب الرخصة في ذلك</span>\n[١٩٦٥] عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ وَاقِدٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن أَكلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعدَ ثَلَاثٍ. قَالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ أَبِي بَكرٍ: فَذَكَرتُ ذَلِكَ لِعَمرَةَ فَقَالَت: صَدَقَ، سَمِعتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: دَفَّ أَهلُ أَبيَاتٍ مِن أَهلِ البَادِيَةِ حَضرَةَ الأَضحَى زَمَنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ادَّخِرُوا ثَلَاثًا،\nــ\nالنحر. فمن ضحَّى فيه جاز له أن يمسك يوم النحر، ويومين بعده. ومن ضحَّى بعده أمسك ما بقي له من الثلاثة الأيام من يوم النحر. وقيل: أولها يوم يضحي، فلو ضحَّى في آخر أيام النحر؛ لكان له أن يمسك ثلاثة أيام بعده. وهذا الظاهر من حديث سلمة بن الأكوع، فإنَّه قال فيه: (من ضحَّى منكم فلا يصبحن في بيته بعد ثالثة شيء).\nقلت: ويظهر من بعض ألفاظ أحاديث النهي ما يوجب قولًا ثالثًا، وهو أن في حديث أبي عبيد: (فوق ثلاث ليال). وهذا يوجب إلغاء اليوم الذي ضحَّى فيه من العدد، وتعتبر ليلته وما بعدها. وكذلك حديث ابن عمر فإنَّ فيه: (فوق ثلاث) يعني: الليالي. وكذلك: حديث سلمة فإنَّ فيه: (بعد ثالثة). وأما حديث أبي سعيد ففيه: (ثلاثة أيام). وهذا يقتضي اعتبار الأيام دون الليالي.\nوقول عائشة: (دف ناسٌ من أهل البادية حضرة الأضحى) الدفيف:","vol":"5","page":377},{"text":"ثُمَّ تَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ. فَلَمَّا كَانَ بَعدَ ذَلِكَ قَالَوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ النَّاسَ يَتَّخِذُونَ الأَسقِيَةَ مِن ضَحَايَاهُم، وَيَجمُلُونَ فِيهَا الوَدَكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَمَا ذَاكَ؟ . فقَالَوا: نَهَيتَ أَن تُؤكَلَ لُحُومُ الضَّحَايَا بَعدَ ثَلَاثٍ. فَقَالَ ﵊: إِنَّمَا نَهَيتُكُم مِن أَجلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّت، ....\nــ\nالدبيب، وهو السير الخفي اللَّين. والدَّافة: الجيش الذين يدبون إلى أعدائهم، وكأن هؤلاء ناسٌ ضعفاء فجاؤوا دافين لضعفهم من الحاجة والجوع.\nو(حَضرة الأضحى) الرواية المعروفة بسكون الضاد، وهو منصوب على الظرف؛ أي: زمن حضور الأضحى، ومشاهدته. وقيَّده بعضهم: حضَرَة - بفتح الضاد - وفي الصحاح يقال: كلَّمته بحضرة من فلان، وبمحضره؛ أي: بمشهد منه. وحكى يعقوب: كلَّمته بحضَر فلان - بالتحريك من غير هاء - وكلمته بِحَضرة فلان، وحُضرته، وحِضرته.\nو(قوله: يتخذون منها الأسقية، ويجملون فيها الودك) الأسقية: جمع سقاء، كالأخبية: جمع خباء. ويجملون: يذيبون. والودك: الشحم. يقال: جملت الشحم، واجتملته: إذا أذبته. وربما قالوا: أجملت. وهو قليل.\nوقوله - ﷺ -: (إنما نهيتكم من أجل الدافَّة التي دفَّت) ونحو ذلك قال في حديث سلمة بن الأكوع. وهذا نصٌّ منه - ﷺ -: على أن ذلك المنع كان لعلَّة، ولما ارتفعت ارتفع المنع المتقدِّم؛ لارتفاع موجبه، لا لأنه منسوخ. وهذا يبطل قول من قال: إن ذلك المنع إنما ارتفع بالنسخ. لا يقال: فقد قال - ﷺ -: (كنت نهيتكم عن ادِّخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فادَّخروا). وهذا رفعٌ لحكم الخطاب الأول بخطاب متأخر عنه. وهذا هو حقيقة النسخ؛ لأنَّا نقول: هذا لَعمرُ الله! ظاهر هذا الحديث، مع أنه يحتمل أن يكون ارتفاعه بأمر آخر غير النسخ، فلو لم يَرِد لنا نصٌّ بأن المنع من الادِّخار ارتفع لارتفاع علّته؛ لما عدلنا عن ذلك الظاهر، وقلنا: هو نسخ، كما قلناه في زيارة القبور، وفي الانتباذ بالحنتم المذكورين معه في حديث","vol":"5","page":378},{"text":"فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا.\nرواه أحمد (٦/ ١٢٧ و١٢٨)، والبخاريُّ (٥٤٢٣)، ومسلم (١٩٧١) (٢٨)، وأبو داود (٢٨١٢)، والترمذيُّ (١٥١١)، والنسائي (٧/ ٢٣٥).\nــ\nبريدة المتقدِّم في باب: الجنائز (١)، لكن النص الذي في حديث عائشة ﵂ في التعليل بين: أن ذلك الرفع ليس للنسخ، بل لعدم العلة، فتعين ترك ذلك الظاهر، والأخذ بذلك الاحتمال لعضد النص له. والله تعالى أعلم.\nتنبيه: الفرق بين رفع الحكم بالنسخ، ورفعه لارتفاع علته: أن المرفوع بالنسخ لا يحكم به أبدًا، والمرفوع لارتفاع علته يعود الحكم لعود العلة. فلو قدم على أهل بلدة ناسٌ محتاجون في زمان الأضحى، ولم يكن عند أهل ذلك البلد سعةٌ يسدُّون بها فاقاتهم إلا الضحايا، لتعيَّن عليهم: ألا يدَّخروها فوق ثلاث، كما فعل النبي - ﷺ -.\nوفي هذا الحديث أبواب من أصول الفقه. وهو: أن الشرع يراعي المصالح، ويحكم لأجلها، ويسكت عن التعليل، ولما تصفح العلماء ما وقع في الشريعة من هذا؛ وجدوه كثيرًا، بحيث حصل لهم منه أصل كلِّي وهو: أن الشارع مهما حكم فإنما يحكم لمصلحة، ثم قد يجدون في كلام الشارع ما يدلّ عليها، وقد لا يجدون، فيسبرون أوصاف المحل الذي يحكم فيه الشرع حتى يتبيَّن لهم الوصف الذي يمكن أن يعتبره الشرع بالمناسبة، أو لصلاحيَّته لها، فيقولون: الشرع يحكم بالمصلحة، والمصلحة لا تعدو أوصاف المحل (٢)، وليس في أوصافه ما يصلح للاعتبار إلا هذا، فتعيَّن. وقد بيَّنا هذا في الأصول. والحمد لله.\nو(قوله: فكلوا، وادَّخروا، وتصدَّقوا) هذه أوامر وردت بعد الحظر، فهل\n_________\n(١) انظر الحديث في التلخيص.\n(٢) ما بين حاصرتين سقط من (ع).","vol":"5","page":379},{"text":"[١٩٦٦] عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا أَهلَ المَدِينَةِ، لَا تَأكُلُوا لُحُومَ الأَضَاحِيِّ فَوقَ ثَلَاثٍ. وَفي رواية: ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَشَكَوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ لَهُم عِيَالًا وَحَشَمًا وَخَدَمًا، فَقَالَ: كُلُوا وَأَطعِمُوا وَاحبِسُوا وادَّخِرُوا.\nرواه أحمد (٣/ ٨٥)، ومسلم (١٩٧٣) (٣٣).\n[١٩٦٧] وعَن سَلَمَةَ بنِ الأَكوَعِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَن ضَحَّى مِنكُم فَلَا يُصبِحَنَّ فِي بَيتِهِ بَعدَ ثَالِثَةٍ شَيءٌ. فَلَمَّا كَانَ فِي العَامِ المُقبِلِ قَالَوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَفعَلُ كَمَا فَعَلنَا عَامَ الأَوَّلَ؟ فَقَالَ: لَا، إِنَّ ذَاكَ عَامٌ كَانَ النَّاسُ فِيهِ بِجَهدٍ، فَأَرَدتُ أَن يَفشُوَ فِيهِم.\nرواه البخاريّ (٥٥٦٩)، ومسلم (١٩٧٤) (٣٤).\nــ\nتقدُّمه عليها يخرجها عن أصلها من الوجوب عند من يراه، أو لا يخرجها؟ اختلف الأصوليون فيه على قولين، وقد بيَّناهما، والمختار منهما في الأصول. والظاهر من هذه الأوامر هنا: إطلاق ما كان ممنوعًا، بدليل اقتران الادِّخار مع الأكل، والصدقة، ولا سبيل إلى حمل الادِّخار على الوجوب بوجه، فلا يجب الأكل، ولا الصدقة من هذا اللفظ. وجمهور العلماء على أن الأكل من الأضحية ليس بواجب. وقد شذَّت طائفة فأوجبت الأكل منها تمسُّكًا بظاهر الأمر هنا، وفي قوله: ﴿فَكُلُوا مِنهَا﴾ ووقع لمالك في كتاب ابن حبيب: أن ذلك على الندب، وأنه إن لم يأكل مخطئ. وقال أيضًا: لو أراد أن يتصدَّق بلحم أضحيته كلِّه كان له كأكله كلِّه حتى يفعل الأمرين.\nوقال الطبري (١): جميع أئمة الأمصار على جواز ألا يأكل منها إن شاء،\n_________\n(١) في (ز): الخطَّابي.","vol":"5","page":380},{"text":"[١٩٦٨] وعَن ثَوبَانَ قَالَ: ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَحِيَّتَهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا ثَوبَانُ، أَصلِح لَحمَ هَذِهِ. فَلَم أَزَل أُطعِمُهُ مِنهَا حَتَّى قَدِمَ المَدِينَةَ.\nرواه أحمد (٥/ ٢٧٧)، ومسلم (١٩٧٥) (٣٥)، وأبو داود (٢٨١٤).\n* * *\nــ\nويطعم جميعها. وهو قول محمد بن المواز.\nوقول ثوبان: (ذبح رسول الله - ﷺ - ضحيته (١)، ثم قال: (يا ثوبان! أصلح لحم هذه)، فلم أزل أطعمه منها حتى قدم المدينة) ظاهر هذا: أنه ضحَّى في السفر. وعليه: فيكون المسافر مخاطبًا بالأضحية كما يخاطب بها الحاضر؛ إذ الأصل عموم الخطاب بها. وقد قال - ﷺ -: (أمرت بالأضحى، وهو لكم سُنَّة) (٢) وهذا قول كافة العلماء. وخالف في ذلك أبو حنيفة، والنخعي، فلم يريا على المسافر أضحية. وروي ذلك عن علي - ﵁ -. واستثنى مالك من المسافرين الحاج بمنى، فلم ير عليه أضحية. وبه قال النخعي، ويروى ذلك عن الخليفتين أبي بكر، وعمر، وابن عمر - ﵃ -، وجماعة من السلف؛ لأنَّ الحاج إنما هو مخاطب في الأصل بالهدي، فإذا أراد أن يضحِّي جعله هديًا. والناس غير الحاج إنما أمروا بالأضحية ليتشبَّهوا بأهل منى، فيحصل لهم حظ من أجورهم (٣).\nوقال الشافعي، وأبو ثور: الأضحية واجبة على الحاج بمنى أخذًا بالعموم المتقدِّم. والقول ما قاله الخليفتان - ﵄ -؛ إذ قد أُمرنا بالاقتداء بهما، كما بيناه في الأصول.\n_________\n(١) في التلخيص: ضحيته. وفي (ل ١): أضحية.\n(٢) سبق تخريجه.\n(٣) في (ج ٢): أجرهم.","vol":"5","page":381},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-748>(٨) باب إذا دخل العشر وأراد أن يضحي فلا يمس من شعره ولا بشره</span>\n[١٩٦٩] عَن أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا دَخَلَ العَشرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُم أَن يُضَحِّيَ، فَلَا يَمَسَّ مِن شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيئًا.\nوفي رواية: إِذَا رَأَيتُم هِلَالَ ذِي الحِجَّةِ وَأَرَادَ أَحَدُكُم أَن يُضَحِّيَ، فَليُمسِك عَن شَعرِهِ وَأَظفَارِهِ.\nوفي أخرى: مَن كَانَ لَهُ ذِبحٌ، فَإِذَا أُهِلَّ هِلَالُ ذِي الحِجَّةِ، فَلَا يَأخُذَنَّ مِن شَعرِهِ وَلَا مِن أَظفَارِهِ شَيئًا حَتَّى يُضَحِّيَ.\nرواه أحمد (٦/ ٣٠١)، ومسلم (١٩٧٧) (٣٩ و٤١ و٤٢)، وأبو داود (٢٧٩١)، والنسائيُّ (٧/ ٢١٢)، وابن ماجه (٣١٤٩).\nــ\n(٨) ومن باب: إذا دخل العشر وأراد أن يضحي فلا يمسَّ من شعره ولا من بَشَره شيئًا\nأخذ بظاهر هذا النهي أحمد، وإسحاق، وابن المنذر؛ فمنعوا ذلك. ورأى الشافعي: أن ذلك محمله على الندب. وحكي عن مالك. والمشهور من مذهبه: أن ذلك يجوز. وهو مذهب أهل الرأي. وقال الليث: قد جاء هذا الحديث، وأكثر الناس على خلافه. وقد استدل أصحابنا على الجواز بقول عائشة ﵂: كان رسول الله - ﷺ - يهدي من المدينة، فأفتل قلائد هديه، ثم لا يجتنب شيئًا مما يجتنبه المحرم (١). وظاهر هذا العموم: أنَّه ما كان يجتنب حلق شعر، ولا قص ظُفُر ولا غيرهما. قال الطحاوي: ولما رأينا الجماع الذي يُفسد الحج\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٦٩٨)، ومسلم (١٣٢١) (٣٥٩)، وأبو داود (١٧٥٨)، والنسائي (٥/ ١٧١)، وابن ماجه (٣٠٩٤).","vol":"5","page":382},{"text":"[١٩٧٠] وعن عَمرو بن مُسلِمِ بنِ عَمَّارٍ اللَّيثِيّ قَالَ: كُنَّا فِي الحَمَّامِ قُبَيلَ الأَضحَى، فَاطَّلَى فِيهِ نَاسٌ، فَقَالَ بَعضُ أَهلِ الحَمَّامِ: إِنَّ سَعِيدَ بنَ المُسَيَّبِ يَكرَهُ هَذَا، أَو يَنهَى عَنهُ، فَلَقِيتُ سَعِيدَ بنَ المُسَيَّبِ، فَذَكَرتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ يَا ابنَ أَخِي، هَذَا حَدِيثٌ قَد نُسِيَ وَتُرِكَ.\nرواه مسلم (١٩٧٧) (٤٢).\n[١٩٧١] عَن أَبِي هُرَيرَةَ عن النبي ﷺ قال: لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ.\nــ\nلا يحرم على من دخل عليه العشر وأراد الأضحية، وهو أغلظ؛ كان أحرى وأولى أن لا يحرم عليه غير ذلك.\nو(قوله: كنا في الحَمَّام قبيل الأضحى، فاطَّلى (١) ناسٌ). قُبيل: تصغير قبل؛ يعني به: يوم الأضحى. و(اطَّلى) يعني: بالنورة، وهو جائز للرجال والنساء؛ لأنَّه من باب إصلاح الجسد وتنظيفه، وإنما اختلف في كراهته في العشر لمن أراد أن يضحِّي؛ لأنه مما تضمنه النهي المذكور.\nو(قوله: أن سعيدًا كان يكرهه) يدلّ: على أن مذهب سعيد في كراهة ذلك كان معروفًا. وهل تلك الكراهة بمعنى الحظر، أو بمعنى التنزيه؟ الأظهر منها التنزيه.\nوقول سعيد: (يا ابن أخي! هذا حديث قد ترك ونسي) هذا منه إنكارٌ على من ترك العمل به. ألا ترى أن المعروف من مذهبه الكراهية؟ ! وقد حكى أبو عمر عن سعيد جواز ذلك، فيكون عنه في ذلك قولان والله تعالى أعلم.\nو(قوله: لا فرع ولا عتيرة) قد فُسَّر الفَرَع في الحديث، غير أن أبا عبيد زاد فيه زيادة عن أبي عمرو، قال: الفَرَع، والفَرَعة - بفتح الراء -: هو أول ما تلده الناقة، فكانوا يذبحون ذلك لآلهتهم، فنهي المسلمون عن ذلك. وقد أفرع القوم إذا بلغت إبلهم ذلك. وقال شمر: قال أبو مالك: كان الرجل في الجاهلية إذا تَمَّت\n_________\n(١) في التلخيص وصحيح مسلم: \"فاطَّلى فيه ناس\".","vol":"5","page":383},{"text":"وفي رواية: وَالفَرَعُ أَوَّلُ النِّتَاجِ، كَانَ يُنتَجُ لَهُم فَيَذبَحُونَهُ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٢٩)، والبخاريُّ (٥٤٧٣)، ومسلم (١٩٧٦)، وأبو داود (٢٨٣١)، والترمذيُّ (١٥١٢)، والنسائيُّ (٧/ ١٦٧)، وابن ماجه (٣١٦٨).\n* * *\nــ\nإبله مائة قدَّم ذبحًا، فذبحه لصنمه، فذلك الفَرَع. وقد ذكر أبو عبيد أيضًا: أن النبي - ﷺ - سُئل عن الفَرَع فقال: (حق، وأن تتركه حتى يكون ابن مخاض، أو ابن لبون زُخزبًّا، خيرٌ من أن تكفأ إناءك وتُوَلِّه ناقتك، وتذبحه، يلصقُ لحمه بوبره) (١).\nقلت: وعلى هذا: فالفَرَع هنا: إنما هو الصغير. ألا ترى أنه فسّره بذلك، ولا فرق بين أوَّل النتاج، ولا بين ما بعده. والمعروف عند أهل اللغة: أنه أول النتاج؛ لأنَّهم كانوا في الجاهلية يذبحونه لآلهتهم، فلما جاءهم الإسلام؛ ذبحوا لله تعالى، استنانًا، كما فعلوا بالعتيرة، فنهى الشرع عن ذلك بقوله: (لا فَرَع، ولا عتيرة). حكى معنى ما قلته الحربي.\nوقوله في حديث أبي عبيد: (تُكفئ إناءك) جاء رباعيًّا، وقد قلنا: إن الأفصح الثلاثي. ويعني بذلك: إنك إذا ذبحت ولد الناقة انقطع لبنها، فانكفأ إناء اللَّبن؛ أي: قلب على فمه لأنه فارغ من اللَّبن.\nو(قوله: وتُولِّه ناقتك) أي: تفجعها بفقد ولدها حتى تُولَّه؛ أي: يصيبها الوَلَه. وهو: خَبَلان العقل. ومنه الحديث: (لا تُولِّهُ والدة على ولدها) (٢).\nو(الزُخزبُّ): الغليظ، وفيه: إرشاد إلى عدم ذبح الصغير من الأنعام لقلَّة طيبه، وعدم فائدته، ولما يترتب عليه من عدم اللبن، ووَلَه الأم.\n_________\n(١) ذكره أبو عبيد في غريب الحديث (١/ ٤١٩)، ورواه أحمد (٢/ ١٨٣)، وأبو داود (٢٨٤٢)، والنسائي (٧/ ١٦٨).\n(٢) رواه البيهقي (٨/ ٤)، والبخاري في الكبير (٦/ ٤٧٧).","vol":"5","page":384},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-749>(٢٩) كتاب اللباس</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-750>(١) باب تحريم لباس الحرير والتغليظ فيه على الرجال وإباحته للنساء</span>\n[١٩٧٢] عَن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ عِندَ\nــ\n(٢٩) كتاب اللباس (١)\n(١) باب: تحريم لباس الحرير والتغليظ فيه على الرجال وإباحته للنساء (٢)\nقوله: (حُلَّة سِيَرَاء) قد تقدَّم ذكر الحلَّة في الجنائز، و(السِّيراء): المخطط بالحرير، شُبِّهت بالسِّيور خطوطها؛ قاله الأصمعي، والخليل، وغيرهما. والرواية: حُلَّة سيراء - بتنوين حلة، ونصب سيراء - على أن تكون صفة للحلَّة كأنه قال: مسيَّرة. كما قالوا: جبَّة طيالسية؛ أي: غليظة. قال الخطابي: حلَّة سيراء، كقولك: ناقة عشراء. وبعضهم لا ينون الحلَّة، ويضيفها إلى سيراء. وكذلك رواه\n_________\n(١) في (ع) و(ج ٢): كتاب اللباس بعد كتاب الأطعمة.\n(٢) هذا العنوان ليس في الأصول، واستدرك من التلخيص.","vol":"5","page":385},{"text":"بَابِ المَسجِدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَو اشتَرَيتَ هَذِهِ فَلَبِستَهَا يَومَ الجُمُعَةِ، وَلِلوَفدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيكَ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّمَا يَلبَسُ هَذِهِ مَن لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ. ثُمَّ جَاءَت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنهَا حُلَلٌ، فَأَعطَى عُمَرَ مِنهَا حُلَّةً، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَوتَنِيهَا وَقَد قُلتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا\nــ\nابن سراج. وكذلك قيدته على من يوثق بعلمه، وتقييده. فهو على هذا من إضافة الشيء إلى صفته. كقولهم: ثوبُ خزٍّ، على أن سيبويه قال: لم يأت فعلاء صفة، وإنَّما سيراء يتنزل منزلة: مسيرة.\nو(قوله: لو اشتريت هذه فلبستها للوفد)، وإقراره - ﷺ - على هذا القول؛ يدلّ على مشروعية التجمل للوفود، ومجامع المسلمين التي يقصد بها إظهار جمال الإسلام، والإغلاظ على العدو.\nو(قوله: إنما يلبس هذه)، وفي رواية: (الحرير، من لا خلاق له في الآخرة) الخلاق: قيل فيه: الحظ، والنصيب، والقدر. ويعني بذلك: أنه لباس الكفار، والمشركين في الدنيا، وهم الذين لا حظ لهم في الآخرة.\nواختلف الناس في لباس الحرير. فمن مانع، ومن مجوِّز على الإطلاق. وجمهور العلماء على منعه للرجال، وإباحته للنساء. وهو الصحيح لهذا الحديث، وما في بابه. وهي كثيرة. وأما إباحته للنساء فيدل عليها قوله في هذا الحديث: (إنما بعثت بها إليك لتشققها خُمُرًا بين نسائك)، ولما خرَّجه النسائي من حديث علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: إن نبي الله - ﷺ - أخذ حريرًا في يمينه، وذهبًا في شماله، ثم قال: (إن هذين حرامٌ على ذكور أمتي، حل لإناثها) (١). قال علي بن المديني: حديث حسن، ورجاله معروفون. وهذا كله في الحرير الخالص المصمت، فأمَّا الذي سداه حرير، ولحمته غيره: فكرهه مالك. وإليه ذهب ابن عمر، وأجازه ابن عباس.\nوأما الخز، فاختلف فيه على ثلاثة أقوال: الحظر، والإباحة،\n_________\n(١) رواه النسائي (٨/ ١٦٠).","vol":"5","page":386},{"text":"قُلتَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنِّي لَم أَكسُكَهَا لِتَلبَسَهَا. فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخًا لَهُ مُشرِكًا بِمَكَّةَ.\nوفي رواية: فَلَمَّا كَانَ بَعدَ ذَلِكَ، أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحُلَلٍ سِيَرَاءَ، فَبَعَثَ إِلَى عُمَرَ بِحُلَّةٍ، وَبَعَثَ إِلَى أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ بِحُلَّةٍ، وَأَعطَى عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ حُلَّةً، وَقَالَ: شَقِّقهَا خُمُرًا بَينَ نِسَائِكَ. قَالَ: فَجَاءَ عُمَرُ بِحُلَّتِهِ يَحمِلُهَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَعَثتَ إِلَيَّ بِهَذِهِ، وَقَد قُلتَ بِالأَمسِ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلتَ! فَقَالَ: إِنِّي لَم أَبعَث بِهَا إِلَيكَ لِتَلبَسَهَا، وَلَكِنِّي بَعَثتُ بِهَا إِلَيكَ لِتُصِيبَ بِهَا. وَأَمَّا أُسَامَةُ فَرَاحَ فِي حُلَّتِهِ، فَنَظَرَ إِلَيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَظَرًا\nــ\nوالكراهة. وجل المذهب على الكراهة. واختلف فيه؛ ما هو؟ فقيل: ما سداه حرير. قال ابن حبيب: ليس بين الخز وما سداه حرير ولحمته قطن أو غيره فرق إلا الاتباع، فإنَّه حكي إباحة الخز عن خمسة وعشرين من الصحابة. منهم: عثمان بن عفان، وسعيد بن زيد، وعبد الله بن عباس، وخمسة عشر تابعيًّا، وكان عبد الله بن عمر يكسو بنيه الخز. وقيل في الخز: إنه يشبه الحرير، وليس به. ويكره لشبهه بالحرير، وللسَّرف.\nو(قوله: فكساها عمر أخًا له مشركًا بمكة) قيل: إنه كان أخاه لأمه. ذكره النسائي. وفيه ما يدل على جواز القريب المشرك، وما يدل على أن عمر - ﵁ - لم يكن من مذهبه: أن الكفار يخاطبون بالفروع؛ إذ لو اعتقد ذلك لما كساه إياها، وهي تحرم عليه.\nواختلف في تحريم الحرير للر (ل. فقال الأبهري: هي التشبه بالنساء. وقيل: ما يجرُّه من الخيلاء. وقيل: التشبه بالكفار الذين لا حظ لهم في الآخرة. وهو الذي دلَّ عليه الحديث.\nو(قوله: إنما بعثت بها إليك لتصيب بها) أي: مالًا. وكذا جاء مفسَّرا في","vol":"5","page":387},{"text":"عَرَفَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَد أَنكَرَ مَا صَنَعَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَنظُرُ إِلَيَّ؟ فَأَنتَ بَعَثتَ إِلَيَّ بِهَا! فَقَالَ: إِنِّي لَم أَبعَث إِلَيكَ لِتَلبَسَهَا، وَلَكِنِّي بَعَثتُ بِهَا إِلَيكَ لِتُشَقِّقَهَا خُمُرًا بَينَ نِسَائِكَ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٢)، والبخاري (٩٤٨)، ومسلم (٢٠٦٨) (٦ و٧)، وأبو داود (٤٠٤١)، والنسائي (٨/ ٢٠١).\n[١٩٧٣] وعن عُمَرَ بن الخَطَّابِ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تَلبَسُوا الحَرِيرَ، فَإِنَّهُ مَن لَبِسَهُ فِي الدُّنيَا لَم يَلبَسهُ فِي الآخِرَةِ.\nرواه البخاري (٥٨٣٠)، ومسلم (٢٠٦٩) (١١)، والترمذيُّ (٢٨١٨)، والنسائي (٨/ ٢٠٠).\n[١٩٧٤] وعَن عَلِيٍّ: أَنَّ أُكَيدِرَ دُومَةَ أَهدَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ثَوبَ حَرِيرٍ، فَأَعطَاهُ عَلِيًّا فَقَالَ: شَقِّقهُ خُمُرًا بَينَ الفَوَاطِمِ.\nرواه مسلم (٢٠٧١) (١٨).\nــ\nبعض طرقه. ولم يقل النبي - ﷺ - لعمر مثل الذي قال لأسامة، ولا لعلي: (لتشققها خمرًا بين نسائك). ولو سمع ذلك عمر لما سمع منه منع النساء من الحرير.\nوقوله لعلي - ﵁ -: (شققها خُمُرًا بين الفواطم) قال ابن قتيبة: هنَّ: فاطمة بنت النبي - ﷺ -، وفاطمة بنت أسد بن هاشم - أم علي -، وهي أول هاشمية ولدت لهاشمي، قال: ولا أعرف الثالثة. قال الأزهري: هي: فاطمة بنت حمزة الشهيد. وقد روى أبو عمر بن عبد البر، وعبد الغني الحافظ هذا الحديث، قالا فيه: قال علي: فشققت منها أربعة أخمرة: خمارًا لفاطمة بنت أسد أم علي، وخمارًا لفاطمة بنت محمد - ﷺ -، وخمارًا لفاطمة بنت حمزة - ﵃ -. قال يزيد بن أبي زياد: ونسيت الرابعة. قال بعض المتأخرين: الرابعة: فاطمة امرأة","vol":"5","page":388},{"text":"[١٩٧٥] وعن البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ قال: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَبعٍ، وَنَهَانَا عَن سَبعٍ: أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الجَنَائزَ، وَتَشمِيتِ العَاطِسِ،\nــ\nعقيل بن أبي طالب؛ لاختصاصها بعلي - ﵁ - بالصهر، وقربها بالمناسبة. وقيل: فاطمة بنت الوليد بن عتبة. وقيل: فاطمة بنت عتبة.\nو(قوله: أمر بعيادة المريض) وهي زيارته، وتفقده. يقال: عاد المريض، يعوده، عيادة. و(تشميت العاطس): بالشين المعجمة هو: الدعاء له إذا عطس وحمد الله تعالى. فعلى السامع أن يقول له: يرحمك الله. وسُمي الدعاء تشميتًا؛ لأنَّه إذا استجيب للمدعو له فقد زال عنه الذي يشمت به عدوه لأجله. وقد يقال بالسين المهملة. قال ابن الأنباري: يقال: شَمَّتُ فلانًا، وسَمَّت عليه. فكل داع بالخير: مسمت، ومشمت. قال ثعلب: الأصل السين من السمت، وهو القصد، ومنه الحديث: فدعا لفاطمة وسمت عليها.\nو(إبرار المقسم) هو: إجابته إلى ما حلف عليه، ولا يحنث، لكن إذا كان على أمر جائز. و(نصر المظلوم): إعانته على ظالمه، وتخليصه منه. و(إجابة الداعي) تعم الوليمة وغيرها. لكن أوكد الدعوات: الوليمة. وقد تقدَّم الكلام فيها. و(إفشاء السلام): إشاعته، ولا يخص به من يعرف دون من لم يعرف. و(إنشاد الضالَّة): هو التعريف بها. و(نشدتها): طلبتها. يقال: نشدت الضالَّة: طلبتها، وأنشدتها: عرَّفتها. و(المياثر): جمع ميثرة. وهي مأخوذة من الوثارة، وهي: اللين والنعمة. ومنه قولهم: فراش وثير؛ أي: وطيء لين. وياء ميثرة؛ واو، لكنها انقلبت ياء لانكسار ما قبلها، كميزان، وميعاد.\nواختلف فيها. فقال الطبري: هي: وطاء كان النساء يضعنه لأزواجهن من الأرجوان الأحمر، ومن الديباج على سروجهم، وكانت من مراكب العجم. والأرجوان: هو الصوف - بفتح الهمزة وضم الجيم -، وقال الحربي عن ابن الأعرابي: هي كالمرفقة تتخذ كصفة السرج من الحرير. وقيل: جلود السِّباع (١).\n_________\n(١) في هامش (ل ١) ما يلي: الأُرْجُوان: بضم الهمزة والجيم؛ هذا هو الصواب المعروف =","vol":"5","page":389},{"text":"وَإِبرَارِ المُقسِمِ، وَنَصرِ المَظلُومِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَإِفشَاءِ السَّلَامِ، وَنَهَانَا عَن سبع: خَوَاتِيمَ الذهب، أَو عَن تَخَتُّمٍ الذَّهَبِ، وَعَن شُربٍ بِالفِضَّةِ، وَعَن المَيَاثِرِ، وَعَن القَسِّيِّ، وَعَن لُبسِ الحَرِيرِ وَالإِستَبرَقِ وَالدِّيبَاجِ.\nــ\nقلت: فإنَّ كانت حريرًا فوجه النهي واضحٌ، وهو تحريم الجلوس عليها؛ فإنَّها حرير، ولباس ما يفرش: الجلوس عليه. وعلى هذا جماهير الفقهاء من أصحابنا وغيرهم، خلافًا لعبد الملك من أصحابنا؛ فإنَّه أجازه. ولم ير الجلوس على الحرير لباسًا، وهذا ليس بشيء، فإنَّ لباس كل شيء بحسبه، وقد قال أنس - ﵁ -: فقمت إلى حصير لنا قد اسودَّ من طول ما لبس.\nوأما من كانت عنده الميثرة من جلود السِّباع: فوجه النهي عنها أنها مكروهة؛ لأنَّها لا تعمل فيها الذكاة. وهو أحد القولين فيها عند أصحابنا، أو لأنها لا تذكى غالبًا. وأما من كانت عنده من الأرجوان الأحمر: فوجه النهي عنها: أنها تشبه الحرير، أو لأنها كانت من زي العجم، فيكون من باب الذريعة. وهذا القول أبعدها، والله أعلم.\nو(القسي) بفتح القاف، وقد أخطأ من كسرها. وهي منسوبة إلى القس:\n_________\n= في روايات الحديث، وفي كتب اللغة وغيرها، وكذا صرَّح به القاضي عياض في المشارق. وفي شرحه في موضعين منه: أنه بفتح الهمزة وضم الجيم، وهذا غلط ظاهر من النساخ لا من القاضي؛ فإنه صرَّح في المشارق بضم الهمزة. قال أهل اللغة وغيرهم: هو صبغ أحمر شديد الحمرة. كذا قاله أبو عبيد، والجمهور. قال الفراء: هو الحمرة. وقال ابن فارس: هو كل لون أحمر. وقيل: هو الصوف الأحمر. وقال الجوهري: هو شجر له نَوْرٌ أحمر أحسن ما يكون. قال: وهو معروف. وقال آخرون: هو عربيٌّ. قالوا: والذكر والأنثى فيه سواء. يقال: هذا ثوب أرجوان، وهذه قطيفة أرجوان. وقد يقولونه على الصفة، لكن الأكثر في استعماله إضافة الأرجوان إلى ما بعده، ثم إن أهل اللغة ذكروه في باب: الراء والجيم والواو. وهذا هو الصواب. ولا يغتر بذكر القاضي له في المشارق في باب: الهمزة والراء والجيم، ولا بذكر ابن الأثير له في الراء والجيم والنون.","vol":"5","page":390},{"text":"وفي رواية: وإنشاد الضالة مكان إبرار المقسم.\nوفي أخرى: ورد السلام - مكان - إفشاء السلام. قال سالم بن عبد الله: الإستبرق: ما غلظ من الديباج.\nرواه البخاريُّ (٥٦٣٥)، ومسلم (٢٠٦٦) (٣)، والترمذي (٢٨١٠)، والنسائي (٨/ ٢٠١).\n* * *\nــ\nقرية من قرى مصر مما يلي الفَرَمَا. وهي مظلعة (١) بالحرير. قال البخاري: فيها حرير أمثال الأترنج. وقيل: إنه القز، أبدلت الزاي سينًا. والإستبرق: فارسي عرَّبته العرب. وهو: غليظ الديباج. و(السندس): ما رق منه. و(الديباج): جنس من الحرير الإستبرق، والسندس من أنواعه. و(الدهقان) (٢): فارسي معرَّب، ويجمع دهاقين: وهم الرؤساء. وقيل: الكثير المال والتنعم، من الدهقنة، وهي: الامتلاء والكثرة. يقال: دهق لي دهقة من المال؛ أي: أعطانيه. وأدهقت الإناء: ملأته.\n* * *\n_________\n(١) كذا في بعض النسخ، وفي بعضها الآخر: مطلعة، والصواب: مضلعة، كما جاء في صحيح البخاري (١٠/ ٢٩٢) تعليقًا.\n(٢) هذه اللفظة لم ترد في الأحاديث التي أوردها المؤلف -﵀- في أحاديث الباب المذكور في التلخيص، وإنما وردت في الحديث (٢٠٦٧) (٤) في كتاب مسلم.","vol":"5","page":391},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-751>(٢) باب ما يرخص فيه من الحرير</span>\n[١٩٧٦] عَن عَبدِ اللَّهِ، مَولَى أَسمَاءَ بِنتِ أَبِي بَكرٍ، قَالَ: أَرسَلَتنِي أَسمَاءُ إِلَى عَبدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ فَقَالَت: بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَرِّمُ أَشيَاءَ ثَلَاثَةً: العَلَمَ فِي الثَّوبِ، وَمِيثَرَةَ الأُرجُوَانِ، وَصَومَ رَجَبٍ كُلِّهِ! فَقَالَ لِي عَبدُ اللَّهِ: أَمَّا مَا ذَكَرتَ مِن رَجَبٍ، فَكَيفَ بِمَن يَصُومُ الأَبَدَ، وَأَمَّا مَا ذَكَرتَ مِن العَلَمِ فِي الثَّوبِ، فَإِنِّي سَمِعتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّمَا يَلبَسُ الحَرِيرَ مَن لَا خَلَاقَ لَهُ. فَخِفتُ أَن يَكُونَ العَلَمُ مِنهُ، وَأَمَّا مِيثَرَةُ الأُرجُوَانِ، فَهَذِهِ مِيثَرَةُ عَبدِ اللَّهِ، فَإِذَا هِيَ أُرجُوَانٌ. فَرَجَعتُ إِلَى أَسمَاءَ\nــ\n(٢) ومن باب: ما رخص فيه من الحرير\nمَنعُ عبد الله العلم الحرير في الثوب؛ إنما كان لأنَّه تمسك بعموم النهي عن لبس الحرير، وكأنَّه لم يبلغه حديث عمر - ﵁ -؛ الذي رواه عنه سويد بن غفلة الآتي في آخر الباب. والصواب: إعمال ذلك المخصص في النهي العام. ولأجل هذا المخصص قال ابن حبيب: إنه يرخص في لبس العلم والصلاة فيه وإن عظم.\nقلت: ويعني بقوله: وإن عظم: إذا بلغ أربع أصابع؛ الذي هو غاية الرخصة المذكورة في الحديث. وروي عن مالك اختلاف في قدر الإصبع من الحرير يكون في الثوب، فنهى عنه مرة، وأجازه أخرى.\nوقول ابن عمر في الجواب عن رجب: (فكيف بمن يصوم الأبد؟ !) معناه: إذا كان صوم الأبد جائزًا، فكيف لا يكون صوم رجب كلَّه جائزًا. وهذا تكذيب لمن نقل عنه، وإبطال لقول من يقول بذلك. وقد تقدَّم في كتاب الصوم الاختلاف في صوم الأبد.\nو(قوله: وأما ميثرة الأرجوان فهذه ميثرة عبد الله، فإذا هي أرجوان) يعني:","vol":"5","page":392},{"text":"فَخَبَّرتُهَا فَقَالَت: هَذِهِ جُبَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَخرَجَت إِلَيَّ جُبَّةَ طَيَالِسَةٍ كِسرَوَانِيَّةٍ، لَهَا لِبنَةُ دِيبَاجٍ، وَفَرجَيهَا مَكفُوفَينِ بِالدِّيبَاجِ، فَقَالَت: هَذِهِ كَانَت عِندَ عَائِشَةَ حَتَّى قُبِضَت، فَلَمَّا قُبِضَت قَبَضتُهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَلبَسُهَا، فَنَحنُ نَغسِلُهَا لِلمَرضَى يُستَشفَى بِهَا.\nرواه مسلم (٢٠٦٩) (١٠)، وأبو داود (٤٠٥٤).\nــ\nإنه كان يستعمل ميثرة الأرجوان، فكيف يحرمها؟ ! وهذا يبطل قول من فسَّر الميثرة المنهي عنها: بأنها من أرجوان. والأرجوان - بفتح الهمزة - ذكرها الجوهري.\nوقول أسماء: (هذه جبة رسول الله - ﷺ -) تحتجُّ بذلك على جواز العلم من الحرير، فإنَّ الجبَّة كان فيها لبنة من حرير، وكانت مكفوفة بالحرير. ووجه الاحتجاج بذلك: أنه إذا كان القليل من الحرير المصمت المخيط في الثوب جائزًا، كان العلم بالجواز أولى، ولا يلتفت إلى قول من قال: إن ذلك الحرير وضع في الجبة بعد موت رسول الله - ﷺ -؛ لأنَّه لو كان كذلك لما احتجت به أسماء، ولكان الواضع معروفًا عندهم، فإنَّ الاعتناء بتلك الجبَّة كان شديدًا، وتحفظهم بها كان عظيمًا؛ لأنَّها من آثار رسول الله - ﷺ - المتداولة عندهم للتذكر، والتبرك، والاستشفاء، فيبعد ذلك الاحتمال، بل يبطل بدليل قولها: (هذه كانت عند عائشة ﵂)، إلى آخر الكلام. فتأمَّله، فإنَّه يدلّ على ذلك دلالة واضحة.\nوقولها: (طيالسة) أي: غليظة. كأنَّها من طيلسان، وهو: الكساء الغليظ.\nوقولها: (خسروانية) بالخاء المنقوطة من فوقها، هي رواية ابن ماهان. وبالكاف، رواية غيره. وهي في الحالتين منسوبة إلى اسم أعجمي، كما قالوا: كسروانية فنسبوها إلى كسرى. والله تعالى أعلم. ووقع في بعض الروايات: (وفرجيها مكفوفين) (١) منصوبين على إضمار فعل؛ أي: ورأيت فرجيها مكفوفين، وعند\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ز).","vol":"5","page":393},{"text":"[١٩٧٧] وعَن أَبِي عُثمَانَ قَالَ: كَتَبَ إِلَي عُمَرُ وَنَحنُ بِأَذرَبِيجَانَ: يَا عُتبَةُ بنَ فَرقَدٍ، إِنَّهُ لَيسَ مِن كَدِّكَ وَلَا مِن كَدِّ أَبِيكَ وَلَا كَدِّ أُمِّكَ، فَأَشبِع المُسلِمِينَ فِي رِحَالِهِم مِمَّا تَشبَعُ مِنهُ فِي رَحلِكَ، وَإِيَّاك وَالتَّنَعُّمَ وَزِيَّ أَهلِ\nــ\nالخشني، وغيره: (وفرجاها مكفوفان) مرفوعًا على الابتداء والخبر، والواو حالية.\nو(أُكَيدر دُومة) هو ملك أيلة. أهدى للنبي - ﷺ - في حال شركه، ثم أسلم بعد ذلك. وأُكيدر: تصغير أكدر، وهو في الأصل: سواد يضرب إلى الغبرة. و(دومة) رواه المحدثون بفتح الدال وضمها. وحكاه ابن دريد بالفتح، قال: والمحدثون يقولونه بالضم، وهو خطأ. وفيه دليل على جواز قبول هدايا المشركين. وقد تقدَّم في الجهاد.\nو(قوله: إنَّه ليس من كدِّك، ولا كدِّ أبيك) يعني به: مال المسلمين، وهو ضمير يفسره الحال. والكدُّ: السعي والتعب.\nو(قوله: فأشبع المسلمين مما تشبع منه) أي: لا تستأثر عليهم بشيء، ولا تختص به دونهم؛ أي: أمره أن يسوي بين نفسه وبين الناس فيما يأخذه من مال المسلمين، ثمَّ نهاه وحذره عن التنعُّم، وهو الترفه، والتوسُّع، وعن زي أهل الشرك؛ يعني بهم: المجوس؛ إذ لا يعني به: مشركي العرب، فإنَّ زي العرب كلُّه واحد؛ مشركهم ومسلمهم. والزي: ما يتزيى الإنسان به؛ أي: يتزين. وذلك يرجع إلى الهيئات، وكيفية اللباس، كما قال: (خالفوا المشركين، فإنَّهم لا يفرقون)، وفي آخر: (فإنهم لا يصبغون) (١)، وفي آخر: (خالفوا المجوس: جزوا الشوارب، وأوفوا اللحى) (٢). ومن هنا كره مالك ﵀ ما خالف زي\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٢٤٠)، والبخاري (٣٤٦٢)، ومسلم (٢١٠٣)، وأبو داود (٤٢٠٣)، والنسائي (٨/ ١٣٧).\n(٢) رواه البخاري (٥٨٩٢)، ومسلم (٢٥٩).","vol":"5","page":394},{"text":"الشِّركِ وَلَبُوسَ الحَرِيرَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن لَبُوسِ الحَرِيرِ، قَالَ: إِلَّا هَكَذَا، وَرَفَعَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِصبَعَيهِ، ورفع زهير السَّبَّابَةَ والوُسطَى وَضَمَّهُمَا.\nوفي رواية: وَقَالَ أَبُو عُثمَانَ: وقال بِإِصبَعَيهِ اللَّتَينِ تَلِيَانِ الإِبهَامَ، فَرُئِيتُها أَزرَارَ الطَّيَالِسَةِ حِينَ رَأَيتُ الطَّيَالِسَةَ.\nــ\nالعرب جملة واحدة.\nو(لبوس الحرير): لباسه. يقال: لبس الثوب لباسًا، ولبوسًا.\nوقد روى غير مسلم حديث أبي عثمان هذا، وقال فيه: أتانا كتاب عمر ونحن بأذربيجان مع عتبة بن فرقد، قال فيه: أما بعد: فائتزروا، وارتدوا، وانتعلوا، واتقوا الخضاب (١)، والسراويلات، وعليكم بلباس أبيكم إسماعيل، وإياكم والتنعم، وزي العجم، وعليكم بالشمس فإنَّها حمام العرب، وتمعددوا، واخشوشنوا، واخشوشبوا، واخلولقوا، واقطعوا الرَّكب، وانزوا، وارموا على الأغراض (٢).\nو(قوله: فإنَّ رسول الله - ﷺ - نهى عن الحرير إلا هكذا) وضم أصبعيه: السبابة والوسطى؛ يعني: الأعلام.\nو(قوله: فرُئِيتها أزرار الطيالسة) الأزرار: جمع زر، وهو: ما يزرر به الثوب بعضه على بعض. ومنه: زررت علي قميصي. ويعني به: أطراف الطيالسة. وهي: جمع طيلسان، وهو الكساء، أو الثوب الذي له علم، وكأنَّها كانت لها أعلام من حرير.\n_________\n(١) في (ع) و(ل ١): وألقوا الخفاف.\n(٢) ذكره الحافظ ابن حجر في فتح البارى (١٠/ ٢٨٦).","vol":"5","page":395},{"text":"وفي أخرى: قال أبو عثمان: فما عتمنا: أنه يعني الأعلام.\nرواه البخاري (٥٨٢٩)، ومسلم (٢٠٦٧) (١٢ و١٣ و(١٤).\n[١٩٧٨] وعَن سُوَيدِ بنِ غَفَلَةَ: أَنَّ عُمَرَ خَطَبَ بِالجَابِيَةِ فَقَالَ: نَهَى نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ عَن لُبسِ الحَرِيرِ، إِلَّا مَوضِعَ إِصبَعَينِ، أَو ثَلَاثٍ، أَو أَربَعٍ.\nرواه مسلم (٢٠٦٧) (١٥).\n* * *\nــ\nوقوله: فما عتَّمنا: أنه يعني به: الأعلام؛ كذا رواية الصدفي، والأسدي. ومعنى ذلك: أنا لم نتردد، ولم نبطئ. ورواه الطبري، وغيره: فما علمنا إلا أنه يريد الأعلام. وهو واضح. وكذا رواه قاسم بن أصبغ. وأما حديث سويد بن غفلة الذي قال فيه: إلا موضع أصبعين، أو ثلاث، أو أربع. فذكر الدارقطني: أنَّه لم يرفعه عن الشعبي إلا قتادة. قال: وهو مدلس. وقد رواه جماعة من الأئمة الحفاظ موقوفًا على عمر قوله. وقد تقدَّم في أول الباب ذكر الخلاف في العلم ومقداره.\n* * *","vol":"5","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-752>(٣) باب من لبس ثوب حرير غلطا أو سهوا نزعه أول أوقات إمكانه</span>\n[١٩٧٩] عن جَابِر بن عَبدِ اللَّهِ قال: لَبِسَ النَّبِيُّ ﷺ يَومًا قَبَاءً مِن دِيبَاجٍ أُهدِيَ لَهُ، ثُمَّ أَوشَكَ أَن نَزَعَهُ، فَأَرسَلَ بِهِ إِلَى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، فَقِيلَ: أَوشَكَ مَا نَزَعتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: نَهَانِي عَنهُ جِبرِيلُ. فَجَاءَهُ عُمَرُ يَبكِي فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَرِهتَ أَمرًا وَأَعطَيتَنِيهِ، فَمَا لِي؟ فقَالَ: إِنِّي لَم أُعطِكَهُ لِتَلبَسَهُ، إِنَّمَا أَعطَيتُكَهُ تَبِيعُهُ. فَبَاعَهُ بِأَلفَي دِرهَمٍ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٨٣)، ومسلم (٢٠٧٠)، والنسائي (٨/ ٣٠٠).\nــ\n(٣) ومن باب من لبس ثوب حرير غلطًا أو سهوًا نزعه أوَّل أوقات إمكانه\nقول جابر - ﵁ -: (لبس رسول الله - ﷺ - قباء من ديباج) كان هذا اللباس منه - ﷺ - قبل أن يُحرَّم الحرير، ثم لما لبسه أُعلم بالتحريم، فخلعه مسرعًا، وقد دلَّ على هذا قوله: (نهاني عنه جبريل)، و(أوشك) معناه: أسرع.\nو(قوله: أوشك ما نزعته) كذا وقع في بعض روايات مسلم: أوشك. وعند بعضهم: قد أوشك. وهو كلام غير مستقيم. وصوابه - والله أعلم -: ما أوشك ما نزعته! على جهة التعجب، فسقطت (ما) عند بعضهم، وتصحفت بـ (قد) عند آخرين. ودلالة هذا الحديث على مقتضى الترجمة واضحة.\nو(القباء) و(الفروج) كلاهما ثوب ضيق الكمَّين، ضيق الوسط، مشقوق من خلفه، يتشمر فيه للحرب، والأسفار.","vol":"5","page":397},{"text":"[١٩٨٠] عَن عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ قَالَ: أُهدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرُّوجُ حَرِيرٍ فَلَبِسَهُ، ثُمَّ صَلَّى فِيهِ، ثُمَّ انصَرَفَ فَنَزَعَهُ نَزعًا شَدِيدًا كَالكَارِهِ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: لَا يَنبَغِي هَذَا لِلمُتَّقِينَ.\nرواه أحمد (٤/ ١٤٣)، والبخاريُّ (٣٧٥)، ومسلم (٢٠٧٥)، والنسائي (٢/ ٧٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-753>(٤) باب الرخصة في لبس الحرير للعلة</span>\n[١٩٨١] عن أَنَس بن مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ لِعَبدِ الرَّحمَنِ\nــ\nو(قوله: لا ينبغي هذا للمتقين) أي: للمؤمنين، فإنَّهم هم الذين خافوا الله تعالى واتَّقوه بإيمانهم وطاعتهم له.\nو(الفروج): قيد بفتح الفاء وضمها، والضم المعروف، وأما الراء: فمضمومة على كل حال مشدَّدة، وقد تخفف، والله تعالى أعلم.\nو(أوشك): أسرع. وقارب. وقد وقع هنا بلفظ الماضي، وقد أنكر الأصمعي أن يقال من هذه اللفظة غير المستقبل خاصَّة، كقولك: يوشك - بكسر الشين - وقد قال الخليل: إنها تقال. وهذا الحديث يصحح قول الخليل.\n(٤) ومن باب: الرُّخصة في لبس الحرير للعلة\nترخيص النبي - ﷺ - لعبد الرحمن، والزبير في لباس الحرير للحكة، أو للقمل، يدلُّ على جواز ذلك للضرورة. وبه قال جماعة من أهل العلم، وبعض أصحاب مالك، وأما مالك: فمنعه في الوجهين. والحديث واضح الحجَّة عليه، إلا أن يدّعي الخصوصية بهما، ولا يصح. أو لعل الحديث لم يبلغه.","vol":"5","page":398},{"text":"بنِ عَوفٍ، وَالزُّبَيرِ بنِ العَوَّامِ فِي قُمُصِ الحَرِيرِ فِي السَّفَرِ، مِن حِكَّةٍ كَانَت بِهِمَا، أَو وَجَعٍ كَانَ بِهِمَا.\nوفي رواية: لحكة (من غير شك).\nوفي رواية: أَنَّ عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ عَوفٍ، وَالزُّبَيرَ بنَ العَوَّامِ شَكَوَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ القَملَ، فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قُمُصِ الحَرِيرِ فِي غَزَاةٍ لَهُمَا.\nرواه أحمد (٣/ ٢٧٣)، والبخاريُّ (٥٨٣٩)، ومسلم (٢٠٧٦) (٢٤ و٢٥ و٢٦)، وأبو داود (٤٠٥٦)، والترمذي (١٧٢٢)، والنسائي (٨/ ٢٠٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-754>(٥) باب النهي عن لبس القسي والمعصفر</span>\n[١٩٨٢] عن عَبدَ اللَّهِ بنَ عَمرِو بنِ العَاصِ قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيَّ ثَوبَينِ مُعَصفَرَينِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ مِن ثِيَابِ الكُفَّارِ، فَلَا تَلبَسهَما.\nوفي رواية: رَأَى عَلَيَّ ثَوبَينِ مُعَصفَرَينِ فَقَالَ: أَأُمُّكَ أَمَرَتكَ بِهَذَا؟\nــ\n(٥) ومن باب النهي عن لبس القسي والمعصفر\nقوله: (رأى علي رسول الله - ﷺ - ثوبين معصفرين) المعصفر: المصبوغ بالعصفر. وهو صبغ أحمر.\nوقوله - ﷺ -: (إن هذين من ثياب الكفار، فلا تلبسهما) يدلّ: على أن علة النهي عن لباسهما التشبُّه بالكفار.\nوقوله في الرواية الأخرى: (أأمك أمرتك بهذا؟) يشعر بأنَّه إنما كرهها","vol":"5","page":399},{"text":"قُلتُ: أَغسِلُهُمَا؟ قَالَ: بَل أَحرِقهُمَا.\nرواه مسلم (٢٧ و٢٨)، وأبو داود (٤٠٦٦ و٤٠٦٧ و٤٠٦٨)، والنسائيُّ (٨/ ٢٠٣ - ٢٠٤).\nــ\nلأنَّها من لباس النساء. وظاهرهما: أنهما علّتان في المنع. ويحتمل أن تكون العلّة مجموعهما.\nوقد اختلف العلماء في جواز لبس المعصفر. فروي كراهته عن ابن عمر. وأجازه جماعة من الصحابة، والتابعين، والفقهاء. وهو قول مالك، والشافعي. وكره ما اشتدَّت حمرته: عطاء وطاووس، وأباحا ما خف منها، وفرَّق بعضهم بين أن يمتهن، فيجوز أو يلبس، فيكره. وهو قول ابن عباس، والطبري. وكره بعض أهل العلم جميع ألوان الحمرة. وقد صحَّ عن النبي - ﷺ - أنه لبس حلَّة حمراء، وقد لبس النبي - ﷺ - ما صبغ بالصفرة على ما جاء عن ابن عمر، فلا وجه لكراهة الحمرة مطلقًا، وإنَّما المكروه المعصفر للرجال، والمزعفر؛ لنهي النبي - ﷺ - عن ذلك للرجال، وكره المعصفر بعض أهل العلم مطلقًا، وأجازه مالك تمسُّكًا بحديث ابن عمر المتقدِّم. وقد حمل بعضهم النهي على المحرم.\nقلت: وهذا فيه بُعدٌ؛ لأنَّ النساء والرجال ممنوعون من التطيّب في الإحرام، فلا معنى لتخصيصه بالرجال، وإنما علَّة الكراهة في ذلك: أنه صبغ النساء، وطيب النساء، وقد قال - ﷺ -: (طيب الرجال: ما ظهر ريحه، وخفي لونه. وطيب النساء: ما ظهر لونه، وخفي ريحه (١)، والله تعالى أعلم.\nوقوله - ﷺ -: (بل أحرقهما) مبالغة في الرَّدع، والزَّجر، ومن باب جواز العقوبة في الأموال، ولم يسمع بأحد قال بذلك. والله تعالى أعلم. وقد تقدم الكلام في باقي الحديث.\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٧٨٨)، والنسائي (٨/ ١٥١).","vol":"5","page":400},{"text":"[١٩٨٣] وعَن عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن لُبسِ القَسِّيِّ وَالمُعَصفَرِ، وَعَن تَخَتُّمِ الذَّهَبِ، وَعَن قِرَاءَةِ القُرآنِ فِي الرُّكُوعِ.\nوفي رواية: والسجود.\nوزاد في رواية: وَعَن جُلُوسٍ عَلَى المَيَاثِرِ.\nفأَمَّا القَسِّيِّ: فَثِيَابٌ مُضَلَّعَةٌ يُؤتَى بِهَا مِن مِصرَ وَالشَّامِ، فِيهَا شِبهُ كَذَا، وَالمَيَاثِرُ: فَشَيءٌ كَانَت تَجعَلُهُ النِّسَاءُ لِبُعُولَتِهِنَّ عَلَى الرَّحلِ كَالقَطَائِفِ الأُرجُوَانِ.\nرواه أحمد (١/ ١٢٦)، ومسلم (٢٠٧٨) (٢٩ و٣١ و٦٤)، وأبو داود (٤٠٤٤)، والترمذي (١٧٢٥).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-755>(٦) باب لباس الحبرة والإزار الغليظ والمرط المرحل</span>\n[١٩٨٤] عن قَتَادَةُ قَالَ: قُلنَا لِأَنَسِ بنِ مَالِكٍ: أَيُّ اللِّبَاسِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَو أَعجَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: الحِبَرَةُ.\nرواه أحمد (٣/ ١٣٤)، والبخاري (٥٨١٣)، ومسلم (٢٠٧٩) (٣٢)، وأبو داود (٤٠٦٠)، والترمذيُّ (١٧٨٧)، والنسائي (٨/ ٢٠٣).\nــ\n(٦ و٧) ومن باب لباس الحبرة (١)\nوهي ثياب مخططة، يؤتى بها من اليمن. وسميت بالحبرة لأنها محبرة؛ أي:\n_________\n(١) شرح المؤلف -﵀- تحت هذا العنوان ما أشكل في أحاديث هذا الباب، وباب: اتخاذ الوسائد والفراش من أدم والأنماط.","vol":"5","page":401},{"text":"[١٩٨٥] وعَن أَبِي بُردَةَ قَالَ: دَخَلتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَأَخرَجَت إِلَينَا إِزَارًا غَلِيظًا مِمَّا يُصنَعُ بِاليَمَنِ، وَكِسَاءً مِن الَّتِي يُسَمُّونَهَا المُلَبَّدَةَ. قَالَ: فَأَقسَمَت بِاللَّهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قُبِضَ فِي هَذَينِ الثَّوبَينِ.\nرواه أحمد (٦/ ١٣١)، والبخاريُّ (٣١٠٨)، ومسلم (٢٠٨٠) (٣٤ و٣٥)، والترمذيُّ (١٧٣٣)، وابن ماجه (٣٥٥١).\n[١٩٨٦] وعنها قَالَت: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ وَعَلَيهِ مِرطٌ مُرَحَّلٌ مِن شَعَرٍ أَسوَدَ.\nرواه أحمد (٦/ ١٦٢)، ومسلم (٢٠٨١)، وأبو داود (٤٠٣٢)، والترمذيُّ (٢٨١٤).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-756>(٧) باب اتخاذ الوساد والفراش من أدم والأنماط ولم يجوز أن يتخذ من الفرش</span>؟\n[١٩٨٧] عن عائشة قالت: كَانَ وِسَادَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذي يَتَّكِئُ عَلَيه مِن أَدَمٍ حَشوُه لِيفٌ.\nرواه أحمد (٦/ ٧٣)، والبخاري (٦٤٥٦)، ومسلم (٢٠٨٢) (٣٧)، وأبو داود (٤١٤٦ - ٤١٤٧)، والترمذيُّ (١٧٦١)، وابن ماجه (٤١٥١).\n* * *\nــ\nمزينة. والتحبير: التزيين، والتحسين.\nو(الملبَّد): الذي تراكب خمله حتى صار كاللبد.\nو(المرط): واحد المروط، وهو كساء مربع من صوف، أو خز، أو كتان. قاله الخليل. قال ابن الأعرابي، وأبو زيد: هو الإزار. وقال الخطابي: هو","vol":"5","page":402},{"text":"[١٩٨٨] وعنها أنها قَالَت: إِنَّمَا كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي يَنَامُ عَلَيهِ أَدَمًا حَشوُهُ لِيفٌ.\nرواه مسلم (٢٠٨٢) (٣٨).\n[١٩٨٩] وعَن جَابِر بن عبد الله قَالَ: لَمَّا تَزَوَّجتُ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَتَّخَذتم أَنمَاطًا؟ قُلتُ: وَأَنَّى لَنَا أَنمَاطٌ؟ قَالَ: أَمَا إِنَّهَا سَتَكُونُ.\nــ\nكساء يؤتزر به. و(مرحل) يروى بالحاء المهملة، وبالجيم، فبالحاء فيه صور الرحال، وبالجيم فيه صور الرجال. وقيل: صور المراجل، وهي القدور، ومنه قالوا: مرط مراجل - على الإضافة -.\nو(الوساد): ما يتوسد عليه. أي: يُتكأ عليه، ويجعل تحت الرأس.\nو(الضجاع): ما يضطجع عليه، وهو الفراش. وقول ابن عباس المتقدِّم: فاضطجعت في عرض الوسادة، واضطجع رسول الله - ﷺ - في طولها. معناه: أنهم وضعوا رؤوسهم على الوسادة على تلك الصفة، وعبر عن ذلك بالاضطجاع.\nو(الأنماط) جمع نمط. قال الخليل: هو ظهارة الفراش. وقال ابن دريد: هو ما يستر به الهودج. وهو في حديث عائشة: ثوب سترت به سهوتها، وهو القرام أيضًا، كما جاء في حديث عائشة، وقد يكون من حرير، وغيره. وقد يسمَّى نمرقة في بعض طرق حديث عائشة. وقد عبَّر عنه بالستر في حديثها. وهذا كلُّه يدلّ على أنها أسماء لمسمَّى واحد. وسيأتي حديث عائشة بعد هذا، إن شاء الله تعالى.\nوقول جابر: (أنَّى لنا أنماط؟) استبعاد لذلك. معناه: من أين يكون لنا أنماط؟ !\nوقول رسول الله - ﷺ -: (أما إنها ستكون) دلالة من دلائل صدقه، فإنها إخبار عن غيب، وجدت كما أخبر عنه.\nوقول جابر لامرأته: (نحِّي نمطك عنِّي) فإنما كان ذلك كراهة له؛ مخافة الترفه في الدنيا والميل إليها، لا لأنه حرير؛ إذ","vol":"5","page":403},{"text":"قَالَ جَابِرٌ: وَعِندَ امرَأَتِي نَمَطٌ، وأَنَا أَقُولُ: نَحِّيهِ عَنِّي، فتَقُولُ: قَد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّهَا سَتَكُونُ.\nرواه أحمد (٣/ ٢٩٤)، والبخاري (٣٦٣١)، ومسلم (٢٠٨٣)، وأبو داود (٤١٤٥)، والترمذي (٢٧٧٤).\n[١٩٩٠] وعنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: فِرَاشٌ لِلرَّجُلِ، وَفِرَاشٌ لِامرَأَتِهِ، وَالثَّالِثُ لِلضَّيفِ، وَالرَّابِعُ لِلشَّيطَانِ.\nرواه أحمد (٣/ ٢٩٣ و٣٢٤)، ومسلم (٢٠٨٤) (٣٩ و٤٠)، وأبو داود (٤١٤٢)، والنسائي (٦/ ١٣٥).\n* * *\nــ\nليس في الحديث ما يدلّ عليه. واستدلالها عليه بقوله - ﷺ -: (أما إنها ستكون) هو استدلالٌ بتقرير النبي - ﷺ - على اتِّخاذ الأنماط؛ لأنَّه لما أخبر: بأنها ستكون، ولم ينه عن اتخاذها؛ دلَّ ذلك على جواز الاتخاذ.\n\nوقوله - ﷺ -: (فراشٌ للرجل، وفراشٌ لامرأته، والثالث للضيف، والرابع للشيطان) دليل: على جواز اتخاذ الإنسان من الفرش والآلة ما يحتاج إليه، ويترفه به.\nوهذا الحديث: إنما جاء مبينًا لعائشة ما يجوز للإنسان أن يتوسع فيه، ويترفه من الفرش؛ لأن الأفضل أن يكون له فراش يختص به، ولامرأته فراش، فقد كان - ﷺ - لم يكن له إلا فراش واحد في بيت عائشة، وكان فراشًا ينامان عليه في الليل، ويجلسان عليه بالنهار. وأما فراش الضيف: فيتعين للمضيف إعداده له؛ لأنَّه من باب إكرامه، والقيام بحقه، ولأنَّه لا يتأتى له شرعًا الاضطجاع ولا النوم مع المضيف وأهله على فراش واحد.\nومقصود هذا الحديث: أن الرجل إذا أراد أن يتوسع في الفرش؛ فغايته ثلاث، والرابع لا يحتاج إليه، فهو من باب السَّرف.\nوفقه هذا الحديث: ترك الإكثار من الآلات والأمور المباحة، والترفه بها، وأن","vol":"5","page":404},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-757>(٨) باب إثم من جر ثوبه خيلاء ومن تبختر وإلى أين يرفع الإزار</span>\n[١٩٩١] عَن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يَنظُرُ اللَّهُ إِلَى مَن جَرَّ ثَوبَهُ خُيَلَاءَ.\nوفي رواية: إِنَّ الَّذِي يَجُرُّ ثوبه مِن الخُيَلَاءِ، لَا يَنظُرُ اللَّهُ إِلَيهِ يَومَ القِيَامَةِ.\nرواه أحمد (٢/ ٦٩)، والبخاري (٥٧٨٣)، ومسلم (٢٠٨٥) (٤٢ و٤٣)، والترمذيُّ (١٧٣٠)، والنسائي في الكبرى (٥٧٨٨)، وابن ماجه (٣٥٦٩).\nــ\nيقتصر على حاجته. ونسبة الرَّابع للشيطان ذمٌّ له، لكن لا يدلّ على تحريم اتخاذه، وإنَّما هذا من باب قوله - ﷺ -: (إن الشيطان يستحل الطعام الذي لا يذكر اسم الله عليه، والبيت الذي لا يذكر الله فيه) (١) ولا يدلّ ذلك على التحريم لذلك الطعام، كما تقدَّم. والله تعالى أعلم.\n(٨ و٩) ومن باب إثم من جرَّ ثوبه خيلاء (٢)\nقوله: (لا ينظر الله إلى من جرَّ ثوبه خيلاء) يعني: لا ينظر إليه نظر رحمة، وقد تقدَّم هذا في الإيمان. والخيلاء والمخيلة: التكبر. وقد تقدم أيضًا. والمشهور في (الخيلاء) بضم الخاء، وقد قيلت بكسرها.\nو(الثوب) يعم الإزار، والرداء\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٣٨٣)، ومسلم (٢٠١٧).\n(٢) شرح المؤلف تحت هذا العنوان ما أشكل أيضًا في باب: إرخاء طرفي العمامة بين الكتفين.","vol":"5","page":405},{"text":"[١٩٩٢] وعن أبي هُرَيرَةَ، وَرَأَى رَجُلًا يَجُرُّ إِزَارَهُ، فَجَعَلَ يَضرِبُ بِرِجلِهِ الأَرضَ - وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى البَحرَينِ - وَهُوَ يَقُولُ: جَاءَ الأَمِيرُ، جَاءَ الأَمِيرُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَنظُرُ إِلَى مَن يَجُرُّ إِزَارَهُ بَطَرًا.\nرواه مسلم (٢٠٨٧) (٤٨).\n[١٩٩٣] وعنه عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: بَينَمَا رَجُلٌ يَمشِي قَد أَعجَبَتهُ جُمَّتُهُ وَبُردَاهُ، إِذ خُسِفت بِهِ الأَرضُ، فَهُوَ يَتَجَلجَلُ فِي الأَرضِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ.\nرواه البخاريُّ (٥٧٩٠)، ومسلم (٢٠٨٨) (٤٩).\n[١٩٩٤] وعَن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: مَرَرتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَفِي إِزَارِي استِرخَاءٌ فَقَالَ: يَا عَبدَ اللَّهِ، ارفَع إِزَارَكَ. فَرَفَعتُهُ، ثُمَّ قَالَ: زِد.\nــ\nوالقميص، فلا يجوز جرّ شيء منها.\nو(البطر) الأشر. وينجر معه الكبر، و(خيلاء) و(بطرًا) منصوب نصب المصدر الذي هو مفعول من أجله. وإعجاب الرجل بنفسه: هو ملاحظته لها بعين الكمال، والاستحسان مع نسيان منة الله تعالى، فإنَّ رفعها على الغير واحتقره، فهو الكبر المذموم.\nو(البُردان): الرداء، والإزار، وهذا على طريقة تثنية العمرين، والقمرين. و(يتجلجل): يخسف به مع تحرك واضطراب، قاله الخليل وغيره.\nويفيد هذا الحديث: ترك الأمن من تعجيل المؤاخذة على الذنوب. وأن عجب المرء بنفسه، وثوبه، وهيئته، حرام وكبيرة.\nوقوله - ﷺ -: (ارفع إزارك) يدل: على أن هذا لا يُقَرّ بل يُنكَر؛ وإن أمكن أن يكون من فاعله غلطًا وسهوًا.\nوقوله له: (زد) حمل له على الأحسن والأولى. وهذا كما بينه في الحديث الآخر؛ إذ قال: (إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه،","vol":"5","page":406},{"text":"فَزِدتُ، فَمَا زِلتُ أَتَحَرَّاهَا بَعدُ، فَقَالَ بَعضُ القَومِ: إِلَى أَينَ؟ فَقَالَ: إلى أَنصَافِ السَّاقَينِ.\nرواه مسلم (٢٠٨٦) (٤٧).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-758>(٩) باب إرخاء طرفي العمامة بين الكتفين</span>\n[١٩٩٥] عن جَعفَرَ بنَ عَمرِو بنِ حُرَيثٍ، عَن أَبِيهِ قَالَ: كَأَنِّي أَنظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيهِ عِمَامَةٌ سَودَاءُ، قَد أَرخَى طَرَفَيهَا بَينَ كَتِفَيهِ.\nوفي رواية: يخطب الناس.\nرواه مسلم (١٣٥٩) (٤٥٢ و٤٥٣)، وأبو داود (٤٠٧٧)، والنسائي (٨/ ٢١١)، وابن ماجه (٣٥٨٧).\n* * *\nــ\nلا جناح عليه فيما بينه وبين الكعب، وما أسفل من ذلك ففي النار) (١).\nو(قوله: فما زلت أتحراها) أي: أقصد الهيئة التي أمر بها النبي - ﷺ - وأحافظ عليها. ويعني بها: إزرته إلى نصف ساقيه، كما قال في بقية الحديث.\nوفي لباسه - ﷺ - العمامة السوداء في حال الخطبة دليل للمسوِّدة، غير أنه - ﷺ - لم يكن ذلك منه دائمًا، ولا في كل لباسه، بل في العمامة خاصة، لكن إذا أمر الإمام بلباس ذلك وجب امتثاله. وإرخاؤه طرفي العمامة بين كتفيه دليل على استحسان ذلك، مع أنها عادة العرب، ويعني بالطرفين: الأعلى والأسفل. وفيه دليل على تحسين الهيئة في حال الخطب، ومجتمعات الناس.\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٦)، وأبو داود (٤٠٩٣)، وابن ماجه (٣٥٧٣).","vol":"5","page":407},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-759>(١٠) باب النهي عن تختم الرجال بالذهب وطرحه إن لبس</span>\n[١٩٩٦] عَن أَبِي هُرَيرَةَ: عَن النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ نَهَى عَن خَاتَمِ الذَّهَبِ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٦٨)، والبخاري (٥٨٦٤)، ومسلم (٢٠٨٩) (٥١)، والنسائي (٨/ ١٩٢).\n[١٩٩٧] وعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى خَاتَمًا مِن ذَهَبٍ فِي يَدِ رَجُلٍ، فَنَزَعَهُ فَطَرَحَهُ، وَقَالَ: يَعمِدُ أَحَدُكُم إِلَى جَمرَةٍ مِن نَارٍ فَيَجعَلُهَا فِي يَدِهِ! .\nــ\n(١٠ و١١) ومن باب النهي عن تختم الرجال بالذهب (١)\nاصطناع النبي - ﷺ - خاتم الذهب ولبسه إياه كان ذلك قبل التحريم، فهو من باب النسخ، كما يدل عليه مساق الحديث. وهو مجمع على تحريمه للرجال، إلا ما روي عن أبي بكر بن عبد الرحمن، وخبَّاب، وهو خلاف شاذٌّ مردودٌ بالنصوص، وكل منهما لم يبلغه التحريم، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: وأجعل فصه من داخل) إنما ذكر النبي - ﷺ - ذلك تنبيهًا على جعل الفصّ من داخل، لأنه أبعد عن الزهو، وأصون للفص، ولنقشه من التغيّر، ويجوز أن يجعل فصَّه من ظاهر الكفِّ، وقد روي أن النبي - ﷺ - فعله.\nوجعله للخاتم في اليد اليمنى يدلّ: على جوازه. وقد روي من حديث أنس أنَّه تختم في الخنصر من اليد اليسرى (٢). وكلٌّ جائز، إلا أن مالكًا رأى: أن التختم في الأيسر أولى؛ لأنَّ لباس الخاتم من الأفعال التي تتناول باليمين، فيجعله في الشمال باليمين؛ إذ\n_________\n(١) شرح المؤلف تحت هذا العنوان ما أشكل أيضًا في باب: لبس الخاتم الورق. . .\n(٢) رواه مسلم (٢٠٩٥).","vol":"5","page":408},{"text":"فَقِيلَ لِلرَّجُلِ بَعدَمَا ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: خُذ خَاتِمَكَ انتَفِع بِهِ. قَالَ: لَا وَاللَّهِ، لَا آخُذُهُ أَبَدًا وَقَد طَرَحَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.\nرواه مسلم (٢٠٩٠).\n[١٩٩٨] وعَن عَبدِ اللَّهِ بن عمر: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اصطَنَعَ خَاتَمًا مِن ذَهَبٍ، وكَانَ يَجعَلُ فَصَّهُ فِي بَاطِنِ كَفِّهِ إِذَا لَبِسَهُ، فَصَنَعَ النَّاسُ، ثُمَّ إِنَّهُ جَلَسَ عَلَى المِنبَرِ فَنَزَعَهُ فَقَالَ: إِنِّي كُنتُ أَلبَسُ هَذَا الخَاتَمَ، وَأَجعَلُ فَصَّهُ مِن دَاخِلٍ. فَرَمَى بِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَلبَسُهُ أَبَدًا. فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُم.\nــ\nليس (١) من الأفعال الخسيسة، بل يتناوله قوله - ﷺ -: (إذا لبستم وتوضأتم فابدؤوا بأيامنكم (٢» (٣).\nوقوله - ﷺ - للرجل الذي طرح الخاتم من يده: (يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده) يدلُّ على تغليظ التحريم، وأن لباس خاتم الذهب من المنكر الذي يجب تغييره.\nوقول الرجل لصاحبه: (خذ خاتمك انتفع به) يدل: على أنهم علموا أن المحرَّم إنما هو لباسه، لا اتخاذه، ولا الانتفاع به. وهذا لا يختلف فيه في الخاتم، فإنَّ لباسه للنساء جائز. وهذا بخلاف أواني الذهب والفضة، فإنَّ اتخاذها غير جائز؛ لأنَّه لا يجوز استعمالها لأحد. وقد تقدم الخلاف في ذلك.\nوقول الرجل: (لا والله! لا آخذه أبدًا) مبالغة في طاعة رسول الله - ﷺ -، فيكون الرجل قد نوى أن يدفع لمن يستحقه من المساكين؛ لا أنه أضاعه، فإنَّه - ﷺ - قد نهى عن إضاعة المال.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ز).\n(٢) كذا في (م ٢) وفي باقي النسخ: بأيمانكم.\n(٣) رواه أحمد (٢/ ٣٥٤)، وأبو داود (٤١٤١)، والترمذي (١٧٦٦).","vol":"5","page":409},{"text":"زاد في رواية: وَجَعَلَهُ فِي يَدِهِ اليُمنَى.\nرواه أحمد (٢/ ١٨)، والبخاريُّ (٥٨٦٥)، ومسلم (٢٠٩١) (٥٣)، وأبو داود (٤٢١٨)، والترمذيُّ (١٧٤١)، والنسائي (٨/ ١٧٨).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-760>(١١) باب لبس الخاتم الورق وأين يجعل</span>؟\n[١٩٩٩] عَن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: اتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَاتَمًا مِن وَرِقٍ، فَكَانَ فِي يَدِهِ، ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ أَبِي بَكرٍ، ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُمَرَ، ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُثمَانَ، حَتَّى وَقَعَ فِي بِئرِ أَرِيسٍ، نَقشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٢)، ومسلم (٢٠٩١) (٥٤)، والنسائي (٨/ ١٩٢).\n[٢٠٠٠] وعنه: اتَّخَذَ النَّبِيُّ ﷺ خَاتَمًا مِن ذَهَبٍ ثُمَّ أَلقَاهُ، ثُمَّ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِن وَرِقٍ، وَنَقَشَ فِيهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.\nوَقَالَ: لَا يَنقُش أَحَدٌ عَلَى نَقشِ خَاتَمِي هَذَا. وَكَانَ إِذَا لَبِسَهُ جَعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي بَطنَ كَفِّهِ، وَهُوَ الَّذِي سَقَطَ مِن مُعَيقِيبٍ فِي بِئرِ أَرِيسٍ.\nرواه مسلم (٢٠٩١) (٥٥).\nــ\nو(قوله: اتخذ رسول الله - ﷺ - خاتَمًا من ذهب، ثم ألقاه، ثم اتخذ خاتَمًا من ورق) الحامل له ﷺ على اتِّخاذ الخاتم السبب الذي ذكره أنس: من أنه لما أراد أن يكتب إلى كسرى، وقيصر، والنجاشي، وقيل له: إنهم لا يقرؤون كتابًا إلا مختومًا؛ اتَّخذ الخاتم ليختم به. هذا هو المقصود الأوَّل فيه، ثمَّ إنه جعله في يده مستصحبًا له حفظًا وصيانة من أن يتوصل إليه غيره. ولذلك منع من أن ينقش أحد","vol":"5","page":410},{"text":"[٢٠٠١] وعَن أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنِّي اتَّخَذتُ خَاتَمًا مِن فِضَّةٍ وَنَقَشتُ فِيهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَلَا يَنقُش أَحَدٌ عَلَى نَقشِهِ.\nرواه البخاريُّ (٥٨٧٦)، ومسلم (٢٠٩٢).\n[٢٠٠٢] وعَن أَنَسٍ أن النبي ﷺ أَرَادَ أَن يَكتُبَ إِلَى كسرى وقيصر والنجاشي فقيل: إِنَّهُم لَا يَقبلون كِتَابًا إِلَاّ مَختُومًا؛ فَصَاغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَاتَمًا حَلقَة فِضَّةً، وَنَقَشَ فِيهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.\nــ\nعلى نقشه، فإنَّه إذا نقش غيره مثله اختلطت الخواتم، وارتفعت الخصوصية، وحصلت المفسدة العامَّة. وقد بالغ أهل الشام، فمنعوا الخواتم لغير ذي سلطان.\nوقد أجمع العلماء على جواز التختم بالورق على الجملة للرجال. قال الخطابي: وكره للنساء التختم بالفضة؛ لأنَّه من زي الرجال، فإن لم يجدن ذهبًا فليصفرنه بزعفران، أو شبهه.\nو(قوله: ونقش فيه: محمد رسول الله) دليل: على جواز نقش اسم صاحب الخاتم على خاتمه، إلا أن يكون اسمه محمدًا؛ فلا يجوز النقش عليه للنهي عن ذلك، وعلى جواز نقش اسم الله تعالى عليه، أو كلمة حكمة، أو كلمات من القرآن، ثم إذا نقش عليه اسم الله تعالى، وجعله في شماله؛ فهل يدخل به الخلاء، ويستنجي بشماله؟ خففه سعيد بن المسيب، ومالك، وبعض أصحابه، وروي عنه الكراهة، وهي الأولى.\nوكون الخلفاء تداولوا خاتم النبي - ﷺ -: إنما كان ذلك تبركًا بآثار النبي - ﷺ - واقتداء به، واستصحابًا لحاله؛ حتى كأنَّه حي معهم، ولم يزل أمرهم مستقيمًا متفقًا عليه في المدَّة التي كان ذلك الخاتم فيهم، فلما فقد اختلف الناس على عثمان - ﵁ - وطرأ من الفتن ما هو معروف، ولا يزال الهَرج إلى يوم القيامة.\nو(بئر أريس): بئر معروفة.","vol":"5","page":411},{"text":"زاد في أخرى: كَأَنِّي أَنظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nرواه البخاري (٥٨٧٢)، ومسلم (٢٠٩٢) (٥٦ و٥٧)، وأبو داود (٤٢١٤)، والترمذيُّ (٢٧١٩)، والنسائي (٨/ ١٧٤)، وابن ماجه (٣٦٤١).\n[٢٠٠٣] وعنه أَنَّهُ رَأَى فِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاتَمًا مِن وَرِقٍ يَومًا وَاحِدًا، ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ اضطَرَبُوا الخَوَاتِيمَ مِن وَرِقٍ فَلَبِسُوهَا، فَطَرَحَ النَّبِي ﷺ خَاتَمَهُ فَطَرَحَ النَّاسُ خَوَاتِمَهُم.\nرواه أحمد (٣/ ١٦٠)، والبخاريُّ (٥٨٦٨)، ومسلم (٢٠٩٣) (٥٩)، وأبو داود (٤٢٢١)، والنسائي (٨/ ١٩٥).\n[٢٠٠٤] وعنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَبِسَ خَاتَمَ فِضَّةٍ فِي يَمِينِهِ، فِيهِ فَصٌّ حَبَشِي، كَانَ يَجعَلُ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي كَفَّهُ.\nرواه أحمد (٣/ ٢٠٩)، ومسلم (٢٠٩٤) (٦٢)، وأبو داود (٤٢١٦)، والترمذي (١٧٣٩)، والنسائي (٨/ ١٧٢)، وابن ماجه (٣٦٤١).\nــ\nو(قوله: فيه فصُّ حبشي) يعني حجرًا حبشيًّا. وقد روي: أنَّه كان فصُّه منه. وخرَّجه البخاري. قال أبو عمر: وهو أصح. قال غيره: ليس بخلاف كان للنبي - ﷺ - خواتم، فصُّ أحدها حبشي، والآخر فصَّه منه. وقد روي: أنه تختم بفصِّ عقيق. وكل ذلك صحيح.\nوقول أنس: (أنه رأى في يد رسول الله - ﷺ - خاتَمًا من ورق يومًا واحدًا، ثم إن الناس اضطربوا الخواتم من ورق فلبسوها، فطرح النبي - ﷺ - خاتمه، فطرح الناس خواتمهم) هذا الحديث من رواية ابن شهاب عن أنس، وهو وَهمٌ من","vol":"5","page":412},{"text":"[٢٠٠٥] وعنه قَالَ: كَانَ خَاتِمُ النَّبِي ﷺ فِي هَذِهِ. وَأَشَارَ إِلَى الخِنصَرِ مِن يَدِهِ اليُسرَى.\nرواه مسلم (٢٠٩٥) (٦٣).\n[٢٠٠٦] وعن عَلِيّ قال: نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَن أَتَخَتَّمَ فِي هَذِهِ أَو هَذِهِ. قَالَ: فَأَومَأَ إِلَى الوُسطَى وَالَّتِي تَلِيهَا.\nرواه مسلم (٢٠٧٨) (٦٥)، وأبو داود (٤٢٢٥)، والترمذي (١٧٨٧)، والنسائيّ (٨/ ١٧٧).\n* * *\nــ\nابن شهاب عند جميع أهل الحديث، وإنما اتفق ذلك للنبي - ﷺ - في خاتم الذهب، كما تقدَّم من حديث ابن عمر، قاله القاضي عياض (١).\nو(قوله: كان خاتم رسول الله - ﷺ - في هذه) وأشار إلى الخنصر من يده اليسرى؛ لا خلاف بين العلماء، ولا في الآثار: أن اتخاذ خاتم الرجال في االخنصر أولى؛ لأنَّه أحفظ له من المهنة، ولأنه لا يشغل اليد عما تتناوله من أشغالها، بخلاف غيرها من الأصابع.\nو(البنصر): هي الأصبع التي بين الوسطى والخنصر، ويقال: خنصر - بفتح الصاد وكسرها -، وكذلك البنصر: وهي أصغر الأصابع.\n_________\n(١) جاء في هامش (ل ١) ما يلي:\nومنهم من تأول حديث ابن شهاب، وجمع بينه وبين الروايات، فقال: لما أراد النبيُّ - ﷺ - تحريم خاتم الذهب؛ اتخذ خاتم فضَّة، فلمَّا لبس خاتم الفضة أراه الناسَ في ذلك اليوم؛ ليعلمهم إباحته، ثم طرح خاتم الذهب، وأعلمهم تحريمه، فطرح الناسُ خواتمهم من الذهب. فيكون قوله: \"فطرح الناس خواتمهم\" أي: خواتم الذهب.\nوهذا التأويل هو الصحيح، وليس في الحديث ما يمنعه.","vol":"5","page":413},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-761>(١٢) باب في الانتعال وآدابه</span>\n[٢٠٠٧] عَن جَابِرٍ قَالَ: سَمِعتُ النَّبِيّ ﷺ فِي غَزوَةٍ غَزَونَاهَا يَقُولُ: استَكثِرُوا مِنَ النِّعَالِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ رَاكِبًا مَا انتَعَلَ.\nرواه مسلم (٢٠٩٦).\n[٢٠٠٨] وعن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا انتَعَلَ أَحَدُكُم فَليَبدَأ بِاليُمنَى، وَإِذَا خَلَعَ فَليَبدَأ بِالشِّمَالِ، وَليُنعِلهُمَا جَمِيعًا، أَو لِيَخلَعهُمَا جَمِيعًا.\nــ\nقلت: ولو تختم في البنصر لم يكن ممنوعًا، وإنما الذي نهي عنه في حديث علي - ﵁ - الوسطى والتي تليها من جهة الإبهام، وهي التي تُسمَّى: المسبِّحة، والسَّبابة.\n(١٢) ومن باب الانتعال\nقوله - ﷺ -: (استكثروا من النعال، فإنَّ الرجل لا يزال راكبًا ما انتعل) هذا كلام بليغ، ولفظ فصيح، بحيث لا ينسج على منواله، ولا يؤتى بمثاله. وهو إرشاد إلى المصلحة، وتنبيه على ما يخفف المشقة، فإنَّ الحافي المديم للمشي يلقى من الآلام، والمشقات، بالعثار، والوجى (١)، ما يقطعه عن المشي، ويمنعه من الوصول إلى مقصوده بخلاف المنتعل؛ فإنَّه لا يحصل له ذلك فيدوم مشيه، فيصل إلى مقصوده كالرَّاكب، فلذلك شبهه بالرَّاكب حيث قال: (لا يزال راكبًا ما انتعل).\nو(قوله: إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى، وإذا خلع فليبدأ بالشمال) هذا\n_________\n(١) \"الوجى\": وَجِي يَوْجَى وَجىً: رقَّت قدمُه من كثرة المشي.","vol":"5","page":414},{"text":"وفي رواية: قال ﵊: لَا يَمشِ أَحَدُكُم فِي نَعلٍ وَاحِدَةٍ، فليُنعِلهُمَا جَمِيعًا أَو لِيَخلَعهُمَا جَمِيعًا.\nرواه أحمد (٢/ ٤٦٥)، والبخاري (٥٨٥٦)، ومسلم (٢٠٩٧) (٦٧ و٦٨)، وأبو داود (٤١٣٩)، والترمذيُّ (١٧٧٩).\n[٢٠٠٩] وعن أَبِي رَزِينٍ قَالَ: خَرَجَ إِلَينَا أَبُو هُرَيرَةَ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى جَبهَتِهِ وقَالَ: أَلَا إِنَّكُم تَحَدَّثُونَ أَنِّي أَكذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِتَهتَدُوا وَأَضِلَّ، أَلَا وَإِنِّي أَشهَدُ لَسَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا انقَطَعَ شِسعُ أَحَدِكُم، فَلَا يَمشِ فِي الأُخرَى حَتَّى يُصلِحَهَا.\nرواه أحمد (٢/ ٤٢٤)، ومسلم (٢٠٩٨)، والنسائي (٨/ ٢١٧)، وابن ماجه (٣٦١٧).\n* * *\nــ\nعلى ما تقدَّم من احترام اليمنى، فإنَّه إذا انتعل فيها أولًا فقد قدمها في الصيانة على اليسرى، وكذلك إذا خلعها أخيرا فقد بقى عليها كرامتها وصيانتها. وقد تقدَّم هذا مستوفًى.\nو(قوله: لينعلهما جميعًا، أو ليخلعهما جميعًا) هذا خطاب لمن انقطع شسع أحد نعليه، فنهاه عن أن يمشي في نعل واحدة؛ لأنَّ ذلك من باب التشويه، والمثلة، ولأنه مخالف لزي أهل الوقار، وقد يخل بالمشي. وهذا كما جاء في الحديث المفسر بعد هذا. ويجيء حديث أبي هريرة الذي قال فيه: (إذا انقطع شسع أحدكم، فلا يمشي في الأخرى حتى يصلحها) وقد اختلف علماؤنا في ذلك. فقال مالك بظاهر هذا الحديث: إن من انقطع نعله لم يمش في الأخرى، ولا يقف فيها، وإن كان في أرضٍ حارَّة ليُحفها، ولا بدَّ حتى يصلح الأخرى إلا في الوقوف الخفيف والمشي اليسير. وقد رخص بعض السلف في المشي في نعل واحدة. وهو","vol":"5","page":415},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-762>(١٣) باب النهي عن اشتمال الصماء والاحتباء في ثوب واحد وفي وضع إحدى الرجلين على الأخرى مستلقيا</span>\n[٢٠١٠] عَن جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَن يَأكُلَ الرَّجُلُ بِشِمَالِهِ، أَو يَمشِيَ فِي نَعلٍ وَاحِدَةٍ، وَأَن يَشتَمِلَ الصَّمَّاءَ، وَأَن يَحتَبِيَ فِي ثَوبٍ وَاحِدٍ كَاشِفًا عَن فَرجِهِ.\nــ\nقولٌ مردودٌ بالنُّصوص المذكورة، ولا خلاف: في أن أوامر هذا الباب ونواهيه: إنما هي من الآداب المكملة، وليس شيء منها على الوجوب ولا الحظر عند معتبر بقوله من العلماء، والله تعالى أعلم.\n(١٣) ومن باب النَّهي عن اشتمال الصَّماء\nقول جابر: (نهى رسول الله - ﷺ - عن اشتمال الصَّمَّاء) الاشتمال: الالتفاف. وقد يُسمى التحافًا، كما قد جاء في الرواية الأخرى: (لا يلتحف) واختلف اللغويون والفقهاء في تفسير اشتمال الصَّمَّاء. فقال الأصمعي: هو أن يشتمل بالثوب؛ حتى يُجلِّل جميع جسده، ولا يرفع منه جانبًا.\nقال القتبي: إنما قيل لها: الصماء؛ لأنَّه إذا اشتمل بها انسدَّت على يديه ورجليه المنافذ كلها كالصخرة الصماء التي ليس فيها خرق، ولا صدع. وقاله أبو عبيد. وأما تفسير الفقهاء: فهو أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره، ثم يرفعه من أحد جانبيه، فيضعه على أحد منكبيه، وعلى هذا: فيكون إنما نهى عنه؛ لأنَّه يؤدي إلى كشف العورة. وعلى تفسير أهل اللغة: إنما هي مخافة أن يعرض له شيء يحتاج إلى رده بيديه، فلا يجد إلى ذلك سبيلًا.\nو(قوله: وأن يحتبي في ثوب واحد كاشفًا عن فرجه) كانت عادة العرب أن يحتبي الرجل بردائه فيشدَّه على ظهره، وعلى ركبتيه، كان عليه إزار، أو لم يكن،","vol":"5","page":416},{"text":"وفي رواية: وَلَا يَمشي فِي خُفٍّ وَاحِدٍ، بدل نعل واحدة.\nونهى: أَن يَرفَعَ الرَّجُلُ إِحدَى رِجلَيهِ عَلَى الأُخرَى وَهُوَ مُستَلقٍ عَلَى ظَهرِهِ.\nوفي أخرى: لَا يَستَلقِيَنَّ أَحَدُكُم، ثُمَّ يَضَعُ إِحدَى رِجلَيهِ عَلَى الأُخرَى.\nرواه أحمد (٣/ ٣٤٩)، ومسلم (٢٠٩٩) (٧٠ - ٧٤)، وأبو داود (٤٨٦٥)، والترمذي (٢٧٦٧)، والنسائي (٨/ ٢١٠).\n[٢٠١١] وعن عَبَّادِ بنِ تَمِيمٍ، عَن عَمِّهِ: أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُستَلقِيًا فِي المَسجِدِ، وَاضِعًا إِحدَى رِجلَيهِ عَلَى الأُخرَى.\nرواه أحمد (٤/ ٣٨)، والبخاريُّ (٤٧٥)، ومسلم (٢١٠٠) (٧٥)، وأبو داود (٤٨٦٦)، والترمذيُّ (٢٧٦٥)، والنسائي (٢/ ٥٠).\n* * *\nــ\nفإن لم يكن انكشف فرجه مما يلي السماء لمن كان متطلعًا عليه؛ متتبعًا، وقد تقدَّم في كتاب الصلاة.\nو(قوله: ونهى أن يرفع الرجل إحدى رجليه على الأخرى مستلقيًا) قد قال بكراهة هذه الحالة مطلقًا فقهاء أهل الشام، وكأنَّهم لم يبلغهم فعل النبي - ﷺ - لهذه الحالة، أو تأولوها. والأولى: الجمع بين الحديثين؛ فيحمل النهي على ما إذا لم يكن على عورته شيء يسترها. ويحمل فعل النبي - ﷺ - لها على أنه كان مستور العورة، ولا شك أنها استلقاء استراحة إذا كان مستور العورة (١)، وقد أجازها مالك وغيره لذلك.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ز).","vol":"5","page":417},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-763>(١٤) باب ما جاء في صبغ الشعر والنهي عن تسويده والتزعفر</span>\n[٢٠١٢] عَن جَابِرٍ قَالَ: أُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ يَومَ فَتحِ مَكَّةَ وَرَأسُهُ وَلِحيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَاضًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: غَيِّرُوا هَذَا الشيب (١)، وَاجتَنِبُوا السَّوَادَ.\nــ\n(١٤) ومن باب صبغ الشعر والنهي عن تسويده\nقوله: (أتي بأبي قحافة يوم فتح مكة) أبو قحافة: هو والد أبي بكر الصديق، واسمه: عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن تيم، أسلم يوم فتح مكة، وله صحبة، ومات في المحرَّم سنة أربع عشرة من الهجرة، وهو ابن سبع وتسعين سنة بعد وفاة ابنه أبي بكر بأشهر.\nو(الثغامة): نبت أبيض الزهر والثمر، شبَّه بياض الشيب به. قاله أبو عبيد. وقال ابن الأعرابي: هو شجرة تبيض كأنَّها الثلجة.\nوقوله ﷺ: (غيِّروا هذا الشيب) أمر بتغيير الشيب. قال به جماعة من الخلفاء، والصحابة، لكن لم يصر أحدٌ إلى أنه على الوجوب، وإنما هو مستحب. وقد رأى بعضهم: أن ترك الخضاب أفضل، وبقاء الشيب أولى من تغييره؛ متمسكين في ذلك بنهي النبي - ﷺ - عن تغيير الشيب على ما ذكروه، وبأنه - ﷺ - لم يغير شيبه، ولا اختضب.\nقلت: وهذا القول ليس بشيء. أما الحديث الذي ذكروه: فليس بمعروف، ولو كان معروفًا فلا يبلغ في الصحَّة إلى هذا الحديث. وأما قولهم: إن النبي - ﷺ - لم يخضب فليس بصحيح، بل قد صحَّ عنه أنه خضب بالحناء وبالصفرة على ما مضى. ويأتي إن شاء الله تعالى.\nو(قوله: واجتنبوا السواد) أمر باجتناب السواد، وكرهه جماعة منهم\n_________\n(١) في التلخيص وصحيح مسلم: \"بشيء\" وأثبتنا ما يوافق \"المفهم\".","vol":"5","page":418},{"text":"رواه أحمد (٣/ ٣١٦)، ومسلم (٢١٠٢) (٧٩)، وأبو داود (٤٢٠٤)، وابن ماجه (٣٦٢٤).\n[٢٠١٣] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: إِنَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصبُغُونَ فَخَالِفُوهُم.\nرواه أحمد (٢/ ٢٤٠)، والبخاريُّ (٣٤٦٢)، ومسلم (٢١٠٣)، وأبو داود (٤٢٠٣)، والترمذيُّ (١٧٥٢)، والنسائي (٨/ ١٣٧).\nــ\nعلي بن أبي طالب، ومالك.\nقلت: وهو الظاهر من هذا الحديث. وقد عُلِّل ذلك: بأنه من باب التدليس على النساء، وبأنه سوادٌ في الوجه فيكره؛ لأنه تشبه بسيما أهل النار.\nوقد روى أبو داود: أنه - ﷺ - قال: (يكون في آخر الزمان قوم يصبغون بالسواد، لا يدخلون الجنة، ولا يجدون ريحها) (١) غير أنه لم يسمع أن أحدًا من العلماء (٢) قال بتحريم ذلك، بل قد روي عن جماعة كثيرة من السلف: أنهم كانوا يصبغون بالسواد، منهم: عمر، وعثمان، والحسن، والحسين، وعقبة بن عامر، ومحمد بن علي، وعلي بن عبد الله بن عباس، وعروة بن الزبير، وابن سيرين، وأبو بُردة في آخرين. وروي عن عمر - ﵁ - أنه قال: هو أشكر للزوجة، وأرهب للعدو.\nقلت: ولا أدري عذر هؤلاء عن حديث أبي قحافة ما هو؟ فأقل درجاته: الكراهة. كما ذهب إليه مالك.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٢١٢).\n(٢) في (ز): الصحابة ﵃.","vol":"5","page":419},{"text":"[٢٠١٤] وعَن أَنَسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَن يَتَزَعفَرَ الرَّجُلُ.\nرواه البخاري (٥٨٤٦)، ومسلم (٢١٠١)، وأبو داود (٤١٧٩)، والترمذي (٢٨١٦)، والنسائي (٨/ ١٨٩).\n* * *\nــ\nقلت: وأما الصباغ بالحنَّاء بحتًا، وبالحناء والكتم (١): فلا ينبغي أن يختلف فيه لصحة الأحاديث بذلك، غير أنه قد قال بعض العلماء: إن الأمر في ذلك محمول على حالين:\nأحدهما: عادة البلد؛ فمن كانت عادة موضعه ترك الصبغ فخروجه عن المعتاد شهرة تقبَّحُ وتُكره.\nوثانيهما: اختلاف حال الناس في شيبهم، فَرُبَّ شيبة نقية هي أجمل بيضاء منها مصبوغة، وبالعكس، فمن قبحه الخضاب اجتنبه. ومن حسَّنه استعمله. وللخضاب فائدتان:\nإحداهما: تنظيف الشعر مما يتعلق به من الغبار، والدخان.\nوالأخرى: مخالفة أهل الكتاب، لقوله - ﷺ -: (خالفوا اليهود والنصارى، فإنهم لا يصبغون).\nقلت: ولكن هذا الصباغ بغير السواد، تمسُّكًا بقوله - ﷺ -: (اجتنبوا السواد) والله تعالى أعلم.\nوقد تقدَّم الكلام على النهي عن التزعفر، وسيأتي القول في مخالفة أهل الكتاب.\n_________\n(١) الكَتَم -بالتحريك-: نبات يخلط مع الوسمة للخضاب الأسود. وقال الأزهري: الكتم: نبت فيه حمرة.","vol":"5","page":420},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-764>(١٥) باب لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة إلا أن تكون الصورة رقما</span>\n[٢٠١٥] عَن عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَت: وَاعَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جِبرِيلُ فِي سَاعَةٍ يَأتِيهِ فِيهَا، فَجَاءَت تِلكَ السَّاعَةُ وَلَم يَأتِهِ، وَفِي يَدِهِ عَصًا، فَأَلقَاهَا مِن يَدِهِ وَقَالَ: مَا يُخلِفُ اللَّهُ وَعدَهُ وَلَا رُسُلُهُ. ثُمَّ التَفَتَ فَإِذَا جِروُ كَلبٍ تَحتَ سَرِيرِهِ، فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ، مَتَى دَخَلَ هَذَا الكَلبُ هَاهُنَا؟ فَقَالَت: وَاللَّهِ مَا دَرَيتُ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخرِجَ، فَجَاءَ جِبرِيلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَاعَدتَنِي فَجَلَستُ لَكَ فَلَم تَأتِ؟ فَقَالَ: مَنَعَنِي الكَلبُ الَّذِي فِي بَيتِكَ، إِنَّا لَا نَدخُلُ بَيتًا فِيهِ كَلبٌ وَلَا صُورَةٌ.\nرواه أحمد (٦/ ١٤٢)، ومسلم (٢١٠٤)، وابن ماجه (٣٦٥١).\nــ\n(١٥) ومن باب قوله: (لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة).\nالملائكة هنا - وإن كان عمومًا - فالمراد به الخصوص، فإنَّ الحفظة ملازمة للإنسان. هكذا قاله بعض علمائنا. والظاهر العموم، والمخصص ليس نصًّا. وكذلك قوله: كلب، وصورة؛ كلاهما للعموم؛ لأنَّهما نكرتان في سياق النفي. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن المراد به: الكلاب التي لم يؤذن في اتخاذها، فيستثنى من ذلك: كلب الصيد، والماشية والزرع. وأما الصورة: فيراد بها التماثيل من ذوات الأرواح. ويستثنى من ذلك الصورة المرقومة، كما نصَّ عليه في الحديث، على ما يأتي.\nوإنما لم تدخل الملائكة البيت الذي فيه التمثال؛ لأن متخذها في بيته قد","vol":"5","page":421},{"text":"[٢٠١٦] ومن حديث ميمونة نحوه، وفيه: فَأَمَرَ بِهِ فَأُخرِجَ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ مَاءً فَنَضَحَ مَكَانَهُ.\nوفيه: فَأَصبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَومَئِذٍ فَأَمَرَ بِقَتلِ الكِلَابِ،\nــ\nتشبَّه بالكفار الذين يتخذون الصور في بيوتهم، ويُعظمونها، فكرهت الملائكة ذلك منه، فلم تدخل بيته هجرانًا له، وغضبًا عليه. واختلف في المعنى الذي في الكلب المانع للملائكة من الدخول. فذهبت طائفة: إلى أنَّه النجاسة. وهو من حجج من قال بنجاسة الكلب. وتأيد في ذلك بنضحه - ﷺ - موضع الكلب.\nقلت: وهذا ليس بواضح، وإنما هو تقدير احتمال يعارضه احتمالات أخر:\nأحدها: أنها من الشياطين، كما جاء في بعض الحديث.\nوثانيها: استخباث روائحها، واستقذارها.\nوثالثها: النجاسة التي تتعلق بها؛ فإنَّها تأكلها وتتلطخ بها، فتكون نجسة بما يتعلق بها، لا لأعيانها. والمخالف يقول: هي نجسة الأعيان. وعلى ما قلناه: يصح أن يقال: إنَّه - ﷺ - شك في طهارة موضعه؛ لإمكان أن يكون أصابه من النجاسة اللازمة لها غالبًا شيء، فنضحه؛ لأنَّ النضح طهارة للمشكوك فيه، فلو تحقق إصابة النجاسة الموضع لغسله؛ كما فعل ببول الأعرابي، ولو كان الكلب نجسًا لعينه، لا لما يتعلق به: لما احتاج إلى غسله، كما لا يحتاج إلى غسل الموضع أو الثوب الذي يكون عليه عظم ميتة، أو نجاسة لا رطوبة فيها. وعلى هذا: فهذا الاحتمال أولى أن يعتبر، فإن لم يكن أولى فالاحتمالات متعارضة، والدَّست قائم، ولا نصّ حاكم.\nو(قوله: فأصبح رسول الله - ﷺ - يومئذ فأمر بقتل الكلاب) كذا رواه جميع الرواة: فأصبح، فأمر، مرتبًا بفاء التَّسبيب، فيدل ذلك: على أن أمره بقتل الكلاب في ذلك اليوم كان لأجل امتناع جبريل من دخول بيته. ويحتمل أن يكون ذلك لمعنى آخر غير ما ذكرناه؛ وهو: أن ذلك إنما كان لينقطعوا عما كانوا ألفوه من","vol":"5","page":422},{"text":"حَتَّى إِنَّهُ يَأمُرُ بِقَتلِ كَلبِ الحَائِطِ الصَّغِيرِ، وَيَترُكُ كَلبَ الحَائِطِ الكَبِيرِ.\nرواه أحمد (٦/ ٣٣٠)، ومسلم (٢١٠٥)، وأبو داود (٤١٥٧)، والنسائي (٧/ ١٨٦).\n[٢٠١٧] وعن بُسرَ بنَ سَعِيدٍ: أَنَّ زَيدَ بنَ خَالِدٍ الجُهَنِيَّ حَدَّثَهُ، وَمَعَ بُسرٍ عُبَيدُ اللَّهِ الخَولَانِيُّ: أَنَّ أَبَا طَلحَةَ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا تَدخُلُ المَلَائِكَةُ بَيتًا فِيهِ صُورَةٌ. قَالَ بُسرٌ: فَمَرِضَ زَيدُ بنُ خَالِدٍ، فَعُدنَاهُ؛ فَإِذَا نَحنُ فِي بَيتِهِ بِسِترٍ فِيهِ تَصَاوِيرُ، فَقُلتُ لِعُبَيدِ اللَّهِ الخَولَانِيِّ: أَلَم يُحَدِّثنَا فِي التَّصَاوِيرِ؟ قَالَ: إِنَّهُ قَالَ: إِلَّا رَقمًا فِي ثَوبٍ، أَلَم تَسمَعهُ؟ قُلتُ: لَا، قَالَ: بَلَى، قَد ذَكَرَ ذَلِكَ.\nــ\nالأنس بالكلاب، والاعتناء بها، واتخاذها في البيوت، والمبالغة في إكرامها. وإذا كان كذلك كثرت، وكثر ضررها بالناس من الترويع والجرح، وكثر تنجيسها للديار، والأزقة، فامتنع جبريل من الدخول لأجل ذلك، ثم أخبر به النبي - ﷺ -، وأمر بقتل الكلاب، فانزجر الناس عن اتخاذها، وعما كانوا اعتادوه منها. والله تعالى أعلم.\nوفيه من الفقه: أن الكلاب يجوز قتلها لأنها من السِّباع، لكن لما كان في بعضها منفعة، وكانت من النوع المتأنس سومح فيما لا يضر منها.\nو(قوله: حتى إنه يأمر بقتل كلب الحائط الصغير، ويترك كلب الحائط الكبير) هذا يدلّ على جواز اتخاذ ما ينتفع به من الكلاب في حفظ الحوائط، وغيرها. ألا ترى: أن الحائط الكبير لما كان يحتاج إلى حفظ جوانبه ترك له كلبه، ولم يقتله، بخلاف الحائط الصغير منها، فإنَّه أمر بقتل كلبه؛ لأنَّه لا يحتاج الحائط الصغير إلى كلب، فإنَّه ينحفظ من غير كلب لقرب جوانبه.\nوقول بسر لعبيد الله الخولاني: (ألم يحدثنا في التصاوير؟) يعني: زيد بن","vol":"5","page":423},{"text":"رواه أحمد (٤/ ٢٨)، والبخاريُّ (٣٢٢٦)، ومسلم (٢١٠٦) (٨٦)، والنسائي (٨/ ٢١٢).\n* * *\nــ\nخالد، وذلك: أنَّه لما دخل منزل زيد فرأى الستر فيه صور ذكر بسر عبيد الله الخولاني بالحديث الذي حدثهم به زيد عن أبي طلحة صاحب رسول الله - ﷺ - الذي سمع من رسول الله - ﷺ - قوله: (لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة) وكان أبو طلحة قد ذكر مع ذلك - متصلًا به - قوله - ﷺ -: (إلا ما كان رقمًا في ثوب) فاستثنى المرقوم من الصور. فحصل منه: أن الملائكة لا تمتنع من دخول بيت فيه صورة مرقومة. ومن هنا: فهم القاسم بن محمد جواز اتخاذها في البيوت (١) مطلقًا، كما حكيناه عنه ترجيحًا لهذا الحديث على حديث عائشة، أو نسخًا له، وفيه بُعدٌ.\nوالجمهور على المنع. فمنهم من منعه تحريمًا، وهو مذهب ابن شهاب ترجيحًا لحديث عائشة على حديث زيد، والجمهور حملوه على الكراهة، وهو الأولى إن شاء الله؛ إذ ليس نصًّا في التحريم، فأقل ما يحمل ما ظهر منه على الكراهة. وحديث زيد لا يقتضي الجواز، وإنَّما مقتضاه: أن الملائكة تدخل البيت الذي فيه الصور المرقومة بخلاف الصور ذوات الظل؛ فإنَّها لا تدخل بيتا هي فيه. وهذا وجه حسن؛ غير أنَّه تكدَّر بما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (أتاني جبريل ﵇ فقال لي: أتيتك البارحة، فلم يمنعني أن أكون دخلت إلا أنه كان على الباب تماثيل، وكان في البيت قرام فيه صور، وكان في البيت كلب) وذكر الحديث (٢). وهذا يدلّ دلالة واضحة أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة مرقومة، وعند هذا يتحقق التعارض. والمخلِّص منه\n_________\n(١) كذا في جميع النسخ، وفي (ز): الثوب.\n(٢) رواه أبو داود (٤١٥٨).","vol":"5","page":424},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-765>(١٦) باب كراهية الستر فيه تماثيل وهتكه وجعله وسائد وكراهية كسوة الجدر</span>\n[٢٠١٨] عَن أَبِي طَلحَةَ الأَنصَارِيِّ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا تَدخُلُ المَلَائِكَةُ بَيتًا فِيهِ كَلبٌ وَلَا صورة تَمَاثِيلَ. قَالَ: فَأَتَيتُ عَائِشَةَ فَقُلتُ: فَهَل سَمِعتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ ذَلِكَ؟ فَقَالَت: لَا، وَلَكِن سَأُحَدِّثُكُم مَا رَأَيتُهُ فَعَلَ، رَأَيتُهُ خَرَجَ فِي غَزَاةٍ، فَأَخَذتُ نَمَطًا\nــ\nالترجيح، ولا شك في ترجيح حديث مسلم، فالتمسك به على ما قررناه أولا، والله تعالى أعلم.\n(١٦) ومن باب كراهة الستر الذي فيه التماثيل وهتكه\nحديث عائشة كثرت رواياته، واختلفت ألفاظه حتى يتوهم: أنه مضطرب، وليس كذلك؛ لأنَّه ليس فيه تناقض، وإنَّما كانت القضية مشتملة على كل ما نقل من الكلمات، والأحوال المختلفة، لكن نقل بعض الرواة ما سكت عنه غيرهم، وعبَّر كل منهم بما تيسَّر له من العبارة عن تلك القضية. ويجوز أن يصدر مثل ذلك الاختلاف من راوٍ واحد في أوقات مختلفة، ولا يُعد تناقضًا، فإنَّه إذا جمعت تلك الروايات كلها؛ انتظمت وكملت الحكاية عن تلك القضية. وعلى هذا النحو وقع ذكر اختلاف كلمات القصص المتحدة في القرآن، فإنَّه تعالى يذكرها في مواضع وجيزة، وفي آخر مطوَّلة، ويأتي بالكلمات المختلفة الألفاظ مع اتفاقها على المعنى، فلا ينكر مثل هذا في الأحاديث.\nوقولها: (فأخذت نمطًا فسترته على الباب) هذا النمط هو الذي عبَّر عنه في الرواية الأخرى بـ (الدَّرنوك) ويقال بضم الدَّال، وفتحها، وهو: الستر الذي","vol":"5","page":425},{"text":"فَسَتَرتُهُ عَلَى البَابِ، فَلَمَّا قَدِمَ فَرَأَى النَّمَطَ عَرَفتُ الكَرَاهِيَةَ فِي وَجهِهِ،\nــ\nكان فيه تماثيل الخيل ذوات الأجنحة. و(الباب) يراد به هنا: باب السهوة المذكورة في الرِّواية الأخرى، وهي: بيت صغير يشبه المخدع. وقال الأصمعي: هي شبه الطاق، يجعل فيه الشيء. وقيل: شبه الخزانة الصغيرة. وهذه الأقوال متقاربة.\nوقولها: (سترته على الباب) أي: سترت به الباب. أو جعلته سترا على الباب.\nوقولها: (فلما رأى النمط عرفت الكراهية في وجهه) إنما عرفت الكراهية في وجهه؛ لأنَّه تلوَّن وجهه، ووقف ولم يدخل، كما جاء في الطريق الآخر. ولما رأت تلك الحال خافت، فقدَّمت في اعتذارها التوبة، ثمَّ سألت عن الذنب، فإنَّها لم تعرفه، فعند ذلك جبذ النمط، فهتكه، فحصل من مجموع هذه القرائن: أن اتخاذ الثياب التي فيها التماثيل محرَّم، رقمًا كان فيها، أو صبغا. وهو مذهب ابن شهاب، فإنَّه منع الصور على العموم واستعمال ما هي فيه، ودخول البيت الذي هي فيه، رقمًا كانت أو غيره، في ثوب، أو حائط، يمتهن، أو لا يمتهن؛ تمسُّكًا بعمومات هذا الباب، وبما ظهر من هذا الحديث. وذهب آخرون: إلى جواز كل ما كان رقمًا في ثوب، يمتهن أو لا. معلقًا كان أو لا. وهو مذهب القاسم بن محمد تمسُّكًا بحديث زيد بن خالد حين قال: (إلا ما كان رقما في ثوب) وذهب آخرون: إلى كراهة ما كان منها معلَّقًا، وغير ممتهن؛ لأنَّ ذلك مضاهاة لمن يعظم الصور، ويعبدها كالنصارى، وكما كانت الجاهلية تفعل.\nوالحاصل من مذاهب العلماء في الصور: أن كل ما كان منها ذا ظل، فصنعته، واتخاذه حرام، ومنكر يجب تغييره. ولا يختلف في ذلك إلا ما ورد في لعب البنات لصغار البنات، وفيما لا يبقى من الصور، كصور الفخار، ففي كل واحد منهما قولان، غير أن المشهور في لعب البنات، جواز اتخاذها للرخصة في","vol":"5","page":426},{"text":"فَجَذَبَهُ حَتَّى هَتَكَهُ أَو قَطَعَهُ، وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَم يَأمُرنَا أَن نَكسُوَ الحِجَارَةَ وَالطِّينَ.\nــ\nذلك، لكن كره مالك شراء الرجل لها لأولاده؛ لأنَّه ليس من أخلاق أهل المروءات والفضل، غير أن المشهور فيما لا يبقى: المنع. وأما ما كان رقمًا، أو صبغًا مما ليس له ظل: فالمشهور فيه الكراهة.\nوقولها: (فجذبه حتى هتكه) يدل على أن ما صنع على غير الوجه المشروع لا مالية له، ولا حرمة، وأن من كسر شيئًا منها، وأتلف تلك الصورة لم يلزمه ضمان.\nو(قوله: إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين) يفهم منه: كراهة ستر الحيطان بالستر؛ لأنَّ ذلك من السَّرف، وفضول زهرة الدنيا؛ التي نهى الله تعالى النبي - ﷺ - أن يمد عينيه إليها بقوله تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلَى مَا مَتَّعنَا بِهِ أَزوَاجًا مِنهُم زَهرَةَ الحَيَاةِ الدُّنيَا﴾ ولذلك قال في الرواية الأخرى: (فإني كلما دخلت ذكرت الدنيا) وهذا الستر هو الذي كان يصلِّي إليه، وكانت صوره تعرض في صلاته، كما قال البخاري: (فإنَّه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي).\nويفيد مجموع هذه الروايات: أن هتك هذا السِّتر إنما كان بعد تكرار دخول النبي - ﷺ - ورؤيته له، وصلاته إليه، فلما بين له حكمه امتنع مرَّة (١) من دخول البيت حتى هتكه. وقد فعل سلمان الفارسي - ﵁ - نحو هذا لما تزوَّج الكندية، وجاء ليدخل بها، فوجد (٢) حيطان البيت قد سترت، فلم يدخل، وقال منكرًا لذلك: (أمحموم بيتكم! أم تحوَّلت الكعبة في كندة) فأزيل كل ذلك. ودعا ابن عمر أبا أيوب، فرأى سترًا على الجدار. فقال: ما هذا؟ فقال: غلبنا عليه النساء، فقال: من كنت أخشى عليه، فلم أكن أخشى عليك، والله لا أطعم لك\n_________\n(١) زيادة من (ل ١) و(م ٢).\n(٢) في (ل ١): فرأى.","vol":"5","page":427},{"text":"قَالَت: فَقَطَعنَا مِنهُ وِسَادَتَينِ وَحَشَوتُهُمَا لِيفًا، فَلَم يَعِب ذَلِكَ عَلَيَّ.\nوفي رواية: قالت عائشة: فكان يرتفق عليهما.\nرواه مسلم (٢١٠٦) (٨٧) و(٢١٠٧)، وأبو داود (٤١٥٤).\nــ\nطعامًا! فرجع. ذكره البخاري (١).\nوقد أفاد حديث عائشة ﵂ المنع من ستر حيطان البيوت، ومما يجر إلى الميل إلى زينة الدنيا، ومن اتخاذ الصور المرقومة، ومن الصلاة إلى ما يشغل عنها.\nوقول عائشة: (فقطعنا منه وسادتين حشوتهما ليفًا) يحتمل أن يكون هذا التقطيع أزال شكل تلك الصور، وأبطلها، فيزول الموجب للمنع، ويحتمل أن تكون تلك الصور، أو بعضها باقيًا، لكنها لما امتهنت بالقعود عليها سامح فيها. وقد ذهب إلى كل احتمال منهما طائفة من العلماء. والحق: أن كل ذلك محتمل، وليس أحد الاحتمالين بأولى من الآخر، ولا معيِّن لأحدهما، فلا حجَّة في الحديث على واحد منهما، وإنما الذي يفيده هذا الحديث: جواز اتخاذ النَّمارق، والوسائد في البيوت.\nوقول عائشة: (أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير) يجوز أن تكون أرادت بالنمرقة هنا: الستر الذي تقدَّم ذكره، وسمته: نمرقة؛ لأنَّه آل أمره إلى النمرقة، كما يُسمى العنب خمرًا بمآله. والنَّمارق في أصل الوضع: الوسائد، والمرافق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصفُوفَةٌ﴾. وقال الشاعر:\nكهول وشبان حسان وجوههم ... على سرر مصفوفة ونمارق\nغير أن هذا التأويل يبعده قولها في بقية الخبر، لما قال لها النبي ﷺ: (ما\n_________\n(١) رواه البخاري (٩/ ٢٤٩) تعليقًا.","vol":"5","page":428},{"text":"[٢٠١٩] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: كَانَ لَنَا سِترٌ فِيهِ تِمثَالُ طَائِرٍ - وفي رواية: دُرنُوكًا فِيهِ الخَيلُ ذَوَاتُ الأَجنِحَةِ - وَكَانَ الدَّاخِلُ إِذَا دَخَلَ استَقبَلَهُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: حَوِّلِي هَذَا، فَإِنِّي كُلَّمَا دَخَلتُ فَرَأَيتُهُ ذَكَرتُ الدُّنيَا. قَالَت: وَكَانَت لَنَا قَطِيفَةٌ كُنَّا نَقُولُ عَلَمُهَا حَرِيرٌ، فَكُنَّا نَلبَسُهَا.\nرواه أحمد (٦/ ٤٩ و٥٣)، ومسلم (٢١٠٧) (٨٨ و٩٠).\n[٢٠٢٠] وعنها: أَنَّها كَانَ لَهَا ثَوبٌ فِيهِ تَصَاوِيرُ مَمدُودٌ إِلَى سَهوَةٍ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي إِلَيها؛ فَقَالَ: أَخِّرِيهِ عَنِّي. قَالَت: فَأَخَّرتُهُ، فَجَعَلتُهُ وَسَائِدَ.\nرواه مسلم (٢١٠٧) (٩٣).\n[٢٠٢١] وعنها: أَنَّهَا اشتَرَت نُمرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَامَ عَلَى البَابِ فَلَم يَدخُل، فَعَرَفتُ أَو فَعُرِفَت فِي وَجهِهِ\nــ\nبال هذه النَّمرقة؟) فقالت مجيبة: اشتريتها لك، تقعد عليها، وتوسدها. فهذا يصرح بأن هذه النَّمرقة غير الستر، وأن هذا حديث آخر غير ذلك، وحينئذ يستفاد منه: أن الصور لا يجوز اتخاذها في الثياب، وإن كانت ممتهنة. وهو أحد القولين كما قدمناه.\nو(قوله (١): وكانت لنا قطيفة كنا نقول علمها حرير، فكنا نلبسها) القطيفة: كساء له زئبر (٢). وفيه دليل على جواز لباس الثوب فيه العلم من الحرير، وقد تقدم القول فيه. ولم يرد في شيء من الأحاديث أن هذا الثوب الذي كنَّي عنه بالدرنوك،\n_________\n(١) كذا في جميع النسخ، والأولى أن يُقال: (وقولها).\n(٢) \"الزئبر\": ما يحلو الثوب الجديد، مثل ما يعلو الخزّ.","vol":"5","page":429},{"text":"الكَرَاهِيَةُ، فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، فَمَاذَا أَذنَبتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا بَالُ هَذِهِ النُّمرُقَةِ؟ قَالَت: اشتَرَيتُهَا لَكَ تَقعُدُ عَلَيهَا وَتَوَسَّدُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ أَصحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ، وَيُقَالَ لَهُم: أَحيُوا مَا خَلَقتُم. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ البَيتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدخُلُهُ المَلَائِكَةُ.\nرواه البخاريُّ (٥٩٥٤) و(٥٩٥٧) و(٥٩٦١)، ومسلم (٢١٠٦) (٩٦).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-766>(١٧) باب أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون</span>\n[٢٠٢٢] عن عَبدَ اللَّهِ بنَ مَسعُودٍ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَومَ القِيَامَةِ المُصَوِّرُونَ.\nــ\nوالقرام، والنمط: أنه كان حريرًا، وكذلك النمرقة، فلا حجَّة في شيء من ذلك لعبد الملك على قوله: إنَّه يجوز ثياب الحرير، ورأى أن ذلك ليس لباسًا لها، وهذا قولٌ شذَّ به عن جميع العلماء، فإنَّهم رأوا ذلك لباسًا منهيًّا عنه، ولباس كل شيء بحسب ما جرت العادة باستعماله. والله تعالى أعلم.\n(١٧) ومن باب أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة المصورون\nقوله: (أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون) مقتضى هذا: ألا يكون في النار أحدٌ يزيد عذابه على المصوِّرين. وهذا يعارضه مواضع أخر. منها: قوله تعالى: ﴿أَدخِلُوا آلَ فِرعَونَ أَشَدَّ العَذَابِ﴾ وقوله - ﷺ -: (أشدّ الناس","vol":"5","page":430},{"text":"رواه أحمد (١/ ٣٧٥)، والبخاري (٥٩٥٠)، ومسلم (٢١٠٩) (٩٨).\n[٢٠٢٣] وعَن سَعِيدِ بنِ أَبِي الحَسَنِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي أُصَوِّرُ هَذِهِ الصُّوَرَ فَأَفتِنِي فِيهَا. فَقَالَ لَهُ: ادنُ مِنِّي، فَدَنَا، ثُمَّ قَالَ له: ادنُ مِنِّي، فَدَنَا حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأسِهِ، وقَالَ: أُنَبِّئُكَ مَا سَمِعتُ مِن\nــ\nعذابًا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه (١» (٢) و(قوله: أشدّ الناس عذابا يوم القيامة إمام ضلالة) (٣) ومثله كثير. ووجه التلفيق: أن الناس الذين أضيف إليهم: (أشد) لا يراد بهم كل نوع الناس بل بعضهم المشاركون في ذلك المعنى المتوعد عليه بالعذاب (٤)، ففرعون أشد الناس المدَّعين للإلهية عذابًا. ومن يقتدي به في ضلالة كفره أشد ممن يقتدي به في ضلالة بدعة. ومن صور صُور ذات الأرواح أشد عذابًا ممن يصوِّر ما ليس بذي روح، إن تنزلنا على قول من رأى تحريم تصوير ما ليس بذي روح، وهو مجاهد، وإن لم نتنزل عليه، فيجوز أن يعني بالمصورين الذين يصوِّرون الأصنام للعبادة، كما كانت الجاهلية تفعل، وكما تفعل النصارى، فإنَّ عذابهم يكون أشد ممن يصورها لا للعبادة، وهكذا يعتبر هذا الباب. والله تعالى أعلم.\nوقول ابن عباس لمستفتيه عن الصور: (ادن مني) ثلاثًا، ووضعه يده على رأسه؛ مبالغة في استحضار ذهنه، وفهمه، وفي تسميعه، وتعظيمه لأمر ما يلقيه إليه.\n_________\n(١) رواه الطبراني في المعجم الصغير (١/ ١٨٢ - ١٨٣)، والبيهقي في الشعب (١٧٧٨) وانظر: الترغيب والترهيب برقم (٢٢٢).\n(٢) ما بين حاصرتين سقط من (م ٢).\n(٣) رواه أحمد (٣/ ٢٢)، والترمذي (١٣٢٩) عن أبي سعيد الخدري بلفظ: \"أشدُّ الناس عذابًا يوم القيامة إمام جائرٌ\" وفي إسناده عطية العوفي: ضعيف.\n(٤) في (ج ٢): بالعقاب.","vol":"5","page":431},{"text":"رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ، يَجعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفسًا فَيعَذِّبُهُ فِي جَهَنَّمَ. وَقَالَ: إِن كُنتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا، فَاصنَع الشَّجَرَ وَمَا لَا نَفسَ لَهُ.\nوفي رواية: قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَن صَوَّرَ\nــ\nوقوله - ﷺ -: (كل مصوِّر في النار) محمله على مصوري ذوات الأرواح، بدليل قوله - ﷺ -: (يقال لهم: أحيوا ما خلقتم).\nو(قوله: كلف أن ينفخ فيها الرُّوح) من هنا رأى ابن عباس: أن تصوير ما ليس له روح يجوز هو والاكتساب به. وهو مذهب جمهور السَّلف والخلف. وخالفهم في ذلك مجاهد فقال: لا يجوز تصوير شيء من ذلك كله، سواء كان له روح، أو لم يكن؛ متمسِّكًا في ذلك بقول الله تعالى (١): (ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقًا كخلقي، فليخلقوا ذرَّة، وليخلقوا حبَّة، وليخلقوا شعيرة) فعمَّ بالذمِّ والتهديد، والتقبيح كل من تعاطى تصوير شيء مما خلقه الله تعالى. وقد دلَّ هذا الحديث: على أن الذمَّ والوعيد إنما علِّق بالمصورين من حيث تشبَّهوا بالله تعالى في خلقه، وتعاطوا مشاركة فيما انفرد الله تعالى به من الخلق والاختراع. وهذا يوضح حجَّة مجاهد. وقد استثنى الجمهور من الصور لعب البنات كما تقدَّم. وشذَّ بعض الناس فمنعها، ورأى أن إباحة ذلك منسوخة بهذا النهي. وهو ممنوع من ذلك، مطالب بتحقيق التعارض والتاريخ، واستثنى بعض أصحابنا من ذلك النهي ما لا يبقى كصور الفخار، والشمع، وما شاكل ذلك، وهو مطالب بدليل التخصيص، وليس له عليه نصٌّ، بل ولا ظاهر، وإنَّما هو نظر قاصر يرده المعنى الذي قررناه، والظواهر.\n_________\n(١) أي في الحديث القدسي.","vol":"5","page":432},{"text":"صُورَةً فِي الدُّنيَا، كُلِّفَ أَن يَنفُخَ فِيهَا الرُّوحَ يَومَ القِيَامَةِ، وَلَيسَ بِنَافِخٍ.\nرواه أحمد (١/ ٢١٦)، والبخاريُّ (٧٠٤٢)، ومسلم (٢١١٠) (٩٩ و١٥٠)، والنسائي (٨/ ٢١٥).\n[٢٠٢٤] وعن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ: وَمَن أَظلَمُ مِمَّن ذَهَبَ يَخلُقُ خَلقًا كَخَلقِي، فَليَخلُقُوا ذَرَّةً، ولِيَخلُقُوا حَبَّةً، ولِيَخلُقُوا شَعِيرَةً.\nرواه أحمد (٢/ ٢٥٩)، والبخاريُّ (٥٩٥٣)، ومسلم (٢١١١) (١٠١).\n* * *\nــ\nو(قوله: كُلِّف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ) أي: ألزم ذلك وطوقه، ولا يقدر على الامتثال، فيعذب على كل حال.\nويستفاد منه جواز التكليف بالمحال في الدنيا، كما جاز ذلك في الآخرة. لكن: ليس مقصود هذا التكليف طلب الامتثال، وإنَّما مقصوده تعذيب المكلف، وإظهار عجزه عمَّا تعاطاه مبالغة في توبيخه، وإظهار قبيح فعله. والله تعالى أعلم.\n* * *","vol":"5","page":433},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-767>(١٨) باب في الأجراس والقلائد في أعناق الدواب</span>\n[٢٠٢٥] عَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا تَصحَبُ المَلَائِكَةُ رُفقَةً فِيهَا كَلبٌ وَلَا جَرَسٌ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٦٣ و٣١١)، ومسلم (٢١١٣)، وأبو داود (٢٥٥٥)، والترمذيُّ (١٧٠٣).\nــ\n(١٨) ومن باب الأجراس والقلائد في أعناق الدَّواب\nقوله: (لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب ولا جرس) يفهم من هذا الحديث، ومما تقدَّم: أن مقصود الشرع مباعدة الكلاب، وألا تتخذ في حضر، ولا سفر، وذلك للعلل التي تقدَّم ذكرها. وهو حجَّة لمن منع اتخاذ الكلب لحراسة الدواب والأمتعة من السُّرَّاق في الأسفار. وهو قول أصحاب مالك، وأجاز هشام بن عروة اتخاذها لحراسة البقر من السليلة (١).\nقلت: والظاهر أن المراد بالكلب هنا غير المأذون في اتخاذه كما تقدَّم؛ لأن المسافر قد يحتاج إلى حفظ ماشية دوابه، وإبله، وغير ذلك، فيضطر إلى اتخاذها كما يضطر إليها في الحضر لزرعه وضرعه.\nو(الجرس): ما يعلَّق في أعناق الإبل مما له صلصلة، والذي يضرب به، وهو بفتح الراء، وجمعه: أجراس. فأمَّا: الجرس، فهو: الصوت الخفي. يقال بفتح الجيم وكسرها.\nوفيه ما يدلّ على كراهة اتخاذ الأجراس في الأسفار، وهو قول مالك وغيره.\n_________\n(١) سلَّ الشيء: سرقه، والسالُّ: السارق. والسُّلَّة: السرقة الخفية، وقد جاء في (ل ١): السُّلَّة بدل السليلة.","vol":"5","page":434},{"text":"[٢٠٢٦] وعنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الجَرَسُ مَزَامِيرُ الشَّيطَانِ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٧٢)، ومسلم (٢١١٤)، وأبو داود (٢٥٥٦).\n[٢٠٢٧] وعن أبي بَشِيرٍ الأَنصَارِيَّ: أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعضِ أَسفَارِهِ، قَالَ: فَأَرسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَسُولًا، قَالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ أَبِي بَكرٍ: حَسِبتُ أَنَّهُ قَالَ: وَالنَّاسُ فِي مَبِيتِهِم، لَا يَبقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِن وَتَرٍ - أَو قِلَادَةٌ - إِلَّا قُطِعَت.\nقَالَ مَالِكٌ: أُرَى ذَلِكَ مِن العَينِ.\nــ\nقلت: وينبغي ألا تقصر الكراهة على الأسفار، بل هي مكروهة في الحضر أيضًا، بدليل قوله - ﷺ -: (الجرس مزامير الشيطان) ومزامير الشيطان مكروهة سفرًا وحضرًا، ثمَّ: هذا يعم الكبير والصغير منها. وقد فرَّق بعض الشاميين، فأجازوا الصغير، ومنعوا الكبير. ووجه الفرق: أن الكبير به يقع التشويش على الناس، وبه تحصل المشابهة بالنصارى، فإنَّهم يستعملون النواقيس في سفرهم وحضرهم.\n[و(قوله: تماثيل أو صور)] (١) يحتمل أن يكون هذا شكًّا من بعض الرواة، ويحتمل أن يريد بالتماثيل: ما كان قائم الشخص، وبالصور: ما كان رقمًا، ويكون (أو) بمعنى: الواو، أو تكون للتوسيع. والله تعالى أعلم.\nو(قوله: لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر، أو قلادة إلا قطعت) يعني بالوتر: وتر القوس. ولا معنى لقول من قال: إنَّه يعني بذلك: الوتر الذي هو الذحل، وهو طلب الثَّأر، لبعده لفظًا ومعنى.\nوقول مالك: أرى ذلك من العين؛ يعني: أنهم كانوا يتعوذون بتعليق أوتار\n_________\n(١) ما بين حاصرتين لا علاقة له بأحاديث هذا الباب، وإنما هو من أحاديث الباب السابق في صحيح مسلم برقم (٢١١٢) (١٠٢) ولم يُورده المؤلف -﵀- في التلخيص.","vol":"5","page":435},{"text":"رواه البخاريُّ (٣٠٠٥)، ومسلم (٢١١٥)، وأبو داود (٢٥٥٢) وهو في الموطأ (٢/ ٩٣٧).\n* * *\nــ\nقسيهم في أعناق إبلهم من العين، فأمر النبي - ﷺ - بقطعها لأجل توقع ذلك. وظاهر قول مالك: خصوصية ذلك بالوتر، ولذلك أجازه ابن القاسم بغير الوتر. وقال بعض أصحابنا فيمن قلَّد بعيره شيئًا ملونًا فيه خرز، إن كان للجمال؛ فلا بأس به.\nواختلف العلماء في تقليد البعير وغيره من الحيوان والإنسان ما ليس بتعاويذ قرآنية مخافة العين. فمنهم من نهى عنه، ومنعه قبل الحاجة، وأجازه عند الحاجة إليه، ومنهم من أجازه قبل الحاجة وبعدها، كما يجوز الاستظهار بالتداوي قبل حلول المرض.\nوقال غير مالك: إن الأمر بقطع الأوتار إنما كان مخافة أن يختنق به البعير عند الرَّعي، أو يحتبس بغصن من أغصان الشجرة، كما اتفق لناقة رسول الله - ﷺ - فقدها ثم وجدها قد حبستها شجرة. والله تعالى أعلم.\nو(قوله: من وتر، أو قلادة) هو شكٌّ من بعض الرواة، فكأنَّه لم يتحقق قوله: من وتر. هذا ظاهر كلامه. ويحتمل أن تكون (أو) تنويعًا، فيكون المنهي عنه قلادة الأوتار وغيرها. والأولى: ما صار إليه مالك، والله تعالى أعلم.\n* * *","vol":"5","page":436},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-768>(١٩) باب النهي عن وسم الوجوه وأين يجوز الوسم</span>؟\n[٢٠٢٨] عَن جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن الضَّربِ فِي الوَجهِ، وَعَن الوَسمِ فِي الوَجهِ.\nرواه مسلم (٢١١٦)، وأبو داود (٢٥٦٤)، والترمذي (١٧١٠).\nــ\n(١٩) ومن باب النهي عن وسم الوجوه وأين يجوز الوسم\nنهيه - ﷺ - عن الضرب في الوجه، وعن الوسم فيه يدلّ على احترام هذا العضو، وتشريفه على سائر الأعضاء الظاهرة، وذلك لأنه الأصل في خلقة الإنسان، وغيره من الأعضاء خادم له؛ لأنَّه الجامع للحواس التي تحصل بها الإدراكات المشتركة بين الأنواع المختلفة، ولأنَّه أول الأعضاء في الشخوص، والمقابلة، والتحدُّث، والقصد، ولأنَّه مدخل الروح ومخرجه، ولأنه مقر الجمال والحسن، ولأن به قوام الحيوان كله: ناطقه وغير ناطقه. ولما كان بهذه المثابة احترمه الشرع، ونهى أن يُتعرَّض له بإهانة، ولا تقبيح، ولا تشويه. وقد مرَّ النبي - ﷺ - برجل يضرب عبده فقال: (اتق الوجه، فإنَّ الله تعالى خلق آدم على صورته) (١) أي: على صورة المضروب. ومعنى ذلك - والله أعلم -: أن المضروب من ولد آدم، ووجهه كوجهه في أصل الخلقة، ووجه آدم - ﵇ - مكرمٌ مشرف؛ إذ قد شرفه الله تعالى بأن خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأقبل عليه بكلامه، وأسجد له ملائكته. وإذا كان هذا الوجه يشبه ذلك الوجه فينبغي أن يحترم كاحترامه.\nولما سمع ذلك الصحابي النهي عن الوسم، وفهم ذلك المعنى قال: والله لا أسمه، مبالغة في الامتثال والاحترام.\nو(الوسم): الكي بالنار. وأصله: العلامة. يقال: وسم الشيء يسمه: إذا\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٣٤٧)، والبخاري (٢٥٥٩)، ومسلم (٢٦١٢) (١١٤ - ١١٦).","vol":"5","page":437},{"text":"[٢٠٢٩] وعن ابنَ عَبَّاسٍ قال: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِمَارًا مَوسُومَ الوَجهِ، فَأَنكَرَ ذَلِكَ. قَالَ: فَوَاللَّهِ لَا أَسِمُهُ إِلَّا فِي أَقصَى شَيءٍ مِن الوَجهِ، فَأَمَرَ بِحِمَارٍ لَهُ فَكُوِيَ فِي جَاعِرَتَيهِ، فَهُوَ أَوَّلُ مَن كَوَى الجَاعِرَتَينِ.\nرواه مسلم (٢١١٨).\nــ\nأعلمه بعلامة يعرف بها. ومنه: السيماء: العلامة، ومنه قوله تعالى: ﴿سِيمَاهُم فِي وُجُوهِهِم مِن أَثَرِ السُّجُودِ﴾ ومعروف الرواية: (الوسم) بالسين المهملة، وقد رواه بعضهم بالشين المعجمة (١)، وهو وَهمٌ؛ لأنَّ الوشم إنما هو غرز الشفاه والأذرع بالإبرة، وتسويدها بالنؤور، وهو: الكحل، أو ما شابهه. والوسم: كي. فكيف يجعل أحدهما مكان الآخر؟ !\nو(الجاعرتان): مؤخر الوركين المشرفان مما يلي الدُّبر. وسُميا بذلك: لأن الجعر - وهو البعر - يقع عليهما.\nو(قوله: قال: والله! لا أسمه إلا أقصى شيء من الوجه) ظاهر مساق هذا الحديث في كتاب مسلم: أن القائل: هو ابن عباس راوي الخبر، وليس كذلك؛ لما صحَّ من رواية البخاري في التاريخ، وفي رواية أبي داود في مصنفه: أن القائل هو: العباس والد عبد الله. وهو أوَّل من كوى في الجاعرتين، لا ابنه.\nو(الميسم): المكوى. و(الظهر) هنا: الإبل التي يُحمل عليها.\nوهذه الأحاديث كلها تدلُّ على جواز كي الحيوان لمصلحة العلامة في كل الأعضاء إلا في الوجه. وهو مستثنى من تعذيب الحيوان بالنار؛ لأجل المصلحة الرَّاجحة. وإذا كان كذلك، فينبغي أن يقتصر منه على الخفيف الذي يحصل به المقصود، ولا يبالغ في التعذيب، ولا التشويه. وهذا لا يختلف فيه الفقهاء إن شاء الله تعالى.\n_________\n(١) في (ج ٢): المثلثة.","vol":"5","page":438},{"text":"[٢٠٣٠] وعن أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا وَلَدَت أُمُّ سُلَيمٍ قَالَت لِي: يَا أَنَسُ، انظُر هَذَا الغُلَامَ، فَلَا يُصِيبَنَّ شَيئًا حَتَّى تَغدُوَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يُحَنِّكُهُ. قَالَ: فَغَدَوتُ، فَإِذَا هُوَ فِي الحَائِطِ وَعَلَيهِ خَمِيصَةٌ حُوَيتِيَّةٌ، وَهُوَ يَسِمُ الظَّهرَ الَّذِي قَدِمَ عَلَيهِ من الفَتحِ.\nوفي رواية: قَالَ: فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ فِي مِربَدٍ يَسِمُ غَنَمًا. قَالَ شُعبَةُ: وَأَكثَرُ عِلمِي أَنَّهُ قَالَ: فِي آذَانِهَا.\nرواه أحمد (٣/ ١٠٥ و١٠٦)، والبخاريُّ (٥٤٧٠)، ومسلم (٢١١٩) (١٠٩ و١١٠)، وأبو داود (٢٥٦٣).\nــ\nوفيه ما يدل على استحسان استخراج المولود الذكر عند ولادته لمن يرتجى بركة دعوته من العلماء، والفضلاء. وينبغي لذلك المرجو بركته أن يحنك الصَّبي بتمر إن كان، أو بما يتنزل منزلته، كالزبيب، والتين، كما كانت العادة الجارية عندنا بالأندلس، لكنَّهم كانوا يخرجونه يوم السابع، وذلك عدولٌ عن مقتضى هذا الحديث، فإنَّه أُخرج إثر ولادته، قبل أن يصيب لبنًا، أو غيره. والكل واسعٌ، والأول أحسن اقتداءً بالنبي ﷺ وبأصحابه - ﵃ -.\nوقول أنس - ﵁ -: (وعليه خميصة حُويتيَّة) الخميصة: كساء أسود مربع. وقال الأصمعي: الخمائص: ثياب خز، أو صوف معلمة، كانت من لباس الناس. واختلف الرواة في (حويتية) فرواها العذري بالحاء المهملة، وبعد الواو الساكنة تاء باثنتين من فوقها مفتوحة، بعدها نون. ورواية الهروي: (حُونِية) بضم الحاء وكسر النون بعد الواو. وعند الفارسي: (خُوَيتِية) بضم الخاء المعجمة، وفتح الواو، وسكون الياء باثنتين من تحتها، بعدها تاء. ورواه البخاري: (خريثية) منسوبة إلى خُريث - رجل من قضاعة -. وضبطها ابن مُفَوَّز: (حَونَبِية) بفتح الحاء المهملة، وفتح النون بعدها، وكسر الباء بواحدة من تحتها.","vol":"5","page":439},{"text":"[٢٠٣١] وعنه قَالَ: رَأَيتُ فِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المِيسَمَ، وَهُوَ يَسِمُ إِبِلَ الصَّدَقَةِ.\nرواه أحمد (٣/ ٢٨٤ و٢٩٠)، والبخاريُّ (٥٨٢٤)، ومسلم (٢١١٩) (١١٢).\n* * *\nــ\nقلت: ومع هذا الاضطراب لم نحصل من هذه اللفظة على تحقيق، وأشبه ما فيها: ما رواه البخاري.\nو(المربد): أصله للإبل، فيحتمل أن كان مربدًا للإبل، وأدخلت فيه الغنم. ويحتمل أن يكون استعاره لحظيرة الغنم.\nوكونه - ﷺ - يسم الإبل والغنم بيده؛ يدلُّ على تواضعه - ﷺ -، وعلى أن الفضل في امتهان الرجل نفسه في الأعمال التي لا تزري بالإنسان شرعًا، وخصوصًا: إذا كان ذلك في مصلحة عامة، كما وسم ﷺ إبل الصدقة بيده. ويحتمل أن تكون مباشرته للكي بيده ليرفق بالبهائم في الوسم، ولا يبالغ في ألمها. والله تعالى أعلم.\n* * *","vol":"5","page":440},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-769>(٢٠) باب النهي عن القزع وعن وصل شعر المرأة</span>\n[٢٠٣٢] عَن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن القَزَعِ قَالَ: قُلتُ لِنَافِعٍ: وَمَا القَزَعُ؟ قَالَ: يُحلَقُ بَعضُ رَأسِ الصَّبِيِّ وَيُترَكُ بَعضٌ.\nرواه البخاريُّ (٥٩٢٠)، ومسلم (٢١٢٠)، وأبو داود (٤١٩٣ و٤١٩٤)، والنسائي (٨/ ١٣٠).\nــ\n(٢٠ و٢١) ومن باب النهي عن القزع وعن وصل الشعر (١)\nفي الصحاح: القزع: أن يحلق رأس الصبي في مواضع، ويترك الشعر متفرقًا، وقد نُهي عنه. وقزع رأسه تقزيعًا: إذا حلق شعره، وبقيت منه بقايا في نواحي رأسه، ورجل مقزع: رقيق شعر الرأس متفرقه. قال: والقزع: قطع من السحاب رقيقة، الواحدة: قزعة.\nقلت: لا خلاف أنه إذا حلق من الرأس مواضع، وأبقيت مواضع أنه القزع المنهي عنه، لما عرف من اللغة كما نقلناه، ولتفسير نافع له بذلك. واختلف فيما إذا حلق جميع الرأس وترك منه موضع كشعر الناصية، أو فيما إذا حلق موضع وحده، وبقي أكثر الرأس. فمنع ذلك مالك، ورآه من القزع المنهي عنه.\nوقال نافع: أما القُصَّة، والقفا للغلام: فلا بأس به. واختلف في المعنى الذي لأجله كره. فقيل: لأنه من زي أهل الزعارة والفساد. وفي كتاب أبي داود: أنه زي اليهود. وقيل: لأنَّه تشويه، وكأن هذه العلة أشبه؛ بدليل ما رواه النسائي من حديث ابن عمر - ﵄ -: أن رسول الله - ﷺ - رأى صبيًا حلق بعض\n_________\n(١) شرح المؤلف تحت هذا العنوان ما أشكل أيضًا في باب: في لعن المتنمصات والمتفلجات للحسن.","vol":"5","page":441},{"text":"[٢٠٣٣] وعَن أَسمَاءَ بِنتِ أَبِي بَكرٍ قَالَت: جَاءَت امرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي ابنَةً عُرَيِّسًا أَصَابَتهَا حَصبَةٌ فَتَمَرَّقَ شَعرُهَا أَفَأَصِلُهُ؟ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الوَاصِلَةَ وَالمُستَوصِلَةَ.\nرواه البخاري (٥٩٤١)، ومسلم (٢١٢٢) (١١٥)، والنسائي (٨/ ١٨٧).\n[٢٠٣٤] وعَن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَعَنَ الوَاصِلَةَ وَالمُستَوصِلَةَ، وَالوَاشِمَةَ وَالمُستَوشِمَةَ.\nــ\nشعره، وترك بعضه، فنهى عن ذلك، وقال: (اتركوه كله، أو احلقوه كله) (١).\nو(قول المرأة: إن لي ابنة عريسًا) هو تصغير عروس، قلبت الواو ياء، وزيد عليها ياء التصغير، وأدغمت إحداهما في الأخرى. ويقال: عروس، للذكر والأنثى. يقال: رجل عروس، ورجال عرس، وامرأة عروس من نساء عرائس. والعرس - بالكسر -: امرأة الرجل، ولبوة الأسد، والجمع أعراس، ومنه قول الشاعر (٢):\n. . . . . . . . . . . . ... بالرقمتين له أجرٍ وأعراس (٣)\nو(الحصبة) - بفتح الحاء، وسكون الصاد -: مرض معروف يشبه الجدري.\nوقولها: (تمرق شعرها) أي: انتتف، وفي رواية أخرى: (تَمَرَّط) وكلاهما بمعنى واحد. يقال: مرق الصوف عن الإهاب، يمرق، مرقًا. وتمرق، وأمرق،\n_________\n(١) رواه النسائي (٨/ ١٣٠).\n(٢) هو الهذلي. وقال ابن برِّيّ: البيت لمالك بن خويلد الخناعيِّ.\n(٣) هذا عجز البيت، وصدره: ليثٌ هِزَبْرٌ مدلٌ حول غابته. كذا في اللسان. وفي الصحاح: عند (خيسته) بدل: (حول غابته). و\"أجرٍ\": جَمْع جَرْوٍ.","vol":"5","page":442},{"text":"رواه البخاري (٥٩٤٠)، ومسلم (٢١٢٤)، وأبو داود (٤١٦٨)، والترمذي (٢٧٨٤)، والنسائي (٨/ ١٤٥).\n[٢٠٣٥] وعن جَابِرٍ قال: زَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَن تَصِلَ المَرأَةُ بِشعرهَا شَيئًا.\nرواه أحمد (٣/ ٢٩٦)، ومسلم (٢١٢٦).\n* * *\nــ\nويقال: مرط شعره يمرطه مرطًا: إذا نتفه، والمراطة: ما سقط منه. وتمرط شعره يتمرط تمرطًا: إذا تساقط.\nو(وصل الشعر): هو أن يضاف إليه شعره آخر يكثر به. و(الواصلة): هي التي تفعل ذلك. و(المستوصلة): هي التي تستدعي من يفعل ذلك بها. وكذلك (الواشمة): هي التي تعمل الوشم. وقد ذكرناه. و(المستوشمة): هي التي تستدعي من يفعل ذلك بها.\nوهذا الحديث نصٌّ في تحريم وصل الشعر بالشعر. وبه قال مالك، وجماعة العلماء. ومنعوا الوصل بكل شيء من الصوف والخرق وغيرها؛ لأنَّ ذلك كله في معنى وصله بالشعر، ولعموم نهي رسول الله - ﷺ - أن تصل المرأة شعرها.\nوقد شذَّ الليث بن سعد فأجاز وصله بالصوف والخرق (١)، وما ليس بشعر. وهو محجوج بما تقدَّم. وأباح آخرون وضع الشعر على الرأس، وقالوا: إنما نهي عن الوصل خاصة، وهذه ظاهريَّة محضة، وإعراض عن المعنى.\nوقد شذَّ قوم فأجازوا الوصل مطلقًا، وتأولوا الحديث على غير وصل الشعر. وهو قول باطل. وقد روي عن عائشة، ولم يصح عنها. ولا يدخل في هذا النهي ما ربط من الشعر بخيوط الحرير الملوَّنة، وما لا يشبه الشعر، ولا يكثره، وإنَّما يفعل ذلك للتجمل والزينة.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين، سقط من (م ٢).","vol":"5","page":443},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-770>(٢١) باب في لعن المتنمصات والمتفلجات للحسن</span>\n[٢٠٣٦] عَن عَبدِ اللَّهِ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الوَاشِمَاتِ وَالمُستَوشِمَاتِ، وَالنَّامِصَاتِ وَالمُتَنَمِّصَاتِ، وَالمُتَفَلِّجَاتِ لِلحُسنِ، المُغَيِّرَاتِ خَلقَ اللَّهِ.\nقَالَ: والمتوشمات. فَبَلَغَ ذَلِكَ امرَأَةً مِن بَنِي أَسَدٍ يُقَالَ لَهَا أُمُّ يَعقُوبَ، وَكَانَت تَقرَأُ القُرآنَ، فَأَتَتهُ فَقَالَت: مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنكَ أَنَّكَ لَعَنتَ الوَاشِمَاتِ وَالمُستَوشِمَاتِ، وَالمُتَنَمِّصَاتِ، وَالمُتَفَلِّجَاتِ لِلحُسنِ، المُغَيِّرَاتِ خَلقَ اللَّهِ؟\nــ\nو(المتنمصات): جمع متنمصة، وهي التي تقلع الشعر من وجهها بالمنماص، وهو الذي يقلع الشعر. ويقال عليها: النامصة.\nو(المتفلجات): جمع متفلجة، وهي التي تفعل الفلج في أسنانها؛ أي: تعاينه حتى ترجع المصمتة الأسنان خلقة؛ فلجاء صنعة. وفي غير كتاب مسلم: (الواشرات) وهي جمع واشرة، وهي التي تشر أسنانها؛ أي: تصنع فيها أشرًا، وهي التحزيزات التي تكون في أسنان الشبان، تفعل ذلك المرأة الكبيرة تشبُّه بالشابَّة. وقد وقع في رواية الهوزني - أحد رواة مسلم - مكان الواشمة والمستوشمة: الواشية والمستوشية - بالياء باثنتين من تحتها مكان الميم -، وهي من الوشي؛ أي: تشي المرأة نفسها بما تفعله فيها من التَّنميص، والتفليج، والأشر، وغير ذلك، وبالميم أشهر، وهذه الأمور كُلُّها قد شهدت الأحاديث بلعن من يفعلها، وبأنَّها من الكبائر. واختلف في المعنى الذي لأجله نهي عنها. فقيل: لأنَّها من باب التدليس. وقيل: من باب تغيير خلق الله؛ الذي يحمل الشيطان عليه، ويأمر به، كما قال تعالى مخبرًا عنه: ﴿وَلآمُرَنَّهُم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلقَ اللَّهِ﴾ قال ابن مسعود، والحسن: بالوشم. وهو الذي أومأ إليه قوله - ﷺ -: (المغيرات خلق الله) ولذلك قال علماؤنا: هذا المنهي عنه، المتوعَّد على فعله؛ إنَّما هو فيما يكون باقيًا؛ لأنَّه من","vol":"5","page":444},{"text":"فَقَالَ عَبدُ اللَّهِ: وَمَا لِي لَا أَلعَنُ مَن لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟\nــ\nباب تغيير خلق الله. فأما ما لا يكون باقيًا، كالكحل، والتزين به للنساء: فقد أجازه العلماء: مالك وغيره. وكرهه مالك للرجال. وأجاز مالك أيضًا أن تشي المرأة يديها بالحناء. وروي عن عمر - ﵁ - إنكار ذلك. وقال: إما أن تخضب يديها كلها، أو تدع. وأنكر مالك هذا عن عمر.\nقال القاضي عياض: وجاء حديث بالنهي عن تسويد الحناء. ذكره صاحب النصائح.\nقال أبو جعفر الطبري في هذا الحديث: إنَّه لا يجوز للمرأة تغيير شيء من خلقها الذي خلقها الله تعالى عليه بزيادة، أو نقص، التماس الحسن لزوج أو غيره، سواء فلجت أسنانها، أو وشرتها، أو كان لها سن زائدة فأزالتها، أو أسنان طوال، فقطعت أطرافها. وكذلك لا يجوز لها حلق حية، أو شارب، أو عنفقة إن نبتت لها؛ لأنَّ كل ذلك تغيير لخلق الله تعالى.\nقال القاضي: ويأتي على ما ذكره أن من خلق بإصبع زائدة، أو عضو زائد؛ لا يجوز له قطعه، ولا نزعه؛ لأنَّه من تغيير خلق الله، إلا أن تكون هذه الزوائد تؤلمه فلا بأس بنزعه عند أبي جعفر الطبري وغيره.\nوقول ابن مسعود للمرأة: (وما لي لا ألعن من لعنه رسول الله - ﷺ -) دليل: على جواز الاقتداء برسول الله - ﷺ - في إطلاق اللعن على من لعنه النبي - ﷺ - معينًا كان أو غير معيَّن؛ لأنَّ الأصل أن النبي - ﷺ - ما كان يلعن إلا من يستحق ذلك. غير أن هذا يعارضه قوله - ﷺ -: (اللهم ما من مسلم سببته، أو جلدته، أو لعنته، وليس لذلك بأهل، فاجعل ذلك له كفارة وطهورًا) (١) وهذا يقتضي أنه ﷺ قد يلعن من ليس بأهل للعنة. وقد أشكل هذا على كثير من العلماء، وراموا الانفصال عن ذلك\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٦٠١).","vol":"5","page":445},{"text":"وَهُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ! فَقَالَت المَرأَةُ: لَقَد قَرَأتُ مَا بَينَ لَوحَي المُصحَفِ فَمَا وَجَدتُهُ! فَقَالَ: لَئِن كُنتِ قَرَأتِيهِ لَقَد وَجَدتِيهِ، قَالَ اللَّهُ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُم عَنهُ فَانتَهُوا﴾ قَالَت المَرأَةُ: فَإِنِّي أَرَى شَيئًا مِن هَذَا عَلَى امرَأَتِكَ الآنَ.\nــ\nبأجوبة متعددة ذكرها القاضي عياض في كتاب الشفا، وأشبه ما ينفصل به عن ذلك: أن قوله: (ليس لذلك بأهل) في علم الله. وأعني بذلك: أن هذا الذي لعنه رسول الله - ﷺ - إنما لعنه لسبب صدر منه يقتضي إباحة لعنه، لكنَّه قد يكون منهم من يعلم الله تعالى من مآل حاله: أنه يقلع عن ذلك السبب، ويتوب منه، بحيث لا يضره. فهذا هو الذي يعود عليه سب رسول الله - ﷺ - إياه، ولعنه له بالرحمة والطهور والكفارة. ومن لا يعلم الله منه ذلك، فإنَّ دعاءه - ﷺ - زيادة في شقوته، وتكثير للعنته، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: وهو في كتاب الله) فهمت المرأة من هذا القول أن لعن المذكورات في الحديث منصوص عليه في القرآن، فقالت: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فلم أجده.\nوقوله لها: (لئن كنت قرأتيه، لقد وجدتيه) بزيادة ياء هي الرواية، وهي لغة معروفة فيما إذا اتصل بياء خطاب الواحدة المؤنثة ضمير غائب؛ ويعني: بقرأتيه: تدبرتيه. ووجه استدلاله على ذلك بالآية: أنَّه فهم منها تحريم مخالفة النبي - ﷺ - فيما يأمر به، وينهى عنه، وأن مخالفه مستحق للعنة. وهؤلاء المذكورات في الحديث مستحقات للعنة.\nوقول المرأة لابن مسعود: (فإنا نرى (١) على امرأتك شيئًا من هذا الآن) تعني: أنها رأت على امرأته عن وقت قريب من وقت كلامها معه، حتى كأنه في حكم الوقت الحاضر المعبَّر عنه بـ (الآن) شيئًا من تلك الأمور المذكورات في\n_________\n(١) في التلخيص: فإني أرى.","vol":"5","page":446},{"text":"قَالَ: اذهَبِي فَانظُرِي. قَالَ: فَدَخَلَت عَلَى امرَأَةِ عَبدِ اللَّهِ فَلَم تَرَ شَيئًا، فَجَاءَت إِلَيهِ فَقَالَت: مَا رَأَيتُ شَيئًا. فَقَالَ: أَمَا لَو كَانَ ذَلِكَ لَم نُجَامِعهَا.\nرواه البخاريُّ (٥٩٣٩)، ومسلم (٢١٢٥)، وأبو داود (٤١٦٩).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-771>(٢٢) باب النهي عن الزور وهو ما يكثرن به الشعور وذم الكاسيات العاريات والمتشبع بما لم يعط</span>\n[٢٠٣٧] عَن حُمَيدِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ: أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بنَ\nــ\nالحديث. وأقرب ما يكون ذلك الشيء التنميص، وهو الذي يزول بنبات الشعر عن قريب، ولو كان ذلك وشمًا، أو تفليجًا، لما زال.\nوقوله لها: (اذهبي فانظري) يعني: أنَّه لما رأى على امرأته شيئًا من ذلك نهاها فانتهت عنه، وسعت في إزالته حتى زال، فدخلت المرأة، فلم تر عليها شيئًا من ذلك، فصدَّق قوله فعله. وهكذا يتعين على الرجل أن ينكر على زوجته مهما رأى عليها شيئًا محرَّمًا، ويمتنع من وطئها، كما قال عبد الله: أما إنه لو كان ذلك لم يجامعها. هذا ظاهر هذا اللفظ. ويحتمل: لم يجتمع معها في دار، ولا بيت، فإما بهجران، أو بطلاق، كما قال تعالى: ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ وَاضرِبُوهُنَّ﴾ وإذا كان هذا لأجل حق الزوج، فلأن يكون لحق الله تعالى أحرى وأولى.\n(٢٢) ومن باب النهي عن الزور، وهو ما يكثر به الشعر\nالقُصَّة من الشعر: ما كان منه على الجبهة. قاله الأصمعي.","vol":"5","page":447},{"text":"أَبِي سُفيَانَ، عَامَ حَجَّ، وَهُوَ عَلَى المِنبَرِ، وَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِن شَعَرٍ فِي يَدِ حَرَسِيٍّ يَقُولُ: يَا أَهلَ المَدِينَةِ، أَينَ عُلَمَاؤُكُم؟ سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنهَى عَن مِثلِ هَذِهِ، وَيَقُولُ: إِنَّمَا هَلَكَت بَنُو إِسرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هَذِهِ نِسَاؤُهُم.\nرواه أحمد (٤/ ٨٧)، والبخاريُّ (٣٤٦٨)، ومسلم (٢١٢٧) (١٢٢)، وأبو داود (٤١٦٧)، والترمذي (٢٧٨١)، والنسائي (٨/ ١٨٦).\nــ\nوقول معاوية - ﵁ -: (يا أهل المدينة! أين علماؤكم؟) هذا من معاوية - ﵁ - على جهة التذكير لأهل المدينة بما يعلمونه، واستعانة على ما رام تغييره من ذلك. لا على جهة أن يعلمهم بما لم يعلموا، فإنَّهم أعلم الناس بأحاديث النبي - ﷺ -، لا سيما في ذلك العصر. ويحتمل أن يكون ذلك فيه؛ لأنَّ عوام أهل المدينة أول من أحدث الزور، كما قال في الرواية الأخرى: إنكم قد أحدثتم زي سوء؛ يعني: الزور، فنادى أهل العلم ليوافقوه على ما سمعه من النبي - ﷺ - من النهي عن ذلك، فينزجر من أحدث ذلك من العوام. وقد فسَّر معاوية الزور المنهي عنه في هذا الحديث بالخِرَق التي يُكثِر النساء بها شعورهن بقوله: (ألا وهذا الزور) وزاده قتادة وضوحًا.\nو(الزور) في غير هذا الحديث: قول الباطل، والشهادة بالكذب. وأصل التزوير: التمويه بما ليس بصحيح.\nوهذا الحديث حجَّة واضحة على إبطال قول من قصر التحريم على وصل الشعر، كما تقدَّم. وهذا يدلّ: على اعتبار أقوال أهل المدينة عندهم، وأنها مرجع يعتمد عليه في الأحكام. وهو من حجج مالك على أن إجماع أهل المدينة حجَّة، وقد حققنا ذلك في الأصول.\nو(قوله: إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم) يظهر منه: أن ذلك كان محرَّما عليهم، وأن نساءهم ارتكبوا ذلك المحرَّم، فأقرَّهن على ذلك رجالهم، فاستوجب الكل العقوبة بذلك، وبما ارتكبوه من العظائم.","vol":"5","page":448},{"text":"[٢٠٣٨] وعن مُعَاوِيَةَ أنه قَالَ ذَاتَ يَومٍ: إِنَّكُم قَد أَحدَثتُم زِيَّ سَوءٍ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن الزُّورِ. قَالَ: وَجَاءَ رَجُلٌ بِعَصًا عَلَى رَأسِهَا خِرقَةٌ، قَالَ مُعَاوِيَةُ: أَلَا وَهَذَا الزُّورُ قَالَ قَتَادَةُ: يَعنِي مَا يُكَثِّرُ بِهِ النِّسَاءُ أَشعَارَهُنَّ مِن الخِرَقِ.\nرواه أحمد (٤/ ٩٣)، ومسلم (٢١٢٧) (١٢٤).\n[٢٠٣٩] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: صِنفَانِ مِن أَهلِ النَّارِ لَم أَرَهُمَا: قَومٌ مَعَهُم سِيَاطٌ كَأَذنَابِ البَقَرِ يَضرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ،\nــ\nو(قوله: صنفان من أهل النار لم أرهما) أي: لم يوجد في عصره منهما أحدٌ؛ لطهارة أهل ذلك العصر الكريم. ويتضمن ذلك: أن ذينك الصنفين سيوجدان. وكذلك كان، فإنَّه خلف بعد تلك الأعصار قوم يلازمون السياط المؤلمة التي لا يجوز أن يضرب بها في الحدود قصدًا لتعذيب الناس، فإن أمروا بإقامة حد، أو تعزير، تعدوا المشروع في ذلك في الصفة والمقدار، وربما أفضى بهم الهوى، وما جبلوا عليه من الظلم إلى هلاك المضروب، أو تعظيم عذابه. وهذا أحوال الشرط بالمغرب، والعوانية في هذه البلاد.\nوعلى الجملة: فهم سخط الله في الجملة عاقب الله بهم شرار خلقه غالبًا. نعوذ بالله من سخطه في الدنيا والآخرة.\nو(قوله: ونساء كاسيات عاريات) قيل في هذا قولان:\nأحدهما: أنهن كاسيات بلباس الأثواب الرقاق الرفيعة التي لا تستر منهن حجم عورة، أو تبدي من محاسنها - مع وجود الأثواب الساترة عليها - ما لا يحل لها أن تبديه، كما تفعل البغايا المشتهرات بالفسق.","vol":"5","page":449},{"text":"مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسنِمَةِ البُختِ المَائِلَةِ، لَا يَدخُلنَ الجَنَّةَ وَلَا يَجِدنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِن مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا.\nرواه أحمد (٢/ ٣٥٥)، ومسلم (٢١٢٨).\nــ\nوثانيهما: أنهنَّ كاسيات من الثياب، عاريات من لباس التقوى؛ الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَلِبَاسُ التَّقوَى ذَلِكَ خَيرٌ﴾\nقلت: ولا بُعد في إرادة القدر المشترك بين هذين النوعين؛ إذ كل واحد منهما عُرُوٌّ؛ وإنَّما يختلفان بالإضافة.\nو(قوله: مميلات مائلات) كذا جاءت الرواية في هاتين الكلمتين بتقديم: مميلات على مائلات (١)، وكلاهما من الميل، بالياء باثنتين من تحتها. ومعنى ذلك: أنهن يملن في أنفسهن تثنيًا ونعمة وتصنعًا؛ ليُملن إليهن قلوب الرجال، فيميلون إليهن ويفتنَّهم. وعلى هذا: فكان حق مائلات أن يتقدم على مميلات؛ لأنَّ ميلهن في أنفسهن مقدَّم في الوجود على إمالتهن. وصحَّ ذلك لأن الصفات المجتمعة لا يلزم ترتيبها؛ ألا ترى أنها تعطف بالواو، والواو جامعة غير مترتبة، إلا أن الأحسن تقديم مائلات على مميلات؛ لأنَّه سببه كما سبق.\nوقد أبعد أبو الوليد الوقشي حيث قال: إن صوابه: (الماثلة) بالثاء المثلثة، يعني: الظاهرة، وقال: لا معنى للمائلة هنا. وترك هذا الصواب هو الصواب (٢).\nو(قوله: رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة) أسنمة: جمع سنام، وسنام كل شيء: أعلاه. والبخت: جمع بختية، وهي ضرب من الإبل عظام الأجسام، عظام الأسنمة، شبَّه رؤوسهن بها لما رفعن من ضفائر شعورهن على أوساط رؤوسهن\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٢) ما بين حاصرتين مستدرك من (ج ٢).","vol":"5","page":450},{"text":"[٢٠٤٠] وعن أَسمَاءَ: جَاءَت امرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَت: إِنَّ لِي ضَرَّةً، فَهَل عَلَيَّ جُنَاحٌ أَن أَتَشَبَّعَ مِن مَالِ زَوجِي بِمَا لَم يُعطِنِي؟ فَقَالَ\nــ\nتزينًا، وتصنعًا، وقد يفعلن ذلك بما يكثرن به شعورهن (١)، والمائلة: الرواية بالياء، من الميل. يعني: أن أعلى السَّنام يميل لكثرة شحمه، شبَّه أعالي ما يرفعن من الشعر بذلك. وقال الوقشي (٢): صوابه: بالثاء المثلثة؛ أي: المرتفعة الظاهرة.\nوقد تقدَّم القول على نحو قوله: (لا يدخلن الجنة) وعلى قوله: (كذا وكذا) وهو كناية عن خمسمائة عام، كما قد جاء مفسَّرًا.\nوقولها: (هل علي جناح أن أتشبَّع من مال زوجي بما لم يعطني؟) سألته: هل يجوز لها أن تظهر لضرتها: أن زوجها قد مكنها، أو أعطاها من ماله أكثر مما تستحقه، أو أكثر مما أعطى ضرتها؛ افتخارًا عليها، وإيهامًا لها أنها عنده أحظى منها، فأجابها - ﷺ - بما يقتضي المنع من ذلك، فقال: (المتشبِّع بما لم يُعط كلابس ثوبي زور) وأصل التشبُّع: تفعُّل من الشِّبع، وهو الذي يظهر الشِّبع وليس بشبعان. وكثيرًا ما تأتي هذه الصيغة بمعنى التعاطي كالتكبُّر، والتصنُّع.\nويفهم من هذا الكلام: أن النبي - ﷺ - نهى المرأة عن أن تتظاهر وتتكاثر بما لم يعطها زوجها؛ لأنَّه شَبَّه فعلها ذلك بما يُنتهى عنه، وهو: أن يلبس الإنسان ثوبين زورًا. واختلف المتأولون؛ هل الثوبان محمولان على الحقيقة، أو على المجاز؟ على قولين:\nفعلى الأول يكون معناه: أنه شبهها بمن أخذ ثوبين لغيره بغير إذنه، فلبسهما مظهرًا أن له ثيابًا ليس مثلها للمظهر له. وقيل: بل شبهها بمن يلبس ثياب الزهاد، وليس بزاهد.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ز).\n(٢) هو هشام بن أحمد الكناني: صنَّف نكت الكامل للمبرد، والمنتخب من غريب كلام العرب. توفي سنة (٤٨٩ هـ).","vol":"5","page":451},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: المُتَشَبِّعُ بِمَا لَم يُعطَ كَلَابِسِ ثَوبَي زُورٍ.\nرواه أحمد (٦/ ٣٤٥)، والبخاريُّ (٥٢١٩)، ومسلم (٢١٣٠)، وأبو داود (٤٩٩٧).\n* * *\nــ\nوعلى الوجه الثاني: قال الخطابي: إن ذكر الثوبين هنا كناية عن حاله ومذهبه. والعرب تكني بالثوب عن حال لابسه. والمعنى: أنه بمنزلة الكاذب القائل ما لم يكن. وقيل: هو الرجل في الحي تكون له هيئة، فإذا احتيج إليه في شهادة زور شهد بها، فلا يرد لأجل هيئته، وحسن ثوبه. فأضيفت شهادة الزور إلى ثوبه؛ إذ كان سببها.\nقلت: وأي شيء من هذه الوجوه كان المقصود، فيحصل منه: أن تشبع المرأة على ضرَّتها بما لم يعطها زوجها محرَّم؛ لأنَّه شُبه بمحرَّم، وإنما كان ذلك محرَّمًا؛ لأنَّه تصرف في ملك الغير بغير إذنه، ورياءً، وأذًى للضرة من نسبة الزوج إلى أنَّه آثرها عليها، وهو لم يفعل، وكل ذلك محرَّم.\n* * *","vol":"5","page":452},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-772>(٣٠) كتاب الأدب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-773>(١) باب في أحب الأسماء إلى الله وأبغضها إليه</span>\n[٢٠٤١] عَن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ أَحَبَّ أَسمَائِكُم إِلَى اللَّهِ، عَبدُ اللَّهِ وَعَبدُ الرَّحمَنِ.\nرواه مسلم (٢١٣٢).\nــ\n(٣٠) كتاب الأدب\n(١) ومن باب: أحب الأسماء إلى الله تعالى وأبغضها إليه\nقوله: (أحب أسمائكم إلى الله: عبد الله، وعبد الرحمن) إنما كانت هذه الأسماء أحبُّ إلى الله تعالى؛ لأنها تضمَّنت ما هو وصف واجب للحق تعالى، وهو: الإلهية، والرحمانية، وما هو وصف الإنسان وواجب له، وهو: العبودية والافتقار، ثمَّ قد أضيف العبد الفقير للإله الغني إضافة حقيقيَّة. فصدقت أفراد هذه الأسماء الأصلية، وشرفت بهذه الإضافة التركيبية، فحصلت لهما هذه الأفضلية الأحبيَّة. ويلحق بهذين الاسمين كل ما كان مثلهما، مثل: عبد الملك، وعبد الصمد، وعبد الغني.","vol":"5","page":453},{"text":"[٢٠٤٢] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: عَن النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ أَخنَعَ اسمٍ عِندَ اللَّهِ،\nــ\nو(قوله: إن أخنع اسم عند الله) أي: أذلَّ. والخنوع: الخضوع والذلُّ. يقال: أخنعتني إليك الحاجة. ومنه في دعاء القنوت: (ونخنع لك) (١) أي: نذل لك ونخضع. وقد يقال على الفجور والرِّيبة. يقال: رجل خانع؛ أي: مريب فاجر. ومنه قول الأعشى:\n. . . . . . . . . . . . ... ولا يرون إلى جاراتهم خُنُعًا (٢)\nقلت: وهذا راجعٌ للمعنى الأول؛ لأنَّ الفاجر المريب خانع ذليل. ولذلك فسَّر أبو عمرو: أخنع بأوضع؛ أي: أذل وأخس. وأراد بالاسم هنا: المسمى، بدليل ما قال في الرواية الأخرى: أغيظ رجل، وأخبثه.\nوالغيظ المضاف إلى الله تعالى هو: عبارة عن غضبه. وقد تقدَّم: أن غضب الله تعالى عبارة عن عقوبته المنزلة بمن يستحقها. والأخبث: من الخبث، وهو: الاسترذال، والخِسَّة، والرَّداءة. وقد وقع في هذه الرواية: وأغيظه. معطوفًا على أخبثه، من الغيظ، فجاء مكررًا. فذهب بعض العلماء إلى أن ذلك وهم، والصواب: وأغنط - بالنون والطاء المهملة (٣) -؛ أي: أشدُّ. والغَنَط: شدة الكرب.\nقلت: والصواب التمسك بالرِّواية. وتطريق الوهم إلى الأئمة الحفاظ وهم لا تنبغي المبادرة إليه ما وجد للكلام وجه، ويمكن أن يحمل على إفادة تكرار\n_________\n(١) رواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢١٠ و٢١١) بلفظ: \"نخضع لك\".\n(٢) هذا عجز البيت، وصدره: هُمُ الخَضارِمُ إن غابُوا وان شَهِدُوا.\n(٣) كذا في كل النسخ، ولعلها: (والظاء المعجمة) وهو الصحيح. وجاء في النهاية في مادة (غيظ): ولعله أغنظ -بالنون- من الغَنْظ، وهو شدَّة الكرب، ولم نجد في اللسان ولا غيره من معاجم اللغة مادة (غنظ).","vol":"5","page":454},{"text":"رَجُلٌ يسَمَّى مَلِكَ الأَملَاكِ، لا مالك إلا الله. قَالَ سُفيَانُ: مِثلُ: شَاهَان شَاه.\nوفي رواية: أَغيَظُ رَجُلٍ عَلَى اللَّهِ يَومَ القِيَامَةِ، وَأَخبَثُهُ وَأَغيَظُهُ عَلَيهِ، رَجُلٍ كَانَ يُسَمَّى مَالِكَ الأَملَاكِ، لَا مَالِكَ إِلَّا اللَّهُ.\nرواه البخاري (٦٢٠٦)، ومسلم (٢١٤٣) (٢٠ و٢١)، وأبو داود (٤٩٦١)، والترمذيُّ (٢٨٣٩).\n* * *\nــ\nالعقوبة على المسمى بذلك الاسم وتعظيمها، كما قال تعالى في حق اليهود: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ أي: بما يوجب العقوبة بعد العقوبة. وكذلك فعل الله تعالى بهم؛ عاقبهم في الدنيا بأنواعٍ من العقوبات، ولعذاب الآخرة أشقُّ.\nوحاصل هذا الحديث: أن المسمى بهذا الاسم قد انتهى من الكبر إلى الغاية التي لا تنبغي لمخلوق، وأنه قد تعاطى ما هو خاص بالإله الحق؛ إذ لا يَصدُق هذا الاسم بالحقيقة إلا على الله تعالى، فعوقب على ذلك من الإذلال، والإخساس، والاسترذال بما لم يعاقب به أحدٌ من المخلوقين.\nو(الملك): من له المُلكُ. و(المالك): من له المِلكُ. والملِكُ أمدحُ، والمالك أخصُّ. وكلاهما واجب لله تعالى.\nو(الأملاك): جمع مَلِك. قال في الصحاح: الملِك - مقصور - من: مالك أو: مليك. والجمع: الملوك والأملاك، والاسم: الملك.\nوقول سفيان: مثل: شاهًا شاه (١)، هي بالفارسية: ملك الأملاك.\n_________\n(١) في (ز): شاهان شاه. وفي (ع): شاهنشاه. وفي (ج ٢) و(م ٣): شاهانشاه.","vol":"5","page":455},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-774>(٢) باب قوله ﵊: تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي، وفي التسمية بأسماء الأنبياء والصالحين</span>\n[٢٠٤٣] عَن أَنَسٍ قَالَ: نَادَى رَجُلٌ رَجُلًا بِالبَقِيعِ: يَا أَبَا القَاسِمِ، فَالتَفَتَ إِلَيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَم أَعنِكَ، إِنَّمَا دَعَوتُ فُلَانًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: تَسَمَّوا بِاسمِي، وَلَا تَكَنَّوا بِكُنيَتِي.\nرواه أحمد (٢/ ٢٤٨)، والبخاريُّ (٣٥٣٩)، ومسلم (٢١٣٤)، وأبو داود (٤٩٦٥)، والترمذيُّ (٢٨٤٤)، وابن ماجه (٣٧٣٥).\nــ\n(٢) ومن باب تسمَّوا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي\nقوله - ﷺ -: (تسمَّوا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي) صدر هذا القول عن النبي - ﷺ - مرات؛ فعلى حديث أنس إنما قاله حين نادى رجل: يا أبا القاسم! فالتفت النبي - ﷺ -، فقال الرجل: لم أعنك. فقال النبي - ﷺ - ذلك القول. وهذه حالة تنافي الاحترام، والتعزير المأمور به، فلمَّا كانت الكناية بأبي القاسم تؤدي إلى ذلك نهى عنها. ويتأيد هذا المعنى بما نقل: أنَّ اليهود كانت تناديه بهذه الكناية إزراءً، ثم تقول: لم أعنك. فحسم الذريعة بالنَّهي. فإن قيل: فيلزم على هذا: أن تُمنع التَّسمية بمحمد، وقد فرَّق بينهما، فأجازه في الاسم، ومنعه في الكناية.\nفالجواب: أنَّه لم يكن أحدٌ من الصحابة يجترئ أن يناديه باسمه؛ إذ الاسم لا توقير بالنداء به، بخلاف الكناية فإنَّ في النداء بها احترامًا وتوقيرًا، وإنما كان يناديه باسمه أجلاف العرب، ممن لم يؤمن، أو آمن ولم يرسخ الإيمان في قلبه، كالذين نادوه من وراء الحجرات: يا محمد! اخرج لنا. فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الحُجُرَاتِ أَكثَرُهُم لا يَعقِلُونَ﴾ فمنعت الذريعة فيما كانوا ينادونه به، وأبيح ما لم يكونوا ينادونه به. وعلى هذا المعنى فيكون النهي عن","vol":"5","page":456},{"text":"[٢٠٤٤] وعَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلَامٌ فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا، فَقُلنَا: لَا نَكنيكَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تَستَأمِرَهُ. قَالَ: فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّهُ وُلِدَ لِي غُلَامٌ فَسَمَّيتُهُ بِرَسُولِ اللَّهِ، وَإِنَّ قَومِي أَبَوا أَن يَكنُونِي بِهِ حَتَّى تَستَأذِنَ رَسُولَ اللَّه. فَقَالَ: تسَمَّوا بِاسمِي، وَلَا تَكَنَّوا بِكُنيَتِي، فَإِنَّمَا بُعِثتُ قَاسِمًا أَقسِمُ بَينَكُم.\nــ\nذلك مخصوصًا بحياته. وقد ذهب إلى ذلك بعض أهل العلم. وقد رُوي: أن عليًّا - ﵁ - قال: يا رسول الله! إن وُلد بعدك غلامٌ أَأُسَمِّيه باسمك، وأكنِّيه بكنيتك؟ . قال: (نعم) (١).\nوأما حديث جابر فيقتضي: أن النهي عن ذلك إنما كان لأن ذلك الاسم لا يصدق على غيره صدقه عليه، ولذلك قال متصلًا بقوله: (تسمَّوا باسمي، ولا تكتنوا بكنيتي، فإني أنا أبو القاسم أقسم بينكم) وفي الرواية الأخرى: (فإنما بعثت إليكم قاسِمًا) يعني: أنه هو الذي يبين قسم الأموال في المواريث، والغنائم، والزكوات، والفيء، وغير ذلك من المقادير، فيُبلِّغ عن الله حكمه، ويبيِّن قسمه. وليس ذلك لأحدٍ، إلا له، فلا يطلق هذا الاسم في الحقيقة إلا عليه.\nوعلى هذا التأويل الثاني: فلا يكتني أحدٌ بأبي القاسم، لا في حياته، ولا بعد موته. وإلى هذا ذهب بعض السَّلف، وأهل الظاهر، وزادت طائفة أخرى من السَّلف منع التسمية بالقاسم؛ لئلا يكنى أبوه بأبي القاسم. وذهبت طائفة ثالثة من السلف أيضًا: إلى أن الممنوع إنما هو الجمع بين اسمه وكنيته. واستدلوا على ذلك بما رواه الترمذي عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - نهى أن يجمع أحدٌ بين اسمه وكنيته، ويسمِّي محمدًا أبا القاسم) (٢) قال: حديث حسن صحيح. وعلى هذا\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٩٦٧)، والترمذي (٢٨٤٦).\n(٢) رواه الترمذي (٢٨٤١).","vol":"5","page":457},{"text":"وفي رواية: فإني أنا أبو القاسم أقسم بينكم.\nرواه البخاريُّ (٣٥٣٨)، ومسلم (٢١٣٣) (٣ و٤ و٥)، وأبو داود (٤٩٦٥)، والترمذي (٢٨٤٥)، وابن ماجه (٣٧٣٦).\n[٢٠٤٥] وعنه: أَنَّ رَجُلًا مِن الأَنصَارِ وُلِدَ لَهُ غُلَامٌ فَأَرَادَ أَن يُسَمِّيَهُ مُحَمَّدًا، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: أَحسَنَت الأَنصَارُ، سَمُّوا بِاسمِي وَلَا تَكتَنُوا بِكُنيَتِي.\nرواه مسلم (٢١٣٣) (٦).\nــ\nفيجوز أن يكتني بأبي القاسم من لم يكن اسمه محمدًا. وذهب الجمهور من السلف والخلف، وفقهاء الأمصار: إلى جواز كل ذلك، فله أن يجمع بين اسمه وكنيته، وله أن يسمي بما شاء من الاسم والكنية بناء على أن كل ما تقدَّم إما منسوخ، وإما مخصوص به - ﷺ - واحتجوا على ذلك بما رواه الترمذي وصححه من حديث علي بن أبي طالب - ﵁ -، وبما رواه أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: جاءت امرأة إلى النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله! إني ولدتُ غلامًا فسميته: محمدًا، وكنيته بأبي القاسم، فذكر لي أنك تكره ذلك. فقال: (ما الذي أحل اسمي وحرَّم كُنيتي؟ !) أو: (ما الذي حرم كُنيتي وأحل اسمي؟ !) (١) ويتأيَّد النَّسخ بما ثبت (٢): أن جماعة كثيرة من السَّلف وغيرهم سمُّوا أولادهم باسمه، وكنّوهم بكنيته جمعًا وتفريقًا. وكأن هذا كان أمرًا معروفًا معمولًا به في المدينة وغيرها. فقد صارت أحاديث الإباحة أولى؛ لأنَّها:\nإما ناسخة لأحاديث المنع، وإما مرجحة بالعمل المذكور، والله تعالى أعلم.\nوقد شذَّت طائفة فمنعوا التسمية بمحمد جملة متمسكين بذلك بما يروى عن\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٩٦٨).\n(٢) زيادة من (ز).","vol":"5","page":458},{"text":"[٢٠٤٦] وعنه: وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلَامٌ؛ فَسَمَّاهُ القَاسِمَ، فَقُلنَا: لَا نَكنِيكَ أَبَا القَاسِمِ، وَلَا نُنعِمُكَ عَينًا. فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: أَسمِ ابنَكَ عَبدَ الرَّحمَنِ.\nرواه مسلم (٢١٣٣) (٧).\nــ\nالنبي - ﷺ - أنه قال: (تسمُّون أولادكم محمدًا، ثم تلعنونهم) (١) وبما كتب عمر - ﵁ - إلى الكوفة من قوله: (لا تسمُّوا أحدًا باسم نبي) (٢) وبأمره جماعة بالمدينة بتغيير أسماء أبنائهم محمدًا، ولا حجَّة في شيء من ذلك. أما الحديث: فغير معروف عند أهل النقل، وعلى تسليمه فمقتضاه النهي عن لعن من اسمه محمد (٣)، لا عن التسمية به. وقد قدَّمنا النصوص الدالة على إباحة التسمية بذلك، بل: قد روي عن النبي - ﷺ - أحاديث كثيرة تدلُّ على الترغيب، في التسمية بمحمد؛ كقوله - ﷺ -: (ما ضرَّ أحدكم أن يكون في بيته محمد، ومحمدان) (٤) وكقوله - ﷺ -: (ما اجتمع قوم في مشورة فيهم رجل اسمه محمد فلم يدخلوه فيها إلا لم يبارك لهم فيها) (٥) ومثله كثير. وأما أمر عمر - ﵁ -: فكان بسبب: أنه سمع رجلًا يقول لابن أخيه محمد بن زيد بن الخطاب: فعل الله بك يا محمد، وصنع بك. فدعا عمر به، وقال: ألا أرى رسول الله - ﷺ - يُسبُّ بك! والله! لا تدعى\n_________\n(١) رواه البزار كما في كشف الأستار (١٩٨٧)، وأبو يعلى (٣٣٨٦). وانظر: مجمع الزوائد (٨/ ٤٨).\n(٢) رواه أبو جعفر الطبري كما في \"الشفا\" للقاضي عياض (٤٧٠٢).\n(٣) وكذا اللعن منهيٌّ عنه بشكلل عام أيًّا كان الاسم.\n(٤) رواه ابن سعد في الطبقات (٥/ ٣٨).\n(٥) ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ١٥٦). قال ابن عدي: هذا حديث غير محفوظ، وأحمد الشامي هو عندي ابن كنانة، وهو منكر الحديث. قال أبو عروبة: وعثمان الطرائفي عنه عجائب، يروي عن مجهولين.","vol":"5","page":459},{"text":"[٢٠٤٧] وعَن المُغِيرَةِ بنِ شُعبَةَ قَالَ: لَمَّا قَدِمتُ نَجرَانَ سَأَلُونِي فَقَالَوا: إِنَّكُم تَقرَءُونَ: يَا أُختَ هَارُونَ، وَمُوسَى قَبلَ عِيسَى بِكَذَا وَكَذَا. فَلَمَّا قَدِمتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَأَلتُهُ عَن ذَلِكَ. فَقَالَ: إِنَّهُم كَانُوا يُسَمُّونَ بِأَنبِيَائِهِم وَالصَّالِحِينَ قَبلَهُم.\nرواه مسلم (٢١٣٥)، والترمذي (٣١٥٤).\n* * *\nــ\nمحمدًا أبدًا، وعند ذلك - والله تعالى أعلم - كتب لأهل الكوفة، وأمر أهل المدينة بما سبق، ثم إنه ذكر له جماعة سمَّاهم النبي - ﷺ - بذلك. فترك الناس من ذلك (١).\nتنبيه: الأصل في الكناية أن يكون للرجل ابن فيُكنى باسم ابنه ذلك، ولذلك كني النبي - ﷺ - بأبي القاسم، فإنَّه كان له ولدٌ يسمى: القاسم من خديجة ﵂، وكأنه كان أوَّل ذكور أولاده. وعلى هذا: فلا ينبغي أن لا يكنى أحدٌ حتى يكون له ولدٌ يُكنى باسمه، لكن: قد أجاز العلماء خلاف هذا الأصل، فكنَّوا من ليس له ولدٌ، لحديث عائشة ﵂؛ أنها قالت للنبي - ﷺ -: كلُّ صواحباتي لهن كنى، وليس لي كنية، فقال: (اكتني بابن أختك عبد الله) فكانت تكتني بأمِّ عبد الله (٢). وقد كنَّى النبي - ﷺ - الصغير، فقال: (يا أبا عمير! ما فعل النُّغير (٣» وقد قال عمر - ﵁ -: عجلوا بكنى أبنائكم وأولادكم (٤)؛ لا تسرع إليهم ألقاب السَّوء.\nوحديث المغيرة يدلُّ: على أن مريم صلوات الله عليها؛ إنما سُميت أخت\n_________\n(١) رواه محمد بن سعد كما في الشفا (٢/ ٤٧٠).\n(٢) رواه البخاري في الأدب المفرد (٨٥٠ و٨٥١)، وابن سعد (٨) (٦٣ و٦٤)، والطبراني (٢٣/ ٣٦ و٣٧).\n(٣) رواه أحمد (٣/ ٢١٢)، والبخاري (٦٢٠٣)، ومسلم (٦٥٩)، والترمذي (٣٣٣).\n(٤) ليست في (ج ٢).","vol":"5","page":460},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-775>(٣) باب ما يكره أن يسمى به الرقيق</span>\n[٢٠٤٨] عَن سَمُرَةَ بنِ جُندَبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَحَبُّ الكَلَامِ إِلَى اللَّهِ أَربَعٌ: سُبحَانَ اللَّهِ، وَالحَمدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكبَرُ، لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأتَ، وَلَا تُسَمِّيَنَّ غُلَامَكَ يَسَارًا، وَلَا رَبَاحًا، وَلَا نَجِيحًا، وَلَا أَفلَحَ، فَإِنَّكَ تَقُولُ: أَثَمَّ هُوَ؟ فَلَا يَكُونُ، فَيَقُولُ: لَا. إِنَّمَا هُنَّ أَربَعٌ، فَلَا تَزِيدُنَّ عَلَيَّ.\nــ\nهارون، بأخ لها كان اسمه ذلك، ويبطل قول من قال من المفسرين: إنها إنما قيل لها ذلك لأنها شُبِّهت بهارون أخي موسى في عبادته ونسكه.\nوفيه: ما يدلّ على جواز بأسماء الأنبياء. والله تعالى أعلم.\n(٣) ومن باب: ما يكره أن يُسمَّى به الرقيق\nقوله: (أحبُّ الكلام إلى الله أربع) أي: أحقه قبولًا، وأكثره ثوابًا، ويعني بالكلام: المتضمن للأذكار، والدعاء، والقرب من الكلام، وإنَّما كانت هذه الكلمات كذلك؛ لأنَّها تضمَّنت تنزيهه عن كل ما يستحيل عليه، ووصفه بكل ما يجب له من أوصاف كماله، وانفراده بوحدانيته، واختصاصه بعظمته وقدمه المفهومين من أكبريته. ولتفصيل هذه الجمل علمٌ آخر.\nو(قوله: لا يضرُّك بأيهنَّ بدأت) يعني: أن تقديم بعض هذه الكلمات على بعض لا ينقص ثوابها، ولا يوقف قبولها؛ لأنَّها كلَّها كلمات جامعات طيِّبات مباركات.\nو(قوله: لا تسمَّيَنَّ غلامك يسارًا، ولا رباحًا، ولا نجيحًا، ولا أفلح) هذا نهي صحيح عن تسمية العبد بهذه الأسماء، لكنه على جهة التنزيه بدليل قول جابر","vol":"5","page":461},{"text":"وفي رواية: نافعا بدل نجيحا.\nرواه مسلم (٢١٣٦) (١١) و(٢١٣٧) (١٢)، وأبو داود (٤٩٥٨)، والترمذيُّ (٢٨٣٨).\nــ\nفي الحديث الآتي: أراد النبي - ﷺ - أن ينهى أن يُسمَّى بمقبل، وببركة، وبأفلح، وبيسار، وبنافع، ونحو ذلك، ثم سكت؛ يعني: أراد أن ينهى عن ذلك نهي تحريم، وإلا فقد صدر النهي عنه على ما تقدَّم، لكنه على وجه الكراهة التي معناها: أن ترك المنهي عنه أولى من فعله؛ لأنَّ التَّسمية بتلك الأسماء تؤدي إلى أن يسمع ما يكرهه، كما نصَّ عليه بقوله: (فإنك تقول: أثمَّ هو فلان، فلا يكون؛ فتقول: لا) وبالنظر إلى هذا المعنى، فلا تكون هذه الكراهة خاصة بالعبيد، بل: تتعدى إلى الأحرار. ولا مقصورة على هذه الأربعة الأسماء، بل: تتعدى إلى ما في معناها. ولهذا أشار جابر في حديثه بقوله، وبنحو ذلك.\nوحينئذ يقال: فما فائدة تخصيص الغلام بالذكر؟ وكيف يعدَّى إلى زيادة على الأربع، وقد قال في بقيَّة الحديث: إنما هي أربع، فلا تزيدن علي؟ فالجواب عن الأوَّل من وجهين:\nأحدهما: أنَّا لا نسلِّم أن المراد بالغلام العبد، بل الصغير؛ فإنه يقال عليه: غلام إلى أن يبلغ، وللأنثى: جارية، كما تقدَّم.\nوالثاني: أنَّا وإن سلَّمنا ذلك لكن إنما خُصص العبد بالذكر، لأن هذه الأسماء إنما كانت في غالب الأمر أسماء لعبيدهم، فخرج النهي على الغالب.\nوالجواب عن الثاني: أن قوله: فلا تزيدن علي، إنما هو من قول سمرة بن جندب، وإنما قال ذلك ليحقق: أن الذي سمعه من النبي - ﷺ - إنما هي الأربع، لا زيادة عليها؛ تحقيقا لما سمع، ونفيًا لأن يقول ما لم يقل. ولئن سُلِّم أن ذلك من قول النبي - ﷺ -؛ فليس معناه المنع من القياس. بل عن أن يقول اسمًا لم يقله، فإنَّ","vol":"5","page":462},{"text":"[٢٠٤٩] وعن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ قال: أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَن يَنهَى عَن أَن يُسَمَّى بِمقبل وَبِبَرَكَةَ وَبِأَفلَحَ وَبِيَسَارٍ وَبِنَافِعٍ وَبِنَحوِ\nــ\nالفرع ملحق بأصله في الحكم، لا في القول. وبيانه: إنَّا وإن ألحقنا الزبيب بالتمر في تحريم الربا فلا نقول: إن النبي - ﷺ - قال: إن الربا في الزبيب حرام. فإنَّه قول كاذب، ولو كان ذلك صادقًا لكان الزبيب منطوقًا به، فحينئذ لا يكون فرعًا. بل: أصلًا. وقد اجترأت طائفة عراقية على إطلاق ذلك. ونعوذ بالله مما أُطلق هنالك. وعلى ما قررناه فلا يكون بين حديث سمرة بن جندب، ولا بين حديث جابر - ﵃ - معارضة، فلا يكون بينهما نسخ خلافًا لمن زعمه، وقال: إن حديث جابر ناسخ لحديث سمرة، وما ذكرناه أولى. والله تعالى أعلم.\nفإن قيل: بل المصير إلى النسخ أولى؛ لأنَّ حديث سمرة - وإن حمل على الكراهة - فحديث جابر يقتضي الإباحة المطلقة؛ لأنَّه لما سكت النبي - ﷺ - عن النهي عن ذلك إلى حين موته، وكذلك عمر - ﵁ - مع حصول ذلك في الوجود كثيرًا، فقد كان للنبي - ﷺ - غلام اسمه: رباح، ومولى اسمه: يسار، وقد سَمَّى ابن عمر مولاه: نافعًا. ومثله كثير. فقد استمر العمل على حديث جابر، فإذًا هو متأخر، فيكون ناسخًا.\nوالجواب: إن هذا التقدير يلزم منه: أن لا يصدق قول جابر: إن النبي - ﷺ - أراد أن ينهى عن ذلك، فإنَّه قد وجد النهي ولا بدَّ، وهو صادق، فلا بدَّ من تأويل لفظه. وما ذكرناه أولى. وما ذكر من تسمية موالي النبي - ﷺ - وغيره بتلك الأسماء فصحيح؛ لأنَّ ذلك جائز، وغاية ما ترك فيه الأولى، فكم من أولى قد سوغت الشريعة تركه، وإن فات بفوته أجر كثير، وخير جزيل؛ عملًا بالمسامحة والتيسير، وتركًا للتشديد والتعسير.\nو(قوله: أراد النبي - ﷺ - أن ينهى أن يُسمَّى بمقبل) هكذا صحيح الرواية. وهو في بعض النسخ: بيعلى، وكأنه تصحيف، والأوَّل أولى رواية ومعنى.","vol":"5","page":463},{"text":"ذَلِكَ، ثُمَّ رَأَيتُهُ سَكَتَ بَعدُ عَنهَا فَلَم يَقُل شَيئًا، ثُمَّ قُبِضَ ﷺ وَلَم يَنهَ عَن ذَلِكَ، ثُمَّ أَرَادَ عُمَرُ أَن يَنهَى عَن ذَلِكَ، ثُمَّ تَرَكَهُ.\nرواه مسلم (٢١٣٨)، وأبو داود (٤٩٦٠).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-776>(٤) باب في تغيير الاسم بما هو أولى والنهي عن الاسم المقتضي للتزكية</span>\n[٢٠٥٠] عَن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَيَّرَ اسمَ عَاصِيَةَ فقال: أَنتِ جَمِيلَةُ.\nرواه مسلم (٢١٣٩) (١٤)، وأبو داود (٤٩٥٢)، والترمذيُّ (٢٨٤٠).\nــ\n(٤) ومن باب تغيير الاسم بما هو أولى منه\nتبديل النبي - ﷺ - اسم عاصية بجميلة، والعاصي بن الأسود بمطيع، ونحو ذلك سُنَّة ينبغي أن يُقتدى به فيها؛ فإنَّه كان يكره قبيح الأسماء، ولا يتطيَّر به، ويحبُّ حسن الأسماء، ويتفاءل به، وفي كتاب أبي داود عن بريدة: أن النبي - ﷺ - كان لا يتطيَّر من شيء، وكان إذا بعث عاملًا سأل عن اسمه، فإن أعجبه اسمه فرح به ورُئي بشر ذلك في وجهه، وإن كره اسمه رُئي كراهة ذلك في وجهه (١). وفي الترمذي عن أنس - ﵁ - أنه ﷺ كان إذا خرج لحاجته يعجبه أن يسمع: يا راشد! يا نجيح (٢)! وأما تغييره برَّة فلوجهين:\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٢٥٧ و٣٠٤ و٣١٩)، وأبو داود (٣٩٢٠).\n(٢) رواه الترمذي (١٦١٦).","vol":"5","page":464},{"text":"[٢٠٥١] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَت جُوَيرِيَةُ اسمُهَا بَرَّةُ، فَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسمَهَا جُوَيرِيَةَ؛ وَكَانَ يَكرَهُ أَن يُقَالَ: خَرَجَ مِن عِندَ بَرَّةَ.\nرواه مسلم (٢١٤٠)، وأبو داود (١٥٠٣).\nــ\nأحدهما: أنه كان يكره أن يقال: خرج من عند برَّة؛ إذ كانت المسمَّاة بهذا الاسم زوجته، وهي التي سمَّاها جويرية.\nوالثاني: لما فيه من تزكية الإنسان نفسه، فهو مخالف لقوله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُم هُوَ أَعلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ ويجري هذا المجرى في المنع ما قد كثر في هذه الدِّيار من نعتهم أنفسهم بالنعوت التي تقتضي التزكية، كزكي الدِّين، ومحيي الدِّين، وما أشبه ذلك من الأسماء الجارية في هذه الأزمان؛ التي يقصد بها المدح، والتزكية، لكن لما كثرت قبائح المسمِّين بهذه الأسماء في هذا الزمان ظهر تخلف هذه النعوت عن أصلها، فصارت لا تفيد شيئًا من أصل موضوعاتها، بل ربما يسبق منها في بعض المواضع، أو في بعض الأشخاص نقيض موضوعها (١)، فيصير الحال فيها كالحال في تسمية العرب: المهلكة بالمفازة، والحقير بالجليل، تجمُّلًا بإطلاق الاسم مع القطع باستقباح المسمَّى. ومن الأسماء ما غيَّره الشرع مع حسن معناه وصدقه على مسمَّاه. لكن منعه الشرع حماية واحترامًا لأسماء الله تعالى وصفاته - جل وعز - عن أن يتسمَّى أحد بها. ففي كتاب أبي داود عن هانئ بن يزيد: أنه لما وفد على رسول الله - ﷺ - المدينة مع قومه سمعهم يكنُّونه بأبي الحكم، فدعاه رسول الله - ﷺ - فقال: (إن الله - ﷿ - هو الحكم، وإليه الحكم، فلمَ تكنَّى أبا الحكم؟) قال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين. فقال رسول الله - ﷺ -: (ما أحسن هذا!) قال: (ما لك من الولد؟ قال: لي شريح، ومسلم، وعبد الله. قال: (فمن\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (م ٢).","vol":"5","page":465},{"text":"[٢٠٥٢] وعَن مُحَمَّدِ بنِ عَمرِو بنِ عَطَاءٍ قَالَ: سَمَّيتُ ابنَتِي بَرَّةَ فَقَالَت لِي زَينَبُ بِنتُ أَبِي سَلَمَةَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن هَذَا الِاسمِ، وَسُمِّيتُ بَرَّةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُم، اللَّهُ أَعلَمُ بِأَهلِ البِرِّ مِنكُم. فَقَالَوا: بِمَ نُسَمِّيهَا؟ قَالَ: سَمُّوهَا زَينَبَ.\nرواه مسلم (٢١٤٢) (١٩)، وأبو داود (٤٩٥٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-777>(٥) باب تسمية الصغير وتحنيكه والدعاء له</span>\n[٢٠٥٣] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ ابنٌ لِأَبِي طَلحَةَ يَشتَكِي،\nــ\nأكبرهم؟) قلت: شريح. قال: (فأنت أبو شريح) (١) وقد غيَّر اسم: حكيم، وعزيز؛ لما فيهما من التشبه بأسماء الله تعالى.\nوقولها: (سميت برَّة) إنما كان هذا الاسم يدلّ: على التزكية؛ لأنَّه في أصله اسم علم لجميع خصال البرِّ، كما أن: (فجار) اسم علم للفجور. ولذلك قال النابغة الذبياني:\nإنَّا اقتَسَمنا خُطَّتَينا (٢) بيننا ... فحَمَلت برَّةَ واحتَمَلت فَجَارِ\n(٥) ومن باب تسمية الصغير وتحنيكه والدعاء له\nقوله: (كان لأبي طلحة ابن يشتكي) أي: أصابه ما يشتكي منه، وهو المرض، لا أنه صدرت عنه شكوى. هذا أصله، لكنَّه قد كثر تسمية المرض\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٩٥٥).\n(٢) في (ج ٢): خطيئنا، والمثبت من (ع) و(ل ١)، وديوان النابغة الذبياني ص (٥٥).","vol":"5","page":466},{"text":"فَخَرَجَ أَبُو طَلحَةَ فَقُبِضَ الصَّبِيُّ، فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو طَلحَةَ قَالَ: مَا فَعَلَ ابنِي؟ قَالَت أُمُّ سُلَيمٍ: هُوَ أَسكَنُ مِمَّا كَانَ، فَقَرَّبَت إِلَيهِ العَشَاءَ فَتَعَشَّى، ثُمَّ أَصَابَ مِنهَا، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَت: وَارُوا الصَّبِيَّ، فَلَمَّا أَصبَحَ أَبُو طَلحَةَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخبَرَهُ قَالَ: أَعرَستُم اللَّيلَةَ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِك لَهُمَا. فَوَلَدَت غُلَامًا، فَقَالَ لِي أَبُو طَلحَةَ: احمِلهُ حَتَّى تَأتِيَ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ، فَأَتَى بِهِ النَّبِيَّ ﷺ وَبَعَثَت مَعَهُ بِتَمَرَاتٍ، فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: أَمَعَهُ شَيءٌ؟ قَالَوا: نَعَم، تَمَرَاتٌ. فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ فَمَضَغَهَا، ثُمَّ أَخَذَهَا مِن فِيهِ فَجَعَلَهَا فِي فِيِّ الصَّبِيِّ، ثُمَّ حَنَّكَهُ وَسَمَّاهُ عَبدَ اللَّهِ.\nرواه البخاريُّ (٥٤٧٠)، ومسلم (٢١٤٤) (٢٣).\nــ\nبذلك. وهذا الحديث يدل على فضل أم سُليم، وتثبُّتها، وصبرها عند الصدمة الأولى، وكمال عقلها، وحسن تبعلها لزوجها.\nوقولها: (هو أسكن مما كان) هذا من المعاريض المغنية عن الكذب؛ فإنَّها أوهمته: أن الصبي سكن ما كان به بلفظ يصلح إطلاقه لما عندها من موته، ولما فهمه أبو طلحة من سكون مرضه. وهذا كله لئلا تفاجئه بالإعلام بالمصيبة فيتنغَّص عليه عيشه، ويتكدَّر عليه وقته. فلما حصلت راحته من تعبه، وطاب عيشه بإصابة لذَّته التي ارتجت بسببها أن يكون لهما عوض، وخلف مما فاته عرَّفته بذلك، فبلَّغها الله أمنيَّتها، وأصلح ذريَّتها.\nوقولها: (واروا الصبي) أي: ادفنوه، من: مواراة الشيء، وهي تغطيته.\nو(قوله: أعرستم الليلة؟) هو كناية عن الجماع. يقال: أعرس الرجل بأهله: إذا بنى بها، وكذلك إذا غشيها، ولا يقال: عرَّس، والعامة تقولها. وقد تقدَّم أن العِرس الزوجة، والعروس: يقال على كل واحد من الزوجين.\nوفي هذا الحديث ما يدلُّ على إجابة دعوة النبي - ﷺ - وعلى عظم مكانته،","vol":"5","page":467},{"text":"[٢٠٥٤] وعَن أَبِي مُوسَى قَالَ: وُلِدَ لِي غُلَامٌ، فَأَتَيتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَسَمَّاهُ إِبرَاهِيمَ، وَحَنَّكَهُ بِتَمرَةٍ.\nرواه أحمد (٣/ ١٩٤)، والبخاريُّ (٥٤٦٧)، ومسلم (٢١٤٥) (٢٤).\n[٢٠٥٥] وعن عُروَةُ بنُ الزُّبَيرِ وَفَاطِمَةُ بِنتُ المُنذِرِ بنِ الزُّبَيرِ قَالَا: خَرَجَت أَسمَاءُ بِنتُ أَبِي بَكرٍ حِينَ هَاجَرَت وَهِيَ حُبلَى بِعَبدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيرِ، فَقَدِمَت قُبَاءً فَنُفِسَت بِعَبدِ اللَّهِ بِقُبَاءٍ، ثُمَّ خَرَجَت حِينَ نُفِسَت إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُحَنِّكَهُ، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنهَا فَوَضَعَهُ فِي حَجرِهِ، ثُمَّ دَعَا بِتَمرَةٍ قَالَ: فقَالَت عَائِشَةُ: فَمَكَثنَا سَاعَةً نَلتَمِسُهَا قَبلَ أَن نَجِدَهَا، فَمَضَغَهَا ثُمَّ بَصَقَهَا فِي فِيهِ، فَإِنَّ أَوَّلَ شَيءٍ دَخَلَ في بَطنَهُ لَرِيقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَت أَسمَاءُ: ثُمَّ مَسَحَهُ وَصَلَّى عَلَيهِ وَسَمَّاهُ\nــ\nوكرامته عند الله. وكم له منها وكم! حتى قد حصل بذلك العلم القطعي، واليقين الضروري، وذلك: أنه لما دعا لأم سليم وزوجها ولدت له من ذلك الغشيان عبد الله. وكان من أفاضل الصحابة، ثمَّ ولد له عدَّة من الفضلاء، الفقهاء، العلماء: إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة، وإخوته العشرة، كما هو مذكور في الاستيعاب.\nوأحاديث هذا الباب كلها متواردة على أن إخراج الصغار عند ولادتهم للنبي - ﷺ - وتحنيكهم بالتمر كان سُنَّة معروفة معمولًا بها، فلا ينبغي أن يعدل عن ذلك اقتداءً بالنبي - ﷺ - واغتنامًا لبركة الصالحين، ودعائهم. والتحنيك هنا: جعل مضيغ التمر في حَنَكِ الصَّبي.\nوقوله في حديث عبد الله بن الزبير: (ثمَّ مسحه وصلَّى عليه) يعني: مسحه بيده عند الدعاء له، كما كان - ﷺ - يمسحُ بيده عند الرُّقى، وفيه دليل على استحباب","vol":"5","page":468},{"text":"عَبدَ اللَّهِ، ثُمَّ جَاءَ وَهُوَ ابنُ سَبعِ سِنِينَ أَو ثَمَانٍ لِيُبَايِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَأَمَرَهُ بِذَلِكَ الزُّبَيرُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَآهُ مُقبِلًا إِلَيهِ، ثُمَّ بَايَعَهُ.\nوفي رواية: ثُمَّ دَعَا لَهُ وَبَرَّكَ عَلَيهِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَولُودٍ وُلِدَ فِي الإِسلَامِ.\nرواه البخاري (٧٩٠٩)، ومسلم (٢١٤٦) (٢٥ و٢٦).\nــ\nذلك، وفعله على جهة التبرَّك رجاء الاستشفاء، وقبول الدعاء.\nومعنى: (صلَّى عليه): دعا له بالخير والبركة كما جاء في الرواية الأخرى مفسَّرا، وقد ظهرت بركة ذلك كلُّه على عبد الله بن الزبير، فإنه كان من أفضل الناس، وأشجعهم، وأعدلهم في خلافته - ﵁ -، وقَتَلَ قَاتِلَهُ (١). وتبسُّم رسول الله - ﷺ - لعبد الله ومبايعته له فرحٌ به، وإنهاض له؛ حيث ألحقه بنمط الكبار الحاصلين على تلك البيعة الشريفة، والمنزلة المنيفة، ففيه جواز مبايعة من يعقل من الصِّغار، وتمرينهم على ما يخاطب به الكبار.\nو(قوله: وكان أوَّل مولود ولد في الإسلام) يعني: من المهاجرين بالمدينة، وذلك أن أمه أسماء بنت أبي بكر - ﵄ - هاجرت من مكة إلى المدينة وهي حامل به، فولدته في سنة اثنتين من الهجرة لعشرين شهرًا من التاريخ. وقيل: في السنة الأولى من الهجرة. هكذا حكاه أبو عمر. وروي عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير قال: سُمِّيت باسم جدِّي أبي بكر وكنيت بكنيته. قال أبو عمر: كان شهمًا، ذكرًا (٢)، شريفًا، ذا أَنَفَة، وكانت له لَسَانة، وفصاحة، وكان أطلسَ لا لحية له، ولا شعر في وجهه. وحكى أبو عمر عن مالك أنه قال: ابن الزبير أفضل من مروان، وأولى بالأمر من مروان وابنه.\n_________\n(١) هذا دعاء من المؤلف -﵀- على الحجاج بن يوسف الثقفي قاتل عبد الله بن الزبير.\n(٢) جاء في اللسان: رجل ذَكَرٌ: إذا كان قويًا، شجاعًا، أنفًا، أبيًّا.","vol":"5","page":469},{"text":"[٢٠٥٦] وعَن سَهلِ بنِ سَعدٍ قَالَ: أُتِيَ بِالمُنذِرِ بنِ أَبِي أُسَيدٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ وُلِدَ، فَوَضَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى فَخِذِهِ، وَأَبُو أُسَيدٍ جَالِسٌ، فَلَهى النَّبِيُّ ﷺ بِشَيءٍ بَينَ يَدَيهِ، فَأَمَرَ أَبُو أُسَيدٍ بِابنِهِ فَاحتُمِلَ مِن عَلَى فَخِذِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَقلَبُوهُ، فَاستَفَاقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَينَ الصَّبِيُّ؟ فَقَالَ أَبُو أُسَيدٍ: أَقلَبنَاهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: مَا اسمُهُ؟ قَالَ: فُلَانٌ. قَالَ: لَا، وَلَكِن اسمُهُ المُنذِرُ. فَسَمَّاهُ يَومَئِذٍ المُنذِرَ.\nرواه البخاريُّ (٦١٩١)، ومسلم (٢١٤٩).\n* * *\nــ\nو(أبو أُسَيد) بضم الهمزة، وفتح السين، وياء التصغير كذا قاله عبد الرزاق، ووكيع. قال ابن حنبل: وهو الصواب. وحكى ابن مهدي عن سفيان: أنَّه بفتح الهمزة، وكسر السين، واسمه: مالك بن ربيعة.\nو(قوله: ولها عنه) الرواية فيه بفتح الهاء؛ أي: اشتغل عنه وهي لغة طيء، وفصيحها: (لَهِي) بكسر الهاء يَلهَى بفتحها، لَهيًا، ولَهَيانًا. وهو في اللغتين ثلاثي. فأمَّا: أَلهَاني كذا: فمعناه شغلني. ومنه قوله تعالى: ﴿أَلهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾\nو(قوله: فأقلبُوه) كذا جاءت الرواية في هذا الحرف رباعيًّا، وصوابه: ثلاثي. يقال: قلبت الشيء: رددته، والصَّبي: صرفته. قال الأصمعي: ولا يُقال: أقلبته.\nوإنما سَمَّى النبي - ﷺ - ابن أبي أُسيد: المنذر، باسم ابن عم أبيه: المنذر بن عمرو، والمسمَّى: بالمعنِق ليموتَ. وكان أمير أصحاب بئر معونة، واستشهد يوم بئر معونة فسمَّاه النبي - ﷺ - بالمنذر (١) ليكون خلفًا منه (٢).\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).\n(٢) في (م): له.","vol":"5","page":470},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-778>(٦) باب تكنية الصغير وندائه بيا بني</span>\n[٢٠٥٧] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالَ لَهُ: أَبُو عُمَيرٍ. قَالَ: أَحسِبُهُ قَالَ: كَانَ فَطِيمًا. قَالَ: فَكَانَ إِذَا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَآهُ قَالَ: أَبَا عُمَيرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيرُ. قَالَ: وكَانَ يَلعَبُ بِهِ.\nرواه أحمد (٣/ ١١٥)، والبخاري (٦١٢٩)، ومسلم (٢١٥٠)، وأبو داود (٤٩٦٩)، والترمذي (٣٣٣)، وابن ماجه (٣٧٤٠).\n[٢٠٥٨] وعنه قال: قال لي رسول الله ﷺ: يا بني.\nرواه أحمد (٣/ ٢٨٥)، ومسلم (٢١٥١).\nــ\n(٦) ومن باب تكنية الصغير\nقد تقدَّم القول في الكناية في الباب قبل هذا.\nقوله: (يا أبا عمير! ما فعل النُّغير؟) فيه دليلٌ على جواز السجع في الكلام إذا لم يكن متكلَّفًا، فأما مع التكلُّف فهو من باب التنطع والتشدُّق المكروهين في الكلام. وعمير: تصغير عمر أو عمرو. والنغير: تصغير نُغر، والنُّغَرُ: طير كالعصافير حُمر المناقير، وتجمع: نِغران. مثل: صُرَد وصِردان، ومؤنَّثه: نُغَرة، كهُمَزة.\nوقد يستدلُّ الحنفي بهذا الحديث على جواز المدينة. وهو قول خالف فيه الجمهور ونص نهي النبي ﷺ عن صيد المدينة، كما نهى عن صيد مكة، كما قدَّمناه.\nولا حجَّة فيه؛ إذ ليس فيه ما يدلُّ على أن ذلك الطير صيد في حرم المدينة، بل نقول: إنه صيد في الحل، وأدخل في الحرم. ويجوز للحلال أن","vol":"5","page":471},{"text":"[٢٠٥٩] وعَن المُغِيرَةِ بنِ شُعبَةَ قَالَ: مَا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَحَدٌ عَن الدَّجَّالِ أَكثَرَ مِمَّا سَأَلتُهُ عَنهُ، فَقَالَ لِي: أَي بُنَيَّ، وَمَا يُنصِبُكَ مِنهُ؟ إِنَّهُ لَن يَضُرَّكَ. قَالَ: قُلتُ: إِنَّهُم يَزعُمُونَ أَنَّ مَعَهُ أَنهَارَ المَاءِ وَجِبَالَ الخُبزِ!\nــ\nيصيد في الحل، ويدخله في الحرم، ولا يجوز له أن يصيد في الحرم، فيُفَرَّق بين ابتداء صيده، وبين استصحاب إمساكه، كما ذكرناه في الحج.\nوفيه جواز لعب الصَّبي بالطير الصغير، لكن الذي أجاز العلماء من ذلك: أن يمسك له، وأن يلهو بحسنه. وأما تعذيبه، والعبث به: فلا يجوز؛ لأنَّ النبي - ﷺ - نهى عن تعذيب الحيوان إلا لمأكلة.\nوفيه ما يدل على جواز المزاح مع الصغير، لكن إذا قال حقًّا.\nوفيه ما يدل على حسن خلق النبي - ﷺ - ولطافة معاشرته، وألفاظه، ومنها: قوله لابن عمر (١): (يا بني) وكذلك قوله للمغيرة: (أي بني) فإنَّه نزله منزلة ابنه الصغير في الرحمة، والرفق، والشفقة.\nوسؤال المغيرة عن الدجال إنما كان لما سمع من عظيم فتنته، وشدَّة محنته، فأجابه النبي - ﷺ - بقوله: (وما ينصبك منه؟ إنه لن يضرَّك؛ أي: ما يصيبك منه من النَّصَب والمشقَّة. وهكذا رواية الكافة. وعند الهوزني: (ما ينضيك): بالضاد المعجمة، والياء باثنتين من تحتها، وكأنه من جهة قولهم: جمل نضوٌ؛ أي: هزيل، وأنضاه السَّير؛ أي: أهزله. والأول أصح رواية ومعنًى.\nو(قوله: إنه لن يضرك) يحتمل أن يريد: لأنك لا تدرك زمان خروجه. ويحتمل أن يكون إخبارًا منه بأنه يُعصم من فتنته، ولو أدرك زمانه، والله ورسوله أعلم.\nوقول المغيرة: (إنهم يزعمون: أن معه أنهار الماء، وجبال الخبز) هذا يدلّ\n_________\n(١) كذا في جميع النسخ، وما تقدم من الحديث السابق أن هذا القول لأنس.","vol":"5","page":472},{"text":"قَالَ: هُوَ أَهوَنُ عَلَى اللَّهِ مِن ذَلِكَ.\nرواه أحمد (٤/ ٢٤٦)، والبخاري (٧١٢٢)، ومسلم (٢١٥٢)، وابن ماجه (٤٠٧٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-779>(٧) باب الاستئذان وكيفيته وعدده</span>\n[٢٠٦٠] عن أَبي سَعِيدٍ الخُدرِيَّ قال: كُنتُ جَالِسًا بِالمَدِينَةِ فِي مَجلِسِ الأَنصَارِ، فَأَتَانَا أَبُو مُوسَى فَزِعًا - أَو مَذعُورًا -، قُلنَا: مَا شَأنُكَ؟ قَالَ: إِنَّ عُمَرَ أَرسَلَ إِلَيَّ أَن آتِيَهُ، فَأَتَيتُ بَابَهُ فَسَلَّمتُ ثَلَاثًا، فَلَم يَرُدَّ عَلَيَّ،\nــ\nعلى أن المغيرة كان قد سمع هذا الأمر عن الدَّجال من غير النبي - ﷺ -، ولم يحققه، فعرض ذلك على النبي - ﷺ - فأجابه بقوله: (هو أهون على الله من ذلك) وظاهر هذا الكلام: أن الدَّجال لا يمكن من ذلك لهوانه على الله، وخسة قدره، غير أن هذا المعنى قد جاء ما يناقضه في أحاديث الدجال الآتية. فيحتمل: أن يكون هذا القول صدر عنه قبل أن يوحى إليه بما في تلك الأحاديث. ويحتمل: أن يعود الضمير إلى تمكين الدجال من أنهار الماء، وجبال الخبز؛ أي: فعل ذلك على الله هين. والأوَّل أسبق، والثاني لا يمتنع، والله تعالى أعلم.\n(٧) ومن باب: الاستئذان وكيفيته وعدده\nقوله في هذه الرواية: (فسلمت ثلاثًا) ليس مناقضًا لقوله في الأخرى: إنه استأذن ثلاثًا؛ لأنَّ أبا موسى - ﵁ - كان قد جمع بين السلام والاستئذان ثلاثًا، كما قد جاء منصوصًا عليه في الرواية الثالثة. وحاصل هذه الأحاديث: أن دخول منزل الغير ممنوع؛ كان ذلك الغير فيها أو لم يكن، إلا بعد الإذن. وهذا","vol":"5","page":473},{"text":"فَرَجَعتُ فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَن تَأتِيَنَا؟ فَقُلتُ: إِنِّي أَتَيتُكَ فَسَلَّمتُ عَلَى بَابِكَ ثَلَاثًا فَلَم ترد عَلَيَّ فَرَجَعتُ، وَقَد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِذَا استَأذَنَ أَحَدُكُم ثَلَاثًا فَلَم يُؤذَن لَهُ فَليَرجِع. فَقَالَ عُمَرُ: أَقِم عَلَيهِ البَيِّنَةَ، وَإِلَّا أَوجَعتُكَ.\nــ\nالذي نصَّ الله تعالى عليه بقوله: ﴿لا تَدخُلُوا بُيُوتًا غَيرَ بُيُوتِكُم حَتَّى تَستَأنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهلِهَا﴾ ثم قال بعد ذلك: ﴿فَإِن لَم تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدخُلُوهَا حَتَّى يُؤذَنَ لَكُم وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارجِعُوا فَارجِعُوا﴾ وهذا لا بدَّ منه؛ لأنَّ دخول منزل الغير تصرُّف في ملكه، ولا يجوز بغير إذنه؛ لأنَّه يطلع منه على ما لا يجوز الاطلاع عليه من عورات البيوت، فكانت هذه المصلحة في أعلى رتبة المصالح الحاجيَّة.\nولما تقرَّر هذا شرعًا عند أبي موسى استأذن أبو موسى على عمر - ﵄ -، ولما كان عنده علم بكيفية الاستئذان وعدده: عمل على ما كان عنده من ذلك. فلما لم يؤذن له: رجع. وأما عمر - ﵁ - فكان عنده علم بالاستئذان، ولم يكن عنده علم من العدد، فلذلك أنكره على أبي موسى إنكار مستبعد من نفسه أن يخفى عليه ذلك من النبي - ﷺ - مع ملازمته النبي - ﷺ - حضرًا وسفرًا ملازمة لم تكن لأبي موسى ولا لغيره، وإنكار من يسد باب الذريعة في التقوُّل على رسول الله - ﷺ -، ولذلك أغلظ على أبي موسى بقوله: أقم عليه البينة، وإلا أوجعتك، ولأجعلنك عظة. فلما أتاه بالبينة قال: إنما أحببت أن أتثبت.\nوفي هذا الحديث أبواب من الفقه؛ فمنها: أن لا بد أن يكون ثلاثًا، فإذا لم يؤذن له بعد الثلاث؛ فهل يزيد عليها أو لا؟ قولان لأصحابنا. الأولى أن لا يزيد؛ لقوله - ﷺ -: (الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك، وإلا فارجع) وهذا نصٌّ. وإنَّما خصَّ الثلاث بالذكر؛ لأنَّ الغالب أن الكلام إذا كُرر ثلاثًا سمع وفهم. ولذلك كان النبي - ﷺ - إذا تكلَّم بكلمة أعادها ثلاثًا حتى تفهم عنه، وإذا سلَّم على قومٍ سلَّم عليهم ثلاثًا. وإذا كان الغالبُ هذا، فإذا لم يؤذن له بعد ثلاث ظهر","vol":"5","page":474},{"text":"فَقَالَ أُبَيُّ بنُ كَعبٍ: لَا يَقُومُ مَعَهُ إِلَّا أَصغَرُ القَومِ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: قُلتُ: أَنَا أَصغَرُ القَومِ، قَالَ: فَاذهَب بِهِ.\nرواه أحمد (٣/ ٦)، والبخاريُّ (٦٢٤٥)، ومسلم (١١٥٣) (٣٣)، وأبو داود (٥١٨٠)، والترمذي (٢٦٩٠)، وابن ماجه (٣٧٠٦).\nــ\nأن ربَّ المنزل لا يريد الإذن، أو لعله يمنعه من الجواب عذر لا يمكنه قطعه. فينبغي للمستأذن أن ينصرف، لأن الزيادة على ذلك قد تقلق ربَّ المنزل، وربما يضرُّه الإلحاح حتى ينقطع عما كان مشتغلًا به، كما قال النبي - ﷺ - لأبي أيوب - ﵁ - حين استأذن عليه، فخرج مستعجلًا فقال: (لعلنا أعجلناك) (١).\nومنها: قبول أخبار الآحاد، ووجوب التثبُّت فيها، والبحث عن عدالة ناقليها؛ لأنَّ أبا موسى لما أخبر عمر - ﵄ - بأن أُبي بن كعب يشهد له قال: عَدلٌ.\nومنها: حماية الأئمة حوزة الرواية عن رسول الله - ﷺ -، والإنكار على من تعاطاها إلا بعد ثبوت الأهليَّة وتحققها.\nومنها: أن المستأذن حقَّه أن يبدأ بالسلام، ثم يذكر اسمه، وإن كانت له كنى يُعرف بها ذكرها، كما فعل أبو موسى، وكل ذلك ينبغي في تحصيل التعريف التام للمستأذن عليه؛ فإنَّه إن أُشكل عليه اسم عرف آخر. وقال بعض أصحابنا: هو بالخيار بين أن يُسمي نفسه أو لا، والأولى ما فعله أبو موسى، فإنَّ فعله ذلك إن كان توقيفًا؛ فهو المطلوب. وإن لم يكن توقيفًا؛ فبه يحصل التعريف الذي لأجله شرع الاستئذان، ثم رأي الصحابي راوي الحديث أولى من هذا القول الحديث.\nو(قوله: فقال أُبي بن كعب: لا يقوم معه إلا أصغر القوم، فقام أبو سعيد، فأعلمه بذلك) وفي الرواية الأخرى: (إن أُبي بن كعب أخبره بذلك) لا تباعد فيهما، فإنَّه أخبره بذلك كلاهما: أبو سعيد أولًا أتاه إلى منزله، وأُبي ثانيًا لما\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٢١)، والبخاري (١٨٠)، ومسلم (٣٤٥) (٨٣)، وابن ماجه (٦٠٦) من حديث أبي سعيد الخدري.","vol":"5","page":475},{"text":"[٢٠٦١] وعنه أَنَّ أَبَا مُوسَى أَتَى بَابَ عُمَرَ فَاستَأذَنَ، فَقَالَ عُمَرُ: وَاحِدَةٌ، ثُمَّ استَأذَنَ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ عُمَرُ: ثِنتَانِ، ثُمَّ استَأذَنَ الثَّانية فَقَالَ عُمَرُ: ثَلَاثٌ، ثُمَّ انصَرَفَ فَأَتبَعَهُ فَرَدَّهُ فَقَالَ: إِن كَانَ هَذَا شَيئًا حَفِظتَهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهَا، وَإِلَّا فَلَأَجعَلَنَّكَ عِظَةً. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَتَانَا فَقَالَ: أَلَم تَعلَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الِاستِئذَانُ ثَلَاثٌ؟ . قَالَ: فَجَعَلُوا يَضحَكُونَ. قَالَ: فَقُلتُ: أَتَاكُم أَخُوكُم المُسلِمُ قَد أُفزِعَ، تَضحَكُونَ؟ ! انطَلِق فَأَنَا شَرِيكُكَ فِي هَذِهِ العُقُوبَةِ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: هَذَا أَبُو سَعِيدٍ.\nوزاد في أخرى: فَقَال أَبُو سَعِيدٍ: كُنَّا نُؤمَرُ بِهَذَا. فَقَالَ عُمَرُ: خَفِيَ عَلَيَّ هَذَا مِن أَمرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَلهَانِي عَنهُ الصَّفقُ بِالأَسوَاقِ.\nرواه البخاري (٢٠٦٣)، ومسلم (٢١٥٣) (٣٥ و٣٦)، وأبو داود (٥١٨٢).\n[٢٠٦٢] عَن أَبِي بُردَةَ، عَن أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ أنه جَاءَ إِلَى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيكُم، هَذَا عَبدُ اللَّهِ بنُ قَيسٍ، فَلَم يَأذَن لَهُ. فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيكُم، هَذَا أَبُو مُوسَى. السَّلَامُ عَلَيكُم، هَذَا الأَشعَرِيُّ. ثُمَّ\nــ\nاجتمع به عمر في المسجد. وهذا كله يدلُّ على شهرة الحديث عندهم، ومع ذلك فلم يعرفه عمر، ولا يُستنكر هذا، فإنَّه من ضرورة أخبار الآحاد.\nو(قوله: جعلوا يضحكون) إنما ضحكوا من جزع أبي موسى من تهديد عمر، مع علمهم: بأن ذلك لا يتمُّ منه؛ لأنَّ ما طلبه من البينة، ولأن عمر لم يكذبه، ولا مقصوده جلده، ولا إهانته، بل: التغليظ والحماية.\nوقول عمر - ﵁ -: (خفي علي هذا من أمر رسول الله - ﷺ -) إنما قاله عاتبًا على نفسه، وناسبًا لها إلى التقصير، ثم بيَّن عذره بقوله: (ألهاني الصَّفق بالأسواق) وفي البخاري: يعني: الخروج إلى التجارة. وألهاني: شغلني.","vol":"5","page":476},{"text":"انصَرَفَ فَقَالَ: رُدُّوا عَلَيَّ، رُدُّوا عَلَيَّ، فَجَاءَ فَقَالَ: يَا أَبَا مُوسَى، مَا رَدَّكَ؟ كُنَّا فِي شُغلٍ. قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: الِاستِئذَانُ ثَلَاثٌ، فَإِن أُذِنَ لَكَ وَإِلَّا فَارجِع، قَالَ: لَتَأتِيَنِّي عَلَى هَذَا بِبَيِّنَةٍ، وَإِلَّا فَعَلتُ وَفَعَلتُ. فَذَهَبَ أَبُو مُوسَى، قَالَ عُمَرُ: إِن وَجَدَ بَيِّنَةً تَجِدُوهُ عِندَ المِنبَرِ عَشِيَّةً، وَإِن لَم يَجِد بَيِّنَةً لَم تَجِدُوهُ. فَلَمَّا أَن جَاءَ بِالعَشِيِّ وَجَدُوهُ قَالَ: يَا أَبَا مُوسَى، مَا تَقُولُ؟ أَقَد وَجَدتَ؟ قَالَ: نَعَم، أُبَيَّ بنَ كَعبٍ. قَالَ: عَدلٌ. قَالَ: يَا أَبَا الطُّفَيلِ، مَا يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ يَا بنَ الخَطَّابِ، فَلَا تَكُونَنَّ عَذَابًا عَلَى أَصحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: سُبحَانَ اللَّهِ، إِنَّمَا سَمِعتُ شَيئًا، فَأَحبَبتُ أَن أَتَثَبَّتَ.\nرواه مسلم (٢١٥٤)، وأبو داود (٥١٨١).\n* * *\nــ\nوالصَّفق: البيع، وسمي بذلك لأنهم كانوا يتواجبون البيع بالأيدي، فيصفق كل واحد منهم بيد صاحبه. ومنه قيل للبيعة: صفقة.\nوقول أُبي لعمر بن الخطاب - ﵄ -: (لا تكونن عذابًا على أصحاب رسول الله - ﷺ -) يدلُّ على ما كانوا عليه من القوَّة في دين الله، وعلى قول الحق، ومن قبوله، والعمل به (١)، فإنَّ أُبيًّا أنكر على عمر تهديده لأبي موسى، فقام بما عليه من الحق. ولما تحقق عمر الحقَّ قَبِلَه، واعتذر عما صدر عنه ﵃ أجمعين.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (م ٢).","vol":"5","page":477},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-780>(٨) باب كراهية أن يقول: أنا، عند الاستئذان، والنهي عن الاطلاع في البيت وحكم المطلع إن فقئت عينه</span>\n[٢٠٦٣] عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: استَأذَنتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَن هَذَا؟ فَقُلتُ: أَنَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَنَا، أَنَا. كَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٢٠)، والبخاريُّ (٦٢٥٠)، ومسلم (٢١٥٥) (٣٩)، وأبو داود (٥١٨٧)، والترمذي (٢٧١١)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٣٢٨)، وابن ماجه (٣٧٠٩).\n[٢٠٦٤] وعن سَهل بنَ سَعدٍ الساعدِيَّ: أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ مِن جُحرٍ فِي بَابِ رَسُولِ اللَّهِ،\nــ\n(٨) ومن باب كراهية أن يقول: أنا. عند الاستئذان\nقول جابر - ﵁ -: استأذنت على رسول الله - ﷺ - فقال: (من؟) دليلٌ على جواز الاستئذان من غير ذكر اسم المستأذن، إلا أن الأحسن أن يذكر اسمه كما تقدَّم في حديث أبي موسى، ولأن في ذكر اسمه إسقاط كلفة السؤال والجواب. وكراهة النبي - ﷺ - قول جابر في جوابه: أنا، أنا. يحتمل أن يكون لذلك المعنى. ويحتمل: أن يكون، لأن (أنا) لا يحصل بها تعريف، وهو الأولى. وقيل: إنما كره ذلك لأنَّه دق عليه الباب على ما روي في غير كتاب مسلم، وفي هذا التأويل بُعد؛ لأنَّه إنما فهمت الكراهة عنه من قوله: (أنا، أنا) ولم يذكر الدَّق، ولا نبَّهه عليه، فكيف يعدل عما نطق به وكرَّره مُنكِرًا له، ويصار إلى ما لم يجر له ذكر؟ !\nو(قوله: إن رجلًا اطَّلع من جحرٍ في باب رسول الله - ﷺ -) هذا الفعل يحرم","vol":"5","page":478},{"text":"وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِدرًى يُرَجِّلُ بِهِ رَأسَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَو أَعلَمُ أَنَّكَ تَنظُرُ طَعَنتُ بِهِ فِي عَينِكَ،\nــ\nقطعًا، وخصوصًا في بيت رسول الله - ﷺ - لعظيم حرمته، وحرمة أزواجه، لا جرم علق على هذا الفعل من العقوبة جواز الطعن في عين الناظر، كما ظهر من قول النبي - ﷺ - ومن فعله، وقد تقدَّم الكلام على هذا وذكر الخلاف فيه في كتاب القصاص.\nغريب: (الجحر): واحد الجحرة. وهي: مكامنُ الوحش، ولما كانت نقبًا في الأرض سُمي بذلك النقب في الباب، وفي الحائط، وغير ذلك. و(المِدرى): بالدال المهملة: واحد المداري. قال ثابت: هي الأمشاط، وفي هذا التفسير تسامح، وأوضح منه وأصح، قول النضر بن شميل، وابن كيسان: أنَّه عود، أو عاج تنشر به المرأة شعرها وتجعده. قال امرؤ القيس:\nغَدائِرُه مُستَشزِرات إلى العُلا ... تظل المَدَاري (١) في مُثَنًّى ومرسل\nومؤنثه: مدراة، وقد عبر عنه في الرواية الأخرى: بمشقص، وبمشاقص، وقد قلنا: إن المشقص نصلٌ عريض. وقيل: هو السِّكين. فيحتمل أن يكون هذا المدرى من حديد، وكما يعمل من عاج، وعود، يجوز أن يعمل من حديد، أو يكون شبَّهه بالسِّكين.\nو(يختله): يراوغه، ويخادعه. و(فخذفته) بالخاء المعجمة: هي الرواية الصحيحة، ومن رواها بالحاء المهملة فقد أخطأ؛ فإنَّ الخذف بالخاء: بالحجر، والحذف بالمهملة بالعصا.\nو(الجناح): الإثم، والمؤاخدة، ونحوه: الحرج، وأصله من الضيق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِد أَن يُضِلَّهُ يَجعَل صَدرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾\n_________\n(١) في الديوان: تَضِلُّ العقاص.","vol":"5","page":479},{"text":"إِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ الإِذنَ مِن أَجلِ البَصَرِ.\nرواه أحمد (٥/ ٣٣٠)، والبخاري (٦٢٤١)، ومسلم (٢١٥٦) (٤٠ و٤١)، والترمذي (٢٧٠٩)، والنسائي (٨/ ٦٠).\n[٢٠٦٥] وعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ مِن بَعضِ حُجَرِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَامَ إِلَيهِ بِمِشقَصٍ أَو مَشَاقِصَ، فَكَأَنِّي أَنظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَختِلُهُ لِيَطعُنَهُ.\nرواه البخاري (٦٩٠٠)، ومسلم (٢١٥٧)، والترمذي (٢٧١٨).\nــ\nبكسر الراء (١)، وقُرِئت بالفتح: (كالغرِد والغرَد) (٢) والدَّنِف والدَّنَف.\nو(قوله: إنما جعل الاستئذان من أجل البصر) (٣) دليل على صحة التعليل القياسي. فهو حجَّة الجمهور على نُفاة القياس.\nو(قوله: يرجل به رأسه) دليل على استحباب إصلاح الشعر، وإكرامه، كما قال - ﷺ -: (من كانت له جُمَّةٌ فليكرمها) (٤) ولكن لا ينتهي بذلك إلى أن يخرج إلى الترفه والسرف المنهي عنه بقوله - ﷺ -، فيما رواه عنه فضالة بن عبيد - ﵁ - حيث قال: (نهانا رسول الله - ﷺ - عن كثير من الإرفاه، وأمرنا أن نحتفي أحيانًا) (٥).\nو(التَّرجُّل): مشط الشعر وتكسيره.\n_________\n(١) هذه قراءة نافع وشعبة وأبو جعفر.\n(٢) في جميع النسخ: كالقَرِد والقَرَد. وما أثبتناه من الصحاح.\n(٣) هذه الرواية في الحديث رقم (٢١٥٦) (٤٠) في كتاب مسلم، وليست الرواية التي أثبتها التلخيص، وهي برقم (٢١٥٦) (٤١).\n(٤) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٩٤٩) بلفظ: أن أبا قتادة الأنصاري قال لرسول الله: إنَّ لي جُمَّةً، أفأُرَجِّلُها؟ فقال رسولُ الله - ﷺ -: \"نعم، وأَكْرِمْها\".\n(٥) رواه أحمد (٦/ ٢٢)، وأبو داود (٤١٦٠)، والنسائي (٨/ ١٣٢).","vol":"5","page":480},{"text":"[٢٠٦٦] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَن اطَّلَعَ فِي بَيتِ قَومٍ بِغَيرِ إِذنِهِم، فَقَد حَلَّ لَهُم أَن يَفقَؤوا عَينَهُ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٤٣)، والبخاريُّ (٦٩٠٢)، ومسلم (٢١٥٨) (٤٣)، والنسائي (٦/ ٦١).\n[٢٠٦٧] وعنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَو أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ عَلَيكَ بِغَيرِ إِذنٍ فَخَذَفتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأتَ عَينَهُ، مَا كَانَ عَلَيكَ مِن جُنَاحٍ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٤٣ و٤٢٨)، ومسلم (٢١٥٨) (٤٤)، وأبو داود (٥١٧٢)، والنسائي (٨/ ٦١).\n* * *\nــ\nقلت: يمكن أن يُحمل حديث سهل وأنس على أن الذي همَّ به النبي - ﷺ - من طعن المطلع على الخصوص ببيت النبي - ﷺ - لعظيم حرمته، وحرمة أهل بيته، غير أن حديث أبي هريرة يقتضي إباحة ذلك الطعن عامة في بيته، وبيت غيره، فإنَّه قال فيه: (من اطَّلع في بيتٍ قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقؤوا عينه) فإذًا هذا الحكم ليس مخصوصًا به.\nو(قوله: فقد حل لهم أن يفقؤوا عينه) نصٌّ في الإباحة والتحليل، وعلى هذا: فلا يلزم ضمان، ولا دية إذا وقع ذلك. ولا يستبعد هذا من الشرع، فإنه عقوبة على جناية سابقة، غير أن هذا خرج مخرج التعزيرات، لا مخرج الحدود، ألا ترى قوله: (فقد حل) ولم يقل: فقد وجب. وإنما مقصود هذا الحديث إسقاط القود، والمؤاخذة بذلك إن وقع ذلك.\nو(قوله: لو أن رجلا اطَّلع عليك بغير إذنٍ، وفقأت عينه ما كان عليك من حرج) ظاهر قوي في الذي قرَّرناه، ويفيد أيضًا أن هذا الحكم جارٍ فيمن اطَّلع على عورة الإنسان، وإن لم يكن من باب. فإنَّ قوله: اطَّلع عليك، يتناول كل","vol":"5","page":481},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-781>(٩) باب نظرة الفجأة، وتسليم الراكب على الماشي، وحق الطريق</span>\n[٢٠٦٨] عَن جَرِيرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: سَأَلتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَن نَظَرة الفُجَاءَةِ، فَأَمَرَنِي أَن أَصرِفَ بَصَرِي.\nرواه أحمد (٤/ ٣٥٨)، ومسلم (٢١٥٩) (٤٥)، وأبو داود (٢١٤٨)، والترمذيُّ (٢٧٧٦).\nــ\nمطلع كيفما كان، ومن أي جهة كان. بل: يتعيَّن أن يقال: إن الشرع إذا علَّق هذا الحكم على الاطلاع في البيت؛ لأنه مظنة الاطلاع على العورة، فلأن يعلق على نفس الاطلاع على العورة أحرى، وأولى، وهذا نظر راجح، غير أن أصحابنا حكوا الإجماع على أن من اطلع على عورة رجل بغير إذنه، ففقأ عينه: أنه لا يسقط عنه الضمان، كما ذكرناه. فإن صح هذا الإجماع، فهو واجب الاتباع. وإن وجد خلاف فما ذكرناه هو الإنصاف.\n(٩ و١٠) ومن باب: نظر الفجأة وتسليم الراكب على الماشي (١)\nقوله: (سألته عن نظرة الفجأة فأمرني أن أصرف بصري) الفجاءة: بضم الفاء والمدِّ والهمز: مصدر فجأني الأمر يفجؤني فُجاءَة: إذا صادفك بغتة من غير قصد. ومنه: قَطَرِي بن الفجاءة؛ اسم رجل. ويقال: فاجأني، يفاجئني، مفاجأةً، وفجاء. وإنما أمره أن يصرف بصره عن استدامة النظر إلى ما وقع عينه عليه أول\n_________\n(١) شرح القرطبي -﵀- تحت هذا العنوان أيضًا ما أشكل في باب: حق المسلم على المسلم.","vol":"5","page":482},{"text":"[٢٠٦٩] وعن أَبي هُرَيرَةَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى المَاشِي، وَالمَاشِي عَلَى القَاعِدِ، وَالقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ.\nرواه أحمد (٢/ ٥١٠)، والبخاريُّ (٦٢٣٢ و٦٢٣٣)، ومسلم (٢١٦٠)، وأبو داود (٥١٩٨ و٥١٩٩)، والترمذيُّ (٢٧٠٤ و٢٧٠٥).\nــ\nمرة؛ وإنما لم يتعرض لذكر الأولى؛ لأنَّها لا تدخل تحت خطاب تكليف؛ إذ وقوعها لا يتأتى أن يكون مقصودًا، فلا تكون مكتسبة، فلا يكون مكلفًا بها، فأعرض عما ليس مكلَّفًا به، ونهاه عما يُكلَّف به؛ لأنَّ استدامة النظر مكتسبة للإنسان؛ إذ قد يستحسن ما وافقه بصره، فيتابع النظر، فيحصل المحذور - وهو النظر إلى ما لا يحل -. ولذلك قال النبي - ﷺ - لعلي بن أبي طالب - ﵁ -: (لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى، وليست لك الثانية) (١).\nوقوله - ﷺ -: (يُسلِّم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير) قد تقدَّم الأمر بالسلام، وبإفشائه في كتاب الإيمان، ولا خلاف بين العلماء في أن الابتداء بالسلام سُنَّة، وأن الرد واجب، قاله أبو محمد عبد الوهاب. وقال أبو عمر بن عبد البر: أجمع العلماء: على أنَّ الابتداء بالسَّلام سُنَّة والردُّ فريضة. غير أن أبا عبد الله المازري قال: الابتداء بالسَّلام سُنَّة والردُّ واجب في المشهور؛ فإذا ردَّ واحدٌ من الجماعة أجزأ عنهم، ثمَّ إن الناس في الابتداء بالسَّلام إما أن تتساوى أحوالهم، أو تتفاوت. فإن تساوت فخيرهم الذي يبدأ صاحبه بالسلام: كالماشي على الماشي، والراكب على الراكب، غير أن الأولى مبادرة ذوي المراتب الدينية، كأهل العلم، والفضل احترامًا لهم، وتوقيرًا، وأما ذوي المراتب الدنيوية المحضة فإنَّ سلَّموا يردَّ عليهم، وإن ظهر عليهم إعجاب، أو كبر فلا يُسلَّم عليهم؛ لأنَّ ذلك معونة لهم على المعصية، وإن لم يظهر ذلك عليهم جاز أن يُبدؤوا بالسَّلام، وابتداؤهم هم بالسلام أولى بهم؛ لأنَّ ذلك يدلّ على\n_________\n(١) رواه الحاكم (٢/ ١٩٤).","vol":"5","page":483},{"text":"[٢٠٧٠] وعن أبي طَلحَةَ قال: كُنَّا قُعُودًا بِالأَفنِيَةِ نَتَحَدَّثُ، فَجَاءَ\nــ\nتواضعهم، وإن تفاوتت فالحكم فيها على ما يقتضيه هذا الحديث، فيبدأ الراكب بالسَّلام على الماشي لعلوِّ مرتبته؛ لأنَّ ذلك أبعد له من الزهو. وأمَّا الماشي: فقد قيل فيه مثل ذلك، وفيه بُعد؛ إذ الماشي لا يزهى بمشيه غالبًا. وقيل: هو معلل: بأن القاعد قد يقع له خوف من الماشي؛ فإذا بدأه بالسَّلام أمن من ذلك، وهذا أيضًا بعيد؛ إذ لا خصوصية للخوف بالقاعد، فقد يخاف الماشي من القاعد، وأشبه من هذا أن يقال: إن القاعد على حال وقار وثبوت وسكون، فله مزيَّة على الماشي بذلك؛ لأنَّ حاله على العكس من ذلك. وأما ابتداء القليل بالسَّلام على الكثير فمراعاة لشرفية جمع المسلمين وأكثريتهم.\nوقد زاد البخاري في هذا الحديث: (ويسلم الصغير على الكبير) وهذه المعاني التي تكلَّف العلماء إبرازها هي حكم تناسب المصالح المحسِّنة والمكمِّلة، ولا نقول: إنها نصبت نصب العلل الواجبة الاعتبار، حتى لا يجوز أن يعدل عنها، فنقول: إن ابتداء القاعد للماشي غير جائز، وكذلك ابتداء الماشي الراكب، بل يجوز ذلك؛ لأنَّه مُظهر للسَّلام، ومفشٍ له كما أمر النبي - ﷺ - بقوله: (أفشوا السَّلام بينكم) (١)، وبقوله: (إذا لقيت أخاك فسلم عليه) (٢) وإذا تقرر هذا فكل واحد من الماشي والقاعد مأمور بأن يسلِّم على أخيه إذا لقيه، غير أن مراعاة تلك المراتب أولى، والله أعلم.\nثم هذا السَّلام المأمور به، وهو أن يقول: السَّلام عليكم، أو: سلامٌ عليكم؛ إذ قد جاء اللفظان في الكتاب والسنة. والسلام في الأصل بمعنى: السلامة، كاللذاذ واللذاذة، كما قال تعالى: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أَصحَابِ اليَمِينِ﴾ أي: فسلامةٌ؛ فعلى هذا يكون معنى قول المسلم (سلام عليك)\n_________\n(١) رواه مسلم (٥٤) من حديث أبي هريرة.\n(٢) رواه أبو داود (٥٢٠٠).","vol":"5","page":484},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nأي: سلامةٌ لك مني وأمان، ولذلك قال - ﷺ -: (السلام أمان لذمتنا، وتحيَّة لملتنا) (١) والسَّلام أيضًا: اسم من أسماء الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿السَّلامُ المُؤمِنُ المُهَيمِنُ﴾ ومعناه في حق الله تعالى: أنه المنزه عن النقائص والآفات التي تجوز على خلقه. وعلى هذا: فيكون معنى قول المسلم: السلام عليك؛ أي: الله مطلع عليك، وناظر إليك، فكأنَّه يذكره باطلاع الله تعالى، ويخوفه به ليأمن منه، ويُسلِّمُه من شرِّه، فإذا دخلت الألف واللام على المعنى الأول كان معناه: السلامة كلها لك مني، وإذا أدخلت على اسم الله تعالى: كانت تفخيمًا وتعظيمًا؛ أي: الله العظيم السليم من النقائص، والآفات، المسلِّم لمن استجار به من جميع المخلوقات. ويقال في السَّلام: سِلمٌ - بكسر السين - قال الشاعر:\nوقفنا فقُلنا إيهِ سِلمًا فسلَّمَت ... كما انكَلَّ بالبَرقِ الغَمَامُ اللَّوائِحُ\nولا يقل المبتدئ: عليك السَّلام، لنهي رسول الله - ﷺ - عن ذلك فيما رواه النِّسائي، وأبو داود من حديث جابر بن سليم قال: لقيت رسول الله ﷺ فقلت: عليك السَّلام، يا رسول الله! فقال: (عليك السلام تحية الميت، السلام عليك - ثلاثا -) (٢) أي: هكذا فقل.\nو(قوله: عليك السَّلام تحيَّة المَيِّت) يعني أنه الأكثر في عادة الشعراء، كما قال:\nعليك سلام الله قيسُ بن عاصمٍ ... ورَحمَتُه ما شاء أن يَتَرحَّما\nلا أن ذلك اللفظ هو المشروع في حق الموتى؛ لأنَّه - ﷺ - قد سلَّم على الموتى،\n_________\n(١) رواه الطبراني في الصغير (١/ ٧٥)، والخطيب في تاريخه (٤/ ٣٩٦)، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ٧٩) وفيه عصمة بن محمد الأنصاري، قال يحيى ابن معين: عصمة كذاب يضع الحديث.\n(٢) رواه أبو داود (٥٢٠٩)، والترمذي (٢٧٢٣)، والنسائي (٩٦٩٤) في الكبرى.","vol":"5","page":485},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَامَ عَلَينَا، فَقَالَ: مَا لَكُم وَلِمَجَالِسِ الصُّعُدَاتِ؟ اجتَنِبُوا مَجَالِسَ الصُّعُدَاتِ. فَقُلنَا: إِنَّمَا قَعَدنَا لِغَيرِ مَا بَأسٍ، قَعَدنَا نَتَذَاكَرُ\nــ\nكما سلَّم على الأحياء، فقال: (السَّلام عليكم دار قومٍ مؤمنين) (١) ويتأكد تقديم لفظ السَّلام إذا تنزلنا على أن اسم السَّلام من أسماء الله تعالى، فإنَّ أسماءه تعالى أحقُّ بالتقديم. وأما الرادُّ: فالواجب عليه أن يردَّ ما سمعه، والمندوب أن يزيد إن بقَّى له المبتدئ ما يزيد، فلو انتهى المبتدئ بالسلام إلى غايته؛ التي هي: السَّلام عليك ورحمة الله وبركاته؛ لم يزد الرادُّ على ذلك شيئًا؛ لأنَّ السلام انتهى إلى البركة، كما قال عبد الله بن عباس. وقد أنكر عبد الله بن عمر على من زاد على ذلك شيئًا، وهذا كلُّه مستفادٌ من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحسَنَ مِنهَا أَو رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ حَسِيبًا﴾ أي: يحاسب على الأقوال كما يحاسب على الأفعال.\nو(قوله: ما لكم ولمجالس الصُّعدات، اجتنبوا مجالس الصُّعدات) الصُّعدات: جمع صعيد، وهو الطريق مطلقًا. وقيل: الطريق الذي لا نبات فيه؛ مأخوذ من الصعيد، وهو: التراب على قول الفرَّاء، أو وجه الأرض على قول ثعلب. ويجمع: صُعُدا، وصعدات، كطرق وطرقات. وقد جاء الصعيد في الرواية الأخرى مفسَّرًا بالطريق. وهذا الحديث إنكارٌ للجلوس على الطرقات، وزجرٌ عنه، لكن محمله على ما إذا لم ترهق إلى ذلك حاجة، كما قالوا: ما لنا من ذلك بُدٌّ؛ نتحدَّث فيها. لكن العلماء فهموا: أن ذلك المنع ليس على جهة التحريم، وإنَّما هو من باب سدِّ الذرائع، والإرشاد إلى الأصلح، ولذلك قالوا: إنما قعدنا لغير ما بأس، قعدنا نتذاكر ونتحدَّث؛ أي: نتذاكر العلم والدين، ونتحدَّث بالمصالح والخير، ولما علم النبي - ﷺ - منهم ذلك، وتحقَّق حاجتهم إليه؛ أباح لهم ذلك، ثم\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٣٠٠ و٤٠٨)، ومسلم (٢٤٩)، والنسائي (١/ ٩٣، ٩٥)، وابن ماجه (٤٣٠٦).","vol":"5","page":486},{"text":"وَنَتَحَدَّثُ، فقَالَ: إِمَّا لَا، فَأَدُّوا حَقَّهَا: غَضُّ البَصَرِ، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَحُسنُ الكَلَامِ.\nرواه أحمد (٤/ ٣)، ومسلم (٢١٦١).\n[٢٠٧١] وعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِيَّاكُم وَالجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا لَنَا بُدٌّ مِن مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا. فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فإِذَا أَبَيتُم إِلَّا المَجلِسَ، فَأَعطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ.\nــ\nنبَّههم على ما يتعين عليهم في مجالسهم تلك من الأحكام.\nو(قوله: إمَّا لا) هي: (إن) الشرطية المكسورة زيدت عليها (ما) تأكيدًا للشرط، و(لا) عبارة عن الامتناع والإباية، فكأنَّه قال: إن كان ولا بُدَّ من إبايتكم، ولا غنى لكم عن قعودكم فيها؛ فأعطوا الطريق حقَّها. فلمَّا سمعوا لفظ الحق - وهو مجمل - سألوا عن تفصيله، ففصَّله لهم بقوله - ﷺ -: (غضُّ البصر، وكفُّ الأذى، وردُّ السَّلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وهذه الحقوق كلها واجبة على من قعد على طريق. ولما كان القعود على الطريق يُفضي إلى أن تتعلق به هذه الحقوق، ولعلَّه لا يقوم ببعضها فيتعرَّض لذمِّ الله تعالى ولعقوبته كره القعود فيها، وغلَّظ بالزجر المتقدِّم، والإنكار، فإن دعت إلى ذلك حاجة، كالاجتماع في مصالح الجيران، وقضاء حوائجهم، وتفقد أمورهم، إلى غير ذلك، قعد على قدر حاجتهم، فإن عرض له شيء من تلك الحقوق وجب القيام به عليه.\nو(كف الأذى) يعني به: لا يؤذي بجلوسه أحدًا من جلسائه بإقامته من مجلسه ولا بالقعود فوقه، ولا بالتضييق عليه، ولا يجلس قبالة دار جاره، فيتأذى بذلك. وقد يكون كفُّ الأذى: بأن يكف بعضهم عن بعض، إلا أن هذا يدخل في قسم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فحمله على المعنى الأول أولى.\nو(قوله: وحسن الكلام) يريد أن من جلس على الطريق فقد تعرض لكلام الناس، فليحسِّن لهم كلامه، ويصلح شأنه.","vol":"5","page":487},{"text":"قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ؟ قَالَ: غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالأَمرُ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيُ عَن المُنكَرِ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٦)، والبخاري (٢٤٦٥)، ومسلم (٢١٢١) (٣)،\nوأبو داود (٤٨١٥).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-782>(١٠) باب حق المسلم على المسلم، والسلام على الغلمان</span>\n[٢٠٧٢] عَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: حَقُّ المُسلِمِ عَلَى المُسلِمِ سِتٌّ. قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّم عَلَيهِ،\nــ\nو(قوله: حق المسلم على المسلم ست) أي: الحقوق المشتركة بين المسلمين عند ملابسة بعضهم بعضا. والحق لغة؛ هو: الثابت. ونقيضه هو: الباطل. والحق في الشريعة: يقال على الواجب وعلى المندوب المؤكد، كما قال: (الوتر حق) (١) لأن كل واحدٍ منهما ثابت في الشرع، فإنَّه مطلوب مقصود قصدًا مؤكدًا، غير أن إطلاقه على الواجب أوَّلُ، وأولى. وقد أطلق في هذا الحديث الحق على القدر المشترك بين الواجب والندب، فإنَّه جمع فيه بين واجبات ومندوبات، وقد تقدَّم أن الابتداء بالسَّلام سنة. وأما إجابة الدعوة: فواجبة في الوليمة كما تقدَّم، وفي غيرها مندوب إليها. وأما النَّصيحة: فواجبة عند الاستنصاح، وفي غيره تفصيل على ما تقدَّم في كتاب الإيمان. وأما تشميت العاطس: فاختلف فيه على ما يأتي. وأما عيادة المريض: فمندوب إليها، إلا أن\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٤١٨)، وأبو داود (١٤٢٢)، والنسائي (٣/ ٢٣٨).","vol":"5","page":488},{"text":"وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبهُ، وَإِذَا استَنصَحَكَ فَانصَح لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشمِّتهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعهُ.\nوفي رواية: (خمس) ولم يذكر (استنصحك).\nرواه أحمد (٢/ ٣٣٢ و٥٤٠)، والبخاريُّ (١٢٤٠)، ومسلم (٢١٦٢) (٤ و٥)، وأبو داود (٥٠٣١)، والترمذيُّ (٢٧٣٧)، والنسائي (٤/ ٣٥).\n[٢٠٧٣] وعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى غِلمَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيهِم.\nرواه البخاريُّ (٦٢٣٧)، ومسلم (٢١٦٨) (١٤)، وأبو داود (٥٢٠٢)، والترمذي (٢٦٩٧)، وابن ماجه (٣٧٠٠).\n* * *\nــ\nيخاف ضياعه فيكون تفقده، وتمريضه واجبًا على الكفاية. وقد تقدَّم الكلام على اتباع الجنائز.\nوكونه - ﷺ - يسلِّم على الصبيان؛ إنما كان ليبيِّن مشروعية ذلك، وليفشي السَّلام، ولينالوا بركة تسليمه عليهم، وليعلمهم كيفية التسليم وسنته، فيألفوه، ويتمرَّنوا عليه.\n* * *","vol":"5","page":489},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-783>(١١) باب لا يبدأ أهل الذمة بالسلام وكيفية الرد عليهم إذا سلموا</span>\n[٢٠٧٤] عَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا تَبدَءُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ، وإِذَا لَقِيتُم أَحَدَهُم فِي طَرِيقٍ فَاضطَرُّوهُ إِلَى أَضيَقِهِ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٣٦)، ومسلم (٢١٦٧)، وأبو داود (٥٢٠٥).\nــ\n(١١) ومن باب: لا يُبدأ أهل الذمَّة بالسلام\nقوله - ﷺ -: (لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسَّلام) إنما نهى عن ذلك لأن الابتداء بالسلام إكرام، والكافر ليس أهلًا لذلك، فالذي يناسبهم الإعراض عنهم، وترك الالتفات إليهم، تصغيرًا لهم، وتحقيرًا لشأنهم، حتى كأنهم غير موجودين.\nو(قوله: وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه) أي: لا تتنحوا لهم عن الطريق الضيق إكرامًا لهم واحترامًا. وعلى هذا فتكون هذه الجملة مناسبة للجملة الأولى في المعنى والعطف. وليس معنى ذلك: أنا إذا لقيناهم في طريق واسع أننا نلجئهم إلى حَرفِه حتى نضيِّق عليهم؛ لأنَّ ذلك أذى منا لهم من غير سبب، وقد نهينا عن أذاهم.\nو(السَّام): الموت. كما قال: (في الحبَّة السوداء شفاءٌ من كل داء إلا السَّام) (١) والسَّام: الموت. وقيل: السَّام: من السآمة، وهو الملال، يقال: سَئم يَسأمُ سَآمة وسَآمًا، وهو تأويل قتادة.\nقلت: وعلى هذا القول: فتُسَهَّلُ همزة سأما وسآمة، فيكون كاللَّذاذ واللَّذَاذة، وعلى الأوَّل الجمهور.\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٤٢٣) و(٦/ ١٤٦)، وانظر: مجمع الزوائد (٥/ ٨٨).","vol":"5","page":490},{"text":"[٢٠٧٥] وعَن أَنَسٍ: أَنَّ أَصحَابَ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ أَهلَ الكِتَابِ يُسَلِّمُونَ عَلَينَا، فَكَيفَ نَرُدُّ عَلَيهِم؟ قَالَ: قُولُوا: وَعَلَيكُم.\nرواه أحمد (٣/ ١١٥)، ومسلم (٢١٦٣) (٧).\n[٢٠٧٦] وعن ابنَ عُمَرَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اليَهُودَ إِذَا سَلَّمُوا عَلَيكُم، يَقُولُ أَحَدُهُم: السَّامُ عَلَيك، فَقُل: عَلَيكَ.\nوفي رواية: فقولوا: وعليك.\nرواه أحمد (٢/ ١٩)، والبخاريُّ (٦٩٢٨)، ومسلم (٢١٦٤) (٨ و٩)، وأبو داود (٥٢٠٦)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٣٧٨ - ٣٨٠).\nــ\nو(عليك) بغير واو: هي الرواية الواضحة المعنى، وأما مع إثبات الواو: ففيها إشكال؛ لأنَّ الواو العاطفة تقتضي التشريك، فيلزم منه أن ندخل معهم فيما دعوا به علينا من الموت، أو من سآمة ديننا. واختلف المتأولون في ذلك فقال بعضهم: الواو زائدة كما زيدت في قول الشاعر (١):\nفلمَّا أجَزنا ساحة الحي وانتحى (٢) ... . . . . . . . . . . . . . . . .\nأى: لما أجزنا انتحى، فزاد (الواو) وقيل: إن (الواو) في الحديث للاستئناف فكأنه قال: والسَّام عليكم. وهذا كله فيه بُعد، وأولى من هذا كُلّه أن يقال: إن (الواو) على بابها من العطف غير أنا نجاب عليهم، ولا يجابون علينا. كما قاله - ﷺ -، ورواية حذف (الواو) أحسن معنى، وإثباتها أصح رواية وأشهر.\n_________\n(١) هو امرؤ القيس.\n(٢) هذا صدر البيت، وعجزه: بنا بَطن خَبْتٍ ذي حِقَافٍ عَقَنْقَلِ\nكذا في الديوان، وفي اللسان: ذي قفاف.","vol":"5","page":491},{"text":"[٢٠٧٧] وعن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ، قال: سَلَّمَ نَاسٌ مِن يَهُودَ عَلَى النبي ﷺ، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيكَ يَا أَبَا القَاسِمِ؟ فَقَالَ: وَعَلَيكُم، فَقَالَت عَائِشَةُ - وَغَضِبَت -: أَلَم تَسمَع مَا قَالُوا؟ قَال: بَلَى، قَد سَمِعتُ، فَرَدَدتُ عَلَيهِم، وَإِنَّا نُجَابُ عَلَيهِم، وَلَا يُجَابُونَ عَلَينَا.\nرواه أحمد (٣/ ٣٨٣)، ومسلم (٢١٦٦) (١٢).\nــ\nوقد اختلف في السَّلام على أهل الذِّمَّة؛ هل هو واجبٌ كالرد على المسلمين؟ وإليه ذهب ابن عبَّاس، والشعبي، وقتادة تمسُّكًا بعموم الآية، وبالأمر بالردِّ عليهم بالذي في هذه الأحاديث. وذهب مالك فيما روى عنه أشهب، وابن وهب إلى أن ذلك ليس بواجب فإنَّ رددت؛ فقل: عليك. والاعتذار عن ذلك: بأن ذلك بيان (١) أحكام المسلمين؛ لأن سلام أهل الذمة علينا (٢) ليس تحية لنا؛ وإنما هو دعاء علينا، كما قد بيَّنه النبي - ﷺ - بقوله: (إنما يقولون: السَّام) فلا هم يحيوننا، ولا نحن نرد عليهم تحيَّة، بل دعاء عليهم ولعنة، كما فعلته عائشة ﵂، وأمره ﷺ لنا بالرد، إنما هو لبيان الرد لما قالوه خاصة، فإن تحققنا من أحدهم أنه تلفظ بالسَّلام رددنا عليه بعليك فقط؛ لإمكان أن يريد بقلبه غير ما نطق بلسانه، وقد اختار ابن طاوس (٣) أن يقول في الرد عليهم: علاكَ السَّلام؛ أي: ارتفع عنك. واختار بعض أصحابنا: السِّلام - بكسر السين -؛ يعني به الحجارة، وهذا كلّه تكلُّف. بل: ما قاله مالك كاف شاف.\n_________\n(١) في (ز): شأن.\n(٢) في (ز): غالبًا.\n(٣) هو أحمد بن موسى بن جعفر بن محمد بن طاووس، من فقهاء الإمامية ومحدثيهم، وهو مصنف مجتهد، وله كتب كثيرة في الفقه، وأصول الدين، والأدب، وتراجم رجال الحديث، توفي سنة ٦٧٣ هـ.","vol":"5","page":492},{"text":"[٢٠٧٨] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: استَأذَنَ رَهطٌ مِن اليَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيكُم، فَقَالَت عَائِشَةُ: بَل عَلَيكُم السَّامُ وَاللَّعنَةُ.\nوفي رواية: السام والذام.\nفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا عَائِشَةُ! إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفقَ فِي الأَمرِ كُلِّهِ.\nوفي رواية: لا تكوني فاحشة. بدل: إن الله يحب.\nقَالَت: أَلَم تَسمَع مَا قَالُوا؟ قَالَ: قَد قُلتُ: وَعَلَيكُم.\nــ\nوقول عائشة ﵂: (بل عليكم السَّام والذَّام) الذَّام بتخفيف الميم؛ الرواية المشهورة فيه بالذال المعجمة: وهو العيب، ومنه: المثل: لا تعدم الحسناء ذامًا؛ أي: عيبًا، ويهمز، ولا يهمز. يقال: ذأمه يذأمه. مثل: دأب عليه يدأب، والمفعول: مذؤوم - مهموزا - ومنه: مَذؤومًا مَدحُورًا، ويقال: ذامه يذومه - مخففًا - كرامه يرومه. قال الأخفش: الذَّام أشدُّ العيب. وقد وقع للعذري هذا الحرف (الهام) بالهاء. يعني: هامة القتيل وصداه التي كانت العرب تتحدَّث بها، وهي من أكاذيبها كما تقدَّم. وتعني بذلك عائشة على هذا: القتل؛ دعت عليه بالموت والقتل، وقاله ابن الأعرابي بالدال المهملة، وفسَّره بالدائم، والصواب الأول إن شاء الله تعالى.\nو(قوله: ففطنت بهم عائشة (١» صحيح الرواية بفاء وطاء مهملة ونون من الفطنة، والفهم. أي: فهمت عنهم ما قالوه. ولابن الحذَّاء: فقطبت. بقاف وباء بواحدة من التقطيب في الوجه، وهو العَبسَة والغضب. وقد جاء مفسَّرا في الرواية الأخرى.\n_________\n(١) هذه العبارة لم ترد في التلخيص، وإنما في صحيح مسلم برقم (٢١٦٥) (١١).","vol":"5","page":493},{"text":"وفي رواية: عليكم من غير واو.\nرواه أحمد (٦/ ٣٧)، والبخاريُّ (٢٩٣٥)، ومسلم (٢١٦٥) (١٠ و١١)، وابن ماجه (٣٦٩٨).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-784>(١٢) باب في احتجاب النساء وما يخفف عنهن من ذلك</span>\n[٢٠٧٩] عَن عَائِشَةَ: أَنَّ أَزوَاجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُنَّ يَخرُجنَ بِاللَّيلِ، إِذَا تَبَرَّزنَ، إِلَى المَنَاصِعِ - وَهُوَ صَعِيدٌ أَفيَحُ - وَكَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ يَقُولُ\nــ\nوقوله لعائشة: (مه) معناه: اكففي. كما تقدَّم.\nو(قوله: لا تكوني فاحشة) أي: لا يصدر عنك كلام فيه جفاء. والفحش: ما يستفحش من الأقوال، والأفعال. غير أنَّه قد كثر إطلاقه على الزنى، وهو غير مراد هنا قطعًا. وهذا منه - ﷺ - لعائشة ﵂ أمر بالتثبت، والرفق، وترك الاستعجال، وتأديبٌ لها لما نطقت به من اللَّعنة وغيرها، والله تعالى أعلم.\n(١٢) ومن باب احتجاب النساء وما يُخفَّف عنهن من ذلك\nقوله: (كن يخرجن بالليل يتبرَّزن إلى المناصع) يتبرَّزن: يخرجن إلى البَرَاز- بفتح الباء - وهو الموضع الذي يُتبرَّز فيه؛ أي: يظهر. والبروز: الظهور، ومنه: ﴿وَتَرَى الأَرضَ بَارِزَةً﴾ أي: ظاهرة. مستوية لا يحجبها شيء، كما قال تعالى: ﴿لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمتًا﴾\nو(المناصع): موضع خارج المدينة.\nو(قوله: وهو صعيد أفيح) أي: أرض مستوية متسعة، وذلك كناية عن","vol":"5","page":494},{"text":"لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: احجُب نِسَاءَكَ، فَلَم يَكُن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفعَلُ، فَخَرَجَت سَودَةُ بِنتُ زَمعَةَ، زَوجُ النَّبِيِّ ﷺ لَيلَةً مِن اللَّيَالِي، عِشَاءً، وَكَانَت امرَأَةً طَوِيلَةً، فَنَادَاهَا عُمَرُ: أَلَا قَد عَرَفنَاكِ، يَا سَودَةُ! حِرصًا عَلَى أَن يُنزَلَ الحِجَابُ. قَالَت\nــ\nخروجهن إلى الحدث؛ إذ لم يكن لهم كنف في البيوت؛ كانوا لا يتخذونها استقذارًا، فكانت النساء يخرجن بالليل إلى خارج البيوت، ويبعدن عنها إلى هذا الموضع. وقد نصَّت على هذا عائشة ﵂ في حديث الإفك.\nوقول عمر - ﵁ - لرسول الله - ﷺ -: (احجب نساءك) مصلحة ظهرت لعمر فأشار بها، ولا يظن بالنبي - ﷺ - أن تلك المصلحة خفيت عليه، لكنَّه كان ينتظر الوحي في ذلك، ولذلك لم يوافق عمر على ذلك حين أشار عليه به، لا سيما وقد كانت عادة نساء العرب ألا يحتجبن لكرم أخلاق رجالهم، وعفاف نسائهم غالبًا، ولذلك قال عنترة:\nوأغُضُّ طرفي ما بدت لي جارتي ... حتى يواري جارتي مأواها\nفلما لم يكن هنالك ريبة؛ تركهم، ولم ينههم استصحابًا للعادة، وكراهة لابتداء أمرٍ أو نهي؛ فإنَّه كان يحبُّ التخفيف عن أمته.\nففيه من الفقه: الإشارة على الإمام بالرأي، وإعادة ذلك إن احتاج إليها، وجواز إشارة المفضول على الفاضل، وجواز إعراض المشار عليه، وتأخير الجواب إلى أن يتبيَّن له وجه يرتضيه.\nوقول عمر - ﵁ - في هذا الحديث: (ألا قد عرفناك يا سودة) يقتضي: أن ذلك كان من عمر - ﵁ - قبل نزول الحجاب؛ لأنَّ عائشة ﵂ قالت فيه: حرصًا على أن ينزل الحجاب، فأنزل الحجاب. والرواية الأخرى تقتضي أن ذلك كان بعد نزول الحجاب، فالأولى أن يحمل ذلك على أن عمر تكرر منه هذا القول قبل نزول الحجاب وبعده، ولا بُعد فيه. ويحتمل","vol":"5","page":495},{"text":"عَائِشَةُ: فَأُنِزَلَ الحِجَابُ.\nرواه البخاريُّ (١٤٦)، ومسلم (٢١٧٠) (١٨).\nــ\nأن يحمل ذلك على أن بعض الرواة ضمَّ قصة إلى أخرى، والأول أولى؛ فإنَّ عمر بن الخطاب - ﵁ - وقع في قلبه نفرة عظيمة، وأنفة شديدة من أن يطلع أحدٌ على حرم النبي - ﷺ - حتى صرح له بقوله: احجب نساءك؛ فإنَّهن يراهن البر والفاجر. ولم يزل ذلك عنده إلى أن نزل الحجاب وبعده. فإنه كان قصده: ألا يخرجن أصلًا، فأفرط في ذلك فإنَّه مفض إلى الحرج والمشقة، والإضرار بهن، فإنَّهن محتاجات إلى الخروج، ولذلك قال النبي - ﷺ - لما تأذَّت بذلك سودة: (قد أذن لَكُنَّ أن تخرجن لحاجتكنَّ).\nو(قوله: فأنزل الحجاب) أي: آية الحجاب؛ وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَن يُؤذَنَ لَكُم﴾ إلى قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ كذلك روي عن أنس وابن مسعود - ﵄ -؛ غير أن هذا يتوجَّه عليه إشكال، وهو: أن حديث أنس وابن مسعود (١) يقتضي: أن سبب نزولها هو: أن النبي - ﷺ - حين أعرس بزينب اجتمع عنده رجال فجلسوا في بيته، وزوجته مولية وجهها إلى الحائط، فأطالوا المجلس حتى ثقلوا عليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية (٢). وحديث عائشة يقتضي أن الحجاب إنَّما نزل بسبب قول عمر: احجب نساءك. ويزول ذلك الإشكال بأن يقال: إن الآية نزلت عند مجموع السَّببين. فيكون عمر قد تقدَّم قوله: احجب نساءك، وكرر ذلك عليه إلى أن اتفقت قصة بناء زينب، فصدقت نسبة نزول الآية لكل واحد من ذينك السَّببين.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (م ٢).\n(٢) رواه مسلم (١٤٢٨).","vol":"5","page":496},{"text":"[٢٠٨٠] وعنها قَالَت: خَرَجَت سَودَةُ، بَعدَمَا ضُرِبَ عَلَيهَا الحِجَابُ، لِبعض حَاجَتَهَا، وَكَانَت امرَأَةً جَسِيمَةً تَفرَعُ النِّسَاءَ جِسمًا، لَا تَخفَى عَلَى مَن يَعرِفُهَا، فَرَآهَا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، فَقَالَ: يَا سَودَةُ! وَاللَّهِ مَا تَخفَينَ عَلَينَا، فَانظُرِي كَيفَ تَخرُجِينَ، قَالَت: فَانكَفَأَت رَاجِعَةً وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيتِي، وَإِنَّهُ لَيَتَعَشَّى وَفِي يَدِهِ عَرقٌ، فَدَخَلَت فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي خَرَجتُ، فَقَالَ لِي عُمَرُ: كَذَا وَكَذَا، قَالَت: فَأُوحِيَ إِلَيهِ، ثُمَّ رُفِعَ عَنهُ، وَإِنَّ العَرقَ فِي يَدِهِ مَا وَضَعَهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَد أُذِنَ لَكُنَّ أَن تَخرُجنَ لِحَاجَتِكُنَّ.\nرواه مسلم (٢١٧٠) (١٧).\nــ\nقلت: وهذا الحجاب الذي أمر به أزواج النبي - ﷺ - وخُصِّصن به هو في الوجه والكفين.\nقال القاضي عياض: لا خلاف في فرضه عليهن في الوجه والكفين الذي اختلف في ندب غيرهن إلى ستره، قالوا: ولا يجوز لهن كشف ذلك لشهادة ولا غيرها، ولا ظهور أشخاصهن، وإن كن مستترات إلا ما دعت إليه الضرورة من الخروج إلى البراز، وقد كن إذا خرجن جلسن للناس من وراء حجاب، وإذا خرجن لحاجة حجبن وسترن.\nو(قوله: تفرع النساء جسمًا) أي: طولًا. يقال: فرعت القوم: إذا طلتهم. و(انكفأت) صوابه بالهمزة، بمعنى: انقلبت وانصرفت. يقال: كفأت القوم كفئًا: إذا أرادوا وجها فصرفتهم إلى غيره، فانكفؤوا. ووقع لبعض الرواة: انكفت - بحذف الهمزة والألف -، وكأنه لما سهل الهمزة بقيت الألف ساكنة، فلقيها ساكن فحذفت.\nو(العرق) - بفتح العين وسكون الراء -: العظم الذي عليه اللحم. واعترقت العظم، وتعرَّقته: إذا تتبعت ما عليه من اللحم. والعراق: العظم الذي لا لحم عليه.\nو(قوله: قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن) لا خلاف في أن المرأة إن","vol":"5","page":497},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nتخرج لما تحتاج إليه من أمورها الجائزة لكنها تخرج على حال بذاذة، وتستُّر، وخشونة ملبس؛ بحيث يستر حجم أعضائها، غير متطيِّبة، ولا متبرِّجة بزينة، ولا رافعة صوتها. وعلى الجملة فالحال التي يجوز لها الخروج عليها: أن تكون بحيث لا تمتد لها عين، ولا تميل إليها نفس، وما أعدم هذه الحالة في هذه الأزمان؛ لما يظهرن من الزينة والطيب، والتبختر في الملابس الحسان، فمسامحتهن في الخروج على تلك الحال فسوق وعصيان. فإن قيل: فما الزينة التي اسثنى الله تعالى لهن إظهارها في قوله: ﴿وَلا يُبدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنهَا﴾ فالجواب: إن ذلك اختلف فيه. فقال ابن مسعود: إنها الثياب. يعني بذلك: ثيابها التي تستتر بها، ولا تُستَر هي، كالملحفة، والخمار. وعلى هذا فلا يجوز أن تبدي مما تحت ذلك شيئًا؛ لا كحلًا، ولا خاتمًا، ولا غير ذلك مما يستر بالملحفة والخمار. وقال ابن عباس والمسور: هي الكحل، والخاتم؛ يعني: أن العين لا يمكن سترها، وقد تتناول بيد الخاتم ما تحتاج إليه. وقال الحسن ومالك: هو الوجه، والكفان؛ لأنَّهما ليسا بعورة؛ إذ يجب كشفهما عليها في الإحرام عبادة، ويظهر ذلك منها في الصلاة، وهما اللذان يبدوان منها عادة. والكلُّ محومون على أن المستثنى: هو ما يتعذر ستره إما عادة، وإما عبادة، وقد دلَّ على أن المطلوب من المرأة ستر ما تتمكن من ستره؛ قول الله تعالى: ﴿وَلا يُبدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنهَا وَليَضرِبنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ المُؤمِنِينَ يُدنِينَ عَلَيهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدنَى أَن يُعرَفنَ فَلا يُؤذَينَ﴾\nفالخمار ما يلف على الرأس، والحلق، والجلباب اختلف فيه. فقال الحسن: هو الرداء. وقال ابن جبير: المقنعة. وقال قطرب: هو كل ثوب تلبسه المرأة فوق ثيابها. وقال أبو عبيدة: أدنى الجلباب أن تغطي وجها إلا قدر ما تبصر منه.\nفرع: إذا قلنا: إن الوجه والكفين ليسا بعورة، وإنه يجوز لها كشفهما؛ فإذا كانت بارعة الجمال، وجب عليها أن تستر وجهها لئلا تفتن الناس، فتكون من","vol":"5","page":498},{"text":"[٢٠٨١] عن ابنَ مَسعُودٍ قال: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِذنُكَ عَلَيَّ أَن يُرفَعَ الحِجَابُ، وَأَن تَسمِعَ سِوَادِي، حَتَّى أَنهَاكَ.\nرواه أحمد (١/ ٤٠٤)، ومسلم (٢١٦٩)، وابن ماجه (١٣٩).\n* * *\nــ\nالمميلات اللاتي قد توعدن بالنار، وللكلام في هذا متسع، وفيما ذكرناه مَقنَعٌ.\nوقوله - ﷺ - لابن مسعود - ﵁ -: (إذنك علي أن يرفع الحجاب وأن تسمع (١) سوادي) الرواية في: (أن يرفع) أن يبنى لما لم يسم فاعله. ولا يجوز غيرها. وسببه: أن النبي - ﷺ - جعل لعبد الله إذنًا خاصًّا به، وهو أنه إذا جاء بيت النبي - ﷺ - فوجد الستر قد رفع دخل من غير إذن بالقول، ولم يجعل ذلك لغيره إلا بالقول. كما قال تعالى: ﴿لا تَدخُلُوا بُيُوتًا غَيرَ بُيُوتِكُم حَتَّى تَستَأنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهلِهَا﴾ وبقوله تعالى: ﴿لا تَدخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَن يُؤذَنَ لَكُم﴾. ولذلك كانت الصحابة - ﵃ - تذكر ذلك في فضائل ابن مسعود، فتقول: كان ابن مسعود يُؤذن له إذا حجبنا، وكأن ابن مسعود كان له من التبسُّط في بيت النبي - ﷺ - والانبساط ما لم يكن لغيره: لما علمه النبي - ﷺ - من حاله، ومن خلقه، ومن إلفه لبيته.\nويستفاد من هذا الحديث أن ربَّ المنزل لو جعل رفع ستر بيته علامة على الإذن في الدخول إليه لاكتفي بذلك عن الاستئذان بالقول.\nو(السَّواد) بكسر السين: الرواية، وهو السِّرار. تقول: ساودته مساودة وسوادًا؛ أي: ساررته. وأصله: إدناء سوادك من سواده - بفتح السين - وهو: الشخص.\n_________\n(١) كذا في كل نسخ المفهم، وفي صحيح مسلم: تستمع.","vol":"5","page":499},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-785>(١٣) باب النهي عن المبيت عند غير ذات محرم وعن الدخول على المغيبات</span>\n[٢٠٨٢] عَن جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا يَبِيتَنَّ أحد عِندَ امرَأَةٍ ثَيِّبٍ، إِلَّا أَن يَكُونَ نَاكِحًا أَو ذَا مَحرَمٍ.\nرواه مسلم (٢١٧١).\n[٢٠٨٣] وعَن عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِيَّاكُم وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ. فَقَالَ رَجُلٌ مِن الأَنصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيتَ\nــ\n(١٣) ومن باب النهي عن المبيت عند غير ذات محرم\n(قوله: لا يبيتن رجل عند امرأة ثيِّب إلا أن يكون ناكحًا، أو ذا محرم) هذا الحديث لا دليلَ خطابٍ له بوجه؛ لأنَّ الخلوة بالأجنبية - بكرًا كانت، أو ثيبًا، ليلًا أو نهارًا - محرمة بدليل قوله - ﷺ -: (لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان) (١)، وبقوله: (لا يدخلن رجلٌ على مغيِّبة إلا ومعه رجل، أو رجلان) (٢) وبقوله: (إياكم والدخول على المغيبات) (٣) وبالجملة فالخلوة بالأجنبية حرام بالاتفاق في كل الأوقات، وعلى كل الحالات. وإنَّما خصَّ المبيت عند الثيب بالنهي؛ لأنَّ الخلوة بالثيب بالليل هي التي تمكن غالبًا، فإنَّ الأبكار يتعذر الوصول إليهن غالبًا للمبالغة في التحرز بهن، ولنفرتهن عن الرجال، ولأن الخلوة بالنهار تندر، فخرج النهي على المتيسَّر غالبًا.\nو(قوله: إياكم والدخول على المغيبات) هذا تحذير شديد، ونهي وكيد،\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ١٨)، والترمذي (٢١٦٥).\n(٢) رواه أحمد (١/ ١٧١)، ومسلم (٢١٧٣).\n(٣) رواه أحمد (٣/ ٢٩٨)، والترمذي (١١٧٢) بلفظ: \"لا تلجوا على المغيبات\".","vol":"5","page":500},{"text":"الحَمء؟ قَالَ: الحَمء المَوتُ.\nقَالَ اللَّيثَ بنَ سَعدٍ: الحَموُ أَخو الزَّوجِ، وَمَا أَشبَهَهُ مِن أَقَارِبِ الزَّوجِ؛ ابنُ العَمِّ وَنَحوُهُ.\nرواه أحمد (٤/ ١٤٩)، والبخاريُّ (٥٢٣٢)، ومسلم (٢١٧٢) (٢٠ و٢١)، والترمذيُّ (١١٧١).\nــ\nكما يقال: إياك والأسد، وإياك والشرَّ؛ أي: اتق ذلك واحذره، والمنصوبان: مفعولان بفعلين مقدرين يدلّ عليهما المعنى.\nو(المغيبات): جمع مغيبة، وهي التي غاب عنها زوجها؛ يقال: غاب الزوج، فهو غائب، وأغابت زوجته في حال غيبته، فهي مغيبة.\nو(الحمء): أحد (١) الأحماء، وهم قرابة الزوج، مثل أخيه، وعمه، وابنيهما. ويقال لهؤلاء من جهة الزوجة: أختان. والصهر يجمع ذلك كله. وقد جاء الحمء في هذا الحديث مهموزًا، والهمز أحد لغاته. ويقال فيه: حمو - بواو مضمومة - كدلو، و(حمى) مقصور، كـ (عصا) والأشهر فيه: أنه من الأسماء الستَّة (٢) المعتلَّة المضافة التي تعرب في حال إضافتها إلى غير ياء المتكلم بالواو رفعًا، وبالألف نصبًا، وبالياء خفضًا؛ فتقول: جاءني حموك، ورأيت حماك، ومررت بحميك.\nو(قوله: الحمء الموت) أي: دخوله على زوجة أخيه يشبه الموت في الاستقباح والمفسدة؛ أي: فهو مُحرَّم معلوم التحريم، وإنَّما بالغ في الزجر عن ذلك، وشبهه بالموت لتسامح الناس في ذلك من جهة الزوج والزوجة، لإلفهم لذلك، حتى كأنه ليس بأجنبي من المرأة عادة، وخرج هذا مخرج قول العرب: الأسد الموت، والحرب الموت. أي: لقاءه يفضي إلى الموت. وكذلك دخول\n_________\n(١) في (ع) و(ج ٢) و(ل ١): واحد.\n(٢) في (ل ١): الخمسة.","vol":"5","page":501},{"text":"[٢٠٨٤] وعن عَبدَ اللَّهِ بنَ عَمرِو بنِ العَاصِ: أَنَّ نَفَرًا مِن بَنِي هَاشِمٍ دَخَلُوا عَلَى أَسمَاءَ بِنتِ عُمَيسٍ، فَدَخَلَ أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ، وَهِيَ تَحتَهُ يَومَئِذٍ، فَرَآهُم، فَكَرِهَ ذَلِكَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: لَم أَرَ إِلَّا خَيرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ قَد بَرَّأَهَا مِن ذَلِكَ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى المِنبَرِ فَقَالَ: لَا يَدخُلَنَّ رَجُلٌ بَعدَ يَومِي هَذَا، عَلَى مُغِيبَةٍ، إِلَّا مَعَهُ رَجُلٌ أَو اثنَانِ.\nرواه أحمد (٢/ ١٨٦)، ومسلم (٢١٧٣) (٢٢).\n* * *\nــ\nالحمو على المرأة يفضي إلى موت الدِّين، أو إلى موتها بطلاقها عند غيرة الزوج، أو برجمها إن زنت معه.\nو(قوله: إن نفرًا من بني هاشم دخلوا على أسماء بنت عميس) كان هذا الدخول في غيبة أبي بكر - ﵁ -، لكنه كان في الحضر لا في السفر، وكان على وجه ما يعرف من أهل الصلاح والخير، مع ما كانوا عليه قبل الإسلام مما تقتضيه مكارم الأخلاق من نفي التهمة والريب، كما قدمناه. ولعل هذا كان قبل نزول الحجاب، وقبل أن يُتقدَّم لهم في ذلك بأمر ولا نهي؛ غير أن أبا بكر - ﵁ - أنكر ذلك بمقتضى الغيرة الجبليَّة، والدِّينيَّة، كما وقع لعمر ﵁ في الحجاب. ولما ذكر ذلك للنبي - ﷺ - قال: ما يعلمه من حال الدَّاخلين، والمدخول لها، قال (١): (لم أر إلا خيرًا؛ يعني: على الفريقين، فإنَّه علم أعيان الجميع؛ لأنَّهم كانوا من مسلمي بني هاشم، ثم خصَّ (٢) أسماء بالشهادة لها فقال: (إن الله قد برأها من ذلك) أي: مما وقع في نفس أبي بكر، فكان ذلك فضيلة عظيمة من أعظم فضائلها، ومنقبة من أشرف مناقبها، ومع ذلك فلم يكتف\n_________\n(١) أي: أبو بكر -﵁-.\n(٢) أي: رسول الله - ﷺ -.","vol":"5","page":502},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-786>(١٤) باب اجتناب ما يوقع في التهم ويجر إليه</span>\n[٢٠٨٥] عَن صَفِيَّةَ بِنتِ حُيَيٍّ قَالَت: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مُعتَكِفًا - وفي رواية: في المسجد في العشر الأواخر من رمضان - فَأَتَيتُهُ أَزُورُهُ لَيلًا، فَحَدَّثتُهُ،\nــ\nبذلك رسول الله - ﷺ - حتى جمع الناس، وصعد المنبر، فنهاهم عن ذلك، وعلمهم ما يجوز منه فقال: (لا يدخلن رجل على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان) سدًّا لذريعة الخلوة، ودفعًا لما يؤدِّي إلى التهمة. وإنَّما اقتصر على ذكر الرَّجل والرَّجلين لصلاحية أولئك القوم؛ لأنَّ التهمة كانت ترتفع بذلك القدر. فأما اليوم: فلا يكتفى بذلك القدر، بل بالجماعة الكثيرة لعموم المفاسد، وخبث المقاصد، ورحم الله مالكًا، لقد بالغ في هذا الباب حتى منع فيه ما يجرّ إلى بعيد التهم والارتياب (١)؛ حتى منع خلوة المرأة بابن زوجها، والسفر معه، وإن كانت محرَّمة عليه؛ لأنَّه ليس كل أحد يمتنع بالمانع الشرعي؛ إذا لم يقارنه مانع عادي، فإنَّه من المعلوم الذي لا شك فيه: أن موقع امتناع الرجل من النظر بالشهوة لامرأة أبيه (٢) ليس كموقعه منه لأمه وأخته. هذا قد استحكمت عليه النفرة العادية، وذلك قد أنست به النفس الشهوانية، فلا بدَّ مع المانع الشرعي في هذا من مراعاة الذرائع الحاليَّة (٣).\n(١٤) ومن باب: اجتناب التهم وما يجر إليها\nقد تقدَّم الكلام على الاعتكاف لغة وشرعًا في كتابه.\nقول صفية ﵂: (فأتيته أزوره ليلًا، فحدَّثته) دليل على جواز\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ل ١).\n(٢) ما بين حاصرتين سقط من (ل ١).\n(٣) في (ل ١): العاديَّة.","vol":"5","page":503},{"text":"ثُمَّ قُمتُ لِأَنقَلِبَ، فَقَامَ مَعِيَ لِيَقلِبَنِي، وَكَانَ مَسكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ، فَمَرَّ رَجُلَانِ مِن الأَنصَارِ، فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ ﷺ أَسرَعَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: عَلَى رِسلِكُمَا، إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنتُ حُيَيٍّ،\nــ\nزيارة المعتكف، والتحدُّث معه، غير أنه يكره الإكثار من ذلك؛ لئلا يشتغل عما دخل إليه من التفرُّغ لعبادة الله تعالى، وعلى أنه: لا تكره له الخلوة مع أهله في معتكفه، ولا الحديث معها، وإنما الممنوع المباشرة، لكن هذا للأقوياء، وأما من يخاف على نفسه غلبة شهوة، فلا يجوز لئلا يفسد اعتكافه. وقد كان كثير من الفضلاء يجتنبون دخول منازلهم في نهار رمضان مخافة الوقوع فيما يفسد الصوم، أو ينقص ثوابه.\nوقولها: (ثم قمت لأنقلب، فقام ليقلبني) أي: لأنصرف.\nو(ليقلبني): يصرفني، وهو مفتوح الياء ثلاثيًّا، وهذا يدلّ على أن للمعتكف أن ينصرف في المسجد، وإلى بابه إذا دعته إلى ذلك حاجة؛ غير أنه لا يخرج من بابه إلا للأمور الضرورية التي تقدَّم ذكرها، وقد روي في هذا الحديث: أنه إنما خرج معها إلى باب المسجد. وعلى هذا تأوَّل البخاري، ولم يختلف العلماء: أنه لا يفسده خروجه إلى باب المسجد، وإن اختلفوا في كراهة تصرُّفه فيه لغير ضرورة، كزيارة مريض، أو صلاة على جنازة، أو صعود إلى المنارة للأذان، أو الجلوس إلى قومٍ ليصلح بينهم، فكره مالك كل ذلك في المشهور عنه.\nوقوله - ﷺ -: (على رسلكما؛ إنما هي صفيَّة) الرِّسل - بكسر الراء -: الرفق واللين، وليس فتح الراء فيه معروفًا. و(الرِّسل) بالكسر أيضًا: اللبن. وقد جاء: أرسل القوم: صار لهم اللبن في مواشيهم.\nو(الرَّسَل) بفتح الراء والسين: القطيع من الخيل، والإبل، والغنم، وجمعه: أرسال. يقال: جاءت الخيل أرسالًا؛ أي: قطيعًا قطيعًا، و(إنما) هنا لتحقيق المتصل بها، وتمحيق المنفصل عنها، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: الإلهية متحققة له منفيَّة عن","vol":"5","page":504},{"text":"فَقَالَا: سُبحَانَ اللَّهِ! يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: إِنَّ الشَّيطَانَ يَجرِي مِن الإِنسَانِ مَجرَى الدَّمِ،\nــ\nغيره. فكأنه قال: هذه صفيَّة لا غيرها حَسمًا لذريعة التُّهم، وردًا لتسويل الشيطان ووسوسته، كما قد نصَّ عليه، وإذا كان النبي - ﷺ - يتَّقي مواقع التُّهم عند (١) قيام الأدلة القاطعة على عصمته كان غيره بذلك أولى.\nوقول الرجلين: (سبحان الله) معنى هذه الكلمة في أصلها: البراءة لله من السُّوء. لكنها قد كثر إطلاقها عند التعجب والتفخيم، أو الإنكار، كما قال تعالى: ﴿سُبحَانَكَ هَذَا بُهتَانٌ عَظِيمٌ﴾ وكقوله - ﷺ -: (سبحان الله إن المؤمن لا ينجس) (٢) ومثله كثير، وهذا الموضع منها، فكأنهما قالا: البراءة لله تعالى من أن يخلق في نفوسنا ظنَّ سوَّء بنبيِّه - ﷺ -، ولذلك قال في الرواية الأخرى: (ومن كنت أظن به فلم أكن أظن بك!).\nوقوله: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم) حمله بعض العلماء على ظاهره. فقال: إن الله تعالى جعل للشيطان قوَّة وتمكُّنًا من أن يسري في باطن الإنسان، ومجاري دمه. والأكثر على أن معنى هذا الحديث: الإخبار عن ملازمة الشيطان للإنسان واستيلائه عليه بوسوسته، وإغوائه، وحرصه على إضلاله، وإفساد أحواله. فيجب الحذر منه، والتحرُّز من حيله، وسدُّ طرق وسوسته، وإغوائه وإن بعدت. وقد بين ذلك في آخر الحديث بقوله: (إني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرًّا، فتهلكا) (٣) وخصوصًا في مثل هذا الذي يفضي بالإنسان إلى\n_________\n(١) في (ج ٢): مع.\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٢٣٥)، والبخاري (٢٨٣)، ومسلم (٣٧١)، وأبو داود (٢٣١)، والترمذي (١٢١)، والنسائي (١/ ١٤٥)، وابن ماجه (٥٣٤).\n(٣) هذه الكلمة ليست في الحديث الذي في التلخيص، ولا في رواياته في صحيح مسلم، وهي في غير مسلم كما أشار إلى ذلك بعد قليل. ولم نجدها في المصادر الحديثية المتوافرة لدينا.","vol":"5","page":505},{"text":"وَإِنِّي خَشِيتُ أَن يَقذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا. أَو قَالَ: شَيئًا.\nوفي رواية: أنه كان رجلا واحدا، وأنه قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَن كُنتُ أَظُنُّ بِهِ، فَلَم أَكُن أَظُنُّ بِك.\nرواه أحمد (٦/ ٣٣٧)، والبخاري (٣٢٨١)، ومسلم (٢١٧٤) (٢٣) و(٢١٧٥) (٢٤ و٢٥)، وأبو داود (٢٤٧٠ و٢٤٧١)، وابن ماجه (١٧٧٩).\n* * *\nــ\nالكفر، فإنَّ ظنَّ السَّوء والشر بالأنبياء كفرٌ.\nقال القاضي عياض ﵀: في هذا الحديث من الفقه: إن من قال في النبي ﷺ شيئًا من هذا (١)، أو جوَّزه عليه فهو كافر مستباح الدم.\nو(قوله: يقذف في قلوبكما شرًّا) أي: يرمي. ومنه: القذف أي (٢) الرَّمي، والقذَّافة: الآلة التي تُرمَى بها الحجارة. والشرُّ هنا: هو الكفر الذي ذكرناه. وفي غير مسلم: (فتهلكا) أي: بالكفر الذي يلزم عن ظنِّ السَّوء بالنبي - ﷺ -. وذكر في الرواية الأخرى: أنه كان رجلًا واحدًا؛ فيحتمل أن يكون هذا في مرتين. ويحتمل أن يكون النبي - ﷺ - أقبل على أحدهما بالقول بحضرة الآخر، فتصح نسبة القصَّة إليهما جمعًا وإفرادًا، والله تعالى أعلم.\n* * *\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (م ٢).\n(٢) في (ج ٢): وهو.","vol":"5","page":506},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-787>(١٥) باب من رأى فرجة في الحلقة جلس فيها وإلا جلس خلفهم</span>\n[٢٠٨٦] عَن أَبِي وَاقِدٍ اللَّيثِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَينَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي المَسجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ، إِذ أَقبَلَ نَفَرٌ ثَلَاثَةٌ، فَأَقبَلَ اثنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرجَةً فِي الحَلقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلفَهُم، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَلَا أُخبِرُكُم عَن النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُم فَأَوَى إِلَى اللَّهِ، فَآوَاهُ اللَّهُ،\nــ\n(١٥) ومن باب: من رأى فُرجَة في الحلقة جلس فيها\nقوله: (إذ أقبل نفر ثلاثة) يدلّ: على أن أقل ما يقال عليه نفر: ثلاثة؛ إذ لا يقال: نفر اثنان، ولا: نفر واحد.\nو(قوله: أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله) الرواية الصحيحة بقصر الأول، وهو ثلاثي غير مُتعد. ومد الثاني وهو متعد رباعي. وهو قول الأصمعي. وهي لغة القرآن. قال الله تعالى: ﴿إِذ أَوَى الفِتيَةُ إِلَى الكَهفِ﴾ أي: انضمُّوا، ونزلوا. وقال في الثاني: ﴿أَلَم يَجِدكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ أي: فضمَّك إليه. وقال أبو زيد: آويته أنا إيواءً، وأويته: إذا أنزلته بك، فَعَلت وأفعَلت بمعنًى.\nقلت: فأما أويت لِمَفَاقِره (١): فبالقصر لا غير.\n_________\n(١) \"المَفَاقِر\": وجوه الفقر لا واحد لها، كما في اللسان.","vol":"5","page":507},{"text":"وَأَمَّا الآخَرُ فَاستَحيَا، فَاستَحيَا اللَّهُ مِنهُ،\nــ\nومعنى ذلك: أن هذا الرجل لما انضم إلى الحلقة ونزل فيها، جازاه الله تعالى على ذلك بأن ضمه إلى رحمته، وأنزله في جنته وكرامته.\nففيه: الحضُّ على مجالسة العلماء، ومداخلتهم، والكون معهم؛ فإنَّهم القومُ الذين لا يشقى بهم جليسهم.\nوفيه: التحلق لسماع العلم في المسجد حول العالم، والحضُّ على سدِّ خلل الحلقة؛ لأنَّ القرب من العالم أولى، لما يحصل من ذلك من حسن الاستماع، والحفظ، والحال في حلق الذكر كالحال في صفوف الصلاة. يُتَمُّ الصَّف الأول، فإنَّ كان نقص ففي المؤخر.\nو(الحَلقة) بفتح الحاء وسكون اللام، وكذلك حلقة الباب. والحلقة: الدروع، والجمع: الحلق على غير قياس. وقال الأصمعي: الجمع حِلَق، مثل: بَدرَة وبِدَر، وقَصعة وقِصَع، وحكى يونس عن أبي عمرو بن العلاء: حَلَقة - في الواحد بتحريك اللام - والجمع: حَلَق، وحَلَقات. وقال أبو عمرو الشيباني: ليس في الكلام حَلَقة - بتحريك اللام - إلا قولهم: هؤلاء قوم حَلَقة: جمع حالق للشعر.\nو(قوله: وأما الآخر فاستحيا، فاستحيا الله منه) كأن هذا الثالث كان متمكِّنًا من المزاحمة؛ إذ لو شرع فيها لفسح له؛ لأنَّ التَّفسُّح في المجلس مأمورٌ به، مندوبٌ إليه، لكن منعه من ذلك الحياء فجلس خلف الصف الأول، ففاتته فضيلة التقدُّم، لكنه جازاه الله على إصغائه، واستحيائه بأن لا يعذبه، وبأن يكرمه. وقد تقدَّم الكلام في الحياء، واستحياء الله تعالى، وأن معناه في حقه تعالى: أنه يعامل عبيده بما يعامل به من يستحيي منه؛ من المغفرة والكرامة؛ كما قد جاء عنه - ﷺ -: (إن الله يستحيي من ذي الشيبة المسلم أن يعذبه) (١).\n_________\n(١) رواه الطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد (١٠/ ١٤٩) وذكر الهيثمي في إسناده ضعفًا.","vol":"5","page":508},{"text":"وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعرَضَ، فَأَعرَضَ اللَّهُ عَنهُ.\nرواه أحمد (٥/ ٢١٩)، والبخاري (٦٦)، ومسلم (٢١٧٦)، والترمذي (٢٧٢٤).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-788>(١٦) باب النهي عن أن يقام الرجل من مجلسه، ومن قام من مجلسه ثم رجع إليه عن قرب فهو أحق به</span>\n[٢٠٨٧] عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: لا يقم الرجل الرجل\nــ\nو(قوله: وأما الآخر فأعرض، فأعرض الله عنه) إن كان هذا المعرض منافقًا فإعراض الله عنه تعذيبه في نار جهنم، وتخليده فيها في الدرك الأسفل منها. وإن كان مسلمًا، وإنما انصرف عن الحلقة لعارض عرض له فآثره، فإعراض الله تعالى عنه: منع ثوابه عنه، وحرمانه مجالسة النبي - ﷺ -، والاستفادة منه، والخير الذي حصل لصاحبيه (١).\n(١٦) ومن باب النهي عن أن يقام الرجل من مجلسه\nنهيه - ﷺ - عن أن يقام الرجل من مجلسه إنما كان ذلك لأجل: أن السَّابق لمجلس قد اختصَّ به إلى أن يقوم باختياره عند فراغ غرضه؛ فكأنه قد ملك منفعة ما اختصَّ به من ذلك، فلا يجوز أن يحال بينه وبين ما يملكه، وعلى هذا فيكون النهي على ظاهره من التَّحريم، وقيل: هو على الكراهة. والأول أولى. ويستوي في هذا المعنى أن يجلس فيه بعد إقامته، أو لا يجلس، غير أن هذا الحديث خرج\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (م ٢).","vol":"5","page":509},{"text":"من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا.\nرواه أحمد (٢/ ٨٩)، والبخاريُّ (٦٢٦٩)، ومسلم (٢١٧٧) (٢٨)، وأبو داود (٤٨٢٨)، والترمذيُّ (٢٧٤٩).\n[٢٠٨٨] وعَن جَابِرٍ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا يُقِيمَنَّ أَحَدُكُم أَخَاهُ يَومَ الجُمُعَةِ، ثُمَّ ليُخَالِف إِلَى مَقعَدِهِ فَيَقعُدَ فِيهِ، وَلَكِن يَقُولُ: افسَحُوا.\nرواه أحمد (٣/ ٢٩٥ - ٣٤٢)، ومسلم (٢١٧٨).\nــ\nعلى أغلب ما يفعل من ذلك، فإنَّ الإنسان في الغالب إنما يقيم الآخر من مجلسه ليجلس فيه. وكذلك يستوي فيه يوم الجمعة، وغيره من الأيام التي يجتمع الناس فيها، لكن جرى ذكر يوم الجمعة في هذا الحديث؛ لأنَّه اليوم الذي يجتمع الناس فيه، ويتنافسون في المواضع القريبة من الإمام، وعلى هذا: فيلحق بذلك ما في معناه، ولذلك قال ابن جريج: في يوم الجمعة وغيرها.\nو(قوله: ولكن تفسَّحوا، وتوسَّعوا) هذا أمر للجلوس (١) بما يفعلون مع الداخل، وذلك: أنه لما نهي عن أن يقيم أحدًا من موضعه تعيَّن على الجلوس (١) أن يوسِّعوا له، ولا يتركوه قائمًا، فإنَّ ذلك يؤذيه، وربما يخجله. وعلى هذا: فمن وجد من الجلوس (٢) سعة تعيَّن عليه أن يوسع له. وظاهر ذلك أنه على الوجوب تمسُّكًا بظاهر الأمر، وكأن القائم يتأذى بذلك، وهو مسلم، وأذى المسلم حرام. ويحتمل أن يقال: إن هذه آداب حسنة، ومن مكارم الأخلاق، فتحمل على الندب.\nوقد اختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُم تَفَسَّحُوا فِي المَجَالِسِ فَافسَحُوا يَفسَحِ اللَّهُ لَكُم﴾ فقيل: هو مجلس النبي - ﷺ - كانوا يزدحمون فيه تنافسًا في القرب من النبي - ﷺ -. وقيل: هو مجلس الصَّف في القتال. وقيل: هو\n_________\n(١) جمع جالس.\n(٢) \"المجالس\": قراءة حفص، وما أثبته المؤلف: قراءة الباقين.","vol":"5","page":510},{"text":"[٢٠٨٩] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا قَامَ أَحَدُكُم، وفي رواية: مَن قَامَ مِن مَجلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٨٣)، ومسلم (٢١٧٩)، وأبو داود (٤٨٥٣)، وابن ماجه (٣٧١٧).\n* * *\nــ\nعامٌّ في كل مجلس اجتمع فيه المسلمون للخير، والأجر، وهذا هو الأولى؛ إذ المجلس للجنس على ما أصَّلناه في الأصول.\nو(قوله: إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به) هذا يدلّ على صحَّة القول بوجوب ما ذكرناه من اختصاص الجالس بموضعه إلى أن يقوم منه، لأنه إذا كان أولى به بعد قيامه؛ فقَبلَه أحرى وأولى. وذهب آخرون: إلى أن ذلك على الندب؛ لأنَّه موضع غير متملَّك لأحد، لا قبل الجلوس، ولا بعده. وهذا فيه نظر، وهو أن يقال: سلَّمنا أنه غير متملَّك له، لكنه يختص به إلى أن يفرغ غرضه منه، فصار كأنه يملك منفعته؛ إذ قد منع غيره من أن يزاحمه عليه. وحمله مالك على النَّدب إذا كانت رجعته قريبة. قال: وإن بَعُدَ ذلك حتى يذهب، ويَبعُد فلا أرى ذلك، وأنه من محاسن الأخلاق. وعلى هذا فيكون هذا عامًّا في كل المجالس. وقال محمد بن مسلمة: الحديث محمول على مجلس العلم (١)، هو أولى به إذا قام لحاجة، فإذا قام تاركًا له، فليس هو بأولى.\nوقد اختلف العلماء فيمن ترتَّب من العلماء، والقُرَّاء بموضع من المسجد للفتيا، وللتدريس. فحكي عن مالك: أنه أحق به إذا عرف به. والذي عليه الجمهور: أن هذا استحسان، وليس بواجب، ولعلَّه مراد مالك. وكذلك قالوا فيمن قعد من الباعة في موضع من\n_________\n(١) في (ل ١) و(ج ٢): العالم.","vol":"5","page":511},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-789>(١٧) باب الزجر عن دخول المخنثين على النساء</span>\n[٢٠٩٠] عَن أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ مُخَنَّثًا كَانَ عِندَهَا، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي البَيتِ، فَقَالَ لِأَخِي أُمِّ سَلَمَةَ: يَا عَبدَ اللَّهِ بنَ أَبِي أُمَيَّةَ، إِن فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُم\nــ\nأفنية الطُّرق، وأفضية البلاد غير المتملَّكة فهو أحق به ما دام جالسًا فيه، فإن قام منه، ونيَّته الرجوع إليه من غده؛ فقيل: هو أحق به حتى يتمَّ غرضه. حكاه الماوردي عن مالك؛ قطعًا للتنازع. وقيل: هو وغيره سواء، والسَّابق إليه بعد ذلك أحق به.\n(١٧) ومن باب الزجر عن دخول المخنثين على النساء\nالتخنُّث: هو اللين والتكسُّر. والمخنث: هو الذي يلين في قوله، ويتكسَّر في مشيته، ويتثنى فيها كالنساء. وقد يكون خِلقة، وقد يكون تصنعًا من الفسقة. ومن كان ذلك فيه خلقة؛ فالغالب من حاله: أنَّه لا أرب له في النساء، ولذلك كان أزواج النبي - ﷺ - يعددن (١) هذا المخنث من غير أولي الإربة، فكانوا لا يحجبونه إلى أن ظهر منه ما ظهر فحجبوه.\nوقوله: (إن مخنثًا كان عندها) اختلف في اسم هذا المخنث، والأشهر: أن اسمه هيت بياء ساكنة بعد الهاء باثنتين من تحتها، وآخرها تاء باثنتين من فوقها. وقيل: صوابه هنب - بنون وباء بواحدة أخيرًا - والهنب: الرجل الأحمق، قاله ابن درستويه (٢). وقيل: إن هذا المخنث هو ماتع- باثنتين من فوقها - مولى\n_________\n(١) كذا في (ل ١) وفي باقي النسخ: يعدُّون.\n(٢) هو عبد الله بن جعفر بن محمد بن درستويه، من علماء اللغة، من تصانيفه: \"تصحيح الفصيح\" و\"الكتَّاب\". توفي سنة (٣٤٧ هـ).","vol":"5","page":512},{"text":"الطَّائِفَ غَدًا، فَإِنِّي أَدُلُّكَ عَلَى بِنتِ غَيلَانَ، فَإِنَّهَا تُقبِلُ بِأَربَعٍ وَتُدبِرُ بِثَمَانٍ، قَالَ: فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لَا يَدخُل هَؤُلَاءِ عَلَيكُم.\nرواه أحمد (٦/ ٢٩٠)، والبخاري (٥٨٨٧)، ومسلم (٢١٨٠)، وأبو داود (٤٩٢٩)، وابن ماجه (١٩٠٢ و٢٦١٤).\nــ\nأبي فاختة المخزومي. قيل: وكان هو وهيت يدخلان في بيوت النبي - ﷺ -، فلما وقعت هذه القصَّة غربهما النبي - ﷺ - إلى الحمى. وقيل: إن مخنَّثا كان بالمدينة نفاه النبي - ﷺ - (١) إلى حمراء الأسد.\nوقول المخنث: (أدلك على ابنة غيلان، فإنَّها تقبل بأربع، وتدبر بثمان) قال أبو عبيد: يعني به: العكن، وهي أربع (٢) تقبل بهن، ولها أطراف أربعة من كل جانب فتصير ثمانية.\nقلت: وإنَّما أنث فقال: بأربع وبثمان؛ وهو يريد الأطراف، وواحدها طرف، مذكر؛ لأنَّ هذا على حدِّ قولهم: هذا الثوب سبع في ثمان، والثمان يراد بها الأشبار، ووجه ذلك أنه (٣) يعني به العكن، وهي جمع عكنة، وهي الطي الذي يكون في جانبي البطن من السِّمن، وتجمع: عكن، وأعكان. وتعكَّن البطن: إذا صار ذلك فيه.\nيريد المخنَّث: أنَّ هذه المرأة إذا أقبلت كان لها من كل جانب من جوانب بطنها عكنتان، وإذا أدبرت كان لها من خلفها ثمان، وأنث العدد لتانيث المعدود، وهو: العكن: جمع عكنة.\nوقد روى هذا الحديث الواقدي، والكلبي، وقالا: إن (هيتًا) المخنَّث،\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ل ١).\n(٢) أي: في بطنها، كما نقله عنه المازريُّ.\n(٣) ما بين حاصرتين مستدرك من (ج ٢).","vol":"5","page":513},{"text":"[٢٠٩١] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: كَانَ يَدخُلُ عَلَى أَزوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ مُخَنَّثٌ، فَكَانُوا يَعُدُّونَهُ مِن غَيرِ أُولِي الإِربَةِ، قَالَ: فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَومًا، وَهُوَ عِندَ بَعضِ نِسَائِهِ، وَهُوَ يَنعَتُ امرَأَةً، قَالَ: إِذَا أَقبَلَت أَقبَلَت بِأَربَعٍ، وَإِذَا\nــ\nوكان مولى لعبد الله بن أبي أمية المخزومي أخي أم سلمة لأبيها، وأم عبد الله عاتكة عمة رسول الله - ﷺ - قال له في بيت أم سلمة، ورسول الله - ﷺ - يسمع: إن افتتحتم الطائف فعليك ببادية ابنة غيلان بن غيلان الثقفي؛ فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان مع ثغرٍ كالأقحوان، إن جلست تثنَّت، وإن تكلَّمت تغنَّت، بين رجليها كالإناء المكفوء، وهي كما قال قيس بن الخطيم:\nتَغتَرِقُ الطَّرفَ وهِي لاهِيَةٌ ... كأنَّما شَفَّ وَجهَها نَزَفُ\nبَينَ شُكُولِ النساء خِلقَتُها ... قصدًا فلا غَيلَةٌ ولا نصف (١)\nتَنَامُ عن كِبرِ شأنِها فإذا ... قامت رُوَيدًا تكاد تنقصف (٢)\nفقال النبي - ﷺ -: (لقد غلغلت النظر إليها يا عدوَّ الله) ثم أجلاه عن المدينة إلى الحمى (٣). قال: فلما فتحت الطائف تزوجها عبد الرحمن بن عوف، فولدت له في قول الكلبي. قال: ولم يزل هيت بذلك المكان حتى قبض النبي - ﷺ -. فلما ولي أبو بكر - ﵁ - كُلِّم فيه، فأبى أن يردَّه، فلما ولي عمر - ﵁ - كُلِّم فيه، فأبى أن يردَّه، ثم كُلِّم فيه بعد، وقيل: إنه قد كبر وضعف وضاع، فأذن له أن يدخل كل جمعة، فيسأل، ويرجع إلى مكانه. قال أبو عمر بن عبد البر: يقال: بادية - بالياء - وبادنة - بالنون - والصواب بالياء، وهو قول أكثرهم.\nو(قوله: تغنت) هو من الغنة، لا من الغناء؛ أي: أنها تتغنَّن في كلامها\n_________\n(١) في اللسان مادة -قضف-: قصدٌ فلا جبلةٌ ولا قضف.\n(٢) في اللسان مادة (كبر): تنغرف بدل تنقصف.\n(٣) ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٩/ ٣٣٦).","vol":"5","page":514},{"text":"أَدبَرَت أَدبَرَت بِثَمَانٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَلَا أَرَى هَذَا يَعرِفُ مَا هَاهُنَا، لَا يَدخُل عَلَيكُم. قَالَت: فَحَجَبُوهُ.\nرواه أحمد (٦/ ١٥٢)، ومسلم (٢١٨١)، وأبو داود (٤١٠٧ و٤١٠٨)، والنسائي في عشرة النساء (٣٦٥).\n* * *\nــ\nللينها، ورخامة صوتها. يقال: تغنَّن الرجل، وتغنى، مثل: تضنَّن وتضنَّى.\nوفيه: ما يدلّ على جواز العقوبة بالنفي عن الوطن لمن يخاف منه الفساد والفسق. وعلى تحريم ذكر محاسن المرأة المعينة؛ لأنَّ ذلك إطلاع الأسماع على عورتها، وتحريك النفوس إلى ما لا يحل منها. ولذلك قال - ﷺ -: (لا تصف المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها) (١) فأما ذكر محاسن من لا تعرف من النساء: فمباحٌ إن لم يدع إلى مفسدةٍ؛ من تهييج النفوس إلى الوقوع في الحرام، أو في المكروه.\nوقوله - ﷺ -: (ألا أرى هذا يعرف ما هاهنا) يدلّ: على أنهم كانوا يظنون أنه لا يعرف شيئًا من أحوال النساء، ولا يخطرن له بالبال. وسببه: أن التخنيث كان فيه خِلقة وطبعًا، ولم يكن يعرف منه إلا ذلك، ولذلك كانوا يعدُّونه من غير أولي الإربة؛ أي: ممن لا حاجة له في النساء. وقد قدَّمنا: أن الأرب والإربة: الحاجة. فلما سمع النبي - ﷺ - وصفه لتلك المرأة: علم أنه عنده تشوُّف للنساء؛ فحجب لذلك، ثم بولغ في تنكيله، وعقوبته، ونفيه لما اطلع عليه من محاسن تلك المرأة، وكشف من سترها، ولم تكن عقوبته لنفس التخنيث؛ فإنَّ ذلك كان فيه خِلقة، ولم يكن مكتسبًا له، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.\nوأمَّا من تخانث وتشبه بالنساء، فقد أتى كبيرة من أفحش الكبائر؛ لعنه الله عليها ورسوله، ولا يقرُّ عليها.\n_________\n(١) ذكره ابن عبد البر في التمهيد (٤/ ٦٥ - ٦٦).","vol":"5","page":515},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-790>(١٨) باب امتهان ذات القدر نفسها في خدمة زوجها وفرسه؛ لا يغض من قدرها</span>\n[٢٠٩٢] عَن أَسمَاءَ بِنتِ أَبِي بَكرٍ قَالَت: تَزَوَّجَنِي الزُّبَيرُ وَمَا لَهُ فِي الأَرضِ مِن مَالٍ وَلَا مَملُوكٍ وَلَا شَيءٍ غَيرَ فَرَسِهِ،\nــ\nبل: يؤدَّب بالضرب الوجيع والسجن الطويل، والنفي حتى ينزع عن ذلك، ويكفي دليلًا على ذلك ما خرَّجه البخاري عن ابن عباس قال: لعن رسول الله - ﷺ - المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال (١)، وقال: (أخرجوهم من بيوتكم) (٢) وأخرج فلانًا، وفلانًا؛ غير أنه لا يقتل لما رواه أبو هريرة: أن النبي ﷺ أتي برجل قد خضب يديه ورجليه، فقال: (ما بال هذا؟ !) فقيل: يتشبَّه بالنساء، فأمر به، فنفي إلى النقيع - بالنون -، فقيل: يا رسول الله ألا نقتله؟ فقال: (إني نهيت عن قتل المصلين) (٣).\n(١٨) ومن باب امتهان ذات القدر نفسها في خدمة زوجها\n(قولها: تزوجني الزبير، وما له في الأرض من مال، ولا مملوك، ولا شيء غير فرسه) هذا يدلُّ على ما كانوا عليه من شدَّة الحال في أول الأمر، وعلى أن المعتبر عندهم في الكفاءة إنَّما كان: الدين، والفضل. لا المال، والغنى، كما\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٨٨٥).\n(٢) رواه البخاري (٥٨٨٦).\n(٣) رواه أبو داود (٤٩٢٨).","vol":"5","page":516},{"text":"قَالَت: فَكُنتُ أَعلِفُ فَرَسَهُ، وَأَكفِيهِ مَئُونَتَهُ، وَأَسُوسُهُ، وَأَدُقُّ النَّوَى لِنَاضِحِهِ، وَأَعلِفُهُ، وَأَستَقِي المَاءَ، وَأَخرُزُ غَربَهُ، وَأَعجِنُ، وَلَم أَكُن أُحسِنُ أَخبِزُ، فكَانَ يَخبِزُ لِي جَارَاتٌ مِن الأَنصَارِ، وَكُنَّ نِسوَةَ صِدقٍ،\nــ\nقال - ﷺ -: (فعليك بذات الدين تربت يداك) (١) وإنما كان ذلك؛ لأنَّ القوم كانت مقاصدهم في النكاح التعاون على الدِّين، وتكثير أمة محمد خاتم النبيين، ولأنهم علموا: أن المال ظِلٌ زائل، وسحابٌ حائل، وأن الفضل باقٍ إلى يوم التلاق. فأمَّا اليوم: فقد انعكست الحال، وعدل الناس عن الواجب إلى المحال.\nوقولها: (فكنت أعلف فرسه، وأكفيه مؤونته. . .) إلخ الكلام؛ فيه ما يدلّ: على ما كانوا عليه من تبذُّل المرأة في خدمة زوجها وييته وفرسه، وإن كانت شريفة. لكن هذا كله فعلته متبرعة بذلك مختارة له، راغبة لما علمت فيه من الأجر، وال واب، وعونًا لزوجها على البرِّ والتقوى. ولا خلاف في حسن ذلك، ولا في أن كل ذلك ليس بواجب عليها؛ إذ لا يجب عليها أن تخرز الغِرب، ولا أن تخدم الفرس، ولا أن تنقل النوى، وإنما اختلف في خدمة بيتها من عَجنٍ، وطبخ، وكنس، وفرش؛ فالشريفة ذات القدر؛ التي رفع في صداقها، لا يجب عليها أن تفعل شيئًا من ذلك، ولا يحكم عليها به، ولا يجب عليها عند مالك أن تأمر الخدم بذلك، ولا تنهاهم، وليس عليها إلا أن تمكن من نفسها. وقال بعض شيوخنا عليها أن تأمرهم، وتنهاهم بما يصلح حال زوجها؛ إذ لا كلفة عليها في ذلك، ولجريان العادة بمثله في الأشراف. وفي كتاب ابن حبيب (٢): عليها في العسر الخدمة الباطنة، كما\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٤٢٨)، والبخاري (٥٠٩٠)، ومسلم (١٤٦٦)، وأبو داود (٢٠٤٧)، والنسائي (٦/ ٦٨)، وابن ماجه (١٨٥٨).\n(٢) هو عبد الملك بن حبيب بن سليمان العباسي القرطبي المالكي: فقيه، مؤرخ، نسَّابة، أديب، لغوي، شاعر. له: \"غريب الحديث\" و\"طبقات الفقهاء والتابعين\" وغير ذلك توفي سنة (٢٣٨ هـ).","vol":"5","page":517},{"text":"قَالَت: وَكُنتُ أَنقُلُ النَّوَى، مِن أَرضِ الزُّبَيرِ - الَّتِي أَقطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ - عَلَى رَأسِي، وَهِيَ عَلَى ثُلُثَي فَرسَخٍ، قَالَت: فَجِئتُ يَومًا وَالنَّوَى عَلَى رَأسِي،\nــ\nهي على الدنية، وأما من ليست كذلك فيجب عليها من خدمة بيتها: ما جرت العادة بأن مثلها تفعله.\nومأخذ هذا الباب عندنا النظر إلى العوائد؛ فإنَّ الإنسان إذا تزوَّج عند قومٍ، فالغالب أنه يبحث عن عاداتهم، ومناشئهم، فيعلمها، ولا يكاد يخفى عليه حالهم. فإذا تزوَّج ممن عادتهم أن لا تخدم نساؤهم أنفسهن، وإنَّما يخدمن، فقد دخل على أنه يبقيها على عادتها، ويسير بها سيرة نسائها، فلا يحكم له عليها بشيء من ذلك. بخلاف من جرت عادتها بأن مثلها لا تخدم، وإنما تخدم نفسها، فإنَّه يحكم له عليها بما ذكر من خدمة بيتها، وكذلك في رضاع الولد.\nفأما من يجهل حالها، ولا يعلم عادة نسائها: فالأصل: أنها تخدم نفسها، فيحكم عليها بذلك، وبرضاعة الولد إلى أن يتبين أنها شريفة لها الحال، والقدر. هذا أصل مالك، وتفريعه، وقد خولف في ذلك؛ فمن الناس من لا يرى على المرأة خدمة مطلقًا. ومنهم من يرى عليها الخدمة مطلقًا، وهو أحوط (١). والأحسن التفصيل الذي صار إليه مالك، والله تعالى أعلم.\nو(الغرب): الدلو العظيمة.\nوقولها: (كنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله - ﷺ - على رأسي) قيل: إن هذه الأرض المقطعة من موات البقيع (٢)، أقطعه من ذلك حُضرَ فرسه (٣)، فأجراه، ثم رمى بسوطه رغبة في الزيادة فأعطاه ذلك كله. وفي البخاري عن عروة أنه - ﷺ - أقطع الزبير أرضًا من أموال بني النضير، وليست هذه الأرض التي\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من النسخ، وأثبتناه من هامش (ج ٢).\n(٢) في (ل ١) و(م ٢) و(م ٣): النقيع -بالنون-.\n(٣) أي: إسراعه في عدوه.","vol":"5","page":518},{"text":"فَلَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِن أَصحَابِهِ، فَدَعَانِي ثُمَّ قَالَ: إِخ! إِخ، لِيَحمِلَنِي خَلفَهُ، قَالَت: فَاستَحيَيتُ وَعَرَفتُ غَيرَتَكَ،\nــ\nكانت أسماء تنقل منها النوى على رأسها، لقولها: وهي على ثلثي فرسخ، فالأشبه أنها الأرض التي بالبقيع كما تقدَّم في القول الأول.\nففيه من الفقه ما يدل على جواز إقطاع الإمام الأرض لمن يراه من أهل الفضل، والحاجة، والمنفعة العامة، كالعلماء، والمجاهدين، وغيرهم، لكن تكون تلك الأرض المقطعة من موات الأرض أو من الأرض الموقوفة لمصالح المسلمين كما قدمناه في الجهاد.\nوفيه ما يدلُّ على جواز الاستزادة من الحلال، وإظهار الرَّغبة فيه، كما فعل الزبير - ﵁ -؛ حيث أجرى فرسه، فلما وقف رمى بسوطه رغبة في الزيادة، والنبي - ﷺ - يبصر ذلك كله، ولم ينكره عليه.\nوليس إقطاع الإمام تمليكًا للرقبة، وإنما هو اختصاص بالمنفعة، لكن لو أحيا الموات المقطع لكان للمحيي، لقول النبي - ﷺ -: (من أحيا أرضًا ميتة فهي له) (١).\nوقولها: (فلقيت النبي - ﷺ - في نفر من أصحابه، فدعاني، ثم قال: إخ، إخ) تعني به: أنه نوَّخ ناقته ليُركبها عليها.\nو(إخ) - بكسر الهمزة، وسكون الخاء - وهو صوت تُنَوَّخ به الإبل. وظاهر هذا المساق يدلّ على أنه - ﷺ - عرض عليها الركوب، فلم تركب؛ لأنَّها استحيت، كما قالت. وعلى هذا فلا يحتاج إلى اعتذار عن النبي - ﷺ - في ركوبها معه، فإنَّه يحتمل أنها لو اختارت الركوب تركها راكبة وحدها، ولا يكون فيه من حيث هذا اللفظ دليل على جواز ركوب اثنين على بعير، فتأمله.\nوقولها: (وعرفت غيرتك) تعني: ما جبل عليه من الغيرة، وإلا فالنبي - ﷺ - لا يغار لأجله، كما قال عمر - ﵁ - للنبي - ﷺ -: (وعليك أغار\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٣١٣) من حديث جابر بن عبد الله.","vol":"5","page":519},{"text":"فَقَالَ: وَاللَّهِ! لَحَملُكِ النَّوَى عَلَى رَأسِكِ أَشَدُّ مِن رُكُوبِكِ مَعَهُ، قَالَت: حَتَّى أَرسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكرٍ، بَعدَ ذَلِكَ، بِخَادِمٍ، فَكَفَتنِي سِيَاسَةَ الفَرَسِ، فَكَأَنَّمَا أَعتَقَتنِي.\nرواه أحمد (٦/ ٣٤٧)، والبخاريُّ (٥٢٢٤)، ومسلم (٢١٨٢) (٣٤).\nــ\nيا رسول الله!) حين أخبره أنه - ﷺ - رأى قصرًا من قصور الجنَّة فيه امرأة من نساء الجنة فقال: (لمن أنت؟) فقالت: لعمر بن الخطاب. قال - ﷺ -: (فذكرت غيرتك) (١) فتوقع النبي - ﷺ - تحريك الغيرة بحكم الجبلَّة، وإن لم يغر لأجله.\nوقول الزبير: (والله! لحملك النوى على رأسك أشدُّ علي من ركوبك معه) هذا يدلّ على أن الزبير لم يكلفها شيئًا من ذلك، وإنما فعلت هي ذلك لحاجتها إلى ذلك، وتخفيفًا عن زوجها؛ على عادة أهل الدين والفضل الذين لا التفات عندهم لشيء من زينة الدنيا، ولا من أحوال أهلها، فإنَّهم كانوا لا يعيبون على أنفسهم إلا ما عابه الشرع، فكانوا أبعد الناس منه، وأخرج هذا القول من الزبير فرط الاستحياء المجبول عليه أهل الفضل. ويعني بذلك: أن الحياء الذي لحقه من تبذلها بحمل النوى على رأسها أشدُّ عليه من الغيرة التي كانت تلحقه عليها لو ركبت مع النبي ﷺ، فإنَّه - ﷺ - ليس ممن يغار على الحريم لأجله. والله تعالى أعلم.\nوقولها: (حتى أرسل إلي أبو بكر - ﵁ - بعد ذلك بخادم، فكفتني سياسة الفرس، فكأنما أعتقتني) دليلٌ على مكارم أخلاق القوم، فإنَّ أبا بكر - ﵁ - علم ما كانت عليه ابنته من الضرر والمشقة، ولم يطالب صهره بشيء من ذلك، وكان مترقبًا لإزالة ذلك، فلما تمكَّن منه أزاله مِن عنده.\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٣٠٩)، والبخاري (٥٢٢٦)، ومسلم (٢٣٩٤).","vol":"5","page":520},{"text":"[٢٠٩٣] وعنها قَالَت: كُنتُ أَخدُمُ الزُّبَيرَ خِدمَةَ البَيتِ، وَكَانَ لَهُ فَرَسٌ، وَكُنتُ أَسُوسُهُ، فَلَم يَكُن مِن الخِدمَةِ شَيءٌ أَشَدَّ عَلَيَّ مِن سِيَاسَةِ الفَرَسِ، كُنتُ أَحتَشُّ لَهُ، وَأَقُومُ عَلَيهِ وَأَسُوسُهُ، قَالَت: ثُمَّ إِنَّهَا أَصَابَت خَادِمًا، جَاءَ النَّبِيَّ ﷺ سَبيٌ فَأَعطَاهَا خَادِمًا، قَالَت: كَفَتنِي سِيَاسَةَ الفَرَسِ،\nــ\nو(الخادم) يقال على الذكر والأنثى. و(أعتقتني) روي بتاء بعد القاف، ويكون فيه ضمير يعود على الخادمة. وبغير تاء، وضميره يعود إلى أبي بكر - ﵁ -. وصحَّ ذلك لأنها لما استراحت من خدمة الفرس، والقيام عليه بسبب الجارية التي بعث بها إليها أبو بكر صحَّ أن ينسب العتق لكل واحد منهما.\nو(قولها: جاء النبي - ﷺ - سبي فأعطاها خادمًا) هذه الرواية مخالفة لقولها في الرواية المتقدِّمة: إن أبا بكر - ﵁ - أرسلها إليها. وهذا لا بُعد فيه؛ لأنَّ النبي - ﷺ - دفعها لأبي بكر ليدفعها لها، فأرسل بها أبو بكر لها.\nواستئذان الفقير لأم عبد الله - وهي أسماء ابنة أبي بكر - في أن يبيع في ظلِّ دارها يدلُّ على أن المتقرَّر المعلوم من الشرع أن فناء الدار ليس لغير ربِّها القعود فيه للبيع إلا بإذنه، فإذا أذن جاز ما لم يضر بغيره؛ من تضييق طريق، أو اطلاع على عورة منزل غيره. ولربِّ الدار أن يمنعه؛ لأنَّ الأفنية حق لأرباب المنازل؛ لأنَّ عمر - ﵁ - قضى في الأفنية لأرباب الدور. قال ابن حبيب: وتفسير هذا يعني: بالانتفاع للمجالس، والمرابط، والمصاطب، وجلوس الباعة فيها للبياعات الخفيفة، وليس بأن ينحاز بالبنيان والتحظير.\nقلت: وعلى هذا فليس لربِّ الدار التصرف في فنائها ببناء دكان (١)، أو غيره مما يثبت ويدوم؛ لأنَّه من المنافع المشتركة بينه وبين الناس؛ إذ للناس فيه حق العبور، والوقوف، والاستراحة، والاستظلال، وما أشبه هذه الأمور. لكنه\n_________\n(١) في (ز) و(م ٢) و(م ٣) و(ع): ثانٍ.","vol":"5","page":521},{"text":"فَأَلقَت عَنِّي مَئُونَتَهُ. فَجَاءَنِي رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أُمَّ عَبدِ اللَّهِ! إِنِّي رَجُلٌ فَقِيرٌ، أَرَدتُ أَن أَبِيعَ فِي ظِلِّ دَارِكِ، قَالَت: إِنِّي إِن رَخَّصتُ لَكَ أَبَى ذَاكَ الزُّبَيرُ، فَتَعَالَ فَاطلُب إِلَيَّ، وَالزُّبَيرُ شَاهِدٌ، فَجَاءَ فَقَالَ: يَا أُمَّ عَبدِ اللَّهِ، إِنِّي رَجُلٌ فَقِيرٌ، أَرَدتُ أَن أَبِيعَ فِي ظِلِّ دَارِكِ، فَقَالَت: مَا لَكَ بِالمَدِينَةِ إِلَّا دَارِي؟ فَقَالَ لَهَا\nــ\nأخصُّ به فيجوز له من ذلك ما لا يجوز لغيره من مرافقه الخاصة به كبناء مصطبة لجلوسه، ومربط فرسه، وحطّ أحماله، وكنس مرحاضه، وتراب بيته، وغير ذلك مما يكون من ضروراته. وعلى هذا فلا يفعل فيها ما لا يكون من ضرورات حاجاته كبناء دكان للباعة، أو تحظيره عن الناس، أو إجارته لمن يبيع فيه؛ لأنَّ ذلك كله منع الناس من منافعهم التي لهم فيه، وليس كذلك الإذن في البيع الخفيف بغير أجرة؛ لأنَّ ذلك من باب الرفق بالمحتاج، والفقير. وأصل الطرق، والأفنية للمرافق، ولو جاز أن يحاز الفناء ببناء ونحوه؛ للزم أن يكون لذلك البناء فناء، ويتسلسل إلى أن تذهب الطرق، وترتفع المرافق.\nوتوقف أسماء ﵂ في الإذن للفقير إلى أن يأذن الزبير إنما كان مخافة غيرة الزبير، أو يكون في ذلك شيء يتأذى به الزبير، وحسن أدب، وكرم خلق حتى لا تتصرَّف في شيء من مالها إلا بإذن زوجها. وأمرها للفقير بأن يسألها ذلك بحضرة الزبير لتستخرج بذلك ما عند الزبير من كرم الخلق، والرغبة في فعل الخير، وليشاركها في الأجر، وذلك كله منها حسن سياسة، وجميل ملاطفة تدلُّ على انشراح الصدور، وصدق الرغبة في الخير.\nوبيعها للجارية بغير إذن الزبير يدلّ على أن للمرأة التصرُّف في مالها بالبيع والابتياع من غير إذنه، وليس له منعها من ذلك إذا لم يضرُّه ذلك في خروجها، ومشافهتها للرجال بالبيع والابتياع، فله منعها مما يؤدي إلى ذلك.\nوسؤاله لها أن تهبه ثمن الجارية دليل على أن الزوج ليس له أن يتحكم عليها","vol":"5","page":522},{"text":"الزُّبَيرُ: مَا لَكِ أَن تَمنَعِي رَجُلًا فَقِيرًا يَبِيعُ؟ فَكَانَ يَبِيعُ إِلَى أَن كَسَبَ، فَبِعتُهُ الجَارِيَةَ، فَدَخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيرُ وَثَمَنُهَا فِي حَجرِي، فَقَالَ: هَبِيهَا لِي، قَالَت: إِنِّي قَد تَصَدَّقتُ بِهَا.\nرواه مسلم (٢١٨٢) (٣٥).\n* * *\nــ\nفي مالها بأخذ، ولا غيره؛ إذ لا ملك له في ذلك، وإنَّما له فيه حق التجمُّل، وكفاية بعض المؤن، ولذلك منعناها من إخراج كل مالها، أو جلَّه كما تقدَّم في النكاح.\nوصدقتها (١) بثمن الجارية من غير إذنه دليلٌ على جواز هبة المرأة بعض مالها بغير إذن الزوج، لكن إن أجازه الزوج جاز، وإن منعه؛ فإن كان الثلث فدون لم يكن له المنع، وإن كان أكثر كان له منع الزائد على الثلث على ما تقدَّم؛ هذا إذا وهبته لأجنبي؛ فإن وهبته لزوجها، فلا يفرَّق بين ثلث ولا غيره؛ لأنَّها إذا طابت نفسها بذلك جاز. ولأن الفرق بين الثلث وغيره إنما كان لحق الزوج؛ لئلا يفوت عليه ما له فيه من حق التجمُّل، ولئلا يمنعها أيضًا من إعطاء ما طابت به نفسها، فينفذ عطاؤها في الثلث، ويرد فيما زاد عليه. وقيل: يردُّ في الجميع، وهو المشهور.\n* * *\n_________\n(١) في (ج ٢): وهبتها.","vol":"5","page":523},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-791>(١٩) باب النهي عن مناجاة الاثنين دون الثالث</span>\n[٢٠٩٤] عَن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا كَانَ ثَلَاثَةٌ، فَلَا يَتَنَاجَى اثنَانِ دُونَ وَاحِدٍ.\nرواه مسلم (٢١٨٣) (٣٦).\n[٢٠٩٥] وعَن عَبدِ اللَّهِ - هو ابن مسعود - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِذَا كُنتُم ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثنَانِ دُونَ الآخَرِ، حَتَّى تَختَلِطُوا بِالنَّاسِ، مِن أَجلِ أَن ذلك يُحزِنَهُ.\nــ\n(١٩) ومن باب النهي عن مناجاة اثنين دون الثالث\nقوله: (إذا كان ثلاثةٌ فلا يتناجى اثنان دون واحد) (كان) هنا: تامَّة بمعنى: وجد، ووقع. و(ثلاثة): فاعل بها، بخلاف الرواية الأخرى؛ التي قال فيها: (إذا كنتم ثلاثة) فإنَّها فيها ناقصة. بمعنى: صرتم ثلاثة.\nو(قوله: فلا يتناجى اثنان) الرواية المشهورة فيه: (يتناجى) بالألف مقصورة ثابتة في الخط، غير أنَّها تسقط في اللفظ لالتقاء الساكنين، فإذا: هو خبر عن نفي المشروعية، ويتضمن النهي عن ذلك. وقد وقع في بعض النسخ: (فلا يتناج) بغير ألف، على النهي. وهي واضحة. والتناجي: التحادث سرًّا. وقد زاد في الرواية الأخرى زيادة حسنة، فقال: (حتى يختلطوا بالناس) فبيَّن غاية المنع، وهو أن يجد الثالث من يتحدث معه، كما فعل ابن عمر، وذلك: أنه كان يتحدث مع رجل، فجاء آخر يريد أن يناجيه، فلم يناجه حتى دعا رابعًا، فقال له وللأول: تأخرا، وناجى الرجل الطالب للمناجاة (١). وقد نبَّه في هذه الزيادة على التعليل\n_________\n(١) انظر: فتح الباري (١١/ ٨٣).","vol":"5","page":524},{"text":"رواه أحمد (١/ ٣٧٥)، والبخاري (٦٢٩٠)، ومسلم (٢١٨٤) (٣٨)، وأبو داود (٤٨٥١)، والترمذيُّ (٢٨٢٥)، وابن ماجه (٣٧٧٥).\nــ\nبقوله: (فإنَّ ذلك يحزنه) أي: يقع في نفسه ما يحزن لأجله، وذلك: بأن يقدر في نفسه: أن الحديث عنه بما يكره، أو أنَّهم لم يروه أهلًا ليشركوه في حديثهم، إلى غير ذلك من ألقيات الشيطان، وأحاديث النفس. وحصل ذلك كله من بقائه وحده، فإذا كان معه غيره أمن ذلك، وعلى هذا: يستوي في ذلك كل الأعداد، فلا يتناجى أربعة دون واحد، ولا عشرة، ولا ألفٌ مثلًا؛ لوجود ذلك المعنى في حقه، بل وجوده في العدد الكثير أمكن، وأوقع، فيكون بالمنع أولى. وإنما خصَّ الثلاثة بالذكر لأنه أول عدد يتأتى فيه ذلك المعنى. وظاهر هذا الحديث يعم جميع الأزمان والأحوال. وإليه ذهب ابن عمر، ومالك، والجمهور. وقد ذهب بعض الناس: إلى أن ذلك كان في أول الإسلام؛ لأنَّ ذلك كان حال المنافقين، فيتناجى المنافقون دون المؤمنين، فلما فشا الإسلام؛ سقط ذلك. وقال بعضهم: ذلك خاصٌّ بالسفر، وفي المواضع التي لا يأمن الرجل فيها صاحبه. فأمَّا في الحضر، وبين العمارة: فلا.\nقلت: وكل ذلك تحكُّم، وتخصيصٌ لا دليل عليه. والصحيح: ما صار إليه الجمهور. والله تعالى أعلم.\n* * *","vol":"5","page":525},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-792>(٢٠) باب جواز إنشاد الشعر وكراهية الإكثار منه</span>\n[٢٠٩٦] عَن عَمرِو بنِ الشَّرِيدِ، عَن أَبِيهِ قَالَ: رَدِفتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَومًا فَقَالَ: هَل مَعَكَ مِن شِعرِ أُمَيَّةَ بنِ أَبِي الصَّلتِ شَيءٌ؟ قُلتُ: نَعَم. قَالَ: هِيه. فأَنشَدتُهُ بَيتًا. فَقَالَ: هِيه. ثُمَّ أَنشَدتُهُ بَيتًا،\nــ\n(٢٠) ومن باب جواز إنشاد الشعر وكراهية الإكثار منه\nقوله: (عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال: رَدِفتُ رسول الله - ﷺ -) هكذا صواب هذا السَّند وصحيح روايته، وقد وقع لبعض رواة كتاب مسلم: عن عمرو بن الشريد (١)، عن الشريد، عن أبيه، وهو وَهمٌ؛ لأنَّ الشريد هو الذي أردفه النبي - ﷺ - خلفه، واستنشده شعر أميَّة بن أبي الصلت، لا أبو الشريد. واسم أبي الشريد: سويد.\nو(قوله: هل معك من شعر أميَّة بن أبي الصلت شيء؟) دليلٌ على جواز حفظ الأشعار، والاعتناء بها، وإنَّما المكروه أن يغلب الاشتغال بها على الإنسان، ويكثر منها كثرة تصده عن أهم منها، أو تفضي به إلى تعاطي أحوال مجان الشعراء وسخفائهم، فإنَّ الغالب من أحوال من انصرف إلى الشعر بكليته، وأكثر منه؛ أن يكون كذلك، واستقراء الوجود يحققه. وأما حفظ فصيح الشعر وجيده المتضمن للحكم والمعاني المستحسنة شرعًا وطبعًا: فجائز، بل ربما يلحق ما كان منه حُكمًا بالمندوب إليه. وعلى الجملة: فلا أحسن مِمَّا قاله الإمام القرشي الصريح: الشعر كلامٌ حسنه حسن، وقبيحه قبيح.\nو(قوله: هيه) بكسر الهاء الأولى، وسكون الثانية للوقف. وهي: إيه؛\n_________\n(١) ليست في (م ٢) ولا في (ل ١).","vol":"5","page":526},{"text":"فَقَالَ: هِيه، حَتَّى أَنشَدتُهُ مِائَةَ بَيتٍ.\nرواه أحمد (٤/ ٣٨٨)، ومسلم (٢٢٥٥) (١)، وابن ماجه (٣٧٥٨).\n[٢٠٩٧] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَصدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا شَاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيدٍ:\nأَلَا كُلُّ شَيءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ\nوَكَادَ أُمَيَّةُ بنُ أَبِي الصَّلتِ أَن يُسلِمَ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٧٠)، والبخاري (٦٤٨٩)، ومسلم (٢٢٥٦) (٢ - ٤).\nــ\nالتي للاستزادة، وأبدل من الهمزة (هاء) كما قد فعلوا ذلك في غير موضع. وهي اسم لفعل الأمر الذي هو: زِد. وهي مبنية على الكسر لوقوعها موقع المبني؛ الذي هو الأمر. وفي الصحاح: إذا قلت: إيهِ يا رجل؛ فإنما تأمره بأن يزيدك من حديثه المعهود. وإن قلت: إيهٍ - بالتنوين - كأنك قلت: هات حديثًا؛ لأنَّ التنوين تنكير.\nوفيه دليلٌ على جواز إنشاد الشعر، واستنشاده؛ لكن ما لم ينته إلى الإطراب المخل بالعقل، المزيل للوقار، فإنَّ ذلك يحرم، أو يكره بحسب ما يفضي إليه. وإنَّما استكثر النبي - ﷺ - من شعر أميَّة؛ لأنه كان حكمًا (١). ألا ترى قوله - ﷺ -: (وكاد أميَّة بن أبي الصلت أن يسلم).\nو(قوله: أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل) الباطل هنا: أراد به: المضمحل، المتغير؛ الذي هو بصدد أن يهلك، ويتلف. وهذا نحو من قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إِلا وَجهَهُ﴾ ولا شك في أن هذه الكلمات أصدق ما يتكلَّم به ناظمٌ أو ناثر؛ لأن مقدمتها الكليَّة\n_________\n(١) في (م ٢) و(ل ١) و(م ٣): حكيمًا.","vol":"5","page":527},{"text":"[٢٠٩٨] وعنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَأَن يَمتَلِئَ جَوفُ الرَّجُلِ قَيحًا يَرِيهِ خَيرٌ مِن أَن يَمتَلِئَ شِعرًا.\nرواه أحمد (٢/ ٢٨٨)، والبخاري (٦١٥٥)، ومسلم (٢٢٥٧)، والترمذيُّ (٢٨٥١)، وابن ماجه (٣٧٥٩).\n[٢٠٩٩] وعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ قَالَ: بَينَا نَحنُ نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالعَرجِ إِذ عَرَضَ شَاعِرٌ يُنشِدُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: خُذُوا الشَّيطَانَ، أَو أَمسِكُوا الشَّيطَانَ؛\nــ\nمقطوعٌ بصحتها وشمولها عقلًا ونقلًا، ولم يخرج من كليتها شيء قطعًا إلا ما استثني فيها، وهو: الله تعالى، فإنَّه لم يدخل فيها قطعًا، فإنَّ العقل الصريح قد دلَّ على أن كل ما نشاهده من هذه الموجودات ممكن في نفسه، متغيِّر في ذاته، وكل ما كان كذلك كان مفتقرًا إلى غيره، وذلك الغير إن كان ممكنًا متغيرًا كان مثل الأول؛ فلا بدَّ أن يستند إلى موجود لا يفتقر إلى غيره، يستحيل عليه التغيُّر، وهو المعبَّر عنه في لسان النظَّار: بواجب الوجود. وفي لسان الشرع: بالصمد المذكور في قوله تعالى: ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ وبقوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ هُوَ الحَقُّ المُبِينُ﴾ وعند الانتهاء إلى هذا المقام يفهم معنى قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَن عَلَيهَا فَانٍ * وَيَبقَى وَجهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ وَالإِكرَامِ﴾ وللكلام في تفاصيل ما أجمل مواضع أخر.\nوقوله - ﷺ - للشاعر الذي عرض له بالعَرج: (خذوا الشيطان) أو: (أمسكوا الشيطان) إنما فعل النبي - ﷺ - هذا الفعل مع الشاعر لما علم من حاله (١)، فلعل هذا الشاعر كان ممن قد عرف من حاله: أنه قد اتَّخذ الشعر طريقًا للتكسب، فيفرط في المدح إذا أعطي، وفي الهجو والذمِّ إذا مُنع، فيؤذي الناس في أموالهم\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ل ١).","vol":"5","page":528},{"text":"لَأَن يَمتَلِئَ جَوفُ رَجُلٍ قَيحًا خَيرٌ لَهُ مِن أَن يَمتَلِئَ شِعرًا.\nرواه أحمد (٣/ ٨)، ومسلم (٢٢٥٩).\n* * *\nــ\nوأعراضهم. ولا خلاف: في أن كل من كان على مثل هذه الحالة فكل ما يكتسبه بالشعر حرام، وكل ما يقوله حرام عليه من ذلك، ولا يحل الإصغاء إليه، بل يجب الإنكار عليه، فإن لم يمكن ذلك؛ فمن خاف من لسانه تعيَّن عليه أن يداريه ما استطاع، ويدافعه بما أمكن، ولا يحل أن يعطى شيئًا ابتداء؛ لأنَّ ذلك عون على المعصية، فإن لم يجد من ذلك بدًّا أعطاه بنية وقاية العرض، فما وقى به المرء عرضه كتب له به صدقة.\nو(قوله: لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا يريه خيرٌ له من أن يمتلئ شعرًا) القيح: المِدَّة يخالطها دمٌ. يقال منه: قاح الجرح، يقيح. وتقيَّح، وقيَّح. وصديد الجرح: ماؤه المختلط بالدَّم الرقيق قبل أن تغلظ المِدَّة.\nو(يريه) قال الأصمعي: هو من الوَري، على مثال: الرّمي. وهو: أن يَدوى (١) جوفه. يقال منه: رجل مَودي - مشدد غير مهموز - قال أبو عبيد: هو أن يأكل القيح جوفه. قال صاحب الأفعال: ورِي الإنسان والبعير، ورى: دوي جوفه. وَوَرَاه الدَّواء وريًا: أفسده. ووري الكلب: سَعرَ أشدَّ السُّعار. وفي الصحاح: وَرِي القيحُ جوفَه، يَرِيه، وَريًا: إذا أكله، وأنشد:\nوراهُنَّ رَبِّي مِثل ما قد وَرَيننِي (٢) ... . . . . . . . . . . . . .\nوأنشد اليزيدي:\nقالت له وَريًا إذا تَنَحنَح (٣) ... . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(١) في اللسان دَوِي، بالكسر، يَدْوَى.\n(٢) البيت لعبد بن الحَسْحَاس، وعجزه:\nوأحْمَى على أكبادِهِنَّ المكاويا\n(٣) كذا في الأصول والصِّحاح، وفي اللسان: تنحنحا.","vol":"5","page":529},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-793>(٢١) باب في قتل الحيات وذي الطفيتين والأبتر</span>\n[٢١٠٠] عَن ابنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأمُرُ بِقَتلِ الكِلَابِ يَقُولُ: اقتُلُوا الحَيَّاتِ وَالكِلَابَ،\nــ\nتقول منه للواحد: رِ يا رجل. وللاثنين: رِيَا. وللجماعة: رُوا. وللمؤنثة: رِي. وللاثنتين: رِيَا. ولجماعتهن: رَينَ. والاسم: الوَرَي - بالتحريك -.\nواختلف في تأويل هذا الحديث. فقيل: يعني بذلك: الشعر الذي هجي به النبي - ﷺ - أو غيره، وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ القليل من هجو النبي - ﷺ - وكثيره سواء في أنه كفر ومذموم. وكذلك: هجو غير النبي - ﷺ - من المسلمين محرم؛ قليله وكثيره. وحينئذ لا يكون لتخصيص الذم بالكثير معنى. وقيل: إن معناه: أن من كان الغالب عليه الشعر لزمه بحكم العادة الأدبيَّة الأوصاف المذمومة التي ذكرناها آنفًا. وهذا هو الذي أشار البخاري إليه لما بوَّب على هذا الحديث: باب ما يكره من أن يكون الغالب على الإنسان الشعر.\n(٢١ و٢٢) ومن باب قتل الحيات (١)\nقوله: (اقتلوا الحيَّات) هذا الأمر وما في معناه من باب الإرشاد إلى دفع المضرَّة المخوفة من الحيَّات، فما كان منها متحقق الضرر وجبت المبادرة إلى قتله، كما قد أرشد إليه قوله: (اقتلوا الحيَّات، واقتلوا ذا الطُّفيتين، والأبتر؛ فإنَّهما يخطفان البصر، ويُسقطان الحبل) فخصَّهما بالذكر مع أنَّهما قد دخلا في العموم،\n_________\n(١) شرح المؤلف -﵀- تحت هذا العنوان ما أشكل في أحاديث هذا الباب، وما أشكل في أحاديث الباب الذي يليه بعنوان: باب المبادرة بقتل الحيات إلا أن تكون من ذوات البيوت.","vol":"5","page":530},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nونبَّه على أن ذلك بسبب عظم ضررها، وما لم يتحقَّق ضررُه: فما كان منها في غير البيوت قُتل أيضًا؛ لظاهر الأمر العام في هذا الحديث، وفي حديث ابن مسعود (١) - ﵁ -؛ ولأن نوع الحيَّات غالبه الضرر فيُستصحب ذلك فيه، ولأنه كلُّه مُرَوِّع بصورته، وبما في النفوس من النُّفرة منه، ولذلك قال - ﷺ -: (إن الله يحب الشجاعة ولو على قتل حيَّة) (٢) فشجَّع على قتلها. وقال فيما خرَّجه أبو داود من حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - مرفوعًا: (اقتلوا الحيَّات؛ فمن خاف ثأرهنَّ فليس منِّي) (٣) وأما ما كان منها في البيوت؛ فما كان بالمدينة، فلا يقتل حتى يؤذن ثلاثة أيام؛ لقوله - ﷺ -: (إن بالمدينة جنًّا قد أسلموا، فإذا رأيتم منها شيئًا فآذنوه ثلاثة أيام) (٤) وهل يختصُّ ذلك الحكم بالمدينة؛ لأنَّا لا نعلم هل أسلم من جنِّ غير أهل المدينة أحد أم لا؟ وبه قال ابن نافع. أو لا يختص؟ وينهى عن قتل جنان جميع البلاد حتى يُؤذَن ثلاثة أيام؟ وهو قول مالك، وهو الأولى، لعموم نهيه عن قتل الجنان التي تكون في البيوت؛ ولقوله - ﷺ -: (خمس فواسق يقتلن في الحلِّ والحرم) (٥) وذكر فيهن الحيَّة، ولأنا قد علمنا قطعًا: أن رسول الله - ﷺ - بلَّغ الرِّسالة للنَّوعين، وأنَّه قد آمن به خلق كثير من النوعين؛ بحيث لا يحصرهم بلد، ولا يحيط بهم عدد. والعجب من ابن نافع؛ كأنه لم تكن له أذن سامع، وكأنه لم يسمع قوله تعالى: ﴿وَإِذ صَرَفنَا إِلَيكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَستَمِعُونَ القُرآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوا إِلَى قَومِهِم مُنذِرِينَ﴾\n_________\n(١) الحديث رواه مسلم في صحيحه (٢٢٣٤) عن عبد الله بن مسعود، ولم يرد في التلخيص.\n(٢) ذكره ابن أبي الدنيا في \"قضاء الحوائج\" ص ٤٤.\n(٣) رواه أبو داود (٥٢٤٩).\n(٤) رواه مسلم (٢٢٣٦) (١٣٩ و١٤٠)، وأبو داود (٥٢٥٩)، والترمذي (١٤٨٤).\n(٥) رواه أحمد (٦/ ٢٥٩)، والبخاري (٣٣١٤)، ومسلم (١١٩٨) (٦٨).","vol":"5","page":531},{"text":"وَاقتُلُوا ذَا الطُّفيَتَينِ وَالأَبتَرَ، فَإِنَّهُمَا يَلتَمِسَانِ البَصَرَ، وَيَسقِطَانِ الحَبَل.\nــ\nولا قوله - ﷺ -: (إن وفد جنِّ نصيبين أتوني ونعم الجنُّ هم فسألوني الزاد. . .) الحديث (١). فهذه نصوص في أن من جن غير المدينة من أسلم فلا يُقتل شيء منها حتى يُحَرَّج عليه، كما تقدَّم. فتفهَّم هذا العقد، وتمسَّك به. فهو الذي يجمع بين أحاديث هذا الباب المختلفة.\nتفسير ما جاء في أحاديث الحيَّات من الغريب\nالحيَّات: جمع حيَّة، ويقال على الذَّكر والأنثى، كما قال (٢):\n. . . . . . . . . . . . ... خَشَاشٌ كَرَأسِ الحيَّةِ المُتَوَقِّدِ (٣)\nوإنما دخلته الهاء لأنه واحدٌ من جنس، كبطة، ودجاجة؛ على أنَّه قد روي عن العرب: رأيت حيًّا على حيَّةٍ؛ أي: ذكرًا على أنثى. والحيُّوت: ذكر الحيات، وأنشد الأصمعي:\nويأكل الحيَّة والحيُّوتا (٤)\nو(ذو الطفيتين): ضرب من الحيَّات في ظهره خطَّان أبيضان، وعنهما عبَّر بالطُّفيتين. وأصل الطُّفية - بضم الطاء -: خوص المقل (٥)، فشبَّه الخط الذي على\n_________\n(١) رواه مسلم (٤٥٠)، وأبو داود (٣٩)، والترمذي (١٨)، والنسائي (١/ ٣٠).\n(٢) هو طرفة بن العبد.\n(٣) هذا عجز البيت، وصدره:\nأنا الرَّجُلُ الضَّرْبُ الذي تعرفونه\n(٤) قال في الصحاح، وبعده:\nويَدْمُقُ الأغفالَ والتابوتا\nويَخْنُقُ العجوزَ أوْ تموتا\n(٥) ورق شجر المُقل.","vol":"5","page":532},{"text":"قَالَ الزُّهرِيُّ: وَنُرَى ذَلِكَ مِن سُمَّيهِمَا، وَاللَّهُ أَعلَمُ.\nقَالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ: فَلَبِثتُ لَا أَترُكُ حَيَّةً أَرَاهَا إِلَّا قَتَلتُهَا، فَبَينَا أَنَا أُطَارِدُ حَيَّةً يَومًا مِن ذَوَاتِ البُيُوتِ مر بي زيد بن الخطاب أو أبو لبابة وأنا أطاردها فقال: مهلا يا عبد الله، فقلت: إن رسول الله - ﷺ - أمر بقتلهن، قال: إن رسول الله ﷺ قد نَهَى عَن ذَوَاتِ البُيُوتِ.\nــ\nظهر هذه الحيَّة به، وربَّما قيل لهذه الحيَّة: طُفيَةٌ؛ على معنى: ذات طفية. قال الشاعر (١):\n. . . . . . . . . . . . ... كما تَذِلُّ الطُّفَى مِن رُقيَة الرَّاقي (٢)\nأي: ذوات الطُّفَى. وقد يسمى الشيء باسم ما يجاوره. وقال الخليل في ذي الطفيتين: هي حيَّة، لينة خبيثة. و(الأبتر): الأفعى؛ سميت بذلك لقصر ذنبها. وذَكَر الأفعى: أفعوان. قا النضر بن شميل في الأبتر: إنه صنف من الحيَّات أزرق مقطوع الذنب.\nو(يلتمسان): يطلبان. هذا أصله، ومعناه هنا: يخطفان البصر، كما جاء في الرواية الأخرى. وقد روي: (يلتمعان) و(يطمسان) وكلها بمعنى واحد.\nو(يتبعان ما في بطون النِّساء) أي: يسقطان الحبل، كما جاء في الرواية الأخرى (٣)، وظاهر هذا: أن هذين النوعين من الحيَّات لهما من الخاصية ما يكون عنهما ذلك، ولا يستبعد هذا، فقد حكى أبو الفرج الجوزي في كتابه المسمى بـ كشف المشكل لما في الصحيحين: أن بعراق العجم أنواعًا من الحيَّات يهلك الرائي لها بنفس رؤيتها، ومنها من يهلك المرور على طريقها، وذكر غير ذلك. ولا يلتفت إلى قول من قال: إن ذلك بالترويع؛ لأنَّ ذلك الترويعَ ليس خاصًّا\n_________\n(١) هو الهذليُّ.\n(٢) هذا عجز البيت، وصدره:\nوهم يُذِلُّونها مِن بَعْدِ عِزَّتها\n(٣) ما بين حاصرتين سقط من (م ٢).","vol":"5","page":533},{"text":"وفي رواية قَالَ: حَتَّى رَآنِي أَبُو لُبَابَةَ بنُ عَبدِ المُنذِرِ، وَزَيدُ بنُ الخَطَّابِ فَقَالَا: إِنَّهُ قَد نَهَي عَن ذَوَاتِ البُيُوتِ.\nرواه أحمد (٢/ ١٢١)، والبخاريُّ (٣٢٩٧ و٣٢٩٨)، ومسلم (٢٢٣٣) (١٢٨ و١٢٩ و١٣٠)، وأبو داود (٥٢٥٢)، وابن ماجه (٣٥٣٥).\nــ\nبهذين النوعين، بل يعمُّ جميع الحيَّات، فتذهب خصوصيَّة هذا النوع بهذا الاعتناء العظيم، والتحذير الشديد، ثمَّ: إن صحَّ هذا في طرح الحبل، فلا يصحُّ في ذهاب البصر، فإنَّ الترويع لا يذهبه.\nو(الجنَّان) بتشديد النون: جمع: الجانِّ، وهو أبو الجنِّ. هذا أصله. والجنان في الحديث: هو حيَّة بيضاء صغيرة دقيقة. هكذا ذكر النقلة، والظاهر من الجنان المذكور في الحديث: أن المراد به: الجانُّ (١)، فإن قيل: فقد وصف الله تعالى الحيَّة المنقلبة عن عصا موسى بأنها جانٌّ، وأنَّها ثعبان عظيم؛ فالجواب: إنه إنما كانت ثعبانًا عظيمًا في الخِلقة، ومثل الحيَّة الصغيرة الدقيقة في الخفة والسرعة، ألا ترى قوله تعالى: ﴿تَهتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ هكذا قال أهل اللغة، وأرباب المعاني. وعلى الجملة: فأصل هذه البنية من: ج - ن؛ للسترة والتستر أينما وقعت، فتتبعها تجدها كذلك. ووبيص الجان وغيره: لمعانه وبريقه. قال عياض: وقيل: الجنَّان: ما لا يتعرض للناس، والجِنَّل: ما يتعرَّض لهم ويؤذيهم، وأنشدوا:\nتَنَازَع جِنَّان وَجِنٌّ وَجِنَّلُ\nوعن ابن عبَّاس وابن عمر - ﵃ -: الجنَّان: مسخ الجنِّ كما مسخت القردة من بني إسرائيل. وعوامر البيوت: هي ما يعمره من الجن، فيتمثل في صور الحيَّات وفي غيرها.\n_________\n(١) في (م ٢) و(ل ١) و(ز) و(م ٣): الحيَّات.","vol":"5","page":534},{"text":"[٢١٠١] وعن نافع قال: كَانَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ يَومًا عِندَ هَدمٍ لَهُ، فَرَأَى وَبِيصَ جَانٍّ فَقَالَ: اتَّبِعُوا هَذَا الجَانَّ فَاقتُلُوهُ: فقَالَ أَبُو لُبَابَةَ الأَنصَارِيُّ: إِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن قَتلِ الجِنَّانِ الَّتِي تَكُونُ فِي البُيُوتِ إِلَّا الأَبتَرَ، وَذَا الطُّفيَتَينِ، فَإِنَّهُمَا اللَّذَانِ يَخطِفَانِ البَصَرَ، وَيَتَتَبَّعَانِ مَا فِي بُطُونِ النِّسَاءِ.\nرواه مسلم (٢٢٣٣) (١٣٦)، وأبو داود (٥٢٥٥).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-794>(٢٢) باب المبادرة بقتل الحيات إلا أن تكون من ذوات البيوت؛ فلا تقتل حتى تستأذن ثلاثا</span>\n[٢١٠٢] عَن عَبدِ اللَّهِ - هو ابن مسعود - قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَارٍ، وَقَد أُنزِلَت عَلَيهِ وَالمُرسَلَاتِ عُرفًا فَنَحنُ نَأخُذُهَا مِن فِيهِ رَطبَةً؛ إِذ خَرَجَت عَلَينَا حَيَّةٌ فَقَالَ: اقتُلُوهَا، فَابتَدَرنَاهَا لِنَقتُلَهَا فَسَبَقَتنَا. فَقَالَ\nــ\nوقول ابن مسعود - ﵁ -: (أنزلت ﴿وَالمُرسَلاتِ عُرفًا﴾ فنحن نأخذها من فيه رطبة) أي: مُستطابة، سهلة كالثمرة الرَّطبة، السهلة الجنَى. وقيل: معناه: أي: نتلقاها لنسمعها منه لأول نزولها، كالشيء الرَّطب في أول أحواله. والأول أوقع تشبيهًا، ويدلّ عليه: قوله - ﷺ - في الخوارج: (يقرءون القرآن رطبًا لا يجاوز حناجرهم) (١) أي: يستطيبون تلاوته، ولا يفهمون معانيه.\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٤٣٢)، ومسلم (١٠٦٤)، وأبو داود (٤٧٦٤) من حديث أبي سعيد.","vol":"5","page":535},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَقَاهَا اللَّهُ شَرَّكُم كَمَا وَقَاكُم شَرَّهَا.\nرواه أحمد (١/ ٤٢٨)، والبخاريُّ (٤٩٣١)، ومسلم (٢٢٣٤)، والنسائي (٥/ ٢٠٨).\n[٢١٠٣] وعن أبي السَّائِبِ - مَولَى هِشَامِ بنِ زُهرَةَ -: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ فِي بَيتِهِ قَالَ: فَوَجَدتُهُ يُصَلِّي، فَجَلَستُ أَنتَظِرُهُ حَتَّى يَقضِيَ صَلَاتَهُ، فَسَمِعتُ تَحرِيكًا فِي عَرَاجِينَ فِي نَاحِيَةِ البَيتِ، فَالتَفَتُّ فَإِذَا حَيَّةٌ، فَوَثَبتُ لِأَقتُلَهَا فَأَشَارَ إِلَيَّ أَن اجلِس فَجَلَستُ، فَلَمَّا انصَرَفَ أَشَارَ إِلَى بَيتٍ فِي الدَّارِ فَقَالَ: أَتَرَى هَذَا البَيتَ؟ فَقُلتُ: نَعَم. فقَالَ: كَانَ فِيهِ فَتًى مِنَّا حَدِيثُ عَهدٍ بِعُرسٍ، قَالَ: فَخَرَجنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الخَندَقِ، فَكَانَ ذَلِكَ الفَتَى يَستَأذِنُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِأَنصَافِ النَّهَارِ فَيَرجِعُ إِلَى أَهلِهِ، فَاستَأذَنَهُ يَومًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: خُذ عَلَيكَ سِلَاحَكَ،\nــ\nوقوله - ﷺ -: (وقاها الله شرَّكم) أي: قتلكم لها؛ فإنَّه شرٌّ بالنسبة لها؛ وإن كان خيرًا بالنسبة إلينا.\nو(قوله: كما وقاكم شرَّها) أي: لسعَها. وفيه: دلالة على صحة ما ذكرناه من استصحاب أصل الضرر في نوع الحيَّات.\nوقول أبي سعيد: فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله - ﷺ - بأنصاف النهار) إنَّما كان الفتى يستأذن رسول الله - ﷺ - امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمرٍ جَامِعٍ لَم يَذهَبُوا حَتَّى يَستَأذِنُوهُ﴾ وكانوا مع النبي - ﷺ - في حفر الخندق. وأنصاف: جمع نصف، كحِمل وأحمال، وعِدل وأعدال. وكأن هذا الفتى كانت عادته أن يستأذن النبي - ﷺ - كل يوم من تلك الأيام في نصف النهار، فيأذن له في الانصراف إلى أهله. والباء في: بأنصاف بمعنى: في، كما تقول: جاء زيد بثيابه؛ أي: فيها.","vol":"5","page":536},{"text":"فَإِنِّي أَخشَى عَلَيكَ قُرَيظَةَ فَأَخَذَ الرَّجُلُ سِلَاحَهُ، ثُمَّ رَجَعَ فَإِذَا امرَأَتُهُ بَينَ البَابَينِ قَائِمَةً، فَأَهوَى إِلَيهَا الرُّمحَ لِيَطعُنَهَا بِهِ، وَأَصَابَتهُ غَيرَةٌ فَقَالَت لَهُ: اكفُف عَلَيكَ رُمحَكَ، وَادخُل البَيتَ حَتَّى تَنظُرَ مَا الَّذِي أَخرَجَنِي، فَدَخَلَ فَإِذَا بِحَيَّةٍ عَظِيمَةٍ مُنطَوِيَةٍ عَلَى الفِرَاشِ، فَأَهوَى إِلَيهَا بِالرُّمحِ فَانتَظَمَهَا بِهِ، ثُمَّ خَرَجَ فَرَكَزَهُ فِي الدَّارِ، فَاضطَرَبَت عَلَيهِ، فَمَا يُدرَى أَيُّهُمَا كَانَ أَسرَعَ مَوتًا الحَيَّةُ أَم الفَتَى، قَالَ: فَجِئنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فَذَكَرنَا ذَلِكَ لَهُ، وَقُلنَا: ادعُ اللَّهَ يُحيِيهِ لَنَا فَقَالَ: استَغفِرُوا لِصَاحِبِكُم، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ بِالمَدِينَةِ جِنًّا قَد أَسلَمُوا، فَإِذَا رَأَيتُم مِنهُم شَيئًا فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِن بَدَا لَكُم بَعدَ ذَلِكَ فَاقتُلُوهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيطَانٌ.\nرواه مسلم (٢٢٣٦) (١٣٩)، وأبو داود (٥٢٥٩)، والترمذيُّ (١٤٨٤).\nــ\nو(قوله: فأهوى إليها بالرُّمح ليطعنها) أي: أماله إليها إرهابًا ومبالغة في الزَّجر. وحمله على ذلك فرط الغيرة، وما كان بالذي يطعنها.\nوقولهم للنبي - ﷺ - حين مات الفتى: (ادع الله أن يحييه لنا) قول أخرجه منهم كثرة ما كانوا يشاهدون من إجابة دعواته وعموم بركاته، ولما روى أئمتنا في كتبهم: أن رجلًا وأد ابنته ثم أسلم، فجاء النبي - ﷺ - فسأله: أن يدعو الله في أن يحييها له، فانطلق معه إلى قبرها، فدعا، فناداها، فأحياها الله، فتكلمت معهما، فقال لها رسول الله - ﷺ -: (أتريدين أن تنطلقي مع أبيك؟ أو ترجعي إلى ما كنت فيه؟) فاختارت الرُّجوع إلى قبرها (١).\nو(قوله: إنَّ بالمدينة جنًّا قد أسلموا) قد بيَّنَّا: أن بغير المدينة أيضًا جنًّا قد أسلموا، فتلزم التسوية بينها وبين غيرها في المنع من قتل الحيَّات إلا بعد الإذن.\n_________\n(١) انظر: حجة الله على العالمين للنبهاني (١/ ٤٢٢).","vol":"5","page":537},{"text":"[٢١٠٤] وفي طريق أخرى: فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ لِهَذِهِ البُيُوتِ عَوَامِرَ، فَإِذَا رَأَيتُم شَيئًا مِنهَا فَحَرِّجُوا عَلَيهَا ثَلَاثًا، فَإِن ذَهَبَ وَإِلَّا فَاقتُلُوهُ\nــ\nولا يفهم من هذا الحديث: أن هذا الجان الذي قتله الفتى كان مسلمًا، وأن الجنَّ قتلته قصاصًا؛ لأنَّه لو سلم: أن القصاص مشروع بيننا وبين الجن، لكن: إنما يكون في العمد المحض، وهذا الفتى لم يقصد، ولم يتعمد قتل نفس مسلمة؛ إذ لم يكن عنده علم من ذلك، وإنما قصد إلى قتل ما سوَّغ له قتل نوعه شرعًا، فهذا قتل خطأ، ولا قصاص فيه. فالأولى أن يقال: إن كفار الجن أو فسقتهم قتلوا الفتى بصاحبهم عدوانًا وانتقامًا، وإنما قال النبي - ﷺ -: (إن بالمدينة جنًّا قد أسلموا. . .) إلى آخر الحديث؛ ليبين طريقًا يحصل به التحرُّز من قتل المسلم منهم، ويتسلط به على قتل الكافر منهم، ولذلك قال ﷺ: (فإذا رأيتم منها شيئًا فآذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه، فإنما هو شيطان) ولذلك قال مالك: أحبُّ إلي أن ينذروا ثلاثة أيام. قال عيسى بن دينار: ينذر ثلاثة أيام، وإن ظهر في اليوم مرارًا، ولا يقتصر على إنذاره ثلاث مرار في يوم واحد حتى يكون في ثلاثة أيام.\nقلت: وهذا تنبيه: على أن من الناس من يقول: إن الإذن ثلاث مرَّات، وهو الذي يفهم من قوله: (فليؤذنه ثلاثًا) ومن قوله: (فحرجوا عليه ثلاثًا) لأنَّ ثلاثًا للعدد المؤنث، فيظهر: أن المراد ثلاث مرَّات، والأولى: ما صار إليه مالك؛ لأنَّ قوله: (ثلاثة أيام) نصٌّ صحيح، مقيَّد لتلك المطلقات، فلا يُعدل عنه، ويمكن أن يحمل تأنيث العدد على إرادة ليالي الأيام الثلاثة، فغلب الليلة على عادة العرب في باب التاريخ، فإنَّها تغلب فيها التأنيث.\nو(قوله: فحرِّجوا عليها ثلاثًا) قال مالك: يكفي في الإنذار أن يقول: أحرِّج عليك بالله واليوم الآخر ألا تبدو لنا، ولا تؤذينا. وحكى ابن حبيب عن","vol":"5","page":538},{"text":"فَإِنَّهُ كَافِرٌ. وَقَالَ لَهُم: اذهَبُوا فَادفِنُوا صَاحِبَكُم.\nرواه مسلم (٢٢٣٦) (١٤٠)، وأبو داود (٥٢٥٦).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-795>(٢٣) باب قتل الأوزاغ وكثرة ثوابه في أول ضربة</span>\n[٢١٠٥] عن أُمَّ شَرِيكٍ - إحدى نساء بني عامر بن لؤي - أَنَّهَا استَأمَرَت النَّبِيَّ ﷺ فِي قَتلِ الوِزغَانِ فَأَمَرَ بِقَتلِهَا.\nرواه أحمد (٦/ ٤٢١)، والبخاريُّ (٣٣٥٩)، ومسلم (٢٢٣٧) (١٤٣)، والنسائي (٥/ ٢٠٩)، وابن ماجه (٣٢٢٨).\nــ\nالنبي - ﷺ - أنَّه يقول: (أنشدكن بالعهد الذي أخذ عليكن سليمان ألا تؤذوننا، وألا تظهرن علينا) (١)\n(٢٣) ومن باب قتل الأوزاغ\nالوَزَغة: دُويبة مستخبثة مستكرهة، وتُجمع: وزغ، وأوزاغ، ووزغان. وأَمرُه - ﷺ - بقتله لما يحصلَ منه من الضرر والأذى الذي هي عليه من الاستقذار المعتاد، والنَّفرة المألوفة؛ التي قد لازمت الطباع، ولما يُتَّقى أن يكون فيها سُمٌّ، أو شيء يضر متناولَه، ولما روي: من أنها أعانت على وقود نار إبراهيم ﵇؛ فإنَّها كانت تنفخ فيه ليشتعل، وهذا من نوع ما روي في الحيَّة: أنَّها أدخلت إبليس إلى الجنَّة فعوقبت بأن أُهبطت مع من أُهبط، وجُعلت العداوة بينها\n_________\n(١) ذكره القرطبي في تفسيره (١/ ٣١٨).","vol":"5","page":539},{"text":"[٢١٠٦] وعن سعد بن أبي وقاص: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتلِ الوَزَغِ، وَسَمَّاهُ فُوَيسِقًا.\nرواه أحمد (١/ ١٧٦)، ومسلم (٢٢٣٨) (١٤٤)، وأبو داود (٥٢٦٢).\n[٢١٠٧] وعَن عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لِلوَزَغِ الفُوَيسِقُ. قَالَت: وَلَم أَسمَعهُ أَمَرَ بِقَتلِهِ.\nرواه أحمد (٦/ ٨٧)، والبخاريُّ (٣٣٠٦)، ومسلم (٢٢٣٩)، والنسائي (٥/ ٢٠٩)، وابن ماجه (٣٢٣٠).\n[٢١٠٨] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن قَتَلَ وَزَغَةً فِي أَوَّلِ ضَربَةٍ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً، وَمَن قَتَلَهَا فِي الضَّربَةِ الثَّانِيَةِ فَلَهُ كَذَا\nــ\nوبين بني آدم، ويشهد لهذا قوله - ﷺ -: (ما سالمناهنَّ مُذ عاديناهنَّ) (١) وهذا كله مذكور في كتب المفسِّرين.\nوقول عائشة: (إنَّه قال للوَزَغ: الفويسق) إنما سمي بذلك لخروجه عن مواضعه، أو عن جنس الحيوانات للضرر. وقيل: لأنَّها خرجت عن حكم الحيوانات المحترمة شرعًا. وقد تقدَّم: أن أصل الفسق في اللغة: الخروج مطلقًا، وأنَّه اسم مذمومٌ في الشرع.\nوقولها: (إنها لم تسمع النبي - ﷺ - يأمر بقتله) لا حجَّة فيه على نفي القتل؛ إذ قد نقل الأمر بقتله أمُّ شريك وغيرها، ومن نقل حجَّة على من لم ينقل.\nو(قوله: من قتل وزغة في أول ضربة، فله كذا وكذا حسنة) هذا عدد\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٤٣٢) من حديث أبي هريرة.","vol":"5","page":540},{"text":"وَكَذَا حَسَنَةً لِدُونِ الأُولَى، وَإِن قَتَلَهَا فِي الضَّربَةِ الثَّالِثَةِ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً لِدُونِ الثَّانِيَةِ.\nوفي رواية: مَن قَتَلَ وَزَغًا فِي أَوَّلِ ضَربَةٍ كُتِبَت لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ دُونَ ذَلِكَ، وَفِي الثَّالِثَةِ دُونَ ذَلِكَ.\nوفي أخرى: أَنَّهُ قَالَ: فِي أَوَّلِ ضَربَةٍ سَبعِينَ حَسَنَةً.\nرواه مسلم (٢٢٤٠) (١٤٦ و١٤٧)، وأبو داود (٥٢٦٣ و٥٢٦٤)، والترمذيُّ (١٤٨٢).\n* * *\nــ\nمبهمٌ فسَّرته الرواية الأخرى؛ التي قال فيها: (مائة حسنة) أو (سبعون) ولم يقع تفسيرٌ للعدد الذي في الضربة الثانية، ولا الثالثة، غير أن الحاصل: أن قتلها في أوَّل ضربة فيه من الأجر أكثر مِمَّا في الثانية، وما في الثانية أكثر مما في الثالثة. وقد قيل: إنما كان ذلك للحض على المبادرة لقتلها، والجد فيه، وترك التواني لئلا تفوت سليمة.\nقلت: ويظهر لي وجه آخر، وهو: أن قتلها وإن كان مأمورًا به لا تعذب بكثرة الضرب عليها، بل ينبغي أن يجهز عليها في أوَّل ضربة. ويشهد لهذا نهيه - ﷺ - عن تعذيب الحيوان، و(قوله: إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح) (١) والله تعالى أعلم.\n* * *\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ١٢٣)، ومسلم (١٩٥٥)، وأبو داود (٢٨١٥)، والترمذي (١٤٠٩)، والنسائي (٧/ ٢٢٧)، وابن ماجه (١٣٧٠).","vol":"5","page":541},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-796>(٢٤) باب كراهية قتل النمل إلا أن يكثر ضررها</span>\n[٢١٠٩] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَنَّ نَملَةً قَرَصَت نَبِيًّا مِن الأَنبِيَاءِ، فَأَمَرَ بِقَريَةِ النَّملِ فَأُحرِقَت،\nــ\n(٢٤ و٢٥) ومن باب كراهية قتل النمل إلا أن يكثر ضررها (١)\nقوله: (إن نملة قَرَصَت نبيًّا من الأنبياء، فأمر بقرية النمل فأحرقت) هذا النبي - ﵇ - كانت العقوبة للحيوان بالتحريق جائزة في شرعه، ولذلك إنَّما عاتبه الله تعالى في إحراق الكثير من النَّمل، لا في أصل الإحراق. ألا ترى قوله: (فهلا نملة واحدة؟ !) أي: هلا حرقت نملة واحدة! وهذا بخلاف شرعنا، فإنَّ النبي - ﷺ - قد نهى عن التعذيب بالنار، وقال: (لا يعذب بالنار إلا الله) (٢) وكذلك أيضًا كان قتل النمل مباحًا في شريعة ذلك النبي، فإنَّ الله لم يعتُبه على أصل قتل النمل. وأما شرعنا: فقد خرَّج أبو داود من حديث ابن عباس: أن النبي - ﷺ - قد نهى عن قتل أربع من الدواب: النَّملة، والنحلة، والهدهد، والصُّرد (٣). وقد كره مالك قتل النمل إلا أن يضر، ولا يقدر على دفعه إلا بالقتل.\nوظاهر هذا الحديث: أن هذا النبي إنَّما عاتبه الله تعالى حيث انتقم لنفسه بإهلاك جمع آذاه واحد منه، وكان الأولى به الصبر، والصفح، لكن وقع للنبي أن هذا النوع مؤذٍ لبني آدم، وحرمة بني آدم أعظم من حرمة غيره من الحيوان غير الناطق، فلو انفرد له هذا النظر ولم ينضم إليه التَّشفي الطبيعي لم يعاتب، والله تعالى أعلم، لكن: لما انضاف إليه التَّشفي الذي دلَّ عليه سياق الحديث\n_________\n(١) شرح المؤلف تحت هذا العنوان ما أشكل أيضًا في باب: فيمن حبس الهرَّ.\n(٢) رواه أبو داود (٢٦٧٣).\n(٣) رواه أبو داود (٥٢٦٧).","vol":"5","page":542},{"text":"فَأَوحَى اللَّهُ إِلَيهِ أَفِي أَن قَرَصَتكَ نَملَةٌ أَهلَكتَ أُمَّةً مِن الأُمَمِ تُسَبِّحُ؟\nوفي رواية: فَهَلَّا نَملَةً وَاحِدَةً؟\nرواه أحمد (٢/ ٤٠٢)، والبخاريُّ (٣٣١٩)، ومسلم (٢٢٤١) (١٤٨ - ١٥٠)، وأبو داود (٥٢٦٦)، والنسائي (٧/ ٢١٠)، وابن ماجه (٣٢٢٥).\n* * *\nــ\nعُوتب عليه. والذي يؤيد ما ذكرنا: التمسك بأصل عصمة الأنبياء، وأنَّهم أعلمُ النَّاس بالله وبأحكامه، وأشدُّهم له خشيةً.\nو(قوله: أفي أن قرصتك نملةٌ أهلكتَ أمةً من الأمم تسبح؟) مقتضى هذا: أنه تسبيحُ مقالٍ ونطق، كما قد أخبر الله تعالى عن النَّمل: أنَّ لها منطقًا، وفَهمُه سليمان - ﵇ - معجزة له. وقد أخبر الله تعالى عن النملة التي سمعها سليمان: أنها قالت: ﴿يَا أَيُّهَا النَّملُ ادخُلُوا مَسَاكِنَكُم لا يَحطِمَنَّكُم سُلَيمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُم لا يَشعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِن قَولِهَا﴾ فهذا كلُّه يدلُّ دَلالةً واضحة: أن للنَّمل نُطقًا وقولًا، لكن لا يسمعه كل أحدٍ، بل من شاء الله تعالى مِمَّن خرق له العادة من نبي، أو ولي، ولا ينكر هذا من حيث أنَّا لا نسمع ذلك، فإنَّه لا يلزم من عدم الإدراك عدم المدرك في نفسه. ثم: إن الإنسان يجدُ في نفسه قولًا وكلامًا، ولا يُسمعُ منه إلا إذا نطق بلسانه. وقد خرق الله العادةَ لنَبيِّنا - ﷺ - فأسمعه كلام النفس من قومٍ تحدَّثوا مع أنفسهم، وأخبرهم بما في نفوسهم، كما نقل منه أئمتنا الكثير في كتب معجزات النبي - ﷺ -، وكذلك: قد وقع لكثير مِمَّن أكرمه الله تعالى من الأولياء مثلُ ذلك في غير ما قضيةٍ، وإيَّاه عنى النبي - ﷺ - بقوله: (إن في أمَّتي محدَّثين، وإنَّ عُمَرَ منهم) (١).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٦٨٩)، ومسلم (٢٣٩٨).","vol":"5","page":543},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-797>(٢٥) باب فيمن حبس الهر</span>\n[٢١١٠] عَن عَبدِ اللَّهِ - هو ابن عمر - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: عُذِّبَت امرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتهَا حَتَّى مَاتَت، فَدَخَلَت فِيهَا النَّارَ لَا هِيَ أَطعَمَتهَا وَسَقَتهَا إِذ حَبَسَتهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتهَا تَأكُلُ مِن خَشَاشِ الأَرضِ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٦١)، والبخاريُّ (٣٣١٨)، ومسلم (٢٢٤٢).\n* * *\nــ\nو(قوله: عُذِّبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النَّار) هذا نصٌّ في أن هذه المرأة إنما عُذِّبت في النار بسبب قتل هذه الهرة بالحبس، وترك الطعام. وهذه المرأة التي تقدَّم: أن النبي - ﷺ - رآها في النَّار، وهي امرأة طويلة من بني إسرائيل، وهل كانت كافرة، أو لا؟ كلُّ ذلك محتمل، فإنَّ كانت كافرة؛ ففيه دليل: على أن الكفار مخاطبون بالفروع، ومعاقبون على تركها. وإن لم تكن كافرة فقد تمحض: أن سبب تعذيبها في النار حبس الهرة إلى أن ماتت جوعًا. ففيه من الفقه: أن الهرَّ لا يُتَمَلَّك، وأنه لا يجب إطعامه إلا على من حبسه.\nو(الخَشاش): الهوام، وصغار الطير. وقرأناه بفتح الخاء. وقال عياض: هو بالفتح. وقال الجوهري: الخِشاش - بالكسر-: الحشرات. وقد تفتح. قال أبو عمر: ورجل خَشاش - بالفتح - وهو: الماضي من الرِّجال، وقد يضم، فأمَّا: الخِشاش الذي يدخل في أنف البعير فبالكسر لا غير، وهو من خشب، والبُرَة: من صُفر، والخرامة: من شعر. قاله الجوهري (١).\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ج ٢).","vol":"5","page":544},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-798>(٢٦) باب في كل ذي كبد أجر</span>\n[٢١١١] عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بَينَمَا رَجُلٌ يَمشِي بِطَرِيقٍ اشتَدَّ عَلَيهِ العَطَشُ، فَوَجَدَ بِئرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا كَلبٌ يَلهَثُ يَأكُلُ الثَّرَى مِن العَطَشِ فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَد بَلَغَ هَذَا الكَلبَ مِن العَطَشِ مِثلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ البِئرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أَمسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقِيَ فَسَقَى الكَلبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّ لَنَا\nــ\n(٢٦) ومن باب في كل ذي كبد رطبة أجر\nقوله: (يلهث) أي: يخرج لسانه من شدَّة العطش والتَّعب، وهو الذي عبَّر عنه في الرواية الأخرى بإخراج لسانه. ويقال: لهث - بفتح الهاء وكسرها - فأما المستقبل: فبالفتح لا غير، والاسم: اللَّهث، واللُّهاث - بضم اللام - ذكره الخليل. وقال الجوهري: اللَّهَثَان - بالتحريك -: العطش، وبالتسكين العطشان، والمرأة: لهثى، وقد لهثت لهثًا، ولهاثًا، مثل: سمع، سماعًا. واللُّهاث - بالضم -: حرُّ العطش. قال: ولهث الكلب - بالفتح - يلهث، لهثًا، ولُهاثًا - بالضم - إذا أخرج لسانه من التَّعب والعطش. فأما: أدلع لسانه: فاللغة الفصيحة فيه: دلع - ثلاثيًّا -، يقال: دلع الرُّجل لسانه فاندلع؛ أي: أخرجه فخرج. ودلع لسانه؛ أي: خرج؛ يتعدَّى، ولا يتعدَّى. والأول حكاه ابن الأعرابي. و(البغي): الزانية.\nو(قوله: فشكر الله له فغفر له) أي: أظهر ما جازاه به عند ملائكته، وأثنى عليه عندهم. وقد قدَّمنا: أن أصل الشكر: الظهور؛ كما قالوا: دابة شكور: إذا ظهر عليها من السِّمن أكثر مما تأكله من العلف.","vol":"5","page":545},{"text":"فِي هَذِهِ البَهَائِمِ لَأَجرًا؟ فَقَالَ: فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطبَةٍ أَجرٌ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٧٥)، والبخاريُّ (٢٣٦٣)، ومسلم (٢٢٤٤)، وأبو داود (٢٥٥٠).\n[٢١١٢] وعَنه، عن النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّ امرَأَةً بَغِيًّا - وفي رواية: من بني إسرائيل - رَأَت كَلبًا فِي يَومٍ حَارٍّ يُطِيفُ بِبِئرٍ قَد أَدلَعَ لِسَانَهُ مِن العَطَشِ، فَنَزَعَت لَهُ بِمُوقِهَا فَغُفِرَ لَهَا.\nوفي رواية: فَاستَقَت لَهُ، فَسَقَتهُ إِيَّاهُ؛ فَغُفِرَ لَهَا بِهِ.\nرواه أحمد (٢/ ٥٠٧)، والبخاريُّ (٣٤٦٧)، ومسلم (٢٢٤٥) (١٥٤ - ١٥٥).\n* * *\nــ\nو(قوله: فنزعت له بموقها) أي: سقت له بيدها. يقال: نزعت بالدَّلو، ونزعت الدَّلو. والنزوع - بفتح النون - هي: البئر التي يستقى منها باليد. وقد روي هذا الحرف: (فنزعت موقها (١)، فاستقت به) أي: خلعته من رجلها.\nو(قوله: في كل كبد رطبة أجر) أي: حيَّة؛ يعني بها: رطوبة الحياة. وفي رواية أخرى: (في كل كبدٍ حرَّى) يعني بها: حرارة الحياة، أو حرارة العطش.\nوفي هذه الأحاديث ما يدلّ: على أن الإحسان إلى الحيوان، والرفق به تُغفَرُ به الذنوب، وتُعظم به الأجور. ولا يناقض هذا: أنَّا قد أمرنا بقتل بعضها، أو أبيح لنا، فإنَّ ذلك إنَّما شرع لمصلحة راجحة على قتله، ومع ذلك: فقد أمرنا بإحسان القتلة، والرفق بالذبيحة.\n_________\n(١) قال النووي في شرح صحيح مسلم: الموق -بضم الميم-: هو الخف، فارسي معرَّبٌ.","vol":"5","page":546},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-799>(٢٧) باب النهي عن سب الدهر</span>\n[٢١١٣] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ اللَّهُ ﵎: يُؤذِينِي ابنُ آدَمَ يَقُولُ: يَا خَيبَةَ الدَّهرِ،\nــ\n(٢٧) ومن باب النَّهي عن سبِّ الدَّهر\nقول أبي هريرة - ﵁ -: (قال الله ﵎: يؤذيني ابن آدم) الحديث؛ جاء هذا الحديث في هذه الرواية موقوفًا على أبي هريرة لم يذكر فيه رسول الله - ﷺ -، غير أنه مِمَّا يعلم: أنه من قول رسول الله - ﷺ - قطعًا؛ لأنَّ مضمونه حكاية عن الله تعالى، ولا يعرفها أبو هريرة إلا من جهة رسول الله - ﷺ -، وقد روي معناه مسندًا مرفوعًا من طريق آخر، غير أن مساق هذا الحديث أكمل، فلذلك اخترناه.\nوقوله تعالى: (يؤذيني ابن آدم) أي: يخاطبني من القول بما يتأذى به من يصحُّ في حقه التأذي، لا أن الله تعالى يتأذى؛ لأنَّ التأذي ضرر وألم، والله تعالى منزه عن ذلك، وهذا يجري مجرى ما جاء من محاربة الله ومخادعته. وهذه كلها توسعات يفهم منها: أن من يعامل الله تعالى بتلك المعاملات تعرَّض لعقاب (١) الله تعالى، ولمؤاخذته الشديدة. فليحذر ذلك.\nويراد بابن آدم هنا: أهل الجاهلية، ومن جرى مجراهم؛ ممن يُطلِقُ هذا اللفظ، ولا يتحرز منه، فإنَّ الغالب من أحوال بني آدم إطلاق نسبة الأفعال إلى الدَّهر، فيذمُّونه، ويُسفِّهونه إذا لم تحصل لهم أغراضهم، ويمدحونه إذا حصلت لهم. وأكثر ما يُوجد ذلك في كلام الشعراء والفصحاء. ولا شكَّ في كفر من نسبَ\n_________\n(١) في (ج ٢): لعذاب.","vol":"5","page":547},{"text":"فَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُم يَا خَيبَةَ الدَّهرِ؛ فَإِنِّي أَنَا الدَّهرُ، أُقَلِّبُ لَيلَهُ وَنَهَارَهُ، فَإِذَا شِئتُ قَبَضتُهُمَا.\nرواه أحمد (٢/ ٢٣٨)، والبخاري (٤٨٢٦)، ومسلم (٢٢٤٦) (٣)، وأبو داود (٥٢٧٤).\nــ\nتلك الأفعال أو شيئًا منها للدَّهر حقيقة، واعتقد ذلك. وأما من جرت هذه الألفاظ على لسانه ولا يعتقد صحة تلك: فليس بكافر، ولكنه قد تشبَّه بأهل الكفر وبالجاهلية في الإطلاق، وقد ارتكب ما نهاه رسول الله - ﷺ - عنه. فَليتُب، وليستغفر الله تعالى. والدَّهر، والزمان، والأبد: كلها بمعنى واحد، وهو راجع إلى حركات الفلك، وهي الليل والنهار.\nو(قوله: لا يقولن أحدكم: يا خيبة الدَّهر) ليس هذا النَّهي مقصورًا على هذا اللفظ، بل يلحق به كل ما في معناه من قولهم: خَرُفَ الفلكُ، وانعكس الدَّهر، وتَعِسَ، وما في معنى ذلك.\nو(قوله: فإني أنا الدَّهر) الرواية الصحيحة المشهورة فيه برفع الدَّهر؛ على أنه خبر (إن) إن جعلنا (أنا) فصلًا. وإن جعلناها مبتدأ؛ فهو خبره. وقد قيدها بعض الناس (الدَّهر) بالنصب؛ على أن تكون ظرفًا يعمل فيه (أُقَلِّبُ) فكأنه قال: أنا طولَ الدَّهر أُقلِّب الليل والنهار، ويكون (أُقلِّب) هو الخبر، والذي حمله على ذلك خوف أن يقال: إن الدَّهر من أسماء الله تعالى، وهذا عدول عمَّا صحَّ إلى ما لم يصح مخافة ما لا يصح، فإنَّ الرواية الصحيحة عند أهل التحقيق بالضم، ولم يرو الفتح من يُعتمد عليه، ولا يلزم من ثبوت الضم أن يكون الدَّهر من أسماء الله تعالى؛ لأن أسماء الله تعالى لا بدَّ فيها من التوقيف عليها، أو استعمالها استعمال الأسماء من الكثرة والتكرار، فيخبر به، وينادى به، كما اتَّفق في سائر أسماء الله تعالى كالغفور، والشكور، والعليم، والحليم، وغير ذلك من أسمائه، فإنك تجدها في","vol":"5","page":548},{"text":"[٢١١٤] وعنه، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا تَسُبُّوا الدَّهرَ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهرُ.\nوفي رواية مرفوعا: يُؤذِينِي ابنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهرَ، وَأَنَا الدَّهرُ، أُقَلِّبُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٧٢)، والبخاريُّ (٦١٨١)، ومسلم (٢٢٤٦) (٢ و٥).\n* * *\nــ\nالشريعة وفي لسان أهلها، تارة يخبر بها، وأخرى يخبر عنها، وأخرى يُدعى ويُنادى بها، ولم يوجد للدَّهر شيء من ذلك، فلا يكون اسمًا من أسمائه تعالى. ثمَّ لو سُلِّم أن النصب يصح في ذلك اللفظ على ذلك الوجه، فلا يصح شيء من ذلك في الرِّواية التي قال فيها: (لا تسبُّوا الدَّهر، فإنَّ الله هو الدَّهر) ولم يذكر: (أقلِّب الليل والنهار)؟ ولا يصح أن يقال: إن هذه الرواية مطلقة، والأولى مقيدة؛ لأنَّا إن صرنا إلى ذلك لزم نصب (الدَّهر) بعامل محذوف ليس في الكلام ما يدلّ عليه، ولزم حذف الخبر، ولا دليل عليه. وكل ذلك باطل من اللسان قطعًا، وإذا ثبت ذلك، فاعلم: أنه لما كان اعتقاد الجاهلية: أن الدَّهر هو الذي يفعل الأفعال، ويذمُّونه إذا لم تحصل أغراضهم: أعلمهم النبي - ﷺ -: أن الله يفعل كل شيء، فإذا سبُّوا الدَّهر من حيث: إنه الفاعل، ولا فاعل إلا الله، فكأنَّهم سبُّوا الله تعالى، فلذلك قال الله تعالى: (يسبُّ ابن آدم الدَّهر وأنا الدَّهر) أي: أنا الذي أفعل ما ينسبونه للدَّهر، لا الدَّهر، فإنَّه ليل ونهار، وأنا أقلبهما؛ أي: أتصرف فيهما بالإطالة، والإقصار، والإضاءة، والإظلام.\nوفيه تنبيه: على أن ما يُفعل ويُتصرَّف فيه لا يصلح لأن يفعل. وهذا المعنى هو الذي عبَّر عنه الحكماء بقولهم: ما له طبيعة عدميَّة يستحيل أن يفعل فعلًا حقيقيًّا. والله تعالى أعلم.","vol":"5","page":549},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-800>(٢٨) باب النهي عن تسمية العنب كرما</span>\n[٢١١٥] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا تُسَمُّوا العِنَبَ الكَرمَ، فَإِنَّ الكَرمَ الرَّجُلُ المُسلِمُ.\nــ\n(٢٨ و٢٩) ومن باب النهي عن تسمية العنب بالكرم (١)\nقوله: (لا تسمُّوا العنب بالكرم (٢)، فإن الكرم الرجل المسلم) إنما سَمَّت العرب العنب بالكرم (٣)، لكثرة حمله، وسهولة قطافه، وكثرة منافعه. وأصل الكرم: الكثرة. والكريم من الرجال هو: الكثير العطاء والنفع. يقال: رجل كريم، وكرام لمن كان كذلك. وكرام؛ لمن كثر منه ذلك، وهي للمبالغة. ويقال أيضًا: رجل كرم - بفتح الرَّاء -، وامرأة كرم، ورجال كرم، ونساء كرم، وصفٌ بالمصدر على حدِّ: عدل، وزور، وفطر.\nوإنما نهى النبي - ﷺ - عن تسمية العنب بالكرم؛ لأنَّه لما حُرِّم الخمر عليهم، وكانت طباعهم تحثهم (٤) على الكرم كره ﷺ أن يُسمَّى هذا المحرَّم باسم يهيج طباعهم إليه عند ذكره، فيكون ذلك كالمحرِّك على الوقوع في المحرَّمات، قاله أبو عبد الله المازري.\nقلت: وفيه نظر؛ لأن محل النَّهي إنَّما هو تسمية العنب بالكرم، وليست\n_________\n(١) شرح المؤلف -﵀- تحت هذا العنوان: ما أشكل في أحاديث هذا الباب، وما أشكل في أحاديث الباب الذى يليه تحت عنوان باب النهي عن أن يقول سيِّدٌ: عبدي وأمتي، أو غلام: ربِّي أو ربُّك. وما أشكل في الحديث الأول من باب، لا يقل أحد: خبثت نفسي، وما جاء أن المسكَ أطيب الطيب.\n(٢) كذا في جميع النسخ، وفي صحيح مسلم، والتلخيص، و(ز): الكرمَ.\n(٣) ما بين حاصرتين سقط من (ج ٢).\n(٤) في (ل ١): تحملهم.","vol":"5","page":550},{"text":"وفي رواية: لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُم لِلعِنَبِ الكَرمَ، إِنَّمَا الكَرمُ الرَّجُلُ المُسلِمُ.\nرواه أحمد (٢/ ٣١٦)، والبخاريّ (٦١٨٢)، ومسلم (٢٢٤٧) (٨ و١٠)، وأبو داود (٤٩٧٤).\nــ\nالعنبة محرَّمة، وإنما المحرَّمة الخمر، ولم يُسمَّ الخمر عنبًا حتى ينهى عنه، وإنَّما العنب هو الذي سُمي خمرًا باسم ما يؤول إليه من الخمرية، كما قال تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعصِرُ خَمرًا﴾ وقول أبي عبد الله: كره رسول الله - ﷺ - أن يُسمَّى هذا المحرَّم باسم يهيج الطباع إليه؛ ليس بصحيح؛ لأنَّ الرسول - ﷺ - لم ينه عن تسمية المحرَّم الذي هو الخمر بالعنب في هذا الحديث، بل عن تسمية العنب بالكرم، فتأمله. وإنما محمل الحديث عندي محمل قوله - ﷺ -: (ليس المسكين بالطَّواف عليكم) (١) و(ليس الشديد بالصُّرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) (٢) أي: الأحق باسم الكرم المسلم، أو قلب المسلم، وذلك لما حواه من العلوم، والفضائل، والأعمال الصالحات، والمنافع العامة. فهو أحق باسم الكريم والكرم من العنب.\nو(قوله: لا تسمُّوا) على جهة الإرشاد لما هو الأولى في الإطلاق، كما قال - ﷺ -: (لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء، فإنها في كتاب الله العشاء، وإنَّها تُعتِم بحلاب الإبل) (٣) قال: (وتقول الأعراب: هي العتمة) فمعنى هذا - والله أعلم -: أن تسمية هذه الصلاة بالعشاء أولى من تسميتها بالعتمة، لا أن إطلاق اسم العتمة عليها ممنوع، فإنَّ النبي - ﷺ - قد أطلق عليها اسم العتمة لما\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٢٦٠ و٤٦٩)، والبخاري (١٤٧٦)، ومسلم (١٠٣٩) (١٠٢)، وأبو داود (١٦٣١).\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٢٦٨)، والبخاري (٦١١٤)، ومسلم (٢٦٠٩).\n(٣) رواه مسلم (٦٤٤) (٢٢٩).","vol":"5","page":551},{"text":"[٢١١٦] وعنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُم الكَرمُ، فَإِنَّمَا الكَرمُ قَلبُ المُؤمِنِ.\nوفي رواية: لا تقولوا: كرم.\nرواه مسلم (٢٢٤٧) (٧ و٩).\n[٢١١٧] وعن عَلقَمَةَ بنَ وَائِلٍ، عَن أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا تَقُولُوا الكَرمُ، وَلَكِن قُولُوا العِنَبُ وَالحَبلَةُ.\nرواه مسلم (٢٢٤٨) (١١ و١٢).\n* * *\nــ\nقال: (ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوًا) (١).\nقلت: ويجري هذا المجرى قوله - ﷺ -: (لا يقولن أحدكم: عبدي وأمتي، فكلكم عبيد الله، وكلُّ نسائكم إماء الله، ولكن ليقل: غلامي وجاريتي، وفتاي وفتاتي. ولا يقولنَّ أحدكم: اسق ربَّك، أطعم ربَّك، وضئ ربّك، ولا يقل أحدكم: ربِّي، وليقل سيدي ومولاي) فإنَّ هذا كله من باب الإرشاد إلى إطلاق اسم الأولى؛ لا أن إطلاق ذلك الاسم محرَّم. ألا ترى قول يوسف - ﵇ -: ﴿اذكُرنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ و﴿ارجِع إِلَى رَبِّكَ﴾ و﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحسَنَ مَثوَايَ﴾ وقول النبي - ﷺ -: (أن تلد الأمة ربَّها وربَّتها)؟ ! فكان محل النهي في هذا الباب ألا تُتَّخذ هذه الأسماء عادة، فيترك الأولى والأحسن. قال ابن شعبان في الزاهي: لا يقل السَّيد: عبدي، ولا: أمتي، ولا يقل المملوك: ربِّي، ولا ربَّتي. قال القاضي عياض: ولم ينه عنه نهي وجوبٍ\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٤٢٤)، ومسلم (٦٥١) (٢٥٢)، وأبو داود (٥٤٨)، وابن ماجه (٧٩١).","vol":"5","page":552},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-801>(٢٩) باب النهي عن أن يقول سيد: عبدي وأمتي، أو غلام: ربي أو ربك</span>\n[٢١١٨] عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُم عَبدِي وَأَمَتِي، كُلُّكُم عَبِيدُ اللَّهِ، وَكُلُّ نِسَائِكُم إِمَاءُ اللَّهِ، وَلَكِن لِيَقُل: غُلَامِي وَجَارِيَتِي، وَفَتَايَ وَفَتَاتِي.\nرواه أحمد (٢/ ٣١٦)، والبخاريُّ (٢٥٥٢)، ومسلم (٢٢٤٩)، وأبو داود (٤٩٧٥ و٤٩٧٦).\n[٢١١٩] وعنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا يَقُولن أَحَدُكُم: اسقِ رَبَّكَ، أَطعِم رَبَّكَ، وَضِّئ رَبَّكَ، وَلَا يَقُل أَحَدُكُم: رَبِّي، وَليَقُل: سَيِّدِي ومَولَايَ، وَلَا يَقُل أَحَدُكُم: عَبدِي، أَمَتِي، وَليَقُل: فَتَايَ، فَتَاتِي، غُلَامِي.\nــ\nوحظرٍ، بل: نهي أدبٍ وحضٍّ. ثم خاطبهم أحيانًا بما فهم عنهم من صحة استعمالهم له في لغتهم، وعلى غير الوجه المذموم. وقد تقدَّم: أنه يقال على المالك والسَّيد: ربٌّ. وأن أصله من: ربَّ الشيءَ والولد، يربُّه، وربَّاه، يُرَبِّيه: إذا قام عليه بما يُصلحه، وُيكمِّله. فهو: ربٌّ، ورابٌّ. ولما كان ابتداءُ التربية، وكمالها من الله تعالى بالحقيقة، لا من غيره: كان الأولى بالإنسان ألا ينسب تربية نفسه إلا إلى مَن إليه الربوبية الحقيقية، وهو الله تعالى، فإن فَعَل ذلك؛ كان متجوِّزًا في اللفظ، مخالفًا للأولى، كما تقدَّم.\nو(قوله: ولا يقل أحدُكم: ربِّي، وليقل: سيِّدي ومولاي) هذا اللفظُ متفقٌ عليه عند أكثر الرواة. وفي الأمِّ من رواية أبي سعيدٍ الأشجِّ، وأبي معاوية عن الأعمش مرفوعًا: (ولا يقل العبدُ لسيِّده: مولاي) (١) وانفرد أبو معاوية؛ فزاد:\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٢٤٩) (١٤).","vol":"5","page":553},{"text":"وفي رواية: لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُم عَبدِي، فَكُلُّكُم عَبِيدُ اللَّهِ، وَلَكِن\nــ\n(وإن الله مولاكم) وقد رواه عن الأعمش جرير، ولم يذكر ذلك. وقد روي من طرق متعددة مشهورة، وليس ذلك مذكورًا فيها، بل: اللفظ الأول؛ فظهر بهذا: أن اللفظ الأول أرجح. وإنما صرنا للترجيح للتعارض بين الحديثين، فإنَّ الأول يقتضي إباحة قول العبد: مولاي. والثاني يقتضي منعه من ذلك، والجمع متعذر، والعلم بالتاريخ مفقود، فلم يَبقَ إلا الترجيح؛ كما ذكرناه، والله تعالى أعلم.\nوأمره - ﷺ - بأن يقول: غلامي، وفتاي، وفتاتي، وجاريتي: إنَّما كان لأن هذه الألفاظ تنطلق على الحر والعبد، وليس فيها من معنى الملك، ولا من التعاظم شيء مما في: عبدي، وأمتي. وأصل الفتوة: الشباب، وهو من الفتاء - بالمد - ثم قد استعمل الفتى فيمن كملت فضائله، ومكارمه، كما قالوا: لا فتًى إلا علي. ومن هذا أخذ الصُّوفيَّة الفتوة المتعارفة بينهم. وأصل الغلوميَّة في بني آدم، وهي للصغير، فينطلق على الصغير اسم غلام من حين يولد إلى أن يبلغ، فينقطع عنه ذلك الاسم، وكذلك: الجارية في النِّساء.\nتنبيه: إذا أطلق (ربّ) على غير الله تعالى فإنما يطلق مضافًا، فيقال: ربُّ الدَّار، وربُّ الفرس. ولا يطلق وفيه الألف واللام إلا إذا أريد به الله تعالى، قاله الجوهري، وغيره.\nو(قوله: ولا يقل العبد: ربِّي، وليقل: سيِّدي) إنما فرَّق بينهما: لأن الربَّ من أسماء الله تعالى المستعملة بالاتفاق. واختلف في السَّيِّد؛ هل هو من أسماء الله تعالى أم لا؟ فإذا قلنا: ليس من أسمائه فالفرق واضح؛ إذ لا التباس، ولا إشكال يلزم من إطلاقه، كما يلزم من إطلاق الرَّبِّ. وإذا قلنا: إنه من أسمائه؛ فليس في الشهرة والاستعمال كلفظ: الربِّ؛ فيحصل الفرق بذلك. وأما من حيث اللغة: فالربُّ مأخوذٌ مما ذكرناه، والسَّيِّد من السؤدد، وهو التقدُّم. يقال: ساد قومه: إذا تقدَّمهم، ولا شكَّ في تقدُّم السَّيِّد على غلامه، فلما حصل الافتراق جاز","vol":"5","page":554},{"text":"لِيَقُل: فَتَايَ، وَلَا يَقُل العَبدُ: رَبِّي، وَلَكِن لِيَقُل: سَيِّدِي.\nرواه مسلم (٢٢٤٩) (١٤ و١٥).\n* * *\nــ\nالإطلاق، ويجري مجرى ما ذكر قوله ﷺ: (لا يقل أحدكم: خبثت نفسي، وليقل: لقِسَت) قال أبو عبيد: معنى لقست وخبثت واحد، لكن كره لفظ الخبث، وشناعة اللفظ، وعلَّمهم الأدب في المنطق. وقال الأصمعي: لقست نفسي؛ أي: غثت. وقال ابن الأعرابي: ضاقت. ولا يعترض هذا بقوله - ﷺ -: (فأصبح خبيث النفس كسلان) لأنَّ محل النهي أن يضيف المتكلم الخبث إلى نفسه، لا أن يتكلم بالخبث مطلقًا، فإذا أخبر به عن غير معيَّن جاز، ولا سيما في معرض التحذير والذم للكسل والتثاقل عن الطاعات، كما قد جاء في هذا الحديث. ومن أوضح ما في هذا الباب قوله - ﷺ - حين سُئل عن العقيقة فقال: (لا أحبُّ العقوق، ولكن: إذا أحبَّ أحدكم أن ينسك عن ولده بشاةٍ فليفعل) (١) فكره اسم العقوق.\nقلت: ومقصود الشرع الإرشاد إلى تعرُّف مواقع الألفاظ، واستعمال الأولى منها والأحسن ما أمكن من غير إيجاب ذلك، واجتناب المشترك من الألفاظ، وما يستكره منها، وما لا تواضع فيه، كعبدي وأمتي، من غير تحريم ذلك، ولا تحريجه. والله تعالى أعلم.\n* * *\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ١٩٤).","vol":"5","page":555},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-802>(٣٠) باب لا يقل أحد: خبثت نفسي وما جاء أن المسك أطيب الطيب</span>\n[٢١٢٠] عَن عَائِشَةَ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُم: خَبُثَت نَفسِي، وَلَكِن لِيَقُل: لَقِسَت نَفسِي.\nرواه أحمد (٦/ ٥١)، والبخاريُّ (٦١٧٩)، ومسلم (٢٢٥٠)، وأبو داود (٤٩٧٩)، والنسائي (١٠٤٩ و١٠٥٠) في عمل اليوم والليلة.\n[٢١٢١] وعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: كَانَت امرَأَةٌ مِن بَنِي إِسرَائِيلَ قَصِيرَةٌ تَمشِي مَعَ امرَأَتَينِ طَوِيلَتَينِ، فَاتَّخَذَت رِجلَينِ مِن خَشَبٍ،\nــ\n(٣٠) ومن باب ما جاء أن أطيب الطيب المسك\nقوله: (كانت امرأة من بني إسرائيل قصيرة تمشي مع امرأتين طويلتين، فاتخذت رِجلَين من خشب) يحتمل: أن تكون هذه المرأة فعلت هذا لتستر قصرها عن الناس، فلا ينظرون إليها. ولعل قصرها كان خارجًا عن غالب أحوال القصار. فإنَّ كان هذا، فلا إثم عليها لصحة قصدها، وحسن تسترها. وإن كانت فعلت ذلك لتتزيَّن بإلحاقها نفسها بالطوال؛ فذلك ممنوع منه، فإنَّه من باب تغيير خلق الله كما تقدَّم. وأما اتخاذها خاتم الذهب: فجائز للنساء على ما ذكرناه. وأما اتخاذها المسك: فمباح لها في بيتها، ويلحق بالمندوب إذا قصدت به حسن التبعل للزوج. وأما إذا خرجت: فإن قصدت أن يجد الرِّجال ريحها؛ فهي زانية؛ كما قاله النبي - ﷺ - (١)، ومعناه: أنها بمنزلة الزانية في الإثم. وأما إذا لم تقصد ذلك: فلا تسلم\n_________\n(١) \"يقصد حديث: \". . . والمرأة إذا استعطرت فمرَّت بالمجلس فهي كذا وكذا\" يعني: زانية. رواه الترمذي (٢٧٨٦).","vol":"5","page":556},{"text":"وَخَاتَمًا مِن ذَهَبٍ مُغلَقٌ مُطبَقٌ، ثُمَّ حَشَتهُ مِسكًا وَهُوَ أَطيَبُ الطِّيبِ، فَمَرَّت بَينَ المَرأَتَينِ فَلَم يَعرِفُوهَا، فَقَالَت بِيَدِهَا هَكَذَا، وَنَفَضَ شُعبَةُ يَدَهُ.\nرواه أحمد (٣/ ٤٠ و٤٦)، ومسلم (٢٢٥٢).\n* * *\nــ\nمن الإثم؛ كيف لا وقد قال رسول الله - ﷺ -: (إذا شهدت إحداكُنَّ المسجد فلا تمس طيبًا) (١) وقال: (ليخرجن وهنَّ تفلات) (٢) أي: غير متطيِّبات (٣). وكل ذلك هو شرعنا. وهل كان كذلك في شرع بني إسرائيل، أو لا؟ كل ذلك محتمل.\nوقوله - ﷺ -: (أطيب الطيب المسك) دليلٌ واضحٌ على طهارة المسك، وإن كان أصله دمًا، لكنه قد استحال إلى صلاح في مقرِّه العادي، فصار كاللَّبن.\nقال القاضي عياض: قد وقع الإجماع على طهارته وجواز استعماله. وما حكي عن عمر بن الخطاب - ﵁ - وعمر بن عبد العزيز من الخلاف في ذلك لا يصحُّ، فإن المعروف (٤) من السَّلف إجماعهم على جواز استعماله، واقتداؤهم بالنبي - ﷺ - في ذلك.\n* * *\n_________\n(١) رواه مسلم (٤٤٣) (١٤٢).\n(٢) رواه أبو داود (٥٦٥).\n(٣) ما بين حاصرتين سقط من (ج ٢).\n(٤) في (ج ٢): قال: والمعروف.","vol":"5","page":557},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-803>(٣١) باب من عرض عليه طيب أو ريحان فلا يرده، وبماذا يستجمر</span>؟\n[٢١٢٢] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن عُرِضَ عَلَيهِ رَيحَانٌ فَلَا يَرُدُّهُ، فَإِنَّهُ خَفِيفُ المَحمِلِ، طَيِّبُ الرِّيحِ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٢٠)، ومسلم (٢٢٥٣)، وأبو داود (٤١٧٢)، والنسائي (٨/ ١٨٩).\nــ\n(٣١) ومن باب: من عُرِض عليه ريحان فلا يردَّه\nالرَّيحان: كلُّ بقلةٍ طيِّبة الرِّيح. قاله الخليل. والمراد به في هذا الحديث: كلُّ الطيب؛ لأنَّه كله خفيف المحمل، طيب الرِّيح؛ ولأنه قد جاء في بعض طرق هذا الحديث: (من عرض عليه طيبٌ) بدل: (ريحان).\nو(قوله: خفيف المحمَل، طيب الرِّيح) المحمَل - بفتح الميمين - ويعني به: الحمل، وهو مصدر: (حمل) وبفتح الأولى، وكسر الثانية: هو الزمان، والمكان. وقد يقال في الزمان بالفتح في الثانية. والمحمل-أيضًا-: واحد محامل الحاجِّ. والمِحمَل - بكسر الأولى، وفتح الثانية: واحد محامل السيف. وقد أشار النبي - ﷺ - بهذا القول إلى العلة التي ترغب في قبول الطيب من المُعطِية (١). وهي: أنه لا مؤونة، ولا مِنَّة تلحق في قبوله؛ لجريان عادتهم بذلك، ولسهولته عليهم، ولنزارة ما يتناول منه عند العرض، ولأنَّه مِمَّا يستطيبه الإنسان من نفسه، ويستطيبه من غيره.\nوفيه من الفقه: الترغيب في استعمال الطيب، وفي عرضه على من يستعمله.\n_________\n(١) مفرده: المعطي.","vol":"5","page":558},{"text":"[٢١٢٣] وعَن نَافِعٍ قَالَ: كَانَ عبد الله بنُ عُمَرَ إِذَا استَجمَرَ استَجمَرَ بِأَلُوَّةِ غَيرَ مُطَرَّاةٍ، وَبِكَافُورٍ يَطرَحُهُ مَعَ الأَلُوَّةِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا كَانَ يَستَجمِرُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.\nرواه مسلم (٢٢٥٤)، والنسائي (٨/ ١٥٦).\n* * *\nــ\nو(قوله: كان ابن عمر يستجمر بأَلُوَّةٍ غير مُطَرَّاةٍ) يستجمر: يتبخر. وأصله: من المجمر، والمجمرة، فاستعير له ذلك؛ لأنَّه وضعُ البَخُور على الجمر في المجمرة. والأَلُوَّة: العود الذي (١) يتبخر به. قال الأصمعي: وأراها كلمة فارسيَّة. قال أبو عبيد: وفيها لغتان: فتح الهمزة وضمها. وحكي عن الكسائي: إِلِيَّةٌ - بكسر الهمزة واللام -، وقال بعضهم: لوَّة وليَّة. وتجمع: الأَلُوَّة: ألاويةٌ.\nو(غير مطرَّاةٍ؛ أي: غير ملطخة بخلوق، أو طيب. قال القاضي عياض: وأصله: غير مطرَّرةٍ؛ من: طرَّرت الحائط إذا غشَّيته بجصٍّ، أو حسَّنته، وجدَّدته. قال: ويحتمل أن تكون (مطرَّاة): مُحسَّنة، مبالغة، وذلك من الإطراء، وهو المبالغة في المدح.\nوهذه الأحاديث كلها تدلُّ على أن استعمال الطيب والبخور مرغب فيه، مندوبٌ إليه، لكن: إذا قصد به الأمور الشرعية مثل الجماعات والجُمعات، والمواضع المعظَّمات، وفعل العبادات على أشرف الحالات. فلو قصد بذلك المباهاة والفخر والاختيال لكان ذلك من أسوأ الذنوب، وأقبح الأفعال.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).","vol":"5","page":559},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-804>(٣٢) باب تحريم اللعب بالنرد</span>\n[٢١٢٤] عَن سُلَيمَانَ بنِ بُرَيدَةَ، عَن أَبِيهِ: عن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَن لَعِبَ بِالنَّردَشِيرِ، فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحمِ خِنزِيرٍ وَدَمِهِ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٤٥)، ومسلم (٢٢٦٠)، وأبو داود (٤٩٤٠)، وابن ماجه (٣٧٦٥).\n* * *\nــ\n(٣٢) ومن باب: اللعب بالنَّرد\nقوله: (من لعب بالنردَشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه) قيَّدنا النردشير بفتح الدال وكسر الراء، وكأنهما كلمة واحدة مبنيَّة الوسط. قال الخليل: النرد: فارسي.\nقلت: وكأن النردشير نوع من النَّرد. وهو لعبة مقصودها القمار، وأكل المال بالباطل، مع ما فيها من الصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، وعمَّا يفيد الإنسان في دينه ودنياه، ومع ما يطرأ فيها من الشحناء، والبغضاء، ولذلك شدَّد النبي - ﷺ - في لعبها فقال: فيما رواه مالك عن أبي موسى: (من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله) (١) وهذا نصٌّ في تحريم النَّرد، وهو المراد بقوله: (فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه) فإنَّ هذا الفعل في الخنزير حرام؛ لأنَّه إنما عنى بذلك تذكية الخنزير، وهي حرام بالاتفاق، ولذلك لم يختلف فيه، ويلحق به كل ما يقامر به، كالشطرنج، والأربعة عشر، وغير ذلك مما في معناه.\n_________\n(١) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٩٥٨).","vol":"5","page":560},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-805>(٣٣) باب مناولة السواك الأكبر</span>\n[٢١٢٥] عن ابنَ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَرَانِي فِي المَنَامِ أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ، فَجَذَبَنِي رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَكبَرُ مِن الآخَرِ، فَنَاوَلتُ السِّوَاكَ\nــ\nواختلف في الشطرنج إذا لم يقامر به. فقيل: إنه على التحريم. وهو ظاهر قول مالك، والليث؛ حيث قالا: إنَّها شرٌّ من النَّرد، وألهى. ويؤيد هذا أحاديث رواها عبد الملك بن حبيب تقتضي ذمَّ لاعب الشطرنج، ولعنه (١). ولا شك في أن من ظن التحريم فيها إنَّه يردُّ شهادة اللاعب بها. وذهبت طائفة إلى أن ذلك مكروه، وهو نصُّ المذهب، غير أن من أصحابنا من تأوَّله على التحريم، والكراهة مذهب الشافعي وأبي حنيفة، ولا يردان شهادة من لعب بها من غير قمار. وقال مالك: تسقط شهادة المدمن عليها. وقال بعض أصحابنا: إن المحرَّم إنَّما هو الإدمان عليها، فأما لو لم يدمن عليها، وتستَّر باللعب بها مع الأكفاء والنُّظراء، وسلم من المفاسد التي ذكرناها فهي مباحة، وقد فسَّر بعض أصحابنا هذا (٢): بأن يلعبها مرَّة في السَّنة. وهذا شذوذ.\n(٣٣) ومن باب: مناولة السِّواك الأكبر (٣)\nقوله: (أراني في المنام أتسوك بسواك فجذبني رجلان) قد تقدَّم أن رؤيا\n_________\n(١) روي عنه - ﷺ - أنه قال: \"من لعب بالشطرنج فهو ملعون\" قال النووي: لا يصح. قال في المقاصد: وهو كذلك، بل لم يثبت من المرفوع في هذا الباب شيء كما بيَّنته في \"عمدة المحتاج\". وقال القاري: قلت: قد ورد: \"ملعون من لعب بالشطرنج، والناظر إليها كالآكل لحم الخنزير\"، رواه السيوطي في \"الجامع الصغير\" مرسلًا، وغايته أنَّ سنده ضعيف يتقوَّى بأحاديث وردت في ذمَّ الشطرنج. انظر: كشف الخفاء (٢/ ٢٧٦).\n(٢) في (ج ٢): ذلك.\n(٣) هذا العنوان لم يردْ في الأصول، واستدركناه من التلخيص.","vol":"5","page":561},{"text":"الأَصغَرَ مِنهُمَا، فَقِيلَ لِي كَبِّر: فَدَفَعتُهُ إِلَى الأَكبَرِ.\nرواه مسلم (٢٢٧١).\n* * *\nــ\nالأنبياء وحي، وأنها تقتبس منها الأحكام، كما قال تعالى مخبرًا عن إبراهيم - ﵇ -: ﴿إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذبَحُكَ﴾ وجذب، وجبذ بمعنى واحد، وإنما جذباه طالبين منه السواك. وإنما ناوله الأصغر لأنهما كانا بين يديه، ولو كان أحدهما عن يمينه لكان هو الأولى به، كما جاء في سُنَّة الشراب.\nو(قوله: كبِّر) أي: ابدأ بالكبير توقيرًا له، ومراعاة لحق السِّنِّ في الإسلام، وهذا كما قال في حديث حُويِّصَة: (كبِّر، كبِّر) (١) وقد استوفينا الكلام على هذا المعنى هناك. وحاصل ذلك: الحث على إكرام الشيخ المسلم، واحترامه، كما قد روي عنه - ﷺ - أنه قال: (إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم) (٢).\n* * *\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٨٩٨)، ومسلم (١٦٦٩) (٢)، وأبو داود (٤٥٢٠)، والنسائي (٨/ ٨ - ٩).\n(٢) رواه أبو داود (٤٨٤٣).","vol":"5","page":562},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-806>(٣١) كتاب: الرقى والطب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-807>(١) باب في رقية جبريل النبي ﷺ</span>\n[٢١٢٦] عَن عَائِشَةَ زَوجِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهَا قَالَت: كَانَ إِذَا اشتَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَقَاهُ جِبرِيلُ،\nــ\n(٣١) كتاب الرُّقى والطِّبِّ\n(١) باب في رقية جبريل النبي - ﷺ - (١)\nقولها: (كان رسولُ الله - ﷺ - إذا اشتكى رقاه جبريلُ - ﵇ -) دليلٌ على استحباب الرقية بأسماء الله تعالى وبالعُوَذ الصحيحةِ المعنى، وأن ذلك لا يناقض التوكل على الله تعالى ولا ينقصه؛ إذ لو كان شيء من ذلك لكان النبي - ﷺ - أحق الناس بأن يجتنبَ ذلك، فإن الله تعالى لم يزل يُرَقِّي نبيَّه - ﷺ - في المقامات الشريفة، والدَّرجات الرَّفيعة إلى أن قبضه الله على أرفع مقام، وأعلى حال، وقد رُقي في أمراضه، حتى في مرض موته - ﷺ -، فقد رقته عائشة ﵂ في مرض\n_________\n(١) لم يردْ هذا العنوان في الأصول، واستدركناه من التلخيص.","vol":"5","page":563},{"text":"قَالَ: بِاسمِ اللَّهِ يُبرِيكَ، وَمِن كُلِّ دَاءٍ يَشفِيكَ، وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ، وَشَرِّ كُلِّ ذِي شر.\nرواه أحمد (٦/ ١٦٠)، ومسلم (٢١٨٥) (٣٩).\n[٢١٢٧] وعَن أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ جِبرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اشتَكَيتَ؟ فَقَالَ: نَعَم، قَالَ: بِاسمِ اللَّهِ أَرقِيكَ، مِن كُلِّ شَيءٍ\nــ\nموته، ومسحته بيدها وبيده (١)، وهو مُقرٌّ لذلك، غير منكر لشيء مما هنالك. وقد استوفينا هذا المعنى في كتاب الإيمان.\nو(قوله: باسم الله يبريك) الاسم هنا يراد به المسمَّى؛ فكأنه قال: الله يبريك، كما قال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأَعلَى﴾ أي: سبح ربَّك (٢). ولفظ الاسم في أصله عبارة عن الكلمة الدَّالة على المسمَّى، والمسمَّى هو مدلولها، غير أنه قد يتوسَّع، فيوضع الاسم موضع المسمَّى مسامحة، فتدبَّر هذا، فإنَّه موضع قد كثر فيه الغلط، وتاه فيه كثير من الجهَّال وسقط. وموضع استيفائه علم الكلام.\nو(قوله: ومن كل داء يشفيك) دليلٌ على جواز الرُّقى لما وقع من الأمراض، ولما يتوقع وقوعه.\nوقوله: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ دليلٌ على أن الحسد يؤثر في المحسود ضررًا يقع به، إمَّا في جسمه بمرض، أو في ماله وما يختص به بضرر، وذلك بإذن الله تعالى، ومشيئته، كما قد أجرى عادته، وحقق إرادته، فربط الأسباب بالمسببات، وأجرى بذلك العادات، ثمَّ أمرنا في دفع ذلك بالالتجاء إليه، والدعاء، وأحالنا على الاستعانة بالعُوَذ والرُّقى.\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٧٥١).\n(٢) ما بين حاصرتين مستدرك من (ج ٢).","vol":"5","page":564},{"text":"يُؤذِيكَ، مِن شَرِّ كُلِّ نَفسٍ أَو عَينِ حَاسِدٍ اللَّهُ يَشفِيكَ، بِاسمِ اللَّهِ أَرقِيكَ.\nرواه أحمد (٣/ ٢٨)، ومسلم (٢١٨٦) (٤٠)، والترمذي (٩٧٢)، وابن ماجه (٣٥٢٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-808>(٢) باب العين حق، والسحر حق، واغتسال العائن</span>\n[٢١٢٨] عَن ابنِ عَبَّاسٍ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: العَينُ حَقٌّ،\nــ\nو(قوله: من شرِّ كلِّ نفسٍ - أو: عين -) هذا شك من الرَّاوي في أي اللفظين قال، مع أن معناهما واحد، فإن النَّفس يقال على الإصابة بالعين، يقال: أصابت فلانًا نفس؛ أي: عين. والنافس: العائن. قاله القتبي. وتطلق النفس على أمور أخر ليس شيء منها يراد بهذا الحديث. والله تعالى أعلم.\n(٢) ومن باب العين حق، والسِّحر حق، واغتسال العائن (١)\n(قوله: العين حقٌّ) أي: ثابت موجود، لا شكَّ فيه. وهذا قول علماء الأمَّة، ومذهب أهل السُّنَّة. وقد أنكرته طوائف من المبتدعة، وهم محجوجون بالأحاديث النُّصوص الصَّريحة، الكثيرة الصحيحة، وبما يشاهد من ذلك في الوجود. فكم من رجل أدخلته العين القبر، وكم من جمل ظهير أحلَّتهُ القِدر، لكن ذلك بمشيئة الله تعالى كما قال: ﴿وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِن أَحَدٍ إِلا بِإِذنِ اللَّهِ﴾ ولا يلتفت إلى مُعرِضٍ عن الشرع والعقل، يتمسك في إنكار ذلك؛ باستبعاد ليس له أصل، فإنا نشاهد من خواصِّ الأحجار، وتأثير السِّحر،\n_________\n(١) هذا العنوان ليس في الأصول، واستدركناه من التلخيص.","vol":"5","page":565},{"text":"وَلَو كَانَ شَيءٌ سَابَقَ القَدَرَ سَبَقَتهُ العَينُ، وَإِذَا استُغسِلتُم فَاغسِلُوا.\nرواه مسلم (٢١٨٨) (٤٢)، والترمذي (٢٠٦٢).\nــ\nوسموم الحيوانات ما يُقضَى منها العجب، ويُتحقَّق أنَّ كل ذلك فعل مسبِّب كلَّ سبب. ولا يلتفت أيضًا إلى قول من قال من المثبتين للعين: إنَّ العائن تنبعث من عينه قوةٍ سُمِّيَّة تتصل بالمعين فيهلك، أو يفسد، كما تنبعث قوة سُمِّيَّة من الأفعى والعقرب تتصل باللَّديغ فتهلكه؛ لأنَّا نقول لهؤلاء: إن كنتم تريدون بالقوَّة أن هناك معنى يقتضي ذلك الضرر بذاته، وأن ذلك ليس فعلًا لله تعالى فذلك كفر؛ لأنَّه جحد لما علم من الشرع والعقل؛ من: أنه لا خالق إلا الله ﷿، ولا فاعل على الحقيقة إلا هو. وإن كان يريد بذلك: أن الله تعالى هو الفاعل للسبب والمسبب؛ فهو الحق الصَّريح، غير أن إطلاق لفظ القوَّة في هذا المعنى ليس بحسن عند المتشرِّعين ولا صحيح.\nو(قوله: ولو كان شيء سابق القَدَر لسبقته العين) هذا إغياءٌ في تحقيق إصابة العين، ومبالغة فيه تجري مجرى التمثيل، لا أنَّه يمكن أن يردَّ القدر شيء، فإنَّ القدر عبارة عن سابق علم الله تعالى ونفوذ مشيئته، ولا رادَّ لأمره، ولا معقب لحكمه، وإنَّما هذا خرج مخرج قولهم: لأطلبنَّك ولو تحت الثَّرى. أو: لو (١) صعدت إلى السَّماء، ونحوه مما يجري هذا المجرى، وهو كثير (٢).\nو(قوله: وإذا استغسلتم فاغسلوا) هذا خطابٌ لمن يُتَّهم بأنَّه عائن، فيجب عليه ذلك، ويُقضى عليه به إذا طُلِب منه ذلك، لا سيما إذا خيف على المعين الهلاك. وهذا الغسل هو الذي سمَّاه في بعض طرق حديث سهل بن حنيف: بالوضوء، وذلك: أن عامر بن ربيعة نظر إلى سهل متجرِّدًا فقال: ما رأيت كاليوم\n_________\n(١) كذا في (ج) وفي بقية النسخ: ولو.\n(٢) ما بين حاصرتين زيادة من (ج ٢).","vol":"5","page":566},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nولا جلد عذراء، فوُعِك سهل مكانه، فأُخبر بذلك النبي - ﷺ -، فقال لعامر: (علام يقتل أحدكم أخاه! ألا برَّكت! إن العين حقٌّ، توضأ له) فتوضأ عامر (١). وفي الطريق الأخرى زيادة الغَسل؛ قال: فغسل وجهه، ويديه، ومرفقيه، وركبتيه، وأطراف رجليه، وداخلة إزاره في قدح، فَصُبَّ عليه.\nوصفته عند العلماء: أن يؤتى بقدح من ماء، ولا يوضع القدح بالأرض، فيأخذ منه غرفة، فيتمضمض بها، ثم يمجها في القدح، ثم يأخذ منه ما يغسل به وجهه، ثمَّ يأخذ بشماله ما يغسل به كفه اليمنى، ثم بيمينه ما يغسل به كفه اليسرى، وبشماله ما يغسل به مرفقه الأيمن، ثم بيمينه ما يغسل به مرفقه الأيسر، ولا يغسل ما بين المرفقين والكفين، ثمَّ قدمه اليمنى، ثمَّ اليسرى، ثمَّ ركبته اليمنى، ثم اليسرى على الصَّفة والرتبة المتقدمة، وكل ذلك في القدح، ثم داخلة الإزار، وهو الطرف الذي يلي حِقوَهُ الأيمن. وقد ذكر بعضهم: أن داخلة الإزار يكنى به عن الفَرج. وجمهور العلماء على ما قلناه. فإذا استكمل هذا صبَّه خلفه من على رأسه. هكذا نقل أبو عبد الله المازري، وقال: هذا المعنى لا يمكن تعليله ومعرفة وجهه.\nقال القاضي عياض: وبه قال الزهري، وأخبر: أنه أدرك العلماء يصفونه، ويستحسنه علماؤنا، ومضى به العمل، وزاد: أن غسل وجهه إنَّما هو صبَّة واحدة بيده اليمنى، وكذلك سائر أعضائه، وليس على صفة غسل الأعضاء في الوضوء، وغسل داخلة الإزار هو إدخاله وغسله في القدح، ثم يقوم الذي يأخذ القدح، فيصبَّه على رأس المعين من ورائه على جميع جسده، يستغفله به (٢). وقيل: يغسله بذلك، ثم يكفأ الإناء على ظهر الأرض.\nوقد روي عن ابن شهاب: أنه بدأ بغسل الوجه قبل المضمضة، وأنه لا يغسل\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٨٨٠).\n(٢) ما بين حاصرتين زيادة من (ج ٢).","vol":"5","page":567},{"text":"[٢١٢٩] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: سَحَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَهُودِيٌّ مِن\nــ\nالقدمين جميعهما، بل أطرافهما من عند أصول أصابعه. وقيل في داخلة الإزار: الموضع الذي تمسُّه داخلة الإزار. وقيل: أراد وركه؛ إذ هو معقد الإزار. وقد روي في حديث سهل: أن العائن غسل صدره مع ما ذكره، وأنه - ﷺ - أمره فحسا من الماء حسوات. والمعتمد على ما رواه مالك. والله تعالى أعلم.\nوفي حديث سهل من الفقه أبواب. فمنها: العائن على الوضوء المذكور؛ على الوجه المذكور. وقيل: لا يُجبر، وأن من اتُّهم بأمرٍ أُحضر للحاكم، وكُشف عن أمره. وأن العين قد تقتل، لقوله - ﷺ -: (علام يقتل أحدكم أخاه؟) (١) وأن الدُّعاء بالبركة يذهب أثر العين بإذن الله تعالى. وأن أثر العين إنما هو عن حسد كامن في القلب. وأن من عرف بالإصابة بالعين منع من مداخلة الناس دفعًا لضرره. قال بعض العلماء: يأمره الإمام بلزوم بيته، وإن كان فقيرًا رزقه ما يقوم به، وكف أذاه عن الناس. وفيه جواز النشر (٢) والتطبب بها.\nفرع: لو انتهت إصابة العين (٣) إلى أن يُعرف بذلك ويُعلَم من حاله أنه كلَّما تكلم بشيء معظَّمًا له، أو متعجبًا منه أصيب ذلك الشيء، وتكرر ذلك بحيث يصير ذلك عادة، فما أتلفه بعينه غَرِمَه. وإن قتل أحدًا بعينه عامدًا لقتله قتل به، كالسَّاحر القاتل بسحره عند من لا يقتله كفرً. وأما عندنا فيقتل على كل حال. قتل بسحره أو لا؛ لأنَّه كالزنديق. وسيأتي.\nوقول عائشة ﵂: (سحر رسول الله - ﷺ - يهودي) هذا الحديث يدل على أن السحر موجود، وأن له أثرًا في المسحور. وقد دلَّ على ذلك مواضع كثيرة من الكتاب والسُّنة بحيث يحصل بذلك القطع بأن السِّحر حق، وأنه موجودٌ،\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٨٨٠).\n(٢) جمع نشرة، وهي كالتعويذ والرُّقْية.\n(٣) في (ل ١) و(ز): العائن.","vol":"5","page":568},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوأن الشرع قد أخبر بذلك، كقصة سحرة فرعون، وبقوله تعالى فيها: ﴿وَجَاءُوا بِسِحرٍ عَظِيمٍ﴾ و﴿يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِن سِحرِهِم أَنَّهَا تَسعَى﴾ إلى غير ذلك مما تضمنته تلك الآيات من ذكر السِّحر، والسَّحرة، وكقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحرَ﴾ إلى آخرها. وبالجملة: فهو أمر مقطوع به بإخبار الله تعالى ورسوله - ﷺ - عن وجوده، ووقوعه. فمن كذَّب بذلك فهو كافرٌ، مكذِّب لله ورسوله، منكر لما علم مشاهدة وعيانًا. ومنكر ذلك إن كان مُستسرًّا به فهو الزنديق، وإن كان مظهرًا فهو المرتد.\nوالسحر عند علمائنا: حيل صناعية يُتوصل إليها بالتعلم، والاكتساب، غير أنها لخفائها ودقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس، فيندر وقوعها، وتستغرب آثارها لندورها. ومادَّته الوقوف على خواص الأشياء، والعلم بوجوه تركيبها، وأزمان ذلك. وأكثره تخييلات لا حقيقة لها، وإيهامات لا ثبوت لها، فتعظم عند من لا يعرفها وتشتبه على من لا يقف عليها. ولذلك قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِن سِحرِهِم أَنَّهَا تَسعَى﴾ مع أنه كان في عين الناظر إليه عظيمًا. وعن ذلك عبر الله تعالى بقوله: ﴿وَجَاءُوا بِسِحرٍ عَظِيمٍ﴾ لأن الحبال والعصي لم تخرج عن حقيقتها، وذلك بخلاف عصا موسى، فإنَّها انقلبت ثعبانًا مبينًا خرقًا للعادة، وإظهارًا للمعجزة. ولا ينكر أن السِحر له تأثير في القلوب بالحب والبغض، وبإلقاء الشرور حتى يفرق الساحر بين المرء وزوجه، ويحول بين المرء وقلبه، وبإدخال الآلام، وعظيم الأسقام؛ إذ كل ذلك مدرك بالمشاهدة، وإنكاره معاندة. وعلى ما قررناه فالسحر ليس بخرق عادة بل هو أمر عادي يتوصَّل إليه من يطلبه غالبًا؛ غير أنه يقل ويندر. فلا نقول: إن السَّاحر تنخرق له العادة؛ خلافًا لمن قال من أئمتنا وغيرهم: إن العادة تنخرق له. فإن أراد بذلك جواز انخراقها له عادة عقلًا فمسلّم، ما لم يدّع النبوة. فإنَّ حاصل ذلك أنه أمر ممكن. والله تعالى قادر على كل ممكن. وإن أراد بذلك: أن الذي وقع في الوجود خارق للعادة فهو","vol":"5","page":569},{"text":"يَهُودِ بَنِي زُرَيقٍ، يُقَالُ لَهُ: لَبِيدُ بنُ الأَعصَمِ، قَالَت: حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُخَيَّلُ إِلَيهِ أَنَّهُ يَفعَلُ الشَّيءَ، وَمَا يَفعَلُهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَومٍ - أَو ذَاتَ\nــ\nباطل بما قدَّمناه. واستيفاء مباحثه في علم الكلام.\nوقولها: (حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله) قد جعل هذا بعض أهل الزَّيغ مطعنًا في النبوة. وقال: إذا انتهى الحال إلى هذا لم يوثق بقول من كان كذلك. والجواب: إن هذا صَدَر عن سوء فهم وعدم علم. أما سوء الفهم؛ فلأنها إنما أرادت أنه - ﷺ - أخذ عن النساء، فكان قبل مقاربة الجماع يخيل إليه أنه يتأتى له ذلك، فإذا لابسه لم ينهض لغلبة مرض السحر عليه. وقد جاء هذا المعنى منصوصًا في غير كتاب مسلم. فقالت: حتى كان يخيل إليه أنه يأتي النساء (١)، فلا يأتيهن. ولو لم يُنقل أن ذلك في الجماع لصح في غيره، كما صحَّ فيه. فيتخيل إليه أنه يُقدِم على الأكل، أو المشي مثلًا؛ لأنَّه لا يُحسُّ بمانع يمنعه منه. فإذا رام ذلك، وأخذ فيه لم يتأت له ذلك، لغلبة المرض الناشئ عن السحر. لا أنه - ﷺ - أوجب له (٢) خللًا في عقله، ولا تخليطًا في قوله؛ إذ قد قام برهان المعجزة على صدقه، وعصمة الله تعالى له عن الغلط فيما يبلغه بقوله وفعله. وأما عدم علم الطاعن: فقد سلبه الله تعالى العلم بأحكام النبوات، وما تدل عليه المعجزات. فكأنهم لم يعلموا أن الأنبياء من البشر، وأنه يجوز عليهم من الأمراض، والآلام، والغضب، والضجر، والعجز، والسحر، والعين، وغير ذلك، ما يجوز على البشر، لكنهم معصومون عمَّا يناقض دلالة المعجزة من معرفة الله تعالى، والصِّدق، والعصمة عن الغلط في التبليغ. وعن هذا المعنى عبَّر الله تعالى بقوله: ﴿قُل إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثلُكُم يُوحَى إِلَيَّ﴾. من حيث البشرية: يجوز عليه ما يجوز عليهم. ومن حيث الخاصة النبويَّة: امتاز عنهم، وهو الذي شهد له العلي الأعلى؛ بأن بصره ما زاغ وما\n_________\n(١) رواه البخاري رقم (٥٧٦٥).\n(٢) أي المرض الناشئ عن السحر.","vol":"5","page":570},{"text":"لَيلَةٍ - دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ دَعَا، ثُمَّ دَعَا، ثُمَّ قَالَ: يَا عَائِشَةُ، أما شَعَرتِ أَنَّ اللَّهَ أَفتَانِي فِيمَا استَفتَيتُهُ فِيهِ؟ جَاءَنِي رَجُلَانِ، فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِندَ رَأسِي وَالآخَرُ عِندَ رِجلَيَّ، فَقَالَ الَّذِي عِندَ رَأسِي لِلَّذِي عِندَ رِجلَيَّ - أَو الَّذِي عِندَ رِجلَيَّ لِلَّذِي عِندَ رَأسِي -: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطبُوبٌ، قَالَ: مَن طَبَّهُ؟\nــ\nطغى، وبأن فؤاده ما كذب ما رأى، وبأن قوله وحي يوحى، وأنه ما ينطق عن الهوى.\nو(قوله: ثم دعا، ثم دعا) أي: إظهارًا للعجز والافتقار، وعلمًا منه: بأن الله هو الكاشف للكرب، والأضرار، وقيامًا بعبادة الدعاء عند الاضطرار.\nو(قوله: أما شعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه) أي: أجابني فيما دعوته. فسمَّى الدعاء: استفتاء. والجواب: فتيا؛ لأنَّ الداعي طالب، والمجيب مسعفٌ، فاستعير أحدهما للآخر.\nو(قوله: جاءني رجلان) أي: ملكان في صورة رجلين. وظاهره: أن ذلك كان في اليقظة. ويُحتمل أن يكون منامًا، ورؤيا الأنبياء ﵈ وحي.\nو(قوله: ما وجع الرَّجل؟) أي: ما مرضه؟ و(المطبوب): المسحور. يقال: طُبَّ الرَّجل: إذا سحر. قال ابن الأنباري: الطِّبُّ من الأضداد. يقال لعلاج المرض وللسِّحر.\nقلت: وإنما قيل ذلك؛ لأنَّ أصل الطِّبَّ الحِذق بالشيء، والتفطن له، ولما كان علاج المريض والسِّحر؛ إنما يكونان عن فطنة وحِذق: قيل على كل واحد منهما: طبٌّ، ولمعاينهما: طبيب، وفي الطب ثلاث لغات: كسر الطاء، وفتحها، وضمها.","vol":"5","page":571},{"text":"قَالَ: لَبِيدُ بنُ الأَعصَمِ، قَالَ: فِي أَيِّ شَيءٍ؟ قَالَ: فِي مُشطٍ وَمُشَاطَةٍ، قَالَ وَجُفِّ طَلعَةِ ذَكَرٍ، قَالَ: فَأَينَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئرِ ذِي أَروَانَ. قَالَت: فَأَتَاهَا\nــ\nو(المُشط) بضم الميم: واحد الأمشاط التي يمشط بها. والمشط أيضًا: نبت صغير يقال له: مشط الذيب. والمشط - أيضًا -: سلاميات ظهر القدم. ومشط الكتف: العظم العريض.\nقلت: ويحتمل أن يكون الذي سحر فيه النبي - ﷺ - واحدًا من هؤلاء الأربعة.\nو(المُشاطة) بالطاء: هو ما يسقط من الشعر عند المَشطِ. ووقع في البخاري: مشاقة - بالقاف - وهي الواحدة من مشاق الكتان (١). وقيل: هي المشاطة من الشعر. و(جف طلعة ذكر) روايتنا فيه بالفاء، وهي المشهورة. وقال أبو عمر: قد روي بالباء بواحدة تحتها. فبالفاء: هي وعاء الطلع، وهو الغشاء الذي يكون عليه. وبالباء؛ قال شمر: أراد بالجب داخل الطلعة إذا أخرج عنها الكُفُرَّى (٢)، كما يقال لداخل الرُّكية (٣)، من أسفلها إلى أعلاها: جبٌّ. وقيل فيه: إنه من القطع؛ يعني به: ما قطع من قشورها.\nو(قوله: في بئر ذي أروان) كذا هو في الأصل، وخارج الحاشية: في بئر ذروان. ووقع في البخاري في كتاب الدَّعوات (٤): في ذروان بئر في بني زريق. وقال القتبي: الصواب: ذي أروان، كما في الأصل.\n_________\n(١) \"المشاقة\": ما سقط من الكَتَّان أو الحرير ونحوها عند المشط.\n(٢) \"الكُفُرَّى\": وعاء طلع النخل، وفي لفظها لغات.\n(٣) \"الرَّكِيَّة\": البئر، وجمعها: ركيٌّ وركايا.\n(٤) رواه البخاري (٦٣٩١).","vol":"5","page":572},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أُنَاسٍ مِن أَصحَابِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا عَائِشَةُ، وَاللَّهِ، لَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الحِنَّاءِ، وَلَكَأَنَّ نَخلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ. قَالَت: فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا أَحرَقتَهُ؟ قَالَ: لَا، أَمَّا أَنَا فَقَد عَافَانِي اللَّهُ، وَكَرِهتُ أَن أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا، فَأَمَرتُ بِهَا فَدُفِنَت.\nرواه أحمد (٦/ ٦٣)، والبخاري (٣١٧٥ و٥٧٦٦)، ومسلم (٢١٨٩) (٤٣).\n* * *\nــ\nو(قوله: والله لكأن ماءها نقاعة الحناء، ولكأن نخلها رؤوس الشياطين) فيه دليل: على جواز اليمين وإن لم يستحلف. ونقاعة الحنَّاء: الماء الذي يخرج فيه لونها إذا نقعت فيه. وتشبيهه نخلها برؤوس الشياطين يعني: أنَّها مستكرهة، مستقبحة المنظر، والمخبر. وهذا على عادة العرب إذا استقبحوا شيئًا شبهوه بأنياب أغوال، أو رؤوس الشياطين. وقد تقدَّم نحو هذا. ويعني - والله أعلم -: أن هذه الأرض التي فيها النخل والبئر خراب لا تعمر لرداءتها، فبئرها معطلة، ونخلها مشذَّبةٌ (١)، مهملة، وتغيُّر ماء البئر: إما لطول إقامته، وإما لما خالطه مما أُلقي فيه.\nوقولها: (أفلا أحرقته) كذا صحَّت الرواية. وتعني به: السِّحر. ووقع في بعض النُّسخ: (أخرجته) كذا بدل (أحرقته) وهي أصوب؛ لأنَّها هي التي تناسب قوله: (لا، أما أنا فقد عافاني الله، وكرهت أن أثير على الناس شرًّا) أي: بإخراج السِّحر من البئر، فلعلَّه يعمل به، أو يضر أحدًا.\nو(قوله: فأمرت بها فدفنت) أي: بالبئر؛ يعني: أنها ردمت على السحر الذي فيها؛ لما يخاف من ضرر السِّحر، ومن ضرر ماء ذلك البئر. هذا معنى ما ذكره بعض الشارحين لهذا الحديث. ووقع في رواية في الأم: قالت عائشة\n_________\n(١) أي: مقطوعة الأغصان ومقشرة اللحاء.","vol":"5","page":573},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n﵂: قلت: يا رسول الله! فأخرجته؟ تستفهمه: هل كان منه إخراج له؟ والرواية المتقدِّمة على العرض، وهما متقاربتان في المعنى. وفي كل الروايات فجواب النبي - ﷺ - لها (١) واحدٌ، وهو: أنه لم يفعل ذلك، ولا وجد منه.\nقلت: ويظهر لي: أن رواية: (أفلا أحرقته؟) أولى من غيرها؛ لأنَّه يمكن أن تكون استفهمته عن إحراق لبيد بن الأعصم؛ الذي صنع السِّحر فأجابها بالامتناع من ذلك؛ لئلا يقع بين الناس شرٌّ بسبب ذلك، فحينئذ يكون فيه حجَّة لمالك على قتل السَّاحر إذا عمل بسحره. وإنَّما امتنع النبي - ﷺ - من ذلك لما نبَّه عليه من خوف وقوع شرٌّ بين المسلمين واليهود؛ لما كان بينهم من العهد والذمَّة. فلو قتله: لثارت فتنة، ولتحدَّث الناس: أن محمَّدًا يقتل من عاهده وأمَّنه. وهذا نحو مِمَّا راعاه في الامتناع من قتل المنافقين، حيث قال: (لئلا يتحدَّث الناس: أن محمَّدًا يقتل أصحابه) (٢) فيكون ذلك منفرًا عن الدُّخول في دينه، وفي عهده. والله تعالى أعلم.\nوقد تقدَّم: أن السَّاحر عند مالك كالزنديق؛ لأنَّ العمل عنده بالسِّحر كفر مُستَسرٌّ به، فلا تُقبل توبة السَّاحر، كما لا تقبل توبة الزنديق؛ إذ لا طريق لنا إلى معرفة صدق توبته. وقال الشافعي: إن عمل السَّحر، وقتل به؛ فإن قال: تعمدت القتل؛ قتل. وإن قال: لم أتعمده لم يقتل، وكانت فيه الدِّية. وإنما صار مالك: إلى أن السحر كفرٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِن أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحنُ فِتنَةٌ فَلا تَكفُر﴾ أي: بالسحر. ويتأيَّد ذلك بأن الساحر لا يتم له سحره حتى يعتقد أن سحره ذلك مؤثرٌ بذاته وحقيقته، وذلك كفر.\n_________\n(١) في (ج ٢): هو.\n(٢) انظر: سيرة ابن هشام (٢/ ٢٩١).","vol":"5","page":574},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-809>(٣) باب ما جاء أن السموم وغيرها لا تؤثر بذاتها</span>\n[٢١٣٠] عَن أَنَسٍ: أَنَّ امرَأَةً يَهُودِيَّةً، أَتَت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ مَسمُومَةٍ، فَأَكَلَ مِنهَا، فَجِيءَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَأَلَهَا عَن ذَلِكَ؟\nــ\nوبقول مالك قال أحمد، وجماعة من الصحابة والتابعين، والشافعي في قولٍ له آخر. وروي عنه أيضًا: أنه يسأل عن سحره، فإنَّ كان كفرًا؛ استتيب منه. وقال مالك في المرأة تعقد زوجها: أنَّها تُنكَّل ولا تقتل. وقال ابن المسيب في رجل طُبَّ، أو أخذ عن امرأته أيُحِلُّ ويُنشَر؟ قال: لا بأس به. وقال: أما ما ينفع فلم ينه عنه. وأجاز أيضًا أن يسأل من الساحر حل السِّحر. وإليه مال المزني، وكرهه الحسن البصري.\n(٣) ومن باب ما جاء أن السُّموم لا تؤثر بذاتها\nقوله: (إن يهوديَّة أتت رسول الله - ﷺ - بشاةٍ مسمومة) ظاهره: أنها أتته بها على وجه الهدية، فإنَّه كان يقبل الهديَّة، ويُثيب عليها. ويحتمل أن تكون ضيافة، وأبعد ذلك أن تكون بيعًا. وفي غير كتاب مسلم: أنه - ﷺ - أخذ من الشاة الذراع، فأكل منها هو وبشر بن البراء، وأنه قال عند ذلك: (إن هذه الذراع تخبرني: أنها مسمومةٌ) فأحضرت اليهوديَّة، فسُئلت عن ذلك، فاعترفت، وقالت: إنما فعلت ذلك؛ لأنَّك إن كنت نبيًّا لم يضرك، وإن كنت كاذبًا أَرَحتَ منك (١). وفي كتاب مسلم قالت: أردت لأقتلك. فأجابها النبي - ﷺ - بأن قال: (ما كان الله ليسلطك على ذلك) فلم يضرَّ ذلك السُّم رسول الله - ﷺ - طول حياته غير ما أثَّر بلهواته وغير ما كان يعاوده منه في أوقات، فلما حضر وقت وفاته أحدث الله تعالى ضرر ذلك\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٥١٠).","vol":"5","page":575},{"text":"فَقَالَت: أَرَدتُ لِأَقتُلَكَ، قَالَ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَلكِ قَالَ - أَو قَالَ: عَلَيَّ قَالَ -: قَالُوا: أَلَا تَقتُلُهَا؟ قَالَ: لَا.\nــ\nالسُّم في النبي - ﷺ - فتوفي بسببه، كما قال - ﷺ - في مرضه الذي توفي فيه: (لم تزل أكلة خيبر تعاودني (١)، فالآن أوان قطعت أبهري) (٢) فجمع الله لنبيِّه ﷺ بين النبوَّة والشهادة مبالغة في الترفيع والكرامة. وأمَّا بشر بن البراء: فروي: أنه مات من حينه. وقيل: بل لزمه وجعه ذلك، ثم توفي منه بعد سنة.\nففي هذا الحديث فوائد كثيرة؛ أهمها: ما أظهر الله تعالى من كرامات النبي - ﷺ - حيث كلمه الجماد، ولم يؤثر فيه السُّم، وعلم ما غيب عنه من السُّم. وفيه ما نبه عليه في الترجمة: من أن السُّموم لا تؤثر بذواتها، بل بإذن الله تعالى ومشيئته. ألا ترى: أن السُّم أثر في بشر ولم يؤثر في النبي - ﷺ -، فلو كان يؤثر بذاته لأثر فيهما في الحال؟ ! .\nو(قوله: ألا تقتلها! قال: لا) هذه رواية أنس: أنَّه لم يقتلها. وقد وافقه على ذلك أبو هريرة فيما رواه عنه ابن وهب. وقد روى عنه أبو سلمة بن عبد الرحمن: أنَّه قتلها. وفي رواية ابن عباس: أنَّه ﷺ دفعها إلى أولياء بشر فقتلوها. ويصح الجمع، بأن يقال: إنه لم يقتلها أولًا بما فعلت من تقديم السُّم إليهم، بل حتى مات بشر، فدفعها إليهم فقتلوها.\nففيه من الفقه: أن القتل بالسُّم كالقتل بالسِّلاح الذي يوجب القصاص. وهو قول مالك إذا استكرهه على شربه فيقتل بمثل ذلك. وقال الكوفيون: لا قصاص في ذلك، وفيه الدِّية على عاقلته. قالوا: ولو دسَّه له في طعام أو شراب لم يكن عليه شيء ولا على عاقلته. وقال الشافعي: إذا فعل ذلك به وهو مكره ففيه قولان:\n_________\n(١) كذا في (ل ١)، وفي بقية النسخ: (تعادُّني).\n(٢) رواه البخاري (٤٤٢٨)، والدارمي (١/ ٣٢).","vol":"5","page":576},{"text":"قَالَ: فَمَا زِلتُ أَعرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nرواه البخاريُّ (٢٦١٧)، ومسلم (٢١٩٠)، وأبو داود (٤٥٠٨).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-810>(٤) باب ما كان يرقي به رسول الله ﷺ المرضى، وكيفية ذلك</span>\n[٢١٣١] عَن عَائِشَةَ قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اشتَكَى مِنَّا إِنسَانٌ مَسَحَهُ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَذهِب البَاسَ رَبَّ النَّاسِ، وَاشفِ أَنتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا. فَلَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَثَقُلَ\nــ\nأحدهما: عليه القود، وهو أشبهها.\nوالثاني: لا قود عليه. وإن وضعه له، فأخبره، فأخذه الرَّجل، فأكله، فلا عقل، ولا قود، ولا كفارة.\nو(قوله: فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله - ﷺ -) أي: أعرف أثرها، فإمَّا بتغيّر لون اللَّهوات، وإمَّا بنتوءٍ، أو تحفير فيها. واللهوات: جمع لهاة، وهي اللحمة الحمراء المعلقة في أصل الحنك. قاله الأصمعي. وقيل: ما بين منقطع اللِّسان إلى منقطع أصل الفم من أعلاه.\n(٤) ومن باب: ما كان يرقي به النبي - ﷺ - المريض\nقوله أذهب الباس ربَّ الناس!، البأس: الضرر. وفيه دليلٌ على جواز السَّجع في الدعاء والرقى إذا لم يكن مقصودًا ولا متكلَّفًا.\nوقوله شفاء لا يغادر سقمًا، شفاء منصوبٌ على المصدر، وصدره: واشف. والشافي: اسم فاعل من ذلك، والألف واللام فيه بمعنى الذي، وليس","vol":"5","page":577},{"text":"أَخَذتُ بِيَدِهِ لِأَصنَعَ نَحوَ مَا كَانَ يَصنَعُ، فَانتَزَعَ يَدَهُ مِن يَدِي، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغفِر لِي، وَاجعَلنِي مَعَ الرَّفِيقِ الأَعلَى. قَالَت: فَذَهَبتُ أَنظُرُ، فَإِذَا هُوَ قَد قَضَى!\nوفي رواية: كَانَ إِذَا دعا مَرِيضًا يَقُولُ: أَذهِب البَاسَ - وذكره.\nوفي أخرى قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِن أَهلِهِ نَفَثَ عَلَيهِ بِالمُعَوِّذَاتِ، فَلَمَّا مَرِضَ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ جَعَلتُ أَنفُثُ عَلَيهِ وَأَمسَحُهُ بِيَدِ نَفسِهِ، لِأَنَّهَا كَانَت أَعظَمَ بَرَكَةً مِن يَدِي.\nوفي أخرى: كَانَ إِذَا اشتَكَى يَقرَأُ عَلَى نَفسِهِ بِالمُعَوِّذَاتِ، وَيَنفُثُ - وفي رواية: ومسح عنه بيده - فَلَمَّا اشتَدَّ وَجَعُهُ كُنتُ أَقرَأُ عَلَيهِ وَأَمسَحُ عَنهُ بِيَدِهِ، رَجَاءَ بَرَكَتِهَا.\nرواه أحمد (٦/ ٤٤)، والبخاريُّ (٥٧٤٣)، ومسلم (٢١٩١ و٢١٩٢).\nــ\nباسم علم لله تعالى إذ لم يكثر ذلك ولم يتكرر على ما قدَّمناه.\nولا يغادر أي: لا يترك. والسَّقم: المرض. ومسحه - ﷺ - بيمينه عند الرَّقي دليل على جواز ذلك، وحكمته التبرُّك باليمين وأن ذلك غاية تمكُّن (١) الرَّاقي، فكأنَّه مد يده لأخذ المرض وإزالته.\nومن حكمته: إظهار عجز الرَّاقي عن الشفاء، وصحة تفويضه ذلك إلى الله تعالى، ولذلك قال عند ذلك: لا شفاء إلا شفاؤك.\nوالرفيق الأعلى يعني به - والله أعلم - الملأ الكريم من الملائكة والنبيين، وقيل: يعني به الله تعالى - وفيه بُعدٌ من جهة اللسان (٢)، وسيأتي له مزيد بيان (٣).\nوالنفث:\n_________\n(١) كذا في (ز) و(م ٣) وفي بقية النسخ: ممكن.\n(٢) في (ز) و(م ٣): السياق.\n(٣) ما بين حاصرتين زيادة من (ج ٢).","vol":"5","page":578},{"text":"[٢١٣٢] وعنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا اشتَكَى الإِنسَانُ الشَّيءَ مِنهُ أَو كَانَت بِهِ قَرحَةٌ أَو جُرحٌ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ بِإِصبَعِهِ هَكَذَا - وَوَضَعَ سُفيَانُ سَبَّابَتَهُ بِالأَرضِ، ثُمَّ رَفَعَهَا: بِاسمِ اللَّهِ، تُربَةُ أَرضِنَا، بِرِيقَةِ بَعضِنَا، يُشفَى بِهِ سَقِيمُنَا بِإِذنِ رَبِّنَا.\nوفي رواية: لِيُشفَى.\nوفي أخرى: لِيُشفَى سَقِيمُنَا.\nرواه أحمد (٦/ ٩٣)، والبخاريُّ (٥٧٤٥)، ومسلم (٢١٩٤)، وأبو داود (٣٨٩٥)، وابن ماجه (٣٥٢١).\n* * *\nــ\nنفخ يسير مع ريق يسير، وهو أقل من التَّفل.\nوالمعوِّذات يعني بها: ﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ و: ﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ونحو قوله تعالى: ﴿رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِن هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحضُرُونِ﴾\nوقوله كان إذا اشتكى الإنسان مِنَّا أو كانت به قرحة أو جرح يدل على جواز الرُّقي من كل الأمراض والجراح والقروح، وأن ذلك كان أمرًا فاشيًا بينهم معمولًا به عندهم.\nووضع النبي - ﷺ - سبابته بالأرض ورقاه بها يدل على استحباب ذلك عند الرُّقي، وزعم بعض علمائنا أن ذلك معلل بأن تراب الأرض لبرودته ويبسه يقوي الموضع الذي به الألم ويمنع انصباب المواد إليه بيبسه وتجفيفه مع منفعته في تجفيف الجراح وإدمالها. وقال في الرِّيق: إنه يختصُّ بالتحليل والإنضاج والإدمال وإبراء الجراحات والأورام والثآليل، لا سيَّما من الصائم والجائع (١).\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ز).","vol":"5","page":579},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-811>(٥) باب مماذا يرقى</span>؟\n[٢١٣٣] عن عَائِشَةَ قَالَت: رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الرُّقيَةِ مِن كُلِّ ذِي حُمَةٍ.\nرواه البخاريُّ (٥٧٤١)، ومسلم (٢١٩٣) (٥٢).\nــ\nقلت: وهذا إنَّما يكون عند المعالجة والشروع فيها على قوانينها من مراعاة مقدار التراب والرِّيق وملازمة ذلك في أوقاته.\nوأمَّا ووضع السَّبابة على الأرض فلا يتعلَّق منها بالمرقِي شيء له بالٌ ولا أثر، وإنَّما هذا من باب التَّبرُّك بأسماء الله تعالى وبآثار رسوله ﷺ، وأما الرِّيق ووضع الإصبع وما أشبه ذلك فإمَّا أن يكون ذلك لخاصية فيه وإمَّا أن يكون ذلك لحكمة إخفاء آثار القدرة بمباشرة الأسباب المعتادة، والله تعالى أعلم (١).\n(٥) ومن باب مِمَّاذا يرقى\nقول عائشة ﵂ رخص رسول الله - ﷺ - في الرُّقية من الحمة، وقول أنس رخص رسول الله - ﷺ - في الرُّقية من العين والحمة والنملة - دليلٌ على أن الأصل في الرّقي كان ممنوعًا كما قد صرَّح به، حيث قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن الرُّقى (٢). وإنَّما نهى عنه مطلقًا لأنَّهم كانوا يرقون في الجاهلية\n_________\n(١) جاء في هامش (ج ٢) قوله:\n\"تربة أرضنا\" فيه قولان. أحدهما: إنه عامٌّ في كلِّ تراب. والثاني: إنه مخصوصٌ بتربة المدينة. وأنَّث (الريقة) على معنى: القطعة والبزقة.\n(٢) رواه مسلم (٢١٩٩) (٦٢).","vol":"5","page":580},{"text":"[٢١٣٤] وعنها قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأمُرُنِي أَن أَستَرقِيَ مِن العَينِ.\nرواه أحمد (٦/ ٩٣)، والبخاري (٥٧٣٨)، ومسلم (٢١٩٥) (٥٦)، وابن ماجه (٣٥١٢).\n[٢١٣٥] وعَن أَنَسٍ قَالَ: رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الرُّقيَةِ مِن العَينِ وَالحُمَةِ وَالنَّملَةِ.\nرواه أحمد (٣/ ١١٨)، ومسلم (٢١٩٦) (٩٧)، والترمذيُّ (٢٠٥٦)، وابن ماجه (٣٥١٦).\nــ\nبِرُقًى هو شركٌ وبما لا يفهم، وكانوا يعتقدون أن ذلك الرُّقى يؤثر، ثم إنهم لما أسلموا وزال ذلك عنهم نهاهم النبي - ﷺ - عن ذلك عمومًا ليكون أبلغ في المنع وأسدّ للذريعة، ثم إنهم لما سألوه وأخبروه أنهم ينتفعون بذلك رخص لهم في بعض ذلك وقال: اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرُّقى ما لم يكن فيه شرك (١)، فجازت الرُّقية من كل الآفات من الأمراض والجراح والقروح والحمة والعين وغير ذلك إذا كان الرُّقى بما يفهم ولم يكن فيه شرك ولا شيء ممنوع، وأفضل ذلك وأنفعه ما كان بأسماء الله تعالى وكلامه وكلام رسوله ﷺ.\nوقوله من كل ذي حمة؛ أي: من لَسع كل دابَّة ذات سُمٍّ. والحمة: السُّم - والمشهور فيه ضم الحاء، قال بعضهم: وقد تفتح. وهي مخففة الميم على كل حال.\nوالنملة قال ابن قتيبة: هي قروح تكون في الجنب وغير الجنب، تزعم\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٢٠٥)، وأبو داود (٣٨٨٦).","vol":"5","page":581},{"text":"[٢١٣٦] وعَن أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِجَارِيَةٍ فِي بَيتِ أُمِّ سَلَمَةَ رَأَى بِوَجهِهَا سَفعَةً، فَقَالَ: بِهَا نَظرَةٌ، فَاستَرقُوا لَهَا - يَعنِي: بِوَجهِهَا صُفرَةً.\nرواه مسلم (٢١٩٧) (٥٩).\nــ\nالمجوس أن ولد الرَّجل إذا كان من أخته فخطَّ على النملة شفي صاحبها، وأنشد:\nولا عَيبَ فِينَا غير عِرقٍ (١) لِمًعشَرٍ ... كِرَامٍ وأنَّا لا نَخُطُّ على النَّمل\nأي: لسنا بمجوس ننكح الأخوات. قال غيره: تكون في الجنب وغير الجنب (٢) - والمشهور فيها فتح النون، وحكى الهروي فيها الضم، فأمَّا النَّملة بكسر النون: فهي المشية المتقاربة - حكاها الفرَّاء.\nوالسَّفعة تُروى بفتح السين وضمها، والفتح أكثر. وقد فسَّرها الراوي بقوله: يعني بوجهها صفرة. وفيه تسامح، فإنَّ السفعة هي فيما قاله الأصمعي: حمرة يعلوها سواد. وقال الحربي: هي سوادٌ في الوجه.\nوالنَّظرة العين - قاله الهروي، وقال أبو عبيد: يقال رجل به نظرة؛ أي: عين (٣).\nقلت: وجميع أحاديث الرُّقية الواقعة في كتاب مسلم إنَّما تدلُّ على جواز الرُّقي بعد وقوع الأسباب الموجبة للرُّقية من الأمراض والآفات، وأما قبل وقوع ذلك ففي البخاري عن عائشة أن النبي - ﷺ - كان إذا أوى إلى فراشه نفث\n_________\n(١) في اللسان: نَمل.\n(٢) ما بين حاصرتين سقط من (ع).\n(٣) في (ج ٢): عيب.","vol":"5","page":582},{"text":"[٢١٣٧] وعن جابر بن عبد الله قال: رَخَّصَ رسول الله ﷺ لِآلِ حَزمٍ فِي رُقيَةِ الحَيَّةِ، وَقَالَ لِأَسمَاءَ بِنتِ عُمَيسٍ: مَا لِي أَرَى أَجسَامَ بَنِي أَخِي ضَارِعَةً تُصِيبُهُم الحَاجَةُ؟ قَالَت: لَا، وَلَكِن العَينُ تُسرِعُ إِلَيهِم! قَالَ: ارقِيهِم. قَالَت: فَعَرَضتُ عَلَيهِ، فَقَالَ: ارقِيهِم.\nرواه مسلم (٢١٩٨) (٦٠).\n* * *\nــ\nفي كفه بـ ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين، ثمَّ يمسح بهما وجهه وما بلغت يده من جسده (١)، فكان هذا دليلًا على جواز استرقاء ما يتوقع من الطوارق والهوام وغير ذلك من الشرور، وقد تقدم في الإيمان الخلاف فيه.\nوقوله ما لي أرى أجسام بني أخي ضارعة؟ أي: ضعيفة نحيلة، وأصل الضراعة الخضوع والتذلل، ويعني بهم بني جعفر بن أبي طالب ﵃.\n* * *\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٣١٢).","vol":"5","page":583},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-812>(٦) باب لا يرقى برقى الجاهلية ولا بما لا يفهم</span>\n[٢١٣٨] عَن جَابِرٍ قال: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن الرُّقَى، فَجاء آل عمرو بن حزم إلى رسول الله ﷺ فَقَالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب، وإِنَّكَ نَهَيتَ عَن الرُّقَى! قال: فعرضوها عليه، فقال: لا أرى به بأسا، مَن استَطَاعَ مِنكُم أَن يَنفَعَ أَخَاهُ فَليَفعَل.\nرواه أحمد (٣/ ٣٠٢)، ومسلم (٢١٩٩) (٦٢ و٦٣).\n[٢١٣٩] وعَن عَوفِ بنِ مَالِكٍ الأَشجَعِيِّ قَالَ: كُنَّا نَرقِي فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَقُلنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيفَ تَرَى فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ: اعرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُم، لَا بَأسَ بِالرُّقَى مَا لَم يَكُن فِيهِ شِركٌ.\nرواه مسلم (٢٢٠٠)، وأبو داود (٣٨٨٦).\n* * *\nــ\n(٦) ومن باب: لا يرقى برقى الجاهلية ولا بما لا يفهم (١)\nقوله - ﷺ - لما عرضوا عليه الرُّقى والتطبب (٢) لا أرى به بأسًا، من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل دليل على جواز الرُّقى والتطبُّب بما لا ضرر فيه ولا منع شرعيًّا مطلقًا وإن كان بغير أسماء الله تعالى وكلامه، لكن إذا كان مفهومًا.\nوفيه الحضُّ على السعي في إزالة الأمراض والأضرار عن المسلمين بكل ممكن جائز.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ليس في الأصول، واستدركناه من التلخيص.\n(٢) زيادة من (ز) و(م ٣).","vol":"5","page":584},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-813>(٧) باب أم القرآن رقية من كل شيء</span>\n[٢١٤٠] عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ أَنَّ نَاسًا مِن أَصحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا فِي سَفَرٍ، فَمَرُّوا بِحَيٍّ مِن أَحيَاءِ العَرَبِ، فَاستَضَافُوهُم فَلَم يُضِيفُوهُم، فَقَالُوا لَهُم: هَل فِيكُم رَاقٍ؟ فَإِنَّ سَيِّدَ الحَيِّ لَدِيغٌ - أَو مُصَابٌ! فَقَالَ رَجُلٌ مِنهُم: نَعَم. فَأَتَاهُ فَرَقَاهُ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ، فَبَرَأَ الرَّجُلُ، فَأُعطِيَ قَطِيعًا مِن غَنَمٍ فَأَبَى أَن يَقبَلَهَا، وقَالَ: حَتَّى أَذكُرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ! فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا رَقَيتُ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ! فَتَبَسَّمَ وَقَال: وَمَا أَدرَاكَ أَنَّهَا رُقيَةٌ؟\nــ\n(٧) ومن باب: أمِّ القرآن رقيةٌ من كل شيء\nالحي القبيل، واستضافوهم سألوهم الضيافة، واللَّديغ الذي لدغته الحيَّة أو العقرب، وقد يُسمَّى بالسليم تفاؤلًا كما قد جاء في الرواية الأخرى (١). والقطيع من الغنم هو الجزء المقتطع منها، فعيل بمعنى مفعول.\nوقوله وما أدراك أنها رقية؟ !؛ أي: أي شيء أعلمك أنَّها رقية؟ ! تعجبًا من وقوعه على الرُّقى بها، ولذلك تبسَّم النبي - ﷺ - عند قوله وما أدراك أنها رقية؟ !، وكأن هذا الرجل علم أن هذه السورة قد خصَّت بأمور؛ منها: أنها فاتحة الكتاب ومبدؤه، وأنها متضمنة لجميع علوم القرآن من حيث إنها تشتمل على الثناء على الله ﷿ بأوصاف كماله وجلاله وعلى الأمر بالعبادات والإخلاص فيها والاعتراف بالعجز عن القيام بشيء منها إلا بإعانته تعالى، وعلى الابتهال إلى الله تعالى في الهداية إلى الصراط المستقيم وكفاية أحوال الناكثين،\n_________\n(١) انظر: صحيح مسلم (٢٢٠١) (٦٦).","vol":"5","page":585},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوعلى بيان عاقبة الجاحدين.\nوقد روى الدارقطني من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا (١)، وفيه فقال: وما يدريك أنها رقية؟ ! فقلت: يا رسول الله، شيء ألقي في روعي. قال: فكلوا وأطعمونا من الغنم (٢)، وقيل: إن موضع الرُّقية منها إنما هو: ﴿إِيَّاكَ نَعبُدُ وَإِيَّاكَ نَستَعِينُ﴾ ويظهر لي أن السُّورة كلها موضع الرُّقية لما ذكرناه، ولقوله ﷺ: وما أدراك أنَّها رقية؟، ولم يقل: إن فيها رقية.\nوقوله اقسموا (٣)، واضربوا لي بسهم معكم، هذه القسمة (٤) إنَّما هي قسمة برضا الرَّاقي؛ لأنَّ الغنم ملكه، إذ هو الذي فعل العوض الذي به استحقها، لكن طابت نفسه بالتشريك فأحاله النبي - ﷺ - على ما يقع به رضا المشتركين عند القسمة وهي القرعة، فكان فيه دليل على صحة العمل بالقرعة في الأموال المشتركة، وقد تقدَّم ذكر الخلاف فيها في النكاح.\nوقوله في الأم (٥) ما كنا نأبُنُه برقية؛ أي نتهمه بها، يقال: أَبَنتُ الرَّجل، آبُنُهُ، وآبِنُهُ - إذا رميته بخلَّة سوء. ومنه: رجل مأبون؛ أي: معيبٌ. والأبنَة: العيب. ومنه: عودٌ مأبون - إذا كان فيه أُبنَة تعيبه؛ أي: عقدة - قاله القتبي وغيره.\nوقد روي هذا الحرف ما كنَّا نظنه بدل نأبنه؛ أي: نتهمه.\nوقد ذكر أبو داود (٦) حديث أبي سعيد هذا على مساق فيه زوائد، فلنذكره على سياقه، فقال:\n_________\n(١) زيادة من (ج ٢).\n(٢) رواه الدارقطني (٣/ ٦٣ - ٦٤).\n(٣) هذه اللفظة ليست في الرواية التي أوردها في التلخيص، وإنما هي في رواية أخرى في الأم برقم (٢٢٠١) (٦٦).\n(٤) ما بين حاصرتين زيادة من (ج ٢).\n(٥) انظر صحيح مسلم (٢٢٠١) (٦٦).\n(٦) رواه أبو داود (٣٤١٨).","vol":"5","page":586},{"text":"ثُمَّ قَالَ: خُذُوا مِنهُم، وَاضرِبُوا لِي بِسَهمٍ مَعَكُم.\nــ\nعن أبي سعيد - ﵁ - أن رهطًا من أصحاب النبي ﷺ انطلقوا في سفرة سافروها، فنزلوا بحي من أحياء العرب، فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم. قال: فلُدِغ سيِّدُ ذلك الحي، فَشَفَوا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرَّهط الذين نزلوا بكم لعل يكون عند بعضهم شيء ينفع صاحبكم! فقال بعضهم: إن سيِّدنا لُدغ، فشفينا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فهل عند أحد منكم شيء يشفي صاحبنا رُقية؟ فقال رجل من القوم: إني لأرقي، ولكن استضفناكم فأبيتم أن تضيفونا! ما أنا براقٍ حتَّى تجعلوا لنا جعلًا! فجعلوا له قطيعًا من الشاء، فأتاه فقرأ عليه أمَّ الكتاب، ويَتفِل حتَّى برأ كأنما أُنشط من عقال. قال: فأوفاهم جُعلهم الذي صالحوهم عليه. فقال: اقتسموا. فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله - ﷺ - ونستأمره! فغدوا على رسول الله - ﷺ - فذكروا ذلك له، فقال رسول الله ﷺ: من أين علمتم أنها رقية؟ ! أحسنتم، فاضربوا لي معكم بسهم.\nوذُكِرَ عن الشعبي عن خارجة بن الصلت عن عمِّه أنه مرَّ بقومٍ، فأتوه فقال: إنك جئت من عند (١) هذا الرجل بخير، فارق لنا هذا الرَّجل! فأتوه برجل معتوهٌ في القيود فرقاه بأمِّ القرآن ثلاثة أيام غدوة وعشيَّة، كلَّما ختمها جمع بزاقه ثم تفل، فكأنَّما أنشط من عقال، فأعطوه شيئًا، فأتى النبي - ﷺ - فذكر له، فقال رسول الله ﷺ: كُل، فلعمري لمن أكل برقية باطل لقد أكلت برقية حق (٢)، ولا يخفى ما في هذا المساق من الفقه والزوائد، فتأمله!\nوإيقاف الصحابي قبول الغنم على سؤال النبي - ﷺ - عمل بما يجب من التوقف عند الإشكال إلى البيان، وهو أمرٌ لا يختلف فيه.\nوقوله ﷺ خذوا منهم، واضربوا لي معكم بسهم بيان للحكم بالقول\n_________\n(١) زيادة من (ل ١).\n(٢) رواه أبو داود (٣٤٢٠).","vol":"5","page":587},{"text":"وفي رواية: فَجَعَلَ يَقرَأُ أُمَّ القُرآنِ وَيَجمَعُ بُزَاقَهُ وَيَتفِلُ، فَبَرَأَ الرَّجُلُ.\nرواه أحمد (٣/ ١٠)، والبخاريُّ (٢٢٧٦)، ومسلم (٢٢٠١) (٦٥)، وأبو داود (٣٤١٨)، والترمذي (٢٠٦٤)، والنسائي (١٠٢٨) في عمل اليوم والليلة، وابن ماجه (٢٥٦٠).\n* * *\nــ\nوتمكين له بالعمل؛ إذ لم تكن له حاجة لذلك السَّهم إلا ليبالغ في بيان أن ذلك من الحلال المحض الذي لا شبهة فيه، فكان ذلك أعظم دليل لمن يقول بجواز الأجرة على الرُّقى والطب، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق وأبي ثور وجماعة من السَّلف والخلف.\nوأمَّا الأجرة على تعليم القرآن فأجازها الجمهور من السلف والخلف متمسكين بهذا الحديث، وما زاد فيه البخاري من حديث ابن عباس أن النبي - ﷺ - قال: إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله (١)، وهذا يلحق بالنُّصوص، وقد حرم أبو حنيفة أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وكذلك أصحابه - تمسُّكًا بأمرين:\nأحدهما: أن تعلم القرآن وتعليمه واجبٌ من الواجبات التي تحتاج إلى نيَّة التقرُّب والإخلاص، فلا يؤخذ عليها أجرة كالصلاة والصيام.\nوثانيهما: ما رواه أبو داود من حديث عبادة بن الصامت قال: علَّمت ناسًا من أهل الصُّفة الكتاب والقرآن، وأهدى إلي رجل منهم قوسًا، فقلت: ليست بمال، وأرمي عليها في سبيل الله، فلآتينَّ رسول الله - ﷺ - فلأسألنَّه! فأتيته فسألته، فقال: إن كنت تحب أن تطوَّق قوسًا من نار فاقبلها (٢).\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٧٣٧).\n(٢) رواه أبو داود (٣٤١٦).","vol":"5","page":588},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-814>(٨) باب الرقية بأسماء الله والتعويذ</span>\n[٢١٤١] عَن عُثمَانَ بنِ أَبِي العَاصِ الثَّقَفِيِّ أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ مُنذُ أَسلَمَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ضَع يَدَكَ عَلَى الَّذِي يألمَ مِن جَسَدِكَ وَقُل: بِاسمِ اللَّهِ - ثَلَاثًا، وَقُل سَبعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللَّهِ وَقُدرَتِهِ مِن شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ.\nرواه مسلم (٢٢٠٢)، وأبو داود (٣٨٩١)، وابن ماجه (٣٥٢٢).\nــ\nوللجمهور أن يقولوا: لا نسلِّم صحة ذلك القياس؛ لأنَّه فاسد الوضع، لأنَّه في مقابلة قوله ﷺ: إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله، وهو عمومٌ قوي وظاهرٌ جلي.\nوالجواب عن القياس بعد تسليمه (١): إنه لا يصح للفرق بين الفرع والأصل، وهو أن الصلاة والصوم عبادات خاصَّة بالفاعل، وتعليم القرآن عبادة متعدية لغير المعلم، فتجوز الأجرة على محاولة النقل كتعليم كتابة القرآن.\nوأمَّا الجواب عن الحديث بعد تسليم صحته فالقول بموجبه؛ لأنَّ تعليم عبادة لم يكن بإجارةٍ ولا جُعل، وإنما علَّم لله تعالى تطوعًا لا لغيره، ومن كان كذلك حرم عليه أخذ العوض على ما فعله لله تعالى لأنَّه ربما يفسد عمله ويأكل مالًا بالباطل.\n(٨) ومن باب: الرُّقية بأسماء الله ﷿\nقوله ضع يدك على الذي يألم من جسدك، هذا الأمر على جهة التعليم والإرشاد إلى ما ينفع من وضع يد الرَّاقي على المريض ومسحه به، وأن ذلك لم\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع) و(ج ٢).","vol":"5","page":589},{"text":"[٢١٤٢] وعنه أنه أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الشَّيطَانَ\nــ\nيكن مخصوصًا بالنبي ﷺ، بل ينبغي أن يفعل ذلك كل راقٍ، وقد تأكد أمر ذلك بفعل النبي - ﷺ - وأصحابه ﵃ ذلك بأنفسهم وبغيرهم، كما قد ذكر في الأحاديث المتقدِّمة، فلا ينبغي للرَّاقي أن يعدل عنه للمسح بحديد ولا بغيره، فإنَّ ذلك لم يفعله أحدٌ ممن سبق ذكره، ففعلُه تمويهٌ لا أصل له.\nومما ينبغي للرَّاقي أن يفعله النفث والتفل، وقد قلنا أنَّهما نفخ مع ريق، وإن ريق التفل أكثر، وقد قيل: إن ريق النفث أكثر. وقيل: هما متساويان. والأول أصح عند أهل اللغة. وقد كثر ذلك في الأحاديث المتقدِّمة وغيرها فلا يعدل عنه، وكذلك تكرار التسمية ثلاثًا وتكرار العوذ سبعًا كما جاء في هذا الحديث، فينبغي للرَّاقي أن يحافظ عليه إذ قد علَّمه النبي - ﷺ - وأمر به، فكل ذلك فيه أسرار يدفع الله تعالى بها الأضرار، فأما ما يفعله المعزمون من الآلات والصَّلاصل فذلك كله من باب التمويه والتطرُّق لأكل المال بالباطل.\nواختلف العلماء في النُّشرة، وهي أن يكتب شيئًا من أسماء الله أو من القرآن ثم يغسله بالماء ثمَّ يمسح به المريض أو يسقيه إياه؛ فأجازها سعيد بن المسيب، قيل له: الرَّجل يؤخذ عن امرأته، أيحل عنه وينشر؟ قال: لا بأس به، وما ينفع لم يُنه عنه. وقال المازري: النشرة أمر معروف عند أهل التعزيم، وسميت بذلك لأنها تنشر عن صاحبها - أي: تحل. ومنعها الحسن وقال: هي من السحر. وقد روى أبو داود من حديث جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: سُئل رسول الله - ﷺ - عن النَّشرة فقال: هي من عمل الشيطان (١)، قال بعض علمائنا: هذا محمول على أنها خارجة عمَّا في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، وعن المداواة المعروفة، والنُّشرة من جنس الطب.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٨٦٨).","vol":"5","page":590},{"text":"قَد حَالَ بَينِي وَبَينَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي يَلبِسُهَا عَلَيَّ! فَقَالَ له رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ذَاكَ شَيطَانٌ يُقَالُ لَهُ خَنزَبٌ، فَإِذَا أَحسَستَهُ فَتَعَوَّذ بِاللَّهِ مِنهُ، وَاتفِل عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا. قَالَ: فَفَعَلتُ ذَلِكَ، فَأَذهَبَهُ اللَّهُ عَنِّي.\nرواه مسلم (٢٢٠٣).\n* * *\nــ\nقلت: ويتأيد هذا بقوله ﷺ: لا بأس بالرُّقى ما لم يكن فيه شرك، ومن استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل (١).\nقال القاضي عياض ﵀ في النفث: وفائدة ذلك - والله أعلم - التبرُّك ببلل الرُّطوبة أو الهواء والنفس المباشر للرُّقية الحسنة، كما يُتبرَّك بغسالة ما يكتب من أسماء الله الحسنى في النُّشُر. قال: وقد يكون ذلك على وجه التفاؤل من زوال ذلك الألم وانفصاله عن المريض كانفصال ذلك النفث، وقد كان مالك ينفث إذا رقى نفسه، وكان يكره الحديدة والملح الذي يعقد والذي يكتب خاتم سليمان، وكان العقد عنده أشدّ كراهة لما في ذلك من مشابهة السِّحر.\nوقوله جاء (٢) يَلبِسها علي هو بكسر الباء؛ لأنَّ ماضيه لبس بفتحها، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَلَبَسنَا عَلَيهِم مَا يَلبِسُونَ﴾ وهو الخلط، فأمَّا لبست الثوب فهو على العكس من ذلك.\nوقوله ذلك شيطان يقال له خِنزَب هو بالحاء المهملة وبفتحها عند الجياني، وبكسرها عند الصدفي. وفي الصحاح: الخنزاب هو الغليظ القصير، وأنشد:\n_________\n(١) تقدم تخريجه في التلخيص برقم (٢٨٤٦).\n(٢) كلمة (جاء) ليست في نص الحديث الذي في التلخيص، ولا روايات الحديث في صحيح مسلم.","vol":"5","page":591},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-815>(٩) باب لكل داء دواء، والتداوي بالحجامة</span>\n[٢١٤٣] عَن جَابِرٍ، عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ،\nــ\n. . . . . . . . . . ... تاحَ لها بَعدك خِنزابٌ وزَى (١)\nوالوزى: الشديد. فيمكن أن يُسمَّى الشيطان خنزبًا لأنَّه يتراءى غليظًا قصيرًا، وحذفت الألف لما صار علمًا، فكثيرًا ما تغيَّر الأعلام عن أصولها.\n(٩) ومن باب: لكل داء دواء، وفي التداوي بالحجامة\nقوله لكل داء دواء، الدَّاء بفتح الدَّال لا غير، والدَّواء تفتح داله وتكسر، والفتح أفصح. وهذه الكلمة صادقة العموم لأنها خبر من الصادق البشير عن الخالق القدير: ﴿أَلا يَعلَمُ مَن خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ فالدَّاء والدَّواء خَلقه، والشِّفاء والهلاك فعله، وربط الأسباب بالمسببات حِكمته وحُكمه على ما سبق به علمه، فكل ذلك بقدر لا مَعدِل عنه ولا وزر، وما أحسن قول النبي - ﷺ - فيما خرَّجه الترمذي عن أبي خزامة بن يعمر قال: سألت رسول الله - ﷺ - فقلت: يا رسول الله، أرأيت رقًى نسترقيها ودواء نتداوى به؛ هل تردُّ من قدر الله شيئًا؟ قال: هي من قدر الله (٢). قال: هذا حديث حسن صحيح. وكفى بهذا بيان، لكن للبصراء لا للعميان.\n_________\n(١) هذا عجز البيت، وصدره: قدْ أَبْصَرَت سَجَاحِ من بعدِ العَمَى. وقائله: الأغلب العجليُّ يهجو سجاح. وجاء في حاشية اللسان مادة \"وزى\" قوله: خنزاب، بالخاء المعجمة. كذا بالطبعات جميعها وهو تحريف، صوابه: حنزاب، بالحاء المهملة، كما في الصحاح والتهذيب، والحنزاب: القصير، الغليظ.\n(٢) رواه الترمذي (٢٠٦٥ و٢١٤٨).","vol":"5","page":592},{"text":"فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذنِ اللَّهِ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٣٥)، ومسلم (٢٢٠٤).\n[٢١٤٤] وعَن عَاصِمِ بنِ عُمَرَ بنِ قَتَادَةَ قَالَ: جَاءَنَا جَابِرُ بنُ عَبدِ اللَّهِ فِي أَهلِنَا وَرَجُلٌ يَشتَكِي خُرَاجًا بِهِ أَو جِرَاحًا، فَقَالَ: مَا تَشتَكِي؟ قَالَ: خُرَاجٌ بِي قَد شَقَّ عَلَيَّ! فَقَالَ: يَا غُلَامُ، ائتِنِي بِحَجَّامٍ! فَقَالَ لَهُ: مَا تَصنَعُ بِالحَجَّامِ يَا أَبَا عَبدِ اللَّهِ؟ قَالَ: إني أُرِيدُ أَن أُعَلِّقَ فِيهِ مِحجَمًا. قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ الذُّبَابَ لَيُصِيبُنِي، أَو يُصِيبُنِي الثَّوبُ فَيُؤذِينِي وَيَشُقُّ عَلَيَّ! فَلَمَّا رَأَى تَبَرُّمَهُ\nــ\nوقوله فإذا أصيب دواء الدَّاء برأ بإذن الله، ومعناه أن الله تعالى إذا شاء الشِّفاء يسَّر دواء ذلك الدَّاء ونبَّه عليه مستعمله فيستعمله على وجهه وفي وقته فيشفى ذلك المرض، وإذا أراد إهلاك صاحب المرض أذهل عن دوائه أو حجبه بمانع يمنعه فهلك صاحبه، وكلُّ ذلك بمشيئته وحكمه كما سبق في علمه، ولقد أحسن من الشعراء من قال في شرح الحال:\nوالنَّاس يلحَون الطَّبيب وإنَّما ... غَلَطُ الطَّبيبِ إصابةُ المَقدُور\nوقد خرَّج أبو داود هذا الحديث وحديث أسامة بن شريك، وقال فيه: إنَّه - ﷺ - قال يا عباد الله، تداووا! فإنَّ الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء، غير داءٍ واحد: الهرم (١)، فاستثنى الهرم من جملة الأدواء وإن لم يكن داء بنفسه، لكن تلازمه الأدواء، وهو مُفضٍ بصاحبه إلى الهلاك. وهذا نحو من قوله في الحديث الآخر: كفى بالسَّلامة داء (٢)؛ أي: مصير السلامة إلى الدَّاء، وكما قال حميد بن ثور:\nأَرَى بَصَرِي قد رابَني بَعد صِحَّةٍ ... وَحَسبُك داءً أن تصحَّ وتَسلما\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٨٥٥).\n(٢) رواه القضاعي في مسند الشهاب رقم (٨٦١).","vol":"5","page":593},{"text":"مِن ذَلِكَ قَالَ: إِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِن كَانَ فِي شَيءٍ مِن أَدوِيَتِكُم خَيرٌ فَفِي شَرطَةِ مِحجَمٍ أَو شَربَةٍ مِن عَسَلٍ أَو لَذعَةٍ بِنَارٍ. قَالَ\nــ\nوقوله ﷺ إن كان في أدويتكم خيرٌ ففي شرطة محجم أو شربة عسل أو لذعةٍ بنار؛ يعني بالخير الشِّفاء، والمحجم: هو الوعاء الذي يجمع به موضع الحجامة ويجتمع فيه الدَّم، وهو جمع واحده محجمة، وهي بكسر الميم، وقد يقال على الحديدة التي يشرط بها وهي المعنية هنا.\nوجاء هذا الحديث هنا بصيغة الاشتراط من غير تحقيق الأخبار، وقد جاء في البخاري من حديث ابن عباس مرفوعًا الشِّفاء في ثلاث (١) وذكرها، فحقَّق الخبر.\nقال بعض علمائنا: أشار النبي - ﷺ - إلى جميع ضروب المعاناة القياسيِّة، وذلك أن العلل منها ما يكون مفهوم السبب ومنها ما لا يكون كذلك، فالأول كغلبة أحد الأخلاط التي هي الدم والبلغم والصفراء والسَّوداء، فمعالجة ذلك باستفراغ ذلك الامتلاء بما يليق به من تلك الأمور المذكورات في الحديث، فمنها ما يستفرغ بإخراج الدَّم بالشَّرط وفي معناه الفصد والبطُّ والعلق، ومنها ما يستفرغ بالعسل وما في معناه من الأدوية المسهِّلة، ومنها ما يستفرغ بالكي فإنه يجفف رطوبات موضع المرض وهو آخر الطبِّ.\nوأما ما كان من العلل عن ضعف قوة من القوى فعلاجه بما يقوي تلك القوة من الأشربة، ومن أنفعها في ذلك العسل إذا استعمل على وجهه، وأما ما كان من العلل غير مفهوم السبب فكالسِّحر والعين ونظرة الجن فعلاجه بالرُّقى والكلام الحسن وأنواع من الخواص مغيبة السِّرِّ، ولهذا القسم أشار رسول الله - ﷺ - فيما روي عنه أنه زاد في هذا الحديث أو آية من كتاب الله زيادة على ما ذكر فيما تقدَّم منه.\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٦٨٠ و٥٦٨١).","vol":"5","page":594},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَمَا أُحِبُّ أَن أَكتَوِيَ! قَالَ: فَجَاءَ بِحَجَّامٍ فَشَرَطَهُ، فَذَهَبَ عَنهُ مَا يَجِدُ.\nوفي رواية قَالَ: لَا أَبرَحُ حَتَّى تَحتَجِمَ؛ فَإِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ فِيهِ شِفَاءً.\nرواه أحمد (٣/ ٣٣٥)، والبخاريُّ (٥٦٩٧)، ومسلم (٢٢٠٥) (٧٠ و٧١).\nــ\nقلت: هذا معنى ما قاله علماؤنا، ويمكن أن يقال: إن هذه المذكورات في هذا الحديث إنما خصَّت بالذكر لأنَّها كانت أغلب أدويتهم وأنفع لهم من غيرها بحكم اعتيادهم لها ومناسبتها لغالب أمراضهم، ولا يلزم أن تكون كذلك في حق غيرهم ممن يخالفهم في بلادهم وعاداتهم وأهويتهم، ومن المعلوم بالمشاهدة اختلاف العلاجات والأدوية بحسب اختلاف البلاد والعادات وإن اتحدت أسباب الأمراض، والله تعالى أعلم.\nوقوله وما أحبُّ أن أكتوي، وفي لفظ البخاري وأنا أنهى أمتي عن الكي - إنما كان ذلك لشدَّة ألم الكي فإنَّه يُربي على ألم المرض، ولذلك لا يرجع إليه إلا عند العجز عن الشفاء بغيره من الأدوية. وأيضًا: فلأنَّه يشبه التعذيب بعذاب الله الذي نُهي عنه، وقد تقدَّم القول في هذا في الإيمان.\nواستئذان أم سلمة النبي - ﷺ - في الحجامة دليل على أن المرأة لا ينبغي لها أن تفعل في نفسها شيئًا من التداوي أو ما يشبهه إلا بإذن زوجها لإمكان أن يكون ذلك الشيء مانعًا له من حقه أو منقصًا لغرضه منها، وإن كانت لا تشرع في شيء من التطوَّعات التي يتقرَّب بها إلى الله تعالى إلا بإذنٍ منه كان أحرى وأولى ألا تتعرَّض لغير القرب إلا بإذنه، اللهم إلا أن تدعو لذلك ضرورة من خوف موت أو مرض شديد فهذا لا يحتاج فيه إلى إذن؛ لأنَّه قد التحق بقسم الواجبات","vol":"5","page":595},{"text":"[٢١٤٥] وعَن جَابِرٍ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ استَأذَنَت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الحِجَامَةِ، فَأَمَرَ رسول الله ﷺ أَبَا طَيبَةَ أَن يَحجُمَهَا. قَالَ: حَسِبتُ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ أَخَاهَا مِن الرَّضَاعَةِ، أَو غُلَامًا لَم يَحتَلِم.\nرواه أحمد (٣/ ٣٥٠)، ومسلم (٢٢٠٦)، وأبو داود (٤١٠٥)، وابن ماجه (٣٤٠٨).\n* * *\nــ\nالمتعينة.\nوأيضًا: فإنَّ الحجامة وما يتنزل منزلتها مما يحتاج فيها إلى محاولة الغير، فلا بدَّ فيها من استئذان الزوج لنظره فيمن يصلح وفيما يحلُّ من ذلك، ألا ترى أن النبي - ﷺ - أمر أبا طيبة أن يحجمها لما علم أن بينهما من السبب المبيح، كما قال الرَّاوي: حسبت أنه كان أخاها من الرَّضاعة، أو غلامًا لم يحتلم. ولا شكَّ في أن مراعاة هذا هي الواجبة متى وجد ذلك، فإنَّ لم يوجد من يكون كذلك ودعت الضرورة إلى معالجة الكبير الأجنبي جاز دفعًا لأعظم الضررين وترجيحًا لأخف الممنوعين.\nوفيه من الفقه ما يدلّ على أن ذا المحرم يجوز أن يطَّلع من ذات محرمه على بعض ما يحرم على الأجنبي، وكذلك الصبي، فإن الحجامة غالبًا إنما تكون من بدن المرأة فيما لا يجوز لأجنبي الاطلاع عليه كالقفا والرَّأس والساقين.\n* * *","vol":"5","page":596},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-816>(١٠) باب التداوي بقطع العرق والكي والسعوط</span>\n[٢١٤٦] عَن جَابِرٍ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أُبَيِّ بنِ كَعبٍ طَبِيبًا فَقَطَعَ مِنهُ عِرقًا، ثُمَّ كَوَاهُ عَلَيهِ.\nوفي رواية قَالَ: رُمِيَ أُبَيٌّ يَومَ الأَحزَابِ عَلَى أَكحَلِهِ. قال: فَكَوَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.\nرواه مسلم (٢٢٠٧) (٧٣ و٧٤)، وأبو داود (٣٨٦٤).\nــ\n(١٠) ومن باب: التداوي بقطع العروق والكي والسعوط\nقول جابر رُمي أُبِي يوم الأحزاب على أكحله، صحيح رواية هذه اللفظة بضم الهمزة وفتح الباء وياء التصغير، ورواها العذري والسَّمرقندي أَبِي بفتح الهمزة وكسر الباء على إضافته لياء المتكلم، والأول هو الصحيح بدليل الرواية التي نصَّ فيها على أنه أُبِي بن كعب، ولأن أبا جابر لم يدرك يوم الأحزاب وإنَّما استشهد يوم أحد.\nوالأكحل عرق معروف، قال الخليل: هو عرق الحياة، يقال: في كل عضو منه شعبة لها اسم على حدة، فإذا قطع في اليد لم يرقأ الدم. وقيل: إنه يقال له في اليد أكحل، وفي الفخذ النسا، وفي الظهر الأبهر.\nوكونه - ﷺ - بعث إلى أُبِي طبيبًا فكواه دليلٌ على أن الواجب في عمل العلاج ألا يباشره إلا من كان معروفًا به خبيرًا بمباشرته، ولذلك أحال النبي - ﷺ - على الحارث بن كلدة ووصف له النبي - ﷺ - الدَّواء وكيفية العمل على ما يأتي.\nوكي النبي - ﷺ - لأُبي وسعد دليلٌ على جواز الكي والعمل به إذا ظن الإنسان منفعته ودعت الحاجة إليه، فيحمل نهيه - ﷺ - عن الكي على ما إذا أمكن","vol":"5","page":597},{"text":"[٢١٤٧] وعنه قَالَ: رُمِيَ سَعدُ بنُ مُعَاذٍ فِي أَكحَلِهِ. قَالَ: فَحَسَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ بِمِشقَصٍ، ثُمَّ وَرِمَت فَحَسَمَهُ الثَّانِيَةَ.\nرواه مسلم (٢٢٠٨) (٧٥).\n[٢١٤٨] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احتَجَمَ وَأَعطَى الحَجَّامَ أَجرَهُ وَاستَعَطَ.\nرواه البخاريُّ (٢٢٧٨)، ومسلم (١٢٠٢) (٧٦)، وأبو داود (٣٤٢٣).\n* * *\nــ\nأن يُستغنى عنه بغيره من الأدوية، فمن فعله في محله وعلى شرطه لم يكن ذلك مكروهًا في حقه ولا مُنقصًا له من فضله، ويجوز أن يكون من السَّبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب (١)، كيف لا وقد كوى النبي - ﷺ - سعد بن معاذ الذي اهتز له عرش الرَّحمن وأُبي بن كعب المخصوص بأنه أقرأ الأمَّة للقرآن؟ ! وقد اكتوى عمران بن حصين، فمن اعتقد أن هؤلاء لا يصلحون أن يكونوا من السبعين ألفًا ففساد كلامه لا يخفى.\nوعلى هذا البحث فيكون قوله ﷺ في السبعين ألفًا أنهم هم الذين لا يكتوون إنما يعني به الذي يكتوي وهو يجد عنه غنى، والله أعلم.\nوالسَّعوط دواء يُصبُّ في الأنف، وقد أسعطتُّ الرَّجل فاستعط هو بنفسه، والمُسعُطُ - بضم الميم - هو الإناء الذي يجعل فيه السَّعوط.\n* * *\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ٤٣٦ و٤٤٣)، ومسلم (٢١٨) من حديث عمران بن حصين.","vol":"5","page":598},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-817>(١١) باب الحمى من فيح جهنم، فابردوها بالماء</span>\n[٢١٤٩] عَن ابنِ عُمَرَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الحُمَّى مِن فَيحِ جَهَنَّمَ؛ فَابرُدُوهَا بِالمَاءِ.\nوفي رواية: فَأَطفِئُوهَا بِالمَاءِ.\nرواه أحمد (٢/ ٢١)، والبخاريُّ (٣٢٦٤)، ومسلم (٢٢٠٩) (٧٨ و٧٩ و٨٠).\nــ\n(١١) ومن باب: الحمى من فيح جهنم\nفيح جهنَّم شدَّة حرارتها، وأصله من فاحت القدر إذا غلت، وقد يعبَّر عنه بالفور كما جاء في الرواية الأخرى: ولفحُ النَّار إصابة شدَّة حرها. وجهنم: اسم علم من أسماء نار الآخرة - مؤنث، ولذلك لم ينصرف، وقد تقدم اشتقاقه.\nوقوله فابردوها بالماء صوابه بوصل الألف؛ لأنَّه من قولهم برَّد الماءُ حرارةَ جوفي، وهو ثلاثي معدَّى، كما قال:\nوعطِّل قَلُوصِي في الرِّكابِ فإنَّها ... ستَبرُدُ أكبادًا وتُبكِي بَوَاكِيَا\nوقد أخطأ من قال أبردوها بقطع الألف، وفي الرواية الأخرى فأطفئوها، بالهمزة رباعيًّا، من أطفأ، وقد اعترض بعض سخفاء الأطبَّاء على هذا الحديث فقال: استعمال المحموم الاغتسال بالماء خطر مُقرِّبٌ من الهلاك؛ لأنَّه يجمع المسامِّ ويحقن البخار ويعكس الحرارة لداخل الجسم، فيكون ذلك سببًا للتلف! وجوابه أن هذا إن صدر عمَّن ارتاب في صدق النبي - ﷺ - فجوابه بالمعجزات الدَّالة على صدقه - ﷺ - التي تدل قطعًا على صحة قوله وصواب فعله، فإنَّ حصل له التصديق والإيمان وإلا فقد يفعل الله بالسيف والسِّنان ما لا يُفعل","vol":"5","page":599},{"text":"[٢١٥٠] وعَن أَسمَاءَ أَنَّهَا كَانَت تُؤتَى بِالمَرأَةِ المَوعُوكَةِ فَتَدعُو بِالمَاءِ فَتَصُبُّهُ فِي جَيبِهَا، وَتَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ابرُدُوهَا بِالمَاءِ. وَقَالَ: إِنَّهَا مِن فَيحِ جَهَنَّمَ.\nرواه البخاري (٥٧٢٤)، ومسلم (٢٢١١) (٨٢)، والترمذي (٢٠٧٥).\n[٢١٥١] وعن رَافِعُ بنُ خَدِيجٍ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: الحُمَّى مِن فَورِ جَهَنَّمَ، فَابرُدُوهَا عَنكُم بِالمَاءِ.\nرواه البخاريُّ (٣٢٦٢)، ومسلم (٢٢١٢) (٨٣ و٨٤)، والترمذيُّ (٢٠٨٤).\nــ\nبالبرهان، وإن صدر عن مصدِّقٍ له ومؤمن برسالته - وما أقله فيمن يتعاطى صنعة الأطباء - قيل له: تفهَّم مراده من هذا الكلام؛ فإنَّه لم ينصَّ على كيفية تبريد الحمى بالماء، وإنَّما أرشد إلى تبريدها بالماء مطلقًا، فإنَّ أظهر الوجود أو صناعة الطب أن غمس المحموم في الماء أو صبَّه على جميع بدنه يضرَّه فليس هو الذي قصد النبي ﷺ، وإنما قصد استعمال الماء على وجه ينفع، فيُبحث عن ذلك الوجه وتجرَّب الوجوه التي لا ضرر فيها، فإنَّه سيظهر نفعه قطعًا، وقد ظهر هذا المعنى في أمره للعائن بالغسل، فإنَّه وإن كان قد أمره بأن يغتسل مطلقًا فلم يكن مقصوده أن يغسل جميع جسده، بل بعض ذلك كما تقدَّم.\nوإذا تقرَّر هذا فلا يبعُد أن يكون مقصوده أن يُرشَّ بعض جسد المحموم أو يفعل كما كانت أسماء تفعل، فإنَّها كانت تأخذ ماءً يسيرًا ترش به في جيب المحموم أو يُنضح به وجهه ويداه ورجلاه، ويذكر اسم الله تعالى، فيكون ذلك من باب النُّشُرة الجائزة كما تقدَّم. وقد يجوز أن يكون ذلك من باب الطب، فقد ينفع ذلك في بعض","vol":"5","page":600},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-818>(١٢) باب التداوي باللدود والعود الهندي</span>\n[٢١٥٢] عَن عَائِشَةَ قَالَت: لَدَدنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ، فَأَشَارَ أَلَّا تَلُدُّونِي! فَقُلنَا: كَرَاهِيَةُ المَرِيضِ لِلدَّوَاءِ! فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: لَا يَبقَى أَحَدٌ مِنكُم إِلَّا لُدَّ، غَيرُ العَبَّاسِ فَإِنَّهُ لَم يَشهَدكُم.\nرواه أحمد (٦/ ٥٣)، والبخاريُّ (٧٨٨٦)، ومسلم (٢٢١٣) (٨٥).\nــ\nالحميات، فإنَّ الأطباء قد سلموا أن الحمى الصفراوية يدبر صاحبها بسقي الماء الشديد البرودة حتى يسقوه الثلج، وتغسل أطرافه بالماء البارد. وعلى هذا فلا بُعد في أن يكون هذا المقصود بالحديث، والله أعلم.\nولئن سلَّمنا أنه أراد جميع جسد المحموم فجوابه أنه يحتمل أن يريد بذلك استعماله بعد أن تقلع الحمَّى وتسكن حرارتها، ويكون ذلك في وقت مخصوص وبعدد مخصوص، فيكون ذلك من باب الخواص التي قد اطلع عليها النبي ﷺ، كما قد روى قاسم بن ثابت أن رجلًا شكا إلى رسول الله - ﷺ - الحمى فقال له: اغتسل ثلاثًا قبل طلوع الشمس، وقل: باسم الله، اذهبي يا أم ملدم! فإن لم تذهب فاغتسل سبعًا (١).\n(١٢) ومن باب: التداوي باللَّدود والعود الهندي\nقولها لددنا رسول الله ﷺ؛ أي: وضعنا في فمه اللَّدود، وهو ما يجعل في أحد جانبي الفم، والوَجور: هو ما يصبُّ في وسط الفم.\nوقوله لا تلدوني نهي ظاهر في المنع، فكان ينبغي لهم أن ينتهوا عن ذلك، غير أنَّهم تأوَّلوا أن ذلك من باب ما علم من أحوال المرضى من كراهتهم\n_________\n(١) رواه سعيد بن منصور كما في اللآلى المصنوعة (٢/ ٤٠٨).","vol":"5","page":601},{"text":"[٢١٥٣] وعَن أُمِّ قَيسٍ بِنتِ مِحصَنٍ أُختِ عُكَّاشَةَ قَالَت: دَخَلتُ بِابنٍ لِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَم يَأكُل الطَّعَامَ، فَبَالَ عَلَيهِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَرَشَّهُ. قَالَت: وَدَخَلتُ عَلَيهِ بِابنٍ لِي قَد أَعلَقتُ عَلَيهِ مِن العُذرَةِ فَقَالَ:\nــ\nالدَّواء، فخالفوه، فعاقبهم بأن اقتص منهم، ففعل بهم ما فعلوا به، فكان فيه دليل على مشروعية القصاص في كل شيء يتأتى فيه القصاص، كما قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعتَدَى عَلَيكُم فَاعتَدُوا عَلَيهِ بِمِثلِ مَا اعتَدَى عَلَيكُم﴾\nوقال بعض أصحابنا: فيه ما يدلّ على قتل الجماعة بالواحد؛ لأنَّهم لما تمالؤوا وتعاونوا على لده اقتصَّ من جميعهم - وفيه بُعدٌ لإمكان مراعاة الفرق، فإنَّه يمكن أن يقال: جاز ذلك فيما لا إراقة دم فيه لخفته في مقصود الشرع، ولا يجوز ذلك في الدِّماء لحرمتها وعظم أمرها في مقصود الشرع، فلا يصح حمل أحدهما على الآخر، وإنَّما الذي يستنبط منه أن الحاضر في الجناية المعين عليها كالناظور الذي هو الطليعة كالمباشر له، فيقتص من الكل، لكن فيما لا دم فيه على ما قررناه، وقد نبَّه النبي - ﷺ - على هذا المعنى بقوله إلا العباس فإنَّه لم يشهدكم.\nوفيه من الفقه منع إكراه المريض على الطعام والشراب والدواء، كما قد روي عن النبي ﷺ أنه قال: لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب، فإنَّ الله تعالى يغذيهم (١).\nوقول أم قيس دخلت على النبي - ﷺ - بابن لي قد أعلقت عليه من العذرة، كذا وقع هذا اللفظ في كتاب مسلم أعلقت عليه بلا خلاف فيه، ووقع في البخاري باختلاف؛ ففي رواية معمر وغيره كما في كتاب مسلم، وفي رواية سفيان بن عيينة أعلقت عنه، قال الخطابي: وهو الصواب - وإلى ذلك أشار ابن الأعرابي.\nوالعذرة وجع الحلق، فخافت أن يكون به ذلك، فرفعت لهاته بأصبعها. وقال الأصمعي: العذرة قريبٌ من اللهاة. وفي البارع (٢): العذرة\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٠٤٠)، وابن ماجه (٣٤٤٤).\n(٢) هو كتاب من أوسع كتب اللغة، ألَّفه أبو علي القالي، المتوفى سنة (٣٥٦ هـ).","vol":"5","page":602},{"text":"عَلَامَه تَدغَرنَ أَولَادَكُنَّ بِهَذَا العِلَاقِ؟ ! عَلَيكُنَّ بِهَذَا العُودِ الهِندِيِّ، فَإِنَّ فِيهِ سَبعَةَ أَشفِيَةٍ؛ مِنهَا ذَاتُ الجَنبِ يُسعَطُ مِن العُذرَةِ وَيُلَدُّ مِن ذَاتِ الجَنبِ.\nــ\nاللهاة. وقد تقدَّم أن اللَّهاة اللحمة الحمراء التي في آخر الفم وأول الحلق، والنِّساء ترفعها بأصابعهن، فنهاهنَّ النبي - ﷺ - عن ذلك لما فيه من تعذيب الصبي، ولعل ذلك يزيد في وجع اللهاة.\nوقوله علام تدغرن أولادكنَّ بهذا العِلاق؟ !، تدغرن: الرواية الصحيحة فيه بالدال المهملة والغين المعجمة - لا يجوز غيره، ومعناه هنا رفع اللهاة، وأصله الرفع، ومنه قول العرب: دغرى لا صفَّى، ودغرًا لا صفًا - منونًا وغير منوَّن، يقولون هذا في الحرب؛ أي: ادفعوا عليهم ولا تصطفُّوا لهم.\nوالعلاق الرواية فيه بكسر العين، ووقع في بعض النسخ الأعلاق وهو الصواب قياسًا؛ لأنَّه مصدر أعلقت، وهو المعروف لغة.\nومقصود هذا الاستفهام الإنكار على النساء في فعل ذلك بأولادهن.\nوقوله عليكن بهذا العود الهندي، هذه إحالة منه لهن على استعمال العود الهندي الطيب الرائحة في مرض الحلق المسمَّى بالعذرة، ثم بيَّن لهم كيفية العلاج به بقوله يسعط من العذرة؛ أي يُدَقُّ ناعمًا ويُسعط في الأنف. وهذا يفيد أنَّه يستعمل وحده ولا يضاف إلى غيره، ثمَّ زاد فقال ويلدُّ من ذات الجنب، ويعني به الوجع الذي يكون في الجنب المسمَّى بالشَّوصة، وقال الترمذي: يعني به السِّلَّ - وفيه بُعد، والأول أعرف. وهل يلد به منفردًا مدقوقًا أو مع غيره؟ يُسأل عن الأنفع من ذلك أهل الخبرة من المسلمين ممن جرَّب ذلك أو تباشر تجربته؛ إذ لا بدَّ من نفعه في ذلك المرض، لأنَّ رسول الله - ﷺ - لا يقول إلا حقًّا.\nوقوله فإنَّ فيه سبعة أشفية، بيَّن منها في الحديث اثنين وسكت عن","vol":"5","page":603},{"text":"وفي رواية: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: عَلَامَه تَدغَرنَ أَولَادَكُنَّ بِهَذَا الإِعلَاقِ؟ عَلَيكُم بِالعُودِ الهِندِيِّ - يَعنِي بِهِ الكُستَ. قَالَ يُونُسُ: أَعلَقَت غَمَزَت، فَهِيَ تَخَافُ أَن تكُونَ بِهِ عُذرَةٌ.\nرواه البخاري (٥٧١٥)، ومسلم (٢٨٧) (٨٦) و(٢٢١٤) و(٢٢١٤) (٨٧).\n* * *\nــ\nالخمسة، وقد ذكر الأطبَّاء في كتبهم أن فيه من الأشفية أكثر مما في هذا الحديث.\nقال أبو عبد الله المازري: رأيت في كتبهم - يعني الأطباء - أنه يدر البول والطمث وينفع من السُّموم ويحرك شهوة الجماع ويقتل الدود وحبَّ القرع إذا شُرِب بالعسل، ويذهب بالكلف إذا طلي عليه، وينفع من ضعف الكبد والمعدة وبردهما، ومن حمَّى الوِرد والرِّبع، وينفع من النَّافض لُطُوخًا بالزيت قبل نفض الحمَّى، ولمن به فالج واسترخاء. قال: وهو صنفان؛ بحري، وهندي - فالبحري: هو القسط الأبيض يؤتى به من بلاد المغرب. ونص بعضهم على أن البحري أفضل من الهندي، وهو أقل حرارة منه. قال إسحاق بن عمران: هما حارَّان يابسان في الدرجة الثالثة، والهندي أشد حرًّا في الجزء الثالث. وقال ابن سينا: القُسط حارٌّ في الثالثة يابس في الثانية.\nقلت: ويُسمى الكُست كما قال الراوي، وحينئذ يشكل هذا بما ذكر من قول الأطبَّاء إن البحري من العود يُسمى القسط يؤتى به من بلاد المغرب، فكيف يكون هنديًّا ويؤتى به من المغرب؟ ! إلا أن يريدوا مغرب الهند، فإن قيل: فإذا كان في العود الهندي هذه الأدوية الكثيرة، فما وجه تخصيص منافعه بسبع مع أنها أكثر من ذلك؟ ولأي شيء لم يُفصلها؟ فالجواب عن الأول بعد تسليم أن","vol":"5","page":604},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-819>(١٣) باب التداوي بالشونيز والتلبينة</span>\n[٢١٥٤] عن أبي هُرَيرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ فِي الحَبَّةِ السَّودَاءِ شِفَاءً مِن كُلِّ دَاءٍ، إِلَّا السَّامَ. وَالسَّامُ المَوتُ، وَالحَبَّةُ السَّودَاءُ الشُّونِيزُ.\nرواه مسلم (٢٢١٥) (٨٨).\nــ\nلأسماء الأعداد مفهوم مخالفةٍ: إن هذه السَّبع المنافع هي التي علمها بالوحي وتحققها، وغيرها من المنافع علمت بالتجربة، فتعرَّض لما علمه بالوحي دون غيره. وعن الثاني: إنَّه إنما فضَّل منها ما دعت الحاجة إليه وسكت عن غيره لأنَّه لم يُبعث لبيان تفاصيل الطبِّ ولا لتعليم صنعته، وإنما تكلم بما تكلم به منه ليُرشد إلى الأخذ فيه والعمل به، وأن في الوجود عقاقير وأدوية ينتفع بها، وعيَّن منها ما دعت حاجتهم إليها في ذلك الوقت وبحسب أولئك الأشخاص، والله تعالى أعلم.\n(١٣) ومن باب: المداواة بالشُّونِيز والتَّلبينة\nقوله في الحبَّة السوداء شفاء من كل داء، اختلف في الحبَّة السَّوداء؛ فقال الحربي: إنَّه الخردل. وحكى الهروي عن غيره أنها الحبَّة الخضراء، قال: والعرب تسمِّي الأخضر أسود والأسود أخضر، وهي ثمرة البُطم وهو المسمَّى بالضَّرو، وأولى ما قيل فيها إنَّها الشونيز لوجهين؛\nأحدهما: أنه المذكور في الحديث.\nوثانيهما: أنه أكثر منافع من الخردل وحب الضَّرو، فتعيَّن لأن يكون هو المراد بالحديث؛ إذ مقصوده الإخبار بأكثرية فوائده ومنافعه على ما نذكره.","vol":"5","page":605},{"text":"[٢١٥٥] وعَن عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَت إِذَا مَاتَ المَيِّتُ مِن أَهلِهَا فَاجتَمَعَ لِذَلِكَ النِّسَاءُ ثُمَّ تَفَرَّقنَ إِلَّا أَهلَهَا وَخَاصَّتَهَا أَمَرَت بِبُرمَةٍ مِن تَلبِينَةٍ فَطُبِخَت ثُمَّ صُنِعَ ثَرِيدٌ فَصُبَّت التَّلبِينَةُ عَلَيهَا، ثُمَّ قَالَت: كُلنَ مِنهَا؛ فَإِنِّي\nــ\nوالشُّونيز قيده بعض مشايخنا بفتح الشين، وقال ابن الأعرابي: هو الشُّينيز، كذا تقوله العرب. وقال غيره: الشَّونيز - بالضم، وقد ذكر الأطباء للشونيز منافع كثيرة وخواص عجيبة.\nقال القاضي أبو الفضل عياض: ذكر جالينوس من منافعه أنه يُحلِّل النَّفخ، ويقتل ديدان البطن إذا أُكِل أو وضع على البطن، ويشفي من الزكام إذا قُلِي وصُرَّ في خرقة واشتُمَّ، وينفع من العلَّة التي يتقشَّر منها الجلد، ويقلع الثآليل والخِيلان (١)، ويدر الطمث الكائن عن الأخلاط الغليظة اللَّزجة، وينفع من الصُّداع إذا طلي به الجبين، ويقلع البثور والجرب، ويحلل الأورام البلغمية إذا شمَّه مع الخل، وينفع من الماء العارض في العين إذا استُعِط مسحوقًا مع دهن الأرِيسَا، وينفع من انصباب النفس، ويتمضمض به من وجع الأسنان، ويدر البول واللبن، وينفع من نهشة الدُّبيلى (٢)، وإذا بخر به طرد الهوامَّ.\nوقال غيرُ جالينوس: من خاصته إذهابُ حمَّى البلغم والسَّوداء، ويقتل حبَّ القرع، وإذا عُلِّق من عنق المزكوم نفعه، وينفع من حمى الرِّبع. قال بعضهم: ولا يبعد منفعة الحار من أدواء حارَّةٍ لخواصَّ فيها كوجود ذلك في أدوية كثيرة فيكون الشونيز منها لعموم قوله ﷺ، ويكون أحيانًا مفردًا وأحيانًا مركَّبًا.\nقلت: وعلى هذا القول الآخر تحمل كليَّة الحديث على عمومها وإحاطتها، ولا يستثنى من الأدواء شيء إلا الدَّاء الذي يكون عنه الموت في علم\n_________\n(١) \"الخِيْلان\" مفردها: الخال، وهو شامة سوداء في البدن، وقد تكون في الخدّ.\n(٢) \"الدُّبَيْلَةُ\": خُرَاجٌ ودمَّلٌ كبير تظهر في الجوف، فتقتل صاحبها غالبًا.","vol":"5","page":606},{"text":"سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: التَّلبِينَةُ مُجِمَّةٌ لِفُؤَادِ المَرِيضِ، يذهِبُ بَعضَ الحُزنِ.\nرواه البخاريُّ (٥٦٨٩)، ومسلم (٢٢١٦) (٩٠).\n* * *\nــ\nالله تعالى، وعلى القول الأول يكون ذلك العموم محمولًا على الأكثر والأغلب، والله تعالى أعلم.\nوقوله التلبينة مُجمَّةٌ لفؤاد المريض، تذهب بعض الحزن، التلبينة حساء من دقيق، ومُجمَّةٌ يروى بفتح الميم والجيم وبضم الميم وكسر الجيم، فعلى الأول هو مصدر؛ أي: جمامٌ. وعلى الثاني يكون اسم فاعل من أجمَّ، ومعناه أنَّها تقوِّيه وتُنشطه، وذلك أنها غذاء فيه لطافةٌ سهل التناول على المريض، فإذا استعمله المريض اندفع عنه الحرارة الجوعيَّة وحصلت له القوة الغذائية من غير مشقَّة تلحقه فيسرى (١) عنه بعض ما كان فيه، ونشط، وذهب عنه الضيق والحزن الذي كان يجده بسبب المرض، وإنما كانت عائشة ﵂ تصنعها لأهل الميت وتثرد فيها لأن أهل الميت شغلهم الحزن عن الغذاء فاشتدَّت حرارة أحشائهم من الجوع والحزن، فلما أطعمتهم التلبينة انكسرت عنهم حرارة الجوع فخف عنهم بعض ما كانوا فيه. ولا يلزم من فعلها ذلك لهؤلاء أن يفعل بالمريض كذلك فيثرد له فيها، وإنَّما ذلك بحسب الحال، فإنَّ احتاج المريض إلى تقوية غذاء التلبينة بلبابٍ (٢) يضاف إليها فحسن.\nوعلى الجملة: فالتلبينة غذاء لطيف لا ضرر فيه غالبًا، فلذلك نبَّه عليه النبي ﷺ.\n_________\n(١) في (م ٣) و(ز): يبرأ.\n(٢) \"اللباب\": طحين مرقّق. واللباب أيضًا: الخالص من كلِّ شيء.","vol":"5","page":607},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-820>(١٤) باب التداوي بالعسل</span>\n[٢١٥٦] عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أَخِي قد استَطلَقَ بَطنُهُ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اسقِهِ عَسَلًا! فَسَقَاهُ، ثُمَّ جَاءَهُ فَقَال: إِنِّي سَقَيتُهُ عَسَلًا فَلَم يَزِدهُ إِلَّا استِطلَاقًا! فَقَالَ لَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ جَاءَ الرَّابِعَةَ فَقَالَ: اسقِهِ عَسَلًا! فَقَالَ: لَقَد سَقَيتُهُ فَلَم يَزِدهُ\nــ\n(١٤) ومن باب التداوي بالعسل\nقول الرجل إن أخي استطلق (١) بطنه قيَّدناه بضم التاء وكسر اللام مبنيًا للمفعول، بطنه - مرفوعًا - مفعول لما لم يسم فاعله، ومعناه أصيب بالإسهال، وقد عبَّر عنه في الرواية الأخرى تعرَّب (٢) بطنه؛ أي: تغيَّر عن حال الصحة إلى هذا المرض، كما يقال: عربت معدته - بكسر الراء - إذا تغيَّرت وفسدت، تَعرَبُ عُرَبًا - بالفتح فيهما.\nوقوله ﷺ اسقه عسلًا، قد اعترض بعض زنادقة الأطباء على هذا فقال: قد أجمعت الأطباء على أن العسل يسهل، فكيف يوصف لمن به الإسهال؟ ! فجوابه أن يقال: إن هذا الطعن صدر عن جهل بأدلة صدق النبي - ﷺ - وبصناعة الطب؛ أما الأول: فلو نظر في معجزاته - ﷺ - نظرًا صحيحًا لعلم على القطع أنه يستحيل عليه الكذب والخلف، ومن حصل له هذا العلم فحقه شرعًا وعقلًا إذا وجد من كلامه ما يقصر عن إدراكه أن يعلم أن ذلك القول حق في نفسه وأن يضيف القصور إلى نفسه، فإن أرشده هذا الصادق إلى فعل ذلك الشيء على وجه فيستعمله على الوجه الذي عيَّنه وفي المحل الذي أمره بعقد نيَّة وحسن طويَّة؛\n_________\n(١) في صحيح مسلم: ضُبطت: اسْتَطْلَقَ.\n(٢) في مسلم والتلخيص: عرب.","vol":"5","page":608},{"text":"إِلَّا استِطلَاقًا! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: صَدَقَ اللَّهُ، وَكَذَبَ بَطنُ أَخِيكَ - فَسَقَاهُ فَبَرَأَ.\nــ\nفإنَّه يرى منفعته ويدرك بركته، كما قد اتفق لصاحب هذا العسل، وإن لم يعيَّن له كيفية ولا وجهًا فسبيل العاقل ألا يقدم على استعمال شيء حتى يعرف كيفية العمل به، فليبحث عن وجه العمل اللائق بذلك الدواء، فإذا انكشف له ذلك فهو الذي أراده الصادق، وهذا البحث إنما يكون مع العلماء بالطب من المسلمين الموثوق بعلمهم وصحَّة تجربتهم.\nوأما جهل هذا الطاعن بصناعة الطب فقد جازف في النقل حيث أطلق في موضع التقييد وحكى إجماعًا لا يصح له، وبيان ذلك بما قاله الإمام أبو عبد الله؛ قال: ينبغي أن يعلم أن الإسهال يَعرِض من ضروب كثيرة، فمنها: الإسهال الحادث عن التُّخم والهيضات (١)، والأطباء مجمعون في مثل هذا على أن علاجه بأن تترك الطبيعة وفعلها، وإن احتاجت إلى معين على الإسهال أعينت ما دامت القوة باقية، فأما حبسها فضرر. فإذا وضح هذا قلنا: فيمكن أن يكون هذا الرجل أصابه الإسهال عن امتلاء وهيضة، فأمره النبي - ﷺ - بشرب العسل فزاده فزاده، إلى أن فنيت تلك المادة فوقف الإسهال، فوافقه شرب العسل، فإذا خرج هذا على صناعة الطب أذن ذلك بجهل المعترض بتلك الصناعة.\nقال: ولسنا نستظهر على قول نبيِّنا بأن يصدقه الأطبَّاء، بل لو كذبوه لكذبناهم وكفرناهم، وصدَّقناه ﷺ، فإن أوجدونا بالمشاهدة صحة ما قالوه فنفتقر حينئذ إلى تأويل كلام رسول الله - ﷺ - وتخريجه على ما يصح؛ إذ قامت الدلالة على أنه لا يكذب.\nوقوله صدق الله، وكذب بطن أخيك تنبيه على أنه - ﷺ - انتزع هذا العلاج بالعسل من قول الله تعالى: ﴿يَخرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُختَلِفٌ أَلوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ والصحيح من قوله فِيهِ أنه عائدٌ على العسل بدليل هذا\n_________\n(١) \"الهيضات\": مفردها: الهيضة، مرض من أعراض القيء الشديد والأسهال والهزال (الكوليرا).","vol":"5","page":609},{"text":"وفي رواية: فَقَالَ إِنَّ أَخِي عَرِبَ بَطنُهُ! فَقَالَ لَهُ: اسقِهِ عَسَلًا - نحو ما تقدم.\nرواه أحمد (٣/ ٩٢)، والبخاريُّ (٥٦٨٤)، ومسلم (٢٢١٧) (٩١)، والترمذي (٢٠٨٣).\n* * *\nــ\nالحديث، ولأنه ليس في الآية ذكرٌ لغيره - وهو قول ابن عباس وابن مسعود والحسن وقتادة، وقال مجاهد: هو عائد إلى القرآن. والأوَّل أولى لما ذكرناه.\nقلت: ومقتضى الآية أن العسل فيه شفاء ما، لا كلُّ شفاء؛ لأنَّ شِفَاءٌ نكرة في سياق الإثبات، ولا عموم فيها باتفاق أهل اللِّسان ومحققي أهل الأصول، لكن قد حملتها طائفة من أهل الصدق والعزم على العموم فكانوا يستشفون بالعسل من كل الأوجاع والأمراض، وكانوا يستشفون من عللهم ببركة القرآن وبصحة التصديق والإيقان، وقد كان ابن عمر - ﵄ - لا يشكو قرحة ولا شيئًا إلا جعل عليه عسلًا، حتى الدُّمَّلَ إذا خرج عليه طلاه عسلًا، فقيل له في ذلك، فقال: أليس الله سبحانه يقول: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾؟ وروي أن عوف بن مالك الأشجعي - ﵁ - مرض، فقيل له: ألا نعالجك؟ فقال: ائتوني بماء، فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَنَزَّلنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ ثم قال: ائتوني بعسل، فإنّ الله يقول: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ ثم قال: ائتوني بزيت، فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿مِن شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيتُونَةٍ﴾ فجاؤوه بذلك كله، فخلطه جميعًا ثم شربه فبرأ. وحكى النقَّاش عن أبي وجرة أنه كان يكتحل بالعسل، ويستمشي (١) بالعسل، ويتداوى بالعسل - فهذا كله عمل بمطلق القرآن الكريم، وأصله صدق النية وصحة الإيمان.\n_________\n(١) أي: يستعمل العسلَ لإطلاق البطن وتسهيله.","vol":"5","page":610},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-821>(١٥) باب ما جاء أن الطاعون إذا وقع بأرض فلا يخرج منها فرارا، ولا يقدم عليها</span>\n[٢١٥٧] عن أُسَامَة بن زيد قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الطَّاعُونُ رِجزٌ أُرسِلَ عَلَى بَنِي إِسرَائِيلَ - أَو: عَلَى مَن كَانَ قَبلَكُم -\nــ\n(١٥) ومن باب ما جاء في الطاعون\nقوله الطاعون رجز أرسل على من كان قبلكم، قد جاء هذا اللفظ مفسَّرا في الرواية الأخرى، حيث قال: إن هذا الوجع - أو السُّقمُ - رجز عذب به بعض الأمم (١)، فقد فسَّر الطاعون بالمرض والرجز بالعذاب، والطاعون زنة فاعول من الطعن، غير أنه لما عدل به عن أصله وضع دالًا على الموت العام (٢) بالوباء على ما قاله الجوهري. وقال غيره: أصل الطَّاعون القروح الخارجة في الجسد. والوباء: عموم الأمراض. قال: وطاعون عَمواس إنما كان طاعونًا وقروحًا.\nقلت: ويشهد لصحَّة هذا قوله - ﷺ - وقد سُئل عن الطاعون، فقال: غُدَّة كغدَّة البعير تخرج في المراق (٣) والآباط (٤)، وقال غير واحد من العلماء: تخرج في الأيدي والأصابع وحيث شاء الله من البدن.\nقلت: وحاصله أن الطاعون مرض عام يكون عنه موت عام، وقد يسمَّى بالوباء، ويُرسله الله نقمة وعقوبة لمن يشاء من عصاة عبيده وكفرتهم، وقد يرسله\n_________\n(١) في (م) والتلخيص: بعض الأمم قبلكم.\n(٢) في (ز): القادم.\n(٣) \"المراق\": ما رقَّ من أسفل البطن.\n(٤) رواه أحمد عن عائشة (٦/ ١٤٥ و٢٥٥) بلفظ: \"غدة كغدة البعير، المقيم بها كالشهيد، والفارُّ منها كالفارِّ من الزحف\". وانظر: التمهيد (٦/ ٢١٢).","vol":"5","page":611},{"text":"فَإِذَا سَمِعتُم بِهِ بِأَرضٍ فَلَا تَقدَمُوا عَلَيهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرضٍ وَأَنتُم بِهَا فَلَا تَخرُجُوا فِرَارًا مِنهُ.\nــ\nشهادة ورحمة للصالحين من عباده، كما قال معاذ في طاعون الشام: إنه شهادة ورحمة لكم، ودعوة نبيكم. قال أبو قلابة: يعني بدعوة نبيكم أنه - ﷺ - دعا أن يجعل فناء أمته بالطَّعن والطَّاعون (١). كذا جاءت الرواية عن أبي قلابة بالواو، قال بعض علمائنا: والصحيح بالطَّعن أو الطاعون بأو التي هي لأحد الشيئين؛ أي: لا ي تمع ذلك عليهم.\nقلت: ويظهر لي أن الروايتين صحيحتا المعنى، وبيانه أن مراد النبي - ﷺ - بأمته المذكورة في الحديث إنما هم أصحابه؛ لأنَّه - ﷺ - قد دعا لجميع أمته ألا يهلكهم بسنة عامة ولا بتسليط أعدائهم عليهم فأجيب إلى ذلك، فلا تذهب بيضتهم ولا معظمهم بموت عام ولا بعدوٍّ على مقتضى هذا الدعاء.\nوالدعاء المذكور في حديث أبي قلابة يقتضي أن يفنى جميعهم بالقتل والموت العام، فتعيَّن أن يصرف الأول إلى أصحابه لأنَّهم هم الذين اختار الله لمعظمهم الشهادة بالقتل في سبيل الله وبالطاعون الذي وقع في زمانهم فهلك به بقيتهم، فعلى هذا قد جمع الله لهم كلا الأمرين، فتبقى الواو على أصلها من الجمع، أو تحمل أو على التنويعية والتقسيمية، والله تعالى أعلم.\nوقوله فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه، على ظاهر هذا الحديث عمل عمر والصحابة معه - ﵃ أجمعين - لما رجعوا من سَرغ حين أخبرهم بهذا الحديث عبد الرحمن بن عوف، وإليه صاروا. وقالت عائشة ﵂: الفرار من الوباء كالفرار من الزحف، وإنما نهي عن القدوم عليه أخذًا بالحزم والحذر\n_________\n(١) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣١١) وقال: رواه أحمد (٥/ ٢٤٨)، وأبو قلابة لم يدرك معاذ بن جبل.","vol":"5","page":612},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوالتحرُّز من مواضع الضرر، ودفعًا للأوهام المشوشة (١) لنفس الإنسان. وإما نهي عن الفرار منه لأنَّ الكائن في الموضع الذي الوباء فيه لعلَّه قد أخذ بحظ منه، لاشتراك أهل ذلك الموضع في سبب ذلك المرض العام، فلا فائدة لفراره، بل يضيف إلى ما أصابه من مبادي الوباء مشقات السفر فيتضاعف الألم ويكثر الضرر فيهلكون بكل طريق ويطرحون في كل فجوة ومضيق، ولذلك يقال: قلَّما فرَّ أحد من الوباء فسلم. ويكفي من ذلك موعظة قوله تعالى: ﴿أَلَم تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم وَهُم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ قال الحسن: خرجوا حذرًا من الطاعون فأماتهم الله تعالى في ساعة واحدة، وهم أربعون ألفًا، وقيل غير هذا. وقالت طائفة أخرى: إنه يجوز القدوم على الوباء والفرار منه، وحكي ذلك عن عمر - ﵁ - فإنَّه ندم على رجوعه من سرغ، وقال: اللهم اغفر لي رجوعي من سرغ. وكتب إلى عامله بالشام بأنه إذا (٢) وقع عندكم الوباء فاكتب حتى أخرج إليه. وكتب إلى أبي عبيدة في الطاعون، فعزم عليه أن يقدم عليه مخافة أن يصيبه الطاعون. وروي عن مسروق والأسود وأبي موسى الأشعري ﵃ أنهم فرُّوا من الطاعون، وروي عن عمرو بن العاص - ﵁ - أنه قال: تفرَّقوا عن هذا الرجز في الشعاب والأودية ورؤوس الجبال. واعتمد أصحاب هذا القول على أن الآجال محدودة والأرزاق مقدَّرة معدودة، فلا يتقدَّم شيء على وقته، ولا يتأخر شيء عن أجله، فالواجب صحة الاعتماد على الله والتسليم لأمر الله، فإنَّ الله تعالى لا رادَّ لأمره ولا معقب لحكمه، فالقدوم على الوباء والفرار سيان بالنسبة إلى سابق الأقدار.\nوتأوَّل بعضهم الحديث بأن مقصوده التحذير من فتنة الحي فيعتقد أن\n_________\n(١) في (م ٣): المرسوسة.\n(٢) في الأصول: (قد) وصححنا ذلك من إكمال إكمال المعلم للأبي ليستقيم المعنى.","vol":"5","page":613},{"text":"وَقَالَ أَبُو النَّضرِ: لَا يُخرِجُكُم إِلَّا فِرَارا مِنهُ.\nرواه أحمد (٥/ ٢٠٦)، والبخاريُّ (٥٧٢٨)، ومسلم (٢٢١٨)، والترمذي (١٠٦٥).\nــ\nهلاك من هلك من أجل قدومه على الوباء ونجاة من نجا من أجل فراره، قالوا: وهذا نحو نهيه عن الطيرة والقرب من المجذوم مع قوله لا عدوى، فمن خرج من بلاد الطاعون أو قدم عليها جاز له ذلك إذا أيقن أن قدومه لا يعجل له أجلًا أخره الله تعالى وأن فراره لا يؤخر عنه أجلًا عجَّله الله تعالى، ولذلك قال ابن مسعود ﵁: الطاعون فتنة على المقيم والفار؛ أما الفارُّ فيقول: بفراري نجوت! وأما المقيم فيقول: أقمت فمت! وإلى نحو هذا أشار مالك حين سُئل عن كراهية النظر إلى المجذوم، فقال: ما سمعت فيه بكراهة، وما أرى ما جاء من النهي عن ذلك إلا خيفة أن يفزعه أو يخيفه شيء يقع في نفسه. قال النبي - ﷺ - في الوباء: إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه، وسُئل أيضًا مالك عن البلد يقع فيه الموت وأمراض، فهل يكره الخروج (١) إليه؟ فقال: ما أرى بأسًا، خرج أو أقام. قيل: فهذا يشبه ما جاء في الحديث من الطاعون! قال: نعم.\nقلت: وهذا فيه نظر سيأتي إن شاء الله في حديث ابن عباس.\nوقوله في حديث أبي النضر لا يخرجكم إلا فرارًا منه رويناه بالنصب والرفع، وعلى الروايتين فهو مشكل؛ لأنَّه يفيد بحكم ظاهره أنه لا يجوز لأحد أن يخرج من الوباء إلا من أجل الفرار، وهذا محال، وهو نقيض مقصود الحديث من أوله إلى آخره قطعًا، ولما ظهر هذا الفساد قيَّده بعض رواة الموطأ الإفرار بهمزة مكسورة وسكون الفاء، توهَّم فيه أنه مصدر، وهذا ليس بصحيح؛ لأنَّه لا يقال\n_________\n(١) في (ز) و(م ٣): يخرج.","vol":"5","page":614},{"text":"[٢١٥٨] وعنه، عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ هَذَا الوَجَعَ - أَو السَّقَمَ - رِجزٌ عُذِّبَ بِهِ بَعضُ الأُمَمِ قَبلَكُم، ثُمَّ بَقِيَ بَعدُ بِالأَرضِ، فَيَذهَبُ المَرَّةَ وَيَأتِي الأُخرَى، فَمَن سَمِعَ بِهِ بِأَرضٍ فَلَا يَقدَمَنَّ عَلَيهِ، وَمَن وَقَعَ بِأَرضٍ وَهُوَ بِهَا فَلَا يُخرِجَنَّهُ الفِرَارُ مِنهُ.\nرواه مسلم (٢٢١٨) (٩٦).\n[٢١٥٩] وعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرغَ لَقِيَهُ أَهلُ الأَجنَادِ - أَبُو عُبَيدَةَ بنُ الجَرَّاحِ\nــ\nأفرُّ - رباعيًّا، وإنما يقال فرَّ، ومصدره فرار ومفرّ، كما قال تعالى: ﴿قُل لَن يَنفَعَكُمُ الفِرَارُ إِن فَرَرتُم مِنَ المَوتِ أَوِ القَتلِ﴾ وقال: ﴿أَينَ المَفَرُّ﴾ وقد أشكل هذا الكلام على كثير من العلماء الأعلام حتى قالت جماعة: إن إدخال إلا فيه غلط. وقال بعضهم: إنها زائدة. كما قد تزاد لا في مثل قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلا تَسجُدَ﴾؛ أي: ما منعك أن تسجد. وقال بعض النحويين: إن إلا هنا للإيجاب؛ لأنها توجب بعض ما نفاه من الجملة ونهى عنه من الخروج، فكأنه قال: لا تخرجوا منها إذا لم يكن خروجكم إلا فرارًا - وأباح الخروج لغرض آخر. والأقرب أن تكون زائدة، والصحيح إسقاطها كما قد صح في الروايات الأخر.\nوقوله أن عمر بن الخطاب - ﵁ - خرج إلى الشام، كان هذا الخروج منه بعدما فتح بيت المقدس سنة سبع عشرة على ما ذكره خليفة بن خيَّاط، وكان يتفقد أحوال رعيته وأحوال أمرائه، وكان قد خرج قبل ذلك إلى الشام لما حاصر أبو عبيدة إيلياء وهي البيت المقدَّس عندما سأل أهلها أن يكون صلحهم على يدي عمر، فقدم وصالحهم ثم رجع، وذلك سنة ست عشرة من الهجرة.\nوقوله حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد، سرغ رويناه بفتح الراء","vol":"5","page":615},{"text":"وَأَصحَابُهُ - فَأَخبَرُوهُ أَنَّ الوَبَاءَ قَد وَقَعَ بِالشَّامِ.\nقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: فَقَالَ عُمَرُ: ادعُ لِي المُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ! فَدَعَوتُهُم فَاستَشَارَهُم، وَأَخبَرَهُم أَنَّ الوَبَاءَ قَد وَقَعَ بِالشَّامِ فَاختَلَفُوا؛ فَقَالَ بَعضُهُم: قَد خَرَجتَ لِأَمرٍ وَلَا نَرَى أَن تَرجِعَ عَنهُ. وَقَالَ بَعضُهُم: مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ وَأَصحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَا نَرَى أَن تُقدِمَهُم عَلَى هَذَا الوَبَاءِ. فَقَالَ: ارتَفِعُوا عَنِّي! ثُمَّ قَالَ: ادعُ لِي الأَنصَارَ! فَدَعَوتُهُم لَهُ، فَاستَشَارَهُم فَسَلَكُوا سَبِيلَ المُهَاجِرِينَ، وَاختَلَفُوا كَاختِلَافِهِم، فَقَالَ: ارتَفِعُوا عَنِّي! ثُمَّ قَالَ: ادعُ\nــ\nوسكونها، وهي قرية بتبوك - قاله ابن حبيب. قال ابن وضاح: بينها وبين المدينة ثلاث عشرة مرحلة، وقيل: هي آخر عمل الحجاز.\nففيه بيانُ ما يجب على الإمام من تفقُّد أحوال رعيته ومباشرة ذلك بنفسه، والسفر إلى ذلك وإن طال.\nوالأمراء جمع أمير، وكان قد قسَّم الشام على أربعة أمراء، تحت كل واحدٍ منهم جند وناحية: أبو عبيدة بن الجراح، وشرحبيل بن حَسَنة، ويزيد بن أبي سفيان، ومعاذ بن جبل - ثم لم يمت عمر حتى جمع الشام لمعاوية.\nوفيه دليل على إباحة العمل والولاية لمن كانت له أهلية ذلك من العلم والصلاح إذا اعتقدوا أنهم متمكنون من العمل بالحق والقيام به، فإذا عملوا بذلك حصل لهم أجر أئمة العدل.\nوقوله ادعُ لي المهاجرين الأولين! فاستشارهم دليلٌ على استشارة أولي العلم والفضائل (١) وتقديم أهل السوابق، وهذا من عمر - ﵁ - عمل بقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرهُم فِي الأَمرِ﴾ وقد استشار النبي - ﷺ - أصحابَه غير مرّة، وإن كان أكمل الناس عقلًا وأغزرهم علمًا، ولكن كان ذلك ليسنَّ ويطيب قلوب أصحابه.\nوالمهاجرون الأولون من صلَّى إلى\n_________\n(١) في (م ٣): الفضل.","vol":"5","page":616},{"text":"لِي مَن كَانَ هَاهُنَا مِن مَشيَخَةِ قُرَيشٍ مِن مُهَاجِرَةِ الفَتحِ! فَدَعَوتُهُم فَلَم يَختَلِف عَلَيهِ رَجُلَانِ، فَقَالُوا: نَرَى أَن تَرجِعَ بِالنَّاسِ وَلَا تُقدِمَهُم عَلَى هَذَا الوَبَاءِ. فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ: إِنِّي مُصبِحٌ عَلَى ظَهرٍ، فَأَصبِحُوا عَلَيهِ! فَقَالَ أَبُو عُبَيدَةَ بنُ الجَرَّاحِ: أَفِرَارًا مِن قَدَرِ اللَّهِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: لَو غَيرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيدَةَ! وَكَانَ عُمَرُ يَكرَهُ خِلَافَهُ - نَعَم، نَفِرُّ مِن قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ! أَرَأَيتَ لَو كَانَت لَكَ إِبِلٌ فَهَبَطَت وَادِيًا لَهُ عُدوَتَانِ إِحدَاهُمَا خَصبَةٌ وَالأُخرَى\nــ\nالقبلتين، وأما من لم يُسلِم إلا بعد تحويل القبلة فلا يعدُّ في الأولين.\nوالمشيخة الشيوخ، وفيها لغات بكسر الشين وفتحها، والكسر أشهر. ويقال أيضًا: شيوخًا ومشايخ. وهذه كلها جمع شيخ، مع زيادة الميم. فأمَّا من غير ميم فهو جمع شيوخ وأشياخ وشِيخان وشِيَخَة - بكسر الشين، فأمَّا بالفتح فهي مؤنثة شِيخ، فأمَّا الشَّيَخ فهو مصدر شاخ يشيخ، ويقال فيه شيخوخة.\nومهاجرة الفتح هم الذين هاجروا قبل الفتح بيسير، وقيل: هم مسلمة الفتح - وفيه بُعد؛ لأنَّ الهجرة قد ارتفعت بعد الفتح، وإنما أخرهم عمر عن غيرهم لتأخرهم في الإسلام والهجرة، ولكن استشارهم لشيخهم ولكمال خبرتهم للأمور، ولما استشارهم لم يختلف عليه منهم أحد، فترجَّح عنده رأيهم ونادى في الناس إنِّي مصبح على ظهر؛ أي: على ظهر طريق، أو ظهر بعير - مرتحلًا، فأصبحوا عليه؛ أي: مرتحلين. وهذا يدلّ على أنه إنما عزم على الرجوع لرأي أولئك المشيخة لما ظهر أنه أرجح من رأي غيرهم ممن خالفهم، ووجه أرجحية هذا الرأي أنه جمع فيه بين الحزم والأخذ بالحذر وبين التوكل والإيمان بالقدر، وبيان ذلك بحجَّة عمر على أبي عبيدة - ﵄ - حين قال له أفرارا من قدر الله؟ !، وذلك أن أبا عبيدة ظهر له ألا يرجع ويتوكل على الله ويُسلم للقدر؛ لأنَّ ما يقدَّر عليه لا ينجيه منه رجوع ولا فرار، فأجابه عمر - ﵁ - بأن قال له لو غيرك قالها!؛ أي: ليت غيرك يقول ذلك القول.","vol":"5","page":617},{"text":"جَدبَةٌ، أَلَيسَ إِن رَعَيتَ الخَصبَةَ رَعَيتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ؟ وَإِن رَعَيتَ الجَدبَةَ رَعَيتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ؟ قَالَ: فَجَاءَ عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ - وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعضِ حَاجَتِهِ - فَقَالَ: إِنَّ عِندِي مِن هَذَا عِلمًا! سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا سَمِعتُم بِهِ بِأَرضٍ فَلَا تَقدَمُوا عَلَيهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرضٍ وَأَنتُم بِهَا فَلَا تَخرُجُوا فِرَارًا مِنهُ. قَالَ: فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، ثُمَّ انصَرَفَ.\nــ\nفكأنه قال: لا يليق هذا القول بك لعلمك وفهمك، وإنما يليق ذلك بغيرك ممن قل علمه وقصر فهمه. ثم احتج عليه بأن قال نعم، نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله؛ إذ لا محيص للإنسان عما قدَّره الله عليه، لكن أمرنا الله بالتحرُّز من المخاوف والهلكات وباستفراغ الوسع في التوقي من المكروهات والحذر وجلب المنافع ودفع الضرر، ثم المقصِّر في ذلك ملوم عادة وشرعًا ومنسوبٌ إلى التفريط عقلًا وسمعًا، وإن زعم أنه المتوكل على الله المسلِّم لأمر الله.\nولما بيَّن عمر ذلك المعنى بالمثال لاح الحق وارتفع الجدال، ثم لم يبرح عمر من مكانه حتى جاءه الحق ببرهانه، فحدَّثهم عبد الرحمن بما قاله في ذلك النبي - ﷺ - فسُرَّ بذلك عمر - ﵁ - سرورًا ظهر لديه فحمد الله وأثنى عليه حيث توافق الرأي والسمع وارتفع الخلاف وحصل الجمع، فرجع من موضعه ذلك إلى المدينة سالِمًا موفورًا، وكان في سعيه ذلك مصيبًا مشكورًا.\nوعند هذا يعلم الفطن العاقل أن تلك الأقوال التي حكيت عنه في ندمه على الرجوع من سرغ ومن فتياه بإباحة القدوم على الوباء والفرار منه لم يصح عنه شيء من ذلك، وكيف يندم على هذا النظر القويم ويرجع عن هذا المنهج المستقيم الذي قد تطابق عليه العقل والسمع واصطحب عليه الرأي والشرع! هذا ما لا يكون، فالحاكون عنه هم المتقوِّلون، والله تعالى أعلم.\nومن أعظم فوائد هذا الحديث إجماع الصحابة - ﵃ - على العمل بالرأي والاجتهاد وقبول أخبار الآحاد كما بيَّنا ذلك في الأصول.","vol":"5","page":618},{"text":"زاد في رواية: وَقَالَ لَهُ أَيضًا: لَو أنه رَعَى الجَدبَةَ وَتَرَكَ الخَصبَةَ أَكُنتَ مُعَجِّزَهُ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: فَسِر إِذن! قَالَ: فَسَارَ حَتَّى أَتَى المَدِينَةَ، فَقَالَ: هَذَا المَحِلُّ - أَو هَذَا المَنزِلُ - إِن شَاءَ اللَّهُ.\nوفي أخرى: فرجع عمر من سرغ.\nرواه أحمد (١/ ١٩٤)، والبخاريُّ (٥٧٢٩)، ومسلم (٢٢١٩) (٩٨ و٩٩ و١٠٠)، وأبو داود (٣١٠٣).\n* * *\nــ\nوقوله هذا المحل؛ أي المدينة، يعني أنها المحل الذي لا يرغب عنه ولا يفضل غيره عليه وإن كثر خصب البلاد واتسع حال أهلها، يقال بكسر الحاء وفتحها، والفتح هو الأصل المطَّرد؛ لأنَّ ما كان على فعل يَفعُل الأصل فيه أن يأتي المكان منه بالفتح إلا أحرفًا سمع فيها الكسر والفتح.\nتكميل: قال أبو عمر ﵀: لم يبلغني أن أحدا من حملة العلم فرَّ من الطاعون إلا ما ذكره ابن المديني أن علي بن زيد بن جدعان هرب من الطاعون إلى السَّيالة (١)، فكان يجمع كل جمعة ويرجع، فكان إذا جمع صاحوا به: فرَّ من الطَّاعون! فطعن، فمات بالسَّيالة. وذكر أبو حاتم عن الأصمعي: هرب بعض البصريين من الطاعون فركب حمارًا له، ومضى بأهله نحو سَفَوان (٢)، فسمع حاديًّا يحدو خلفه:\nلن يُسبَقَ اللهُ على حمارٍ ... ولا على ذِي منعةٍ طيَّار\nإذ يأتي الحتف على مقدار ... قد يصبح الله أمام الساري\n_________\n(١) \"السِّيالة\": هي أول مرحلة لأهل المدينة إذا أرادوا مكة.\n(٢) \"سَفَوان\": ماء على قدر مرحلة من باب المربد بالبصرة.","vol":"5","page":619},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-822>(١٦) باب لا عدوى ولا طيرة ولا صفر ولا هامة ولا نوء ولا غول</span>\n[٢١٦٠] عَن أَبِي هُرَيرَةَ أن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قال: لَا عَدوَى، ولا\nــ\nوذكر المدائني قال: وقع الطاعون بمصر في ولاية عبد العزيز بن مروان فخرج هاربًا منه، فنزل قرية من قرى الصعيد يقال لها سُكَر، فقدم عليه رسول لعبد الملك فقال له: ما اسمك؟ فقال: طالب بن مدرك. فقال: أوَّه! ما أراني راجعًا إلى الفسطاط - فمات في تلك القرية.\nوروى أبو عمر عن الأصمعي قال: لما وقع طاعون الجارف بالبصرة فني أهلها على ريح (١)، وامتنع الناس من دفن موتاهم، فدخلت السباع البصرة على ريح الموتى، وخلت سكَّة بني جرير فلم يُبقِ الله فيها سوى جارية، فسمعت صوت الذئب في سِكَّتهم ليلًا، فأنشأت تقول:\nألا أيها الذئب المنادي بسحرةٍ ... إلي أنبئك الذي قد بدا لِيَا\nبدا لي أني قد نُعِيتُ وإنني ... بَقيَّة قومٍ ورَّثوني البواكيا\nوإنِّي بلا شكٍّ سأتبَعُ مَن مضى ... ويتبعني مِن بَعدُ مَن كان تالِيَا\n(١٦) ومن باب لا عدوى ولا طيرة ولا صفر ولا هامة ولا غول\nلا في هذا الحديث وإن كانت نفيًا لما ذكر بعدها فمعناها النهي عن الالتفات لتلك الأمور والاعتناء بها؛ لأنَّها في أنفسها ليست بصحيحة، وإنما هي\n_________\n(١) ما بين حاصرتين زيادة من (م ٢).","vol":"5","page":620},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمن أوهام جهَّال العرب، وبيان ذلك أنهم كانوا يعتقدون أن المريض إذا دخل في الأصحاء أمرضهم وأعداهم، وكذلك في الإبل، فنفى النبي - ﷺ - ذلك وأبطله، ثم إنهم لما أوردوا على النبي - ﷺ - الشبهة الحاملة لهم على ذلك حين قالوا: فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء فيجيء البعير الأجرب فيدخل فيها فيجربها - قطع حجتهم وأزاح شبهتهم بكلمة واحدة، وهي قوله: فمن أعدى الأول؟، ومعنى ذلك أن البعير الأجرب الذي أجرب هذه الصحاح - على زعمهم - من أين جاءه الجرب؟ أمن بعير آخر فيلزم التسلسل؟ أو من سبب غير البعير فهو الذي فعل الجرب في الأول والثاني وهو الله تعالى الخالق لكل شيء والقادر على كل شيء؟\nوهذه الشبهة التي وقعت لهؤلاء هي التي وقعت للطبائعيين أولًا وللمعتزلة ثانيًا؛ فقال الطبائعيون بتأثيرات الأشياء بعضها في بعض وإيجادها إياها وسموا المؤثر طبيعة، وقالت المعتزلة بنحو ذلك في أفعال الحيوانات والمتولدات، وقالوا: إن قدرهم مؤثرة فيها بالإيجاد، وإنهم خالقون لأفعالهم مستقلون باختراعها. واستند الكل ممن ذكر للمشاهدة الحسية، وربما نسبوا منكر ذلك إلى إنكار البديهة، وهذا غلط فاحش، وسببه أنهم التبس عليهم إدراك الحس بإدراك العقل، فإنَّ الذي شاهدوه إنَّما هو تأثير شيء عند شيء آخر، وهذا حظ الحس، أما تأثيره فيه فلا يدرك حسًّا بل عقلًا، فإنَّ الحس إنما أدرك وجود شيء عند شيء وارتفاعه عند ارتفاعه، أما إيجاده به فليس للحس فيه مدخل، فأما المتقاربات في الوجود على حالة واحدةٍ فالعقل هو الذي يفرق، فيحكم بتلازم بعضها بعضًا عقلًا ويحكم بتلازم بعضها بعضا (١) عادة مع جواز التبدُّل عقلًا، ولقد أحسن من قال من العقلاء النظار الفضلاء: إياك والانخداع بالوجود والارتفاع!\nواستيفاء الكلام على هذا في علم الكلام.\n_________\n(١) في (ج ٢): لبعض. وفي (م ٢) و(ز): ببعض.","vol":"5","page":621},{"text":"طيرة، وَلَا صَفَرَ، وَلَا هَامَةَ. فَقَالَ أَعرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا بَالُ الإِبِلِ تَكُونُ فِي الرَّملِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ فَيَجِيءُ البَعِيرُ الأَجرَبُ فَيَدخُلُ فِيهَا فَيُجرِبُهَا كُلَّهَا! قَالَ: فَمَن أَعدَى الأَوَّلَ؟\nزاد في رواية: ولا نوء.\nرواه أحمد (٢/ ٢٦٧)، والبخاريُّ (٥٧١٧)، ومسلم (٢٢٢٠).\nــ\nوفيه دليل على جواز مشافهة من وقعت له شبهة في اعتقاده بذكر البرهان العقلي إذا كان السائل (١) أهلًا لفهمه، فأمَّا أهل القصور فيخاطبون بما تحتمله عقولهم من الأمور الإقناعيات.\nوالطيرة قد تقدم الكلام فيها في الصلاة، ويأتي إن شاء الله.\nوالصفر تأخير المحرَّم إلى صفر، وهو النسيء الذي كانوا يفعلونه، وإلى هذا ذهب مالك وأبو عبيدة، وقيل: هو دودٌ في البطن يهيج عند الجوع، كانت العرب تراها أعدى من الجرب، وأنشدوا (٢):\nلا يتأرَّى لِمَا في القِدرِ يَرقُبُه ... ولا يَعَضُّ على شُرسُوفِهِ الصَّفَرُ\nوإلى هذا ذهب مطرِّف وابن وهب وابن حبيب، وهو اختيار أبي عبيدة.\nوالهامَّة مشدد الميم طائر تتشاءم به العرب، فإذا سقطت في دار أحدهم رآها ناعية له نفسه أو أحدًا من أهله، وإلى هذا التفسير ذهب مالك، وقيل: كانت العرب تعتقد أن عظام الميت أو رأسه ينقلب هامَّة يطير، ويسمى ذلك الطائر: الصَّدى - قال لبيد:\nفلَيسَ النَّاسُ بَعدَكَ في نَعِيمٍ ... ولا هُم غَيرَ أَصدَاءٍ وهامِ\n_________\n(١) في (م ٣) و(ز): السامع.\n(٢) قائل هذا البيت هو أعشى باهلة، يرثي أخاه.","vol":"5","page":622},{"text":"[٢١٦١] وعن أبي الزُّبَيرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعتُ رسول الله ﷺ يَقُولُ: لَا عَدوَى، وَلَا صَفَرَ، وَلَا غُولَ.\nوفي رواية: ولا طيرة بدل ولا صفر.\nوذكُرُ أبو الزبير أَنَّ جَابِرًا فَسَّرَ لَهُم فقال: الصَّفَرُ البَطنُ. فَقِيلَ لِجَابِرٍ: كَيفَ؟ قَالَ: كَانَ يُقَالُ دَوَابُّ البَطنِ. وَلَم يُفَسِّر الغُولَ، قَالَ أَبُو الزُّبَيرِ: هَذِهِ الغُولُ الَّتِي تَغَوَّلُ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٨٢)، ومسلم (٢٢٢٢) (١٠٧ و١٠٩).\n* * *\nــ\nقال الإمام أبو عبد الله: أما البُوم فالأنثى منه الهامَّة، والذكر منه يسمى الصَّدى.\nقلت: وهذا يُشعر أن أبا عبد الله وقع له في هذا الحديث ولا بوم ففسَّره بما قال، ولم يقع في كتاب مسلم إلا قوله ولا نوء؛ أي: لا تصح نسبة الأمطار والرياح للنوء، وقد تقدَّم تفسيره في الإيمان.\nوالغول: كانت العرب تتحدَّث أن الغيلان تتراءى للناس في الفلوات فتتغول لهم تغوَّلًا؛ أي: تتلوَّن تلوَّنًا، فتضلّهم عن الطريق فتهلكهم. قال الجوهري: الغول - بالضم - من السَّعالى، والجمع: أغوال وغيلان. وكل ما اغتال الإنسان فأهلكه فهو غُولٌ، يقال غالته غول إذا وقع في مهلكة.\nومقصود هذا الحديث إبطال ما كانت العرب تقوله وتعتقده في هذه الأمور، وألا يُلتفت لشيء من ذلك لا بالقلب ولا باللسان، والله أعلم.\n* * *","vol":"5","page":623},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-823>(١٧) باب لا يورد ممرض على مصح</span>\n[٢١٦٢] عن أبي سَلَمَةَ بنَ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا عَدوَى. وَيُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يُورِدُ مُمرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ.\nــ\n(١٧) ومن باب: لا يُورِدُ ممرضٌ على مصح\nالورود هو الوصول إلى الماء، وأورد إبله إذا أوصلها إليه، فصاحب الإبل مورد، والإبل موردة، وممرض: اسم فاعل من أمرض الرجل إذا أصاب ماشيته مرض - قاله يعقوب. ومصح: اسم فاعل من أصح (١)؛ إذا أصابت ماشيته عاهة ثم صحت - قاله الجوهري. وقد جمع أبو هريرة - ﵁ - في هذه الرواية بين قوله ﷺ لا عدوى وبين قوله لا يورد ممرض على مصح، وهو جمعٌ صحيح لا بُعد فيه؛ إذ كلاهما خبر عن المشروعية لا خبر عن الوجود، فقوله لا عدوى أي: لا يجوز اعتقادها.\nوقوله لا يورد ممرض على مصحٍّ؛ أي لا يفعل ذلك، فهما خبران يتضمنان النهي عن ذلك، وإنَّما نهى عن إيراد الممرض على المصح مخافة الوقوع فيما وقع فيه أهل الجاهلية من اعتقاد ذلك أو مخافة تشويش النفوس وتأثير الأوهام، وهذا كنحو أمره ﷺ بالفرار من المجذوم، فإنا وإن كنا نعتقد أن الجذام لا يعدي فإنا نجد من أنفسنا نفرة وكراهية لذلك، حتى إذا أكره الإنسان نفسه على القرب منه وعلى مجالسته تألَّمت نفسه، وربما تأذت بذلك ومرضت، ويحتاج الإنسان في هذا إلى مجاهدة شديدة ومكابدة. ومع ذلك فالطبع أغلب،\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).","vol":"5","page":624},{"text":"قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: كَانَ أَبُو هُرَيرَةَ يُحَدِّثُهُمَا كِلتَيهِمَا عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ صَمَتَ أَبُو هُرَيرَةَ بَعدَ ذَلِكَ عَن قَولِهِ لَا عَدوَى، وَأَقَامَ عَلَى أَن لَا يُورِد مُمرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ، فَلَا أَدرِي أَنَسِيَ أَبُو هُرَيرَةَ أَو نَسَخَ أَحَدُ القَولَينِ الآخَرَ؟\nرواه أحمد (٢/ ٤٣٤)، والبخاريُّ (٥٧٧١)، ومسلم (٢٢٢١) (١٠٤)، وأبو داود (٣٩١١)، وابن ماجه (٣٥٤١).\n* * *\nــ\nوإذا كان الأمر بهذه المثابة (١) فالأولى بالإنسان ألا يقرب شيئًا يحتاج الإنسان فيه إلى هذه المكابدة ولا يتعرض فيه إلى هذا الخطر، والمتعرض لهذا الألم زاعمًا أنه يجاهد نفسه حتى يزيل عنها تلك الكراهة هو بمنزلة من أدخل على نفسه مرضًا إرادة علاجه حتى يزيله. ولا شك في نقص عقل من كان على هذا، وإنما الذي يليق بالعقلاء ويناسب تصرُّف الفضلاء أن يباعد أسباب الآلام ويجانب طرق الأوهام، ويجتهد في مجانبة ذلك بكل ممكن مع علمه بأنه لا ينجي حذر عن قدر، وبمجموع الأمرين وردت الشرائع وتوافقت على ذلك العقول والطبائع.\nوأما سكوت أبي هريرة عن قوله لا عدوى وإيراد الحديث من غير لا يورد ممرض على مصح بعد أن حدَّث بمجموعهما فلا يصح أن يكون من باب النسخ كما قدَّره أبو سلمة بن عبد الرحمن؛ لأنهما لا تعارض بينهما، إذ الجمع صحيحٌ كما قدَّمناه، بل الواجب أن يقال: إنهما خبران شرعيان عن أمرين مختلفين لا متعارضين؛ كخبر يتضمَّن حكما من أحكام الصلاة وآخر يتضمن حكمًا من أحكام الطهارة مثلًا. وقد بيَّنَّا وجه تباين الخبرين، وعلى هذا فسكوت أبي هريرة يحتمل أوجهًا؛\n_________\n(١) في (ع): الصفة.","vol":"5","page":625},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-824>(١٨) باب في الفأل الصالح وفي الشؤم</span>\n[٢١٦٣] عن أبي هُرَيرَةَ قَالَ: سَمِعتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا طِيَرَةَ، وَخَيرُهَا الفَألُ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الفَألُ؟ قَالَ: الكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسمَعُهَا أَحَدُكُم.\nرواه أحمد (٢/ ٢٦٦)، والبخاريُّ (٢٧٥٥)، ومسلم (٢٢٢٣) (١١٠).\nــ\nأحدها: النسيان المتقدّم، كما قال أبو سلمة.\nوثانيها: أنهما لما كانا خبرين متغايرين (١) لا ملازمة بينهما جاز للمحدِّث أن يحدِّث بأحدهما ويسكت عن الآخر حسبما تدعو إليه الحاجة الحالية.\nوثالثها: أن يكون خاف اعتقاد جاهل يظنهما متناقضين، فسكت عن أحدهما، حتى إذا أمن من ذلك حدَّث بهما جميعًا.\nورابعها: أن يكون حمله على ذلك وجه غير ما ذكرناه لم يطَّلع عليه أحدًا.\nوعلى الجملة: فكل ذلك محتمل، غير أن الذي يقطع بنفيه النسخ على ما قرَّرناه، والله أعلم.\n(١٨) ومن باب: الفأل الصالح\nقوله ﷺ لا طيرة، وخيرها الفأل، حاصل الطيرة أن يسمع الإنسان قولًا أو يرى أمرًا يخاف منه ألا يحصل له غرضه الذي قصد تحصيله، والفأل نقيض ذلك، وهو أن يسمع الإنسان قولًا حسنًا أو يرى شيئًا يستحسنه يرجو منه\n_________\n(١) في (ز) و(م ٢): متعارضين.","vol":"5","page":626},{"text":"[٢١٦٤] ونحوه عن أنس.\nرواه البخاريُّ (٥٧٥٦ و٥٧٧٦)، ومسلم (٢٢٠٤) (١١١ و١١٢)، وأبو داود (٣٩١٦)، والترمذيُّ (١٦١٥).\nــ\nأن يحصل له غرضه الذي قصد تحصيله، وهذا معنى ما فسَّر به النبي - ﷺ - الفأل، وكان رسول الله - ﷺ - يكره الطيرة ويعجبه الفأل.\nوروى الترمذي عن أنس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - كان إذا خرج لحاجته يعجبه أن يسمع: يا راشد! يا نجيح! وهو حديث حسن (١) صحيح غريب (٢).\nوروى أبو داود عن بريدة أن النبي - ﷺ - كان لا يتطير من شيء، وكان إذا بعث غلامًا سأل عن اسمه، فإذا أعجبه اسمه فرح به ورُئي بشر ذلك في وجهه، وإن كره اسمه رُئي كراهية ذلك في وجهه، وإذا دخل قرية سأل عن اسمها فإذا أعجبه اسمها فرح بها ورُئي بشر ذلك في وجهه، وإن كره اسمها رُئي كراهية ذلك في وجهه ﷺ (٣).\nوروى قاسم بن أصبغ عن بريدة بن حصيب قال: كان رسول الله - ﷺ - لا يتطير، ولكن يتفاءل، فركب بريدة في سبعين راكبًا من أهل بيته من بني سهم يتلقى رسول الله - ﷺ - ليلًا، فقال له رسول الله ﷺ: من أنت؟، فقال: بريدة. فالتفت إلى أبي بكر - ﵁ - فقال: برد أمرنا وصلح، ثم قال: ممن؟، قال: من أسلم. قال لأبي بكر: سلمنا، ثم قال: ممن؟، قال: من بني سهم. قال: خرج سهمنا (٤) - وذكر الحديث.\nوإنما كان يعجبه الفأل لأنَّه تنشرح له النفس وتستبشر بقضاء الحاجة وبلوغ الأمل، فيحسُن الظَّن بالله ﷿، وقد قال الله تعالى: أنا عند ظن\n_________\n(١) زيادة من (ز) و(م ٣).\n(٢) رواه الترمذي (١٦١٦).\n(٣) رواه أبو داود (٣٩٢٠).\n(٤) رواه ابن عبد البر في الاستيعاب (١/ ١٧٤) بهامش الإصابة، وذكره ابن الأثير في أسد الغابة (١/ ٣٩٦).","vol":"5","page":627},{"text":"[٢١٦٥] وعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا عَدوَى وَلَا طِيَرَةَ، إِنَّمَا الشُّؤمُ فِي ثَلَاثَةٍ: المَرأَةِ، وَالفَرَسِ، وَالدَّارِ.\nرواه البخاريُّ (٥٧٥٣ و٥٧٧٢)، ومسلم (٢٢٢٥) (١١٦)، وأبو داود (٣٩٢٢)، والترمذي (٢٨٢٥)، والنسائي (٦/ ٢٢٠)، وابن ماجه (٨٦).\nــ\nعبدي بي (١)، وإنما كان يكره الطيرة لأنَّها من أعمال أهل الشرك ولأنها تجلب ظن السوء بالله تعالى، كما قد روى أبو داود عن عبد الله بن مسعود عن النبي - ﷺ - أنه قال: الطيرة شرك - ثلاثا - وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل (٢)؛ أي: من اعتقد في الطيرة ما كانت الجاهلية تعتقده فيها فقد أشرك مع الله تعالى خالقًا آخر، ومن لم يعتقد ذلك فقد تشبَّه بأهل الشرك، ولذلك قال وما منا أي: ليس على سنتنا.\nوقوله إلا هي إلا الاستثنائية، ومعنى ذلك أن المتطيِّر ليس على سنة النبي - ﷺ - إلا أن يمضي لوجهه ويعرض عنها، غير أنه قد لا يقدر على الانفكاك (٣) عنها بحيث لا تخطر له مرة واحدة، فإنَّ إزالة تأثيرها من النفوس لا تدخل تحت استطاعتنا، ولذلك قال النبي - ﷺ - في حديث معاوية بن الحكم - لما قال له: ومنا رجال يتطيَّرون - فقال: ذلك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدَّهم، وفي بعض النسخ فلا يضرَّهم، لكنه إذا صحَّ تفويضه إلى الله تعالى وتوكله عليه وداوم على ذلك أذهب الله تعالى ذلك عنه، ولذلك قال: ولكن الله يذهبه بالتوكل (٤)، وقد روى أبو أحمد بن عدي من حديث أبي هريرة - ﵁ - أنه ﷺ قال: إذا تطيرتم فامضوا، وعلى الله فتوكلوا (٥).\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٤٩١)، وابن حبان (٦٣٣) الإحسان.\n(٢) رواه أبو داود (٣٩١٠)، وابن ماجه (٣٥٣٨).\n(٣) في (م ٢): الانكفاف.\n(٤) رواه أحمد (٥/ ٤٤٧)، ومسلم (٥٣٧)، وأبو داود (٩٣٠) و(٣٢٨٢).\n(٥) رواه ابن عدي في الكامل (٤/ ١٥٢٣) وإسناده لين. انظر الفتح (١٢/ ٣٢٣).","vol":"5","page":628},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوالشؤم نقيض اليمن، وهو من باب الطيرة، ولذلك قال ﷺ: لا طيرة، إنما الشؤم في ثلاثة: المرأة، والفرس، والدار، وقد تخيل بعض أهل العلم أن التطيُّر بهذه الثلاثة مستثنى من قوله لا طيرة وأنه مخصوص بها، فكأنه قال: لا طيرة إلا في هذه الثلاثة، فمن تشاءم بشيء منها نزل به ما كره من ذلك. وممن صار إلى هذا القول ابن قتيبة، وعضد هذا بما يروى عن النبي - ﷺ - من حديث أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: الطيرة على من تطيَّر (١)، وقال أبو عبد الله: إن مالكًا أخذ بحديث الشؤم في الدار والمرأة والفرس وحمله على ظاهره ولم يتأوَّله، فذكر في كتاب الجامع من العتبية (٢) أنه قال: ربَّ دار سكنها قوم فهلكوا، وآخرون بعدهم فهلكوا - وأشار إلى حمل الحديث على ظاهره. ويعضد هذا حديث يحيى بن سعيد قال: جاءت امرأة إلى النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله، دار سكنَّاها والعدد كثير والمال وافر، فذهب العدد وقلَّ المال (٣)! فقال رسول الله ﷺ: دعوها ذميمة (٤).\nقلت: ولا يظن بمن قال هذا القول أن الذي رخص فيه من الطيرة بهذه الأشياء الثلاثة هو على نحو ما كانت الجاهلية تعتقد فيها وتفعل عندها، فإنَّها كانت لا تقدم على ما تطيرت به ولا تفعله بوجه بناء على أن الطيرة تضر قطعًا، فإنَّ هذا ظن خطأ، وإنما يعني بذلك أن هذه الثلاثة أكثر ما يتشاءم الناس بها لملازمتهم إياها، فمن وقع في نفسه شيء من ذلك فقد أباح الشرع له أن يتركه\n_________\n(١) رواه ابن حبان (٦١٢٣) من حديث أنس.\n(٢) \"العتبية\": نسبة إلى مصنِّفها فقيه الأندلس: محمد بن أحمد العتبي القرطبي (ت ٢٥٤ هـ) وهو مسائل في مذهب الإمام مالك.\n(٣) في (ج ٢): فقل العدد، وذهب المال.\n(٤) رواه البيهقي (٨/ ١٤٠).","vol":"5","page":629},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nويستبدل به غيره مما تطيب به نفسه ويسكن له خاطره، ولم يُلزمه الشرع أن يقيم في موضع يكرهه أو مع امرأة يكرهها، بل قد فسح له في ترك ذلك كله، لكن مع اعتقاد أن الله تعالى هو الفعَّال لما يريد وليس لشيء من هذه الأشياء أثر في الوجود، وهذا على نحو ما ذكرناه في المجذوم. فإن قيل: فهذا يجري في كل متطير به، فما وجه خصوصية هذه الثلاثة بالذكر؟ فالجواب ما نبَّهنا عليه من أن هذه ضروريَّة في الوجود ولا بدَّ للإنسان منها ومن ملازمتها غالبًا، فأكثر ما يقع التشاؤم بها فخصَّها بالذكر لذلك، فإن قيل (١): فما الفرق بين الدار وبين موضع الوباء؟ فإنَّ الدار إذا تطير بها فقد وسع له في الارتحال عنها، وموضع الوباء قد منع من الخروج منه! فالجواب ما قاله بعض أهل العلم: إن الأمور بالنسبة إلى هذا المعنى ثلاثة أقسام؛\nأحدها: ما لم يقع التأذي به ولا اطَّردت عادة به خاصة ولا عامَّة، لا نادرة ولا متكررة، فهذا لا يصغى إليه، وقد أنكر الشرع الالتفات إليه، كلقي غراب في بعض الأسفار، أو صراخ بومة في دار، ففي مثل هذا قال ﷺ: لا طيرة (٢) ولا تطيَّروا، وهذا القسم هو الذي كانت العرب تعتبره وتعمل عليه مع أنَّه ليس في لقاء الغراب ولا دخول البومة دارًا ما يشعر بأذى ولا مكروه، لا على جهة الندور ولا التكرار.\nوثانيها: ما يقع به الضرر ولكنه يعمُّ، ولا يخص ويندر، ولا يتكرر، كالوباء، فهذا لا يقدِّم عليه عملًا بالحزم والاحتياط، ولا يُفَرُّ منه لإمكان أن يكون قد وصل الضَّرر إلى الفارِّ فيكون سفره سببا في محنته وتعجيلًا لهلكته كما قدمناه.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).\n(٢) سبق تخريجه قبل قليل.","vol":"5","page":630},{"text":"[٢١٦٦] وعنه، عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِن يَكُن مِن الشُّؤمِ شَيءٌ حَقّا فَفِي الفَرَسِ وَالمَرأَةِ وَالدَّارِ.\nرواه البخاريّ (٥٠٩٤)، ومسلم (٢٢٢٥) (١١٧).\n[٢١٦٧] وعن جابر بن عبد الله، عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِن كَانَ فِي شَيءٍ فَفِي الرَّبعِ وَالخَادِمِ وَالفَرَسِ\nرواه مسلم (٢٢٢٧) (١٢٠)، والنسائي (٦/ ٢٢٠).\n* * *\nــ\nوثالثها: سببٌ يخص ولا يعم، ويلحق منه الضرر بطول الملازمة كالدار والفرس والمرأة، فيباح له الاستبدال والتوكل على الله تعالى، والإعراض عما يقع في النفوس منها من أفضل الأعمال، وقد وضح الجواب، والله الموفق للصواب.\nوقد سلك العلماء في تأويل ذلك الحديث أوجهًا أخر؛\nمنها: أن بعضهم قال: إنما هذا منه ﷺ خبر عن غالب عادة ما يتشاءم به لا أنه خبر عن الشرع، وهذا ليس بشيء؛ لأنَّه تعطيل لكلام الشارع عن الفوائد الشرعية التي لبيانها أرسله الله ﷾، ومنهم من تأوَّل الشؤم المذكور في هذه الثلاثة فقال: الشؤم في المسكن ضيقه وسوء جيرانه، وفي المرأة سوء خلقها وألا تلد، وفي الفرس جماحه وألا يُغزى عليه. وهذا المعنى لا يليق بالحديث، ونسبته إلى أنه هو مراد الشرع من فاسد الحديث، وما ذكرناه أولى، والله تعالى أعلم.\nوقوله إن يكن من الشؤم شيء حقًّا ففي الفرس والمرأة والدار، وفي اللفظ الآخر إن كان في شيء ففي الربع والخادم والفرس، مقتضى هذا","vol":"5","page":631},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-825>(١٩) باب النهي عن الكهانة، وعن إتيان الكهان، وما جاء في الخط</span>\n[٢١٦٨] عَن مُعَاوِيَةَ بنِ الحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُمُورًا كُنَّا نَصنَعُهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ؛ كُنَّا نَأتِي الكُهَّانَ! قَالَ: فَلَا تَأتُوا الكُهَّانَ. قَالَ: قُلتُ: كُنَّا نَتَطَيَّرُ! قَالَ: ذَاكَ شَيءٌ يَجِدُهُ أَحَدُكُم فِي نَفسِهِ، فَلَا يَصُدَّهم. قَالَ: قُلتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ! قَالَ: كَانَ نَبِيٌّ مِن الأَنبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَن وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ.\nرواه مسلم (٥٣٧) (١٢١).\nــ\nالمساق أنه - ﷺ - لم يكن محقّقًا لأمر الشؤم بهذه الثلاثة في الوقت الذي نطق بهذا، لكنه تحققه بعد ذلك لما قال: إنما الشؤم في ثلاثة، وقد بيَّنَّا مراده بالشؤم فيما تقدَّم والحمد لله.\nوالمراد بالربع الدار كما قال في الرواية الأخرى، وقد يصح حمله على أعم من ذلك، فيدخل فيه الدكان والفندق وغيرهما مما يصلح الربع له، والمرأة تتناول الزوجة والمملوكة، والخادم يتناول الذكر والأنثى لأنَّه اسم جنس.\n(١٩) ومن باب النهي عن الكهانة وإتيان الكهان\nالكهان: جمع كاهن، ككتاب جمع كاتب، والكهانة: ادِّعاء علم الغيب، وقد تكلَّمنا على حديث معاوية بن الحكم في باب نسخ الكلام في الصلاة. قال القاضي أبو الفضل: الكهانة كانت في العرب على أربعة أضرب؛\nأحدها: أن يكون للإنسان رَئِي من الجن يخبره بما يسترق من السمع، وهذا","vol":"5","page":632},{"text":"[٢١٦٩] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الكُهَّانَ كَانُوا\nــ\nالقسم قد بطل منذ بعث الله محمدًا ﷺ كما نصَّ الله تعالى عليه في الكتاب.\nوالثاني: أن يخبره بما يطرأ ويكون في أقطار الأرض، وما يخفى مما قرب أو بعد، وهذا لا يبُعد وجوده.\nونفت هذا كله المعتزلة وبعض المتكلمين وأحالوه، ولا استحالة ولا بُعد في وجود مثل هذا، لكنهم بعد يكذبون، والنهي عام في تصديقهم والسماع منهم.\nالثالث: التخمين والحزر، وهذا يخلق الله فيه لبعض الناس شدة قوة، لكن الكذب في هذا الباب أغلب. قال: ومن هذا الباب العرافة، وصاحبها عرَّاف، وهو الذي يستدلُّ على الأمور بأسباب ومقدمات يدِّعي معرفتها. وقد يعتضد بعض أهل هذا الفن في ذلك بالزجر والطرق والنجوم وأسباب معتادة في ذلك، وهذا الفن هي (١) العيافة - بالياء، وكلها ينطلق عليها اسم الكهانة.\nقلت: وإذا كان كذلك فسؤالهم عن غيب ليخبروا عنه حرام، وما يأخذون على ذلك حرام، ولا خلاف فيه؛ لأنَّه حلوان الكاهن المنهي عنه.\nقال أبو عمر: ويجب على من ولي الحسبة أن يقيمهم من الأسواق وينكر عليهم أشدَّ النكير، ولا يدع أحدًا يأتيهم لذلك، وإن ظهر صدق بعضهم في بعض الأمور فليس ذلك بالذي يخرجهم عن الكهانة، فإنَّ تلك الكلمة إما خطفة جني أو موافقة قدر ليغترَّ به بعض الجهال، ولقد انخدع كثير من المنتسبين للفقه والدين فجاؤوا إلى هؤلاء الكهنة والعرافين فبهرجوا عليهم بالمحال واستخرجوا منهم الأموال، فحصلوا من أقوالهم على السراب والآل (٢)، ومن أديانهم على الفساد والضلال.\n_________\n(١) كذا في جميع النسخ، وفي إكمال إكمال المعلم للأبي: مِنَ.\n(٢) \"الآل\": السراب.","vol":"5","page":633},{"text":"يُحَدِّثُونَنَا بِالشَّيءِ فَنَجِدُهُ حَقًّا! قَالَ: تِلكَ الكَلِمَةُ يَخطَفُهَا الجِنِّيُّ فَيَقذِفُهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ وَيَزِيدُ فِيهَا مِائَةَ كَذبَةٍ.\nرواه أحمد (٦/ ٨٧)، والبخاريُّ (٥٧٦٢)، ومسلم (٢٢٢٨) (١٢٢).\nــ\nوقوله تلك الكلمة يخطفها الجني فيقذفها في أذن وليه؛ أي يرميها في أذنه ويُسمعه إياها، وفي الرواية الأخرى فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة؛ أي يضعها في أذنه، يقال: قررت الخبر في أذنه أقره قرًّا. ويصحُّ أن يقال: ألقاها في أذنه بصوت. يقال: قرَّ الطائر صوت.\nوقرُّ الدجاجة بكسر القاف حكاية صوتها، قال الخطابي: قرَّت الدجاجة (١) تقرُّ قرًّا وقريرًا - إذا رجَّعت فيه، قيل: قرقرت قرقرةً وقرقريرًا. قال الشاعر:\n. . . . . . . . . . . . ... وإن قرقرت هاجَ الهوَى قرقرِيرُها (٢)\nقال: والمعنى أن الجني يقذف الكلمة إلى وليه الكاهن فيتسامع بها الشياطين كما تؤذن الدجاج بصوت صواحباتها فتتجاوب.\nقلت: والأشبه بمساق الحديث أن يكون معناه أن الجنِّي يلقي إلى وليه تلك الكلمات بصوت خفي متراجع يُزَمزِمُهُ ويُرَجِّعه له كما يلقيه الكهان للناس، فإنَّهم تسمع لهم زمزمة وإسجاع وترجيع على ما علم من حالهم بالمشاهدة والنقل. ولم يختلف أحدٌ من رواة مسلم أن الرواية في هذا اللفظ قرَّ الدجاجة يعني به الطائر المعروف، واختلف فيه عن البخاري؛ فقال بعض رواته كقرِّ الزجاجة بالزاي، قال الدارقطني: هو مما صحَّفوا فيه، والصواب: الدجاجة\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (م ٢).\n(٢) هذا عجز البيت الذي أنشده ابن القطاع، وصدره كما في الصحاح:\nوما ذاتُ طَوْقٍ فوق عود أراكةٍ","vol":"5","page":634},{"text":"[٢١٧٠] وعنها قالت: سَأَلَ أُنَاسٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَن الكُهَّانِ، فَقَالَ لَهُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَيسُوا بِشَيءٍ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّهُم يُحَدِّثُونَ أَحيَانًا الشَّيءَ يَكُونُ حَقًّا! قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: تِلكَ الكَلِمَةُ مِن الجِنِّ يَخطَفُهَا الجِنِّيُّ فَيَقُذفهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ قَرَّ الدَّجَاجَةِ، فَيَخلِطُونَ فِيهَا أَكثَرَ مِن مِائَةِ كَذبَةٍ.\nرواه أحمد (٦/ ٨٧)، والبخاريُّ (٥٧٦٢)، ومسلم (٢٢٢٨) (١٢٣).\n[٢١٧١] وعَن بَعضِ أَزوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَن أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَن شَيءٍ لَم تُقبَل لَهُ صَلَاةٌ أَربَعِينَ لَيلَةً.\nرواه أحمد (٤/ ٦٨)، ومسلم (٢٢٣٠).\n* * *\nــ\n- بالدال. وقيل: الصواب الزجاجة؛ بدليل ما قد رواه البخاري فيقرها في أذنه كما تقرّ القارورة، وهي بمعنى الزجاجة؛ أي: كما يسمع صوت الزجاجة إذا حكَّت على شيء أو إذا أُلقي فيها ماء أو شيء.\nوقوله من أتى عرافًا لم تقبل له صلاة أربعين يومًا، العراف هو الحازي والمنجِّم الذي يدَّعي الغيب، وهذا يدلّ على أن إتيان العرافين كبيرة، وظاهره أن صلاته في هذه الأربعين تحبط وتبطل، وهو خارج (١) على أصول الخوارج الفاسدة في تكفيرهم بالذنوب، وقد بيَّنا فساد هذا الأصل فيما تقدم، وأنه لا يحبط الأعمال إلا الردة. وأما غيرها فالحسنات تبطل السيئات كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذهِبنَ السَّيِّئَاتِ﴾ وهذا مذهب أهل السنَّة والجماعة، فليس معنى قوله لا تقبل له صلاة أن تحبط، بل إنما معناه - والله أعلم - أنَّها\n_________\n(١) في (ج ٢): جارٍ.","vol":"5","page":635},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nلا تقبل قبول الرضا وتضعيف الأجر. لكنه إذا فعلها على شروطها الخاصة بها فقد برئت ذمّته من المطالبة بالصلاة وتُقصَى عن عهدة الخطاب بها، ويفوته قبول المرضي عنه وإكرامه وثوابه ويتضح ذلك باعتبار ملوك الأرض، ولله المثل الأعلى، وذلك أن المُهدِي إما مردودٌ عليه أو مقبول منه، والمقبول إما مقرَّب مُكرَّم مثاب وإما ليس كذلك، فالأول هو المبعدُ المطرود، والثاني هو المقبول القبول التام الكامل، والثالث لا يصدق عليه أنه مثل الأول فإنه لم تردَّ هديته، بل قد التفت إليه وقُبلت منه، لكنه لما لم يُثب ولم يُقرَّب صار كأنه غير مقبول منه، فيصدق عليه أنَّه لم يُقبل منه إذ لم يحصل له ثواب ولا إكرام.\nوتخصيصه - ﷺ - الأربعين بالذكر قد جاء في مواضع كثيرة من الشرع؛ منها: قوله في شارب الخمر لا تقبل له صلاة أربعين يومًا (١)، وقوله والذي نفسي بيده، إنه ليجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك (٢)، وقوله من أخلص لله أربعين ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه (٣). ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذ وَاعَدنَا مُوسَى أَربَعِينَ لَيلَةً﴾ ومنه توقيته - ﷺ - في قص الشارب وتقليم الأظفار وحلق العانة ألا تترك أكثر من أربعين ليلة، فتخصيص هذه المواضع بهذا العدد الخاص هو سرٌّ من أسرار الشريعة لم يطلع عليه نصًّا، غير أنه قد تنسم منه بعضُ علمائنا أمرًا تسكن النفسُ إليه، وذلك أنه قال: إن هذا العدد في هذه المواضع إنما خصَّ بالذكر لأنَّه مدَّة يكمل فيها ما ضربت له، فينتقل إلى غيره ويحصل فيها تبدُّله وبيانه بانتقال أطوار الخلقة في كل أربعين منها يكمل فيها طور، فينتقل عند انتهائه إلى غيره،\n_________\n(١) رواه النسائي (٨/ ٣١٦).\n(٢) رواه أحمد (١/ ٣٨٢)، والبخاري (٦٥٩٤)، ومسلم (٢٦٤٣).\n(٣) رواه ابن المبارك في الزهد (١٠١٤)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٨٩)، وانظر الترغيب والترهيب رقم (١٣).","vol":"5","page":636},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-826>(٢٠) باب في رمي النجوم للشياطين عند استراق السمع</span>\n[٢١٧٢] عن عَبدَ اللَّهِ بنَ عَبَّاسٍ قَالَ: أَخبَرَنِي رَجُلٌ مِن أَصحَابِ رسول الله ﷺ مِن الأَنصَارِ أَنَّهُم بَينَمَا هُم جُلُوسٌ لَيلَةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رُمِيَ بِنَجمٍ فَاستَنَارَ، فَقَالَ لَهُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَاذَا كُنتُم تَقُولُونَ فِي الجَاهِلِيَّةِ إِذَا رُمِيَ بِمِثلِ هَذَا؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ، كُنَّا نَقُولُ: وُلِدَ اللَّيلَةَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، وَمَاتَ رَجُلٌ عَظِيمٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَإِنَّهَا لَا يُرمَى بِهَا لِمَوتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِن رَبُّنَا ﵎ اسمُهُ إِذَا قَضَى أَمرًا سَبَّحَ حَمَلَةُ العَرشِ، ثُمَّ سَبَّحَ أَهلُ السَّمَاءِ الَّذِينَ يَلُونَهُم، حَتَّى يَبلُغَ\nــ\nكما قد نصَّ عليه في الحديث، وكذلك في الأربعين الميعادية: أمر بنو إسرائيل أن يكملوا تهيَّؤهم لسماع كلام الله، فكمل لهم ذلك عند انتهائها، ومثل ذلك في الأربعين الإخلاصية، وأما أربعون شارب الخمر فليَتَبدَّل لحم شارب الخمر بغيره، ويؤيده أن أهل التجارب قالوا: إن السمن يظهر في الحيوان في أربعين يومًا، وقريبٌ من هذا الأربعون المضروبة لخصال الفطرة؛ لأنَّها عند انتهائها يكمل فحشها واستقذارها، فينبغي أن تغير عن حالها. وأما أربعون إتيان العراف فلأنها - والله أعلم - المدة التي ينتهي إليها تأثير تلك المعصية في قلب فاعلها وفي جوارحه، وعند انتهائها ينتهي ذلك التأثير، والله تعالى أعلم.\n(٢٠) ومن باب رمي الشياطين بالنجوم\nقوله لكن ربُّنا إذا قضى أمرًا سبَّح حملة العرش؛ أي: أظهر قضاءه وما حكم به لملائكته، لأنَّ قضاءه إنما هو راجع إلى سابق علمه ونفوذ مشيئته وحُكمه، وهما أزليان، فإذا اطّلع حملة العرش على ما سبق في علمه خضعت الملائكة لعظمته وضجَّت بتسبيحه وتقديسه، فيسمع ذلك أهل السماء التي","vol":"5","page":637},{"text":"التَّسبِيحُ أَهلَ هَذِهِ السَّمَاءِ الدُّنيَا، ثُمَّ قَالَ الَّذِينَ يَلُونَ حَمَلَةَ العَرشِ لِحَمَلَةِ العَرشِ: مَاذَا قَالَ رَبُّكُم؟ فَيُخبِرُونَهُم مَاذَا قَالَ، فَيَستَخبِرُ بَعضُ أَهلِ السَّمَاوَاتِ بَعضًا حَتَّى يَبلُغَ الخَبَرُ هَذِهِ السَّمَاءَ الدُّنيَا، فَيخطَفُ الجِنُّ السَّمعَ فَيَقذِفُونَ إِلَى أَولِيَائِهِم، وَيُرمَونَ بِهِ، فَمَا جَاؤوا بِهِ عَلَى وَجهِهِ فَهُوَ حَقٌّ، وَلَكِنَّهُم يَقرفُونَ فِيهِ وَيَزِيدُونَ.\nــ\nتليهم، وهكذا ينتهي التسبيح لملائكة سماء الدنيا، ثم يتساءلون فيما بينهم: ماذا قال ربكم؟ على الترتيب المذكور في الحديث.\nففيه ما يدل على أن حملة العرش أفضل الملائكة وأعلاهم منزلة، وأن فضائل الملائكة على حسب مراتبهم في السماوات، وأن الكل منهم لا يعلمون شيئًا من الأمور إلا بأن يعلمهم الله تعالى به، كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الغَيبِ فَلا يُظهِرُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا * إِلا مَنِ ارتَضَى مِن رَسُولٍ﴾\nوفيه ما يدل على أن علوم الملائكة بالكائنات يستفيده بعضهم من بعض إلا حملة العرش؛ فإنهم يستفيدون علومهم من الحق ﷾، فإنَّهم هم المبدوؤون بالإعلام أولًا، ثم إن ملائكة كل سماء تستفيد من التي فوقها، وفي هذا دليل على أن النجوم لا يعرف بها علم الغيب ولا القضاء، ولو كان كذلك لكانت الملائكة أعلم بذلك وأحق به، وكل ما يتعاطاه المنجمون من ذلك فليس شيء منه علمًا يقينًا، وإنَّما هو رجم بظن وتخمين بوهم، الإصابة فيه نادرة، والخطأ والكذب فيه غالب، وهذا مشاهد من أحوال المنجمين، والمطلوب من العلوم النجوميات ما يهتدى به في الظلمات وتعرف به الأوقات، وما سوى ذلك فمخارق وتُرَّهات، ويكفي في الرد عليهم ظهور كذبهم واضطراب قولهم، وقد اتفقت الشرائع على أن القضاء بالنجوم محرَّم مذموم.\nوقوله ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون، هكذا عند ابن ماهان، وهو من القرف وهو الخلط - قاله صاحب الأفعال؛ أي: يخلطون فيها من الكذب.","vol":"5","page":638},{"text":"وفي رواية: وَقَالَ اللَّهُ: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِم قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُم قَالُوا الحَقَّ﴾\nرواه مسلم (٢٢٢٩) (١٢٤).\n* * *\nــ\nورواه يونس يُرَقَّون بضم الياء وفتح الراء وتشديد القاف، وفي بعض النسخ يَرقُون بفتح الياء وتسكين الراء وتخفيف القاف؛ أي يتقوَّلون، يقال: رقي فلان على الباطل؛ أي: تقوَّله - بكسر القاف، وهو من الرقي وهو الصعود؛ أي: إنهم يقولون فوق ما سمعوا - قاله القاضي عياض.\nوقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِم قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُم قَالُوا الحَقَّ﴾، قرأه ابن عامر ويعقوب فَزَّعَ عَن قُلُوبِهِم مبنيًا للفاعل، ويكون فيه ضمير يعود على الله تعالى؛ أي: أزال عن قلوبهم الفزع، وهذا على نحو قولهم: مرَّضتُ المريض - إذا عالجته فأزلتُ مرضه. وقرأه الجماعة فُزِّعَ بضم الفاء مبنيًا للمفعول الذي لم يسم فاعله؛ أي: أزيل عن قلوبهم الفزع، وهو الذعر على كلتا القراءتين.\nقال كعب (١): إذا تكلَّم الله بلا كيف ضربت الملائكة بأجنحتها وخرَّت فزعًا، ثم قالوا فيما بينهم: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُم﴾؟\nوقوله: ﴿قَالُوا الحَقَّ﴾ بالنصب على أنه نعت لمصدر محذوف؛ أي: قال القول الحق، وهو مفعول مطلق لا مفعول به؛ لأنَّ القول لا يتعدَّى إلا إلى الجمل في أكثر قول النحويين.\nوقوله: ﴿وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾؛ أي: العلي شأنه، الكبير سلطانه.\nقلت: وهذا التفسير هو الموافق لهذا الحديث، فتعيَّن أن يكون هو المراد من الآية، وللمفسرين أقوال أخر بعيدة عن معنى الحديث أضربت عنها لذلك، فمن أرادها وجدها في كتبهم.\n* * *\n_________\n(١) في النسخ: (ثعلب) والمثبت من (ج ٢).","vol":"6","page":639},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-827>(٣٢) كتاب الرؤيا</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-828>(١) باب الرؤيا الصادقة من الله والحلم من الشيطان وما يفعل عند رؤية ما يكره</span>\n[٢١٧٣] عَن أَبِي سَلَمَةَ بنَ عَبدِ الرَّحمَنِ قال: سَمِعتُ أَبَا قَتَادَةَ يَقُولُ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: الرُّؤيَا مِن اللَّهِ وَالحُلمُ مِن الشَّيطَانِ، فَإِن رَأَى أَحَدُكُم شَيئًا يَكرَهُهُ فَليَنفُث عَن يَسَارِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَليَتَعَوَّذ بِاللَّهِ\nــ\n(٣٢) كتاب الرؤيا\n[(١) باب: الرؤيا الصادقة من الله والحلم من الشيطان وما يفعل عند رؤية ما يكره] (١)\n(قوله: الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان)، الرؤيا: مصدر رأى في المنام رؤيا، على وزن فعلى، وألفه للتأنيث؛ ولذلك لم ينصرف. والرؤية: مصدر رأى بعينه في اليقظة رؤية. هذا المعروف من لسان العرب، وقال بعض العلماء: إن\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ليس في الأصول، واستدرك من التلخيص.","vol":"6","page":5},{"text":"مِن شَرِّهَا فَإِنَّهَا لَن تَضُرَّهُ، فَقَالَ: إِن كُنتُ لَأَرَى الرُّؤيَا أَثقَلَ عَلَيَّ مِن الجَبَلٍ، فَمَا هُوَ إِلَّا أَن سَمِعتُ بِهَا الحَدِيث فَمَا أُبَالِيهَا.\nزاد في رواية: وليتحول عن جنبه الذي كان عليه.\nــ\nالرؤيا قد تجيء بمعنى الرؤية، وحمل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَينَاكَ إِلا فِتنَةً لِلنَّاسِ﴾ وقال: إنما يعني بها رؤية النبي ﷺ في الإسراء لما أراه من عجائب السماوات والملكوت، وكان الإسراء من أوله إلى آخره في اليقظة. وقد ذكرنا هذا في باب الإسراء من كتاب: الإيمان.\nوالحُلم - بضم الحاء، وسكون اللام - مصدر حَلَمت - بفتح الحاء واللام - إذا رأى في منامه رؤيا، وتُجمع على أحلام في القلَّة، وفي الكثرة حلوم، وإنَّما جمع وإن كان مصدرًا لاختلاف أنواعه، وهو في الأصل عبارة عما يراه الرائي في منامه حسنًا كان أو مكروها. وأراد به النبي ﷺ هنا ما يكره، أو ما لا ينتظم، على ما يأتي إن شاء الله تعالى.\nفأمَّا الحِلم - بكسر الحاء -، فهو مصدر حَلُمَ - بضم اللام- يَحلِمُ: إذا صفح وتجاوز حتى صار له ذلك كالغريزة. وتحلَّم: تكلف الحلم. والحَلم - بفتح الحاء - هو فساد الإهاب من الدباغ، وتثقيبه فيه، يقال منه: حَلِم الأديم- بكسر اللام - يحلم - بفتحها -: إذا صار كذلك.\nوقد اختلف الناس في كيفية الرؤيا قديمًا وحديثًا، فقال غير المتشرعين أقوالًا كثيرة مختلفة، وصاروا فيها إلى مذاهب مضطربة قد عَرِيت عن البرهان فأشبهت الهذيان. وسبب ذلك التخليط العظيم: الإعراض عما جاءت به الأنبياء من الطريق المستقيم.\nوبيان ذلك: أن حقيقة الرؤيا إنما هي من إدراكات النفس، وقد غُيِّب عنا علم حقيقتها. وإذا لم يعلم ذلك لعدم الطريق الموصل إليه؛ كان أحرى، وأولى ألا نعلم ما غيب عنا من إدراكاتها، بل نقول: إنا لا نعلم حقيقة كثير مما قد انكشفت لنا جملته من إدراكاتها، كحس السمع، والعين، والأذن، وغير ذلك، فإنا إنما نعلم منها أمورًا جملية، لا تفصيلية، وأوصافًا لازمة، أو عرضية، لا حقيقية، وسبيل العاقل ألا يطمع في","vol":"6","page":6},{"text":"وفي أخرى: الرُّؤيَا الصَّالِحَةُ مِن اللَّهِ، ورؤيَا السَّوءُ مِن الشَّيطَانِ، فَمَن رَأَى رُؤيَا يَكَرِهَ مِنهَا شَيئًا فَليَنفُث عَن يَسَارِهِ، وَليَتَعَوَّذ بِاللَّهِ مِن\nــ\nمعرفة ما لم يُنصَب له عليه دليل عقلي، ولا حسي، ولا مركب منهما، إلا أن يخبر بذلك صادق، وهو الذي دلَّ الدليل القطعي على صدقه، وهم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، فإنَّهم دلت على صدقهم دلائل المعجزات. وإذا كان كذلك: فسبيلنا أن نعرض عن أحوال المعرضين، ونتشاغل بالبحث عن ذلك في كلام الشارع والمتشرعين.\nقال الإمام أبو عبد الله (١): المذهب الصحيح ما عليه أهل السُّنَّة، وهو: أن الله تعالى يخلق في قلب النائم اعتقادات، كما يخلقها في قلب اليقظان. وهو تبارك اسمه يفعل ما يشاء، وما يمنعه من فعله نوم، ولا يقظة، وكأنه سبحانه جعل هذه الاعتقادات علمًا على أمور أخر يخلقها في ثاني حال، أو كان قد خلقها.\nوقال غيره: إن لله تعالى ملكًا موكلًا يعرض المرئيَّات على المحل المدرك من النائم، فيمثل له صورًا محسوسة، فتارة تكون تلك الصور أمثلة موافقة لما يقع في الوجود، وتارة تكون أمثلة لمعان معقولة غير محسوسة. وفي الحالتين تكون مبشرة ومنذرة.\nقلت: وهذا مثل الأول في المعنى، غير أنه زاد فيه قضية المَلَك، ويحتاج في ذلك إلى توقيف من الشرع، إذ يجوز أن يخلق الله تعالى تلك التمثيلات من غير مَلَك.\nوقيل: إن الرؤيا إدراك أمثلة منضبطة في التخيل جعلها الله إعلامًا على ما كان، أو يكون، [وهو أشبهها] (٢). فإنَّ قيل: كيف يقال: إن الرؤيا إدراك مع أن\n_________\n(١) انظر: المعلم بفوائد مسلم (٣/ ١١٥).\n(٢) ما بين حاصرتين سقط من (ج ٢).","vol":"6","page":7},{"text":"الشَّيطَانِ، لَا تَضُرُّهُ وَلَا يُخبِر بِهَا أَحَدًا، فَإِن رَأَى رُؤيَا حَسَنَةً فَليُبشِر وَلَا يُخبِر بها إِلَّا مَن يُحِبُّ.\nرواه أحمد (٥/ ٣١٠)، والبخاريّ (٣٣٩٢)، ومسلم (٢٢٦١) (٢ و٣)، وأبو داود (٥٠٢١)، والترمذيُّ (٢٢٧٧)، وابن ماجه (٣٩٠٩).\nــ\nالنوم ضد الإدراك، فإنه من الأضداد العامة، كالموت، فلا يجتمع معه إدراك؟ فالجواب: أن الجزء المدرك من النائم لم يحلَّه النوم، فلم يجتمع معه، فقد تكون العين نائمة، والقلب يقظان، كما قاله النبي ﷺ: إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي (١). وإنما قال: منضبطة في التخيل، لأنَّ الرائي لا يرى في منامه إلا من نوع ما أدركه في اليقظة بحسِّه، غير أنه قد تركب المتخيَّلات في النوم تركيبًا يحصل من مجموعها صورة لم يوجد لها مثال في الخارج، تكون علمًا على أمر نادر، كمن يرى في نومه موجودًا رأسه رأس الإنسان وجسده جسد الفرس مثلًا، وله جناحان، إلى غير ذلك مما يمكن من التركيبات التي لا يوجد مثلها في الوجود، وإن كانت آحادُ أجزائها في الوجود الخارجي. وإنَّما قال: جعلها الله إعلامًا على ما كان، أو يكون، لأنَّه يعني به: الرؤيا الصحيحة المنتظمة الواقعة على شروطها على ما يأتي إن شاء الله تعالى.\nثم: إن النبي ﷺ قد ذكر أنواع الرؤيا هنا. وفيما رواه الترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: الرؤيا ثلاث: فرؤيا حق، ورؤيا يحدِّث المرء بها نفسه، ورؤيا تحزين من الشيطان. (٢) وذكر الحديث. فرؤيا الحق: هي المنتظمة التي لا تخليط فيها، وقد سَمَّاها في رواية أخرى: الصادقة. وفي أخرى: الصالحة، وهي التي يحصل بها التنبيه على أمر في\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٠١٣)، ومسلم (٧٣٦ و٧٣٧).\n(٢) رواه الترمذي (٢٢٨٠).","vol":"6","page":8},{"text":"[٢١٧٤] وعَن جَابِرٍ عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا رَأَى أَحَدُكُم الرُّؤيَا يَكرَهُهَا فَليَبصُق عَن يَسَارِهِ ثَلَاثًا، وَليَستَعِذ بِاللَّهِ مِن الشَّيطَانِ ثَلَاثًا، وَليَتَحَوَّل عَن جَنبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيهِ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٥٠)، ومسلم (٢٢٦٢) (٥)، وأبو داود (٥٠٢٢)، وابن ماجه (٣٩٠٨).\n* * *\nــ\nاليقظة صحيح، وهي - التي إذا صدرت من الإنسان الصالح - جزء من أجزاء النبوة، أي: خصلة من خصال الأنبياء التي بها يعلمون الوحي من الله تعالى. وأما الثانية: فهي التي تكون عن أحاديث نفس متوالية، وشهواتٍ غالبة، وهموم لازمة، ينام عليها، فيرى ذلك في نومه، فلا التفات إلى هذا، وكذلك الثالثة. فإنها تحزين، وتهويل، وتخويف، يدخل كل ذلك الشيطان على الإنسان في نومه ليشوش يقظته. وقد يجتمع هذان السببان، أعني: هموم النفس، وألقيات الشيطان في منام واحد، فتكون أضغاث أحلام لاختلاطها.\nوالضغث: هي القبضة من الحشيش المختلط.\nو(قوله: الرؤيا من الله)، أي: بشرى من الله، أو تحذير وإنذار.\nو(قوله: والحلم من الشيطان)، يعني به: ما يلقيه مما يهوِّل، أو يخوف، أو يحزن به. وهذا النوع هو المأمور بالاستعاذة منه، لأنَّه من تخييلات الشيطان وتشويشاته، فإذا استعاذ الرائي منه صادقًا في التجائه إلى الله تعالى، ونفث عن يساره ثلاثًا، وتحوَّل عن جنبه كما أمره النبي ﷺ في هذا الحديث، وصلى (١)، أذهب الله عنه ما أصابه، وما يخافه من مكروه ذلك، ولم يصبه منه شيء ببركة صدق الالتجاء إلى الله تعالى، وامتثال أوامر رسوله ﷺ. وعلى هذا فيكون قوله: فإذا رأى أحدكم ما يكره، إنَّما يعني به: ما يكون سببه الشيطان. وقيل: بل الخبر\n_________\n(١) من (م ٢) و(ع).","vol":"6","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-829>(٢) باب أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا</span>\n[٢١٧٥] عَن أَبِي هُرَيرَةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا اقتَرَبَ الزَّمَانُ لَم تَكَد رُؤيَا المُسلِمِ تَكذِبُ،\nــ\nبحكم عمومه يتناول ما يسببه الشيطان، وما لا يسببه مما يكرهه الرائي. ويكون فعل هذه الأمور كلها مانعًا من وقوع ذلك المكروه. كما يقال: إن الدعاء يدفع البلاء، والصَّدقة تدفع ميتة السوء. وكل ذلك بقضاء الله تعالى وقدره، ولكن الوسائط والأسباب عاديات (١) لا موجودات. وفائدة أمره بالتحول عن جنبه الذي كان عليه ليتكامل استيقاظه، وينقطع عن ذلك المنام المكروه. وفائدة الأمر بالصلاة (٢) أن تكمل الرغبة، وتصح الطلبة، فإنَّ أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.\nو(قول أبي سلمة: فما أباليها)، أي: ما ألتفت إليها، ولا ألقي لها بالًا، أي: لا أخطرها على فكري ثقة بالله تعالى، وبما أمر به رسوله - ﷺ -.\n(٢، ٣) ومن باب: أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا (٣)\n(قوله: إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب) قيل في اقتراب الزمان قولان:\nأحدهما: تقارب الليل والنهار في الاعتدال، وهو الزمان الذي تتفتق فيه الأزهار، وتينع فيه الثمار، وموجب صدق الرؤيا في ذلك الزمان اعتدال الأمزجة\n_________\n(١) مفردها: عدوى، وهي: المعونة. وفي (ج ٢): عادات.\n(٢) الأمر بالصلاة لم يرد في أحاديث هذا الباب، وإنما في أحاديث الباب الذي يليه.\n(٣) شرح المؤلف تحت هذا العنوان ما أشكلَ في أحاديث هذا الباب، وما أشكل في أحاديث الباب الذي يليه، وهو بعنوان: باب الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة.","vol":"6","page":10},{"text":"وَأَصدَقُكُم رُؤيَا أَصدَقُكُم حَدِيثًا،\nــ\nفيه، فلا يكون في المنام أضغاث الأحلام، فإنَّ من موجبات التخليط فيها غلبة بعض الأخلاط على صاحبها.\nوثانيهما: أن المراد بذلك: آخر الزمان المقارب للقيامة. وقد روي عن النبي ﷺ من طريق معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: في آخر الزمان لا تكذب رؤيا المؤمن (١).\nقلت: ويعني - والله أعلم - بآخر الزمان المذكور في هذا الحديث: زمان الطائفة الباقية مع عيسى ﵇ بعد قتله الدجال المذكور في حديث عبد الله بن عمرو الذي قال فيه: فيبعث الله عيسى ابن مريم، ثم يمكث في الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحًا باردة من قبل الشام فلا تبقي على وجه الأرض أحدًا في قلبه مثقال ذرّة من خير أو إيمان إلا قبضته (٢)، فكان أهل هذا الزمان أحسن هذه الأمَّة بعد الصدر المتقدِّم حالًا، وأصدقهم أقوالًا، وكانت رؤياهم لا تكذب، كما قال ﷺ: أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا (٣)، وكما قال: رؤيا الرجل الصالح جزء من النبوة (٤).\nوقوله: لم تكد تكذب، أي: لم تقارب الكذب، وقد تكلَّمنا على كاد وأخواتها من أفعال المقاربة فيما تقدَّم.\nوقوله: أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا، إنما كان ذلك لأن: من كثر صدقه تنوِّر قلبه، وقوي إدراكه، فانتقشت فيه المعاني على وجه الصِّحة\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٢٦٩)، والترمذي (٢٢٩١).\n(٢) رواه أحمد (٢/ ١٦٦)، ومسلم (٢٩٤٠).\n(٣) تقدم في التلخيص برقم (٢٨٨٣).\n(٤) هو في التلخيص برقم (٢٨٨٥) بلفظ: \"رؤيا الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة\".","vol":"6","page":11},{"text":"وَرُؤيَا المُسلِمِ جُزءٌ مِن خَمسة وَأَربَعِينَ جُزءًا مِن النُّبُوَّةِ،\nــ\nوالاستقامة، وأيضًا فإن من كان غالبُ حاله الصدق في يقظته استصحب ذلك في نومه، فلا يرى إلا صدقًا. وعكس ذلك: الكاذب والمُخلِّط يَفسد قلبه، ويُظلم، فلا يرى إلا تخليطًا وأضغاثًا، هذا غالب حال كل واحد من الفريقين، وقد يندرُ فيرى الصادقُ ما لا يصح، ويرى الكاذب ما يصح، لكن ذلك قليل، والأصل ما ذكرناه.\nو(قوله: رؤيا المسلم جزء من خمسة وأربعين جزءًا من النبوة، وفي حديث عبادة: رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا، وفي رواية عن أبي هريرة: رؤيا الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا، [وفي أخرى عنه: الرؤيا الصالحة، وفي رواية: رؤيا الرجل الصالح ستة وأربعون جزءًا من النبوة] (١). وفي حديث ابن عمر ﵄: الرؤيا الصالحة جزء من سبعين. وفي غير كتاب مسلم عن ابن عباس: جزء من أربعين (٢). وعن عبد الله بن عمرو ﵄: جزء من سبعة وأربعين (٢). وفي حديث العباس ﵁: من خمسين (٣)، وعن أنس ﵁: من ستة وعشرين (٣)، وعن عبادة بن الصامت ﵁: من أربعة وأربعين (٣).\nقال أبو عبد الله المازري: والأكثر والأصح عند أهل الحديث: من ستة وأربعين. وحكي عن بعض الناس: أنه نزل هذا الحديث بهذه الرواية على مدة الوحي للنبي ﷺ، وذلك أنه ﷺ أقام يوحى إليه ثلاثًا وعشرين سنة، منها ستة أشهر\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (م ٢).\n(٢) رواهما الطبري كما في الفتح (١٢/ ٣٦٣).\n(٣) ذكرها الحافظ ابن حجر في الفتح (١٢/ ٣٦٣).","vol":"6","page":12},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nيوحى إليه في نومه، وذلك في أول أمره (١). وقد اعترض عليه بأن هذه المدة لم يصحَّ نقل تحديدها، ولا هو معروف، فتقديره تحكُّم.\nقلت: القدر الذي اختلف الرواة فيه من هذا الحديث أمران:\nأحدهما: من أضيفت الرؤيا إليه، فتارة سكت عنه، وأخرى قيل فيه: المسلم، وفي أخرى: المؤمن، وفي أخرى: الصالح. وهذا الأمر: الخلاف فيه أهون من الخلاف في الأمر الثاني، وذلك: أنه حيث سكت عنه لم يضر السكوت عنه، مع العلم بأن الرؤيا مضافة إلى راءٍ ما، فإذا صرح به في موضع آخر فهو المعني، وأما حيث نطق به فالمراد به واحد وإن اختلفت الألفاظ. وذلك أن الرؤيا لا تكون من أجزاء النبوة إلا إذا وقعت من مسلم صادق صالح، وهو الذي يناسب حاله حال النبي ﷺ فأكرم بنوع مما أكرم به الأنبياء، وهو الاطلاع على شيء من علم الغيب، كما قال النبي ﷺ: إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصادقة في النوم. يراها الرجل الصالح، أو ترى له (٢)، فإنَّ الكافر، والكاذب، والمخلِّط - وإن صدقت رؤياهم في بعض الأوقات - لا تكون من الوحي، ولا من النبوة، إذ ليس كل من صدق في حديث عن غيب يكون خبره ذلك نبوة. وقد قدَّمنا: أن الكاهن يخبر بكلمة الحق، وكذلك المنجم قد يحدِس (٣) فيصدق، لكن على الندور والقلَّة. وكذلك الكافر، والفاسق، والكاذب. وقد يرى المنام الحق، ويكون ذلك المنام سببًا في شرٍّ يلحقه، أو أمرٍ يناله. إلى غير ذلك من الوجوه المعتبرة\n_________\n(١) جاء في كتاب: \"المعلم بفوائد مسلم\" لابي عبد الله المازري (٣/ ١١٧) ما يلي: إنه - ﷺ - أقام يُوحى إليه ثلاثة وعشرين عامًا؛ عشرة بالمدينة، وثلاثة عشر بمكة، وكان قبل ذلك بستة أشهر يرى في المنام ما يلقيه إليه الملك، وذلك نصف سنة، ونصف سنة من ثلاث وعشرين سنة جزءٌ من ستة وأربعين جزءًا من النبوة.\n(٢) رواه أحمد (١/ ٢١٩)، ومسلم (٤٧٩)، وأبو داود (٨٧٦)، والنسائي (٢/ ١٨٨).\n(٣) \"يحدس\": أي: يظنّ ويخمِّن.","vol":"6","page":13},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالمقصودة به. وقد وقعت لبعض الكفار منامات صحيحة صادقة، كمنام الملك الذي رأى سبع بقرات، ومنام الفتيين في السجن، ومنام عاتكة (١) عمَّة رسول الله ﷺ ونحوه كثير، لكن ذلك قليل بالنسبة إلى مناماتهم المخلطة والفاسدة، فهذا هو الأمر الأول.\nوأما الأمر الثاني: وهو اختلاف عدد أجزاء النبوة التي جعلت رؤيا الرجل الصالح واحدا منها: فاختلفت الرواية فيه من ستة وعشرين إلى سبعين، كما قد ذكرناه، وأكثرها في الصحيحين، وكلها مشهور فلا سبيل إلى أخذ أحدها، وطرح الباقي، كما قد فعل أبو عبد الله المازري، فإنَّه قد يكون بعض ما ترك أولى مما قبل إذا بحثنا عن رجال أسانيدها، وربما ترجَّح عند غيره غير ما اختاره هو، فإذًا: الوجه الذي يتعيَّن المصير إليه أن يقال: إن هذه الأحاديث - وإن اختلفت ألفاظها - متفقة على أن الرؤيا الصالحة من الرجل الصالح جزء من أجزاء النبوة. فهذه شهادة صحيحة من النبي ﷺ لها بأنها وحي من الله تعالى، وأنها صادقة لا كذب فيها. ولذلك قال مالك وقد قيل له: أيفسر الرؤيا كل أحد؟ فقال: أيلعب بالوحي؟ ! وإذا كانت هكذا فتعيَّن على الرائي أن يعتني بها، ويسعى في تفهُّمها، ومعرفة تأويلها، فإنَّها إما مبشرة له بخير، أو محذرة له من شر، فإنَّ أدرك تأويلها بنفسه، وإلا سأل عنها من له أهليَّة ذلك، وهو اللبيب الحبيب. ولذلك كان النبي ﷺ يقول إذا أصبح: هل رأى أحدٌ منكم الليلة رؤيا فليقصها، أعبرها له؟ (٢)، فكانوا يقصُّون عليه، ويَعبُرُ. وقد سلك أصحابه [ذلك المسلك في حياته، وبعد وفاته، وقد كان ﷺ يقتبس] (٣) الأحكام من منامات أصحابه، كما فعل في رؤيا الأذان، وفي\n_________\n(١) انظر: سيرة ابن هشام (٢/ ٦٠٧)، وتاريخ الطبري (٢/ ٤٢٨).\n(٢) رواه أحمد (٥/ ١٤)، والبخاري (١٣٨٦).\n(٣) ما بين حاصرتين سقط من (م ٢) و(م ٣).","vol":"6","page":14},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nرؤيا ليلة القدر (١). وكل ذلك بناءً على أنها وحي صحيح. وإذا تقرَّر هذا فلا يضرنا الاضطراب [الذي وقع في عدد تلك الأجزاء مع حصول المقصود من الخير، غير أن علماءنا قد راموا إزالة ذلك الاضطراب] (٢)، وتأوَّلوه تأويلات، فلنذكرها، وننبه على الأقرب منها، وهي أربع:\nالأول: ما صار إليه أبو عبد الله. وقد ذكرناه، وما ورد عليه.\nالثاني: أن المراد بهذا الحديث: أن المنام الصادق خصَّلة من خصال النبوة. كما جاء في الحديث الآخر: التؤدة، والاقتصاد، وحسن السمت جزء من ستة وعشرين جزءًا من النبوة (٣)، أي: النبوة مجموع خصال مبلغ أجزائها ستة وعشرون، هذه الثلاثة الأشياء جزء واحدٌ منها، وعلى مقتضى هذه التجزئة: كل جزء من الستة والعشرين ثلاثة أشياء في نفسه، فإذا ضربنا ثلاثة في ستة وعشرين صحَّ لنا أن عدد خصال النبوة من حيث آحادها ثمانية وسبعون. ويصحُّ أن يسمَّى كل اثنين من الثمانية والسبعين جزءًا وخصلة، فيكون جميعها بهذا الاعتبار تسعة وثلاثين جزءًا، ويصحُّ أن يسمَّى كل أربعة منها جزءًا، فيكون مجموع أجزائها بهذا الاعتبار تسعة عشر جزءًا ونصف جزء، فتختلف أسماء العدد المجزَّأ بحسب اختلاف اعتبار الأجزاء، وعلى هذا: فلا يكون اختلاف أعداد أجزاء النبوَّة في أحاديث الرؤيا المذكورة اضطرابًا، وإنَّما هو اختلاف اعتبار مقادير تلك الأجزاء المذكورة. والله تعالى أعلم.\nالثالث: ما أشار إليه الطبري، وهو: أن هذا الاختلاف راجعٌ إلى اختلاف حال الرائي. فالمؤمن الصَّالح تكون نسبة رؤياه من ستة وأربعين، وغيرُ الصالح من\n_________\n(١) انظر: صحيح مسلم (١١٦٥) (٢٠٥).\n(٢) ما بين حاصرتين سقط من (ع).\n(٣) ذكره ابن حجر في فتح الباري (١٢/ ٣٦٨).","vol":"6","page":15},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nسبعين، ولهذا لم يشترط في رواية السَّبعين في وصف الرائي ما اشترطه في وصفه في رواية: ستة وأربعين، فإنَّه شرط فيها الصَّلاح في الرائي، وسكت عن اشتراطه في رواية السبعين.\nقلت: وهذا فيه بُعدٌ، لما قدَّمناه من صحَّة احتمال حمل مطلق الرِّوايات على مقيدها، وبما قد روي عن ابن عباس: الرؤيا الصالحة جزء من أربعين (١). وسكت فيه عن ذكر وصف الرائي. وكذلك حديث عبد الله بن عمرو حين ذكر سبعة وأربعين. وحديث العبَّاس حين ذكر خمسين.\nالرابع: قيل: يحتمل أن تكون هذه التجزئة في طرق الوحي، إذ منه ما سُمِع من الله تعالى دون واسطة، كما قال: ﴿مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ومنه بواسطة الملك، كما قال: ﴿أَو يُرسِلَ رَسُولا﴾ ومنه ما يُلقى في القلب، كما قال: ﴿إِلا وَحيًا﴾ أي: إلهامًا، ثمَّ منه ما يأتيه الملك على صورته، ومنه ما يأتيه على صورة آدمي يعرفه، ومنه ما يتلقاه منه وهو لا يعرفه، ومنه ما يأتيه في مثل صلصلة الجرس، ومنه ما يسمعه من الملك قولًا مُفصَّلًا، إلى غير ذلك من الأحوال التي كانت تختلف على النبي ﷺ في الوحي وحالاته المختلفة، فتكون تلك الحالات إذا عُدِّدت غايتها انتهت إلى سبعين.\nقلت: ولا يخفى ما في هذا الوجه من البُعد والتساهل، فإنَّ تلك الأعداد كلها إنما هي أجزاء النبوَّة، وأكثر هذه الأحوال التي ذكرت هنا ليست من النبوة في شيء لكونه يعرف الملك، أو لا يعرفه، أو يأتيه على صورته، أو على غير صورته، ثمَّ مع هذا التكلف العظيم لم يقدر أن يبلغ عدد ما ذكر إلى ثلاثين (٢).\n_________\n(١) سبق تخريجه (ص ١٢).\n(٢) قراءة ابن كثير وحفص: ﴿رسالته﴾ وما أورده المؤلف هو قراءة الباقين.","vol":"6","page":16},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nقلت: وأشبه ما ذكر في ذلك: الوجه الثاني، مع أنَّه لم تَثلَجُ النفسُ به، ولا طاب لها. وقد ظهر لي وجه خامس - وأنا أستخير الله في ذكره - وهو: أن النبوَّة معناها: أن يُطلع الله من يشاء من خلقه على ما يشاء من أحكامه ووحيه: إما بالمشافهة، وإما بواسطة ملك، أو بإلقاء في القلب، لكن هذا المعنى المسمَّى بالنبوَّة لا يخص الله به إلا من خصَّه بصفات كمال نوعه من المعارف، والعلوم، والفضائل، والآداب، ونزهه عن نقائص ذلك. ولذلك قال سبحانه: ﴿اللَّهُ يَصطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ﴾ وقال: ﴿اللَّهُ أَعلَمُ حَيثُ يَجعَلُ رِسَالَتَهُ (١)﴾، وقال تعالى لما ذكر الأنبياء: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقتَدِهِ﴾ وقال: ﴿كُلا هَدَينَا﴾ وقال لنبيِّه ﷺ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ فقد حصل من هذا: أن النبوَّة لم يخص الله بها إلا أكمل خلقه، وأبعدهم عن النقائص. ثم: إنه لما شرفهم بالنبوَّة حصلت لهم بذلك على جميع نوعهم الخصوصية، فلما كانت النبوَّة لا يخص الله بها إلا من حصلت له خصال الكمال أطلق على تلك الخصال: نبوة، كما قال ﷺ: التؤدة والاقتصاد، والسَّمت الحسن جزء من النبوة (٢)، أي: من خصال الأنبياء، لكن الأنبياء في هذه الخصال متفاضلون، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَد فَضَّلنَا بَعضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعضٍ﴾ وقال: ﴿تِلكَ الرُّسُلُ فَضَّلنَا بَعضَهُم عَلَى بَعضٍ﴾ فتفاضلهم بحسب ما وهب لكل واحد منهم من تلك الصفات، وشرَّف به من تلك الحالات، وكل منهم الصدق أعظم صفته في نومه ويقظته، وكانوا تنام أعينهم، ولا تنام قلوبهم، فنائمهم يقظان، ووحيهم في النوم واليقظة سيَّان، فمن ناسبَهُم في الصِّدق حصل من رؤياه على الحق، غير أنه لما\n_________\n(١) قرأ ابن كثير وحفص ﴿رسالتَه﴾، وقرأ الباقون: ﴿رسالاتِه﴾.\n(٢) سبق تخريجه (ص ١٥).","vol":"6","page":17},{"text":"وَالرُّؤيَا ثَلَاثَةٌ: بُشرَى مِن اللَّهِ، وَرُؤيَا تَحزِينٌ مِن الشَّيطَانِ، وَرُؤيَا مِمَّا يُحَدِّثُ المَرءُ به نَفسَهُ،\nــ\nكان الأنبياء في مقاماتهم وأحوالهم متفاضلين، وكان كذلك أتباعهم من الصَّادقين، وكان أقل خصال كمال الأنبياء ما إذا اعتُبر كان ستًّا وعشرين جزءًا، وأكثر ما يكون من ذلك سبعين، وبين العددين مراتب مختلفة بحسب ما اختلفت ألفاظ تلك الأحاديث. وعلى هذا: فمن كان من غير الأنبياء في صلاحه وصدقه على رتبة تناسب كمال نبيٍّ من الأنبياء، كانت رؤياه جزءًا من نبوة ذلك النبي، وكمالاتهم متفاضلة كما قرَّرناه، فنسبة أجزاء منامات الصَّادقين متفاوتة على ما فصلناه. وبهذا الذي أظهر الله لنا يرتفع الاضطراب. والله الموفق للصَّواب.\nو(قوله: والرؤيا ثلاثة: بشرى من الله) أي: مُبشرة بخير، ومحذرة عن شرٍّ، فإن التحذير عن الشرِّ خيرٌ، فتتضمَّنه البشرى. وإنَّما قلنا ذلك هنا لأنَّه قد قال في حديث الترمذي المتقدِّم: الرؤيا ثلاثة: رؤيا من الله مكان: بشرى من الله، فأراد بذلك - والله أعلم - الرؤيا الصادقة المبشرة والمحذرة.\nوقوله: ورؤيا تحزين، ويلحق بالرؤيا المحزنة المفزعات، والمهوِّلات، وأضغاث الأحلام، إذ كل ذلك مذموم، لأنها من آثار الشيطان، وكل ما ينسب إليه مذموم.\nو(قوله: ورؤيا مِمَّا يحدِّث المرء به نفسه) يدخل فيه ما يلازمه المرء في يقظته من الأعمال، والعلوم، والأقوال، وما يقوله الأطباء: من أن الرؤيا تكون عن خلطٍ غالب على الرائي، فيرى في نومه ما يناسب ذلك الخلط، فمن يغلب عليه البلغم رأى السباحة في الماء وما أشبهه، لمناسبة الماء طبيعة البلغم. ومن غلبت عليه الصفراء رأى النيران والصعود في الارتفاع، لمناسبة النَّار في الطبيعة طبيعة الصفراء. وهكذا يقولون في بقية الأخلاط، ونحن ننازعهم في موضعين:\nأحدهما: في أصل تأثير الطبيعة، فإنَّ قالوا: إن الطبيعة سببٌ عادي،","vol":"6","page":18},{"text":"فَإِذا رَأَى أَحَدُكُم مَا يَكرَهُ فَليَقُم فَليُصَلِّ، وَلَا يُحَدِّث بِهَا النَّاسَ،\nــ\nوالله تعالى هو الفاعل بالحقيقة. وهو مذهب المسلمين، فهو الحق. وإن قالوا: إن الطبيعة تفعل ذلك بذاتها، حكمنا بتكفيرهم، وانتقل الكلام إلى علم الكلام.\nوالثاني: أن من أراد منهم أن الرؤيا لا تكون إلا عن الأخلاط، فهو باطل بما قد ثبت عن الصادق فيما ذكرناه من الأحاديث: أن الرؤيا منها ما يكون من الله، وهي المبشرة، والمحذرة. وهذا من باب الخير، وليس في قوة الطبيعة أن تطلع على الغيب بالإخبار عن أمور مستقبلة تقع في المستقبل على نحو ما اقتضته الرؤيا بالاتفاق بين العقلاء. ومن أراد منهم: أن الأخلاط قد تكون سببًا لبعض المنامات، فقد يسلم ذلك على ما قرَّرناه، ثمَّ يبقى نظر آخر، وهو أنه لو كان ما رتبوه صحيحًا للزم عليه ألا يرى من غلب عليه خلط من تلك الأخلاط إلا ما يناسبه، ونحن نشاهد خلافه، فيرى البلغمي النيران، والصعود في الارتفاعات، وعكس ذلك في الصفراوي، فبطل ما قالوه بالمشاهدة، والله وليُّ المعاضدة.\nو(قوله: فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقم فليصل) ليس هذا مخالفًا لقوله في الرواية الأخرى: فلينفث عن يساره ثلاثًا، وليتعوَّذ بالله من شرِّها، وليتحوَّل عن جنبه الذي كان عليه، وإنما الأمر بالصلاة زيادة، فينبغي أن تزاد على ما في هذه الرواية، فيفعل الجميع. ويحتمل أن يقال: إنما اقتصر في هذا الموضع على ذكر الصلاة وحدها، لأنَّه إذا صلَّى تضمَّن فعله للصلاة جميع تلك الأمور، لأنَّه إذا قام إلى الصلاة تحوَّل عن جنبه، وإذا تمضمض نفث وبصق، وإذا قام إلى الصلاة تعوَّذ ودعا، وتفرغ لله تعالى في ذلك في حالٍ هي أقرب الأحوال إجابة، كما قدَّمناه، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: ولا يخبر بها أحدًا (١» أي: لا يعلق نفسه بتأويلها، إذ لا تأويل\n_________\n(١) في التلخيص: ولا يحدث بها الناس.","vol":"6","page":19},{"text":"قَالَ: وَأُحِبُّ القَيدَ، وَأَكرَهُ الغُلَّ، وَالقَيدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ. قال أيوب: فَلَا أَدرِي هُوَ فِي الحَدِيثِ أَم قَالَهُ ابنُ سِيرِينَ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٣٣ و٢٦٩)، والبخاريُّ (٧٠١٧)، ومسلم (٢٢٦٣)، وأبو داود (٥٠١٩)، وابن ماجه (٣٩١٧).\n* * *\nــ\nلها، فإنها من ألقيات الشيطان التي يقصد بها التشويش على المؤمن، إما بتحزين، وإما بترويع، أو ما أشبه ذلك. وفعل ما ذكر كاف في دفع ذلك، ومانع من أن يعود الشيطان لمثل ذلك، وهذا هو الذي فهمه أبو سلمة من الحديث، والله تعالى أعلم، فقال: إن كنت لأرى الرؤيا أثقل عليَّ من الجبل، فما أباليها. وفي أصل كتاب مسلم قال: كنت أرى الرؤيا أعرى لها (١)، غير أني لا أزَّمَّل، أي: تصيبني العرواء، وهي الرعدة. وقال في رواية أخرى: إن كنت لأرى الرؤيا فتمرضني غير أنِّي لا أزَّمَّل لها. والتزميل: اللف، والتَّدثير، يعني: أنها ما كانت تدوم عليه فيحتاج إلى أن يدَّثَّر، لكنه بنفس ما كان يفعل ما أمر به النبي ﷺ من النفث والتعوُّذ وغيره يزول عنه ذلك، ببركة الصدق، والتصديق، والامتثال. وفائدة هذا: ألا يشغل الرائي نفسه بما يكره في نومه، وأن يعرض عنه، ولا يلتفت إليه، فإنَّه لا أصل له. هذا هو الظاهر من الأحاديث، والله أعلم.\nو(قوله: وأحبُّ القيد، وأكره الغُلَّ. . . إلى آخره) ظاهره: أنه من قول النبي ﷺ غير أن أيوب السختياني هو الذي روى هذا الحديث عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، وقد أخبر عن نفسه: أنه شكَّ هل هو من قول النبي ﷺ أو من قول ابن سيرين، فلا يعوَّل على ذلك الظاهر، غير أن هذا المعنى صحيح في العبارة لأن\n_________\n(١) في صحيح مسلم: منها. ومعنى أعرى منها: أي أحمُّ بخوفي من ظاهرها في معرفتي.\nيُقال: عُرِي الرجل يُعرى: إذا أصابه عراء، وهو نفض الحمى.","vol":"6","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-830>(٣) باب الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة</span>\n[٢١٧٦] عن عبادة بن الصامت قال: قَالَ رسول الله ﷺ: رُؤيَا المُؤمِنِ جُزءٌ مِن سِتَّةٍ وَأَربَعِينَ جُزءًا مِن النُّبُوَّةِ.\nرواه البخاريُّ (٦٩٨٧)، ومسلم (٢٢٦٤)، وأبو داود (٥٠١٨)، والترمذيُّ (٢٢٧٢).\n[٢١٧٧] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الرُّؤيَا الصَّالِحَةُ جُزءٌ مِن سِتَّةٍ وَأَربَعِينَ جُزءًا مِن النُّبُوَّةِ.\nوفي رواية: رؤيا الرجل الصالح.\nرواه أحمد (٢/ ٣٦٩)، والبخاري (٦٩٨٨) تعليقًا ومسلم (٢٢٦٣).\n[٢١٧٨] وعَن نَافِعٍ، عَن ابنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الرُّؤيَا الصَّالِحَةُ جُزءٌ مِن سَبعِينَ جُزءًا مِن النُّبُوَّةِ.\nرواه مسلم (٢٢٦٥)، وابن ماجه (٣٨٩٧).\n* * *\nــ\nالقيد في الرجلين، وهو يُثبِّت الإنسان في مكانه، فإذا رآه من هو على حال ما على رجليه كان ذلك دليلًا على ثبوته على تلك الحالة، فإذا رآه من هو من أهل الدين والعلم كان ثباتًا على تلك الحال. ولو رأى المريض قيدًا في رجليه لكان ذلك دليلًا على دوام مرضه. وإنما كره الغل لأنَّه لا يُجعل إلا في الأعناق نكاية، وعقوبة، وقهرًا، وإذلالًا. فيسحب على وجهه، ويجر على قفاه، كما قال تعالى: ﴿إِذِ الأَغلالُ فِي أَعنَاقِهِم وَالسَّلاسِلُ يُسحَبُونَ * فِي الحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسجَرُونَ﴾ ومنه قوله تعالى: ﴿غُلَّت أَيدِيهِم وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ و﴿جَعَلنَا","vol":"6","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-831>(٤) باب رؤية النبي ﷺ</span>\n[٢١٧٩] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن رَآنِي فِي المَنَامِ فَقَد رَآنِي فَإِنَّ الشَّيطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي.\nــ\nفِي أَعنَاقِهِم أَغلالا فَهِيَ إِلَى الأَذقَانِ فَهُم مُقمَحُونَ﴾ وعلى الجملة: فهو مذموم شرعًا وعادة. فرؤيته في النوم (١) دليلٌ على وقوع حالة سيئة بالرائي تلازمه، ولا ينفك عنها، وقد يكون ذلك في دينه، كواجبات فرَّط فيها، أو معاصٍ ارتكبها، أو ديونٍ، وحقوقٍ لازمة له. وقد يكون ذلك في دنياه من شدائد تصيبه، أو أنكاد تلازمه. وبالجملة: فالمعتبر في أعظم أصول العبارة (٢) النظر إلى أحوال الرائي واختلافها، فقد يرى الرائيان شيئًا واحدًا، ويدل في حق أحدهما على خلاف ما يدل عليه في حق الآخر.\n(٤) ومن باب: رؤية النبي ﷺ في المنام\n(قوله ﷺ: من رآني في المنام فقد رآني فإنَّ الشيطان لا يتمثل بي، وفي أخرى: فإنَّ الشيطان لا ينبغي أن يتشبه بي، وفي أخرى: لا ينبغي أن يتمثل في صورتي)، وفي غير كتاب مسلم: لا يتكوَّنُني (٣). اختلف في معنى هذا الحديث، فقالت طائفة من القاصرين: هو على ظاهره، فمن رآه في النوم رأى حقيقته، كما يرى في اليقظة. وهو قول يُدرَك فساده بأوائل العقول، فإنَّه يلزم عليه ألا يراه أحدٌ إلا على صورته التي توفي عليها، ويلزم عليه ألا يراه رائيان في وقت واحد في\n_________\n(١) في (ج ٢): العنق.\n(٢) عبر الرؤيا عبرًا وعبارة: فسَّرها وأخبر بما يؤول إليه أمرُها.\n(٣) قال في \"النهاية\": يتكونني: يتشبَّه بي.","vol":"6","page":22},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمكانين، ويلزم عليه أن يحيا الآن، ويخرج من قبره، ويمشي في الناس، ويخاطبهم، ويخاطبونه كحالته الأولى التي كان عليها، ويخلو قبره عنه، وعن جسده، فلا يبقى منه فيه شيء فيزار غير جدث، ويُسلَّم على غائب، لأنَّه يُرى في الليل والنهار مع اتصال الأوقات على حقيقته، في غير قبره. وهذه جهالات لا يبوء بالتزام شيء منها من له أدنى مسكة من المعقول، وملتزم شيء من ذلك مختل مخبول.\nوقالت طائفة أخرى: إنما معناه: أن من رآه على صفته التي كان عليها في الدنيا فمنامه ذلك هو الصحيح، ورؤيته له حق، فإنَّ الشيطان لا يتصوَّر بصورته التي كان عليها.\nقلت: وهذا يلزم منه: أن من رآه على غير صفته التي كان عليها في الدنيا لا تكون رؤيته حقًّا، ويكون من باب أضغاث الأحلام. ومن المعلوم: أنه يجوز أن يرى في النوم على حالة تخالف ما كان عليها في الوجود من الأحوال اللائقة به، ومع ذلك: فتقع تلك الرؤيا حقًّا كما إذا رؤي قد ملأ بلدة، أو دارًا بجسمه، فإنَّه يدلّ على امتلاء تلك البلدة بالحق والشرع، وتلك الدار بالبركة. وكثيرًا ما وقع نحو هذا، وأيضًا: فلو تمكَّن الشيطان من التمثُّل في شيء مما كان عليه، أو نسب إليه لما صدق مطلقًا قوله: فإنَّ الشيطان لا يتمثل بي، فإنَّه إذا تمثل ببعض صفاته وأحواله فقد تمثل به، فالأولى أن تنزه رؤية النبي ﷺ أو رؤية شيء من أحواله، أو مما ينسب إليه عن تمكُّن الشيطان من شيء منه. ونفي جمي ذلك مطلقًا أبلغ في الحرمة، وأليق بالعصمة، وكما عصم من الشيطان في يقظته في كل أوقاته، كذلك عصم منه [في منامه] (١) مع اختلاف حالاته. فالصحيح في معنى هذا الحديث - إن شاء الله تعالى - أن يقال: إن مقصوده الشهادة منه ﷺ بأن رؤيته في النوم على أي حال كان ليست باطلة، ولا من أضغاث الأحلام، بل هي حق في\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ليس في (م ٢).","vol":"6","page":23},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nنفسها، وإن تصوير تلك الصورة، وتمثيل ذلك المثال ليس من قبل الشيطان، إذ لا سبيل له إلى ذلك، وإنما ذلك من قبل الله تعالى. وهذا مذهب القاضي أبي بكر وغيره من المحققين. وقد شهد لذلك قوله ﷺ: من رآني فقد رآني الحق، أي: الحق الذي قصد إعلام الرائي به، وإذا كانت تلك حقًّا فينبغي أن يبحث عن تأويلها، ولا يُهمل أمرها، فإنَّ الله تعالى إنما مثَّل ذلك للرائي بشرى، فينبسط للخير، أو إنذارًا لينزجر عن الشر. أو تنبيهًا على خير يحصل له في دين، أو دنيا. والله تعالى أعلم.\nتنبيه: قد قررنا أن المدرك في المنام أمثلة للمرئيات لا أنفس المرئيات، غير أن تلك الأمثلة تارة تكون مطابقة لحقيقة المرئي، وقد لا تكون مطابقة. ثم المطابقة قد تظهر في اليقظة على نحو ما أدركت في النوم، كما قد صح عنه ﷺ أنه قال لعائشة: أريتك في سَرَقَةٍ (١) من حرير، فإذا هي أنت (٢)، ومعناه: أنه رآها في نومه على نحو ما رآها في يقظته.\nقلت: وقد وقع لي هذا مرات. منها: أني لما وصلت إلى تونس قاصدًا إلى الحج سمعت أخبارًا سيِّئةٍ عن البلاد المصرية من جهة العدو الذي غلب على دمياط، فعزمت على المقام بتونس إلى أن ينجلي أمر العدو، فأُريت في النوم كأني في مسجد النبي ﷺ وأنا جالس قريبًا من منبره، وأُناس يسلمون على النبي ﷺ، فجاءني بعض من سلَّم عليه، فانتهرني وقال: قم فسلِّم على النبي ﷺ، فقمت فشرعت في السلام على النبي ﷺ فاستيقظت، وأنا أسلِّم عليه، فجدَّد الله لي عزمًا، ويَسَّر عليَّ فيما كان قد صعب من أسبابي، وأزال عني ما كنت أتخوَّفه من أمر العدو، وسافرت إلى أن وصلت إلى الإسكندرية عن مدة مقدارها ثلاثون يومًا\n_________\n(١) أي: في قطعةٍ من جيِّد الحرير، وجمعها: سَرَق.\n(٢) رواه أحمد (٦/ ٤١ و١٢٨ و١٦١)، والبخاري (٣٨٩٥)، ومسلم (٢٤٣٨).","vol":"6","page":24},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفي كتف السلامة، فوجدتها والديار المصرية على أشد خوف، وأعظم كرب، والعدو قد استفحل أمره، وعظمت شوكته، فلم أكمل في الإسكندرية عشرة أيام حتى كسر الله العدو، ومكن منه من غير صُنع أحد من المخلوقين، بل: بلطف أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين (١). ثم: إن الله تعالى كمَّل عليَّ إحسانه، وإنعامه، وأوصلني بعد حجِّ بيته إلى قبر نبيه ومسجده، فرأيته والله في اليقظة على النحو الذي رأيته في المنام من غير زيادة ولا نقصان.\nومنها: أني تزوجت امرأة، وقبل الدخول بها حدثت عن صفتها ما أوقع في قلبي نُفرة، فأريتها في النوم على الصفة التي كانت عليها في بيتها، ثم إني لما اجتمعت بها وجدتها هي التي أريتها في النوم. ونحو هذا كثير.\nوأما إذا لم يظهر في اليقظة كذلك، فيعلم أن المقصود بتلك الصورة معناها لا عينها، وكذلك الحكم إذا خالف ذلك المثال صورة المرئي نفسه إما بزيادة، أو نقصان، أو تغيُّر لون، أو حدوث عيب، أو زيادة عضو، أو عين، أو غير ذلك. والمقصود بذلك أيضًا: التنبيه على معاني تلك الأمور، وإذا تقرر هذا فيجوز أن يرى النبي ﷺ في النوم على صفته التي كان عليها في الوجود، ويكون من فوائد ذلك: تسكين شوق الرائي، لكونه مُستهتِرًا (٢) بمحبته، وليعمل على مشاهدته وهذا هو الذي أشار إليه النبي ﷺ لَمَّا قال: من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، أي: من رآني رؤية معظِّمٍ لحرمتي، ومُشتاقٍ لمشاهدتي، وصل إلى رؤية محبوبه، وظفر بكل مطلوبه.\nويجوز أن يكون مقصود ذلك المنام معنى صورته، وهو دينه وشريعته،\n_________\n(١) كانت هذه الأحداث في عام (٦٤٧ هـ) وهو تاريخ دخول الفرنج الصليبيين إلى دمياط وخروجهم. انظر البداية والنهاية (١٣/ ١٧٧).\n(٢) أي: مولعًا.","vol":"6","page":25},{"text":"وفي رواية: مَن رَآنِي فِي المَنَامِ فسيراني في اليقظة، أو: لكأنما رآني في اليقظة؛ لا يتمثل الشيطان بي.\nوفي أخرى: من رآني فقد رأى الحق.\nرواه أحمد (٢/ ٢٦١ و٣٤٢)، والبخاريُّ (٦٩٩٣)، ومسلم (٢٢٦٦) (١٠ و١١) و(٢٢٦٧) من طريق محمد بن عبدالله بن أخي الزُّهري، وأبو داود (٥١٢٣)، والترمذيُّ (٢٢٨٠)، وابن ماجه (٣٩٠١ و٣٩٠٤).\nــ\nفيعبَّر بحسب ما رآه الرائي من زيادة، أو نقصان، أو إساءة، أو إحسان، وكذلك الحكم إذا رأى على خلاف الصورة التي كان عليها مما يجوز عليه.\nفأمَّا رؤية الله تعالى في النوم: فقد قال القاضي عياض: لم يختلف العلماء في جواز صحة رؤية الله تعالى في المنام. وإن رئي على صفة لا تليق بجلاله من صفات الأجسام، يتحقق أن ذلك المرئي غير ذات الله تعالى، إذ لا يجوز عليه التجسيم، ولا اختلاف الحالات، بخلاف رؤية النبي ﷺ فكانت رؤيته ﵎ في النوم من باب التمثيل والتخييل. وقال القاضي أبو بكر - ﵀ -: رؤية الله تعالى في النوم أوهام وخواطر في القلب بأمثال لا تليق به بالحقيقة، ويتعالى ﷾ عنها، وهي دلالات للرائي على أمر مما كان أو يكون، كسائر المرئيات. وقال غيره: رؤية الله في المنام حقٌّ وصدقٌ لا كذب فيها، لا في قول ولا في فعل.\nو(قوله (١): من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، أو: لكأنما رآني في اليقظة)، هذا شكٌّ من الراوي، فإنَّ كان اللفظ الأول هو الصحيح، فتأويله ما\n_________\n(١) ورد في جميع النسخ: (ومن باب) والصواب ما أثبتناه ليتناسب السياقُ مع ما ورد في أحاديث هذا الباب في التلخيص.","vol":"6","page":26},{"text":"[٢١٨٠] وعن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن رَآنِي فِي المنَامِ فَقَد رَآنِي فَإِنَّهُ لَا يَنبَغِي لِلشَّيطَانِ أَن يَتَشَبَّهَ بِي.\nوفي رواية: أن يتمثل في صورتي.\nرواه مسلم (٢٢٦٨) (١٢ و١٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-832>(٥) باب لا يخبر بتلعب الشيطان به</span>\n[٢١٨١] عَن جَابِرٍ قَالَ: جَاءَ أَعرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيتُ فِي المَنَامِ كَأَنَّ رَأسِي ضُرِبَ فَتَدَحرَجَ فَاشتَدَدتُ عَلَى أَثَرِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلأَعرَابِيِّ: لَا تُحَدِّث النَّاسَ بِتَلَعُّبِ الشَّيطَانِ بِكَ فِي مَنَامِكَ، وَقَالَ: سَمِعتُ النَّبِيَّ ﷺ بَعدُ يَخطُبُ فَقَالَ: لَا يُحَدِّثَنَّ أَحَدُكُم بِتَلَعُّبِ الشَّيطَانِ بِهِ فِي مَنَامِهِ.\nــ\nذكرناه. وإن كان الثاني هو الصحيح، فمعناه: أن رؤيته حق وصدق كما قدمناه. والله تعالى أعلم.\n(٥) [ومن باب: لا يخبر بتلعب الشيطان به] (١)\n(قوله للأعرابي الذي أخبره: أنه رأى أن رأسه قد قطع: لا تخبر بتلعب الشيطان بك في منامك (٢)، دليلٌ على منع أن يخبر الإنسان بما يراه في منامه مما\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ليس في الأصول، وما أثبتناه استدرك من التلخيص.\n(٢) هذه الرواية في صحيح مسلم (٢٢٦٨) (١٤) لم يوردها المؤلف -﵀- في التلخيص.","vol":"6","page":27},{"text":"وفي رواية: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيتُ فِي المَنَامِ كَأَنَّ رَأسِي قُطِعَ، قَالَ: فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ، وَذكر نحوه.\nرواه أحمد (٣/ ٣١٥)، ومسلم (٢٢٦٨) (١٥ و١٦)، والنّسائي (٩١٢) في اليوم والليلة، وابن ماجه (٣٩١٣).\n* * *\nــ\nيكرهه، مما يظن أنه من الشيطان. وقد تقدَّم بيان ذلك. وهذه المنام على مساق هذا الحديث ليس في ظاهرها ما يدلّ على أنها من الشيطان، غير أن النبي ﷺ علم أنها من الشيطان بطريق آخر غير ظاهرها، [فإمَّا أن يكون ذكر الرائي ما يدلّ على ذلك، ولم ينقله الراوي، وإمَّا أن يكون ذلك من باب الوحي وهو الظاهر (١). وقد ذكر أهل العلم بالعبارة قطع الرأس في النوم، وذكروا: أنه يدل على زوال نعم الرائي، أو سلطانه، أو تغيُّر حاله، أو مفارقة من هو فوقه، فإنَّ كان عبدًا دلَّ على عتقه، أو مريضًا فعلى شفائه، أو مِديانًا فعلى قضاء دينه، أو صرورة (٢) فعلى حَجِّه، أو مغمومًا فعلى فرجه، أو خائفًا فعلى أمنه، إلى غير ذلك مما وسَّعوا القول فيه. وقد ذكر ابن قتيبة في كتاب أصول العبارة أن رجلًا قال: يا رسول الله! رأيت فيما يرى النائم كأن رأسي قطع فجعلت أنظر إليه بإحدى عيني! فضحك النبي ﷺ وقال: بأيتهما كنت تنظر إليه؟ فلبث ما شاء الله، ثم قُبِض النبي ﷺ فعبَّر الناس: أن الرأس كان النبي ﷺ وأن النظر إليه كان اتباع السُّنَّة.\n* * *\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).\n(٢) يُقال: رجل صرورة؛ للذي لم يحج.","vol":"6","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-833>(٦) باب استدعاء العابر ما يعبر، وتعبير من لم يسأل</span>\n[٢١٨٢] عَن سَمُرَةَ بنِ جُندَبٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى الصُّبحَ أَقبَلَ عَلَيهِم بِوَجهِهِ، فَقَالَ: هَل رَأَى أَحَدٌ مِنكُم البَارِحَةَ رُؤيَا؟ .\nرواه أحمد (٥/ ١٤)، والبخاري (١١٤٣)، ومسلم (٢٢٧٥)، والترمذيُّ (٢٢٩٥).\nــ\n(٦) ومن باب: استدعاء العابر ما يعبر\n(قوله: كان النبي ﷺ إذا صلَّى الصبح أقبل علينا بوجهه) فيه دليل على أن الإمام لا يمكث في موضع صلاته إذا فرغ منها، وقد تقدَّم ذلك.\nو(قوله: هل رأى منكم أحدٌ البارحة رؤيا؟) إنما كان النبي ﷺ يسألهم عن ذلك لما كانوا عليه من الصلاح، والصدق، فكان قد علم أن رؤياهم صحيحة، وأنها يستفاد منها الاطلاع على كثير من علم الغيب، وليبين لهم بالفعل الاعتناء بالرؤيا، والتشوُّف لفوائدها، وليعلمهم كيفية التعبير، وليستكثر من الاطلاع على علم الغيب.\nو(قوله: البارحة) يعني به: الليلة البارحة، أي: الذاهبة، اسم فاعل من برح الشيء: إذا ذهب. ومنه قولهم: برح الخفاء، أي: ذهب. وإذا دخل حرف النفي على برح صار من أخوات كان التي ترفع الاسم، وتنصب الخبر. ووقع هذا اللفظ في غير كتاب مسلم: هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا (١) بدل: البارحة. واستدل بعض الناس على أن ما بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس من الليل (٢)، وليس بصحيح، لأنَّه: إنما أشار لليَّلة البارحة، لا للساعة الحاضرة بدليل هذه\n_________\n(١) سبق تخريجه في التلخيص برقم (٢٨٩٠).\n(٢) أي: هو من الليل.","vol":"6","page":29},{"text":"[٢١٨٣] وعن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ كان مما يقول لأصحابه:\nــ\nالرواية الصحيحة التي قال فيها: البارحة. ومعناها: الماضية بالاتفاق، فكأنه قال: الليلة الماضية، أو المنصرمة. ولما كانت قريبة الانصرام أشار إليها، ولما كان هذا معلومًا اكتفي بذكر الليلة عن صفتها، ولما كانت البارحة صفة معلومة لليلة استعملها غير تابعة استعمال الأسماء، وكان الأصل الجمع بين التابع والمتبوع، فيقال: الليلة البارحة. لكن ذلك جاز لما ذكرناه.\nو(قوله: كان مما يقول لأصحابه) قال القاضي أبو الفضل: معنى (مما) هاهنا عندهم: كثيرًا ما كان يفعل كذا. قال ثابت في مثل هذا: كأنه يقول: هذا من شأنه، ودأبه، فجعل (ما) كناية عن ذلك. يريد: ثم أدغم (من) (١) فقال: مما يقول. وقال غيره: معنى (ما) هاهنا: ربما، لأنَّ ربما تأتي للتكثير.\nقلت: وهذا كلام جملي لم يحصل به بيان تفصيلي، فإنَّ هذا الكلام من السهل جملة الممتنع تفصيلًا. وبيانه بالإعراب، وذلك: أن اسم كان مستتر فيها يعود على النبي ﷺ وخبرها في الجملة التي بعدها، وذلك: أن (ما) من (مما) بمعنى: الذي، وهي مجرورة بـ (من) وصلتها: يقول، والعائد محذوف. وهذا المجرور: خبر المبتدأ الذي هو: من رأى منكم رؤيا، فإنَّه كلام محكي معمول للقول، تقديره: كان رسول الله ﷺ من جملة القول الذي يقوله هذا القول. ويجوز أن تكون مصدرية، ويكون تقديرها: كان النبي ﷺ من جملة قوله: من رأى منكم رؤيا ومَن في كلا الوجهين: استفهام محكي. والله تعالى أعلم. وأبعد ما قيل فيها: قول من قال: إن من بمعنى: ربما، إذ لا يساعده اللسان، ولا يلتئم مع تكلُّفه الكلام.\n_________\n(١) في الأبي (٦/ ٨٧): قال ثابت: معنى (مما) ها هنا: كثير، أي: كثيرًا ما كان يقول، أي: شأنه ودأبه، فجُعلت (ما) كناية عن ذلك، وأدغم فيها (ن) مِن، فقال: مما.","vol":"6","page":30},{"text":"من رأى منكم رؤيا فليقصها أعبرها؟ قال فجاء رجل فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رأيت ظُلَّةً تَنطِفُ السَّمنَ وَالعَسَلَ، فَإذا النَّاس يَتَكَفَّفُونَ مِنهَا بِأَيدِيهِم، فَالمُستَكثِرُ وَالمُستَقِلُّ، وَأَرَى سَبَبًا وَاصِلًا مِن السَّمَاءِ إِلَى الأَرضِ، فَأَرَاكَ أَخَذتَ بِهِ فَعَلَوتَ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ مِن بَعدِكَ فَعَلَا، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَانقَطَعَ بِهِ، ثُمَّ وُصِلَ لَهُ فَعَلَا. قَالَ أَبُو بَكرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنتَ وأمي وَاللَّهِ لَتَدَعَنِّي فَلَأَعبُرَهَا، قَالَ\nــ\nو(قوله: فليقصَّها أَعبُرها) أي: ليذكر قصتها وليتتبع جزئياتها حتى لا يترك منها شيئًا، مأخوذ من: قصصت الأثر: إذا تتبعته. وأعبرها، أي: أعتبرها وأفسرها. ومنه قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُم لِلرُّؤيَا تَعبُرُونَ﴾ وأصله من عبرت النهر: إذا جُزتُ من إحدى عُدوتيه إلى الأخرى.\nوالظُّلة: السَّحابة التي تظلل من تحتها. وتنطف: تقطر. والنطفة: القطرة من المائع. ويتكففون: يأخذون بأكفهم، ويحتمل أن يكون معناه: يأخذون من ذلك كفايتهم. وهذا أليق بقوله: فالمستكثر من ذلك والمستقل. والسبب: الحبل.\nو(قوله: بأبي أنت وأمي) أي: مَفدِيٌّ من المكاره والمساوئ.\nو(قوله: والله لتدعني فلأعبرها) هذه الفاء: زائدة. وأعبرها منصوب بلام كي، ويصح أن تكون لام الأمر فتجزم، ولا تكون لام القسم لما يلزم من فتحها، ومن دخول النون في فعلها.\nوفيه من الفقه: جواز الحلف على الغير، وإبرار الحالف، فإنَّه ﷺ أجاب طَلِبَتَه، وأبرَّ قسمه، فقال له: اعبُر. ويدل على تمكُّن أبي بكر من علم عبارة الرؤيا.\nووجه عبارة أبي بكر لهذه الرؤيا واضحة، ومناسباتها واقعة، غير أن","vol":"6","page":31},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اعبُرهَا، قَالَ أَبُو بَكرٍ: أَمَّا الظُّلَّةُ فَظُلَّةُ الإِسلَامِ، وَأَمَّا الَّذِي يَنطِفُ مِن السَّمنِ وَالعَسَلِ فَالقُرآنُ حَلَاوَتُهُ وَلِينُهُ، وَأَمَّا مَا يَتَكَفَّفُ النَّاسُ مِن ذَلِكَ فَالمُستَكثِرُ مِن القُرآنِ وَالمُستَقِلُّ، وَأَمَّا السَّبَبُ الوَاصِلُ مِن السَّمَاءِ إِلَى الأَرضِ، فَالحَقُّ الَّذِي أَنتَ عَلَيهِ تَأخُذُ بِهِ فَيُعلِيكَ اللَّهُ، ثُمَّ يَأخُذُ بِهِ رَجُلٌ مِن بَعدِكَ فَيَعلُو بِهِ، ثُمَّ يَأخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَعلُو بِهِ، ثُمَّ يَأخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَنقَطِعُ بِهِ، ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ فَيَعلُو بِهِ، فَأَخبِرنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنتَ أَخطَأتُ أم أَصَبتُ؟\nقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَصَبتَ بَعضًا وَأَخطَأتَ\nــ\nالنبي ﷺ لما قال له: أصبت بعضًا، وأخطأت بعضًا، ولم يبيِّن له ما الذي أخطأ فيه. اختلف الناس فيه، فقيل: معناه: أنه قصَّر في ترك بعض أجزاء الرؤيا غير مفسَّرة، وذلك أنه ردَّ شيئين لشيءٍ واحد، فإنَّه ردَّ السَّمن والعسل للقرآن، ولو ردَّ الحلاوة للقرآن والسَّمن للسُّنَّة، لكان أليق، وأنسب. وإلى هذا أشار الطحاوي.\nقلت: وفي هذا بُعد، ويرد عليه مؤاخذات يطول تتبعها.\nوقال بعضهم: إن المنام يدلّ على خلع عثمان، لأنه الثالث الذي أخذ بالسبب فانقطع به، غير أنه لم يُوصل له بِعَودِ الخلافة، فإنَّه قتل، وإنما وصل لغيره، وهو علي ﵄.\nقلت: وهذا إنما يصحُّ إذا لم يرو في الحديث: له من وصل له على ما نبَّه عليه القاضي فإنَّه قال: ليس فيها له. وإنما هو: وصل فقط. وعلى هذا يمكن أن ينسب الخطأ إلى هذا المعنى، لأنَّه تأوَّل الوصل له وهو لغيره، لكن الرواية الصحيحة والموجود في الأصول التي وقفت عليها ثبوت له، وعلى هذا فإنما وصل له بالشهادة والكرامة التي أعدَّها الله تعالى له في الدار الآخرة، وتأوَّلها أبو بكر ﵁ على الخلافة. والله تعالى أعلم. وبعد هذا فأقول: إن تكلُّف إبداء ذلك الخطأ الذي سكت عنه النبي ﷺ ولم يعلمه أبو بكر، ولا من كان","vol":"6","page":32},{"text":"بَعضًا، قَالَ: فَوَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَتُحَدِّثَنِّي بالَّذِي أَخطَأتُ، قَالَ: لَا تُقسِم.\nرواه البخاريُّ (٧٠٤٦)، ومسلم (٢٢٦٩)، وأبو داود (٤٦٣٢)، والترمذيُّ (٢٢٩٤)، وابن ماجه (٣٩١٨).\n* * *\nــ\nهناك من أكابر الصحابة وعلمائهم ﵃ جرأة نستغفر الله تعالى منها، وإنما لم يعيِّن ذلك النبي ﷺ أنه ليس من الأحكام التي أمر بتبليغها، ولا أرهقت إليه حاجة، ولعلَّه لو عيَّن ما أخطأ فيه لأفضى ذلك إلى الكلام في الخلافة، ومن تتم له، ومن لا تتم له، فتنفر لذلك نفوس، وتتألم قلوبٌ، وتطرأ منه مفاسد، فسدَّ النبي ﷺ ذلك الباب. والله تعالى أعلم بالصواب.\nو(قوله ﷺ لأبي بكر ﵁: لا تُقسم) مع أنه قد أقسم. معناه: لا تعد للقسم. ففيه: ما يدلّ على أن أمر النبي ﷺ بإبرار المقسم (١) ليس بواجب، وإنما هو مندوب إليه إذا لم يعارضه ما هو أولى منه.\n* * *\n_________\n(١) في هذا إشارة إلى الحديث الوارد في صحيح مسلم برقم (٢٠٦٩) (٣)، وفيه: \"وإبرار القسم أو المُقْسِمِ\".","vol":"6","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-834>(٧) باب فيما رأى النبي ﷺ في نومه</span>\n[٢١٨٤] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: رَأَيتُ ذَاتَ لَيلَةٍ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّا فِي دَارِ عُقبَةَ بنِ رَافِعٍ، فَأُتِينَا بِرُطَبٍ مِن رُطَبِ ابنِ طَابٍ، فَأَوَّلتُ الرِّفعَةَ لَنَا فِي الدُّنيَا وَالعَاقِبَةَ فِي الآخِرَةِ، وَأَنَّ دِينَنَا قَد طَابَ.\nرواه مسلم (٢٢٧٠) (١٨).\nــ\n(٧) ومن باب: ما رأى النبي ﷺ في نومه\nحديث أنس ﵁ هذا وتأويله دليل: على أن تعبير الرؤيا قد تؤخذ من اشتقاق كلماتها، فإنَّه ﷺ أخذ من عقبة: حسن العاقبة، ومن رافع: الرفعة. ومن رطب بن طاب: لذاذة الدين وكماله. وقد قال علماء أهل العبارة أن لها أربعة طرق:\nأحدها: ما يشتق من الأسماء كما ذكرناه آنفًا.\nوثانيها: ما يعتبر مثاله، ويميز شكله كدلالة معلم الكتاب على القاضي، والسلطان، وصاحب السجن، ورأس السفينة، وعلى الوصي والوالد.\nوثالثها: ما يعبره المعنى المقصود من ذلك الشيء المرئي، كدلالة فعل السَّفر على السَّفر، وفعل السوق على المعيشة، وفعل الدار على الزوجة والجارية.\nورابعها: التعبير بما تقدم له ذكر في القرآن والسُّنة أو الشعر، أو كلام العرب وأمثالها. وكلام الناس وأمثالهم، أو خبر معروف، أو كلمة حكمة، وذلك كنحو تعبير الخشب بالمنافق، لقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ وكتعبير الفأر بفاسق، لأنَّه ﷺ سماه: فويسقًا. وكتعبير القارورة بالمرأة، لقوله ﷺ: رفقًا بالقوارير (١)، يعني: ضعفة النساء، وتتبع أمثلة ما ذكر يطول.\n_________\n(١) رواه الحميدي في مسنده (١٢٠٩) بلفظ: \"رفقًا قودًا بالقوارير\".","vol":"6","page":34},{"text":"[٢١٨٥] وعن عَبدَ اللَّهِ بن عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَرَانِي فِي المَنَامِ أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ، فَجَذَبَنِي رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَكبَرُ مِن الآخَرِ، فَنَاوَلتُ السِّوَاكَ الأَصغَرَ مِنهُمَا فَقِيلَ لِي كَبِّر: فَدَفَعتُهُ إِلَى الأَكبَرِ.\nرواه البخاريُّ (٢٤٦)، ومسلم (٢٢٧١) (١٩).\n[٢١٨٦] وعَن أَبِي مُوسَى عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: رَأَيتُ فِي المَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِن مَكَّةَ إِلَى أَرضٍ بِهَا نَخلٌ، فَذَهَبَ وَهلِي إِلَى أَنَّهَا اليَمَامَةُ أَو هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ المَدِينَةُ يَثرِبُ،\nــ\nو(قوله ﷺ: أريت في المنام أني أهاجر إلى أرض بها نخل) هذا يدلُّ على أن هذه الرؤيا وقعت له وهو بمكة قبل الهجرة، وأن الله تعالى أطلعه بها على ما يكون من حاله وحال أصحابه يوم أحد، وبأنهم يصاب من صدورهم معه، وأن الله تعالى يثبتهم بعد ذلك، ويجمع كلمتهم، ويقيم أمرهم، ويعزُّ دينهم، وقد كمَّل الله تعالى له ذلك بعد بدر الثانية. وهي المرادة في هذا الحديث على ما يأتي بيانه إن شاء الله.\nو(قوله: فذهب وَهَلي إلى أنها اليمامة، أو هجر، فإذا هي المدينة) أي: ذهب وهمي وظني. والوهل - بفتح الهاء -: ما يقع في خاطر الإنسان، ويهم به. وقد يكون في موضع آخر: الغلط، وليس مرادًا هنا بوجه، لأنَّه لم يجزم بأنها واحدة منهما، وإنما جوَّز ذلك، إذ ليس في المنام ما يدلّ على التعيين، وإنما أري أرضًا ذات نخل، فخطر له ذانك الموضعان، لكونهما من أكثر البلاد نخلًا، ثم إنه لما هاجر إلى المدينة تعيَّنت له تلك الأرض، فأخبر عنها بعد هجرته إليها بقوله: فإذا هي المدينة.\nففيه ما يدلّ: على أن الرؤيا قد تقع موافقة لظاهرها من غير تأويل. وأن الرؤيا قبل وقوعها لا يقطع الإنسان بتأويلها، وإنما هي: ظن وحدس، إلا فيما كان","vol":"6","page":35},{"text":"وَرَأَيتُ فِي رُؤيَايَ هَذِهِ أَنِّي هَزَزتُ سَيفًا فَانقَطَعَ صَدرُهُ، فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِن المُؤمِنِينَ يَومَ أُحُدٍ،\nــ\nمنها وحيًا للأنبياء، كما وقع لإبراهيم ﵊ في قوله لابنه: ﴿إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذبَحُكَ﴾ فإنَّ ذلك لا يكون إلا عن يقين يحصل لهم قطعًا، خلافًا لمن قال من أهل البدع: إن ذلك كان منه ظنًّا وحسبانًا. وهو قول باطل، لأنَّه لم يكن ليقدم على معصوم الدم - قطعًا - محبوب شرعًا وطبعًا بمنام لا أصل له ولا تحقيق فيه.\nو(قوله: ورأيت في رؤياي هذه: أني هززت سيفًا فانقطع صدره)، هذا نصٌّ في أن رؤيته لدار هجرته، ولهذه الحالة الدالة على قضية يوم أحد كانت منامًا واحدًا، وقد تأوَّل ﷺ السيف هنا بالقوم الذين كانوا معه، الناصرين له أخذًا من معنى السيف لأنه به ينتصر (١)، ويعتضد في اللقاء، كما يعتضد بالأنصار والأولياء. وقد يُتأوَّل على وجوه متعددة في غير هذا الموضع، فقد يدلّ على الولد، والوالد، والعم، والعصبة، والزوجة، والسلطان، والحجَّة القاطعة، وذلك بحسب ما يظهر من أحوال الرائي والمرئي، ووقت الرؤيا. وإنما تأوَّل انقطاع صدر السيف [بقتل من قتل يوم أحد، لأنَّهم كانوا معظم صدر عسكره، إذ كان فيهم: عمه حمزة، وغيره من أشراف المهاجرين والأنصار، فاقتبس صدر القوم من صدر السيف] (٢) والقطع الذي رئي فيه قطع أعمار المقتولين. وهزِّه للسيف: هو حمله إياهم على الجهاد، وحثهم عليه. والرواية الصحيحة الفصيحة هي: هززته بزايين، وتاء مثناة من فوق. وقد قاله بعض الرواة بزاي واحدة مشدَّدة، وتاء مخففة، فيقول: هزَّتُه، وقيل: هي لغة بكر بن وائل.\n_________\n(١) في (ز) و(م ٣): يستنصر.\n(٢) ما بين حاصرتين سقط من (ع).","vol":"6","page":36},{"text":"ثُمَّ هَزَزتُهُ أُخرَى فَعَادَ أَحسَنَ مَا كَانَ، فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِن الفَتحِ وَاجتِمَاعِ المُؤمِنِينَ، وَرَأَيتُ أَيضًا فيها بَقَرًا وَاللَّهُ خَيرٌ، فَإِذَا هُم النَّفَرُ مِن المُؤمِنِينَ يَومَ أُحُدٍ،\nــ\nو(قوله: ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح، واجتماع المؤمنين) يعني به - والله أعلم - ما صنع الله لهم بعد أحد، وذلك: أنهم لم ينكلوا عن الجهاد، ولا ضعفوا، ولا استكانوا لما أصابهم يوم أحد، لكن جدَّدوا نياتهم، وقوَّوا إيمانهم وعزماتهم، واجتمعت على ذلك جماعاتهم، وصحَّت في ذلك رغباتهم، فخرجوا على ما بهم من الضعف والجراح فغزوا غزوة حمراء الأسد مستظهرين على عدوهم بالقوة والجلد، ثم فتح الله تعالى عليهم، ونصرهم في غزوة بني النضير، ثم في غزوة ذات الرِّقاع، ثم لم يزل الله تعالى يجمع المؤمنين، ويكثرهم، ويفتح عليهم إلى بدر الثانية، وكانت في شعبان من السنة الرابعة من الهجرة، وبعد تسعة أشهر ونصف شهر من أحد، فما فتح الله عليه به في هذه المدة هو المراد هنا كما يأتي.\nو(قوله: ورأيت فيها أيضًا بقرًا، والله خيرٌ) الضمير في فيها عائد على الرؤيا المذكورة. والرواية المشهورة برفع الله - و- خير على الابتداء والخبر، أي: ثواب الله خيرٌ للنفر المقتولين بالشهادة، ولمن أصيب بهم بأجر المصيبة، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، تقديره: ورأيت والله بقرًا تنحر. على إعمال رأيت في بقرًا) وعلى خفض اسم الله تعالى على القسم. وهكذا روى الخبر ابن هشام. وسمِّي ذلك خيرًا على جهة التفاؤل.\nقلت: والأول أوضح، وأبعد من الاعتراض.\nو(قوله: فإذا هم النفر من المؤمنين يوم أحد) يحتمل أن يكون أخذ النفر من لفظ: بقر- مصحفًا - إذ لفظهما واحد، وليس بينهما إلا اختلاف النقط، فيكون هذا تنبيهًا على طريق خامس في طريق العبارة المتقدِّمة. ويحتمل أن يكون","vol":"6","page":37},{"text":"وَإِذَا الخَيرُ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِن الخَيرِ بَعدُ، وَثَوَابُ الصِّدقِ الَّذِي آتَانَا اللَّهُ بَعدَ يَومِ بَدرٍ.\nرواه مسلم (٢٢٧٢) (٢٠)، وابن ماجه (٣٩٢١).\nــ\nأخذ ذلك من أن الرجال المقاتلة في الحرب يشبهون لما معها من أسلحتها التي هي قرونها، ولمدافعتها بها، ومناطحتها بعضها لبعضٍ بها، وقد كانت العرب تستعمل القرون في الرماح عند عدم الأسنة. والله تعالى أعلم، وكأن هؤلاء المؤمنين الذين عبر عنهم بالنفر غير المؤمنين بصدر السيف. فكأن أولئك صدر الكتيبة، وهؤلاء مقاتلتها، والكل من خير الشهداء، وأفضل الفضلاء.\nو(قوله: فإذا هو ما جاء الله به من الخير بعد (١» هكذا صحَّت الرواية بضم بعد على قطعه عن الإضافة. ويعني به ما أصيبوا به يوم أحد. والعامل فيه جاء والخير: هو الذي ذكرناه آنفًا.\nو(قوله: وثواب الصِّدق الذي آتانا الله بعد يوم بدر) كذا صحت الرواية: بعد منصوبًا على الظرف المعرب المضاف إلى يوم بدر، [والعامل فيه: آتانا. فهذان أمران مختلفان أوتيهما في وقتين مختلفين. أحدهما: بعد أحد، والثاني: بعد بدر] (٢)، مع أنهما مرتبان على ما جرى في أحد، فيستحيل أن يكون يوم بدر هنا هو يوم غزوة بدر الكبرى، لتقدُّم بدر الكبرى على أحد بزمان طويل، لأنَّه ﷺ خرج إلى بدر الأولى في شهر رمضان في السَّنة الثانية من الهجرة. وكانت أحد في السنة الثالثة في النصف من شوَّالها، ولذلك قال علماؤنا: إن يوم بدر في هذا الحديث هو يوم بدر الثاني، وكان من أمرها: أن قريشًا لما أصابت في أحد من أصحاب النبي ﷺ ما أصابت، وأخذوا في الرُّجوع نادى أبو سفيان يُسمِعُ النبي ﷺ\n_________\n(١) في التلخيص: وإذا الخير ما جاء الله به من الخير بعد.\n(٢) ما بين حاصرتين سقط من (ع).","vol":"6","page":38},{"text":"[٢١٨٧] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ مُسَيلِمَةُ الكَذَّابُ عَلَى عَهدِ رسول الله ﷺ المَدِينَةَ فَجَعَلَ يَقُولُ: إِن جَعَلَ لِي مُحَمَّدٌ الأَمرَ مِن بَعدِهِ تَبِعتُهُ فَقَدِمَهَا فِي بَشَرٍ كَثِيرٍ مِن قَومِهِ، فَأَقبَلَ إِلَيهِ النَّبِيُّ ﷺ وَمَعَهُ ثَابِتُ بنُ\nــ\nفقال: موعدكم يوم بدر في العام المقبل. فأمر النبي ﷺ بعض أصحابه أن يجيبه بنعم، فلمَّا كان العام المقبل - وهي السنة الرابعة من الهجرة -، خرج في شعبانها إلى بدر الثانية، فوصل إلى بدر، وأقام هناك ينتظر أبا سفيان، وخرج أبو سفيان في أهل مكة حتى بلغ عسفان. ثمَّ: إنهم غلبهم الخوف، فرجعوا، واعتذروا بأن العام عام جدب. وكان عذرًا محتاجًا إلى عذر، فأخزى الله المشركين، ونصر المؤمنين. ثمَّ إن النبي ﷺ لم يزل منصورًا، وبما يفتح الله عليه مسرورًا، إلى أن أظهر الله تعالى دينه على الأديان، وأخمد كلمة الكفر والطغيان.\nو(قول ابن عباس ﵄: قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله ﷺ المدينة، فجعل يقول: إن جعل لي محمدٌ الأمر من بعده تبعته). مسيلمة هذا هو: ابن ثمامة بن كثير بن حبيب بن الحارث بن عبد الحارث بن عثمان بن الحارث بن ذُهل بن الدول بن حنيفة. قال ابن إسحاق: وكان من شأنه: أنه تنبأ على عهد رسول الله ﷺ سنة عشر، وكان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، ويزعم أنَّه شريك معه في نبوَّته. وقال سعيد بن المسيب: إنه كان قد تسمَّى بالرحمن قبل أن يولد عبد الله بن عبد المطلب - أبو النبيﷺ - وأنَّه قتل وهو ابن خمسين ومائة سنة. قال سعيد بن جبير: كان رسول الله ﷺ إذا قال: (بسم الله الرحمن الرحيم) قالت قريش: إنما يعني: مسيلمة. قال ابن إسحاق: وإنَّه تسارع إليه بنو حنيفة، وإنَّه بعث برجلين من قومه بكتاب إلى رسول الله ﷺ: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عليك، أما بعد: فإني أُشركت معك في الأمر، فلي نصف الأرض، ولك نصفها، ولكن قريش قومٌ لا يعدلون. فلمَّا قرأ رسول الله ﷺ الكتاب، قال للرَّسولين: ما تقولان","vol":"6","page":39},{"text":"قَيسِ بنِ شَمَّاسٍ وَفِي يَدِ النَّبِيِّ ﷺ قِطعَةُ جَرِيدَةٍ حَتَّى وَقَفَ عَلَى مُسَيلِمَةَ\nــ\nأنتما؟ قالا: نقول ما قال صاحبنا. فقال رسول الله ﷺ: لولا أن الرُّسل لا تُقتل لقتلتكما، ثم كتب رسول الله ﷺ: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتَّبع الهدى، أما بعد فـ: ﴿إِنَّ الأَرضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِن عِبَادِهِ وَالعَاقِبَةُ لِلمُتَّقِينَ﴾، فلما انتهى الكتاب إليه انكسر بعض الانكسار، وقالت بنو حنيفة: لا نرى محمدًا أقرَّ بشركة صاحبنا في الأمر (١).\nقال ابن إسحاق: تنبأ على عهد رسول الله ﷺ مسيلمة، وصاحب صنعاء: الأسود بن عزة العنسي، وطليحة، وسجاح التميمية جاءت إلى مسيلمة فقالت له: ما أوحي إليك؟ قال: أوحي إلي: ألم تر إلى ربِّك كيف خلق الحُبلى، أخرج منها نسمةً تسعى بين صفاقٍ وحشًا. قالت: وماذا؟ فقال: ألم تر أن الله خلق [للنساء أفراجًا] (٢) وخلق الرجال لهن أزواجًا، فيولج فيهنَّ قَعسًا إيلاجًا، ثمَّ يخرجه إذا استمنى «٣) إخراجًا. فقالت: أشهد أنَّك نبي! قال: هل لك أن أتزوَّجك، فآكل بقومي وقومك العرب؟ فتزوَّجته، فنادى مناديها: ألا إنَّا أصبنا الدِّين في بني حنيفة. ونادى منادي بني حنيفة: ألا إن نبيَّنا تزوج نبيتكم. وقالت له: يا أبا ثمامة! ضع عن قومي هاتين الطويلتين، صلاة الفجر، وصلاة العشاء الآخرة. فخرج مناديه فنادى بذلك. فقال شيخ من بني تميم: جزى الله أبا ثمامة عنا خيرًا، فوالله: لقد كاد ثقلهما علينا يوتغنا (٤) عن ديننا.\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٤٨٧)، وأبو داود (٢٧٦١).\n(٢) كذا في (م ٣) و(ز)، والطبري (٣/ ٢٧٣). وفي (ع) و(ج ٢) و(م ٢): النساء أفواجًا.\n(٣) في (ع): شاء.\n(٤) \"الوتَّغُ\": الإثم وفساد الدِّين.","vol":"6","page":40},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nقال غير ابن إسحاق: ولما استفحل أمر مسيلمة قدم المدينة في بشر كثير، ونزل على عبد الله بن أُبي، فجاءه النبي ﷺ كما ذكر ابن عباس، وفي غير حديث ابن عباس: أن مسيلمة جاء إلى (١) النبي ﷺ وفي حديث آخر: أن مسيلمة كان في ظهر القوم، وأن النبي ﷺ سأل عنه.\nقلت: فيحتمل أن يكون هذا اختلاف أحوال في قَدمةٍ واحدة قِدِمها مسيلمة المدينة، وعند بلوغ قدومه للنبي ﷺ سأل عنه، ثمَّ بعد ذلك جاء كل واحد منهما إلى الآخر، فاجتمعا بموضع غير موضعيهما. وهذا الاحتمال أقرب من احتمال أن يكون مسيلمة قدم على النبي ﷺ ثلاث مرات.\nثم إن مسيلمة رجع إلى اليمامة على حالته تلك، إلى أن توفي رسول الله ﷺ فعظم أمر مسيلمة، وأطبق أهل اليمامة عليه، وارتدُّوا عن الإسلام، وانضاف إليهم بشرٌ كثير من أهل الردَّة، وقويت شوكتهم، فكاتبهم أبو بكر الصديق ﵁ كُتبًا كثيرة يعظهم، ويذكرهم، ويحذرهم، وينذرهم إلى أن بعث لهم كتابًا مع حبيب بن عبد الله الأنصاري، فقتله مسيلمة، فعند ذلك عزم أبو بكر ﵁ على قتالهم والمسلمون، فأمر أبو بكر خالد بن الوليد ﵄، وتجهز الناس، وعقد الراية لخالد، وصاروا إلى اليمامة، فاجتمع لمسيلمة جيش عظيم، وخرج إلى المسلمين، فالتقوا، وكانت بينهم حروب عظيمة لم يسمع بمثلها، واستشهد فيها من قرَّاء القرآن خلق كثير، حتى خاف أبو بكر، وعمر ﵄ أن يذهب من القرآن شيء لكثرة من قتل هناك من القراء، ثم إن الله تعالى ثبَّت المسلمين، وقتل الله تعالى مسيلمة اللعين على يدي وحشي قاتل حمزة، ورماه بالحربة التي قتل بها حمزة، ثم دفَّف (٢) عليه رجل من الأنصار،\n_________\n(١) ليست في (ج ٢).\n(٢) أي: جرحه جرحًا مميتًا وأجهز عليه.","vol":"6","page":41},{"text":"أَصحَابه، قَالَ: لَو سَأَلتَنِي هَذِهِ القِطعَةَ مَا أَعطَيتُكَهَا وَلَن أَتَعَدَّى أَمرَ اللَّهِ فِيكَ، وَلَئِن أَدبَرتَ لَيَعقِرَنَّكَ اللَّهُ، وَإِنِّي لَأُرَاكَ الَّذِي أُرِيتُ فِيكَ مَا أُرِيتُ،\nــ\nفاحتزَّ رأسه، وهزم اللهُ جيشَه، وأهلكهم، وفتح اللهُ اليمامة، فدخلها خالد ﵁ واستولى على جميع ما حوته من النساء، والولدان، والأموال، وأظهر الله الدين، وجعل العاقبة للمتقين، فالحمد لله الذي صدقنا وعده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، فلا شيءَ بعده، وإنما جاء النبي ﷺ إلى مسيلمة ليبلغه الدعوة، وليسمع قولَه بالمشافهة.\nو(قوله ﷺ: ولن أتعدَّى أمر الله فيك) كذا في جميع نسخ كتاب مسلم، وفي البخاري (١): ولن تعدوَ أمر الله فيك، وكلاهما صحيح. ومعنى الأول: أن الله تعالى أمر نبيَّه ﷺ أن يغلِّظ القولَ لمسيلمة، وأن يُصرِّح بتكذيبه، وأن يخبره بأنه لا يبلغ أمله فيما (٢) يريده من التشريك في الرسالة، ولا في الأرض، فلم يتعدَّ النبيُّ ﷺ ذلك، إذ قد فعل كل ذلك. ويحتمل أنه يريدُ بالأمر: ما كتب الله [عليه من الشِّقوة، وما وسمه عليه (٣) من الكذب والتكذيب، والأفعال القبيحة، أي: لا أقدر أن أردَّ ما (٤) كتب الله] (٥) عليك من ذلك، غير أن هذا المعنى أظهر من لفظ البخاري منه من لفظ كتاب مسلم.\nو(قوله: ولئن أدبرتَ ليعقرنك الله) أي: لَيُهلِكَنَّك الله بالعقر - وهو القتل - إن لم تتَّبعني. وكذلك كان كما ذكرناه. فكان هذا من دلائل نبوة محمد نبيِّنا ﷺ وصحة رسالته.\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٤٦١).\n(٢) في (ع) و(ج ٢): مما.\n(٣) في (ج ٢): به.\n(٤) في (م ٢) و(ج ٢): شيئًا.\n(٥) ما بين حاصرتين سقط من (ع).","vol":"6","page":42},{"text":"وَهَذَا ثَابِتٌ يُجِيبُكَ عَنِّي، ثُمَّ انصَرَفَ عَنهُ. فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: فَسَأَلتُ عَن قَولِ رسول الله ﷺ: إِنَّكَ أَرَى الَّذِي أُرِيتُ فِيكَ مَا رأيتُ، فَأَخبَرَنِي أَبُو هُرَيرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: بَينَما أَنَا نَائِمٌ رَأَيتُ فِي يَدَيَّ سِوَارَينِ مِن ذَهَبٍ فَأَهَمَّنِي شَأنُهُمَا، فَأُوحِيَ إِلَيَّ فِي المَنَامِ أَن انفُخهُمَا فَنَفَختُهُمَا فَطَارَا\nــ\nو(قوله ﷺ: وهذا ثابث يجيبك عني) يعني: ثابت بن قيس بن شماس، خطيب رسول الله ﷺ، فكأن النبي ﷺ وجد على مسيلمة في نفسه، فأعرض عنه إعراض المحتقر له، المصغر لشأنه، وأحال على ثابت لعلمه بأنه يقوم عنه بجواب كل ما يسألونه عنه، إذ كان من أفضل الناس، وأكملهم عقلًا، وأفصحهم لسانًا، وكان مع ذلك جهوري الصوت، حسن النغمة، فكان يقوم بالحجة، ويبالغ في إيراد الخطبة.\nو(قوله: إني لأراك الذي أريت فيه ما أريت) الرواية أراك بضم الهمزة، بمعنى أظنك، على ما قد حصل لهذه الصيغة من غلبة عرف الاستعمال، وقد قررنا: أن أصل أُرى من رأى بمعنى: علم، أو أبصر، أدخلت عليه همزة التعدية، وبنيت لما لم يسم فاعله، وعلى هذا فيصح أن تكون هنا بمعنى العلم. فيكون معناه: إني لأعلم أنك الذي أريت فيه ما أريت، وهذا أولى بحال النبي ﷺ فإنَّ رؤياه حق، وتأويله لا يجوز عليه الغلط، بخلاف غيره، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب، فأهمني شأنهما) السوار: ما تجعله المرأة في ذراعها مما تتحلَّى به من الذهب والفضة، وفيه ثلاث لغات: كسر السين، وضمها، وبهمزة مضمومة، فيقال: أُسوار ويجمع أساورة، فأمَّا أساورة الفُرسِ فقُوَّادهم. وإنَّما أهمَّه شأنهما، أعني: السوارين، لأنهما من حلية النساء، ومما يحرم على الرجال.\nو(قوله: فأوحي إلي: أن انفخهما. فنفختُهما، فطارا) ظاهره: أن هذا","vol":"6","page":43},{"text":"فَأَوَّلتُهُمَا كَذَّابَينِ يَخرُجَانِ بَعدِي، فَكَانَ أَحَدُهُمَا: العَنسِيَّ صَاحِبَ صَنعَاءَ، وَالآخَرُ مُسَيلِمَةَ صَاحِبَ اليَمَامَةِ.\nرواه البخاريُّ (٤٣٧٣)، ومسلم (٢٢٧٣ و٢٢٧٤) (٢١).\n[٢١٨٨] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَينَما أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ خَزَائِنِ الأَرضِ فَوُضِعَ فِي يَدَيَّ أُسوَارَينِ مِن ذَهَبٍ فَكَبُرَا عَلَيَّ\nــ\nوحي من جهة الملك على غالب عادته. ويحتمل أن يكون ذلك إلهامًا.\nو(قوله: فأوَّلتهما: كذَّابَين يخرجان بعدي) أي: يظهران ويغلبان بعد موتي، وإلا فقد كانا موجودين في حياة النبي ﷺ متبعين، وقد دلَّ على هذا قوله في الرواية الأخرى: فأوَّلتهما الكذَّابَين اللذين أنا بينهما. ووجه مناسبة هذا التأويل لهذه الرؤيا: أن أهل صنعاء وأهل اليمامة كانا قد أسلما، وكانا كالسَّاعدين للإسلام، فلما ظهر فيهما هذان الكذَّابان، وتبهرجا لهما بترَّهاتهما، وزخرفا أقوالهما، فانخدع الفريقان بتلك البهرجة، فكان البلدان للنبي ﷺ بمنزلة يديه، لأنَّه كان يعتضد بهما. والسِّواران فيهما هما: مسيلمة، وصاحب صنعاء بما زخرفا من أقوالهما. ونفخ النبي ﷺ: هو أن الله أهلكهما على أيدي أهل دينه، كما ذكرناه في شأن مسيلمة. وأما صاحب صنعاء فهو الأسود بن كعب، ويلقب بذي حمار، وسبب هذا اللقب -على ما قاله ابن إسحاق -: أنه لقيه حمار، فعثر، فسقط لوجهه، فقال: سجد لي الحمار. فارتد عن الإسلام، وادَّعى النبوة، ومخرق على الجهُّال فاتبعوه، وغلب على صنعاء، وأخرج منها المهاجر بن أسد المخزومي، وكان عاملًا لرسول الله ﷺ عليها، وانتشر أمره، وغلب على امرأة مُسلمة من الأساورة، فتزوجها فدسَّت إلى قوم من الأساورة: أني قد صنعت سربًا يوصل منه إلى مرقد الأسود فدلتهم على ذلك، فدخل منه قوم، منهم فيروز الديلمي، وقيس بن مكشوح، فقتلوه، وجاءوا برأسه إلى رسول الله ﷺ، على ما قاله ابن إسحاق -.","vol":"6","page":44},{"text":"وَأَهَمَّانِي، فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَن انفُخهُمَا فَنَفَختُهُمَا، فَذَهَبَا فَأَوَّلتُهُمَا الكَذَّابَينِ اللَّذَينِ أَنَا بَينَهُمَا صَاحِبَ صَنعَاءَ، وَصَاحِبَ اليَمَامَةِ.\nرواه البخاري (٤٣٧٥)، ومسلم (٢٢٧٤) (٢٢).\n* * *\nــ\nوقال وثيمة (١): ومنهم من يقول: كان ذلك في خلافة أبي بكر ﵁.\nقلت: وهذا هو الصحيح - إن شاء الله تعالى - لقوله ﷺ: يخرجان بعدي، أي: بعد وفاتي، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(١) هو وثيمة بن موسى بن الفرات المعروف بالوشاء. مؤرِّخ، له كتاب في \"أخبار الردة\". توفي سنة (٢٣٧ هـ).","vol":"6","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-835>(٣٣) كتاب النبوات وفضائل نبينا محمد ﷺ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-836>(١) باب كونه مختارا من خيار الناس في الدنيا وسيدهم يوم القيامة</span>\n[٢١٨٩] عن وَاثِلَةَ بنَ الأَسقَعِ قال: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ اصطَفَى كِنَانَةَ مِن وَلَدِ إِسمَاعِيلَ، وَاصطَفَى قُرَيشًا مِن كِنَانَةَ، وَاصطَفَى مِن قُرَيشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصطَفَانِي مِن بَنِي هَاشِمٍ.\nرواه أحمد (٤/ ١٠٧)، ومسلم (٢٢٧٦) (١)، والترمذي (٣٦٠٥ و٣٦٠٦).\nــ\n(٣٣) كتاب النِّبُوَّات\n[(١) ومن باب كونه مختارًا من خيار الناس] (١)\nقد تقدَّم الكلام في النبوة غير ما مرَّة.\nو(قوله: إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل) اصطفى: اختار. وصفوة الشيء: خياره. ووزنه: افتعل. والطاء فيه بدل من التاء لقرب مخرجيهما. ومعنى\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ليس في الأصول، واستدرك من التلخيص.","vol":"6","page":46},{"text":"[٢١٩٠] وعن أَبي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ\nــ\nاختيار الله تعالى لمن شاء من خلقه: تخصيصه إياه بصفات كمال نوعه، وجعله إياه أصلًا لذلك النوع، وإكرامه له على ما سبق في علمه، ونافذ حكمه من غير وجوب عليه، ولا إجبار، بل على ما قال: ﴿وَرَبُّكَ يَخلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَختَارُ﴾ وقد اصطفى الله تعالى من هذا الجنس الحيواني نوع بني آدم، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَد كَرَّمنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلنَاهُم فِي البَرِّ وَالبَحرِ وَرَزَقنَاهُم مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلنَاهُم عَلَى كَثِيرٍ مِمَّن خَلَقنَا تَفضِيلا﴾ ويكفيك من ذلك كله: أن الله تعالى خلق العالم كلَّه لأجله، كما قد صرح بذلك عنه لما قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرضِ جَمِيعًا مِنهُ﴾ ثم إن الله تعالى اختار من هذا النوع الإنساني من جعله معدن نبوته، ومحل رسالته، فأولهم: آدم ﵊، ثم إن الله تعالى اختار من نطفته نطفة كريمة، فلم يزل ينقلها من الأصلاب الكريمة إلى الأرحام الطاهرة، فكان منها الأنبياء والرسل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبرَاهِيمَ وَآلَ عِمرَانَ عَلَى العَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعضُهَا مِن بَعضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ثم إن الله تعالى اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل وإسحاق كما قال: ﴿إِنَّا أَوحَينَا إِلَيكَ كَمَا أَوحَينَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعدِهِ وَأَوحَينَا إِلَى إِبرَاهِيمَ وَإِسمَاعِيلَ وَإِسحَاقَ﴾ ثم إن الله تعالى اصطفى من ولد إسماعيل كنانة كما ذكرهم النبي ﷺ في هذا الحديث. ثم إن الله تعالى ختمهم بختامهم، وأمَّهم بإمامهم، وشرَّفهم بصدر كتيبتهم، وبيت قصيدتهم، شمس ضحاها، هلال ليلتها، درِّ تقاصيِرها (١)، زبرجدها، وهو محمد ﷺ، أخره عن الأنبياء زمانًا، وقدمه عليهم رتبة ومكانًا. جعله الله واسطة النظام، وكمَّل بكماله أولئك الملأ الكرام، وخصَّه من بينهم بالمقام المحمود، في اليوم المشهود، فهو شفيعهم إذا استشفعوا، وقائدهم إذا وفدوا، وخطيبهم إذا\n_________\n(١) جمع تِقْصارة، وهي القلادة.","vol":"6","page":47},{"text":"يَومَ القِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَن يَنشَقُّ عَنهُ القَبرُ،\nــ\nجُمِعُوا، وسيِّدهم إذا ذُكِروا، فاقتبس من الخبر عيونه، فبيده لواء الحمد، تحته آدمُ فمن دون، ويكفيك أُثرَةً وكرامة: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة. والسيد: اسم فاعل، من ساد قومه، إذا تقدَّمهم بما فيه من خصال الكمال، وبما يوليهم من الإحسان والإفضال، وأصله: سَيوِد، لأنَّ: ألف ساد منقلبة عن واو، بدليل: أن مضارعه يسود، فقلبوا الواو ياء، وأدغموها في الياء، فقالوا: سيِّد. وهذا كما فعلوا في: ميِّت. وقد تبين للعقل والعيان ما به كان محمد ﷺ سيد نوع الإنسان.\nوقد ثبت بصحيح الأخبار ما له من السؤدد في تلك الدار، فمنها أنه قال: أنا سيد ولد آدم. قال: وتدرون بم ذاك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد (١)، وذكر حديث الشفاعة المتقدم. ومضمونه: أن الناس كلهم إذا جمعهم موقف القيامة، وطال عليهم، وعظم كربهم طلبوا من يشفع لهم إلى الله تعالى في إراحتهم من موقفهم، فيبدءون بآدم ﵇، فيسألونه الشفاعة، فيقول: نفسي، نفسي، لست لها، وهكذا يقول من سُئِلها من الأنبياء، حتى ينتهي الأمر إلى سيدنا محمد ﷺ فيقول: أنا لها، فيقوم في أرفع مقام، ويخصُّ بما لا يُحصى من المعارف والإلهام، وينادى بألطف خطاب وأعظم إكرام: يا محمد! قل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع. وهذا مقام لم ينله أحدٌ من الأنام (٢)، ولا سمع بمثله لأحد من الملائكة الكرام، فنسأل الله تعالى باسمه العظيم، وبوجهه الكريم أن يحيينا على شريعته، ويميتنا على ملته، ويحشرنا في زمرته، ولا يجعلنا ممن ذيد (٣) عنه، وبُعِّدَ منه.\nو(قوله: أنا أوَّل من ينشق عنه القبر) يعني: أنه أول من يعجل إحياؤه\n_________\n(١) رواه مسلم (١٩٤).\n(٢) في (ز) و(م ٣): الأنبياء.\n(٣) أي: طُرِد.","vol":"6","page":48},{"text":"وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ.\nرواه مسلم (٢٢٧٨) (٣)، وأبو داود (٤٧٦٣)، والترمذي (٣٦١٥).\nــ\nمبالغة في إكرامه، وتخصيصًا له بتعجيل جزيل إنعامه. ويعارض هذا قوله ﷺ في حديث آخر: أنه أول من يبعث، فيجد موسى متعلِّقًا بساق العرش (١). وسيأتي هذا مبيَّنًا في باب: ذكر موسى ﵇ إن شاء الله تعالى.\nو(قوله: وأول شافع، وأول مشفع) قد تقدَّم القول في الشفاعة وأقسامها في الإيمان. ومقصود هذا الحديث أن يُبيَّن أنه لا يتقدَّمه شافع، لا من الملائكة، ولا من النبيين، ولا من المؤمنين، في جميع أقسام الشفاعات، على أن الشفاعة العامة لأهل الموقف خاصَّة لا تكون لغيره. وهذه المنزلة أعظم المراتب وأشرف المناقب، وهذه الخصائص والفضائل التي حدَّث بها النبي ﷺ عن نفسه، إنما كان ذلك منه لأنها من جملة ما أمر بتبليغه، لما يترتب عليها من وجوب اعتقاد ذلك، وأنه حق في نفسه، وليرغب في الدخول في دينه، وليتمسك به من دخل فيه، وليعلم قدر نعمة الله عليه في أن جعله من أمَّة من هذا حاله، ولتعظم محبَّته في قلوب مُتَّبعيه، فتكثر أعمالهم، وتطيب أحوالهم، فيحشرون في زمرته، وينالون الحظَّ الأكبر من كرامته. وعلى الجملة فيحصل بذلك شرف الدنيا، وشرف الآخرة، لأنَّ شرف المتبوع متعدٍّ لشرف التابع على كل حال.\nفإن قيل: كل هذا راجع للاعتقاد، وكيف يحصل القطع بذلك من أخبار الآحاد؟ فالجواب: أن من سمع شيئًا من تلك الأمور من النبي ﷺ مشافهة حصل له العلم بذلك، كما حصل للصحابة السامعين منه، ومن لم يشافهه، فقد يحصل له العلم بذلك من جهة التواتر المعنوي، إذ قد كثرت بذلك الظواهر، وأخبار الآحاد حتى حصل لسامعها العلم القطعي بذلك المراد.\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٣٧٣) (١٦٠).","vol":"6","page":49},{"text":"[٢١٩١] وعنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَا مِن الأَنبِيَاءِ مِن نَبِيٍّ إِلَّا قَد أُعطِيَ مِن الآيَاتِ مَا مِثلُهُ آمَنَ عَلَيهِ البَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُه وَحيًا أَوحَى اللَّهُ إِلَيَّ فَأَرجُو أَن أَكُونَ أَكثَرَهُم تَابِعًا يَومَ القِيَامَةِ.\nرواه البخاريُّ (٤٩٨١).\n* * *\nــ\nو(قوله: ما من الأنبياء نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنَّما كان الذي أوتيته وحيًا) يعني: أن كل رسول أُيِّد بمعجزة تدل على صحة رسالته، فيظهر صدقه، وتثبت حجَّته، كما قد علم من أحوالهم، بما أخبرنا الله به وبينه عنهم، غير أن معجزاتهم تنقرض بانقراضهم، فلا يبقى منها بعدهم إلا الإخبار بها، وذلك قد يخفى مع توالي الأعصار.\nونبيُّنا ﷺ وإن كان قد أعطي من كل نوع من أنواع معجزات الأنبياء قبله، كما قد أوضحناه في كتابنا المسمَّى بـ الإعلام بصحة نبوة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، لكنه فضل على جميعهم بالمعجزة العظمى الباقية ما بقيت الدنيا، وهي: الكتاب العزيز الذي أعجزت السورة منه الجن والإنس أيَّ تعجيز، فإعجازه مشاهد بالعيان، متجدد ما تعَاقَب الجديدان، فمن ارتاب الآن في صدق قوله، قيل له: فائت بسورة من مثله، ولما كانت هذه المعجزة قاطعة الظهور، مستمرة مدى الدهور، اشترك في معرفتها المتقدِّمون والمتأخرون، واستوى في معرفة صدق محمد ﷺ: السَّابقون واللاحقون، فدخل العقلاء في دينه دخولًا متتابعًا، وحقق الله تعالى له رجاءه، فكان أكثر الأنبياء تابعًا.\n* * *","vol":"6","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-837>(٢) باب من شواهد نبوته ﷺ وبركته</span>\n[٢١٩٢] عَن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنِّي لَأَعرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبلَ أَن أُبعَثَ، إِنِّي لَأَعرِفُهُ الآنَ.\nرواه أحمد (٥/ ٨٩)، ومسلم (٢٢٧٧)، والترمذيُّ (٣٦٢٤).\nــ\n(٢) ومن باب: شواهد نبوة نبينا محمد ﷺ\nقوله: إني لأعرف حجرًا كان يسلِّم عليَّ قبل أن أبعث) يعني: أنه كان يسلِّم عليه بالنبوة والرسالة قبل أن يشافهه الملك بالرسالة. ذكر العلماء بسيرة النبي ﷺ وأحواله: أنه كان من لطف الله بنبيه ﷺ أن قدَّم له مقدِّمات، وخصَّه ببشائر وكرامات، درَّجَهُ بذلك إلى أطوارٍ، لينقطع بذلك عن مألوفات الأغمار (١)، ويتأهل على تدريج لقبول ما يُلقى إليه، ولتسهُيل مشافهة الملك عليه، فكان ﷺ يرى ضياءً وأنوارًا، ويسمع تسليمًا وكلامًا، ولا يرى أشخاصًا، فيسمع الحجارة والشجر تناديه، ولا يرى أحدًا يناجيه، إلى أن استوحش من الخلق، ففرَّ إلى الحق، فحُبِّبت إليه الخلوة، فكان سبب هذه الحبوة، مشافهة الملك فقبل فملك، وقد قدَّمنا: أن الصحيح من مذاهب أئمتنا: أن كلام الجمادات راجع إلى أن الله تعالى يخلق فيها أصواتًا مقطعة من غير مخارج، يفهم منها ما يفهم من الأصوات الخارجة من مخارج الفم، وذلك ممكن في نفسه. والقدرة القديمة لا قصور فيها، فقد أخبر بها الصادق، فيجب له التصديق. كيف لا؟ وقد سمع من حضر تسبيح الحصى في كفه، وحنين الجذع والمسجد قد غصَّ بأهله.\nو(قوله: إني لأعرفه الآن) يعني: أنه ﷺ كان وقت حدَّثهم بهذا الحديث\n_________\n(١) \"الأغمار\": جمع غُفر، وهو مَن لم يُجرِّب الأمور.","vol":"6","page":51},{"text":"[٢١٩٣] وعن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَحَانَت صَلَاةُ العَصرِ فَالتَمَسَ النَّاسُ الوَضُوءَ فَلَم يَجِدُوهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَضُوءٍ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ الإِنَاءِ يَدَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَن يَتَوَضَّئُوا مِنهُ قَالَ: فَرَأَيتُ المَاءَ يَنبُعُ مِن تَحتِ أَصَابِعِهِ فَتَوَضَّأَ النَّاسُ حَتَّى تَوَضَّئُوا مِن عِندِ آخِرِهِم.\nوفي رواية: دَعَا بِمَاءٍ فَأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحرَاحٍ، فَجَعَلَ القَومُ يَتَوَضَّئُونَ فَحَزَرتُ مَا بَينَ السِّتِّينَ إِلَى الثَّمَانِينَ، قَالَ: فَجَعَلتُ أَنظُرُ إِلَى المَاءِ يَنبُعُ مِن بَينِ أَصَابِعِهِ.\nرواه أحمد (٣/ ١٣٢)، والبخاريُّ (١٦٩)، ومسلم (٢٢٧٩) (٥ و٤)، والترمذي (٣٦٣١)، والنسائي (١/ ٦٠).\nــ\nيعرف الحجر معرفة من كان يشاهده. وقيل: إن ذلك الحجر: هو الحجر الأسود، والله أعلم.\nو(قوله: أُتي بقدح رحراح) أي: واسع. ويقال: رحرح - بغير ألف -، وإناءٌ أرح، وآنية رحَّاء، كل ذلك بمعنى الواسع. قال ابن الأنباري: ويكون ذلك قصير الجدار.\nو(قوله: فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه) هذه المعجزة تكررت من النبي ﷺ مرَّات عديدة في مشاهد عظيمة، وجموع كثيرة، بلغتنا بطرق صحيحة من رواية أنس، وعبد الله بن مسعود، وجابر، وعمران بن حصين، وغيرهم ممن يحصل بمجموع أخبارهم العلم القطعي المستفاد من التواتر المعنوي. وبهذا الطريق حصل لنا العلم بأكثر معجزاته الدالة على صدق رسالاته، كما قد ذكرنا جملة ذلك في كتاب الإعلام. وهذه المعجزة أبلغ من معجزة موسى ﵇ في نبع الماء من الحجر عند ضربه بالعصا، إذ من المألوف نبع الماء من","vol":"6","page":52},{"text":"[٢١٩٤] وعنه أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ وَأَصحَابَهُ بِالزَّورَاءِ قَالَ: (وَالزَّورَاءُ بِالمَدِينَةِ عِندَ السُّوقِ وَالمَسجِدِ فِيمَا ثَمَّه) دَعَا بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ.\nوفي رواية: لَا يَغمُرُ أَصَابِعَهُ أَو قَدرَ مَا يُوَارِي أَصَابِعَهُ، فَوَضَعَ كَفَّهُ فِيهِ، فَجَعَلَ يَنبُعُ مِن بَينِ أَصَابِعِهِ، فَتَوَضَّأَ جَمِيعُ أَصحَابِهِ، قَالَ قُلتُ: كَم كَانُوا يَا أَبَا حَمزَةَ؟ قَالَ: كَانُوا زُهَاءَ ثَلَاث مِائَةِ.\nرواه مسلم (٢٢٧٩) (٦ و٧).\nــ\nبعض الحجارة، فأما نبعه من بين عظم ولحم وعصب ودم فشيء لم يُسمع بمثله، ولا تحدَّث به عن غيره.\nو(قوله: كانوا زهاء ثلاثمائة) أي: قدرها. يقال: هم زهاء كذا، ولهاء كذا - باللام -، أي: قدره. وفي الحديث الأول: فحزرت ما بين الستين إلى الثمانين. هذا يدلّ على أن ذلك كان في موضعين:\nأحدهما: بالزوراء، وهي سوق بالمدينة.\nوالآخر: روي في بعض طرقه ما يدلّ على أنه كان بغير الزوراء.\nوقد وقع منه ﷺ مثل هذا في غزوة الحديبية على ما رواه جابر، وفي غزوة بواط من حديث غيره.\nوالعكة للسمن، وهي أصغر من القربة. والوَسق: ستون صاعا كما تقدم في الزكاة، ونماء سمن العكة، وشطر وسق الشعير كل ذلك ببركة النبي ﷺ فيما لمسه، أو تناوله، أو تهمَّم به، أو برَّك عليه، وكم له منها، وكم! ورفع النماء من ذلك عند العصر والكيل سببه - والله أعلم - الالتفات بعين الحرص مع معاينة إدرار نعم الله تعالى، ومواهب كراماته، وكثرة بركاته، والغفلة عن الشكر عليها، والثقة بالذي وهبها، والميل إلى الأسباب المعتادة عند مشاهدة خرق العادة، وهذا نحو مما جرى لبني إسرائيل في التيه، لما أنزل عليهم المن","vol":"6","page":53},{"text":"[٢١٩٥] وعَن جَابِرٍ أَنَّ أُمَّ مَالِكٍ كَانَت تُهدِي لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي عُكَّةٍ لَهَا سَمنًا فَيَأتِيهَا بَنُوهَا، فَيَسأَلُونَ الأُدمَ وَلَيسَ عِندَهُم شَيءٌ، فَتَعمِدُ إِلَى الَّذِي كَانَت تُهدِي فِيهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَتَجِدُ فِيها سَمنًا، فَمَا زَالَ يُقِيمُ لَهَا أُدمَ بَيتِهَا حَتَّى عَصَرَتهُ فَأَتَت النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: عَصَرتِيهَا؟ قَالَت: نَعَم، قَالَ: لَو تَرَكتِيهَا مَا زَالَ قَائِمًا.\nرواه مسلم (٢٢٨٠).\n[٢١٩٦] وعنه: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَستَطعِمُهُ فَأَطعَمَهُ شَطرَ وَسقِ شَعِيرٍ، فَمَا زَالَ الرَّجُلُ يَأكُلُ مِنهُ وَامرَأَتُهُ وَضَيفُهُمَا حَتَّى كَالَهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: لَو لَم تَكِلهُ لَأَكَلتُم مِنهُ وَلَقَامَ لَكُم.\nرواه أحمد (٣/ ٣٣٧ و٣٤٧)، ومسلم (٢٢٨١).\n[٢١٩٧] وعن مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ قَالَ: خَرَجنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ غَزوَةِ تَبُوكَ،\nــ\nوالسلوى. وقيل لهم: ﴿كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقنَاكُم وَاشكُرُوا لِلَّهِ﴾ فأطاعوا حرص النفس، فادخروا للأيام، فخنز اللحم، وفسد الطعام.\nو(قوله لصاحبة العكة: لو تركتيها ما زال قائمًا، ولصاحب الشطر: لو لم تكله لقام بكم) يستفاد منه: أن من أُدِرَّ عليه رزق، أو أُكرم بكرامة، أو لُطِف به في أمر ما، فالمتعيَّن عليه: موالاة (١) الشكر، ورؤية المنة لله تعالى، ولا يحدث مغيِّرًا في تلك الحالة، ويتركها على حالها. ومعنى رؤية المنة: أن يعلم أن ذلك بمحض فضل الله، وكرمه، لا بحولنا، ولا بقوتنا، ولا استحقاقنا.\nو(قوله: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام تبوك) هي موضع معروف بطريق\n_________\n(١) ليست في (م ٣) و(ز).","vol":"6","page":54},{"text":"فَكَانَ يَجمَعُ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى الظُّهرَ وَالعَصرَ جَمِيعًا، وَالمَغرِبَ وَالعِشَاءَ جَمِيعًا حَتَّى إِذَا كَانَ يَوم آخر أَخَّرَ الصَّلَاةَ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الظُّهرَ وَالعَصرَ جَمِيعًا، ثُمَّ دَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ بَعدَ ذَلِكَ فَصَلَّى المَغرِبَ وَالعِشَاءَ جَمِيعًا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّكُم سَتَأتُونَ غَدًا إِن شَاءَ اللَّهُ عَينَ تَبُوكَ، وَإِنَّكُم لَن تَأتُوهَا حَتَّى يُضحِيَ النَّهَارُ، فَمَن جَاءَهَا مِنكُم فَلَا يَمَسَّ مِن مَائِهَا شَيئًا حَتَّى\nــ\nالشام فيه ماء، وهذه الغزوة: هي آخر غزاة غزاها رسول الله ﷺ يريد غزو الروم، فخرج فيها في شهر رجب سنة تسع من الهجرة في حرٍّ شديد لسفرٍ بعيد، وخرج معه أهل الصدق من المسلمين، وتخلَّف عنه جميع المنافقين، وكانت غزوة أظهر الله فيها من معجزات نبيه ﷺ وكراماته، ما زاد الله المؤمنين به إيمانًا، وأقام بذلك على الكافرين حجَّة وبرهانًا.\nو(قوله: فكان يجمع الصلاة فصلى الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا) ظاهر هذا المساق أنه أوقع الظهر والعصر في أول الوقت مجموعتين، وكذلك المغرب والعشاء، لأنَّه قال بعد ذلك: (حتى إذا كان يوم آخر أخر الصلاة، ثم خرج، فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج بعد ذلك، فصلَّى المغرب والعشاء جميعًا). وظاهره أنه أخر الصلاتين إلى آخر وقتهما المشترك. وهو حجَّة لمالك، فإنَّه يقول بجواز كل ذلك، على تفصيل له في الأفضل من ذلك، كما قدَّمناه، وهو أيضًا حجة للشافعي عليه في اشتراطه في جواز الجمع بين الصلاتين استعجال السير، والشافعي لا يشترطه، وقد تقدَّم كل ذلك في كتاب الصلاة.\nو(قوله ﷺ: إنكم ستأتون غدًا - إن شاء الله - عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحي النهار) ظاهره: أن هذا منه ﷺ إخبار عن غيب بوحي، ويحتمل غير ذلك.\nو(قوله: فمن جاءها منكم فلا يمسَّ من مائها شيئًا) إنما نهاهم عن ذلك،","vol":"6","page":55},{"text":"آتِيَ، فَجِئنَاهَا، وَقَد سَبَقَنَا إِلَيهَا رَجُلَانِ، وَالعَينُ مِثلُ الشِّرَاكِ تَبِضُّ بِشَيءٍ مِن مَاءٍ، قَالَ: فَسَأَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَل مَسَستُمَا مِن مَائِهَا شَيئًا؟ قَالَا: نَعَم، فَسَبَّهُمَا النَّبِيُّ ﷺ، وَقَالَ لَهُمَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَن يَقُولَ، قَالَ ثُمَّ غَرَفُوا بِأَيدِيهِم مِن العَينِ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى اجتَمَعَ فِي شَيءٍ، قَالَ: وَغَسَلَ\nــ\nليظهر انفراده بالمعجزة، وتتحقق نسبتها إليه، واختصاصه بها، فإنَّه إذا شاركه غيره في مسِّ مائها، لم يتمحض اختصاصه بها، ولذلك لما وجد الرجلين عليها، أمر أن يغرف له من مائها، وكأنه كان أراد أن يباشر الماء وهو في موضعه، لكن لما سبقه غيره إليها، جمعوا له من مائها، فغسل فيه يديه ووجهه، ثم أمر أن يعاد ذلك الماء فيها، فلما فعلوا ذلك جاءت العين بماء منهمر، وسمع له حس كحس الصواعق.\nو(قوله: والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء) الرواية المشهورة (١): تبضُّ بالضاد المعجمة، أي: تسيل بماء قليل رقيق مثل شراك النعل، وقد روي بالصاد المهملة، وكذلك وقع في البخاري، أي: تبرق. يقال: بصَّ يبصُّ بصيصًا، ووبص يبص وبيصًا بمعناه. وسبُّ النبي ﷺ السابقين للماء يحتمل أن يكون: لأنهما كانا منافقين قصدا المخالفة، فصادف السبُّ محلَّه. ويحتمل أن كانا غير منافقين، ولم يعلما بنهي النبي ﷺ ويكون سبَّه لهما لم يصادف محلًا، فيكون ذلك لهما رحمة وزكاة، كما قاله ﷺ: اللهم من لعنته، أو سببته وليس لذلك بأهل، فاجعل ذلك له زكاة، ورحمة، وقربة تقرِّبه بها إليك يوم القيامة (٢).\nوالمنهمر: الكثير الانصباب، ويوشك: يجيء ويسرع. وقد تقدم الكلام عليها، والجنان: البستان من النخل وغيره، سمي بذلك لأنه يجن أرضه وما تحته، أي: يستر ذلك.\n_________\n(١) في (م ٢): الصحيحة.\n(٢) رواه مسلم (٢٦٠١) (٨٩).","vol":"6","page":56},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ يَدَيهِ وَوَجهَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِيهَ، فَجَرَت العَينُ بِمَاءٍ مُنهَمِرٍ - أَو قَالَ غَزِيرٍ - حَتَّى استَقَى النَّاسُ، ثُمَّ قَالَ: يُوشِكُ يَا مُعَاذُ إِن طَالَت بِكَ حَيَاةٌ أَن تَرَى مَا هَاهُنَا قَد مُلِئَ جِنَانًا.\nرواه أحمد (٥/ ٢٣٧ - ٢٣٨)، ومسلم (٧٠٦) في الفضائل (١٠)، وأبو داود (١٢٠٦)، والترمذيُّ (٥٥٣)، والنسائيُّ (١/ ٢٨٥)، وابن ماجه (١٠٧٥).\n[٢١٩٨] وعَن أَبِي حُمَيدٍ قَالَ: خَرَجنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزوَةَ تَبُوكَ، فَأَتَينَا وَادِيَ القُرَى عَلَى حَدِيقَةٍ لِامرَأَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اخرُصُوهَا، فَخَرَصنَاهَا، وَخَرَصَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ أَوسُقٍ، وَقَالَ:\nــ\nوقد اشتمل هذا الحديث على معجزتين عظيمتين، إحداهما: نبع الماء المذكور. والثانية: تعريفه بكثير من علم الغيب، فإنَّ تبوك من ذلك الوقت سكنت لأجل ذلك الماء، وغرست بساتين، كما قال النبي ﷺ.\nو(قوله ﷺ لأصحابه حين مرَّ على حديقة المرأة: اخرصوها) دليلٌ على جواز الخرص إذا احتيج إليه، وأنه طريق معتبر شرعًا. وخروج ثمرة هذه الحديقة على مقدار ما خرصه رسول الله ﷺ دليل على صحة حدسه، وقوة إدراكه، وإصابته وجه الصواب فيما كان يحاوله، ولا يعارض هذا بحديث إبار النخل، فإنَّ الله تعالى قد أجرى عادة ثابتة متكررة في إبار النخل لم يعلمها النبي ﷺ فقال: ما أرى هذا يغني شيئًا) يعني الإبار، وصدق، فإنَّ الله تعالى هو الذي يمسك الثمرة ويطيبها إذا شاء، لا الإبار، ولا غيره، بخلاف الوصول إلى المقادير بالخرص، فإنَّ الغالب فيه من الممارسين له التقريب لا التحقيق. وقد أخبر النبي ﷺ بمقدار ذلك على التحقيق، فوجد كما أخبر، فإنَّ كان هذا منه عن حدس وتخمين، كان دليلًا على أنه قد خصَّ من ذلك بشيء لم يصل إليه غيره، وإن كان ذلك بالوحي، كان ذلك من شواهد نبوته ﷺ.","vol":"6","page":57},{"text":"أَحصِيهَا حَتَّى نَرجِعَ إِلَيكِ إِن شَاءَ اللَّهُ. وَانطَلَقنَا حَتَّى قَدِمنَا تَبُوكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَتَهُبُّ عَلَيكُم اللَّيلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَلَا يَقُم فِيهَا أَحَدٌ مِنكُم، فَمَن كَانَ لَهُ بَعِيرٌ فَليَشُدَّ عِقَالَهُ، فَهَبَّت رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَقَامَ رَجُلٌ، فَحَمَلَتهُ الرِّيحُ حَتَّى أَلقَتهُ بِجَبَلَي طَيِّئٍ، وَجَاءَ رَسُولُ ابنِ العَلمَاءِ صَاحِبِ أَيلَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِكِتَابٍ، وَأَهدَى لَهُ بَغلَةً بَيضَاءَ، فَكَتَبَ إِلَيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ - في رواية: ببحرهم - وَأَهدَى لَهُ بُردًا، ثُمَّ أَقبَلنَا حَتَّى قَدِمنَا وَادِيَ القُرَى،\nــ\nو(قوله: ستهبُّ عليكم ريحٌ شديدةٌ) من المعجزات الغيبية، وهي من الكثرة بحيث لا تحصى، يحصل بمجموعها العلم القطعي بأن النبي ﷺ كان يعلم كثيرًا من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، أو من ارتضاه من الرسل فأطلعه الله عليه، والنبي ﷺ قد أطلعه الله عليه، فهو رسول من أفضل الرسل.\nو(قوله: فلا يقم فيها أحدٌ، ومن كان له بعير فليشد عقاله) دليل على الأخذ بالحزم، والحذر في النفوس، والأموال، ومن أهمل شيئًا من الأسباب المعتادة، زاعمًا أنه متوكل، فقد غلط، فإنَّ التوكل لا يناقض التحرز، بل حقيقته لا تتم إلا لمن جمع بين الاجتهاد في العمل على سنة الله، وبين التفويض إلى الله تعالى، كما فعل رسول الله ﷺ.\nوابن العَلماء: هو بفتح العين المهملة وسكون اللام، والمد، وهو تأنيث الأعلم، وهو المشقوق الشفة العليا، والأفلح: هو المشقوق الشفة السفلى.\nوصاحب أيلة، يعني به: ملكها. وأيلة: بلد معروف بالشام، وإليه تنسب عقبة أيلة.\nو(قوله: وأهدى له بغلة بيضاء) هذه البغلة قبلها النبي ﷺ وبقيت عنده زمانًا طويلًا، ولم تكن له بغلة غيرها، وكانت تسمَّى: الدُّلدُل، وفيه دليل على قبول هدية الكتابي، وقد تقدَّم القول فيه، وفي قوله: هذا جبل يحبنا ونحبه، وفي طابة.\nو(قوله: فكتب له رسول الله ﷺ ببحرهم، وأهدى له بردًا) البحر هنا، يراد","vol":"6","page":58},{"text":"فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَرأَةَ عَن حَدِيقَتِهَا: كَم بَلَغَ ثَمَرُهَا؟ فَقَالَت: عَشَرَةَ أَوسُقٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنِّي مُسرِعٌ فَمَن شَاءَ مِنكُم فَليُسرِع مَعِيَ، وَمَن شَاءَ فَليَمكُث، فَخَرَجنَا حَتَّى أَشرَفنَا عَلَى المَدِينَةِ، فَقَالَ: هَذِهِ طَابَةُ وَهَذَا أُحُدٌ، وَهُوَ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ خَيرَ دُورِ الأَنصَارِ دَارُ بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ دَارُ بَنِي عَبدِ الأَشهَلِ،\nــ\nبه البلد، والبحار: القرى، وقد تقدم. وكأن النبي ﷺ أقطعه بعض تلك البلاد، كما قد أقطع تميمًا الداري ﵁ بلد الخليل ﷺ قبل فتحه. ويظهر من حال ابن العَلماء أنه استشعر، أو علم أن النبي ﷺ سيظهر، ويغلب على ما تحت يده هو من البلاد، فسأله أن يقطعه بعضها. والله أعلم. وأما إهداؤه البرد، فمكافأة، ومواصلة، واستئلاف ليدخل في دين الإسلام، وكأن النبي ﷺ لم يحضره في ذلك الوقت إلا ذلك البرد، والله أعلم.\nو(قوله: إن خير دور الأنصار: دار بني النجار، ثم دار بني عبد الأشهل. . . الحديث إلى آخره) يدلُّ على جواز تفضيل بعض المعينين على بعض من غير الأنبياء، وإن سمع (١) ذلك المفضول، وقد تقدَّم القول في تفضيل الأنبياء.\nوالدُّور: جمع دار، وهو في الأصل: المحلة والمنزل، وعبر به هنا عن القبائل، وهذا نحو قوله: أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور (٢)، أي: في القبائل والمحلات. وفيه ما يدلّ على جواز المدح إذا قصد به الإخبار بالحق، ودعت إلى ذلك حاجة، وأمنت الفتنة على الممدوح. وفيه دليل على جواز المنافسة في الخير، والدين، والثواب، كما قال سعد: يا رسول الله ﷺ خيرت دور الأنصار فجعلتنا آخرًا. طلب أن يلحقهم بالطبقة الأولى. فأجابه بأن قال: أوليس بحسبكم أن تكونوا من الخيار؟ وإنما يعني بذلك: أن تفضيلهم إنما هو\n_________\n(١) في (ج ٢): بلغ.\n(٢) رواه أحمد (٦/ ٢٧٩)، وأبو داود (٤٥٥)، والترمذي (٥٩٤)، وابن ماجه (٧٥٩).","vol":"6","page":59},{"text":"ثُمَّ دَارُ بَنِي عَبدِ الحَارِثِ بنِ الخَزرَجِ، ثُمَّ دَارُ بَنِي سَاعِدَةَ، وَفِي كُلِّ دُورِ الأَنصَارِ خَيرٌ، فَلَحِقَنَا سَعدُ بنُ عُبَادَةَ فَقَالَ أَبُو أُسَيدٍ: أَلَم تَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَيَّرَ دُورَ الأَنصَارِ فَجَعَلَنَا آخِرًا، فَأَدرَكَ سَعدٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! خَيَّرتَ دُورَ الأَنصَارِ فَجَعَلتَنَا آخِرًا، فَقَالَ: أَوَلَيسَ بِحَسبِكُم أَن تَكُونُوا مِن الخِيَارِ؟ ! .\nرواه أحمد (٥/ ٤٢٤)، والبخاريّ (١٤٨١)، ومسلم (١٣٩٢) في الفضائل (١١ و١٢)، وأبو داود (٣٠٧٩).\n* * *\nــ\nبحسب سبقهم إلى الإسلام، وظهور آثارهم فيه، وتلك الأمور وقعت في الوجود مرتبة على حسب ما شاء الله تعالى في الأزل، وإذا كان كذلك لم يتقدَّم متأخر منهم على منزلته، كما لا يتأخر متقدِّم منهم عن مرتبته، إذ تلك مراتب معلومة على قسم مقسومة، وقد سبق لسعادتهم القضاء: ﴿يَختَصُّ بِرَحمَتِهِ مَن يَشَاءُ﴾\nو(قوله: ثم دار بني عبد الحارث) كذا وقع للعذري، والفارسي، وهو وَهمٌ. والصواب: بني الحارث، بإسقاط عبد، والله أعلم.\nو(قوله: وجعلنا آخرًا) وقع في بعض النسخ آخر بغير تنوين ولا ألف. جعله غير منصرف، وليس بصحيح الرواية، ولا المعنى، إذ لا مانع من صرفه، لأنَّ آخرًا هنا: هو الذي يقابل: أولًا، وكلاهما مصروف، وهو منصوبٌ على أنه المفعول الثاني لجعل، لأنَّه بمعنى: صيَّر. ويحتمل أن يتأوَّل في معنى جعل: معنى أنزل، فيكون ظرفًا، أي: أنزلتنا منزلًا متأخرًا. وعلى الوجهين فلا بدَّ من صرفه، وكذا وجدناه من تقييد المحققين.\nو(قوله: أو ليس بحسبكم أن تكونوا من الخيار) ويروى: من الأخيار، وكلاهما صحيح.","vol":"6","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-838>(٣) باب في عصمة الله تعالى لنبيه ﵊ ممن أراد قتله</span>\n[٢١٩٩] عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: غَزَونَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزوَةً قِبَلَ نَجدٍ، فَأَدرَكَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي وَادٍ كَثِيرِ العِضَاهِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ\nــ\n(٣) ومن باب عصمة النبي ﷺ مِمَّن يريد قتله\n(قوله: غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة قبل نجد)، النجد: المرتفع من الأرض، والغور: المنخفض منها، هذا أصلها، ثم قد صارا بحكم العرف اسمين لجهتين مخصوصتين معروفتين. وصحيح الرواية ومشهورها: نجد، ووقع للعذري: أحد.\nو(قوله: فأدركنا رسول الله ﷺ في وادي كثير العضاه) هذا اللفظ ذكري فيه: أدركَنَا - بفتح الكاف - رسولُ اللهِ ﷺ بالرفع على الفاعل، وعليه فيكونون قد تقدموه للوادي لمصلحة من مصالحهم ككونهم طليعة، أو صيانة للنبي ﷺ مما يخشى عليه، وغير ذلك. ويحتمل أن يقيد: فأدركنَا رسولَ اللهِ - بسكون الكاف، ونصب رسول على المفعول، فيكون فيه ما يدلُّ على شجاعة رسول الله ﷺ، ويكون كنحو ما اتفق له لما وقع الفزع بالمدينة، فركب فرسًا، فسبقهم، فاستبرأ الخبر، ثم رجع، فلقي أصحابه خروجًا، فقال لهم: لم تراعوا (١).\nوالعضاه: كل شجر من شجر البادية له شوك.\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ١٧١ و١٨٠)، والبخاري (٢٦٢٧ و٢٨٢٠)، ومسلم (٢٣٠٧) (٤٩)، وأبو داود (٤٩٨٨)، والترمذي (١٦٨٥).","vol":"6","page":61},{"text":"تَحتَ شَجَرَةٍ، فَعَلَّقَ سَيفَهُ بِغُصنٍ مِن أَغصَانِهَا، قَالَ: وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الوَادِي يَستَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ رَجُلًا أَتَانِي وَأَنَا نَائِمٌ فَأَخَذَ السَّيفَ، فَاستَيقَظتُ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأسِي، فَلَم أَشعُر إِلَّا وَالسَّيفُ صَلتً فِي يَدِهِ، فَقَالَ لِي: مَن يَمنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: قُلتُ: اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ فِي\nــ\nو(قوله: فتفرَّق الناس في الوادي يستظلُّون) فيه جواز افتراق العسكر في النزول إذا أمنوا على أنفسهم، وكأنهم قد أجهدهم التعب والحر، فقالوا (١) مستظلين بالشجر.\nو(قوله ﷺ: إن رجلًا أتاني وأنا نائم فأخذ السَّيف) هذا يدلّ: على أن النبي ﷺ كان في هذا الوقت لا يحرسه أحدٌ من الناس، بخلاف ما كان عليه في أول أمره، فإنَّه كان يُحرس حتى أنزل الله تعالى عليه: ﴿وَاللَّهُ يَعصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، فقال لمن كان يحرسه [من الناس] (٢): اذهبوا فإنَّ الله قد عصمني من الناس (٣). فمن ذلك الوقت لم يحرسه أحدٌ منهم، ثقة منه بوعد الله، وتوكلًا عليه.\nوفيه: جواز نوم المسافر إذا أمن على نفسه، وأما مع الخوف، فالواجب: التحرز والحذر.\nو(قوله: فاستيقظت وهو قائمٌ على رأسي والسيف صَلتٌ في يده) روي برفع صلت ونصبه. فمن رفعه جعله خبر المبتدأ، الذي هو السيف، وفي يده متعلّق به. ومن نصبه، جعل الخبر في المجرور، ونصبت صَلتًا على الحال، أي: مُصلتًا. وهو المجرَّد من غمده. والمشهور بفتح الصاد (٤) من: صَلَتَ. وذكر القتبي: أنها تكسر في لغة.\nو(قول الرجل للنبي ﷺ: من يمنعك مني؟) استفهام مشرب بالنفي، كأنه\n_________\n(١) من القيلولة.\n(٢) ما بين حاصرتين زيادة من (ج ٢).\n(٣) رواه الترمذي (٣٠٤٦) وقال: غريب.\n(٤) في (ع) و(ز) و(م ٢) و(م ٣): اللام، والمثبت من (ج ٢).","vol":"6","page":62},{"text":"الثَّانِيَةِ: مَن يَمنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: قُلتُ: اللَّهُ، قَالَ: فَشَامَ السَّيفَ فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ. ثُمَّ لَم يَعرِض لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.\nرواه أحمد (٣/ ٣١١)، والبخاريُّ (٢٩١٠)، ومسلم (٨٤٣) في الفضائل (١٣).\n* * *\nــ\nقال: لا مانع لك مني! فلم يبال النبي ﷺ بقوله، ولا عرَّج عليه، ثقة منه بوعد الله وتوكلًا عليه، وعلمًا منه بأنه ليس في الوجود فعل إلا لله تعالى، فإنَّه أعلم الناس بالله تعالى وأشدُّهم له خشية. فأجابه بقوله: الله! ثانية، وثالثة، فلما سمع الرَّجُل ذلك، وشاهد تلك القوة التي فارق بها عادة الناس في مثل تلك الحال، تحقق صدقه، وعلم: أنه لا يصل إليه بضرر.\nوهذا من أعظم الخوارق للعادة، فإنَّه عدوٌّ، متمكِّن، بيده سيفٌ شاهرٌ، وموتٌ حاضرٌ، ولا حال تغيّرت، ولا روعة حصلت. هذا محال في العادات، فوقوعه من أبلغ الكرامات، ومع اقتران التحدِّي به يكون من أوضح المعجزات.\nو(قوله: فشام السَّيف) أي: أغمده [هنا، وهو من الأضداد. يقال: شام السيف: جرَّده، وشامه: أغمده] (١).\nو(قوله: فها هو ذا جالس) هكذا وجدته [بخط شيخنا أبي الصَّبر أيوب في نسخته، ووجدته] (٢) في نسخة أخرى: فشام السيف، ها هو ذا هو جالس بإسقاط الفاء، وزيادة هو، والأول أحسن، لأنَّ الفاء رابطة، وهو لا يحتاج إليها، فهي زائدة. ومعنى هذا الكلام أن النبي ﷺ نبَّه على ذلك الرجل، وأخبر عنه، وأشار\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ج ٢).\n(٢) ما بين حاصرتين سقط من (ج ٢).","vol":"6","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-839>(٤) باب ذكر بعض كرامات رسول الله ﷺ في حال هجرته وفي غيرها</span>\n[٢٢٠٠] عن البَرَاءَ بنَ عَازِبٍ قال: جَاءَ أَبُو بَكرٍ إِلَى أَبِي فِي مَنزِلِهِ فَاشتَرَى مِنهُ رَحلًا، فَقَالَ لِعَازِبٍ: ابعَث مَعِيَ ابنَكَ يَحمِلهُ مَعِي إِلَى مَنزِلِي. فَقَالَ لِي أَبِي: احمِلهُ. فَحَمَلتُهُ، وَخَرَجَ أَبِي مَعَهُ يَنتَقِدُ ثَمَنَهُ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: يَا أَبَا بَكرٍ، حَدِّثنِي كَيفَ صَنَعتُم لَيلَةَ سَرَيتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: نَعَم، أَسرَينَا لَيلَتَنَا كُلَّهَا، حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ، وَخَلَا الطَّرِيقُ فَلَا يَمُرُّ فِيهِ أَحَدٌ، حَتَّى رُفِعَت لَنَا صَخرَةٌ طَوِيلَةٌ لَهَا ظِلٌّ، لَم تَأتِ عَلَيهِ الشَّمسُ بَعدُ، فَنَزَلنَا عِندَهَا فَأَتَيتُ الصَّخرَةَ فَسَوَّيتُ بِيَدِي مَكَانًا يَنَامُ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي ظِلِّهَا،\nــ\nإليه، فكأنه قال: تنبَّهوا لهذا الرجل إذ مُنِع مِمَّا همَّ به، واستسلم لما يُفعَلُ فيه، ثم تلافاه النبي ﷺ بعفوه وحلمه، وعاد عليه بعوائده الكريمة وصفحه، فلم يعرض له على ما كان منه.\n(٤) ومن باب ذكر بعض كرامات النبي ﷺ\nالرَّحل للبعير: كالسرج للفرس، والإكاف للحمار. وسرى وأسرى لغتان، وقد جمع بينهما في هذا الحديث، وهو: سير الليل.\nو(قوله: أسرينا ليلتنا كلها حتى قام قائم الظهيرة) أي: اتصل سيرهم من الليل إلى أن قاربوا نصف النهار. وقائم الظهيرة: هو وهج حرِّها وشِدَّتُه.\nو(قوله: رفعت لنا صخرة طويلة) أي: رفعها السراب فرأوها.","vol":"6","page":64},{"text":"ثُمَّ بَسَطتُ عَلَيهِ فَروَةً، ثُمَّ قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نم وَأَنَا أَنفُضُ لَكَ مَا حَولَكَ. فَنَامَ وَخَرَجتُ أَنفُضُ مَا حَولَهُ، فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي غَنَمٍ مُقبِلٍ بِغَنَمِهِ إِلَى الصَّخرَةِ، يُرِيدُ مِنهَا الَّذِي أَرَدنَا، فَلَقِيتُهُ فَقُلتُ: لِمَن أَنتَ يَا غُلَامُ؟ فَقَالَ: لِرَجُلٍ مِن أَهلِ المَدِينَةِ. قُلتُ: أَفِي غَنَمِكَ لَبَنٌ؟ قَالَ: نَعَم. قُلتُ: أَفَتَحلُبُ لِي؟ قَالَ: نَعَم. فَأَخَذَ شَاةً فَقُلتُ لَهُ: انفُض الضَّرعَ مِن الشَّعَرِ وَالتُّرَابِ\nــ\nو(قوله: وأنا أنفض لك ما حولك) أي: أنظر وأبحث فيما حولنا هل فيه ما يكره؟ يقال: إذا تكلَّمت بالليل فاخفض، وإذا تكلمت بالنهار فانفض، أي: التفت إلى ما حولك.\nو(قوله للراعي: لمن أنت؟ فقال: لرجل من أهل المدينة) يعني بالمدينة هنا: مكة، لوجهين:\nأحدهما: أنه إنما كانت هذه القصة في سفر هجرتهم، وإن هذا إنما كان في مبدأ سفرهم. ألا ترى قوله: أسرينا ليلتنا إلى أن قام قائم الظهيرة؟ ! فكأنهم إنما لقوا هذا الراعي بعد ليلة ونصف يوم من خروجهم من الغار. وذكر حديث سراقة في نفس هذا الحديث. يدل على أنه كان قريبًا من مكة.\nوثانيهما: أنه قد روي من طريق أخرى عن البراء أنه قال للراعي: لمن أنت؟ قال: لرجل من أهل مكة، وسماها مدينة، لأنَّ كل بلد يسمى مدينة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي المَدِينَةِ تِسعَةُ رَهطٍ﴾ ولم يرد به دار الهجرة بالاتفاق، وإنَّما سُمِّي البلد مدينة، لأن أهله (١) يدينون لمتوليه، أي يطيعون. وقيل: من الدين، وهو الملك.\nوالكثبة من اللبن وغيره: القليل المجتمع منه. وارتوى: افتعل من الري أي: أعدَّ فيها من الشراب ما يروي. والقعب: وعاء من خشب. والإداوة من جلد.\n_________\n(١) في (ع): أهلها.","vol":"6","page":65},{"text":"وَالقَذَى. قَالَ: فَرَأَيتُ البَرَاءَ يَضرِبُ بِيَدِهِ عَلَى الأُخرَى يَنفُضُ، فَحَلَبَ لِي فِي قَعبٍ مَعَهُ كُثبَةً مِن لَبَنٍ. قَالَ: وَمَعِي إِدَاوَةٌ أَرتَوِي فِيهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ لِيَشرَبَ مِنهَا وَيَتَوَضَّأَ. قَالَ: فَأَتَيتُ النَّبِيَّ ﷺ، وَكَرِهتُ أَن أُوقِظَهُ مِن نَومِهِ، فَوَافَقتُهُ استَيقَظَ، فَصَبَبتُ عَلَى اللَّبَنِ مِن المَاءِ حَتَّى بَرَدَ أَسفَلُهُ، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اشرَب مِن هَذَا اللَّبَنِ. قَالَ: فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ، ثُمَّ قَالَ:\nــ\nو(قوله: وكرهت أن أوقظه) إنما كره ذلك، لأنَّ نومه ذلك كان راحة من تعب، ولأنهم كانوا يتوقعون أنه يوحى إليه في نومه، فإيقاظه يخاف أن يكون قطعًا للوحي.\nو(قوله: فصببت على اللَّبن من الماء حتى برد أسفله) يعني: أنه صبَّ على إناء اللبن من الماء ليبرد اللبن، فإنَّه يخرج من الضرع حارًّا، وكان الوقت شديد الحرِّ. وعلى هذا فالمراد بأسفله: أسفل الإناء. ويحتمل أن يكون المراد به: أنه صبَّ الماء في اللبن ومزجه به. وخصَّ أسفل اللَّبن لأنه إذا برد أسفله برد أعلاه.\nوشُرب النبي ﷺ من ذلك اللَّبن مع علمه بأن الرَّاعي ليس بمالك - إذ قد صرَّح الراعي بذلك - مشكل، إذ الورع يقتضي التوقف، وقد اختلف فيه على أوجه:\nأحدها: أنَّه علم عين المالك، وأنَّه كان ممن تطيب نفسه بذلك، وقد دل على ذلك: أن أحمد بن حنبل روى هذا الحديث في مسنده، فقال فيه: فقلت: لمن أنت يا غلام؟ فقال: لرجل من قريش، فسمَّاه، فعرفتُه.\nوثانيها: أن ذلك محمول على ما جرت به عوائد (١) العرب في إباحة ذلك القدر في مثل تلك الحال.\nوثالثها: أن من احتاج في سفره، ومرَّ على غنم أو ثمر - وقد جاع أو عطش -\n_________\n(١) في (ز): عادة.","vol":"6","page":66},{"text":"أَلَم يَأنِ لِلرَّحِيلِ؟ . قُلتُ: بَلَى. قَالَ: فَارتَحَلنَا بَعدَمَا زَالَت الشَّمسُ، وَاتَّبَعَنَا سُرَاقَةُ بنُ مَالِكٍ. قَالَ: وَنَحنُ فِي جَلَدٍ مِن الأَرضِ. فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُتِينَا. فَقَالَ: لَا تَحزَن، إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا. فَدَعَا عَلَيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَارتَطَمَت فَرَسُهُ إِلَى بَطنِهَا.\nــ\n\nفله أن يسدَّ جوعته، ويروي عطشه منها، وإن لم يأذن المالك، وإن لم ينته الحال إلى الضرورة. وإليه ذهب الحسن، والزهري. والجمهور: على أن ذلك إنَّما يجوز لمن اضطر إلى ذلك.\nورابعها: أن ذلك مال كافر ليس له عهد، فيحل لمن ظفر به.\nقلت: وفي هذا بُعد؛ [لأن تحليل الغنائم لم يكن شرع بعد] (١) وأشبهها القول (٢) الأول والثاني.\nو(قوله: ألم يأن للرحيل) أي: قد حان وقته.\nوالجلد من الأرض: الموضع الصَّلب الغليظ منها.\nو(قول أبي بكر ﵁: [أُتينا) أي: وُصل إلينا، وأحيط بنا. ومنه قوله تعالى: ﴿أَتَاهَا أَمرُنَا لَيلا أَو نَهَارًا﴾ وهذا من أبي بكر ﵁] (٣) التفاتٌ إلى الأسباب العادية، ومقتضى الجبلَّة البشرية.\nو(قوله ﷺ: ﴿لا تَحزَن إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾) أي: بالحفظ والنصرة. وهذا منه ﷺ ثقة بالوعد الصادق، وتفويضٌ إلى الواحد الخالق.\nو(قوله: ارتطمت فرسه إلى بطنها) أي: غاصت قوائمها حتى وصل بطنها إلى الأرض. يقال: ارتطم الرَّجل في الوحل: إذا ثبت فيه.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ج ٢).\n(٢) زيادة من (ع).\n(٣) ما بين حاصرتين سقط من (ع) و(ز).","vol":"6","page":67},{"text":"أُرَى فَقَالَ: إِنِّي عَلِمتُ أَنَّكُمَا قَد دَعَوتُمَا عَلَيَّ فَادعُوَا لِي، فَاللَّهُ لَكُمَا أَن أَرُدَّ عَنكُمَا الطَّلَبَ. فَدَعَا اللَّهَ فَنَجَا، فَرَجَعَ لَا يَلقَى أَحَدًا إِلَّا قَالَ: قَد كَفَيتُكُم مَا هَاهُنَا، فَلَا يَلقَى أَحَدًا إِلَّا رَدَّهُ. قَالَ: وَوَفَى لَنَا.\nوفي رواية: فَلَمَّا دَنَا دَعَا عَلَيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَسَاخَ فَرَسُهُ فِي الأَرضِ إِلَى بَطنِهِ، وَوَثَبَ عَنهُ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قَد عَلِمتُ أَنَّ هَذَا عَمَلُكَ، فَادعُ اللَّهَ أَن يُخَلِّصَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ، وَلَكَ عَلَيَّ لَأُعَمِّيَنَّ عَلَى مَن وَرَائِي، وَهَذِهِ كِنَانَتِي فَخُذ سَهمًا مِنهَا، فَإِنَّكَ سَتَمُرُّ عَلَى إِبِلِي وَغِلمَانِي بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَخُذ مِنهَا حَاجَتَكَ. قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِي إِبِلِكَ. فَقَدِمنَا المَدِينَةَ لَيلًا،\nــ\nو(قوله: أرى بضم الهمزة، أي: أظن أنها وصل بطنها إلى الأرض.\nو(قول سراقة: قد علمت أنكما دعوتما عليّ، فادعوا لي) يدل على ما كان في نفوسهم من تعظيمهم للنبي ﷺ ولأصحابه، وإن كانوا مخالفين لهم.\nو(قوله: فالله لكما أن أردَّ عنكما الطلب) الرواية الصحيحة: نصب الله ولا يجوز غير ذلك، لأنَّه قسم حذف حرف جره، فتعدَّى الفعل المَنوِيُّ فنَصَب، فكأنه قال: فأقسم بالله لكما عليَّ أن أُعمِّي خبركما، وأردّ عنكما من يطلبكما.\nو(قوله: فدعا الله فنجا) هذه من بعض دعوات النبي ﷺ المعجلة الإجابة، وهي من الكثرة بحيث تفوق الحصر، ويحصل بمجموعها القطع بأن الله تعالى قد أكرم محمدًا ﷺ بإجابة دعواته، وأسعفه في كثير من طلباته، وكل ذلك يدل على مكانته، وصدق رسالته.\nو(قوله: فقدمنا المدينة ليلًا) يعني: أنهم وصلوا إليها ليلًا، إلا أنهم أقاموا خارجًا منها، ثم دخلوها نهارًا، وهذا مبيَّن في حديث عائشة ﵂.","vol":"6","page":68},{"text":"فَتَنَازَعُوا أَيُّهُم يَنزِلُ عَلَيهِ، فَقَالَ: أَنزِلُ عَلَى بَنِي النَّجَّارِ أَخوَالِ عَبدِ المُطَّلِبِ أُكرِمُهُم بِذَلِكَ، فَصَعِدَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فَوقَ البُيُوتِ، وَتَفَرَّقَ الغِلمَانُ وَالخَدَمُ فِي الطُّرُقِ يُنَادُونَ: يَا مُحَمَّدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَا مُحَمَّدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ.\nرواه أحمد (١/ ٢ - ٣)، والبخاريُّ (٢٤٣٩)، ومسلم (٢٠٠٩).\nــ\nوقد أطبق أهل السِّير على: أنه دخل المدينة يوم الإثنين، [وأكثرهم يقول] (١): لثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول ضحى ذلك اليوم، وقيل: عند استواء الشمس منه.\nو(قوله: أُنزِل على أخوال عبد المطلب) إنما كانت الأنصار أخوال عبد المطلب، لأنَّ أباه هاشِمًا تزوَّج سلمى ابنة زيد بن خداش من بني النجار، فولدت له عبد المطلب، فبنو النجار أخوال جدِّ النبي ﷺ، فلذلك أكرمهم الله تعالى بنزول نبيَّه عليهم. وقد صحَّ في كتب السِّير وغيرها أن النبي ﷺ نزل في قباء، فأقام فيهم أيامًا، وأسَّس مسجدها، ثم خرج منها راكبًا ناقته متوجهًا حيث أمره الله تعالى، فأدركته الجمعة في بني سالم، فصلَاّها في بطن الوادي، ثم إنه توجه إلى دخول المدينة، فتعرضت له سادات قبائلها، كلهم يعرض عليه النزول، ويأخذ بخطام ناقته وهو يقول: دعوها، فإنَّها مأمورة (٢) فلم تزل ناقته كذلك حتى وصلت إلى دار أبي أيوب فبركت عنده، فنزل النبي ﷺ على أبي أيوب ﵁ وهذا هو الذي عبَّر عنه في هذا الحديث بقوله: فتنازعوا أيهم ينزل عليه، أي: تجاذبوا ذلك، وحرصوا عليه.\nو(قوله: فصعد الرجال والنساء فوق البيوت، والغلمان والخدم في الطرق)\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).\n(٢) سيرة ابن هشام (١/ ٤٩٥).","vol":"6","page":69},{"text":"[٢٢٠١] وعَن عُبَادَةَ بنِ الوَلِيدِ بنِ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ قَالَ: خَرَجتُ أَنَا وَأَبِي نَطلُبُ العِلمَ فِي هَذَا الحَيِّ مِن الأَنصَارِ قَبلَ أَن يَهلِكُوا، وَكَانَ أَوَّلُ\nــ\nهذا عطفٌ على المعنى نحو قوله:\nيا لَيتَ زَوجَكِ قَد غَدا ... مُتقَلِّدًا سَيفًا وَرُمحًا\nو:\nعَلَفتُها تبنًا وماءً باردًا (١) ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nلأن الطرق لا يصعد فيها، فكأنه قال: وتفرَّق الغلمان والخدم في الطرق، والكل ينادون: يا محمد! يا رسول الله! كلُّ ذلك فرحٌ وسرور بقدوم رسول الله ﷺ.\nحديث أبي اليَسَر، واسمه: كعب بن عمرو بن عزيبٍ من بني سلمة. شهد العقبة وبدرًا، فهو عَقَبِيٌّ، بدريٌّ، وهو الذي أسر العباس بن عبد المطلب يوم بدرٍ، وكان رجلًا قصيرًا، والعباس طويل ضخم، فقال له رسول الله ﷺ: لقد أعانك عليه مَلَكٌ (٢)، وهو الذي انتزع راية المشركين من يد أبي عزيز يوم بدرٍ. شهد صفين مع عليّ ﵄، يُعَدُّ في أهل المدينة، وبها توفي سنة خمس وخمسين.\nو(قول عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت: خرجت أنا وأبي نطلبُ العلمَ في هذا الحي من الأنصار، قبل أن يهلكوا) دليل على ما كان عليه أهلُ ذلك الصدر من حرصهم على طلب علم (٣) الحديث، والرحلة إلى أهله، والاجتهاد في\n_________\n(١) هذا صدر البيت، وعجزه:\nحتى شَتَتْ همالةً عيناها\n(٢) رواه أحمد (١/ ٣٥٣).\n(٣) في (ز) و(م ٣): حمل.","vol":"6","page":70},{"text":"مَن لَقِينَا أَبَا اليَسَرِ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَمَعَهُ غُلَامٌ لَهُ، مَعَهُ ضِمَامَةٌ مِن صُحُفٍ، وَعَلَى أَبِي اليَسَرِ بُردَةٌ وَمَعَافِرِيَّ، وَعَلَى غُلَامِهِ بُردَةٌ وَمَعَافِرِيَّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: يَا عَمِّ، إِنِّي أَرَى فِي وَجهِكَ سَفعَةً مِن غَضَبٍ، قَالَ: أَجَل، كَانَ لِي عَلَى فُلَانِ ابنِ فُلَانٍ الحَرَامِيِّ مَالٌ، فَأَتَيتُ أَهلَهُ فَسَلَّمتُ فَقُلتُ: ثَمَّ هُوَ؟ قَالُوا: لَا. فَخَرَجَ عَلَيَّ ابنٌ لَهُ جَفرٌ، فَقُلتُ لَهُ: أَينَ أَبُوكَ؟ قَالَ: سَمِعَ صَوتَكَ فَدَخَلَ أَرِيكَةَ أُمِّي. فَقُلتُ: اخرُج إِلَيَّ، فَقَد عَلِمتُ أَينَ أَنتَ. فَخَرَجَ، فَقُلتُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى أَن اختَبَأتَ مِنِّي؟ قَالَ: أَنَا! وَاللَّهِ أُحَدِّثُكَ، ثُمَّ\nــ\nتحصيله، كل ذلك منهم سعي في تحقيق الدِّين، وإظهاره، ونقله، وإبلاغه، جدد الله عليهم الرحمة، فلقد سلكوا طريقًا أفضت بهم إلى الجنة.\nغريب هذا الحديث:\nالحي: القبيل. وضِمامة من صحف: هو بكسر الضاد بغير ألف، كذا وقع في كتاب مسلم، وصوابه: إضمامةٌ، وهي الإضبارة أيضًا. وجمعها أضاميم، وكل شيء ضممت بعضه إلى بعض فهو إضمامةٌ. والصحف: جمع صحيفة، وهي الورقة من الكتب، وكل ما انبسط فهو صحيفة. ومنه: صحفة الطعام. والبرد: الشملة المخططة، وجمعها: برد وبرود. ومَعافِري: بفتح الميم، ثوب منسوب إلى معافر، وهي محلة بالفسطاط، [قاله أبو الفرج. وقيل: هو رجل كان يعملها] (١). والسُّفعة: تغيُّر اللون بسواد مشرب بحمرة، قاله الخليل. والجفر من الغلمان: الذي قوي منهم في نفسه، وقوي في أكله. يقال منه: استجفر الصبي: إذا صار كذلك، وأصله في أولاد الغنم، فإذا أتى عليه أربعة أشهر، وفصل عن أمه، وأخذ في الرعي، قيل عليه جفر، والأنثى جفرة. والأريكة: واحدة الأرائك، وهي: السرير الذي عليه كِلَّة، وهي: الحَجَلَة.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).","vol":"6","page":71},{"text":"لَا أَكذِبُكَ، خَشِيتُ وَللَّهِ أَن أُحَدِّثَكَ فَأَكذِبَكَ، وَأَن أَعِدَكَ فَأُخلِفَكَ، وَكُنتَ صَاحِبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَكُنتُ وَاللَّهِ مُعسِرًا. قَالَ قُلتُ: آللَّهِ؟ قَالَ: اللَّهِ. قُلتُ: آللَّهِ؟ قَالَ: اللَّهِ. قُلتُ: آللَّهِ؟ قَالَ: اللَّهِ. قَالَ: فَأَتَى بِصَحِيفَتِهِ فَمَحَاهَا بِيَدِهِ، فَقَالَ: إِن وَجَدتَ قَضَاءً فَاقضِنِي، وَإِلَّا فأَنتَ فِي حِلٍّ. فَأَشهَدُ بَصَرُ عَينَيَّ هَاتَينِ، - وَوَضَعَ إِصبَعَيهِ عَلَى عَينَيهِ - وَسَمعُ أُذُنَيَّ هَاتَينِ،\nــ\nو(قول المدين: خشيت والله أن أحدثك فأكذبك، وأعدك فأخلفك، وكنت صاحب رسول الله ﷺ) كان هذا الغريم صادقًا في حاله، متقيًّا على دينه، محترمًا لأصحاب رسول الله ﷺ فلما علم منه ربُّ الدَّين ذلك كلَّه محا عنه صحيفته، وأنظره إلى الميسرة، كما قال تعالى (١).\nوفيه ما يدلّ على أن ربَّ الدَّين إذا علم بعُسرة غريمه، أو ظنَّها حرمت عليه مطالبته، وإن لم تثبت عسرته عند الحاكم.\nو(قوله: آلله؟ قال: الله هو ممدود لأنها همزة الاستفهام دخلت على الهمزة المعوضة من باء القسم.\nو(قوله: فأشهد بصر عيني هاتين، وسمع أذني هاتين) هكذا رواية العذري بفتح الصاد، ورفع الراء على المصدر المضاف إلى ما بعده، وكذلك سمع أذني بتسكين الميم، ورواهما الطبري بصُرَ - بضم الصاد، وفتح الراء - على الفعل الماضي، وعيناي مرفوع على الفاعل، وكذلك: سَمِع أذناي غير أنه كسر الميم، وكذا عند أبي علي الغساني، ورواية الطبري أوضح، وأقل كلفة، فإنَّ رواية العذري يحتاج فيها إلى إضمار خبر للمبتدأ الذي هو: بصر. تقديره: بصر عيني حاصل، أو متعلق، ثم إنه بعد هذا يعطف على هذه الجملة الاسمية جملة فعليَّة التي هي قوله: ووعاه قلبي، والأحسن في عطف الجمل مراعاة المجانسة في المعطوف، والمعطوف عليه، فرواية الطبري أولى.\n_________\n(١) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠].","vol":"6","page":72},{"text":"وَوَعَاهُ قَلبِي - وَأَشَارَ إِلَى نياطِ قَلبِهِ - رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: مَن أَنظَرَ مسلمًا أَو وَضَعَ عَنهُ، أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ.\nقَالَ فَقُلتُ لَهُ أَنَا: يَا عَمِّ، لَو أَنَّكَ أَخَذتَ بُردَةَ غُلَامِكَ وَأَعطَيتَهُ مَعَافِرِيَّكَ، وَأَخَذتَ مَعَافِرِيَّهُ وَأَعطَيتَهُ بُردَتَكَ، فَكَانَت عَلَيكَ حُلَّةٌ وَعَلَيهِ حُلَّةٌ. فَمَسَحَ رَأسِي وَقَالَ: اللَّهُمَّ بَارِك فِيهِ، يَا ابنَ أَخِي، بَصَرُ عَينَيَّ هَاتَينِ، وَسَمعُ أُذُنَيَّ هَاتَينِ، وَوَعَاهُ قَلبِي هَذَا - وَأَشَارَ إِلَى نياطِ قَلبِهِ - رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: أَطعِمُوهُم مِمَّا تَأكُلُونَ، وَاكسُوهُم مِمَّا تَلبَسُونَ. وَكَانَ أَن أَعطَيتُهُ مِن مَتَاعِ الدُّنيَا أَهوَنَ عَلَيَّ مِن أَن يَأخُذَ مِن حَسَنَاتِي يَومَ القِيَامَةِ.\nــ\nو(قوله: ووعاه قلبي رسول الله ﷺ) الضمير في وعاه قلبي: عائد على [غير] (١) مذكور قبله، فهو مما يفسره الحال والمشاهدة. وأبدل منه رسول الله ﷺ للبيان، فهو بدل الظاهر من المضمر. ونياط القلب: هو معلَّقه، ويروى: مناط، وهو موضع تعلُّقه. وإنظار المعسر: تأخيره إلى أن يوسر، والوضع عنه: إسقاط الدَّين عن ذمته، وقد جمع هو بينهما لهذا المعسر حيث محا عنه الصحيفة، وقال له: إن وجدت قضاء فاقض، وإلا فأنت في حل. وقد مضى تفسير الحُلَّة، وأنها ثوبان من جنس واحد، ليسا بلِفقَين.\nو(قوله: أطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون) ظاهر هذا: وجوب تشريك السيِّد عبده في نوع ما يأكله، ويلبسه، وهو ليس بواجب اتفاقًا، وقد بيَّنَّا ذلك فيما تقدم. لكن خاف أبو اليَسَر أن يكون ترك ذلك منقصًا من حسناته، فسوَّى بينه وبين عبده في اللباس، وكذلك فعل أبو ذر ﵁، كما تقدم.\nوالاشتمال: الالتفاف بالشملة. وهذا الاشتمال الذي اشتمله جابر هو الذي أذن له فيه النبي ﷺ كما تقدَّم في كتاب: الصلاة، وهو أن يضع وسط الشملة\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ليس في (ع).","vol":"6","page":73},{"text":"ثُمَّ مَضَينَا حَتَّى أَتَينَا جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ فِي مَسجِدِهِ وَهُوَ يُصَلِّي فِي ثَوبٍ وَاحِدٍ مُشتَمِلًا بِهِ، فَتَخَطَّيتُ القَومَ حَتَّى جَلَستُ بَينَهُ وَبَينَ القِبلَةِ، فَقُلتُ: يَرحَمُكَ اللَّهُ، أَتُصَلِّي فِي ثَوبٍ وَاحِدٍ وَرِدَاؤُكَ إِلَى جَنبِكَ؟ قَالَ: فَقَالَ بِيَدِهِ فِي صَدرِي: هَكَذَا، وَفَرَّقَ بَينَ أَصَابِعِهِ وَقَوَّسَهَا: أَرَدتُ أَن يَدخُلَ عَلَيَّ الأَحمَقُ مِثلُكَ فَيَرَانِي كَيفَ أَصنَعُ فَيَصنَعُ مِثلَهُ، أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَسجِدِنَا هَذَا، وَفِي يَدِهِ عُرجُونُ ابنِ طَابٍ، فَرَأَى فِي قِبلَةِ المَسجِدِ نُخَامَةً فَحَكَّهَا بِالعُرجُونِ، ثُمَّ أَقبَلَ عَلَينَا فَقَالَ: أَيُّكُم يُحِبُّ أَن يُعرِضَ اللَّهُ عَنهُ؟ . قَالَ: فَخَشَعنَا، قَالَ: أَيُّكُم يُحِبُّ أَن يُعرِضَ اللَّهُ عَنهُ؟ قَالَ: فَخَشَعنَا، ثُمَّ\nــ\nعلى ظهره، ويخرجها من تحت ضِبعَيه، ويخالف بين طرفيها، ويعقدها على قفاه. ووضعه يده على صدره، إنما كان ليوقظه من غفلته، ويستحضر فهمه.\nو(قوله: إنما فعلته ليراني أحمق مثلك) إنما شافهه بهذا اللفظ الجافي مقابلة له على ما صدر منه من الحركة الجافية، والسؤال الذي أورده مورد الإنكار، فلو تلطف في السؤال لما سمع هذا المقال.\nوالعرجون واحد العراجين: وهي الشماريخ، وتسمى أيضًا: الكباسة. ورطب ابن طاب: نوع من الرطب. وقد تقدم القول على البزاق في المسجد.\nو(قوله: أيكم يحبُّ أن يُعرض الله عنه) أي: يعامله معاملة المعرض عنه فلا يثيبه إن قلنا: إن البزاق في المسجد مكروه، وإن تنزلنا: على أن البزاق في المسجد محرَّم - كما تقدم - كان الإعراض كناية عن تعذيبه على ذلك، وترك رحمته إياه في وقت العذاب، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: فخشعنا) الرواية الصحيحة فيه بالخاء المعجمة. من الخشوع، وهو الخضوع والتذلل، يعني: أنه ظهرت عليهم أحوال المنكسرين الخائفين، ومن قيده بالجيم فقد أبعد، إذ ليس هذا موضع الجشع، لأنَّه عبارة عن أشد الحرص.","vol":"6","page":74},{"text":"قَالَ: أَيُّكُم يُحِبُّ أَن يُعرِضَ اللَّهُ عَنهُ؟ . قُلنَا: لَا أَيُّنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَإِنَّ أَحَدَكُم إِذَا قَامَ يُصَلِّي، فَإِنَّ اللَّهَ ﵎ قِبَلَ وَجهِهِ، فَلَا يَبصُقَنَّ قِبَلَ وَجهِهِ، وَلَا عَن يَمِينِهِ، وَليَبصُق عَن يَسَارِهِ تَحتَ رِجلِهِ اليُسرَى، فَإِن عَجِلَت بِهِ بَادِرَةٌ فَليَقُل بِثَوبِهِ هَكَذَا، ثُمَّ طَوَى ثَوبَهُ بَعضَهُ عَلَى بَعضٍ. فَقَالَ: أَرُونِي عَبِيرًا. ثار الفَتى مِن الحَيِّ يَشتَدُّ إِلَى أَهلِهِ، فَجَاءَ بِخَلُوقٍ فِي رَاحَتِهِ، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَهُ عَلَى رَأسِ العُرجُونِ، ثُمَّ لَطَخَ بِهِ عَلَى أَثَرِ النُّخَامَةِ. فَقَالَ جَابِرٌ: فَمِن هُنَاكَ جَعَلتُم الخَلُوقَ فِي مَسَاجِدِكُم.\nوسِرنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزوَةِ بَطنِ بُوَاطٍ وَهُوَ يَطلُبُ المَجدِيَّ بنَ عَمرٍو الجُهَنِيَّ، وَكَانَ النَّاضِحُ يَعتقُبُهُ مِنَّا الخَمسَةُ وَالسِّتَّةُ وَالسَّبعَةُ، فَدَارَت عُقبَةُ رَجُلٍ مِن الأَنصَارِ عَلَى نَاضِحٍ لَهُ، فَأَنَاخَهُ فَرَكِبَهُ، ثُمَّ بَعَثَهُ فَتَلَدَّنَ عَلَيهِ بَعضَ التَّلَدُّنِ، فَقَالَ لَهُ: شَأ، لَعَنَكَ اللَّهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن\nــ\nيقال منه: جشع الرجل - بكسر الشين - وتجشَّع: إذا اشتدَّ حرصه.\nوالخلوق والعبير: ضروب من الطيب يجمع بالزعفران. وثار الفتى أي: وثب يجري، والنخامة والنخاعة: ما يخرج من أقصى الفم. وبواط: موضع من ناحية رضوى. وكانت هذه الغزوة على رأس سنة من مقدمه المدينة، خرج فيها يطلب المجديَّ بن عمرو، ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق حربا. وتلدَّن: تثبط وتلكأ، ولم ينبعث. وشَأ: صوت تزجر به الإبل. واللعن: الطرد والبعد. ولما دعا هذا الرجل على بعيره باللعنة أجيب، فأُبعد البعير عنه، وحيل بينه وبينه، وهذا من باب العقوبة في المال لربه، لا من باب عقوبة ما لا يعقل، وفيه ما يدل على أن الدعاء في حالة الضجر والغضب قد يستجاب.\nوعشيشية: تصغير عشية على غير قياس، ويمدر الحوض: يُطيِّنه ويسدُّ خلله ليمسك الماء. ونزعنا: استقينا. والسَّجل: الدلو. وأفهقناه: ملأناه.","vol":"6","page":75},{"text":"هَذَا اللَّاعِنُ بَعِيرَهُ؟ . قَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: انزِل عَنهُ، فَلَا يَصحَبنَا مَلعُون، لَا تَدعُوا عَلَى أَنفُسِكُم، وَلَا تَدعُوا عَلَى أَولَادِكُم، وَلَا تَدعُوا عَلَى أَموَالِكُم، لَا تُوَافِقُوا مِن اللَّهِ سَاعَةً يُسأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَستَجِيبُ لَكُم.\nوسِرنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا كَانَ عُشَيشِيَةٌ، وَدَنَونَا مَاءً مِن مِيَاهِ العَرَبِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن رَجُلٌ يَتَقَدَّمُنَا فَيَمدُرُ الحَوضَ، فَيَشرَبُ وَيَسقِينَا؟ . قَالَ جَابِرٌ: فَقُمتُ فَقُلتُ: هَذَا رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَيُّ رَجُلٍ مَعَ جَابِرٍ؟ . فَقَامَ جَبَّارُ بنُ صَخرٍ، فَانطَلَقنَا إِلَى البِئرِ فَنَزَعنَا فِي الحَوضِ سَجلًا أَو سَجلَينِ، ثُمَّ مَدَرنَاهُ، ثُمَّ نَزَعنَا فِيهِ حَتَّى أَفهَقنَاهُ، فَكَانَ أَوَّلَ طَالِعٍ عَلَينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَتَأذَنَانِ؟ . قُلنَا: نَعَم يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَأَشرَعَ نَاقَتَهُ فَشَرِبَت، شَنَقَ لَهَا، فَشَجَت فَبَالَت، ثُمَّ عَدَلَ بِهَا فَأَنَاخَهَا، ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الحَوضِ فَتَوَضَّأَ مِنهُ، ثُمَّ قُمتُ فَتَوَضَّأتُ مِن مُتَوَضَّأ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَهَبَ جَبَّارُ بنُ صَخرٍ يَقضِي حَاجَتَهُ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ، وَكَانَت عَلَيَّ بُردَةٌ فذَهَبتُ أُخَالِفَ بَينَ طَرَفَيهَا فَلَم تَبلُغ لِي، وَكَانَت لَهَا ذَبَاذِبُ فَنَكَّستُهَا، ثُمَّ خَالَفتُ بَينَ طَرَفَيهَا، ثُمَّ\nــ\nو(قوله: أتأذنان) [دليل على أن من حاز شيئًا من المباح ملكه، وأن الماء المحوز يملك. وفيه] (١) دليلٌ على أنه لا يكتفى في إباحة ملك الغير بالسكوت. بل لا بدَّ من إذن المالك.\nوشنق لها الزمام أي: قبضه إليه لتنقطع عن الشرب.\nوشجت - مخففة الجيم -: قطعت الشرب. يقال: شججت المفازة، أي: قطعتها بالسير. والذباذب: الأطراف، سُمِّيت بذلك لتذبذبها، أي: تحركها، وكل شيء معلَّق فحركته: ذبذبته.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ج ٢).","vol":"6","page":76},{"text":"تَوَاقَصتُ عَلَيهَا، ثُمَّ جِئتُ حَتَّى قُمتُ عَن يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَن يَمِينِهِ، ثُمَّ جَاءَ جَبَّارُ بنُ صَخرٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ جَاءَ فَقَامَ عَن يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَ بِيَدَينَا جَمِيعًا، فَدَفَعَنَا حَتَّى أَقَامَنَا خَلفَهُ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرمُقُنِي وَأَنَا لَا أَشعُرُ، ثُمَّ فَطِنتُ بِهِ، فَقَالَ: هَكَذَا بِيَدِهِ، يَعنِي شُدَّ وَسَطَكَ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَا جَابِرُ. قُلتُ: لَبَّيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: إِذَا كَانَ وَاسِعًا فَخَالِف بَينَ طَرَفَيهِ، وَإِذَا كَانَ ضَيِّقًا فَاشدُدهُ عَلَى حَقوِكَ.\nسِرنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ قُوتُ كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا فِي كُلِّ يَومٍ تَمرَةً، فَكَانَ يَمَصُّهَا ثُمَّ يَصُرُّهَا فِي ثَوبِهِ، وَكُنَّا نَختَبِطُ بِقِسِيِّنَا وَنَأكُلُ حَتَّى قَرِحَت أَشدَاقُنَا، فَأُقسِمُ خطِئَهَا رَجُلٌ مِنَّا يَومًا، فَانطَلَقنَا بِهِ نَنعَشُهُ، فَشَهِدنَا له أَنَّهُ لَم يُعطَهَا، فَأُعطِيَهَا، فَقَامَ فَأَخَذَهَا.\nــ\nو(قوله: وتواقَصتُ) أي: أمسكت عليها بعنقي لئلا تسقط، أي: حنى عليها بعنقه. وقد تقدَّم القول على مواقف المأموم مع الإمام، وهذا الحديث يدلُّ على أن المشروع في حق الإمام: إذا قام رجل عن يمينه، ثم جاء آخر أنه يدفعهما خلفه، لا يتقدم ويتركهما، فإنَّ النبي ﷺ فعل ذلك بجابر وجبَّار ﵄.\nوالحَقو: معقد الإزار من الوسط، وقد سُمِّي الإزار حَقوًا، كما تقدم في قول أم عطية: فأعطانا حقوه، أي: إزاره.\nونختبط: نفتعل، من الخبط، وهو ضرب الورق بالعصا ليسقط. والقرح: الجراح. وتقرحت: انجرحت. والشدق: جانب الفم.\nوهذا الحديث يدلُّ على قوة صبرهم، وعظيم جلدهم، وعلى أن الله تعالى خرق لهم العادة إكرامًا لهم، لأنَّ إمساك القوة على السفر، والسير مع الاغتذاء بتمرة في كل يومٍ أمرٌ خارق للعادة، وقد وضح ذلك في الرجل الذي أخطأته التمرة","vol":"6","page":77},{"text":"سِرنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَزَلنَا وَادِيًا أَفيَحَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقضِي حَاجَتَهُ، فَاتَّبَعتُهُ بِإِدَاوَةٍ مِن مَاءٍ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَم يَرَ شَيئًا يَستَتِرُ بِهِ، فَإِذَا شَجَرَتَانِ بِشَاطِئِ الوَادِي، فَانطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى إِحدَاهُمَا، فَأَخَذَ بِغُصنٍ مِن أَغصَانِهَا فَقَالَ: انقَادِي عَلَيَّ بِإِذنِ اللَّهِ. فَانقَادَت مَعَهُ كَالبَعِيرِ المَخشُوشِ الَّذِي يُصَانِعُ قَائِدَهُ، حَتَّى أَتَى الشَّجَرَةَ الأُخرَى فَأَخَذَ بِغُصنٍ مِن أَغصَانِهَا فَقَالَ: انقَادِي عَلَيَّ بِإِذنِ اللَّهِ. فَانقَادَت مَعَهُ كَذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالمَنصَفِ مِمَّا بَينَهُمَا، لَأَمَ بَينَهُمَا، يَعنِي جَمَعَهُمَا، فَقَالَ: التَئِمَا عَلَيَّ بِإِذنِ اللَّهِ. فَالتَأَمَتَا.\nقَالَ جَابِرٌ: فَخَرَجتُ أُحضِرُ مَخَافَةَ أَن يُحِسَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقُربِي فَيَبتَعِدَ. فَجَلَستُ أُحَدِّثُ نَفسِي، فَحَانَت مِنِّي لَفتَةٌ، فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُقبِلًا، وَإِذَا الشَّجَرَتَانِ قَد افتَرَقَتَا، فَقَامَت كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنهُمَا عَلَى سَاقٍ، فَرَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ وَقفَةً، فَقَالَ بِرَأسِهِ هَكَذَا - وَأَشَارَ ابن إِسمَاعِيلَ بِرَأسِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا - ثُمَّ أَقبَلَ فَلَمَّا انتَهَى إِلَيَّ قَالَ: يَا جَابِرُ، هَل رَأَيتَ مَقَامِي؟ . قُلتُ: نَعَم يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَانطَلِق إِلَى الشَّجَرَتَينِ فَاقطَع مِن كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنهُمَا غُصنًا، فَأَقبِل بِهِمَا حَتَّى إِذَا قُمتَ مَقَامِي، فَأَرسِل غُصنًا عَن يَمِينِكَ وَغُصنًا عَن يَسَارِكَ.\nــ\nفسقط، ثم إنه لما أعطيها قوي في الحال. والعادة قاضية بأن من سقطت قواه لا ترجع إليه إلا بعد معالجة وترتيب، واستدامة ذلك على تدريج.\nونَنعَشُه: نرفعه وندعمه ليقوم، وكأنه سقط من الضعف. وقد فسَّر بعض الشارحين ننعشه بـ: نسعى في رفعه بالشهادة له في أنه ما أُعطي التمرة، وما ذكرناه أولى، لأنه قال بعد ذلك: فأعطيها فقام، فيعني: أنه سقط من الضعف، فحاولوا رفعه فلم يقدروا حتى أكل التمرة، فقوي وقام. فتأمله.\nوالأفيح: الواسع المنبطح، وشاطئ","vol":"6","page":78},{"text":"قَالَ جَابِرٌ: فَقُمتُ فَأَخَذتُ حَجَرًا فَكَسَرتُهُ وَحَشَرتُهُ فَانذَلَقَ لِي، فَأَتَيتُ الشَّجَرَتَينِ فَقَطَعتُ مِن كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنهُمَا غُصنًا، ثُمَّ أَقبَلتُ بهما أَجُرُّهُمَا حَتَّى قُمتُ مَقَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَرسَلتُ غُصنًا عَن يَمِينِي وَغُصنًا عَن يَسَارِي، ثُمَّ لَحِقتُهُ فَقُلتُ: قَد فَعَلتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَعَمَّ ذَاكَ؟ قَالَ: إِنِّي مَرَرتُ بِقَبرَينِ يُعَذَّبَانِ، فَأَحبَبتُ بِشَفَاعَتِي أَن يُرَفَّهَ عَنهُمَا، مَا دَامَ الغُصنَانِ رَطبَينِ.\nقَالَ: فَأَتَينَا العَسكَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا جَابِرُ، نَادِ بِوَضُوءٍ. فَقُلتُ: أَلَا وَضُوءَ؟ أَلَا وَضُوءَ؟ أَلَا وَضُوءَ؟ قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا وَجَدتُ فِي الرَّكبِ مِن قَطرَةٍ. وَكَانَ رَجُلٌ مِن الأَنصَارِ يُبَرِّدُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ\nــ\nالوادي: جانبه. والمخشوش: هو الذي جعل في أنفه الخشاش - بكسر الخاء -: وهو عود، أو وتد ليذل. والمنصف: ملتقى النصفين. وحديث الشجرتين هذا يدلّ على أن الله تعالى مكَّن نبيَّه ﷺ من انخراق ما شاء من العادات، وأن الجمادات كانت سخرت له، فيتصرف فيها كيف شاء، وهذا من أكمل الكرامات، وأعظم الدلالات.\nوحشرته - بالحاء المهملة-: رققته، وحدَّدته، وحكى الأخفش: سهم حشر، وسهام حشر، أي: محدَّدة.\nو(قوله: فعمَّ ذاك؟ [وروي: فلم ذاك؟] (١) هو استفهام، وذاك إشارة إلى ما أمره رسول الله ﷺ به من غرس الغصنين.\nوفيه دليلٌ على جواز السؤال عن العلل والحكم، وقد تقدَّم القول على القبرين المعذبين في كتاب: الطهارة.\nوالأشجاب: جمع شجب، وهو ما خلق من الأسقية، وقدم، وهي أشدُّ تبريدًا للماء من الجُدَد.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (م ٣) و(ز).","vol":"6","page":79},{"text":"المَاءَ فِي أَشجَابٍ لَهُ عَلَى حِمَارَةٍ مِن جَرِيدٍ، قَالَ فَقَالَ لِيَ: انطَلِق إِلَى فُلَانِ بنِ فُلَانٍ الأَنصَارِيِّ، فَانظُر هَل فِي أَشجَابِهِ مِن شَيءٍ؟ قَالَ: فَانطَلَقتُ إِلَيهِ فَنَظَرتُ فِيهَا، فَلَم أَجِد فِيهَا إِلَّا قَطرَةً فِي عَزلَاءِ شَجبٍ مِنهَا، لَو أَنِّي أُفرِغُهُ لَشَرِبَهُ يَابِسُهُ. فَأَتَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَم أَجِد فِيهَا إِلَّا قَطرَةً فِي عَزلَاءِ شَجبٍ مِنهَا، لَو أَنِّي أُفرِغُهُ لَشَرِبَهُ يَابِسُهُ. قَالَ: اذهَب فَائتِنِي بِهِ. فَأَتَيتُهُ بِهِ، فَأَخَذَهُ بِيَدِهِ فَجَعَلَ يَتَكَلَّمُ بِشَيءٍ لَا أَدرِي مَا هُوَ، وَيَغمِزُهُ بِيَدَيهِ، ثُمَّ أَعطَانِيهِ فَقَالَ: يَا جَابِرُ، نَادِ بِجَفنَةٍ. فَقُلتُ: يَا جَفنَةَ الرَّكبِ، فَأُتِيتُ بِهَا تُحمَلُ، فَوَضَعتُهَا بَينَ يَدَيهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ فِي الجَفنَةِ: هَكَذَا، فَبَسَطَهَا، وَفَرَّقَ بَينَ أَصَابِعِهِ، ثُمَّ وَضَعَهَا فِي قَعرِ الجَفنَةِ، وَقَالَ: خُذ يَا جَابِرُ فَصُبَّ عَلَيَّ وَقُل بِاسمِ اللَّهِ. فَصَبَبتُ عَلَيهِ وَقُلتُ: بِاسمِ اللَّهِ، فَرَأَيتُ المَاءَ يَفُورُ مِن بَينِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ،\nــ\nو(قوله: على حِمَارة من جريد) [صحيح الرواية فيه بكسر الحاء المهملة وتخفيف الميم، وهي جرائد] (١) النخل أو عيدان يجمع أعلاها بالربط، ويفتح أسفلها، تُعلَّق فيها الأسقية، وقد رواها بعض الرواة: جمارة بجيم مضمومة، وميم مشددة، وفيه بُعد. والعَزلاء: مخرج الماء من الراوية أو القربة.\nو(قوله: لو أني أفرغه لشربه يابسه) أي: لقلَّته، وأعاد الضمير مذكَّرًا على معنى العزلاء، لا على لفظها، أراد به المخرج، أو الجلد. يعني: أن الماء كان قليلًا، فلو صبَّه لذهب، ويغمزه: يعضه. والغمز: العض والطعن.\nوجفنة الركب: هي قصعة كبيرة يستصحبها أصحاب الإبل يأكلون فيها مجتمعين.\nو(قوله: فرأيت الماء يفور من بين أصابعه) أي: فجَّر الله تعالى من أصول\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (م ٢).","vol":"6","page":80},{"text":"ثُمَّ فَارَت الجَفنَةُ وَدَارَت حَتَّى لَ: يَا جَابِرُ، نَادِ مَن امتَلَأَت، فَقَاكَانَ لَهُ حَاجَةٌ بِمَاءٍ. قَالَ: فَأَتَى النَّاسُ فَاستَقَوا حَتَّى رَوُوا. قَالَ فَقُلتُ: هَل بَقِيَ أَحَدٌ لَهُ حَاجَةٌ؟ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ مِن الجَفنَةِ وَهِيَ مَلأَى.\nوَشَكَا النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الجُوعَ، فَقَالَ: عَسَى اللَّهُ أَن يُطعِمَكُم، فَأَتَينَا سِيفَ البَحرِ، فَزَخَرَ البَحرُ زَخرَةً، فَأَلقَى دَابَّةً، فَأَورَينَا عَلَى شِقِّهَا النَّارَ، فَاطَّبَخنَا وَاشتَوَينَا، وأكلنَا حَتَّى شَبِعنَا. قَالَ جَابِرٌ: فَدَخَلتُ أَنَا وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، حَتَّى عَدَّ خَمسَةً فِي حِجَاجِ عَينِهَا، مَا يَرَانَا أَحَدٌ حَتَّى خَرَجنَا، فَأَخَذنَا ضِلَعًا مِن أَضلَاعِهِ فَقَوَّسنَاهُ، ثُمَّ دَعَونَا بِأَعظَمِ رَجُلٍ فِي الرَّكبِ، وَأَعظَمِ جَمَلٍ فِي الرَّكبِ، وَأَعظَمِ كِفلٍ فِي الرَّكبِ، فَدَخَلَ تَحتَهُ مَا يُطَأطِئُ رَأسَهُ.\nرواه مسلم (٣٠٠٦ - ٣٠١٤).\n* * *\nــ\nالأصابع الماء، كما يفجِّره من الحجر، وقد بيَّنَّا أن هذه المعجزة أبلغ من معجزة موسى ﵇ في نبع الماء من الحجر.\nوسِيفُ البحر: ساحله. وزخر البحر: هاج وارتجَّ. وأَورَينا: أوقدنا. والشق: الجانب. وحجاج العين بكسر الحاء وفتحها: هو العظم الذي فيه المقلة، وعلى طرفه الأعلى، هو الحاجب. ويطأطئ رأسه: يخفضه.\n* * *","vol":"6","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-840>(٥) باب مثل ما بعث به النبي ﷺ من الهدى والعلم</span>\n[٢٢٠٢] عَن أَبِي مُوسَى عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ مِن الهُدَى وَالعِلمِ كَمَثَلِ غَيثٍ أَصَابَ أَرضًا، فَكَانَت مِنهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَت المَاءَ فَأَنبَتَت الكَلَأَ وَالعُشبَ الكَثِيرَ، وَكَانَ مِنهَا أَجَادِبُ أَمسَكَت\nــ\n(٥) ومن باب مثل ما بعث به النبي ﷺ\nالغيث: المطر. والطائفة من الأرض: القطعة منها، ومن الناس: الجماعة. والطيبة: المنبتة. وقبلت: لم يختلف رواة مسلم في هذا الحرف أنه بالباء بواحدة من القبول، أي: شربت الماء فانتفعت به، وقيَّده بعض رواة البخاري: قيَّلت - بياء مثناة من تحت -. وقال الأصيلي: إنه تصحيف، وقال غيره: ليس كذلك، ومعناه: جمعت، تقول العرب: تقيَّل الماء في الموضع المنخفض: إذا اجتمع فيه.\nقلت: وهذا ليس بشيء، لأنَّه قد ذكر بعد هذا الطائفة الممسكة الماء، الجامعة له، فعلى ما قاله تكون الطائفتان واحدة، ويفسد معنى الخبر والتشبيه، وقيل: يكون معنى: قيلت: شربت. قال: والقيل: شرب نصف النهار، وقيلت الإبل: إذا شربت قائلة.\nقلت: وهذا أيضًا ليس بشيء، لأنَّ مقصود الحديث لا يخص شرب القائلة من غيرها. والأظهر: ما قاله الأصيلي. والكلأ: المرعى، وهو العشب. والرَّطب: يسمى: الخلى. واليابس يسمى: الحشيش.\nو(قوله: وكانت منها أجادب) لم أرو هذا إلا بالجيم، والدال المهملة،","vol":"6","page":82},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوهو الصحيح. قال الأصمعي: الأجادب من الأرض: ما لا ينبت الكلأ. ومعناه: أنها جردة بارزة لا يسترها شيء، وقد رواها بعضهم أجاذب - بالذال المعجمة -. وقال بعضهم: إنما هي أخاذات بالخاء والذال المعجمتين، جمع أخاذة، وهي الماسكة للماء، وقد قال بعضهم: أحازه - بالحاء المهملة والزاي - وليس بشيء. وبعضهم قالها: أجارد بالجيم والراء، جمع أجرد، وهو الذي لا نبات فيه.\nقلت: والصحيح الواضح: الأول رواية ومعنى - إن شاء الله -، ومقصود هذا الحديث: ضرب مثل لما جاء به النبي ﷺ من العلم والدِّين، ولمن جاءهم بذلك، فشبَّه ما جاء به بالمطر العام الذي يأتي الناس في حال إشرافهم على الهلاك يحييهم، ويغيثهم. ثم شبَّه السامعين له: بالأرض المختلفة، فمنهم: العالم العامل المعلِّم (١)، فهذا بمنزلة الأرض الطيبة شربت، فانتفعت في نفسها، وأنبتت، فنفعت غيرها. ومنهم الجامع للعلم، الحافظ له، المستغرق لزمانه في جمعه ووعيه، غير أنه لم يتفرغ للعمل بنوافله، ولا ليتفقه فيما جمع، لكنه أدَّاه (٢) لغيره كما سمعه، فهذا بمنزلة الأرض الصَّلبة التي يستقر فيها الماء فينتفع الناس بذلك الماء، فيشربون ويسقون، وهذا القسم: هو الذي قال فيه النبي ﷺ: نضَّر الله امرأً سمع مني حديثًا، فبلَّغه غيره، فربَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه، وربَّ حامل فقه ليس بفقيه (٣). لا يقال: فتشبيه هذا القسم بهذه الأرض التي أمسكت على غيرها، ولم تشرب في نفسها يقتضي ألا تكون عملت بما لزمها من العلم ولا من الدِّين، ومن لم يقم بما وجب عليه من أمور الدِّين، فلا ينسب للعلماء، ولا للمسلمين، لأنَّا نقول: القيام بالواجبات ليس خاصًّا بالعلماء. بل: يستوي فيها العلماء\n_________\n(١) في (م ٣) و(ز): المتعلم.\n(٢) في أكثر النسخ: \"ودَّاه\" وما أثبتناه من (ز) و(م ٣).\n(٣) رواه أحمد (١/ ٤٣٧)، والترمذي (٢٦٥٧)، وابن ماجه (٢٣٢).","vol":"6","page":83},{"text":"المَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا مِنهَا وَسَقَوا وَرَعَوا، وَأَصَابَ طَائِفَةً مِنهَا أُخرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمسِكُ مَاءً، وَلَا تُنبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَن فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ بِمَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَن لَم يَرفَع بِذَلِكَ رَأسًا، وَلَم يَقبَل هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرسِلتُ بِهِ.\nرواه أحمد (٤/ ٣٩٩)، والبخاري (٧٩)، ومسلم (٢٢٨٢) (١٥).\nــ\nوغيرهم. ومن لم يقم بواجبات علمه كان من الطائفة الثالثة التي لم تشرب، ولم تمسك، لأنَّه لما لم يعمل بما وجب عليه لم ينتفع بعلمه، ولأنه عاص فلا يصلح للأخذ عنه.\nو(قوله: وأصاب طائفة أخرى) هذا مثل للطائفة الثالثة التي بلغها الشرع فلم تؤمن، ولم تقبل، وشبهها بالقيعان، السَّبخة التي لا تقبل الماء في نفسها وتفسده على غيرها، فلا يكون منها إنبات، ولا يحصل بما حصل فيها نفع.\nوالقيعان جمع قاع، وهو ما انخفض من الأرض، وهو المستنقع أيضًا. وهذا يعم ما يفسد فيه الماء، وما لا يفسد، لكن مقصود الحديث: ما يفسد فيه الماء.\nو(قوله: سقوا ورعوا) يقال: سقى وأسقى بمعنى واحد. وقيل: سقيته: ناولته ما يشرب، وأسقيته: جعلت له سقيا. ورعوا: من الرعي، وقد رويته عن بعض المقيَّدين: زرعوا، من الزرع وكلاهما صحيح.\nو(قوله: فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثني الله به فعلم وعلَّم) هذا مثال الطائفة الأولى.\nو(قوله: ومثل من لم يقبل هدى الله الذي أرسلت به) مثال الطائفة الثالثة، وسكت عن الثانية إما لأنها قد دخلت في الأولى بوجه، لأنَّها قد حصل منها نفع في الدين، وإمَّا لأنه أخبر بالأهم فالأهم، وهما الطائفتان المتقابلتان: العليا، والسفلى. والله تعالى أعلم.","vol":"6","page":84},{"text":"[٢٢٠٣] وعنه عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَومَهُ فَقَالَ: يَا قَومِ إِنِّي رَأَيتُ الجَيشَ بِعَينَيَّ، وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ العُريَانُ فَالنَّجَاءَ، فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِن قَومِهِ فَأَدلَجُوا فَانطَلَقُوا عَلَى مُهلَتِهِم، وَكَذَّبَت طَائِفَةٌ مِنهُم فَأَصبَحُوا مَكَانَهُم فَصَبَّحَهُم الجَيشُ فَأَهلَكَهُم وَاجتَاحَهُم، فَذَلِكَ مَثَلُ مَن أَطَاعَنِي وَاتَّبَعَ مَا جِئتُ بِهِ، وَمَثَلُ مَن عَصَانِي وَكَذَّبَ مَا جِئتُ بِهِ مِن الحَقِّ.\nرواه البخاريُّ (٦٤٨٢)، ومسلم (٢٢٨٣) (١٦).\nــ\nوقوله في الحديث الآخر: إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قومه، فقال: يا قوم! إني رأيت الجيش بعيني) هذا ضرب مثل لحاله في الإنذار، ولأحوال السَّامعين لإنذاره، فإنَّه أنذرهم بما علمه من عقاب الله، وبما يتخوف عليهم من فجأته، فمن صدَّقه نجا، ومن أعرض عنه هلك. وهذا بخلاف التمثيل في الحديث الأوَّل، فإنَّ ذلك بالنسبة إلى تحصيل العلم والانتفاع به، وإلى الإعراض عنه، فهما مثلان مختلفان.\nو(قوله: وإنِّي أنا النذير العُريان) هذا مثل، قيل كان أصله: أن رجلًا مُعيَّنًا سلبه العدو، فانفلت منهم، فأنذر قومه عريانًا. وقيل: كان الرَّجُل من العرب إذا رأى ما يوجب إنذار قومه تجرَّد من ثيابه، وأشار إليهم ليعلمهم بما دهمهم، وهذا أشبه، وأليق بمقصود الحديث.\nوالنجاء: السرعة، وهو منصوب على المصدر، وهو بالمد، وقيل: بالقصر. حكاه أبو زيد (١)، ولو تكرر لفظه لوجب نصبه.\nوأدلجوا: ساروا من أول الليل إدلاجًا، والاسم: الدَّلج، والدَّلجة - بفتح الدال - والادلاج: الخروج من آخر الليل، والمصدر: الادلاج، والاسم: الدُّلجة\n_________\n(١) هو سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاري، من أئمة الأدب واللغة في البصرة، توفي سنة ٢١٥ هـ.","vol":"6","page":85},{"text":"[٢٢٠٤] وعن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ أُمَّتِي كَمَثَلِ رَجُلٍ استَوقَدَ نَارًا، فَجَعَلَت الدَّوَابُّ وَالفَرَاشُ يَقَعنَ فِيهِ فَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُم وَأَنتُم تَقَحَّمُونَ فِيهِ.\nرواه البخاريُّ (٦٤٨٣)، ومسلم (٢٢٨٤) (١٧)، والترمذيُّ (٢٨٧٧).\n[٢٢٠٥] وعن جابر مثله، وقال: وأنتم تفلتون من يدي.\nرواه مسلم (٢٢٨٥) (١٩).\n* * *\nــ\n- بضم الدال - قال ابن قتيبة: ومن الناس من يجيز الوجهين في كل واحد منهما، كما يقال: بَرهةً من الدَّهر، وبُرهة.\nواجتاحهم: أهلكهم، واستأصلهم. يقال: جاحَتهُم السَّنَةُ، تجوحهم جَوحًا، وجياحة. واجتاحتهم، تجتاحهم، اجتياحة.\nو(قوله: استوقد نارًا) أي: أوقدها، والسِّين والتاء زائدتان.\nوالجَنَادِب (١): جمع جُندَب - بفتح الدَّال وضمها - وهي: الجرادة. هذا هو المعروف من اللغة. وقال أبو حاتم: الجندب على خلقة الجرادة، له أربعة أجنحة يصرر بالليل صرًّا شديدًا.\nوالفراش قال الفراء: هو غوغاء الجراد التي تنفرش وتتراكب. وقال غيره: هو الطير الذي يتساقط في النار وفي السراج.\nقلت: وهذا أشبه بما في الحديث.\nوالحجز جمع حجزة، وهي معقد الإزار والسراويل. ويقال: تحاجز القوم، إذا أخذ بعضهم بحجزة بعض، وإذا أراد الرجل إمساك من يخاف سقوطه أخذ بذلك الموضع منه.\nوالتقحُّم: هو التهجُّم على الشيء من غير\n_________\n(١) هذه اللفظة ليست في حديث أبي هريرة الذي أورده في التلخيص، وإنما هي في حديث جابر في صحيح مسلم برقم (٢٢٨٥) (١٩).","vol":"6","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-841>(٦) باب مثل النبي ﷺ مع الأنبياء</span>\n[٢٢٠٦] عَن جَابِرٍ قال قال رسول الله ﷺ: مَثَلِي وَمَثَلُ الأَنبِيَاءِ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا فَأَتَمَّهَا، وَأَكمَلَهَا إِلَّا مَوضِعَ لَبِنَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَدخُلُونَهَا، وَيَتَعَجَّبُونَ مِنهَا، وَيَقُولُونَ: لَولَا مَوضِعُ اللَّبِنَةِ! قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَأَنَا مَوضِعُ اللَّبِنَةِ جِئتُ فَخَتَمتُ الأَنبِيَاءَ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٦١)، والبخاريُّ (٣٥٣٤)، ومسلم (٢٢٨٧) (٢٣)، والترمذيُّ (٢٨٦٦).\n[٢٢٠٧] ونحوه عن أبي هريرة، غير أنه قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين.\nرواه أحمد (٢/ ٣٩٨)، والبخاريُّ (٣٥٣٥)، ومسلم (٢٢٨٦) (٢٠ - ٢٢).\n* * *\nــ\nتروٍّ، ولا تبصُّر، وهذا مثل لاجتهاد نبينا ﷺ في نجاتنا، وحرصه على تخليصنا من الهلكات التي بين أيدينا، ولجهلنا بقدر ذلك، وغلبة شهواتنا علينا، وظفر عدوِّنا اللعين بنا، حتى صرنا أحقر من الفراش والجنادب، وأذل من الطين اللَاّزب.\n[(٦) ومن باب: مثل النبي - ﷺ - مع الأنبياء] (١)\n(قوله ﷺ: مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى دارًا، فأتَمَّها وأكملها، إلا موضع لبنة) اللَّبنة الطوبة التي يبنى بها، وفيها لغتان:\n_________\n(١) عنوان هذا الباب ليس في أصول المفهم، واستدركناه من التلخيص.","vol":"6","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-842>(٧) باب إذا رحم الله أمة قبض نبيها قبلها</span>\n[٢٢٠٨] عَن أَبِي مُوسَى عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ - تعالى - إِذَا أَرَادَ رَحمَةَ أُمَّةٍ مِن عِبَادِهِ قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبلَهَا، فَجَعَلَهُ لَهَا فَرَطًا وَسَلَفًا بَينَ يَدَيهَا، وَإِذَا أَرَادَ هَلَكَةَ أُمَّةٍ عَذَّبَهَا وَنَبِيُّهَا حَيٌّ، فَأَهلَكَهَا وَهُوَ يَنظُرُ، فَأَقَرَّ عَينَهُ بِهَلَكَتِهَا حِينَ كَذَّبُوهُ وَعَصَوا أَمرَهُ.\nرواه مسلم (٢٢٨٨) (٢٤).\nــ\nإحداهما: فتح اللام وكسر الباء، وتجمع: لبن، غير أنك تسقط الهاء من الجمع. كنبقة ونبق.\nوالثانية: كسر اللام وسكون الباء، وتجمع: لبن - بكسر اللام وفتح الباء، كسدرة وسدر.\nومقصود هذا المثل: أن يبيِّن به ﷺ أن الله تعالى ختم به النبيين والمرسلين، وتَمَّم به ما سبق في علمه إظهاره من مكارم الأخلاق، وشرائع الرسل، فيه كمل النظام، وهو ختم الأنبياء، والرسل الكرام، صلى الله عليه وعلى آله أفضل صلاة، وسلَّم عليه أبلغ سلام.\n(٧) ومن باب: إذا أراد الله رحمة أمة قبض نبيها قبلها\nإنما كان موت النبي ﷺ قبل أمته رحمة لأمته، لأنَّ الموجب لبقائهم بعده إيمانهم به، واتباعهم لشريعته، ثم إنهم يصابون بموته، فتعظم أجورهم بذلك، إذ لا مصيبة أعظم من فقد الأنبياء، فلا أجر أعظم من أجر من أصيب بذلك، ثم يحصل لهم أجر التمسك بشريعته بعده، فتتضاعف الأجور، فتعظم الرحمة، ولهذا","vol":"6","page":88},{"text":"[٢٢٠٩] وعن سَهل قال: سَمِعتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: أَنَا فَرَطُكُم عَلَى الحَوضِ، مَن وَرَدَ شَرِبَ، وَمَن شَرِبَ لَم يَظمَأ أَبَدًا، وَلَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقوَامٌ أَعرِفُهُم وَيَعرِفُونِي، ثُمَّ يُحَالُ بَينِي وَبَينَهُم.\nرواه البخاريُّ (٧٠٥٠)، ومسلم (٢٢٩٠) (٢٦).\n[٢٢١٠] ومن حديث أبي سعيد، فيقول: إِنَّهُم مِنِّي فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدرِي مَا عَمِلُوا بَعدَكَ فَأَقُولُ: سُحقًا سُحقًا لِمَن بَدَّلَ بَعدِي.\nرواه البخاري (٧٠٥١)، ومسلم (٢٢٩١).\n* * *\nــ\nقال ﷺ: حياتي لكم رحمة، ومماتي لكم رحمة (١)، وأما إذا أهلكها قبله فذلك لا يكون إلا لأنهم لم يؤمنوا به، وخالفوه، وعصوا أمره، فإذا استمروا على ذلك من عصيانهم، وتمرُّدهم أبغضهم نبيهم، فربما دعا عليهم فأجاب الله دعوته فأهلكهم، فأقرَّ عينه فيهم، كما فعل بقوم نوح وغيره من الأنبياء، وقد تقدَّم القول في الفرط، وأنه المتقدِّم.\nقلت: وحديث أبي موسى: هو من الأربعة عشر حديثًا المنقطعة. الواقعة في كتاب مسلم، لأنَّه قال في أول سنده: حُدِّثت عن أبي أسامة، وممن روى عنه: إبراهيم بن سعيد الجوهري. قال: حدثنا أبو أسامة، ثم ذكر السند متصلًا إلى أبي موسى - ﵁ -.\n* * *\n_________\n(١) ذكره الزبيدي في الإتحاف (٩/ ١٧٦ و١٧٧)، وابن حجر في المطالب العالية (٣٨٥٣)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٩٤٥).","vol":"6","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-843>(٨) باب ما خص به النبي ﷺ من الحوض المورود ومن أنه أعطي مفاتيح خزائن الأرض</span>\n[٢٢١١] عن عَبد اللَّهِ بنُ عَمرِو بنِ العَاصِ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: حَوضِي مَسِيرَةُ شَهرٍ، وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ، وَمَاؤُهُ أَبيَضُ مِن الوَرِقِ، وَرِيحُهُ\nــ\n(٨ و٩) ومن باب حوض النبي ﷺ وأوانيه (١)\nقد تقدَّم القول على كثير من معاني أحاديث هذا الباب في كتاب الطهارة. ومما يجب على كل مكلف أن يعلمه، ويصدِّق به: أن الله تعالى قد خصَّ نبيه محمدًا ﷺ بالكوثر الذي هو الحوض المصرَّح باسمه، وصفته، وشرابه وآنيته في الأحاديث الكثيرة الصحيحة الشهيرة، التي يحصل بمجموعها العلم القطعي، واليقين التواتري، إذ قد روى ذلك عن النبي ﷺ من الصحابة نيف على الثلاثين. في الصحيحين منهم نيف على العشرين، وباقيهم في غيرهما، مما صح نقله، واشتهرت روايته، ثم قد رواها عن الصحابة من التابعين أمثالُهم، ثم لم تزل تلك الأحاديث مع توالي الأعصار، وكثرة الرواة لها في جميع الأقطار، تتوفر همم الناقلين لها على روايتها وتخليدها في الأمهات، وتدوينها، إلى أن انتهى ذلك إلينا، وقامت به حجة الله علينا، فلزمنا الإيمان بذلك، والتصديق به، كما أجمع عليه السلف، وأهل السنة من الخلف، وقد أنكرته طائفة من المبتدعة، وأحالوه عن ظاهره، وغلوا في تأويله من غير إحالة عقلية، ولا عادية، تلزم من إقراره على ظاهره، ولا منازعة سمعية، ولا نقلية تدعو إلى تأويله، فتأويله تحريف صدر عن عقل سخيف خرق به إجماع السلف، وفارق به مذهب أئمة الخلف.\nوالحوض:\n_________\n(١) شرح المؤلف -﵀- تحت هذا العنوان أيضًا ما أشكل في أحاديث باب: في عِظَم حوض النبي - ﷺ - وكبره. . .","vol":"6","page":90},{"text":"أَطيَبُ مِن المِسكِ، كِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، مَن شَرِبَ مِنهُ فَلَا يَظمَأُ بَعدَهُ أَبَدًا\nقَالَ: وَقَالَت أَسمَاءُ بِنتُ أَبِي بَكرٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنِّي عَلَى الحَوضِ حَتَّى أَنظُرَ مَن يَرِدُ عَلَيَّ مِنكُم، وَسَيُؤخَذُ أُنَاسٌ دُونِي، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ مِنِّي وَمِن أُمَّتِي فَيُقَالُ: أَمَا شَعَرتَ مَا عَمِلُوا بَعدَكَ؟ وَاللَّهِ مَا بَرِحُوا بَعدَكَ يَرجِعُونَ عَلَى أَعقَابِهِم.\nقَالَ: فَكَانَ ابنُ أَبِي مُلَيكَةَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَن نَرجِعَ عَلَى أَعقَابِنَا أَو أَن نُفتَنَ عَن دِينِنَا.\nرواه البخاريُّ (٦٥٧٩)، ومسلم (٢٢٩٢ و٢٢٩٣).\nــ\nمجتمع الماء. يقال: استحوض الماء، إذا اجتمع. ويجمع: أحواضًا وحياضًا.\nو(قوله: من شرب منه لم يظمأ أبدًا) أي: لم يعطش آخر ما عليه (١). وظاهر هذا وغيره من الأحاديث: أن الورود على هذا الحوض، والشرب منه، إنما يكون بعد النجاة من النار، وأهوال القيامة، لأنَّ الوصول إلى ذلك المحل الشريف، والشرب منه، والوصول إلى موضع يكون فيه النبي ﷺ ولا يمنع عنه، من أعظم الإكرام، وأجل الإنعام، ومن انتهى إلى مثل هذا كيف يعاد إلى حساب، أو يذوق بعد ذلك تنكيل خزي وعذاب؟ ! فالقول بذلك أوهى من السراب.\nو(قوله ﷺ: حوضي مسيرة شهر، زواياه سواء) أي: أركانه معتدلة، يعني:\n_________\n(١) أي: لا يظمأ ما دام في الموقف للحساب. وقد ورد هذا التعبير في صحيح مسلم برقم (٢٣٠٠).","vol":"6","page":91},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nأن ما بين الأركان متساوٍ، فهو معتدل التربيع، وقد اختلفت الألفاظ الدَّالة على مقدار الحوض، كما هو مبيَّن في الروايات المذكورة في الأصل. وقد ظن بعض القاصرين: أن ذلك اضطراب، وليس كذلك، وإنما تحدَّث النبي ﷺ بحديث الحوض مرات عديدة، وذكر فيها تلك الألفاظ المختلفة إشعارًا بأن ذلك تقدير، لا تحقيق، وكلها تفيد أنه كبير متسع، متباعد الجوانب والزوايا، ولعل سبب ذكره للجهات المختلفة في تقدير الحوض: أن ذلك إنما كان بحسب من حضره ممن يعرف تلك الجهات، فيخاطب كل قوم بالجهة التي يعرفونها، والله أعلم.\nو(قوله: ماؤه أبيض من الورق) جاء أبيض - هاهنا - في هذا الحديث على الأصل المرفوض (١)، كما قد جاء في قولهم:\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . ... فأنت أبيَضُهم سِربال طَبَّاخ (٢)\nوكما قد جاء قوله ﷺ: توافون سبعين أمَّة أنتم أخيرهم (٣)، أي: خيرهم، وكما قد جاء عنه ﷺ: لينتهين أقوامٌ عن ودعهم الجمعات (٤)، وكل ذلك جاء منبهة على الأصل المرفوض، والمستعمل الفصيح كما جاء في الرواية الأخرى: أشد بياضًا من الثلج (٥)، ولا معنى لقول من قال من مُتعسِّفة النحاة: لا يجوز التلفظ بهذه الأصول المرفوضة، مع صحَّة هذه الروايات، وشهرة تلك الكلمات.\n_________\n(١) أي: على وزن أفعل التي للتفضيل، وهنا في الألوان مرفوضة هذه الصيغة، ويقال: أشدّ بياضًا.\n(٢) هذا عجز بيت لطرفة بن العبد، وصدره:\nإذا الرِّجال شَتَوا واشتدَّ أكلهم\n(٣) رواه الدارمي (٢/ ٣١٣).\n(٤) رواه أحمد (١/ ٣٣٥)، ومسلم (٨٦٥)، والنسائي (٣/ ٨٨).\n(٥) رواه مسلم رقم (٢٤٧) (٣٦).","vol":"6","page":92},{"text":"[٢٢١٢] وعَن عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ فَصَلَّى عَلَى أَهلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى المَيِّتِ، ثُمَّ انصَرَفَ إِلَى المِنبَرِ فَقَالَ: إِنِّي فَرَطٌ لَكُم، وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيكُم، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَنظُرُ إِلَى حَوضِي الآنَ، وَإِنِّي قَد أُعطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرضِ - أَو مَفَاتِيحَ الأَرضِ - وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيكُم أَن تُشرِكُوا بَعدِي، وَلَكِن أَخَافُ عَلَيكُم أَن تَتَنَافَسُوا فِيهَا.\nــ\nو(قول عقبة: إن رسول الله ﷺ خرج فصلى على أهل أحد صلاته على الميت) أي: دعا لهم بدعاء الموتى، وكأنه ﷺ كان قد استقبل القبلة، ودعا لهم، واستغفر، وهذا كما فعل حيث أمره الله تعالى أن يستغفر لأهل البقيع، فقام عليهم ليلًا، واستغفر لهم، ثم انصرف، كما تقدم في الجنائز.\nو(قوله: أعطيت مفاتيح خزائن الأرض) أي: بُشر بفتح البلاد، وإظهار الدين، وإعلاء كلمة المسلمين، وتمليكه جميع ما كان في أيدي ملوكها من الصفراء، والبيضاء، والنفائس، والذخائر، فقد ملَّكه الله ديارهم، ورقابهم، وأرضيهم، وأموالهم. كل ذلك وفاءً بمضمون: ﴿لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَو كَرِهَ المُشرِكُونَ﴾\nو(قوله: إني والله لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي) يعني: أنه قد أمن على جملة أصحابه أن يُبدِّلوا دين الإسلام بدين الشرك. ولا يلزم من ذلك ألا يقع ذلك من آحادٍ منهم، فإنَّ الخبر عن الجملة لا يلزم صدقه على كل واحد من آحادها دائمًا، كيف لا؟ ! وهو الذي أخبر بأن منهم من يرتد بعد موته ﷺ كما جاء نصًّا في غير ما موضع من أحاديث الحوض وغيرها، وقد ظهر في الوجود ردَّة كثيرٍ ممن صحب النبي ﷺ وصلَّى معه، وجاهد، ثم كفر بعد موته. وقد تقدم قول ابن إسحاق وحكايته: أنه لم يبق بعد موت النبي ﷺ مسجد من مساجد المسلمين إلا كان في أهله ردَّة، إلا ما كان من ثلاثة مساجد. وقتال أبي بكر ﵁ لأهل الردة معلوم متواتر، وإذا كان كذلك فيتعيَّن حمل هذا الحديث على ما ذكرناه.","vol":"6","page":93},{"text":"وفي رواية: ثُمَّ صَعِدَ المِنبَرَ كَالمُوَدِّعِ لِلأَحيَاءِ وَالأَموَاتِ، فَقَالَ: إِنِّي فَرَطُكُم عَلَى الحَوضِ، وَإِنَّ عَرضَهُ كَمَا بَينَ أَيلَةَ إِلَى الجُحفَةِ، إِنِّي لَستُ أَخشَى عَلَيكُم أَن تُشرِكُوا بَعدِي، وَلَكِنِّي أَخشَى عَلَيكُم الدُّنيَا أَن تتَنَافَسُوا فِيهَا وَتَقتَتِلُوا، فَتَهلِكُوا كَمَا هَلَكَ مَن كَانَ قَبلَكُم.\nقَالَ عُقبَةُ: فَكَانَت آخِرَ مَا رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى المِنبَرِ.\nرواه أحمد (٤/ ١٤٩)، والبخاريُّ (١٣٤٤)، ومسلم (٢٢٩٦) (٣٠ و٣١)، وأبو داود (٣٢٢٣)، والنسائيُّ (٤/ ٦١).\n* * *\nــ\nويحتمل أن يكون هذا خبرًا عن خصوص أصحابه الذين أعلمه الله تعالى بمآل حالهم، وأنهم لا يزالون على هدي الإسلام وشرعه إلى أن يلقوا الله ورسوله على هديه، إذ قد شهد رسول الله ﷺ لكثير منهم بذلك، وشوهدت استقامة أحوالهم حتى توفاهم الله تعالى عليه، ويحتمل أن يحمل هذا الخبر على جميع الأمة، فيكون معناه: الإخبار عن دوام الدين، واتصال ظهوره إلى قيام الساعة، وأنه لا ينقطع بغلبة الشرك على جميع أهله، ولا بارتدادهم، كما قد شهد بذلك الكتاب والسُّنَّة وإجماع الأمة. والأول أظهر من الحديث، والله أعلم.\nو(قوله: ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تتنافسوا فيها، وتقتتلوا فتهلكوا) هذا الذي توقعه النبي ﷺ هو الذي وقع بعده، فعمَّت الفتن، وعظمت المحن، ولم ينج منها إلا من عصم، ولا يزال الهرج إلى يوم القيامة، فنسأل الله تعالى عاقبة خير وسلامة.\nوجرباء: صحيح روايته بفتح الجيم وسكون الراء والمد، وقد وقع عند بعض رواة البخاري بالقصر وهو خطأ، وأذرح: بفتح الهمزة، وذال معجمة ساكنة، وراء مضمومة، وحاء مهملة، وهو الصواب. ووقع في رواية العذري بالجيم، وهو خطأ، وقد فسَّرهما في الأصل: بأنهما قريتان من قرى الشام بينهما مسيرة ثلاثة أيام، وقال ابن وضاح في أَذرُح: أنها فلسطين، وهذا يدل على صحة","vol":"6","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-844>(٩) باب في عظم حوض النبي ﷺ ومقداره وكبره وآنيته</span>\n[٢٢١٣] عَن حَارِثَةَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يقول: حَوضُهُ مَا بَينَ صَنعَاءَ وَالمَدِينَةِ.\nفَقَالَ لَهُ المُستَورِدُ: أَلَم تَسمَعهُ قَالَ: الأَوَانِي؟ قَالَ: لَا، قَالَ المُستَورِدُ: تُرَى فِيهِ الآنِيَةُ مِثلَ الكَوَاكِبِ.\nرواه البخاريُّ (٦٥٩٢)، ومسلم (٢٢٩٨).\n[٢٢١٤] وعَن ابنِ عُمَرَ أن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قال: إِنَّ أَمَامَكُم حَوضًا كَمَا بَينَ جَربَاءَ وَأَذرُحَ، فِيهِ أَبَارِيقُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، مَن وَرَدَهُ فَشَرِبَ مِنهُ لَم يَظمَأ بَعدَهَا أَبَدًا.\nقَالَ عُبَيدُ اللَّهِ: فَسَأَلتُهُ فَقَالَ: قَريَتَينِ بِالشَّامِ بَينَهُمَا مَسِيرَةُ ثَلَاثِ لَيَالٍ.\nرواه أحمد (٢١/ ٢)، والبخاريُّ (٦٥٧٧)، ومسلم (٢٢٩٩) (٣٤ و٣٥)، وأبو داود (٤٧٤٥).\n[٢٢١٥] وعن أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا آنِيَةُ الحَوضِ؟ قَالَ: وَالَّذِي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَآنِيَتُهُ أَكثَرُ مِن عَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ وَكَوَاكِبِهَا،\nــ\nما قلناه: إنه كان يقدر الحوض لكل طائفة بما كانت تعرف من مسافات مواضعها، فيقول هذا لأهل الشام، ويقول لأهل اليمن: من صنعاء إلى عدن. وتارة أخرى يقدره بالزمان، فيقول مسيرة شهر.\nوعَمَّان: بفتح العين، وتشديد الميم، وهي قرية من عمل دمشق، وهي من البلقاء، وقد جاء في الترمذي: من عدن إلى عمَّان البلقاء، وقيل فيها: عمان: بضم العين، وتخفيف الميم وليس بصحيح، وإنما التي هي كذلك: عمان التي باليمن، بلا خلاف فيها وهي مدينة كبيرة.","vol":"6","page":95},{"text":"أَلَا فِي اللَّيلَةِ المُظلِمَةِ المُصحِيَةِ آنِيَةُ الجَنَّةِ، مَن شَرِبَ مِنهَا لَم يَظمَأ آخِرَ مَا عَلَيهِ، يَشخَبُ فِيهِ مِيزَابَانِ مِن الجَنَّةِ، مَن شَرِبَ مِنهُ لَم يَظمَأ، عَرضُهُ مِثلُ طُولِهِ مَا بَينَ عَمَّانَ إِلَى أَيلَةَ، مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِن اللَّبَنِ، وَأَحلَى مِن العَسَلِ.\nرواه مسلم (٢٣٠٠)، والترمذيُّ (٢٤٤٧).\n[٢٢١٦] وعن ثَوبَانَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنِّي لَبِعُقرِ حَوضِي أَذُودُ النَّاسَ لِأَهلِ اليَمَنِ\nــ\nو(قوله: إني لَبِعُقرِ حوضي) هو بضم العين، وسكون القاف، وهو مؤخره حيث تقف الإبل إذا وردته، وتُسكَّن قافه وتضم، فيقال: عُقر وعُقُر، كعُسر وعُسُر، قاله في الصحاح. قال غيره: عُقر الدار: أصلها - بفتح العين وقد تضم -.\nو(قوله: أذود الناس لأهل اليمن) يعني: السابقين من أهل اليمن الذين نصره الله بهم في حياته، وأظهر الدِّين بهم بعد وفاته، وقد تقدَّم أن المدينة من اليمن، وأنهم أحق بهذا الإكرام من غيرهم، لما ثبت لهم من سابق النُّصرة، والأثرة، (١) ولذلك قال للأنصار: اصبروا حتى تلقوني على الحوض (٢).\nوأذود: أدفع، فكأنه يطرِّق لهم مبالغة في إكرامهم حتى يكونوا أوَّل شارب، كما يفعل بفقراء المهاجرين، إذ ينطلق بهم إلى الجنة، فيدخلهم الجنة قبل الناس كلهم، كما قد ثبت في الأحاديث، ولا يظن: أن النبي ﷺ يلازم المقام عند الحوض دائمًا، بل يكون عند الحوض تارة، وعند الميزان أخرى، وعند الصراط أخرى، كما قد صحَّ عنه: أن رجلًا قال: أين أجدك يا رسول الله يوم القيامة؟ قال: عند الحوض، فإن لم تجدني، فعند الميزان، فإن لم تجدني، فعند الصراط، فإني لا أخطئ هذه\n_________\n(١) \"الأثرة\": المكرمة.\n(٢) رواه البخاري (٣٧٩٤)، ومسلم (١٠٥٩).","vol":"6","page":96},{"text":"أَضرِبُ بِعَصَايَ حَتَّى يَرفَضَّ عَلَيهِم، فَسُئِلَ عَن عَرضِهِ فَقَالَ: مِن مَقَامِي إِلَى عَمَّانَ، وَسُئِلَ عَن شَرَابِهِ، فَقَالَ: أَشَدُّ بَيَاضًا مِن اللَّبَنِ، وَأَحلَى مِن العَسَلِ يَشخب فِيهِ مِيزَابَانِ يَمُدَّانِهِ مِن الجَنَّةِ أَحَدُهُمَا مِن ذَهَبٍ، وَالآخَرُ مِن وَرِقٍ.\nرواه أحمد (٥/ ٢٨٠)، ومسلم (٢٣٠١)، والترمذيُّ (٢٤٤٤)، وابن ماجه (٤٣٠٣).\nــ\nالمواطن الثلاث (١). وكأنه ﷺ لا يفارق أصحابه، ولا أمته في تلك الشدائد سعيًا في تخليصهم منها، وشفقة عليهم ﷺ، ولا حالَ بيننا وبينه في تلك المواطن!\nو(قوله: أضرب بعصاي حتى يرفضَّ) بالمثناة من تحت، أي: يضرب من أراد من الناس الشرب من الحوض قبل أهل اليمن، ويدفعهم عنه حتى يصل أهل اليمن، فيرفضُّ الحوض عليهم، أي: يسيل، يقال: ارفضَّ الدمع: إذا سال.\nو(قوله: يشخب فيه ميزابان من الجنة) أي: يسيل، وهو بالشين والخاء المعجمتين، والشخب - بالفتح في الشين - المصدر، وهو السيلان، وبالضم: الاسم. يقال في المثل: شُخب في الأرض وشُخب في الإناء. وأصل ذلك في الحالب المفرط. وفي الرواية الأخرى: يَغُتُ بالغين المعجمة، وبالمثناة فوق، هي الرواية المشهورة، ومعناه: الصبُّ المتوالي، المتتابع. وأصله: إتباع الشيء الشيء، يعني: أنه يصب دائمًا متتابعًا صبًا شديدًا سريعًا، وقد رواه العذري: يَعُبُّ بالعين المهملة، وبالموحدة، وكذا ذكره الحربي، وفسَّره بالعَبِّ، وهو شرب الماء جرعة بعد جرعة، ورواه ابن ماهان: [يثعب - بثاء مثلثة قبل العين المهملة - ومعناه: تتفجَّر وتسيل، ومنه: وجرحه] (٢) يثعب دمًا.\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٤٣٣) وقال: حسن غريب.\n(٢) ما بين حاصرتين سقط من (ج ٢).","vol":"6","page":97},{"text":"[٢٢١٧] وعن أَنَسَ بنَ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: قَدرُ حَوضِي كَمَا بَينَ أَيلَةَ وَصَنعَاءَ مِن اليَمَنِ، وَإِنَّ فِيهِ مِن الأَبَارِيقِ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ.\nوفي رواية: تُرَى فِيهِ أَبَارِيقُ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ.\nرواه أحمد (٣/ ٢٣٨)، ومسلم (٢٣٠٣) (٣٩ و٤٣)، وابن ماجه (٤٣٠٥).\n[٢٢١٨] وعَن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَلَا إِنِّي فَرَطٌ لَكُم عَلَى الحَوضِ، وَإِنَّ بُعدَ مَا بَينَ طَرَفَيهِ كَمَا بَينَ صَنعَاءَ وَأَيلَةَ.\nرواه مسلم (٢٣٠٥).\n* * *\nــ\nو(قوله: يَمُدَّانه من الجنة) فصيحه: يمدانه بفتح الياء، وضم الميم ثلاثيًّا من مدَّ النهر، ومدَّه نهرٌ آخر. فأمَّا الرباعي فقولهم: أمددت الجيش بمدد، وقد جاء الرباعي في الأول. ومعناه: الزيادة على الأول فيهما.\nواختُلِجُوا (١): أخرجوا من بين الواردين. وأصيحابي: تصغير أصحاب على غير قياس. ولابتا الحوض: جانباه اللذان من خارجه حيث يكون شدَّة الحر والعطش، وأصل اللابة: الحَرَّة، وهي أرض ألبست حجارة سودًا، ومنه: لابتا المدينة، كما تقدَّم. وسُحقًا سُحقًا: بُعدًا بُعدًا. والسحيق: المكان البعيد.\n* * *\n_________\n(١) من هنا وحتى نهاية الباب ليست في التلخيص، وإنما شرح لما أشكل من حديث مسلم برقم (٢٣٠٤) عن أنس.","vol":"6","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-845>(١٠) باب شجاعة النبي ﷺ وإمداده بالملائكة</span>\n[٢٢١٩] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحسَنَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَشجَعَ النَّاسِ، وَلَقَد فَزِعَ أَهلُ المَدِينَةِ ذَاتَ لَيلَةٍ، فَانطَلَقَ نَاسٌ قِبَلَ الصَّوتِ، فَتَلَقَّاهُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَاجِعًا، وَقَد سَبَقَهُم إِلَى الصَّوتِ وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلحَةَ عُريٍ فِي عُنُقِهِ السَّيفُ، وَهُوَ يَقُولُ: لَم تُرَاعُوا لَم تُرَاعُوا، قَالَ: وَجَدنَاهُ بَحرًا أَو إِنَّهُ لَبَحرٌ، وَكَانَ فَرَسًا يُبَطَّأُ.\nــ\n(١٠ و١١ و١٢) ومن باب: شجاعة النبي ﷺ وجوده وحُسن خلقه (١)\n(قوله: فزع أهل المدينة) أي: ذعروا من عدوٍّ دهمهم، وقد قدمنا أن الفزع يقال على أوجه متعددة، ولم تراعوا أي: لم يصبكم روعٌ، أو لا روع عليكم.\nو(قوله: وجدناه بحرًا) يعني: الفرس، أي: وجدناه يجري كثيرًا جريًا متتابعًا كالبحر. وقد تقدَّم: أن أصل البحر: السَّعة، والكثرة. ويقال: فرس سحبٌ، وبحرٌ، وسكب، وفيض، وغمر: إذا كان سريعًا، كثير الجري، شديد العدو.\nو(قوله: وكان فرسًا يُبَطَّأ) أي: يُنسب البطء إليه، ويعرف به، فلما ركبه رسول الله ﷺ أدركته بركته، فسابق الجياد، وصار نعم العتاد (٢). والرواية\n_________\n(١) شرح المؤلف -﵀- تحت هذا العنوان ما أشكل أيضًا في باب: كان رسول الله - ﷺ - أجود الناس، وباب: ما سُئل رسول الله - ﷺ - شيئًا وقال لا.\n(٢) يقال: فرس عتد: شديدٌ، تامُّ الخَلْق، سريع الوثبة، معدٌّ للجري.","vol":"6","page":99},{"text":"قال في رواية: فَاستَعَارَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَسًا لِأَبِي طَلحَةَ يُقَالُ لَهُ: مَندُوبٌ فَرَكِبَهُ فَقَالَ: مَا رَأَينَا مِن فَزَعٍ وَإِن وَجَدنَاهُ لَبَحرًا.\nرواه أحمد (٣/ ١٧١)، والبخاريُّ (٢٦٢٧)، ومسلم (٢٣٠٧) (٤٨ و٤٩)، وأبو داود (٤٩٨٨)، والترمذيُّ (١٦٨٥).\n[٢٢٢٠] وعن سَعد بن أبي وقاص قَالَ: رَأَيتُ عَن يَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَن شِمَالِهِ يَومَ أُحُدٍ رَجُلَينِ، عَلَيهِمَا ثِيَابُ بَيَاضٍ مَا رَأَيتُهُمَا\nــ\nالمشهورة: يبطأ بالمثناة تحت والموحدة، من البطء: ضد السرعة، وعند الطبري: ثبطا أي: ثقيلًا. وهو بمعنى الأول. والفرس العري الذي لا سرج عليه، يقال: فرس عري وخيل أعراء. ويقال: رجل عريان، ورجال عرايًا.\nوفي هذا الحديث ما يدلُّ على أن النبي ﷺ كان قد جمع له من جودة ركوب الخيل، والشجاعة، والشهامة، والانتهاض الغائي في الحروب، والفروسية وأهوالها، ما لم يكن عند أحد من الناس، ولذلك قال أصحابه عنه: إنه كان أشجع الناس، وأجرأ الناس في حال البأس، ولذلك قالوا: إن الشجاع منهم كان الذي يلوذ بجنابه إذا التحمت الحروب، وناهيك به، فإنَّه ما ولَّى قطٌّ منهزمًا، ولا تحدَّث أحد عنه قط بفرار.\nومندوب: اسم علم لذلك الفرس. وقيل: إنه سُمِّي بذلك لأنه كان يسبق، فيجوز النَّدب، وهو: الخطر (١) الذي يجعل للسابق، وكأنه إنما حدث له هذا الاسم بعد أن ركبه رسول الله ﷺ. وقد ذكر أنه كان لرسول الله فرس يسمى مندوبًا، ويحتمل أن يكون هذا الفرس انتقل من ملك أبي طلحة إلى ملك النبي ﷺ إما بالهبة، وإما بالابتياع، ويحتمل أن يكون فرسًا آخر وافقه في ذلك الاسم، والله أعلم.\nو(قول سعد: رأيت عن يمين رسول الله ﷺ وعن شماله رجلين يوم أحد عليهما ثياب بياض، يقاتلان عليه كأشدِّ القتال). قال، يعني: جبريل وميكائيل\n_________\n(١) \"الخَطَر\": الرِّهان.","vol":"6","page":100},{"text":"قَبلُ وَلَا بَعدُ، يَعنِي: جِبرِيلَ وَمِيكَائِيلَ ﵉.\nوفي رواية: يُقَاتِلَانِ عَنهُ كَأَشَدِّ القِتَالِ، مَا رَأَيتُهُمَا قَبلُ وَلَا بَعدُ.\nرواه أحمد (١/ ١٧١)، والبخاريُّ (٤٠٥٤)، ومسلم (٢٣٠٦) (٤٦ و٤٧).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-846>(١١) باب كان رسول الله ﷺ أجود الناس وأحسن الناس خلقا</span>\n[٢٢٢١] عَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجوَدَ النَّاسِ\nــ\n- صلَّى الله عليهما وسلم -. رؤية سعد ﵁ لهذين الملكين في ذلك اليوم: كرامة من الله تعالى خصَّه بها، كما قد خصَّ عمران بن حصين بتسليم الملائكة عليه، وأسيد بن حضير برؤية الملائكة الذين تنزلوا لقراءة القرآن، وقتال الملائكة للكفار يوم بدر، ويوم أحد لم يخرج عن عادة القتال المعتاد بين الناس، ولو أذن الله تعالى لملك من أولئك الملائكة بأن يصيح صيحة واحدة في عسكر العدو لهلكوا في لحظة واحدة، أو لخسف بهم موضعهم، أو أسقط عليهم قطعة من الجبل المطل عليهم، لكن لو كان ذلك: لصار الخبر عيانًا، والإيمان بالغيب مشاهدة، فيبطل سر التكليف، فلا يتوجَّه لوم، ولا تعنيف، كما قد صرَّح الله تعالى بذلك قولًا وذكرًا، إذ قال: ﴿يَومَ يَأتِي بَعضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفسًا إِيمَانُهَا لَم تَكُن آمَنَت مِن قَبلُ أَو كَسَبَت فِي إِيمَانِهَا خَيرًا﴾\nو(قوله: إن رسول الله ﷺ كان أجود الناس) أي: أكثرهم جودًا وسخاءً.","vol":"6","page":101},{"text":"بِالخَيرِ، وَكَانَ أَجوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهرِ رَمَضَانَ، إِنَّ جِبرِيلَ ﵇ كَانَ يَلقَاهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنسَلِخَ، فَيَعرِضُ عَلَيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ\nــ\nهذا هو المعلوم من خُلُقِه؟ فإنَّه ما سئل شيئًا فمنعه إذا كان مما يصح بذله وإعطاؤه.\nو(قوله: وكان أجود ما يكون في رمضان) إنما كان ذلك لأوجه:\nأحدها: رغبة في ثواب شهر رمضان، فإنَّ أعمال الخير فيه مضاعفة الأجر، وليعين الصائمين على صومهم، وليفطرهم، فيحصل له مثل أجورهم كما قال، ولأنه كان يلقى فيه جبريل لمدارسة القرآن، فكان يتجدد إيمانه، ويقينه، وتعلو مقاماته، وتظهر عليه بركاته، فيا له من لقاء ما أكرمه، ومن مشهد ما أعظمه! وقيل: إنما كانت عطاياه تكثر في رمضان، لأنَّه كان يقدَّم الصدقات بين يدي مناجاة الرسول (١) لقوله تعالى: ﴿إِذَا نَاجَيتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نَجوَاكُم صَدَقَةً﴾ وفيه بُعد، لأنه قد كان نسخ ذلك، ولاستبعاد دخول النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ولبُعد دخول جبريل في قوله تعالى: ﴿إِذَا نَاجَيتُمُ الرَّسُولَ﴾\nوأجود: قيل بالنصب على أنه خبر كان، وفيه بُعد، لأنَّه يلزم منه: أن يكون خبرها هو اسمها، وذلك: لا يصح إلا بتأويل بعيد، والرفع أولى، لأنَّه يكون مبتدأ مضافًا إلى المصدر، وخبره: في رمضان، وتقديره: أجود أكوانه في رمضان، ويعني بالأكوان: الأحوال، والله أعلم.\nو(قوله: إن جبريل ﷺ كان يلقاه في كل سنة في رمضان) يصلح الكسر في إن على الابتداء، والفتح فيه (٢) أولى، فيكون تعليلًا لجود النبي ﷺ في رمضان، وكان هذا الوجه أولى. والله أعلم. ولا أذكر الآن كيف قيَّدتها على من قرأتُه عليه.\n_________\n(١) أي: مناجاة الرسول - ﷺ - جبريلَ ﵇.\n(٢) ما بين حاصرتين سقط من (ع).","vol":"6","page":102},{"text":"القُرآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبرِيلُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجوَدَ بِالخَيرِ مِن الرِّيحِ المُرسَلَةِ.\nرواه أحمد (١/ ٣٦٣)، والبخاريُّ (١٩٠٢)، ومسلم (٢٣٠٨) (٢٣٠٨).\n[٢٢٢٢] وعَن أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ أَخَذَ أَبُو طَلحَةَ بِيَدِي، فَانطَلَقَ بِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَنَسًا غُلَامٌ كَيِّسٌ فَليَخدُمكَ، قَالَ: فَخَدَمتُهُ فِي السَّفَرِ وَالحَضَرِ، وَاللَّهِ مَا قَالَ لِي لِشَيءٍ صَنَعتُهُ: لِمَ صَنَعتَ هَذَا هَكَذَا؟ وَلَا لِشَيءٍ لَم أَصنَعهُ: لِمَ لَم تَصنَع هَذَا هَكَذَا؟ .\nوفي رواية: وَاللَّهِ مَا قَالَ لِي أُفًّا قَطُّ، ولا عاب علي شيئا قط.\nرواه أحمد (٣/ ١٩٥)، والبخاري (٦٠٥٨)، ومسلم (٢٣٠٩) (٥١ - ٥٣)، وأبو داود (٤٧٧٤).\n[٢٢٢٣] وعنه، قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن أَحسَنِ النَّاسِ خُلُقًا، فَأَرسَلَنِي يَومًا لِحَاجَةٍ فَقُلتُ: وَاللَّهِ لَا أَذهَبُ وَفِي نَفسِي أَن أَذهَبَ لِمَا\nــ\nو(قوله: كان أجود من الريح المرسلة) أي: بالمطر، وفيه جواز المبالغة، والإغياء في الكلام.\nوأف كلمة ذم وتحقير واستقذار، وأصل الأفِّ والتفِّ: وسخ الأظفار، وفيها عشر لغات: أفّ بغير تنوين بالفتح والضم والكسر، وبالتنوين للتنكير مع الأوجه الثلاثة، وبكسر الهمزة وفتحها، ويقال: أُفِّي وأُفِّه. وفي الصحاح، يقال: كان ذلك على إفّ ذلك، وإفَّانِه - بكسرها - أي: في حينه وأوانه.\nو(قول أنس: والله لا أذهب! وفي نفسي أن أذهب) هذا القول: صدر عن","vol":"6","page":103},{"text":"أَمَرَنِي بِهِ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ، فَخَرَجتُ حَتَّى أَمُرَّ عَلَى صِبيَانٍ وَهُم يَلعَبُونَ فِي السُّوقِ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَد قَبَضَ بِقَفَايَ مِن وَرَائِي، قَالَ: فَنَظَرتُ إِلَيهِ وَهُوَ يَضحَكُ، فَقَالَ: يَا أُنَيسُ ذَهَبتَ حَيثُ أَمَرتُكَ؟ قَالَ قُلتُ: نَعَم أَنَا أَذهَبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ أَنَسٌ: وَاللَّهِ لَقَد خَدَمتُهُ تِسعَ سِنِينَ مَا عَلِمتُهُ قَالَ لِشَيءٍ صَنَعتُهُ: لِمَ فَعَلتَ كَذَا وَكَذَا، أَو لِشَيءٍ تَرَكتُهُ: هَلَّا فَعَلتَ كَذَا وَكَذَا.\nوفي رواية: قال أنس: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين.\nرواه مسلم (٢٣٠٩ و٢٣١٠) (٥٤).\n* * *\nــ\nأنس في حال صغره، وعدم كمال تمييزه، إذ لا يصدر مثله ممن كمل تمييزه. وذلك: أنه حلف بالله على الامتناع من فعل ما أمره به رسول الله ﷺ مشافهة، وهو عازمٌ على فعله، فجمع بين مخالفة رسول الله ﷺ وبين الإخبار بامتناعه، والحلف بالله على نفي ذلك مع العزم على أنه كان يفعله، وفيه ما فيه، ومع ذلك فلم يلتفت النبي ﷺ لشيء من ذلك، ولا عرَّج عليه، ولا أدبه. بل داعبه، وأخذ بقفاه، وهو يضحك رفقًا به، واستلطافًا له، ثم قال: يا أنيس! اذهب حيث أمرتك، فقال له: أنا أذهب. وهذا كله مقتضى خلقه الكريم، وحلمه العظيم.\nوقد اختلفت الروايات في خدمة أنس رسول الله ﷺ فقيل: عشر. وقيل: تسع، وذلك بحسب اختلافهم في سَنَةِ مقدم النبي ﷺ المدينة. فقال الزهري: عن أنس ﵁ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة وأنا ابن عشر، وتوفي وأنا ابن عشرين سنة (١).\nقلت: فعلى هذا خدمه عشر سنين، إن قلنا: أنه خدمه من أول مقدم النبي ﷺ المدينة، ويحتمل أن تكون تأخرت خدمته عن ذلك سنة فتكون مدة\n_________\n(١) رواه الحاكم (٣/ ٥٧٣).","vol":"6","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-847>(١٢) باب ما سئل رسول الله ﷺ شيئا وقال: لا. وفي كثرة عطائه</span>\n[٢٢٢٤] عن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيئًا قَطُّ فَقَالَ: لَا.\nرواه البخاريُّ (٦٠٣٤)، ومسلم (٢٣١١) (٥٦).\n[٢٢٢٥] وعن أنس، قَالَ: مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الإِسلَامِ شَيئًا إِلَّا أَعطَاهُ، قَالَ: فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَأَعطَاهُ غَنَمًا بَينَ جَبَلَينِ، فَرَجَعَ إِلَى قَومِهِ فَقَالَ: يَا قَومِ أَسلِمُوا فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعطِي عَطَاءً لَا يَخشَى الفَاقَةَ.\nقَالَ أَنَسٌ: إِن كَانَ الرَّجُلُ لَيُسلِمُ مَا يُرِيدُ إِلَّا الدُّنيَا، فَمَا يُسلِمُ حَتَّى يَكُونَ الإِسلَامُ أَحَبَّ إِلَيهِ مِن الدُّنيَا وَمَا عَلَيهَا.\nرواه مسلم (٢٣١٢) (٥٧ و٥٨).\nــ\nخدمته له: تسع سنين. وقيل: قدم النبي ﷺ وأنس ابن ثماني سنين.\nو(قوله: فأعطاه غنمًا بين جبلين) يعني: ملء ما بين جبلين كانا هنالك، وكان هذا - والله أعلم - يوم حنين لكثرة ما كان هنالك من غنائم الإبل، والبقر، والغنم، والذراري، ولأن هذا الذي أعطي هذا القدر كان من المؤلفة قلوبهم، ألا ترى أنه رجع إلى قومه فدعاهم إلى الإسلام لأجل العطاء.\nو(قوله: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا) يعني: أنهم كان منهم من ينقادُ فيدخلُ في الإسلام لكثرة ما كان يعطي النبي ﷺ من يتألفه على الدخول فيه، فيكون قصده بالدخول فيه الدنيا، وهذا كان حال الطلقاء يوم حنين على ما مرَّ.\nو(قوله: فما يسلم حتى يكون الإسلام أحبَّ إليه من الدنيا وما عليها) ظاهر","vol":"6","page":105},{"text":"[٢٢٢٦] عَن ابنِ شِهَابٍ قَالَ: غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَزوَةَ الفَتحِ - فَتحِ مَكَّةَ - ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَن مَعَهُ مِن المُسلِمِينَ، فَاقتَتَلُوا بِحُنَينٍ، فَنَصَرَ اللَّهُ دِينَهُ وَالمُسلِمِينَ، وَأَعطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَومَئِذٍ صَفوَانَ بنَ أُمَيَّةَ مِائَةً مِن النَّعَمِ، ثُمَّ مِائَةً، ثُمَّ مِائَةً.\nقَالَ ابنُ شِهَابٍ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ أَنَّ صَفوَانَ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَد أَعطَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا أَعطَانِي، وَإِنَّهُ لَأَبغَضُ النَّاسِ إِلَيَّ، فَمَا بَرِحَ يُعطِينِي حَتَّى إِنَّهُ لَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ.\nرواه مسلم (٢٣١٣) (٥٩).\n[٢٢٢٧] وعن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَو قَد جَاءَنَا مَالُ البَحرَينِ لَقَد أَعطَيتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، وَقَالَ بِيَدَيهِ\nــ\nمساق هذا الكلام أن إسلامه الأول لم يكن إسلامًا صحيحًا، لأنَّه كان يبتغي به الدنيا، وإنما يصحُّ له الإسلام إذا استقر الإسلام بقلبه، فكان آثر عنده، وأحبّ إليه من الدنيا وما عليها، كما قال تعالى: ﴿قُل إِن كَانَ آبَاؤُكُم وَأَبنَاؤُكُم وَإِخوَانُكُم وَأَزوَاجُكُم وَعَشِيرَتُكُم وَأَموَالٌ اقتَرَفتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخشَونَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرضَونَهَا أَحَبَّ إِلَيكُم مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾ وهذا معنى صحيح، ولكنه ليس بمقصود الحديث، وإنما مقصود أنس من الحديث: أن الرجل كان يدخل في دين الإسلام رغبة في كثرة العطاء، فلا يزال يُعطى حتى ينشرح صدره للإسلام، ويستقر فيه، ويتنور بأنواره، حتى يكون الإسلام أحبَّ إليه من الدنيا وما فيها، كما صرَّح بذلك صفوان حيث قال: والله لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحبُّ الناس إليَّ. وهكذا اتفق لمعظم المؤلفة قلوبهم.\nوقوله - ﷺ - لجابر: لو قد جاءنا مال البحرين لأعطيتك هكذا، وهكذا،","vol":"6","page":106},{"text":"جَمِيعًا، فَقُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ قَبلَ أَن يَجِيءَ مَالُ البَحرَينِ، فَقَدِمَ عَلَى أَبِي بَكرٍ بَعدَهُ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: مَن كَانَت لَهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عِدَةٌ أَو دَينٌ فَليَأتِ، فَقُمتُ فَقُلتُ: إِنَّ نبي الله ﷺ قَالَ: لَو جَاءَنَا مَالُ البَحرَينِ أَعطَيتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، فَحَثَى أَبُو بَكرٍ مَرَّةً، ثُمَّ قَالَ لِي: عُدَّهَا، فَعَدَدتُهَا فَإِذَا هِيَ خَمسُ مِائَةٍ، فَقَالَ: خُذ مِثلَيهَا.\nرواه أحمد (٣/ ٣٠٧)، والبخاريُّ (٢٥٩٨)، ومسلم (٢٣١٤) (٦٠).\n* * *\nــ\nوهكذا وقال بيديه جميعًا، هذا يدلّ على سخاوة نفس النبي ﷺ بالمال، وأنه ما كان لنفسه به تعلق، فإنَّه كان لا يعدُّه بعدد، ولا يقدره بمقدار، لا عند أخذه، ولا عند بذله. وهذا منه ﷺ كان وعدًا لجابر ﵁، وكان المعلوم من خلقه الوفاء بالوعد، ولذلك نفذه له أبو بكر ﵁ بعد موت النبي ﷺ. وهكذا كان خلق أبي بكر، وخلق الخلفاء الأربعة ﵃، ألا ترى أبا بكر كيف نفذ عدة رسول الله ﷺ لجابر بقول جابر، ثم إنه دفعها له على نحو ما قال من غير تقدير؟ ! وأخبارهم في ذلك معروفة، وأحوالهم موصوفة، وكفى بذلك ما سار مسير المثل (١) الذي لم يزل يجري على قول علي ﵁: يا صفراء ويا بيضاء غري غيري.\n* * *\n_________\n(١) في (ز) و(م ٣): ما صار مصير.","vol":"6","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-848>(١٣) باب في رحمة رسول الله ﷺ للصبيان والعيال والرقيق</span>\n[٢٢٢٨] عَن عَائِشَةَ قَالَت: قَدِمَ نَاسٌ مِن الأَعرَابِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: أَتُقَبِّلُونَ صِبيَانَكُم؟ فَقَالُوا: نَعَم، قَالُوا: لَكِنَّا وَاللَّهِ مَا نُقَبِّلُ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَأَملِكُ أن كَانَ اللَّهُ نَزَعَ مِنكُم الرَّحمَةَ؟ ! .\nوفي رواية: من قلبك.\nرواه البخاريُّ (٥٩٩٨)، ومسلم (٢٣١٧)، وابن ماجه (٣٦٦٥).\nــ\n(١٣) ومن باب: رحمة رسول الله ﷺ للصبيان والعيال\nقوله: وأملك أن كان الله نزع الرَّحمة من قلبك؟ ! كذا وقع هذا اللفظ محذوف همزة الاستفهام، وهي مرادة، تقديره: أو أملك؟ وكذا جاء هذا اللفظ في البخاري بإثباتها، وهو الأحسن، لقلة حذف همزة الاستفهام. وأن مفتوحة، وهي مع الفعل بتأويل المصدر، تقديرها: أو أملك كون الله نزع الرَّحمة من قلبك؟ ! وقد أبعد من كسرها، ولم تصح رواية الكسر. ومعنى الكلام: نفي قدرته ﷺ عن الإتيان بما نزع الله من قلبه من الرحمة. والرحمة في حقِّنا: هي رقَّة وحُنُوّ يجده الإنسان في نفسه عند مشاهدة مبتلى، أو ضعيف، أو صغير، يحمله على الإحسان إليه، واللطف به، والرفق، والسعي في كشف ما به. وقد جعل الله هذه الرحمة في الحيوان كله - عاقله وغير عاقله - فبها تعطف الحيوانات على نوعها، وأولادها، فتحنو عليها، وتلطف بها في حال ضعفها وصغرها. وحكمة هذه الرحمة تسخير القوي للضعيف، والكبير للصغير حتى ينحفظ نوعه، وتتم مصلحته، وذلك تدبير اللطيف الخبير. وهذه الرحمة التي جعلها الله في القلوب في","vol":"6","page":108},{"text":"[٢٢٢٩] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ الأَقرَعَ بنَ حَابِسٍ أَبصَرَ النَّبِيَّ ﷺ يُقَبِّلُ الحَسَنَ، فَقَالَ: إِنَّ لِي عَشرَةً مِن الوَلَدِ مَا قَبَّلتُ وَاحِدًا مِنهُم، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّهُ مَن لَا يَرحَم لَا يُرحَم.\nرواه البخاريُّ (٥٩٩٧)، ومسلم (٢٣١٨)، وأبو داود (٥٢١٨)، والترمذيُّ (١٩١١).\nــ\nهذه الدار، وتحصل عنها هذه المصلحة العظيمة هي رحمة واحدة من مائة رحمة ادَّخرها الله تعالى ليوم القيامة، فيرحم بها عباده المؤمنين وقت أهوالها، وشدائدها حتى يخلصَهم منها، ويدخلهم في جنته، وكرامته. ولا يفهم من هذا أن الرحمة التي وصف الحق بها نفسه هي رقَّة وحُنُو، كما هي في حقِّنا، لأنَّ ذلك تغيُّر يوجب للمتصف به الحدوث، والله تعالى منزه ومقدَّس عن ذلك، وعن نقيضه الذي هو القسوة، والغلظ، وإنما ذلك راجعٌ في حقِّنا إلى ثمرة تلك الرأفة، وفائدتها، وفي اللطف بالمبتلى، والضعيف، والإحسان إليه، وكشف ما هو فيه من البلاء، فإذا هي في حقه ﷾ من صفات الفعل لا من صفات الذات، وهذا كما تقدَّم في غضبه تعالى ورضاه في غير موطن. وإذا تقرر هذا، فمن خلق الله تعالى في قلبه هذه الرحمة الحاملة له على الرفق، وكشف ضر المبتلى، فقد رحمه الله تعالى بذلك في الحال، وجعل ذلك علامة على رحمته إياه في المآل، ومن سلب الله ذلك المعنى منه، وابتلاه بنقيض ذلك من القسوة والغلظ، ولم يلطف بضعيف، ولا أشفق على مبتلى، فقد أشقاه في الحال، وجعل ذلك علمًا على شقوته في المآل، نعوذ بالله من ذلك، ولذلك قال النبي ﷺ: الراحمون يرحمهم الرحمن (١). وقال: لا يرحم الله من عباده إلا الرحماء (٢). وقال: لا تنزع\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٩٤١)، والترمذي (١٩٢٥).\n(٢) رواه البخاري (٦٦٥٥)، ومسلم (٩٢٣).","vol":"6","page":109},{"text":"[٢٢٣٠] وعَن أَنَس قَالَ: مَا رَأَيتُ أَحَدًا كَانَ أَرحَمَ بِالعِيَالِ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كَانَ إِبرَاهِيمُ مُستَرضِعًا لَهُ فِي عَوَالِي المَدِينَةِ، فَكَانَ يَنطَلِقُ وَنَحنُ مَعَهُ فَيَدخُلُ البَيتَ وَإِنَّهُ لَيُدَّخَنُ،\nــ\nالرحمة إلا من شقي (١)، وقال: من لا يَرحم لا يُرحم (٢).\nوفي هذه الأحاديث ما يدلّ على جواز تقبيل الصغير على جهة الرحمة، والشفقة، وكراهة الامتناع من ذلك على جهة الأنفة. وهذه القبلة هي على الفم، ويكره مثل ذلك في الكبار، إذ لم يكن ذلك معروفًا في الصدر الأول، ولا يدل على شفقة. فأما تقبيل الرأس فإكرام عند من جرت عادتهم بذلك كالأب والأم. وأما تقبيل اليد فكرهه مالك، ورآه من باب الكبر، وإذا كان ذلك مكروهًا في اليد كان أحرى في الرِّجل، وقد أجاز تقبيل اليد والرِّجل بعض الناس، مستدلًا بأن اليهود قبَّلوا يد رسول الله ﷺ ورجليه حين سألوه عن مسائل، فأخبرهم بها (٣)، ولا حجة في ذلك، لأنَّ النبي ﷺ قد نزهه الله عن الكبر، وأمن ذلك عليه، وليس كذلك غيره، ولأن ذلك أظهر من اليهود تعظيمه، واعتقادهم صدقه، فأقرَّهم على ذلك ليتبين للحاضرين - بإذلالهم أنفسهم له - ما عندهم من معرفتهم بصدقه، وأن كفرهم بذلك عناد وجحد. ولو فهمت الصحابة ﵃ جواز تقبيل يده ورجله لكانوا أوَّل سابق إلى ذلك، فيفعلون ذلك به دائمًا وفي كل وقت، كما كانوا يتبركون ببزاقه، ونخامته (٤)، ويدلكون بذلك وجوههم، ويتطيبون بعرقه، ويقتتلون على وضوئه، ولم يرو قطُّ عن واحد منهم بطريق صحيح أنه قبل له يدًا ولا رجلًا، فصحَّ ما قلناه، والله ولي التوفيق.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٩٤٢)، والترمذي (١٩٢٤).\n(٢) انظر تخريجه في التلخيص برقم (٢٩٣٧).\n(٣) رواه ابن ماجه (٣٧٠٥).\n(٤) في (ز): نخاعته.","vol":"6","page":110},{"text":"وَكَانَ ظِئرُهُ قَينًا فَيَأخُذُهُ فَيُقَبِّلُهُ، ثُمَّ يَرجِعُ.\nقَالَ عَمرٌو: فَلَمَّا تُوُفِّيَ إِبرَاهِيمُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ إِبرَاهِيمَ ابنِي مَاتَ فِي الثَّديِ،\nــ\nو(قوله: وكان ظئره قينا) الظئر: أصله اسم للمرضعة. ثم قد يقال على زوجها صاحب اللَّبن ذلك. قال الخليل: ويقال للمذكر والمؤنث. وقال أبو حاتم: الظُئر من الناس والإبل: إذا عَطَفَت على ولد غيرها، والجمع: ظُؤَار. وقال ابن السكيت: لم يأت فُعال بضم الفاء جمعًا إلا تُؤام جمع تَوأَم، وظؤار جمع ظئر، وعراق جمع عرق، ورُخال جمع رِخل (١)، وفُرارٌ جمع فَرِير: وهو ولد الظبية. وغنمٌ رُبابٌ: جمع شاة رُبَّاء. قال ابن ولاد: وهي حديثة عهد بنتاج. وقال ابن الأنباري: تجمع الظئر: ظُؤَارًا، أظؤرًا، ولا يقال: ظؤرة. وحكى أبو زيد في جمعه: ظؤرة. قال الهروي: ولا يجمع على فُعلةٍ إلا أربعة أحرف: ظِئرٌ، وظُؤرة، وصاحبٌ، وصحبة، وفارِهٌ وفُرهةٌ، ورائق وروقة. وفي الصحاح: الظئر - مهموز - والجمع ظُؤار على فعال بالضم. وظؤور وأظآر.\nوالقين: الحداد. والقَين: العبد. والقينة: الأمة، مغنية كانت أو غير مغنية. وقد غلط من ظنها: المغنية فقط. والجمع: القيان. قال زهير:\nردَّ القِيانُ جِمال الحيِّ فاحتَمَلُوا ... إلى الظَّهِيرة أَمر بينهم لَبِكُ\nقلت: وأصل هذه اللفظة من: اقتان النبت اقتنانًا، أي: حَسُنَ، واقتانت الروضة: أخذت زخرفها، ومنه قيل للماشطة: قينة، ومُقيِّنَة، لأنَّها تزيِّن النساءَ، شُبهت بالأمة، لأنَّها تُصلح البيت وتزينه.\nو(قوله: إن إبراهيم ابني قد مات في الثدي) أي: في حال رضاعه، أي:\n_________\n(١) \"الرَّخِلُ\": الأنثى من أولاد الضأن.","vol":"6","page":111},{"text":"وَإِنَّ لَهُ لَظِئرَينِ يكَمِّلَانِ رَضَاعَهُ فِي الجَنَّةِ.\nرواه أحمد (٣/ ١١٢)، ومسلم (٢٣١٦).\n[٢٢٣١] وعن جَرِيرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن لَا يَرحَم النَّاسَ لَا يَرحَمهُ اللَّهُ.\nرواه أحمد (٤/ ٣٦٢)، والبخاريّ (٦٠١٣)، ومسلم (٢٣١٩).\n[٢٢٣٢] وعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى الغَدَاةَ جَاءَ خَدَمُ المَدِينَةِ بِآنِيَتِهِم فِيهَا المَاءُ، فَمَا يُؤتَى بِإِنَاءٍ إِلَّا غَمَسَ يَدَهُ فِيهَا فَرُبَّمَا جَاؤوهُ فِي الغَدَاةِ البَارِدَةِ فَيَغمِسُ يَدَهُ فِيهَا.\nرواه مسلم (٢٣٢٤).\nــ\nلم يكمل مدَّة رضاعه. قيل: إنه مات وهو ابن ستة عشر شهرًا، وهذا القول: أخرجه فَرط الشفقة والرحمة والحزن.\nو(قوله: إن له لظئرين يُكملان رضاعه في الجنة) هذا يدلُّ على أن حكمه حكم الشهيد، فإنَّ الله تعالى قد أجرى عليه رزقه بعد موته، كما قد أجرى ذلك على الشهيد (١)، حيث قال: ﴿بَل أَحيَاءٌ عِندَ رَبِّهِم يُرزَقُونَ﴾ وعلى هذا: فمن مات من صغار المسلمين بوجه من تلك الوجوه السبعة التي ذكرنا أنها أسباب الشهادة كان شهيدًا، ويلحق بالشهداء الكبار بفضل الله ورحمته إياهم، وإن لم يبلغوا أسنانهم، ولم يُكلَّفوا تكليفهم، قتل من الصغار في الحرب كان حكمه: حكم الكبير فلا يغسَّل، ولا يصلَّى عليه، ويدفن بثيابه كما يفعل بالكبير. وموافقة النبي ﷺ لمن يطلب منه غمس يده في الماء، وللجارية التي كلَّمته: دليل\n_________\n(١) في (م ٢) و(ع): أخبر بذلك عن الشهداء.","vol":"6","page":112},{"text":"[٢٢٣٣] وعنه قَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَادٍ حَسَنُ الصَّوتِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: رُوَيدك يَا أَنجَشَةُ لَا تَكسِر القَوَارِيرَ، يَعنِي ضَعَفَةَ النِّسَاءِ.\nرواه البخاريُّ (٦٢١١)، ومسلم (٢٢٢٣) (٧٣).\n[٢٢٣٤] وعَنه أَنَّ امرَأَةً كَانَ فِي عَقلِهَا شَيءٌ فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي إِلَيكَ حَاجَةً، فَقَالَ: يَا أُمَّ فُلَانٍ انظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئتِ حَتَّى أَقضِيَ حَاجَتَكِ، فَخَلَا مَعَهَا فِي بَعضِ الطُّرُقِ، حَتَّى فَرَغَت مِن حَاجَتِهَا.\nرواه أحمد (٣/ ٩٨)، والبخاريُّ (٦٠٧٢)، ومسلم (٢٣٢٦)، وأبو داود (٤٨١٩)، والترمذيُّ (٣٢٤) في الشمائل، وابن ماجه (٤١٧٧).\n* * *\nــ\nعلى كمال حسن خلقه وتواضعه، وإسعاف منه لمن طلب منه ما يجوز طلبه، وإن شق ذلك عليه، ويحصل لهم أجرٌ على نيَّاتهم، وبركة في أطعماتهم، وقضاء حاجاتهم، وقد كانت الأَمَة تأخذ بيده فتنطلق به حيث شاءت من المدينة، وهذا كمالٌ لا يعرفه إلا الذي خصَّه به.\nو(قوله لأنجشة: رويدك) أي: رفقك، وهو منصوب نصب المصدر، أي: ارفق رفقَكَ.\nوقوله في الأم (١): ويحك يا أنجشة! رويدًا سوقَكَ بالقوارير) ويحَ، قال سيبويه: ويحك: زجر لمن أشرف على الهلاك. وويل: لمن وقع فيه. وقال الفراء: ويح وويس بمعنى: ويل. وقال غيرهما: ويح: كلمة لمن وقع في هلكة لا يستحقها فيرثى له ويرحم. وويل بضدِّه، وويس: تصغير.\n_________\n(١) هي في مسلم برقم (٢٣٢٣) (٧١).","vol":"6","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-849>(١٤) باب في شدة حياء النبي ﷺ وكيفية ضحكه</span>\n[٢٢٣٥] عن أَبي سَعِيدٍ الخُدرِيَّ قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَشَدَّ حَيَاءً مِن العَذرَاءِ فِي خِدرِهَا، وَكَانَ إِذَا كَرِهَ شَيئًا عَرَفنَاهُ فِي وَجهِهِ.\nرواه أحمد (٣/ ٧١)، والبخاريُّ (٣٥٦٢)، ومسلم (٢٣٢٠) (٦٧)، وابن ماجه (٤١٨٠).\nــ\nقلت: وهي كلمات منصوبة بأفعال مقدَّرة لا يستعمل إظهارها. ويصح أن تكون رويدًا هنا: اسم فعل الأمر، أي: ارود، بمعنى: ارفق. وسوقك: مفعول به، أو بإسقاط حرف الجر، أي: في سوقك، وقد قال بعض الناس: إن القوارير يراد بها هنا الإبل، أمره بالرفق بها لئلا يعنف عليها في السير بطيب صوته فيهلكها، وتفسير الراوي أولى من تفسير هذا المتأخر، وقد تقدَّم أن الصحابي قال: يعني به ضعفة النساء، وشبَّهَهُنَّ بالقوارير لسرعة تأثرهنَّ، ولعدم تجلدهن، فخاف عليهن من حث السير وسرعته سقوط بعضهن، أو تألمهن بكثرة الحركة، والاضطراب الذي يكون عن السرعة والاستعجال. وقيل: إنه خاف عليهن الفتنة، وحسن الحدو وطيبه، كما قد قال سليمان بن عبد الملك: يا بني أمية! إياكم والغناء، فإنَّه رُقية الزنى، فإنَّ كنتم ولا بدَّ فاعليه فجنبوه النساء.\n(١٤) ومن باب شدَّة حياء رسول الله ﷺ وحُسن خُلُقه\nالحياء - ممدود -: انقباض يجده الإنسان من نفسه يحمله على الامتناع من ملابسة ما يعاب عليه، ويُستقبح منه، ونقيضه الصَّلَبُ: وهو التَّصَلُّبُ في الأمور، وعدم المبالاة بما يستقبح ويعاب عليه منها، وكلاهما جبلي ومكتسب، غير أن الناس منقسمون في القدر الحاصل منهما، فمن الناس من جبل على الكثير من","vol":"6","page":114},{"text":"[٢٢٣٦] عن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرٍو قال: لَم يَكُن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَاحِشًا\nــ\nالحياء، ومنهم من جبل على القليل منه، ثم إن أهل الكثير من النوعين على مراتب، وكذلك أهل القليل، فقد يكبر أحد النوعين حتى يصير نقيضه كالمعدوم. ثم هذا الجبلِّي سبب في تحصيل المكتسب، وقد كان النبي ﷺ قد جبل من الحياء على الحظ الأوفر، والنصيب الأكثر، ولذلك قيل فيه: إنه كان أشد حياءً من العذراء في خدرها، ثم إنه كان يأخذ نفسه بالحياء ويستعمله، ويأمر به، ويحضُّ عليه، فيقول: الحياء من الإيمان (١). والحياء لا يأتي إلا بخير (٢). والحياء خير كله (٣). ويقول لأصحابه: استحيوا من الله حق الحياء (٤). وكان يُعرف الحياء في وجهه لما يظهر عليه من الخفر والخجل. وكان إذا أراد أن يَعتِب رجلًا معينًا أعرض عنه، ويقول: ما بال رجال يفعلون كذا (٥)، ومع هذا كله فكان لا يمنعه الحياء من حقٍّ يقوله، أو أمر ديني يفعله، تمسُّكًا بقول الحق: ﴿وَاللَّهُ لا يَستَحيِي مِنَ الحَقِّ﴾ وهذا هو نهاية الحياء، وكماله، وحسنه، واعتداله، فإنَّ من يفرط عليه الحياء حتى يمنعه من الحق فقد ترك الحياء من الخالق، واستحيا من الخلق (٦)، ومن كان هكذا فقد حرم نافع الحياء، واتصف بالنفاق والرياء، والحياء من الله هو الأصل والأساس، فإنَّ الله تعالى أحق أن يستحيا منه من الناس.\nوالعذراء: البكر التي لم تنتزع عذرتها. والخدر: أصله الهودج، وهو هنا: كناية عن بيتها الذي هي ملازمة له إلى أن تخرج منه إلى\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (٤١٨٤) من حديث أبي بكرة.\n(٢) رواه البخاري (٦١١٧)، ومسلم (٣٧)، وأبو داود (٤٧٩٦) من حديث عمران بن حصين.\n(٣) أحمد (٤/ ٤٢٦)، ومسلم (٣٧) (٦١).\n(٤) رواه الترمذي (٢٤٦٠).\n(٥) ذكره الزبيدي في الإتحاف (٧/ ٥٤٢)، وابن عساكر (٣/ ١٤٢).\n(٦) في (م ٣): المخلوق.","vol":"6","page":115},{"text":"وَلَا مُتَفَحِّشًا. وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ مِن خِيَارِكُم أَحَاسِنَكُم أَخلَاقًا.\nرواه أحمد (٢/ ١٦١)، والبخاريُّ (٣٥٥٩)، ومسلم (٢٣٢١) (٦٨)، والترمذيُّ (١٩٧٥).\nــ\nبيت زوجها.\nوالفاحش: هو المجبول على الفحش، وهو: الجفاء في الأقوال والأفعال. والمتفحش: هو المتعاطي لذلك، والمستعمل له. وقد برأ الله تعالى نبيَّه ﷺ عن جميع ذلك ونزَّهه، فإنَّه كان رحيمًا، رفيقًا، لطيفًا، سمحا (١)، متواضعًا، طَلِقًا، برًّا، وصولًا، محبوبًا، لا تقتحمه عين، ولا تمُّجه نفسٌ، ولا يصدر عنه شيء يكره - ﷺ - وشرَّف، وكرَّم.\nو(قوله: إن من خياركم أحاسنكم أخلاقًا) هو جمع أحسن على وزن أفعل التي للتفضيل، وهي إن قرنت بـ من كانت للمذكر، والمؤنث، والاثنين، والجمع، بلفظ واحد. وإن لم تقترن بـ من وعرفتها بالألف واللام ذكرت، وأنثت وثنيت، وجمعت. وإذا أضيفت: ساغ فيها الأمران، كما جاء هنا: أحاسنكم وكما قال تعالى: ﴿أَكَابِرَ مُجرِمِيهَا﴾ وقد قال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُم أَحرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ وقد روي هذا الحديث: أحسنكم موحَّدًا.\nوالأخلاق: جمع خُلُق، وهي عبارة عن أوصاف الإنسان التي بها يعامل غيره، ويخالطه، وهي منقسمة: إلى محمود ومذموم. فالمحمود منها: صفات الأنبياء، والأولياء، والفضلاء، كالصبر عند المكاره، والحلم عند الجفاء، وتحمل الأذى، والإحسان للنَّاس، والتودُّد لهم، والمسارعة في حوائجهم، والرحمة، والشفقة، واللطف في المجادلة، والتثبت في الأمور، ومجانبة المفاسد والشرور.\n_________\n(١) في (م ٣): سهلًا.","vol":"6","page":116},{"text":"[٢٢٣٧] وعَن سِمَاكِ بنِ حَربٍ قَالَ: قُلتُ لِجَابِرِ بنِ سَمُرَةَ: أَكُنتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: نَعَم كَثِيرًا، كَانَ لَا يَقُومُ مِن مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبحَ حَتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ، فَإِذَا طَلَعَت قَامَ، وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأخُذُونَ فِي أَمرِ الجَاهِلِيَّةِ فَيَضحَكُونَ، وَيَتَبَسَّمُ ﷺ.\nرواه مسلم (٢٣٢٢) (٦٩).\n* * *\nــ\nوعلى الجملة: فاعتدالها أن تكون مع غيرك على نفسك، فتنصف منها، ولا تنتصف لها، فتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك. والمذموم منها: نقيض ذلك كله.\nوقد جاء هذا الحديث في غير كتاب مسلم بزيادة حسنة، فقال: خياركم أحاسنكم أخلاقًا، الموطَّؤون أكنافًا، الذين يألفون ويؤلفون (١). فهذه الخلق، وهؤلاء المتخلقون.\nوقد قدَّمنا في غير موضع: أن أصل الخلق جبلَّة في نوع الإنسان، غير أن الناس في ذلك متفاوتون، فمن الناس من يغلب عليه بعضها ويقف عن بعضها، وهذا هو المأمور بالرِّياضة والمجاهدة حتى يقوى ضعيفها، ويعتدل شاذُّها، كما هو مفصل في كتب الرياضات.\nوقد تقدَّم الكلام على كونه ﷺ كان يجلس في مصلَاّه حتى تطلع الشمس.\n* * *\n_________\n(١) رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وفيه صالح بن بشير المري، وهو ضعيف.\n(مجمع الزوائد ٨/ ٢١).","vol":"6","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-850>(١٥) باب بعد النبي ﷺ من الإثم، وقيامه لمحارم الله ﷿، وصيانته عما كانت عليه الجاهلية من صغره</span>\n[٢٢٣٨] عَن عُروَةَ بنِ الزُّبَيرِ، عَن عَائِشَةَ زَوجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَت: مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَينَ أَمرَينِ إِلَّا أَخَذَ أَيسَرَهُمَا مَا لَم يَكُن إِثمًا، فَإِن كَانَ إِثمًا كَانَ أَبعَدَ النَّاسِ مِنهُ، وَمَا انتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفسِهِ إِلَّا أَن تُنتَهَكَ حُرمَةُ اللَّهِ.\nــ\n[(١٥) ومن باب: بُعد النبي ﷺ من الإثم وقيامه لمحارم الله ﷿] (١)\n(قول عائشة: ما خُيِّر رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما) تعني: أنه كان ﷺ إذا خيَّره أحد في شيئين يجوز له فعل كل واحد منهما، أو عرضت عليه مصلحتان، مال للأيسر (٢) منهما، وترك الأثقل، أخذًا بالسُّهولة لنفسه، وتعليمًا لأمَّته. فإذا كان في أحد الشيئين إثم تركه، وأخذ الآخر، وإن كان الأثقل.\nوكونه ﷺ سقط إلى الأرض لما جعل إزاره على عنقه، يدلّ: على أن الله تعالى حفظه من صغره، وتولى تأديبه بنفسه، ولم يكله في شيء من ذلك لغيره، ولم يزل الله يفعل ذلك به حتى كره له أحوال الجاهلية، وحماه عنها، حتى لم يجر عليه شيء منها. كل ذلك لطفٌ به، وعطفٌ عليه، وجمع للمحاسن لديه.\nو(قولها: ما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله تعالى) يعني: أنه كان يصبر على جهل من جهل عليه، ويحتمل جفاه، ويصفح عمَّن أذاه في خاصة نفسه، كصفحه عمَّن قال: يا محمد! اعدل، فإنَّ هذه قسمة ما أريد بها وجه\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ليست في الأصول، واستدرك من التلخيص.\n(٢) في (م ٣): للأصلح.","vol":"6","page":118},{"text":"رواه أحمد (٦/ ١٦٢)، والبخاريّ (٣٥٦٠)، ومسلم (٢٣٢٧) (٧٧)، وأبو داود (٤٧٨٥).\n[٢٢٣٩] وعنها قَالَت: مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امرَأَةً، وَلَا خَادِمًا، إِلَّا أَن يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.\nرواه أحمد (٦/ ٢٢٩)، ومسلم (٢٣٢٨) (٧٩)، وأبو داود (٤٧٨٦).\nــ\nالله تعالى، وما عدلت منذ اليوم! وكصفحه عن الذي جبذ رداءه عليه حتى شقَّه، وأثر في عنقه. فإنَّ قيل: فأذاه انتهاك حرمة من حرم الله، فكيف يترك الانتقام لله تعالى فيها؟ وكيف وقد قال الله تعالى: ﴿يُؤذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فالجواب: أنه ﷺ ترك الانتقام مِمَّن آذاه استئلافًا وتركًا لما ينفِّر عن الدخول في دينه، كما قال ﷺ: لئلا يتحدث الناس أن محمَّدًا يقتل أصحابه (١). وقد قال مالك: كان رسول الله ﷺ يعفو عمَّن شتمه، مشيرًا إلى ما ذكرنا. وإذا تقرر هذا فمراد عائشة ﵂ بقولها: إلا أن تنتهك حرمة الله: الحرمة التي لا ترجع لحق النبي ﷺ، كحرمة الله، وحرمة محارمه، فإنَّه كان يقيم حدود الله على من انتهك شيئًا منها، ولا يعفو عنها، كما قال في حديث السَّارقة: لو أن فاطمة سرقت لقطعت يدها (٢)، لكن ينبغي أن يفهم: أن صفحه عمَّن آذاه كان مخصوصًا به وبزمانه لما ذكرناه، وأما بعد ذلك فلا يُعفى عنه بوجه.\nقال القاضي عياض ﵀: أجمع العلماء على أن من سبَّ النبي ﷺ كفر. واختلفوا، هل حكمه حكم المرتد يُستتاب؟ أو حكم الزنديق لا يُستتاب؟ وهل قتله للكفر أو للحدِّ؟ فجمهورهم: على أن حكمه حكم الزنديق، لا تقبل\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) رواه البخاري (٣٤٧٥)، ومسلم (١٦٨٨) (٨)، وأبو داود (٤٣٧٣)، والترمذي (١٤٣٠)، والنسائي (٨/ ٧٣ - ٧٤)، وابن ماجه (٢٥٤٧).","vol":"6","page":119},{"text":"[٢٢٤٠] وعن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَنقُلُ مَعَهُم الحِجَارَةَ إلى الكَعبَةِ وَعَلَيهِ إِزَارُهُ، فَقَالَ لَهُ العَبَّاسُ: يَا ابنَ أَخِي، لَو حَلَلتَ إِزَارَكَ فَجَعَلتَهُ عَلَى مَنكِبِكَ دُونَ الحِجَارَةِ! فَجَعَلَهُ عَلَى مَنكِبِهِ فَسَقَطَ مَغشِيًّا عَلَيهِ. قَالَ: قال: فَمَا رُئِيَ بَعدَ ذَلِكَ اليَومِ عُريَانًا.\nرواه أحمد (٣/ ٣١٠)، والبخاريُّ (٣٦٤)، ومسلم (٣٤٠) (٧٧).\n* * *\nــ\nتوبته. وهو مشهور مذهب مالك، وقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق. ورأوا: أن قتله للحدِّ، ولا ترفعه التوبة، لكن تنفعه عند الله تعالى، ولا يسقط حد القتل عنه. وقال أبو حنيفة والثوري: هي كفر وردَّة، وتقبل توبته إذا تاب. وهي رواية الوليد بن مسلم عن مالك.\nواختلفوا في الذمِّي إذا سبَّه بغير الوجه الذي به كَفَر، فعامَّة العلماء: على أنه يقتل لحق النبي ﷺ. وأبو حنيفة، والثوري، والكوفيون لا يرون قتله. قالوا: ما هو عليه من الكفر أشد.\nواختلف أهل المدينة وأصحاب مالك في قتله إذا سبه بالوجه الذي به كَفَرَ، من تكذيبه، وجَحد نبوَّته، والأصح الأشهر قتله. واختلفوا في الكافر بعد سبِّه، هل يسقط ذلك القتل عنه أم لا؟ والأشهر عندنا: سقوطه، لأنَّ الإسلام يجبُّ ما قبله. وحكى أبو محمد بن نصر في درء القتل (١) عنه روايتين.\nويستفاد من حديث عائشة ﵂ ترغيب الحكام، وولاة الأمور في الصفح عمن جهل عليهم، وجفاهم، والصبر على أذاهم، كما كان النبي ﷺ يفعل، وأن الحاكم لا يحكم لنفسه. وقد أجمع العلماء: على أن القاضي لا يحكم لنفسه، ولا لمن لا تجوز شهادته له، على ما حكاه عياض ﵀.\n_________\n(١) في (م ٣): الحدّ.","vol":"6","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-851>(١٦) باب طيب رائحة النبي ﷺ وعرقه ولين مسه</span>\n[٢٢٤١] عَن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ قَالَ: صَلَّيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الأُولَى، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَهلِهِ، وَخَرَجتُ مَعَهُ فَاستَقبَلَهُ وِلدَانٌ، فَجَعَلَ يَمسَحُ خَدَّي أَحَدِهِم وَاحِدًا وَاحِدًا، قَالَ: وَأَمَّا أَنَا فَمَسَحَ خَدِّي قَالَ: فَوَجَدتُ لِيَدِهِ بَردًا - أَو رِيحًا - كَأَنَّمَا أَخرَجَهَا مِن جُؤنَةِ عَطَّارٍ.\nرواه مسلم (٢٣٢٩) (٨٠).\nــ\n(١٦ و١٧ و١٨ و١٩ و٢٠ و٢١) ومن باب: طيب رائحة رسول الله ﷺ\nوحسن شعره وشيبه، وحسن خَلقِه (١)\nقول جابر ﵁: صليت مع رسول الله ﷺ صلاة الأولى هذا من باب إضافة الاسم إلى صفته، كما قالوا: مسجد الجامع. وقد تقدم القول فيه، يعني بالصلاة الأولى: صلاة الظهر، فإنَّها أول صلاة صلاها جبريل بالنبي ﷺ. ويحتمل أن يريد بها صلاة الصبح، لأنَّها أول صلاة النهار.\nو(قوله: فوجدت ليده بردًا أو ريحًا) هذه أو الأَولَى أن تكون بمعنى الواو لا للشك، لأنَّها لو كانت شكًّا، فإذًا قدرنا إسقاط أو ريحًا لم يستقم تشبيه برودة يده بإخراجها من جُؤنة عطار، فإنَّ ذلك إنما هو تشبيه للرائحة، فإذا حملت أو على معنى الواو الجامعة استقام التشبيه للرائحة، والإخبار عن وجدان برودة اليد التي تكون عن صحة العضو، ويحتمل أن يريد بالبرودة برودة الطيب، فإنَّهم يصفونه\n_________\n(١) شرح المؤلف -﵀- تحت هذا العنوان ما أشكل أيضًا في أحاديث باب: في شعر رسول الله - ﷺ -، وباب: في شيب رسول الله - ﷺ -، وباب: في حسن أوصاف النبي - ﷺ -، وباب: في خاتم النبوة، وباب: كم كان سن رسول الله - ﷺ -.","vol":"6","page":121},{"text":"[٢٢٤٢] وعن أَنَس قال: مَا شَمَمتُ عَنبَرًا قَطُّ وَلَا مِسكًا، وَلَا شَيئًا أَطيَبَ مِن رِيحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَا مَسِستُ شَيئًا قَطُّ دِيبَاجًا وَلَا حَرِيرًا أَليَنَ مَسًّا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nوفي رواية: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَزهَرَ اللَّونِ كَأَنَّ عَرَقَهُ اللُّؤلُؤُ، إِذَا مَشَى مشى تَكَفّؤا، وذكر نحوه.\nــ\nبالبرودة، كما قال الشاعر (١):\nوتَبرُدُ بَردَ رِداءِ العَرُو ... سِ في الصَّيفِ رَقرَقت فيه العَبِيرا\nوالجؤنة: بضم الجيم، وفتح النون: هي سفط يُحمل فيه العطار متاعه، قاله الحربي، وهو مهموز وقد يسهل، وقال صاحب العين: هو سُليلةٌ مستديرة مُغشَّاة أُدمًا.\nو(قوله: ما شممت عنبرًا، ولا مسكًا، ولا شيئًا أطيب من ريح رسول الله ﷺ) هذا يدلّ على أنه كان طيِّب الريح وإن لم يتطيب، ثم إنه كان يستعمل الطيب، ويعجبه رائحته، لأنَّه كان يناجي الملائكة، ولأنه مُستلذٌ لحس الشمِّ كالحلاوة لحسِّ الذوق، ولأنه مقوٍّ للدماغ، ومحرِّك لشهوة الجماع، ولأنه مما يرضي الله تعالى إذا قصد به القربة، والتهيؤ للصلاة.\nو(قوله: كان أزهر اللون) يعني: أبيض اللون في صفاء، كما قال في الرواية الأخرى: ليس بالأبيض الأمهق، أي: المتألق البياض الذي صفته تشبه بياض الثلج والجصِّ.\nو(قوله: إذا مشى مشى تكفؤًا) مهموزًا. قال شمر: أي: مال يمينًا وشمالًا. قال الأزهري: هذا خطأ، وهذه صفة المختال. ولم تكن صفته ﷺ، وإنما معناه: أن\n_________\n(١) هو الأعشى.","vol":"6","page":122},{"text":"رواه أحمد (٣/ ١٠٣)، والبخاريُّ (٦٢٨١)، ومسلم (٢٣٣٠) (٨١ و٨٢)، والنسائي (٨/ ٢١٨).\n[٢٢٤٣] وعنه قال: دَخَلَ عَلَينَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ عِندَنَا فَعَرِقَ، وَجَاءَت أُمِّي بِقَارُورَةٍ فَجَعَلَت تَسلِتُ العَرَقَ فِيهَا، فَاستَيقَظَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: يَا أُمَّ سُلَيمٍ مَا هَذَا الَّذِي تَصنَعِينَ؟ قَالَت: هَذَا عَرَقُكَ نَجعَلُهُ فِي طِيبِنَا وَهُوَ مِن أَطيَبِ الطِّيبِ.\nوفي رواية: أنه ﵊ كَانَ يَأتِيهَا فَيَقِيلُ عِندَهَا، فَتَبسُطُ لَهُ نِطعًا فَيَقِيلُ عَلَيهِ، وَكَانَ كَثِيرَ العَرَقِ فَكَانَت تَجمَعُ عَرَقَهُ فَتَجعَلُهُ فِي الطِّيبِ وَالقَوَارِيرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: يَا أُمَّ سُلَيمٍ مَا هَذَا؟ قَالَت: عَرَقُكَ أَدُوفُ بِهِ طِيبِي.\nــ\nيميل إلى سمته، ويقصد في مشيته، كما قال في الرواية الأخرى: كأنما ينحط من صبب.\nقلت: ويبيِّنه ما قد جاء في رواية ثالثةٍ: يمشي تقلعًا.\nو(قولها: دخل عليَّ رسول الله ﷺ فقال عندنا) أي: نام عندهم في القائلة، وفيه دليلٌ على الرجل على ذوات محارمه في القائلة، وتبسُّطه معهنَّ، ونومه على فراشهنَّ، وكانت أمُّ سليم ذات محرم له من الرَّضاعة. قاله القاضي عياض.\nو(قولها: فجعلت أسلتُ (١) العرق فيها) أي: تجمعه في القارورة، كما قد جاء في الرواية الأخرى.\nوقولها: أدوف به طيبي - بالدال المهملة - ثلاثيًّا أي: أخلطه، وهكذا صحيح الرواية فيه، وهو المشهور عند أهل اللغة، وحكي فيه: الذال المعجمة، ثلاثيًّا ورباعيًّا، وقد استوفيناه في كتاب الإيمان.\n_________\n(١) في صحيح مسلم والتلخيص: فجعلتْ تَسْلُتُ.","vol":"6","page":123},{"text":"وفي أخرى: نرجو بركته لصبياننا. قال: أصبت.\nرواه أحمد (٣/ ١٣٦)، ومسلم (٢٣٣١) (٨٣ و٨٤) و(٢٣٣٢) (٥).\n[٢٢٤٤] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: إِن كَانَ لَيُنزَلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الغَدَاةِ البَارِدَةِ، ثُمَّ تَفِيضُ جَبهَتُهُ عَرَقًا.\nرواه أحمد (٦/ ٥٨)، ومسلم (٢٣٣٣) (٨٦).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-852>(١٧) باب في شعر رسول الله ﷺ وكيفيته</span>\n[٢٢٤٥] عَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَهلُ الكِتَابِ يَسدِلُونَ أَشعَارَهُم، وَكَانَ المُشرِكُونَ يَفرُقُونَ رُؤوسَهُم،\nــ\nو(قوله: كان أهل الكتاب يَسدلون أشعارهم، وكان المشركون يَفرُقُون رؤوسهم) قال القاضي: سدل الشعر: إرساله، والمراد به هنا عند العلماء: إرساله على الجبين واتخاذه كالقَصَّة. يقال: سدل شعره وثوبه: إذا أرسله، ولم يضم جوانبه. والفرق: تفريق الشعر بعضه عن بعض. والفرق: تفريقك بين كل شيئين. قال الحربي: والمفرق: موضع الفرق، والفرق في الشعر سُنَّة، لأنَّه الذي رجع إليه النبي ﷺ. والظاهر أنه بوحي، لقول أنس: أنه كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، فسدل، ثم فرق بَعدُ، فظاهره: أنه لأمر من الله تعالى، حتى جعله بعضهم نسخًا، وعلى هذا لا يجوز السَّدل، ولا اتِّخاذ الناصية والجُمَّة. وقد روي: أن عمر بن عبد العزيز ﵁ كان إذا انصرف من الجمعة أقام على باب المسجد حرسًا يجزون كل من لم يفرق شعره.","vol":"6","page":124},{"text":"وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهلِ الكِتَابِ فِيمَا لَم يُؤمَر بِهِ، فَسَدَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاصِيَتَهُ، ثُمَّ فَرَقَ بَعدُ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٨٧)، والبخاري (٣٥٥٨)، ومسلم (٢٣٣٦) (٩٠)، وأبو داود (٤١٨٨)، وابن ماجه (٣٦٣٢).\nــ\nقلت: وفيما قاله القاضي - ﵀ - وحكاه نظر. بل: الظاهر من مساق الحديث أن السَّدل إنما كان يفعله لأجل محبته استئلاف أهل الكتاب بموافقتهم، لكنه كان يوافقهم فيما لم يشرع له فيه، فلما استمروا على عنادهم، ولم ينتفعوا بالموافقة، أحبَّ مخالفتهم أيضًا فيما لم يشرع له، فصارت مخالفتهم محبوبة له لا واجبة عليه كما كانت موافقتهم.\nو(قوله: فيما لم يؤمر) يعني: فيما لم يطلب منه، والطلب يشمل الواجب والمندوب كما قررناه في الأصول. وأما توهُّم النسخ في هذا، فلا يلتفت إليه لإمكان الجمع، كما قررناه، وهذا بعد تسليم أن محبة موافقتهم ومخالفتهم حكم شرعي، فإنَّه يحتمل أن يكون ذلك أمرًا مصلحيًّا، هذا مع أنه لو كان السَّدل منسوخًا بوجوب الفرق لصار الصحابة ﵃ إليه، أو بعضهم، وغاية ما روي عنهم: أنه كان منهم من فرق، ومنهم من سدل، فلم يعب السَّادل على الفارق، ولا الفارق على السَّادل، وقد صحَّ عنه ﷺ أنه كان له لِمَّةٌ، فإنَّ انفرقت فرقها، وإلا تركها (١). وهذا يدلُّ على أن هذا كان غالب حاله، لأنَّ ذلك ذكره مع جملة أوصافه الدائمة، وحِليته التي كان موصوفًا معروفًا بها، فالصحيح: أن الفرق مستحبٌّ لا واجب، وهذا الذي اختاره مالك. وهو قول جل أهل العلم (٢). والله أعلم.\nو(قوله: كان يحبُّ موافقة أهل الكتاب) قد قلنا: إن ذلك كان في أوَّل أمره\n_________\n(١) انظر: سبل الهدى والرشاد (٢/ ٢٢).\n(٢) في (ع) و(م ٢): المذاهب.","vol":"6","page":125},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nعند قدومه على المدينة في الوقت الذي كان يستقبل قبلتهم، وإن ذلك كله كانت حكمته التأنيس لأهل الكتاب حتى يصغوا إلى ما جاء به، فيتبين لهم أنه الحق، والاستئلاف لهم ليدخلوا في الدين، فلما غلبت عليهم الشقوة، ولم ينفع معهم ذلك نسخ الله تعالى استقباله قبلتهم بالتوجه نحو الكعبة، وأمر النبي ﷺ بمخالفتهم في غير شيء، كقوله: إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم (١). وذكر أبو عمر في التمهيد عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: اخضبوا وفرقوا، خالفوا اليهود (٢). قال: إسناده حسن، ورجاله كلهم ثقات، وكقوله في الحائض: اصنعوا كل شيء إلا النكاح (٣). حتى قالت اليهود: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه. فاستقر آخر أمره ﷺ على مخالفتهم فيما لم يحكم عليه فيه بحكم، فإذا ثبت هذا فلا حجَّة في قول عائشة ﵂: كان ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب على أن شرعهم شرع لنا) (٤) فتأمَّل ذلك. واختلاف هذه الأحاديث في كيفية شعر رسول الله ﷺ إنما هو اختلاف أحوال، إذ قد فعل ذلك كله، فقد سدل، وفرق، وكان شعره لِمَّة، ووفرة، وجُمَّة.\nوقد روى الترمذي من حديث أم هانئ ﵂ قالت: قدم رسول الله ﷺ مكة وله أربع غدائر (٥). قال: هذا حديث حسن صحيح.\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٢٤٠)، والبخاري (٣٤٦٢)، ومسلم (٢١٠٣)، وأبو داود (٤٢٠٣)، والنسائي (٨/ ١٣٧).\n(٢) رواه ابن عدي في الكامل (٢/ ٦١٤)، وانظر: التمهيد (٦/ ٧٦).\n(٣) رواه أحمد (٣/ ١٣١)، ومسلم (٣٠٢)، والترمذي (٢٩٧٧)، والنسائي (١/ ١٥٢)، وابن ماجه (٦٤٤).\n(٤) في (ع) و(م ٢): له.\n(٥) رواه الترمذي (١٧٨١).","vol":"6","page":126},{"text":"[٢٢٤٦] وعَن البَرَاءِ بن عازب قَالَ: مَا رَأَيتُ مِن ذِي لِمَّةٍ فِي حُلَّةٍ حَمرَاءَ أَحسَنَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، شَعرُهُ يَضرِبُ مَنكِبَيهِ، بَعِيدَ مَا بَينَ المَنكِبَينِ، لَيسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالقَصِيرِ.\nرواه مسلم (٢٣٣٧) (٩٢)، وأبو داود (٤١٨٣)، والترمذيُّ (١٧٢٤)، والنسائي (٨/ ١٨٣)، وابن ماجه (٣٥٩٩).\n[٢٢٤٧] وعن أنس قال: كَانَ شَعَرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَعَرًا رَجِلًا، لَيسَ بِالجَعدِ، وَلَا السَّبطِ، بَينَ أُذُنَيهِ وَعَاتِقِهِ.\nوفي أخرى: كان يَضرِبُ شَعرُهُ مَنكِبَيهِ.\nوفي أخرى: كان شعره إلى أنصاف أذنيه.\nرواه أحمد (٣/ ١١٨)، والبخاري (٥٩٠٣ - ٥٩٠٦)، ومسلم (٢٣٣٨) (٩٤ - ٩٦)، وأبو داود (٤١٨٥ - ٤١٨٦)، والنسائي (٨/ ١٨٣)، وابن ماجه (٣٦٣٤).\n* * *\nــ\nقلت: والغدائر: الضفائر. قال امرؤ القيس:\nغدائره مُستَشزِراتٌ إلى العُلا ... تَضِلُّ المدارى (١) في مُثَنًّى ومُرسَلِ\nو(قول البراء ﵁: ما رأيت من ذي لِمَّةٍ في حلة حمراء أحسن من رسول الله ﷺ. قال شمر: الجُمَّة أكثر من الوفرة، والجُمَّة إذا سقطت على المنكبين، والوفرة إلى شحمة الأذن، واللمة التي ألمت بالمنكبين، وقد تقدم القول في الحلة.\nوفيه دليل على جواز لباس الأحمر، وقد أخطأ من كره لباسه\n_________\n(١) في الديوان وشرح المعلقات السبع ص (٥٣): العِقاص.","vol":"6","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-853>(١٨) باب في شيب رسول الله ﷺ وخضابه</span>\n[٢٢٤٨] عَن مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ قَالَ: سَأَلتُ أَنَسَ بنَ مَالِكٍ: أَخَضَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: إِنَّهُ لَم يَرَ مِن الشَّيبِ إِلَّا قَلِيلًا.\nرواه البخاريُّ (٥٨٩٤)، ومسلم (٢٣٤١) (١٠٢).\n[٢٢٤٩] وعن ثَابِتٌ قَالَ: سُئِلَ أَنَسُ بنُ مَالِكٍ، أخضَب رسول الله ﷺ؟ قَالَ: لَو شِئتُ أَن أَعُدَّ شَمَطَاتٍ كُنَّ فِي رَأسِهِ فَعَلتُ، وَقَالَ: لَم يَختَضِب، وَقَد اختَضَبَ أَبُو بَكرٍ بِالحِنَّاءِ وَالكَتَمِ، وَاختَضَبَ عُمَرُ بِالحِنَّاءِ بَحتًا.\nرواه أحمد (٣/ ٢٢٧)، والبخاري (٥٨٩٥)، ومسلم (٢٣٤١) (١٠٣).\n[٢٢٥٠] وعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: يُكرَهُ أَن يَنتِفَ الرَّجُلُ الشَّعرَةَ البَيضَاءَ مِن رَأسِهِ وَلِحيَتِهِ قَالَ: وَلَم يَخضِب رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّمَا كَانَ البَيَاضُ فِي عَنفَقَتِهِ، وَفِي الصُّدغَينِ، وَفِي الرَّأسِ نَبذة.\nرواه مسلم (٢٣٤١) (١٠٤).\nــ\nمطلقًا، غير أنه قد يختص بلباسه في بعض الأوقات أهل الفسق والدعارة والمجون، فحينئذ يكره لباسه، لأنَّه إذ ذاك تشبه بهم، وقد قال ﷺ: من تشبَّه بقومٍ فهو منهم (١) لكن ليس هذا مخصوصًا بالحمرة، بل هو جار في كل الألوان والأحوال، حتى لو اختص أهل الظلم والفسق بشيء مما أصله سُنَّة كالخاتم\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٠٣١).","vol":"6","page":128},{"text":"[٢٢٥١] وعنه: أَنَّهُ سُئِلَ عَن شَيبِ رسول الله ﷺ؟ قَالَ: مَا شَانَهُ اللَّهُ بِبَيضَاءَ.\nرواه مسلم (٢٣٤١) (١٠٥).\n[٢٢٥٢] وعَن أَبِي جُحَيفَةَ قَالَ: رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ مِنهُ بَيضَاءَ - وَوَضَعَ زُهَيرٌ بَعضَ أَصَابِعِهِ عَلَى عَنفَقَتِهِ - قِيلَ لَهُ: مِثلُ مَن أَنتَ يَومَئِذٍ؟ قَالَ: أَبرِي النَّبلَ وَأَرِيشُه.\nرواه أحمد (٤/ ٣٠٨)، ومسلم (٢٣٤٢) (١٠٦).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-854>(١٩) باب في حسن أوصاف النبي ﷺ</span>\n[٢٢٥٣] عن البَرَاءَ قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا مَربُوعًا، بَعِيدَ مَا بَينَ المَنكِبَينِ، عَظِيمَ الجُمَّةِ إِلَى شَحمَةِ أُذُنَيهِ، عَلَيهِ حُلَّةٌ حَمرَاءُ مَا رَأَيتُ شَيئًا قَطُّ أَحسَنَ مِنهُ ﷺ.\nوفي رواية: كان أَحسَنَ النَّاسِ وَجهًا، وَأَحسَنَهُ خَلقًا، لَيسَ بِالطَّوِيلِ الذَّاهِبِ وَلَا بِالقَصِيرِ.\nــ\nوالخضاب والفرق لكان ينبغي لأهل الدين ألا يتشبهوا بهم، مخافة الوقوع فيما كرهه الشرع من التشبه بأهل الفسق، ولأنه قد يظن به من لا يعرفه أنه منهم، فيعتقد ذلك فيه، وينسبه إليهم، فيظن به ظن السوء، فيأثم الظان بذلك والمظنون بسبب المعونة عليه.\nو(قوله: كان أحسن الناس وجهًا، وأحسنه خَلقًا) الرواية بتوحيد ضمير","vol":"6","page":129},{"text":"روه أحمد (٤/ ٢٩٠)، والبخاريُّ (٣٥٥١)، ومسلم (٢٣٣٧) (٩١)، وأبو داود (٤٠٧٢)، والترمذيّ (٣٦٣٥)، والنسائي (٨/ ١٨٣)، وابن ماجه (٣٥٩٩).\n[٢٢٥٤] وعَن أَبِي الطُّفَيلِ قَالَ: رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَمَا عَلَى الأَرضِ رَجُلٌ رَآهُ غَيرِي، قَالَ: فَقُلتُ: فَكَيفَ رَأَيتَهُ؟ قَالَ: كَانَ أَبيَضَ مَلِيحًا مُقَصَّدًا.\nــ\nأحسنه، وبفتح الخاء وسكون اللام من خَلقًا، فأما توحيد الضمير، فقال أبو حاتم: العرب تقول: فلان أجمل الناس وأحسنه، يريدون: أحسنهم، ولا يتكلمون به. قال: والنحويون يذهبون به إلى أنه أحسن مَن ثمَّة. وأما خَلقًا: فأراد به: حُسن الجسم، بدليل قوله بعده: ليس بالطويل الذاهب، ولا بالقصير. وأما في حديث أنس، فروايته: بضم الخاء واللام، لأنَّه يعني به حسن المعاشرة بدليل سياق ما بعده من الحديث.\nو(قوله: كان أبيض مليحًا مُقَصَّدًا) أبيض: يعني في صفاء، كما جاء أنه كان أزهر، وكما قال: ليس بالأبيض الأمهق. والملاحة: أصلها في العينين كما تقدَّم. والمقصَّد: القصد في جسمه وطوله، يعني: أنه لم يكن ضئيل الجسم، ولا ضخمه، ولا طويلًا ذاهبًا، ولا قصيرًا مترددًا، كان وسطًا فيهما.\nو(قوله: كان شعره رَجِلًا) أي: ليس بالجعد، ولا بالسَّبط. الرواية في رَجِلًا، بفتح الراء وكسر الجيم، وهي المشهورة. وقال الأصمعي: يقال: شعر رَجِل: بفتح الراء وكسر الجيم، ورَجَل: بفتح الجيم، ورَجل: بسكونها، ثلاث لغات، إذ كان بين السُّبوطة، والجعُودة، قال غيره: شعر مرجَّل، أي: مسرح. وكان شعره ﷺ بأصل خِلقته مُسَرَّحًا (١).\n_________\n(١) في الأصول: مسرح.","vol":"6","page":130},{"text":"قال مسلم: مات أبو الطفيل سنة مائة، وهو آخر من مات من أصحاب رسول الله ﷺ.\nرواه أحمد (٥/ ٤٥٤)، ومسلم (٢٣٤٠) (٩٨ و٩٩).\nــ\nو(قول أنس ﵁ وقد سئل عن خضاب رسول الله ﷺ: لم ير من الشيب إلا قليلًا. وفي الرواية الأخرى: لو شئت أن أَعُدَّ شمطاتٍ كن في رأسه فعلت ظاهره: أنه لم يكن ﷺ يختضب، كما قد نصَّ عليه في بقية الحديث. وبهذا الظاهر أخذ مالك فقال: لم يختضب رسول الله ﷺ، وإليه ذهب أبو عمر بن عبد البر، وذهب بعض أصحاب الحديث إلى أنه خضب، متمسِّكين في ذلك بما رواه أبو داود عن أبي رمثة، قال: انطلقت مع أبي نحو النبي ﷺ فإذا هو ذو وفرة، وبها ردعٌ من حنَّاء، وعليه بُردان أخضران (١). وروى أبو داود أيضًا عن زيد بن أسلم: أن ابن عمر ﵄ كان يصبغ لحيته بالصفرة حتى تمتلئ ثيابه من الصفرة. فقال: إني رأيت رسول الله ﷺ يصبغ بها، ولم يكن شيء أحبَّ إليه منها، وقد كان يصبغ بها ثيابه كلها حتى عمامته (٢). ويعتضد هذا بأمره ﷺ بتغيير الشيب، كما قال: غيروا هذا الشيب واجتنبوا السواد (٣)، وقال: غيروا الشيب ولا تشبَّهوا باليهود (٤). وما كان ﷺ يأمر بشيء إلا كان أول آخذ به. ومما يعتضد به لذلك ما رواه البخاري عن عبد الله بن موهب، قال: دخلت على أم سلمة، فأخرجت لي شعرات من شعر رسول الله ﷺ مخضوبًا (٥). زاد ابن أبي شيبة:\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٢٠٦).\n(٢) رواه أبو داود (٤٠٦٤).\n(٣) رواه أحمد (٣/ ٣١٦)، ومسلم (٢١٠٢) (٧٩)، وأبو داود (٤٢٠٤)، والنسائي (٨/ ١٣٨)، وابن ماجه (٣٦٢٤).\n(٤) رواه أحمد (٢/ ٢٦١)، والبخاري (٣٤٦٢)، ومسلم (٢١٠٣)، وأبو داود (٤٢٠٣)، والنسائي (٨/ ١٣٧).\n(٥) رواه البخاري (٥٨٩٧).","vol":"6","page":131},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nبالحناء والكتم. والإسناد واحد (١). ومما يعتضد به هؤلاء خضاب الخليفتين ﵄، فلو علما أن النبي ﷺ لم يختضب لما اختضبا، فإنَّهما ما كانا باللذين يعدلان عن سنَّته، ولا عن اتباعه، والفصل لهؤلاء من أحاديث أنس، وما في معناها بأن الخضاب لم يكن منه ﷺ دائمًا، ولا في كل حال، وإنَّما كان في بعض الأوقات، فلم يلتفت أنس لهذه الأوقات القليلة، وأطلق القول، وأولى من هذا أن يقال: إنه ﷺ لما لم يكن شيبه كثيرًا، وإنَّما كان في لحيته وصدغيه نحو العشرين شعرة بيضًا، لم يكن الخضاب يظهر فيها غالبًا، والله تعالى أعلم.\nوقد اعتذر أصحاب القول الأول عن حديث أبي رمثة وابن عمر بأن ذلك لم يكن خضابًا بالحناء، وإنما كان تغييرًا بالطيب، ولذلك قال ابن عمر ﵄: كان يصبغ بالصفرة، ولم يقل: بالحناء، وهذه الصفرة هي التي قال عنها أبو رمثة: ردع من حناء، لأنَّه شبهها بها، وأما حديث أم سلمة فيحتمل أن يكون ذلك فعل بشعر رسول الله ﷺ بعده بطيب أو غيره احترامًا وإكرامًا. والله أعلم.\nوالشَّمَطات: جمع شمطة، ويعني بها: الشعرات البيض المخالطة للشعر الأسود. قال الأصمعي: إذا رأى الرجل البياض، فهو أَشمَط. وقد شَمِطَ. والكَتَم - بالتحريك -: نبت يخلط بالوسمة، يختضب به. قاله في الصحاح. والبحت - بالموحدة والحاء المهملة -: هو الخالص من الشيء، المنفرد عن غيره. وقال أبو حنيفة اللغوي: الوسمة: الحظر، والعِظلِم، والثبلج، والتَّنومة، وكله يصبغ به. والحناء ممدودة. قال أبو علي: جمع حناءة. والكتم -مخفف التاء -: هو المعروف. وأبو عبيد يقولها بالتشديد. ونُبَذ: الرواية فيه بفتح النون وسكون الباء، أي: شيء قليل متبدد. وبعض النَّاس يقوله: نبذ - بضم النون وفتح الباء -: جمع نُبذة، كغرفة وغرف، وظلمة وظلم. وهذا لا يستقيم هنا، لأنَّه كان يلزم منه أن\n_________\n(١) رواه ابن أبي شيبة (٨/ ٢٤٦).","vol":"6","page":132},{"text":"[٢٢٥٥] وعن جَابِرَ بنَ سَمُرَةَ قالُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَد شَمِطَ مُقَدَّمُ رَأسِهِ وَلِحيَتِهِ،\nــ\nيكون سببه نبذًا مجتمعة في أنفسها، متفرقة في مواضع عديدة، ويلزم عليه أن يكون سببه كثيرًا، فيكون هذا مخالفا لما قاله أنس في الأحاديث الأخر.\nوكراهته ﷺ الشيب إنَّما كان لأنه وقارٌ، كما قد روى مالك: أن أوَّل من رأى الشيب إبراهيم ﵇، فقال: يا رب! ما هذا؟ فقال: وقار. قال: يا رب زدني وقارًا (١) أو لأنه نورٌ يوم القيامة، كما روى أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جدِّه قال: قال رسول الله ﷺ: لا تنتفوا الشيب! ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام إلا كانت له نورًا يوم القيامة. وفي أخرى: إلا كتب الله له حسنة، وحط عنه خطيئة (٢).\nو(قول أنس ﵁: ما شانه الله بِبَيضاء) أي: لم يكن شيبه كثيرًا بيِّنًا حتى تزول عنه بهجة الشباب، ورونقه، ويلحق بالشيوخ، الذين يكون الشيبُ لهم عيبًا، فإنَّه يدلّ على ضعفهم، ومفارقة قوة الشباب ونشاطه. ويحتمل أن يريد: أن ما ظهر عليه من الشيب اليسير زاده ذلك في عين الناظر إليه أبهة، وتوقيرًا، وتعظيمًا.\nوالشَّين: العيب. وأبري النِّبل: أنحته، وأَرِيشُه: أجعل فيها الريش، ويعني: أنَّه قد كان كبر، وقوي، وعرف. وهذا حال المراهق.\nو(قوله: قد شَمِطَ مُقَدَّمُ رأسه ولحيته) أي: خالط الشيب ذينك الموضعين. ومقدم اللحية: يعني به: العنفقة، كما قال أبو جحيفة: رأيت هذه منه بيضاء. يعني: عنفقته. ومقدمه يعني به: الصِّدغين، كما قال أنس: إنما كان البياض في عنفقته وصدغيه. وهذا يدلّ: على أن قول أنس في الرواية الأخرى: إنه كان في\n_________\n(١) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٩٢٢).\n(٢) رواه أبو داود (٤٢٠٢).","vol":"6","page":133},{"text":"وَكَانَ إِذَا ادَّهَنَ لَم يَتَبَيَّن، وَإِذَا شَعِثَ رَأسُهُ تَبَيَّنَ، وَكَانَ كَثِيرَ شَعرِ اللِّحيَةِ.\nفَقَالَ رَجُلٌ: وَجهُهُ مِثلُ السَّيفِ؟ قَالَ: لَا بَل كَانَ مِثلَ الشَّمسِ وَالقَمَرِ، وَكَانَ مُستَدِيرًا،\nــ\nلحية رسول الله ﷺ ورأسه عشرون شعرة بيضاء، إنَّما كان ذلك منه تقديرًا على جهة التقريب والتقليل لا التحقيق.\nو(قوله: وكان إذا ادَّهن لم تتبيَّن، وإذا شعث تبيَّن) يعني: أنه كان إذا تطيَّب بطيب يكون فيه دهن فيه صفرة خفي شيبه، وهذه هي الصفرة التي رأى عليه ابن عمر، وأبو رمثة. والله أعلم.\nوشعث الرأس: انتفاش شعره لعدم تسريحه، وأراد به هنا: إذا لم يتطيَّب.\nو(قوله: كان وجهه مثل السيف) يحتمل هذا التشبيه وجهين:\nأحدهما: أن السيوف كانت عندهم مستحسنة محبوبة يتجمَّلون بها، ولا يفارقونها، فشبه وجه النبي ﷺ به، لأنَّه مستحسن محبوب يُتجمل به حين المجالسة، ولا يُستغنى عنه.\nوثانيهما: أنه كان ﷺ أزهر، صافي البياض، يبرق وجهه، وقد روي: أنه كان يتلألأ وجهه في الجدر (١)، فشبَّه وجهه بالسيف في صفاء بياضه وبريقه. والله أعلم.\nو(قوله: لا! بل: مثل الشمس والقمر) هذا نفيٌ لتشبيه وجهه بالسيف، لما في السيف من الطول، فقد يحتمل أن وجهه كان طويلًا، وإنَّما كان مستديرًا في تمام الخَلق، ولأنه تقصير في التشبيه، فأضرب عن ذلك، وذكر من التشبيه ما هو أوقع، وأبلغ، فقال: بل مثل الشمس والقمر، وهذا التشبيه: هو الغاية في\n_________\n(١) ذكره ابن الأثير في النهاية (٤/ ٥٥). وانظر: سبل الهدى والرشاد (٢/ ٥٨).","vol":"6","page":134},{"text":"وَرَأَيتُ الخَاتَمَ عِندَ كَتِفِهِ مِثلَ بَيضَةِ الحَمَامَةِ يُشبِهُ جَسَدَهُ.\nرواه أحمد (٥/ ٩٠ و١٠٢)، ومسلم (٢٣٤٤) (١٠٨ و١٠٩)، والترمذيُّ في الشمائل (٣٨ و٤٣)، والنسائي (٨/ ١٥٠).\nــ\nالحسن، إذ ليس فيما نشاهده من هذه الوجوه أحسن، ولا أرفع، ولا أنفع منهما، وهما اللذان جرت عادة الشعراء والبلغاء بأن يشبهوا بهما ما يستحسنونه.\nو(قوله: وكان كثير شعر اللحية) لا يفهم من هذا أنه كان طويلها، فإنَّه قد صحَّ أنه كان كثَّ اللحية، أي: كثير شعرها غير طويلة، وكان يخلل لحيته.\nو(قوله: ورأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة الحمامة) الألف واللام في الخاتم لتعريف العهد، أي: خاتم النبوة الذي من علاماته المعروفة له في الكتب السابقة، وفي صدور علماء الملل السالفة، ولذلك لما حصل عند سلمان الفارسي ﵁ العلم بصفاته، وأحواله، وعلاماته وموضع مبعثه، ودار هجرته، جدَّ في الطلب حتى ظفر بما طلب، ولما لقيه جعل يتأمل ظهره، فعلم النبي ﷺ أنه يريد أن يقف على ما يعرفه من خاتم النبوة، فنزع رداءه من على ظهره، فلما رأى سلمان الخاتم أكبَّ عليه يقبله، وهو يقول: أشهد أنك رسول الله.\nوروى الترمذي عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ لما خرج مع عمه أبي طالب إلى الشام، ونزلوا بصومعة راهب كان هنالك، وقد سُمِّي في غير هذا الخبر بحيرًا فخرج إليهم ذلك الراهب، وكان قبل ذلك لا يخرج إليهم، ولا يلتفت إليهم، فلما خرج جعل يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد رسول الله ﷺ فقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين. فقال له أشياخ من قريش: ما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق حجر، ولا شجر إلا خرَّ ساجدًا له، ولا يسجدان إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروفه مثل التفاحة. . .، وذكر الحديث بطوله، وقال في آخره: حديث حسن","vol":"6","page":135},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nغريب (١). وعلى هذا، فخاتم النبوة معناه: علامةُ نبوَّةِ نبينا محمد ﷺ، وقد اختلفت ألفاظ النقلة في صفة ذلك الخاتم، فروى جابر بن سمرة، وأبو موسى ما ذكرناه آنفًا، وروى السائب بن يزيد: أنه مثل زرِّ الحجلة. وروى عبد الله بن سرجس: أنه رأى جُمعًا عليه خِيلان مثل الثآليل. وروى الترمذي عن جابر بن سمرة، قال: كان خاتم رسول الله ﷺ - يعني الذي بين كتفيه - غدَّة حمراء مثل بيضة الحمامة، وقال: حسن صحيح (٢).\nقلت: وهذه الكلمات كلها متقاربة المعنى مفيدة أن خاتم النبوة كان نتوءًا قاتمًا أحمر تحت كتفه الأيسر قدره إذا قُلِّل: بيضة الحمامة، وإذا كُثِّر: جمع اليد، وقد جاء في البخاري: كان بضعة ناشزة (٣)، أي: مرتفعة.\nوقوله: زرِّ الحجلة الرواية المعروفة فيه: زر بتقديم الزاي. قال أبو الفرج الجوزي: الحجلة: بيت كالقبة يستر بالثياب، ويجعل له باب من جنسه، فيه زرّ وعروة، تشدُّ إذا أغلق. وقال القاضي أبو الفضل: الزرُّ: الذي يعقد به النساء عرى أحجالهن كأزرار القميص. والحجلة هنا: واحدة الحِجال، وهي ستور ذات سُجوف. وقال غيره: الحجلة: هي الطائر المعروف، وزرَّها: بيضتها، كما قال جابر: بيضة الحمامة.\nقلت: والأول: أشهر في الزر، والثاني: أشبه بالمعنى، وقد أبعد الخطابي فرواه: رز الحجلة بتقديم الراء، أراد: بيضة الحجلة. يقال: أرزت الجرادة، أي: أدخلت ذنبها في الأرض لتبيض.\nقلت: وهذا لا يلتفت إليه، لأنَّ العرب لا تسمي البيضة رزة، ولا تؤخذ\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٦٢٠).\n(٢) رواه الترمذي (٣٦٤٤).\n(٣) ذكره ابن حجر في فتح الباري (٦/ ٥٦٣) وعزاه للترمذي.","vol":"6","page":136},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nاللغة قياسًا. قال القاضي أبو الفضل: وهذا الخاتم هو أثر شق الملكين بين كتفيه.\nقلت: هذه غفلة من هذا الإمام، فإنَّ الشق إنما كان في صدر النبي ﷺ وأثره إنما كان خطًّا واضحًا من صدره إلى مراق بطنه، كما هو منصوص عليه في الأحاديث السالفة في كتاب الإيمان من كتاب مسلم، وفي البخاري وغيرهما، ولم يثبت قط في رواية صحيحة، ولا حسنة، ولا غريبة أنه بلغ بالشق حتى نفذ من وراء ظهره، ولو قدرنا أن ذلك الشق كان نافذًا إلى ظهره، وأن تلك أثره، للزم عليه أن يكون مستطيلًا من بين كتفيه (١) إلى قطنته، لأنَّه الذي يحاذي الصدر من مسربته إلى مراق بطنه، فهذه غفلة منه ﵀. ولعل هذا غلط وقع من بعض الناسخين لكتابه، فإنَّه لم يُسمع عليه فيما علمت.\nوناغض الكتف: هو ما رق منه ولان، سُمِّي بذلك لنغوضه، أي: حركته، يقال: نغض رأسه، أي: حركه. ونغضت القناة: هززتها. ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَيُنغِضُونَ إِلَيكَ رُءُوسَهُم﴾، أي: يحركونها استهزاء. ويُسمَّى الناغض: الغضروف، وكذا جاء في رواية أخرى.\nو(قوله: جُمعًا عليه خيلان) هو منصوب على الحال، أي: نظرت إلى خاتم النبوة مثل الجمع. قال ابن قتيبة: هو جُمع الكف. يقال: ضربه بِجُمع كفه، إذا جمعها فضربه بها. وهو بالضم، ويقال بكسرها. والخِيلان: جمع خال، وهي نقط سودٌ كانت على الخاتم، شبهها لسعتها بالثآليل، لا أنها كانت ثآليل، وهي جمع ثؤلول: وهي حبيبات تعلو الجلد.\nو(قوله: كان رسول الله ﷺ ضليع الفم) (٢) فسَّره سماك في الأصل: بأنه\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ز).\n(٢) هذا الكلام إلى قوله: منهوس العقبين، هو شرحٌ لما أشكل في الحديث رقم (٢٣٣٩) (٩٧) في صحيح مسلم، ولم يورده الشيخ -﵀- في التلخيص.","vol":"6","page":137},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nعظيم الفم، وهو بمعنى واسع الفم كما قاله ثعلب. والعرب تتمدَّح بسعة الفم، وتكره صغره.\nقلت: وكأنهم يتخيَّلون أن سعة الفم يكون عنها: سعة الكلام، والفصاحة، وأن ضيق الفم يكون عنه قلَّة الكلام واللكنة، وقد وُصف النبي ﷺ بأنه كان يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه، أي لسعة شدقيه، وعدم تصنعه، ومن هذا المعنى سُمي الرجل أشدق.\nو(قوله: أشكل العينين) قال أبو عبيد: الشُّهلة: حمرة في سواد العين، والشُّكلة: حمرة في بياضها، وهو محمودٌ. قال الشاعر:\nولا عَيبَ فِيها غَيرَ شُكلَة عَينِها ... كذاك عِتاقُ الخَيلِ شُكلٌ عُيُونها\nقال صاحب الأفعال: شَكِلَت العين - بكسر الكاف -، شُكلَة، وشُكلًا: إذا خالط بياضها حمرة.\nقلت: ونحو هذا في الصحاح، وزاد: عين شَكلاء: بينة الشَّكَل. ورجل أشكل، ودمٌ أشكل: إذا كان فيه بياض وحمرة، وهذا هو المعروف عند أهل اللغة، فأمَّا ما فسَّره به سماك من أنه طويل شق العين، فغير معروف عندهم، ولم أقف على من قاله غيره.\nو(قوله: منهوس العقبين) (١) يروى بالسين المهملة والمعجمة. قال ابن الأعرابي: يقال رجل منهوس القدمين، ومنهوش القدمين، أي: قليل لحمهما، كما قال سماك، وهو مأخوذ من النهس والنهش. قال أبو العباس: النهس أخذٌ بأطراف الأسنان، والنهش بالأضراس.\n_________\n(١) في (ز) و(م ٣): القدمين.","vol":"6","page":138},{"text":"[٢٢٥٦] وعَن أَنَسِ قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيسَ بِالطَّوِيلِ البَائِنِ وَلَا بِالقَصِيرِ، وَلَيسَ بِالأَبيَضِ الأَمهَقِ، وَلَا بِالآدَمِ، وَلَا بِالجَعدِ القَطَطِ، وَلَا بِالسَّبِطِ،\nــ\nو(قوله: ليس بالطويل البائن) أي: الذي يباين الناس بزيادة طوله، وهو الذي عبَّر عنه في الرواية الأخرى: بالمشذب وفي الأخرى: بالممعط بالعين والغين، أي: المتناهي في الطول، وهو عند العرب: العَشَنَّقُ، والعَشَنَّط.\nو(قوله: ولا بالقصير المتردِّد (١» أي: الذي تداخل بعضه في بعض، وهو المسمَّى عند العرب: بحنبل، وأقصر منه: الحنتل. وكلا الطرفين مستقبح عند العرب، وخير الأمور أوساطها. وكذلك كان النبي ﷺ في جميع أحواله.\nو(قوله: ليس بالأبيض الأمهق) أي: الشديد البياض، الذي لا يخالط بياضه حمرة، ولا غيرها. والعرب تكرهه، لأنَّه يشبه البرص.\nو(قوله: ليس بالآدم) أي: الذي تغلب سمرته السواد، فإنَّ السُّمرة بياضٌ يميل إلى سواد، والسَّحمُة - بالسين - فوقه، ثم الصَّحمة - بالصاد - فوقه، وهو غالب لون الحبشة، ثم الأدمة فوقه، وهو غالب ألوان العرب. والنبي ﷺ كان بياضه مشربًا بحمرة في صفاء، فصدق عليه أنه أزهر. وأنه مشرب، وهذا اللون: هو أعدل الألوان وأحسنها.\nو(قوله: ولا بالجعد القطط) يروى بفتح الطاء وكسرها، وهو الشديد الجعودة الذي لا يطول إلا باليد، وهو حال شعور السودان.\nو(قوله: ولا بالسَّبط) يعني المسترسل الذي لا تكسر فيه، وهو غالب شعور الروم، والرَّجِلُ هو الوسط بين ذينك.\n_________\n(١) رواه الترمذي برقم (٣٦٣٨) عن علي -﵁-.","vol":"6","page":139},{"text":"بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأسِ أَربَعِينَ سَنَةً، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشرَ سِنِينَ، وَبِالمَدِينَةِ عَشرَ سِنِينَ، وَتَوَفَّاهُ اللَّهُ عَلَى رَأسِ سِتِّينَ سَنَةً، وَلَيسَ فِي رَأسِهِ وَلِحيَتِهِ عِشرُونَ شَعرَةً بَيضَاءَ.\nوفي رواية: كان أزهر.\nرواه أحمد (٣/ ٢٤٠)، والبخاري (٣٥٤٨)، ومسلم (٢٣٤٧)، والترمذيُّ (٣٦٢٣).\n* * *\nــ\nو(قول أنس: بعثه الله على رأس أربعين سنة) يعني: من مولده، أي عند كمالها بعثه الله رسولًا. وهذا هو أكثر الأقوال، وقد جاء عن ابن عباس ﵄: أنه بعث على رأس ثلاث وأربعين سنة، وهو قول سعيد بن المسيب.\nو(قوله: فأقام بمكة عشرًا) يعني: بعد البعث وقبل الهجرة. وهذا مما اختلف فيه. فقيل: عشر، وقيل: ثلاث عشرة، وقيل: خمس عشرة، ولم يُختلف أنه أقام بالمدينة عشرًا.\nو(قوله: وتوفَّاه الله على رأس ستين سنة) هذا أحد قولي أنس، وفي الرواية الأخرى عنه: ثلاث وستين. ووافقه على ذلك: عبد الله بن عباس ومعاوية وعائشة، وهو أصحُّ الأقوال، وأصحُّ الروايات على ما ذكره البخاري. وقد ذكر عن أنس: خمس وستين سنة، وهي الرواية الأخرى عن ابن عباس، ولا خلاف أنه ﷺ ولد عام الفيل.\nو(قوله: وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء) قد قلنا إن هذا منه تقدير على جهة التقليل، وذكرنا: أن شيبه كان أكثر من هذا.\nوقول عمرو في الأصل لعروة: كم كان رسول الله ﷺ بمكة؟ قال: عشرًا","vol":"6","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-855>(٢٠) باب في خاتم النبوة</span>\n[٢٢٥٧] عن السَّائِبَ بنَ يَزِيدَ قال: ذَهَبَت بِي خَالَتِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابنَ أُختِي وَجِعٌ، فَمَسَحَ رَأسِي، وَدَعَا لِي بِالبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبتُ مِن وَضُوئِهِ، ثُمَّ قُمتُ خَلفَ ظَهرِهِ، فَنَظَرتُ إِلَى خَاتَمِهِ بَينَ كَتِفَيهِ مِثلَ زِرِّ الحَجَلَةِ.\nرواه البخاريُّ (٣٥٤١)، ومسلم (٢٣٤٥)، والترمذيُّ (٣٦٤٣).\n[٢٢٥٨] وعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ سَرجِسَ قَالَ: رَأَيتُ النَّبِيَّ ﷺ، وَأَكَلتُ مَعَهُ خُبزًا وَلَحمًا - أَو قَالَ: ثَرِيدًا - قَالَ: فَقُلتُ لَهُ: أَستَغفَرَ لَكَ النَّبِيُّ ﷺ؟ قَالَ: نَعَم وَلَكَ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ ﴿وَاستَغفِر لِذَنبِكَ وَلِلمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ﴾\nقَالَ: ثُمَّ دُرتُ خَلفَهُ فَنَظَرتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَينَ كَتِفَيهِ عِندَ نَاغِضِ كَتِفِهِ اليُسرَى جُمعًا عَلَيهِ خِيلَانٌ كَأَمثَالِ الثَّآلِيلِ.\nرواه أحمد (٥/ ٨٢)، ومسلم (٢٣٤٦)، والترمذيُّ في الشمائل (٢٢).\n* * *\nــ\nكذا وقع لبعض الرواة، معناه: كم مدَّة كونه وإقامته بها، أي: بعد المبعث، وقد روي: لبثَ، بمعناه.\nو(قوله: فإنَّ ابن عباس يقول: بضع عشرة) (١) قد تقدَّم أن الأشهر في\n_________\n(١) هذه الفقرة والتي تليها لم ترد في التلخيص، وإنما شرح المؤلف -﵀- من خلالها ما ورد في حديث الأم رقم (٢٣٥٠) (١١٦).","vol":"6","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-856>(٢١) باب كم كان سن رسول الله ﷺ يوم قبض؟\nوكم أقام بمكة</span>؟\n[٢٢٥٩] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ ابنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَأَبُو بَكرٍ وَهُوَ ابنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَعُمَرُ وَهُوَ ابنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ.\nرواه مسلم (٢٣٤٨).\n[٢٢٦٠] عَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشرَةَ سَنَةً يُوحَى إِلَيهِ، وَبِالمَدِينَةِ عَشرًا، وَمَاتَ وَهُوَ ابنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً.\nرواه أحمد (١/ ٢٤٩)، والبخاريُّ (٣٨٥١)، ومسلم (٢٣٥١) (١١٨)، والترمذيُّ (٣٦٥١) و(٣٦٥٢).\n[٢٢٦١] وعنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تُوُفِّيَ وَهُوَ ابنُ خَمسٍ وَسِتِّينَ.\nــ\nالبضع أنه من الثلاث إلى التسع، فيصلح البضع هنا لقول ابن عباس الثلاث عشرة والخمس عشرة، فأنكر عروة ذلك.\nو(قوله: فغَفَّرَ من المغفرة، وهي رواية الجلودي، أي: قال غفر الله له. وفي رواية ابن ماهان: فصغَّره من الصغر، أي: أشار إلى أن ابن عباس كان صغيرًا في ذلك الوقت، فلم يضبطه لصغره، وقيل: إنه ولد في الشعب قبل الهجرة بثلاث سنين، وهذا هو المناسب لقول عروة.\nو(قوله: إنما أخذه من قول الشاعر) يعني به: قول أبي قيس بن صَرمَة:\nثَوَى في قريش بِضعَ عَشرَةَ حِجَّة ... يُذَكِّر لَو يَلقَى صَدِيقًا مُواتِيًا","vol":"6","page":142},{"text":"وفي رواية: أَربَعِينَ بُعِثَ لَهَا خَمسَ عَشرَةَ بِمَكَّةَ يَأمَنُ وَيَخَافُ وَعَشرا مُهَاجَره إِلَى المَدِينَةِ.\nوفي أخرى: أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ خَمسَ عَشرَةَ سَنَةً يَسمَعُ الصَّوتَ، وَيَرَى الضَّوءَ سَبعَ سِنِينَ، وَلَا يَرَى شَيئًا، وَثَمَانَ سِنِينَ يُوحَى إِلَيهِ، وَأَقَامَ بِالمَدِينَةِ عَشرًا.\nرواه أحمد (١/ ٢١٥)، ومسلم (٢٣٥٣) (١٢١ و١٢٢ و١٢٣).\nــ\nو(قول ابن عباس ﵄: خمس عشرة سنة، يأمن، ويخاف) يعني: أنه كان في تلك الحال غير مستقل لإظهار أمره، فكان إذا أخفى أمره تركوه، فأمن على نفسه، وإذا أعلن أمره وأفشاه، بأن يدعوهم إلى الله، ويفتح عليهم، تكالبوا عليه، وهمُّوا بقتله، فيخاف على نفسه إلى أن أخبره الله تعالى بعصمته منهم، فلم يكن يبالي بهم كما قدمناه.\nو(قوله: يسمع الصوت، ويرى الضوء سبع سنين) أي: أصوات الملائكة والجمادات والحجارة، فيسلمون عليه بالرسالة، كما خرَّجه الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ بمكة، فخرجنا في بعض نواحيها، فما استقبله جبل، ولا شجر، إلا وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله. قال: هذا حديث حسن غريب (١). ويعني بالضوء: نور الملائكة، ويحتمل أن يكون أنوارًا تنوِّر بين يديه في أوقات الظلمة، يحجب عنها غيره. ولذلك نقل: أنه كان يبصر بالليل كما يبصر بالنهار، ويعني: أن هذه الحالة ثبتت عليه سبع سنين، ثم بعد ذلك أوحى الله إليه، أي: جاءه الوحي، وشافهه بالخطاب ثماني سنين، وعلى هذا: فكمل له بمكة خمس عشرة سنة.\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٦٢٦).","vol":"6","page":143},{"text":"[٢٢٦٢] وعن جَرِيرٍ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ يَخطُبُ فَقَالَ: مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ ابنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَأَبُو بَكرٍ، وَعُمَرُ وَأَنَا ابنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ.\nرواه أحمد (٤/ ٩٦ و٩٧)، ومسلم (٢٣٥٢) (١٢٠)، والترمذيّ (٣٨٥٤).\n* * *\nــ\nوقول معاوية: مات رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستين سنة، وأبو بكر وعمر ﵄ -) معطوفان على رسول الله ﷺ، ويحتمل أن يرفعا بالابتداء، وخبرهما محذوف، أي: وهما كذلك.\nو(قوله: وابن ثلاث وستين) الواو للحال، فيحتمل أن يريد أنه كان وقت توفي رسول الله ﷺ ابن ثلاث وستين، ويحتمل أن يكون كذلك وقت حدث بهذا الحديث، والحاصل: أنه وصل إلى ثلاث وستين سنة، وقد قيل في هذا: إن معاوية استشعر أنه يوافقهم في السن فيموت وهو ابن ثلاث وستين سنة، وليس بصحيح عند أحد من علماء التاريخ، فإنَّ أقل ما قيل في عمره يوم توفي: أنه كان ثمانيًا وسبعين سنة، وأكثر ما قيل فيه: ست وثمانون، وقيل: اثنان وثمانون سنة، وكانت وفاته بدمشق، وبها دفن سنة ستين في النصف من رجبها. قال ابن إسحاق: كان معاوية أميرًا عشرين سنة (١)، وكان خليفة عشرين سنة، وقال غيره: كانت خلافته تسع عشرة سنة وستة أشهر وثمانية وعشرين يومًا.\n* * *\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).","vol":"6","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-857>(٢٢) باب عدد أسماء النبي ﷺ</span>\n[٢٢٦٣] عن جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ، عَن أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَنَا أَحمَدُ، وَأَنَا المَاحِي الَّذِي يُمحَى بِيَ الكُفرُ، وَأَنَا الحَاشِرُ الَّذِي يُحشَرُ النَّاسُ عَلَى عَقِبِي، وَأَنَا العَاقِبُ\nــ\n(٢٢) ومن باب عدد أسماء رسول الله ﷺ\n(قوله ﷺ: أنا محمد، وأنا أحمد) كلاهما مأخوذ من الحمد، وقد تكلَّمنا على الحمد في أول الكتاب. فمحمَّد: مفعل من حَمَّدت الرجل مشددًا: إذا نسبت الحمد إليه، كما يقال: شجَّعت الرجل، وبخَّلته: إذا نسبت ذلك إليه، فهو بمعنى المحمود. والنبي ﷺ أحق الخلق بهذا الاسم، فإنَّ الله تعالى قد حمده بما لم يحمد به أحدًا من الخلق، وأعطاه من المحامد ما لم يعط مثله أحدًا من الخلق، ويلهمه يوم القيامة من محامده ما لم يلهمه أحدًا من الخلق، وقد حمده أهل السماوات والأرض والدنيا والآخرة، حمدًا لم يحمد به أحدا من الخلق، فهو أحمد المحمودِين، وأحمد الحامدِين.\nو(قوله: وأنا الماحي الذي يمحى بي الكفر) أي: من الأرض التي زويت له، وأري أن ملك أمته سيبلغه، أو يعني بذلك: أنه محي به معظم الكفر وغالبه بظهور دينه على كل الأديان بالحجج الواضحة، والغلبة العامة الفادحة، كما قد صرَّح به الحق بقوله: ﴿لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾\nو(قوله: وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على عقبي (١» الحاشر: اسم\n_________\n(١) في كل أصول المفهم: (قدمي) وما أثبتناه من إكمال إكمال المعلم للأبي، ومن التلخيص، وصحيح مسلم.","vol":"6","page":145},{"text":"وَالعَاقِبُ الَّذِي لَيسَ بَعدَهُ نَبِيٌّ.\nوفي رواية: الذي يحشر الناس على قدمي، وقد سماه الله رءوفا رحيما.\nرواه أحمد (٤/ ٨٠)، والبخاري (٣٥٣٢)، ومسلم (٢٣٥٤) (١٢٤ و١٢٥)، والترمذيُّ (٢٨٤٠).\nــ\nفاعل من حشر، أي: جمع. فيعني به: أنه الذي يحشر الخلق يوم القيامة على أثره، أي: ليس بينه وبين القيامة نبي آخر، ولا أمة أخرى، وهذا كما قال: بعثت أنا والساعة كهاتين وقرن بين أصبعيه: السبابة والوسطى (١).\nوقوله في الرواية الأخرى: على قدمي قيل فيه: على سابقتي، كما قال تعالى: ﴿أَنَّ لَهُم قَدَمَ صِدقٍ عِندَ رَبِّهِم﴾ أي: سابقة خير وإكرام. وقيل: على سُنَّتي. وقيل: بعدي، أي: يتبعوني إلى يوم القيامة. وهذا أشبهها، لأنَّه يكون معناه معنى عقبي، لأنَّه وقع موقعه في تلك الرواية، ووجه توسعه فيه: كأنه قال: يحشر الناس على أثر قدمي، أي: بعدي. والله أعلم.\nو(قوله ﷺ: وأنا العاقب) وفي الرواية الأخرى: المقفي ومعناهما واحد، وهو أنه ﷺ آخر الأنبياء، وخاتمهم، وأكرم أعقابهم، وأفضل من قبلهم. وقفاهم، أي: كان بعدهم، واتبع آثارهم. قال ابن الأنباري: المقفي: المتَّبع للنبيين قبله، يقال: قَفَوتُه، أَقفُوه، وقَفَيتُه: إذا تبعته، ومثله: قُفتُه، أقُوفُه، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّينَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّينَا بِعِيسَى ابنِ مَريَمَ﴾، ﴿وَلا تَقفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلمٌ﴾ وقافية كل شيء: آخره.\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٥٠٥)، وابن ماجه (٤٠٤٠) من حديث أبي هريرة.","vol":"6","page":146},{"text":"[٢٢٦٤] عَن أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَمِّي لَنَا نَفسَهُ أَسمَاءً فَقَالَ: أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَحمَدُ وَالمُقَفِّي وَالحَاشِرُ، وَنَبِيُّ التَّوبَةِ، وَنَبِيُّ الرَّحمَةِ.\nرواه أحمد (٤/ ٣٩٥)، ومسلم (٢٣٥٥) (١٢٦).\n* * *\nــ\nو(قوله: ونبي التوبة) أي: الذي تكثر التوبة في أمته، وتعم حتى لا يوجد فيما ملكته أمته إلا تائب من الكفر، فيقرب معناه على هذا من الماحي إلا أن ذلك يشهد بمحو ما ظهر من الكفر، وهذا يشهد بصحَّة ما يخفى من توبة أمته منه، ويحتمل أن يكون معناه: أن أمته لما كانت أكثر الأمم كانت توبتهم أكثر من توبة غيرهم، ويحتمل أن تكون توبة أمته أبلغ حتى يكون التائب منهم كمن لم يذنب، ولا يؤاخذ لا في الدنيا، ولا في الآخرة، ويكون غيرهم يؤاخذ في الدنيا، وإن لم يؤاخذ في الآخرة، والله أعلم. والذي أحوج إلى هذه الأوجه: اختصاص نبينا ﷺ بهذا الاسم مع أن كل نبي جاء بتوبة أمته، فيصدق أنه نبي التوبة، فلا بدَّ من إبداء مزيِّة لنبينا يختصُّ بها كما بيَّنا.\nو(قوله: ونبي الرحمة) وفي أخرى: المرحمة وفي أخرى: الملحمة فأمَّا الرحمة، والمرحمة فكلاهما بمعنى واحد، وقد تقدَّم أن الرحمة إفاضة النعم على المحتاجين، والشفقة عليهم، واللطف بهم، وقد أعطى الله نبينا ﷺ وأمته منها ما لم يُعطِه أحدًا من العالمين، ويكفي من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرسَلنَاكَ إِلا رَحمَةً لِلعَالَمِينَ﴾ فهو أعظم كل رحمة، وأمته القابلة لما جاء به قد حصلت على أعظم حظ من هذه الرحمة، وشفاعته يوم القيامة لأهل الموقف أعمُّ كل رحمة، ولأهل الكبائر أجل كل نعمة، وخاتمة ذلك شفاعته في ترفيع منازل أهل الجنة.\nوأما رواية من روى: نبي الملحمة: فهذا صحيح في نعته، ومعلوم في الكتب القديمة من وصفه، فإنَّه قد جاء فيها: أنه نبي الملاحم،","vol":"6","page":147},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوأنه يجيء بالسيف والانتقام ممن خالفه من جميع الأنام، فمنها ما جاء في صحف حبقوق (١)، قال: جاء الله من التين، وتقدس من فاران، وامتلأت الأرض من تحميد أحمد وتقديسه، وملأ الأرض من هيبته. وفيها أيضًا: تضيء الأرض بنورك، وستنزع في قوسك إغراقًا، وترتوي السهام بأمرك يا محمد ارتواء. ويعني بالتين الجبال التي تنبته، وهي جبال بيت المقدس، ومجيء الله تعالى منها عبارة عن إظهار كلامه الذي هو الإنجيل على لسان عيسى ﵇. وفاران: مكة، كما قال تعالى في التوراة: إن الله أنزل هاجر وابنها إسماعيل فاران يعني: مكة بلا خلاف بينهم. وفي التوراة قال: قد جاء الله من سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلى من فاران فمجيئه تعالى من سيناء: كناية عن ظهور موسى ﵇ بها، وإشراقه من ساعير: وهي جبال الروم من أدوم: كناية عن ظهور عيسى ﵇. واستعلاؤه من فاران: كناية عن القهر الذي يقهر به نبيِّنا ﷺ الكفر كله بالقتل والقتال. وقال في التوراة: يا موسى! إني أقيم لبني إسرائيل من إخوتهم نبيًا مثلك، أجعل كلامي على فيه، فمن عصاه انتقمت منه، وإخوة بني إسرائيل (٢) العرب، فإنَّهم ولد إسماعيل ﵇، وهم المعنيون هنا. و(قوله: أجعل كلامي على فيه) يعني به: القرآن، والانتقام ممن عصاه: هو القتل والقتال الذي جاء به، ومثل هذا كثير. وقد ذكرنا منه مواضع كثيرة جاءت في كتب أنبياء بني إسرائيل في كتاب الأعلام (٣).\n_________\n(١) من أنبياء اليهود قبل الجلاء، تنبَّأ في أواخر القرن السابع في مملكة يهوذا، فأنّب الشعب، وأنذره بمجيء الكلدانيين قصاصًا لهم. ونبوة حبقوق من أسفار العهد القديم. (المنجد).\n(٢) ما بين حاصرتين سقط من (م ٢).\n(٣) انظر كتاب: \"حجة الله على العالمين\" (١/ ٨٦) وما بعدها.","vol":"6","page":148},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوقد قال النبي ﷺ: يا معشر قريش! لقد جئتكم بالذبح (١). وقال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي، وبما جئت به (٢) فهو نبي الملحمة التي بسببها عمَّت الرحمة وثبتت المرحمة. وقد تتبَّع القاضي أبو الفضل ما جاء في كتاب الله تعالى، وفي سنة رسوله ﷺ، ومما نقل في الكتب القديمة. وإطلاق الأمَّة أسماء كثيرة، وصفات عديدة للنبي ﷺ صدقت عليه مسمَّياتها، ووجدت فيه معانيها، وعرَّف في كتاب الشفا في التعريف بحقوق المصطفى. وقد ذكر القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب الأحكام من أسماء النبي ﷺ سبعة وستين اسمًا، من أرادها وجدها هنالك (٣).\nو(قوله: وقد سَمَّاه الله رؤوفًا رحيمًا) ليس هذا من قول النبي ﷺ بل من قول غيره، وهو الصحابي، والله أعلم، ألا تراه كيف أخبر عنه بخطاب (٤) الغيبة، ولو كان من قوله ﷺ لقال: وقد سماني الله: رؤوفًا رحيمًا. هذا الظاهر، ويحتمل أن يكون ذلك من قوله. وقد يخرج المتكلم من الحضور إلى الغيبة كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنتُم فِي الفُلكِ وَجَرَينَ بِهِم﴾ وفي هذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿بِالمُؤمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ والرؤوف: الكثير الرأفة. والرحيم: الكثير الرحمة، فإنَّها للمبالغة. وقد جاء في الصحيح: لي خمسة أسماء (٥) فحصرها بالعدد، وذكر الأسماء المتقدِّمة. وقد يقال: ما وجه تخصيص هذه الأسماء الخمسة بالذكر مع أن أسماءه أكثر من ذلك، فيجاب عنه: بأن هذه\n_________\n(١) رواه أبو يعلى (٣٤٣)، وأبو نعيم في دلائل النبوة (١٥٩).\n(٢) رواه أحمد (٣/ ١٩٩)، والبخاري (٣٩٢)، وأبو داود (٣٦٤١)، والترمذي (٢٦٠٨).\n(٣) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ١٥٤٦).\n(٤) في (ز): بلسان.\n(٥) رواه البخاري (٣٥٣٢).","vol":"6","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-858>(٢٣) باب كان النبي ﷺ أعلم الناس بالله وأشدهم له خشية</span>\n[٢٢٦٥] عَن عَائِشَةَ قَالَت: صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمرًا فَتَرَخَّصَ فِيهِ،\nــ\nالخمسة الأسماء هي الموجودة في الكتب المتقدِّمة، وأعرف عند الأمم السالفة، ويحتمل أن يقال: إنه في الوقت الذي أخبر بهذه الأسماء الخمسة لم يكن أوحي إليه في غيرها بشيء، فإنَّ أسماءه إنَّما تلقاها من الوحي، ولا يسمَّى إلا بما سَمَّاه الله به، وهذا أسدُّ الجوابين إن شاء الله تعالى.\n(٢٣) ومن باب كون النبي ﷺ أعلم الناس بالله وأشدهم له خشية\nإنما كان النبي ﷺ أعلم الناس بالله، لما خصَّه الله تعالى به في أصل الخلقة من كمال الفطنة، وجودة القريحة، وسداد النظر، وسرعة الإدراك، ولما رفع الله عنه من موانع الإدراك، وقواطع النظر قبل تمامه، ومن اجتمعت له هذه الأمور سهل عليه الوصول إلى العلوم النظرية، وصارت في حقه كالضرورية، ثم إن الله تعالى قد أطلعه من علم صفاته وأحكامه، وأحوال العالم كله على ما لم يطَّلع عليه غيره، وهذا كله معلوم من حاله ﷺ بالعقل الصريح، والنقل الصحيح، وإذا كان في علمه بالله تعالى أعلم الناس لزم أن يكون أخشى الناس لله تعالى، لأنَّ الخشية منبعثة عن العلم، وبحسبه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخشَى اللَّهَ مِن عِبَادِهِ العُلَمَاءُ﴾ وقد أشار بعض المتصوفة إلى أن علوم الأنبياء ضرورية، وسماها: كشفًا، وهذا كلام فيه إجمالٌ، ويحتاج إلى استفصال، فيقال لقائله: إن أردت بكونها ضرورية أنها حاصلة في أصل فطرتهم، وأنهم جبلوا عليها، بحيث","vol":"6","page":150},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nلم يستعملوا في شيء منها (١) أفكارهم، ولا حدقوا نحوها بصائرهم، ولا أنظارهم، فهو قول باطل، لما يعلم قطعًا أنهم مكلفون بمعرفة الله، ومعرفة صفاته وأحكامه، ومأمورون بها، والضروري لا يكلف به، لأنَّه حاصل، والحاصل لا يطلب، ولا يبتغى، ولأن الإنسان لا يتمكن من ترك ما جبل عليه، ولا من فعله، وما كان كذلك لم يقع في الشريعة التكليف به بالنص والإجماع. وإنما الخلاف في جوازه عقلًا، وإن أراد به أن تلك العلوم تصير في حقهم ضرورية بعد تحصيلها بالطرق النظرية، والقيام بالوظائف التكليفية، فتتوالى عليهم تلك العلوم، فلا يتأتى لهم التشكك فيها، ولا الانفكاك عنها، فنقول: ذلك صحيح في حق الأنبياء قطعًا، وخصوصًا في حق النبي ﷺ كما هو المعلوم من حاله وحالهم صلى الله عليه وعليهم أجمعين، وأما غيرهم فيجوز أن يكرم الله تعالى بعض أوليائه بشيء من نوع من ذلك، لكن على وجه الندور والقلة، وليس مُطردًا في كل الأولياء، ومن فُتِح له بشيء من ذلك في بعض الأوقات وبعض المعلومات، ويكون ذلك خرقًا للعادات، فإنَّ سنة الله تعالى في العلوم النظرية: أنها لا تتوالى، ولا تدوم، ويمكن أن يُتشكِّكَ فيما كان منها معلومًا، هذه سنة الله الجارية، وحكمته الماضية، ولن تجد لسنة الله تبديلًا ولا تحويلًا.\nو(قول عائشة ﵂: صنع رسول الله ﷺ أمرًا فترخص فيه) أي: فعل أمرًا ترك فيه التشديد لأنه رخص له فيه، كما قال في طريق آخر: ما بال رجال يرغبون عما رُخِّص لي فيه (٢) ولعل هذا من عائشة ﵂ إشارة لحديث النَّفر الذين استقلوا عبادة النبي ﷺ، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي ولا أنام، وقال الآخر: وأنا أصوم ولا أفطر، وقال الآخر: وأنا لا أنكح النساء، فلما بلغ\n_________\n(١) في (م ٣): من ذلك.\n(٢) رواه مسلم (٢٣٥٦) (١٢٨).","vol":"6","page":151},{"text":"فَبَلَغَ ذَلِكَ نَاسًا مِن أَصحَابِهِ، فَكَأَنَّهُم كَرِهُوهُ وَتَنَزَّهُوا عَنهُ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ، فَقَامَ خَطِيبًا، فَقَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ بَلَغَهُم عَنِّي أَمرٌ تَرَخَّصتُ فِيهِ، فَكَرِهُوهُ وَتَنَزَّهُوا عَنهُ فَوَاللَّهِ لَأَنَا أَعلَمُهُم بِاللَّهِ، وَأَشَدُّهُم لَهُ خَشيَةً.\nرواه مسلم (٢٣٥٦) (١٢٧).\n* * *\nــ\nالنبي ﷺ ذلك، قال: وأما أنا فأصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأنكح النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني (١). وقد تقدَّم في النكاح.\nو(قوله: ما بال رجال بلغهم عني أني ترخصت في أمر فكرهوه (٢)، وتنزهوا عنه) هذا منه ﷺ عدول عن مواجهة هؤلاء القوم بالعتاب، وكانوا معينين عنده، لكنه فعل ذلك لغلبة الحياء عليه، ولتلطُّفه في التأديب، ولسَتر المعاتب. وتنزه هؤلاء عما ترخص فيه النبي ﷺ غلط أوقعهم فيه ظن أن المغفور له يسامح في بعض الأمور، ويسقط عنه بعض التكاليف، والأمر بالعكس لوجهين:\nأحدهما: أن المغفور له يتعيَّن عليه وظيفة الشكر، كما قال ﷺ: أفلا أكون عبدًا شكورًا (٣).\nوثانيهما: أن الأعلم بالله وبأحكامه: هو الأخشى له، كما قال ﷺ: إني لأعلمكم بالله تعالى، وأشدكم له خشية وقال في موضع آخر: وأعلمكم بما أتقي الله.\nويُستفاد من هذا الحديث النهي عن التنطع في الدين، وعن الأخذ بالتشديد\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) في التلخيص: عني أمر ترخصتُ فيه فكرهوه.\n(٣) رواه أحمد (٤/ ٢٥٥)، والبخاري (٤٨٣٦)، ومسلم (٢٨١٩) (٨٠)، والترمذي (٤١٢)، والنسائي (٣/ ٢١٩)، وابن ماجه (١٤١٩).","vol":"6","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-859>(٢٤) باب وجوب الإذعان لحكم رسول الله ﷺ والانتهاء عما نهى عنه</span>\n[٢٢٦٦] عن عَبدَ اللَّهِ بنَ الزُّبَيرِ أَنَّ رَجُلًا مِن الأَنصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيرَ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شِرَاجِ الحَرَّةِ الَّتِي يَسقُونَ بِهَا النَّخلَ، فَقَالَ الأَنصَارِيُّ: سَرِّح المَاءَ يَمُرُّ، فَأَبَى عَلَيهِم فَاختَصَمُوا عِندَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ\nــ\nفي جميع الأمور، فإنَّ دين الله يسر، وهو: الحنيفية السَّمحة، فإنَّ الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه.\nوحاصل الأمر: أن الواجب التمسك بالاقتداء بهدي النبي ﷺ، فما شدَّد فيه التزمناه على شدَّته، وفعلناه على مشقته، وما ترخص فيه أخذنا برخصته، وشكرنا الله تعالى على تخفيفه ونعمته، ومن رغب عن هذا، فليس على سُنَّته، ولا على منهاج شريعته.\nوفيه حجَّة على القول بمشروعية الاقتداء به في جميع أفعاله، كما نقوله في جميع أحواله، إلا ما دلَّ دليل على أنه من خصوصياته، وقد أوضحنا هذا في الأصول.\n(٢٤) ومن باب وجوب الإذعان لحكم رسول الله ﷺ\n(قوله: إن رجلًا من الأنصار خاصم الزبير في شراج الحرَّة) قيل: إن هذا الرَّجل كان من الأنصار نسبًا، ولم يكن منهم نصرة ودينًا، بل كان منافقًا، لما صدر عنه من تهمة رسول الله ﷺ بالجوَّر في الأحكام لأجل قرابته، ولأنه لم يرض بحكمه، ولأن الله تعالى قد أنزل فيه: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُم﴾ الآية. هذا هو الظاهر من حاله، ويحتمل: أنه لم يكن منافقًا، ولكن أصدرَ ذلك منه بادرةُ نفس، وزلَّةُ شيطان، كما قد اتَّفق لحاطب بن أبي بلتعة، ولحسَّان، ومسطح، وحَمنَة في قضية الإفك، وغيرهم مِمَّن","vol":"6","page":153},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلزُّبَيرِ: اسقِ يَا زُبَيرُ ثُمَّ أَرسِل المَاءَ إِلَى جَارِكَ فَغَضِبَ الأَنصَارِيُّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَن كَانَ ابنَ عَمَّتِكَ فَتَلَوَّنَ وَجهُ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: يَا زُبَيرُ اسقِ ثُمَّ احبِس المَاءَ حَتَّى يَرجِعَ إِلَى\nــ\nبدرت منهم بوادر شيطانية، وأهواء نفسانية، لكن لطف بهم حتى رجعوا عن الزَّلة، وصحَّت لهم التوبة، ولم يؤاخذوا بالحوبة.\nوالشِّراج بالشين والجيم المعجمتين، جمع شَرِجَة، وهي مسيل الماء إلى النخل والشجر. وإضافتها إلى الحرَّة لكونها فيها.\nوالمخاصمة إنما كانت في السَّقي بالماء الذي يسيل فيها، وكان الزبير يتقدم شربه على شرب الأنصاري، فكان الزبير يمسك الماء لحاجته، فطلب الأنصاري أن يسرحه له قبل استيفاء حاجته، فلما ترافعا إلى النبي ﷺ سلك النبي ﷺ معهما مسلك الصُّلح، فقال له: اسق يا زبير! ثمَّ أرسل الماء إلى جارك، أي: تساهل في سقيك، وعجل في إرسال الماء إلى جارك، يحضه على المسامحة والتيسير. فلما سمع الأنصاري بهذا لم يرض بذلك، وغضب لأنه كان يريد ألا يمسك الماء أصلًا، وعند ذلك نطق بالكلمة الجائرة المهلكة الفاقرة، فقال: آن كان ابن عمتك؟ ! بمدِّ همزة أن المفتوحة، لأنَّه استفهام على جهة الإنكار، أي: أتحكم له علي لأجل أنَّه قرابتك؟ ! وعند ذلك تلوَّن وجه رسول الله ﷺ غضبًا عليه وتألُّمًا من كلمته. ثمَّ إنَّه بعد ذلك حكم للزبير باستيفاء حقه، فقال: اسق يا زبير، ثم أمسك (١) الماء حتى يرجع إلى الجدر. وفي غير هذه الرواية: فاستوعى للزبير حقَّه (٢).\n_________\n(١) كذا في الأصول، وفي التلخيص وصحيح مسلم وغيره: احبسْ.\n(٢) هي في البخاري (٢٣٦٢).","vol":"6","page":154},{"text":"الجَدرِ، فَقَالَ الزُّبَيرُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَحسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَت فِي ذَلِكَ: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤمِنُونَ﴾\nــ\nوالجَدر بفتح الجيم وسكون الدال هي روايتي، ويجمع: جُدورًا. وهو الأصل، ويعني به: حتى يصل الماء إلى أصول النَّخل والشجر، وتأخذ منه حقها. وفي بعض طرقه: حتى يبلغ الماء إلى الكعبين (١) فيعني به- والله أعلم-: حتى يجتمع الماء في الشَّرِبات، وهي الحفر التي تحفر في أصول النخل والشجر إلى أن تصل من الواقف فيها إلى الكعبين.\nوقد روي الِجدر بكسر الجيم، وهو الجدار، ويجمع على جدر ويعني به: جدران الشَّربات، فإنَّها تُرفع حتى تكون تشبه الجدار. فإنَّ قيل: كيف كان حكم النبي ﷺ للزبير على الأنصاري في حال غضبه وقد قال ﷺ: لا يقضي القاضي وهو غضبان؟ (٢)\nفالجواب: أنا قدَّمنا أن هذا النهي معلَّل بما يخاف على القاضي من التشويش المؤدي به إلى الغلط في الحكم، والخطأ فيه، والنبي ﷺ معصوم من الخطأ في التبليغ والأحكام، بدليل العقل الدَّالِّ على صدقه فيما يبلغه عن الله تعالى وفي أحكامه، ولذلك قالوا: أنكتب عنك في الرضا والغضب؟ قال: نعم (٣). فدلَّ ذلك: على أن المراد بالحديث: من يجوز عليه الخطأ من القضاة، فلم يدخل النبي ﷺ في ذلك العموم.\nو(قوله: والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُم﴾، هذا أحدُ ما قيل في سبب نزول هذه الآية.\n_________\n(١) هي في البخاري (٢٣٦٢)، وأبو داود (٣٦٣٩).\n(٢) رواه أحمد (١/ ١٥٠)، وأبو داود (٣٥٨٢)، وابن ماجه (٢٣١٠).\n(٣) رواه أحمد (٢/ ١٦٢ و١٩٢ و٢٠٧ و٢١٥).","vol":"6","page":155},{"text":"رواه أحمد (٤/ ٤ - ٥)، والبخاريُّ (٢٣٥٩)، ومسلم (٢٣٥٧)، وأبو داود (٣٦٣٧)، والترمذيُّ (١٣٦٣)، والنسائي (٨/ ٢٤٥)، وابن ماجه (١٥ و٢٤٨٠).\nــ\nوقيل: نزلت في رجلين تحاكما إلى النبي ﷺ فحكم على أحدهما فقال له (١): ارفعني إلى عمر بن الخطاب، وقيل: إلى أبي بكر، وقيل: حكم النبي ﷺ ليهودي على منافق، فلم يرض المنافق، وأتيا عمر بن الخطاب فأخبراه، فقال: أمهلاني حتى أدخل بيتي، فدخل بيته فأخرج السيف، فقتل المنافق، وجاء إلى النبي ﷺ فقال: إنه ردَّ حكمك، فقال له رسول الله ﷺ: فرَّقت بين الحق والباطل (٢). وقال مجاهد نحوه، غير أنه قال: إن المنافق طلب أن يردَّ إلى حكم الكاهن، ولم يذكر قضية قتل عمر بن الخطاب المنافق، وقال الطبري: لا ينكر أن تكون الآية نزلت في الجميع، والله تعالى أعلم.\nوفي هذا الحديث أبواب من الفقه، فمنها: الاكتفاء من الخصوم بما يفهم عنه مقصودهم، وألا يكلَّفوا النص على الدعاوي، ولا تحديد المدعى فيه، ولا حصره بجميع صفاته، كما قد تنطَّع في ذلك قضاة الشافعية.\nومنها: إرشاد الحاكم إلى الإصلاح بين الخصوم، فإنَّ اصطلحوا، وإلا استوفي لذي الحق حقه، وبتَّ الحكم.\nومنها: أن الأولى بالماء الجاري: الأول فالأول حتى يستوفي حاجته. وهذا ما لم يكن أصله ملكًا للأسفل مختصًا به، فليس للأعلى أن يشرب منه شيئًا، وإن كان يمرُّ عليه.\nومنها: عن جفاء الخصوم ما لم يؤد إلى هتك حرمة الشرع، والاستهانة بالأحكام، فإنَّ كان ذلك فالأدب، وهذا الذي صدر من خصم\n_________\n(١) ورد في (ز) و(م ٣): (له الآخر) ولا نرى مبررًا لوجود كلمة (الآخر) لأنَّ المعترض هو الذي حكم عليه، وليس الآخر.\n(٢) رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه، كما في (الدر المنثور ٢/ ٥٨٥)، وذكر السيوطي رواية أخرى رواها الحكيم الترمذي في \"نوادر الأصول\".","vol":"6","page":156},{"text":"[٢٢٦٧] وعن أبي هُرَيرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَا نَهَيتُكُم عَنهُ فَاجتَنِبُوهُ، وَمَا أَمَرتُكُم بِهِ فَافعَلُوا مِنهُ مَا استَطَعتُم فَإِنَّمَا أَهلَكَ الَّذِينَ مِن قَبلِكُم كَثرَةُ مَسَائِلِهِم، وَاختِلَافُهُم عَلَى أَنبِيَائِهِم.\nوفي رواية: ذَرُونِي مَا تَرَكتُكُم فَإِنَّمَا هَلَكَ مَن كَانَ قَبلَكُم لِكَثرَةِ مسَائلِهِم ... الحديث.\nرواه أحمد (٢/ ٢٤٧)، ومسلم (١٣٣٧) (١٣٠ و١٣١)، والترمذيُّ (٢٦٧٩)، والنسائي (٥/ ١١٠ - ١١١)، وابن ماجه (١ و٢).\n* * *\nــ\nالزبير أذى للنبي ﷺ ولم يقتله النبي ﷺ لما قدَّمناه من عظم حلمه وصفحه، ولئلا يكون قتله منفرًا لغيره عن الدخول في دين الإسلام، فلو صدر اليوم مثل هذا من أحد في حق النبي ﷺ لقتل قتلة زنديق، وقد أشبعنا القول في ذلك.\nومنها: أن القَدر الذي يستحق الأعلى من الماء: كفايته، وغاية ذلك: أن يبلغ الماء إلى الكعبين، فقيل: في الشَّرَبَة (١)، كما قلنا، وقيل: في أرض الحائط، وفيه بُعد.\nو(قوله ﷺ: ما نهيتكم عنه فاجتنبوه) أي: لا تقدموا على فعل شيء من المنهي عنه، وإن قلَّ، لأنَّه تحصل بذلك المخالفة، لأنَّ النهي: طلب الانكفاف المطلق، والأمر المطلق على النقيض من ذلك، لأنَّه يحصل الامتثال بفعل أقل ما ينطلق عليه الاسم المأمور به على أي وجه فعل، وفي أي زمان فعل، ويكفيك من ذلك مثال بقرة بني إسرائيل، فإنَّهم لما أمروا بذبح بقرة، فلو بادروا وذبحوا بقرة - أي بقرة كانت - لحصل لهم الامتثال، لكنهم كثَّروا الأسئلة فكثرت أجوبتهم، فقل الموصوف، فعظم الامتحان عليهم، فهلكوا، فحذر النبي ﷺ أمته عن أن يقعوا في\n_________\n(١) \"الشَّرَبَةُ\": حُويْض يُحفر حول النخلة والشجرة يُملأ ماء، فيكون ريَّها.","vol":"6","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-860>(٢٥) باب ترك الإكثار من مساءلة رسول الله ﷺ توقيرا له واحتراما</span>\n[٢٢٦٨] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّاسَ سَأَلُوا النَبِيَّ ﷺ حَتَّى أَحفَوهُ في المَسأَلَةِ فَخَرَجَ ذَاتَ يَومٍ فَصَعِدَ المِنبَرَ فَقَالَ: سَلُونِي لَا تَسأَلُونِي عَن شَيءٍ إِلَّا بَيَّنتُهُ لَكُم - وفي رواية: ما دمت في مقامي هذا، فَلَمَّا سَمِعَ\nــ\nمثل ما وقعوا فيه، فلذلك قال: إنما أهلك الذين قبلكم كثرة سؤالهم (١)، ولذلك قال ﷺ للذي سأله عن تكرار الحج بقوله: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال: لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم، ذروني ما تركتكم (٢)، وذكر نحو ما تقدَّم، فالواجب على هذا الأصل أن على السامع لنهي الشارع الانكفاف مطلقًا، وإذا سمع الأمر: أن يفعل فيه ما يصدق عليه ذلك الأمر، ولا يتنطَّع، فيكثر من السؤال، فيحصل على الإصر والأغلال، وقد استوفينا هذا المعنى في الأصول.\n(٢٥) ومن باب ترك الإكثار من مساءلة رسول الله ﷺ توقيرا له واحتراما\n(قوله: سألوا رسول الله ﷺ حتى أحفوه في المسألة) أي: حتى ألحوا عليه. يقال: أحفى في المسألة، وألَحَّ بمعنى واحد. وقد أشبعنا القول فيه فيما تقدَّم في حديث أبي موسى ﵁.\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٢٥٨)، والبخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧)، والنسائي (٥/ ١١٠ و١١١).\n(٢) رواه أحمد (٥/ ٢١٨)، وأبو داود (١٧٢٢).","vol":"6","page":158},{"text":"ذَلِكَ القَومُ أَرَمُّوا، وَرَهِبُوا أَن يَكُونَ بَينَ يَدَي أَمرٍ قَد حَضَرَ. قَالَ أَنَسٌ:\nــ\nو(قوله: فلما أُكثِرَ عليه غضب) يحتمل أن يكون غضب النبي ﷺ من إكثارهم عليه من المسائل، فإنَّ ذلك: يُقلِّل حرمة العالم، ويُجرئ على الإقدام عليه، فتذهب أبهة العالم، ووقاره، فإنَّه إذا كثرت المسائل: كثرت الأجوبة، فحصل جميع ما ذكرناه من المفاسد. ويحتمل أن غضبُه بسبب أنه تحقَّق أنَّه كان هنالك من يسأل تعنيتًا وتبكيتًا، قصدًا للتعجيز والتنقيص، كما كان يفعل المنافقون، واليهود، ويدلُّ على هذا قوله: سلوني، سلوني (١)، فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا، فإنَّ هذا يصلح أن يكون جوابًا لمن قصد التعجيز والتبكيت حتى يبطل زعمه (٢)، ويظهر خرقه وذمه، ويحتمل أن يكون من تلك المسائل ما يكره، كما قال في حديث أبي موسى: سئل رسول الله ﷺ عن أشياء كرهها، وكما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿لا تَسأَلُوا عَن أَشيَاءَ إِن تُبدَ لَكُم تَسُؤكُم﴾ ويحتمل أن يكون غضبه لمجموع تلك الأمور كلها، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: فأرمَّ القوم (٣» أي: سكتوا، وأصله من المرمَّة، وهي: الشَّفة، فكأنهم أطبقوا مرمَّاتهم فلم يحركوها بلفظة.\nو(قوله: ورهبوا أن يكون من أمرٍ (٤) قد حضر) أي: خافوا أن تقع بهم عقوبة عند غضبه.\n_________\n(١) كذا في جميع أصول المفهم، وقد جاءت في الأم والتلخيص: (سلوني) دون تكرار.\n(٢) في (ز): فهمه. وفي (م ٣): وهمه.\n(٣) في التلخيص ومسلم: فلما سمع ذلك القوم أرمُّوا.\n(٤) في التلخيص ومسلم: بين يدي أمر.","vol":"6","page":159},{"text":"فَجَعَلتُ أَلتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ لَافٌّ رَأسَهُ فِي ثَوبِهِ يَبكِي،\nــ\nو(قوله: فجعلت ألتفت يمينًا وشمالًا، فإذا كل إنسان لافٌّ رأسه في ثوبه يبكي) هذه حالة العارفين بالله تعالى، الخائفين من سطوته وعقوبته، لا كما تفعله جُهَّال العوام، والمبتدعة الطَّغام من الزعيق والزفير، ومن النهيق الذي يشبه نهاق الحمير. فيقال لمن تعاطى ذلك، وزعم أن ذلك وجد وخشوع: إنك لم تبلغ ذلك، أي تساوي حال رسول الله ﷺ ولا حال أصحابه في المعرفة بالله تعالى، والخوف منه، والتعظيم لجلاله، ومع ذلك فكانت حالهم عند المواعظ الفهم عن الله تعالى، والبكاء خوفًا من الله، والوقار حياءً من الله، وكذلك وصف الله تعالى أحوال أهل المعرفة فقال: ﴿إِنَّمَا المُؤمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَت قُلُوبُهُم وَإِذَا تُلِيَت عَلَيهِم آيَاتُهُ زَادَتهُم إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِم يَتَوَكَّلُونَ﴾ فصدَّر الله تعالى الكلام في هذه الآية بـ إنما الحاصرة لما بعدها، المحققة له، فكأنه قال: المؤمنون على التحقيق هم الذين تكون أحوالهم هكذا عند سماع ذكر الله، وتلاوة كتابه، ومن لم يكن كذلك فليس على هديهم، ولا على طريقتهم، وكذلك قال الله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعيُنَهُم تَفِيضُ مِنَ الدَّمعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكتُبنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ فهذا وصف حالهم، وحكاية مقالهم، فمن كان مُستنًّا فليستن، ومن تعاطى أحوال المجانين والمجون، فهو من أخسَّهم حالًا، والجنون فنون. فإن قيل: فقد صحَّ عن جماعة من السلف أنهم صرخوا عند سماع القرآن، والمواعظ، فقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه سمع قارئًا يقرأ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِن دَافِعٍ﴾، فصاح صيحة خرَّ مغشيًا عليه، فحمل إلى أهله، فلم يزل مريضًا شهرًا. وروي أن زرارة بن أوفى قرأ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ فصعق ومات في محرابه. وقرأ صالح المرِّي (١) على أبي جهين (١) فمات (٢)، وسمع الشافعي قارئًا يقرأ:\n_________\n(١) في (م ٣): صالح المزني على أبي جهيم.\n(٢) ليست في (م ٣).","vol":"6","page":160},{"text":"فَأَنشَأَ رَجُلٌ مِن المَسجِدِ كَانَ يُلَاحَى فَيُدعَى لِغَيرِ أَبِيهِ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ\nــ\n﴿هَذَا يَومُ لا يَنطِقُونَ * وَلا يُؤذَنُ لَهُم فَيَعتَذِرُونَ﴾ فغشي عليه.\nوسمع علي بن الفضل قارئًا يقرأ: ﴿يَومَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ﴾ فسقط مغشيًّا عليه.\nفالجواب: أين الدرُّ من الصدف، والمسك من الجيف؟ هيهات قياس الملائكة بالحدَّادين، والمحقِّقين بالممخرقين (١). فإنَّ كنت - يا من لُبِّس عليه - تدَّعي أنك على نعتهم فمت كموتهم، فتنبَّه لبهرجتك، فإنَّ الناقد بصير، والمحاسب خبير. ثم يقال لمن صرخ في حال خطبة الجمعة: إن كنت قد ذهب عقلك حال صعقتك، فقد خسرت في صفقتك، إذ قد سلب عقلك، وذهب فهمك، ولحقت بغير المكلفين، وصرت كالصبيان والمجانين، وحُرِمت سماع الموعظة، وشهود الخطبة. وقد قال مشايخ الصوفية: مهما كان الوارد مانعًا من القيام بفرض، ومانعًا من الخير فهو من الشيطان. ثم يلزم من ذهب عقله أن ينتقض وضوؤه، فإنَّ صلى بعد تلك الغشية الجمعة ولم يتوضأ، كان كمن يشهد (٢) الخطبة ولا صلى، فأي صفقة أخسر ممن هذه صفقته؟ وأي مصيبة أعظم ممن هذه مصيبته؟ وإن كان وقت صراخه في غفلة فقد تكلم في حال الخطبة، وشوش على الحاضرين سماعها، وأظهر بدعة في مجتمع الناس، وعرضهم لأن يجب عليهم تغييرها، فإنَّ لم يفعلوا عصوا، فقد عصى الله من جهات متعددة، وحمل الناس على المعصية، إلى ما ينضاف إلى ذلك من رياء كامنٍ في القلب، وفِسق ظاهر على الجوارح. فنسأل الله تعالى الوقاية من الخذلان، وكفاية أحوال الجهَّال والمجَّان.\nو(قوله: ثم أنشأ (٣) رجل من المسجد كان يُلاحَى فَيُدعَى لغير أبيه) أنشأ: أخذ في الكلام، وشرع فيه، ويُلاحَى: يُعيَّرُ ويُذَّم، بأن يُنسَبَ إلى غير أبيه، ويُنفى\n_________\n(١) جمع ممخرق، وهو المموِّه.\n(٢) في (ع): كمن لم يشهد.\n(٣) في التلخيص ومسلم: فأنشأ.","vol":"6","page":161},{"text":"مَن أَبِي؟ قَالَ: أَبُوكَ حُذَافَةُ ثُمَّ أَنشَأَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، عَائِذ بِاللَّهِ مِن سُوءِ الفِتَنِ،\nــ\nعن أبيه - وسببُ هذا ما كانت أنكحة الجاهلية عليه، فإنَّها كانت على ضروب كما ذكرناه في النكاح، وكان منها: أن المرأة يطؤها جماعة، فإذا حملت، فولدت دُعي لها كل من أصابها، فتُلحق الولد بمن شاءت، فيَلحق به. فربما يكون الولد من خسيس القدر، فتلحقه بكبير القدر، فإذا نفي عمن له مقدار، وألحق بمن لا مقدار له لحقه من ذلك نقص وعار. وكانوا يسألون رسول الله ﷺ عن تحقيق ذلك لينسب لأبيه الحقيقي الذي ولد من نطفته، وتزول عنه تلك المعرَّة. فسأل هذان الرجلان النبيَّ ﷺ عن تحقيق (١) ذلك، فقال لأحدهما: أبوك حذافة، وقال للآخر: أبوك سالم، فتحقَّق نسبهما، وزالت معرَّتهما.\nو(قول عمر ﵁: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا) كلام يقتضي إفراد الحق بما يجب له تعالى من الربوبية، ولرسوله من الرسالة اليقينية، والتسليم لأمرهما، وحكمهما بالكلية، والاعتراف لدين الإسلام بأنه أفضل الأديان. وإنما صدَّر عمر ﵁ كلامه بنون الجمع، لأنه متكلِّم عن نفسه، وعن كل من حضر هنالك من المسلمين.\nو(قوله: عائذٌ بالله من سوء (٢) الفتن) كذا صحَّت الرواية عائذٌ بالرفع، أي أنا عائذ، أي: مستجير. والفتن: جمع فتنة، وقد تقدَّم: أن أصلها الاختبار، وأنها تنصرف على أمور متعددة، ويعني بها هنا: المحن، والمشقات، والعذاب ولذلك قال: من سوء الفتن أي: من سيئها ومكروهها. ولما قال ذلك عمر وضم إلى ذلك قوله: إنا نتوب إلى الله ﷿ كما جاء في الرواية الأخرى،\n_________\n(١) من (م ٣).\n(٢) من التلخيص ومسلم.","vol":"6","page":162},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَم أَرَ كَاليَومِ قَطُّ فِي الخَيرِ وَالشَّرِّ إِنِّي صُوِّرَت لِي الجَنَّةُ وَالنَّارُ فَرَأَيتُهُمَا دُونَ هَذَا الحَائِطِ.\nــ\nسكن غضب رسول الله ﷺ (١). ثم أخذ يُحدِّثهم بما أطلعه الله عليه من أمور الآخرة، فقال: لم أر كاليوم قطّ في الخير والشر، هذا الكلام محمول على الحقيقة لا التوسع والمجاز فإنَّه: لا خير مثل خير الجنَّة، ولا شرَّ مثل شرِّ النار. وقط: هي الظرفية الزمانية، وروينا هاهنا مفتوحة القاف، مضمومة الطاء مشدَّدة، وهي إحدى لغاتها، وتقال بالتخفيف، وتقال: بضم القاف على إتباع حركتها لحركة الطاء، وذلك مع التشديد والتخفيف، فأمَّا قط بمعنى حسب فبتخفيف الطاء وسكونها، وقد تزاد عليها نون بعدها. فيقال: قطني، وقد تحذف النون فيقال: قطي، وقد تحذف الياء، فيقال: قط، بكسر الطاء، وقد يبدل من الطاء دال مهملة، فيقال: قد، ويقال على تلك الأوجه كلها، كله من الصحاح.\nو(قوله: إني صوِّرت لي الجنة والنار فرأيتهما دون هذا الحائط) وفي البخاري: لقد عرضت علي الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط، وفي البخاري في هذا الحديث: لقد رأيت الآن - منذ صليت بكم الصلاة - الجنة والنار ممتثلتين في قبلة هذا الجدار ظاهر هذه الروايات - وإن اختلفت ألفاظها -: أنه ﷺ رأى مثال الجنة والنار في الجدار الذي استقبله مصوَّرتين فيه، وهذا لا إحالة فيه، كما تتمثل المرئيات في الأجسام الصقلية. يبقى أن يقال: فالحائط ليس بصقيل. ويجاب: بأن اشتراط الصقالة في ذلك: ليس بشرط عقلي، بل: عادي، وذلك محل خرق العادة ووقتها، فيجوز أن يمثلها الله فيما ليس بصقيل (٢)، هذا\n_________\n(١) لم نجد هذه الرواية في صحيح البخاري ولا مسلم ولا عند أحمد، بل هي عند أبي داود في سننه (٢٤٢٥) في سياقٍ غير هذا.\n(٢) في هذا إشارة إلى أنَّ رسول الله - ﷺ - رأى مثال الجنة والنار على الحائط، كما يرى الناسُ في هذا العصر من الصور المتحركة على الشاشات الصغيرة والكبيرة.","vol":"6","page":163},{"text":"وفي رواية: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَولَى وَالَّذِي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَقَد عُرِضَت عَلَيَّ الجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفًا فِي عُرضِ هَذَا الحَائِطِ.\nوفي أخرى: فَنَزَلَت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسأَلُوا عَن أَشيَاءَ إِن تُبدَ لَكُم﴾\nرواه أحمد (٣/ ١٦٢)، والبخاري (٩٢)، ومسلم (٢٣٥٩) (١٣٦ و١٣٧).\nــ\nعلى مقتضى ظاهر هذا الحديث، وأما على مقتضى ظاهر أحاديث الكسوف فيكون رآهما حقيقة، ومد يده ليأخذ قطفًا من الجنة، ورأى النار وتأخر مخافة أن يصيبه لفحها، ورأى فيها فلانًا وفلانة. وبمجموع الحديثين تحصل أن الله تعالى أطلع نبيَّه ﷺ على الجنة والنار مرتين:\nإحداهما: في صلاة الكسوف إطلاع رؤية كما فصلناه في الكسوف.\nوثانيهما: هذه الإطلاعة، وكانت في صلاة الظهر، كما قد جاء في بعض طرق حديث أنس: أنه ﷺ خرج إليهم بعدما زاغت الشمس، فصلَّى بهم الظهر، ثم قام فخطب (١)، وذكر نحو ما تقدَّم. وقد نصَّ عليه البخاري كما نقلته عنه آنفا.\nوعُرض الشيء - بالضم-: جانبه، وصفحه. والعَرض -بالفتح -: خلاف الطول.\nو(قوله: أولى) هي كلمة تهديد ووعيد، وإذا كررت كان التهديد أعظم، كما قال تعالى: ﴿أَولَى لَكَ فَأَولَى﴾ وهذا المقام الذي قامه النبي ﷺ كان مقامًا هائلًا مخوفًا، ولذلك قال أنس في بعض الطرق الواقعة في الأم (٢): بلغ رسول الله ﷺ عن أصحابه شيء، فخطب فقال: عرضت علي الجنة والنار، فلم أر كاليوم في الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا.\n_________\n(١) ذكرها مسلم برقم (٢٣٥٩، ١٣٦١)، وأصل الحديث في التلخيص برقم (٢٩٧٦).\n(٢) انظر صحيح مسلم رقم (٢٣٥٩) (١٣٤).","vol":"6","page":164},{"text":"[٢٢٦٩] وعَن أَبِي مُوسَى قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَن أَشيَاءَ كَرِهَهَا، فَلَمَّا أُكثِرَ عَلَيهِ غَضِبَ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: سَلُونِي عَمَّ شِئتُم فَقَالَ رَجُلٌ: مَن أَبِي؟ قَالَ: أَبُوكَ حُذَافَةُ، فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: مَن أَبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَبُوكَ سَالِمٌ مَولَى شَيبَةَ فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مَا فِي وَجهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن الغَضَبِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ.\nرواه البخاريُّ (٩٢)، ومسلم (٢٣٦٠) (١٣٨).\nــ\nقال: فما أتى على أصحاب رسول الله ﷺ يوم أشدُّ (١) منه. قال: غطوا رؤوسهم، ولهم خنين، والرواية المشهورة بالخاء المعجمة، وقد رواه العذري بالحاء المهملة، فالمعجمة: معناها البكاء مع تردُّد الصوت، وقال أبو زيد: الخنين: ضرب من الحنين، وهو الشديد من البكاء.\nوقوله في هذه الرواية: إنه بلغ رسول الله ﷺ عن أصحابه شيء أي: عن بعض أصحابه، وذلك أنه بلغه - والله تعالى أعلم -: أن بعض من دخل في أصحابه، ولم يتحقق إيمانه: همَّ أن يمتحن النبي ﷺ بالأسئلة، ويكثر عليه منها ليعجزه، وهذا كان دأب المنافقين وغيرهم من المعادين له ولدين الإسلام، فإنَّهم كانوا: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفوَاهِهِم وَيَأبَى اللَّهُ إِلا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَو كَرِهَ الكَافِرُونَ﴾ ولذلك لما فهم النبي ﷺ ذلك قال لهم في هذا المجلس: سلوني، سلوني، فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم به، فكل من سأله في ذلك المقام عن شيء أخبره به - أحبَّه أو كرهه - ولذلك أنزل الله تعالى في ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسأَلُوا عَن أَشيَاءَ إِن تُبدَ لَكُم تَسُؤكُم وَإِن تَسأَلُوا عَنهَا حِينَ يُنَزَّلُ القُرآنُ تُبدَ لَكُم عَفَا اللَّهُ عَنهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ فأدَّبهم الله تعالى بترك السؤال عما ليس بِمُهم، وخصوصًا عما تقدَّم من أحوال الجاهلية التي قد عفا الله عنها، وغفرها، ولما سمعت الصحابة\n_________\n(١) في (م ٢): شرٌّ منه.","vol":"6","page":165},{"text":"[٢٢٧٠] وعن عَامِرِ بنِ سَعدٍ، عَن أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ أَعظَمَ المُسلِمِينَ فِي المُسلِمِينَ جُرمًا مَن سَأَلَ عَن شَيءٍ لَم يُحَرَّم عَلَى المُسلِمِينَ فَحُرِّمَ عَلَيهِم مِن أَجلِ مَسأَلَتِهِ.\nرواه أحمد (١/ ١٧٩)، والبخاريُّ (٧٢٨٩)، ومسلم (٢٣٥٨) (١٣٢ و١٣٣)، وأبو داود (٤٦١٠).\n* * *\nــ\n﵃ هذا كله انتهت عن سؤال رسول الله ﷺ إلا في أمر لا يجدون منه بدًّا، ولذلك قال أنس - فيما تقدم -: نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل العاقل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع (١).\nو(قوله ﷺ: إن أعظم المسلمين جُرمًا في المسلمين من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين فحرِّم عليهم من أجل مسألته) قال أبو الفرج الجوزي: هذا محمولٌ على أن من سأل عن الشيء عنتًا وعبثًا، فعوقب لسوء قصده بتحريم ما سأل عنه، والتحريم يعم.\nقلت: والجرم والجريمة: الذنب. وهذا صريحٌ في أن السؤال الذي يكون على هذا الوجه، ويحصل للمسلمين عنه هذا الحرج: هو من أعظم الذنوب، والله تعالى أعلم.\n* * *\n_________\n(١) رواه مسلم (١٢).","vol":"6","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-861>(٢٦) باب عصمة رسول الله ﷺ عن الخطأ فيما يبلغه عن الله تعالى</span>.\n[٢٢٧١] عَن مُوسَى بنِ طَلحَةَ، عَن أَبِيهِ قَالَ: مَرَرتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقَومٍ عَلَى رُؤوسِ النَّخلِ فَقَالَ: مَا يَصنَعُ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالُوا:\nــ\n(٢٦) ومن باب: عصمة رسول الله ﷺ عن الخطأ فيما يبلغه عن الله تعالى\nمعنى هذه الترجمة معلوم من حال النبي ﷺ قطعًا بدليل المعجزة، وذلك أن النبي ﷺ لما قال للناس: أنا رسول الله إليكم، أبلغكم ما أرسلني به إليكم من الأحكام والأخبار عن الدار الآخرة وغيرها، وأنا صادق في كل ما أخبركم به عنه، ويشهد لي على ذلك ما أيَّدني به من المعجزات. ثم وقعت المعجزات مقرونة بتحدِّيه، علمنا على القطع والبتات استحالة الخطأ والغلط عليه فيما بلغه عن الله، إما لأن المعجزة تنزلت منزلة قول الله تعالى لنا: صدق، أو لأنها تدل على أن الله تعالى أراد تصديقه فيما قاله عنه، دلالة على قرائن الأحوال، وعلى الوجهين فيحصل العلم الضروري بصدقه، بحيث لا يجوز عليه شيء من الخطأ في كل ما يبلغه عن الله تعالى بقوله، وأما أمور الدنيا التي لا تعلق لها بالدِّين فهو فيها واحد من البشر، كما قال: إنما أنا بشر أنسى كما تنسون (١)، وكما قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم، وأنا أعلم بدينكم (٢). وقد تقدم القول في الإبار.\nويلقِّحون مضارع\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٣٧٩)، وأبو داود (١٠٢٢)، والنسائي (٣/ ٢٨ - ٢٩)، وابن ماجه (١٢٢١).\n(٢) رواه مسلم كما في أحاديث هذا الباب في التلخيص إلى قوله: \"بأمر دنياكم\".","vol":"6","page":167},{"text":"يُلَقِّحُونَهُ يَجعَلُونَ الذَّكَرَ فِي الأُنثَى فَتَلقَحُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا أَظُنُّ ذَلِكَ يُغنِي شَيئًا، قَالَ: فَأُخبِرُوا بِذَلِكَ فَتَرَكُوهُ، فَأُخبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ فَقَالَ: إِن كَانَ يَنفَعُهُم ذَلِكَ فَليَصنَعُوهُ، فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنتُ ظَنًّا فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ،\nــ\nألقحَ الفحلُ الناقة، والريحُ السحابَ، و: رياحٌ لواقحُ، ولا يقال: ملاقح، وهو من النوادر، وقد قيل: الأصل فيه: ملقحة، ولكنها لا تلقح إلا وهي في نفسها لاقح، ويقال: لقحت الناقة - بالكسر - لقحًا ولَقَاحًا بالفتح، فهي لاقح، واللقاحُ أيضًا - بالفتح - ما تُلقَحُ به النخل.\nو(قوله: ما أظن ذلك يغني شيئًا) يعني به الإبار، إنما قال النبي ﷺ هذا، لأنه لم يكن عنده علم باستمرار هذه العادة، فإنَّه لم يكن ممن عانى الزراعة، ولا الفلاحة، ولا باشر شيئًا من ذلك، فخفيت عليه تلك الحالة، وتمسك بالقاعدة الكلية المعلومة التي هي: أنه ليس في الوجود ولا في الإمكان فاعل، ولا خالق، ولا مؤثر إلا الله تعالى، فإذا نسب شيء إلى غيره نسبة التأثير فتلك النسبة مجازية عرضيَّة لا حقيقيَّة، فصدق قوله ﷺ: ما أظن ذلك يغني شيئًا؛ لأن الذي يغني في الأشياء عن الأشياء بالحقيقة هو الله تعالى، غير أن الله تعالى قد أجرى عادته بأن ستر تأثير قدرته في بعض الأشياء بأسباب معتادة، فجعلها مقارنة لها، ومغطاة بها ليؤمن من سبقت له السعادة بالغيب، وليضل من سبقت له الشقاوة بالجهل، والرَّيب: ﴿لِيَهلِكَ مَن هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحيَا مَن حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾\nو(قوله: إنما ظننت ظنًّا فلا تؤاخذوني بالظن) وقوله في الأخرى: إنما أنا بشر، هذا كله منه ﷺ اعتذار لمن ضعف عقله مخافة أن يزيله (١) الشيطان فيكذب النبي ﷺ فيكفر، وإلا فما جرى شيء يحتاج فيه إلى عذر، غاية ما جرى:\n_________\n(١) في (م ٢) و(ع): يزله.","vol":"6","page":168},{"text":"وَلَكِن إِذَا حَدَّثتُكُم عَن اللَّهِ شَيئًا فَخُذُوا بِهِ، فَإِنِّي لَن أَكذِبَ عَلَى اللَّهِ ﷿.\nرواه مسلم (٢٣٦١) (١٣٩).\n[٢٢٧٢] وعن رَافِعُ بنُ خَدِيجٍ قَالَ قَدِمَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ وَهُم يَأبُرُونَ النَّخلَ يَقُولُ: يُلَقِّحُونَ النَّخلَ فَقَالَ: مَا تَصنَعُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَصنَعُهُ قَالَ: لَعَلَّكُم لَو لَم تَفعَلُوا كَانَ خَيرًا! قال: فَتَرَكُوهُ فَنَفَضَت - أَو فَنَقَصَت - قَالَ: فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ إِذَا أَمَرتُكُم بِشَيءٍ مِن دِينِكُم فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا أَمَرتُكُم بِشَيءٍ مِن رَأييٍ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ.\nرواه مسلم (٢٣٦٢) (١٤٠).\nــ\nمصلحة دنيوية، خاصَّة بقوم مخصوصين لم يعرفها من لم يباشرها، ولا كان من أهلها المباشرين لعملها، وأوضح ما في هذه الألفاظ المعتذر بها في هذه القصة قوله: أنتم أعلم بأمر دنياكم، وكأنه قال: وأنا أعلم بأمر دينكم.\nو(قوله: إذا حدثتكم عن الله فخذوا به) أمر جزم بوجوب الأخذ عنه في كل أحواله: من الغضب والرضا، والمرض والصحة.\nو(قوله: فلن أكذب على الله) أي: لا يقع منه فيما يبلغه عن الله كذب، ولا غلط، لا سهوًا ولا عمدًا، وقد قلنا: إن صدقه في ذلك هو مدلول المعجزة، وأما الكذب العمد المحض فلم يقع قط منه في خبر من الأخبار، ولا جرب عليه شيء من ذلك منذ أنشأه الله تعالى، وإلى أن توفاه الله تعالى، وقد كان في صغره معروفًا بالصدق والأمانة، ومجانبة أهل الكذب، والخيانة، حتى إنه كان يسمى بالصادق الأمين، يشهد له بذلك كل من عرفه وإن كان من أعدائه، وقد خالفه.\nو(قوله: إذا أمرتكم بشيء من رأيي) يعني به في مصالح الدنيا كما دل","vol":"6","page":169},{"text":"[٢٢٧٣] وعَن أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِقَومٍ يُلَقِّحُونَ فَقَالَ: لَو لَم تَفعَلُوا لَصَلُحَ قَالَ: فَخَرَجَ شِيصًا، فَمَرَّ بِهِم فَقَالَ: مَا لِنَخلِكُم؟ قَالُوا: قُلتَ: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: أَنتُم أَعلَمُ بِأَمرِ دُنيَاكُم.\nرواه أحمد (٣/ ١٥٢)، ومسلم (٢٣٦٣) (١٤١)، وابن ماجه (٢٤٧١).\n* * *\nــ\nعليه بساط هذه القصة، ونصُّه على ذلك، ولم يتناول هذا اللفظ ما يحكم فيه باجتهاده إذا تنزلنا على ذلك، لأنَّ ذلك أمر ديني تجب عصمته فيه، كما إذا بلغه نصًّا، إذ كل ذلك تبليغ شرعه، وبيان حكم دينه، وإن اختلفت مآخذ الأحكام، كما قد أوضحناه في الأصول.\nو(قوله: فإنما أنا بشر) أي: واحد منهم في البشرية، ومساوٍ لهم فيما ليس من الأمور الدينية، وهذه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿قُل إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثلُكُم يُوحَى إِلَيَّ﴾ فقد ساوى البشر في البشرية، وامتاز عنهم بالخصوصية الإلهية التي هي: تبليغ الأمور الدينية.\nو(قوله: فنفضت أو نقصت) ظاهره أنه شك من بعض الرواة في أي اللفظين قال: ويحتمل أن يكون أو بمعنى الواو، أي: نفضت ثمرها ونقصت في حملها، وقد دلَّ على هذا قوله في الرواية الأخرى: فخرج شيصًا وهو البلح الذي لا ينعقد نواه، ولا يكون فيه حلاوة إذا أبسر، ويسقط أكثره فيصير حشفًا.\n* * *","vol":"6","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-862>(٢٧) باب كيف كان يأتيه الوحي</span>؟\n[٢٢٧٤] عَن عَائِشَةَ أَنَّ الحَارِثَ بنَ هِشَامٍ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ كَيفَ يَأتِيكَ الوَحيُ؟\nــ\n(٢٧) ومن باب كيف كان يأتيه الوحي\nقد تقدَّم الكلام على الوحي لغة.\nو(قوله: كيف يأتيك الوحي؟ سؤال عن كيفية تلقي النبي ﷺ الوحي عن الملَك، والمراد بالوحي هنا: ما يُلقى للنبي ﷺ من القرآن والأحكام، فأجاب ﷺ بأن ذلك يأتيه على حالتين:\nإحداهما: أن يسمع صوتًا شديدًا متتابعًا يشبه صلصلة الجرس، وهو الناقوس، أو شبهه، وهو الذي تعلقه العرب في أعناق الإبل لصوته، وقال بعض العلماء: وعلى هذا النحو تتلقى الملائكة الوحي عن الله تعالى، كما جاء في الحديث الصحيح: إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة الأرض (١) بأجنحتها خَضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان (٢).\nقلت: والذي عندي في هذا الحديث: أن هذا تشبيه لأصوات خفق أجنحة الملائكة، فيعني: أنها متتابعة متلاحقة، لا أن الله تعالى يتكلم بصوت، فإنَّ كلامه تعالى ليس بحرف، ولا صوت، كما هو مبرهن عليه في موضعه، فإنَّ أراد هذا القائل: أن كلام الله تعالى القائم به صوت يُسمع بحاسة الأذن، فهو غلط فاحش، وما هذا اعتقاد أهل الحق، وإن أراد: أن الملائكة تسمع كلام ملك آخر يبلغهم عن\n_________\n(١) من (م ٣).\n(٢) رواه البخاري (٤٧٠١)، وأبو داود (٣٩٨٩)، والترمذي (٣٢٢٣)، وابن ماجه (١٩٤).","vol":"6","page":171},{"text":"قَالَ: أَحيَانًا يَأتِينِي فِي مِثلِ صَلصَلَةِ الجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ،\nــ\nالله بصوتٍ فصحيحٌ، كما تقرر ذلك في حق جبريل، فيما كان يبلغه النبي ﷺ.\nو(قوله: وهو أشدُّه عليَّ) إنما كان أشد عليه لسماعه صوت الملك الذي هو غير معتاد، وربما كان شاهد الملك على صورته التي خلق عليها، كما أخبر بذلك عن نفسه في غير هذا الموضع، وكان يشتد عليه أيضًا، لأنَّه كان يريد أن يحفظه ويفهمه مع كونه صوتًا متتابعًا مزعجًا، ولذلك كان يتغيَّر لونه (١)، ويتفصَّد عرقا، ويعتريه مثل حال المحموم، ولولا أن الله تعالى قوَّاه على ذلك، ومكنه منه بقدرته لما استطاع شيئًا من ذلك، ولهلك عند مشافهة الملك، إذ ليس في قوى البشر المعتادة تحمل ذلك بوجه.\nوالحالة الثانية: وهي أن يتمثل له الملَك في صورة رجل، فيكلمه بكلامه المعتاد، فلا يجد إلى ذلك شيئًا من المشقات، والشدائد، وهذا كما اتَّفق له معه حيث تمثل له في صورة الأعرابي، فسأله عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، وكما كان يأتيه في صورة دحية بن خليفة، وكانت صورته حسنة، والحاصل من هذا الحديث، ومن قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ ومن غير ذلك من الكتاب والسنة: أن الله تعالى قد مكَّن الملائكة، والجن من التشكل في الصور المختلفة، والتمثيل بها، مع أن للنوعين في أنفسهما خلقًا خاصة بهما، خلقهما الله تعالى عليها، كما قال ﷺ: لم أر جبريل على صورته التي خلق عليها غير (٢) مرتين (٣). والبحث عن كيفية ذلك التمثيل بحث ليس وراءه تحصيل، والواجب التصديق بما جاء من ذلك، ومن أنكر وجود الملائكة والجن وتمثلهم في الصور فقد كفر.\n_________\n(١) في (م ٣) و(ع): وجهه.\n(٢) في (م ٣) و(ز): إلا.\n(٣) رواه البخاري (٤٨٥٥)، ومسلم (١٧٧).","vol":"6","page":172},{"text":"ثُمَّ يَفصِمُ عَنِّي وَقَد وَعَيتُهُ، وَأَحيَانًا مَلَكٌ فِي صُورَةِ رجُل فَأَعِي مَا يَقُولُ.\nرواه أحمد (٦/ ٢٥٧)، والبخاريّ (٢)، ومسلم (٢٣٣٣) (٨٧)، والترمذي (٣٦٣٨)، والنسائي (٢/ ١٤٦).\n[٢٢٧٥] وعَن عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ قَالَ: كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِذَا أُنزِلَ عَلَيهِ الوحي كُرِبَ لِذَلِكَ وَتَرَبَّدَ وَجهُهُ ونَكَسَ رَأسَهُ، وَنَكَسَ أَصحَابُهُ\nــ\nو(قوله: فيفصم عني، وقد وعيت عنه) أي: يذهب عني، ويقلع. يقال منه: فصم، وأفصم بالفاء، ومنه قوله تعالى: ﴿لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: لا انقطاع، والفصم - بالفاء -: انصداع من غير بينونة، وبالقاف: (١) انصداع مع بينونة. هذا أصلهما، ثم قد يتوسَّع في كل واحد منهما.\nووعيت: فهمت وحفظت. تقول العرب: وعيت العلم- ثلاثيًّا - وأوعيت المتاع في الوعاء - رباعيًّا - وأصلهما: من جعلت الشيء في الوعاء، غير أن استعمالهم فرق بينهما كما قلناه.\nوقد اقتصر في هذا الحديث على ذكر طريقي الوحي، ولم يذكر الرؤيا، وهي من الوحي كما تقدم، لأنَّه فهم عن السائل: أنه إنما سأل عن كيفية تلقيه الوحي من الملك، والله أعلم.\nو(قوله: كان إذا أنزل عليه الوحي كرب لذلك) وجدناه بتقييد من يوثق بتقييده مبنيًا لما لم يسم فاعله، أي: أصيب بالكرب، وهو الألم والغم. وتربَّد وجهه: علته رُبدة وهي: لون بين السواد والغبرة، ومنه قيل للنعام: رُبدٌ، وجمع ربداء، كحمراء وحُمر. وتنكيس النبي ﷺ رأسه لثقل ما يلقى عليه، ولشدة ما يجده من الكرب. وتنكيس أصحابه رؤوسهم عند ذلك استعظام لذلك الأمر، وهيبة له.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (م ٢).","vol":"6","page":173},{"text":"رُؤوسَهُم، فَلَمَّا أُتلِيَ عَنهُ رَفَعَ رَأسَهُ.\nرواه أحمد (٥/ ٣١٧)، ومسلم (٢٣٣٤ و٢٣٣٥).\n[٢٢٧٦] وعن أبي هريرة قال: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَالَّذِي نَفسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ لَيَأتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُم يَومٌ لَا يَرَانِي، ثُمَّ لَأَن يَرَانِي أَحَبُّ إِلَيهِ مَن أَهلِهِ وَمَالِهِ مَعَهُم.\nــ\nو(قوله: فلما أُتلِي عنه رفع رأسه) اختلف الرواة في هذا الحرف. قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قيَّده شيخنا أبو عبد الله محمد بن عيسى الجياني بضم الهمزة، وتاء باثنتين من فوقها ساكنة، ولام مكسورة، مثل: أُعطِي، وعند الفارسي مثله، إلا أنه بثاء مثلثة، وعند العذري من طريق شيخه الأسدي: بكسر الثاء المثلثة: أُثِلَ مثل: ضرب. وكان عند شيخنا الحافظ أبي علي: أُجلِي بالجيم مثل: أُعطِي، وعند ابن ماهان: انجلى بالنون، وكذا رواه البخاري، وهاتان الروايتان لهما وجه، أي: انكشف عنه وذهب، وفُرِّج عنه. يقال: انجلى عنه الغم، وأجليته، أي: فرجته فتفرج، وأجلوا عن قتيل، أي: برحوا عنه وتركوه، ورواه البخاري في كتاب الاعتصام: فلما صعد الوحي (١). وهو صحيح، وفي البخاري في سورة سبحان (٢): فلما نزل الوحي (٣). وكذا في مسلم في حديث سؤال اليهودي (٤)، وهذا وهم بين، ورواه ابن أبي خيثمة: فلما أعلى عنه، أي: نَحَّي عنه. كما قال أبو جهل: اعلُ عني، أي: تنحَّ. نقلته من كتاب مشارق الأنوار للقاضي.\nو(قوله: والذي نفس محمد بيده! ليأتين على أحدكم يوم لا يراني، ثم لأن\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٢٩٧).\n(٢) أي: سورة الإسراء.\n(٣) رواه البخاري (٤٧٢١).\n(٤) رواه مسلم (٢٧٩٤).","vol":"6","page":174},{"text":"رواه أحمد (٢/ ٣١٣)، والبخاريُّ (٣٥٨٩)، ومسلم (٢٣٦٤) (١٤٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-863>(٢٨) باب في ذكر عيسى ابن مريم ﵉</span>\n[٢٢٧٧] عن أبي هريرة قال: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَنَا أَولَى النَّاسِ بِعِيسَى ابنِ مَريَمَ\nــ\nيراني أحبَّ إليه من أهله وماله معهم (١» (٢) كذا صحيح الرواية، ومعنى هذا الحديث: إخباره ﷺ بأنه إذا فُقِد تغيَّرت الحال على أصحابه من عدم مشاهدته، وفقد عظيم فوائدها، ولِما طرأ عليهم من الخلاف والمحن، والفتن. وعلى الجملة: فساعةَ موته اختلفت الآراء، ونجمت الأهواء، وكاد النظام ينحل لولا أن الله ﵎ تداركه بثاني اثنين، وأهل العقد والحل، وقد عبَّر الصحابة عند مبدأ ذلك التغيُّر لنا بقولهم: ما سوينا التراب على رسول الله ﷺ حتى أنكرنا قلوبنا، فكلما حصل واحدٌ منهم في كربة من تلك الكرب، ودَّ أنه رأى رسول الله ﷺ بكل ما معه من مال وأهل ونشب، وذلك لتذكره ما فات من بركات مشاهدته، ولما حصل بعده من فساد الأمر، وتغيُّر حالته. والله أعلم.\n(٢٨) ومن باب ذكر عيسى ﵇\nقوله ﷺ: أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم أي: أخص، وأقرب، وأقعد، كقوله ﷺ: فَلِأولى عصبة (٣) أي: أقرب، وأحقّ.\n_________\n(١) في (م ٣): منهم.\n(٢) ورد هذا الحديث في صحيح مسلم تحت عنوان: فضل النظر إليه - ﷺ -.\n(٣) رواه مسلم (١٦١٩) (١٥).","vol":"6","page":175},{"text":"فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ قَالُوا: كَيفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الأَنبِيَاءُ إِخوَةٌ مِن عَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُم شَتَّى، وَدِينُهُم وَاحِدٌ ولَيسَ بَينَنَا نَبِيٌّ.\nــ\nو(قوله: في الأولى والآخرة) أي: في الدنيا وفي الدار الآخرة.\nو(قوله: كيف يا رسول الله؟ سؤال عن وجه الأولوية. فقال في الجواب: الأنبياء إخوة من عَلَاّت، أُمَّهاتهم شتى، ودينهم واحد، وليس بيني وبينه نبي (١). وفي لفظ آخر: أولاد عَلَاّت (٢). وفي الصحاح: بنو العلَاّت: هم أولاد الرجل من نسوة شتى، سميت بذلك لأن الذي يتزوجها على أولى كانت قبلها، ثم علَّ من هذه، والعَلَلُ: الشرب الثاني. يقال: عَلَلٌ بعد نهلٍ، وعله يعله: إذا سقاه السَّقية الثانية، وقال غيره: سُمُّوا بذلك لأنهم أولاد ضرائر، والعلَاّت الضرائر. وشتَّى: مختلفون، ومنه قوله تعالى: ﴿تَحسَبُهُم جَمِيعًا وَقُلُوبُهُم شَتَّى﴾\nقال القاضي أبو الفضل عياض: معناه أن الأنبياء مختلفون في أزمانهم، وبعضهم بعيد الوقت من بعض، فهم أولاد علَاّت، إذ لم يجمعهم زمان واحد، كما لم يجمع أولاد العلَاّت بطن واحد، وعيسى ﵇ لما كان قريب الزمان منه ﷺ، ولم يكن بينهما نبي، كانا كأنهما في زمان واحد، فكانا بخلاف غيرهما.\nقلت: هذا أشبه ما قيل في هذا الحديث، ويستفاد منه: إبطال قول من قال: إنه كان بعد عيسى أنبياء ورسل، فقد قال بعض الناس: إن الحواريين كانوا أنبياء، وأنهم أرسلوا إلى الناس بعد عيسى، وهو قول أكثر النصارى، كما ذكرناه في كتاب الإعلام.\nو(قوله: ودينهم واحد) أي: في (٣) توحيدهم، وأصول أديانهم، وطاعتهم\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٧٣٥)، ومسلم (١٦١٥)، وأبو داود (٢٨٩٨)، والترمذي (٢٠٩٩).\n(٢) هذه الرواية ليست في التلخيص، وإنما هي في صحيح مسلم برقم (٢٣٦٥) (١٤٣).\n(٣) ليست في (ز) و(ع) و(م ٣).","vol":"6","page":176},{"text":"رواه أحمد (٢/ ٣١٩)، والبخاريُّ (٣٤٤٣)، ومسلم (٢٣٦٥) (١٤٥).\nــ\nلله تعالى، واتباعهم لشرائعه، والقيام بالحق، كما قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ الآية، ولم يُرِد فروع الشرائع، فإنَّهم مختلفون فيها كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلنَا مِنكُم شِرعَةً وَمِنهَاجًا﴾\nو(قوله: ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخًا من نخسة الشيطان) يعني به: أول وقت الولادة حين يستهل أوَّل استهلال، بدليل قوله في الرواية الأخرى: يوم يولد أي: حين يولد. والعرب قد تطلق اليوم وتريد به الوقت والحين. كما قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُم يَومَ يَرَونَ مَا يُوعَدُونَ لَم يَلبَثُوا﴾ أي: حين يرون، كما تقدَّم في الحديث قبل هذا: ليأتين على أحدكم يوم لا يراني (١) أي: زمن ووقت، وهو كثير. وكأن النَّخس من الشيطان إشعار منه بالتمكن والتسليط، وحفظ الله تعالى لمريم وابنها من نخسته تلك التي هي ابتداء التسليط ببركة إجابة دعوة أمها حين قالت: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ﴾ فاستجاب الله لها لما حضرها في ذلك الوقت من صدق الالتجاء إلى الله تعالى، وصحة التوكل، وأمها هي امرأة عمران، واسمها حنَّة بنت فاقود، وكانت لما حملت نذرت، وأوجبت على نفسها أن تجعل ما تلده منزهًا منقطعًا للعبادة، لا يشتغل بشيء مما في الوجود، على شريعتهم في الرهبانية، وملازمتهم الكنائس، وانقطاعهم فيها إلى الله تعالى بالكلية. ولذلك لما ولدتها أنثى قالت: ﴿وَلَيسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى﴾ أي: فيما نذرته له من الرهبانية.\n_________\n(١) تقدم في التخليص برقم (٢٩٨٣).","vol":"6","page":177},{"text":"[٢٢٧٨] وعنه: أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَا مِن مَولُودٍ يُولَدُ إِلَّا نَخَسَهُ الشَّيطَانُ، فَيَستَهِلُّ صَارِخًا مِن نَخسَةِ الشَّيطَانِ إِلَّا ابنَ مَريَمَ وَأُمَّهُ. ثُمَّ\nــ\nو(قوله: كل مولود (١) وما من مولود) ظاهر قوي في العموم والإحاطة، ولما استثنى منه مريم وابنها التحق بالنصوص لا سيما مع النظر الذي أبديناه، فأفاد هذا: أن الشيطان ينخس جميع ولد آدم حتى الأنبياء، والأولياء، إلا مريم وابنها، وإن لم يكن كذا بطلت الخصوصية بهما، ولا يفهم من هذا أن نخس الشيطان يلزم منه إضلال المنخوس وإغواؤه، فإنَّ ذلك ظن فاسد، وكم قد تعرض الشيطان للأنبياء، والأولياء بأنواع الإفساد، والإغواء، ومع ذلك يعصمهم الله مما يرومه الشيطان، كما قال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِم سُلطَانٌ﴾ هذا مع أن كل واحد من بني آدم قد وُكِّل به قرينُه من الشياطين (١)، كما قال رسول الله ﷺ، وعلى هذا فمريم وابنها - وإن عصما من نخسه - فلم يعصما من ملازمته لهما ومقارنته. وقد خصَّ الله تعالى نبينا ﷺ بخاصيَّة كمل عليه بها إنعامه بأن أعانه على شيطانه حتى صحَّ إسلامه (٢)، فلا يكون عنده شرٌّ، ولا يأمره إلا بخير، وهذه خاصَّة لم يؤتها أحدٌ غيره، لا عيسى، ولا أمه. وفي غير كتاب مسلم: فذهب الشيطان ليطعن في خاصرته فطعن في الحجاب (٣)، أي: في الحجاب الذي حجب به عيسى ﵇، فإمَّا حجاب مهده، وإما حجاب بيته.\nو(قوله: صياح المولود نزغة من الشيطان (٤» الرواية المعروفة: نزغة\n_________\n(١) هذه رواية أحمد في مسنده (٢/ ٣١٩).\n(٢) رواه أحمد (١/ ٣٨٥)، ومسلم (٢٨١٤).\n(٣) رواه أحمد (٢/ ٥٢٣)، والبخاري (٣٢٨٦).\n(٤) هذه العبارة من حديث لم يُورده المؤلف في التلخيص، وإنما هو في صحيح مسلم برقم (٢٣٦٧).","vol":"6","page":178},{"text":"قَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: اقرَؤوا إِن شِئتُم ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ﴾\nوفي رواية: كُلُّ بَنِي آدَمَ يَمَسُّهُ الشَّيطَانُ يَومَ وَلَدَتهُ أُمُّهُ إِلَّا مَريَمَ وَابنَهَا.\nرواه أحمد (٢/ ٢٣٣)، والبخاريّ (٣٥٤٨)، ومسلم (٢٣٦٦) (١٤٦ و١٤٧).\n[٢٢٧٩] وعنه: قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: رَأَى عِيسَى ابنُ مَريَمَ رَجُلًا يَسرِقُ فَقَالَ لَهُ عِيسَى: سَرَقتَ؟ قَالَ: كَلَّا وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَقَالَ عِيسَى: آمَنتُ بِاللَّهِ، وَكَذَّبتُ نَفسِي.\nرواه أحمد (٢/ ٣١٤)، والبخاريّ (٣٤٤٤)، ومسلم (٢٣٦٨)، والنسائي (٨/ ٢٤٩)، وابن ماجه (٢١٠٢).\n* * *\nــ\n- بالنون والزاي ساكنة والغين المعجمة - من النزغ: وهو الوسوسة، والإغراء بالفساد، ووقع لبعض الرواة: فزعة - بالفاء والعين المهملة -: من الفزع.\nو(قوله: رأى عيسى ابن مريم رجلًا يسرق فقال: سرقت. قال: كلا والذي لا إله إلا هو) ظاهر قول عيسى لهذا الرجل: سرقت أنه خبر عما فعل الرجل من السرقة، وكأنه حقق السرقة عليه، لأنَّه رآه قد أخذ مالًا لغيره من حرز في خفية، ويحتمل أن يكون مستفهمًا له عن تحقيق ذلك، فحذف همزة الاستفهام، وحذفها قليل.\nو(قول الرجل: كلا) أي: لا. نفى ذلك، ثم أكده باليمين.\nو(قول عيسى: آمنت بالله، وكذبت نفسي) أي: صدَّقت من حلف بالله،","vol":"6","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-864>(٢٩) باب في ذكر إبراهيم ﵇</span>\n[٢٢٨٠] عَن أَنَسِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا خَيرَ البَرِيَّةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ذَاكَ إِبرَاهِيمُ ﵇.\nرواه أحمد (٣/ ١٧٨)، ومسلم (٢٣٦٩)، وأبو داود (٤٦٧٢)، والترمذيُّ (٣٣٤٩).\nــ\nوكذبت ما ظهر من ظاهر السَّرقة، فإنَّه يحتمل: أن يكون الرجل أخذ ما له فيه حق، أو يكون صاحبه قد أذن له في ذلك، ويحتمل أن يكون أخذه ليقلبه، وينظر إليه.\nويستفاد من هذا الحديث درء الحد بالشبهة.\n(٢٩) ومن باب ذكر إبراهيم ﵇\nقوله ﷺ للذي قال له: يا خير البرية: ذاك إبراهيم البرية: الخلق، وتهمز، ولا تهمز، وقد قرئ بهما، واختلف في اشتقاقها، فقيل: هي مأخوذة من البراء، وهي: التراب. فعلى هذا لا يهمز. وقيل: هي مأخوذة من برأ الله الخلق - بالهمز -، أي: خلقهم، وعلى هذا فيهمز، وقد يكون من هذا، وتسهل همزتها، كما سهلوا همزة خابية، وهي من: خبأت مهموزًا. والبرية في الوجهين: فعيلة بمعنى مفعولة، وقد عارض هذا الحديث قوله ﷺ: أنا سيِّد ولد آدم (١). وما علم من غير ما موضع من الكتاب والسُّنَّة، وأقوال السلف والأمَّة: أنه أفضل ولد آدم، وقد انفصل عن هذا بوجهين:\nأحدهما: أن ذلك من النبي ﷺ على جهة التواضع، وترك التطاول على الأنبياء، كما قال: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وأنا أكرم ولد آدم على\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ١٠٧)، ومسلم رقم (٢٢٧٦)، والترمذي (٣٦٠٥).","vol":"6","page":180},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nربي يوم القيامة ولا فخر (١). وخصوصًا على إبراهيم، الذي هو أعظم آبائه وأشرفهم.\nوثانيهما: أنه ﷺ قال ذلك قبل أن يعلم بمنزلته عند الله تعالى، ثم إنه أعلم بأنه أكرم وأفضل، فأخبر به كما أمر، ألا ترى أنه كان في أول أمره يسأل أن يبلغ درجة إبراهيم من الصلاة عليه والرحمة، والبركة، والخلة، ثم بعد ذلك أخبرنا أن الله تعالى قد أوصله إلى ذلك لما قال: إن الله تعالى قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا (٢) ثم بعد ذلك زاده الله من فضله، فشرَّفه، وكرَّمه، وفضله على جميع خلقه، وقد أورد على كل واحد من هذين الوجهين استبعاد. قال: رُدَّ على الأول، أن قيل: كيف يصح من الصادق المعصوم أن يخبر عن الشيء بخلاف ما هو عليه لأجل التواضع والأدب، والوارد على الثاني: أن ذلك خبر عن أمر وجودي، والأخبار الوجودية لا يدخلها النسخ. والجواب عنهما: أن يقال (٣): إن ذلك ليس إخبارًا عن الشيء بخلاف ما هو عليه، فإنه تواضع يمنع إطلاق ذلك اللفظ عليه، وتأدب مع أبيه بإضافة ذلك اللفظ إليه، ولم يتعرض للمعنى، فكأنه قال: لا تطلقوا هذا اللفظ علي، وأطلقوه على أبي إبراهيم أدبًا معه، واحترامًا له. ولو صرَّح بهذا لكان صحيحًا غير مستبعد، لا عقلًا، ولا نقلًا، وهذا كما قال: لا تفضلوني على موسى (٤) أي: لا تقولوا: محمد أفضل من موسى مخافة أن يُخيَّل نقص في المفضول، كما قدَّمناه ويأتي. بهذا أظهر هذا اللفظ أن ذلك راجع إلى\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٦٢٠) وإسناده ضعيف.\n(٢) رواه مسلم (٥٣٢).\n(٣) في (م ٢) و(ع): نقول.\n(٤) رواه مسلم (٢٣٧٣)، وأبو داود (٤٦٧١)، والترمذي (٣٢٤٠) بلفظ: \"لا تخيروني على موسى\".","vol":"6","page":181},{"text":"[٢٢٨١] وعن أبي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اختَتَنَ إِبرَاهِيمُ ﵇ وَهُوَ ابنُ ثَمَانِينَ سَنَةً بِالقَدُومِ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٢٢)، والبخاري (٣٣٥٦)، ومسلم (٢٣٧٠).\nــ\nمنع إطلاق لفظ وإباحته، فذلك خبر عن الحكم الشرعي، لا عن المعنى الوجودي، وإذا ثبت ذلك جاز رفعه، ووضعه، وصحَّ الحكم به، ونسخه من غير تعرُّض للمعنى، والله أعلم.\nسلَّمنا أنه خبر عن أمر وجودي، لكن لا نسلم أن كل أمر وجودي لا يتبدل، بل: منها ما يتبدل، ولا يلزم من تبدله تناقض، ولا محال، ولا نسخ، كالإخبار عن الأمور الوضعية. وبيان ذلك: أن معنى كون الإنسان مكرَّما مفضلًا، إنما ذلك بحسب ما يُكرَّم به، ويُفضل على غيره، ففي وقت يُكرَّم بما يُساوي فيه غيره، وفي وقت يزاد على ذلك الغير، وفي وقت يُكرَّم بشيء لم يُكرَّم به أحد، فيقال: غلبه في المنزلة الأولى مُكرَّم مُقرَّب، وفي الثانية مُفضل بقيد. وفي الثالثة، مُفضل مطلقًا، ولا يلزم من ذلك تناقض، ولا نسخ، ولا مُحال، وهذا واضح وحسن جدًّا فاغتبط عليه (١)، وشدَّ عليه يدًا.\nو(قوله: اختتن إبراهيم ﵇ بالقدوم، وهو ابن ثمانين سنة) اختلف الرواة في تخفيف دال القدوم وتشديدها، واختلفوا أيضًا في معناها. فالذي عليه أكثر الرواة التخفيف، ويعني به: آلة النَّجَّار، وهو قول أكثر أهل اللغة في آلة النجارة. ورواه بعضهم مشدَّدًا. وفسَّره بعض اللغويين: بأنه موضع معروف بالشام، ومنهم من قال: بالسَّرَاة، وحكي عن أبي جعفر اللُّغوي: قدُّوم: المكان مشدَّد، معرفة، لا تدخله الألف واللام، قال: ومن رواه في حديث إبراهيم ﵇ مخففًا فإنما يعني بها الآلة التي ينجر بها، وفي الصحاح: القدوم:\n_________\n(١) في (م ٢) و(ع): به.","vol":"6","page":182},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالذي ينحت به مخففًا. قال ابن السِّكيت: لا تقل: قدُّوم بالتشديد، والجمع: قدم. قال الأعشى:\nأقام به شاهَبُورُ الجنُو ... د حَولَين يَضرِب فيه القُدُم\nوجمع القُدُم: قدائم، مثل: قُلُص وقلائص، والقدوم أيضًا: اسم موضع مخفَّف.\nقلت: ويحصل من أقوالهم: أن القدوم إذا أريد به الآلة فهو مخفف، وإذا أريد به الموضع ففيه التشديد والتخفيف، ويحتمل أن يراد بالقدوم في الحديث: الآلة والموضع.\nو(قوله: وهو ابن ثمانين سنة) وفي غير كتاب مسلم: أنه اختتن وهو ابن ثمانين سنة، وعاش مائة وعشرين سنة.\nقال القاضي عياض ﵀: قد جاء هذا الحديث من رواية مالك، والأوزاعي، وفيه: اختتن إبراهيم وهو ابن مائة وعشرين سنة. ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة. إلا أن مالكًا ومن تابعه وقفوه على أبي هريرة.\nقلت: قد تقدَّم: أن إبراهيم أوَّل من اختتن، وأن ذلك لم تزل سُنَّة عامة معمولًا بها في ذريته وأهل الأديان المنتمين إلى دينه. وهو حكم التوراة على بني إسرائيل كلهم، ولم تزل أنبياء بني إسرائيل يختتنون حتى عيسى ﵇ غير أن طوائف من النصارى تأوَّلوا ما جاء في التوراة من ذلك، بأن المقصود زوال غُلفَة القلب، لا جلدة الذكر، فتركوا المشروع من الختان بضرب من الهذيان، وليس هذا بأوَّل جهالاتهم، فكم لهم منها وكم! ويكفيك من ذلك: أنّهم زادوا على أنبيائهم في الفهم، وغلَّطوهم فيما عملوا عليه، وقضوا به من الحكم. وقد أسبغنا القول في هذا في كتاب الإعلام.","vol":"6","page":183},{"text":"[٢٢٨٢] وعنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَم يَكذِب إِبرَاهِيمُ النَّبِيُّ ﵇ قَطُّ إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ ثِنتَينِ فِي ذَاتِ اللَّهِ قَولُهُ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وَقَولُهُ: ﴿بَل فَعَلَهُ كَبِيرُهُم هَذَا﴾\nــ\nو(قوله: لم يكذب إبراهيم النبي ﵇ قط إلا ثلاث كذبات، ثنتين في ذات الله، قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وقوله: ﴿بَل فَعَلَهُ كَبِيرُهُم هَذَا﴾ وواحدة في شأن سارة) قد تقدَّم الكلام على هذه الكذبات في كتاب الإيمان، وذكرنا هناك: أنها أربع، زيد فيها قوله للكوكب: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ ولم يذكرها في هذا الحديث، مع أنه قد جاء بلفظ الحصر، فينبغي ألا يقال عليها: كذبة في حق إبراهيم، إذ قد نفاها الرسول ﷺ بهذا الحصر، وإنَّما لم تعد عليه كذبة وهي أدخل في الكذب من هذه الثلاث، لأنَّه - والله أعلم - حين قال ذلك في حال الطفولية، وليست حال تكليف، ويقوي هذا المعنى قول من حكى عنه ذلك، كما تقدَّم في الإيمان.\nو(قوله: اثنتين في ذات الله) أي: في الدفع عن وجود الله، وبيان حجته على أن المستحق للإلهية هو الله تعالى لا غيره، فاعتذر عمَّا دعوه إليه من الخروج معهم بأنه سقيم، فورى بهذا اللفظ، وهو يريد خلاف ما فهموا عنه - كما بيَّناه في الإيمان - حتى يخلو بالأصنام فيكسرها، ففعل ذلك، وترك كبير الأصنام لينسب إليه كسرها بذلك (١)، قولًا يقطعهم به، فإنَّهم لما رجعوا من عيدهم فوجدوا الأصنام مكسَّرة: ﴿قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فقال بعضهم: ﴿سَمِعنَا فَتًى يَذكُرُهُم يُقَالُ لَهُ إِبرَاهِيمُ﴾ وكان هذا الذكر هو قول إبراهيم لهم: ﴿وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصنَامَكُم بَعدَ أَن تُوَلُّوا مُدبِرِينَ﴾ فلما أحضروه: قَالُوا: ﴿أَأَنتَ فَعَلتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبرَاهِيمُ﴾ فأجابهم بقوله:\n_________\n(١) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٩٢٢) موقوفًا على أبي هريرة بلفظ: \"خمس من الفطرة\" وأما الزيادة فرواها رزين كما في جامع الأصول (٤/ ٧٧٧).","vol":"6","page":184},{"text":"وَوَاحِدَةٌ فِي شَأنِ سَارَةَ فَإِنَّهُ قَدِمَ أَرضَ جَبَّارٍ وَمَعَهُ سَارَةُ، وَكَانَت أَحسَنَ النَّاسِ فَقَالَ لَهَا: إِنَّ هَذَا الجَبَّارَ إِن يَعلَم أَنَّكِ امرَأَتِي يَغلِبنِي عَلَيكِ،\nــ\n﴿بَل فَعَلَهُ كَبِيرُهُم هَذَا فَاسأَلُوهُم إِن كَانُوا يَنطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِم﴾ أي: رجع بعضهم إلى بعض رجوع المنقطع عن حجَّة المتفطِّن لحجَّة خصمه: ﴿فَقَالُوا إِنَّكُم أَنتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: بعبادة من لا ينطق بلفظة، ولا يملك لنفسه لحظة، فكيف ينفع عابديه، ويدفع عنهم البأس من لا يردُّ عن رأسه الفأس: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِم﴾ أي: عادوا إلى جهلهم وعنادهم، فقالوا: ﴿لَقَد عَلِمتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ﴾ فقال قاطعًا لما به يهذون، ومفحمًا لهم فيما يتقولون: ﴿أَفَتَعبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُم شَيئًا وَلا يَضُرُّكُم * أُفٍّ لَكُم وَلِمَا تَعبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعقِلُونَ﴾\nو(قوله: ذات الله) يعني به: وجود الله المنزه عن صفات المخلوقات، والمقدَّس عن ذوات المحدثات، وفيه دليل على جواز إطلاق لفظ الذات على وجود الله تعالى، فلا يُلتفت لإنكار من أنكر إطلاقه على المتكلمين.\nو(قوله: وواحدة في شأن سارة) هذه الواحدة هي من إبراهيم ﵇ مدافعة عن حكم الله تعالى الذي هو: تحريم سارة على الجبَّار، والثنتان المتقدِّمتان مدافعة عن وجود الله تعالى، فافترقا، فلذلك فرَّق في الإخبار بين النوعين.\nو(قوله: إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك) قيل: إن ذلك الجبَّار كانت سيرته: أنه لا يغلبُ الأخ على أخته، ولا يظلمه فيها، وكان يغلب الزوج على زوجته، وعلى هذا يدلّ مساق (١) هذا الحديث، وإلا فما الذي فرَّق بينهما في حق جبَّار ظالم؟\n_________\n(١) ليست في (ز) و(م ٣).","vol":"6","page":185},{"text":"فَإِن سَأَلَكِ فَأَخبِرِيهِ أَنَّكِ أُختِي فَإِنَّكِ أُختِي فِي الإِسلَامِ، فَإِنِّي لَا أَعلَمُ فِي الأَرضِ مُسلِمًا غَيرِي وَغَيرَكِ. فَلَمَّا دَخَلَ أَرضَهُ رَآهَا بَعضُ أَهلِ الجَبَّارِ أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ: لَقَد قَدِمَ أَرضَكَ امرَأَةٌ لَا يَنبَغِي لَهَا أَن تَكُونَ إِلَّا لَكَ، فَأَرسَلَ إِلَيهَا فَأُتِيَ بِهَا فَقَامَ إِبرَاهِيمُ ﵇ إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا دَخَلَت عَلَيهِ لَم يَتَمَالَك\nــ\nو(قوله: فإنَّ سألك فأخبريه: أنك أختي، فإنك أختي في الإسلام) هذا صحيح ليس فيه من الكذب شيء، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المُؤمِنُونَ إِخوَةٌ﴾ لكن لما كان الأسبق للفهم من لفظ الأخوة إنما هي أخوَّة النسب، كان من باب المعاريض، لأنَّ ظاهر اللفظ يوهم شيئًا، ومراد المتكلم غيره. وقيل عليه كذب توسُّعًا، وأطلق النبي ﷺ عليها كذبًا، لأنَّ الله تعالى قد أعلمه: أن إبراهيم يطلق ذلك على نفسه يوم القيامة كما تقدم في كتاب الإيمان، وأيضًا: فليُنبَّه بذلك على أن الأنبياء منزهون عن الكذب الحقيقي، لأنَّهم إذا كانوا يَفرَقُون من مثل هذه المعاريض التي يجادلون بها عن الله تعالى، وعن دينه، وهي من باب الواجب وتعد عليهم، كان أحرى وأولى أن لا يصدر عنهم شيء من الكذب الممنوع، وفي هذا ما يدلّ على جواز المعاريض والحيل في التخلص من الظَّلمة. بل نقول: إنه إذا لم يُخلِّص من الظالم إلا الكذب الصَّراح جاز أن يكذبَه، بل قد يجب في بعض الصور بالاتفاق بين الفِرَق، ككذبة تنجي نبيًّا، أو وليًّا ممن يُريد قتله، أو أمنًا من المسلمين من عدوهم.\nوفيه: ما يدل على أن العمل بالأسباب المعتادة التي يرجى بها دفع مضرَّة، أو جلب منفعة لا يقدح في التوكل، خلافًا لما ذهب إليه جُهَّال المتوكِّلة، وقد تقدَّم كثير من نحو هذا.\nوقول الجبَّار لسارة حين قبضت يده عنها: ادعي الله لي (١) يدلّ على أن هذا الجبَّار كان عنده معرفة بالله تعالى، وبأن لله من عباده من إذا دعاه أجابه، ومع\n_________\n(١) ليست في التلخيص، ولا في صحيح مسلم. ووردت في جميع نسخ المفهم.","vol":"6","page":186},{"text":"أَن بَسَطَ يَدَهُ إِلَيهَا فَقُبِضَت يَدُهُ قَبضَةً شَدِيدَةً، فَقَالَ لَهَا: ادعِي اللَّهَ أَن يُطلِقَ يَدِي وَلَا أَضُرُّكِ فَفَعَلَت، فَعَادَ فَقُبِضَت أَشَدَّ مِن القَبضَةِ الأُولَى فَقَالَ لَهَا مِثلَ ذَلِكَ فَفَعَلَت، فَعَادَ فَقُبِضَت أَشَدَّ مِن القَبضَتَينِ الأُولَيَينِ، فَقَالَ: ادعِي اللَّهَ أَن يُطلِقَ يَدِي فَلَكِ اللَّهَ أَن لَا أَضُرَّكِ فَفَعَلَت وَأُطلِقَت يَدُهُ، وَدَعَا الَّذِي جَاءَ بِهَا وَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ إِنَّمَا أَتَيتَنِي بِشَيطَانٍ وَلَم تَأتِنِي بِإِنسَانٍ، فَأَخرِجهَا مِن أَرضِي، وَأَعطِهَا هَاجَرَ، قَالَ: فَأَقبَلَت تَمشِي، فَلَمَّا رَآهَا إِبرَاهِيمُ ﵇ انصَرَفَ فَقَالَ لَهَا: مَهيَم؟ قَالَت: خَيرًا كَفَّ اللَّهُ\nــ\nذلك فلم يكن مسلمًا، لأنَّ إبراهيم ﵇ قد قال لسارة: ما أعلم على الأرض مسلمًا غيري وغيرك.\nوقول الجبَّار: لك الله ألا أضرك الرواية فيه بالنصب، لا يجوز غيره، وهو قسم، ومقسم به، ومقسم عليه، وفيه حذف يتبيَّن بالتقدير، وتقدير ذلك: أقسم بالله على ألا أضرك، فحذف الخافض، فتعدَّى الفعل فنصب، ثم حذف فعل القسم، وبقي المقسم به - وهو الله تعالى - منصوبًا، وكذلك المقسم عليه وهو: ألا أضرك، يعني مفتوح همزة ألا، ويجوز في أضرك رفع الراء على أن تكون أن مخففة من الثقيلة، ويجوز فيها النصب على أن تكون أن الناصبة للفعل المضارع.\nوقول الجبَّار للذي جاءه بسارة: إنما أتيتني بشيطان، ولم تأتني بإنسان) كلام يناقض قوله: ادعي الله لي فيكون ذمُّه لها عنادًا، بعد أن ظهر له كرامتها على الله، أو إخفاء لحالها لئلا يتحدث بما ظهر عليها من الكرامة، فتعظم في نفوس الناس وتُتَّبع، فلبَّس على السامع بقوله: إنما أتيتني بشيطان.\nو(قول إبراهيم ﵇: مهيم) قال الخليل: هي كلمة لأهل اليمن خاصة. معناها: ما هذا؟ وفي الصحاح: هي كلمة يستفهم بها، معناها: ما حالك؟ وما شأنك؟ ونحوه قال الطبري.\nو(قوله: قالت: خيرًا) هو منصوب بفعل مضمر، أي: فعل الله خيرًا. ثم","vol":"6","page":187},{"text":"يَدَ الفَاجِرِ وَأَخدَمَ خَادِمًا، قَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: فَتِلكَ أُمُّكُم يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٠٣ - ٤٠٤)، والبخاري (٢٢١٧)، ومسلم (٢٣٧١)، وأبو داود (٢٢١٢).\n* * *\nــ\nفسَّرت الخير بقولها: كبت (١) الله يد الفاجر، وأخدم خادمًا) أي: عصمها الله منه بما أظهر من كرامتها، وأعطاها الله خادمًا، وهي: هاجر. ويقال: آجر - بالهمزة يبدلونها من الهاء -.\nوفيه: جواز قبول هدية المشرك، وقد تقدم القول فيها.\nوقول أبي هريرة ﵁: فتلك أُمُّكم يا بني ماء السَّماء، فتلك: إشارة إلى هاجر، والمخاطب: العرب. قال الخطابي: سُمُّوا بذلك لانتجاعهم المطر، وماء السماء للرعي. وقال غيره: سُمُّوا بذلك لخلوص نسبهم، وصفائه. وشبَّهه بماء السماء. قال القاضي أبو الفضل: والأظهر عندي: أن المراد به الأنصار. نسبهم إلى جَدِّهم عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، وكان يعرف بماء السماء، وهو مشهور. والأنصار كلهم بنو حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر المذكور، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(١) كذا في جميع النسخ، وهي موافقة لرواية البخاري (٢٢١٧) أما في التلخيص وصحيح مسلم: \"كفَّ\".\nومعنى: كبتَ: أذلَّ وصرف.","vol":"6","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-865>(٣٠) باب</span>\n[٢٢٨٣] عن أبي هريرة قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَانَت بَنُو إِسرَائِيلَ يَغتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنظُرُ بَعضُهُم إِلَى سَوأَةِ بَعضٍ، وَكَانَ مُوسَى ﵇ يَغتَسِلُ وَحدَهُ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا يَمنَعُ مُوسَى ﵇ أَن يَغتَسِلَ مَعَنَا إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ. قَالَ: فَذَهَبَ مَرَّةً يَغتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوبَهُ عَلَى حَجَرٍ،\nــ\n(٣٠) ومن باب ذكر موسى ﵇\nقوله: كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة، ينظر بعضهم إلى سوأة بعض إنما كانت بنو إسرائيل تفعل ذلك معاندة للشرع، ومخالفة لموسى ﵇، وهو من جملة عتوِّهم، وقلة مبالاتهم باتباع شرع موسى، ألا ترى أن موسى ﵇ كان يستتر عند الغسل، فلو كانوا أهل توفيق وعقل اتبعوه، ثم لم يكفهم مخالفتهم له حتى آذوه بما نسبوا إليه من آفة الأُدرة، فأظهر الله تعالى براءته مما قالوا بطريق خارق للعادة، زيادة في أدلة صدق موسى ﵇ ومبالغة في قيام الحجة عليهم.\nوفي هذا الحديث ما يدلُّ على أن الله تعالى كمَّل أنبياءه خلقًا وخُلُقًا، ونزههم في أول خلقهم من المعايب، والنقائص المنفرة عن الاقتداء بهم المبعدة عنهم، ولذلك لم يسمع أنه كان في الأنبياء والرسل من خلقه الله تعالى أعمى، ولا أعور (١)، ولا أقطع، ولا أبرص، ولا أجذم، ولا غير ذلك من العيوب والآفات التي تكون نقصًا، ووصمًا يوجب لمن اتَّصف بها شينًا وذمًّا، ومن تصفَّح أخبارهم، وعلم أحوالهم علم ذلك على القطع. وقد ذكر القاضي ﵀ في الشفاء من هذا جملة وافرة، ولا يعترض عليها بعمى يعقوب، وبابتلاء أيوب، فإنَّ ذلك كان طارئًا عليهم محبَّةً لهم، وليقتدي بهم من ابتلي ببلاء في حالهم\n_________\n(١) في م (٣): ولا أعرج.","vol":"6","page":189},{"text":"فَفَرَّ الحَجَرُ بِثَوبِهِ. قَالَ: فَجَمَحَ مُوسَى بِأثرِهِ يَقُولُ: ثَوبِي حَجَرُ. ثَوبِي حَجَرُ، حَتَّى نَظَرَت بَنُو إِسرَائِيلَ إِلَى سَوأَةِ مُوسَى، فقَالُوا: وَاللَّهِ مَا بِمُوسَى مِن بَأسٍ. فَقَامَ الحَجَرُ بعد حَتَّى نُظِرَ إِلَيهِ. قَالَ: فَأَخَذَ ثَوبَهُ، فَطَفِقَ بِالحَجَرِ ضَربًا.\nــ\nوصبرهم، وفي أن ذلك لم يقطعهم عن عبادة ربهم. ثم إن الله تعالى أظهر كرامتهم، ومعجزاتهم بأن أعاد يعقوب بصيرًا عند وصول قميص يوسف له، وأزال عن أيوب جذامه وبلاءه عند اغتساله من العين التي أنبع الله تعالى له عند رَكضِه الأرض برجله، فكان ذلك زيادة في معجزاتهم، وتمكينا في كمالهم، ومنزلتهم. والآدر - بمد الهمزة -: هو ذو الأُدرة، بضم الهمزة، وسكون الدال، وهي عظم الخصيتين، وانتفاخهما.\nو(قوله: فجمح موسى بأثره) أي: أسرع في مشيه خلف الحجر ليأخذ ثوبه. والجموح من الخيل: هو الذي يركب رأسه في إسراعه، ولا يَثنيه شيء، وهو عيب فيها، وإنَّما أطلق على إسراع موسى خلف الحجر جماحًا، لأنَّه اشتدَّ خلفه اشتدادًا لا يثنيه شيء عن أخذ ثوبه، وهو مع ذلك ينادي: ثوبي حجر! ثوبي حجر! كل ذلك استعظام لكشف عورته، فسبقه الحجر إلى أن وصل إلى جمع بني إسرائيل، فنظروا إلى موسى، وكذبهم الله في قولهم، وقامت حجته عليهم.\nوقول موسى ﵇: ثوبي حجر! ثوبي حجر! منصوب بفعل مضمر، وحجر مناد مفرد محذوف حرف النداء، وتقدير الكلام: أعطني ثوبي يا حجر! أو: اترك ثوبي يا حجر! فحذف الفعل لدلالة الحال عليه. وحذف حرف النداء هنا استعجالًا للمنادى، وقد جاء في كلام العرب حذف حرف النداء مع النكرة، كما قالوا: اطرق كرا، وافتدِ مخنوق، وهو قليل. وإنما نادى موسى ﵇ الحجر نداء من يعقل، لأنَّه صدر عن الحجر فعل من يعقل.\nوفي وضع موسى ثوبه على الحجر، ودخوله في الماء عريانًا: دليلٌ على جواز ذلك،","vol":"6","page":190},{"text":"قَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ بِالحَجَرِ نَدَبٌ سِتَّةٌ أَو سَبعَةٌ، ضَربُ مُوسَى ﵇ بِالحَجَرِ.\nوفي رواية: قال أبو هريرة: كَانَ مُوسَى ﵇ رَجُلًا حَيِيًّا.\nقال: فَكَانَ لَا يُرَى مُتَجَرِّدًا وذكر نحوه. قال: ونزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾\nرواه أحمد (٢/ ٣١٥)، والبخاريُّ (٢٧٨)، ومسلم (٣٣٩) في الفضائل (١٥٥)، والترمذي (٣٢١٩).\nــ\nوهو مذهب الجمهور. ومنعه ابن أبي ليلى، واحتج بحديث لم يصح، وهو قوله ﷺ: لا تدخلوا الماء إلا بمئزر، فإنَّ للماء عامرًا (١).\nقال القاضي: وهو ضعيف عند أهل العلم. وجاء في الأم قال: فاغتسل عند مُوَيه (٢) وهو تصغير ماء، هكذا في رواية العذري، ورواها أكثر الرواة: المشربة - بفتح الميم والراء - وأصله: موضع الشرب، وأراد به الماء. والمشربة - بفتحها أيضًا -: الأرض اللَّينة، فأمَّا المشربة التي هي الغرفة فتقال: بفتح الراء وضمها، كما تقدم. وطفق من أفعال المقاربة، كجعل وأخذ، ويقال: بفتح الفاء وكسرها، والندب: الأثر وهو بفتح الدال.\n_________\n(١) ذكره الزبيدي في الإتحاف (٢/ ٤٠١)، وهو ضعيف ومخالف كما قال العراقي لما ذهب إليه الأئمة الأربعة وجمهور العلماء من السلف والخلف؛ من جواز كشف العورة في الخلوة في حالة الاغتسال مع إمكان التستر.\n(٢) هي في صحيح مسلم في كتاب الفضائل (٤/ ١٨٤٢) رقم (١٥٦).","vol":"6","page":191},{"text":"[٢٢٨٤] وعن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَرَرتُ عَلَى مُوسَى لَيلَةَ أُسرِيَ بِي عِندَ الكَثِيبِ الأَحمَرِ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبرِهِ.\nرواه أحمد (٣/ ١٢٠)، ومسلم (٢٣٧٥) (١٦٤)، والنسائي (٣/ ٢١٥ - ٢١٦).\n* * *\nــ\nو(قوله: مررت على موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر، وهو يصلِّي في قبره (١» الكثيب: هو الكوم من الرمل ويجمع كثبًا، وهذا الكثيب هو بطريق بيت المقدس، كما سيأتي. وهذا الحديث يدلّ بظاهره على: أنه ﷺ رأى موسى رؤية حقيقية في اليقظة، وأن موسى كان في قبره حيًّا، يصلي فيه الصلاة التي كان يصليها في الحياة، وهذا كله ممكن لا إحالة في شيء منه، وقد صحَّ أن الشهداء أحياء يرزقون، ووجد منهم من لم يتغير في قبره من السنين كما ذكرناه. وإذا كان هذا في الشهداء كان في الأنبياء أحرى وأولى، فإنَّ قيل: كيف يصلون بعد الموت وليس تلك الحال حال تكليف؟ فالجواب: أن ذلك ليس بحكم التكليف وإنَّما ذلك بحكم الإكرام لهم والتشريف، وذلك أنهم كانوا في الدنيا حبِّبت لهم عبادة الله. والصلاة بحيث كانوا يلازمون ذلك، ثم توفوا وهم على ذلك، فشرَّفهم الله تعالى بعد موتهم بأن أبقى عليهم ما كانوا يحبون، وما عُرفوا به، فتكون عبادتهم إلهاميِّة كعبادة الملائكة، لا تكليفية، وقد وقع مثل هذا لثابت البناني ﵁، فإنَّه حُبِّبت الصلاة إليه حتى كان يقول: اللهم إن كنت أعطيت أحدًا يصلِّي لك في قبره، فأعطني ذلك. فرآه مُلحِدُه، بعدما سوَّى عليه لحده قائمًا يصلِّي في قبره، وقد دلَّ على صحة ذلك كله قول نبينا ﷺ: يموت المرء على ما عاش\n_________\n(١) هي رواية مسلم (٢٣٧٥) (١٦٥).","vol":"6","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-866>(٣١) باب قصة موسى مع الخضر ﵇</span>\n[٢٢٨٥] عَن سَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ قَالَ: قُلتُ لِابنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوفًا البِكَالِيَّ يَزعُمُ أَنَّ مُوسَى ﵇ صَاحِبَ بَنِي إِسرَائِيلَ لَيسَ هُوَ مُوسَى صَاحِبَ الخَضِرِ ﵇، فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، سَمِعتُ أُبَيَّ بنَ كَعبٍ\nــ\nعليه، ويحشر على ما مات عليه (١). وقد جاء في الصحيح: أن أهل الجنَّة يلهمون التسبيح كما تلهمون النَّفس (٢).\n(٣١) ومن باب قصَّة موسى مع الخضر - ﵉ -\nقوله: إن نَوفًا البكالي، لم يختلف في أن نوفًا هو بفتح النون، وإسكان الواو وفتح الفاء منوَّنة، وأما البكالي: فروايتي فيه بكسر الباء، وفتح الكاف وتخفيفها على كل من قرأتُه عليه في البخاري ومسلم، وهي المعروفة، وقد ضبطها الخشني، وأبو بكر - بفتح الباء والكاف، وتشديد الكاف - والأول الصواب. وبكال: بطن من حِميَر، وقيل من هَمدان، وإليهم ينسب نوف هذا، وهو نوف بن فضالة على ما قاله ابن دريد، وغيره. يكنى بأبي زيد، وكان عالِمًا فاضلًا، وإمامًا لأهل دمشق، وقيل: هو ابن امرأة كعب الأحبار، وقيل: ابن أخته.\nو(قول ابن عباس: كذب عدو الله) قول أصدره غضب على من يتكلم بما لم يصح، فهو إغلاظ، وردع، وقد صار غير نوفٍ إلى ما قاله نوف، لكن الصحيح ما قاله ابن عباس على ما حكاه في الحديث.\n_________\n(١) لم نجده بهذا اللفظ، وفي صحيح مسلم (٢٨٧٨) بلفظ: \"يُبعث كل عبد على ما مات عليه\".\n(٢) رواه مسلم (٢٨٣٥) (٢٠).","vol":"6","page":193},{"text":"يَقُولُ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: قَامَ مُوسَى ﵇ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسرَائِيلَ فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا أَعلَمُ. قَالَ: فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيهِ إِذ لَم يَرُدَّ العِلمَ إِلَيهِ،\nــ\nو(قوله: قام موسى خطيبًا، فسُئِل أي الناس أعلم؟ فقال: أنا (١)، فعَتَب الله عليه إذ لم يردَّ العلم إليه) مساق هذه الرواية هو أكمل ما سيق الحديث عليه فلنبحث فيه، وظاهر هذا اللفظ: أن الذي عتب الله تعالى على موسى إنما هو أن قال: أنا أعلم. فأضاف الأعلمية إليه، ولم يقل: الله أعلم بمن هو أعلم الناس، فيفوَّض ذلك إلى الله، فيكون هذا من نوع ما عتبه النبي ﷺ على لوط ﵇ حيث قال: ﴿قَالَ لَو أَنَّ لِي بِكُم قُوَّةً أَو آوِي إِلَى رُكنٍ شَدِيدٍ﴾ وسيأتي تكميل هذا المعنى في كتاب التفسير - إن شاء الله تعالى -. فكان الأولى بموسى ﵇ أن يقول: الله أعلم بمن هو أعلم الناس، لكن لما لم يعلم في زمانه رسولًا آتاه الله كتابًا فيه علم كل شيء وتفصيل الأحكام سواه، قال ذلك حسب ما كان في علمه. لكنه تعالى لم يرض منه بذلك لكمال معرفته بالله تعالى، ولعلوِّ منصبه. وفي بعض طرق البخاري: أن السائل قال لموسى: هل في الأرض أعلم منك؟ قال: لا، فعتب الله عليه إذ لم يردَّ العلم إليه.\nقلت: وهذان اللفظان هما اللذان يتوجَّه العتب على موسى فيهما، وقد روي بألفاظ أخر، يبعد توجُّه العتب عليها، فقد روي أنه قال: لا أعلم في الأرض خيرًا ولا أعلم مني. وفي أخرى قيل له: هل تعلم أحدا أعلم منك؟ فقال: لا. فهذان اللفظان قد نفى فيهما العلم فيما سئل عنه عن نفسه، وهو حق صحيح وتبرؤ صريح، فكيف يتوجه على من قال مثل ذلك عتب، أو ينسب إلى تقصير؟ فالصحيح من حيث المعنى الذي صدر من موسى ﵇ معنى اللفظين السابقين، فإنَّه جزم فيهما بأنه أعلم أهل الأرض، وهذا محل العتب على مثله،\n_________\n(١) في صحيح مسلم والتلخيص: \"أنا أعلم\".","vol":"6","page":194},{"text":"فَأَوحَى اللَّهُ إِلَيهِ أَنَّ عَبدًا مِن عِبَادِي بِمَجمَعِ البَحرَينِ هُوَ أَعلَمُ مِنكَ،\nــ\nفإنَّه كان الأولى به أن يفوِّض علم ذلك إلى الله تعالى، وهذا يدل على صحة ما قلناه فيما تقدَّم من أن الذنوب المنسوبة إلى الأنبياء المعدَّدة عليهم إنما هي من باب ترك الأولى، وعوتبوا عليها بحسب مقاديرهم، فإنَّ حسنات الأبرار سيئات المقرَّبين.\nو(قوله تعالى (١): إن عبدًا من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك، وفي الرواية الأخرى: بل عبدنا الخضر) اسم الخضر: بليا بن مَلكان على ما قاله بعض المفسرين، وسُمِّي الخضر، لأنه كان أينما صلَّى اخضر ما حوله، وفي الترمذي من حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ: إنما سُمِّي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فاهتزت تحته خضراء (٢). وقال: هذا حديث حسن صحيح.\nومجمع البحرين: ملقاهما. قال قتادة: هما بحرا فارس والروم. السُّدِّي: هي الكر. والرس بأرمينية (٣)، أبي: وهما بإفريقية. القرطبي (٤): بطنجة. وحُكي عن ابن عباس: إن بحري العلم: الخضر وموسى، وكأنَّ هذا لا يصح عنه، والله أعلم.\nو(قوله: هو أعلم منك) أي: بأحكام مفصَّلة، وحكم نوازل معيَّنة، لا مطلقًا، بدليل قول الخضر لموسى: إنَّك على علم علَّمكه الله لا أعلمه أنا، وأنا على علم علَّمنيه الله لا تعلمه أنت. وعلى هذا فيصدق على كل واحد منهما: أنه أعلم من الآخر بالنسبة إلى ما يعلمه كل واحد منهما، ولا يعلمه الآخر.\nفلما سمع موسى هذا تشوَّفت نفسه الفاضلة، وهمَّته العالية لتحصيل علم ما لم يعلم، وللقاء\n_________\n(١) أي: ما ورد في حديث الباب بقوله: فأوحى الله إليه.\n(٢) رواه الترمذي (٢٣٥١).\n(٣) هذه الأسماء ضبطت من معجم البلدان، لياقوت الحموي.\n(٤) هو ابن عبد البر القرطبي المالكي المتوفى سنة ٤٦٣ هـ.","vol":"6","page":195},{"text":"قَالَ مُوسَى ﵇: أَي رَبِّ! كَيفَ لِي بِهِ؟ فَقِيلَ لَهُ: احمِل حُوتًا - في رواية: مالحا - فِي مِكتَلٍ، فَحَيثُ تَفقِدُ الحُوتَ فَهُوَ ثَمَّ، فَانطَلَقَ وَانطَلَقَ مَعَهُ فَتَاهُ - وَهُوَ يُوشَعُ بنُ نُونٍ - فَحَمَلَ مُوسَى ﵇ حُوتًا فِي مِكتَلٍ وَانطَلَقَ هُوَ وَفَتَاهُ يَمشِيَانِ، حَتَّى أَتَيَا الصَّخرَةَ فَرَقَدَ مُوسَى ﵇ وَفَتَاهُ، فَاضطَرَبَ الحُوتُ فِي المِكتَلِ حَتَّى خَرَجَ مِن المِكتَلِ،\nــ\nمن قيل فيه: إنه أعلم، فعزم فسأل سؤال الذَّليل: كيف السبيل؟ فأمر بالارتحال على كل حال، وقيل له: احمل معك حوتًا مالِحًا في مِكتل، وهو الزنبيل. فحيث يحيا وتفقده فثمَّ السبيل، فانطلق مع فتاه لما واتاه، مجتهدًا طلبًا قائلًا: ﴿لا أَبرَحُ حَتَّى أَبلُغَ مَجمَعَ البَحرَينِ أَو أَمضِيَ حُقُبًا﴾ والحُقُب: بضم الحاء والقاف: الدهر، والجمع أحقاب، وبضم الحاء وسكون القاف، ثمانون سنة، ويقال أكثر من ذلك، والجمع حقاب، والحقبة بكسر الحاء، واحدة الحقب، وهي: السنون. من الصحاح.\nوفيه من الفقه: رحلة العالم في طلب الازدياد من العلم، والاستعانة على ذلك بالخادم، والصَّاحب، واغتنام لقاء الفضلاء، والعلماء، وإن بَعُدَت أقطارهم، وذلك كان دأب السَّلف الصالح، وبسبب ذلك وصل المرتحلون إلى الحظ الراجح، وحصلوا على السعي الناجح، فرسخت في العلوم لهم أقدام، وصحَّ لهم من الذكر والأجر أفضل الأقسام. ثم إن موسى أزعجه القلق، فانطلق مغمورًا بما عنده من الشوق والحرق، يمشي مع فتاه على الشط، ولا يبالي بمن حطَّ، لا يجد نصبًا، ولا يخطئ سببًا. إلى أن أويا إلى الصخرة فناما في ظِلِّها. قال بعض المفسرين: وكانت على مجمع البحرين، وعندها ماء الحياة - حكى معناها الترمذي عن سفيان بن عيينة - فانتضح منه على الحوت فحيي واضطرب، فخرج من المكتل يضطرب حتى سقط في الماء، فأمسك الله جرية الماء عن موضع دخوله حتى كان مثل الطاق، وهو النَّقب الذي يدخل منه.","vol":"6","page":196},{"text":"فَسَقَطَ فِي البَحرِ، قَالَ: وَأَمسَكَ اللَّهُ عَنهُ جِريَةَ المَاءِ حَتَّى كَانَ مِثلَ الطَّاقِ، فَكَانَ لِلحُوتِ سَرَبًا، وَكَانَ لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا، فَانطَلَقَا بَقِيَّةَ يَومِهِمَا وَلَيلَتِهِمَا، وَنَسِيَ صَاحِبُ مُوسَى أَن يُخبِرَهُ، فَلَمَّا أَصبَحَ مُوسَى ﵇ قَالَ لِفَتَاهُ: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَد لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾\nــ\nو(قوله: فكان للحوت سربًا) أي: مسلكًا. عن مجاهد قال قتادة: جمد الماء فصار كالسِّرب.\nو(قوله: وكان لموسى وفتاه عجبًا) لما تذكرا، فرجعا، فعجبا من قدرة الله على إحياء الحوت، ومن إمساك جري الماء حتى صار بحيث يسلك فيه.\nو(قوله: فانطلقا بقية يومهما وليلتهما) يعني: بعد أن قاما من نومهما، ونسيا حوتهما، أي: غفلا عنه، ولم يطلباه لاستعجالهما. وقيل: نسي يوشع الحوت، وموسى أن يأمره فيه بشيء. وقيل: نسي يوشع فنسب النسيان إليهما للصحبة، كقوله تعالى: ﴿يَخرُجُ مِنهُمَا اللُّؤلُؤُ وَالمَرجَانُ﴾ وعلى هذا القول يدل قوله في الحديث: ونسي صاحب موسى أن يخبره، ويظهر منه: أن يوشع أبصر ما كان من الحوت ونسي أن يخبر موسى في ذلك الوقت.\nو(قوله: فلما أصبح قال موسى: ﴿لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَد لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ هذا يدلّ على أنهما كانا تزوَّدا، وقيل: كان زادهما الحوت، وكان مملَّحًا.\nقلت: والظاهر من الحديث: أنه إنما حمل الحوت معه، ليكون فقده دليلًا على موضع الخضر، كما تقدَّم من قوله تعالى لموسى: احمل معك حوتًا في مكتل، فحيث تفقد الحوت فهو ثمَّ، وعلى هذا فيكون تزوَّدا شيئًا آخر غير الحوت. والنصب: التعب والمشقة. وقيل: عنى به هنا: الجوع.\nوفيه دليل على جواز الإخبار بما يجده الإنسان من الألم والأمراض، وأن ذلك لا يقدح في الرّضا، ولا في التسليم للقضاء، لكن إذا لم يصدر ذلك عن ضجر ولا تسخُّط.","vol":"6","page":197},{"text":"قَالَ: وَلَم يَنصَب موسى حَتَّى جَاوَزَ المَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ ﴿قَالَ أَرَأَيتَ إِذ أَوَينَا إِلَى الصَّخرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلا الشَّيطَانُ أَن أَذكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحرِ عَجَبًا﴾ قَالَ مُوسَى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبغِ فَارتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا\nــ\nو(قوله: ولم ينصب حتى جاوز المكان الذي أمر به) أي: لم يجد موسى ألم النَّصب إلا بعد أن جاوز موضع فقد الحوت، وكأن الله تعالى جعل وجدان النصب بسبب طلب الغداء سبب تذكر ما كان من الحوت. ومن هنا قيل: إن النَّصب هنا هو الجوع.\nو(قوله: أرأيت إذ أوينا إلى الصَّخرة فإني نسيت الحوت) هذا قول يوشع جوابًا لموسى، وإخبارًا له عما جرى. ومعنى ﴿أَوَينَا﴾ انضممنا، وهي هنا بقصر الهمزة لأنه لازم، وقد تقدَّم ذكر الخلاف في المتعدي في قصره ومده. ونسبة الفتى النسيان إلى نفسه نسبة عادية لا حقيقية.\nو(قوله: ﴿وَمَا أَنسَانِيهُ إِلا الشَّيطَانُ أَن أَذكُرَهُ﴾ أن مع الفعل بتأويل المصدر، وهو منصوب بدل اشتمال من الضمير في أنسانيه، وهو بدل الظاهر من المضمر، وهذا إنما ذكره يوشع في معرض الاعتذار، وذلك أن في البخاري: أن موسى قال لفتاه: لا أُكلِّفك إلا أن تُخبرني بحيث يفارقك الحوت، فاعتذر بذلك القول، ويعني بذلك: أن الشيطان سبب للنسيان، والغفلة، بما يورده على القلب من الخوض في غير المعنى المطلوب، ومن المعلوم أن النسيان لا صنع فيه للإنسان، وأنه مغلوب عليه، ولذلك لم يؤاخذ الله تعالى به، وإنَّما محل المؤاخذة الإهمال والتفريط. والانصراف عن الأمور المهمة إلى ما ليس بمهم حتى ينسى المهم، وهذا هو فعل الشيطان المذموم أن يُشغل ذكر الإنسان بما ليس بمهم، ويزينه له حتى ينصرف عن المهم فيذم على ذلك ويُعاقب، فيحصل مقصود الشيطان من الإنسان.\nو(قوله: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحرِ عَجَبًا﴾ أي: اتخذ الحوت","vol":"6","page":198},{"text":"قَصَصًا﴾ قَالَ: يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا حَتَّى أَتَيَا الصَّخرَةَ فَرَأَى رَجُلًا مُسَجًّى عَلَيهِ بِثَوبٍ - وفي رواية: مستلقيا على القفا، أو قال: على حلاوة القفا - فَسَلَّمَ عَلَيهِ مُوسَى، فَقَالَ لَهُ الخَضِرُ: أَنَّى بِأَرضِكَ السَّلَامُ من\nــ\nطريقه في البحر سربًا، تعجب منه يُوشع، ويتعجب به غيره ممن شاهده، أو سمع قضيته.\nو﴿نَبغِ﴾ نطلب. وارتدا: رجعا. و﴿قَصَصًا﴾ تتبعًا لآثار طريقهما. و﴿الصَّخرَةِ﴾ هي التي كان أويا إليها. والمسجَّى: المغطى. ومُستلقيًا على القفا أي: مباشرًا بظهره وقفاه الأرض مستقبلًا بوجهه السماء كهيئة الميت.\nو(قوله: أو على حلاوة القفا) شك من بعض الرواة. وحلاوة القفا يعني بها - والله أعلم -: أن هذه الضجعة مما تستحلى، لأنَّها ضجعة استراحة، فكأنه قال: أو حلاوة ضجعة القفا، ويقال بضم الحاء وفتحها، وحلاء بالضم والمد، وبه وبالقصر، وكأن هذه الضجعة من الخضر كانت بعد تعب عبادة. وآثر هذه الضجعة لما فيها من تردُّد البصر في المخلوقات، ورؤية عجائب السماوات، فكأن الخضر في هذه الضجعة متفرغ عن الخليقة، مملوء بما لاح له من الحق والحقيقة، ولذلك لما سلَّم عليه موسى ﵇ كشف الثوب عن وجهه، وقال: وعليك السلام، من أنت؟\nو(قوله: أنَّى بأرضك السَّلام) معناه: من أين تعرف السلام بهذه الأرض التي أنت فيها؟ ! وهذا يحتمل وجهين:\nأحدهما: أن ذلك الموضع كان قفرًا لم يكن به أحدٌ يصحبه، ولا أنيس فيكلمه، ويحتمل أن يكون أهل ذلك الموضع لا يعرفون السلام الذي سلم به موسى، إما لأنهم ليسوا على دين موسى، وإما لأنه ليس من كلامهم.\nوأنى تأتي بمعنى: حيث، وكيف، وأين، ومتى. حكاه القاضي. وفي هذا من الفقه: تسليم القائم على المضطجع، وهذا القول من الخضر كان بعد أن ردَّ ﵇،","vol":"6","page":199},{"text":"أنت؟ ! قَالَ: أَنَا مُوسَى، قَالَ: مُوسَى بَنِي إِسرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَم - وفي رواية: قال: مجيء ما جاء بك؟ ! قال: جئت لتعلمني مما علمت رشدا،\nــ\nلا قبله، كما قد ذكرناه، ومساق هذه الرواية يدل: على أن اجتماع موسى ﵇ بالخضر كان في البر عند الصخرة، وهو ظاهر قوله: حتى إذا أتى الصخرة فرأى رجلًا مسجَّى، وفي بعض طرق البخاري: حتى أتى الصخرة، فإذا رجل مسجَّى فعطفه بالفاء المعقبة، وإذا المفاجئة، غير أنه قد ذكر البخاري ما يقتضي أنه رآه في كبد البحر، وذلك أنه قال فيها: فوجد خضرًا على طنفسة خضراء على كبد البحر مسجَّي بثوبه، وجعل طرفه تحت رجليه، وطرفه تحت رأسه (١). وكبد البحر: وسطه. وهذا يدلّ على أنه اجتمع به في البحر، ويحتمل أن موسى مشى على الماء، وتلاقيا عليه، وهذا لا يستبعد على موسى والخضر، فإنَّ الذي خرق لهما من العادة أكثر من هذا وأعظم. وعلى هذا فهذه الزيادة تُضم إلى الرواية المتقدِّمة، ويجمع بينهما بأن يقال: إن وصول موسى للصخرة، واجتماعه مع الخضر كان في زمان متقارب، أو وقت واحد لطيِّ الأرض، وتسخير البحر، والقدرة صالحة، وهذه الحالة خارقة للعادة، ولما كان كذلك عبَّر عنها بصيغ التعقيب والاتصال، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: نعم) هو حرف جواب في الإيجاب، فكأنه قال: أنا موسى بني إسرائيل، فهو نصٌّ في الرد على نوفٍ، وعلى من قال بقوله: وهم أكثر اليهود.\nو(قوله: مجيء ما جاء بك) قيَّدها ابن ماهان بالهمز والتنوين، وعلى هذا تكون ما نكرة صفة لمجيء، وهي التي تكون للتفخيم والتعظيم، كقولهم: لأمر ما تسوَّدَ من تسوَّدَ، ولأمر ما تدرَّعت الدروع. فيكون معناه: مجيءٌ عظيمٌ، وأمرٌ مهمٌ حملك على أن تركت ما كنت عليه من أمر بني إسرائيل، واقتحمت الأسفار،\n_________\n(١) هي رواية البخاري المشار إليها في التخريج (٤٧٢٦).","vol":"6","page":200},{"text":"قَالَ: إِنَّكَ عَلَى عِلمٍ مِن عِلمِ اللَّهِ عَلَّمَكَهُ اللَّهُ لَا أَعلَمُهُ، وَأَنَا عَلَى عِلمٍ مِن عِلمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعلَمُهُ،\nــ\nوقطعَ المفاوز والقفار. وقد زاد فيه بعض الرواة: أن الخضر قال له: وعليك السلام، أنَّى بأرضنا يا نبي بني إسرائيل، أما كان لك فيهم شغل؟ ! قال: بلى ولكني أمرت أن أصحبك، مستفيدًا منك. فأجاب بجواب المتعلم المسترشد بين يدي العالم المرشد ملازمًا للأدب والحرمة، ومعظمًا لمن شرَّفه الله بالعلم، وأعلى رسمه فقال: جئتُك لتعلمني مما عُلمت رُشدًا. قرأه الجماعة بضم الراء وسكون الشين، وقرأه يعقوب وأبو عمرو بالفتح فيهما، وهما لغتان، ويقال: رَشَدَ: بالفتح يرشد رُشدًا بالضم، ورَشِد بالكسر يرشَد رَشدًا بالفتح، ومعنى الرشد: الاستقامة في الأمور، وإصابة وجه السداد، والصواب فيها، وضده الغي. وهو منصوب على المصدر، ويكون في موضع الحال، ويصح أن يكون مفعولًا من أجله، وفيه من الفقه التذلل، والتواضع للعالم، وبين يديه، واستئذانه في سؤاله، والمبالغة في احترامه وإعظامه، ومن لم يفعل هكذا فليس على سنة الأنبياء، ولا على هديهم، كما قال نبينا ﷺ: ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه (١).\nو(قوله: إنك على علم من علم الله علَّمكه الله، لا أعلمه، وأنا على علم من علم الله علَّمنيه لا تعلمه أنت) ظاهر هذا: أن الخضر كان لا يعلم التوراة، ولا ما علمه موسى من الأحكام، وقد جاء هذا الكلام في بعض روايات البخاري بغير هذا اللفظ، وبزيادة فيه، فقال: أما يكفيك أن التوراة بين يديك، وأن الوحي يأتيك يا موسى؟ إن لي علمًا لا ينبغي لك أن تعلمه، وإن لك علمًا لا ينبغي لي أن أعلمه (٢).\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٣٢٣)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٢٢) وصححه، ووافقه الذهبي.\n(٢) هي رواية البخاري (٤٧٢٦).","vol":"6","page":201},{"text":"قَالَ لَهُ مُوسَى ﵇: ﴿هَل أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمتَ رُشدًا * قَالَ إِنَّكَ لَن تَستَطِيعَ مَعِيَ صَبرًا * وَكَيفَ تَصبِرُ عَلَى مَا لَم تُحِط بِهِ خُبرًا * قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعصِي لَكَ أَمرًا﴾\nــ\nقلت: ولا بعد فيما ظهر من رواية مسلم، لأنَّ الخضر إن كان نبيًا فقد اكتفى بما تعبَّده الله به من الأحكام، وإن كان غير نبي فليس متعبدًا بشريعة بني إسرائيل، إذ يمكن أن لا يكون منهم. والله أعلم، وسيأتي القول في نبوته. وأما مساق رواية البخاري، فهو مساق حسن لا يرد عليه من هذا الاستبعاد شيء، لأنَّ مقتضاه: أن لكل واحد منهما علما خاصا به لا يعلمه الآخر، ويجوز أن يشتركا في علم التوراة، وغيرها مما شاء الله أن يشركهما فيه من العلوم، ويظهر لي أن الذي خصَّ به موسى ﵇: العلم بالأحكام، والمصالح الكلية التي تنتظم بها مصالح الدنيا، لأنَّه أرسل إلى عامة بني إسرائيل.\nوقول موسى: ﴿هَل أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِي﴾، سؤال ملاطفة، أي: هل يمكن كوني معك حتى أتعلم منك؟ فأجابه بما يقتضي أن ذلك ممكن لولا المانع الذي من جهتك، وهو عدم صبرك، فقال جازمًا في قضيته، لما علمه من حالته: ﴿إِنَّكَ لَن تَستَطِيعَ مَعِيَ صَبرًا﴾، ثم بيَّن وجه عذره عن ذلك بقوله: ﴿وَكَيفَ تَصبِرُ عَلَى مَا لَم تُحِط بِهِ خُبرًا﴾، معناه: إنك لا تصبر عن الإنكار والسؤال، وأنت في ذلك كالمعذور، لأنَّك تشاهد أمورًا ظاهرة، ولا تعرف بواطنها وأسرارها. وانتصبت خبرًا على التمييز المنقول عن الفاعل، وقيل على المصدر الملاقي في المعنى، لأنَّ قوله: لم تحط معناه: لم تُخبر، فكأنه قال: لم تخبره خبرًا، وإليه أشار مجاهد. والخبير بالأمور: هو العالم بخفاياها، وبما يختبر منها.\nوقوله: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعصِي لَكَ أَمرًا﴾،","vol":"6","page":202},{"text":"قَالَ لَهُ الخَضِرُ ﴿فَإِنِ اتَّبَعتَنِي فَلا تَسأَلنِي عَن شَيءٍ حَتَّى أُحدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكرًا﴾ قَالَ: نَعَم، فَانطَلَقَ الخَضِرُ وَمُوسَى يَمشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ البَحرِ، فَمَرَّت بِهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمَاهُم أَن يَحمِلُوهُمَا، فَعَرَفُوا الخَضِرَ فَحَمَلُوهُمَا بِغَيرِ نَولٍ، فَعَمَدَ الخَضِرُ إِلَى لَوحٍ مِن أَلوَاحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ،\nــ\nهذا تفويض إلى الله تعالى في الصبر، وجزمٌ بنفي المعصية، وإنما كان منه ذلك، لأن الصبرَ أمر مستقبل، ولا يدري كيف يكون حاله فيه، ونفي المعصية معزومٌ عليه حاصل في الحال، فالاستثناء فيه يُنافي العزمَ عليه والله تعالى أعلم. ويُمكن أن يفرَّق بينهما بأن الصبرَ ليس مُكتسبًا لنا بخلاف فعل المعصية وتركها، فإن ذلك كله مكتسب لنا.\nوقوله: ﴿فَإِنِ اتَّبَعتَنِي فَلا تَسأَلنِي عَن شَيءٍ حَتَّى أُحدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكرًا﴾، هذا من الخَضِر تأديبٌ، وإرشادٌ لما يقتضي دوامَ الصُّحبة، ووعدٌ بأنه يُعرِّفه بأسرار ما يراه من العجائب، فلو صبرَ ودَأبَ لرأى العجبَ، لكنَّه أكثر من الاعتراض، فتعيَّن الفِراق والإعراض.\nو(قوله: فانطلقا (١) يمشيان على ساحل البحر) يعني: الخضر وموسى، ولم يذكر معهما فتى موسى، فدلَّ على أنه لم يكن معهما، أو أنه تخلَف عنهما، ويحتمل أنه اكتفى بذكر المتبوع عن التابع.\nو(قوله: فعرفوا الخَضِر، فحملوهما بغير نَول) أي: بغير شيء ناله أصحابُ السفينة منهما، أي: بغير جُعل، والنَّولُ والنَّالُ والنَّيلُ: العطاء. وفيه ما يدلُ على قَبُول الرجل الصالح ما يُكرمُه به من يعتقدُ فيه صلاحًا، ما لم يتسبَّب هو بإظهار صلاحه لذلك، فيكون قد أَكَلَ بدينه وذلك مُحرَّم وربا.\n_________\n(١) في صحيح مسلم والتلخيص: \"فانطلق الخضر وموسى يمشيان على ساحل البحر\".","vol":"6","page":203},{"text":"فَقَالَ لَهُ مُوسَى: قَومٌ حَمَلُونَا بِغَيرِ نَولٍ عَمَدتَ إِلَى سَفِينَتِهِم فَخَرَقتَهَا لِتُغرِقَ أَهلَهَا لَقَد جِئتَ شَيئًا إِمرًا، قَالَ: ﴿قَالَ أَلَم أَقُل إِنَّكَ لَن تَستَطِيعَ مَعِيَ صَبرًا * قَالَ لا تُؤَاخِذنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرهِقنِي مِن أَمرِي عُسرًا﴾ ثُمَّ خَرَجَا مِن السَّفِينَةِ، فَبَينَمَا هُمَا يَمشِيَانِ\nــ\nوقوله: ﴿لِتُغرِقَ أَهلَهَا﴾، قرأه حمزة والكسائي بالمثناة تحت مفتوحة. وأصلُها بالرفع على أنه فاعل يَغرَق، والباقون بمثناة فوق مضمومة. أهلَها: بالنصب، فعلى الأول تكون اللام للمآل، كما قال تعالى: ﴿فَالتَقَطَهُ آلُ فِرعَونَ لِيَكُونَ لَهُم عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ وعليها: فلم يَنسب له أنه أراد الإغراق، وعلى القراءة الثانية: تكون اللام: لام كي، ويكون نَسبَ إليه: أنه قصد بفعله ذلك إغراقهم، وحملَه على ذلك فرطُ الشفقة عليهم، ولأنهم قد أحسنوا فلا يُقابلون بالإساءة، ولم يقل: لتغرقني، لأن الذي غلبت عليه في الحال: فَرطُ الشفقة عليهم، ومراعاة حقهم.\nوقوله: ﴿لَقَد جِئتَ شَيئًا إِمرًا﴾، أي: ضعيف الحجة، يُقال: رجل إمرٌ: أي: ضعيف الرأي ذاهبُه، يحتاج إلى أن يُؤمر، قال معناه أبو عبيد. مجاهد: منكرًا. مقاتل: عجبًا. الأخفش: يُقال أَمِرَ أَمرُهُ، يأمر أمرًا، أي: اشتد، والاسم: الإمرُ. قال الراجز:\nقَد لَقِيَ الأقرَانُ مِنِّي نُكرًا ... داهِيَةَ دَهيَاءَ إِدًّا إِمرا\nوفيه من الفقه: العمل بالمصالح، إذا تحقق وجهها، وجواز إصلاح كل المال بفساد بعضه.\nوقوله: ﴿لا تُؤَاخِذنِي بِمَا نَسِيتُ﴾، أي: من عهدك، فتكون ما مع الفعل بتأويل المصدر، أي: سهوي وغفلتي. وصدقَ، ولذلك قال رسول الله ﷺ: كانت الأولى من موسى نسيانًا.\nوقوله: ﴿وَلا تُرهِقنِي مِن أَمرِي عُسرًا﴾، أي: لا تفندني فيما","vol":"6","page":204},{"text":"عَلَى السَّاحِلِ إِذَا غُلَامٌ يَلعَبُ مَعَ الغِلمَانِ، فَأَخَذَ الخَضِرُ بِرَأسِهِ، فَاقتَلَعَهُ بِيَدِهِ، فَقَتَلَهُ - وفي رواية: فذعر عندها موسى ﵇ ذعرة منكرة - فَقَالَ مُوسَى: ﴿أَقَتَلتَ نَفسًا زَكِيَّةً بِغَيرِ نَفسٍ لَقَد جِئتَ شَيئًا نُكرًا﴾\nــ\nتركته، قاله الضحَّاك. وقال مقاتل: لا تكلِّفني ما لا أقدر عليه من التحفُّظ عن السهو.\nو(قوله: فإذا غلام يلعب مع الغلمان) قد تقدم: أن الغلام في الرجال يقال على من لم يبلغ، ويُقابله الجارية في النساء. قال الكلبي: اسم هذا الغلام: شمعون. وقال الضحَّاك: حيسون. وقال وهب: اسم أبيه سلاس، واسم أمه: رُحمى، وقال ابن عباس: كان شابًّا يقطع الطريق.\nقلت: ويظهر من كلام ابن عباس هذا: أنه كان بالغًا، وأنه بلغ سن التكليف، وليس هذا معروفًا في إطلاق اسم الغلام في اللغة، ومساق الحديث يدلّ على أنه لم يبلغ سن التكليف، فلعل هذا القول لم يصح عن ابن عباس. بل الصحيح عنه: أنه كان لم يبلغ، كما يأتي.\nو(قوله: فذُعِرَ موسى عندَ هذا ذَعرَةً شديدة (١» أي: فَزِعَ فَزَعًا شديدًا عند هذه الفعلة التي هي قتله الغلام، وعند ذلك لم يتمالك موسى أن بادر بالإنكار، تاركًا للاعتذار، فقال: (أقتلت نفسًا زكية بغير نفس لقد جئت شيئًا نكرًا)، هذه قراءة العامة (٢)، وقرأه الكوفيون، وابن عامر: زكيَّة بغير ألف، وتشديد الياء. قال ثعلب: الزكية أبلغ. قال أبو عبيد: الزكية في الدين، والزاكية في البدن. قال الكسائي: هما بمعنى واحد، كقاسية وقسيَّة. ابن عباس: مسلمة. أبو عمرو: التي\n_________\n(١) في التلخيص ومسلم: \"منكرة\".\n(٢) أي: ﴿زاكية﴾ كما أوردها المؤلف في الأصول.","vol":"6","page":205},{"text":"﴿قَالَ أَلَم أَقُل لَكَ إِنَّكَ لَن تَستَطِيعَ مَعِيَ صَبرًا﴾ قَالَ: وَهَذِهِ\nــ\nما حلَّ ذنبها (١). ابن جبير: يريد على الظاهر.\nوقوله: بغير نفس، يعني: لم تقتل نفسًا فتستحق القتل والنُّكر: أشدُّ المنكر، وأفحشه، قاله قتادة. وفيه لغتان: ضم الكاف، وسكونها، وقرئ بهما. وهذه بادرة من موسى ترك بها كل ما كان التزم له من الصبر، وترك المخالفة، لكن حمله على ذلك: استقباح ظاهر الحال، وتحريم ذلك في شرعه، ولذلك قال النبي ﷺ: وهذه أشدُّ من الأولى.\nو(قوله: رحمة الله علينا وعلى موسى) قال الراوي: وكان إذا ذكر أحدًا من الأنبياء بدأ بنفسه. هذا إنما كان يفعله النبي ﷺ في الأدعية وأشباهها، مما يعود عليه بالثواب والأجر الأخروي، حرصًا على تحصيل المنازل الرفيعة عند الله تعالى، كما قال في الوسيلة: إنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو (٢).\nوحاصله: أن القرب من الله تعالى، وثوابه ليس مما يُؤثر الغير به بل تنبغي المنافسة فيه، والمسابقة إليه، بخلاف أمور الدنيا، وحظوظها، فإنَّ الفضل في تركها، وإيثار الغير بما يحوز منها.\nو(قوله: ولكنه أخذته ذمامةٌ من صاحبه) هو بالذال المعجمة مفتوحة، وهي بمعنى: المذمَّة - بفتح الذال وكسرها - وهي: الرقة، والعار من ترك الحرمة. يُقال: أخذتني منه مذمّةٌ ومذِمَّة، وذمامة، بمعناه، وكأنه استحيا من تكرار مخالفته، ومما صدر عنه من تغليظ الإنكار.\nوقوله: ﴿قَالَ أَلَم أَقُل لَكَ إِنَّكَ لَن تَستَطِيعَ مَعِيَ صَبرًا﴾، إنما\n_________\n(١) في تفسير القرطبي (١١/ ٢١): قال أبو عمر: الزاكية: التي لم تذنب قط، والزكيَّة التي أذنبت ثم تابت.\n(٢) رواه أحمد (٢/ ١٦٨)، ومسلم (٣٨٤)، وأبو داود (٥٢٣)، والنسائي (٢/ ٢٥ - ٢٦).","vol":"6","page":206},{"text":"أَشَدُّ مِن الأُولَى، ﴿قَالَ إِن سَأَلتُكَ عَن شَيءٍ بَعدَهَا فَلا تُصَاحِبنِي قَد بَلَغتَ مِن لَدُنِّي عُذرًا * فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهلَ قَريَةٍ﴾ - وفي رواية: لئاما -\nــ\nذكر لك في هذه المرة، ولم يذكرها في الأولى مقابلة له على قلَّة احترامه في هذه الكرَّة، فإنَّ مقابلته بـ لك مع كاف خطاب المفرد يشعر بقلة احترامه. والله أعلم.\nوقوله: ﴿إِن سَأَلتُكَ عَن شَيءٍ بَعدَهَا فَلا تُصَاحِبنِي﴾، هذا القول أبرزه من موسى استحياؤه من كثرة المخالفة، وتهديده لنفسه عند معاودتها للاعتراض بالمفارقة.\nوقوله: ﴿قَد بَلَغتَ مِن لَدُنِّي عُذرًا﴾، أي: قد صرت عندي معذورًا، وقد تقدَّم الفرق بين لدنِّي وعندي، وأن في لدنِّي لغات، وقرئت: (من لَدنِي) بضم الدال، [وتخفيف النون، وسكون الدال، وإشمامها الضم، وتخفيف النون لأبي بكر عن عاصم. وبضم الدال] (١)، وتشديد النون، والأولى لنافع والثالثة للباقين.\nوقوله: ﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهلَ قَريَةٍ﴾ لئام فـ ﴿استَطعَمَا أَهلَهَا﴾ قال قتادة: القرية أيلة. وقيل: أنطاكية. ولئام هنا: بخلاء، واللؤم في الأصل: هو البخل مع دناءة الآباء. والاستطعام: سؤال الطعام، والمراد به هنا: أنهما سألا الضيافة بدليل قوله تعالى: ﴿فَأَبَوا أَن يُضَيِّفُوهُمَا﴾ فاستحق أهل القرية أن يُذمُّوا وينسبوا إلى اللؤم كما وصفهم بذلك نبينا ﷺ، ويظهر من ذلك: أن الضيافة كانت عليهم واجبة، وأن الخضر وموسى إنما سألا ما يجب لهما من الضيافة. وهذا هو الأليق بحال الأنبياء والفضلاء، وبعيد أن يذم من ترك المندوب هذا الذم، مع أنه يحتمل أن يقال: إن الضيافة لما كانت من المكارم المعروفة المعتادة عند أهل البوادي، ذم المتخلف عنها عادة، كما قد قالوا: شرٌّ\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"6","page":207},{"text":"فطافا في المجالس فـ ﴿استَطعَمَا أَهلَهَا فَأَبَوا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ﴾ يَقُولُ: مَائِلٌ\nــ\nالقُرى التي تبخل بالقِرى ويحتمل أن يكون سؤالهما الضيافة عند حاجتهما إلى ذلك، وقد بيَّنَّا: أن من جاع وجب عليه أن يطلب ما يرد به جوعه، ففيه ما يدل: على جواز المطالبة بالضيافة، كما قال ﷺ: إذا نزلتم بقوم فلم يضيفوكم فاطلبوا منهم حق الضيف (١). وقد تقدَّم القول في الضيافة وأحكامها، ويعفو الله عن الحريري، فإنَّه تسخَّف في هذه الآية وتمَجَّن، فاستدل بها على الكُديَةِ (٢) والإلحاح فيها، وأن ذلك ليس بعيب على فاعله ولا منقصة عليه فقال:\nفإنَّ رُددت فما بالردِّ منقَصَةٌ ... عليك قد رُدَّ موسى قبل والخضر\nوهذا لعبٌ بالدِّين، وانسلال عن احترام النبيين، فهي: شنشنة أدبية وهفوة سخافية، ويرحم الله السَّلف الصالح فإنَّهم بالغوا في وصية كل ذي عقل راجح، فقالوا: مهما كنت لاعبًا بشيء، فإياك أن تلعب بدينك.\nوقوله: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾، الجدار: الحائط. وينقض: يسقط. ووصفه بالإرادة مجاز مستعمل، وقد فسره في الحديث بقوله: يقول: مائل فكان فيه دليل على وجود المجاز في القرآن، وهو مذهب الجمهور، ومما يدلّ على استعمال ذلك المجاز وشهرته، قول الشاعر:\nيُريد الرُّمح صَدرَ أبي بَراءٍ ... ويَرغَبُ عن دِماء بَنِي عَقِيل\nوقال آخر:\nإنَّ دَهرًا يَلُفُّ شَملِي بِسَلمى (٣) ... لَزَمانٌ يَهُمُّ بالإحسانِ\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ١٤٩)، والبخاري (٢٤٦١)، ومسلم (١٧٢٧)، وأبو داود (٣٧٥٢)، والترمذي (١٥٨٩)، وابن ماجه (٣٦٧٦).\n(٢) الكُدْية: حرفة السائل المُلِحِّ (الشِّحاذة).\n(٣) في اللسان والصحاح: بجُمْل.","vol":"6","page":208},{"text":"قَالَ الخَضِرُ بِيَدِهِ هَكَذَا، فَأَقَامَهُ، قَالَ لَهُ مُوسَى: قَومٌ أَتَينَاهُم فَلَم يُضَيِّفُونَا، وَلَم يُطعِمُونَا ﴿لَو شِئتَ لاتَّخَذتَ عَلَيهِ أَجرًا * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَينِي وَبَينِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأوِيلِ مَا لَم تَستَطِع عَلَيهِ صَبرًا﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَرحَمُ اللَّهُ مُوسَى، لَوَدِدتُ أَنَّهُ كَانَ صَبَرَ، حَتَّى يُقَصَّ عَلَينَا مِن أَخبَارِهِمَا قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَانَت الأُولَى مِن مُوسَى نِسيَانًا قَالَ: وَجَاءَ عُصفُورٌ حَتَّى وَقَعَ عَلَى حَرفِ السَّفِينَةِ، ثُمَّ نَقَرَ فِي البَحرِ فَقَالَ لَهُ الخَضِرُ: مَا نَقَصَ عِلمِي وَعِلمُكَ مِن عِلمِ اللَّهِ إِلَّا مِثلَ مَا نَقَصَ هَذَا العُصفُورُ مِن البَحرِ.\nــ\nوقال آخر:\nفي مَهمَهٍ فُلِقَت به هاماتُنَا ... فَلقَ الفُؤوسِ إذا أردنا نُصُولا\nوالنصول هنا: الثبوت في الأرض، من قولهم: نصل السَّهم: إذا ثبت في الرَّميَّة، فشبَّه وقع السيوف على رؤوسهم بوقع الفؤوس في الأرض الشديدة، فإنَّ الفأس يقع فيها ويثبت، ولا يكاد يخرج. والمجاز موجود في القرآن والسُّنَّة كما هو موجودٌ في كلام العرب، وقد استوفينا مباحث هذه المسألة في الأصول.\nو(قوله: قال الخضر بيده - هكذا - فأقامه) يعني به أنه أشار إليه بيده، فقام. فيه دليل على كرامات الأولياء، وكذلك كل ما وصف عن أحوال الخضر في هذا الحديث، وكلها أمور خارقه للعادة. هذا إذا تنزلنا على أنه ولي لا نبي، وقد اختلف فيه أئمة أهل السُّنَّة. والظاهر من مساق قصته واستقراء أحواله، مع قوله: ﴿وَمَا فَعَلتُهُ عَن أَمرِي﴾ أنه نبي يوحى إليه بالتكاليف والأحكام، كما أوحي إلى الأنبياء، غير أنه ليس برسول.\nوقوله: (لو شئت لَتخِذتَ عليه أجرًا) هذه قراءة ابن كثير، وأبي عمرو ويعقوب (*)، وقراءة غيرهم: ﴿لاتَّخَذتَ﴾ وهما لغتان بمعنى واحد من\n_________\n(*) أي: ﴿لَتَخِذْتَ﴾ كما أوردها المؤلف في الأصول.","vol":"6","page":209},{"text":"قَالَ سَعِيدُ بنُ جُبَيرٍ: وَكَانَ يَقرَأُ: وَكَانَ أَمَامَهُم مَلِكٌ يَأخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ\nــ\nالأخذ، وهذه صدرت من موسى سؤالًا على جهة العرض، لا الاعتراض، فعند ذلك قال له الخضر: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَينِي وَبَينِكَ﴾، أي: هذا وقت ذلك، بحكم ما شرطتَه على نفسكَ، ثم وعدَه بأن يُخبرَه بحكم تلك الأحكام، فقال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَت لِمَسَاكِينَ يَعمَلُونَ فِي البَحرِ﴾، القراءة المتواترة بتخفيف السين، جمع مسكين. سُمُّوا بذلك على جهة الشفقة والترحُّم، وقيل: كانوا فيها أجراء، وروي عن ابن عباس أنه قرأها: (مسَّاكين) بتشديد السين، جمع مسَّاك، لإمساكهم السفينة، قيل: كانوا عشرة، خمسة منهم يعملون في البحر، وخمسة منهم زَمنى (١)، وقد تقدَّم الفرق بينَ المسكين والفقير في كتاب الزكاة.\nوقوله: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُم مَلِكٌ يَأخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصبًا﴾، وراء في أصلها: بمعنى خلف، فقال بعض المفسرين: إنه كان خلفهم، وكان رجوعهم عليه، والأكثر على أن معنى وراءَ هنا: أمام، وهذا القول أولى لقراءة سعيد: (وكان أمامَهم)، ولما يأتي في بقية الحديث، وقال بعضهم: وراء: يكون من الأضداد. قال الشاعر:\nأَترجُو بَنُو مَروَانَ سَمعِي وَطَاعَتي ... وقَومِي تَمِيمٌ وَالفَلاةُ وَرَائيا\nأي: أمامي. وأصل هذا: أن كل ما يوارى عنك فهو وراء، وقيل: اسم هذا المَلِك: هدد بن بدد بن جُريج. وقال الكلبيُّ: الجَلَندى (٢). والغصب: أخذ مال الغير على جهة القهر والغلبة والمجاهرة. وقد بيَّن وجهَ الحكمة في خرق السفينة في الرواية الأخرى بقوله: فإذا جاءَ الذي يُسَخِّرُها وجدَها منخرقةً فيجاوزها، فأصلحوها بخشبةٍ، ويحصلُ من هذا: الحضُّ على الصبر في الشدائد، فكم في\n_________\n(١) زَمْنى: من الزَّمانة، وهي العاهة، والمرض الدائم.\n(٢) انظر هذه الأسماء في تفسير القرطبي (١١/ ٣٦).","vol":"6","page":210},{"text":"صَالِحَةٍ غَصبًا، وَكَانَ يَقرَأُ: وَأَمَّا الغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا.\nوفي رواية: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: رَحمَةُ اللَّهِ عَلَينَا وَعَلَى مُوسَى لَولَا أَنَّهُ عَجَّلَ لَرَأَى العَجَبَ، وَلَكِنَّهُ أَخَذَتهُ مِن صَاحِبِهِ ذَمَامَةٌ ﴿قَالَ إِن سَأَلتُكَ عَن\nــ\nضمن ذلك المكروه من الفوائد، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَن تَكرَهُوا شَيئًا وَهُوَ خَيرٌ لَكُم﴾\nو(قوله: وأما الغلام فكان كافرًا) هذا حديث مرفوع من رواية أُبَيِّ، كما قال في الرواية الأخرى: طُبِع يوم طُبِع كافرًا، وقد روي أن أبيًّا كان يقرأ: (أما الغلام فكان كافرًا، وكان أبواه مؤمنين)، وهذا محمول على أن أبيًّا فسَّر، لا أنه قرأ كذلك، لأنَّه لم يثبتها في المصحف، وهو من جُملة كَتَبتِه. والجمهور على أن هذا الغلام لم يكن بلغ سن التكليف، وقد ذهب ابن جبير إلى أنه بلغ سن التكليف، وقد حكي ذلك عن ابن عباس كما تقدَّم. والصحيح عنه أنه كان صغيرًا لم يبلغ كما تقدَّم من كتابه إلى نجدة الحروري، كما ذكرناه في الجهاد، وهذا هو المعروف من اسم الغلام كما قد تقدَّم. وإنما صار ابن جبير إلى ذلك لقوله ﷺ كان كافرًا، والكفر والإيمان من صفات المكلَّفين، ولا يطلق على غير مكلَّف إلا بحكم التبعية لأبويه، وأبوا الغلام كانا مؤمنين بالنص، فلا يصدق عليه اسم الكافر إلا بالبلوغ، فتعيَّن أن يصار إليه، وقد يُطلق الغلام على الكبير إذا كان قريبًا من زمان الغلومية توسُّعًا، وهو موجود في كلام العرب، كما قالت ليلى الأخيلية:\nشفاها من الداءِ العضال الذي بها ... غلامٌ إذا هَزَّ القَنَاةَ شَفَاها (١)\nوقال صفوان لحسَّان:\nتلق ذُبابَ السَّيف عنِّي فإنَّنِي ... غلامٌ إذا هُوجيت لست (٢) بشاعر\n_________\n(١) في اللسان: سقاها.\n(٢) في (ع) و(م ٣): ليس بشاعر.","vol":"6","page":211},{"text":"شَيءٍ بَعدَهَا فَلا تُصَاحِبنِي قَد بَلَغتَ مِن لَدُنِّي عُذرًا﴾ وَلَو صَبَرَ لَرَأَى العَجَبَ.\nقَالَ: وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ أَحَدًا مِن الأَنبِيَاءِ بَدَأَ بِنَفسِهِ رَحمَةُ اللَّهِ عَلَينَا وَعَلَى أَخِي كَذَا رَحمَةُ اللَّهِ عَلَينَا.\nوقال بعد قوله: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَينِي وَبَينِكَ﴾ أَخَذَ بِثَوبِهِ قَالَ: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأوِيلِ مَا لَم تَستَطِع عَلَيهِ صَبرًا * أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَت لِمَسَاكِينَ يَعمَلُونَ فِي البَحرِ﴾ فَإِذَا جَاءَ الَّذِي يُسَخِّرُهَا وَجَدَهَا مُنخَرِقَةً فَتَجَاوَزَهَا، فَأَصلَحُوهَا بِخَشَبَةٍ، وَأَمَّا الغُلَامُ فَطُبِعَ يَومَ طُبِعَ كَافِرًا، وَكَانَ أَبَوَاهُ قَد عَطَفَا عَلَيهِ،\nــ\nقلت: وما صار إليه الجمهور أولى تمسُّكًا بحقيقة لفظ الغلام، ولقوله ﷺ: وأما الغلام فطبع يوم طُبع كافرًا أي: خلق قلبه على صفة قلب الكافر من القسَّوة، والجهل، ومحبَّة الفساد، وضرر العباد، ولقوله: ولو أدرك لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا أي: لو بلغ. ولَمَّا علم الله تعالى ذلك منه، أعلم الخضر بذلك، وأمره بقتله، فيكون قتله من باب دفع الضرر، كقتل الحيَّات، والسِّباع العادية، لا من باب القتل المترتب على التكليف، وهذا لا إشكال على أصول أهل السُّنَّة فيه، فإن الله تعالى الفعَّالُ لما يريد، القادر على ما يشاء لا يتوجه عليه وجوبٌ، ولا حق، ولا يثبت عليه لوم ولا حكم، وأما على أصول أهل البدع القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين وما يتولَّد على ذلك من الأصول الفاسدة من التجويز، والتعديل، والإيجاب على الله تعالى، فلا يلتفت إليها، ولا يُعرج عليها، لظهور فسادها، كما بيَّنَّاه في الأصول.\nو(قوله: وكان أبواه قد عطفا عليه) أي: أحباه، وأقبلا عليه بشفقتهما، وحنوِّهما، فخاف الخضر، لما أعلمه الله تعالى بمآل حاله أنه إن عاش لهما حتى","vol":"6","page":212},{"text":"فَلَو أَنَّهُ أَدرَكَ أَرهَقَهُمَا طُغيَانًا وَكُفرًا ﴿فَأَرَدنَا أَن يُبدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيرًا مِنهُ زَكَاةً وَأَقرَبَ رُحمًا * وَأَمَّا الجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَينِ يَتِيمَينِ فِي المَدِينَةِ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ.\nرواه أحمد (٥/ ١١٧)، والبخاريُّ (٤٧٢٦)، ومسلم (٢٣٨٠) (١٧٠ - ١٧٤)، وأبو داود (٤٧٠٥ - ٤٧٠٧)، والترمذي (٣١٤٨).\n* * *\nــ\nيكبر ويستقل بنفسه جبلهما بحكم محبتهما له أن يُطيعاه ويُوافقاه على ما يصدر عنه من الكفر والفساد، فيكفران بذلك، وهذا معنى قوله: ﴿فَخَشِينَا أَن يُرهِقَهُمَا طُغيَانًا وَكُفرًا﴾ وعلى هذا فيكون: فخشينا من كلام الخضر، وهو الذي يشهد له مساق الكلام، وهو قول كثير من المفسرين، وذهب بعضهم إلى أنه من كلام الله تعالى، وفسَّر فخشينا بمعنى: علمنا، وحكى أن أُبيا قرأها: (فعلم ربُّك). ومعنى ﴿يُرهِقَهُمَا﴾ يلحق بهما ما يشق عليهما، ويتعبهما، والطغيان هنا: الزيادة في المفاسد.\nوقوله: ﴿فَأَرَدنَا أَن يُبدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيرًا مِنهُ زَكَاةً وَأَقرَبَ رُحمًا﴾، وهذا قول الخضر قطعًا، وهو يشهد بأن قوله: ﴿فَخَشِينَا﴾ من قوله، و﴿يُبدِلهُمَا﴾ قرئ مشدَّدًا ومخففًا، وهما لغتان. وزكاة: منصوب على التمييز، يعني: نماءً وصلاحًا، ودينًا. و﴿رُحمًا﴾ معطوف على زكاة، أي: رحمة، يقال: رحمة، ورحمَا، وألفه للتأنيث، ومذكَّرُه رحيم، وقيل: إن الرُّحمى هنا بمعنى: الرَّحم، قرأها ابن عباس، وأوصل رُحمًا، أي: رَحِمًا. وحكي عنه: أنهما رزقا جارية ولدت نبيًّا. وقيل: كان من نسلها سبعون نبيًا، ويفيد هذا تهوين المصائب بفقد الأولاد، وإن كانوا قطعًا من الأكباد، ومن سلم للقضاء سفرت عاقبته عن اليد البيضاء.\nوقوله: ﴿وَأَمَّا الجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَينِ يَتِيمَينِ فِي المَدِينَةِ﴾، قيل:","vol":"6","page":213},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nاسمهما أصرم وأُصيرم، وقد تقدَّم: أن اليُتم في الناس من قبل فقد الأب، وفي غيرهم من الحيوان من قبل الأم.\nوقوله: ﴿وَكَانَ تَحتَهُ كَنزٌ لَهُمَا﴾ أي: تحت الجدار، وظاهر الكنز أنه مال مكنوز، أي مجموع. وقال ابن جبير: كان صحف العلم. وقال ابن عبَّاس: كان لوحًا من ذهب مكتوبًا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن! عجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب! عجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح! عجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل! عجبت لمن يعرف الدنيا وتقليبها بأهلها كيف يطمئن إليها! لا إله إلا الله محمد رسول الله.\nوقوله: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ قال أهل التفسير: إنه كان جدَّهما السابع، وكان يُسمَّى كاسحًا. ففيه ما يدلّ: على أن الله تعالى يحفظ الصالح في نفسه وفي ولده وإن بَعُدوا عنه، وقد روي: أن الله تعالى يحفظ الصالح في سبعة من ذويه. وعلى هذا يدل قوله تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾\nوقوله: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ أي: قوتهما وهو ما بين ثماني عشرة إلى ثلاثين سنة. واختلف النحويون، هل هو واحد على بناء الجمع، كأنعم، ولا نظير لهما من لفظهما. وكان سيبويه يقول: هو جمع، واحده: شدة. قال الجوهري: وهو صحيح في المعنى، لأنَّه يقال: بلغ الغلام شدَّته. ولكنه لا تجمع فِعلةٌ على أَفعل، وأما أنعم: فهو جمع: نعم من قولهم: يومٌ بُؤسٌ، ويومٌ نُعمٌ. وأما قول من قال: واحده شَدّ مثل كَلبٍ وأَكلَب، فإنما هو قياس، كما قالوا في واحد الأبابيل: أبُّول، قياسًا على: عَجُّول، وليس هو شيء سمع من العرب.\nوقد أضاف الخضر ﵇ قضية استخراج كنز الغلامين لله تعالى، وأضاف عيبَ السفينة إلى نفسه تنبيهًا على التأدُّب في إطلاق الكلمات","vol":"6","page":214},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nعلى الله تعالى، فيضاف إليه ما يستحسن منها، ويطلق عليه، ولا يضاف ما يستقبح منها إليه، وهذا كما قاله تعالى: ﴿بِيَدِكَ الخَيرُ﴾ واقتصر عليه، ولم ينسب الشر إليه، وإن كان بيده الخير والشَّر، والنَّفع والضر، إذ هو على كل شيء قدير، وبكل شيء خبير.\nو(قوله: وجاء عصفورٌ حتى وقع على حرف السَّفينة، ثم نقر في البحر، فقال الخضر: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من البحر) وحرف السفينة: طرفها. وحرف كل شيء: طرفه، وشفيره، وحدُّه. ومنه حرف الجبل: وهو أعلاه المحدَّد. والحرف: واحد حروف التَّهجي. والحرف: الكلمة. والحرف: اللغة، كما تقدَّم. والحرف: الناقة الضامرة. والحرف: الجهة الواحدة. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرفٍ﴾ أي: يعبده في الرَّخاء، ولا يعبده في الشدَّة. والحرف: مأخوذ من الانحراف، وهو الميل.\nوالعلم هاهنا: بمعنى: المعلوم، كما قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِن عِلمِهِ﴾ أي: من معلوماته. وهذا من الخضر ﵇ تمثيل، أي: معلوماتي ومعلوماتك في علم الله تعالى لا أثر لها، كما أن ما أخذ هذا العصفور من البحر لا أثر له بالنسبة إلى ماء البحر. وإنما مثل له ذلك بالبحر (١)، لأنه أكبر ما نشاهده مما بين أيدينا. وهذا نحو مما قاله تعالى: ﴿قُل لَو كَانَ البَحرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحرُ قَبلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ وإطلاق لفظ النقص هنا تجوُّز قصد به التمثيل، والتَّفهم، إذ لا نقص في علم الله تعالى ولا نهاية لمعلوماته. وقد أورد البخاري هذا اللفظ من رواية ابن جريج على لفظ أحسن مساقًا من هذا وأبعد عن الإشكال، فقال: ما علمي وعلمك في جنب علم الله إلا\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"6","page":215},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nكما أخذ هذا العصفور بمنقاره من البحر وهو مفسِّر للفظ كتاب مسلم (١). والله تعالى أعلم.\nوفي هذا الحديث تنبيه على أصول عظيمة:\nمنها: أن لله تعالى بحكم مِلكه ومُلكه أن يفعل ما يريد، ويحكم في خلقه بما يشاء مما ينفعنا، أو يضرنا، فلا مدخل لعقولنا في أفعاله، ولا معارضة لأحكامه، بل يجب علينا الرضا والتسليم، فإنَّ إدراك العقل لأسرار أحكام الربوبية قاصر سقيم، فلا يتوجه عليه في فعله لِمَ؟ وكيف؟ كما لا يتوجه عليه في وجوده أين، وحيث.\nومنها: أن لا يحسن، ولا يقبح، وأن ذلك راجع إلى الشرع، فما حسَّنه بالثناء عليه فهو حسن، وما قبَّحه بالذم عليه فهو القبيح.\nومنها: أن لله تعالى فيما يجريه حكمًا وأسرارًا راعاها، ومصالح راجعة إلى خلقه اعتبرها. كل ذلك بمشيئته وإرادته من غير وجوب عليه، ولا حكم عقلي يتوجَّه إليه، بل ذلك بحسب ما سبق في علمه، ونافذ حكمه، فما اطلع عليه من تلك الأسرار عرف، وما لا فالعقل عنده يقف. وحذار من الاعتراض والإنكار! فإنَّ مآل ذلك إلى الخيبة وعذاب النَّار.\nومنها: أنَّه عالم بما كان، وبما يكون، وبما لا يكون: أن لو كان كيف كان يكون. وفوائد هذا الحديث كثيرة، وعلومه غزيرة، وفيما ذكرناه كفاية. والله الموفق للهداية.\nتنبيه على مَغلَطتين:\nالأولى: وقع لبعض الجهَّال: أن الخضر أفضل من موسى ﵉، متمسِّكًا بهذه القصة، وبما اشتملت عليه. وهذا إنما يصدر ممن قصر نظره على هذه القصة، ولم ينظر في شيء من أحوال موسى ﵇، ولا فيما خصَّه الله تعالى من الرسالة، وسماع كلام الله تعالى المنزه عن الحروف والأصوات، وإعطائه التوراة التي فيها علم كل شيء، وأن أنبياء بني إسرائيل كلهم داخلون تحت شريعته، ومخاطبون بأحكام توراته حتى عيسى\n_________\n(١) انظر رواية البخاري برقم (٤٧٢٦).","vol":"6","page":216},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n﵇، ألا ترى: أن الله تعالى قال: ﴿إِنَّا أَنزَلنَا التَّورَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ والإنجيل وإن كان هدى فليس فيه من الأحكام إلا قليل، ولم يجئ عيسى ﵇ ناسخًا لأحكام التوراة، بل معلمًا لها، ومبيِّنًا أحكامها، كما قال تعالى حكاية عنه: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الكِتَابَ وَالحِكمَةَ وَالتَّورَاةَ وَالإِنجِيلَ﴾ وعلى هذا فهو أَمَامَهم، وإِمامهم، وأعلمهم، وأفضلهم. ويكفي من ذلك قوله تعالى: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصطَفَيتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ وأن موسى من أولي العزم من الرسل، وأن أول من ينشق عنه القبر (١) نبينا ﷺ، فيجد موسى ﵇ متعلقًا بساق العرش، وأنه ليس في محشر يوم القيامة أكثر من أمَّته بعد أمَّة نبينا ﷺ، إلى غير ذلك من فضائله.\nفأما الخضر ﵇ فلم يُتَّفق على أنَّه نبي، بل هو أمرٌ مختلف فيه، هل هو نبي أو ولي، فإنَّ كان نبيًا فليس برسول بالاتفاق، إذ لم يقل أحدٌ: أن الخضر ﵇ أرسل إلى أمَّة، والرَّسول أفضل من نبي ليس برسول. وإن تنزلنا على أنه رسول، فرسالة موسى أعظم، وأمَّته أكثر، فهو أفضل. وإن قلنا: إن الخضر كان وليًا، فلا إشكال أن النبي أفضل من الولي. وهذا أمرٌ مقطوع به عقلًا ونقلًا، والصائر إلى خلافه كافر، فإنَّه أمرٌ معلوم من الشرائع بالضرورة، ولأنه واحد من أمَّة موسى، أو غيره من الأنبياء، ونبي كل أمَّة أفضل منها قطعًا، آحادًا أو جمعًا، وإنَّما كانت قصة موسى مع الخضر امتحانًا لموسى ليتأدَّب ويعتبر، كما قد ابتلي غيره من الأنبياء بأنواع من المحن والبلاء.\nالمغلطة الثانية: ذهب قوم من زنادقة الباطنية إلى سلوك طريق يلزم منه هَدُّ الأحكام الشرعية، فقالوا: هذه الأحكام الشرعية إنما يحكم بها على الأغنياء\n_________\n(١) في (م ٣): تنشق عنه الأرض.","vol":"6","page":217},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوالعامة، وأما الأولياء وأهل الخصوص فلا يحتاجون إلى تلك النصوص، بل: إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم، ويحكم عليهم بما يغلب عليهم من خواطرهم. قالوا: وذلك لصفاء قلوبهم عن الأكدار، وخلوّها عن الأغيار، فتتجلى لهم العلوم الإلهية، والحقائق الربانية، فيقفون على أسرار الكائنات، ويعلمون أحكام الجزئيات، فيستغنون بها عن أحكام الشرائع والكليات، كما اتَّفق للخضر، فإنَّه استغنى بما تجلى له من تلك العلوم عما كان عند موسى من تلك الفهوم. وقد جاء فيما ينقلون: استفت قلبك وإن أفتاك المفتون.\nقلت: وهذا القول زندقة، وكفر يُقتل قائله، ولا يستتاب، لأنَّه إنكار ما علم من الشرائع، فإنَّ الله تعالى قد أجرى سُنَّته، وأنفذ حكمته، فإنَّ أحكامه لا تعلم إلا بواسطة رسله السفراء بينه، وبين خلقه، وهم المبلغون عنه رسالاته وكلامه، المبينون شرائعه وأحكامه، اختارهم لذلك وخصَّهم بما هنالك، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ﴾ وقال: ﴿اللَّهُ أَعلَمُ حَيثُ يَجعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِيَحكُمَ بَينَ النَّاسِ فِيمَا اختَلَفُوا فِيهِ﴾ وأمر بطاعتهم في كل ما جاؤوا به، وأخبر: أن الهدى في طاعتهم، والاقتداء بهم، في غير موضع من كتابه، وعلى ألسنة رسله، كقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، وكقوله: ﴿وَمَا أَرسَلنَا مِن رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذنِ اللَّهِ﴾ وقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقتَدِهِ﴾ وقال: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهتَدُوا﴾ وقال ﷺ: تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما، كتاب الله، وسُنَّة نبيه (١). ومثل هذا لا يُحصى كثرة.\n_________\n(١) رواه مالك في الموطأ (٣/ ٨٩٩) بلاغًا، والحاكم في المستدرك (١/ ٩٣) عن أبي هريرة بسند حسن، فيتقوَّى به.","vol":"6","page":218},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوعلى الجملة فقد حصل العلم القطعي، واليقين الضروري، وإجماع السَّلف، والخلف: على ألا طريق لمعرفة أحكام الله تعالى التي هي راجعة إلى أمره ونهيه، ولا يعرف شيء منها إلا من جهة الرسل الكرام. فمن قال: إن هناك طريقًا آخر يعرف بها أمره ونهيه غير الرسل بحيث يُستغنى بها عن الرسل، فهو كافر، يقتل ولا يستتاب، ولا يحتاج معه إلى سؤال ولا جواب، ثم هو قول بإثبات أنبياء (١) بعد نبينا ﷺ الذي قد جعله الله خاتم أنبيائه ورسله، فلا نبي بعده ولا رسول، وبيان ذلك: أنه من قال: يأخذ عن قلبه، وإن ما وقع فيه هو حكم الله، وأنه يعمل بمقتضاه، وإنه لا يحتاج في ذلك إلى كتاب ولا سنة، فقد أثبت لنفسه خاصة النبوة، فإنَّ هذا نحو مما قاله رسول الله ﷺ: إن روح القدس نفث في روعي (٢) ولقد سمعنا عن بعض الممخرقين المتظاهرين بالدِّين أنه قال: أنا لا آخذ عن الموتى، وإنَّما آخذ عن الحي الذي لا يموت، وإنما أروي عن قلبي عن ربي، ومثل هذا كثير، فنسأل الله الهداية، والعصمة، وسلوك طريق سلف هذه الأمَّة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\n* * *\n_________\n(١) فى (ع): بنوة.\n(٢) ذكره ابن عبد البر في التمهيد (١/ ٢٨٤)، وابن الأثير في جامع الأصول (١٠/ ١١٧) وقال: أخرجه رزين، عن أنس بن مالك -﵁-.","vol":"6","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-867>(٣٢) باب في وفاة موسى ﵇</span>\n[٢٢٨٦] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: أُرسِلَ مَلَكُ المَوتِ إِلَى مُوسَى ﵇، فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ وَفَقَأَ عَينَهُ، فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ: أَرسَلتَنِي إِلَى عَبدٍ لَا يُرِيدُ المَوتَ، قَالَ: فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيهِ عَينَهُ وَقَالَ: ارجِع إِلَيهِ فَقُل لَهُ: يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتنِ ثَورٍ فَلَهُ بِمَا غَطَّت يَدُهُ بِكُلِّ شَعرَةٍ سَنَةٌ قَالَ: أَي رَبِّ ثُمَّ مَه؟ قَالَ: ثُمَّ المَوتُ. قَالَ: فَالآنَ فَسَأَلَ اللَّهَ أَن يُدنِيَهُ مِن الأَرضِ المُقَدَّسَةِ رَميَةً بِحَجَرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَو كُنتُ ثَمَّ، لَأَرَيتُكُم قَبرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ، تَحتَ الكَثِيبِ الأَحمَرِ.\nوفي رواية: قال: جَاءَ مَلَكُ المَوتِ إِلَى مُوسَى ﵇ فَقَالَ لَهُ: أَجِب رَبَّكَ، قَالَ: فَلَطَمَ مُوسَى ﵇ عَينَ مَلَكِ المَوتِ فَفَقَأَهَا. وذكر نحوه.\nرواه أحمد (٢/ ٣١٥)، والبخاريُّ (٣٤٠٧)، ومسلم (٢٣٧٢) (١٥٧ و١٥٨).\n* * *\nــ\n(٣٢) ومن باب وفاة موسى ﵇\nقوله: جاء ملك الموت إلى موسى ﵇ فقال: أجب ربَّك، فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها، فرجع إلى ربِّه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت ظاهر هذا الحديث: أن ملك الموت تمثل لموسى في صورة لها عين، وأنه دعاه لقبض روحه، وأن موسى عرف أنه ملك الموت، وأنه لطمه بيده على عينه ففقأها، ولما ظهر هذا من هذا الحديث شنَّعته الملحدة، وقالوا: إن هذا","vol":"6","page":220},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nكله محال، ولا يصح.\nوقد اختلفت أقوال علمائنا في تأويل هذا الحديث. فقال بعضهم: كانت عينًا متخيَّلة لا حقيقية. ومنهم من قال: هي عين معنوية. وإنما فقأها بالحجَّة، وهذان القولان لا يلتفت إليهما لظهور فسادهما، وخصوصًا الأول، فإنَّه يؤدي إلى: أن ما يراه الأنبياء من صور الملائكة لا حقيقة له، وهو قول باطل بالنصوص المنقولة، والأدلة المعقولة. ومنهم من قال: كان ذلك ابتلاء وامتحانًا لملك الموت، فإنَّ الله تعالى يمتحن خلقه بما شاء. وهذا ليس بجواب، فإنَّه إنما وقع الإشكال في صدور سبب هذا الامتحان من موسى، وكيف يجوز وقوع مثل هذا؟ وأشبه ما قيل فيه: ما قاله الشيخ الإمام أبو بكر بن خزيمة، وهو أن موسى ﵇ لم يعرف ملك الموت، وأنه رأى رجلًا دخل منزله بغير إذنه يريد نفسه، فدافع عن نفسه، فلطم عينه، ففقأها. وتجب المدافعة في مثل هذا بكل ممكن. وهذا وجه حسن، غير أن هذا اعترض عليه بما في الحديث، وهو أن ملك الموت لما رجع إلى الله قال: يا رب! أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، فلو لم يعرفه موسى - وإنما دفعه عن نفسه - لما صدق هذا القول من ملك الموت.\nقلت: وقد أظهر لي ذو الطول والإفضال وجهًا حسنًا يحسم مادة الإشكال، وهو أن موسى عَرَف ملك الموت، وأنه جاء ليقبض روحه، لكنه جاء مجيء الجازم بأنه قد أمر بقبض روحه من غير تخيير، وعند موسى ما قد نص عليه نبينا ﷺ من: أن الله تعالى لا يقبض روح نبي حتى يخيره (١)، فلمَّا جاءه على غير الوجه الذي أعَلِم به، بادر بشهامته، وقوة نفسه إلى أدب ملك الموت، فلطمه فانفقأت عينه امتحانًا لملك الموت، إذ لم يصرح له بالتخيير، ومما يدل على صحة هذا: أنه لما رجع إليه ملك الموت، فخيَّره بين الحياة والموت، اختار الموت واستسلم، وهذا الوجه - إن شاء الله - أحسن ما قيل فيه وأسلم، وقد تقدَّم القول\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٥٠٩)، ومسلم (٢٤٤٤) (٨٧).","vol":"6","page":221},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفي تمثل الملائكة في الصور المختلفة عقلًا، وثبوت وقوع ذلك نقلًا.\nو(قوله: قال: أي رب! ثم مه؟ قال؟ ثم الموت. قال: فالآن) مه: هي ما الاستفهامية، لما وقف عليها زاد هاء السكت وهي: لغة العرب إذا وقفوا على أسماء الاستفهام، نحو: عمه، ولمه، وفيمه، فإذا وصلوا حذفوها. وفالآن: ظرف زمان غير متمكن، وهو اسم لزمان الحال الذي يكون المتكلم عليها، وهو الزمان الفاصل بين الماضي والمستقبل، وهذا يدلّ على: أن موسى لما خيَّره الله بين الحياة والموت، اختار الموت شوقًا للقاء الله ﷿، واستعجالًا لما له عند الله من الثواب والخير، واستراحة من الدنيا المكدرة. وهذا كما خُيِّر نبينا ﷺ عند موته، فقال: اللهم الرفيق الأعلى (١).\nو(قوله: فسأل الله تعالى أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر) أي: مقدار رمية بحجر، فهو منصوب على أنه ظرف مكان. والأرض المقدسة: هي البيت المقدَّس، وإنَّما سأل موسى ﵇ ذلك تبركًا بالكون في تلك البقعة، وليدفن مع من فيها من الأنبياء، والأولياء، ولأنها أرض المحشر على ما قيل.\nو(قوله: ولو كنت ثمَّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر) ثمَّ - مفتوحة الثاء -: اسم يشار به إلى موضع، فأمَّا ثمَّ - بضم الثاء -: فحرف عطف. ويعني بالطريق: طريق بيت المقدس، وقد تقدم أن النبي ﷺ مرَّ في طريقه إلى بيت المقدس - ليلة أسري به - بقبر موسى وهو قائم يصلي فيه، وهذا يدل على أن قبر موسى أخفاه الله تعالى عن الخلق، ولم يجعله مشهورًا عندهم، ولعل ذلك لئلا يُعبَد، والله أعلم. وقد وقع في الرواية الأخرى: إلى جانب الطور\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٥١٠)، ومسلم (٢١٩١).","vol":"6","page":222},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-868>(٣٣) باب في ذكر يونس ويوسف وزكريا ﵈</span>\n[٢٢٨٧] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَن النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ - يَعنِي: اللَّهَ ﵎ -: لَا يَنبَغِي لِعَبدٍ لِي وفي رواية: لِعَبدِي - أَن يَقُولَ: أَنَا خَيرٌ مِن يُونُسَ بنِ مَتَّى.\nرواه أحمد (٢/ ٤٠٥)، والبخاري (٤٦٣١)، ومسلم (٢٣٧٦)، وأبو داود (٤٦٦٩).\nــ\nمكان: الطريق. والطور: الجبل بالسريانية، وقال أيضًا في الرواية الأخرى: فما توارت يدك مكان: غطَّت يدك، وهو بمعناه. والتاء فيه زائدة، لأنَّ معناه: وارت، والله أعلم.\n(٣٣) ومن باب ذكر يونس ويوسف وزكريا - ﵈ -\nقوله: لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى أي لا يصلح، ولا يجوز. ولعبدٍ: منوَّن مُنكر، أي: لعبد من عباد الله، وفي الرواية الأخرى: لعبدي بإضافته إلى ياء المتكلم، وهو الله تعالى في هذه الرواية، فيحتمل أن يراد به النكرة (١)، فتكون إضافته غير محضة، كما قال الشاعر:\nوسائلي بمعجزي (٢) عن وطني ... ما ضاقَ بي جنابُه ولا نبا\nفأدخل ربَّ على سائلي مع أنه مضاف إلى ياء المتكلم، فدل على: أنه لم يرد به سائلًا واحدًا، فكأنه قال: ورب سائل، وكذلك الوطن في قوله: عن وطني،\n_________\n(١) ما بين حاصرتين زيادة من (ع).\n(٢) في (ع): بمزعجي.","vol":"6","page":223},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nلأن الجملة التي بعده صفة له، أي: عن وطن لم ينب بي جنابه، أي: غير ناب. ويصح أن تكون إضافة عبدي محضة ومعرفة، ويعني به: عبدي المكرم عندي، كما قال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِم سُلطَانٌ﴾ أي: عبادي المكرمون عندي، والمشرفون لدي، وقد شهد لهذا المعنى ما قد روي في كتاب أبي داود في هذا الحديث: لا ينبغي لنبي أن يقول: أنا خير من يونس (١)، كما قد روي أيضًا ما يشهد بتنكير عبد في كتاب مسلم: لا أقول: إن أحدًا أفضل من يونس (٢)، وعلى هذا فيقيد مطلق الرواية الأولى بمقيد هذه الرواية، فيكون معناه: لا ينبغي لعبد نبي أن يقول: أنا خير من يونس. وهذا هو الأولى، لأنَّه من ليس بنبي لا يمكنه بوجه أن يقول: أنا أفضل من النبي، لأنه من المعلوم الضروري عند المتشرعين: أن درجة النبي لا يبلغها ولي، ولا غيره، وإنما يمكن ذلك في الأنبياء، لأنهم صلوات الله وسلامه عليهم قد تساووا في النبوة، وتفاضلوا فيما بينهم بما خصَّ به بعضهم دون بعض، فإنَّ منهم من اتخذه الله خليلًا، ومنهم من اتخذه حبيبًا، ومنهم أولو العزم، ومنهم من كلَّم الله على ما هو المعروف من أحوالهم، وقد قال الله تعالى: ﴿تِلكَ الرُّسُلُ فَضَّلنَا بَعضَهُم عَلَى بَعضٍ﴾ فإن قيل: إذا كانوا متفاضلين في أنفسهم فكيف ينهي عن التفضيل؟ وكيف لا يقول من هو في درجة عليا: أنا خير من فلان، لمن هو دونه، على جهة الإخبار عن المعنى الصحيح؟ فالجواب: أن مقتضى هذا الحديث المنع من إطلاق ذلك اللفظ، لا المنع من اعتقاد معناه أدبًا مع يونس، وتحذيرًا من أن يفهم في يونس نقص من إطلاق ذلك اللفظ. وإنما خصَّ يونس ﵇ بالذكر في هذا الحديث، لأنَّه لما دعا قومه للدخول في دينه، فأبطؤوا عليه ضجر، واستعجل بالدعاء عليهم، ووعدهم بالعذاب بعد\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٦٧٠).\n(٢) رواه مسلم (٢٣٧٣).","vol":"6","page":224},{"text":"[٢٢٨٨] وعن ابنَ عَبَّاسٍ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَا يَنبَغِي لِعَبدٍ أَن يَقُولَ: أَنَا خَيرٌ مِن يُونُسَ بنِ مَتَّى. وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ.\nرواه أحمد (١/ ٢٤٢)، والبخاري (٣٤١٣)، ومسلم (٢٣٧٧).\nــ\nثلاث، وفرَّ منهم، فرأى قومه دخانًا، ومقدمات العذاب الذي وعدهم به، فآمنوا به، وصدَّقوه، وتابوا إلى الله تعالى، فردُّوا المظالم حتى ردُّوا حجارة مغصوبة كانوا بنوها، ثم إنهم فرقوا بين الأمهات وأولادهم، ودعوا الله تعالى، وضجُّوا بالبكاء والعويل، وخرجوا طالبين يونس فلم يجدوه، فلم يزالوا كذلك حتى كشف الله عنهم العذاب، ومتعهم إلى حين، وهم أهل نينوى من بلاد الموصل على شاطئ دجلة، ثم إن يونس ركب في سفينة فسكنت ولم تجر، فقال أهلها: فيكم آبق. فقال: أنا هو. فأبوا أن يكون هو الآبق فقارعهم، فخرجت القرعة عليه، فرمي في البحر، فالتقمه حوت كبير، فأقام في بطنه ما شاء الله، وقد اختلف في عدد ذلك من يوم إلى أربعين، وهو في تلك المدة يدعو الله تعالى، ويسبحه إلى أن عفا الله عنه، فلفظه الحوت في ساحل لا نبات فيه، وهو كالفرخ، فأنبت الله تعالى عليه من حينه شجرة اليقطين، فسترته بورقها. وحكى أهل التفسير: أن الله تعالى قيض له أروية (١) ترضعه إلى أن قوي، فيبست الشجرة، فاغتم لها وتألم، فقيل له: أتغتم وتحزن لهلاك شجرة، ولم تغتم على هلاك مائة ألف أو يزيدون؟ وقد دلَّ على صحَّة ما ذكر قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرسَلِينَ * إِذ أَبَقَ إِلَى الفُلكِ المَشحُونِ﴾ الآيات إلى آخرها، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: إن للنبوة أثقالًا، وإن يونس تفسخ تحتها تفسُّخَ الرُّبَع (٢) أو كما قال.\nقلت: ولما جرى هذا ليونس ﵇، وأطلق الله تعالى عليه: أنه\n_________\n(١) الأنثى من الوعول.\n(٢) رواه الحاكم (٢/ ٥٨٤). وانظر: الشفا للقاضي عياض (١/ ٤٤٢ - ٤٤٣).\n\"تفسخ\": لم يطق مشاقّ الرسالة. \"والرُّبَع\": ولد الناقة.","vol":"6","page":225},{"text":"[٢٢٨٩] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَن أَكرَمُ النَّاسِ؟ قَالَ: أَتقَاهُم، قَالُوا: لَيسَ عَن هَذَا نَسأَلُكَ. قَالَ: فَيُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ ابنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابنِ نَبِيِّ اللَّهِ ابنِ خَلِيلِ اللَّهِ، قَالُوا: لَيسَ عَن هَذَا نَسأَلُكَ قَالَ: فَعَن مَعَادِنِ العَرَبِ تَسأَلُونِي؟ خِيَارُهُم فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُم فِي الإِسلَامِ إِذَا فَقُهُوا.\nرواه أحمد (٢/ ٢٥٧)، والبخاريُّ (٣٣٥٣)، ومسلم (٢٣٧٨) (١٦٨).\nــ\nمليم، أي: أتى بما يلام عليه. قال الله تعالى على لسان نبيه ﷺ: لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس؛ لأن ذلك يوهم نقصًا في نبوته، وقدحًا في درجته، وقد بيَّنَّا أن لعبد هنا بمعنى لنبي، وقد قيل: إنه محمول على غير الأنبياء، ويكون معناه: لا يظن أحد ممن ليس بنبي - وإن بلغ من العلم والفضل والمنازل الرفيعة، والمقامات الشريفة الغاية القصوى - أنه يبلغ مرتبة يونس ﵇، لأنَّ أقل مراتب النبوة لا يلحقها من ليس من الأنبيا، وهذا المعنى صحيح، والذي صدرنا به الكلام أحسن منه، والله تعالى أعلم.\nوقول السائل: من أكرم الناس؟ معناه: من أولى بهذا الاسم، ولذلك أجابه النبي ﷺ بجواب كُلِّي، فقال: أتقاهم، وهذا منتزع من قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللَّهِ أَتقَاكُم﴾ فلما قالوا: ليس عن هذا نسألك، نزل عن ذلك إلى ما يقابله، وهو الخصوص بشخص معين، فقال: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، لأنَّه نبي بن نبي بن نبي بن نبي (١)، فإنَّ هذا لم يجتمع لغيره من ولد آدم، فهو أحق الناس المعنيين بهذا الاسم. فلما قالوا: ليس عن هذا نسألك تبين له: أنهم سألوه عمن هو أحق بهذا الاسم من العرب، فأجابهم\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (م ٣).","vol":"6","page":226},{"text":"[٢٢٩٠] وعنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كَانَ زَكَرِيَّاءُ نَجَّارًا.\nرواه أحمد (٢/ ٢٩٦)، ومسلم (٢٣٧٩)، وابن ماجه (٢١٥٠).\n* * *\nــ\nبقوله: فعن معادن العرب تسألوني؟ أي: عن أكرم أصولها، وقبائلها، وقد تقدَّم أن المعدن هو مأخوذ من عَدَن، أي: أقام، والعَدن: الإقامة، ولما كانت أصول قبائل العرب ثابتة سميت معادن. ثم قال: خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، فمعنى هذا: أن من اجتمع له خصال شرف زمن الجاهلية من: شرف الآباء، ومكارم الأخلاق، وصنائع المعروف، مع شرف دين الإسلام، والتفقه فيه، فهو الأحق بهذا الاسم، وقد تقدَّم أن الكرم: كثرة الخير والنفع، ولما كان تقوى الله تعالى هو الذي حصل به خير الدنيا والآخرة مطلقًا كان المتصف به أحق، فإنَّه أكرم الناس، لكن هذه قضية عامة، فلما نظر النبي ﷺ فيمن تعين في الوجود بهذه الصفة، ظهر له أن الأنبياء أحق بهذا المعنى، إذ لا يبلغ أحد درجتهم، وإن أحقَّهم بذلك من كان مُعرِقًا في النبوة، وليس ذلك إلا ليوسف، كما ذكر. ويخرج منه الرد على من قال: إن إخوة يوسف كانوا أنبياء، إذ لو كانوا كذلك لشاركوا يوسف في ذلك المعنى، ثم إنه لما نظر النبي ﷺ بين الأعم والأخص ظهر أن الأحق بذلك المعنى: نوع من الأنواع المتوسطة بين الجنس الأعم، والنوع الأخص، وظهر له أنهم أشراف العرب، ورؤساؤهم إذا تفقهوا في الدين، وعلموا وعملوا، فحازوا كل الرتب الفاخرة، إذ اجتمع لهم شرف الدنيا والآخرة.\nوفيه ما يدلّ على شرف الفقه في الدين، وأن العالم يجوز له أن يجيب بحسب ما يظهر له، ولا يلزمه أن يستفصل السائل عن تعيين الاحتمالات، إلا إن خاف على السائل غلطًا، أو سوء فهم، فيستفصله، كما قررناه في الأصول.\nو(قوله: كان زكريا نجارًا) يدل: على شرف النجارة، وعلى أن التحرُّف بالصناعات لا يغض من مناصب أهل الفضائل، بل نقول: إن الحرف والصناعات","vol":"6","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-869>(٣٤) باب في قول النبي ﷺ: لا تخيروا بين الأنبياء</span>\n[٢٢٩١] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: بَينَمَا يَهُودِيٌّ يَعرِضُ سِلعَةً لَهُ أُعطِيَ بِهَا شَيئًا، كَرِهَهُ - أَو لَم يَرضَهُ - قَالَ: لَا وَالَّذِي اصطَفَى مُوسَى ﵇ عَلَى البَشَرِ. قَالَ: فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِن الأَنصَارِ فَلَطَمَ وَجهَهُ، قَالَ: تَقُولُ\nــ\nغير الركيكة زيادة في فضيلة أهل الفضل، يحصل لهم بذلك التواضع في أنفسهم، والاستغناء عن غيرهم، وكسب الحلال الخلي عن الامتنان الذي هو خير المكاسب، كما قد نصَّ عليه النبي ﷺ حيث قال: إن خير ما أكل المرء من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده (١). وقد نقل عن كثير من الأنبياء أنهم كانوا يحاولون الأعمال. فأولهم آدم ﵇ علَّمه الله صناعة الحراثة، ونوح ﵇ علمه الله صناعة النجارة، وداود ﵇ علَّمه الله صناعة الحدادة، وقيل: إن موسى ﵇ كان كاتبًا، يكتب التوراة بيده، وكلهم قد رعى الغنم كما قال ﷺ وعليهم أجمعين.\n(٣٤) ومن باب قول النبي ﷺ: لا تخيروا بين الأنبياء.\nأي: لا تقولوا فلان خير من فلان، وفي الرواية الأخرى: لا تفضلوا (٢) أي: لا تقولوا فلان أفضل من فلان. يقال: خيَّر فلان بين فلان وفلان. وفضَّل - مشدَّدًا -: إذا قال ذلك. واختلف العلماء في تأويل هذا الحديث على أقوال، فمنهم من قال: إن هذا كان قبل أن يوحى إليه بالتفضيل، ويتضمَّن هذا الكلام: أن\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٠٧٢).\n(٢) وهي الرواية المثبتة في التلخيص، أمَّا رواية: \"لا تخيروا\" فهي في صحيح مسلم (٢٣٧٣) (١٦٠).","vol":"6","page":228},{"text":"وَالَّذِي اصطَفَى مُوسَى ﵇ عَلَى البَشَرِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَينَ أَظهُرِنَا؟ ! قَالَ: فَذَهَبَ اليَهُودِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا أَبَا القَاسِمِ! إِنَّ\nــ\nالحديث معارض لقوله تعالى: ﴿تِلكَ الرُّسُلُ فَضَّلنَا بَعضَهُم عَلَى بَعضٍ﴾ ولِمَا في معنى ذلك من الأحاديث، وأن القرآن ناسخ للمنع من التفضيل، وهذا لا يصح حتى تتحقق المعارضة حيث لا يمكن الجمع بوجه، وحتى يُعرف التاريخ، وكل ذلك غير صحيح على ما يأتي، فليس هذا القول بصحيح، ومنهم من قال: إنما قال ذلك النبي ﷺ على جهة التواضع، والأدب مع الأنبياء، وهذا فيه بُعد، لأنَّ السبب الذي خرج عليه هذا النهي يقتضي خلاف ذلك، فإنَّه إنما قال ذلك ردعًا وزجرًا للذي فضَّل. ألا ترى أنه قد غضب عليه حتى احمر وجهه، ونهى عن ذلك، فدلَّ على أن التفضيل يحرم. ولو كان من باب الأدب والتواضع لما صدر منه ذلك. ومنهم من قال: إنما نهى عن الخوض في ذلك، لأنَّ ذلك ذريعة إلى الجدال في ذلك، فيؤدي إلى أن يذكر منهم ما لا ينبغي أن يذكر، ويقل احترامهم عند المماراة، وهذا كما نهي عنه من الجدال في القرآن والمماراة. ومنهم من قال: مقتضى هذا النهي: إنما هو المنع من تفضيل معيَّن من الأنبياء على معيَّن، أو على ما يقصد به معيَّن، وإن كان اللفظ عامًا، لأنَّ ذلك قد يفهم منه نقص في المفضول كما بيَّنَّاه، فيما تقدَّم.\nقلت: ويدلّ على ذلك: أنه قد جاء في بعض روايات هذا الحديث في الأم: لا تفضلوني على موسى (١)، وبدليل قوله: لا أقول إن أحدًا أفضل من يونس بن متى فإنَّ قيل: فالحديث يدلّ على خلاف هذا، فإنَّ اليهودي فضل موسى على البشر. والمسلم قال: والذي اصطفى محمدًا على البشر. وعند ذلك قال النبي ﷺ: لا تفضلوا بين الأنبياء، ولا تخيروا بين الأنبياء فاقتضى ذلك المنع من التفضيل مطلقًا معينًا وغير معين، فالجواب: أن مراد اليهودي كان إذ ذاك أن\n_________\n(١) في صحيح مسلم (٢٣٧٣) (١٦٠): \"لا تخيروني على موسى\".","vol":"6","page":229},{"text":"لِي ذِمَّةً وَعَهدًا، وَقَالَ: فُلَانٌ لَطَمَ وَجهِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لِمَ لَطَمتَ وَجهَهُ؟ قَالَ: قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَالَّذِي اصطَفَى مُوسَى ﵇ عَلَى البَشَرِ، وَأَنتَ بَينَ أَظهُرِنَا! قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى عُرِفَ الغَضَبُ فِي\nــ\nيصرح بأن موسى أفضل من محمد، لكنَّه لم يقدر على ذلك خوفًا على نفسه، ألا ترى أن المسلم فهم ذلك عنه، فأجابه بما يقتضي أن محمدًا أفضل من موسى، غير أنَّه قابل لفظ اليهودي بمثله، وقد بيَّن ذلك غاية البيان قوله ﷺ: لا تفضلوني على موسى فنهاهم عن ذلك، ثم إنا قد وجدنا نبيَّنا ﷺ قال: أنا أكرم ولد آدم على ربي (١)، وأنا سيد ولد آدم، ولم يذهب أحدٌ من العلماء إلى أن هذا منسوخ، ولا مرجوح.\nقلت: وهذا الوجه وإن كان حسنًا، فأولى منه أن يحمل الحديث على ظاهره من منع إطلاق لفظ التفضيل بين الأنبياء، فلا يجوز في المعين منهم، ولا غيرهم، ولا يقال: فلان النبي أفضل من الأنبياء كلهم، ولا من فلان، ولا خير، كما هو ظاهر هذا النهي، لما ذكر من توهم النقص في المفضول، وإن كان غير معين، ولأن النبوة خصلة واحدة لا تفاضل فيها، وإنَّما تفاضلوا بأمور غيرها كما بيَّناه قبل هذا الباب. ثم إن هذا النهي يقتضي منع إطلاق ذلك اللفظ لا منع اعتقاد ذلك المعنى، فإنَّ الله تعالى قد أخبرنا بأن الرسل متفاضلون كما قال تعالى: ﴿تِلكَ الرُّسُلُ فَضَّلنَا بَعضَهُم عَلَى بَعضٍ﴾ وكما قد علمنا أن نبينا ﷺ قد خُصَّ بخصائص من الكرامات والفضائل بما لم يُخصّ به أحدٌ منهم، ومع ذلك فلا نقول: نبينا خير من الأنبياء، ولا من فلان النبي اجتنابا لما نهى عنه، وتأدبًا\n_________\n(١) ذكره في الدر المنثور (٦/ ١١٩)، والزبيدي في الإتحاف (١٠/ ٤٩٦) وسبق تخريجه في التلخيص برقم (٢٨٩٨).","vol":"6","page":230},{"text":"وَجهِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَا تُفَضِّلُوا بَينَ أَنبِيَاءِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَيَصعَقُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: ثُمَّ يُنفَخُ فِيهِ أُخرَى، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَن يبعثَ - أَو: فِي أَوَّلِ مَن يبعثَ -\nــ\nبأدبه، وعملًا باعتقاد ما تضمنه القرآن من التفضيل، ورفعا لما يتوهم من المعارضة بين السُّنَّة والتنزيل.\nو(قوله: إنه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله) أصل الصعق، والصعقة: الصوت الشديد المنكر، كصوت الرعد، وصوت الحمار، وقد يكون معه موت لشدَّته. وهو المراد بقوله: ﴿فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرضِ﴾ وقد تكون معه غشية، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ فإنَّ كان معه نار فهو الصاعقة، والعرب كلها تقدم العين على القاف إلا بني تميم، فإنَّهم يقدمون القاف على العين، فيقولون: الصاقعة، حكاها القاضي عياض.\nوقد اختلف في المستثنى: من هو؟ فقيل: الملائكة، وقيل: الأنبياء، وقيل: الشهداء. والصحيح: أنه لم يرد في تعيينهم خبر صحيح، والكل محتمل، والله أعلم.\nوالصُّور قيل: إنه جمع صورة، والصحيح ما قد صح عن النبي ﷺ أنه قال: الصُّور قرن ينفخ فيه (١). وسيأتي له مزيد بيان. واختلف في عدد النفخات، فقيل: ثلاثة: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة البعث. وقيل: هما نفختان: نفخة الفزع هي نفخة الصعق، لأنَّ الأمرين لازمان لها. والله تعالى أعلم.\nو(قوله: ثم ينفخ فيه أخرى، فأكون أول من يبعث، أو: من أول من يبعث) هذا شك من الراوي تزيله الرواية الأخرى التي قال فيها: فأكون أول من يفيق، وكذلك الحديث المتقدم الذي قال فيه: أنا أول من ينشق عنه القبر\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ١٢٦)، والترمذي (٣٢٤٤).","vol":"6","page":231},{"text":"وفي رواية: أول من يفيق من غير شك - فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِالعَرشِ، فَلَا أَدرِي أَحُوسِبَ بِصَعقَتِهِ يَومَ الطُّورِ أَو بُعِثَ قَبلِي، وَلَا أَقُولُ: إِنَّ أَحَدًا أَفضَلُ مِن يُونُسَ بنِ مَتَّى ﵇.\nــ\nويبعث) (١) يعني به: يحيا بعد موته، وهو الذي عبر عنه في الرواية الأخرى بـ أفيق) وإن كان المعروف: أن الإفاقة إنما هي من الغشية، والبعث من الموت، لكنهما لتقارب معناهما أطلق أحدهما مكان الآخر، ويحتمل أن يراد بالبعث الإفاقة على ما يأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى.\nو(قوله: فإذا موسى متعلِّق بساق بالعرش (٢» هذا من موسى تعلق فزع لهول المطلع، وكأنه متحرِّم بذلك (٣) المحل الشريف، ومتمسك بالفضل المنيف.\nو(قوله: فلا أدري أحوسب بصعقة الطور، أو بعث قبلي) هذا مشكل بالمعلوم من الأحاديث الدَّالة على أن موسى ﵇، قد توفي وأن النبي ﷺ قد رآه في قبره، وبأن المعلوم المتواتر: أنه توفي بعد أن ظهر دينه، وكثرت أمَّته، ودفن بالأرض، ووجه الإشكال: أن نفخة الصَّعق إنما يموت بها من كان حيًّا في هذه الدار، فأمَّا من مات فيستحيل أن يموت مرة أخرى، لأنَّ الحاصل لا يستحصل، ولا يبتغى، وإنما ينفخ في الموتى نفخة البعث، وموسى قد مات، فلا يصحُّ أن يموت مرَّة أخرى، ولا يصحُّ أن يكون مستثنى ممن صُعق، لأنَّ المستثنيين أحياء لم يموتوا، ولا يموتون، فلا يصحُّ استثناؤهم من الموتى، وقد\n_________\n(١) سبق تخريجه برقم (٢٨٩٨).\n(٢) كذا في أصول المفهم، ولم نجد لفظ: \"متعلق بساق العرش\" في أي من الكتب الصحاح الستة، وإنما ورد \"أخذ بالعرش\" و\"باطش بجانب العرش\"، \"متعلق بالعرش\".\n(٣) في (ع): الحرم.","vol":"6","page":232},{"text":"وفي رواية: فَلَا أَدرِي أَكَانَ فِيمَن صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبلِي، أَم كَانَ مِمَّن استَثنَى اللَّهُ ﷿.\nرواه البخاريّ (٣٤١٤)، ومسلم (٢٣٧٣) (١٥٩ و١٦٠)، وأبو داود (٤٦٧١)، والترمذيُّ (٣٢٤٥).\n* * *\nــ\nرام بعضهم الانفصال عن هذا الإشكال، فقال: يحتمل أن يكون موسى ممن لم يمت من الأنبياء، وهذا قول باطل بما ذكرناه. قال القاضي عياض: يحتمل أن المراد بهذه الصعقة: صعقة فزع بعد النشر حين تنشق السماوات والأرضون، قال: فتستقل الأحاديث والآيات.\nقلت: وهذه غفلة عن مساق الحديث، فإنَّه يدلّ على بطلان ما ذكر دلالة واضحة، فإنَّ النبي ﷺ قال: إنه حين يخرج من القبر فيلقى موسى، وهو متعلق بالعرش، وهذا كان عند نفخة البعث، ثم إن النبي ﷺ عندما يرى موسى يقع له تردد في موسى على ظاهر هذا الحديث، هل مات عند نفخة الصعق المتقدِّمة على نفخة البعث، فيكون قد بعث قبله، أو لم يمت عند نفخة الصعق لأجل الصعقة التي صعقها على الطور، جعلت له تلك عوضًا من هذه، وعلى هذا فكان حيًّا حالة نفخة الصعق، ولم يصعق، ولم يمت، وحينئذ يبقى الإشكال إذ لم يحصل عنه انفصال.\nقلت: والذي يُزيحه - إن شاء الله تعالى - أن يقال: إن الموت ليس بعدم، وإنَّما هو انتقال من حالٍ إلى حال، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدَّم، ويدل على ذلك أن الشهداء بعد قتلهم وموتهم أحياء عند ربهم يرزقون فرحين مستبشرين، فهذه صفات الأحياء في الدُّنيا، وإذا كان هذا في الشهداء كان الأنبياء بذلك أحق وأولى، مع أنه","vol":"6","page":233},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nقد صحَّ عن النبي ﷺ: أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء (١)، وأن النبي ﷺ قد اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس، وفي السماء، وخصوصًا بموسى ﵇. وقد أخبرنا النبي ﷺ بما يقتضي أن الله تعالى يرد عليه روحه حتى يرد السلام على كل من يسلم عليه (٢)، إلى غير ذلك مما ورد في هذا المعنى، وهو كثير بحيث يحصل من جملته القطع بأن موت الأنبياء إنما هو راجع إلى أنهم غيبوا عنا بحيث لا ندركهم، وإن كانوا موجودين أحياء، وذلك كالحال في الملائكة فإنَّهم موجودون أحياء، ولا يراهم أحدٌ من نوعنا إلا من خصَّه الله بكرامة من أوليائه، وإذا تقرر أنهم أحياء فهم فيما بين السماء والأرض، فإذا نفخ في الصور نفخة الصعق صعق كل من في السماوات والأرض إلا من شاء الله، فأمَّا صعق غير الأنبياء فموت، وأما صعق الأنبياء، فالأظهر أنه غشية، فإذا نفخ في الصور نفخة البعث ممن مات حيي، ومن غشي عليه أفاق، ولذلك قال ﷺ: فأكون أول من يفيق) وهي رواية صحيحة وحسنة. فهذا الذي ظهر لي، والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.\nوقد تحصل من هذا الحديث: أن نبينا محمدًا ﷺ مُحَقَّقٌ أنه أول من يفيق، وأول من يخرج من قبره قبل الناس كلهم، الأنبياء وغيرهم، إلا موسى ﵇ فإنَّه حصل له فيه تردد: هل بعث قبله، أو بقي على الحالة التي كان عليها قبل نفخة الصعق، وعلى أي الحالين كان فهي فضيلة عظيمة لموسى ﵇ ليست لغيره، والله تعالى أعلم.\n* * *\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٠٤٧)، والنسائي (٣/ ٩١)، وابن ماجه (١٦٣٦).\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٥٢٧)، وأبو داود (٢٠٤١) بلفظ: \"ما من أحدٍ يُسلم عليًّ إلا ردَّ اللهُ عليَّ روحي حتى أردَّ ﵇\".","vol":"6","page":234},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدِّين.\nحسبنا الله تعالى ونعم الوكيل. علَّقه الفقير إلى الله تعالى محمد بن عيسى بن محمد بن دريك عفا الله عنهم.\nنجز الجزء الثالث من المفهم بشرح كتاب مسلم، يتلوه - إن شاء الله تعالى كتاب: فضائل الصحابة، والحمد لله.\nاللهم يسر لنا طريقًا إلى العلم، وتوفيقًا إلى الفهم، وأصلح نياتنا فيهما، إنك لما تشاء فعَّال، وأنت حسبنا ونعم الوكيل (١).\n* * *\n_________\n(١) قوله: (الحمد لله. . . ونعم الوكيل) من (ع).","vol":"6","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-870>(٣٥) باب فضائل أبي بكر الصديق واستخلافه - ﵁ </span>-\n[٢٢٩٢] عن أبي بَكرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ: نَظَرتُ إِلَى أَقدَامِ المُشرِكِينَ عَلَى رُؤوسِنَا، وَنَحنُ فِي الغَارِ فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَو أَنَّ أَحَدَهُم نَظَرَ إِلَى\nــ\n(٣٥) ومن باب فضائل أبي بكر الصديق ﵁\nواسمه عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرَّة بن كعب بن لؤي. يجتمع نسبه مع نسب رسول الله ﷺ في مرَّة بن كعب، وسَمَّاه رسول الله ﷺ بالصِّدِّيق، رواه عنه علي بن أبي طالب ﵁، وسَمَّاه بذلك لكثرة تصديقه. ويُسمَّى بعتيق، وفي تسميته بذلك ثلاثة أقوال:\nأحدها: أن النبي ﷺ قال: من أراد أن ينظر إلى عتيق من النار فلينظر إلى أبي بكر (١) روته عائشة.\nوالثاني: أنه اسم سمَّته به أمُّه، قاله موسى بن طلحة.\nوالثالث: أنه سُمِّي به (٢) لجمال وجهه، [قاله الليث بن سعد، وقال ابن قتيبة: لقبه النبي ﷺ بذلك لجمال وجهه] (٣)،\n_________\n(١) رواه الطبراني في الكبير (١٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤١): رواه أبو يعلى، وفيه صالح بن موسى الطلحي، وهو ضعيف.\n(٢) في (م ٤): بذلك.\n(٣) ما بين حاصرتين سقط من (ز) و(م ٣).","vol":"6","page":236},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوهو أول من أسلم من الرجال، وقد أسلم على يديه من العشرة المشهود لهم بالجنة خمسة: عثمان، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص ﵃.\nقال الإمام الحافظ أبو الفرج الجوزي: جملة ما حفظ له من الحديث عن رسول الله ﷺ مائة واثنان وأربعون حديثًا، أخرج له منها في الصحيحين ثمانية عشر حديثًا.\nقلت: ومن المعلوم القطعي، واليقين الضروري أنه حفظ من حديث رسول الله ﷺ ما لم يحفظ أحدٌ من الصحابة، وحصل له (١) من العلم ما لم يحصل لأحد منهم، لأنَّه كان الخليل المباطن، والصَّفي الملازم، لم يفارقه سفرًا ولا حضرًا، ولا ليلًا ولا نهارًا، ولا شدَّة ولا رخاءً، وإنَّما لم يتفرغ للحديث، ولا للرواية، لأنَّه اشتغل بالأهم فالأهم، ولأن غيره قد قام عنه من الرواية بالمهم.\nوإذا تقرر ذلك فاعلم: أن الفضائل جمع فضيلة، كرغائب جمع رغيبة، وكبائر جمع كبيرة، وهو كثير، وأصلها الخصلة الجميلة التي بها يحصل للإنسان شرف، وعلو منزلة وقدر، ثم ذلك الشَّرف، وذلك الفضل إما عند الخلق، وإما عند الخالق، فأمَّا الأول: فلا يلتفت إليه إن لم يوصل إلى الشرف المعتبر عند الخالق. فإذًا: الشرف المعتبر، والفضل المطلوب على التحقيق، إنما هو الذي هو شرف عند الله تعالى. وإذا تقرر هذا (٢)، فإذا قلنا إن أحدًا من الصحابة ﵃ فاضل، فمعناه أن له منزلة شريفة عند الله تعالى، وهذا لا يتوصل إليه بالعقل قطعًا، فلا بدَّ أن يرجع ذلك إلى النقل، والنقل إنما يُتلقى من الرسول ﷺ، فإذا أخبرنا\n_________\n(١) في (ع): عنده.\n(٢) في (م ٤): ذلك.","vol":"6","page":237},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالرَّسول ﷺ بشيء من ذلك تلقيناه بالقبول، فإنَّ كان قطعيًا حصل لنا العلم بذلك، وإن لم يكن قطعيًا كان ذلك كسبيل المجتهدات على ما تقدَّم، وعلى ما ذكرناه في الأصول، وإذا لم يكن لنا طريق إلى معرفة ذلك إلا بالخبر، فلا يقطع أحد بأن من صدرت منه أفعال دينية وخصال محمودة، بأن ذلك قد بلَّغه عند الله منزلة الفضل والشرف، فإنَّ ذلك أمر غيب، والأعمال بالخواتيم، والخاتمة مجهولة، والوقوف على المجهول مجهول، لكنَّا إذا رأينا من أعانه الله على الخير، ويسر له أسباب الخير رجونا له حصول تلك المنزلة عند الله تمسُّكًا بقوله ﷺ: إذا أراد الله بعبد خيرًا استعمله في الخير، ووفقه لعمل صالح (١). وبما جاء في الشريعة من ذلك، ومن كان كذلك: فالظَّنُّ أنه لا يخيب، ولا يقطع على (٢) المغيب، وإذا تقرر هذا فالمقطوع بفضله، وأفضليته بعد رسول الله ﷺ عند أهل السُّنَّة - وهو الذي يقطع به من الكتاب والسُّنَّة - أبو بكر الصِّدِّيق، ثم عمر الفاروق، ولم يختلف في ذلك أحدٌ من أئمة السَّلف، ولا الخلف، ولا مبالاة بأقوال أهل الشيع، ولا أهل البدع، فإنهم بين مُكفَّر تُضرب رقبته، وبين مبتدع مُفسَّق لا تُقبل كلمته، وتدحض حُجَّته.\nوقد اختلف أئمة أهل السُّنَّة (٣) في علي وعثمان ﵄، فالجمهور منهم على تقديم عثمان، وقد روي عن مالك أنه توقف في ذلك، وروي عنه أنه رجع إلى ما عليه الجمهور، وهو الأصح إن شاء الله، والمسألة (٤) اجتهادية لا قطعية، ومستندها الكلِّي أن هؤلاء الأربعة: هم الذين اختارهم الله تعالى لخلافة نبيَّه، ولإقامة دينه، فمراتبهم عنده بحسب ترتيبهم في الخلافة، إلى ما ينضافُ إلى\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ١٣٥)، والترمذي (٢١٤٢).\n(٢) في (م ٤): عن.\n(٣) في (ع): السلف.\n(٤) في (م ٤): وهذه المسألة.","vol":"6","page":238},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nذلك بما يشهد لكل واحدٍ منهم من شهادات النبي ﷺ له بذلك تأصيلًا وتفصيلًا، على ما يأتي إن شاء الله تعالى. وهذا الباب بحر لا يدرك قعره، ولا يُنزف غمره، وفيما ذكرناه كفاية، والله الموفق للهداية.\nوقول أبي بكر ﵁: نظرت إلى أقدام المشركين على رؤوسنا ونحن في الغار كان من قصته: أن المشركين اجتمعوا لقتل رسول الله ﷺ، فبيتوه في داره، فأمر عليًّا فرقد على فراشه، وقال له: إنهم لن يضروك، فخرج عليهم رسول الله ﷺ وهم على بابه، فأخذ الله أبصارهم عنه، ولم يروه، ووضع على رأس كل واحد منهم ترابًا، وانصرف عنهم خارجًا إلى غار ثور، فاختفى (١) فيه، فأقاموا كذلك حتى أخبرهم مُخبِرٌ أنه قد خرج عليهم، وأنه وضع على رؤوسهم التراب، فمدُّوا أيديهم إلى رؤوسهم فوجدوا التراب، فدخلوا الدَّار، فوجدوا عليًّا على الفراش، فلم يتعرضوا له، ثم خرجوا في كل وجه يطلبون النبي ﷺ ويقتصون أثره بقائف (٢) كان معروفًا عندهم، إلى أن وصلوا إلى الغار، فوجدوه قد نسجت عليه العنكبوت من حينه، وفرَّخت فيه الحمام بقدرة الله تعالى، فلما رأوا ذلك قالوا: إن هذا الغار ما دخله أحدٌ، ثم إنهم صَعِدوا إلى (٣) أعلى الغار، فحينئذ رأى أبو بكر ﵁ أقدامهم، فقال بلسان مقاله مفصحًا عن ضعف حاله: لو نظر أحدهم إلى قدميه أبصرنا، فأجابه من تدلَّى فدنا بما يُذهب عنه الخوف والضَّنى بقوله: ﴿لا تَحزَن إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ أي: بالحفظ والسلامة، والصَّون والكرامة. ثم إن النبي ﷺ أقام في الغار ثلاثة أيام حتى تجهَّز. ومنه هاجر\n_________\n(١) في (م ٤): فأخفي.\n(٢) \"القائف\": مَن يعرف الآثار ويتتبعها. ومَن يعرف النَّسَب بفراسته ونظره إلى أعضاء المولود.\n(٣) في (م ٤): على.","vol":"6","page":239},{"text":"قَدَمَيهِ أَبصَرَنَا تَحتَ قَدَمَيهِ، فَقَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: يَا أَبَا بَكرٍ مَا ظَنُّكَ بِاثنَينِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا.\nرواه أحمد (١/ ٤)، والبخاريُّ (٣٦٥٣)، ومسلم (٢٣٨١)، والترمذيُّ (٣٠٩٦).\n[٢٢٩٣] وعَن أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَلَسَ عَلَى المِنبَرِ فَقَالَ: عَبدٌ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَينَ أَن يُؤتِيَهُ زَهرَةَ الدُّنيَا، وَبَينَ مَا عِندَهُ فَاختَارَ مَا عِندَهُ فَبَكَى أَبُو بَكرٍ وَبَكَى فَقَالَ: فَدَينَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا! قَالَ: فَكَانَ\nــ\nإلى المدينة، وكل ذلك من النبي ﷺ ثقة بوعد الله تعالى، وتوكل، ودليل على خصوصيَّة أبي بكر من الخلَّة، وملازمة الصُّحبة في أوقات الشدة بما لم (١) يسبق إليه.\nو(قوله ﷺ: عبدٌ خيَّره الله تعالى بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده) هذا قول فيه إبهام، قصد به النبي ﷺ اختبار أفهام أصحابه، وكيفية تعلق قلوبهم به، فظهر أن أبا بكر كان عنده من ذلك ما لم يكن عند أحد منهم، ولما فهم من ذلك ما لم يفهموا بادر بقوله: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، ولذلك قالوا: فكان أبو بكر أعلمنا. وهذا يدلّ من أبي بكر ﵁ على أن قلبه ممتلئ من محبة رسول الله ﷺ ومستغرق عنه، وشديد الاعتناء بأموره كلِّها من أقواله وأحواله بحيث لا يشاركه أحدٌ منهم (٢) في ذلك. ولما علم النبي ﷺ ذلك منه، وصدر منه في ذلك الوقت ذلك الفهم عنه اختصَّه بالخصوصيَّة العظمى التي لم يظفر بمثلها بشري في الأولى ولا في الآخرة. فقال: إن أَمَنَّ الناس عليَّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، فقد تضمن\n_________\n(١) في (م ٤): ليس.\n(٢) من (م ٤).","vol":"6","page":240},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ المُخَيَّرُ، وَكَانَ أَبُو بَكرٍ أَعلَمَنَا بِهِ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي مَالِهِ وَصُحبَتِهِ أَبُو بَكرٍ، وَلَو كُنتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذتُ أَبَا بَكرٍ خَلِيلًا، وَلَكِن أُخُوَّةُ الإِسلَامِ لَا تُبقَيَنَّ فِي المَسجِدِ خَوخَةٌ إِلَّا خَوخَةَ أَبِي بَكرٍ.\nرواه أحمد (٣/ ١٨)، والبخاريُّ (٤٦٦)، ومسلم (٢٣٨٢).\nــ\nهذا الكلام: أن لأبي بكر من الفضائل، والحقوق ما لا يشاركه فيها مخلوق. ووزن أمَنَّ: أفعل، من المنَّة بمعنى الامتنان، أي: أكثر منَّة، ومعناه: أن أبا بكر ﵁ له من الحقوق ما لو كانت لغيره لامتن بها، وذلك: أنه ﵁ بادر النبي ﷺ بالتَّصديق، والناس كلهم مكذبون، وبنفقة الأموال العظيمة، والناس يبخلون، وبالملازمة والمصاحبة، والناس ينفرون، وهو مع ذلك بانشراح صدره، ورسوخ علمه يعلم: أن لله ولرسوله الفضل والإحسان، والمنة والامتنان، لكن النبي ﷺ بكرم خُلقه، وجميل معاشرته اعترف بالفضل لمن صدر عنه، وشكر الصنيعة لمن وجدت منه، عملًا بشكر المنعم، ليسن، وليعلم، وهذا مثل ما جرى له يوم حنين مع الأنصار، حيث جمعهم فذكَّرهم بما له عليهم من المنن، ثم اعترف لهم بما لهم من الفضل الجميل الحسن، وقد تقدم في الزكاة. وقد ذكر الترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافأناه عليها ما خلا أبا بكر، فإنَّ له عندنا يدًا يكافئه الله تعالى بها يوم القيامة، وما نفعني مال أحد كما نفعني مال أبي بكر. . .، (١) وذكر الحديث، وقال: هو حسن غريب.\nو(قوله: ولو كنت متخذًا خليلًا، لاتخذت أبا بكر خليلًا) متخذًا: اسم فاعل من اتَّخذ، وهو فعل يتعدَّى إلى مفعولين، أحدهما بحرف الجر، فيكون\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٦٦١).","vol":"6","page":241},{"text":"[٢٢٩٤] وعن عَبدَ اللَّهِ بنَ مَسعُودٍ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَو كُنتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذتُ أَبَا بَكرٍ خَلِيلًا، وَلَكِن أَخِي وَصَاحِبِي، وَقَد اتَّخَذَ اللَّهُ ﷿ صَاحِبَكُم خَلِيلًا.\nــ\nبمعنى: اختار واصطفى، كما قال: ﴿وَاتَّخَذَ قَومُ مُوسَى مِن بَعدِهِ مِن حُلِيِّهِم عِجلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ وقد سكت هنا عن أحد مفعوليها، وهو الذي دخل عليه حرف الجر، فكأنه قال: لو كنت متخذًا من النَّاس خليلًا لاتخذت منهم أبا بكر. ولبسط الكلام في ذلك علم النحو، وحاصله: أن اتَّخذ استعملت على ثلاثة أنحاء:\nأحدها: تتعدى لمفعولين بنفسها.\nوثانيها: تتعدى لأحدهما بحرف الجر.\nوثالثها: تتعدى لمفعول واحد، وكل ذلك موجود في القرآن.\nومعنى هذا الحديث: أن أبا بكر ﵁ كان قد تأهل لأن يتخذه النبي ﷺ خليلًا، لولا المانع الذي منع النبي ﷺ وهو أنه لما امتلأ قلبه بما تخلله من معرفة الله تعالى، ومحبته، ومراقبته، حتى كأنه مزجت أجزاء قلبه بذلك، لم يتسع قلبه لخليل آخر يكون كذلك فيه، وعلى هذا فلا يكون الخليل إلا واحدًا، ومن لم ينته إلى ذلك ممن تعلَّق القلب به فهو حبيب، ولذلك أثبت لأبي بكر وعائشة - ﵄ - أنهما أحب الناس إليه، ونفى عنهما الخلَّة، وعلى هذا فالخلَّة فوق المحبة، وقد اختلف أرباب القلوب في ذلك، فذهب الجمهور: إلى أن الخلَّة أعلى، تمسُّكًا بما ذكرناه، وهو متمسَّك قوي ظاهر، وذهب أبو بكر بن فورك (١) إلى أن المحبة أعلى، واستدل على ذلك: بأن الاسم الخاص بمحمد ﷺ: الحبيب، وبإبراهيم: الخليل. ودرجة نبينا ﷺ أرفع، فالمحبة أرفع. وقد ذكر القاضي عياض هذه المسألة في كتاب الشفا (٢)، واستوفى فيها البحث، فلتنظر\n_________\n(١) هو محمد بن الحسن بن فُورَك، أبو بكر: واعظ، عالم بالأصول والكلام، من فقهاء الشافعية. من كتبه: \"مشكل الحديث وغريبه\". توفي سنة (٤٠٦ هـ).\n(٢) انظر: الشفا (١/ ٤٠٩ وما بعدها).","vol":"6","page":242},{"text":"وفي رواية: أَلَا إِنِّي أَبرَأُ إِلَى كُلِّ خليل مِن خِلِّهِ، وَلَو كُنتُ ... وذكر نحوه.\nرواه أحمد (١/ ٣٧٧)، ومسلم (٢٣٨٣) (٣ و٧)، والترمذيُّ (٣٦٥٥)، وابن ماجه (٩٣).\nــ\nهناك، وقد ذكرنا اختلاف الناس في الخلة في كتاب الإيمان.\nو(قوله: إلا إني أبرأ إلى كل خليل من خلّته) الرواية المعروفة: بكسر الخاء من خِلَّة. قال القاضي: والصواب - إن شاء الله - فتحها، والخلَّة، والخلُّ، والمخاللة، والمخالَّة، والخلالة، والخلولة: الإخاء والصَّداقة.\nقلت: يعني: أن خَلَّة في الأصل: هي مصدر، ومصادر هذا الباب: هي التي ذكروها، وليس فيها ما يقال: بكسر الخاء، فتعين الفتح فيها، ومعنى هذا الكلام: قد جاء بلفظ آخر يفسره فقال: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل. . وهذا واضح.\nو(قوله: وقد اتَّخذ الله صاحبكم خليلًا) في غير كتاب مسلم: كما اتخذ إبراهيم خليلًا) وهذا يدلّ على أن الله تعالى بلغ درجة نبينا ﷺ في الخلة بإبراهيم ﵇ غير أنَّه مكَّنه فيها ما لم يمكَّن إبراهيم فيها، بدليل قول إبراهيم: إنما كنت خليلًا من وراء وراء (١) كما تقدَّم في الإيمان.\nو(قوله: لا تُبقَيَن في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر) الخوخة - بفتح الخاء المعجمة -: باب صغير بين مسكنين، وكان أصحاب النبي ﷺ قد فتحوا بين مساكنهم وبين المسجد خوخات اغتنامًا لملازمة المسجد، وللكون فيه مع النبي ﷺ إذ كان فيه غالبًا، إلا أنه لما كان ذلك يؤدي إلى اتخاذ المسجد طريقًا، أمر النبي ﷺ بسدِّ كل خوخة كانت هنالك، واستثنى خوخة أبي بكر - رضي الله\n_________\n(١) رواه مسلم (١٩٥) (٣٢٩).","vol":"6","page":243},{"text":"[٢٢٩٥] وعن عَمرُو بنُ العَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ عَلَى جَيشِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ فَأَتَيتُهُ فَقُلتُ: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيكَ؟ قَالَ: عَائِشَةُ، قُلتُ: مِن الرِّجَالِ؟ قَالَ: أَبُوهَا. قُلتُ: ثُمَّ مَن؟ قَالَ: عُمَرُ. فَعَدَّ رِجَالًا.\nرواه أحمد (٤/ ٢٠٣)، والبخاري (٣٦٦٢)، ومسلم (٢٣٨٤)، والترمذيُّ (٣٨٨٥).\n[٢٢٩٦] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن أَصبَحَ مِنكُم اليَومَ صَائِمًا؟ قَالَ أَبُو بَكرٍ: أَنَا، قَالَ: فَمَن تَبِعَ مِنكُم اليَومَ جَنَازَةً؟\nــ\nعنه - إكرامًا له، وخصوصية به، لأنَّهما كانا لا يفترقان غالبًا، وقد استدل بهذا الحديث على صحَّة إمامته، واستخلافه للصلاة، وعلى خلافته بعده.\nو(قوله: من أحبُّ الناس إليك (١)؟ هذا السُّؤال: أخرجه الحرص على معرفة الأحب إليه، ليقتدي به في ذلك، فيحب ما أحب، فإنَّ المرء مع من أحب.\nو(قوله في الجواب: عائشة) يدلّ على جواز ذكر مثل ذلك، وأنه لا يعاب على من ذكره إذا كان المقول له من أهل الخير والدِّين، ويقصد بذلك مقاصد الصَّالحين، وإنَّما بدأ النبي ﷺ بذكر محبة عائشة أولًا، لأنَّها محبة جبلية ودينية، وغيرها دينية لا جبلية، فسبق الأصلي على الطَّارئ.\nو(قوله: ثم أبو بكر (٢)، ثم عمر) يدلّ على: تفاوت ما بينهما في الرتبة والفضيلة، وهو يدلّ على صحَّة ما ذهب إليه أهل السُّنَّة.\nو(قوله: من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ قال أبو بكر: أنا. . . الحديث يدلّ\n_________\n(١) في مسلم والتلخيص: أيّ الناس أحب إليك؟ .\n(٢) في مسلم والتلخيص: أبوها.","vol":"6","page":244},{"text":"قَالَ أَبُو بَكرٍ: أَنَا، قَالَ: فَمَن أَطعَمَ مِنكُم اليَومَ مِسكِينًا؟ قَالَ أَبُو بَكرٍ: أَنَا، قَالَ: فَمَن عَادَ مِنكُم اليَومَ مَرِيضًا؟ قَالَ أَبُو بَكرٍ: أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا اجتَمَعنَ فِي امرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الجَنَّةَ.\nرواه مسلم (١٠٢٨) في الفضائل (١٢).\n[٢٢٩٧] وعنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَينَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً لَهُ قَد حَمَلَ عَلَيهَا؛ التَفَتَت إِلَيهِ البَقَرَةُ فَقَالَت: إِنِّي لَم أُخلَق لِهَذَا، وَلَكِنِّي إِنَّمَا خُلِقتُ لِلحَرثِ، فَقَالَ النَّاسُ: سُبحَانَ اللَّهِ - تَعَجُّبًا وَفَزَعًا - أَبَقَرَةٌ تَكَلَّمُ؟ !\nــ\nعلى ما كان النبي ﷺ عليه من التفقد لأحوال أصحابه، وإرشادهم إلى فعل الخير على اختلاف أنواعه، وعلى ما كان عليه أبو بكر من الحرص على فعل جميع أنواع الطاعات، وتتبعه أبوابها، واغتنام أوقاتها، وكأنه ما كان له هم إلا في طلب ذلك، والسَّعي في تحصيل ثوابه.\nو(قوله: ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة) ظاهره: أن من اجتمع له فعل هذه الأبواب في يومٍ واحد دخل الجنة، فإنَّه قال فيها كلها: اليوم، اليوم، ولما أخبره أبو بكر ﵁ أنه فعل تلك الأمور كلها في ذلك اليوم بشَّره بأنه من أهل الجنة لأجل تلك الأمور، والمرجو من كرم الله تعالى أن من اجتمعت له تلك الأعمال في عمره، وإن لم تجتمع في يوم واحد أن يدخله الله الجنَّة بفضله، ووعده الصَّادق.\nو(قول البقرة للذي حمل عليها: إني لم أخلق لهذا، إنما خلقت للحرث) دليل: على أن البقرة لا يحمل عليها ولا تركب، وإنَّما هي للحرث، وللأكل، والنسل، والرَّسلِ (١). وفيه ما يدلّ على وقوع خرق العوائد، على جهة الكرامة، أو\n_________\n(١) أى: اللَّبن.","vol":"6","page":245},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَإِنِّي أُومِنُ بِهِ وَأَبُو بَكرٍ وَعُمَرُ، فقَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَينَا رَاعٍ فِي غَنَمِهِ عَدَا عَلَيهِ الذِّئبُ، فَأَخَذَ مِنهَا شَاةً، فَطَلَبَهُ الرَّاعِي حَتَّى استَنقَذَهَا مِنهُ، فَالتَفَتَ إِلَيهِ الذِّئبُ، فَقَالَ لَهُ: مَن لَهَا يَومَ السَّبُعِ يَومَ لَيسَ لَهَا رَاعٍ غَيرِي؟ فَقَالَ النَّاسُ: سُبحَانَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَإِنِّي أُومِنُ بِذَلِكَ أَنَا وَأَبُو بَكرٍ وَعُمَرُ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦)، والبخاريُّ (٣٤٧١)، ومسلم (٢٣٨٨).\nــ\nعلى جهة التنبيه لمن أراد الله به الاستقامة، وفيه ما يدلّ على علم النبي ﷺ بصحَّة إيمان أبي بكر وعمر، ويقينهما، وأنه كان ينزلهما منزلة نفسه، ويقطع على يقينهما، وهذه خصوصية عظيمة، ودرجة (١) رفيعة.\nو(قول الذئب: من لها يوم السَّبُع) الرواية الصحيحة التي قرأناها وقيدناها على مشايخنا بضم الباء لا غير، ومعناه مفسَّر بباقي الحديث، إذ قال فيه: يوم ليس لها راعٍ غيري فإنه أبدل يوم ليس لها راع من يوم السَّبُع وكأنه قال: من يستنقذ هذه الشاة يوم ينفرد السَّبُع بها، ولا يكون معها راع، ولا يمنعها منه؟ ! وكأنه - والله أعلم - يشير إلى نحو مما تقدَّم في الحج من حديث أبي هريرة مرفوعًا. قال: يتركون المدينة على خير ما كانت، لا يغشاها إلا العوافي - يريد السِّباع والطير -، ثم يخرج راعيان من مزينة يريدان المدينة، فينعقان بغنمهما، فيجدانها وحشًا، حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرَّا على وجوههما (٢). فحاصل هذا: أن أهل المدينة ينجلون عنها، فلا يبقى فيها إلا السِّباع، ويهلك من حولها من الرُّعاة فتبقى الغنم متوحشة منفردة، فتأكلُ الذئابُ ما شاءت، وتترك ما شاءت، وهذا لم يُسمع\n_________\n(١) في (م ٤): منزلة.\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٢٣٤)، والبخاري (١٨٧٤)، ومسلم (١٣٨٩) (٤٩٩).","vol":"6","page":246},{"text":"[٢٢٩٨] وعن عَائِشَةَ وَسُئِلَت: مَن كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُستَخلِفًا لَو استَخلَفَ؟ قَالَت: أَبُو بَكرٍ،\nــ\nأنَّه وقع، ولا بدَّ من وقوعه.\nوقد قيده بعض اللغويين بسكون الباء، وليست برواية صحيحة، ولكن اختلف في معنى ذلك على أقوال يطول ذكرها، ولا معنى لأكثرها، وأشبه ما قيل في ذلك، ما حكاه الحربي: أن سكون الباء لغة فيه، وقرأ الحسن: (وما أكل السَّبعُ) بسكونها.\nو(قول السائل لعائشة - ﵂ -: من كان رسول الله ﷺ مستخلفًا لو استخلف؟) يدلّ على: أن من المعلوم عندهم أن النبي ﷺ لم يستخلف أحدًا، وكذلك قال عمر ﵁ لما طعن، وقيل له: ألا تستخلف؟ فقال: إن أتركهم؛ فقد تركهم رسول الله ﷺ، وإن أستخلف فقد استخلف أبو بكر ﵁، وهذا بمحضر من الصحابة، وعلي والعباس ﵃ ولم ينكر أحدٌ منهم على عمر، ولا ذكر أحدٌ من الناس نصًّا باستخلاف (١) على أحد، فكان ذلك دليلًا على كذب من ادَّعى شيئًا من ذلك، إذ العادات تحيل أن يكون عندهم نصٌّ على أحد في ذلك الأمر العظيم المهم، فيكتموه، مع تَصَلُّبِهم (٢) في الدِّين، وعدم تقيَّتهم، فإنَّهم كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم، وكذلك اتفق لهم عند موت النبي ﷺ فإنَّهم اجتمعوا لذلك، وتفاوضوا فيه مفاوضة من لا يتقي شيئًا، ولا يخاف أحدًا، حتى قالت الأنصار: منا أمير، ومنكم أمير، ولم يذكر أحدٌ منهم نصًّا، ولا ادَّعى أحدٌ منهم أنه نصَّ عليه، ولو كان عندهم من ذلك شيء لكانوا هم أحق بمعرفته، ونقله، ولَمَا اختلفوا في شيء من ذلك. ومن العجب ألا يكون عند أحدٍ من هؤلاء نصٌّ على ذلك، ولا يذكره مع قرب العهد، وتوفر الدِّين والجدّ، ودعاء الحاجة الشديدة إلى ذلك، ويأتي بعدهم بأزمان متطاولة، وأوقات\n_________\n(١) في (ع) و(م ٤): لاستخلاف.\n(٢) في (م ٤): فضلهم.","vol":"6","page":247},{"text":"فَقِيلَ لَهَا: ثُمَّ مَن بَعدَ أَبِي بَكرٍ؟ قَالَت: عُمَرُ، ثُمَّ قِيلَ لَهَا: مَن بَعدَ عُمَرَ؟ قَالَت: أَبُو عُبَيدَةَ بنُ الجَرَّاحِ.\nرواه مسلم (٢٣٨٥).\n[٢٢٩٩] وعن جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ، أَنَّ امرَأَةً سَأَلَت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَيئًا، فَأَمَرَهَا أَن تَرجِعَ إِلَيهِ، فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيتَ إِن جِئتُ فَلَم أَجِدكَ؟ قَالَ أَبِي: كَأَنَّهَا تَعنِي المَوتَ، قَالَ: فَإِن لَم تَجِدِينِي فَائتِي أَبَا بَكرٍ.\nرواه أحمد (٤/ ٨٢)، والبخاريُّ (٣٦٥٩)، ومسلم (٢٣٨٦).\nــ\nمختلفة، وقلة علم، وعدم فهم من يدَّعي: أن عنده من العلم بالنصِّ على واحد معين ما لم يكن عند أولئك الملأ الكرام، ولا سمع منهم. هذا محض الكذب الذي لا يقبله سليم العقل، لكن غلبة التعصُّب والأهواء تورِّط صاحبها في الظلماء، وقد ذهبت الشيعة على اختلاف فرقها إلى: أنه نصَّ على خلافة علي ﵁ وذهبت الراوندية إلى أنه نصَّ على خلافة العباس ﵁ واختلق كل واحد منهما من الكذب، والزور، والبهتان ما لا يرضى به من في قلبه حبة خردل من الإيمان، وما ذكرناه من عدم النَّص على واحد بعينه هو مذهب جمهور أهل السُّنَّة من السَّلف والخلف، لا على أبي بكر، ولا غيره، غير أنهم استندوا في استحقاق أبي بكر ﵁ للخلافة إلى أصول كليِّة، وقرائن خالية، ومجموع ظواهر جليِّة حصلت لهم العلم بأنه أحق بالخلافة، وأولى بالإمامة، يعلم ذلك من استقرأ أخباره، وخصائصه، وسيقع التنبيه على بعضها إن شاء الله تعالى.\nو(قول عائشة - ﵂ - في جواب السَّائل: أبو بكر، ثم عمر، ثم أبو عبيدة) هذا قالته عن نظرها، وظنها، لا أن ذلك كان بنصٍّ عندها عن النبي ﷺ، ولعلها استندت في عمر وأبي عبيدة لقول أبي بكر يوم السقيفة: رضيت","vol":"6","page":248},{"text":"[٢٣٠٠] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ: ادعِي لِي أَبَا بَكرٍ أَبَاكِ وَأَخَاكِ حَتَّى أَكتُبَ كِتَابًا، فَإِنِّي أَخَافُ أَن يَتَمَنَّى\nــ\nلكم أحد هذين الرَّجُلَين عمر وأبي عبيدة. وفي حق أبي عبيدة شهادة النبي ﷺ بأنه أمين هذه الأمة، ولذلك قال عمر ﵁ حين جعل الأمر شورى: لو أن أبا عبيدة حيٌّ لما تخالجني فيه شك، فلو سألني ربي عنه قلت: سمعت نبيك يقول: لكل أمة أمين، وأميننا - أيتها الأمة - أبو عبيدة بن الجراح (١)، ويفهم من قول عمر وعائشة: جواز انعقاد الخلافة للفاضل مع وجود الأفضل، فإنَّ عثمان وعليًّا - ﵄ - أفضل من أبي عبيدة ﵁ بالاتفاق، ومع ذلك فقد حكما بصحَّة إمامته عليهما - أن لو كان حيًّا -.\nوقد اختلف العلماء في هذه المسألة، ومذهب الجمهور: أنها تنعقد له - أعني للمفضول - وخالف في ذلك: عباد بن سلمان، والجاحظ، فقالا: لا ينعقد للمفضول على الفاضل، ولا يعتد بخلافهما لما ذكرنا في الأصول، والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور.\nو(قوله - ﷺ - للمرأة: إن لم تجديني فائتي أبا بكر) زعم من لا تحقيق عنده من المتأخرين: أن هذا نصٌّ على خلافة أبي بكر ﵁ وليس كذلك، وإنَّما يتضمن الخبر عن أنَّه يكون هو الخليفة بعده، لكن بأي طريق تنعقد له؟ هل بالنصِّ عليه، أو بالاجتهاد؟ هذا هو المطلوب، ولم ينص عليه في الحديث، وكذلك قوله ﷺ: ادعي لي أبا بكر أباك، وأخاك حتى أكتب كتابًا. . . الحديث إلى قوله: يأبى الله والمؤمنون: إلا أبا بكر ليس نصًّا في استخلافه، وإنما يدل على إرادة استخلافه، ولم ينص عليه، ألا ترى أنه لم يكتب، ولم ينص.\nوالحاصل: أن هذه الأحاديث ليست نصوصًا في ذلك، لكنها ظواهر قوية إذا انضاف إليها استقراء ما في الشريعة مِمَّا يدلّ على ذلك المعنى علم استحقاقه\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ١٣٣)، والبخاري (٧٢٥٥)، ومسلم (٢٤١٩) (٥٣).","vol":"6","page":249},{"text":"مُتَمَنٍّ، وَيَقُولُ قَائِلٌ: أَنَا أَولَى، وَيَأبَى اللَّهُ وَالمُؤمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكرٍ.\nرواه أحمد (٦/ ١٤٤)، والبخاريُّ (٥٦٦٦)، ومسلم (٢٣٨٧).\n* * *\nــ\nللخلافة، وانعقادها له ضرورة شرعية، والقادح في خلافته مقطوع بخطئه، وتفسيقه. وهل يكفر أم لا؟ مختلف فيه، والأظهر: تكفيره لمن استقرأ ما في الشريعة، مما يدلّ على استحقاقه لها، وأنه: أحق وأولى بها، سيما وقد انعقد إجماع الصحابة على ذلك، ولم يبق منهم مخالف في شيء مِمَّا جرى هنالك.\nوكانت وفاة أبي بكر ﵁ على ما قاله ابن إسحاق: يوم الجمعة لسبع ليالٍ (١) بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة. وقال غيره: إنه مات عشية يوم الاثنين. وقيل: عشية يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة. هذا قول أكثرهم. قال ابن إسحاق: وتوفي على رأس سنتين وثلاثة أشهر واثنتي عشرة ليلة من متوفى رسول الله ﷺ. وقال غيره: وعشرة أيام. وقيل: وعشرين يومًا. ومكث في خلافته سنتين وثلاثة أشهر إلا خمس ليال. وقيل: وثلاثة أشهر وسبع ليال.\nواختلف في سبب موته، فقال الواقدي: أنه اغتسل في يوم بارد فحُمَّ، ومرض خمسة عشر يومًا. وقال الزبير بن بكار: كان به طرف من السِّلِّ. وروي عن سلام بن أبي مطيع: أنه سُمَّ. والله أعلم. وقد تقدَّم أنه مات وهو ابن ثلاث وستين سنة.\n* * *\n_________\n(١) في (ع) و(م ٤): لتسع، وفي البداية والنهاية (٧/ ١٨) لثمان.","vol":"6","page":250},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-871>(٣٦) باب فضائل عمر بن الخطاب</span>\n[٢٣٠١] عن ابنَ عَبَّاسٍ قال: وُضِعَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ عَلَى سَرِيرِهِ فَتَكَنَّفَهُ النَّاسُ يَدعُونَ وَيُثنُونَ، وَيُصَلُّونَ عَلَيهِ قَبلَ أَن يُرفَعَ وَأَنَا فِيهِم. قَالَ:\nــ\n(٣٦) ومن باب فضائل عمر بن الخطاب ﵁\nويُكنَّى: أبا حفص، وهو ابن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي، يجتمع نسبه مع نسب رسول الله ﷺ في كعب. أسلم سنه ست من النبوَّة. وقيل: سنة خمس بعد أربعين رجلًا، وإحدى عشرة امرأة. وقيل: بعد ثلاث وثلاثين رجلًا. وقيل: إنه تمام الأربعين. وسُمِّي الفاروق، لأنَّه فرَّق بإظهار إسلامه بين الحق والباطل. وقتال الكفار عليه يوم أسلم، ونزل جبريل ﵇ على رسول الله ﷺ فقال: يا محمد! استبشر أهل السماء بإسلام عمر. حُفِظ له من الحديث خمسمائة وتسعة (١) وثلاثون حديثًا، أخرج له منها في الصحيحين أحد وثمانون حديثًا، توفي ﵁ مقتولًا. قتله أبو لؤلؤة فيروز غلام المغيرة بن شعبة، لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، طعنه العلج بسكين في يده ذات طرفين، وطعن فيه اثني عشر رجلًا، مات منهم تسعة، ثم رَمَى على العلج رجلٌ من أهل العراق برنسًا (٢)، فحبسه، فوجأ نفسه، وكانت خلافة عمر ﵁ عشر سنين وستة أشهر، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة كما تقدَّم.\nو(قوله: ووضع عمر ﵁ على سريره، فتكنفه النَّاس) يعني: بعد موته وتجهيزه للدَّفن. والسَّرير هنا: هو النَّعش، وتكنَّفه الناس: أي صاروا\n_________\n(١) في (م ٤): وسبعة.\n(٢) \"البرنس\": كلُّ ثوبٍ يكون غطاءُ الرأس جزءًا منه مُتَّصلًا به.","vol":"6","page":251},{"text":"فَلَم يَرُعنِي إِلَّا بِرَجُلٍ قَد أَخَذَ بِمَنكِبِي مِن وَرَائِي، فَالتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ عَلِيٌّ، فَتَرَحَّمَ عَلَى عُمَرَ وَقَالَ: مَا خَلَّفتَ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَيَّ أَن أَلقَى اللَّهَ بِمِثلِ عَمَلِهِ مِنكَ، وَايمُ اللَّهِ! إِن كُنتُ لَأَظُنُّ أَن يَجعَلَكَ اللَّهُ مَعَ صَاحِبَيكَ، وَذَاكَ أَنِّي كُنتُ أُكَثِّرُ أَسمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: جِئتُ أَنَا وَأَبُو بَكرٍ وَعُمَرُ، وَدَخَلتُ أَنَا وَأَبُو بَكرٍ وَعُمَرُ، وَخَرَجتُ أَنَا وَأَبُو بَكرٍ وَعُمَرُ، فَإِن كُنتُ لَأَرجُو أَو لَأَظُنُّ أَن يَجعَلَكَ اللَّهُ مَعَهُمَا.\nرواه أحمد (١/ ١١٢)، والبخاريُّ (٣٦٧٧)، ومسلم (٢٣٨٩).\n[٢٣٠٢] وعن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيَّ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَينَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيتُ النَّاسَ يُعرَضُونَ، وَعَلَيهِم قُمُصٌ مِنهَا مَا يَبلُغُ الثُّدِيَّ، وَمِنهَا مَا\nــ\nبكنفيه، أي: جانبيه. والكنف والكنيف: الجانب.\nويصلون عليه أي: يترحمون عليه. ولم يرعني أي: يفزعني فينبهني. وأصل الروع: الفزع.\nوهذا الحديث ردٌّ من عليّ ﵁ على الشيعة فيما يتقوَّلونه عليه من بُغضه للشيخين، ونسبته إياهما إلى الجور في الإمامة، وأنهما غصباه. وهذا كله كذب وافتراء؛ عليٌّ ﵁ منه براء. بل المعلوم من حاله معهما تعظيمه ومحبَّته لهما، واعترافه بالفضل لهما عليه وعلى غيره. وحديثه هذا ينصُّ على هذا المعنى، وقد تقدَّم ثناء عليٍّ على أبي بكر ﵄، واعتذاره عن تخلفه عن بيعته، وصحَّة مبايعته له، وانقياده له مختارًا طائعًا سرًّا وجهرًا، وكذلك فعل مع عمر ﵃ أجمعين -، وكل ذلك يُكذِّب الشيعة والروافض في دعواهم، لكن الأهواء (١) والتعصب أعماهم.\nو(قوله: بينا أنا نائم، والناس يعرضون عليّ. . . الحديث. هؤلاء الناس\n_________\n(١) في (ع) و(م ٤): الهوى.","vol":"6","page":252},{"text":"يَبلُغُ دُونَ ذَلِكَ، وَمَرَّ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ وَعَلَيهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ، قَالُوا: مَاذَا أَوَّلتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الدِّينَ.\nرواه أحمد (٣/ ٨٦)، والبخاريُّ (٢٣)، ومسلم (٢٣٩٠)، والترمذيُّ (٢٢٨٦).\n[٢٣٠٣] عن عَبدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ، عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بَينَا أَنَا نَائِمٌ، إِذ رَأَيتُ قَدَحًا أُتِيتُ بِهِ، فِيهِ لَبَنٌ فَشَرِبتُ مِنهُ، حَتَّى إِنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَجرِي فِي أَظفَارِي، ثُمَّ أَعطَيتُ فَضلِي عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ. قَالُوا: فَمَا أَوَّلتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: العِلمَ.\nرواه أحمد (٢/ ٨٣)، والبخاريُّ (٣٦٨١)، ومسلم (٢٣٩١)، والترمذيُّ (٢٢٨٤).\nــ\nالمعروضون على رسول الله ﷺ في النوم هم من دون عمر في الفضيلة، فلم يدخل فيهم أبو بكر، ولو عرض أبو بكر ﵁ عليه في هذه الرواية لكان قميصه أطول، فإنَّ فضله أعظم، ومقامه أكبر على ما تقدَّم. وتأويل القميص بالدين مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقوَى ذَلِكَ خَيرٌ﴾ والعرب تكني عن الفضل والعفاف بالثياب، كما قال شاعرهم (١):\nثياب بني عوف طهارى نقيَّة ... . . . . . . . . . . . (٢)\nوقد قال النبي ﷺ لعثمان ﵁: إن الله سيلبسك قميصًا، فإنَّ أرادوك أن تخلعه فلا تخلعه (٣). فعبَّر عن الخلافة بالقميص. وهي استعارة حسنة\n_________\n(١) هو امرؤ القيس.\n(٢) عجز البيت: وأوجهُهُم بيضُ المسافرِ غُرَّانُ. كذا في اللسان. وفي الديوان: وأوجههم عند المشاهد غران.\n(٣) رواه ابن ماجه (١١٢).","vol":"6","page":253},{"text":"[٢٣٠٤] وعنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أُرِيتُ كَأَنِّي أَنزِعُ بِدَلوِ بَكرَةٍ عَلَى قَلِيبٍ، فَجَاءَ أَبُو بَكرٍ، فَنَزَعَ ذَنُوبًا أَو ذَنُوبَينِ فَنَزَعَ نَزعًا ضَعِيفًا، وَاللَّهُ ﵎ يَغفِرُ لَهُ،\nــ\nمعروفة. وتأويله ﷺ اللبن بالعلم تأويل حسن ظاهر المناسبة، وذلك: أن اللبن غذاء مستطاب، به صلاح الأبدان، ونموها من أول فطرتها ونشوئها، خلا عن الأضرار والمفاسد. والعلم كذلك يحصل به صلاح الأديان والأبدان، ومنافع الدنيا والآخرة مع استطابته في نفسه. وقد يدل في التعبير على دوام الحياة، إذ به كانت. وقد يدلّ على الثواب، لأنَّه مذكور في أنهار الجنَّة.\nو(قوله - ﷺ -: أريت أني أنزع في دلو بكرة على قليب) أنزع: أستقي. وأصل النزع: الجذب. والقليب: البئر غير المطويَّة، وهي التي عبر عنها في الرواية الأخرى بالحوض. والحوض: مجتمع الماء. والبكرة: الخشبة المستديرة التي تدور بالحبل.\nو(قوله: فجاء أبو بكر فنزع ذنوبًا أو ذنوبين فنزع وفي نزعه ضعف، والله يغفر له) الذَّنوب: الدَّلو، والغرب أكبر منها.\nو(قوله: ذنوبًا أو ذنوبين) هو شك من بعض الرُّواة، وقد جاء بغير شك: ذنوبين في الرواية الأخرى. وهي أحسن. وهذه الرُّؤيا هي مثال لما فتح الله تعالى على يدي النبي ﷺ ويدي الخليفتين بعده من الإسلام والبلاد والفيء، فالنبي ﷺ هو مبدأ الأمر وممكَّن منه، وأبو بكر ﵁ بعده، غير أن مقدار ما فتح الله على يديه من بلاد الكفر قليل، لأن مدَّة خلافته كانت سنتين وثلاثة أشهر، اشتغل في معظمها بقتال أهل الرِّدَّة، ثم لما فرغ منها أخذ في قتال أهل الكفر، ففتح (١) في تلك المدَّة بعض العراق وبعض الشام، ثمَّ مات ﵁، ففتح الله على يدي عمر ﵁ سائر\n_________\n(١) في (م ٤): ففتحت له.","vol":"6","page":254},{"text":"ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ فَاستَقَى فَاستَحَالَت غَربًا، فَلَم أَرَ عَبقَرِيًّا مِن النَّاسِ يَفرِي فَريَهُ\nــ\nالبلاد، واتَّسعت خطَّة الإسلام شرقًا وغربًا وشامًا (١)، وعظمت الفتوحات، وكثرت الخيرات والبركات التي نحن فيها حتى اليوم. فعبَّر عن سنتي خلافة أبي بكر - ﵁ - بالذَّنوبين، وعن قلَّة الفتوحات فيها بالضعف، وليس ذلك وهنًا في عزيمته، ولا نقصًا في فضله على ما هو المعروف من همَّته، والموصوف من حالته.\nو(قوله: والله يغفر له) لا يظن جاهل بحال أبي بكر - ﵁ -: أن هذا الاستغفار لأبي بكر كان لذنب صدر عنه، أو لتقصير حصل منه، إذ ليس في المنام ما يدلّ على شيء من ذلك، وإنما هذا دعامٌ للكلام، وسنادٌ، وصلة، وقد تقدَّم في الحديث: أنها كانت كلمة يقولها المسلمون: افعل كذا والله يغفر لك. وهذا نحو قولهم: تربت يمينك، وألَّت! وقاتله الله! ونحو ذلك مما تستعمله العرب في أضعاف كلامها على ما تقدَّم. و(قوله: فاستحالت في يده غربًا) أي: الدَّلو الصغيرة عادت في يده دلوًا كبيرة.\nو(قوله: فلم أَرَ عبقريًّا من الناس يفري فريه) قال الأصمعي: سألت أبا عمرو بن العلاء عن العبقري فقال: يقال: هذا عبقري قومه، كقولهم: سيد قومه وكبيرهم وقويُّهم. قال أبو عبيد: وأصله: أنه نسبة إلى أرض تسكنها الجن، فصارت مثلًا لكل منسوب لشيء رفيع. ويقال: بل هي أرض يعمل فيها الوشي والبرود، ينسب إليها الوشي العبقري، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَبقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ وقال أبو عبيد: العبقري: الرجل الذي ليس فوقه شيء.\nويفري فريه: الرواية المشهورة بكسر الراء وتشديد الياء، وتروى بتسكين الراء وتخفيف\n_________\n(١) كذا في (ز) و(م ٣). وفي (ع): شرقًا وعراقًا وشامًا. وفي (م ٤): شرقًا وغربًا وعراقًا وشامًا.","vol":"6","page":255},{"text":"حَتَّى رَوِيَ النَّاسُ، وَضَرَبُوا العَطَنَ.\nرواه البخاريُّ (٣٦٨٢)، ومسلم (٢٣٩٣)، والترمذيُّ (٢٢٩٠).\n[٢٣٠٥] وفي رواية: حتى ضرب الناس بعطن.\nهذه الرواية من حديث أبي هريرة عند أحمد (٢/ ٣٦٨)، والبخاريُّ (٧٠٢١)، ومسلم (٢٣٩٢).\n[٢٣٠٦] وعن أَبِي هُرَيرَةَ، عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بَينَا أَنَا نَائِمٌ أُرِيتُ أَنِّي أَنزِعُ عَلَى حَوضِ أَسقِي النَّاسَ، فَجَاءَنِي أَبُو بَكرٍ فَأَخَذَ الدَّلوَ مِن يَدِي لِيُرَوِّحَنِي، فَنَزَعَ دَلوَينِ؛ وَفِي نَزعِهِ ضَعفٌ، وَاللَّهُ يَغفِرُ لَهُ، فَجَاءَ ابنُ الخَطَّابِ فَأَخَذَ مِنهُ، فَلَم أَرَ نَزعَ رَجُلٍ قَطُّ أَقوَى مِنهُ، حَتَّى تَوَلَّى النَّاسُ وَالحَوضُ مَلآنُ يَتَفَجَّرُ.\nرواه البخاريُّ (٧٠٢٢)، ومسلم (٢٣٩٢) (١٨).\nــ\nالياء، وأنكر الخليل التثقيل، وغلَّط قائله، ومعناه: يعمل عمله، ويقوى قوته، وأصل الفري: القطع. يقال: فلان يفري الفري، أي: يعمل العمل البالغ، ومنه قوله تعالى: ﴿لَقَد جِئتِ شَيئًا فَرِيًّا﴾ أي: عظيمًا بالغًا في فنِّه. يقال: فريت الأديم إذا قطعته على جهة الإصلاح، وأفريته: إذا قطعته على جهة الإفساد.\nو(قوله: حتى روي الناس، وضربوا العطن) روي - بكسر الواو وفتح الياء -: فعل ماض، ومضارعه يروى - بفتح الواو - من الرِّي: وهو الامتلاء من الشراب، ومعناه: أنهم رووا في أنفسهم. وضربوا العطن، أي: رووا إبلهم، وأصله أنهم يسقون الإبل، ثم يعطنونها، أي: يتركونها حول الحياض لتستريح، ثم يعيدون شربها، يقال منه: عطنت الإبل فهي عاطنة، وعواطن، وأعطنتها أنا. حكاه ابن الأنباري. وفي الصحاح: عطنت الجلد، أعطنه عطنًا، فهو معطون: إذا","vol":"6","page":256},{"text":"[٢٣٠٧] وعَن جَابِرٍ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: دَخَلتُ الجَنَّةَ فَرَأَيتُ فِيهَا دَارًا - أَو قَصرًا - فَقُلتُ: لِمَن هَذَا؟ قَالُوا: لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، فَأَرَدتُ أَن أَدخُلَ فَذَكَرتُ غَيرَتَكَ، فَبَكَى عُمَرُ وَقَالَ: أَي رَسُولَ اللَّهِ! أَوَ عَلَيكَ يُغَارُ؟ .\nرواه أحمد (٣/ ٣٠٩)، والبخاري (٧٠٢٤)، ومسلم (٢٣٩٤).\nــ\nألقيته في الماء والملح والعَلقى (١) ليتفسخ صوفه ويسترخي، وعطن الإهاب - بالكسر- يعطن عطنًا فهو عطن: إذا أنتن وسقط في العطن وقد انعطن. والعَطن والمُعطِن واحد الأعطان والمعاطن، وهي مَبَارِك الإبل عند الماء لتشرب عَلَلًا بعد نهل، وعَطَنت الإبل - بالفتح - تَعطُن، وتَعطِن عُطُونًا: إذا رَوِيَت ثم بَرَكَت، فهي: إبل عَاطِنة، وعَوَاطِن، وقد ضَرَب بعطن، أي: بركت إبله. قال ابن السِّكيت: وكذلك تقول: هذا عطن الغنم ومعطنها: لمرابضها حول الماء.\nقلت: وقد جاء معنى هذه الرواية مفسَّرًا في الرواية الأخرى التي قال فيها: فجاء عمر فأخذه منِّي، يعني: الدلو، فلم أَرَ نزع رجل قط أقوى منه حتى تولى الناس والحوض ملآنٌ يتفجر. وفي هذه من الزيادة ما يدلّ على أن عمر - ﵁ - يُتَوَفَّى ويبقى النصر والفتح بعده متصلًا، وكذلك كان - ﵁ -.\nوقوله في الأصل: دخلت الجنة فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصرها (٢)، كذا الرواية الصَّحيحة المعروفة، وقد ذكره ابن قتيبة، وقال: امرأة (شوهاء) مكان (تتوضأ) وفسَّرها بالحسنة. وذكر ثعلب عن ابن الأعرابي: أن الشوهاء: الحسنة والقبيحة، فهو من الأضداد. ووضوء هذه المرأة في الجنة إنما هو لتزداد حسنًا\n_________\n(١) \"العلقى\": نبت.\n(٢) هذا القول ورد في رواية أبي هريرة كما في صحيح مسلم (٢٣٩٥) (٢١)، وورد في التلخيص مختصرًا برقم (٢٧١٥).","vol":"6","page":257},{"text":"[٢٣٠٨] وفي حديث أبي هريرة: أعليك أغار؟\nرواه أحمد (٢/ ٣٣٩)، والبخاريُّ (٣٢٤٢)، ومسلم (٢٣٩٥)، وابن ماجه (١٠٧).\n[٢٣٠٩] وعن سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: استَأذَنَ عُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَعِندَهُ نِسَاءٌ مِن قُرَيشٍ يُكَلِّمنَهُ وَيَستَكثِرنَهُ، عَالِيَةً أَصوَاتُهُنَّ، فَلَمَّا استَأذَنَ عُمَرُ قُمنَ يَبتَدِرنَ الحِجَابَ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضحَكُ. فَقَالَ عُمَرُ: أَضحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: عَجِبتُ مِن هَؤُلَاءِ اللَّاتِي كُنَّ عِندِي، فَلَمَّا سَمِعنَ صَوتَكَ ابتَدَرنَ الحِجَابَ. قَالَ عُمَرُ: فَأَنتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَقُّ أَن يَهَبنَ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: أَي عَدُوَّاتِ أَنفُسِهِنَّ أَتَهَبنَنِي وَلَا تَهَبنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ ! قُلنَ: نَعَم؛ أَنتَ أَغلَظُ وَأَفَظُّ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَالَّذِي نَفسِي\nــ\nونورًا، لا لتزيل وسخًا، ولا قذرًا، إذ الجنة منزهة عن ذلك، وهذا كما قال في الحديث الآخر: أمشاطهم الذهب، ومجامرهم الألوَّة (١) على ما يأتي.\nو(قوله: استأذن عمر ﵁ على رسول الله ﷺ ونسوة من قريش يكلِّمنه، ويستكثرنه) أي: من مكالمته، ويحتمل: أنهن يسألنه حوائج كثيرة.\nو(قوله: عالية أصواتهنَّ) قيل: يحتمل أن يكون هذا قبل نزول قوله تعالى: ﴿لا تَرفَعُوا أَصوَاتَكُم فَوقَ صَوتِ النَّبِيِّ﴾ وقيل: يحتمل أن ارتفاع أصواتهن لكثرتهن، واجتماع كلامهن، لا أنهن رفعن أصواتهن.\nقلت: ويحتمل أن يكون فيهنَّ من كنَّ جهوريات الأصوات، لا يقدرنَّ على خفضها، كما كان ثابت بن قيس بن شماس، والله أعلم.\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٣٢٧)، ومسلم (٢٨٣٤) (١٥).","vol":"6","page":258},{"text":"بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيرَ فَجِّكَ.\nرواه أحمد (١/ ١٧١)، والبخاريُّ (٣٦٨٣)، ومسلم (٢٣٩٦).\n[٢٣١٠] وعَن عَائِشَةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَد كَانَ يَكُونُ فِي الأُمَمِ قَبلَكُم مُحَدَّثُونَ،\nــ\nو(قوله: ما لقيك الشيطان قط سالكًا فجًّا إلا سلك فجًّا غير فجِّك) الفج: الطريق الواسع، وهو أيضًا: الطريق بين جبلين، والظاهر: بقاء هذا اللفظ على ظاهره، ويكون معناه: أن الشيطان يهابه ويجانبه، لما يعلم من هيبته، وقوَّته في الحق، فيفرُّ منه إذا لقيه، ويكون هذا مثل قوله ﷺ في الحديث الآخر: إن الشيطان ليفرق منك يا عمر (١). ويعني بالشيطان: جنس الشياطين، ويحتمل أن يكون ذلك مثلًا لبُعده عنه، وأنه لا سبيل له عليه، والأوَّل أولى.\nو(قوله: قد كان يكون في الأمم قبلكم محدِّثون) كان الأولى: بمعنى الأمر والشأن، أي: كان الأمر والشأن، وهي نحو ليس في قولهم: ليس خلق الله مثله. وتكون الثانية ناقصة، واسمها محدَّثون، وخبرها في المجرور، ويصح أن تكون تامَّة، وما بعدها أحوال. ومحدَّثون - بفتح الدال - هي الرواية اسم مفعول، وقد فسَّر ابن وهب المحدَّثين بالملهمين، أي: يُحدَّثون في ضمائرهم بأحاديث صحيحة، هي من نوع الغيب، فيظهر على نحو ما وقع لهم، وهذه كرامة يكرم الله تعالى بها من يشاء من صالحي عباده، ومن هذا النوع ما يقال عليه: فراسة وتوسُّم، كما قد رواه الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: اتَّقوا فراسة المؤمن، فإنَّه ينظر بنور الله، ثم قرأ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلمُتَوَسِّمِينَ﴾ (٢)، وقد تقدَّم القول في نحو هذا، وقد قال\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٣٥٣).\n(٢) رواه الترمذي (٣١٢٧).","vol":"6","page":259},{"text":"فَإِن يَكُن فِي أُمَّتِي مِنهُم أَحَدٌ فَإِنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ مِنهُم.\nقال ابن وهب: تفسيرُ محدَّثون: مُلْهَمُونَ.\nرواه أحمد (٦/ ٥٥)، ومسلم (٢٣٩٨)، والترمذيُّ (٣٦٩٣)، والنسائي في الكبرى (٨١٢٠).\nــ\nبعضهم: إن معنى محدَّثين: مكلَّمون، أي: تكلِّمهم الملائكة.\nقلت: وهذا راجعٌ لما ذكرته، غير أن ما ذكرته أعم، فقد يخلق الله تعالى الأحاديث بالغيب في القلب ابتداء من غير واسطة ملك، وقال بعضهم: إن معناه أنهم مصيبون فيما يظنونه، وإليه ذهب البخاري، وهذا نحو من الأول، غير أن الأوَّل أعم، والله أعلم.\nو(قوله: فإنَّ يكن في أمتي أحدٌ منهم فعمر (١» دليلٌ على قلَّة وقوع هذا وندوره، وعلى أنه ليس المراد بالمحدَّثين المصيبين فيما يظنون، لأنَّ هذا كثير في العلماء والأئمة الفضلاء، بل: وفي عوام الخلق كثير ممن يقوى حدسه فتصح إصابته فترتفع خصوصية الخبر، وخصوصية عمر ﵁ بذلك، ومعنى هذا الخبر قد تحقق، ووجد في عمر قطعًا، وإن كان النبي ﷺ لم يجزم فيه بالوقوع، ولا صرَّح فيه بالأخبار، لأنَّه إنما ذكره بصيغة الاشتراط، وقد دلَّ على وقوع ذلك لعمر حكايات كثيرة عنه، كقصَّة: الجبل يا سارية (٢)، وغيره، وأصح ما يدلّ على ذلك: شهادة النبي ﷺ له بذلك، كما رواه الترمذي عن ابن عمر مرفوعًا: إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه وقال ابن عمر ﵄: ما\n_________\n(١) في صحيح مسلم: \"فإن يكن في أمتي منهم أحد فإن عمر بن الخطاب منهم\". وما ذكره المصنف -﵀- هو رواية أحمد والترمذي والنسائي.\n(٢) ذكر ابن حجر هذه القصة في الإصابة (٣/ ٥٣) وعزاها للواقدي وسيف بن عمر وغيرهما.","vol":"6","page":260},{"text":"[٢٣١١] وعَن ابنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: وَافَقتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ فِي مَقَامِ إِبرَاهِيمَ، وَفِي الحِجَابِ، وَفِي أُسَارَى بَدرٍ.\nرواه مسلم (٢٣٩٩).\n* * *\nــ\nنزل بالناس أمرٌ قط قالوا فيه، وقال فيه عمر إلا نزل القرآن على نحو ما قال فيه عمر (١). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ومن ذلك قول عمر ﵁: وافقت ربي في ثلاث. . . الحديث. وقد ادعى هذا الحال كثير من أهل المحال (٢)، لكن تشهد بالفضيحة شواهد صحيحة.\nو(قوله: وافقت ربي في ثلاث) يعني: أنَّه وقع له في قلبه حديث عن تلك الأمور، فأنزل الله تعالى القرآن على نحو ما وقع له، وذلك: أنَّه وقع له: أن مقام إبراهيم ﵇ محل شرَّفه الله تعالى وكرَّمه، بأن قام فيه إبراهيم ﵇ للدُّعاء والصَّلوات، وجعل فيه آيات بينات، وغفر لمن قام فيه الخطيئات، وأجاب فيه الدَّعوات، وقد تقدَّم في الحج ذكر الخلاف فيه، وكذلك وقع له شرف أزواج النبي ﷺ وعلوِّ مناصبهنَّ، وعظيم حرمتهنَّ، وأن الذي يناسب حالهنَّ: أن يحتجبن عن الأجانب، فإنَّ اطلاعهم عليهنَّ ابتذال لهنَّ، ونقصٌ من حرمة النبي ﷺ وحرمتهن، فقال للنبي ﷺ: احجب نساءك، فإنَّهن يراهنَّ البر والفاجر. وقد استوفينا الكلام على هذا في النكاح. ووقع له أيضًا قتل أسارى بدر، وأشار على النبي ﷺ به، وأشار عليه أبو بكر بالإبقاء والفداء، فمال النبي ﷺ إلى ما قال أبو بكر ﵁، فأنزل الله تعالى القرآن على نحو ما وقع لعمر ﵁ في الأمور الثلاثة، فكان ذلك دليلًا قاطعًا على: أنه محدَّث\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٦٨٢).\n(٢) \"المِحال\": الكيد والمكر.","vol":"6","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-872>(٣٧) باب فضائل عثمان - ﵁ </span>-\n[٢٣١٢] عن عَائِشَةَ قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُضطَجِعًا فِي بَيتِي كَاشِفًا عَن فَخِذَيهِ أَو سَاقَيهِ، - وفي رواية: وهو مضطجع على فراشه لابس مرط عائشة - فَاستَأذَنَ أَبُو بَكرٍ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى تِلكَ الحَالِ فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ استَأذَنَ عُمَرُ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ استَأذَنَ عُثمَانُ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسَوَّى ثِيَابَهُ فَتَحَدَّثَ، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَت عَائِشَةُ:\nــ\nبالحق، ملهم لوجه الصَّواب، وقد تقدَّم القول في الصلاة على عبد الله بن أبي، وفي قضية بدر في الجهاد.\n(٣٧) ومن باب فضائل عثمان ﵁\nوهو عثمان بن عفان بن أبي العاصي بن أميَّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، يُكنى أبا عمرو، وأبا عبد الله، وأبا ليلى بأولادٍ وُلِدوا له، وأشهر كناه أبو عمرو، ولقب بذي النُّورين، لأنَّ النبي ﷺ زوَّجه ابنتيه، رقية، وأم كلثوم واحدة بعد أخرى، وقال ﷺ: لو كانت عندي أخرى لزوَّجتها له (١)، أسلم قديمًا قبل دخول النبي ﷺ دار الأرقم، وهاجر إلى أرض الحبشة، وإلى المدينة، ولما خرج رسول الله ﷺ إلى بدر خلفه على ابنته رقية يمرضها، وضرب له رسول الله ﷺ بسهمه، وأجره، فكان كمن شهدها، وقيل: كان هو في نفسه مريضًا بالجدري، وبايع عنه رسول الله ﷺ بيده في يده في بيعة الرضوان، وقال: هذه لعثمان (٢)، وكان النبي ﷺ قد وجهه إلى أهل مكة ليكلمهم في أن يُخلُّوا بين\n_________\n(١) رواه ابن سعد في طبقاته (٨/ ٣٨)، والشجرة النبوية لابن عبد الهادي ص (٥٦).\n(٢) رواه أحمد (٢/ ١٠١ و١٢٠)، والبخاري (٣٦٩٨).","vol":"6","page":262},{"text":"دَخَلَ أَبُو بَكرٍ فَلَم تَهتَشَّ لَهُ وَلَم تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فَلَم تَهتَشَّ لَهُ وَلَم تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُثمَانُ فَجَلَستَ وَسَوَّيتَ ثِيَابَكَ! فَقَالَ: أَلَا أَستَحيِي مِن رَجُلٍ تَستَحيِي مِنهُ المَلَائِكَةُ.\nوفي رواية: فَقَالَت عَائِشَةُ: مَا لِي لَم أَرَكَ فَزِعتَ لِأَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ كَمَا فَزِعتَ لِعُثمَانَ؟ ! قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ عُثمَانَ رَجُلٌ حَيِيٌّ، وَإِنِّي خَشِيتُ إِن أَذِنتُ لَهُ عَلَى تِلكَ الحَالِ أَن لَا يَبلُغَ إِلَيَّ فِي حَاجَتِهِ.\nرواه أحمد (٦/ ١٥٥ و١٦٧)، ومسلم (٢٤٠١ و٢٤٠٢).\nــ\nالنبي ﷺ وبين العمرة، فأُرجف بأن قريشًا قتلته، فبايع النبي ﷺ أصحابه بسبب ذلك.\nوفي بقاء النبي ﷺ منكشف الفخذ حتى اطلع عليه أبو بكر وعمر دليلٌ على أن ليس بعورة، وقد تقدَّم الكلام فيه، وفيه دليل على جواز معاشرة كل واحد من الأصحاب بحسب حاله. ألا ترى انبساطه، واسترساله مع العمرين على الحالة التي كان عليها مع أهله، لم يُغيِّر منها شيئًا، ثم إنه لما دخل عثمان ﵁ غيَّر تلك التي كان عليها، فغطى فخذيه، وتهيَّأ له، ثم لما سُئل عن ذلك، قال: إن عثمان رجل حيي وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال ألا يَبلُغ إليَّ في حاجته. وفي الرواية الأخرى: ألا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة؟ ! أي: حياء التوقير والإجلال، وتلك منقبة عظيمة، وخصوصيَّة شريفة ليست لغيره، أعرض قَتَلَةُ عثمان عنها، ولم يُعرِّجوا عليها.\nو(قولها: دخل أبو بكر فلم تهتشَّ له، ولم تباله) يروى: تهتش بالتاء باثنتين من فوقها، ويروى بحذفها، وفتح الهاء، وهو من الهشاشة، وهي الخفة والاهتزاز والنشاط عند لقاء من يفرح بلقائه. يقال: هشَّ وبشَّ، وتبشبش: كلها بمعنى. ولم تباله، أي: لم تعتن بأمره، وأصله من البال، وهو الاحتفال بالشيء، والاعتناء به، والفكر فيه. يقول: جعلته من بالي وفكري، وهو المعبَّر عنه في الرواية الأخرى","vol":"6","page":263},{"text":"[٢٣١٣] وعن أبي مُوسَى الأَشعَرِيُّ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فِي بَيتِهِ، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: لَأَلزَمَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَلَأَكُونَنَّ مَعَهُ يَومِي هَذَا، قَالَ: فَجَاءَ المَسجِدَ فَسَأَلَ عَن النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: خَرَجَ وَجَّهَ هَاهُنَا، قَالَ: فَخَرَجتُ عَلَى إثَرِهِ أَسأَلُ عَنهُ، حَتَّى دَخَلَ بِئرَ أَرِيسٍ، قَالَ: فَجَلَست عِندَ البَابِ - وَبَابُهَا مِن جَرِيدٍ - حَتَّى قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَاجَتَهُ وَتَوَضَّأَ، فَقُمتُ إِلَيهِ فَإِذَا هُوَ قَد جَلَسَ عَلَى بِئرِ أَرِيسٍ، وَتَوَسَّطَ قُفَّهَا، وَكَشَفَ عَن سَاقَيهِ وَدَلَّاهُمَا فِي البِئرِ. قَالَ: فَسَلَّمتُ عَلَيهِ ثُمَّ انصَرَفتُ، فَجَلَستُ عِندَ البَابِ فَقُلتُ: لَأَكُونَنَّ بَوَّابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اليَومَ، فَجَاءَ أَبُو بَكرٍ فَدَفَعَ البَابَ، فَقُلتُ مَن هَذَا؟ فَقَالَ أَبُو بَكرٍ، فَقُلتُ: عَلَى رِسلِكَ، قَالَ: ثُمَّ ذَهَبتُ فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا أَبُو بَكرٍ يَستَأذِنُ، فَقَالَ: ائذَن لَهُ وَبَشِّرهُ بِالجَنَّةِ، قَالَ: فَأَقبَلتُ حَتَّى قُلتُ لِأَبِي بَكرٍ: ادخُل وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُبَشِّرُكَ\nــ\nبقولها: لم أرك فزعت له، أي: لم تقبل عليه، ولم تتفرغ له.\nو(قوله: خرج وجَّه هاهنا) الرواية المشهورة: وجَّه بفتح الجيم مشدَّدة على أنه فعل ماضٍ، وضبطه أبو بحر: وجه - بسكون الجيم - على أن يكون ظرفًا، والعامل فيه خرج، أي: خرج في هذه الجهة.\nو(قوله: فإذا هو قد جلس على بئر أريس، وتوسط قُفَّها، وكشف عن ساقيه، ودلَاّهما في البئر) والقف - بضم القاف -: أصله: الغليظ من الأرض، قاله ابن دريد وغيره، وعلى هذا: القف: الذي يتمكن الجماعة أن يجلسوا عليه، ويدلوا أرجلهم في البئر، وهو جانبها المرتفع عن الأرض، وكل ما قيل فيه خلاف هذا فيه بُعد، ولا يناسب مساق الحديث.\nو(قوله: على رِسلك) هو بكسر الراء، وهو المعروف، ويقال بفتحها، أي: اسكن وارفق، كما يقال: على هينتك.","vol":"6","page":264},{"text":"بِالجَنَّةِ، قَالَ: فَدَخَلَ أَبُو بَكرٍ، فَجَلَسَ عَن يَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ فِي القُفِّ، وَدَلَّى رِجلَيهِ فِي البِئرِ كَمَا صَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ وَكَشَفَ عَن سَاقَيهِ، ثُمَّ رَجَعتُ فَجَلَستُ وَقَد تَرَكتُ أَخِي يَتَوَضَّأُ وَيَلحَقُنِي، فَقُلتُ: إِن يُرِد اللَّهُ بِفُلَانٍ - يُرِيدُ أَخَاهُ - خَيرًا يَأتِ بِهِ فَإِذَا إِنسَانٌ يُحَرِّكُ البَابَ، فَقُلتُ: مَن هَذَا؟ فَقَالَ: عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، فَقُلتُ: عَلَى رِسلِكَ، ثُمَّ جِئتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمتُ عَلَيهِ وَقُلتُ: هَذَا عُمَرُ يَستَأذِنُ، فَقَالَ: ائذَن لَهُ وَبَشِّرهُ بِالجَنَّةِ، فَجِئتُ عُمَرَ، فَقُلتُ: أَذِنَ وَيُبَشِّرُكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالجَنَّةِ. قَالَ: فَدَخَلَ، فَجَلَسَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي القُفِّ عَن يَسَارِهِ، وَدَلَّى رِجلَيهِ فِي البِئرِ، ثُمَّ رَجَعتُ فَجَلَستُ فَقُلتُ: إِن يُرِد اللَّهُ بِفُلَانٍ خَيرًا - يَعنِي: أَخَاهُ - يَأتِ بِهِ، فَجَاءَ إِنسَانٌ، فَحَرَّكَ البَابَ، فَقُلتُ: مَن هَذَا؟ فَقَالَ: عُثمَانُ بنُ عَفَّانَ، فَقُلتُ: عَلَى رِسلِكَ، قَالَ: وَجِئتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخبَرتُهُ فَقَالَ: ائذَن لَهُ وَبَشِّرهُ بِالجَنَّةِ مَعَ بَلوَى تُصِيبُهُ قَالَ: فَجِئتُ فَقُلتُ: ادخُل\nــ\nو(قوله: فجلس وِجَاهه) هو بكسر الواو، ويقال بضمها، أي: مقابله وقبالته، وهذا الحديث نصٌّ في أن أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ في الجنة، وقد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة وحسنة يفيد مجموعها القطع بأن الخلفاء الأربعة مقطوع لهم بأنهم من أهل الجنة.\nو(قوله: على بلوى تصيبه) هذا من النبي ﷺ إعلام لعثمان ﵁ بما يصيبه من البلاء والمحنة في حال خلافته، وقد جاء من الأخبار ما يدلّ على تفصيل ما يجري عليه من القتل وغيره، فمن ذلك ما خرَّجه الترمذي عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: يا عثمان! لعل الله يقمِّصك قميصًا، فإنَّ أرادوك على خلعه فلا تخلعه لهم (١). وقال: حديثًا حسن غريب. وفيه عن\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٧٠٥).","vol":"6","page":265},{"text":"وَيُبَشِّرُكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالجَنَّةِ مَعَ بَلوَى تُصِيبُكَ - وفي رواية: فقال:\nــ\nابن عمر - ﵄ - قال: ذكر رسول الله ﷺ فتنةً، فقال: يقتل فيها مظلومًا لعثمان ﵁، وقال: حديث حسن غريب (١).\nوروى أبو عمر بن عبد البر عن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله ﷺ: ادعوا لي بعض أصحابي فقلت: أبو بكر؟ فقال: لا، فقلت: فعمر؟ فقال: لا، قالت: قلت: ابن عمك عليًّا؟ فقال: لا، فقلت له: عثمان؟ فقال: نعم، فلما جاءه، فقال لي بيده، فتنحَّيت، فجعل رسول الله ﷺ يساره، ولون عثمان يتغيَّر، فلما كان يوم الدار وحصر قيل له: ألا نقاتل عنك؟ قال: لا، إن رسول الله ﷺ عهد إلي عهدًا وأنا صابرٌ عليه (٢). فهذه الأحاديث وغيرها مما يطول تتبعه: تدل على أن النبي ﷺ أخبره بتفصيل ما جرى عليه، وأنه سلَّم نفسه لما علم من أن ذلك قدر سبق وقضاء وجب، ولذلك منع كل من أراد القتال دونه، والدفع عنه - ممن كان معه في الدار، وفي المدينة - من نصرته. وتفصيل كيفية قتله، وما جرى لهم معه مذكور في التواريخ. وجملة الأمر أن قومًا من أهل مصر وغيرهم غلب عليهم الجهل، والهوى، والتعصب، فنقموا عليه أمورًا أكثرها كذب، وسائرها له فيها أوجه من المعاذير، وليس فيها شيء يوجب خلعه، ولا قتله، فتحزَّبوا، واجتمعوا بالمدينة، وحاصروه في داره، فقيل: شهران، وقيل: تسعة وأربعون يومًا، وهو في كل ذلك يعظهم، ويذكرهم بحقوقه، ويتنصل مما نسبوه إليه، ويعتذر منه، ويصرح بالتوبة، ويحتج عليهم بحجج صحيحة لا مخلص لهم عنها، ولا جواب عليها، لكن أعمتهم الأهواء ليغلب القضاء، فدخلوا عليه وقتلوه مظلومًا كما شهد له النبي ﷺ وجماعة أهل السنة، وألقي على مزبلة، فأقام فيها ثلاثة أيام لم يقدر أحدٌ على دفنه حتى جاء جماعة بالليل خفية، وحملوه على لوح، وصلوا عليه،\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٧٠٨).\n(٢) رواه أحمد (١/ ٥٨ و٦٩)، والترمذي (٣٧١١)، وابن ماجه (١١٣).","vol":"6","page":266},{"text":"اللهم صبرا والله المستعان - قَالَ: فَدَخَلَ فَوَجَدَ القُفَّ قَد مُلِئَ،\nــ\nودفن في موضع من البقيع يسمى: حوش كوكب وكان مما حبَّسه هو، وزاده في البقيع، وكان إذا مر فيه يقول: يدفن فيك رجل صالح، فكان هو المدفون فيه، وعُمِّي قبره لئلا يعرف، وقد نسب أهل الشام قتله إلى علي ﵄، وهي نسبة كذب وباطل، فقد صحَّ عنه: أنه كان في المسجد، وقت دُخِل عليه في الدار، ولما بلغه ذلك قال لقتلته: تبًا لكم آخر الدهر، ثم إنه قد تبرأ من ذلك، وأقسم عليه، وقال: من تبرأ من دين عثمان، فقد تبرأ من الإيمان، والله ما أعنت على قتله، ولا أمرت، ولا رضيت. لكنه لم يقدر على المدافعة بنفسه. وقد كان عثمان منعهم من ذلك. وكان مقتل عثمان في أوسط أيام التشريق على ما قاله أبو عثمان النهدي. قال ابن إسحاق: على رأس إحدى عشرة سنة، وأحد عشر شهرًا، واثنين وعشرين يومًا من مقتل عمر بن الخطاب ﵄، وعلى رأس خمس وعشرين سنة من متوفى رسول الله ﷺ. وقال الواقدي: قتل يوم الجمعة لثمان ليالٍ خلت من ذي الحجة، يوم التروية سنة خمس وثلاثين، وقيل: لليلتين بقيتا من ذي الحجة. قال ابن إسحاق: وبويع له بالخلافة يوم السبت غرَّة محرم سنة أربع وعشرين، بعد دفن عمر بثلاثة أيام، فكانت خلافته إحدى عشرة سنة إلا أيامًا اختلف فيها حسب ما بيَّناه. وقد كان انتهى من الفضل، والعلم، والعبادة إلى الغاية القصوى، كان يصوم الدهر، ويقوم الليل يقرأ القرآن كله في ركعة الوتر. وروى الترمذي (١)، عن ابن عمر ﵁ قال: كنا نقول ورسول الله ﷺ حي: أبو بكر وعمر وعثمان، وقال فيه: حديث صحيح حسن، وقد شهد له رسول الله ﷺ بأنه شهيد، ومن أهل الجنة، وقتلته مخطئون قطعًا، وقد قدموا على ما قدموا عليه.\nو(قول عثمان: اللهم صبرًا، والله المستعان) أي: اللهم صبَّرني صبرًا، وأعني\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٧٠٧).","vol":"6","page":267},{"text":"فَجَلَسَ وِجَاهَهُم مِن الشِّقِّ الآخَرِ.\nقَالَ شَرِيكٌ: فَقَالَ سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ: فَأَوَّلتُهَا قُبُورَهُم.\nرواه أحمد (٤/ ٣٩٣ و٤٠٦ - ٤٠٧)، والبخاريُّ (٣٦٩٣ و٣٦٩٥ و٦٢١٦)، ومسلم (٢٤٠٣) (٢٨ و٢٩)، والترمذيُّ (٣٧١٠).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-873>(٣٨) باب فضائل علي بن أبي طالب - ﵁ </span>-\n[٢٣١٤] عن سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: أَنتَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هَارُونَ مِن مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعدِي.\nــ\nعلى ما قدرت علي، فيه: استسلام لأمر الله تعالى، ورضا بما قدره الله تعالى.\nو(قوله: فجلس وجاههم من الشق الآخر) الشق: الجانب، يعني: أنه جلس في مقابلة النبي ﷺ وأبي بكر وعمر.\nو(قول سعيد: فأوَّلت ذلك قبورهم) هذا من سعيد من باب الفراسة، ومن باب ما يقع في قلوب المحدَّثين الذين قدَّمنا ذكرهم لا من باب تأويل الرؤيا، إذ كان ذلك في اليقظة، وذلك أنه لما حدَّث بكيفية جلوس الثلاثة في جهة واحدة من القُفِّ، وعثمان في مقابلتهم وقع في قلبه: أن ذلك كان إشعارًا بكيفية دفنهم، كما كان. والله تعالى أعلم.\n(٣٨) ومن باب فضائل علي بن أبي طالب ﵁\nهو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، ابن عم رسول الله ﷺ، ويكنى: أبا الحسن، واسم أبي طالب: عبد مناف، وقيل: اسمه كنيته، واسم","vol":"6","page":268},{"text":"رواه أحمد (١/ ١٨٥)، والبخاريُّ (٣٧٠٦)، ومسلم (٢٤٠٤) (٣٠)، والترمذيُّ (٣٧٢٤).\nــ\nهاشم عمرو، وسُمِّي هاشِمًا، لأنَّه أوَّل من هشم الثريد، وأم علي فاطمة بنت أسد بن هاشم، وهي أوَّل هاشمية ولدت لهاشمي، توفيت مسلمة قبل الهجرة، وقيل: إنها هاجرت، وكان علي أصغر ولد أبي طالب، كان أصغر من جعفر بعشر سنين، وكان جعفر أصغر من عقيل بعشر سنين. وكان عقيل أصغر من طالب بعشر سنين. وروي عن سلمان وأبي ذر والمقداد وخباب وجابر وأبي سعيد الخدري وزيد بن أرقم: أن علي بن أبي طالب ﵁ أول من أسلم - يعنون من الرجال - وإلا فقد اتفق الجمهور على أن أول من أسلم وأطاع النبي ﷺ خديجة بنت خويلد، وقد تقدَّم من قال: إن أول من أسلم أبو بكر ﵃.\nوقد روى أبو عمر بن عبد البر عن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: أولكم واردًا على الحوض أولكم إسلامًا: علي بن أبي طالب (١). قيل: أسلم وهو ابن سبع سنين، وقيل: ابن ثمان. وقيل: ابن عشر. وقيل: ابن ثلاث عشرة. وقيل: ابن خمس عشرة. وقيل: ابن ثمان عشرة.\nوروى سلمة بن كهيل عن حبة بن جوين العرني قال: سمعت عليًّا ﵁ يقول: أنا أوَّل مَن صلَّى مع رسول الله ﷺ، ولقد عبدت الله قبل أن يعبده أحدٌ من هذه الأمة خمس سنين.\nوروي عن علي ﵁، أنه قال: مكثت مع رسول الله كذا وكذا، لا يصلِّي معه أحد غيري إلا خديجة.\nوأجمعوا: على أنه ﵁ صلَّى إلى القبلتين، وأنه شهد بدرًا وأحدًا، ومشاهد رسول الله ﷺ كلها، إلا غزوة تبوك، فإنَّ النبي ﷺ أمره أن يتخلَّف في أهله، وقال له: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ . وزوَّجه رسول الله ﷺ سيدة نساء أهل الجنة،\n_________\n(١) ذكره صاحب تنزيه الشريعة (١/ ٣٧٧)، واللآلئ (١/ ١٦٩)، والموضوعات (١/ ٣٤٧). وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح.","vol":"6","page":269},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفاطمة، وآخى بينه وبينه، وقال ﷺ: لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق (١). وقال فيه النبي ﷺ: إنه يحبُه الله ورسوله، وإنَّه يحبُّ الله ورسوله.\nوكان ﵁ قد خُصَّ من العلم، والشجاعة، والحلم، والزهد، والورع، ومكارم الأخلاق ما لا يسعه كتاب، ولا يحويه حصر حساب. بويع له بالخلافة يوم مقتل عثمان، واجتمع على بيعته أهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار، إلا نفرًا منهم، فلم يكرههم، وسئل عنهم فقال: أولئك قوم خذلوا الحق، ولم يعضدوا الباطل. وتخلف عن بيعته معاوية ومن معه من أهل الشام، وجرت عند ذلك خطوب لا يمكن حصرها، والتحمت حروب لم يسمع في المسلمين بمثلها، ولم تزل ألويته (٢) منصورة عالية على الفئة الباغية إلى أن جرت قضيه التحكيم، وخدع فيها ذو القلب السليم، وحينئذ خرجت الخوارج، فكفَّروه وكلَّ من معه، وقالوا: حكَّمت الرجال في دين الله، والله تعالى يقول: ﴿إِنِ الحُكمُ إِلا لِلَّهِ﴾ ثم اجتمعوا وشقُّوا عصا المسلمين، ونصبوا راية الخلاف، وسفكوا الدماء، وقطعوا السبيل، فخرج إليهم علي بمن معه، ورام رجوعهم فأبوا إلا القتال، فقاتلهم بالنهروان، فقتلهم واستأصل جميعهم، ولم ينج منهم إلا اليسير، وقد تقدَّم قوله ﷺ: يقتلهم أولى الطائفتين بالحق (٣) ثم انتدب إليه رجل من بقايا الخوارج يقال له: عبد الرحمن بن ملجم. قال الزبير: كان من حِمير فأصاب دماء فيهم، فلجأ إلى مراد، فنسب إليهم، فدخل (على علي) (٤) في\n_________\n(١) رواه ابن عساكر في تاريخه (٤/ ١٣١) باللفظ المذكور. ورواه الترمذي (٣٧٣٦)، والنسائي (٨/ ١١٦) بلفظ: \"لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق\".\n(٢) في (م ٤): فئته.\n(٣) رواه مسلم (١٠٦٤) (١٤٩).\n(٤) في (ز) و(م ٣): عليه.","vol":"6","page":270},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمسجده بالكوفة. فقتله ليلة الجمعة، [وقيل: في صلاة صبحها] (١)، وقيل: لإحدى عشرة ليلة خلت من رمضان. [وقيل: لثلاث عشرة. وقيل: لثمان عشرة. وقيل: في أول ليلة من العشر الآخر من رمضان] (٢) سنة أربعين. واختلف في موضع قبره اختلافًا كثيرًا يدلّ على عدم العلم به، وأنه مجهول. وكذلك اختلف في سِنِّه يوم قتل. فقيل: ابن سبع وخمسين إلى خمس وستين سنة. وكانت مدة خلافته أربع سنين وستة أشهر، وستة أيام. وقيل: ثلاثة. وقيل: أربعة عشر يومًا. فأُخِذ عبد الرحمن بن ملجم، فقُتِل أشقى هذه الأمة. وكان علي ﵁ إذا رآه يقول:\nأريدُ حَيَاتَهُ ويُرِيدُ قَتلِي ... عَذِيرَكَ مِن خَلِيلِكَ مِن مُرادِ (٣)\nوكان يقول: ما يمنع أشقاها، أو: ما ينتظر أشقاها أن يخضبَ هذه من هذا، والله ليخضبنَّ هذه من دم هذا - ويشير إلى لحيته ورأسه - خضاب دمٍ، لا خضاب حناء ولا عبير.\nوقد روى النسائي وغيره من حديث عمار بن ياسر - ﵄ - عن النبي ﷺ: أنه قال لعلي ﵁: أشقى الناس الذي عقر الناقة، والذي يضربك على هذا- ووضع يده على رأسه - حتى يخضب هذه (٤) يعني: لحيته.\nوتأخر موته ﵁ ولا رضي عن قاتله - عن ضربه نحو الثلاثة الأيام. جملة ما حفظ له عن رسول الله ﷺ خمسمائة حديث وسبعة وثلاثون حديثًا،\n_________\n(١) ما بين حاصرتين زيادة في (ع) و(م ٤).\n(٢) ما بين حاصرتين سقط من (ع).\n(٣) البيت لعمرو بن معدي كرب. ورُوي أيضًا: أريد حِباءه. (الطبري ٣/ ٣٦٥).\n(٤) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٥٣١)، وعزاه لابن أبي حاتم وابن مردويه والبغوي وأبو نعيم في الدلائل.","vol":"6","page":271},{"text":"[٢٣١٥] وعنه قال: أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بنُ أَبِي سُفيَانَ سَعدًا فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَن تَسُبَّ أَبَا التُّرَابِ؟ فَقَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرتُ ثَلَاثًا قَالَهُنَّ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَن أَسُبَّهُ، لَأَن تَكُونَ لِي وَاحِدَةٌ مِنهُنَّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِن حُمرِ النَّعَمِ، سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَهُ - وخَلَّفَهُ فِي بَعضِ مَغَازِيهِ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ خَلَّفتَنِي مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبيَانِ؟ - فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\nــ\nمثل أحاديث عمر - ﵄ - أخرج له منها في الصحيحين أربعة وأربعون حديثًا.\nو(قول معاوية لسعد بن أبي وقاص: ما منعك أن تسبَّ أبا تراب) يدل: على أن مقدم بني أميَّة كانوا يسبُّون عليًّا وينتقصونه، وذلك كان منهم لما وقر في أنفسهم من أنه أعان على قتل عثمان، وأنه أسلمه لمن قتله، بناء منهم على أنه كان بالمدينة، وأنه كان متمكنًا من نصرته. وكل ذلك ظن كذب، وتأويل باطل غطَّى التعصُّب منه وجه الصَّواب. وقد قدمنا: أن عليًّا ﵁ أقسم بالله: أنه ما قتله، ولا مالأ على قتله، ولا رضيه. ولم يقل أحدٌ من النقلة (١) قط، ولا سمع من أحد: أن عليًّا كان مع القتلة، ولا أنه دخل معهم الدَّار عليه. وأما ترك نصرته، فعثمان ﵁ أسلم نفسه، ومنع من نصرته، كما ذكرناه في بابه. ومِمَّا تشبَّثوا به: أنهم نسبوا عليًّا إلى ترك أخذ القصاص من قتلة عثمان، وإلى أنه منعهم منهم، وأنَّه قام دونهم. وكل ذلك أقوال كاذبة أنتجت ظنونًا غير صائبة، ترتب عليها ذلك البلاء كما سبق به القضاء.\nو(قوله: في بعض مغازيه) قد قلنا: إنها كانت غزوة تبوك خلَّفه النبي ﷺ في أهله، واستخلفه على المدينة، فيما قيل. ولما صعب على علي ﵁ تخلَّفه عن رسول الله ﷺ وشق عليه، سكَّنه النبي ﷺ وآنسه بقوله: أما ترضى أن\n_________\n(١) في (م ٤): أهل العلم.","vol":"6","page":272},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nتكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ وذلك: أن موسى ﵇ لما عزم على الذهاب لما وعده الله به من المناجاة قال لهارون: ﴿اخلُفنِي فِي قَومِي وَأَصلِح﴾\nوقد استدل بهذا الحديث الرَّوافض، والإمامية، وسائر فرق الشيعة: على أن النبي ﷺ استخلف عليًّا ﵁ على جميع الأمة. فأمَّا الرَّوافض فقد كفَّروا الصَّحابة كلهم، لأنَّهم عندهم تركوا العمل بالحق الذي هو النَّصُّ على استخلاف علي ﵁ واستخلفوا غيره بالاجتهاد. ومنهم من كفَّر عليًّا ﵁ لأنه لم يطلب (١) حقَّه. وهؤلاء لا يشك في كفرهم، لأنَّ من كفر الأمَّة كلها والصَّدر الأول، فقد أبطل نقل الشريعة، وهدم الإسلام. وأما غيرهم من الفرق فلم يرتكب أحدٌ منهم هذه المقالة الشنعاء القبيحة القصعاء (٢)، ومن ارتكبها منهم ألحقناه بمن تقدَّم في التكفير ومأواه جهنم وبئس المصير، وعلى الجملة فلا حجَّة لأحدٍ منهم في هذا الحديث، فإنَّ النبي ﷺ إنما استنابه في أمر خاص وفي وقت خاص، كما استناب موسى هارون - ﵉ - في وقت خاص، فلما رجع موسى ﵇ من مناجاته، عاد هارون إلى أول حالاته، على أنه قد كان هارون شُرك مع موسى في أصل الرسالة، فلا تكون لهم فيما راموه (٣) دلالة. وغاية هذا الحديث أن يدلّ على أن النبي ﷺ إنما استخلف عليًّا ﵁ على المدينة فقط، فلما رجع النبي ﷺ من تبوك قعد مقعده، وعاد علي ﵁ إلى ما كان عليه قبل. وهذا كما استخلف رسول الله ﷺ على المدينة ابن أم مكتوم وغيره، ولا يلزم من ذلك استخلافه دائمًا بالاتفاق.\n_________\n(١) في (م ٤): يقم بطلب.\n(٢) في (م ٤): الغضَّاء.\n(٣) في (م ٤): فلا يكون لهم فيه على ما راموه.","vol":"6","page":273},{"text":"أَمَا تَرضَى أَن تَكُونَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هَارُونَ مِن مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ لَا نُبُوَّةَ بَعدِي، وَسَمِعتُهُ يَقُولُ يَومَ خَيبَرَ: لَأُعطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، قَالَ: فَتَطَاوَلنَا لَهَا فَقَالَ: ادعُوا لِي عَلِيًّا، فَأُتِيَ بِهِ أَرمَدَ، فَبَصَقَ فِي عَينِيهِ، وَدَفَعَ الرَّايَةَ إِلَيهِ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيهِ، وَلَمَّا نَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَقُل تَعَالَوا نَدعُ أَبنَاءَنَا وَأَبنَاءَكُم﴾ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَينًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ! هَؤُلَاءِ أَهلِي.\nرواه أحمد (١/ ١٨٢)، والبخاريُّ (٤٤١٦)، ومسلم (٢٤٠٤) (٣٢).\n[٢٣١٦] وعن سَهلُ بنُ سَعدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَومَ خَيبَرَ: لَأُعطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ رَجُلًا يَفتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيهِ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ\nــ\nو(قوله: غير أنه لا نبي بعدي) إنما قاله النبي ﷺ تحذيرًا مما وقعت فيه طائفة من غلاة الرَّافضة، فإنَّهم قالوا: إن عليًّا نبي يوحى إليه. وقد تناهى بعضهم في الغلو إلى أن صار في علي إلى ما صارت إليه النصارى في المسيح، فقالوا: إنه الإله. وقد حرَّق علي ﵁ من قال ذلك، فافتتن بذلك جماعة منهم، وزادهم ضلالًا، وقالوا: الآن تحققنا: أنه الله، لأنَّه لا يعذب بالنار إلا الله. وهذه كلها أقوال عوام، جهَّال، سخفاء العقول، لا يُبالي أحدهم بما يقول، فلا ينفع معهم البرهان، لكن السَّيف والسَّنان.\nو(قوله: لأعطين الرَّاية رجلًا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله) الكلام إلى آخره فيه دليلان على صحة نبوة نبينا محمد ﷺ وهي: إخباره عن فتح خيبر، ووقوعه على نحو ما أخبر. وبرء رمد عين علي ﵁ على (١)\n_________\n(١) ليست في (م ٤).","vol":"6","page":274},{"text":"وَرَسُولُهُ قَالَ: فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيلَتَهُم أَيُّهُم يُعطَاهَا، فَلَمَّا أَصبَحَ النَّاسُ غَدَوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلُّهُم يَرجُونَ أَن يُعطَاهَا، فَقَالَ: أَينَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ؟ فَقَالُوا: هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَشتَكِي عَينَيهِ، قَالَ: فَأَرسِلُوا إِلَيهِ فَأُتِيَ بِهِ، فَبَصَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي عَينَيهِ، وَدَعَا لَهُ، فَبَرَأَ حَتَّى كَأَن لَم يَكُن بِهِ وَجَعٌ، فَأَعطَاهُ الرَّايَةَ، فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُقَاتِلُهُم حَتَّى يَكُونُوا مِثلَنَا؟ ! قَالَ: انفُذ عَلَى رِسلِكَ حَتَّى تَنزِلَ بِسَاحَتِهِم،\nــ\nفور دعاء النبي ﷺ. وفي غير كتاب مسلم: أنه ﷺ مسح على عيني علي ﵁ ورقاه.\nوفيه من الفقه: جواز بالحق إذا لم تخش على الممدوح فتنة. وقد تقدَّم القول في محبة الله.\nوفيه ما يدل: على أن الأولى بدفع الراية إليه من اجتمع له الرئاسة، والشجاعة، وكمال العقل.\nو(قوله: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يُعطاها) أي: يتفاوضون بحيث اختلطت أقوالهم (١) فيمن يعطاها. يقال: بات القوم يدوكون دوكًا، أي: في اختلاط ودوران، ووقعوا في دوكة - بفتح الدَّال وضمها - وإنما فعلوا ذلك حرصًا على نيل هذه الرتبة الشريفة، والمنزلة الرَّفيعة، التي لا شيء أشرف منها.\nو(قول علي ﵁: أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ معناه: حتى يدخلوا في ديننا فيصيروا مثلنا فيه.\nو(قوله: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم) أي: امض لوجهك مُترفقًا متثبِّتًا. وقد جاء مفسَّرًا في رواية أخرى قال فيه: امش ولا تلتفت وقد تقدَّم القول في رَسلك. والسَّاحة: الناحية.\n_________\n(١) في (م ٣) و(ز): أحوالهم.","vol":"6","page":275},{"text":"ثُمَّ ادعُهُم إِلَى الإِسلَامِ، وَأَخبِرهُم بِمَا يَجِبُ عَلَيهِم مِن حَقِّ اللَّهِ فِيهِ، فَوَاللَّهِ لَأَن يَهدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيرٌ لَكَ مِن أَن يَكُونَ لَكَ حُمرُ النَّعَمِ.\nرواه أحمد (٥/ ٣٣٣)، والبخاري (٣٠٠٩)، ومسلم (٢٤٠٦)، وأبو داود (٣٦٦١).\nــ\nو(قوله: ثمَّ ادعهم إلى الإسلام، وأعلمهم (١) بما يجب عليهم من حق الله فيه) هذه الدَّعوة قبل القتال، التي تقدَّم القول فيها في الجهاد، وقد فسَّرها في الرواية الأخرى في الأم قال: فصرخ علي: يا رسول الله! على ماذا أقاتل الناس؟ قال: قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمَّدًا رسول الله، فإذا فعلوا فقد منعوا منا دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله فهذا هو حق الله المذكور في الرواية المتقدِّمة.\nو(قوله: فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من حمر النَّعم) حض عظيم على تعليم العلم وبثه في الناس، وعلى الوعظ والتذكير بالدار الآخرة والخير، وهذا كما قال ﷺ في الحديث الآخر: إن الله وملائكته يصلون على معلمي الناس الخير (٢).\nوالهداية: الدَّلالة والإرشاد. والنَّعم: هي الإبل، وحمرها هي خيارها حسنًا وقوة ونفاسة، لأنَّها أفضل عند العرب، ويعني به - والله أعلم - أن ثواب تعليم رجل واحد، وإرشاده للخير أعظم من ثواب هذه الإبل النفيسة لو كانت لك فتصدقت بها، لأنَّ ثواب تلك الصدقة ينقطع بموتها، وثواب العلم والهدى لا ينقطع إلى يوم القيامة، كما قال ﷺ: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة فذكر منها: علم ينتفع به (٣). وفي نوم علي - رضي الله\n_________\n(١) في صحيح مسلم والتلخيص: وأخبرهم.\n(٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٢٤): رواه الطبراني في الكبير، وفيه القاسم أبو عبد الرحمن، وثقه البخاري، وضعفه أحمد.\n(٣) رواه أحمد (٢/ ٣٧٢)، ومسلم (١٦٣١)، والترمذي (١٣٧٦)، والنسائي (٦/ ٢٥١).","vol":"6","page":276},{"text":"[٢٣١٧] وعنه قَالَ: استُعمِلَ عَلَى المَدِينَةِ رَجُلٌ مِن آلِ مَروَانَ قَالَ: فَدَعَا سَهلَ بنَ سَعدٍ فَأَمَرَهُ أَن يَشتِمَ عَلِيًّا، قَالَ: فَأَبَى سَهلٌ، فَقَالَ لَهُ: أَمَّا إِذ أَبَيتَ فَقُل: لَعَنَ اللَّهُ أَبَا التُّرَابِ، فَقَالَ سَهلٌ: مَا كَانَ لِعَلِيٍّ اسمٌ أَحَبَّ إِلَيهِ مِن أَبِي التُّرَابِ، وَإِن كَانَ لَيَفرَحُ إِذَا دُعِيَ بِهَا، فَقَالَ لَهُ: أَخبِرنَا\nــ\nعنه - في المسجد، وإقرار النبي ﷺ له على ذلك: دليل على جواز ذلك للمتأهل الذي له منزل، وبه قال بعضُ أهل العلم، وكرهه مالك من غير ضرورة، وأجازه للغرباء، لأنَّهم في حاجة وضرورة، وقد تقدَّم ذلك في كتاب الصلاة. ومسح النبي ﷺ جَنب علي من التراب، وهو يقول: قم أبا التراب، قم أبا التراب دليل على محبته له، وشفقته عليه، ولطفه به، ولذلك كان ذلك الاسم أحب إلى علي ﵁ من كل ما يدعى به، فيا عجبًا من بني أمية كيف صيَّروا الفضائل رذائل، والمناقب معايب، لكن غلبة الأهواء تعوِّض الظلمة من الضياء، وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر بإسناده إلى ضرار الصُّدائي: وقال له معاوية: صف لي عليًّا، فقال: اعفني يا أمير المؤمنين! قال: صفه. قال: أما إذ ولا بد من وصفه، فكان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلًا، ويحكم عدلًا، يتفجَّر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس من الليل ووحشته، وكان غزير الدَّمعة، طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن، كان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، ويفتينا إذا استفتيناه، ونحن - والله - مع تقريبه إيانا، وقربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له، يُعظم أهل الدِّين، ويُقرب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، قابضًا على لحيته يتملل تملل السَّليم (١)، ويبكي بكاء الحزين، ويقول: يا دنيا غُرِّي غيري،\n_________\n(١) \"السليم\": اللديغ، والجريح الذي أشرف على الهلاك، كأنهم يتفاءلون له بالسلامة.","vol":"6","page":277},{"text":"عَن قِصَّتِهِ لِمَ سُمِّيَ أَبَا تُرَابٍ؟ قَالَ: جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيتَ فَاطِمَةَ ف لَم يَجِد عَلِيًّا فِي البَيتِ، فَقَالَ: أَينَ ابنُ عَمِّكِ؟ فَقَالَت: كَانَ بَينِي وَبَينَهُ شَيءٌ فَغَاضَبَنِي فَخَرَجَ فَلَم يَقِل عِندِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِإِنسَانٍ: انظُر أَينَ هُوَ؟ فَجَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هُوَ فِي المَسجِدِ رَاقِدٌ، فَجَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُضطَجِعٌ قَد سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَن شِقِّهِ فَأَصَابَهُ تُرَابٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمسَحُهُ عَنهُ، وَيَقُولُ: قُم أَبَا التُّرَابِ! قُم أَبَا التُّرَابِ!\nرواه البخاريُّ (٦٢٨٠)، ومسلم (٢٤٠٩).\n* * *\nــ\nألي تعرضت؟ أم إلي تشوَّفت، هيهات هيهات! قد بتتك ثلاثًا لا رجعة فيها، فعمرك قصير، وخطرك قليل، آه قلة الزاد، وبُعد السفر، ووحشة الطريق، فبكى معاوية، وقال: رحم الله أبا حسن! كان والله كذلك، كيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال: حزن من ذبح واحدها في حجرها.\nقلت: وهذا الحديث: يدل على معرفة معاوية بفضل علي ﵁ ومنزلته، وعظيم حقه، ومكانته، وعند ذلك يبعد على معاوية أن يصرح بلعنه وسبه، لما كان معاوية موصوفًا به من الفضل والدين، والحلم، وكرم الأخلاق، وما يروى عنه من ذلك فأكثره كذب لا يصح. وأصح ما فيها قوله لسعد بن أبي وقاص: ما يمنعك أن تسب أبا التراب؟ وهذا ليس بتصريح بالسب، وإنَّما هو سؤال عن سبب امتناعه ليستخرج ما عنده من ذلك، أو من نقيضه، كما قد ظهر من جوابه، ولما سمع ذلك معاوية سكت، وأذعن، وعرف الحق لمستحقه، ولو سلمنا: أن ذلك من معاوية حمل على السَّب، فإنَّه يحتمل أن يكون طلب منه أن يسبَّه بتقصير في اجتهاد، في إسلام عثمان لقاتليه، أو في إقدامه على الحرب والقتال للمسلمين، وما أشبه ذلك مما يمكن أن يقصر بمثله من أهل الفضل، وأما","vol":"6","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-874>(٣٩) باب فضائل سعد بن أبي وقاص</span>\n[٢٣١٨] عن عَائِشَةَ قَالَت: سَهِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقدَمَهُ المَدِينَةَ لَيلَةً فَقَالَ: لَيتَ رَجُلًا صَالِحًا مِن أَصحَابِي يَحرُسُنِي اللَّيلَةَ قَالَت:\nــ\nالتصريح باللعن، وركيك القول، كما قد اقتحمه جهَّال بني أمية وسفلتهم، فحاش معاوية منه، ومن كان على مثل حاله من الصحبة، والدين، والفضل، والحلم، والعلم، والله تعالى أعلم.\n(٣٩) ومن باب: فضائل سعد بن أبي وقاص - ﵁ -\nواسمه: مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرَّة، يكنى: أبا إسحاق، أسلم قديمًا، وهو ابن سبع عشرة سنة، وقال: مكثت ثلاثة أيام، وأنا ثلث الإسلام. وقال: أنا أول من رمى بسهم في سبيل الله. شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وولي الولايات العظيمة من قبل عمر وعثمان ﵃. وهو أحد أصحاب الشورى، وأحد المشهود لهم بالجنة. توفي في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة، وصلَّى عليه مروان بن الحكم، ومروان إذ ذاك والي المدينة، ثم صلى عليه أزواج النبي ﷺ ودخل بجنازته في المسجد، فصلين عليه في حجرهن، وكفن في جبة صوف، لقي المشركين فيها يوم بدر، فوصى أن يكفن فيها، ودفن بالبقيع سنة خمس وخمسين، ويقال سنة خمسين، وهو ابن بضع وسبعين سنة، ويقال: ابن اثنين وثمانين، وروي عنه من الحديث مائتان وسبعون، أخرج له منها في الصحيحين ثمانية وثلاثون.\nو(قوله: أرق (١) رسول الله ﷺ مقدمه المدينة ليلة) أي: سهر عند أول\n_________\n(١) في التلخيص: سهر، وفي صحيح مسلم روايتان الأولى: أرق، والثانية: سهر.","vol":"6","page":279},{"text":"فَبَينَا نَحنُ كَذَلِكَ سَمِعنَا خَشخَشَةَ سِلَاحٍ فَقَالَ: مَن هَذَا؟ قَالَ: سَعدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا جَاءَ بِكَ؟ قَالَ: وَقَعَ فِي نَفسِي خَوفٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجِئتُ أَحرُسُهُ، فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ نَامَ.\nرواه أحمد (٦/ ١٤١)، والبخاريُّ (٢٨٨٥)، ومسلم (٢٤١٠) (٣٩ و٤٠)، والترمذي (٣٧٥٦)، والنسائي في الكبرى (٨٦٦٧).\nــ\nقدومه على المدينة في ليلة من الليالي، فقال: ليت رجلًا صالحًا من أصحابي يحرسني الليلة. قيل: كان هذا من النبي ﷺ في أول الأمر، قبل أن ينزل عليه: ﴿وَاللَّهُ يَعصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾\nقلت: ويحتمل أن يقال: إن قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ليس فيه ما يناقض احتراسه من الناس، ولا ما يمنعه، كما أن إخبار الله تعالى عن نصره، وإظهاره لدينه ليس فيه ما يمنع الأمر بالقتال، وإعداد العَدَد والعُدَد، والأخذ بالجد والحزم، والحذر، وسر ذلك: أن هذه أخبار عن عاقب الحال، ومآله، لكن هل تحصل تلك العاقبة عن سبب معتاد، أو غير سبب؟ لم يتعرض ذلك الأخبار له، فليبحث عنه في موضع آخر، ولما بحثت عن ذلك وجدت الشريعة طافحة بالأمر له ولغيره بالتحصن، وأخذ الحذر، ومدافعتهم بالقتل والقتال، وإعداد الأسلحة والآلات، وقد عمل النبي ﷺ بذلك، وأخذ به، فلا تعارض في ذلك، والله الموفق لفهم ما هنالك.\nوخشخشة السَّلاح وقعقعته: صوت ضرب بعضه في بعض.\nو(قول سعد: وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ فجئت أحرسه) دليل على مكانة نبينا ﷺ وكرامته على الله، فإنَّه قضى أمنيته، وحقق في الحين طِلبَته. وفيه دليل على أن سعدًا ﵁ من عباد الله الصالحين المحدَّثين الملهمين، وتخصيصه بهذه الحالة كلها، وبدعاء رسول الله ﷺ له من أعظم","vol":"6","page":280},{"text":"[٢٣١٩] وعن سعد قال: كَانَ رَجُلٌ مِن المُشرِكِينَ قَد أَحرَقَ المُسلِمِينَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ارمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، قَالَ: فَنَزَعتُ لَهُ بِسَهمٍ لَيسَ فِيهِ نَصلٌ فَأَصَبتُ جَنبَهُ، فَسَقَطَ فَانكَشَفَت عَورَتُهُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَظَرتُ إِلَى نَوَاجِذِهِ.\nرواه البخاريُّ (٤٠٥٥)، ومسلم (٢٤١٢).\n[٢٣٢٠] وعنه: أَنَّهُ نَزَلَت فِيهِ آيَاتٌ مِن القُرآنِ قَالَ: حَلَفَت أُمُّ سَعدٍ\nــ\nالفضائل، وأشرف المناقب، وكذلك جَمعُ رسول الله ﷺ له أبويه، وفداؤه بهما خاصَّةٌ مِن خصائصه، إذ لم يُروَ ولا سُمع أن النبي ﷺ فدى أحدًا من الناس بأبويه جميعًا غير سعد هذا (١)، وغير ما يأتي في حديث ابن الزبير، وقد تقدَّم أن النَّواجذَ آخر الأضراس، وأنها تقال على الضواحك، وأنها المعنيَّة في هذا الحديث، فإنها هي التي يمكنُ أن ينظر إليها غالبًا في حال الضحك، وكان ﷺ جُلّ ضحكه التبسُّم، فإذا استغرب (٢)، فغايةُ ما يظهر منه ضواحكه مع ندور ذلك منه وقِلَّته.\nو(قوله: كان رجل من المشركين قد أحرق في المسلمين) أي: أصاب منهم كثيرًا، وآلمهم، حتى كأنه فعل فيهم ما تفعله النار من الإحراق.\nو(قوله: فنزعت له بسهم ليس فيه نصل) أي: رميتُه بسهم لا حديدة فيه، وقد تقدَّم: أن أصلَ النَّزع: الجذب والجبذ، وكان ضحك النبي ﷺ بإصابة العدو سرورًا، لا بانكشاف العورة، فإنه المنزَّهُ عن ذلك.\nو(قوله: فأصبتُ جنبه) بالجيم والنون، كذا لأكثر الرواة، وكذا رؤيته، وقيَّده القاضي الشهيد حبَّته - بالحاء المهملة والموحدة -، يعني به: حبة قلبه، وفيه بُعد.\n_________\n(١) انظر صحيح مسلم (٢٤١٢).\n(٢) \"استغرب الرجل في الضحك\": بالغ فيه. وكأنه من الغَرب: البُعْد.","vol":"6","page":281},{"text":"ألَّا تُكَلِّمَهُ أَبَدًا حَتَّى يَكفُرَ بِدِينِهِ، وَلَا تَأكُلَ، وَلَا تَشرَبَ قَالَت: زَعَمتَ أَنَّ اللَّهَ وَصَّاكَ بِوَالِدَيكَ وَأَنَا أُمُّكَ وَأَنَا آمُرُكَ بِهَذَا. قَالَ: مَكَثَت ثَلَاثًا حَتَّى غُشِيَ عَلَيهَا مِن الجَهدِ - وفي رواية قال: فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها بعصى ثم أوجروها - فَقَامَ ابنٌ لَهَا يُقَالُ لَهُ عُمَارَةُ فَسَقَاهَا، فَجَعَلَت تَدعُو عَلَى سَعدٍ فَأَنزَلَ اللَّهُ ﷿ فِي القُرآنِ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَوَصَّينَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيهِ حُسنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشرِكَ بِي﴾ وَفِيهَا: ﴿فَلا تُطِعهُمَا وَصَاحِبهُمَا فِي الدُّنيَا مَعرُوفًا﴾\nقَالَ: وَأَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَنِيمَةً عَظِيمَةً، فَإِذَا فِيهَا سَيفٌ فَأَخَذتُهُ، فَأَتَيتُ بِهِ الرَّسُولَ ﷺ فَقُلتُ: نَفِّلنِي هَذَا السَّيفَ، فَأَنَا مَن قَد عَلِمتَ حَالَهُ، فَقَالَ: رُدُّهُ مِن حَيثُ أَخَذتَهُ، فَانطَلَقتُ حَتَّى إِذَا أَرَدتُ أَن\nــ\nو(قوله: فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها بعصا، ثم أوجروها) - بالشين والجيم -، أي: فتحوا فمها، وأدخلوا فيه العصا، لئلا تغلقه حتى يوجروها الغذاء. والوَجُور: - بفتح الواو - ما يُصَبُّ في وسط الفم، واللَّدود - بفتح اللام -: ما يُصَبُّ من جانب الفم. ويقال: وجرته، وأوجرته - ثلاثيًّا ورباعيًّا - وقد رواه بعضُهم: شحُّوا فاها - بحاء مهملة، وواو من غير راء - وهو قريب من الأول، أي: وسَّعوه بالفتح، والشحو: التوسع في المشي، والدابة الشحواء: الواسعة الخطو. ويقال: شحا فاه، وشحا فوه - معدًى ولازمًا -، أي: فتحه، ووصية الله تعالى بمبرَّة الوالدين المشركين، والإحسان إليهما وإن كانا كافرين، وحريصين على حمل الولد على الكفر. ويدلُّ دلالةً قاطعة على عظيم حرمة الآباء، وتأكُد حقوقهم.\nو(قوله تعالى: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشرِكَ بِي مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلمٌ فَلا تُطِعهُمَا﴾ أي: إن حاولاك (١) على الشرك والكفر، فلا تطعهما، وإن بالغا في\n_________\n(١) في (ز) و(م ٣): جادلاك.","vol":"6","page":282},{"text":"أُلقِيَهُ فِي القَبَضِ لَامَتنِي نَفسِي، فَرَجَعتُ إِلَيهِ فَقُلتُ: أَعطِنِيهِ، قَالَ فَشَدَّ لِي صَوتَهُ: رُدُّهُ مِن حَيثُ أَخَذتَهُ، قَالَ: فَأَنزَلَ اللَّهُ تعالى: ﴿يَسأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ﴾\nقَالَ: وَمَرِضتُ فَأَرسَلتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَتَانِي فَقُلتُ: دَعنِي أَقسِم مَالِي حَيثُ شِئتُ، قَالَ: فَأَبَى، قُلتُ: فَالنِّصفَ! قَالَ: فَأَبَى، قُلتُ: فَالثُّلُثَ قَالَ: فَسَكَتَ فَكَانَ بَعدُ الثُّلُثُ جَائِزًا.\nقَالَ: وَأَتَيتُ عَلَى نَفَرٍ مِن الأَنصَارِ وَالمُهَاجِرِينَ، فَقَالُوا: تَعَالَ نُطعِمكَ وَنَسقِكَ خَمرًا - وَذَلِكَ قَبلَ أَن تُحَرَّمَ الخَمرُ - قَالَ: فَأَتَيتُهُم فِي حَشٍّ - وَالحَشُّ البُستَانُ - فَإِذَا رَأسُ جَزُورٍ مَشوِيٌّ عِندَهُم وَزِقٌّ مِن خَمرٍ، قَالَ: فَأَكَلتُ وَشَرِبتُ مَعَهُم، قَالَ: فَذَكَرتُ الأَنصَارَ وَالمُهَاجِرونَ عِندَهُم، فَقُلتُ: المُهَاجِرُونَ خَيرٌ مِن الأَنصَارِ، قَالَ: فَأَخَذَ رَجُلٌ أَحَدَ لَحيَي الرَّأسِ، فَضَرَبَنِي فَجَرَحَ بِأَنفِي - وفي رواية: ففزره، وكان أنف سعد مفزورا - فَأَتَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخبَرتُهُ، فَأَنزَلَ اللَّهُ ﷿ فِيَّ - يَعنِي\nــ\nذلك، وأتعبا أنفسهما فيه، فإن الشرك بالله تعالى باطل ليس له حقيقة فتعلم، كما قال تعالى: ﴿أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرضِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشرِكُونَ﴾ والقَبَضُ - بفتح الباء -: اسم لما يُقبض، وكذلك هو هنا، والقَبض بسكونها: مصدر قبضت. وقد تقدم في الجهاد الكلامُ على قوله تعالى: ﴿يَسأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ﴾ وفي الوصايا على وصية سعدِ، وما يتعلق بها. والحُشُ: بستان النخل، ويقال: بضم الحاء وفتحها، ويُجمع على حشَّان، وقد يُكنى بالحش عن موضع الخلاء، لأنهم كانوا يقضون حاجتهم في البساتين. وحائش النخل: جماعة النخل.\nو(قوله: ففزره، وكان أنفُه مفزورًا هو بتقديم الزاي مخفَّفةً، أي: شقَّه،","vol":"6","page":283},{"text":"نَفسَهُ - شَأنَ الخَمرِ: ﴿إِنَّمَا الخَمرُ وَالمَيسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزلامُ رِجسٌ مِن عَمَلِ الشَّيطَانِ﴾\nفي الفضائل (٤٣ و٤٤)، والترمذيُّ (٣١٨٨).\n[٢٣٢١] وعنه قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سِتَّةَ نَفَرٍ، فَقَالَ المُشرِكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: اطرُد هَؤُلَاءِ لَا يَجتَرِئُونَ عَلَينَا، قَالَ: وَكُنتُ أَنَا وَابنُ مَسعُودٍ وَرَجُلٌ مِن هُذَيلٍ وَبِلَالٌ وَرَجُلَانِ لَستُ أُسَمِّيهِمَا، فَوَقَعَ فِي نَفسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا شَاءَ اللَّهُ أَن يَقَعَ، فَحَدَّثَ نَفسَهُ، فَأَنزَلَ اللَّهُ ﷿:\nــ\nوالمفزور: المشقوق، ولَحيُ الجمل- بفتح اللام-: هو أحَدُ فكي فمه، وهما: لحيان، أعلى وأسفل، والذي يمكن أن يؤخذ ويضرب به: هو الأسفل، وقد تقدم القولُ في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الخَمرُ وَالمَيسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزلامُ رِجسٌ﴾ الآية في الأشربة.\nو(قول المشركين للنبي - ﷺ -: اطرد هؤلاء عنك لا يجترئون علينا) كان هؤلاء المشركون أشرافَ قومهم، وقيل: كان منهم: عُيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، أنِفُوا من مجالسة ضعفاء أصحاب النبي ﷺ كصهيب، وسلمان، وعمار، وبلال، وسالم، ومِهجَع، وسعد هذا، وابن مسعود، وغيرهم ممن كان على مثل حالهم استصغارًا لهم، وكِبرًا عليهم، واستقذارًا لهم، فإنهم قالوا: يُؤذوننا بريحهم، وفي بعض كتب التفسير أنهم لما عرضوا ذلك على النبي ﷺ أبى، فقالوا له: اجعل لنا يومًا ولهم يومًا، وطلبوا أن يكتبَ لهم بذلك، فهمَّ النبي ﷺ بذلك، ودعا عليًّا ليكتب، فقام الفقراء وجلسوا ناحية، فأنزل الله تعالى الآية.\nقلتُ: ولهذا أشار سعد بقوله: فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع. وكان النبي ﷺ إنما مال إلى ذلك طمعًا في إسلامهم، وإسلام قومهم، ورأى أن ذلك لا يفوتُ أصحابه شيئًا، ولا ينقصُ لهم قدرًا، فمال إليه، فأنزل","vol":"6","page":284},{"text":"﴿وَلا تَطرُدِ الَّذِينَ يَدعُونَ رَبَّهُم بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجهَهُ﴾\nرواه مسلم (٢٤١٣) (٤٦)، والنسائي في الكبرى (١١١٦٣)، وابن ماجه (٤١٢٨).\n* * *\nــ\nالله تعالى: ﴿وَلا تَطرُدِ الَّذِينَ يَدعُونَ رَبَّهُم بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجهَهُ﴾ فنهاه عما همَّ به من الطرد، لا أنه أوقع الطرد، ووصف أولئك بأحسن أوصافهم، وأمره أن يصبر نفسه معهم بقوله: ﴿وَاصبِر نَفسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدعُونَ رَبَّهُم بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ﴾ فكان رسول الله ﷺ إذا رآهم بعد ذلك يقول: مرحبًا بقوم عاتبني الله فيهم (١)، وإذا جالسهم لم يقم عنهم حتى يكونوا هم الذين يبدؤون حوله بالقيام.\nو(قوله: ﴿يَدعُونَ رَبَّهُم بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ﴾، قيل معناه: يدعون ربهم بالغداة بطلب التوفيق والتيسير، وبالعشي: قيل معناه: بطلب العفو عن التقصير، وقيل معناه: يذكرون الله بعد صلاة الصبح، وصلاة العصر. وقيل: يصلون الصبح والعصر، وقال ابن عباس - ﵄ -: يصلون الصلوات الخمس، وقال يحيى بن أبي كثير: هي مجالس الفقه بالغداة والعشي، وقيل يعني به: دوام أعمالهم وعباداتهم، وإنَّما خصَّ طرفي النهار بالذكر؛ لأنَّ من عمل في وقت الشغل كان في وقت الفراغ من الشغل أعمل.\nو(قوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجهَهُ﴾ أي: يخلصون في عباداتهم وأعمالهم لله تعالى. ويتوجهون إليه بذلك لا لغيره، ويصح أن يقال: يقصدون بأعمالهم رؤية وجهه الكريم، أي: وجوده المنزه المقدس عن صفات المخلوقين.\n_________\n(١) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٣٨١) وعزاه لابن جرير والطبراني وابن مردويه بلفظ: \"الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم\".","vol":"6","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-875>(٤٠) باب فضائل طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وأبي عبيدة بن الجراح - ﵃ </span>-\n[٢٣٢٢] عَن أَبِي عُثمَانَ قَالَ: لَم يَبقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعضِ تِلكَ الأَيَّامِ الَّتِي قَاتَلَ فِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَيرُ طَلحَةَ وَسَعدٍ، عَن حَدِيثِهِمَا.\nرواه البخاري (٣٧٢٢ و٣٧٢٣)، ومسلم (٢٤١٤).\nــ\nو(قوله: ﴿مَا عَلَيكَ مِن حِسَابِهِم مِن شَيءٍ﴾ أي: من جزائهم، ولا كفاية رزقهم، أي: جزاؤهم ورزقهم، وجزاؤك ورزقك على الله تعالى، لا على غيره، فكأنه يقول: وإذا كان الأمر كذلك: فأقبل عليهم وجالسهم، ولا تطردهم مراعاة لحق من ليس على مثل حالهم في الدِّين والفضل. فإن فعلت كنت ظالِمًا، وحاشاه من وقوع ذلك منه، وإنَّما هذا بيان للأحكام، ولئلا يقع مثل ذلك من غيره من أهل الإسلام. وهذا نحو قوله تعالى: ﴿لَئِن أَشرَكتَ لَيَحبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ وقد علم الله منه: أنه لا يشرك، ولا يحبط عمله.\nو(قوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ نصب بالفاء في جواب النفي، وقد تقدم: أن أصله وضع الشيء في غير موضعه، ويحصل من فوائد الآية والحديث: النهي عن أن يُعظم أحدٌ لجاهه، وأثوابه، وعن أن يحتقر أحد لخموله، ورثاثة أثوابه.\n(٤٠) ومن باب: فضائل طلحة بن عبيد الله. . .\nطلحة بن عبيد الله بن عثمان بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي. شهد مع رسول الله ﷺ المشاهد كلها إلا بدرًا، فإنَّ رسول الله ﷺ كان بعثه","vol":"6","page":286},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوسعيد بن زيد يتجسَّسان خبر عير قريش، فلقيا رسول الله ﷺ منصرفه من بدر، فضرب لهما رسول الله ﷺ بسهمهما وأجرهما، فكانا كمن شهدها، وسَمَّاه رسول الله ﷺ يومئذ: طلحة الخير، ويوم ذات العشيرة: طلحة الفياض، ويوم حنين: طلحة الجود. وثبت مع رسول الله ﷺ يوم أحد، ووقى النبي ﷺ بيده فشلت أصبعاه، وجرح يومئذ أربعًا وعشرين جراحة، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة. وجملة ما روي عنه من الحديث: ثمانية وثلاثون حديثًا، أخرج له منها في الصحيحين سبعة، وقتل يوم الجمل، وكان يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين، ويقال: إن سهمًا غَربًا (١) أتاه فوقع في حلقه فقال: بسم الله ﴿وَكَانَ أَمرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقدُورًا﴾ ويقال: إن مروان بن الحكم قتله. ودفن بالبصرة، وهو ابن ستين سنة، وقيل: ابن اثنتين وستين سنة، وقيل: ابن أربع.\nوأما الزبير ﵁ فيكنى أبا عبد الله بولده عبد الله، لأنَّه كان أكبر أولاده، وهو الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، أمه: صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ أسلمت وأسلم الزبير، وهو ابن ثمان سنين، وقيل: ابن ست عشرة سنة، فعذَّبه عمُّه بالدخان لكي يرجع عن الإسلام فلم يفعل. هاجر إلى أرض الحبشة الهجرتين، ولم يتخلف عن غزوة غزاها رسول الله ﷺ، وهو أول من سل سيفًا في سبيل الله، وكان عليه يوم بدر ريطة (٢) صفراء قد اعتجر بها، وكان على الميمنة فنزلت الملائكة على سيماه، وثبت مع رسول الله ﷺ يوم أحد، وبايعه على الموت، فقتل يوم الجمل، وهو ابن خمس وسبعين سنة. وقيل: خمس وستين. وقيل: بضع وخمسون. قتله\n_________\n(١) هو السهم الذي لا يُعرف راميه.\n(٢) \"ريطة\": هي الملاءة كلها نسج واحد وقطعة واحدة. وكل ثوب لين رقيق.","vol":"6","page":287},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nابن جرموز، وكان من (١) أصحاب علي، فأُخبر عليٌّ بذلك فقال: بشِّر قاتل ابن صفية بالنار. وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وروي عنه من الحديث مثل ما روي عن طلحة، وله في الصحيحين مثل ما له سواء.\nوأما أبو عبيدة ﵁ فاسمه: عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبَّة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، أسلم قديما مع عثمان بن عفان - ﵄ - وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وشهد بدرًا، والمشاهد كلها، وثبت مع رسول الله ﷺ يوم أحد، ونزع يومئذ بثنيتيه الحلقتين اللتين دخلتا في وجنتي رسول الله ﷺ فوقعت ثنيتاه، فكان أهتم (٢)، وكان من أحسن الناس هتمًا، يزينه هتمه، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وولي فتح الشام وحروبها، ومات في طاعون عمواس بالأردن، وقبر ببيسان وهو ابن ثمان وخمسين سنة.\nو(قول أبي عثمان النهدي: لم يبق مع رسول الله ﷺ في بعض تلك الأيام التي قاتل فيهن رسول الله ﷺ غير طلحة وسعد) يعني بذلك: يوم أحد، وقد قدمنا: أن طلحة ثبت يومئذ، ووقى النبي ﷺ بيده فشلَّت أصبعاه، وجرح يومئذ أربعًا وعشرين جراحة.\nو(قوله: عن حديثهما) هذا من قول الراوي عن أبي عثمان، وهو: المعتمر بن سليمان، ويعني به: أن أبا عثمان إنما حدَّث بثبوت طلحة وسعد عنهما، لا أنه شاهد هو ثبوتهما، فإنَّه تابعي لا صحابي، ولا أنه حدَّث بذلك عن غيرهما، بل عنهما. هما حدَّثاه بذلك. واتفق لطلحة في ذلك اليوم أن النبي ﷺ أثقل بالجراح، وكان عليه درعان، فنهض ليصعد على صخرة كانت هنالك، فلم يستطع، فحنى\n_________\n(١) في (ع) و(م ٤): في.\n(٢) \"أهتم\": تكسَّرت ثناياه من أطرافها أو من أصولها.","vol":"6","page":288},{"text":"[٢٣٢٣] وعَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: نَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ يَومَ الخَندَقِ فَانتَدَبَ الزُّبَيرُ، ثُمَّ نَدَبَهُم فَانتَدَبَ الزُّبَيرُ، ثُمَّ نَدَبَهُم فَانتَدَبَ الزُّبَيرُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيٌّ وَحَوَارِيَّ الزُّبَيرُ.\nرواه أحمد (٣/ ٣١٤)، والبخاريُّ (٢٨٤٦)، ومسلم (٢٤١٥)، والنسائي في الكبرى (٨٢١١)، وابن ماجه (١٢٢).\n[٢٣٢٤] وعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيرِ قَالَ: كُنتُ أَنَا وَعُمَرُ بنُ أَبِي سَلَمَةَ يَومَ الخَندَقِ مَعَ النِّسوَةِ فِي أُطُمِ حَسَّانَ، فَكَانَ يُطَأطِئُ لِي مَرَّةً فَأَنظُرُ، وَأُطَأطِئُ لَهُ مَرَّةً فَيَنظُرُ، فَكُنتُ أَعرِفُ أَبِي إِذَا مَرَّ عَلَى فَرَسِهِ فِي السِّلَاحِ إِلَى\nــ\nطلحة ظهره لاصقًا بالأرض حتى صعد النبي ﷺ على ظهره حتى رقى على الصخرة، فقال النبي ﷺ: أوجب طلحة (١) أي: أوجب له ذلك الفعل الثواب الجزيل عند الله، والمنزلة الشريفة. وروى جابر عن النبي ﷺ أنه قال: من سرَّه أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض، فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله (٢). وقال النبي ﷺ: طلحة بن عبيد الله ممن قضى نحبه (٣) أي: ممن وفَّى بنذره، وقام بواجباته.\nو(قوله: ندب رسول الله ﷺ الناس فانتدب الزبير) أي: رغبهم في الجهاد، وحضهم عليه، فأجاب الزبير ثلاث مرات، وعند ذلك قال له النبي ﷺ: لكل نبي حواري، وحواري الزبير. أي: خاصتي، والمفضل عندي، وناصري، وقد تقدم إيعاب القول فيه في الإيمان. والأطم: بضم الهمزة، والطاء المهملة: هو االحِصن، ويجمع: آطام، بمد الهمزة، وبكسرها. مثل: آكام وإكام.\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ١٦٥)، والترمذي (١٦٩٢).\n(٢) رواه الترمذي (٣٧٣٩)، وابن ماجه (١٢٥).\n(٣) رواه الترمذي: (٣٧٤٠)، وابن ماجه (١٢٦ و١٢٧).","vol":"6","page":289},{"text":"بَنِي قُرَيظَةَ قَالَ: فَذَكَرتُ ذَلِكَ لِأَبِي فَقَالَ: وَرَأَيتَنِي يَا بُنَيَّ؟ قُلتُ: نَعَم. قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَد جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَومَئِذٍ أَبَوَيهِ فَقَالَ: فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي.\nرواه أحمد (١/ ١٦٤)، والبخاريُّ (٣٧٢٠)، ومسلم (٢٤١٦)، والترمذيُّ (٣٧٤٣)، وابن ماجه (١٢٣).\n[٢٣٢٥] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَلَى حِرَاءٍ هُوَ وَأَبُو بَكرٍ وَعُمَرُ وَعُثمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلحَةُ وَالزُّبَيرُ فَتَحَرَّكَت الصَّخرَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اهدَأ فَمَا عَلَيكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَو صِدِّيقٌ أَو شَهِيدٌ.\nــ\nو(قوله: لقد جمع لي رسول الله ﷺ أبويه يومئذ فقال: فداك أبي وأمي) هو بفتح الفاء والقصر، فعل ماض، فإن كسرت مَدَدت، وهذا الحديث يدل على أنَّ النبي ﷺ جمع أبويه لغير سعد بن أبي وقاص، وحينئذ يشكل بما رواه الترمذي من قول علي: إن رسول الله ﷺ ما جمع أبويه لأحد إلا لسعد، وقال له يوم أحد: فداك أبي وأمي (١). ويرتفع الإشكال بأن يقال: إن عليًّا أخبر بما في علمه، ويحتمل أن يريد به أنه لم يقل ذلك في يوم أحد لأحد غيره، والله تعالى أعلم.\nوحراء: جبل بمكة، وهو بكسر الحاء ممدود، ويُذَكَّر فيصرف، ويؤنَّث فلا يصرف، وقد أخطأ من فتح حاءه، ومن قصره.\nو(قوله: فتحركت الصخرة، فقال: اهدأ فما عليك) كذا صحَّ هذا اللَّفظ هنا بسكون الهمزة على أنه أمر من هدأ المذكر، وعليك: بفتح كاف خطاب المذكر، مع أنه افتتح الكلام بذكر الصخرة، فكان حق خطابها أن يقال: اهدئي فما عليك، فتخاطب خطاب المؤنث، لكنه لما كانت تلك الصخرة جبلًا خاطبها خطاب المذكر، وقد تقدَّم مثل هذا كثيرًا.\nو(قوله: فما عليك إلا نبي، أو صدِّيق، أو شهيد) بأو التي هي للتقسيم\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٨٢٩ و٣٧٥٣).","vol":"6","page":290},{"text":"وفي رواية: فَتَحَرَّكَ الجبل؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اسكُن حِرَاءُ فَمَا عَلَيكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَو صِدِّيقٌ أَو شَهِيدٌ، وَعَلَيهِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكرٍ وَعُمَرُ وَعُثمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلحَةُ وَالزُّبَيرُ وَسَعدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ.\nرواه أحمد (٢/ ٤١٩)، ومسلم (٢٤١٧)، والترمذيُّ (٣٦٩٦).\n[٢٣٢٦] وعَن عُروَةَ بن الزبير قَالَ: قَالَت لِي عَائِشَةُ: كَانَ أَبوكَ مِنَ الَّذِينَ استَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعدِ مَا أَصَابَهُم القَرحُ.\nرواه البخاريُّ (٤٠٧٧)، ومسلم (٢٤١٨) (٥٢).\nــ\nوالتنويع، فالنبي: رسول الله ﷺ، والصِّدِّيق: أبو بكر، والشهيد: من بقي ﵃ وهذا من دلائل صحة نبوَّة رسول الله ﷺ، فإنَّ هؤلاء كلهم قتلوا شهداء. فأمَّا عمر: فقتله العلج، وأما عثمان فقتل مظلومًا، وعلي: غيلة، وأما طلحة والزبير: فقتلا يوم الجمل منصرفين عنه تاركين له، وأما أبو عبيدة فمات بالطاعون، والموت فيه شهادة.\nو(قول عائشة لعروة: كان أبوك من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح) استجابوا: أجابوا، والسين والتاء: زائدتان، كما قال الشاعر:\nوداعٍ دعا يا من يُجيب إلى الندا ... فلم يَستجِبهُ عند ذاك مجيبُ\nأي: لم يجبه. والقرح: الجراح. وإشارة عائشة ﵂ إلى ما جرى في غزوة حمراء الأسد وهو موضع على نحو ثمانية أميال من المدينة، وكان من حديثها: أن النبي ﷺ لما رجع إلى المدينة من أحد بمن بقي من أصحابه، وأكثرهم جريح، وقد بلغ منهم الجهد، والمشقة نهايته، أمرهم بالخروج في أثر العدوِّ مرهبًا لهم، وقال: لا يخرجن إلا من كان شهد أحدًا (١) فخرجوا على ما بهم من الضَّعف\n_________\n(١) ذكره ابن هشام في السيرة (٢/ ١٠١).","vol":"6","page":291},{"text":"[٢٣٢٧] وعن أَنَس بن مالك قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا، وَإِنَّ أَمِينَنَا - أَيَّتُهَا الأُمَّةُ - أَبُو عُبَيدَةَ بنُ الجَرَّاحِ.\nــ\nوالجراح، وربما كان فيهم المثقل بالجراح لا يستطيع المشي، ولا يجد مركوبًا، فربما يحمل على الأعناق، كل ذلك امتثالٌ لأمر رسول الله ﷺ ورغبة في الجهاد والشهادة حتى وصلوا إلى حمراء الأسد، فلقيهم نعيم بن مسعود، فأخبرهم: أن أبا سفيان بن حرب، ومن معه من قريش قد جمعوا جموعهم، وأجمعوا رأيهم على أن يرجعوا إلى المدينة، فيستأصلوا أهلها، فقالوا ما أخبرنا الله به عنهم: ﴿حَسبُنَا اللَّهُ وَنِعمَ الوَكِيلُ﴾ وبينا قريش قد أجمعوا على ذلك، إذ جاءهم معبد الخزاعي، وكانت خزاعة حلفاء النبي ﷺ وعيبة نُصحه، وكان قد رأى حال أصحاب النبي ﷺ وما هم عليه، ولما رأى عزم قريش على الرجوع، واستئصال أهل المدينة حمله خوف ذلك، وخالص نصحه للنبي ﷺ وأصحابه على أن خوَّف قريشًا بأن قال لهم: إني قد تركت محمدًا وأصحابه بحمراء الأسد في جيش عظيم، قد اجتمع له كل من تخلف عنه، وهم قد تحرَّقوا عليكم، وكأنهم قد أدركوكم، فالنجاء النجاء، وأنشدهم شعرًا (١)، يعظِّم فيه جيش محمدٍ ﷺ ويكثرهم، وهو مذكور في كتب السير، فقذف الله في قلوبهم الرُّعب، ورجعوا إلى مكة مسرعين خائفين، ورجع النبي ﷺ في أصحابه إلى المدينة مأجورًا منصورًا، كما قال تعالى: ﴿فَانقَلَبُوا بِنِعمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضلٍ لَم يَمسَسهُم سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضلٍ عَظِيمٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَد جَمَعُوا لَكُم فَاخشَوهُم﴾ يعني به نعيم بن مسعود الذي خوَّف أصحاب النبي ﷺ، وقوله: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَد جَمَعُوا لَكُم﴾ يعني به: قريشًا.\nو(قوله - ﷺ -: إن لكل أمة أمينًا وأميننا - أيتها الأمة - أبو عبيدة بن الجراح) الأمانة: ضد الخيانة، وهي عبارة عن: قوَّة الرجل على القيام بحفظ ما يوكل إلى\n_________\n(١) انظر السيرة النبوية لابن هشام (٢/ ١٠٣).","vol":"6","page":292},{"text":"رواه أحمد (٣/ ١٣٣)، والبخاريُّ (٤٣٨٢)، ومسلم (٢٤١٩) (٥٣).\nــ\nحفظه، ويخلّى بينه وبينه. وهي مأخوذة من قولهم: ناقة أمون، أي: قوية على الحمل والسير، فكأن الأمين هو الذي يوثق به في حفظ ما يوكل إلى أمانته حتى يؤدِّيه لقوَّته على ذلك. وكان أبو عبيدة قد خصَّه الله تعالى من هذا الحظ الأكبر، والنصيب الأكثر، بحيث شهد له بذلك المعصوم، وصار له ذلك الاسم، والعلم المعلوم، وقد ظهر ذلك من حاله للعيان حتى استوى في معرفته كل إنسان، وذلك أن عمر ﵁ لما قدم الشام متفقِّدًا أحوال الناس والأمراء، ودخل منازلهم، وبحث عنهم أراد أن يدخل منزل أبي عبيدة، وهو أمير على الشام، قد فتحت عليه بلاده وترادفت عليه فتوحاته، وخيراته، واجتمعت له كنوزه، وأمواله، فلما كلَّمه عمر ﵁ في ذلك، قال له: يا أمير المؤمنين! والله لئن دخلت منزلي لتعصرن عينيك، فلما دخل منزله لم يجد فيه شيئًا يردُّ البصر أكثر من سلاحه وأداة رحل بعيره، فبكى عمر ﵁ وقال: صدق رسول الله ﷺ: أنت أمين هذه الأمَّة أو كما قال.\nوكان النبي ﷺ قد أخبر عن كل واحد من أعيان أصحابه ﵃ بما غلب عليه من أوصافه، وإن كانوا كلهم فضلاء، علماء، حكماء، مختارين لمختار، فقال ﷺ فيما رواه الترمذي من حديث أنس بن مالك: أرحم أمتي بأمتي: أبو بكر، وأشدهم في أمر الله: عمر، وأصدقهم حياءً: عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام: معاذ، وأفرضهم: زيد، وأقرؤهم: أُبي، ولكل أمَّة أمين. وأمين هذه الأمَّة: أبو عبيدة (١). ومن حديث عبد الله بن عمرو: ما أظلت الخضراء، ولا أقلَّت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر (٢).\nو(قوله: أيتها الأمَّة) هو منادى محذوف حرف النداء. والأمَّة: نعته\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٧٩٠ و٣٧٩١).\n(٢) رواه الترمذي (٣٨٠١ و٣٨٠٢).","vol":"6","page":293},{"text":"[٢٣٢٨] وعنه: أَنَّ أَهلَ اليَمَنِ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: ابعَث مَعَنَا رَجُلًا يُعَلِّمنَا السُّنَّةَ وَالإِسلَامَ. قَالَ: فَأَخَذَ بِيَدِ أَبِي عُبَيدَةَ فَقَالَ: هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ.\nرواه مسلم (٢٤١٩) (٥٤).\n[٢٣٢٩] وعَن حُذَيفَةَ قَالَ: جَاءَ أَهلُ نَجرَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابعَث إِلَينَا رَجُلًا أَمِينًا، فَقَالَ: لَأَبعَثَنَّ إِلَيكُم رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ. قَالَ: فَاستَشرَفَ لَهَا النَّاسُ، قَالَ: فَبَعَثَ أَبَا عُبَيدَةَ بنَ الجَرَّاحِ.\nرواه أحمد (٥/ ٣٨٥)، والبخاريُّ (٣٧٤٥)، ومسلم (٢٤٢٠) (٥٥)، والترمذيُّ (٣٧٩٦)، وابن ماجه (١٣٥).\n* * *\nــ\nمرفوعًا، والأفصح: نصبها على الاختصاص، وحكى سيبويه: اللهم اغفر لنا أيتها العِصابةَ بالنصب.\nو(قوله: لأبعثن إليكم رجلًا أمينًا حق أمين) هو بنصب حق أمين على أنه مصدر مضاف، وهو في موضع الصِّفة تقديره أمينًا محققًا في أمانته.\nو(قوله: فاستشرف لها الناس) أي: تشوَّفوا، وتعرَّضوا لمن هو الموجَّه معهم، وكلُّهم يحرصُ على أن يكون هو المَعنِيُّ، إذ كل واحد منهم أمين.\n* * *","vol":"6","page":294},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-876>(٤١) باب فضائل الحسن والحسين</span>\n[٢٣٣٠] عَن أَبِي هُرَيرَةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِحَسَنٍ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ، وَأَحبِب مَن يُحِبُّهُ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٤٩)، ومسلم (٢٤٢١) (٥٦)، وابن ماجه (١٤٢).\nــ\n(٤١) ومن باب: فضائل الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب - ﵃ -\nوأمهما: فاطمة بنت رسول الله ﷺ، يُكنى الحسن: أبا محمد، والحسين: أبا عبد الله. ولد الحسن في النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة. هذا أصحُّ ما قيل في ذلك، وولد الحسين لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة. وقيل: سنة ثلاث، هذا قول الواقدي. وقال: علقت به فاطمة - ﵂ - بعد مولد الحسن بخمسين ليلة، ومات الحسن مسمومًا في ربيع الأول من سنة خمسين بعدما مضى من خلافة معاوية عشر سنين. وقيل: بل مات سنة إحدى وخمسين، ودفن ببقيع الغرقد إلى جانب قبر أمه، وصلَّى عليه سعيد بن العاص، وكان أمير المدينة، قدَّمه الحسين، وقال: لولا أنَّها سُنَّة لما قدَّمتك، وقد كان وصى أن يدفن مع رسول الله ﷺ إن أذنت في ذلك عائشة فأذنت في ذلك، ومنع من ذلك مروان، وبنو أمية.\nوروى أبو عمر بإسناده إلى علي ﵁ قال: لما ولد الحسن جاءه رسول الله ﷺ فقال: أروني ابني، ما سميتموه؟ قلت: حربًا. قال: بل هو: حسن، فلما ولد الحسين، قال: أروني ابني، ما سميتموه؟، قلت: حربًا، قال: بل هو: حسين، فلما ولد الثالث، قال: أروني ابني، ما سميتموه؟ قلت: حربًا، قال: بل هو: محسِّن (١).\nوعقَّ\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٩٨ و١١٨)، والبزار (١٩٩٧)، والحاكم (٣/ ١٦٥)، وابن حبان (٦٩٥٨).","vol":"6","page":295},{"text":"[٢٣٣١] وعنه قَالَ: خَرَجتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي طَائِفَةٍ مِن\nــ\nالنبي ﷺ عن كل واحدٍ من الحسن والحسين يوم سابعه بكبش كبش، وأمر أن يحلق كل واحد منهما، وأن يتصدَّق بوزن شعرهما فضة (١). وقال علي ﵁: كان الحسين ﵁ أشبه الناس برسول الله ﷺ ما بين الصدر إلى الرأس، والحسن أشبه الناس للنبي ﷺ ما كان أسفل من ذلك (٢). وتواردت الآثار الصِّحاح عن النبي ﷺ أنه قال في الحسن: إن ابني هذا سيِّد، وعسى الله أن يبقيه حتى يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين (٣). ولا أسود ممن سوَّده رسول الله ﷺ، وشهد له بذلك، وكان حليمًا، ورِعًا، فاضلًا، دعاه ورعه وفضله إلى أن ترك المُلك والدنيا رغبة فيما عند الله. ومما يدلّ على صحة ذلك وعلى صدق النبي ﷺ، وصحة نبوته ما قد اشتهر من حال الحسن، وتواتر من قضيَّة خلافته، وإصلاحه بين المسلمين، وذلك: أنه لما قُتِل علي ﵁ بايعه أكثر من أربعين ألفًا، وكثير ممن تخلَّف عن أبيه، وممن نكث بيعته، فبقي نحو سبعة أشهر خليفة بالعراق، وما وراءها من خراسان، ثم سار إلى معاوية في أهل الحجاز والعراق، وما وراءها من خراسان، ثم سار إليه معاوية في أهل الشام، فلما تراءى الجمعان بموضع يقال له: مَسكَن، من أرض السواد بناحية الأنبار، كره الحسن القتال لعلمه أن إحدى الطائفتين لا تغلب حتى يهلكَ أكثر الأخرى، فيهلك المسلمون، فسلَّم الأمر لمعاوية على شروط شرطها عليه، منها: أن يكون الأمر له من بعد معاوية، فالتزم كل ذلك معاوية، واجتمع الناس على بيعته في النصف من جمادى الأولى من سنة إحدى وأربعين. هذا أصح ما قيل في ذلك، ولما فعل ذلك الحسن عتب عليه أصحابه، ولاموه على ذلك، حتى قال له بعض أصحابه: يا عار\n_________\n(١) رواه الحاكم (٤/ ٢٣٧)، والبيهقي (٩/ ٢٩٩ - ٣٠٠)، وأبو يعلى (٤٥٢١).\n(٢) رواه الترمذي (٣٧٧٩).\n(٣) رواه أحمد (٥/ ٤٩)، والبزار (٢٦٣٩)، والطبراني (٢٥٩١)، وابن حبان (٦٩٦٤).","vol":"6","page":296},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالمؤمنين! فقال: العار خير من النار. وقال له شيخ من أهل الكوفة يكنى أبا عامر لما قدمها: السلام عليك يا مُذِل المؤمنين، فقال له: لا تقل ذلك يا أبا عامر! فإني لم أذل المؤمنين، ولكني كرهت أن أقتلهم في طلب الملك، فقد ظهر ما قاله سيد المرسلين من أن الحسن سيِّد، وأن الله أصلح به بين فئتين من المسلمين، لكن خُشي من طول عمره فسُمَّ فمات من فوره، ونقل الثقات: أنه لما سُمَّ لفظ قطعًا من كبده، وحينئذ قال: لقد سُقيتُ السُّمَّ ثلاث مرات لم أسق مثل هذه المرة، فقال له الحسين: يا أخي من سقاك؟ قال: وما تريد إليه؟ أتريد أن تقتله؟ قال: نعم. قال: لئن كان الذي أظن، فالله أشد نقمة، ولئن كان غيره فما أحب أن يقتل بي بريء. ولما ورد البريد بموته على معاوية قال: يا عجبًا من الحسن شرب شربة من عسل بماء رومة فقضى نحبه.\nوأما الحسين ﵁، فكان فاضلًا، ديِّنًا، كثير الصوم، والصلاة، والحج، قال مصعب الزبيري: حجَّ الحسين خمسًا وعشرين حجَّة ماشيًا، وقد قال النبي ﷺ فيه وفي الحسن: إنهما سيِّدا شباب أهل الجنة (١). وقال: هما ريحانتاي من الدنيا (٢). وكان النبي ﷺ إذا رآهما هشَّ لهما، وربما أخذهما، كما روى أبو داود: أنهما دخلا المسجد وهو يخطب فقطع خطبته ونزل فأخذهما، وصعد بهما، وقال: رأيت هذين، فلم أصبر (٣). وكان يقول فيهما: اللهم إني أحبهما فأحبهما، وأحِبَّ من يحبهما (٤). وقتل ﵀، ولا رحم قاتله يوم الجمعة لعشر خلون من محرم سنة إحدى وستين بموضع يقال له: كربلاء، بقرب موضع يقال له: الطفُّ بقرب من الكوفة. قال أهلُ التواريخ: لما مات معاوية،\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٣)، والترمذي (٣٧٦٨).\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٨٥)، والبخاري (٣٧٥٣)، والترمذي (٣٧٧٠).\n(٣) رواه أبو داود (١١٠٩).\n(٤) رواه الترمذي (٣٧٦٩).","vol":"6","page":297},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوأفضت الخلافة إلى يزيد، وذلك في سنة ستين، وردت بيعته على الوليد بن عتبة بالمدينة ليأخذ البيعة على أهلها، أرسل إلى الحسين بن علي، وإلى عبد الله بن الزبير ليلًا فأُتي بهما فقال: بايعا. فقالا: مثلنا لا يبايع سرًّا، ولكنا نبايع على رؤوس الناس إذا أصبحنا، فرجعا إلى بيوتهما، وخرجا من ليلتهما إلى مكة، وذلك ليلة الأحد لليلتين بقيتا من رجب، فأقام الحسين بمكة شعبان ورمضان وشوال وذا القعدة، ثم خرج يوم التروية يريد الكوفة، فبعث عبيد الله بن زياد خيلًا لقتل الحسين، وأمَّر عليهم عمر بن سعد، فأدركه بكربلاء فقتل الحسين، وقتل معه من ولده وإخوته وأهل بيته ثلاثة وعشرون رجلًا، وسبي نساؤه، وذلك في يوم عاشوراء من السنة المذكورة. وكان من قضاء الله تعالى وتعجيل عقوبته لعبيد الله بن زياد: أن قتل يوم عاشوراء سنة سبع وستين. قتله إبراهيم بن الأشتر في الحرب، وبعث برأسه إلى المختار، وبعث به المختار إلى ابن الزبير، فبعث به إلى علي بن حسين.\nواختلف في سن الحسين يوم قتل. فقيل: سبع وخمسون. وقيل: ثمان. وقيل: أربع. وقال جعفر بن محمد: توفي علي بن أبي طالب وهو ابن ثمان وخمسين. وقتل الحسين وهو ابن ثمان وخمسين، وتوفي علي بن الحسين، وهو ابن ثمان وخمسين، وتوفي محمد بن علي، وهو ابن ثمان وخمسين. قال سفيان: قال لي جعفر بن محمد، وأنا بهذه السنة في ثمان وخمسين، وتوفي فيها، رحمة الله عليهم أجمعين.\nوروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: رأيت النبي ﷺ فيما يرى النائم نصف النهار، وهو قائم أشعث، أغبر، بيده قارورة فيها دم، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما هذا؟ قال: هذا دم الحسين، لم أزل ألقطه منذ اليوم، فوجد قد قتل في ذلك اليوم. وأما الحسن فكان سنَّه يوم مات ستًّا وأربعين سنة، وقيل: سبعًا وأربعين سنة (١). وروى الحسن عن النبي ﷺ[حديث\n_________\n(١) انظره في \"ذخائر العقبى\" للطبري ص (١٤٨).","vol":"6","page":298},{"text":"النَّهَارِ لَا يُكَلِّمُنِي وَلَا أُكَلِّمُهُ، حَتَّى جَاءَ سُوقَ بَنِي قَينُقَاعَ، ثُمَّ انصَرَفَ حَتَّى أَتَى خِبَاءَ فَاطِمَةَ فَقَالَ: أَثَمَّ لُكَعُ؟ أَثَمَّ لُكَعُ؟ حتى جاء - يَعنِي حَسَنًا -\nــ\nالدعاء في القنوت.\nو(قوله: إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة (١). وروى الحسين عن النبي ﷺ] (٢): من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه (٣).\nوقوله ﷺ في ابن صائد: اختلفتم وأنا بين أظهركم؟ فأنتم بعدي أشدُّ اختلافًا.\nو(قوله: حتى أتى خباء فاطمة) أي: بيتها، وأصل الخباء: ما يخبأ فيه، وقد صار بحكم العرف العربي عبارة عن بيوت الأعراب.\nو(قوله ﷺ للحسن: أثمَّ لُكَع؟) يعني به: الصغير، وهي لغة بني تميم، وسئل ابن جرير عن اللكع، فقال: هو الصغير في لغتنا، وأصل هذه الكلمة: أنها تستعمل للتحقير، والتجهيل، واللكع: العبد الوغد، والقليل العقل، ويقال للأنثى: لكعاء، ويعدل به في النداء إلى لكاع، وقد تقدم القول فيه. ويحتمل أن يكون النبي ﷺ مُمازحًا بذلك اللفظ، ومؤنسًا كما يقول الرجل لابنه الصغير: تعال يا كُليب، وكما قالت العربية لابنها وهي تُرَقِّصه: حُزُقَّة عين بقَّة (٤).\nوالسِّخاب: خيط فيه خرز ينظم، ويجعل في عنق الصبيان، والسِّخاب مأخوذ من السَّخَب، وهو اختلاط الأصوات، وارتفاعها، وكأن هذه الخرزات لها أصوات مختلفة عند احتكاك بعضها مع البعض، وقيل: السِّخاب من القلائد: ما اتخذ من القرنفل، والمسك، والعود وشبهه، دون الجوهر.\nوفيه من الفقه: المحافظة على النظافة، وعلى تحسين الصغار، وتزيينهم، وخصوصًا عند لقاء من يُعظم ويحترم.\n_________\n(١) رواه عبد الرزاق (٤٩٨٤)، والطبراني (٢٧٠٨)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٢٦٤).\n(٢) ما بين حاصرتين سقط من (ع).\n(٣) رواه الترمذي (٢٣١٧)، ومالك في الموطأ (٢/ ٩٠٣).\n(٤) في اللسان مادة (حزق). وفي كلامهم: (حُزُقَّةُ، حُزُفَّةْ، تَرَقَّ عين بَقَّهْ). الحزقة: الضعيف يقارب خطوه. تَرَقّ: بمعنى اصعد. عَيْنُ بَقَّة: كناية عن صغر العين.","vol":"6","page":299},{"text":"فَظَنَنَّا أَنَّهُ إِنَّمَا تَحبِسُهُ أُمُّهُ لِأَن تُغَسِّلَهُ وَتُلبِسَهُ سِخَابًا، فَلَم يَلبَث أَن جَاءَ يَسعَى، حَتَّى اعتَنَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا صَاحِبَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ، وَأَحب مَن يُحِبُّهُ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٣١)، والبخاريُّ (٢١٢٢)، ومسلم (٢٤٢١) (٥٧)، وابن ماجه (١٤٣).\n[٢٣٣٢] وعَن البَرَاءِ قَالَ: رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَاضِعًا الحَسَنَ بنَ عَلِيٍّ عَلَى عَاتِقِهِ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ.\nرواه أحمد (٤/ ٢٨٣ - ٢٨٤) و(٤/ ٢٩٢)، والبخاريُّ (٣٧٤٩)، ومسلم (٢٤٢٢) (٥٩)، والترمذي (٣٧٨٣).\nــ\nو(قوله: حتى اعتنق كل واحد منهما صاحبه) فيه ما يدل على تواضع النبي ﷺ ورحمته بالصغار، وإكرامه ومحبَّته للحسن، ولا خلاف - فيما أحسب - في جواز عناق الصِّغار كما فعل النبي ﷺ، وإنَّما اختلف في عناق الكبير في حالة السلام، وكرهه مالك، وأجازه سفيان بن عيينة، وغيره، واحتج سفيان على مالك في ذلك بعناق النبي ﷺ جعفرًا لما قَدِم عليه، فقال مالك: ذلك مخصوصٌ بجعفر. وقال سفيان: ما يخص جعفرًا يعمَّنا، فسكت مالك، ويدل سكوت مالك على أنه ظهر له ما قاله سفيان من جواز ذلك. قال القاضي عياض: وهو الحق حتى يدلّ دليل على تخصيص جعفر بذلك.\nوالعاتق: ما بين المنكب إلى العنق، وقيل: هو موضع الرداء من المنكب.\nوفيه من الفقه ما يدل على: جواز حمل الصِّبيان، وترك التعمُّق في التحفظ مما يكون منهم من المخاط والبول، وغير ذلك، فلا يجتنب من ذلك إلا ما ظهرت عينه، أو تحقق، أو تفاحش، وكان النبي ﷺ وأصحابه يعملون على مقتضى الحنيفية السَّمحة، فيمشون حفاة في الطِّين، ويجلسون بالأرض، وتكون عليهم الثياب الوسخة التي ليست بنجسة،","vol":"6","page":300},{"text":"[٢٣٣٣] وعن إِيَاسٌ، عَن أَبِيهِ قَالَ: لَقَد قُدتُ بِنَبِيِّ اللَّهِ ﷺ وَالحَسَنِ وَالحُسَينِ بَغلَتَهُ الشَّهبَاءَ حَتَّى أَدخَلتُهُم حُجرَةَ النَّبِيِّ ﷺ هَذَا قُدَّامَهُ، وَهَذَا خَلفَهُ.\nرواه مسلم (٢٤٢٣)، والترمذي (٢٧٧٥).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-877>(٤٢) باب فضائل أهل البيت - ﵃ </span>-\n[٢٣٣٤] عَن عَائِشَةَ قَالَت: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةٍ وَعَلَيهِ مِرطٌ مُرَحَّلٌ\nــ\nويلعقون أصابعهم، والقصعة عند الأكل، ولا يعيبون شيئًا من ذلك، ولا يتوسوسون فيه، وكل ذلك ردٌّ على غلاة متوسوسة الصوفية اليوم، فإنَّهم يبالغون في نظافة الظواهر والثياب، وبواطنهم وسخة خراب.\nو(قوله: لقد قدتُ برسول الله ﷺ والحسن والحسين بغلته) هذا يدل على جواز ركوب ثلاثة على دابة، لكن إذا لم يثقلوها، وقد روي عن علي وغيره: كراهة ذلك، وروي في ذلك نهي عن النبي ﷺ، لكن محله - والله تعالى أعلم - على ما إذا أثقلها وفَدَحها (١).\n(٤٢) ومن باب: فضائل أهل البيت\n(قوله: مرط مُرَحَّل) المرط: الكساء، وجمعه: مروط. والمرحَّل: يروى بالحاء يعني: فيه صور الرّحال، ويُروى بالجيم، أي: فيه صور الرجال، أو صور\n_________\n(١) \"فدحها\": أي أثقلها.","vol":"6","page":301},{"text":"مِن شَعَرٍ أَسوَدَ، فَجَاءَ الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ فَأَدخَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ الحُسَينُ فَدَخَلَ مَعَهُ، ثُمَّ جَاءَت فَاطِمَةُ فَأَدخَلَهَا، ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَأَدخَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أَهلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطهِيرًا﴾\nرواه مسلم (٢٤٢٤) (٦١).\n[٢٣٣٥] وعن يَزِيدُ بنُ حَيَّانَ قَالَ: انطَلَقتُ أَنَا وَحُصَينُ بنُ سَبرَةَ وَعُمَرُ بنُ مُسلِمٍ إِلَى زَيدِ بنِ أَرقَمَ، فَلَمَّا جَلَسنَا إِلَيهِ قَالَ لَهُ حُصَينٌ: لَقَد لَقِيتَ يَا زَيدُ خَيرًا كَثِيرًا؛ رَأَيتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَسَمِعتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوتَ مَعَهُ، وَصَلَّيتَ خَلفَهُ، لَقَد لَقِيتَ يَا زَيدُ خَيرًا كَثِيرًا، حَدِّثنَا يَا زَيدُ مَا سَمِعتَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ!\nــ\nالمراجل، وهي: القدور، يقال: ثوب مراجل، أو ثوب مرجَّل: هذا قولُ الشارحين.\nقلت: ويظهر لي أن المرجَّل هنا: يُراد به الممشوط خَمَلُه وزُبرُه (١). قال امرؤ القيس:\nخَرَجتُ بها أمشي (٢) تَجُرُّ وراءَنا ... على أثَرَينا ذَيلَ مِرطٍ مُرحَّل\nوهذا أولى، لأنَّ النبي ﷺ كيف يلبس الثوب الذي فيه صور الرِّجال، مع أنه قد نهى عن الصور، وهتك السِّتر الذي كانت فيه، وغضب عند رؤيته، كما تقدَّم في اللباس.\nوقراءة النبي ﷺ هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أَهلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطهِيرًا﴾ دليل على: أن أهل البيت المعنيون (٣) في\n_________\n(١) \"الزُّبر\": الشعر المجتمع للفحل وغيره.\n(٢) في (ز): خرجتَ بها تمشي. . . مُرجَّلِ.\n(٣) كذا في كل النسخ.","vol":"6","page":302},{"text":"قَالَ: يَا ابنَ أَخِي وَاللَّهِ لَقَد كَبِرَت سِنِّي، وَقَدُمَ عَهدِي، وَنَسِيتُ بَعضَ الَّذِي كُنتُ أَعِي مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَمَا حَدَّثتُكُم فَاقبَلُوا، وَمَا لَا فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَومًا فِينَا خَطِيبًا بِمَاءٍ يُدعَى خُمًّا بَينَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثنَى عَلَيهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعدُ أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ! فِإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَن يَأتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُم ثَقَلَينِ أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ،\nــ\nالآية: هم المغطون بذلك المرط في ذلك الوقت. والرجس: اسم لكل ما يستقذر، قاله الأزهري. والمراد بالرجس الذي أُذهب عن أهل البيت: هو مستخبث الخلق المذمومة، والأحوال الركيكة، وطهارتهم: عبارة عن تجنبهم ذلك، واتصافهم بالأخلاق الكريمة، والأحوال الشريفة.\nو(قوله: قام فينا رسول الله - ﷺ - خطيبًا بماء يدعى خُمًّا) هو بضم الخاء المعجمة، وهو موضع معروف، وهو الذي أكثرت الشيعة وأهل الأهواء فيه من الكذب على رسول الله ﷺ في استخلافه عليًّا، ووصيته إياه، ولم يصح من ذلك كله شيء إلا هذا الحديث.\nو(قوله: وأنا تارك فيكم ثقلين) يعني: كتاب الله، وأهل بيته. قال ثعلب. سَمَّاهما ثقلين، لأنَّ الأخذ بهما، والعمل بهما ثقيل، والعرب تقول لكل شيء خطير نفيس: ثقيل.\nقلت: وذلك لحرمة الشيء النَّفيس، [وصعوبة روم الوصول إليه، فكأنه ﷺ إنما سمَّى كتاب الله، وأهل بيته: ثقلين لنفاستهما، وعظم حرمتهما] (١)، وصعوبة القيام بحقهما.\nو(قوله في كتاب الله: هو حبل الله) أي: عهد الله الذي عهده لعباده،\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).","vol":"6","page":303},{"text":"وَاستَمسِكُوا بِهِ فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَهلُ بَيتِي، أُذَكِّرُكُم اللَّهَ فِي أَهلِ بَيتِي، أُذَكِّرُكُم اللَّهَ فِي أَهلِ بَيتِي، أُذَكِّرُكُم اللَّهَ فِي أَهلِ بَيتِي، فَقَالَ لَهُ حُصَينٌ: وَمَن أَهلُ بَيتِهِ يَا زَيدُ؟ أَلَيسَ نِسَاؤُهُ مِن أَهلِ بَيتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِن أَهلِ بَيتِهِ، وَلَكِن أَهلُ بَيتِهِ مَن حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعدَهُ، قَالَ: وَمَن هُم؟ قَالَ: هُم آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَم.\nــ\nوسببه القوي الذي من تمسك به وصل إلى مقصوده، وقد ذكر هذا المعنى بأشبع من هذا فيما تقدَّم.\nو(قوله: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي - ثلاثا -، هذه الوصية، وهذا التأكيد العظيم يقتضي: وجوب احترام آل (١) النبي ﷺ وأهل بيته، وإبرارهم، وتوقيرهم، ومحبتهم وجوب الفروض المؤكدة التي لا عذر لأحد في التخلف عنها. هذا مع ما علم من خصوصيتهم بالنبي ﷺ وبأنَّهم جزء منه، فإنَّهم أصوله التي نشأ منها، وفروعه التي تنشأ عنه، كما قال ﷺ: فاطمة بضعة مني يريبني ما يريبها (٢)، ومع ذلك فقابل بنو أمية عظيم هذه الحقوق بالمخالفة والعقوق، فسفكوا من أهل البيت دماءهم، وسبوا نساءهم، وأسروا صغارهم، وخرَّبوا ديارهم، وجحدوا شرفهم، وفضلهم، واستباحوا سَبَّهم، ولَعنَهم، فخالفوا رسول الله ﷺ في وصيته، وقابلوه بنقيض مقصوده وأمنيته، فواخجلهم إذا وقفوا بين يديه! ويا فضيحتهم يوم يعرضون عليه!\nو(قوله: من أهل بيته؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟) هذا سؤال من تمسك\n_________\n(١) ليست في (ز).\n(٢) رواه أحمد (٤/ ٣٢٨)، والبخاري (٥٢٧٨)، ومسلم (٢٤٤٩) (٩٣)، وأبو داود (٢٥٧١)، والترمذي (٣٨٦٧)، وابن ماجه (١٩٩٨).","vol":"6","page":304},{"text":"وفي رواية: كِتَابُ اللَّهِ هُوَ حَبلُ اللَّهِ، مَن اتَّبَعَهُ كَانَ عَلَى الهُدَى، وَمَن تَرَكَهُ كَانَ عَلَى ضَلَالَةٍ، وَفِيها فَقُلنَا: ومَن أَهلُ بَيتِهِ؟ نِسَاؤُهُ؟ قَالَ: لَا وَايمُ اللَّهِ، إِنَّ المَرأَةَ تَكُونُ مَعَ الرَّجُلِ العَصرَ مِن الدَّهرِ، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا فَتَرجِعُ إِلَى أَبِيهَا وَقَومِهَا، أَهلُ بَيتِهِ أَصلُهُ وَعَصَبَتُهُ الَّذِينَ حُرِمُوا الصَّدَقَةَ بَعدَهُ.\nرواه أحمد (٣/ ١٤ و١٧)، ومسلم (٢٤٠٨) (٣٦ و٣٧).\n* * *\nــ\nبظاهر لفظ البيت، فإنَّ الزوجة: هي أصل بيت الرجل، إذ هي التي تعمره، وتلازمه، وتقوم بمصالحه، وكذلك إجابة زيد بأن قال: نساؤه من أهل بيته، أي: بيته المحسوس، وليس هو المراد هنا، ولذلك قال في الرواية الأخرى في جواب السائل: لا! أي: ليس نساؤه من أهل بيته، المعنى هنا: لكن هم أصله وعصبته، ثم عيَّنهم بأنهم: هم الذين حرموا الصدقة، أي الذين تحرم عليهم الصدقات الشرعية على الخلاف الذي ذكرناه في كتاب: الزكاة، وقد عينهم زيد تعيينًا يرتفع معه الإشكال، فقال: هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس ﵃، فقيل له: أكلَّ هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم. وقد ذهب بعض المتأولين البيت في هذا اللفظ إلى أن مراد زيد به: الذين منعهم خلفاء بني أمية صدقة النبي ﷺ بما كان خصَّه الله تعالى به التي كانت تقسم عليهم أيام الخلفاء الأربعة. وهذا فيه بُعد، فالأول أظهر.\n* * *","vol":"6","page":305},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-878>(٤٣) باب فضائل زيد بن حارثة وأسامة بن زيد</span>\n[٢٣٣٦] عَن ابن عمر أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا كُنَّا نَدعُو زَيدَ بنَ حَارِثَةَ إِلَّا زَيدَ بنَ مُحَمَّدٍ، حَتَّى نَزَلَ فِي القُرآنِ: ﴿ادعُوهُم لآبَائِهِم هُوَ أَقسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾\nــ\n(٤٣) ومن باب: فضائل زيد بن حارثة بن شرحبيل بن كعب الكلبي مولى رسول الله ﷺ\nويكنى: أبا أسامة بابنه أسامة بن زيد، وكان أصابه سباءٌ في الجاهلية فاشتراه حكيم بن حزام لخديجة بنت خويلد ﵂، فوهبته للنبي ﷺ، وذلك قبل النبوَّة بمكة، وزيد ابن ثماني سنين، فأعتقه، وتبناه النبي ﷺ فكان يطوف به على حلق قريش ويقول: هذا ابني وارثًا، وموروثًا (١) - يُشهدهم على ذلك -. وذكر عن الزهري: أنَّه قال: ما علمت أحدًا أسلم قبل زيد. وروي عن الزهري من وجوه: أن أوَّل من أسلم خديجة. وقُتِل زيد بمؤتة من أرض الشام سنة ثمان من الهجرة، وكان النبي ﷺ أمَّره في تلك الغزاة، وقال: إن قُتِل زيدٌ فجعفر، فإنَّ قُتِل جعفر فعبد الله بن رواحة (٢) فقُتِل الثلاثة في تلك الغزاة، ولما أتى رسول الله ﷺ نعي زيد، وجعفر بكى، وقال: أخواي، ومؤنساي، ومحدثاي (٣).\nو(قوله: ما كنَّا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد ابن محمَّد) كان التبنِّي معمولًا به في الجاهلية والإسلام، يُتوارث به، ويُتناصر، إلى أن نسخ الله ذلك كله بقوله: ﴿ادعُوهُم لآبَائِهِم هُوَ أَقسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ أي: أعدلُ. فرفع الله تعالى\n_________\n(١) انظر: الإصابة (٣/ ٢٥).\n(٢) رواه أبو داود (٢٦٢٧).\n(٣) ذكره ابن الأثير في الاستيعاب (٢/ ٢٨٤).","vol":"6","page":306},{"text":"رواه أحمد (٢/ ٧٧)، والبخاريُّ (٤٧٨٢)، ومسلم (٢٤٢٥)، والترمذي (٣٢٠٩).\nــ\nحكم التبني، ومنع من إطلاق لفظه، وأرشد بقوله إلى الأولى والأعدل أن يُنسب الرَّجل إلى أبيه نسبًا، ولو نسب إلى أبيه من التبني، فإنَّ كان على جهة الخطأ - وهو أن يسبق اللسان إلى ذلك من غير قصد - فلا إثم، ولا مؤاخذة، لقوله تعالى: ﴿وَلَيسَ عَلَيكُم جُنَاحٌ فِيمَا أَخطَأتُم بِهِ﴾، أي: لا إثم فيه، ولا يجري هذا المجرى إطلاق ما غلب عليه اسم التبني، كالحال في المقداد بن عمرو، فإنَّه قد غلب عليه نسب التبني، فلا يكاد يعرف إلا بالمقداد بن الأسود، فإنَّ الأسود بن عبد يغوث كان قد تبناه في الجاهلية، وعرف به، فلما نزلت الآية قال المقداد: أنا ابن عمرو، ومع ذلك فبقي ذلك الإطلاق عليه، ولم يسمع فيمن مضى من عصَّى (١) مُطلِق ذلك عليه، وإن كان متعمدًا. وليس (٢) كذلك الحال في زيد بن حارثة، فإنَّه لا يجوز أن يقال فيه: زيد بن محمَّد، فإن قاله أحدٌ متعمِّدًا عَصَى، لقوله تعالى: ﴿وَلَكِن مَا تَعَمَّدَت قُلُوبُكُم﴾ أي: فعليكم فيه الجناح. والله تعالى أعلم. ولذلك قال بعده: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي: غفورًا للعمد ورحيمًا برفع إثم الخطأ.\nومعنى قوله تعالى: ﴿ادعُوهُم لآبَائِهِم﴾ أي: انسبوهم إليهم، ولذلك عدَّاه باللام، ولو كان الدُّعاء بمعنى: النداء لعدَّاه بالباء.\nوقوله: ﴿فَإِن لَم تَعلَمُوا آبَاءَهُم فَإِخوَانُكُم فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُم﴾ فانسبوهم إليكم نسبة الأخوة الدينية التي قال الله فيها: ﴿إِنَّمَا المُؤمِنُونَ إِخوَةٌ﴾ والمولويَّة التي قال فيها: ﴿وَالمُؤمِنُونَ وَالمُؤمِنَاتُ بَعضُهُم أَولِيَاءُ بَعضٍ﴾ وقد تقدَّم: أنَّه يقال: مولى على المُعتِق، والمُعتَق، وابن العم، والناصر.\n_________\n(١) \"عصى\": اعتبره عاصيًا لله.\n(٢) ساقطة من (ع) و(م ٤).","vol":"6","page":307},{"text":"[٢٣٣٧] وعنه قال: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعثًا، وَأَمَّرَ عَلَيهِم أُسَامَةَ بنَ زَيدٍ، فَطَعَنَ النَّاسُ فِي إِمرَتِهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِن تَطعَنُوا فِي إِمرَتِهِ فَقَد كُنتُم تَطعَنُونَ فِي إِمرَةِ أَبِيهِ مِن قَبلُ، وَايمُ اللَّهِ! إِن كَانَ لَخَلِيقًا\nــ\nو(قوله: بعث رسول الله ﷺ بعثًا، وأمَّر عليهم أسامة بن زيد - ﵄ - هذا البعث - والله تعالى أعلم - هو الذي جهَّزه رسول الله ﷺ مع أسامة، وأمره عليهم، وأمره أن يغزو أُبنى، وهي القرية التي هي عند مؤتة - الموضع الذي قتل فيه زيد أبو أسامة -، فأمره أن يأخذ بثأر أبيه. وطعن من في قلبه ريبٌ في إمارته، من حيث: إنه من الموالي، ومن حيث: إنه كان صغير السِّن، لأنَّه كان إذ ذاك ابن ثماني عشرة سنة، فمات النبي ﷺ وقد برز هذا البعث عن المدينة، ولم ينفصل بعد عنها، فنفَّذَه أبو بكر ﵁ بعد موت رسول الله ﷺ.\nو(قوله: إن تطعنوا في إمرته، فقد كنتم طعنتم في إمرة أبيه قبل) هذا خطاب منه ﷺ لمن وقع له ذلك الطعن، لكنه على كريم خلقه لم يعيِّنهم سترًا لهم، إذ مَعتبتُه كانت كذلك، كما تقدَّم، وكان الطعن في إمارة زيد من حيث إنه كان مولًى، فشهد النبي ﷺ لأسامة وأبيه - ﵄ - بأنَّهما صالحان للإمارة، لما يعلم من أهليتهما لها، وأن كونهما موليين لا يغضُّ من مناصبهما، ولا يقدح في أهليتهما للإمارة.\nولا خلاف أعلم في جواز المولى والمفضول، وقد تقدَّم القول في استخلاف المفضول.\nوالإمرة رويناها بالكسر بمعنى: الولاية، وقال أبو عبيد: يُقال: لك عليَّ أمرةٌ مطاعة - بفتح الهمزة -، وكذلك حكاه القتبي، وهي واحدة الأمر.\nقلت: وهذا على قياس: جَلسة، وجِلسة - بالفتح للمصدر والكسر للهيئة -.\nوالخليق، والحريُّ، والقَمِنُ، والحقيقُ: كلُّها بمعنى واحد.","vol":"6","page":308},{"text":"لِلإِمرَةِ، وَإِن كَانَ لَمِن أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَإِنَّ هَذَا لَمِن أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعدَهُ.\nــ\nو(قوله: وإن كان لمن أحبِّ الناس إليَّ) إن عند البصريين مخففة من الثقيلة، واللام الداخلة بعدها هي المفرقة بين إن المخففة وبين إن الشرطية. وعند الكوفيين: إن نافية، واللام بمعنى: إلا. وهذا نحو قوله (١):\nشَلَّت (٢) يَمِينُك إن قَتَلتَ لَمُسلِمًا ... حَلَّت عَلَيك عقوبةُ المُتَعَمِّدِ\nتقديرها عند البصريين: إنك قتلت مسلمًا. وعند الكوفيين: ما قتلت إلا مسلمًا.\nوهذا من رسول الله ﷺ خبر عن محبته [لزيد ﵁، ثمَّ أخبر عن محبته] (٣) لأسامة فقال: وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده. فكان أسامة الحبُّ ابن الحبِّ. وبذلك كان يُدعى. ورضي الله عن عمر بن الخطاب، لقد قام بالحق، وعرفَه لأهله، وذلك: أنَّه فرض لأسامةَ في العطاء خمسة آلاف، ولابنه عبد الله ألفين. فقال له عبد الله: فضلت عليَّ أسامة، وقد شهدت ما لم يشهد؟ ! فقال ﵁: إن أسامة كان أحب إلى رسول الله ﷺ منك، وأبوه كان أحب إلى رسول الله ﷺ من أبيك. ففضل محبوب رسول الله ﷺ على محبوبه، وهكذا يجب أن يحب ما أحب رسول الله ﷺ ويبغض ما أبغض، وقد قابل مروان هذا الحب الواجب بنقيضه، وذلك: أنَّه مرَّ بأسامة بن زيد وهو يصلي عند باب بيت رسول الله ﷺ، فقال له مروان: إنَّما أردت أن يُرى مكانك فقد رأينا مكانك، فعل الله بك وفعل - قولًا قبيحًا - فقال له أسامة: إنَّك آذيتني، وإنَّك فاحش متفحش،\n_________\n(١) البيت لعاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل القرشية العدوية، ترثي زوجها الزبير بن العَوَّام ﵁، وتدعو على عمرو بن جرموز قاتله.\n(٢) شلَّت: بفتح الشين، وأصل الفعل شلِلَت، ومن يقوله بضم الشين فقد أخطأ.\n(٣) ما بين حاصرتين ساقط من (م ٤).","vol":"6","page":309},{"text":"زاد في أخرى: فأوصيكم به فإنه من صالحيكم.\nرواه أحمد (٢/ ١١٠)، والبخاريُّ (٦٦٢٧)، ومسلم (٢٤٢٦) (٦٣ و٦٤)، والترمذيُّ بإثر حديث (٣٨١٦).\n* * *\nــ\nوإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله يبغض الفاحش المتفحش (١). فانظر ما بين الفعلين، وقس ما بين الرَّجلين، فلقد آذى بنو أمية رسول الله ﷺ في أحبابه، وناقضوه في مَحابِّه.\nتنبيه: روى موسى بن عقبة عن سالم، عن ابن عمر - ﵄ -: أن رسول الله ﷺ قال: أحبُّ الناس إليَّ أسامة فما حاشا فاطمة ولا غيرها. وهذا يعارضه ما تقدَّم من قوله ﷺ إن أحبَّ الناس إليه عائشة، ومن الرِّجال أبوها (٢)، ويرتفع التعارض من وجهين:\nأحدهما: أن الأحاديث الصحيحة المشهورة إنما جاءت في حبِّه لأسامة بـ من التي للتبعيض، كما قد نصَّ عليه بقوله ﷺ: إنه لمن أحب الناس إلي.\nوقد رواه هشام بن عروة، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال: إن أسامة بن زيد أحب الناس إليَّ أو من أحب الناس إلي (٣) فعلى هذا يحتمل أن يكون النبي ﷺ قال: إن من أحب الناس إلي أسامة فأسقطها بعض الرواة.\nوالوجه الثاني: على تسليم أن صحيح الرواية بغير من فيرتفع التعارض بأن كل واحد من هؤلاء أحب بالنسبة إلى عالمه.\nوبيان ذلك: أنه ﷺ ما كان يحب هؤلاء من حيث الصورة الظاهرة، فإنَّ أسامة كان أسود أفطس، وإنَّما كان يحبهم من حيث المعاني، والخصائص التي كانوا موصوفين بها.\nفكان أبو بكر - رضي الله\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٢٠٢)، وابن حبان (٥٦٩٤) الإحسان.\n(٢) تقدم تخريجه في التلخيص برقم (٢٧٠٢).\n(٣) ذكره ابن الأثير في \"أسد الغابة\" (١/ ٧٩) عن ابن عمر.","vol":"6","page":310},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-879>(٤٤) باب فضائل عبد الله بن جعفر</span>\n[٢٣٣٨] عَن مُوَرِّقٍ العِجلِيِّ، عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ جَعفَرٍ قَالَ: كَانَ\nــ\nعنه - أحب إليه من حيث إنه كان له من أهلية النيابة عنه، والخلافة في أمته ما لم يكن لغيره.\nوكانت عائشة - ﵂ - أحب النساء إليه من حيث إن لها من العلم والفضيلة ما استحقت به أن تفضل على سائر النساء، كما فضل الثريد على سائر الطعام.\nوكان أسامة ﵁ أيضًا أحب إليه من حيث إنه كان قد خص بفضائل ومناقب استحق بها أن يكون أحب الموالي إليه، فإنَّه أفضلهم وأجلهم، ولذلك قال ﷺ: أوصيكم به خيرًا، فإنَّه من صالحيكم فأكد الوصية به، ونبَّه على الموجب لذلك، وهو ما يعلمه من صلاحه وفضله، وقد ظهر ذلك عليه، فإنَّه لم يدخل في شيء من الفتن فسلَّمه الله تعالى من تلك المحن، إلى أن توفي في خلافة معاوية سنة سبع وخمسين، وقيل: سنة أربع وخمسين ﵁.\n(٤٤) ومن باب: فضائل عبد الله بن جعفر بن أبي طالب - ﵄ -\nيكنى: أبا جعفر، وأمه: أسماء بنت عميس، ولدته بأرض الحبشة، وهو أول مولود من المسلمين وُلد بها، وتوفي بالمدينة سنة ثمانين، وهو ابن تسعين سنة، وكان عبد الله كريمًا جوادًا، طريفًا، حليمًا، عفيفًا، سخيًّا، يُسمَّى: بحر الجود. يقال: إنه لم يكن في الإسلام أسخى منه، وعوتب في ذلك فقال: إن الله عوَّدني عادة، وعوَّدت الناسَ عادة، وأنا أخاف إن قطعتها قُطِعَت عني. وأخباره في الجود شهيرة، وفضائله كثيرة، وجملة ما روى عن رسول الله ﷺ خمسة وعشرون حديثًا. أخرج له منها في الصحيحين حديثان.","vol":"6","page":311},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَدِمَ مِن سَفَرٍ تُلُقِّيَ بِصِبيَانِ أَهلِ بَيتِهِ قَالَ: وَإِنَّهُ قَدِمَ مِن سَفَرٍ فَسُبِقَ بِي إِلَيهِ، فَحَمَلَنِي بَينَ يَدَيهِ، ثُمَّ جِيءَ بِأَحَدِ ابنَي فَاطِمَةَ، فَأَردَفَهُ خَلفَهُ، قَالَ: فَأُدخِلنَا المَدِينَةَ ثَلَاثَةً عَلَى دَابَّةٍ.\nرواه أحمد (٤/ ٥)، ومسلم (٢٤٢٨) (٦٦ و٦٧)، وأبو داود (٢٥٦٦)، وابن ماجه (٣٧٧٣).\n[٢٣٣٩] وعنه قال: أَردَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَومٍ خَلفَهُ فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا لَا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا مِن النَّاسِ.\nرواه مسلم (٢٤٢٩) (٦٨)، وأبو داود (٢٥٢٩).\n* * *\nــ\nو(قوله: كان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفر تُلُقِّيَ بصبيان أهل بيته) إنما كانوا يتلقونه بصبيان بيته لما يعلمونه من محبته لهم، ومن تعلق قلبه بهم، ولفرط فرح الصغار برؤيته، ولتنالهم بوادر بركته.\nو(قوله: فَسُبِق بي إليه، فحملني بين يديه) يدل على: أن عبد الله بن جعفر من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرًا، ويدل على محبة النبي ﷺ لعبد الله بن جعفر وعلى شدة تهممه به، وإكرامه له، وكان ﷺ يخصُّ ولد جعفر بزيادة احترام وإكرام جَبرًا لهم، وشفقة عليهم، إذ كان أبوهم جعفر قتل بمؤتة شهيدًا ﵁، وقد تقدَّم القول على ركوب ثلاثة على دابة.\nو(قوله: أردفني رسول الله ﷺ خلفه ذات يوم فأسرَّ إلي حديثًا لا أحدث به أحدًا) دليل على علو مكانته عند النبي ﷺ وكمال فضله، وأهليته لأن يتخذه النبي ﷺ موضع سرِّه، وهذه أهلية شريفة، وفضيلة منيفة.","vol":"6","page":312},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-880>(٤٥) باب فضائل خديجة بنت خويلد</span>\n[٢٣٤٠] عن علي قال: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: خَيرُ نِسَائِهَا مَريَمُ بِنتُ عِمرَانَ، وَخَيرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بِنتُ خُوَيلِدٍ.\nرواه البخاريُّ (٣٨١٥)، ومسلم (٢٤٣٠)، والترمذيّ (٣٨٧٧).\nــ\n(٤٥) ومن باب: فضائل خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشية الأسدية - ﵂ -\nكانت تُدعى في الجاهلية: الطاهرة، تزوَّجها رسول الله ﷺ قبل النبوة ثيبًا بعد زوجين: أبي هالة، هند بن النباش التميمي، فولدت له هندًا، وعتيق بن عائذ المخزومي، ثم تزوَّجها رسول الله ﷺ وهي بنت أربعين سنة، وأقامت معه أربعًا وعشرين سنة، وتوفيت وهي بنت أربع وستين سنة وستة أشهر، وكان رسول الله ﷺ إذ تزوج خديجة ابن إحدى وعشرين سنة. وقيل: ابن خمس وعشرين سنة وهو الأكثر. وقيل: ابن ثلاثين. وأجمع أهل النقل: أنها ولدت له أربع بنات كلهن أدركن الإسلام، وأسلمن، وهاجرن: زينب، وفاطمة، ورقية، وأم كلثوم. وأجمعوا أنها ولدت له ابنًا يُسمَّى: القاسم، وبه كان يكنى، واختلفوا هل ولدت له ذكرًا غير القاسم؟ فقيل: لم تلد له ذكرًا غيره. وقيل: ولدت له ثلاثة ذكور: عبد الله، والطيب، والطاهر. وقيل: بل ولدت له: عبد الله، والطيب والطاهر اسمان له. والخلاف في ذلك كثير، والله تعالى أعلم.\nومات القاسم بمكة صغيرًا. قيل: إنه بلغ إلى أن مشى، وقيل: لم يعش إلا أيامًا يسيرة، ولم يكن للنبي ﷺ ولد من غير خديجة إلا إبراهيم، ولدته مارية القبطية بالمدينة، وبها توفي وهو رضيع، ومات بنات النبي ﷺ كلهن قبل موته إلا فاطمة، فإنَّها توفيت بعده بستة أشهر.\nوكانت خديجة - ﵂ - امرأة شريفة عاقلة فاضلة حازمة ذات","vol":"6","page":313},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمال، وقد تقدَّم أنها أول من آمن بالنبي ﷺ، وأنه ﷺ نُبِّئ يوم الإثنين فصلت آخر ذلك اليوم. وكانت عونًا للنبي ﷺ على حاله كله، وردءًا له تثبِّتُه على أمره، وتصدقه فيما يقوله، وتصبِّره على ما يلقى من قومه من الأذى والتكذيب، وسلَّم عليها جبريل ﵇ وبشرها بالجنة.\nوروي من طرق صحيحة أنه ﷺ قال فيما رواه عنه أبو هريرة ﵁: خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية ابنة مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة - ﵅ - (١).\nومن حديث ابن عباس - ﵄ - عن النبي ﷺ: أفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون (٢).\nوفي طريق آخر عنه: سيدة نساء أهل الجنة بعد مريم: فاطمة وخديجة (٣). وكان النبي ﷺ يحبها ويقول: رزقت حبها (٤). ولم يتزوج عليها إلى أن ماتت. قيل: كانت وفاتها قبل مهاجر النبي ﷺ إلى المدينة بسبع سنين. وقيل: بخمس سنين. وقيل: بأربع. وقيل: بثلاث، وهو أصحها، وأشهرها - إن شاء الله تعالى - وتوفيت هي وأبو طالب - عم رسول الله ﷺ في سنة واحدة. قيل: كان بينهما ثلاثة أيام، وتوفيت في رمضان، ودفنت بالحجون.\nو(قوله: خير نسائها: مريم ابنة عمران) هذا الضمير عائد على غير مذكور، لكنه تفسره الحال والمشاهدة، يعني به: الدنيا، وفي رواية: وأشار وكيع\n_________\n(١) رواه ابن حبان (٢٢٢٢/ موارد)، وأحمد في فضائل الصحابة (١٣٢٥)، والترمذي (٣٨٨٨) من حديث أنس.\n(٢) رواه أحمد (١/ ٢٩٣)، والحاكم (٣/ ١٦٠)، وانظر الهيثمي في المجمع (٩/ ٢٢٣).\n(٣) كذا ورد في الأصول: (سيدة) بالإفراد، وذكر بعد مريم: فاطمة وخديجة. وفي سير أعلام النبلاء للذهبي (٢/ ١١٧)، والاستيعاب على هامش الإصابة (٤/ ٢٨٦) وَرَد ذِكْر ثالثة هي: امرأة فرعون.\n(٤) انظر: صحيح مسلم (٢٤٣٠) (٦٩).","vol":"6","page":314},{"text":"[٢٣٤١] وعن أبي هُرَيرَةَ قَالَ: أَتَى جِبرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَد أَتَتكَ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَو طَعَامٌ أَو شَرَابٌ،\nــ\nإلى السماء والأرض - يريد الدُّنيا - كأنه يفسر ذلك الضمير، فكأنه قال: خير نساء الدنيا: مريم بنت عمران. وهذا نحو حديث ابن عباس المتقدِّم، الذي قال فيه: خير نساء العالمين: مريم. ويشهد لهذه الأحاديث في تفضيل مريم: قول الله تعالى حكاية عن قول الملائكة لها: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ العَالَمِينَ﴾\nفظاهر القرآن والأحاديث يقتضي: أن مريم أفضل من جميع نساء العالم، من حواء إلى آخر امرأة تقوم عليها الساعة، ويعتضد هذا الظاهر: بأنها صديقة ونبية بلَّغتها الملائكةُ الوحي عن الله تعالى بالتكليف، والإخبار، والبشارة، وغير ذلك، كما بلَّغته سائر الأنبياء، فهي إذًا نبيَّة، وهذا أولى من قول من قال: إنها غير نبيَّة، وإذا ثبت ذلك، ولم يسمع في الصحيح أن في النساء نبية غيرها فهي أفضل من كل النساء الأولين والآخرين، إذ النبي أفضل من الولي بالإجماع، وعلى هذا فهي أفضل مطلقًا، ثم بعدها في الفضيلة فاطمة، ثم خديجة، ثم آسية، وكذلك رواه موسى بن عقبة عن كريب عن ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله ﷺ: سيدة نساء العالمين: مريم، وفاطمة، ثم خديجة، ثم آسية (١) وهذا حديث حسن، رافع لإشكال هذه الأحاديث، فأمَّا من يرى: أن مريم صديقة وليست بنبيَّة فلهم في تأويل هذه الأحاديث طريقان:\nأحدهما: أن معناها أن كل واحدة من أولئك النساء الأربع خير عالم زمانها، وسيدة وقتها.\nوثانيهما: أن هؤلاء النسوة الأربع هن أفضل نساء العالم، وإن كنَّ في\n_________\n(١) رواه الطبراني في الأوسط والكبير بنحوه. انظر: مجمع الزوائد (٩/ ٢٠١).","vol":"6","page":315},{"text":"فَإِذَا هِيَ أَتَتكَ فَاقرَأ ﵍ مِن رَبِّهَا ﷿ وَمِنِّي، وَبَشِّرهَا بِبَيتٍ فِي الجَنَّةِ مِن قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ.\nرواه البخاري (٣٨٢٠)، ومسلم (٢٤٣٢).\n[٢٣٤٢] وعن عَبدِ اللَّهِ بنِ أَبِي أَوفَى، عن النبي ﷺ: أنه بَشَّرَ خَدِيجَةَ بِبَيتٍ فِي الجَنَّةِ مِن قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ.\nرواه البخاريُّ (٣٨١٩)، ومسلم (٢٤٣٣).\nــ\nأنفسهن على مزايا متفاوتة، ورتب متفاضلة، وما ذكرناه: أوضح وأسلم. والله أعلم.\nو(قوله: بشر خديجة ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه، ولا نصب) قال الهروي وغيره: القصب - هنا -: اللؤلؤ المجوَّف المستطيل، والبيت: هو القصر.\nقلت: وهذا نحو قوله ﷺ في الحديث الآخر: إن في الجنة لخيمة من لؤلؤة مجوَّفة عرضها ستون ميلًا (١)، [وفي لفظ آخر: من درَّة بيضاء طولها ستون ميلًا] (٢) وسيأتي - إن شاء الله تعالى -. والصخب: اختلاط الأصوات، ويقال: بالسين والصاد، والنصب: التعب والمشقة. ويقال: نُصبٌ، ونَصَبٌ، كحُزن وحَزَن، أي: لا يصيبها ذلك، لأنَّ الجنة منزهة عن ذلك، كما قال تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُم فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِنهَا بِمُخرَجِينَ﴾ وقيل: معناه أن هذا البيت خالص لها، لا تنازع فيه فيصخب عليها فيه، وذلك من فضل الله تعالى عليها لا بنصبها في العبادة، ولا اجتهادها في ذلك.\nوإبلاغ الملك لها: أن الله يقرأ ﵍، فضيلة عظيمة، وخصوصية شريفة لم يُسمع بمثلها لمن ليس بنبي إلا لعائشة - ﵂ - على ما يأتي.\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ٤١١)، والبخاري (٤٨٧٩)، ومسلم (٢٨٤٨) (٢٤).\n(٢) ما بين حاصرتين سقط من (ز).","vol":"6","page":316},{"text":"[٢٣٤٣] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: مَا غِرتُ عَلَى امرَأَةٍ مَا غِرتُ عَلَى خَدِيجَةَ، وَلَقَد هَلَكَت قَبلَ أَن يَتَزَوَّجَنِي بِثَلَاثِ سِنِينَ لِمَا كُنتُ أَسمَعُهُ يَذكُرُهَا، وَلَقَد أَمَرَهُ رَبُّهُ ﷿ أَن يُبَشِّرَهَا بِبَيتٍ مِن قَصَبٍ فِي الجَنَّةِ، وَإِن كَانَ لَيَذبَحُ الشَّاة، ثُمَّ يُهدِيهَا إِلَى خَلَائِلِهَا.\nزاد في أخرى: قَالَت عائشة: فَأَغضَبتُهُ يَومًا فَقُلتُ: خَدِيجَةَ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنِّي رُزِقتُ حُبَّهَا.\nرواه أحمد (٦/ ٢٧٩)، والبخاريُّ (٣٨١٦)، ومسلم (٢٤٣٥) (٧٤ و٧٥)، والترمذيُّ (٣٨٨٥ و٣٨٨٦)، وابن ماجه (١٩٩٧).\n[٢٣٤٤] وعنها قالت: استَأذَنَت هَالَةُ بِنتُ خُوَيلِدٍ أُختُ خَدِيجَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَعَرَفَ استِئذَانَ خَدِيجَةَ، فَارتَاحَ لِذَلِكَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَالَةُ بِنتُ خُوَيلِدٍ! فَغِرتُ\nــ\nو(قول عائشة - ﵂ -: ما غِرتُ على امرأة ما غِرت على خديجة، لِمَا كنت أسمعه يذكرها) أي: يمدحها ويثني عليها، ويذكر فضائلها، وذلك لفرط محبته إياها، ولِما اتصل له من الخير بسببها، وفي بيتها، ومن أحبَّ شيئًا أكثر من ذكره، ولذلك قال النبي ﷺ: إني رزقت حبها، وكونه ﷺ يُهدي لخلائل خديجة: دليل على كرم خلقه، وحسن عهده، ولذلك كان يرتاح لهالة بنت خويلد إذا رآها، وينهض (١) إكرامًا لها، وسرورًا بها.\nو(قولها: فعرف استئذان خديجة) أي تذكر - عند استئذان هالة - خديجة، وكأن نَغمةَ هالة كانت تشبه نَغمةَ خديجة، وأصلُ هذا كله: أن من أحب محبوبًا أحبَّ محبوباته، وما يتعلق به وما يشبهه.\nو(قوله: اللهم! هالة) يجوز في هالة الرفع على خبر الابتداء، أي: هذه\n_________\n(١) في (ع): يهشُّ.","vol":"6","page":317},{"text":"فَقُلتُ: وَمَا تَذكُرُ مِن عَجُوزٍ مِن عَجَائِزِ قُرَيشٍ، حَمرَاءِ الشِّدقَينِ، هَلَكَت فِي الدَّهرِ، فَأَبدَلَكَ اللَّهُ خَيرًا مِنهَا! .\nرواه مسلم (٢٤٣٧) (٧٨).\nــ\nهالة فأكرمها وأحسن إليها. والنَّصب على إضمار فعل، أي: أَكرِم هالة واحفظها، وما أشبه ذلك من التقدير الذي يليقُ بالمعنى.\nو(قول عائشة - ﵂ -: وما تذكر من عجوز من عجائز قريش. . . الحديث، قولٌ أخرجه من عائشة فرط الغيرة، وخِفَّة الشباب، والدَّلال، ولذلك لم ينكر عليها النبي ﷺ شيئًا مما قالت، وقد أخذ بعض العلماء من هذا الحديث: أن الغَيرى لا تُؤاخذ بما يصدرُ عنها في حال غيرتها، وليس ذلك أخذًا صحيحًا، لأنَّ الغيرة هنا جزءُ السَّبب، لا كل السَّبب، وذلك أن عائشة - ﵂ - اجتمع فيها تلك الأمور الثلاثة: الغيرة والشباب - ولعل ذلك كان قبل بلوغها - والدَّلال، وذلك أنها: كانت أحب نسائه إليه بعد خديجة، فإحالة الصَّفح عنها على بعض هذه الأمور تحكُّم، لا يقال: إنما يصحُّ إسناد الصَّفح إلى الغيرة، لأنَّها هي التي نصَّت عليها عائشة فقالت: فغرت، لأنَّا نقول: لو سلمنا أن غيرتها وحدها أخرجت منها ذلك القول لما لزم أن تكون غيرتها وحدها هي الموجبة للصفح عنها، بل يحتمل: أن تكون الغيرة وحدها، ويحتمل أن تعتبر باقي الأوصاف، لا سيما ولم ينص النبي ﷺ على المسقط ما هو، فبقي الأمر محتملًا للأمرين، فلا تكون فيه حجَّة على ذلك، والله تعالى أعلم.\nو(قولها: حمراء الشِّدقين) قيل معناه: أنها بيضاء الشدقين، والعرب تسمي الأبيض: أحمر، كراهة في اسم البياض، لأنَّه يشبه البرص، وهذا كما قاله النبي ﷺ لعائشة: يا حميراء! لا تأكلي الطين فإنَّه يذهب بهاء الوجه (١) يعني: يا بيضاء.\n_________\n(١) ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ٣٣). وفيه يحيى بن هاشم. قال يحيى: هو =","vol":"6","page":318},{"text":"[٢٣٤٥] وعنها قالت: لَم يَتَزَوَّج النَّبِيُّ ﷺ عَلَى خَدِيجَةَ حَتَّى مَاتَت.\nرواه مسلم (٢٤٣٦) (٧٧).\n* * *\nــ\nقلت: وهذا فيه بُعدٌ في هذا الموضع، فلو كان الأمر كذلك لقالت عائشة بدل: حمراء الشدقين: بيضاء الشدقين، فإنه كان يكون أبلغ في التقبيح، وعائشة إنما ذكرت هذا الكلام تقبيحًا لمحاسن خديجة وتزهيدًا فيها، وإنَّما معنى هذا عندي - والله أعلم - أنها نسبتها إلى حمراء الشدقين من الكِبَر، وذلك: أن من جاوز سن الكهولة، ولحق سن الشيخوخة، وكان قويًّا في بدنه صحيحًا غلب على لونه الحمرة المائلة إلى السُّمرة، والله تعالى أعلم.\nو(قولها: قد أبدلك الله خيرًا منها) تعني بخير: أجمل وأشب - وتعني نفسها -، لا أنها خير منها عند الله، وعند رسوله؛ لما تقدَّم من الأحاديث التي ذكرناها في صدر الكلام، وكونه ﷺ لم يتزوج على خديجة إلى أن ماتت: يدلّ على عظيم قدرها عنده، ومحبته لها، وعلى فضل خديجة أيضًا، لأنها اختصَّت برسول الله ﷺ، ولم يشاركها فيه أحد، صيانة لقلبها من التَّغيير والغَيرة، ومن مناكدة (١) الضرة.\n* * *\n_________\n= دجَّال هذه الأمة. وقال ابن عدي: كان يضع الحديث. قال العقيلي: ليس لهذا الحديث أصل، ولا يُحفظ من وجه يثبت.\n(١) في (ز): مكابدة.","vol":"6","page":319},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-881>(٤٦) باب فضائل عائشة زوج النبي ﷺ ومريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون</span>\n[٢٣٤٦] عَن عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أُرِيتُكِ فِي\nــ\n(٤٦) ومن باب فضائل عائشة بنة أبي بكر الصديق - ﵄ -\nتكنى: بأم عبد الله - ابن الزبير، وهو ابن أختها: أسماء - أباح لها النبي ﷺ أن تكتنيَ به. تزوجها النبي ﷺ بمكة بعد موت خديجة، وقبل الهجرة بثلاث سنين، وهو أولى ما قيل في ذلك، وهي بنت ست سنين. وابتنى بها بالمدينة، وهي بنت تسع سنين. وقال ابن شهاب: إن رسول الله ﷺ تزوج بها في شوال قبل الهجرة بثلاث سنين، وأعرس بها في المدينة في شوال على رأس ثمانية عشر شهرًا من مهاجره إلى المدينة، وقد روي عنها أنها قالت: تزوجني رسول الله ﷺ وأنا بنت ست، وبنى بي وأنا بنت تسع، وقُبِض عني، وأنا بنت ثماني عشرة (١).\nوتوفيت سنة ثمان وخمسين ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان، وأمرت أن تدفن ليلًا، فدفنت بعد الوتر بالبقيع، وصلَّى عليها أبو هريرة ﵁. ونزل في قبرها خمسة: عبد الله وعروة ابنا الزبير، والقاسم ومحمد ابنا محمد بن أبي بكر، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، وكانت فاضلة، عالمة، كاملة. قال مسروق: رأيت مشيخة أصحاب رسول الله ﷺ الأكابر يسألونها عن الفرائض، وقال عطاء: كانت عائشة أفقه الناس، وأحسن الناس رأيًا في العامَّة، وقال عروة: ما رأيت أحدًا أعلم بفقه، ولا طبٍّ، ولا شعرٍ من عائشة، وقال أبو الزناد: ما رأيت أحدًا أروى لشعرٍ من عروة، فقيل له: ما أرواك يا أبا عبد الله! قال: وما\n_________\n(١) رواه مسلم (١٤٢٢) (٧٢).","vol":"6","page":320},{"text":"المَنَامِ ثَلَاثَ لَيَالٍ جَاءَنِي بِكِ المَلَكُ فِي سَرَقَةٍ مِن حَرِيرٍ فَيَقُولُ: هَذِهِ امرَأَتُكَ فَأَكشِفُ عَن وَجهِكِ، فَإِذَا أَنتِ هِيَ، فَأَقُولُ: إِن يَكُ مِن عِندِ اللَّهِ يُمضِهِ.\nرواه البخاريُّ (٣٨٩٥)، ومسلم (٢٤٣٨)، والترمذي (٣٨٧٥).\nــ\nروايتي في رواية عائشة؟ ! ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعرًا. قال الزهري: لو جُمع علم عائشة إلى علم أزواج النبي ﷺ وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل. وجملة ما روت عن النبي ﷺ ألفا حديث، ومائتا حديث، وعشرة أحاديث. أخرج منها في الصحيحين ثلاثمائة إلا ثلاثة أحاديث.\nو(قوله: جاءني بك الملك في سرقة من حرير، فيقول: هذه امرأتك): السَّرَقة - بفتح الراء -: واحدة السَّرق، وهي شقق الحرير البيض. وقيل: الجيد من الحرير. وقال أبو عبيد: وأحسنها فارسيه، وأصلها سَرَه، وهو: الجيد. وأنشد غير أبي عبيد للعجاج:\nونَسَجَت لَوَامِعُ الحَرُورِ ... سَبَائِبًا كَسَرَقِ الحَرير\nوالسَّبائب - بالهمز والباء-: هي ما رَقَّ من الثياب والخُمُر، ونحوها. قال المهلَّب: السَّرَقَةُ: كالكلَّة والبرقع، والأول: هو المعروف، وفيه دليل على أن للرؤيا ملكًا يمثل الصور في النوم، كما قد حكيناه عن بعض العلماء.\nو(قوله: إن يك من عند الله يُمضِه) ظاهره: الشَّك في صحة هذه الرؤيا، فإنَّ كان هذا منه ﷺ قبل النبوة، فلا إشكال فيه، لأنَّ حكمه حكم البشر، وأما إن كان بعد النبوة فهو مشكل، إذ رؤيا الأنبياء وحي كما تقدَّم، والوحي لا يشك فيه، وقد انفصل عن هذا: بأن قيل: إن شكه لم يكن في صحة أصل الرؤيا، وإن ذلك من الله، ولكن في كون هذه الرؤيا على ظاهرها، فلا تحتاج إلى تعبير، أو في كونها امرأته في الدنيا، أو في الآخرة. وقيل: لم يكن عنده شك في ذلك، بل:","vol":"6","page":321},{"text":"[٢٣٤٧] وعنها قَالَت: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنِّي لَأَعلَمُ إِذَا كُنتِ عَنِّي رَاضِيَةً، وَإِذَا كُنتِ عَلَيَّ غَضبَى، قَالَت: فَقُلتُ: وَمِن أَينَ تَعرِفُ ذَلِكَ؟ قَالَ: أَمَّا إِذَا كُنتِ عَنِّي رَاضِيَةً فَإِنَّكِ تَقُولِينَ: لَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ! وَإِذَا كُنتِ غَضبَى قُلتِ: لَا وَرَبِّ إِبرَاهِيمَ، قَالَت: قُلتُ: أَجَل وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَهجُرُ إِلَّا اسمَكَ.\nــ\nمحققًا له، لكنه أتى به على صورة الشك، وهو غير مراد، كما قال الشاعر:\nأيا ظَبيَة الوَعساءِ بَينَ حَلاحِل ... وبَينَ النَّقا آنتِ أَم أُمُّ سَالِمِ؟\nوهذا نوع من أنواع البلاغة معروف عند أهلها يسمى: تجاهل العارف، وقد سُمِّي مزج الشك باليقين، ونحو منه قوله تعالى: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنزَلنَا إِلَيكَ فَاسأَلِ الَّذِينَ يَقرَءُونَ الكِتَابَ مِن قَبلِكَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِن أَدرِي لَعَلَّهُ فِتنَةٌ لَكُم وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾، فإنه - ﷺ - لم يشك في شيء من ذلك، لكن أتى به على التقدير لا التحقيق.\nو(قوله: فإذا هي أنت) أي: إنه رآها في النوم كما رآها في اليقظة، فكان المراد بالرؤيا ظاهرها.\nو(قوله: إني لأعلم إذا كنت عليَّ راضية، وإذا كنت علي غضبى) غضب عائشة على النبي ﷺ للأسباب التي ذكرناها في حديث خديجة، أو لبعضها، والغالب: أنها كانت للغيرة التي لا تتمالك المرأة فيها (١).\nقال القاضي عياض: يعفى عن النساء في كثير من الأحكام لأجل الغيرة، حتى قد ذهب مالك وغيره من علماء المدينة إلى إسقاط الحد عن المرأة إذا رمت زوجها بالزنى.\nو(قولها: أجل والله! ما أهجر إلا اسمك) أجل: يعني: نعم. وتعني بذلك\n_________\n(١) في (م ٤): معها.","vol":"6","page":322},{"text":"رواه أحمد (٦/ ٦١ و٢١٣)، والبخاريُّ (٥٢٢٨)، ومسلم (٢٤٣٩).\n[٢٣٤٨] وعنها قالت: كُنتُ أَلعَبُ بِالبَنَاتِ - وَهُنَّ اللُّعَبُ - فِي بَيتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قالت: وَكَانَت تَأتِينِي صَوَاحِبِي فَكُنَّ يَنقَمِعنَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَت: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ.\nرواه أحمد (٦/ ١٦٦)، والبخاريُّ (٦١٣٠)، ومسلم (٢٤٤٠)، وأبو داود (٤٩٣١)، والنسائي (٦/ ١٣١)، وابن ماجه (١٩٨٢).\nــ\nأنها، وإن أعرضت عن ذكر اسمه في حالة غضبها، فقلبها مغمور بمحبته ﷺ لم يتغيَّر منها شيء. وفي هذا ما يدلّ على ما كانا عليه من صفاء المحبة وحُسن العشرة، وفيه ما يدلّ على: أن الاسم غير المسمَّى، وهي مسألة اختلف فيها أهل اللسان والمتكلمون، وللكلام فيها مواضع أخر.\nو(قولها: كنت ألعب بالبنات - وهن اللعب - في بيت رسول الله ﷺ) اللُّعَبُ: جمع لُعبة، وهو ما يُلعَبُ به. والبنات: جمع بنت، وهنَّ الجواري، وأضيفت اللُّعب للبنات، لأنهنَّ هنَّ اللواتي يصنعنها، ويلعبن بها، وقد تقدَّم القول في جواز ذلك، وفي فائدته، وأنه مستثنى من الصور الممنوعة، لأنَّ ذلك من باب تدريب النساء من صغرهن على النظر لأنفسهن وبيوتهن، وقد أجاز العلماء بيعهن وشراءهن غير مالك فإنَّه كره ذلك، وحمله بعض أصحابه على كراهية الاكتساب بذلك.\nو(قولها: فكن ينقمعن من رسول الله ﷺ) تعني: صواحبها كنَّ ينقبضن ويستترن بالبيت حياءً من رسول الله ﷺ وهيبة له.\nو(قولها: وكان يُسرِّبهنَّ إلي) أي: يرسلهن إليها، ويسكِّنهنَّ، ويؤنسهنَّ","vol":"6","page":323},{"text":"[٢٣٤٩] وعن عروة، عن عائشة: أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَحَرَّونَ بِهَدَايَاهُم يَومَ عَائِشَةَ، يَبتَغُونَ بِذَلِكَ مَرضَاتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nرواه البخاريُّ (٢٥٨٠)، ومسلم (٢٤٤١)، والترمذيُّ (٣٨٧٩)، والنسائي (٧/ ٦٩).\n[٢٣٥٠] وعنها، قَالَت: أَرسَلَ أَزوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ فَاطِمَةَ بِنتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَاستَأذَنَت عَلَيهِ وَهُوَ مُضطَجِعٌ مَعِي فِي مِرطِي، فَأَذِنَ لَهَا، فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَزوَاجَكَ أَرسَلنَنِي إِلَيكَ يَسأَلنَكَ العَدلَ فِي ابنَةِ أَبِي قُحَافَةَ، - وَأَنَا سَاكِتَةٌ - قَالَت: فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَي بُنَيَّةُ أَلَستِ تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟ فَقَالَت: بَلَى، قَالَ: أَحِبِّي هَذِهِ، قَالَت: فَقَامَت فَاطِمَةُ حِينَ سَمِعَت ذَلِكَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَرَجَعَت إِلَى أَزوَاجِ رسول الله ﷺ فَأَخبَرَتهُنَّ بِالَّذِي قَالَت، وَبِالَّذِي قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلنَ لَهَا: مَا نُرَاكِ أَغنَيتِ عَنَّا مِن شَيءٍ، فَارجِعِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُولِي لَهُ: إِنَّ أَزوَاجَكَ يَنشُدنَكَ العَدلَ فِي ابنَةِ أَبِي قُحَافَةَ، فَقَالَت فَاطِمَةُ: وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُهُ فِيهَا أَبَدًا. قَالَت عَائِشَةُ: فَأَرسَلَ أَزوَاجُ\nــ\nحتى يزول عنهنَّ ما كان أصابهنَّ منه، فيرجعنَّ يلعبن معها كما كنَّ.\nودخول فاطمة وزينب على رسول الله ﷺ وهو مع عائشة في مرطها، دليل على جواز مثل ذلك، إذ ليس فيه كشف عورة، ولا ما يستقبح على من فعل ذلك مع خاصته وأهله. وطلب أزواج النبي ﷺ منه العدل بينهن وبين عائشة ﵂، ليس على معنى أنه جار عليهن، فمنعهن حقًّا هو لهنَّ، لأنَّه ﷺ منزه عن ذلك، ولأنه لم يكن العدل بينهن واجبًا عليه كما قدَّمناه في كتاب النكاح. لكن صدر ذلك منهنَّ بمقتضى الغيرة والحرص على أن يكون لهنَّ مثل ما كان لعائشة ﵂، من إهداء الناس له إذا كان في بيوتهنَّ، فكأنهنَّ أردن أن يأمر من أراد أن يهدي له شيئًا ألا يتحرى يوم عائشة - ﵂ - ولذلك قال: وكان الناس يتحرون","vol":"6","page":324},{"text":"النَّبِيِّ ﷺ زَينَبَ بِنتَ جَحشٍ - زَوجَ النَّبِيِّ ﷺ، وَهِيَ الَّتِي كَانَت تُسَامِينِي مِنهُنَّ فِي المَنزِلَةِ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَم أَرَ امرَأَةً قَطُّ خَيرًا فِي الدِّينِ مِن زَينَبَ، وَأَتقَى لِلَّهِ، وَأَصدَقَ حَدِيثًا، وَأَوصَلَ لِلرَّحِمِ، وَأَعظَمَ صَدَقَةً، وَأَشَدَّ ابتِذَالًا لِنَفسِهَا فِي العَمَلِ الَّذِي تَصَدَّقُ بِهِ، وَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَا عَدَا سَورَةً مِن حِدَّةٍ كَانَت فِيهَا، تُسرِعُ مِنهَا الفَيئَةَ - قَالَت: فَاستَأذَنَت عَلَى\nــ\nبهداياهم يوم عائشة، ويحتمل أن يقال: إنهنَّ طلبن منه أن يسوي بينهن في الحب، ولذلك قال ﷺ لفاطمة ﵂: ألست تحبين من أحب؟ قالت: بلى. قال: فأحبي هذه، وكلا الأمرين لا يجب العدل فيه بين النساء. أما الهدية فلا تطلب من المهدي، فلا يتعين لها وقت، وأما الحب: فغير داخل تحت قدرة الإنسان ولا كسبه.\nو(قولها: وهي التي تساميني في المنزلة عند رسول الله ﷺ) تعني: زينب. وتساميني، أي: تطاولني وترافعني، وهو مأخوذ من السُّموِّ، وهو العلو والرفعة. تعني: أنها كانت تتعاطى أن يكون لها من الحظوة والمنزلة عند رسول الله ﷺ مثل ما كان لعائشة عنده وقيل: إنه مأخوذ من قولهم: سامه حظه خسف، أي: كلفه ما يشق عليه ويذله، وفيه بُعد من جهة اللسان والمعنى.\nو(قولها: ولم أر امرأة خيرًا في الدين من زينب. . . الكلام إلى قولها: . . . ولا أشد ابتذالًا لنفسها في العمل) الابتذال: مصدر ابتذل من البذلة، وهي الامتهان بالعمل والخدمة، فكانت تعمل زينب - ﵂ - بيديها عمل النساء من الغزل والنسيج، وغير ذلك مما جرت عادة النساء بعمله، والكسب به، وكانت تتصدق بذلك، وتصل به ذوي رحمها، وهي التي كانت أطولهن يدًا بالعمل والصَّدقة، وهي التي قال النبي ﷺ: أسرعكن لحاقًا بي أطولكن يدًا، وسيأتي.\nوفيه ما يدلّ على جواز صدقة المرأة مما تكسبه في بيت زوجها من غير أمره.\nو(قولها: ما عدا سورة من حدَّة كانت فيها، تسرع منها الفيئة) ما عدا","vol":"6","page":325},{"text":"رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ عَائِشَةَ فِي مِرطِهَا عَلَى الحَالَ الَّتِي دَخَلَت فَاطِمَةُ عَلَيهَا وَهُوَ بِهَا - فَأَذِنَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَزوَاجَكَ أَرسَلنَنِي إِلَيكَ يَسأَلنَكَ العَدلَ فِي ابنَةِ أَبِي قُحَافَةَ، قَالَت: ثُمَّ وَقَعَت بِي فَاستَطَالَت عَلَيَّ وَأَنَا أَرقُبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَأَرقُبُ طَرفَهُ هَل يَأذَنُ لِي فِيهَا، قَالَت: فَلَم تَبرَح زَينَبُ حَتَّى عَرَفتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا يَكرَهُ أَن أَنتَصِرَ، قَالَت: فَلَمَّا وَقَعتُ بِهَا لَم أَنشَبهَا حين أَنحَيتُ عَلَيهَا، قَالَت:\nــ\nوما خلا: من صيغ الاستثناء، وهما مع ما فعلان ينصبان ما بعدهما في المشهور والأفصح. ومع عدم ما) يخفضان ما بعدهما، لأنَّهما حرفان من حروف الخفض على الأعرف الأشهر، والسَّورة - بفتح السين -: الشِّدَّة، والثوران، ومنه: سَورَةُ الشراب، أي: قوته وحِدَّته، أي: يعتريها ما يعتري الشارب من الشراب، ويروى هذا الحرف: ما عدا سَورَة حَدٍّ - بفتح الحاء من غير تاء تأنيث -، أي: سرعة غضب. والفيئة: الرجوع، ولأجل هذه الحدَّة، وقعت بعائشة، واستطالت عليها، أي: أكثرت عليها من القول والعتب، وعائشة - ﵂ - ساكتة تنتظر الإذن من رسول الله ﷺ في الانتصار، فلما علمت أنه لا يكره ذلك من قرائن أحواله انتصرت لنفسها فجاوبتها، وردَّت عليها قولها حتى أفحمتها، وكانت زينب لما بدأتها بالعتب واللَّوم، كانت كأنها ظالمةٌ، فجاز لعائشة أن تنتصر، لقوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعدَ ظُلمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيهِم مِن سَبِيلٍ﴾\nو(قولها: وقعت فيَّ) هو مأخوذ من الوقيعة التي هي: معركة الحرب، وقيل: هو مأخوذ من الوقع، وهو ألم الرَّجل من المشي، ومنه قولهم: كل الحِذَا يحتذي الحافي الوَقِع - بكسر القاف -.\nو(قولها: فلم أنشب أن أنحيت عليها) كذا الرواية الثابتة هنا بالنون والحاء المهملة، والياء باثنتين من تحتها، ومعناه: إني أصبت منها بالذمِّ ما يُؤلمها،","vol":"6","page":326},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ - وَتَبَسَّمَ -: إِنَّهَا ابنَةُ أَبِي بَكرٍ.\nوفي رواية: فلم أنشبها أن أثخنتها غلبة.\nرواه أحمد (٦/ ٨٨)، والبخاريُّ (٢٥٨١)، ومسلم (٢٤٤٢)، والنسائي (٧/ ٦٤ - ٦٦).\n[٢٣٥١] وعنها قالت: إِن كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَتَفَقَّدُ، يَقُولُ: أَينَ أَنَا اليَومَ؟ أَينَ أَنَا غَدًا؟ استِبطَاءً لِيَومِ عَائِشَةَ، قَالَت: فَلَمَّا كَانَ يَومِي قَبَضَهُ اللَّهُ بَينَ سَحرِي وَنَحرِي.\nــ\nفكأنها أصابت منها مقتلًا. وفي الصحاح: أنحيت على حلقه بالسكين، أي: عَرَضتُ، وحينئذ يرجع معنى هذه الرواية لمعنى الرواية الأخرى التي هي: أثخنتها، أي: أثقلتها بجراح الكلم. وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَثخَنتُمُوهُم فَشُدُّوا الوَثَاقَ﴾ أي: أثقلتموهم بالجراح، أو أكثرتم فيهم القتل، ولم أنشبها، أي: لم أمهلها، ولم أتلبث حتى أوقعت بها، وأصله: من نَشِب بالشيء، أو في الشيء إذا نَشِبَ به، واحتبس فيه أو بسببه.\nو(قوله: إنها ابنة أبي بكر) تنبيه على أصلها الكريم الذي نشأت عنه، واكتسبت الجزالة والبلاغة، والفضيلة منه، وطيب الفروع بطيب عروقها. وغذاؤها من عروقها. كما قال:\nطِيبُ الفُرُوع من الأصُولِ وَلَم يُرَ ... فرعٌ يَطِيبُ وأصلُهُ الزَّقُّومُ\nففيه مدح عائشة وأبيها - ﵄ -.\nو(قولها: فلما كان يوم توفي (١)، قبضه الله بين سَحري ونحري) الرواية\n_________\n(١) كذا في الأصول، وفي التلخيص وصحيح مسلم: فلما كان يومي قبضه أن. . .\".","vol":"6","page":327},{"text":"رواه أحمد (٦/ ٤٨)، والبخاريُّ (٥٢١٧)، ومسلم (٢٤٤٣) (٨٤).\n[٢٣٥٢] وعنها أنها سَمِعَت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ قَبلَ أَن يَمُوتَ وَهُوَ مُستنِدٌ إِلَى صَدرِهَا وَأَصغَت إِلَيهِ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغفِر لِي وَارحَمنِي وَأَلحِقنِي بِالرَّفِيقِ.\nرواه أحمد (٦/ ٢٣١)، والبخاريُّ (٤٤٤٠)، ومسلم (٢٤٤٤) (٨٥)، والترمذيُّ (٣٤٩٦).\n[٢٣٥٣] وعنها قالت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ وَهُوَ صَحِيحٌ: إِنَّهُ لَم يُقبَض نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يُرَى مَقعَدُهُ من الجَنَّةِ ثُمَّ يُخَيَّرُ. قَالَت عَائِشَةُ: فَلَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَأسُهُ عَلَى فَخِذِي غُشِيَ عَلَيهِ سَاعَةً، ثُمَّ أَفَاقَ،\nــ\nالصحيحة: سَحري بسين مفتوحة غير معجمة، والسَّحر: الرئة، والنَّحر: أعلى الصدر. وأرادت أنه ﷺ توفي وهو مستند إلى موضع سحرها، وهو الصدر، كما جاء في الرواية الأخرى: وهو مستند إلى صدرها. وحكي عن عمارة بن عقيل بن بلال أنه قال: إنما هو شَجري - بالشين المعجمة والجيم - وشبَّك بين أصابعه، وأومأ إلى أنها ضمَّته إلى صدرها مشبِّكة يديها عليه. وقد تقدَّم القول في الرفيق، وأن الأولى فيه: أنه الذي دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنعَمَ اللَّهُ عَلَيهِم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ وتخيير الله للأنبياء عند الموت مبالغة في إكرامهم، وفي ترفيع مراتبهم (١) عند الله تعالى، وليستخرج منهم شدَّة شوقهم، ومحبتهم له تعالى، ولما عنده. وقد تقدَّم من هذا شيء في باب ذكر موسى ﵇.\n_________\n(١) في (ع) و(م ٤): مكانتهم.","vol":"6","page":328},{"text":"فَأَشخَصَ بَصَرَهُ إِلَى السَّقفِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ! الرَّفِيقَ الأَعلَى. قَالَت عَائِشَةُ: قُلتُ: إِذًا لَا يَختَارُنَا. قَالَت عَائِشَةُ: وَعَرَفتُ الحَدِيثَ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا بِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ فِي قَولِهِ: إِنَّهُ لَم يُقبَض نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقعَدَهُ مِن الجَنَّةِ ثُمَّ يُخَيَّرُ. قَالَت عَائِشَةُ: فَكَانَت تِلكَ آخِرُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَولَهُ: اللَّهُمَّ! الرَّفِيقَ الأَعلَى.\nرواه أحمد (٦/ ٨٩)، ومسلم (٢٤٤٤) (٨٧).\n[٢٣٥٤] وعنها قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَرَجَ أَقرَعَ بَينَ نِسَائِهِ، فَطَارَت القُرعَةُ عَلَى عَائِشَةَ وَحَفصَةَ، فَخَرَجَنَا مَعَهُ جَمِيعًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَانَ بِاللَّيلِ سَارَ مَعَ عَائِشَةَ يَتَحَدَّثُ مَعَهَا، فَقَالَت حَفصَةُ\nــ\nو(قولها: فأشخص بصره) أي: حدَّد نظره إلى سقف البيت كما تفعل الموتى.\nو(قولها: كان رسول الله ﷺ إذا خرج أقرع بين نسائه) تعني: إذا خرج إلى سفر، وإنَّما كان النبي ﷺ يفعل ذلك مبالغة في تطييب قلوبهن إذ لم يكن القسم عليه واجبًا على الخلاف المتقدِّم، وليست القرعة في هذا واجبة عند مالك، لأنَّه قد يكون لبعض النساء من الغَنَاء في السفر والمنفعة، والصلاحية ما لا يكون لغيرها. فتتعين الصالحة لذلك، ولأن من وقعت القرعة عليها لا تجبر على السفر مع الزوج إلى الغزو والتجارة، وما أشبه ذلك، وإنَّما القرعة بينهن من باب تحسين العشرة إذا أردن ذلك، وكن صالحات له، وقال أبو حنيفة بإيجاب القرعة في هذا، وهو أحد قولي الشافعي ومالك أخذًا بظاهر هذا الحديث.\nو(قولها: وكان رسول الله ﷺ إذا كان بالليل سار مع عائشة ﵂) ظاهره: أنه لم يكن يقسم بين عائشة وحفصة في المسير والحديث، وأن ذلك كان مع عائشة دائمًا دون حفصة، ولذلك تحيَّلت حفصة حتى سار وتحدَّث","vol":"6","page":329},{"text":"لِعَائِشَةَ: أَلَا تَركَبِينَ اللَّيلَةَ بَعِيرِي وَأَركَبُ بَعِيرَكِ فَتَنظُرِينَ وَأَنظُرُ؟ قَالَت: بَلَى، فَرَكِبَت عَائِشَةُ عَلَى بَعِيرِ حَفصَةَ، وَرَكِبَت حَفصَةُ عَلَى بَعِيرِ عَائِشَةَ،\nــ\nمعها، فيحتمل أن هذا القدر [لا يجب القسم فيه، إذ الطريق ليس محلَّ خَلوة، ولا يحصل لها به اختصاص، ويحتمل أن يقال: إن القدر] (١) الذي يقع به التسامح من السير والحديث مع إحداهما هو الشيء اليسير، كما يفعل في الحضر، فإنَّه يتحدث ويسأل وينظر في مصلحة بيت التي لا يكون في يومها، ولكن لا يُكثر من ذلك، ولا يُطيله، وعلى هذا فيكون النبي ﷺ إنما أدام ذلك، لأنَّ أصل القسم لم يكن عليه واجبًا، والله أعلم.\nولم يختلف الفقهاء في أن الحاضرة لا تحاسب المسافرة فيما مضى لها مع زوجها في السفر، وكذلك لا يختلفون في: أنه يقسم بين الزوجات في السفر كما يقسم بينهن في الحضر. وقد ذكرنا الاحتمال الذي في السير والحديث، وقول حفصة لعائشة ﵄: ألا تركبين بعيري، وأركب بعيرك فتنظرين وأنظر. حيلة منها تمت لها على عائشة لصغر سنِّ عائشة، وسلامة صدرها عن المكر والحيل، إذ لم تجرب الأمور بعد، ولا دَرك (٢) على حفصة فيما فعلت من جهة أنها أخذت حقًّا هو لعائشة، لأنَّ السير والحديث، إن لم يدخل في القسم فهي وعائشة فيه سواء، فأرادت حفصة أن يكون لها حظ من الحديث والسير معه، وإن كان ذلك واجبًا فقد توصلت إلى ما كان لها، وإنَّما يكون عليها الدَرك من حيث إنها خالفت مراد النبي ﷺ في حديثه، فقد يريد أن يحدِّث عائشة حديثًا يُسِرُّ به إليها، أو يختص بها فتسمعه حفصة، وهذا لا يجوز بالاتفاق، لكن حملها على اقتحام ذلك الغيرة التي تورث صاحبها الدَّهَشَ والحَيرة.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).\n(٢) أي: لا تبعة عليها.","vol":"6","page":330},{"text":"فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى جَمَلِ عَائِشَةَ وَعَلَيهِ حَفصَةُ فَسَلَّمَ، ثُمَّ سَارَ مَعَهَا حَتَّى نَزَلُوا، فَافتَقَدَتهُ عَائِشَةُ فَغَارَت، فَلَمَّا نَزَلُوا جَعَلَت تَجعَلُ رِجلَهَا بَينَ الإِذخِرِ وَتَقُولُ: يَا رَبِّ سَلِّط عَلَيَّ عَقرَبًا أَو حَيَّةً تَلدَغُنِي! رَسُولُكَ وَلَا أَستَطِيعُ أَن أَقُولَ لَهُ شَيئًا.\nرواه أحمد (٦/ ١١٤)، والبخاريُّ (٥٢١١)، ومسلم (٢٤٤٥)، وابن ماجه (١٩٤٠) مختصرًا.\n[٢٣٥٥] وعَن أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَمَلَ مِن الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَم يَكمُل مِن النِّسَاءِ غَيرُ مَريَمَ بِنتِ عِمرَانَ وَآسِيَةَ امرَأَةِ فِرعَونَ، وَإِنَّ فَضلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ.\nرواه أحمد (٤/ ٣٩٤)، والبخاريُّ (٣٤١١)، ومسلم (٢٤٣١)، والنسائي (٧/ ٦٨).\nــ\nو(قول عائشة: يا رب! سلِّط عليَّ عقربًا يلدغني) دعاءٌ منها على نفسها بعقوبة لما لحقها من النَّدم على ما فعلت، ولما تم عليها من الحيلة، ولما حصل لها من الغَيرة، وهو دعاء باللسان غير مراد بالقلب.\nوقولها: رسولك، ولا أستطيع أن أقول له شيئًا) ظاهره أن النبي ﷺ لم يعرف القصة، وإنَّما تمَّت لحفصة حيلتها عليها، والله أعلم، مع أنه يحتمل أن يكون النبي ﷺ علم ذلك بالوحي أو بالقرائن، وتغافل عمَّا جرى من ذلك، إذ لم يجر منهما شيء يترتب عليه حكم، ولا يتعلق به إثم، والله تعالى أعلم.\nورسولك: منصوب بإضمار فعل تقديره: انظر رسولك، ويجوز الرفع على الابتداء، وإضمار الخبر.\nو(قوله: كَمَل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء غير مريم وآسية) الكمال: هو التناهي والتمام، ويقال في ماضيه كمل بفتح الميم وضمها، ويكمُل","vol":"6","page":331},{"text":"[٢٣٥٦] عن عائشة قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا عَائِشُ هَذَا جِبرِيلُ يَقرَأُ عَلَيكِ السَّلَامَ،\nــ\nفي مضارعه بالضم، وكمال كل شيء بحسبه، والكمال المطلق: إنما هو لله تعالى خاصة، ولا شك أن أكمل نوع الإنسان: الأنبياء، ثم تليهم الأولياء، ويعني بهم: الصديقين والشهداء الصالحين. وإذا تقرر هذا، فقد قيل: إن الكمال المذكور في الحديث، يعني به: النبوة، فيلزم أن تكون مريم وآسية نبيَّتين، وقد قيل بذلك، والصحيح: أن مريم نبيَّة، لأنَّ الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملك، كما أوحى إلى سائر النبيين، وأما آسية، فلم يرد ما يدلّ على نبوتها دلالة واضحة. بل على صديقيتها وفضيلتها. فلو صحَّت لها نبوتها لما كان في الحديث إشكال. فإنَّه يكون معناه: أن الأنبياء في الرجال كثير، وليس في النساء نبي إلا هاتين المرأتين. ومن عداهما من فضلاء النساء صديقات لا نبيَّات، وحينئذ يصحُّ أن تكونا أفضل نساء العالمين.\nوالأولى أن يقال: إن الكمال المذكور في الحديث ليس مقصورًا على كمال الأنبياء، بل يندرج معه كمال الأولياء، فيكون معنى الحديث: إن نوعي الكمال وجد في الرجال كثيرًا، ولم يوجد منه في النساء المتقدِّمات على زمانه ﷺ أكمل من هاتين المرأتين، ولم يتعرض النبي ﷺ في هذا الحديث لأحد من نساء زمانه، إلا لعائشة خاصة، فإنَّه فضلها على سائر النساء، ويُستثنى منهن الأربع المذكورات في الأحاديث المتقدِّمة، وهنَّ: مريم بنت عمران، وخديجة، وفاطمة، وآسية، فإنَّهن أفضل من عائشة، بدليل الأحاديث المتقدِّمة في باب خديجة، وبهذا يصحُّ الجمع، ويرتفع التعارض إن شاء الله تعالى. وإنما كان الثريد أفضل الأطعمة ليسارة مؤنته، وسهولة إساغته، وعظيم بركته، ولأنه كان جلَّ أطعمتهم، وألذَّها بالنسبة إليهم ولعوائدهم، وأما غيرهم فقد يكون غير الثريد عنده أطيب وأفضل، وذلك بحسب العوائد في الأطعمة، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: إن جبريل يقرأ عليك السلام) يقال: أقرأته السلام، وهو يقرئك","vol":"6","page":332},{"text":"فقالت: وَعَلَيهِ السَّلَامُ وَرَحمَةُ اللَّهِ، قَالَت: وَهُوَ يَرَى مَا لَا أَرَى.\nرواه البخاريُّ (٣٢١٧)، ومسلم (٢٤٤٧) (٩١)، والترمذيُّ (٣٨٨١)، والنسائي (٧/ ٧٠).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-882>(٤٧) باب ذكر حديث أم زرع</span>\n[٢٣٥٧] عَن عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَت: جَلَسَ إِحدَى عَشرَةَ امرَأَةً فَتَعَاهَدنَ، وَتَعَاقَدنَ أَن لَا يَكتُمنَ مِن أَخبَارِ أَزوَاجِهِنَّ شَيئًا، قَالَت الأُولَى: زَوجِي لَحمُ جَمَلٍ غَثٍّ عَلَى رَأسِ جَبَلٍ وَعرٍ، لَا سَهلٌ فَيُرتَقَى، وَلَا سَمِينٌ\nــ\nالسلام - رباعيًّا - فبضم ياء المضارعة منه، فإذا قلت: يقرأ عليك السلام - كان مفتوح عين مضارعه، لأنَّه ثلاثي، وهذه فضيلة عظيمة لعائشة، غير أن ما ذكر من تسليم الله ﷿ على خديجة أعظم، لأنَّ ذلك سلام من الله، وهذا سلام من جبريل.\nو(قولها: وعليه السلام ورحمة الله) حجَّة لمن اختار أن يكون رد السَّلام هكذا، وإليه ذهب ابن عمر ﵄.\n(٤٧) ومن باب: حديث أم زرع\nالصَّحيح في هذا الحديث: أنه كله من قول عائشة - ﵂ - إلا قول النبي ﷺ لها: كنت لك كأبي زرع لأم زرع. هذا هو المتفق عليه عند أهل التَّصحيح. وقد رواه سعيد بن مسلم المديني، عن هشام بن عروة، عن أخيه عبد الله، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ: كنت لك كأبي زرع","vol":"6","page":333},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nلأم زرع. ثم أنشأ يحدِّث بحديث أم زرع وصواحبها، قال: اجتمع إحدى عشرة امرأة. . . وذكر الحديث. فتوهم بعض الناس: أن هذا الحديث كلُّه مرفوعٌ إلى النبي ﷺ، فنسبه إليه، وجعله من قوله. وهو وهم محض، فإنَّ القائل: ثم أنشأ يحدِّث، هو: هشام يخبر بذلك، عن أخيه، عن أبيه: أنه أنشأ بعد ذلك القول المتقدِّم: يحدَّث بالحديث.\nو(قولها: جلس إحدى عشرة امرأة فتعاهدن، وتعاقدن ألا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئًا) هكذا صحيح الرواية ومشهورها، وعند الطبري: جلسن إحدى عشرة امرأة) بالنون التي هي علامة المؤنث على لغة من قال: أكلوني البراغيث، وعليها قوله ﷺ: يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار (١). وقد حُمِل عليها قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وقوله: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهُم﴾ وعليها قول الشاعر (٢):\nولكن دِيَافِيٌّ أَبُوه وأُمُّه ... بِحَورَانَ يِعصِرنَ السَّلِيطَ أَقَاربُه\nوقد تكلف بعض النحويين ردَّ هذه اللغة إلى اللغة [الفصيحة، وهي ألا تلحق هذه العلامة في الفعل إذا تقدَّم الأسماء، وردَّ هذه اللغة] (٣)، ولا معنى لهذا كله، ولا يحتاج إليه، إذ قد صحَّت هذه اللغة نقلًا واستعمالًا، ثم إنها جارية على قياس إلحاق علامة تأنيث الفاعل بالفعل على ما تحقق بعلم النحو.\nو(قول الأولى: زوجي لحم جمل غَثٌّ على رأس جبل وَعرٍ - في غير كتاب مسلم: وعث - لا سهل فيُرتقى، ولا سمين فيُنتَقَل - وفي غير كتاب مسلم: فيُنتَقَى\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٣١٢)، ومسلم (٦٣٢).\n(٢) هو الفرزدق.\n(٣) ما بين حاصرتين سقط من (ع).","vol":"6","page":334},{"text":"فَيُنتَقَلَ، قَالَت الثَّانِيَةُ: زَوجِي لَا أَبُثُّ خَبَرَهُ، إِنِّي أَخَافُ أَن لَا أَذَرَهُ، إِن أَذكُرهُ أَذكُر عُجَرَهُ وَبُجَرَهُ،\nــ\nبدل: فينتقل -) الرواية الصحيحة بخفض غثّ على الصِّفة للجمل، وقد قيَّده بعضهم بالرفع على الصِّفة لِلَّحم، والغَثُّ: الشديد الهزال، الذي يُستغثُّ [من هزاله، أي: يُستترك ويُستكره، مأخوذٌ من غث الجرح غثًّا وغثيثًا] (١) إذا سال منه المِدَّة (٢) والقيح، واستغث صاحبه. والوعث من الجبال: الصَّعب المرتقى لوعوثته، وهو أن يكون بحيث توحل فيه الأقدام، فلا يكاد يتخلَّص منه.\nوقد فسَّرته بقولها: لا سهل فيرتقى، أي: لا يصعدُ فيه لصعوبته. وينتقل: من الانتقال، أي: هذا الجمل لهزالته لا ينقله أحدٌ زهدًا فيه، ولكونه بموضع لا يتخلَّص منه، ويُنتقى، أي: لا نِقيَ له، والنِّقيُ: المخ. يقال منه: نقوت العظم، ونقيته، وانتقيته، إذا استخرجت مُخَه. قال الخطابي: وصفت زوجها بسوء الخلق، وقلة الخير، ومنع الرِّفد، وبالأذى في المعاشرة.\nو(قول الثانية: زوجي لا أبث خبره، إني أخاف ألا أذره، إن أذكره، أذكر عجره وبجره) بثُّ الخبر: نشره وإظهاره. ومعنى أذره: أدعه، ولم تستعمل العرب من هذين الفعلين إلا مضارعهما، فلا يقال منهما: فعل ولا أَفعَلَ، ولا فَاعَلَ، ولا فَعلَى. استغنوا عن ذلك بـ ترك غير أنه قد سمع: وَدَعَ، وَوَدعٌ، وهو قليل. والعُجَر: جمع عُجرَة. والبُجَر: جمع بُجرَةٍ، تعني بذلك: عيوبه. قال الأصمعي في تفسير قول علي ﵁: أشكو إلى الله عُجَرِي وبُجَرِي أي: همومي وأحزاني، وأصل البُجَر: العروق المنعقدة في البطن خاصَّة، وقال ابن الأعرابي: العُجَرة: نفخةٌ في الظهر، فإذا كانت في السُّرَةِ فهي: البُجرة، ثم يُنقَلان إلى الهموم والأحزان، والضمير في خَبَره. وفي أَذَرَهُ: على الزوج، وكذلك هو ظاهر الضميرين\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ز).\n(٢) \"المِدَّة\": القيح.","vol":"6","page":335},{"text":"قَالَت الثَّالِثَةُ: زَوجِي العَشَنَّقُ إِن أَنطِق أُطَلَّق، وَإِن أَسكُت أُعَلَّق، قَالَت الرَّابِعَةُ: زَوجِي كَلَيلِ تِهَامَةَ، لَا حَرَّ وَلَا قُرَّ، وَلَا مَخَافَةَ وَلَا سَآمَةَ،\nــ\nفي عجره وبجره.\nوتعني: أنها إن وصفت حال زوجها ذكرت عيوبه، وإن فعلت ذلك خافت من فراقه، وهي تكره فراقه للعِلَق التي بينهما. وعلى هذا فتكون لا التي في أن لا أذره زائدة، كما زيدت في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلا تَسجُدَ﴾ ويحتمل أن يقال: لا ليست بزائدة، وإنها تخاف ألا تتركه معها ممسكًا لها في صحبتها. وقيل: إن الضمير في عجره وبجره عائدٌ إلى الخبر، تعني: أن حديثه حديث طويل، فيه عقد لو تحدَّث به، لكنها لم تتحدَّث به لخوفها، ولم تسكت عن حال زوجها بالجملة للعقد الذي جعلت على نفسها، لكنها أومأت إلى شيء من ذلك، وعلى القول الأول: صرحت بأن له أمورًا تعاب.\nو(قول الثالثة: زوجي العشنَّق، إن أنطق أُطلَّق، وإن أَسكُت أُعَلَّق) العشنَّقُ: الطويل الخارج بطوله إلى الحد المستكره، ويقال أيضًا عليه: العشنّط - بالطاء - تقول: ليس عنده أكثر من طول بلا نفع، فهو منظرٌ بلا مخبر، إن ذكرت عيوبه طلقني، وإن سكت عن ذلك، تركني مُعَلَّقة، لا أيِّمًا، ولا ذات زوج، كما قال تعالى: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالمُعَلَّقَةِ﴾\nو(قول الرابعة: زوجي كلَيلِ تِهامة، لا حرٌّ، ولا قرٌّ) هو مدح منها لزوجها، لأنَّها ضربت له مثلًا بليل تهامة، لأنَّه معتدل، إذ ليس فيه حرٌّ يؤذي، ولا بردٌ يُردِي. وكذلك كان زوجها. والقرُّ: البرد.\nو(قولها: ولا مخافة، ولا سآمة) أي: لا أخاف منه أذى، وليس فيه سآمة، أي: قلال. والرواية المشهورة: فتح ما بعد لا وبناء ما بعدها معها، وقد رواه أبو عبيد برفع ما بعدها وتنوينه في المواضع كلها على الابتداء وإضمار الخبر، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿لا بَيعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ وكنحو","vol":"6","page":336},{"text":"قَالَت الخَامِسَةُ: زَوجِي إِن دَخَلَ فَهِدَ، وَإِن خَرَجَ أَسِدَ، وَلَا يَسأَلُ عَمَّا عَهِدَ، قَالَت السَّادِسَةُ: زَوجِي إِن أَكَلَ لَفَّ، وَإِن شَرِبَ اشتَفَّ، وَإِن اضطَجَعَ التَفَّ، وَلَا يُولِجُ الكَفَّ لِيَعلَمَ البَثَّ،\nــ\nقوله: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنَّه يجوز فتحهما ورفعهما، وفتح الأول، ورفع الثاني، وعكس ذلك، وبسط ذلك في كتب النحو.\nو(قول الخامسة: زوجي إن دخل فهد، وإن خرج أسد، ولا يسأل عما عهد) الرواية فهد وأسد - بكسر العين وفتح اللام - على أنهما فعلان ماضيان مأخوذان من اسم الفهد والأسد، تريد أن حاله إذا دخل بيته نام نوم الفهد، تصفه بكثرة النوم. يقال في المثل: هذا أنوم من فهد، وأما إذا خرج للحرب، ف فعل فعل الأسد تصفه بالشجاعة. يقال: أسد الرجل واستأسد إذا تشجَّع، وقال إسماعيل بن أبي أويس: إن دخل فهد، أي: وثب عليّ كما يثب الفهد، فيحتمل أن تريد بذلك ضربها، أو المبادرة لجماعها.\nقلت: والأول أظهر.\nو(قولها: ولا يسأل عما عهد) أي: لا يبحث عما له من مال ولا طعام في بيته، فيحتمل أن يكون ذلك عن كرم نفس، وحسن خلق فيكون مدحًا، ويحتمل أن يكون ذلك عن غفلة وقلة مبالاة فيكون ذمًّا.\nو(قول السادسة: زوجي إن أكل لف، وإن شرب اشتف) تصفه بكثرة الأكل مع التخليط في المأكول، فهو يلف كل ما يجده من الأطعمة، ويشرب كل ما يجده من الأشربة. يقال: اشتف ما في الإناء إذا شرب ما فيه، من الشفافة وهي: البقية، وهذا وصف ذم.\nو(قولها: وإذا (١) اضطجع التف) تعني: أنه ينام وحده ملتفًا في ثوبه،\n_________\n(١) في مسلم والتلخيص: وإن.","vol":"6","page":337},{"text":"قَالَت السَّابِعَةُ: زَوجِي غَيَايَاءُ - أَو عَيَايَاءُ - طَبَاقَاءُ\nــ\nفيحتمل أن يكون ذلك منه إعراضًا عنها، إذ لا أرب له فيها، فهي لذلك كئيبة حزينة، ويناسبه قولها بعده: ولا يولج الكف ليعلم البث أي: لا يمد يده إلي ليعلم ما أنا عليه من الحزن لإعراضه عنها فيزيله. ويحتمل أنه: إنما يفعل ذلك فشلًا وعجزًا، فإنَّ هذه نومة العجزان الكسلان، وعلى هذا فيجتمع فيه: أنه أكول، شروب، نؤوم، لا رغبة له في شيء غير ذلك.\nواختلف في معنى قولها: ولا يولج الكفّ ليعلم البث، فأشار ابن الأعرابي إلى الأول، فإنَّه قال: إنما أرادت أنه إذا رقد التفّ في ناحية من البيت، ولم يضاجعني ليعلم ما عندي من محبتي لقربه. ولا بثَّ لها إلا محبَّتُها الدنوِّ منه، فسمته ذلك بثًّا، لأنَّ البث من جهته يكون. قال أبو عبيد: أحسب أنها كان بجسدها عيب، فكان لا يدخل يده في ثوبها كرمًا. وقال غيره: لا يمس عورتها، لأن ذلك قد يشق عليها في بعض الأوقات، ولذلك قال ﷺ في الحديث: حتى تستحدَّ المغيبة (١)، وقال أحمد بن عبيد: معناه: لا يتفقد أموري فيعلم ما أكرهه فيزيله، يقال: ما أدخل يده في هذا الأمر، أي: لم يتفقَّده.\nقلت: وقول ابن الأعرابي: أشبهها، وما ذكرته أنسبها، وعلى هذه الأقوال كلها فحديثها كله ذمٌّ، وأما على قول أبي عبيد، فإنَّها تكون قد مدحته بالإعراض والتغافل عن الاطلاع على ما يحزنها من عيب جسدها، وقد استبعد ابن قتيبة أن تكون تذمُّه بالوصفين المتقدِّمين وتمدحه بثالث.\nقلت: وهذا لا بُعد فيه، فإنَّهن تعاقدن ألا يكتمن من أحوال أزواجهن شيئًا، فمنهن من كان زوجها مذموم الأحوال كلها، ومنهن من كان زوجها ممدوح الأوصاف كلها، ومنهم من جمع الأمرين، فأخبرت كل واحدة بما علمت.\nو(قول السَّابعة: زوجي غياياء - أو عياياء- طباقاء) الرواية التي لا يعرف\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٢٤٥)، ومسلم (٧١٥). (١٨١) في كتاب الإمارة.","vol":"6","page":338},{"text":"كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَاءٌ\nــ\nغيرها بالعين المهملة، وغياياء: بالغين المعجمة، وأو للشك، وهو شك وقع من بعض الرواة، وقد أنكر أبو عبيد وغيره الغين المعجمة، وقالوا: صوابه: عياياء. وقالوا: هو العنين: وهو الذي تغلبه مباضعة النساء، وكذلك هو في الإبل التي لا تضرب ولا تلقح.\nقلت: ويظهر من كلام هؤلاء الأئمة: أنهم قصروا عياياء على الذي يعجز عن الجماع والضِّراب، والصحيح من اللسان: أنه يقال على ذلك، وعلى من لم يقم بأموره. ففي الصحاح: يقال جمل عياياء، أي: لم يهتد إلى الضراب، ورجل عياياء: إذا أعَيا بالأمر والمنطق، وعلى هذا فتكون هذه المرأة قد وصفته بكل ذلك، وأما إنكار غياياء فليس بصحيح.\nقال القاضي أبو الفضل: وقد يظهر له وجهٌ حسن، ولا سيما أكثر الرواة أثبتوه، ولم يشكُّوا فيه، وهو أن يكون مأخوذًا من الغياية، وهو كل ما أظل الإنسان فوق رأسه، فكأنه غطي عليه وسترت أموره، ويكون من الغي: وهو الانهماك في الشر، أو الغي: وهو الخيبة. قال الله تعالى: ﴿فَسَوفَ يَلقَونَ غَيًّا﴾ أي: خيبة.\nوالمعروف في الطباقاء: أنه بمعنى: العياياء، وهو الذي تنطبق عليه الأمور، وأنشد الجوهري قول جميل بن مَعمَر:\nطباقاء لم يشهد خُصُوًا ولم يَقُد ... رِكابًا إلى أَكوارِها حين تُعكف (١)\nقال: ويُروى عياياء، وهو بمعنى واحد.\nقال القاضي: وحكى أبو علي - وأظن البغدادي - عن بعضهم أنه قال: الثقيل الصدر، الذي ينطبق صدره على صدر المرأة عند الحاجة إليها، وهو من مذام الرجال. وقال الجاحظ: عياياء، طباقاء: أخبرت عن جهله بإتيان النساء، وعيِّه، وعجزه، وأنه إذا سقط عليها انطبق عليها، والنساء يكرهن صدور الرجال على صدورهن.\nو(قولها: كل داء له داء) أي: هو موصوف بجميع الأدواء مع عيه وعجزه.\n_________\n(١) انظر: الصحاح (٤/ ١٥١٢).","vol":"6","page":339},{"text":"شَجَّكِ أَو فَلَّكِ أَو جَمَعَ كُلًّا لَكِ، قَالَت الثَّامِنَةُ: زَوجِي الرِّيحُ رِيحُ زَرنَبٍ، وَالمَسُّ مَسُّ أَرنَبٍ، قَالَت التَّاسِعَةُ: زَوجِي رَفِيعُ العِمَادِ، طَوِيلُ النِّجَادِ،\nــ\nو(قولها: شجَّك، أو فلَّك، أو جمع كلًا لكِ) الشجاج: الجراح في الرأس، وتعني بفلَّك، أي: أثَّر في جسدك بالضرب، مأخوذ من فلَّ السيف فلولًا إذا تثلم، وقيل معناه: كسر أسنانها، وأو هنا للتقسيم، تعني: أنه في وقت يضربها فيشج رأسها، وفي وقت يؤثر في جسدها، وفي آخر يجمع كل ذلك عليها.\nو(قول الثامنة: الريح ريح زرنب، والمس مس أرنب) الأرنب: واحد الأرانب، تعني به: أنه لين الجسد عند المس، ناعمه كمسِّ جلد الأرنب، ويحتمل: أن يُكنى بذلك عن طيب خلقه، وحسن معاشرته. والزرنب: بتقديم الزاي على الراء: ضرب من النبات طيب الرائحة، ووزنه: فعلل. وأنشدوا:\nيا بأبي أنت وفوكِ الأشنبُ ... كأنَّما ذُرَّ عليه الزَّرنبُ\nأو زنجبيلٌ عاتقٌ مُطيَّب\nوظاهره: أنها أرادت: أن تستعمل الطيب كثيرًا تظرُّفًا ونظافة، ويحتمل أن تكني بذلك عن طيب الثناء له، أو عن طيب حديثه، وحسن معاشرته.\nو(قول التاسعة: زوجي رفيع العماد، طويل النجاد)، وظاهره: أنها وصفته بطول البيت وعلوه، فإنَّ بيوت الأشراف والكرماء كذلك، فإنَّهم يعلونها، ويضربونها في المواضع المرتفعة ليقصدهم الطارقون والمعتفون (١)، وبيوت غيرهم: قصار، وربما هُجي بذلك فقيل:\nقِصارُ البيوتِ لا تُرى صهواتها ... من اللُّؤمِ حشَّامُون عندَ الشدائد\nوقيل: كنت بذلك عن شرفه ورفعة قدره. والنجاد: حمالة السيف، تُريد: أنه طويل القامة، كما قال شاعرهم:\n_________\n(١) المُعتفون: جمع عاف ومُعتفٍ، الأضياف وطلاب المعروف (اللسان) مادة: عفى.","vol":"6","page":340},{"text":"عَظِيمُ الرَّمَادِ، قَرِيبُ البَيتِ مِن النَّادِي، قَالَت العَاشِرَةُ زَوجِي مَالِكٌ، فما مَالِكٌ؟ مَالِكٌ خَيرٌ مِن ذَلِكَ\nــ\nقَصُرَت حَمائِلُهُ عَلَيهِ فَقَلَصَت ... ولَقَد تَمَطَّطَ بَينَها فَأَطَالَها\nوكانت العرب تتمادح بالطول وتذم بالقصر، وذلك موجود في أشعارهم.\nو(قولها: عظيم الرَّماد) تعني: أن نار قِراه للأضياف لا تُطفأ، فرماد ناره كثير عظيم، كما قال:\nمَتَى تَأتِه تَعشُو إلى ضَوءِ نارِه ... تَجِد حَطَبًا جَزلًا ونارًا تَأَجَّجا\nوقال آخر:\nلَهُ نارٌ تُشَبُّ عَلَى يَفَاعٍ ... إِذَا النِّيرانُ أُلبِسَتِ القِنَاعا\nو(قولها: قريب البيت من النادي) النادي، والنديُّ، والمنتدى: مجلس القوم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَليَدعُ نَادِيَهُ﴾ أي: أهل مجلسه. تصفه بالشرف والسؤدد في قومه، فهم إذا تشاوروا أو تفاوضوا في أمر أتوه فجلسوا قريبًا من بيته، فاعتمدوا على رأيه، وامتثلوا أمره. ويحتمل أن تريد: أن النادي إذا أتوه لم يصعب عليهم لقاؤه، أي: لا يحتجب عنهم، ولا يتباعد منهم، بل: يقرب منهم، ويتلقاهم مرحبًا بهم، ومبادرًا لإكرامهم. ومقتضى حديثها: أنها وصفته بالسيادة والكرم، وحسن الخلق، وطيب المعاشرة.\nو(قول العاشرة: زوجي مالك، وما مالك؟) هذا تعظيم لزوجها، وهذا على نحو قوله تعالى: ﴿وَأَصحَابُ اليَمِينِ مَا أَصحَابُ اليَمِينِ﴾ و: ﴿الحَاقَّةُ * مَا الحَاقَّةُ﴾\nو(قولها: مالك خير من ذلك) أي: هو أجل من أن أصفه لشهرة فضله، وكثرة خيره.","vol":"6","page":341},{"text":"لَهُ إِبِلٌ كَثِيرَاتُ المَبَارِكِ قَلِيلَاتُ المَسَارِحِ، إِذَا سَمِعنَ صَوتَ المِزهَرِ أَيقَنَّ أَنَّهُنَّ هَوَالِكُ، قَالَت الحَادِيَةَ عَشرَةَ: زَوجِي أَبُو زَرعٍ، فَمَا أَبُو زَرعٍ؟ أَنَاسَ مِن حُلِيٍّ أُذُنَيَّ، وَمَلَأَ مِن شَحمٍ عَضُدَيَّ\nــ\nو(قولها: له إبل كثيرات المبارك، قليلات المسارح) مبارك الإبل: مواضع بروكها. واحدها: مبرك، ومسارحها: مواضع رعيها، واحدها مسرح، واختلف في معناه على ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنه أكثر بروكها وأقل تسريحها مخافة أن ينزل به ضيف وهي غائبة، ذكره أبو عبيد.\nوالثاني: أنها إذا بركت كانت كثيرة لتوفر عددها، وإذا سرحت كانت قليلة لكثرة ما يجزر منها للضيفان. قاله ابن أبي أويس.\nوثالثها: أنها إذا بركت كانت كثيرة لكثرة من ينضم إليها ممن يلتمس لحمها ولبنها، وإذا سرحت كانت قليلة لقلة من ينضم إليها منهم.\nو(قولها: إذا سمعن صوت المِزهَر أيقن أنهن هوالك) المزهر - بكسر الميم -: هو عود الغناء، وهو معروف عند العرب ومذكور في أشعارها، وقد أخطأ من قال: إنه مُزهِر بضم الميم وكسر الهاء، وفسَّره: بموقد النار في الرواية والمعنى. أما الرواية: فلا يصحُّ منها إلا ما ذكرناه، وهو كسر الميم، وفتح الهاء، وأما المعنى، فقيل فيه قولان:\nأحدهما: أنه يتلقى ضيفانه بالغناء مبالغة في الترحيب والإكرام، وإظهار الفرح.\nوالثاني: أنه يأتي ضيفانه بالشراب والغناء، فإذا سمعت الإبل صوت الِمِزهر والغناء أيقنَّ بنحرهنَّ للأضياف، وكلا القولين: أمدح، ومعناهما أوضح.\nو(قول الحادية عشرة: أناس من حُليِّ أذني) تريد: حلاني قِرَطَةً وشنوفًا تنوسُ بأذني، أي: تتحرك، والنَّوسُ: حركة كل شيء متدلٍّ، يقال فيه: ناسَ ينوسُ نوسًا، وأناسَه غيرَه إناسةً، وسُمِّي ملكُ اليمن ذا نُواس، لضفيرتين كانتا له تنوسان على عاتقه.\nو(قولها: ملأ من شحم عضدي) أي: سَمَّنني بالإحسان، وكثرة المأكل،","vol":"6","page":342},{"text":"وَبَجَّحَنِي فَبَجَحَت إِلَيَّ نَفسِي، وَجَدَنِي فِي أَهلِ غُنَيمَةٍ بِشِقٍّ فَجَعَلَنِي فِي أَهلِ صَهِيلٍ وَأَطِيطٍ وَدَائِسٍ وَمُنَقٍّ،\nــ\nوخصَّت العضدين، لأنهما إذا سمنا سَمِنَ جميع الجسد.\nو(قولها: فبجَحني فبجحت إليَّ نفسي) الرواية المعروفة: فبَجَحَت بفتح الجيم والحاء وسكون تاء الفرق، وإلي مشدد الياء، وتكون نفسي فاعلة بجحت، وقد رواه أبو عبيد: فَبَجُحتُ بضم الجيم، وسكون الحاء وتاء مضمومة، هي ضمير المتكلم الفاعل، وإلى ساكنة: حرف جر، نفسي: مجرورة، ومعنى: بجحني: فرحني ورفعني، ففرحت، وترفعت. يقال: فلان يتبجَّح بكذا، أي: يترفع ويفتخر، قال الشاعر وهو الراعي:\nوَما الفَقرُ من أَرضِ العَشِيرَةِ سَاقَنا ... إِلَيك وَلكنَّا بِقُربِكَ نَبجَحُ\nأي: نترفع، ونفتخر.\nو(قولها: وجدني في أهل غنيمة بشِقّ) الأكثر الأعرف في الرواية بكسر الشين، وقد ذكره أبو عبيد بفتح الشين. قال: والمحدِّثون يقولونه بالكسر، والفتح الصواب، وهو موضع. وقال ابن الأنباري: هو بالفتح والكسر، واختلف الذين كسروه، فمنهم من قال: هو شق جبل، أي: غنمهم قليلة، ومنهم من قال: هو الجهد والمشقة. كما قال تعالى: ﴿إِلا بِشِقِّ الأَنفُسِ﴾\nو(قولها: فجعلني في أهل صهيل وأطيط) الصهيل: حمحمة الخيل، والأطيط: صوت الرَّحل والإبل من ثقل أحمالها. يقال: لا آتيك ما أطَّت الإبل، وكذلك صوت الجوف من الجَوَى (١).\nو(قولها: ودائسٍ ومُنقٍّ) دائس: اسم فاعل من داس الطعام يدوسه دياسة فانداس هو، والموضع: مداسة. والمدوس: ما يداس به، أي: يدق ويُدرَس.\n_________\n(١) \"الجوى\": الحرقة وشدة الوجد من عشق أو حُزْن. وكل داءٍ في الجوف.","vol":"6","page":343},{"text":"فَعِندَهُ أَقُولُ فَلَا أُقَبَّحُ، وَأَرقُدُ فَأَتَصَبَّحُ، وَأَشرَبُ فَأَتَقَنَّحُ، أُمُّ أَبِي زَرعٍ، فَمَا أُمُّ أَبِي زَرعٍ؟ عُكُومُهَا رَدَاحٌ،\nــ\nويقال: داس الشيء برجله يدوسه دوسًا إذا وطئه.\nومُنق: صحيح الرواية فيه بضم الميم وفتح النون: اسم فاعل من نقى الطعام والشيء ينقيه تنقية، وهو مُنَق، يعني: أن لهم زرعًا يداس وينقى، وقاله ابن أبي أويس بكسر النون، قال: وهو نقيق أصوات المواشي والأنعام.\nقلت: وهذا ليس بشيء، لأنَّه لا يقال لشيء من ذلك: نَقٌّ، وإنما يقال: نقُّ العقرب والضفدع والدجاجة، وقد يقال: نق الهر، وهو قليل، ولذلك قال النيسابوري: تريد الدجاج، وهو بعيد، لأنَّ الدجاج لا تمتدح بها العرب، ولا تذكرها في الأموال، ومقصود قولها هذا: أنها كانت في قوم ضعفاء فقراء، فنقلها إلى قوم أغنياء أقوياء.\nو(قولها: فعنده أقول فلا أُقَبِّح) أي: لا يعاب لها قول، ولا يرد بل يستحسن ويمتثل.\nو(قولها: وأرقد فأتصبح) أي: أديم النوم إلى الصباح، لا يوقظها أحدٌ، لأنَّها مكرَّمة، مكفية الخدمة والعمل.\nو(قولها: فأتقَنَّح) يروى بالميم والنون مكانها. والروايتان معروفتان، غير أن أبا عبيد لم يعرف رواية النون، فأمَّا أتقمح بالميم، فمعناه: أتروى حتى أمجَّ الشراب من الرِّي. يقال: ناقةٌ قامح، وإبل قماح: إذا رفعت رءوسها عند الشراب، ونحو قوله تعالى: ﴿فَهُم مُقمَحُونَ﴾. وأما بالنون فمعناه: الزيادة على الشرب بعد الرِّي. يقال: قنحت من الشراب، أقنح قنحًا إذا شربت بعد الرِّي، وقال ابن السكيت: معناه أقطع الشرب وأشرب قليلًا قليلًا.\nو(قولها: عكومها رداح) العكوم: جمع عكم، وهو العدل. ورداح:","vol":"6","page":344},{"text":"وَبَيتُهَا فَسَاحٌ، ابنُ أَبِي زَرعٍ، فَمَا ابنُ أَبِي زَرعٍ؟ مَضجَعُهُ كَمَسَلِّ شَطبَةٍ، وَتُشبِعُهُ ذِرَاعُ الجَفرَةِ، بِنتُ أَبِي زَرعٍ، فَمَا بِنتُ أَبِي زَرعٍ؟ طَوعُ أَبِيهَا، وَطَوعُ أُمِّهَا، وَمِلءُ كِسَائِهَا، وصفر ردائها،\nــ\nمملوءة من الأمتعة، تعني: أنها كثيرة القماش والأثاث. ويقال: امرأة رداح، إذا كانت عظيمة الكفل.\nو(قولها: وبيتها فساح) أي: واسع. يقال: بيت فسيح، وفساح، وظاهره: أنه فسيح الفناء، ويحتمل أن يكون كناية عمَّا يفعل فيه من الخير والمعروف.\nو(قولها: مضجعه كمسل شطبة) الشَّطبة: هي بفتح الشين، وأصلها ما شطب من جريد النخل، وذلك: أنه يُشَقُّ منه قضبان دقاق تنسج منها الحصر. وقال ابن الأعرابي وغيره: الشَّطبة هنا: السيف يسل من غمده.\nو(قولها: وتشبعه ذراع الجفرة) وهي: الأنثى من ولد المعز، والذكر: جفر، وإذا أتى على ولد المعز أربعة أشهر، وفصل عن أمه، وأخذ في الرعي قيل عليه: جفر. مدحته بقلَّة أكله، وقلَّة لحمه، وهما وصفان ممدوحان. قال الشاعر:\nتَكفِيه حُزَّةُ فِلذٍ إن أَلَمَّ بِهَا ... مِنَ الشِّواءِ ويُروِي شُربَهُ الغُمَرُ\nو(قولها: ملء كسائها) أي: ممتلئة الجسم.\nو(قولها: صفر ردائها) (١) أي: خاليته، والصفر: الشيء الفارغ. قال الهروي: أي: ضامرة البطن، والرداء ينتهي إلى البطن. وقال غيره: يريد أنها خفيفة أعلى البدن، وهو موضع الرداء ممتلئة أسفله، وهو موضع الكساء والأزرة، ويؤيده قولها في بعض روايات الحديث: مِلءُ إزارها.\nقال القاضي: والأولى: أنه أراد:\n_________\n(١) هذه العبارة ليست في التلخيص، وقد وردت في مسلم برواية أخرى.","vol":"6","page":345},{"text":"وَغَيظُ جَارَتِهَا،\nــ\nأن امتلاء منكبيها، وقيام نهديها يرفضان الرداء عن أعلى جسدها (١)، فهو لا يمسه كالفارغ منها بخلاف أسفلها، كما قال الشاعر:\nأَبَتِ الرَّوادِفُ والثُّدِيُّ لِقُمصِها ... مَسَّ البُطُونِ وأَن تَمَسَّ ظُهُورا\nو(قولها: وغيظ جارتها) تريد أن ضرتها يغيظها ما تراه من حسنها، وجمالها، وعفافها.\nو(قولها: وعقر جارتها (٢» الرواية الصحيحة: بعين مهملة مفتوحة، وقاف من العقر، وهو الجرح، أو الهلاك، تعني: أن ضرتها (٣) تموت من أجلها حسدًا وغيظًا، أو ينعقر قلبها، وفي قولها: ملء كسائها، وصفر ردائها، وغيظ جارتها دليل لسيبويه: على صحة ما أجازه من قول: مررتُ برجلٍ حَسَنٍ وجهه، وهو ردٌّ على المبرّد والزجَّاج، فإنَّهما منعا ذلك، وعلَّل الزجاجي المنع بإضافة الشيء إلى نفسه، وخطَّأَ سيبويه في إجازة ذلك، وقال: إنما أجازه سيبويه وحده، وقد أخطأ الزجَّاجي في هذا النقل في مواضع، أخطأ في المنع، وأخطأ في التعليل، وفي تخطئته سيبويه، وفي قوله: إنه لم يقل به غير سيبويه. وقد قال أبو الحسن بن خروف: أنَّه قال به طائفة لا يحصون، وفي قوله: إن جميع الناس خطَّئوا سيبويه، وليس بصحيح. وكيف يخطأ باللسان من تمسك بالسَّماع بالصحيح، كما جاء في هذا الحديث المتفق على صحته. وقد جاء عن بعض الصَّحابة ﵃ في وصف النبي ﷺ فقال: شَثَنٌ أصابعه (٤)، وقد اتفق أهل اللسان على صحة قول الشاعر:\n_________\n(١) في (ز): صدرها.\n(٢) هذه العبارة ليست في التلخيص، وإنما جاءت في روايةٍ إثر حديث الباب، في صحيح مسلم.\n(٣) في (ز): جارتها.\n(٤) \"الشَّثن\": الغليظ الأصابع من الكفَّين والقدمين.","vol":"6","page":346},{"text":"جَارِيَةُ أَبِي زَرعٍ، فَمَا جَارِيَةُ أَبِي زَرعٍ؟ لَا تَبُثُّ حَدِيثَنَا تَبثِيثًا، وَلَا تُنَقِّثُ مِيرَتَنَا تَنقِيثًا، وَلَا تَملَأُ بَيتَنَا تَعشِيشًا،\nــ\nأَمِن دِمِنتين عرَّج الركبُ فيهما ... بحقل الرُّخامى قد عفا طللاهُما\nأقامَت عَلَى رَبعَيهِما جارَتا صَفًا ... كُميتا الأعالي جونتا مصطلاهما\nوقد تعسَّف المانع في تأويل هذا السماع بما تمجُّه الأسماع، ولتفصيل ذلك مبسوطات النحو، ومن تمسك بالسماع فرد حجَّته لا يستطاع.\nو(قولها: لا تبثُّ حديثنا تبثيثًا) يُروى بالباء بواحدة، من البث: وهو الإظهار والإشاعة، فتصفها بكتمان ما تسمعه من الحديث، وهذا يدلّ على عقلها، وأمانتها، ويُروى بالنون، وهو بمعنى الأول. يقال: نثَّ الحديث إذا أنثاه، وفي الصحاح: بث الخبر، وأبثه: إذا أفشاه، ونثَّه بالنون ينثّه بالضم كذلك، وأنشد:\nإذا جاوَزَ الاثنين سرٌّ فإنَّهُ ... بِنَثٍّ وتكثِيرِ الوُشَاةِ قَمينُ\nو(قولها: ولا تنقَّث ميرتنا تنقيثًا) أصل التنقيث: الإسراع. يقال: خرجت أنقث - بالضم -، أي: أسرع السير، وكذلك أنتقث. والميرة: ما يمتار من موضع إلى موضع من الأطعمة، وأرادت: أنها أمينةٌ على حفظ طعامنا وحافظة له.\nو(قولها: ولا تملأ بيتنا تعشيشًا) يُروى هذا بالعين المهملة والمعجمة، فعلى المهملة فسَّره الخطابي بأنها لا تفسد الطعام المخبوز، بل تتعهده بأن تطعمنا منه أولًا فأولًا، وتلاه على هذا التفسير المازري، وهذا إنما يتمشَّى على رواية من رواه: ولا تفسد ميرتنا تعشيشًا. وأما على رواية ما صح هنا من قولها: ولا تملأ، فلا يستقيم، وإنَّما معناه: أنها تتعهَّد بيتها بالنظافة والكَنس، ولا تترك كناسة في البيت، حتى يصير كعش الطائر، وأما رواية الغين المعجمة فهو من الغش والخيانة، أي: لا تخوننا في شيء من ذلك، ولا تترك النصيحة في صنعة. والأوطاب: جمع وطب، وهو من الجموع النادرة، فإنَّ فَعلًا في الصحيح قياسه","vol":"6","page":347},{"text":"قَالَت: خَرَجَ أَبُو زَرعٍ وَالأَوطَابُ تُمخَضُ فَلَقِيَ امرَأَةً مَعَهَا وَلَدَانِ لَهَا كَالفَهدَينِ يَلعَبَانِ مِن تَحتِ خَصرِهَا بِرُمَّانَتَينِ فَطَلَّقَنِي وَنَكَحَهَا، فَنَكَحتُ بَعدَهُ رَجُلًا سَرِيًّا رَكِبَ شَرِيًّا، وَأَخَذَ خَطِّيًّا، وَأَرَاحَ عَلَيَّ نَعَمًا ثَرِيًّا، وَأَعطَانِي مِن كُلِّ رَائِحَةٍ زَوجًا،\nــ\nأن يأتي في القلة على أفعل، وفي الكثرة على فُعُول، وفِعَال، وهي: أسقية اللبن، وتُمَخَّض: تحرِّك ليخرج زبدها.\nو(قولها: يلعبان من تحت خصرها برمَّانتين) قال ابن أبي أويس: تعني بالرمانتين: ثدييها. قال أبو عبيد: ليس هذا موضعه، وإنَّما معناه: أنها عظيمة الكفل، فهي إذا استلقت صار بينها وبين الأرض فجوة يجري فيها الرُّمان، قال القاضي: وما أنكره أبو عبيد أظهر وأشبه، لا سيما وقد روي: من تحت صدرها، ومن تحت درعها، ولأن العادة لم تجر برمي الصبيان الرمان تحت أصلاب أمهاتهم، ولا باستلقاء النساء كذلك، حتى يشاهد ذلك منهن الرجال، والأشبه: أنهما رمانتا الثديين، شبههما بذلك لنهودهما، ودلَّ على ذلك صغر سنها.\nو(قولها: فنكحتُ بعده رجلًا سريًا، ركب شريًا، وأخذ خطيًا، وأراح عليَّ نَعَمًا ثريًا) السري - بالسين المهملة -: هو السيِّد الشريف، ومنه قوله تعالى: ﴿قَد جَعَلَ رَبُّكِ تَحتَكِ سَرِيًّا﴾ على قول الحسن، وسراة كل شيء: خياره، وسروات الناس: كبراؤهم، وحكى يعقوب فيها الشين المعجمة.\nوركب شريًّا أي: فرسًا سريعًا. يُقال: استشرى الفرس، إذا لَجَّ في سيره ومضى فيه، وقال يعقوب: فرس شري: خيارٌ، وهو بالمعجمة لا غير. والخطي: الرمح، منسوب إلى موضع بالبحرين يقال له: الخط. والنعم: الإبل. وثريًّا: كثيرة كالثرى، وهو التراب. وأراحها: أتى بها إلى مراحها، وهو موضع مبيتها.\nو(قولها: وأعطاني من كل رائحة زوجًا) رائحة - بالراء -: هو اسم فاعل من","vol":"6","page":348},{"text":"قَالَ: فكُلِي أُمَّ زَرعٍ، وَمِيرِي أَهلَكِ، فَلَو جَمَعتُ كُلَّ شَيءٍ أَعطَانِي مَا بَلَغَ أَصغَرَ آنِيَةِ أَبِي زَرعٍ، قَالَت عَائِشَةُ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كُنتُ لَكِ كَأَبِي زَرعٍ لِأُمِّ زَرعٍ.\nــ\nراح، تعني: أنه أعطاها من كل صنف من الإبل، والغنم، والبقر. والزوج: الصِّنف (١)، كما قال تعالى: ﴿وَكُنتُم أَزوَاجًا ثَلاثَةً﴾ وقد يراد بالزوج: اثنان. يقال فرد وزوج، وزوج المرأة: بعلها، وهي زوجٌ له. وقد جاء زوجه، ويقال: هما زوجان للاثنين، وهما زوج، كما يقال: هما سيّان، وهما سواء، قاله الجوهري. وقال غيره: ولا يوضع الزوج على الاثنين أبدًا. قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوجَينِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى﴾ وقد رويت هذه الكلمة: ذابحة بالذال المعجمة من الذبح، وتكون فاعلة بمعنى مفعولة، كـ ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ أي: مرضية، يعني: أنه أعطاها من كل شيء يذبح.\nو(قوله: فكلي أم زرع، ومِيري أَهلَكِ) أباح لها أن تأكل ما شاءت من طعامه، وأن تبعث منه بما شاءت لأهلها، مبالغة في إكرامها، وفي الاحتفال بها، ومع ذلك كله، فكانت أحواله كلها عندها محتقرة بالنسبة إلى أبي زرع، ولذلك قالت: فلو جمعت كل شيء أعطاني ما بلغ أصغر آنية أبي زرع، وسبب ذلك: أن أبا زرع كان الحبيب الأول. كما قال الشاعر (٢):\nنقِّل فؤادَك حيث شئتَ من الهوى ... ما الحبُّ إلا للحبيب الأوَّلِ\nوقوله ﷺ لعائشة: كنت لك كأبي زرع لأم زرع تطييب لقلبها، ومبالغة في حسن عشرتها، ومعناه: أنا لك، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ﴾ أي: أنتم، ويمكن بقاؤها على ظاهرها، أي: كنت لك في علم الله\n_________\n(١) في (ز): الضعف.\n(٢) هو أبو تمام.","vol":"6","page":349},{"text":"وفي رواية، قال: عياياء طباقاء - ولم يشك - وقال: قليلات المسارح، وقال: وصفر ردائها، وخير نسائها، وعقر جارتها، وقال: ولا تنقث ميرتنا تنقيثا، وقال: وأعطاني من كل ذابحة زوجا.\nرواه البخاريُّ (٥١٨٩)، ومسلم (٢٤٤٨).\n* * *\nــ\nالسَّابق، ويمكن أن تكون مِمَّا أريد بها الدوام، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾\nوحديث أم زرع هذا فيه أحكام:\nمنها: جواز محادثة الأهل، ومباسطتهن بما لا ممنوع فيه.\nوفيه: جواز إعلام الزوج زوجته بمحبته إياها بالقول إذا لم يؤد ذلك إلى مفسدة في حاله بحيث تهجره، وتتجرَّأ عليه.\nوفيه: ما يدل على أن ذكر عيوب من ليس بمعين لا يكون غيبة، وفيه جواز الانبساط بذكر طُرَفِ الأخبار، ومُستطابات الأحاديث، وتنشيط النفوس بذلك، وجواز ذكر محاسن الرجال للنساء، ولكن إذا كانوا مجهولين بخلاف المعيَّن، فإنَّ ذلك هو المنهي عنه بقوله ﷺ: لا تصف المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها (١).\nوفيه: ما يدل على جواز الكلام بالألفاظ الغريبة والأسجاع، وأن ذلك لا يكره، وإنَّما يكره تكلف ذلك في الدُّعاء.\n* * *\n_________\n(١) رواه الطبراني في الكبير (١٠/ ١٧٣)، وانظر: التمهيد (٤/ ٦٥).","vol":"6","page":350},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-883>(٤٨) باب فضائل فاطمة بنت النبي ﷺ</span>\n[٢٣٥٨] عن المِسوَرَ بنَ مَخرَمَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى المِنبَرِ، وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّ بَنِي هِشَامِ بنِ المُغِيرَةِ استَأذَنُونِي أَن يُنكِحُوا ابنَتَهُم عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ، فَلَا آذَنُ لَهُم، ثُمَّ لَا آذَنُ لَهُم، ثُمَّ لَا آذَنُ لَهُم، إِلَّا أَن\nــ\n(٤٨) ومن باب فضائل فاطمة ﵂ بنت رسول الله ﷺ\nسيدة نساء العالمين ﵂، وقد اختلف في أصغر بنات رسول الله ﷺ. قال أبو عمر: والذي تسكن النفس إليه: أن زينب هي الأولى، ثم رقية، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، ولدت لرسول الله ﷺ سنة إحدى وأربعين من مولده ﷺ وتزوجها علي - ﵄ - بعد وقعة أحد. وقيل: بعد أن ابتنى النبي ﷺ بعائشة - ﵂ - بأربعة أشهر ونصف شهر، وبنى بها عليٌّ بعد تزويجها بسبعة (١) أشهر ونصف، وكان سِنُّها يوم تزوجها ﵄ خمس عشرة سنة وخمسة أشهر ونصفًا، وسِنُّ علي يومئذ: إحدى وعشرون سنة وستة أشهر، وولدت له الحسن والحسين، وأم كلثوم، وزينب، وتوفيت بعد رسول الله ﷺ بيسير. قيل: بثمانية أشهر. وقيل: بستة أشهر. وقيل: بثلاثة أشهر. وقيل: بسبعين يومًا. وقيل: بمائة يوم. وهي أحبُّ بناتِ رسول الله ﷺ إليه، وأكرمهن عنده، وسيدة نساء أهل الجنة على ما تقدَّم في باب خديجة. وكان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفر يبدأ بالمسجد فيصلِّي فيه، ثم يبدأ ببيت فاطمة فيسأل عنها، ثم يدور على سائر نسائه، إكرامًا لها، واعتناء بها، وهي أوَّل من سُتِر\n_________\n(١) في (ز): بستة.","vol":"6","page":351},{"text":"يُحِبَّ ابنُ أَبِي طَالِبٍ أَن يُطَلِّقَ ابنَتِي وَيَنكِحَ ابنَتَهُم، فَإِنَّمَا ابنَتِي بَضعَةٌ مِنِّي يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا، وَيُؤذِينِي مَا آذَاهَا.\nــ\nنعشُها في الإسلام، وذلك أنها لما احتضرت قالت لأسماء بنت عُميس: إني قد استقبحتُ ما يُفعَلُ بالنساء، إنه يُطرَحُ على المرأة الثوبُ يصفها، فقالت أسماء: يا ابنة رسول الله! ألا أريكِ شيئًا رأيتُه في الحبشة؟ ! فدعت بجرائد رطبةٍ، فَحَنَتها، ثم طرحت عليها ثوبًا، فقالت فاطمة: ما أحسن هذا وأجمله، تُعرف به المرأة من الرجل، فإذا أنا مِتُّ، فاغسليني أنت وعليٌّ، ولا تُدخلي أحدًا. فلما توفيت جاءت عائشة لتدخل، فقالت أسماء: لا تدخلي. فشكت إلى أبي بكر فقالت: إن هذه الخثعمية (١) تحول بيننا وبين بنت رسول الله ﷺ، وقد جعلت لها مثل هودج العروس، فجاء أبو بكر فوقف على الباب، فقال: يا أسماء! ما حَمَلَكِ على أن منعت أزواج النبي ﷺ يدخلن على بنت رسول الله ﷺ، وجعلت لها مثل هودج العروس؟ فقالت: أمرتني ألَاّ يدخل عليها أحد، وأريتها هذا الذي صنعتُ، فأمرتني أن أصنع ذلك بها. قال أبو بكر ﵁: اصنعي ما أمرتك، ثم انصرف. وغسَّلها عليٌّ، وأشارت أن يدفنها ليلًا، وصلَّى عليها العباس، ونزل في قبرها هو وعلي والفضل، وتوفيت وهي بنت ثلاثين سنة، وقيل: بنت خمس وثلاثين.\nو(قوله ﷺ: إن فاطمة بضعة مني، يريبني ما رابها) البضعة - بفتح الباء -: القطعة من اللحم، وتجمع بضاع، كقصعة وقصاع، وهي مأخوذة من البضع، وهو القطع، وقد سَمَّاها في الرواية الأخرى: مُضغَة، وهي قَدرُ ما يمضغها الماضغ، ويعني بذلك: أنَّها كالجزء منه يؤلمه ما آلمها. ويريبني ما رابها: أي يشق علي ويؤلمني. يقال: رابني فلان: إذا رأيت منه ما تكرهه - ثلاثيًّا - والاسم منه: الرِّيبة.\n_________\n(١) في (ز): الحبشية.","vol":"6","page":352},{"text":"وفي رواية: أنَّ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ خَطَبَ بِنتَ أَبِي جَهلٍ وعنده فاطمة بنت النبي ﷺ، فلما سمعت بذلك فَاطِمَةَ أَتَت النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ قَومَكَ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ لَا تَغضَبُ لِبَنَاتِكَ، وَهَذَا عَلِيٌّ نَاكِحًا ابنَةَ أَبِي جَهلٍ، قَالَ: المِسوَرُ: فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ.\nوفي رواية: يَخطُبُ النَّاسَ فِي ذَلِكَ عَلَى مِنبَرِهِ هَذَا، وَأَنَا يَومَئِذٍ مُحتَلِمٌ فَسَمِعتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ، قَالَ: أَمَّا بَعدُ، فَإِنِّي أَنكَحتُ أَبَا العَاصِ بنَ الرَّبِيعِ فَحَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي.\nوفي رواية: ووعدني، وَإِنَّ فَاطِمَةَ بِنتَ مُحَمَّدٍ مُضغَةٌ مِنِّي، وَإِنَّمَا أَكرَهُ أَن يَفتِنُوهَا.\nوفي رواية: في دينها، وَإِنِّي لَستُ أُحَرِّمُ حَلَالًا، وَلَا أُحِلُّ حَرَامًا،\nــ\nوهذيل تقول فيه: أرابني - رباعيًّا- والمشهور: أن أراب: إنما هو بمعنى صار ذا ريبة، فهو مريب، وارتاب بمعنى: شك، والرَّيب: الشك.\nو(قولها: هذا علي ناكحًا ابنة أبي جهل) كذا الرواية: ناكحًا بالنصب على الحال، لأنَّ الكلام قبله مستقل بنفسه، لأنَّ قولها: هذا علي، كقولك: هذا زيد، لكن رفعه أحسن لو روي، لأنَّه هو المقصود بالإفادة، وعلي توطئة له.\nو(قوله ﷺ: لا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن) تأكيد لمنع الجمع بين فاطمة، وبين ابنة أبي جهل، لما خاف النبي ﷺ على فاطمة من الفتنة من أجل الغَيرة، ولما توقع من مناكدة هذه الضَّرَّة، لأنَّ عداوة الآباء قد تؤثر في الأبناء.\nو(قوله: وإني لست أحرم حلالًا، ولا أحل حرامًا) صريح في أن الحكم بالتحليل والتحريم من الله تعالى، وإنَّما الرسول مُبلغ، ويُستدلُ به في منع اجتهاد النبي ﷺ في الأحكام، ومن منع جواز تفويض الأحكام إلى النبي ﷺ ولا حُجَّة فيه، لأنَّ اجتهاد المجتهد لا يوجب الأحكام، ولا ينشئها، وإنَّما هو مُظهِر لها،","vol":"6","page":353},{"text":"وإنها والله لَا تَجتَمِعُ بِنتُ رَسُولِ اللَّهِ وَبِنتُ عَدُوِّ اللَّهِ عند رجل واحد أبدا. قال: فترك علي الخطبة.\nرواه أحمد (٤/ ٣٢٨)، والبخاريّ (٥٢٣٠)، ومسلم (٢٤٤٩) (٩٣ - ٩٦)، وأبو داود (٢٠٧١)، والترمذيُّ (٣٨٦٧)، وابن ماجه (١٩٩٨).\nــ\nكما أوضحناه في الأصول.\nويفيد هذا: أن حكم الله على عليٍّ، وعلى غيره التخيير في نكاح ما طاب له من النساء إلى الأربع، ولكن النبي ﷺ إنما منع عليًّا من ذلك لما خاف على ابنته من المفسدة في دينها من ضرر عداوةٍ تَسري إليها، فتتأذى في نفسها، فيتأذى النبي ﷺ بسببها، وأذى النبي ﷺ حرام، فيحرم ما يؤدي إليه. ففيه القول بسد الذرائع، وإعمال المصالح، وأن حرمة النبي ﷺ أعظم من حرمة غيره، وتظهر فائدة ذلك: بأن من فعل مِنَّا فعلا يجوز له فعله لا يمنع منه، وإن تأذى بذلك الفعل غيره، وليس ذلك حالنا مع النبي ﷺ بل يحرم علينا مطلقًا فعل كل شيء يتأذى به النبي ﷺ وإن كان في أصله مباحًا، لكنه إن أدَّى إلى أذى النبي ﷺ ارتفعت الإباحة، ولزم التحريم.\nوفيه: ما يدلّ على جواز غضب الرَّجل لابنته وولده وحرمه، وعلى الحرص في دفع ما يؤدي لضررهم، إذا كان ذلك بوجه جائز.\nوفيه ما يدلّ على جواز خطبة الإمام الناس وجمعهم لأمر يحدث.\nو(قوله: والله لا تجتمع ابنة نبي الله وابنة عدوِّ الله عند رجل واحد أبدًا) دليل على أن الأصل أن ولد الحبيب حبيب، وولد العدو عدوّ، إلى أن يتيقن خلاف ذلك، وقد استنبط بعض الفقهاء من هذا منع نكاح الأَمَة على الحرَّة، وليس بصحيح، لأنَّه يلزم منه منع نكاح الحرَّة الكتابية على المسلمة، ومنع نكاح ابنة المرتد على من ليس أبوها كذلك، ولا قائل به فيما أعلم. فدلَّ ذلك على أن ذلك الحكم مخصوص بابنة أبي جهل وفاطمة ﵂.\nو(قوله: فترك عليٌّ الخطبة) يعني: لابنة أبي جهل وغيرها، ولم يتزوَّج عليها، ولا تسرَّى حتى ماتت ﵂.","vol":"6","page":354},{"text":"[٢٣٥٩] وعن عَائِشَةَ قَالَت: كُنَّ أَزوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ عِندَهُ لَم يُغَادِر مِنهُنَّ وَاحِدَةً، فَأَقبَلَت فَاطِمَةُ تَمشِي مَا تُخطِئُ مِشيَتُهَا مِشيَة رَسُولِ اللَّهِ ﷺ\nــ\nو(قوله ﷺ: إن أبا العاص بن الربيع حدَّثني فصدقني، ووعدني فوفى لي (١» أبو العاص هذا: هو زوج ابنة رسول الله ﷺ زينب ﵂، واسمه: لقيط -على الأكثر -. وقيل: هشيم (٢) بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمه هالة بنت خويلد أخت خديجة لأبيها، وكان النبي ﷺ قد أنكحه زينب، وهي أكبر بناته وذلك بمكة فأحسن عشرتها، وكان مُحِبَّا لها، وأرادت منه قريش أن يطلقها فأبى، فشكر له النبي ﷺ ذلك، ثم إنَّه حضر مع المشركين ببدر فأُسِر، وحُمل إلى المدينة، فبعثت فيه زينبُ قلادتها، فردت عليها، وأُطلق لها، وكان وعد النبي ﷺ أن يرسلها إليه ففعل، وهاجرت زينب، وبقي هو بمكة على شِركِه إلى أن خرج في عير لقريش تاجرًا، وذلك قبيل الفتح بيسير، فعرض لتلك العير زيد بن حارثة في سرية من المسلمين من أصحاب رسول الله ﷺ فأخذها، وأفلت أبو العاص هاربًا إلى أن جاء إلى المدينة، فاستجار بزينب فأجارته، وكلم النبي ﷺ الناس في رد جميع ما أُخذ من تلك السَّرية، ففعلوا، وقال: إنه يردُّ أموال قريش، ويسلم، ففعل ذلك، فلذلك شكره النبي ﷺ وقال: حدَّثني فصدقي، ووعدني فوفى لي.\nوقول عائشة: كن أزواج النبي ﷺ عنده لم يغادر منهن واحدة) أي: لم يترك، ولم يغفل عن واحدة منهن، وهذا كان لما اشتدَّ مرضُه، ومُرِّض في بيت عائشة. والسِّرار: السرُّ. يقال: سارره يسارره سرًّا، وسرارًا، ومُسارَّة. وبكاء فاطمة في أول مرَّة كان حزنًا على النبي ﷺ لما أعلمها بقرب أجله، وضحكها ثانية\n_________\n(١) قوله: فوفى لي، رواية لمسلم برقم (٢٤٤٩) (٩٥).\n(٢) في (ز): مهيم. وفي (م ٤): مهشم. وذكر ابن الأثير في أسد الغابة الاسمين: هشيم ومهشم.","vol":"6","page":355},{"text":"شَيئًا، فَلَمَّا رَآهَا رَحَّبَ بِهَا، فَقَالَ: مَرحَبًا بِابنَتِي، ثُمَّ أَجلَسَهَا عَن يَمِينِهِ - أَو عَن شِمَالِهِ - ثُمَّ سَارَّهَا، فَبَكَت بُكَاءً شَدِيدًا، فَلَمَّا رَأَى جَزَعَهَا سَارَّهَا الثَّانِيَةَ فَضَحِكَت، فَقُلتُ لَهَا: خَصَّكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن بَينِ نِسَائِهِ بِالسِّرَارِ، ثُمَّ أَنتِ تَبكِينَ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَأَلتُهَا: مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَت: مَا كُنتُ أُفشِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِرَّهُ. قَالَت: فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُلتُ: عَزَمتُ عَلَيكِ بِمَا لِي عَلَيكِ مِن الحَقِّ لَمَا حَدَّثتِنِي مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَت: أَمَّا الآنَ فَنَعَم، أَمَّا حِينَ سَارَّنِي فِي المَرَّةِ الأُولَى فَأَخبَرَنِي أَنَّ جِبرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ القُرآنَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَارَضَهُ الآنَ مَرَّتَينِ، وَإِنِّي لَا أُرَى الأَجَلَ إِلَّا قَد اقتَرَبَ، فَاتَّقِي اللَّهَ وَاصبِرِي، فَإِنَّهُ نِعمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ، قَالَت: فَبَكَيتُ بُكَائِي الَّذِي رَأَيتِ، فَلَمَّا رَأَى جَزَعِي سَارَّنِي الثَّانِيَةَ فَقَالَ: يَا فَاطِمَةُ أَمَا تَرضَي أَن تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ المُؤمِنِينَ - أَو سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ -؟ قَالَت: فَضَحِكتُ ضَحِكِي الَّذِي رَأَيتِ.\nوزاد في رواية: وإنك أول أهل بيتي لحوقا بي.\nرواه أحمد (٦/ ٨٢)، والبخاريُّ (٦٢٨٥ - ٦٢٨٦)، ومسلم (٢٤٥٠) (٩٨ - ٩٩).\n* * *\nــ\nفرحًا بما بشرها به من السلامة من هذه الدار، ولقرب الاجتماع به، وبالفوز بما لها عند الله من الكرامة، وكفى بذلك أن قال لها: إنها سيدة نساء أهل الجنة، وقد تقدَّم الكلام على هذا في باب: خديجة.\nوكونه ﷺ كان جبريل يعارضه كل سنة مرَّة، يدل على استحباب عرض القرآن على الشيوخ ولو مرَّة في السَّنة، ولما عارضه جبريل القرآن في آخر سنة مرتين استدل النبي ﷺ بذلك على قرب أجله من","vol":"6","page":356},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-884>(٤٩) باب فضائل أم سلمة وزينب زوجي النبي ﷺ</span>\n[٢٣٦٠] عن أبي عُثمَانَ، عَن سَلمَانَ قَالَ: لَا تَكُونَنَّ إِن\nــ\nحيث مخالفة العادة المتقدِّمة، والله تعالى أعلم.\nوكان النبي ﷺ كثر عليه الوحي في السنة التي توفي فيها حتى كمَّل الله من أمره ووحيه ما شاء أن يكمله.\n(٤٩) ومن باب فضائل أم سلمة - ﵂ - زوج النبي ﷺ\nواسمها هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، واسم أبيها: حذيفة، يعرف بزاد الراكب، وكان أحد أجواد العرب المشهورين بالكرم، وكانت قبل النبي ﷺ تحت أبي سلمة بن عبد الأسد، وأسلمت هي وزوجها، وكان أول من هاجر إلى أرض الحبشة، ويقال: إن أم سلمة أول ظعينة قدمت المدينة مهاجرة. قال أبو عمر: تزوج بها رسول الله ﷺ بعد سنتين من الهجرة، بعد وقعة بدر، وعقد عليها في شوال، وابتنى بها في شوال. قال أبو محمد عبد الله بن علي الرَّشاطي: [هذا وَهمٌ شنيع] (١)، وذلك: أن زوجها أبا سلمة شهد أحدًا، وكانت أحد في شوال سنة ثلاث، فجرح فيها جرحًا اندمل، ثم انتقض به فتوفي منه لثلاث خلون من جمادى الآخرة سنة أربع، وانقضت عدَّة أم سلمة منه في شوال سنة أربع، وبنى بها عند انقضائها. قال: وقد ذكر أبو عمر هذا في صدر الكتاب، وجاء به على الصواب. وتوفيت أم سلمة في أول خلافة يزيد بن معاوية سنة ستين. وقيل: توفيت في شهر رمضان، أو شوال سنة تسع وخمسين، وصلَّى عليها أبو هريرة، وقيل: سعيد بن زيد، ودفنت بالبقيع.\nوأما زينب: فهي ابنة جحش بن رِئاب بن يعمر بن صَبِرة بن مرة بن كبير بن\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ز).","vol":"6","page":357},{"text":"استَطَعتَ أَوَّلَ مَن يَدخُلُ السُّوقَ وَلَا آخِرَ مَن يَخرُجُ مِنهَا، فَإِنَّهَا مَعرَكَةُ\nــ\nغنم بن دُودان بن أسد بن خزيمة، وهي التي كانت تسامي عائشة في المنزلة عند رسول الله ﷺ وقد أثنت عليها عائشة بأوصافها الحسنة المذكورة في باب عائشة (١)، وكانت تفخر على أزواج النبي ﷺ فتقول لهنَّ: أنكحكن أولياؤكن، وإن الله أنكحني بنبيه ﷺ من فوق سبع سماوات، تعني بذلك قوله تعالى: ﴿زَوَّجنَاكَهَا﴾\nتوفيت سنة عشرين في خلافة عمر ﵁، وفي هذا العام استفتحت مصر. وقيل: توفيت سنة إحدى وعشرين، وفيها فتحت الإسكندرية، وكانت زينب هذه أوَّل أزواجه اللائي توفي عنهنَّ لحاقًا به، وكان للنبي ﷺ زوجة أخرى تسمَّى زينب بنت خزيمة الهلالية، وتدعى أم المساكين لحنوِّها عليهم، وهي من بني عامر، تزوجها النبي ﷺ سنة ثلاث، ولم تلبث عنده إلا يسيرًا، شهرين أو ثلاثة، وتوفيت في حياة النبي ﷺ وكانت قبله تحت عبد الله بن جحش، قتل عنها يوم أحد.\nو(قول سلمان: لا تكونن إن استطعت أول من تدخل السوق، ولا آخر من يخرج منها، فإنَّها معركة الشيطان). كذا روى مسلم هذا الحديث موقوفًا على سلمان من قوله. وقد رواه أبو بكر البزار مرفوعًا للنبي ﷺ من طريق صحيح، وهو الذي يليق بمساق الخبر، لأنَّ معناه ليس مما يدرك بالرأي والقياس، وإنما يدرك بالوحي، وأخرجه الإمام أبو بكر البرقاني في كتابه مسندًا عن أبي محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ من رواية عاصم بن أبي عثمان النَّهدي عن سلمان. قال: قال رسول الله ﷺ: لا تكن أوَّل من يدخل السوق، ولا آخر من يخرج منها، فإنَّها معركة الشيطان، فيها باض الشيطان وفرَّخ (٢). والمعركة: موضع القتال، سُمِّي بذلك لتعارك الأبطال فيه، ومصارعة بعضهم بعضا، فشبه\n_________\n(١) انظر الحديث في التلخيص (٢٤٥٦).\n(٢) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٧٧) وقال: رواه الطبراني في الكبير.","vol":"6","page":358},{"text":"الشَّيطَانِ وَبِهَا يَنصِبُ رَايَتَهُ، قَالَ: وَأُنبِئتُ أَنَّ جِبرِيلَ ﵇ أَتَى نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ وَعِندَهُ أُمُّ سَلَمَةَ، قَالَ: فَجَعَلَ يَتَحَدَّثُ، ثُمَّ قَامَ فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ لِأُمِّ سَلَمَةَ: مَن هَذَا؟ أَو كَمَا قَالَ. قَالَت: هَذَا دِحيَةُ، قَالَ: فَقَالَت أُمُّ سَلَمَةَ: ايمُ اللَّهِ مَا حَسِبتُهُ إِلَّا إِيَّاهُ حَتَّى سَمِعتُ خُطبَةَ النَبِيِّ ﷺ يُخبِرُ خَبَرَنَا، أَو كَمَا قَالَ. قَالَ: فَقُلتُ لِأَبِي عُثمَانَ: مِمَّن سَمِعتَ هَذَا؟ قَالَ: مِن أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ.\nرواه مسلم (٢٤٥١).\nــ\nالسوقَ، وفعل الشيطان بأهلها ونيله منهم بما يحملهم عليه من المكر، والخديعة، والتساهل في البيوع الفاسدة والكذب، والأيمان الكاذبة، واختلاط الأصوات، وغير ذلك بمعركة الحرب، وبمن يصرع فيها.\nو(قوله: وبها ينصب رايته) إعلام بإقامته في الأسواق، وجمع أعوانه إليه فيها.\nويفيد هذا الحديث: أن الأسواق إذا كانت موطن الشياطين ومواضع لهلاك الناس، فينبغي للإنسان ألا يدخلها إلا بحكم الضرورة، ولذلك قال: لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق، ولا آخر من يخرج منها، ولأن من كان أول داخل فيها أو آخر خارج منها كان ممن استحوذ عليه الشيطان، وصرفه عن أمور دينه، وجعل همَّه السوق، وما يُعمل فيها فأهلكه. فحق من ابتلاه الله بالسوق أن يخطر بباله: أنه قد دخل محل الشيطان، ومحل جنوده، وأنه إن أقام هنالك هلك، ومن كانت هذه حاله اقتصر منه على قدر ضرورته، وتحرز من سوء عاقبته، وبليته. وقد تقدَّم القول في تمثل الملائكة والجن في الصور المختلفة، وأن لهم في أنفسهم صورًا خلقهم الله تعالى عليها، وأن الإيمان بذلك كله واجب، لما دل عليه من السمع الصادق، وكان دحية بن خليفة رجلًا حسن الصورة، فلذلك تمثل بصورته جبريل ﵇ وهو دحية بن خليفة بن فروة الكلبي، وكان من كبار","vol":"6","page":359},{"text":"[٢٣٦١] وعن عَائِشَةَ أُمِّ المُؤمِنِينَ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَسرَعُكُنَّ لَحَاقًا بِي أَطوَلُكُنَّ يَدًا، قَالَت: فَكُنَّ يَتَطَاوَلنَ أَيَّتُهُنَّ أَطوَلُ يَدًا. قَالَت: فَكَانَت أَطوَلَنَا يَدًا زَينَبُ؛ لِأَنَّهَا كَانَت تَعمَلُ بِيَدِيهَا، وَتَصَدَّقُ.\nرواه أحمد (٦/ ١٢١)، والبخاريُّ (١٤٢٠)، ومسلم (٢٤٥٢)، والنسائي (٥/ ٦٦).\n* * *\nــ\nالصحابة، لم يشهد بدرًا، شهد أحدًا وما بعدها، وبقي إلى خلافة معاوية، وأرسله رسول الله ﷺ إلى قيصر في سنة ست من الهجرة فآمن قيصر، وأبت بطارقته أن تؤمن، فأخبر دحية بذلك النبي ﷺ فقال: ثبت ملكه (١).\nو(قوله - ﷺ -: أسرعكن لحاقًا بي أطولكن يدًا) هذا خطاب منه لزوجاته - خاصة، ألا ترى أنه قال لفاطمة ﵂: أنت أوَّل أهل بيتي لحوقًا بي (٢)، وكانت زينب أوَّل أزواجه وفاة بعده، وفاطمة أوَّل أهل بيته وفاة، ولم يرد باللحاق به الموت فقط، بل: الموت والكون معه في الجنة والكرامة.\nوتطاول أزواجه بأيديهنَّ مقايسة أيديهن بعضهن ببعض، لأنَّهن حملن الطول على أصله وحقيقته، ولم يكن مقصود النبي ﷺ ذلك، وإنَّما كان مقصوده: طول اليد بإعطاء الصدقات، وفعل المعروف، وبيَّن ذلك أنه: لما كانت زينب أكثر أزواجه فعلًا للمعروف والصدقات كانت أولهن موتًا، فظهر صدقه، وصح قوله - ﷺ -.\n* * *\n_________\n(١) رواه البيهقي في الدلائل (٦/ ٣٢٥).\n(٢) انظر الحديث في التلخيص (٢٤٦٥).","vol":"6","page":360},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-885>(٥٠) باب فضائل أم أيمن مولاة النبي ﷺ وأم سليم، أم أنس بن مالك</span>\n[٢٣٦٢] عَن أَنَسٍ قَالَ: انطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أُمِّ أَيمَنَ وَانطَلَقتُ مَعَهُ، فَنَاوَلَتهُ إِنَاءً فِيهِ شَرَابٌ، قَالَ: فَلَا أَدرِي أَصَادَفَتهُ صَائِمًا أَو لَم يُرِدهُ، فَجَعَلَت تَصخَبُ عَلَيهِ وَتَذَمَّرُ عَلَيهِ.\nرواه مسلم (٢٤٥٣).\n[٢٣٦٣] وعنه قال: قَالَ أَبُو بَكرٍ بَعدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعُمَرَ: انطَلِق بِنَا إِلَى أُمِّ أَيمَنَ نَزُورُهَا، كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزُورُهَا، فَلَمَّا انتَهَينَا إِلَيهَا بَكَت، فَقَالَا لَهَا: مَا يُبكِيكِ؟ مَا عِندَ اللَّهِ خَيرٌ لِرَسُولِهِ ﷺ، فَقَالَت: مَا\nــ\n(٥٠) ومن باب: فضائل أم أيمن - ﵂ -\nواسمها: بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصين بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان، كنيت بابنها أيمن بن عبيد الحبشي، تزوجت بعد عبيدَ، زيد بن حارثة، فولدت له أسامة بن زيد، كانت لأمِّ رسول الله ﷺ، ثم صارت له بالميراث، وكان ﷺ يقول: أم أيمن أمي بعد أمي (١)، وكان ﷺ يُكرِمها ويبرها مَبَرَّة الأم، ويكثر زيارتها، وكان ﷺ عندها كالولد، ولذلك كانت تصخبُ عليه، أي: ترفع صوتها عليه. وتذمر، أي: تغضب وتضجر، فِعل الوالدة بولدها، وقال الأصمعي: تذمَّر الرجل: إذا تغضب، وتكلم أثناء ذلك، وقال غيره: تذمَّر الرجل: إذا لام نفسه.\nوزيارة النبي ﷺ وأبي بكر، وعمر - ﵄ - لها، دليل على فضلها، ومعرفتهم بحقها، وفيه دليل على زيارة النساء في جماعة.\n_________\n(١) ذكره ابنُ الأثير فى الاستيعاب (٧/ ٣٠٣).","vol":"6","page":361},{"text":"أَبكِي أَن لَا أَكُونَ أَعلَمُ أَنَّ مَا عِندَ اللَّهِ خَيرٌ لِرَسُولِهِ ﷺ، وَلَكِن أَبكِي أَنَّ الوَحيَ قَد انقَطَعَ مِن السَّمَاءِ، فَهَيَّجَتهُمَا عَلَى البُكَاءِ، فَجَعَلَا يَبكِيَانِ مَعَهَا.\nرواه مسلم (٢٤٥٤)، وابن ماجه (١٦٣٥).\n[٢٣٦٤] وعنه قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَدخُلُ عَلَى أَحَدٍ مِن النِّسَاءِ إِلَّا عَلَى أَزوَاجِهِ إِلَّا أُمِّ سُلَيمٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يَدخُلُ عَلَيهَا، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إِنِّي أَرحَمُهَا، قُتِلَ أَخُوهَا مَعِي.\nرواه مسلم (٢٤٥٥).\nــ\nو(قول أم أيمن ﵂: أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء) أن مفتوحة، لأنَّها معمولة لأبكي بإسقاط حرف الجر، تقديره: أبكي لأن، أو: من أجل أن، تعني: أن الوحي لما انقطع بعد رسول الله ﷺ عمل الناس بآرائهم، فاختلفت مذاهبهم، فوقع التنازع والفتن، وعظمت المصائب والمحن، ولذلك نجم بعده ﷺ النفاق، وفشا الارتداد والشقاق، ولولا أن الله تعالى تدارك الدِّين بثاني اثنين لما بقي منه أثر ولا عين.\nو(قول أنس ﵁: كان رسول الله ﷺ لا يدخل على النساء [إلا على أزواجه إلا أم سليم) إنما كان النبي ﷺ لا يدخل على النساء] (١)، عملًا بما شرع من المنع من الخلوة بهنَّ، وليُقتدَى به في ذلك، ومخافة أن يقذف الشيطان في قلب أحد من المسلمين شرًّا فيهلك، كما قال في حديث صفية المتقدِّم، ولئلا يجد المنافقون، وأهل الزيغ مقالًا، وإنما خصَّ أم سليم بالدُّخول عندها، لأنها كانت منه ذات محرمٍ بالرَّضاع كما تقدَّم، وليجبر قلبها من فجعتها بأخيها، إذ كان\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).","vol":"6","page":362},{"text":"[٢٣٦٥] وعنه، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: دَخَلتُ الجَنَّةَ فَسَمِعتُ خَشفَةً\nــ\nقد قُتِل معه في بعض حروبه، وأظنه يوم أحد (١)، ولما علم النبي ﷺ من فضلها، كما دلَّ عليه رؤية النبي ﷺ إياها في الجنة.\nوأم سليم هذه هي: ابنةُ ملحان بن زيد بن حرام من بني النجار، وهي: أمُّ أنس بن مالك بن النَّضر، كانت أسلمت مع قومها، فغضب مالك لذلك، فخرج إلى الشام فهلك هنالك كافرًا، وقيل: قتل، ثم خطبها بعده أبو طلحة، وهو على شِركه، فأَبَت حتى يُسلِم، وقالت: لا أريد منه صداقًا إلا الإسلام، فأسلم وتزوَّجها، وحسن إسلامه. فولدت له غلامًا كان قد أعجب به فمات صغيرًا، ويقال: إنه أبو عمير صاحب النُّغير، وكان أبو طلحة غائبًا حين مات، فغطته أم سليم، فجاء أبو طلحة، فسأل عنه، فكتمت موته، ثم إنها تصنَّعت له فأصاب منها، ثم أعلمته بموته، فشق ذلك عليه، ثم إنه أتى النبي ﷺ فأخبره، فدعا لهما النبي ﷺ: وقال: بارك الله لكما في غابر ليلتكما (٢)، كما ذكر في الأصل، فبورك لهما بسبب تلك الدَّعوة، وولدت له: عبد الله بن أبي طلحة، وهو والد إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الفقيه، وإخوته كانوا عشرة كلهم حمل عنه العلم، وإسحاق هو شيخ مالك، واختلف في اسم أم سليم. فقيل: سهلة. وقيل: رملة. وقيل: مليكة. وهي الغميصاء المذكورة في الحديث، ويقال: الرُّميصاء، وقيل: إن بالراء هي: أم حرام أختها، وخالة أنس.\nوالغميصاء: مأخوذ من الغمص، وهو ما سال من قذى العين عند البكاء والمرض، يقال بالصاد والسين، والرمص - بالراء -: ما تجمَّد منه، قاله يعقوب وغيره.\nوكانت أم سليم من عقلاء النساء وفضلائهن، شهدت مع رسول الله ﷺ أحدًا وحنينًا، روت عن النبي ﷺ أحاديث، خرج لها في الصحيحين أربعة أحاديث.\nو(قوله: دخلتُ الجنة فسمعت خشفة) هي بفتح الخاء وسكون الشين\n_________\n(١) الصحيح: أنه شهد بدرًا واحدًا، وقُتِل يوم بئر معونة. (أسد الغابة ١/ ٤٧٣).\n(٢) انظره في التلخيص برقم (٢٤٧٣).","vol":"6","page":363},{"text":"فَقُلتُ: مَن هَذَا؟ قَالُوا: هَذِهِ الغُمَيصَاءُ بِنتُ مِلحَانَ، أُمُّ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ.\nرواه مسلم (٢٤٥٦).\n[٢٣٦٦] وعَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أُرِيتُ الجَنَّةَ فَرَأَيتُ امرَأَةَ أَبِي طَلحَةَ، ثُمَّ سَمِعتُ خَشخَشَةً أَمَامِي فَإِذَا بِلَالٌ.\nرواه مسلم (٢٤٥٧).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-886>(٥١) باب فضائل أبي طلحة الأنصار </span>ي\n[٢٣٦٧] عَن أَنَسٍ قَالَ: مَاتَ ابنٌ لِأَبِي طَلحَةَ مِن أُمِّ سُلَيمٍ، فَقَالَت لِأَهلِهَا: لَا تُحَدِّثُوا أَبَا طَلحَةَ بِابنِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا أُحَدِّثُهُ، قَالَ: فَجَاءَ فَقَرَّبَت إِلَيهِ عَشَاءً، فَأَكَلَ وَشَرِبَ، قَالَ: ثُمَّ تَصَنَّعَت لَهُ أَحسَنَ مَا كَانَ تَصَنَّعُ قَبلَ\nــ\nالمعجمتين، وهي صوتُ المشي، ويقال: خشخشة، كما جاء في الرواية الأخرى، وأصل الخشخشة: صوت الشيء اليابس يحك بعضه بعضًا، ويتراجع، وكان هذا الدخول في الجنة من النبي ﷺ في النوم، كما قاله في حديث بلال المتقدِّم، ورؤياه حقٌ، فهي ﵂ من أهل الجنة.\n(٥١) ومن باب: فضائل أبي طلحة ﵁\nهو زيد بن سهل من بني النجار، شهد المشاهد كلها، وكان أحد الرُّماة المذكورين من الصحابة ﵃، وكان من الأبطال، قَتَل يوم حنين عشرين، وأخذ أسلابهم، وكان أبو طلحة يتطاول بصدره يوم أحد يقي","vol":"6","page":364},{"text":"ذَلِكَ فَوَقَعَ بِهَا، فَلَمَّا رَأَت أَنَّهُ قَد شَبِعَ وَأَصَابَ مِنهَا، قَالَت: يَا أَبَا طَلحَةَ، أَرَأَيتَ لَو أَنَّ قَومًا أَعَارُوا عَارِيَتَهُم أَهلَ بَيتٍ، فَطَلَبُوا عَارِيَتَهُم أَلَهُم أَن يَمنَعُوهُم؟ قَالَ: لَا، قَالَت: فَاحتَسِب ابنَكَ، فَغَضِبَ، وَقَالَ: تَرَكتِنِي حَتَّى تَلَطَّختُ، ثُمَّ أَخبَرتِنِي بِابنِي، فَانطَلَقَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأَخبَرَهُ بِمَا كَانَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَارَكَ اللَّهُ لَكُمَا فِي غَابِرِ لَيلَتِكُمَا. قَالَ: فَحَمَلَت، قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ وَهِيَ مَعَهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَتَى المَدِينَةَ مِن سَفَرٍ لَا يَطرُقُهَا طُرُوقًا، فَدَنَوا مِن المَدِينَةِ فَضَرَبَهَا المَخَاضُ، فَاحتُبِسَ عَلَيهَا أَبُو طَلحَةَ، وَانطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: يَقُولُ أَبُو طَلحَةَ: إِنَّكَ لَتَعلَمُ يَا رَبِّ إِنَّهُ يُعجِبُنِي أَن أَخرُجَ مَعَ رَسُولِكَ إِذَا خَرَجَ، وَأَدخُلَ مَعَهُ إِذَا دَخَلَ، وَقَد احتَبَستُ بِمَا تَرَى،\nــ\nرسول الله ﷺ من النبل، ويقول: صدري دون صدرك، ونفسي لنفسك الفداء، ووجهي لوجهك الوقاء، وكان ﷺ يقول: لصوت أبي طلحة في الجيش خيرٌ من مائة رجل (١).\nواختلف في وقت وفاته فقيل: سنة إحدى وثلاثين. وقيل: سنة أربع وثلاثين، وصلى عليه عثمان بن عفان، وروى حماد بن سلمة عن ثابت البناني، وعلي بن زيد، عن أنس: أن أبا طلحة سرد الصَّوم (٢) بعد رسول الله ﷺ أربعين سنة، وأنه ركب البحر، فمات فدفن في جزيرة، وقال المدائني: مات أبو طلحة سنة إحدى وخمسين، والله تعالى أعلم بحقيقة ذلك. روى عن رسول الله ﷺ ستَّةً وعشرين حديثًا، أخرج له منها في الصحيحين أربعة أحاديث.\nو(قوله: بارك الله لكما في غابر ليلتكما) أي: في ماضيها، وقد تقدَّم أن غبر من الأضداد. يقال: غبر الشيء: إذا ذهب، وغبر: إذا بقي. وصنيع أم سليم،\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ١١١).\n(٢) سرد الصوم: والاه وتابعه.","vol":"6","page":365},{"text":"قَالَ: تَقُولُ أُمُّ سُلَيمٍ: يَا أَبَا طَلحَةَ، مَا أَجِدُ الَّذِي كُنتُ أَجِدُ انطَلِق، فَانطَلَقنَا، قَالَ: وَضَرَبَهَا المَخَاضُ حِينَ قَدِمَا، فَوَلَدَت غُلَامًا، فَقَالَت لِي أُمِّي: يَا أَنَسُ، لَا يُرضِعُهُ أَحَدٌ حَتَّى تَغدُوَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا أَصبَحَ احتَمَلتُهُ فَانطَلَقتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَصَادَفتُهُ وَمَعَهُ مِيسَمٌ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: لَعَلَّ أُمَّ سُلَيمٍ وَلَدَت؟ فقُلتُ: نَعَم، فَوَضَعَ المِيسَمَ، قَالَ: وَجِئتُ بِهِ فَوَضَعتُهُ فِي حَجرِهِ، قال: وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَجوَةٍ مِن عَجوَةِ المَدِينَةِ فَلَاكَهَا فِي فِيهِ حَتَّى ذَابَت ثُمَّ قَذَفَهَا فِي فِي الصَّبِيِّ، فَجَعَلَ الصَّبِيُّ يَتَلَمَّظُهَا. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: انظُرُوا إِلَى حُبِّ الأَنصَارِ التَّمرَ، قَالَ: فَمَسَحَ وَجهَهُ وَسَمَّاهُ عَبدَ اللَّهِ.\nرواه أحمد (٣/ ١٨٨)، والبخاري (٦١٢٩ و٦٢٠٣)، ومسلم (٢١٤٤) في فضائل الصحابة (١٠٧)، وأبو داود (٤٩٦٩)، والترمذيُّ (٣٣٣ و١٩٨٩)، وابن ماجه (٣٧٢٠).\n* * *\nــ\nووعظها له يدلّ على كمال عقلها وفضلها وعلمها. وملازمة أبي طلحة للكون مع رسول الله ﷺ في سفره وحضره، ومدخله ومخرجه: دليل على كمال محبته للنبي ﷺ وصدق رغبته في الجهاد، والخير وتحصيل العلم.\nورفع وجع المخاض - وهو الولادة - عن أم سليم عند دعاء أبي طلحة دليل على كرامات الأولياء، وإجابة دعواتهم، وأن أبا طلحة وأم سليم منهم. والطَّروق: هو المجيء بالليل. والميسم: المكوى الذي تُوسَم به الإبل، أي: تُعلَّم.\nوفي هذا الحديث أحكام واضحة قد تقدَّم التنبيه على أكثرها.\n* * *","vol":"6","page":366},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-887>(٥٢) باب فضائل بلال بن رباح</span>\n[٢٣٦٨] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِبِلَالٍ صَلَاة\nــ\n(٥٢) ومن باب: فضائل بلال بن رباح ﵁\nوتُسمَّى أمُّه: حمامة، واختلف في كنيته، فقيل: أبو عبد الله، وقيل: أبو عبد الكريم، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو عمرو، وكان حبشيًّا. قال ابن إسحاق: كان بلال لبعض بني جُمَح مُوَلَّدًا من مولّديهم، وقيل من مُولَّدي مكة، وقيل: من مولدي السّراة، وقال ابن مسعود: أول من أظهر الإسلام رسول الله ﷺ وأبو بكر، وعمار، وأمه سُمَيَّة، وصهيب، وبلال، والمقداد، فأما رسول الله ﷺ فمنعه الله بعمه، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون، وألبسوهم أدراع الحديد، وصهروهم في الشمس، فما منهم إنسان إلا وأتاهم على ما أرادوه منه إلا بلالًا، فإنَّه هانت عليه نفسه في الله تعالى، وهان على قومه فأعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة، وهو يقول: أحد، أحد، وفي رواية: وجعلوا الحبل في عنقه، وقال سعيد بن المسيِّب: كان بلال شحيحًا على دينه، وكان يعذب على دينه، فإذا أراد المشركون أن يقاربهم قال: الله، الله. فاشتراه أبو بكر بخمس أواق، وقيل: بسبع. وقيل: بتسع، فأعتقه، فكان يؤذن لرسول الله ﷺ، فلما مات النبي ﷺ أراد أن يروح إلى الشام، فقال له أبو بكر ﵁: بل تكون عندي، فقال: إن كنت أعتقتني لنفسك فاحبسني، وإن كنت أعتقتني لله فذرني أذهب إليه، فقال: اذهب، فذهب إلى الشام، فكان بها حتى مات ﵁.\nقلت: وظاهر هذا: أنَّه لم يؤذن لأبي بكر، وقد ذكر ابن أبي شيبة عن حسين بن علي، عن شيخ يقال له: الحفصي، عن أبيه، عن جده قال: أذن بلال حياة رسول الله ﷺ، ثم أذَّن لأبي بكر حياته، ولم يؤذِّن في زمان عمر، فقال له","vol":"6","page":367},{"text":"الغَدَاةِ: يَا بِلَالُ حَدِّثنِي بِأَرجَى عَمَلٍ عَمِلتَهُ عِندَكَ فِي الإِسلَامِ مَنفَعَةً، فَإِنِّي سَمِعتُ اللَّيلَةَ خَشفَ نَعلَيكَ بَينَ يَدَيَّ فِي الجَنَّةِ. قَالَ بِلَالٌ: مَا عَمِلتُ عَمَلًا فِي الإِسلَامِ أَرجَى عِندِي مَنفَعَةً مِن أَنِّي لَا أَتَطَهَّرُ طُهُورًا تَامًّا فِي سَاعَةٍ\nــ\nعمر: ما منعك أن تؤذن؟ قال: إني أذنت لرسول الله ﷺ حتى قبض، وأذنت لأبي بكر ﵁ حتى قبض، لأنَّه كان ولي نعمتي، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: يا بلال ليس عمل أفضل من الجهاد في سبيل الله (١). فخرج فجاهد. ويقال: إنه أذن لعمر ﵁ إذ دخل الشام، فبكى عمر، وبكى المسلمون. وكان بلال خازنًا لرسول الله ﷺ، وقال عمر: أبو بكر سيدنا، وأعتق بلالًا سيدنا. وتوفي بلال بدمشق، ودفن عند الباب الصغير بمقبرتها سنة عشرين، وهو ابن ثلاث وستين سنة، وقيل: سنة إحدى وعشرين، وهو ابن سبعين.\nو(قول النبي ﷺ لبلال: حدِّثني بأرجى عمل عملته (٢) في الإسلام منفعة) هذا السُّؤال إنما أخرجه من النبي ﷺ ما اطَّلع عليه من كرامة بلال ﵁ بكونه أمامه في الجنة، فسأله عن العمل الذي لازمه حتى أوصله إلى ذلك. وقد جاء هذا الحديث في كتاب الترمذي بأوضح من هذا من حديث بريدة بن الحصيب، قال: أصبح رسول الله ﷺ فدعا بلالًا، فقال: يا بلال! بم سبقتني إلى الجنة؟ فما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي، دخلت البارحة الجنَّة فسمعت خشخشتك أمامي. . .، وذكر الحديث. فقال بلال: يا رسول الله! ما أذنت قط إلا صليت ركعتين، ولا أصابني حدث قط إلا توضأت عنده، ورأيت أن لله تعالى علي ركعتين، فقال رسول الله ﷺ: بهما. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح (٣)، فلنبحث في هذا الحديث.\n_________\n(١) ذكره المتقي الهندي في كنز العمال (٢٠٩٣٥) وعزاه لعبد بن حميد.\n(٢) في أصول التلخيص وصحيح مسلم: عملته عندك. . .\n(٣) رواه الترمذي (٣٦٨٩).","vol":"6","page":368},{"text":"مِن لَيلٍ وَلَا نَهَارٍ، إِلَّا صَلَّيتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كَتَبَ اللَّهُ لِي أَن أُصَلِّيَ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٣٣)، والبخاريُّ (١١٤٩)، ومسلم (٢٤٥٨).\n* * *\nــ\nو(قوله: بم سبقتني إلى الجنة؟ لا يفهم من هذا أن بلالًا يدخل الجنة قبل النبي ﷺ، فإنَّ ذلك ممنوع بما قد علم من أن النبي ﷺ هو السابق إلى الجنة، وبما قد تقدَّم أنَّه أوَّل من يستفتح باب الجنة، فيقول الخازن: بك أمرت، لا أفتح لأحد قبلك) (١)، وإنما هذه رؤيا نام أفادت أن بلالًا من أهل الجنة، وأنه يكون فيها مع النبي ﷺ ومن ملازميه، وهذا كما قال في الغميصاء: سمعت خشخشتك أمامي، وقد لا يبعد أن يقال في أسبقية بلال أنها أسبقية الخادم بين يدي مخدومه، والله تعالى أعلم.\nوفيه ما يدلّ على أن استدامة بعض النوافل، وملازمتها في أوقات وأحوال فيه فضل عظيم، وأجر كبير، وإن كان النبي ﷺ لم يدم عليها، ولا لازمها، ولا اشتهر العمل بها عند أصحابه ﵃، وأن ذلك لا ينكر على من لازمه ما لم يعتقد أن ذلك سنة راتبة له ولغيره، وهذا هو الذي منعه مالك حتى كره اختصاص شيء من الأيام، أو الأوقات بشيء من العبادات، من الصوم، والصلاة، والأذكار، والدعوات، إلا أن يعينه الشارع، ويدوم عليه، فأمَّا لو دام الإنسان على شيء من ذلك في خاصة نفسه، ولم يعتقد شيئًا من ذلك، كما فعله بلال في ملازمة الركعتين عند كل أذان، وفي ملازمة الطهارة دائمًا، لكان ذلك يفضي بفاعله إلى نعيم مقيم، وثواب عظيم.\nو(قوله ﷺ: بهما) أي: بسبب ثواب فعل ذينك الأمرين وصلت إلى ما رأيت من كونك معي في الجنة.\n_________\n(١) رواه مسلم (١٩٧).","vol":"6","page":369},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-888>(٥٣) باب فضائل عبد الله بن مسعود</span>\n[٢٣٦٩] عَن عَلقَمَةَ، عَن عَبدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ:\nــ\nو(قوله ﷺ: حدِّثني بأرجى عمل عملته) أي: بعمل يكون رجاؤك بثوابه أكثر، ونفسك به أوثق. وفيه تنبيه على: أن العامل لشيء من القرب ينبغي له أن يأتي بها على أكمل وجوهها ليعظم رجاؤه في قبولها، وفي فضل الله عليها، فيحسن ظنه بالله تعالى، فإنَّ الله تعالى عند ظن عبده به، ويتضح لك هذا بمثل - ولله المثل الأعلى - أن الإنسان إذا أراد أن يتقرب إلى بعض ملوك الدنيا بهدية أو تُحفة، فإنَّ أتى بها على أكمل وجوهها وأحسن حالاتها، قوي رجاؤه في قبولها، وحسن ظنه في إيصاله إلى ثوابها، لا سيما إذا كان المهدى له موصوفًا بالفضل والكرم، وإن انتقص شيء من ثوابها ضعف رجاؤه للثواب، وقد يتوقع الرد، لا سيما إذا علم أن المهدى له غني عنها، فأمَّا لو أتى بها واضحة النقصان، لكان ذلك من أوضح الخسران، إذ قد صار المهدى له كالمستصغر المهان.\n(٥٣) ومن باب فضائل عبد الله بن مسعود ﵁\nهو ابن غافل بن حبيب بن شمخ بن مازن بن مخزوم الهذلي، يُكنى: أبا عبد الرحمن، وأمه: أم عبد بنت عبد ودّ الهذلية أيضًا، أسلم قديمًا وكان سبب إسلامه: أنه كان يرعى غنمًا لعقبة بن أبي معيط، فمرَّ به رسول الله ﷺ فقال: يا غلام! هل من لبن؟ قال: نعم! ولكني مؤتمن. قال: فهل من شاة حائل لم ينز عليها الفحل؟ فأتيتهُ بشاة شصوص (١)، فمسح ضرعها، فنزل اللبن، فحلب في إناء وشرب وسقى أبا بكر، ثم قال للضرع: اقلص فقلص، فقلت: يا رسول الله!\n_________\n(١) أي: لا لبن لها.","vol":"6","page":370},{"text":"﴿لَيسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوا وَآمَنُوا﴾ إلى آخر الآية، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قِيلَ لِي: أَنتَ مِنهُم.\nرواه مسلم (٢٤٥٩) (١٠٩).\nــ\nعلمني من هذا القول. فقال: رحمك الله! إنك غُلَيِّمٌ معلَّمٌ (١) فأسلم، وضمَّه رسول الله ﷺ إليه. فكان يلج عليه، ويلبسه نعله، ويمشي أمامه ومعه، ويستره إذا اغتسل، ويوقظه إذا نام، وقال له: إذنك علي أن يرفع الحجاب، وأن تسمع سِوَادي حتى أنهاك (٢)، وكان يعرف في الصحابة بصاحب السِّرار، والسَّواد، والسِّواك، هاجر هجرتين إلى أرض الحبشة، ثم من مكة إلى المدينة، قاله الجوزي. وصلَّى القبلتين، وشهد مع رسول الله ﷺ مشاهده كلها، وكان يشبه في هديه وسمته برسول الله ﷺ، وشهد له رسول الله ﷺ بالجنة، وشهد له كبراء أصحاب رسول الله ﷺ بأنه من أعلمهم بكتاب الله قراءة وعلمًا، وفضائله كثيرة.\nتوفي بالمدينة سنة ثنتين وثلاثين، ودفن بالبقيع، وصلَّى عليه عثمان، وقيل: بل صلَّى عليه عمَّار، وقيل: بل صلَّى عليه الزبير ليلًا بوصيته، ولم يعلم عثمان بذلك، فعاتب عثمان الزبير على ذلك، والله أعلم. روى عن رسول الله ﷺ ثمانمائة حديث، وثمانية وأربعين حديثًا، أخرج له منها في الصحيحين: مائة وعشرون حديثًا.\nو(قوله: لما نزلت: ﴿لَيسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾. . . الآية، قد ذكرنا سبب نزول الآية، وتكلمنا على معناها في الأشربة.\nو(قوله ﷺ: قيل لي: أنت منهم) الخطاب لابن مسعود، أي: أوحي إلي\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٣٧٩).\n(٢) رواه أحمد (١/ ٤٠٤)، ومسلم (٢١٦٩).","vol":"6","page":371},{"text":"[٢٣٧٠] وعن أبي موسى قال: قَدِمتُ أَنَا وَأَخِي مِن اليَمَنِ فَكُنَّا حِينًا وَمَا نُرَى ابنَ مَسعُودٍ وَأُمَّهُ إِلَّا مِن أَهلِ بَيتِ النبي ﷺ مِن كَثرَةِ دُخُولِهِم وَلُزُومِهِم لَهُ.\nرواه البخاري (٣٧٦٣)، ومسلم (٢٤٦٠) (١١٠)، والترمذي (٣٨٠٨).\n[٢٣٧١] وعَن أَبِي الأَحوَصِ قَالَ: كُنَّا فِي دَارِ أَبِي مُوسَى مَعَ نَفَرٍ مِن أَصحَابِ عَبدِ اللَّهِ وَهُم يَنظُرُونَ فِي مُصحَفٍ، فَقَامَ عَبدُ اللَّهِ، فَقَالُ أَبُو مَسعُودٍ: مَا أَعلَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَرَكَ بَعدَهُ أَعلَمَ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن هَذَا القَائِمِ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: أَمَا لَئِن قُلتَ ذَاكَ، لَقَد كَانَ يَشهَدُ إِذَا غِبنَا،\nــ\nأنك يا بن مسعود من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهذه تزكية عظيمة، ودرجة رفيعة، قلَّ من ظفر بمثلها.\nو(قول أبي موسى: مكثنا حينا وما نرى ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت رسول الله ﷺ) هذا يدلّ على صحَّة ما ذكرنا: من أن رسول الله ﷺ ضمَّه إليه، واختصَّه بخدمته (١) وملازمته، وذلك لما رأى من صلاحيته لقبول العلم وتحصيله له، ولذلك قال له أول ما لقيه: إنك غُلَيمٌ مُعَلَّم (٢)، وفي رواية أخرى: لَقِنٌ مُفهَم، أي: أنت صالح لأن تُعَلَّم فتَعلم، وتُلَقن فتفهم، ولما رأى النبي ﷺ ذلك ضمَّه لنفسه، وجعله في عداد أهل بيته فلازمه حضرًا وسفرًا، وليلًا ونهارًا ليتعلَّم منه، وينقل عنه.\nو(قول أبي موسى: كان يشهد إذا غبنا) أي: يحضر مع رسول الله ﷺ إذا غاب الناس عنه.\n_________\n(١) في (ز): بحديثه.\n(٢) رواه أحمد (١/ ٤٦٢).","vol":"6","page":372},{"text":"وَيُؤذَنُ لَهُ إِذَا حُجِبنَا.\nرواه مسلم (٢٤٦١) (١١٣).\n[٢٣٧٢] وعَن عَبدِ اللَّهِ: أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَمَن يَغلُل يَأتِ بِمَا غَلَّ يَومَ القِيَامَةِ﴾\nــ\nو(قوله: ويؤذن له إذا حُجِبنا) يعني: أنه كان النبي ﷺ يأذن له في الوقت الذي يحجب عنه الناس، وذلك في الوقت الذي كان فيه مشتغلًا بخاصته.\nو(قول عبد الله: ﴿وَمَن يَغلُل يَأتِ بِمَا غَلَّ يَومَ القِيَامَةِ﴾ الحديث إلى آخره). قال القاضي أبو الفضل: هذا الحديث في الأم مختصر مبتور، إنما ذكر منه أطرافًا لا تشرح مقصد الحديث، وبيانه في سياق آخر، ذكره ابن أبي خيثمة بسنده إلى أبي وائل، وهو شقيق راوي الحديث في الأم، قال: لما أمر في المصاحف بما أمر، يعني: أمر عثمان بتحريقها ما عدا المصحف المجتمع عليه، الذي وجَّه منه النسخ إلى الآفاق، ورأى هو والصحابة ﵃: أن بقاء تلك المصاحف يدخل اللبس والاختلاف، ذكر ابن مسعود الغلول، وتلا الآية، ثم قال: غلُّوا المصاحف إني غالٌّ مصحفي، فمن استطاع أن يَغلَّ مصحفه فليفعل، فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَمَن يَغلُل يَأتِ بِمَا غَلَّ يَومَ القِيَامَةِ﴾ ثم قال: على قراءة من تأمرني أن أقرأ؟ على قراءة زيد بن ثابت؟ لقد أخذت القرآن من في رسول الله ﷺ بضعًا وسبعين سورة، وزيد بن ثابت له ذؤابتان يلعب مع الغلمان، وفي أخرى: صبي من الصبيان (١)، فتمام هذا الحديث يظهر كلام عبد الله.\nقلت: و(قوله: غلوا مصاحفكم. . . إلى آخره)، أي: اكتموها ولا تسلموها، والتزموها إلى أن تلقوا الله تعالى بها، كما يفعل من غل شيئًا فإنه يأتي به يوم\n_________\n(١) ذكره ابن أبي داود في كتاب المصاحف (ص ٢٢).","vol":"6","page":373},{"text":"ثُمَّ قَالَ: عَلَى قِرَاءَةِ مَن تَأمُرُونِي أَن أَقرَأَ؟ فَلَقَد قَرَأتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِضعًا وَسَبعِينَ سُورَةً،\nــ\nالقيامة، ويحمله، وكان هذا رأيًا منه انفرد به عن الصحابة ﵃ ولم يوافقه أحد منهم عليه، فإنَّه كتم مصحفه، ولم يظهره، ولم يقدر عثمان ولا غيره عليه أن يظهره، وانتشرت المصاحف التي كتبها عثمان، واجتمع عليها الصحابة في الآفاق، وقرأ المسلمون عليها، وترك مصحف عبد الله، وخفي إلى أن وجد في خزائن بني عبيد بمصر عند انقراض دولتهم، وابتداء دولة المعز، فأمر بإحراقه قاضي القضاة بها صدر الدين، على ما سمعناه من بعض مشايخنا، فأحرق.\nو(قوله: على قراءة من تأمرني أن أقرأ؟) إنكار منه على من يأمره بترك قراءته، ورجوعه إلى قراءة زيد مع أنه سابق له إلى حفظ القرآن، وإلى أخذه عن رسول الله ﷺ، فصعب عليه أن يترك قراءة قرأها على رسول الله ﷺ ويقرأ بما قرأه زيد أو غيره، فتمسك بمصحفه وقراءته، وخفي عليه الوجه الذي ظهر لجميع الصحابة ﵃ من المصلحة التي هي من أعظم ما حفظ الله بها القرآن عن الاختلاف المخل به، والتغيير بالزيادة والنقصان. وقد تقدَّم القول في الأحرف السبعة، وفي كيفية الأمر بذلك، وكان من أعظم الأمور على عبد الله بن مسعود ﵁: أن الصحابة ﵃ لما عزموا على كتب المصحف بِلُغَةِ قريش عيَّنوا لذلك أربعة لم يكن منهم ابن مسعود، فكتبوه على لغة قريش، ولم يُعَرِّجوا على ابن مسعود مع أنه أسبقهم لحفظ القرآن، ومن أعلمهم به، كما شهدوا له بذلك، غير أنه ﵁ كان هُذليًا كما تقدم، وكانت قراءته على لغتهم، وبينها وبين لغة قريش تباين عظيم، فلذلك لم يدخلوه معهم، والله تعالى أعلم.\nقلت: قد تقدَّم أن أصل البضع ما بين الثلاثة إلى التسعة، وذكر اشتقاقه، والخلاف فيه. والحلق: بفتح الحاء واللام: جمع حلقة بفتح الحاء واللام على","vol":"6","page":374},{"text":"وَلَقَد عَلِمَ أَصحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَعلَمُهُم بِكِتَابِ اللَّهِ، وَلَو أَعلَمُ أَنَّ أَحَدًا أَعلَمُ مِنِّي لَرَحَلتُ إِلَيهِ. قَالَ شَقِيقٌ: فَجَلَستُ فِي حَلَقِ أَصحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَمَا سَمِعتُ أَحَدًا يَرُدُّ ذَلِكَ عَلَيهِ، وَلَا يَعِيبُهُ.\nرواه مسلم (٢٤٦٢) (١١٤).\n[٢٣٧٣] وعنه قال: وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيرُهُ مَا مِن كِتَابِ اللَّهِ سُورَةٌ إِلَّا أَنَا أَعلَمُ حَيثُ نَزَلَت، وَمَا مِن آيَةٍ إِلَّا أَنَا أَعلَمُ فِيمَا أُنزِلَت، وَلَو أَعلَمُ أَحَدًا هُوَ أَعلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي تَبلُغُهُ الإِبِلُ لَرَكِبتُ إِلَيهِ.\nرواه مسلم (٢٤٦٣) (١١٥).\n[٢٣٧٤] وعن مَسرُوقٍ قَالَ: كُنَّا نَأتِي عَبدَ اللَّهِ بنَ عَمرٍو فَنَتَحَدَّثُ إِلَيهِ، فَذَكَرنَا يَومًا عَبدَ اللَّهِ بنَ مَسعُودٍ، فَقَالَ: لَقَد ذَكَرتُم رَجُلًا لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ\nــ\nما حكاه يونس عن أبي عمرو بن العلاء، وقال أبو عمرو الشيباني: ليس في الكلام حلقة بالتحريك إلا في قولهم: هؤلاء قوم حلقة، للذين يحلقون الشعر، جمع حالق، وقال الجوهري: الحلقة للدروع - بالسكون - وكذلك حلقة الباب، وحلقة القوم، والجمع: الحلق على غير قياس.\nو(قوله: لقد علم أصحاب رسول الله ﷺ أني أعلمهم بكتاب الله) يعني: أنه أعلمهم بأسباب نزوله، ومواقع أحكامه، بدليل قوله في الرواية الأخرى: ما من كتاب الله سورة إلا وأنا أعلم حيث نزلت، وما من آية إلا وأعلم فيما أُنزلت، وسَبَبُ ذلك: ملازمته للنبي ﷺ ومباطنته إيَّاه سفرًا وحضرًا، كما قدَّمنا. وأما في القراءة فأُبيٌّ أقرأ منه، بدليل قول النبي ﷺ: أقرؤكم أُبَيّ) (١)، والخطابُ للصحابة كلُّهم.\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ١٨٤)، والترمذي (٣٧٩٠)، وابن ماجه (١٥٥).","vol":"6","page":375},{"text":"بَعدَ شَيءٍ سَمِعتُهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: خُذُوا القُرآنَ مِن أَربَعَة نفر: مِن ابنِ أُمِّ عَبدٍ - فَبَدَأَ بِهِ - وَمُعَاذِ بنِ جَبَلٍ، وَأُبَيِّ بنِ كَعبٍ، وَسَالِمٍ مَولَى أَبِي حُذَيفَةَ.\nــ\nوقوله - ﷺ -: خذوا القرآن من أربعة: من ابن أم عبد) - فبدأ به - ليس فيه دليل على أنه أقرأ من أُبي، فإنَّه قد بيَّن ﷺ بالنص الجلي: أن أبيًّا أقرأ منه ومن غيره، فيحتمل أن يقال: إن الموجب لابتدائه اختصاصه به، وملازمته إياه، وحضوره في ذهنه، لا أنه أقرأ الأربعة. والله تعالى أعلم.\nوهذا كله بناء على أن المقدَّم من المعطوفات له مزيَّة على المتأخر، وفيه نظر قد تقدَّم في الطهارة وفي الحج. وتخصيص هؤلاء الأربعة بالذكر دون غيرهم ممن حفظ القرآن من الصحابة ﵃ وهم عدد كثير كما يأتي، لأنَّ هؤلاء الأربعة هم الذين تفرغوا لإقراء القرآن وتعليمه دون غيرهم ممن اشتغل بغير ذلك من العلوم، أو العبادات، أو الجهاد، وغير ذلك، ويحتمل أن يكون ذلك من النبي ﷺ لأنه علم أنهم هم الذين ينتصبون لتعليم الناس القرآن بعده، وليؤخذ عنهم، فأحال عليهم لما علم من مآل أمرهم، كما قد أظهر الموجود من حالهم، إذ هم أئمة القرَّاء، وإليهم تنتهي في الغالب أسانيد الفضلاء، والله أعلم.\nومعاذ المذكور في الحديث: هو معاذ بن جبل بن أوس الأنصاري الخزرجي، يُكنى: أبا عبد الرحمن، قيل: بولد كان له كبر إلى أن قاتل مع أبيه في اليرموك، ومات بالطاعون قبل أبيه بأيام، على ما ذكره محمد بن عبد الله الأزدي البصري في فتوح الشام وغيره. وقال الواقدي: إنه لم يولد لمعاذ قط، وقاله المدائني. أسلم معاذ وهو ابن ثماني عشرة سنة، وشهد العقبة مع السبعين، وشهد بدرًا، وجميع المشاهد، وولَاّه رسول الله ﷺ على عمل من أعمال اليمن، وخرج معه النبي ﷺ مودِّعًا ماشيًا، ومعاذ راكبًا، منعه من أن ينزل، وقال فيه ﷺ:","vol":"6","page":376},{"text":"وفي رواية: ثنى بأبي وأخر معاذا.\nرواه أحمد (٢/ ١٩٠)، والبخاري (٣٨٠٨)، ومسلم (٢٤٦٤) (١١٦ و١١٧)، والترمذيُّ (٣٨١٠).\n* * *\nــ\nأعلمكم بالحلال والحرام معاذ (١). وقال: إنه يسبق العلماء يوم القيامة رتوة (٢) بحجر (٣)، وقال فيه ابن مسعود: إنه كان أمة قانتًا لله، وقال: الأمة: هو الذي يعلم الناس الخير، والقانت: هو المطيع لله ﷿، وكان عابدًا، مجتهدًا، وَرِعًا، محققًا، كان له امرأتان، فإذا كان يوم إحداهما: لم يشرب من بيت الأخرى، وماتتا بالطاعون في وقت واحد، فحفر لهما حفرة فأسهم بينهما أيتهما يُقدَّم في القبر، وكان مجاب الدعوة، ولما كان طاعون عمواس - وعمواس قرية من قرى الشام، وكأنها إنما نسب الطاعون إليها، لأنَّه أول ما نزل فيها - فقال بعض الناس: هذا عذابٌ، فبلغ ذلك معاذًا فأنكر ذلك، وخطب فقال: أيها الناس! إن هذا الوجع رحمةُ بكم ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم. اللهم آت آل معاذ من هذه الرحمة النصيب الأوفى. فما أمسى حتى طُعِن ابنه عبد الرحمن، وماتت زوجتاه، ثم طُعِن من الغد من دفن ولده، فاشتد وجعه فمات منه، وذلك في سنة سبع عشرة، وقيل: سنة ثمان عشرة، وسنُّه يومئذ ثمان وثلاثون سنة، وقيل: ثلاث وثلاثون سنة، روي عنه من الحديث: مائة حديث، وسبعة وخمسون حديثًا، أخرج له منها في الصحيحين ستة أحاديث.\nوسالم المذكور في الحديث، هو سالم بن معقل، مولى أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة، يُكنى سالم: أبا عبد الله، وكان من أهل فارس من إصطخر، وكان من\n_________\n(١) هو الحديث السابق.\n(٢) \"الرتوة\": الرمية.\n(٣) رواه أحمد (١/ ١٨). وانظر: أسد الغابة (٥/ ١٩٦).","vol":"6","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-889>(٥٤) باب فضائل أبي بن كعب</span>\n[٢٣٧٥] عن أنس قال: جَمَعَ القُرآنَ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَربَعَةٌ - كُلُّهُم مِن الأَنصَارِ -: مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ، وَأُبَيُّ بنُ كَعبٍ، وَزَيدُ بنُ\nــ\nفضلاء الموالي، ومن خيار الصحابة وكبرائهم، وهو معدودٌ في المهاجرين، لأنَّه لما أعتقته مولاته زوج أبي حذيفة، وهي عمرة بنت يعار. وقيل: سلمى، وقيل: غير ذلك، تولى أبا حذيفة فتبنَّاه أبو حذيفة، وهو أيضًا معدودٌ في الأنصار، لعتق مولاته المذكورة له وهي أنصارية، وهو معدودٌ في القرَّاء، قيل: إنه هاجر مع عمر بن الخطاب ونفر من الصحابة من مكة ﵃، فكان يؤمهم، لأنَّه كان أكثرهم قرآنًا، وكان يؤم المهاجرين بقباء فيهم عمر بن الخطاب، شهد سالم بدرًا، وقتل يوم اليمامة ومولاه أبو حذيفة. فوجد رأس أحدهما عند رجلي الآخر، وذلك سنة اثنتي عشرة.\n(٥٤) ومن باب: فضائل أبي بن كعب ﵁\nهو ابن قيس بن عبيد بن زيد بن النجار الخزرجي ﵁ أسلم قديمًا، وشهد العقبة الثانية، وبايع النبي ﷺ فيها، ثم شهد بدرًا، وجميع المشاهد، وهو أول من كتب الوحي لرسول الله ﷺ وكان من فقهاء الصحابة وقرائهم ﵃، وكفى بذلك أن الله تعالى: أمر نبيَّه ﷺ أن يقرأ عليه القرآن، وقد بيَّنَّا وجه ذلك فيما تقدَّم، وقد تقدَّم قوله ﷺ: أقرؤكم أبي. وقال فيه عمر بن الخطاب ﵁: إنه سيد المسلمين، وتوفي في خلافة عمر على الأكثر. قيل: سنة تسع عشرة، وقيل: سنة عشرين، وقيل: سنة اثنتين وعشرين، وقد قيل: إنه مات في خلافة عثمان سنة اثنتين وثلاثين. وجملة ما روي عنه عن رسول الله ﷺ مائة حديث وأربعة وستون حديثًا، أخرج له منها في الصحيحين ثلاثة عشر.\nو(قول أنس ﵁: جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعة","vol":"6","page":378},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمن الأنصار: معاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو زيد. قد استشكل ظاهر هذا الحديث كثير من الناس حتى ظنوا أنه مما يطرق الطعن والقدح في تواتر القرآن، وهذا إنما نشأ ممن يظن أن لهذا الحديث دليل خطاب، فإنَّه لا يتم له ذلك حتى يقول بتخصيص هؤلاء الأربعة بالذكر يدلّ على أنه لم يجمعه أحدٌ غيرهم، فمن ينفي القول بدليل الخطاب قد سلم من ذلك، ومن (١) يقول به فأكثرهم يقول: إن أسماء الأعداد لا دليل خطاب لها، فإنَّها تجري مجرى الألقاب، والألقاب لا دليل خطاب لها باتفاق أئمة أهل الأصول. ولا يلتفت لقول الدقاق في ذلك فإنَّه واضح الفساد كما بيَّنَّاه في الأصول، ولئن سلَّمنا أن لأسماء الأعداد دليل خطاب، فدليل الخطاب إنما يُصار إليه إذا لم يعارضه منطوق به، فإنه أضعف وجوه الأدلة عند القائلين به، وهنا أمران هما أولى منه - بالاتفاق -:\nأحدهما: النقل الصحيح.\nوالثاني: ما يعلم من ضرورة العادة.\nفأمَّا النقل فقد ذكر القاضي أبو بكر وغيره جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ جمعوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ منهم: الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة. وقد سَمَّى أبو عبد الله المازري منهم خمسة عشر.\nوقد تواترت الأخبار بأنه قتل يوم اليمامة سبعون ممن جمع القرآن، [وكان ذلك في سنة وفاة النبي ﷺ وأول سني خلافة أبي بكر ﵁، وإذا قتل في جيش واحد سبعون ممن جمع القرآن] (٢) فالذين بقوا في ذلك الجيش منهم لم يقتلوا أكثر من أولئك أضعافًا. وإذا كان ذلك في جيش واحد! فانظر كم بقي في مدن الإسلام - إذ ذاك - وفي عساكر أخر من الصحابة ﵃ - ممن جمع القرآن. فيظهر\n_________\n(١) في (ز): والذي.\n(٢) ما بين حاصرتين سقط من (م ٤).","vol":"6","page":379},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمن هذا أن الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ لا يُحصيهم أحد، ولا يضبطهم عدد.\nوأما الثاني وهو العادة: وذلك أنها تقتضي أن يجتمع العدد الكثير، والجم (١) الغفير على حِفظه ونقله، وذلك أن القرآن على نظم عجيب، وأسلوب غريب، مخالف لأساليب كلامهم في نثرهم ونظمهم مع ما تضمَّنه من العلوم والأحكام، ومعرفة الحلال والحرام، والقَصَص والأخبار، والتبشير والإنذار، والنبي ﷺ مع ذلك يُشيعه في الناس، ويشافه به البلغاء الأكياس، وما كان هذا سبيله فالعادة تقتضي: أن تتوفر الدواعي على حفظ جميعه، والوقوف على ما تضمنه من أنواع حكمه وبدائعه، ومحاسن آدابه وشرائعه، ويحيل انفراد الآحاد بحفظه كما يحيل انفرادهم بنقله، فقد ظهر من هذه المباحث العجاب أن ذلك الحديث ليس له دليل خطاب، فإنَّ قيل: فإذا لم يكن له دليل خطاب فلأي شيء خصَّ هؤلاء الأربعة بالذكر دون غيرهم؟ فالجواب من أوجه:\nأحدها: أنه يحتمل أن يكون ذلك لتعلُّق غَرَض المتكلم بهم دون غيرهم كالحال في ذكر الألقاب.\nوثانيها: لحضور هؤلاء الأربعة في ذهنه دون غيرهم.\nوثالثها: أن هؤلاء الأربعة قد اشتهروا بذلك في ذلك الوقت دون غيرهم ممن يحفظ جميعه.\nورابعها: لأن أنسًا سمع من هؤلاء الأربعة إخبارهم عن أنفسهم أنهم جمعوا القرآن، ولم يسمع مثل ذلك من غيرهم، وكلُّ ذلك محتمل، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) في (ز): الجمع.","vol":"6","page":380},{"text":"ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيدٍ. قَالَ قَتَادَةُ: قُلتُ لِأَنَسٍ: مَن أَبُو زَيدٍ؟ قَالَ: أَحَدُ عُمُومَتِي.\nرواه أحمد (٣/ ٢٧٧)، والبخاريُّ (٣٨١٠)، ومسلم (٢٤٦٥) (١١٩ و١٢٠)، والترمذيُّ (٣٧٩٤).\n[٢٣٧٦] وعنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُبَيِّ بنِ كَعبٍ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَن أَقرَأَ عَلَيكَ ﴿لَم يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أَهلِ الكِتَابِ﴾ قَالَ: وَسَمَّانِي!؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: فَبَكَى.\nرواه أحمد (٣/ ١٣٠)، والبخاريُّ (٣٨٠٩)، ومسلم (٧٩٩) في فضائل الصحابة (١٢٢)، والترمذيُّ (٣٧٩٢)، والنسائي في الكبرى (١١٦٩١).\n* * *\nــ\n\nو(قول قتادة: قلت لأنسٍ: من أبو زيد؟ قال: أحد عُمومتي) أبو زيد هذا هو سعيد بن عبيد بن النعمان الأوسي من بني عمرو بن عوف، يعرف بسعد القارئ، توفي شهيدًا بالقادسية سنة خمس عشرة. قال أبو عمر: هذا قول أهل الكوفة، وخالفهم غيرهم، فقال أبو زيد: هذا هو قيس بن السكن الخزرجي من بني عدي بن النجار بدري. قال ابن شهاب: قُتِل أبو زيد قيس بن السَّكن الخزرجي (١) يوم جِسر أبي عبيد على رأس خمس عشرة. وقد تقدَّم القول على حديث قراءة النبي ﷺ على أبي ﵁ في كتاب الصلاة في باب: ترتيل القراءة وكيفية الأداء.\n_________\n(١) ليست في (ز) ولا (م ٤).","vol":"6","page":381},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-890>(٥٥) باب فضائل سعد بن معاذ</span>\n[٢٣٧٧] عن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ - وَجَنَازَةُ سَعدِ بنِ مُعَاذٍ بَينَ أَيدِيهِم -: اهتَزَّ لَهَا عَرشُ الرَّحمَنِ.\nوفي رواية: اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ.\nــ\n(٥٥) ومن باب: فضائل سعد بن معاذ ﵁\nهو ابن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل الخزرجي الأنصاري ﵁ أسلم بالمدينة بين العقبة الأولى والثانية على يدي مصعب بن عمير، وشهد بدرًا وأحدًا، ورمي يوم الخندق بسهم، فعاش شهرًا، ثم انتقض جرحه فمات منه. توفي سنة خمس من الهجرة، وقد تقدَّم حديثه في حكمه في بني قريظة، وقوله ﷺ للحاضرين من أصحابه: قوموا إلى سيدكم (١) وقالت عائشة ﵂: كان في بني عبد الأشهل ثلاثة، لم يكن بعد النبي ﷺ من المسلمين أحدٌ أفضل منهم: سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وعبَّاد بن بشر، تعني: من الأنصار، والله أعلم. وقال ابن عباس: قال سعد بن معاذ: ثلاثة أنا فيهن رجل كما ينبغي، وما سوى ذلك فأنا رجل من المسلمين. ما سمعت من رسول الله ﷺ حديثًا إلا علمت أنه حق من الله، ولا دخلت في صلاة قط فشغلت نفسي بغيرها حتى قضيتها، ولا كنت في جنازة قط فحدَّثت نفسي بغير ما تقول، وما يُقال لها حتى أنصرفَ عنها.\nو(قوله: اهتز عرش الرحمن لجنازة سعد بن معاذ) حمل بعض العلماء\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٢٢ و٧١)، والبخاري (٣٠٤٣)، ومسلم (١٧٦٨) (٦٤)، وأبو داود (٥٢١٥ و٥٢١٦).","vol":"6","page":382},{"text":"رواه أحمد (٣/ ٢٩٦) و(٣/ ٣١٦)، والبخاريُّ (٣٨٠٣)، ومسلم (٢٤٦٦) (١٢٣ و١٢٤)، والترمذي (٣٨٤٨)، وابن ماجه (١٥٨).\n[٢٣٧٨] وعن البراء قال: أُهدِيَت لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُلَّةُ حَرِيرٍ فَجَعَلَ\nــ\nهذا الحديث على ظاهره من الاهتزاز والحركة، وقال: هذا ممكن، لأنَّ العرش جسم، وهو قابل للحركة والسُّكون، والقدرة صالحة، وكانت حركته علمًا على فضله، وحمله آخرون على حملة العرش، وحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، ويكون الاهتزاز منهم استبشارًا بقدوم روحه الطيبة، وفرحًا به، وحمله آخرون على تعظيم شأن وفاته، وتفخيمه على عادة العرب في تعظيمها الأشياء، والإغياء في ذلك، فيقولون: قامت القيامة لموت فلان، وأظلمت الأرض، وما شاكل ذلك مِمَّا المقصود به التعظيم والتفخيم لا التحقيق، وإليه صار الحربي. وكل هذا مُنزَّل على: أن العرش هو المنسوب لله تعالى في قوله: ﴿الرَّحمَنُ عَلَى العَرشِ استَوَى﴾ وهو ظاهر قوله: اهتز عرش الرحمن لموت سعد.\nوقد روي عن ابن عمر: أن العرش هنا سرير الموت.\nقال القاضي: وكذلك جاء في حديث البراء في الصحيح: اهتز السَّرير (١)، وتأوله الهروي: فَرِح بحمله عليه.\nو(قوله: أُهديت لرسول الله ﷺ حلَّةُ حرير) كذا جاء في حديث البراء: حلَّة بالحاء المهملة واللام، وفي حديث أنس: أن أُكَيدر دومة الجندل أهدى لرسول الله ﷺ جُبَّة من سندس (٢). وهذه أوجه وأصوب، لأنَّ الحلة لا تكون عند العرب ثوبًا واحدًا، وإنما هي لباس ثوبين، يحل أحدهما على الآخر، وأن الثوب الفرد لا يُسمَّى حلة. وقد جاء في السِّير أنها: قباء من ديباج مخوَّص بالذهب وقد تقدَّم الكلام على الحرير في اللباس.\nوأكيدر: بضم الهمزة وفتح الكاف\n_________\n(١) جزء من حديث رواه البخاري برقم (٣٨٠٣).\n(٢) رواه الترمذي (١٧٢٣)، والنسائي (٨/ ١٩٩).","vol":"6","page":383},{"text":"أَصحَابُهُ يَلمِسُونَهَا، وَيَعجَبُونَ مِن لِينِهَا، فَقَالَ: أَتَعجَبُونَ مِن لِينِ هَذِهِ؟ لَمَنَادِيلُ سَعدِ بنِ مُعَاذٍ فِي الجَنَّةِ خَيرٌ مِنهَا وَأَليَنُ.\nرواه أحمد (٤/ ٣٠٢)، والبخاريّ (٣٨٠٢)، ومسلم (٢٤٦٨) (١٢٦)، والترمذي (٣٨٤٧)، وابن ماجه (١٥٧).\n* * *\nــ\nوياء التصغير بعدها: تصغير: أكدر، والكدرة: لون بين السواد والبياض، وهو الأغبر، وهو: أكيدر بن عبد الملك الكندي. ودومة: بفتح الدال وضمها، وأنكر ابن دريد الفتح، وقال: أهل اللغة يقولونه بالضم، والمحدِّثون بالفتح، وهو خطأ، وقال: ودومة الجندل: مجتمعه ومستداره، وهو من بلاد الشام قرب تبوك، كان أكيدر ملكها، وكان خالد بن الوليد قد أسره في غزوة تبوك وسلبه قباء من ديباج مخوَّصًا بالذهب. فأمَّنَه النبي ﷺ وردَّه إلى موضعه، وضرب عليه الجزية.\nو(قوله: لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها وألين) هذه إشارة إلى أدنى ثياب سعد، لأنَّ المناديل إنما هي ممتهنة متخذة لمسح الأيدي بها من الدَّنس والوسخ، وإذا كان هذا حال المنديل، فما ظنُّك بالعمامة والحلة؟ ! ولا يظنُّ أن طعام الجنة وشرابها فيهما ما يدنس يد المتناول حتى يحتاج إلى منديل، فإنَّ هذا ظن من لا يعرف الجنة ولا طعامها ولا شرابها، إذ قد نزه الله الجنة عن ذلك كله، وإنما ذلك إخبارٌ بأن الله أعدَّ في الجنة كل ما كان يحتاج إليه في الدُّنيا، لكن هي على حالة هي أعلى وأشرف، فأعدَّ فيها أمشاطًا، ومجامر، وأُلُوَّة، ومناديل، وأسواقًا وغير ذلك مما تعارفناه في الدُّنيا، وإن لم نحتج له في الجنة، إتمامًا للنعمة، وإكمالًا للمنَّة.\n* * *","vol":"6","page":384},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-891>(٥٦) باب فضائل أبي دجانة سماك بن خرشة، وعبد الله بن عمرو بن حرام</span>\n[٢٣٧٩] عَن أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ سَيفًا يَومَ أُحُدٍ فَقَالَ: مَن يَأخُذُ مِنِّي هَذَا؟ فَبَسَطُوا أَيدِيَهُم كُلُّ إِنسَانٍ مِنهُم يَقُولُ: أَنَا، أَنَا! قَالَ: فَمَن يَأخُذُهُ بِحَقِّهِ؟ فَأَحجَمَ القَومُ، فَقَالَ سِمَاكُ بنُ خَرَشَةَ أَبُو دُجَانَةَ: أَنَا آخُذُهُ بِحَقِّهِ! قَالَ: فَأَخَذَهُ، فَفَلَقَ بِهِ هَامَ المُشرِكِينَ.\nرواه مسلم (٢٤٧٠).\nــ\n(٥٦) ومن باب: فضائل أبي دجانة ﵁\nهو سماك بن خرشة بني لوذان الخزرجي الأنصاري، وهو مشهور بكنيته، شهد بدرًا وأُحُدًا، ودافع عن رسول الله ﷺ يومئذ هو ومصعب بن عمير، وكثرت فيه الجراحة، وقُتِل مصعب.\nوكان أبو دُجانة أحد الشجعان، له المقامات المحمودة مع رسول الله ﷺ في مغازيه، استشهد يوم اليمامة، وقال أنس: رمى أبو دجانة بنفسه في الحديقة فانكسرت رجله، فقاتل حتى قُتل، وقيل: إنه شارك وحشيًّا في قتل مسيلمة. وقد قيل: إنه عاش حتى شهد مع علي صفِّين - والله تعالى أعلم. قال أبو عمر: إسناد حديثه في الحرز المنسوب إليه فيه ضعف.\nوقوله ﷺ من يأخذ مني هذا السَّيف بحقه؟، يعني بالحق هنا أنه يقاتل بذلك السيف إلى أن يفتح الله تعالى على المسلمين أو يموت، فلما سمعوا هذا أحجموا، أي: تأخروا، يقال: أحجم وأجحم بتقديم الحاء وتأخيرها. فأخذه أبو دجانة وقام بشرطه، ووَفَّى بحقه.\nوهام المشركين مخففًا، يعني رؤوسهم، قال:\nنضرب بالسُّيوف رؤوس قومٍ ... أَزَلنا هامَهُنَّ عن المقيل\nالمقيل: أصول الأعناق.","vol":"6","page":385},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوأما جابر فهو عبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن كعب بن غنم (١) بن كعب بن سَلَمَة الأنصاري السلمي، وهو أحد النقباء، شهد العقبة وبدرًا، وقُتِل يوم أحُد وَمُثِّل به.\nوروى بقي بن مَخلَد عن جابر ﵁ قال: لقيني رسول الله ﷺ فقال: يا جابر، ما لي أراك منكسًا مهتمًا (٢)؟، قلت: يا رسول الله، استشهد أبي وترك عيالًا، وعليه دين! قال: أفلا أبشرك بما لقي الله ﷿ به أباك؟، قلت: بلى يا رسول الله! قال: إن الله ﷿ أحيا أباك وكلمه كفاحًا، وما كلَّم أحدًا قط إلا من وراء حجاب، فقال له: يا عبدي، تَمَنَّ أعطك! قال: يا رب، تردّني إلى الدنيا فأُقتل فيك ثانية فأبلِّغ من ورائي، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تَحسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَموَاتًا بَل أَحيَاءٌ﴾ الآية (٣).\nقلت: وقد تضمَّن هذا الحديث فضيلة عظيمة لعبد الله لم يُسمَع بمثلها لغيره، وهي: أن الله تعالى كلَّمه مشافهة بغير حجاب حجبه به ولا واسطة قبل يوم القيامة، ولم يفعل الله تعالى ذلك مع غيره في هذه الدَّار، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحيًا أَو مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَو يُرسِلَ رَسُولا﴾ وكما قال رسول الله ﷺ في هذا الحديث: وما كلَّم الله أحدًا قط إلا من وراء حجاب، وظاهر هذه الآية وهذا الحديث أن الله تعالى لم يفعل هذا في هذه الدَّار لحيٍّ ولا لميت إلا لعبد الله هذا خاصَّة، فيلزم على هذا العموم أنه قد خُصَّ من ذلك بما لم يُخَصّ به أحدٌ من الأنبياء، وهذا مشكل بالمعلوم من ضرورة الشرع ومن إجماع المسلمين على أن درجة الأنبياء وفضيلتهم أعظم من درجة الشهداء والأولياء كما تقدم، فوجه التَّلفيق أن\n_________\n(١) في (ع): عثمان، وهو خطأ، انظر: أسد الغابة (١/ ٣٠٧).\n(٢) في (ز): مغتمًا.\n(٣) رواه الترمذي (٣٠١٠)، وابن ماجه (٢٨٠٠).","vol":"6","page":386},{"text":"[٢٣٨٠] وعن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ قالُ: لَمَّا كَانَ يَومُ أُحُدٍ جِيءَ بِأَبِي مُسَجًّى وَقَد مُثِلَ بِهِ. قَالَ: فَأَرَدتُ أَن أَرفَعَ الثَّوبَ فَنَهَانِي قَومِي، ثُمَّ أَرَدتُ أَن أَرفَعَ الثَّوبَ فَنَهَانِي قَومِي، فَرَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ - أَو أَمَرَ بِهِ فَرُفِعَ - فَسَمِعَ صَوتَ بَاكِيَةٍ أَو صَائِحَةٍ، فَقَالَ: مَن هَذِهِ؟ فَقَالُوا: ابِنة عَمرٍو - أَو أُختُ عَمرٍو. فَقَالَ: وَلِمَ تَبكِي؟ فَمَا زَالَت المَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجنِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ!\nــ\nقوله ﷺ وما كلَّم الله أحدًا إلا من وراء حجاب إنما يعني به - والله أعلم - أنه ما كلَّم أحدًا من الشهداء وممن ليس بنبي بعد موته - وقيل يوم القيامة - إلا عبد الله، ولم يرد به الأنبياء ولا أراد بعد يوم القيامة لما قد علم أيضًا من الكتاب والسنة وإجماع أهل السُّنَّة من أن يرون الله تعالى في الجنة ويُكلِّمهم بغير حجاب ولا واسطة.\nوأما الآية فإنما مقصودها حَصر أنواع الوحي الواصل إلى الأنبياء من الله تعالى، فمنه ما يقذفهُ الله تعالى في قلب النبيِّ وروعه، ومنه ما يُسمعه الله تعالى للنبي مع كون ذلك النبي محجوبًا عن رؤية الله تعالى، ومنه ما يبلغه له الملك، وحاصلها الإعلام بأن الله تعالى لم يره أحدٌ من البشر في هذه الدَّار نبيًا كان أو غير نبي، ويشهد لهذا قوله ﷺ في الصحيح: اعلموا أنه لا يرى أحدٌ ربَّه حتى يموت (١).\nوقد تقدَّم الخلاف في رؤية نبينا محمد ﷺ لربِّه، والصحيح أنه لم يأت قاطع بذلك، والأصل بقاء ما ذكرناه على ما أصَّلناه، والله تعالى أعلم.\nوقوله وجيء بأبي مُسجًّى، وقد مُثِّل به؛ أي: مُغطى بثوب ومُثِّل به، أي جُدِع أنفه وأذناه، فعل ذلك به المشركون.\nوقوله ولِمَ تبكي؟، كذا صحَّت الرواية بـ لم التي للاستفهام، تبكي\n_________\n(١) ذكره الحافظ في فتح الباري (١/ ١٢٠).","vol":"6","page":387},{"text":"رواه أحمد (٣/ ٢٩٨)، والبخاري (٤٠٨٠)، ومسلم (٢٤٧١) (١٢٩)، والنسائي (٤/ ١٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-892>(٥٧) باب فضائل جليبيب</span>\n[٢٣٨١] عَن أَبِي بَرزَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي مَغزًى لَهُ فَأَفَاءَ اللَّهُ عَلَيهِ، فَقَالَ لِأَصحَابِهِ: هَل تَفقِدُونَ مِن أَحَدٍ؟ قَالُوا: نَعَم؛ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا. ثُمَّ قَالَ: هَل تَفقِدُونَ مِن أَحَدٍ؟ قَالُوا: نَعَم؛ فُلَانًا وَفُلَانًا.\nــ\nبغير نون، لأنَّه استفهام لمخاطب عن فعل غائبة، ولو خاطبها بالاستفهام خطاب الحاضرة لقال: ولم تبكين؟ بإثبات النون، وكذلك جاء في رواية أخرى أولا تبكيه؟ ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها (١) هو إخبار عن غائبة، ولو كان خطاب الحاضرة لقال: تبكينه، أو لا تبكينه بنون فعل الواحدة المخاطبة، ويعني بهذا الكلام أن عبد الله مكرَّم عند الملائكة سواء بُكِي عليه أو لم يُبكَ، وكون الملائكة تظله بأجنحتها إنما ذلك لاجتماعهم عليه وتراحمهم على مبادرة لقائه والصُّعود بروحه الكريمة الطيبة، ولتبشِّره بما له عند الله تعالى من الكرامة والدَّرجة الرفيعة، والله تعالى أعلم.\n(٥٧) ومن باب: فضائل جليبيب ﵁\nوكان رجلا من ثعلبة، وكان حليفًا في الأنصار، قال ابن سعد: سمعت من يذكر ذلك. روى أنس بن مالك قال: كان رجل من أصحاب النبي ﷺ يقال له جليبيب، وكان في وجهه دمامة، فعرض عليه رسول الله ﷺ التزويج، فقال: إذن\n_________\n(١) انظر: صحيح مسلم برقم (٢٤٧١) (١٣٠).","vol":"6","page":388},{"text":"ثُمَّ قَالَ: هَل تَفقِدُونَ مِن أَحَدٍ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: لَكِنِّي أَفقِدُ جُلَيبِيبًا، فَاطلُبُوهُ! فَطُلِبَ فِي القَتلَى فَوَجَدُوهُ إِلَى جَنبِ سَبعَةٍ قَد قَتَلَهُم ثُمَّ قَتَلُوهُ، فَأَتَاه النَّبِيُّ ﷺ فَوَقَفَ عَلَيهِ فَقَالَ: قَتَلَ سَبعَةً ثُمَّ قَتَلُوهُ، هَذَا مِنِّي وَأَنَا\nــ\nتجدني كاسدًا يا رسول الله! فقال: إنك عند الله لست بكاسد (١). وفي غير كتاب مسلم من حديث أبي برزة في تزويج جليبيب أن رسول الله ﷺ قال لرجل من الأنصار: يا فلان، زوجني ابنتك، قال: نعم، ونعمة عين! قال: إني لست لنفسي أريدها، قال: فلمن؟ قال: لجليبيب، قال: حتى أستأمرَ أمَّها! فأتاها وأخبرها بذلك، فقالت: حلقى، ألجليبيب؟ ! لا لَعَمرُ الله، لا أُزوِّج جُليبيبًا! فلما قام أبوها ليأتي رسول الله ﷺ قالت الفتاة من خدرها لأبويها: من خطبني إليكما؟ قالا: رسول الله ﷺ. قالت: أفتردَّان على رسول الله أمره؟ ! ادفعاني إلى رسول الله ﷺ فإنَّه لن يُضيِّعني! فذهب أبوها للنبي ﷺ فأخبره بذلك وقال: شأنك بها. فزوَّجها جُليبيبًا، ودعا لهما النبي ﷺ فقال: اللهم صُبَّ عليهما الرزقَ صبًّا صبًّا، ولا تجعل عيشهما كدًّا كدًّا (٢) - ثم ذكر باقي الحديث على ما في كتاب مسلم.\nوقوله كان رسول الله ﷺ في مغزًى له؛ أي في غزوة.\nوقوله هل تفقدون أحدًا؟، هذا الاستفهام ليس مقصوده استعلام كونهم فقدوا أحدًا ممن يعزّ عليهم فَقده، إذ ذاك كان معلومًا له بالمشاهدة، وإنما مقصوده التَّنويه والتَّفخيم بمن لم يحفلوا به ولا التفتوا إليه لكونه كان غامضًا في الناس،\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ١٣٦)، وأبو يعلى (٣٣٤٣)، وعبد الرزاق في المصنف (١٠٣٣٣). وانظر: مجمع الزوائد (٩/ ٣٦٨).\n(٢) ذكره ابن الأثير في الاستيعاب (١/ ٣٤٨).","vol":"6","page":389},{"text":"مِنهُ، هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنهُ. قَالَ: فَوَضَعَهُ عَلَى سَاعِدَيهِ، لَيسَ لَهُ إِلَّا سَاعِدَا النَّبِيِّ ﷺ. قَالَ: فَحُفِرَ لَهُ وَوُضِعَ فِي قَبرِهِ - وَلَم يَذكُر غَسلًا.\nرواه أحمد (٤/ ٤٢١)، ومسلم (٢٤٧٢)، والنسائي في الكبرى (٨٢٤٦).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-893>(٥٨) باب فضائل أبي ذر الغفاري</span>\n[٢٣٨٢] عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَرَجنَا مِن قَومِنَا غِفَارٍ، وَكَانُوا يُحِلُّونَ الشَّهرَ الحَرَامَ، فَخَرَجتُ أَنَا وَأَخِي أُنَيسٌ وَأُمُّنَا، فَنَزَلنَا عَلَى خَالٍ لَنَا فَأَكرَمَنَا خَالُنَا وَأَحسَنَ إِلَينَا، فَحَسَدَنَا قَومُهُ فَقَالُوا:\nــ\nولكون كل واحدٍ منهم أصيب بقريبه أو حبيبه فكان مشغولًا بمصابه لم يتفرَّغ منه إلى غيره، ولَمَّا أطَّلع الله نبيَّه ﷺ على ما كان من حال جليبيب من قتله السَّبعة الذين وجدوا إلى جنبه نوَّه باسمه وعرَّف بقدره، فقال: لكني أفقدُ جُليبيبًا؛ أي: فقده أعظم من فقد كل من فقد، والمصاب به أشد - ثم إنه أقبل بإكرامه عليه ووسَّده ساعديه مبالغة في كرامته، ولتناله بركة ملامسته.\nوجليبيب: تصغير جِلباب، سُمِّي به الرجل.\n(٥٨) ومن باب: فضائل أبي ذر الغفاري ﵁\nواسمه جندب - على الأصح والأكثر - ابن جنادة بن قيس بن عمرو بن مليل بن حرام بن غفار، وغفار بن كنانة بن مدركة بن إلياس بن قصي بن نزار.\nهو من كبار الصحابة ﵁ وعنهم، قديم الإسلام، يقال: أسلم بعد أربعة","vol":"6","page":390},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفكان خامسًا، ثم انصرف إلى بلاد قومه فأقام بها حتى قدم على النبي ﷺ عام الحديبية بعد أن مضت بدر وأحد والخندق، ويدل على كيفية إسلامه وتفصيل أحواله حديثه المذكور في الأصل، وكان قد غلب عليه التعبُّد والزهد، وكان يعتقد أن جميع ما فضل عن الحاجة كنز وإمساكه حرام، ودخل الشام بعد موت النبي ﷺ فوقع بينه وبين معاوية نزاع في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ﴾. . . الآية، فشكاه معاوية إلى عثمان فأقدمه عثمان المدينة فقدمها، فزهد أبو ذر في كل ما بأيديهم، واستأذن عثمان في سكنى الرَّبذة فأذن له، وقد كان رسول الله ﷺ أذن له في البدو، فأقام بالرَّبذة في موضع منقطع إلى أن مات بها سنة اثنتين وثلاثين على ما قاله ابن إسحاق، وصلى عليه عبد الله بن مسعود منصرفه من الكوفة في ركب، ولم يوجد له شيء يُكفن فيه، فكفَّنه رجل من أولئك الركب في ثوب من غزل أمه، وكان قد وصَّى ألا يكفنه أحدٌ ولي شيئًا من الأعمال السلطانية، وخبره بذلك معروف.\nروى عن رسول الله ﷺ مائتي حديث وواحدًا وثمانين حديثًا، أخرج له منها في الصحيحين ثلاثة وثلاثون حديثًا.\nغريب حديث أبي ذر ﵁:\nالشنة: السقاء البالي، والشنان: الأسقية، واحدها شنٌّ، وكل جلد بال فهو شنٌّ. ويقال للقربة البالية: شنَّة، وهي أشدُّ تبريدًا للماء من الجدد.\nوقوله ما أنى للرجل؛ أي: ما كان، يقال: أنى وآن - بمعنى واحد، وتقفوه: تتبعه.\nوقوله لأصرخن بها؛ أي: بكلمة التوحيد.\nبين ظهرانيهم: يعني المشركين بمكة.","vol":"6","page":391},{"text":"إِنَّكَ إِذَا خَرَجتَ عَن أَهلِكَ خَالَفَ إِلَيهِم أُنَيسٌ، فَجَاءَ خَالُنَا فَنَثَا عَلَينَا الَّذِي قِيلَ لَهُ، فَقُلتُ: أَمَّا مَا مَضَى مِن مَعرُوفِكَ فَقَد كَدَّرتَهُ، وَلَا جِمَاعَ لَكَ فِيمَا بَعدُ، فَقَرَّبنَا صِرمَتَنَا فَاحتَمَلنَا عَلَيهَا، وَتَغَطَّى خَالُنَا ثَوبَهُ فَجَعَلَ يَبكِي، فَانطَلَقنَا حَتَّى نَزَلنَا بِحَضرَةِ مَكَّةَ، فَنَافَرَ أُنَيسٌ عَن صِرمَتِنَا وَعَن مِثلِهَا، فَأَتَيَا الكَاهِنَ فَخَيَّرَ أُنَيسًا، فَأَتَانَا أُنَيسٌ بِصِرمَتِنَا وَمِثلِهَا مَعَهَا. قَالَ: وَقَد صَلَّيتُ يَا ابنَ أَخِي قَبلَ أَن أَلقَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِثَلَاثِ سِنِينَ! قُلتُ: لِمَن؟ قَالَ:\nــ\nوقوله فنثا علينا خالنا الذي قيل له؛ أي: أظهر لنا بالقول، يقال: النثى - بتقديم النون والقصر - في الشِّر والكلام القبيح، وإذا قَدَّمتَ الثاء ومدَدَت فهو الكلام الحسن الجميل.\nوقوله لا جماع لك؛ أي: لا اجتماع يبقى بيننا.\nوالصِّرمَةُ: القطعة من الإبل نحو الثلاثين، وقد تكون الصِّرمَة في غير هذا القطعة من النخل، والصّرم القطع.\nوقوله فنافر أُنَيس عن صرمتنا، وعن مثلها؛ أي: التزم أن من قضي له بالغلبة أخذ ذلك، قال أبو عبيد: المنافرة أن يفتخر الرجلان كل واحد منهما على صاحبه ثم يحكما رجلًا بينهما، والنافر: الغالب، والمنفور: المغلوب. يقال: نفره، ينفره، وينفره، نفرًا - إذا غلب عليه.\nوقوله فأتيا الكاهن فخيَّر أُنيسًا؛ أي غلبه وقضى له، وكانت منافرته في الشعر أيهما أشعر.\nوقوله وقد صلَّيت قبل أن ألقى رسول الله ﷺ، هذا إلهام للقلوب الطاهرة ومقتضى العقول السَّليمة (١)، فإنَّها توفق للصواب وتلهم للرشد.\n_________\n(١) في (ز): السامية.","vol":"6","page":392},{"text":"لِلَّهِ! قُلتُ: فَأَينَ تَوَجَّهُ؟ قَالَ: أَتَوَجَّهُ حَيثُ يُوَجِّهُنِي رَبِّي، أُصَلِّي عِشَاءً حَتَّى إِذَا كَانَ مِن آخِرِ اللَّيلِ أُلقِيتُ كَأَنِّي خِفَاءٌ حَتَّى تَعلُوَنِي الشَّمسُ. فَقَالَ أُنَيسٌ: إِنَّ لِي حَاجَةً بِمَكَّةَ فَاكفِنِي! فَانطَلَقَ أُنَيسٌ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ فَرَاثَ عَلَيَّ، ثُمَّ جَاءَ، فَقُلتُ: مَا صَنَعتَ؟ قَالَ: لَقِيتُ رَجُلًا بِمَكَّةَ عَلَى دِينِكَ يَزعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرسَلَهُ! قُلتُ: فَمَا يَقُولُ النَّاسُ؟ قَالَ: يَقُولُونَ شَاعِرٌ، سَاحِرٌ، كَاهِنٌ - وَكَانَ أُنَيسٌ أَحَدَ الشُّعَرَاءِ، قَالَ أُنَيسٌ: لَقَد سَمِعتُ قَولَ الكَهَنَةِ فَمَا هُوَ بِقَولِهِم، وَلَقَد وَضَعتُ قَولَهُ عَلَى أَقرَاءِ الشِّعرِ فَمَا يَلتَئِمُ عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ\nــ\nوقوله: أُلقيت كأني خِفَاءٌ، الرواية في ألقيت بضم الهمزة وكسر القاف مبنيًا لما لم يسم فاعله. والخفاء بكسر الخاء والمد: هو الغطاء، وكل شيء غطيته بكساء أو ثوب فذلك الغطاء خفاء، ويجمع أخفية - قاله أبو عبيد. وقال ابن دريد: الخفاء كساء يطرح على السقاء.\nو(قوله: فراث علي)؛ أي: أبطأ.\nو(قوله: وضعت قوله على أقراء الشعر)، قال ابن قتيبة: يريد أنواعه وطُرقه، واحدها قَرء. فيقال: هذا الشعر على قرء هذا.\nو(قوله: فتضعَّفتُ رجلًا)؛ أي: رأيته ضعيفًا فعلمت أنه لا ينالني بمكروه ولا يرتاب بمقصدي.\nو(قوله: كأني نصب أحمر)؛ أي: قمت كأني لجريان دمي من الجراحة التي أُصبت بها أحد الأنصاب، وهي الحجارة التي كانوا يذبحون عليها فتحمر بالدماء.\nفأمَّا زمزم فقال ابن فارس: هو من قولهم زمزمت الناقة إذا جعلت لها زمامًا تحبسها به، وذلك أن جبريل ﵇ لما همز الأرض بمقاديم جناحيه ففاض الماء زمتها هاجر، فسُمِّيت: زمزم.\nو(قوله: ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر)، كذا الرواية الصحيحة أقراء","vol":"6","page":393},{"text":"بَعدِي أَنَّهُ شِعرٌ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَصَادِقٌ وَإِنَّهُم لَكَاذِبُونَ. قَالَ: قُلتُ: فَاكفِنِي حَتَّى أَذهَبَ فَأَنظُرَ.\nوفي رواية: قال: نعم، وكن على حذر من أهل مكة، فإنهم قد شنفوا له وتجهموا. قَالَ: فَأَتَيتُ مَكَّةَ فَتَضَعَّفتُ رَجُلًا مِنهُم، فَقُلتُ: أَينَ هَذَا الَّذِي تَدعُونَهُ الصَّابِئَ؟ فَأَشَارَ إِلَيَّ فَقَالَ: الصَّابِئَ! فَمَالَ عَلَيَّ أَهلُ الوَادِي بِكُلٍّ مَدَرَةٍ وَعَظمٍ حَتَّى خَرَرتُ مَغشِيًّا عَلَيَّ! قَالَ: فَارتَفَعتُ حِينَ ارتَفَعتُ كَأَنِّي نُصُبٌ أَحمَرُ. قَالَ: فَأَتَيتُ زَمزَمَ فَغَسَلتُ عَنِّي الدِّمَاءَ وَشَرِبتُ مِن مَائِهَا، وَلَقَد لَبِثتُ يَا ابنَ أَخِي ثَلَاثِينَ بَينَ لَيلَةٍ وَيَومٍ مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمزَمَ، فَسَمِنتُ حَتَّى تَكَسَّرَت عُكَنُ بَطنِي، وَمَا وَجَدتُ عَلَى كَبِدِي سُخفَةَ جُوعٍ.\nــ\nبالراء جمع قَرءٍ على ما تقدم، وقيَّده العذري أقواء بالواو، ورواه بعضهم بالواو وكسر الهمزة، قال القاضي: لا وجه له.\nو(قوله: فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر)، هكذا الرواية عند جميع الشيوخ، بعدي بالباء بواحدة والعين المهملة بمعنى غيري، يقال: ما فعل هذا أحد بعدك - أي: غيرك. كما يقال ذلك في دون، وهو كثيرٌ فيها. ومعنى الكلام أنه لما اعتبر القرآن بأنواع الشعر تبيَّن له أنه ليس من أنواعه، ثم قطع بأنه لا يصح لأحد أن يقول إنه شعر، ووقع في بعض النُّسخ يَقرِي بفتح الياء، قال القاضي: وهو جيد، وأحسن منه يُقرِي بضمها، وهو مِمَّا تقدَّم، يقال: أقرأت في الشعر، وهذا الشعر على قَرء هذا، وقرؤه: أي قافيته، وجمعها: أقراء. وفي بعض النسخ أيضًا على لسان أحد يُعزى إلى شعر؛ أي: ينسب إليه ويوصف به - وللروايات كلها وجه.\nو(قوله: فما وجدت على كبدي سخفة جوع)، قال الأصمعي: السخفة","vol":"6","page":394},{"text":"قَالَ: فَبَينَا أَهلِ مَكَّةَ فِي لَيلَةٍ قَمرَاءَ إِضحِيَانَ إِذ ضُرِبَ عَلَى أَصمِخَتِهِم فَمَا يَطُوفُ بِالبَيتِ أَحَدٌ، وَامرَأَتَانِ مِنهُم تَدعُوَانِ إِسَافًا وَنَائِلَةَ. قَالَ: فَأَتَتَا عَلَيَّ فِي طَوَافِهِمَا، فَقُلتُ: أَنكِحَا أَحَدَهُمَا الأُخرَ. قَالَ: فَمَا تَنَاهَتَا عَن قَولِهِمَا. قَالَ: فَأَتَتَا عَلَيَّ، فَقُلتُ: هَنٌ مِثلُ الخَشَبَةِ - غَيرَ أَنِّي\nــ\nالخفة، ولا أحسب قولهم سخيف إلا من هذا.\nو(قوله: في ليلة قمراء إضحِيان)، القمراء: المقمرة، وهي التي يكون فيها قمر، ويُسمَّى الهلال قمرًا من أول الليلة الثالثة إلى أن يصير بدرًا، ثم إذا أخذ في النقص عاد عليه اسم القمر. وإضحيان - بكسر الهمزة والضاد المعجمة: معناه كثير ضوء قمرها. قال ابن قتيبة: ويقال ليلة إضحيان وإضحيانة وضحيانة (١) - إذا كانت مضيئة.\nو(قوله: ضرب على أصمختهم)؛ أي ناموا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَضَرَبنَا عَلَى آذَانِهِم فِي الكَهفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾؛ أي: أنمناهم. الأصمخة جمع صماخ، وهو خُرق الأذن، وهو بالصاد، وقد أخطأ من قاله بالسين. وإساف ونائلة صنمان، وقد تقدَّم ذكرهما في كتاب الحج، وقد روى ابن أبي نجيح أن إسافًا ونائلة كانا رجلًا وامرأة حجَّا من الشام، فقبَّلَها وهما يطوفان فمُسخا حجرين، فلم يزالا في المسجد حتى جاء الإسلام فأخرجا منه.\nو(قوله: فما تناهتا عن قولهما)؛ أي: ما رجعتا عنه.\nو(قوله: هن مثل الخشبة) يعني به الذَّكَر، وقد تقدَّم أن هَنًا كناية عن النكرات، وأراد بذكره هنا سبّ إساف ونائلة، وهو تقبيح، كقوله أولًا أنكحا أحدهما الآخر.\n_________\n(١) ليست في (م ٤).","vol":"6","page":395},{"text":"لَا أَكنِي، فَانطَلَقَتَا تُوَلوِلَانِ وَتَقُولَانِ: لَو كَانَ هَا هُنَا أَحَدٌ مِن أَنفَارِنَا! قَالَ: فَاستَقبَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكرٍ وَهُمَا هَابِطَتانِ، قَالَ: مَا لَكُمَا؟ قَالَتَا: الصَّابِئُ بَينَ الكَعبَةِ وَأَستَارِهَا! قَالَ: مَا قَالَ لَكُمَا؟ قَالَتَا: إِنَّهُ قَالَ لَنَا كَلِمَةً تَملَأُ الفَمَ! وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى استَلَمَ الحَجَرَ ثم طَافَ بِالبَيتِ هُوَ وَصَاحِبُهُ، ثُمَّ صَلَّى، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ - قَالَ أَبُو ذَرٍّ: فَكُنتُ أَوَّلَ مَن حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الإِسلَامِ. قَالَ: فَقُلتُ السَّلَامُ عَلَيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: وَعَلَيكَ وَرَحمَةُ اللَّهِ. ثُمَّ قَالَ: مَن أَنتَ؟ قَالَ: قُلتُ: مِن غِفَارٍ. قَالَ: فَأَهوَى بِيَدِهِ فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ عَلَى جَبهَتِهِ، فَقُلتُ فِي نَفسِي: كَرِهَ أَن انتَمَيتُ إِلَى غِفَارٍ، فَذَهَبتُ آخُذُ بِيَدِهِ فَقَدَعَنِي صَاحِبُهُ، وَكَانَ أَعلَمَ بِهِ مِنِّي، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ فقَالَ: مَتَى كُنتَ هَا هُنَا؟ قَالَ: قَد كُنتُ هَا هُنَا مُنذُ ثَلَاثِينَ بَينَ لَيلَةٍ وَيَومٍ. قَالَ: فَمَن كَانَ يُطعِمُكَ؟ قَالَ: قُلتُ: مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ\nــ\nو(قوله: تولولان)؛ أي: تدعوان بالويل وترفعان بذلك أصواتهما.\nوقولهما: لو كان أحدٌ من أنفارنا؛ أي: من قومنا، وهو جمع نفر، والنَّفر: ما بين الثلاثة إلى العشرة، وجواب لو محذوف، أي: لنصرنا عليك - ونحوه.\nو(قولهما: الصابئ)؛ أي الخارج عن دين قومه، ويهمز ولا يهمز، وقد قرئ بهما.\nو(قولهما: قال كلمة تملأ الفم)؛ أي عظيمة، حتى كأن الفم يضيق عنها.\nو(قوله: فكنت أول من حياه بتحيَّة الإسلام)؛ يعني به: السلام عليك يا رسول الله! وظاهره أنه ألهم النُّطق بتلك الكلمة، إذ لم يكن سمعها قبل ذلك، وعلمه بكونه أوّل من حياه يحتمل أن يكون إلهامًا ويحتمل أن يكون علمه بغير ذلك بالاستقراء ثم أخبر عنه، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: فَقَدَعَنِي صاحبه)؛ أي: كفَّني ومنعني. يقال: قَدَعتُ الرَّجَل","vol":"6","page":396},{"text":"زَمزَمَ، فَسَمِنتُ حَتَّى تَكَسَّرَت عُكَنُ بَطنِي، وَمَا أَجِدُ عَلَى كَبِدِي سُخفَةَ جُوعٍ! قَالَ: إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، إِنَّهَا طَعَامُ طُعمٍ. فَقَالَ أَبُو بَكرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائذَن لِي فِي طَعَامِهِ اللَّيلَةَ! فَانطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكرٍ، وَانطَلَقتُ مَعَهُمَا، فَفَتَحَ أَبُو بَكرٍ بَابًا، فَجَعَلَ يَقبِضُ لَنَا مِن زَبِيبِ الطَّائِفِ، فَكَانَ ذَلِكَ\nــ\nوأقدَعتُه - إذا كففته، ومنه قول الحسن: اقدعوا هذه الأنفس فإنَّها طلعة (١) - وهو بالدال المهملة.\nو(قوله: إنها طعام طعم)؛ أي: يُشبع منه ويُردُّ الجوعَ. الرواية فيه طعامُ طعم بالإضافة، والطعام: اسم لما يتطعَّم، فكأنه قال: طعام إشباع، أو طعام يشبع - فأضافه إلى صفته، هذا على معنى ما قاله ابن شميل، فإنه قال: يقال إن هذا لطعام طعم، أي: يطعم من أكله، أي: يشبع منه الإنسان، وما يطعم أكلُ هذا الطعام أي ما يشبع منه، غير أنه قد قال الجوهري: الطُّعمُ بالضم الطعام، وبالفتح ما يُشتهَى منه. قال: قال أبو خراش:\nأُرَدُّ شجاع البَطنِ لَو تَعلَمينه ... ويُؤثَرُ غيري من عيالك بالطُّعمِ\nوأَغتَبِقُ الماء القَرَاحَ فَأَنتَهِي ... إذا الزَّادُ أَمسَى للمُزَلَّج ذَا طَعمِ\nقال: فأراد بالأول الطعام وبالثاني ما يُشتهى.\nقلت: وعلى هذا فلا تصحُّ الإضافة من جهة المعنى، فإنَّه يكون كقولك طعامُ طعامِ، ولا يصحُّ لأنَّه إضافة الشيء إلى نفسه، وإنَّما يستقيم معنى الحديث على ما حكاه ابن شميل، ويحصل من قولهما أن طعمًا تُستعمل بمعنى الاسم كما قاله الجوهري وبمعنى الصفة كما قاله ابن شميل، والله تعالى أعلم.\nوقد روى أبو داود الطيالسي من حديث أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ\n_________\n(١) نفسُ طُلَعَة: كثيرة التطلع إلى الشيء.","vol":"6","page":397},{"text":"أَوَّلَ طَعَامٍ أَكَلتُهُ بِهَا، ثُمَّ غَبَرتُ مَا غَبَرتُ، ثُمَّ أَتَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّهُ قَد وُجِّهَت لِي أَرضٌ ذَاتُ نَخلٍ لَا أُرَاهَا إِلَّا يَثرِبَ، فَهَل أَنتَ مُبَلِّغٌ عَنِّي\nــ\nفي زمزم: إنها مباركةٌ، وهي طعام طعم وشفاء سقم (١)؛ أي: طعام من جوع وشفاء من سقم.\nو(قوله في هذا الحديث: إنها مباركة)؛ أي: إنها تظهر بركتها على من صحَّ صدقه وحسنت فيها نيته، كما قد روى العقيلي أبو جعفر من حديث أبي الزبير عن جابر أن النبي ﷺ قال: ماء زمزم لما شرب له (٢). فينبغي أن يتبرك بها ويحسن النية في شربها ويحمل من مائها، فقد روى الترمذي عن عائشة ﵂ أنها كانت تحمل من ماء زمزم، وتخبر أن رسول الله ﷺ كان يحمله (٣). قال: حديث حسن غريب.\nو(قوله: ثم غَبَرت ما غَبَرتُ)؛ أي: بقيت ما بقيت، وقد تقدَّم أن غبر من الأضداد.\nو(قوله: وقد وجهت إلى أرض ذات نخل)؛ أي: ذهب بي إلى تلك الجهة وأُريتها.\nو(قوله: لا أراها إلا يثرب)، هذا كان اسم المدينة قديمًا حتى قدمها النبي ﷺ فكره أن تُسمَّى يثرب، لأنَّه مأخوذ من التثريب وهو اللوم والتقبيح، وسَمَّاها طابة، وقد تقدَّم هذا في الحج، وأيماء بن رحضة يروى بفتح الهمزة وكسرها، ورحضة بفتح الحاء المهملة والضاد المعجمة.\n_________\n(١) مسند الطيالسي (٦١).\n(٢) رواه العقيلي في كتاب \"الضعفاء الكبير\" (٢/ ٣٠٣)، وفي إسناده عبد الله بن المؤمل، ضعيف.\n(٣) رواه الترمذي في الحج (٩٦٣).","vol":"6","page":398},{"text":"قَومَكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَنفَعَهُم بِكَ وَيَأجُرَكَ فِيهِم؟ فَأَتَيتُ أُنَيسًا، فَقَالَ: مَا صَنَعتَ؟ قُلتُ: صَنَعتُ أَنِّي قَد أَسلَمتُ وَصَدَّقتُ. قَالَ: مَا بِي رَغبَةٌ عَن دِينِكَ، فَإِنِّي قَد أَسلَمتُ وَصَدَّقتُ! فَأَتَينَا أُمَّنَا، فَقَالَت: مَا بِي رَغبَةٌ عَن دِينِكُمَا، فَإِنِّي قَد أَسلَمتُ وَصَدَّقتُ! فَاحتَمَلنَا حَتَّى أَتَينَا قَومَنَا غِفَارًا فَأَسلَمَ نِصفُهُم، وَكَانَ يَؤُمُّهُم إيمَاءُ بنُ رَحَضَةَ الغِفَارِيُّ وَكَانَ سَيِّدَهُم، وَقَالَ نِصفُهُم: إِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ أَسلَمنَا! فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ فَأَسلَمَ نِصفُهُم البَاقِي، وَجَاءَت أَسلَمُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِخوَتُنَا! نُسلِمُ عَلَى الَّذِي أَسلَمُوا عَلَيهِ - فَأَسلَمُوا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، وَأسلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ.\nــ\nو(قوله: غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله، إنما دعا النبي ﷺ لهاتين القبيلتين لأنَّهما أسلمتا طوعًا من غير قتال ولا إكراه، ويحتمل أن يكون ذلك خبرًا عما فعل الله بهاتين القبيلتين (١) من المغفرة والمسالمة لهما. وكيف ما كان فقد حصل لهما فخر السابق وأجر اللاحق، وفيه مراعاة التجنيس في الألفاظ.\nو(قوله: إنهم قد شَنِفُوا له وتَجَهَّمُوا) (٢)؛ أي: أبغضوه وعبسوا في وجهه، والشَّنَفُ: البغض، ويُقال: رجل جهم الوجه إذا كان غليظه منعقده، كأنه يعبس وجهه لكل أحد.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).\n(٢) هذه العبارة لم ترد في التلخيص، وإنما جاءت في صحيح مسلم في رواية من روايات هذا الحديث. انظر صحيح مسلم (٤: ١٩٢٣).","vol":"6","page":399},{"text":"وفي رواية قال: فَتَنَافَرَا إِلَى رَجُلٍ مِن الكُهَّانِ. قَالَ: فَلَم يَزَل أَخِي أُنَيسٌ يَمدَحُهُ حَتَّى غَلَبَهُ. قَالَ: فَأَخَذنَا صِرمَتَهُ فَضَمَمنَاهَا إِلَى صِرمَتِنَا.\nوفيها أَيضًا قَالَ: فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَطَافَ بِالبَيتِ وَصَلَّى رَكعَتَينِ خَلفَ المَقَامِ. وفيها بعد بتحية الإسلام قال: قلت: السَّلَامُ عَلَيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: وَعَلَيكَ السَّلَامُ، مَن أَنتَ؟\nوَفِيها: فَقَالَ أَبُو بَكرٍ: أَتحِفنِي بِضِيَافَتِهِ اللَّيلَةَ.\nرواه أحمد (٥/ ١٧٤)، ومسلم (٢٤٧٣).\n[٢٣٨٣] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا بَلَغَ أَبَا ذَرٍّ مَبعَثُ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ قَالَ لِأَخِيهِ: اركَب إِلَى هَذَا الوَادِي فَاعلَم لِي عِلمَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزعُمُ أَنَّهُ يَأتِيهِ الخَبَرُ مِن السَّمَاءِ، وَاسمَع مِن قَولِهِ، ثُمَّ ائتِنِي. فَانطَلَقَ الآخَرُ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ وَسَمِعَ مِن قَولِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَبِي ذَرٍّ فَقَالَ: رَأَيتُهُ يَأمُرُ بِمَكَارِمِ الأَخلَاقِ وَكَلَامًا مَا هُوَ بِالشِّعرِ. فَقَالَ: مَا شَفَيتَنِي فِيمَا أَرَدتُ! فَتَزَوَّدَ وَحَمَلَ شَنَّةً لَهُ فِيهَا مَاءٌ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَأَتَى المَسجِدَ فَالتَمَسَ النَّبِيَّ ﷺ وَلَا يَعرِفُهُ، وَكَرِهَ أَن يَسأَلَ عَنهُ، حَتَّى أَدرَكَهُ - يَعنِي اللَّيلَ - فَاضطَجَعَ، فَرَآهُ\nــ\nو(قوله: فلم يزل أخي أُنَيس يمدحه حتى غلبه)، كذا في رواية السَّجزيّ وغيره، وهي واضحة، أي: لم يزل ينشد شعرًا يقتضي المدح حتى حكم له الكاهن بالغلبة على الآخر وأنه أشعر منه، وكأن هذا الكاهن كان شاعرًا فقضى بينهما بذلك، وفي رواية العذري: فلم يزل أخي أنَيس يمدحه ويثني عليه مكان: حتى غلبه. قال: فأخذنا صِرمَته فضَمَمناها إلى صرمتنا، والرواية الأولى أولى لأنَّها أفادت معنى مناسبًا به التأم الكلام بما بعده، وهو أنه إنما أخذ صِرمته لأنَّ الكاهن قضى له بالغلبة، ولأن قوله ويثني عليه مكرر، لأنَّه قد فُهم ذلك من قوله يمدحه، فحمل الكلام على فائدة جديدة أولى. وإنَّما ذكر هذا المعنى ليبين أن أخاه أُنَيسا كان شاعرًا مُفلِقًا مُجيدًا، بحيث يحكم له بغلبة الشعراء، ومن","vol":"6","page":400},{"text":"عَلِيٌّ فَعَرَفَ أَنَّهُ غَرِيبٌ، فَلَمَّا رَآهُ تَبِعَهُ، فَلَم يَسأَل وَاحِدٌ مِنهُمَا صَاحِبَهُ عَن شَيءٍ حَتَّى أَصبَحَ، ثُمَّ احتَمَلَ قِربَتَهُ وَزَادَهُ إِلَى المَسجِدِ، فَظَلَّ ذَلِكَ اليَومَ وَلَا يَرَى النَّبِيَّ ﷺ حَتَّى أَمسَى، فَعَادَ إِلَى مَضجَعِهِ فَمَرَّ بِهِ عَلِيٌّ، فَقَالَ: مَا أَنَى لِلرَّجُلِ أَن يَعلَمَ مَنزِلَهُ؟ فَأَقَامَهُ، فَذَهَبَ بِهِ مَعَهُ وَلَا يَسأَلُ وَاحِدٌ مِنهُمَا صَاحِبَهُ عَن شَيءٍ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَومُ الثَّالِثِ فَعَلَ مِثلَ ذَلِكَ، فَأَقَامَهُ عَلِيٌّ مَعَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَلَا تُحَدِّثُنِي مَا الَّذِي أَقدَمَكَ هَذَا البَلَدَ؟ قَالَ: إِن أَعطَيتَنِي عَهدًا وَمِيثَاقًا لَتُرشِدَنِّي فَعَلتُ! فَفَعَلَ فَأَخبَرَهُ، فَقَالَ: فَإِنَّهُ حَقٌّ، وإنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَإِذَا أَصبَحتَ فَاتَّبِعنِي، فَإِنِّي إِن رَأَيتُ شَيئًا أَخَافُ عَلَيكَ قُمتُ كَأَنِّي أُرِيقُ المَاءَ، فَإِن مَضَيتُ فَاتَّبِعنِي حَتَّى تَدخُلَ مَدخَلِي - فَفَعَلَ، فَانطَلَقَ يَقفُوهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَدَخَلَ مَعَهُ، فَسَمِعَ مِن قَولِهِ وَأَسلَمَ مَكَانَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ارجِع إِلَى قَومِكَ فَأَخبِرهُم حَتَّى يَأتِيَكَ أَمرِي! فَقَالَ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَأَصرُخَنَّ بِهَا بَينَ ظَهرَانَيهِم! فَخَرَجَ\nــ\nكان هكذا علم أنه عالم بالشعر وأنواعه. فلما كان كذلك وسمع القرآن علم قطعًا أنه ليس بشعر، ولذلك قال: لقد وضعته على أنواع الشعر فلم يلتئم، فكانت هذه شهادة بأنه ليس بشعر ولا أنه ﷺ شاعر، فكان ذلك تكذيبًا لمن زعمه من جهَّال الكفار ومن المعاندين الفجَّار.\nقلت: وقد ظهر بين حديث عبد الله بن الصامت وبين حديث عبد الله بن عباس تباعد واختلاف في موضع من حديث أبي ذر هذا بحيث يبعد الجمع بينهما فيه، وذلك أن في حديث ابن الصامت أن أبا ذر لقي النبي ﷺ أول ما لقيه ليلًا وهو يطوف بالكعبة، فأسلم إذ ذاك بعد أن أقام ثلاثين بين يوم وليلة ول زاد له، وإنَّما اغتذى بماء زمزم. وفي حديث ابن عباس: إنه كان له قربة وزاد، وأن عليًّا ﵁ أضافه ثلاث ليال ثم أدخله على النبي ﷺ في بيته فأسلم، ثم خرج يصرخ بكلمتي الإسلام. وكل ذلك من السندين صحيح، فالله أعلم أي","vol":"6","page":401},{"text":"حَتَّى أَتَى المَسجِدَ فَنَادَى بِأَعلَى صَوتِهِ: أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ! وَثَارَ القَومُ فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَضجَعُوهُ، فَأَتَى العَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيهِ فَقَالَ: وَيلَكُم! أَلَستُم تَعلَمُونَ أَنَّهُ مِن غِفَارٍ، وَأَنَّ طَرِيقَ تُجَّارِكُم إِلَى الشَّامِ عَلَيهِم! فَأَنقَذَهُ مِنهُم، ثُمَّ عَادَ مِن الغَدِ بِمِثلِهَا وَثَارُوا إِلَيهِ فَضَرَبُوهُ، فَأَكَبَّ عَلَيهِ العَبَّاسُ فَأَنقَذَهُ.\nرواه أحمد (٤/ ١١٤)، والبخاريُّ (٣٨٦١)، ومسلم (٢٤٧٤).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-894>(٥٩) باب فضائل جرير بن عبد الله ﵁</span>\n[٢٣٨٤] عن جرير قال: مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنذُ أَسلَمتُ، وَلَا رَآنِي إِلَّا ضَحِكَ.\nــ\nالمتنين الواقع، ويحتمل أن يقال إن أبا ذر لما لقي النبي ﷺ حول الكعبة وأسلم لم يعلم به إذ ذاك علي إذ لم يكن معهم، ثم إن أبا ذر بقي مستقرًا بحاله إلى أن استتبعه علي ثم أدخله على النبي ﷺ فجدَّد إسلامه، فظن الراوي أن ذلك أول إسلامه، وفي هذا الاحتمال بُد، والله أعلم بحقيقة ذلك.\nولم أر من الشارحين لهذا الحديث من ينبَّه لهذا التعارض ولا لهذا التأويل.\n(٥٩) ومن باب فضائل جرير بن عبد الله البجلي ﵁\nوبجيلة من ولد أنمار بن نزار بن معد بن عدنان، واختلف في بجيلة هل هو أب أو أُمٌّ نسبت القبيلة إليها؟ وجرير هذا هو سيد بجيلة، ويُكنى أبا عمرو، وقال له عمر ﵁: ما زلت سيدًا في الجاهلية والإسلام، وقال فيه","vol":"6","page":402},{"text":"وفي رواية: إلا تبسم في وجهي، وَلَقَد شَكَوتُ إِلَيهِ أَنِّي لَا أَثبُتُ عَلَى الخَيلِ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدرِي وَقَالَ: اللَّهُمَّ ثَبِّتهُ، وَاجعَلهُ هَادِيًا مَهدِيًّا.\nرواه البخاري (٤٣٥٦)، ومسلم (٢٤٧٥) (١٣٤ و١٣٥).\nــ\nرسول الله ﷺ حين أقبل وافدًا: يطلع عليكم خير ذي يمن، كأن على وجهه مسحة مَلك، فطلع جرير (١). وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول فيه: جرير بن عبد الله يوسف هذه الأمة، وفيه قال رسول الله ﷺ: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه (٢).\nأسلم قبل موت النبي ﷺ بأربعين يومًا، نزل جرير الكوفة بعد موت النبي ﷺ واتخذ بها دارًا، ثم تحوَّل إلى قرقيسيا ومات بها سنة أربع وخمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين، وقيل: مات بالسَّراة في ولاية الضحَّاك بن قيس على الكوفة لمعاوية. روى عن رسول الله ﷺ مائة حديث، أخرج له في الصحيحين خمسة عشر حديثًا.\nو(قوله: ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت) يعني أنه ﷺ ما كان يحتجب منه، بل بنفس ما يعلم النبيُّ ﷺ باستئذانه ترك كل ما يكون فيه وأذن له (٣) مبادرًا لذلك مبالغة في إكرامه، ولا يفهم من هذا أن جريرًا كان يدخل على النبي ﷺ بيته من غير إذن، فإنَّ ذلك لا يصحُّ لحرمة بيت النبي ﷺ ولما يُفضي ذلك إليه من الاطلاع على ما لا يجوز من عورات البيوت.\nو(قوله: ولا رآني إلا ضحك في وجهي)، هذا منه ﷺ فرح به وبشاشة للقائه وإعجابٌ برؤيته، فإنَّه كان من كملة الرجال خَلقًا وخُلُقًا.\nو(قوله: وكنت لا أثبت على الخيل) يعني أنه كان يسقط أو يخاف\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ٣٦٠ - ٣٦٤)، والحميدي في مسنده (٨٠٠).\n(٢) رواه الحاكم (٤/ ٢٩١ - ٢٩٢).\n(٣) أي: بمجرد ما يعلم - ﷺ - استئذان جرير، يترك كلَّ شيء، ويأذن له فورًا، ويستقبله.","vol":"6","page":403},{"text":"[٢٣٨٥] وعنه قال: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا جَرِيرُ، أَلَا تُرِيحُنِي مِن ذِي الخَلَصَةِ؟ - بَيتٍ لِخَثعَمَ كَانَ يُدعَى كَعبَةَ اليَمَانِيَةِ، وفي رواية: الكعبة الشامية. قَالَ: فَنَفَرتُ فِي خَمسِينَ وَمِائَةِ فَارِسٍ، وَكُنتُ لَا أَثبُتُ عَلَى الخَيلِ، فَذَكَرتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضَرَبَ يَدَهُ فِي صَدرِي فَقَالَ: اللَّهُمَّ ثَبِّتهُ، وَاجعَلهُ هَادِيًا مَهدِيًّا. قَالَ: فَانطَلَقَ فَحَرَّقَهَا بِالنَّارِ، ثُمَّ بَعَثَ جَرِيرٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا يُبَشِّرُهُ يُكنَى أَبَا أَرطَاةَ - مِنَّا - فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ: مَا جِئتُكَ حَتَّى تَرَكنَاهَا كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجرَبُ! فَبَرَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى خَيلِ أَحمَسَ وَرِجَالِهَا خَمسَ مَرَّاتٍ.\nوفي أخرى: قال: فدعا لنا ولأحمس.\nرواه مسلم (٢٤٧٦) (١٣٧).\n* * *\nــ\nالسُّقوط من على ظهورها حالة إجرائها، فدعا له النبي ﷺ بأكثر مما طلب؛ بالثبوت مطلقًا وبأن يجعله هاديًا لغيره ومهديًّا في نفسه. فكان كل ذلك، وظهر عليه جميع ما دعا له به، وأول ذلك أنه نفر في خمسين ومائة فارس لذي الخلصة فحرقها وعمل فيها عملًا لا يعمله خمسة آلاف، وبعثه رسول الله ﷺ لذي الكلاع وذي رُعَين، وله المقامات المشهورة.\nوذو الخلصة بفتح اللام: بيت بَنَتهُ خثعم تعظمه وتطوف به وتنحر عنده، تشبهه ببيت مكة، وتسمِّيه العرب (١) الكعبة اليمانية والشامية (٢)، وقد كانت العرب فعلت مثل هذا بيوتًا كثيرة قد تقدَّم\n_________\n(١) ساقطة من (ز).\n(٢) جاء في اللسان أن ذا الخَلَصة كان يسمى بالكعبة اليمانية التي كانت باليمن. وقال النووي في شرح صحيح مسلم: في الكلام إيهام، والمراد أنَّ ذا الخَلَصة كانوا يسمُّونها الكعبة اليمانية، وكانت الكعبة الكريمة التي بمكة تُسمَّى الكعبة الشامية، ففرَّقوا بينهما للتمييز.","vol":"6","page":404},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-895>(٦٠) باب فضائل عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر</span>\n[٢٣٨٦] عَن ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى الخَلَاءَ، فَوَضَعتُ لَهُ\nــ\nذكرها، فأمر النبي ﷺ بهدمها كلها وتحريقها فكان ذلك، ومحا الله الباطل، وأحق الحق بكلماته.\n(٦٠) ومن باب: فضائل عبد الله بن عباس ﵄\nابن عبد المطلب بن هاشم، يُكنى أبا العباس، ولد بالشعب وبنو هاشم محصورون فيه قبل خروجهم منه بيسير، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين. واختلف في سِنِّه يوم (١) موت النبي ﷺ؛ فقيل: عشر سنين، وقيل: خمس عشرة - رواه سعيد بن جبير عنه، وقيل: كان ابن ثلاث عشرة سنة، وقال ابن عباس: إنه كان في حجَّة الوداع قد ناهز الاحتلام، ومات عبد الله بالطائف سنة ثمان وستين في أيام ابن الزبير لأنَّه أخرجه من مكة، وتوفي ابن عباس وهو ابن سبعين سنة، وقيل: ابن إحدى وسبعين، وقيل: ابن أربع وسبعين - وصلى عليه محمد ابن الحنفية، وقال: اليوم مات رباني هذه الأمة! وضرب على قبره فسطاطا، ويروى عن مجاهد عنه أنه قال: رأيت جبريل عند النبي ﷺ مرتين، ودعا لي رسول الله ﷺ بالحكمة مرتين. وقال ابن مسعود ﵁ فيه: نعم ترجمان القرآن ابن عباس! وكان عمر ﵁ يقول: فتى الكهول، لسان سؤول، وقلب عقول. وقال مسروق: كنت إذا رأيت ابن عباس قلت: أجمل الناس! وإذا تكلَّم قلت: أفصح الناس! وإذا تحدَّث قلت: أعلم الناس! وكان يُسمى البحر لغزارة علمه، والحبر لاتساع حفظه ونفوذ فهمه، وكان عمر ﵁ يقربه ويدنيه لجودة فهمه\n_________\n(١) في (ز): وقت، وفي (م ٤): قبل.","vol":"6","page":405},{"text":"وَضُوءًا، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ: مَن وَضَعَ هَذَا؟ قالوا: ابن عباس. قال: اللهم فقهه.\nرواه أحمد (١/ ٣٢٧)، والبخاري (١٤٣)، ومسلم (٢٤٧٧).\nــ\nوحسن تأتِّيه، وجملة ما روى عن رسول الله ﷺ ألف حديث وستمائة وستين، أخرج له في الصحيحين مائتا حديث وأربعة وثلاثون حديثًا.\nو(قوله ﷺ: اللهم فقهه)، هنا انتهى حديث مسلم، وقال البخاري: اللهم فقهه في الدين، وفي رواية قال: ضمني رسول الله ﷺ وقال: اللهم علمه الكتاب (١)، قال أبو عمر: وفي بعض الروايات اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل (٢). قال: وفي حديث آخر اللهم بارك فيه وانشر منه، واجعله من عبادك الصالحين (٣)، وفي حديث آخر: اللهم زده علمًا وفقهًا (٤). قال: وكلها حديث صحيح.\nقلت: وقد ظهرت عليه بركات هذه الدَّعوات فاشتهرت علومه وفضائله، وعمَّت خيراته وفواضله، فارتحل طلاب العلم إليه، وازدحموا عليه، ورجعوا عند اختلافهم لقوله، وعوَّلوا على نظره ورأيه. قال يزيد بن الأصم: خرج معاوية حاجًّا معه ابن عباس، فكان لمعاوية موكب ولابن عباس موكب ممن يطلب العلم. وقال عمرو بن دينار: ما رأيت مجلسًا أجمع لكل خير من مجلس ابن عباس؛ الحلال، والحرام، والعربية، والأنساب، والشعر. وقال عبيد الله بن عبد الله: ما رأيت أحدًا كان أعلم بالسنة ولا أجل رأيًا ولا أثقب نظرًا من ابن عباس\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٥).\n(٢) رواه أحمد (١/ ٣٢٨ و٣٣٥).\n(٣) رواه الحاكم (١/ ٤٠٠)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٣١٥).\n(٤) انظر: سير أعلام النبلاء (٣/ ٣٣٨)، والحلية (١/ ٣١٤ و٣١٥).","vol":"6","page":406},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n﵁.\nولقد كان عمر ﵁ يعده للمعضلات مع اجتهاد عمر ونظره للمسلمين، وكان قد عمي في آخر عمره، فأنشد في ذلك:\nإن يأخذ الله من عينيَّ نُورَهما ... ففي لساني وقلبي منهما نورُ\nقَلبي ذَكِيٌّ وعقلي غير ذي دَخَلٍ ... وفي فمي صارمٌ كالسَّيفِ مأثُورُ\nوروي أن طائرًا (١) أبيض خرج من قبره، فتأوَّلوه علمه خرج إلى الناس، ويقال: بل دخل قبره طائرٌ أبيض، فقيل: إنه بصره في التأويل. وقال أبو الزبير: مات ابن عباس بالطائف، فجاء طائرٌ أبيض فدخل في نعشه حين حمل، فما رؤي خارجًا منه!\nوفضائله أكثر من أن تحصى.\nوأما عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ - ويُكنى أبا عبد الرحمن - فإنَّه أسلم صغيرًا لم يبلغ الحلم مع أبيه، وهاجر إلى المدينة قبل أبيه، وأول مشاهده الخندق، لم يشهد بدرًا ولا أحدًا لصغره؛ فإنَّه عرض على رسول الله ﷺ يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزه، وأجازه يوم الخندق، وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى. وشهد الحديبية، وبايع رسول الله ﷺ، وقيل: إنه أول من بايع، وكان من أهل العلم والورع، وكان كثير الاتباع لرسول الله ﷺ شديد التحري والاحتياط والتوقي في فتواه، وكان لا يتخلَّف عن السرايا على عهد رسول الله ﷺ، ثم كان بعد موته ﷺ مُولِعًا بالحج، وكان من أعلم الناس بمناسكه، وكان قد أشكلت عليه حروب عليٍّ لورعه فقعد عنه، وندم على ذلك حين حضرته الوفاة، روي عنه من أوجه أنه قال: ما آسى (٢) على شيء فاتني إلا تركي لقتال الفئة الباغية مع علي بن أبي طالب ﵁.\nوقال جابر بن عبد الله ﵄: ما منا أحدٌ إلا مالت له الدنيا ومال إليها ما خلا عمر.\n_________\n(١) ليست في (ز).\n(٢) في (ز): أسفي.","vol":"6","page":407},{"text":"[٢٣٨٧] وعَن ابنِ عُمَرَ قَالَ: رَأَيتُ فِي المَنَامِ كَأَنَّ فِي يَدِي قِطعَةَ إِستَبرَقٍ، وَلَيسَ مَكَانٌ أُرِيدُ مِن الجَنَّةِ إِلَّا طَارَت إِلَيهِ. قَالَ: فَقَصَصتُهُ عَلَى حَفصَةَ، فَقَصَّتهُ حَفصَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَرَى عَبدَ اللَّهِ رَجُلًا صَالِحًا.\nرواه مسلم (٢٤٧٨).\nــ\nوابنه عبد الله.\nوقال ميمون بن مهران: ما رأينا أورع من ابن عمر، ولا أعلم من ابن عباس. وروى ابن وهب عن مالك قال: بلغ عبد الله بن عمر ستًّا وثمانين سنة، وأفتى في الإسلام ستين سنة، ونشر نافع عنه علمًا جمًّا. وروى ابن الماجشون أن مروان بن الحكم دخل في نفر على عبد الله بن عمر بعدما قتل عثمان ﵁ فعزموا عليه أن يبايعوه. قال: كيف لي بالناس؟ قال: تقاتلهم! فقال: والله لو اجتمع عليَّ أهل الأرض إلا أهل فدك ما قاتلتهم! قال: فخرجوا من عنده ومروان يقول:\nإني أرى فِتنَةً تَغلي مَرَاجِلُها ... والمُلكُ بَعدَ أَبي لَيلَى (١) لِمَن غَلَبا\nمات ابن عمر بمكة سنة ثلاث وسبعين، وذلك بعد قتل ابن الزبير بثلاثة أشهر أو نحوها، وقيل: ستة أشهر - ودفن بذي طوى في مقبرة المهاجرين، وكان سبب موته أن الحجاج أمر رجلًا فسمَّ زُجَّ رُمحِهِ فزحمه، فوضع الزجَّ في ظهر قدمه فمرض منها فمات ﵀ - حكاه أبو عمر.\nوجملة ما روى عن رسول الله ﷺ ألفا حديث وستمائة وثلاثون حديثًا، أخرج له منها في الصحيحين مائة حديث وثمانون.\nو(قوله: رأيت في المنام كأن في يدي قطعة إستبرق)، قد تقدَّم الكلام أن الإستبرق ما غلظ من الدِّيباج، وكأن هذه القطعة مثال لعمل صالح يعمله يتقرَّب\n_________\n(١) \"أبو ليلى\": هو معاوية بن يزيد بن معاوية. تاريخ الطبري (٥/ ٥٠٠).","vol":"6","page":408},{"text":"[٢٣٨٨] وعنه قال: كَانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَأَى رُؤيَا قَصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَتَمَنَّيتُ أَن أَرَى رُؤيَا أَقُصُّهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ. قَالَ: وَكُنتُ غُلَامًا شَابًّا عَزَبًا، وَكُنتُ أَنَامُ فِي المَسجِدِ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَرَأَيتُ فِي النَّومِ كَأَنَّ مَلَكَينِ أَخَذَانِي فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ، فَإِذَا هِيَ مَطوِيَّةٌ كَطَيِّ البِئرِ، وَإِذَا لَهَا قَرنَانِ كَقَرنَي البِئرِ، وَإِذَا فِيهَا نَاسٌ قَد عَرَفتُهُم، فَجَعَلتُ أَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِن النَّارِ! أَعُوذُ بِاللَّهِ مِن النَّارِ! أَعُوذُ بِاللَّهِ مِن النَّارِ! قَالَ: فَلَقِيَهُمَا مَلَكٌ فَقَالَ لِي: لَم تُرَع! فَقَصَصتُهَا عَلَى حَفصَةَ، فَقَصَّتهَا حَفصَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: نِعمَ الرَّجُلُ عَبدُ اللَّهِ لَو كَانَ يقوم مِن اللَّيلِ! فَكَانَ عَبدُ اللَّهِ بَعدَ ذَلِكَ لَا يَنَامُ مِن اللَّيلِ إِلَّا قَلِيلًا.\nرواه أحمد (٢/ ١٤٦)، والبخاريُّ (١١٢١)، ومسلم (٢٤٧٩)، وابن ماجه (٣٩١٩).\n* * *\nــ\nبه إلى الله تعالى، ويقدِّمه بين يديه: يرشده ثوابه إلى أي موضع شاء من الجنة، ولذلك قال له النبي ﷺ: أرى عبد الله رجلًا صالحًا، وهذه شهادة من النبي ﷺ لعبد الله بالصَّلاح. ووجدت بخط شيخنا أبي الصبر أيوب مقيدًا أرى بفتح الراء والهمزة، فيكون مبنيًا للفاعل، ويكون من رؤية القلب فيكون علمًا، ويجوز أن يكون همزته مضمومة فتكون ظنًّا صادقًا؛ لأنَّ النبي ﷺ معصوم في ظنه كما هو في علمه.\nو(قوله: وكنت شابًا عزبًا أنام في المسجد) دليل على جواز في المسجد لمن احتاج إلى ذلك، والقرنان: منارتان تبنيان على جانبي البئر يجعل عليها الخشبة التي تعلق عليها البكرة. والبئر: المطوية بالحجارة، وهي الرس أيضًا، فإنَّ لم تُطو فهي القليب والركي. ولم ترع: أي لم تفزع، والروع: الفزع، وإنَّما","vol":"6","page":409},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-896>(٦١) باب فضائل أنس بن مالك</span>\n[٢٣٨٩] عَن أُمِّ سُلَيمٍ أَنَّهَا قَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خَادِمُكَ أَنَسٌ، ادعُ\nــ\nفهم النبي ﷺ من رؤية عبد الله للنار أنه ممدوح؛ لأنَّه عرض على النار ثم عوفي منها وقيل له: لا روع عليك - وهذا إنما هو لصلاحه وما هو عليه من الخير، غير أنه لم يكن يقوم من الليل، إذ لو كان ذلك ما عرض على النار ولا رآها، ثم إنه حصل لعبد الله - ﵁ - من تلك الرؤية يقين مشاهدة النار والاحتراز منها، والتنبيه على أن قيام الليل مِمَّا يُتَّقى به النار، ولذلك لم يترك قيام الليل بعد ذلك ﵁.\n(٦١) ومن باب: فضائل أنس بن مالك بن النضر ﵁\nابن ضمضم بن زيد النَّجاري، خادم رسول الله ﷺ، يُكنى أبا حمزة، يروى عنه أنه قال: كنَّاني رسول الله ﷺ ببقلة كنت أجتنيها (١). وأمه: أم سليم بنت ملحان. كان سِنُّ أنس لما قدم النبي ﷺ المدينة عشر سنين، وقيل: ثماني سنين، وتوفي رسول الله ﷺ وأنس ابن عشرين سنة، وشهد بدرًا، وتوفي في قصره بالطفِّ على فرسخين من البصرة سنة إحدى وتسعين، وقيل: ثلاث وتسعين، وقيل: سنة اثنتين وتسعين. قال أبو عمر: وهو آخر من مات بالبصرة من أصحاب رسول الله ﷺ، وما أعلم أحدًا فمن مات بعده ممن رأى رسول الله ﷺ إلا أبا الطفيل.\nواختلف في سن أنس يوم توفي؛ فقيل: مائة سنة إلا سنة واحدة، وقيل: إنه ولد له ثمانون ولدًا منهم ثمانية وسبعون ذكرًا وابنتان، وتوفي قبله من ولده لصلبه وولد ولده نحو المائة، وكلُّ ذلك من تعميره وكثرة نسله ببركة دعوة\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٨٢٩).","vol":"6","page":410},{"text":"اللَّهَ لَهُ! فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَكثِر مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَبَارِك لَهُ فِيمَا أَعطَيتَهُ.\nرواه البخاري (٦٣٧٨)، ومسلم (٢٤٨٠) (١٤١)، والترمذي (٣٨٢٩).\n[٢٣٩٠] وعن أَنَسٌ قَالَ: جَاءَت بِي أُمِّي أُمُّ أَنَسٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَد أَزَّرَتنِي بِنِصفِ خِمَارِهَا وَرَدَّتنِي بِنِصفِهِ، فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا أُنَيسٌ ابنِي، أَتَيتُ بِهِ يَخدُمُكَ، فَادعُ اللَّهَ لَهُ! فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَكثِر مَالَهُ وَوَلَدَهُ. قَالَ أَنَسٌ: فَوَاللَّهِ إِنَّ مَالِي لَكَثِيرٌ، وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي لَيَتَعَادُّونَ عَلَى نَحوِ المِائَةِ اليَومَ.\nوفي رواية: فدعا لي ثَلَاثَ دَعَوَاتٍ، قَد رَأَيتُ مِنهَا اثنَتَينِ فِي الدُّنيَا، وَأَنَا أَرجُو الثَّالِثَةَ فِي الآخِرَةِ.\nرواه أحمد (٣/ ١٩٤)، ومسلم (٢٤٨١) (١٤٣) و(١٤٤).\nــ\nالنبي ﷺ كما يأتي في الأم، وجملة ما روى عن رسول الله ﷺ من الحديث ألفا حديث ومائتا حديث وستة وثمانون حديثًا، أخرج له في الصحيحين ثلاثمائة حديث وثمانية عشر حديثًا.\nوفي الصحابة رجل آخر اسمه أنس بن مالك، ويُكنى أبا أمية القشيري، وقيل: الكعبي، وكعب أخو قشير، ولم يسند عن النبي ﷺ سوى قوله: إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة (١). وقيل: روى ثلاثة أحاديث لم يقع له في الصحيحين شيءٌ.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢٤٠٨)، والترمذي (٧١٥)، والنسائي (٤/ ١٨٠ - ١٨٢)، وابن ماجه (١٦٦٧).","vol":"6","page":411},{"text":"[٢٣٩١] وعَن أَنَسٍ قَالَ: أَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَلعَبُ مَعَ الغِلمَانِ. قَالَ: فَسَلَّمَ عَلَينَا، فَبَعَثَنِي إِلَى حَاجَةٍ فَأَبطَأتُ عَلَى أُمِّي، فَلَمَّا\nــ\nو(قوله ﷺ: اللهم أكثر ماله وولده) يدلُّ على إباحة من المال والولد والعيال، لكن إذا لم يشغل ذلك عن الله تعالى ولا عن القيام بحقوقه، لكن لما كانت سلامة الدين مع ذلك بادرة والفتن والآفات غالبة تعيَّن التقلُّل من ذلك الفرار مما هنالك، ولولا دعوة النبي ﷺ لأنس ﵁ بالبركة لخيفَ عليه من الإكثار الهلكة، ألا ترى أن الله تعالى قد حذرنا من آفات الأموال والأولاد ونبَّه على المفاسد الناشئة من ذلك فقال: ﴿أَنَّمَا أَموَالُكُم وَأَولادُكُم فِتنَةٌ﴾ وصدَّر الكلام بإنما الحاصرة المحققة، فكأنه قال: لا تكون الأموال والأولاد إلا فتنة، يعني في الغالب. ثم قال بعد (١) ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِن أَزوَاجِكُم وَأَولادِكُم عَدُوًّا لَكُم فَاحذَرُوهُم﴾ ووجه عداوتهما أن محبَّتهما موجبة لانصراف القلوب إليهما والسعي في تحصيل أغراضهما، واشتغالهما بما غلب عليهما من ذلك عما يجب عليهما من حقوق الله تعالى، ومع غلبة ذلك تذهب الأديان ويعم الخسران، فأيُّ عداوةٍ أعظم من عداوة من يدمر دينك هذا الدمار ويورثك عقوبة النار؟ ! ولذلك قال تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلهِكُم أَموَالُكُم وَلا أَولادُكُم عَن ذِكرِ اللَّهِ وَمَن يَفعَل ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ وقال أرباب القلوب والفهوم: ما يشغلك من أهل ومال فهو عليك مشؤوم.\nو(قول أنس ﵁: أتى عليَّ رسول الله ﷺ وأنا ألعب مع الغلمان) دليل على تخلية الصِّغار ودواعيهم من اللعب والانبساط، ولا نُضيق عليهم بالمنع مِمَّا لا مفسدة فيه.\nو(قوله: فسلَّم علينا) فيه دليل على مشروعية على الصِّبيان،\n_________\n(١) كذا في الأصول، والصحيح أن هذه الآية قبل تلك التي ذكرها أولًا.","vol":"6","page":412},{"text":"جِئتُ قَالَت: مَا حَبَسَكَ؟ قُلتُ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحَاجَةٍ! قَالَت: مَا حَاجَتُهُ؟ قُلتُ: إِنَّهَا سِرٌّ! قَالَت: لَا تُحَدِّثَنَّ بِسِرِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَدًا! قَالَ أَنَسٌ: وَاللَّهِ لَو حَدَّثتُ بِهِ أَحَدًا لَحَدَّثتُكَ به يَا ثَابِتُ.\nرواه أحمد (٣/ ١٠٩)، ومسلم (٢٤٨٢) (١٤٥).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-897>(٦٢) باب فضائل عبد الله بن سلام</span>\n[٢٣٩٢] عن سَعدٍ بن أبي وقاص قَالَ: مَا سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِحَيٍّ يَمشِي إِنَّهُ فِي الجَنَّةِ إِلَّا لِعَبدِ اللَّهِ بنِ سَلَامٍ.\nرواه أحمد (١/ ١٦٩)، والبخاريّ (٣٨١٢)، ومسلم (٢٤٨٣) (١٤٧).\nــ\nوفائدته تعليمهم السلام وتمرينهم على فعله وإفشاؤه في الصغار كما يفشى في الكبار.\nوكتمان أنس سرَّ رسول الله ﷺ عن أمه دليل على كمال عقله وفضله وعلمه مع صغر سنه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.\n(٦٢) ومن باب: فضائل عبد الله بن سلام\nابن الحارث الإسرائيلي ثم الأنصاري، وهو من ولد يوسف بن يعقوب، وكان اسمه في الجاهلية الحصين فسمَّاه رسول الله ﷺ عبد الله، وتوفي في خلافة معاوية سنة ثلاث وأربعين، أسلم إذ قدم النبي ﷺ المدينة.\nوجملة ما روى عن رسول الله ﷺ خمسة وعشرون حديثًا، أخرج له في الصحيحين حديثان، وقد تقدم اختلاف اللغويين في حَلَقة هل يقال بسكون اللام أو بفتحها؟","vol":"6","page":413},{"text":"[٢٣٩٣] عَن خَرَشَةَ بنِ الحُرِّة قَالَ: كُنتُ جَالِسًا فِي حَلَقَةٍ فِي مَسجِدِ المَدِينَةِ. قَالَ: وَفِيهَا شَيخٌ حَسَنُ الهَيئَةِ، وَهُوَ عَبدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ. قَالَ: فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُم حَدِيثًا حَسَنًا. قَالَ: فَلَمَّا قَامَ قَالَ القَومُ: مَن سَرَّهُ أَن يَنظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِن أَهلِ الجَنَّةِ فَليَنظُر إِلَى هَذَا! قَالَ: فَقُلتُ: وَاللَّهِ لَأَتبَعَنَّهُ فَلَأَعلَمَنَّ مَكَانَ بَيتِهِ! قَالَ: فَتَبِعتُهُ، فَانطَلَقَ حَتَّى كَادَ أَن يَخرُجَ مِن المَدِينَةِ، ثُمَّ دَخَلَ مَنزِلَهُ. قَالَ: فَاستَأذَنتُ عَلَيهِ فَأَذِنَ لِي، فَقَالَ: مَا حَاجَتُكَ يَا ابنَ أَخِي؟ قَالَ: فَقُلتُ لَهُ: سَمِعتُ القَومَ يَقُولُونَ لَكَ لَمَّا قُمتَ: مَن سَرَّهُ أَن يَنظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِن أَهلِ الجَنَّةِ فَليَنظُر إِلَى هَذَا - فَأَعجَبَنِي أَن أَكُونَ مَعَكَ! قَالَ: اللَّهُ أَعلَمُ بِأَهلِ الجَنَّةِ، وَسَأُحَدِّثُكَ مِمَّ قَالُوا ذَلكَ: إِنِّي بَينَمَا أَنَا نَائِمٌ إِذ أَتَانِي رَجُلٌ فَقَالَ لِي: قُم! فَأَخَذَ بِيَدِي، فَانطَلَقتُ مَعَهُ. قَالَ: فَإِذَا أَنَا بِجَوَادَّ عَن شِمَالِي. قَالَ: فَأَخَذتُ لِآخُذَ فِيهَا، فَقَالَ لِي: لَا تَأخُذ فِيهَا فَإِنَّهَا طُرُقُ أَصحَابِ الشِّمَالِ. قَالَ: فَإِذَا جَوَادُّ مَنهَجٌ عَن يَمِينِي، فَقَالَ لِي: خُذ هَا هُنَا! قال: فَأَتَى جَبَلًا فَقَالَ لِيَ: اصعَد. قَالَ: فَجَعَلتُ إِذَا أَرَدتُ أَن أَصعَدَ خَرَرتُ عَلَى استِي! قَالَ: حَتَّى فَعَلتُ ذَلِكَ مِرَارًا. قَالَ: ثُمَّ انطَلَقَ بِي حَتَّى أَتَى بِي عَمُودًا رَأسُهُ فِي السَّمَاءِ وَأَسفَلُهُ فِي الأَرضِ، فِي أَعلَاهُ حَلقَةٌ، فَقَالَ لِيَ: اصعَد فَوقَ هَذَا. قَالَ: قُلتُ: كَيفَ أَصعَدُ هَذَا وَرَأسُهُ فِي السَّمَاءِ؟ قَالَ: فَأَخَذَ بِيَدِي فَزَجَلَ بِي. قَالَ: فَإِذَا أَنَا مُتَعَلِّقٌ بِالحَلقَةِ، فضَرَبَ العَمُودَ\nــ\nو(قوله: فإذا جواد منهج)، الجواد: جمع جادة مشدد الدال، وهي الطريق، ومنهج مرفوع على الصفة، أي: جوادُّ ذوات منهج، أي استقامة ووضوح، والمنهج: الطريق الواضح، وكذلك المنهاج والنهج، وأنهج الطريق أي استبان ووضح، ونهجته أنا أوضحته، ويقال أيضًا: نهجت الطريق - إذا سلكته.\nو(قوله: فزجل بي) تُروى بالجيم وبالحاء المهملة؛ فبالجيم معناه","vol":"6","page":414},{"text":"فَخَرَّ. قَالَ: وَبَقِيتُ مُتَعَلِّقًا بِالحَلقَةِ، حَتَّى أَصبَحتُ فَأَتَيتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَصَصتُهَا عَلَيهِ، فَقَالَ: أَمَّا الطُّرُقُ الَّتِي رَأَيتَ عَن يَسَارِكَ فَهِيَ طُرُقُ أَصحَابِ الشِّمَالِ. قَالَ: وَأَمَّا الطُّرُقُ الَّتِي رَأَيتَ عَن يَمِينِكَ فَهِيَ طُرُقُ أَصحَابِ اليَمِينِ، وَأَمَّا الجَبَلُ فَهُوَ مَنزِلُ الشُّهَدَاءِ وَلَن تَنَالَهُ، وَأَمَّا العَمُودُ فَهُوَ عَمُودُ الإِسلَامِ، وَأَمَّا العُروَةُ فَهِيَ عُروَةُ الإِسلَامِ، وَلَن تَزَالَ مُتَمَسِّكًا بِهَا حَتَّى تَمُوتَ.\nــ\nرمى، يقال: لعن الله أما زَجَلت به، والزَّجلُ: إرسال الحمام، والمِزجَل: المزراق (١) - لأنَّه يُرمى به، فأمَّا زحل فمعناه تنحَّى وتباعد. يقال: زحل عن مكانه حولًا، وتزحَّل: تنحَّى وتباعد، فهو زحل وزحيل. ورواية الجيم أولى وأوضح. والعروة: الشيء المتعلق به حبلًا كان أو غيره. ومنه عروة القميص والدلو، وقال بعضهم: أصله من عروته إذا ألممت به متعلقًا، واعتراه الهمُّ: تعلق به، وقيل: من العروة وهي شجرة تبقى على الجدب، سُميت بذلك لأنَّ الإبل تتعلق بها إلى زمان الخصب، وتجمع العروة: عُرَى. والوثقى: الوثيقة، أي: القوية التي لا انقطاع فيها ولا ضعف، وقد أضاف العروة هنا إلى صفتها فقال: عروة الوثقى، كما قالوا: مسجدُ الجامع، وصلاةُ الأولى.\nوإخباره ﷺ عن عبد الله أنه لا ينال الشهادة وأنه لا يزال على الإسلام حتى يموت خبران عن غيب وقعا على نحو ما أخبر، فإنَّ عبد الله مات بالمدينة ملازمًا للأحوال المستقيمة، فكان ذلك من دلائل صدق رسول الله ﷺ.\nوالنضرة (٢) - بالضاد\n_________\n(١) \"المزراق\": الرمح القصير.\n(٢) لم يرد في التلخيص، ولا في الأم كلمة (النضرة) المشروحة هنا، وإنما وردت في الحديث كلمة (خضرتها). ولعلَّ كلمة الخضرة: هي المقصودة هنا؛ لأن من معانيها: النعمة، ولعلَّ ما ورد في المفهم تصحيف.","vol":"6","page":415},{"text":"وذكر أيضا من حديث قيس بن عبادة نحوه، وهذا أتم إلا أن في حديث قيس قال: رَأَيتُنِي فِي رَوضَةٍ - وذَكَرَ سَعَتَهَا وَعُشبَهَا وَخُضرَتَهَا، وَوَسطَ الرَّوضَةِ عَمُودٌ مِن حَدِيدٍ أَسفَلُهُ فِي الأَرضِ وَأَعلَاهُ فِي السَّمَاءِ، وفِي أَعلَاهُ عُروَةٌ، فَقِيلَ لِي: ارقَه! فَقُلتُ: لَا أَستَطِيعُ! فَجَاءَنِي مِنصَفٌ - قَالَ ابنُ عَونٍ: وَالمِنصَفُ الخَادِمُ - فَقَالَ بِثِيَابِي مِن خَلفِي - وَصَفَ أَنَّهُ رَفَعَهُ مِن خَلفِهِ بِيَدِهِ - فَرَقِيتُ حَتَّى كُنتُ فِي أَعلَى العَمُودِ، فَأَخَذتُ بِالعُروَةِ فَقِيلَ لِيَ: استَمسِك. فَقَد استَيقَظتُ وَإِنَّهَا لَفِي يَدِي، فَقَصَصتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: تِلكَ الرَّوضَةُ الإِسلَامُ، وَذَلِكَ العَمُودُ عَمُودُ الإِسلَامِ، وَتِلكَ العُروَةُ عُروَةُ الوُثقَى، فَأَنتَ عَلَى الإِسلَامِ حَتَّى تَمُوتَ.\nرواه أحمد (٥/ ٤٥٢)، والبخاري (٣٨١٣)، ومسلم (٢٤٨٤) (١٤٨ و١٥٠)، وابن ماجه (٣٩٢٠).\n* * *\nــ\nالمعجمة - النعمة، وقد تقدم، ووسط: رويناه بفتح السين وسكونها، وقد تقدم أن الفتح للاسم والسكون للظرف، وكل موضع صلح فيه بين فهو وسط بالسكون، وإن لم يصلح فيه فهو بالتحريك. قال الجوهري: وربما سكن - وليس بالوجه.\nورقيت بكسر القاف في الماضي وفتحها في المضارع بمعنى صعدت وارتفعت، فأمَّا رقيت - بفتح القاف - فهو من الرُّقية.\nوالمنصف - بكسر الميم -: الخادم، قاله ابن عون، وقال الأصمعي: والجمع مناصف.\n* * *","vol":"6","page":416},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-898>(٦٣) باب فضائل حسان بن ثابت</span>\n[٢٣٩٤] عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ عُمَرَ مَرَّ بِحَسَّانَ وَهُوَ يُنشِدُ الشِّعرَ فِي المَسجِدِ، فَلَحَظَ إِلَيهِ، فَقَالَ: قَد كُنتُ أُنشِدُ وَفِيهِ مَن هُوَ خَيرٌ مِنكَ! ثُمَّ\nــ\n(٦٣) ومن باب: فضائل حسان بن ثابث ﵁\nابن المنذر بن عمرو بن النجار الأنصاري، يكنى أبا الوليد، وقيل أبا عبد الرحمن، وقيل أبا الحسام. ويقال له: شاعر رسول الله ﷺ - روي عن عائشة ﵂ أنها وصفت رسول الله ﷺ فقالت: كان والله كما قال شاعره حسان بن ثابت:\nمتى يبدُ في الدَّاجي البهيم جَبِينُه ... يَلُح مِثلَ مِصباحِ الدُّجى المُتَوَقِّدِ\nفمَن كانَ أَو مَن قَد يَكُونُ كَأَحمَدٍ ... نظامٌ لِحَقٍّ أَو نَكالٌ لِمُلحِدِ (١)\nقال أبو عبيد: فضل حسان الشعراء بثلاث: كان شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر النبي ﷺ في النبوَّة، وشاعر اليمن كلها في الإسلام. وقال أيضًا: أجمعت العرب على أن أشعر أهل المدر حسان بن ثابت. وقال أبو عبيد وأبو عمرو بن العلاء: حسان أشعر أهل الحضر. وقال الأصمعي: حسان أحد فحول الشعراء، فقال له أبو حاتم: تأتي له أشعارٌ ليِّنة! فقال الأصمعي: نُسبت له وليست له، ولا تصح عنه. وروي عنه أنه قال: الشعر نَكِدٌ يقوى في الشر ويُسهل، فإذا دخل في الخير ضعف، هذا حسَّان فحل من فحول الجاهلية، فلما جاء الإسلام سقط. وقيل لحسان: لانَ شِعرُك - أو هَرِمَ شعرك - في الإسلام يا أبا الحسام! فقال: إن الإسلام يحجز عن الكذب! يعني أن الشعر لا يجوِّده إلا الإفراط والتزين في الكذب، والإسلام قد منع ذلك، فقل ما يجود شعر من يتقي الكذب.\nوتوفي حسان قبل\n_________\n(١) انظر: أسد الغابة (٢/ ٥)، وديوان حسان (١/ ٤٦٥).","vol":"6","page":417},{"text":"التَفَتَ إِلَى أَبِي هُرَيرَةَ فَقَالَ: أَنشُدُكَ اللَّهَ، أَسَمِعتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: أَجِب عَنِّي، اللَّهُمَّ أَيِّدهُ بِرُوحِ القُدُسِ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَم.\nرواه أحمد (٥/ ٢٢٢)، والبخاريُّ (٣٢١٢)، ومسلم (٢٤٨٥) (١٥١)، والنسائي (٢/ ٤٨).\nــ\nالأربعين في خلافة علي ﵄، وقيل: سنة خمسين، وقيل: سنة أربع وخمسين - ولم يختلفوا أنه عاش مائة وعشرين سنة؛ منها ستون في الجاهلية وستون في الإسلام، وكذلك عاش أبوه وجدُّه، وأدرك النابغة الذبياني والأعشى وأنشدهما من شعره، فكلاهما استجاد شعره وقال إنك شاعر.\nو(قوله: إن عمر مرَّ بحسان وهو ينشد الشعر في المسجد، فلحظ إليه)؛ أي: أومأ إليه بعينيه أن اسكت، وهذا يدلُّ على أن عمر ﵁ كان يكره إنشاد الشعر في المسجد، وكان قد بنى رحبة خارج المسجد وقال: من أراد أن يلغط أو ينشد شعرًا فليخرج إلى هذه الرحبة.\nوقد اختلف في ذلك، فمن مانع مطلقًا ومن مجيز مطلقًا، والأولى التفصيل؛ وهو أن ينظر إلى الشعر، فإنَّ كان مِمَّا يقتضي الثناء على الله تعالى أو على رسوله ﷺ أو الذبَّ عنهما كما كان شعر حسان أو يتضمن الحضَّ على الخير فهو حسن في المساجد وغيرها، وما لم يكن كذلك لم يجز، لأنَّ الشعر في الغالب لا يخلو عن الفواحش والكذب والتزيين بالباطل، ولو سلم من ذلك فأقل ما فيه اللغو والهذر، والمساجد منزهة عن ذلك لقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرفَعَ وَيُذكَرَ فِيهَا اسمُهُ﴾، ولقوله ﷺ: إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن (١)، وقد تقدَّم هذا المعنى.\nو(قوله - ﷺ - لحسان أجب عني، اللهم أيده بروح القدس)، إنما قال\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ١٩١)، ومسلم (٢٨٥) (١٠٠) بلفظ: \"إن هذه المساجد لا تصلح =","vol":"6","page":418},{"text":"[٢٣٩٥] وعن البَرَاءَ بنَ عَازِبٍ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِحَسَّانَ بنِ ثَابِتٍ: اهجُهُم - أَو هَاجِهِم - وَجِبرِيلُ مَعَكَ.\nرواه أحمد (٤/ ٣٠٢)، والبخاريُّ (٤١٢٣)، ومسلم (٢٤٨٦) (١٥٣).\nــ\nالنبي ﷺ ذلك لأنَّ نفرًا من قريش كانوا يهجون النبي ﷺ وأصحابه، منهم: عبد الله بن الزَّبعرى، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعمرو بن العاص، وضرار بن الخطاب - وقيل لعلي: اهج عنا القوم الذين يهجوننا! فقال: إن أذن لي رسول الله ﷺ فعلت! فأعلم بذلك رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: إن عليًّا ليس عنده ما يراد من ذلك، ثم قال: ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله أن ينصروه بألسنتهم؟، فقال حسان: أنا لها! وأخذ طرف لسانه وقال: والله ما يسرُّني به مِقوَلٌ ما بين بصرى وصنعاء (١).\nوكان طويل اللسان يضرب بلسانه أرنبةَ أنفه، وكان له ناصية يسدلها بين عينيه، فقال رسول الله ﷺ: كيف تهجوهم وأنا منهم؟ وكيف تهجو أبا سفيان وهو ابن عمي؟، فقال: والله لأسلنَّك منهم كما تسل الشعرة من العجين! فقال: ائت أبا بكر؛ فإنَّه أعلم بأنساب القوم منك. فكان يمضي لأبي بكر ليقفه على أنسابهم، وكان يقول: كفَّ عن فلان وفلانة، واذكر فلانًا وفلانة. فجعل حسان يهجوهم، فلما سمعت قريشٌ شعر حسان قالوا: إن هذا الشعر ما غاب عنه ابن أبي قحافة (٢)! فقال حسان:\n_________\n= لشيء من هذا البول ولا القذر إنما. . . \". ورواه أحمد (٥/ ٤٤٧ و٤٤٨)، ومسلم (٥٣٧) (٣٣)، والنسائي (١/ ٢٥٩) بلفظ: \"إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس. . .\".\n(١) ذكره الأصبهاني في الأغاني (٤/ ١٣٧). و\"مقول\": لسان.\n(٢) المصدر السابق (٤/ ١٣٨ - ١٣٩).","vol":"6","page":419},{"text":"[٢٣٩٦] وعَن مَسرُوقٍ قَالَ: دَخَلتُ عَلَى عَائِشَةَ وَعِندَهَا حَسَّانُ بنُ ثَابِتٍ يُنشِدُهَا شِعرًا يُشَبِّبُ بِأَبيَاتٍ لَهُ، فَقَالَ:\nحَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ... وَتُصبِحُ غَرثَى مِن لُحُومِ الغَوَافِلِ\nــ\nأَبلِغ أَبا سُفيَانَ أنَّ مُحمدًا ... هُوَ الغُصنُ ذُو الأفنَانِ لا الواحِدُ الوَغدُ\nومَا لَكَ فِيهِم مَحتِدٌ يَعرِفونهُ ... فَدُونَكَ فَالصَق مِثلَ مَا لَصِقَ القُردُ\nوإِنَّ سَنامَ المَجدِ في آلِ هَاشِم ... بَنُو بِنتِ مَخزُومٍ وَوَالِدُكَ العَبدُ\nوَمَن وَلَدَت أبنَاءُ زُهرَةَ مِنهُمُ ... كِرَامٌ وَلَم يَقرَب عَجَائِزَكَ المَجدُ\nوَلَستَ كَعَبَّاسٍ وَلا كَابنِ أُمِّهِ ... وَلكِن لَئِيمٌ لا يَقُومُ لَهُ زَندُ\nوإِنِ امرَأً كَانَت سُمَيَّةُ أُمَّهُ ... وسَمرَاءُ مَغمُوزٌ إذَا بَلَغَ الجَهدُ\nوَأنتَ هَجِينٌ نِيطَ فِي آلِ هَاشِمٍ ... كَمَا نِيطَ خَلفَ الرَّاكِبِ القَدَحُ الفَردُ\nالأفنان: الأغصان، واحدها فنن. والوغد: الدنيء من الرجال، والمَحتِد: الأصل. ودونك: ظرف قصد به الإغراء، والمغرى به محذوف تقديره: فدونك محتدك فالصق به، والعرب تغري بـ (عليك) و(إليك) و(دونك). وسنام المجد: أرفعه، والمجد: الشرف. قال أبو عمر: بنت مخزوم هي فاطمة بنت عمرو بن عابد بن عمران بن مخزوم، وهي أم أبي طالب وعبد الله والزبير - بني عبد المطلب.\nو(قوله: ومن ولدت أبناء زهرة منهم)؛ يعني حمزة وصفية، أمهما هالة ابنة أهيب بن عبد مناف بن زهرة، والعباس هو ابن عبد المطلب، وابن أمه: شقيقه ضرار بن عبد المطلب، أمهما نسيبة امرأة من النمر بن قاسط. وسميَّة: أم أبي سفيان، وسمراء: أم أبيه. واللؤم: اسم للبخل ودناءة الأفعال والآباء. والمغموز: المعيب المطعون فيه، والهجين: من كانت أمه دنية، والمقرف: من","vol":"6","page":420},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nكان أبوه دنيا. ونيط: ألصق وعلق، والقدح يعني به قدح الراكب الذي يكون تعليقه بعد إكمال وقر البعير، لأنَّه لا يحفل به. ومنه الحديث: لا تجعلوني كقدح الراكب (١).\nو(قوله ﷺ اللهم أيده بروح القدس)، أيده: قوِّه، والأيد: القوة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَينَاهَا بِأَيدٍ﴾ أي: بقوة.\nوروح القدس: هو جبريل ﵇، كما قال في الرواية الأخرى: اهجهم - أو هاجهم - وجبريل معك؛ أي: بالإلهام والتذكير والمعونة.\nوقول حسان:\nحَصَانٌ رَزَانٌ ما تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ... وتُصبِحُ غَرثَى من لُحُومِ الغَوافِلِ\nحصان: عفيفة، وقد تقدَّم القول في وجوه الإحصان. ورزان: كاملة الوقار والعقل. يقال: رزن الرجل رزانة فهو رزين إذا كان وقورًا، وامرأة رزان. وغرثى: من الغرث وهو الجوع، يقال: رجل غرثان، وامرأة غرثى، كعطشان وعطشى. والغوافل جمع تكسير غافلة، يعني: أنهن غافلات عما رمين به من الفاحشة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرمُونَ المُحصَنَاتِ الغَافِلاتِ المُؤمِنَاتِ﴾، ويعني حسان بهذا البيت أن عائشة ﵂ في غاية العفة والنزاهة عن أن تُزنَّ بريبة، أي: تُتَّهم بها. ثم وصفها بكمال العقل والوقار والورع المانع لها من أن تتكلم بعرض غافلة، وشبَّهها بالغرثى لأنَّ بعض الغوافل\n_________\n(١) قال السخاوي (ص ٢٢١ - ٢٢٢). رواه عبد بن حُميد، والبزار في مسنديهما، وعبد الرزاق في جامعه، وابن أبي عاصم في الصلاة، والتيمي في الترغيب، والطبراني، والبييقي في الشعب، والضياء، وأبو نعيم في الحلية. ومن طريقه الديلمي. كلهم من طريق موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف. والحديث غريب. وانظره في: جلاء الأفهام (ص ٧٨ - ٧٩)، وفي جامع الأصول (٤/ ١٥٥).","vol":"6","page":421},{"text":"فَقَالَت لَهُ عَائِشَةُ: لَكِنَّكَ لَستَ كَذَلِكَ! قَالَ مَسرُوقٌ: فَقُلتُ لَهَا: لِمَ تَأذَنِينَ لَهُ يَدخُلُ عَلَيكِ وَقَد قَالَ اللَّهُ: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبرَهُ مِنهُم لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾؟ فَقَالَت: وَأَيُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِن العَمَى! فقالت: إِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ - أَو يُهَاجِي - عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nرواه البخاريُّ (٤٧٥٦)، ومسلم (٢٤٨٨).\nــ\nقد كان هو آذاها فما تكلمت فيها، وهي حمنة بنت جحش، فكأنها كانت بحيث تنتصر ممن آذاها بأن تقابلها بما يؤذيها، لكن حجزها عن ذلك دينها وعقلها وورعها.\nو(قول عائشة ﵂ لحسان ﵁: لكنك لست كذلك) تعني أنه لم يصبح غرثان من لحوم الغوافل، وظاهر هذا الحديث أن حسان كان ممن تكلم بالإفك، وقد جاء ذلك نصًّا في حديث الإفك الطويل الذي يأتي فيه أن الذين تكلموا بالإفك مسطح وحسان وحمنة وعبد الله (١) بن أُبىِّ ابن سلول، غير أنه قد حكى أبو عمر أن عائشة ﵂ قد برَّأت حسَّان من الفرية وقالت: إنه لم يقل شيئًا! وقد أنكر حسان أن يكون قد قال من ذلك شيئًا في البيت الثاني الذي ذكره متصلًا بالبيت المذكور آنفًا، فقال:\nفَإِنَّ كَانَ ما قَد قِيلَ عَنِّي قُلتُهُ ... فلا رَفَعَت سَوطِي إِليَّ أَنَامِلِي\nفيحتمل أن يقال: إن حسان يعني أن يكون قال ذلك نصًّا وتصريحا، ويكون قد عرَّض بذلك وأومأ إليه فنسب ذلك إليه، والله أعلم.\nوقد اختلف الناس فيه هل خاض في الإفك أم لا؟ وهل جلد الحَّد أم لا؟ فالله أعلم أيُّ ذلك كان.\nو(قول عائشة ﵂ وأيُّ عذابٍ أشدُّ من العمى؟) ظاهره يدلُّ\n_________\n(١) في (م ٤): عدو الله.","vol":"6","page":422},{"text":"[٢٣٩٧] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: قَالَ حَسَّانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائذَن لِي فِي أَبِي سُفيَانَ! قَالَ: كَيفَ بِقَرَابَتِي مِنهُ؟ قَالَ: وَالَّذِي أَكرَمَكَ لَأَسُلَّنَّكَ مِنهُم كَمَا تُسَلُّ الشَّعرَةُ مِن العجين! فَقَالَ:\nوَإِنَّ سَنَامَ المَجدِ مِن آلِ هَاشِمٍ ... بَنُو بِنتِ مَخزُومٍ وَوَالِدُكَ العَبدُ\nقَصِيدَتَهُ هَذِهِ.\nرواه مسلم (٢٤٨٩).\n[٢٣٩٨] وعنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: اهجُ قُرَيشًا؛ فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيهَا مِن رَشقٍ بِالنَّبلِ! فَأَرسَلَ إِلَى ابنِ رَوَاحَةَ فَقَالَ: اهجُهُم! فَهَجَاهُم فَلَم يُرضِ، فَأَرسَلَ إِلَى كَعبِ بنِ مَالِكٍ، ثُمَّ أَرسَلَ إِلَى حَسَّانَ بنِ ثَابِتٍ، فَلَمَّا\nــ\nعلى أن حسان كان ممن تولَّى كبره، وهذا بخلاف ما قاله عروة عن عائشة ﵂: إن الذي تولَّى كبره هو عبد الله بن أبي ابن سلول، وأنه هو الذي كان يستوشيه ويجمعه.\nو(قول عائشة قال رسول الله ﷺ: اهج قريشًا)، هكذا وقع في بعض النسخ اهج على أنه أمر لواحد ولم يتقدم له ذكر، فكأنه أمر لأحد الشعراء الحاضرين، ووقع في أصل شيخنا أبي الصبر أيوب اهجوا بضمير الجماعة، فيكون أمرًا لجميع من حضر هناك من الشعراء.\nو(قوله فإنَّه أشدُّ عليها من رَشقً بالنبل)، الضمير في إنه عائد على الهجو الذي يدلُّ عليه اهج قريشًا، وفي عليها لقريش، ورشق بفتح الراء وهو الرَّمي، ففيه دليل على أن الكافر لا حرمة لعرضه كما أنه لا حرمة لماله ولا لدمه، وأنه يُتعرض لنكايتهم بكل ما يؤلمهم من القول والفعل.","vol":"6","page":423},{"text":"دَخَلَ عَلَيهِ قَالَ حَسَّانُ: قَد آنَ لَكُم أَن تُرسِلُوا إِلَى هَذَا الأَسَدِ الضَّارِبِ بِذَنَبِهِ! ثُمَّ أَدلَعَ لِسَانَهُ، ثم جَعَلَ يُحَرِّكُهُ فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَأَفرِيَنَّهُم بِلِسَانِي فَريَ الأَدِيمِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تَعجَل، فَإِنَّ أَبَا بَكرٍ أَعلَمُ قُرَيشٍ بِأَنسَابِهَا، وَإِنَّ لِي فِيهِم نَسَبًا حَتَّى يُلَخِّصَ لَكَ نَسَبِي! فَأَتَاهُ حَسَّانُ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَد لَخَّصَ لِي نَسَبَكَ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَأَسُلَّنَّكَ مِنهُم كَمَا تُسَلُّ الشَّعرَةُ مِن العَجِينِ!\nــ\nو(قوله: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه)، هذا من حسان مدح لنفسه، شبَّه نفسه بالأسد إذا غضب فحمي، وذلك أنه غضب لهجو قريش للنبي ﷺ واحتد لذلك، واستحضر في ذهنه هجو قريش فتصوره وأحس أنه قد أعين على ذلك ببركة دعوة النبي ﷺ، فقال تلك الكلمات مظهرًا لنعمة الله تعالى عليه، وأنه قد أجيب فيه دعاء النبي ﷺ، وليفخر بمعونة الله تعالى له على ذلك. وتنزل هذا الافتخار في هذا الموطن منزلة افتخار الأبطال في حال القتال، فإنَّهم يمدحون أنفسهم ويذكرون مآثرهم ومناقبهم في تلك الحال نظمًا ونثرًا، وذلك يدلّ على ثبوت الجأش وشجاعة النفس وقوة العقل والصَّبر وإظهار كل ذلك للعدو وإغلاظ عليهم وإرهاب لهم، وكل هذا الافتخار يوصل إلى رضا الغفار، فلا عتب ولا إنكار.\nو(قوله: ثم أدلع لسانه)؛ أي أخرجه وحرَّكه، كأنه كان (١) يعدُّه للإنشاد.\nو(قوله: والذي بعثك بالحق لأفرينَّهم بلساني فَريَ الأديم)؛ أي: لأمزقنهم بالهجو كما يمزق الجلد بعد الدِّباغ، فإنَّه يقطع خفافًا ونعالًا وغير ذلك، وتشبيه حسان نفسه بالأسد الضارب بذنبه بحضرة النبي ﷺ وأصحابه ﵃ وإقرار الكل عليه دليل على بطلان قول من نسب حسَّان إلى الجبن، ويتأيد هذا بأن حسان لم يزل يُهاجي قريشا وغيرهم من خيار العرب ويهاجونه\n_________\n(١) ليست في (ز).","vol":"6","page":424},{"text":"قَالَت عَائِشَةُ: فَسَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِحَسَّانَ: إِنَّ رُوحَ القُدُسِ لَا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ مَا نَافَحتَ عَن اللَّهِ وَرَسُولِهِ.\nوَقَالَت: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: هَجَاهُم حَسَّانُ فَشَفَى وَاشتَفَى.\nــ\nفلم يعيره أحد منهم بالجبن ولا نسبه إليه، والحكايات المنسوبة إليه في ذلك أنكرها كثير من أهل الأخبار، وقيل: إن حسَّان أصابه الجبن عندما ضربه صفوان بن المعطل بالسيف، فكأنه اختل في إدراكه، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: إن روح القدس لا يزال معك ما نافحت عن الله ورسوله)؛ أي مدَّة منافحتك. والمنافحة: المخاصمة والمجادلة، وأصلها الدَّفع. يقال: نفحت الناقة الحالب برجلها أي دفعته. ونفحه بسيفه، أي: ضربه به من بعيد.\nو(قوله ﷺ هجاهم حسَّان فشفى واشتفى)؛ أي: شفى الألم الذي أحدثه هجوهم، واشتفى هو في نفسه، أي: أصاب منهم بثأره شفاء. وأنشد حسان:\nهَجَوتَ مُحمَّدًا فأَجَبتُ عنه ... . . . . . . . . . . . .\nلم يرو مسلم أوَّل هذه القصيدة، وقد ذكرها بكمالها ابن إسحاق، وذكر أوَّلها:\nعَفَت ذَاتُ الأَصَابِعِ فَالجِواءُ ... إِلَى عَذرَاءَ مَنزِلُها خَلاءُ\nفلنذكرها على ما ذكرها ابن إسحاق ونفسِّر غريبها فإنَّها قصيدة حسنة مشتملة على فوائد كثيرة.\nوقوله عفت معناه: درست وتغيَّرت، وذات الأصابع والجِواء: موضعان بالشام، وعذراء: قرية عند دمشق، وإنَّما ذكر حسان هذه المواضع لأنَّه كان يردها كثيرًا على ملوك غسان يمدحهم، وكان ذلك قبل الإسلام. وخلا: خال ليس به أحد.","vol":"6","page":425},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nديارٌ من بني الحَسحَاس قَفرٌ ... تُعَفِّيها الرَّوامسُ والسَّماء\nوكانت لا يَزَالُ بها أَنِيسٌ ... خِلالَ مُرُوجِها نَعَمٌ وَشَاءُ\nالدِّيار: المنازل. وبنو الحسحاس: قبائل معروفون، وتعفيها: تغيِّرها. والروامس: الرياح - وسُمِّيت بذلك لأنَّها ترمس الآثار، أي: تغيرها، والرمس والرسم: الأثر الخفي. والسماء: المطر. والسماء: كل ما علاك فأظلَّك. خلال: بمعنى بين. ومروج: جمع مرج، وهو الموضع المنبت للعشب المختلف الذي يختلط بعضه ببعض. والنعم: الإبل خاصة، والأنعام: يتناول الإبل والبقر والغنم، والشاء: الغنم.\nفَدَع هَذَا ولَكِن مَن لِطَيفً ... يُؤَرِّقُنِي إذا ذَهَبَ العِشاءُ\nالطَّيف: ما يراه النائم في منامه، وهو في الأصل مصدر طاف الخيال يطوف طيفًا، ولم يقولوا في هذا طائف في اسم الفاعل، قال السُّهيلي: لأنه تخيُّل لا حقيقة له، فأمَّا قوله: ﴿فَطَافَ عَلَيهَا طَائِفٌ مِن رَبِّكَ﴾ فلا يقال فيه طيف، لأنَّه اسم فاعل حقيقة، ويقال: إنه جبريل، فأمَّا قوله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُم طَائِفٌ مِنَ الشَّيطَانِ تَذَكَّرُوا﴾. فمن قرأه طائف اسم فاعل فإنَّه أراد به الشيطان نفسه، ومن قرأه طيف أراد به تخيله ووسواسه، وهي لا حقيقة لها. ويؤرقني: يسهرني. إذا ذهب العشاء، أي: بعد العشاء في الوقت الذي ينام فيه الناس، يعني أنه يسهر لفكرته في الطيف أو للوعته به كلما غمض.\nلِشَعثاءَ التي قد تَيَّمتهُ ... فَلَيسَ لِقَلبِه منها شِفاءُ\nقيل: إن شعثاء هذه هي ابنةُ كاهنِ امرأة حسان، ولدت له ابنته أم فراس. وتيَّمته: ذلَّلته.\nكَأَنَّ سَبِيَّةً مِن بَيتِ رَأسٍ ... يكُونُ مِزَاجَها عَسَلٌ وماءُ","vol":"6","page":426},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالسبية: الخمر. وبيت رأس: موضع فيه خمر عالية، وقيل: رأس رجل خمار نسبت إليه، ومزاجها: خلطها. وقد جعل الخبر معرفة والاسم نكرة، وهو عكس الأصل، وإنَّما جاز ذلك لأنَّ عسلًا وماءً اسمان من أسماء الأجناس، فأفاد مُنكِّره ما يفيد معرَّفه، فكأنهما معرفتان، وخبر كأن محذوف، تقديره: كأنَّ فيها سبيَّة مستلذَّة، وهذا إنما اضطر إلى ذلك من لم يرو في القصيدة قوله:\nعلى أَنيابِها أو طَعمُ غَضًّ ... مِنَ التُّفَّاح هَصَّرَهُ الجِناء\nوذلك أن هذا البيت لم يقع في رواية ابن إسحاق، فمن صحَّ عنده هذا البيت جعل خبر كأن على أنيابها ولم يحتَج إلى تقدير ذلك المحذوف. والأنياب: هي الأسنان التي بين الضَّواحك والرُّباعيات. والغَضُّ: الطري، وهصَّره: دلَاّه وأدناه. الجناء: أي الاجتناء، وهو بكسر الجيم والمد، والجنى - بالفتح والقصر- ما يُجتنى من الشجر (١)، قال أبو القاسم السُّهيلي: وهذا البيت موضوع.\nإذا ما الأَشرِباتُ ذُكِرنَ يومًا ... فَهُنَّ لِطَيِّب الرَّاح (٢) الفِدَاءُ\nالأشربات: جمع أشربة، فشراب الواحد، وجمع قلته المكسر أشربة، وجمع سلامته أشربات. والراح: من أسماء الخمر، واللام هنا للعهد؛ أي: الخمر السيئة المتقدِّمة الذكر.\nنُوَلِّيها المَلامَةَ إن أَلَمنا ... إذا ما كان مغث (٣) أو لِحَاءُ\nونَشرَبُها فَتَترُكُنا مُلُوكًا ... وأُسدًا ما يُنَهنِهُنا اللِّقاءُ\nألمنا: أي أتينا ما نلام عليه. والمقتُ: مما يمقت عليه، أي يبغض\n_________\n(١) في (ز): الثمرة.\n(٢) في (ز): الريح.\n(٣) لم يعثر في كتب اللغة على معنى المغث بما ذهب إليه الشارح. والرواية الصحيحة قطعًا هي: مغث بالغين لا مقت.","vol":"6","page":427},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nكالضرب والأذى. واللحاء: الملاحاة باللسان - يريد إن فعلنا شيئًا من ذلك اعتذرنا بالسكر، وينهنهنا: يضعفنا ويفزعنا.\nعَدِمنا خَيلَنا إِن لَم تَرَوها ... تُثِيرُ النَّقعَ مَوعِدُها كَدَاءُ\nيُنَازِعنَ الأَعِنَّةَ مُصعِدَاتٍ (١) ... على أَكتَافِها الأَسَلُ الظِّمَاءُ\nالضمير في تروها عائد على الخيل وإن لم يجر لها ذكر، لكنها تفسرها الحال والمشاهدة، وتثير: تحرك. والنقع: الغبار، وكداء: التثنية التي بأعلى مكة، وكُدَى - بضم الكاف والقصر - تثنية بأسفل مكة، وقد تقدَّم ذكرهما. وينازعن: يجاذبن. والأسل: الرِّماح. والظماء: العطاش. ووصف الرماح بذلك لأنَّ حامليها يريدون أن يطعنوا أعداءهم بها فيرووها من دمائهم. ومُصعِدات: مرتفعات، ومصغيات: مائلات.\nتَظَلُّ جِيَادُنا مُتَمَطِّراتٍ ... تُلَطِّمُهُنَّ بالخُمُرِ النِّساءُ\nالجياد: الخيل. متمطرات: يعني بالعرق من الجري، والرواية المشهورة يلطمهن من اللطم وهو الضرب في الخد، ويعني أن هذه الخيل لكرمهن في أنفسهن ولعزَّتهن عليهم تبادر النساء فيمسحن وجوه هذه الخيل بالخُمُر. وكان الخليل يروي هذا اللفظ يطلمهن بتقديم الطاء على اللام ويجعله بمعنى ينفض، وقال ابن دريد: الطلم ضربك خبز الملة بيدك لينتفض ما به من الرماد. ورواية مسلم لهذا الحديث ثَكِلَت بُنَيتي بدل عدمنا خيلنا. والثكل: فقد الولد. وبُنيتي: تصغير بنت. ومعنى صدر هذا البيت على الروايتين: الدعاء على نفسه إن لم يغز قريشًا. ووقع أيضًا لبعض رواة مسلم موعدها كداء، ولبعضهم غايتها بدل موعدها، والمعنى متقارب. ووقع في بعض النسخ مكان موعدها: من كنفي\n_________\n(١) في (ز): مصغيات.","vol":"6","page":428},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nكداء على الإقواء (١)، وليس بشيء، إذ لا ضرورة تحوج إليه مع صحَّة الروايات المتقدِّمة، وكنفا كداء: جانباها.\nفإِمَّا تُعرِضُوا عنَّا اعتَمَرنا ... وكَانَ الفَتحُ وانكَشَفَ الغِطَاءُ\nهذا يدل على أن حسان قال هذه القصيدة قبل يوم الفتح كما قال ابن هشام، وظاهره أن ذلك كان في عُمرة (٢) الحديبية حين صدوا رسول الله ﷺ عن البيت، وقال ابن إسحاق: إن حسان قالها في فتح مكة - وفيه بُعدٌ.\nوإِلا فَاصبِرُوا لِجلاد يَومٍ ... يُعِزُ اللهُ فيهِ مَن يَشاءُ\nهذا من باب إلهام العالم، لأنَّ حسان قد علم أن الله قد أعز نبيَّه، وقد قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلمُؤمِنِينَ﴾ وقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَستَخلِفَنَّهُم فِي الأَرضِ﴾ الآية، وقال: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾ إلى غير ذلك، وقد دلَّ على هذا قوله بعد هذا:\nوجِبرِيلُ رَسُولُ اللهِ فِينا ... ورُوحُ القُدسِ ليسَ لَهُ كِفَاءُ\nأي: لا يقاومه أحد ولا يماثله. وروح القدس: هو جبريل ﵇، والقدس: الطهارة، وهو معطوف على رسول الله، والكفاء: الكفو وهو المثل.\nوقالَ الله قد أَرسَلتُ عَبدًا ... يقُولُ الحقَّ إِن نَفَعَ البَلاءُ\nأي الابتلاء وهو الاختبار، وقد ضمن صدر هذا البيت معنى الابتلاء، ولذلك أشار بقوله البلاء لأنَّ اللام فيه للعهد لا للجنس، فتدبَّره!\nورواية مسلم في هذا البيت:\n_________\n(١) \"الإقواء\": هو اختلاف حركة الإعراب في القوافي. خزانة الأدب (٤/ ٢٠٠).\n(٢) في (م ٤): عام.","vol":"6","page":429},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n. . . . . . . . . ... يقُولُ الحَقَّ لَيسَ بِه خَفاءُ\nثم شهد حسَّان بتصديقه فقال:\nشَهِدتُ به فَقُومُوا صدِّقُوه ... فَقُلتُم لا نَقُومُ ولا نَشَاءُ\nأي: لا نقوم لتصديقه ولا نريده - فعاندوا، ولما كان ذلك قال:\nوقَال اللهُ قَد يَسَّرتُ جُندًا ... هُمُ الأَنصارُ عُرضَتُها اللِّقاءُ\nأي قَصدُها وهمُّها لقاؤكم وقتالكم، يعني أنهم لما ظهر عنادهم نصر الله نبيَّه بجند الأنصار، ولم يذكر المهاجرين لأنَّهم لم يظهر لهم أثر إلا عند اجتماعهم بالأنصار، والله تعالى أعلم.\nلَنا فِي كُلِّ يومٍ مِن مَعَدٍّ ... سِبَابٌ أو قِتَالٌ أو هِجاءُ\nهكذا رواية ابن إسحاق، ويروى سباء من السَّبي، ومعناه واضح، فالهمزة مكان الباء، والذي في كتاب مسلم نلاقي كل يوم من معدٍّ سباب، ويعني بمعدٍّ قريشًا، نسبهم لمعدِّ بن عدنان، وأو في البيت للتنويع، ويعني بالسباب السب نثرًا، وبالهجاء السب نظمًا، والله تعالى أعلم.\nوقد دلَّ عليه قوله:\nفَنُحكِم بالقَوَافي مَن هَجَانا ... ونَضرِبُ حِينَ تَختَلِطُ الدِّماءُ\nفنحكم: نمنع، ويعني أنه يجيب الهاجي بأبلغ من هجائه وأصعب عليه فيمتنع من العود، ويعني باختلاط الدماء التحام الحرب ومخالطة الدماء عند الحرب.\nأَلا أَبلِغ أَبا سُفيانَ عَنِّي ... مُغَلغَلةً فقد بَرِحَ الخَفَاءُ\nأبو سفيان هذا هو ابن الحارث، وهو كان الهاجي أولًا، وقد تقدَّم أنه كان أحد الشعراء. والمغلغلة: الرسالة تُحمل من بلد إلى بلد. وبرح الخفاء: أي انكشف السر وظهر المضمر - وهو مثل.","vol":"6","page":430},{"text":"قَالَ حَسَّانُ:\nهَجَوتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبتُ عَنهُ ... وَعِندَ اللَّهِ فِي ذَاكَ الجَزَاءُ\nهَجَوتَ مُحَمَّدًا بَرًّا تقيًا ... رَسُولَ اللَّهِ شِيمَتُهُ الوَفَاءُ\nــ\nفإنَّ سيوفنا تَرَكَتكَ عبدًا ... وعبد الدَّارِ ساد بها (١) الإماء\nعبدًا: يعني ذليلًا ذل العبيد.\nهجَوتَ محمَّدًا وأَجَبتُ عنه ... وعِندَ اللهِ في ذاكَ الجزاءُ\nالخطاب لأبي سفيان، وروي أن النبي ﷺ لما أنشده هذا البيت قال له: جزاؤك عند الله الجنة (٢).\nهَجَوتَ محمَّدًا بَرًّا حَنِيفًا ... رَسُولَ اللهِ شِيمَتُه الوفاءُ\nالبرُّ: التَّقي، والحنيف: المائل عن الأديان كلها إلى دين إبراهيم. والشِّيمة: السَّجيَّة والسَّليقة والخليقة والجبلَّة - كلها: الطبيعة.\nوقوله:\nأَتَهجُوه ولَستَ لَهُ بِكُفءٍ ... فَشَرُّكُمَا لِخَيرِكُما الفِداءُ\nهذا يتضمن الدُّعاء لإنزال المكاره بأكثر الرجلين شرًّا وإنزال الخير بأكثرهما خيرًا، وعند ذلك يتوجَّه عليه إشكال وهو أن شرًّا وخيرًا هنا للمفاضلة، والمعقول من المفاضلة اشتراك المتفاضلين فيما وقعت فيه واختصاص أحدهما بزيادة فيه، فيلزم منه أن يكون في النبي ﷺ شرٌّ وهو باطل، فتعيَّن تأويل ذلك، فقال السُّهيلي: إن شرًّا هنا بمعنى أنقص. وحكي عن سيبويه أنه قال: تقول مررت برجل شرٌّ منك، أي: أنقص عن أن تكون مثله. قال السُّهيلي: ونحو منه قوله ﷺ:\n_________\n(١) في (ع) و(م ٤): سادتها.\n(٢) انظر: الأغاني (٤/ ١٦٣).","vol":"6","page":431},{"text":"فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرضِي ... لِعِرضِ مُحَمَّدٍ مِنكُم وِقَاءُ\nعدمنا خيلنا إِن لَم تَرَوهَا ... تُثِيرُ النَّقعَ مِن كَنَفَي كَدَاءِ\nيُبَارِينَ الأَعِنَّةَ مُصعِدَاتٍ ... عَلَى أَكتَافِهَا الأَسَلُ الظِّمَاءُ\nتَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ ... تُلَطِّمُهُنَّ بِالخُمُرِ النِّسَاءُ\nفَإِن أَعرَضتُمُو عَنَّا اعتَمَرنَا ... وَكَانَ الفَتحُ وَانكَشَفَ الغِطَاءُ\nوَإِلَّا فَاصبِرُوا لِضِرَابِ يَومٍ ... يُعِزُّ اللَّهُ فِيهِ مَن يَشَاءُ\nوَقَالَ اللَّهُ: قَد أَرسَلتُ عَبدًا ... يَقُولُ الحَقَّ لَيسَ بِهِ خَفَاءُ\nــ\nشرُّ صفوف الرجال آخرها (١) يريد نقصان حظهم عن حظ الصف الأول، ولا يجوز أن يريد به التفضيل في الشرِّ.\nقلت: وأوضح من هذا وأبعد من الاعتراض أن يقال إن الأصل في أفعل ما ذكر، غير أن المعنى الذي يقصد به المفاضلة فيه قد يكون معنى وجوديًا، كما يقال: بياض الثلج أشدُّ من بياض العاج، وقد يكون المعنى توهُّميا بحسب زعم المخاطب، كما قال تعالى: ﴿فَسَيَعلَمُونَ مَن هُوَ شَرٌّ مَكَانًا﴾، وذلك أن الكفار زعموا أن المؤمنين شرٌّ منهم، فأجيبوا بأن قيل لهم: ستعلمون باطل زعمكم بأن تشاهدوا عاقبة من هو الموصوف بالشر، وعلى هذا يخرج معنى البيت، فإنَّهم كانوا يعتقدون في النبي ﷺ شرًّا، فخاطبهم بحسب زعمهم، ودعا على الأشر من الفريقين منهما له وهو يعنيهم قطعًا، فإنَّهم هم أهل الشر، لكنهم أتاهم بدعاء نَصَف يُسكِت الظالم ويُرضي المظلوم.\nوقوله:\nفإنَّ أَبي ووَالِدَهُ وعِرضِي ... لِعِرضِ محمًّدٍ مِنكُم وِقَاءُ\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٥٤٦) (٢٣٠)، وأبو داود (٦٧٨)، والترمذي (٣٣٤)، والنسائي (٢/ ٩٣).","vol":"6","page":432},{"text":"وَقَالَ اللَّهُ: قَد يَسَّرتُ جُندًا ... هُم الأَنصَارُ عُرضَتُهَا اللِّقَاءُ\nلَنَا فِي كُلِّ يَومٍ مِن مَعَدٍّ ... سِبَابٌ أَو قِتَالٌ أَو هِجَاءُ\nفَمَن يَهجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنكُم ... وَيَمدَحُهُ وَيَنصُرُهُ سَوَاءُ\nوَجِبرِيلٌ رَسُولُ اللَّهِ فِينَا ... وَرُوحُ القُدُسِ لَيسَ لَهُ كِفَاءُ\nرواه مسلم (٢٤٩٠).\n* * *\nــ\nقال ابن قتيبة: يعني بالعِرض هنا النفس، فكأنه قال: أبي وجدي ونفسي وقاية لنفس محمد. وقال غيره: بل العِرض هنا هو الحرمة التي تنتهك بالسب والغيبة التي قال فيها النبي ﷺ: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا (١).\nوقوله:\nلِسانِي صَارِمٌ لا عَيبَ فِيهِ ... وبَحرِي لا تُكَدِّرُهُ الدِّلاءُ\nالصَّارم: السَّيف القاطع، ولا تكدره الدِّلاء: أي لا تغيره. وهذا مثل يضرب للرجل العظيم الحليم القوي الذي لا يبالي بما يرد عليه من الأمور، وبهذا البيت كني حسان أبا الحسام ﵁ وجازاه خيرًا.\n* * *\n_________\n(١) رواه مسلم (١٢١٨) (١٤٧)، وأبو داود (١٩٠٥)، والنسائي (١/ ٢٩٠)، وابن ماجه (٣٠٧٤).","vol":"6","page":433},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-899>(٦٤) باب فضائل أبي هريرة ﵁</span>\n[٢٣٩٩] عن أبي هُرَيرَةَ قَالَ: كُنتُ أَدعُو أُمِّي إِلَى الإِسلَامِ وَهِيَ مُشرِكَةٌ، فَدَعَوتُهَا يَومًا فَأَسمَعَتنِي فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَكرَهُ، فَأَتَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبكِي، فقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنتُ أَدعُو أُمِّي إِلَى الإِسلَامِ فَتَأبَى عَلَيَّ، فَدَعَوتُهَا اليَومَ فَأَسمَعَتنِي فِيكَ مَا أَكرَهُ، فَادعُ اللَّهَ أَن يَهدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيرَةَ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُمَّ اهدِ أُمَّ أَبِي هُرَيرَةَ! فَخَرَجتُ مُستَبشِرًا بِدَعوَةِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا جِئتُ فَصِرتُ إِلَى البَابِ فَإِذَا هُوَ مُجَافٌ، فَسَمِعَت أُمِّي خَشفَ قَدَمَيَّ فَقَالَت: مَكَانَكَ يَا أَبَا هُرَيرَةَ! وَسَمِعتُ خَضخَضَةَ المَاءِ. قَالَ: فَاغتَسَلَت، وَلَبِسَت دِرعَهَا، وَعَجِلَت عَن خِمَارِهَا فَفَتَحَت البَابَ، ثُمَّ قَالَت: يَا أَبَا هُرَيرَةَ، أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ! قَالَ: فَرَجَعتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَتَيتُهُ\nــ\n(٦٤) ومن باب: فضائل أبي هريرة ﵁\nاختلف في اسم أبي هريرة واسم أبيه اختلافًا كثيرًا، انتهت أقوال النقلة في ذلك إلى ثمانية عشر قولًا، وأشبه ما فيها أن يقال إنه كان له في الجاهلية اسمان: عبد شمس، وعبد عمرو - وفي الإسلام: عبد الله، وعبد الرحمن بن صخر. وقد اشتهر بكنيته حتى كأنه ما له اسم غيرها، فهي أولى به، وكنِّي بأبي هريرة لأنَّه وجد هرَّة صغيرة فحملها في كمِّه، فكُنِّي بها وغلب ذلك عليه، وقيل: إن الرسول ﷺ كناه بذلك عندما رآه يحملها.\nأسلم أبو هريرة عام خيبر، وشهدها مع رسول الله ﷺ ثم لازمه وواظب عليه رغبة في العلم راضيًا بشبع بطنه، فكانت يده مع يد رسول الله ﷺ، وكان يدور معه حيثما دار، فكان يحضر ما لا يحضره غيره، ثم اتفق له أن حصلت له بركة دعوة النبي ﷺ في الثوب الذي ضمَّه إلى","vol":"6","page":434},{"text":"وَأَنَا أَبكِي مِن الفَرَحِ، قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبشِر! قَد استَجَابَ اللَّهُ دَعوَتَكَ وَهَدَى أُمَّ أَبِي هُرَيرَةَ - فَحَمِدَ اللَّهَ وَقَالَ خَيرًا. قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادعُ اللَّهَ أَن يُحَبِّبَنِي أَنَا وَأُمِّي إِلَى عِبَادِهِ المُؤمِنِينَ وَيُحَبِّبَهُم إِلَينَا! قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُمَّ حَبِّب عُبَيدَكَ هَذَا - يَعنِي أَبَا هُرَيرَةَ - وَأُمَّهُ إِلَى عِبَادِكَ المُؤمِنِينَ وَحَبِّب إِلَيهِم المُؤمِنِينَ! فَمَا خُلِقَ مُؤمِنٌ يَسمَعُ بِي وَلَا يَرَانِي إِلَّا أَحَبَّنِي.\nرواه أحمد (٢/ ٣٢٠)، ومسلم (٢٤٩١).\nــ\nصدره، فكان يحفظ ما سمعه ولا ينساه، فلا جرم حفظ له من الحديث عن رسول الله ﷺ ما لم يحفظ لأحد من الصحابة ﵃، وذلك خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثًا، أخرج له منها في الصحيحين ستمائة وتسعة أحاديث، قال البخاري: روى عنه أكثر من ثمانمائة رجل من بين صحابي وتابعي. قال أبو عمر: استعمله عمر على البحرين ثم عزله، ثم أراده على العمل فأبى عليه، ولم يزل يسكن المدينة، وبها كانت وفاته سنة سبع وخمسين، وقيل: سنة ثمان، وقيل: سنة تسع، وقيل: توفي بالعقيق - وصلَّى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وكان أميرًا يومئذ على المدينة ومروان معزول، وكان ﵁ من علماء الصحابة وفضلائها ناشرًا للعلم شديد التواضع والعبادة، عارفًا لنعم الله شاكرًا لها، مجتهدًا في العبادة. كان هو وامرأته وخادمه يعتقبون الليل أثلاثًا؛ يصلِّي هذا ثم يوقظ هذا، ويصلي هذا ثم يوقظ هذا، وكان يقول: نشأت يتيمًا، وهاجرت مسكينًا، وكنت أجيرًا لبسرة بنت غزوان بطعام بطني وعقبة رحلي، فكنت أخدم إذا نزلوا، وأحدو إذا ركبوا، فزوَّجنيها الله، فالحمد لله الذي جعل الدين قوامًا وجعل أبا هريرة إمامًا.\nحديث إسلام أمه ليس فيه شيء يشكل.","vol":"6","page":435},{"text":"[٢٤٠٠] وعن عُروَةَ بنَ الزُّبَيرِ حَدَّثَهُ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَت: أَلَا يُعجِبُكَ أَبُو هُرَيرَةَ؟ جَاءَ فَجَلَسَ جَنبِ حُجرَتِي يُحَدِّثُ عَن النَّبِيِّ ﷺ يُسمِعُنِي ذَلِكَ، وَكُنتُ أُسَبِّحُ، فَقَامَ قَبلَ أَن أَقضِيَ سُبحَتِي، وَلَو أَدرَكتُهُ لَرَدَدتُ عَلَيهِ؛ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَم يَكُن يَسرُدُ الحَدِيثَ كَسَردِكُم.\nرواه أحمد (٦/ ١١٨)، ومسلم (٢٤٩٣)، وأبو داود (٣٦٥٥)، والترمذيُّ (٣٦٣٩).\n[٢٤٠١] وَقَالَ ابنُ المُسَيَّبِ: إِنَّ أَبَا هُرَيرَةَ قَالَ: يَقُولُونَ إِنَّ\nــ\nو(قول عائشة ﵂ ألا يعجبك) هو بضم الياء وفتح العين وكسر الجيم مشددة، ومعناه: ألا يحملك على التعجب النظر في أمره؟ قالت هذا منكرة عليه إكثاره من الأحاديث في المجلس الواحد، ولذلك قالت في غير هذه الرواية: إنما كان النبي ﷺ يُحدِّثُ حديثًا لو عدَّه العادُّ لأحصاه، تعني أنه كان يحدِّث حديثًا قليلًا، ويحتمل أن تريد بذلك أنه كان يحدِّث حديثًا واضحًا مبينًا بحيث لو عُدَّت كلماته أحصيت لقلِّتها وبيانها، ويدلّ على صحة هذا التأويل قولها ما كان رسول الله ﷺ يسرد الحديث سردكم هذا.\nوالصَّفق بالأسواق: التجارة فيها، وقد تقدَّم أنهم كانوا يتواجبون بالأيدي فيصفق أحدهما في كف الآخر، فإذا فعلوا ذلك وجب البيع، فسمِّي البيع صفقًا بذلك، وقد تقدم هذا.\nوالسُّبحة: النافلة، وأُسَبِّح: أُصَلِّي - مأخوذ من التسبيح.\nو(قول أبي هريرة ﵁: يقولون قد أكثر أبو هريرة والله الموعد، أي: الرجوع إلى الله بحكم الوعد الصَّادق، فيجازي كُلًاّ على قوله (١) وفعله.\n_________\n(١) في (ز): صدقه.","vol":"6","page":436},{"text":"أَبَا هُرَيرَةَ قَد أَكثَرَ! وَاللَّهُ المَوعِدُ، وَيَقُولُونَ: مَا بَالُ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ لَا يَتَحَدَّثُونَ مِثلَ أَحَادِيثِهِ! وَسَأُخبِرُكُم عَن ذَلِكَ؛ إِنَّ إِخوَانِي مِن الأَنصَارِ كَانَ يَشغَلُهُم عَمَلُ أَرَضِيهِم، وَإِنَّ إِخوَانِي مِن المُهَاجِرِينَ كَانَ يَشغَلُهُم الصَّفقُ بِالأَسوَاقِ، وَكُنتُ أَلزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى مِلءِ بَطنِي، فَأَشهَدُ إِذَا غَابُوا، وَأَحفَظُ إِذَا نَسُوا، وَلَقَد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَومًا: أَيُّكُم يَبسُطُ ثَوبَهُ فَيَأخُذُ مِن حَدِيثِي هَذَا ثُمَّ يَجمَعُهُ إِلَى صَدرِهِ فَإِنَّهُ لَم يَنسَ شَيئًا سَمِعَهُ؟ فَبَسَطتُ بُردَةً عَلَيَّ حَتَّى فَرَغَ مِن حَدِيثِهِ، ثُمَّ جَمَعتُهَا إِلَى صَدرِي، فَمَا نَسِيتُ بَعدَ ذَلِكَ شَيئًا حَدَّثَنِي بِهِ، وَلَولَا آيَتَانِ أَنزَلَهُمَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مَا حَدَّثتُ شَيئًا أَبَدًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكتُمُونَ مَا أَنزَلنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالهُدَى﴾ إِلَى آخِرِ الآيَتَينِ.\nــ\nو(قوله يقولون ما بال المهاجرين والأنصار لا يتحدثون مثل أحاديثه)، هذا الإنكار خلاف إنكار عائشة ﵂، فإنَّها إنما أنكرت سرد الحديث، وهؤلاء أنكروا على أبي هريرة أن يكون أكثر الصحابة حديثًا، وهذا إنكار استبعادٍ وتعجب لا إنكار تهمة ولا تكذيب لما يعلم من حفظه وعلمه وفضله، ولما يعلم أيضًا من فضلهم ومعرفتهم بحاله، ولذلك بيَّن لهم الموجب لكثرة حديثه، وبيَّن أنه شيئان؛\nأحدهما: أنه لازم النبي ﷺ ما لم يلازموا، فحضر ما لم يحضروا.\nوالثاني: بركة امتثال ما أرشد إليه رسول الله ﷺ من بسط ثوبه وضمِّه إلى صدره، فكان ذلك سبب حفظه وعدم نسيانه، فقد حصلت لأبي هريرة ولأمه من بركات رسول الله ﷺ وخصائص دعواته ما لم يحصل لغيره، ثم إن أبا هريرة ﵁ لما حفظ علمًا كثيرًا عن رسول الله ﷺ وتحقق أنه وجب عليه أن يبلغه غيره ووجد من يقبل عنه ومن له رغبة في ذلك تفرَّغ لذلك مخافة","vol":"6","page":437},{"text":"وفي رواية: إنكم تقولون إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ.\nرواه أحمد (٦/ ١٣٨)، والبخاريُّ (٣٥٦٨)، ومسلم (٢٤٩٢)، وأبو داود (٤٨٣٩)، والترمذي (٣٦٣٩).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-900>(٦٥) باب قصة حاطب بن أبي بلتعة وفضل أهل بدر وأصحاب الشجرة</span>\n[٢٤٠٢] عن علي ﵁ قال: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَا وَالزُّبَيرَ وَالمِقدَادَ فَقَالَ: ائتُوا رَوضَةَ خَاخٍ؛ فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ،\nــ\nالفوت، ومعاجلة القواطع أو الموت، ثم إنه لما آلمه الإنكار همَّ بترك ذلك والفرار، لكنه خاف من عقوبة الكتمان المنبَّه عليها في القرآن، ولذلك قال لولا آيتان في كتاب الله ما حدَّثت حديثًا، ثم تلا قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكتُمُونَ مَا أَنزَلنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالهُدَى مِن بَعدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكِتَابِ﴾ الآيتين، وفيهما بحثٌ وتفصيل يحتاج إلى نظر طويل يذكر في تفسير القرآن وأحكامه.\n(٦٥) ومن باب: فضائل أهل بدر والحديبية\nوحاطب بن أبي بلتعة\nواسمه عمرو بن راشد، من ولد لخم بن عدي، يكنى أبا عبد الله، وقيل: أبا محمد، وهو حليف للزبير بن العوَّام، وقيل: لبني أسد، وقيل: كان عبدًا","vol":"6","page":438},{"text":"فَخُذُوهُ مِنهَا. فَانطَلَقنَا تَعَادَى بِنَا خَيلُنَا فَإِذَا نَحنُ بِالمَرأَةِ، فَقُلنَا: أَخرِجِي الكِتَابَ! فَقَالَت: مَا مَعِي كِتَابٌ! فَقُلنَا: لَتُخرِجِنَّ الكِتَابَ أَو لَتُلقِيَنَّ الثِّيَابَ! فَأَخرَجَتهُ مِن عِقَاصِهَا، فَأَتَينَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَإِذَا فِيهِ مِن حَاطِبِ بنِ أَبِي بَلتَعَةَ إِلَى نَاسٍ مِن المُشرِكِينَ مِن أَهلِ مَكَّةَ، يُخبِرُهُم بِبَعضِ أَمرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا حَاطِبُ، مَا هَذَا؟ قَالَ: لَا تَعجَل عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي كُنتُ امرَأً مُلصَقًا فِي قُرَيشٍ - قَالَ سُفيَانُ: كَانَ حَلِيفًا لَهُم، وَلَم يَكُن مِن أَنفُسِهَا - وَكَانَ مِمَّن مَعَكَ مِن المُهَاجِرِينَ لَهُم قَرَابَاتٌ يَحمُونَ بِهَا أَهلِيهِم، فَأَحبَبتُ إِذ فَاتَنِي ذَلِكَ مِن النَّسَبِ فِيهِم أَن أَتَّخِذَ فِيهِم يَدًا يَحمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَلَم أَفعَلهُ كُفرًا وَلَا ارتِدَادًا عَن دِينِي، وَلَا رِضًا بِالكُفرِ بَعدَ الإِسلَامِ! فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: صَدَقَ! فَقَالَ عُمَرُ: دَعنِي\nــ\nلعبيد الله بن حميد، كاتبه فأدى كتابته يوم الفتح، شهد بدرًا والحديبية، مات سنة ثلاثين بالمدينة وهو ابن خمس وستين سنة، وصلَّى عليه عثمان، وقد شهد له بالإيمان في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُم أَولِيَاءَ﴾ وقد شهد له رسول الله ﷺ بالإيمان والصدق وبأنه لا يدخل النار على ما تضمَّنه الحديثان المذكوران في الأم.\nوروضة خاخ: موضع معروف قريب من المدينة. والظعينة: الهودج كان فيه امرأة أو لم يكن، وتسمَّى المرأة ظعينة إذا كانت في الهودج، وتجمع الظعينة: ظُعنٌ وظُعُنٌ وظعائن وأظعان. والعِقَاص: الشعر المعقوص، أي المضفور. والملصق في القوم: هو الذي لا نسب له فيهم، وهو الحليف والنزيل والدَّخيل.\nو(قوله وكان ممن معك)، كذا وقع هذا اللفظ ممن بزيادة من، وفي بعض النسخ من معك بإسقاط من وهو الصواب؛ لأنَّ من لا تزاد في الواجب عند البصريين وأكثر أهل اللسان، وقد أجاز ذلك بعض الكوفيين.","vol":"6","page":439},{"text":"يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضرِب عُنُقَ هَذَا المُنَافِقِ! فَقَالَ: إِنَّهُ قَد شَهِدَ بَدرًا، وَمَا يُدرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ قد اطَّلَعَ عَلَى أَهلِ بَدرٍ فَقَالَ اعمَلُوا مَا شِئتُم فَقَد غَفَرتُ لَكُم! فَأَنزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُم أَولِيَاءَ﴾\nــ\nو(قول عمر ﵁ دعني أضرب عنق هذا المنافق)، إنما أطلق عليه اسم النفاق لأنَّ ما صدر منه يشبه فعل المنافقين، لأنَّه والى كفار قريش وباطنهم وهمَّ بأن يطلعهم على ما عزم عليه رسول الله ﷺ من غزوهم، مع أن رسول الله ﷺ قد كان دعا فقال: اللهم أخف أخبارنا عن قريش (١)، لكن حاطبًا لم ينافق في قلبه ولا ارتد عن دينه، وإنما تأوَّل فيما فعل من ذلك أن إطلاع قريش على بعض أمر رسول الله ﷺ لا يضر رسول الله ﷺ ويخوِّف قريشًا. ويُحكى أنه كان في الكتاب تفخيم أمر جيش رسول الله ﷺ وأنهم لا طاقة لهم به، يخوِّفهم بذلك ليخرجوا عن مكة ويفرُّوا منها، وحسَّن له هذا التأويل تعلق خاطره بأهله وولده، إذ هم قطعة من كبده، ولقد أبلغ من قال: قلَّما يفلح من كان له عيال. لكن لطف الله به ونجَّاه لما علم من صحَّة إيمانه وصدقه، وغفر له بسابقة بدر وسَبقه.\nو(قوله ﷺ وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، معنى يدريك: يعلمك، ولعل: للترجي، لكن هذا الرجاء محقق للنبي ﷺ بدليل ما ذكر الله تعالى في قصة أهل بدر في آل عمران والأنفال من ثنائه عليهم وعفوه عنهم، وبدليل قوله ﷺ للذي قال في حاطب إنه يدخل النار وأقسم عليه: كذبت، لا يدخلها؛ فإنَّه شهد بدرًا! (٢)، فهذا إخبار\n_________\n(١) لم نجده بهذا اللفظ، وفي السيرة النبوية، لابن هشام (٢/ ٣٩٧): \"اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش\".\n(٢) هو الحديث رقم (٢٥٠٩) ولم يرد في أصول التلخيص، وأثبتناه من صحيح مسلم.","vol":"6","page":440},{"text":"وفي رواية: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبَا مَرثَدٍ الغَنَوِيَّ وَالزُّبَيرَ بنَ العَوَّامِ، وَكُلُّنَا فَارِسٌ.\nرواه أحمد (١/ ٧٩)، والبخاري (٣٠٠٧)، ومسلم (٢٤٩٤)، وأبو داود (٢٦٥٠)، والترمذيُّ (٣٣٠٥).\nــ\nمحقق لا احتمال فيه ولا تجوُّز، وظاهر قوله ﷺ اعملوا ما شئتم إباحة كل الأعمال والتخيير فيما شاؤوا من الأفعال، وذلك في الشريعة محال؛ إذ المعلوم من قواعدها أن التكليف بالأوامر والنواهي متوجهة على كل من كان موصوفًا بشرطها إلى موته، ولما لم يصح ذلك الظاهر اضطر إلى تأويله فقال أبو الفرج الجوزي: ليس قوله اعملوا ما شئتم للاستقبال، وإنَّما هي للماضي، وتقديره: أيُّ عمل كان لكم فقد غفرته. قال: ويدلّ على ذلك شيئان؛\nأحدهما: أنه لو كان للمستقبل كان جوابه فسأغفر (١).\nوالثاني: أنه كان يكون إطلاقًا في الذنوب - ولا وجه لذلك، ويوضح هذا أن القوم خافوا من العقوبة فيما بعد، فقال عمر: يا حذيفة (٢)، هل أنا منهم؟\nقلت: وهذا التأويل وإن كان حسنًا غير أن فيه بُعدا، تبيينه أنَّ اعملوا صيغته صيغة الأمر، وهي موضوعة للاستقبال، ولم تضع العرب قط صيغة الأمر موضع الماضي لا بقرينة ولا بغير قرينة، هكذا نص عليه النحويون، وصيغة الأمر إذا وردت بمعنى الإباحة إنما هي بمعنى الإنشاء والابتداء لا بمعنى الماضي، فتدبَّر هذا فإنه حسن، وقد بينته في الأصول بأشبع من هذا، واستدلاله على ذلك بقوله فقد غفرت لكم ليس بصحيح؛ لأنَّ اعملوا ما شئتم يستحيل أن يحمل على طلب الفعل، ولا يصح أن يكون بمعنى الماضي لما ذكرناه، فتعيَّن\n_________\n(١) في (م ٤): سأغفر.\n(٢) حذيفة بن اليمان هذا هو صاحب سِرِّ رسول الله - ﷺ - في أسماء المنافقين.","vol":"6","page":441},{"text":"[٢٤٠٣] وعَن جَابِرٍ أَنَّ عَبدًا لِحَاطِبٍ جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيَدخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَذَبتَ، لَا يَدخُلُهَا؛ فَإِنَّهُ شَهِدَ بَدرًا وَالحُدَيبِيَةَ!\nرواه أحمد (٣/ ٣٢٥)، ومسلم (٢٤٩٥)، والترمذيُّ (٣٨٦٤)، والنسائي في الكبرى (٨٢٩٦).\nــ\nحمله على الإباحة والإطلاق، وحينئذ يكون خطاب إنشاء، فيكون كقول القائل: أنت وكيلي، وقد جعلت لك التصرف كيف شئت - فإنَّ ذلك إنما يقتضي إطلاق التصرف في وقت التوكيل لا قبل ذلك، وقد ظهر لي وجه آخر وأنا أستخير الله فيه وهو: أن الخطاب خطاب إكرام وتشريف تضمَّن أن هؤلاء القوم حصلت لهم حالة غفرت لهم بها ذنوبهم السالفة وتأهلوا بها لأن يغفر لهم ذنوب مستأنفة إن وقعت منهم، لا أنهم نُجِّزت لهم في ذلك الوقت مغفرة الذنوب اللاحقة، بل لهم صلاحية أن يغفر لهم ما عساه أن يقع، ولا يلزم من وجود الصلاحية لشيء ما وجود ذلك الشيء، إذ لا يلزم من وجود أهلية الخلافة وجودها لكل من وجدت له أهليتها، وكذلك القضاء وغيره، وعلى هذا فلا يأمن من حصلت له أهلية المغفرة من المؤاخذة على ما عساه أن يقع منه من الذنوب، وعلى هذا يخرج حال كل من بشَّره رسول الله ﷺ بأنه مغفورٌ له وأنه من أهل الجنة، فيتضمَّن ذلك مغفرة ما مضى وثبوت الصلاحية للمغفرة والجنة بالنسبة لما يستقبل. ولذلك لم يزل عن أحد ممن بُشِّر بالمغفرة أو بالجنة خوف التبديل والتغيير من المؤاخذة على الذنوب ولا ملازمة التوبة منها والاستغفار دائمًا، ثم إن الله تعالى أظهر صدق رسوله ﷺ للعيان في كل من أخبر عنه بشيء من ذلك، فإنَّهم لم يزالوا على أعمال أهل الجنة من أمور الدين ومراعاة أحواله والتمسك بأعمال البر والخير إلى أن توفوا على ذلك، ومن وقع منهم في معصية أو مخالفة لجأ إلى التوبة ولازمها حتى لقي الله تعالى عليها، يعلم ذلك قطعًا من أحواله من طالع سيرهم وأخبارهم.","vol":"6","page":442},{"text":"[٢٤٠٤] وعن أُمُّ مُبَشِّرٍ قالت: سَمِعَت النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ عِندَ حَفصَةَ: لَا يَدخُلُ النَّارَ - إِن شَاءَ اللَّهُ - مِن أَصحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ - الَّذِينَ بَايَعُوا تَحتَهَا،\nــ\nوفي حديث حاطب هذا أبواب من الفقه وأدلَّة على صحة نبوة نبينا محمد ﷺ وعلى فضائل أهل بدر وحاطب بن أبي بلتعة، فمن جملة ما فيه من الفقه: أن ارتكاب الكبيرة لا يكون كفرًا، وأن المتأوِّل أعذر من العامد، وقبول عذر الصادق، وجواز الاطلاع من عورة المرأة على ما تدعو إليه الضرورة - ففي بعض رواياته أنهم فتشوا من المرأة كل شيء حتى قبلها.\nومنه ما يدلُّ على أن الجاسوس حكمه بحسب ما يجتهد فيه الإمام على ما يقوله مالك، وقال الأوزاعي: يعاقب، وينفى إلى غير أرضه. وقال أصحاب الرأي: يعاقب ويسجن. وقال الشافعي: إن كان من ذوي الهيئات كحاطب عفي عنه، وإلا عُزِّر. وجميع أهل بدر ثلاثمائة وسبعة عشر رجلًا باتفاق أئمة السير والتواريخ، واختلف في طائفة نحو الخمسة هل شهدوها أم لا؟ وتفصيل ذلك في كتب السِّير.\nو(قوله ﷺ لا يدخل النار - إن شاء الله - من أصحاب الشجرة أحد (١) - الذين بايعوا تحتها)، هذه الشجرة هي شجرة بيعة الرضوان التي قال الله تعالى فيها: ﴿لَقَد رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤمِنِينَ إِذ يُبَايِعُونَكَ تَحتَ الشَّجَرَةِ﴾ وكانت بالحديبية التي تقدم ذكرها. والمبايعون تحتها كانوا ألفًا وأربعمائة، وقيل: وخمسمائة - كانوا بايعوا رسول الله ﷺ على الموت أو على ألا يفرُّوا، على خلاف بين الرواة. ثم إن رسول الله ﷺ صالح أهل مكة، وكفى الله المؤمنين القتال وأحرز لهم الثواب، وأثابهم فتحًا قريبًا ورضوانًا عظيمًا. واستثناؤه ﷺ هنا بقوله إن شاء الله استثناء في واجب قد أعلمه الله تعالى بحصوله بقوله\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ورد في (ز): أحد من أصحاب الشجرة، وما أثبتناه يتفق مع ما ورد في صحيح مسلم والتلخيص.","vol":"6","page":443},{"text":"قَالَت: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَانتَهَرَهَا، فَقَالَت حَفصَةُ: ألم يقل الله ﴿وَإِن مِنكُم إِلا وَارِدُهَا﴾؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وقَد قَالَ ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾\nرواه أحمد (٦/ ٢٨٥)، ومسلم (٢٤٩٦)، وابن ماجه (٤٢٨١).\n* * *\nــ\n﴿لَقَد رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤمِنِينَ﴾ وبغير ذلك، وصار هذا الاستثناء كقوله تعالى: ﴿لَتَدخُلُنَّ المَسجِدَ الحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾\nو(قول حفصة بلى) قول أخرجه منها الشهامة النفسية والقوة العمرية، فإنَّها كانت بنت أبيها، وهذا من نحو قول عمر ﵁ للنبي ﷺ في المنافقين: أتصلي عليهم؟ وتمسكها بعموم قوله تعالى: ﴿وَإِن مِنكُم إِلا وَارِدُهَا﴾ دليلٌ على أن منكم للعموم عندهم وأن ذلك معروف من لغتهم، وانتهار النبي ﷺ لها تأديب لها وزجر عن بادرة المعارضة وترك الحرمة، ولما حصل الإنكار صرحت بالاعتذار فذكرت الآية، وحاصل ما فهمت منها أن الورود فيها بمعنى الدخول وأنها قابلت عموم قوله ﷺ لا يدخل النار أحدٌ ممن بايع تحت الشجرة بعموم قوله تعالى ﴿وَإِن مِنكُم إِلا وَارِدُهَا﴾ وكأنها رجَّحت عموم القرآن فتمسكت به، فأجابها النبي ﷺ بأن آخر الآية يبيِّن المقصود، فقرأ قوله تعالى ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ وحاصل الجواب تسليم أن الورود دخول، لكنه دخول عبور، فينجو من اتقى، ويترك فيها من ظلم، وبيان ذلك أن جهنم - أعاذنا الله منها - محيطة بأرض المحشر وحائلة بين الناس وبين الجنة، ولا طريق للجنة إلا الصراط الذي هو جسر ممدود على متن جهنم، فلا بدَّ لكل من ضمَّه المحشر من العبور عليه؛ فناج مُسَلَّم، ومخدوش مرسل، ومكردسٌ في نار جهنم - كما تقدَّم، وهذا قول الحسن وقتادة، وهو الذي تعضده الأخبار الصحيحة والنظر المستقيم.","vol":"6","page":444},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-901>(٦٦) باب في فضائل أبي موسى الأشعري والأشعريين</span>\n[٢٤٠٥] عَن أَبِي مُوسَى قَالَ: كُنتُ عِندَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ نَازِلٌ\nــ\nوالورود في أصل اللغة الوصول إلى الماء، وإنَّما عبَّر به عن العبور لأنَّ جهنم تتراءى للكفار كأنها سراب فيحسبونه ماء، فيقال لهم: ألا تردون؟ كما صحَّ في الأحاديث المتقدمة.\nوفي حديث حفصة هذا أبواب من الفقه؛ منها: جواز مراجعة العالم على جهة المباحثة، والتمسك بالعمومات فيما ليس طريقه العمل بل الاعتقاد ومقابلة عموم بعموم، والجواب بذكر المخصَّص، وتأديب الطالب عند مجاوزة حدِّ الأدب في المباحثة.\nوالمتقي: هو الحذر من المكروه الذي يتحرز منه بإعداد ما يتقى (١) به. ونذر: نترك. والظالم هنا: هو الكافر؛ لأنَّه وضع الإلهية والعبادة في غير موضعهما. وجثيًا: جمع جاث، وأصله: الجالس على ركبتيه، والمراد به ها هنا المكبوب على وجهه وهو المكردس المذكور في الحديث، والله تعالى أعلم.\n(٦٦) ومن باب فضائل أبي موسى الأشعري ﵁\nواسمه عبد الله بن قيس بن سليم بن حَضَّار - بفتح الحاء المهملة والضاد المعجمة المشددة، ويقال حِضَار بكسر الحاء وتخفيف الضاد، من ولد الأشعر وهو نبتُ بن أدد، وقيل: من ولد الأشعر بن سبأ أخي حمير. قال أبو عمر: ذكرت طائفة أن أبا موسى قدم مكة فحالف سعيد بن العاصي، ثم أسلم بمكة، ثم هاجر إلى أرض الحبشة، ثم قدم مع أهل السفينة ورسول الله ﷺ بخيبر. وقال أبو بكر بن عبد الله بن الجهم - وكان علامة نسَّابة: ليس كذلك،\n_________\n(١) في (م ٤): ما يتقيه.","vol":"6","page":445},{"text":"بِالجِعرَانَةِ بَينَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ أَعرَابِيٌّ\nــ\nولكنه أسلم قديمًا بمكة ثم رجع إلى بلاد قومه، فلم يزل بها حتى قدم هو وناس من الأشعريين على رسول الله ﷺ، فوافق قدومهم قدوم أهل السفينتين - جعفر وأصحابه - من أرض الحبشة، ووافوا رسول الله ﷺ بخيبر. قال أبو عمر: وإنما ذكره ابن إسحاق فيمن هاجر إلى أرض الحبشة لأنَّه نزل أرضهم في حين إقباله مع سائر قومه، رمت الريح سفينتهم إلى الحبشة فبقوا فيها، ثم خرجوا مع جعفر وأصحابه؛ هؤلاء في سفينة وهؤلاء في سفينة، فوافوا رسول الله ﷺ حين افتتح خيبر، فقيل: إنه قسم لأهل السفينتين، وقيل: لم يقسم لهم.\nثم ولَّى عمر بن الخطاب أبا موسى البصرة إذ عزل عنها المغيرة في وقت الشهادة عليه، وذلك سنة عشرين، فافتتح أبو موسى الأهواز، ولم يزل على البصرة إلى صدر من خلافة عثمان ثم عزله عنها وولاها عبد الله بن عامر بن كرز، فنزل أبو موسى حينئذ الكوفة وسكنها، ثم لما دفع أهل الكوفة سعيد بن العاصي ولَّوا أبا موسى، وكتبوا إلى عثمان يسألونه أن يوليه فأقرَّه، فلم يزل على الكوفة حتى قتل عثمان واستخلف عليّ فعزله عنها. قال أبو عمر: فلم يزل واجدًا منها على علي، ثم كان من أبي موسى بصفين وفي التحكيم ما كان، وكان متحرفًا على عليٍّ لأنَّه عزله ولم يستعمله، وغلبه أهل اليمن في إرساله في التحكيم فلم يجر لهم، ثم انقبض أبو موسى إلى مكة ومات بها، وقيل: مات بالكوفة في داره بجانب المسجد. واختلف في وقت وفاته؛ فقيل: سنة اثنتين وأربعين، وقيل: سنة أربع وأربعين، وقيل: سنة خمسين، وقيل: سنة اثنتين وخمسين. وكان ﵁ من أحسن الناس صوتًا بالقرآن، ولذلك قال له النبي ﷺ: أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود (١)، وسئل علي ﵁ عن موضع أبي موسى من العلم\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٠٤٨)، ومسلم (٧٩٣).\nوالمقصود بآل داود: داود نفسه، لأنه لم يثبت أن أحدًا من آله أُعْطِي من حُسْن الصوت ما أُعطي داود.","vol":"6","page":446},{"text":"فَقَالَ: أَلَا تُنجِزُ لِي يَا مُحَمَّدُ مَا وَعَدتَنِي؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَبشِر! فَقَالَ لَهُ الأَعرَابِيُّ: أَكثَرتَ عَلَيَّ مِن أَبشِر! فَأَقبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي مُوسَى وَبِلَالٍ كَهَيئَةِ الغَضبَانِ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا قَد رَدَّ البُشرَى، فَاقبَلَا أَنتُمَا! فَقَالَا: قَبِلنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ فَغَسَلَ يَدَيهِ وَوَجهَهُ فِيهِ وَمَجَّ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: اشرَبَا مِنهُ وَأَفرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا، وَأَبشِرَا! فَأَخَذَا القَدَحَ فَفَعَلَا مَا أَمَرَهُمَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَنَادَتهُمَا أُمُّ سَلَمَةَ مِن وَرَاءِ السِّترِ: أَفضِلَا لِأُمِّكُمَا مِمَّا فِي إِنَائِكُمَا! فَأَفضَلَا لَهَا مِنهُ طَائِفَةً.\nرواه البخاريُّ (٤٣٢٨)، ومسلم (٢٤٩٧).\nــ\nفقال: صبغ في العلم صبغة.\nوروى عن رسول الله ﷺ ستمائة وستين حديثًا، أخرج له منها في الصحيحين ثمانية وستون حديثًا.\nو(قول الأعرابي أكثرتَ عليَّ من أبشر!) قول جلف جاهل بحال النبي ﷺ وبقدر البشرى التي بشَّره بها النبي ﷺ لو قبلها، لكنها عرضت عليه فحرمها وقضيت لغيره فقبلها. والبشرى: خبر بما يسر، وسُمِّيت بذلك لأنَّها تظهر السرور في بشرة المبشر، وأصله في الخير، وقد يقال في الشر توسُعًا كما قال الله تعالى: ﴿فَبَشِّرهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وفيه ثلاث لغات: أبشر - رباعيًّا، فتقول: أبشرته أبشره إبشارًا، ومنه: ﴿وَأَبشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنتُم تُوعَدُونَ﴾ وبشَّر - مشددًا - يُبشِّر تبشيرًا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَبَشِّر عِبَادِ * الَّذِينَ يَستَمِعُونَ القَولَ﴾ والثالثة: بَشَرتُ الرجل - ثلاثيًّا مفتوح العين - أبشره بالضم بُشرًا بالسكون وبُشُورًا، والاسم البشارة بكسر الباء وضمها.\nوالبشرى تقتضي مُبَشَّرًا به، فإذا ذكر تعيَّن، وإذا سكت عنه صلح أن يراد به العموم.","vol":"6","page":447},{"text":"[٢٤٠٦] وعَن أَبِي بُردَةَ، عَن أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ ﷺ مِن حُنَينٍ بَعَثَ أَبَا عَامِرٍ عَلَى جَيشٍ إِلَى أَوطَاسٍ، فَلَقِيَ دُرَيدَ بنَ الصِّمَّةِ، فَقُتِلَ دُرَيدٌ وَهَزَمَ اللَّهُ أَصحَابَهُ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: وَبَعَثَنِي مَعَ أَبِي عَامِرٍ. قَالَ: فَرُمِيَ أَبُو عَامِرٍ فِي رُكبَتِهِ؛ رَمَاهُ رَجُلٌ مِن بَنِي جُشَمٍ بِسَهمٍ فَأَثبَتَهُ فِي رُكبَتِهِ، فَانتَهَيتُ إِلَيهِ فَقُلتُ: يَا عَمِّ، مَن رَمَاكَ؟ فَأَشَارَ أَبُو عَامِرٍ إِلَى أَبِي مُوسَى فَقَالَ: إِنَّ ذَاكَ قَاتِلِي، تَرَاهُ ذَاكَ الَّذِي رَمَانِي؟ قَالَ أَبُو مُوسَى: فَقَصَدتُ لَهُ\nــ\nو(قول النبي ﷺ أبشر) ولم يذكر له عين ما بشره به؛ لأنَّه - والله أعلم - قصد تبشيره بالخير على العموم الذي يصلح لخير الدنيا والآخرة، ولما جهل ذلك ردَّه لحرمانه وشقوته، ولما عرض ذلك على من عرف قدره بادر إليه وقبله، فنال من البشارة الخير الأكبر والحظَّ الأوفر، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.\nوكونه ﷺ غسل وجهه في الماء وبصق فيه وأمره بشرب ذلك والتمسح به مبالغة في إيصال الخير والبركة لهما، إذ قد ظهرت بركته ﷺ فيما لمسه أو باشره أو اتصل به منه شيء، ولما تحققت أم سلمة ذلك سألتهما أن يتركا لها فضلة من ذلك ليصيبها من تلك البشرى ومن تلك البركة حظٌّ.\nوفيه ما يدل على جواز الاستشفاء بآثار النبي ﷺ وبكلماته ودعواته، وعلى جواز النشرة بالماء الذي يرقى بأسماء الله تعالى وبكلامه وكلام رسوله ﷺ، وقد تقدم ذكر الخلاف في النشرة في كتاب الطب.\nوأوطاس: موضع قريب من حنين.\nوبعث أبي عامر إنما كان لتتبع منهزمة هوازن بحنين، ويُسمَّى خيله خيل الطلب، وأبو عامر هذا اسمه عبيد بن سليم بن حضَّار الأشعري، وكان أبو عامر هذا من كبار الصحابة، عقد له رسول الله ﷺ لواءً يوم ولاه على هذا الجيش، وختم الله تعالى له بالشهادة وبدعاء رسول الله ﷺ بالمغفرة.\nو(قول أبي عامر إن ذاك قاتلي، تراه ذاك الذي رماني؟)، كذا الرواية الصحيحة تراه بالتاء باثنتين من فوقها، والكلام كله لأبي عامر، وكأن الذي رمى","vol":"6","page":448},{"text":"فَاعتَمَدتُهُ فَلَحِقتُهُ، فَلَمَّا رَآنِي وَلَّى عَنِّي ذَاهِبًا، فَاتَّبَعتُهُ، وَجَعَلتُ أَقُولُ لَهُ: أَلَا تَستَحيِ؟ أَلَستَ عَرَبِيًّا؟ أَلَا تَثبُتُ؟ فَكَفَّ، فَالتَقَيتُ أَنَا وَهُوَ، فَاختَلَفنَا أَنَا وَهُوَ ضَربَتَينِ، فَضَرَبتُهُ بِالسَّيفِ فَقَتَلتُهُ، ثُمَّ رَجَعتُ إِلَى أَبِي عَامِرٍ فَقُلتُ: إِنَّ اللَّهَ قَد قَتَلَ صَاحِبَكَ! قَالَ: فَانزِع هَذَا السَّهمَ! فَنَزَعتُهُ فَنَزَا مِنهُ المَاءُ، فَقَالَ: يَا ابنَ أَخِي، انطَلِق إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَقرِئهُ مِنِّي السَّلَامَ، وَقُل لَهُ: يَقُولُ لَكَ استَغفِر لِي! قَالَ: وَاستَعمَلَنِي أَبُو عَامِرٍ عَلَى النَّاسِ، وَمَكَثَ يَسِيرًا ثُمَّ إِنَّهُ مَاتَ، فَلَمَّا رَجَعتُ إِلَى رسول الله ﷺ دَخَلتُ عَلَيهِ وَهُوَ فِي بَيتٍ عَلَى سَرِيرٍ مُرمَلٍ عَلَيهِ فِرَاشٌ، قَد أَثَّرَ رِمَالُ السَّرِيرِ بِظَهرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَنبَيهِ، فَأَخبَرتُهُ بِخَبَرِنَا وَخَبَرِ أَبِي عَامِرٍ، وَقُلتُ لَهُ: قَالَ: قُل لَهُ يَستَغفِر\nــ\nأبا عامر كان قريبًا منهما، فأشار إليه بذلك مرتين تقريبًا له، وأكد ذلك بقوله تراه، فكأنه قال: الذي تراه، ووقع في بعض النسخ ذلك بلام البعد، وفيه بعد، وقرأه بالفاء، فكأنه من قول الراوي خبرًا عن أبي موسى أنه رأى القاتل، والأول أصح.\nو(قوله: فنزا منه الماء)؛ أي: خرج الماء بسرعة إثر خروج السهم، وأصل النزو: الارتفاع والوثب.\nو(قوله: واستعملني عامر على الناس) فيه ما يدلّ على أن الوالي إذا عرض له أمر جاز أن يستنيب غيره.\nو(قوله: فوجدته على حصير مُرمل، قد أثر رمال الحصير في ظهره) صحيح الرواية فيه مرمل بضم الميم الأولى، فسكَّن الراء، مفتوح الميم الثانية. وهو من أرملت الحصير إذا شققته ونسجته بشريط أو غيره، قال الشاعر:\nإذ لا يَزال عَلَى طَرِيق لاحِبً ... وكأن صَفحَتَه حَصِيرٌ مُرمَلُ","vol":"6","page":449},{"text":"لِي. فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ مِنهُ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغفِر لِعُبَيدٍ - أَبِي عَامِرٍ - حَتَّى رَأَيتُ بَيَاضَ إِبطَيهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اجعَلهُ يَومَ القِيَامَةِ فَوقَ كَثِيرٍ مِن خَلقِكَ - أَو مِن النَّاسِ، فَقُلتُ: وَلِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَاستَغفِر! فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اللَّهُمَّ اغفِر لِعَبدِ اللَّهِ بنِ قَيسٍ ذَنبَهُ، وَأَدخِلهُ يَومَ القِيَامَةِ مُدخَلًا كَرِيمًا. قَالَ أَبُو بُردَةَ: إِحَدَاهُمَا لِأَبِي عَامِرٍ، وَالأُخرَى لِأَبِي مُوسَى.\nرواه البخاري (٢٨٨٤)، ومسلم (٢٤٩٨).\nــ\nويقال: رملت الحصير أيضًا - ثلاثيًّا، ورمال الحصير: هو ما يؤثر منه في جنب المضطجع عليه.\nو(قوله: وعليه فراش) كذا صحَّت الرواية بإثبات الفراش، وقال القابسي: الذي أعرف وما عليه فراش.\nقلت: وأستبعَدَ أن يكون عليه فراش ويؤثر في ظهره، وإنَّما يستبعد ذلك إذا كان الفراش كثيفًا وثيرًا، ولم يكن فراش النبي ﷺ كذلك، فلا يستبعد.\nو(قوله: فدعا رسول الله ﷺ بماء فتوضَّأ منه، ثم رفع يديه)، ظاهر هذا الوضوء أنه كان للدُّعاء، إذ لم يذكر أنه صلى في ذلك الوقت بذلك الوضوء، ففيه ما يدلّ على مشروعية الوضوء للدُّعاء ولذكر الله كما تقدَّم من قوله ﷺ إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة (١).\nو(قوله ثم رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه) دليل على استحباب الرفع عند الدعاء، وقد فعل النبي ﷺ ذلك يوم بدر وفي الاستسقاء، وقد رويت كراهية ذلك عن مالك، ويمكن أن يقال: إنما كره أن يُتَّخذ ذلك سُنَّة راتبة على أصله في هذا الباب أو مخافة أن يعتقد الجهَّال مكانًا لله تعالى، والذي يزيل هذا الوهم أن\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ٣٤٥)، وأبو داود (١٧)، والنسائي (١/ ٣٧)، وابن ماجه (٣٥٠).","vol":"6","page":450},{"text":"[٢٤٠٧] وعَن أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنِّي لَأَعرِفُ أَصوَاتَ رُفقَةِ الأَشعَرِيِّينَ بِالقُرآنِ حِينَ يَدخُلُونَ بِاللَّيلِ، وَأَعرِفُ مَنَازِلَهُم مِن أَصوَاتِهِم بِالقُرآنِ بِاللَّيلِ وَإِن كُنتُ لَم أَرَ مَنَازِلَهُم حِينَ نَزَلُوا بِالنَّهَارِ، وَمِنهُم حَكِيمٌ إِذَا لَقِيَ الخَيلَ - أَو قَالَ العَدُوَّ - قَالَ لَهُم: إِنَّ أَصحَابِي يَأمُرُونَكُم أَن تَنظُرُوهُم.\nرواه البخاريُّ (٤٢٣٢)، ومسلم (٢٤٩٩).\nــ\nيقال: لا يلزم من مدِّ الأيدي إلى السماء أن يكون مكانًا لله ولا جهة، كما لا يلزم من استقبال الكعبة أن يكون الله تعالى فيها، بل السماء قبلة الدُّعاء كما أن الكعبة قبلة الصلاة، والباري تعالى منزه عن الاختصاص بالأمكنة والجهات، إذ ذاك من لوازم المحدثات، ولقد أحسن من قال: لو كان الباري تعالى في شيء لكان محصورًا، ولو كان على شيء لكان محمولًا، ولو كان من شيء لكان محدثًا.\nوقد حصل أبو موسى على مثل ما حصل لعمه أبي عامر من استغفار رسول الله ﷺ، وزاده وأدخله مدخلًا كريمًا ليلحقه بمنزلة أبي عامر في الجنة لأنه قتل قاتله، والله تعالى أعلم.\nو(قوله ﷺ إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل)، كذا صحَّت الرواية فيه بالدال المهملة والخاء المعجمة، من الدخول، وقد رواه بعضهم يرحلون بالراء والحاء المهملة، من الرحيل. قال بعض علمائنا: وهو الصواب - يشير إلى أنهم كانوا يلازمون قراءة القرآن في حال رحيلهم وفي حالة نزولهم، وكأن الأشعريين كثير فيهم قراءة القرآن بسبب أبي موسى الأشعري ﵁، فإنَّه كان من أحسن الناس صوتًا بالقرآن، فكان يقرأ لهم فتطيب لهم قراءته فيتعلموا منه القرآن، وأحبُّوه فلازموه، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: ومنهم حكيم إذا لقي الخيل أو العدو قال لهم إن أصحابي يأمرونكم أن تنظروهم)، وحكيم بمعنى محكَّم، ويعني به هنا أنه محكم لأمور","vol":"6","page":451},{"text":"[٢٤٠٨] وعنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ الأَشعَرِيِّينَ إِذَا أَرمَلُوا فِي الغَزوِ أَو قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِم بِالمَدِينَةِ جَمَعُوا مَا كَانَ عِندَهُم فِي ثَوبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ اقتَسَمُوهُ بَينَهُم فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُم مِنِّي وَأَنَا مِنهُم.\nرواه البخاريُّ (٢٤٨٦)، ومسلم (٢٥٠٠).\n* * *\nــ\nالفروسية والشجاعة، ولذلك سبق قومه إلى العدو، كما فعل النبي ﷺ حين ركب فرس أبي طلحة واستبرأ خبر العدو ثم رجع، فلقي أصحابه خارجين فأخبرهم بأنهم لا روع عليهم. وقد يجوز أن يكون ذلك الحكيم هو أبو موسى أو أبو عامر، ويكون النبي ﷺ قال هذا قبل قتله، والله تعالى أعلم.\nو(قوله ﷺ إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم ثم اقتسموه)، هذا الحديث يدل على أن الغالب على الأشعريين الإيثار والمواساة عند الحاجة، كما دلَّ الحديث المتقدِّم على أن الغالب عليهم القراءة والعبادة، فثبت لهم بشهادة رسول الله ﷺ أنَّهم علماء عاملون كرماء مؤثرون. ثم إنه ﷺ شرَّفهم بإضافتهم إليه، ثم زاد في التشريف بأن أضاف نفسه إليهم، ويمكن أن يكون معنى هم مني: فعلوا فعلي من القراءة والعبادة والكرامة، وأنا منهم: أفعل من ذلك ما يفعلون، كما قال بعض الشعراء:\nوَقُلتُ أَخِي قالُوا أَخٌ وكرامةٌ ... فَقُلتُ لَهُم إنَّ الشُّكُول أقارِبُ\nنَسِيبي في رَأيي وعَزمِي ومَذهَبي ... وإن خالفَتنا في الأمُورِ المَناسِبُ\n* * *","vol":"6","page":452},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-902>(٦٧) باب فضائل أبي سفيان بن حرب - ﵁ </span>-\n[٢٤٠٩] عن ابنُ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ المُسلِمُونَ لَا يَنظُرُونَ إِلَى أَبِي سُفيَانَ وَلَا يُقَاعِدُونَهُ، فَقَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ ثَلَاثٌ أَعطِنِيهِنَّ، قَالَ:\nــ\n(٦٧) ومن باب: فضائل أبي سفيان بن حرب\nواسمه صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي، وكان من أشراف قريش، وساداتها، وذوي رأيها في الجاهلية، أسلم يوم فتح مكة، وقد تقدَّم خبر إسلامه، وشهد حنينًا، وأعطاه النبي ﷺ من غنائمها مائة بعير، وأربعين أوقية وزنها له بلال. قال أبو عمر: واختلف في حسن إسلامه، فطائفة تروي: أنه لما أسلم حسن إسلامه، وذكروا عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: رأيت أبا سفيان يوم اليرموك تحت راية ابنه يزيد يقاتل. يقول: يا نصر الله اقترب. وروي عنه أنه قال: فقدت الأصوات يوم اليرموك إلا صوت رجل واحد يقول: يا نصر الله اقترب، قال المسيب: فذهبت أنظر، فإذا هو أبو سفيان بن حرب تحت راية ابنه. وقد روي: أن أبا سفيان كان يوم اليرموك يقف على الكراديس فيقول للناس: الله! الله! إنكم ذادةُ (١) العرب، وأنصار الإسلام، وإنهم ذادة الروم، وأنصار المشركين، اللهم هذا يوم من أيامك، اللهم أنزل نصرك على عبادك.\nوطائفة تروي: أنه كان كهفًا للمنافقين منذ أسلم، وكان في الجاهلية ينسب إلى الزندقة، وكان إسلامه يوم الفتح كرهًا كما تقدَّم من حديثه، ومن قوله في كلمتي الشهادة حين عرضت عليه: أما هذه ففي النفس منها شيء. وفي خبر ابن الزبير أنه رآه يوم اليرموك قال: فكانت الروم إذا ظهرت قال أبو سفيان: إيه بني الأصفر!\nو(قول ابن عباس: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان بن حرب ولا يقاعدونه) إنما كان ذلك لما كان من أبي سفيان من صنيعه بالنبي ﷺ وبالمسلمين\n_________\n(١) \"ذادة\": جمع ذائد، وهو المدافع عن أرضه.","vol":"6","page":453},{"text":"نَعَم، عِندِي أَحسَنُ العَرَبِ، وَأَجمَلُهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنتُ أَبِي سُفيَانَ أُزَوِّجُكَهَا، قَالَ: نَعَم، قَالَ: وَمُعَاوِيَةُ تَجعَلُهُ كَاتِبًا بَينَ يَدَيكَ، قَالَ: نَعَم، قَالَ:\nــ\nفي شركه، إذ لم يصنع أحدٌ بهم مثل صنيعه، ثم إنه أسلم يوم الفتح مكرهًا، وكان من المؤلفة قلوبهم، وكأنهم ما كانوا يثقون بإسلامه، وقد ذكرنا اختلاف العلماء (١) في نفاقه.\nو(قوله: عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها؟ قال: نعم) الضمير في أجمله عائد على الجنس الذي دلَّ عليه العرب، وأم حبيبة هذه اسمها رملة، وقيل: هند، والأول هو المعروف والصحيح، وإنَّما هند بنت عتبة زوجة أبى سفيان، وأم معاوية. وظاهر هذا الحديث أن أبا سفيان أنكح ابنته النبيَّ ﷺ بعد إسلامه، وهو مخالف للمعلوم عند أهل التواريخ والأخبار، فإنَّهم متفقون على أن النبي ﷺ تزوَّج بأمِّ حبيبة بنت أبي سفيان قبل الفتح، وقبل إسلام أبيها، وإنَّ أبا سفيان قدم قبل الفتح المدينة طالبًا تجديد العهد بينه وبين رسول الله ﷺ وأنه دخل بيت أم حبيبة ابنته، فأراد أن يجلس على بساط رسول الله ﷺ فنزعته من تحته، فكلمها في ذلك، فقالت: إنَّه بساط رسول الله ﷺ وأنت مشرك! فقال لها: يا بنية لقد أصابك بعدي شر، ثم طلب من علي، ومن فاطمة ومن غيرهما أن يكلموا النبي ﷺ في الصلح، فأبوا عليه، فرجع إلى مكة من غير مقصود حاصل، وكل ذلك معلوم لا شك فيه، ثم إن الأكثر من الروايات والأصح منها: أن النبي ﷺ تزوج أم حبيبة، وهي بأرض الحبشة، وذلك أنها كانت تحت عبد الله بن جحش الأسدي، أسد خزيمة، فولدت له حبيبة التي كنيت بها، وأنها أسلمت وأسلم زوجها عبيد الله بن جحش وهاجر بها إلى أرض الحبشة، ثم إن زوجها تنصَّر هناك، ومات نصرانيًّا، ثم إن رسول الله ﷺ خطبها وهي بأرض الحبشة فبعث شرحبيل بن حسنة إلى النجاشي في ذلك. روى الزبير بن بكار عن\n_________\n(١) في (ز): المسلمين.","vol":"6","page":454},{"text":"وَتُؤَمِّرُنِي حَتَّى أُقَاتِلَ الكُفَّارَ، كَمَا كُنتُ أُقَاتِلُ المُسلِمِينَ، قَالَ: نَعَم. قَالَ\nــ\nإسماعيل بن عمرو: أن أم حبيبة قالت: ما شعرت وأنا بأرض الحبشة إلا برسول النجاشي جارية يقال له: أبرهة، كانت تقوم على ثيابه ودهنه، فاستأذنت عليَّ فأذنت لها، فقالت: إن الملك يقول لك: إن رسول الله ﷺ كتب أن أزوِّجَكِهِ، فقلت: بشرك الله بخير، وقالت: يقول لك الملك: وكلي من يزوجك، فأرسلتُ إلى خالد بن سعيد فوكلته، وأعطيتُ أبرهة سوارين من فضة كانتا علي، وخواتم فضة كانت في أصابعي سرورًا بما بشرتني به، فلما كان العشي أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب، ومن هناك من المسلمين يحضرون، وخطب النجاشي فقال: الحمد لله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأنه الذي بشر به عيسى ابن مريم، أما بعد: فإنَّ رسول الله ﷺ كتب إلي أن أزوَّجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، فأجبت إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ، وقد أصدقتها أربعمائة دينار، ثم سكب الدنانير بين يدي القوم، فتكلم خالد بن سعيد، فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون، أما بعد: فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ وزوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فبارك الله لرسوله. ودفع النجاشي الدنانير إلى خالد بن سعيد، فقبضها، ثم أرادوا أن يقوموا فقال: اجلسوا فإنَّ سنة الأنبياء إذا تزوَّجوا أن يؤكل طعام على التزويج، فدعا بطعام فأكلوا، ثم تفرَّقوا. قال الزبير: قدم خالد بن سعيد، وعمرو بن العاص بأم حبيبة من أرض الحبشة عام الهدنة. وقال بعض الرواة: إنما أصدقها أربعة آلاف درهم، وأن عثمان بن عفان هو الذي أولم عليها، وأنه هو الذي زوَّجها إياه، وقيل: زوَّجها النجاشي.\nقلت: ويصح الجمع بين هذه الروايات، فتكون الأربعمائة دينار صرفت، أو قوِّمت بأربعة آلاف درهم، وأن النجاشي هو الخاطب، وعثمان هو العاقد،","vol":"6","page":455},{"text":"أَبُو زُمَيلٍ: وَلَولَا أَنَّهُ طَلَبَ ذَلِكَ مِن النَّبِيِّ ﷺ مَا أَعطَاهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَم يَكُن يُسأَلُ شَيئًا إِلَّا قَالَ: نَعَم.\nرواه مسلم (٢٥٠١).\n* * *\nــ\nوسعيد الوكيل، فصحَّت نسبة التزويج لكلهم، وهذا هو المعروف عند جمهور (١) أهل التواريخ والسِّير، كابن شهاب، وابن إسحاق، وقتادة، ومصعب، والزبير وغيرهم.\nوقد روي عن قتادة قول آخر: أن عثمان بن عفان زوَّجها من النبي ﷺ بالمدينة بعدما قدمت من أرض الحبشة. قال أبو عمر: والصحيح الأول، وروي أن أبا سفيان قيل له وهو يحارب رسول الله ﷺ: إن محمدًا قد نكح ابنتك! فقال: ذلك الفحل الذي لا يقدع أنفه (٢). وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: تزوَّج رسول الله ﷺ أم حبيبة سنة ست من التاريخ، قال غيره: سنة سبع، قال أبو عمر: توفيت أم حبيبة سنة أربع وأربعين.\nقلت: فقد ظهر أنه لا خلاف بين أهل النقل أن تزويج النبي ﷺ متقدِّم على إسلام أبيها أبي سفيان، وعلى يوم الفتح، ولما ثبت هذا تعيَّن أن يكون طلب أبي سفيان تزويج أم حبيبة للنبي ﷺ بعد إسلامه خطأ ووهمًا، وقد بحث النقاد عمن وقع منه ذلك الوهم فوجدوه قد وقع من عكرمة بن عمار. قال أبو الفرج الجوزي: اتهموا به عكرمة بن عمار، وقد ضعف أحاديثه يحيى بن سعيد، وأحمد بن حنبل،\n_________\n(١) في (ز): أهل.\n(٢) معناه: لا يُضرب أنفه، وذلك إذا كان كريمًا، وأصله للفحل إذا كان غير كريم وأراد ركوب الناقة الكريمة، فيضربون أنفه بالرمح وغيره ليرتاع. يريد أبو سفيان: أنه كفءٌ كريم لا يُرَدُّ.","vol":"6","page":456},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-903>(٦٨) باب فضائل جعفر بن أبي طالب وأسماء بنت عميس وأصحاب السفينة</span>\n[٢٤١٠] عَن أَبِي مُوسَى قَالَ: بَلَغَنَا مَخرَجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَحنُ\nــ\nولذلك لم يُخرَّج عنه البخاريُّ، وإنَّما أخرج عنه مسلم، لأنَّه قد قال فيه يحيى بن معين: هو ثقة. وقال أبو محمد علي بن أحمد الحافظ: هذا حديث موضوع، لا شك في وضعه، والآفة فيه من عكرمة بن عمار، قال بعضهم: ومما يحقق الوهم في هذا الحديث قول أبي سفيان للنبي ﷺ: أريد أن تؤمرني. فقال له: نعم. ولم يسمع قط أن النبي ﷺ أمَّر أبا سفيان على أحد إلى أن توفي، فكيف يخلف النبي ﷺ الوعد؟ هذا ما لا يجوز عليه.\nقلت: قد تأوَّل بعض من صحَّ عنده ذلك الحديث، بأن قال: إن أبا سفيان إنما طلب من النبي ﷺ أن يجدد معه عقدًا على ابنته المذكورة ظنًّا منه أن ذلك يصح، لعدم معرفته بالأحكام الشرعية، لحداثة عهده بالإسلام، واعتذر عن عدم تأميره مع وعده له بذلك، لأنَّ الوعد لم يكن مؤقتًا، وكان يرتقب إمكان ذلك فلم يتيسر له ذلك إلى أن توفي رسول الله ﷺ أو لعلَّه ظهر له مانع شرعي منعه من توليته الشرعية، وإنَّما وعده بإمارة شرعية فتخلَّف لتخلُّف شرطها، والله تعالى أعلم.\n(٦٨) ومن باب: فضائل جعفر بن أبي طالب - ﵁ -\nيكنى: أبا عبد الله، كان أكبر من عليٍّ أخيه - ﵄ - بعشر سنين، وكان من المهاجرين الأوَّلين، هاجر إلى أرض الحبشة، وقدم منها على رسول الله ﷺ حين فتح خيبر، فتلقاه النبي ﷺ وعانقه، وقال: ما أدري بأيُّهما","vol":"6","page":457},{"text":"بِاليَمَنِ، فَخَرَجنَا مُهَاجِرِينَ إِلَيهِ، أَنَا وَأَخَوَانِ لِي أَنَا أَصغَرُهُمَا، أَحَدُهُمَا\nــ\nأنا أشد فرحًا، بقدوم جعفر، أم بفتح خيبر؟ (١). وكان قدومه من الحبشة في السنة السَّابعة من الهجرة، واختطَّ له النبي ﷺ إلى جنب المسجد، وقال له النبي ﷺ: أشبهت خَلقِي وخُلُقي (٢). ثم غزا غزوة مؤتة، وذلك في سنة ثمان من الهجرة، فقتل فيها بعد أن قاتل فيها حتى قطعت يداه جميعًا، فقال رسول الله ﷺ: إن الله أبدله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء (٣). فمن هنالك قيل له: ذو الجناحين. ولما أتى النبي ﷺ نعي جعفر أتى امرأته أسماء بنت عميس، فعزَّاها في زوجها، فدخلت فاطمة تبكي وهي تقول: واعماه! فقال لها رسول الله ﷺ: على مثل جعفر فلتبك البواكي (٤).\nوأما أسماء فهي: ابنة عميس بن معدِّ بن الحارث بن تيم بن كعب بن مالك الخثعمية، من خثعم أنمار، وهي أخت ميمونة زوج النبي ﷺ وأخت لبابة - أم الفضل - زوجة العباس، وأخت أخواتها، وهن: تسع، وقيل: عشر. هاجرت أسماء مع زوجها جعفر إلى أرض الحبشة، فولدت له هنالك محمدًا، وعبد الله، وعوفًا، ثم هاجرت إلى المدينة. فلما قتل جعفر، تزوجها أبو بكر الصِّدِّيق ﵄، وولدت له محمد بن أبي بكر، ثم مات عنها فتزوجها علي بن أبي طالب، فولدت يحيى بن عليٍّ، لا خلاف في ذلك، وقيل: كانت أسماء بنت عميس تحت حمزة بن عبد المطلب، فولدت له ابنة\n_________\n(١) رواه الحاكم (٢/ ٦٢٤ و٣/ ٢٠٨)، وابن أبي ثيبة (١٢/ ١٠٦ و١٤/ ٣٤٩).\n(٢) رواه أحمد (١/ ٩٨ - ٩٩)، والحاكم (٣/ ١٢٠) من حديث علي. ورواه البخاري (٢٦٩٩)، والترمذي (٣٧٦٥) من حديث البراء.\n(٣) خرَّجه البغوي في معجمه، وأبو عمر في الاستيعاب (١/ ٢١٠)، وابن الأثير في أسد الغابة (١/ ٣٤٣). وانظر: ذخائر العقبي ص (٢١٧).\n(٤) ذكره ابن الأثير في أسد الغابة (١/ ٣٤٣)، وأبو عمر في الاستيعاب (على هامش الإصابة) (١/ ٢١١).","vol":"6","page":458},{"text":"أَبُو بُردَةَ وَالآخَرُ أَبُو رُهمٍ - إِمَّا قَالَ: بِضعًا، وَإِمَّا قَالَ: ثَلَاثَةً وَخَمسِينَ أَو اثنَينِ وَخَمسِينَ رَجُلًا مِن قَومِي - قَالَ: فَرَكِبنَا سَفِينَةً، فَأَلقَتنَا سَفِينَتُنَا إِلَى النَّجَاشِيِّ بِالحَبَشَةِ، فَوَافَقنَا جَعفَرَ بنَ أَبِي طَالِبٍ وَأَصحَابَهُ عِندَهُ. فَقَالَ جَعفَرٌ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَنَا هَاهُنَا وَأَمَرَنَا بِالإِقَامَةِ، فَأَقِيمُوا مَعَنَا، قال: فَأَقَمنَا مَعَهُ حَتَّى قَدِمنَا جَمِيعًا، قَالَ: فَوَافَقنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ افتَتَحَ خَيبَرَ، فَأَسهَمَ لَنَا - أَو قَالَ أَعطَانَا مِنهَا - وَمَا قَسَمَ لِأَحَدٍ غَابَ عَن فَتحِ خَيبَرَ مِنهَا شَيئًا إِلَّا لِمَن شَهِدَ مَعَهُ، إِلَّا لِأَصحَابِ سَفِينَتِنَا مَعَ جَعفَرٍ وَأَصحَابِهِ، قَسَمَ لَهُم مَعَهُم. قَال: فَكَانَ نَاسٌ مِن النَّاسِ يَقُولُونَ لَنَا - يَعنِي لِأَهلِ السَّفِينَةِ -: سَبَقنَاكُم بِالهِجرَةِ! قَالَ: فَدَخَلَت أَسمَاءُ بِنتُ عُمَيسٍ - وَهِيَ مِمَّن قَدِمَ مَعَنَا - عَلَى حَفصَةَ زَوجِ النَّبِيِّ - ﷺ - زَائِرَةً - وَقَد كَانَت هَاجَرَت إِلَى النَّجَاشِيِّ فِيمَن هَاجَرَ إِلَيهِ - فَدَخَلَ عُمَرُ عَلَى حَفصَةَ وَأَسمَاءُ عِندَهَا، فَقَالَ عُمَرُ حِينَ رَأَى أَسمَاءَ: مَن هَذِهِ؟ قَالَت أَسمَاءُ بِنتُ عُمَيسٍ: قَالَ عُمَرُ:\nــ\nتسمى: أمة الله. وقيل: أمامة، ثم خلف عليها بعده شداد بن الهادي الليثي، فولدت له: عبد الله وعبد الرحمن، ثم خلف عليها بعده جعفر، ثم كان الأمر كما ذكر.\nو(قول أبي موسى: إما قال: بضعة، وإما قال: ثلاثة وخمسين، أو اثنين وخمسين رجلًا؟) كذا صواب الرواية فيه بإثبات هاء التأنيث في بضعة، لأنَّه عدد مذكر، وبالنصب على الحال من: خرجنا المذكور، وإما: موطئة للشك، وما بعدها معطوف عليها مشكوك فيه، وقد وقع في بعض النسخ، إما قال: بضع - بإسقاط الهاء - وبالرفع مع نصب: وخمسين، وذلك لحن واضح، والأول الصواب.","vol":"6","page":459},{"text":"الحَبَشِيَّةُ هَذِهِ؟ البَحرِيَّةُ هَذِهِ؟ فَقَالَت أَسمَاءُ: نَعَم، فَقَالَ عُمَرُ: سَبَقنَاكُم بِالهِجرَةِ فَنَحنُ أَحَقُّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنكُم فَغَضِبَت، وَقَالَت: كَلِمَةً كَذَبتَ يَا عُمَرُ! كَلَّا وَاللَّهِ كُنتُم مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُطعِمُ جَائِعَكُم، وَيَعِظُ جَاهِلَكُم، وَكُنَّا فِي دَارِ - أَو فِي أَرضِ - البُعَدَاءِ البُغَضَاءِ فِي الحَبَشَةِ، وَذَلِكَ فِي اللَّهِ وَفِي رَسُولِهِ، وَايمُ اللَّهِ لَا أَطعَمُ طَعَامًا، وَلَا أَشرَبُ شَرَابًا حَتَّى أَذكُرَ مَا قُلتَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَنَحنُ كُنَّا نُؤذَى وَنُخَافُ، وَسَأَذكُرُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَسأَلُهُ، وَوَاللَّهِ! لَا أَكذِبُ وَلَا أَزِيغُ وَلَا أَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ.\nــ\nو(قول عمر: الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟) نسبها إلى الحبشة لمقامها فيهم، وللبحر لمجيئها فيه، وهو استفهامٌ قصد به المطايبة والمباسطة، فإنه كان قد علم من هي حين رآها.\nو(قول عمر: سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله ﷺ منكم)، صدر هذا القول من عمر - ﵁ - على جهة الفرح بنعمة الله، والتحدُّث بها، لما علم من عظيم أجر السَّابق للهجرة. ورفعه درجته على اللاحق، لا على جهة الفخر والترفع، فإنَّ عمر - ﵁ - منزه عن ذلك، ولما سمعت أسماء ذلك، غضبت غضب منافسة في الأجر وغيره على جهة السَّبق، فقالت: كذبت يا عمر! أي: أخطأت في ظنك، لا أنها نسبته إلى الكذب الذي يأثم قائله، وكثيرًا ما يطلق الكذب بمعنى الخطأ، كما قال عبادة بن الصامت - ﵁ -: كذب أبو محمد (١)، لما زعم أن الوتر واجب.\nو(قولها: كلا والله) أي: لا يكون ذلك، فهي نفيٌ لما قال، وزجر عنه، وهذا أصل كلا، وقد تأتي للاستفتاح بمعنى ألا. والبُعداء: جمع بعيد. والبغضاء: جمع بغيض، كظريف وظرفاء، وشريف وشرفاء.\n_________\n(١) هو مسعود بن زيد، واسمه: أبو محمد الأنصاري. انظر: أسد الغابة (٥/ ١٦١).","vol":"6","page":460},{"text":"قَالَ: فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَت: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّ عُمَرَ قَالَ: كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَيسَ بِأَحَقَّ بِي مِنكُم، لَهُ وَلِأَصحَابِهِ هِجرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَكُم أَنتُم أَهلَ السَّفِينَةِ هِجرَتَانِ، قَالَت: فَلَقَد رَأَيتُ أَبَا مُوسَى وَأَصحَابَ السَّفِينَةِ يَأتُونِي أَرسَالًا، يَسأَلُونِي عَن هَذَا الحَدِيثِ، مَا مِن الدُّنيَا شَيءٌ هُم بِهِ أَفرَحُ وَلَا أَعظَمُ فِي أَنفُسِهِم مِمَّا قَالَ لَهُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.\nرواه البخاريُّ (٤٢٣٠)، ومسلم (٢٥٠٢).\n* * *\nــ\nو(قوله ﷺ: ليس أحق بي منكم) يعني في الهجرة لا مطلقًا. وإلا فمرتبة عمر ﵁ وخصوصية صحبته للنبي ﷺ معروفة بدليل قوله ﷺ: له ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أهل السفينة هجرتان. وسبب ذلك أن عمر وأصحابه هاجروا من مكة إلى المدينة هجرة واحدة في طريق واحد، وهاجر جعفر وأصحابه إلى أرض الحبشة، وتركوا رسول الله ﷺ بمكة، ثم إنهم لما سمعوا بهجرة رسول الله ﷺ إلى المدينة ابتدؤوا هجرة أخرى إليه، فتكرر الأجر بحسب تكرار العمل والمشقة في ذلك.\nو(قولها: يأتوني أرسالًا)، أي: متتابعين جماعة بعد جماعة، وواحد الأرسال: رسل، كأحمال جمع حمل. يقال: جاءت الخيل أرسالًا، أي: قطعة قطعة، ففيه قبول أخبار الآحاد، وإن كان خبر امرأة، وفيما ليس طريقا للعمل، والاكتفاء بخبر الواحد المفيد لغلبة الظن مع التمكن من الوصول إلى اليقين، فإنَّ الصحابة ﵃ اكتفوا بخبرها، ولم يراجعوا رسول الله ﷺ عن شيء من ذلك، وخبرها يفيد ظن صدقها، لا العلم بصدقها، فافهم هذا.\nو(قولها: ما من الدنيا شيءٌ هُم أفرح به، ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم رسول الله ﷺ) تعني: ما من الدنيا شيء يحصل به ثواب عند الله تعالى هو في","vol":"6","page":461},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-904>(٦٩) باب فضائل سلمان وصهيب - ﵄ </span>-\n[٢٤١١] عَن عَائِذِ بنِ عَمرٍو أَنَّ أَبَا سُفيَانَ أَتَى عَلَى سَلمَانَ،\nــ\nنفوسهم أعظم قدرًا، ولا أكثر أجرًا، مما تضمنَّه هذا القول، لأنَّ أصل أفعل أن تضاف إلى جنسها، وأعراض الدنيا ليست من جنس ثواب الآخرة، فتعين ذلك التأويل، والله تعالى أعلم.\n(٦٩) ومن باب: فضائل سلمان وصهيب - ﵄ -\nأما سلمان، فيكنى: أبا عبد الله، وكان ينتسب إلى الإسلام، فيقول: أنا سلمان ابن الإسلام، ويُعَدُّ من موالي رسول الله ﷺ، لأنَّه أعانه بما كوتب عليه، فكان سبب عتقه، وكان يُعرف بسلمان الخير، وقد نسبه النبي ﷺ إلى أهل بيته، فقال: سلمان منا أهل البيت (١). وأصله فارسي من رام هرمز، من قرية يقال لها: جَي (٢). ويقال: بل من أصبهان، وكان أبوه مجوسيًّا من قوم مجوس، فنبهه الله لقبح ما كان عليه أبوه وقومه، وجعل في قلبه التشوُّف إلى طلب الحق، فهرب بنفسه، وفرَّ من أرضه إلى أن وصل إلى الشام، فلم يزل يجول في البلدان، ويختبر الأديان، ويستكشف الأحبار والرُّهبان، إلى أن دُلَّ على راهب الوجود، فوصل إلى المقصود، وذلك بعد مكابدة عظيم المشقات، والصبر على مكاره الحالات، من: الرق، والإذلال، والأسر، والأغلال، كما هو منقول في إسلامه في كتب السِّير وغيرها.\n_________\n(١) رواه الحاكم (٣/ ٥٩٨)، والطبراني في الكبير (٦/ ٢٦١). وانظر: مجمع الزوائد (٦/ ١٣٠).\n(٢) جاء في حاشية أسد الغابة (٢/ ٤١٧): جَيّ: اسم مدينة أصبهان القديم.","vol":"6","page":462},{"text":"وَصُهَيبٍ وَبِلَالٍ فِي نَفَرٍ، فَقَالُوا: مَا أَخَذَت سُيُوفُ اللَّهِ مِن عُنُقِ عَدُوِّ اللَّهِ\nــ\nوروى أبو عثمان النَّهدي عن سلمان أنه قال: تداوله في ذلك بضة عشر ربًّا، من ربٍّ إلى ربٍّ حتى أفضى إلى النبي ﷺ.\nقال غيره: فاشتراه رسول الله ﷺ للعتق من قوم من اليهود بكذا وكذا درهمًا، وعلى أن يغرس لهم كذا وكذا من النخل، يعمل فيها سلمان حتى تدرك، فغرس رسول الله ﷺ النخل كلها بيده، فأطعمت النخل من عامها.\nوأوَّل مشاهده مع رسول الله ﷺ الخندق، ولم يَفُته بعد ذلك مشهد معه. وقد قيل: إنه شهد بدرًا وأحدًا، والأوَّل أعرف. وكان خيِّرًا فاضلًا حَبرًا عالِمًا زاهدًا متقشفًا. روي عن الحسن أنه قال: كان عطاء سلمان خمسة آلاف، وكان إذا خرج عطاؤه تصدق به، ويأكل من عمل يده، وكانت له عباءة يفترش بعضها ويلبس بعضها.\nوذكر ابن وهب، وابن نافع عن مالك قال: كان سلمان يعمل الخوص بيده فيعيش منه، ولا يقبل من أحد شيئًا، قال: ولم يكن له بيت، إنما كان يستظل بالجدر والشجر، وإن رجلًا قال له: ألا أبني لك بيتًا تسكن فيه؟ فقال: ما لي به حاجة، فما زال به الرجل حتى قال له: إني أعرف البيت الذي يوافقك، قال: فصفه لي. فقال: أبني لك بيتًا إذا أنت قمت فيه أصاب رأسك سقفه، وإذا أنت مددت رجليك أصابك الجدار. قال: نعم، فبني له.\nوروي عن النبي ﷺ أنه قال: لو كان الدين في الثريا لناله سلمان (١). وفي رواية: رجال من الفرس (٢). وقالت عائشة ﵂: كان لسلمان\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٤١٧)، والبخاري (٤٨٩٨)، ومسلم (٢٥٤٦) (٢٣١)، والترمذي (٣٣١٠).\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٢٩٦ - ٢٩٧).","vol":"6","page":463},{"text":"مَأخَذَهَا. قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكرٍ: تَقُولُونَ هَذَا لِشَيخِ قُرَيشٍ وَسَيِّدِهِم؟ فَأَتَى\nــ\nمجلسٌ من رسول الله ﷺ ينفردُ به بالليل حتى كاد يغلبنا على رسول الله ﷺ. وقال ﷺ: إن الله أمرني أن أحب أربعة، وأخبرني أنه يحبهم: علي، وأبو ذر، والمقداد، وسلمان (١). وقال أبو هريرة: سلمانُ صاحب الكتابين، وقال عليٌّ: سلمان عَلِمَ العلمَ الأول والآخر، بحر لا ينزف، هو منَّا أهل البيت. وقال عليٌّ ﵁ أيضًا: سلمان الفارسي مثل لقمان الحكيم. وله أخبار حِسان، وفضائلُ جَمَّة. توفي سلمان ﵁ في آخر خلافة عثمان ﵁ سنة خمس وثلاثين، وقيل: مات بل سَنةَ ستٍّ في أولها، وقد قيل: توفي في خلافة عمر، والأوَّلُ أكثر. قال الشعبيُّ: توفي بالمدائن، وكان من المعمرين، أدرك وصيَّ (٢) عيسى ابن مريم، وعاش مائتين وخمسين سنة، وقيل: ثلاثمائة وخمسين سنة. قال أبو الفرج: والأول أصح، وجملةُ ما حُفِظ له عن رسول الله ﷺ ستون حديثًا، أخرج له منها في الصحيحين سبعة.\nوأما صُهيب، فهو ابنُ سنان بن خالد بن ع د عمرو - من العرب - بن النمر بن ساقط، كان أبوه عاملًا لكسرى على الأُبُلَّة، وكانت منازلُهم بأرض الموصل في قرية على شطِّ الفرات، مما يلي الجزيرة والموصل، فأغارت الروم على تلك الناحية فسبت صُهيبًا، وهو غلام صغير، فنشأ صهيب بالروم، فصار ألكن، فابتاعته منه كلب، ثم قدمت به مكة، فاشتراه عبد الله بن جُدعان، فأعتقه، فأقام بمكة حتى هلك ابن جُدعان، وبُعِث النبي ﷺ وأسلم هو وعمار بن ياسر في يوم واحدٍ بعد بضعة وثلاثين رجلًا، فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة لحقه صُهيب، فقالت له قريش حين خرج يريدُ الهجرة: أتفجعنا بنفسك ومالك؟ فدلَّهم على ماله، فتركوه، فلما رآه النبيُّ ﷺ قال له: ربح البيعُ أبا يحيى. فأنزل الله ﷿ في أمره:\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٧١٨)، وابن ماجه (١٤٩).\n(٢) انظر: قصة إسلام سلمان في أسد الغابة لابن الأثير (٢/ ٤١٧).","vol":"6","page":464},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشرِي نَفسَهُ ابتِغَاءَ مَرضَاتِ اللَّهِ﴾ الآية (١).\nوروي عنه أنه قال: صحبتُ النبي ﷺ قبل أن يُوحى إليه.\nورُوي عن النبي ﷺ أنه قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآَخر فليحبَّ صهيبًا حُبَّ الوالدة ولدَها (٢).\nوقال ﷺ: صهيب سابقُ الروم، وسلمان سابقُ فارس، وبلال سابقُ الحبشة (٣). وإنما نسبه النبيُّ ﷺ للروم لما ذكر أنه نشأ فيهم صغيرًا، وتلقَّف لسانهم.\nوقد تقدَّم ذِكرُ نسبه.\nوقال له عمر: ما لك يا صهيب تُكنى أبا يحيى، وليس لك ولد، وتزعم أنك من العرب، وتطعم الطعام الكثير، وذلك سرف؟ فقال: إن رسولَ الله ﷺ كنَّاني بأبي يحيى، وإني من النمر بن قاسط من أنفسهم، ولكني سُبيت صغيرًا أعقل أهلي وقومي، ولو انفلقت عني روثة لانتميتُ إليها، وأما إطعام الطعام؟ فإن رسولَ الله ﷺ قال: خيارُكم مَن أطعم الطعام، وردَّ (٤) السلام (٥).\nتوفي صهيب بالمدينة سنة ثمانٍ وثلاثين في شوّالها، وقيل: سنة تسع، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، ودُفِن بالبقيع.\n_________\n(١) رواه الحاكم (٣/ ٣٩٨)، وابن حبان (٧٠٨٢). وانظر: جامع الأصول (٢/ ٣٧).\n(٢) رواه ابن عدي في (الكامل في الضعفاء ٧/ ٢٦٢٦).\n(٣) رواه ابن أبي شيبة (١٢/ ١٤٨ و١٥٢)، وعبد الرزاق في مصنفه (١١/ ٢٤٢). وانظر: مجمع الزوائد (٩/ ٣٠٥).\n(٤) في (ز): أفشى.\n(٥) رواه أبو نعيم في الحلية (١/ ١٥٣)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (٣٩٢)، وأبو الشيخ كما في الترغيب والترهيب للمنذري (١٣٨١).","vol":"6","page":465},{"text":"النَّبِيَّ ﷺ فَأَخبَرَهُ. فَقَالَ: يَا أَبَا بَكرٍ لَعَلَّكَ أَغضَبتَهُم، لَئِن كُنتَ أَغضَبتَهُم لَقَد أَغضَبتَ رَبَّكَ. فَأَتَاهُم فَقَالَ: يَا إِخوَتَاه أَغضَبتُكُم؟ قَالُوا: لَا، يَغفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَخِي.\nرواه مسلم (٢٥٠٤).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-905>(٧٠) باب فضائل الأنصار - ﵃ </span>-\n[٢٤١٢] عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ، قَالَ: فِينَا نَزَلَت: ﴿إِذ هَمَّت طَائِفَتَانِ مِنكُم أَن تَفشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ بَنُو سَلِمَةَ وَبَنُو حَارِثَةَ،\nــ\nو(قوله - ﷺ - لأبي بكر ﵁: لئن كنتَ أغضبتهم لقد أغضبتَ ربَّك، يدلُّ على رفعة منازل هؤلاء المذكورين عند الله تعالى، ويُستفاد منه احترامُ الصالحين، واتِّقاءُ ما يغضبهم، أو يُؤذيهم.\n(٧٠) ومن باب: فضائل الأنصار - ﵃ -\n(قوله تعالى: ﴿إِذ هَمَّت طَائِفَتَانِ مِنكُم أَن تَفشَلا﴾ يعني بذلك: يوم أحُدٍ، وذلك: أنه لمَّا خرج النبي ﷺ للقاء المشركين رجع عنه عبد الله بن أبي بجمع كثيرٍ فشلًا عن الحرب ونكولًا، وإسلامًا للنبي ﷺ وأصحابه للعدو، وهمَّت بنو سلمة، وبنو حارثة بالرُّجوع، فحماهم اللهُ تعالى من ذلك، مما يضرُّهم من قبل ذلك، وعظيم إثمه، فلحقوا بالنبي ﷺ وبالمسلمين إلى أن شاهدوا الحرب، وكان من أمر أحُد ما قد ذكر.","vol":"6","page":466},{"text":"وَمَا نُحِبُّ أَنَّهَا لَم تَنزِل لِقَولِ اللَّهِ: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾\nرواه البخاريُّ (٤٥٥٨)، ومسلم (٢٥٠٥).\nــ\nو(قول جابر: ما نحب ألا تنزل) إنما قال ذلك لما في آخرها من تولي الله تعالى لتينك الطَّائفتين مِن لُطفه بهما، وعصمته إياهما، مما حل بعبد الله بن أبي من الإثم، والعار، والذَم، وذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ أي: متولي حِفظهما وناصرهما.\nو(قوله: فقام متمثلًا (١» يروى هكذا هنا، ويروى أيضًا مُمثلًا، وفيهما بُعد، لأن مثل: معناه: صور مثاله، وتمثل هو في نفسه، أي: تصوَّر، وكلاهما ليس له معنى هنا، وإنما الذي يُناسب هذا أن يكون ماثلًا. يقال: مثل بين يديه قائمًا، أي: انتصب قائمًا، فيعني به أنه قام منتصبَ القامة فعل المتبشبش بمن لقيه. وقد رواه البخاري فقال: فكان متمثلًا (١)، ممتنا من الامتنان، وهو وإن كان فيه بُعدٌ أنسب مما رواه مسلم، والله تعالى أعلم (٢).\nو(قوله - ﷺ -: الأنصار كَرِشي وعيبتي) أي: جماعتي التي أنضمُّ إليها، وخاصتي التي أفضي بأسراري إليها. والكَرِش: لما يجترُ كالمعدة للإنسان، والحوصلة للطائر، والكرش مؤنثة، وفيها لغتان: كَرِش - بفتح الكاف، وكسر الراء -. وكِرش - بكسر الكاف وسكون الراء -: مثل: كَبِد وكِبد، وكرشُ الرجل:\n_________\n(١) في (ز): ممتثلًا.\n(٢) ورد في التلخيص الحديث الذي يرويه أنس -﵁- وفيه: جاءت امرأةٌ من الأنصار إلى رسول الله - ﷺ - فخلا بها رسولُ اللُّه - ﷺ -. . . الخ الحديث. إلا أن الشيخ القرطبي -﵀- لم يشرحْ في \"المفهم\" هذا الحديث، ولعله لم يجد فيه إشكالًا.\nونثبت -هنا- ما جاء في شرح النووي على صحيح مسلم من إيضاح لمعنى الخلو بها.\nقال: هذه المرأة إما محرمٌ له كأمِّ سليم وأختها، وإمَّا المراد بالخلوة: أنها ساله سؤالًا خفيًا بحضرة أناس، ولم تكن خلوة مطلقة، وهي الخلوة المنهي عنها.","vol":"6","page":467},{"text":"[٢٤١٣] وعَن زَيدِ بنِ أَرقَمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُمَّ اغفِر لِلأَنصَارِ وَلِأَبنَاءِ الأَنصَارِ وَأَبنَاءِ أَبنَاءِ الأَنصَارِ.\nرواه أحمد (٤/ ٣٦٩)، والبخاريُّ (٤٩٠٦)، ومسلم (٢٥٠٦)، والترمذيُّ (٣٩٠٢).\n[٢٤١٤] وعن أنس: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ استَغفَرَ لِلأَنصَارِ قَالَ: - وَأَحسِبُهُ قَالَ -: وَلِذَرَارِيِّ الأَنصَارِ وَلِمَوَالِي الأَنصَارِ لَا أَشُكُّ فِيهِ.\nرواه مسلم (٢٥٠٧).\n[٢٤١٥] وعنه أنه قال: إن النَّبِيَّ ﷺ رَأَى صِبيَانًا وَنِسَاءً مُقبِلِينَ مِن عُرسٍ، فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ مُتمثِلًا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنتُم مِن أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، اللَّهُمَّ أَنتُم مِن أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ - يَعنِي الأَنصَارَ -.\nرواه أحمد (٣/ ١٧٥ - ١٧٦)، والبخاريُّ (٣٧٨٥)، ومسلم (٢٥٠٨).\n[٢٤١٦] وعنه قال: جَاءَت امرَأَةٌ مِن الأَنصَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَخَلَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقَالَ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، إِنَّكُم لَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ - ثَلَاثَ مرات.\nرواه البخاريُّ (٣٧٨٦)، ومسلم (٢٥٠٩).\nــ\nعيالُه وصغارُ ولده، والكرش: الجماعة، وهي المعنيةُ بالحديث. وأصلُ العيبة: ما تُجعل فيه الثياب الرفيعة، والجمع عِيَب، كَبَدرَةِ وبِدَر، وتُجمع أيضًا: عِيابًا وعَيبات.\nو(قوله: اللهم اغفر للأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار) ظاهره","vol":"6","page":468},{"text":"[٢٤١٧] وعنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ الأَنصَارَ كَرِشِي وَعَيبَتِي، وَإِنَّ النَّاسَ سَيَكثُرُونَ وَيَقِلُّونَ فَاقبَلُوا مِن مُحسِنِهِم، وَاعفُوا عَن مُسِيئِهِم.\nرواه أحمد (٣/ ١٧٦)، والبخاري (٣٨٠١)، ومسلم (٢٥١٠)، والترمذيُّ (٣٩٠٧)، والنسائي في الكبرى (٨٣٢٥).\n[٢٤١٨] وعنه قَالَ: خَرَجتُ مَعَ جَرِيرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ البَجَلِيِّ فِي سَفَرٍ، فَكَانَ يَخدُمُنِي فَقُلتُ لَهُ: لَا تَفعَل. فَقَالَ: إِنِّي قَد رَأَيتُ الأَنصَارَ تَصنَعُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيئًا آلَيتُ أَن لَا أَصحَبَ أَحَدًا مِنهُم إِلَّا خَدَمتُهُ - وَكَانَ جَرِيرٌ أَسن مِن أَنَسٍ -.\nرواه البخاريُّ (٢٨٨٨)، ومسلم (٢٥١٣).\n* * *\nــ\nالانتهاءُ بالاستغفار إلى البطن الثالث، فيمكن أن يكون ذلك، لأنهم من القرون التي قال فيها النبي ﷺ: خيرُ أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم (١)، ويمكن أن تشملَ بركةُ هذا الاستغفار المؤمنين من نسل الأنصار إلى يوم القيامة مبالغة في إكرام الأنصار، لا سيما إذا كانت نية الأولاد فعل مثال ما سبق إليه الأجداد، ويُؤيد ذلك قوله في الرواية الأخرى: ولذراري الأنصار.\n* * *\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ٤٢٧ و٤٣٦)، والبخاري (٢٦٥١)، ومسلم (٢٥٣٥) (٢١٤)، وأبو داود (٤٦٥٧)، والترمذي (٢٢٢٢)، والنسائي (٧/ ١٧ - ١٨).","vol":"6","page":469},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-906>(٧١) باب خير دور الأنصار - ﵃ </span>-\n[٢٤١٩] عَن أَبِي أُسَيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: خَيرُ دُورِ الأَنصَارِ بَنُو النَّجَّارِ، ثُمَّ بَنُو عَبدِ الأَشهَلِ، ثُمَّ بَنُو الحَارِثِ بنِ الخَزرَجِ، ثُمَّ بَنُو سَاعِدَةَ، وَفِي كُلِّ دُورِ الأَنصَارِ خَيرٌ. فَقَالَ سَعدٌ: مَا أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَّا قَد فَضَّلَ عَلَينَا. فَقِيلَ: قَد فَضَّلَكُم عَلَى كَثِيرٍ.\nقال أبو أسيد: لو كنت مؤثرا بها أحدا لآثرت بها عشيرتي.\nرواه أحمد (٣/ ٤٩٦)، والبخاريُّ (٣٧٨٩)، ومسلم (٢٥١١) (١٧٧ و١٧٨)، والترمذي (٣٩٠٧).\nــ\n(٧١ و٧٢) ومن باب: خير دور الأنصار - ﵃ (١) -\n(قوله - ﷺ -: خير دُور الأنصار: دور بني النجار) أصلُ الدار: المنزل الذي يُقام فيه، ويُجمع في القلة: أدور، بواو مضمومة، وقد أبدلوا من الضمة همزة استثقالًا للضمَّة على الواو، ويُجمع في الكثرة على ديار ودور، والدار مؤنثة، ثم قد يُعبَّر بالدار عن ساكنها كما جاء في هذا الحديث، فإنه أراد بالدِّيار: القبائل. وخير: يعني أخير، أي: أكثر خيرًا، وتفضيل بعض هذه القبائل على بعض إنما هو بحسب سبقهم للإسلام، وأفعالهم فيه. وتفضيلُهم خبر من الشارع عما لهم عند الله تعالى من المنازل والمراتب، فلا يُقدَّمُ من أخر، ولا يؤخر من قدَّم. وقد اختلفت الرواياتُ في بني النَّجار، وبني عبد الأشهل، ففي رواية أبي أسيد: تقديم بني النجار على بني عبد الأشهل، ومَن بعدهم، وفي رواية أبي هريرة: تقديم بني\n_________\n(١) شرح المؤلف -﵀- تحت هذا العنوان: هذا الباب والذي يليه في التلخيص بعنوان: باب: دعاء النبي - ﷺ - لغفار وأسلم.","vol":"6","page":470},{"text":"[٢٤٢٠] وعن أبي هريرة قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ فِي مَجلِسٍ عَظِيمٍ مِن المُسلِمِينَ: أُحَدِّثُكُم بِخَيرِ دُورِ الأَنصَارِ؟ قَالُوا: نَعَم يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَنُو عَبدِ الأَشهَلِ قَالُوا: ثُمَّ مَن يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ثُمَّ بَنُو النَّجَّارِ. قَالُوا: ثُمَّ مَن يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ثُمَّ بَنُو الحَارِثِ بنِ الخَزرَجِ قَالُوا: ثُمَّ مَن يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ثُمَّ بَنُو سَاعِدَةَ. قَالُوا: ثُمَّ مَن يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ثُمَّ فِي كُلِّ دُورِ الأَنصَارِ خَيرٌ، فَقَامَ سَعدُ بنُ عُبَادَةَ مُغضَبًا، فَقَالَ: أَنَحنُ آخِرُ الأَربَعِ؟ حِينَ سَمَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَارَهُم. فَأَرَادَ كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ رِجَالٌ مِن قَومِهِ: اجلِس. أَلَا تَرضَى أَن سَمَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَارَكُم فِي الأَربَعِ الدُّورِ الَّتِي سَمَّى؟ فَمَن تَرَكَ فَلَم يُسَمِّ أَكثَرُ مِمَّن سَمَّى، فَانتَهَى سَعدُ بنُ عُبَادَةَ عَن كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nرواه مسلم (٢٥١٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-907>(٧٢) باب دعاء النبي ﷺ لغفار وأسلم</span>\n[٢٤٢١] عَن أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ائتِ قَومَكَ فَقُل: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَسلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ، وَغِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا.\nرواه أحمد (٥/ ١٧٤)، ومسلم (٢٥١٤) (١٨٣).\nــ\nعبد الأشهل على بني النجار ومَن بَعدَهم، وهذا تعارضٌ مُشكِل، غير أن الأولى رواية أبي أسَيد لقرابة بني النجار من رسول الله ﷺ دون غيرهم، فإنهم أخوالُه، كما قدَّمنا، ولاختصاص نزول رسول الله ﷺ بهم، وكونه عندهم، وهذه مزيَّة","vol":"6","page":471},{"text":"[٢٤٢٢] زاد من حديث أبي هريرة: أما إني لم أقلها، ولكن قالها الله.\nرواه أحمد (٢/ ٢٠)، والبخاريُّ (٣٥١٤)، ومسلم (٢٥١٦).\n[٢٤٢٣] وعَن خُفَافِ بنِ إِيمَاءٍ الغِفَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُمَّ العَن بَنِي لِحيَانَ وَرِعلًا وَذَكوَانَ، وَعُصَيَّةَ عَصَوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ. غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، وَأَسلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ.\nرواه مسلم (٢٥١٧).\n[٢٤٢٤] ونحوه، عن ابن عمر.\nرواه أحمد (٢/ ١٣٠)، والبخاريُّ (٣٥١٣)، ومسلم (٢٥١٨)، والترمذيُّ (٣٩٤١).\nــ\nلا يلحقهم أحدٌ فيها. وغَضَبَ سعدِ بن عبادة لما ذُكرت دارُه آخر الديار بادرةٌ أصدرها عنه منافستُه في الخير، وحرصُه على تحصيل الثواب والأجر، فلما نُبه على ما ينبغي له سلَّم السَّبق لأهله، وشكر الله تعالى على ما آتاه مِن فضله.\nوقد تقدم القولُ في: أسلَم، وغِفَار، وبني لِحيَان، ورِعل، وذَكوان، وعُصية - قبائل من هُذَيل - وهم الذين قتلوا أصحابَ الرَّجيع عاصمًا وأصحابه، وقد تقدم حديثُهم.\n* * *","vol":"6","page":472},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-908>(٧٣) باب فضل مزينة وجهينة وأشجع وبني عبد الله</span>\n[٢٤٢٥] عَن أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الأَنصَارُ\nــ\n(٧٣ و٧٤ و٧٥) ومن باب: فضائل مزينة، وجهينة، وأشجع وبني عبد الله (١)\nهؤلاء القبائل، وأسلم، وغفار، ومَن كان نحوهم، كانوا بالجاهلية خاملين، لم يكونوا من ساداتِ العرب، ولا مِن رؤسائها كما كانت بنو تميم، وبنو عامر، [وبنو أسدٍ، وغطفان، ألا ترى قول الأقرع بن حابس للنبي ﷺ: إنما بايعك سُرَّاق الحجيج من أسلم، وغفار، ومزينة] (٢) وجهينة، لكن هؤلاء القبائل سبقوا للإسلام، وحَسُن بلاؤهم فيه، فشرَّفهم اللهُ تعالى به، وفضَّلهم على مَن ليس بمؤمن من سادات العرب بالإسلام، وعلى من تأخر إسلامُه بالسَّبق، كما شرَّف بلالًا، وعمارًا، وصُهيبًا، وسلمان على صناديد قريش، وعلى أبي سفيان ومعاوية وغيرهم من المؤلفة قلوبُهم كما تقدَّم، فأعز اللهُ بالإسلام الأذلاء، وأذلَّ به الأعزاءَ بحكمته الإلهية، وقسمته الأزلية ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلكِ تُؤتِي المُلكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ المُلكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الخَيرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ وعلى هذا فقولُه ﷺ: مزينة، وجهينة، وغفار، وأشجع، ومن كان من بني عبد الله مواليَّ دون الناس جَبرٌ لهم من كَسرهم، وتنويه بهم من خمولهم، وتفخيم لأمر الإسلام وأهلِه، وتحقير لأهل الشرك، ولمن دخل في الإسلام ولم يُخلِص فيه، كالأقرع بن حابس، وغيره ممن كان على مثل حاله، وهذا التَفضيلُ،\n_________\n(١) شرح الشيخ القرطبي -﵀- تحت هذا العنوان: هذا الباب، والبابين التاليين بعده، وهما: باب: ما ذكر في طيء ودوس، وباب: ما ذكر في بني تميم.\n(٢) ما بين حاصرتين سقط من (ع).","vol":"6","page":473},{"text":"وَمُزَينَةُ وَجُهَينَةُ وَغِفَارُ وَأَشجَعُ، وَمَن كَانَ مِن بَنِي عَبدِ اللَّهِ مَوَالِيَّ دُونَ النَّاسِ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ مَولَاهُم.\nرواه مسلم (٢٥١٩)، والترمذي (٣٩٤٠).\n[٢٤٢٦] ومن حديث أبي هريرة: قريش والأنصار. وذكر نحوه، غير أنه لم يذكر بني عبد الله.\nرواه البخاري (٣٥٠٤)، ومسلم (٢٥٢٠)، والترمذي (٣٩٤٥).\n[٢٤٢٧] وعن أبي هُرَيرَةَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَالَّذِي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَغِفَارُ وَأَسلَمُ وَمُزَينَةُ، وَمَن كَانَ مِن جُهَينَةَ - أَو قَالَ جُهَينَةُ - وَمَن كَانَ مِن مُزَينَةَ خَيرٌ عِندَ اللَّهِ يَومَ القِيَامَةِ مِن أَسَدٍ وَطَيِّئٍ وَغَطَفَانَ.\nــ\nوالتنويه إنما ورد جوابًا لمن احتقر هذه القبائل بعد إسلامها، وتمسك بفخر الجاهلية وطغيانها، فحيث ورد تفضيل هذه القبائل مطلقًا فإنَّه محمول على أنهم أفضل من هذه القبائل المذكورين معهم، في محاورة الأقرع، وهو آخر حديث ذكرناه، فإنَّه مفسَّر لما تقدَّم، ومقيَّد له.\nو(قوله: موالي دون الناس) يعني: أنا الذي أنصرهم، وأتولى أمورهم كلها، فلا ينبغي لهم أن يلجؤوا بشيء من أمورهم إلى أحد غيري من الناس، وهذا كما قال ﷺ في الحديث الآخر: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالًا فلورثته، ومن ترك دينًا أو ضياعًا فعلي وإليَّ (١).\nو(قوله: والله ورسوله مولاهم) كذا الرواية بتوحيد مولاهم، وهذا نحو\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٣١٠)، ومسلم (٨٦٧) (٤٤ و٤٥)، والنسائي (٣/ ١٨٨)، وابن ماجه (٤٥).","vol":"6","page":474},{"text":"وفي رواية: من أسد وغطفان وهوازن وتميم\nرواه البخاريُّ (٣٥٢٣)، ومسلم (٢٥٢١) (١٩١ و١٩٢).\n[٢٤٢٨] وعن أبي بكرة: أَنَّ الأَقرَعَ بنَ حَابِسٍ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّمَا بَايَعَكَ سُرَّاقُ الحَجِيجِ مِن أَسلَمَ وَغِفَارَ وَمُزَينَةَ، وَجُهَينَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَرَأَيتَ إِن كَانَ أَسلَمُ وَغِفَارُ وَمُزَينَةُ، وَجُهَينَةُ خَيرًا مِن بَنِي تَمِيمٍ وَبَنِي عَامِرٍ وَأَسَدٍ وَغَطَفَانَ أَخَابُوا وَخَسِرُوا؟ فَقَالَ: نَعَم. فقَالَ: فَوَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، إِنَّهُم لَأَخيَرُ مِنهُم.\nوفي رواية: ومد بها صوته.\nرواه أحمد (٥/ ٤٨)، والبخاري (٣٥١٦)، ومسلم (٢٥٢٢) (١٩٣)، والترمذي (٣٩٥٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-909>(٧٤) باب ما ذكر في طيئ ودوس</span>\n[٢٤٢٩] عَن عَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ قَالَ: أَتَيتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ فَقَالَ\nــ\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرضُوهُ﴾ فوحَّد الضمير، لأنه عائد على الله، ورفع رسوله بالابتداء، وخبره مضمر تقديره: والله أحق أن يرضوه، ورسوله كذلك وعلى هذا: فتقدير الحديث: والله مولاهم، ورسوله كذلك.\nو(قوله: أرأيت إن كان أسلم، ومن ذكر معها خير من بني تميم، ومن ذكر معها، أخابوا وخسروا؟ قال: نعم) هذا يدل على أنه أراد: كفار هذه القبائل لا مسلميها، لأن الخيبة والخسران المطلق لا يكون إلا لأهل الكفر،","vol":"6","page":475},{"text":"لِي: إِنَّ أَوَّلَ صَدَقَةٍ بَيَّضَت وَجهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَوُجُوهَ أَصحَابِهِ صَدَقَةُ طَيِّئٍ، جِئتَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nرواه أحمد (١/ ٤٥)، ومسلم (٢٥٢٣).\n[٢٤٣٠] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَدِمَ الطُّفَيلُ وَأَصحَابُهُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ دَوسًا قَد كَفَرَت وَأَبَت فَادعُ اللَّهَ عَلَيهَا، فَقِيلَ: هَلَكَت دَوسٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اهدِ دَوسًا وَائتِ بِهِم.\nرواه أحمد (٢/ ٢٤٣)، والبخاريُّ (٤٣٩٢)، ومسلم (٢٥٢٤).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-910>(٧٥) باب ما ذكر في بني تميم</span>\n[٢٤٣١] عن أبي هُرَيرَةَ أنه قال: لَا أَزَالُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ مِن ثَلَاثٍ.\nوفي رواية: بعد ثلاث سَمِعتُهُنَّ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَمِعتُه يَقُولُ: هُم أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى الدَّجَّالِ، قَالَ: وَجَاءَت صَدَقَاتُهُم، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: هَذِهِ\nــ\nويدل عليه: مدح المسلمين من بني تميم في الحديث الآتي بعد هذا، والله تعالى أعلم.\nو(قوله - ﷺ - في بني تميم: هم أشد أمتي على الدجال) تصريح بأن بني تميم لا ينقطع نسلهم إلى يوم القيامة، وبأنهم يتمسكون في ذلك الوقت بالحق، ويقاتلون عليه، وفي الرواية الأخرى: هم أشد الناس قتالًا في الملاحم يعني: الملاحم التي تكون بين يدي الدجال، أو مع الدجال، والله تعالى أعلم.","vol":"6","page":476},{"text":"صَدَقَاتُ قَومِنَا، قَالَ: وَكَانَت سَبِيَّةٌ مِنهُم عِندَ عَائِشَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَعتِقِيهَا فَإِنَّهَا مِن وَلَدِ إِسمَاعِيلَ.\nوفي رواية: هم أشد الناس قتالا في الملاحم، ولم يذكر الدجال.\nرواه أحمد (٢/ ٣٩٠)، والبخاريُّ (٢٥٤٣)، ومسلم (٢٥٢٥).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-911>(٧٦) باب خيار الناس</span>\n(٢٥٢٦) [٢٤٣٢] عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ، فَخِيَارُهُم فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُم فِي الإِسلَامِ إِذَا فَقِهُوا،\nــ\n\n(٧٦ و٧٧) ومن باب: خيار الناس (١)\n(قوله - ﷺ -: تجدون الناس معادن) أي: كالمعادن، وهو مثل، وقد جاء في حديث آخر: الناس معادن كمعادن الذهب والفضة (٢). ووجه التمثيل: أن المعادن مشتملة على جواهر مختلفة، منها النفيس، والخسيس، وكل من المعادن يخرج ما في أصله، وكذلك الناس كل منهم يظهر عليه ما في أصله، فمن كان ذا شرف وفضل في الجاهلية فأسلم لم يزده الإسلام إلا شرفًا، فإنَّ تفقه في دين الله، فقد وصل إلى غاية الشرف، إذ قد اجتمعت له أسباب الشرف كلها، فيصدق عليه قوله: فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا. والمعادن: واحدها معدن - بكسر الدال -؛ لأنَّه موضع العدن، أي: الإقامة اللازمة، ومنه: جنات عدن، وسمي المعدن بذلك، لأنَّ الناس يقيمون فيه صيفًا وشتاءً. قاله الجوهري.\n_________\n(١) شرح المؤلف -﵀- تحت هذا العنوان: هذا الباب، والباب الذي يليه بعنوان: باب: ما ورد في نساء قريش.\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٥٣٩).","vol":"6","page":477},{"text":"وَتَجِدُونَ مِن خَيرِ النَّاسِ فِي هَذَا الأَمرِ أَكرَهُهُم لَهُ قَبلَ أَن يَقَعَ فِيهِ، وَتَجِدُونَ مِن شِرَارِ النَّاسِ ذَا الوَجهَينِ الَّذِي يَأتِي هَؤُلَاءِ بِوَجهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجهٍ.\nرواه أحمد (٢/ ٥٢٤)، والبخاريُّ (٣٤٩٣)، ومسلم (٢٥٢٦).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-912>(٧٧) باب ما ورد في نساء قريش</span>\n[٢٤٣٣] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: خَيرُ نِسَاءٍ رَكِبنَ الإِبِلَ صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيشٍ. وَفي رواية: نِسَاءُ قُرَيشٍ بغير صالح، أَحنَاهُ\nــ\nو(قوله ﷺ: وتجدون من خير الناس في هذا الأمر أكرههم له) هكذا الرواية: من خير الناس وهي لبيان جنس الخيرية، كأنه قال: تجدون أكره الناس في هذا الأمر من خيارهم، ويصح أن يقال على مذهب الكوفيين: إنها زائدة، فإنَّهم يجيزون زيادة من في الموجب، كما تقدَّم. ويعني بالأمر: الولايات، وإنَّما يكون من يكرهها من خير الناس، إذا كانت كراهته لها لعلة تعظيم حقوقها، وصعوبة العدل فيها، ولخوفه من مطالبة الله تعالى بالقيام بذلك كله، ولذلك قال فيها: نعمت المرضعة، وبئست الفاطمة (١)، وكفى بذلك ما تقدَّم من قوله ﷺ: ما من أمير عشيرة إلا يؤتى يوم القيامة مغلولًا، حتى يفكه العدل، أو يوبقه الجور (٢). وذكر ذي الوجهين مفسَّر في الحديث، وإنَّما كان ذو الوجهين شر الناس، لأنَّ حاله حال المنافقين، إذ هو متملق بالباطل والكذب، يدخل الفساد بين الناس، والشرور، والتقاطع، والعداوة، والبغضاء.\nو(قوله - ﷺ -: خير نساء ركبن الإبل: صالح نساء قريش) هذا تفضيل لنساء\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٤٤٨ و٤٧٦)، والبخاري (٧١٤٨).\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٤٣١ و٥/ ٢٨٥).","vol":"6","page":478},{"text":"عَلَى يَتِيمٍ - وفِي رواية: على ولد في صغره - وَأَرعَاهُ عَلَى زَوجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ.\nوفي أخرى: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ أُمَّ هَانِئٍ بِنتَ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَد كَبِرتُ وَلِي عِيَالٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: خَيرُ نِسَاءٍ رَكِبنَ الإبل ... ثُمَّ ذَكَرَ نحوه.\nرواه أحمد (٢/ ٢٦٩)، ومسلم (٢٥٢٧) (٢٠٠ و٢٠١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-913>(٧٨) باب في المؤاخاة التي كانت بين المهاجرين والأنصار</span>.\n[٢٤٣٤] عَن أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ آخَى بَينَ أَبِي عُبَيدَةَ بنِ الجَرَّاحِ، وَبَينَ أَبِي طَلحَةَ.\nرواه مسلم (٢٥٢٨).\nــ\nقريش على نساء العرب خاصة، لأنَّهم أصحاب الإبل غالبًا، وقد جاء في الرواية الأخرى: خير نساء ركبن الإبل نساء قريش ولم يذكر: (صالح). وهو مراد حيث سكت عنه، ويحمل مطلق إحدى الروايتين على مقيد الأخرى، وهو مما اتفق عليه من أقسام حمل المطلق على المقيد كما حققناه في الأصول. ويعني بالصلاح هنا: صلاح الدين، وصلاح المخالطة للزوج وغيره، كما دل عليه قوله ﷺ: أحناه على يتيم وولد، وأرعاه على زوج، والحنو: الشفقة. والرعي: الحفظ والصيانة. والله أعلم.\n(٧٨) ومن باب: المؤاخاة التي كانت بين المهاجرين والأنصار\n(قوله: آخى رسول الله ﷺ بين أبي عبيدة بن الجراح، وبين أبي طلحة ﵄) المؤاخاة: مفاعلة من الأخوة، ومعناها: أن يتعاقد الرجلان","vol":"6","page":479},{"text":"[٢٤٣٥] وعن عَاصِمٌ الأَحوَلُ قَالَ: قِيلَ لِأَنَسِ بنِ مَالِكٍ: بَلَغَكَ أَنَّ\nــ\nعلى التناصر والمواساة، والتوارث حتى يصيرًا كالأخوين نسبًا، وقد يسمى ذلك: حلفًا، كما قال أنس ﵁: قد حالف رسول الله ﷺ بين قريش والأنصار في داره بالمدينة، وكان ذلك أمرًا معروفًا في الجاهلية، معمولًا به عندهم، ولم يكونوا يسمُّونه إلا حلفًا، ولما جاء الإسلام عمل النبي ﷺ به، وورث به على ما حكاه أهل السير، وذلك أنهم قالوا: إن رسول الله ﷺ آخى بين أصحابه مرتين: بمكة قبل الهجرة، وبعد الهجرة. قال أبو عمر: والصحيح عند أهل السير والعلم بالآثار والخبر في المؤاخاة التي عقدها رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار حين قدومه إلى المدينة بعد بنائه المسجد على المواساة والحق، فكانوا يتوارثون بذلك دون القرابات، حتى نزلت: ﴿وَأُولُو الأَرحَامِ بَعضُهُم أَولَى بِبَعضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ فآخى رسول الله ﷺ بين علي بن أبي طالب ونفسه، فقال له: أنت أخي وصاحبي (١)، وفي رواية أنت أخي في الدنيا والآخرة (٢). وكان علي ﵁ يقول: أنا عبد الله، وأخو رسوله، لم يقلها أحدٌ قبلي، ولا يقولها أحدٌ بعدي إلا كذاب مفتر.\nوآخى بين أبي بكر الصديق وبين خارجة بن زيد، وبين عمر بن الخطاب وعتبان بن مالك، وبين عثمان بن عفان وأوس بن ثابت أخي حسان بن ثابت، وبين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، وبين الزبير وسلمة بن سلامة (٣) بن وِقش، وبين طلحة وكعب بن مالك، وبين أبي عبيدة وسعد بن معاذ، وبين سعد ومحمد بن مسلمة، وبين سعيد بن زيد وأبي بن كعب، وبين مصعب بن عمير وأبي\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٢٣٠).\n(٢) رواه الترمذي (٣٧٢٠).\n(٣) في (ز): سلامة بن أسامة، وفي (م ٤): سلافة بن سلامة. والمثبت من أسد الغابة (٢/ ٢٥٠).","vol":"6","page":480},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nأيوب، وبين عمار وحذيفة حليف بني عبد الأشهل، وقيل: بين عمار وثابت بن قيس، وبين أبي حذيفة بن عتبة وعباد بن بشر، وبين أبي ذر والمنذر بن عمرو، وبين ابن مسعود وسهل بن حنيف، وبين سلمان الفارسي وأبي الدرداء، وبين بلال وأبي رويحة الخثعمي، وبين حاطب بن أبي بلتعة وعويم بن ساعدة، وبين عبد الله بن جحش وعاصم بن ثابت، وبين عبيدة بن الحارث وعمير بن الحمام، وبين الطفيل بن الحارث - أخيه - وسفيان بن بشر، وبين الحصين بن الحارث - أخيهما - وعبد الله بن جبير، وبين عثمان بن مظعون والعباس بن عبادة، وبين عتبة بن غزوان ومعاذ بن ماعص، وبين صفوان بن بيضاء ورافع بن المعلى، وبين المقداد بن عمرو وعبد الله بن رواحة، وبين ذي الشمالين ويزيد بن الحارث من بني خارجة، وبين أبي سلمة بن عبد الأسد وسعد بن خيثمة، وبين عمير بن أبي وقاص وخبيب بن عدي، وبين عبد الله بن مظعون وقطبة بن عامر، وبين شماس بن عثمان وحنظلة بن أبي عامر، وبين الأرقم بن أبي الأرقم وطلحة بن زيد الأنصاري، وبين زيد بن الخطاب ومعن بن عدي، وبين عمرو بن سراقة وسعد بن زيد من بني عبد الأشهل، وبين عاقل بن البكير ومبشر بن عبد المنذر، وبين عبد الله بن مخرمة وفروة بن عمرو (١) البياضي، وبين خنيس بن حذيفة والمنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح، وبين أبي سبرة بن أبي رهم وعبادة بن الحسحاس، وبين مسطح بن أثاثة وزيد بن المزين، وبين أبي مرثد الغنوي وعبادة بن الصامت، وبين عُكاشة بن محصن والمجذر بن زياد حليف الأنصار، وبين عامر بن فهيرة والحارث بن الصمة، وبين مهجع مولى عمر وسراقة بن عمرو النجاري.\nقال: وقد كان رسول الله ﷺ آخى بين المهاجرين قبل الهجرة [على الحق والمواساة] (٢) فآخى بين أبي بكر وعمر، وبين حمزة وزيد بن حارثة، وبين عثمان\n_________\n(١) في (ز): عمير، وفي (م ٤): عمر، والمثبت من أسد الغابة (٤/ ٣٥٧).\n(٢) ما بين حاصرتين سقط من (ز).","vol":"6","page":481},{"text":"رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا حِلفَ فِي الإِسلَامِ؟ فَقَالَ أَنَسٌ: قَد حَالَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَينَ قُرَيشٍ، وَالأَنصَارِ فِي دَارِهِ.\nوفي رواية: في داره التي بالمدينة.\nرواه البخاري (٧٣٤٠)، ومسلم (٢٥٢٩) (٢٠٤ و٢٠٥)، وأبو داود (٢٩٢٦).\nــ\nوعبد الرحمن بن عوف، وبين الزبير وابن مسعود، وبين عبيدة بن الحارث وبلال، وبين مصعب بن عمير وسعد بن أبي وقاص، وبين أبي عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة، وبين سعيد بن زيد وطلحة بن عبيد الله، [رضي الله عن جملة المهاجرين والأنصار] (١).\nقلت: وقد جاء في كتاب مسلم من حديث أنس: أنه آخى بين أبي عبيدة بن الجراح وبين أبي طلحة، وقال أبو عمر: إنه آخى بين أبي عبيدة وبين سعد بن معاذ. والأولى ما في كتاب مسلم.\nو(قوله: لا حلف في الإسلام) أي: لا يتحالف أهل الإسلام كما كان أهل الجاهلية يتحالفون، وذلك أن المتحالفين كانا يتناصران في كل شيء، فيمنع الرجل حليفه، وإن كان ظالمًا، ويقوم دونه، ويدفع عنه بكل ممكن، فيمنع الحقوق، وينتصر به على الظلم، والبغي، والفساد، ولما جاء الشرع بالانتصاف من الظالم، وأنه يؤخذ منه ما عليه من الحق، ولا يمنعه أحد من ذلك، وحد الحدود، وبين الأحكام، أبطل ما كانت الجاهلية عليه ممن ذلك، وبقي التعاقد والتحالف على نصرة الحق، والقيام به، وأوجب ذلك بأصل الشريعة إيجابا عامًا على من قدر عليه من المكلَّفين.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين مستدرك من (ز).","vol":"6","page":482},{"text":"[٢٤٣٦] وعَن جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا حِلفَ فِي الإِسلَامِ، وَأَيُّمَا حِلفٍ كَانَ فِي الجَاهِلِيَّةِ لَم يَزِدهُ الإِسلَامُ إِلَّا شِدَّةً.\nرواه أحمد (٤/ ٨٣)، ومسلم (٢٥٣٠)، وأبو داود (٢٩٢٥).\n* * *\nــ\nثم إنه ﷺ خصَّ أصحابه من ذلك بأن عقد بينهم حلفًا على ذلك مرتين - كما تقدَّم - تأكيدًا للقيام بالحق والمواساة، وسمَّى ذلك أخوة مبالغة في التأكيد والتزام الحرمة، ولذلك حكم فيه بالتوارث حتى تمكن الإسلام، واطمأنت القلوب، فنسخ الله تعالى ذلك بميراث ذوي الأرحام.\nو(قوله: وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدَّة) يعني من نصرة الحق، والقيام به، والمواساة، وهذا كنحو حلف الفضول الذي ذكره ابن إسحاق. قال: اجتمعت قبائل من قريش في دار عبد الله بن جدعان لشرفه ونسبه، فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلومًا من أهلها، أو غيرهم، إلا قاموا معه حتى ترد عليه مظلمته، فسمَّت قريش ذلك الحلف: حلف الفضول، أي: حلف الفضائل، والفضول هنا جمع فضل للكثرة، كفلس وفلوس.\nوروى ابن إسحاق عن ابن شهاب قال: قال رسول الله ﷺ: لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحبُّ أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به (١) في الإسلام لأجبت (٢).\nوقال ابن إسحاق: تحامل الوليد بن عتبة على حسين بن علي في مال له لسلطان الوليد، فإنَّه كان أميرًا على المدينة. فقال له حسين: احلف بالله لتنصفني\n_________\n(١) في (ع): له.\n(٢) رواه البيهقي (٦/ ١٦٧).","vol":"6","page":483},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-914>(٧٩) باب قول النبي ﷺ: أنا أمنة لأصحابي وأصحابي أمنة لأمتي</span>\n[٢٤٣٧] عن أبي موسى قَالَ: صَلَّينَا المَغرِبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قُلنَا: لَو جَلَسنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَهُ العِشَاءَ قَالَ: فَجَلَسنَا فَخَرَجَ عَلَينَا فَقَالَ: مَا زِلتُم هَاهُنَا قُلنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّينَا مَعَكَ المَغرِبَ، ثُمَّ قُلنَا: نَجلِسُ حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَكَ العِشَاءَ قَالَ: أَحسَنتُم - أَو أَصَبتُم - قَالَ: فَرَفَعَ رَأسَهُ إِلَى السَّمَاءِ - وَكَانَ كَثِيرًا مِمَّا يَرفَعُ رَأسَهُ\nــ\nمن حقي، أو لآخذن سيفي، ثم لأقومن في مسجد رسول الله ﷺ، ثم لأدعون بحلف الفضول، قال عبد الله بن الزبير: وأنا أحلف بالله لئن دعانا لآخذن سيفي، ثم لأقومن معه حتى ينتصف من حقه، أو نموت جميعًا، وبلغت المسور بن مخرمة، فقال مثل ذلك، وبلغت عبد الله بن عثمان بن عبيد الله التيمي، فقال مثل ذلك، فلما بلغ ذلك الوليد أنصفه.\n(٧٩ و٨٠) ومن باب: قوله ﷺ: أنا أمنة لأصحابي وخير القرون (١)\nالأمنة: الأمن، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنهُ﴾ أي: أمنًا. ويعني بذلك: أن الله تعالى رفع عن أصحابه الفتن، والمحن، والعذاب مدة كونه فيهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم وَأَنتَ فِيهِم﴾ فلما توفي رسول الله ﷺ جاءت الفتن، وعظمت المحن،\n_________\n(١) شرح المصنف -﵀- تحت هذا العنوان، ما جاء في شرح باب: خير القرون قرن الصحابة ثم الذين يلونهم.","vol":"6","page":484},{"text":"إِلَى السَّمَاءِ - فَقَالَ: النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَت النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصحَابِي، فَإِذَا ذَهَبتُ أَتَى أَصحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٩٨ - ٣٩٩)، ومسلم (٢٥٣١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-915>(٨٠) باب خير القرون قرن الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم</span>\n[٢٤٣٨] عن عبد الله - هو ابن مسعود - قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيُّ النَّاسِ خَيرٌ؟ قَالَ: قَرنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم، ثُمَّ\nــ\nوظهر الكفر والنفاق، وكثر الخلاف والشقاق، فلولا تدارك الله هذا الدين بثاني اثنين لصار أثرًا بعد عين، وهذا الذي وعدوا به.\nو(قوله: النجوم أمنة للسماء) أي: ما دامت النجوم فيها لم تتغير بالانشقاق، ولا بالانفطار، فإذا انتثرث نجومها، وكورت شمسها، جاءها ذلك، وهو الذي وعدت به.\nو(قوله: وأصحابي أمنة لأمتي) يعني: أن أصحابه ما داموا موجودين كان الدِّين قائمًا، والحق ظاهرًا، والنصر على الأعداء حاصلًا، ولما ذهب أصحابه غلبت الأهواء، وأديلت الأعداء، ولا يزال أمر الدِّين متناقصًا، وجده ناكصًا إلى أن لا يبقى على ظهر الأرض أحد يقول: الله، الله. وهو الذي وعدت به أمته، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) القرن","vol":"6","page":485},{"text":"يَجِيءُ قَومٌ تَبدُرُ شَهَادَةُ أَحَدِهِم يَمِينَهُ، وَتَبدُرُ يَمِينُهُ شَهَادَتَهُ، قَالَ إِبرَاهِيمُ: كَانُوا يَنهَونَنَا - وَنَحنُ غِلمَانٌ - عَن العَهدِ وَالشَّهَادَاتِ.\nوفي أخرى: ثُمَّ يَتَخَلَّفُ مِن بَعدِهِم خَلفٌ تَسبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِم يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ.\nرواه أحمد (١/ ٣٧٨)، والبخاري (٦٤٢٩)، ومسلم (٢٥٣٣) (٢١١ و٢١٢)، والترمذيُّ (٣٨٥٩)، والنسائي في الكبرى (٦٠٣١)، وابن ماجه (٢٣٦٢).\nــ\n- بسكون الراء - من الناس: أهل زمان واحد. قال الشاعر:\nإذا ذَهَبَ القَرن الذي أنتَ فِيهِمُ ... وخُلِّفتَ في قَرنٍ فأَنتَ غَرِيبُ\nوقيل: مقدار زمانه: ثمانون سنة، وقيل: ستون، ويعني: أن هذه القرون الثلاثة: أفضل مِمَّا بعدها إلى يوم القيامة، وهذه القرون في أنفسها متفاضلة، فأفضلها: الأول، ثم الذي بعده، ثم الذي بعده. هذا ظاهر الحديث. فأما أفضلية الصحابة، وهم القرن الأول على من بعدهم، فلا تخفى، وقد بينا إبطال قول من زعم أنه يكون فيمن بعدهم أفضل منهم، أو مساو لهم في كتاب الطهارة. وأما أفضلية من بعدهم، بعضهم على بعض، فبحسب قربهم من القرن الأول، وبحسب ما ظهر على أيديهم من إعلاء كلمة الدين، ونشر العلم، وفتح الأمصار، وإخماد كلمة الكفر. ولا خفاء: أن الذي كان من ذلك في قرن التابعين كان أكثر وأغلب مما كان في أتباعهم، وكذلك الأمر في الذين بعدهم، ثم بعد هذا غلبت الشرور، وارتُكبت الأمور، وقد دلَّ على صحة هذا قوله في حديث أبي سعيد: يغزو فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صحب رسول الله ﷺ؟ فيقال: نعم، فيفتح لهم. . . (١) الحديث. والفئام: الجماعة من الناس، لا واحد له من لفظه، وهو مهموز، والعامة تترك همزه.\n_________\n(١) انظر تخريجه في التلخيص برقم (٢٥٤٦).","vol":"6","page":486},{"text":"[٢٤٣٩] وعن عِمرَانَ بنَ حُصَينٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ خَيرَكُم قَرنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم - قَالَ عِمرَانُ: فَلَا أَدرِي أَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعدَ قَرنِهِ مَرَّتَينِ أَو ثَلَاثا - ثُمَّ يَكُونُ بَعدَهُم قَومٌ يَشهَدُونَ وَلَا يُستَشهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤتَمَنُونَ، وَيَظهَرُ فِيهِم السِّمَنُ.\nرواه أحمد (٤/ ٤٢٧)، ومسلم (٢٥٣٥) (٢١٤).\nــ\nو(قول عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين، أو ثلاثا) هذا الذي شك فيه عمران قد حققه عبد الله بن مسعود بعد قرنه ثلاثًا، وكذلك في حديث أبي سعيد في البعوث، فإنَّه ذكر أنهم أربعة.\nو(قوله: تبدر شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته) يعني بذلك: أنه يقل ورع الناس بعد القرن الرابع، فيقدمون على الأيمان والشهادات من غير توقف ولا تحقيق، وقال في حديث عمران: يشهدون ولا يستشهدون أي: يسبقون بأداء الشهادة قبل أن يسألوها، وذلك لهوىً لهم فيها، ومن كان كذلك ردَّت شهادته، وقد بينا فيما تقدَّم مواضع يتعين فيها على الشاهد الأداء وإن لم يسأل، وذلك بحسب ما تدعو إليه الضرورة الشرعية، وعليه يحمل قوله - ﷺ -: خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها (١). ويحتمل أن يراد بقوله: ولا يستشهدون أنهم: يشهدون بالزور فيكون معناه: يشهدون بما لم يستشهدوا به، ولا شاهدوه، والأول أولى، لأنَّه أصل الكلمة.\nو(قوله: ويظهر فيهم السِّمن) أي: يغلب عليهم النَّهم والشهوات، ويُكثرون الأكل، فيظهر عليهم السمن، وقد يأكلون ليسمنوا، فإنَّه محبوبٌ لهم،\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ١٩٣).","vol":"6","page":487},{"text":"وفي أخرى: [عن أبي هريرة]: يحبون السمانة.\nرواه مسلم (٢٥٣٤).\n[٢٤٤٠] وعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يَأتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَغزُو فِئَامٌ مِن النَّاسِ فَيُقَالُ لَهُم: فِيكُم مَن رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَم فَيُفتَحُ لَهُم، ثُمَّ يَغزُو فِئَامٌ مِن النَّاسِ فَيُقَالُ لَهُم: فِيكُم مَن رَأَى مَن صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَم فَيُفتَحُ لَهُم: ثُمَّ يَغزُو فِئَامٌ مِن النَّاسِ فَيُقَالُ لَهُم: فِيكُم مَن رَأَى مَن صَحِبَ مَن صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَم فَيُفتَحُ لَهُم.\nــ\nومن كان هذا حاله خرج عن الأكل الشرعي، ودخل في الأكل الشَّرِّي الذي قال فيه النبي - ﷺ -: ما ملأ آدمي وعاءً شرًّا من بطن، حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإنَّ كان ولا بد، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه (١).\nو(قول إبراهيم النَّخعي: كانوا ينهوننا ونحن غلمان عن العهد والشهادات) يعني: من أدرك، وقد أدرك التابعين، فكانوا يزجرون الصبيان عن اعتياد إلزام أنفسهم العهود والمواثيق، لما يلزم الملتزم من الوفاء، فيحرج أو يأثم بالترك، وكذلك عن تحمل الشهادات لما يلزم عليه من مشقة الأداء، وصعوبة التخلص من آفاتها في الدنيا والآخرة، وكل ذلك من السلف ﵃ تعليم للصغار، وتدريب لهم على ما يجتنبونه في حال كبرهم.\nو(قوله: ويخونون ولا يؤتمنون) يعني: أنهم تشتهر خيانتهم، فلا يأتمنهم أحد، وهذا نحو مِمَّا تقدَّم في حديث حذيفة في الأمانة.\nو(قوله: تغزو فئام من الناس. . . إلى آخره) دليل واضح على صحة نبوَّة\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ١٣٢)، والترمذي (٢٣٨٠).","vol":"6","page":488},{"text":"وفي أخرى: يَأتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يُبعَثُ مِنهُم البَعثُ فَيَقُولُونَ: انظُرُوا هَل تَجِدُونَ فِيكُم أَحَدًا مِن أَصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ؟ فَيُوجَدُ الرَّجُلُ فَيُفتَحُ لَهُم. هكذا إلى أن ذكر أربعة بعوث.\nرواه أحمد (٣/ ٧)، والبخاريُّ (٢٨٩٧)، ومسلم (٢٥٣٢) (٢٠٨ و٢٠٩).\n[٢٤٤١] وعن عَبدَ اللَّهِ بنَ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيلَةٍ صَلَاةَ العِشَاءِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ فَقَالَ: أَرَأَيتَكُم لَيلَتَكُم هَذِهِ؟ فَإِنَّ عَلَى رَأسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنهَا لَا يَبقَى مِمَّن هُوَ عَلَى ظَهرِ الأَرضِ أَحَدٌ.\nــ\nنبينا محمد ﷺ إذ مضمونه: خبر عن غيب وقع على نحو ما أخبر.\nو(قوله في حديث ابن عمر ﵄: أرأيتكم ليلتكم هذه فإنَّ رأس مائة سنة من هذه لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد) هذا الحديث رواه مسلم من طريقين، ذكر الأول منهما متصلًا، ثم أردف عليه سندًا آخر فيه انقطاع، ولا يعتب (١) عليه في ذلك، إذ قد وفى بشرط كتابه في الطريق الأول، ثم زاد بعد ذلك السند المنقطع. وقد استشكل بعض من لم يثبت عنده حديث ابن عمر إذ لم يفهم معناه، فردَّه بأن قال: حديث منقطع، وهذا ليس بصحيح على ما قررناه، ثم لو سلم أن حديث ابن عمر ليس بصحيح فحديث جابر وأبي سعيد في الباب صحيحان، فما قوله فيه؟ ! وقد رفع الصحابي - أعني: ابن عمر ذلك الإشكال - بقوله: أراد بذلك أن ينخرم ذلك القرن، بل: قد جاء من حديث جابر بلفظ لا إشكال فيه، فقال: ما من نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مائة سنة، وهي حية يومئذ وهذا صريح في تحقيق ما قاله ابن عمر، وكذلك قول عبد الرحمن - صاحب السقاية - حيث فسَّره: بنقص العمر، وحاصل ما تضمنه هذا الحديث: أنه ﷺ أخبر قبل موته\n_________\n(١) في (ع): تعقُّب، وفي (م ٤): يصعب.","vol":"6","page":489},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nبشهر: أن كل من كان من بني آدم موجودًا في ذلك الوقت لا يزيد عمره على مائة سنة، وإنَّما قلنا: إنه أراد بني آدم، لأنَّه قال: من نفس منفوسة، ولا يتناول هذا الملائكة، ولا الجن، إذا لم يصح عنهم أنهم كذلك، ولا الحيوان غير العاقل، إذ قال فيه: ممن هو على ظهر الأرض أحد. وهذا إنما يقال بأصل وضعه على من يعقل، فتعين: أن المراد بنو آدم، وقد استدل بعض الحفاظ المتأخرين على بطلان قول من يقول: إن الخضر حي بعموم: ما من نفس منفوسة فإنَّه من أنص صيغ العموم على الاستغراق، وهذا لا حجَّة فيه يقينية، لأنَّ العموم - وإن كان مؤكدًا للاستغراق - فليس نصًّا فيه، بل: هو قابل للتخصيص، لا سيما والخضر وإن كان حيًّا - كما يقال - فليس مشاهدًا للناس، ولا ممن يخالطهم حتى يخطر ببالهم حالة مخاطبة بعضهم بعضًا، فمثل هذا العموم لا يتناوله كما لم يتناول عيسى ﵇، فلأنه لم يمت، ولم يقتل، فهو حي بنص القرآن، ومعناه. وكما لم يتناول الدجال مع أنه حي بدليل حديث الجساسة على ما يأتي، فإنَّ قيل: إنما لم يتناول هذا العموم عيسى، لأنَّ الله قد رفعه إليه، فليس هو على ظهر الأرض؛ لأنَّ المراد بذلك العموم: من كان من النفوس على ظهر الأرض، كما نص عليه في حديث ابن عمر. فالجواب: يمنع عموم الأرض المذكورة فيه، فإنه اسم مفرد دخل عليه الألف واللام، وهي محتملة للعهد والجنس، وهي هاهنا للعهد، لأنَّ الأرض التي يخاطبون بها، ويخبرون عن الكون فيها: هي أرض العرب، وما جرت عادتهم بالتصرف إليها وفيها غالبًا، دون أرض يأجوج ومأجوج، وأقاصي جزائر الهند والسند، مما لا يقرع السمع اسمه، ولا يعلم علمه، ولا جواب عن حديث الدجال. وعلى الجملة: فمن يستدل في المباحث القطعية بمثل هذا العموم فليس لكلامه حاصل ولا مفهوم. وسيأتي القول على قوله ﷺ: إن عمر هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة (١) في آخر كتاب الفتن.\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٥١١)، ومسلم (٢٩٥٢) من حديث عائشة -﵂-.","vol":"6","page":490},{"text":"قَالَ ابنُ عُمَرَ: فَوَهَلَ النَّاسُ فِي مَقَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تِلكَ، فِيمَا يَتَحَدَّثُونَ مِن هَذِهِ الأَحَادِيثِ عَن مِائَةِ سَنَةٍ، وَإِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا يَبقَى مِمَّن هُوَ اليَومَ عَلَى ظَهرِ الأَرضِ أَحَدٌ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَن يَنخَرِمَ ذَلِكَ القَرنُ.\nرواه أحمد (٣/ ٣١٤)، ومسلم (٢٥٣٨) (٢١٨) (٢٢٠) و(٢٥٣٨)، والترمذي (٢٢٥٠).\n[٢٤٤٢] وعن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعتُ رسول الله ﷺ يَقُولُ قَبلَ أَن يَمُوتَ بِشَهرٍ: تَسأَلُونِي عَن السَّاعَةِ، وَإِنَّمَا عِلمُهَا عِندَ اللَّهِ، وَأُقسِمُ بِاللَّهِ مَا عَلَى الأَرضِ مِن نَفسٍ مَنفُوسَةٍ يَأتِي عَلَيهَا مِائَةُ سَنَةٍ.\nوفي أخرى: قال سالم: تذاكرنا: إنما هي مخلوقة يومئذ.\nوفي أخرى: مَا مِن نَفسٍ مَنفُوسَةٍ اليَومَ يَأتِي عَلَيهَا مِائَةُ سَنَةٍ، وَهِيَ حَيَّةٌ يَومَئِذٍ. وَفسرها عَبدِ الرَّحمَنِ صَاحِبِ السِّقَايَةِ، قَالَ: نَقصُ العُمُرِ.\nرواه أحمد (٣/ ٣١٤)، ومسلم (٢٥٣٨) (٢١٨) و(٢٥٣٨) (٢٢٠)، والترمذيُّ (٢٢٥٠).\n[٢٤٤٣] وعن أبي سعيد نحو الحديث.\nرواه مسلم (٢٥٣٩).\n* * *\nــ\nو(قول ابن عمر: فوهل الناس في مقالة رسول الله ﷺ) الرواية الصحيحة: وهل - بفتح الهاء - قال أبو عبيد: يريد: غلط، يقال: وهل إلى الشيء يهل، ووهم إلى الشيء يهم، وهلا ووهمًا. قال أبو زيد: وهل في الشيء، وعن الشيء يوهل وهلًا: إذا غلط فيه وسها، ووهلت إليه بالفتح - وهلًا: إذا ذهب وهمك إليه وأنت تريد غيره.","vol":"6","page":491},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-916>(٨١) باب وجوب احترام أصحاب النبي ﷺ والنهي عن سبهم</span>\n[٢٤٤٤] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تَسُبُّوا أَصحَابِي، لَا تَسُبُّوا أَصحَابِي، فَوَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لَو أَنَّ أَحَدَكُم أَنفَقَ مِثلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدرَكَ مُدَّ أَحَدِهِم، وَلَا نَصِيفَهُ.\nرواه مسلم (٢٥٤٠) (٢٢١)، وابن ماجه (١٦١).\nــ\nقلت: وعلى ما حكاه أبو زيد يكون الصواب في وهل الذي في هذا الحديث: كسر الهاء، لأنَّه هو الذي يتعدى بـ (في)، ويشهد له المعنى، وأما وهل بالفتح فيتعدى بـ (إلى)، والمعنيان متقاربان، ويمكن أن يقال: إن وهل في الشيء فيه لغتان: الفتح والكسر. والله أعلم.\n(٨١) ومن باب: وجوب احترام أصحاب رسول الله ﷺ\nمن المعلوم الذي لا يشك فيه: أن الله تعالى اختار أصحاب نبيه لنبيه ﷺ، ولإقامة دينه، فجميع ما نحن فيه من العلوم، والأعمال، والفضائل، والأحوال، والمتملكات، والأموال، والعز، والسلطان، والدين، والإيمان، وغير ذلك من النعم التي لا يحصيها لسان، ولا يتسع لتقديرها (١) زمان إنما كان بسببهم. ولما كان ذلك وجب علينا الاعتراف بحقوقهم والشكر لهم على عظيم أياديهم، قيامًا بما أوجبه الله تعالى من شكر المنعم، واجتنابًا لما حرمه من كفران حقه، هذا مع ما تحققناه من ثناء الله تعالى عليهم، وتشريفه لهم، ورضاه عنهم، كقوله تعالى: ﴿لَقَد رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤمِنِينَ إِذ يُبَايِعُونَكَ تَحتَ الشَّجَرَةِ﴾ ... إلى قوله:\n_________\n(١) في (ز): لتعديدها.","vol":"6","page":492},{"text":"[٢٤٤٥] وعَن أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: كَانَ بَينَ خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ وَبَينَ عَبدِ\nــ\n﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ وقوله: ﴿لِلفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ﴾ إلى غير ذلك، وكقوله ﷺ: إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين (١)، إلى غير ذلك من الأحاديث المتضمنة للثناء عليهم - ﵃ أجمعين. وعلى هذا فمن تعرض لسبهم، وجحد عظيم حقهم، فقد انسلخ من الإيمان، وقابل الشكر بالكفران، ويكفي في هذا الباب ما رواه الترمذي من حديث عبد الله بن مغفل - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: الله! الله! في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه (٢). فقال: هذا حديث غريب. وهذا الحديث، وإن كان غريب السند فهو صحيح المتن، لأنَّه معضود بما قدمناه من الكتاب وصحيح السنة وبالمعلوم من دين الأمة، إذ لا خلاف في وجوب احترامهم، وتحريم سبهم، ولا يختلف في أن من قال: إنَّهم كانوا على كفر أو ضلال كافر يقتل، لأنَّه أنكر معلومًا ضروريًا من الشرع، فقد كذب الله ورسوله فيما أخبرا به عنهم. وكذلك الحكم فيمن كفر أحد الخلفاء الأربعة، أو ضللهم. وهل حكمه حكم المرتد فيستتاب؟ أو حُكم الزنديق فلا يستتاب ويقتل على كل حال؟ هذا مِمَّا يختلف فيه، فأمَّا من سبهم بغير ذلك، فإنَّ كان سبًّا يوجب حدًّا كالقذف حُدَّ حدَّه، ثم ينكل التنكيل الشديد من الحبس، والتخليد فيه، والإهانة ما خلا عائشة - ﵂، فإنَّ قاذفها يقتل، لأنَّه مكذِّبٌ لما جاء في الكتاب والسنة من براءتها. قاله مالك وغيره. واختلف في غيرها من أزواج النبي ﷺ فقيل: يقتل قاذفها، لأنَّ ذلك أذى للنبي ﷺ،\n_________\n(١) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٦).\n(٢) رواه الترمذي (٣٨٦٢).","vol":"6","page":493},{"text":"الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ شَيءٌ، فَسَبَّهُ خَالِدٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تَسُبُّوا أَحَدًا مِن أَصحَابِي فَإِنَّ أَحَدَكُم لَو أَنفَقَ مِثلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدرَكَ مُدَّ أَحَدِهِم وَلَا نَصِيفَهُ.\nرواه أحمد (٣/ ١١)، والبخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١)، وأبو داود (٤٦٥٨)، والترمذي (٣٨٦١).\n* * *\nــ\nوقيل: يُحد ويُنكل، كما ذكرناه على قولين. وأما من سبَّهم بغير القذف، فإنه يجلد الجلد الموجع، ويُنكل التنكيل الشديد، قال ابن حبيب: ويخلد سجنه إلى أن يموت. وقد روي عن مالك: من سبَّ عائشة قتل مطلقًا، ويمكن حمله على السَّب بالقذف، والله تعالى أعلم.\nو(قوله ﷺ: لا تسبُّوا أصحابي. . . إلخ. رواه أبو هريرة مجردًا عن سببه، وقد رواه أبو سعيد الخدري، وذكر أن سبب ذلك القول هو أنه كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، أي: منازعة، فسبَّه خالد، فقال رسول الله ﷺ ذلك القول، فأظهر ذلك السبب أن مقصود هذا الخبر زجر خالد، ومن كان على مثل حاله ممن سبق بالإسلام، وإظهار خصوصية السابق بالنبي ﷺ، وأن السابقين لا يلحقهم أحد في درجتهم، وإن كان أكثر نفقة وعملا منهم، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿لا يَستَوِي مِنكُم مَن أَنفَقَ مِن قَبلِ الفَتحِ وَقَاتَلَ﴾ ويدل على صحة هذا المقصود: أن خالدًا وإن كان من الصحابة - ﵃، لكنَّه متأخر الإسلام. قيل: أسلم سنة خمس، وقيل: سنة ثمان. لكنه ﷺ لما عدل عن غير خالد وعبد الرحمن إلى التعميم دلَّ ذلك على أنه قصد [مع ذلك] (١) تقعيد قاعدة تغليظ تحريم سب الصحابة مطلقًا، فيحرم ذلك من صحابي وغيره، لأنَّه إذا\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ز).","vol":"6","page":494},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-917>(٨٢) باب ما ذكر في فضل أويس القرني - ﵁ </span>-\n[٢٤٤٦] عَن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، قَالَ: إِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ خَيرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أُوَيسٌ، وَلَهُ وَالِدَةٌ، وَكَانَ بِهِ بَيَاضٌ فَمُرُوهُ فَليَستَغفِر لَكُم.\nرواه أحمد (١/ ٣٨)، ومسلم (٢٥٤٢) (٢٢٤).\nــ\nحرم على صحابي فتحريمه على غيره أولى. وأيضًا: فإنَّ خطابه ﷺ للواحد خطاب للجميع، وخطابه للحاضرين خطاب للغائبين إلى يوم القيامة. والنصيف لغة: في النصف، وكذلك الثمين لغة: في الثمن.\nوفي هذا الحديث دلالة واضحة على أن الصحابة - رضوان الله عليهم - لا يلحقهم أحد ممن بعدهم في فضلهم كما تقدم (١).\n(٨٢) ومن باب ما ذكر في أويس القرني - ﵁ -\nاختلف في نسبه، فقيل: أويس بن عامر بن جزء بن مالك، وهو الصحيح. وقيل: أويس بن أنيس، وقيل: أويس بن الخليص المرادي، ثم القرني - بفتح الراء - منسوب إلى قرن، قبيلة معروفة. كان ﵀ من أولياء الله المختفين الذين لا يؤبه لهم، ولولا أن رسول الله ﷺ أخبر عنه، ووصفه بوصفه، ونعته، وعلامته لما عرفه أحد، وكان موجودًا في حياة رسول الله ﷺ وآمن به، وصدَّقه، ولم يلقه، ولا كاتبه، فلم يعد في الصحابة. وقد أخبر النبي ﷺ أنه من التابعين حيث قال: إنَّه خير التابعين. وقد اختلف في زمن موته، فروي عن عبد الله بن\n_________\n(١) زاد في (ز): ﵃ وعن تابعيهم بإحسان.","vol":"6","page":495},{"text":"[٢٤٤٧] وعَن أُسَيرِ بنِ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ إِذَا أَتَى عَلَيهِ أَمدَادُ أَهلِ اليَمَنِ، سَأَلَهُم: أَفِيكُم أُوَيسُ بنُ عَامِرٍ؟ حَتَّى أَتَى عَلَى أُوَيسٍ، فَقَالَ: أَنتَ أُوَيسُ بنُ عَامِرٍ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: مِن مُرَادٍ، ثُمَّ مِن قَرَنٍ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: فَكَانَ بِكَ بَرَصٌ فَبَرَأتَ مِنهُ إِلَّا مَوضِعَ دِرهَمٍ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: لَكَ وَالِدَةٌ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يَأتِي عَلَيكُم أُوَيسُ بنُ عَامِرٍ مَعَ أَمدَادِ أَهلِ اليَمَنِ مِن مُرَادٍ، ثُمَّ مِن قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنهُ إِلَّا مَوضِعَ دِرهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَو أَقسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِن استَطَعتَ أَن يَستَغفِرَ لَكَ فَافعَل. فَاستَغفِر لِي، فَاستَغفَرَ لَهُ،\nــ\nمسلم قال: غزونا أذربيجان زمن عمر بن الخطاب ﵁ ومعنا أويس القرني، فلما رجعنا مرض علينا، فحملناه فلم يستمسك فمات، فنزلنا، فإذا قبر محفور، وماء مسكوب، وكفن وحنوط، فغسلناه، وكفَّناه، وصلينا عليه، فقال بعضنا لبعض: لو رجعنا فعلمنا قبره، فإذا لا قبر ولا أثر.\nوروي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: نادى رجل من أهل الشام يوم صفين: أفيكم أويس القرني؟ فقلنا: نعم، قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: أويس القرني خير التابعين بإحسان (١). وعطف دابته فدخل مع أصحاب علي. قال عبد الرحمن: توجد في قتلى أصحاب علي ﵄.\nوله أخبار كثيرة، وكرامات ظاهرة، ذكرها أبو نعيم، وأبو الفرج الجوزي في كتبهما. وأويس تصغير أوس، وأوس: الذئب، وبه سمِّي الرجل، وقيل: إنه سمِّي بأوس الذي هو مصدر أُست، الرجل أوسًا: إذا أعطيته، فالأوس: العطية.\nو(قوله - ﷺ -: إن استعطت أن يستغفر لك فافعل) لا يُفهم منه أنه أفضل من\n_________\n(١) ذكره ابن سعد في الطبقات (٦/ ١٦٣).","vol":"6","page":496},{"text":"فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَينَ تُرِيدُ؟ قَالَ: الكُوفَةَ. قَالَ: أَلَا أَكتُبُ لَكَ إِلَى عَامِلِهَا؟ قَالَ: أَكُونُ فِي غَبرَاءِ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ. قَالَ: فَلَمَّا كَانَ مِن العَامِ المُقبِلِ حَجَّ رَجُلٌ مِن أَشرَافِهِم فَوَافَقَ عُمَرَ فَسَأَلَهُ عَن أُوَيسٍ. قَالَ: تَرَكتُهُ رَثَّ البَيتِ قَلِيلَ المَتَاعِ، قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يَأتِي عَلَيكُم أُوَيسُ بنُ عَامِرٍ مَعَ أَمدَادِ أَهلِ اليَمَنِ مِن مُرَادٍ ثُمَّ مِن قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنهُ إِلَّا مَوضِعَ دِرهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَو أَقسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِن استَطَعتَ\nــ\nعمر، ولا أن عمر غير مغفور له، للإجماع على أن عمر - ﵁ - أفضل منه، ولأنَّه تابعي، والصحابي أفضل من التابعي، على ما بيناه غير مرَّة، وإنَّما مضمون ذلك: الإخبار بأن أويسًا ممن يستجاب دعاؤه. وإرشاد عمر إلى الازدياد من الخير، واغتنام دعوة من ترتجى إجابته، وهذا نحو مما أمرنا النبي ﷺ به من الدعاء له، والصلاة عليه، وسؤال الوسيلة له، وإن كان النبي ﷺ أفضل ولد آدم. ويروى أن رسول الله ﷺ قال لرجل خرج ليعتمر: أشركنا في دعائك يا أُخي (١).\nو(قوله: في أمداد أهل اليمن) أي: في جماعاتهم، جمع مدد، وذلك أنهم يمد بهم القوم الذين يقدمون عليهم.\nو(قوله: أحدث عهدًا) أي: أقرب، وعهدًا: منصوب على التمييز، كقوله تعالى: ﴿هُم أَحسَنُ أَثَاثًا وَرِئيًا﴾\nو(قوله: أكون في غبراء الناس) الرواية الجيدة فيه: بفتح الغين المعجمة، وسكون الباء الموحدة، وهمزة ممدودة، ويعني به: فقراء الناس وضعفاءهم. والغبراء: الأرض، ويقال للفقراء: بنو غبراء، كأن الفقر والحاجة ألصقتهم بها، كما قال تعالى: ﴿أَو مِسكِينًا ذَا مَترَبَةٍ﴾ أي: ذا حاجة ألصقته بالتراب،\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٢٩)، والترمذي (٣٥٦٢).","vol":"6","page":497},{"text":"أَن يَستَغفِرَ لَكَ فَافعَل. فَأَتَى أُوَيسًا. فَقَالَ: استَغفِر لِي، قَالَ: أَنتَ أَحدَثُ عَهدًا بِسَفَرٍ صَالِحٍ، فَاستَغفِر لِي، قال: استَغفِر لِي، قَالَ: أَنتَ أَحدَثُ عَهدًا بِسَفَرٍ صَالِحٍ، فَاستَغفِر لِي، قَالَ: . فَاستَغفَرَ لَهُ، فَفَطِنَ لَهُ النَّاسُ فَانطَلَقَ عَلَى وَجهِهِ، قَالَ أُسَيرٌ: وَكَسَوتُهُ بُردَةً، فَكَانَ كُلَّمَا رَآهُ إِنسَانٌ قَالَ: مِن أَينَ لِأُوَيسٍ هَذِهِ البُردَةُ؟\nرواه مسلم (٢٥٤٢) (٢٢٥).\n* * *\nــ\nومن هذا سموا الفقر: أبا متربة. وقد روي ذلك اللفظ في غبر الناس - بضم الغين وتشديد الباء - جمع غابر، نحو: شاهد وشُهَّد، ويعني به: بقايا الناس ومتأخريهم، وهم ضعفاء الناس، لأنَّ وجوه الناس ورؤساءهم يتقدمون للأمور، وينهضون بها، ويتفاوضون فيها، ويبقى الضعفاء لا يلتفت إليهم، ولا يؤبه بهم، فأراد أويس أن يكون خاملًا بحيث يبقى لا يلتفت إليه، طالبًا السلامة، وظافرًا بالغنيمة.\nوحديث أويس هذا دليل من أدلة صحَّة صدق رسول الله ﷺ، فإنَّه أخبر عنه باسمه، ونسبه، وصفته، وعلامته، وأنه يجتمع بعمر ﵁، وذلك كله من باب الإخبار بالغيب الواقع على نحو ما أخبر به من غير ريب.\n* * *","vol":"6","page":498},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-918>(٨٣) باب ما ذكر في مصر وأهلها وفي عمان</span>\n[٢٤٤٨] عَن أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّكُم سَتَفتَحُونَ مِصرَ، وَهِيَ أَرضٌ يُسَمَّى فِيهَا القِيرَاطُ، فَإِذَا فَتَحتُمُوهَا فَأَحسِنُوا إِلَى أَهلِهَا فَإِنَّ لَهُم ذِمَّةً وَرَحِمًا - أَو قَالَ: ذِمَّةً وَصِهرًا -\nــ\n(٨٣) ومن باب: ما ذكر في مصر وأهلها وأهل عمان\n(قوله: إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يسمَّى فيها القيراط) هذا إخبار بأمر غيب، وقع على نحو ما أخبر، فكان دليلًا من أدلة نبوته ﷺ. ومعنى يسمى فيها القيراط: يعني به: أنه يدور على ألسنتهم كثيرًا، وكذلك هو، إذ لا ينفك متعاملات من أهل مصر عن ذكره غالبًا، لأنَّ أجزاء الدنيا الأربعة والعشرين يسمونها: قراريط، وقطع الدراهم يسمونها: قراريط، بخلاف غيرهم من أهل الأقاليم، فإنَّهم يسمُّون ذلك بأسماء أخر، فأهل العراق يسمُّون ذلك: طسُّوجًا ورزة، وأهل الشام: قرطيس، ونحو ذلك.\nو(قوله: فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإنَّ لهم ذمة ورحمًا، أو قال: صهرًا) الذمة: الحرمة. والذمام: الاحترام، وقد يكون ذلك لعهد سابق كعهد أهل الذمَّة، وقد يكون ذلك ابتداء إكرام، وهذا هو المراد بالذمة هنا، والله تعالى أعلم، إذ لم يكن لأهل مصر من النبي ﷺ عهد سابق، وإنما أراد: أن لهم حقًّا لرحمهم، أو صهرهم، ويحتمل أن يكون معناه: أنهم يكون لهم عهد بما يعقد لهم من ذلك حين الفتح (١). وهذا التأويل على بُعده يعضده ما رواه ابن هشام من حديث عمر مولى غفرة: أن رسول الله ﷺ قال: الله! الله في أهل المدرة السوداء السُّحم\n_________\n(١) في (ز): قبل.","vol":"6","page":499},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالجعاد، فإنَّ لهم نسبًا وصهرًا (١). قال عمر: فنسبهم: أن أم إسماعيل منهم، وصهرهم: أن رسول الله ﷺ تسرى منهم. قال ابن لهيعة: أم إسماعيل هاجر من أم العرب: قرية كانت أمام الفرما، وأم إبراهيم مارية سرية النبي ﷺ التي أهداها له المقوقس من حَفن من كورة أنصنا. والمدرة: واحدة المدر، والعرب تسمي القرية: المدرة، وأهل المدر: أهل القرى. والسحم: السود، جمع أسحم، وهو الشديد الأدمة، وفوقه: الصحمة - بالصاد -. والجعاد: المتكسرو الشعور، وهذه أوصاف أهل صعيد مصر غالبًا، وقد تقدَّم ذكر هاجر. والفرما: قرية من عمل صعيد مصر، سميت باسم بانيها، وهو الفرما بن قليقس، ويقال: ابن قليس، ومعناه: محب الغرس، وهو أخو الإسكندر [بن قليس اليوناني، ذكره الطبري، وذكر أن الإسكندر] (٢) حين بنى الإسكندرية، قال: أبني مدينة فقيرة إلى الله غنية عن الناس، وقال الفرما: أبني مدينة غنية عن الله فقيرة إلى الناس، فسلَّط الله تعالى عليها الخراب سريعًا، فذهب رسمها وبقيت الإسكندرية. وسميت مصر بمصر بن النبيط ولد كوش بن كنعان، وقال أبو العباس: اشتقاق مصر من المصر، وهو القطع، كأنها قُطعت من الخراب، ومنه: المصر: الحاجز، ومصور الدار: حدودها. وحفن: قرية مارية سُرِّية النبي ﷺ بالصعيد معروفة، وهي التي كلم الحسن بن علي معاوية أن يضع الخراج عن أهلها لوصية رسول الله ﷺ بهم، ففعل معاوية ذلك، ذكره أبو عبيد في الأموال. وأنصنا: مدينة السحرة، وحفن من عملها، والمقوقس: هو ملك مصر بعث له رسول الله ﷺ حاطب بن أبي بلتعة، وجبرًا مولى أبي رُهم بكتاب، فلم يبعد عن الإسلام، وأهدى له مارية، ويقال: وأختها سيرين، وبغلة تسمَّى: الدَّلدل. والدلدل: القنفذ العظيم. والمقوقس: المطوِّل للبناء. يقال في المثل: أنا في القوس، وأنت بالقوقوس فمتى نجتمع؟ !\n_________\n(١) ذكره ابن هشام في السيرة النبوية (١/ ٦).\n(٢) ما بين حاصرتين سقط من (ز).","vol":"6","page":500},{"text":"فَإِذَا رَأَيتَ رَجُلَينِ يَختَصِمَانِ فِيهَا فِي مَوضِعِ لَبِنَةٍ فَاخرُج مِنهَا، قَالَ: فَرَأَيتُ عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ شُرَحبِيلَ بنِ حَسَنَةَ وَأَخَاهُ رَبِيعَةَ يَختَصِمَانِ فِي مَوضِعِ لَبِنَةٍ فَخَرَجتُ مِنهَا.\nوفي أخرى: فاستوصوا بأهلها خيرا فإن لهم ذمة ورحما.\nرواه أحمد (٥/ ١٧٤)، ومسلم (٢٥٤٣) (٢٢٦ و٢٢٧).\n[٢٤٤٩] وعن أبي برزة قال: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا إِلَى حَيٍّ مِن أَحيَاءِ العَرَبِ فَسَبُّوهُ، وَضَرَبُوهُ، فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَخبَرَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَو أَنَّ أَهلَ عُمَانَ أَتَيتَ مَا سَبُّوكَ وَلَا ضَرَبُوكَ.\nرواه مسلم (٢٥٤٤).\n* * *\nــ\nو(قوله: فإذا رأيتم رجلين يختصمان فيها في موضع لبنة فاخرج منها) يعني بذلك: كثرة أهلها، ومشاحتهم في أرضها، واشتغالهم بالزراعة والغرس عن الجهاد، وإظهار الدين، ولذلك أمره بالخروج منها إلى مواضع الجهاد، ويحتمل أن يكون ذلك لأنَّ الناس إذا ازدحموا على الأرض، وتنافسوا في ذلك كثرت خصومتهم وشرورهم، وفشا فيهم البخل والشر، فيتعين الفرار من محل يكون كذلك، إن وجد محلَّا آخر خليًا عن ذلك، وهيهات كان هذا في الصدر الأول، وأما اليوم، فوجود ذلك في غاية البعد، إذ في كل واد بنو سعد. واللبنة: الطوبة، وتجمع لبن. وفيه من الفقه: الأمر بالرفق بأهل أرياف مصر، وصعيدها، والإحسان إليهم، وخصوصًا أهل تينك القريتين، لما ذكر من تينك الخصوصيتين.\nو(قوله - ﷺ -: لو أن أهل عمان أتيت ما سبُّوك ولا ضربوك) يروى عُمان بضم العين، وتخفيف الميم - وهو موضع بالشام (١)، ويعني: أن أهل عمان قوم\n_________\n(١) هذا الموضع ذكر بفتح العين وتشديد الميم. انظر: اللسان ومعجم البلدان.","vol":"6","page":501},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-919>(٨٤) باب في ثقيف كذاب ومبير</span>\n[٢٤٥٠] عَن أَبِي نَوفَلٍ قال: رَأَيتُ عَبدَ اللَّهِ بنَ الزُّبَيرِ عَلَى عَقَبَةِ المَدِينَةِ قَالَ: فَجَعَلَت قُرَيشٌ تَمُرُّ عَلَيهِ وَالنَّاسُ حَتَّى مَرَّ عَلَيهِ عَبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ، فَوَقَفَ عَلَيهِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيكَ أَبَا خُبَيبٍ، السَّلَامُ عَلَيكَ\nــ\nفيهم علم وعفاف وتثبُّت، والأشبه: أنهم أهل عمان التي قِبل اليمن، لأنَّهم ألين قلوبًا، وأرق أفئدة، وأما أهل عمان الشام فسلامة لك منهم وسلام، وأهل هذين الاسمين من عمن بالمكان: أقام به، ويقال: أعمن الرجل: إذا صار إلى عمان.\n(٨٤) ومن باب: في ثقيف كذاب ومبير\n(قول أبي نوفل: رأيت عبد الله بن الزبير على عقبة المدينة) يعني: أنه رآه مصلوبًا على خشبة على عقبة المدينة، صلبه الحجاج - بعد أن قتل في المعركة - منكسًا، وكان من حديثه ما قد تقدَّم بعضه، وذلك أنه لما مات معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، ولم يولِّ أحدًا، بقي الناس لا خليفة لهم، ولا إمام مدة قد تقدَّم ذكرها، فعند ذلك بايع الناس لعبد الله بن الزبير بمكة، واجتمع على طاعته أهل الحجاز، وأهل اليمن، والعراق وخراسان، وحج بالناس ثماني حجج، ثم بايع أهل الشام لمروان بن الحكم، واجتمع عليه أهل الشام، ومصر، والمغرب، وكان ابن الزبير أولى بالأمر من مروان وابنه على ما قاله مالك - وهو الحق - لعلم ابن الزبير، وفضله، وبيته، فجرت بينهم حروب وخطوب عظيمة، إلى أن توفي مروان وولي عبد الملك، واستفحل أمره بالحجاج، فوجه الحجاج إلى مكة في جيش عظيم، فحاصر فيها عبد الله بن الزبير مدة ستة أشهر وسبعة عشر يومًا، ثم دخل عليه، فقتل يوم الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى. وقيل: جمادى الآخرة، سنة ثلاث وسبعين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. قال المدائني:","vol":"6","page":502},{"text":"أَبَا خُبَيبٍ، السَّلَامُ عَلَيكَ أَبَا خُبَيبٍ، أَمَا وَاللَّهِ لَقَد كُنتُ أَنهَاكَ عَن هَذَا، أَمَا وَاللَّهِ لَقَد كُنتُ أَنهَاكَ عَن هَذَا، أَمَا وَاللَّهِ لَقَد كُنتُ أَنهَاكَ عَن هَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِن كُنتَ مَا عَلِمتُ صَوَّامًا قَوَّامًا وَصُولًا لِلرَّحِمِ، أَمَا وَاللَّهِ لَأُمَّةٌ أَنتَ شَرُّهَا لَأُمَّةٌ خَيرٌ.\nــ\nبويع له بالخلافة سنة [خمس وستين، وكان قبل ذلك لا يدعى باسم الخلافة، وقال غيره: بويع له بالخلافة سنة] (١) أربع وستين، ثم بقي مصلوبًا على خشبة إلى أن رحل عروة بن الزبير إلى عبد الملك بن مروان، فرغب إليه أن ينزل من الخشبة فأشفعه، فأنزل. قال ابن أبي مليكة: كنت الآذن لمن (٢) بشر أسماء بنزول ابنها عبد الله بن الزبير من الخشبة، فدعت بمركن وشبَّ يمان، وأمرتني بغسله، فكنَّا لا نتناول عضوًا إلا جاء معنا، وكنا نغسل العضو، ونضعه في أكفانه حتى فرغنا منه، وكانت أمه أسماء تقول قبل ذلك: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني بجثته، فما أتت عليها جمعة حتى ماتت. وفي مدة صلبه مرَّ به ابن عمر فقال: السلام عليك أبا خبيب، كناه بابن له يسمَّى خبيبًا، وكنيته الشهيرة أبو بكر.\nو(قول ابن عمر: أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا) أي: عن التعرض لهذا، وكأنه كان أشار عليه بالصلح، ونهاه عن قتالهم لما رأى من كثرة عدوه، وشدَّة شوكتهم، ثم إنه شهد بما علم من حاله فقال: أما والله إن كنت ما علمت صوَّاما، قواما، وصولًا للرحم. وكان يصوم الدهر، ويواصل الأيام، ويحيي الليل، وربما قرأ القرآن كله في ركعة الوتر، و(إن) التي مع كنت مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف، تقديره: إنك كنت، وما مع الفعل بتأويل المصدر.\nو(قوله: أما والله لأمة أنت شرها لأمة خير) يعني بذلك: أنهم إنما قتلوه\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ز).\n(٢) في الاستيعاب (٢/ ٣٠٥) -على هامش الإصابة-: كنتُ أوَّل مَن.","vol":"6","page":503},{"text":"ثُمَّ نَفَذَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ فَبَلَغَ الحَجَّاجَ مَوقِفُ عَبدِ اللَّهِ وَقَولُهُ، فَأَرسَلَ إِلَيهِ، فَأُنزِلَ عَن جِذعِهِ، فَأُلقِيَ فِي قُبُورِ اليَهُودِ، ثُمَّ أَرسَلَ إِلَى أُمِّهِ أَسمَاءَ بِنتِ أَبِي بَكرٍ فَأَبَت أَن تَأتِيَهُ، فَأَعَادَ عَلَيهَا الرَّسُولَ لَتَأتِيَنِّي أَو لَأَبعَثَنَّ إِلَيكِ مَن يَسحَبُكِ بِقُرُونِكِ، قَالَ: فَأَبَت وَقَالَت: وَاللَّهِ لَا آتِيكَ حَتَّى تَبعَثَ إِلَيَّ مَن يَسحَبُنِي بِقُرُونِي. قَالَ: فَقَالَ: أَرُونِي سِبتَيَّ فَأَخَذَ نَعلَيهِ، ثُمَّ انطَلَقَ يَتَوَذَّفُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيهَا، قَالَ: كَيفَ رَأَيتِنِي صَنَعتُ بِعَدُوِّ اللَّهِ؟ قَالَت: رَأَيتُكَ أَفسَدتَ عَلَيهِ دُنيَاهُ، وَأَفسَدَ عَلَيكَ آخِرَتَكَ. بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ: يَا ابنَ ذَاتِ النِّطَاقَينِ، أَنَا وَاللَّهِ ذَاتُ النِّطَاقَينِ؛ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكُنتُ أَرفَعُ بِهِ طَعَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَطَعَامَ أَبِي بَكرٍ مِن الدَّوَابِّ، وَأَمَّا الآخَرُ فَنِطَاقُ المَرأَةِ الَّتِي لَا تَستَغنِي عَنهُ، أَمَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَنَا أَنَّ فِي\nــ\nوصلبوه، لأنَّه شر الأمة في زعمهم، مع ما كان عليه من الفضل والدين والخير، فإذا لم يكن في تلك الأمة شر منه، فالأمة كلها أمة خير، وهذا الكلام يتضمَّن الإنكار عليهم فيما فعلوه به.\nو(قوله: فبلغ الحجاج موقف عبد الله وقوله، فأرسل إليه، فأنزل عن جذعه) ظاهر هذا: أنه إنما أنزله عن الخشبة لقول عبد الله وموقفه، وقد نقلنا: أن إنزاله كان عن سؤال عروة لعبد الملك في ذلك، فيجوز أن يكون اجتمع إذن (عبد الملك)، وموقف عبد الله، فكان إنزاله عنهما.\nو(نسحبك): نجرك. و(قرونها): الثوب الذي تنتطق به المرأة، أي: تحتزم. و(يتوذَّف): يمشي متبخترًا، وقيل: مسرعًا. و(المبير): المهلك، وكذلك كان الحجاج، فإنه روي أنه أحصي من قتله الحجاج صبرًا، فوجدوهم ثلاثين ألفًا، وأما من قتل في الحروب فلم يحصوا.\nوأما الكذاب فهو: المختار بن أبي عبيد الثقفي، فإنَّه ادعى النبوة، وتبعه على ذلك خلق كثير حتى قتله الله تعالى كما تقدم.","vol":"6","page":504},{"text":"ثَقِيفٍ كَذَّابًا وَمُبِيرًا، فَأَمَّا الكَذَّابُ فَرَأَينَاهُ، وَأَمَّا المُبِيرُ فَلَا إِخَالُكَ إِلَّا إِيَّاهُ، قَالَ: فَقَامَ عَنهَا وَلَم يُرَاجِعهَا.\nرواه مسلم (٢٥٤٥).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-920>(٨٥) باب ما ذكر في فارس</span>\n[٢٤٥١] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِندَ النَّبِيِّ ﷺ إِذ نَزَلَت عَلَيهِ سُورَةُ الجُمُعَةِ، فَلَمَّا قَرَأَ ﴿وَآخَرِينَ مِنهُم لَمَّا يَلحَقُوا بِهِم﴾ قَالَ رَجُلٌ: مَن هَؤُلَاءِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَلَم يُرَاجِعهُ النَّبِيُّ ﷺ\nــ\nو(قوله: فقام عنها، فلم يراجعها) قد حكي عنه أنه قال: اللهم! مبير لا كذاب.\nو(إخالك): أظنك، وكسر همزة إخالك لغة فصيحة، والفتح الأصل والقياس.\n(٨٥) ومن باب: ما ذكر في فارس\n(قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنهُم لَمَّا يَلحَقُوا بِهِم﴾ هو مخفوض معطوف على الأمِّيين (١)، ويجوز أن يكون منصوبًا معطوفًا على الضمير في يعلمهم. ولما يلحقوا بهم: أي لم يدخلوا في الإسلام، ولم يوجدوا وسيوجدون.\n_________\n(١) أي: من قوله تعالى في الآية التي قبلها: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ. . .﴾ [الجمعة: ٢].","vol":"6","page":505},{"text":"حَتَّى سَأَلَهُ مَرَّةً أَو مَرَّتَينِ أَو ثَلَاثًا - قَالَ: وَفِينَا سَلمَانُ الفَارِسِيُّ - قَالَ: فَوَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ عَلَى سَلمَانَ ثُمَّ قَالَ: لَو كَانَ الإِيمَانُ عِندَ الثُّرَيَّا لَنَالَهُ رِجَالٌ مِن هَؤُلَاءِ.\nوفي رواية: لَو كَانَ الدِّينُ عِندَ الثُّرَيَّا لَذَهَبَ بِهِ رَجُلٌ مِن فَارِسَ - أَو قَالَ مِن أَبنَاءِ فَارِسَ - حَتَّى يَتَنَاوَلَهُ.\nرواه أحمد (٢/ ٤١٧)، والبخاري (٤٨٩٧)، ومسلم (٢٥٤٦) (٢٣٠ و٢٣١)، والترمذيُّ (٣٣١٠)، والنَّسائي في الكبرى (٨٢٧٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-921>(٨٦) باب</span>\n[٢٤٥٢] عَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مِن أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا، نَاسٌ يَكُونُونَ بَعدِي، يَوَدُّ أَحَدُهُم لَو رَآنِي بِأَهلِهِ وَمَالِهِ.\nرواه البخاريُّ تعليقًا (٣٥٨٨)، ومسلم (٢٨٣٢).\n[٢٤٥٣] وعَن ابنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: تَجِدُونَ النَّاسَ كَإِبِلٍ مِائَةٍ لَا تجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً.\nرواه أحمد (٢/ ٨٨)، والبخاريُّ (٦٤٩٨)، ومسلم (٢٥٤٧)، والترمذيُّ (٢٨٧٢).\n* * *\nــ\nوأحسن ما قيل فيهم أنهم أبناء فارس بدليل نص هذا الحديث. وقد كثرت أقوال المفسرين في ذلك. وقد ظهر ذلك للعيان، فإنهم ظهر فيهم الدِّين، وكثر فيهم العلماء، فكان وجودهم كذلك دليلًا من أدلة صدق النبي - ﷺ -.\n(٨٦) باب\nو(قوله: تجدون الناس كإبل مائة، لا تجد فيها راحلة) قال الأزهري: الراحلة: الناقة النجيبة والجمل النجيب، والهاء فيها للمبالغة. كرجل داعية","vol":"6","page":506},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nونسابة. وسميت بذلك لأنها ترتحل، فهي فاعلة بمعنى مفعولة كعيشة راضية أي: مرضية. قال: ومعنى الحديث عندي: أن الكامل في الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة قليل.\nقلت: ويقع لي أن الذي يناسب التمثيل بالرَّاحلة إنما هو الرجل الكريم، الجواد، الذي يتحمَّل كل الناس وأثقالهم بما يتكلَّفه من القيام بحقوقهم، والغرامات عنهم، وكشف كربهم، فهذا هو القليل الوجود، بل: قد يصدق عليه اسم المفقود، وهذا أشبه القولين، والله تعالى أعلم.\nكمل كتاب المناقب، والحمد لله ربِّ العالمين.\n* * *","vol":"6","page":507},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-922>(٣٤) كتاب البر والصلة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-923>(١) باب في بر الوالدين وما للأم من البر</span>\n[٢٤٥٤] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَن أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَن؟ قَالَ: أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَن؟ قَالَ: أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَن؟ قَالَ: أَبُوكَ.\nــ\n(٣٤) كتاب البر والصلة\n(١) ومن باب: بر الوالدين\n(قوله: من أحق الناس بحسن صحابتي) أحق: أولى وأوكد، والصحابة: الصحبة، يقال: صحبه يصحبه صحبة وصحابة.\nو(قوله: أمك ثلاث مرات، وفي الرابعة: أبوك) يدلّ على صحَّة قول من قال: إن للأم ثلاثة أرباع البر، وللأب ربعه، ومعنى ذلك: أن حقهما - وإن كان واجبا - فالأم تستحق الحظ الأوفر من ذلك، وفائدة ذلك المبالغة في القيام بحق الأم، وأن حقها مقدم عند تزاحم حقها وحقه.","vol":"6","page":508},{"text":"وفي رواية: ثم أدناك أدناك\nرواه أحمد (٢/ ٣٢٧)، والبخاريُّ (٥٩٧١)، ومسلم (٢٥٤٨) (١ و٢)، وابن ماجه (٢٧٠٦).\n[٢٤٥٥] وعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمر قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَستَأذِنُهُ فِي الجِهَادِ، فَقَالَ: أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِد.\nــ\nو(قوله: ثم أدناك أدناك) يعني: أنك إذا قمت ببر الأبوين تعين عليك القيام بصلة رحمك، وتبدأ منهم بالأقرب إليك نسبا فالأقرب، وهذا كله عند تزاحم الحقوق، وأما عند التمكن من القيام بحقوق الجميع، فيتعين القيام بجميع ذلك.\nو(قوله: أما وأبيك لتنبأنه (١» قد تقدم الكلام في الأيمان على بالأب عند قوله: أفلح وأبيه إن صدق (٢). ولتنبأن: لتخبرن بذلك، والهاء للسكت، ويحتمل: أن تكون ضمير المصدر الذي دل عليه لتنبأن.\nو(قوله: جاء رجل يستأذنه في الجهاد. فقال: ألك أبوان؟ قال: نعم) فيه ما يدلّ على أن المفتي إذا خاف على السائل الغلط، أو عدم الفهم تعين عليه الاستفصال، وعلى أن الفروض والمندوبات مهما اجتمعت قدم الأهم منها، وأن القائم على الأبوين يكون له أجر مجاهد وزيادة.\nو(قوله: ففيهما فجاهد) أي: جاهد نفسك في برهما وطاعتهما، فهو الأولى بك، لأنَّ الجهاد فرض كفاية، وبر الوالدين فرض عين، فلو تعين الجهاد\n_________\n(١) لم تَردْ هذه العبارة في التلخيص، وانما وردتْ في الأم برقم (٢٥٤٨) (٣).\n(٢) رواه أحمد (١/ ١٦٢)، والبخاري (٤٦)، ومسلم (١١).","vol":"6","page":509},{"text":"رواه أحمد (٢/ ١٨٨)، والبخاريُّ (٣٠٠٤)، ومسلم (٢٥٤٩) (٥)، والترمذيُّ (١٦٧١)، والنسائي (٦/ ١٠).\n[٢٤٥٦] وعنه قال: أَقبَلَ رَجُلٌ إِلَى النَبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أُبَايِعُكَ عَلَى الهِجرَةِ وَالجِهَادِ، أَبتَغِي الأَجرَ مِن اللَّهِ. قَالَ: فَهَل مِن وَالِدَيكَ أَحَدٌ حَيٌّ؟ قَالَ: نَعَم كِلَاهُمَا. قَالَ: فَتَبتَغِي الأَجرَ مِن اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: فَارجِع إِلَى وَالِدَيكَ فَأَحسِن صُحبَتَهُمَا.\nرواه أحمد (٥/ ٣٦٨)، ومسلم (٢٥٤٩) (٦).\n* * *\nــ\nوكان والداه في كفاية، ولم يمنعاه، أو أحدهما من ذلك، بدأ بالجهاد. فلو لم يكونا في كفاية تعين عليه القيام بهما، فبدأ به، فلو كانا في كفاية ومنعاه لم يلتفت إلى منعهما، لأنَّهما عاصيان بذلك المنع، وإنما الطاعة في المعروف، كما لو منعاه من صلاة الفرض. فأمَّا الحج فله أن يؤخره السنة والسنتين ابتغاء رضاهما، قاله مالك. هذا وإن قلنا: إنه واجب على الفور مراعاة لقول من يقول: إنه على التراخي. وقد تقدَّم القول على ذلك في الحج.\nو(قول الأعرابي: أبايعك على الهجرة) أي: على أن أهجر دار قومي، وأهاجر إليك، فأقيم معك في المدينة، وهذا كان في زمن وجوب الهجرة.\nو(قوله: فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما) قد قدمنا ذكر الخلاف في وجوب الهجرة، هل كان على أهل مكة خاصة، أو كان على كل من أسلم؟ وعلى القولين فقد أسقط عنه الهجرة، لأن حق الوالدين أولى، لأنَّه إن كانت الهجرة عليه واجبة، فقد عارضها ما هو أوجب منها، وهو حق الوالدين، فقدم، وإن لم تكن واجبة عليه، فالواجب أولى على كل حال، لكنه إنما يصح هذا ممن يسلم له في موضعه دينه، فأمَّا لو خاف الفتنة على دينه لوجب عليه الفرار بدينه، وترك آبائه","vol":"6","page":510},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-924>(٢) باب ما يتقى من دعاء الأم</span>\n[٢٤٥٧] عَن أَبِي هُرَيرَةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَم يَتَكَلَّم فِي المَهدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ عِيسَى ابنُ مَريَمَ وَصَاحِبُ جُرَيجٍ، وَكَانَ جُرَيجٌ رَجُلًا عَابِدًا فَاتَّخَذَ صَومَعَةً فَكَانَ فِيهَا، فَأَتَتهُ أُمُّهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَت: يَا جُرَيجُ فَقَالَ:\nــ\nوأولاده، كما فعل المهاجرون الذين هم صفوة الله من عباده. وبر الوالدين واجب على الجملة بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة، وكذلك صلة الأرحام، وأما تفصيل ما يكون برا وصلة، وما لا يكون، فذلك يستدعي تفصيلا وتطويلا ليس هذا موضعه.\nومن باب: ما يتقى من دعاء الأم\n(قوله: لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة) المهد: أصله مصدر مهدت الشيء أمهده: إذا سويته وعدلته. فمهد الصبي: كل محل يسوى له ويوطأ، وقد يكون سريره، وقد يكون حجر أمه، كما قال قتادة: في قوله تعالى: ﴿كَيفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي المَهدِ صَبِيًّا﴾ أي: في حجر أمه. وظاهر هذا الحصر يقتضي أن لا يوجد صغير تكلم في المهد إلا هؤلاء الثلاثة، وهم: عيسى، وصبي جريج، والصبي المتعوذ من الجبار. وقد جاء من حديث صهيب (١) المذكور في تفسير سورة البروج في قصة الأخدود: أن امرأة جيء بها لتلقى في النار على إيمانها ومعها صبي لها في - غير كتاب مسلم: يرضع (٢) - فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها\n_________\n(١) رواه مسلم (٣٠٠٥)، والترمذي (٣٣٣٧).\n(٢) رواه أحمد في المسند (١/ ٣١٠) من حديث ابن عباس، وفي الدر المنثور (٨/ ٤٧٠) عن صُهيب، ولم ترد لفظة \"يرضع\".","vol":"6","page":511},{"text":"يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي فَأَقبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ فَانصَرَفَت، فَلَمَّا كَانَ مِن الغَدِ أَتَتهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَت: يَا جُرَيجُ فَقَالَ: يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي، فَأَقبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ فَانصَرَفَت، فَلَمَّا كَانَ مِن الغَدِ أَتَتهُ فَقَالَت: يَا جُرَيجُ فَقَالَ: أَي رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي فَأَقبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ فَقَالَت: اللَّهُمَّ لَا تُمِتهُ حَتَّى يَنظُرَ إِلَى وُجُوهِ المُومِسَاتِ، فَتَذَاكَرَ بَنُو إِسرَائِيلَ جُرَيجًا وَعِبَادَتَهُ وَكَانَت امرَأَةٌ بَغِيٌّ يُتَمَثَّلُ بِحُسنِهَا فَقَالَت: إِن شِئتُم لَأَفتِنَنَّهُ لَكُم. قَالَ: فَتَعَرَّضَت لَهُ فَلَم يَلتَفِت إِلَيهَا، فَأَتَت رَاعِيًا كَانَ يَأوِي إِلَى صَومَعَتِهِ فَأَمكَنَتهُ مِن نَفسِهَا\nــ\nالغلام: يا أمه! اصبري، فإنك على الحق. وقال ابن عباس - ﵄ -: إن شاهد يوسف كان صبيا في المهد، وقال الضحاك: تكلم في المهد ستة: شاهد يوسف، وصبي ماشطة امرأة فرعون وعيسى، ويحيى، وصاحب جريج، وصاحب الأخدود.\nقلت: فأسقط الضحاك صبي الجبار، وذكر مكانه يحيى، وعلى هذا فيكون المتكلمون في المهد سبعة، فبطل الحصر بالثلاثة المذكورين في الحديث.\nقلت: ويجاب عن ذلك: بأن الثلاثة المذكورين في الحديث هم الذين صح أنهم تكلموا في المهد، ولم يختلف فيهم فيما علمت، واختلف فيمن عداهم، فقيل: إنهم كانوا كبارا بحيث يتكلمون ويعقلون، وليس فيهم أصح من حديث صاحب الأخدود، ولم تسلم صحة الجميع، فيرتفع الإشكال بأن النبي ﷺ أخبر بما كان في علمه مما أوحي عليه في تلك الحال، ثم بعد هذا أعلمه الله تعالى بأشياء من ذلك، فأخبرنا بذلك على ما في علمه.\nو(قوله: يا رب أمي وصلاتي) قول يدلّ على: أن جريجا - ﵁ - كان عابدا، ولم يكن عالما؟ إذ بأدنى فكرة يدرك أن صلاته كانت ندبا، وإجابة أمه كانت عليه واجبة، فلا تعارض يوجب إشكالا، فكان يجب عليه تخفيف","vol":"6","page":512},{"text":"فَوَقَعَ عَلَيهَا فَحَمَلَت، فَلَمَّا وَلَدَت قَالَت: هُوَ مِن جُرَيجٍ، فَأَتَوهُ فَاستَنزَلُوهُ وَهَدَمُوا صَومَعَتَهُ وَجَعَلُوا يَضرِبُونَهُ فَقَالَ: مَا شَأنُكُم؟ قَالُوا:\nــ\nصلاته، أو قطعها، وإجابة أمه، لا سيما وقد تكرر مجيئها إليه، وتشوقها واحتياجها لمكالمته. وهذا كله يدلّ على تعين إجابته إياها، ألا ترى أنه أغضبها بإعراضه عنها، وإقباله على صلاته؟ ويبعد اختلاف الشرائع في وجوب بر الوالدين. وعند ذلك دعت عليه، فأجاب الله دعاءها تأديبا له، وإظهارا لكرامتها، والظاهر من هذا الدعاء أن هذه المرأة كانت فاضلة عالمة، ألا ترى كيف تحرزت في دعائها فقالت: اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات، فقالت: حتى ينظر، ولم تقل غير ذلك، وقد جاء في بعض طرق هذا الحديث: ولو دعت عليه أن يفتن لفتن. وهي أيضًا: لو كظمت غيظها وصبرت لكان ذلك الأولى بها، لكن لما علم الله تعالى صدق حالهما لطف بهما، وأظهر مكانتهما عنده بما أظهر من كرامتهما.\nوفائدته: تأكد سعي الولد في إرضاء الأم، واجتناب ما يغير قلبها، واغتنام صالح دعوتها، ولذلك قال ﷺ: الجنة تحت أقدام الأمهات (١) أي: من انتهى من التواضع لأمه بحيث لا يشق عليه أن يضع قدمها على خده استوجب بذلك الجنة، والأولى في هذا الحديث أن يقال: أنه خرج مخرج المثل الذي يقصد به الإغياء في المبرة والإكرام، وهو نحو من قوله ﷺ: الجنة تحت ظلال السيوف (٢).\nوالمومسات: جمع مومسة، وهي الزانية.\n_________\n(١) ذكره العجلوني في كشف الخفاء (١/ ٣٣٥) وقال: رواه الخطيب في جامعه، والقضاعي في مسنده عن أنس، ورواه الديلمي في مسند الفردوس (٢٦١١)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٢٣٤٧).\n(٢) رواه البخاري (٣٠٢٥)، ومسلم (١٧٤٢)، وأبو داود (٢٦٣١).","vol":"6","page":513},{"text":"زَنَيتَ بِهَذِهِ البَغِيِّ فَوَلَدَت مِنكَ، فَقَالَ: أَينَ الصَّبِيُّ؟ فَجَاؤوا بِهِ فَقَالَ: دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ، فَصَلَّى، فَلَمَّا انصَرَفَ أَتَى الصَّبِيَّ فَطَعَنَ فِي بَطنِهِ، فَقَالَ: يَا غُلَامُ مَن أَبُوكَ؟ قَالَ: فُلَانٌ الرَّاعِي، قَالَ: فَأَقبَلُوا عَلَى جُرَيجٍ يُقَبِّلُونَهُ وَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ، وَقَالُوا: نَبنِي لَكَ صَومَعَتَكَ مِن ذَهَبٍ، قَالَ: لَا أَعِيدُوهَا مِن طِينٍ، كَمَا كَانَت، فَفَعَلُوا. وَبَينَا صَبِيٌّ يَرضَعُ مِن أُمِّهِ فَمَرَّ رَجُلٌ\nــ\nو(قوله: يا غلام من أبوك؟ قال: فلان الراعي) يتمسك به من قال: إن الزنى يحرم كما يحرم الوطء الحلال، فلا تحل أم المزني بها، ولا بناتها للزاني، ولا تحل المزني بها لآباء الزاني، ولا لأولاده. وهي رواية ابن القاسم عن مالك في المدونة، وفي الموطأ: أن الزنى لا يحرم حلالا. ويستدل به أيضًا: أن المخلوقة من ماء الزاني لا تحل للزاني بأمها، وهو المشهور، وقد قال عبد الملك بن الماجشون: أنها تحل، ووجه التمسك على تينك المسألتين: أن النبي ﷺ قد حكى عن جريج أنه نسب ابن الزنى للزاني، وصدق الله نسبته بما خرق له من العادة في نطق الصبي بالشهادة له بذلك، فقد صدق الله جريجا في تلك النسبة وأخبر بها النبي ﷺ عن جريج في معرض المدح لجريج وإظهار كرامته، [فكانت تلك النسبة صحيحة بتصديق الله وبإخبار النبي ﷺ عن ذلك فثبتت البنوة] (١) وأحكامها. لا يقال: فيلزم على هذا أن تجري بسببهما أحكام البنوة والأبوة من التوارث، والولايات، وغير ذلك، وقد اتفق المسلمون على: أنه لا توارث بينهما، فلم تصح تلك النسبة، لأنَّا نجيب عن ذلك بأن ذلك موجب ما ذكرناه، وقد ظهر ذلك في الأم من الزنى؟ فإنَّ أحكام البنوة والأمومة جارية عليهما، فما انعقد الإجماع عليه من الأحكام: أنه لا يجري بينهما استثنيناه، وبقي الباقي على أصل ذلك الدليل. وفيها مباحث تستوفى في غير هذا الموضع - إن شاء الله تعالى -.\nو(قوله: نبني صومعتك من ذهب. قال: لا! إلا من طين كما كانت) يدل\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).","vol":"6","page":514},{"text":"رَاكِبٌ عَلَى دَابَّةٍ فَارِهَةٍ وَشَارَةٍ حَسَنَةٍ، فَقَالَت أُمُّهُ: اللَّهُمَّ اجعَل ابنِي مِثلَ هَذَا، فَتَرَكَ الثَّديَ وَأَقبَلَ إِلَيهِ فَنَظَرَ إِلَيهِ فَقَال: اللَّهُمَّ لَا تَجعَلنِي مِثلَهُ، ثُمَّ أَقبَلَ عَلَى ثَديِهِ فَجَعَلَ يَرتَضِعُ، فَكَأَنِّي أَنظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَحكِي ارتِضَاعَهُ بِإِصبَعِهِ السَّبَّابَةِ فِي فَمِهِ، فَجَعَلَ يَمُصُّهَا، قَالَ: وَمَرُّوا بِجَارِيَةٍ وَهُم يَضرِبُونَهَا وَيَقُولُونَ: زَنَيتِ سَرَقتِ وَهِيَ تَقُولُ: حَسبِيَ اللَّهُ وَنِعمَ الوَكِيلُ، فَقَالَت أُمُّهُ: اللَّهُمَّ لَا تَجعَل ابنِي مِثلَهَا، فَتَرَكَ الرَّضَاعَ، وَنَظَرَ إِلَيهَا فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجعَلنِي مِثلَهَا، فَهُنَاكَ تَرَاجَعَا الحَدِيثَ. فَقَالَت: حَلقَى مَرَّ رَجُلٌ حَسَنُ الهَيئَةِ فَقُلتُ: اللَّهُمَّ اجعَل ابنِي مِثلَهُ فَقُلتَ: اللَّهُمَّ لَا تَجعَلنِي مِثلَهُ، وَمَرُّوا بِهَذِهِ الأَمَةِ وَهُم يَضرِبُونَهَا، وَيَقُولُونَ: زَنَيتِ سَرَقتِ فَقُلتُ: اللَّهُمَّ لَا تَجعَل ابنِي مِثلَهَا فَقُلتَ: اللَّهُمَّ اجعَلنِي مِثلَهَا، قَالَ: إِنَّ ذَاكَ الرَّجُلَ كَانَ جَبَّارًا فَقُلتُ: اللَّهُمَّ لَا تَجعَلنِي مِثلَهُ، وَإِنَّ هَذِهِ يَقُولُونَ لَهَا: زَنَيتِ وَلَم تَزنِ، سَرَقتِ وَلَم تَسرِق فَقُلتُ: اللَّهُمَّ اجعَلنِي مِثلَهَا.\nــ\nعلى أن: من تعدى على جدار أو دار وجب عليه أن يعيده على حالته، إذا انضبطت صفته، وتمكنت مماثلته، ولا تلزم قيمة ما تعدى عليه، وقد بوب البخاري على حديث جريج هذا: من هدم حائطا بنى مثله، وهو تصريح بما ذكرناه، وهو مقتضى قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعتَدَى عَلَيكُم فَاعتَدُوا عَلَيهِ بِمِثلِ مَا اعتَدَى عَلَيكُم﴾ فإن تعذرت المماثلة فالمرجع إلى القيمة، وهو مذهب الكوفيين والشافعي، وأبي ثور في الحائط، وفي العتبية عن مالك مثله، ومذهب أهل الظاهر في كل متلف هذا. ومشهور مذهب مالك وأصحابه، وجماعة من العلماء: أن فيه وفي سائر المتلفات المضمونات القيمة؟ إلا ما يرجع إلى الكيل والوزن؟ بناء منهم على أنه: لا تتحقق المماثلة إلا فيهما.\nوالدابة الفارهة: الحسنة النجيبة، والشارة: الهيئة المزينة التي يشار إليها من","vol":"6","page":515},{"text":"وفي رواية: فَوَصَفَ أبو هُرَيرَةَ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُمّ جريج حِينَ دَعَتهُ كَيفَ جَعَلَت كَفَّهَا فَوقَ حَاجِبِهَا، ثُمَّ رَفَعَت رَأسَهَا إِلَيهِ تَدعُوهُ، فَقَالَت: يَا جُرَيجُ أَنَا أُمُّكَ كَلِّمنِي فَصَادَفَتهُ يُصَلِّي، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي، فَاختَارَ صَلَاتَهُ، فَقَالَت في الثالثة: اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا جُرَيجٌ وَهُوَ\nــ\nحسنها. وحلقى - غير مصروف -، لأنَّ ألفه للتأنيث كسكرى، وهي كلمة جرت في كلامهم مجرى المثل، وأصلها فيمن أصيب حلقها بوجع، وقد تقدَّم: أن عقرى وحلقى: من الكلمات التي جرت على ألسنتهم في معرض الدعاء غير المقصود.\nوأم هذا الصبي الرضيع نظرت إلى الصورة الظاهرة فاستحسنت صورة الرجل وهيأته، فدعت لابنها بمثل هذا، واستقبحت صورة الأمة وحالتها، فدعت ألا يجعل ابنها في مثل حالتها، فأراد الله تعالى بلطفه تنبيهها بأن أنطق لها ابنها الرضيع بما تجب مراعاته من الأحوال الباطنة، والصفات القلبية. وهذا كما قال النبي ﷺ: إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم (١)، وكما قال بعض حكماء الشعراء:\nليس الجمال بمئزر ... فاعلم وإن رديت بردا\nإن الجمال معادن ... ومناقب أورثن مجدا\nوهذا الصبي ظاهره أن الله تعالى خلق فيه عقلا وإدراكا كما يخلقه في الكبار عادة، ففهم كما يفهمون، ويكون خرق العادة في كونه خلق له ذلك قبل أوانه، ويحتمل أن يكون أجرى الله ذلك الكلام على لسانه وهو لا يعقله، كما خلق في الذراع والحصى كلاما له معنى صحيح، مع مشاهدة تلك الأمور باقية على جمادتها، كل ذلك ممكن، والقدرة صالحة، والله تعالى أعلم بالواقع منهما.\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٥٣٩)، ومسلم (٢٥٦٤) (٣٤)، وابن ماجه (٤١٤٣).","vol":"6","page":516},{"text":"ابنِي وَإِنِّي كَلَّمتُهُ، فَأَبَى أَن يُكَلِّمَنِي، اللَّهُمَّ فَلَا تُمِتهُ حَتَّى تُرِيَهُ وجه المُومِسَاتِ، قَالَ: وَلَو دَعَت عَلَيهِ أَن يُفتَتنَ لَفُتِنَ، وذكر نحو قصة جريج لا غير.\nرواه أحمد (٢/ ٣٠٧)، والبخاريُّ (٢٤٨٢)، ومسلم (٢٥٥٠) (٧ و٨).\n* * *\nــ\nفأمَّا عيسى - ﵇ - فخلق الله له في مهده ما خلق للعقلاء والأنبياء، في حال كمالهم من العقل الكامل، والفهم الثاقب، كما شهد له بذلك القرآن. وفي هذا الحديث ما يدلّ على صحة وقوع كرامات الأولياء، وهذا قول جمهور - أهل السنة والعلماء، وقد نسب لبعض العلماء إنكارها، والظن بهم: أنهم ما أنكروا أصلها، لتجويز العقل لها، ولما وقع في الكتاب والسنة وأخبار صالحي هذه الأمة مما يدل على وقوعها، وإنَّما محل الإنكار ادعاء وقوعها ممن ليس موصوفا بشروطها، ولا هو أهل لها، وادعاء كثرة وقوع ذلك دائما متكررا حتى يلزم عليه أن يرجع خرق العادة عادة، وذلك إبطال لسنة الله، وحسم السبل الموصلة إلى معرفة نبوة أنبياء الله تعالى.\n* * *","vol":"6","page":517},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-925>(٣) باب المبالغة في بر الوالدين عند الكبر وبر أهل ودهما</span>\n[٢٤٥٨] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قال: قال رسول الله ﷺ: رَغِمَ أَنفُه ثُمَّ رَغِمَ أَنفُه ثُمَّ رَغِمَ أَنفُه، قِيلَ: مَن يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَن أَدرَكَ والديه\nــ\n(٣) ومن باب: المبالغة في بر الوالدين\n(قوله: رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه) يقال: بكسر الغين وفتحها، لغتان. رغم: بفتح الراء وكسرها وضمها، ومعناه: لصق بالرغام - بفتح الراء -: وهو التراب، وأرغم الله أنفه، أي: ألصقه به، وهذا من النبي ﷺ دعاء مؤكد على من قصر في بر أبويه، ويحتمل وجهين:\nأحدهما: أن يكون معناه: [صرعه الله لأنفه فأهلكه، وهذا إنما يكون في حق من لم يقم بما يجب عليه من برهما.\nوثانيهما: أن يكون معناه] (١): أذله الله، لأنَّ من ألصق أنفه -الذي هو أشرف أعضاء الوجه - بالتراب - الذي هو موطئ الأقدام وأخس الأشياء - فقد انتهى من الذل إلى الغاية القصوى، وهذا يصلح أن يدعى به على من فرط في متأكدات المندوبات، ويصلح لمن فرط في الواجبات، وهو الظاهر، وتخصيصه عند الكبر بالذكر - وإن كان برهما واجبا على كل حال - إنما كان ذلك لشدة حاجتهما إليه، ولضعفهما عن القيام بكثير من مصالحهما، وليبادر الولد اغتنام فرصة برهما؟ لئلا تفوته بموتهما، فيندم على ذلك.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).","vol":"6","page":518},{"text":"عِندَ الكِبَرِ أَحَدَهُمَا أَو كِلَيهِمَا، ثم لَم يَدخُل الجَنَّةَ.\nرواه مسلم (٢٥٥١) (١٠)، والترمذيُّ (٣٥٣٩).\nــ\nو(قوله: أحدهما أو كليهما) كذا الروايات الصحيحة بنصب أحدهما وكليهما، لأنَّه بدل من والديه المنصوب بأدرك، وقد وقع في بعض النسخ: أحدهما أو كلاهما مرفوعين على الابتداء، ويتكلف لهما إضمار الخبر، والأول أولى (١).\nو(قوله: ثم لم يدخل الجنة) معناه: دخل النار لانحصار منزلتي الناس في الآخرة بين جنة ونار، كما قال: ﴿فَرِيقٌ فِي الجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ فمن قيل فيه: لم يدخل النار منهم، إنه في الجنة، وبالعكس، وأو المذكورة هنا للتقسيم، ومعناه: أن المبالغة في بر أحد الأبوين - عند عدم الآخر - يدخل الولد الجنة، كالمبالغة في برهما معا، ويعني بهذه المبالغة: المبرة التي تتعين لهما في حياتهما، وقد يتعين لهما أنواع من البر بعد موتهما، كما قد فعل عبد الله بن عمر مع الأعرابي الذي وصله بالعمامة والحمار، ثم ذكر ما سمعه من النبي ﷺ في ذلك، وكما روى أبو داود عن أبي أسيد قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: نعم! الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما (٢).\nولا خلاف في أن عقوق الوالدين محرم، وكبيرة من الكبائر، وقد دل على ذلك الكتاب في غير موضع وصحيح السنة، كما روى النسائي والبزار من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه،\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (م ٤).\n(٢) رواه أحمد (٣/ ٤٩٧ و٤٩٨)، وأبو داود (٥١٤٢)، وابن ماجه (٣٦٦٤).","vol":"6","page":519},{"text":"[٢٤٥٩] وعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ دِينَارٍ، عَن عبد الله بنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ كَانَ لَهُ حِمَارٌ يَتَرَوَّحُ عَلَيهِ إِذَا مَلَّ رُكُوبَ الرَّاحِلَةِ وَعِمَامَةٌ يَشُدُّ بِهَا رَأسَهُ، فَبَينَا هُوَ يَومًا عَلَى ذَلِكَ الحِمَارِ إِذ مَرَّ بِهِ أَعرَابِيٌّ فَقَالَ: أَلَستَ ابنَ فُلَانِ ابنِ فُلَانٍ؟ قَالَ: بَلَى فَأَعطَاهُ الحِمَارَ، وَقَالَ: اركَب هَذَا، وَالعِمَامَةَ فاشدُد بِهَا رَأسَكَ، فَقَالَ لَهُ بَعضُ أَصحَابِهِ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، أَعطَيتَ هَذَا الأَعرَابِيَّ حِمَارًا كُنتَ تَرَوَّحُ عَلَيهِ، وَعِمَامَةً كُنتَ تَشُدُّ بِهَا رَأسَكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ مِن أَبَرِّ البِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعدَ أَن يُوَلِّيَ، وَإِنَّ أَبَاهُ كَانَ صَدِيقًا لِعُمَرَ.\nرواه مسلم (٢٥٥٢) (١٣).\n* * *\nــ\nوالديوث والمرأة المرجلة تشبع بالرجال، وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والمنان عطاءه ومدمن الخمر (١).\nوعقوق الوالدين: مخالفتهما في أغراضهما الجائزة لهما، كما أن برهما موافقتهما على أغراضهما الجائزة لهما، وعلى هذا إذا أمرا أو أحدهما ولدهما بأمر وجبت طاعتهما فيه إذا لم يكن ذلك الأمر معصية، وإن كان ذلك المأمور به من قبيل المباحات في أصله، وكذلك إذا كان من قبيل المندوبات، [وقد ذهب بعض الناس إلى أن أمرهما بالمباح يصيره في حق الولد مندوبا إليه، وأمرهما بالمندوب] (٢) يزيده تأكيدا في ندبيته، والصحيح الأول؛ لأن الله تعالى قد قرن طاعتهما، والإحسان إليهما بعبادته وتوحيده فقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعبُدُوا إِلا\n_________\n(١) رواه النسائي في الكبرى (٢٣٤٣)، والبزار كما في كشف الأستار (١٧٨٥).\n(٢) ما بين حاصرتين سقط من (م ٤).","vol":"6","page":520},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-926>(٤) باب في البر والإثم</span>\n[٢٤٦٠] عَن النَوَّاسِ بنِ سِمعَانَ الأنصاري قَالَ: أَقَمتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ سَنَةً مَا يَمنَعُنِي مِن الهِجرَةِ إِلَّا المَسأَلَةُ كَانَ أَحَدُنَا\nــ\nإِيَّاهُ وَبِالوَالِدَينِ إِحسَانًا﴾ وقال: ﴿وَوَصَّينَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيهِ حُسنًا﴾ في غير ما موضع، وكذلك جاءت في السنة أحاديث كثيرة تقتضي لزوم طاعتهما فيما أمرا به، فمنها ما رواه الترمذي عن ابن عمر - ﵄ - قال: كان تحتي امرأة أحبها، وكان أبي يكرهها، فأمرني أن أطلقها، فأبيت، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: يا عبد الله بن عمر! طلق امرأتك (١). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. فإنَّ قيل: فكيف يرتفع حكم الله الأصلي بحكم غيره الطارئ؟ فالجواب: أنه لم يرتفع حكم الله بحكم غيره بل بحكمه، وذلك أنه لما أوجب علينا طاعتهما، والإحسان إليهما، وكان من ذلك امتثال أمرهما؟ وجب ذلك الامتثال لأنَّه لا يحصل ما أمرنا الله به إلا بذلك الامتثال، ولأنهما إن خولفا في أمرهما حصل العقوق الذي حرمه الله تعالى، فوجب أمرهما على كل حال بإيجاب الله تعالى.\n(٤) ومن باب: البر والإثم\nذكر مسلم في هذا الباب النواس بن سمعان، ونسبه إلى الأنصار، فقال: الأنصاري، والمشهور في نسبه أنه كلابي، إلا أن يكون حليفا للأنصار، وهو: النواس بن سمعان بن خالد بن عمرو بن قرط بن كلاب (٢)، هكذا نسبه الغلابي ويحيى بن معين.\n_________\n(١) رواه الترمذي (١١٨٩).\n(٢) في (م ٤): بن قرط بن عدي بن أبي بكر بن كلاب.","vol":"6","page":521},{"text":"إِذَا هَاجَرَ لَم يَسأَل رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَن شَيءٍ، قَالَ: فَسَأَلتُهُ عَن البِرِّ وَالإِثمِ،\nــ\nقلت: هذا كله حكاية أبي عبد الله المازري، والذي ذكره أبو عمر في نسبه أنه قال: النواس بن سمعان بن خالد بن عبد الله بن أبي بكر بن ربيعة الكلابي. وبين النسبين زيادة في الأجداد، وتغيير في الأسماء، فتأمله.\nو(قوله: أقمت مع رسول الله ﷺ بالمدينة سنة ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة) يعني: أنه أقام بالمدينة في صورة العازم على الرجوع إلى الوطن الذي جاء منه، لا أنه التزم أحكام الهجرة من الاستيطان بها، والكون فيها ساكنا بها مع رسول الله ﷺ. وهذا يدل على أن الهجرة ما كانت واجبة على كل من أسلم، وقد تقدم الخلاف في ذلك، وقد بين عذره في كونه لم يلتزم سكنى المدينة، وهو قوله: ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة، أي: الأسولة (١) التي كان يسأل رسول الله ﷺ عنها، وإنما كان ذلك لأن المهاجرين والقاطنين بالمدينة كانوا يكلفونه المسائل، لأنَّهم ما كانوا يسألون رسول الله ﷺ عن شيء، ولذلك قال: كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل رسول الله ﷺ عن شيء. وقد تمم هذا المعنى أنس بن مالك حيث قال: نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ في القرآن عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل العاقل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع. وقد تقدَّم القول في ذلك.\nو(قوله: فسألته عن البر والإثم) أي: عما يبر فاعله فيلحق بالأبرار، وهم المطيعون لله تعالى. وعما يأثم فاعله، فيلحق بالآثمين، فأجابه النبي ﷺ بجواب جملي أغناه به عن التفصيل، فقال له: البر حسن الخلق يعني: أن حسن الخلق أعظم خصال البر، كما قال: الحج عرفة (٢) ويعني بحسن الخلق: الإنصاف في المعاملة، والرفق في المجادلة، والعدل في الأحكام، والبذل، والإحسان.\n_________\n(١) هذه لغة في الأسئلة. انظر: اللسان مادة (سول).\n(٢) رواه أحمد (٤/ ٣٠٩)، وأبو داود (١٩٤٩)، والترمذي (٨٨٩)، والنسائي (٥/ ٢٦٤): وابن ماجه (٣٠١٥).","vol":"6","page":522},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: البِرُّ حُسنُ الخُلُقِ، وَالإِثمُ مَا حَاكَ فِي نَفسِكَ، وَكَرِهتَ أَن يَطَّلِعَ عَلَيهِ النَّاسُ.\nرواه أحمد (٤/ ١٨٢)، ومسلم (٢٥٥٣) (١٥)، والترمذي (٢٣٨٩).\n* * *\nــ\nو(قوله: والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس) أي: الشيء الذي يؤثر نفرة وحزازة في القلب. يقال: حاك الشيء في قلبي: إذا رسخ فيه وثبت، ولا يحيك هذا في قلبي، أي: لا يثبت فيه، ولا يستقر. قال شمر: الكلام الحائك: هو الراسخ في القلب، وإنما أحاله النبي ﷺ على هذا الإدراك القلبي، لما علم من جودة فهمه، وحسن قريحته، وتنوير قلبه، وأنه يدرك ذلك من نفسه. وهذا كما قال في الحديث الآخر: الإثم حزاز القلوب (١) يعني به القلوب المنشرحة للإسلام، المنورة بالعلم الذي قال فيه مالك: العلم نور يقذفه الله تعالى في القلب، وهذا الجواب لا يصلح لغليظ الطبع (٢) قليل الفهم، فإذا سأل عن ذلك من قل فهمه فصلت له الأوامر والنواهي الشرعية. وقد قالت عائشة - ﵂ -: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم (٣).\n* * *\n_________\n(١) رواه البيهقي في شعب الإيمان (٧٢٧٧) من حديث عبد الله بن مسعود.\n(٢) في (ز): القلب.\n(٣) رواه أبو داود (٤٨٤٢) بلفظ: \"أنزلوا الناسَ منازلهم\" مرفوعًا من حديث عائشة -﵂-.","vol":"6","page":523},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-927>(٥) باب في وجوب صلة الرحم وثوابها</span>\n[٢٤٦١] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الخَلقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنهُم قَامَت الرَّحِمُ، فَقَالَت: هَذَا مَقَامُ العَائِذِ بك مِن القَطِيعَةِ قَالَ: نَعَم، أَمَا تَرضَينَ أَن أَصِلَ مَن وَصَلَكِ، وَأَقطَعَ مَن قَطَعَكِ؟\nــ\n(٥) ومن باب: وجوب صلة الرحم\n(قوله: إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم) خلق هنا: بمعنى اخترع، وأصله: التقدير، كما تقدَّم. والخلق هنا: بمعنى المخلوق، وأصله مصدر، يقال: خلق يخلق خلقا: إذا قدر، وإذا اخترع. قال زهير:\nولأنت تفري ما خلقت وبعـ ... ـض القوم يخلق ثمَّ لا يفري\nأي: تقطع ما قدرت. وقال الله تعالى: ﴿هَذَا خَلقُ اللَّهِ﴾ أي: مخلوقه. ومعنى فرغ منهم: أي كمل خلقهم، لا أنه اشتغل بهم، ثم فرغ من شغله بهم، إذ ليس فعله بمباشرة، ولا بمناولة، ولا خلقه بآلة، ولا محاولة، تعالى عما يتوهمه المتوهمون، وسبحانه إذا أراد شيئا، فإنما يقول له: كن فيكون.\nو(قوله: قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة) هذا الكلام من المجاز المستعمل، والاتساع المشهور، إذ الرحم عبارة عن قرابات الرجل من جهة طرفي آبائه وإن علوا، وأبنائه وإن نزلوا، وما يتصل بالطرفين من الأعمام والعمات، والأخوال والخالات، والإخوة والأخوات، ومن يتصل بهم من أولادهم برحم جامعة. والقرابة إذا نسبة من النسب، كالأبوة، والأخوة، والعمومة، وما كان كذلك استحال حقيقة القيام والكلام، فيحمل هذا الكلام على التوسع، ويمكن حمله على أحد وجهين:","vol":"6","page":524},{"text":"قَالَت: بَلَى، قَالَ: فَذَاكِ لَكِ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اقرَؤوا إِن شِئتُم فَهَل عَسَيتُم إِن تَوَلَّيتُم أَن تُفسِدُوا فِي الأَرضِ وَتُقَطِّعُوا أَرحَامَكُم أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُم اللَّهُ فَأَصَمَّهُم وَأَعمَى أَبصَارَهُم أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القُرآنَ أَم عَلَى قُلُوبٍ أَقفَالُهَا.\nرواه البخاريُّ (٥٩٨٧)، ومسلم (٢٥٥٤).\nــ\nأحدهما: أن يكون الله تعالى أقام من يتكلم عن الرحم من الملائكة، فيقول ذلك، وكأنه وكل بهذه العبادة من يناضل عنها، ويكتب ثواب من وصلها، ووزر من قطعها، كما قد وكل الله بسائر الأعمال كراما كاتبين، وبمشاهدة أوقات الصلوات ملائكة متعاقبين.\nوثانيهما: أن ذلك على وجه التقدير والتمثيل المفهم للإغياء، وشدة الاعتناء، فكأنه قال: لو كانت الرحم ممن يعقل ويتكلم لقالت هذا الكلام، كما قال تعالى: ﴿لَو أَنزَلنَا هَذَا القُرآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشيَةِ اللَّهِ﴾ ثم قال: ﴿وَتِلكَ الأَمثَالُ نَضرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُم يَتَفَكَّرُونَ﴾\nوعلى التقديرين فمقصود هذا الكلام: الإخبار بتأكد أمر صلة الرحم؟ وأنه تعالى قد نزلها منزلة من قد استجار به فأجاره، وأدخله في ذمته وخفارته، وإذا كان كذلك فجار الله تعالى غير مخذول، وعهده غير منقوض؛ ولذلك قال مخاطبا للرحم: أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ ! وهذا كما قال ﷺ: من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنَّه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه، ثم يكبه على وجهه في النار (١).\nوقوله ﷺ: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَهَل عَسَيتُم إِن تَوَلَّيتُم أَن تُفسِدُوا فِي الأَرضِ وَتُقَطِّعُوا أَرحَامَكُم﴾ عسى: من أفعال المقاربة، ويكون رجاء وتحقيقا، قال الجوهري: عسى من الله واجبة في جميع القرآن إلا قوله تعالى:\n_________\n(١) رواه مسلم (٦٥٧)، والترمذي (٢٢٢).","vol":"6","page":525},{"text":"[٢٤٦٢] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالعَرشِ تَقُولُ: مَن وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَن قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ.\nرواه أحمد (٦/ ٦٢)، والبخاريُّ (٥٩٨٩)، ومسلم (٢٥٥٥).\n[٢٤٦٣] وعن جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ. قَالَ سُفيَانُ: يَعنِي: قَاطِعَ الرَحِمٍ.\nــ\n﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبدِلَهُ أَزوَاجًا خَيرًا مِنكُنَّ﴾ وإذا اتصل بعسى ضمير فاعل كان فيها لغتان، فتح السين وكسرها، وقرئ بهما، وظاهر الآية: أنه خطاب لجميع الكفار. قال قتادة: معنى الآية: فلعلكم - أو يخاف عليكم - إن أعرضتم عن الإيمان أن تعودوا إلى الفساد في الأرض بسفك الدماء.\nقلت: وعلى هذا فتكون الرحم المذكورة هنا رحم دين الإسلام والإيمان التي قد سماها الله إخوة بقوله: ﴿إِنَّمَا المُؤمِنُونَ إِخوَةٌ﴾ وقال الفراء: نزلت هذه الآية في بني هاشم وبني أمية. وعلى هذا فتكون رحم القرابة، وعلى هذا فالرحم المحرم قطعها، المأمور بصلتها على وجهين؛ عامة وخاصة.\nفالعامة: رحم الدين، وتجب مواصلتها بملازمة الإيمان، والمحبة لأهله ونصرتهم، والنصيحة لهم، وترك مضارتهم، والعدل بينهم، والنصفة في معاملتهم، والقيام بحقوقهم الواجبة كتمريض المرضى، وحقوق الموتى: من غسلهم، والصلاة عليهم، ودفنهم، وغير ذلك من الحقوق المترتبة لهم.\nوأما الرحم الخاصة: فتجب لهم الحقوق العامة، وزيادة عليها كالنفقة على القرابة القريبة، وتفقد أحوالهم، وترك التغافل عن تعاهدهم في أوقات ضروراتهم، وتتأكد في حقهم حقوق الرحم العامة، حتى إذا تزاحمت الحقوق بدئ بالأقرب فالأقرب كما تقدَّم.\nو(قوله: لا يدخل الجنة قاطع) قال سفيان يعني: قاطع رحم. هذا التفسير","vol":"6","page":526},{"text":"رواه أحمد (٤/ ٨٤)، والبخاريُّ (٥٩٨٤)، ومسلم (٥٥٦)، وأبو داود (١٦٩٦)، والترمذي (١٩٠٩).\nــ\nصحيح لكثرة مجيء لفظ قاطع في الشرع مضافا إلى الرحم، فإذا ورد عريا عن الإضافة حمل على ذلك الغالب. والكلام في كون القاطع لا يدخل الجنة قد تقدَّم في الإيمان؛ وأنه يصح أن يحمل على المستحل لقطع الرحم، فيكون القاطع كافرا، أو يخاف أن يفسد قلبه بسبب تلك المعصية فيختم عليه بالكفر، فلا يدخل الجنة، أو لا يدخل الجنة في الوقت الذي يدخلها الواصل لرحمه، لأنَّ القاطع يحبس في النار بمعصيته، ثم بعد ذلك يخلص منها بتوحيده، كل ذلك محتمل، والله ورسوله أعلم بعين المقصود.\nوهذا الحديث يدلّ دلالة واضحة على وجوب صلة الرحم على الجملة، وعلى تحريم قطعها، وأنه كبيرة. ولا خلاف فيه. لكن الصلة درجات بعضها أرفع من بعض، فأدناها ترك المهاجرة، وأدنى صلتها بالسلام (١). كما قال ﷺ: صلوا أرحامكم ولو بالسلام (٢) وهذا بحسب القدرة عليها، والحاجة إليها، فمنها ما يتعين ويلزم، ومنها ما يستحب ويرغب فيه، وليس من لم يبلغ أقصى الصلات يسمى قاطعا، ولا من قصر عما ينبغي له، ويقدر عليه يسمى واصلا. قال القاضي: وقد اختلف في الرحم التي تجب صلتها، فقال بعض أهل العلم: هي كل رحم محرم، وعلى هذا فلا تجب في بني الأعمام وبني الأخوال، وقيل: بل هذا في كل رحم ممن ينطلق عليه ذلك من ذوي الأرحام في المواريث محرما كان، أو غير محرم.\n_________\n(١) كذا في جميع نسخ المفهم، وما وردَ في \"إكمال إكمال المعلم\" أوضح في بيان المقصود. قال الأُبيُّ: والصِّلة درجات بعضها فوق بعض، وأدناه تركُ المهاجرة، والكلام ولو بالسلام. إكمال إكمال المعلم (٧/ ١٢).\n(٢) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٥٢) وقال: رواه البزار، وفيه يزيد بن عبد الله بن البراء الغنوي، وهو ضعيف.","vol":"6","page":527},{"text":"[٢٤٦٤] عن أَنَسُ بنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَن سره أَن يُبسَطَ لَهُ فِي رِزقِهِ وَيُنسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَليَصِل رَحِمَهُ.\nرواه أحمد (٣/ ٢٢٩)، والبخاري (٥٩٨٦)، ومسلم (٢٥٥٧) (٢٠)، وأبو داود (١٦٩٣).\n[٢٤٦٥] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُم وَيَقطَعُونِي، وَأُحسِنُ إِلَيهِم وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحلُمُ عَنهُم وهم يَجهَلُونَ عَلَيَّ،\nــ\nقلت: فيخرج من هذا: أن رحم الأم التي لا يتوارث بها لا تجب صلتهم، ولا يحرم قطعهم، وهذا ليس بصحيح، والصواب ما ذكرناه قبل هذا من التعميم والتقسيم.\nو(قوله: من سره أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه) بسط الرزق: سعته وتكثيره والبركة فيه. والنسء: التأخير، والأثر: الأجل، سمي بذلك، لأنَّه تابع الحياة. ومعنى التأخير هنا في الأجل - وإن كانت الآجال مقدرة في علم الله لا يزاد فيها ولا ينقص -: أنه يبقى بعده ثناء جميل، وذكر حميد، وأجر متكرر، فكأنه لم يمت، وقيل معناه: يؤخر أجله المكتوب في اللوح المحفوظ، والذي في علم الله ثابت لا تبديل له، كما قال تعالى: ﴿يَمحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتَابِ﴾ أي: أصل المكتوب في اللوح المحفوظ، هو علم الله تعالى الذي لا يقبل المحو ولا التغيير، حكي معناه عن عمر - ﵁ - في الآية.\nو(قوله: إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي) أحلم - بضم اللام -: أصفح. ويجهلون: يقولون قول الجهال من السب والتقبيح.","vol":"6","page":528},{"text":"فَقَالَ: لَئِن كُنتَ كَمَا قُلتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُم المَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِن اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيهِم مَا دُمتَ عَلَى ذَلِكَ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٠٠)، ومسلم (٢٥٥٨).\n[٢٤٦٦] وعن أبي أَيُّوبَ أَنَّ أَعرَابِيًّا عَرَضَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَأَخَذَ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ - أَو بِزِمَامِهَا - ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! - أَو\nــ\nو(قوله: لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل) الرواية: بضم تاء تسفهم، وكسر السين، وضم الفاء، أي: تجعلهم يسفونه من السف، وهو شرب كل دواء يؤخذ غير ملتوت، تقول: سففت الدواء وغيره مما يؤخذ غير معجون، وأسففته غيري، أي: جعلته يسفه. والمل: الرماد الحار. يقال: أطعمنا خبز ملة، ومعنى ذلك: أن إحسانك إليهم مع إساءتهم لك، يتنزل في قلوبهم منزلة النار المحرقة، لما يجدون من ألم الخزي، والفضيحة، والعار الناشئ في قلب من قابل الإحسان بالإساءة.\nو(قوله: ولا يزال معك من الله ظهير ما دمت على ذلك) الظهير: المعين، ومعناه: أن الله تعالى يؤيدك بالصبر على جفائهم، وحسن الخلق معهم، ويعليك عليهم في الدنيا والآخرة مدة دوامك على معاملتك لهم بما ذكرت.\nو(قوله: إن أعرابيا عرض لرسول الله ﷺ في سفر أخذ بخطام ناقته، أو بزمامها) هذا يدلّ على تواضع النبي ﷺ، وأنه كان لا يصرف الناس بين يديه، ولا يمنع أحد منه، والخطام، والزمام، والمقود كلها بمعنى واحد! - وإن كانت في أصول اشتقاقها مختلفة- فسمي خطاما من حيث إنه يجعل على الخطم، وهو الأنف، ويسمى: زماما، لأنَّه يزم به، ومقودا، لأنَّه يقاد به، وهذا شك من الراوي في أي اللفظين قال.","vol":"6","page":529},{"text":"يَا مُحَمَّدُ - أَخبِرنِي بِمَا يُقَرِّبُنِي مِن الجَنَّةِ وَمَا يُبَاعِدُنِي مِن النَّارِ! قَالَ: فَكَفَّ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ نَظَرَ فِي أَصحَابِهِ ثُمَّ قَالَ: لَقَد وُفِّقَ - أَو لَقَد هُدِيَ - قَالَ: كَيفَ قُلتَ؟ قَالَ: فَأَعَادَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: تَعبُدُ اللَّهَ لَا تُشرِكُ بِهِ شَيئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ. دَع النَّاقَةَ.\nوفي رواية: وتصل ذا رحمك فلما أدبر، قال رسول الله ﷺ: إن تمسك بما أمر به دخل الجنة.\nرواه أحمد (٥/ ٤١٧)، والبخاريُّ (٥٩٨٣)، ومسلم (١٣) في الإيمان (١٢ و١٤)، والنسائيُّ (١/ ٢٣٤).\n* * *\nــ\nو(قوله: فكف ثم نظر في أصحابه ثم قال: لقد وفق، أو لقد هدي) يعني: أنه كف الناقة عن سيرها، ونظر إلى أصحابه مستحسنا لهذا السؤال، ومستحضرا لأفهام أصحابه، ومنوها بالسائل، ثم شهد له بالتوفيق والهداية لما ينبغي أن يسأل عنه، لأنَّ مثل هذا السؤال لا يصدر إلا عن قلب منور بالعلم بالله تعالى، وبما يقرب إليه، عازم على العمل بما يفنى به، فأجابه النبي ﷺ بما يتعين عليه في تلك الحال، فقال: تعبد الله لا تشرك به شيئًا، أي: توحده في إلهيته، وتخلص له في عبادته. وتقيم الصلاة، أي: تفعلها على أوقاتها وبأحكامها. وتؤتي الزكاة: أي تعطيها من استحقها على شروطها. وتصل رحمك، أي: تفعل في حقهم ما يكون صلة لهم، وتجتنب ما يكون قطعا لهم على ما بيناه. ولم يذكر له النبي ﷺ الصوم ولا الحج ولا الجهاد، لأنَّه لم يكن تعين عليه في تلك الحال شيء سوى ما ذكر له، أو لأن بعض تلك العبادات لم تكن فرضت بعد. والله تعالى أعلم.\nو(قوله: إن تمسك بما أمرته دخل الجنة) يدلّ على: أن دخول الجنة لا بد فيه من الأعمال، كما قال تعالى: ﴿وَتِلكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثتُمُوهَا بِمَا كُنتُم","vol":"6","page":530},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-928>(٦) باب النهي عن التحاسد والتدابر والتباغض وإلى كم تجوز الهجرة</span>؟\n[٢٤٦٧] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا،\nــ\nتَعمَلُونَ﴾ ومع هذا فلولا فضل الله بالهداية للطرق الموصلة إليها والمعونة على الأخذ فيها وبأن جعل أعمالنا التي لا قيمة لها ولا خطر لها، ولا منفعة له فيها سببا لنيل الجنة؟ لما كنا نصل إلى شيء من ذلك، ولا نستحق ذرة مما هنالك.\nومن باب: النهي عن التحاسد والتدابر\n(قوله: لا تباغضوا، أي: لا تتعاطوا أسباب البغض، لأنَّ الحب والبغض معان قلبية لا قدرة للإنسان على اكتسابها، ولا يملك التصرف فيها، كما قال ﷺ: اللهم! هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك (١) يعني: الحب والبغض.\nو(قوله: لا تدابروا) أي: لا تفعلوا فعل المتباغضين اللذين يدبر كل واحد منهما عن الآخر، أي: يوليه دبره فعل المعرض.\nو(قوله: ولا تقاطعوا) أي: لا تقاطعه فلا تكلمه، ولا تعامله، وهو معنى: لا تهاجروا، وهي رواية ابن ماهان، وهي: من الهجران، وعن الجلودي: ولا تهجروا. وعن أبي بحر: تهجروا بكسر التاء والهاء والجيم. قال القاضي:\n_________\n(١) رواه أحمد (٦/ ١٤٤)، وأبو داود (٢١٣٤)، والنسائي (٧/ ٦٤)، وابن ما جه (١٩٧١).","vol":"6","page":531},{"text":"وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُسلِمٍ أَن يَهجُرَ أَخَاهُ فَوقَ ثَلَاثٍ.\nوفي رواية: ولا تقاطعوا بدل ولا تدابروا وزاد: كما أمركم الله.\nــ\nمعنى الكلمة: لا تهتجروا، وتكون: تفتعلون: يعني تهاجروا، أو من هجر الكلام: وهو الفحش فيه، أي: لا تتسابوا وتتفاحشوا.\nقلت: والرواية الأولى أوضح وأولى.\nو(قوله: ولا تحاسدوا) أي: لا يحسد بعضكم بعضا، والحسد في اللغة: أن تتمنى زوال نعمة المحسود وعودها إليك. يقال: حسده يحسده حسودا. قال الأخفش: وبعضهم يقول: يحسد -بالكسر (١) - والمصدر حسدا بالتحريك، وحسادة، وحسدتك على الشيء، وحسدتك الشيء: بمعنى واحد. فأمَّا الغبطة فهي أن تتمنى مثل حال المغبوط من غير أن تريد زوالها عنه. تقول منه: غبطته بما نال غبطا وغبطة. وقد يوضع الحسد موضع الغبطة لتقاربهما، كما قال ﷺ: لا حسد إلا في اثنتين (٢) أي: لا غبطة أعظم ولا أحق من الغبطة بهاتين الخصلتين.\nو(قوله: وكونوا عباد الله إخوانا) أي: كونوا كإخوان النسب في الشفقة، والرحمة، والمودة، والمواساة، والمعاونة، والنصيحة.\nو(قوله: كما أمركم الله) يحتمل أن يريد به هذا الأمر الذي هو قوله: كونوا إخوانا، لأنَّ أمره ﷺ هو أمر الله، وهو مبلغ له، ويحتمل: أن يريد بذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المُؤمِنُونَ إِخوَةٌ﴾ فإنَّه خبر عن المشروعية التي ينبغي للمؤمنين أن يكونوا عليها، ففيها معنى الأمر.\nو(قوله: لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث) دليل خطابه: أن الهجرة دون الثلاث معفو عنها، وسببه: أن البشر لا بد له غالبًا من سوء خلق\n_________\n(١) في (ز): بالخفض.\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٣٦)، والبخاري (٧٥٢٩)، ومسلم (٨١٥).","vol":"6","page":532},{"text":"رواه أحمد (٣/ ١١٠)، والبخاريُّ (٦٠٦٥)، ومسلم (٢٥٥٩) (٢٣ و٢٤)، وأبو داود (٤٩١٠)، والترمذيُّ (١٩٣٥).\n[٢٤٦٨] وعَن أَبِي أَيُّوبَ الأَنصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يَحِلُّ لِمُسلِمٍ أَن يَهجُرَ أَخَاهُ فَوقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَلتَقِيَانِ فَيُعرِضُ هَذَا، وَيُعرِضُ هَذَا، وَخَيرُهُمَا الَّذِي يَبدَأُ بِالسَّلَامِ.\nرواه أحمد (٥/ ٤٢٢)، والبخاريُّ (٦٠٧٧)، ومسلم (٢٥٦٠)، والترمذيُّ (١٩٣٢).\n[٢٤٦٩] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا هِجرَةَ بَعدَ ثَلَاثٍ.\nرواه مسلم (٢٥٦٢).\n* * *\nــ\nوغضب، فسامحه الشرع في هذه المدة، لأنَّ الغضب فيها لا يكاد الإنسان ينفك عنه؟ ولأنه لا يمكنه رد الغضب في تلك الحالة غالبًا، وبعد ذلك يضعف فيمكن رده، بل: قد يمحى أثره.\nوظاهر هذا الحديث تحريم الهجرة فوق ثلاث، وقد أكد هذا المعنى قوله: لا هجرة بعد ثلاث، وكون المتهاجرين لا يغفر لهما حتى يصطلحا.\nو(قوله ﷺ: خيرهما الذي يبدأ صاحبه بالسلام)، يدلّ على أن مجرد السلام يخرج عن الهجرة وإن لم يكلمه، وهو قول مالك وغيره. وقال أحمد وابن القاسم: إن كان يؤذيه فلا يقطع السلام هجرته. وعندنا: أنه إن اعتزل كلامه لم تقبل شهادته عليه، ومعناه: أن الذي يبادر بقطع الهجرة فيسبق صاحبه بالسلام أحسن خلقا وأعظم أجرا. وما ذكرناه من جواز الهجران في الثلاث هو مذهب","vol":"6","page":533},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-929>(٧) باب النهي عن التجسس والتنافس والظن السيئ وما يحرم على المسلم من المسلم</span>\n[٢٤٧٠] عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِيَّاكُم وَالظَّنَّ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكذَبُ الحَدِيثِ،\nــ\nالجمهور، والمعتبر ثلاث ليال، فإنَّ بدأ بالهجرة في بعض يوم فله أن يلغي ذلك البعض، ويعتبر ليلة ذلك اليوم، فيكون أول الزمان الذي أبيحت فيه الهجرة، ثمَّ بانفصال الليلة الثالثة تحرم على ما قدمناه. وهذا الهجران الذي ذكرناه هو الذي يكون عن غضب لأمر جائز لا تعلق له بالدين، فأما الهجران لأجل المعاصي والبدعة فواجب استصحابه إلى أن يتوب من ذلك ولا يختلف في هذا.\n(٧) ومن باب: النهي من التجسس\n(قوله: إياكم والظن؛ فإنَّ الظن أكذب الحديث) الظن هنا هو التهمة، ومحل التحذير والنهي إنما هو تهمة لا سبب لها يوجبها، كمن يتهم بالفاحشة، أو بشرب الخمر ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك. ودليل كون الظن هنا بمعنى التهمة قوله بعد هذا: ولا تجسسوا، ولا تحسسوا؛ وذلك أنَّه قد يقع له خاطر التهمة ابتداء فيريد أن يتجسس خبر ذلك، ويبحث عنه، ويتبصر، ويستمع ليحقق ما وقع له من تلك التهمة، فنهى النبي ﷺ عن ذلك. وقد جاء في بعض الحديث: إذا ظننت فلا تحقق (١) وقال الله تعالى: ﴿وَظَنَنتُم ظَنَّ السَّوءِ وَكُنتُم قَومًا بُورًا﴾ وذلك: أن المنافقين تطيروا برسول الله ﷺ وبأصحابه حين انصرفوا إلى الحديبية فقالوا: إن محمدا وأصحابه أكلة رأس، ولن يرجعوا إليكم أبدا.\n_________\n(١) ذكره ابن عبد البر في التمهيد (٦/ ١٢٥)، والحافظ في فتح الباري (١٠/ ٢١٣).","vol":"6","page":534},{"text":"وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَنَافَسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخوَانًا.\nرواه أحمد (٢/ ٢٤٥)، والبخاريُّ (٦٠٦٦)، ومسلم (٢٥٦٣) (٢٨)، وأبو داود (٤٩١٧).\n[٢٤٧١] وعنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِع بَعضُكُم عَلَى بَيعِ بَعضٍ،\nــ\nفذلك ظنهم السيئ الذي وبخهم الله تعالى عليه، وهو من نوع ما نهى الشرع عنه، إلا أنَّه أقبح النوع.\nفأما الظن الشرعي الذي هو تغليب أحد المجوزين، أو بمعنى اليقين فغير مراد من الحديث، ولا من الآية يقينا، فلا يلتفت لمن استدل بذلك على إنكار الظن الشرعي، كما قررناه في الأصول.\nوقد اختلف في التجسس والتحسس؟ هل هما بمعنى واحد، أو بمعنيين؟ والثاني أشهر. فقيل: هو بالجيم: البحث عن بواطن الأمور، وأكثر ما يكون في الشر، ومنه: الجاسوس، وهو صاحب سر الشر. وبالحاء: البحث عما يدرك بالحس؟ بالعين أو بالأذن. وقيل: بالجيم: طلب الشيء لغيرك، وبالحاء: طلبه لنفسك. قاله ثعلب. والأول أعرف.\nو(قوله: ولا تنافسوا) أي: لا تتباروا في الحرص على الدنيا وأسبابها. وأما التنافس في الخير فمأمور به، كما قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَليَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ﴾ أي: في الجنة وثوابها، وكأن المنافسة هي الغبطة. وقد أبعد من فسرها بالحسد، لا سيما في هذا الحديث، فإنه قد قرن بينها وبين الحسد في مساق واحد، فدل على أنهما أمران متغايران.\nو(قوله: ولا تناجشوا) قيل فيه: إنه من باب النجش في البيع الذي تقدَّم","vol":"6","page":535},{"text":"وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخوَانًا، المُسلِمُ أَخُو المُسلِمِ لَا يَظلِمُهُ، وَلَا يَخذُلُهُ، وَلَا يَحقِرُهُ، التَّقوَى هَاهُنَا - وَيُشِيرُ إِلَى صَدرِهِ ثَلَاثَ مَرَّار -\nــ\nذكره في البيوع. وفيه بعد، لأنَّ صيغة (تفاعل) أصلها لا تكون إلا من اثنين، فـ (تناجش) لا يكون من واحد، و(النجش) يكون من واحد، فافترقا وإن كان أصلهما واحدا، لأنَّ أصل النجش: الاستخراج والإثارة. تقول: نجشت الصيد، أنجشه، نجشا: إذا استثرته من مكانه. وقيل: لا تناجشوا: لا ينافر بعضكم بعضا. أي: لا يعامله من القول بما ينفره، كما ينفر الصيد، بل يسكنه ويؤنسه، كما قال: سكنا، ولا تنفرا (١) وهذا أحسن من الأول، وأولى بمساق الحديث. والله تعالى أعلم.\nو(قوله: المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره). (يظلمه): ينقصه حقه، أو يمنعه إياه. و(يخذله): يتركه لمن يظلمه، ولا ينصره. وقد قال ﷺ: انصر أخاك ظالما أو مظلوما فقال: كيف أنصره ظالما؟ قال: تكفه عن الظلم فذلك نصره (٢). و(يحقره): ينظره بعين الاستصغار والقلة. وهذا إنما يصدر في الغالب عمن غلب عليه الكبر والجهل، وذلك: أنه لا يصح له استصغار غيره حتى ينظر إلى نفسه بعين: أنه أكبر منه وأعظم، وذلك جهل بنفسه، وبحال المحتقر، فقد يكون فيه ما يقتضي عكس ما وقع للمتكبر.\nو(قوله: التقوى هاهنا -ويشير بيده إلى صدره -) وقد تقدَّم: أن التقوى مصدر (اتقى): تقاة، وتقوى. وأن التاء فيه بدل من الواو، لأنَّه من الوقاية. والمتقي: هو الذي يجعل بينه وبين ما يخافه من المكروه وقاية تقيه منه، ولذلك يقال: اتقى الطعنة بدرقته وبترسه. ومنه قوله ﷺ: اتقوا النار ولو بشق تمرة، ولو\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ١٣١)، والبخاري (٦١٢٥) بلفظ: \"سكِّنوا ولا تُنفِّروا\".\n(٢) رواه أحمد (٣/ ٢٠١)، والبخاري (٢٤٤٣ و٢٤٤٤)، والترمذي (٢٢٥٥).","vol":"6","page":536},{"text":"بِحَسبِ امرِئٍ مِن الشَّرِّ أَن يَحقِرَ أَخَاهُ المُسلِمَ، كُلُّ المُسلِمِ عَلَى المُسلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرضُهُ.\nرواه مسلم (٢٥٦٤) (٣٢).\n[٢٤٧٢] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَنظُرُ إِلَى صُوَرِكُم وَأَموَالِكُم، وَلَكِن يَنظُرُ إِلَى قُلُوبِكُم، وَأَعمَالِكُم.\nــ\nبكلمة طيبة (١) أي: اجعلوا هذه الأمور وقاية بينكم وبين النار. وعلى هذا: فالمتقي شرعا هو الذي يخاف الله تعالى، ويجعل بينه وبين عذابه وقاية من طاعته، وحاجزا عن مخالفته. فإذا: أصل التقوى: الخوف، والخوف إنما ينشأ عن المعرفة بجلال الله، وعظمته، وعظيم سلطانه، وعقابه. والخوف والمعرفة محلهما القلب، والقلب محله الصدر، فلذلك أشار ﷺ إلى صدره وقال: التقوى هاهنا والله تعالى أعلم.\nوالتقوى خصلة عظيمة، وحالة شريفة آخذة بمجامع علوم الشريعة وأعمالها، موصلة إلى خير الدنيا والآخرة. والكلام في التقوى وتفاصيلها، وأحكامها، وبيان ما يترتب عليها يستدعي تطويلا، قد ذكره أرباب القلوب في كتبهم المطولة: كـ الرعاية، والإحياء، وسفينة النجاة، وغيرها.\nو(قوله: بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم) الباء في (بحسب) زائدة. وهو بإسكان السين، لا بفتحها، وهو خبر ابتداء مقدم، والمبتدأ: (أن يحقر) تقديره: حسب امرئ من الشر احتقاره أخاه. أي: كافيه من الشر ذلك؟ فإنَّه النصيب الأكبر، والحظ الأوفى. ويفيد: أن احتقار المسلم حرام.\nو(قوله: إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) نظر الله تعالى الذي هو رؤيته للموجودات، واطلاعه عليها لا يخص\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ٢٥٦)، والبخاري (١٤١٣)، ومسلم (١٠١٦).","vol":"6","page":537},{"text":"رواه أحمد (٢/ ٥٣٩)، ومسلم (٢٥٦٤) (٣٤).\n* * *\nــ\nموجودا دون موجود، بل يعم جميع الأشياء؛ إذ لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. ثمَّ قد جاء في الشرع نظر الله تعالى بمعنى: رحمته للمنظور إليه، وبمعنى: قبول أعماله، ومجازاته عليها. وهذا هو النظر الذي يخص به بعض الأشياء، وينفى عن بعضها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشتَرُونَ بِعَهدِ اللَّهِ وَأَيمَانِهِم ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُم فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنظُرُ إِلَيهِم يَومَ القِيَامَةِ﴾ وقد تقدَّم ذلك في كتاب الإيمان. فقوله هنا: إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم أي: لا يثيبكم عليها، ولا يقربكم منه، ذلك كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَموَالُكُم وَلا أَولادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُم عِندَنَا زُلفَى﴾ ثم قال: ﴿إِلا مَن آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُم جَزَاءُ الضِّعفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُم فِي الغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾\nويستفاد من هذا الحديث فوائد:\nإحداها: صرف الهمة إلى الاعتناء بأحوال القلب وصفاته؛ بتحقيق علومه، وتصحيح مقاصده وعزومه، وتطهيره عن مذموم الصفات، واتصافه بمحمودها؟ فإنَّه لما كان القلب هو محل نظر الله تعالى فحق العالم بقدر اطلاع الله تعالى على قلبه أن يفتش عن صفات قلبه وأحوالها؛ لإمكان أن يكون في قلبه وصف مذموم يمقته الله بسببه.\nالثانية: أن الاعتناء بإصلاح القلب وبصفاته مقدم على الأعمال بالجوارح؛ لتخصيص القلب بالذكر مقدما على الأعمال، وإنَّما كان ذلك لأن أعمال القلوب هي المصححة للأعمال؛ إذ لا يصح عمل شرعي إلا من مؤمن عالم بمن كلفه، مخلص له فيما يعمله، ثمَّ لا يكمل ذلك إلا بمراقبة الحق فيه، وهو الذي عبر عنه بالإحسان، حيث قال: أن تعبد الله كأنك تراه (١). وقد تقدَّم قوله ﷺ: إن في\n_________\n(١) رواه مسلم (٨)، وأبو داود (٤٦٩٥)، والترمذي (٢٦١٠)، والنسائي (٨/ ٩٧)، وابن ماجه (٦٣).","vol":"6","page":538},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-930>(٨) باب لا يغفر للمتشاحنين حتى يصطلحا</span>\n[٢٤٧٣] عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: تُفتَحُ أَبوَابُ الجَنَّةِ يَومَ الِإثنَينِ وَيَومَ الخَمِيسِ، فَيُغفَرُ لِكُلِّ عَبدٍ لَا يُشرِكُ بِاللَّهِ شَيئًا إِلَّا رَجُلًا كَانَت بَينَهُ وَبَينَ أَخِيهِ شَحنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنظِرُوا هَذَينِ حَتَّى يَصطَلِحَا! أَنظِرُوا هَذَينِ حَتَّى يَصطَلِحَا! أَنظِرُوا هَذَينِ حَتَّى يَصطَلِحَا.\nــ\nالجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب (١).\nالثالثة: أنه لما كانت القلوب هي المصححة للأعمال الظاهرة، وأعمال القلب غيب عنا، فلا يقطع بمغيب أحد؛ لما يرى عليه من صور أعمال الطاعة أو المخالفة، فلعل من يحافظ على الأعمال الظاهرة يعلم الله تعالى من قلبه وصفا مذموما لا تصح معه تلك الأعمال، ولعل من رأينا عليه تفريطا أو معصية يعلم الله من قلبه وصفا محمودا يغفر له بسببه، فالأعمال أمارات ظنية لا أدلة قطعية، ويترتب عليها عدم الغلو في تعظيم من رأينا عليه أفعالا صالحة، وعدم الاحتقار لمسلم رأينا عليه أفعالا سيئة، بل تحتقر وتذم تلك الحالة السيئة، لا تلك الذات المسيئة. فتدبر هذا؛ فإنَّه نظر دقيق.\n(٨) ومن باب: لا يغفر للمتشاحنين حتى يصطلحا\nالمتشاحنان: المتباغضان، من الشحناء، وهي: البغضاء. وقد خص الله تعالى هذين اليومين بفتح أبواب الجنة فيهما، وبمغفرة الله تعالى لعباده،\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ٢٧٤)، والبخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩)، وابن ماجه (٣٩٨٤).","vol":"6","page":539},{"text":"وفي رواية: فَيُغفَرُ لِكُلِّ عَبدٍ مُؤمِنٍ، إِلَّا عَبدًا بَينَهُ وَبَينَ أَخِيهِ شَحنَاءُ فَيُقَالُ: اترُكُوا أَو اركُوا هَذَينِ حَتَّى يَفِيئَا.\nرواه مسلم (٢٥٦٥) (٣٥ و٣٦)، وأبو داود (٤٩١٦)، والترمذيُّ (٢٠٢٤).\n* * *\nــ\nوبأنهما تعرض فيهما الأعمال على الله تعالى، كما جاء في الحديث الآخر (١). وهذه الذنوب التي تغفر في هذين اليومين هي الصغائر. والله تعالى أعلم. كما تقدم ذلك في قوله ﷺ: الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر (٢)، ومع ذلك فرحمة الله وسعت كل شيء وفضله يعم كل ميت وحي. ومقصود هذا الحديث التحذير من الإصرار على بغض المسلم ومقاطعته، وتحريم استدامة هجرته ومشاحنته، والأمر بمواصلته، ومكارمته.\nو(أنظروا) معناه: أخروا، وكذلك: (اركوا)، قال ابن الأعرابي: يقال: ركاه، يركوه: إذا أخره.\nوفتح أبواب الجنة في هذين اليومين محمول على ظاهره، ولا ضرورة تحوج إلى تأويله، ويكون فتحها تأهلا، وانتظارا من الخزنة لروح من يموت في ذينك اليومين ممن غفرت ذنوبه، أو يكون فتحها علامة للملائكة على أن الله تعالى غفر في ذينك اليومين للموحدين، والله تعالى أعلم. وهو حجَّة لأهل السنة على قولهم: إن الجنة والنار قد خلقتا ووجدتا، خلافا للمبتدعة؛ الذين قالوا: إنهما لم تخلقا بعد، وستخلقان. وعرض الأعمال المذكورة إنما هو - والله تعالى أعلم -\n_________\n(١) الحديث في صحيح مسلم برقم (٢٥٦٥) (٣٦).\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٤٨٤)، ومسلم (٢٣٣)، والترمذي (٢١٤).","vol":"6","page":540},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-931>(٩) باب التحاب والتزاور في الله ﷿</span>\n[٢٤٧٤] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ تعالى يَقُولُ يَومَ القِيَامَةِ: أَينَ المُتَحَابُّونَ بِجَلَالِي؟\nــ\nلتنقل من صحف الكرام الكاتبين إلى محل آخر، ولعله اللوح المحفوظ. كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَستَنسِخُ مَا كُنتُم تَعمَلُونَ﴾ قال الحسن: إن الخزنة تستنسخ الحفظة من صحائف الأعمال. وقد يكون هذا العرض في هذين اليومين للأعمال الصالحة مباهاة بصالح أعمال بني آدم على الملائكة، كما يباهي الله الملائكة بأهل عرفة، وقد يكون هذا العرض (١) لتعلم الملائكة المقبول من الأعمال من المردود، كما جاء الحديث الآخر: إن الملائكة تصعد بصحائف الأعمال، فتعرضها على الله، فيقول الله تعالى: ضعوا هذا واقبلوا هذا، فتقول الملائكة: وعزتك يا ربنا ما رأينا إلا خيرا! فيقول الله تعالى: إن هذا كان لغيري، ولا أقبل من العمل إلا ما ابتغي به وجهي (٢) والله تعالى أعلم بحقيقة ذلك.\n(٩) ومن باب: ثواب التحابب والتزاور في الله تعالى\n(قوله: أين المتحابون بجلالي) هذا نداء تنويه وإكرام، ويجوز أن يخرج هذا الكلام مخرج الأمر لمن يحضرهم مكرمين منوها بهم. و(لجلالي) روي باللام وبالباء، ومعناهما متقارب، لأن المقصود بهما هنا: السببية، أي: لعظيم حقي وحرمة طاعتي، لا لغرض من أغراض الدنيا.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).\n(٢) رواه ابن المبارك في كتاب الزهد والرقائق بنحوه (٤٥٢).","vol":"6","page":541},{"text":"اليَومَ أُظِلُّهُم فِي ظِلِّي يَومَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي.\nرواه أحمد (٢/ ٢٣٧)، ومسلم (٢٥٦٦) (٣٧).\nــ\nو(قوله: اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي) قيل: هذه الإضافة إضافة تشريف وإكرام؛ إذ الظلال كلها ملكه وخلقه.\nقلت: وأولى من هذا التأويل: أنه يعني به: ظل العرش؟ كما قد جاء في رواية أخرى. فيعني - والله تعالى أعلم -: أن في القيامة ظلالا بحسب الأعمال الصالحة تقي صاحبها من وهج الشمس (١) ولفح النار، وأنفاس الخلق، كما قال ﷺ: الرجل في ظل صدقته حتى يقضى بين الناس (٢)، ولكن ظل العرش أعظم الظلال وأشرفها، فيخص الله به من يشاء من صالح عباده، ومن جملتهم المتحابون لجلال الله. فإنَّ قيل: كيف يقال: في القيامة ظلال بحسب الأعمال؟ وقد قال ﷺ: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله (٣)، وهو ظل العرش المذكور في الحديث؟ قلنا: يمكن أن يقال: كل ظل في القيامة إنما هو له، لأنَّه بخلقه واختراعه بحسب ما يريده تعالى من إكرام من يخصه به؛ فعلى هذا يكون كل واحد من هؤلاء السبعة في ظل يخصه، وكلها ظل الله، لا ظل غيره؛ إذ ليس لغيره هنالك ظل، ولا يقدر له على سبب. ويحتمل أن يقال: إنَّه ليس هنالك إلا ظل واحد، وبه يستظل المؤمنون، لكن لما كان الاستظلال بذلك الظل لا ينال إلا بالأعمال الصالحات نسب لكل عمل ظل؛ لأنه به وصل إليه. والله تعالى أعلم. وهذا كله بناء على أن الظلال حقيقة لا مجاز، وهو قول جمهور العلماء. وقال\n_________\n(١) في (ع) و(م ٤): الشهيق.\n(٢) رواه أحمد (٤/ ١٤٧ - ١٤٨)، وأبو يعلى (١٧٦٦)، وابن خزيمة (٢٤٣١)، وابن حبان (٣٣١٠)، والحاكم (١/ ٤١٦).\n(٣) رواه أحمد (٢/ ٤٣٩)، والبخاري (٦٦٠)، والترمذي بعد حديث (٢٣٩١)، والنسائي (٨/ ٢٢٢ - ٢٢٣).","vol":"6","page":542},{"text":"[٢٤٧٥] وعنه عن النبي ﷺ: أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَريَةٍ أُخرَى، فَأَرصَدَ اللَّهُ عَلَى مَدرَجَتِهِ مَلَكًا، فَلَمَّا أَتَى عَلَيهِ قَالَ: أَينَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ القَريَةِ، قَالَ: هَل لَكَ عَلَيهِ مِن نِعمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قَالَ: لَا، غَيرَ أَنِّي أَحبَبتُهُ فِي اللَّهِ، قَالَ: فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكَ بِأَنَّ اللَّهَ قَد أَحَبَّكَ كَمَا أَحبَبتَهُ فِيهِ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٩٢)، ومسلم (٢٥٦٧) (٣٨).\n* * *\nــ\nعيسى بن دينار: إن معناه: يكنهم من المكاره، ويجعلهم في كنفه وستره، كما يقول: أنا في ظلك. أي: في ذراك وسترك.\nو(قوله: فأرصد الله على مدرجته) أي: جعل الله ملكا على طريقه يرصده، أي: يرتقبه، وينتظره ليبشره. والمرصد: موضع الرصد. و(المدرجة) بفتح الميم: موضع الدرج، وهو المشي.\nو(قوله: هل لك عليه من نعمة تربها؟) أي: تقوم بها وتصلحها، فتتعاهده بسببها؟ (فقال: لا، غير أني أحببته في الله) أي: لم أزره لغرض من أغراض الدنيا، ثمَّ أخبر بأنه إنما زاره من أجل أنه أحبه في الله تعالى (١). فبشره الملك بأن الله تعالى قد أحبه بسبب ذلك. وقد تقدَّم القول في محبة الله تعالى للعبد، وأن ذلك راجع إلى إكرامه إياه، وبره به. ومحبة الله للطاعة: قبولها، وثوابه عليها.\nوفي هذه الأحاديث ما يدلّ: على أن الحب في الله والتزاور فيه من أفضل الأعمال، وأعظم القرب إذا تجرد ذلك عن أغراض الدنيا وأهواء النفوس، وقد قال ﷺ: من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله فقد استكمل الإيمان (٢).\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (م ٤).\n(٢) رواه أحمد (٣/ ٤٣٨ و٤٤٠)، وأبو داود (٤٦٨١).","vol":"6","page":543},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-932>(١٠) باب في ثواب المرضى وذوي الآفات إذا صبروا</span>\n[٢٤٧٦] عَن عَبدِ اللَّهِ قَالَ: دَخَلتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُوعَكُ، فَمَسِستُهُ بِيَدِي، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعكًا شَدِيدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَجَل، إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنكُم، قَالَ: فَقُلتُ: ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجرَينِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَجَل، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا مِن مُسلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى مِن مَرَضٍ فَمَا سِوَاهُ إِلَّا حَطَّ اللَّهُ بِهِ سَيِّئَاتِهِ، كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا.\nــ\n(١٠) ومن باب: ثواب المرضى وذوي الآفات إذا صبروا\nالوعك: تمريغ الحمى، وهو ساكن العين. يقال: وعكته الحمى، تعكه، وعكا، فهو موعوك، وأوعكت الكلاب الصيد، فهو موعك: إذا مرغته في التراب. والوعكة: السقطة الشديدة في الجري. والوعكة أيضًا: معركة الأبطال في الحروب. و(أجل) بمعنى: نعم.\nومضاعفة المرض على النبي ﷺ ليضاعف له الأجر (في الآخرة) (١) وهو كما قال ﷺ في الحديث الآخر: أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه (٢). وفي الحديث الآخر: نحن معاشر الأنبياء يشتد علينا البلاء، ويعظم لنا الأجر (٣). (٤)\nو(الوصب): المرض. يقال\n_________\n(١) زيادة من (ع).\n(٢) رواه الترمذي (٢٣٩٨)، وابن ماجه (٤٠٢٣) عن سعد بن أبي وقَّاص -﵁-.\n(٣) رواه أحمد (٣/ ٩٤)، وابن ماجه (٤٠٢٤) بنحوه.\n(٤) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"6","page":544},{"text":"وفي رواية: قال: نعم، والذي نفسي بيده ما على الأرض مسلم يصيبه ... وذكره.\nرواه أحمد (١/ ٣٨١)، والبخاري (٥٦٤٧)، ومسلم (٢٥٧١).\n[٢٤٧٧] وعن عَائِشَةُ قالت: مَا رَأَيتُ رَجُلًا أَشَدَّ عَلَيهِ الوَجَعُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nرواه أحمد (٦/ ١٧٢)، والبخاريُّ (٥٦٤٦)، ومسلم (٢٥٧٠) (٤٤)، والترمذيُّ (٢٣٩٧)، وابن ماجه (١٦٢٢).\n[٢٤٧٨] وعَن الأَسوَدِ قَالَ: دَخَلَ شَبابٌ مِن قُرَيشٍ عَلَى عَائِشَةَ وَهِيَ بِمِنًى وَهُم يَضحَكُونَ فَقَالَت: مَا يُضحِكُكُم؟ قَالُوا: فُلَانٌ خَرَّ عَلَى طُنُبِ فُسطَاطٍ فَكَادَت عُنُقُهُ - أَو عَينُهُ - أَن تَذهَبَ، فَقَالَت: لَا تَضحَكُوا فَإِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَا مِن مُسلِمٍ يُشَاكُ شَوكَةً فَمَا فَوقَهَا إِلَّا كُتِبَت لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَمُحِيَت بِهَا عَنهُ خَطِيئَةٌ.\nرواه أحمد (٦/ ٢٧٩)، والبخاري (٥٦٤٠)، ومسلم (٢٥٧٢) (٤٦)، والترمذي (٩٦٥).\nــ\nمنه: وصب الرجل، يوصب، فهو وصيب، وأوصبه الله، فهو موصب. و(النصب): التعب والمشقة. يقال منه: نصب الرجل - بالكسر - ينصب - بالفتح - وأنصبه غيره: إذا أتعبه، فهو منصب، وهم ناصب) أي: ذو نصب. و(السقم): المرض الشديد. يقال منه: سقم، يسقم، فهو سقيم. و(الهم): الحزن، والجميع: الهموم، وأهمني الأمر: إذا أقلقني وحزنني، والمهم: الأمر الشديد، وهمني المرض: أذابني.\nقلت: هذا نقل أهل اللغة، وقد سووا فيه بين الحزن والهم، وعلى هذا","vol":"6","page":545},{"text":"[٢٤٧٩] وعَن أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَا يُصِيبُ المُؤمِنَ مِن وَصَبٍ، وَلَا نَصَبٍ، وَلَا سَقَمٍ، وَلَا حَزَنٍ حَتَّى الهَمِّ يُهَمُّهُ إِلَّا كَفَّرَ الله بِهِ مِن سَيِّئَاتِهِ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٣٥)، والبخاري (٥٦٤١ - ٥٦٤٢)، ومسلم (٢٥٧٣)، والترمذيُّ (٩٦٦).\n[٢٤٨٠] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَت: ﴿مَن يَعمَل سُوءًا يُجزَ بِهِ﴾ بَلَغَت مِن المُسلِمِينَ مَبلَغًا شَدِيدًا، فَقَالَ\nــ\nفيكون الحزن والهم المذكوران في الحديث مترادفين، ومقصود الحديث ليس كذلك، بل مقصوده: التسوية بين الحزن الشديد، الذي يكون عن فقد محبوب، والهم الذي يقلق الإنسان ويشتغل به فكره من شيء يخافه أو يكرهه في أن كل واحد منهما يكفر به. كما قد جمع في هذا الحديث نفسه بين الوصب، وهو المرض، وبين السقم، لكن أطلق الوصب على الخفيف منه، والسقم على الشديد، ويرتفع الترادف بهذا القدر. ومقصود هذه الأحاديث: أن الأمراض والأحزان - وإن دقت - والمصائب - وإن قلت - أجر المؤمن على جميعها، وكفرت عنه بذلك خطاياه حتى يمشي على الأرض وليست له خطيئة، كما جاء في الحديث الآخر، لكن هذا كله إذا صبر المصاب واحتسب، وقال ما أمر الله تعالى به في قوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتهُم مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ﴾ فمن كان كذلك وصل إلى ما وعد الله به ورسوله من ذلك.\nو(قوله: لما نزلت: ﴿مَن يَعمَل سُوءًا يُجزَ بِهِ﴾ بلغت من المسلمين مبلغا شديدا) هذا يدلّ على: أنهم كانوا يتمسكون بالعمومات في العلميات، كما كانوا يتمسكون بها في العمليات. رد على من توقف في ألفاظ العموم، وأن من من ألفاظه، وكذلك النكرة في سياق الشرط، فإنَّهم فهموا","vol":"6","page":546},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قَارِبُوا وَسَدِّدُوا فَفِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ المُسلِمُ كَفَّارَةٌ حَتَّى النَّكبَةِ يُنكَبُهَا، أَو الشَّوكَةِ يُشَاكُهَا.\nرواه أحمد (٢/ ٢٤٨)، ومسلم (٢٥٧٤)، والترمذيُّ (٣٠٤١).\n[٢٤٨١] وعن جَابِرُ بنُ عَبدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى أُمِّ\nــ\nعموم الأشخاص من من وعموم الأفعال السيئة من سوء المذكور في سياق الشرط، وقد أوضحنا ذلك في الأصول، وإنما عظم موقع هذه الآية عليهم؛ لأنَّ ظاهرها: أن ما من مكلف يصدر عنه شر كائنا ما كان إلا جوزي عليه، يوم الجزاء، وأن ذلك لا يغفر، وهذا أمر عظيم، فلما رأى النبي ﷺ شدة ذلك عليهم سكنهم وأرشدهم وبشرهم، فقال: قاربوا وسددوا أي: قاربوا في أفهامكم وسددوا في أعمالكم، ولا تقلوا، ولا تشددوا على أنفسكم، بل بشروا واستبشروا بأن الله تعالى بلطفه قد جعل المصائب التي لا ينفك عنها أحد في هذه الدار سببا لكفارة الخطايا والأوزار، حتى يرد عليه المؤمن يوم القيامة وقد خلصه من تلك الأكدار، وطهره من أذى تلك الأقذار، فضلا من الله ونعمة، ولطفا ورحمة.\nو(قوله: حتى الهم يهمه) يجوز في الهم الخفض على العطف على لفظ ما قبله، والرفع على موضعه؛ فإنَّ من زائدة، ويجوز رفعه على الابتداء وما بعده خبره.\nفأمَّا (قوله: حتى النكبة ينكبها، والشوكة يشاكها) فيجوز فيه الوجهان، كذلك قيدهما المحققون، غير أن رفع الشوكة لا يجوز إلا على الابتداء خاصة، لأنَّ ما قبلها لا موضع رفع له فتأمله، وقيده القاضي: يهمه بضم الياء وفتح الهاء على ما لم يسم فاعله، وكذا وجدته مقيدا بخط شيخي أبي الصبر أيوب، والذي أذكر أني قرأت به على من أثق به؛ بفتح يهمه -بفتح الياء وضم الهاء مبنيا للفاعل -، ووجهه واضح إذ معناه: حتى الهم يصيبه، أو يطرأ عليه. والنكبة بالباء: العثرة والسقطة، وينكبها - بضم الياء وفتح الكاف -: مبنيا للمفعول.","vol":"6","page":547},{"text":"السَّائِبِ - أَو أُمِّ المُسَيَّبِ - فَقَالَ: مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ - أَو يَا أُمَّ المُسَيَّبِ - تُزَفزِفِينَ؟ قَالَت: الحُمَّى! لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا، فَقَالَ: لَا تَسُبِّي الحُمَّى فَإِنَّهَا تُذهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ، كَمَا يُذهِبُ الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ.\nرواه مسلم (٢٥٧٥).\nــ\nو(قوله: ما لك يا أم السائب! تزفزفين) جميع رواة مسلم روى هذه الكلمة بالزاي والفاء فيهما، ويقال بضم التاء وفتحها من الزفزفة، وهي صوت حفيف الريح. يقال: زفزفت الريح الحشيش: أي حركته، وزفزف النعام في طيرانه: أي: حرك جناحيه، وقد رواه بعض الرواة بالقاف والراء، قال أبو مروان بن سراج: يقال: بالقاف وبالفاء بمعنى واحد، بمعنى ترعدين (١).\nقلت: ورواية الفاء أعرف رواية، وأصح معنى، وذلك أن الحمى تكون معها حركة ضعيفة، وحس صوت يشبه الزفزفة التي هي حركة الريح وصوتها في الشجر. وقالوا: ريح زفزافة وزفزف. وأما الرقرقة بالراء والقاف: في التلألؤ واللمعان. ومنه: رقراق السراب، ورقراق الماء: ما ظهر من لمعانه، غير أنه لا يظهر لمعانه إلا إذا تحرك وجاء وذهب، فلهذا حسن أن يقال: مكان الرقراقة، لكن تفارق الزفزفة الرقرقة بأن الزفزفة معها صوت، وليس ذلك مع الرقرقة، فانفصلا.\nو(قوله: لا تسبي الحمى) مع أنها لم تصرح بسب الحمى، وإنما دعت عليها بألا يبارك فيها، غير أن مثل هذا الدعاء تضمن تنقيص المدعو عليه وذمه، فصار ذلك كالتصريح بالذم والسب، ففيه ما يدلّ على أن التعريض والتضمين كالتصريح في الدلالة، فيحد كل من يفهم عنه القذف من لفظه؛ وإن لم يصرح به، وهو مذهب مالك كما تقدَّم.\nو(قوله: فإنَّها تذهب خطايا بني آدم) هذا تعليل لمنع سب الحمى لما\n_________\n(١) من الرَّعدة، رهي: رِعْشة في الجسم تكون من فزع أو مرض.","vol":"6","page":548},{"text":"[٢٤٨٢] وعن عَطَاءُ بنُ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: قَالَ لِي ابنُ عَبَّاسٍ: أَلَا أُرِيكَ امرَأَةً مِن أَهلِ الجَنَّةِ؟ قُلتُ: بَلَى، قَالَ: هَذِهِ المَرأَةُ السَّودَاءُ، أَتَت النَّبِيَّ ﷺ فقَالَت: إِنِّي أُصرَعُ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادعُ اللَّهَ لِي، قَالَ: إِن شِئتِ صَبَرتِ وَلَكِ الجَنَّةُ، وَإِن شِئتِ دَعَوتُ اللَّهَ أَن يُعَافِيَكِ، قَالَت: أَصبِرُ، قَالَت: فَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادعُ اللَّهَ أَن لَا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا.\nرواه أحمد (١/ ٣٤٧)، والبخاريُّ (٥٦٥٢)، ومسلم (٢٥٧٦).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-933>(١١) باب الترغيب في عيادة المرضى وفعل الخير</span>\n[٢٤٨٣] عَن ثَوبَانَ مَولَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، عن النبي ﷺ قال: مَن عَادَ مَرِيضًا لَم يَزَل فِي خُرفَةِ الجَنَّةِ. قيل: يا رسول الله، وما خرفة الجنة؟ قال: جناها.\nــ\nيكون عنها من الثواب، فيتعدى ذلك لكل مشقة، أو شدة يرتجى عليها ثواب، فلا ينبغي أن يذم شيء من ذلك، ولا يسب. وحكمة ذلك: أن سب ذلك إنما يصدر في الغالب عن الضجر، وضعف الصبر، أو عدمه، وربما يفضي بصاحبه إلى السخط المحرم، مع أنه لا يفيد ذلك فائدة، ولا يخفف ألما.\nو(قوله للمرأة التي كانت تصرع: إن شئت صبرت ولك الجنة) يشهد لما قلناه من أن الأجور على الأمراض، والمصائب لا تحصل إلا لمن صبر واحتسب.\n(١١) ومن باب: الترغيب في عيادة المرضى\n(قوله: لم يزل في خرفة الجنة (١» هو بضم الخاء المعجمة وسكون الراء\n_________\n(١) ما ورد في هذه الفقرة من حديث لم يردْ في نسختي التلخيص المخطوطتين، ولما كان =","vol":"6","page":549},{"text":"وفي رواية مخرفة بدل خرفة.\nرواه أحمد (٥/ ٢٨٣)، ومسلم (٢٥٦٨) (٣٩ - ٤٢)، والترمذيُّ (٩٦٧).\n[٢٤٨٤] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ\nــ\nوقد فسرها النبي ﷺ بما هو المعروف في اللغة فقال: هو جناها، أي: ما يجتنى منها. وفي الصحاح: الخرفة - بالضم -: ما يجتنى من الفواكه، ويقال: التمر خرفة الصائم. وأما رؤية من رواها مخرفة بفتح الميم وسكون الخاء، وفتح الراء: فهو البستان. والمخرفة والمخرف: الطريق، ومنه قول عمر - ﵁ -: تركتم (١) على مخرفة النعم. أما المخرف والمخرفة - بكسر الميم -: فهو الوعاء الذي يجتنى فيه التمر. ومعنى هذا الحديث، أن عائد المريض بما يناله من أجر العيادة وثوابها الموصل إلى الجنة كأنه يجتني ثمرات الجنة، أو كأنه في محرف الجنة، أي: في طريقها الموصل إلى الاحتراف. وسمي الخريف بذلك، لأنَّه فضل تخترف فيه الثمار. وعيادة المريض من أعمال الطاعات الكثيرة الثواب، العظيمة الأجر، كما دلت عليه هذه الأحاديث وغيرها. وهي من فروض الكفايات، إذا منع المرض من التصرف، لأنَّ المريض لو لم يعد جملة لضاع وهلك، ولا سيما إن كان غريبا أو ضعيفا. وأما من كان له أهل فيجب تمريضه على من تجب عليه نفقته، فأمَّا من لا يجب ذلك عليه؛ فمن قام به منهم سقط عن الباقين. والعيادة: مصدر عاد يعود عودا، وعيادة، وعيادا، غير أنه قد خصت العيادة بالرجوع إلى المرضى والتكرار إليهم.\n_________\n= المؤلف -﵀- قد شرح ما أشكل منه، أثبتنا الحديث المتعلِّق بهذا الباب من صحيح مسلم.\n(١) كذا في الأصول، وفي الفائق (١/ ٣٦٠) والنهاية (٢/ ٢٤): تركتكم.","vol":"6","page":550},{"text":"يَومَ القِيَامَةِ: يَا ابنَ آدَمَ، مَرِضتُ فَلَم تَعُدنِي! قَالَ: يَا رَبِّ كَيفَ أَعُودُكَ وَأَنتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟ ! قَالَ: أَمَا عَلِمتَ أَنَّ عَبدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَم تَعُدهُ، أَمَا عَلِمتَ أَنَّكَ لَو عُدتَهُ لَوَجَدتَنِي عِندَهُ، يَا ابنَ آدَمَ استَطعَمتُكَ فَلَم تُطعِمنِي! قَالَ: يَا رَبِّ! وَكَيفَ أُطعِمُكَ وَأَنتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟ ! قَالَ: أَمَا عَلِمتَ أَنَّهُ استَطعَمَكَ عَبدِي فُلَانٌ فَلَم تُطعِمهُ، أَمَا عَلِمتَ أَنَّكَ لَو أَطعَمتَهُ لَوَجَدتَ ذَلِكَ عِندِي، يَا ابنَ آدَمَ استَسقَيتُكَ فَلَم تَسقِنِي، قَالَ: يَا رَبِّ! كَيفَ أَسقِيكَ وَأَنتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟ ! قَالَ: استَسقَاكَ عَبدِي فُلَانٌ فَلَم تَسقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَو سَقَيتَهُ وَجَدتَ ذَلِكَ عِندِي.\nرواه مسلم (٢٥٦٩).\n* * *\nــ\nو(قوله تعالى: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، واستطعمتك فلم تطعمني، واستسقيتك فلم تسقني): تنزل في الخطاب، ولطف في العتاب، ومقتضاه التعريف بعظيم فضل ذي الجلال، وبمقادير ثواب هذه الأعمال. ويستفاد منه أن الإحسان للعبيد إحسان للسادة، فينبغي لهم أن يعرفوا ذلك، وأن يقوموا بحقه.\n* * *","vol":"6","page":551},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-934>(١٢) باب تحريم الظلم والتحذير منه وأخذ الظالم</span>\n[٢٤٨٥] عَن أَبِي ذَرٍّ عَن النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا رَوَى عَن اللَّهِ ﵎ أَنَّهُ قَالَ: يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمتُ الظُّلمَ عَلَى نَفسِي، وَجَعَلتُهُ بَينَكُم مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي كُلُّكُم ضَالٌّ إِلَّا مَن هَدَيتُهُ فَاستَهدُونِي\nــ\n(١٢) ومن باب: تحريم الظلم\n(قوله تعالى: إني حرمت الظلم على نفسي) أي: لا ينبغي لي، ولا يجوز علي، كما قال ﷾: ﴿وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ وقد اتفق العقلاء على أن الظلم على الله تعالى محال، وإنما اختلفوا في الطريق، فالقائلون بالتقبيح والتحسين عقلا يقولون: يستحيل عليه لقبحه، ومن لا يقول بذلك يقولون: يستحيل عليه لاستحالة شرطه في حقه تعالى، وذلك: أن الظلم إنما يتصور في حق من حدت له حدود، ورسمت له مراسم، فمن تعداها كان ظالما، والله تعالى هو الذي حد الحدود ورسم الرسوم؛ إذ لا حاكم فوقه، ولا حاجر عليه، فلا يجب عليه حكم، ولا يترب عليه حق، فلا يتصور الظلم في حقه. واستيفاء المباحث في علم الكلام.\nو(قوله: وجعلته بينكم محرما) أي: حكمت بتحريمه عليكم، وألزمته إياكم.\nو(قوله: فلا تظالموا) أي: لا يظلم بعضهم بعضا، وأصله: تتظالموا، فحذفت إحدى التاءين تخفيفا.\nو(قوله: يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته) قيل في معناه قولان: أحدهما: أنهم لو تركوا مع العادات، وما تقتضيه الطباع من الميل إلى الراحات، وإهمال النظر المؤدي إلى المعرفة لغلبت عليهم العادات والطباع فضلوا","vol":"6","page":552},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nعن الحق، فهذا هو الضلال المعني، لكن من أراد الله تعالى توفيقه ألهمه إلى إعمال الفكر المؤدي إلى معرفة الله تعالى، ومعرفة الرسول ﷺ وأعانه على الوصول إلى ذلك، وعلى العمل بمقتضاه، وهذا هو الهدى الذي أمرنا الله بسؤاله (١).\nوثانيهما: أن الضلال هاهنا يعني به: الحال التي كانوا عليها قبل إرسال الرسل من: الشرك، والكفر، والجهالات، وغير ذلك، كما قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ أي: على حالة واحدة من الضلال والجهل، فأرسل الله الرسل ليزيلوا عنهم ما كانوا عليه من الضلال، ويبين لهم مراد الحق منهم في حالهم، ومآل أمرهم، فمن نبهه الحق ﷾، وبصره، وأعانه فهو المهتدي، ومن لم يفعل الله به ذلك بقي على ذلك الضلال.\nوعلى كل واحد من التأويلين فلا معارضة بين قوله تعالى: كلكم ضال إلا من هديته وبين قوله: كل مولود يولد على الفطرة (٢)، لأنَّ هذا الضلال المقصود في هذا الحديث هو الطارئ على الفطرة الأولى المغير لها، الذي بينه النبي ﷺ بالتمثيل في بقية الخبر حيث قال: كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء (٣). وبقوله: خلق الله الخلق على معرفته فاجتالتهم الشياطين (٤). وهذا الحديث حجَّة لأهل الحق على قولهم: إن الهدى والضلال خلقه وفعله يختص بما شاء\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٣٩٣)، والبخاري (١٣٥٩)، ومسلم (٢٦٥٨).\n(٣) رواه أحمد (٢/ ٢٣٣ و٢٧٥ و٣٩٣)، والبخاري (٤٧٧٥)، ومسلم (٢٦٥٨).\n(٤) رواه مسلم (٢٨٦٥) بلفظ: \"إني خلقتُ عبادي حنفاء كلَّهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم\".","vol":"6","page":553},{"text":"أَهدِكُم، يَا عِبَادِي كُلُّكُم جَائِعٌ إِلَّا مَن أَطعَمتُهُ فَاستَطعِمُونِي أُطعِمكُم، يَا عِبَادِي كُلُّكُم عَارٍ إِلَّا مَن كَسَوتُهُ فَاستَكسُونِي أَكسُكُم، يَا عِبَادِي إِنَّكُم تُخطِئُونَ بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاستَغفِرُونِي أَغفِر لَكُم، يَا عِبَادِي إِنَّكُم لَن تَبلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَن تَبلُغُوا نَفعِي فَتَنفَعُونِي، يَا عِبَادِي لَو أَنَّ أَوَّلَكُم وَآخِرَكُم وَإِنسَكُم وَجِنَّكُم كَانُوا عَلَى أَتقَى قَلبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنكُم مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلكِي شَيئًا، يَا عِبَادِي لَو أَنَّ أَوَّلَكُم وَآخِرَكُم وَإِنسَكُم وَجِنَّكُم كَانُوا عَلَى أَفجَرِ قَلبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِن مُلكِي شَيئًا، يَا عِبَادِي لَو أَنَّ أَوَّلَكُم وَآخِرَكُم وَإِنسَكُم وَجِنَّكُم\nــ\nمنهما من شاء من خلقه، وأن ذلك لا يقدر عليه إلا هو، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهدِي مَن يَشَاءُ﴾ وكما قال: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهتَدِيَ لَولا أَن هَدَانَا اللَّهُ﴾ وكما قال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وقد نطق الكتاب بما لا يبقى معه ريب لذي فهم سليم بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَدعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ﴾ فعم الدعوة، وخص بالهداية من سبقت له العناية. واستيفاء الكلام في علم الكلام.\nوحاصل قوله: كلكم ضال إلا من هديته، وكلكم جائع، وكلكم عار التنبيه على فقرنا وعجزنا عن جلب منافعنا، ودفع مضارنا بأنفسنا؛ إلا أن ييسر ذلك لنا؛ بأن يخلق ذلك لنا، ويعيننا عليه، ويصرف عنا ما يضرنا. وهو تنبيه على معنى قوله: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (١)، ومع ذلك فقال في آخر الحديث: يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه تنبيها على أن عدم الاستقلال بإيجاد الأعمال لا يناقض خطاب التكليف بها، إقداما عليها، وإحجاما عنها، فنحن - وإن\n_________\n(١) رواه الطبراني في الكبير (١٢/ ٣٦٤).","vol":"6","page":554},{"text":"قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعطَيتُ كُلَّ إِنسَانٍ مَسأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِندِي إِلَّا كَمَا يَنقُصُ المِخيَطُ إِذَا أُدخِلَ البَحرَ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعمَالُكُم أُحصِيهَا علَيكُم ثُمَّ أُوَفِّيكُم إِيَّاهَا، فَمَن وَجَدَ خَيرًا فَليَحمَد اللَّهَ، وَمَن وَجَدَ غَيرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفسَهُ.\nرواه أحمد (٥/ ١٦٠)، ومسلم (٢٥٧٧) (٥٥)، والترمذيُّ (٢٤٩٥)، وابن ماجه (٤٢٥٧).\nــ\nكنا نعلم أنا لا نستقل بأفعالنا- نحس بوجدان الفرق بين الحركة الضرورية والاختيارية، وتلك التفرقة راجعة إلى تمكن محسوس، وتأت معتاد يوجد مع الاختيارية، ويفقد مع الضرورية، وذلك هو المعبر عنه بالكسب، وهو مورد التكليف، فلا تناقض ولا تعنيف.\nو(قوله: ما نقص ذلك (١) مِمَّا عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر) المخيط: الإبرة. والخياط (٢): الخيط. ومنه قوله: أدوا الخياط والمخيط (٣). وهذا مثل قصد به التقريب للأفهام بما تشاهده؟ فإنَّ ماء البحر من أعظم المرئيات وأكبرها، وغمس الإبرة فيه لا يؤثر فيه، فضرب ذلك مثلا لخزائن رحمة الله تعالى وفضله؟ فإنَّها لا تنحصر ولا تتناهى، وأن ما أعطي منها من أول خلق المخلوقات، وما يعطي منها إلى يوم القيامة لا ينقص منها شيئا، وهذا نحو قوله ﷺ في الحديث الآخر: يمين الله ملأى سخاء الليل والنهار، لا يغيضها\n_________\n(١) هذه اللفظة مستدركة من التلخيص وصحيح مسلم.\n(٢) في جميع نسخ المفهم: الخائط، والصواب ما أثبتناه بعد الرجوع إلى نصّ الحديث ومصادر اللغة.\n(٣) رواه النسائي (٦/ ٢٦٤)، وابن ماجه (٢٨٥٠).","vol":"6","page":555},{"text":"[٢٤٨٦] وعن ابن عمر أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: المُسلِمُ أَخُو المُسلِمِ لَا يَظلِمُهُ، وَلَا يُسلِمُهُ، مَن كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَن فَرَّجَ عَن مُسلِمٍ كُربَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنهُ بِهَا كُربَةً مِن كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ.\nرواه أحمد (٢/ ٩١)، والبخاريُّ (٢٤٤٢)، ومسلم (٢٥٨٠)، وأبو داود (٤٨٩٣)، والترمذي (١٤٢٦).\n[٢٤٨٧] وعَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: اتَّقُوا الظُّلمَ فَإِنَّ الظُّلمَ ظُلُمَاتٌ يَومَ القِيَامَةِ،\nــ\nشيء، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، لم يغض ما في يمينه (١) وسر ذلك أن قدرته صالحة للإيجاد دائما، لا يجوز عليها العجز والقصور، والممكنات لا تنحصر، ولا تتناهى، فما وجد منها لا ينقص شيئا منها، وبسط الكلام على هذه الأصول في علم الكلام.\nو(قوله: اتقوا الظلم؛ فإنَّ الظلم ظلمات يوم القيامة) ظاهره: أن الظالم يعاقب يوم القيامة؛ بأن يكون في ظلمات متوالية يوم يكون المؤمنون في نور يسعى بين أيديهم، وبأيمانهم حين: ﴿يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقتَبِس مِن نُورِكُم﴾ فيقال لهم: ﴿ارجِعُوا وَرَاءَكُم فَالتَمِسُوا نُورًا﴾ وقيل: إن معنى الظلمات هنا: الشدائد والأهوال التي يكونون فيها، كما فسر بذلك قوله: ﴿قُل مَن يُنَجِّيكُم مِن ظُلُمَاتِ البَرِّ وَالبَحرِ﴾ أي: من شدائدهما، وآفاتهما. والأول أظهر.\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٢٤٢ و٥٠٠)، والبخاري (٤٦٨٤)، ومسلم (٩٩٣) (٣٦)، والترمذي (٣٠٤٥)، وابن ماجه (١٩٧).","vol":"6","page":556},{"text":"وَاتَّقُوا الشُّحَّ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهلَكَ مَن كَانَ قَبلَكُم؛ حَمَلَهُم عَلَى أَن سَفَكُوا دِمَاءَهُم، وَاستَحَلُّوا مَحَارِمَهُم.\nرواه مسلم (٢٥٧٨).\n[٢٤٨٨] وعَن أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ يُملِي لِلظَّالِمِ، فَإِذَا أَخَذَهُ لَم يُفلِتهُ\nــ\nو(قوله: واتقوا الشح؛ فإنَّ الشح أهلك من كان قبلكم) الشح: الحرص على تحصيل ما ليس عندك، والبخل: الامتناع من إخراج ما حصل عندك. وقيل: إن الشح هو البخل مع حرص. يقال منه: شححت بالكسر يشح، وشححت - بالفتح - يشح، (١) - بالضم - ورجل شحيح، وقوم شحاح وأشحاء.\nو(قوله: حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم) هذا هو الهلاك الذي حمل عليه الشح، لأنَّهم لما فعلوا ذلك أتلفوا دنياهم وأخراهم، وهذا كما قال في الحديث الآخر: إياكم والشح، فإنَّه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا (٢) أي: حملهم على ذلك.\nو(قوله: إن الله يملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته) يملي: يطيل في مدته، ويصح، ويكثر ماله وولده ليكثر ظلمه، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَحسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُملِي لَهُم خَيرٌ لأَنفُسِهِم إِنَّمَا نُملِي لَهُم لِيَزدَادُوا إِثمًا﴾ وهذا كما فعل الله الله بالظلمة من الأمم السالفة، والقرون الخالية، حتى إذا عم ظلمهم وتكامل جرمهم أخذهم الله أخذة رابية، فلا ترى لهم من باقية، وذلك سنة الله في كل جبار عنيد، ولذلك قال:\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ز).\n(٢) رواه أبو داود (١٦٩٨).","vol":"6","page":557},{"text":"ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾\nرواه البخاريُّ (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣)، والترمذيُّ (٣١٠٩)، وابن ماجه (٤٠١٨).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-935>(١٣) باب الأخذ على يد الظالم ونصر المظلوم</span>\n[٢٤٨٩] عَن جَابِرٍ قَالَ: اقتَتَلَ غُلَامَانِ: غُلَامٌ مِن المُهَاجِرِينَ، وَغُلَامٌ مِن الأَنصَارِ، فَنَادَى المُهَاجِرُ - أَو المُهَاجِرُونَ -: يَا لَلمُهَاجِرِينَ!\nــ\n﴿وَكَذَلِكَ أَخذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾\nو(قوله: من ستر مسلما ستره الله يوم القيامة) هذا حض على ستر من ستر نفسه، ولم تدع الحاجة الدينية إلى كشفه، فأمَّا من اشتهر بالمعاصي، ولم يبال بفعلها، ولم ينته عما نهي عنه، فواجب رفعه للإمام، وتنكيله، وإشهاره للأنام ليرتدع بذلك أمثاله، وكذلك من تدعو الحاجة إلى كشف حالهم من الشهود والمجرحين، فيجب أن يكشف منهم ما يقتضي تجريحهم، ويحرم سترهم مخافة تغيير الشرع، وإبطال الحقوق.\n(١٣ و١٤ و١٥) ومن باب: الأخذ على يد الظالم ونصر المظلوم (١)\n(قوله: كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار) (٢) في الصحاح:\n_________\n(١) شرح المؤلف ﵀ تحت هذا العنوان ما أشكل في هذا الباب وما أشكل أيضًا في باب: من استطال حقوق الناس. . . وما أشكل في باب: النهي عن دعوى الجاهية.\n(٢) هذه الرواية بنصها في صحيح مسلم (٢٥٨٤) (٦٤).","vol":"6","page":558},{"text":"فَنَادَى الأَنصَارِيُّ: يَا لَلأَنصَارِ! فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ ! دَعوَى أَهلِ الجَاهِلِيَّةِ؟ قَالُوا: لَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا أَنَّ غُلَامَينِ اقتَتَلَا فَكَسَعَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، قَالَ: فَلَا بَأسَ وَليَنصُر الرَّجُلُ أَخَاهُ ظَالِمًا أَو مَظلُومًا، إِن كَانَ ظَالِمًا فَليَنهَهُ، فَإِنَّهُ لَهُ نَصرٌ، وَإِن كَانَ مَظلُومًا فَليَنصُرهُ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٣٨)، والبخاريُّ (٣٥١٨)، ومسلم (٢٥٨٤) (٦٢)، والترمذي (٣٣١٥)، والنسائي في الكبرى (٨٨٦٣).\n* * *\nــ\nالكسع: أن تضرب دبر الإنسان بيدك، أو بصدر قدمك، يقال: اتبع فلان أدبارهم يكسعهم بالسيف، مثل: يكسؤهم، أي: يطردهم، ومنه قول الشاعر (١):\nكسع الشتاء بسبعة غبر (٢) ... . . . . . . . . . . .\nووردت الخيل يكسع بعضها بعضا.\nو(قوله: انصر أخاك ظالما أو مظلوما (٣» هذا من الكلام البليغ الوجيز الذي قل من ينسج على منواله، أو يأتي بمثاله، وأو فيه للتنويع والتقسيم، وإنما سمي رد الظالم نصرا، لأنَّ النصر هو العون. ومنه قالوا: أرض منصورة، أي: معانة بالمطر، ومنع الظالم من الظلم عون له على مصلحة نفسه، وعلى الرجوع إلى الحق، فكان أولى بأن يسمى نصرا.\nودعوى الجاهلية: تناديهم عند الغضب، والاستنجاد: يا آل فلان! يا بني\n_________\n(١) هو أبو شبل الأعرابي.\n(٢) هذا صدر بيت، وعجزه: أيامِ شَهْلَتِنا من الشهْرِ.\n(٣) هذا اللفظ ليس في التلخيص ولا في صحيح مسلم، بل هو عند أحمد (٣/ ٢٠١)، والبخاري (٢٤٤٣ و٢٤٤٤)، والترمذي (٢٢٥٥) من حديث أنس بن مالك.","vol":"6","page":559},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-936>(١٤) باب من استطال حقوق الناس اقتص من حسناته يوم القيامة</span>\n[٢٤٩٠] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَتَدرُونَ مَا المُفلِسُ؟ قَالُوا: المُفلِسُ فِينَا مَن لَا دِرهَمَ لَهُ، وَلَا مَتَاعَ! فَقَالَ: إِنَّ المُفلِسَ مِن أُمَّتِي يَأتِي يَومَ القِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأتِي وقَد شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعطَى هَذَا مِن حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِن حَسَنَاتِهِ، فَإِن فَنِيَت حَسَنَاتُهُ قَبلَ أَن يُقضَى مَا عَلَيهِ أُخِذَ مِن خَطَايَاهُم فَطُرِحَت عَلَيهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٠٣)، ومسلم (٢٥٨١)، والترمذيُّ (٢٤١٨).\n[٢٤٩١] وعنه؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَتُؤَدُّنَّ الحُقُوقَ إِلَى أَهلِهَا يَومَ القِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الجَلحَاءِ مِن الشَّاةِ القَرنَاءِ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٣٥)، ومسلم (٢٥٨٢)، والترمذيُّ (٢٤٢٠).\n* * *\nــ\nفلان! وهي التي عنى بقوله: دعوها فإنَّها منتنة (١) أي: مستخبثة، قبيحة، لأنَّها تثير التعصب على غير الحق، والتقاتل على الباطل، ثم إنها تجر إلى النار، كما قال: من دعا بدعوى الجاهلية فليس منا، وليتبوأ مقعده من النار (٢). وقد أبدل\n_________\n(١) هذه الفقرة والتي تليها لم ترد في هذا الباب من التلخيص، وإنما وردت في باب: النهي عن دعوى الجاهلية، رقم الحديث (٢٥٩٦).\n(٢) رواه أحمد (٤/ ١٣٠ و٢٠٢)، والترمذي (٢٨٦٣ و٢٨٦٤) بلفظ: \"مَن دعا بدعوى الجاهلية فهو مِن جُثَا جهنم\".","vol":"6","page":560},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-937>(١٥) باب النهي عن دعوى الجاهلية</span>\n[٢٤٩٢] عن جَابِرَ قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزَاةٍ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِن المُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِن الأَنصَارِ فَقَالَ الأَنصَارِيُّ: يَا لَلأَنصَارِ! وَقَالَ المُهَاجِرِيُّ: يَا لَلمُهَاجِرِينَ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا بَالُ دَعوَى الجَاهِلِيَّةِ؟ قال: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَعَ رَجُلٌ مِن المُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِن الأَنصَارِ، فَقَالَ: دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنتِنَةٌ، فَسَمِعَهَا عَبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ، فَقَالَ: قَد فَعَلُوهَا وَاللَّهِ! لَئِن رَجَعنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنهَا الأَذَلَّ. قَالَ عُمَرُ: دَعنِي أَضرِبُ عُنُقَ هَذَا المُنَافِقِ، فَقَالَ: دَعهُ، لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقتُلُ أَصحَابَهُ.\nــ\nالله من دعوى الجاهلية دعوى المسلمين، فينادى: يا للمسلمين! كما قال ﷺ: فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين (١). وكما نادى عمر بن الخطاب -﵁ - حين طعن: يا لله! يا للمسلمين! . فإذا دعا بها المسلم وجبت إجابته، والكشف عن أمره على كل من سمعه؟ فإن ظهر أنه مظلوم نصر بكل وجه ممكن شرعي؛ لأنه إنما دعا للمسلمين لينصروه على الحق. وإن كان ظالما كف عن الظلم بالملاطفة والرفق، فإنَّ نفع ذلك، وإلا أخذ على يده، وكف عن ظلمه؛ فإنَّ الناس إذا رأوا الظالم، فلم يأخذوا على يديه: أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده، ثم يدعونه فلا يستجاب لهم.\nو(قوله ﷺ لعمر حين قال: دعني أضرب عنق هذا المنافق: لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه) دليل على: أن المنافقين الذين علم نفاقهم في\n_________\n(١) ينظر تخريج الحديث السابق.","vol":"6","page":561},{"text":"رواه أحمد (٣/ ٣٣٨)، والبخاريُّ (٣٥١٨)، ومسلم (٢٥٨٤) (٦٣)، والترمذي (٣٣١٥)، والنسائي في الكبرى (٨٨٦٣).\n* * *\nــ\n\nعهد رسول الله ﷺ كانوا مستحقين للقتل، لكن امتنع النبي ﷺ من ذلك؛ لئلا يكون قتلهم منفرا لغيرهم عن الدخول في الإسلام، لأنَّ العرب كانوا أهل أنفة وكبر بحيث لو قتل النبي ﷺ هؤلاء المنافقين لنفر من بعد عنهم، فيمتنع من الدخول في الدين، وقالوا: هو يقتل أصحابه، ولغضب من قرب من هؤلاء المنافقين (١)، فتهيج الحروب وتكثر الفتن، ويمتنع من الدخول في الدين، وهو نقيض المقصود، فعفا النبي ﷺ عنهم، ورفق بهم، وصبر على جفائهم وأذاهم، وأحسن إليهم حتى انشرح صدر من أراد الله هدايته، فرسخ في قلبه الإيمان، وتبين له الحق اليقين.\nوهلك عن بينة من أراد الله هلاكه، وكان من الخاسرين. ثم أقام النبي ﷺ مستصحبا لذلك إلى أن توفاه الله تعالى، فذهب النفاق وحكمه، لأنَّه ارتفع مسماه واسمه. ولذلك قال مالك: النفاق في عهد رسول الله ﷺ هو الزندقة عندنا اليوم، ويظهر من مذهبه: أن ذلك الحكم منسوخ بقوله تعالى: ﴿لَئِن لَم يَنتَهِ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَقُتِّلُوا تَقتِيلا﴾ وبقوله: ﴿جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ﴾ فقد سوى بينهما في الأمر بالجهاد، وجهاد الكفار: قتالهم وقتلهم، فليكن جهاد المنافقين كذلك (٢).\nوفي الآيتين مباحث ليس هذا موضعها، وقد ذهب غير واحد من أئمتنا إلى أن المنافقين يعفى عنهم ما لم يظهروا نفاقهم؛ فإن أظهروه قتلوا، وهذا أيضًا يخالف ما جرى في عهد النبي ﷺ فإن منهم من أظهر نفاقه، واشتهر عنه حتى عرف به، والله أعلم بنفاقه، ومع ذلك لم يقتلوا لما ذكرناه، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع) و(ز).\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"6","page":562},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوقد وضح من هذا الحديث إبطال قول من قال: إن النبي ﷺ لم يقتل المنافقين، لأنَّه لم تقم بينة معتبرة بنفاقهم؛ إذ قد نص فيه على المانع من ذلك، وهو غير ما قالوه. وفيه ما يدلّ على أن أهون الشرين يجوز العمل على مقتضاه إذا اندفع به الشر الأعظم. وفيه دليل على القول بصحة الذرائع، وعلى تعليل نفي الأحكام في بعض الصور بمناسبٍ لذلك النفي.\n(قوله: أتدرون ما المفلس؟) كذا صحت الرواية بـ (ما) فقد وقعت هنا على من يعقل، وأصلها لما لا يعقل. والمفلس: اسم فاعل من أفلس: إذا صار مفلسا، أي: افتقر، وكأنه صارت دراهمه فلوسا، كما يقال: أجبن الرجل: إذا صار أصحابه جبناء، وأقطف: إذا صارت دابته قطوفا (١)، ويجوز أن يراد به: إنه صار الرجل يقال فيه: ليس معه فلس، كما يقال: أقهر الرجل: إذا صار إلى حال يُقهر عليها، وأذل الرجل: إذا صار إلى حال يُذل فيها، وقد فلّسه القاضي تفليسا: نادى عليه: أنه أفلس.\nو(قوله: المفلس هو الذي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة. . . الحديث) أي: هذا أحق باسم المفلس؛ إذ تؤخذ منه أعماله التي تعب في تصحيحها بشروطها، حتى قُبلت منه، فلما كان وقت فقره إليها أُخذت منه، ثم طُرح في النار. فلا إفلاس أعظم من هذا، ولا أخسر صفقة ممن هذه حاله، ففيه ما يدلّ على وجوب السعي في التخلص من حقوق الناس في الدنيا بكل ممكن، والاجتهاد في ذلك، فإن لم يجد إلى ذلك سبيلا، فالإكثار من الأعمال الصالحة، فلعله بعد أخذ ما عليه تبقى له بقية راجحة، والمرجو من كرم الكريم لمن صحت في الأداء نيته، وعجزت عن ذلك قدرته أن يرضي الله عنه خصومه، فيغفر للمطالب والمطلوب، ويوصلهم إلى أفضل محبوب، وقد تقدَّم ذكر من قال: إن الصوم\n_________\n(١) أي بطيئة.","vol":"6","page":563},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nلا يؤخذ مما عليه من الحقوق، وبينا ما يرد عليه، وبماذا ينفصل عنه.\nو(قوله: لتؤدُّنّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة) هذا جواب قسم محذوف، كأنه قال: والله لتؤدّن. والحقوق: جمع حق، وهو ما يحق على الإنسان أن يؤديه، وهو يعم حقوق الأبدان، والأموال، والأعراض، وصغير ذلك وكبيره. كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيلَتَنَا مَالِ هَذَا الكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحصَاهَا﴾ وكما قال: ﴿وَإِن كَانَ مِثقَالَ حَبَّةٍ مِن خَردَلٍ أَتَينَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾\nو(قوله: حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) والجلحاء: هي التي لا قرون لها. وكبش أجلح، وشاة جلحاء. ويقاد: من القود، أي: القصاص. وقد حكي أن أبا هريرة - ﵁ - حمل هذا الحديث على ظاهره، فقال: يؤتى بالبهائم فيقال لها: كوني ترابا، وذلك بعدما يقاد للجماء (١) من القرناء، وحينئذ: ﴿وَيَقُولُ الكَافِرُ يَا لَيتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ وقد قيل في معنى الحديث: إن المقصود منه التمثيل على جهة تعظيم أمر الحساب والقصاص، والإغياء فيه حتى يفهم منه: أنه لا بد لكل أحد منه، وأنه لا محيص له عنه، ويتأيد هذا بما جاء في هذا الحديث عن بعض رواته من الزيادة، فقال: حتى يقاد للشاة الجلحاء من القرناء، وللحجر لم ركب على الحجر وعلى العود خدش العود فظهر من هذا: أن المقصود منه التمثيل المفيد للإغياء والتهويل، لأنَّ الجمادات لا يعقل خطابها ولا ثوابها ولا عقابها، ولم يصر إليه أحد من العقلاء، ومتخيله من جملة المعتوهين الأغبياء، ونظير هذا التمثيل قوله تعالى: ﴿وَلَو أَنَّ قُرآنًا سُيِّرَت بِهِ الجِبَالُ﴾ وقوله: ﴿لَو أَنزَلنَا هَذَا القُرآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ الآية، فتدبر وجه التنظير، والله بحقائق الأمور عليم خبير.\n_________\n(١) في (ز): الجلحاء.","vol":"6","page":564},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-938>(١٦) باب مثل المؤمنين</span>\n[٢٤٩٣] عَن أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: المُؤمِنُ لِلمُؤمِنِ كَالبُنيَانِ يَشُدُّ بَعضُهُ بَعضًا.\nرواه البخاري (١٤٣٧)، ومسلم (٢٥٨٥)، وأبو داود (١٦٨٤)، والنسائي (٥/ ٧٩ - ٨٠).\n[٢٤٩٤] وعَن النُّعمَانِ بنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَثَلُ المُؤمِنِينَ فِي تَوَادِّهِم وَتَرَاحُمِهِم وَتَعَاطُفِهِم مَثَلُ الجَسَدِ، إِذَا اشتَكَى مِنهُ عُضوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى.\nــ\n(١٦) ومن باب: مثل المؤمنين (قوله ﷺ: المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا) تمثيل يفيد الحض على معونة المؤمن للمؤمن ونصرته، وأن ذلك أمر متأكد لا بد منه، فإنَّ البناء لا يتم أمره، ولا تحصل فائدته إلا بأن يكون بعضه يمسك بعضا ويقويه، فإن لم يكن كذلك انحلت أجزاؤه، وخرب بناؤه. وكذلك المؤمن لا يستقل بأمور دنياه ودينه إلا بمعونة أخيه ومعاضدته ومناصرته، فإن لم يكن ذلك عجز عن القيام بكل مصالحه، وعن مقاومة مضاده، فحينئذ لا يتم له نظام دنيا ولا دين، ويلتحق بالهالكين.\nو(قوله: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد. . . الحديث) هكذا صحيح الرواية (في توادهم) ومعناه واضح، وقد وقع في رواية: توادهم بغير (في) ويصح ذلك، ويكون محفوظا على أنه بدل الاشتمال من المؤمنين. والتواد مصدر توادد يتوادد تواددا وتوادا، إذا أدغمت، ومقصود هذا التمثيل: الحض على ما يتعين من محبة المؤمن ونصيحته والتهمم بأمره.","vol":"6","page":565},{"text":"وفي رواية: المُسلِمُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِن اشتَكَى عَينُهُ اشتَكَى كُلُّهُ، وَإِن اشتَكَى رَأسُهُ اشتَكَى كُلُّهُ.\nرواه أحمد (٤/ ٢٦٨)، ومسلم (٢٥٨٦) (٦٦ و٦٧).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-939>(١٧) باب تحريم السباب والغيبة ومن تجوز غيبته</span>\n[٢٤٩٥] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: المُستَبَّانِ مَا قَالَا فَعَلَى البَادِئِ مَا لَم يَعتَدِ المَظلُومُ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٣٥)، ومسلم (٢٥٨٧)، وأبو داود (٤٨٩٤)، والترمذيُّ (١٩٨١).\nــ\n(١٧) ومن باب: تحريم السباب والغيبة\n(قوله: المستبان ما قالا، فعلى الأول ما لم يعتد المظلوم) المستبان: تثنية مستب من السب، وهو الشتم والذم، وهما مرفوعان بالابتداء، و(ما) موصولة، وهي في موضع رفع بالابتداء أيضًا، وصلتها: قالا، والعائد محذوف، تقديره: قالاه، و(على الأول) خبر ما، ودخلت الفاء على الخبر لما تضمنه الاسم الموصول من معنى الشرط، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِن نِعمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ وما وخبرها: خبر المبتدأ الأول الذي هو المستبان. ومعنى الكلام: أن المبتدئ بالسب هو المختص بإثم السب، لأنَّه ظالم به؛ إذ هو مبتدئ من غير سب ولا استحقاق، والثاني منتصر فلا إثم عليه، ولا جناح، لقوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعدَ ظُلمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيهِم مِن سَبِيلٍ﴾ لكن السب المنتصر به - وإن كان","vol":"6","page":566},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمباحًا للمنتصر - فعليه إثم من حيث هو سب، لكنه عائد إلى الجاني الأول، لأنَّه هو الذي أحوج المنتصر إليه وتسبب فيه، فيرجع إثمه عليه، ويسلم المنتصر من الإثم، لأنَّ الشرع قد رفع عنه الإثم والمؤاخذة، لكن ما لم يكن من المنتصر عدوان إلى ما لا يجوز له، كما قال: ما لم يعتد المظلوم أي: ما لم يجاوز ما سُب به إلى غيره، إما بزيادة سب آخر أو بتكرار مثل ذلك السب، وذلك أن المباح في الانتصار: أن يرد مثل ما قال الجاني، أو يقاربه، لأنَّه قصاص، فلو قال له: يا كلب - مثلا - فالانتصار أن يرد عليه بقوله: بل هو الكلب، فلو كرر هذا اللفظ مرتين أو ثلاثا لكان متعديا بالزائد على الواحدة، فله الأولى، وعليه إثم الثانية، وكذلك لو رد عليه بأفحش من الأولى، فيقول له: خنزير - مثلا - كان كل واحد منهما مأثوما، لأنَّ كلا منهما جار على الآخر، وهذا كله مقتضى قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعتَدَى عَلَيكُم فَاعتَدُوا عَلَيهِ بِمِثلِ مَا اعتَدَى عَلَيكُم﴾ وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثلُهَا﴾\nوكل ما ذكرناه من جواز الانتصار إنما هو فيما إذا لم يكن القول كذبا أو بهتانا، فلا يجوز أن يتكلم بذلك لا ابتداء ولا قصاصا، وكذلك لو كان قذفا، فلو رده كان كل واحد منهما قاذفا للآخر، وكذلك لو سب المبتدئ أبا المسبوب أو جده، لم يجز له أن يرد ذلك، لأنَّه سب لمن لم يجنِ عليه، فيكون الرد عدوانا لا قصاصا.\nقال بعض علمائنا: إنما يجوز الانتصار فيما إذا كان السب مما يجوز سب المرء به عند التأديب كالأحمق، والجاهل، والظالم، لأنَّ أحدا لا ينفك عن بعض هذه الصفات إلا الأنبياء والأولياء، فهذا إذا كافأه بسبه فلا حرج عليه ولا إثم، وبقي الإثم على الأول بابتدائه وتعرضه لذلك.\nتنبيه: ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعدَ ظُلمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيهِم مِن سَبِيلٍ﴾ أن الانتصار مباح، وعلى ذلك يدلّ الحديث المذكور، لكن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ البَغيُ هُم يَنتَصِرُونَ﴾ مدح من الله تعالى للمنتصر، والمباح لا يمدح عليه، فاختلف العلماء في ذلك، فقال السدي: إنما","vol":"6","page":567},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمدح الله من انتصر ممن بغي عليه من غير زيادة على مقدار ما فُعل به، يعني: أنه إنما مدح من حيث إنه اتقى الله في انتصاره، إذا أوقعه على الوجه المشروع، ولم يفعل ما كانت الجاهلية تفعل من الزيادة على الجناية. وقال غيره: إنما مدح الله من انتصر من الظالم الباغي المعلن بظلمه الذي يعُم ضرره، فالانتقام منه أفضل، والانتصار عليه أولى. قال معناه إبراهيم النخعي، ولا خفاء في أن العفو عن الجناة وإسقاط المطالبة عنهم بالحقوق، مندوب إليه، مرغّب فيه على الجملة، لقوله تعالى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزمِ الأُمُورِ﴾ ولقوله: ﴿فَمَن عَفَا وَأَصلَحَ فَأَجرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿وَليَعفُوا وَليَصفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغفِرَ اللَّهُ لَكُم وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقوله: ﴿وَأَن تَعفُوا أَقرَبُ لِلتَّقوَى﴾ ولقوله ﷺ: ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا (١)، وقوله: تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك (٢) ونحوه كثير، ومع ذلك فاختلف العلماء في المحاللة من الحقوق، فقال سعيد بن المسيب: لا أحلل أحدا. وظاهره: أنه كان لا يجيز أن يعفو عن حق وجب له، ولا يسقطه، ولم يفرق بين الظالم ولا غيره، وهذا هو الذي فهمه مالك عنه.\nوذهب غيره إلى أنه تجوز المحاللة من جميع الحقوق وإسقاطها، وإليه ذهب محمد بن سيرين، والقاسم بن محمد، كان يحلل من ظلمه، ويكره لنفسه الخصوم. وفرق آخرون بين الظالم، فلم يحللوه، وبين غيره فحللوه، وإليه ذهب إبراهيم النخعي، وهو ظاهر قول مالك، وقد سئل فقيل له: أرأيت الرجل يموت، ولك عليه دَين، ولا وفاء له به؟ قال: أفضل عندي أن أحلله، وأما الرجل يظلم الرجل فلا أرى ذلك. قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظلِمُونَ النَّاسَ﴾ فظاهر هذا: أن\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٥٨٨)، والترمذي (٢٥٣٠)، والموطأ (٢/ ١٠٠٠).\n(٢) رواه البزار كما في كشف الأستار (١٩٠٦) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٥٤): وفيه سليمان بن داود اليمامي متروك.","vol":"6","page":568},{"text":"[٢٤٩٦] وعنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَتَدرُونَ مَا الغِيبَةُ؟ قَالُوا:\nــ\nالظالم لا يجوز أن يحلل، ولم يفرق بين الحقوق، فيكون مذهبه كمذهب النخعي المتقدم، غير أنه قد روي قول مالك هذا بلفظ آخر، فقال: أما الرجل يغتاب الرجل، وينتقصه، فلا أرى ذلك، ففهم بعض أصحابنا من هذا: أن ترك المحاللة إنما منعه في الأعراض خاصة، وأما في سائر الحقوق فيجوز، وسبب هذا الخلاف: هل تلك الأدلة مبقاة على ظواهرها من التعميم، أو هي مخصصة فيخرج منها الظالم، لأنَّ تحليله من المظالم يجرّئه على الإكثار منها، وهو ممنوع بالإجماع، ثم ذلك عون له على الإثم والعدوان، وقد قال تعالى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثمِ وَالعُدوَانِ﴾ وأما الفرق بين الأعراض وغيرها فمبالغة في سد ذريعة الأعراض ليسارتها وتساهل الناس في أمرها، فاقتضى ذلك المبالغة في الردع عنها، فإذا علم الذي يريد أن يغتاب مسلما أن الغيبة وأعراض المسلمين لا يعفى عنها، ولا يخرج منها، امتنع من الوقوع فيها.\nقلت: ويرد على هذه التخصيصات سؤالات يطول الكلام بإيرادها والانفصال عنها، والتمسك بالعموم هو الأصل المعلوم، لاسيما مع قوله ﷺ: أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم، كان إذا أصبح يقول: اللهم إني تصدقت بعرضي على عبادك (١) ومع الأصل الكلي في حقوق بني آدم من جواز تصرفهم فيها بالإعطاء والمنع، والأخذ والإسقاط، والله تعالى أعلم.\nتفريع: القائلون بجواز التحلل وإسقاط الحقوق اختلفوا: هل تسقط عن الظالم مطالبة الآدمي فقط، ولا تسقط عنه مطالبة الله ﷿؟ أو يسقط عنه الجميع؟ لأهل العلم فيه قولان.\nو(قوله: أتدرون ما الغيبة؟) كأن هذا السؤال صدر عنه بعد أن جرى ذكر\n_________\n(١) ذكره ابن الأثير في أسد الغابة (٦/ ١٧٧)، وقال: رواه أبو عمر (ابن عبد البر).","vol":"6","page":569},{"text":"اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ قَالَ: ذِكرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكرَهُ، قِيلَ: أَفَرَأَيتَ إِن كَانَ فِي\nــ\nالغيبة، ولا يبعد أن يكون ذلك بعد نزول قوله تعالى: ﴿وَلا يَغتَب بَعضُكُم بَعضًا﴾ ففسر النبي ﷺ هذه الغيبة المنهي عنها. ووزنها فعلة، وهي مأخوذة من الغيبة - بفتح الغين - مصدر غاب، لأنَّها ذكر الرجل في حال غيبته بما يكرهه لو سمعه. يقال من ذلك المعنى: اغتاب فلان فلانا، يغتابه اغتيابا، واسم ذلك المعنى: الغيبة، ولا شك في أنها محرمة وكبيرة من الكبائر، بالكتاب والسنة، فالكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلا يَغتَب بَعضُكُم بَعضًا﴾ الآية، وأما السنة فكثيرة، من أنصها ما خرجه أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: إن من الكبائر استطالة المرء في عرض رجل مسلم (١)، وفي كتابه من حديث أنس عنه ﷺ، قال: مررت ليلة أسري بي بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم (٢).\nوإذا تقررت حقيقة الغيبة وأن أصلها على التحريم، فاعلم أنها قد تخرج عن ذلك الأصل صور، فتجوز الغيبة في بعضها، وتجب في بعضها، ويندب إليها في بعضها: فالأولى كغيبة المعلن بالفسق المعروف به، فيجوز ذكره بفسقه لا بغيره، مما يكون مشهورا به، لقوله ﷺ: بئس أخو العشيرة كما يأتي، وقوله ﷺ: لا غيبة في فاسق (٣)، ولقوله: لي الواجد يحل عرضه وعقوبته (٤). والثاني:\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٨٧٧).\n(٢) رواه أبو داود (٤٨٧٨) بلفظ: \"ليلة عُرج بي. . .\".\n(٣) ذكره العجلوني في كشف الخفاء (٢/ ٣٦٦) وقال في الدرر: له طرق كثيرة. قال أحمد: منكر. وقال الحاكم والدارقطني والخطيب: باطل.\n(٤) رواه أحمد (٤/ ٢٢٢)، والنسائي (٧/ ٣١٦)، وابن ماجه (٢٤٢٧)، وابن حبان (٥٠٨٩) الإحسان.","vol":"6","page":570},{"text":"أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: إِن كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَد اغتَبتَهُ، وَإِن لَم يَكُن فِيهِ فَقَد بَهَتَّهُ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٣٠)، ومسلم (٢٥٨٩)، وأبو داود (٤٨٧٤)، والترمذي (١٩٣٤).\nــ\nجرح شاهد عند خوف إمضاء الحكم بشهادته، وجرح المحدث الذي يخاف أن يُعمل بحديثه، أو يُروى عنه، وهذه أمور ضرورية في الدين، معمول بها، مجمع من السلف الصالح عليها.\nونحو ذلك: ذكر عيب من استنصحت في مصاهرته أو معاملته، فهذا يجب عليك الإعلام بما تعلم من هناته عند الحاجة إلى ذلك، على جهة الإخبار، كما قال النبي ﷺ: أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه (١).\nوقد يكون من هذين النوعين ما لا يجب، بل يندب إليه، كفعل المحدثين حين يعرفون بالضعفاء مخافة الاغترار بحديثهم، وكتحريز من لم يسأل مخافة معاملة مَن حاله تُجهل، وحيث حكمنا بوجوب النص على الغيب، فإنما ذلك إذا لم نجد بدا من التصريح والتنصيص، فأمَّا لو أغنى التعريض والتلويح، لحرم التنصيص والتصريح؛ فإنَّ ذلك أمر ضروري، والضروري يقدر بقدر الحاجة، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته) هو بتخفيف الهاء وتشديد التاء، لإدغام تاء المخاطب في التاء التي هي لام الفعل، وكذلك رويته، ويجوز أن تكون مخففة على إسقاط تاء الخطاب، يقال: بهته بهتا وبهتا وبهتانا، أي: قال عليه ما لم يقل، وهو بهات، والمقول مبهوت، ويقال: بهِت الرجل - بالكسر - إذا دهش وتحير، وبهُت - بالضم - مثله، وأفصح منها: بُهِت، كما قال تعالى: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ لأنَّه يقال: رجل مبهوت، ولا يقال: باهت، ولا بهيت. قاله الكسائي.\n_________\n(١) رواه أحمد (٦/ ٤١٢)، ومسلم (١٤٨٠)، وأبو داود (٢٢٨٤)، والنسائي (٦/ ٢١٠).","vol":"6","page":571},{"text":"[٢٤٩٧] وعن عَائِشَةُ: أَنَّ رَجُلًا استَأذَنَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: ائذَنُوا لَهُ فَلَبِئسَ ابنُ العَشِيرَةِ - أَو بِئسَ رَجُلُ العَشِيرَةِ - فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيهِ أَلَانَ لَهُ\nــ\nو(قوله ﷺ: بئس ابن العشيرة، أو: رجل العشيرة) هذا من رسول الله ﷺ، ذم لهذا الرجل في حال غيبته لما علم النبي ﷺ من حاله، وأنه ممن لا غيبة فيه، وهو عيينة بن حصن بن حذيفة بن مالك الفزاري، أسلم بعد الفتح، وقيل: قبله، وهو من المؤلفة قلوبهم، وكان من الأعراب الجفاة. روى أبو عمر بن عبد البر عن إبراهيم النخعي: أن عيينة دخل على النبي ﷺ بغير إذن، فقال النبي ﷺ: وأين الإذن؟ فقال: ما استأذنت على أحد من مضر، وكانت عائشة - ﵂ - مع النبي ﷺ، فقال: من هذه الحميراء؟ فقال: أم المؤمنين. فقال: ألا أنزل لك عن أجمل منها؟ فقالت عائشة - ﵂ -: من هذا يا رسول الله؟ قال: هذا أحمق مطاع، وهو على ما ترين سيد قومه (١).\nوقال الزهري: كان لعيينة ابن أخ من جلساء عمر - ﵁ - يقال له الجد بن قيس، فقال عيينة لابن أخيه: ألا تدخلني على هذا؟ فقال: أخاف أن تتكلم بما لا ينبغي، فقال: لا أفعل، فأدخله على عمر - ﵁ - فقال: يا بن الخطاب، والله ما تقسم بالعدل، ولا تعطي الجزل، فغضب عمر - ﵁ - غضبا شديدا حتى هم أن يوقع به، فقال ابن أخيه: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿خُذِ العَفوَ وَأمُر بِالعُرفِ وَأَعرِض عَنِ الجَاهِلِينَ﴾ وإن هذا من الجاهلين. قال: فخلى عنه عمر، وكان عمر - ﵁ - وقافا عند كتاب الله تعالى.\nقال القاضي عياض: وقد كان من عيينة في حياة النبي ﷺ، وبعد موته ما يدلّ على ضعف إيمانه، بل فيه علم من إعلام النبي ﷺ، أنه بئس ابن العشيرة، وقد ظهر ذلك منه، إذ هو ممن ارتد وجيء به أسيرا إلى أبي بكر - ﵁ - والله أعلم بما ختم له.\n_________\n(١) رواه ابن عبد البر في الاستيعاب (٣/ ١٦٧) على هامش الإصابة.","vol":"6","page":572},{"text":"القَولَ. قَالَت عَائِشَةُ: فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قُلتَ لَهُ الَّذِي قُلتَ، ثُمَّ أَلَنتَ لَهُ القَولَ؟ قَالَ: يَا عَائِشَةُ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنزِلَةً عِندَ اللَّهِ يَومَ القِيَامَةِ مَن وَدَعَهُ - أَو تَرَكَهُ - النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحشِهِ.\nرواه أحمد (٦/ ٣٨)، والبخاريّ (٦٠٥٤)، ومسلم (٢٥٩١)، والترمذيُّ (١٩٩٦).\n* * *\nــ\nقلت: ويظهر من قول النبي ﷺ فيه: إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من وَدَعَه الناس اتقاء فُحشه أن عيينة ختم له بخاتمة سوء، لأنَّه ممن اتقى النبي ﷺ، فُحشه وشره، والناس. فهو إذا شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة، ولا يكون كذلك حتى يختم الله تعالى له بالكفر، والله تعالى أعلم.\nففي حديثه من الفقه: جواز غيبة المعلن بفسقه ونفاقه، والأمير الجائر والكافر، وصاحب البدعة، وجواز مداراتهم اتقاء شرهم، لكن ما لم يؤدِ ذلك إلى المداهنة في دين الله تعالى. والفرق بين المداراة والمداهنة، أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين، وهي مباحة ومستحسنة في بعض الأحوال، والمداهنة المذمومة المحرمة: هي بذل الدين لصالح الدنيا، والنبي ﷺ إنما بذل له من دنياه حُسن عشرته، والرفق في مكالمته، وطلاقة وجهه، ولم يمدحه بقول، ولا روعي في ذلك في حديث. فعلى هذا فلا يناقض قوله ﷺ في هذا الرجل فعله معه، لأنَّ قوله ذلك إخبار بحق، ومداراته له حسن عشرة مع الخلق، فلا مدفع لأهل الزيغ والضلال، إذ لا يبقى على ما أوضحناه إشكال.\nو(قوله: من وَدَعَه، أو تركه الناس اتقاء فحشه) هذا شك من بعض الرواة في أي اللفظين قال النبي ﷺ، فإن كان الصحيح: وَدَعَه، فقد تكلم النبي ﷺ بالأصل المرفوض، كما قد تكلم به الشاعر الذي هو أنس بن زنيم في قوله:\nسل أميري ما الذي غيره ... عن وصالي اليوم حتى وَدَعَه","vol":"6","page":573},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-940>(١٨) باب الترغيب في العفو والستر على المسلم</span>\n[٢٤٩٨] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، أن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَا نَقَصَت صَدَقَةٌ مِن مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبدًا بِعَفوٍ إِلَّا عِزًّا،\nــ\nوقد حكي عن بعض السلف أنه قرأ: مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى بتخفيف الدال، وقد صح عن النبي ﷺ أنه تكلم بمصدر ذلك المرفوض حيث قال: لينتهين أقوام عن وَدعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم (١)، وهذا كله يرد على من قال من النحويين: إن العرب قد أماتت ماضي هذا الفعل ومصدره، ولا يُتكلم به استغناء عن ذلك بتركه، فإن أراد به هذا القائل أنه لا يوجد في كلامهم، فقد كذبه النقل الصحيح، وإن أراد أن ذلك يقع ولكنه قليل، وشاذ في الاستعمال، فهو الصحيح.\n(١٨ و١٩) ومن باب: الترغيب في العفو والستر والرفق (٢)\n(قوله: ما نقصت صدقة من مال) فيه وجهان:\nأحدهما: أنه بقدر ما ينقص منه يزيد الله فيه، وينميه ويكثره.\nالثاني: أنه وإن نقص في نفسه ففي الأجر والثواب ما يجبر ذلك النقص بأضعافه.\nو(قوله: ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا) فيه أيضًا وجهان:\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٢٣٩)، ومسلم (٨٦٥)، والنسائي (٣/ ٨٨)، وابن حبان (٢٧٨٥) الإحسان.\n(٢) شرح المؤلف -﵀- تحت هذا العنوان ما أشكل في أحاديث باب: الترغيب في العفو والستر، وباب: الحث على الرِّفق.","vol":"6","page":574},{"text":"وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٣٥)، ومسلم (٢٥٨٨)، والترمذيُّ (٢٠٢٩).\n[٢٤٩٩] وعنه عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا يَستُرُ عَبدٌ عَبدًا فِي الدُّنيَا إِلَّا سَتَرَهُ اللَّهُ يَومَ القِيَامَةِ.\nوفي رواية: لَا يَستُرُ اللَّهُ عَلَى عَبدٍ فِي الدُّنيَا إِلَّا سَتَر يَومَ القِيَامَةِ.\nرواه مسلم (٢٥٩٠) (٧١ و٧٢).\n* * *\nــ\nأحدهما: ظاهره، فإنَّ من عُرف بالصفح والعفو ساد وعظم في القلوب.\nوالثاني: أن يكون أجره وثوابه وجاهه وعزه في الآخرة أكثر.\nو(قوله: وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله) التواضع: الانكسار والتذلل، ونقيضه التكبر والترفع. والتواضع يقتضي متواضعا له، فإن كان المتواضع له هو الله تعالى، أو من أمر الله بالتواضع له كالرسول، والإمام والحاكم، والوالد، والعالم، فهو التواضع الواجب المحمود، الذي يرفع الله تعالى به صاحبه في الدنيا والآخرة، وأما التواضع لسائر الخلق فالأصل فيه أنه محمود، ومندوب إليه، ومرغب فيه، إذا قصد به وجه الله، ومن كان كذلك رفع الله تعالى قدره في القلوب، وطيب ذكره في الأفواه، ورفع درجته في الآخرة.\nوأما التواضع لأهل الدنيا، ولأهل الظلم، فذلك هو الذل الذي لا عز معه، والخسة التي لا رفعة معها، بل يترتب عليها ذل الآخرة. وكل صفقة خاسرة - نعوذ بالله من ذلك - وقد تقدم الكلام على العفو والستر.\n* * *","vol":"6","page":575},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-941>(١٩) باب الحث على الرفق ومن حرمه حرم الخير</span>\n[٢٥٠٠] عَن عَائِشَةَ زَوجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفقَ،\nــ\nو(قوله: إن الله رفيق يحب الرفق) قد تقرر في غير موضع: أن العلماء اختلفوا في أسماء الله تعالى، هل الأصل فيها التوقيف، فلا يسمى إلا بما سمى به نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله، أو بجمع الأمة عليه، أو: الأصل جواز تسميته تعالى بكل اسم حسن، إلا أن يمنع منه مانع شرعي؟ الأول لأبي حسن (١)، والثاني: للقاضي أبي بكر (٢). ومثار الخلاف: هل الألف واللام في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسمَاءُ الحُسنَى فَادعُوهُ بِهَا﴾ للجنس، أو للعهد؟ ثم إذا تنزلنا على رأي الشيخ أبي الحسن، هل نقتبس أسماءه تعالى من أخبار الآحاد، أو لا؟ اختلف المتأخرون من الأشعرية في ذلك على قولين، والصحيح قبول أخبار الآحاد في ذلك، لأن إطلاق الأسماء على الله تعالى حكم شرعي عملي، فيُكتفى فيه بخبر الواحد والظواهر، كسائر الأحكام العملية، فأما معنى الاسم فإن شهد باتصاف الحق به قاطع عقلي، أو سمعي، وجب قبوله وعلمه، وإلا لم يجب. ثم هل يكتفى في كون الكلمة اسما من أسماء الله تعالى بوجودها في كلام الشارع من غير تكرار ولا كثرة، أم لا بد منهما؟ فيه رأيان، وقد سبق القول في ذلك.\nوالرفيق: هو الكثير الرفق، وهو اللين، والتسهيل، وضده العنف، والتشديد والتصعيب، وقد يجيء الرفق بمعنى الإرفاق، وهو: إعطاء ما يرتفق به، قال أبو زيد: يقال: رفقت به، وأرفقته، بمعنى: نفعته، وكلاهما صحيح في حق الله تعالى؛ إذ هو\n_________\n(١) هو أبو الحسن الأشعري، المتوفى سنة (٣٢٤ هـ).\n(٢) هو أبو بكر بن العربي، المتوفى سنة (٥٤٣ هـ).","vol":"6","page":576},{"text":"وَيُعطِي عَلَيه مَا لَا يُعطِي عَلَى العُنفِ، وَمَا لَا يُعطِي عَلَى مَا سِوَاهُ.\nرواه مسلم (٢٥٩٣).\n[٢٥٠١] وعنها، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ الرِّفقَ لَا يَكُونُ فِي شَيءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنزَعُ مِن شَيءٍ إِلَّا شَانَهُ.\nزاد في رواية: أن عائشة ركبت بعيرا، فَكَانَت فِيهِ صُعُوبَةٌ، فَجَعَلَت تُرَدِّدُهُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: عَلَيكِ بِالرِّفقِ ... فإن الرفق ... على نحو ما تقدم.\nرواه أحمد (٦/ ١١٢ و١٢٥)، ومسلم (٢٥٩٤) (٧٨ و٧٩)، وأبو داود (٢٤٧٨).\nــ\nالميسر والمسهل لأسباب الخير والمنافع كلها، والمعطي لها، فلا تيسير إلا بتيسيره، ولا منفعة إلا بإعطائه وتقديره. وقد يجيء الرفق أيضًا بمعنى: التمهل في الأمر والتأني فيه، يقال منه: رفقت الدابة أرفقها رفقا: إذا شددت عضدها بحبل لتبطئ في مشيها، وعلى هذا فيكون الرفيق في حق الله تعالى بمعنى: الحليم؛ فإنَّه لا يعجل بعقوبة العصاة، بل يمهل ليتوب من سبقت له السعادة، ويزداد إثما من سبقت له الشقاوة، وهذا المعنى أليق بالحديث؛ فإنَّه السبب الذي أخرجه. وذلك أن اليهود سلموا على النبي ﷺ فقالوا: السام عليك، ففهمتهم عائشة - ﵂ - فقالت: بل عليكم السام واللعنة. فقال لها النبي ﷺ هذا الحديث.\nو(قوله: إن الله رفيق يحب الرفق) أي: يأمر به، ويحض عليه، وقد تقدم أن حب الله للطاعة شرعه لها، وترغيبه فيها، وحب الله لمن أحبه من عباده: إكرامه له.\nو(قوله: ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف) ويقال بفتح العين","vol":"6","page":577},{"text":"[٢٥٠٢] وعن جَرِيرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ قال: سمعت رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يقول: مَن يُحرَم الرِّفقَ يُحرَم الخَيرَ.\nرواه أحمد (٤/ ٣٦٦)، ومسلم (٢٥٩٢) (٧٤ - ٧٥)، وأبو داود (٤٨٠٩)، وابن ماجه (٣٦٨٧)، وقد جاء في الأصول: عن جابر (بدل): عن جرير.\n* * *\nــ\nوضمها، معناه: إن الله تعالى يعطي عليه في الدنيا من الثناء الجميل، وفي الآخرة من الثواب الجزيل ما لا يعطي على العنف الجائز.\nوبيان هذا بأن يكون أمر ما من الأمور سوغ الشرع أن يُتوصل إليه بالرفق وبالعنف، فسلوك طريق الرفق أولى لما يحصل عليه من الثناء على فاعله بحسن الخلق، ولما يترتب عليه من حسن الأعمال، وكمال منفعتها، ولهذا أشار ﷺ بقوله: ما كان الرفق في شيء إلا زانه. وضده الخرق والاستعجال، وهو مفسد للأعمال، وموجب لسوء الأحدوثة، وهو المعبر عنه بقوله: ولا نزع من شيء إلا شانه. أي: عابه، وكان له شَينا. وأما الخرق والعنف: فمفوتان مصالح الدنيا، وقد يفضيان إلى تفويت ثواب الآخرة، ولذلك قال ﷺ: من يحرم الرفق يحرم الخير. أي: يفضي ذلك به إلى أن يُحرم خير الدنيا والآخرة.\n* * *","vol":"6","page":578},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-942>(٢٠) باب لا ينبغي للمؤمن أن يكون لعانا والتغليظ على من لعن بهيمة</span>\n[٢٥٠٣] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يَنبَغِي لِصِدِّيقٍ أَن يَكُونَ لَعَّانًا.\nرواه مسلم (٢٥٩٧).\nــ\n(٢٠) ومن باب قوله: لا ينبغي للمؤمن أن يكون لعانا\nقد تقدَّم: أن أصل اللعن: الطرد والبعد، وهو في الشرع: البعد عن رحمة الله تعالى وثوابه إلى نار الله وعقابه، وأن لعن المؤمن كبيرة من الكبائر؛ إذ قد قال ﷺ: لعن المؤمن كقتله (١).\nو(قوله: لا ينبغي لصديق أن يكون لعانا) صديق: فعيل: وهو الكثير الصدق والتصديق، كما قد تقرر في صفة أبي بكر - ﵁ - واللعان: الكثير اللعن. ومعنى هذا الحديث: أن من كان صادقا في أقواله وأفعاله مصدقا بمعنى اللعنة الشرعية، لم تكن كثرة اللعن من خُلقه، لأنه إذا لعن من لا يستحق اللعنة الشرعية (٢)، فقد دعا عليه بأن يُبعد من رحمة الله وجنته، ويدخل في ناره وسخطه. والإكثار من هذا يناقض أوصاف الصديقين، فإنَّ من أعظم صفاتهم الشفقة والرحمة للحيوان مطلقا، وخصوصا بني آدم، وخصوصا المؤمن؛ فإنَّ المؤمنين كالجسد الواحد، وكالبنيان لما تقدَّم، فكيف يليق أن يُدعى عليهم باللعنة التي معناها الهلاك والخلود في نار الآخرة. فمن كثر منه اللعن فقد سُلب منصب\n_________\n(١) رواه البخاري (٦١٠٥)، ومسلم (١١٠).\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"6","page":579},{"text":"[٢٥٠٤] وعن أبي الدرداء قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ، وَلَا شُهَدَاءَ يَومَ القِيَامَةِ.\nرواه مسلم (٢٥٩٨) (٨٥ - ٨٦)، وأبو داود (٤٩٠٧).\n[٢٥٠٥] وعَن عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ قَالَ: بَينَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَعضِ أَسفَارِهِ، وَامرَأَةٌ مِن الأَنصَارِ عَلَى نَاقَةٍ، فَضَجِرَت، فَلَعَنَتهَا، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: خُذُوا مَا عَلَيهَا، وَدَعُوهَا، فَإِنَّهَا مَلعُونَةٌ، قَالَ عِمرَانُ: فَكَأَنِّي أَرَاهَا الآنَ ناقة ورقاء تَمشِي فِي النَّاسِ مَا يَعرِضُ لَهَا أَحَدٌ.\nرواه أحمد (٤/ ٤٢٩)، ومسلم (٢٥٩٥) (٨٠ و٨١)، وأبو داود (٢٥٦١).\nــ\nالصديقية، ومن سُلبه فقد سُلب منصب الشفاعة والشهادة الأخروية، كما قال: لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة. وإنما خص اللعان بالذكر ولم يقل: اللاعن، لأن الصديق قد يلعن مَن أمره الشرع بلعنه، وقد يقع منه اللعن فلتة وندرة، ثم يراجع، وذلك لا يخرجه عن الصديقية، ولا يفهم من نسبتنا الصديقية لغير أبي بكر، مساواة غير أبي بكر لأبي بكر - ﵁ - في صديقيته؛ فإنَّ ذلك باطل بما قد عُلم أن أبا بكر - ﵁ - أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ، على ما تقدَّم، لكن المؤمنون الذين ليسوا بلعانين لهم حظ من تلك الصديقية، ثم هم متفاوتون فيها على حسب ما قسم لهم منها، والله تعالى أعلم.\nوقوله ﷺ في الناقة المدعو عليها باللعنة: خذوا ما عليها فإنَّها ملعونة) حمله بعض الناس على ظاهره، فقال: أطلع الله تعالى نبيه ﷺ على أن هذه الناقة قد لعنها الله تعالى، وقد استُجيب لصاحبتها فيها؛ فإن أراد هذا القائل أن الله تعالى لعن هذه الناقة كما يلعن من استحق اللعنة من المكلفين، كان ذلك باطلا؛ إذ الناقة ليست بمكلفة، وأيضًا فإنَّ الناقة لم يصدر منها ما يوجب لعنها، وإن أراد","vol":"6","page":580},{"text":"[٢٥٠٦] وعَن أَبِي بَرزَةَ الأَسلَمِيِّ قَالَ: بَينَمَا جَارِيَةٌ عَلَى نَاقَةٍ عَلَيهَا بَعضُ مَتَاعِ القَومِ، إِذ بَصُرَت بِالنَّبِيِّ ﷺ، وَتَضَايَقَ بِهِم الجَبَلُ، فَقَالَت: حَل! اللَّهُمَّ العَنهَا، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَا تُصَاحِبنَا نَاقَةٌ عَلَيهَا لَعنَةٌ.\nوفي رواية: لا، ايم الله، لا تصاحبنا.\nرواه أحمد (٤/ ٤٢١)، ومسلم (٢٥٩٦) (٨٢ و٨٣).\n* * *\nــ\nأن هذه اللعنة: إنما هي عبارة عن إبعاد هذه الناقة عن مالكتها، وعن استخدامها إياها، فتلك اللعنة إنما ترجع لصاحبتها؛ إذ قد حيل بينها وبين مالها، ومُنعت الانتفاع به، لا للناقة، لأنها قد استراحت من ثِقل الحمل وكد السير.\nفإن قيل: فلعل معنى لعنة الله الناقة أن تترك ألا يتعرض لها أحد، فالجواب: أن معنى ترك الناس لها إنما هو أنهم لم يؤوها إلى رحالهم، ولا استعملوها في حمل أثقالهم، فأمَّا أن يتركوها في غير مرعى ومن غير علف حتى تهلك فليس في الحديث ما يدل عليه. ثم هو مخالف لقاعدة الشرع في الأمر بالرفق بالبهائم والنهي عن تعذيبها، وإنما كان هذا منه ﷺ تأديبا لصاحبتها، وعقوبة لها فيما دعت عليها بما دعت به.\nويستفاد منه: جواز العقوبة في المال لمن جنى فيه بما يناسب ذلك، والله تعالى أعلم.\nوالورقاء: التي يخالط بياضها سواد، والذكر أورق.\nو(قوله: فقالت: حل) هي كلمة تزجر بها الإبل، يقال: حل! حل! بسكون اللام، ويقال: حل! حل! بكسر اللام فيهما، منونة وغير منونة.\n* * *","vol":"6","page":581},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-943>(٢١) باب لم يبعث النبي ﷺ لعانا وإنما بعث رحمة، وما جاء من أن دعاءه على المسلم أو سبه له طهور وزكاة ورحمة</span>\n[٢٥٠٧] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قِيلَ لرَسُولَ اللَّهِ ﷺ: ادعُ عَلَى المُشرِكِينَ، قَالَ: إِنِّي لَم أُبعَث لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثتُ رَحمَةً.\nرواه مسلم (٢٥٩٩).\nــ\n(٢١) ومن باب: لم يبعث النبي ﷺ لعانا، وإنما بُعث رحمة (١)\nقوله - ﷺ -: إني لم أبعث لعانا، وإنما بُعثت رحمة) كان هذا منه ﷺ بعد دعائه على رعل وذكوان وعصية، الذين قتلوا أصحابه ببئر معونة، فأقام النبي ﷺ شهرا يدعو عليهم، ويلعنهم في آخر كل صلاة من الصلوات الخمس، يقنت بذلك، حتى نزل عليه جبريل فقال: إن الله تعالى لم يبعثك لعانا ولا سبابا، وإنما بعثك رحمة ولم يبعثك عذابا ثم أنزل الله تعالى: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الأَمرِ شَيءٌ أَو يَتُوبَ عَلَيهِم أَو يُعَذِّبَهُم فَإِنَّهُم ظَالِمُونَ﴾ على ما خرجه أبو داود في مراسيله (٢) من حديث خالد بن أبي عمران، وفي الصحيحين ما يؤيد ذلك ويشهد بصحته.\nو(قوله: إنما بعثت رحمة) هذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرسَلنَاكَ إِلا رَحمَةً لِلعَالَمِينَ﴾ أي: بالرسالة العامة، والإرشاد للهداية، والاجتهاد في التبليغ، والمبالغة في النصح، والحرص على إيمان الجميع، وبالصبر على جفائهم، وترك الدعاء عليهم، إذ لو دعا عليهم لهلكوا. وهذه الرحمة يشترك فيها\n_________\n(١) هذا العنوان لم يرد في نسخ المفهم جميعها، واستدركناه من التلخيص.\n(٢) رواه أبو داود في المراسيل رقم (٨٩)، والبيهقي (٢/ ٢١٠).","vol":"6","page":582},{"text":"[٢٥٠٨] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلَانِ، فَكَلَّمَاهُ بِشَيءٍ لَا أَدرِي مَا هُوَ، وَأَغضَبَاهُ، فَلَعَنَهُمَا وَسَبَّهُمَا، فَلَمَّا خَرَجَا قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لمَن أَصَابَ مِن الخَيرِ شَيئًا مَا أَصَابَهُ هَذَانِ! قَالَ: وَمَا ذَاكِ؟ قَالَت: قُلتُ: لَعَنتَهُمَا وَسَبَبتَهُمَا! قَالَ: أَوَمَا عَلِمتِ مَا شَارَطتُ عَلَيهِ رَبِّي؟ قُلتُ: اللَّهُمَّ! إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَيُّ المُسلِمِينَ لَعَنتُهُ أَو سَبَبتُهُ فَاجعَلهُ لَهُ زَكَاةً وَأَجرًا.\nرواه مسلم (٢٦٠٠) (٨٨).\nــ\nالمؤمن والكافر، أما رحمته الخاصة فلمن هداه الله تعالى، ونور قلبه بالإيمان، وزين جوارحه بالطاعة، كما قال تعالى: ﴿بِالمُؤمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فهذا هو المغمور برحمة الله، المعدود في زمرة الكائنين معه في مستقر كرامته، جعلنا الله منهم، ولا حال بيننا وبينهم.\nو(قوله: لمن أصاب من الخير شيئا ما أصابه هذان) هذا الكلام من السهل الممتنع، وذلك أن معناه أن هذين الرجلين ما أصابا منك خيرا، وإن كان غيرهما قد أصابه، لكن تنزيل هذا المعنى على أفراد ذلك الكلام فيه صعوبة، ووجه التنزيل يتبين بالإعراب، وهو أن اللام في: لمن، هي لام الابتداء، وهي متضمنة للقسم، ومن: موصولة في موضع رفع بالابتداء، وصلتها: أصاب، وعائدها: المضمر في أصاب، وما بعدها متعلق به، وخبره محذوف، تقديره: والله لرجل أصاب منك خيرا: فائز أو ناج. ثم نفى عن هذين الرجلين إصابة ذلك الخير بقوله: ما أصابه هذان، ولا يصح أن يكون (ما أصابه) خبرا لـ (من) المبتدأ، لخلوها عن عائد يعود على نفس المبتدأ، وأما الضمير في (أصابه) فهو للخير، لا لمن، فتأمله يصح لك ما قلناه، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: اللهم إني بشر أغضب كما يغضب البشر، فأي المسلمين لعنته أو سببته أو جلدته، فاجعل ذلك له كفارة ورحمة) ظاهر هذا أنه خاف أن","vol":"6","page":583},{"text":"[٢٥٠٩] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَتَّخِذُ عِندَكَ عَهدًا لَن تُخلِفَنِيهِ، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَيُّ المُؤمِنِينَ آذَيتُهُ، شَتَمتُهُ، لَعَنتُهُ، جَلَدتُهُ، فَاجعَلهَا لَهُ صَلَاةً وَزَكَاةً.\nــ\nيصدر عنه في حال غضبه شيء من تلك الأمور، فيتعلق به حق مسلم، فدعا الله تعالى، ورغب إليه في أنه: إن وقع منه شيء من ذلك لغير مستحق في ألا يفعل بالمدعو عليه مقتضى ظاهر ذلك الدعاء، وأن يعوضه من ذلك مغفرة لذنوبه ورفعة في درجاته، فأجاب الله تعالى طلبة نبيه ﷺ ووعده بذلك، فلزم ذلك بوعده الصدق وقوله الحق، وعن هذا عبر النبي ﷺ بقوله: شارطت ربي، وشرط علي ربي، واتخذت عنده عهدا لن يخلفنيه لا أن الله تعالى يُشترط عليه شرط، ولا يجب عليه لأحد حق، بل ذلك كله بمقتضى فضله وكرمه على حسب ما سبق في علمه.\nفإن قيل: فكيف يجوز أن يصدر من النبي ﷺ لعن أو سب، أو جلد لغير مستحقه، وهو معصوم من مثل ذلك في الغضب والرضا؛ لأنَّ كل ذلك محرم وكبيرة، والأنبياء معصومون عن الكبائر، إما بدليل العقل، أو بدليل الإجماع، كما تقدَّم.\nقلت: قد أشكل هذا على العلماء، وراموا التخلص من ذلك بأوجه متعددة، أوضحها وجه واحد، وهو: أن النبي ﷺ إنما يغضب لما يرى من المغضوب عليه من مخالفة الشرع، فغضبه لله تعالى لا لنفسه، فإنَّه ما كان يغضب لنفسه ولا ينتقم لها، وقد قررنا في الأصول: أن الظاهر من غضبه تحريم الفعل المغضوب من أجله. وعلى هذا فيجوز له أن يؤدب المخالف له باللعن والسب والجلد والدعاء عليه بالمكروه، وذلك بحسب مخالفة المخالف، غير أن ذلك المخالف قد يكون ما صدر منه فلتة أوجبتها غفلة، أو غلبة نفس، أو شيطان، وله فيما بينه وبين الله تعالى عمل خالص، وحال صادق، يدفع الله عنه بسبب ذلك أثر ما صدر عن النبي ﷺ له من ذلك القول أو الفعل. وعن هذا عبر النبي ﷺ بقوله: فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل، أن تجعلها له طهورا،","vol":"6","page":584},{"text":"وفي رواية: ورحمة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة.\nوفي رواية: اللَّهُمَّ إِنَّمَا مُحَمَّدٌ بَشَرٌ يَغضَبُ كَمَا يَغضَبُ البَشَرُ، وفيها: فَاجعَلهَا لَهُ كَفَّارَةً، وَقُربَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا، وذكره. قال أبو الزناد: جلده لغة أبي هريرة.\nرواه أحمد (٢/ ٣١٦)، والبخاريُّ (٦٣٦١)، ومسلم (٢٦٠١) (٨٩ و٩٠ و٩١).\n[٢٥١٠] وعن أَنَسُ بنُ مَالِكٍ قَالَ: كَانَت عِندَ أُمِّ سُلَيمٍ يَتِيمَةٌ - وَهِيَ أُمُّ أَنَسٍ - فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اليَتِيمَةَ فَقَالَ: آنتِ هِيَه؟ لَقَد كَبِرتِ لَا كَبِرَ سِنُّكِ، فَرَجَعَت اليَتِيمَةُ إِلَى أُمِّ سُلَيمٍ تَبكِي، فَقَالَت أُمُّ سُلَيمٍ: مَا لَكِ يَا بُنَيَّةُ؟\nــ\nوزكاة، وقربة تقربه بها يوم القيامة أي: عوضه من تلك الدعوة بذلك، والله تعالى أعلم.\nقلت: وقد يدخل في قوله: أيما أحد من أمتي دعوت عليه: الدعوات الجارية على اللسان من غير قصد للوقوع، كقوله: تربت يمينك (١) وعقرى حلقى (٢). ومن هذا النوع قوله لليتيمة: لا كبر سنك، فإنَّ هذه لم تكن عن غضب، وهذه عادة غالبة في العرب يصلون كلامهم بهذه الدعوات، ويجعلونها دعاما لكلامهم من غير قصد منهم لمعانيها، وقد قدمنا في كتاب الطهارة في هذا كلاما للبديع، وهو من القول البديع. وبما ذكرناه يرتفع الإشكال ويحصل الانفصال.\nووجه لغة أبي هريرة في: جلده (٣): أنه قلب التاء دالا لقرب\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٨٠)، والبزار (١٤٠٣)، والحاكم (٢/ ١٦١)، وأبو يعلى (١٠١٢).\n(٢) رواه البخاري (١٥٦١)، ومسلم (١٢١١) (٣٨٧).\n(٣) هي رواية في صحيح مسلم بإثر حديث (٢٦٠١) (٩٠).","vol":"6","page":585},{"text":"قَالَت الجَارِيَةُ: دَعَا عَلَيَّ رسول اللَّهِ ﷺ أَن لَا يَكبَرَ سِنِّي، فَالآنَ لَا يَكبَرُ سِنِّي أَبَدًا - أَو قَالَت: قَرنِي - فَخَرَجَت أُمُّ سُلَيمٍ مُستَعجِلَةً تَلُوثُ خِمَارَهَا حَتَّى لَقِيَت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا لَكِ يَا أُمَّ سُلَيمٍ؟ فَقَالَت: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَدَعَوتَ عَلَى يَتِيمَتِي؟ قَالَ: وَمَا ذَاكِ يَا أُمَّ سُلَيمٍ؟ قَالَت: زَعَمَت أَنَّكَ دَعَوتَ ألَا يَكبَرَ سِنُّهَا، وَلَا يَكبَرَ قَرنُهَا، قَالَ: فَضَحِكَ\nــ\nمخرجهما، ثم أدغم التاء في الدال، وهي على عكس اللغة المشهورة، فإنهم فيها قلبوا الدال تاء، وأدغموا الدال في التاء، وهو الأولى.\nو(قوله ﷺ ليتيمة أم سليم: آنت هيه؟ لقد كبرت، لا كبر سنك) الهاء في: هيه، للوقف، فإذا وصلت حذفتها، وهذا الاستفهام على جهة التعجب، وكأنه ﷺ كان قد رآها صغيرة، ثم غابت عنه مدة فرآها قد طالت وعبلت (١)، فتعجب من سرعة ذلك فقال لها ذلك القول متعجبا، فوصل كلامه بقوله: لا كبر سنك، على ما قلناه من إطلاق ذلك القول من غير إرادة معناه، وهذا واضح هنا: ويحتمل أن يقال: إنما دعا عليها بأن لا يكبر سنها كبرا تعود به إلى أرذل العمر، كما كان النبي ﷺ يتعوذ من أن يرد إلى أرذل العمر، والمعنى الأول أظهر من مساق بقية الحديث في اعتذاره ﷺ، عن ذلك.\nو(قول اليتيمة: لا يكبر سني، أو قالت: قرني) هو بفتح القاف، وتعني به السن، وهو شك عرض لبعض الرواة، وأصله أن من ساوى آخر في سنه كان قرن رأسه محاذيا لقرنه، وقرن الرأس جانبه الأعلى، وهذا يدل على أن إجابة دعوات رسول الله ﷺ كانت معلومة بالمشاهدة عند كبارهم وصغارهم، لكثرة ما كانوا يشاهدون من ذلك، ولعلمهم بمكانته ﷺ.\nوتلوث خمارها: تديره على رأسها وعنقها، والطهور هنا هي الطهارة من الذنوب، وقد سماها في الرواية\n_________\n(١) \"عَبُلت\": ضخمت وابيضَّت، فهي عَبْلة. والعَبْلة من النساء: التامَّةُ الخَلْق.","vol":"6","page":586},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: يَا أُمَّ سُلَيمٍ، أَمَا تَعلَمِينَ شَرطِي عَلَى رَبِّي: أَنِّي اشتَرَطتُ عَلَى رَبِّي فَقُلتُ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَرضَى كَمَا يَرضَى البَشَرُ، وَأَغضَبُ كَمَا يَغضَبُ البَشَرُ، فَأَيُّمَا أَحَدٍ دَعَوتُ عَلَيهِ مِن أُمَّتِي بِدَعوَةٍ لَيسَ لَهَا بِأَهلٍ أَن تَجعَلَهَا لَهُ طَهُورًا، وَزَكَاةً، وَقُربَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا مِنهُ يَومَ القِيَامَةِ.\nوفي رواية: يتيمة - بالتصغير - في المواضع الثلاثة.\nرواه مسلم (٢٦٠٣).\n[٢٥١١] عَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنتُ أَلعَبُ مَعَ الصِّبيَانِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَوَارَيتُ خَلفَ بَابٍ، قَالَ: فَجَاءَ فَحَطَأَنِي حَطأَةً، وَقَالَ:\nــ\nالأخرى: كفارة. والصلاة من الله تعالى: الرحمة، كما قد عبر عنها في الرواية الأخرى. والزكاة: الزيادة في الأجر، كما قد عبر عنها في الرواية الأخرى بالأجر. والقربة: ما يقرب إلى الله تعالى وإلى رضوانه. وفيه ما يدلّ على تأكد الشفقة على اليتيم، والذب عنه، والحنو عليه.\nو(قول ابن عباس - ﵄ -: كنت ألعب مع الصبيان) دليل على جواز تخلية الصغير للعب لتنشط نفسه، وتتقوى أعضاؤه، وتتوقح رجلاه، أي: تتصلب.\nو(قوله: فجاء رسول الله ﷺ، فتواريت خلف باب) أي: اختفيت بالباب، وكأنه استحى من النبي ﷺ، وهابه.\nو(قوله: فحطأني حطأة) فسره أمية بن خالد بقفدني قفدة، وكلاهما يحتاج إلى تفسير، فأمَّا حطأني: فهو بالحاء المهملة، وبالهمزة على قول شمر، وهو المحكي في الصحاح، وهكذا قيده أهل الإتقان والضبط، وهو أن تضرب بيدك مبسوطة في القفا، أو بين الكتفين، وجاء به الهروي غير مهموز في باب الحاء،","vol":"6","page":587},{"text":"اذهَب ادعُ لِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ: فَجِئتُ فَقُلتُ: هُوَ يَأكُلُ. قَالَ: ثُمَّ قَالَ لِيَ: اذهَب فَادعُ لِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ: فَجِئتُ فَقُلتُ: هُوَ يَأكُلُ. فَقَالَ: لَا أَشبَعَ اللَّهُ بَطنَهُ.\nقَالَ ابنُ المُثَنَّى: قُلتُ لِأُمَيَّةَ: مَا حَطَأَنِي؟ قَالَ: قَفَدَنِي قَفدَةً.\nرواه أحمد (١/ ٣٣٥)، ومسلم (٢٦٠٤) (٩٦).\n* * *\nــ\nوالطاء والواو، وقال ابن الأعرابي: الحطو: تحريك الشيء متزعزعا. وأما القفد - بتقديم القاف على الفاء - فالمعروف عند اللغويين أنه: المشي على صدور القدمين من قِبل الأصابع، ولا تبلغ عقباه الأرض. يقال: رجل أقفد، وامرأة قفداء، هو القفد، بفتح القاف والفاء.\nقلت: ولم أجد قفدني بمعنى حطأني إلا في تفسير أمية هذا. وهذا الضرب من النبي ﷺ لابن عباس تأديب له، ولعله لأجل اختفائه منه؛ إذ كان حقه أن يجيء إليه، ولا يفر منه. ويحتمل أن يكون هذا الضرب بعد أن أمره أن يدعو له معاوية، فلم يؤكد على معاوية الدعوة، وتراخى في ذلك، ألا ترى قوله في المرتين: هو يأكل، ولم يزد على ذلك، وكان حقه في المرة الثانية ألا يفارقه حتى يأتي به، والله تعالى أعلم.\nففيه تأديب الصغار بالضرب الخفيف الذي يليق بهم، وبحسب ما يصدر عنه.\nو(قوله: ادع لي معاوية) فيه استعمال الصغير فيما يليق بهم من الأعمال.\nو(قوله: لا أشبع الله بطنه) يحتمل أن يكون من نوع: لا كبر سنك كما قلناه، على تقدير أن يكون معاوية من الأكل في أمر كان معذورا به من شدة الجوع، أو مخافة فساد الطعام، أو غير ذلك، وهذا المعنى تأول من أدخل هذا الحديث في مناقب معاوية، فكأنه كنى به عن أنه دعا عليه بسبب أمر كان معذورا","vol":"6","page":588},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-944>(٢٢) باب ما ذكر في ذي الوجهين وفي النميمة</span>\n[٢٥١٢] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ مِن شَرِّ النَّاسِ ذَا الوَجهَينِ؛ الَّذِي يَأتِي هَؤُلَاءِ بِوَجهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجهٍ.\nوفي رواية: تجدون من شر الناس ذا الوجهين نحوه.\nرواه مسلم (٢٥٢٦) في البر والصلة (٩٨ و١٠٠).\nــ\nبه، فحصل له من دعاء النبي ﷺ الكفارة والرحمة والقربة إلى الله تعالى التي دعا بها النبي ﷺ كما ذكرناه. ويحتمل أن يكون هذا الدعاء من النبي ﷺ على حقيقته أدبا لمعاوية على تثبطه في إجابة دعوة النبي ﷺ. وإجابة دعوته ﷺ واجبة على الفور، بدليل حديث أبي الذي أنكر عليه في ترك إجابته، وكان أبي في الصلاة.\n(٢٢ و٢٣) ومن باب: ما ذكر في ذي الوجهين وفي النميمة والتحذير من الكذب (١)\n(قوله: إن من شر الناس ذي الوجهين) يعني به الذي يدخل بين الناس بالشر والفساد، ويواجه كل طائفة بما يتوجه به عندها مما يرضيها من الشر، فإن رفع حديث أحدهما إلى الآخر على جهة الشر: فهو ذو الوجهين النمام، وأما من كان ذا وجهين في الإصلاح بين الناس، فيواجه كل طائفة بوجه خير، وقال لكل واحدة منهما من الخير خلاف ما يقول للأخرى، فهو الذي يسمى بالمصلح، وفعله ذلك يسمى: الإصلاح، وإن كان كاذبا؛ لقوله ﷺ: ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فيقول خيرا وينمي خيرا.\n_________\n(١) شرح المؤلف -﵀- في المفهم تحت هذا العنوان: هذا الباب، والباب الذي يليه، وهو: باب الأمر بالصدق والتحذير عن الكذب وما يُباح فيه.","vol":"6","page":589},{"text":"[٢٥١٣] وعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ مَسعُودٍ قَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَالَ: أَلَا أُنَبِّئُكُم مَا العَضهُ؟ هِيَ النَّمِيمَةُ، القَالَةُ بَينَ النَّاسِ. وَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ يَصدُقُ حَتَّى يُكتَبَ صِدِّيقًا، وَيَكذِبُ حَتَّى يُكتَبَ كَذَّابًا.\nرواه مسلم (٢٦٠٦) (١٠٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-945>(٢٣) باب الأمر بالصدق والتحذير عن الكذب وما يباح منه</span>\n[٢٥١٤] عَن عَبدِ اللَّهِ بن مسعود قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: عَلَيكُم بِالصِّدقِ، فَإِنَّ الصِّدقَ يَهدِي إِلَى البِرِّ، وَإِنَّ البِرَّ يَهدِي إِلَى الجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدقَ حَتَّى يُكتَبَ عِندَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُم وَالكَذِبَ؛\nــ\nو(قوله: ألا أنبئكم ما العضه؟) هكذا أذكر أني قرأته بفتح العين وإسكان الضاد والهاء، وهذا عند الجياني، وهو مصدر عضهه يعضهه عضها: إذا رماه بكذب وبهتان، وقد رواه أكثر الشيوخ: ما العِضة، بكسر العين وفتح الضاد والتاء المنقلبة في الوقف هاء، وهي أصوب، لأنَّ العضة اسم، والنميمة اسم، فصح تفسير الاسم بالاسم، والعضه مصدره، ولا يحسن تفسير المصدر بالاسم. فالرواية الثانية أولى، والذي يبين لك أن العضه اسم، ما قاله الكسائي، قال: العضه: الكذب والبهتان، وجمعها عضون، مثل: عزه وعزين، وقد بينا أن العضة: المصدر، فصح ما قلناه، وقد تقدَّم القول في حكم ذي الوجهين والنمام، وقد فسر النبي ﷺ العضة بالنميمة، لأنَّ النميمة لا تنفك عن الكذب والبهتان غالبًا.\nو(قوله: عليكم بالصدق، فإنَّ الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإياكم والكذب. . . الحديث) يهدي: يرشد ويوصل، والبر: العمل","vol":"6","page":590},{"text":"فَإِنَّ الكَذِبَ يَهدِي إِلَى الفُجُورِ، وَإِنَّ الفُجُورَ يَهدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكذِبُ وَيَتَحَرَّى الكَذِبَ حَتَّى يُكتَبَ عِندَ اللَّهِ كَذَّابًا.\nرواه أحمد (٣/ ١٩)، والبخاري (٦٠٩٤)، وممسلم (٢٦٠٧) (١٠٥)، والترمذيُّ (٢١٩١)، وابن ماجه (٤٠٠٧).\n[٢٥١٥] وعن أُمَّ كُلثُومٍ بِنتَ عُقبَةَ بنِ أَبِي مُعَيطٍ - وَكَانَت مِن المُهَاجِرَاتِ الأُوَلِ اللَّاتِي بَايَعنَ رسول الله ﷺ - أَنَّهَا سَمِعَت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: لَيسَ الكَذَّابُ الَّذِي يُصلِحُ بَينَ النَّاسِ خيرا وَيَقُولُ خَيرًا وَيَنمِي خَيرًا.\nوفي رواية: قالت: وَلَم أَسمَعه يُرَخَّصُ فِي شَيءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ\nــ\nالصالح أو الجنة، كما قدمناه. والفجور: الأعمال السيئة. و(عليكم) من ألفاظ الإغراء، المصرحة بالإلزام، فحق على كل من فهم عن الله تعالى أن يلازم الصدق في الأقوال، والإخلاص في الأعمال، والصفاء في الأحوال، فمن كان كذلك لحق بالأبرار ووصل إلى رضا الغفار. وقد أرشد الله تعالى إلى ذلك كله بقوله عند ذكر أحوال الثلاثة التائبين (١) فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ والقول في الكذب المحذر عنه على الضد من القول في الصدق، وقد تقدَّم القول في البر والفجور والهدى.\nو(قول أم كلثوم: ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث) تعني بذلك: أنه لم يرخص في شيء مما يكذب الناس فيه، إلا في هذه الثلاث، وقد جاء لفظ الكذب نصا في كتاب الترمذي، من حديث أسماء بنت\n_________\n(١) هم كعب بن مالك ومرارة بن ربيعة وهلال بن أمية الواقفي. وكلُهم من الأنصار.\nوانظر قصتهم في تفسير القرطبي (٨/ ٢٨٢).","vol":"6","page":591},{"text":"كَذِبٌ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ؛ الحَربُ، وَالإِصلَاحُ بَينَ النَّاسِ، وَحَدِيثُ الرَّجُلِ امرَأَتَهُ، وَحَدِيثُ المَرأَةِ زَوجَهَا.\nوقد روى مسلم هذا من كلام ابن شهاب.\nــ\nيزيد، قالت: قال رسول الله ﷺ: لا يحل الكذب إلا في ثلاث: يحدث الرجل امرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، والكذب ليصلح بين الناس (١). فهذه الأحاديث قد أفادت أن الكذب كله محرم لا يحل منه شيء إلا هذه الثلاثة، فإنَّه رخص فيها لما يحصل بذلك من المصالح، ويندفع به من المفاسد، والأولى ألا يكذب في هذه الثلاثة، إذا وجد عنه مندوحة؛ فإن لم توجد المندوحة أعملت الرخصة. وقد يجب ذلك بحسب الحاجة إلى تلك المصلحة، والضرورة إلى دفع تلك المفسدة، وما ذكرته هو - إن شاء الله - مذهب أكثر العلماء، وقد ذهب الطبري إلى أنه لا يجوز الكذب الصريح بشيء من الأشياء، لا في هذه الثلاثة، ولا في غيرها، متمسِّكًا بالقاعدة الكلية في تحريمه، وتأول هذه الأحاديث على التورية والتعريض، وهو تأويل لا يعضده دليل، ولا تعارض بين العموم والخصوص كما هو عن العلماء منصوص. وأما كذبة تنجي ميتا، أو وليا، أو أمما، أو مظلوما ممن يريد ظلمه، فذلك لا تختلف في وجوبه أمة من الأمم، لا العرب ولا العجم.\nو(قوله: إن الرجل لا يزال يصدق، ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا) يتحرى الصدق: يقصد إليه ويتوخاه، ويجتنب نقيضه الذي هو الكذب، حتى يكون الصدق غالب حاله، فيكتب من جملة الصديقين، ويثبت في ديوانهم، وكذلك القول في الكذب. وأصل الكتب: الضم والجمع، ومنه: كتبت البغلة: إذا جمعت بين شفريها بحلقة.\n_________\n(١) رواه الترمذي (١٩٣٩).","vol":"6","page":592},{"text":"رواه أحمد (٦/ ٤٠٣)، والبخاريُّ (٢٦٩٢)، ومسلم (٢٦٠٥)، وأبو داود (٢٩٢٠ و٢٩٢١)، والترمذيُّ (١٩٣٨).\n* * *\nــ\nو(قوله: ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ﴾ جمعه وثبته، و: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ أي: حكم وأوجب، فكأنه جمع ما حكم به في المحكوم عليه، وكتبت الكتاب: جمعت فيه المكتوب وثبتّه، وقد تقدَّم القول في الصديق. وخرج أبو مسعود الدمشقي حديث عبد الله بن مسعود هذا، وزاد فيه: وإن شر الروايا روايا الكذب، وإن الكذب لا يصلح فيه جد ولا هزل، ولا يعِد الرجل صاحبه فيخلفه. وذكر أبو مسعود أن مسلما خرج هذه الزيادة، ولم تقع لنا هذه الزيادة، ولا لأحد من أشياخنا فيما علمناه، وقال أبو عبد الله الحميدي: وليست عندنا. والروايا: جمع راوية، يعني به: حامل الكذب وراويه، والهاء فيه للمبالغة، كعلامة ونسابة، أو يكون استعارة، شبه حامل الكذب لحمله إياه بالراوية الحاملة للماء. وفيه حجَّة للطبري في تحريمه الكذب مطلقا وعموما. وفيه ما يدل على وجوب الوفاء بالوعد، ولو كان بالشيء الحقير مع الصبي الصغير.\n* * *","vol":"6","page":593},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-946>(٢٤) باب ما يقال عند الغضب ومدح من يملك نفسه عنده</span>\n[٢٥١٦] عن سُلَيمَانُ بنُ صُرَدٍ قَالَ: استَبَّ رَجُلَانِ عِندَ النَّبِيِّ ﷺ، فَجَعَلَ أَحَدُهُمَا يَغضَبُ وَيَحمَرُّ وَجهُهُ، وتنتفخ أوداجه، فَنَظَرَ إِلَيهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي لَأَعلَمُ كَلِمَةً لَو قَالَهَا لَذَهَبَ ذَا عَنهُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِن الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ. فَقَامَ إِلَى الرَّجُلِ رَجُلٌ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أَتَدرِي مَا قَالَ\nــ\n(٢٤) ومن باب: ما يقال عند الغضب والنهي عن ضرب الوجه\n(قوله ﷺ للغضبان: إني لأعرف كلمة لو قالها لذهب عنه: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) يدلّ على أن الشيطان له تأثير في تهييج الغضب وزيادته، حتى يحمله على البطش بالمغضوب عليه، أو إتلافه، أو إتلاف نفسه، أو شر يفعله يستحق به العقوبة في الدنيا والآخرة، فإذا تعوذ الغضبان بالله من الشيطان الرجيم، وصح قصده لذلك، فقد التجأ إلى الله تعالى وقصده واستجار به، والله تعالى أكرم من أن يخذل من استجار به، ولما جهل ذلك الرجل ذلك المعنى، وظن أن الذي يحتاج إلى التعوذ إنما هو المجنون، فقال: أمجنونا تراني؟ منكرا على من نبهه على ما يصلحه، ورادا لما ينفعه، وهذا من أقبح الجنون، والجنون فنون (١)، وكأن هذا الرجل كان من جفاة الأعراب الذين قلوبهم من الفقه والفهم خراب.\nو(قوله: أتدرون ما تعدون الرقوب فيكم؟ قال: قلنا: الذي لا يولد له) الرقوب: فعول، وهو الكثير المراقبة، كضروب، وقتول، لكنه صار في عُرف استعمالهم عبارة عن المرأة التي لا يعيش لها ولد، كما قال عبيد بن الأبرص:\n_________\n(١) هذه الجملة ليست في (ز).","vol":"6","page":594},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آنِفًا؟ قَالَ: إِنِّي لَأَعلَمُ كَلِمَةً لَو قَالَهَا لَذَهَبَ ذَا عَنهُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِن الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَمَجنُونًا تَرَانِي؟ ! .\nرواه أحمد (٦/ ٣٩٤)، والبخاريُّ (٣٢٨٢)، ومسلم (٢٦١٠) (١٠٩ و١١٠)، وأبو داود (٤٧٨١).\nــ\n. . . . . . . . . . . . . ... . . . . كأنها شيخة رقوب (١)\nقلت: هذا نقل أهل اللغة، ولم يذكروا أن الرقوب يقال على من لا يولد له، مع أنه قد كان معروفا عند الصحابة - ﵃ - ولذلك أجابوا به رسول الله ﷺ. والقياس يقتضيه؛ لأنَّ الذي لا يولد له يكثر ارتقابه للولد، وانتظاره له، ويطمع فيه إذا كان ممن يرتجي ذلك، كما يقال على المرأة التي ترقب موت زوجها: رقوب. وللناقة التي ترقب الحوض فتنفر منه، ولا تقربه: رقوب.\nقلت: ويحتمل أن يُحمل قولهم في الرقوب: إنه الذي لا يولد له بعد فقد أولاده؛ لوصوله من الكبر إلى حال لا يولد له، فتجتمع عليه مصيبة الفقد ومصيبة اليأس، وهذا هو الأليق بمساق الحديث. ألا ترى قوله: ليس ذلك الرقوب، ولكنه الرجل الذي لا يقدم من ولده شيئًا) أي: هو أحق باسم الرقوب من ذلك، لأنَّ هذا الذي أصيب بفقد أولاده في الدنيا ينجبر في الآخرة بما يعوض على ذلك من الثواب، وأما من لم يمت له ولد فيفقد في الآخرة ثواب فقد الولد، فهو أحق باسم الرقوب من الأول، وقد صدر هذا الأسلوب من النبي ﷺ كثيرا، كقوله: ليس المسكين بالطواف عليكم (٢) وليس الشديد بالصرعة وليس الواصل بالمكافئ (٣) ومثله كثير. ولم يرد بهذا السلب سلب الأصل. لكن سلب الأولى\n_________\n(١) هذا عجز بيت، وصدره: باتَتْ على إرَمٍ عذوبًا.\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٤٥٧)، والبخاري (١٤٧٦)، ومسلم (١٠٣٩) (١٠٢)، وأبو داود (١٦٣١)، والنسائي (٥/ ٨٤ - ٨٥).\n(٣) رواه البخاري (٥٩٩١)، وأبو داود (١٦٩٧)، والترمذي (١٩٠٩).","vol":"6","page":595},{"text":"[٢٥١٧] وعَن أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَمَّا صَوَّرَ اللَّهُ آدَمَ فِي الجَنَّةِ تَرَكَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَن يَترُكَهُ، فَجَعَلَ إِبلِيسُ يُطِيفُ بِهِ يَنظُرُ مَا هُوَ! فَلَمَّا رَآهُ أَجوَفَ؛ عَرَفَ أَنَّهُ خُلِقَ خَلقًا لَا يَتَمَالَكُ.\nرواه أحمد (٣/ ١٥٢)، ومسلم (٢٦١١).\n[٢٥١٨] وعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ مَسعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا تَعُدُّونَ الرَّقُوبَ فِيكُم؟ قَالَ: قُلنَا: الَّذِي لَا يُولَدُ لَهُ. قَالَ: لَيسَ ذَاكَ بِالرَّقُوبِ، وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ الَّذِي لَم يُقَدِّم مِن وَلَدِهِ شَيئًا، قَالَ: مَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُم؟ قَالَ: قُلنَا: الَّذِي لَا يَصرَعُهُ الرِّجَالُ. قَالَ: لَيسَ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ الَّذِي يَملِكُ نَفسَهُ عِندَ الغَضَبِ.\nرواه أحمد (١/ ٣٨٢)، ومسلم (٢٦٠٨)، وأبو داود (٤٧٧٩).\n[٢٥١٩] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَيسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَملِكُ نَفسَهُ عِندَ الغَضَبِ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٣٦)، والبخاريُّ (٦١١٤)، ومسلم (٢٦٠٩) (١٠٧).\n* * *\nــ\nوالأحق، والصرعة، بفتح الراء: هو الذي يصرع الناس كثيرا، وبالسكون هو الذي يصرعه الناس، وكذلك: هزَأة وهزءة، وسخَرَة وسخرَة، وقد تقدَّم.\nو(قوله: لما صور الله تعالى آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه) يعني: أن الله تعالى لما صور طينة آدم، وشكلها بشكله على ما سبق في علمه، فلما رآها إبليس أطاف بها، أي: دار حولها، وجعل ينظر في كيفيتها وأمرها، فلما رآها","vol":"6","page":596},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-947>(٢٥) باب النهي عن ضرب الوجه وفي وعيد الذين يعذبون الناس</span>\n[٢٥٢٠] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُم أَخَاهُ فَلَا يَلطِمَنَّ الوَجهَ.\nوفي رواية: إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُم أَخَاهُ فَليَجتَنِب الوَجهَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٤٤)، والبخاريُّ (٢٥٥٩)، ومسلم (٢٦١٢) (١١٤ و١١٥).\nــ\nذات جوف، وقع له أنها مفتقرة إلى ما يسد جوفها، وأنها لا تتمالك عن تحصيل ما تحتاج إليه من أغراضها وشهواتها، فكان الأمر على ما وقع.\n(٢٥) ومن باب: إذا قاتل أحدكم\nأخاه فلا يلطم الوجه\n(قوله: إذا قاتل أحدكم أخاه، فلا يلطمن الوجه. وفي الأخرى: فليجتنب الوجه، فإنَّ الله تعالى خلق آدم على صورته) معنى قاتل: ضرب، وقد جاء كذلك في بعض رواياته، وقد قلنا: إن أصل المقاتلة المدافعة، ويعني بالأخوة هنا - والله أعلم - أخوة الآدمية؛ فإنَّ الناس كلهم بنو آدم، ودل على ذلك قوله ﷺ: فإنَّ الله خلق آدم على صورته أي: على صورة وجه المضروب، فكأن اللاطم في وجه أحد ولد آدم لطم وجه أبيه آدم (١). وعلى هذا فيحرم لطم الوجه من المسلم والكافر، ولو أراد الأخوة الدينية لما كان للتعليل بخلق آدم على صورته معنى. لا يقال: فكافر مأمور بقتله وضربه في أي عضو كان، إذ المقصود إتلافه، والمبالغة\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).","vol":"6","page":597},{"text":"[٢٥٢١] وعَن هِشَامٍ بنُ حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ: مَرَّ عَلَى أُنَاسٍ مِن الأَنبَاطِ بِالشَّامِ قَد أُقِيمُوا فِي الشَّمسِ.\nوفي رواية: وَصُبَّ عَلَى رُؤوسِهِم الزَّيتُ. فَقَالَ: مَا شأنهم؟ قالَ:\nــ\nفي الانتقام منه، ولا شك في أن ضرب الوجه أبلغ في الانتقام والعقوبة، فلا يمنع. وإنما مقصود الحديث: إكرام وجه المؤمن لحرمته، لأنَّا نقول: مسلم أنا مأمورون بقتل الكافر، والمبالغة في الانتقام منه، لكن إذا تمكنا من اجتناب وجهه اجتنبناه لشرفية هذا العضو، ولأن الشرع قد نزل هذا الوجه منزلة وجه أبينا، وتقبيح لطم الرجل وجها يشبه وجه أبي اللاطم، وليس كذلك سائر الأعضاء، لأنَّها كلها تابعة للوجه، وهذا الذي ذكرناه هو ظاهر الحديث، ولا يكون في الحديث إشكال يوهم في حق الله تعالى تشبيها، وإنَّما أشكل ذلك على من أعاد الضمير في (صورته) على الله تعالى، وذلك ينبغي ألا يصار إليه شرعا ولا عقلا، أما العقل فيحيل الصورة الجسمية على الله تعالى، وأما الشرع فلم ينص على ذلك نصا قاطعا، ومحال أن يكون ذلك، فإنَّ النص القاطع صادق، والصادق لا يقول المحال، فيتعين عود الضمير على المضروب، لأنَّه هو الذي سبق الكلام لبيان حكمه. وقد أعادت المشبهة هذا الضمير على الله تعالى، فالتزموا القول بالتجسيم، وذلك نتيجة العقل السقيم، والجهل الصميم، وقد بينا جهلهم، وحققنا كفرهم فيما تقدم، ولو سلمنا أن الضمير عائد على الله تعالى، فللتأويل فيه وجه صحيح، وهو أن الصورة قد تطلق بمعنى الصفة، كما يقال: صورة هذه المسألة كذا، أي: صفتها، وصور لي فلان كذا فتصورته، أي: وصفه لي ففهمته، وضبطت وصفه في نفسي، وعلى هذا فيكون معنى قوله: إن الله خلق آدم على صورته أي: خلقه موصوفا بالعلم الذي فصل به بينه وبين جميع أصناف الحيوانات، وخصه منه بما لم يخص به أحدا من ملائكة الأرضين والسماوات، وقد قلنا فيما تقدَّم: إن التسليم في المتشابهات أسلم، والله ورسوله أعلم.\nوالأنباط: جمع نبط، وهم قوم ينزلون","vol":"6","page":598},{"text":"يحُبِسُون فِي الجِزيَةِ. قَالَ هِشَامٌ: أَشهَدُ لَسَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنيَا.\nوفي رواية: وَأَمِيرُهُم يَومَئِذٍ عُمَيرُ بنُ سَعدٍ عَلَى فِلَسطِينَ، فَدَخَلَ عَلَيهِ، فَحَدَّثَهُ، فَأَمَرَ بِهِم فَخُلُّوا.\nرواه أحمد (٣/ ٤٠٣)، ومسلم (٢٦١٣) (١١٧ و١١٨ و١١٩)، وأبو داود (٣٠٤٥).\nــ\nبالبطائح بين العراقين، سُموا بذلك لأنهم ينبطون الماء، أي: يحفرون عليه حتى يخرج على وجه الأرض. يقال: نبط الماء ينبط وينبط: إذا نبع، وأنبط الحفار الماء إذا بلغ إليه، والاستنباط: استخراج العلوم، ويقال على النبط: نبيط أيضًا، وكانوا إذ ذاك أهل ذمة، ولذلك عُذبوا بالشمس، وصُب الزيت على رؤوسهم لأجل الجزية، وكأنهم امتنعوا من الجزية مع التمكن، فعوقبوا لذلك، فأمَّا مع تبين عجزهم فلا تحل عقوبتهم بذلك ولا بغيره، لأنَّ من عجز عن الجزية سقطت عنه.\nو(قوله: إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا) يعني: إذا عذبوهم ظالمين، إما في أصل التعذيب، فيعذبونهم في موضع لا يجوز فيه التعذيب، أو بزيادة على المشروع في التعذيب: إما في المقدار، وإما في الصفة، كما بيناه في الحدود.\nو(قوله: وأميرهم يومئذ عمير بن سعد) كذا صحت الرواية عند أكثر الشيوخ، وفي أكثر النسخ، وهو الصواب، لأنَّه عمير بن سعد بن عمر القارئ الأنصاري، من بني عمرو بن عوف، يكنى أبوه أبا زيد، وهو أحد من جمع القرآن، الذي تقدَّم ذكره في حديث أنس، الذي قال فيه أنس: أبو زيد أحد عمومتي، واختلف في اسم أبي زيد هذا، فقيل: سعد - كما تقدم - وهو الأعرف، وقيل: سعيد، وكان عمر -﵁ - ولى عميرا حمص، وكان يقال له: نسيج","vol":"6","page":599},{"text":"[٢٥٢٢] وعن أبي هُرَيرَةَ قَالَ: سمعت رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يقول: إِن طَالَت بِكَ مُدَّةٌ أوشكت أَن تَرَى قَومًا يغدون فِي سَخَطِ اللَّهِ، وَيَرُوحُونَ فِي لعنته، في أَيدِيهِم مِثلُ أَذنَابِ البَقَرِ.\nرواه مسلم (٢٨٥٧) في الجنة وصفة نعيمها (٥٤).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-948>(٢٦) باب النهي أن يشير الرجل بالسلاح على أخيه والأمر بإمساك السلاح بنصولها</span>\n[٢٥٢٣] عن أبي هريرة قال: قَالَ أَبُو القَاسِمِ ﷺ: مَن أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ فَإِنَّ المَلَائِكَةَ تَلعَنُهُ،\nــ\nوحده، ووقع في كتاب القاضي أبي علي الصدفي: عمر بن سعيد. قال أهل النقل: وهو وهم، وأما عمرو بن سعيد، فمعدود في الصحابة، وهو عمرو بن سعيد، ربيب الجلاس ويتيمه. حكاه القاضي أبو الفضل.\nوأوشكت: أسرعت، ومعناه: أنك ترى عن قرب ما يخبرك به. وقد تقدم القول في يوشك، وأنه من أفعال المقاربة، وفي القوم الذين بأيديهم سياط كأذناب البقر.\n(٢٦ و٢٧) ومن باب: النهي عن الإشارة بالسلاح\nوفضل تنحية الأذى عن الطريق (١)\n(قوله: من أشار إلى أخيه بحديدة، فإنَّ الملائكة تلعنه حتى) كذا صحت\n_________\n(١) شرح المؤلف -﵀- تحت هذا العنوان ما أشكل في أحاديث بابَيْ التلخيص رقم (٢٦ و٢٧).","vol":"6","page":600},{"text":"حَتَّى وَإِن كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٥٦)، ومسلم (٢٦١٦)، والترمذي (٢١٦٢).\n[٢٥٢٤] وعنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا يُشِر أَحَدُكُم إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَدرِي أَحَدُكُم لَعَلَّ الشَّيطَانَ يَنزِعُ فِي يَدِهِ، فَيَقَعُ فِي حُفرَةٍ مِن النَّارِ.\nرواه أحمد (٢/ ٣١٧)، والبخاري (٧٠٧٢)، ومسلم (٢٦١٧).\n[٢٥٢٥] وعن جابر قال: مَرَّ رَجُلٌ فِي المَسجِدِ بِسِهَامٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَمسِك بِنِصَالِهَا.\nــ\nالرواية بالاقتصار على حتى، ولم يذكر المجرور بها استغناء عنه لدلالة الكلام عليه، تقديره: حتى يترك، أو يدع، وما أشبهه، ووقع عند بعض الرواة بعد حتى: وإن كان لأخيه وأمه. وعليه فيكون ما بعده ليس من كلام النبي ﷺ. وسقطت لبعضهم، يعني: فيكون ما بعده من قول النبي ﷺ، بحكم أن مساق الكلام واحد. ولعن النبي ﷺ للمشير بالسلاح: دليل على تحريم ذلك مطلقا، جدا كان أو هزلا، ولا يخفى وجه لعن من تعمد ذلك، لأنَّه يريد قتل المسلم أو جرحه، وكلاهما كبيرة. وأما إن كان هازلا، فلأنه ترويع مسلم، ولا يحل ترويعه، ولأنه ذريعة إلى القتل والجرح المحرمين. وقد نص في الرواية الأخرى على صحَّة مراعاة الذريعة حيث قال: فإنَّه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار.\nو(قوله: وإن كان أخاه لأبيه وأمه) يعني: أن ذلك محرم، وإن وقع من أشفق الناس عليه، وأقربهم رحما، وهو يشعر بمنع الهزل بذلك. ونصال: جمع نصل، وهي - هنا -: حديدة السهم، وتكراره: فليأخذ بنصالها ثلاث مرات على جهة التأكيد والمبالغة في سد الذريعة، وهو من جملة ما استدل به مالك - ﵀ - على أصله في سد الذرائع.","vol":"6","page":601},{"text":"وفي رواية: أَنَّ رَجُلًا مَرَّ بِأَسهُمٍ فِي المَسجِدِ قَد أَبدَى نُصُولَهَا، فَأُمِرَ أَن يَأخُذَ بِنُصُولِهَا كَي لَا يَخدِشَ مُسلِمًا.\nوفي أخرى: أنه كان يتصدق بالنبل في المسجد.\nرواه أحمد (٣/ ٣٠٨)، والبخاريُّ (٤٥١)، ومسلم (٢٦١٤) (١٢٠ - ١٢٢)، والنسائي (٢/ ٤٩)، وابن ماجه (٣٧٧٧).\n[٢٥٢٦] وعَن أَبِي مُوسَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا مَرَّ أَحَدُكُم فِي مَجلِسٍ أَو سُوقٍ، وَبِيَدِهِ نَبلٌ، فَليَأخُذ بِنِصَالِهَا، ثُمَّ لِيَأخُذ بِنِصَالِهَا، ثُمَّ لِيَأخُذ بِنِصَالِهَا.\nوفي رواية: أن يصيب أحدا من المسلمين منها بشيء.\nقَالَ أَبُو مُوسَى: وَاللَّهِ مَا مُتنَا حَتَّى سَدَّدنَاهَا، بَعضُنَا فِي وُجُوهِ بَعضٍ.\nرواه أحمد (٤/ ٤١٠)، والبخاريُّ (٧٠٧٥)، ومسلم (٢٦١٥) (١٢٣ و١٢٤)، وأبو داود (٢٥٨٧)، وابن ماجه (٣٧٧٨).\n* * *\nــ\nو(قوله: كيلا يخدش مسلما) فيه ما يدلّ على صحة القول بالقياس، وتعليل الأحكام الشرعية.\nو(قول أبي موسى - ﵁ -: والله ما متنا حتى سددناها، بعضنا في وجوه بعض) يعني: ما مات معظم الصحابة - ﵃ - حتى وقعت بينهم الفتن والمحن، فرمى بعضهم بعضا بالسهام، وقاتل بعضهم بعضا. ذكر هذا في معرض التأسف على تغير الأحوال وحصول الخلاف لمقاصد الشرع، من التعاطف والتواصل، على قرب العهد وكمال الجد.","vol":"6","page":602},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-949>(٢٧) باب ثواب من نحى الأذى عن طريق المسلمين</span>\n[٢٥٢٧] عَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بَينَمَا رَجُلٌ يَمشِي بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصنَ شَوكٍ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ.\nوفي رواية: فقال: لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم، فأدخل الجنة.\nرواه أحمد (٢/ ٥٣٣)، والبخاري (٦٥٢)، ومسلم (١٩١٤) (١٢٧ و١٢٨)، والترمذي (١٩٥٨)، وابن ماجه (٣٦٨٢).\n[٢٥٢٨] وعنه؛ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَقَد رَأَيتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا عن ظَهرِ الطَّرِيقِ، كَانَت تُؤذِي النَّاسَ.\nرواه مسلم (١٩١٤) في البر والصلة (١٢٩).\n[٢٥٢٩] وعَن أَبِي بَرزَةَ، قَالَ: قُلتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَا رَسُولَ اللَّهِ!\nــ\nو(قوله: فشكر الله له فغفر له) أي: أظهر لملائكته أو لمن شاء من خلقه الثناء عليه بما فعل من الإحسان لعبيده. وقد تقدَّم أن أصل الشكر: الظهور، أو يكون جازاه جزاء الشاكر، فسمى الجزاء شكرا، وعبر عنه بشكر. كما قال في الرواية الأخرى: فأدخل الجنة وكل ذلك إنما حصل لذلك الرجل بحسن نيته في تنحيته الأذى، ألا ترى قوله: والله لأنحين هذا عن المسلمين؛ لا يؤذيهم.\nو(قوله: لقد رأيت رجلا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها) أي: يتقلب في نعيم الجنة وملابسها وقصورها، وسائر ما أعد الله فيها.","vol":"6","page":603},{"text":"إِنِّي لَا أَدرِي أَن تَمضِيَ وَأَبقَى بَعدَكَ، فَزَوِّدنِي شَيئًا يَنفَعُنِي اللَّهُ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: افعَل كَذَا، افعَل كَذَا، وَأَمِرَّ الأَذَى عَن الطَّرِيقِ.\nوفي رواية: قال: قلت: يا نبي الله! أعلمني شيئا أنتفع به! قال: اعزل الأذى عن طريق المسلمين.\nرواه مسلم (٢٦١٨) (١٣١ و١٣٢)، وابن ماجه (٣٦٨١).\n* * *\nــ\nو(قوله: وأمر الأذى عن طريق المسلمين) هكذا روايتي، ورواية عامة الشيوخ: براء مشددة، من المرور، بمعنى: نحِّ. وعند الطبري: وأمز - بزاي معجمة - من الميز، أي: أزله من الطريق، وميزه عنه. وعند ابن ماهان: أخره، وكلها بمعنى واحد.\nوفيه ما يدل على الترغيب في إزالة الأذى والضرر عن المسلمين، وعلى إرادة الخير لهم، وهذا مقتضى الدين والنصيحة والمحبة.\n* * *","vol":"6","page":604},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-950>(٢٨) باب عذبت امرأة في هرة</span>\n[٢٥٣٠] عَن عَبدِ اللَّهِ بن عمر، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: عُذِّبَت امرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتهَا حَتَّى مَاتَت، فَدَخَلَت فِيهَا النَّارَ، لَا هِيَ أَطعَمَتهَا وَسَقَتهَا؛ إِذ هي حَبَسَتهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتهَا تَأكُلُ مِن خَشَاشِ الأَرضِ.\nرواه البخاريُّ (٣٣١٨)، ومسلم (٢٢٤٢) في البر والصلة (١٣٣ و١٣٤).\n[٢٥٣١] وفي رواية: دَخَلَت امرَأَةٌ النَّارَ مِن جَرَّاءِ هِرَّةٍ لَهَا - أَو هِرٍّ - رَبَطَتهَا، فَلَا هِيَ أَطعَمَتهَا، وَلَا هِيَ أَرسَلَتهَا تُرَممُ مِن خَشَاشِ الأَرضِ؛ حَتَّى مَاتَت هَزلًا.\nرواه أحمد (٢/ ٢٦١)، ومسلم (٢٦١٩)، وابن ماجه (٤٢٥٦) كلهم من حديث أبي هريرة.\n* * *\nــ\n(٢٨) ومن باب: عذبت امرأة في هرة (١)\nو(قوله: دخلت امرأة النار من جراء هرة لها) أي: من أجل، وفيه لغتان: المد والقصر، وظاهر هذا أن الهر يُملك، لأنَّه ﷺ أضاف الهر للمرأة باللام التي هي ظاهرة في الملك، وقد تقدَّم الخلاف في ذلك. وفيه ما يدلّ على أن الواجب على مالك الهر أحد الأمرين: إما أن يطعمه، أو يتركه يأكل مِمَّا يجده من الخشاش، وهي: حشرات الأرض وأحناشها. وقد\n_________\n(١) هذا العنوان لم يردْ في جميع نسخ المفهم، واستدركناه من التلخيص.","vol":"6","page":605},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-951>(٢٩) باب في عذاب المتكبر والمتألي على الله، وإثم من قال: هلك الناس، ومدح المتواضع الخامل</span>\n[٢٥٣٢] عَن أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: العِزُّ إِزَارُهُ، وَالكِبرِيَاءُ رِدَاؤُهُ، فَمَن يُنَازِعُنِي عَذَّبتُهُ.\nرواه مسلم (٢٦٢٠).\nــ\nيقال على صغار الطير، وهو بالخاء المعجمة، ويقال بفتح الخاء وكسرها. وحكى أبو علي القالي فيها الضم، فأمَّا الخشاش بالكسر لا غير: فهو الذي يدخل في أنف البعير من خشب، والخزامة من شعر، فأمَّا الخشاش بالفتح: فهو الماضي من الرجال. قال الجوهري: وقد يضم. وترمم: بفتح التاء والميم المشددة للعذري والسحري، وهي الصحيحة. وعند بعضهم: ترمم بضم التاء وكسر الميم الأولى. والثلاثي هو المعروف، ومعناه: يأكل، مأخوذ من المرمة، وهي: الشفة من كل ذات ظلف.\n(٢٩) ومن باب: عذاب المتكبر والمتألي\n(قوله: العز إزاره، والكبرياء رداؤه، فمن ينازعني عذبته) كذا جاء هذا اللفظ في كتاب مسلم، مفتتحا بخطاب الغيبة، ثم خرج إلى الحضور، وهذا على نحو قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنتُم فِي الفُلكِ وَجَرَينَ بِهِم﴾ فخرج من خطاب الحضور إلى الغيبة، وهي طريقة عربية معروفة. وقد جاء هذا الحديث في غير كتاب مسلم: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما قصمته ثم ألقيته في النار (١). وأصل الإزار: الثوب الذي يشد على الوسط. والرداء ما\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٠٩٠).","vol":"6","page":606},{"text":"[٢٥٣٣] وعَن جُندَبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ،\nــ\nيجعل على الكتفين، ولما كان هذان الثوبان يخصان اللابس بحيث لا يستغني عنهما، ولا يقبلان المشاركة، عبر الله تعالى عن العز بالإزار، وعن الكبرياء بالرداء، على جهة الاستعارة المستعملة عند العرب، كما قال: ﴿وَلِبَاسُ التَّقوَى ذَلِكَ خَيرٌ﴾ فاستعار للتقوى لباسا، وكما قال ﷺ: من أسر سريرة ألبسه الله رداءها (١). وكما قال: البسوا قناع المخافة، وادرعوا لباس الخشية. وهم يقولون: فلان شعاره الزهد والورع، ودثاره التقوى، وهو كثير. ومقصود هذه الاستعارة الحسنة: أن العز والعظمة والكبرياء، من أوصاف الله تعالى الخاصة به، التي لا تنبغي لغيره. فمن تعاطى شيئا منها أذله الله تعالى وصغره وحقره وأهلكه، كما قد أظهر الله تعالى من سنته في المتكبرين السابقين واللاحقين.\nو(قول المتألي: والله لا يغفر الله لفلان) ظاهر في أنه قطع بأن الله تعالى لا يغفر لذلك الرجل، وكأنه حكم على الله، وحجر عليه. وهذه نتيجة الجهل بأحكام الإلهية، والإدلال على الله تعالى بما اعتقد أن له عنده من الكرامة والحظ والمكانة، وكذلك المذنب من الخسة والإهانة؛ فإنَّ كان هذا المتألي مستحلا لهذه الأمور، فهو كافر، فيكون إحباط عمله لأجل الكفر، كما يحبط عمل الكفار، وأما إن لم يكن مستحلا لذلك، وإنما غلب عليه الخوف، فحكم بإنفاذ الوعيد، فليس بكافر، ولكنه (٢) مرتكب كبيرة، فإنَّه قانط من رحمة الله، فيكون إحباط عمله بمعنى أن ما أوجبت له هذه الكبيرة من الإثم يربي على أجر أعماله الصالحة، فكأنه لم يبق له عمل صالح.\n_________\n(١) ذكره القرطبي في تفسيره (٣/ ٣٢٦).\n(٢) في (ز): ولأنه.","vol":"6","page":607},{"text":"وَإِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَن ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَلا أَغفِرَ لِفُلَانٍ؟ فَإِنِّي قَد غَفَرتُ لِفُلَانٍ، وَأَحبَطتُ عَمَلَكَ. أَو كَمَا قَالَ.\nرواه مسلم (٢٦٢١).\n[٢٥٣٤] وعن أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إذا قال الرجل: هلك الناس، فهو أهلكهم.\nرواه أحمد (٢/ ٣٤٢)، ومسلم (٢٦٢٣)، وأبو داود (٤٩٨٣).\nــ\nو(قوله: من ذا الذي يتألى علي ألا أغفر لفلان) استفهام على جهة الإنكار والوعيد، ويستفاد منه: تحريم الإدلال على الله تعالى، ووجوب التأدب معه في الأقوال والأحوال، وأن حق العبد أن يعامل نفسه بأحكام العبودية، ومولاه بما يجب له من أحكام الإلهية والربوبية.\nو(قوله: فإني قد غفرت لفلان، وأحبطت عملك) دليل على صحَّة مذهب أهل السنة: أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب، وهو موجب قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغفِرُ أَن يُشرَكَ بِهِ وَيَغفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ وأن لله تعالى أن يفعل في عبيده ما يريد من المغفرة والإحباط؛ إذ هو الفعال لما يريد، القادر على ما يشاء. وقد بينا الإحباط المذكور في هذا الحديث.\nو(قوله: إذا قال الرجل: هلك الناس، فهو أهلكهم) قال أبو إسحاق: لا أدري أهلكهم بالنصب أو بالرفع. أبو إسحاق هذا هو إبراهيم بن سفيان، الراوي عن مسلم، شك في ضبط هذا الحرف، وقد قيده الناس بعده بالوجهين، وكلاهما له وجه، فإذا كان بالرفع: فمعناه أن القائل لذلك القول هو أحق الناس بالهلاك، أو أشدهم هلاكا، ومحمله على ما إذا قال ذلك محقرا للناس، وزاريا عليهم، معجبا بنفسه وعمله، ومن كان كذلك فهو الأحق بالهلاك منهم، فأمَّا لو قال ذلك على جهة الشفقة على أهل عصره، وأنهم بالنسبة إلى من تقدمهم من أسلافهم","vol":"6","page":608},{"text":"[٢٥٣٥] وعنه؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: رُبَّ أَشعَثَ مَدفُوعٍ بِالأَبوَابِ لَو أَقسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ.\nرواه مسلم (٢٦٢٢).\n* * *\nــ\nكالهالكين، فلا يتناوله هذا الذم، فإنَّها عادة جارية في أهل العلم والفضل، يعظمون أسلافهم، ويفضلونهم على من بعدهم، ويقصرون بمن خلفهم، وقد يكون هذا على جهة الوعظ والتذكير ليقتدي اللاحق بالسابق، فيجتهد المقصر، ويتدارك المفرط، كما قال الحسن - ﵀ -: لقد أدركت أقواما لو أدركتموهم لقلتم: مرضى، ولو أدركوكم لقالوا: هؤلاء لا يؤمنون بيوم الحساب.\nوأما من قيده بالنصب فيكون معناه: أن الذي قال لهم ذلك مقنطا لهم: هو الذي أهلكهم بهذا القول، فإنَّ الذي يسمعه قد ييأس من رحمة الله فيهلك، وقد يغلب على القائل رأي الخوارج فيهلك الناس بالخروج عليهم، ويشق عصاهم بالقتال، وغير ذلك، كما فعلت الخوارج، فيكون قد أهلكهم حقيقة وحسا، وقيل: معناه: إن الذي قال فيهم ذلك، لا الله تعالى؛ فكأنه قال: هو الذي ظن ذلك من غير تحقيق ولا دليل من جهة الله تعالى. والله تعالى أعلم.\nو(قوله: رب أشعث مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره) الأشعث: المتلبد الشعر غير المدهنه. والمدفوع بالأبواب، أي: عن الأبواب. فلا يترك بقربها احتقارا له، ويصح أن يكون معناه: يدفع بسد الأبواب في وجهه كلما أراد دخول باب من الأبواب، أو قضاء حاجة من الحوائج.\nو(قوله: لو أقسم على الله لأبره) أي: لو وقع منه قسم على الله في شيء لأجابه الله تعالى فيما سأله؛ إكراما له، ولطفا به، وهذا كما تقدَّم من قول أنس بن النضر: لا والله لا تكسر ثنية الربيع أبدا. فأبر الله قسمه؛ بأن جعل في قلوب الطالبين للقصاص الرضا بالدية، بعد أن أبوا قبولها، وكنحو ما اتفق للبراء لما","vol":"6","page":609},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-952>(٣٠) باب الوصية بالجار وتعاهده بالإحسان</span>\n[٢٥٣٦] عن عَائِشَةَ قالت: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَا زَالَ جِبرِيلُ يُوصِينِي بِالجَارِ حَتَّى ظَنَنتُ أَنَّهُ لَيُوَرِّثهُ.\nرواه أحمد (٦/ ٢٣٨)، والبخاريّ (٦٠١٤)، ومسلم (٢٦٢٤) (١٤٠)، وأبو داود (٥١٥١)، والترمذيُّ (١٩٤٢)، وابن ماجه (٣٦٧٣).\nــ\nالتقى بالكفار فاقتتلوا، فطال القتال، وعظم النزال، فقال البراء: أقسمت عليك يا رب - أو: عزمت عليك - لتمنحنا أكتافهم، ولتلحقني بنبيك، فأبر الله قسمه، فكان كذلك. ولقد أبعد من قال: إن القسم -هنا - هو الدعاء من جهة اللفظ والمعنى.\n(٣٠) ومن باب: الوصية بالجار (١)\n(قوله: ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه ليورثه) قد تقدَّم أن الجار يقال على المجاور في الدار، وعلى الداخل في الجوار، وكل واحد منهما له حق، ولا بد من الوفاء به، وقد تقدَّم قوله ﷺ: لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه (٢)، وقوله: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره (٣). ولما أكد\n_________\n(١) في نسخ المفهم: ومن باب الوصية بالجار وفضل السعي على الأرملة والمسكين. ولا داعي لجملة العطف لأنَّ المؤلف -﵀- أفرد موضوعَ الزيادة ببابٍ مستقل يأتي بعد هذا الباب، كما في التلخيص.\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٣٧٣)، ومسلم (٤٦).\n(٣) رواه أحمد (٢/ ٢٦٧)، والبخاري (٦٤٧٥)، ومسلم (٤٧) (٧٤)، وأبو داود (٥١٥٤)، والترمذي (٢٥٠٠).","vol":"6","page":610},{"text":"[٢٥٣٧] ونحوه، عن ابنَ عُمَرَ، وقال: حَتَّى ظَنَنتُ أَنَّهُ لَيُوَرِّثنهُ.\nرواه البخاريُّ (٦٠١٥)، ومسلم (٢٦٢٥) (١٤١).\n[٢٥٣٨] وعَن أَبِي ذَرٍّ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا أَبَا ذَرٍّ! إِذَا طَبَختَ مَرَقَةً فَأَكثِر مَاءَهَا، وَتَعَاهَد جِيرَانَكَ.\nــ\nجبريل على النبي ﷺ حق الجوار، وكثر عليه من ذلك، غلب على ظن النبي ﷺ أن الله سيحكم بالميراث بين الجارين. وهذا يدلّ على أن هذا الجار هنا هو جار الدار، لأنَّ الجار بالعهد قد كان من أول الإسلام يرث، ثم نسخ ذلك، كما تقدَّم، فإن كان هذا القول صدر من النبي ﷺ في أول الأمر، فقد كان التوارث مشروعا، فمشروعيته واقعة محققة غير منتظرة، ولا مظنونة، وإن كان بعد ذلك فرفع ذلك الحكم ونسخه محقق، فكيف تظن مشروعيته؟ ! فتعين أن المراد بالجوار في هذا الحديث هو جوار الدار، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك) هذا الأمر على جهة الندب، والحض على مكارم الأخلاق، وإرشاد إلى محاسنها، لما يترتب عليه من المحبة، وحسن العشرة والألفة، ولما يحصل به من المنفعة، ودفع الحاجة والمفسدة، فقد يتأذى الجار بقتار (١) قدر جاره، وعياله وصغار ولده، ولا يقدر على التوصل إلى ذلك، فتهيج من ضعفائهم الشهوة، ويعظم على القائم عليهم الألم والكلفة، وربما يكون يتيما، أو أرملة ضعيفة، فتعظم المشقة، ويشتد منهم الألم والحسرة، وكل ذلك يندفع بتشريكهم في شيء من الطبيخ يُدفع إليهم، فلا أقبح من منع هذا النذر اليسير الذي يترتب عليه هذا الضرر الكبير.\nو(قوله: فأكثر ماءها) تنبيه لطيف على تيسير الأمر على البخيل؛ إذ الزيادة\n_________\n(١) \"القتار\": دخان ذو رائحة خاصّة ينبعث من الشِّواء أو الطبيخ.","vol":"6","page":611},{"text":"وفي أخرى: ثُمَّ انظُر أَهلَ بَيتٍ مِن جِيرَانِكَ، فَأَصِبهُم مِنهَا بِمَعرُوفٍ.\nرواه أحمد (٥/ ١٤٩)، ومسلم (٢٦٢٥) (١٤٢ و١٤٣).\n[٢٥٣٩] وعنه قال: قال لي رسول الله ﷺ: لَا تَحقِرَنَّ مِن المَعرُوفِ شَيئًا، وَلَو أَن تَلقَى أَخَاكَ بِوَجهٍ طَلقٍ.\nرواه أحمد (٥/ ١٧٣)، ومسلم (٢٦٢٦)، والترمذيُّ (١٨٣٣)، وابن ماجه (٣٣٦٢).\n* * *\nــ\nالمأمور بها، إنما هي فيما ليس له ثمن، وهو الماء. ولذلك لم يقل: إذا طبخت مرقة فأكثر لحمها، أو طبيخها؛ إذ لا يسهل ذلك على كل أحد.\nو(قوله: فأصبهم منها بمعروف) أي: بشيء يُهدى مثله عرفا، تحرزا من القليل المحتقر، فإنه - وإن كان مما يهدى - فقد لا يقع ذلك الموقع، فلو لم يتيسر إلا القليل المحتقر فليهده ولا يحتقره، كما جاء في الحديث الآخر: لا تحقرن من المعروف شيئا ويكون المُهدى له مأمورا بقبول ذلك المحتقر، والمكافأة عليه، ولو بالشكر، لأنَّه وإن كان قدره محتقرا، دليل على تعلق قلب المهدي بجاره.\nو(قوله: ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق) يُروى بكسر اللام، وياء بعدها. وطلق الوجه بتسكين اللام بغير ياء، وهما لغتان، يقال: رجل طلق الوجه، وطليق الوجه، وهو المنبسط الوجه السمحه. يقال: طلق وجهه: بضم اللام يطلق طلاقة.\n* * *","vol":"6","page":612},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-953>(٣١) بَابُ فضل السعي على الأَرمَلَةِ وكفالة اليَتِيمِ</span>\n[٢٥٤٠] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: السَّاعِي عَلَى الأَرمَلَةِ وَالمِسكِينِ، كَالمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَأَحسِبُهُ قَالَ: وَكَالقَائِمِ لَا يَفتُرُ، وَكَالصَّائِمِ لَا يُفطِرُ\nرواه أحمد (٢/ ٣٦١)، والبخاريُّ (٥٣٥٣)، ومسلم (٢٩٨٢)، والترمذيُّ (١٩٦٩)، والنسائي (٥/ ٨٦ و٨٧)، وابن ماجه (٢١٤٠).\nــ\n(٣١) ومن باب: السعي على الأرملة وكفالة اليتيم\nقال الجوهري: الأرمل: الرجل الذي لا امرأة له، والأرملة: المرأة التي لا زوج لها، وقد أرملت المرأة: إذا مات عنها زوجها. قال ابن السكيت: الأرامل: المساكين من رجال أو نساء. قال: ويقال لهم، وإن لم يكن فيهم نساء، ويقال: قد جاءت أرملة من نساء ورجال محتاجين، وإنما شبه الساعي على الأرملة بالمجاهد، لأنَّ القيام على المرأة بما يصلحها وما يحفظها ويصونها، لا يُتصور الدوام عليه إلا مع الصبر العظيم، ومجاهدة النفس والشيطان، فإنَّهما يكسلان عن ذلك، ويثقلانه، ويفسدان النيات في ذلك، وربما يدعوان بسبب ذلك إلى السوء ويسولانه، ولذلك قل من يدوم على ذلك العمل، وأقل من ذلك من يسلم منه، فإذا حصل ذلك العمل حصلت منه فوائد كشف كرب الضعفاء، وإبقاء رمقهم، وسد خلتهم (١)، وصون حرمتهم.\n_________\n(١) \"الخَلَّة\": الخَصلة، والفقر والحاجة، جمع خِلال.","vol":"6","page":613},{"text":"[٢٥٤١] وعنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَافِلُ اليَتِيمِ لَهُ أَو لِغَيرِهِ، أَنَا وَهُوَ كَهَاتَينِ فِي الجَنَّةِ. وَأَشَارَ مَالِكٌ بِالسَّبَّابَةِ وَالوُسطَى.\nرواه مسلم (٢٩٨٣).\n* * *\nــ\nو(قوله: كافل اليتيم له أو لغيره، أنا وهو في الجنة كهاتين) قد تقدَّم أن اليتيم في الناس من قِبل فقد الأب، وفي البهائم: من قِبل فقد الأم، وفي الطير من قِبل الأب والأم (١).\nومعنى قوله: له أو لغيره أي: سواء كان اليتيم قريبا للكافل أو لم يكن، في حصول ذلك الجزاء الموعود على كفالته. ومعنى قوله: أنا وهو في الجنة كهاتين أي: هو معه في الجنة، وبحضرته، غير أن كل واحد منهما على درجته فيها؛ إذ لا يبلغ درجة الأنبياء غيرهم، ولا يبلغ درجة نبينا ﷺ أحد من الأنبياء، على ما تقدَّم. وإلى هذا المعنى الإشارة بقرانه بين إصبعيه السبابة والوسطى، فيُفهم من الجمع بينهما: المعية والحضور، ومن تفاوت ما بينهما: اختصاص كل واحد منهما بمنزلته ودرجته. وقد نص على هذا المعنى النبي ﷺ في قوله: المرء مع من أحب، وله ما اكتسب (٢) وقد تقدم نحو هذا.\n* * *\n_________\n(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ز) و(م ٤).\n(٢) رواه الترمذي في الزهد (٢٣٨٦).","vol":"6","page":614},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-954>(٣٢) باب التحذير من الرياء والسمعة ومن كثرة الكلام ومن الإجهار</span>\n[٢٥٤٢] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قَالَ اللَّهُ ﵎: أَنَا أَغنَى الشُّرَكَاءِ عَن الشِّركِ، مَن عَمِلَ عَمَلًا أَشرَكَ فِيهِ مَعِي غَيرِي تَرَكتُهُ وَشريكَهُ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٠١)، ومسلم (٢٩٨٥)، وابن ماجه (٤٢٠٢).\nــ\n(٣٢) ومن باب: التحذير من الرياء والسمعة\nقوله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك) أصل الشرك المحرم: اعتقاد شريك لله تعالى في إلهيته، وهو الشرك الأعظم، وهو شرك الجاهلية، ويليه في الرتبة اعتقاد شريك لله تعالى (١)، في الفعل، وهو قول من قال: إن موجودا ما غير الله تعالى يستقل بإحداث فعل وإيجاده، وإن لم يعتقد كونه إلها، ويلي هذا في الرتبة الإشراك في العبادة، وهو الرياء. وهو أن يفعل شيئا من العبادات التي أمر الله تعالى بفعلها له لغير الله، وهذا هو الذي سيق الحديث لبيان تحريمه، وأنه مبطل للأعمال (٢)، لهذا أشار بقوله: من عمل عملا أشرك معي فيه غيري، تركته وشريكه وهذا هو المسمى بالرياء، وهو على الجملة مبطل للأعمال، وضده الإخلاص، وهو من شرط صحَّة العبادات، والقرب. وقد نبهنا على معاقدهما، واستيفاء ما يتعلق بهما مذكور في الرقائق.\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).\n(٢) ما بين حاصرتين سقط من (م ٤).","vol":"6","page":615},{"text":"[٢٥٤٣] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَن رَاءَى رَاءَى اللَّهُ بِهِ.\nرواه مسلم (٢٩٨٦).\n[٢٥٤٤] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: إِنَّ العَبدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ ما يتبين ما فيها يَهوي بِهَا فِي النَّارِ أَبعَدَ مَا بَينَ المَشرِقِ وَالمَغرِبِ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٧٨ - ٣٧٩)، والبخاريُّ (٦٤٧٧)، ومسلم (٢٩٨٨) (٤٩ و٥٠).\nــ\nو(قوله: من سمع سمع الله به) أي: من يحدث بعمله رياء ليسمع الناس، فضحه الله يوم القيامة، وشهره على رؤوس الأشهاد، كما جاء في غير كتاب مسلم: يسمع الله به سامع خلقه يوم القيامة أي: كل من يسمع. وقيل: إن معنى ذلك أن من أذاع على مسلم عيبا، وشنّعه عليه، أظهر الله عيوبه يوم القيامة (١).\nو(قوله: ومن راءى راءى الله به) أي: من راءى بعمله، فعمل شيئا من القرب لغير الله، قابله الله يوم القيامة بعقوبة ذلك. فسمى العقوبة رياء على جهة المقابلة، كما قال: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾\nو(قوله: إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها) أي: من الإثم والعقاب، وذلك لجهله بذلك، أو لترك التثبت، أو للتساهل. وفي غير كتاب مسلم: إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يلقي لها بالا، يهوي بها في النار سبعين خريفا (٢). وفيه من الفقه: وجوب التثبت عند الأقوال والأفعال، وتحريم التساهل في شيء من الصغائر، وملازمة الخوف والحذر عند كل قول وفعل،\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٣٣٤)، والبخاري (٦٤٧٨)، والترمذي (٢٣١٤)، وابن ماجه (٣٩٧٠).","vol":"6","page":616},{"text":"[٢٥٤٥] وعنه؛ قال: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: كُلُّ أُمَّتِي مُعَافَى إِلَّا المُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِن الجهَارِ أَن يَعمَلَ العَبدُ عَمَلًا بِاللَّيلِ، ثُمَّ\nــ\nوالبحث عما مضى من الأقوال والأفعال، واستحضار ما مضى من ذلك وتذكره من أول زمان تكليفه؛ لإمكان أن يكون صدر من المكلف شيء لم يتثبته، يستحق به هذا الوعيد الشديد، فإذا تذكر واستعان بالله، فإن ذكر شيئا من ذلك تاب منه، واستغفر، وإن لم يتذكر وجب عليه أن يتوب جملة بجملة عما علم وعما لم يعلم، كما قال النبي ﷺ: أستغفرك عما تعلم ولا أعلم (١). فمن فعل ذلك وصدقت نيته قُبلت بفضل الله تعالى توبته.\nو(قوله: من سخط الله (٢» أي: مما يسخط الله، وذلك بأن يكون كذبة، أو غيبة، أو نميمة، أو بهتانا، أو بخسا، أو باطلا يضحك به الناس، كما قد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: ويل للذي يتكلم بالكلمة من الكذب ليضحك الناس، ويل له، ويل له (٣).\nو(قوله: كل أمتي معافى إلا المجاهرين) كذا رواية أكثر الرواة بتقديم الجيم على الهاء منصوبا على الاستثناء، وهو جمع مجاهر، اسم فاعل من جاهره بالقول وبالعداوة: إذا ناداه وفاجأه بذلك. ووقع في نسخة شيخنا أبي الصبر: إلا المجاهرون بالواو، رفعا، وهو جائز، على أن تحمل (إلا) على (غير) كما قد أنشده النحويون:\nوكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان\nأي: غير الفرقدين، وهو قليل، والوجه الأول الكثير الفصيح.\nو(قوله: وإن من الجهار) هذه رواية زهير، وهي رواية حسنة، لأنَّه\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ١٢٣ و١٢٥)، والترمذي (٣٤٠٧)، والنسائي (٣/ ٥٤).\n(٢) هذه العبارة ليست عند مسلم. انظر: تخريج الحديث قبل السابق.\n(٣) رواه أحمد (٥/ ٥ و٧)، وأبو داود (٤٩٩٠).","vol":"6","page":617},{"text":"يُصبِحُ وقَد سَتَرَهُ رَبُّهُ فَيَقُولُ: يَا فُلَانُ، عَمِلتُ البَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَد بَاتَ يَستُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصبِحُ يَكشِفُ سِترَ اللَّهِ عَنهُ.\nرواه البخاريُّ (٦٠٦٩)، ومسلم (٢٩٩٠).\n* * *\nــ\nمصدر: جاهر، الذي اسم الفاعل منه مجاهر، فيتناسب صدر الكلام وعجزه. ورواه أكثر رواة مسلم: وإن من الإجهار فيكون مصدر: أجهر، أي: أعلن. قال الجوهري: إجهار الرجل: إعلانه، وعند الفارسي: وإن من الإهجار، بتقديم الهاء على الجيم، وهو الإفحاش في القول. قاله الجوهري.\nقلت: وهذه الروايات، وإن اختلفت ألفاظها، هي راجعة إلى معنى واحد قد فسره في الحديث، وهو أن يعمل الرجل معصية في خفية وخلوة، ثم يخرج يتحدث بها مع الناس، ويجهر بها ويعلنها، وهذا من أكبر الكبائر وأفحش الفواحش. وذلك أن هذا لا يصدر إلا من جاهل بقدر المعصية، أو مستهين مستهزئ بها، مصر عليها، غير تائب منها، مظهر للمنكر. والواحد من هذه الأمور كبيرة، فكيف إذا اجتمعت؟ ! فلذلك كان فاعل هذه الأشياء أشد الناس بلاء في الدنيا، وعقوبة في الآخرة، لأنَّه تجتمع عليه عقوبة تلك الأمور كلها، وسائر الناس ممن ليس على مثل حاله، وإن كان مرتكب كبيرة فأمره أخف، وعقوبته - إن عوقب - أهون، ورجوعه عنها أقرب من الأول، لأنَّ ذلك المجاهر قلّ أن يتوب، أو يرجع عما اعتاده من المعصية، وسهل عليه منها. فيكون كل العصاة بالنسبة إليه إما معافى مطلقا إن تاب، وإما معافى بالنسبة إليه إن عوقب، والله تعالى أعلم.\n* * *","vol":"6","page":618},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-955>(٣٣) بَابُ تغليظ عُقُوبَةِ مَن أمر بِمَعرُوف وَلم يَأته وَنهَى عَن المُنكَرِ وأتاه</span>\n[٢٥٤٦] عَن أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ قَالَ: قِيلَ لَهُ: أَلَا تَدخُلُ عَلَى عُثمَانَ فَتُكَلِّمَهُ؟ فَقَالَ: أَتَرَونَ أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إِلَّا سمِعُكُم، وَاللَّهِ لَقَد كَلَّمتُهُ فِيمَا بَينِي وَبَينَهُ، مَا دُونَ أَن افتَتِحَ أَمرًا لَا أُحِبُّ أَن أَكُونَ أَوَّلَ مَن فَتَحَهُ،\nــ\n(٣٣) ومن باب: تغليظ عقاب من أمر بمعروف ولم يأته\nونهى عن المنكر وأتاه\n(قول القائل لأسامة: ألا تدخل على عثمان فتكلمه) يعني: في تلك الأمور التي تُفترى عليه، وكانت أمورا بعضها كذب عليه، وبعضها كان له فيها عذر، وعنها جواب لو سُمع منه، لكن العوام لا ينفع معهم اعتذار ولا ملام، ولم يكن شيء من هذه الأمور يوجب خلعه ولا قتله قطعا، ولكن جرت الأقدار بأن قُتل مظلوما شهيد الدار.\nو(قوله: أترون أني لا أكلمه إلا سمعكم) يعني: أنه كان يجتنب كلامه بحضرة الناس، ويكلمه إذا خلا به، وهكذا يجب أن يعاتب الكبراء والرؤساء، يعظمون في الملأ إبقاء لحرمتهم، ويُنصحون في الخلاء أداء لما يجب من نصحهم. وسمعكم: منصوب على الظرف. ويروى: بسمعكم، بالباء، أي: يحضره سمعكم. ويروى: أسمعكم، على أنه فعل مضارع.\nو(قوله: والله لقد كلمته فيما بيني وبينه ما دون أن أفتح أمرا، لا أحب أن أكون أول من فتحه) يعني: أنه كلمه مشافهة، كلام لطف، لأنَّه اتقى ما يكون عن المجاهرة بالإنكار والقيام على الأئمة؛ لعظيم ما يطرأ بسبب ذلك من الفتن","vol":"6","page":619},{"text":"وَلَا أَقُولُ لِأَحَدٍ يَكُونُ عَلَيَّ أَمِيرًا، إِنَّهُ خَيرُ النَّاسِ، بَعدَمَا سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يُؤتَى يَومَ القِيَامَةِ بِالرَّجُلِ فَيُلقَى فِي النَّارِ فَتَندَلِقُ أَقتَابُ بَطنِهِ، فَيَدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ الحِمَارُ بِالرَّحَى، فَيَجتَمِعُ إِلَيهِ أَهلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ: يَا فُلَانُ، مَا لَكَ؟ أَلَم تَكُن تَأمُرُ بِالمَعرُوفِ وَتَنهَى عَن المُنكَرِ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، قَد كُنتُ آمُرُ بِالمَعرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنهَى عَن المُنكَرِ وَآتِيهِ.\nرواه أحمد (٥/ ٢٠٥)، والبخاريُّ (٣٢٦٧)، ومسلم (٢٩٨٩).\n* * *\nــ\nوالمفاسد، وخصوصا على مثل عثمان - ﵁ - ففيه التلطف في الإنكار إذا ارتجى نفعه.\nو(قوله: ولا أقول لأحد يكون علي أميرا أنه خير الناس) أي: لا أُطريه بذلك، ولا أداهنه؛ لكونه أميرا علي، بل: أقول له الحق، وأصفه بحاله التي هو عليها من غير تصنع، ولا ملق. وهذه كانت سيرة القوم، لا يخافون في الله لومة لائم، ولا يبالون في القيام بالحق، وإن أدى إلى العظائم، وهذا هو أعظم الأسباب التي أوجبت الاختلاف بينهم، حتى أدى ذلك إلى الحروب العظيمة والخطوب الجسيمة؛ فإنَّ كل طائفة كانت ترى أنها المصيبة المحقة، ومخالفتها المخطئة؛ فإنَّها كانت أمورا اجتهادية، ولم يكن فيها نصوص قطعية، ويستثنى من ذلك قتلة عثمان، فإنَّه لم يرتكب ما يوجب خلعه، ولا قتله، والخوارج على علي والمسلمين؛ فإنَّهم حكموا بكفر الجميع، فهاتان الطائفتان مخطئتان قطعا، ومن عدا هؤلاء فإمَّا مصيب في اجتهاده فله أجران (١)، ومن قصر في اجتهاده مذموم على التقصير.\nو(قوله: فتندلق أقتاب بطنه) أي: تخرج بسرعة. واندلاق السيف:\n_________\n(١) في (ع) و(م ٤): أجر.","vol":"6","page":620},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nخروجه بسرعة (١) من غمده، والأقتاب: الأمعاء، واحدها قتب. وقال الأصمعي: واحدها قتبة، ويقال لها أيضًا: الأقصاب، واحدها قصب، قاله أبو عبيد. وقال أبو عبيدة: القتب: ما تحوى من البطن، يعني: استدار، وهي الحوايا، وإنَّما اشتد عذاب هذا؛ لأنَّه كان عالما بالمعروف وبالمنكر، وبوجوب القيام عليه بوظيفة كل واحد منهما، ومع ذلك فلم يعمل بشيء من ذلك، فصار كأنه مستهين بحرمات الله تعالى، ومستخف بأحكامه، ثم إنه لم يتب عن شيء من ذلك، وهذا من جملة من لم ينتفع بعلمه، الذين قال فيهم النبي ﷺ: أشد الناس عذابا يوم القيامة: عالم لم ينفعه الله بعلمه (٢). وإنما ذكر أسامة هذا الحديث مستدلا به على منع إطراء الأمير بأن يقال له: أنت خير الناس، لأنَّه يمكن أن يكون ذلك الأمير ممن يأمر بالمعروف ولا يفعله، وينهى عن المنكر ويفعله، فيستحق هذا العقاب الشديد، فكيف يقال له: أنت خير الناس؟ ! ويشهد لهذا مساق قوله؛ فتأمله، والله أعلم، وقد تقدَّم القول في وجوب تغيير المنكر.\n* * *\n_________\n(١) ليست في (ز).\n(٢) رواه الطبراني في المعجم الصغير (١/ ١٨٢ - ١٨٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٧٧٨). وانظر: مجمع الزوائد (١/ ١٨٥)، والترغيب والترهيب للمنذري (٢٢٢).","vol":"6","page":621},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-956>(٣٤) بَابُ في تَشمِيتِ العَاطِسِ إذا حمد الله تعالى</span>\n[٢٥٤٧] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: عَطَسَ عِندَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلَانِ، فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا وَلَم يُشَمِّت الآخَرَ، فَقَالَ الَّذِي لَم يُشَمِّتهُ: عَطَسَ فُلَانٌ فَشَمَّتَّهُ، وَعَطَستُ أَنَا فَلَم تُشَمِّتنِي؟ قَالَ: إِنَّ هَذَا حَمِدَ اللَّهَ، وَإِنَّكَ لَم تَحمَد اللَّهَ.\nرواه أحمد (٣/ ١٠٠)، والبخاري (٦٢٢٥)، ومسلم (٢٩٩١)، وأبو داود (٥٠٣٩)، والترمذيُّ (٢٧٤٢)، وابن ماجه (٣٧١٣).\n[٢٥٤٨] وعن أبي موسى قال: سمعت النبي ﷺ يَقُولُ: إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُم فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتُوهُ.\nــ\n(٣٤ و٣٥) ومن باب: تشميت العاطس وكظم التثاؤب (١)\n(قوله: إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه) تشميت العاطس: هو الدعاء له بالخير، يقال: شمت العاطس وسمته بالشين والسين: إذا دعا له بالخير. والشين أعلى اللغتين. قاله أبو عبيد. وقال ثعلب: معنى التشميت بالشين: أبعد الله عنك الشماتة. وأصل السين من السمت، وهو القصد والهدى. وقال ابن الأنباري: كل داع بالخير مسمت. وقد اختلف في تشميت العاطس الحامد لله؛ فأوجبه أهل الظاهر على كل من سمعه، للأمر المتقدم، ولقوله ﷺ: إذا عطس أحدكم فحمد الله، كان حقا على كل مسلم يسمعه أن يقول: يرحمك الله (٢).\n_________\n(١) شرح المؤلف -﵀- في المفهم تحت هذا العنوان بابين في التلخيص، وهما: باب: تشميت العاطس، وباب: في التثاؤب وكظمه.\n(٢) رواه البخاري (٦٢٢٦).","vol":"6","page":622},{"text":"وإذا لم يَحْمَد الله فلا تُشَمِّتُوهُ.\n٦٢٣\nرواه مسلم (٢٩٩٢).\nــ\nأخرجه البخاري من حديث أبي هريرة - ﵁ - والمشهور من مذهب مالك ومن اتبعه في جماعة العلماء: أنه فرض على الكفاية، فيجزئ فيه دعاء بعض عن بعض. وذهبت فرقة إلى أنه على الندب، وإليه ذهب القاضي أبو محمد ابن نصر، وتأولوا قوله ﷺ: حق على كل مسلم سمعه أن يشمته: أن ذلك حق في حكم الأدب، ومكارم الأخلاق، كقوله: حق الإبل أن تحلب على الماء (١).\nثم اختلف العلماء في كيفية الحمد والرد لاختلاف الآثار. فقيل: يقول: الحمد لله. وقيل: الحمد لله رب العالمين. وقيل: الحمد لله على كل حال، وخيره الطبري فيما شاء من ذلك، ولا خلاف أنه مأمور بالحمد. وأما المشمت فيقول: يرحمنا الله وإياكم، واختلف في رد العاطس على مشمته، فقيل: يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم. وقيل: يقول: يغفر الله لنا ولكم. وقيل: يرحمنا الله وإياكم، ويغفر لنا ولكم. وقال مالك والشافعي: إن شاء قال: يغفر الله لنا ولكم، وإن شاء قال: يهديكم الله ويصلح بالكم.\nو(قوله: وإن لم يحمد الله فلا تشمته) هذا نهي عن تشميت من لم يحمد الله بعد عطاسه، وأقل درجاته: أن يكون الدعاء له مكروها عقوبة له على غفلته عن نعمة الله عليه في العطاس؛ إذ خرج منه ما احتقن في الدماغ من البخار. قاله بعض شيوخنا، ولا خلاف أعلمه أن من لم يحمد الله لا يشمت، وقد ترك النبي ﷺ تشميت العاطس الذي لم يحمد الله، ونص على أن ترك الحمد هو المانع من ذلك.\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٣٧٨).","vol":"6","page":623},{"text":"[٢٥٤٩] وعن سلمة بن الأكوع أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ عَطَسَ عِندَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: يَرحَمُكَ اللَّهُ. ثُمَّ عَطَسَ أُخرَى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الرَّجُلُ مَزكُومٌ.\nرواه أحمد (٤/ ٤٦)، ومسلم (٢٩٩٣)، وأبو داود (٥٠٣٧)، والترمذي (٢٧٤٣).\n* * *\nــ\nوقوله في حديث البخاري: كان حقا على كل من سمعه أن يشمته) يدل على أن العاطس ينبغي له أن يسمع صوته لحاضريه، وينبغي لكل من سمعه أن يشمته، بحيث يسمع من يليه، وينبغي لمن لم يسمع العاطس وسمع المشمت، أن يشمت العاطس إذا حصل له أن ذلك تشميت له.\nوالأظهر من الأحاديث المتقدمة وجوب التشميت على كل من سمعه إذا حمد الله، وهو مذهب أهل الظاهر، وهي رواية عن مالك.\nو(قول سلمة بن الأكوع: أن النبي ﷺ عطس عنده رجل فقال له: يرحمك الله ثم عطس أخرى، فقال رسول الله ﷺ: الرجل مزكوم) هكذا وقع هذا الحديث في كتاب مسلم: أنه ﷺ قال للرجل: إنك مزكوم. وهو الصحيح في الثانية، وقد خرجه الترمذي (١)، وقال في الثالثة: أنت مزكوم. والصحيح في الرواية، وقد جاء في كتاب أبي داود وغيره الأمر بذلك مبينا: شمت أخاك ثلاثا، فما زاد فهو مزكوم (٢) وبذلك قال مالك، وإن كان قد روى في موطئه الشك في الثالثة أو الرابعة.\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٤٧٣).\n(٢) رواه أبو داود (٥٠٣٤).","vol":"6","page":624},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-957>(٣٥) باب في التثاؤب وكظمه</span>\n[٢٥٥٠] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: التَّثَاؤُبُ مِن الشَّيطَانِ،\nــ\nتنبيه: ينبغي للعاطس تغطية وجهه في حال عطاسه، وأن يخفض صوته به؛ لأن النبي ﷺ كذلك كان يفعل، ولأن تغطية الوجه ستر لما يغير العطاس من الوجه والهيئة، ولأن إعلاء الصوت عندها مباعد للأدب والوقار (١).\nو(قوله: التثاؤب من الشيطان) التثاؤب: مصدر تثاءب مهموزا ممدودا، ولا يقال بالواو، ومضارعه: يتثاءب، والاسم: الثُّؤَباء، كل ذلك بالهمز. قال ابن دريد: أصله من: ثاب الرجل، فهو مثوب: إذا استرخى وكسل، ونسبته للشيطان، لأنَّه يصدر عن تكسيله، فإنَّه قل أن يصدر ذلك مع النشاط. وقيل: نسب إليه؛ لأنَّه يرتضيه.\nوفي البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: إن الله يحب العطاس، ويكره التثاؤب، فإذا عطس أحدكم. . . الحديث (٢)، كما تقدم. قال: وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع، فإنَّ أحدكم إذا تثاءب ضحك الشيطان منه. وهذا يشعر بصحَّة التأويل الثاني، فإنَّ ضحك الشيطان منه سخرية به، لأنَّه صدر عنه التثاؤب الذي يكون عن الكسل، وذلك كله يرضيه، لأنَّه يجد به طريقا إلى التكسيل عن الخيرات والعبادات، ولذلك جاء في بعض طرق هذا الحديث: التثاؤب في الصلاة من الشيطان (٣)، لأنَّ ذلك يدل\n_________\n(١) ولثلا يتناثر منه شيءٌ بسبب العطاس فيؤذي مَن حوله.\n(٢) رواه البخاري (٦٢٢٣).\n(٣) رواه الترمذي (٣٧٠).","vol":"6","page":625},{"text":"فَإِن تَثَاءَبَ أَحَدُكُم فَليَكظِم مَا استَطَاعَ.\nرواه أحمد (٢/ ٥١٦)، ومسلم (٢٩٩٤) (٥٦)، والترمذيّ (٣٧٠).\n[٢٥٥١] وعن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِذَا تَثَاءبَ أَحَدُكُم فَليُمسِك بِيَدِهِ عَلَى فِيهِ، فَإِنَّ الشَّيطَانَ يَدخُلُ.\nوفي رواية: إِذَا تَثَاءبَ أَحَدُكُم فِي الصَّلَاةِ فَليَكظِم مَا استَطَاعَ، فَإِنَّ الشَّيطَانَ يَدخُلُ.\nرواه أحمد (٣/ ٩٦)، ومسلم (٢٩٩٥) (٥٧ و٥٩)، وأبو داود (٥٠٢٦ و٥٠٢٧).\n* * *\nــ\nعلى كسله فيها وعدم نشاطه، فتثقل عليه، فيملها، فيستعجل فيها، أو يخل بها.\nو(قوله: فليكظم ما استطاع) هذا خطاب لمن غلبه ذلك، فإنَّه يكسره بسد فاه ما أمكن، أو بوضع يده على فمه. وأما من أحس بمباديه فهو المخاطب في حديث البخاري بقوله: فليرده، ويحتمل أن يكون اللفظان بمعنى واحد.\nو(قوله: فإنَّ الشيطان يدخل) يعني في الفم إذا لم يكظم. ويحصل من هذه الرواية، ومن حديث البخاري: أن من لم يكظم تثاؤبه ضحك الشيطان منه، ودخل في فمه، وقيل: إنه يتقيأ في فمه. قال القاضي: ولهذا أمر المتثائب بالتفل ليطرح ما ألقى الشيطان في فمه. وكل هذا يشعر بكراهة التثاؤب، وكراهة حالة المتثائب إذا لم يكظم، وأوامر هذا الباب من باب الإرشاد إلى محاسن الأحوال، ومكارم الآداب.\n* * *","vol":"6","page":626},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-958>(٣٦) باب كراهية المدح وفي حثو التراب في وجوه المداحين</span>\n[٢٥٥٢] عن أبي بكر، عن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ ذُكِرَ عِندَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا مِن رَجُلٍ بَعدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَفضَلُ مِنهُ فِي كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَيحَكَ، قَطَعتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ - مِرَارًا يَقُولُ ذَلِكَ-،\nــ\n(٣٦) ومن باب: كراهة المدح\nقوله: ويحك! قطعت عنق صاحبك، وفي حديث أبي موسى: قطعتم ظهر الرجل) كل ذلك بمعنى أهلكتموه. وقد جاء عنه ﷺ أنَّه قال: إياكم والمدح؛ فإنَّه الذبح (١). ويعني بذلك كله أن الممدوح إذا أكثر عليه من ذلك يُخاف عليه منه العجب بنفسه، والكبر على غيره، فيهلك دينه بهاتين الكبيرتين، فإذًا المدح مظنة الهلاك الديني، فيحرم، لكن هذه المظنة لا تتحقق إلا عند الإكثار منه، والإطراء به، وأما مع الندرة والقلة؛ فلا يكون مظنة، فيجوز ذلك إذا كان حقا في نفسه، ولم يقصد به الإطراء، وأمن على الممدوح الاغترار به. وعلى هذا يحمل ما وقع للصحابة - ﵃ - من مدح بعضهم لبعض مشافهة ومكاتبة. وقد مدح النبي ﷺ مشافهة نظما ونثرا، ومدح هو أيضًا جماعة من أعيان أصحابه مشافهة، لكن ذلك كله إنما جاز لما صحت المقاصد، وأمنت الآفات المذكورة.\nو(قوله: إن كان أحدكم مادحا أخاه لا محالة، فليقل: أحسب فلانا؛ إن كان يرى أنه كذلك) ظاهر هذا أنه لا ينبغي للإنسان أن يمدح أحدا ما وجد من ذلك مندوحة، فإن لم يجد بدا مدح لما يعلمه من أوصافه، وبما يظنه، ويتحرز من\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ٩٩).","vol":"6","page":627},{"text":"ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِن كَانَ أَحَدُكُم مَادِحًا أَخَاهُ لَا مَحَالَةَ فَليَقُل: أَحسِبُ فُلَانًا إِن كَانَ يُرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا.\nرواه أحمد (٥/ ٤٦)، والبخاري (٢٦٦٢)، ومسلم (٣٠٠٠) (٦٥ و٦٦)، وأبو داود (٤٨٠٥).\n[٢٥٥٣] وعَن أَبِي مُوسَى قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يُثنِي عَلَى رَجُلٍ وَيُطرِيهِ فِي المِدحَةِ، فَقَالَ: لَقَد أَهلَكتُم - أَو قَطَعتُم - ظَهرَ الرَّجُلِ.\nرواه أحمد (٤/ ٤١٢)، ومسلم (٣٠٠١).\n[٢٥٥٤] وعَن هَمَّامِ بنِ الحَارِثِ: أَنَّ رَجُلًا جَعَلَ يَمدَحُ عُثمَانَ، فَعَمِدَ المِقدَادُ فَجَثَا عَلَى رُكبَتَيهِ - وَكَانَ رَجُلًا ضَخمًا - فَجَعَلَ يَحثُو فِي وَجهِهِ الحَصبَاءَ. فَقَالَ لَهُ عُثمَانُ: مَا شَأنُكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا رَأَيتُم المَدَّاحِينَ فَاحثُوا فِي وُجُوهِهِم التُّرَابَ.\nرواه أحمد (٦/ ٥)، ومسلم (٣٠٠٢) (٦٩).\n* * *\nــ\nالجزم والقطع بشيء من ذلك، بل يتحرز بأن يقول: فيما أحسب أو أظن، ويزيد على ذلك: ولا أزكي على الله أحدا، أي: لا أقطع بأنه كذلك عند الله؛ فإنَّ الله تعالى هو المطلع على السرائر، العالم بعواقب الأمور.\nو(قول همام: إن رجلا جعل يمدح عثمان، فجعل المقداد يحثو في وجهه الحصباء) كأن هذا الرجل أكثر من المدح حتى صدق عليه أنه مداح، ولذلك عمل المقداد بظاهر ذلك الحديث، فحثا في وجهه التراب، ولعل هذا الرجل كان ممن اتخذ المدح عادة وحرفة، فصدق عليه: مداح، وإلا فلا يصدق ذلك على من مدح","vol":"6","page":628},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمرة أو مرتين، أو شيئا أو شيئين. وقد بين الصحابي بفعله: أن مراد النبي (١) من هذا الحديث: حمله على ظاهره، فعاقب المداحَ برمي التراب في وجهه، وهو أقعد بالحال، وأعلم بالمقال. وقد تأوله غير ذلك الصحابي تأويلات، لأنَّه رأى أن ظاهره جفاء، والنبي ﷺ لا يأمر بالجفاء. فقيل: إن معناه: خيبوهم، ولا تعطوهم شيئًا، لأنَّ من أُعطي التراب لم يعط شيئًا، كما قد جاء في الحديث الآخر: إذا جاء صاحب الكلب يطلب ثمنه فاملأ كفه ترابا (٢) أي: خيبة، ولا تُعطه شيئا. وقيل: إن معناه: أعطه ولا تبخل عليه؛ فإنَّ مآل كل ما يعطى إلى التراب. كما قال (٣):\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وكل الذي فوق التراب تراب (٤)\nوقيل: معناه: التنبيه للممدوح على أن يتذكر أن المبدأ والمنتهى التراب، فليعرضه على نفسه لئلا يعجب بالمدح، وعلى المداح، لئلا يفرط ويطري بالمدح، وأشبَهُ المحامِلِ بعد المحمل الظاهر الوجه الأول، وما بعده ليس عليه معول.\n* * *\n_________\n(١) في (ع): الشرع.\n(٢) رواه أحمد (١/ ٢٨٩).\n(٣) القائل هو: أبو فراس الحمداني.\n(٤) هذا عجز بيت، وصدره: إذا صحَّ منك الودُّ فالكلُّ هيِّنٌ.","vol":"6","page":629},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-959>(٣٧) باب ما جاء أن أمر المسلم كله له خير ولا يلدغ من جحر مرتين</span>\n[٢٥٥٥] عَن صُهَيبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: عَجَبًا لِأَمرِ المُؤمِنِ، إِنَّ أَمرَهُ كُلَّهُ له خَيرٌ، وَلَيسَ ذَلكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلمُؤمِنِ، إِن أَصَابَتهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيرًا لَهُ، وَإِن أَصَابَتهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ وكَانَ خَيرًا لَهُ.\nرواه أحمد (٤/ ٣٣٢)، ومسلم (٢٩٩٩).\nــ\n(٣٧) ومن باب ما جاء أن أمر المؤمن كله له خير، ولا يلدغ من جحر مرتين (١)\n(قوله: عجبا لأمر المؤمن؛ إن أمره كله له خير) المؤمن هنا هو العالم بالله، الراضي بأحكامه، العامل على تصديق موعوده، وذلك أن المؤمن المذكور إما أن يبتلى بما يضره، أو بما يسره، فإن كان الأول صبر واحتسب ورضي، فحصل على خير الدنيا والآخرة وراحتهما، وإن كان الثاني، عرف نعمة الله عليه ومنته فيها، فشكرها وعمل بها، فحصل على نعيم الدنيا ونعيم الآخرة.\nو(قوله: وليس ذلك إلا للمؤمن) أي المؤمن الموصوف بما ذكرته؛ لأنه إن لم يكن كذلك لم يصبر على المصيبة ولم يحتسبها، بل يتضجر ويتسخط، فينضاف إلى مصيبته الدنيوية مصيبته في دينه، وكذلك لا يعرف النعمة ولا يقوم بحقها ولا يشكرها، فتنقلب النعمة نقمة والحسنة سيئة - نعوذ بالله من ذلك -.\n_________\n(١) هذا العنوان لم يرد في نسخ المفهم جميعها، واستدركناه من التلخيص.","vol":"6","page":630},{"text":"[٢٥٥٦] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا يُلدَغُ المُؤمِنُ مِن جُحرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَينِ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٧٩)، والبخاري (٦١٣٣)، ومسلم (٢٩٩٨)، وأبو داود (٤٨٦٢)، وابن ماجه (٣٩٨٢).\n* * *\nــ\nو(قوله ﷺ: لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين) هذا مثل صحيح، وقول بليغ ابتكره النبي ﷺ من فوره، ولم يُسمع من غيره، وذلك أن السبب الذي أصدره عنه هو: أن أبا عزيز بن عمير، الشاعر، أخا مصعب بن عمير، كان يهجو النبي ﷺ ويؤذيه، ويؤذي المسلمين. فأمكن الله تعالى منه يوم بدر. فأُخذ أسيرا، وجيء به إلى النبي ﷺ فسأله أن يمن عليه، ولا يعود لشيء مما كان يفعله، فمنّ النبي ﷺ عليه فأطلقه، فرجع إلى مكة، وعاد إلى أشد مما كان عليه، فلما كان يوم أحد، أمكن الله منه، فأسر، فأُحضر بين يدي النبي ﷺ فسأله أن يمُن عليه، فقال له النبي ﷺ: لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين، والله لا تمسح عارضيك بمكة أبدا. فأمر بقتله.\nوأصل هذا المثل أن الذي يُلدغ من جحر لا يعيد يده إليه أبدا، إذا كان فطنا حذرا، بل ولا لما يشبهه، فكذلك المؤمن لكياسته، وفطانته وحذره، إذا وقع في شيء مما يضره في دينه أو دنياه، لا يعود إليه. والرواية المعروفة: لا يلدغ بضم الغين، وكذلك قرأته على الخبر، وهو الذي يشهد له سبب الخبر ومساقه، وقد قيده بعضهم بسكون الغين على النهي، وفيه بُعد.\n* * *","vol":"6","page":631},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-960>(٣٨) باب اشفعوا تؤجروا ومثل الجليس الصالح والسيئ</span>\n[٢٥٥٧] عَن أَبِي مُوسَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَتَاهُ طَالِبُ حَاجَةٍ أَقبَلَ عَلَى جُلَسَائِهِ فَقَالَ: اشفَعُوا تُؤجَرُوا، وَليَقضِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا أَحَبَّ.\nرواه أحمد (٤/ ٤١٣)، والبخاريُّ (١٤٣٢)، ومسلم (٢٦٢٧)، وأبو داود (٥١٣١)، والترمذيُّ (٢٦٧٤)، والنسائي (٥/ ٧٨).\nــ\n(٣٨) ومن باب: اشفعوا إلي تؤجروا\n(قوله: كان رسول الله ﷺ إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال: اشفعوا تؤجروا) كذا وقع هذا اللفظ تؤجروا بغير فاء ولا لام، وهو مجزوم على جواب الأمر المضمن معنى الشرط، ومعناه واضح لا إشكال فيه، وقد روي فلتؤجروا بفاء ولام، وهكذا وجدته في أصل شيخنا أبي الصبر أيوب، وينبغي أن تكون هذه اللام مكسورة، لأنَّها لام كي، وتكون الفاء زائدة، كما زيدت في قوله ﷺ: قوموا فلأصلي لكم (١) في بعض رواياته، وقد تقدم قول من قال: إن الفاء قد تأتي زائدة، ويكون معنى الحديث: اشفعوا لكي تؤجروا، ويحتمل أن يقال: إنها لام الأمر، ويكون المأمور به التعرض للأجر بالاستشفاع؛ فكأنه قال: استشفعوا وتعرضوا بذلك للأجر، وعلى هذا فيجوز كسر هذه اللام على أصل لام الأمر، ويجوز تخفيفها بالسكون لأجل حركة الحرف الذي قبلها.\nو(قوله: وليقض الله على لسان نبيه ما أحب) هكذا صحت الرواية هنا\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ١٣١)، والبخاري (٣٨٠)، ومسلم (٦٥٨)، وأبو داود (٦١٢)، والترمذي (٢٣٤)، والنسائي (٢/ ٨٥، ٨٦).","vol":"6","page":632},{"text":"[٢٥٥٨] وعنه؛ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّمَا مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وجَلِيسِ السَّوءِ كَحَامِلِ المِسكِ، وَنَافِخِ الكِيرِ،\nــ\nوليقض، باللام، وجزم الفعل بها، ولا يصح أن تكون لام كي، كذلك، ولا يصح أيضًا أن تكون لام الأمر، لأنَّ الله تعالى لا يؤمر. وكأن هذه الصيغة وقعت موقع الخبر كما قد جاء في بعض نسخ مسلم: ويقضي الله: على الخبر بالفعل المضارع، ومعناه واضح، وهذه الشفاعة المذكورة في الحديث هي في الحوائج والرغبات للسلطان وذوي الأمر والجاه، كما شهد به صدر الحديث ومساقه، ولا يخفى ما فيها من الأجر والثواب، لأنَّها من باب صنائع المعروف وكشف الكرب ومعونة الضعيف؛ إذ ليس كل أحد يقدر على الوصول إلى السلطان وذوي الأمر، ولذلك كان النبي ﷺ يقول - مع تواضعه وقربه من الصغير والكبير (١)، إذ كان لا يحتجب ولا يحجب -: أبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغها (٢) وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿مَن يَشفَع شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَهُ نَصِيبٌ مِنهَا﴾. قال القاضي: ويدخل في عموم الحديث الشفاعة للمذنبين، فيما لا حد فيه عند السلطان وغيره، وله قبول الشفاعة فيه والعفو عنه إذا رأى ذلك كله، كما له العفو عن ذلك ابتداء. وهذا فيمن كانت منه الزلة والفلتة، وفي أهل الستر والعفاف. وأما المصرون على فسادهم، المستهترون في باطلهم، فلا تجوز الشفاعة لأمثالهم، ولا ترك السلطان عقوبتهم؛ ليزدجروا عن ذلك وليرتدع غيرهم بما يفعل بهم. وقد جاء الوعيد بالشفاعة في الحدود.\nو(قوله: إنما مثل جليس الصالح وجليس السوء) كذا وقع في بعض النسخ، وهو من باب إضافة الشيء إلى صفته، ووقع في بعضها: الجليس الصالح والجليس السوء وهو الأفصح والأحسن، ثم قال بعد هذا: كحامل\n_________\n(١) في (ز): والضعيف.\n(٢) رواه الطبراني والبيهقي كما في: كشف الخفاء (١/ ٤٣)، وفيض القدير (١/ ٨٣).","vol":"6","page":633},{"text":"فَحَامِلُ المِسكِ إِمَّا أَن يُحذِيَكَ، وَإِمَّا أَن تَبتَاعَ مِنهُ، وَإِمَّا أَن تَجِدَ مِنهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ إِمَّا أَن يُحرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَن تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً.\nرواه أحمد (٤/ ٤٠٨)، والبخاريُّ (٢١٠١)، ومسلم (٢٦٢٨).\n* * *\nــ\nالمسك ونافخ الكير هذا نحو مما يسميه أهل الأدب لف الخبرين، وهو نحو قول امرئ القيس:\nكأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وَكرها العناب والحشف البالي\nفكأنه قال: قلوب الطير رطبا العناب، ويابسا الحشف، ومقصود هذا التمثيل الحض على صحبة العلماء والفضلاء وأهل الدين، وهو الذي يزيدك نطقه علما وفعله أدبا ونظره خشية، والزجر عن مخالطة من هو على نقيض ذلك.\nو(قوله: فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه) تطابقت الأخبار واستفاضت على أن المسك يجتمع في غدة حيوان، هو الغزال، أو يشبهه، فيتعفن في تلك الغدة، حتى تيبس وتسقط، فتؤخذ تلك الغدة كالجليدات المحشوة، وتلك الجلدة هي المسماة بفأرة المسك، والجمهور من علماء الخلف والسلف على طهارة المسك وفأرته، وعلى ذلك يدل استعمال النبي ﷺ له وثناؤه عليه، وإجازة بيعه، كما دل عليه هذا الحديث، ومن المعلوم بالعادة المستمرة بين العرب والعجم استعماله واستطابة ريحه، واستحسانه في الجاهلية والإسلام، ولا يستقذره أحد من العقلاء ولا ينهى عن استعماله أحد من العلماء، حتى قال القاضي أبو الفضل: نقل بعض أئمتنا الإجماع على طهارته، غير أنه قد ذكر عن العمرين كراهيته، ولا يصح ذلك، فإن عمر ﵁ قد قسم ما غنم منه بالمدينة، وقال أبو عبد الله المازري: وقال قوم بنجاسته، ولم يعينهم. والصحيح القول","vol":"6","page":634},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nبطهارته، وإن لم يكن مجمعا عليه؛ للأحاديث الصحيحة، الدالة على ذلك؛ إذ قد كان النبي ﷺ كثيرا ما يستعمله، حتى إنه كان يخرج، ووبيص المسك في مفرقه، كما قالت عائشة -﵂ (١) - وقد تقدم قوله: أطيب الطيب المسك (٢)، وغير ذلك. وقد قلنا: إن أهل الأعصار الكريمة مطبقون على استطابته واستعماله؛ فإن قيل: كيف لا يكون نجسا وقد قلتم: إنه دم، والدم نجس في أصله بالإجماع، وإنما يعفى عن اليسير منه لتعذر التحرز منه على ما هو مفصل في الفقه؟ فالجواب: إنا وإن سلمنا أن أصل المسك الدم، فلا نسلم أنه بقي على أصل الدموية، فإنَّ الدم إذا تعفن تغير لونه ورائحته إلى ما يستقذر ويستخبث، فاستحال إلى فساد، وليس كذلك المسك؛ فإنَّه قد استحال إلى صلاح يستطاب ويستحسن، ويفضل على أنواع كل الطيب، وهذا كاستحالة الدم لبنا وبيضا، وإن شئت حررت فيه قياسا فقهيا فقلت: مائع له مقر يستحيل فيه إلى صلاح، ويكون طاهرا كاللبن والبيض. وتكميل هذا القياس في مسائل الخلاف.\nو(قوله: إما أن يحذيك) هو بضم الياء رباعيا من: أحذيته: إذا أعطيته، وفي الصحاح: أحذيته نعلا: إذا أعطيته نعلا، تقول منه: استحذيته فأحذاني، وأحذيته من الغنيمة: إذا أعطيته منها، والاسم: الحذيا. والكير: منفخ الحداد. والكور: المبنى الذي يُنفخ فيه على النار والحديد. ويجوز أن يعبر بالكير عن الكور.\n* * *\n_________\n(١) رواه أحمد (٦/ ٤١)، والبخاري (٢٧١)، ومسلم (١١٩٠).\n(٢) رواه أحمد (٣/ ٣١ و٤٧)، ومسلم (٢٢٥٢)، والترمذي (٩٩١)، والنسائي (٤/ ٣٩).","vol":"6","page":635},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-961>(٣٩) باب ثواب من ابتلي بشيء من البنات وأحسن إليهن</span>\n[٢٥٥٩] عن عائشة، قَالَت: جَاءَتنِي امرَأَةٌ، وَمَعَهَا ابنَتَانِ لَهَا، فَسَأَلَتنِي، فَلَم تَجِد عِندِي شَيئًا غَيرَ تَمرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَعطَيتُهَا إِيَّاهَا، فَأَخَذَتهَا فَقَسَمَتهَا بَينَ ابنَتَيهَا وَلَم تَأكُل مِنهَا شَيئًا، ثُمَّ قَامَت فَخَرَجَت وَابنَتَاهَا، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ، فَحَدَّثتُهُ حَدِيثَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَن ابتُلِيَ مِن البَنَاتِ بِشَيءٍ، فَأَحسَنَ إِلَيهِنَّ، كُنَّ لَهُ سِترًا مِن النَّارِ.\nــ\n(٣٩) ومن باب: ثواب القيام على البنات والإحسان إليهن\n(قوله: من ابتلي بشيء من البنات فأحسن إليهن كن له سترا من النار) ابتلي: امتحن واختبر. وأحسن إليهن: صانهن وقام بما يصلحهن، ونظر في أصلح الأحوال لهن، فمن فعل ذلك، وقصد به وجه الله تعالى، عافاه الله تعالى من النار، وباعده منها، وهو المعبر عنه بالستر من النار. ولا شك في أن من لم يدخل النار دخل الجنة، وقد دل على ذلك قوله في الرواية الأخرى في المرأة التي قسمت التمرة بين بنتيها: إن الله قد أوجب لها الجنة وأعاذها من النار.\nو(قوله: بشيء من البنات) يفيد بحكم عمومه: أن الستر من النار يحصل بالإحسان إلى واحدة من البنات، فأمَّا إذا عال زيادة على الواحدة فيحصل له زيادة على الستر من النار السبق مع رسول الله - ﷺ - إلى الجنة، كما جاء في الحديث الآخر، وهو قوله: من عال جاريتين حتى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو. وضم بين أصابعه.\nومعنى: من عال جاريتين حتى تبلغا: قام عليهما بما يصلحهما ويحفظهما. يقال منه: عال الرجل عياله، يعولهم، عولا وعيالة، ويقال: علته شهرا: إذا كفيته معاشه. ويعني ببلوغهما وصولهما إلى حال يستقلان بأنفسهما، وذلك إنما يكون في النساء، إلى أن يدخل بهن أزواجهن، ولا يعني ببلوغها إلى أن","vol":"6","page":636},{"text":"وفي رواية: فَأَطعَمتُهَما ثَلَاثَ تَمَرَاتٍ، فَأَعطَت كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنهُمَا تَمرَةً، وَرَفَعَت إِلَى فِيهَا تَمرَةً لِتَأكُلَهَا، فَاستَطعَمَتهَا ابنَتَاهَا، فَشَقَّت التَّمرَةَ الَّتِي كَانَت تُرِيدُ أَن تَأكُلَهَا بَينَهُمَا، فَأَعجَبَنِي شَأنُهَا، فَذَكَرتُ الَّذِي صَنَعَت لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَد أَوجَبَ لَهَا بِهَا الجَنَّةَ، أَو أَعتَقَهَا بِهَا مِن النَّارِ.\nرواه أحمد (٦/ ٣٣ و٩٢)، والبخاريُّ (١٤١٨)، ومسلم (٢٦٢٩)، والترمذيُّ (١٩١٣)، وابن ماجه (٣٦٦٨).\n[٢٥٦٠] وعَن أَنَس، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن عَالَ جَارِيَتَينِ حَتَّى تَبلُغَا جَاءَ يَومَ القِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ - وَضَمَّ أَصَابِعَهُ.\nرواه أحمد (٣/ ١٤٧ - ١٤٨)، ومسلم (٢٦٣١)، والترمذيُّ (١٩١٤).\n* * *\nــ\nتحيض وتكلف، إذ قد تتزوج قبل ذلك فتستغني بالزوج عن قيام الكافل، وقد تحيض وهي غير مستقلة بشيء من مصالحها، ولو تركت لضاعت، وفسدت أحوالها. بل هي في هذه الحال أحق بالصيانة والقيام عليها لتكمل صيانتها فيرغب في تزويجها، ولهذا المعنى قال علماؤنا: لا تسقط النفقة عن والد الصبية بنفس بلوغها، بل بدخول الزوج بها.\n* * *","vol":"6","page":637},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-962>(٤٠) باب من يموت له شيء من الولد فيحتسبهم</span>\n[٢٥٦٠] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا يَمُوتُ لِأَحَدٍ مِن المُسلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِن الوَلَدِ، فَتَمَسَّهُ النَّارُ إِلَّا تَحِلَّةَ القَسَمِ.\nــ\n(٤٠) ومن باب: من يموت له شيء من الولد فيحتسبهم (١)\n(قوله: لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار. . .) الولد: يقال على الذكر والأنثى بخلاف الابن، فإنَّه يقال على الذكر: ابن، وعلى الأنثى: ابنة، وقد تقيد مطلق هذه الرواية، بقوله في الرواية الأخرى: لم يبلغوا الحنث كما تقيد مطلق حديث أبي هريرة بحديث أبي النضر السلمي؛ فإنَّه قال فيه: لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فيحتسبهم. فقوله: لم يبلغوا الحنث أي: التكليف. والحنث: الإثم. وإنما خصه بهذا الحد، لأنَّ الصغير حبه أشد، والشفقة عليه أعظم، وقيده بالاحتساب لما قررناه غير مرة: أن الأجور على المصائب لا تحصل إلا بالصبر والاحتساب، وإنما خص الولد بثلاثة، لأنَّ الثلاثة أول مراتب الكثرة، فتعظم المصائب، فتكثر الأجور؛ فأمَّا إذا زاد على الثلاثة فقد يخف أمر المصيبة الزائدة لأنها كأنها صارت عادة وديدنا، كما قال المتنبي:\nأنكرت طارقة الحوادث مرة ... ثمَّ اعترفت بها فصارت ديدنا\nوقال آخر:\nروعت بالبين حتى ما أراع له ... وبالمصائب في أهلي وجيراني\nويحتمل أن يقال: إنما لم يذكر ما بعد الثلاثة، لأنَّه من باب الأحرى والأولى؛ إذ من المعلوم أن من كثرت مصائبه كثر ثوابه، فاكتفي بذلك عن ذكره،\n_________\n(١) هذا العنوان ليس في نسخ المفهم، واستدركناه من التلخيص.","vol":"6","page":638},{"text":"وفي رواية: لم يبلغوا الحنث إلا تحلة القسم.\nرواه أحمد (٢/ ٢٣٩)، والبخاري (١٢٥١)، ومسلم (٢٦٣٢) (١٥٠) و(٢٦٣٤)، والترمذيّ (١٠٦٠)، والنسائي (٤/ ٢٥)، وابن ماجه (١٦٠٣).\nــ\nوالله تعالى أعلم.\nوقد استشكل بعض الناس قوله ﷺ: لا يموت لإحداكن ثلاثة من الولد إلا كانوا لها حجابا من النار. ثم لما سئل عن اثنين، قال: واثنين. ووجهه: أنه إذا كان حكم الاثنين حكم الثلاثة، فلا فائدة لذكر الثلاثة أولا، وهذا إنما يصدر عمن يعتقد أن دلالة المفهوم نص كدلالة المنطوق (*)، وليس الأمر كذلك، بل هي عند القائلين بها من أضعف جهات دلالات الألفاظ، وسائر وجوه الدلالات مرجحة عليها، كما بيناه في الأصول، هذا إن قلنا: إن أسماء الأعداد لها مفهوم؛ فإنَّه قد اختلف في ذلك القائلون بالمفهوم، وألحقوا هذا النوع باللقب الذي لا مفهوم له باتفاق المحققين، ثم إن الرافع لهذا الإشكال أن يقال: إن الثواب على الأعمال إنما يُعلم بالوحي، فيكون الله تعالى قد أوحى إلى نبيه بذلك في الثلاثة، ثم إنه لما سئل عن الاثنين أوحى الله إليه في الاثنين بمثل ما أوحى إليه بالثلاثة، ولو سئل عن الواحد لأجاب بمثل ذلك كما قد دلت عليه الأحاديث المذكورة في ذلك، ويحتمل أن يقال: إن ذلك بحسب شدة وجد الوالدة، وقوة صبرها، فقد لا يبعد أن تكون من فقدت واحدا أو اثنين أشد ممن فقدت ثلاثة أو مساوية لها، فتلحق بها في درجتها، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: إلا تحلة القسم) أي: ما يحلل به القسم، وهو اليمين. وقد اختلف في هذا القسم، هل هو قسم معين، أم لا؟ فالجمهور على أنه قسم بعينه، فمنهم من قال: هو قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحشُرَنَّهُم وَالشَّيَاطِينَ﴾ وقيل: هو قوله: ﴿وَإِن مِنكُم إِلا وَارِدُهَا﴾ وقيل: هو قوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتمًا مَقضِيًّا﴾، أي: قسما واجبا؛ كذلك فسره ابن مسعود\n_________\n(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: في النسخة المصورة [المنظوم]، وصححت بخط اليد فوقها إلى [المنطوق]","vol":"6","page":639},{"text":"[٢٥٦٢] وعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ قَالَ: جَاءَت امرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ الرِّجَالُ بِحَدِيثِكَ، فَاجعَل لَنَا مِن نَفسِكَ يَومًا نَأتِيكَ فِيهِ، تُعَلِّمُنَا مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ. قَالَ: اجتَمِعنَ يَومَ كَذَا وَكَذَا، فَاجتَمَعنَ، فَأَتَاهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَعَلَّمَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: مَا مِنكُنَّ مِن امرَأَةٍ تُقَدِّمُ بَينَ يَدَيهَا مِن وَلَدِهَا ثَلَاثَةً إِلَّا كَانُوا لَهَا حِجَابًا مِن النَّارِ. فَقَالَت امرَأَةٌ منهن: وَاثنَينِ، وَاثنَينِ، وَاثنَينِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَاثنَينِ، وَاثنَينِ، وَاثنَينِ.\nرواه أحمد (٣/ ٣٤)، والبخاريُّ (١٠١)، ومسلم (٢٦٣٣).\n[٢٥٦٣] وعَن أَبِي حَسَّانَ قَالَ: قُلتُ لِأَبِي هُرَيرَةَ: قَد مَاتَ لِيَ ابنَانِ، فَمَا أَنتَ مُحَدِّثِي عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِحَدِيثٍ تُطَيِّبُ أَنفُسَنَا عَن مَوتَانَا؟\nــ\nوالحسن. وأما من قال: لم يعين به قسم بعينه، فهو ابن قتيبة. قال: معناه: التقليل لأمر ورودها. وتحلة القسم: تستعمل في هذا في كلام العرب، وقيل: معناه: لا تمسه النار قليلا، ولا تحلة القسم، كما قيل في قوله:\nوكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان\nأي: والفرقدان، على أحد الأقوال فيه.\nقلت: والأشبه: قول أبي عبيد، ولبيان وجه ذلك موضع آخر.\nو(قوله ﷺ للنساء: اجتمعن في يوم كذا) يدلّ على أن الإمام ينبغي له أن يعلم النساء ما يحتجن إليه من أمر أديانهن، وأن يخصهن بيوم مخصوص لذلك، لكن في المسجد أو فيما كان في معناه، حتى تؤمن الخلوة بهن، فإن تمكن الإمام من ذلك بنفسه فعل، وإلا استنهض الإمام شيخا يوثق بعلمه ودينه لذلك، حتى يقوم بهذه الوظيفة، وفي هذا الحديث ما يدل على فضل نساء ذلك الوقت، وما كانوا","vol":"6","page":640},{"text":"قَالَ: نَعَم، صِغَارُهُم دَعَامِيصُ الجَنَّةِ، فيَلَقَّى أَحَدُهُم أَبَاهُ، أَو قَالَ: أَبَوَيهِ، فَيَأخُذُ بِثَوبِهِ. أَو قَالَ: بِيَدِهِ، كَمَا آخُذُ أَنَا بِصَنِفَةِ ثَوبِكَ هَذَا،\nــ\nعليه من الحرص على العلم والحديث عن رسول الله ﷺ، وكما قالت عائشة - ﵂ -: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين (١).\nو(قوله: صغارهم دعاميص الجنة) هي جمع دعموص، وهو دويبة تغوص في الماء، والجمع دعاميص، ودعامص. قال الأعشى:\nفما ذنبنا إن جاش بحر ابن عمكم ... وبحرك ساج لا يواري الدعامصا\nودعيميص الرمل: اسم رجل كان داهيا، يضرب به المثل؛ يقال: هو دعيميص هذا الأمر؛ أي: عالم به.\nقلت: هذا الذي وجدته في كتب اللغة، وأصحاب الغريب: أن الدعموص دويبة تغوص في الماء، ولا يليق هذا المعنى بالدعاميص المذكورين في هذا الحديث؛ إلا على معنى تشبيه صغار الجنة بتلك الدويبة في صغرها، أو في غوصهم في نعيم الجنة، وكل ذلك فيه بُعد. وقد سمعت من بعض من لقيته: أن الدعموص يراد به الآذن على الملك، المتصرف بين يديه. وأنشد لأمية بن أبي الصلت:\nدعموص أبواب الملو ... ك وجائب للخرق فاتح\nقلت: وهذا يناسب ما ذكره في هذا الحديث.\nو(قوله: كما آخذ أنا بصنفة ثوبك) هو بكسر النون. قال الجوهري: صنفة الإزار - بكسر النون -: طرته، وهو جانبه الذي لا هدب له، ويقال: هي حاشية\n_________\n(١) رواه مسلم (٣٣٢) (٦١).","vol":"6","page":641},{"text":"فَلَا يَتَنَاهَى، أَو قَالَ: فَلَا يَنتَهِي، حَتَّى يُدخِلَهُ اللَّهُ وَأَبَويه الجَنَّةَ.\nرواه مسلم (٢٦٣٥).\n[٢٥٦٤] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: أَتَت امرَأَةٌ النَّبِيَّ ﷺ بِصَبِيٍّ لَهَا فَقَالَت: يَا نَبِيَّ اللَّهِ ادعُ اللَّهَ لَهُ، فَلَقَد دَفَنتُ ثَلَاثَةً! قَالَ: دَفَنتِ ثَلَاثَةً؟ ! قَالَت: نَعَم. قَالَ: لَقَد احتَظَرتِ بِحِظَارٍ شَدِيدٍ مِن النَّارِ.\nرواه مسلم (٢٦٣٦) (١٥٥).\n* * *\nــ\nالثوب أي جانب كان، وقال غيره: صنفة الثوب وصنيفته: طرفه.\nو(قوله: فلا يتناهى، أو قال: ينتهي حتى يدخله الله وأبويه الجنة) أي: ما يترك ذلك. يقال: انتهى وتناهى وأنهى، بمعنى ترك، وهكذا الرواية المشهورة: أبويه بالتثنية. وعند ابن ماهان: أباه بالباء بواحدة. وعند عبد الغافر: وإياه بالياء من تحتها، وكل له وجه واضح.\nوفي هذا الحديث ما يدلّ على أن صغار أولاد المؤمنين في الجنة، وهو قول أكثر أهل العلم، وهو الذي تدل عليه أخبار صحيحة كثيرة، وظاهر قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتهُم ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلحَقنَا بِهِم ذُرِّيَّتَهُم﴾ وقد أنكر بعض العلماء الخلاف فيهم، وهذا فيما عدا أولاد الأنبياء، فإنَّه قد تقرر الإجماع على أنهم في الجنة، حكاه أبو عبد الله المازري، وإنما الخلاف في أولاد المشركين على ما يأتي إن شاء الله تعالى.\nو(قوله: لقد احتظرت بحظار شديد من النار) أي: امتنعت، وأصل الحظر: المنع. والحظار: ما يدار بالبستان من عيدان وقصب، سُمي بذلك لأنه يمنع من يريد الدخول. والحظيرة والمحظور منه، والحظار هنا: هو الحجاب المذكور في الحديث الآخر.","vol":"6","page":642},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-963>(٤١) باب إذا أحب الله عبدا حببه إلى عباده والأرواح أجناد</span>\n[٢٥٦٥] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبدًا دَعَا جِبرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهلُ السَّمَاءِ.\nــ\n(٤١) ومن باب: إذا أحب الله عبدا حببه إلى عباده والأرواح أجناد مجندة، والمرء مع من أحب\nقد تقدَّم أن معنى محبة الله للعبد: إرادة إكرامه وإثابته. ولأعمال العباد: إثابتهم عليها، وأن محبة الله تعالى منزهة عن أن تكون ميلا للمحبوب، أو شهوة؛ إذ كل ذلك من صفاتنا، وهي دليل حدوثنا، والله تعالى منزه عن كل ذلك.\nوأما محبة الملك فلا بُعد في أن تكون على حقيقتها المعقولة في حقوقنا، ولا إحالة في شيء من ذلك. وإعلام الله تعالى جبريل، وإعلام جبريل الملائكة بمحبة العبد المذكور تنويه به، وتشريف له في ذلك الملأ الكريم، وليحصل من المنزلة المنيفة على الحظ العظيم، وهذا من نحو قوله ﷺ حكاية عن الله تعالى حيث قال: أنا مع عبدي إذا ذكرني؛ إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم (١). ويجوز أن يراد بمحبة الملائكة: ثناؤهم عليه واستغفارهم له، وإكرامهم له عند لقائه إياهم.\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٢٥١ و٤١٣)، والبخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥) (٢١)، والترمذي (٣٦٠٣)، وابن ماجه (٣٨٢٢).","vol":"6","page":643},{"text":"قَالَ: ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي الأَرضِ، وَإِذَا أَبغَضَ عَبدًا دَعَا جِبرِيلَ فَيَقُولُ: إِنِّي أُبغِضُ فُلَانًا فَأَبغِضهُ. قَالَ: فَيُبغِضُهُ جِبرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ يُبغِضُ فُلَانًا فَأَبغِضُوهُ، قَالَ: فَيُبغِضُونَهُ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ البَغضَاءُ فِي الأَرضِ.\nرواه أحمد (٢/ ٥١٤)، والبخاري (٣٢٠٩)، ومسلم (٢٦٣٧) (١٥٧)، والترمذي (٣١٦١).\n[٢٥٦٦] وعنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الأَروَاحُ أَجنَادٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنهَا ائتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنهَا اختَلَفَ.\nــ\nو(قوله: ثم يوضع له القبول في الأرض) يعني بالقبول: محبة قلوب أهل الدين والخير له، والرضا به، والسرور بلقائه، واستطابة ذكره في حال غيبته، كما أجرى الله تعالى عادته بذلك في حق الصالحين من سلف هذه الأمة ومشاهير الأئمة. والقول في البغض على النقيض من القول في الحب.\nو(قوله: الأرواح أجناد مجندة). قد تقدَّم القول في الروح والنفس في كتاب الطهارة. ومعنى أجناد مجندة: أصناف مصنفة. وقيل: أجناس مختلفة. ويعني بذلك أن الأرواح وإن اتفقت في كونها أرواحا؛ فإنَّها تتمايز (١) بأمور وأحوال مختلفة تتنوع بها فتتشاكل أشخاص النوع الواحد، وتتناسب بسبب ما اجتمعت فيه من المعنى الخاص لذلك النوع للمناسبة، ولذلك نشاهد (٢) أشخاص كل نوع تألف نوعها، وتنفر من مخالفها، ثمَّ إنا نجد بعض أشخاص النوع الواحد تتآلف، وبعضها تتنافر، وذلك بحسب أمور تتشاكل فيها، وأمور تتباعد فيها،\n_________\n(١) في (ز): تتباين.\n(٢) في (م ٤): نجد.","vol":"6","page":644},{"text":"وفي رواية: النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، خِيَارُهُم فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُم فِي الإِسلَامِ إِذَا فَقُهُوا، وَالأَروَاحُ جُنُودٌ ... وذكره.\nرواه أحمد (٢/ ٢٩٥)، ومسلم (٢٦٣٨) (١٥٩ و١٦٠)، وأبو داود (٤٨٣٤).\n* * *\nــ\nكالأرواح المجبولة على الخير والرحمة والشفقة والعدل، فتجد مَن جُبل على الرحمة يميل بطبعه لكل من كان فيه ذلك المعنى، ويألفه، ويسكن إليه، وينفر ممن اتصف بنقيضه، وهكذا في الجفاء والقسوة، ولذلك قد شاع في كلام الناس قولهم (١): المناسبة تؤلف بين الأشخاص، والشكل يألف شكله، والمثل يجذب مثله.\nوهذا المعنى هو أحد ما حُمل عليه قوله ﷺ: فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف وعلى هذا فيكون معنى تعارف: تناسب. وقيل: إن معنى ذلك هو ما تعرف الله به إليها من صفاته، ودلها عليه من لطفه وأفعاله، فكل روح عرف من الآخر أنه تعرف إلى الله بمثل ما تعرف هو به إليه. وقال الخطابي: هو ما خلقها الله تعالى عليه من السعادة والشقاوة في المبدأ الأول.\nقلت: وهذان القولان راجعان إلى القول الأول، فتدبرهما.\nويستفاد من هذا الحديث أن الإنسان إذا وجد من نفسه نفرة ممن له فضيلة أو صلاح فتش على الموجب لتلك النفرة، وبحث عنه بنور العلم؛ فإنَّه ينكشف له، فيتعين عليه أن يسعى في إزالة ذلك، أو في تضعيفه بالرياضة السياسية، والمشاهدة (٢) الشرعية حتى يتخلص من ذلك الوصف المذموم، فيميل لأهل\n_________\n(١) ليست في (ز).\n(٢) في (ز): المجاهرة.","vol":"6","page":645},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-964>(٤٢) باب المرء مع من أحب وفي الثناء على الرجل الصالح</span>\n[٢٥٦٧] عن أَنَس بن مَالِكٍ قَالَ: بَينَا أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَارِجَانِ مِن المَسجِدِ، فَلَقِينَا رَجُلًا عِندَ سُدَّةِ المَسجِدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا أَعدَدتَ لَهَا؛ قَالَ: وَكَأَنَّ الرَّجُلَ استَكَانَ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَعدَدتُ لَهَا كَبِيرَ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ وَلَا صَدَقَةٍ،\nــ\nالفضائل والعلوم، وكذلك القول فيما إذا وجد ميلا لمن فيه شر، أو وصف مذموم. وقد تقدَّم القول على قوله: الناس معادن في كتاب المناقب.\n(٤٢) ومن باب: المرء مع من أحب وفي الثناء على الرجل الصالح (١)\n(قوله: فلقينا رجلا عند سدة المسجد) يعني: عند باب المسجد، والسدة تقال على ما يسد به الباب، وعلى المسدود الذي هو الباب.\nو(قوله: فكأن الرجل استكان) أي: سكن تذللا.\nو(قوله: ما أعددت لها كبير صلاة، ولا صيام، ولا صدقة) يعني بذلك: النوافل من الصلاة والصدقة، والصوم، لأنَّ الفرائض لا بد له ولغيره من فعلها، فيكون معناه: أنه لم يأت منها بالكثير الذي يعتمد عليه، ويرتجى دخول الجنة\n_________\n(١) هذا العنوان لم يرد في نسخ المفهم، واستدركناه من التلخيص.","vol":"6","page":646},{"text":"وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَالَ: فَأَنتَ مَعَ مَن أَحبَبتَ.\nوفي رواية: قَالَ: مَا أَعدَدتَ لِلسَّاعَةِ؟ قَالَ: حُبَّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. قَالَ: فَإِنَّكَ مَعَ مَن أَحبَبتَ. قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحنَا بَعدَ الإِسلَامِ فَرَحًا أَشَدَّ مِن قَولِ النَّبِيِّ ﷺ: فَإِنَّكَ مَعَ مَن أَحبَبتَ. قَالَ أَنَسٌ: فَأَنَا أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَأَبَا بَكرٍ وَعُمَرَ، فَأَرجُو أَن أَكُونَ مَعَهُم، وَإِن لَم أَعمَل بِأَعمَالِهِم.\nرواه أحمد (٣/ ١٩٢)، والبخاريُّ (٣٦٨٨)، ومسلم (٢٦٣٩) (١٦٣ و١٦٤)، وأبو داود (٥١٢٧)، والترمذيُّ (٢٣٨٥).\nــ\nبسببه، هذا ظاهره، ويحتمل أن يكون أراد أن الذي فعله من تلك الأمور - وإن كان كثيرا- فإنَّه محتقر بالنسبة إلى ما عنده من محبة الله تعالى ورسوله، فكأنه ظهر له أن محبة الله ورسوله أفضل الأعمال وأعظم القرب، فجعلها عمدته، واتخذها عدته، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: فأنت مع من أحببت) قد تكلمنا عليه في غير موضع.\nو(قوله: ما فرحنا بعد الإسلام فرحا أشد من قول النبي ﷺ) هكذا وقع هذا اللفظ في الأصول، وفيه حذف وتوسع، تقديره: فما فرحنا فرحا أشد من فرحنا بقول النبي ﷺ ذلك القول، وسكت عن ذلك المحذوف للعلم به. وإنَّما كان فرحهم بذلك أشد، لأنَّهم لم يسمعوا أن في أعمال البر ما يحصل به ذلك المعنى من القُرب من النبي ﷺ، والكون معه؛ إلا حب الله ورسوله، فأعظم بأمر يلحق المقصر بالمشمر، والمتأخر بالمتقدِّم. ولما فهم أنس أن هذا اللفظ محمول على عمومه علق به رجاءه، وحقق فيه ظنه، فقال: أنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر، فأرجو أن أكون معهم، وإن لم أعمل بأعمالهم. والوجه الذي تمسك به أنس يشمل من المسلمين المحبين كل ذي نفس، فلذلك تعلقت أطماعنا بذلك؛ وإن كنا مقصرين، ورجونا رحمة الرحمن، وإن كنا غير مستأهلين.","vol":"6","page":647},{"text":"[٢٥٦٨] وعَن عَبدِ اللَّهِ - هو ابن مسعود - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيفَ تَرَى رَجُلا أَحَبَّ قَومًا وَلَمَّا يَلحَق بِهِم؛ فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: المَرءُ مَعَ مَن أَحَبَّ.\nرواه أحمد (١/ ٣٩٢)، والبخاريُّ (٦١٦٨)، ومسلم (٢٦٤٠).\n[٢٥٦٩] وعَن أَبِي ذَرٍّ، قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَرَأَيتَ الرَّجُلَ يَعمَلُ العَمَلَ مِن الخَيرِ وَيَحمَدُهُ النَّاسُ عَلَيهِ؟ قَال: تِلكَ عَاجِلُ بُشرَى المُؤمِنِ.\nوفي رواية: ويحبه الناس عليه، (بدل): يحمده.\nرواه أحمد (٥/ ١٥٧)، ومسلم (٢٦٤٢)، وابن ماجه (٤٢٢٥).\n* * *\nــ\nو(قوله: أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه) يعني الرجل الذي يعمل العمل الصالح خالصا، ولا يريد إظهاره للناس، لأنَّه لو عمله ليحمده الناس أو يبروه، لكان مرائيا، ويكون ذلك العمل باطلا فاسدا، وإنما الله تعالى بلطفه ورحمته وكرمه، يعامل المخلصين في الأعمال الصادقين في الأقوال والأحوال بأنواع من اللطف، فيقذف في القلوب محبتهم، ويطلق الألسنة بالثناء عليهم، لينوه بذكرهم في الملأ الأعلى؛ ليستغفروا لهم، وينشر طيب ذكرهم في الدنيا ليقتدى بهم، فيعظم أجرهم، وترتفع منازلهم، وليجعل ذلك علامة على استقامة أحوالهم، وبشرى بحسن مآلهم، وكثير ثوابهم، ولذلك قال: تلك عاجل بشرى المؤمن. والله تعالى أعلم.\n* * *","vol":"6","page":648},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-965>(٣٥) كتاب القدر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-966>(١) باب في كيفية خلق ابن آدم</span>\n[٢٥٧٠] عَن عَبدِ اللَّهِ بن مسعود قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ\nــ\n(٣٥) كتاب القدر\nقد تقدم في كتاب الإيمان القول في لفظ القدر ومعناه، واختلاف الناس فيه\n(١) ومن باب: في كيفية خلق ابن آدم (١)\n(قوله: إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما) يعني - والله تعالى أعلم - أن المني يقع في الرحم حين انزعاجه بالقوة الشهوانية الدافعة مبثوثا\n_________\n(١) لم يردْ هذا العنوان في نسخ المفهم جميعها، واستدركناه من التلخيص. وقد شرح المؤلِّفُ -﵀- في المفهم، في هذا الموضع، ما أشكل في أحاديث بابَيْن من التلخيص، هذا أحدهما، والثاني هو: باب: السعيد سعيد في بطن أمِّه، والشقي شقي في بطن أمِّه.","vol":"6","page":649},{"text":"الصَّادِقُ المَصدُوقُ: إِنَّ أَحَدَكُم يُجمَعُ خَلقُهُ فِي بَطنِ أُمِّهِ أَربَعِينَ يَومًا، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضغَةً مِثلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرسَلُ الله المَلَك فَيَنفُخُ فِيهِ الرُّوحَ،\nــ\nمتفرقا، فيجمعه الله تعالى في محل الولادة من الرحم في هذه المدة. وقد جاء في بعض الحديث عن ابن مسعود - ﵁ - تفسير: يُجمع في بطن أمه: أن النطفة إذا وقعت في الرحم، فأراد الله تعالى أن يخلق منها بشرا، طارت في بشر المرأة تحت كل ظفر وشعر، ثم تمكث أربعين ليلة، ثم تصير دما في الرحم، فذلك جمعها، وهذا وقت كونها علقة، والعلق: الدم (١).\nو(قوله: ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك) وذلك الأول إشارة إلى المحل الذي اجتمعت فيه النطفة، وصارت علقة، وذلك الثاني إشارة إلى الزمان الذي هو الأربعون، وكذلك القول في قوله: ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك والمضغة: قدر ما يمضغه الماضغ من لحم أو غيره.\nو(قوله: ثم يرسل الله الملك فينفخ فيه الروح) يعني: الملك الموكل بالرحم، كما قال في حديث أنس - ﵁ -: إن الله قد وكل بالرحم ملكا (٢). وظاهر هذا السياق أن الملك عند مجيئه ينفخ الروح في المضغة، وليس الأمر كذلك؛ بل إنما ينفخ الروح فيها بعد أن تتشكل تلك المضغة بشكل ابن آدم، وتتصور بصورته، كما قال تعالى: ﴿فَخَلَقنَا المُضغَةَ عِظَامًا فَكَسَونَا العِظَامَ لَحمًا﴾ وكما قال في الآية الأخرى: ﴿مِن مُضغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيرِ\n_________\n(١) انظر في فتح الباري (١١/ ٤٨٠) كلامًا طويلًا حول هذا الموضوع، وكلّ ما قيل تفسيرًا لحديث رسول الله - ﷺ - هو من الاجتهادات الشخصية في وقتٍ لم يكن العلم قد قال الكلمة الفصل في هذا الموضوع.\n(٢) رواه مسلم (٢٦٤٦).","vol":"6","page":650},{"text":"وَيُؤمَرُ بِأَربَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتبِ رِزقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَو سَعِيدٌ،\nــ\nمُخَلَّقَةٍ﴾ فالمخلقة: المصورة، وغير المخلقة: السقط. قال أبو العالية وغيره: وهذا التخليق والتصوير يكون في مدة أربعين يوما، وحينئذ ينفخ فيه الروح، وهو المعني بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنشَأنَاهُ خَلقًا آخَرَ﴾ في قول الحسن والكلبي من المفسرين. قال القاضي: ولم يختلف أن نفخ الروح فيه بعد مائة وعشرين يوما، وذلك تمام أربعة أشهر، ودخوله في الخامس، وهذا موجود بالمشاهدة، وعليه يعول فيما يحتاج إليه من الأحكام في الاستلحاق عند التنازع، وفي وجوب النفقات على حمل المطلقات، وذلك لتيقنه بحركة الجنين في الجوف. وقد قيل: إنه في عدة المرأة من الوفاة بأربعة أشهر وعشر. وهذا الدخول في الخامسة يحقق براءة الرحم ببلوغ هذه المدة إذا لم يظهر حمل. ونفخ الملك في الصورة سبب يخلق الله عنده بها الروح والحياة، لأنَّ النفخ المتعارف إنَّما هو إخراج ريح من النافخ يتصل بالمنفوخ فيه، ولا يلزم منه عقلا ولا عادة في حقنا تأثير في المنفوخ فيه؛ فإن قدر حدوث شيء عند ذلك النفخ، فذلك بإحداث الله تعالى لا بالنفخ، وغاية النفخ: أن يكون معدا عاديا لا موجبا عقليا، وكذلك القول في سائر الأسباب المعتادة، فتأمل هذا الأصل وتمسك به، فبه النجاة من مذاهب أهل الضلال من أهل الطبائع وغيرهم.\nو(قوله: ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد) ظاهر هذا اللفظ: أن الملك يؤمر بكتب هذه الأربعة ابتداء، وليس كذلك، بل إنما يؤمر بذلك بعد أن يسأل عن ذلك فيقول: يا رب! ما الرزق؛ ما الأجل؛ ما العمل؛ وهل شقي أو سعيد؛ كما تضمنته الأحاديث الآتية بعد، بل قد روى يحيى بن زكريا بن أبي زائدة قال: حدثنا داود، عن عامر، عن علقمة، عن ابن مسعود، وعن ابن عمر: إن النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها ملك بكفه، وقال: أي رب، أذكر أم أنثى؛ شقي أم سعيد؛ ما الأجل؛ ما الأثر؛ بأي أرض تموت؛ فيقال له: انطلق إلى أم الكتاب؛ فإنك تجد قصة هذه النطفة، فينطلق فيجد","vol":"6","page":651},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nقصتها في أم الكتاب؛ فتلحق؛ فتأكل رزقها، وتطأ أثرها، فإذا جاء أجلها قبضت فدفنت في المكان الذي قدر لها (١). وزاد في بعض روايات حديث ابن مسعود: إن الملك يقول: يا رب! مخلقة أو غير مخلقة؛ فإن كانت غير مخلقة قذفتها الأرحام دما، وإن قيل: مخلقة قال: أي رب! ذكر أم أنثى (٢). وذكر نحو ما تقدَّم.\nفقوله: إن النطفة إذا استقرت في الرحم يعني بهذا الاستقرار: صيرورة النطفة علقة ومضغة، لأنَّ النطفة قبل ذلك غير مجتمعة كما تقدَّم، فإذا اجتمعت وصارت ماء واحدا علقة أو مضغة، أمكن حينئذ أن تؤخذ بالكف، وسماها نطفة في حال كونها علقة أو مضغة باسم مبدئها، والله تعالى أعلم.\nويستفاد من جملة ما ذكرناه أن المرأة إذا ألقت نطفة لم يتعلق بها حكم، إذ لم تجتمع في الرحم، فتبين أنها كانت حاملا، إذ الرحم قد يدفع النطفة قبل استقرارها فيه، فإذا طرحته علقة تحققنا أن النطفة قد استقرت واجتمعت واستحالت إلى أول أحوال ما يتحقق به أنه ولد. وعلى هذا: فيكون وضع العلقة فما فوقها من المضغة، وضع حمل يبرأ به الرحم، وتنقضي به العدة، ويثبت لها به حكم أم الولد، وهذا مذهب مالك وأصحابه. وقال الشافعي: لا اعتبار بإسقاط العلقة، وإنَّما الاعتبار بظهور الصورة والتخطيط؛ فإن خفي التخطيط وكان لحما فقولان بالنقل والتخريج، وعمدة أصحابنا: التمسك بالحديث المتقدم، وبأن مسقطة العلقة، أو المضغة يصدق على المرأة إذا ألقتها أنها كانت حاملا وضعت ما استقر في رحمها، فشملها قوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الأَحمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعنَ حَملَهُنَّ﴾ ويصدق عليها قوله ﷺ لسبيعة الأسلمية: قد وضعت فانكحي من شئت (٣)؛ ولأنها وضعت مبدأ\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٣٧٤)، وانظر: مجمع الزوائد (٧/ ١٩٢ - ١٩٣).\n(٢) رواه ابن أبي حاتم كما في جامع العلوم والحكم ص (٤٧ - ٤٨).\n(٣) رواه الترمذي (١١٩٣)، وابن ماجه (٢٠٢٧).","vol":"6","page":652},{"text":"فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيرُهُ إِنَّ أَحَدَكُم لَيَعمَلُ بِعَمَلِ أَهلِ الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَينَهُ وَبَينَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسبِقُ عَلَيهِ الكِتَابُ فَيَعمَلُ بِعَمَلِ أَهلِ النَّارِ فَيَدخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُم لَيَعمَلُ بِعَمَلِ أَهلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَينَهُ وَبَينَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسبِقُ عَلَيهِ الكِتَابُ فَيَعمَلُ بِعَمَلِ أَهلِ الجَنَّةِ فَيَدخُلُهَا.\nوفي رواية: أربعين ليلة (بدل) يوما.\nرواه أحمد (١/ ٣٨٢)، والبخاريُّ (٧٤٥٤)، ومسلم (٢٦٤٣)، وأبو داود (٤٧٠٨)، والترمذيّ (٢١٣٧)، وابن ماجه (٧٦).\n* * *\nــ\nالولد عن نطفة متجسدا كالمخطط. واستيفاء ما يتعلق به سؤالا وجوابا في الخلاف.\nو(قوله: إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. . . الحديث إلى آخره) ظاهر هذا الحديث: أن هذا العامل كان عمله صحيحا؛ وأنه قرب من الجنة بسبب عمله، حتى أشرف على دخولها، وإنما منعه من دخولها سابق القدر الذي يظهر عند الخاتمة، وعلى هذا فالخوف - على التحقيق - إنما هو مما سبق؛ إذ لا تبديل له ولا تغيير، فإذًا: الأعمال بالسوابق، لكن لما كانت السوابق مستورة عنا، والخاتمة ظاهرة لنا، قال ﷺ: إنما الأعمال بالخواتيم (١) أي: عندنا، وبالنسبة إلى اطلاعنا في بعض الأشخاص، وفي بعض الأحوال. وأما العامل المذكور في حديث سهل المتقدم في الإيمان؛ فإنَّه لم يكن عمله صحيحا في نفسه، وإنما كان رياء وسمعة، ولذلك قال ﷺ: إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو\n_________\n(١) رواه ابن حبان (٣٤٠) من حديث عائشة. ورواه ابن ماجه (٤١٩٩)، وابن حبان (٣٣٩) من حديث معاوية.","vol":"6","page":653},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-967>(٢) باب السعيد سعيد في بطن أمه والشقي شقي في بطن أمه</span>\n[٢٥٧١] عن عَامِر بن وَاثِلَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ عَبدَ اللَّهِ بنَ مَسعُودٍ يَقُولُ: الشَّقِيُّ مَن شَقِيَ فِي بَطنِ أُمِّهِ، وَالسَّعِيدُ مَن وُعِظَ بِغَيرِهِ، فَأَتَى رَجُلًا مِن\nــ\nللناس، وهو من أهل النار (١) فيستفاد من هذا الحديث: الاجتهاد في إخلاص الأعمال لله تعالى، والتحرز من الرياء. ويستفاد من حديث ابن مسعود: ترك العجب بالأعمال، وترك الالتفات والركون إليها، والتعويل على كرم الله تعالى ورحمته، والاعتراف بمنته، كما قال ﷺ: لن ينجي أحدا منكم عمله. . . الحديث (٢).\n(٢) ومن باب: السعيد سعيد في بطن أمه والشقي شقي في بطن أمه (٣)\n(قوله: الشقي شقي في بطن أمه) يعني: أن أول مبدأ الإنسان في بطن أمه يظهر من حاله للملائكة، أو لمن شاء الله من خلقه ما سبق في علم الله تعالى من سعادته ومن شقوته، ورزقه وأجله وعمله؛ إذ قد سبق كتب ذلك في اللوح المحفوظ، كما دل عليه الكتاب والأخبار الكثيرة الصحيحة، وكل ذلك قد سبق به العلم الأزلي، والقضاء الإلهي الذي لا يقبل التغيير ولا التبديل، المحيط بكل الأمور على التعين والتفصيل. ألا ترى الملائكة كيف تستخرج ما عند الله من علم\n_________\n(١) رواه أحمد (٦/ ١٠٧)، وابن حبان (٣٤٦).\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٥١٤ و٥٣٧)، والبخاري (٦٤٦٣)، ومسلم (٢٨١٦) (٧٤ و٧٦).\n(٣) لم يردْ هذا العنوان في جميع نسخ المفهم، واستدركناه من التلخيص.","vol":"6","page":654},{"text":"أَصحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُقَالُ لَهُ حُذَيفَةُ بنُ أَسِيدٍ الغِفَارِيُّ، فَحَدَّثَهُ بِذَلِكَ مِن قَولِ ابنِ مَسعُودٍ فَقَالَ: وَكَيفَ يَشقَى الرَجُل بِغَيرِ عَمَلٍ؛ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَتَعجَبُ مِن ذَلِكَ؛ فَإِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا مَرَّ بِالنُّطفَةِ ثِنتَانِ وَأَربَعُونَ لَيلَةً بَعَثَ اللَّهُ إِلَيهَا مَلَكًا، فَصَوَّرَهَا، وَخَلَقَ سَمعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلدَهَا وَلَحمَهَا وَعِظَامَهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَم أُنثَى؛ فَيَقضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكتُبُ المَلَكُ ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ أَجَلُهُ؛ فَيَقضي رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكتُبُ المَلَكُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ رِزقُهُ؛ فَيَقضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكتُبُ المَلَكُ، ثُمَّ يَخرُجُ المَلَكُ بِالصَّحِيفَةِ فِي يَدِهِ، فَلَا يَزِيدُ عَلَى مَا أُمِرَ به، وَلَا يَنقُصُ.\nــ\nحال النطفة، فتقول: يا رب ما الرزق؛ ما الأجل؟ فيقضي ربك ما شاء، أي: يظهر من قضائه وحكمه للملائكة ما سبق به علمه، وتعلقت به إرادته.\nو(قوله: ويكتب الملك) يعني من اللوح المحفوظ، كما تقدَّم في حديث يحيى بن أبي زائدة، ولذلك عطف هذه الجملة على ما تقدم بالواو، لأنَّها لا تقتضي رتبة، ثم يخرج الملك بالصحيفة، أي: يخرج من حال الغيبة عن هذا العالم إلى حال مشاهدته، فيطلع الله تعالى بسبب تلك الصحيفة من شاء من الملائكة الموكلين بأحواله على ذلك ليقوم كل بما عليه من وظيفته حسب ما سطر في صحيفته.\nو(قوله: إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون، أو ثلاثة وأربعون، أو خمسة وأربعون) هذا كله شك من الرواة، وحاصله: أن بعث الملك المذكور في هذا الحديث، إنما هو في الأربعين الرابعة التي هي مدة التصوير، كما دل على ذلك ما قدمناه قبل هذا (١). وسمى المضغة نطفة بمبدئها، ألا ترى قوله: بعث الله إليها\n_________\n(١) في (ز): ذلك.","vol":"6","page":655},{"text":"وفي رواية قَالَ: يَدخُلُ المَلَكُ عَلَى النُّطفَةِ بَعدَ مَا تَستَقِرُّ فِي الرَّحِمِ بِأَربَعِينَ أَو خَمسَةٍ وَأَربَعِينَ لَيلَةً فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَشَقِيٌّ أَم سَعِيدٌ؛ فَيُكتَبَانِ.\nوفي أخرى: فَيَجعَلُهُ اللَّهُ ذكرا أو أنثى سَوِيًّا أَو غَيرَ سَوِيٍّ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ مَا رِزقُهُ؛ مَا أَجَلُهُ؛ مَا خُلُقُهُ؛ ثُمَّ يَجعَلُهُ اللَّهُ شَقِيًّا أَو سَعِيدًا.\nوفي أخرى: إنَّ مَلَكًا مُوَكَّلًا بِالرَّحِمِ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَن يَخلُقَ شَيئًا أذنِ اللَّه لِبِضعٍ وَأَربَعِينَ لَيلَةً. ثُمَّ ذَكَرَ نَحوَ ما تقدم\nرواه أحمد (٦/ ٧)، ومسلم (٢٦٤٤ و٢٦٤٥) (٢ و٣ و٤).\nــ\nملكا وصورها وخلق سمعها وبصرها، وجلدها وعظامها فعطف بالفاء المرتبة، وهذا لا يكون حتى تصل النطفة إلى حال نهاية المضغة، كما دل عليه ما تقدَّم. وبهذا تتفق الروايات، ويزول الاضطراب المتوهم فيها، والله أعلم.\nونسبة الخلق والتصوير للملك نسبة مجازية لا حقيقية، وإنما صدر عنه فعل ما في المضغة - كأن عنه التصوير والتشكيل - بقدرة الله تعالى وخلقه واختراعه. ألا ترى أن الله تعالى قد أضاف إليه الخلقة الحقيقية، وقطع عنا نسب جميع الخليقة، فقال: ﴿وَلَقَد خَلَقنَاكُم ثُمَّ صَوَّرنَاكُم﴾ وقال: ﴿وَلَقَد خَلَقنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلنَاهُ نُطفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُم فِي رَيبٍ مِنَ (ل بَعثِ فَإِنَّا خَلَقنَاكُم مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطفَةٍ﴾ الآية، وقال: ﴿وَصَوَّرَكُم فَأَحسَنَ صُوَرَكُم وَإِلَيهِ المَصِيرُ﴾ وغير ذلك من الآيات. هذا مع ما دلت عليه قاطعات البراهين من أنه لا خالق لشيء من المخلوقات إلا رب العالمين.\nتنبيه: هذا الترتيب العجيب، وإن خفيت حكمته، فقد لاحت لنا حقيقته، وهو أنه كذلك سبق في علمه، وثبت في قضائه وحكمه، وإلا فمن الممكن أن يوجد الإنسان وأصناف الحيوان، بل وجميع المخلوقات، في أسرع من لحظة،","vol":"6","page":656},{"text":"[٢٥٧٢] وعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ - وَرَفَعَ الحَدِيثَ - أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ ﷿ قَد وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا فَيَقُولُ: أَي رَبِّ! نُطفَةٌ؛ أَي رَبِّ! عَلَقَةٌ؛ أَي رَبِّ! مُضغَةٌ؛ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَن يَقضِيَ خَلقًا قَالَ: قَالَ المَلَكُ: أَي رَبِّ! ذَكَرٌ أَم أُنثَى؛ شَقِيٌّ أَو سَعِيدٌ؛ فَمَا الرِّزقُ؛ فَمَا الأَجَلُ؛ فَيُكتَبُ كَذَلِكَ فِي بَطنِ أُمِّهِ.\nرواه أحمد (٣/ ١٤٨)، ومسلم (٢٦٤٦).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-968>(٣) باب كل ميسر لما خلق له</span>\n[٢٥٧٣] عَن عَلِيٍّ - ﵁ - قَالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الغَرقَدِ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَعَدَ وَقَعَدنَا حَولَهُ، وَمَعَهُ مِخصَرَةٌ فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنكُتُ بِمِخصَرَتِهِ ثُمَّ قَالَ: مَا مِنكُم مِن أَحَدٍ مَا مِن نَفسٍ مَنفُوسَةٍ،\nــ\nوأيسر من النطق بلفظة، كيف لا وقد سمع السامعون قوله: ﴿إِنَّمَا قَولُنَا لِشَيءٍ إِذَا أَرَدنَاهُ أَن نَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾\n(٣) ومن باب: قوله ﷺ: كل ميسر لما خلق له\nبقيع الغرقد: مدفن أهل المدينة، وقد تقدَّم ذكره. والمخصرة: قضيب كان يمسكه بيده في بعض الأحوال على عادة رؤساء العرب؛ فإنَّهم يمسكونها ويشيرون بها، ويصلون بها كلامهم. وجمعها مخاصر، والفعل منها: تخصر. حكاه ابن قتيبة. والنكت بها في الأرض: تحريك الأرض بها، وهذا فعل المتفكر المعتبر.","vol":"6","page":657},{"text":"إِلَّا وَقَد كَتَبَ اللَّهُ مَكَانَهَا مِن الجَنَّةِ وَالنَّارِ، إِلَّا وَقَد كُتِبَت شَقِيَّةً أَو سَعِيدَةً. قَالَ: فَقَالَ رَجَلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نَمكُثُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ العَمَلَ؛ فَقَالَ: مَن كَانَ مِن أَهلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهلِ السَّعَادَةِ، وَمَن كَانَ مِن أَهلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهلِ الشَّقَاوَةِ فَقَالَ: اعمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ، أَمَّا أَهلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهلِ الشَّقَاوَةِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَن أَعطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالحُسنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِليُسرَى * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاستَغنَى * وَكَذَّبَ بِالحُسنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلعُسرَى﴾\nــ\nو(قوله: أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل، وفي الرواية الأخرى: أفلا نتكل على كتابنا) حاصل هذا السؤال أنه إذا وجبت السعادة والشقاوة بالقضاء الأزلي، والقدر الإلهي، فلا فائدة للتكليف، ولا حاجة بنا إلى العمل، فنتركه، وهذه أعظم شبه النافين للقدر. وقد أجابهم النبي ﷺ بما لا يبقى معه إشكال، فقال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَن أَعطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالحُسنَى﴾ الآيات، ووجه الانفصال: أن الله تعالى أمرنا بالعمل، فلا بد من امتثال أمره، وغيب عنا المقادير لقيام حجته وزجره. ونصب الأعمال علامة على ما سبق في مشيئته وحكمته، وعزه ﴿لا يُسأَلُ عَمَّا يَفعَلُ﴾ لا يبقى معها لقائل مقول، وقهر ﴿وَهُم يُسأَلُونَ﴾ يخضع له المتكبرون. وقد بينا فيما تقدَّم أن مورد التكليف: فعل الاختيار، وأن ذلك ليس مناقضا لما سبقت به الأقدار.\nو(قوله: ﴿فَأَمَّا مَن أَعطَى﴾ أي: الفضل من ماله. ابن عباس: حق الله تعالى. الحسن: الصدق من قلبه. ﴿وَاتَّقَى﴾ أي: ربه. ابن عباس وقتادة: محارمه. مجاهد: البخل. ﴿وَصَدَّقَ بِالحُسنَى﴾ أي: الكلمة الحسنى؛ وهي التوحيد. الضحاك: بموعود الله. قتادة: بالصلاة والزكاة والصوم. زيد بن أسلم","vol":"6","page":658},{"text":"وفي رواية: أفلا نتكل (مكان) نمكث؛ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له. ثم قرأ الآية.\nرواه أحمد (١/ ٨٢)، والبخاريُّ (٤٩٤٧)، ومسلم (٢٦٤٧) (٦ و٧)، والترمذي (٢١٣٦)، وابن ماجه (٧٨).\n[٢٥٧٤] وعَن جَابِرٍ قَالَ: جَاءَ سُرَاقَةُ بنُ مَالِكِ بنِ جُعشُمٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَيِّن لَنَا دِينَنَا كَأَنَّا خُلِقنَا الآنَ فِيمَ العَمَلُ اليَومَ؛ أَفِيمَا جَفَّت بِهِ الأَقلَامُ، وَجَرَت بِهِ المَقَادِيرُ، أَم فِيمَا يستَقبلُ؛ قَالَ: لَا، بَل فِيمَا جَفَّت بِهِ الأَقلَامُ، وَجَرَت بِهِ المَقَادِيرُ. قَالَ: فَفِيمَ العَمَلُ؛ فَقَالَ: اعمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ؛\nوفي أخرى فقال: كل عامل ميسر لعمله.\nرواه أحمد (٣/ ٢٩٢)، ومسلم (٢٦٤٨) (٨).\nــ\n﴿فَسَنُيَسِّرُهُ﴾، أي: نهون عليه ونهيئه ﴿لِليُسرَى﴾ أي: للحالة اليسرى من العمل الصالح والخير الراجح. وقيل: للجنة. ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ﴾ أي: بماله، ابن عباس. وقال قتادة: بحق الله. ﴿وَاستَغنَى﴾ بماله، عن الحسن. ابن عباس: عن ربه. ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسنَى﴾ أي: بالجنة. والعسرى: نقيض ما تقدم في اليسرى. و﴿تَرَدَّى﴾ هلك بالجهل والكفر، وفي الآخرة بعذاب الله.\nو(قول سراقة: بين لنا ديننا كأنا خُلقنا الآن) أي: بين لنا أصل ديننا، أي: ما نعتقده وندين به من حال أعمالنا، هل سبق بها قدر أم لا، وقوله: كأنا خُلقنا الآن، يعني أنهم غير عالمين بهذه المسألة، فكأنهم خُلقوا الآن بالنسبة إلى علمها، وفائدته: استدعاء أوضح البيان.\nو(قوله: فيم العمل اليوم؟) أي: فيما جفت به الأقلام، هكذا صحيح","vol":"6","page":659},{"text":"[٢٥٧٥] وعَن عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ قَالَ: قِيلَ لرَسُول اللَّهِ أَعُلِمَ أَهلُ الجَنَّةِ مَن أَهلِ النَّارِ؛ قَالَ فَقَالَ: نَعَم. قَالَ: فَفِيمَ يَعمَلُ العَامِلُونَ؛ قَالَ: كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ.\nرواه أحمد (٤/ ٤٣١)، والبخاري (٦٥٩٦)، ومسلم (٢٦٤٩) (٩)، وأبو داود (٤٧٠٩).\n* * *\nــ\nالرواية. (فيم) الأول بغير ألف، لأنَّها استفهامية. والثانية: بألف، لأنها خبرية. وقد وقع في بعض النسخ بالعكس، والأول الصواب. ومقتضى هذا السؤال أن ما يصدر عنا من الأعمال، وما يترتب عليها من الثواب والعقاب، هل سبق علم الله تعالى بوقوعه، فنفذت به مشيئته؛ أو ليس كذلك، وإنما أفعالنا صادرة عنا بقدرتنا ومشيئتنا، والثواب والعقاب مرتب عليها بحسبها؛ وهذا القسم الثاني هو مذهب القدرية، وقد أبطل النبي ﷺ هذا القسم بقوله: لا، بل فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير. أي: ليس الأمر مستأنفا، بل قد سبق به علم الله، ونفذت به مشيئته، وجفت به أقلام الكتبة في اللوح المحفوظ وفي صحف الملائكة المكتوبة في البطن، بل قد نُص على هذا في حديث عمران بن حصين المذكور بعد هذا. وأنص من هذا كله ما خرجه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كتابان، فقال للذي في يده اليمنى: هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أُجمل (١) على آخرهم، فلا يُزاد فيهم، ولا ينقص منهم أبدا. ثم قال للذي في يده اليسرى: هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أُجمل على آخرهم، فلا يُزاد\n_________\n(١) \"أجملت الحساب\": إذا جمعت آحاده، وكملت أفراده، أي: أحصوا وجمعوا.","vol":"6","page":660},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-969>(٤) باب في قوله تعالى: ﴿وَنَفسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقوَاهَا﴾</span>\n[٢٥٧٦] عَن أَبِي الأَسوَدِ الدّؤلِيِّ قَالَ: قَالَ لِي عِمرَانُ بنُ الحُصَينِ: أَرَأَيتَ مَا يَعمَلُ النَّاسُ اليَومَ وَيَكدَحُونَ فِيهِ، أَشَيءٌ قُضِيَ عَلَيهِم\nــ\nفيهم، ولا ينقص منهم أبدا. ثم رمى بهما، وقال: فرغ ربكم من العباد، فريق في الجنة وفريق في السعير (١). قال: هذا حديث حسن صحيح. والأحاديث في هذا الباب كثيرة صحيحة، يفيد مجموعها العلم القطعي واليقين الحقيقي الاضطراري بإبطال مذاهب القدرية، لكنهم كابروا في ذلك كله وردوه، وتأولوا ذلك تأويلا فاسدا، وموهوه للأصول التي ارتكبوها من التحسين والتقبيح والتعديل والتجويز، والقول بتأثير القدرة الحادثة على جهة الاستقلال، وقد تكلم أئمة أهل السنة معهم في هذه الأصول، وبينوا فسادها في كتبهم.\nو(قوله: فيم العمل؟) هذا السؤال هو الأول الذي تضمنه قوله: أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؛ وقد بيناه.\n(٤ و٥) ومن باب: في قوله تعالى:\n﴿وَنَفسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقوَاهَا﴾ (٢)\nقوله: (أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه) الكدح: السعي في العمل لدنيا كان أو لآخرة، وأصله: العمل الشاق والكسب المتعب.\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢١٤١).\n(٢) هذا العنوان لم يردْ في نسخ المفهم، واستدركناه من التلخيص. وقد شرح المؤلف -﵀- تحت هذا العنوان: هذا الباب، والباب الذي يليه بعنوان باب: الأعمال بالخواتيم.","vol":"6","page":661},{"text":"وَمَضَى عَلَيهِم مِن قَدَرِ مَا سَبَقَ؛ أَو فِيمَا يُستَقبَلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُم بِهِ نَبِيُّهُم، وَثَبَتَت الحُجَّةُ عَلَيهِم؛ فَقُلتُ: بَل شَيءٌ قُضِيَ عَلَيهِم، وَمَضَى عَلَيهِم. قَالَ: فَقَالَ: فَلَا يَكُونُ ظُلمًا؛ قَالَ: فَفَزِعتُ مِن ذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا، وَقُلتُ: كُلُّ شَيءٍ خَلقُ اللَّهِ وَمِلكُ يَدِهِ فَلَا يُسأَلُ عَمَّا يَفعَلُ وَهُم يُسأَلُونَ. فَقَالَ لِي: يَرحَمُكَ اللَّهُ! إِنِّي لَم أُرِد بِمَا سَأَلتُكَ إِلَّا لِأَحزِرَ عَقلَكَ! إِنَّ رَجُلَينِ مِن مُزَينَةَ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيتَ مَا يَعمَلُ النَّاسُ اليَومَ،\nــ\nو(قوله: فلا يكون ظلما) كذا الرواية بغير ألف استفهام، وهي مرادة؛ إذ بالاستفهام حصل فزع المسؤول، وبه صح أن يكون ما أتى به من قوله: كل شيء خلق الله وملك يده. . . إلى آخره. جوابا عما سأله عنه، ولو لم يكن الاستفهام مرادا لكان الكلام نفيا للظلم، وهو صحيح وحق، ولا يفزع من ذلك ولا يستدعي جوابا. وبيان ما سأله عنه أنه لما تقرر عنده أن ما يعمل الناس فيه شيء قضي به عليهم، ولا بد لهم منه، فكأنهم يُلجؤون إليه، فكيف يعاقبون على ذلك؛ فعقابهم على ذلك ظلم، وهذه من شُبه القدرية المبنية على التحسين والتقبيح، وقد أجاب عن ذلك أبو الأسود، وأحسن في الجواب، ومقتضى الجواب أن الظلم لا يُتصور من الله تعالى، فإنَّ الكل خلقه وملكه، لا حجر عليه، ولا حُكم، فلا يتصور في حقه الظلم لاستحالة شرطه، على ما بيناه غير مرة، ثم عضد بقوله: ﴿لا يُسأَلُ عَمَّا يَفعَلُ وَهُم يُسأَلُونَ﴾ ولما سمع عمران هذا الجواب تحقق أنه قد وُفق للحق، وأصاب عين الصواب، فاستحسن ذلك منه، وأخبره أنه إنما امتحنه بذلك السؤال ليختبر عقله، وليستخرج عمله، ثم أفاده الحديث المذكور، ومعناه قد تقدم الكلام عليه (١). ثم قال: وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿وَنَفسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقوَاهَا﴾ وقوله: ﴿وَنَفسٍ﴾ هو قسم بنفوس بني آدم،\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (م ٤).","vol":"6","page":662},{"text":"وَيَكدَحُونَ فِيهِ أَشَيءٌ قُضِيَ عَلَيهِم وَمَضَى فِيهِم مِن قَدَرٍ قَد سَبَقَ، أَو فِيمَا يُستَقبَلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُم بِهِ نَبِيُّهُم، وَثَبَتَت الحُجَّةُ عَلَيهِم؛ فَقَالَ: لَا بَل شَيءٌ قُضِيَ عَلَيهِم، وَمَضَى فِيهِم وَتَصدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَنَفسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقوَاهَا﴾\nرواه مسلم (٢٦٥٠).\n* * *\nــ\nوأفردها لأن مراده النوع، وهذا نحو قوله: ﴿عَلِمَت نَفسٌ مَا قَدَّمَت وَأَخَّرَت﴾ أي: كل نفس. كما قال: ﴿كُلُّ نَفسٍ بِمَا كَسَبَت رَهِينَةٌ﴾. ألا ترى قوله: ﴿فَأَلهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقوَاهَا﴾ أي: حملها على ما أراد من ذلك، فمنها ما خُلق للخير، وأعانها عليه ويسره لها، ومنها ما خلق للشر ويسره لها، وهذا هو الموافق للحديث المتقدِّم، المصدق بالآية.\nو(قوله: ﴿وَمَا سَوَّاهَا﴾ أي: والذي سواها، وقد قدمنا أن (ما) في أصلها لما لا يعقل، وقد تجيء بمعنى الذي، وهي تقع لمن يعقل ولما لا يعقل (١). والتسوية: التعديل. يعني أنه خلقها مكملة بكل ما تحتاج إليه، مؤهلة لقبول الخير والشر، غير أنه يجري عليها في حال وجودها وما لها ما سبق لها مما قضي به عليها. وفي حديث عمران هذا من الفقه جواز اختبار العالم عقول أصحابه الفضلاء بمشكلات المسائل، والثناء عليهم إذا أصابوا، وبيان العذر عن ذلك. والذي قضي عليها أنها إما من أهل السعادة وبعمل أهل السعادة الذي به تدخل الجنة تعمل، وإما من أهل الشقاوة، وبعمل أهل الشقاوة الذي به تدخل النار تعمل. كما قال تعالى (٢): هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، وهؤلاء للنار،\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (م ٤).\n(٢) في حديث قدسي.","vol":"6","page":663},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-970>(٥) باب الأعمال بالخواتيم</span>\n[٢٥٧٧] عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعمَلُ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ بِعَمَلِ أَهلِ الجَنَّةِ، ثُمَّ يُختَمُ لَهُ عَمَلُهُ بِعَمَلِ أَهلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعمَلُ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ بِعَمَلِ أَهلِ النَّارِ، ثُمَّ يُختَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهلِ الجَنَّةِ\nرواه أحمد (٢/ ٤٨٤)، ومسلم (٢٦٥١).\nــ\nوبعمل أهل النار يعملون، فطوبى لمن قضيتُ له بالخير، ويسرته عليه، والويل لمن قضيت عليه بالشر، ويسرته له. وما أحسن قول من قال: قِسَم قُسِمت، ونعوت أجريت، كيف تُجتلب بحركات، أو تُنال بسعايات! ومع ذلك فغيّب الله عنا المقادير، ومكننا من الفعل والترك؛ رفعا للمعاذير، وخاطبنا بالأمر والنهي خطاب المستقلين، ولم يجعل التمسك بسابق القدر حجة للمقصرين، ولا عذرا للمعتذرين، وعلق الجزاء على الأعمال، وجعلها له سببا، فقال تعالى: ﴿وَلِتُجزَى كُلُّ نَفسٍ بِمَا كَسَبَت﴾ وبـ مَا عَمِلَت، وقال في أهل الجنة: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعمَلُونَ﴾ وقال في أهل النار: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجحَدُونَ﴾ وقال: ﴿لِيَجزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجزِيَ الَّذِينَ أَحسَنُوا بِالحُسنَى﴾ وقال على لسان نبيه ﷺ: يا عبادي إنما هي أعمالكم أردها عليكم، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد الأخرى، فلا يلومن إلا نفسه (١). وكل ذلك من الله ابتلاء وامتحان، فيجب التسليم له والإذعان.\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ١٦٠)، ومسلم (٢٥٧٧)، والترمذي (٢٤٩٥)، وابن ماجه (٤٢٥٧).","vol":"6","page":664},{"text":"[٢٥٧٨] وقد تقدم حديث سهل بن سعد الساعدي في كتاب الإيمان.\nسبق في صحيح مسلم: كتاب الإيمان (١١٢) (١٧٩).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-971>(٦) باب محاجة آدم موسى ﵉</span>\n[٢٥٧٩] عن أبي هُرَيرَةَ قَالُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: احتَجَّ آدَمُ وموسى عند ربهما، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى،\nــ\n(٦) ومن باب: محاجة آدم وموسى، ﵉\n(قوله: احتج آدم وموسى عند ربهما) ظاهر هذا اللفظ، وهذه المحاجة أنهما التقيا بأشخاصهما، وهذا كما قررناه فيما تقدَّم في الأنبياء من إحيائهم بعد الموت كالشهداء، بل هم أولى بذلك، ويجوز أن يكون ذلك لقاء أرواح، وقد قال بكل قول منهما طائفة من علمائنا، وهذه العندية عندية اختصاص وتشريف، لا عندية مكان، فإنه تعالى منزه عن المكان والزمان، وإنما هي كما قال تعالى: ﴿إِنَّ المُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقعَدِ صِدقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُقتَدِرٍ﴾ أي: في محل التشريف والإكرام والاختصاص. وروى هذا الحديث بعضهم، وزاد فيه: إن هذا اللقاء كان بعد أن سأل موسى، فقال: يا رب أرِنا آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة، فأراه الله إياه، فقال: أنت آدم؟ فقال: نعم. وذكر الحديث.\nو(قوله: فحج آدمُ موسى) أي: غلبه بالحجَّة. يقال: حاججت فلانا فحججته، أي: غلبته.","vol":"6","page":665},{"text":"قَالَ مُوسَى: أَنتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِن رُوحِهِ، وَأَسجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَأَسكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ، ثُمَّ أَهبَطتَ النَّاسَ بِخَطِيئَتِكَ إِلَى الأَرضِ؛ فَقَالَ آدَمُ: أَنتَ مُوسَى الَّذِي اصطَفَاكَ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ، وَأَعطَاكَ الأَلوَاحَ فِيهَا تِبيَانُ كُلِّ شَيءٍ،\nــ\nو(قوله: أنت آدم الذي خلقك الله بيده) هو استفهام تقرير وإضافة الله خلق آدم إلى يده إضافة تشريف، ويصح أن يراد باليد هنا: القدرة والنعمة، إذ كلاهما موجود في اللسان مستعمل فيه، فأمَّا يد الجارحة فالله منزه عن ذلك قطعا.\nو(قوله: ونفخ فيك من روحه) يحتمل أن تكون (من) زائدة على المذهب الكوفي. ونفخ: بمعنى خلق، أي: خلق فيك روحه، فأضاف الروح إليه على جهة الملك تخصيصا وتشريفا، كما قال: بيتي، وعبادي. واستعار لـ (خلق): نفخ، لأنَّ الروح من نوع الريح، ويحتمل تأويلا آخر، والله بمراده أعلم، والتسليم للمتشابهات أسلم، وهي طريقة السلف وأهل الاقتداء من الخلف.\nو(قوله في الأم: أنت الذي خيبتنا، وأخرجتنا من الجنة) (١) أي: كنت سبب ذلك كله، وقال في رواية أخرى: أنت الذي أغويت الناس (٢) أي: كنت سبب غواية من غوى منهم، والغواية ضد الرشد، كما قال الله تعالى: ﴿قَد تَبَيَّنَ الرُّشدُ مِنَ الغَيِّ﴾ وقد يراد بها الخطأ، وعليها يحمل: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ أي: أخطأ صواب ما أمر به، وهذا أحسن ما قيل في ذلك، إن شاء الله تعالى.\nو(قوله: وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء) يعني: الألواح التي قال الله تعالى فيها: ﴿وَكَتَبنَا لَهُ فِي الأَلوَاحِ مِن كُلِّ شَيءٍ﴾ وهي\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٦٥٢) (١٣).\n(٢) رواه مسلم (٢٦٥٢) (١٤).","vol":"6","page":666},{"text":"وَقَرَّبَكَ نَجِيًّا فَبِكَم وَجَدتَ اللَّهَ كَتَبَ التَّورَاةَ قَبلَ أَن أُخلَقَ؛ قَالَ مُوسَى: بِأَربَعِينَ عَامًا. قَالَ آدَمُ: فَهَل وَجَدتَ فِيهَا: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ قَالَ: نَعَم قَالَ: أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَن عَمِلتُ عَمَلًا كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ أَن أَعمَلَهُ قَبلَ أَن يَخلُقَنِي بِأَربَعِينَ سَنَةً؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى.\nرواه أحمد (٢/ ٢٦٤)، والبخاريُّ (٣٤٥٩)، ومسلم (٢٦٥٢) (١٥)، والترمذيُّ (٢١٣٤).\n* * *\nــ\nجمع لوح، بفتح اللام، وسُمي بمصدر لاح الشيء يلوح لوحا: إذا ظهر، وسُمي بذلك لظهور ما يُكتب فيه. فأما اللُّوح - بضم اللام - فهو ما بين السماء والأرض. قال مجاهد: كانت الألواح سبعة من زمردة خضراء. وقال ابن جبير: من ياقوتة حمراء. ومعنى كتبنا: أمرنا من يكتب، أو خلق فيها قوما وخطوطا مكتوبة مثل الذي يكتب بالأقلام. وقوله: ﴿مِن كُلِّ شَيءٍ﴾ أي: كل شيء قصد إلى تبيينه، أو من كل نوع شيئا، أو من كل أصل فرعا.\nو(قوله: وقربك نجيا) أي: للمناجاة وهي: المسارة. والتقريب: بالمرتبة، لا بالموضع والمكان.\nو(قوله: أفتلومني على أن عملت عملا كتبه الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة. قال: فحج آدمُ موسى) ظاهر هذا أن آدم إنما غلب موسى بالحجة؛ لأنه اعتذر بما سبق له من القدر عما صدر عنه من المخالفة، وقبل عذره، وقامت بذلك حجته؛ فإن صح هذا لزم عليه أن يحتج به كل من عصى ويعتذر بذلك فيقبل عذره، وتثبت حجته، فحينئذ تكون للعصاة على الله حجَّة، وهو مناقض لقوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البَالِغَةُ﴾ وقد اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث فقيل: إما غلبه آدم بالحجة، لأنَّ آدم أبو موسى، وموسى ابن، ولا يجوز لوم الابن أباه، ولا عتبه.","vol":"6","page":667},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-972>(٧) باب كتب الله المقادير قبل الخلق وكل شيء بقدر</span>\n[٢٥٨٠] عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبلَ أَن يَخلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ بِخَمسِينَ أَلفَ سَنَةٍ.\nــ\nقلت: وهذا نأي عن معنى الحديث، وعما سيق له، وقيل: إنما كان ذلك لأنَّ موسى قد كان علم من التوراة أن الله تعالى قد جعل تلك الأكلة سبب إهباطه من الجنة، وسكناه الأرض، ونشر نسله فيها ليكلفهم ويمتحنهم ويرتب على ذلك ثوابهم وعقابهم الأخروي.\nقلت: وهذا إبداء حكمة تلك الأكلة، لا انفصال عن إلزام تلك الحجَّة، والسؤال باق لم ينفصل عنه.\nوقيل: إنما توجهت حجته عليه لأنَّه قد علم من التوراة ما ذكروا أن الله تاب عليه واجتباه وأسقط عنه اللوم والعتب. فلوم موسى وعتبه له - مع علمه بأن الله تعالى قدر المعصية وقضى بالتوبة، وبإسقاط اللوم والمعاتبة، حتى صارت تلك المعصية كأن لم تكن - وقع في غير محله، وعلى غير مستحقه، وكان هذا من موسى نسبة جفاء في حالة صفاء، كما قال بعض أرباب الإشارات: ذكر الجفاء في حال الصفاء جفاء. وهذا الوجه إن شاء الله أشبه ما ذكر، وبه يتبين أن ذلك الإلزام لا يلزم، والله أعلم.\n(٧) ومن باب: كتب الله المقادير قبل الخلق وكل شيء بقدر (١)\n(قوله: كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة) أي: أثبتها في اللوح المحفوظ، كما قلناه آنفا، أو فيما شاء، فهو\n_________\n(١) هذا العنوان لم يرد في نسخ المفهم، واستدركناه من التلخيص.","vol":"6","page":668},{"text":"قَالَ: وَعَرشُهُ عَلَى المَاءِ.\nرواه مسلم (٢٦٥٣) (١٦)، والترمذي (٢١٥٧).\nــ\nتوقيت للكتب لا للمقادير، لأنَّها راجعة إلى علم الله تعالى وإرادته، وذلك قديم لا أول له، ويستحيل عليه تقديره بالزمان؛ إذ الحق ﷾ بصفاته موجود، ولا زمان ولا مكان، وهذه الخمسون ألف سنة ستون تقديرية؛ إذ قبل خلق السماوات لا يتحقق وجود الزمان؛ فإنَّ الزمان الذي يُعبر عنه بالسنين والأيام والليالي؛ إنما هو راجع إلى أعداد حركات الأفلاك، وسير الشمس والقمر في المنازل والبروج السماوية، فقبل السماوات لا يوجد ذلك، وإنما يرجع ذلك إلى مدة في علم الله تعالى لو كانت السماوات موجودة فيها لعُددت بذلك العدد، وهذا نحو مما قاله المفسرون في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ أي: في مقدار ستة أيام، ثم هذه الأيام كل يوم منها مقدار ألف سنة من سني الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ يَومًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ وكقوله: ﴿فِي يَومٍ كَانَ مِقدَارُهُ أَلفَ سَنَةٍ﴾ هذا قول ابن عباس وغيره من سلف المفسرين على ما رواه الطبري في تاريخه عنهم، ويحتمل أن يكون ذكر الخمسين ألفا جاء مجيء الإغياء في التكثير، ولم يرد عين ذلك العدد، فكأنه قال: كتب الله مقادير الخلائق قبل خلق هذا العالم بآماد كثيرة، وأزمان عديدة، وهذا نحو مما قلناه في قوله تعالى: ﴿إِن تَستَغفِر لَهُم سَبعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغفِرَ اللَّهُ لَهُم﴾ والأول أظهر وأولى.\nو(قوله: وعرشه على الماء) أي: قبل خلق السماوات والأرض. حكي عن كعب الأحبار أن أول ما خلق الله تعالى ياقوتة خضراء، فنظر إليها بإلهيته فصارت ماء ثم وضع عرشه على الماء. قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرشُهُ عَلَى المَاءِ﴾ أي: فوق الماء؛ إذ لم يكن سماء ولا أرض.\nقلت: أقوال المفسرين كثيرة، والمسند المرفوع منها قليل، وكل ذلك","vol":"6","page":669},{"text":"[٢٥٨١] وعَن طَاوُسٍ: أَنَّهُ قَالَ: أَدرَكتُ نَاسًا مِن أَصحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُونَ: كُلُّ شَيءٍ بِقَدَرٍ. قَالَ: وَسَمِعتُ عَبدَ اللَّهِ بنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كُلُّ شَيءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى العَجزِ وَالكَيسِ، أَو الكَيسِ وَالعَجزِ.\nرواه أحمد (٢/ ١١٠)، ومسلم (٢٦٥٥).\nــ\nممكن، والله تعالى أعلم بحقيقة ذلك. والذي نعلمه قطعا: أن الله تعالى قديم، لا أول لوجوده، فكان موجودا وحده، ولا موجود سواه، ثم اخترع بقدرته وإرادته ما سبق في علمه، ونفذت به مشيئته، كما شاء ومتى شاء، والذي نعلم استحالته قطعا: أزلية شيء غير الله تعالى من عرش، أو كرسي، أو ماء، أو هواء، أو أرض، أو سماء؛ إذ كل ذلك ممكن في نفسه، وكل موجود ممكن محدث؛ ولأن كل ذلك لا يخلو عن الحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث حادث على ما تُعرف حقيقته في موضعه؛ ولأنه المعلوم الضروري من الشرع، فمن شك فيه أو جحده، فهو كافر، ومما يعلم استحالته: كون العرش حاملا لله تعالى، وأن الله تعالى مستقر عليه كاستقرار الأجسام؛ إذ لو كان محمولا لكان محتاجا فقيرا لما يحمله، وذلك ينافي وصف الإلهية؛ إذ أخص أوصاف الإله (١): الاستغناء المطلق، ولو كان ذلك للزم كونه جسما مقدرا، ويلزم كونه حادثا على ما سبق؛ فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: ﴿الرَّحمَنُ عَلَى العَرشِ استَوَى﴾ قيل: له محامل واضحة، وتأويلات صحيحة، غير أن الشرع لم يعين لنا محملا من تلك المحامل، فيتوقف في التعيين ويسلك مسلك السلف الصالح في التسليم.\nو(قوله: كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس) قيدناه بكسر الزاي والسين وضمهما. و(حتى) هي العاطفة، والرفع عطف على (كل) والخفض على (شيء).\n_________\n(١) في (ز): الإلهية.","vol":"6","page":670},{"text":"[٢٥٨٢] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: جَاءَ مُشرِكُو قُرَيشٍ يُخَاصِمُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي القَدَرِ فَنَزَلَت: ﴿يَومَ يُسحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِم ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقنَاهُ بِقَدَرٍ﴾\nرواه مسلم (٢٦٥٦)، والترمذيُّ (٣٢٨٦).\n* * *\nــ\nوالكيس بفتح الكاف، لا يجوز غيره، ومعنى هذا الحديث: أن ما من شيء يقع في هذا الوجود كائنا كان إلا وقد سبق به علم الله تعالى، ومشيئته؛ سواء كان من أفعالنا أو صفاتنا، أو من غيرها، ولذلك أتى بـ (كل) التي هي للاستغراق والإحاطة، وعقبها بحتى التي هي للغاية، حتى لا يخرج عن تلك المقدمة الكلية من الممكنات شيء ولا يتوهم فيها تخصيص، وإنما جعل العجز والكيس غاية لذلك ليبين أن أفعالنا، وإن كانت معلومة ومرادة لنا، فلا تقع منا إلا بمشيئة الله تعالى وإرادته وقدرته، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وصار هذا من نحو قول العرب: قدم الحاج حتى المشاة. فيكون معناه: أن كل ما يقع في الوجود بقدر الله ومشيئته، حتى ما يقع منكم بمشيئتكم. والعجز: التثاقل عن المصالح حتى لا تحصل، أو تحصل لكن على غير الوجه المرضي. والكيس: نقيض ذلك، وهو الجد والتشمير في تحصيل المصالح على وجوهها، والعجز في أصله: معنى من المعاني مناقض للقدرة، وكلاهما من الصفات المتعلقات بالممكنات على ما يُعرف في علم الكلام.\n* * *","vol":"6","page":671},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-973>(٨) باب تصريف الله تعالى القلوب وكتب على ابن آدم حظه من الزنا</span>\n[٢٥٨٣] عن عَبدَ اللَّهِ بنَ عَمرِو بنِ العَاصِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَينَ إِصبَعَينِ مِن أَصَابِعِ الرَّحمَنِ، كَقَلبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيثُ يَشَاءُ،\nــ\n(٨) ومن باب: تصريف الله تعالى القلوب وكتب على ابن آدم حظه من الزنا (١)\n(قوله: قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد، يصرفه كيف يشاء) ظاهر الإصبع محال على الله تعالى قطعا لما قلناه آنفا، ولأنه لو كانت له أعضاء وجوارح؛ لكان كل جزء منه مفتقرا للآخر، فتكون جملته محتاجة، وذلك يناقض الإلهية، وقد تأول بعض أئمتنا هذا الحديث فقال: هذا استعارة جارية مجرى قولهم: فلان في كفي، وفي قبضتي. يراد به أنه متمكن من التصرف فيه والتصريف له، كيف شاء، وأمكن من ذلك في المعنى، مع إفادة التيسير أن يقال: فلان بين إصبعيّ، أصرفه كيف شئت. يعني: أن التصرف متيسر عليه غير متعذر. وقال بعضهم: يحتمل أن يريد بالإصبع هنا النعمة. وحكي أنه يقال: لفلان عندي إصبع حسنة، أي: نعمة. كما قيل في اليد. فإن قيل: فلأي شيء ثنى الإصبع، ونعمه كثيرة لا تحصى؛ قلنا: لأن النعم وإن كانت كذلك، فهي قسمان: نفع ودفع، فكأنه قال: قلوب بني آدم بين أن يصرف الله عنها ضرا، وبين أن يوصل إليها نفعا.\n_________\n(١) هذا العنوان لم يردْ في نسخ المفهم، واستدركناه من التلخيص.","vol":"6","page":672},{"text":"ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ القُلُوبِ صَرِّف قُلُوبَنَا إلَى طَاعَتِكَ.\nرواه أحمد (٢/ ١٦٨)، ومسلم (٢٦٥٤).\n[٢٥٨٤] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا رَأَيتُ شَيئًا أَشبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيرَةَ\nــ\nقلت: وهذا لا يتم حتى يقال: إن بني آدم - هنا - يراد بهم الصالحون الذين تولى الله حفظ قلوبهم. وأما الكفار والفساق، فقد أوصل الله تعالى إلى قلوبهم ما شاءه وبهم من الطبع والختم والرين، وغير ذلك. وحينئذ يخرج الحديث عن مقصوده، فالتأويل الأول أولى، وقد قلنا: إن التسليم الطريق السليم.\nو(قوله: اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك) هذا الكلام يعضد ذلك التأويل الأول، وقد وقع هذا الحديث في غير كتاب مسلم فقال: يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك. وهما بمعنى واحد؛ وحاصله: أن أحوال القلوب منتقلة غير ثابتة ولا دائمة. فحق العاقل أن يحذر على قلبه من قلبه، ويفزع إلى ربه في حفظه.\nو(قوله: ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة) هذا من ابن عباس تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثمِ وَالفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾ وهي ما دون الكبائر. والفواحش: هي الصغائر. وقال زيد بن ثابت - ﵁ -: هي ما ألمّوا به في الجاهلية. وقيل: هي مقاربة المعصية من غير إلمام. وقيل: الذنب الذي يقلع عنه ولا يصر عليه، وقيل غير هذا. وأشبه هذه الأقوال القول الأول. وعليه يدلّ قوله ﷺ: الصلوات الخمس مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر (١)، والفواحش: جمع فاحشة، وهي ما يُستفحش من الكبائر كالزنا بذوات المحارم، واللواط، ونحو ذلك.\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٤٨٤)، ومسلم (٢٣٣)، والترمذي (٢١٤).","vol":"6","page":673},{"text":"أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابنِ آدَمَ حَظَّهُ مِن الزِّنَا أَدرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ فَزِنَا العَينَينِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ النُّطقُ، وَالنَّفسُ تَمَنَّى وَتَشتَهِي، وَالفَرجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَو يُكَذِّبُهُ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٧٦)، والبخاريُّ (٦٦١٢)، ومسلم (٢٦٥٧) (٢٠).\n[٢٥٨٥] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: كُتِبَ عَلَى ابنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِن الزِّنَا مُدرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَالعَينَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاستِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الكَلَامُ، وَاليَدُ زِنَاهَا البَطشُ، وَالرِّجلُ زِنَاهَا الخُطَا، وَالقَلبُ يَهوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الفَرجُ وَيُكَذِّبُهُ.\nرواه مسلم (٢٦٥٧) (٢١).\n* * *\nــ\nو(قوله: إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا) أي؛ قضاه وقدره، وهو: نص في الرد على القدرية.\nو(قوله: مدرك ذلك لا محالة) كذا صح، وهو مرفوع على أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: فهو مدرك ذلك ولا محالة، أي: لا بد من وقوع ذلك منه.\nو(قوله: فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى) يعني: أن هواه وتمنيه هو زناه. وإنَّما أطلق على هذه الأمور كلها: زنا، لأنَّها مقدماتها، إذ لا يحصل الزنا الحقيقي في الغالب إلا بعد استعمال هذه الأعضاء في تحصيله. والزنا الحقيقي: هو إيلاج الفرج المحرم شرعا في مثله. ألا ترى قوله: ويصدق ذلك الفرج ويكذبه يعني: إن حصل إيلاج الفرج الحقيقي، ثم","vol":"6","page":674},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-974>(٩) باب كل مولود يولد على الفطرة وما جاء في أولاد المشركين وغيرهم، وفي الغلام الذي قتله الخضر</span>\n[٢٥٨٦] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا مِن مَولُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطرَةِ - وفي رواية: على هذه الملة - أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمعَاءَ هَل تُحِسُّونَ فِيهَا مِن جَدعَاءَ؛ ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيرَةَ: وَاقرَؤُوا إِن شِئتُم: ﴿فِطرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيهَا لا تَبدِيلَ لِخَلقِ اللَّهِ﴾\nــ\nزنا تلك الأعضاء، وثبت إثمه، وإن لم يحصل ذلك واجتنب كفر زنا تلك الأعضاء، كما قال تعالى: ﴿إِن تَجتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنهَونَ عَنهُ نُكَفِّر عَنكُم سَيِّئَاتِكُم﴾\n(٩) ومن باب: كل مولود يولد على الفطرة وما جاء في أولاد المشركين وغيرهم وفي الغلام الذي قتله الخضر (١)\n(قوله: كل مولود يولد على الفطرة) قد تقدَّم: أن أصل الفطرة: الخلقة المبتدأة، وقد اختلف الناس في الفطرة المذكورة في هذا الحديث وفي الآية، فقيل: هي سابقة السعادة والشقاوة، وهذا إنما يليق بالفطرة المذكورة في القرآن، لأنَّ الله تعالى قال: ﴿لا تَبدِيلَ لِخَلقِ اللَّهِ﴾ وأما في الحديث فلا، لأنَّه\n_________\n(١) هذا العنوان لم يردْ في نسخ المفهم، واستدركناه من التلخيص.","vol":"6","page":675},{"text":"وفي رواية: حَتَّى تَكُونُوا أَنتُم تَجدَعُونَهَا. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ\nــ\nقد أخبر في بقية الحديث: بأنها تبدل وتغير، وقيل: هي ما أُخذ عليهم من الميثاق وهم في أصلاب آبائهم. وهذا إنما يليق بالرواية التي جاء فيها: كل مولود يولد على الفطرة ويبعد في رواية من رواه: على هذه الملة وهي إشارة إلى ملة الإسلام.\nوقال بظاهر هذه الآية طائفة من المتأولين، وهذا القول أحسن ما قيل في ذلك - إن شاء الله تعالى - لصحَّة هذه الرواية، ولأنها مبينة لرواية من قال: على الفطرة. ومعنى الحديث: إن الله تعالى خلق قلوب بني آدم مؤهلة لقبول الحق، كما خلق أعينهم وأسماعهم قابلة للمرئيات والمسموعات، فما دامت باقية على ذلك القبول، وعلى تلك الأهلية أدركت الحق. ودين الإسلام هو الدين الحق، وقد جاء ذلك صريحا في الصحيح: جبل الله الخلق على معرفته، فاجتالتهم الشياطين (١) وقد تقدَّم هذا المعنى، وقد دل على صحة هذا المعنى بقية الخبر، حيث قال: كما تُنتَج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء يعني: أن البهيمة تلد ولدها كامل الخلق، سليما من الآفات، فلو نزل على أصل تلك الخلقة لبقي كاملا بريئا من العيوب، لكن يُتصرف فيه، فتجدع أذنه، ويوسم وجهه، فتطرأ عليه الآفات والنقائص، فيخرج عن الأصل، وكذلك الإنسان، وهو تشبيه واقع، ووجهه واضح. والرواية تُنتج بضم التاء الأولى، وفتح الثانية، مبنيا لما لم يُسمَّ فاعله. يقال ذلك إذا ولدت، ومصدرها نتاجا، وقد نتجها أهلها نَتجا، بفتح النون والتاء، مبنيا للفاعل. وهم ناتجوها: إذا ولدت عندهم وتولوا نتاجها. وحكى الأخفش فيه أنه يقال: أنتجت الناقة، رباعيا. ويقال: أنتجت الفرس والناقة: حان نتاجهما. وقال يعقوب: إذا استبان حملها، فهي نتوج، ولا يقال: منتج (٢)، وأتت\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٨٦٥) بنحوه.\n(٢) في (ز). نتيج. والمثبت من (ع) و(ز) والصحاح مادة (نتج).","vol":"6","page":676},{"text":"أَفَرَأَيتَ مَن يَمُوتُ صَغِيرًا؛ قَالَ: اللَّهُ أَعلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ.\nوفي أخرى: لَيسَ مِن مَولُودٍ يُولَدُ إِلَّا عَلَى هَذِهِ الفِطرَةِ حَتَّى يُعَبِّرَ عَنهُ لِسَانُهُ.\nوفي أخرى: كُلُّ إِنسَانٍ تَلِدُهُ أُمُّهُ يَلكُزُ الشَّيطَانُ فِي حِضنَيهِ، إِلَّا مَريَمَ وَابنَهَا.\nرواه أحمد (٢/ ٣٤٦)، والبخاريُّ (٤٧٧٥)، ومسلم (٢٦٥٨) (٢٢ - ٢٣، ٢٥)، وأبو داود (٤٧١٤)، والترمذي (٢١٣٩).\nــ\nالناقة على منتجها - بكسر الجيم - أي: الوقت الذي تنتج فيه. ونصب (جمعاء) على الحال، وبهيمة: منصوبة على التوطئة لتلك الحال. والجذع: القطع. وتحسون: تدركون بحسكم وحواسكم.\nو(قوله: ما من مولود إلا يولد) كذا لكلهم غير السمرقندي، فعنده (تلد) بتاء باثنتين من فوقها مضمومة، وبكسر اللام على وزن: ولد، وضرب، وتخرج على ما ذكر الهجري في نوادره. قال: يقال وُلد وتلد بمعنى، ويكون على إبدال الواو تاء لانضمامهما.\nو(قوله: كل ابن آدم يلكز الشيطان في حضنيه) كذا لجميعهم. والحضن: الجنب. وقيل: الخاصرة، غير أن ابن ماهان رواه: خصييه، تثنية خصية، وهو وهم وتصحيف، بدليل قوله: إلا مريم وابنها.\nو(قوله: أرأيت من يموت صغيرا) هذا السؤال إنما كان عن أولاد المشركين، كما جاء مفسرا من حديث ابن عباس: فأمَّا أولاد المؤمنين فقد تقدم الاستدلال على أنهم في الجنة، وأما أطفال المشركين فاختُلف فيهم على ثلاثة أقوال: فقيل: في النار مع آبائهم، وقيل: في الجنة، وقيل: تؤجج لهم نار","vol":"6","page":677},{"text":"[٢٥٨٧] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن أَطفَالِ المُشرِكِينَ فقَالَ: اللَّهُ أَعلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ إِذ خَلَقَهُم.\nــ\nويؤمرون بدخولها، فمن أطاع منهم دخل الجنة، ومن عصى منهم دخل النار. وذهب قوم - وأحسبهم من غير أهل السنة - فقالوا: يكونون في برزخ. وسبب اختلاف الثلاثة الأقوال: اختلاف الآثار في ذلك، ومخالفة بعضها لظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبعَثَ رَسُولا﴾ والصبي والمجنون لا يفهمون ولا يخاطبون، فهم كالبهائم، فلم يبعث إليهم رسول، فلا يعذبون. والحاصل من مجموع ذلك - وهو القول الحق الجاري على أصول أهل الحق - أن العذاب المترتب على التكليف لا يعذبه من لم يكلف. ثم لله تعالى أن يعذب من شاء ابتداء من غير تكليف من صبي أو مجنون، أو غير ذلك بحكم المالكية، وأنه لا حجر عليه، ولا حكم، فلا يكون ظالما بشيء من ذلك إن فعله، كما قررناه في الباب قبل هذا. وعلى هذا يدلّ قوله - ﷺ - في حديث عائشة - ﵂ -: إن الله خلق للجنة أهلا، وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلا، وهم في أصلاب آبائهم. قد قدمنا: أن الأعمال معرفات لا موجبات.\nو(قوله: الله أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم) معناه: الله أعلم بما جبلهم عليه، وطبعهم عليه، فمن خلقه الله تعالى على جبلة المطيعين كان من أهل الجنة، ومن خلقه الله على جبلة الكفار من القسوة والمخالفة، كان من أهل النار. وهذا كما قال في غلام الخضر: طُبع يوم طبع كافرا. وهذا الثواب والعقاب ليس مرتبا على تكليف ولا مرتبطا به، وإنما هو بحكم علمه ومشيئته. وأما من قال: إنهم في النار مع آبائهم، فمعتمده قوله ﷺ: هم من آبائهم (١). ولا حجَّة فيه لوجهين:\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ٣٨ و٧١)، ومسلم (١٧٤٥) (٢٨)، وأبو داود (٤٧١٢)، والترمذي (١٥٧٠).","vol":"6","page":678},{"text":"رواه البخاريُّ (١٣٨٣)، ومسلم (٢٦٦٠)، وأبو داود (٤٧١١)، والنسائي (٤/ ٥٩).\n[٢٥٨٨] وعنه؛ عَن أُبَيِّ بنِ كَعبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ الغُلَامَ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ طُبِعَ يوم طبع كَافِرًا، وَلَو عَاشَ لَأَرهَقَ أَبَوَيهِ طُغيَانًا وَكُفرًا.\nرواه أحمد (٥/ ١٢١)، ومسلم (٢٦٦١)، وأبو داود (٤٧٠٥ و٤٧٠٦)، والترمذيُّ (٣١٥٠).\n[٢٥٨٩] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: دُعِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى جَنَازَةِ صَبِيٍّ مِن الأَنصَارِ فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ طُوبَى لِهَذَا عُصفُورٌ مِن عَصَافِيرِ الجَنَّةِ لَم يَعمَل السُّوءَ، وَلَم يُدرِكهُ قَالَ: أَوَ غَيرَ ذَلِكَ يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ لِلجَنَّةِ\nــ\nأحدهما: أن المسألة علمية، وهذا خبر واحد، وليس نصا في الفرض.\nوثانيهما: سلمناه، لكنا نقول ذلك في أحكام الدنيا، وعنها سئل، وعليها خرج الحديث، وذلك أنهم قالوا: يا رسول الله إنا نُبيّت أهل الدار من المشركين، وفيهم الذراري. فقال: هم من آبائهم، يعني في جواز القتل في حال التبييت، وفي غير ذلك من أحكام آبائهم الدنيوية، والله تعالى أعلم.\nو(قول عائشة - ﵂ - في الصبي الأنصاري المتوفى: عصفور من عصافير الجنة) إنما قالت هذا عائشة، لأنَّها بنت على أن كل مولود يولد على فطرة الإسلام، وأن الله تعالى لا يعذب حتى يبعث رسولا، فحكمت بذلك، فأجابها النبي ﷺ بما ذكر.","vol":"6","page":679},{"text":"أَهلًا خَلَقَهُم لَهَا، وَهُم فِي أَصلَابِ آبَائِهِم، وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهلًا خَلَقَهُم لَهَا وَهُم فِي أَصلَابِ آبَائِهِم.\nرواه أحمد (٦/ ٢٠٨)، ومسلم (٢٦٦٢) (٣١)، وأبو داود (٤٧١٣)، والنسائي (٤/ ٥٧)، وابن ماجه (٨٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-975>(١٠) باب الآجال محدودة والأرزاق مقسومة</span>\n[٢٥٩٠] عَن عَبدِ اللَّهِ بن مسعود قَالَ: قَالَت أُمُّ حَبِيبَةَ: اللَّهُمَّ متعنِي بِزَوجِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَبِأَبِي أَبِي سُفيَانَ، وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ فَقَالَ\nــ\nو(قوله: وهم في أصلاب آبائهم) لا يعارض ما تقدَّم من قوله أنه يكتب وهو في بطن أمه شقي أو سعيد؛ لما قدمناه من أن قضاء الله وقدره راجع إلى علمه وقدرته، وهما أزليان، لا أول لهما. ومقصود هذه الأحاديث كلها أن قدر الله سابق على حدوث المخلوقات، وأن الله تعالى يظهر من ذلك ما شاء لمن شاء متى شاء قبل وجود الأشياء.\n(١٠) ومن باب: الآجال محدودة والأرزاق مقسومة (١)\n(قول أم حبيبة: اللهم متعني بزوجي رسول الله ﷺ، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية) أي: أطل أعمارهم حتى أتمتع بهم زمانا طويلا.\n_________\n(١) هذا العنوان لم يردْ في نسخ المفهم، واستدركناه من التلخيص.","vol":"6","page":680},{"text":"رسول الله ﷺ: إِنَّكِ سَأَلتِ اللَّهَ لِآجَالٍ مَضرُوبَةٍ، وَآثَارٍ مَوطُوءَةٍ، وَأَرزَاقٍ مَقسُومَةٍ لَا يُعَجِّلُ شَيئًا مِنهَا قَبلَ حِلِّهِ، وَلَا يُؤَخِّرُ مِنهَا شَيئًا بَعدَ حِلِّهِ، وَلَو سَأَلتِ اللَّهَ أَن يُعَافِيَكِ مِن عَذَابٍ النَّارِ، وَعَذَابٍ فِي القَبرِ لَكَانَ خَيرًا لَكِ. قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، القِرَدَةُ وَالخَنَازِيرُ هِيَ مِمَّا مُسِخَ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ ﷿ لَم يُهلِك قَومًا أَو يُعَذِّب قَومًا، فَيَجعَلَ لَهُم نَسلًا، وَإِنَّ القِرَدَةَ وَالخَنَازِيرَ كَانُوا قَبلَ ذَلِكَ.\nوفي رواية: ولأيام معدودة (بدل) آثار موطوءة.\nرواه أحمد (١/ ٤١٣)، ومسلم (٢٦٦٣) (٣٢ و٣٣).\n* * *\nــ\nو(قوله: لا يعجل شيئا منها قبل حله، ولا يؤخر شيئا منها بعد (١) حله) كذا الرواية بفتح الحاء في الموضعين، وهو مصدر حل الشيء يحل حلا وحلولا ومحلا، والمحل أيضًا: الموضع الذي يحل فيه، أي: ينزل.\nو(قوله: لقد سألت الله لآجال مضروبة. . . . إلى آخره)، ثم قال بعد هذا: ولو سألت الله أن يعافيك من عذاب في القبر، وعذاب في النار (٢)، كان خيرا لك. وقد أورد بعض علمائنا على هذا سؤالا، فقال: ما معنى صرفه لها عن الدعاء بطول الأجل، وحضه لها على العياذ من عذاب القبر. وكل ذلك مقدر لا يدفعه أحد ولا يرده سبب؛ فالجواب: أنه ﷺ لم ينهها عن الأول، وإنَّما أرشدها إلى ما هو الأولى والأفضل، كما نص عليه، ووجهه: أن الثاني أولى وأفضل؛ أنه قيام بعبادة الاستعاذة من عذاب النار والقبر، فإنَّه قد تعبدنا بها في غير ما حديث،\n_________\n(١) وردت في نسخ المفهم (قبل) والصواب ما أثبتناه من التلخيص.\n(٢) كذا في نسخ المفهم، وفي التلخيص وصحيح مسلم: \"من عذاب النار وعذاب في القبر\".","vol":"6","page":681},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-976>(١١) باب الأمر بالتقوى والحرص على ما ينفع وترك التفاخر</span>\n[٢٥٩١] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: المُؤمِنُ القَوِيُّ خَيرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِن المُؤمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيرٌ احرِص عَلَى مَا يَنفَعُكَ، وَاستَعِن بِاللَّهِ وَلَا تَعجَز،\nــ\nولم يتعبدنا بشيء من القسم الذي دعت هي به، فافترقا. وأيضًا: فإنَّ من عذاب القبر والنار تذكير بهما، فيخافهما المؤمن، فيحذرهما، ويتقيهما، فيجعل من المتقين الفائزين بخير الدنيا والآخرة.\n(١١) ومن باب: الأمر بالتقوى والحرص على ما ينفع\n(قوله: المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف) أي: القوي البدن والنفس، الماضي العزيمة، الذي يصلح للقيام بوظائف العبادات من الصوم، والحج، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصبر على ما يصيبه في ذلك، وغير ذلك مما يقوم به الدين، وتنهض به كلمة المسلمين، فهذا هو الأفضل والأكمل، وأما من لم يكن كذلك من المؤمنين، ففيه خير من حيث كان مؤمنا، قائما بالصلوات، مكثرا لسواد المسلمين، ولذلك قال ﷺ: وفي كل خير لكنه قد فاته الحظ الأكبر، والمقام الأفخر.\nو(قوله: احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز) أي: استعمل الحرص والاجتهاد في تحصيل ما تنتفع به في أمر دينك ودنياك التي تستعين بها على صيانة دينك، وصيانة عيالك، ومكارم أخلاقك، ولا تفرط في طلب ذلك، ولا تتعاجز عنه متكلا على القدر، فتنسب للتقصير، وتلام على التفريط شرعا وعادة. ومع إنهاء الاجتهاد نهايته، وإبلاغ الحرص غايته، فلا بد من الاستعانة","vol":"6","page":682},{"text":"وَإِن أَصَابَكَ شَيءٌ فَلَا تَقُل: لَو أَنِّي فَعَلتُ لكَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِن قُل: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَو تَفتَحُ عَمَلَ الشَّيطَانِ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٦٦)، ومسلم (٢٦٦٤)، وابن ماجه (٤١٦٨).\n* * *\nــ\nبالله، والتوكل عليه، والالتجاء في كل الأمور إليه، فمن سلك هذين الطريقين حصل على خير الدارين.\nو(قوله: وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا. قل: قدر الله، وما شاء فعل) يعني: إن الذي يتعين بعد وقوع المقدور التسليم لأمر الله، والرضا بما قدره الله تعالى، والإعراض عن الالتفات لما مضى وفات. فإنَّ افتكر فيما فاته من ذلك وقال: لو أني فعلت كذا لكان كذا، جاءته وساوس الشيطان، ولا تزال به حتى تفضي به إلى الخسران؛ لتعارض توهم التدبير سابق المقادير، وهذا هو عمل الشيطان الذي نهى عنه النبي ﷺ بقوله: فلا تقل: لو، فإنَّ لو تفتح عمل الشيطان. ولا يفهم من هذا: أنَّه لا يجوز النطق بـ (لو) مطلقا؛ إذ قد نطق بها النبي ﷺ فقال: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسُق الهدي، ولجعلتها عمرة (١). ولو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمت هذه (٢). وقال أبو بكر - ﵁ -: لو أن أحدهم نظر إلى رجليه لرآنا. ومثله كثير، لأنَّ محل النهي عن إطلاقها إنما هو فيما إذا أطلقت في معارضة القدر، أو مع اعتقاد أن ذلك المانع لو ارتفع لوقع خلاف المقدور، فأمَّا لو أخبر بالمانع على جهة أن تتعلق به فائدة في المستقبل، فلا يختلف في جواز إطلاقه؛ إذ ليس في ذلك فتح لعمل الشيطان، ولا شيء يفضي إلى ممنوع، ولا حرام، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٥٠٦)، ومسلم (١٢١١) (١٣٠).\n(٢) رواه البخاري (٧٢٣٨)، ومسلم (١٤٩٧) (١٣).","vol":"6","page":683},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-977>(٣٦) كتاب العلم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-978>(١) باب فضل من تعلم وتفقه في القرآن</span>\n[٢٥٩٢] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن نَفَّسَ عَن مُسلم كُربَةً مِن كُرَبِ الدُّنيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنهُ كُربَةً مِن كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَن يَسَّرَ عَلَى مُعسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيهِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، وَمَن سَتَرَ مُسلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَونِ العَبدِ مَا كَانَ العَبدُ فِي عَونِ أَخِيهِ، وَمَن سَلَكَ طَرِيقًا يَلتَمِسُ فِيهِ عِلمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ،\nــ\n(٣٦) كتاب العلم\n(١) ومن باب: فضائل طلب العلم\n(قوله: من سلك طريقا يلتمس فيه علما سلك (١) الله به طريقا إلى الجنة) أي: من مشى إلى تحصيل علم شرعي قاصدا به وجه الله تعالى، جازاه الله عليه بأن يوصله إلى الجنة مسلما مكرما. ويلتمس: معناه يطلب، كما قال: التمس ولو\n_________\n(١) كذا في المفهم، وفي التلخيص وصحيح مسلم: \"سَهَّلَ\".","vol":"6","page":684},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nخاتما من حديد (١) وهو حض وترغيب في الرحلة في طلب العلم والاجتهاد في تحصيله، وقد ذكر أبو داود هذا الحديث من حديث أبي الدرداء، وزاد زيادات حسنة، فقال: عن أبي الدرداء - ﵁ - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من سلك طريقا يلتمس فيه علما سلك الله به طريقا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر (٢) وهذا حديث عظيم يدل على أن طلب العلم أفضل الأعمال، وأنه لا يبلغ أحد رتبة العلماء، وأن رتبتهم ثانية عن رتبة الأنبياء.\nو(قوله: إن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم) قيل: معناه تخضع له وتعظمه، وقيل: تبسطها له بالدعاء، لأنَّ جناح الطائر يده.\nو(قوله: وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض)، يعني بـ من هنا: من يعقل، وما لا يعقل، غير أنه غلب عليه من يعقل، بدليل أن هذا الكلام قد جاء في غير كتاب أبي داود، فقال: حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت في جوف الماء (٣)، وعلى هذا المعنى يدلّ - من حديث أبي داود هذا - عطف الحيتان بالواو على (من في السماوات، ومن في الأرض) فإنَّه يفيد أن من يعقل وما لا يعقل، يستغفر للعالم؛ فأمَّا استغفار من يعقل فواضح؛ فإنَّه دعاء له\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٣٣٦)، والبخاري (٥١٤٩)، ومسلم (١٤٢٥)، والترمذي (١١١٤)، والنسائي (٦/ ١٢٣)، وابن ماجه (١٨٨٩).\n(٢) رواه أبو داود (٣٦٤١)، والترمذي (٢٦٨٢)، وابن ماجه (٢٢٣).\n(٣) رواه الترمذي (٢٦٨٥) عن أبي أمامة.","vol":"6","page":685},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nبالمغفرة، وأما استغفار ما لا يعقل، فهو - والله أعلم - أن الله يغفر له، ويأجره بعدد كل شيء لحقه أثر من علم العالم. وبيان ذلك: أن العالم يبين حكم الله تعالى في السماوات وفي الأرض، وفي كل ما فيهما، وما بينهما، فيغفر له ذنبه، ويعظم له أجره بحسب ذلك، ويحتمل أن يكون ذلك على جهة الإغياء، والأول أولى، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: وإن فضل العالم على العابد، كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب) هذه المفاضلة لا تصح حتى يكون كل واحد منهما قائما بما وجب عليه من العلم والعمل؛ فإنَّ العابد وترك شيئًا من الواجبات، أو عملها على جهل لم يستحق اسم العابد، ولا تصح له عبادة، والعالم لو ترك شيئا من الواجبات لكان مذموما، ولم يستحق اسم العالم، فإذًا محل التفضيل: إنما هو في النوافل، فالعابد يستعمل أزمانه في النوافل من الصلاة والصوم والذكر، وغير ذلك، والعالم يستعمل أزمانه في طلب العلم وحفظه وتقييده وتعليمه، فهذا هو الذي شبهه بالبدر، لأنَّه قد كمل في نفسه، واستضاء به كل شيء في العالم من حيث إن علمه تعدى لغيره، وليس كذلك العابد؛ فإنَّ غايته أن ينتفع في نفسه، ولذلك شبهه بالكوكب الذي غايته أن يظهر نفسه.\nو(قوله: وإن العلماء ورثة الأنبياء) إنما خص العلماء بالوراثة، وإن كان العباد - أيضًا - قد ورثوا عنه العلم بما صاروا به عبادا، لأنَّ العلماء هم الذين نابوا عن النبي ﷺ في حملهم العلم عنه، وتبليغهم إياه لأمته، وإرشادهم لهم وهدايتهم. وبالجملة فالعلماء: هم العالمون بمصالح الأمة بعده، الذابون عن سنته، الحافظون لشريعته، فهؤلاء الأحق بالوراثة، والأولى بالنيابة والخلافة، وأما العباد فلم يطلق عليهم اسم الوراثة لقصور نفعهم ويسير حظهم.\nو(قوله: إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما) يعني: أنهم صلوات الله","vol":"6","page":686},{"text":"وَمَا اجتَمَعَ قَومٌ فِي بَيتٍ مِن بُيُوتِ اللَّهِ يَتلُونَ كِتَابَ اللَّهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَينَهُم إِلَّا نَزَلَت عَلَيهِم السَّكِينَةُ،\nــ\nعليهم كان الغالب عليهم الزهد، فلا يتركون ما يورث عنهم، ومن ترك منهم شيئا، يصح أن يورث عنه، تصدق قبل موته، كما فعل نبينا ﷺ حين قال: لا نورث، ما تركنا صدقة (١).\nو(قوله: فمن أخذه أخذ بحظ وافر) أي: بحظ عظيم، لا شيء أعظم منه ولا أفضل، كما ذكرناه.\nو(قوله: ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة) بيوت الله هي المساجد، كما قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرفَعَ وَيُذكَرَ فِيهَا اسمُهُ﴾ ففيه ما يدلّ على جواز تعليم القرآن في المساجد، أما للكبار الذين يتحفظون بالمسجد فلا إشكال فيه، ولا يختلف فيه، وأما الصغار الذين لا يتحفظون بالمساجد، فلا يجوز، لأنَّه تعريض المسجد للقذر والعبث، وقد قال ﷺ: جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم (٢)، وقد تمسك بهذا الحديث من يجيز قراءة الجماعة القرآن على لسان واحد، كما يفعل عندنا بالمغرب، وقد كره بعض علمائنا ذلك، ورأوا أنها بدعة إذ لم تكن كذلك قراءة السلف، وإنَّما الحديث محمول على أن كل واحد يدرس لنفسه، أو مع من يصلح عليه، وليستعين به.\nو(قوله: إلا نزلت عليهم السكينة) قد تقدَّم الكلام على السكينة في كتاب الصلاة، وأنها إما السكون والوقار والخشوع، وإما الملائكة الذين يستمعون\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٢٥)، والبخاري (٥٣٧٥)، ومسلم (١٧٥٧) (٥٠).\n(٢) رواه عبد الرزاق في مصنفه (١٧٢٦)، وذكره الهيثمي في المجمع (٢/ ٢٦) وقال: رواه الطبراني في الكبير، ومكحول لم يسمع من معاذ.","vol":"6","page":687},{"text":"وَغَشِيَتهُم الرَّحمَةُ، وَذَكَرَهُم اللَّهُ فِيمَن عِندَهُ، وَمَن بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَم يُسرِع بِهِ نَسَبُهُ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٥٢)، ومسلم (٢٦٩٩)، وأبو داود (٤٩٤٦)، والترمذيُّ (١٤٢٥)، وابن ماجه (٢٢٥).\n[٢٥٩٣] وقد تقدم من حديث أبي هريرة قوله ﵊: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له.\nرواه أحمد (٢/ ٣٧٢)، ومسلم (١٦٣١)، وأبو داود (٣٨٨٠)، والترمذيُّ (١٣٧٦)، والنسائي (٦/ ٢٥١).\n* * *\nــ\nالقرآن، سُموا بذلك لما هم عليه من السكون والخشوع.\nو(قوله: وغشيتهم الرحمة) أي: تكفير خطيئاتهم ورفع درجاتهم وإيصالهم إلى جنته وكرامته.\nو(قوله: وذكرهم الله فيمن عنده) يعني: في الملأ الكريم من الملائكة المقربين، كما قال: إن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم (١)، وهذا الذكر يحتمل أن يكون ذكر ثناء وتشريف، ويحتمل أن يكون ذكر مباهاة، كما باهى الملائكة بأهل عرفة.\nو(قوله: من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) يعني: أن الآخرة لا ينفع فيها إلا تقوى الله تعالى والعمل الصالح، لا الفخر الراجح، ولا النسب الواضح.\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥).","vol":"6","page":688},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-979>(٢) باب كراهة الخصومة في الدين والغلو في التأويل والتحذير من اتباع الأهواء</span>\n[٢٥٩٤] عَن عَائِشَةَ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ أَبغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الأَلَدُّ الخَصِمُ.\nرواه أحمد (٦/ ٥٥)، والبخاريُّ (٢٤٥٧)، ومسلم (٢٦٦٨)، والترمذيُّ (٢٩٧٦)، والنسائي (٨/ ٢٤٧).\nــ\n(٢) ومن باب: كراهة الخصومة في الدين والغلو في التأويل والتحذير من اتباع الأهواء (١)\nقوله: إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم) الرواية الخصم - بسكون الصاد - وقد قيده بعضهم بكسرها، وكلاهما اسم للمخاصم، غير أن الذي بالسكون هو مصدر في الأصل، وضع موضع الاسم؛ ولذلك يكون في المذكر والمؤنث، والتثنية والجمع بلفظ واحد في الأكثر، ومن العرب من يثنيه ويجمعه، لأنَّه يذهب به مذهب الاسم، وقد جاءت اللغتان في كتاب الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَهَل أَتَاكَ نَبَأُ الخَصمِ إِذ تَسَوَّرُوا المِحرَابَ﴾ ثم قال: ﴿خَصمَانِ بَغَى بَعضُنَا عَلَى بَعضٍ﴾ فأمَّا الذي بالكسر فهو الشديد الخصومة، ويجمع: خصم، فيقال: خصم، وخصم خصمون، كما قال تعالى: ﴿هُم قَومٌ خَصِمُونَ﴾ والألد: هو الشديد الخصومة، مأخوذ من اللديدين، وهما جانبا الوادي، لأنَّه كلما أخذ عليه جانب أخذ في جانب آخر، وقيل: لإعماله\n_________\n(١) لم يردْ هذا الباب في التلخيص، والحديثان المشروح ما أشكل فيهما تحت هذا العنوان وردا في صحيح مسلم، الأول برقم (٢٦٦٨) (٥) والثاني برقم (٢٦٦٩) (٦).","vol":"6","page":689},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nلديديه، وهما: صفحتا عنقه، عند خصومته. وكان حكم الألد أن يكون تابعا للخصم، لأنَّ الألد صفة، والخصم اسم، لكن لما كان (خصم) مصدرا في الأصل، وكان الألد صفة مشهورة، عُكس الأمر، فجعل التابع متبوعا، وهذا على نحو قوله: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ وإنَّما يقال: أسود غربيب. وهذا المبغوض عند الله تعالى هو الذي يُقصد بخصومته: مدافعة الحق، ورده بالأوجه الفاسدة، والشبه الموهمة، وأشد ذلك الخصومة في أصول الدين، كخصومة أكثر المتكلمين المعرضين عن الطرق التي أرشد إليها كتاب الله، وسنة نبيه ﷺ، وسلف أمته، إلى طرق مبتدعة، واصطلاحات مخترعة، وقوانين جدلية، وأمور صناعية، مدار أكثرها على مباحث سوفسطائية، أو مناقشات لفظية ترد بشبهها على الآخذ فيها شبه ربما يعجز عنها، وشكوك يذهب الإيمان معها، وأحسنهم انفصالا عنها أجدلهم لا أعلمهم، فكم من عالم بفساد الشبهة لا يقوى على حلها! وكم من منفصل عنها لا يدرك حقيقة علمها! ثم إن هؤلاء المتكلمين قد ارتكبوا أنواعا من المحال لا يرتضيها البُله، ولا الأطفال، لما بحثوا عن تحيز الجواهر، والأكوان والأحوال، ثم إنهم أخذوا يبحثون فيما أمسك عن البحث فيه السلف الصالح، ولم يوجد عنهم فيه بحث واضح، وهو كيفية تعلقات صفات الله تعالى، وتقديرها، واتخاذها في أنفسها، وأنها هي الذات، أو غيرها، وأن الكلام، هل هو متحد، أو منقسم؛ وإذا كان منقسما فهل ينقسم بالأنواع أو بالأوصاف؛ وكيف تعلق في الأزل بالمأمور؛ ثم إذا انعدم المأمور فهل يبقى ذلك التعلق؛ وهل الأمر لزيد بالصلاة مثلا هو عين الأمر لعمرو بالزكاة؛ إلى غير ذلك من الأبحاث المبتدعة التي لم يأمر الشرع بالبحث عنها، وسكت أصحاب النبي ﷺ، ومن سلك سبيلهم، عن الخوض فيها؛ لعلمهم بأنها بحث عن كيفية ما لا تُعلم كيفيته؛ فإنَّ العقول لها حد تقف عنده، وهو العجز عن التكييف لا يتعداه، فرق بين البحث في كيفية الذات وكيفية الصفات، ولذلك قال العليم الخبير: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾","vol":"6","page":690},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nولا تبادر بالإنكار فعل الأغبياء الأغمار؛ فإنك قد حُجبت عن كيفية حقيقة نفسك مع علمك بوجودها، وعن كيفية إدراكاتك، مع أنك تدرك بها. وإذا عجزت عن إدراك كيفية ما بين جنبيك، فأنت عن إدراك ما ليس كذلك أعجز. وغاية علم العلماء وإدراك عقول الفضلاء أن يقطعوا بوجود فاعل هذه المصنوعات منزه عن صفاتها، مقدس عن أحوالها، موصوف بصفات الكمال اللائق به.\nثم مهما أخبرنا الصادقون عنه بشيء من أوصافه وأسمائه، قبلناه واعتقدناه، وما لم يتعرضوا له سكتنا عنه، وتركنا الخوض فيه. هذه طريقة السلف، وما سواها مهاوٍ وتَلَف، ويكفي في الردع عن الخوض في طرق المتكلمين ما قد ورد في ذلك عن الأئمة المتقدمين، فمن ذلك قول عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر الشغل، والدين قد فرغ منه، ليس بأمر يؤتكف على النظر فيه. وقال مالك: ليس هذا الجدال من الدين في شيء. وقال: كان يقال: لا تمكن زائغ القلب من أذنك؛ فإنك لا تدري ما يعلقك من ذلك. وقال الشافعي: لأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه، ما عدا الشرك، خير له من أن ينظر في علم الكلام. وإذا سمعت من يقول: الاسم هو المسمى، أو غير المسمى، فاشهد أنه من أهل الكلام، ولا دين له. قال: وحكمي في أهل الكلام أن يُضربوا بالجريد، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام. وقال الإمام أحمد بن حنبل: لا يفلح صاحب الكلام أبدا، علماء الكلام زنادقة. وقال ابن عقيل: قال بعض أصحابنا: أنا أقطع أن الصحابة - ﵃ - ماتوا وما عرفوا الجوهر والعرض، فإن رضيت أن تكون مثلهم فكن، وإن رأيت أن طريقة المتكلمين أولى من طريقة أبي بكر وعمر، فبئس ما رأيته. قال: وقد أفضى هذا الكلام بأهله إلى الشكوك، وبكثير","vol":"6","page":691},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمنهم إلى الإلحاد، وأصل ذلك: أنهم ما قنعوا بما بعثت به الشرائع، وطلبوا الحقائق، وليس في قوة العقل إدراك ما عند الله من الحكم التي انفرد بها، ولو لم يكن في الجدال إلا أن النبي ﷺ قد أخبر أنه الضلال، كما قال فيما خرجه الترمذي: ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل (١)، وقال: إنه صحيح.\nقلت: وقد رجع كثير من أئمة المتكلمين عن الكلام بعد انقضاء أعمار مديدة، وآماد بعيدة، لما لطف الله تعالى بهم، وأظهر لهم آياته، وباطن برهانه، فمنهم: إمام المتكلمين أبو المعالي (٢)، فقد حكى عنه الثقات أنه قال: لقد خليت أهل الإسلام وعلومهم، وركبت البحر الأعظم، وغصت في الذي نهوا عنه، كل ذلك رغبة في طلب الحق، وهربا من التقليد، والآن فقد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق، عليكم بدين العجائز، وأختم عاقبة أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص، والويل لابن الجويني. وكان يقول لأصحابه: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما تشاغلت به.\nوقال أحمد بن سنان: كان الوليد بن أبان الكرابيسي، خالي، فلما حضرته الوفاة قال لبنيه: تعلمون أحدا أعلم مني؟ قالوا: لا، قال: فتتهموني؟ قالوا: لا، قال: فإني أوصيكم، أفتقبلون؟ قالوا: نعم. قال: عليكم بما عليه أصحاب الحديث، فإني رأيت الحق معهم. وقال أبو الوفا بن عقيل: لقد بالغت في الأصول طول عمري، ثم عدت القهقرى إلى مذهب المكتب.\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٢٥٣).\n(٢) هو إمام الحرمين الجويني (ت ٤٧٨ هـ).","vol":"6","page":692},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nقلت: وهذا الشهرستاني صاحب نهاية الإقدام في علم الكلام وصف حاله فيما وصل إليه من الكلام وما ناله، فتمثل بما قاله:\nلعمري لقد طفت المعاهد كلها ... وصيرت طرفي بين تلك المعالم\nفلم أر إلا واضعا كف حائر ... على ذقن أو قارعا سن نادم\nثم قال: عليكم بدين العجائز؛ فإنَّه (١) أسنى الجوائز.\nقلت: ولو لم يكن في الكلام شيء يذم به إلا مسألتان هما من مبادئه، لكان حقيقا بالذم، وجديرا بالترك.\nإحداهما: قول طائفة منهم: إن أول الواجبات الشك في الله تعالى.\nوالثانية: قول جماعة منهم: إن من لم يعرف الله تعالى بالطرق التي طرقوها، والأبحاث التي حرروها، فلا يصح إيمانه، وهو كافر.\nفيلزمهم على هذا تكفير أكثر المسلمين من السلف الماضين، وأئمة المسلمين، وأن من يبدأ بتكفيره أباه وأسلافه وجيرانه، وقد أورد على بعضهم هذا، فقال: لا يشنع علي بكثرة أهل النار، وكما قال، ثم إن من لم يقل بهاتين المسألتين من المتكلمين ردوا على من قال بهما بطرق النظر والاستدلال بناء منهم على أن هاتين المسألتين نظريتان، وهذا خطأ فاحش، فالكل يخطئون الطائفة الأولى بأصل القول بالمسألتين، والثانية بتسليم أن فسادها ليس بضروري، ومن شك في تكفير من قال: إن الشك في الله تعالى واجب؛ وأن معظم الصحابة والمسلمين كفار، فهو كافر شرعا، أو مختل العقل وضعا؛ إذ كل واحدة منهما معلومة الفساد بالضرورة الشرعية الحاصلة بالأخبار المتواترة القطعية، وإن لم يكن\n_________\n(١) في (ز): فهو.","vol":"6","page":693},{"text":"[٢٥٩٥] عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِن قَبلِكُم شِبرًا بِشِبرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَو دَخَلُوا فِي جُحرِ ضَبٍّ لَاتَّبَعتُمُوهُم قُلنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؛ قَالَ: فَمَن؟ .\nرواه أحمد (٣/ ٨٤)، والبخاري (٧٣٢٠)، ومسلم (٢٦٦٩) وهذا الحديث والذي قبله لم يردا في أصول التلخيص واستدركا من المفهم.\n* * *\nــ\nكذلك فلا ضروري يصار إليه في الشرعيات ولا العقليات. عصمنا الله من بدع المبتدعين، وسلك بنا طرق السلف الماضين. وإنما طولت في هذه المسألة الأنفاس؛ لما قد شاع من هذه البدع في الناس، ولأنه قد اغتر كثير من الجهال بزخرف تلك الأقوال، وقد بذلت ما وجب علي من النصيحة، والله تعالى يتولى إصلاح القلوب الجريحة.\nو(قوله: لتتبعن سنن الذين من قبلكم، شبرا بشبر وذراعا بذراع) قيدناه (سنن) بفتح السين، وهو الطريق وبضمها، وهو جمع سنة. وهي الطريقة المسلوكة. وذكر الشبر والذراع والحجر أمثال تفيد أن هذه الأمة يطرأ عليها من الابتداع والاختلاف مثل الذي كان وقع لبني إسرائيل. وقد روى الترمذي هذا المعنى بأوضح من هذا، ققال: ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل، حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من يأتي أمه علانية، لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين، كلها في النار إلا واحدة. قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي (١). خرجه من حديث عبد الله بن عمر. وقد رواه أبو داود من حديث معاوية بن أبي سفيان وقال: ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة، وهي\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٦٤١).","vol":"6","page":694},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-980>(٣) باب كيفية التفقه في كتاب الله والتحذير من اتباع ما تشابه منه وعن المماراة فيه</span>\n[٢٥٩٦] عَن عَائِشَةَ قَالَت: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيكَ الكِتَابَ مِنهُ آيَاتٌ مُحكَمَاتٌ\nــ\nالجماعة (١) يعني جماعة أصحابي ومن تابعهم على هديهم، وسلك طريقهم كما قال في حديث الترمذي.\nوقد تبين بهذه الأحاديث أن هذا الافتراق المحذر منه إنما هو في أصول الدين وقواعده لأنه قد أطلق عليها مللا، وأخبر أن التمسك بشيء من تلك الملل موجب لدخول النار، ومثل هذا لا يقال على الاختلاف في الفروع، فإنه لا يوجب تعديد الملل، ولا عذاب النار، وإنما هو على أحد المذهبين السابقين إما مصيب فله أجران، وإما مخطئ فله أجر، على ما ذكرناه في الأصول. والضب حرذون الصحراء وجحره خفي، ولذلك ضرب به المثل.\n(٣) ومن باب كيفية التفقه في كتاب الله\n(قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيكَ الكِتَابَ مِنهُ آيَاتٌ مُحكَمَاتٌ﴾ الآية) اختلف الناس في المحكمات والمتشابهات، على أقوال كثيرة، منها أن المحكم هو الناسخ، والمتشابه هو المنسوخ.\nومنها أن المحكم هو القرآن كله، والمتشابه الحروف المقطعة في أوائل السور.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٥٩٦).","vol":"6","page":695},{"text":"هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنهُ ابتِغَاءَ الفِتنَةِ وَابتِغَاءَ تَأوِيلِهِ وَمَا يَعلَمُ تَأوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِن عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلبَابِ﴾\nــ\nومنها: أن المحكم آيات الأحكام، والمتشابه: آيات الوعيد. ومنها: أن المتشابه آيات إبهام قيام الساعة، والمحكم: ما عداها.\nومنها: أن المحكم ما وضح معناه وانتفى عنه الاشتباه، والمتشابه: نقيضه. وهذا أشبه ما قيل في ذلك، لأنَّه جار على وضع اللسان، وذلك أن المحكم اسم مفعول من: أحكم. والإحكام: الإتقان. ولا شك في أن ما كان واضح المعنى لا إشكال فيه، ولا تردد، وإنما يكون كذلك لوضوح مفردات كلماته، واتفاق تركيبها، ومتى اختل أحد الأمرين جاء التشابه والإشكال، وإلى نحو ما ذكرناه صار جعفر بن محمد، ومجاهد، وابن إسحاق.\nو(قوله: ﴿هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ﴾ أي: أصله الذي يرجع إليه عند الإشكال والاستدلال، ومنه سُميت الفاتحة: أم القرآن، لأنَّها أصله؛ إذ هي آخذة بجملة علومه، فكأنه قال: المحكمات: أصول ما أشكل من الكتاب، فتعين رد ما أشكل منه إلى ما وضح منه، وهذا أيضًا أحسن ما قيل في ذلك.\nو(قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنهُ ابتِغَاءَ الفِتنَةِ وَابتِغَاءَ تَأوِيلِهِ﴾ الزيغ: الميل عن الحق، وابتغاء الفتنة: طلب الفتنة، وهي الضلال. مجاهد: الشك. وتأويله ما آل إليه أمره، وكنه حقيقته، فكأنهم تعمقوا في التأويل طلبا لكنه الأمر وحقيقته، فكره لهم التعمق.\nو(قوله: ﴿وَمَا يَعلَمُ تَأوِيلَهُ إِلا اللَّهُ﴾ أي: ما يعلم حقيقة ما أريد بالمتشابه إلا الله. والوقف على (الله) أولى.\nو(قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِن عِندِ رَبِّنَا﴾ جملة","vol":"6","page":696},{"text":"قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِذَا رَأَيتُم الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّاهم اللَّهُ فَاحذَرُوهُم.\nرواه أحمد (٦/ ٤٨)، والبخاريُّ (٤٥٤٧)، ومسلم (٢٦٦٥)، وأبو داود (٤٥٩٨)، والترمذي (٢٩٩٣)، وابن ماجه (٤٧).\nــ\nابتدائية مستأنفة، مقتضاها: أن حال الراسخين عند سماع المتشابه الإيمان والتسليم، وتفويض علمه إلى الخبير العليم، وهذا قول ابن مسعود وغيره. وقيل: والراسخون: معطوف على الله تعالى، حكي عن علي وابن عباس، والأول أليق وأسلم.\nو(قوله: إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله، فاحذروهم) يعني: يتبعونه ويجمعونه طلبا للتشكيك في القرآن، وإضلالا للعوام، كما فعلته الزنادقة والقرامطة الطاعنون في القرآن، أو طلبا لاعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته المجسمة الذين جمعوا ما وقع في الكتاب والسنة مما يوهم ظاهره الجسمية، حتى اعتقدوا أن البارئ تعالى جسم مجسم، وصورة مصورة ذات وجه، وعين ويد وجنب، ورجل، وإصبع، تعالى الله عن ذلك، فحذر النبي ﷺ عن سلوك طريقهم.\nفأمَّا القسم الأول، فلا شك في كفرهم، وأن حكم الله فيهم القتل من غير استتابة.\nوأما القسم الثاني، فالصحيح القول بتكفيرهم، إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام والصور، ويستتابون؛ فإن تابوا وإلا قُتلوا، كما يفعل بمن ارتد.\nفأمَّا من يتبع المتشابه، لا على تلك الجهتين، فإن كان ذلك على إبداء تأويلاتها، وإيضاح معانيها، فذلك مختلف في جوازه بناء على الخلاف في جواز تأويلها، وقد عرف أن مذهب السلف ترك التعرض لتأويلاتها مع قطعهم باستحالة","vol":"6","page":697},{"text":"[٢٥٩٧] وعن عَبد اللَّهِ بن عَمرٍو قَالَ: هَجَّرتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَومًا قَالَ: فَسَمِعَ أَصوَاتَ رَجُلَينِ اختَلَفَا فِي آيَةٍ، فَخَرَجَ عَلَينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعرَفُ فِي وَجهِهِ الغَضَبُ، فَقَالَ: إِنَّمَا هَلَكَ مَن كَانَ قَبلَكُم بِاختِلَافِهِم فِي الكِتَابِ.\nرواه مسلم (٢٦٦٦).\nــ\nظواهرها. ومذهب غيرهم: إبداء تأويلاتها، وحملها على ما يصح حمله في اللسان عليها من غير قطع متعين محمل منها. وأما من يتبع المتشابه على نحو ما فعل صبيغ، فحكمه حكم عمر - ﵁ - فيه، الأدب البليغ.\nوالراسخ في العلم: هو الثابت فيه، المتمكن منه.\nو(قوله: هجرت إلى رسول الله ﷺ يوما) أي: خرجت إليه في الهاجرة، وهي: شدة الحر.\nو(قوله: فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج يعرف في وجهه الغضب، فقال: إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب) هذا الاختلاف لم يكن اختلافا في القراءة، لأنَّه ﷺ قد سوغ أن يقرأ القرآن على سبعة أحرف كما تقدَّم، ولم يكن أيضًا في كونها قرآنا، لأنَّ ذلك معلوم لهم ضرورة، ومثل هذا لا يختلف فيه المسلمون، ولا يقرون عليه؛ فإنَّه كفر، فلم يبقَ إلا أنه كان اختلافا في المعنى. ثم تلك الآية يحتمل أن كانت من المحكمات الظاهرة المعنى، فخالف فيها أحدهما الآخر، إما لقصور فهم، وإما لاحتمال بعيد، فأنكر النبي ﷺ ذلك؛ إذ قد ترك الظاهر الواضح، وعدل إلى ما ليس كذلك، ويحتمل أن كانت من المتشابه، فتعرضوا لتأويلها، فأنكر النبي ﷺ ذلك، فيكون فيه حجَّة لمذهب السلف في التسليم للمتشابهات، وترك تأويلها.","vol":"6","page":698},{"text":"[٢٥٩٨] وعَن جُندَبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اقرَؤُوا القُرآنَ مَا ائتَلَفَت عَلَيهِ قُلُوبُكُم، فَإِذَا اختَلَفتُم فِيهِ فَقُومُوا.\nرواه أحمد (٤/ ٣١٢)، والبخاريُّ (٥٠٦١)، ومسلم (٢٦٦٧) (٣).\n* * *\nــ\nو(قوله: اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فيه فقوموا) يحتمل هذا الخلاف أن يحمل على ما قلناه آنفا. قال القاضي: وقد يكون أمره بالقيام عند الاختلاف في عصره وزمنه؛ إذ لا وجه للخلاف والتنازع حينئذ، لا في حروفه، ولا في معانيه، وهو ﷺ حاضر معهم، فيرجعون إليه في مشكله، ويقطع تنازعهم بتبيانه.\nقلت: ويظهر لي أن مقصود هذا الحديث الأمر بالاستمرار في قراءة القرآن، وفى تدبره، والزجر عن كل شيء يقطع عن ذلك. والخلاف فيه في حالة القراءة قاطع عن ذلك في أي شيء كان، من حروفه أو معانيه، والقلب إذا وقع فيه شيء لا يمكن رده على الفور، فأمرهم بالقيام إلى أن تزول تشويشات القلب. ويستفاد هذا من قوله: اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإن القراءة باللسان، والتدبر بالقلب، فأمر باستدامة القراءة مدة دوام تدبر القلب، فإذا وقع الخلاف في تلك الحال انصرف اللسان عن القراءة، والقلب عن التدبر. وعلى هذا فمن أراد أن يتلو القرآن، فلا يبحث عن معانيه في حال قراءته مع غيره، ويفرد لذلك وقتا غير وقت القراءة. والله أعلم.\nوالحاصل: أن الباحثين في فهم معاني القرآن يجب عليهم أن يقصدوا ببحثهم التعاون على فهمه واستخراج أحكامه، قاصدين بذلك وجه الله تعالى، ملازمين الأدب والوقار، فإن اتفقت أفهامهم، فقد كملت نعمة الله تعالى عليهم، وإن اختلفت وظهر لأحدهما خلاف ما ظهر للآخر، وكان ذلك من مثارات الظنون ومواضع الاجتهاد، فحق كل واحد أن يصير إلى ما ظهر له، ولا يثرب على الآخر ولا يلومه، ولا يجادله، وهذه حالة الأقوياء والمجتهدين، وأما من لم","vol":"6","page":699},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-981>(٤) باب إثم من طلب العلم لغير الله</span>\n[٢٥٩٩] عن أبي هريرة قال: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقضَى عليه يَومَ القِيَامَةِ رَجُلٌ استُشهِدَ - وقد تقدم الحديث - وفيه: وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ العِلمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ القُرآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمتُ العِلمَ وَعَلَّمتُهُ، وَقَرَأتُ فِيكَ القُرآنَ، قَالَ: كَذَبتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمتَ العِلمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَقَرَأتَ القُرآنَ لِيُقَالَ قَارِئٌ، فَقَد قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجهِهِ حَتَّى أُلقِيَ فِي النَّارِ.\nرواه مسلم (١٩٠٥) (١٥٢).\n* * *\nــ\nيكن كذلك فحقه الرجوع إلى قول الأعلم، فإنَّه عن الغلط أبعد وأسلم، وأما إن كان ذلك من المسائل العلمية فالصائر إلى خلاف القطع فيها محروم، وخلافه فيها محرم مذموم، ثم حكمه على التحقيق، إما التكفير وإما التفسيق.\nو(قوله: هلك المتنطعون، ثلاثا) (١) هم المتعمقون في الكلام، الغالون فيه، ويعني بهم: الغالين في التأويل، العادلين عن ظواهر الشرع بغير دليل؛ كالباطنية، وغلاة الشيعة. وهلاكهم بأن صُرفوا عن الحق في الدنيا، وبأن يعذبوا في الآخرة. والتكرار: تأكيد وتفخيم بعظيم هلاكهم.\n(٤) ومن باب: إثم من طلب العلم لغير الله (٢)\n(قوله: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: قارئ، فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه حتى ألقي في النار) دليل على\n_________\n(١) هذه العبارة لم ترد في أحاديث التلخيص، وإنما وردت في صحيح مسلم برقم (٢٦٧٠) (٧).\n(٢) هذا العنوان لم يردْ في نسخ المفهم، واستدركناه من التلخيص.","vol":"6","page":700},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-982>(٥) باب طرح العالم المسألة على أصحابه ليختبرهم والتخول بالموعظة والعلم خوف الملل</span>\n[٢٦٠٠] عن عَبد اللَّهِ بن عُمَرَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ مِن الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ المُسلِمِ فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ؛ فَوَقَعَ\nــ\nوجوب الإخلاص في طلب العلم، وقراءة القرآن، وكذلك سائر العبادات، ولقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعبُدُوا اللَّهَ مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وتعلم العلم من أعظم العبادات وأهمها، فيجب فيها النية والإخلاص. وقد روى أبو داود من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة (١). وهذا يعُم جميع العلوم الشرعية؛ سواء كان من العلوم المقصودة لعينها، أو للعمل بها، كعلم القرآن والسنة والفقه، أو من العلوم الموصلة إلى ذلك، كعلم الأصول واللسان. وهذا وعيد شديد، والتخلص منه بعيد، إذ في طلب العلم عسير، والمجاهد نفسه عليه قليل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\n(٥) ومن باب: طرح العالم المسألة على أصحابه ليختبرهم\n(قوله: إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم) قد تقدَّم أن الشجر ما كان على ساق، والنجم ما لم يكن على ساق، وتشبيه المسلم بالنخلة صحيح، وهو من حيث إن أصل دينه وإيمانه ثابت، وأن ما يصدر عنه من العلم والخير قوت للأرواح مستطاب، وأنه لا يزال مستورا بدينه لا يسقط من دينه شيء، وأنه ينتفع بكل ما يصدر عنه، ولا يكره منه شيء. وكذلك النخلة. ففيه من الفقه\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٦٦٤).","vol":"6","page":701},{"text":"النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوَادِي. قَالَ عَبدُ اللَّهِ: وَوَقَعَ فِي نَفسِي أَنَّهَا النَّخلَةُ فَاستَحيَيتُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَقَالَ: هِيَ النَّخلَةُ. فَذَكَرتُ ذَلِكَ لِعُمَرَ فقَالَ: لَأَن تَكُونَ قُلتَ: هِيَ النَّخلَةُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِن كَذَا وَكَذَا.\nوفي رواية: قَالَ: كُنَّا عِندَ النَّبِيِّ ﷺ فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ .... وَذَكَرَ نَحوه.\nوفي أخرى: قَالَ ابنُ عُمَرَ: فَوَقَعَ فِي نَفسِي أَنَّهَا النَّخلَةُ، وَرَأَيتُ أَبَا بَكرٍ، وَعُمَرَ لَا يَتَكَلَّمَانِ فَكَرِهتُ أَن أَتَكَلَّمَ أَو أَقُولَ شَيئًا.\nرواه أحمد (٢/ ١٢)، والبخاريُّ (٧٢)، ومسلم (٢٨١١) (٦٣ و٦٤).\n[٢٦٠١] وعَن شَقِيقٍ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ عَبدُ اللَّهِ يُذَكِّرُنَا كُلَّ يَومِ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبدِ الرَّحمَنِ، إِنَّا نُحِبُّ حَدِيثَكَ وَنَشتَهِيهِ، وَلَوَدِدنَا أَنَّكَ حَدَّثتَنَا كُلَّ يَومٍ. فَقَالَ: مَا يَمنَعُنِي أَن أُحَدِّثَكُم إِلَّا كَرَاهِيَةُ أَن أُمِلَّكُم، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَخَوَّلُنَا بِالمَوعِظَةِ فِي الأَيَّامِ كَرَاهِيَةَ السَّآمَةِ عَلَينَا.\nرواه أحمد (١/ ٣٧٧)، والبخاريُّ (٦٨)، ومسلم (٢٨٢١) (٨٣)، والترمذي (٢٨٥٥)، والنسائي في الكبرى (٥٨٨٩).\n* * *\nــ\nجواز ضرب الأمثال واختبار العالم أصحابه بالسؤال، وإجابة من عجز عن الجواب.\nو(قول عمر لابنه: لأن تكون قلت: هي النخلة، أحب إلي من كذا وكذا) إنما تمنى ذلك عمر ليدعو النبي ﷺ لابنه، فتناله بركة دعوته، كما نالت عبد الله بن","vol":"6","page":702},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-983>(٦) باب النهي عن أن يكتب عن النبي ﷺ شيء غير القرآن ونسخ ذلك</span>\n[٢٦٠٢] عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا تَكتُبُوا عَنِّي، وَمَن كَتَبَ عَنِّي غَيرَ القُرآنِ فَليَمحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلَا حَرَجَ، وَمَن كَذَبَ عَلَيَّ - قَالَ هَمَّامٌ: أَحسِبُهُ قَالَ مُتَعَمِّدًا - فَليَتَبَوَّأ مَقعَدَهُ مِن النَّارِ.\nرواه أحمد (٣/ ١٢)، ومسلم (٣٠٠٤)، والنسائي في الكبرى (٨٠٠٨).\nــ\nعباس، وليظهر على ابنه فضيلة الفهم من صغره، ويسود بذلك في كبره. والله تعالى أعلم.\n(٦) ومن باب النهي عن أن يكتب عن النبي ﷺ شيء غير القرآن ونسخ ذلك (١)\n(قوله: لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه) كان هذا النهي متقدما، وكان ذلك لئلا يختلط بالقرآن ما ليس منه، ثم لما أمن من ذلك أبيحت الكتابة، كما أباحها النبي ﷺ لأبي شاة في حجَّة الوداع حين قال: اكتبوا لأبي شاة (٢) فرأى علماؤنا هذا ناسخا لذلك.\nقلت: ولا يبعد أن يكون النبي ﷺ إنما نهاهم عن كتب غير القرآن لئلا يتكلوا على الأحاديث ولا يحفظونها، فقد يضيع المكتوب، ولا يوجد في\n_________\n(١) هذا العنوان لم يرد في المفهم، واستدركناه من التلخيص.\n(٢) الحديث رواه أبو هريرة كما خرَّجناه في التلخيص، وقول المؤلف القرطبي -﵀- من حديث جابر وهْم.","vol":"6","page":703},{"text":"[٢٦٠٣] وقد تقدم قول النبي ﷺ: اكتُبُوا لِأَبِي شَاة لما سأل أن تكتب له خطبة النبي ﷺ من حديث جابر.\nرواه أحمد (٢/ ٢٣٨)، والبخاريُّ (٢٤٣٤)، ومسلم (١٣٥٥)، وأبو داود (٢٠١٧)، والترمذي (١٤٠٥)، وابن ماجه (٢٦٢٤) كلهم عن أبي هريرة وانظره بتمامه في التلخيص في كتاب الحج.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-984>(٧) باب في رفع العلم وظهور الجهل</span>\n[٢٦٠٤] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُم حَدِيثًا سَمِعتُهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لَا يُحَدِّثُكُم أَحَدٌ بَعدِي سَمِعَهُ مِنهُ:\nــ\nوقت الحاجة، ولذلك قال مالك: ما كتبت في هذه الألواح قط. قال: وقلت لابن شهاب: أكنت تكتب الحديث؟ قال: لا.\n(٧ و٨ و٩) ومن باب: رفع العلم وظهور الجهل (١)\n(قول أنس - ﵁ -: ألا أحدثكم حديثا سمعته من رسول الله ﷺ، لا يحدثكم أحد بعدي) إنما قال ذلك لأنَّ أصحاب رسول الله ﷺ قد كانوا انقرضوا في ذلك الوقت، فلم يبق منهم غيره؛ فإنه من آخرهم موتا، توفي بالبصرة سنة ثلاث وتسعين، على ما قاله خليفة بن خياط. وقيل: كان سنه يوم مات مائة سنة\n_________\n(١) شرح المؤلف -﵀- تحت هذا العنوان ما أشكل في أحاديث هذا الباب، وكذا ما أشكل في أحاديث البابين التاليين له، وهما: باب كيفية رفع العلم، وباب: ثواب من دعا إلى الهدى أو سنَّ سنَّة حسنة.","vol":"6","page":704},{"text":"إِنَّ مِن أَشرَاطِ السَّاعَةِ أَن يُرفَعَ العِلمُ، وَيَظهَرَ الجَهلُ، وَيَفشُوَ الزِّنَا، وَيُشرَبَ الخَمرُ، وَيَذهَبَ الرِّجَالُ، وَتَبقَى النِّسَاءُ حَتَّى يَكُونَ لِخَمسِينَ امرَأَةً قَيِّمٌ وَاحِدٌ.\nرواه أحمد (٣/ ١٧٦)، والبخاريُّ (٨٠)، ومسلم (٢٦٧١) (٩)، والترمذيُّ (٢٢٠٦)، وابن ماجه (٤٠٤٥).\nــ\nوعشر سنين، وقيل أقل من ذلك، والأول أكثر، وكان ذلك ببركة دعاء النبي ﷺ له بذلك.\nو(قوله: إن من أشراط الساعة) أي: من علامات قرب يوم القيامة، وقد تقدم القول في الأشراط، وأنها منقسمة إلى ما يكون من قبيل المعتاد، وإلى ما لا يكون كذلك، بل خارقا للعادة على ما يأتي إن شاء الله تعالى.\nو(قوله: أن يرفع العلم، ويظهر الجهل) وقد بين كيفية رفع العلم وظهور الجهل في حديث عبد الله بن عمرو الذي قال فيه: إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه (١) من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء. . . الحديث. وهو نص في أن رفع العلم لا يكون بمحوه من الصدور، بل بموت العلماء وبقاء الجهال الذين يتعاطون مناصب العلماء في الفتيا والتعليم، يفتون بالجهل ويعلمونه، فينتشر الجهل ويظهر، وقد ظهر ذلك ووجد على نحو ما أخبر ﷺ، فكان ذلك دليلا من أدلة نبوته، وخصوصا في هذه الأزمان؛ إذ قد ولي المدارس والفتيا كثير من الجهال والصبيان وحُرمها أهل ذلك الشأن، غير أنه قد جاء في كتاب الترمذي عن جبير بن نفير عن أبي الدرداء ما يدلّ على أن الذي يرفع هو العمل. قال أبو الدرداء - ﵁ -: كنا مع النبي ﷺ، فشخص ببصره إلى السماء، ثم\n_________\n(١) هذه اللفظة مستدركة من التلخيص.","vol":"6","page":705},{"text":"[٢٦٠٥] وعن أَبِي مُوسَى وعبد الله بن مسعود قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ بَينَ يَدَي السَّاعَةِ أَيَّامًا يُرفَعُ فِيهَا العِلمُ، وَيَنزِلُ فِيهَا الجَهلُ، وَيَكثُرُ فِيهَا الهَرجُ! وَالهَرجُ: القَتلُ.\nرواه أحمد (١/ ٣٨٩)، والبخاريُّ (٧٠٦٢)، ومسلم (٢٦٧٢) (١٠)، والترمذي (٢٢٠١).\n[٢٦٠٦] وعن أبي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَتَقَارَبُ الزَّمَنُ، وَيُقبَضُ العِلمُ، وَتَظهَرُ الفِتَنُ، وَيُلقَى الشُّحُّ، وَيَكثُرُ الهَرجُ قَالُوا: وَمَا الهَرجُ؛ قَالَ: القَتلُ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٣٣)، والبخاريُّ (٨٦)، ومسلم (١٥٧) في كتاب العلم (١١)، وأبو داود (٤٢٥٥)، وابن ماجه (٤٠٥٢).\n* * *\nــ\nقال: هذا أوان يختلس فيه العلم من الناس، حتى لا يقدروا منه على شيء. فقال زياد بن لبيد الأنصاري: وكيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن؛ فوالله لنقرأنه، ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا، فقال: ثكلتك أمك يا زياد، إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة. هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى، فماذا تغني عنهم؛ . قال: فلقيت عبادة بن الصامت، فقلت: ألا تسمع إلى ما يقول أخوك أبو الدرداء، فأخبرته بالذي قال أبو الدرداء. قال: صدق أبو الدرداء، إن شئت لأحدثنك بأول علم يرفع: الخشوع، يوشك أن تدخل مسجد الجامع فلا ترى فيه رجلا خاشعا (١).\nقال: هذا حديث حسن غريب، وقد خرجه النسائي من حديث جبير بن نفير أيضًا عن عوف بن مالك الأشجعي من طرق صحيحة.\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٦٥٣)، والنسائي في الكبرى (٥٩٠٩).","vol":"6","page":706},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-985>(٨) باب في كيفية رفع العلم</span>\n[٢٦٠٧] عن عَبد اللَّهِ بن عَمرِو بنِ العَاصِ قال: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَقبِضُ العِلمَ انتِزَاعًا يَنتَزِعُهُ مِن النَّاسِ، وَلَكِن يَقبِضُ العِلمَ بِقَبضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَم يَترُك عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفتَوا بِغَيرِ عِلمٍ فَضَلُّوا، وَأَضَلُّوا.\nرواه أحمد (٢/ ١٦٢)، والبخاريُّ (١٠٠)، ومسلم (٢٦٧٣) (١٣)، والترمذيُّ (٢٦٥٢)، وابن ماجه (٥٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-986>(٩) باب ثواب من دعا إلى الهدى أو سن سنة حسنة</span>\n[٢٦٠٨] عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَن دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِن الأَجرِ مِثلُ أُجُورِ مَن تَبِعَهُ، لَا يَنقُصُ ذَلِكَ مِن أُجُورِهِم شَيئًا، وَمَن دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيهِ مِن الإِثمِ مِثلُ آثَامِ مَن تَبِعَهُ، لَا يَنقُصُ ذَلِكَ مِن آثَامِهِم شَيئًا.\nرواه أحمد (٢/ ٣٩٧)، ومسلم (٢٦٧٤)، وأبو داود (٤٦٠٩)، والترمذيُّ (٢٦٧٤)، وابن ماجه (٢٠٦).\nــ\nوظاهر هذا الحديث أن الذي يرفع إنما هو العمل بالعلم، لا نفس العلم، وهذا بخلاف ما ظهر من حديث عبد الله بن عمر، فإنَّه صريح في رفع العلم.","vol":"6","page":707},{"text":"[٢٦٠٩] وعَن جَرِيرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِن الأَعرَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيهِم الصُّوفُ، فَرَأَى سُوءَ حَالِهِم قَد أَصَابَتهُم حَاجَةٌ، فَحَثَّ النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ فَأَبطَؤُوا عَنهُ حَتَّى رُئِيَ ذَلِكَ فِي وَجهِهِ. ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا مِن الأَنصَارِ جَاءَ بِصُرَّةٍ مِن وَرِقٍ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ، ثُمَّ تَتَابَعُوا حَتَّى عُرِفَ السُّرُورُ فِي وَجهِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن سَنَّ فِي الإِسلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَعُمِلَ بِهَا بَعدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثلُ أَجرِ مَن عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنقُصُ مِن أُجُورِهِم شَيءٌ، وَمَن سَنَّ فِي الإِسلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، فَعُمِلَ بِهَا بَعدَهُ كُتِبَ عَلَيهِ مِثلُ وِزرِ مَن عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنقُصُ مِن أَوزَارِهِم شَيءٌ.\nرواه أحمد (٤/ ٣٥٧)، ومسلم (٢٠١٧) في كتاب العلم (١٥)، والترمذي (٢٦٧٥)، والنسائي (٥/ ٧٥ - ٧٧)، وابن ماجه (٢٠٣).\n* * *\nــ\nقلت: ولا تباعد فيهما، فإنَّه إذا ذهب العلم بموت العلماء، خلفهم الجهال، فأفتوا بالجهل، فعمل به، فذهب العلم والعمل، وإن كانت المصاحف والكتب بأيدي الناس، كما اتفق لأهل الكتابين من قبلنا، ولذلك قال رسول الله ﷺ لزياد على ما نص عليه النسائي: ثكلتك أمك زياد، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى وذلك أن علماءهم لما انقرضوا خلفهم جهالهم، فحرفوا الكتاب، وجهلوا المعاني، فعملوا بالجهل، وأفتوا به، فارتفع العلم والعمل، وبقيت أشخاص الكتب لا تغني شيئا. وقد تقدَّم الكلام على قوله: من سن في الإسلام سنة حسنة في كتاب الزكاة.\n* * *","vol":"6","page":708},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-987>(١٠) باب تقليل الحديث حال الرواية وتبيانه</span>\n[٢٦١٠] عَن هِشَامٍ بن عروة، عَن أَبِيهِ قَالَ: كَانَ أَبُو هُرَيرَةَ يُحَدِّثُ وَيَقُولُ: اسمَعِي يَا رَبَّةَ الحُجرَةِ، وَعَائِشَةُ تُصَلِّي، فَلَمَّا قَضَت صَلَاتَهَا قَالَت لِعُروَةَ: أَلَا تَسمَعُ لهَذَا وَمَقَالَتِهِ آنِفًا؛ إِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحَدِّثُ حَدِيثًا لَو عَدَّهُ العَادُّ لَأَحصَاهُ.\nرواه البخاريُّ (٣٥٦٧)، ومسلم (٢٤٩٣) في الزهد (٧).\n* * *\nــ\n(١٠ و١١) ومن باب: تقليل الحديث حال الرواية وتبيانه (١)\nقد تقدم القول في تقارب الزمان، وفي الشح.\n(قول أبي هريرة: اسمعي يا ربة الحجرة) يعني عائشة - ﵂ - كان ذلك منه ليسمعها ما يرويه عن النبي ﷺ، إما ليذكرها بما تعرفه، أو يفيدها بما لم تسمعه، فقد كان أبو هريرة - ﵁ - يحضر مع النبي ﷺ في مواطن لم تكن تحضرها عائشة - ﵂ -، بل قد كان لأبي هريرة - ﵁ - من الملازمة لرسول الله ﷺ كما تقدَّم في مناقبه، ما لم يكن لغيره من الصحابة - ﵃ - ثم قد اتفق له من الخصوصية التي أوجبت له الحفظ ما لم يتفق لغيره، فكان عنده من الحديث ما لم يكن عند عائشة، لكن عائشة أنكرت عليه سرده للحديث والإكثار منه في المجلس الواحد؛ لذلك قالت: ما كان رسول الله ﷺ يسرد الحديث سردكم، إنما كان يحدث حديثا، لو عده العاد لأحصاه. وقد سلك هذا المسلك كثير من السلف؛ وكانوا لا يزيدون على عشرة\n_________\n(١) شرح المؤلف -﵀- تحت هذا العنوان: هذا الباب، والباب الذي يليه بعنوان: باب: تعليم الجاهل.","vol":"6","page":709},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-988>(١١) باب تعليم الجاهل</span>\n[٢٦١١] عَن عِيَاضِ بنِ حِمَارٍ المُجَاشِعِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَاتَ يَومٍ فِي خُطبَتِهِ: أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَن أُعَلِّمَكُم مَا جَهِلتُم مِمَّا عَلَّمَنِي\nــ\nأحاديث ليست بطوال في المجلس الواحد، وقد كره الإكثار من الأحاديث كثير من السلف (١)؛ مخافة ما يكون في الإكثار من الآفات. روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: أقلوا الحديث عن رسول الله ﷺ. وقد عاب كثير من الصحابة على أبي هريرة الإكثار من الحديث حتى احتاج أبو هريرة إلى الاعتذار عن ذلك، والإخبار بموجب ذلك، قال: إن ناسا يقولون: أكثر أبو هريرة، ولولا آية في كتاب الله ما حدثت حديثا. ثم قال: إن إخواننا من الأنصار كان شغلهم العمل في أموالهم، وإن إخواننا من المهاجرين كان شغلهم الصفق بالأسواق، وإني كنت ألزم رسول الله ﷺ لشبع بطني، أحضر ما لا يحضرون، وأحفظ ما لا يحفظون (٢). ودخل مالك على ابني أخته أبي بكر وإسماعيل بن أبي أويس، وهما يكتبان الحديث، فقال لهما: إن أردتما أن ينفعكما الله بهذا الأمر، فأقلا منه، وتفقها. ولقد جاء عن شعبة أنه قال لكتبة الحديث: إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون. قال أبو الحسن القابسي - ﵀ -: يريد شعبة بقوله هذا عيب تكثير الروايات؛ لما قد دخل على المكثرين من اختلاط الأحاديث، وغير ذلك، فيصيرون بالتكلف إلى أن يتقولوا على الرسول ﷺ ما لم يقل.\nقلت: ويظهر لي من قول شعبة أنه قصد تحذير من غلبت عليه شهوة كتب الحديث وروايته، حتى يحمله ذلك على التفريط في متأكد المندوبات من\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ز).\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٢٤٠ و٢٧٤)، والبخاري (١١٨)، ومسلم (٢٤٩٢).","vol":"6","page":710},{"text":"يَومِي هَذَا، كُلُّ مَالٍ نَحَلتُهُ عَبدًا حَلَالٌ،\nــ\nالصلوات والأذكار والدعوات؛ حرصا على الإكثار وقضاء للشهوات والأوطار.\nقلت: وهذه وصايا السلف وسير أئمة الخلف، قد نبذها أهل هذه الأزمان، وانتحلوا ضروبا من الهذيان، فترى الواحد منهم كحاطب ليل، وكجالب رجل وخيل، فيأخذ عمن أقبل وأدبر من العوام، وممن لم يشعر بشيء قط من هذا الشأن، غير أنه قد وجد اسمه في طبق السماع على فلان، أو أجاز له فلان، وإن كان في ذلك الوقت في سن من لا يعقل من الصبيان، ويسمون مثل ذلك بالسند العالي؛ وإن كان باتفاق السلف وأهل العلم في أسفل سفال، وكل ذلك قصد من كثير منهم إلى الإكثار، ولأن يقال: انفرد فلان بعالي الروايات والآثار. ومن ظهر منه أنه على تلك الحال فالأخذ عنه حرام وضلال، بل الذي يجب الأخذ عنه من اشتهر بالعلم والإصابة والصدق والصيانة ممن قيد كتب الحديث المشهورة، والأمهات المذكورة التي مدار الأحاديث عليها، ومرجع أهل الإسلام إليها، فيعارض كتابه بكتابه، ويقيد منه ما قيده، ويهمل ما أهمله، فإن كان ذلك الكتاب ممن شرط مصنفه الصحة كمسلم والبخاري، أو ميز بين الصحيح وغيره كالترمذي، وجب التفقه في ذلك والعمل به، وإن لم يكن كذلك وجب التوقف إلى أن يعلم حال أولئك الرواة، إما بنفسه إن كانت له أهلية البحث في الرجال، وإما بتقليد من له أهلية ذلك، فإذا حصل ذلك وجب التفقه والعمل، وهو المقصود الأول، وعليه المعول. وكل ما قبله طريق موصل إليه، ومحوم عليه. وإن من علامات عدم التوفيق البقاء في الطريق من غير وصول إلى المقصود على التحقيق.\nو(قوله تعالى (١): كل مال نحلته عبدا حلال) معنى نحلته: أعطيته، والنحلة: العطية - كما تقدَّم - ويعني بها هنا: العطية بطريق شرعي، فكأنه قال: كل\n_________\n(١) أي: في الحديث القدسي.","vol":"6","page":711},{"text":"وَإِنِّي جعلت عِبَادِي كُلَّهُم حُنَفَاءَ، وَإِنَّهُم أَتَتهُم الشَّيَاطِينُ فَاجتَالَتهُم عَن دِينِهِم، وَحَرَّمَت عَلَيهِم مَا أَحلَلتُ لَهُم، وَأَمَرَتهُم أَن يُشرِكُوا بِي مَا لَم أُنزِل بِهِ سُلطَانًا. وذكر الحديث، وسيأتي.\nرواه أحمد (٤/ ١٦٢)، ومسلم (٢٨٦٥) (٦٣).\n* * *\nــ\nمن ملكته شيئا بطريق شرعي، قليلا كان أو كثيرا، خطيرا كان أو حقيرا، فالانتفاع له به مباح مطلقا، لا يمنع من شيء منه، ولا يزاحم عليه، والمال هنا: كل ما يتمول، ويتملك من سائر الأشياء، وفائدة هذه القضية الكلية رفع توهم من يتوهم أن ما يستلذ ويستطاب من رفيع الأطعمة والملابس والمناكح والمساكن محرم، أو مكروه، وإن كان ذلك من الكسب الجائز، كما قد ذهب إليه بعض غلاة المتزهدة. وسيأتي استيعاب هذا المعنى في كتاب الزهد، إن شاء الله تعالى.\nو(قوله: وإني خلقت عبادي كلهم حنفاء) هو جمع حنيف، وهو: المائل عن الأديان كلها إلى فطرة الإسلام، وهذا نحو قوله ﷺ: كل مولود يولد على الفطرة) (١) وقد تقدَّم في كتاب القدر.\nو(قوله: وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم) يعني: شياطين الإنس من الآباء والمعلمين بتعليمهم، وتدريبهم، وشياطين الجن بوساوسهم. ومعنى اجتالتهم: أجالتهم، أي: صرفتهم عن مقتضى الفطرة الأصلية، كما قال: حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه. وفي الرواية الأخرى: حتى يعبر عنه لسانه يعني بما يلقي إليه الشيطان من الباطل والفساد المناقض لفطرة الإسلام.\n* * *\n_________\n(١) سبق في التلخيص برقم (٢٦٩١).","vol":"6","page":712},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-989>(١٢) باب إقرار النبي ﷺ حجة</span>\n[٢٦١٢] عَن مُحَمَّدِ بنِ المُنكَدِرِ قَالَ: رَأَيتُ جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ يَحلِفُ بِاللَّهِ أَنَّ ابنَ صَائِدٍ الدَّجَّالُ. فَقُلتُ له: أَتَحلِفُ على ذلك؛ قَالَ: إِنِّي سَمِعتُ عُمَرَ يَحلِفُ عَلَى ذَلِكَ عِندَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَم يُنكِرهُ النَّبِيُّ ﷺ.\nرواه مسلم (٢٩٢٩).\n* * *\nــ\n(١٢) ومن باب: إقرار النبي ﷺ\nإقرار النبي ﷺ حجَّة، ودليل على جواز ذلك الفعل إذا صدر ذلك الفعل من مسلم، ورآه النبي ﷺ، ولم ينكر عليه.\n* * *","vol":"7","page":713},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-990>(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-991>(١) باب الترغيب في ذكر الله تعالى</span>\n[٢٦١٣] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَقُولُ اللَّهُ: أَنَا عِندَ ظَنِّ عَبدِي بِي،\nــ\n(٣٧) كتاب الأذكار والدَّعوات\n[(١) ومن باب: الترغيب في ذكر الله تعالى] (١)\n(قوله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي) قيل: معناه: ظن الإجابة عند الدعاء، وظن القبول عند التوبة، وظن المغفرة عند الاستغفار، وظن قبول الأعمال عند فعلها على شروطها؛ تمسكا بصادق وعده وجزيل فضله. قلت: ويؤيده قوله ﷺ: ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة (٢). وكذلك ينبغي للتائب والمستغفر، وللعامل أن يجتهد في القيام بما عليه من ذلك، موقنا أن الله تعالى يقبل عمله، ويغفر ذنبه،\n_________\n(١) هذا العنوان لم يردْ في نسخ المفهم، واستدركناه من التلخيص.\n(٢) رواه الترمذي (٣٤٧٤).","vol":"7","page":5},{"text":"وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذكُرُنِي،\nــ\nفإنَّ الله تعالى قد وعد بقبول التوبة الصادقة، والأعمال الصالحة، فأما لو عمل هذه الأعمال، وهو يعتقد، أو يظن أن الله تعالى لا يقبلها، وأنها لا تنفعه، فذلك هو القنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله، وهو من أعظم الكبائر، ومن مات على ذلك وصل إلى ما ظن منه، كما قد جاء في بعض ألفاظ هذا الحديث: أنا عند ظن عبدي بي، فليظن عبدي بي ما شاء (١). فأمَّا ظن المغفرة والرحمة مع الإصرار على المعصية، فذلك محض الجهل والغرة، وهو يجر إلى مذهب المرجئة، وقد قال ﷺ: الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله (٢). والظن: تغليب أحد المجوزين بسبب يقتضي التغليب، فلو خلا عن السبب المغلب لم يكن ظنا بل غرة وتمنيا. وقد تقدَّم في الجنائز الكلام على قوله: لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله (٣).\nو(قوله: وأنا معه حين يذكرني) أصل الذكر: التنبه بالقلب للمذكور، والتيقظ له، ومنه قوله: ﴿اذكُرُوا نِعمَتِيَ الَّتِي أَنعَمتُ عَلَيكُم﴾ أي: تذكروها. وقوله ﷺ: من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها (٤) أي: إذا تذكرها بقلبه. وهو في القرآن كثير. وسمي القول باللسان ذكرا؛ لأنَّه دلالة على الذكر القلبي، غير أنه قد كثر اسم الذكر على القول اللساني حتى صار هو السابق للفهم، وأصل مع الحضور والمشاهدة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسمَعُ وَأَرَى﴾ وكما قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُم أَينَ مَا كُنتُم﴾ أي: مطلع عليكم\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٤٩١ و٤/ ١٠٦)، وابن حبان في صحيحه (٦٣٣)، (وابن المبارك في الزهد (٩٠٩).\n(٢) رواه الترمذي (٢٤٦١).\n(٣) رواه مسلم (٢٨٧٧)، وأبو داود (٣١١٣).\n(٤) ذكره ابن عبد البر في التمهيد (٣/ ٢٨٩ و٥/ ٢١٦ و٢٥١ و٦/ ٣٩٧). وانظر: المصنف لابن أبي شيبة (٢/ ٦٤).","vol":"7","page":6},{"text":"إِن ذَكَرَنِي فِي نَفسِهِ ذَكَرتُهُ فِي نَفسِي، وَإِن ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرتُهُ فِي مَلَأٍ خَير مِنهُم،\nــ\nومحيط بكم، وقد ينجر مع ذلك الحفظ والنصر. كما قيل في قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسمَعُ وَأَرَى﴾ أي: أحفظكما ممن يريد كيدكما.\nوإذا تقرر هذا فيمكن أن يكون معنى: وأنا معه إذا ذكرني أن من ذكر الله في نفسه مفرغة مما سواه، رفع الله عن قلبه الغفلات والموانع، وصار كأنه يرى الله ويشاهده - وهي الحالة العليا التي هي: أن تذكر الله كأنك تراه، فإن لم تصل إلى هذه الحالة، فلا أقل من أن يذكره، وهو عالم بأن الله يسمعه ويراه. ومن كان هكذا كان الله له أنيسا إذا ناجاه، ومجيبا إذا دعاه، وحافظا له من كل ما يتوقعه ويخشاه، ورفيقا به يوم يتوفاه، ومحلا له من الفردوس أعلاه.\nو(قوله: فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي) النفس: اسم مشترك يطلق على نفس الحيوان، وهي المتوفاة بالموت والنوم، ويطلق ويراد به: الدم، والله تعالى منزه عن ذينك المعنيين، ويطلق ويراد به ذات الشيء وحقيقته، كما يقال: رأيت زيدا نفسه عينه، أي: ذاته. وقد يطلق ويراد به الغيب، كما قد قيل في قوله تعالى: ﴿تَعلَمُ مَا فِي نَفسِي وَلا أَعلَمُ مَا فِي نَفسِكَ﴾ أي: ما في غيبك.\nوالأليق بهذا الحديث: أن يكون معناه: أن من ذكر الله تعالى خاليا منفردا بحيث لا يطلع أحد من الخليقة على ذكره، جازاه الله على ذلك بأن يذكره بما أعد له من كرامته التي أخفاها عن خليقته. حتى لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون. وقد قلنا: إن التسليم هو الطريق المستقيم.\nو(قوله: وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه) يعني: أن من يذكره في ملأ من الناس ذكره الله في ملأ من الملائكة، أي: أثنى عليه، ونوه باسمه في الملائكة، وأمر جبريل أن ينادي بذكره في ملائكة السماوات كما تقدَّم، وهو ظاهر","vol":"7","page":7},{"text":"وَإِن تَقَرَّبَ مِنِّي شِبرًا تَقَرَّبتُ منه ذِرَاعًا، وَإِن تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبتُ مِنهُ بَاعًا، وَإِن أَتَانِي يَمشِي أَتَيتُهُ هَروَلَةً.\nوفي رواية: إن الله يقول: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني.\nرواه أحمد (٢/ ٢٥١)، والبخاريُّ (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥) (٢ و١٩)، والترمذيُّ (٣٦٠٣)، وابن ماجه (٣٨٢٢).\nــ\nفي تفضيل الملائكة على بني آدم، وهو أحد القولين للعلماء. وللمسألة غور ليس هذا موضع ذكره.\nو(قوله: وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا. . . إلى قوله: أتيته هرولة) هذه كلها أمثال ضربت لمن عمل عملا من أعمال الطاعات، وقصد به التقرب إلى الله تعالى، يدلّ على أن الله تعالى لا يضيع عمل عامل وإن قل، بل يقبله ويجعل له ثوابه مضاعفا. ولا يفهم من هذا الحديث: الخُطا: نقل الأقدام؛ إلا من ساوى الحمر في الأفهام. فإن قيل: مقتضى ظاهر هذا الخطاب: أن من عمل حسنة جوزي بمثليها، فإنَّ الذراع: شبران، والباع: ذراعان. وقد تقرر في الكتاب والسنة: أن أقل ما يجازى على الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة لا تحصى، فكيف وجه الجمع؟ قلنا: هذا الحديث ما سيق لبيان مقدار الأجور، وعدد تضاعيفها، وإنما سيق لتحقيق أن الله تعالى لا يضيع عمل عامل - قليلا كان أو كثيرا - وأن الله تعالى يسرع إلى قبوله، وإلى مضاعفة الثواب عليه، إسراع من جيء إليه بشيء فبادر لأخذه، وتبشبش له بشبشة من سر به، ووقع منه الموقع، ألا ترى قوله: من (١) أتاني يمشي أتيته هرولة، وفي لفظ آخر: أسرعت إليه. ولا تتقدر الهرولة والإسراع بضعفي المشي، وأما عدد الأضعاف،\n_________\n(١) في التلخيص: \"وإن\".","vol":"7","page":8},{"text":"[٢٦١٤] وعنه؛ قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، فَمَرَّ عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ جُمدَانُ. فَقَالَ: سِيرُوا، هَذَا جُمدَانُ، سَبَقَ المُفَرِّدُونَ، قَالُوا: وَمَا المُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٢٣)، ومسلم (٢٦٧٦)، والترمذيُّ (٣٥٩٦).\n* * *\nــ\nفيؤخذ من موضع آخر، لا من هذا الحديث. والله أعلم.\nو(قوله: هذا جمدان) هو بضم الجيم وسكون الميم، وهو جبل بين قديد وعسفان من منازل أسلم.\nو(قوله: سبق المفردون) قال القاضي: ضبطته عن متقني شيوخنا بفتح الفاء وكسر الراء. قال الهروي: قال أبو العباس عن ابن الأعرابي: فرد الرجل: إذا تفقه واعتزل الناس، وخلا بمراعاة الأمر والنهي. وقال الأزهري: هم المتخلقون (١) من الناس بذكر الله تعالى. وقد فسرهم النبي ﷺ فقال: هم الذاكرون الله كثيرا والذاكرات. وقال في غير كتاب مسلم: هم المستهترون بذكر الله تعالى، يضع عنهم الذكر أوزارهم، فيردون يوم القيامة خفافا (٢). وإنما ذكر النبي ﷺ هذا القول عقيب قوله: هذا جمدان، لأن جمدان جبل منفرد بنفسه هنالك، ليس بحذائه جبل مثله، فكأنه تفرد هناك فذكره بهؤلاء المفردين. والله أعلم. وهؤلاء القوم سبقوا في الدنيا إلى الأحوال السنية، وفي الآخرة إلى المنازل العلية.\nو(قوله: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات) هذه الكثرة المذكورة هنا هي\n_________\n(١) في (ز) و(م ٤): المتحلَّون.\n(٢) رواه الترمذي (٣٥٩٦).","vol":"7","page":9},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالمأمور بها في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذكُرُوا اللَّهَ ذِكرًا كَثِيرًا﴾ وهذا المساق يدلّ على أن هذا الذكر الكثير واجب، ولذلك لم يكتف بالأمر حتى أكده بالمصدر، ولم يكتف بالمصدر حتى أكده بالصفة، ومثل هذا لا يكون في المندوب. وظهر أنه ذكر كثير واجب، ولا يقول أحد بوجوب الذكر باللسان دائما، وعلى كل حال، كما هو ظاهر هذا الأمر، فتعين أن يكون ذكر القلب، كما قاله مجاهد. وقاله ابن عباس - ﵄ -: ليس شيء من الفرائض إلا وله حد ينتهي إليه، إلا ذكر الله ولم يقل هو ولا غيره - فيما علمناه - أن ذكر الله باللسان، يجب على الدوام، فلزم أنه ذكر القلب، وإذا ثبت ذلك، فذكر القلب لله تعالى، إما على جهة الإيمان والتصديق بوجوده، وصفات كماله وأسمائه، فهذا يجب استدامته بالقلب ذكرا أو حكما في حال الغفلة؛ لأنَّه لا ينفك عنه إلا بنقيضه، وهو الكفر. والذكر الذي ليس راجعا إلى الإيمان: هو ذكر الله عند الأخذ في الأفعال، فيجب على كل مكلف ألا يقدم على فعل من الأفعال، ولا قول من الأقوال - ظاهرا ولا باطنا - إلا حتى يعرف حكم الله في ذلك الفعل؛ لإمكان أن يكون الشرع منعه منه، فإمَّا على طريق الاجتهاد إن كان مجتهدا، أو على طريق التقليد إن كان غير مجتهد، ولا ينفك المكلف عن فعل أو قول دائما، فذكر الله يجب عليه دائما، ولذلك قال بعض السلف: اذكر الله عند همك إذا هممت، وحكمك إذا حكمت، وقسمك إذا قسمت، وما عدا هذين الذكرين لا يجب استدامته ولا كثرته. والله أعلم.\n* * *","vol":"7","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-992>(٢) باب فضل مجالس الذكر والاستغفار</span>\n[٢٦١٥] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ ﵎ مَلَائِكَةً سَيَّارَةً فضلًا يَتبعونَ مَجَالِسَ الذِّكرِ، فَإِذَا وَجَدُوا مَجلِسًا فِيهِ ذِكرٌ قَعَدُوا مَعَهُم، وَحَفَّ بَعضُهُم بَعضًا بِأَجنِحَتِهِم حَتَّى يَملَؤوا مَا بَينَهُم وَبَينَ\nــ\n(٢) ومن باب: فضل مجالس الذكر\n(قوله: إن لله ملائكة سيارة فضلا) بفتح الفاء وإسكان الضاد. رواية الشيوخ في مسلم والبخاري. أي: زيادة على كتاب الناس، وعند الهروي: فضل - برفع اللام - على أنه خبر مبتدأ. ووقع عند بعضهم: فُضُلا - بضم الفاء والضاد - وكأنه تأوله على أنه جمع فاضل، ولا تساعده العربية، ولا المعنى. وعند بعضهم: فضلاء - بضم الفاء وفتح الضاد والمد والهمز - كظرفاء. والملائكة وإن كانوا كلهم كذلك، فليس هذا موضع ذكر ذلك، والصواب التقييد الأول.\nو(قوله: فإذا وجدوا مجلس ذكر قعدوا معهم، وحف بعضهم بعضا بأجنحتهم) هذه رواية السجزي والسمرقندي، أي: يحدقون حولهم، ومصداقها في البخاري: يحفونهم بأجنحتهم، وفي كتاب ابن عيسى: وحط - بحاء وطاء مهملتين - ومعناه: أشار بعضهم لبعض بالنزول، ووقع عند العذري: حظ: - بالظاء القائمة المعجمة - وعند بعضهم: بالساقطة، وليسا بشيء، وهما تصحيف.\nو(قوله: سيارة) يعني: سائرين، كما قال في رواية أخرى: سياحين.\nو(قوله: فإذا وجدوا مجلس ذكر قعدوا معهم) يعني: مجالس العلم والتذكير. وهي المجالس التي يذكر فيها كلام الله، وسنة رسوله، وأخبار السلف الصالحين، وكلام الأئمة الزهاد المتقدِّمين، المبرأة عن التصنع والبدع، والمنزهة عن المقاصد الردية والطمع، وهذه المجالس قد انعدمت في هذا الزمان، وعوض","vol":"7","page":11},{"text":"السَّمَاءِ الدُّنيَا، فَإِذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وَصَعِدُوا إِلَى السَّمَاءِ، قَالَ: فَيَسأَلُهُم اللَّهُ ﷿ وَهُوَ أَعلَمُ: مِن أَينَ جِئتُم؟ فَيَقُولُونَ: جِئنَا مِن عِندِ عِبَادٍ لَكَ فِي الأَرضِ يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيُهَلِّلُونَكَ وَيَحمَدُونَكَ وَيَسأَلُونَكَ، قَالَ: وَمَاذَا يَسأَلُونِي؟ قَالُوا: يَسأَلُونَكَ جَنَّتَكَ، قَالَ: وَهَل رَأَوا جَنَّتِي؟ قَالُوا: لَا أَي رَبِّ، قَالَ: فَكَيفَ لَو رَأَوا جَنَّتِي؟ قَالُوا: وَيَستَجِيرُونَكَ،\nــ\nمنها الكذب والبدع، ومزامير الشيطان. نعوذ بالله من حضورها، ونسأله العافية من شرورها.\nو(قوله: فيسألهم - وهن أعلم -: من أين جئتم؟) هذا السؤال من الله تعالى للملائكة، هو على جهة التنبيه للملائكة على قولها: ﴿أَتَجعَلُ فِيهَا مَن يُفسِدُ فِيهَا وَيَسفِكُ الدِّمَاءَ﴾ وإظهار لتحقيق قوله: ﴿إِنِّي أَعلَمُ مَا لا تَعلَمُونَ﴾ وهو من نحو مباهاة الله تعالى الملائكة بأهل عرفة حين قال لهم: ما أراد هؤلاء؟ انظروا إلى عبادي جاؤوني شعثا غبرا، أشهدكم أني قد غفرت لهم (١). وكذلك نُص عليه في الحديث.\nو(قوله: ويمجدونك) أي: يعظمونك بذكر صفات كمالك وجلالك. وقد تقدَّم: أن أصل المجد الكثرة، ومنه قولهم: في كل شجرة نار، واستمجد المرخ والعفار.\nو(قوله: كيف لو رأوا جنتي؟) هذا يدلّ على أن للمعاينة زيادة مزية على العلم في التحقيق والوضوح؛ فإنَّ هؤلاء القوم المتذكرين للجنة والنار كانوا عالمين بذلك، ومع ذلك فإنَّ الله تعالى قال: فكيف لو رأوها يعني: لو رأوها لحصل من اليقين والتحقيق زيادة على ما عندهم، ولتحصيل هذه الزيادة سأل موسى الرؤية، والخليل مشاهدة إحياء الموتى، وقد تقدَّم هذا المعنى.\n_________\n(١) رواه ابن خزيمة (٢٨٤٠)، والبغوي في شرح السنة (١٩٣١).","vol":"7","page":12},{"text":"قَالَ: وَمِمَّ يَستَجِيرُونَنِي؟ قَالُوا: مِن نَارِكَ يَا رَبِّ، قَالَ: وَهَل رَأَوا نَارِي؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَكَيفَ لَو رَأَوا نَارِي؟ قَالُوا: وَيَستَغفِرُونَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ: قَد غَفَرتُ لَهُم وَأَعطَيتُهُم مَا سَأَلُوا وَأَجَرتُهُم مِمَّا استَجَارُوا، قَالَ: يَقُولُونَ: رَبِّ فِيهِم فُلَانٌ، عَبدٌ خَطَّاءٌ، إِنَّمَا مَرَّ فَجَلَسَ مَعَهُم، قَالَ: فَيَقُولُ: وَلَهُ غَفَرتُ، هُم القَومُ لَا يَشقَى بِهِم جَلِيسُهُم.\nرواه أحمد (٢/ ٣٥٨)، ومسلم (٢٦٨٩).\n* * *\nــ\nو(قول الملائكة: فيهم فلان عبد خطاء، إنما مر فجلس معهم) إنما استبعدت الملائكة أن يدخل هذا مع أهل المجلس في المغفرة؛ لأنَّه لم تكن عادته حضور مجالس الذكر، وإنما كانت عادته ملازمة الخطايا، فعرض له هذا المجلس، فجلسه، فدخل مع أهله فيما قسم لهم من المغفرة والرحمة. فيستفاد منه الترغيب العظيم في حضور مجالس الذكر، ومجالسة العلماء والصالحين وملازمتهم.\nو(قوله: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) هذه مبالغة في إكرامهم، وزيادة في إعلاء مكانتهم، ألا ترى أنه أكرم جليسهم بنحو ما أكرموا به لأجلهم، وإن لم يشفعوا فيه، ولا طلبوا له شيئًا، وهذه حالة شريفة، ومنزلة منيفة، لا خيبنا الله منهم، وجعلنا من أهلها.\n* * *","vol":"7","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-993>(٣) باب فضل إحصاء أسماء الله تعالى</span>\n[٢٦١٦] عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: إن لله تسعة وتسعين اسما، من حفظها دخل الجنة، والله وتر يحب الوتر.\nوفي رواية: وإن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا؛ من أحصاها دخل الجنة.\nرواه أحمد (٢/ ٢٦٧)، ومسلم (٢٦٧٧) (٥ و٦)، والترمذيُّ (٣٥٠٦)، وابن ماجه (٣٨٦٠).\n* * *\nــ\n(٣) ومن باب: فضل إحصاء أسماء الله تعالى\n(قوله: لله تسعة وتسعين اسما - مائة إلا واحدا -) الاسم في العرف العام: هو الكلمة الدالة على معنى مفرد، وبهذا الاعتبار لا فرق بين الاسم والفعل والحرف، إذ كل واحد منها يصدق عليه ذلك الحد، فلا فعل، ولا حرف في العرف العام، وإنما ذلك اصطلاح النحويين والمنطقيين، وليس ذلك من غرضنا. وإذا فهمت هذا فهمت غلط من قال: إن الاسم هو المسمى حقيقة، كما قالت طائفة من جهال الحشوية؛ فإنَّهم صرحوا بذلك واعتقدوه حتى أُلزِموا على ذلك أن من قال: سم، مات، ومن قال: نار، احترق. وهؤلاء أخس من أن يشتغل بمخاطبتهم، وأما من قال من النحويين، ومن المتكلمين: الاسم هو المسمى، فحاشاهم أن يريدوا هذه الحماقة، وإنَّما أرادوا أنه هو من حيث أنه لا يدلّ إلا عليه، ولا يفيد إلا هو، فإن كان ذلك الاسم من الأسماء الدالة على ذات المسمى دل عليها من غير مزيد أمر آخر، وإن كان من الأسماء الدالة على معنى زائد: دل","vol":"7","page":14},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nعلى تلك الذات، منسوبة إلى ذلك الزائد خاصة دون غيره. وبيان ذلك: أنك إذا قلت: زيد - مثلا - فهو يدلّ على ذات مشخصة في الوجود من غير زيادة ولا نقصان، فلو قلت - مثلا -: العالم؛ دل هذا على تلك الذات منسوبة إلى العلم، وكذلك لو قلت: الغني؛ دل ذلك على تلك الذات مع إضافة مال إليها، وكذلك لو قلت: الفقير؛ دل على تلك الذات مع سلب المال عنها، وهذا جار في كل ما يقال عليه اسم بالعرف العام. ومن هنا صح عقلا أن تكثر الأسماء المختلفة على ذات واحدة، ولا توجب تعددا فيها، ولا تكثيرا، وقد غمض فهم هذا - مع وضوحه - على بعض أئمة المتكلمين، وفر منه هربا من لزوم تعدد في ذات الإله، حتى تأول هذا الحديث؛ بأن قال: إن الاسم فيه يراد به التسمية، ورأى أن هذا يخلصه من التكثر، وهذا فرار من غير مفر إلى غير مفر، وذلك أن التسمية إنما هي وضع الاسم، أو ذكر الاسم، فإنَّه يقال لمن سمى ابنه عند ولادته بزيد: سمى يسمي تسمية، وكذلك نقول لمن ذكر اسم زيد لغيره، وعلى هذا فالتسمية هي نسبة الاسم إلى مسماه، فإذا قلنا: إن لله تعالى تسعة وتسعين تسمية، اقتضى ذلك: أن يكون له تسعة وتسعون اسما ينسبها كلها إليه، فبقي الإلزام بعد ذلك التكلف والتعسف، والحق ما ذكرناه، والمفهم الإله. وقد يقال: الاسم هو المسمى، ويعني به: أن هذه الكلمة التي هي الاسم، قد يطلق ويراد به المسمى، كما قيل ذلك في قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأَعلَى﴾ أي: سبح ربك، فأريد بالاسم المسمى، وهذا بحث لفظي لا ينبغي أن ينكر، ولا جرم قال به في هذه الآية وفيما يشبهها جماعة من علماء اللسان وغيرهم، وإذا تقرر هذا فافهم أن أسماء الحق سبحانه وإن تعددت فلا تعدد في ذاته تعالى، ولا تركيب، لا عقليا كترتيب المحدودات، ولا محسوسا كترتيب الجسمانيات، وإنما تعددت أسماؤه تعالى بحسب الاعتبارات الزائدة على الذات، ثم هذه الأسماء من جهة دلالتها على أربعة أضرب؛ فمنها: ما يدلّ على الذات مجردة، كاسم الله تعالى، على قول من يقول:","vol":"7","page":15},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nإنه عَلَم غير مشتق، وهو الخليل وغيره؛ لأنَّه يدلّ على الوجود الحق الموصوف بصفات الجلال والكمال، دلالة مطلقة غير مقيدة بقيد، ولأنه أشهر أسمائه حتى تعرف كل أسمائه به، فيقال: الرحمن: اسم الله، ولا يقال: الله اسم الرحمن، ولأن العرب عاملته معاملة الأسماء الأعلام في النداء، فجمعوا بينه وبين ياء النداء، ولو كان مشتقا لكانت لامه زائدة، وحينئذ لا يجمع بينه وبينها في النداء، كما لا تقول العرب: يا لحارث ولا يا لعباس. ولاستيفاء المباحث علم الاشتقاق.\nومنها: ما يدلّ على صفات الباري تعالى الثابتة له، كالعالم والقادر، والسميع والبصير.\nومنها: ما يدلّ على إضافة أمر ما إليه، كالخالق، والرازق.\nومنها: ما يدلّ على سلب شيء عنه، كالقدوس، والسلام. وهذه الأقسام الأربعة لازمة منحصرة، دائرة بين النفي والإثبات، فاختبرها تجدها كذلك.\nو(قوله: مائة إلا واحدا) تأكيد للجملة الأولى، ليرفع به وهم متوهم في النطق أو الكتابة؛ لأنَّ تسعة مقاربة لسبعة فيهما. ومائة منصوبة بدل من تسعة.\nو(قوله: من أحصاها دخل الجنة) هذه الجملة خبر ثان للمائة المذكورة في الجملة الأولى، غير أن هذه الجملة هي الفائدة المقصودة لعينها، والجملة الأولى مقصودة لها، لا أن مقصودها حصر الأسماء فيما ذكر، وهذا كقول القائل: لزيد مائة دينار، أعدها للصدقة، لا يفهم من هذا: أنه ليس له مال غير المائة دينار، وإنما يفهم أن هذه المائة هي التي أعدها للصدقة لا غيرها. وقد دل على أن لله أسماء أخر ما قدمناه من قوله ﷺ: اللهم إني أسالك بكل اسم سميت به نفسك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك (١) وقوله: فأحمده بمحامد لا أقدر عليها، إلا أن\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٣٩١) عن عبد الله بن مسعود.","vol":"7","page":16},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nيلهمنيها الله (١). وقد بحث الناس عن هذه الأسماء في الكتاب والسنة، فجمعوها في كتبهم، كالخطابي، والقشيري، وغيرهما، فمن أرادها وجدها. وقد روى الترمذي حديث أبي هريرة هذا، وزاد فيه ذكر الأسماء وتعديدها إلى تسعة وتسعين، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث صفوان بن صالح، وهو ثقة عند أهل الحديث (٢).\nوالإحصاء في الكلام على ثلاث مراتب؛ أولها: العدد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَحصَى كُلَّ شَيءٍ عَدَدًا﴾ والثانية: بمعنى الفهم، ومنه يقال: رجل ذو حصاة؛ أي: ذو لب وفهم، ومنه سمي العقل: حصاة، قال كعب بن سعد الغنوي:\nوأن لسان المرء ما لم يكن له ... حصاة على عوراته لدليل\nوالثالثة (٣): بمعنى الإطاقة على العمل والقوة، ومنه قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَن لَن تُحصُوهُ﴾ أي: لن تطيقوا العمل بذلك، والمرجو من كرم الله تعالى، أن من حصل له إحصاء هذه الأسماء على إحدى هذه المراتب مع صحَّة النية، أن يدخله الله الجنة، لكن المرتبة الأولى: هي مرتبة أصحاب اليمين، والثانية: للسابقين، والثالثة: للصديقين، ونعني بإطاقتها حسن المراعاة لها، والمحافظة على حدودها، والاتصاف بقدر الممكن منها، كما أشار إليه الطوسي في المقصد الأسنى.\nو(قوله: والله وتر يحب الوتر) قد تقدَّم أن الوتر: الفرد، والشفع: الزوج، وأن معنى وحدانية الله تعالى: أنَّه واحد في ذاته فلا انقسام له، وواحد في إلهيته، فلا نظير له، وواحد في مُلكه ومِلكه فلا شريك له\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٧١٢)، ومسلم (١٩٤).\n(٢) رواه الترمذي (٣٥٠٧).\n(٣) في جميع النسخ: \"الثالث\" والصواب ما أثبتناه.","vol":"7","page":17},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nو(قوله: يحب الوتر) ظاهره: أن الوتر هنا للجنس، لا معهود جرى ذكره يحمل عليه، فيكون معناه على هذا: أنه يحب كل وتر شرعه، وأمر به، كالمغرب، فإنها وتر صلاة النهار، ووتر صلاة الليل، وكالصلوات الخمس، فإنَّها وتر، وكالوتر في مرار الطهارة، وغسل الميت، ونحو هذا مما شرع فيه الوتر، ومعنى محبته لهذا النوع: أنه أمر به، وأثاب عليه. ويصلح ذلك للعموم لما خلقه وترا من مخلوقاته، كالسماوات السبع والأرضين السبع، والذراري السبع، وكآدم الذي خلقه من تراب، وعيسى الذي خلقه من غير أب، وهكذا كل ما خلقه الله وترا من مخلوقاته، ومعنى محبته لهذا النوع أنه خصصها بذلك لِحَكَم علمها، وأمور قدرها. ويحتمل أن يريد بذلك الوتر واحدا بعينه، فقيل: هو صلاة الوتر، وقيل: يوم الجمعة، وقيل: يوم عرفة، وقيل: آدم، وقيل غير ذلك. وقيل: يحتمل أن يكون معناه منصرفا إلى صفة من يعبد الله بالوحدانية والتفرد على سبيل الإخلاص والاختصاص.\nقلت: وهذه الأقوال كلها متكافئة، وأشبه ما تقدَّم: حمله على العموم، وقد ظهر لي وجه، وأرجو أن يكون أولى بالمقصود، وهو أن الوتر يراد به التوحيد، فيكون معناه: إن الله تعالى في ذاته وكماله وأفعاله واحد، ويحب التوحيد، أي: يوحّد ويعتقد انفراده دون خلقه، فيلتئم أول الحديث وآخره، وظاهره وباطنه.\n* * *","vol":"7","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-994>(٤) باب فضل قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له</span>\n[٢٦١٧] عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَن قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، فِي يَومٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَت لَهُ عَدلَ عَشرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَ لَهُ بها مائةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَت عَنهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ،\nــ\n(٤ و٥) ومن باب: فضل التهليل والتسبيح والتحميد (١)\n(قوله في حديث أبي هريرة - ﵁ -: من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير؛ في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة) يعني: أن ثواب هذه الكلمات بمنزلة ثواب من أعتق عشر رقاب، وقد تقدَّم في العتق: أن من أعتق رقبة واحدة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار، ثم يزاد مع ذلك كتب مائة حسنة، ومحو مائة سيئة، يجمع ذلك كله له، وكل واحد من هذه الحسنات مضاعفة بعشر، كما قال تعالى ﴿مَن جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشرُ أَمثَالِهَا﴾ وكما في حديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ - المذكور بعد هذا، وهذا الحديث وجميع ما في الباب من الأحاديث يدلّ على: أن ذكر الله تعالى أفضل الأعمال كلها، وقد صرح بهذا المعنى في آخر هذا الحديث حين قال: ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا أحد عمل أكثر من ذلك. وأنص ما في هذا الباب ما خرجه مالك عن أبي الدرداء قال: ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها\n_________\n(١) شرح المؤلف -﵀- تحت هذا العنوان بابين من التلخيص، وهما: باب: فضل قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وباب: فضل التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير.","vol":"7","page":19},{"text":"وَكَانَت لَهُ حِرزًا مِن الشَّيطَانِ يَومَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمسِيَ، وَلَم يَأتِ أَحَدٌ بأَفضَلَ\nــ\nعند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى. قال: ذكر الله (١). وهذا لا يقوله أبو الدرداء من رأيه، ولا بنظره؛ فإنه لا يتوصل إليه برأيه، فلا يقوله إلا عن النبي ﷺ، غير أنه سكت عن رفعه للعلم بذلك عند من حدثه بذلك. وقد رواه الترمذي مرفوعا (٢)، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي) يعني: أن الله تعالى يحفظه من الشيطان في ذلك اليوم فلا يقدر منه على زلة ولا وسوسة ببركة تلك الكلمات.\nقلت: وهذه الأجور العظيمة، والعوائد الجمة إنما تحصل كاملة لمن قام بحق هذه الكلمات، فأحضر معانيها بقلبه، وتأملها بفهمه، واتضحت له معانيها، وخاض في بحار معرفتها، ورتع في رياض زهرتها، ووصل فيها إلى عين اليقين؛ فإن لم يكن، فإلى علم اليقين، وهذا هو الإحسان في الذكر؛ فإنَّه من أعظم العبادات. وقد قال ﷺ فيما قدمناه في الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك (٣).\nثم لما كان الذاكرون في إدراكاتهم وفهومهم مختلفين، كانت أجورهم على ذلك بحسب ما أدركوا، وعلى هذا ينزل اختلاف مقادير الأجور، والثواب المذكور في أحاديث الأذكار، فإنك تجد في بعضها ثوابا عظيما مضاعفا، وتجد تلك الأذكار بأعيانها في رواية أخرى أكثر أو أقل، كما اتفق هنا في حديث أبي هريرة\n_________\n(١) رواه مالك في الموطأ (١/ ٢١١).\n(٢) رواه الترمذي (٣٣٧٤).\n(٣) رواه مسلم (٨)، وأبو داود (٤٦٩٥)، والترمذي (٢٦١٣)، والنسائي (٨/ ٩٧).","vol":"7","page":20},{"text":"مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكثَرَ مِن ذَلِكَ، وَمَن قَالَ: سُبحَانَ اللَّهِ وَبِحَمدِهِ، فِي يَومٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَّت خَطَايَاهُ وَلَو كَانَت مِثلَ زَبَدِ البَحرِ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٠٢)، والبخاريُّ (٣٢٩٣)، ومسلم (٢٦٩١)، والترمذيُّ (٣٤٦٨)، وابن ماجه (٣٧٩٨).\n[٢٦١٨] وعن أبي أيوب، عن رسول الله ﷺ قال: من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير عشر مرات، كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل.\nرواه البخاريُّ (٦٤٠٤)، ومسلم (٢٦٩٣)، والترمذيُّ (٣٥٨٤).\n* * *\nــ\nالمتقدم، فإنَّ فيه: ما ذكرناه من الثواب، وتجد تلك الأذكار بأعيانها وقد علق عليها من ثواب عتق الرقاب أكثر مما علقه على حديث أبي هريرة، وذلك أنه قال في حديث أبي هريرة: من قال ذلك في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وفي حديث أبي أيوب: من قالها عشر مرات كانت له عدل أربع رقاب. وعلى هذا فمن قال ذلك مائة مرة كانت له عدل أربعين رقبة، وكذلك تجده في غير هذه الأذكار، فيرجع الاختلاف الذي في الأجور لاختلاف أحوال الذاكرين، وبهذا يرتفع الاضطراب بين أحاديث هذا الباب، والله الموفق للصواب.\nو(قوله: إلا أحد عمل أكثر من ذلك) أي: قال، فسمى القول عملا، كما قد صرح به في الرواية الأخرى. والذكر من الأعمال التي لا تنفع إلا بالنية والإخلاص.","vol":"7","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-995>(٥) باب فضل التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير</span>\n[٢٦١٩] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن قَالَ حِينَ يُصبِحُ وَحِينَ يُمسِي: سُبحَانَ اللَّهِ وَبِحَمدِهِ، مِائَةَ مَرَّةٍ، لَم يَأتِ أَحَدٌ يَومَ القِيَامَةِ بِأَفضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَّا أَحَدٌ قَالَ مِثلَ مَا قَالَ، أَو زَادَ عَلَيهِ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٠٢)، والبخاريُّ (٦٤٠٥)، ومسلم (٢٦٩٢)، والترمذيُّ (٣٤٦٦)، وابن ماجه (٣٨١٢).\n[٢٦٢٠] وعنه قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحمَنِ: سُبحَانَ اللَّهِ وَبِحَمدِهِ سُبحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ.\nرواه أحمد (٢/ ٢٣٢)، والبخاري (٦٤٠٦)، ومسلم (٢٦٩٤)، والترمذي (٣٤٦٧).\n[٢٦٢١] وعنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَأَن أَقُولَ سُبحَانَ اللَّهِ وَالحَمدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكبَرُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَت عَلَيهِ الشَّمسُ.\nرواه مسلم (٢٦٩٥)، والترمذي (٣٥٩٧).\nــ\nو(قوله: لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس) أي: من أن تكون له الدنيا بكليتها، فيحتمل أن يكون هذا على جهة الإغياء على طريقة العرب في ذلك. ويحتمل أن يكون معنى ذلك:","vol":"7","page":22},{"text":"[٢٦٢٢] وعن سعد بن أبي وقاص، قال: جَاءَ أَعرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: عَلِّمنِي كَلَامًا أَقُولُهُ، قَالَ: قُل: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، اللَّهُ أَكبَرُ كَبِيرًا وَالحَمدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، سُبحَانَ اللَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، لَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ، قَالَ: فَهَؤُلَاءِ لِرَبِّي فَمَا لِي؟ قَالَ: قُل: اللَّهُمَّ اغفِر لِي وَارحَمنِي وَاهدِنِي وَارزُقنِي. وزاد من حديث أبي مالك الأشجعي: وعافني. ويجمع أصابعه إلى الإبهام،\nــ\nأن تلك الأذكار أحب إليه من أن تكون له الدنيا فينفقها في سبيل الله، وفي أوجه البر والخير، وإلا فالدنيا من حيث هي دنيا لا تعدل عند الله جناح بعوضة، وكذلك هي عند أنبيائه وأهل معرفته، فكيف تكون أحب إليه من ذكر أسماء الله وصفاته، التي يحصل بها ذلك الثواب العظيم، والحظ الجزيل؟\nو(قوله: الله أكبر كبيرا) نصب (كبيرا) على أنه مفعول بفعل مضمر، تقديره: أكبر كبيرا، هذا قول بعض النحويين.\nو(قوله: والحمد لله كثيرا) نصب (كثيرا) على: أنه نعت لمصدر محذوف. كأنه قال: والحمد لله حمدا كثيرا.\nو(قوله: فهؤلاء لربي) أي: هؤلاء الكلمات هي حق الله تعالى؛ إذ هي أوصافه. فما لي؟ أي: فما الذي أذكره لحقي وحظي؟ فدله ﷺ على دعاء يشمل له مصالح الدنيا والآخرة، فقال: قل: اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وارزقني، وعافني أي: اغفر لي ذنوبي السالفة، وارحمني بنعمك المتوالية، واهدني إلى السبيل الموصل إليك، وارزقني ما أستعين به على ذلك، ويغنيني عن غيرك، وعافني عما ينقض لي شيئًا أو ينقصه.\nو(قوله: ويجمع بين أصابعه) أي: عند الكلمات المدعو بها عليك، تمكينا لها في النفس، وضبطا لها في الحفظ.","vol":"7","page":23},{"text":"قال: فإن هؤلاء تجمع لك دنياك وآخرتك.\nرواه أحمد (١/ ١٨٥)، ومسلم (٢٦٩٦).\n[٢٦٢٣] وعن سعد بن أبي وقاص قال: كُنَّا عِندَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَيَعجِزُ أَحَدُكُم أَن يَكسِبَ كُلَّ يَومٍ أَلفَ حَسَنَةٍ؟ فَسَأَلَهُ سَائِلٌ مِن جُلَسَائِهِ: كَيفَ يَكسِبُ أَحَدُنَا أَلفَ حَسَنَةٍ؟ قَالَ: يُسَبِّحُ مِائَةَ تَسبِيحَةٍ فَيُكتَبُ لَهُ أَلفُ حَسَنَةٍ أَو يُحَطُّ عَنهُ أَلفُ خَطِيئَةٍ.\nرواه أحمد (١/ ١٨٥)، ومسلم (٢٦٩٨)، والترمذيُّ (٣٤٦٣).\n* * *\nــ\nو(قوله: فإنَّ هؤلاء تجمع دنياك وآخرتك) أي: هذه الدعوات تجمع لك خيرات الدارين، وتكفيك شرورهما.\nو(قوله: يكتب الله له ألف حسنة أو يحط) كذا وقع هذا اللفظ في بعض النسخ بألف قبل الواو، وفي بعضها بإسقاط الألف، وهو صحيح رواية ومعنى؛ لأن الله قد جمع ذلك كله لقائل تلك الكلمات كما تقدم، ولو صحت رواية الألف لحملت على المذهب الكوفي في أن (أو) تكون بمعنى الواو.\n* * *","vol":"7","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-996>(٦) باب يذكر الله تعالى بوقار وتعظيم وفضل لا حول ولا قوة إلا بالله</span>\n[٢٦٢٤] عن أبي موسى، قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر - وفي رواية: في غزاة - فَجَعَلَ النَّاسُ يَجهَرُونَ بِالتَّكبِيرِ.\nوفي رواية: فجعل رجل كلما علا ثنية نادى: لا إله إلا الله والله أكبر، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: يا أَيُّهَا النَّاسُ اربَعُوا عَلَى أَنفُسِكُم؛ إِنَّكُم لَسَتم تَدعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُم تَدعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا، وَهُوَ مَعَكُم، قَالَ: وَأَنَا خَلفَهُ وَأَنَا أَقُولُ: لَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَقَالَ: يَا عَبدَ اللَّهِ بنَ قَيسٍ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَنزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ؟ فَقُلتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: قُل: لَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.\nــ\n[(٦) ومن باب: يذكر الله تعالى بوقار وتعظيم، وفضل لا حول ولا قوة إلا بالله] (١).\n(قوله ﷺ: أيها الناس اربعوا على أنفسكم، إنكم لستم تدعون أصم ولا غائبا) أي: ارفقوا. يقال: ربع الرجل يربع: إذا وقف وتحبس، ومنه قولهم: اربع على ضلعك، أي: ارفق بنفسك. وإنما قال: لستم تدعون أصم ولا غائبا لأنهم رفعوا أصواتهم كما ترفع لمن كان أصم أو غائبا. ثم قال: تدعون سميعا قريبا، وهو معكم. ثم مثل لهم بما بين أيديهم فيما يحسونه ويدركونه، فقال: تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته؟ فهذه معية وقرب بالاطلاع والمشاهدة، لا بالمكان والزمان.\n_________\n(١) هذا العنوان لم يردْ في نسخ المفهم، واستدركناه من التلخيص.","vol":"7","page":25},{"text":"وفي رواية: والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلة أحدكم.\nرواه أحمد (٤/ ٣٩٤)، والبخاري (٦٣٨٤)، ومسلم (٢٧٠٤) (٤٤ - ٤٦).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-997>(٧) باب تجديد الاستغفار والتوبة في اليوم مائة مرة</span>\n[٢٦٢٥] عن الأغر المزني - وكانت له صحبة - أن رسول الله ﷺ قال: إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة.\nرواه أحمد (٤/ ٢٦٠)، ومسلم (٢٧٠٢) (٤١)، وأبو داود (١٥١٥).\nــ\n[(٧) ومن باب: تجديد التوبة والاستغفار في اليوم مائة مرة] (١)\n(قوله: إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة) ليغان: ليغطى، والغين: التغطية، ومنه يقال للغيم: الغين، لأنه يغطي. ولا يظن أن أحدا قال: إن قلب النبي - ﷺ - تأثر بسبب ذنب وقع منه بغين أو رين، أو طبع عليه، فإنَّ من جوز الصغائر على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لم يقل: إنها إذا وقعت منهم أثرت في قلوبهم كما تؤثر الذنوب في قلوب العصاة، بل: هم مغفور لهم ومكرمون، وغير مؤاخذين بشيء من ذلك، فثبت بهذا أن ذلك الغين ليس هو بسبب ذنب، ولكن اختلفوا في ذلك الغين. فقالت طائفة: إنه عبارة عن فترات وغفلات عن\n_________\n(١) هذا العنوان لم يردْ في نسخ المفهم، واستدركناه من التلخيص.","vol":"7","page":26},{"text":"[٢٦٢٦] وعنه؛ قال: قال رسول الله ﷺ: يا أيها الناس توبوا إلى الله،\nــ\nالذكر الذي كان دأبه، فكان يستغفر الله من تلك الفترات (١)، وقيل: كان ذلك بسبب ما اطلع عليه من أحوال أمته، وما يكون منها بعده، فكان يستغفر الله لهم. وقيل: كان ذلك لما يشغله من النظر في أمور أمته ومصالحهم، ومحاربة عدوه عن عظيم مقامه، فكان يرى أن ذلك - وإن كان من أعظم الطاعات وأفضل الأعمال - نزول عن علو درجاته ورفعة مقامه، فيستغفر ربه من ذلك، وقيل: كان ذلك حال خشية وإعظام لله تعالى، والاستغفار الذي صدر منه لم يكن لأجل ذلك الغين، بل للقيام بالعبادة، ألا ترى قوله في الحديث: إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله فأخبر بأمرين مستأنفين ليس أحدهما معلقا على آخر. وقال بعض أرباب الإشارات: إن النبي ﷺ كان دائم الترقي في المقامات، سريع التنقل في المنازلات، فكان إذا ترقى من مقام إلى غيره اطلع على المنتقل عنه، فظهر له: أنه نقص بالنسبة إلى المنتقل إليه، فكان يستغفر الله من الأول ويتوب منه. كما قال في الحديث. وقد أشار الجنيد - ﵀ - إلى هذا بقوله: حسنات الأبرار سيئات المقربين، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: يا أيها الناس توبوا إلى الله) أمر على جهة الوجوب، كما قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ المُؤمِنُونَ﴾ وكما قال تعالى: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوبَةً نَصُوحًا﴾ وقال: ﴿وَمَن لَم يَتُب فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ولا خلاف أنها واجبة على كل من أذنب، وهي في اللغة: الرجوع. يقال: تاب وثاب وأثاب وأناب وآب، بمعنى: رجع. وهي في الشرع: الرجوع عما هو مذموم في الشرع إلى ما هو محمود فيه، وسيأتي استيفاء الكلام فيها في الرقائق، إن شاء الله تعالى.\n_________\n(١) في (ز): الغمرات.","vol":"7","page":27},{"text":"فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة.\nرواه أحمد (٤/ ٢٦٠)، ومسلم (٢٧٠٢) (٤٢).\n* * *\nــ\nو(قوله: فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة) هذا يدل على التوبة، وأن الإنسان مهما ذكر ذنبه جدد التوبة؛ لأنَّه من حصول الذنب على يقين، ومن الخروج عن عقوبته على شك، فحق التائب أن يجعل ذنبه نصب عينيه، وينوح دائما عليه، حتى يتحقق أنه قد غفر له ذنبه، ولا يتحقق أمثالنا ذلك إلا بلقاء الله تعالى، فواجب عليه ملازمة الخوف من الله تعالى، والرجوع إلى الله بالندم على ما فعل، وبالعزم على ألا يعود إليه، والإقلاع عنه. ثم لو قدرنا أنه تحقق أنه غفر له ذلك الذنب تعينت عليه وظيفة الشكر، كما قال ﷺ: أفلا أكون عبدا شكورا؟ (١) وإنَّما أخبر النبي - ﷺ - بأنه يكرر توبته كل يوم مع كونه مغفورا له، ليُلحق به غيرُه نفسَه بطريق الأولى؛ لأنَّ غيره يقول: إذا كانت حال من تحقق مغفرة ذنوبه هكذا، كانت حال من هو من ذلك في شك أحرى وأولى، وكذلك القول في الاستغفار والتوبة يقتضي شيئا يتاب منه؛ إلا أن ذلك منقسم بحسب حال من صدر منه ذلك الشيء، فتوبة العوام من السيئات، وتوبة الخواص من الغفلات، وتوبة خواص الخواص من الالتفات إلى الحسنات، هكذا قاله بعض أرباب القلوب، وهو كلام حسن في نفسه، بالغ في فنه.\n* * *\n_________\n(١) رواه أحمد (٦/ ١١٥)، والبخاري (٤٨٣٧)، ومسلم (٢٨٢٠) عن عائشة -﵂-.","vol":"7","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-998>(٨) باب ليحقق الداعي طلبته وليعزم في دعائه</span>\n[٢٦٢٧] عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم في الدعاء؛ فإن الله صانع ما شاء، لا مكره له.\nــ\n(٨) ومن باب: قوله: ليُحَقق الداعي طلبته وليعزم في دعائه.\nقوله: لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت) إنما نهى الرسول ﷺ عن هذا القول؛ لأنَّه يدل على فتور الرغبة، وقلة التهمم بالمطلوب. وكأن هذا القول يتضمن: أن هذا المطلوب إن حصل، وإلا استغني عنه، ومن كان هذا حاله لم يُتحقق من حاله الافتقار والاضطرار الذي هو روح عبادة الدعاء، وكان ذلك دليلا على قلة اكتراثه بذنوبه، وبرحمة ربه، وأيضًا فإنَّه لا يكون موقنا بالإجابة، وقد قال ﷺ: ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه (١). ثم إن النبي ﷺ لم يكتف بالنهي عن ذلك حتى أمر بنقيضه فقال: ليعزم في الدعاء أي: ليجزم في طلبته، وليحقق رغبته ويتيقن الإجابة؛ فإنَّه إذا فعل ذلك: دل على علمه بعظيم قدر ما يطلب من المغفرة والرحمة، وعلى أنه مفتقر لما يطلب، مضطر إليه، وقد وعد الله المضطر بالإجابة بقوله: ﴿أَمَّن يُجِيبُ المُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾\nو(قوله: فإنَّ الله صانع ما شاء لا مكره له) إظهار لعدم فائدة تقييد الاستغفار والرحمة بالمشيئة؛ لأنَّ الله تعالى لا يضطره إلى فعل شيء، دعاء ولا\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٤٧٤).","vol":"7","page":29},{"text":"رواه أحمد (٢/ ٢٤٣)، والبخاريُّ (٦٣٣٩)، ومسلم (٢٦٧٩) (٩)، والترمذيُّ (٣٤٩٧)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٥٨٢)، وابن ماجه (٣٨٥٤).\n[٢٦٢٨] ونحوه عن أنس.\nرواه أحمد (٣/ ١٠١)، والبخاري (٦٣٣٨)، ومسلم (٢٦٧٨).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-999>(٩) باب في أكثر ما كان يدعو به النبي ﷺ</span>\n[٢٦٢٩] عن أنس قال: كان أكثر دعوة يدعو بها النبي ﷺ يقول: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. قال:\nــ\nغيره، بل يفعل ما يريد ويحكم ما يشاء، ولذلك قيد الله تعالى الإجابة بالمشيئة في قوله: ﴿فَيَكشِفُ مَا تَدعُونَ إِلَيهِ إِن شَاءَ﴾ فلا معنى لاشتراط مشيئته فيما هذا سبيله، فأما اشتراطها في الإيمان فقد تقدَّم القول فيه.\n(٩) ومن باب: أكثر ما كان النبي ﷺ يدعو به\nإنما كان أكثر دعاء النبي - ﷺ - بقوله: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة؛ لأنَّها من الدعوات الجوامع التي تتضمن خير الدنيا والآخرة، وذلك أن حسنة نكرة في سياق الطلب، فكانت عامة، فكأنه يقول: أعطني كل حالة حسنة في الدنيا والآخرة. وقد اختلفت أقوال المفسرين في الآية اختلافا يدلّ على عدم التوقيف، وعلى قلة التأمل لموضع الكلمات، فقيل: الحسنة في الدنيا هي: العلم والعبادة، وفي الآخرة الجنة، وقيل: العافية والعاقبة. وقيل: المال وحسن المآل،","vol":"7","page":30},{"text":"وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، فإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه.\nرواه أحمد (٣/ ٢٠٨)، ومسلم (٢٦٩٠) (٢٦)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٥٤).\n[٢٦٣٠] وعنه؛ أن رسول الله ﷺ عاد رجلا من المسلمين قد خفت فصار مثل الفرخ، فقال رسول الله ﷺ: هل كنت تدعو بشيء، أو تسأله إياه؟ فقال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال رسول الله ﷺ: سبحان الله، لا تطيقه - أو: لا تستطيعه - أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.\nوفي رواية: فدعا الله له، فشفاه.\nرواه أحمد (٣/ ١٠٧)، ومسلم (٢٦٨٨) (٢٣)، والترمذيُّ (٣٤٨٧)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٥٣).\n* * *\nــ\nوقيل: المرأة الصالحة والحور العين، والصحيح: الحمل على العموم، والله أعلم.\nو(قوله: إنه ﷺ عاد رجلا من المسلمين قد خفت حتى صار مثل الفرخ) أي: ضعف ونحل في جسمه، وخفي كلامه، وتشبيهه له بالفرخ: يدل على أنه تناثر أكثر شعره، ويحتمل أن يكون شبهه به لضعفه، والأول أوقع في التشبيه. ومعلوم أن مثل هذا المرض لا يبقى معه شعر ولا قوة.\nو(قوله ﷺ: سبحان الله! لا تطيقه) يعني أن عذاب الآخرة لا يطيقه أحد","vol":"7","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1000>(١٠) باب ما يدعى به وما يتعوذ منه</span>\n[٢٦٣١] عن أبي بكر الصديق ﵁، أنه قال لرسول الله ﷺ: علمني دعاء أدعو به في صلاتي - في رواية: في بيتي - قال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كبيرا - وفي رواية: كثيرا -\nــ\nفي الدنيا؛ لأنَّ نشأة الدنيا ضعيفة لا تحتمل العذاب الشديد والألم العظيم، بل إذا عظم عليه ذلك هلك ومات، فأمَّا نشأة الآخرة فهي للبقاء، إما في نعيم، أو في عذاب، إذ لا موت، كما قال في حق الكفار: ﴿كُلَّمَا نَضِجَت جُلُودُهُم بَدَّلنَاهُم جُلُودًا غَيرَهَا لِيَذُوقُوا العَذَابَ﴾ - فنسأل الله تعالى العافية في الدنيا والآخرة - ثم إن النبي ﷺ أرشده إلى أحسن ما يقال، وهو قوله: آتنا في الدنيا حسنة.\n(١٠) ومن باب: ما يدعى به وما يتعوذ منه\n(قول أبي بكر - ﵁ -: علمني دعاء أدعو به في صلاتي) إنما خص الصلاة؛ لأنَّها بالإجابة أجدر، وقد قال ﷺ: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء) (١). وقد تقدَّم: أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وظلم الإنسان لنفسه هو تركها مع هواها حتى يصدر عنها من المعاصي ما يوجب عقوبتها. وغفران الذنوب: هو سترها بالتوبة منها أو بالعفو عنها.\nو(قوله: فاغفر لي مغفرة من عندك) أي: تفضلا من عندك، وإن لم أكن لها أهلا، وإلا فالمغفرة والرحمة، وكل شيء من عنده تعالى. وقد أكد ذلك قوله: وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم أي: لأنك الكثير المغفرة والرحمة،\n_________\n(١) رواه مسلم (٤٨٢)، وأبو داود (٨٧٥)، والنسائي (٢/ ٢٢٦).","vol":"7","page":32},{"text":"ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم.\nرواه أحمد (١/ ٣)، والبخاري (٨٣٤)، ومسلم (٢٧٠٥) (٤٨)، والنسائي (٣/ ٥٣)، وابن ماجه (٣٨٣٥).\n[٢٦٣٢] وعن عائشة، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدعُو بِهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن فِتنَةِ النَّارِ وَعَذَابِ النَّارِ، وَفِتنَةِ القَبرِ وَعَذَابِ القَبرِ، وَمِن شَرِّ فِتنَةِ الغِنَى، وَمِن شَرِّ فِتنَةِ الفَقرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِن فِتنَةِ\nــ\nلا لأني أستحق ذلك، وقد استحب بعض العلماء أن يدعى بهذا الدعاء في الصلاة قبل التسليم، والصلاة كلها عند علمائنا محل للدعاء، غير أنه يكره الدعاء في الركوع، وأقربه للإجابة: السجود، كما قلناه. وقد قدمنا: أنه يجوز أن يدعى في الصلاة بكل دعاء كان بألفاظ القرآن، أو بألفاظ السنة أو غيرها؛ خلافا لمن منع ذلك إذا كان بألفاظ الناس، وهو أحمد بن حنبل وأبو حنيفة.\nو(قوله: اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار، وعذاب القبر) الفتنة هنا: هي ضلال أهل النار المفضي بهم إلى عذاب النار. وفتنة القبر: هي الضلال عن صواب إجابة الملكين فيه، وهما: منكر ونكير - كما تقدَّم - وعذاب القبر: هو ضرب من لم يوفق للجواب بمطارق الحديد، وتعذيبه إلى يوم القيامة. وشر فتنة الغنى: هي الحرص على الجمع للمال، وحبه حتى يكتسبه من غير حله، وبمنعه من واجبات إنفاقه وحقوقه. وشر فتنة الفقر: يعني به: الفقر المدقع الذي لا يصحبه صبر ولا ورع، حتى يتورط صاحبه بسببه فيما لا يليق بأهل الأديان، ولا بأهل المروءات، حتى لا يبالي بسبب فاقته على أي حرام وثب، ولا في أي ركاكة تورط، وقيل: المراد به فقر النفس الذي لا يرده ملك الدنيا بحذافيرها. وليس في شيء من هذه الأحاديث ما يدلّ على أن الغنى أفضل من الفقر، ولا أن الفقر أفضل","vol":"7","page":33},{"text":"المَسِيحِ الدَّجَّالِ، اللَّهُمَّ اغسِل خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلجِ وَالبَرَدِ، وَنَقِّ قَلبِي مِن الخَطَايَا كَمَا نَقَّيتَ الثَّوبَ الأَبيَضَ مِن الدَّنَسِ، وَبَاعِد بَينِي وَبَينَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدتَ بَينَ المَشرِقِ وَالمَغرِبِ، اللَّهُمَّ فَإِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن الكَسَلِ وَالهَرَمِ وَالمَأثَمِ وَالمَغرَمِ.\nرواه أحمد (٦/ ٨٨)، والبخاريُّ (٨٣٢)، ومسلم (٥٨٩) في كتاب الذكر (٤٩)، والترمذيُّ (٣٤٩٥)، وابن ماجه (٣٨٣٨).\n[٢٦٣٣] وعن أنس بن مالك، قال: كان رسول الله ﷺ يقول: اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والهرم والبخل.\nوفي رواية: وأرذل العمر - وأعوذ بك من عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات.\nرواه أحمد (٣/ ١١٣)، والبخاريُّ (٦٣٦٩)، ومسلم (٢٧٠٦) (٥٠ و٥٢)، والنسائي (٨/ ٢٥٨).\nــ\nمن الغنى؛ لأنَّ الغنى والفقر المذكورين هنا مذمومان باتفاق العقلاء. وقد تكلمنا على مسألة التفضيل فيما تقدَّم. والكسل المتعوذ منه هو التثاقل عن الطاعات، وعن السعي في تحصيل المصالح الدينية والدنيوية. والعجز المتعوذ منه: هو عدم القدرة على تلك الأمور. والهرم المتعوذ منه: هو المعبر عنه في الحديث الآخر: بأرذل العمر، وهو: ضعف القوى، واختلال الحواس والعقل الذي يعود الكبير بسببه إلى أسوأ من حال الصغير، وهو الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَمَن نُعَمِّرهُ نُنَكِّسهُ فِي الخَلقِ أَفَلا يَعقِلُونَ﴾","vol":"7","page":34},{"text":"[٢٦٣٤] وعن أبي هريرة، أن النبي ﷺ كان يتعوذ من سوء القضاء ومن درك الشقاء، ومن شماتة الأعداء، ومن جهد البلاء. قال سفيان بن عيينة: أشك أني زدت واحدة منها.\nرواه أحمد (٢/ ٢٤٦)، والبخاريُّ (٦٦١٦)، ومسلم (٢٧٠٧)، والنسائي (٨/ ٢٦٩).\n* * *\nــ\nو(قوله: كان رسول الله ﷺ يتعوذ من سوء القضاء، ومن درك الشقاء) يروى بفتح الراء وبإسكانها، فبالفتح: الاسم، وبالإسكان: المصدر، وهما متقاربان، والمتعوذ منه: أن يلحقه شقاء في الدنيا يتعبه (١)، ويثقله، وفي الآخرة: يعذبه. وجهد البلاء: يروى بفتح الجيم وضمها. قال ابن دريد: هما لغتان بمعنى واحد، وهو: التعب والمشقة، وقال غيره - وهو نفطويه - بالضم، وهو الوسع والطاقة، وبالفتح: المبالغة والغاية. وروي عن ابن عمر -﵄ - قال: جهد البلاء: قلة المال وكثرة العيال. وشماتة الأعداء: هي ظفرهم به، أو فرحهم بما يلحقه من الضرر والمصائب. وقد جاء هذا الدعاء مسجعا - كما ترى الآن - ذلك السجع لم يكن متكلفا، وإنَّما يكره من ذلك ما كان متكلفا - كما تقدم - وإنَّما دعا النبي ﷺ بهذه الدعوات، وتعوذ بهذه التعوذات إظهارا للعبودية، وبيانا للمشروعية؛ ليقتدى بدعواته ويتعوذ بتعويذاته، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(١) في (ز): يعميه.","vol":"7","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1001>(١١) باب ما يقول إذا نزل منزلا وإذا أمسى</span>\n[٢٦٣٥] عن خولة بنت حكيم السلمية، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من نزل منزلا ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق؛ لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك.\nوفي رواية: قال ﵊: إذا نزل أحدكم منزلا فليقل: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق. . . وذكره.\nرواه أحمد (٦/ ٣٧٧)، ومسلم (٢٧٠٨)، والترمذيُّ (٣٤٣٧).\nــ\n(١١) ومن باب: ما يقول إذا نزل منزلا وعند النوم\n(قوله: إذا نزل أحدكم منزلا، فليقل: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) قيل: معناه: الكاملات اللاتي لا يلحقها نقص، ولا عيب، كما يلحق كلام البشر. وقيل: معناه: الشافية الكافية. وقيل: الكلمات هنا هي: القرآن؛ فإنَّ الله تعالى قد أخبر عنه بأنه هدى وشفاء، وهذا الأمر على جهة الإرشاد إلى ما يدفع به الأذى، ولما كان ذلك استعاذة بصفات الله تعالى، والتجاء إليه، كان ذلك من باب المندوب إليه، المرغب فيه. وعلى هذا فحق المتعوذ بالله تعالى، وبأسمائه وصفاته أن يصدق الله في التجائه إليه، ويتوكل في ذلك عليه، ويحضر ذلك في قلبه، فمتى فعل ذلك وصل إلى منتهى طلبه، ومغفرة ذنبه.\nو(قوله: فإنَّه لا يضره شيء حتى يرتحل منه) هذا خبر صحيح، وقول صادق، علمنا صدقه دليلا وتجربة، فإني منذ سمعت هذا الخبر عملت عليه، فلم يضرني شيء إلى أن تركته، فلدغتني عقرب بالمهدية ليلا، فتفكرت في نفسي، فإذا بي قد نسيت أن أتعوذ بتلك الكلمات، فقلت لنفسي - ذاما لها وموبخا - ما قاله ﷺ","vol":"7","page":36},{"text":"[٢٦٣٦] وعن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة؟ قال: أما لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق؛ لم تضرك.\nرواه أحمد (٢/ ٣٧٥)، ومسلم (٢٧٠٩).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1002>(١٢) باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع وما بعد ذلك</span>\n[٢٦٣٧] عن البراء بن عازب: أن رسول الله ﷺ قال: إذا أخذت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم\nــ\nللرجل الملدوغ: أما إنك لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق. لم تضرك.\n[(١٢) ومن باب: ما يقول عند النوم وأخذ المضجع وما بعد ذلك (١)]\n(قوله: إذا أخذت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن) هذا الأمر على جهة الندب؛ لأنَّ النوم وفاة، وربما يكون موتا، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوتِهَا وَالَّتِي لَم تَمُت فِي مَنَامِهَا فَيُمسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيهَا المَوتَ وَيُرسِلُ الأُخرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ ولما كان الموت\n_________\n(١) هذا العنوان لم يرد في نسخ المفهم، واستدركناه من التلخيص.","vol":"7","page":37},{"text":"قل: اللهم إني أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت\nــ\nكذلك ندب النبي - ﷺ - النائم إلى أن يستعد للموت بالطهارة، والاضطجاع على اليمين، على الهيئة التي يوضع عليها في قبره. وقيل: الحكمة في الاضطجاع على اليمين، أن يتعلق القلب إلى الجانب الأيمن، فلا يثقل النوم، وفيه دليل على: أن النوم على طهارة كاملة أفضل، ويتأكد الأمر في حق الجنب، غير أن الشرع قد جعل وضوء الجنب عند النوم بدلا من غسله تخفيفا عنه، وإلا فذلك الأصل يقتضي: ألا ينام حتى يغتسل. وقد تقدَّم القول في الأمر في حق الجنب عند النوم والطهارة.\nو(قوله: قل: اللهم إني أسلمت وجهي إليك، وفي رواية: نفسي بدل: وجهي) وكلاهما بمعنى: الذات والشخص. فكأنه قال: أسلمت ذاتي وشخصي. وقد قيل: إن معنى الوجه: القصد، والعمل الصالح، ولذلك جاء في رواية: أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك فجمع بينهما، فدل ذلك على أنهما أمران متغايران كما قلناه. ومعنى أسلمت: سلمت، واستسلمت، أي: سلمتها لك؛ إذ لا قدرة لي على تدبيرها، ولا على جلب ما ينفعها، ولا على دفع ما يضرها، بل: أمرها إليك مسلم تفعل فيها ما تريد، واستسلمت لما تفعل فيها، فلا اعتراض على ما تفعل، ولا معارضة.\nو(قوله: وفوضت أمري إليك) أي: توكلت عليك في أمري كله؛ لتكفيني همه، وتتولى إصلاحه.\nو(قوله: وألجأت ظهري إليك) أي: أسندته إليك لتقويه وتعينه على ما ينفعني؛ لأنَّ من استند إلى شيء تقوى به، واستعان.\nو(قوله: رغبة ورهبة إليك) أي: طمعا في رفدك وثوابك، وخوفا منك ومن أليم عقابك.","vol":"7","page":38},{"text":"بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت، واجعلهن من آخر كلامك، فإن مت من ليلتك مت وأنت على الفطرة.\nوفي رواية: وإن أصبحت أصبت خيرا.\nقال: فرددتهن لأستذكرهن، فقلت: آمنت برسولك الذي أرسلت، قال: قل: آمنت بنبيك الذي أرسلت.\nرواه أحمد (٤/ ٢٩٠)، والبخاريّ (٦٣١١)، ومسلم (٢٧١٠) (٥٦ و٥٨)، وأبو داود (٥٠٤٧).\nــ\nو(قوله: فإن مت مت على الفطرة) أي: على دين الإسلام، كما قال في الحديث الآخر: من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله دخل الجنة (١).\nقلت: هكذا قال الشيوخ في هذا الحديث، وفيه نظر؛ لأنَّه: إذا كان قائل هذه الكلمات المقتضية للمعاني التي ذكرناها من التوحيد والتسليم، والرضا إلى أن يموت على الفطرة، كما يموت من قال: لا إله إلا الله، ولم يخطر له شيء من تلك الأمور، فأين فائدة تلك الكلمات العظيمة، وتلك المقامات الشريفة؟ فالجواب: أن كلا منهما - وإن مات على فطرة الإسلام - فبين الفطرتين ما بين الحالتين، ففطرة الطائفة الأولى: فطرة المقربين والصديقين، وفطرة الثانية: فطرة أصحاب اليمين.\nو(قوله: وإن أصبحت أصبت خيرا) أي: صلاحا في ذلك وزيادة في أجرك وأعمالك.\nو(قوله: قل: آمنت بنبيك الذي أرسلت) هذا حجَّة لمن لم يجز نقل الحديث بالمعنى، وهو الصحيح من مذهب مالك، وقد ذكرنا الخلاف فيه، ولا\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٢٣٣، ٢٤٧)، وأبو داود (٣١١٦).","vol":"7","page":39},{"text":"[٢٦٣٨] وعنه؛ أن النبي ﷺ كان إذا أخذ مضجعه قال: اللهم باسمك أحيا وباسمك أموت، وإذا استيقظ قال: الحمد لله الذي أحيانا\nــ\nشك في أن لفظ النبوة من النبأ، وهو الخبر، فالنبي في العرف: هو المنبأ من جهة الله تعالى لأمر يقتضي تكليفا، فإن أمر بتبليغه إلى غيره فهو رسول، وإلا فهو نبي غير رسول. وعلى هذا فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا؛ لأنَّ الرسول والنبي قد اشتركا في أمر عام وهو النبأ، وافترقا في أمر خاص (١) وهو الرسالة، فإذا قلت: محمد رسول الله، تضمن ذلك أنه نبي رسول، فلما اجتمعا في النبي ﷺ أراد أن يجمع بينهما في اللفظ حتى يفهم من كل واحد منهما من حيث النطق ما وضع له، وأيضًا فليخرج عما يشبه تكرار اللفظ من غير فائدة؛ لأنَّه إذا قال: ورسولك، فقد فهم منه أنه أرسله، فإذا قال: الذي أرسلت، صار كالحشو الذي لا فائدة له، بخلاف: نبيك الذي أرسلت، فإنَّهما لا تكرار فيهما، لا محققا ولا متوهما. والله تعالى أعلم.\nو(قوله: اللهم باسمك أحيا، وباسمك أموت) أي: بك يكون ذلك، فالاسم هنا: هو المسمى، كقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأَعلَى﴾ أي: سبح ربك. هذا قول الشارحين.\nقلت: وقد استفدت فيه من بعض مشايخنا معنى آخر وهو: أنه يحتمل أنه يعني باسمك المحيي المميت من أسمائه تعالى، ومعنى ذلك: أن الله تعالى إنما سمى نفسه بأسمائه الحسنى؛ لأنَّ معانيها ثابتة في حقه وواجبة له، فكل ما ظهر في الوجود من الآثار إنما هي صادرة عن تلك المقتضيات، فكل إحياء في الدنيا والآخرة: إنما هو صادر عن قدرته على الإحياء، وكذلك القول في الإماتة، وفي الرحمة والملك، وغير ذلك من المعاني التي تدل عليها أسماؤه، فكأنه قال:\n_________\n(١) زيادة من (ز).","vol":"7","page":40},{"text":"بعدما أماتنا وإليه النشور.\nرواه أحمد (٤/ ٣٠٢)، ومسلم (٢٧١١).\n[٢٦٣٩] وعن عبد الله بن الحارث يحدث عن عبد الله بن عمر: أنه أمر رجلا إذا أخذ مضجعه قال: اللهم خلقت نفسي وأنت توفاها، لك مماتها ومحياها، إن أحييتها فاحفظها، وإن أمتها فاغفر لها، اللهم أسألك العافية. فقال له رجل: سمعت هذا من عمر؟ قال: من خير من عمر، من رسول الله ﷺ.\nرواه مسلم (٢٧١٢).\n[٢٦٤٠] وعن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا أخذنا مضجعنا أن نقول: اللهم رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة\nــ\nباسمك المحيي أحيا، وباسمك المميت أموت، وكذلك القول في سائر الأسماء الدالة على المعاني. وبسط ذلك يستدعي تطويلا، وفيما ذكرناه تنبيه يكتفي به النبيه.\nو(قوله: وإليك النشور) أي: المرجع بعد الإحياء. يقال: نشر الله الموتى فنشروا، أي: أحياهم فحيوا، وخرجوا من قبورهم منتشرين، أي: جماعات في تفرقة، كما قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُم جَرَادٌ مُنتَشِرٌ﴾\nو(قوله: لك مماتها ومحياها) أي: موتها وحياتها، أي: ذلك لك وحدك لا لغيرك.\nو(قول الرجل لابن عمر: سمعت من ابن عمر؟ فقال: من خير من ابن عمر) هكذا رواه السمرقندي بزيادة ابن في الموضعين، وهو وهم؛ لأنَّ القائل: سمعت من خير من عمر، هو ابن عمر لا عمر، وكذلك رواية الجماعة، وهو الصحيح.\nو(قوله: ﴿فَالِقُ الحَبِّ وَالنَّوَى﴾) أي: شاق الحبة، فيخرج منها سنبلة، والنواة: فيخرج منها نخلة. ومنه القسم المشهور عن علي: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، أي: شقها.","vol":"7","page":41},{"text":"والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين وأغننا من الفقر.\nرواه أحمد (٢/ ٣٨١)، ومسلم (٢٧١٣) (٦٢)، وأبو داود (٥٠٥١)، والترمذي (٣٤٠٠)، وابن ماجه (٣٨٨٣).\nــ\nوأصل رب: اسم فاعل من رب الشيء يربه: إذا أصلحه وقام عليه، ثم إنه يقال على السيد والمالك.\nو(قوله: أنت الأول فليس قبلك شيء. . . الحديث إلى آخره) تضمن هذا الدعاء من أسماء الله تعالى ما تضمنه قوله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ﴾ وقد اختلفت عبارات العلماء في ذلك، وأرشق عباراتهم في ذلك قول من قال: الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء، والظاهر بلا اقتراب، والباطن بلا احتجاب. وقيل: الأول بالإبداء، والآخر بالإفناء، والظاهر بالآيات، والباطن عن الإدراكات. وقيل: الأول: القديم، والآخر: الباقي، والظاهر: الغالب، والباطن: الخفي اللطيف، الرفيق بالخلق. وهذا القول يناسب الحديث، وهو بمعناه.\nو(قوله: فليس فوقك شيء) أي: لا يقهرك شيء.\nو(قوله: فليس دونك شيء) أي: لا شيء ألطف منك، ولا أرفق.","vol":"7","page":42},{"text":"[٢٦٤١] وعنه؛ قال: أتت فاطمة النبي ﷺ تسأله خادما فقال لها: قولي: اللهم رب السماوات السبع. . . بمثل ما تقدم.\nوفي رواية: كان يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام أن يضطجع على شقه الأيمن، ثم يقول: اللهم. . . كما تقدم.\nرواه مسلم (٢٧١٣) (٦١ و٦٣).\n[٢٦٤٢] وعنه؛ أن رسول الله ﷺ قال: إذا أوى أحدكم إلى فراشه فليأخذ داخلة إزاره فلينفض بها فراشه، وليسم الله، فإنه لا يعلم ما خلفه بعده على فراشه؛ فإذا أراد أن يضطجع فليضطجع على شقه الأيمن،\nــ\nو(قوله: إذا أوى أحدكم إلى فراشه) أي: انضم. قال الأزهري: آوى وأوى بمعنى واحد، لازم ومتعد، وفي الصحاح عن أبي زيد: آويته أنا إيواء، وأويته: إذا أنزلته بك. فعلت وأفعلت بمعنى. فأما أويت له، بمعنى رثيت له، فبالقصر لا غير. قال ذو الرمة:\n. . . . . . . . . . . ... ولو أني استأويته ما أوى ليا (١)\nو(قوله: فليأخذ داخلة إزاره فلينفض بها فراشه، وليسم الله، فإنَّه لا يعلم ما خلفه بعده على فراشه) داخلة الإزار: هي ما يلي الجسد من طرفي الإزار.\nقلت: هذا الحديث يتضمن الإرشاد إلى مصلحتين: إحداهما معلومة ظاهرة وهي: أن الإنسان إذا قام عن فراشه لا يدري ما دب عليه بعده من الحيوانات ذوات السموم، فينبغي له إذا أراد أن ينام عليه أن يتفقده ويمسحه، لإمكان أن يكون فيه شيء يخفى من رطوبة أو غيرها، فهذه مصلحة ظاهرة، وأما\n_________\n(١) هذا عجز بيت، وصدره:\nعلى أمْرِ من لم يَشوِني ضَرُّ أمْره","vol":"7","page":43},{"text":"وليقل: سبحانك ربي، لك وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فاغفر لها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين.\nوفي رواية: ثم ليقل: باسمك ربي وضعت جنبي، فإن أحييت نفسي فارحمها.\nرواه البخاريُّ (٦٣٢٠)، ومسلم (٢٧١٤)، وأبو داود (٥٠٥٠)، والترمذي (٣٤٠١).\n[٢٦٤٣] وعن ثابت عن أنس، أن رسول الله ﷺ كان إذا أوى إلى\nــ\nاختصاص هذا النفض بداخلة الإزار فمصلحة لم تظهر لنا، بل: إنما ظهرت تلك للنبي ﷺ بنور النبوة، وإنَّما الذي علينا نحن الامتثال. ويقع لي: أن النبي ﷺ علم فيه خاصية طبية تنفع من ضرر بعض الحيوانات، كما قد أمر بذلك في حق العائن كما تقدَّم. والله تعالى أعلم. ويدلّ على ذلك ما زاده الترمذي في هذا الحديث: فليأخذ صنفة إزاره، فلينفض بها فراشه ثلاثا (١). فحذا بها حذو تكرار الرقى.\nو(قوله: لك وضعت جنبي، وبك أرفعه) كذا صح: لك وضعت، باللام، لا بالباء، وبك أرفعه: روي بالباء وباللام، فالباء للاستعانة. أي: بك أستعين على وضع جنبي ورفعه. فاللام يحتمل أن يكون معناه: لك تقربت بذلك. فإنَّ نومه إنما كان ليستجم به لما عليه من الوظائف، ولأنه كان يوحى إليه في نومه، ولأنه كان يقتدى به، فصار نومه عبادة، وأما يقظته فلا تخفى أنها كانت كلها عبادة، ويحتمل أن يكون معناه: لك وضعت جنبي لتحفظه، ولك رفعته لترحمه.\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٤٠١) وهي نفس الرواية التى أشرنا إليها في التلخيص.","vol":"7","page":44},{"text":"فراشه قال: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي.\nرواه أحمد (٣/ ١٥٣)، ومسلم (٢٧١٥)، وأبو داود (٥٠٥٣)، والترمذيُّ (٣٣٩٦)، والنسائي في الكبرى (١٠٦٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1003>(١٣) باب مجموعة أدعية كان النبي ﷺ يدعو بها</span>\n[٢٦٤٤] عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يقول: اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت وما لم أعمل.\nرواه أحمد (٦/ ٢٧٨)، ومسلم (٢٧١٦) (٦٦)، وأبو داود (١٥٥٠)، والنسائي (٣/ ٥٦) و(٨/ ٢٨١).\nــ\nو(قوله: فكم ممن لا كافي له، ولا مؤوي) أي: كثير من الناس ممن أراد الله إهلاكه، فلم يطعمه ولم يسقه ولم يكسه، إما لأنه أعدم هذه الأمور في حقه، وإما لأنه لم يقدره على الانتفاع بها حتى هلك، هذا ظاهره. ويحتمل أن يكون معناه: فكم من أهل الجهل والكفر بالله تعالى لا يعرف أن له إلها يطعمه ويسقيه ويؤويه، ولا يقر بذلك، فصار الإله في حقه وفي اعتقاده كأنه معدوم.\n(١٣) ومن باب: مجموع أدعية كان النبي ﷺ يدعو بها\n(قوله: اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت، وما لم أعمل) هذا كقوله في الحديث الآخر: اللهم إني أعوذ بك من كل شر. غير أنه نبه في هذا على","vol":"7","page":45},{"text":"[٢٦٤٥] وعن ابن عباس أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَكَ أَسلَمتُ وَبِكَ آمَنتُ وَعَلَيكَ تَوَكَّلتُ، وَإِلَيكَ أَنَبتُ، وَبِكَ خَاصَمتُ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ أَن تُضِلَّنِي، أَنتَ الحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَالجِنُّ وَالإِنسُ يَمُوتُونَ.\nرواه أحمد (١/ ٣٠٢)، والبخاريُّ (٧٣٨٣)، ومسلم (٢٧١٧).\n[٢٦٤٦] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ فَأَسحَرَ يَقُولُ: سَمِعَ سَامِعٌ بِحَمدِ اللَّهِ وَحُسنِ بَلَائِهِ عَلَينَا،\nــ\nمعنى زائد، وهو أنه قد يعمل الإنسان العمل لا يقصد به إلا الخير، ويكون في باطن أمره شر لا يعلمه، فاستعاذ منه. ويؤيد هذا أنه قد روي في غير كتاب مسلم: من شر ما علمت، وما لم أعلم.\nويحتمل أن يريد به ما عمل غيره، فيما يظن أنه يقتدى به فيه.\nو(قوله: وإليك أنبت) أي: تبت ورجعت.\nو(قوله: وبك خاصمت) أي: بإعانتك وتعليمك، وبكلامك جادلت المخالفين فيك حتى خصمتهم.\nو(قوله: والجن والإنس يموتون) إنما خص هذين النوعين بالموت؛ وإن كان جميع الحيوان يموت؛ لأنَّ هذين النوعين هما المكلفان المقصودان بالتبليغ، والله أعلم.\nو(قوله: إذا كان في سفر فأسحر) أي: استيقظ في السحر، أو خرج في السحر. والسحر: آخر الليل.\nو(قوله: سمع سامع بحمد الله وحسن بلائه) وجدته في كتاب شيخنا أبي الصبر أيوب: سمّع بفتح السين والميم وتشديدها. قال القاضي: أي بلغ من سمع","vol":"7","page":46},{"text":"رَبَّنَا صَاحِبنَا وَأَفضِل عَلَينَا، عَائِذًا بِاللَّهِ مِن النَّارِ.\nرواه مسلم (٢٧١٨)، وأبو داود (٥٠٨٦).\n[٢٦٤٧] وعن أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ، عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَدعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ اغفِر لِي خَطِيئَتِي وَجَهلِي وَإِسرَافِي فِي أَمرِي، وَمَا أَنتَ أَعلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغفِر لِي جِدِّي وَهَزلِي وَخَطَئِي وَعَمدِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِندِي، اللَّهُمَّ اغفِر لِي مَا قَدَّمتُ وَمَا أَخَّرتُ وَمَا\nــ\nقولي. وقيده الخطابي: سمِع سامع: بفتح السين وكسر الميم، وتخفيفها، وهكذا أذكر أني قرأته؛ أي: استمع سامع، وشاهد شاهد بحمدنا ربنا على نعمه.\nقلت: وعلى هذين التقييدين والتفسيرين، فهو خبر بمعنى الأمر، أي: ليسمع سامع وليبلغ، وهذا نحو قوله: تصدق رجل بديناره، ودرهمه (١) أي: ليتصدق. وجمع عليه ثيابه. أي: ليجمع، وقد تقدَّم القول في نحو هذا. وحسن بلائه؛ بمعنى: ابتلائه، وقد تقدَّم أن أصل الابتلاء: الاختبار، وقد يكون نعمة، وقد يكون نقمة.\nو(قوله: رجنا صاحبنا) أي: بحفظك، وكفايتك، وهدايتك.\nو(قوله: عائذا بالله من النار)، هو منصوب على الحال؛ أي: أقول ذلك في هذه الحال.\nو(قوله: اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي) قد تقدَّم القول في الأنبياء من الذنوب، وفي معنى ذنوبهم غير مرة، ونزيد هنا نكتتين:\nإحداهما: أنا وإن قلنا: إن الذنوب تقع منهم، غير أنهم يتوقعون وقوعها،\n_________\n(١) رواه مسلم (١٠١٧).","vol":"7","page":47},{"text":"أَسرَرتُ وَمَا أَعلَنتُ، وَمَا أَنتَ أَعلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنتَ المُقَدِّمُ وَأَنتَ المُؤَخِّرُ، وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ.\nرواه أحمد (٤/ ٤١٧)، والبخاريُّ (٦٣٩٩)، ومسلم (٢٧١٩).\n[٢٦٤٨] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَصلِح لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصمَةُ أَمرِي، وَأَصلِح لِي دُنيَايَ الَّتِي فِيهَا\nــ\nوأن ذلك ممكن، وكانوا يتخوفون من وقوع الممكن المتوقع، ويقدرونه واقعا فيتعوذون منه، وعلى هذا فيكون قوله: وكل ذلك عندي أي: ممكن الوقوع عندي، ودليل صحة ذلك أنهم مكلفون باجتناب المعاصي كلها كما كلفه غيرهم، فلولا صحة إمكان الوقوع لما صح التكليف.\nوالثانية: أن هذه التعويذات، وهذه الدعوات والتضرعات قيام بحق وظيفة العبودية، واعتراف بحق الربوبية، ليقتدي بهم مذنبو أممهم، ويسلكوا مناهج سبلهم، فتستجاب دعوتهم، وتقبل توبتهم، والله تعالى أعلم. وقد أطنب الناس في ذلك، وما ذكرناه خلاصته.\nو(قوله: أنت المقدم وأنت المؤخر) أي: المقدم لمن شئت بالتوبة والولاية والطاعة. والمؤخر لمن شئت بضد ذلك. والأولى: أنه تعالى مقدم كل مقدم في الدنيا والآخرة، ومؤخر كل مؤخر في الدنيا والآخرة، وهذان الاسمان من أسماء الله تعالى المزدوجة، كالأول والآخر، والمبدئ والمعيد، والقابض والباسط، والخافض والرافع، والضار والنافع، فهذه الأسماء لا تقال إلا مزدوجة، كما جاءت في الكتاب والسنة. هكذا قال بعض العلماء، ولم يُجز أن يقال: يا خافض، حتى يضم إليه: يا رافع.\nو(قوله: اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري) أي: رباطه","vol":"7","page":48},{"text":"مَعَاشِي، وَأَصلِح لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجعَل الحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيرٍ، وَاجعَل المَوتَ رَاحَةً لِي مِن كُلِّ شَرٍّ.\nرواه أحمد (٤/ ٣٩٩)، ومسلم (٢٧٢٠).\n[٢٦٤٩] وعَن عَبدِ اللَّهِ بن مسعود، عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلُكَ الهُدَى وَالتُّقَى وَالعَفَافَ وَالغِنَى.\nوفي رواية: العفة، بدل: العفاف.\nرواه أحمد (١/ ٤١١)، ومسلم (٢٧٢١)، والترمذيُّ (٣٤٨٩)، وابن ماجه (٣٨٣٢).\n[٢٦٥٠] وعَن زَيدِ بنِ أَرقَمَ قَالَ: لَا أَقُولُ لَكُم إِلَّا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن العَجزِ وَالكَسَلِ وَالجُبنِ وَالبُخلِ وَالهَرَمِ وَعَذَابِ القَبرِ، اللَّهُمَّ آتِ نَفسِي\nــ\nوعماده، والأمر بمعنى الشأن، ومعنى هذا أن الدين إن فسد لم يصلح للإنسان دنيا ولا آخرة، وهذا دعاء عظيم جمع خير الدنيا والآخرة، والدين والدنيا، فحق على كل سامع له أن يحفظه ويدعو به آناء الليل وآناء النهار، لعل الإنسان يوافق ساعة إجابة فيحصل على خير الدنيا والآخرة.\nو(قوله: اللهم إني أسألك الهدى والتقى. . . الحديث) الهدى يعني: إلى الصراط المستقيم، وهو صراط الذين أنعم عليهم، والتقى: يعني الخوف من الله، والحذر من مخالفته، ويعني بالعفاف: الصيانة من مطامع الدنيا، وبالغنى: غنى النفس.","vol":"7","page":49},{"text":"تَقوَاهَا وَزَكِّهَا أَنتَ خَيرُ مَن زَكَّاهَا، أَنتَ وَلِيُّهَا وَمَولَاهَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن عِلمٍ لَا يَنفَعُ وَمِن قَلبٍ لَا يَخشَعُ، وَمِن نَفسٍ لَا تَشبَعُ وَمِن دَعوَةٍ لَا يُستَجَابُ لَهَا.\nرواه أحمد (٣/ ١١٣)، ومسلم (٢٧٢٢)، والترمذي (٣٥٦٧)، والنسائي (٨/ ٢٦٠).\n[٢٦٥١] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ، أَعَزَّ جُندَهُ وَنَصَرَ عَبدَهُ، وَغَلَبَ الأَحزَابَ وَحدَهُ، فَلَا شَيءَ بَعدَهُ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٩٤)، والبخاري (٤١١٤)، ومسلم (٢٧٢٤).\n[٢٦٥٢] وعن عبد الله بن عمر قال: كان من دعاء رسول الله ﷺ: اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجأة نقمتك وجميع سخطك.\nرواه مسلم (٢٧٣٩)، وأبو داود (١٥٤٥).\n* * *\nــ\nو(قوله: اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع) هو الذي لا يعمل به. كما قال ﷺ: العلم الذي لا يعمل به كالكنز الذي لا ينفق منه، أتعب صاحبه نفسه في جمعه، ثم لم يصل إلى نفعه (١).\nو(قوله: فلا شيء بعده) أي: لا شيء ينصر، ولا يدفع غيره.\n_________\n(١) رواه ابن خير في فهرسته ص (٥).","vol":"7","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1004>(١٤) باب: ما يقال عند الصباح وعند المساء</span>\n[٢٦٥٣] عن عبد الله بن مسعود قال: كان نَبِيُّ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا أَمسَى قَالَ: أَمسَينَا وَأَمسَى المُلكُ لِلَّهِ، وَالحَمدُ لِلَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. قَالَ: أُرَاهُ قَالَ فِيهِنَّ: لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، رَبِّ أَسأَلُكَ خَيرَ مَا فِي هَذِهِ اللَّيلَةِ وَخَيرَ مَا بَعدَهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِن شَرِّ هَذِهِ اللَّيلَةِ وَشَرِّ مَا بَعدَهَا، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِن الكَسَلِ وَسُوءِ الكِبَرِ. وفي رواية: وفتنة الدنيا رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِن عَذَابٍ فِي النَّارِ وَعَذَابٍ فِي القَبرِ.\nوَإِذَا أَصبَحَ قَالَ ذَلِكَ أَيضًا: أَصبَحنَا وَأَصبَحَ المُلكُ لِلَّهِ.\nرواه أحمد (١/ ٤٤٠)، ومسلم (٢٧٢٣) (٧٤ و٧٥ و٧٦)، وأبو داود (٥٠٧١)، والترمذيُّ (٣٣٩٠).\n* * *\nــ\n[(١٤) ومن باب: ما يقال عند الصباح وعند المساء] (١)\n(قوله: من الكسل وسوء الكبر) يروى بفتح الباء وإسكانها، وبالفتح يعني به: الهرم. وقد قلنا: إن المراد بذلك: أرذل العمر، وبالإسكان: يعني بذلك: كبر النفس المذموم المحرم الذي تقدَّم ذكره.\n* * *\n_________\n(١) هذا العنوان لم يردْ في نسخ المفهم، واستدركناه من التلخيص.","vol":"7","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1005>(١٥) باب كثرة ثواب الدعوات الجوامع وما جاء في أن الداعي يستحضر معاني دعواته في قلبه</span>\n[٢٦٥٤] عن ابن عباس عن جويرية: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَرَجَ مِن عِندِهَا بُكرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبحَ وَهِيَ فِي مَسجِدِهَا، ثُمَّ رَجَعَ بَعدَ أَن أَضحَى وَهِيَ جَالِسَةٌ فَقَالَ: مَا زِلتِ عَلَى الحَالِ الَّتِي فَارَقتُكِ عَلَيهَا؟ قَالَت: نَعَم، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَقَد قُلتُ بَعدَكِ أَربَعَ كَلِمَاتٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَو وُزِنَت بِمَا قُلتِ مُنذُ اليَومِ لَوَزَنَتهُنَّ: سُبحَانَ اللَّهِ وَبِحَمدِهِ عَدَدَ خَلقِهِ\nــ\n[(١٥) ومن باب: كثرة ثواب الدعوات الجوامع، وما جاء في أن الداعي يستحضر معاني دعواته في قلبه] (١)\n(قوله: لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن) أي: لرجحت عليهن في الثواب. وهو دليل على أن الدعوات والأذكار الجوامع يحصل عليهن من الثواب، أضعاف ما يحصل على ما ليست كذلك. ولذلك كان ﷺ يحب الدعوات الجوامع.\nو(قوله: سبحان الله، وبحمده) هذا الكلام على اختصاره جملتان؛ إحداهما: جملة سبحان الله؛ فإنَّها واقعة موقع المصدر، والمصدر يدلّ على صدره، فكأنه قال: سبحت الله التسبيح الكثير، أو التسبيح كله، على قول من قال: إن سبحان الله: اسم علم للتسبيح، وبحمده: متعلق بمحذوف تقديره: وأثني\n_________\n(١) هذا العنوان لم يردْ في نسخ المفهم، واستدركناه من التلخيص.","vol":"7","page":52},{"text":"وَرِضَا نَفسِهِ وَزِنَةَ عَرشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ.\nوفي رواية: سبحان الله عدد خلقه، سُبحَانَ اللَّهِ رِضَا نَفسِهِ، سُبحَانَ اللَّهِ زِنَةَ عَرشِهِ، سُبحَانَ اللَّهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ.\nرواه أحمد (١/ ٢٥٨)، ومسلم (٢٧٢٦)، وأبو داود (١٥٠٣)، والنسائي في الكبرى (٩٩٩٢).\n[٢٦٥٥] عن علي قال: قال لي رسول الله ﷺ: قل: اللهم اهدني وسددني، واذكر بالهدى هدايتك الطريق، والسداد سداد السهم.\nرواه أحمد (١/ ١٥٤)، ومسلم (٢٧٢٥)، وأبو داود (٤٢٢٥)، والنسائي (٨/ ١٧٧).\n* * *\nــ\nعليه بحمده؛ أي: بذكر صفات كماله وجلاله، فهذه جملة ثانية غير الجملة الأولى.\nو(قوله: مداد كلماته) هو بكسر الميم، وبألف بين الدالين، ويعني به: كلامه القديم المنزه عن الحروف والأصوات، وعن الانقطاع، والتغييرات، كما قال تعالى: ﴿قُل لَو كَانَ البَحرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحرُ قَبلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَو جِئنَا بِمِثلِهِ مَدَدًا﴾ وزنة عرشه؛ أي: وزنه الذي لا يعلم مقداره إلا الله. ورضا نفسه: يعني أن رضاه عمن رضي عنه من النبيين والصالحين لا ينقطع ولا ينقضي، وإنما ذكر النبي ﷺ هذه الأمور على جهة الإغياء والكثرة التي لا تنحصر، منبها على أن الذاكر بهذه الكلمات ينبغي له أن يكون بحيث لو تمكن من تسبيح الله وتحميده وتعظيمه عددا لا يتناهى ولا ينحصر، لفعل ذلك، فحصل له من الثواب ما لا يدخل في حساب.\nو(قوله: واذكر بالهدى هدايتك الطريق، والسداد سداد السهم) هذا الأمر","vol":"7","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1006>(١٦) باب التسلي عند الفاقات بالأذكار وما يدعى به عند الكرب</span>\n[٢٦٥٦] عن علي بن أبي طالب، أَنَّ فَاطِمَةَ - ﵂ - اشتَكَت مَا تَلقَى مِن الرَّحَى فِي يَدِهَا، وَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ سَبيٌ، فَانطَلَقَت فَلَم تَجِدهُ وَلَقِيَت عَائِشَةَ فَأَخبَرَتهَا، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ أَخبَرَتهُ عَائِشَةُ بِمَجِيءِ\nــ\nمنه - ﷺ، يدل على أن الذي ينبغي له أن يهتم بدعائه فيستحضر معاني دعواته في قلبه ويبالغ في ذكرها بلفظه بضرب من الأمثال، وتأكيد الأقوال، فإذا قال: اهدني الصراط المستقيم، وسددني سداد السهم الصائب، كان أبلغ وأهم من قوله: اهدني وسددني فقط، وهذا واضح.\n(١٦) ومن باب: التسلي عند الفاقات بالأذكار\n(قوله: إن فاطمة اشتكت ما تلقى من الرحى في يدها) يعني: من مشقة الطحن في الرحى. وفي غير كتاب مسلم: أنها جرّت بالرحى حتى مجلت يدها، وقمت البيت حتى اغبر شعرها، وخبزت حتى تغير وجهها. ففيه دليل على: أن المرأة وإن كانت شريفة، عليها أن تخدم بيت زوجها، وتقوم بعمله الخاص به. وبه قال بعض أهل العلم، وقيل: ليس عليها شيء من ذلك، سواء كانت شريفة أو دنيئة، حكاه ابن خوازمنداد عن بعض أصحابنا، ومشهور مذهب مالك الفرق بين الشريفة فلا يلزمها، وبين من ليس كذلك فيلزمها. ومحمل هذا الحديث على أن فاطمة تبرعت بذلك، ولا خلاف في استحباب ذلك لمن تبرع به؛ لأنَّه معونة للزوج، وهي مندوب إليها، وقد تقدَّم هذا في النكاح. وفيه ما يدلّ على ما كان عليه ذلك الصدر الصالح من شظف العيش وشدة الحال، وأن الله تعالى حماهم","vol":"7","page":54},{"text":"فَاطِمَةَ إِلَيهَا، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَينَا وَقَد أَخَذنَا مَضَاجِعَنَا فَذَهَبنَا نَقُومُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: عَلَى مَكَانِكُمَا، فَقَعَدَ بَينَنَا حَتَّى وَجَدتُ بَردَ قَدَمِهِ عَلَى صَدرِي، وقَالَ: أَلَا أُعَلِّمُكُمَا خَيرًا مِمَّا سَأَلتُمَا؟ إِذَا أَخَذتُمَا مَضَاجِعَكُمَا أَن تُكَبِّرَا اللَّهَ أَربَعًا وَثَلَاثِينَ وَتُسَبِّحَاهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَتَحمَدَاهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَهوَ خَيرٌ لَكُمَا.\nزاد في رواية: قال علي: ما تركته منذ سمعته من النبي ﷺ. قيل له: ولا ليلة صفين؟ قال: ولا ليلة صفين.\nرواه أحمد (١/ ١٣٦)، والبخاريُّ (٣٧٠٥)، ومسلم (٢٧٢٧).\nــ\nالدنيا، مع أنه مكنهم منها، وهي سنة الله في الأنبياء والأولياء، كما قال ﷺ: أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل (١).\nو(قوله: فجاء وقد أخذنا مضاجعنا) كان هذا المجيء بالليل؛ لأنَّه قد جاء في بعض طرقه أنه قال: طرقهما ليلا.\nو(قوله: على مكانكما) أي: اثبتا على مكانكما والزماه. وقعود النبي ﷺ بين ابنته وبين علي دليل على جواز مثل ذلك، وأنه لا يعاب على من فعله إذا لم يؤد ذلك إلى اطلاع على عورة، أو إلى شيء ممنوع شرعا.\nو(قوله: ما ألفيتيه عندنا (٢» أي: ما وجدت الخادم عندنا، ثم إنه أحالهما على التسبيح والتهليل والتكبير؛ ليكون ذلك عوضا من الدعاء عند الكرب والحاجة، كما كانت عادته عند الكرب على ما يأتي في الحديث المذكور بعد هذا. ويمكن أن يكون من جهة أنه أحب لابنته ما يحب لنفسه، إذ كانت بضعة منه، من\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ١٧٢)، والترمذي (٢٣٩٨)، وابن ماجه (٤٠٢٣).\n(٢) هذه العبارة ليست في التلخيص، وإنما هي في صحيح مسلم برقم (٢٧٢٨) (٨١).","vol":"7","page":55},{"text":"[٢٦٥٧] وعن ابن عباس، أن النبي ﷺ كان يقول عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض رب العرش الكريم.\nوفي رواية: (إذا حزبه أمر) مكان (عند الكرب).\nرواه أحمد (١/ ٢٢٨)، والبخاريُّ (٦٣٤٥)، ومسلم (٢٧٣٠).\n* * *\nــ\nإيثار الفقر، وتحمل شدته والصبر عليه، ترفيعا لمنازلهم وتعظيما لأجورهم، وبهذين المعنيين، أو أحدهما تكون تلك الأذكار خيرا لهما من خادم؛ أي من التصريح بسؤال خادم، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: كان ﷺ يقول عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم. . . الحديث) قال الطبري: كان السلف يدعون بهذا الدعاء، ويسمونه: دعاء الكرب، فإن قيل: كيف يسمى هذا دعاء وليس فيه من معنى الدعاء شيء، وإنَّما هو تعظيم لله تعالى، وثناء عليه؟ فالجواب: إن هذا يسمى دعاء لوجهين:\nأحدهما: أنه يستفتح به الدعاء، ومِن بعده يدعو. وقد ورد في بعض طرقه: ثم يدعو.\nوثانيهما: أن ابن عيينة قال - وقد سئل عن هذا -: أما علمت أن الله تعالى يقول: إذا شغل عبدي ثناؤه عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين؟ (١). وقد قال أمية بن أبي الصلت:\nإذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضك (٢) الثناء\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٩٢٦).\n(٢) في (ز): تعرضه.","vol":"7","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1007>(١٧) باب ما يقال عند صراخ الديكة ونهيق الحمير</span>\n[٢٦٥٨] عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله، فإنها رأت ملكا، وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنها رأت شيطانا.\nــ\nقلت: وهذا الكلام حسن، وتتميمه أن ذلك إنما كان لنكتتين:\nإحداهما: كرم المثنى عليه، فإنه إذا اكتفى بالثناء عن السؤال دل ذلك على سهولة البذل عليه، والمبالغة في كرم الحق.\nوثانيهما: أن المثني لما آثر الثناء، الذي هو حق المثنى عليه على حق نفسه الذي هو حاجته، بودر إلى قضاء حاجته من غير إحواج إلى إظهار مذلة السؤال؛ مجازاة له على ذلك الإيثار، والله تعالى أعلم.\nومما قد جاء منصوصا عليه وسمي دعاء، وإن لم يكن فيه دعاء ولا طلب، ما أخرجه النسائي من حديث سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسول الله ﷺ: دعوة ذي النون إذ دعا بها في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لن يدعو بها مسلم في شيء إلا استجيب له (١).\nومعنى إذا حزبه أمر، أي أصابه ودهمه، وهو بالحاء المهملة وبالزاي، وبالباء المعجمة بواحدة.\n[(١٧) ومن باب: ما يقال عند صراخ الديكة ونهيق الحمير] (٢)\n(قوله: إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله، فإنها رأت ملكا) هذا يدل على أن الله تعالى خلق للديكة إدراكا تدرك به الملائكة، كما خلق\n_________\n(١) رواه النسائي في الكبرى (١٠٤٩٢).\n(٢) هذا العنوان لم يرد في المفهم، واستدركناه من التلخيص.","vol":"7","page":57},{"text":"رواه أحمد (٢/ ٣٢١)، والبخاريُّ (٣٣٠٣)، ومسلم (٢٧٢٩)، وأبو داود (٥١٠٢)، والترمذي (٣٤٥٩)، والنسائي في الكبرى (١١٣٩١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1008>(١٨) باب أحب الكلام إلى الله تعالى</span>\n[٢٦٥٩] عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ سئل: أي الكلام أفضل؟ قال: ما اصطفى الله لملائكته - أو: لعباده - سبحان الله وبحمده.\nــ\nللحمير إدراكا تدرك به الشياطين. ويفيد: أن كل نوع من الملائكة والشياطين موجودان، وهذا معلوم من الشرع قطعا، والمنكر لشيء منهما كافر، وكأنه إنما أمر النبي ﷺ بالدعاء عند صراخ الديكة لتؤمن الملائكة على ذلك الدعاء، فتتوافق الدعوتان، فيستجاب للداعي، والله أعلم.\nوإنما أمر بالتعوذ من الشيطان عند نهيق الحمير، لأن الشيطان لما حضر يخاف من شره، فينبغي أن يتعوذ منه.\n[(١٨) ومن باب: أحب الكلام إلى الله تعالى] (١)\n(قوله ﷺ وقد سئل: أي الكلام أفضل؟ فقال: ما اصطفى الله لملائكته، أو لعباده: سبحان الله وبحمده. وفي الرواية الأخرى: إن أحب الكلام إلى الله: سبحان الله وبحمده).\n_________\n(١) هذا العنوان لم يرد في المفهم، واستدركناه من التلخيص.","vol":"7","page":58},{"text":"وفي رواية: أن رسول الله ﷺ قال له: ألا أخبرك بأحب الكلام إلى الله؟ قلت: أخبرني يا رسول الله، قال: إن أحب الكلام إلى الله: سبحان الله وبحمده.\nرواه أحمد (٥/ ١٦١)، ومسلم (٢٧٣١) (٨٤ و٨٥).\n* * *\nــ\nقلت: هذا الحديث يعارضه قوله في حديث أبي هريرة المتقدِّم في فضل التهليل: ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا أحد عمل أكثر من ذلك. وقوله: أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله (١). وقد تقدَّم في حديث سمرة بن جندب قوله ﷺ: أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يضرك بأيهن بدأت (٢) فقد مضى هذا الحديث بأن الأربعة متساوية في الأفضلية والأحبية من غير مراعاة تقديم بعضها على بعض، ولا تأخيره، وأن التسبيح وحده لا ينفرد بالأفضلية، ولا التهليل وحده أيضًا ينفرد بها. وإذا ثبت ذلك فحيث أطلق أن أحد هذه الأذكار الأربعة أفضل الكلام أو أحبه، إنما يراد إذا انضمت إلى أخواتها الثلاث المذكورة في هذا الحديث. إما مجموعة في اللفظ، أو في القلب بالذكر؛ لأنَّ اللفظ إذا دل على واحد منهما بالمطابقة دل على سائرها باللزوم. وبيان ذلك: أن معنى سبحان الله: البراءة له من كل النقائص، والتنزيه عما لا يليق بجلاله، ومن جملتها تنزيهه عن الشركاء والأنداد، وهذا معنى لا إله إلا الله. هذا مدلول اللفظ من جهة مطابقته، ولما وجب تنزيهه عن صفات النقص لزم اتصافه بصفات الكمال؛ إذ لا واسطة بينهما، وهي المعبر عنها بالحمد لله. ثم لما تنزه عن صفات النقص واتصف بصفات الكمال، وجبت له العظمة والجلال،\n_________\n(١) رواه مالك في الموطأ (١/ ٢١٤ و٢١٥)، والترمذي (٣٥٧٩).\n(٢) رواه أحمد (٥/ ١١)، وابن ماجه (٣٨١١).","vol":"7","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1009>(١٩) باب ما يقال عند الأكل والشرب والدعاء للمسلم بظهر الغيب</span>\n[٢٦٦٠] عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها.\nرواه أحمد (٣/ ١٠٠)، ومسلم (٢٧٣٤)، والترمذي (١٨١٧).\nــ\nوهو معنى: الله أكبر. فقد ظهر لك أن هذه الأربعة الأذكار متلازمة في المعنى، وأنها قد شملها لفظ الأحبية، كما جاء في الحديث. فمن نطق بجميعها فقد ذكر الله تعالى بأحب الكلام إلى الله، لفظا ومعنى، ومن نطق بأحدها فقد ذكر الله ببعض أحب الكلام نطقا، وبجميعها معنى من جهة اللزوم الذي ذكرناه. فتدبر هذه الطريقة، فإنَّها حسنة، وبها يرتفع التعارض المتوهم بين تلك الأحاديث - والله تعالى أعلم - ولم أجد في كلام المشايخ ما يقنع، وقد استخرت الله فيما ذكرته.\n[(١٩) ومن باب: ما يقال عند الأكل والشرب والدعاء للمسلم بظهر الغيب] (١)\n(قوله: إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة، فيحمده عليها، أو يشرب الشربة، فيحمده عليها) قد تقدَّم أن الأكلة بفتح الهمزة: المرة الواحدة من الأكل، وبالضم: اللقمة، ويصلح هذا اللفظ هنا للتقييدين، وبالفتح وجدته مقيدا في كتاب شيخنا. والحمد هنا بمعنى الشكر، وقد قدمنا: أن الحمد يوضع موضع الشكر،\n_________\n(١) هذا العنوان لم يردْ في المفهم، واستدركناه من التلخيص.","vol":"7","page":60},{"text":"[٢٦٦١] وعن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ: ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك: ولك بمثل.\nرواه مسلم (٢٧٣٢) (٨٦).\n* * *\nــ\nولا يوضع الشكر موضع الحمد، وفيه دلالة على أن شكر النعمة، وإن قلت سبب نيل رضا الله تعالى، الذي هو أشرف أحوال أهل الجنة، وسيأتي قول الله ﷿ لأهل الجنة حين يقولون: أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ [فيقولون: ما هو؟ ألم تبيض وجوهنا، وتدخلنا الجنة، وتزحزحنا عن النار؟] (١)، فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدا (٢). وإنما كان الشكر سببا لذلك الإكرام العظيم؛ لأنَّه يتضمن معرفة المنعم، وانفراده بخلق تلك النعمة، وبإيصالها إلى المنعم عليه، تفضلا من المنعم وكرما ومنة، وإن المنعم عليه فقير محتاج إلى تلك النعم، ولا غنى به عنها، فقد تضمن ذلك معرفة حق الله وفضله، وحق العبد وفاقته وفقره، فجعل الله تعالى جزاء تلك المعرفة تلك الكرامة الشريفة.\nو(قوله: ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك: ولك بمثل) المسلم هنا: هو الذي سلم المسلمون من لسانه ويده، الذي يحب للناس ما يحب لنفسه؛ لأنَّ هذا هو الذي يحمله حاله وشفقته على أخيه المسلم أن يدعو له بظهر الغيب، أي: في حال غيبته عنه، وإنما خص حالة الغيبة بالذكر لبعدها عن الرياء، والأغراض المفسدة أو المنقصة؛ فإنه في حال الغيبة يتمحض الإخلاص، ويصح قصد وجه الله تعالى بذلك، فيوافقه الملك في الدعاء، ويبشره على لسان رسوله - ﷺ - بأن له مثل ما دعا به لأخيه. والأخوة هنا: هي الأخوة الدينية، وقد\n_________\n(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع) و(م ٤).\n(٢) رواه البخاري (٦٥٤٩)، ومسلم (٢٨٢٩).","vol":"7","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1010>(٢٠) باب يستجاب للعبد ما لم يعجل أو يدعو بإثم</span>\n[٢٦٦٢] عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، فيقول: قد دعوت فلا يستجاب لي.\nرواه أحمد (٢/ ٤٨٧)، والبخاريُّ (٦٣٤٠)، ومسلم (٢٧٣٥)، وأبو داود (١٤٨٤)، والترمذي (٦٣٨٧)، وابن ماجه (٣٨٥٣).\n[٢٦٦٣] وعنه؛ عن النبي ﷺ أنه قال: لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل. قيل: يا رسول الله، ما\nــ\nتكون معها صداقة ومعرفة، وقد لا يكون، وقد يتعين، وقد لا يتعين، فإنَّ الإنسان إذا دعا لإخوانه المسلمين حيث كانوا، وصدق الله في دعائه، وأخلص فيه في حال الغيبة عنهم، أو عن بعضهم، قال الملك له ذلك القول، بل قد يكون ثوابه أعظم؛ لأنَّه دعا بالخير، وقصده للإسلام، ولكل المسلمين، والله تعالى أعلم.\n[(٢٠) ومن باب: يستجاب للعبد ما لم يعجل أو يدعو بإثم] (١)\n(قوله: يستجاب للمسلم ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم) يعني بالعبد: الصالح لقبول دعائه، فإنَّ الدعاء لا بد لها من شروط في الداعي، وفي الدعاء، وفي الشيء المدعو به، فمن شرط الداعي بأن يكون عالما بأنه لا قادر على حاجته إلا الله تعالى، وأن الوسائط في قبضته، ومسخرة بتسخيره، وأن يدعو بنية صادقة وحضور قلب، وأن يكون مجتنبا لأكل الحرام، كما قدمناه، وألا\n_________\n(١) هذا العنوان لم يرد في المفهم، واستدركناه من التلخيص.","vol":"7","page":62},{"text":"الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت فلم أر يستجاب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء.\nرواه مسلم (٢٧٣٥) (٩٢).\n* * *\nــ\nيحل من الدعاء فيتركه ويقول: قد دعوت فلم يستجب لي، كما قال في الحديث. ومن شروط المدعو فيه أن يكون من الأمور الجائزة الطلب والفعل شرعا، كما قال: ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، فيدخل في الإثم كل ما يأثم به من الذنوب، ويدخل في قطيعة الرحم جميع حقوق المسلمين، ومظالمهم. وقد بينا أن الرحم ضربان: رحم الإسلام، ورحم القرابة. ويستحسر، يعني: ويمل. يقال: حسر البعير يحسُر، ويحسِر حسورا: أعيا. واستحسر وتحسر مثله. وفائدة هذا: استدامة الدعاء، وترك اليأس من الإجابة، ودوام رجائهما، واستدامة الإلحاح في الدعاء؛ فإنَّ الله يحب الملحين عليه في الدعاء، وكيف لا؟ والدعاء مخ العبادة وخلاصة العبودية. والقائل: قد دعوت فلم أر يستجاب لي، ويترك - قانطا - من رحمة الله، وفي صورة الممتن بدعائه على ربه، ثم إنه جاهل بالإجابة، فإنَّه يظنها إسعافه في عين ما طلب، فقد يعلم الله تعالى: أن في عين ما طلب مفسدة، فيصرفه عنها، فتكون إجابته في الصرف، وقد يعلم الله أن تأخيره إلى وقت آخر أصلح للداعي، وقد يؤخره لأنه سبحانه يحب استماع دعائه، ودوام تضرعه، فتكثر أجوره حتى يكون ذلك أعظم وأفضل من عين المدعو به لو قضي له، وقد قال ﷺ: ما من داع يدعو إلا كان بين إحدى ثلاث: إما أن يستجاب له، وإما أن يدخر له، وإما أن يكفر عنه (١)، ثم بعد هذا كله فإجابة الدعاء - وإن وردت في مواضع من الشرع مطلقة - فهي مقيدة بمشيئته، كما قال تعالى: ﴿فَيَكشِفُ مَا تَدعُونَ إِلَيهِ إِن شَاءَ﴾\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٥٦٨).","vol":"7","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1011>(٢١) باب الدعاء بصالح ما عمل من الأعمال</span>\n[٢٦٦٤] عَن ابنِ عُمَرَ عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: بَينَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ - في رواية: ممن كان قبلكم - يَتَمَشَّونَ، أَخَذَهُم الطوفان فَأَوَوا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ، فَانحَطَّت عَلَى فَمِ غَارِهِم صَخرَةٌ مِن الجَبَلِ، فَانطَبَقَت عَلَيهِم، فَقَالَ بَعضُهُم لِبَعضٍ: انظُرُوا أَعمَالًا عَمِلتُمُوهَا صَالِحَةً لِلَّهِ فَادعُوا اللَّهَ تَعَالَى بِهَا، لَعَلَّ اللَّهَ يَفرُجُهَا عَنكُم، فَقَالَ أَحَدُهُم: اللَّهُمَّ، إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيخَانِ كَبِيرَانِ وَامرَأَتِي، وَلِي صِبيَةٌ صِغَارٌ أَرعَى عَلَيهِم، فَإِذَا أَرَحتُ عَلَيهِم حَلَبتُ فَبَدَأتُ بِوَالِدَيَّ، فَسَقَيتُهُمَا قَبلَ بَنِيَّ، وَإنّي نَأَى بِي ذَاتَ يَومٍ الشَّجَرُ فَلَم آتِ حَتَّى أَمسَيتُ، فَوَجَدتُهُمَا قَد نَامَا، فَحَلَبتُ كَمَا كُنتُ أَحلُبُ، فَجِئتُ\nــ\n(٢١) ومن باب: الدعاء بصالح ما عمل من الأعمال\nغريب حديث الغار: الطوفان هنا: المطر الكثير. وأووا إلى غار: أي: انضموا، وقد تقدَّم أنه يمد ويقصر. فانحطت: نزلت. فأطبقت عليهم؛ أي: صارت على باب الغار كالطبق، وأرعى عليهم: أي أرعى الماشية وأكتسب بها لأجل العيال والأبوين. ونأى بي الشجر؛ أي: بعد عليه ابتغاء الشجر الذي رعاه بماشيته. والحلاب: إناء يحلب فيه، وهو المحلب أيضًا، وقد يكون اللبن. ويتضاغون: يضجون من الجوع، والضغاء ممدود، مضموم الأول، صوت الذلة والفاقة. والدأب: الحال اللازمة، والعادة المتكررة. وافرج: افتح. والفرجة بضم الفاء؛ لأنَّه من السعة، فإذا كان بمعنى الراحة قلت فيه: فَرجة وفَرَج، وفعل كل واحد منهما: فَرَجَ، بالفتح والتخفيف، يفرُج، بالضم لا غير. والغبوق: شرب العشي، والصبوح: شرب الصباح، والجاشرية: عند انغلاق الفجر، يقال: جشر الصبح، أي: انفلق. وبغيت: طلبت.","vol":"7","page":64},{"text":"بِالحِلَابِ، فَقُمتُ عِندَ رُؤوسِهِمَا أَكرَهُ أَن أُوقِظَهُمَا مِن نَومِهِمَا، وَأَكرَهُ أَن أَسقِيَ الصِّبيَةَ قَبلَهُمَا، وَالصِّبيَةُ يَتَضَاغَونَ عِندَ قَدَمَيَّ، فَلَم يَزَل ذَلِكَ دَأبِي وَدَأبَهُم حَتَّى طَلَعَ الفَجرُ، فَإِن كُنتَ تَعلَمُ أَنِّي فَعَلتُ ذَلِكَ ابتِغَاءَ وَجهِكَ فَافرُج لَنَا مِنهَا فُرجَةً نَرَى مِنهَا السَّمَاءَ، فَفَرَجَ اللَّهُ مِنهَا فُرجَةً فَرَأَوا مِنهَا السَّمَاءَ.\nوَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنّي كَانَت لِيَ ابنَةُ عَمٍّ أَحبَبتُهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ، وَطَلَبتُ إِلَيهَا نَفسَهَا، فَأَبَت حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَتَعِبتُ حَتَّى جَمَعتُ مِائَةَ دِينَارٍ - وفي رواية: عشرين ومائة - فَجِئتُهَا بِهَا، فَلَمَّا وَقَعتُ بَينَ رِجلَيهَا قَالَت: يَا عَبدَ اللَّهِ، اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَفتَح الخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ، فَقُمتُ عَنهَا، فَإِن كُنتَ تَعلَمُ أَنِّي فَعَلتُ ذَلِكَ ابتِغَاءَ وَجهِكَ فَافرُج لَنَا مِنهَا فُرجَةً، فَفَرَجَ لَهُم.\nوَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنِّي كُنتُ استَأجَرتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ، فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ: أَعطِنِي حَقِّي، فَعَرَضتُ عَلَيهِ فَرَقَهُ فَرَغِبَ عَنهُ، فَلَم أَزَل أَزرَعُهُ حَتَّى جَمَعتُ مِنهُ بَقَرًا وَرِعَاءَهَا، فَجَاءَنِي فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ، وَلَا تَظلِمنِي حَقِّي، قُلتُ: اذهَب إِلَى تِلكَ البَقَرِ وَرِعَائِهَا فَخُذهَا، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ، وَلَا تَستَهزِئ بِي، فَقُلتُ: إِنِّي لَا أَستَهزِئُ بِكَ، خُذ ذَلِكَ البَقَرَ وَرِعَاءَهَا، فَأَخَذَهُ فَذَهَبَ بِهِ، فَإِن كُنتَ تَعلَمُ أَنِّي فَعَلتُ ذَلِكَ ابتِغَاءَ وَجهِكَ فَافرُج لَنَا مَا بَقِيَ، فَفَرَجَ اللَّهُ مَا بَقِيَ. وفي رواية: وَخَرَجُوا يَمشُونَ.\nرواه البخاريُّ (٢٢١٥)، ومسلم (٢٧٤٣).\n* * *\nــ\nو(قوله: لا تفض (١) الخاتم إلا بحقه) الفض: الكسر والفتح، والخاتم: كناية عن الفرج، وعذرة البكارة، وحقه: التزويج المشروع. والفرق: مكيال يسع\n_________\n(١) هذه اللفظة من رواية البخاري رقم (٢٢١٥) كما جاء في التخريج. ورواية مسلم كما في التلخيص: \"لا تفتح\".","vol":"7","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1012>(٢٢) باب فضل الدوام على الذكر</span>\n[٢٦٦٥] عَن حَنظَلَةَ الأُسَيِّدِيِّ قَالَ - وَكَانَ مِن كُتَّابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بَكرٍ فَقَالَ: كَيفَ أَنتَ يَا حَنظَلَةُ؟ قَالَ: قُلتُ: نَافَقَ حَنظَلَةُ، قَالَ: سُبحَانَ اللَّهِ! مَا تَقُولُ؟ قَالَ: قُلتُ: نَكُونُ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُذَكِّرُنَا بِالجَنَّةِ وَالنَّارِ، حَتَّى كَأَنَّا رَأي عَينٍ، فَإِذَا خَرَجنَا مِن عِندِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، عَافَسنَا الأَزوَاجَ، وَالأَولَادَ، وَالضَّيعَاتِ، نَسِينَا كَثِيرًا، قَالَ\nــ\nثلاثة آصع، ويقال: بفتح الراء، وهو الأفصح، وقال ابن دريد: ويقال بسكونها، وقد أنكره غيره، وفيه أبواب من الفقه لا تخفى.\n[(٢٢) ومن باب: فضل الدوام على الذكر] (١)\nقول حنظلة الأسيدي: هو بتخفيف الياء، منسوب إلى أسيد، قيل (٢): من بني تميم. ومن رواه الأسدي فقد أخطأ، وكان من كتاب رسول الله ﷺ.\nو(قوله: نافق حنظلة). إنكار منه على نفسه لما وجد منها في خلوتها خلاف ما يظهر منها بحضرة النبي ﷺ، فخاف أن يكون ذلك من أنواع النفاق، وأراد من نفسه أن يستديم تلك الحالة التي كان يجدها عند موعظة النبي ﷺ، ولا يشتغل عنها بشيء.\nو(قوله: يذكرنا بالجنة والنار، كأنا رأي عين) الذي قرأته وقيدته: رأي عين، منصوبا على المصدر، كأنه قال: كأنا نراها رأي عين. قال القاضي: ضبطناه بالضم، أي: كأنا بحال من يراهما، ويصح النصب على المصدر.\nو(قوله: عافسنا الأزواج، والأولاد والضيعات) الرواية الصحيحة\n_________\n(١) هذا العنوان لم يرد في المفهم، واستدركناه من التلخيص.\n(٢) \"قَيل\": القَيل: الملك، جمع أقيال وقُيول.","vol":"7","page":66},{"text":"أَبُو بَكرٍ: فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلقَى مِثلَ هَذَا، فَانطَلَقتُ أَنَا وَأَبُو بَكرٍ حَتَّى دَخَلنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قُلتُ: نَافَقَ حَنظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَمَا ذَاكَ؟ قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَكُونُ عِندَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالجَنَّةِ؛ كَأَنَّا رَأيُ عَينٍ، فَإِذَا خَرَجنَا مِن عِندِكَ عَافَسنَا الأَزوَاجَ، وَالأَولَادَ، وَالضَّيعَاتِ، نَسِينَا\nــ\nالمعروفة: عافسنا، بالعين المهملة، وبالفاء والسين المهملة، ومعناه: عالجنا وحاولنا. في الصحاح: المعافسة: المعالجة، يعني أنهم إذا خرجوا من عند رسول الله ﷺ، اشتغلوا بهذه الأمور، وتركوا تلك الحالة الشريفة التي كانوا يجدونها عند سماع موعظة رسول الله ﷺ، ومشاهدته، وروى الخطابي هذا الحرف: عانسنا بالنون، وفسره بلاعبنا، ورواه القتيبي: عانشنا، بالنون والشين المعجمة، وفسره بعانقنا، والتقييد الأول أولى رواية ومعنى. وقد جاء مفسرا في الرواية الأخرى، فقال: ضاحكت الصبيان، ولاعبت المرأة. والضيعات: جمع ضيعة، وهي: ما يكون معاش الرجل منه: من مال، أو حرفة، أو صناعة. وقد تقدَّم ذكرها.\nو(قول أبي بكر - ﵁ -: والله إنا لنلقى مثل هذا) رد على غلاة الصوفية الذين يزعمون دوام مثل تلك الحال، ولا يعرجون بسببها على أهل ولا مال، ووجه الرد أن أبا بكر - ﵁ - أفضل الناس كلهم بعد رسول الله ﷺ إلى يوم القيامة، ومع ذلك فلم يدع خروجا عن جبلة البشرية، ولا تعاطى من دوام الذكر وعدم الفترة، ما هو خاصة الملائكة. وقد ادعى قوم منهم دوام الأحوال، وهو بما ذكرناه شبه المحال، وإنما الذي يدوم المقامات، لكنها تتفاوت فيها المنازلات. والمقام: ما يحصل للإنسان بسعيه وكسبه. والحال: ما يحصل له بهبة ربه. ولذلك قالوا: المقامات مكاسب، والأحوال مواهب، ومن طاب وقته علا نعته، ومن صفا وارده طاب ورده.\nوعلى الجملة فسنة الله في هذا العالم الإنساني جعل تمكينهم في تلوينهم، ومشاهدتهم في مكابدتهم. وسر ذلك أن هذا العالم متوسط بين عالمي الملائكة والشياطين، فمكن الملائكة في الخير بحيث يفعلون ما يؤمرون، ويسبحون الليل والنهار لا يفترون، ومكن الشياطين في الشر والإغواء","vol":"7","page":67},{"text":"كَثِيرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لَو تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِندِي، وَفِي الذِّكرِ، لَصَافَحَتكُم المَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُم وَفِي طُرُقِكُم، وَلَكِن يَا حَنظَلَةُ، سَاعَةً وَسَاعَةً. ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.\nرواه مسلم (٢٧٥٠) (١٢).\n* * *\nــ\nبحيث لا يغفلون، وجعل هذا العالم الإنساني متلونا، فيمكنه ويلونه، ويفنيه ويبقيه، ويشهده ويفقده، وإليه أشار صاحب الشفاعة بقوله: ولكن يا حنظلة، ساعة وساعة. وقال في حديث أبي ذر - ﵁ -: وعلى العاقل أن يكون له ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفكر فيها في صنع الله، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب (١). هكذا الكمال، وما عداه ترهات وخيال.\nو(قوله: لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة) هكذا صحت الرواية بالواو العاطفة للطرف الثاني على الأول، ويفيد أنه وقف مصافحة الملائكة على حصول حالتين لنا: على حال مشاهدة الجنة والنار مع ذكر الله تعالى ودوام ذلك، فيعني - والله تعالى أعلم - أن التمكن: إنما هو أن يشاهد الأمور كلها بالله تعالى، فإذا شاهد الجنة مثلا لم يحجبه ما يشاهد من نعيمها وحسنها من رؤية الله تعالى؛ بل: لا يلتفت إليها من حيث هي جنة؛ بل: من حيث هي أنها محل القرب من الله تعالى، ومحل رؤيته، ومشاهدته، فيكون فرقه في جمعه، وعطاؤه في منعه، ومن كان كذلك ناسب الملائكة في معرفتها، فبادرت إلى إكرامه ومشافهته، وإعظامه ومصافحته. والمسؤول من الكريم المتعال أن يمنحنا من صفاء هذه الأحوال.\n* * *\n_________\n(١) رواه أبو نعيم في الحلية (١/ ١٦٦ - ١٦٨)، وابن حبان (٣٦١).","vol":"7","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1013>(٣٨) كتاب الرقاق</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1014>(١) باب وجوب التوبة وفضلها</span>\nوقد تقدم قوله ﷺ: يا أيها الناس، توبوا إلى الله فإني أتوب في اليوم مائة مرة.\n[٢٦٦٦] وعن عبد الله - هو ابن مسعود - قال: سمعت\nــ\n(٣٨) كتاب الرقاق\n(١ و٢) ومن باب وجوب التوبة وفضلها (١)\nقد تقدم القول في وجوب التوبة، وفي معناها اللغوي، وقد اختلفت عبارات العلماء والمشايخ فيها، فقائل يقول: إنها الندم، وآخر يقول: إنها العزم على ألا يعود، والآخر يقول: إنها الإقلاع عن الذنب، ورابع يجمع بين تلك الأمور الثلاثة، فيقول: إنها الندم على ذنب وقع، والإقلاع عنه في الحال، والعزم على ألا يعود إليه، وهذا أكملها، غير أنه مع ما فيه من التركيب المحذور في الحدود غير مانع ولا جامع.\n_________\n(١) شرح المولف تحت هذا العنوان ما أشكل في أحاديث هذا الباب، والباب الذي يليه بعنوان: باب: ما يُخاف من عقاب الله على المعاصي.","vol":"7","page":69},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nبيان الأول: أنه قد يندم، ويقلع، ويعزم، ولا يكون تائبا شرعا، إذ قد يفعل ذلك شحا على ماله، أو لئلا يعيره الناس من ذلك. ولا تصح التوبة الشرعية إلا بالنية والإخلاص؛ فإنَّها من أعظم العبادات الواجبات، ولذلك قال تعالى: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوبَةً نَصُوحًا﴾\nوأما الثاني: فبيانه أنه يخرج منه مَن زنى مثلا، ثم قطع ذكره، فإنَّه لا يتأتى منه غير الندم على ما مضى من الزنى، وأما العزم والإقلاع فغير متصورين منه، ومع ذلك فالتوبة من الزنى صحيحة في حقه إجماعا، وبهذا اغتر من قال: إن الندم يكفي في حد التوبة، وليس بصحيح؛ لأنَّه لو ندم ولم يقلع، وعزم على العود، لم يكن تائبا اتفاقا، ولما فهم بعض المحققين هذا حد التوبة بحد آخر، فقال: هي ترك اختيار ذنب سبق منك مثله، حقيقة أو تقديرا؛ لأجل الله تعالى، وهذا أسد العبارات وأجمعها، وبيان ذلك: أن التائب لا بد أن يكون تاركا للذنب، غير أن ذلك الذنب الماضي قد وقع، وفرغ منه، فلا يصح تركه؛ إذ هو غير متمكن من عينه لا تركا ولا فعلا، وإنما هو متمكن من مثله حقيقة، وهو زنى آخر مثلا، فلو جب لم تصح منه حقيقة الزنى، بل: الذي يصح منه أن يقدر أنه لو كان متمكنا من الزنى لتركه. فلو قدرنا من لم يقع منه ذنب لم يصح منه إلا اتقاء ما يمكن أن يقع، لا ترك مثل ما وقع، فيكون متقيا لا تائبا، فتدبر هذا.\nو(قوله: لأجل الله تعالى) تحرز من ترك ذلك لغير الله تعالى؛ إذ ذلك لا يكون تائبا اتفاقا، فلا يكون فعله ذلك توبة، وهذا واضح، وإذا تقرر هذا فاعلم أن الباعث على التوبة تنبيه إلهي ينبه به من أراد سعادته لقبح الذنوب وضررها؛ فإنها سموم مهلكة تفوت على الإنسان سعادة الدنيا والآخرة، وتحجبه عن معرفة الله تعالى في الدنيا، وعن تقريبه وكرامته في الدار الآخرة. ومن انكشف له هذا، وتفقد نفسه وجد نفسه مشحونة بهذا السم، ومملوءة بهذه الآفات، فلا شك في أن","vol":"7","page":70},{"text":"رسول الله ﷺ يقول: لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوبَةِ عَبدِهِ المُؤمِنِ مِن رَجُلٍ فِي أَرضٍ دَوِّيَّةٍ مَهلِكَةٍ، مَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَنَامَ فَاستَيقَظَ وَقَد\nــ\nمن حصل له علم ذلك، انبعث منه خوف هجوم الهلاك، فتتعين عليه المبادرة لطلب أمر يدفع به عن نفسه ضرر ما يتوقعه ويخافه. فحينئذ ينبعث منه الندم على ما فرط، وترك مثل ما سبق؛ مخافة عقوبة الله تعالى، فيصدق عليه أنه تائب، فإن لم يكن كذلك كان مصرا على المعصية، وملازما لأسباب الهلكة.\nثم اعلم بعد هذا: أن الذنوب إما كفر، وإما غيره، فتوبة الكافر عند موته مقطوع بعدم قبولها، وما عداها فمقبولة إن شاء الله، بوعده الصدق، وقوله الحق.\nوأعني بالقبول: الخلاص من ضرر الذنوب حتى يرجع كمن لم يعمل ذنبا، كما قال ﷺ: التائب من الذنب كمن لا ذنب له (١). ثم إن الذنب الذي يتاب منه إما حق لله تعالى، وإما حق لغيره، فحق الله تعالى يكفي في التوبة منه الترك الذي ذكرناه، غير أن منها: ما لم يكتف الشرع منه بمجرد الترك، بل: أضاف إلى ذلك في بعضها قضاء، كالصلاة والصوم، ومنها: ما أضاف إليها كفارة، كالحنث في الأيمان والظهار وغير ذلك، فلا يرتفع ضرر ذلك الذنب إلا بتركه وفعل ما أمره الله تعالى به من القضاء والكفارة. وأما حقوق الآدميين، فلا بد من إيصالها إلى مستحقيها، فإن لم توصل إلى أربابها لم يتخلص من ضرر ذلك الذنب إلا بتركه وفعل ما أمره الله به، ومن اجتهد في الخروج عن الحقوق، فلم يقدر على الخروج منها، فعفو الله مأمول، وفضله مبذول، وكم ضمن من التبعات، وكم بذل من السيئات بالحسنات، وتفصيل ما أجملناه موجود في كتب مشايخ الإسلام، ﵏.\nو(قوله: لله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دوية مهلكة. . . الحديث) هذا مثل قُصد به بيان سرعة قبول الله تعالى لتوبة عبده التائب\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (٤٢٥٠).","vol":"7","page":71},{"text":"ذَهَبَت، فَطَلَبَهَا حَتَّى أَدرَكَهُ العَطَشُ، ثُمَّ قَالَ: أَرجِعُ إِلَى مَكَانِيَ الَّذِي كُنتُ فِيهِ فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ، فَوَضَعَ رَأسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ، فَاستَيقَظَ وَعِندَهُ رَاحِلَتُهُ، وَعَلَيهَا زَادُهُ وَطَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَاللَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوبَةِ العَبدِ المُؤمِنِ مِن هَذَا بِرَاحِلَتِهِ وَزَادِهِ.\nرواه أحمد (١/ ٣٨٣)، والبخاريُّ (٦٣٠٨)، ومسلم (٢٧٤٤)، والترمذيُّ (٢٤٩٩ و٢٥٠٠).\nــ\nفإنَّه يقبل عليه بمغفرته ورحمته، ويعامله معاملة من يفرح به. ووجه هذا المثل: أن العاصي حصل بسبب معصيته في قبضة الشيطان وأسره. وقد أشرف على الهلاك. فإذا لطف الله تعالى به، وأرشده للتوبة، خرج من شؤم تلك المعصية، وتخلص من أسر الشيطان، ومن المهلكة التي أشرف عليها، فأقبل الله تعالى عليه برحمته ومغفرته، وبادر إلى ذلك مبادرة هذا الذي قد انتهى به الفرح، واستفزه السرور إلى أن نطق بالمحال، ولم يشعر به لشدة سروره وفرحه، وإلا فالفرح الذي هو من صفاتنا محال على الله تعالى؛ لأنَّه اهتزاز وطرب يجده الإنسان من نفسه عند ظفره بغرض يستكمل به الإنسان نقصانه، ويسد به خلته، أو يدفع عن نفسه ضررا، أو نقصا، وكل ذلك محال على الله تعالى، فإنَّه الكامل بذاته، الغني بوجوده، الذي لا يلحقه نقص ولا قصور، لكن هذا الفرح عندنا له ثمرة وفائدة، وهو الإقبال على الشيء المفروح به، وإحلاله المحل الأعلى، وهذا هو الذي يصح في حقه تعالى، فعبر عن ثمرة الفرح بالفرح على طريقة العرب في تسميتها الشيء باسم ما جاوره، أو كان منه بسبب. وقد قدمنا أن ذلك القانون جار في كل ما أطلقه الله تعالى على نفسه من الصفات التي لا تليق به، كالغضب والرضا والضحك، وغير ذلك.\nو(قوله: دوية مهلكة) الرواية المشهورة بفتح الدال، وتشديد الواو المكسورة، وتشديد الياء مفتوحة، وهي: القفر والفلاة. وجمعها: داوي. قال","vol":"7","page":72},{"text":"[٢٦٦٧] ومن حديث أنس: فأخذ بخطامها فقال من شدة الفرح: اللهم، أنت عبدي وأنا ربك. أخطأ من شدة الفرح.\nرواه أحمد (٣/ ٢١٣)، والبخاريُّ (٦٣٠٩)، ومسلم (٢٧٤٧) (٧).\n* * *\nــ\nالخليل: الداوية: المفازة. وقال الهروي في خطبة الحجاج:\nقد لفها الليل بعصلبي ... أروع خراج من الداوي\nقال: يعني الفلوات. الواحدة: داوية. في الصحاح: الدو والدوي: المفازة، وكذلك الدوية، لأنها مفازة مثلها، فنسبت إليها، قال: والدو أيضًا موضع، وهو من أرض العرب. وربما قالوا: داوية، قلبوا الواو الأولى الساكنة ألفا لانفتاح ما قبلها، ولا يقاس عليه.\nو(قوله: مهلكة) الرواية بفتح الميم واللام، أي: يهلك فيها، وقد قُيد مهلكة بضم الميم وكسر اللام، اسم فاعل، أي: يهلك من يدخل فيها، وإنما سميت القفر المفازة من قولهم: فوز الرجل: إذا هلك. وقيل: بل على طريق التفاؤل، كما يقال للديغ: سليم.\nو(قول الحارث بن سويد: حدثني عبد الله حديثين، أحدهما عن رسول الله ﷺ، والآخر عن نفسه). ثم حدث بالحديث الذي ذكرناه في التوبة. ولم يذكر مسلم الحديث الأول الذي حدث به نفسه، وقد ذكره البخاري والترمذي وغيرهما، فقال: المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، والفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا (١)، فهذا هو الذي حدثه ابن مسعود عن نفسه، لا أنه رفعه للنبي ﷺ، وهو صحيح المعنى، يشهد له ما في الوجود من خوف المؤمن، وتهاون الفاجر والمنافق.\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٣٨٣)، والبخاري (٦٣٠٨)، والترمذي (٢٤٩٧).","vol":"7","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1015>(٢) باب ما يخاف من عقاب الله على المعاصي</span>\n[٢٦٦٨] عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد.\nرواه أحمد (٢/ ٣٣٤)، ومسلم (٢٧٥٥)، والترمذي (٣٥٣٦).\n[٢٦٦٩] وعنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ - لَم يَعمَل حَسَنَةً قَطُّ - لِأَهلِهِ إِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ، ثُمَّ اذرُوا نِصفَهُ فِي البَرِّ وَنِصفَهُ فِي البَحرِ،\nــ\nو(قوله: لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد) يعني: لو علم ذلك، وجرد النظر إليه، ولم يلتفت إلى مقابله، وأما إذا نظر إلى مقابل كل واحد من الطرفين، فالكافر ييأس من رحمة الله تعالى، والمؤمن يرجو رحمة الله تعالى، ويخاف عقابه، كما قال بعضهم: لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا.\nو(قوله: قال رجل لم يعمل خيرا (١) قط) هذه الرواية فيها توسع في العبارة؛ لأنَّا نعلم قطعا أن هذا الرجل كان متدينا بدين حق، ومن كان كذلك لا بد أن يعمل حسنة: صوما، أو صلاة، أو تلفظا بخير، أو شيئًا من الخير الذي تقتضيه شريعته، وإنما الرجل كان خطاء، كثير المعاصي، وقد نص على هذا المعنى في رواية أخرى في الأصل فقال: أسرف رجل على نفسه، فلما حضرته الوفاة. . . (٢) وذكر الحديث.\n_________\n(١) في التلخيص: حسنة.\n(٢) انظر هذه الرواية في صحيح مسلم (٢٧٥٦) (٢٥).","vol":"7","page":74},{"text":"فَوَاللَّهِ لَئِن قَدَرَ اللَّهُ عَلَيهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِن العَالَمِينَ، فَلَمَّا مَاتَ الرَّجُلُ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُم، فَأَمَرَ اللَّهُ البَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، وَأَمَرَ البَحرَ\nــ\nو(قوله: لئن قدر الله عليه ليعذبنه) الرواية التي لا يعرف غيرها: (قَدَر) بتخفيف الدال، وظاهر هذا اللفظ أنه شك في كون الله تعالى يقدر على إحيائه وإعادته، ولذلك أمر أهله أن يحرقوه، ويسحقوه، ويذروا نصفه في البر ونصفه في البحر، فكأنه توقع إذا فعل به ذلك تعذرت إعادته. وقد أوضح هذا المعنى ما رواه بعض الرواة في غير كتاب مسلم قال: فلعلي أُضل الله أي: أغيب عنه. وهذا ظاهر في شك الرجل في علم الله تعالى، والأولى ظاهرة في شكه في أنه تعالى يقدر على إعادته، ولما كان هذا، انقسم الناس في تأويل هذا الحديث قسمين: القسم الأول طائفة حملت ذلك على ظاهره، وقالوا: إن هذا الرجل جهل صفتين من صفات الله تعالى وهما: العلم والقدرة، ومن جهل ذلك لم يخرج من اسم الإيمان، بخلاف من جحدها، وإليه رجع أبو الحسن الأشعري، مع أنه قد كان تقدَّم له قول آخر بأنه مكفر. وهو مذهب الطبري.\nقلت: وهذه الطائفة انصرفت عن معنى الحديث إلى معنى آخر، اختلف فيه المتكلمون. وهو تكفير من اعترف بأن الله قادر بلا قدرة، وعالم بلا علم، ومريد بلا إرادة، فهل يكفر أم لا يكفر؟ على اختلاف القولين المتقدمين. ولا يختلف المسلمون في أن من جهل أو شك في كون الباري تعالى عالما به وقادرا على إعادته كافر، حلال الدم في الدنيا، مخلد في النار في الآخرة؛ لأنَّ ذلك معلوم من الشرع بالضرورة، وجحده أو الشك فيه تكذيب للرسول ﷺ قطعا.\nفمقتضى الحديث بظاهره أن الرجل كافر على مقتضى شريعتنا. ولذلك قالت طائفة: فلعل شرع ذلك الرجل لم يكن فيه الحكم بتكفير من جهل ذلك، أو شك فيه، والتكفير حكم من الأحكام الشرعية، فيجوز أن تختلف الشرائع فيه، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلنَا مِنكُم شِرعَةً وَمِنهَاجًا﴾","vol":"7","page":75},{"text":"فَجَمَعَ مَا فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: لِمَ فَعَلتَ هَذَا؟ قَالَ: مِن خَشيَتِكَ يَا رَبِّ وَأَنتَ أَعلَمُ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ.\nرواه البخاريُّ (٧٥٠٦)، ومسلم (٢٧٥٦) (٢٤).\nــ\nقلت: وهذا فيه نظر؛ لأنَّ هاتين القاعدتين من ضروريات الشرائع، إذ لا تصح شريعة مع الجهل بأنَّ الله عالم قادر مريد، ولا مع الشك فيها، فلا بد أن تنص الرسل لقومهم على هذه الصفات، مع أن العقول تدل عليها، فيكون العلم بها (١) ضروريا من كل الشرائع، كما كان ذلك ضروريا في شرعنا، فيكون جاحد ذلك والشاك فيه مكذبا لرسوله، وتكذيب الرسل كفر في كل شرع بالضرورة.\nوقالت طائفة ثالثة: يجوز أن تكون شريعة أولئك القوم أن الكافر يغفر له، فإنَّ هذا جائز عقلا، فلا يبعد أن يكون ذلك شرعا مع القطع بأن ذلك لا يصح في شرعنا، ومن شك فيه فهو كافر.\nقلت: وهذا يتطلب أيضًا أحاديث الشفاعة المتقدِّمة في الإيمان، فإنها تقتضي أن أهل التوحيد المعذبين في النار إذا شفع فيهم أنبياؤهم، وشفع نبينا ﷺ حتى لا يبقى أحد من أمته في النار قال حينئذ نبينا: يا رب! ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله، فيقول الله له: ليس ذاك إليك، فحينئذ يقول الله: وعزتي وجلالي لأخرجن من قال لا إله إلا الله (٢). وعمومات القرآن تدل على أن من مات كافرا، كائنا من كان، لا يخرج من النار، ولا تناله شفاعة شافع.\nالقسم الثاني: قالوا: إنه لم يكن جاهلا بصفة من صفات الله تعالى، ولا شاكا في شيء منها، وتأولوا الحديث تأويلات:\nأحدها: أن الرجل صدر عنه ما صدر حالة خوف غالب عليه، فغلط، فلم\n_________\n(١) في (ز): بذلك.\n(٢) رواه البخاري (٧٥١٠)، ومسلم (١٩٣) (٣٢٦).","vol":"7","page":76},{"text":"[٢٦٧٠] وعن أبي سعيد الخدري، عَن النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّ رَجُلًا فِيمَن كَانَ قَبلَكُم رَاشَهُ اللَّهُ مَالًا وَوَلَدًا، فَقَالَ لِوَلَدِهِ: لَتَفعَلُنَّ مَا آمُرُكُم بِهِ أَو لَأُوَلِّيَنَّ مِيرَاثِي غَيرَكُم، إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحرِقُونِي - وَأَكبَرُ عِلمِي أَنَّهُ قَالَ: - ثُمَّ\nــ\nيؤاخذ بقوله ذلك، كما لم يؤاخذ القائل: اللهم أنت عبدي وأنا ربك (١).\nوثانيها: أن هذا جار على نحو ما قد جرى في كلام العرب البليغ مِمَّا يسميه أهل النقد: تجاهل العارف، وسماه ابن المعتز: مزج الشك باليقين، وهو نحو قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَو يَخشَى﴾ وقوله: ﴿وَإِنَّا أَو إِيَّاكُم لَعَلَى هُدًى أَو فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾، وكقول الشاعر:\nأيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقا أأنت أم أم سالم\nوقد علم أنها هي. ومثله كثير.\nوثالثها: أن قدر معناه: ضيق. يعني أن الله تعالى إن ناقشه الحساب وضيقه عليه ليعذبنه أشد العذاب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيهِ رِزقُهُ﴾ أي: ضيق عليه، وهذا التأويل حسن، لكنه يخص لفظ قدر، والتأويل الأول أولى لأنه يعم: (قدر)، و(لعلي أضل الله) ويشهد لكون هذا الحديث مؤولا، وليس على ظاهره قوله في آخر الحديث حين قال الله له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: خشيتك يا رب. فلو كان جاهلا بالله أو بصفاته، لما خافه، ولما عمل شيئا لله، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: راشه الله مالا) كذا الرواية الصحيحة، ومعناه: أكسبه الله مالا. قال ابن الأعرابي: الرياش: المال. قال القتبي: أصله من الريش، كأن المعدم لا نهوض له مثل المقصوص من الطير. وعند الفاسي: رَأَسَه، بألف مهموزة وسين مهملة، وهو تصحيف، ولا وجه له. وفي رواية: رغسه الله مالا وولدا بغين\n_________\n(١) انظره في التلخيص برقم (٢٧٧٢).","vol":"7","page":77},{"text":"اسحَقُونِي وَاذرُونِي فِي الرِّيحِ؛ فَإِنِّي لَم أَبتَهِر عِندَ اللَّهِ خَيرًا، وَإِنَّ اللَّهَ يَقدِرُ عَلَيَّ أَن يُعَذِّبَنِي. قَالَ: فَأَخَذَ مِنهُم مِيثَاقًا، فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ وَرَبِّي، فَقَالَ اللَّهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلتَ؟ فَقَالَ: مَخَافَتُكَ، قَالَ: فَمَا تَلَافَاهُ غَيرُهَا.\nوفي رواية: رغسه الله مالا وولدا. وفيها: لم يبتئر عبد الله خيرا. فسرها قتادة: لم يدخر.\nوفي أخرى: ما ابتأر.\nوفي أخرى ما امتأر.\nرواه البخاريُّ (٣٤٧٨)، ومسلم (٢٧٥٧) (٢٧ و٢٨).\n* * *\nــ\nمعجمة وسين مهملة، أي: أعطاه الله تعالى من ذلك كثيرا. قال أبو عبيد: يقال: رغسه الله يرغسُه رغسا: إذا كان ماله ناميا كثيرا، وكذلك هو في الحسب.\nو(قوله: فلم يبتهر) بالهاء رواية الشيوخ، وعند ابن ماهان: لم يبتئر، بالهمزة، وكلاهما بمعنى واحد، والهمزة تبدل من الهاء، وكذلك ابتار وامتار بالباء والميم، فإنَّها تبدل منها. وقد فسرها في الأصل فقال: لم يدخر. وهو تفسير صحيح، ويشهد له المعنى والمساق.\nو(قوله: فإنَّ الله يقدر على أن يعذبني) وجدنا الروايات والنسخ تختلف في ضبط هذه الكلمات، وحاصله يرجع إلى تقييدين:\nأحدهما: تشديد إن مكسورة، ونصب الاسم المعظم بها، ويقدر مرفوعا فعل مضارع، وهو خبر إن، على أنّ يعذبني متعلق به، وهذا خبر محقق عن الرجل، أخبر به عن نفسه أن الله يقدر على تعذيبه، وهي رواية صحيحة لقول من قال: لم يكن جاهلا ولا شاكا، وإنما كان خائفا.","vol":"7","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1016>(٣) باب في رجاء مغفرة الله تعالى وسعة رحمته</span>\n[٢٦٧١] عن عبد الله بن مسعود قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَيسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيهِ المَدحُ مِن اللَّهِ ﷿، مِن أَجلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفسَهُ، وَلَيسَ\nــ\nوثانيهما: تخفيف إن المكسورة، ورفع اسم الله تعالى بعدها، وجزم يقدر بها، علي مشددة الياء، ويعذبني مجزوم على جواب الشرط. وهذه الرواية مصححة لقول من قال: إن الرجل كان شاكا، على ما ذكرناه. والأول أشبه ما اخترناه، والله تعالى أعلم.\nومعظم فوائد هذا الحديث أن المسرف على نفسه لا ييأس من رحمة الله تعالى ومغفرته، وفيه ما يدلّ على أنه كان من شرائع من قبلنا أن للرجل أن يورث ماله من يشاء من الناس، فنسخ ذلك شرعنا.\n(٣) ومن باب: رجاء مغفرة الله سبحانه وسعة رحمته\n(قوله: ليس أحد أحب إليه المدح من الله) التقييد الصحيح رفع أحب على أنه خبر مقدم، ومبتدؤه: المدح، والجملة خبر: ليس. وقد قيده بعض الناس: أحبَّ، بالنصب على أنه خبر: ليس، وفيه بُعد وتكلف، وقد تقدَّم القول في محبة الله غير مرة، ومعناها هنا: أن الله تعالى يثيب مادحيه بما لا يثيب أحد من الخلق مادحه.\nو(قوله: من أجل ذلك مدح نفسه) أي: من أجل أن يثيب مادحيه مدح نفسه، لا أنه يهتز للمدح ويرتاح له؛ فإنَّ ذلك من سمات فقرنا وحدوثنا، وهو منزه عن ذلك كله، وقد تقدَّم القول في غيرة الله تعالى في الحدود.","vol":"7","page":79},{"text":"أَحَدٌ أَغيَرَ مِن اللَّهِ، مِن أَجلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ، وَلَيسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيهِ العُذرُ مِن اللَّهِ، مِن أَجلِ ذَلِكَ أَنزَلَ الكِتَابَ وَأَرسَلَ الرُّسُلَ.\nرواه أحمد (١/ ٣٨١)، والبخاريُّ (٥٢٢٠)، ومسلم (٢٧٦٠) (٣٥).\n[٢٦٧٢] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ، وَإِنَّ المُؤمِنَ يَغَارُ، وَغَيرَةُ اللَّهِ أَن يَأتِيَ المُؤمِنُ مَا حَرَّمَ عَلَيهِ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٤٣)، والبخاريُّ (٥٢٢٣)، ومسلم (٢٧٦١)، والترمذيُّ (١١٦٨).\n[٢٦٧٣] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَالَّذِي نَفسِي\nــ\nو(قوله: وليس أحد أحب إليه العذر من الله تعالى) أي: الاعتذار، يعني التقدمة بالبيان والأعذار، ويحتمل أن يريد الاعتذار من عباده له من ذنوبهم إذا استغفروا منها.\nو(قوله: ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله (١» الصبر في اللغة: حبس النفس على ما تكرهه، أو يشق عليها، وذلك على الله تعالى محال، لكنه قد يكون معه الصفح عن الجاني، والحلم عليه والرفق به، وكل ذلك موجود من الله تعالى فحسن أن يطلق الله تعالى ذلك على نفسه، وقد سمى نفسه بالصبور كما جاء في الحديث.\n_________\n(١) ليست هذه العبارة في أحاديث الباب، ولكنها منتزعة من حديثٍ لمسلم برقم (٢٨٠٤) (٤٩) كتاب: صفات المنافقين.","vol":"7","page":80},{"text":"بِيَدِهِ لَو لَم تُذنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُم، وَلَجَاءَ بِقَومٍ يُذنِبُونَ فَيَستَغفِرُونَ اللَّهَ فَيَغفِرُ لَهُم.\nرواه مسلم (٢٧٤٩).\n[٢٦٧٤] وعن أبي أيوب: نحوه\nرواه مسلم (٢٧٤٨) (٩ و١٠)، والترمذيُّ (٣٥٣٣).\n[٢٦٧٥] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قال: قال رسول الله ﷺ قَالَ: لَمَّا قضى اللَّهُ الخَلقَ كَتَبَ فِي كتاب على نفسه - فهو موضوع عنده -: إِنَّ رَحمَتِي تَغلِبُ غَضَبِي.\nرواه أحمد (٢/ ٣٨١)، والبخاريُّ (٧٥٥٤)، ومسلم (٢٧٥١) (١٦).\nــ\nو(قوله: لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، ويستغفرون الله فيغفر لهم) هذا خبر من الله تعالى عن ممكن مقدور الوقوع مع علم الله تعالى بأنه لا يقع، فحصل منه أن الله تعالى يعلم حال المقدر الوقوع، كما يعلم حال المحقق الوقوع، ونحو من هذا قول الله تعالى: ﴿وَلَو رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنهُ﴾ وقد عبر بعض العلماء عن هذا بأن قال: إن الله تعالى يعلم ما كان وما يكون، وما لو كان كيف كان يكون، وحاصل هذا الحديث: أن الله تعالى سبق في علمه أنه يخلق من يعصيه فيتوب، فيغفر له، فلو قدر ألا عاصي يظهر في الوجود لذهب الله تعالى بالطائعين إلى جنته، ولخلق من يعصيه فيغفر له، حتى يوجد ما سبق في علمه، ويظهر من مغفرته ما تضمنه اسمه الغفار، ففيه من الفوائد: رجاء مغفرته والطماعية في سعة رحمته.","vol":"7","page":81},{"text":"[٢٦٧٦] وعنه عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحمَةٍ، أَنزَلَ مِنهَا رَحمَةً بَينَ الجِنِّ وَالإِنسِ وَالبَهَائِمِ وَالهَوَامِّ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ وَبِهَا\nــ\nو(قوله: لما قضى الله الخلق: كتب في كتاب عنده (١)، على نفسه) أي: لما أظهر قضاءه، وأبرز أمره لمن شاء، أظهر كتابا في اللوح المحفوظ، أو فيما شاءه، فقضاه خبر حق، ووعد صدق: إن رحمتي تغلب غضبي أي: تسبقه وتزيد عليه. وقد تقدَّم القول في غضب الله ورضاه، وأن ذينك يرجعان إلى إرادته، وإلى متعلقها من إيصال المنافع والألطاف إلى المرحوم، أو إيصال المضار والانتقام للمغضوب عليه، فيرجع غضبه إذًا ورحمته إلى الأفعال، وهو المراد بهذا الحديث. وإذا ظهر هذا فمعنى غلبة الرحمة، أو سبقها على ما جاء في الرواية الأخرى: أن رفقه بالخلق وإنعامه عليهم، ولطفه بهم، أكثر من انتقامه وأخذه، كيف لا، وابتداؤه الخلق وتكميله وإتقانه، وترتيبه، وخلق أول نوع الإنسان في الجنة، كل ذلك رحمته السابقة، وكذلك ما رتب على ذلك من النعم والألطاف في الدنيا والآخرة، وكل ذلك رحمات متلاحقات، ولو بدأ بالانتقام لما كمل لهذا العالم نظام. ثم العجب أن الانتقام به كملت الرحمة والإنعام، وذلك أن بانتقامه من الكافرين كملت رحمته على المؤمنين، وبذلك حصل صلاحهم وإصلاحهم، وتم لهم دينهم وفلاحهم، وظهر لهم قدر نعمة الله عليهم في صرف ذلك الانتقام عنهم، فقد ظهر أن رحمته سبقت غضبه، وإنعامه غلب انتقامه.\nو(قوله: إن لله مائة رحمة، أنزل منها رحمة) هذا نص في أن الرحمة يراد بها متعلق إرادة الحق سبحانه، لا نفس الإرادة، وأنها راجعة إلى المنافع والنعم، ومقتضى هذا الحديث: أن الله تعالى علم أن أنواع النعم التي ينعم بها على خلقه مائة نوع، فأرسل منها فيهم في هذه الدار نوعا واحدا، فبه انتظمت مصالحهم،\n_________\n(١) ليست في التلخيص.","vol":"7","page":82},{"text":"يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعطِفُ الوَحشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ اللَّهُ تِسعًا وَتِسعِينَ رَحمَةً، يَرحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَومَ القِيَامَةِ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٣٤)، ومسلم (٢٧٥٢) (١٩)، وابن ماجه (٤٢٩٣).\n[٢٦٧٧] وعَن سَلمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ يَومَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ، مِائَةَ رَحمَةٍ، كُلُّ رَحمَةٍ طِبَاقَ مَا بَينَ السَّمَاءِ\nــ\nوحصلت مرافقهم، كما نبه عليها في بقية الحديث، فإذا كان يوم القيامة كمل لعباده المؤمنين ما بقي في علمه، وهو التسعة والتسعون، فكملت الرحمة كلها للمؤمنين، وهو المشار إليه بقوله: ﴿فَلا تَعلَمُ نَفسٌ مَا أُخفِيَ لَهُم مِن قُرَّةِ أَعيُنٍ﴾ وهو الذي صرح به النبي ﷺ حيث قال لهم: إن في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، بله ما أطلعكم عليه (١). وعند هذا يفهم معنى قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالمُؤمِنِينَ رَحِيمًا﴾ فإنَّ ﴿رَحِيمًا﴾ من أبنية المبالغة التي لا شيء أبلغ منها، ويفهم من هذا أن الكافرين لا يبقى لهم في النار رحمة، ولا تنالهم نعمة، لا من جنس رحمات الدنيا، ولا من غيرها، إذ كمل كل ما علم الله من الرحمات للمؤمنين، ختم الله لنا بما ختم للمؤمنين، ووقانا أحوال الكافرين.\nوما قلناه في هذا الحديث أولى من قول من قال: إن معنى قوله: إن لله مائة رحمة الإغياء والتكثير؛ لأنَّه لم تجر عادتهم بذلك في مائة، وإنما جرت بالسبعين، ولو جرت بذلك لكان ذلك مجازا، وما ذكرناه حقيقة، فكان أولى، والله أعلم.\nو(قوله: إن الله خلق - يوم خلق السماوات والأرض - مائة رحمة معنى\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٨٢٥).","vol":"7","page":83},{"text":"وَالأَرضِ، فَجَعَلَ مِنهَا فِي الأَرضِ رَحمَةً، فَبِهَا تَعطِفُ الوَالِدَةُ عَلَى وَلَدِهَا، وَالوَحشُ وَالطَّيرُ بَعضُهَا عَلَى بَعضٍ، وَإِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ أَكمَلَهَا بِهَذِهِ الرَّحمَةِ.\nرواه أحمد (٤٣٩٥)، ومسلم (٢٧٥٣) (٢١).\n[٢٦٧٨] وعَن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبي، فَإِذَا امرَأَةٌ مِن السَّبيِ تَبتَغِي، إِذَا وَجَدَت صَبِيًّا فِي السَّبيِ أَخَذَتهُ فَأَلصَقَتهُ بِبَطنِهَا وَأَرضَعَتهُ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَتَرَونَ هَذِهِ المَرأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ قُلنَا: لَا وَاللَّهِ وَهِيَ تَقدِرُ عَلَى أَلا تَطرَحَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَلَّهُ أَرحَمُ بِعِبَادِهِ مِن هَذِهِ بِوَلَدِهَا.\nرواه البخاريُّ (٥٩٩٩)، ومسلم (٢٧٥٤).\n* * *\nــ\nخلق - هنا -: قدر، وهو أصل هذا اللفظ، كما قال زهير:\nولأنت تفري ما خلقت وبعـ ... ـض القوم يخلق ثمَّ لا يفري\nأي: يقدر، ويكون معناه: إن الله أظهر تقديره لتلك الرحمات، أي: علمه بها، يوم أظهر تقديره لاختراع السماوات. ويصح أن يقال: إن معنى خلق: اخترع وأوجد يوم خلق السماوات والأرض المائة الرحمة، فأرسل في هذا العالم نوعا واحدا من تلك الأنواع، وادخر في الجنة سائرها ليوم القيامة.\nو(قوله: كل رحمة طباق بين السماء والأرض) إغياء وتكثير، وقد جاء هذا الإغياء بهذا النوع كثيرا في الشرع واللغة، وقد جاء في بعض ألفاظ رواة مسلم: جعل الله الرحم مائة جزء روي بضم الراء وفتحها، وهو بمعنى الرحمة، واللفظ الذي ذكرناه هو الأصح والأوضح.\nو(قوله: فإذا امرأة من السبي تبتغي إذا وجدت صبيا أخذته) قال القاضي:","vol":"7","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1017>(٤) باب من عاد إلى الذنب فليعد إلى الاستغفار</span>\n[٢٦٧٩] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ، فِيمَا يَحكِي عَن رَبِّهِ ﷿، قَالَ: أَذنَبَ عَبدٌ ذَنبًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغفِر لِي ذَنبِي، فَقَالَ ﵎: أَذنَبَ عَبدِي ذَنبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغفِرُ الذَّنبَ، وَيَأخُذُ بِالذَّنبِ،\nــ\nكذا في جميع نسخ مسلم، ولرواته فيه وهم، وفي كتاب البخاري: تسعى، مكان: تبتغي. وهو وجه الكلام وصوابه.\nقلت: ولا خفاء بحسن رواية: تسعى، ووضوحها، لكن لرواية (تبتغي) وجه واضح، فلا يغلط الرواة كلهم، وذلك أن (تبتغي) معناه: تطلب ولدها، وحذف مفعوله للعلم به.\n[(٤) ومن باب: من عاد إلى الذنب فليعد إلى الاستغفار] (١)\n(قوله: أذنب عبد ذنبا فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: أذنب عبدي ذنبا، علم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب) يدلّ على عظيم فائدة الاستغفار، وعلى عظيم فضل الله وسعة رحمته، وحلمه وكرمه، ولا شك في أن هذا الاستغفار ليس هو الذي ينطق به اللسان، بل الذي يثبت معناه في الجنان، فيحل به عقد الإصرار، ويندم معه على ما سلف من الأوزار. فإذًا الاستغفار ترجمة التوبة، وعبارة عنها، ولذلك قال: خياركم كل مفتن تواب (٢). قيل: هو الذي يتكرر منه الذنب والتوبة، فكلما وقع في الذنب عاد إلى التوبة، وأما من قال\n_________\n(١) هذا العنوان لم يرد في المفهم، واستدركناه من التلخيص.\n(٢) رواه البيهقي في الشعب (٧١٢٠) عن النعمان بن سعد، و(٧١٢١) عن علي -﵁-.","vol":"7","page":85},{"text":"ثُمَّ عَادَ فَأَذنَبَ فَقَالَ: أَي رَبِّ، اغفِر لِي ذَنبِي، فَقَالَ ﵎: أَذنَبَ عَبدِي ذَنبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغفِرُ الذَّنبَ وَيَأخُذُ بِالذَّنبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذنَبَ فَقَالَ: أَي رَبِّ، اغفِر لِي ذَنبِي، فَقَالَ ﵎: أَذنَبَ عَبدِي ذَنبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغفِرُ الذَّنبَ وَيَأخُذُ بِالذَّنبِ، اعمَل مَا شِئتَ فَقَد غَفَرتُ لَكَ.\nرواه أحمد (٢/ ٤٠٥)، والبخاريّ (٧٥٠٧)، ومسلم (٢٧٥٨) (٢٩).\n* * *\nــ\nبلسانه: أستغفر الله، وقلبه مصر على معصيته، فاستغفاره ذلك يحتاج إلى استغفار، وصغيرته لاحقة بالكبار إذ لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار. وفائدة هذا الحديث أن العود إلى الذنب، وإن كان أقبح من ابتدائه؛ لأنه انضاف إلى الذنب نقض التوبة، فالعود إلى التوبة أحسن من ابتدائها؛ لأنها انضاف إليها ملازمة الإلحاح بباب الكريم، وأنه لا غافر للذنوب سواه.\nو(قوله: اعمل ما شئت فقد غفرت لك) قد تقدَّم القول فيه، ونزيد هنا نكتة، وهي: أن هذا الأمر يحتمل أن يكون معناه الإكرام، فيكون من باب قوله تعالى: ﴿ادخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ وآخر الكلام خبر عن حال المخاطب؛ لأنَّه مغفور له ما سلف من ذنبه، ومحفوظ - إن شاء الله - فيما يستقبل من شأنه.\n* * *","vol":"7","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1018>(٥) باب في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذهِبنَ السَّيِّئَاتِ﴾</span>\n[٢٦٨٠] عن عبد الله بن مسعود، قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي عَالَجتُ امرَأَةً فِي أَقصَى المَدِينَةِ، وَإِنِّي أَصَبتُ مِنهَا مَا دُونَ أَن أَمَسَّهَا، فَأَنَا هَذَا فَاقضِ فِيَّ مَا شِئتَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَد سَتَرَكَ اللَّهُ\nــ\n(٥) ومن باب: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذهِبنَ السَّيِّئَاتِ﴾\n(قوله: إني عالجت امرأة) أي: حاولتها لأصيب منها غرضا وشهوة، وأقصى المدينة: ما بعد منها، يعني موضعا خاليا عن الناس.\nو(قوله: إني أصبت منها ما دون أن أمسها) أي: لم أجامعها، وقد قال في رواية أخرى: إن الذي أصاب منها قبلة قبلها، وإياها عنى في الرواية الأخرى بقوله: أصبت حدا، ويحتمل أن يكون معناه: أصبت منها شيئا ممنوعا؛ لأن الحد في أصله هو المنع، ويحتمل أنه ظن أن في ذلك حدا فأطلق عليه ذلك. وهو الظاهر من قوله: أصبت حدا فأقم علي كتاب الله.\nو(قوله: فانطلق فأتبعه النبي ﷺ رجلا فدعاه، فتلا عليه هذه الآية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيلِ﴾ إنما دعاه النبي ﷺ بعد انصرافه عنه، لأن الله تعالى أنزل الآية بعد انصرافه بسبب سؤال الرجل المذكور، كما جاء نصا في رواية أخرى: أن رجلا أصاب من امرأة قبلة فأتى النبي ﷺ، فذكر ذلك له. قال: فنزلت الآية (١). فبين أن الآية نزلت بسبب ذلك الرجل. وإقامة الصلاة: القيام بفعلها على سنتها والمثابرة عليها. وطرفا النهار: هما الصبح والعصر. وقيل: الظهر والعصر، وقيل: العشاء والمغرب. وزلفا من الليل: بفتح اللام على قراءة الجماعة، وهي الساعات المتقاربة، جمع زلفة، وهي القربة والمنزلة\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣١١٣) عن معاذ بن جبل -﵁-.","vol":"7","page":87},{"text":"لَو سَتَرتَ على نَفسكَ، قَالَ: فَلَم يَرُدَّ عليه النَّبِيُّ ﷺ شَيئًا، فَقَامَ الرَّجُلُ فَانطَلَقَ، فَأَتبَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا دَعَاهُ فَتَلَا عَلَيهِ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيلِ إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذهِبنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ فَقَالَ رَجُلٌ مِن القَومِ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، هَذَا لَهُ خَاصَّةً؟ قَالَ: بَل لِلنَّاسِ كَافَّةً.\nرواه أحمد (١/ ٤٤٥)، ومسلم (٢٧٦٣) (٤٢)، وأبو داود (٤٤٦٨)، والترمذيُّ (٣١١٢)، والنسائي في الكبرى (٧٣٢٤)، وابن ماجه (١٣٩٨).\n[٢٦٨١] وعَن أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَبتُ حَدًّا فَأَقِمهُ عَلَيَّ، قَالَ: وَحَضَرَت الصَّلَاةُ فَصَلَّى مَعَ\nــ\nوقرأها يزيد بضم اللام، وابن محيصن بسكونها، والمراد المغرب والعشاء، والله أعلم.\nو(قوله: ﴿إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذهِبنَ السَّيِّئَاتِ﴾) يعني الصلوات الخمس، كما قد جاء مفسرا عنه ﷺ، قاله الطبري، وقال مجاهد: هي: لا إله إلا الله، والله أكبر والحمد لله.\nقلت: واللفظ بحكم عمومه صالح لما قالاه، ولزيادة عليه، كما قال ﷺ: الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر (١). وقد تقدم القول في معنى هذا الحديث في الطهارة.\nو(قوله: ﴿ذَلِكَ ذِكرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾) أي تذكر لمن تذكر واتعاظ لمن اتعظ، وقيل: إن هذا الرجل هو عمرو بن غزية، كان يبيع التمر، فقال لامرأة: في البيت\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٣٥٩)، ومسلم (٢٣٣)، والترمذي (٢١٤)، وابن ماجه (١٠٨٦).","vol":"7","page":88},{"text":"رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبتُ حَدًّا فَأَقِم فِيَّ كِتَابَ اللَّهِ، قَالَ: هَل حَضَرتَ مَعَنَا الصَّلَاةَ؟ قَالَ: نَعَم، قَالَ: قَد غُفِرَ لَكَ.\nرواه مسلم (٢٧٦٤).\n[٢٦٨٢] وفي رواية عن أبي أمامة قال: أَلَيسَ قَد تَوَضَّأتَ فَأَحسَنتَ الوُضُوءَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: ثُمَّ شَهِدتَ الصَّلَاةَ مَعَنَا؟ قَالَ: نَعَم، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَد غَفَرَ لَكَ حَدَّكَ، أَو قَالَ: ذَنبَكَ.\nرواه مسلم (٢٧٦٥).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1019>(٦) باب لا ييأس من قبول التوبة ولو قتل مائة نفس</span>\n[٢٦٨٣] عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كَانَ فِيمَن كَانَ قَبلَكُم رَجُلٌ قَتَلَ تِسعَةً وَتِسعِينَ نَفسًا، فَسَأَلَ عَن أَعلَمِ أَهلِ الأَرضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسعَةً وَتِسعِينَ نَفسًا، فَهَل لَهُ مِن\nــ\nتمر أجود من هذا، فدخلت، فوثب عليها وقبلها ثم تركها نادما. فجاء باكيا إلى النبي ﷺ، فنزلت الآية، فقال له: هل حضرت معنا الصلاة؟ فقال: نعم. قال: غُفر لك، وقيل: إنها كانت صلاة العصر.\n[(٦) ومن باب: لا ييأس من قبول التوبة ولو قتل مائة نفس] (١)\n(قول الراهب لقاتل التسعة والتسعين: إنه لا توبة له). دليل على: قلة علم\n_________\n(١) هذا العنوان لم يرد في المفهم، واستدركناه من التلخيص.","vol":"7","page":89},{"text":"تَوبَةٍ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَتَلَهُ فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَن أَعلَمِ أَهلِ الأَرضِ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفسٍ فَهَل لَهُ مِن تَوبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَم،\nــ\nذلك الراهب، وعدم فطنته، حيث لم يصب وجه الفتيا، ولا سلك طريق التحرز على نفسه، ممن صار القتل له عادة معتادة، فقد صار هذا مثل الأسد الذي لا يبالي بمن يفترسه، فكان حقه ألا يشافهه بمنع التوبة مداراة لدفع القتل عن نفسه، كما يداري الأسد الضاري، لكنه أعان على نفسه، فإنَّه لما آيسه من رحمة الله وتوبته قتله، بحكم سبعيته ويأسه من رحمة الله وتوبته عليه، ولما لطف الله به بقي في نفسه الرغبة في السؤال عن حاله. فما زال يبحث إلى أن ساقه الله تعالى إلى هذا الرجل العالم الفاضل، فلما سأله نطق بالحق والصواب، فقال له: ومن يحول بينك وبينها؟ مفتيا ومنكرا على من ينفيها عنه، ثم إنه أحاله على ما ينفعه، وهو مفارقته لأرضه التي كانت غلبت عليه بحكم عادة أهلها الفاسدة، ولقومه الذين كانوا يعينونه على ذلك، ويحملونه عليه. وبهذا يُعلم فضل العلم على العبادة، فإنَّ (ل ول غلبت عليه الرهبانية. واغتر بوصف الناس له بالعلم، فأفتى بغير علم، فهلك في نفسه وأهلك غيره.\nوالثاني كان مشتغلا بالعلم ومعتنيا به، فوفق للحق، فأحياه الله في نفسه، وأحيا به الناس. قال القاضي: ومذهب أهل السنة والجماعة أن التوبة تكفر القتل كسائر الذنوب، وهو قول كافة العلماء، وما روي عن بعضهم من تشديد في الزجر وتورية في القول فإنما ذلك؛ لئلا يجترئ الناس على الدماء، وقد اختلف في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقتُل مُؤمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ فقيل: معناه: إن جازاه، وقيل: الخلود: طول الإقامة لا التأبيد، وقيل: الآية في رجل بعينه قتل رجلا له عليه دم بعد أخذ الدية، ثم ارتد، وقد تقدَّم القول على أن كل ما دون الشرك يجوز أن يغفره الله تعالى، وأنه ليس من ذلك شيء كفرا، قتلا كان أو ترك صلاة أو غيرها، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغفِرُ أَن يُشرَكَ بِهِ وَيَغفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ ولقوله في حديث عبادة بن الصامت - ﵁ -: تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا، ولا","vol":"7","page":90},{"text":"وَمَن يَحُولُ بَينَهُ وَبَينَ التَّوبَةِ؟ انطَلِق إِلَى أَرضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعبُدُونَ اللَّهَ، فَاعبُد اللَّهَ مَعَهُم، وَلَا تَرجِع إِلَى أَرضِكَ فَإِنَّهَا أَرضُ سَوءٍ. فَانطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ ملك المَوت فَاختَصَمَت فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحمَةِ، وَمَلَائِكَةُ العَذَابِ، فَقَالَت مَلَائِكَةُ الرَّحمَةِ: جَاءَ تَائِبًا مُقبِلًا بِقَلبِهِ\nــ\nتسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، فمن أصاب شيئا من ذلك فعوقب به، فهو كفارة له، ومن أصاب شيئا من ذلك فستره الله عليه، فأمره إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه (١). ولقوله ﷺ في حديث عبادة أيضًا: خمس صلوات افترضهن الله ﷿ على العباد، فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئا، كان له عند الله عهد أن يغفر له، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه (٢). وهذه حجج صريحة تبين فساد مذهب المكفرة بشيء من ذلك.\nو(قوله: نصف الطريق) أي: بلغ نصفه، يقال: نصف الماء والشجرة وغيرهما: إذا بلغ نصف ذلك.\nو(قوله: نأى بصدره) أي: نهض به مع ثقل ما أصابه من الموت، وذلك دليل على صحة توبته وصدق رغبته.\nو(قوله: فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: إنه جاء تائبا مقبلا بقلبه). هذا نص صريح في أن الله تعالى أطلع ملائكة الرحمة على ما في قلبه من صحة قصده إلى التوبة وحرصه عليها، وأن ذلك خفي على ملائكة العذاب حتى قالت: إنه لم يعمل خيرا قط. ولو اطلعت على ما في قلبه من التوبة، لما صح لها أن تقول هذا، ولا تنازع ملائكة الرحمة في قولها: إنه\n_________\n(١) رواه البخاري (١٨)، ومسلم (١٧٠٩)، والترمذي (١٤٣٩).\n(٢) رواه أحمد (٥/ ٣١٥)، وأبو داود (٤٢٥)، وابن حبان (١٧٣١) الإحسان.","vol":"7","page":91},{"text":"إِلَى اللَّهِ، وَقَالَت مَلَائِكَةُ العَذَابِ: إِنَّهُ لَم يَعمَل خَيرًا قَطُّ، فَأَتَاهُم مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ، فَجَعَلُوهُ بَينَهُم، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَينَ الأَرضَينِ فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدنَى فَهُوَ لَهُ، فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدنَى إِلَى الأَرضِ الَّتِي أَرَادَ، فَقَبَضَتهُ مَلَائِكَةُ الرَّحمَةِ. قَالَ قَتَادَةُ: قَالَ الحَسَنُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ لَمَّا أَتَاهُ المَوتُ نَأَى\nــ\nجاء تائبا مقبلا بقلبه، بل شهدت بما في علمها، كما شهد الآخرون بما تحققوه. لكن شهادة ملائكة الرحمة على إثبات، وشهادة ملائكة العذاب على عدم علم، وشهادة الإثبات مقدمة. فلا جرم لما تنازع الصنفان وخرج كلاهما عن الشهادة إلى الدعاوى، بعث الله إليهما ملكا حاكما يفصل بينهما، وصوره بصورة الآدمي، إخفاء عن الملائكة وتنويها ببني آدم، وأن منهم من يصلح لأن يفصل بين الملائكة إذا تنازعوا.\nو(قوله: فجعلوه بينهم) فيه حجَّة لمالك على قوله: إن المتخاصمين إذا حكما بينهما رجلا يصلح للتحكيم لزمهما ما يحكم به، وقد خالفه في ذلك الشافعي.\nو(قوله: فقيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له). دليل على أن الحاكم إذا تعارضت الأقوال عنده، وتعذرت الشهادات، وأمكنه أن يستدل بالقرائن على ترجيح بعض الدعاوى، نفذ الحكم بذلك، كما فعله سليمان ﵇ حيث قال: ائتوني بالسكين أشقه بينهما.\nتنبيه: قال القاضي: جعل الله قُربه من القرية علامة للملك عند اختلافهم مع عدمهم معرفة حقيقة باطنه التي اطلع الله عليها، ولو تحققوا توبته لم يختلفوا ولم يحتاجوا للمقايسة.\nقلت: وهذه غفلة منه عن قول ملائكة الرحمة: جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله ﷿. وهذا نص في أن ملائكة الرحمة علمت ما في قلبه، فلو علمت","vol":"7","page":92},{"text":"بِصَدرِهِ. وزاد في أخرى: فَأَوحَى اللَّهُ إِلَى هَذِهِ أَن تَبَاعَدِي وَإِلَى هَذِهِ أَن تَقَرَّبِي.\nرواه أحمد (٣/ ٢٠)، والبخاريُّ (٣٤٧)، ومسلم (٢٧٦٦) (٤٦ و٤٨)، وابن ماجه (٢٦٢٢).\n* * *\nــ\nملائكة العذاب ما في قلبه لما تنازعوا؛ لأن الملائكة كلهم لا يخفى عليهم أن التوبة إذا صحت في القلب، وعمل على مقتضاها بالجوارح بالقدر الممكن، مقبولة بفضل الله تعالى، ووعده الصادق، والأحسن ما ذكرناه إن شاء الله تعالى، وإنما جعل الله قرب تلك الأرض سببا مرجحا لحجَّة ملائكة الرحمة، ومصدقا لصحة التوبة، وفيه دليل على أن أعمال الظاهر عنوان على الباطن.\nو(قوله: فأوحى الله إلى هذه أن تباعدي وإلى هذه أن تقربي). إنما كان ذلك لما حكم الحاكم بقياس الأرض. ويفهم منه أن الرجل كان أقرب إلى الأرض التي خرج منها، فلو ترك الله الأرض على حالها، لقبضته ملائكة العذاب، لكن غمرته الألطاف الإلهية، وسبقت له العناية الأزلية، فقربت البعيد، وألانت الحديد. ويستفاد منه أن الذنوب وإن عظمت، فعفو الله أعظم منها، وأن من ألهم صدق التوبة. فقد سلك به طريق اللطف والقربة.\n* * *","vol":"7","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1020>(٧) باب يهجر من ظهرت معصيته حتى تتحقق توبته وقبول الله تعالى للتوبة الصادقة وكيف تكون أحوال التائب</span>\n[٢٦٨٤] عن كعب بن مالك، يُحَدِّثُ حَدِيثَهُ حِينَ تَخَلَّفَ عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزوَةِ تَبُوكَ، وَهُوَ يُرِيدُ الرُّومَ، وَنَصَارَى العَرَبِ بِالشَّامِ، قَالَ كَعبُ بنُ مَالِكٍ: لَم أَتَخَلَّف عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ، إِلَّا فِي غَزوَةِ تَبُوكَ، غَيرَ أَنِّي قَد تَخَلَّفتُ فِي غَزوَةِ بَدرٍ، وَلَم يُعَاتِب أَحَدًا تَخَلَّفَ عَنهُ، إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالمُسلِمُونَ يُرِيدُونَ عِيرَ قُرَيشٍ، حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ بَينَهُم وَبَينَ عَدُوِّهِم عَلَى غَيرِ مِيعَادٍ، وَلَقَد شَهِدتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيلَةَ العَقَبَةِ حِينَ تَوَاثَقنَا عَلَى الإِسلَامِ، وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشهَدَ بَدرٍ، وَإِن كَانَت بَدرٌ أَذكَرَ فِي النَّاسِ مِنهَا، وَكَانَ مِن خَبَرِي حِينَ تَخَلَّفتُ عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزوَةِ تَبُوكَ، أَنِّي لَم أَكُن قَطُّ أَقوَى وَلَا أَيسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفتُ عَنهُ تِلكَ الغَزوَةِ، وَاللَّهِ مَا جَمَعتُ قَبلَهَا رَاحِلَتَينِ قَطُّ حَتَّى جَمَعتُهُمَا فِي تِلكَ الغَزوَةِ، فَغَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاستَقبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا وَمَفَازًا، وَاستَقبَلَ عَدُوًّا كَثِيرًا فَجَلَّى لِلمُسلِمِينَ أَمرَهُم لِيَتَأَهَّبُوا أُهبَةَ\nــ\n(٧) ومن باب: يُهجَر مَن ظهرت معصيته حتى تتحقق توبته، وقبول الله تعالى للتوبة الصادقة، وكيف تكون أحوال التائب\nالعير: الإبل التي عليها أحمالها. وقد جلى للناس أمرهم؛ أي: كشفه وأوضحه. يعني: أنه بين لهم وجهه.","vol":"7","page":94},{"text":"غَزوِهِم، فَأَخبَرَهُم بِوَجهِهِم الَّذِي يُرِيدُ، وَالمُسلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَثِيرٌ، وَلَا يَجمَعُهُم كِتَابُ حَافِظٍ (يُرِيدُ بِذَلِكَ: الدِّيوَانَ).\nقَالَ كَعبٌ: فَقَلَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَتَغَيَّبَ، يَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ سَيَخفَى لَهُ مَا لَم يَنزِل فِيهِ وَحيٌ مِن اللَّهِ ﷿، وَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِلكَ الغَزوَةَ حِينَ طَابَت الثِّمَارُ وَالظِّلَالُ، فَأَنَا إِلَيهَا أَصعَرُ. فَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالمُسلِمُونَ مَعَهُ، وَطَفِقتُ أَغدُو لِكَي أَتَجَهَّزَ مَعَهُم، فَأَرجِعُ وَلَم أَقضِ شَيئًا، وَأَقُولُ فِي نَفسِي: أَنَا قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ إِذَا أَرَدتُ، فَلَم يَزَل ذَلِكَ يَتَمَادَى بِي حَتَّى استَمَرَّ بِالنَّاسِ الجِدُّ، فَأَصبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَادِيًا وَالمُسلِمُونَ مَعَهُ، وَلَم أَقضِ مِن جَهَازِي شَيئًا، ثُمَّ غَدَوتُ فَرَجَعتُ وَلَم أَقضِ شَيئًا، فَلَم يَزَل ذَلِكَ يَتَمَادَى بِي حَتَّى أَسرَعُوا وَتَفَارَطَ الغَزوُ، فَهَمَمتُ أَن أَرتَحِلَ فَأُدرِكَهُم - فَيَا لَيتَنِي فَعَلتُ - ثُمَّ لَم يُقَدَّر ذَلِكَ لِي، فَطَفِقتُ إِذَا خَرَجتُ فِي النَّاسِ بَعدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَحزُنُنِي أَنِّي لَا أَرَى لِي أُسوَةً إِلَّا رَجُلًا مَغمُوصًا عَلَيهِ فِي النِّفَاقِ، أَو رَجُلًا مِمَّن عَذَرَ اللَّهُ مِن الضُّعَفَاءِ.\nوَلَم يَذكُرنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ، فَقَالَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي القَومِ بِتَبُوكَ: مَا فَعَلَ كَعبُ بنُ مَالِكٍ؟ قَالَ رَجُلٌ مِن بَنِي\nــ\nو(قوله: فقلَّ رجل يريد أن يتغيب يظن أن ذلك سيخفى له) كذا وقع هذا الكلام في سائر روايات مسلم، وفي نسخه، وسقط من الكلام (إلا) قبل (يظن) وبه يستقيم الكلام. وهي إيجاب بعدما تضمنه (َلّ) من معنى النفي؛ لأن معنى قوله: قل رجل، بمعنى: ما رجل، فكأنه قال: ما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى له.\nو(قوله: فأنا إليها أصعر) هو بالعين المهملة، ومعناه: أميل.\nو(قوله: وتفارط الغزو) أي: تقدَّم الغزاة. والفرط والفارط: المتقدم. وجمعه: فراط. والأسوة: القدوة. والمغموص عليه: المعيب، المتهم، المحتقر.","vol":"7","page":95},{"text":"سَلِمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ حَبَسَهُ بُردَاهُ وَالنَّظَرُ فِي عِطفَيهِ، فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ: بِئسَ مَا قُلتَ، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلِمنَا عَلَيهِ إِلَّا خَيرًا، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَبَينَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ رَأَى رَجُلًا مُبَيِّضًا، يَزُولُ بِهِ السَّرَابُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كُن أَبَا خَيثَمَةَ، فَإِذَا هُوَ أَبُو خَيثَمَةَ الأَنصَارِيُّ، وَهُوَ الَّذِي تَصَدَّقَ بِصَاعِ التَّمرِ حِينَ لَمَزَهُ المُنَافِقُونَ.\nفَقَالَ كَعبُ بنُ مَالِكٍ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَد تَوَجَّهَ قَافِلًا مِن\nــ\nو(قوله: حبسه برداه والنظر في عطفيه) البردان: يعني به: الرداء والإزار، والرداء والقميص، وسماهما بردين؛ لأنَّ القميص والإزار قد يكونان من برود، والبرود: ثياب من اليمن فيها خطوط. ويحتمل أن تسميتها بردين على طريقة: العمرين، والبكرين، والقمرين. والعِطف: الجانب. وكأن هذا القائل كان في نفسه حقد، ولعله كان منافقا، فنسب كعبا إلى الزهو والكبر، وكانت نسبة باطلة بدليل شهادة العدل الفاضل معاذ بن جبل، إذ قال: بئس ما قلت، والله يا رسول الله، ما علمنا عليه إلا خيرا. فيه جواز الذم والتقبيح للمتكلم في حق المسلم بالعيب والقبيح، ونصرة المسلم في حال غيبته، والرد عن عرضه.\nو(قوله: إذ رأى رجلا مبيضا يزول به السراب)، هو بكسر الياء: اسم فاعل، من: بيض فهو مبيض؛ أي: أظهر بياض نفسه في السراب. ويزول: يتحرك ويضطرب. والسراب: ما يرى نصف النهار كأنه ماء.\nو(قوله: كن أبا خيثمة) هذه صيغة أمر، ومعناها الخبر، أي: هو أبو خيثمة، وقيل معناها: لتوجد أبا خيثمة، واسمه عبد الله، وقيل: مالك بن قيس. ولمزه المنافقون: عابوه، واللمز: الطعن والعيب. وقافلا: راجعا. والبث: أشد الحزن. وطفقت: أخذت، وهي من أفعال المقاربة على ما تقدم. وأظل قادما: أقبل، وهو رباعي. وزاح: ذهب وزال. وأجمعت صدقه: عزمت عليه.","vol":"7","page":96},{"text":"تَبُوكَ، حَضَرَنِي بَثِّي، فَطَفِقتُ أَتَذَكَّرُ الكَذِبَ، وَأَقُولُ: بِمَ أَخرُجُ مِن سَخَطِهِ غَدًا؟ وَأَستَعِينُ عَلَى ذَلِكَ كُلَّ ذِي رَأيٍ مِن أَهلِي، فَلَمَّا قِيلَ لِي: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَد أَظَلَّ قَادِمًا، زَاحَ عَنِّي البَاطِلُ حَتَّى عَرَفتُ أَنِّي لَن أَنجُوَ مِنهُ بِشَيءٍ أَبَدًا، فَأَجمَعتُ صِدقَهُ، وَصَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَادِمًا، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِن سَفَرٍ بَدَأَ بِالمَسجِدِ فَرَكَعَ فِيهِ رَكعَتَينِ، ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ جَاءَهُ المُخَلَّفُونَ، فَطَفِقُوا يَعتَذِرُونَ إِلَيهِ، وَيَحلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا، فَقَبِلَ مِنهُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَانِيَتَهُم وَبَايَعَهُم وَاستَغفَرَ لَهُم، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُم إِلَى اللَّهِ، حَتَّى جِئتُ، فَلَمَّا سَلَّمتُ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغضَبِ، ثُمَّ قَالَ: تَعَالَ، فَجِئتُ أَمشِي حَتَّى جَلَستُ بَينَ يَدَيهِ، فَقَالَ لِي: مَا خَلَّفَكَ؟ أَلَم تَكُن قَد ابتَعتَ ظَهرَكَ؟ قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي وَاللَّهِ لَو جَلَستُ عِندَ غَيرِكَ مِن أَهلِ الدُّنيَا لَرَأَيتُ أَنِّي سَأَخرُجُ مِن سَخَطِهِ بِعُذرٍ، وَلَقَد أُعطِيتُ جَدَلًا، وَلَكِنِّي وَاللَّهِ، لَقَد عَلِمتُ لَئِن حَدَّثتُكَ اليَومَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرضَى بِهِ عَنِّي لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَن يُسخِطَكَ عَلَيَّ، وَلَئِن حَدَّثتُكَ حَدِيثَ صِدقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ، إِنِّي لَأَرجُو فِيهِ عُقبَى اللَّهِ، وَاللَّهِ، مَا كَانَ لِي عُذرٌ، وَاللَّهِ، مَا كُنتُ قَطُّ أَقوَى وَلَا أَيسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفتُ عَنكَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَمَّا هَذَا فَقَد صَدَقَ،\nــ\nو(قوله: وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه) إنما كان يفعل ذلك ليبدأ بتعظيم بيت الله قبل بيته، وليقوم بشكر نعمة الله تعالى عليه في سلامته، ويسلم عليه الناس، وليسن ذلك في شرعه. والجدل: الخصومة المحكمة. والظهر هنا: الإبل التي يحمل على ظهورها. ومرارة بن ربيعة، كذا وقع في كتاب مسلم، وذكره البخاري: ابن الربيع. وذكره أبو عمر بالوجهين، ونسبه مسلم فقال: العامري. والصواب: العمري، وكذا ذكره البخاري، وابن إسحاق، وأبو عمر بن عبد البر، وهو منسوب لعمرو بن عوف.","vol":"7","page":97},{"text":"فَقُم حَتَّى يَقضِيَ اللَّهُ فِيكَ.\nفَقُمتُ وَثَارَ رِجَالٌ مِن بَنِي سَلِمَةَ فَاتَّبَعُونِي، فَقَالُوا لِي: وَاللَّهِ مَا عَلِمنَاكَ أَذنَبتَ ذَنبًا قَبلَ هَذَا، لَقَد عَجَزتَ فِي أَلَّا تَكُونَ اعتَذَرتَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَا اعتَذَرَ بِهِ المُخَلَّفُونَ، فَقَد كَانَ كَافِيَكَ ذَنبَكَ استِغفَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَكَ، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا زَالُوا يُؤَنِّبُونَنِي حَتَّى أَرَدتُ أَن أَرجِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأُكَذِّبَ نَفسِي، قَالَ: ثُمَّ قُلتُ لَهُم: هَل لَقِيَ هَذَا مَعِي مِن أَحَدٍ؟ قَالُوا: نَعَم، لَقِيَهُ مَعَكَ رَجُلَانِ قَالَا مِثلَ مَا قُلتَ فَقِيلَ لَهُمَا مِثلَ مَا قِيلَ لَكَ، قَالَ: قُلتُ: مَن هُمَا؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بنُ رَبِيعَةَ العَامِرِيُّ، وَهِلَالُ بنُ أُمَيَّةَ الوَاقِفِيُّ، قَالَ: فَذَكَرُوا لِي رَجُلَينِ صَالِحَينِ قَد شَهِدَا بَدرًا فِيهِمَا أُسوَةٌ.\nقَالَ: فَمَضَيتُ حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي، قَالَ: وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المُسلِمِينَ عَن كَلَامِنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ مِن بَينِ مَن تَخَلَّفَ عَنهُ، قَالَ: فَاجتَنَبَنَا النَّاسُ، وَقَالَ: تَغَيَّرُوا لَنَا حَتَّى تَنَكَّرَت لِي فِي نَفسِيَ الأَرضُ، فَمَا هِيَ بِالأَرضِ الَّتِي أَعرِفُ، فَلَبِثنَا عَلَى ذَلِكَ خَمسِينَ لَيلَةً، فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاستَكَانَا وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبكِيَانِ، وَأَمَّا أَنَا فَكُنتُ أَشَبَّ القَومِ وَأَجلَدَهُم، فَكُنتُ أَخرُجُ فَأَشهَدُ الصَّلَاةَ وَأَطُوفُ فِي الأَسوَاقِ، وَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ.\nوَآتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأُسَلِّمُ عَلَيهِ وَهُوَ فِي مَجلِسِهِ بَعدَ الصَّلَاةِ، فَأَقُولُ فِي\nــ\nو(قوله: نهى رسول الله ﷺ عن كلامنا - أيها الثلاثة -) هو دليل على وجوب هجران من ظهرت معصيته، فلا يسلم عليه إلا أن يقلع وتظهر توبته. والثلاثة مرفوع على الصفة لـ (أي)، ويجوز نصبه على الاختصاص، وحكى سيبويه: اللهم اغفر لنا أيتها العصابةَ. وتنكرت: تغيرت. واستكانا: سكنا، أي: خضعا وذلا، وأشب القوم: أصغرهم. وأجلدهم: أقواهم. وأسارقه النظر: أي أنظر إليه بطرف خفي. وتسورت الجدار؛ أي: علوت سوره. وأنشدك الله؛ أي: أسالك بالله، ومنه النشيد، وهو: رفع الصوت بالشعر وغيره.","vol":"7","page":98},{"text":"نَفسِي: هَل حَرَّكَ شَفَتَيهِ بِرَدِّ السَّلَامِ أَم لَا؟ ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنهُ وَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أَقبَلتُ عَلَى صَلَاتِي نَظَرَ إِلَيَّ، وَإِذَا التَفَتُّ نَحوَهُ أَعرَضَ عَنِّي حَتَّى إِذَا طَالَ ذَلِكَ عَلَيَّ مِن جَفوَةِ المُسلِمِينَ مَشَيتُ حَتَّى تَسَوَّرتُ جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ - وَهُوَ ابنُ عَمِّي وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ - فَسَلَّمتُ عَلَيهِ، فَوَاللَّهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، فَقُلتُ لَهُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ، أَنشُدُكَ بِاللَّهِ، هَل تَعلَمَنَّ أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ قَالَ: فَسَكَتَ، فَعُدتُ فَنَاشَدتُهُ فَسَكَتَ، فَعُدتُ فَنَاشَدتُهُ، فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ، فَفَاضَت عَينَايَ، وَتَوَلَّيتُ حَتَّى تَسَوَّرتُ الجِدَارَ، فَبَينَا أَنَا أَمشِي فِي سُوقِ المَدِينَةِ إِذَا نَبَطِيٌّ مِن نَبَطِ أَهلِ الشَّامِ، مِمَّن قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بِالمَدِينَةِ يَقُولُ: مَن يَدُلُّ عَلَى كَعبِ بنِ مَالِكٍ؟ قَالَ: فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إِلَيَّ حَتَّى جَاءَنِي، فَدَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا مِن مَلِكِ غَسَّانَ - وَكُنتُ كَاتِبًا - فَقَرَأتُهُ فَإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعدُ، فَإِنَّهُ قَد بَلَغَنَا أَنَّ صَاحِبَكَ قَد جَفَاكَ، وَلَم يَجعَلكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ وَلَا مَضيَعَةٍ، فَالحَق بِنَا نُوَاسِكَ. قَالَ: فَقُلتُ حِينَ قَرَأتُهَا: وَهَذِهِ أَيضَا مِن البَلَاءِ، فَتَأممتُ بِهَا التَّنُّورَ فَسَجَرتُهَا بِهَا.\nحَتَّى إِذَا\nــ\nو(قول أبي قتادة: الله ورسوله أعلم) ظاهره: أنه أجابه عند إلحاحه عليه بالسؤال، فيكون قد كلمه، فيكون مخالفا للنهي. وقد تؤول بأن أبا قتادة قال ذلك لنفسه مخبرا عن اعتقاده، ولم يقصد كلامه ولا إسماعه.\nقلت: ويحتمل أن يقال: إن أبا قتادة فهم أن الكلام الذي نهي عنه إنما هو الحديث معه والمباسطة، وإفادة المعاني، فأمَّا مثل هذا الكلام الذي يقتضي الإبعاد والمنافرة، فلا، والله أعلم. ألا ترى أنه لم يرد ﵇، ولا التفت لحديثه؟ .\nوالنبطي: واحد النبط، وهم العامرون لتلك الأراضي، وسموا بذلك لأنهم ينبطون المياه؛ أي: يستخرجونها. وتأممت بها التنور فسجرتها؛ أي: قصدت بالصحيفة التنور فرميتها فيه، وأحرقتها، ويقال: تيمم، بالياء وبالهمزة. والمضيعة: بفتح","vol":"7","page":99},{"text":"مَضَت أَربَعُونَ مِن الخَمسِينَ، وَاستَلبَثَ الوَحيُ، إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَأتِينِي، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأمُرُكَ أَن تَعتَزِلَ امرَأَتَكَ، قَالَ: فَقُلتُ: أُطَلِّقُهَا أَم مَاذَا أَفعَلُ؟ قَالَ: لَا، بَل اعتَزِلهَا فَلَا تَقرَبَنَّهَا، قَالَ: فَأَرسَلَ إِلَى صَاحِبَيَّ بِمِثلِ ذَلِكَ، قَالَ: فَقُلتُ لِامرَأَتِي: الحَقِي بِأَهلِكِ فَكُونِي عِندَهُم حَتَّى يَقضِيَ اللَّهُ فِي هَذَا الأَمرِ، قَالَ: فَجَاءَت امرَأَةُ هِلَالِ بنِ أُمَيَّةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَت لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هِلَالَ بنَ أُمَيَّةَ شَيخٌ ضَائِعٌ لَيسَ لَهُ خَادِمٌ، فَهَل تَكرَهُ أَن أَخدُمَهُ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِن لَا يَقرَبَنَّكِ، فَقَالَت: إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا بِهِ حَرَكَةٌ إِلَى شَيءٍ، وَوَاللَّهِ مَا زَالَ يَبكِي مُنذُ كَانَ مِن أَمرِهِ مَا كَانَ إِلَى يَومِهِ هَذَا.\nقَالَ: فَقَالَ لِي بَعضُ أَهلِي: لَو استَأذَنتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي امرَأَتِكَ، فَقَد أَذِنَ لِامرَأَةِ هِلَالِ بنِ أُمَيَّةَ أَن تَخدُمَهُ، قَالَ: فَقُلتُ: لَا أَستَأذِنُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَمَا يُدرِينِي مَاذَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا استَأذَنتُهُ فِيهَا، وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ، قَالَ: فَلَبِثتُ بِذَلِكَ عَشرَ لَيَالٍ، فَكَمُلَ لَنَا خَمسُونَ لَيلَةً مِن حِينَ نُهِيَ عَن كَلَامِنَا.\nقَالَ: ثُمَّ صَلَّيتُ صَلَاةَ الفَجرِ صَبَاحَ خَمسِينَ لَيلَةً عَلَى ظَهرِ بَيتٍ مِن بُيُوتِنَا، فَبَينَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الحَالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ ﷿ مِنَّا قَد ضَاقَت عَلَيَّ نَفسِي، وَضَاقَت عَلَيَّ الأَرضُ بِمَا رَحُبَت، سَمِعتُ صَوتَ صَارِخٍ أَوفَى عَلَى سَلعٍ يَقُولُ بِأَعلَى صَوتِهِ: يَا كَعبُ بنَ مَالِكٍ أَبشِر، قَالَ:\nــ\nالميم وكسر الضاد، وسكونها: الضياع، وهو الإهمال، وترك المبالاة به حتى يضيع.\nو(قوله: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر) هذا يدل على أن: الحقي بأهلك، ليس من ألفاظ الطلاق، لا من صرائحه، ولا من كناياته الظاهرة، وغايته: أن يكون مما يحتمل أن يراد به الطلاق إذا نوى ذلك.\nو(قوله: وضاقت علي الأرض بما رحبت) أي: برحبها، و(ما) مصدرية،","vol":"7","page":100},{"text":"فَخَرَرتُ سَاجِدًا، وَعَرَفتُ أَن قَد جَاءَ فَرَجٌ.\nقَالَ: فَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ بِتَوبَةِ اللَّهِ عَلَينَا حِينَ صَلَّى صَلَاةَ الفَجرِ، فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، فَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ، وَرَكَضَ رَجُلٌ إِلَيَّ فَرَسًا، وَسَعَى سَاعٍ مِن أَسلَمَ قِبَلِي وَأَوفَى الجَبَلَ، فَكَانَ الصَّوتُ أَسرَعَ مِن الفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعتُ صَوتَهُ يُبَشِّرُنِي نَزَعتُ ثَوبَيَّ، فَكَسَوتُهُمَا إِيَّاهُ بِبِشَارَتِهِ، وَاللَّهِ مَا أَملِكُ غَيرَهُمَا يَومَئِذٍ، وَاستَعَرتُ ثَوبَينِ فَلَبِستُهُمَا، وَانطَلَقتُ أَتَأَمَّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوجًا فَوجًا، يُهَنِّئُونِي بِالتَّوبَةِ وَيَقُولُونَ: لِتَهنِئكَ تَوبَةُ اللَّهِ عَلَيكَ، حَتَّى دَخَلتُ المَسجِدَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ فِي المَسجِدِ وَحَولَهُ النَّاسُ، فَقَامَ طَلحَةُ بنُ عُبَيدِ اللَّهِ يُهَروِلُ حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّأَنِي، وَاللَّهِ مَا قَامَ رَجُلٌ\nــ\nوالرحب - بضم الراء -: السعة. وأوفى: أطل وأشرف. وسلع: - بفتح السين وسكون اللام -: جبل بالمدينة معروف.\nو(قوله: فخررت ساجدا) هذه سجدة الشكر، وظاهر هذا أنها كانت معلومة عندهم، معمولا بها فيما بينهم، وقال بها الشافعي ومالك في أحد قوليه، ومشهور مذهبه الكراهة. وركض الفرس: إجراؤه الجري الشديد. وكسوته للبشير ثوبيه مع كونه ليس له غيرهما، دليل على جواز مثل ذلك إذا ارتجى حصول ما يستبشر به، وهو دليل على جواز إظهار الفرح بأمور الخير والدين، وجواز البذل والهبات عندها، وقد نحر عمر لما حفظ سورة البقرة جزورا.\nو(قوله: فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة) أي: زمرة زمرة، وجماعة بعد جماعة. وفيه دليل على جواز التهنئة بأمور الخير، بل على ندبيتها إذا كانت دينية؛ فإنه إظهار السرور بما يسر به أخوه المسلم، وإظهار المحبة، وتصفية القلب بالمودة.\nو(قوله: فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني) دليل لمن","vol":"7","page":101},{"text":"مِن المُهَاجِرِينَ غَيرُهُ، قَالَ: فَكَانَ كَعبٌ لَا يَنسَاهَا لِطَلحَةَ. قَالَ كَعبٌ: فَلَمَّا سَلَّمتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: وَهُوَ يَبرُقُ وَجهُهُ مِن السُّرُورِ، وَيَقُولُ: أَبشِر بِخَيرِ يَومٍ مَرَّ عَلَيكَ مُنذُ وَلَدَتكَ أُمُّكَ، قَالَ: فَقُلتُ: أَمِن عِندِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَم مِن عِندِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: لَا، بَل مِن عِندِ اللَّهِ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سُرَّ استَنَارَ وَجهُهُ كَأَنَّ وَجهَهُ قِطعَةُ قَمَرٍ، قَالَ: وَكُنَّا نَعرِفُ ذَلِكَ.\nقَالَ: فَلَمَّا جَلَستُ بَينَ يَدَيهِ قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مِن تَوبَتِي أَن أَنخَلِعَ مِن مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ، وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَمسِك بَعضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيرٌ لَكَ، قَالَ: فَقُلتُ: فَإِنِّي أُمسِكُ سَهمِيَ الَّذِي بِخَيبَرَ، قَالَ: وَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا نَجَّانِي بِالصِّدقِ، وَإِنَّ مِن\nــ\nقال بجواز القيام للداخل والمصافحة. وقد بينا الخلاف في ذلك في الجهاد.\nو(قوله: وكان كعب لا ينساها لطلحة) أي: تلك القومة والبشاشة التي صدرت له منه. ومعناه: أن تلك الفعلة أكدت في قلبه محبته، وألزمته حرمته حتى عدها من الأيدي الجسيمة، والمنن العظيمة.\nو(قوله: إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله) أي: إن من علامات صدق توبتي، أو من شكر توبتي أن أتصدق بمالي، أي إن علي ذلك، فهي صيغة نذر والتزام، خرج مخرج الشكر وابتغاء الثواب. أقر عليه النبي ﷺ فكان ذلك جائزا، ولم يدخل في عموم النذر المنهي عنه بقوله: لا تنذروا (١) وقد بينا ذلك فيما تقدَّم. وعلى مقتضى هذا اللفظ فقد وجب عليه إخراج كل ماله، لكن لما كان ذلك يؤدي إلى أن يبقى فقيرا محتاجا، وربما يفضي\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٤١٢)، والبخاري (٦٦٩٤)، ومسلم (١٦٤٠) (٥ و٦).","vol":"7","page":102},{"text":"تَوبَتِي أَلَّا أُحَدِّثَ إِلَّا صِدقًا مَا بَقِيتُ، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا عَلِمتُ أَنَّ أَحَدًا مِن المُسلِمِينَ أَبلَاهُ اللَّهُ فِي صِدقِ الحَدِيثِ مُنذُ ذَكَرتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحسَنَ مِمَّا أَبلَانِي اللَّهُ بِهِ، وَاللَّهِ مَا تَعَمَّدتُ كَذِبَةً مُنذُ قُلتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى يَومِي هَذَا، وَإِنِّي لَأَرجُو أَن يَحفَظَنِي اللَّهُ فِيمَا بَقِيَ.\nقَالَ: فَأَنزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَقَد تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ العُسرَةِ مِن بَعدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهُم ثُمَّ تَابَ عَلَيهِم إِنَّهُ بِهِم رَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَت عَلَيهِمُ الأَرضُ بِمَا رَحُبَت وَضَاقَت عَلَيهِم أَنفُسُهُم﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا\nــ\nبه ذلك إلى سؤال الناس، والى الدخول في مفاسد، اكتفى الشرع منه ببعضه فقال: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك وهذا البعض الذي أمره بإمساكه هو الأكثر، والمتصدق به هو الأقل، كما قال في حديث سعد: الثلث والثلث كثير (١) كما تقدم.\nو(قوله: فما أعلم أحدا أبلاه الله في صدق الحديث أحسن مما أبلاني) أي: أنعم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكُم بَلاءٌ مِن رَبِّكُم عَظِيمٌ﴾ أي: نعمة. ويقال في الخير والشر، ثلاثيا ورباعيا، وقد جمع بينهما زهير فقال:\n. . . . . . . . . . . . . ... وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو (٢)\nوأصله من الابتلاء، وهو الامتحان والاختبار. ويمتحن بالخير والشر، كما قال تعالى: ﴿وَنَبلُوكُم بِالشَّرِّ وَالخَيرِ فِتنَةً﴾ والعسرة: الشدة وسوء الحال، وهو العسر أيضًا، وتزيغ: تميل وتذهب ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيهِم﴾\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ١٧٩)، والبخاري (٦٧٣٣)، ومسلم (١٦٢٨) (٥).\n(٢) هذا عجز بيت، وصدره:\nجَزَى اللهُ بالإحسانِ ما فَعَلا بكم","vol":"7","page":103},{"text":"اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾\nقَالَ كَعبٌ: وَاللَّهِ مَا أَنعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِن نِعمَةٍ قَطُّ بَعدَ أن هَدَانِي اللَّهُ لِلإِسلَامِ أَعظَمَ فِي نَفسِي مِن صِدقِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، أَلَّا أَكُونَ كَذَبتُهُ فَأَهلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا، إِنَّ اللَّهَ قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أَنزَلَ الوَحيَ شَرَّ مَا قَالَ لِأَحَدٍ، وَقَالَ سبحانه: ﴿سَيَحلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُم إِذَا انقَلَبتُم إِلَيهِم لِتُعرِضُوا عَنهُم فَأَعرِضُوا عَنهُم إِنَّهُم رِجسٌ وَمَأوَاهُم جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكسِبُونَ * يَحلِفُونَ لَكُم لِتَرضَوا عَنهُم فَإِن تَرضَوا عَنهُم فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرضَى عَنِ القَومِ الفَاسِقِينَ﴾\nقَالَ كَعبٌ: كُنَّا خُلِّفنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ عَن أَمرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنهُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ حَلَفُوا لَهُ، فَبَايَعَهُم وَاستَغفَرَ لَهُم، وَأَرجَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمرَنَا حَتَّى قَضَى اللَّهُ فِيهِ، فَبِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ وَلَيسَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ مِمَّا خُلِّفنَا تَخَلُّفَنَا\nــ\nأي: ألهمهم أسباب التوبة، وأعانهم عليها، ليتوبوا، أي: ليقبلها منهم. وقيل: تاب عليهم قبل توبتهم، وليتوبوا: أي: ليدوموا عليها.\nو(قوله: ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله ﷺ ألا أكون كذبته فأهلك) كذا عند جميع رواة مسلم والبخاري: ألا أكون، وهي زائدة، وتقدير الكلام: أن أكون، وكما قال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلا تَسجُدَ﴾ معناه: أن تسجد، وقد رواه الأصيلي عن البخاري: إلا أن أكون كذبته، وليست بشيء، والأولى الصواب. والرجس: المستخبث المستقذر المذموم.\nو(قوله: كنا خلفنا أيها الثلاثة) أي: أخروا عن المنافقين، ولم يقض فيهم بشيء، وقد بين ذلك في بقية الحديث.","vol":"7","page":104},{"text":"عَن الغَزوِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَخلِيفُهُ إِيَّانَا وَإِرجَاؤُهُ أَمرَنَا عَمَّن حَلَفَ لَهُ وَاعتَذَرَ إِلَيهِ فَقَبِلَ مِنهُ.\nرواه أحمد (٦/ ٣٨٦)، والبخاري (٢٧٥٧)، ومسلم (٢٧٦٩) (٥٣)، وأبو داود (٢٢٠٢)، والنسائي (٢/ ٥٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1021>(٨) باب تقبل التوبة ما لم تطلع الشمس من مغربها</span>\n[٢٦٨٥] عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: من تاب قبل طلوع الشمس من مغربها تاب الله عليه.\nرواه أحمد (٢/ ٤٢٧)، ومسلم (٢٧٠٣).\nــ\n(٨) ومن باب: من تاب قبل طلوع الشمس من مغربها تاب الله عليه\nيعني: أن التوبة تصح وتقبل دائما إلى الوقت الذي تطلع فيه الشمس من حيث تغرب، فإذا كان ذلك طبع على كل قلب بما فيه، ولم تنفع توبة أحد، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿يَومَ يَأتِي بَعضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفسًا إِيمَانُهَا لَم تَكُن آمَنَت مِن قَبلُ أَو كَسَبَت فِي إِيمَانِهَا خَيرًا﴾ وسر ذلك وسببه: أن ذلك هو أول قيام الساعة؛ فإذا شوهد ذلك، وعوين حصل الإيمان الضروري، وارتفع الإيمان بالغيب الذي هو المكلف به، وسيأتي القول في تحقيق القول في طلوع الشمس من مغربها.","vol":"7","page":105},{"text":"[٢٦٨٦] وعن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها.\nرواه أحمد (٤/ ٣٩٥)، ومسلم (٢٧٥٩) (٣١).\n* * *\nــ\nو(قوله: إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل) وقد تقدم الكلام على اليد المنسوبة لله تعالى غير مرة، وهذا الحديث أجري مجرى المثل الذي يفهم منه دوام قبول التوبة، واستدامة اللطف والرحمة، وهذا تنزل عن مقتضى: الغني، القوي، القاهر، إلى مقتضى: اللطيف، الرؤوف، الغافر، وهو نحو قوله تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يُقرِضُ اللَّهَ قَرضًا حَسَنًا﴾\nو(قوله ﷺ: من يقرض غير عدوم ولا ظلوم (١). فمن لطيف لطفه: أنه خاطبنا مخاطبة الأخذ لنفسه، المحتاج. ومن عجائب كرمه: أنه استقرض مِنَّا ماله استقراض من احتاج، فنسأله بعظمته وجلاله، وبحق محمد وآله أن يعاملنا بلطفه وعفوه وإفضاله.\n* * *\n_________\n(١) رواه مسلم (٧٥٨) (١٧١).","vol":"7","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1022>(٣٩) كتاب الزهد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1023>(١) باب هوان الدنيا على الله تعالى وأنها سجن المؤمن</span>\n[٢٦٨٧] عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ مر بالسوق داخلا من بعض العالية والناس كنفتيه، فمر بجدي أسك ميت، فتناوله، فأخذ\nــ\n(٣٩) كتاب الزهد\n(١ و٢ و٣ و٤ و٥ و٦) باب: هوان الدنيا على الله تعالى، وأنها سجن المؤمن (١)\n(قوله: والناس كنفتيه) أي: بجنبتيه، ويروى: كتفيه: تثنية كتف، وهو منصوب على الظرف، وهو خبر المبتدأ.\nو(قوله: بجدي أسك) أي: صغير الأذنين، ضيق صماخهما، وقيل: هو الذي لا يسمع.\n_________\n(١) شرح المؤلف -﵀- تحت هذا العنوان: هذا الباب، والأبواب التي تليه، وهي: باب ما للعبد من ماله، وما الذي يبقى على قبره. وباب: ما يحذر من بسط الدنيا، =","vol":"7","page":107},{"text":"بأذنه ثم قال: أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: أتحبون أنه لكم؟ قالوا: والله لو كان حيا كان عيبا فيه؛ لأنه أسك، فكيف وهو ميت؟ قال: فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم.\nرواه أحمد (٣/ ٣٦٥)، ومسلم (٢٩٥٧) (٢).\nــ\nو(قوله: والله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم) الدنيا: وزنها فعلى، وألفها للتأنيث، وهي من الدنو بمعنى القرب، وهي صفة لموصوف محذوف، كما قال تعالى: ﴿وَمَا الحَيَاةُ الدُّنيَا إِلا مَتَاعُ الغُرُورِ﴾ غير أنه قد كثر استعمالها استعمال الأسماء، فاستغني عن موصوفها، كما جاء في هذا الحديث. والمراد: الدار الدنيا، أو الحياة الدنيا التي تقابلها الدار الأخرى، أو الحياة الأخرى، ومعنى هوان الدنيا على الله: أن الله تعالى لم يجعلها مقصودة لنفسها؛ بل: جعلها طريقا موصلة إلى ما هو المقصود لنفسه، وأنه لم يجعلها دار إقامة ولا جزاء، وإنَّما جعلها دار رحلة وبلاء، وأنه ملكها في الغالب الكفرة والجهال، وحماها الأنبياء والأولياء والأبدال. وقد أوضح النبي ﷺ هذا المعنى فقال: لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء (١)، وحسبك بها هوانا أن الله قد صغرها وحقرها، وذمها، وأبغضها وأبغض أهلها ومحبيها، ولم يرض لعاقل فيها إلا بالتزود منها، والتأهب للارتحال عنها، ويكفيك من ذلك ما رواه أبو عيسى الترمذي، عن النبي ﷺ أنه قال: (الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، أو عالم أو متعلم (٢).\n_________\n= ومن التنافس. وباب: لا تنظر إلى من فضَّل الله عليك في الدنيا، وانظر إلى من فُضِّلْتَ عليه. وباب: في الابتلاء بالدنيا وكيف يعمل فيها، وباب: الخمول في الدنيا والتقلُّل منها.\n(١) رواه ابن ماجه (٤١١٠).\n(٢) رواه الترمذي (٢٣٢٢).","vol":"7","page":108},{"text":"[٢٦٨٨] وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر.\nرواه أحمد (٢/ ٣٢٣)، ومسلم (٢٩٥٦)، والترمذيُّ (٢٣٢٤)، وابن ماجه (٤١١٣).\n* * *\nــ\nرواه من حديث أبي هريرة، وقال: حديث حسن غريب. ولا يفهم من هذا الحديث إباحة لعن الدنيا وسبها مطلقا؛ لما رويناه من حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: لا تسبوا الدنيا، فنعمت مطية المؤمن، عليها يبلغ الخير، وبها ينجو من الشر، إنه إذا قال العبد: لعن الله الدنيا، قالت الدنيا: لعن الله أعصانا لربه (١). خرجه الشريف أبو القاسم زيد بن عبد الله بن مسعود الهاشمي.\nوهذا يقتضي المنع من سب الدنيا ولعنها، ووجه الجمع بينهما: أن المباح لعنه من الدنيا ما كان منها مبعدا عن الله، وشاغلا عنه، كما قال بعض السلف: كل ما شغلك عن الله تعالى من مال وولد فهو عليك مشؤوم، وهو الذي نبه الله على ذمه بقوله تعالى: ﴿أَنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنيَا لَعِبٌ وَلَهوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَينَكُم وَتَكَاثُرٌ فِي الأَموَالِ وَالأَولادِ﴾ وأما ما كان من الدنيا يقرب إلى الله تعالى، ويعين على عبادة الله تعالى، فهو المحمود بكل لسان، والمحبوب لكل إنسان، فمثل هذا لا يسب، بل يرغب فيه، ويحب، وإليه الإشارة بالاستثناء حيث قال: إلا ذكر الله، وما والاه، أو عالم أو متعلم وهو المصرح به في قوله: فإنَّها نعمت مطية المؤمن، عليها يبلغ الخير، وبها ينجو من الشر وبهذا يرتفع التعارض بين الحديثين. والله أعلم.\nو(قوله: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) إنما كانت الدنيا كذلك، لأن\n_________\n(١) رواه ابن عدي (١/ ٣٠٤).","vol":"7","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1024>(٢) باب ما للعبد من ماله وما الذي يبقى عليه في قبره</span>\n[٢٦٨٩] عن مطرف عن أبيه قال: أتَيتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَقرَأُ: ﴿أَلهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾\nــ\nالمؤمن فيها مقيد بقيود التكاليف، فلا يقدر على حركة ولا سكون إلا أن يفسح له الشرع، فيفك قيده، ويمكنه من الفعل أو الترك، مع ما هو فيه من توالي أنواع البلايا والمحن والمكابدات من الهموم والغموم والأسقام والآلام، ومكابدة الأنداد والأضداد والعيال والأولاد.\nوعلى الجملة: (وأشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل. يبتلى الرجل بحسب دينه (١) كما قاله ﷺ، وأي سجن أعظم من هذا؟ ! ثم هو في هذا السجن على غاية الخوف والوجل، إذ لا يدري بماذا يختم له من عمل. كيف وهو يتوقع أمرا لا شيء أعظم منه، ويخاف هلاكا لا هلاك فوقه؟ ! فلولا أنه يرتجي الخلاص من هذا السجن لهلك مكانه، لكنه لطف به، فهون عليه ذلك كله بما وعد على صبره، وبما كشف له من حميد عاقبة أمره. والكافر منفك عن تلك الحالات بالتكاليف، آمن من تلك المخاويف، مقبل على لذاته، منهمك في شهواته، معتز بمساعدة الأيام، يأكل ويتمتع كما تأكل الأنعام، وعن قريب يستيقظ من هذه الأحلام، ويحصل في السجن الذي لا يرام، فنسأل الله السلامة من أهوال يوم القيامة.\nو(قوله: (ألهاكم التكاثر) يعني: شغلكم الإكثار من الدنيا، ومن الالتفات إليها عما هو الأولى بكم من الاستعداد للآخرة، وهذا الخطاب\n_________\n(١) رواه الحاكم (٣/ ٣٤٣).","vol":"7","page":110},{"text":"قَالَ: يَقُولُ ابنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي، قَالَ: وَهَل لَكَ يَا بنَ آدَمَ مِن مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلتَ فَأَفنَيتَ، أَو لَبِستَ فَأَبلَيتَ، أَو تَصَدَّقتَ فَأَمضَيتَ.\nرواه أحمد (٤/ ٢٤)، ومسلم (٢٩٥٨)، والترمذي (٢٣٤٢)، والنسائي (٦/ ٢٣٨).\n[٢٦٩٠] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَقُولُ العَبدُ: مَالِي مَالِي، إِنَّمَا لَهُ مِن مَالِهِ ثَلَاثٌ: مَا أَكَلَ فَأَفنَى أَو لَبِسَ فَأَبلَى، أَو أَعطَى فَاقتَنَى، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ ذَاهِبٌ وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ.\nرواه مسلم (٢٩٥٩).\n[٢٦٩١] وعن أنس بن مالك قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَتبَعُ المَيِّتَ ثَلَاثَةٌ، فَيَرجِعُ اثنَانِ وَيَبقَى وَاحِدٌ، يَتبَعُهُ أَهلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرجِعُ أَهلُهُ وَمَالُهُ وَيَبقَى عَمَلُهُ.\nرواه البخاريُّ (٦٥١٤)، ومسلم (٢٩٦٠)، والترمذيُّ (٢٣٧٩).\n* * *\nــ\nللجمهور إذ جنس الإنسان على ذلك مفطور، كما قال تعالى: ﴿كَلا بَل تُحِبُّونَ العَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ وكما قال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالبَنِينَ﴾\nو(قوله: يقول ابن آدم: مالي مالي) أي: يغتر بنسبة المال إليه، وكونه في يديه، حتى ربما يعجب به ويفخر به، ولعله ممن تعب هو في جمعه، ويصل غيره إلى نفعه، ثم أخبر بالأوجه التي ينتفع بالمال فيها، وافتتح الكلام بـ (إنما) التي هي للتحقيق والحصر، فقال: إنما له من ماله ثلاث. وذكر الحديث.\nو(قوله: أو أعطى فاقتنى) هكذا وقع هذا اللفظ عند جمهورهم، ووجهه:","vol":"7","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1025>(٣) باب ما يحذر من بسط الدنيا ومن التنافس</span>\n[٢٦٩٢] عن عمرو بن عوف - وهو حليف بني عامر بن لؤي - وكان شهد بدرا مع رسول الله ﷺ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أَبَا عُبَيدَةَ بنَ الجَرَّاحِ إِلَى البَحرَينِ يَأتِي بِجِزيَتِهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ صَالَحَ أَهلَ البَحرَينِ وَأَمَّرَ عَلَيهِم العَلَاءَ بنَ الحَضرَمِيِّ، فَقَدِمَ أَبُو عُبَيدَةَ بِمَالٍ مِن البَحرَينِ، فَسَمِعَت الأَنصَارُ بِقُدُومِ أَبِي عُبَيدَةَ، فَوَافَوا صَلَاةَ الفَجرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ انصَرَفَ، فَتَعَرَّضُوا لَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَآهُم، ثُمَّ قَالَ: أَظُنُّكُم سَمِعتُم أَنَّ أَبَا عُبَيدَةَ قَدِمَ بِشَيءٍ مِن البَحرَينِ؟ فَقَالُوا: أَجَل يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَأَبشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُم، فَوَاللَّهِ مَا الفَقرَ أَخشَى عَلَيكُم، وَلَكِنِّي أَخشَى عَلَيكُم أَن تُبسَطَ الدُّنيَا عَلَيكُم كَمَا بُسِطَت\nــ\nأعطى الصدقة فاقتنى الثواب لنفسه، كما قال في الرواية الأخرى: تصدقت فأمضيت (١)، وقد رواه ابن ماهان: فأقنى بمعنى: أكسب غيره، كما قال تعالى: ﴿أَغنَى وَأَقنَى﴾\nو(قوله: فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله ﷺ) أي: جاؤوا فاجتمعوا عند صلاة الصبح معه ليقسم بينهم ما جاء به أبو عبيدة؛ لأنَّهم أرهقتهم الحاجة والفاقة التي كانوا عليها، لا الحرص على الدنيا، ولا الرغبة فيها، ولذلك قال لهم رسول الله - ﷺ -: أبشروا وأملوا ما يسركم، وهذا تهوين منه عليهم ما هم فيه من الشدة، وبشارة لهم بتعجيل الفتح عليهم.\nو(قوله: والله ما الفقر أخشى عليكم) الفقر منصوب على أنه مفعول مقدم\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٩٥٨) (٣).","vol":"7","page":112},{"text":"عَلَى مَن كَانَ قَبلَكُم فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهلِكَكُم كَمَا أَهلَكَتهُم.\nوفي رواية: وتلهيكم كما ألهتهم، بدل (فتهلككم).\nرواه أحمد (٤/ ٣٢٧)، والبخاريُّ (٣١٥٨)، ومسلم (٢٩٦١)، والترمذيُّ (٢٤٦٢)، وابن ماجه (٣٩٩٧).\n[٢٦٩٣] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: إِذَا فُتِحَت عَلَيكُم فَارِسُ وَالرُّومُ، أَيُّ قَومٍ أَنتُم؟ قَالَ عَبدُ الرَّحمَنِ\nــ\nبـ (أخشى)، ولا يجوز رفعه إلا على وجه بعيد، وهو أن يحذف ضمير المفعول، ونعامله معاملة الملفوظ، كما قال امرؤ القيس:\n. . . . . . . . . . . . ... فثوبا نسيت وثوبا أجر (١)\nفكأنه قال: فثوب نسيته، وثوب أجره، وهي قليلة بعيدة. وفيه ما يدلّ على أن الفقر أقرب للسلامة، والاتساع في الدنيا أقرب للفتنة، فنسأل الله الكفاف والعفاف.\nو(قوله: فتنافسوها كما تنافسوها) أي: تتحاسدون فيها، فتختلفون وتتقاتلون فيهلك بعضكم بعضا، كما قد ظهر ووجد، وقد سمى في هذا الحديث التحاسد تنافسا؛ توسعا، لقرب ما بينهما، وقد بينا حقيقة كل واحد منهما فيما تقدم، ومعنى تلهيكم: تشغلكم عن أمور دينكم، وعن الاستعداد لآخرتكم.\nو(قوله: إذا فتحت عليكم فارس والروم، أي قوم أنتم؟) هذا استفهام يشوبه إخبار منه ﷺ عن أمر قبل وقوعه، وقع على نحو ما أخبر عنه، فكان ذلك من أدلة صحة نبوته ورسالته ﷺ، وكم له ﷺ منها، وكم! ومعنى: (أي قوم أنتم؟)\n_________\n(١) هذا عجز بيت، وصدره:\nفلمَّا دنوت تَسَدَّيْتُها","vol":"7","page":113},{"text":"بنُ عَوفٍ: نَقُولُ كَمَا أَمَرَنَا اللَّهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَو غَيرَ ذَلِكَ، تَتَنَافَسُونَ ثُمَّ تَتَحَاسَدُونَ، ثُمَّ تَتَدَابَرُونَ، ثُمَّ تَتَبَاغَضُونَ، أَو نَحوَ ذَلِكَ. ثُمَّ تَنطَلِقُونَ فِي مَسَاكِينِ المُهَاجِرِينَ فَتَجعَلُونَ بَعضَهُم عَلَى رِقَابِ بَعضٍ.\nرواه مسلم (٢٩٦٢)، وابن ماجه (٣٩٩٦).\n* * *\nــ\nأي: على أي حال تكونون؟ فكأنه قال: أتبقون على ما أنتم عليه؟ أو تتغير بكم الحال؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: نقول كما أمرنا الله تعالى. أي: نقول قولا مثل الذي أمرنا الله، وكان هذا منه إشارة إلى قول الله تعالى: ﴿حَسبُنَا اللَّهُ وَنِعمَ الوَكِيلُ﴾ وذلك أنه فهم أن رسول الله ﷺ خاف عليهم الفتنة من بسط الدنيا عليهم، فأجابه بذلك، فكأنه قال: نستكفي الفتن والمحن بالله، ونقول كما أمرنا، وهذا إخبار منهم عما يقتضيه حالهم في ذلك الوقت، فأخبرهم النبي ﷺ بأنهم لا يبقون على تلك الحال، وأنها تتغير بهم. وقال بعض الشارحين: لعله: نكون كما أمرنا الله، وهذا تقدير غلط للرواة، لا يحتاج إليه مع صحة المعنى الذي أبديناه، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: أو غير ذلك) هو بسكون الواو، وهي القاطعة، و(غير) بالنصب على إضمار فعل، تقديره: أو تفعلون غير ذلك، ويجوز رفعه على تقدير: أو يكون غير ذلك.\nو(قوله: تتنافسون، ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون، ثم تتباغضون) أي: تتسابقون إلى أخذ الدنيا، ثم تتحاسدون بعد الأخذ، ثم تتقاطعون، فيولي كل واحد منكم دبره عن الآخر معرضا عنه، ثم تثبت البغضاء في القلوب، وتتراكم حتى يكون عنها الخلاف، والقتال، والهلاك، كما قد وجد.\nو(قوله: ثم تنطلقون في مساكين المهاجرين فتجعلون بعضهم على رقاب بعض)، وفي رواية السمرقندي: فتحملون، قال بعضهم: لعل أصول هذا","vol":"7","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1026>(٤) باب لا تنظر إلى من فضل الله عليك في الدنيا وانظر إلى من فضلت عليه</span>\n[٢٦٩٤] عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُم إِلَى مَن فُضِّلَ عَلَيهِ فِي المَالِ وَالخَلقِ، فَليَنظُر إِلَى مَن هُوَ أَسفَلَ مِنهُ مِمَّن فُضِّلَ عَلَيهِ.\nرواه أحمد (٢/ ٣١٤)، ومسلم (٢٩٦٣) (٨).\nــ\nالكلام: ثم تنطلقون في مساكين المهاجرين. قال القاضي: لا أدري ما الذي حمل هذا على تفسير الرواية مع عدم توجيه الكلام على ما قبله، واستقلاله بالمراد، لا سيما مع قوله بعد هذا: فتحملون بعضهم على رقاب بعض. والأشبه أن يكون الكلام على وجهه، وأراد أن مساكين المهاجرين وضعفتهم ستفتح عليهم إذ ذاك الدنيا، حتى يكونوا أمراء بعضهم على رقاب بعض.\nقلت: والعجب من إنكار القاضي على هذا المتأول، واختياره هذا المعنى الذي لا يقبله مساق الحديث، ولا يشهد له معناه، وذلك أن معنى الحديث: أنه أخبرهم أنهم تتغير بهم الحال، وأنهم يصدر عنهم أو عن بعضهم أحوال غير مرضية، تخالف حالهم التي كانوا عليها معه من التنافس والتباغض، وانطلاقهم في مساكين المهاجرين، فلا بد أن يكون هذا الوصف غير مرضي كالأوصاف التي قبله، وأن تكون تلك الأوصاف المتقدمة توجبه، وحينئذ يلتئم الكلام أوله وآخره، ولا يصح ذلك إلا بذلك التقدير الذي أنكر القاضي، فيكون معنى الحديث أنه إذا وقع التنافس والتحاسد والتباغض، حملهم ذلك على أن يأخذ القوي ما أفاءه الله تعالى على المسكين الذي لا يقدر على مدافعته، فيمنعه عنه ظلما، وهذا بمقتضى التنافس والتحاسد والتباغض، ويعضده رواية السمرقندي: فيحملون بعضهم","vol":"7","page":115},{"text":"[٢٦٩٥] وعنه، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: انظُرُوا إِلَى مَن هو أَسفَلَ مِنكُم وَلَا تَنظُرُوا إِلَى مَن هُوَ فَوقَكُم، فَهُوَ أَجدَرُ أَلَّا تَزدَرُوا نِعمَةَ اللَّهِ عَلَيكُم.\nرواه أحمد (٢/ ٢٥٤)، ومسلم (٢٩٦٣) (٩)، والترمذي (٢٥١٣)، وابن ماجه (٤١٤٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1027>(٥) باب في الابتلاء بالدنيا وكيف يعمل فيها</span>\n[٢٦٩٦] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ ثَلَاثَةً فِي بَنِي إِسرَائِيلَ: أَبرَصَ، وَأَقرَعَ، وَأَعمَى، فَأَرَادَ اللَّهُ أَن يَبتَلِيَهُم، فَبَعَثَ إِلَيهِم مَلَكًا، فَأَتَى الأَبرَصَ فَقَالَ: أَيُّ شَيءٍ أَحَبُّ إِلَيكَ؟ قَالَ: لَونٌ حَسَنٌ، وَجِلدٌ\nــ\nعلى رقاب بعضهم. أي: بالقهر والغلبة، وأما ما اختاره القاضي فغير ملائم للحديث، فتدبره تجده كما أخبرتك، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم) أي: اعتبروا بمن فضلتم عليه في المال، والخلق، والعافية، فيظهر عليكم ما أنعم الله به عليكم فتشكرونه على ذلك، فتقومون بحق النعمة، وذلك بخلاف ما إذا نظر إلى ما فضل عليه غيره من ذلك؛ فإنَّه يضمحل عنده ما أنعم الله عليه به من النعم، ويحتقرها، فلا يحسبها نعما، فينسى حق الله فيها، وربما حمله ذلك النظر إلى أن تمتد عينه إلى الدنيا فينافس أهلها، ويتقطع لحسرة فوتها، ويحسد أهلها، وذلك هو الهلاك في الدنيا والآخرة.\nو(قوله: فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم) هو عائد على مصدر: انظروا، وأجدر بمعنى أحق وأوجب، والازدراء: الاحتقار.","vol":"7","page":116},{"text":"حَسَنٌ، وَيَذهَبُ عَنِّي الَّذِي قَد قَذِرَنِي النَّاسُ، قَالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنهُ قَذَرُهُ، وَأُعطِيَ لَونًا حَسَنًا، وَجِلدًا حَسَنًا، قَالَ: فَأَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيكَ؟ قَالَ: الإِبِلُ - (أَو قَالَ: البَقَرُ، شَكَّ إِسحَاقُ - إِلَّا أَنَّ الأَبرَصَ أَو الأَقرَعَ قَالَ أَحَدُهُمَا: الإِبِلُ وَقَالَ الآخَرُ: البَقَرُ) قَالَ: فَأُعطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ فَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا. قَالَ: فَأَتَى الأَقرَعَ فَقَالَ: أَيُّ شَيءٍ أَحَبُّ إِلَيكَ؟ قَالَ: شَعَرٌ حَسَنٌ، وَيَذهَبُ عَنِّي هَذَا الَّذِي قَد قَذِرَنِي النَّاسُ، قَالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنهُ، وَأُعطِيَ شَعَرًا حَسَنًا، قَالَ: فَأَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيكَ؟ قَالَ: البَقَرُ، فَأُعطِيَ بَقَرَةً حَامِلًا فَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا. قَالَ: فَأَتَى الأَعمَى فَقَالَ: أَيُّ شَيءٍ أَحَبُّ إِلَيكَ؟ قَالَ: أَن يَرُدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فَأُبصِرَ بِهِ النَّاسَ، قَالَ: فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيهِ بَصَرَهُ، قَالَ: فَأَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيكَ؟ قَالَ: الغَنَمُ، فَأُعطِيَ شَاةً وَالِدًا، فَأُنتِجَ هَذَانِ وَوَلَّدَ هَذَا. قَالَ: فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِن الإِبِلِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِن البَقَرِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِن الغَنَمِ.\nــ\nو(قوله: ناقة عشراء) هي التي مضى لها من حملها عشرة أشهر، وجمعها: عشار، وكانت أنفس أموال العرب لقرب ولادتها، ورجاء لبنها. وقال ابن جني: هي التي أتى عليها بعد وضعها عشرة أشهر. في الصحاح: العشار - بالكسر - جمع عشراء: وهي الناقة التي أتى عليها من يوم أرسل عليها الفحل عشرة أشهر، وزال عنها اسم المخاض، ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع، وبعدما تضع أيضًا. يقال: ناقتان عشراوان، ونوق عشار، وعشراوات، يبدلون من همزة التأنيث واوا، وقد عشرت الناقة تعشيرا: إذا صارت عشراء.\nو(قوله: فأنتج هذان، وولد هذا) أي: تولى نتاج ناقته وولادة شاته، ووقع هنا (أنتج) رباعيا، والمعروف الثلاثي، وحكى الأخفش: نتجها وأنتجها، بمعنى، وقد أشبعنا القول فيه فيما تقدَّم.","vol":"7","page":117},{"text":"قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الأَبرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيئَتِهِ فَقَالَ: رَجُلٌ مِسكِينٌ قَد انقَطَعَت بِيَ الحِبَالُ فِي سَفَرِي، فَلَا بَلَاغَ لِي اليَومَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، أَسأَلُكَ بِالَّذِي أَعطَاكَ اللَّونَ الحَسَنَ، وَالجِلدَ الحَسَنَ، وَالمَالَ، بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ عَلَيهِ فِي سَفَرِي، فَقَالَ: الحُقُوقُ كَثِيرَةٌ، فَقَالَ لَهُ: كَأَنِّي أَعرِفُكَ، أَلَم تَكُن أَبرَصَ يَقذَرُكَ النَّاسُ فَقِيرًا، فَأَعطَاكَ اللَّهُ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا وَرِثتُ هَذَا المَالَ كَابِرًا عَن كَابِرٍ، فَقَالَ: إِن كُنتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنتَ.\nقَالَ: وَأَتَى الأَقرَعَ فِي صُورَتِهِ، فَقَالَ لَهُ مِثلَ مَا قَالَ لِهَذَا، وَرَدَّ عَلَيهِ مِثلَ مَا رَدَّ عَلَى هَذَا، فَقَالَ: إِن كُنتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنتَ.\nقَالَ: وَأَتَى الأَعمَى فِي صُورَتِهِ وَهَيئَتِهِ فَقَالَ: رَجُلٌ مِسكِينٌ، وَابنُ سَبِيلٍ انقَطَعَت بِيَ الحِبَالُ فِي سَفَرِي، فَلَا بَلَاغَ لِي اليَومَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، أَسأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيكَ بَصَرَكَ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي، فَقَالَ: قَد كُنتُ أَعمَى فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فَخُذ مَا شِئتَ وَدَع مَا شِئتَ، فَوَاللَّهِ لَا أَجهَدُكَ اليَومَ شَيئًا أَخَذتَهُ لِلَّهِ، فَقَالَ: أَمسِك مَالَكَ؛ فَإِنَّمَا ابتُلِيتُم، فَقَد رُضِيَ عَنكَ، وَسُخِطَ عَلَى صَاحِبَيكَ.\nرواه البخاريُّ (٣٤٦٤)، ومسلم (٢٩٦٤).\n* * *\nــ\nو(قوله: انقطعت بي الحبال في سفري) الرواية المشهورة بالحاء المهملة والموحدة، والباء المعجمة - بواحدة تحتها - وبالألف، وهي: جمع حبل، وهو المستطيل من الرمل، وقيل: هي الأسباب التي يتوصل بها إلى البلاغ، وهذا أوقع التفسيرين، ورواه ابن الحذاء: الحيل: جمع حيلة، ورواه بعضهم كذلك غير أنه زاد الفاء، ووقع لبعض رواة البخاري: الجبال، بالجيم، وفيه بُعد.\nو(قوله: والله لا أجهدك اليوم شيئًا أخذته لله) كذا لأكثر الرواة، ومعناه:","vol":"7","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1028>(٦) باب الخمول في الدنيا والتقلل منها</span>\n[٢٦٩٧] عن عامر بن سعد قال: كَانَ سَعدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي إِبِلِهِ، فَجَاءَهُ ابنُهُ عُمَرُ، فَلَمَّا رَآهُ سَعدٌ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِن شَرِّ هَذَا الرَّاكِبِ، فَنَزَلَ، فَقَالَ لَهُ: أَنَزَلتَ فِي إِبِلِكَ وَغَنَمِكَ وَتَرَكتَ النَّاسَ يَتَنَازَعُونَ المُلكَ بَينَهُم؟\nــ\nلا أبلغ منك جهدا ومشقة في صنعك شيئًا أخذته لله. قال صاحب الأفعال: جهدته وأجهدته: بلغت مشقته، وقيل: معنى لا أجهدك: لا أقلل لك فيما تأخذ، والجهد: ما يعيش به المقل، ومنه: ﴿وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهدَهُم﴾ وعند ابن ماهان: لا أحمدك، بالحاء المهملة والميم، من الحمد، وكذا رواه البخاري، ومعناه: لا أحمدك في أخذ شيء أو إبقائه، لطيب نفسي بما تأخذ، كما قال المرقش:\nليس على طول الحياة ندم (١) ... . . . . . . . . . . . . . .\nأي: ليس على فوت الحياة ندم.\nو(قوله: إنما ورثت هذا كابرا عن كابر) أي: كبيرا عن كبير، يعني: أنه ورث ذلك المال عن أجداده الكبراء، فحمله بخله على نسيان منة الله تعالى، وعلى جحد نعمه، وعلى الكذب، ثم أورثه ذلك سخط الله الدائم، وكل ذلك بشؤم البخل. واعتبر بحال الأعمى لما اعترف بنعمة الله تعالى عليه، وشكره عليها، وسمحت نفسه بها ثبتها الله عليه، وشكر فعله ورضي عنه، فحصل على الرتب الفاخرة، وجمعت له نعم الدنيا والآخرة.\n_________\n(١) هذا صدر بيت، وعجزه:\nومن وراءِ المرءِ ما يَعْلَمْ\nوالمعنى: إن أمام الإنسان عاقبة عمله، أو أمامه الشيب والهرم والأمراض والعلل. انظر: الشعر والشعراء (١/ ٧٣).","vol":"7","page":119},{"text":"فَضَرَبَ سَعدٌ فِي صَدرِهِ فَقَالَ: اسكُت، سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ العَبدَ التَّقِيَّ الغَنِيَّ الخَفِيَّ.\nرواه أحمد (١/ ١٦٨)، ومسلم (٢٩٦٥).\n[٢٦٩٨] وعن سعد بن أبي وقاص، يقول: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَوَّلُ رَجُلٍ مِن العَرَبِ رَمَى بِسَهمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَقَد كُنَّا نَغزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا لَنَا طَعَامٌ نَأكُلُهُ إِلَّا وَرَقُ الحُبلَةِ، هَذَا السَّمُرُ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ\nــ\nو(قوله ﷺ: إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي) جمهور الرواة قيدوه الخفي - بالخاء المعجمة - من الخفاء، والتقي: المتقي لله تعالى، وقد بينا التقوى فيما تقدم. والغني: يعني به: من استغنى بالله، ورضي بما قسم الله له، وقيل: يعني به غنى النفس. والخفي: يعني به الخامل الذي لا يريد العلو فيها، ولا الظهور في مناصبها، وهذا نحو ما قال في حديث آخر في صفة ولي الله: وكان غامضا في الناس (١) أي: لا يعرف موضعه ولا يؤبه له، وقد رواه الدولابي (٢): الحفي، بالحاء المهملة، فقيل: معناه العالم، من قوله: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنهَا﴾. وقيل: المتحفي بأهله، الوصول لهم بماله، الساعي في حوائجهم.\nو(قوله: ما لنا طعام نأكله إلا ورق الحبلة، هذا السمر) كذا وقع عند عامة الرواة. وعند الطبري والتميمي: وهذا السمر، بواو، ووقع في البخاري: إلا الحبلة، وورق السمر، وكذلك ذكره أبو عبيد.\nالحبلة بضم الحاء وسكون الباء: ثمر العضاه. وقال ابن الأعرابي: ثمر\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٢٥٢)، والترمذي (٢٣٤٧).\n(٢) هو الإمام الحافظ أبو بشر، محمد بن أحمد بن حماد الأنصاري الدولابي. والحديثُ في كتابه: الكنى والأسماء (٢/ ٦٢)، توفي سنة (٣٢٠ هـ).","vol":"7","page":120},{"text":"الشَّاةُ، ثُمَّ أَصبَحَت بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِي عَلَى الدِّينِ، لَقَد خِبتُ إِذًا وَضَلَّ عَمَلِي.\nرواه أحمد (١/ ١٧٤)، والبخاريُّ (٥٤١٢)، ومسلم (٢٩٦٦)، والترمذيُّ (٢٣٦٦)، وابن ماجه (١٣١).\n* * *\nــ\nالسمر شبه اللوبياء، ورواية البخاري: أحسنها؛ لأنَّه بين فيها أنهم يأكلون ثمر العضاه، وورق الشجر السمر.\nو(قوله: ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الدين) هو بالزاي أولى، وبالراء ثانية، من التعزير، واختلف في معناه هنا، فقال الهروي: معناه: توقفني عليه، والتعزير: التوقيف على الأحكام والفرائض. وقال الطبري: أي: تقومني وتعلمني، ومنه تعزير السلطان؛ أي: تقويمه بالتأديب، وقال الحربي: التعزير بمعنى اللوم والعتب.\nقلت: هذه أقوال الشارحين لهذه الكلمة، وفيها كلها بعد عن معنى الحديث، والذي يظهر لي: أن الأليق بمعناه: أن التعزير معناه الإعظام والإكبار، كما قال تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ أي: تعظموه وتبروه، فيكون معناه على هذا: أنه وصف ما كانت حالتهم عليه في أول أمرهم من شدة الحال، وصعوبة العيش، والجهد مع النبي ﷺ، ثم إنهم اتسعت عليهم الدنيا، وفتحت عليهم الفتوحات، وولوا الولايات، فعظمهم الناس لشهرة فضلهم ودينهم، وكأنه كره تعظيم الناس له، وخص بني أسد بالذكر؛ لأنهم أفرطوا في تعظيمه، والله تعالى أعلم.\nوهذا الذي ذكرناه هو الذي صرح به عتبة بن غزوان في الحديث الآتي بعد هذا، حيث قال: لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ سابع سبعة، وما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا، فالتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك، فاتزرت بنصفها، واتزر سعد بنصفها، فما أصبح منا اليوم أحد إلا أصبح أميرا على","vol":"7","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1029>(٧) باب التزهيد في الدنيا والاجتزاء في الملبس والمطعم باليسير الخشن</span>\n[٢٦٩٩] عن خالد بن عمير العدوي، قَالَ: خَطَبَنَا عُتبَةُ بنُ غَزوَانَ - وكان أميرا على البصرة - فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثنَى عَلَيهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعدُ،\nــ\nمصر من الأمصار، وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيما، وعند الله صغيرا (١). فيحتمل أن يكون هذا هو الذي عنى به سعد بن أبي وقاص، والله تعالى أعلم. وأما ما فسرت به المشايخ ذلك الكلام فيقتضي تفسيرهم: أن بني أسد كانوا عتبوا عليه أمورا من الدين، وعابوها عليه، فرد عليهم قولهم. ويعضد هذا ما ذكره البخاري (٢) من حديث جابر بن سمرة، قال: شكا أهل الكوفة سعدا حتى ذكروا: أنه لا يحسن أن يصلي، فاستحضره عمر - ﵁ - فقال: إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي، فقال: أما أنا فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله ﷺ، وفيه: ولم يدع مسجدا إلا سأل عنه، ويثنون معروفا، حتى دخل مسجدا لبني عبس، فقام رجل منهم، يقال له: أسامة بن قتادة، فقال: أما إذ نشدتنا، فإنَّ سعدا كان لا يسير بالسرية، ولا يعدل في القضية. . . وذكر الحديث.\n(٧) ومن باب: الزهد في الدنيا (٣)\n(قوله: خطبنا عتبة بن غزوان - وكان أميرا على البصرة -) عتبة هذا - ﵁ - مازني، وحليف لبني نوفل، قديم الإسلام. أسلم سابع سبعة كما\n_________\n(١) انظره في التلخيص (٢٨٠٥).\n(٢) رواه البخاري (٧٥٥).\n(٣) شرح المؤلف -﵀- تحت هذا العنوان: هذا الباب والذي يليه، وهو بعنوان: باب: ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل الأصبع في اليم.","vol":"7","page":122},{"text":"فَإِنَّ الدُّنيَا قَد آذَنَت بِصَرمٍ وَوَلَّت حَذَّاءَ، وَلَم يَبقَ مِنهَا إِلَّا صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الإِنَاءِ يَتَصَابُّهَا صَاحِبُهَا، وَإِنَّكُم مُنتَقِلُونَ مِنهَا إِلَى دَارٍ لَا زَوَالَ لَهَا، فَانتَقِلُوا بِخَيرِ مَا بِحَضرَتِكُم، فَإِنَّهُ قَد ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الحَجَرَ يُلقَى مِن شَفير جَهَنَّمَ، فَيَهوِي فِيهَا\nــ\nقال. وهاجر وشهد المشاهد مع رسول الله ﷺ، بدرا والمشاهد كلها، أمره عمر - ﵁ - على جيش، فتوجه إلى العراق، ففتح الأبلة والبصرة ووليها، وبنى مسجدها الأعظم بالقصب، ثم إنه حج فاستعفى عمر عن ولاية البصرة، فلم يعفه فقال: اللهم لا تردني إليها، فسقط عن راحلته، فمات سنة سبع عشرة، وهو منصرف من مكة إلى البصرة، بموضع يقال له: معذر، ببني سليم، قاله ابن سعد. ويقال: مات بالربذة، قاله المدائني.\nو(قوله: إن الدنيا قد آذنت بصرم) أي: أشعرت وأعلمت بزوال وانقطاع.\nو(قوله: وولت حذاء) أي: سريعة خفيفة، ومنه قيل للقطاة: حذاء، أي: منقطعة الذنب قصيرته، ويقال: حمار أحذ: إذا كان قصير الذنب، حكاه أبو عبيد، وهذا مثل كأنه قال: إن الدنيا قد انقطعت مسرعة.\nو(قوله: ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها) الصبابة، بضم الصاد: البقية اليسيرة، والصبابة، بالفتح: رقة الشوق، ولطيف المحبة، ويتصابها: يروم صبها على قلة الماء وضعفه.\nو(قوله: فانتقلوا بخير ما بحضرتكم) أي: ارتحلوا إلى الآخرة بخير ما يحضركم من أعمال البر. جعل الخير المتمكن منه كالحاضر.\nو(قوله: فإنَّه قد ذكر لنا أن الحجر ليلقى (١) من شفير جهنم. . . الحديث إلى آخره) يعني: أنه ذكر له عن رسول الله ﷺ ذلك؛ لأنَّ مثل هذا لا يعرف إلا من جهة النبي ﷺ، فكأنه لم يسمعه هو من النبي ﷺ، سمعه من غيره، فسكت عنه إما\n_________\n(١) في صحيح مسلم والتلخيص: يُلقى.","vol":"7","page":123},{"text":"سَبعِينَ عَامًا لَا يُدرِكُ لَهَا قَعرًا، وَوَاللَّهِ لَتُملَأَنَّ، أَفَعَجِبتُم؟ وَلَقَد ذُكِرَ لَنَا أَنَّ مَا بَينَ المِصرَاعَينِ مِن مَصَارِيعِ الجَنَّةِ مَسِيرَةُ أَربَعِينَ سَنَةً، وَلَيَأتِيَنَّ عَلَيهَا يَومٌ وَهُوَ كَظِيظٌ مِن الزِّحَامِ، وَلَقَد رَأَيتُنِي سَابِعَ سَبعَةٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا وَرَقُ الشَّجَرِ، حَتَّى قَرِحَت أَشدَاقُنَا، فَالتَقَطتُ بُردَةً فَشَقَقتُهَا بَينِي وَبَينَ سَعدِ بنِ مَالِكٍ، فَاتَّزَرتُ بِنِصفِهَا، وَاتَّزَرَ سَعدٌ بِنِصفِهَا، فَمَا أَصبَحَ اليَومَ مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا أَصبَحَ أَمِيرًا عَلَى مِصرٍ مِن الأَمصَارِ، وَإِنِّي أَعُوذُ بِاللَّهِ أَن أَكُونَ فِي نَفسِي عَظِيمًا، وَعِندَ اللَّهِ صَغِيرًا، وَإِنَّهَا لَم تَكُن نُبُوَّةٌ قَطُّ إِلَّا تَنَاسَخَت حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَاقِبَتِهَا مُلكًا، فَسَتَخبُرُونَ وَتُجَرِّبُونَ الأُمَرَاءَ بَعدَنَا.\nرواه أحمد (٤/ ١٧٤)، ومسلم (٢٩٦٧) (١٤).\n* * *\nــ\nنسيانا، وإما لأمر يسوغ له ذلك. ويحتمل أن يكون سمعه هو من النبي ﷺ، وسكت عن رفعه للعلم بذلك. وشفير جهنم: حرفها الأعلى. وحرف كل شيء أعلاه وشفيره. ومنه: شفير العين. ومصراع الباب: ما بين عضادتيه، وجمعه مصاريع، وهو ما يسده الغلق.\nو(قوله: وهو كظيظ من الزحام) أي: ممتلئ منه. يقال: كظه الشراب كظيظا. وقرحت أشداقنا، أي: تقرحت، أي: انجرحت من خشونة الورق. والبردة: الشملة، والعرب تسمي الكساء الذي يُلتحف به بردة، والبرد - بغير تاء -: نوع من نوع ثياب اليمن الموشية.\nو(قوله: وإنها لم تكن نبوة قط إلا تناسخت، حتى يكون آخرها (١) ملكا) يعني: أن زمان النبوة يكون الناس فيه يعملون بالشرع، ويقومون بالحق، ويزهدون في الدنيا، ويرغبون في الآخرة، ثم إنه بعد انقراضهم وانقراض خلفائهم يتغير الحال، وينعكس الأمر، ثم لا يزال الأمر في تناقص وإدبار إلى ألا يبقى على\n_________\n(١) في التلخيص ومسلم: عاقبتُها.","vol":"7","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1030>(٨) باب ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل الإصبع في اليم وما جاء أن المؤمن فيه كخامة الزرع</span>\n[٢٧٠٠] وعن المستورد - أخي بني فهر - قال: قال رسول الله ﷺ: والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه - وأشار يحيى بن يحيى بالسبابة - في اليم، فلينظر بم ترجع.\nــ\nالأرض من يقول: الله! الله، فيرتفع ما كان الصدر الأول عليه، وهذا هو المعبر عنه هنا: بالتناسخ؛ فإنَّ النسخ: هو الرفع والإزالة، وهذا الحديث نحو قوله ﷺ: ما من نبي بعثه الله تعالى في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون، وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون. . . الحديث (١).\nو(قوله: حتى يكون آخر عاقبتها ملكا) يعني أنهم يعدلون عن سنن النبيين (٢) وخلفائهم إلى الإقبال على الدنيا واتباع الهوى. وهذه أحوال أكثر الملوك، فأمَّا من سلك سبيل الصدر الأول الذي هو زمان النبوة والخلافة من العدل واتباع الحق، والإعراض عن الدنيا، فهو من خلفاء الأنبياء، وإن تأخر زمانه، كعمر بن عبد العزيز - ﵁ - إذ لم يكن بعد الخلفاء من سلك سبيلهم، واقتدى بهم في غالب أحوالهم غيره، ﵁. لا جرم هو معدود منهم، وداخل في زمرتهم إن شاء الله تعالى.\n[(٨) باب: ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل الأصبع في اليم] (٣)\nو(قوله: ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بماذا ترجع) اليم: البحر. وهذا مثل لحقارة الدنيا وقلتها، وهو نحو قوله\n_________\n(١) رواه مسلم (٥٠).\n(٢) في (ز): النبوة.\n(٣) هذا العنوان لم يذكره المؤلف -﵀- في المفهم، واستدركناه من التلخيص.","vol":"7","page":125},{"text":"رواه أحمد (٤/ ٢٢٨)، ومسلم في الجنة (٢٨٥٨)، والترمذيُّ (٢٣٢٣)، وابن ماجه (٤١٠٨).\n[٢٧٠١] وعن كعب بن مالك، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَثَلُ المُؤمِنِ كَمَثَلِ الخَامَةِ مِن الزَّرعِ، تُفِيئُهَا الرِّيحُ، تَصرَعُهَا مَرَّةً وَتَعدِلُهَا أُخرَى، حَتَّى تَهِيجَ - في رواية: حتى يأتيه أجله - وَمَثَلُ الكَافِرِ كَمَثَلِ الأَرزَةِ المُجذِيَةِ عَلَى أَصلِهَا، لَا يُصيبهَا شَيءٌ حَتَّى يَكُونَ انجِعَافُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً.\nوفي رواية: (المنافق) بدل (الكافر).\nرواه أحمد (٣/ ٤٥٤)، والبخاريُّ (٥٦٤٣)، ومسلم في صفات المنافقين (٢٨١٠) (٥٩ و٦٠).\nــ\nتعالى: ﴿قُل مَتَاعُ الدُّنيَا قَلِيلٌ﴾ أي: كل شيء يتمتع به في الدنيا من أولها إلى آخرها قليل، إذ لا بقاء له ولا صفو فيه، وهذا بالنسبة إلى نفسها، وأما بالنسبة إلى الآخرة، فلا خطر، ولا قدر للدنيا، وهذا هو المقصود بتمثيل هذا الحديث، حيث قال: فلينظر بماذا يرجع. ووجه هذا التمثيل أن القدر الذي يتعلق بالإصبع من ماء البحر لا قدر له ولا خطر، وكذلك الدنيا بالنسبة إلى الآخرة.\nو(قوله: مثل المؤمن كخامة الزرع) الخامة هي: الغضة الرطبة من النبات. وأنشدوا:\nإنَّما نحن مثل خامة زرع ... فمتى يأن يأت محتصده\nوتفيئها الرياح: أي: تردها من جانب إلى جانب، وقد بين ذلك بقوله: تصرعها مرة وتعدلها أخرى، وصوابه: تفيئها؛ بضم التاء وكسر الفاء، وتخفيف الياء والهمز، فإنَّه يقال: أفأت الشيء: رجعته. أو فاء هو في نفسه: رجع، ومن فتح الفاء وشدد الياء فقد أخطأ؛ لأنَّه إنما يقال: فيأت الشجرة، يعني إذا ظهر فيئها لا غير. والأرزة: شجرة الصنوبر، وسميت بذلك لثبوتها، يقال: شجرة أرزة؛","vol":"7","page":126},{"text":"[٢٧٠٢] ونحوه عن أبي هريرة. وهذا أتم، غير أنه قال: ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء.\nرواه أحمد (٢/ ٢٣٤)، والبخاريُّ (٥٦٤٤)، ومسلم (٢٨٠٩)، والترمذيُّ (٢٨٦٦).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1031>(٩) باب شدة عيش النبي ﷺ وقوله: اللهم اجعل رزق آل محمد كفافا</span>\n[٢٧٠٣] عن عائشة، قالت: ما شبع آل محمد ﷺ منذ قدم المدينة من طعام بر ثلاث ليال تباعا، حتى قُبض.\nــ\nأي: ثابتة في الأرض، وقد أرزت تأرز، ويقال للناقة القوية: أرزة. والمجذية على أصلها: القائمة الراسخة، وهذا مثل للغالب من المؤمنين والغالب من الكافرين، وحكمة الله في ابتلاء المؤمنين في الدنيا أن يهديهم فيها، ويخلصهم من تبعاتها، وأن توفر أجورهم في الآخرة، وعكس ذلك في الكفار والمنافقين.\nوفائدة هذا الحديث المصائب، والصبر عليها، وانتظار الثواب عليها، والخوف من عدم المصائب وبسط الدنيا.\n(٩ و١٠) ومن باب: شدة عيش النبي ﷺ (١)\nالرف: خشبة ترفع عن الأرض، يلقى عليها ما يرفع، قاله الحربي، وقال غيره: هي الغرفة. والشطر: النصف، وهو هنا نصف وسق شعير. والدقل: أردأ\n_________\n(١) شرح المؤلف -﵀- تحت هذا العنوان: هذا الباب، والباب الذي يليه، وهو باب: سبق فقراء المهاجرين إلى الجنة، ومن الفقير السَّابق.","vol":"7","page":127},{"text":"وفي رواية: ما شبع آل محمد ﷺ من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قُبض.\nوفي رواية: من خبز بر إلا وأحدهما تمر.\nرواه أحمد (٦/ ٩٨)، والبخاريُّ (٥٤٢٣)، ومسلم (٢٩٧٠) (٢٠ و٢٢) و(٢٩٧١) (٢٥)، والترمذيُّ (٢٣٥٧)، وابن ماجه (٣٣٤٤).\n[٢٧٠٤] وعنها؛ قالت: لقد مات رسول الله ﷺ، وما شبع من خبز وزيت في يوم واحد مرتين.\nوفي رواية: توفي رسول الله ﷺ حين شبع الناس من الأسودين: التمر والماء.\nوفي أخرى: (وقد شبعنا) بدل (حين شبع).\nرواه أحمد (٦/ ١٥٦ و٢٥٥)، والبخاريُّ (٥٤١٦)، ومسلم (٢٩٧٤) (٢٩)، و(٢٩٧٥) (٣٠ و٣١)، والترمذيُّ (٢٣٥٦).\n[٢٧٠٥] وعنها قالت: توفي رسول الله ﷺ وما في رفي من شيء يأكله ذو كبد، إلا شطر شعير في رف لي، فأكلت منه حتى طال علي، فكِلته، ففني.\nرواه أحمد (٦/ ١٠٨)، والبخاريُّ (٣٠٩٧)، ومسلم (٢٩٧٣)، والترمذي (٢٥٦٩).\nــ\nالتمر، وقد أدقل النخل: إذا ردئ. وقيل: هو جنس من النخل له تمر، وهو حب كبير له نواة مدورة مقدار الجوزة، يشبه نوى التمر، فإذا يبس صار عليه مثل الليفة. وأحاديث هذا الباب كلها وإن اختلفت ألفاظها تدل على: أن النبي ﷺ لم يكن","vol":"7","page":128},{"text":"[٢٧٠٦] وعَن عُروَةَ عَن عَائِشَةَ، أَنَّهَا كَانَت تَقُولُ: وَاللَّهِ يَا بنَ أُختِي، إِن كُنَّا لَنَنظُرُ إِلَى الهِلَالِ ثُمَّ الهِلَالِ ثُمَّ الهِلَالِ، ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهرَينِ، وَمَا أُوقِدَ فِي أَبيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَارٌ، قَالَ: قُلتُ: يَا خَالَةُ فَمَا كَانَ يُعَيِّشُكُم؟ قَالَت: الأَسوَدَانِ؛ التَّمرُ وَالمَاءُ، إِلَّا أَنَّهُ قَد كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ جِيرَانٌ مِن الأَنصَارِ، وَكَانَت لَهُم مَنَائِحُ، فَكَانُوا يُرسِلُونَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن أَلبَانِهَا فَيَسقِينَاهُ.\nرواه أحمد (٦/ ٤٨)، والبخاريُّ (٦٤٥٦)، ومسلم (٢٩٧٢) (٢٨)، والترمذي (٢٤٦٩)، وابن ماجه (٤١٤٤).\n[٢٧٠٧] وعن أبي هريرة قال: والذي نفس أبي هريرة بيده، ما أشبع رسول الله ﷺ أهله ثلاثة أيام تباعا، أو ثلاث ليال، من خبز حنطة، حتى فارق الدنيا. وفي رواية: ما شبع. وقال: ثلاثة أيام (من غير شك).\nرواه أحمد (٢/ ٤٣٤)، والبخاريُّ (٥٤١٤)، ومسلم (٢٩٧٦) (٣٢ و٣٣)، والترمذيُّ (٢٣٥٨).\n[٢٧٠٨] وعن النعمان بن بشير، قال: ألستم في طعام وشراب ما شئتم، لقد رأيت نبيكم ﷺ وما يجد من الدقل ما يملأ به بطنه.\nرواه أحمد (٤/ ٢٦٨)، ومسلم (٢٩٧٧) (٣٤)، والترمذي (٢٣٧٢).\nــ\nيديم الشبع، ولا الترفه في العيش، لا هو ولا من حوته بيوته، ولا آله. بل: كانوا يأكلون ما خشن من المأكل العلق، ويقتصرون منه على ما يسد الرمق، معرضين عن متاع الدنيا، مؤثرين ما يبقى على ما يفنى، ثم لم يزل كذلك حالهم مع إقبال الدنيا عليهم واجتماعها بحذافيرها لديهم، إلى أن وصلوا إلى ما طلبوا، وظفروا بما فيه رغبوا.","vol":"7","page":129},{"text":"[٢٧٠٩] وعنه؛ قال: ذكر عمر ما أصاب الناس من الدنيا فقال: لقد رأيت رسول الله ﷺ يظل اليوم يلتوي، ما يجد دقلا يملأ به بطنه.\nرواه أحمد (١/ ٢٤)، ومسلم (٢٩٧٨)، وابن ماجه (٤١٤٦).\n[٢٧١٠] وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا.\nوفي رواية: كفافا.\nرواه أحمد (٢/ ٤٤٦)، والبخاريُّ (٦٤٦٠)، ومسلم في الزهد (١٠٥٥) (١٨ و١٩)، والترمذيُّ (٢٣٦١)، وابن ماجه (٤١٣٩).\n* * *\nــ\nو(قوله ﷺ: اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا) أي: كفافا، كما جاء في الرواية الأخرى، ويعني به: ما يقوت الأبدان ويكف عن الحاجة والفاقة، وهذا الحديث حجة لمن قال: إن الكفاف أفضل من الغنى والفقر، وقد تقدمت هذه المسألة في الزكاة. ووجه التمسك بهذا الحديث: أن النبي ﷺ إنما يدعو لنفسه بأفضل الأحوال، وأيضًا: فإنَّ الكفاف حالة متوسطة بين الغنى والفقر، وقد قال ﷺ: خير الأمور أوساطها (١). وأيضًا: فإنَّ هذه الحال سليمة من آفات الغنى، وآفات الفقر المدقع، فكانت أفضل منها، ثم إن حالة صاحب الكفاف حالة الفقير؛ إذ لا يترفه في طيبات الدنيا ولا في زهرتها، فكانت حاله إلى الفقر أقرب، فقد حصل له ما حصل للفقير من الثواب على الصبر، وكُفي مرارته وآفاته. لا يقال: فقد كانت حالة رسول الله ﷺ الفقر الشديد المدقع، كما دلت عليه أحاديث\n_________\n(١) ذكره ابن الأثير في جامع الأصول (١/ ٣١٨ - ٣١٩)، والعجلوني في كشف الخفاء (١/ ٣٩١) وقال ابن الفرس: ضعيف.","vol":"7","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1032>(١٠) باب سبق فقراء المهاجرين إلى الجنة، ومن الفقير السابق</span>\n[٢٧١١] عن أبي عبد الرحمن الحبلي، قال: سَمِعتُ عَبدَ اللَّهِ بنَ\nــ\nهذا الباب وغيرها، ألا ترى أنه يطوي الأيام، ولا يشبع يومين متواليين، ويشد على بطنه الحجر من الجوع والحجرين، ولم يكن له سوى ثوب واحد، فإذا غسله انتظره إلى أن يجف، وربما خرج وفيه بقع الماء، ومات ودرعه مرهونة في شعير لأهله، ولم يخلف دينارا ولا درهما، ولا شاة، ولا بعيرا، ولا حالة في الفقر أشد من هذه، وعلى هذا فلم يكن حاله الكفاف، بل: الفقر. فلم يجبه الله تعالى في الكفاف؛ لعلمه بأن الفقر أفضل له؛ لأنَّا نقول: إن النبي ﷺ قد جمع له حال الفقر والغنى والكفاف، فكانت أول أحواله الفقر؛ مبالغة في مجاهدة النفس وخطامها عن مألوفات عاداتها، فلما حصلت له ملكة ملكها وتخلص له خلاصة سبكها، خيره الله تعالى في أن يجعل له جبال تهامة ذهبا تسير معه حيث سار، فلم يلتفت إليها، وجاءته فتوحات الدنيا فلم يعرج عليها، بل صرفها وانصرف عنها، حتى قال: ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود فيكم (١). وهذه حالة الغني الشاكر، ثم اقتصر من ذلك كله على قدر ما يرد ضروراته وضرورات عياله، ويرد حاجتهم، فاقتنى أرضه بخيبر، وكان يأخذ منها قوت عياله ويدخره لهم سنة، فاندفع عنه الفقر المدقع، وحصل الكفاف الذي دعا به، ثم إنه لما احتضر وقف تلك الأرض على أهله ليدوم لهم ذلك الكفاف الذي ارتضاه لنفسه، ولتظهر إجابة دعوته حتى في أهله من بعده، وعلى ذلك المنهج نهج الخلفاء الراشدون على ما تدل عليه سيرهم وأخبارهم. وعلى هذا فأهل الكفاف هم صدر\n_________\n(١) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٤٥٧ - ٤٥٨).","vol":"7","page":131},{"text":"عَمرِو بنِ العَاصِ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَلَسنَا مِن فُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ؟ فَقَالَ لَهُ عَبدُ اللَّهِ: أَلَكَ امرَأَةٌ تَأوِي إِلَيهَا؟ قَالَ: نَعَم، قَالَ: أَلَكَ مَسكَنٌ تَسكُنُهُ؟\nــ\nكتيبة الفقراء الداخلين الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام؛ لأنَّهم وسطهم، والوسط: العدل. وليسوا من الأغنياء كما قررناه، فاقتضى ذلك ما ذكرناه، والله تعالى أعلم.\nو(قول الرجل لعبد الله بن عمرو: ألسنا من الفقراء؟) سؤال تقرير، وكأنه سأل شيئًا من الفيء الذي قال الله تعالى فيه: ﴿لِلفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخرِجُوا مِن دِيَارِهِم وَأَموَالِهِم يَبتَغُونَ فَضلا مِنَ اللَّهِ وَرِضوَانًا﴾ وكأن ذلك الرجل قال: ألسنا من الفقراء الذين يستحقون من الفيء سهما بنص القرآن؟ وكأنه أنجز له مع ذلك الالتفات إلى الفقراء المهاجرين، وتبجح به، فأجابه عبد الله بما يكسر ذلك منه، ويزيل آفة الالتفات إلى الأعمال بما يقتضي: أن الأحق باسم الفقر من المهاجرين من كان متجردا عن الأهل والمسكن، كما كان حال أهل الصفة في أول الأمر. وصار معنى هذا الحديث إلى نحو قوله ﷺ: ليس الشديد بالصرعة (١) وليس المسكين بالطواف (٢)، فكأن عبد الله قال له: ليس الفقير المهاجر الذي تكون له زوجة ومسكن، وإنما الفقير المتجرد عن ذلك، ولم يرد أن من كان فقيرا مهاجريا، له زوجة ومسكن، أنه لا يستحق من الفيء شيئا؛ لأنَّ صاحب العيال الفقير أشد فاقة وبلاء؟ ولأنه خلاف ما وقع لهم، فإنَّ النبي ﷺ كان يعطيهم بحسب فاقتهم وحاجتهم، ويفضل في العطاء من له عيال على من ليس كذلك، وكذلك فعل الخليفتان بعده، على ما هو المعلوم من حالهما، وإن حمل قول عبد الله على ظاهره لزم عليه: أن من كان له زوجة ومسكن لا غير ذلك، لم يُعدّ من الفقراء المهاجرين الذين وصفهم الله تعالى، والذين يسبقون إلى الجنة، فيلزم ألا يكون أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي من الفقراء من السابقين إلى الجنة، وذلك باطل قطعا.\n_________\n(١) رواه البخاري (٦١١٤)، ومسلم (٢٦٠٩).\n(٢) رواه أحمد (٢/ ٢٦٠)، والبخاري (٤٥٣٩)، ومسلم (١٠٣٩) (١٠٢).","vol":"7","page":132},{"text":"قَالَ: نَعَم، قَالَ: فَأَنتَ مِن الأَغنِيَاءِ، قَالَ: فَإِنَّ لِي خَادِمًا، قَالَ: فَأَنتَ مِن المُلُوكِ.\nقَالَ أَبُو عَبدِ الرَّحمَنِ: وَجَاءَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ إِلَى عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ وَأَنَا عِندَهُ فَقَالُوا: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، إِنَّا وَاللَّهِ مَا نَقدِرُ عَلَى شَيءٍ، لَا نَفَقَةٍ وَلَا دَابَّةٍ وَلَا مَتَاعٍ، فَقَالَ لَهُم: مَا شِئتُم، إِن شِئتُم رَجَعتُم إِلَينَا فَأَعطَينَاكُم مَا يَسَّرَ الَّهُ لَكُم، وَإِن شِئتُم ذَكَرنَا أَمرَكُم لِلسُّلطَانِ، وَإِن شِئتُم صَبَرتُم فَإِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ فُقَرَاءَ المُهَاجِرِينَ يَسبِقُونَ الأَغنِيَاءَ يَومَ\nــ\nو(قوله: أنت من الملوك) لما أخبره أن له خادما على جهة الإغياء والمبالغة، لا أنه ألحقه بالملوك حقيقة، ولا بالأغنياء، ولا سلبه ذلك اسم الفقراء، إذ لم يكن له غير ما ذكر، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: جاء ثلاثة نفر إلى عبد الله بن عمرو) هذه قضية أخرى غير القضية المتقدمة، وإن اتفق راوياهما، فإنَّهما من رواية أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص؛ لأنَّ هؤلاء ثلاثة وذلك واحد، ولأن مقصوده من هذا الحديث غير مقصوده من الأول، وذلك أن هؤلاء الثلاثة شكوا إليه شدة فاقتهم، وأنهم لا شيء لهم، فخيرهم بين الصبر على ما هم فيه حتى يلقوا الله، فيحصلون على ما وعدهم الله به على لسان نبيه ﷺ من السبق إلى الجنة قبل الناس كلهم، وبين أن يرفع أمرهم إلى السلطان، فيدفع إليهم ما يغنيهم، وبين أن يواسيهم من ماله، فاختار القوم البقاء على الحالة الأولى، والصبر على مضض الفقر وشدته. ويفهم من هذا الحديث: أن مذهب عبد الله، وهؤلاء الثلاثة: أن الفقر المدقع والتجرد عن المكتسبات كلها أفضل، وقد بينا آنفا: أن المسألة مسالة خلاف، وأن الكفاف أفضل على ما ذكرناه آنفا.\nو(قوله ﷺ: إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة","vol":"7","page":133},{"text":"القِيَامَةِ إِلَى الجَنَّةِ بِأَربَعِينَ خَرِيفًا، قَالُوا: فَإِنَّا نَصبِرُ لَا نَسأَلُ شَيئًا.\nرواه أحمد (٢/ ١٦٩)، ومسلم (٢٩٧٩).\n* * *\nــ\nبأربعين خريفا) هذا الحديث اختلفت ألفاظ الرواة فيه عن النبي ﷺ، فروى عبد الله بن عمرو - ﵄ - الحديث المتقدم، وروى الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام (١). قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. ويروى أيضًا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: يدخل الفقراء الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام، نصف يوم (٢)، قال: هذا حديث حسن صحيح. وفي طريق أخرى: يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، وهو خمسمائة عام (٣). وقال: حديث حسن صحيح، وروي أيضًا عن جابر بن عبد الله - ﵁ - أن رسول الله ﷺ قال: يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا (٤). قال: هذا حديث حسن صحيح، فاختلفت هذه الأحاديث في أي الفقراء هم السابقون، وفي مقدار المدة التي بها يسبقون، فهذان موضعان، ويرتفع الخلاف عن الموضع الأول بأن يرد مطلق حديث أبي هريرة إلى مقيد روايته الأخرى، ورواية جابر - ﵁ - فيعني بالفقراء: فقراء المسلمين، وحينئذ يكون حديث عبد الله بن عمرو وحديث أبي سعيد، مخصوصا بفقراء المهاجرين، وحديث أبي هريرة وجابر يعم جميع فقراء قرون المسلمين، فيدخل الجنة فقراء كل قرن قبل أغنيائهم بالمقدار المذكور، وهذه طريقة حسنة، ونزيدها وضوحا بما\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٣٥١).\n(٢) رواه الترمذي (٢٣٥٣).\n(٣) رواه الترمذي (٢٣٥٤).\n(٤) رواه الترمذي (٢٣٥٥).","vol":"7","page":134},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nقد صح عنه ﷺ أنه قال: أصحاب الجد محبوسون على قنطرة بين الجنة والنار، يُسألون عن فضول أموال كانت بأيديهم (١)، وهذا واضح. وأما الموضع الثاني فقد تقدَّم: أن الخريف هو العام هنا، وأصل الخريف: فصل من فصول السنة، وهو الفصل الذي تخترف فيه الثمار، أي: تُجتنى، فسمي العام بذلك، ويمكن الجمع بين الأربعين وحديث الخمسمائة عام؛ بأن سباق الفقراء يدخلون (٢) قبل سباق الأغنياء بأربعين عاما، وغير سباق الأغنياء بخمسمائة عام؛ إذ في كل صنف من الفريقين سباق، والله أعلم.\nوهذه الأحاديث حجَّة واضحة على تفضيل الفقر على الغنى، ويتقرر ذلك من وجهين:\nأحدهما: أن النبي ﷺ قال هذا لجبر كسر قلوب الفقراء، ويهون عليهم ما يجدونه من مرارة الفقر، وشدائده بمزية تحصل لهم في الدار الآخرة على الأغنياء، عوضا لهم عما حرموه من الدنيا، وصبرهم، ورضاهم بذلك.\nوثانيهما: أن السبق إلى الجنة ونعيمها أولى من التأخر عنها بالضرورة، فهو أفضل.\nوثالثها: أن السبق إلى الفوز من أهوال يوم القيامة والصراط، أولى من المقام في تلك الأهوال بالضرورة، فالسابق إلى ذلك أفضل بالضرورة، وحينئذ لا يلتفت لقول من قال: إن السبق إلى الجنة لا يدلّ على أفضلية السابق. وزخرف ذلك بأن النبي ﷺ أفضل الخليقة، ومع ذلك فدخوله الجنة متأخر عن دخول هؤلاء الفقراء؛ لأنَّهم يدخلون قبله، وهو في أرض القيامة؛ تارة عند الميزان،\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٥٣٥).\n(٢) في (ز): يسبقون.","vol":"7","page":135},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوتارة عند الصراط، وتارة عند الحوض، كما قد أخبر عن ذلك فيما صح عنه، وهذا قول باطل صدر عمن هو بما ذكرناه وبالنقل جاهل، فكأنه لم يسمع ما تقدَّم في كتاب الإيمان من قوله ﷺ: أنا أول من يقرع باب الجنة، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: أنا محمد. فيقول الخازن: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك (١). وفي حديث أنه ﷺ قال: أنا أول من يدخل الجنة، ومعي فقراء المهاجرين (٢). وعلى هذا فيدخل الجنة، ويتسلم ما أعد له فيها، ويبوئ الفقراء منازلهم، ثم يرجع إلى أرض القيامة ليخلص أمته بمقتضى ما جعل الله في قلبه من الحنو على أمته والشفقة عليهم، والرأفة بهم، فيلازمهم في أوقات شدائدهم، ويسعى بمكنه في نجاتهم، فيحضرهم عند وزن أعمالهم، ويسقيهم عند ظمئهم، ويدعو لهم بالسلامة عند جوازهم، ويشفع لمن دخل النار منهم، وهو مع ذلك كله في أعلى نعيم الجنة الذي هو غاية القرب من الحق، والجاه الذي لم ينله أحد غيره من الخلق، ولذة النظر إلى وجه الله الكريم، وسماع كلامه الحكيم بألطف خطاب وأكرم تكليم، كيف لا، وهو يسمع: يا محمد قل يسمع لك، سل تعط، اشفع تشفع، فيقول: أمتي! أمتي! أمتي، فيقال: انطلق فأدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن (٣). وهذه خطوة لا تتسع لها العبارات، ولا تحيط بها الإشارات، حشرنا الله في زمرته، ولا خيبنا من شفاعته.\nقال القاضي أبو الفضل: ويحتمل أن هؤلاء السابقين إلى الجنة يتنعمون في أفنيتها وظلالها، ويتلذذون بما هم فيه إلى أن يدخل محمد ﷺ بعد تمام شفاعته، ثم يدخلونها معه على قدر منازلهم وسبقهم، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) رواه مسلم (١٩٦) (٣٣١).\n(٢) رواه الترمذي (٣٦٢٠).\n(٣) رواه أحمد (١/ ٥ و٢/ ٤٣٦)، والبخاري (٦٥٦٥)، ومسلم (١٩٣).","vol":"7","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1033>(١١) باب كرامة من قنع بالكفاف وتصدق بالفضل</span>\n[٢٧١٢] عَن أَبِي هُرَيرَةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: بَينَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِن الأَرضِ فَسَمِعَ صَوتًا فِي سَحَابَةٍ: اسقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ فَأَفرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ، فَإِذَا شَرجَةٌ مِن تِلكَ الشِّرَاجِ قَد استَوعَبَت\nــ\nقلت: وهذا لا يحتاج إلى تقديره؛ لأنَّ الذي هو فيه من النعيم بما ذكرناه، أعلى وأشرف مما هم فيه، فلا يكون سبقهم لأدون النعيمين أشرف ممن سبق إلى أعظمها، وهذا واضح.\n(١١ و١٢ و١٣) ومن باب: كرامة من قنع بالكفاف، والاجتهاد في العبادة وفي التواضع (١)\nالفلاة من الأرض: هي القفر. والحديقة: البستان، وسميت بذلك؛ لأنَّها أحدق بها حاجز. قالوا: وأصله كل ما أحاط به البناء. والحديقة أيضًا: القطعة من النخل. والحرة: أرض ذات حجارة سود، كأنها أحرقت بالنار. والشرجة: مسيل الماء، وهي بفتح الشين، وسكون الراء، وتجمع: شراج وشروج. ومن قال: شرجة -بفتح الراء - فقد أخطأ المعروف من اللغة. واستوعبت: جمعت. فتتبع الماء؛ أي: تبعه.\nو(قوله: تنحى ذلك السحاب) أي: اعتمد وقصد. والنحو في أصله: هو القصد. وفى هذا الحديث دليل على صحة بكرامات الأولياء، وأن الولي قد\n_________\n(١) شرح المصنف تحت هذا العنوان ما أشكل في حديث هذا الباب، وأحاديث الباب الذي يليه بعنوان: باب: الاجتهاد في العبادة، والذي يليه، وهو بعنوان: باب: في التواضع.","vol":"7","page":137},{"text":"ذَلِكَ المَاءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ المَاءَ فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ المَاءَ بِمِسحَاتِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبدَ اللَّهِ مَا اسمُكَ؟ قَالَ: فُلَانٌ، لِلِاسمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَاب، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبدَ اللَّهِ لِمَ تَسأَلُنِي عَن اسمِي؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعتُ صَوتًا فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ: اسقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، لِاسمِكَ، فَمَا تَصنَعُ فِيهَا؟ قَالَ: أَمَّا إِذ قُلتَ هَذَا، فَإِنِّي أَنظُرُ إِلَى مَا يَخرُجُ مِنهَا فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثًا وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَهُ.\nوفي رواية: وأجعل ثلثه في المساكين والسائلين وابن السبيل.\nرواه مسلم (٢٩٨٤).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1034>(١٢) باب الاجتهاد في العبادة والدوام على ذلك، ولن ينجي أحدا منكم عمله</span>\n[٢٧١٣] عن المغيرة بن شعبة: أن النبي ﷺ صلى حتى انتفخت\nــ\nيكون له مال وضيعة، ولا يناقضه قوله ﷺ: لا تتخذوا الضيعة فتركنوا إلى الدنيا (١) لما قدمنا من أن المقصود بالنهي إنما هو: من اتخذها مستكثرا ومتنعما ومتمتعا بزهرة الدنيا، لما يخاف عليه من الميل إلى الدنيا والركون إليها، وأما من اتخذها معاشا يصون بها دينه وعياله، فاتخاذها بهذه النية من أفضل الأعمال. وهي من أفضل الأموال.\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٣٧٧)، والترمذي (٢٣٢٨).","vol":"7","page":138},{"text":"قدماه، فقيل له: أتكلف هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا؟\nرواه البخاري (١١٣٠)، ومسلم (٢٨١٩)، والترمذيُّ (٤١٢)، والنسائي (٣/ ٢١٩)، وابن ماجه (١٤١٩).\n[٢٧١٤] وعن عائشة زوج النبي ﷺ، أنها كانت تقول: قال رسول الله ﷺ: سددوا وقاربوا، وأبشروا، فإنه لن يدخل الجنة أحدا عمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله\nــ\nو(قولهم للنبي ﷺ: أتكلف هذا؟) أي: أتتكلف فعله وتتحمل مشقته؟ وهذا أخرجه منهم ظن أنه إنما يعبد الله تعالى خوفا من الذنوب وطلبا للمغفرة وهو الشكر على مغفرته للذنوب، وإيصاله نعمه لمن لا يستحق عليه منها شيئا، فيتعين الشكر على ذلك، ثم الشكر قد قلنا: إنه اعتراف بالنعمة وقيام بالخدمة، فمن كثر عنه ذلك وتكرر سمي الشكور، ولذلك قال الحليم الغفور: ﴿وَقَلِيلٌ مِن عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾\nو(قوله: سددوا وقاربوا وأبشروا) أي سددوا في الأعمال؛ أي: اعملوها مسددة لا غلو فيها ولا تقصير، وقاربوا في أزمانها بحيث لا يكون فيها قصر، ولا تطويل، وأبشروا على ذلك بالثواب الكثير والخير الجزيل.\nو(قوله: فإنه لن يُدخِل الجنة أحدا عملُه) أي: إن أعمال العباد الصالحة ليست مما تقتضي دخول الجنة؛ إذ ليست في أنفسها على صفات تقتضي ذلك، ولا يستحق المكلف على الله تعالى بسببها شيئا؛ إذ لا منفعة له فيها ولا غرض؛ فإنه الغني بذاته، الذي لا يُستغنى عنه. وكأن هذا نص في الرد على أهل البدع والمعتزلة في قولهم في قاعدتي التحسين والتقبيح والاستحقاق العقليين.\nو(قولهم: ولا أنت؟) كأنهم وقع لهم أن النبي ﷺ لعظيم معرفته بالله،","vol":"7","page":139},{"text":"برحمته. واعلموا أن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل.\nرواه أحمد (٦/ ٢٧٣)، والبخاري (٦٤٦٧)، ومسلم (٢٨١٨)، وأبو داود (١٣٦٨)، والنسائي (٣/ ٢١٨).\n[٢٧١٥] ونحوه عن أبي هريرة، وقال: برحمة وفضل.\nرواه أحمد (٢/ ٣١٢)، والبخاريُّ (٦٦٣٧)، ومسلم (٢٨١٦) (٧٦).\n[٢٧١٦] وعن جابر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: لا يدخل أحدا منكم عمله الجنة، ولا يجيره من النار، ولا أنا، إلا برحمة من الله.\nرواه أحمد (٣/ ٣٩٤)، ومسلم (٢٨١٧) (٧٧).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1035>(١٣) باب في التواضع</span>\n[٢٧١٧] عن عياض بن حمار المجاشعي - من حديثه الطويل - أن رسول الله ﷺ قال: إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد. وسيأتي.\nــ\nوكثرة عباداته؛ أنه ينجيه عمله، فرد النبي ﷺ ذلك بأن قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة وفضل فسوى بينه وبينهم في ذلك المعنى، وأخبر أنه عن فضله ورحمته لا يُستغنى.\nو(قوله: إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد) التواضع نقيض التكبر، والتكبر: هو الترفع على الغير، فالتواضع: هو الانخفاض","vol":"7","page":140},{"text":"رواه أحمد (٤/ ١٦٢)، ومسلم (٢٨٦٥) (٦٤).\n* * *\nــ\nللغير، وحاصله أن المتكبر يرى لنفسه مزية على الغير تحمله على احتقاره، والمتواضع لا يرى لنفسه مزية، بل يراها لغيره؛ بحيث يحمله ذلك على الانخفاض له، مراعاة لحقه، ولا شك في أن الكبر مذموم، فمنه كفر، وهو الكبر على الله وعلى أنبيائه، وما عداه من الكبائر، والتواضع أيضا، منه: أعلى وأدنى، والأعلى: هو التواضع لله تعالى، ولكتابه ولرسوله، والأدنى: هو ما عداه، والله تعالى أعلم، وقد تكلمنا على ذلك فيما تقدم.\n* * *","vol":"7","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1036>(٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1037>(١) باب الأمر بحسن الظن بالله عند الموت وما جاء: أن كل عبد يبعث على ما مات عليه</span>\n[٢٧١٨] عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل وفاته بثلاث يقول: لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله.\nرواه أحمد (٣/ ٢٩٣)، ومسلم (٢٨٧٧) (٨١)، وأبو داود (٣١١٣)، وابن ماجه (٤١٦٧).\nــ\n(٤٠) كتاب: ذكر الموت\n[(١) من باب: الأمر بحسن الظن بالله عند الموت وما جاء أن كل عبد يُبعث على ما مات عليه] (١)\n(قوله ﷺ: لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله أي: استصحبوا الأعمال الصالحة، والآداب الحسنة التي يرتجي العامل لها قبولها، ويحقق ظنه\n_________\n(١) هذا العنوان لم يرد في المفهم، واستدركناه من التلخيص.","vol":"7","page":142},{"text":"[٢٧١٩] وعنه؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يبعث كل عبد على ما مات عليه.\nرواه أحمد (٣/ ٣٣١)، ومسلم (٢٨٧٨).\n[٢٧٢٠] وعن عبد الله بن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا أراد الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على نياتهم.\nرواه أحمد (٢/ ٤٠)، ومسلم (٢٨٧٩).\n* * *\nــ\nبرحمة ربه عند فعلها، فإن رحمة الله قريب من المحسنين، وعقابه مخوف على العصاة والمذنبين، وقد قلنا: إن حسن الظن بغير عمل غرة، كما قال ﷺ: الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله (١) وهذا إنما يكون في حالة الصحة والقوة على العمل، وأما في حال حضور الموت فليس ذلك الوقت وقتا يقدر فيه على استئناف غير الفكر في سعة رحمة الله تعالى وعظيم فضله، وأنه لا يتعاظمه ذنب يغفره، وأنه الكريم الحليم الغفور الشكور المنعم الرحيم. ويذكر بآيات الرخص وأحاديثها، لعل ذلك يقع بقلبه، فيحب الله تعالى، فيختم عليه بذلك، فيلقى الله تعالى، وهو محب لله تعالى، فيحشر في زمرة المحبين بعد أن كان في زمرة الخطائين، ويشهد له قوله: يبعث كل عبد على ما مات عليه.\nو(قوله: إذا أراد الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على نياتهم) يعني: إذا أراد الله أخذ قوم بما ظهر فيهم من المنكر، أهلك\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ١٢٤)، والترمذي (٢٤٥٩)، وابن ماجه (٤٢٦٠).","vol":"7","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1038>(٢) باب إذا مات المرء عرض عليه مقعده وما جاء في عذاب القبر</span>\n[٢٧٢١] عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل\nــ\nجميعهم بعذاب يرسله على جميعهم، صالحهم وطالحهم، فأما تعذيب الصالح فترفيع له في درجاته، وتكثير لثوابه، ثم يحشر على نيته الصالحة، فتتم له الصفقة الرابحة، وأما تعذيب الطالح فانتقام منه، المؤخر له أعظم من الواقع به، وهذا نحو مما قالته عائشة - ﵂ -: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث (١).\n(٢ و٣ و٤ و٥) ومن باب: من عرض مقعده عليه بعد الموت (٢)\n(قوله: إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي) هذا منه ﷺ إخبار عن غير الشهداء؛ فإنه قد تقدم أن أرواحهم في حواصل طير تسرح في الجنة، وتأكل من ثمارها، وغير الشهداء: إما مؤمن، وإما غير مؤمن. فغير المؤمن هو الكافر. فهذا يرى مقعده من النار غدوا وعشيا، وهذا هو المعني بقوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعرَضُونَ عَلَيهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَومَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدخِلُوا آلَ فِرعَونَ أَشَدَّ العَذَابِ﴾ وأما المؤمن: فإما ألا يدخل النار، أو يدخلها بذنوبه، فالأول يرى\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢١٨٥)، وهو في مسلم (٢٨٨٠) من حديث زينب بنت جحش.\n(٢) شرح المؤلف -﵀- تحت هذا العنوان: هذا الباب والأبواب الثلاثة التالية له في التلخيص، وهي: باب: سؤال الملكين، وباب: في أرواح المؤمنين والكافرين، وباب: ما جاء أن الميت ليسمع ما يقال.","vol":"7","page":144},{"text":"الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة.\nوفي رواية: هذا مقعدك الذي تبعث إليه يوم القيامة\nرواه أحمد (٢/ ١١٣)، والبخاريُّ (١٣٧٩)، ومسلم (٢٨٦٦) (٦٥ و٦٦)، والترمذيُّ (١٠٧٢)، والنسائي (٤/ ١٠٧)، وابن ماجه (٤٢٧٠).\n[٢٧٢٢] وعن زيد بن ثابت؛ قال: بَينَمَا النَّبِيُّ ﷺ فِي حَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ عَلَى بَغلَةٍ لَهُ، وَنَحنُ مَعَهُ؛ إِذ حَادَت بِهِ فَكَادَت تُلقِيهِ، وَإِذَا أَقبُرٌ سِتَّةٌ أَو خَمسَةٌ أَو أَربَعَةٌ (كَذَا كَانَ يَقُولُ الجُرَيرِيُّ) فَقَالَ: مَن يَعرِفُ أَصحَابَ هَذِهِ الأَقبُرِ؟ فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا، قَالَ: فَمَتَى مَاتَ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: مَاتُوا فِي الإِشرَاكِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تُبتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَلَولَا أَلا تَدَافَنُوا لَدَعَوتُ اللَّهَ أَن يُسمِعَكُم مِن عَذَابِ القَبرِ الَّذِي أَسمَعُ مِنهُ. ثُمَّ أَقبَلَ عَلَينَا\nــ\nمقعده من الجنة، لا يرى غيره رؤية خوف، وأما المؤمن المؤاخذ بذنوبه فله مقعدان: مقعد في النار زمن تعذيبه، ومقعد في الجنة بعد إخراجه، فهذا يقتضي أن يعرضا عليه بالغداة والعشي، إلا إن قلنا: إنه أراد بأهل الجنة كل من يدخلها كيف كان، فلا يحتاج إلى ذلك التفسير، والله أعلم. وهذا الحديث وما في معناه يدل على أن الموت ليس بعدم، وإنما هو انتقال من حال إلى حال ومفارقة الروح للبدن، ويجوز أن يكون هذا العرض على الروح وحده، ويجوز أن يكون عليه مع جزء من البدن، والله أعلم بحقيقة ذلك. والغداة والعشي: إنما هما بالنسبة إلى الحي لا بالنسبة إلى الميت؛ إذا لا يتصور في حقه شيء من ذلك.\nو(قوله: لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه) قد تقدم القول على عذاب القبر، وأنه مما يجب الإيمان به، وقد صح","vol":"7","page":145},{"text":"بِوَجهِهِ فَقَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِن عَذَابِ النَّارِ، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن عَذَابِ النَّارِ، فَقَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِن عَذَابِ القَبرِ، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن عَذَابِ القَبرِ، قَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِن الفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن الفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ، قَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِن فِتنَةِ الدَّجَّالِ، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن فِتنَةِ الدَّجَّالِ.\nرواه أحمد (٥/ ١٩٠)، ومسلم (٢٨٦٧) (٦٧).\n[٢٧٢٣] وعن أبي أيوب قال: خرج رسول الله ﷺ بعدما غربت الشمس فسمع صوتا، فقال: يهود تعذب في قبورها.\nرواه أحمد (٥/ ٣٤٥)، والبخاريُّ (١٣٧٥)، ومسلم (٢٨٦٩)، والنسائي (٤/ ١٠٢).\n* * *\nــ\nالإخبار عنه في الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، ولا يلتفت لاستبعاد المبتدعة، فإن الإمكانات متسعة والقدرة صالحة، وامتناع التدافن لو سمع عذاب القبر يحتمل أن يكون سببه: غلبة الخوف عند سماعه، فيغلب الخوف على الحي فلا يقدر على قرب القبر للدفن، أو يهلك الحي عند سماعه؛ إذ لا يطاق سماع شيء من عذاب الله في هذه الدار. بل: بنفس سماعه يهلك السامع؛ لضعف هذه القوى في هذه الدار. ألا ترى أنه إذا سمع الناس صعقة الرعد القاصف أو الزلازل الهائلة هلك كثير من الناس؟ أو أين صعقة الرعد من صيحة الذي تضربه الملائكة بمطارق الحديد، التي يسمعها كل من يليه إلا الثقلين؟ وقد قال ﷺ: ولو سمعها إنسان لصعق (١).\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٤١ و٥٨)، والبخاري (١٣١٤).","vol":"7","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1039>(٣) باب سؤال الملكين للعبد حين يوضع في القبر وقوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَولِ الثَّابِتِ﴾</span>\n[٢٧٢٤] عن أنس بن مالك قال: قَالَ رسول اللَّهِ ﷺ: إِنَّ العَبدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبرِهِ وَتَوَلَّى عَنهُ أَصحَابُهُ، إِنَّهُ لَيَسمَعُ قَرعَ نِعَالِهِم، قَالَ: يَأتِيهِ مَلَكَانِ فَيُقعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا كُنتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ قَالَ: فَأَمَّا المُؤمِنُ فَيَقُولُ: أَشهَدُ أَنَّهُ عَبدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، قَالَ: فَيُقَالُ لَهُ: انظُر إِلَى مَقعَدِكَ مِن النَّارِ قَد أَبدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقعَدًا مِن الجَنَّةِ، قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا.\nقَالَ قَتَادَةُ: وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُفسَحُ لَهُ فِي قَبرِهِ سَبعُونَ\nــ\nو(قوله: إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم) هذا نص في أن الميت يسمع، وقد تقدم الكلام في هذا وفي إنكار عائشة ﵂ إياه على ابن عمر في كتاب الجنائز.\nو(قوله: فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار) أي: لو لم تؤمن ولم تقم بحجتك، قد أبدلك الله تعالى به مقعدا من الجنة لما قمت بحجتك.\nو(قوله: فيراهما جميعا) يدل على أن رؤيته لهما حقيقة بالعين، وعلى هذا فيحيا الميت في قبره حياة محققة بحيث يرى ويسمع ويسأل ويتكلم، وعلى هذا تدل أدلة الكتاب والسنة في غير ما موضع. والحكمة في أن الله تعالى يريه إياهما ليعلم قدر نعمة الله، فيما صرف عنه من عذاب جهنم، وفيما أوصل إليه من كرامة الجنة.\nو(قوله: فيفسح له في قبره) أي: يوسع له فيه سبعون ذراعا، فيحتمل البقاء على ظاهره، ويكون معناه: أنه ترفع الموانع عن بصره، فيبصر مما يجاوره مقدار سبعين ذراعا، حتى لا تناله ظلمة القبر ولا ضيقه، متى رد روحه فيه إليه.","vol":"7","page":147},{"text":"ذِرَاعًا، وَيُملَأُ عَلَيهِ خَضِرًا إِلَى يَومِ يُبعَثُونَ.\nرواه أحمد (٣/ ١٢٦)، والبخاريُّ (١٣٣٨)، ومسلم (٢٨٧٠) (٧٠)، والنسائي (٤/ ٩٧).\n[٢٧٢٥] وعَن البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَولِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا﴾ قَالَ: نَزَلَت فِي عَذَابِ القَبرِ، فَيُقَالُ: مَن رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ ﷺ، فَذَلِكَ قَولُهُ تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَولِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾\nوفي رواية أنه قول البراء، ولم يذكر: عن النبي ﷺ.\nرواه البخاريُّ (١٣٦٩)، ومسلم (٢٨٧١) (٧٣ و٧٤)، وأبو داود (٤٧٩)، والترمذيُّ (٣١١٩)، والنسائي (٦/ ١٥١)، وابن ماجه (٤٢٦٩).\n* * *\nــ\nويحتمل أن يكون ذلك كله استعارة عن سعة رحمة الله تعالى له، وإكرامه إياه. والأول أولى، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: ويملأ عليه خضرا) أي: نعما غضة ناعمة، وأصله من خضرة الشجر، والخضر - بكسر الضاد -: اسم جنس للنبات الرطب الأخضر.\nو(قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَولِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ أي: يثبتهم في هذه الدار على التوحيد والإيمان بالنبي ﷺ حتى يميتهم عليه، وفي الآخرة عند المساءلة في القبر، كما فسرها النبي ﷺ، فإن كان النبي ﷺ قاله فهو المقصود، وإن كان من قول البراء، فهذا","vol":"7","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1040>(٤) باب في أرواح المؤمنين وأرواح الكافرين</span>\n[٢٧٢٦] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: إِذَا خَرَجَت رُوحُ المُؤمِنِ تَلَقَّاهَا مَلَكَانِ يُصعِدَانِهَا. قَالَ حَمَّادٌ: فَذَكَرَ مِن طِيبِ رِيحِهَا وَذَكَرَ المِسكَ. قَالَ: وَيَقُولُ أَهلُ السَّمَاءِ: رُوحٌ طَيِّبَةٌ جَاءَت مِن قِبَلِ الأَرضِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيكِ وَعَلَى جَسَدٍ كُنتِ تَعمُرِينَهُ، فَيُنطَلَقُ بِهِ إِلَى رَبِّهِ ﷿ ثُمَّ يَقُولُ: انطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الأَجَلِ. قَالَ: وَإِنَّ الكَافِرَ إِذَا خَرَجَت رُوحُهُ. قَالَ حَمَّادٌ: وَذَكَرَ مِن نَتنِهَا وَذَكَرَ لَعنًا. وَيَقُولُ أَهلُ السَّمَاءِ: رُوحٌ خَبِيثَةٌ جَاءَت مِن قِبَلِ الأَرضِ، قَالَ: فَيُقَالُ: انطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الأَجَلِ. قَالَ\nــ\nلا يقوله أحد من قِبَل نفسه ورأيه، فهو محمول على أن النبي ﷺ قاله، وسكت البراء عن رفعه لعلم المخاطب بذلك، والله تعالى أعلم. وقد قيل عن البراء أنه قال: هما سؤال القبر وسؤال القيامة، يعني: يرشد المؤمن فيهما إلى الصواب، ويصرف الكافر عن الجواب.\nو(قوله: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ أي: يخذلهم عند السؤال، قاله قتادة.\nو(قوله: ﴿وَيَفعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: لا حجر عليه فيما يفعل. فهدى من شاء، ومن شاء خذل.\nو(قوله: صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه) الصلاة هنا بمعنى الرحمة، وهذا يدلّ على أن الروح كالساكن في المنزل، فهو عامره ومدبره. ويفيد أن الروح من قبيل الجواهر، وأنها داخلة في الجسد، وقد تكلمنا على الأرواح.\nو(قوله: فينطلق به إلى ربه) أي: إلى كرامة ربه، أو إلى محل إكرام ربه","vol":"7","page":149},{"text":"أَبُو هُرَيرَةَ: فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَيطَةً كَانَت عَلَيهِ عَلَى أَنفِهِ هَكَذَا.\nرواه مسلم (٢٨٧٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1041>(٥) باب ما جاء أن الميت ليسمع ما يقال</span>\n[٢٧٢٧] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ عُمَرَ بَينَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ، فَتَرَاءَينَا الهِلَالَ، وَكُنتُ رَجُلًا حَدِيدَ البَصَرِ فَرَأَيتُهُ وَلَيسَ أَحَدٌ يَزعُمُ أَنَّهُ رَآهُ غَيرِي، قَالَ: فَجَعَلتُ أَقُولُ لِعُمَرَ: أَمَا تَرَاهُ؟ فَجَعَلَ لَا يَرَاهُ، قَالَ: يَقُولُ عُمَرُ: سَأَرَاهُ وَأَنَا مُستَلقٍ عَلَى فِرَاشِي، ثُمَّ أَنشَأَ يُحَدِّثُنَا عَن أَهلِ بَدرٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُرِينَا مَصَارِعَ أَهلِ بَدرٍ بِالأَمسِ، يَقُولُ: هَذَا مَصرَعُ فُلَانٍ غَدًا إِن شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالحَقِّ مَا أَخطَؤوا الحُدُودَ الَّتِي حَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: فَجُعِلُوا فِي بِئرٍ بَعضُهُم عَلَى بَعضٍ، فَانطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى انتَهَى إِلَيهِم فَقَالَ: يَا فُلَانَ ابنَ فُلَانٍ، وَيَا فُلَانَ ابنَ فُلَانٍ، هَل وَجَدتُم مَا وَعَدَكُم اللَّهُ وَرَسُولُهُ حَقًّا؟ فَإِنِّي وَجَدتُ مَا وَعَدَنِي ربي حَقًّا، قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيفَ تُكَلِّمُ أَجسَادًا لَا أَروَاحَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا أَنتُم بِأَسمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنهُم، غَيرَ أَنَّهُم لَا يَستَطِيعُونَ أَن يَرُدُّوا عَلَيَّ شَيئًا.\nرواه مسلم (٢٨٧٣).\nــ\nله، وآخر الأجل هو يوم القيامة. والريطة الملاءة التي ليست لِفقين (١).\n_________\n(١) \"اللِّفْقُ\": شِقَّةٌ من شِقَّتَي المُلاءَة.","vol":"7","page":150},{"text":"[٢٧٢٨] وعنه؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَرَكَ قَتلَى بَدرٍ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَتَاهُم فَقَامَ عَلَيهِم فَنَادَاهُم فَقَالَ: يَا أَبَا جَهلِ بنَ هِشَامٍ، يَا أُمَيَّةَ بنَ خَلَفٍ، يَا عُتبَةَ بنَ رَبِيعَةَ، يَا شَيبَةَ بنَ رَبِيعَةَ، أَلَيسَ قَد وَجَدتُم مَا وَعَدَ رَبُّكُم حَقًّا؟ فَإِنِّي قَد وَجَدتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا. فَسَمِعَ عُمَرُ قَولَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيفَ يَسمَعُون وَأَنَّى يُجِيبُون وَقَد جَيَّفُوا؟ قَالَ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا أَنتُم بِأَسمَعَ ممَا أَقُولُ مِنهُم، وَلَكِنَّهُم لَا يَقدِرُونَ أَن يُجِيبُوا. ثُمَّ أَمَرَ بِهِم فَسُحِبُوا فَأُلقُوا فِي قَلِيبِ بَدرٍ.\nرواه أحمد (٣/ ٢٩٩)، ومسلم (٢٨٧٤)، وأبو داود (٢٦٨١).\n[٢٧٢٩] وعَن أَبِي طَلحَةَ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَومُ بَدرٍ وَظَهَرَ عَلَيهِم نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ، أَمَرَ بِبِضعَةٍ وَعِشرِينَ - وفي رواية بِأَربَعَةٍ وَعِشرِينَ رَجُلًا - مِن صَنَادِيدِ قُرَيشٍ، فَأُلقُوا فِي طَوِيٍّ مِن أَطوَاءِ بَدرٍ.\nرواه أحمد (٣/ ١٤٥)، ومسلم (٢٨٧٥).\n* * *\nــ\nو(قوله: كيف يسمعون، وأنى يجيبون وقد جيفوا) هذا من عمر - ﵁ - استبعاد على حكم ما جرت به العادة، فأجابه النبي ﷺ بأنهم يسمعون كسمع الأحياء، فيجوز أن يكون ذلك منهم دائما، غير أنه منع الأحياء من إدراك ذلك من الميت، ويجوز أن يكون في بعض الأوقات. وقد تقدَّم استيفاء هذا المعنى في الجنائز. والرواية في (جيفوا) بفتح الجيم والياء، مبني للفاعل، ومعناه: أنتنوا، فصاروا جيفا. وصناديد قريش: ساداتها، واحدهم صنديد. والطوي: البئر المطوي، وقد سماها في الرواية الأخرى قليبا، وهي البئر غير المطوية، وهي: الركي أيضًا، وقد تسامح من أطلق على القليب طويا.\n* * *","vol":"7","page":151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1042>(٦) باب في الحشر وكيفيته</span>\n[٢٧٣٠] عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا. قلت: يا رسول الله، الرجال والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال ﷺ: يا عائشة إن الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض.\nرواه البخاريُّ (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩)، والنسائي (٤/ ١١٤).\n[٢٧٣١] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَوعِظَةٍ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُم تُحشَرُونَ إِلَى اللَّهِ حُفَاةً غُرلًا ﴿كَمَا بَدَأنَا أَوَّلَ خَلقٍ نُعِيدُهُ وَعدًا عَلَينَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ أَلَا وَإِنَّ أَوَّلَ الناس يُكسَى يَومَ القِيَامَةِ إِبرَاهِيمُ، أَلَا إِنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِن أُمَّتِي فَيُؤخَذُ بِهِم ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدرِي مَا\nــ\n(٦) ومن باب: الحشر وكيفيته\nالحشر: الجمع. ومنه قوله تعالى: ﴿وَحَشَرنَاهُم فَلَم نُغَادِر مِنهُم أَحَدًا﴾ والغرل: جمع أغرل، وهو الأقلف، والغرلة والقلفة: ما يقطعه الخاتن.\nو(قوله: ﴿كَمَا بَدَأنَا أَوَّلَ خَلقٍ نُعِيدُهُ﴾) أي: يعيده على خلقته الأولى لا ينقص منها شيء.\nو(قوله: ألا إن أول الناس يكسى يوم القيامة إبراهيم ﵇) هذا، يدل على أن الناس كلهم - الأنبياء وغيرهم - يحشرون عراة، كما قال في الحديث","vol":"7","page":152},{"text":"أَحدَثُوا - وفي رواية: بَعدَكَ - فَأَقُولُ كَمَا قَالَ العَبدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنتُ عَلَيهِم شَهِيدًا مَا دُمتُ فِيهِم﴾ إلى قوله: ﴿أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ قَالَ: فَيُقَالُ: إِنَّهُم لَم يَزَالُوا مدبرين مُرتَدِّينَ عَلَى أَعقَابِهِم مُنذُ فَارَقتَهُم.\nرواه أحمد (١/ ٢٣٥)، والبخاريُّ (٤٦٢٥)، ومسلم (٢٨٦٠) (٥٨)، والترمذي (٢٤٢٣)، والنسائي (٤/ ١١٦).\n[٢٧٣٢] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يُحشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ رَاغِبِينَ ورَاهِبِين، وَاثنَانِ عَلَى بَعِيرٍ وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ وَأَربَعَةٌ\nــ\nالمتقدم، وأن أهل السعادة يكسون من ثياب الجنة، ولا شك في أن من كسي من ثياب الجنة فقد لبس جبة تقيه مكاره الحشر وعرقه، وحر الشمس والنار، وغير ذلك، فظاهر عمومه يقتضي: أن إبراهيم يكسى قبل نبينا محمد ﷺ، فيجوز أن يكون هذا من خصائص إبراهيم، كما قد خص موسى - ﵇ - بأن النبي ﷺ يجده متعلقا بساق العرش، مع أن النبي ﷺ أول من تنشق عنه الأرض، ولا يلزم من هذا أن يكونا أفضل منه مطلقا، بل: هو أفضل من وافى القيامة، وسيد ولد آدم، كما دللنا عليه فيما تقدَّم، ويجوز أن يراد بالناس من عداه من الناس، فلم يدخل تحت خطاب نفسه، والله تعالى أعلم. وقد تقدَّم القول على قوله: إنهم لم يزالوا مرتدين منذ فارقتهم.\nو(قوله: يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين وراهبين) الطرائق: الأحوال المختلفة، والفرق المتفرقة، ومنه قوله تعالى: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ أي: فرقا مختلفة. قال القاضي: هذا الحشر هو في الدنيا قبل قيام الساعة، وهو آخر أشراطها، كما ذكره مسلم بعد هذا في آيات الساعة، قال فيه: وآخر ذلك نار تخرج من قعر عدن ترحل الناس وفي رواية: تطرد الناس إلى","vol":"7","page":153},{"text":"عَلَى بَعِيرٍ وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَتَحشُرُ بَقِيَّتَهُم النَّارُ، تَبِيتُ مَعَهُم حَيثُ بَاتُوا وَتَقِيلُ مَعَهُم حَيثُ قَالُوا، وَتُصبِحُ مَعَهُم حَيثُ أَصبَحُوا وَتُمسِي مَعَهُم حَيثُ أَمسَوا.\nرواه البخاريُّ (٦٥٢٢)، ومسلم (٢٨٦١)، والنسائي (١/ ١١٤).\n* * *\nــ\nمحشرهم (١). وفي حديث آخر: لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز (٢). ويدل على أنها قبل يوم القيامة قوله: (فتقيل معهم حيث قالوا، وتمسي معهم حيث أمسوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا. قال: وفي بعض الروايات في غير مسلم: فإذا سمعتم بها فاخرجوا إلى الشام كأنه أمر بسبقها إليه قبل إزعاجها لهم. وقد قال الأزهري في قوله: ﴿لأَوَّلِ الحَشرِ﴾ إن الحشر الأول إلى الشام: إجلاء بني النضير من بلادهم إلى الشام.\nقلت: وعلى هذا فيكون معنى راغبين: في لقاء الله وفي ثوابه، وهؤلاء هم المؤمنون الذين وسموا باسم الإيمان. وراهبين؛ أي: خائفين، يعني بهم الكفار الذي وُسموا باسم الكفر، وذلك إذا طبع على كل قلب بما فيه عند طلوع الشمس من مغربها، وإذا خرجت دابة الأرض فنفخت في وجوه الناس ما تسم في وجه المؤمن: مؤمن، وفي وجه الكافر: كافر، على ما يأتي إن شاء الله تعالى.\n* * *\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٩٠١) (٣٩ و٤٠).\n(٢) رواه البخاري (٧١١٨)، ومسلم (٢٩٠٢) (٤٢).","vol":"7","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1043>(٧) باب دنو الشمس من الخلائق في المحشر وكونهم في العرق على قدر أعمالهم</span>\n[٢٧٣٣] عن سليم بن عامر عن المقداد بن الأسود، قال: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: تُدنَى الشَّمسُ يَومَ القِيَامَةِ مِن الخَلقِ حَتَّى تَكُونَ مِنهُم كَمِقدَارِ مِيلٍ. قَالَ سُلَيمُ بنُ عَامِرٍ: فَوَاللَّهِ مَا أَدرِي مَا يَعنِي بِالمِيلِ، أَمَسَافَةَ الأَرضِ أَم المِيلَ الَّذِي تُكتَحَلُ بِهِ العَينُ. قَالَ: فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدرِ أَعمَالِهِم فِي العَرَقِ، فَمِنهُم مَن يَكُونُ إِلَى كَعبَيهِ وَمِنهُم مَن يَكُونُ إِلَى رُكبَتَيهِ وَمِنهُم مَن يَكُونُ إِلَى حَقوَيهِ، وَمِنهُم مَن يُلجِمُهُ العَرَقُ إِلجَامًا، قَالَ: وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ.\nرواه مسلم (٢٨٦٤)، والترمذيُّ (٢٤٢٣).\nــ\n(٧ و٨) ومن باب: دنو الشمس من الخلائق يوم القيامة والمحاسبة (١)\n(قوله: تدنى الشمس يوم القيامة) أي: تقرب. والميل: اسم مشترك بين مسافة الأرض، والمرود الذي تكحل به العين. ولذلك أشكل المراد على سليم بن عامر، والأولى به هنا: مسافة الأرض؛ لأنَّها إذا كان بينها وبين الرؤوس مقدار المرود فهي متصلة بالرؤوس لقلة مقدار المرود.\nو(قوله: ويكون الناس في العرق على قدر أعمالهم، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما) وقد تقدَّم أن الحقوين: الخصران. وقيل: هما طرفا\n_________\n(١) شرح المؤلف -﵀- تحت هذا العنوان ما أشكل في أحاديث باب: دنو الشمس من الخلائق. . وباب: في المحاسبة، ومن نُوقش هلك.","vol":"7","page":155},{"text":"[٢٧٣٤] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ العَرَقَ يَومَ القِيَامَةِ لَيَذهَبُ فِي الأَرضِ سَبعِينَ بَاعًا، وَإِنَّهُ لَيَبلُغُ إِلَى أَفوَاهِ النَّاسِ أَو إِلَى آذَانِهِم. يَشُكُّ ثَورٌ أَيَّهُمَا قَالَ.\nرواه البخاريُّ (٦٥٣٢)، ومسلم (٢٨٦٣).\n[٢٧٣٥] وعَن ابنِ عُمَرَ عَن النَّبِيِّ ﷺ: ﴿يَومَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ﴾ قَالَ: يَقُومُ أَحَدُهُم فِي رَشحِهِ إِلَى أَنصَافِ أُذُنَيهِ.\nرواه البخاريُّ (٦٥٣١)، ومسلم (٢٨٦٢)، والترمذيُّ (٢٤٢٤ و٣٣٣٣).\n* * *\nــ\nالوركين، والأول المعروف. وهذا العرق إنما هو لشدة الضغط، وحر الشمس التي على الرؤوس بحيث تغلي منها الهام (١)، وحرارة الأنفاس، وحرارة النار المحدقة بأرض المحشر، ولأنها تخرج منها أعناق تلتقط الناس من الموقف، فترشح رطوبة الأبدان من كل إنسان بحسب عمله، ثم يجمع عليه ما يرشح منه بعد أن يغوص عرقهم في الأرض مقدار سبعين باعا، أو ذراعا، أو عاما، على اختلاف الروايات، فإن قيل: فعلى هذا يكون الناس في مثل البحر من العرق، فيلزم أن يسبح الكل فيها سبحا واحدا، فكيف يكونون متفاضلين بعضهم إلى عقبيه، وبعضهم إلى فمه، وما بينهما. قلنا: يزول هذا الاستبعاد بأوجه، أقربها وجهان:\nأحدهما: أن يخلق الله تعالى ارتفاعا في الأرض التي تحت قدم كل إنسان بحسب عمله، فيرتفع عن الأرض بحسب ارتفاع ما تحته.\nوثانيهما: أن يحشر الناس جماعات في تفرقة، فيحشر كل من يبلغ عرقه إلى\n_________\n(١) جمع الهامة، وهي: الرأس.","vol":"7","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1044>(٨) باب في المحاسبة ومن نوقش هلك</span>\n[٢٧٣٦] عَن عَائِشَةَ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن حُوسِبَ يَومَ القِيَامَةِ عُذِّبَ، فَقُلتُ: أَلَيسَ قَالَ اللَّهُ: ﴿فَسَوفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾\nــ\nكعبيه في جهة، وكل من يبلغ حقويه في جهة، وهكذا. والقدرة صالحة لأن تمسك عرق كل إنسان عليه بحسب عمله، فلا يتصل بغيره، وإن كان بإزائه، كما قد أمسك جرية البحر لموسى - ﵇ - حيث طلب لقاء الخضر، ولبني إسرائيل حين اتبعهم فرعون، والله تعالى أعلم بالواقع من هذه الأوجه. والحاصل أن هذا المقام مقام هائل لا تفي بهوله العبارات، ولا تحيط به الأوهام، ولا الإشارات، وأبلغ ما نطق به في ذلك الناطقون: ﴿قُل هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُم عَنهُ مُعرِضُونَ﴾\nو(قوله: من حوسب يوم القيامة عذب) يعني حساب مناقشة ومطالبة، كما قال في اللفظ الآخر: من نوقش المحاسبة. والمناقشة: الاستقصاء في المطالبة بالجليل والحقير، والصغير والكبير، وترك المسامحة في شيء من ذلك. قال الهروي: يقال: انتقشت منه حقي؛ أي: استقصيته منه.\nو(قوله: عذب) ظاهره: عذاب النار جزاء عن سيئات ما أظهره حسابه. ويدل على ذلك قوله هلك أي بالعذاب في النار. ويجوز أن يكون عذاب بعض من يناقش نفس المناقشة، وما يلازمها من التوبيخ واللوم، ثم يغفر الله تعالى، كما حكي أن بعض الصالحين رؤي في النوم بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: حاسبونا فدققوا، ثم منوا فأعتقوا. واعتراض عائشة - ﵂ - بقول الله تعالى: ﴿فَسَوفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ إنما حملها عليه أنها تمسكت بظاهر لفظ الحساب؛ لأنَّه يتناول القليل والكثير، ولو سمعت لفظ المناقشة لما وقع لها ذلك، والله تعالى أعلم.","vol":"7","page":157},{"text":"فَقَالَ: لَيسَ ذَاكِ الحِسَابُ إِنَّمَا ذَاكِ العَرضُ، مَن نُوقِشَ الحِسَابَ يَومَ القِيَامَةِ عُذِّبَ.\nوفي رواية: مَن نُوقِشَ المحاسبة هلك.\nرواه أحمد (٦/ ٤٧)، والبخاري (٤٩٣٩)، ومسلم (٢٨٧٦) (٧٩ و٨٠)، وأبو داود (٣٠٩٣)، والترمذي (٢٤٢٦ و٣٣٣٧).\n[٢٧٣٧] وعن أبي برزة الأسلمي، قال: قال رسول الله ﷺ: لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع:\nــ\nو(قوله: إنما ذلك العرض) يعني: أن الحساب المذكور في الآية إنما هو أن تعرض أعمال المؤمن عليه، ويوقف عليها تفصيلا حتى يعرف منة الله تعالى عليه في سترها عليه في الدنيا، وفي عفوه عنها في الآخرة، كما جاء (١) في حديث ابن عمر الآتي بعد هذا.\nو(قوله: لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع) عبد هنا: يراد به العموم؛ لأنَّه نكرة في سياق النفي، لكنه مخصص بمن لا حساب عليه، وهم الزمرة السابقة إلى الجنة أولا الذين يقال للنبي ﷺ فيهم: أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن (٢). وبقوله تعالى: ﴿يُعرَفُ المُجرِمُونَ بِسِيمَاهُم فَيُؤخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقدَامِ﴾ ويؤيد هذا ما قد صح في الحديث: أنه يخرج من النار عنق فيقول: وُكّلت بكل جبار (٣) وكأن المراد بهذا الحديث الأكثر من الناس، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) ليست في (ز).\n(٢) رواه البخاري (٤٧١٢)، ومسلم (١٩٤).\n(٣) رواه أحمد (٦/ ١١٠).","vol":"7","page":158},{"text":"عن عمره فيما أفناه، وعن جسده فيم أبلاه وعن علمه ما عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه (١).\nرواه الترمذيُّ (٢٤١٧)، ومن العجيب أن يدخل المؤلف -﵀- هذا الحديث في التلخيص ويشرح مشكله في المفهم ولم يخرجه مسلم.\n[٢٧٣٨] وعَن صَفوَانَ بنِ مُحرِزٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِابنِ عُمَرَ: كَيفَ سَمِعتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي النَّجوَى؟ قَالَ: سَمِعتُهُ يَقُولُ: يُدنَى المُؤمِنُ مِن رَبِّهِ يَومَ القِيَامَةِ\nــ\nو(قوله: عن عمره فيم أفناه؟ وعن جسده فيم أبلاه؟ وعن علمه ما عمل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟) ظاهره: أنه يُسأل عن هذه الأربع مجملة كما نطق بها، وليس كذلك، بل يسأل عن آحاد كل نوع منها، فيسأل عن أزمانه من وقت تكليفه زمانا زمانا، وعما عمل، عملا عملا، وعن معلوماته، وما عمل بها واحدا واحدا، وهكذا في سائرها تعيينا، وتعديدا وتفصيلا. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَن يَعمَل مِثقَالَ ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ * وَمَن يَعمَل مِثقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ وقالوا: ﴿يَا وَيلَتَنَا مَالِ هَذَا الكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحصَاهَا﴾ وقوله: ﴿وَنَضَعُ المَوَازِينَ القِسطَ لِيَومِ القِيَامَةِ فَلا تُظلَمُ نَفسٌ شَيئًا وَإِن كَانَ مِثقَالَ حَبَّةٍ مِن خَردَلٍ أَتَينَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾\nومثل هذا كثير في الشريعة، ومن تصفح ذلك حصل على العلم القطعي واليقين الضروري من ذلك.\nو(قوله: يدنى المؤمن من ربه يوم القيامة) هذا إدناء تقريب وإكرام، لا إدناء مسافة ومكان، ويحتمل أن يكون من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، كما قال: ﴿وَاسأَلِ القَريَةَ﴾ أي: أهلها.","vol":"7","page":159},{"text":"حَتَّى يَضَعَ عَلَيهِ كَنَفَهُ فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ فَيَقُولُ: هَل تَعرِفُ؟ فَيَقُولُ: أَي رَبِّ أَعرِفُ، قَالَ: فَإِنِّي سَتَرتُهَا عَلَيكَ فِي الدُّنيَا وَإِنِّي أَغفِرُهَا لَكَ اليَومَ، فَيُعطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ. وَأَمَّا الكُفَّارُ وَالمُنَافِقُونَ فَيُنَادَى بِهِم عَلَى رُؤوسِ الخَلَائِقِ: الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ.\nرواه أحمد (٢/ ٧٤)، والبخاريُّ (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨)، وابن ماجه (١٨٣).\n* * *\nــ\nو(قوله: حتى يضع عليه كنفه) أي: ستره وجناح إكرامه ولطفه، فيخاطبه خطاب الملاطفة، ويناجيه مناجاة المصافاة والمحادثة، فيقول: هل تعرف؟ فيقول بلسان الفرح والاستبشار: رب أعرف، فيقول الله له ممتنًّا عليه، ومظهرا فضله لديه: فإني سترتها عليك في الدنيا أي: لم أفضحك بها بين الخلائق، ولم أطلعهم على شيء منها. ويحتمل أن يكون معنى ستره إياها: ترك المؤاخذة عليها؛ إذ لو واخذه بها لفضحت العقوبة الذنب، كما افتضحت ذنوب الأمم السالفة بسبب العقوبات التي وقعت بهم، فسارت بذنوبهم وعقوبتهم الركبان، وعلمها كل إنسان. وهل هذه الذنوب كبائر وصغائر، أو صغائر فقط؟ وهل كان تاب منها، أو لم يكن؟ هذه مباحث تطول، وقد أشرنا إلى نكت منها فيما تقدَّم.\n* * *","vol":"7","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1045>(٩) باب حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات وصفة أهل الجنة وصفة أهل النار</span>\n[٢٧٣٩] وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات.\nرواه أحمد (٣/ ١٥٣)، ومسلم (٢٨٢٢)، والترمذي (٢٥٥٩).\n[٢٧٤٠] وعن عياض بن حمار المجاشعي - وقد تقدم أول حديثه\nــ\n(٩) ومن باب: قوله: حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات.\nهذا من التمثيل الواقع موقعه، ومن الكلام البليغ الذي انتهى نهايته، وذلك أنه مثَّل المكارهَ بالحفاف، وهو الداء بالشيء المحيط به الذي لا يتوصل إلى ذلك الشيء إلا بعد أن يُتخطى، وفائدة هذا التمثيل: أن الجنة لا تنال إلا بقطع مفاوز المكاره، وبالصبر عليها، وأن النار لا ينجى منها إلا بترك الشهوات وفطام النفس عنها. وقد روي عنه ﷺ أنه مثل طريق الجنة وطريق النار بتمثيل آخر، فقال: طريق الجنة حزن بربوة، وطريق النار سهل بسهوة (١). والحزن: هو الطريق الوعر المسلك، والربوة: المكان المرتفع، وأراد به أعلى ما يكون من الروابي. والسهوة، بالسين المهملة، وهي الموضع السهل الذي لا غلظ فيه، ولا وعورة، وهذا أيضًا تمثيل حسن واقع موقعه، وقد تقدَّم القول على أول حديث عياض في كتاب العلم.\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٣٢٧).","vol":"7","page":161},{"text":"في العلم - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهلِ الأَرضِ فَمَقَتَهُم، عَرَبَهُم وَعَجَمَهُم، إِلَّا بَقَايَا مِن أَهلِ الكِتَابِ، وَقَالَ: إِنَّمَا بَعَثتُكَ لِأَبتَلِيَكَ وَأَبتَلِيَ بِكَ،\nــ\nو(قوله: إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب) نظر: بمعنى أبصر، والمقت: أشد البغض، وأراد بالعجم هنا: كل من لا يتكلم بكلام العرب، ويعني بذلك قبل بعث النبي ﷺ، وذلك أن كلا الفريقين كان يعبد غير الله، أو يشرك معه غيره، فكان الكل ضلالا عن الحق، خارجين عن مقتضى العقول والشرائع، فأبغضهم الله لذلك أشد البغض، لكن لم يعاجلهم بالانتقام منهم حتى أعذر إليهم بأن أرسل إليهم رسولا، وأنزل عليهم كتابا قطعا لمعاذيرهم، وإظهارا للحجة عليهم. وإنما استثنى البقايا من أهل الكتاب؛ لأنَّهم كانوا متمسكين بالحق الذي جاءهم به نبيهم، ويعني بذلك - والله أعلم - من كان في ذلك الزمان متمسِّكًا بدين المسيح؛ لأنَّ من كفر من اليهود بالمسيح لم يبق على دين موسى، ولا متمسِّكًا بما في التوراة، ولا دخل في دين عيسى، فلم يبق أحد من اليهود متمسِّكًا بدين حق إلا من آمن بالمسيح واتبع الحق الذي كان عليه، وأما من لم يؤمن به، فلا تنفعه يهوديته ولا تمسكه بها؛ لأنَّه قد ترك أصلا عظيما مِمَّا فيها، وهو العهد الذي أخذ عليهم في الإيمان بعيسى - ﵇ - وكذلك نقول: كل نصراني بلغه أمر نبينا وشرعنا، فلم يؤمن به، لم تنفعه نصرانيته؛ لأنَّه قد ترك ما أخذ عليه من العهد في شرعه. ولذلك قال ﷺ: والذي نفسي بيده! لا يسمع بي أحد من هذه الأمة؛ يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت، إلا كان من أصحاب النار (١).\nو(قوله: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك) أي: لأمتحنك بتبليغ الرسالة، والصبر على معاناة أهل الجاهلية، وأمتحن بك؛ أي: من آمن بك واتبعك أثبته،\n_________\n(١) رواه مسلم (١٥٣).","vol":"7","page":162},{"text":"وَأَنزَلتُ عَلَيكَ كِتَابًا لَا يَغسِلُهُ المَاءُ، تَقرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقظَانَ، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَن أُحَرِّقَ قُرَيشًا،\nــ\nومن كذبك وخالفك انتقمت منه وعاقبته.\nو(قوله: وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء) أي: يسرت تلاوته وحفظه، فخف على الألسنة، ووعته القلوب، فلو غسلت المصاحف لما انغسل من الصدور، ولما ذهب من الوجود، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ وقوله: ﴿وَلَقَد يَسَّرنَا القُرآنَ لِلذِّكرِ فَهَل مِن مُدَّكِرٍ﴾\nوفي الإسرائيليات: أن موسى - ﵇ - قال: يا رب إني أجد أمة تكون أناجيلها في صدورها فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة محمد.\nو(قوله: تقرؤه نائما ويقظان) يحتمل أن يريد بذلك: أنه يوحى إليه القرآن في اليقظة والمنام، وقد تقدَّم أن رؤيا الأنبياء وحي. ويحتمل أن يكون معنى نائم هنا: مضطجعا، يعني في صلاة المريض، قالهما القاضي، وفيهما بعد، وأشبه منهما - إن شاء الله - أن الله يسره على لسان نبيه، وذكره، بحيث كان يقرؤه نائما كما كان يقرؤه منتبها. لا يخل منه بحرف، لا سيما وقد كان ﷺ تنام عيناه ولا ينام قلبه (١). وقد شاهدنا المديمين على تكرار القرآن يقرؤون منه الكثير وهم نيام، وذلك قبل استحكام غلبة النوم عليهم.\nو(قوله: إن الله أمرني أن أحرق قريشا) أي: أغيظهم بما أسمعهم من الحق الذي يخالف أهواءهم، وأؤلم قلوبهم بعيب آلهتهم، وتسفيه أحلام آبائهم، وقتالهم، ومغالبتهم حتى كأني أحرق قلوبهم بالنار. ولا يصح أن يحمل ذلك على حقيقته؛ لأنَّ النبي ﷺ لم يصح عنه أنه حرق أحدا من قريش بالنار، بل قد نهى عن التعذيب بالنار، وقال: لا يعذب بالنار إلا الله (٢).\n_________\n(١) رواه الحاكم (٢/ ٤٣١).\n(٢) رواه البخاري (٣٠١٦)، وأبو داود (٢٦٧٤)، والترمذي (١٥٧١).","vol":"7","page":163},{"text":"فَقُلتُ: رَبِّ إِذن يَثلَغُوا رَأسِي فَيَدَعُوهُ خُبزَةً،\nــ\nو(قوله: فقلت إذن يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة) الرواية الصحيحة المشهورة بالثاء المثلثة والعين المعجمة، ومعناه: يشدخوا. قاله الهروي، وقال شمر: الثلغ: فضخك الشيء الرطب باليابس، وقد رواه العذري: فقلعوا - بالقاف والعين المهملة - ولا يصح مع قوله: فيدعوه خبزة ومعنى هذا أنه شبه الرأس إذا شدخ بالخبزة إذا شدخت لتثرد.\nقلت: وهذا الذي قاله النبي ﷺ من نحو ما قاله موسى - ﵇ - حين أمر بتبليغ الرسالة إلى فرعون فـ: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدرِي وَلا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرسِل إِلَى هَارُونَ * وَلَهُم عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقتُلُونِ﴾ فهذا صريح في أنهما خافا غير الله، وحينئذ يعارضه قوله تعالى في صفة الرسل ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخشَونَهُ وَلا يَخشَونَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ﴾ وهذا نص في أن الرسل لا تخشى إلا الله، وهذا هو المناسب لمعرفتهم بالله، وأنه ليس في الوجود فاعل، ولا خالق إلا هو، وخصوصا لأولي العزم من الرسل، وخصوصا لمحمد وموسى - صلى الله عليهما - ويرتفع التعارض من وجهين:\nأحدهما: أن ذلك الخوف كان منهما في بدايتهم قبل تمكنهم وإعلامهم بحميد عواقب أحوالهم، وقبل تأمينهم، فلما مكنوا وأمنوا لم يخشوا إلا الله، ولذلك كان النبي ﷺ في أول أمره يحرس وهو في منزله، فلما أنزل الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ أخرج رأسه إليهم فقال: اذهبوا فقد عصمني ربي (١).\nوثانيهما: على تسليم أن يكون ذلك منهم في غير بدايتهم، لكن ذلك الخوف هو الذي لا ينفك البشر عن فجأته ووقوع بادرته، حتى إذا راجع الإنسان عقله، وتدبر أمره اضمحل ذلك الخوف أي اضمحلال، وحصل له من\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٠٤٦).","vol":"7","page":164},{"text":"قَالَ: استَخرِجهُم كَمَا استَخرَجُوكَ، وَاغزُهُم نُغزِكَ، وَأَنفِق فَسَنُنفِقَ عَلَيكَ، وَابعَث جَيشًا نَبعَث خَمسَةً مِثلَهُ، وَقَاتِل بِمَن أَطَاعَكَ مَن عَصَاكَ، وقَالَ: أَهلُ الجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ: ذُو سُلطَانٍ مُقسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ القَلبِ لِكُلِّ ذِي قُربَى وَمُسلِمٍ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ، قَالَ: وَأَهلُ النَّارِ\nــ\nمعرفة الله وخشيته ما يستحقر معه رسوخ الجبال، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: استخرجهم كما استخرجوك) أي: أخرجهم كما أخرجوك. والسين والتاء زائدتان كما يقال: استجاب، بمعنى أجاب. وقد رواه العذري: كما أخرجوك. وهذا يدل على أن هذا القول صدر عن النبي ﷺ بالمدينة بعد الهجرة؛ فإنَّ أهل مكة هم الذين أخرجوه من مكة حتى هاجر إلى المدينة.\nو(قوله: واغزهم نغزك) أي: اعزم على غزوهم، واشرع فيه نعنك على غزوهم، وننصرك عليهم.\nو(قوله: وابعث جيشا نبعث خمسة مثله) هذا يدل على أن هذا كان قبل غزوة بدر؛ لأنَّ النبي ﷺ كان يوم بدر في ثلاثمائة من أصحابه ونيف، وقيل: ثلاثة عشر، وقيل: سبعة عشر، فأمده الله تعالى بخمسة آلاف من الملائكة، كما نطق القرآن به.\nو(قوله: أهل الجنة ثلاثة) أي: المتأهلون لدخولها، الصالحون له.\nو(قوله: ذو سلطان مقسط، متصدق، موفق) مقسط وما بعده مرفوع على أنها صفات لـ (ذو) وهي بمعنى صاحب. والمقسط: العادل. والمتصدق: المعطي للصدقات. والموفق: المسدد لفعل الخيرات.\nو(قوله: رحيم، رقيق القلب لكل ذي قربى ومسكين (١» رحيم: كثير\n_________\n(١) في التلخيص ومسلم: مسلم.","vol":"7","page":165},{"text":"خَمسَةٌ: الضَّعِيفُ الَّذِي لَا زَبرَ لَهُ، والَّذِينَ هُم فِيكُم تَبَعًا لَا يَبتَغُونَ أَهلًا وَلَا مَالًا\nــ\nالرحمة. والقربى: القرابة. ورقيق القلب: لينه عند التذكر والموعظة، ويصح أن يكون بمعنى الشفيق.\nو(قوله: وضعيف متضعف) يعني: ضعيفا في أمور الدنيا، قويا في أمر دينه، كما قال: المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير (١). وكما قد ذم الضعف في أمور الدين، جعله من صفات أهل النار كما قال: وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له. والزبر هنا: العقل. قاله الهروي. وفي الصحاح: يقال: ما له زبر، أي: عقل وتماسك.\nقلت: وسمي العقل زبرا؛ لأنَّ الزبر في أصله هو المنع والزجر. يقال: زبره يزبره - بالضم - زبرا: إذا انتهره ومنعه. ولما كان العقل هو المانع لمن اتصف به من المفاسد والزاجر عنها، سمي بذلك. وقد قيل في الزبر في هذا الحديث: أنه المال، وليس بشيء.\nو(قوله: الذين هم فيكم تبعا لا يبتغون أهلا ولا مالا) هذا تفسير من النبي ﷺ لقوله أولا: الضعيف الذي لا زبر له) فيعني بذلك: أن هؤلاء القوم ضعفاء العقول، فلا يسعون في تحصيل مصلحة دنيوية، ولا فضيلة نفسية ولا دينية، بل: يهملون أنفسهم إهمال الأنعام، ولا يبالون بما يثبون عليه من الحلال والحرام، وهذه الأوصاف الخبيثة الدنيئة هي أوصاف هذه الطائفة المسماة بالقلندرية (٢).\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٣٦٦)، وابن ماجه (٤١٦٨).\n(٢) طريقة صوفية، أسَّسها قلندر يوسف العربي الإسباني.","vol":"7","page":166},{"text":"(وزاد هنا في رواية: ويكون ذلك يا أبا عبد الله؟ قال: نعم، والله، لقد أدركتهم في الجاهلية، وإن الرجل ليرعى على الحي ما به إلا وليدة يطؤها) وَالخَائِنُ الَّذِي لَا يَخفَى لَهُ طَمَعٌ وَإِن دَقَّ إِلَّا خَانَهُ، وَرَجُلٌ لَا يُصبِحُ وَلَا يُمسِي إِلَّا وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَن أَهلِكَ وَمَالِكَ - وَذَكَرَ البُخلَ والكَذِبَ - وَالشِّنظِيرُ الفَحَّاشُ.\nرواه مسلم (٢٨٦٥) (٦٣ و٦٤).\nــ\nو(قوله: قلت: ويكون ذلك يا أبا عبد الله؟ قال: نعم! والله لقد أدركتهم في الجاهلية، وإن الرجل ليرعى على الحي ما به إلا وليدتهم يطؤها) هذا القائل هو قتادة. وأبو عبد الله هو مطرف بن الشخير الذي روى عن عياض بن حمار. ويدل هذا على أن مطرفا أدرك الجاهلية، وأنَّه صحابي وإن لم يذكره أبو عمر في الصحابة، وكان حقه أن يذكره؛ لأنَّ من شرطه أن يذكر من ولد في زمن النبي ﷺ، ومطرف ولد في زمانه ﷺ، على ما قاله ابن قتيبة وغيره. والحي: القبيل. والوليدة: الأمة، ووجدت مقيدا في أصل أبي الصبر، معتنى به، مصححا عليه: إلا وليدتهم بفتح التاء، ووجهه أنه استثناء من مستثنى محذوف، تقديره: ما به شيء أو حاجة إلا وليدتهم. ووقع في بعض النسخ: إلا وليدة، غير مضاف.\nو(قوله: والخائن الذي لا يخفى له طمع - وإن دق - إلا خانه) الخائن: هو الذي يأخذ مما اؤتمن عليه بغير إذن مالكه، ويخفى له - هنا - بمعنى يظهر، كما قال (١):\nخفاهن من أنفاقهن كأنما ... خفاهن ودق من عشي مجلب\nأي: أظهرهن. وخفي من الأضداد. يقال: خفيت الشيء؛ أي: أظهرته وسترته. قاله أبو عبيد.\nو(قوله: وذكر البخل والكذب) هكذا الرواية المشهورة فيه بالواو\n_________\n(١) هو الشاعر: امرؤ القيس.","vol":"7","page":167},{"text":"[٢٧٤١] وعن حارثة بن وهب الخزاعي قال: قال رسول الله ﷺ: ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار؟ كل جواظ زنيم متكبر.\nــ\nالجامعة، وقد رواه ابن أبي جعفر عن الطبري بـ (أو) التي للشك. قال القاضي: ولعله الصواب. وبه وتصح القسمة؛ لأنَّه ذكر أن أصحاب النار خمسة: الضعيف الذي وصف، والخائن الذي وصف، والرجل المخادع الذي وصف. قال: وذكر البخل والكذب، ثم ذكر الشنظير الفحاش، فرأى هذا القائل أن الرابع هو صاحب أحد الوصفين، وقد يحتمل أن يكون الرابع من جمعهما على رواية واو العطف، كما جمعهما في الشنظير الفحاش. وكذلك قوله: أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسكين، وعفيف متعفف ذو عيال. قال: كذا قيدناه بخفض (مسلم) عطفا على ما قبله، وفي رواية أخرى: ومسلم عفيف بالرفع وحذف الواو.\nقلت: العفيف: الكثير العفة، وهي الانكفاف عن الفواحش، وعما لا يليق. والمتعفف: المتكلف للعفة. والشنظير: السيئ الخلق، في الصحاح: رجل شنظير وشنظيرة، أي: سيئ الخلق. قالت امرأة من العرب:\nشنظيرة زوجنيه أهلي\nمن حمقه يحسب رأسي\nرجلي كأنه لم ير أنثى قبلي\nوربما قالوا: شنذيرة - بالذال المعجمة - لقربها من الظاء لغة، أو لثغة. والفحاش: الكثير الفحش. وقيل: الشنظير: هو الفحاش. قال صاحب العين: يقال: شنظر بالقوم: شتم أعراضهم. والشنظير: الفحاش من الرجال الغلق، وكذلك من الإبل.\nو(قوله: ألا أخبركم بأهل الجنة: كل ضعيف متضعف) الصحيح في","vol":"7","page":168},{"text":"وفي رواية: عتل، ولم يذكر (زنيم)\nرواه البخاريُّ (٦٠٧١)، ومسلم (٢٨٥٣) (٤٦ و٤٧)، والترمذيُّ (٢٦٠٨).\nــ\nمتضعف: فتح العين، على أنه اسم مفعول، وكذا وجدته في كتاب الشيخ أبي الصبر، ويعني بذلك: أن الغالب على صفة أهل الجنة الضعيف عن نيل الدنيا، ومالها، وجاهها، ومناصبها، وإيثار الخمول والتواضع فيها، يلبسون زري الملابس، ولا يلتفتون إلى فاخر المراكب، ولا إلى صدور المجالس، علما منهم بأنهم على جادة سفر، وأن الدنيا ليست بمقر، فأحوالهم أحوال المسافرين المرملين. فهم كما وصفهم النبي ﷺ بقوله: رب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره (١). والأشعث: المتلبد الشعر، والأغبر: الذي علته غبرة الغبار. والأطمار: الثياب الرثة. ولا يؤبه له: لا يلتفت إليه. يقال: فلان لا يؤبه، ولا يؤبه له؛ أي: لا يبالى به. ابن السكيت: ما وبهت به، وما وبهت له؛ أي: ما فطنت له. وأنت تيبه، بكسر التاء مثل تيجل؛ أي: تبالي. فإن قيل: كيف تكون هذه أوصاف أهل الجنة، وكيف تحمد هذه الأوصاف وقد أمر الشرع بالنظافة والزينة في الجمع والأعياد والتطيب، وكان النبي ﷺ يتطيب ويتنظف، ويتزين للوفود وللجمع والأعياد؟ قلنا: لا تناقض بين هذا وبين ما وصف به النبي ﷺ أهل الجنة، فإنه ﷺ إنما وصف هؤلاء القوم بأغلب أحوالهم. وغالب أحوالهم: ملازمة الأسفار الشرعية من الحج والجهاد، والسياحة في الأرض، والفرار بأديانهم من الفتن. ومع ذلك كله فيتنظفون النظافة الشرعية، ويتزينون التزين الشرعي إذا حضر وقته وأمكنهم ذلك، ويحضرون جماعات المسلمين وجمعاتهم. فهم مع الناس كائنون، وعنهم بائنون، داخلون في غمارهم، ومستترون بخمولهم وأطمارهم، وقد توجهوا إلى الحق وأعرضوا عن الخلق. وعلى الجملة فمقصود هذا الحديث أن أحوال أهل الجنة على النقيض من أحوال أهل النار، ألا ترى أنه\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ١٤٥)، والترمذي (٣٨٥٤) عن أنس -﵁-.","vol":"7","page":169},{"text":"[٢٧٤٢] وعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره.\nرواه مسلم (٢٨٥٤).\nــ\nقابل صفات أهل الجنة وذكر نقائضها في أهل النار؟ فقال: وأهل النار كل جواظ، زنيم، متكبر، عتل. فالجواظ: الجموع المنوع. حكاه الهروي. وقال غيره: الكثير اللحم المختال، يقال: جاظ يجوظ جوظا: إذا كان كذلك. وقال ابن دريد: هو الجافي القلب. والعتل، قيل: الجافي الشديد الخصومة. وقيل: هو الأكول الشروب الظلوم. والعَتل: هو العُنف. ومنه سميت القسي الفارسية: عُتلا لشدتها، والزنيم هنا: هو الذي يعرف بالشر، كما تعرف الشاة بزنمتها. وقيل: هو اللئيم، وأما الزنيم المذكور في الآية، فقيل: إنه رجل بعينه له زنمة كزنمة التيس، وهي الغديرة المتعلقة بعنقه. وقيل: هو الوليد، وكان له زنمة تحت أذنه، وقيل: هو الملصق بالقوم وليس منهم، وقيل: هو الأخنس بن شريق. وكان حليفا ملحقا. والمتكبر: الموصوف بالكبر المستعمل له، وقد بينا الكبر فيما تقدَّم.\nو(قوله: رب أشعث مدفوع بالأبواب) أصل (رب) للتقليل وقد تأتي للتكثير. وقد جاءت كذلك في شعر امرئ القيس كثيرا. قال:\nفيا رب مكروب كررت وراءه ... وعان فككت الغل عنه ففداني\nوقال:\nويا رب يوم قد لهوت وليلة ... بآنسة كأنها خط تمثال\nومثله كثير قصد به مدح نفسه، ولا يتمدح بالقليل النادر، بل: بالكثير المتكرر، وتصلح رب في هذا الحديث أن تحمل على الكثير، فكأنه قال: كثير ممن يكون هذا حاله لو أقسم على الله لأبره.\nو(قوله: مدفوع بالأبواب) أي: عن أبواب الملوك والكبراء، فلا يسمع له","vol":"7","page":170},{"text":"[٢٧٤٣] وعنه؛ عن النبي ﷺ قال: يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير.\nرواه أحمد (٢/ ٣٣١)، ومسلم (٢٨٤٠).\n* * *\nــ\nقول، ولا تقضى له حاجة؛ لكونه لا يُعرف، ورث الهيئة؛ أي: زريها بحيث تحتقره العين.\nو(قوله: لو أقسم على الله لأبره) قيل فيه: لو دعا لأجابه.\nقلت: وهذا عدول عن أصل وضع الكلام من غير ضرورة، بل هو على أصله، وقد دل على هذا ما تقدَّم من حديث أم الربيع حيث قال أنس بن النضر: والله لا تكسر ثنية الرُّبَيِّع، ثم لما رضي الطالب بالدية قال رسول الله ﷺ: إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره (١).\nو(قوله: يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير) يحتمل أن يقال: إنما شبهها بها لضعفها ورقتها، كما قال في أهل اليمن: هم أرق قلوبا، وأضعف أفئدة (٢) ويحتمل أنه أراد بها أنها مثلها في الخوف والهيبة، والطير على الجملة أكثر الحيوانات خوفا وحذرا، حتى قيل: أحذر من غراب. وقد غلب الخوف على كثير من السلف حتى انصدعت قلوبهم فماتوا.\n* * *\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٢٨٤)، ومسلم (١٦٧٥)، والنسائي (٨/ ٢٦).\n(٢) رواه أحمد (٣/ ٢٣٥)، والبخاري (٤٣٩٠)، ومسلم (٥٢)، والترمذي (٢٢٤٤).","vol":"7","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1046>(١٠) باب في صفة الجنة وما أعد الله فيها</span>\n[٢٧٤٤] عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: يقول الله ﷿: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ذخرا، بله ما أطلعكم الله عليه. ثم قرأ: ﴿فَلا تَعلَمُ نَفسٌ مَا أُخفِيَ لَهُم مِن قُرَّةِ أَعيُنٍ﴾\nرواه أحمد (٢/ ٤٦٦)، والبخاريُّ (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤) (٤)، والترمذيّ (٣١٩٧)، وابن ماجه (٤٣٢٨).\nــ\n(١٠) ومن باب: صفة الجنة وما أعد الله فيها\n(قوله: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) ذُخرا الرواية المشهورة بالدال المعجمة المضمومة، أي: مدخرا، وهو مصدر، يقال: ذخرت الشيء أذخره ذخرا، وادخرته أدخره ادخارا، بالإدغام، هو افتعلت، ووقع في طريق الفارسي (ذكرا) بالكاف، ولبعضهم دخر بغير تنوين. وليسا بشيء، ومعنى هذا الكلام: أن الله تعالى ادخر في الجنة من النعيم والخيرات واللذات ما لم يطلع عليه أحد من الخلق، لا بالإخبار عنه، ولا بالفكرة فيه، وقد تعرض بعض الناس لتعيينه، وهو تكلف ينفيه الخبر نفسه، إذ قد نفى علمه والشعور به عن كل أحد، ويشهد له ويحققه قوله: بله ما أطلعكم الله عليه أي: دع ما أطلعكم عليه. يعني: أن المعد المذكور غير الذي أطلع عليه أحدا من الخلق. و(بله): اسم من أسماء الأفعال بمعنى: دع. هذا هو المشهور فيها، وقيل: هي بمعنى غير، وهذا تفسير معنى.","vol":"7","page":172},{"text":"[٢٧٤٥] وعنه؛ عن رسول الله ﷺ قال: إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها.\nرواه أحمد (٢/ ٤١٨)، والبخاريُّ (٤٨٨١)، ومسلم (٢٨٢٦) (٦ و٧)، والترمذيُّ (٢٥٢٣)، والنسائي في الكبرى (١١٥٦٤)، وابن ماجه (٤٣٣٥).\n[٢٧٤٦] ومن حديث أبي سعيد: يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام. . .\nرواه البخاري (٦٥٥٣)، ومسلم (٢٨٢٨)، والترمذي (٢٥٢٦).\n[٢٧٤٧] وعن سهل بن سعد الساعدي قال: شهدت من رسول الله ﷺ مجلسا وصف فيه الجنة حتى انتهى، ثم قال في آخر حديثه: فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ثم اقترأ هذه الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ﴾ إلى قوله: بِمَا كَانُوا يَعمَلُونَ.\nرواه أحمد (٥/ ٣٣٤)، ومسلم (٢٨٢٥).\nــ\nو(قوله: إن في الجنة لشجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام لا يقطعها) الرواية التي لا يعرف غيرها (الراكب) مرفوع، فاعل: يسير، والجواد: منصوب مفعول بيسير، والمضمر: نعته، وكذلك السريع، ومعناه: يجري الراكب فرسه السريع الذي قد ضمر هذه المدة فلا يقطعها، وقيل: هي شجرة طوبى، والله تعالى أعلم. وقد تقدَّم القول في تضمير الخيل في كتاب الجهاد. ومعنى ظلها: نعيمها وراحتها، من قولهم: عيش ظليل، وقيل: معنى ظلها: ذراها وناحيتها وكنفها، كما يقال: أنا في ظلك، أي: في كنفك وحوطتك.","vol":"7","page":173},{"text":"[٢٧٤٨] وعن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا.\nرواه البخاريُّ (٦٥٤٩)، ومسلم (٢٨٢٩)، والترمذي (٢٥٥٨).\n* * *\nــ\nقلت: والذي أحوج إلى هذين التأويلين أن الظل المتعارف عندنا إنما هو وقاية عن حر الشمس وأذاها، وليس في الجنة شمس، وإنما هي أنوار متوالية لا حر فيها، ولا قر، بل: لذات متوالية، ونعم متتابعة.\nو(قوله: أحل عليكم رضواني) أي: أوجب لكم رضائي، فلا يزول عنكم أبدا دائما لا انقطاع له بوجه من الوجوه، وقد أكد ذلك بقوله: فلا أسخط عليكم بعده أبدا.\n* * *","vol":"7","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1047>(١١) باب في غرف الجنة وتربتها وأسواقها</span>\n[٢٧٤٩] عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر من الأفق، من المشرق أو المغرب؛ لتفاضل ما بينهم. قالوا: يا رسول الله\nــ\n(١١ و١٢ و١٣ و١٤) ومن باب: غرف الجنة (١)\nقوله: إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري) يعني: أن أهل السفل من الجنة ينظرون إلى من فوقهم على تفاوت منازلهم، كما ينظر من على الأرض دراري السماء، على تفاوت منازلها. فيقال: هذا منزل فلان، كما يقال: هذا المشتري مثلا، أو الزهرة، أو المريخ، وقد بين ذلك بقوله: لتفاوت ما بينهما وسمي الكوكب دريا لبياضه وصفائه، وقيل: لأنه شبه بالدر في صفائه.\nو(قوله: الغابر من الأفق، من المشرق أو المغرب) الرواية المشهورة: الغابر، بواحدة، ومعناه الذاهب والباقي، على اختلاف المفسرين، وغبر من الأضداد. يقال: غبر: إذا ذهب، وغبر: إذا بقي، ويعني به: أن الكوكب حالة طلوعه وغروبه بعيد عن الأبصار، فيظهر صغيرا لبعده، وقد بينه بقوله: في الأفق من المشرق أو المغرب، والأفق: ناحية السماء، وهو بضم الهمزة والفاء وبسكونها،\n_________\n(١) شرح المؤلف -﵀- تحت هذا العنوان: هذا الباب والأبواب الثلاثة التالية، وهي: باب في الجنة أكل وشرب، وباب: في حُسْن صورة أهل الجنة، وباب: في خيام الجنة.","vol":"7","page":175},{"text":"تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين.\nرواه أحمد (٥/ ٣٤٠)، والبخاري (٦٥٥٥)، ومسلم (٢٨٣٠). وهو عند ابن حبان (٢٠٩) كما في التلخيص. ورواه مسلم بطوله من حديث أبي سعيد الخدري (٢٨٣١) (١١).\nــ\nكما يقال: عُشر وعُشُر، وجمعه: آفاق، وقد قيدنا تلك اللفظة على من يوثق به: الغائر - بالهمز - اسم فاعل من غار. وقد روي في غير مسلم: الغارب، بتقديم الراء، ويروى: العازب بالعين المهملة والزاي؛ أي: البعيد، ومعانيها كلها متقاربة. ومن الأفق: رويناه بـ (من) التي لابتداء الغاية، وهي الظرفية، وأما من المشرق، فلم يرو في كتاب مسلم إلا بـ (من). وقد رواه البخاري في المشرق بـ (في) وهي أوضح، فأمَّا من رواهما بـ (من) في الموضعين فأوجه ما فيهما أن تكون الأولى لابتداء الغاية، والثانية بدل منها مبينة لها. وقيل: إنها في قوله: من المشرق؛ لانتهاء الغاية، وهو خروج عن أصلها، وليس معروفا عند أكثر النحويين.\nو(قولهم: تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين) كذا وقع هنا هذا الحرف. بلى؛ التي أصلها حرف جواب وتصديق، وليس هذا موضعها؛ لأنَّهم لم يستفهموا، وإنَّما أخبروا أن تلك المنازل للأنبياء لا لغيرهم. فجواب هذا يقتضي: أن تكون (بلى) التي للإضراب عن الأول وإيجاب المعنى للثاني، فكأنه تسومح فيها، فوضعت بلى موضع بل. و: رجال، مرفوع بالابتداء المحذوف، تقديره: هم رجال. وفيه أيضًا توسع؛ أي: تلك المنازل منازل رجال آمنوا بالله، أي: حق إيمانه، وصدقوا المرسلين، أي: حق تصديقهم، وإلا فكل من يدخل الجنة آمن بالله، وصدق رسله، ومع ذلك فهم متفاوتون في الدرجات والمنازل، وهذا واضح.","vol":"7","page":176},{"text":"[٢٧٥٠] وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ لابن صائد: ما تراب الجنة؟ قال: درمكة بيضاء مسك يا أبا القاسم. قال: صدقت.\nرواه مسلم (٢٩٢٨) (٩٢).\n[٢٧٥١] وعنه؛ أن ابن صياد سأل النبي ﷺ عن تربة الجنة، قال: درمكة بيضاء مسك خالص.\nرواه مسلم (٢٩٢٨) (٩٣).\n[٢٧٥٢] وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: إن في الجنة لسوقا يأتونها كل جمعة،\nــ\nو(قوله ﷺ لابن صياد: ما تربة (١) الجنة) هذا نص في أن النبي ﷺ هو السائل لابن صياد عن تربة الجنة (٢)، وفي الرواية الأخرى: أن ابن صياد هو الذي سأل النبي ﷺ عن تربة الجنة، فهاتان روايتان، والواقع منهما إحداهما، والله أعلم، وكيفما كان فالخبر عن تربة الجنة صدق وصحيح؛ لأنَّه إن كان الجواب من النبي ﷺ فهو حق، إذ الكذب عليه محال، وإن كان ابن صياد هو الذي قاله فقد علمنا صحة ذلك من جهة أن النبي ﷺ صدقه في ذلك، ويكون ابن صياد علم ذلك من جهة ما ألقاه إليه شيطانه من الكلمات التي استرق سمعها؛ لأنَّ ابن صياد كان من الكهان على ما يأتي في حديثه. والدرمكة: دقيق الحوارى. شبه تربة الجنة به في حسن لونها ونعيمها، وشبه رائحتها بالمسك، وهذا تشبيه تقريب، وأين الثريا من الثرى؟ !\nو(قوله: إن في الجنة لسوقا يأتونها كل جمعة) السوق: يذكر ويؤنث،\n_________\n(١) في مسلم والتلخيص: ما تراب.\n(٢) في (ز): ذلك.","vol":"7","page":177},{"text":"فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم، فيزدادون حسنا وجمالا فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنا فيقول لهم أهلوهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا، فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا.\nرواه أحمد (٣/ ٢٨٤)، ومسلم (٢٨٣٣).\n* * *\nــ\nوسمي سوقا لقيام الناس فيها على ساق، وقيل: لسوق الناس بضائعهم إليها، فيحتمل أن يكون سوق الجنة عبارة عن مجتمع أهل الجنة، ومحل تزاورهم، وسمي سوقا بالمعنى الأول، ويؤيد هذا أن أهل الجنة لا يفقدون شيئا حتى يحتاجوا إلى شرائه من السوق، ويحتمل أن يكون سوقا مشتملا على محاسن مشتهيات مستلذات، تجمع هنالك مرتبة محسنة، كما تجمع في الأسواق، حتى إذا جاء أهل الجنة فرأوها، فمن اشتهى شيئا وصل إليه من غير مبايعة ولا معاوضة، ونعيم الجنة وخيرها أعظم وأوسع من ذلك كله، وخص يوم الجمعة بذلك لفضيلته، ولما خصه الله تعالى به من الأمور التي تقدَّم ذكرها، ولأنه يوم المزيد؛ أي اليوم الذي يوفى لهم ما وعدوا به من الزيادة. وأيام الجنة تقديرية؛ إذ لا ليل هناك ولا نهار، وإنما هناك أنوار متوالية لا ظلمة معها، على ما يأتي إن شاء الله تعالى.\nو(قوله: فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم) ريح الشمال في الدنيا: هي التي تأتي من دبر القبلة من ناحية الشام، وهي التي تأتي بلاد العرب بالأمطار، فهي عندهم أحسن الأرياح، فلذلك سمي ريح الجنة بالشمال، وفي الشمال لغات. يقال: شمال، وشمأل، وشأمل، وشمل، وشمول. حكاها صاحب العين. ويقابلها: الجنوب، وقد سميت هذه الريح في حديث آخر بالمثيرة؛ لأنَّها تثير النعيم والطيب على أهل الجنة.","vol":"7","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1048>(١٢) باب في الجنة أكل وشرب ونكاح حقيقة ولا قذر فيها ولا نقص</span>\n[٢٧٥٣] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إن أَوَّل زُمرَةٍ يدخلون الجَنَّةَ - في رواية: مِن أُمَّتِي - عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيلَةَ البَدرِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم عَلَى أَشَدِّ كوكب دري فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً (في رواية: ثُمَّ هُم بَعدَ ذَلِكَ مَنَازِلُ) لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يتفلون وَلَا يَمتَخِطُونَ.\nــ\nو(قوله: أول زمرة يدخلون الجنة من أمتي على صورة القمر ليلة البدر) الصورة بمعنى الصفة، يعني: أنهم في إشراق وجوههم على صفة القمر ليلة تمامه وكماله، وهي ليلة أربعة عشر، وبذلك سمي القمر بدرا في تلك الليلة، ومقتضى هذا أن أبواب الجنة متفاوتة بحسب درجاتهم.\nو(قوله: لا يبولون ولا يتغوطون، ولا يتفلون، ولا يمتخطون) إنما لم تصدر هذه الفضلات عن أهل الجنة؛ لأنَّها أقذار مستخبثة، والجنة منزهة عن مثل ذلك، ولما كانت أغذية (١) أهل الجنة في غاية اللطافة والاعتدال، لم يكن لها فضلة تستقذر، بل تستطاب وتستلذ، وهي التي عبر عنها بالمسك، كما قال: ورشحهم المسك. وقد جاء في لفظ آخر: لا يبولون ولا يتغوطون، وإنما هو عرق يجري من أعراضهم مثل المسك (٢) يعني: من أبدانهم.\n_________\n(١) في (ز): نهاية.\n(٢) رواه أحمد (٤/ ٣٦٧)، والبيهقي في البعث والنشور ص (٢٠٥) حاشية (٥)، وذكره ابن القيم في: حادي الأرواح ص (٢٦٨).","vol":"7","page":179},{"text":"أَمشَاطُهُم الذَّهَبُ - في رواية: والفضة - وَرَشحُهُم المِسكُ وَمَجَامِرُهُم الأَلُوَّةُ، وأزواجهم الحور العين.\nوفي رواية: لكل واحد منهم زوجتان،\nــ\nو(قوله: أمشاطهم الذهب والفضة، ومجامرهم الألوة) يقال هنا: أي حاجة في الجنة للأمشاط، ولا تتلبد شعورهم ولا تتسخ، وأي حاجة للبخور وريحهم أطيب من المسك؟ ويجاب عن ذلك: بأن نعيم أهل الجنة وكسوتهم ليس عن دفع ألم اعتراهم، فليس أكلهم عن جوع، ولا شرابهم عن ظمأ، ولا تطيبهم عن نتن، وإنما هي لذات متوالية، ونعم متتابعة، ألا ترى قوله تعالى لآدم: ﴿إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعرَى * وَأَنَّكَ لا تَظمَأُ فِيهَا وَلا تَضحَى﴾ وحكمة ذلك أن الله تعالى نعمهم في الجنة بنوع ما كانوا يتنعمون به في الدنيا، وزادهم على ذلك ما لا يعلمه إلا الله كما قدمناه. وقد تقدَّم الكلام في الألوة وفي لغاتها، وأنها: العود الهندي، في كتاب الطب.\nو(قوله: وأزواجهم الحور العين) الحور: جمع حوراء. والحَوَر في العين: شدة بياضها في شدة سوادها. هذا المعروف. قال أبو عمرو: الحَوَر أن تسود العين كلها مثل أعين الظباء والبقر، [وليس في بني آدم حور، وإنما قيل للنساء: حور العين؛ لأنهن تشبهن بالظباء والبقر] (١). قال الأصمعي: ما أدري ما الحور في العين. والعِين: جمع عيناء، وهي: الواسعة العين. وفي الصحاح: رجل أعين: واسع العين، والجمع: عين، وأصله فُعل، بالضم، ومنه قيل لبقر الوحش: عين، والثور أعين، والبقرة عيناء.\nو(قوله: لكل واحد منهم زوجتان) يعني: أن أدنى من في الجنة درجة له زوجتان، إذ ليس في الجنة أعزب، كما قال. وأم غير هؤلاء فمن ارتفعت منزلته\n_________\n(١) ما بين حاصرتين مستدرك من (ز).","vol":"7","page":180},{"text":"يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشيا.\nــ\nفزوجاتهم على قدر درجاتهم، كما يأتي في قوله: في الجنة درة طولها ستون ميلا، في كل زاوية منها أهل للمؤمن ما يرون الآخرين. وبهذا يعلم أن نوع النساء المشتمل على الحور والآدميات في الجنة أكثر من نوع رجال بني آدم، ورجال بني آدم أكثر من نسائهم، وعن هذا قال ﷺ: أقل ساكني الجنة نساء، وأكثر ساكني جهنم النساء (١) يعني: نساء بني آدم هن أقل في الجنة وأكثر في النار.\nو(قوله: يرى مخ ساقها من وراء اللحم) يعني: من شدة صفاء لحم الساقين، فكأنه يرى مخ الساقين من وراء اللحم، كما يرى السلك في جوف الدرة الصافية.\nو(قوله: قلوبهم قلب واحد) أي: كقلب واحد، يعني: أنها مطهرة عن مذموم الأخلاق، مكملة بمحاسنها، فلا اختلاف بينهم، ولا تباغض.\nو(قوله: يسبحون الله بكرة وعشيا) هذا التسبيح ليس عن تكليف وإلزام، لأن الجنة ليست محل تكليف، وإنما هي محل جزاء، وإنما هو عن تيسير وإلهام، كما قال في الرواية الأخرى: يُلهمون التسبيح والتحميد والتكبير، كما تلهمون النفس. ووجه التشبيه: أن تنفس الإنسان لا بد له منه، ولا كلفة ولا مشقة عليه في فعله. وآحاد التنفيسات مكتسبة للإنسان، وجملتها ضرورية في حقه، إذ يتمكن من ضبط قليل الأنفاس، ولا يتمكن من جميعها، فكذلك يكون ذكر الله تعالى على ألسنة أهل الجنة، وسر ذلك: أن قلوبهم قد تنورت بمعرفته، وأبصارهم قد تمتعت برؤيته، وقد غمرتهم سوابغ نعمته، وامتلأت أفئدتهم بمحبته ومخاللته. فألسنتهم ملازمة ذكره، ورهينة بشكره، فإنَّ من أحب شيئا أكثر من ذكره، وقد تقدم: أن أوقات الجنة من الأيام والساعات تقديريات.\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ٤٢٧)، ومسلم (٢٧٣٨).","vol":"7","page":181},{"text":"وفي رواية: أخلاقهم على خلق رجل واحد، على طول أبيهم.\nوفي رواية: على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا في السماء.\nوقال أبو كريب: على خلق رجل.\nوقال أبو هريرة حين تذاكروا ألرجال أكثر في الجنة أم النساء؟ فقال: لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب.\nرواه البخاريُّ (٣٢٥٤)، ومسلم (٢٨٣٤) (١٤ - ١٧).\nــ\nو(قوله: أخلاقهم على خلق رجل واحد) قد ذكر مسلم اختلاف الرواة في تقييد خلق؛ هل هو بفتح الخاء وسكون اللام، أو بضمها؟ وكذلك اختلف فيه رواة البخاري، والذي يناسب ما قبله الضم، فيكون معناه: أن أخلاقهم متساوية في الحسن والكمال. كلهم كريم الخلق؛ إذ لا تباغض، ولا تحاسد، ولا نقص، ويشهد له قوله فيما تقدَّم: قلوبهم قلب واحد.\nو(قوله: على طول أبيهم آدم، أو على صورة أبيهم) استئناف خبر آخر عنهم، ويحتمل أن يريد به الخلق، بالفتح والسكون، ويكون قوله على طول أبيهم وما بعده مفسرا لذلك الخلق، والأول أولى لما ذكرناه، ولأنا إذا حملناه عليه استفدنا منه فائدتين، ومن الوجه الثاني فائدة واحدة، وحمل كلام الشارع والفصحاء على تكثير الفوائد أولى، كما قررناه في الأصول.\nو(قوله: ستون ذراعا في السماء) أي: في الارتفاع، وكل ما علاك فهو سماء، ويعني بذلك: أن الله تعالى أعاد أهل الجنة إلى خلقة أصلهم الذي هو آدم، وعلى صفته وطوله الذي خلقه الله عليه في الجنة، وكان طوله فيها ستين ذراعا في الارتفاع، من ذراع نفسه، والله أعلم. ويحتمل أن يكون ذلك الذراع مقدرا بأذرعتنا","vol":"7","page":182},{"text":"[٢٧٥٤] وعن جابر، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون، ولا يتفلون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون. قالوا: فما بال الطعام؟ قال: جشاء ورشح كرشح المسك، يُلهمون التسبيح والتحميد - وفي رواية: والتكبير - كما يُلهمون النفس.\nرواه مسلم (٢٨٣٥) (١٨ و٢٠)، وأبو داود (٤٧٤١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1049>(١٣) باب في حسن صورة أهل الجنة وطولهم وشبابهم وثيابهم وأن كل ما في الجنة دائم لا يفنى</span>\n[٢٧٥٥] عن أبي هريرة قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا،\nــ\nالمتعارفة عندنا. ثم لم يزل خَلق ولده وطولهم ينقص، كما جاء في الرواية الأخرى.\nو(قوله: خلق الله آدم على صورته) هذا الضمير عائد على أقرب مذكور، وهو آدم، وهو أعم، وهذا الأصل في عود الضمائر، ومعنى ذلك: أن الله تعالى أوجده على الهيئة التي خلقه عليها لم ينتقل في النشأة أحوالا، ولا تردد في الأرحام أطوارا؛ إذ لم يخلقه صغيرا فكبر، ولا ضعيفا فقوي، بل خلقه رجلا كاملا سويا قويا، بخلاف سنة الله في ولده، ويصح أن يكون معناه للإخبار عن أن الله تعالى خلقه يوم خلقه على الصورة التي كان عليها بالأرض، وأنه لم يكن في الجنة على صورة أخرى، ولا اختلفت صفاته، ولا صورته، كما تختلف صور الملائكة","vol":"7","page":183},{"text":"فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ: اذهَب فَسَلِّم عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ - وَهُم نَفَرٌ مِن المَلَائِكَةِ جُلُوسٌ - فَاستَمِع بمَا يُحيونَكَ؛ فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ. قَالَ: فَذَهَبَ فَقَالَ فَزَادُوهُ: وَرَحمَةُ اللَّهِ، قَالَ: وَكُلُّ مَن يَدخُلُ الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَم يَزَل الخَلقُ يَنقُصُ بَعدَهُ حَتَّى الآنَ.\nرواه أحمد (٢/ ٣١٥)، والبخاريّ (٣٣٢٦)، ومسلم (٢٨٤١).\n[٢٧٥٦] وعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ وَأَبِي هُرَيرَةَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يُنَادِي مُنَادٍ: إِنَّ لَكُم أَن تَصِحُّوا فَلَا تَسقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُم أَن تَحيَوا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُم أَن تَشِبُّوا فَلَا تَهرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُم أَن تَنعَمُوا فَلَا تَبأَسُوا أَبَدًا، فَذَلِكَ قَولُهُ: ﴿وَنُودُوا أَن تِلكُمُ الجَنَّةُ أُورِثتُمُوهَا بِمَا كُنتُم تَعمَلُونَ﴾\nرواه مسلم (٢٨٣٧)، والترمذيُّ (٣٢٤١).\nــ\nوالجن، والله تعالى أعلم. ولو سلمنا أن الضمير عائد على الله تعالى لصح أن يقال هنا: إن الصورة بمعنى الصفة، وقد بيناه فيما تقدم. وقد ذكرنا في قوله: أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر فإنَّ معناه على صفته من الإضاءة، لا على صورته من الاستدارة.\nو(قوله: فلما خلقه الله قال: اذهب فسلم على أولئك النفر، وهم نفر من الملائكة جلوس) الكلام إلى آخره دليل على تأكد حكم السلام، فإنَّه مما شرع وكلف به آدم، ثم لم ينسخ في شريعة من الشرائع، فإنَّه تعالى أخبره أنها تحيته وتحية ذريته من بعده، ثم لم يزل ذلك معمولا به في الأمم على اختلاف شرائعها، إلى أن انتهى ذلك إلى نبينا محمد ﷺ، فأمر به وبإفشائه، وجعله سببا للمحبة","vol":"7","page":184},{"text":"[٢٧٥٧] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَن يَدخُلُ الجَنَّةَ يَنعَمُ ولَا يَبأَسُ، لَا تَبلَى ثِيَابُهُ وَلَا يَفنَى شَبَابُهُ.\nرواه مسلم (٢٨٣٦).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1050>(١٤) باب في خيام الجنة وما في الدنيا من أنهار الجنة</span>\n[٢٧٥٨] عن أبي موسى الأشعري، أن رسول الله صلى الله عيه وسلم قال: فِي الجَنَّةِ خَيمَة مِن لُؤلُؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ، عرضها سِتُّونَ مِيلًا، في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمن.\nوفي رواية: قال: الخيمة درة طولها في السماء ستون ميلا، في كل زاوية منها أهل للمؤمن ما يرون الآخرين.\nرواه البخاريُّ (٤٨٧٩)، ومسلم (٢٨٣٨) (٢٤ و٢٥).\n[٢٧٥٩] وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: سيحان وجيحان والفرات والنيل، كل من أنهار الجنة.\nرواه مسلم (٢٨٣٩).\n* * *\nــ\nالدينية، ولدخول الجنة العلية، وهذا كله يشهد لمن قال بوجوبه، وهو أحد القولين للعلماء، وقد تقدَّم القول في ذلك.\nو(قوله: سيحان وجيحان والنيل والفرات: كل من أنهار الجنة) هذه الأنهار الأربعة أكبر أنهار الإسلام. فالنيل ببلاد مصر، والفرات بالعراق،","vol":"7","page":185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1051>(١٥) باب في صفة جهنم وحرها وأهوالها وبعد قعرها، أعاذنا الله منها</span>\n[٢٧٦٠] عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال: قال رسول الله ﷺ: يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها.\nرواه مسلم (٢٨٤٢).\nــ\nوسيحان وجيحان ببلاد خراسان، ويقال: سيحون وجيحون، وظاهر هذا الحديث: أن أصل هذه الأنهار ومادتها من الجنة، كما قدمناه في أحاديث الإسراء. وقد تقدَّم: أن النيل والفرات يخرجان من أصل سدرة المنتهى، وقد نص عليه البخاري، ويحتمل أن يكون المراد أنها تشبه أنهار الجنة في عذوبتها وبركاتها، وأبعد من هذا احتمال أن يكون المراد بذلك: أن الإيمان غمر بلاد هذه الأنهار وفاض عليها، وأن غالب الأجسام المتغذية بهذه المياه مصيرها إلى الجنة.\n(١٥ و١٦) ومن باب: صفة جهنم أعاذنا الله منها (١)\n(قوله: يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها) قد تقدَّم: أن جهنم اسم علم لنار الآخرة، وكذلك: سقر، ولها أسماء كثيرة - أعاذنا الله منها - ويعني: أنها يجاء بها من المحل الذي خلقها الله فيه، فتدار بأرض المحشر حتى لا يبقى للجنة طريق إلا الصراط، كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة. والزمام: ما يزم به الشيء؛ أي: يشد ويربط، وهذه الأزمة\n_________\n(١) شرح المؤلف -﵀- تحت هذا العنوان: هذا الباب، والباب الذي يليه بعنوان: تعظيم جسد الكافر، وتعظيم العذاب بحسب أعمال الأعضاء.","vol":"7","page":186},{"text":"[٢٧٦١] وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءا من حرها.\nرواه أحمد (٢/ ٣١٣)، ومسلم (٢٨٤٣)، والترمذي (٢٥٥٩).\n[٢٧٦٢] وعنه؛ قال: كنا مع رسول الله ﷺ إذ سمع وجبة، فقال\nــ\nالتي تساق جهنم بها أيضًا تمنع من خروجها على أهل المحشر، فلا يخرج منها إلا الأعناق التي أمرت بأخذ من شاء الله أخذه. وملائكتها، كما وصفهم الله تعالى: ﴿غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُم وَيَفعَلُونَ مَا يُؤمَرُونَ﴾ وأما هذا العدد المحصور للملائكة فكأنه عدد رؤسائهم، وأما جملتهم فالعبارة عنها ما قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ﴾\nو(قوله: ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءا من نار جهنم) يعني: أنه لو جمع كل ما في الوجود من النار التي يوقدها بنو آدم لكانت جزءا من أجزاء جهنم المذكورة، وبيانه: أنه لو جمع حطب الدنيا فوقد كله حتى صار نارا، لكان الجزء الواحد من أجزاء نار جهنم الذي هو من سبعين جزءا، أشد من حر نار الدنيا، كما بينه في آخر الحديث.\nو(قولهم: والله إن كانت لكافية) (١)، إن: في مثل هذا الموضع مخففة من الثقيلة عند البصريين، وهذه اللام هي المفرقة بين إن النافية والمخففة من الثقيلة، وهي عند الكوفيين بمعنى ما، واللام بمعنى إلا، تقديره عندهم: ما كانت إلا كافية. وعند البصريين: إنها كانت كافية. فأجابهم النبي ﷺ بأنها كما فضلت عليها في المقدار والعدد بتسعة وستين جزءا فضلت عليها في شدة الحر بتسعة وتسعين ضعفا.\nو(قوله: إذ سمع وجبة) أي: هدة، وهي صوت وقع الشيء الثقيل.\n_________\n(١) هذه الفقرة لم ترد في التلخيص، وهي من الحديث (٢٨٤٣) (٣٠) في صحيح مسلم.","vol":"7","page":187},{"text":"النبي ﷺ: تدرون ما هذا؟ قال: قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفا فهو يهوي في النار الآن حين انتهى إلى قعرها.\nرواه أحمد (١/ ١٨٨)، ومسلم (٢٨٤٤).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1052>(١٦) باب تعظيم جسد الكافر وتوزيع العذاب بحسب أعمال الأعضاء</span>\n[٢٧٦٣] عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: ضرس الكافر - أو: ناب الكافر - مثل أحد، وغلظ جلده مسيرة ثلاث.\nوفي رواية: قال: ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع.\nرواه مسلم (٢٨٥١ و٢٨٥٢)، والترمذي (٢٥٧٩).\nــ\nو(قوله: أتدرون ما هذا؟) دليل على أنهم حين سمعوا الوجبة خرق الله لهم العادة، فسمعوا ما مُنِعه غيرهم، وإلا فالعادة تقتضي مشاركة غيرهم في سماع هذا الأمر العظيم، ففيه دليل على أن النار قد خُلقت وأعد فيها ما شاء الله مما يعذب به من يشاء، وهو مذهب أهل السنة خلافا للمبتدعة.\nو(قوله: ضرس الكافر، أو ناب الكافر مثل أحد. . . الحديث) إنما عظم خلقه ليعظم عذابه ويتضاعف، وهذا إنما هو في بعض الكفار، بدليل أنه قد جاءت أحاديث أخر تدل على أن المتكبرين يحشرون يوم القيامة أمثال الذر في","vol":"7","page":188},{"text":"[٢٧٦٤] وعن سمرة بن جندب أن نبي الله ﷺ قال: منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه النار إلى حجزته، ومنهم من تأخذه إلى ترقوته.\nوفي رواية: حقويه، مكان: حجزته.\nرواه مسلم (٢٨٤٥) (٣٢ و٣٣).\n* * *\nــ\nصور الرجال، يساقون إلى سجن في جهنم يسمى: بولس (١) وقد تقدم قوله: إن أهون أهل النار عذابا مَن في رجليه نعلان من نار تغلي منها دماغه، وهو أبو طالب (٢). ولا شك في أن الكفار في عذاب جهنم متفاوتون، كما قد علم من الكتاب والسنة، ولأنا نعلم على القطع والثبات أنه ليس عذاب من قتل الأنبياء والمسلمين وفتك فيهم، وأفسد في الأرض وكفر، مساويا لعذاب من كفر فقط، وأحسن للأنبياء والمسلمين، وهذا البحث ينبني على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، وقد ذكرنا ذلك في الأصول.\nو(قوله: فمنهم من تأخذه النار إلى كعبيه. . . الحديث) والحجزة: معقد السراويل والإزار. والترقوة، بفتح التاء وضم القاف، وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق. وهذا الحديث أيضًا يدلّ على أن أهل النار يتفاوتون فيها، ويصح مثل هذا في الكفار، كما قلناه في حديث أبي طالب، ويصح أن يكون ذلك فيمن يعذب من الموحدين، إلا أن الله تعالى يميتهم إماتة، كما صح في الحديث.\n* * *\n_________\n(١) انظر إتحاف السادة المتقين (٨/ ٣٤٣).\n(٢) سبق تخريجه.","vol":"7","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1053>(١٧) باب ذبح الموت وخلود أهل الجنة وأهل النار</span>\n[٢٧٦٥] عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: يجاء بالموت. وفي رواية: إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار - يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة، هل تعرفون من هذا؟ فيشرئبون\nــ\n(١٧) ومن باب: ذبح الموت\n(قوله: يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح) قد تقدَّم الكلام على الأملح في الضحايا، وأنه الذي فيه بياض وسواد، والبياض أكثر، كما قاله الكسائي. وقيل: يحتمل أن تكون الحكمة في كون هذا الكبش أملح لأن البياض من جهة الجنة، والسواد من جهة النار. قلت: ظاهر هذا الحديث مستحيل، وذلك أن العقلاء اتفقوا على: أن الموت: إما عرض مخصوص، وإما نفي الحياة، ولم يذهب أحد إلى أنه من قبيل الجواهر، وأيضًا: فإن المدرك من الموت والحياة إنما هما أمران متضادان متعاقبان على الجواهر، كالحركة وكالسكون، وقد دل على ذلك من جهة السمع قوله تعالى: ﴿خَلَقَ المَوتَ وَالحَيَاةَ لِيَبلُوَكُم أَيُّكُم أَحسَنُ عَمَلا﴾ فهذا يبطل قول من قال من المعتزلة: إن الموت عدم الحياة؛ لأنَّ العدم لا يخلق، ولا يوجب اختصاصا للجواهر. واستيفاء المباحث العقلية في علم الكلام، وإذا تقرر ذلك استحال أن ينقلب الموت كبشا؛ لأنَّ ذلك انقلاب الحقائق وهو محال. وقد تأول الناس ذلك الخبر على وجهين:\nأحدهما: أن الله تعالى خلق صورة كبش خلق فيها الموت، فلما رآه أهل","vol":"7","page":190},{"text":"فينظرون، فيقولون: نعم، هذا الموت، قال: ويقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون وينظرون فيقولون: نعم، هذا الموت. قال: فيؤمر به فيذبح، قال: ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت. ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَأَنذِرهُم يَومَ الحَسرَةِ إِذ قُضِيَ الأَمرُ وَهُم فِي غَفلَةٍ وَهُم لا يُؤمِنُونَ﴾ وأشار بيده إلى الدنيا.\nرواه مسلم (٢٨٤٩) (٤٠ و٤١).\n* * *\nــ\nالجنة وأهل النار وعرفوه، فعل الله فيه فعلا يشبه الذبح، أعدمه عند ذلك الفعل حتى يأمنه أهل الجنة، فيزدادوا سرورا إلى سرورهم، وييأس منه أهل النار فيزدادوا حزنا إلى حزنهم، وعلى هذا يدلّ باقي الحديث، ولا إحالة في شيء من ذلك ولا بعد.\nوالوجه الثاني: أن المراد بالحديث تمثيل عدم الموت على جهة التشبيه والاستعارة، ووجهه: أن الموت لما عدم في حق هؤلاء صار بمثابة الكبش الذي يذبح فينعدم، فعبر عنه بذلك، وهذا فيه بُعد وتحميل للكلام على ما لا يصلح له، والوجه المعني: الأول. والله أعلم.\nويشرئبون: يرفعون رؤوسهم ويتشوفون ليبصروا ما عرض عليهم.\nو(قوله: ﴿وَأَنذِرهُم يَومَ الحَسرَةِ إِذ قُضِيَ الأَمرُ﴾، ومعنى أنذرهم: أعلمهم وحذرهم، والنذارة: إعلام بالشر، والبشارة: إعلام بالخير، ويوم الحسرة: يعني به زمن ذبح الموت إذا سمعوا: خلود فلا موت. وقضي: بمعنى أحكم وتمم. والأمر: يعني به خلود أهل النار فيها.\nو(قوله: ﴿وَهُم فِي غَفلَةٍ وَهُم لا يُؤمِنُونَ﴾ استئناف خبر عما كانوا عليه في الدنيا، لا تعلق له بما قبله، يدلّ عليه قوله في الحديث: وأشار بيده إلى الدنيا، يعني أنهم كانوا كذلك في الدنيا، والله تعالى أعلم.","vol":"7","page":191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1054>(١٨) باب محاجة الجنة والنار</span>\n[٢٧٦٦] عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: تحاجت النار والجنة، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وعجزهم. في رواية: وغرتهم، بدل: وعجزهم. فقال الله للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من\nــ\n(١٨) ومن باب: محاجة الجنة والنار\n(قوله: تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين. . . الحديث) ظاهر هذه المحاجة: أنها لسان مقال، فيكون خزنة كل واحد منهما هم القائلون بذلك، ويجوز أن يخلق الله ذلك القول فيما شاء من أجزاء الجنة، وقد قلنا فيما تقدَّم: إنه لا يشترط عقلا في الأصوات المقطعة أن يكون محلها حيا، خلافا لمن اشترط ذلك من المتكلمين. ولو سلمنا ذلك لكان من الممكن أن يخلق الله في بعض أجزاء الجنة والنار الجمادية حياة، بحيث يصدر ذلك القول عنه، والله تعالى أعلم. لا سيما وقد قال بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الحَيَوَانُ﴾ إن كل ما في الجنة حي، ويحتمل أن يكون ذلك لسان حال، فيكون ذلك عبارة عن حالتيهما، والأول أولى، والله تعالى أعلم.\nو(قول الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وعجزهم، وفي رواية: وغرتهم) الضعفاء: جمع ضعيف: يعني به الضعفاء في أمر الدنيا، ويحتمل أن يريد به هنا الفقراء. وحمله على الفقراء أولى من حمله على الأول؛ لأنَّه يكون معنى الضعفاء معنى العجزة المذكورين بعد. وسقطهم - بفتح السين والقاف -: جمع ساقط وهو النازل القدر، وهو الذي عبر عنه بأنه لا يؤبه له، وأصله من سقط المتاع: وهو رديئه. وعجزهم، قال القاضي: هو بفتح العين والجيم، جمع عاجز.","vol":"7","page":192},{"text":"أشاء من عبادي، وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما النار فلا تمتلئ فيضع قدمه عليها فتقول: قط قط، فهنالك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض.\nوفي رواية: فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله تبارك وتعلى رجله تقول: قط قط قط، فهنالك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض، فلا يظلم الله من خلقه أحدا. وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقا.\nرواه أحمد (٢/ ٢٧٦)، والبخاريُّ (٤٨٤٩)، ومسلم (٢٨٤٦) (٣٥ و٣٦)، والترمذيُّ (٢٥٦١).\n[٢٧٦٧] وعن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: لا تزال جهنم يلقى\nــ\nقلت: ويلزمه على ذلك أن يكون بالتاء ككاتب وكتبة، وحاسب وحسبة، وسقوط التاء في مثل هذا الجمع نادر، وإنما يسقطونها إذا سلكوا بالجمع مسلك اسم الجنس، كما فعلوا ذلك في سقطهم، وصواب هذا اللفظ: أن يكون عُجَّزهم بضم العين وتشديد الجيم، كنحو: شاهد وشهد، وكذلك أذكر أني قرأته: وغَرثهم: بفتح الغين المعجمة والثاء المثلثة، جمع غرثان، وهو الجيعان، والغرث: الجوع. وقد رواه الطبري: غِرتهم: بكسر الغين وبالتاء باثنتين فوقها، وتشديد لراء؛ أي غفلتهم وأهل البله منهم، كما قال في الحديث الآخر: أكثر أهل الجنة البله (١) يعني به: عامة أهل الإيمان الذين لم يتفطنوا للشبه، ولم توسوس لهم الشياطين بشيء من ذلك، فهم صحاح العقائد، ثابتو الإيمان، وهم أكثر المؤمنين، وأما العارفون والعلماء والحكماء، فهم الأقل، وهم أصحاب الدرجات العلى والمنازل الرفيعة.\nو(قوله: وأما النار فلا تمتلئ فيضع قدمه عليها، وفي اللفظ الآخر:\n_________\n(١) رواه البزار في مسنده عن أنس، وهو حديث ضعيف. انظر جامع الأصول (١٠/ ٥٣٦).","vol":"7","page":193},{"text":"فيها وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فينزوي\nــ\nحتى يضع رب العزة فيها قدمه. وفي اللفظ الآخر: حتى يضع الله رجله ولم يذكر لا فيها ولا عليها، وقد ضل بظاهر هذا اللفظ من أذهب الله عقله، وأعدم فهمه، وهم المجسمة المشبهة، فاعتقدوا: أن لله تعالى رجلا من لحم وعصب تشبه رجلنا، كما اعتقدوا في الله تعالى أنه جسم يشبه أجسامنا ذو وجه وعينين، وجنب ويد ورجل وهكذا. . . وهذا ارتكاب جهالة خالفوا بها العقول وأدلة الشرع المنقول، وما كان سلف هذه الأمة عليه من التنزيه عن المماثلة والتشبيه، وكيف يستقر هذا المذهب الفاسد في قلب من له أدنى فكرة، ومن العقل أقل مسكة، فإنَّ الأجسام من حيث هي كذلك متساوية في الأحكام العقلية، وما ثبت للشيء ثبت لمثله، وقد ثبت لهذه الأجسام الحدوث، فيلزم عليه أن يكون الله تعالى حادثا، وهو محال باتفاق العقلاء والشرائع. ثم انظر غفلتهم وجهلهم بكلام الله تعالى وبمعانيه، فكأنهم لم يسمعوا قوله تعالى: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ويلزم على قولهم أن يكون كل واحد منا مثلا له تعالى من جهة الجسمية والحيوانية، والجوارح، وغير ذلك من الأعضاء والأعصاب واللحم والجلود والشعور، وغير هذا، وكل ذلك جهالات وضلالات، ولله سر في إبعاد بعض العباد ﴿وَمَن يُضلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن هَادٍ﴾ وقد تأول علماؤنا ذلك الحديث تأويلات (١). وأشبه ما فيها تأويلان:\nأحدهما: أن النار تتغيظ وتتهيج؛ حنقا على الكفار والمتكبرين والعصاة، كما قال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيظِ﴾ وكما قال: ﴿يَومَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امتَلأتِ وَتَقُولُ هَل مِن مَزِيدٍ﴾ وكما قال في هذا الحديث: لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول: هل من مزيد؟، وكما قال: تخرج عنق من النار فتقول:\n_________\n(١) الأولى بنا أن نقولَ في هذا المقام ما يقولُه علماء السلف: نثبتُ لله تعالى ما أثبتَ لنفسه، من غير تعطيل ولا تأويل ولا تجسيم.","vol":"7","page":194},{"text":"بعضها إلى بعض وتقول: قط قط، بعزتك وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة.\nرواه أحمد (٣/ ١٣٤)، والبخاريّ (٧٣٨٤)، ومسلم (٢٨٤٨) (٣٨).\n* * *\nــ\nوكلت بالجبارين والمتكبرين (١). فكأنها تعلو وتطغى حتى كأنها تجاوز الحد، وفي بعض الحديث: أنها تكاد أن تلتقم أهل المحشر فيكسر الله سورتها، وحدتها، ويردها ويذللها ذل متكبر وطئ بالقدم والرجل، فعبر عن تذليلها بذلك، ويشهد لذلك قوله ﷺ: فيضع قدمه عليها، وعلى هذا فيكون فيها في الرواية الأخرى بمعنى عليها. كما قال: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُم فِي جُذُوعِ النَّخلِ﴾ أي: على جذوع النخل.\nوثانيهما: أن القدم والرجل عبارة عمن تأخر دخوله في النار من أهلها، وهم جماعات كثيرة؛ لأنَّ أهل النار يلقون فيها فوجا بعد فوج، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلقِيَ فِيهَا فَوجٌ سَأَلَهُم خَزَنَتُهَا﴾ ويؤيده قوله في هذا الحديث: لا يزال يلقى فيها فالخزنة تنتظر أولئك المتأخرين، إذ قد علموهم بأسمائهم وأوصافهم، كما روي عن ابن مسعود أنه قال: ما في النار بيت ولا سلسلة ولا مقمع ولا تابوت، إلا وعليه اسم صاحبه، فكل واحد من الخزنة ينتظر صاحبه الذي قد عرف اسمه وصفته، فإذا استوفى كل واحد منهم ما أمر به وما ينتظره ولم يبق منهم أحد، قالت الخزنة: قط قط؛ أي: حسبنا حسبنا، اكتفينا اكتفينا. فحينئذ تنزوي جهنم على من فيها؛ أي: تجتمع وتنطبق إذ لم يبق أحد ينتظر، فعبر عن ذلك الجمع المنتظر بالرجل والقدم، كما عبرت العرب عن جماعة الجراد بالرجل، فتقول:\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٥٧٤).","vol":"7","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1055>(١٩) باب شهادة أركان الكافر عليه يوم القيامة وكيف يحشر</span>\n[٢٧٦٨] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَل نَرَى رَبَّنَا يَومَ القِيَامَةِ؟ قَالَ: هَل تُضَارُّونَ فِي رُؤيَةِ الشَّمسِ فِي الظَّهِيرَةِ، لَيسَت فِي سَحَابَةٍ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَهَل تُضَارُّونَ فِي رُؤيَةِ القَمَرِ لَيلَةَ البَدرِ، لَيسَ\nــ\nجاء رجل من جراد؛ أي: جماعة منها، ويشهد بصحَّة هذا التأويل قوله في آخر الحديث: ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة. والله بمراد رسوله أعلم، والتسليم في المشكلات أسلم. وقد تقدَّم القول في قط الزمانية، وأنها مبنية على الضم مشددة ومخففة، وأنها تقال بفتح القاف، وهو الأصل فيها، ويقال بالضم إتباعا. وأما قط بمعنى حسب، فهي مبنية على السكون، وقد تكسر وتلحقها نون الوقاية إذا أضيفت (١)، وتقال بالدال، ويصح فيها ما يصح في الطاء.\n(١٩ و٢٠ و٢١ و٢٢) ومن باب: شهادة أركان الكافر عليه يوم القيامة (٢)\nقد تقدَّم القول على رؤية الله تعالى في كتاب الإيمان، وعلى قوله: تضارون.\n_________\n(١) أي: إلى ياء المتكلم. قال الراجز:\nامتلأ الحوضُ وقال قطنِي ... سلًّا رويدًا قد ملأتَ بطني\nانظر: اللسان مادة (قطط).\n(٢) شرح المؤلف -﵀- تحت هذا العنوان جميع الأبواب المتبقية من كتاب: ذكر الموت وما بعده.","vol":"7","page":196},{"text":"فِي سَحَابَةٍ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَوَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤيَةِ رَبِّكُم، إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤيَةِ أَحَدِهِمَا. قَالَ: فَيَلقَى العَبدَ فَيَقُولُ: أَي فُل، أَلَم أُكرِمكَ وَأُسَوِّدكَ وَأُزَوِّجكَ وَأُسَخِّر لَكَ الخَيلَ وَالإِبِلَ، وَأَذَركَ تَرأَسُ وَتَربَعُ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، قَالَ: فَيَقُولُ: أَفَظَنَنتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ؟ فَيَقُولُ: لَا،\nــ\n(قوله: أي فل) هو منادى مرخم، فكأنه قال: يا فلان، ولا يرخم في غير النداء إلا في ضرورة الشعر.\nو(قوله: ألم أكرمك؟) أي: بما فضلتك به على سائر الحيوانات، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَد كَرَّمنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلنَاهُم فِي البَرِّ وَالبَحرِ وَرَزَقنَاهُم مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلنَاهُم عَلَى كَثِيرٍ مِمَّن خَلَقنَا تَفضِيلا﴾\nو(قوله: وأسودك) أي: جعلتك سيدا على قومك. والسؤدد: التقدم بالأوصاف الجميلة، والأفعال الحميدة.\nو(قوله: وأذرك ترأس وتربع؟) أي: ألم أتركك تترأس على قومك؟ أي: تكون رئيسا عليهم. وتربع - بالموحدة - أي: تأخذ المرباع، أي: الربع فيما يحصل لقومك من الغنائم والكسب. وكانت عادتهم: أن أمراءهم يأخذون من الغنائم الربع، ويسمونه المرباع. قال قطرب: المرباع: الربع. والمعشار: العشر، ولم يسمع في غيرهما. ورواية الجمهور: تربع بالباء، وعند ابن ماهان: ترتع، بتاء باثنتين من فوقها، ومعناه: تتنعم.\nو(قوله: أفظننت أنك ملاقي؟) أي: أعلمت؟ كقوله تعالى: ﴿فَظَنُّوا أَنَّهُم مُوَاقِعُوهَا﴾ أي: علموا.\nو(قوله: فإني أنساك كما نسيتني) أي: أتركك في العذاب كما تركت معرفتي وعبادتي.","vol":"7","page":197},{"text":"فَيَقُولُ: فَإِنِّي أَنسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي، ثُمَّ يَلقَى الثَّانِيَ، فَيَقُولُ له مثل ذلك. ويقول هو مثل ذلك بعينه، ثُمَّ يَلقَى الثَّالِثَ فَيَقُولُ مِثلَ ذَلِكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ آمَنتُ بِكَ وَبِكِتَابِكَ وَبِرسُولِكَ وَصَلَّيتُ وَصُمتُ وَتَصَدَّقتُ، وَيُثنِي بِخَيرٍ مَا استَطَاعَ، قال: فَيَقُولُ: هَاهُنَا إِذًا، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: الآنَ نَبعَثُ شَاهِدًا عَلَيكَ، فَيفكّرُ فِي نَفسِهِ مَن ذَا الَّذِي يَشهَدُ عَلَيَّ؟ فَيُختَمُ عَلَى فِيهِ وَيُقَالُ لِفَخِذِهِ: انطِقِي، فَتَنطِقُ فَخِذُهُ وَلَحمُهُ وَعِظَامُهُ بِعَمَلِهِ، فَذَلِكَ لِيُعذِرَ مِن نَفسِهِ، وَذَلِكَ المُنَافِقُ، وَذَلِكَ الَّذِي يَسخَطُ اللَّهُ عَلَيهِ.\nرواه مسلم (٢٩٦٨).\nــ\nو(قوله للثالث: هاهنا إذًا؟) يعني: أهاهنا تكذب وتقول غير الحق، وذلك أن هذا المنافق أنجاه كذبه ونفاقه في الدنيا من سفك دمه، واستباحة ماله، فاستصحب الكذب إلى الآخرة، حتى كذب بين يدي الله تعالى.\nو(قوله: فيختم على فيه) أي: يمنع من الكلام المكتسب له، وينطق لسانه وسائر أركانه بكلام ضروري لا كسب له فيه، ولا قدرة على منعه، كما قال تعالى: ﴿يَومَ تَشهَدُ عَلَيهِم أَلسِنَتُهُم وَأَيدِيهِم وَأَرجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعمَلُونَ﴾ فإذا شهدت عليه أركانه بعمله خُلي بينه وبين الكلام المقدور ل، فيلوم جوارحه الشاهدة عليه بقوله: ويلكن فعنكن كنت أناضل أي: أدافع وأحتج، والرواية المشهورة: إذًا التي للتعليل. وقد رواها ابن الحذاء: إذن والأول أصح وأشهر، وقد سقطت هذه اللفظة جملة عند الصدفي. واقتصر على: هاهنا. وقيل: معناها: هنا اثبت مكانك، كما تقول لمن تهدده: اثبت مكانك حتى أريك وما ذكرناه أولى وأشبه، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: ليعذر من نفسه) بضم الياء وكسر الذال المعجمة، مِن: أعذر، أي: بالغ في حجَّة نفسه. يعني أن المنافق قال ما قال من ادعاء فعل الخيرات المتقدمة.","vol":"7","page":198},{"text":"[٢٧٦٩] وعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا عِندَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضَحِكَ فَقَالَ: هَل تَدرُونَ مِمَّ أَضحَكُ؟ قَالَ: قُلنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ، قَالَ: مِن مُخَاطَبَةِ العَبدِ رَبَّهُ، يَقُولُ: يَا رَبِّ أَلَم تُجِرنِي مِن الظُّلمِ؟ قَالَ: فيَقُولُ: بَلَى، قَالَ: فَيَقُولُ: فَإِنِّي لَا أُجِيزُ عَلَى نَفسِي إِلَّا شَاهِدًا مِنِّي، قَالَ: فَيَقُولُ: كَفَى بِنَفسِكَ اليَومَ عَلَيكَ شَهِيدًا وَبِالكِرَامِ الكَاتِبِينَ شُهُودًا، قَالَ: فَيُختَمُ عَلَى فِيهِ فَيُقَالُ لِأَركَانِهِ: انطِقِي، قَالَ: فَتَنطِقُ بِأَعمَالِهِ، قَالَ: ثُمَّ يُخَلَّى بَينَهُ وَبَينَ الكَلَامِ، قَالَ: فَيَقُولُ: بُعدًا لَكُنَّ وَسُحقًا، فَعَنكُنَّ كُنتُ أُنَاضِلُ.\nرواه مسلم (٢٩٦٩) (١٧).\n[٢٧٧٠] وعن أنس بن مالك أن رجلا قال: يا رسول الله، كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟ قال قتادة: بلى وعزة ربنا.\nرواه البخاريُّ (٦٥٢٣)، ومسلم (٢٨٠٦).\n* * *\nــ\nو(قوله في الرواية الأخرى: ألم تجرني من الظلم؟ . . . إلى آخر الكلام. .) ليبالغ في عذر نفسه الذي يظن أنه ينجيه، يقال: أعذر الرجل في الأمر، أي: بالغ فيه، وقد تقدم القول في أن أقل ساكني الجنة النساء الآدميات، وأنهن أكثر ساكني النار.","vol":"7","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1056>(٢٠) باب أكثر أهل الجنة وأكثر أهل النار</span>\n[٢٧٧١] عَن أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قُمتُ عَلَى بَابِ الجَنَّةِ فَإِذَا عَامَّةُ مَن دَخَلَهَا المَسَاكِينُ، وَإِذَا أَصحَابُ الجَدِّ مَحبُوسُونَ، إِلَّا أَصحَابَ النَّارِ، فَقَد أُمِرَ بِهِم إِلَى النَّارِ، وَقُمتُ عَلَى بَابِ النَّارِ فَإِذَا عَامَّةُ مَن دَخَلَهَا النِّسَاءُ.\nرواه أحمد (٥/ ٢٠٥)، والبخاريُّ (٥١٩٦)، ومسلم (٢٧٣٦).\n[٢٧٧٢] وعَن أَبِي التَّيَّاحِ قَالَ: كَانَ لِمُطَرِّفِ بنِ عَبدِ اللَّهِ امرَأَتَانِ، فَجَاءَ مِن عِندِ إِحدَاهُمَا فَقَالَت الأُخرَى: جِئتَ مِن عِندِ فُلَانَةَ؟ فَقَالَ: جِئتُ مِن عِندِ عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ، فَحَدَّثَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ أَقَلَّ سَاكِنِي الجَنَّةِ النِّسَاءُ.\nرواه أحمد (٤/ ٤٢٧)، ومسلم (٢٧٣٨).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1057>(٢١) باب لكل مسلم فداء من النار من الكفار</span>\n[٢٧٧٣] عن أبي بردة عن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا كان يوم القيامة دفع الله إلى كل مسلم يهوديا أو نصرانيا فيقول: هذا فكاكك من النار.\nــ\nو(قوله: إذا كان يوم القيامة دفع الله إلى كل مسلم يهوديا، أو نصرانيا، فيقول: هذا فكاكك من النار) يعني: مسلما مذنبا، بدليل الرواية الأخيرة التي قال","vol":"7","page":200},{"text":"وفي أخرى: لا يموت رجل مسلم إلا أدخل الله مكانه النار يهوديا أو نصرانيا.\nقال: فاستحلفه عمر بن عبد العزيز بالله الذي لا إله إلا هو - ثلاث مرات - أن أباه حدثه عن رسول الله ﷺ. قال: فحلف له.\nرواه مسلم (٢٧٦٧) (٤٩ و٥٠).\n* * *\nــ\nفيها: يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال (١). ومعنى كونه فكاكا للمسلم من النار، وأن الله يغفر للمسلم ذنوبه، ويضاعف للكافر العذاب بحسب جرائمه؛ لأنَّه تعالى لا يؤاخذ أحدا بذنب أحد، كما قال: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزرَ أُخرَى﴾\nو(قوله في الرواية الأخرى: فيغفرها لهم) أي: يسقط المؤاخذة عنهم بها حتى كأنهم لم يذنبوا، ومعنى قوله: ويضعها على اليهود والنصارى أي: أنه يضاعف عليهم عذاب ذنوبهم حتى يكون عذابهم بقدر جرمهم، وجرم مذنبي المسلمين لو أخذوا بذلك، وله تعالى أن يضاعف لمن يشاء العذاب، ويخففه عمن يشاء، بحكم إرادته ومشيئته؛ إذ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. ولما كان خلاص المؤمن من ذنوبه عندما يدفع له الكافر سمي بذلك فكاكا كما سمي تخليص الرهن من يد المرتهن: فكاكا.\nوأما قوله في الرواية الأخرى: لا يموت مسلم (٢) إلا أدخل الله مكانه النار يهوديا أو نصرانيا، فيعني بذلك - والله أعلم - أن المسلم المذنب لما كان يستحق\n_________\n(١) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٥٤) وعزاه للطبراني في الأوسط، وفيه: جابر ابن يزيد الجعفي، وهو ضعيف.\n(٢) في مسلم والتلخيص: رجل مسلم.","vol":"7","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1058>(٢٢) باب آخر من يخرج من النار وآخر من يدخل الجنة وما لأدنى أهل الجنة منزلة وما لأعلاهم</span>\n[٢٧٧٤] عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ مَسعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنِّي لَأَعلَمُ آخِرَ أَهلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنهَا، وَآخِرَ أَهلِ الجَنَّةِ دُخُولًا الجَنَّةَ: رَجُلٌ يَخرُجُ مِن النَّارِ حَبوًا، فَيَقُولُ له اللَّهُ: اذهَب فَادخُل الجَنَّةَ، فَيَأتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيهِ أَنَّهَا مَلأَى، فَيَرجِعُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَجَدتُهَا مَلأَى، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: اذهَب فَادخُل الجَنَّةَ، فَإِنَّ لَكَ مِثلَ الدُّنيَا وَعَشَرَةَ أَمثَالِهَا - أَو: إِنَّ لَكَ عَشَرَةَ\nــ\nمكانا من النار بسبب ذنوبه، وعفا الله تعالى عنه، وبقي مكانه خاليا منه، أضاف الله ذلك المكان إلى يهودي أو نصراني ليعذب فيه، زيادة على تعذيب مكانه الذي يستحقه بسبب كفره، ويشهد لذلك قوله - ﷺ - في حديث أنس للمؤمن الذي ثبت عند السؤال في القبر: فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة (١)، وقد تقدَّم الكلام عليه، وإنما احتاج علماؤنا لتأويل ألفاظ حديث أبي موسى المذكور في هذا الحديث لما عارضها من قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزرَ أُخرَى﴾ ولقوله: ﴿وَأَن لَيسَ لِلإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ ولقوله: ﴿وَإِن تَدعُ مُثقَلَةٌ إِلَى حِملِهَا لا يُحمَل مِنهُ شَيءٌ وَلَو كَانَ ذَا قُربَى﴾ ولقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفسٍ بِمَا كَسَبَت رَهِينَةٌ﴾ ولقوله ﷺ: ألا لا يجني جان إلا على نفسه (٢)، ومثله كثير. وعلى الجملة فهي قاعدة معلومة من الشرع لا يختلف فيها.\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ١٢٦)، والبخاري (١٣٣٨)، ومسلم (٢٨٧٠) (٧٢).\n(٢) رواه أحمد (٣/ ٤٩٩).","vol":"7","page":202},{"text":"أَمثَالِ الدُّنيَا - قَالَ: فَيَقُولُ: أَتَسخَرُ بِي - أَو: أَتَضحَكُ بِي - وَأَنتَ المَلِكُ؟ قَالَ: لَقَد رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَحِكَ حَتَّى بَدَت نَوَاجِذُهُ، قَالَ: فَكَانَ يُقَالُ: ذَاكَ أَدنَى أَهلِ الجَنَّةِ مَنزِلًا.\nرواه مسلم (١٨٦) (٣٠٨)، والترمذي (٢٥٩٩)، وابن ماجه (٤٣٣٩).\n[٢٧٧٥] وعنه؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: آخِرُ مَن يَدخُلُ الجَنَّةَ رَجُلٌ، فَهوَ يَمشِي مَرَّةً وَيَكبُو مَرَّةً، وَتَسفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً، فَإِذَا مَا جَاوَزَهَا التَفَتَ إِلَيهَا، فَقَالَ: تَبَارَكَ الَّذِي نَجَّانِي مِنكِ، لَقَد أَعطَانِي اللَّهُ شَيئًا مَا أَعطَاهُ أَحَدًا مِن الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، فَتُرفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ فَيَقُولُ: أَي رَبِّ أَدنِنِي مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلِأَستَظِلَّ بِظِلِّهَا وَأَشرَبَ مِن مَائِهَا، فَيَقُولُ اللَّهُ تعالى: يَا ابنَ آدَمَ لَعَلِّي إِنَّ أَعطَيتُكَهَا سَأَلتَنِي غَيرَهَا، فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، وَيُعَاهِدُهُ أَلا يَسأَلَهُ غَيرَهَا، وَرَبُّهُ يَعذِرُهُ؛ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبرَ لَهُ عَلَيهِ، فَيُدنِيهِ مِنهَا، فَيَستَظِلُّ بِظِلِّهَا، وَيَشرَبُ مِن مَائِهَا، ثُمَّ تُرفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ هِيَ أَحسَنُ مِن الأُولَى،\nــ\nو(قوله: أتسخر مني وأنت الملك؟، وفي اللفظ الآخر: أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟) يحتمل أن يكون هذا القول صدر من هذا الرجل عند غلبة الفرح عليه، واستحقاقه إياه، فغلط كما غلط الذي قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك. ويحتمل أن يكون معناه: أتجازيني على ما كان مني في الدنيا من الاستهزاء والسخرية بأعمالي وقلة احتفالي بها، فيكون هذا على جهة المقابلة، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَستَهزِئُ بِهِم﴾ و﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ وقد تقدَّم القول في ضحك الله تعالى، وأنه راجع إلى الرضا.\nو(قوله: يكبو مرة وتسفعه النار مرة) أي: يسقط، ويعثر بخطاطيف الصراط وعقباته، وتسفعه: أي: تحرقه، وتغير لونه.","vol":"7","page":203},{"text":"فَيَقُولُ: أَي رَبِّ! أَدنِنِي مِن هَذِهِ لِأَشرَبَ مِن مَائِهَا، وَأَستَظِلَّ بِظِلِّهَا، لَا أَسأَلُكَ غَيرَهَا، فَيَقُولُ: يَا بنَ آدَمَ أَلَم تُعَاهِدنِي ألا تَسأَلَنِي غَيرَهَا؟ فَيَقُولُ: لَعَلِّي إِن أَدنَيتُكَ مِنهَا تَسأَلُنِي غَيرَهَا، فَيُعَاهِدُهُ أَلا يَسأَلَهُ غَيرَهَا، وَرَبُّهُ يَعذِرُهُ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبرَ لَهُ عَلَيهِ، فَيُدنِيهِ مِنهَا، فَيَستَظِلُّ بِظِلِّهَا وَيَشرَبُ مِن مَائِهَا، ثُمَّ تُرفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ عِندَ بَابِ الجَنَّةِ هِيَ أَحسَنُ مِن الأُولَيَينِ، فَيَقُولُ. . . إلى: فَيُدنِيهِ مِنهَا، فَإِذَا أَدنَاهُ مِنهَا سمع أَصوَاتَ أَهلِ الجَنَّةِ، فَيَقُولُ: أَي رَبِّ أَدخِلنِيهَا، فَيَقُولُ يَا ابنَ آدَمَ مَا يَصرِينِي مِنكَ؟ أَيُرضِيكَ أَن أُعطِيَكَ الدُّنيَا وَمِثلَهَا مَعَهَا؟ فَيَقُولُ: أَي رَبِّ أَتَستَهزِئُ مِنِّي وَأَنتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟ فَضَحِكَ ابنُ مَسعُودٍ، فَقَالَ: أَلَا تَسأَلُونِي مِمَّ أَضحَكُ؟ فَقَالُوا: مِمَّ تَضحَكُ؟ فقَالَ: هَكَذَا ضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: مِمَّ تَضحَكُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مِن ضِحكِ رَبِّ العَالَمِينَ فَيَقُولُ: إِنِّي لَا أَستَهزِئُ مِنكَ، وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ.\nرواه أحمد (١/ ٣٩١)، ومسلم (١٨٧).\n[٢٧٧٦] وعن المغيرة بن شعبة - رفعه - قال: سَأَلَ مُوسَى - ﵇ - رَبَّهُ، فقال: يا رب مَا أَدنَى أَهلِ الجَنَّةِ مَنزِلَةً؟ قَالَ: هُوَ رَجُلٌ يَأتي بَعدَمَا يدخل أَهلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، فَيُقَالُ لَهُ: ادخُل الجَنَّةَ، فَيَقُولُ: أَي رَبِّ كَيفَ وَقَد نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُم وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِم؟ فَيُقَالُ لَهُ: أَتَرضَى أَن يَكُونَ لَكَ مِثلُ مُلكِ مَلِكٍ مِن مُلُوكِ الدُّنيَا؟ فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّي، فَيَقُولُ: لَكَ ذَلِكَ وَمِثلُهُ معه وَمِثلُهُ وَمِثلُهُ وَمِثلُهُ وَمِثلُهُ، فَقَالَ فِي الخَامِسَةِ: رَضِيتُ رَبِّي، فَيَقُولُ: هَذَا لَكَ وَعَشَرَةُ أَمثَالِهِ، وَلَكَ مَا اشتَهَت\nــ\nو(قول الله تعالى: ما يصريني منك؟) أي: ما يقطع طلبتك وما يفصلها؟","vol":"7","page":204},{"text":"نَفسُكَ، وَلَذَّت عَينُكَ، فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّي، قَالَ: رَبِّ فَأَعلَاهُم مَنزِلا؟ قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدتُ، غَرَستُ كَرَامَتَهُم بِيَدِي، وَخَتَمتُ عَلَيهَا، فَلَم تَرَ عَينٌ، وَلَم تَسمَع أُذُنٌ، وَلَم يَخطُر عَلَى قَلبِ بَشَرٍ، قَالَ: وَمِصدَاقُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﷿: ﴿فَلا تَعلَمُ نَفسٌ مَا أُخفِيَ لَهُم مِن قُرَّةِ أَعيُنٍ﴾ الآيَةَ. وقد روي موقوفا عن المغيرة قوله.\nرواه مسلم (١٨٩) (٣١٢ و٣١٣)، والترمذيُّ (٣١٩٦).\n* * *\nــ\nيقال: صريت ما بينهم صريا، أي: فصلت، ويقال: اختصمنا إلى الحاكم فصرَّى بيننا؛ أي قطع وفصل.\n* * *","vol":"7","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1059>(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1060>(١) باب إقبال الفتن ونزولها كمواقع القطر ومن أين تجيء</span>\n[٢٧٧٧] عن زينب بنت جحش - زوج النبي ﷺ - قالت: خرج رسول الله ﷺ يوما فزعا محمرا وجهه يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب،\nــ\n(٤١) كتاب الفتن والأشراط\n[(١) باب الفتن ونزولها كمواقع القطر، ومن أين تجيء] (١)\n(قوله ﷺ: ويل للعرب من شر قد اقترب) هذا تنبيه على الاختلاف والفتن والهرج الواقع في العرب، وأول ذلك قتل عثمان - ﵁ - ولذلك أخبر عنه بالقرب، ثم لم يزل كذلك إلى أن صارت العرب بين الأمم كالقصعة بين الأكلة،\n_________\n(١) هذا العنوان لم يرد في المفهم، واستدركناه من التلخيص.","vol":"7","page":206},{"text":"فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه،\nــ\nكما قال في الحديث الآخر: أوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها (١). قال ذلك مخاطبا للعرب، ولهم خاطب أيضًا بقوله: إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر.\nو(قوله: فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه) الردم: هو السد الذي بناه ذو القرنين على يأجوج ومأجوج، ويهمزان ولا يهمزان لغتان. وقرئ بهما، فمن همزهما جعلهما من أجيج النار، وهو ضوءها وحرارتها، وسموا بذلك لكثرتهم وشدتهم، وقيل: من الأجاج، وهو الماء الشديد الملوحة، وقيل: هما اسمان أعجميان غير مشتقين. قال مقاتل: هم من ولد يافث بن نوح -﵇ - الضحاك: من الترك. كعب: احتلم آدم - ﵇ - فاختلط ماؤه بالتراب فأسف، فخُلقوا من ذلك، وفيه نظر؛ لأنَّ الأنبياء لا يحتلمون. وذكر الغزنوي في كتابه المسمى بعيون المعاني: أن النبي ﷺ قال: يأجوج أمة لها أربعمائة أمير، وكذلك مأجوج، لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف فارس من ولده. صنف منهم كالأرز طولهم مائة وعشرون ذراعا، وصنف يفترش أذنه ويلتحف بالأخرى، لا يمرون بفيل ولا خنزير إلا أكلوه، ويأكلون من مات منهم. مقدمتهم بالشام وساقتهم بخراسان، يشربون أنهار المشرق، وبحيرة طبرية، فيمنعهم الله من مكة والمدينة وبيت المقدس. وقال علي - ﵁ -: وصنف منهم في طول شبر، لهم مخالب وأنياب السباع، وتداعي الحمام، وتسافد البهائم، وعواء الذئب، وشعور تقيهم الحر والبرد، وآذان عظام، إحداها وبرة يشتون فيها، والأخرى جلدة يصيفون فيها، يحفرون السد حتى كادوا ينقبونه، فيعيده الله كما كان، حتى يقولوا: ننقبه غدا - إن شاء الله - فينقبون ويخرجون،\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٢٧٨)، وأبو داود (٤٢٩٧) عن ثوبان، ولفظه: \"يُوشك الأممُ أن تداعى عليكم. . .\".","vol":"7","page":207},{"text":"وحلق بإصبعيه: الإبهام والتي تليها.\nقالت: فقلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث.\nرواه أحمد (٧/ ٤٢٨)، والبخاري (٣٣٤٦)، ومسلم (٢٨٨٠) (٢)، والترمذي (٢١٨٧)، وابن ماجه (٣٩٥٣).\nــ\nويتحصن الناس بالحصون، فيرمون إلى السماء، فيرد إليهم السهم ملطخا بالدم، ثم يهلكهم الله بالنغف في رقابهم، يعني: الدود.\nقلت: وسيأتي من أخبارهم الصحيحة ما يشهد بالصحة لأكثر هذين الحديثين.\nو(قوله: مثل هذه - وحلق بأصبعيه: الإبهام والتي تليها -) هذا إخبار وتفسير من الصحابة التي شاهدت إشارة النبي ﷺ. ثم إن الرواة بعدهم عبروا عن ذلك باصطلاح الحساب، فقال بعضهم: وعقد سفيان بيده عشرة، وقال بعضهم: وعقد وهيب بيده تسعين، وهذا تقريب في العبارة. والحاصل: أن الذي فتحوا من السد قليل، وهم مع ذلك لم يلهمهم الله أن يقولوا: غدا نفتحه إن شاء الله تعالى، فإذا قالوها خرجوا، والله أعلم.\nو(قوله: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث) رويناه بفتح الباء وهو اسم للزنى. قال القاضي: العرب تسمي الزنى خبثا وخبيثة، ومنه في المُخدج: أنه وجد مع أمة يخبث بها (١)، أي: يزني بها، وهو أحد التأويلين في قوله تعالى: ﴿الخَبِيثَاتُ لِلخَبِيثِينَ﴾ وقيل: هو الفسوق والفجور، ويروى: الخَبث، بسكون الباء، وهو مصدر، يقال: خبث الرجل خبثا، فهو\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (٢٥٧٤).","vol":"7","page":208},{"text":"[٢٧٧٨] وعن أسامة أن النبي ﷺ أشرف على أطم من آطام المدينة ثم قال: هل ترون ما أرى؟ إني لأرى موقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر.\nرواه أحمد (٥/ ٢٥٠)، والبخاري (١٨٧٨)، ومسلم (٢٨٨٥).\n(٤٥) [٢٧٧٩] وعن ابن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ وهو مستقبل المشرق يقول: ألا إن الفتنة هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان.\nرواه أحمد (٢/ ٧٢)، والبخاري (٣٢٧٩)، ومسلم (٢٩٠٥) (٤٥)، والترمذيُّ (٢٢٦٩).\n[٢٧٨٠] وعن سالم بن عبد الله أنه قال: يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم للكبيرة، سمعت أبي، عبد الله بن عمر يقول:\nــ\nخبيث، وأخبثه غيره: علّمه الخبث. وقد تقدَّم أن الله تعالى إذا أهلك قوما مهلكا واحدا بعثهم على نياتهم.\nو(قوله: أشرف على أطم من آطام المدينة) أي: على حصن من حصونها، وتسمى أيضًا: الآجام، وقد تقدَّم ذلك. وأشرف: ارتفع.\nو(قوله: إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم) مواقع: جمع موقع، وهو: موضع سقوط الشيء، ووقوعه. وخلال: بمعنى بين، وهو خبر عن أنه رأى مواضع الفتن، وعاينها، وقد نص في الخبر الآتي بعد هذا على أنها تأتي من قبل المشرق، وقد وجد كل ذلك كما أخبر عنه ﷺ، فكان ذلك من أدلة صحة نبوته ورسالته، ظهرت بعد وفاته. وقد تقدَّم القول في قرني الشيطان في كتاب الصلاة.\nو(قول سالم لأهل العراق: إنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ. . . الكلام إلى آخره) تعظيم لما أقدموا عليه من قتل أخيار المسلمين","vol":"7","page":209},{"text":"سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الفتنة تجيء من هاهنا - وأومأ بيده نحو المشرق - من حيث يطلع قرنا الشيطان، وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض، وإنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ، فقال الله له: ﴿وَقَتَلتَ نَفسًا فَنَجَّينَاكَ مِنَ الغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾\nرواه مسلم (٢٩٠٥) (٥٠).\n* * *\nــ\nوصدورهم، وتقبيح عليهم، وتهديد لهم، ووجه ذلك: أن الله تعالى عظم على موسى - ﵇ - وهو صفيه وكليمه، ﵇ - قتل كافر لم يُنه عن قتله، مع أن قتله كان خطأ، وكرر عليه، وامتن عليه بمغفرته له ذلك مرارا، فكيف يكون حال من سفك دماء خيار المسلمين من صدور هذه الأمة من الصحابة والتابعين؟ ! كل ذلك بمحض الهوى، والتجرؤ على استباحة الدماء، فهم الذين قتلوا الحسين، وسبوا نساءه وأولاده من غير توقف ولا سؤال، وسألوا عن دم البراغيث ليرتفع عنهم الإشكال، فإنا لله وإنا إليه راجعون.\nو(قوله: ﴿فَنَجَّينَاكَ مِنَ الغَمِّ﴾ أي: من غم البحر، وقيل: غم الخوف والقود. ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ فتنة بعد فتنة؛ أي: محنة بعد محنة، وفتونا: مصدر فتن، كخرج خروجا، وقعد قعودا. وقال قتادة: بلوناك بلاء بعد بلاء، يعني: أنعمنا عليك بنعم كثيرة. وقد تقدَّم: أن البلاء يكون بمعنى الابتلاء بالخير والشر. وكل ذلك بمعنى الفتنة والمحنة؛ لأنَّها كلها بمعنى واحد.\n* * *","vol":"7","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1061>(٢) باب الفرار من الفتن وكسر السلاح فيها وما جاء: أن القاتل والمقتول في النار</span>\n[٢٧٨١] عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، ومن وجد فيها ملجأ فليعذ به.\nرواه أحمد (٢/ ٢٨٢)، والبخاريُّ (٣٦٠١)، ومسلم (٢٨٨٦) (١٠).\n[٢٧٨٢] وعن أبي بكرة قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتَنٌ، أَلَا ثُمَّ تَكُونُ فِتَنٌ، القَاعِدُ فِيهَا خَيرٌ مِن المَاشِي، وَالمَاشِي فِيهَا خَيرٌ مِن السَّاعِي إِلَيهَا، أَلَا فَإِذَا نَزَلَت - أَو وَقَعَت - فَمَن كَانَ لَهُ إِبِلٌ فَليَلحَق بِإِبِلِهِ، وَمَن كَانَت لَهُ غَنَمٌ فَليَلحَق بِغَنَمِهِ، وَمَن كَانَت لَهُ أَرضٌ فَليَلحَق بِأَرضِهِ، قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيتَ مَن لَم يَكُن لَهُ إِبِلٌ، وَلَا\nــ\n(٢) ومن باب: الفرار من الفتن وكسر السلاح فيها\n(قوله: من تشرف إليها تستشرفه) أي: من تعاطاها أو تشوف إليها صرعته وأهلكته، وهو مأخوذ من أشرف المريض على الهلاك: إذا أشفى عليه، وقد روي: من يتشرف إليها على أنه فعل مضارع مجزوم بالشرط. والأول على أنه فعل ماض بموضع جزم بالشرط.\nو(قوله: إنها ستكون فتن، ألا ثم تكون فتن. . . الحديث إلى آخره) كله تضمن الإخبار عن وقوع فتن هائلة عظيمة بعده، والأمر بالكف عنها والفرار منها.","vol":"7","page":211},{"text":"غَنَمٌ وَلَا أَرضٌ؟ قَالَ: فليَعمِد إِلَى سَيفِهِ، فَيَدُقّ عَلَى حَدِّهِ بِحَجَرٍ، ثُمَّ لِيَنجُ إِن استَطَاعَ النَّجَاءَ، اللَّهُمَّ هَل بَلَّغتُ اللَّهُمَّ هَل بَلَّغتُ اللَّهُمَّ هَل\nــ\nو(قوله: يعمد إلى سيفه فيدق عليه بحجر) هذا محمول على ظاهره، وذلك أنه إذا فعل ذلك لم يكن له شيء يستعين به على الدخول فيها فيفر منها أو يسلم.\nو(قوله: ثم لينج إن استطاع النجاء) أي: ليسرع وليفر إن وجد إلى ذلك سبيلا. وقد قال بظاهر هذه الأحاديث جماعة من السلف، فاجتنبوا جميع ما وقع بين الصحابة من الخلاف والقتال، منهم: أبو بكرة وعبد الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة، وأسامة بن زيد، فأما عبد الله بن عمر فندم على تخلفه عن نصر علي بن أبي طالب - ﵁ - وقال عند موته: ما آسى على شيء ما آسى على تركي قتال الفئة الباغية. يعني فئة معاوية. وأما محمد بن مسلمة فاتخذ سيفا من خشب، وقال: إن رسول الله ﷺ أمره بذلك وأقام بالربذة. فمن هؤلاء من تمسك بمثل هذه الأحاديث فانكف، ومنهم من أشكل عليه الأمر فانكف لذلك، كعبد الله بن عمر إلى أن اتضح له الحق فندم. قال القاضي: ويتوجه في هذا الحديث الكلام في دماء الصحابة وقتالهم. وللناس في ذلك غلو وإسراف واضطراب من المقالات واختلاف، والذي عليه جماعة أهل السنة والحق: حسن الظن بهم، والإمساك عما شجر بينهم، وطلب أحسن التأويل لفعلهم، وأنهم مجتهدون غير قاصدين للمعصية والمجاهرة بذلك، وطلب حب الدنيا، بل: كل عمل على شاكلته وبحسب ما أداه إليه اجتهاده، لكن منهم المخطئ في اجتهاده، ومنهم المصيب، وقد رفع الله تعالى الحرج عن المجتهد المخطئ في فروع الدين، وضعف الأجر للمصيب. وقد توقف الطبري وغيره عن تعيين المحق منهم، وعند الجمهور أن عليا وأشياعه مصيبون في ذبهم عن الإمامة، وقتالهم من نازعهم فيها؛ إذ كان أحق الناس بها وأفضل من على الأرض حينئذ، وغيره تأول وجوب القيام بتغيير المنكر","vol":"7","page":212},{"text":"بَلَّغتُ؟ قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيتَ إِن أُكرِهتُ حَتَّى يُنطَلَقَ بِي إِلَى أَحَدِ الصَّفَّينِ - أَو: إِحدَى الفِئَتَينِ - فَضَرَبَنِي رَجُلٌ بِسَيفِهِ، أَو يَجِيءُ سَهمٌ فَيَقتُلُنِي؟ قَالَ: يَبُوءُ بِإِثمِهِ وَإِثمِكَ وَيَكُونُ مِن أَصحَابِ النَّارِ.\nرواه أحمد (٥/ ٤٨)، ومسلم (٢٨٨٧)، وأبو داود (٤٢٥٦).\n[٢٧٨٣] وعَن الأَحنَفِ بنِ قَيسٍ قَالَ: خَرَجتُ وَأَنَا أُرِيدُ هَذَا\nــ\nفي طلب قتلة عثمان الذين في عسكر علي - ﵁ - وأنهم لا يعطون بيعة ولا يعقدون إمامة حتى يقضوا ذلك، ولم يطلبوا سوى ذلك، ولم ير هو دفعهم إذ الحكم فيهم إلى الإمام، وكانت الأمور لم يستقر استقرارها، ولا اجتمعت الكلمة بعد، وفيهم عدد ولهم شوكة ومنعة. ولو أظهر تسليمهم أولا أو القصاص، لاضطرب الأمر وابنتَّ الحبل. ومنهم جماعة لم يروا الدخول في شيء من ذلك؛ محتجين بنهي النبي ﷺ عن التلبس بالفتن، والنهي عن قتال أهل الدعوة، كما احتج به أبو بكرة - ﵁ - في هذا الحديث على الأحنف، وعذروا الطائفتين بتأويلهم، ولم يروا إحداهما باغية فيقاتلوها.\nو(قوله: أرأيت إن أكرهت؟ إلى قوله: يبوء بإثمه وإثمك) أي: يرجع، والمباءة: المرجع، وقد تقدم ذلك، ويعني: أنه يبوء بإثمه فيما دخل فيه، وبإثمك بقتله إياك، أو لإكراهه إياك على ما أكرهك، وفيه: رفع الحرج عن المكره على مثل هذا، والمكره هنا هو الذي لا يملك من نفسه شيئا، لقوله: أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي، ولم يقل: إنه انطلق من قبل نفسه. ولم يختلفوا: أن الإكراه على القتل لا يعذر به أحد، وإنما يعذر فيما تعلق بالقلب، أو ما لم يملك الإنسان نفسه. واختلف في الإكراه على المعاصي التي بين الله تعالى وبين عبده، هل يعذر المكره فيها في أحكام الدنيا والآخرة أم لا؟ وفي المسألة أبحاث تعرف في كتب الأصول.","vol":"7","page":213},{"text":"الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكرَةَ فَقَالَ: أَينَ تُرِيدُ يَا أَحنَفُ؟ قَالَ: قُلتُ: أُرِيدُ نَصرَ ابنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَعنِي عَلِيًّا، قَالَ: فَقَالَ لِي: يَا أَحنَفُ ارجِع؛ فَإِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا تَوَاجَهَ المُسلِمَانِ بِسَيفَيهِمَا فَالقَاتِلُ وَالمَقتُولُ فِي النَّارِ، قَالَ: فَقُلتُ: - أَو قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا القَاتِلُ فَمَا بَالُ المَقتُولِ؟ قَالَ: إِنَّهُ قَد أَرَادَ قَتلَ صَاحِبِهِ.\nرواه أحمد (٥/ ٤٣ و٥١)، والبخاريُّ (٣١)، ومسلم (٢٨٨٨) (١٤)، وأبو داود (٤٢٦٨ و٤٢٦٩)، والنسائي (٧/ ١٢٥)، وابن ماجه (٣٩٦٥).\n[٢٧٨٤] وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: والذي نفسي\nــ\nو(قوله: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار) معناه: أنهما مستحقان لذلك، أما القاتل فبالقتل الحرام، وأما المقتول فبالقصد الحرام، والمستحق للشيء قد يعفى عنه، وإن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فأما من اعتقد استحلال دم المسلم بغير سبب ولا تأويل فهو كافر، وفي بعض ألفاظ هذا الحديث في الأم: إذا المسلمان حمل أحدهما على أخيه السلاح فهما على جرف جهنم، فإذا قتل أحدهما صاحبه دخلاها جميعا (١). رواه الطبري والعذري: وهما على جرف جهنم كما ذكرناه، بالجيم، وعند بعضهم: حرف بالحاء، وكلاهما متقارب في المعنى والصورة. ورواه ابن ماهان: في حر بالحاء المهملة والراء، وغير فاء، مصدر حرت النار تحر حرا وحرارة.\n_________\n(١) الحديث في صحيح مسلم برقم (٢٨٨٨) (١٦).","vol":"7","page":214},{"text":"بيده! لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس يوم لا يدري القاتل فيما قتل، ولا المقتول فيما قتل، فقلت: فكيف ذلك؟ قال: الهرج، القاتل والمقتول في النار.\nرواه مسلم (٢٩٠٨) (٥٦).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1062>(٣) باب لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، وحتى يكثر الهرج وجعل بأس هذه الأمة بينها</span>\n[٢٧٨٥] عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، تكون بينهما مقتلة عظيمة ودعواهما واحدة.\nــ\nو(قوله: لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس يوم لا يدري القاتل فيما قتل ولا المقتول فيما قتل) يعني بذلك أن الأهواء تغلب، والهرج والقتل يكثر ويستسهل حتى لا يبالى به. فيكون قتل المسلم عند قاتله كقتل نملة، كما هو الحال الآن في أقصى المغرب، والهرج: هو كثرة الاختلاف والقتل، وهو ساكن الراء.\nو(قوله هنا: القاتل والمقتول في النار) يوضح أن ذلك محمول في هذا الحديث وفي حديث أبي بكرة على ما إذا كان القتال في طلب الدنيا، أو على مقتضى الأهواء، وليس في المتأولين المسلمين ولا فيمن قاتل الباغين.\n(٣) ومن باب: لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان\nيعني بهما فئة علي ومعاوية - ﵄ - والله تعالى أعلم.\nو(قوله: دعواهما واحدة) أي دينهما واحد؛ إذ الكل مسلمون، يدعون","vol":"7","page":215},{"text":"رواه أحمد (٢/ ٣١٣)، والبخاري (٣٦٠٩)، ومسلم (١٥٧) الفتن (١٧).\n[٢٧٨٦] وعنه أن رسول الله ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج، قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: القتل القتل.\nرواه مسلم (٢٨٨٨) (١٨).\n[٢٧٨٧] وعن ثوبان قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الأَرضَ فَرَأَيتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبلُغُ مُلكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنهَا،\nــ\nبدعوة الإسلام عند الحرب، وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.\nو(قوله في تفسير الهرج: القتل القتل) وجدته في كتاب الشيخ برفع اللام من القتل في اللفظين، معتنى به مصححا عليه، وهو مرفوع على خبر مبتدأ محذوف؛ أي هو القتل هو القتل. وأصل الهرج: الاختلاط. يقال: هرج القوم: إذا اختلطوا، وسمي القتل بالهرج لأنه لا يكون غالبا إلا عن الاختلاط.\nو(قوله: وإن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها) أي: جمعها لي حتى أبصرت ما تملكه أمتي من أقصى المشارق والمغارب منها. وظاهر هذا اللفظ يقتضي أن الله تعالى قوى إدراك بصره، ورفع عنه الموانع المعتادة، فأدرك البعيد من موضعه، كما أدرك بيت المقدس من مكة، وأخذ يخبرهم عن آياته، وهو ينظر إليه، وكما قال: إني لأبصر قصر المدائن الأبيض (١). ويحتمل أن يكون مثلها الله له فرآها، والأول أولى.\n_________\n(١) ذكره ابن عبد البر في \"الدرر\" ص (١٧٠).","vol":"7","page":216},{"text":"وَأُعطِيتُ الكَنزَينِ: الأَحمَرَ وَالأَبيَضَ، وَإِنِّي سَأَلتُ رَبِّي لِأُمَّتِي ألا يُهلِكَهَا بِسَنَةٍ بعَامَّةٍ، وألا يُسَلِّطَ عَلَيهِم عَدُوًّا مِن سِوَى أَنفُسِهِم فَيَستَبِيحَ\nــ\nو(قوله: إن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها) هذا الخبر قد وجد مخبره كما قال ﷺ، وكان ذلك من دلائل نبوته، وذلك أن ملك أمته اتسع إلى أن بلغ أقصى بحر طنجة الذي هو منتهى عمارة المغرب، إلى أقصى المشرق، مما وراء خراسان والنهر، وكثير من بلاد الهند والسند والصغد. ولم يتسع ذلك الاتساع من جهة الجنوب والشمال، ولذلك لم يذكر أنه أريه، ولا أخبر أن ملك أمته يبلغه.\nو(قوله: أعطيت الكنزين) يعني به: كنز كسرى، وهو ملك الفرس، وملك قيصر، وهو ملك الروم، وقصورهما، وبلادهما، وقد دل على ذلك قوله ﷺ في الحديث الآخر حين أخبر عن هلاكهما: (لتنفقن كنوزهما في سبيل الله (١)، وعبر بالأحمر عن كنز قيصر؛ لأنَّ الغالب عندهم كان الذهب، وبالأبيض عن كنز كسرى؛ لأنَّ الغالب كان عندهم الفضة والجوهر. وقد ظهر ذلك، ووجد كذلك في زمان الفتوح في خلافة عمر - ﵁ - فإنَّه سيق إليه تاج كسرى وحليته، وما كان في بيوت أمواله، وجميع ما حوته مملكته على سعتها وعظمتها، وكذلك فعل الله بقيصر، لما فتحت بلاده.\nو(قوله: وإني دعوت (٢) ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة بعامة) كذا صحت الرواية بالباء في (بعامة) وكأنها زائدة؛ لأنَّ عامة صفة لسنة، فكأنه قال: بسنة عامة، ويعني بالسنة: الجدب العام الذي يكون به الهلاك العام. ويسمى الجدب والقحط: سنة، ويجمع سنين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَد أَخَذنَا آلَ فِرعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ أي: بالجدب المتوالي. وبيضة المسلمين:\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٢٤٠)، ومسلم (٢٩١٨) (٧٥)، والترمذي (٢٢١٦).\n(٢) في مسلم والتلخيص: سألتُ.","vol":"7","page":217},{"text":"بَيضَتَهُم، وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعطَيتُكَ لِأُمَّتِكَ ألا أُهلِكَهُم بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَلا أُسَلِّطَ عَلَيهِم عَدُوًّا مِن سِوَى أَنفُسِهِم يَستَبِيحُ بَيضَتَهُم، وَلَو اجتَمَعَ عَلَيهِم مَن بِأَقطَارِهَا - أَو قَالَ: مَن بَينَ أَقطَارِهَا - حَتَّى يَكُونَ بَعضُهُم يُهلِكُ بَعضًا وَيَسبِي بَعضُهُم بَعضًا.\nرواه مسلم (٢٨٨٩) (١٩)، وابن ماجه (٣٩٥٢).\n[٢٧٨٨] وعن سعد بن أبي وقاص أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقبَلَ ذَاتَ يَومٍ مِن العَالِيَةِ - في رواية: في طائفة من أصحابه - حَتَّى إِذَا مَرَّ بِمَسجِدِ بَنِي مُعَاوِيَةَ دَخَلَ فَرَكَعَ فِيهِ رَكعَتَينِ، وَصَلَّينَا مَعَهُ، وَدَعَا رَبَّهُ طَوِيلًا، ثُمَّ انصَرَفَ\nــ\nمعظمهم وجماعتهم، وفي الصحاح: بيضة كل شيء: حوزته، وبيضة القوم: ساحتهم، وعلى هذا فيكون معنى الحديث: أن الله تعالى لا يسلط العدو على كافة المسلمين حتى يستبيح جميع ما حازوه من البلاد والأرض، ولو اجتمع عليهم كل من بين أقطار الأرض، وهي: جوانبها.\nو(قوله: حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، ويسبي بعضهم بعضا) ظاهر (حتى): الغاية، فيقتضي ظاهر هذا الكلام: أنه لا يسلط عليهم عدوهم فيستبيحهم، إلا إذا كان منهم إهلاك بعضهم لبعض، وسبي بعضهم لبعض. وحاصل هذا أنه إذا كان من المسلمين ذلك تفرقت جماعتهم، واشتغل بعضهم ببعض عن جهاد العدو، فقويت شوكة العدو واستولى، كما شاهدناه في أزماننا هذه في المشرق والمغرب، وذلك أنه لما اختلف ملوك الشرق، وتجادلوا استولوا كافر الترك على جميع عراق العجم، ولما اختلف ملوك المغرب وتجادلوا استولت الإفرنج على جميع بلاد الأندلس، والجزر القريبة منها، وها هم قد طمعوا في جميع بلاد الإسلام، فنسأل الله أن يتدارك المسلمين بالعفو والنصر واللطف. ولا يصح أن يكون (حتى) هنا بمعنى كي، لفساد المعنى، فتدبره.","vol":"7","page":218},{"text":"إِلَينَا فَقَالَ ﷺ: سَأَلتُ رَبِّي ثَلَاثًا فَأَعطَانِي ثِنتَينِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، سَأَلتُ رَبِّي أَلا يُهلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ فَأَعطَانِيهَا، وَسَأَلتُهُ ألا يُهلِكَ أُمَّتِي بِالغَرَقِ فَأَعطَانِيهَا، وَسَأَلتُهُ ألا يَجعَلَ بَأسَهُم بَينَهُم فَمَنَعَنِيهَا.\nرواه أحمد (١/ ١٧٥)، ومسلم (٢٨٩٠) (٢٠).\n* * *\nــ\nو(قوله: وسألته ألا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها) يعني: ألا يهلك جميعهم بطوفان كطوفان نوح - ﵇ - حتى يغرق جميعهم، وهذا فيه بعد، ولعل هذا اللفظ كان بالعدو، فتصحف على بعض الرواة لقرب ما بينهما في اللفظ، ويدل على صحة ذلك: أن هذا الحديث قد رواه عن النبي ﷺ خباب بن الأرت، وثوبان وغيرهما، وكلهم قال: بدل الغرق المذكور في هذا الحديث: عدوا من غير أنفسهم. والله تعالى أعلم.\nو(قوله: وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها) البأس: الحروب والفتن، وأصله من بئس يبأس: إذا أصابه البؤس، وهو الضر، ويقال: بأسا وضرا.\nو(قوله: يا محمد إني إذا قضيت قضاء لا يرد) يستفاد منه: أنه لا يستجاب من الدعاء إلا ما وافقه القضاء، وحينئذ يشكل بما قد روي عنه ﷺ أنه قال: لا يرد القضاء إلا الدعاء (١). ويرتفع الإشكال بأن يقال: إن القضاء الذي لا يرده دعاء ولا غيره، هو الذي سبق علم الله بأنه لا بد من وقوعه. والقضاء الذي يرده الدعاء أو صلة الرحم، هو الذي أظهره الله بالكتابة في اللوح المحفوظ، الذي قال الله تعالى فيه: ﴿يَمحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتَابِ﴾ وقد تقدم ذلك في كتاب القدر.\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢١٣٩) من حديث سلمان -﵁-.","vol":"7","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1063>(٤) باب إخبار النبي ﷺ بما يكون إلى قيام الساعة</span>\n[٢٧٨٩] عن حذيفة قال: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقَامًا، مَا تَرَكَ فيه شَيئًا يَكُونُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا حَدَّثَ بِهِ، حَفِظَهُ مَن حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَن نَسِيَهُ، قَد عَلِمَهُ أَصحَابِي هَؤُلَاءِ، وَإِنَّهُ لَيَكُونُ مِنهُ الشَّيءُ قَد نَسِيتُهُ فَأَرَاهُ فَأَذكُرُهُ كَمَا يَذكُرُ الرَّجُلُ وَجهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنهُ، ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ.\nــ\n(٤ و٥) ومن باب: إخبار النبي ﷺ بما يكون إلى قيام الساعة (١)\n(قول حذيفة - ﵁ -: قام فينا رسول الله ﷺ مقاما، ما ترك فيه شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدث به) هذا المجرور الذي هو (في مقامه) يجوز أن يتعلق بترك، والأليق أن يكون متعلقا بحدث؛ لأنَّ الظاهر من الكلام: أنه أراد أنه ما ترك شيئًا يكون إلى قيام الساعة إلا حدث به في ذلك المقام، وهذا المقام المذكور في هذا الحديث هو اليوم الذي أخبر عنه أبو زيد عمرو بن أخطب المذكور بعد، وبالحري يتسع يوم للإخبار عما ذكره. على أنه قد روى الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة العصر بنهار، ثم قام خطيبا، فلم يدع شيئا يكون إلى قيام الساعة إلا أخبرنا به، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه (٢). فظاهر هذا أن هذا المقام كان من بعد العصر لا قبل ذلك. ويجوز أن يكون: كانت الخطبة من بعد صلاة الصبح إلى غروب\n_________\n(١) شرح المؤلف -﵀- تحت هذا العنوان: هذا الباب والباب الذي في التلخيص، وهو: باب: في الفتنة التي تموج موج البحر.\n(٢) رواه الترمذي (٢١٩١).","vol":"7","page":220},{"text":"وفي رواية: قال: أخبرني رسول الله ﷺ بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، فما منه شيء إلا قد سألته، إلا أني لم أسأله ما يخرج أهل المدينة من المدينة.\nرواه أحمد (٥/ ٣٨٥)، والبخاريّ (٦٦٠٤)، ومسلم (٢٨٩١) (٢٣ و٢٤).\nــ\nالشمس، كما في حديث أبي زيد. واقتصر أبو سعيد في الذكر على ما بعد العصر، وفيه بعد، وعلى كل تقدير فعمومات هذه الأحاديث يراد بها الخصوص؛ إذ لا يمكن أن يحدث في يوم واحد، بل ولا في أيام، ولا في أعوام بجميع ما يحدث بعد النبي ﷺ تفصيلا، وإنما مقصود هذه العمومات الإخبار عن رؤوس الفتن والمحن ورؤسائها، كما قال حذيفة بعد هذا حين قال: لكن رسول الله ﷺ قال وهو يحدث مجلسا أنا فيه عن الفتن، فقال رسول الله ﷺ وهو يعد الفتن: منهن ثلاث لا يكدن يذرن شيئا، ومنهن كرياح الصيف، منها صغار ومنها كبار.\nقلت: على أني أقول: إن النبي ﷺ كأن الله تعالى قد أعلمه بتفاصيل ما يجري بعده لأهل بيته وأصحابه، وبأعيان المنافقين، وبتفاصيل ما يقع في أمته من كبار الفتن، وصغارها، وأعيان أصحابها وأسمائهم، وأنه بث الكثير من ذلك عند من يصلح لذلك من أصحابه كحذيفة - ﵁ - قال: ما ترك رسول الله ﷺ من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدا، إلا قد سماه لنا باسمه، واسم أبيه، وقبيلته (١). خرجه أبو داود، وبهذا يعلم أن أصحابه كان عندهم من علم الكوائن الحادثة إلى يوم القيامة العلم الكثير والحظ الوافر، لكن لم يشيعوها إذ ليست من أحاديث الأحكام، وما كان فيها شيء من ذلك حدثوا به، ونقضوا عن عهدته. ولحذيفة في هذا الباب زيادة مزية، وخصوصية لم تكن لغيره منهم؛ لأنَّه كان كثير السؤال عن هذا الباب، كما دلت عليه أحاديثه، وكما دل عليه\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٢٤٣).","vol":"7","page":221},{"text":"[٢٧٩٠] وعن أبي زَيدٍ، يَعنِي عَمرَو بنَ أَخطَبَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الفَجرَ، وَصَعِدَ المِنبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَت الظُّهرُ، فَنَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ المِنبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَ العَصرُ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ المِنبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى غَرَبَت الشَّمسُ، فَأَخبَرَنَا بِمَا كَانَ وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَأَعلَمُنَا أَحفَظُنَا.\nرواه أحمد (٥/ ٣٤١)، ومسلم (٢٨٩٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1064>(٥) باب في الفتنة التي تموج موج البحر وفي ثلاث فتن لا يكدن يذرن شيئا</span>\nوقد تقدم في كتاب الإيمان حديث حذيفة في التي تموج موج البحر.\n[٢٧٩١] وعنه أنه قال: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعلَمُ النَّاسِ بِكُلِّ فِتنَةٍ هِيَ كَائِنَةٌ فِيمَا بَينِي وَبَينَ السَّاعَةِ، وَمَا بِي إِلَّا أَن يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَسَرَّ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ شَيئًا لَم يُحَدِّثهُ غَيرِي، وَلَكِن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَهُوَ يُحَدِّثُ مَجلِسًا أَنَا\nــ\nاختصاص عمر له بالسؤال عن ذلك دون غيره. وأبو زيد المذكور في هذا الباب: هو عمرو بن أخطب - بالخاء المعجمة - الأنصاري، من بني الحارث بن الخزرج. صحب النبي ﷺ وقال: غزوت معه ست غزوات، أو سبعا. وقد تقدم القول في حديث حذيفة في كتاب الإيمان.\nو(قوله: ما بي إلا أن يكون رسول الله ﷺ أسر إلي في ذلك شيئا لم يحدث به غيري) كذا وقع هذا اللفظ، وكذا صح في الرواية، وما بي إلا أن يكون بـ (إلا)","vol":"7","page":222},{"text":"فِيهِ عَن الفِتَنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَعُدُّ الفِتَنَ: مِنهُنَّ ثَلَاثٌ لَا يَكَدنَ يَذَرنَ شَيئًا، وَمِنهُنَّ فِتَنٌ كَرِيَاحِ الصَّيفِ، مِنهَا صِغَارٌ وَمِنهَا كِبَارٌ. قَالَ حُذَيفَةُ: فَذَهَبَ أُولَئِكَ الرَّهطُ كُلُّهُم غَيرِي.\nرواه أحمد (٥/ ٣٨٨)، ومسلم (٢٨٩١) (٢٢).\n[٢٧٩٢] وعن جندب قال: جِئتُ يَومَ الجَرَعَةِ فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ\nــ\nالإيجابية، و(أن) المصدرية. فقيل: الوجه إسقاط إلا؛ لأنَّ مقصود الكلام: أن حذيفة أخبر عن نفسه بأنه يعلم كل فتنة تكون بين يدي الساعة. فيظن سامع هذا القول: أن رسول الله ﷺ أسر إليه من ذلك بشيء لم يسره إلى غيره، فنفى هذا الظن بذلك القول. ثم نبه على سبب علمه بذلك فقال: ولكن رسول الله ﷺ قال وهو يحدث مجلسا أنا فيه عن الفتن، فيعني بذلك أنه سمع من النبي ﷺ في ذلك المجلس مع الناس، لكنه حفظ ما لم يحفظ غيره، وضبط ما لم يضبط غيره. كما قال في الحديث المتقدم. وقيل: (إلا) ثابتة في الرواية، فلا سبيل إلى تقدير إسقاطها، ومعنى الكلام مع ثبوتها: وما بي عذر في الإعلام بجميعها والحديث عنها، إلا ما أسر إلي النبي ﷺ مِمَّا لم يحدث به غيري، فيكون في كلامه إشارة إلى أن النبي ﷺ عهد إليه، وأسر له ألا يحدث بكل ما يعلمه من الفتن، أو لا يذيعه إن رأى في ذلك مصلحة. وهذا أولى لما ذكرناه من ثبوت الرواية، ولأن المعلوم من حال حذيفة أن النبي ﷺ خصه من العلم بالفتن، وأسر إليه منها بما لم يخص به غيره، وأما ما لم يسره إليه، ولا خصه به، فهو الذي يحدث به، كما جاء متصلا بقوله: لكن النبي ﷺ قال وهو يحدث مجلسا أنا فيهم عن الفتن. والله تعالى أعلم.\nو(قول جندب: جئت يوم الجرعة) كذا هو بفتح الجيم والراء والعين المهملة، وهو موضع بجهة الكوفة. وروي عن بعضهم بسكون الراء. وأصل","vol":"7","page":223},{"text":"فَقُلتُ: لَيُهرَاقَنَّ اليَومَ هَاهُنَا دِمَاءٌ، فَقَالَ ذَاكَ الرَّجُلُ: كَلَّا وَاللَّهِ، قُلتُ: بَلَى وَاللَّهِ، قَالَ: كَلَّا وَاللَّهِ، قُلتُ: بَلَى وَاللَّهِ، قَالَ: كَلَّا وَاللَّهِ، إِنَّهُ لَحَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَنِيهِ، قُلتُ: بِئسَ الجَلِيسُ لِي أَنتَ مُنذُ اليَومِ، تَسمَعُنِي أُخَالِفُكَ وَقَد سَمِعتَهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا تَنهَانِي؟ ثُمَّ قُلتُ: مَا هَذَا الغَضَبُ؟ فَأَقبَلتُ عَلَيهِ وَأَسأَلُهُ، فَإِذَا الرَّجُلُ حُذَيفَةُ.\nرواه مسلم (٢٨٩٣) (٢٨).\n* * *\nــ\nالجرعة: الرمل الذي فيه سهولة. يقال: جرع وأجرع وجرعاء. وذلك اليوم هو يوم خرج أهل الكوفة إلى سعيد بن العاص، وكان عثمان ولاه عليهم فردوه، وولى أبا موسى الأشعري، وسألوا عثمان توليته فأقره.\nو(قوله: تسمعني أخالفك) لأكثر الشيوخ، بالحاء المهملة، من الحلف الذي هو اليمين، وقد رواه بعضهم بالخاء المعجمة، وهي التي أذكرها، وكلاهما يصح، فتأمل مساقه.\n* * *","vol":"7","page":224},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1065>(٦) باب ما فتح من ردم يأجوج ومأجوج، ويغزو البيت جيش فيخسف به</span>\n[٢٧٩٣] عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه. وعقد وهيب بيده تسعين.\nرواه أحمد (٢/ ٣٤١)، والبخاريُّ (٣٣٤٧)، ومسلم (٢٨٨١).\n[٢٧٩٤] وعن أم سلمة أم المؤمنين، وسئلت عن الجيش الذي يخسف به، وكان ذلك في أيام ابن الزبير\nــ\n(٦) ومن باب: ما فتح من ردم يأجوج ومأجوج ويغزو البيت جيش فيخسف بهم\n(قوله: وكان ذلك في أيام ابن الزبير) ذلك إشارة إلى سؤال أم سلمة عن الجيش الذي يخسف به، وسألها عن ذلك الحارث بن أبي ربيعة، وعبد الله بن صفوان. هذا ظاهره، لكن قال أبو الوليد الكناني: هذا لا يصح؛ لأنَّ أم سلمة ماتت في أيام معاوية قبل موته بسنة، ولم تدرك أيام ابن الزبير. قال القاضي: وقد قيل: إنها ماتت أيام يزيد بن معاوية في أولها، فعلى هذا يستقيم الخبر، فإنَّ عبد الله نازع يزيد لأول ما بلغته البيعة له عند موت معاوية، وداجاه (١) شيئا، فوجه إليه يزيد أخاه عمرو بن الزبير ليجيئه به، أو يقاتله، فظفر به عبد الله بن الزبير، ومات في سجنه وصلبه. ذكر ذلك الطبري وغيره، وذكر وفاة أم سلمة أيام يزيد: أبو عمر بن عبد البر. قلت: هذا الحديث رواه عن أم سلمة عبد الله بن صفوان من طريق صحيح\n_________\n(١) \"داجاه\": ساتره بالعداوة، ولم يُبْدِها له.","vol":"7","page":225},{"text":"فقالت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَعُوذُ بالبيت عَائِذٌ فَيُبعَثُ إِلَيهِ بَعثٌ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيدَاءَ مِن الأَرضِ خُسِفَ بِهِم، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَكَيفَ بِمَن كَانَ كَارِهًا؟ قَالَ: يُخسَفُ بِهِ مَعَهُم، وَلَكِنَّهُ يُبعَثُ يَومَ القِيَامَةِ عَلَى نِيَّتِهِ. وَقَالَ أَبُو جَعفَرٍ: هِيَ بَيدَاءُ المَدِينَةِ. فقال له عَبدُ العَزِيزِ بنُ رُفَيعٍ: إِنَّمَا قَالَت: بِبَيدَاءَ مِن الأَرضِ. قَالَ: كَلَّا وَاللَّهِ، إِنَّهَا لَبَيدَاءُ المَدِينَةِ.\nرواه أحمد (٢٩٠)، ومسلم (٢٨٨٢) (٤ و٥)، وأبو داود (٤٢٨٩).\nــ\nفي الأصل، وفيه أيضًا عنه أنه رواه عن حفصة زوج النبي ﷺ، قال الدارقطني: والحديث عن أم سلمة، ومحفوظ عن حفصة، وعلى هذا فتكون كل واحدة منهما حدثت به عن النبي ﷺ، فلا اضطراب.\nو(قوله: يعوذ بالبيت عائذ فيبعث إليه بعث، فإذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم) الذي أثار هذا الحديث في وقت عبد الله بن الزبير: أن عبد الله بن الزبير لجأ إلى البيت عندما طالبه يزيد بن معاوية بأن يبايعه، ففر من المدينة إلى مكة، واستجار بالبيت، ووافقه على رأيه ذلك جماعة على خلاف يزيد، فجهز يزيد جيشا من أهل الشام إلى مكة، فحدث الناس أن ذلك الجيش يخسف به، وذكروا الحديث عن رسول الله ﷺ، وحينئذ قال لهم عبد الله بن صفوان: أما والله ما هو بهذا الجيش، كما قد ظهر أن ذلك الجيش لم يخسف به. والبيداء: أرض ملساء لا شيء فيها، وفي الصحاح: البيداء: المفازة. والجمع: بيد. وهل هي بيداء المدينة أم لا؟ اختلف في ذلك أبو جعفر وعبد العزيز بن رفيع، كما ذكر في الأصل. وليؤمن: ليقصدن. والشريد: الطريد عن أهله، ويعني به هنا المنفرد عن ذلك الجيش الذي يخسف به. ومنعة، بتحريك النون: جمع مانع، ككاتب وكتبة، وبالسكون: مصدر منع. والمستبصر: البصير بالأمور. والمجبور: المكره الذي لا حيلة له في دفع ما يحمل عليه، وهو من جبرت الرجل على الشيء يفعله، فهو مجبور، ثلاثيا، ويقال: أجبرته، وهو الأصح والأكثر، فهو مجبر.","vol":"7","page":226},{"text":"[٢٧٩٥] وعن حفصة أَنَّهَا سَمِعَت رسول الله ﷺ يَقُولُ: لَيَؤُمَّنَّ هَذَا البَيتَ جَيشٌ يَغزُونَهُ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَيدَاءَ مِن الأَرضِ يُخسَفُ بِأَوسَطِهِم وَيُنَادِي أَوَّلُهُم آخِرَهُم، ثُمَّ يُخسَفُ بِهِم فَلَا يَبقَى إِلَّا الشَّرِيدُ الَّذِي يُخبِرُ عَنهُم.\nرواه مسلم (٢٨٨٣) (٦)، والنسائي (٥/ ٢٠٧)، وابن ماجه (٤٠٦٣).\n[٢٧٩٦] وعن عبد الله بن صفوان، عَن أُمِّ المُؤمِنِينَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: سَيَعُوذُ بِهَذَا البَيتِ - يَعنِي الكَعبَةَ - قَومٌ لَيسَت لَهُم مَنَعَةٌ وَلَا عَدَدٌ وَلَا عُدَّةٌ، يُبعَثُ إِلَيهِم جَيشٌ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَيدَاءَ مِن الأَرضِ خُسِفَ بِهِم، قَالَ يُوسُفُ بن ماهك: وَأَهلُ الشَّامِ يَومَئِذٍ يَسِيرُونَ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ صَفوَانَ: أَمَا وَاللَّهِ مَا هُوَ بِهَذَا الجَيشِ.\nرواه مسلم (٢٨٨٣) (٧).\n[٢٧٩٧] وعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيرِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَت: عَبَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَنَامِهِ فَقُلنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَنَعتَ شَيئًا فِي مَنَامِكَ لَم تَكُن تَفعَلُهُ، فَقَالَ: العَجَبُ أنَّ نَاسًا مِن أُمَّتِي يَؤُمُّونَ بِالبَيتِ بِرَجُلٍ مِن قُرَيشٍ قَد\nــ\nو(قوله: عبث رسول الله ﷺ في منامه) وجدته مقيدا بفتح الباء؛ أي: أتى بكلمات كأنها مختلطة. يقال: عبث الشيء، يعبثه: إذا خلطه، بفتح الباء في الماضي، وكسرها في المضارع، فأمَّا عبث بكسر الماضي وفتح المضارع فمعناه: لعب.\nو(قوله: إن ناسا من أمتي يؤمون البيت برجل) أشرب يؤمون معنى ينزلون، فعداه بالباء، وهو مما يتعدى بنفسه، كما تقدَّم غير مرة.","vol":"7","page":227},{"text":"لَجَأَ بِالبَيتِ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالبَيدَاءِ خُسِفَ بِهِم، فَقُلنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الطَّرِيقَ قَد يَجمَعُ النَّاسَ، قَالَ: نَعَم، فِيهِم المُستَبصِرُ وَالمَجبُورُ وَابنُ السَّبِيلِ، يَهلِكُونَ مَهلَكًا وَاحِدًا وَيَصدُرُونَ مَصَادِرَ شَتَّى، يَبعَثُهُم اللَّهُ عَلَى نِيَّاتِهِم.\nرواه البخاريُّ (٢١١٨)، ومسلم (٢٨٨٤).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1066>(٧) باب لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب، وحتى يمنع أهل العراق ومصر والشام ما عليهم</span>\n[٢٧٩٨] عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب، يقتتل الناس عليه، فيقتل من كل\nــ\nو(قوله: يهلكون مهلكا واحدا، ويصدرون مصادر شتى) المهلك: الهلاك. ويصدرون: يرجعون، وأصل الصدر: الرجوع عن موضع الماء، وشتى: مختلفين بحسب نياتهم.\n(٧ و٨ و٩) ومن باب: الأمور التي لا تقوم الساعة حتى تكون (١)\n(قوله: يحسر الفرات عن جبل من ذهب) أي: يكشف. ومنه حسرت المرأة عن وجهها؛ أي: كشفت. والحاسر: الذي لا سلاح عليه، وكأن هذا إنما\n_________\n(١) شرح المؤلف -﵀- تحت هذا العنوان ثلاثة أبواب من التلخيص، وهي: باب: لا تقوم الساعة حتى يَحْسِر الفرات، وباب: لا تقوم الساعة حتى تفتح قسطنطينية، وباب: تقوم الساعة والروم أكثر الناس.","vol":"7","page":228},{"text":"مائة تسعة وتسعون، ويقول كل رجل منهم: لعلي أكون أنا الذي أنجو.\nفي رواية: فمن حضره فلا يأخذ منه شيئا.\nرواه أحمد (٢/ ٢٦١)، والبخاريُّ (٧١١٩)، ومسلم (٢٨٩٤) (٢٩ و٣٠ و٣١)، وأبو داود (٤٣١٣)، والترمذي (٢٥٦٩)، وابن ماجه (٤٠٤٦).\n[٢٧٩٩] ونحوه عن أبي، ولم يقل: فمن حضره، إلى آخره.\nرواه أحمد (٥١٣٩)، ومسلم (٢٨٩٥).\n[٢٨٠٠] وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشأم مديها ودينارها، ومنعت مصر إردبها\nــ\nيكون إذا أخذت الأرض تقيء ما في جوفها، كما تقدم في كتاب الزكاة.\nو(قوله: فمن حضره فلا يأخذ منه شيئا) نهي على أصله من التحريم؛ لأنَّه ليس ملكا لأحد، وليس بمعدن ولا ركاز، فحقه أن يكون في بيت المال، ولأنه لا يوصل إليه إلا بقتل النفوس، فيحرم الإقدام على أخذه.\nو(قوله: منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر إردبها) كذا الرواية المشهورة بغير إذا، فيكون ماضيا بمعنى الاستقبال، كما قال تعالى: ﴿أَتَى أَمرُ اللَّهِ فَلا تَستَعجِلُوهُ﴾ أي: يأتي. وكقوله: ﴿وَإِذ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابنَ مَريَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ﴾ يعني: إذ يقول. ومثله كثير، وقد رواه ابن ماهان: إذا منعت وهو أصل الكلام. غير أنه يحتاج إلى جواب إذا، ويحتمل ذلك وجهين:\nأحدهما: أن يكون الجواب: عدتم من حيث بدأتم، وتكون الواو زائدة. كما قال امرؤ القيس:","vol":"7","page":229},{"text":"ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم. شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه.\nرواه أحمد (٢/ ٢٦٢)، ومسلم (٢٨٩٦)، وأبو داود (٣٠٣٥).\n* * *\nــ\nفلما أجزنا ساحة الحي وانتحى (١) ... . . . . . . . . . . . . . . .\nأي: لما أجزنا انتحى، فزاد الواو. ويحتمل أن يكون جواب إذا محذوفا، تقديره: إذا كانت هذه الأمور جاءت الساعة، أو ذهب الدين. ونحو ذلك، والله أعلم. وتسمية النبي ﷺ مكيال كل قوم باسمه المعروف عندهم دليل على أنه كان يعرف كلام الناس، وإن بعدت أقطارهم واختلفت عباراتهم. وقد ثبت أنه كان يخاطب كل قوم بلغتهم في غير موضع، وهذا منه إخبار بأن أمور الدين وقواعده يترك العمل بها لضعف القائم بها، أو لكثرة الفتن واشتغال الناس بها، وتفاقم أمر المسلمين، فلا يكون من يأخذ الزكاة ولا الجزية ممن وجبت عليه، فيمتنع من وجب عليه حق من أدائه. والله تعالى أعلم.\nو(قوله: وعدتم من حيث بدأتم) أي: رجعتم على الحالة الأولى التي كنتم عليها من فساد الأمر وافتراق الكلمة، وغلبة الأهواء، وذهاب الدين.\nو(قوله: شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه) أي: صدق بهذا الحديث وشهد بصدقه كل جزء في أبي هريرة. ومعناه بأن هذا الحديث حق في نفسه، ولا بد من وقوعه.\n_________\n(١) هذا صدر بيت، وعجزه:\nبنا بَطنُ خَبْتٍ ذي حِقَافٍ عَقنْقَلِ","vol":"7","page":230},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1067>(٨) باب لا تقوم الساعة حتى تفتح قسطنطينية، وتكون ملحمة عظيمة، ويخرج الدجال ويقتله عيسى ابن مريم</span>.\n[٢٨٠١] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنزِلَ الرُّومُ بِالأَعمَاقِ - أَو: بِدَابِقٍ - فَيَخرُجُ إِلَيهِم جَيشٌ مِن المَدِينَةِ مِن خِيَارِ أَهلِ الأَرضِ يَومَئِذٍ، فَإِذَا تَصَافُّوا قَالَت الرُّومُ: خَلُّوا بَينَنَا وَبَينَ الَّذِينَ سَبَوا مِنَّا نُقَاتِلهُم، فَيَقُولُ المُسلِمُونَ: لَا وَاللَّهِ لَا نُخَلِّي بَينَكُم وَبَينَ إِخوَانِنَا،\nــ\nو(قوله: تنزل الروم بالأعماق، أو بدابق) الأعماق: جمع عمق - بضم العين وفتحها -: وهي ما بعد من أطراف المفاوز. قال رؤبة:\nوقاتم الأعماق خاوي المخترق\nودابق: اسم بلد، والأغلب عليه التذكير والصرف؛ لأنَّه في الأصل نهر. قال الراجز:\nبدابق وأين مني دابق\nوقد يؤنث ولا يصرف، وهو بفتح الباء. وكذا وجدته مقيدا مصححا في كتاب الشيخ، ويقال بالكسر فيما أحسب.\nو(قول الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا) الرواية الصحيحة بفتح السين والباء؛ أي: الذين أصابوا منا سبيا، وقد قيده بعضهم بضم السين والباء، وليس بشيء؛ لأنَّ قول المسلمين في جوابهم: لا والله ما نخلي بينكم وبين إخواننا. يعنون: أنهم منهم في الأنساب والدين، فلو أن الروم طلبوا من سُبي منهم لما قالوا لهم ذلك مطلقا. والله تعالى أعلم.","vol":"7","page":231},{"text":"فَيُقَاتِلُونَهُم، فَيَنهَزِمُ ثُلُثٌ لَا يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيهِم أَبَدًا، وَيُقتَلُ ثُلُثُهُم أَفضَلُ الشُّهَدَاءِ عِندَ اللَّهِ، وَيَفتَتِحُ الثُّلُثُ لَا يُفتَنُونَ أَبَدًا، فَيَفتَتِحُونَ قُسطَنطِينِيَّةَ، فَبَينَمَا هُم يَقتَسِمُونَ الغَنَائِمَ قَد عَلَّقُوا سُيُوفَهُم بِالزَّيتُونِ إِذ صَاحَ فِيهِم الشَّيطَانُ: أنَّ المَسِيحَ قَد خَلَفَكُم فِي أَهلِيكُم، فَيَخرُجُونَ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ، فَإِذَا جَاؤوا الشَّأمَ خَرَجَ، فَبَينَمَا هُم يُعِدُّونَ لِلقِتَالِ يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ إِذ أُقِيمَت الصَّلَاةُ، فَيَنزِلُ عِيسَى ابنُ مَريَمَ ﵇، فَآمَّهُم، فَإِذَا رَآهُ عَدُوُّ اللَّهِ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ المِلحُ فِي المَاءِ، فَلَو تَرَكَهُ لَانذَابَ حَتَّى يَهلِكَ، وَلَكِن يَقتُلُهُ اللَّهُ بِيَدِهِ، فَيُرِيهِم دَمَهُ فِي حَربَتِهِ.\nرواه مسلم (٢٨٩٧).\nــ\nو(قوله: فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدا؛ لأنَّهم فروا من الزحف، حيث لا يجوز لهم الفرار، فلا يتوب الله عليهم؛ أي: لا يلهمهم إياها، ولا يعينهم عليها، بل: يصرون على ذنبهم ذلك ولا يندمون عليه. ويجوز أن يكون معنى ذلك: أنه تعالى لا يقبل توبتهم وإن تابوا، ويكونون هؤلاء ممن شاء الله ألا تقبل توبتهم لعظيم جرمهم.\nو(قوله: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم) كذا الرواية الجيدة مخففة اللام بغير ألف، أي: بشر. يقال: خلفك الرجل في أهلك بخير أو بشر، وقد تقدم قوله ﷺ: من خلف غازيا في أهله بخير فقد غزا (١) وقد رواه بعضهم: خالفكم، والأول أجود، لأن خالف يتعدى بـ (إلى)، وخلف يتعدى بـ (في) ورد خالف إلى خلف يجوز. وقد تقدَّم القول في اسم المسيح في كتاب الإيمان، وسيأتي الكلام في الدجال.\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٨٤٣)، ومسلم (١٨٩٥)، وأبو داود (٢٥٠٩)، والترمذي (١٦٢٧).","vol":"7","page":232},{"text":"[٢٨٠٢] وعَن يُسَيرِ بنِ جَابِرٍ قَالَ: هَاجَت رِيحٌ حَمرَاءُ بِالكُوفَةِ، فَجَاءَ رَجُلٌ لَيسَ لَهُ هِجِّيرَى إِلَّا: يَا عَبدَ اللَّهِ بنَ مَسعُودٍ، جَاءَت السَّاعَةُ، قَالَ: فَقَعَدَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ: إِنَّ السَّاعَةَ لَا تَقُومُ حَتَّى لَا يُقسَمَ مِيرَاثٌ وَلَا يُفرَحَ بِغَنِيمَةٍ، ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَنَحَّاهَا نَحوَ الشَّامِ، فَقَالَ: عَدُوٌّ يَجمَعُونَ لِأَهلِ الإِسلَامِ وَيَجمَعُ لَهُم أَهلُ الإِسلَامِ، قُلتُ: الرُّومَ تَعنِي؟ قَالَ: نَعَم، وَيَكُونُ عِندَ ذَاكُم القِتَالِ رَدَّةٌ شَدِيدَةٌ، فَيَشتَرِطُ المُسلِمُونَ شُرطَةً لِلمَوتِ لَا تَرجِعُ إِلَّا غَالِبَةً، فَيَقتَتِلُونَ حَتَّى يَحجُزَ بَينَهُم اللَّيلُ، فَيَفِيءُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، كُلٌّ غَيرُ غَالِبٍ، وَتَفنَى الشُّرطَةُ، ثُمَّ يَشتَرِطُ المُسلِمُونَ شُرطَةً لِلمَوتِ لَا تَرجِعُ إِلَّا غَالِبَةً، يَحجُزَ بَينَهُم اللَّيلُ، فَيَفِيءُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ كُلٌّ غَيرُ غَالِبٍ وَتَفنَى الشُّرطَةُ، ثُمَّ يَشتَرِطُ المُسلِمُونَ\nــ\nو(قوله: هاجت ريح حمراء) أي: شديدة، احمرت بها السحاب ويبست لها الشجر، وانكشفت الأرض، فظهرت حمرتها.\nو(قوله: فجاء رجل ليس له هجيرى إلا يا عبد الله جاءت الساعة) كذا رويته هجيرا على وزن فعيلا، وهو تقييد أبي الفتح الشاشي والتميمي، وقيدها العذري: هِجِّير على وزن خِمِّير.\nقلت: وكلاهما لغة صحيحة. قال الجوهري: الهجير مثل الفسيق: الدأب والعادة، وكذلك الهجيرى والإهجيرى. يقال: ما زال ذلك هجيراه، وإهجيراه، وإجريَّاه؛ أي: دأبه وعادته. قال غيره: وهجيرى أفصحها.\nوالشرطة، بضم الشين، وهي هنا: أول طائفة من الجيش تقاتل. ومنه الشَّرَطان (١) لتقدمهما أول الربيع، وقيل: إنهم سموا بذلك لعلامات تميزوا بها، والأشراط: العلامات. وهذا هو الأعرف. ويحجز بينهم الليل، أي: يحول بينهم وبين القتال بسبب ظلمته، والحاجز: هو الفاصل بين شيئين. ويفيء هؤلاء؛ أي: يرجع. ونهد إليهم؛ أي: تقدَّم. ومنه سمي النهد؛ لأنَّه متقدم في الصدر.\n_________\n(١) الشَّرَطان: نجمان.","vol":"7","page":233},{"text":"شُرطَةً لِلمَوتِ لَا تَرجِعُ إِلَّا غَالِبَةً، فَيَقتَتِلُونَ حَتَّى يُمسُوا فَيَفِيءُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ كُلٌّ غَيرُ غَالِبٍ وَتَفنَى الشُّرطَةُ، فَإِذَا كَانَ اليَومُ الرَّابِعِ نَهَدَ إِلَيهِم بَقِيَّةُ أَهلِ الإِسلَامِ، فَيَجعَلُ اللَّهُ الدَّبرَةَ عَلَيهِم فَيَقتُلُونَ مَقتَلَةً - إِمَّا قَالَ: لَم يُرَ مِثلُهَا، وَإِمَّا قَالَ: لَا يُرَى مِثلُهَا - حَتَّى إِنَّ الطَّائِرَ لَيَمُرُّ بِجَنَبَاتِهِم فَمَا يُخَلِّفُهُم حَتَّى يَخِرَّ مَيتًا، فَيَتَعَادُّ بَنُو الأَبِ كَانُوا مِائَةً فَلَا يَجِدُونَهُ بَقِيَ مِنهُم إِلَّا الرَّجُلُ الوَاحِدُ، فَبِأَيِّ غَنِيمَةٍ يُفرَحُ؟ أَو أَيُّ مِيرَاثٍ يُقَاسَمُ؟ فَبَينَمَا هُم كَذَلِكَ إِذ سَمِعُوا بِناسٍ هُم أَكثرُ مِن ذَلِكَ، فَجَاءَهُم الصَّرِيخُ: أنَّ الدَّجَّالَ قَد خَلَفَهُم فِي ذَرَارِيِّهِم،\nــ\nو(قوله: فيجعل الله الدبرة عليهم) كذا لكافتهم بالباء بواحدة وسكونها، ورواه العذري: الدائرة، ومعناهما متقارب. قال الأزهري: الدائرة: الدولة تدور على الأعداء. والدبرة: النصر والظفر، يقال: لمن الدبرة؛ أي: الدولة. وعلى من الدبرة؟ أي: الهزيمة. قاله الهروي.\nو(قوله: حتى إن الطائر ليمر بجنباتهم، فما يخلفهم) كذا رواية الجماعة، وهي جمع جنبة، وهي الجانب، ووقع لبعضهم: بجثمانهم؛ أي: بأشخاصهم. والجثمان، والآل، والطلل، والشخص، كلها بمعنى، فأمَّا الجثة، فتقال على الجالس والنائم.\nو(قوله: إذا سمعوا بناس هم أكثر) بنون وسين مهملة. كذا للعذري، وكذا قرأته، وعند غيره: ببأس بباء بواحدة، وأكبر بباء بواحدة أيضًا، وهو الحرب الشديد، والأمر الهائل. قال بعض المشايخ: وهو الصواب. وتصححه رواية أبي داود: إذ سمعوا بأمر أكبر من ذلك (١). . . ويسير بن جابر: يُروى\n_________\n(١) لم نجده في سنن أبي داود، وفي تحفة الأشراف (٧/ ٣١٨) لم يعزه إلا لمسلم.","vol":"7","page":234},{"text":"فَيَرفُضُونَ مَا فِي أَيدِيهِم وَيُقبِلُونَ، فَيَبعَثُونَ عَشَرَةَ فَوَارِسَ طَلِيعَةً. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنِّي لَأَعرِفُ أَسمَاءَهُم وَأَسمَاءَ آبَائِهِم وَأَلوَانَ خُيُولِهِم، هُم خَيرُ فَوَارِسَ عَلَى ظَهرِ الأَرضِ يَومَئِذٍ، أَو: مِن خَيرِ فَوَارِسَ عَلَى ظَهرِ الأَرضِ يَومَئِذٍ.\nرواه أحمد (١/ ٤٣٥)، ومسلم (٢٨٩٩).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1068>(٩) باب تقوم الساعة والروم أكثر الناس وما يفتح للمسلمين مع ذلك</span>\n[٢٨٠٣] عن موسى بن علي عن أبيه قال: قَالَ المُستَورِدُ القُرَشِيُّ عِندَ عَمرِو بنِ العَاصِ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكثَرُ النَّاسِ، فَقَالَ لَهُ عَمرٌو: أَبصِر مَا تَقُولُ، قَالَ: أَقُولُ مَا سَمِعتُ\nــ\nبالياء باثنتين من تحتها وبالهمزة. والصريخ: الصارخ، أي: الصوت عند الأمر الهائل أو الصراخ، ويرفضون: يرمون ويتركون، والطليعة: هو الذي يتطلع الأمر ويستكشفه.\nو(قوله: إني لأعرف أسماءهم وأسماء آبائهم وألوان خيولهم) دليل على صحة ما قلناه من أن النبي ﷺ كان قد أعلم بتفاصيل ما يجري بعده، وأشخاص من يجري منه شيء له تعلق بالأمة.\nو(قوله: تقوم الساعة والروم أكثر الناس) هذا الحديث رواه مسلم من طريقين: أحدهما: لا تعقب فيه عليه، والآخر: فيه تعقب. وهو الذي قال فيه: حدثني حرملة بن يحيى التجيبي، حدثنا عبد الله بن وهب، حدثني أبو شريح أن","vol":"7","page":235},{"text":"مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: لَئِن قُلتَ ذَلِكَ إِنَّ فِيهِم لَخِصَالًا أَربَعًا: إِنَّهُم لَأَحلَمُ النَّاسِ عِندَ فِتنَةٍ، وَأَسرَعُهُم إِفَاقَةً بَعدَ مُصِيبَةٍ، وَأَوشَكُهُم كَرَّةً بَعدَ فَرَّةٍ، وَخَيرُهُم لِمِسكِينٍ وَيَتِيمٍ وَضَعِيفٍ، وَخَامِسَةٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ: وَأَمنَعُهُم مِن ظُلمِ المُلُوكِ.\nفي رواية: وأجبر الناس عند مصيبة.\nرواه مسلم (٢٨٩٨) (٣٥ و٣٦).\nــ\nعبد الكريم بن الحارث حدثه أن المستورد القرشي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك. قال الدارقطني: عبد الكريم لم يدرك المستورد، والحديث مرسل.\nقلت: هذا الإسناد ذكره مسلم مردفا على الإسناد السليم الذي لا تعقب فيه، وكأن مسلما تحقق ما قاله الدارقطني، ولذلك أردفه على الإسناد الأول الذي هو عُمدته وعلى شرطه. وهذا وغيره مما تقدَّم مثله يدلّ على أن القسم الثالث الذي ذكره مسلم في أول كتابه أدخله في مسنده، والله أعلم.\nوهذا الحديث قد صدقه الوجود، فإنَّهم اليوم أكثر من في العالم غير يأجوج ومأجوج؛ إذ قد عمروا من الشام إلى أقصى منقطع أرض الأندلس، وقد اتسع دين النصارى اتساعا عظيما لم تتسعه أمة من الأمم، وكل ذلك بقضاء الله تعالى وقدره. ووصف عبد الله بن عمرو لهم بما وصفهم به من تلك الأوصاف الجميلة، إنما كانت غالبة على الروم الذين أدرك هو زمانهم، وأما ما في الوجود منهم اليوم فهم أنجس الخليقة وأركسهم، وهم موصوفون بنقيض تلك الأوصاف.\nو(قوله: وأجبر الناس عند مصيبة) كذا رواية الجمهور، وهو من جبرت العظم والرِّجل: إذا شددت مفاقره، وقد فسر معنى هذه الرواية في الرواية الأخرى التي قال فيها: وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة ووقع لبعضهم: أصبر الناس بدل: أجبر الناس. والأول أصح وأحسن.","vol":"7","page":236},{"text":"[٢٨٠٤] وعَن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ عَن نَافِعِ بنِ عُتبَةَ - هو ابن أبي وقاص - قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزوَةٍ، قَالَ: فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ قَومٌ مِن قِبَلِ المَغرِبِ، عَلَيهِم ثِيَابُ الصُّوفِ، فَوَافَقُوهُ عِندَ أَكَمَةٍ، فَإِنَّهُم لَقِيَامٌ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَاعِدٌ، قَالَ: فَقَالَت لِي نَفسِي: ائتِهِم فَقُم بَينَهُم وَبَينَهُ، لَا يَغتَالُونَهُ، قَالَ: ثُمَّ قُلتُ: لَعَلَّهُ نَجِيٌّ مَعَهُم، فَأَتَيتُهُم فَقُمتُ بَينَهُم وَبَينَهُ، قَالَ: فَحَفِظتُ مِنهُ أَربَعَ كَلِمَاتٍ أَعُدُّهُنَّ فِي يَدِي، قَالَ: تَغزُونَ جَزِيرَةَ العَرَبِ فَيَفتَحُهَا اللَّهُ ثُمَّ فَارِسَ فَيَفتَحُهَا اللَّهُ ثُمَّ تَغزُونَ الرُّومَ فَيَفتَحُهَا اللَّهُ،\nــ\nو(قوله: أتى النبي ﷺ قوم من قبل المغرب - يعني: من قبل مغرب المدينة - عليهم ثياب الصوف) هذا لباس أهل البادية، والأكمة: القطعة الغليظة من الرمل. ووافقوه (١): وقفوا أمامه، فوقف لهم، أو استدعوا منه ذلك.\nو(قوله: قالت لي نفسي: ائتهم فقم بينهم) كذا الرواية المعروفة، وفي بعض الروايات: إذ قالت لي نفسي ائتهم - بزيادة إذ - ومعنى ائتهم: جئهم. ويغتالونه: يقتلونه غيلة؛ أي: خديعة. والنجي: المناجي، وهو المتحدث في خلوة.\nو(قوله: تغزون فارس فيفتحها الله. . . الحديث إلى آخره) هذا الخطاب وإن كان لأولئك القوم الحاضرين فالمراد هم ومن كان على مثل حالهم من الصحابة والتابعين الذين فتحت بهم تلك الأقاليم المذكورة، ومن يكون بعدهم من أهل هذا الدين الذين يقاتلون في سبيل الله إلى قيام الساعة. ويرجع معنى هذا الحديث إلى الحديث الآخر الذي قال فيه: لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم إلى قيام الساعة (٢).\n_________\n(١) في (ز): واقفوه.\n(٢) رواه أحمد (٥/ ٣٤)، والترمذي (٢١٩٢).","vol":"7","page":237},{"text":"ثُمَّ تَغزُونَ الدَّجَّالَ فَيَفتَحُها اللَّهُ. قَالَ: وَقَالَ نَافِعٌ: يَا جَابِرُ لَا نَرَى الدَّجَّالَ يَخرُجُ حَتَّى تُفتَحَ الرُّومُ.\nرواه أحمد (٤/ ٣٣٧ و٣٣٨)، ومسلم (٢٩٠٠)، وابن ماجه (٤٠٩١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1069>(١٠) باب الآيات العشر التي تكون قبل الساعة وبيان أولها</span>\n[٢٨٠٥] عن حذيفة بن أسيد الغفاري، قال: اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر. قال: ما تذاكرون؟ قالوا: نذكر الساعة. قال: إنها لن\nــ\nو(قوله: ثم تغزون الدجال فيفتحها الله) وقد وقع في بعض النسخ: فيفتحه، بضمير المذكر، فيحتمل أنه يعني بذلك قتل الدجال نفسه الذي يكون على يدي عيسى ابن مريم - ﵇ - كما تقدَّم، وكما يأتي. ويحتمل أن يعود على ملكه. ووجدته في أصل الشيخ: فيفتحها الله، بضمير المؤنث، فيعني بذلك مملكته أو أرضه التي يغلب عليها. وجزيرة العرب: أرضهم التي نشؤوا فيها، وسميت جزيرة؛ لأنَّها مجزورة بالبحار والأنهار؛ أي: مقطوعة بها. والجزر: هو القطع. وقيل: لأنها جزرت بالبحار التي أحدقت بها، وقد تقدَّم القول فيها في الجهاد.\n(١٠) ومن باب: الآيات العشر التي تكون قبل قيام الساعة (١)\nحذيفة بن أسيد: هو بفتح الهمزة وكسر السين، يكنى أبا سريحة، بفتح السين وكسر الراء، وهو غفاري كان ممن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، يعد\n_________\n(١) شرح المؤلف -﵀- تحت هذا العنوان هذا الباب، والبابين التاليين في =","vol":"7","page":238},{"text":"تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات. فذكر الدخان والدجال والدابة\nــ\nفي الكوفيين وبالكوفة مات، وحديث حذيفة في العشر الآيات رواه سفيان بن عيينة عن فرات القزاز عن أبي الطفيل، عن حذيفة على نص ما ذكرناه في المختصر، والعشر الآيات فيه مجموعة غير مرتبة، وقد رواه شعبة عن فرات، فجاء بها مرتبة مجموعة، فكانت هذه الرواية بالذكر في المختصر أولى، لكن لم يقدر ذلك، فلنذكر هذه الرواية هنا. قال حذيفة: كان رسول الله ﷺ في غرفة ونحن أسفل منه، فاطلع إلينا، فقال: ما تذكرون؟ قلنا: الساعة، قال: إن الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف في جزيرة العرب، والدخان، والدجال، ودابة الأرض، ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، ونار تخرج من قعر عدن ترحل الناس (١). قال شعبة: وحدثني عبد العزيز بن رفيع عن أبي الطفيل عن أبي سريحة مثل ذلك، لا يذكر النبي ﷺ، وقال أحدهما في العاشرة: ونزول عيسى ابن مريم. وقال الآخر: وريح تلقي الناس في البحر. وهذه الرواية مرتبة محسنة، فلنرد إليها الرواية التي لا ترتيب فيها، فأول هذه الآيات: الخسوفات الثلاثة، وقد وقع بعضها. ذكر أبو الفرج الجوزي: أنها وقعت بعراق العجم زلازل وخسوفات هائلة، هلك بسببها خلق كثير، وقد سمعنا ونحن بالأندلس أن بلدا بشرقها خسف به، وهلك كثير من أهله. وأما الدخان فهو الذي دل عليه قوله تعالى: ﴿فَارتَقِب يَومَ تَأتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ على ما ذهب إليه غير ابن مسعود، وهم جماعة من السلف، وهو مروي عن علي وابن عمر وأبي هريرة، وابن عباس، والحسن، وابن أبي مليكة. وروى حذيفة عن النبي ﷺ أن من أشراط الساعة دخانا يمكث في الأرض أربعين يوما.\n_________\n= التلخيص، وهما: باب: أمور تكون بين يديْ السَّاعة. وباب: الخليفة الكائن آخر الزمان.\n(١) رواه مسلم (٢٩٠١/ ٤٠).","vol":"7","page":239},{"text":"وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة\nــ\nقلت: ويؤيد هذا قوله تعالى في الآية: ﴿رَبَّنَا اكشِف عَنَّا العَذَابَ إِنَّا مُؤمِنُونَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو العَذَابِ قَلِيلا إِنَّكُم عَائِدُونَ﴾ وهذا يبعد قول من قال: إنه الدخان الذي يعذب به الكفار يوم القيامة، وهو مروي عن زيد بن علي، وسيأتي القول في حديث ابن مسعود في التفسير. وأما الدابة فهي التي قال الله فيها: ﴿وَإِذَا وَقَعَ القَولُ عَلَيهِم أَخرَجنَا لَهُم دَابَّةً مِنَ الأَرضِ تُكَلِّمُهُم﴾ ذكر أهل التفسير أنها خلق عظيم تخرج من صدع من الصفا لا يفوتها أحد، تسم المؤمن فينير وجهه، ويُكتب بين عينيه مؤمن، وتسم الكافر فيسود وجهه ويكتب بين عينيه كافر. وعن عبد الله بن عمرو - ﵄ - أن هذه الدابة هي الجساسة المذكورة في الحديث بعد هذا، وعن ابن عباس: أنها الثعبان الذي كان ببئر الكعبة، فاختطفته العقاب (١)، وقد اختلف في صورتها، وفي أي موضع تخرج منه على أقوال كثيرة، وليس في شيء من ذلك خبر صحيح مرفوع. قال بعض المتأخرين من المفسرين: الأقرب أن تكون هذه الدابة إنسانا متكلما يناظر أهل البدع والكفر، ويجادلهم لينقطعوا، فيهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة.\nقلت: وإنما كان هذا عند هذا القائل الأقرب لقوله تعالى: ﴿تُكَلِّمُهُم﴾ وعلى هذا فلا يكون في هذه الدابة آية خاصة خارقة للعادة، ولا تكون من جملة العشر الآيات المذكورة في الحديث؛ لأنَّ وجود المناظرين والمحتجين على أهل البدع كثير. فلا آية خاصة، فلا ينبغي أن تذكر مع العشر وترتفع خصوصية وجودها، فإذا وقع القول ثمَّ: فيه العدول عن تسمية هذا الإنسان المناظر الفاضل العالم الذي يحتج على أهل الأرض باسم الإنسان، أو بالعالم، أو بالإمام، إلى أن يسمى بدابة، وهذا خروج عن عادة الفصحاء، وعن تعظيم العلماء، وليس ذلك\n_________\n(١) انظر قول ابن عباس هذا في سيرة ابن هشام في حديث بنيان الكعبة.","vol":"7","page":240},{"text":"العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن، تطرد الناس إلى محشرهم.\nوفي رواية: تقديم الخسوفات على الدخان وما بعده.\nرواه أحمد (٤/ ٦ - ٧)، ومسلم (٢٩٠١) (٣٩ و٤٠).\n[٢٨٠٦] وعن عبد الله قال: حفظت من رسول الله ﷺ حديثا لم أنسه بعد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريبا.\nرواه أحمد (٢/ ٢٠١)، ومسلم (٢٩٤١)، وأبو داود (٤٣١٠).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1070>(١١) باب: أمور تكون بين يدي الساعة</span>\n[٢٨٠٧] عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى.\nرواه البخاريُّ (٧١١٨)، ومسلم (٢٩٠٢).\nــ\nدأب العقلاء، فالأولى ما قاله أهل التفسير. وأما كيفية صفتها وخلقتها، وبماذا تكلمهم، فالله أعلم بذلك.\nو(قوله: آخر ذلك نار تخرج من اليمن) وقال فيما تقدَّم: من قعر عدن وقال في رواية: من أرض الحجاز. قال القاضي: فلعلهما ناران تجتمعان لحشر الناس، أو يكون ابتداء خروجها من اليمن، وظهورها من الحجاز.\n[(١١): باب: أمور تكون بين يدي الساعة] (١)\nو(قوله: تضيء أعناق الإبل ببصرى) أي: تكشف بضوئها أعناق الإبل\n_________\n(١) هذا العنوان لم يذكره المؤلف -﵀- في المفهم، واستدركناه من التلخيص.","vol":"7","page":241},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nببصرى، وهي بالشام، فيعني - والله تعالى أعلم - أن هذه النار الخارجة من قعر عدن تمر بأرض الحجاز مقبلة إلى الشام، فإذا قاربت الشام أضاءت ما بينها وبين بصرى حتى ترى بسبب ضوئها أعناق الإبل، ويقال: ضاوت النار وأضاءت، لغتان. وبصرى - بضم الباء - هي مدينة من مدن الشام. قيل: هي حوران. وقيل: قيسارية (١).\nو(قوله: إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى) يعني - والله أعلم - أول الآيات الكائنة في زمان ارتفاع التوبة والطبع على كل قلب بما فيه؛ لأنَّ ما قبل طلوع الشمس من مغربها التوبة فيه مقبولة، وإيمان الكافر يصح فيه، بدليل ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمن من عليها، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا (٢). ومعنى قوله: إذا طلعت ورآها الناس آمن من عليها أي: حصل لجميع من على الأرض التصديق الضروري بأمور القيامة الذي لا يكلف به ولا ينفع صاحبه، لكون أمور الآخرة معاينة، وإنما كان طلوع الشمس مخصوصا بذلك؛ لأنَّه أول تغيير هذا العالم العلوي الذي لم يشاهد فيه تغيير منذ خلقه الله تعالى، وإلى ذلك الوقت، وأما ما قبله من الآيات فقد شوهد ما يقرب من نوعه، فإذا كان ذلك وطبع على كل قلب بما فيه من كفر أو إيمان، أخرج الله الدابة معرفة لما في بواطن الناس من إيمان أو كفر، فتكلمهم بذلك. أي: تعرف المؤمن من الكافر بالكلام، وتسم وجوه الفريقين بالنفح، فينتقش وصفه في جبهته مؤمن أو كافر، حتى يتعارف الناس بذلك، فيقول المؤمن للكافر: بكم سلعتك\n_________\n(١) بصرى: مدينة أثرية في سهل حوران جنوب دمشق. أما قيساريّة: فهي مدينة على ساحل البحر الأبيض المتوسط، إلى الجنوب من مدينة حيفا بفلسطين.\n(٢) رواه أبو داود (٤٣١٢).","vol":"7","page":242},{"text":"[٢٨٠٨] وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: تبلغ المساكن إهاب - أو: يهاب - قال زهير: قلت لسهيل: وكم ذلك من المدينة؟ قال: كذا وكذا ميلا.\nرواه مسلم (٢٩٠٣).\nــ\nيا كافر؟ ويقول الكافر: بكذا يا مؤمن، ثم يبقى الناس على ذلك ما شاء الله، ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام، فلا يبقى أحد على وجه الأرض في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته، على ما جاء في حديث عبد الله بن عمرو الآتي بعد هذا، وغيره. وقد تقدَّم في كتاب الإيمان حديث أبي هريرة الذي قال فيه: ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرا: طلوع الشمس من مغربها، ودابة الأرض، وذكر من جملة الثلاث: الدجال (١). ويلزم عليه أن يرتفع التكليف بالإيمان وبالتوبة عند خروجه. والأحاديث الآتية في صفة الدجال تدل على خلاف ذلك على ما سنبينه، فدل على أن ذكر الدجال مع الطلوع والدابة، وهم من بعض الرواة، والله تعالى أعلم.\nوقد اختلفت الآثار والأقوال في أول الآيات المذكورة، وما ذكرته أشبهها وأولاها، إن شاء الله تعالى.\nو(قوله: تبلغ المساكن إهاب أو يهاب) فالأول بكسر الهمزة، والثاني بالياء المكسورة عند أكثرهم، وعند ابن عيسى: أو نهاب، بالنون المكسورة، وهو موضع بينه وبين المدينة القدر الذي كنى عنه سهيل بكذا كذا ميلا. وقد تقدَّم أن من أهل اللسان من حمل هذا على الأعداد المعطوفة التي أولها أحد وعشرون، وآخرها تسعة وتسعون، وهذا إخبار منه ﷺ بأن الناس يكثرون بالمدينة، ويتسعون في مساكنها وبنيانها، حتى يصل بنيانهم ومساكنهم إلى هذا الموضع، وقد كان ذلك - والله تعالى أعلم - في مدة بني أمية، ثم بعد ذلك تناقص أمرها إلى أن أقفرت جهاتها كما تقدَّم.\n_________\n(١) رواه مسلم (١٥٨) (٢٤٩).","vol":"7","page":243},{"text":"[٢٨٠٩] وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة. وكانت صنما تعبدها دوس في الجاهلية بتبالة.\nرواه أحمد (٢/ ٢٧١)، والبخاريُّ (٧١١٦)، ومسلم (٢٩٠٦).\n[٢٨١٠] وعنه أن رسول الله ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه.\nــ\nو(قوله: حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة) المعروف في ذي الخلصة: الفتح في الخاء واللام، وهكذا قرأته ورويته في كتاب مسلم، وفي السيرة لابن إسحاق. قال القاضي: يقال بفتح الخاء واللام وضمهما، وبسكون اللام وجدته بخطي عن أبي بحر في الأم. وتبالة، بفتح التاء والباء: موضع باليمن، وليس بتبالة التي يُضرب بها المثل الذي يقال فيه: هو أهون على الحجاج من تبالة. تلك بالطائف. قال ابن إسحاق: وذو الخلصة: بيت فيه صنم يسمى ذا الخلصة، لدوس، وخثعم، وبجيلة، وكان يسمى: الكعبة اليمانية، بعث إليه رسول الله - ﷺ - جرير بن عبد الله فحرقه بالنار.\nقلت: ومعنى هذا الحديث أن دوسا يظهر فيها الارتداد عن دين الإسلام، ويرجعون إلى ما كانوا عليه من عبادة الأوثان، كما قال في حديث عائشة - ﵂ -: لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى (١)، وسيأتي في التفسير. وتضطرب: تتحرك عند الطواف بذلك الصنم. والأليات: جمع ألية.\nو(قوله: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه، وفي الأخرى: فيتمرغ عليه ويقول: يا ليتني كنت مكان صاحب هذا\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٩٠٧).","vol":"7","page":244},{"text":"وفي رواية قال: والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل على القبر فيتمرغ عليه، ويقول: يا ليتني كنت مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدين إلا البلاء.\nرواه أحمد (٢/ ٢٣٦)، والبخاريُّ (٧١١٥)، ومسلم (١٥٧) الفتن (٥٣ و٥٤)، وابن ماجه (٤٠٣٧).\n[٢٨١١] وعنه عن النبي ﷺ قال: يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة.\nرواه أحمد (٢/ ٣١٠)، والبخاريُّ (١٥٩١)، ومسلم (٢٩٠٩) (٥٧ و٥٨)، والنسائي (٥/ ٢١٦).\nــ\nالقبر) يعني: من شدة المحن وكثرة الفتن والأنكاد اللاحقة للإنسان في نفسه وماله وولده، ولذلك قال: ليس به الدين إلا البلاء، وكأن هذا إشارة إلى أن كثرة الفتن والمشقات والأنكاد قد أذهبت الدين من أكثر الناس، أو قللت الاعتناء به من الذي يتمسك بالدين عند هجوم الفتن، ولذلك عظم قدر العبادة في حالة الفتن حتى قد قال ﷺ: العبادة في الهرج كهجرة إلي (١).\nو(قوله: يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة)، وزاد أبو داود في هذا الحديث: ويخرج كنزها (٢» السويقتان: تصغير الساقين، وإحداهما سويقة، وصغرهما لدقتهما ورقتهما، وهي صفة سوق الحبشة غالبًا، وقد وصفه النبي ﷺ في حديث آخر بقوله: كأني به أسود أفحج، يقلعها حجرا حجرا (٣). والفحج:\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٢٧)، ومسلم (٢٩٤٨)، والترمذي (٢٢٠١)، وابن ماجه (٣٩٨٥).\n(٢) رواه أبو داود (٤٣٠٩).\n(٣) رواه البخاري (١٥٩٥).","vol":"7","page":245},{"text":"[٢٨١٢] وعنه أن رسول الله ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه.\nرواه أحمد (٢/ ٤١٧)، والبخاريُّ (٧١١٧)، ومسلم (٢٩١٠).\n[٢٨١٣] وعنه عن النبي ﷺ قال: لا تذهب الأيام والليالي حتى يملك رجل يقال له: الجهجاه.\nرواه مسلم (٢٩١١).\nــ\nتباعد ما بين الساقين، ولا يعارض هذا قوله تعالى: ﴿أَوَلَم يَرَوا أَنَّا جَعَلنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِن حَولِهِم﴾؛ لأنَّ تخريب الكعبة على يدي هذا الحبشي إنما يكون عند خراب الدنيا، ولعل ذلك في الوقت الذي لا يبقى إلا شرار الخلق، فيكون حرما آمنا مع بقاء الدين وأهله، فإذا ذهبوا ارتفع ذلك المعنى.\nقلت: وتحقيق الجواب عن ذلك أنه لا يلزم من قوله تعالى: ﴿أَنَّا جَعَلنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ أن يكون ذلك دائما في كل الأوقات، بل إذا حصلت له حرمة وأمن في وقت ما، فقد صدق اللفظ وصح المعنى، ولا يعارضه ارتفاع ذلك المعنى في وقت آخر، فإن قيل: فقد قال النبي ﷺ: إن الله أحل لي مكة ساعة من نهار، ثم عادت حرمتها إلى يوم القيامة (١). قلنا: أما الحكم بالحرمة والأمن فلم يرتفع، ولا يرتفع إلى يوم القيامة إذ لم ينسخ ذلك بالإجماع، وأما وقوع الخوف فيها وترك حرمتها، فقد وجد ذلك كثيرا، ويكفيك بعوث يزيد بن معاوية، وجيوش عبد الملك، وقتال الحجاج لعبد الله بن الزبير، وغير ذلك مما جرى لها، وما فُعل فيها من إحراق الكعبة ورميها بحجارة المنجنيق.\nو(قوله: يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه) أي: يملكهم\n_________\n(١) رواه مسلم (١٣٥٥).","vol":"7","page":246},{"text":"[٢٨١٤] وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: تقاتلون بين يدي الساعة قوما نعالهم الشعر، كأن وجوههم المجان المطرقة، حمر الوجوه صغار الأعين.\nوفي رواية: لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر، ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما صغار الأعين ذلف الآنف.\nــ\nويتصرف فيهم كما يتصرف الراعي في الماشية، ولعل هذا الرجل القحطاني، هو الذي يقال له الجهجاه، وأصل الجهجهة: الصياح بالسبع ليكف، يقال: جهجهت بالسبع؛ أي: زجرته بالصياح، ويقال: تجهجه عني، أي: انته.\nو(قوله: يقاتلون بين يدي الساعة قوما نعالهم الشعر، كأن وجوههم المجان المطرقة) المجان بفتح الميم: جمع مجن - بكسر الميم - وهو الترس. والمطرقة: التي ألبست العقب طاقة فوق أخرى، ومنه طارقت النعل: إذا أطبقت طاقة فوق أخرى، ووجه التشبيه: أن وجوههم غالبًا عراض الأعالي محددة الأذقان صلبة.\nو(قوله: نعالهم الشعر، وفي رواية: ينتعلون الشعر) أي: يصنعون من الشعر حبالا، ويصنعون منه نعالا، كما يصنعون منه ثيابا. ويشهد لهذا قوله في رواية أخرى: يلبسون الشعر، ويمشون في الشعر. هذا ظاهره، ويحتمل أن يريد بذلك أن شعورهم كثيفة طويلة، فهي إذا سدلوها كاللباس، وذوائبها لوصولها إلى أرجلهم كالنعال.\nو(قوله: ذلف الأنوف) ويروى: الآنف، فالأول جمع الكثرة كفلس وفلوس، والثاني جمع قلة كأفلس، ويجمع أيضًا آنافا، وأنف كل شيء أوله، والذلف في الإنسان بالذال المعجمة: صغر الأنف واستواء الأرنبة وقصرها. وقيل: تطامن الأرنبة، والأول أعرف وأشهر، تقول: رجل أذلف بين الذلف، وقد ذلف. والمرأة ذلفاء من نساء ذلف، ولا شك في أن هذه الأوصاف هي أوصاف الترك","vol":"7","page":247},{"text":"وفي أخرى: حتى يقاتل المسلمون الترك، قوما وجوههم كالمجان المطرقة، يلبسون الشعر ويمشون في الشعر.\nرواه أحمد (٢/ ٢٧١)، ومسلم (٢٩١٢) (٦٤ و٦٦)، وأبو داود (٤٣٠٣)، والنسائي (٦/ ٤٤).\n[٢٨١٥] وعنه؛ أن النبي ﷺ قال: سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفا من بني إسحاق، فإذا جاؤوها نزلوا فلم\nــ\nغالبًا، وقد سماهم النبي ﷺ في الرواية الأخرى، فقال: (يقاتل المسلمون الترك، وهذا الخبر قد وقع على نحو ما أخبر، فقد قاتلهم المسلمون في عراق العجم مع سلطان خوارزم - ﵀ - وكان الله قد نصره عليهم، ثم رجعت لهم الكرة فغلبوا على عراق العجم وغيره، وخرج منهم في هذا الوقت أمم لا يحصيهم إلا الله، ولا يردهم عن المسلمين إلا الله، حتى كأنهم يأجوج ومأجوج، أو مقدمتهم، فنسأل الله تعالى أن يهلكهم ويبدد جمعهم. ولما علم النبي ﷺ عددهم وكثرتهم وحدة شوكتهم قال ﷺ: اتركوا الترك ما تركوكم (١). لكنا نرجو من فضل الله تعالى النصر عليهم والظفر بهم، وذلك لما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: تقاتلكم الترك، قوم صغار الأعين، قال: يعني الترك. قال: تسوقونهم ثلاث مرار حتى تلحقوهم بجزيرة العرب (٢) فأمَّا في السياقة الأولى فينجو من هرب منهم، وأما في الثانية فينجو بعض ويهلك بعض، وأما في الثالثة فيصطلمون (٣).\nو(قوله: لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفا من بني إسحاق) هكذا\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٣٠٢)، والنسائي (٦/ ٤٣ - ٤٤).\n(٢) رواه أبو داود (٤٣٠٥).\n(٣) فيُصطلمون: من الاصطلام وهو الاستئصال والإبادة.","vol":"7","page":248},{"text":"يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم، قالوا: لا إله إلا الله والله أكبر، فيسقط أحد جانبيها - قال ثور: لا أعلمه إلا قال: الذي في البحر - ثم يقولوا الثانية: لا إله إلا الله والله أكبر، فيسقط جانبها الآخر، ثم يقولوا الثالثة: لا إله إلا الله والله أكبر، فيفرج لهم فيدخلوها، فيغنموا، فبينما هم يقتسمون المغانم إذ جاءهم الصريخ فقال: إن الدجال قد خرج، فيتركون كل شيء ويرجعون.\nرواه مسلم (٢٩٢٠).\nــ\nصحت الرواية عند الجميع، وفي الأمهات. قال القاضي أبو الفضل: قال بعضهم: المعروف المحفوظ: من بني إسماعيل، وهو الذي يدلّ عليه الحديث وسياقه؛ لأنَّه إنما يعني به: العرب والمسلمين، بدليل الحديث الذي سماها فيه في الأم (١)، وأنها: القسطنطينية، وإن لم يصفها بما وصفها به هنا.\nقلت: وهذا فيه بُعد من جهة اتفاق الرواة والأمهات على بني إسحاق، فإذًا المعروف خلاف ما قال هذا القائل، ويمكن أن يقال: إن الذي وقع في الرواية صحيح غير أنه أراد به العرب ونسبهم إلى عمهم، وأطلق عليهم ما يطلق على ولد الأب، كما يقال ذلك في الخال، حتى قد قيل: الخال أحد الأبوين، والله تعالى أعلم.\nوأما قوله: إن هذه القرية هي القسطنطينية، فينبغي أن يُبحث عن صفتها، هل توافق ما وصفه النبي ﷺ في هذه المدينة أم لا؟ وأما ما ذكره مسلم في الأم من حديث القسطنطينية فهو ما تقدَّم في حديث أبي هريرة - ﵁ - الذي قال في أوله: لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق، أو بدابق قال فيه: فيقاتلهم المسلمون فينهزم ثلث، ويُقتل ثلث، ويفتح الثلث القسطنطينية، فبينما هم يقسمون الغنائم، قد علقوا سيوفهم بالزيتون إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم (١). وظاهر هذا يدلّ على أن القسطنطينية، إنما تفتح بالقتال، وهذا\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٨٩٧).","vol":"7","page":249},{"text":"[٢٨١٦] وعنه أن رسول الله ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود.\nرواه أحمد (٢/ ٤١٧)، ومسلم (٢٩٢٢).\nــ\nالحديث يدلّ على أنها تفتح بالتهليل والتكبير، فقول بعضهم فيه بعد، والحاصل: أن القسطنطينية لا بد من فتحها، وأن فتحها من أشراط الساعة على ما شهدت به أخبار كثيرة، منها ما ذكرناه آنفا، ومنها ما خرجه الترمذي من حديث معاذ بن جبل عن النبي ﷺ قال: الملحمة العظمى، وفتح القسطنطينية، وخروج الدجال في سبعة أشهر (١). قال: هذا حديث حسن صحيح، وفيه عن أنس بن مالك: أن فتح القسطنطينية مع قيام الساعة (٢). هكذا رواه موقوفا. قال محمد (٣): هذا حديث غريب، والقسطنطينية: هي مدينة الروم، تفتح عند خروج الدجال، والقسطنطينية قد فتحت (٤) في زمان بعض أصحاب النبي ﷺ.\nقلت: وعلى هذا فالفتح الذي يكون مقارنا لخروج الدجال هو الفتح المراد بهذه الأحاديث؛ لأنَّها اليوم بأيدي الروم - دمرهم الله تعالى - والله بتفاصيل هذه الوقائع أعلم.\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٢٣٨).\n(٢) رواه الترمذي (٢٢٣٩).\n(٣) المراد: محمد بن إسماعيل البخاري -﵀-.\n(٤) ما كان في زمن بعض الصحابة محاولة لفتحها، أما الفتح الفعلي فكان في زمن السلطان محمد الفاتح العثماني سنة ١٤٥٣ م.","vol":"7","page":250},{"text":"[٢٨١٧] وعنه عن النبي ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله. وفي رواية: حتى ينبعث.\nرواه أحمد (٢/ ٢٣٧)، ومسلم (١٥٧) الفتن (٨٤)، وأبو داود (٤٣٣٣ - ٤٣٣٥)، والترمذي (٢٢١٩).\n* * *\nــ\nو(قوله: لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون) الحديث، هذا إنما يكون - والله أعلم - بعد قتل الدجال؛ فإن اليهود هم أكثر أتباعه، وسيأتي منصوصا عليه بعد هذا إن شاء الله تعالى.\nو(قوله: لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريبا من ثلاثين) وقد تقدم القول في اشتقاق اسم الدجال؟ وأنه المموه بالكذب. قال القاضي أبو الفضل: هذا الحديث قد ظهر، فلو عد من تنبأ من زمن النبي ﷺ إلى الآن ممن اشتهر بذلك وعرف واتبعه جماعة على ضلاله، لوجد هذا العدد فيهم، ومن طالع في كتب الأخبار والتواريخ عرف صحة هذا، ولولا التطويل لسردنا منهم هذا العدد.\n* * *","vol":"7","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1071>(١٢) باب الخليفة الكائن في آخر الزمان وفيمن يهلك أمة النبي ﷺ وتقتل عمارا الفئة الباغية وإخماد الفتنة الباغية ولتفنى كنوز كسرى في سبيل الله</span>\n[٢٨١٨] عَن أَبِي نَضرَةَ قَالَ: كُنَّا عِندَ جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ فَقَالَ: يُوشِكُ أَهلُ العِرَاقِ ألا يُجبَى إِلَيهِم قَفِيزٌ وَلَا دِرهَمٌ، قُلنَا: مِن أَينَ ذَاكَ؟ قَالَ: مِن قِبَلِ العَجَمِ، يَمنَعُونَ ذَاكَ، ثُمَّ قَالَ: يُوشِكُ أَهلُ الشَّأمِ ألا يُجبَى إِلَيهِم دِينَارٌ وَلَا مُديٌ، قُلنَا: مِن أَينَ ذَاكَ؟ قَالَ: مِن قِبَلِ الرُّومِ، ثُمَّ أسكتَ هُنَيَّةً ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي خَلِيفَةٌ يَحثِي المَالَ حَثيًا، ولَا يَعُدُّهُ عَدَدًا، قيل لِأَبِي نَضرَةَ وَأَبِي العَلَاءِ: أَتَرَيَانِ أَنَّهُ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ؟ فَقَالَا: لَا.\nرواه أحمد (٣/ ٣١٧)، ومسلم (٢٩١٣).\nــ\n(١٢) ومن باب: الخليفة الكائن في آخر الزمان\n(قوله: يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثيا، ولا يعده عدا) أي: يصبه صبا. يقال: حثى يحثي حثيا، وحثا يحثو حثوا، وقد وقع الفعلان في الأم، والمصدر حثيا بفتح الحاء وإسكان الثاء، وضبط عن أبي بحر حِثيًّا، بكسر الثاء، وتشديد الياء، وليس بمعروف، وإنما نفى أبو نضرة أن يكون هذا الخليفة هو عمر بن عبد العزيز لقوله ﷺ: في آخر أمتي، وذلك لا يصدق على زمن عمر بن عبد العزيز إلا بالتوسع البعيد، ولأنه لم يصب المال كما جاء في هذا الحديث، وقد روى الترمذي وأبو داود أحاديث صحيحة في هذا الخليفة، وسمياه بالمهدي، فروى الترمذي عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي، قال","vol":"7","page":252},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nحديث حسن صحيح. وخرجه أبو داود، وزاد فيه: يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا (١). ومن حديث أبي هريرة - ﵁ -: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي (٢). قال: حديث حسن صحيح. ومن حديث أبي سعيد قال: خشينا أن يكون بعد نبينا حدث، فسألناه، فقال: إن في أمتي المهدي، يخرج، يعيش خمسا، أو سبعا، أو تسعا. زيد الشاك. قال: قلنا: وما ذاك؟ قال: سنين. قال: فيجيء إليه الرجل فيقول: يا مهدي أعطني؛ يا مهدي أعطني، قال: فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله (٣). قال: هذا حديث حسن. وروى أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: المهدي في أمتي: أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطا وعدلا، كما ملئت جورا وظلما، يملك سبع سنين (٤). وروى أيضًا أبو داود عن أم سلمة - ﵂ - عن رسول الله ﷺ قال: يكون اختلاف عند موت خليفة، فيخرج رجل من أهل المدينة هاربا إلى مكة، فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره، فيبايعونه بين الركن والمقام، ويبعث إليه بعث من أهل الشام فيخسف بهم بالبيداء بين مكة والمدينة، فإذا رأى الناس ذلك أتاه أبدال أهل الشام، وعصائب أهل العراق فيبايعونه، ثم ينشأ رجل من قريش أخواله كلب، فيبعث إليهم بعثا فيظهرون عليهم، وذلك بعث كلب، والخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب، فيقسم المال، ويعمل في الناس بسنة نبيهم، ويلقي الإسلام بجرانه إلى الأرض فيلبث سبع سنين ثم يتوفى، ويصلي عليه\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٢٨٢)، والترمذي (٢٢٣٠).\n(٢) رواه الترمذي (٢٢٣١).\n(٣) رواه الترمذي (٢٢٣٢).\n(٤) رواه أبو داود (٤٢٨٥).","vol":"7","page":253},{"text":"[٢٨١٩] وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: يُهلك أمتي هذا الحي من قريش، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: لو أن الناس اعتزلوهم.\nرواه أحمد (٢/ ٣٠١)، والبخاريُّ (٣٦٠٤)، ومسلم (٢٩١٧).\nــ\nالمسلمون (١). وفي رواية: تسع سنين. فهذه أخبار صحيحة ومشهورة عن النبي ﷺ تدل على خروج هذا الخليفة الصالح في آخر الزمان، وهو ينتظر إذ لم يسمع بمن كملت له جميع تلك الأوصاف التي تضمنتها تلك الأخبار، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: يُهلك أمتي هذا الحي من قريش، وفي البخاري: هلاك أمتي على يدي أغيلمة من قريش) الحي: القبيل، وأشار النبي ﷺ إلى قبيل قريش، وهو يريد بعضهم، وهم الأغيلمة المذكورون في حديث البخاري، كما أنه لم يرد بالأمة جميع أمته من أولها إلى آخرها، بل ممن كان موجودا من أمته في ولاية أولئك الأغيلمة، وكان الهلاك الحاصل من هؤلاء لأمته في ذلك العصر إنما سببه: أن هؤلاء الأغيلمة لصغر أسنانهم لم يتحنكوا، ولا جربوا الأمور، ولا لهم محافظة على أمور الدين، وإنما تصرفهم على مقتضى غلبة الأهواء، وحدة الشباب.\nو(قوله: لو أن الناس اعتزلوهم) لو: معناها التمني؛ أي: ليت الناس اعتزلوهم، فيه دليل على إقرار أئمة الجور وترك الخروج عليهم، والإعراض عن هنات ومفاسد تصدر عنهم، وهذا ما أقاموا الصلاة، ولم يصدر منهم كفر بواح عندنا من الله فيه برهان، كما قدمناه في كتاب الإمامة.\nوهؤلاء الأغيلمة كان أبو هريرة - ﵁ - يعرف أسماءهم وأعيانهم، ولذلك كان يقول: لو شئت قلت لكم: هم بنو فلان، وبنو فلان، لكنه سكت عن يقينهم مخافة ما يطرأ من ذلك من المفاسد، وكأنهم - والله تعالى أعلم -\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٢٨٦).","vol":"7","page":254},{"text":"[٢٨٢٠] وعن أبي سعيد قال: أخبرني من هو خير مني - أبو قتادة - أن رسول الله ﷺ قال لعمار حين جعل يحفر الخندق وجعل يمسح رأسه ويقول: بؤس ابن سمية، تقتلك فئة باغية.\nــ\nيزيد بن معاوية، وعبيد الله بن زياد، ومن تنزل منزلتهم من أحداث ملوك بني أمية، فقد صدر عنهم مِن قَتل أهل بيت رسول الله ﷺ وسبيهم، وقتل خيار المهاجرين والأنصار بالمدينة، وبمكة وغيرها، وغير خاف ما صدر عن الحجاج وسليمان بن عبد الملك، وولده من سفك الدماء وإتلاف الأموال وإهلاك خيار الناس بالحجاز والعراق، وغير ذلك.\nوأغيلمة: تصغير غلمة، على غير مكبره؛ فكأنهم قالوا: أغلمة ولم يقولوه، كما قالوا: أُصيبية بتصغير صبية. وبعضهم يقول: غليمة على القياس، وقد تقدَّم القول في الغلام، وأن أصله فيمن لم يحتلم، ثم قد يتوسع فيه، ويقال على الحديث السن - وإن كان قد احتلم - وعلى هذا جاء في هذا الحديث.\nو(قوله ﷺ لعمار بن ياسر -﵁ -: تقتلك فئة باغية، وفي لفظ آخر: الفئة الباغية) هذه شهادة من النبي ﷺ على فئة معاوية بالبغي، فإنهم هم الذين قتلوه؛ فإنَّه كان بعسكر علي بصفين، وأبلى في القتال بلاء عظيما، وحرض أصحاب رسول الله ﷺ على قتال معاوية وأصحابه. قال أبو عبد الرحمن السلمي: شهدنا مع علي صفين، فرأيت عمار بن ياسر لا يأخذ في ناحية من أودية صفين إلا رأيت أصحاب محمد يتبعونه كأنه علم لهم، قال: وسمعته يقول يومئذ لهاشم بن عتبة: يا هاشم تقدم، الجنة تحت الأبارقة (١)، اليوم ألقى الأحبة، محمدا وحزبه، والله لو هزمونا حتى يبلغوا بنا شغفات هجر لعلمنا أنا على الحق وأنهم على الباطل، ثم قال:\n_________\n(١) الأبارقة: السيوف.","vol":"7","page":255},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nنحن ضربناكم على تنزيله\nفاليوم نضربكم على تأويله\nضربا يزيل الهام عن مقيله\nويذهل الخليل عن خليله\nأو يرجع الحق إلى سبيله\nقال: فلم أر أصحاب محمد قُتلوا في موطن ما قتلوا يومئذ، وقال عبد الرحمن بن أبزى: شهدنا صفين مع علي - ﵁ - في ثمانمائة ممن بايع بيعة الرضوان، قتل منهم ثلاثة وستون، منهم عمار بن ياسر. وروى الشعبي عن الأحنف بن قيس في خبر صفين قال: ثم حمل عمار بن ياسر فحمل عليه ابن جزء السكسكي، وأبو الغادية الفزاري، فأمَّا أبو الغادية فطعنه، وأما ابن جزء فاحتز رأسه، وكان سنه وقت قتل نيفا على تسعين سنة، وكانت صفين في ربيع الآخر سنة تسع وثلاثين، ودفنه علي - ﵁ - في ثيابه، ولم يغسله كما فعل بشهداء أحد، ولما ثبت أن أصحاب معاوية قتلوا عمارا صدق عليهم خبر رسول الله - ﷺ - عنهم أنهم البغاة، وأن عليا - ﵁ - هو الحق، ووجه ذلك واضح، وهو أن عليا - ﵁ - أحق بالإمامة من كل من كان على وجه الأرض في ذلك الوقت من غير نزاع من معاوية ولا من غيره. وقد انعقدت بيعته بأهل الحل والعقد من أصحاب رسول الله ﷺ، وأهل دار الهجرة، فوجب على أهل الشام والحجاز والعراق وغيرهم مبايعته، وحرمت عليهم مخالفته، فامتنعوا عن بيعته وعملوا على مخالفته، وكانوا له ظالمين، وعن سبيل الحق ناكبين، فاستحقوا اسم البغي الذي شهد به عليهم النبي ﷺ، ولا ينجيهم من هذا تأويلاتهم الفاسدة، فإنها تحريفات عن سنن الحق حائدة. نقل الأخباريون: أن معاوية تأول الخبر تأويلين:\nأحدهما: أنه قال بموجب الخبر فقال: نحن الباغية لدم عثمان - ﵁ - أي الطالبة له.","vol":"7","page":256},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوثانيهما: أنه قال: إنما قتله من أخرجه للقتل وعرضه له، وهذان التأويلان فاسدان.\nأما بيان فساد الأول: فالبغي - وإن كان أصله الطلب - فقد غلب عرف استعماله في اللغة والشرع على التعدي والفساد، ولذلك قال اللغويون، أبو عبيد وغيره: البغي: التعدي. وبغى الرجل على الرجل: استطال عليه. وبغت السماء: اشتد مطرها. وبغى الجرح: ورم وترامى إلى فساد، وبغى الوالي: ظلم. وكل مجاوزة وإفراط على المقدار الذي هو حد الشيء: بَغي. وبرئ جرحه على بغي: وهو أن يبرأ وفيه شيء من نغل، وعلى هذا فقد صار الحال في البغي كالحال في الصلاة، والدابة، وغير ذلك من الأسماء العرفية التي إذا سمعها السامع سبق لفهمه المعنى العرفي المستعمل، لا الأصلي الذي قد صار كالمطرح، كما بيناه في الأصول، وإلى حمل اللفظ على ما قلناه صار عبد الله بن عمرو بن العاص وغيره يوم قُتل عمار، وأكثر أهل العصر، ورأوا أن ذلك التأويل تحريف. سلمنا نفي العرف، وأن لفظ الباغية صالح للطلب وللتعدي، لكن النبي ﷺ ذكر الفئة الباغية في هذا الحديث في معرض إظهار فضيلة عمار وذم قاتليه، ولو كان المقصود البغي الذي هو مجرد الطلب لما أفاد شيئا من ذلك، وقد أفادهما بدليل مساق الحديث فتأمله بجميع طرقه تجده كذلك، وأيضًا فلو كان ذلك هو المقصود لكان تخصيص قتلة عمار بالبغي الذي هو الطلب ضائعا لا فائدة له؛ إذ علي وأصحابه طالبون للحق ولقتلة عثمان، لو تفرغوا لذلك، وتمكنوا منه، وإنما منعهم من ذلك معاوية وأصحابه بما أبدوا من الخلاف، ومن الاستعجال مع قول علي لهم: ادخلوا فيما دخل فيه الناس، ونطلب قتلة عثمان، ونقيم عليهم كتاب الله. فلم يلتفتوا لهذا ولا عرجوا عليه، ولكن سبقت الأقدار، وعظمت المصيبة بقتيل الدار.\nوأما فساد التأويل الثاني فواضح؛ لأنَّه عدل عمن وجد القتل منه إلى من","vol":"7","page":257},{"text":"وفي رواية: ويس ابن سمية. أو: يا ويس.\nرواه مسلم (٢٩١٥) (٧٠ و٧١).\n[٢٨٢١] ونحوه عن أم سلمة.\nرواه أحمد (٦/ ٢٨٩)، ومسلم (٢٩١٦) (٧٢ و٧٣).\nــ\nلا تصح نسبته إليه، إذ لم يجبر عمار على الخروج؛ بل هو خرج بنفسه وماله مجاهدا في سبيل الله، قاصدا لقتال من بغى على الإمام الحق، وقد نقلنا ما صدر عنه في ذلك، وحاش معاوية عن مثل هذا التأويل، والعهدة على الناقل، بل قد حكي عن معاوية أنه قال عندما جاءه قاتل عمار برأسه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: بشروا قاتل ابن سمية بالنار (١). فلما سمع القاتل ذلك قال: بئست البشارة، وبئست التحفة، وأنشد في ذلك شعرا، والله أعلم بحقيقة ما جرى من ذلك، وقد تقدَّم قول النبي ﷺ في الخوارج: تقتلهم أولى الطائفتين بالحق (٢)، والقاتل لهم هو علي - ﵁ - وأصحابه.\nو(قوله: بؤس ابن سمية) هو منادى مضاف محذوف حرف النداء، تقديره: يا بؤس ابن سمية، وهي أم عمار، والبأس والبؤس والبأساء: المكروه والضرر، وفي الرواية الأخرى: يا ويسَ ابن سمية، وفي البخاري: يا ويح ابن سمية (٣)، وكلاهما بمعنى التفجع والترحم. والويل: بمعنى الهلكة، هذا هو الصحيح، وقد تقدَّم الخلاف فيهما.\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ١٩٨) بلفظ: \"إن قاتلَه وسالبَه في النَّار\".\n(٢) رواه مسلم (١٠٦٤) (١٥٠).\n(٣) رواه البخاري (٢٨١٢).","vol":"7","page":258},{"text":"[٢٨٢٢] وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: لقد مات كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده. والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله.\nرواه أحمد (٢/ ٣١٣)، والبخاريُّ (٣٠٢٧)، ومسلم (٢٩١٨) (٧٥).\nــ\nو(قوله: لقد مات كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده) كذا جاء هذا الحديث في الأم: قد مات كسرى، بلفظ الماضي المحقق بقد، وقد وقع هذا اللفظ في كتاب الترمذي من حديث أبي هريرة - ﵁ - وعنه سعيد بن المسيب، وعنه الزهري، وعنه سفيان، وبهذا السند رواه مسلم، غير أن الترمذي قال: إذا هلك كسرى (١)، ولم يقل: قد مات وبين اللفظين بون عظيم، فلفظ مسلم يقتضي أن كسرى قد كان وقع موته، فأخبر عنه النبي ﷺ، وعلى هذا يدل حديث أبي بكرة الذي خرجه البخاري، قال: لما بلغ رسول الله ﷺ أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى، قال: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة (٢)، يعني: أنه لما مات كسرى ولوا عليهم ابنته، وعلى هذا فلا يصح أن يقال: مكان: قد مات: إذا مات، ولا إذا هلك؛ لأنَّ إذا للمستقبل، ومات للماضي، وهما متناقضان، فلا يصح الجمع بينهما لاتحاد الراوي، واختلاف المعنى، إلا على تأويل بعيد، وهو أن يقدر أن أبا هريرة سمع الحديث من النبي ﷺ مرتين، فسمع أولا: إذا هلك كسرى، وبعده: قد هلك كسرى. فيكون النبي ﷺ قال الحديث الأول قبل موت كسرى؛ لأنَّه علم أنه يموت ويهلك، ويكون النبي ﷺ أيضًا قال الحديث الثاني بعد موته، ويحتمل أن يفرق بين الموت\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٢١٦) عن أبي هريرة -﵁-.\n(٢) رواه البخاري (٧٠٩٩).","vol":"7","page":259},{"text":"[٢٨٢٣] وعن جابر بن سمرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لتفتحن عصابة من المسلمين - أو من المؤمنين - كنز آل كسرى الذي في\nــ\nوالهلاك، فيقال: إن موت كسرى كان قد وقع في حياة النبي ﷺ فأخبر عنه بذلك، وأما هلاك ملكه، فلم يقع ذلك إلا بعد موت النبي ﷺ وموت أبي بكر، وإنَّما هلك ملكه في خلافة عمر -﵁ - على يدي سعد بن أبي وقاص وغيره من الأمراء الذين ولاهم عمر حرب فارس، فهزموا جموعه، وفتحوا بلاده، وانتقلوا كنوزه إلى المدينة، وذخائره، وحليته، حتى تاجه كما هو المعروف في كتب التواريخ، وكان موت كسرى وتمزيق ملكه بسبب دعوة النبي ﷺ، كما خرجه البخاري (١) من حديث ابن عباس - ﵄ - أن رسول الله ﷺ بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمي، فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه مزقه، فحسبت أن ابن المسيب قال: فدعا رسول الله ﷺ أن يُمزقوا كل ممزق، فعجل الله تعالى موته، ومزق بعد ذلك ملكه. وقد تقدَّم أن كل ملك للفرس يقال له كسرى، وكل ملك للروم يقال له قيصر. وكل ملك للحبشة يقال له: النجاشي. ويقال كسرى، بفتح الكاف، وهو قول الأصمعي، والكسر لغيره.\nو(قوله: فلا كسرى بعده، ولا قيصر بعده). قال القاضي: معناه عند أهل العلم: لا يكون كسرى بالعراق، ولا قيصر بالشام، فأعلم بانقضاء ملكهما وزواله من هذين القطرين، فكان كما قال، وانقطع أمر كسرى بالكلية، وتمزق ملكه واضمحل، وتخلى قيصر عن الشام، ورجع القهقرى إلى داخل بلاده، واحتوى المسلمون على ملكهما وكنوزهما، وأنفقا في سبيل الله، كما أخبر عنه نبينا محمد ﷺ.\nو(قوله: لتفتحن عصابة من المسلمين كنز آل كسرى) العصابة: الجماعة\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٤).","vol":"7","page":260},{"text":"الأبيض. وقد روي (من المسلمين) ولم يشك.\nرواه أحمد (٥/ ١٠٠)، ومسلم (٢٩١٩) (٧٨).\n* * *\nــ\nمن الناس والطير والوحش، سموا بذلك؛ لأنَّهم يشد بعضهم بعضا، والعصب: هو الشد. والعصبة: ما بين العشرين إلى الأربعين، وإنما أطلق النبي ﷺ على المفتتحين كنز كسرى: عصابة، وإن كانوا عساكر بالنسبة إلى عدد عدوهم وجيوشه، فإنَّهم كانوا بالنسبة إليهم قليلا. ويحتمل أن يريد بالعصابة الجماعة السابقة لفتح القصر الأبيض دون الجيش كله؛ فإنَّ الله لما هزم الفرس وجيوشهم العظيمة على يدي سعد بن أبي وقاص - ﵁ - وعسكره، وكان عدد من معه يوم فتح القادسية ستة آلاف، أو سبعة آلاف على ما ذكره محمد بن جرير الطبري. فر المنهزمة من الفرس إلى المدائن منزل كسرى، فتبعهم المسلمون إلى أن وصلوا إلى دجلة، وهي تقذف بالزبد، فاقتحمها المسلمون فرسانا ورجالة، خائضين يتحدث بعضهم مع بعض، فلما رأى ذلك الفرس هالهم ذلك، فتخففوا بما أمكنهم من المال والذخائر النفيسة، وفروا ولم يبق فيها إلا من ثقل عن الفرار، ودخل المسلمون المدائن، وفيها القصر الأبيض الذي فيه إيوان كسرى وأمواله وذخائره النفيسة التي لم يسمع بمثلها. قال أهل التاريخ: كان في البيت الأبيض ثلاثة آلاف ألف ألف ألف - ثلاث مرات - غير أن رستما لما فر منهزما حمل معه نصف ما كان في بيوت الأموال، وترك النصف الآخر، فملكه (١) الله المسلمين، فأصاب الفارس من فيء المدائن اثنا عشر ألفا، ولما دُخل القصر الأبيض وجدوا فيه ملابس كسرى، وحليته، وبساطه الذي ما سمع في العالمين بمثله، فجاؤوا بكل ذلك إلى عمر - ﵁ - فكان ذلك كله مظهرا لصدق رسول الله ﷺ للعيان، بحيث يضطر إليه كل إنسان.\n_________\n(١) في (ع) و(م ٤): فنفَّله.","vol":"7","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1072>(١٣) باب ما ذكر من أن ابن صياد: الدجال</span>\n[٢٨٢٤] عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ قَالَ: خَرَجنَا حُجَّاجًا - أَو: عُمَّارًا - وَمَعَنَا ابنُ صَائِدٍ، قَالَ: فَنَزَلنَا مَنزِلًا فَتَفَرَّقَ النَّاسُ وَبَقِيتُ أَنَا وَهُوَ، فَاستَوحَشتُ مِنهُ وَحشَةً شَدِيدَةً مِمَّا يُقَالُ عَلَيهِ، قَالَ: وَجَاءَ بِمَتَاعِهِ فَوَضَعَهُ مَعَ مَتَاعِي، فَقُلتُ: إِنَّ الحَرَّ شَدِيدٌ فَلَو وَضَعتَهُ تَحتَ تِلكَ الشَّجَرَةِ، قَالَ: فَفَعَلَ، قَالَ: فَرُفِعَت لَنَا غَنَمٌ فَانطَلَقَ فَجَاءَ بِعُسٍّ، فَقَالَ: اشرَب أَبَا سَعِيدٍ، فَقُلتُ: إِنَّ الحَرَّ شَدِيدٌ وَاللَّبَنُ حَارٌّ، مَا بِي إِلَّا أَنِّي أَكرَهُ أَن أَشرَبَ عَن يَدِهِ - أَو قَالَ: آخُذه عَن يَدِهِ - فَقَالَ: أَبَا سَعِيدٍ لَقَد هَمَمتُ أَن آخُذَ حَبلًا فَأُعَلِّقَهُ بِشَجَرَةٍ ثُمَّ أَختَنِقَ مِمَّا يَقُولُ لِي النَّاسُ، يَا أَبَا سَعِيدٍ مَن خَفِيَ عَلَيهِ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا خَفِيَ عَلَيكُم مَعشَرَ الأَنصَارِ، أَلَستَ مِن أَعلَمِ النَّاسِ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ أَلَيسَ قَد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هُوَ كَافِرٌ، وَأَنَا مُسلِمٌ؟ أَوَلَيسَ قَد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هُوَ عَقِيمٌ لَا يُولَدُ لَهُ، وَقَد تَرَكتُ وَلَدِي بِالمَدِينَةِ؟ أَوَلَيسَ قَد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا يَدخُلُ المَدِينَةَ\nــ\n(١٣) ومن باب: ما ذكر في ابن صياد\nويقال: ابن صائد، واسمه صاف، وكل ذلك في الحديث. قال الواقدي: نسبه في بني النجار، وقيل: هو من اليهود، وكانوا حلفاء بني النجار، وكانت حاله في صغره حالة الكهان، يصدق مرة ويكذب مرارا، ثم إنه أسلم لما كبر، وظهرت منه علامة الخير من الحج والجهاد مع المسلمين، ثم ظهرت منه أحوال، وسمعت منه أقوال، تشعر بأنه الدجال، وبأنه كافر، كما يأتي في تفاصيل أحاديثه، فقيل: إنه تاب ومات بالمدينة، ووقف على عينه هناك، وقيل: بل فقد في يوم الحرة، ولم يوقف عليه، وكان جابر وابن عمر - ﵃ - يحلفان أنه الدجال،","vol":"7","page":262},{"text":"وَلَا مَكَّةَ، وَقَد أَقبَلتُ مِن المَدِينَةِ وَأَنَا أُرِيدُ مَكَّةَ؟ - وَفِي رِوَايَةٍ: قَد حَجَجتُ - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: حَتَّى كِدتُ أَن أَعذِرَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعرِفُهُ وَأَعرِفُ مَولِدَهُ وَأَينَ هُوَ الآنَ، قَالَ: قُلتُ لَهُ: تَبًّا لَكَ سَائِرَ اليَومِ.\nوفي رواية: قال، وقيل له: أيسرك أنك ذاك الرجل؟ قال: فقال: لو عرض علي ما كرهت.\nرواه مسلم (٢٩٢٦) (٩٠ و٩١)، والترمذيُّ (٢٢٤٦).\nــ\nلا يشكان فيه، وعلى الجملة فأمره كله مشكل على الأمة، وهو فتنة ومحنة.\nوقد تقدم أن الأطم: هو الحصن، ويجمع: آطام. ويروى أطم ابن مغالة، وبني مغالة، وكلاهما صحيح، وبنو مغالة بغين معجمة. وفي حديث ابن حميد، وفي حديث الحلواني: بني معاوية، والأول المعروف، وبنو مغالة: كل ما كان عن يمينك إذا وقفت آخر البلاط مستقبل مسجد النبي ﷺ، وبنو جديلة ما كان عن يسارك، ومسجد النبي ﷺ في بني مغالة، قاله الزبير. وقال بعضهم: بنو مغالة حي من قضاعة، وبنو معاوية: هم بنو جديلة.\nو(قوله: فرفصه) رسول الله ﷺ - بالفاء والصاد المهملة - رواية الجماعة. قال بعض الشارحين: الرفص: الضرب بالرجل، مثل الرفس.\nقلت: وهذا ليس بمعروف عند أهل اللغة، وإنما رفس، بالسين المهملة. يقال: رفسه يرفِسُه ويرفُسُه: إذا ضربه برجله. فأمَّا رفص بالصاد: فهو من الرفصة، وهي النوبة من الماء تكون بين القوم، وهم يترافصون الماء، أي: يتناوبونه، وقد وقع عند الصدفي: فرفضه، بضاد معجمة. قال القاضي: وهو وهم.\nقلت: ويحتمل أن يقال: ليس بوهم، ويكون معناه من الرفض، وهو الرمي، وكأنه أعرض عنه، ولم يلتفت إليه لما سمع منه ما سمع، فعل المغضب. وأبعد من هذه ما وقع في البخاري من رواية المروزي: فرقصه، بالقاف والصاد","vol":"7","page":263},{"text":"[٢٨٢٥] وعن عبد الله بن عمر، أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ انطَلَقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فِي رَهطٍ قِبَلَ ابنِ صَيَّادٍ، حَتَّى وَجَدَهُ يَلعَبُ مَعَ الصِّبيَانِ عِندَ أُطُمِ بَنِي مَغَالَةَ، وَقَد قَارَبَ ابنُ صَيَّادٍ يَومَئِذٍ الحُلُمَ، فَلَم يَشعُر حَتَّى ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ظَهرَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِابنِ صَيَّادٍ: أَتَشهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَنَظَرَ إِلَيهِ ابنُ صَيَّادٍ فَقَالَ: أَشهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ، فَقَالَ ابنُ صَيَّادٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَتَشهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَرَفَضَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: آمَنتُ بِاللَّهِ وَبِرُسُلِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَاذَا تَرَى؟ قَالَ ابنُ صَيَّادٍ: يَأتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: خُلِّطَ عَلَيكَ الأَمرُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنِّي قَد خَبَأتُ لَكَ خَبِيئًا، فَقَالَ ابنُ\nــ\nالمهملة، وفي حديث كتاب الأدب من البخاري، فَرَضَّه، بالضاد المعجمة من الرض، وقال بعضهم فيه: فرصَّه، بالصاد المهملة؛ أي: ضغطه.\nو(قوله: يأتيني صادق وكاذب) يعني به تابعه من الشيطان، كان تارة يصدق له وتارة يكذب، وهذه حالة الكهان.\nو(قوله: خُلط عليك الأمر) أي: لبس عليك تابعك الجني حالك.\nو(قوله ﷺ: خبئت لك خبيئا) رواية الجماعة: خبيئا، بكسر الباء، وعند التميمي: خَبأ، بسكونها، وكلاهما بمعنى. في الصحاح: الخبء: ما خبئ، وكذلك: الخبيء، وكلاهما مهموز، واختلف في هذا المخبأ ما هو؟ فالأكثر على أنه: أضمر له في نفسه: ﴿يَومَ تَأتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ وقال الداودي: وكانت في يده سورة الدخان مكتوبة، وعلى هذا فيكون قوله: الدخ، يعني به الدخان. قالوا: هي لغة معروفة في الدخان، وأنشدوا:\nعند رواق البيت يغشى الدخا\nوحكى هذه اللغة في الصحاح، ووجدته في كتاب الشيخ: الدخ، ساكن","vol":"7","page":264},{"text":"صَيَّادٍ: هُوَ الدُّخُّ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اخسَأ فَلَن تَعدُوَ قَدرَكَ، فَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: ذَرنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضرِب عُنُقَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِن يَكُنهُ فَلَن تُسَلَّطَ عَلَيهِ، وَإِن لَم يَكُنهُ فَلَا خَيرَ لَكَ فِي قَتلِهِ.\nــ\nالخاء. ومصححا عليه، أعني: الذي جاء في الحديث، وكأنه على الوقف، وأما الذي في الشعر فهو مشدد الخاء، وكذلك قرأته في الحديث فيما أعلم، وقيل: إنما أراد ابن صياد أن يقول: الدخان، فزجره النبي ﷺ فقال: الدخ، وهذا فيه بعد. وقيل: الدخ: نبت موجود بين النخيل والبساتين خبأه له. واخسأ: زجر للكلب، ولمن يذم ويهان.\nو(قوله: لن تعدو قدرك) أي: لن تجاوز حالة الكهان المتخرصين الكذابين، لا يليق بك إلا ذلك، وإنَّما اختبره النبي ﷺ بذلك لينظر هل طريقته طريقة الكهان أو لا؟ فظهر أنه كذلك، وأن الشياطين تلعب به، وتلبس عليه.\nو(قوله ﷺ لعمر - ﵁ -: إن يكنه فلن تسلط عليه، وإن لم يكنه فلا خير في قتله) هذا يدلّ على أن النبي ﷺ لم يتضح له شيء من أمر كونه هو الدجال أم لا؟ وليس هذا نقصا في حق النبي ﷺ؛ لأنَّه لم يكن يعلم إلا ما علمه الله، وهذا مما لم يعلمه الله تعالى به، ولا هو مما ترهق إلى علمه حاجة لا شرعية، ولا عادية، ولا مصلحية، ولعل الله تعالى قد علم في إخفائه مصلحة فأخفاه، والذي يجب الإيمان به: أنه لا بد من خروج الدجال يدعي الإلهية، وأنه كذاب أعور، كما جاء في الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي قد حصلت لمن عاناها العلم القطعي بذلك.\nو(قوله: وإن لم يكنه، فلا خير لك في قتله) أي: لأنه صبي حينئذ. وقيل: لأنه كان لقومه عهد من النبي ﷺ، كما عاهد يهود المدينة، أو لأنه من حلفاء بني النجار كما تقدَّم. وهذا الضمير المتصل في (يكنه) هو خبرها، وقد وضع موضع المنفصل، واسمها مستتر فيها، ونحوه قول أبي الأسود الدؤلي:","vol":"7","page":265},{"text":"وَقَالَ أيضا: انطَلَقَ بَعدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأُبَيُّ بنُ كَعبٍ إِلَى النَّخلِ الَّتِي فِيهَا ابنُ صَيَّادٍ، حَتَّى إِذَا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّخلَ، طَفِقَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخلِ، وَهُوَ يَختِلُ أَن يَسمَعَ مِن ابنِ صَيَّادٍ شَيئًا قَبلَ أَن يَرَاهُ ابنُ صَيَّادٍ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُضطَجِعٌ عَلَى فِرَاشٍ فِي قَطِيفَةٍ لَهُ، فِيهَا زَمزَمَةٌ، فَرَأَت أُمُّ ابنِ صَيَّادٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخلِ، فَقَالَت لِابنِ صَيَّادٍ: يَا صَافِ - وَهُوَ اسمُ ابنِ صَيَّادٍ - هَذَا مُحَمَّدٌ، فَثَارَ ابنُ صَيَّادٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَو تَرَكَتهُ بَيَّنَ. قَالَ عَبدُ اللَّهِ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسِ\nــ\nدع الخمر تشربها الغواة فإنني ... رأيت أخاها مغنيا بمكانها (١)\nفإن لا يكنها أو تكنه فإنه ... أخوها غذته أمه بلبانها\nأي: فإلا يكن هو إياها أو تكن هي إياه.\nو(قوله: طفق يتقي) أي: أخذ وجعل، وقد تقدَّم أنها من أفعال المقاربة. ويتقي: يستتر بجذوع النخل، أي: بأصول النخل.\nو(قوله: فثار ابن صياد) أي: وثب وثبة شديدة.\nو(قوله ﷺ: لو تركته بين) أي: كان يعبر عن حاله في نومه، هل هو الدجال، أم لا؟ وقد يشكل هذا مع قوله: رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ. . . (٢) وبالإجماع على أن النائم غير مؤاخذ بما يقوله في حال نومه، ولا بما يصدر عنه، ولا يعول على هذا الإشكال؛ لأنَّ هذا ليس من باب المؤاخذة، ولا التكليف، وإنما هو من باب النظر في قرائن الأحوال؛ فإنَّ النائم الغالب عليه\n_________\n(١) في اللسان والصحاح: \"مجزيًا بمكانها\".\n(٢) رواه أحمد (٦/ ١٠٠)، وأبو داود (٤٣٩٨)، والنسائي (٦/ ١٥٦)، وابن ماجه (٢٠٤١).","vol":"7","page":266},{"text":"فَأَثنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ له أَهل، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: إِنِّي لَأُنذِرُكُمُوهُ، مَا مِن نَبِيٍّ إِلَّا وَقَد أَنذَرَهُ قَومَهُ، لَقَد أَنذَرَهُ نُوحٌ قَومَهُ، وَلَكِن أَقُولُ لَكُم فِيهِ قَولًا لَم يَقُلهُ نَبِيٌّ لِقَومِهِ، إنَّهُ أَعوَرُ وَإنَّ اللَّهَ ﵎ لَيسَ بِأَعوَرَ.\nــ\nأنه يتكلم في نومه بما يكون غالبا عليه في يقظته، ولعل النبي ﷺ كان ينتظر أن يظهر له منه في حال نومه ما يدل على حاله دلالة خاصة به، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: إني لأنذركم الدجال، وما من نبي إلا وقد أنذره قومه، لقد أنذره نوح قومه) إنما كان هذا من الأنبياء لما علموا من عظيم فتنته، وشدة محنته، على ما يأتي تفصيلها في الأحاديث المذكورة بعد، ولأنهم لما لم يُعيّن لواحد منهم زمان خروجه، توقع كل واحد منهم خروجه في زمان أمته، فبالغ في التحذير. وفائدة هذا الإنذار الإيمان بوجوده والعزم على معاداته ومخالفته، وإظهار تكذيبه وصدق الالتجاء إلى الله تعالى في التعوذ من فتنته. وهذا مذهب أهل السنة، وعامة أهل الفقه والحديث، خلافا لمن أنكر أمره وأبطله من الخوارج وبعض المعتزلة، وخلافا للجبائي من المعتزلة، ومن وافقنا على إثباته من الجهمية وغيرهم، لكن زعموا أن ما عنده مخارق وحيل، قال: لأنها لو كانت أمورا صحيحة لكان ذلك إلباسا للكاذب بالصادق، وحينئذ لا يكون فرق بين النبي والمتنبئ، وهذا هذيان لا يلتفت إليه؛ فإنَّ هذا إنما كان يلزم لو أن الدجال يدعي النبوة، وليس كذلك؛ فإنه إنما ادعى الإلهية، وكذبه في هذه الدعوى واضح للعقول؛ إذ أدلة حدثه ونقصه وفقره مدرك بأول الفطرة، بحيث لا يجهله من له أدنى فكرة، وقد زاد النبي ﷺ هذا المعنى إيضاحا في هذا الحديث من ثلاثة أوجه:\nأحدها: بقوله: ولكن أقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لأمته، إنه أعور، وإن الله ليس بأعور وهذا تنبيه للعقول القاصرة أو الغافلة على أن من كان ناقصا في ذاته، عاجزا عن إزالة نقصه، لم يصلح لأن يكون إلها لعجزه وضعفه، ومن كان عاجزا عن إزالة نقصه كان أعجز عن نفع غيره، وعن مضرته.","vol":"7","page":267},{"text":"وقَالَ بَعضُ أَصحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ يَومَ حَذَّرَ النَّاسَ الدَّجَّالَ: إِنَّهُ مَكتُوبٌ بَينَ عَينَيهِ كَافِرٌ، يَقرَؤُهُ مَن كَرِهَ عَمَلَهُ، أَو يَقرَؤُهُ كُلُّ مُؤمِنٍ. وَقَالَ: تَعَلَّمُوا أَنَّهُ لَن يَرَى أَحَدُكُم رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ.\nرواه أحمد (٢/ ١٤٨) و(١٦٩) في إثر الرقم السابق، والبخاريُّ (٣٠٥٥ - ٣٠٥٧)، ومسلم (٢٩٣٠) (٩٥) و(٢٩٣١)، وأبو داود (٤٣٢٩)، والترمذي (٢٢٣٥).\nــ\nوثانيها: قوله: إنه مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب وهذا أمر مشاهد للحس يشهد بكذبه وكفره.\nوثالثها: قوله: تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت، وهذا نص جلي في أن الله تعالى لا يُرى في هذه الدار، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿لا تُدرِكُهُ الأَبصَارُ﴾ أي: في الدنيا، ولقوله تعالى لموسى - ﵇ -: ﴿لَن تَرَانِي﴾ أي في الدنيا. ولقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحيًا﴾ الآية.\nوحاصل هذا: أن الصادق قد أخبر أن الله تعالى لا يراه أحد في الدنيا، والدجال يراه الناس، فليس بإله، وهذا منه ﷺ نزول إلى غاية البيان، بحيث لا يبقى معه ريبة لإنسان، وقد تقدَّم الخلاف في رؤية نبينا محمد ﷺ ربه في كتاب الإيمان، وقد قلنا: إنه لم يثبت في الباب قاطع يعتمد عليه، والأصل: التمسك بما دلت هذه الأدلة عليه، وقد تأول بعض الناس قوله ﷺ: مكتوب بين عينيه كافر. وقال: معنى ذلك ما ثبت من سمات حدثه، وشواهد عجزه، وظهور نقصه. قال: ولو كان على ظاهره وحقيقته لاستوى في إدراك ذلك المؤمن والكافر، وهذا عدول وتحريف عن حقيقة الحديث من غير موجب لذلك، وما ذكره من لزوم المساواة بين المؤمن والكافر في قراءة ذلك لا يلزم؛ لوجهين:\nأحدهما: أن الله تعالى يمنع الكافر من إدراكه، لا سيما وذلك الزمان قد","vol":"7","page":268},{"text":"[٢٨٢٦] وَعَن أَبِي سَعِيدٍ، وَذَكَرَ بَعضُ مَا تَضَمَّنَهُ هَذَا الحَدِيثُ، قَالَ فِيهِ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَا تَرَى؟ قَالَ: عَرشًا عَلَى المَاءِ. فَقَالَ ﷺ: تَرَى عَرشَ إِبلِيسَ عَلَى البَحرِ.\nرواه مسلم (٢٩٢٥)، والترمذيُّ (٢٢٤٩).\nــ\nانحرفت فيه عوائد، فليكن هذا منها. وقد نُص على هذا في بعض طرقه فقال: يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب، وقراءة غير الكاتب خارقة للعادة.\nوثانيهما: أن المؤمن إنما يدركه لتثبته ويقظته، ولسوء ظنه بالدجال، وتخوفه من فتنته، فهو في كل حال يستعيد النظر في أمره، ويستزيد بصيرة في كذبه، فينظر في تفاصيل أحواله، فيقرأ سطور كفره وضلاله ويتبين عين محاله. وأما الكافر فمصروف عن ذلك كله بغفلته وجهله، وكما انصرف عن إدراك نقص عوره، وشواهد عجزه، كذلك يصرف عن فهم قراءة سطور كفره ورمزه.\nوأما الفرق بين النبي والمتنبئ، فالمعجزة لا تظهر على يدي المتنبئ؛ لأنَّه يلزم منه انقلاب دليل الصدق دليل الكذب، وهو محال، وللبحث فيها مجال في علم الكلام، وأما من قال أن ما يأتي به الدجال حيل ومخارق، فهو معزول عن الحقائق؛ لأنَّ ما أخبر به النبي ﷺ من تلك الأمور حقائق لا يحيل العقل شيئا منها، فوجب إبقاؤها على حقائقها، وسيأتي تفصيلها. والرواية في (تعلموا) بتشديد اللام بمعنى: اعلموا وتعلموا.\nو(قوله: فرفعت لنا غنم) أي: أبصرناها على بعد، وكأن الآل الذي هو السراب رفعها لهم؛ أي: أظهرها. والعُس، بضم العين: القدح الكبير.\nو(قول ابن صياد لأبي سعيد: أليس قد قال رسول الله ﷺ: هو كافر وأنا مسلم إلخ. . .) هذا الحديث من أوله إلى آخره يدلّ على أن هذه القصة اتفقت لأبي سعيد مع ابن صياد بعد أن كبر، وصار رجلا وولد له، وبعد موت النبي ﷺ، وأن ابن صياد أسلم وحج، وأنه حفظ الحديث عن رسول الله ﷺ، ولذلك ذكره","vol":"7","page":269},{"text":"[٢٨٢٧] وَعَنِ ابنِ عُمَرَ، قَالَ: لَقِيتُ ابنَ صَيَّادٍ مَرَّتَينِ، فَقُلتُ لِبَعضِهِم: هَل تَحَدَّثُونَ أَنَّهُ هُوَ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، قَالَ: قُلتُ: كَذَبتَنِي، وَاللَّهِ لَقَد أَخبَرَنِي بَعضُكُم أَنَّهُ لَن يَمُوتَ حَتَّى يَكُونَ أَكثَرَكُم مَالًا وَوَلَدًا، فَكَذَلِكَ هُوَ زَعَمُوا اليَومَ. قَالَ: فَتَحَدَّثنَا ثُمَّ فَارَقتُهُ،\nــ\nابن جرير وغيره في الصحابة، غير أنه قد ظهرت منه في هذا الحديث أمور بعضها كفر، وذلك قوله: لو عرض علي ما كرهت، فإنَّ من يرضى لنفسه دعوى الإلهية، وحالة الدجال هو كافر، ولا يتصور في هذا خلاف، وبعضها يشعر بأنه الدجال، وهو قوله: والله إني لأعرفه وأعرف مولده وأين هو. زاد الترمذي (١): وأين هو الساعة من الأرض، وأعرف والده. فإنَّ هذا يقارب النص في أنه هو، وما لبس به من أن مسلم فسيكفر، أو هو منافق كافر في الحال، وحجه وغيره محبط بكفره، أو لعله كان ذلك منه نفاقا. وأما كونه لا يولد له، ولا يدخل مكة والمدينة، فيحتمل أن يكون ذلك منه إذا خرج على الناس، والله تعالى أعلم بحقيقة ذلك.\nو(قول أبي سعيد الخدري له: تبا لك سائر اليوم)، أي: خسارا لك دائما؛ لأنَّ اليوم هنا يراد به الزمان، وتبا: منصوب بفعل مضمر لا يستعمل إظهاره؛ أي: لقيت تبا، أي: تبابا، أو صادفت، أو لقّاه الله تبابا.\nو(قول ابن عمر - ﵄ -: لقيت ابن صائد مرتين، فقلت لبعضهم: هل تحدثون أنه هو؟) يعني لبعض من كان معه، والذي قال: لا والله، هو ذلك البعض الذي خاطبه، وله قال ابن عمر: كذبتني، ألا ترى أنه خاطبه بقوله: لقد أخبرني بعضكم، ولا يتخيل أن الخطاب لابن صياد؛ لأنَّه لم يتكلم معه بهذه اللقيا، وإنما تكلم معه في اللقية الأخرى.\nو(قوله: لقد أخبرني بعضكم أنه لن يموت حتى يكون أكثركم مالا وولدا، فكذلك هو زعموا اليوم) مثل هذا الخبر لا يتوصل إليه إلا بالنقل، ولم يكن عندهم\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٢٤٩).","vol":"7","page":270},{"text":"قَالَ: فَلَقِيتُهُ لَقيَةً أُخرَى وَقَد نَفَرَت عَينُهُ، قَالَ: فَقُلتُ: مَتَى فَعَلَت عَينُكَ مَا أَرَى؟ قَالَ: لَا أَدرِي، قَالَ: قُلتُ: لَا تَدرِي وَهِيَ فِي رَأسِكَ؟ قَالَ: إِن شَاءَ اللَّهُ خَلَقَهَا فِي عَصَاكَ هَذِهِ، قَالَ: فَنَخَرَ كَأَشَدِّ نَخِيرِ حِمَارٍ سَمِعتُ، قَالَ: فَزَعَمَ بَعضُ أَصحَابِي أَنِّي ضَرَبتُهُ بِعَصًا كَانَت مَعِيَ حَتَّى تَكَسَّرَت، وَأَمَّا أَنَا فَوَاللَّهِ مَا شَعَرتُ، قَالَ: وَجَاءَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى أُمِّ المُؤمِنِينَ فَحَدَّثَهَا فَقَالَت: مَا تُرِيدُ إِلَيهِ؟ أَلَم تَعلَم أَنَّهُ قَد قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا يَبعَثُهُ عَلَى النَّاسِ غَضَبٌ يَغضَبُهُ.\nــ\nشيء يعتمدونه إلا الخبر عن رسول الله ﷺ، فهو مرفوع بالمعنى لا باللفظ، فكأنه قال: أخبرني بعضكم عن النبي ﷺ.\nو(قوله: فلقيته لقية أخرى، وقد نفرت عينه) كذا وقع لأكثرهم، والصواب الفتح في اللام من لقية؛ لأنَّه مصدر، ولم يحكه ثعلب إلا بالرفع، ونفرت، بالنون والفاء المفتوحتين: رواية جماعة الشيوخ؛ أي: ورمت، وفي أصل القاضي التميمي: نقرت وفقئت، معا، فقلت: فقئت في الموضعين، وكتب على الأول بخطه: نقرت، بالنون والقاف. ورواه أبو عبد الله المازري: نفرت، بالفاء، وهي كلها متقاربة، وأشبهها الأولى، فإنَّ عينه في ذلك الوقت لم تكن مفقوءة؛ إذ لو كان ذلك لكان من أعظم الأدلة على أنه الدجال، ولاستدل بذلك من قال: إنه هو، على من خالفه في ذلك، ولم يرد ذلك، غير أنه قد حكى أبو الفرج الجوزي في أنه ولد وهو أعور مختون مسرور، وهذا فيه نظر؛ لأنَّ الظاهر من هذا الحديث أشهر مما ذكر. ويحتمل أن يكون ذلك الورم مبتدأ فقء عينه إن كان هو الدجال، والله أعلم. وكون ابن عمر لم يشعر بضربه لابن صياد بالعصا حتى تكسرت، كان ذلك لشدة موجدته عليه، وكأنه تحقق منه أنه الدجال.\nو(قوله: فنخر كأشد نخير حمار سمعت) النخير: صوت الأنف. تقول منه: نَخَر ينخِر ينخُر نَخِيرا.","vol":"7","page":271},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ ابنَ عُمَرَ لَقِيَ ابنَ صَيَّادٍ فِي بَعضِ طُرُقِ المَدِينَةِ، فَقَالَ قَولًا أَغضَبَهُ، فانتفخ حتى ملأ السكة، فدخل ابن عمر على حفصة وقد بلغها، فقالت له: يرحمك الله ما أردت من ابن صياد؟ أما علمت أن رسول الله ﷺ قال: إنما يخرج من غضبة يغضبها؟\nرواه أحمد (٦/ ٢٨٣)، ومسلم (٢٩٣٢) (٩٨ و٩٩).\n* * *\nــ\nو(قوله: فقال له قولا أغضبه) يعني: أن ابن عمر قال لابن صياد قولا غضب ابن صياد لأجله، فانتفخ حتى ملأ السكة، وهي الطريق، وتجمع سككا، وهذا الانتفاخ محمول على حقيقته وظاهره، ويكون هذا أمرا خارقا للعادة في حق ابن صياد، ويكون من علامات أنه الدجال؛ لأنَّ هذا موافق لما قالته حفصة - ﵂ - عن النبي ﷺ: إنما يخرج من غضبة يغضبها. وقد اجتمعت في أحاديث ابن عمر هذه قرائن كثيرة تفيد أن ابن صياد هو الدجال، ولذلك كان ابن عمر - ﵄ - قد اعتقد ذلك وصمم عليه، بحيث كان يحلف على ذلك، وكذلك جابر بن عبد الله، ﵃.\n* * *","vol":"7","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1073>(١٤) باب في صفة الدجال وما يجيء معه من الفتن</span>\n[٢٨٢٨] عَن حُذَيفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَأَنَا أَعلَمُ بِمَا مَعَ الدَّجَّالِ مِنهُ، مَعَهُ نَهرَانِ يَجرِيَانِ، أَحَدُهُمَا رَأيَ العَينِ مَاءٌ أَبيَضُ، وَالآخَرُ رَأيَ العَينِ نَارٌ تَأَجَّجُ،\nــ\n(١٤ و١٥) ومن باب: صفة الدجال (١)\n(قوله: لأنا أعلم بما مع الدجال منه) هذا جواب قسم محذوف؛ أي: والله لأنا أعلم؛ أي: أن الدجال لا يعلم حقيقة ما معه من الجنة والنار، ولا من النهرين؛ أي أنه يظنهما كما يراهما غيره، فيظن جنته جنة وماءه ماء، وحقيقة الأمر على الخلاف من ذلك، فيكون قد لبس عليه فيهما، والنبي ﷺ قد علم حقيقة كل واحد منهما، ولذلك بينه، فقال: ناره ماء بارد. وفي اللفظ الآخر: فجنته نار وناره جنة وهذا الكلام رواه مسلم عن حذيفة من قول النبي ﷺ في هذه الطريق، وقد رواه من طريق أخرى موقوفا على حذيفة من قوله، وقد رواه أبو داود من حديث ربعي بن خراش قال: اجتمع حذيفة وأبو مسعود، فقال حذيفة: لأنا أعلم بما مع الدجال منه (٢).\nو(قوله: رأي العين) منصوب على الظرف؛ أي: حين رأي العين، أو في رأي العين، ويصح أن يقال فيه: إنه مصدر صدره محذوف، تقديره: تراه رأي العين. وكل ما يظهره الله على يدي الدجال من الخوارق للعادة محن امتحن الله بها عباده، وابتلاء ابتلاهم به، ليتميز أهل التنزيه والتوحيد بما يدل عليه العقل السديد\n_________\n(١) شرح المؤلف -﵀- تحت هذا العنوان هذا الباب والذي يليه، وهو باب: في هَوان الدجال على الله تعالى.\n(٢) رواه أبو داود (٤٣١٥).","vol":"7","page":273},{"text":"فَإِمَّا أَدرَكَنَّ أَحَدٌ فَليَأتِ النَّهرَ الَّذِي يَرَاهُ نَارًا، وَليُغَمِّض ثُمَّ ليُطَأطِئ رَأسَهُ فَيَشرَبَ مِنهُ، فَإِنَّهُ مَاءٌ بَارِدٌ، وَإِنَّ الدَّجَّالَ مَمسُوحُ العَينِ، عَلَيهَا ظَفَرَةٌ غَلِيظَةٌ، مَكتُوبٌ بَينَ عَينَيهِ كَافِرٌ، يَقرَؤُهُ كُلُّ مُؤمِنٍ، كَاتِبٍ وَغَيرِ كَاتِبٍ.\nوفي رواية: الدجال أعور العين اليسرى\nــ\nمن استحالة الإلهية على ذوي الأجسام، وإن أتوا على دعواهم بأمثال تلك الطوام، أو ليغتر أهل الجهل باعتقاد التجسيم، حتى يوردهم ذلك نار الجحيم. وفتنة الدجال من نحو فتنة أهل المحشر بالصورة الهائلة التي تأتيهم فتقول لهم: أنا ربكم، فيقول المؤمنون: نعوذ بالله منك، كما تقدَّم في الإيمان. ومقتضى روايتي حذيفة: أن معه نهرين وجنتين، وأنهما مختلفتان في المعنى واللفظ لأن النهر لا يقال عليه جنة، ولا الجنة يقال عليها نهر. هذا هو الظاهر، ويحتمل أن يقال: إن ذينك النهرين في جنة ونار، فحسن أن يعبر بأحدهما عن الآخر.\nو(قوله: فإما أدركن ذلك أحدكم) كذا الرواية عند جميع الشيوخ، والصواب: إسقاط النون، لأنه فعل ماض، وإنما تدخل هذه النون على الفعل المستقبل كقوله: ﴿فَإِمَّا نَذهَبَنَّ بِكَ﴾ و﴿فَإِمَّا يَأتِيَنَّكُم مِنِّي هُدًى﴾ ونحوه كثير.\nو(قوله: الدجال ممسوح العين عليها ظفرة غليظة) هي بالظاء المعجمة والفاء، وهما مفتوحتان، وهي جلدة تغشي العين، إن لم تقطع غشيت العين. ومعنى ممسوح العين؛ أي: مطموس ضوؤها وإدراكها، فلا يبصر بها شيئًا.\nو(قوله: الدجال أعور العين اليسرى) الأعور: هو الذي أصابه في عينه عور، وهو العيب الذي يذهب إدراكها، وهكذا صح في حديث حذيفة: اليسرى، وقد صح من حديت ابن عمر مرفوعا أنه أعور عينه اليمنى، كأنها عنبة","vol":"7","page":274},{"text":"جفال الشعر، معه جنة ونار، فناره جنة وجنته نار.\nرواه أحمد (٢/ ٣٨٣ و٣٨٦)، ومسلم (٢٩٣٤) (١٠٤ و١٠٥).\n[٢٨٢٩] وعَن النَّوَّاسِ بنِ سَمعَانَ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الدَّجَّالَ\nــ\nطافية، ورواه الترمذي (١) أيضًا وصححه، وهذا اختلاف يصعب الجمع فيه بينهما، وقد تكلف القاضي أبو الفضل الجمع بينهما، فقال: جمع الروايتين عندي صحيح، وهو أن كل واحدة منهما عوراء من وجه ما؛ إذ العور في كل شيء: العيب، والكلمة العوراء: هي المعيبة. فالواحدة عوراء بالحقيقة، وهي التي وصفت في الحديث بأنها ليست جحراء، ولا ناتئة، وممسوحة ومطموسة. وطافئة - على رواية الهمز - والأخرى عوراء لعيبها اللازم لها لكونها جاحظة، أو كأنها كوكب، أو كأنها عنبة طافية -بغير همز- وكل واحدة منهما يصح فيها الوصف بالعور بحقيقة العرف والاستعمال، أو بمعنى العور الأصلي الذي هو العيب.\nقلت: وحاصل كلامه: أن كل واحدة من عيني الدجال عوراء. إحداهما بما أصابها حتى ذهب إدراكها، والثانية عوراء بأصل خلقتها معيبة. لكن يُبعد هذا التأويل: أن كل واحدة من عينيه قد جاء وصفها في الروايات بمثل ما وصفت به الأخرى من العور، فتأمله، فإنَّ تتبع تلك الألفاظ يطول.\nو(قوله: جفال الشعر) أي: كثيره. قال ذو الرمة يصف شعر امرأة:\nوأسود كالأساود مُسبَكِرًّا (٢) ... على المتنين مُنسدلا جُفالا\nوشعر الدجال مع كثرته جعد قطط، وهو الشديد الجعودة، الذي لا يمتد إلا باليد، كشعور السودان، وفي القطط لغتان: الفتح والكسر في الطاء الأولى.\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٢٤١).\n(٢) مُسْبَكِرًّا: منسدلًا مسترسلًا. والأساود: الحيَّات.","vol":"7","page":275},{"text":"ذَاتَ غَدَاةٍ، فَخَفَّضَ فِيهِ وَرَفَّعَ حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخلِ، فَلَمَّا رُحنَا إِلَيهِ عَرَفَ ذَلِكَ فِينَا، فَقَالَ: مَا شَأنُكُم؟ قُلنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَكَرتَ الدَّجَّالَ غَدَاةً فَخَفَّضتَ فِيهِ وَرَفَّعتَ حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخلِ، فَقَالَ: غَيرُ الدَّجَّالِ أَخوَفُنِي عَلَيكُم، إِن يَخرُج وَأَنَا فِيكُم فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُم، وَإِن يَخرُج وَلَستُ فِيكُم فَامرُؤٌ حَجِيجُ نَفسِهِ،\nــ\nو(قوله: فخفض فيه ورفع) بتخفيف الفاء، أي: أكثر من الكلام فيه، فتارة يرفع صوته ليسمع من بعد، وتارة يخفض ليستريح من تعب الإعلان، وهذه حالة المكثر من الكلام. وقيل: معناه: فحقره وصغره، كما قال: هو أهون على الله من ذلك وتارة عظمه، كما قال: ليس بين يدي الساعة خلق أكبر من الدجال والأول أسبق إلى الفهم، وقد روي ذلك اللفظ: فخفض فيه ورفع مشدد الفاء، وهي للتضعيف والتكثير.\nو(قوله: غير الدجال أخوفني عليكم) بنون الوقاية عند الجماعة، وهو وجه الكلام، وقد روي عن أبي بحر: أخوفي - بغير نون - وهي قليلة، حكاها ثابت، وقد وقع في الترمذي: أخوف لي.\nقلت: وهو وجه الكلام، وفيه اختصار؛ أي: غير الدجال أخوف لي عليكم من الدجال، فحذف للعلم به.\nو(قوله: إن يخرج وأنا فيكم، فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم، فامرؤ حجيج نفسه) هذا الكلام يدلّ: على أن النبي ﷺ، لم يتبين له وقت خروجه، غير أنه كان يتوقعه ويقربه، وكذلك كان يقرب أمره حتى يظنوا أنه في النخل القريب منهم. وحجيجه: محاجه ومخاصمه، وقاطعه بالحجَّة بإظهار كذبه وإفساد قوله.\nو(قوله: فامرؤ حجيج نفسه) أي: ليحتج كل امرئ عن نفسه بما أعلمته","vol":"7","page":276},{"text":"وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ.\nإِنَّهُ شَابٌّ قَطَطٌ، عَينُهُ طَافِئَةٌ، كَأَنِّي أُشَبِّهُهُ بِعَبدِ العُزَّى بنِ قَطَنٍ، فَمَن\nــ\nمن صفته، وبما يدلّ العقل عليه من كذبه في دعوى الإلهية، وهو خبر بمعنى الأمر، وفيه التنبيه على النظر عند المشكلات، والتمسك بالأدلة الواضحات.\nو(قوله: والله خليفتي على كل مسلم) هذا منه ﷺ تفويض إلى الله تعالى في كفاية كل مسلم من تلك الفتن العظيمة، وتوكل عليه في ذلك، ولا شك في أن من صح إسلامه في ذلك الوقت، أنه يُكفى تلك الفتن لصدق النبي ﷺ في توكله وصحته، لضمان الله تعالى كفاية من توكل عليه، بقوله: ﴿وَمَن يَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسبُهُ﴾ أي: كافيه مشقة ما توكل عليه فيه، وموصله إلى ما يصلحه منه، ومع هذا فقد أرشد النبي ﷺ إلى ما يقرؤه على الدجال، فيؤمّن من فتنته، وذلك عشر آيات من أول سورة الكهف، أو من آخرها، على اختلاف الرواية في ذلك. والاحتياط والحزم يقتضي: أن يقرأ عشرا من أولها، وعشرا من آخرها، على أنه قد روى أبو داود من حديث النواس: فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف فإنَّها جوار لكم من فتنته (١).\nو(قوله: عنبة طافئة) رويناه بالهمز، وصححناه على من يوثق بعلمه، وقد سمعناه بغير همز، وبالوجهين ذكره القاضي أبو الفضل، فقال: هو اسم فاعل من طُفئت النار، تُطفأ، فهي طافئة، وانطفأت فهي منطفئة، وأطفأتها أنا: فهي مطفأة. فكأن عينه كانت تنير كالسراج فانطفأت؛ أي: ذهب نورها، وهذا المعنى في هذه الرواية التي لم يذكر فيها عنبة واضح، ويبعد فيها ترك الهمز، وأما الرواية التي فيها: كأنها عنبة طافية فالأولى ترك الهمز، فإنَّه شبهها في استدارتها وبروزها كحبة العنب، وهو اسم فاعل من طفا يطفو: إذا علا، غير مهموز، فهي طافية،\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٣٢١).","vol":"7","page":277},{"text":"أَدرَكَهُ مِنكُم فَليَقرَأ عَلَيهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الكَهفِ؛ إِنَّهُ خَارِجٌ حَلَّةً بَينَ الشَّامِ وَالعِرَاقِ،\nــ\nأي: قائمة جاحظة، كما جاء في بعض ألفاظ الحديث. وقد روى أبو داود من حديث عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ أنه قال: إني قد حدثتكم عن الدجال حتى خشيت ألا تغفلوا، إن المسيح الدجال رجل قصير أفحج، جعد أعور مطموس العين، ليست بناتئة، ولا جحراء (١). وهذا الحديث يقتضي أن عينه ليست بالفاحشة النتوء والجحوظ، ولا غائرة حتى كأنها في جحر؛ بل: متوسطة بحيث يصدق عليها أنها قائمة وجاحظة، والله تعالى أعلم. وقد زاد عبادة في هذا الحديث من أوصافه أنه قصير أفحج، والفحج: تباعد ما بين الساقين.\nو(قوله: إنه خارج حلة بين الشام والعراق) رويته وقيدته بفتح الحاء المهملة، وتشديد اللام، وهي رواية السجزي، وقيل معنى ذلك: قبالة وسمت. وفي كتاب العين: والحلة: موضع حزن وضمور، وسقطت هذه الكلمة من رواية العذري. وروي عن ابن الحذاء: حلُّه بضم اللام وهاء الضمير، أي: نزوله وحلوله، وكذا في كتاب التميمي، وهكذا ذكره الحميدي، ورواه الهروي في غريبه: خَلّة: بالخاء المعجمة مفتوحة، وتشديد اللام، وفسره بأنه ما بين البلدتين، قال غيره: هو الطريق في الرمل، ويجمع: خلٌّ.\nقلت: وقد روى الترمذي من حديث أبي بكر الصديق - ﵁ - قال: حدثنا رسول الله - ﷺ - قال: الدجال يخرج من أرض بالمشرق يقال لها: خراسان، يتبعه أفواج (٢)، كأن وجوههم المجان المطرقة (٣). قال: وفي الباب عن\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٣٢٠).\n(٢) في (ز): أقوام.\n(٣) رواه الترمذي (٢٢٣٧).","vol":"7","page":278},{"text":"فَعَاثَ يَمِينًا وَعَاثَ شِمَالًا، يَا عِبَادَ اللَّهِ فَاثبُتُوا، قُلنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا لَبثُهُ فِي الأَرضِ؟ قَالَ: أَربَعُونَ يَومًا، يَومٌ كَسَنَةٍ وَيَومٌ كَشَهرٍ وَيَومٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُم، قُلنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَلِكَ\nــ\nأبي هريرة وعائشة - ﵄ - وهذا حديث حسن غريب، ووجه الجمع بين هذا وبين الذي قبله: أن مبتدأ خروج الدجال من خراسان، ثم يخرج إلى الحجاز فيما بين العراق والشام، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: عاث يمينا وعاث شمالا) رويناه بالعين المهملة والثاء المثلثة مفتوحة غير منونة على أنه فعل ماض، وبكسرها وتنوينها على أنه اسم فاعل. وهو بمعنى الفساد. يقال: عثا في الأرض يعثو: أفسد، وكذلك عَثِي - بالكسر- يعثي. قال الله تعالى: ﴿وَلا تَعثَوا فِي الأَرضِ مُفسِدِينَ﴾\nو(قوله: يا عباد الله اثبتوا) هذا من قول النبي ﷺ يأمر من لقي الدجال أن يثبت ويصبر؛ فإنَّ لبثه في الأرض قليل على ما يأتي، وأما من سمع به ولم يلقه فليبعد عنه، وليفر بنفسه، كما خرجه أبو داود من حديث عمران بن حصين - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: من سمع بالدجال فلينأ عنه، فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث به من الشبهات، أو: لما يبعث به من الشبهات (١).\nو(قوله: يا رسول الله، وما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم) ظاهر هذا: أن الله تعالى يخرق العادة في تلك الأيام، فيبطئ بالشمس عن حركتها المعتادة في أول يوم من تلك الأيام، حتى يكون أول يوم كمقدار سنة معتادة، ويبطئ بالشمس حتى يكون كمقدار شهر، والثالث حتى يكون كمقدار جمعة، وهذا ممكن، لا سيما وذلك\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٣١٩).","vol":"7","page":279},{"text":"اليَومُ الَّذِي كَسَنَةٍ أَتَكفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَومٍ؟ قَالَ: لَا، اقدُرُوا لَهُ قَدرَهُ، قُلنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا إِسرَاعُهُ فِي الأَرضِ؟ قَالَ: كَالغَيثِ استَدبَرَتهُ الرِّيحُ،\nــ\nالزمان تنخرق فيه العوائد كثيرا، لا سيما على يدي الدجال. وقد تأوله أبو الحسين ابن المنادي على ما حكاه أبو الفرج الجوزي فقال: المعنى: يهجم عليكم غم عظيم لشدة البلاء، وأيام البلاء طوال، ثم يتناقص ذلك الغم في اليوم الثاني، ثم يتناقص في الثالث، ثم يعتاد البلاء، كما يقول الرجل: اليوم عندي سنة، كما قال:\nوليل المحب بلا آخر\nقال أبو الفرج: وهذا التأويل يرده قولهم: أتكفينا فيه صلاة يوم وليلة؟ قال: لا، اقدروا له قدره والمعنى: قدروا الأوقات للصلاة، غير أن أبا الحسين بن المنادي قد طعن في صحة هذه اللفظات. أعني قولهم: أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، اقدروا له قدره فقال: هذا عندنا من الدسائس التي كادنا بها ذوو الخلاف علينا قديما، ولو كان ذلك صحيحا لاشتهر على ألسنة الرواة، كحديث الدجال؛ فإنَّه قد رواه ابن عباس، وابن عمر، وجابر بن عبد الله، وحذيفة، وعبادة بن الصامت، وأبي بن كعب، وسمرة بن جندب، وأبو هريرة، وأبو الدرداء، وأبو مسعود البدري، وأنس بن مالك، وعمران بن حصين، ومعاذ بن جبل، ومجمع بن جارية - ﵃ - في آخرين، ولو كان ذلك لقوي اشتهاره، ولكان أعظم وأقطع من طلوع الشمس من مغربها.\nقلت: هذه الألفاظ التي أنكرها هذا الرجل صحيحة في حديث النواس، خرجها الترمذي من حديث النواس، وذكر الحديث بطوله نحوا مِمَّا خرجه مسلم، وقال في الحديث: حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وقد خرجه أبو داود، وأيضًا من حديث عبد الرحمن بن يزيد المذكور، وذكر طرفا من الحديث ولم يذكره بطوله، فصح الحديث عند هؤلاء الأئمة، وانفراد الثقة بالحديث لا يخرم الثقة به؛ لأنَّه قد يسمع","vol":"7","page":280},{"text":"فَيَأتِي عَلَى القَومِ فَيَدعُوهُم فَيُؤمِنُونَ بِهِ وَيَستَجِيبُونَ لَهُ، فَيَأمُرُ السَّمَاءَ فَتُمطِرُ وَالأَرضَ فَتُنبِتُ، فَتَرُوحُ عَلَيهِم سَارِحَتُهُم أَطوَلَ مَا كَانَت ذُرًا وَأَسبَغَهُ ضُرُوعًا وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ، ثُمَّ يَأتِي القَومَ فَيَدعُوهُم فَيَرُدُّونَ عَلَيهِ قَولَهُ، فَيَنصَرِفُ عَنهُم فَيُصبِحُونَ مُمحِلِينَ لَيسَ بِأَيدِيهِم شَيءٌ مِن أَموَالِهِم،\nــ\nما لا تسمعه الجماعة في وقت لا يحضر غيره، وكم يوجد من ذلك في الأحاديث، وقد رواه قاسم بن أصبغ (١) من حديث جابر بن عبد الله على ما يأتي. وتطريق إدخال المخالفين الدسائس على أهل العلم والتحرز والثقة، بعيد لا يلتفت إليه؛ لأنَّه يؤدي إلى القدح في أخبار الآحاد، وإلى خرم الثقة بها، مع أن ما تضمنته هذه الألفاظ أمور ممكنة الوقوع في زمان خرق العادات، كسائر ما جاء مما قد صح وثبت من خوارق العادات التي تظهر على يدي الدجال، مما تضمنه هذا الحديث وغيره، فلا معنى لتخصيص هذه الألفاظ بالإنكار، والكل ظنون مستندة إلى أخبار العدول، والله أعلم بحقائق الأمور.\nقال القاضي في قوله: اقدروا له هذا حكم مخصوص بذلك اليوم شرعه لنا صاحب الشرع، ولو وكلنا فيه لاجتهادنا لكانت الصلاة فيه عند الأوقات المعروفة في غيره من الأيام.\nو(قوله: فتغدو عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرا، وأسبغه ضروعا) تغدو: تبكر. والسارحة: المواشي التي تخرج للسرح، وهو الرعي، كالإبل والبقر والغنم. والذرا: جمع ذروة، وهي الأسنمة، وأسبغه: أطوله ضروعا لكثرة اللبن. وأمده خواصر: لكثرة أكلها، وخصب مرعاها.\nو(قوله: فيصبحون ممحلين) وفي بعض الروايات: آزلين، والمحل والأزل، والقحط، والجدب، كلها واحد، والله تعالى أعلم. ويعاسيب النحل:\n_________\n(١) قاسم بن أصبَغ: هو مُحدث الأندلس، سكن قرطبة ومات فيها سنة (٣٤٠ هـ).","vol":"7","page":281},{"text":"وَيَمُرُّ بِالخَرِبَةِ فَيَقُولُ لَهَا: أَخرِجِي كُنُوزَكِ، فَتَتبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحلِ، ثُمَّ يَدعُو رَجُلًا مُمتَلِئًا شَبَابًا فَيَضرِبُهُ بِالسَّيفِ فَيَقطَعُهُ جَزلَتَينِ رَميَةَ الغَرَضِ، ثُمَّ يَدعُوهُ فَيُقبِلُ وَيَتَهَلَّلُ وَجهُهُ يَضحَكُ، فَبَينَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذ بَعَثَ اللَّهُ المَسِيحَ ابنَ مَريَمَ فَيَنزِلُ عِندَ المَنَارَةِ البَيضَاءِ شَرقِيَّ دِمَشقَ بَينَ مَهرُودَتَينِ، وَاضِعًا كَفَّيهِ عَلَى أَجنِحَةِ مَلَكَينِ،\nــ\nفُحولها، واحدها: يعسوب، وقيل: أمراؤها، ووجه التشبيه أن يعاسيب النحل يتبع كل واحد منهم طائفة من النحل، فتراها جماعات في تفرقة، فالكنوز تتبع الدجال كذلك.\nو(قوله: فيقطعه جزلتين رمية الغرض) هو بفتح الجيم، وحكاه ابن دريد بكسرها.\nقلت: والأولى الفتح؛ لأن جزلتين هنا مصدر ملاق في المعنى ليقطعه، فكأنه قال: قطعه قطعتين، أو جزله جزلتين، وجزلة مصدر محدود بجزل جزلا وجزلة، ويجوز الكسر على أنه اسم. يعني قسمه قطعتين وفرقتين، رمية الغرض، منصوب نصب المصدر؛ أي: كرمية الغرض في السرعة والإصابة. وقيل: جعل بين القطعتين مثل رمية الغرض، وفيه بعد. والأول أشبه.\nو(قوله: بين مهرودتين) الرواية الصحيحة بالدال المهملة والتاء، باثنتين من فوقها، وبعض المحدثين يقولها بالذال المعجمة، وحكى ابن الأنباري أنها تقال بهما، والمعروف الأول. في الصحاح: هردت الثوب: شققته، والهِردى على وزن فِعلى، بكسر الهاء: نبت يصبغ به، وثوب مهرود؛ أي: صُبغ أصفر.\nولما كان هذا هو المعروف في اللغة اختلف الشارحون لهذا اللفظ في هذا الحديث، فقيل: إن عيسى - ﵇ - ينزل في شقتي ثوب، والشقة نصف الملاءة، أو في حلتين، مأخوذ من الهرد، وهو القطع والشق. وقال أكثرهم: في","vol":"7","page":282},{"text":"إِذَا طَأطَأَ رَأسَهُ قَطَرَ\nــ\nثوبين مصبوغين بالصفرة، وكأنه الذي صبغ بالهردى. وقد اجترأ القتبي، وخطأ النَّقَلة في هذا اللفظ، وقال: هو عندي خطأ من النَّقَلة، وأراه مهرُوَّتَين، يقال: هريت العمامة: إذا لبستها صفراء، وكأن فعلت منه: هروت، وأنشدوا عليه:\nرأيتك هريت العمامة بعدما ... أراك زمانا حاسرا لم تعصب\nقال: إنما أراد أنك لبست العمامة صفراء كما يلبسها السادة، وكان السيد يعتم بعمامة صفراء، ولا يكون ذلك لغيره.\nقلت: لقد صدق من قال في ابن قتيبة: هَجوم وَلاج على ما لا يحسن. وقد خطئ ابنُ قتيبة فيما خطّأ فيه الثقاتِ وأهلَ التقييد والتثبت والعلم من وجهين:\nأحدهما: حكمه بالخطأ وجرأته (١) به على الأئمة الحفاظ الثقات العلماء، فكان حقه أن يتوقف إذ لم يجد محملا لتلك اللفظة على النحو المروي.\nوثانيهما: إن ما استدل به لا حجَّة فيه، لوجهين قد أشار إليهما أبو بكر فيما حكاه الإمام أبو عبد الله عنه. فقال: ما قاله خطأ؛ لأنَّ العرب لا تقول: هروت الثوب، لكن هريت، ولا يقال أيضًا: هريت، إلا في العمامة خاصة، فليس له أن يقيس على العمامة؛ لأنَّ اللغة رواية.\nقلت: والأصح: قول الأكثر، ويشهد له ما قد وقع في بعض الروايات بدل مهرودتين: ممصرتين والممصرة من الثياب هي المصبوغة بالصفرة، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: إذا طأطأ رأسه قطر) أي: إذا خفض رأسه سال منه ما يعني به العرق. وهذا نحو مما قال في الحديث الذي تقدم: يقطر رأسه ماء، كأنما خرج من ديماس (٢) يعني: الحمام.\n_________\n(١) في (م ٤): وجزمه.\n(٢) رواه مسلم (١٦٨).","vol":"7","page":283},{"text":"وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنهُ جُمَانٌ كَاللُّؤلُؤِ، فَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنتَهِي حَيثُ يَنتَهِي طَرفُهُ، فَيَطلُبُهُ حَتَّى يُدرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ فَيَقتُلُهُ، ثُمَّ يَأتِي عِيسَى ابنَ مَريَمَ قَومٌ قَد عَصَمَهُم اللَّهُ مِنهُ فَيَمسَحُ عَن وُجُوهِهِم وَيُحَدِّثُهُم بِدَرَجَاتِهِم فِي الجَنَّةِ، فَبَينَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذ أَوحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى:\nــ\nو(قوله: إذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ) الجمان: ما استدار من اللؤلؤ والدر، ويستعار لكل ما استدار من الحلي، قاله أبو الفرج الجوزي. شبه قطرات العرق بمستدير الجوهر، وهو تشبيه واقع.\nو(قوله: فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات) الرواية: لا يحل، بكسر الحاء، معناه: يحق ويجب، وهو من نحو قوله تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَريَةٍ أَهلَكنَاهَا أَنَّهُم لا يَرجِعُونَ﴾ أي: واجب ذلك ولازم، وقيل: معناه: لا يمكن، وفي بعض الروايات عن ابن الحذاء: فلا يحل لكافر يجد نفس ريحه، ووجهه بين، وأما من رواه يحُل - بضم الحاء - فليس بشيء، إلا أن يكون بعده: بكافر، بالباء، فيكون له وجه.\nو(قوله: ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه) نفسه - بفتح الفاء - وطرفه - بسكون الراء - وهو عينه، ويعني بذلك أن الله تعالى قوّى نفس عيسى - ﵇ - حتى يصل إلى المحل الذي يصل إليه إدراك بصره، فمعناه: أن الكفار لا يقربونه، وإنَّما يهلكون عند رؤيته ووصول نفسه إليهم، تأييد من الله له وعصمة، وإظهار كرامة ونعمة.\nو(قوله: فيمسح عن وجوههم) يعني التي بالنون، لا التي باللام؛ أي: يزيل عن وجوههم بمسحه ما أصابها من غبار سفر الغزو ووعثائه؛ مبالغة في إكرامهم وفي اللطف بهم، والتحفي بهم. وقيل: معناه يكشف ما نزل بهم من الخوف والمشقات، والأولى: الحقيقة، وهذا توسع.","vol":"7","page":284},{"text":"إِنِّي قَد أَخرَجتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِم، فَحَرِّز عِبَادِي إِلَى الطُّورِ، وَيَبعَثُ اللَّهُ يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ وَهُم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ، فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُم عَلَى بُحَيرَةِ طَبَرِيَّةَ فَيَشرَبُونَ مَا فِيهَا، وَيَمُرُّ آخِرُهُم فَيَقُولُونَ: لَقَد كَانَ بِهَذِهِ مَرَّةً مَاءٌ، وَيُحصَرُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصحَابُهُ حَتَّى يَكُونَ رَأسُ الثَّورِ لِأَحَدِهِم خَيرًا مِن مِائَةِ دِينَارٍ لِأَحَدِكُم اليَومَ، فَيَرغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصحَابُهُ، فَيُرسِلُ اللَّهُ عَلَيهِم النَّغَفَ فِي رِقَابِهِم فَيُصبِحُونَ فَرسَى كَمَوتِ نَفسٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ يَهبِطُ\nــ\nو(قوله: إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم) أي: لا قدرة لأحد على قتال يأجوج ومأجوج. يقال: لا يد لفلان بهذا الأمر؛ أي: لا قوة.\nو(قوله: فحرز عبادي إلى الطور) هذه الرواية الصحيحة بالزاي؛ أي ارتحل بهم إلى جبل يحرزون فيه أنفسهم، والطور: الجبل بالسريانية. ويحتمل أن يكون ذلك هو طور سيناء، وقد رواه بعضهم: حوز، بالواو، ولم تقع لنا هذه الرواية، ومعناها واضح، وهو بمعنى الأولى.\nو(قوله: ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون) قد تقدم القول في يأجوج ومأجوج في أول كتاب الفتن. والحدب: النشز من الأرض، وهي الآكام والكداء. وينسلون: من النسلان، وهي مقاربة الخطو مع الإسراع، كمشي الذئب إذا بادر، قاله القتبي. وقال الزجاج: ينسلون: يسرعون. والنغف - جمع نغفة - وهو بفتح النون والغين المعجمة، وهي دود يكون في أنوف الإبل والغنم، وهي وإن كانت محتقرة، فإتلافها شديد، ويقال للرجل الحقير: ما أنت إلا نغفة.\nو(قوله: فيصبحون فرسى) أي هلكى قتلى، مِن فَرَسَ الذئبُ الشاةَ: إذا قتلها. والفريسة منه. والزهم، بفتح الهاء: النتن والرائحة الكريهة. وأصله: ما يعلق باليد من ريح اللحم. والبخت: إبل غلاظ الأعناق، عظام الأسنام.","vol":"7","page":285},{"text":"نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصحَابُهُ إِلَى الأَرضِ فَلَا يَجِدُونَ فِي الأَرضِ مَوضِعَ شِبرٍ إِلَّا مَلَأَهُ زَهَمُهُم وَنَتنُهُم، فَيَرغَبُ عِيسَى وَأَصحَابُهُ إِلَى اللَّهِ، فَيُرسِلُ اللَّهُ طَيرًا كَأَعنَاقِ البُختِ، فَتَحمِلُهُم فَتَطرَحُهُم حَيثُ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُرسِلُ اللَّهُ مَطَرًا لَا يَكُنُّ مِنهُ بَيتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ، فَيَغسِلُ الأَرضَ حَتَّى يَترُكَهَا كَالزَّلَفَةِ، ثُمَّ يُقَالُ\nــ\nو(قوله: لا يكن منه بيت مدر، ولا وبر) أي: لا يستر من ذلك المطر لكثرته بيت مبني بالطين، ولا بيت شعر ولا وبر.\nو(قوله: حتى يتركها كالزلفة) الرواية بفتح الزاي واللام، وقيدته بالفاء والقاف معا، وكذلك روي عن الأسدي، وزاد فتح اللام وسكونها، فبالقاف: هي الأرض الملساء التي لا شيء فيها، ومنه قوله: ﴿فَتُصبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ وبالفاء: هي المصنعة الممتلئة، والجمع زلف، ومنه قول الراجز:\nمن بعد ما كانت ملاء كالزلف\nوهي المصانع، والمعروف فيها فتح اللام. غير أن أبا زيد الأنصاري قال: يقال للمرآة: زلفة وزلقة بالقاف: الجماعة. والقحف: أعلى الجمجمة، وهي المحتوية على الدماغ. هذا أصله، واستعارة هنا للرمانة للشبه الذي بينهما. واللقحة - بفتح اللام - التي تحتلب من النوق. هذا أصلها، وقد قيلت هنا على التي تحتلب من البقر والغنم. والفئام: الجماعة من الناس، وهو بكسر الفاء. والفخذ دون القبيلة وفوق البطن. قال الزبير بن بكار: العرب على ست طبقات: شعب، وقبيلة، وعمارة، وبطن، وفخذ، وفصيلة، وما بينهما من الآباء، فإنَّها يعرفها أهلها، وسميت بالشعوب؛ لأنَّ القبائل تتشعب منها وسميت القبائل بذلك؛ لأنَّ العمائر تقابلت عليها، فالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطون تجمع الأفخاذ. قال ابن فارس: لا يقال في فخذ النسب إلا بسكون الخاء، بخلاف الجارحة، تلك يقال بكسر الخاء وسكونها، وبكسر الفاء أيضًا. وجبل الخمَر، بفتح الميم، وهو جبل بيت المقدس. والخمر:","vol":"7","page":286},{"text":"لِلأَرضِ: أَنبِتِي ثَمَرَتَكِ وَرُدِّي بَرَكَتَكِ، فَيَومَئِذٍ تَأكُلُ العِصَابَةُ مِن الرُّمَّانَةِ وَيَستَظِلُّونَ بِقِحفِهَا، وَيُبَارَكُ فِي الرِّسلِ حَتَّى أَنَّ اللِّقحَةَ مِن الإِبِلِ لَتَكفِي الفِئَامَ مِن النَّاسِ، وَاللِّقحَةَ مِن البَقَرِ لَتَكفِي القَبِيلَةَ مِن النَّاسِ، وَاللِّقحَةَ مِن الغَنَمِ لَتَكفِي الفَخِذَ مِن النَّاسِ، فَبَينَمَا هُم كَذَلِكَ إِذ بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَتَأخُذُهُم تَحتَ آبَاطِهِم، فَتَقبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤمِنٍ وَكُلِّ مُسلِمٍ، وَيَبقَى شِرَارُ النَّاسِ يَتَهَارَجُونَ فِيهَا تَهَارُجَ الحُمُرِ، فَعَلَيهِم تَقُومُ السَّاعَةُ.\nزاد في أخرى بعد قوله: مرة ماء: ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخَمَر - وهو جبل بيت المقدس - فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض، هلم فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهم إلى السماء فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دما.\nرواه مسلم (٢٩٣٧) الفتن (١١٠ و١١١)، وأبو داود (٤٣٢١ و٤٣٢٢)، والترمذي (٢٢٤١)، وابن ماجه (٤٠٧٥).\n[٢٨٣٠] وعن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيَّ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَومًا حَدِيثًا طَوِيلًا عَن الدَّجَّالِ، فَكَانَ فِيمَا حَدَّثَنَا قَالَ: يَأتِي وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيهِ أَن يَدخُلَ نِقَابَ المَدِينَةِ، فَيَنتَهِي إِلَى بَعضِ السِّبَاخِ الَّتِي تَلِي المَدِينَةَ، فَيَخرُجُ\nــ\nالشجر الملتف، وأنقاب المدينة: طرقها وفجاجها. وفي كتاب العين: النُّقب والنَّقب: الطريق في رأس الجبل، والنقب في الحائط وغيره: ثقب يخلص به إلى ما وراءه.\nو(قوله: يأتي الدجال وهو محرم عليه أن يدخل المدينة ومكة) أي: هو ممنوع من دخول المدينة ومكة بالملائكة التي تحرسها على ما يأتي في حديث أنس المذكور بعد هذا.","vol":"7","page":287},{"text":"إِلَيهِ يَومَئِذٍ رَجُلٌ هُوَ خَيرُ النَّاسِ - أَو: مِن خَيرِ النَّاسِ - فَيَقُولُ لَهُ: أَشهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَهُ، فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَرَأَيتُم إِن قَتَلتُ هَذَا ثُمَّ أَحيَيتُهُ أَتَشُكُّونَ فِي الأَمرِ؟ فَيَقُولُونَ: لَا، قَالَ: فَيَقتُلُهُ ثُمَّ يُحيِيهِ فَيَقُولُ حِينَ يُحيِيهِ: وَاللَّهِ مَا كُنتُ فِيكَ قَطُّ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي الآنَ، قَالَ: فَيُرِيدُ الدَّجَّالُ أَن يَقتُلَهُ فَلَا يُسَلَّطُ عَلَيهِ.\nــ\nو(قول الدجال: أرأيتم إن قتلت ثم أحييته أتشكون في الأمر) أي: في دعواه الإلهية والربوبية، كما روى قاسم بن أصبغ عن جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: يخرج الدجال في خفقة من الدين وإدبار من العلم، أربعون ليلة يسيحها في الأرض، يوم منها كالسنة، واليوم منها كالشهر، واليوم منها كالجمعة، ثم سائر أيامه كأيامكم هذه، وله حمار يركبه، عرض ما بين أذنيه أربعون ذراعا، فيقول للناس: أنا ربكم، وهو أعور، وإن ربكم ليس بأعور، ومكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب، يرد كل ماء ومنهل إلا مكة والمدينة، وقامت الملائكة بأبوابها (١). فهذا نص في أن الدجال إنما يدعي الربوبية لا النبوة، ولو ادعاها لما صدقه الله بإبداء خارق للعادة على يديه، لاستحالة تصديق الكاذب على الله؛ لأنَّه يلزم منه تكذيب الباري تعالى، والكذب محال على الله تعالى قطعا، عقلا ونقلا، فإن قيل: فيلزم مثل هذا في دعوى الربوبية ووقوع الخارق مقرونا بدعوى المدعي للإلهية، فيكون قد صدقه بذلك كما صدق النبي إذا جاء بمثل ذلك. فالجواب: أن اقتران الخارق بدعوة الربوبية محال أن يشهد بتصديقه في دعوى الإلهية لقيام الأدلة العقلية القطعية على استحالة الإلهية عليه، التي هي: حدثه، وافتقاره، ونقصه، فهذه الأدلة العقلية دلت على كذبه في دعوى الإلهية، فلم يبق معها دلالة للأدلة الاقترانية؛ لأنَّ اقتران المعجزة بالتحدي في حق النبي إنما دل على صدقه من حيث تنزلت منزلة التصديق بالقول،\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٣٦٧)، والحاكم (٤/ ٥٣٠).","vol":"7","page":288},{"text":"وفي رواية: قال: فَيَأمُرُ بِهِ الدَّجَّالُ فَيُشَبَّحُ فَيَقُولُ: خُذُوهُ وَشُجُّوهُ، فَيُوسَعُ ظَهرُهُ وَبَطنُهُ ضَربًا، قَالَ: فَيَقُولُ: أَمَا تُؤمِنُ بِي؟ قَالَ: فَيَقُولُ: أَنتَ المَسِيحُ الكَذَّابُ، قَالَ: فَيُؤمَرُ بِهِ فَيُؤشَرُ بِالمِئشَارِ مِن مَفرِقِهِ حَتَّى يُفَرَّقَ بَينَ\nــ\nأو منزلة قرائن الأحوال على اختلاف العلماء في ذلك. وذلك لا يحصل إلا إذا سلمت عما يشهد بنقيضها، ولم يسلم في حق الدجال؛ إذ المكذب لدعواه ملازم له عقلا، فلا دلالة لذلك الاقتران على صدقه؛ إذ لا يمكن مع وجود ما يدل على كذبه قطعا أن نقول: إن تلك الخوارق التي ظهرت على يديه تنزلت منزلة قول الله له: صدقت، كما أمكن ذلك في حق النبي الذي يسلم عما يكذبه، وحاصل هذا البحث: أن ما يدل بذاته لا يعارضه ما يدل بغير عينه. ولتفصيل هذا علم الكلام. وبما ذكرنا يُعلم قطعا: أن إظهار هذه الخوارق على يدي الدجال لم يقصد بها تصديقه، وإنما قصد بها أمر آخر، وهذا ما أخبرنا به (ل ادق ﷺ أنها فتن ومحن امتحن الله بها عباده ليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين. وذلك على ما سبق به علمه ونفذ به حكمه، لا يسأل عما يفعل.\nو(قوله: فيأمر به الدجال فيشبح) أي: يمد، ومنه قولهم: الحرباء تشبح على الأعواد أي: تمتد. ومشهور الرواية هكذا، وقد روى السمرقندي وابن ماهان: فشجوه في رأسه بشجاج، وليس هذا بشيء؛ لأنَّه قد جاء بعده ما يبعده ويبين أن المراد خلاف ذلك.\nو(قوله: فيؤمر به فيوسع ظهره وبطنه ضربا) أي: يعمم جميعه حتى لا يترك منه موضع إلا يُضربه، وهو مأخوذ من السعة والاتساع.\nو(قوله: فيؤمر به فيؤشر بالمئشار) والرواية: يؤشر، بالياء، والمئشار بالهمز، وهو الصحيح المعروف، ويقال بالنون فيهما، وهذا يدلّ على أن هذا الرجل المكذب للدجال نشره الدجال بالمنشار، وقد تقدَّم في حديث النواس: أنه قطعه بالسيف جزلتين كرمية الغرض، فيحتمل أن يكون كل واحد منهما غير","vol":"7","page":289},{"text":"رِجلَيهِ، قَالَ: ثُمَّ يَمشِي الدَّجَّالُ بَينَ القِطعَتَينِ ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: قُم، فَيَستَوِي قَائِمًا، قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: أَتُؤمِنُ بِي؟ فَيَقُولُ: مَا ازدَدتُ فِيكَ إِلَّا بَصِيرَةً، قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَا يَفعَلُ بَعدِي بِأَحَدٍ مِن النَّاسِ، قَالَ: فَيَأخُذُهُ الدَّجَّالُ لِيَذبَحَهُ فَيُجعَلَ مَا بَينَ رَقَبَتِهِ إِلَى تَرقُوَتِهِ نُحَاسًا، فَلَا يَستَطِيعُ إِلَيهِ سَبِيلًا، قَالَ: فَيَأخُذُ بِيَدَيهِ وَرِجلَيهِ فَيَقذِفُ بِهِ، فَيَحسِبُ النَّاسُ أَنَّمَا قَذَفَهُ إِلَى النَّارِ، وَإِنَّمَا أُلقِيَ فِي الجَنَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَذَا أَعظَمُ النَّاسِ شَهَادَةً عِندَ رَبِّ العَالَمِينَ.\nقال أبو إسحاق: إن هذا الرجل هو الخضر.\nرواه أحمد (٣/ ٣٦)، والبخاريُّ (١٨٨٢ و٧١٣٢)، ومسلم (٢٩٣٨) (١١٢ و١١٣).\n[٢٨٣١] وعن أبي قتادة، قال: كنا نمر على هشام بن عامر، نأتي عمران بن حصين، فقال ذات يوم: إنكم لتجاوزوني إلى رجال ما كانوا بأحضر لرسول الله ﷺ مني، ولا أعلم بحديثه مني، سمعت رسول الله ﷺ\nــ\nالآخر، ويحتمل أن يكون جمعهما عليه، والأول أمكن وأظهر. والترقوة، بفتح التاء وضم القاف وتخفيف الواو: هي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق، وتجمع تراقي. ويقذفه: يرميه. ووقع في الأم: المسالح، وهم القوم الحاملون للسلاح، المستعدون للقتال، سموا بذلك لحملهم إياها، قال القاضي في آخر هذا الحديث من رواية السمرقندي: قال أبو إسحاق - يعني ابن سفيان -: يقال: إن هذا الرجل هو الخضر ﵇، وكذلك قال معمر في جامعه بإثر هذا الحديث.\nقلت: وقد تقدَّم القول في الخضر، وفي الخلاف في طول حياته في كتاب الأنبياء.","vol":"7","page":290},{"text":"يقول: ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال.\nوفي رواية: أمر بدل: خلق.\nرواه مسلم (٢٩٤٦) (١٢٦).\n* * *\nــ\nو(قوله: ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال) ظاهر هذا كبر الخلقة والجسم، وقد تقدَّم أنَّه يركب حمارا عرض ما بين أذنيه أربعون ذراعا، وهذا يقتضي أن يكون هذا الحمار أكبر حمار في الدنيا، فراكبه ينبغي أن يكون أكبر إنسان في الدنيا، وكذا قال تميم -﵁ - في خبر الجساسة: فإذا أعظم إنسان رأيناه، وسيأتي، غير أنه قد تقدَّم من حديث أبي داود في وصف الدجال: أنه قصير أفحج (١) وإنما يكون قصيرا بالنسبة إلى نوع الإنسان، فمقتضى ذلك: أن يكون فيهم من هو أطول منه، ولهذا قيل: إن وصفه بالأكبرية إنما يعني بذلك عظم فتنته، وكبر محنته؛ إذ ليس بين يدي الساعة أعظم ولا أكبر منها، ويحتمل أن يريد به: أنه ينتفخ أحيانا حتى يكون في عين الناظر إليه أكبر من كل نوع الإنسان، كما تقدَّم في شأن ابن صياد أنه انتفخ عن غضبه حتى ملأ الطريق، والله أعلم بحقيقة ذلك.\n* * *\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٣٢٠).","vol":"7","page":291},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1074>(١٥) باب: في هوان الدجال على الله تعالى وأنه لا يدخل مكة والمدينة ومن يتبعه من اليهود</span>\nوقد تقدم من حديث المغيرة، قوله ﷺ: هو أهون على الله من ذلك.\nانظر صحيح مسلم (٢٩٣٩) (١١٤ و١١٥).\nــ\nو(قوله: إنهم يقولون: إن معه الطعام والأنهار، هو أهون على الله من ذلك) أي: الدجال، على الله أهون أن يجعل ما يخلقه على يديه من الخوارق مضلا للمؤمنين ومشككا لهم، بل ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم، وليرتاب الذين في قلوبهم مرض والكافرون، كما قال له الذي قتله ثم أحياه، ما كنت فيك قط أشد بصيرة مني الآن، وقد تضمنت تلك الأحاديث المتقدمة أن عيسى -﵇ - ينزل ويقتل الدجال، وهو مذهب أهل السنة، والذي دل عليه قوله تعالى: ﴿بَل رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيهِ﴾ والأحاديث الكثيرة الصحيحة المنتشرة. وليس في العقل ما يحيل ذلك ولا يرده، فيجب الإيمان به والتصديق بكل ذلك، ولا يبالى بمن خالف في ذلك من المبتدعة، ولا حجَّة لهم في اعتمادهم في نفي ذلك على التمسك بقوله: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ وبما ورد في السنة من أنه لا نبي بعده، ولا رسول، ولا بإجماع المسلمين على ذلك، ولا على أن شرعنا لا يُنسخ. وهذا ثابت إلى يوم القيامة؛ لأنَّا نقول بموجب ذلك كله؛ لأنَّ عيسى - ﵇ - إنما ينزل لقتل الدجال، ولإحياء شريعة محمد ﷺ، وليعمل بأحكامها، وليقيم العدل على مقتضاها، وليقهر الكفار، وليُظهر للنصارى ضلالتهم، ويتبرأ من إفكهم، فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، ويأتم بإمام هذه الأمة، كما تقدم في كتاب الإيمان.","vol":"7","page":292},{"text":"[٢٨٣٢] عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال، إلا مكة والمدينة، وليس نقب من أنقابها إلا عليه الملائكة صافين تحرسها، فينزل بالسبخة فترجف المدينة ثلاث رجفات يخرج إليه منها كل كافر ومنافق.\nوفي أخرى: فيأتي سبخة الجرف فيضرب رواقه، وقال: فيخرج إليه كل منافق ومنافقة.\nرواه أحمد (٣/ ١٩١)، والبخاريُّ (١٨٨١)، ومسلم (٢٩٤٣) (١٢٣).\n[٢٨٣٣] وعنه، أن رسول الله ﷺ قال: يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفا عليهم الطيالسة.\nرواه البخاريُّ (٣٤٥٠)، ومسلم (٢٩٤٤) (١٢٤)، وأبو داود (٤٣١٥).\nــ\nوالحاصل: أنه لم يأت برسالة مستأنفة، ولا شريعة مبتدأة، وإنما يأتي عاضدا لهذه الشريعة، وملتزما أحكامها، غير مغير لشيء منها، والمنفي بالأدلة السابقة إنما هو رسول يزعم أنه قد جاء بشرع مبتدأ، أو برسالة مستأنفة، فمن ادعى ذلك كان كاذبا، كافرا قطعا.\nو(قوله: يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفا عليهم الطيالسة) هي جمع طيلسان، بفتح اللام، ولا تكسره العرب في المشهور، وحكاه البكري بكسر اللام، وهو الكساء. وهو أعجمي معرب، والهاء في جمعه للعجمة. ويدلّ هذا على أن اليهود أكثر أتباع الدجال، ومن يعتقد التجسيم. والرواية المشهورة سبعون ألفا. وعند ابن ماهان: تسعون ألفا.","vol":"7","page":293},{"text":"[٢٨٣٤] وعن أم شريك، أنها سمعت النبي ﷺ يقول: ليفرن الناس من الدجال في الجبال. قالت أم شريك: يا رسول الله فأين العرب يومئذ؟ قال: هم قليل.\nرواه أحمد (٦/ ٤٦٢)، ومسلم (٢٩٤٥).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1075>(١٦) باب حديث الجساسة وما فيه من ذكر الدجال</span>\n[٢٨٣٥] عن فاطمة بنت قيس - وكانت من المهاجرات الأول - أنها قالت: نَكَحتُ ابنَ المُغِيرَةِ وَهُوَ مِن خِيَارِ شَبَابِ قُرَيشٍ يَومَئِذٍ، فَأُصِيبَ فِي\nــ\n(١٦) ومن باب: حديث الجساسة\nحديث فاطمة هذا في هذه الرواية مخالف للمشهور من حديثها في مواضع، فمنها: قولها: فنكحت ابن المغيرة فأصيب في أول الجهاد مع رسول الله ﷺ، فلما تأيمت خطبني عبد الرحمن بن عوف. وظاهره أنها تأيمت عنه بقتله في الجهاد، وهو خلاف ما تقدَّم في كتاب الطلاق أنها بانت منه بتطليقة كانت بقيت لها من طلاقها، وكذلك قالت في الرواية الأخرى المذكورة في هذا الباب. قالت: طلقني بعلي ثلاثا، فأذِن لي النبي ﷺ أن أعتد في أهلي، وهذا هو المشهور عند العلماء، على ما قاله القاضي أبو الوليد الكناني وغيره، وقد رام القاضي أبو الفضل تأويل هذا، فقال: لعل قولها: أصيب في أول الجهاد مع النبي ﷺ، إنما أرادت به عد فضائله وذكر مناقبه، كما ابتدأت بالثناء عليه، وهو قولها: من خير شباب قريش. قال: وإذا كان هذا لم يكن فيه معارضة.","vol":"7","page":294},{"text":"أَوَّلِ الجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا تَأَيَّمتُ خَطَبَنِي عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ فِي\nــ\nومنها: أن ظاهر قولها: أنه قتل مع رسول الله ﷺ في الجهاد، في أوله. وقد اختلف في وقت وفاته، فقيل: مع علي بن أبي طالب - ﵁ - باليمن إثر طلاقها، ذكر ذلك أبو عمر بن عبد البر. وقيل: بل عاش إلى أيام عمر، وذكرت له معه قصة في شأن خالد بن الوليد، ذكر ذلك البخاري في التاريخ، وقد تقدَّم قول القاضي أبي الفضل: ولعل قولها: أصيب مع رسول الله - ﷺ - بغير القتل، إما بجرح، أو بشيء آخر، والله تعالى أعلم.\nومنها: أنها قالت: فلما كلمني رسول الله ﷺ قلت: أمري بيدك، فأنكحني من شئت، فقال: انتقلي إلى أم شريك فظاهر هذا أنَّه أمرها بالانتقال إلى أم شريك، ثم إلى ابن أم مكتوم، إنما كان بعد انقضاء عدتها، وبعد أن خطبت، وفوضت أمرها للنبي ﷺ، وليس الأمر كذلك، وإنما كان ذلك في حال عدتها لما خافت عورة منزلها، على المشهور، أو لأنها كانت تؤذي أحماءها، على ما قاله سعيد بن المسيب، كما تقدَّم.\nومنها: أنها نسبت أم شريك إلى الأنصار، وليس بصحيح، وإنما هي قرشية من بني عامر بن لؤي، واسمها غزية، كذا وجدته مقيدا في أصل يعتمد عليه، وكنيت بابنها شريك، وقيل: اسمها: غُزَيلة، حكى هذا كله أبو عمر.\nومنها: قوله: ولكن انتقلي إلى ابن عمك عبد الله بن عمرو بن أم مكتوم، وهو رجل من فهر، فهر قريش، وهو من البطن الذي هي منه. قال القاضي أبو الفضل: والمعروف خلاف هذا، وليس بابن عمها، بل هي من محارب بن فهر، وهو من بني عامر بن لؤي، وليسا من بطن واحد، واختلف في اسم ابن أم مكتوم، والصحيح: عبد الله.\nو(قولها: فلما تأيمت خطبني عبد الرحمن بن عوف في نفر) أي: فلما انقضت عدتها وحلت للأزواج، وقد تقدم أن الأيم هي التي لا زوج لها.","vol":"7","page":295},{"text":"نَفَرٍ مِن أَصحَابِ محمد ﷺ، وَخَطَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَولَاهُ أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ، وَكُنتُ قَد حُدِّثتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَن أَحَبَّنِي فَليُحِبَّ أُسَامَةَ، فَلَمَّا كَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُلتُ: أَمرِي بِيَدِكَ، فَأَنكِحنِي مَن شِئتَ، فَقَالَ: انتَقِلِي إِلَى أُمِّ شَرِيكٍ، وَأُمُّ شَرِيكٍ امرَأَةٌ غَنِيَّةٌ مِن الأَنصَارِ عَظِيمَةُ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَنزِلُ عَلَيهَا الضِّيفَانُ، فَقُلتُ: سَأَفعَلُ، فَقَالَ: لَا تَفعَلِي؛ إِنَّ أُمَّ شَرِيكٍ امرَأَةٌ كَثِيرَةُ الضِّيفَانِ، فَإِنِّي أَكرَهُ أَن يَسقُطَ عَنكِ خِمَارُكِ أَو يَنكَشِفَ الثَّوبُ عَن سَاقَيكِ، فَيَرَى القَومُ مِنكِ مَا تَكرَهِينَ، وَلَكِن انتَقِلِي إِلَى ابنِ عَمِّكِ عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرِو ابنِ أُمِّ مَكتُومٍ، وَهُوَ رَجُلٌ مِن بَنِي فِهرٍ، فِهرِ قُرَيشٍ، وَهُوَ مِن البَطنِ الَّذِي هِيَ مِنهُ، فَانتَقَلتُ إِلَيهِ، فَلَمَّا انقَضَت عِدَّتِي سَمِعتُ نِدَاءَ المُنَادِي - مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - يُنَادِي: الصَّلَاةَ جَامِعَةً، فَخَرَجتُ إِلَى المَسجِدِ فَصَلَّيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكُنتُ فِي صَفِّ النِّسَاءِ الَّتِي تَلِي ظُهُورَ القَومِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاتَهُ، جَلَسَ عَلَى المِنبَرِ وَهُوَ يَضحَكُ، فَقَالَ: لِيَلزَم كُلُّ إِنسَانٍ مُصَلَّاهُ، ثُمَّ قَالَ: أَتَدرُونَ لِمَ جَمَعتُكُم؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ، قَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا جَمَعتُكُم لِرَغبَةٍ وَلَا لِرَهبَةٍ، وَلَكِن جَمَعتُكُم لِأَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ كَانَ رَجُلًا نَصرَانِيًّا فَجَاءَ فَبَايَعَ وَأَسلَمَ، وَحَدَّثَنِي حَدِيثًا وَافَقَ الَّذِي كُنتُ أُحَدِّثُكُم عَن مَسِيحِ الدَّجَّالِ، حَدَّثَنِي أَنَّهُ رَكِبَ فِي سَفِينَةٍ بَحرِيَّةٍ مَعَ ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِن لَخمٍ\nــ\nو(قوله: أمري بيدك فأنكحني من شئت) دليل على صحة في النكاح.\nو(قوله: إني أكره أن يسقط عنك خمارك، أو ينكشف الثوب عن ساقك) دليل على أن أطراف شعر الحرة وساقيها عورة، فيجب عليها سترها في الصلاة، وقد تقدَّم ذلك.","vol":"7","page":296},{"text":"وَجُذَامَ، فَلَعِبَ بِهِم المَوجُ شَهرًا فِي البَحرِ ثُمَّ أَرفَؤُوا إِلَى جَزِيرَةٍ فِي البَحرِ، حَتَّى مَغرِبِ الشَّمسِ فَجَلَسُوا فِي أَقرُب السَّفِينَةِ فَدَخَلُوا الجَزِيرَةَ فَلَقِيَتهُم دَابَّةٌ أَهلَبُ كَثِيرُ الشَّعَرِ، لَا يَدرُونَ مَا قُبُلُهُ مِن دُبُرِهِ مِن كَثرَةِ الشَّعَرِ، فَقَالُوا: وَيلَكِ مَا أَنتِ؟ قَالَت: أَنَا الجَسَّاسَةُ، قَالُوا: وَمَا الجَسَّاسَةُ؟ قَالَت: أَيُّهَا القَومُ انطَلِقُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيرِ؛ فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُم بِالأَشوَاقِ، فلَمَّا سَمَّت لَنَا رَجُلًا فَرِقنَا مِنهَا أَن تَكُونَ شَيطَانَةً، قَالَ: فَانطَلَقنَا سِرَاعًا حَتَّى دَخَلنَا الدَّيرَ، فَإِذَا فِيهِ أَعظَمُ إِنسَانٍ رَأَينَاهُ قَطُّ خَلقًا، وَأَشَدُّهُ وِثَاقًا، مَجمُوعَةٌ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ مَا بَينَ رُكبَتَيهِ إِلَى كَعبَيهِ بِالحَدِيدِ، قُلنَا: وَيلَكَ مَا أَنتَ؟ قَالَ: قَد قَدَرتُم عَلَى خَبَرِي فَأَخبِرُونِي مَا أَنتُم؟ قَالُوا: نَحنُ أُنَاسٌ مِن العَرَبِ رَكِبنَا فِي سَفِينَةٍ بَحرِيَّةٍ فَصَادَفنَا البَحرَ حِينَ اغتَلَمَ، فَلَعِبَ بِنَا\nــ\nو(قوله: ثم أرفؤوا إلى جزيرة في البحر) أي: لجؤوا إليها، ومرفأ السفينة: حيث ترسي. يقال: أرفأت السفينة: إذا قربتها من الشط، وذلك الموضع مرفأ، وأرفأت إليه: لجأت إليه.\nو(قوله: فجلسوا في أقرب السفينة) كذا الرواية المشهورة. قال الإمام: هي القوارب الصغار يتصرف بها ركاب السفينة، والواحد قارب، جاء هاهنا على غير قياس. وأنكر غيره هذا، وقال: لا يجمع فاعل على أفعل. قال: وإنما يقال: الأقرب فيها: أقربات السفينة وأدانيها؛ كأنه ما قرب منها النزول، أو كأنه من القرب الذي هو الخاصرة، ويؤيده أن ابن ماهان روى هذا الحرف فقال: في أخريات السفينة، وفي بعضها: في آخر السفينة.\nقلت: ويشهد لما قاله الإمام ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: فقعدوا في قوارب السفينة (١) وهذا الجمع هو قياس قارب، ويقال بفتح الراء وكسرها.\n_________\n(١) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (١٩٣٦٦).","vol":"7","page":297},{"text":"المَوجُ شَهرًا ثُمَّ أَرفَأنَا إِلَى جَزِيرَتِكَ هَذِهِ فَجَلَسنَا فِي أَقرُبِهَا فَدَخَلنَا الجَزِيرَةَ، فَلَقِيَتنَا دَابَّةٌ أَهلَبُ كَثِيرُ الشَّعَرِ لَا يُدرَى مَا قُبُلُهُ مِن دُبُرِهِ مِن كَثرَةِ الشَّعَرِ، فَقُلنَا: وَيلَكِ مَا أَنتِ؟ فَقَالَت: أَنَا الجَسَّاسَةُ، قُلنَا: وَمَا الجَسَّاسَةُ؟ قَالَت: اعمِدُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيرِ؛ فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُم بِالأَشوَاقِ، فَأَقبَلنَا إِلَيكَ سِرَاعًا وَفَزِعنَا مِنهَا وَلَم نَأمَن أَن تَكُونَ شَيطَانَةً، فَقَالَ: أَخبِرُونِي عَن نَخلِ بَيسَانَ، قُلنَا: عَن أَيِّ شَأنِهَا تَستَخبِرُ؟ قَالَ: أَسأَلُكُم عَن نَخلِهَا هَل يُثمِرُ؟ قُلنَا لَهُ: نَعَم، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يُوشِكُ أَن لَا تُثمِرَ، قَالَ: أَخبِرُونِي عَن بُحَيرَةِ الطَّبَرِيَّةِ، قُلنَا: عَن أَيِّ شَأنِهَا تَستَخبِرُ؟ قَالَ: هَل فِيهَا مَاءٌ؟ قَالُوا: هِيَ كَثِيرَةُ المَاءِ، قَالَ: أَمَا إِنَّ مَاءَهَا يُوشِكُ أَن يَذهَبَ، قَالَ: أَخبِرُونِي عَن عَينِ زُغَرَ، قَالُوا: عَن أَيِّ شَأنِهَا تَستَخبِرُ؟ قَالَ: هَل فِي العَينِ مَاءٌ؟ وَهَل يَزرَعُ\nــ\nو(قوله: فلقيتهم دابة أهلب) أي: غليظة الشعر، والهلب: ما غلظ من الشعر، ومنه المهلبة، وهو شعر الخنزير الذي يخرز به. وذكر أهلب حملا على المعنى، وكأنه قال: حيوان أهلب أو شخص، ولو راعى اللفظ لقال هلباء، لأن قياس أهلب هلباء، كأحمر وحمراء.\nو(قوله: ما أنت؟) اعتقدوا فيها أنها مما لا يعقل، فاستفهموا بـ ما ثم إنها بعد ذلك كلمتهم كلام من يعقل، وعند ذلك رهبوا أن تكون شيطانة؛ أي: خافوا من ذلك.\nو(قوله: أنا الجساسة) بفتح الجيم وتشديد السين الأولى. قيل: سمت نفسها بذلك لتجسسها أخبار الدجال، من التجسس، بالجيم، وهو الفحص عن الأخبار والبحث عنها، ومنه الجاسوس. وقد روي عن عبد الله بن عمرو -﵄ - أن هذه الدابة هي دابة الأرض التي تخرج للناس في آخر الزمان فتكلمهم.","vol":"7","page":298},{"text":"أَهلُهَا بِمَاءِ العَينِ؟ قُلنَا لَهُ: نَعَم هِيَ كَثِيرَةُ المَاءِ وَأَهلُهَا يَزرَعُونَ مِن مَائِهَا، قَالَ: أَخبِرُونِي عَن نَبِيِّ الأُمِّيِّينَ مَا فَعَلَ؟ قَالُوا: قَد خَرَجَ مِن مَكَّةَ وَنَزَلَ يَثرِبَ، قَالَ: أَقَاتَلَهُ العَرَبُ؟ قُلنَا: نَعَم، قَالَ: كَيفَ صَنَعَ بِهِم؟ فَأَخبَرنَاهُ أَنَّهُ قَد ظَهَرَ عَلَى مَن يَلِيهِ مِن العَرَبِ وَأَطَاعُوهُ، قَالَ لَهُم: قَد كَانَ ذَلِكَ؟ قُلنَا: نَعَم، قَالَ: أَمَا إِنَّ ذَاكَ خَيرٌ لَهُم أَن يُطِيعُوهُ، وَإِنِّي مُخبِرُكُم عَنِّي، إِنِّي أَنَا المَسِيحُ، وَإِنِّي أُوشِكُ أَن يُؤذَنَ لِي فِي الخُرُوجِ فَأَخرُجَ فَأَسِيرَ فِي الأَرضِ فَلَا أَدَعَ قَريَةً إِلَّا هَبَطتُهَا، فِي أَربَعِينَ لَيلَةً، غَيرَ مَكَّةَ وَطَيبَةَ، فَهُمَا مُحَرَّمَتَانِ عَلَيَّ كِلتَاهُمَا، كُلَّمَا أَرَدتُ أَن أَدخُلَ وَاحِدَةً - أَو: وَاحِدًا - مِنهُمَا استَقبَلَنِي مَلَكٌ بِيَدِهِ السَّيفُ صَلتًا يَصُدُّنِي عَنهَا، وَإِنَّ عَلَى كُلِّ نَقبٍ مِنهَا\nــ\nو(قوله: قد قدرتم على خبري) أي: اطلعتم عليه، وقدرتم على الوصول إليه.\nو(قوله: صادفنا البحر قد اغتلم) أي: قد هاج، وجاوز حده، ومنه الغلمة، وهي شدة شهوة النكاح. وبَيسان، بفتح الباء، ولا تقال بالكسر. وزُغر: بالزاي المضمومة والغين المعجمة على وزن نُغَر، وهما معروفان بالشام. ونبي الأميين، هو محمد ﷺ والأميون العرب؛ لأنَّ الغالب منهم لا يكتب ولا يحسب، كما قال ﷺ: إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب (١). فكأنهم باقون على أصل ولادة الأم لهم، فنسب الأمي إليها. هذا أولى ما قيل فيه. وقد تقدَّم القول في تسمية المدينة طيبة وطابة، وأن كل ذلك مأخوذ من الطيب.\nو(قوله: استقبلني ملك بيده السيف صلتا) أي: مجردا عن غمده. قال ابن السكيت: فيه لغتان، فتح الصاد وضمها. والمخصرة، بكسر الميم: عصا، أو قضيب كانت تكون مع الملك إذا تكلم، وقد تقدَّم ذكرها.\n_________\n(١) رواه مسلم (٧٦١)، وأبو داود (٢٣١٩)، والنسائي (٥/ ١٣٩).","vol":"7","page":299},{"text":"مَلَائِكَةً يَحرُسُونَهَا. قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَطَعَنَ بِمِخصَرَتِهِ فِي المِنبَرِ: هَذِهِ طَيبَةُ هَذِهِ طَيبَةُ هَذِهِ طَيبَةُ (يَعنِي المَدِينَةَ) أَلَا هَل كُنتُ حَدَّثتُكُم ذَلِكَ؟ فَقَالَ النَّاسُ: نَعَم؛ فَإِنَّهُ أَعجَبَنِي حَدِيثُ تَمِيمٍ أَنَّهُ وَافَقَ الَّذِي كُنتُ أُحَدِّثُكُم عَنهُ وَعَن المَدِينَةِ وَمَكَّةَ، أَلَا إِنَّهُ فِي بَحرِ الشَّامِ أَو بَحرِ اليَمَنِ، لَا بَل مِن قِبَلِ المَشرِقِ، مَا هُوَ مِن قِبَلِ المَشرِقِ، مَا هُوَ مِن قِبَلِ المَشرِقِ، مَا هُوَ، وَأَومَأَ بِيَدِهِ إِلَى المَشرِقِ، قَالَت: فَحَفِظتُ هَذَا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nوفي رواية أن الشعبي سأل فاطمة بنت قيس عَن المُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا، أَينَ تَعتَدُّ؟ قَالَت: طَلَّقَنِي بَعلِي ثَلَاثًا، فَأَذِنَ لِي النَّبِيُّ ﷺ أَن أَعتَدَّ فِي أَهلِي، قَالَت: فَنُودِيَ فِي النَّاسِ: الصَّلَاةَ جَامِعَةً، قَالَت: فَانطَلَقتُ فِيمَن انطَلَقَ مِن النَّاسِ، قَالَت: فَكُنتُ فِي الصَّفِّ المُقَدَّمِ مِن النِّسَاءِ، وَهُوَ يَلِي المُؤَخَّرَ مِن الرِّجَالِ، قَالَت: فَسَمِعتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ عَلَى المِنبَرِ يَخطُبُ، وذكره وَزَادَ فِيهِ: قَالَت: وَكَأَنَّمَا أَنظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَهوَى بِمِخصَرَتِهِ إِلَى الأَرضِ وَقَالَ: هَذِهِ طَيبَةُ، يَعنِي المَدِينَةَ.\nرواه أحمد (٦/ ٣٧٣ و٣٧٤)، ومسلم (٢٩٤٢) (١١٩ و١٢٠)، وأبو داود (٤٣٢٦)، وابن ماجه (٤٠٧٤).\n* * *\nــ\nو(قوله: ألا إنَّه في بحر الشام، أو بحر اليمن، لا بل من قبل المشرق، ما هو من قبل المشرق) ما هو هذ كله كلام ابتدئ على الظن، ثم عرض الشك، أو قصد الإبهام، ثم نفى ذلك كله وأضرب عنه بالتحقيق، فقال: لا، بل من قبل المشرق، ثم أكد ذلك بـ (ما) الزائدة، وبالتكرار اللفظي، فـ (ما) فيه زائدة لا نافية، وهذا لا بُعد فيه؛ لأنَّ النبي ﷺ بشر يظن ويشك، كما يسهو وينسى، إلا أنه","vol":"7","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1076>(١٧) باب كيف يكون انقراض هذا الخلق وتقريب الساعة وكم بين النفختين</span>\n[٢٨٣٦] عن عبد الله بن عمرو، وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: مَا هَذَا الحَدِيثُ الَّذِي تُحَدِّثُ بِهِ؟ تَقُولُ: إِنَّ السَّاعَةَ تَقُومُ إِلَى كَذَا وَكَذَا؟ فَقَالَ: سُبحَانَ اللَّهِ - أَو: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَو كَلِمَةً نَحوَهُمَا - لَقَد هَمَمتُ أَن لَا أُحَدِّثَ أَحَدًا شَيئًا أَبَدًا، إِنَّمَا قُلتُ: إِنَّكُم سَتَرَونَ بَعدَ قَلِيلٍ أَمرًا عَظِيمًا، يُحَرَّقُ البَيتُ وَيَكُونُ\nــ\nلا يتمادى، ولا يُقر على شيء من ذلك، بل يُرشد إلى التحقيق، ويُسلك به سواء الطريق. والحاصل من هذا: أنه ﷺ، ظن أن الدجال المذكور في بحر الشام؛ لأنَّ تميما إنما ركب في بحر الشام، ثم عرض له أنَّه في بحر اليمن؛ لأنَّه يتصل ببحر متصل ببحر اليمن، فيجوز ذلك. ثم أطلعه العليم الخبير على تحقيق ذلك فحقق وأكد. وتاهت السفينة: صارت على غير اهتداء. والتيه: الحيرة. والرواق: سقف في مقدم البيت، ويجمع في القلة: أروقة، وفي الكثرة: روقا.\n(١٧) ومن باب: كيف يكون انقراض هذا الخلق\n(قوله: لقد هممت ألا أحدث أحدا شيئا أبدا) إنما قال ذلك لأنَّهم نسبوا إليه ما لم يقل، فشق ذلك عليه، ثم إنَّه لما علم أنه لا يجوز له ذلك، ذكر ما عنده من علم ذلك.\nو(قوله: يحرق البيت) قد كان ذلك في عهد ابن الزبير، وذلك أن يزيد بن معاوية وجه من الشام مسلم بن عقبة المدني، في جيش عظيم لقتال ابن الزبير، فنزل بالمدينة، وقاتل أهلها وهزمهم، وأباحها ثلاثة أيام، وهي وقعة الحرة، وقد قدمنا ذكرها، ثم سار يريد مكة، فمات بقديد، وولي الجيش الحصين بن نمير، وسار إلى","vol":"7","page":301},{"text":"وَيَكُونُ. . . ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَخرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي، فَيَمكُثُ أَربَعِينَ، لَا أَدرِي أَربَعِينَ يَومًا أَو أَربَعِينَ شَهرًا أَو أَربَعِينَ عَامًا، فَيَبعَثُ اللَّهُ عِيسَى ابنَ مَريَمَ، كَأَنَّهُ عُروَةُ بنُ مَسعُودٍ فَيَطلُبُهُ فَيُهلِكُهُ، ثُمَّ يَمكُثُ النَّاسُ سَبعَ سِنِينَ، لَيسَ بَينَ اثنَينِ عَدَاوَةٌ، ثُمَّ يُرسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِن قِبَلِ الشَّامِ، فَلَا يَبقَى عَلَى وَجهِ الأَرضِ أَحَدٌ فِي قَلبِهِ مِثقَالُ ذَرَّةٍ مِن خَيرٍ أَو إِيمَانٍ إِلَّا قَبَضَتهُ، حَتَّى لَو أَنَّ أَحَدَكُم دَخَلَ فِي كَبَدِ جَبَلٍ لَدَخَلَتهُ عَلَيهِ حَتَّى تَقبِضَهُ. قَالَ: سَمِعتُهَا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: فَيَبقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيرِ وَأَحلَامِ السِّبَاعِ، لَا يَعرِفُونَ مَعرُوفًا وَلَا يُنكِرُونَ مُنكَرًا، فَيَتَمَثَّلُ لَهُم الشَّيطَانُ فَيَقُولُ: أَلَا تَستَجِيبُونَ؟ فَيَقُولُونَ: فَمَا تَأمُرُنَا؟ فَيَأمُرُهُم بِعِبَادَةِ الأَوثَانِ وَهُم فِي ذَلِكَ دَارٌّ رِزقُهُم حَسَنٌ عَيشُهُم، ثُمَّ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَلَا يَسمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصغَى لِيتًا وَرَفَعَ لِيتًا، قَالَ: وَأَوَّلُ مَن\nــ\nمكة فحاصر ابن الزبير، وأُحرقت الكعبة حتى انهدم جدارها وسقط سقفها، وجاء الخبر بموت يزيد فرجعوا.\nو(قوله: فيمكث أربعين لا أدري أربعين يوما، أو شهرا، أو سنة) هذا الشك من عبد الله بن عمرو، وقد ارتفع بالأخبار السابقة أنه أربعون يوما على التفصيل المتقدم.\nو(قوله: لو أن أحدكم دخل في كبد جبل) كذا صحيح الرواية، ووقع في بعض النسخ: كبد رجل، وهو مثل قصد به الإغياء، وكبد الشيء: داخله.\nو(قوله: ويبقى شرار الناس، في خفة الطير، وأحلام السباع) أي: هم في مسارعتهم، وخفتهم إلى الشرور وقضاء الشهوات وغلبة الأهواء، كالطير لخفة طيرانه، وهم في الإفساد والعدوان كالسباع العادية. والصور: قرن يُنفخ فيه، كما جاء في الحديث. وأصغى: أمال، والليت: صفحة العنق، وهو جانبه.","vol":"7","page":302},{"text":"يَسمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوضَ إِبِلِهِ قَالَ: فَيَصعَقُ وَيَصعَقُ النَّاسُ، ثُمَّ يُرسِلُ اللَّهُ - أَو قَالَ: يُنزِلُ اللَّهُ - مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّلُّ، أَو: الظِّلُّ - نُعمَانُ الشَّاكُّ - فَتَنبُتُ مِنهُ أَجسَادُ النَّاسِ، ثُمَّ يُنفَخُ فِيهِ أُخرَى، فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَلُمَّ إِلَى رَبِّكُم، وَقِفُوهُم إِنَّهُم مَسئُولُونَ. قَالَ: ثُمَّ يُقَالُ: أَخرِجُوا بَعثَ النَّارِ، فَيُقَالُ: مِن كَم؟ فَيُقَالُ: مِن كُلِّ أَلفٍ تِسعمِائَةٍ وَتِسعَةً وَتِسعِينَ. قَالَ: فَذَاكَ يَومَ ﴿يَجعَلُ الوِلدَانَ شِيبًا﴾ وَذَلِكَ ﴿يَومَ يُكشَفُ عَن سَاقٍ﴾\nــ\nو(قوله: كأنه الطل، أو الظل) هذا شك، والأصح أنه الطل بالطاء المهملة، لقوله في حديث أبي هريرة - ﵁ -: ثم ينزل من السماء ماء، وفي حديث آخر: كمني الرجال. وهلموا؛ أي: تعالوا وأقبلوا، وقد تقدَّم أن فيها لغتين، وقد روي هنا بالوجهين: هلموا، وهلم.\nو(قوله: ثم يقال أخرجوا بعث النار) قد تقدَّم في الإيمان أن الذي يقال له ذلك: آدم - ﵇ - والجمع بينهما بأن المأمور أولا آدم، وهو يأمر الملائكة بالإخراج، ومعنى الإخراج هنا بتمييز بعضهم من بعض، وإلحاق كل طائفة بما أعد لها من الجنة أو النار.\nو(قوله: فذلك يوم يجعل الولدان شيبا) الولدان: جمع وليد، وهو الصغير. يقال عليه من حين الولادة إلى أن يرجع جفرا. وشيبا: جمع أشيب؛ أي: يصير الصغير أشيب لشدة أهوال ذلك اليوم. وقيل: هذا على التهويل والتمثيل، كما قال أبو تمام:\nخطوب تشيب (١) رأس الوليد\nو(قوله: وذلك يوم يكشف عن ساق) معناه ومعنى ما في كتاب الله تعالى\n_________\n(١) في (ع): شَيبَتْ.","vol":"7","page":303},{"text":"رواه أحمد (٢/ ١٦٦)، ومسلم (٢٩٤٠) (١١٦)، والنسائي في الكبرى (١١٦٢٩).\n[٢٨٣٧] عن عائشة قالت: كانت الأعراب إذا قدموا على رسول الله ﷺ سألوه عن الساعة: متى الساعة؟ فنظر إلى أحدث إنسان منهم فقال: إن يعش هذا لم يدركه الهرم، قامت عليكم ساعتكم.\nرواه البخاريُّ (٦٥١١)، ومسلم (٢٩٥٢).\nــ\nمن ذلك واحد، وهو عبارة عن شدة الحال وصعوبة الأمر. قاله ابن عباس في الآية. يقال: كشفت الحرب عن ساقها. قال الشاعر:\nقد حلت الحرب بكم فجُدوا ... وكشفت عن ساقها فشُدوا\nوقال آخر:\nكشفت لكم عن ساقها ... وبدا من الشر الصراح\nوأصله: أن المُجِد في الأمر يشد إزاره، ويرفعه عن ساقه. قال قتادة: يقال للواقع في أمر عظيم يحتاج إلى الجد: قد كشف ساقه. قال الشاعر:\nفي سنة قد كشفت عن ساقها ... حمراء تبري اللحم عن عراقها\nقلت: وهذا المعنى بين في هذا الحديث فتأمل مساقه، وعليه تُحمل الآية، ولا يلتفت إلى غير ذلك مما قيل فيها.\nو(قوله: إن يعش هذا لم يدركه الهرم، قامت عليكم ساعتكم) هذه الرواية رواية واضحة حسنة، وهي المفسرة لكل ما يرد في هذا المعنى من الألفاظ المشكلة، كقوله في حديث أنس - ﵁ -: حتى تقوم الساعة، وفي لفظ آخر: القيامة، فإنَّه يعني به ساعة المخاطبين وقيامتهم، كما تقدم في تفسير الراوي، لقوله: يعني بذلك أن ينخرم ذلك القرن.","vol":"7","page":304},{"text":"[٢٨٣٨] ومن حديث أنس، قال: إن عُمِّر هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة. قال أنس: ذلك الغلام من أترابي يومئذ.\nرواه مسلم (٢٩٥٣) (١٣٨).\n[٢٨٣٩] وعنه؛ قال: قال رسول الله ﷺ: بُعثت أنا والساعة كهاتين. قال: وضم السبابة والوسطى.\nرواه أحمد (٣/ ١٢٣)، والبخاريُّ (٦٥٠٤)، ومسلم (٢٩٥١) (١٣٥)، والترمذيُّ (٢٢١٤).\n[٢٨٤٠] وعن أبي هريرة - يبلغ به النبي ﷺ - قال: تقوم الساعة والرجل يحلب اللقحة، فما يصل الإناء إلى فيه حتى تقوم، والرجلان يتبايعان الثوب، فما يتبايعانه حتى تقوم، والرجل يلط في حوضه، فما يصدر حتى تقوم.\nرواه أحمد (٢/ ٣٦٩)، والبخاريُّ (٦٥٠٦)، ومسلم (٢٩٥٤).\nــ\nو(قوله: بُعثت أنا والساعة كهاتين وضم بين السبابة والوسطى) رويته: أنا والساعة بالضم والفتح، فالضم على العطف، والفتح على المفعول معه، والعامل: بُعثت. وكهاتين: حال، أي: مقترنين، فعلى النصب يقع التشبيه بالضم، وعلى الرفع يحتمل هذا ويحتمل أن يقع بالتفاوت الذي بين السبابة والوسطى فتأمله. ويدل عليه قول قتادة في بعض رواياته: كفضل إحداهما على الأخرى، وحاصله تقريب أمر الساعة التي هي القيامة، وسرعة مجيئها، وهذا كما قال: ﴿فَقَد جَاءَ أَشرَاطُهَا﴾ قال الحسن: أول أشراطها: محمد ﷺ.\nو(قوله: تقوم الساعة والرجل يحلب اللقحة فما يصل الإناء إلى فيه حتى تقوم. . . الحديث) وقد تقدَّم أن اللقحة: الناقة ذات اللبن. ويلوط حوضه","vol":"7","page":305},{"text":"[٢٨٤١] وعنه؛ قال: قال رسول الله ﷺ: ما بين النفختين أربعون. قالوا: يا أبا هريرة أربعون يوما؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون شهرا؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت. ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل. قال: وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظما واحدا.\nــ\nويتلوط في حوضه؛ أي يصلحه ويطينه، ويروى: يلط حوضه، بمعناه. ويقال: لاط حوضه يلوطه، وهي المعروفة، ويقال: ألاط حوضه يليطه: إذا طينه، وحاصل هذا الحديث أن الساعة تقوم بغتة، كما قال تعالى: ﴿لا تَأتِيكُم إِلا بَغتَةً﴾\nو(قوله: ما بين النفختين أربعون) يعني: نفختي الصعق والبعث، يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرضِ إِلا مَن شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾\nو(قول أبي هريرة: أبيت أبيت، لما سئل عن الأربعين ما هي) يدل على أنه كان عنده من ذلك علم، وامتنع من بثه، لأنه لا ترهق إليه حاجة ولا يتعلق به عمل، ويحتمل أن لا يكون عنده علم من ذلك.\nو(قوله: أبيت، أبيت) يعني أبيت أن أسأل عن ذلك النبي ﷺ، وفيه بُعد.\nو(قوله: ثم ينزل الله من السماء ماء) يعني به بعد نفخة الصعق، ينزل هذا الماء الذي هو كمني الرجال، فتتكون فيه الأجسام بقدرة الله تعالى، وعن ذلك عبر بقوله: فينبتون كما ينبت البقل، فإذا تهيأت الأجسام وكملت نفخ في الصور نفخة البعث، فخرجت الأرواح من المحال التي هي فيها. قال بعضهم: فتأتي كل روح إلى جسده فيحييها الله تعالى، كل ذلك في لحظة بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾","vol":"7","page":306},{"text":"في رواية: لا تأكله الأرض أبدا، وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة.\nوفي أخرى: منه خلق، وفيه يركب.\nرواه البخاريُّ (٤٨١٤)، ومسلم (٢٩٥٥) (١٤١ و١٤٢)، وأبو داود (٤٧٤٣)، والنسائي (٤/ ١١١).\n* * *\nــ\nو(قوله: كل ابن آدم تأكله الأرض) أي: تبليه، وتصيره إلى أصله الذي هو التراب، هذا عموم مخصص بقوله ﷺ: حرم الله تعالى على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء (١). وبقوله ﷺ: المؤذن المحتسب كالمتشحط في دمه، وإن مات لم يُدَوّد في قبره (٢). وظاهر هذا أن الأرض لا تأكل أجساد الشهداء والمؤذنين المحتسبين، وقد شوهد هذا فيمن اطُّلع عليه من الشهداء، فوُجدوا كما دُفنوا بعد آماد طويلة، كما ذكر في السير وغيرها. وعجب الذنب، يقال بالباء والميم، وهو جزء لطيف في أسفل الصلب، وقيل: هو رأس العصعص، كما رواه ابن أبي الدنيا في كتاب البعث من حديث أبي سعيد الخدري، وذكر الحديث: قيل: يا رسول الله وما هو؟ قال: مثل حبة خردل، ومنه تنتشرون (٣).\nو(قوله: منه خلق وفيه يركب) أي: أول ما خلق من الإنسان هو، ثم إن الله تعالى يبقيه إلى أن يركب الخلق منه تارة أخرى.\n* * *\n_________\n(١) رواه ابن عساكر (٣/ ١٥٧).\n(٢) رواه الطبراني في الكبير (١٢/ ١٣٥٥٤)، وانظره في الترغيب والترهيب (٣٧٧).\n(٣) رواه ابن حبان (٣١٤٠) بلفظ: \". . . منه يَنْشَأ\".","vol":"7","page":307},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1077>(١٨) باب المبادرة بالعمل الصالح والفتن وفضل العبادة في الهرج</span>\n[٢٨٤٢] عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: بادروا بالأعمال ستا: طلوع الشمس من مغربها، أو الدخان، أو الدجال، أو الدابة، أو خاصة أحدكم، أو أمر العامة.\nوفي رواية: الدجال والدخان ودابة الأرض وطلوع الشمس من\nــ\n(١٨ و١٩ و٢٠) ومن باب: المبادرة بالعمل الصالح الموانع والفتن (١)\n(قوله: بادروا) أي: سابقوا بالأعمال الصالحة، واغتنموا التمكن منها قبل أن يحال بينكم وبينها بداهية من هذه الدواهي المذكورة، فيفوت العمل للمانع، أو تعدم منفعته لعدم القبول، وقد تقدم القول على أكثر هذه الست.\nو(قوله: وخاصة أحدكم) يعني به: الموانع التي تخصه مما يمنعه العمل، كالمرض والكبر والفقر المنسي، والغنى المطغي، والعيال والأولاد، والهموم، والأنكاد، والفتن، والمحن إلى غير ذلك مما لا يتمكن الإنسان مع شيء منه من عمل صالح، ولا يسلم له، وهذا المعنى هو الذي فصّله في حديث آخر حيث قال: اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك (٢).\n_________\n(١) شرح المؤلف -﵀- تحت هذا العنوان: هذا الباب والبابين التاليين له وهما: باب: إغراء الشيطان بالفتن. وباب: قوله - ﷺ -: \"لتتبعنَّ سنن الذين من قبلكم. . .\".\n(٢) رواه الحاكم (٤/ ٣٠٦).","vol":"7","page":308},{"text":"مغربها، وأمر العامة وخويصة أحدكم.\nرواه أحمد (٢/ ٣٢٤)، ومسلم (٢٩٤٧) (١٢٨ و١٢٩).\n[٢٨٤٣] وعن معقل بن يسار أن رسول الله ﷺ قال: العبادة في الهرج كهجرة إلي.\nرواه أحمد (٥/ ٢٥)، ومسلم (٢٩٤٨)، والترمذيُّ (٢٢٠١)، وابن ماجه (٣٩٨٥).\n* * *\nــ\nو(قوله: وأمر العامة) يعني: الاشتغال بهم فيما لا يتوجه على الإنسان فرضه؛ فإنَّهم يفسدون من يقصد إصلاحهم، ويهلكون من يريد حياتهم، لا سيما في مثل هذه الأزمان التي قد مرجت فيها عهودهم وخانت أماناتهم، وغلبت عليهم الجهالات والأهواء، وأعانهم الظلمة والسفهاء، وعلى هذا فعلى العامل بخويصة نفسه، والإعراض عن أبناء جنسه إلى حلول رمسه، أعاننا الله على ذلك بفضله وكرمه. وقد جاءت هذه الستة في إحدى الروايتين معطوفة بـ (أو) فيجوز أن تكون للتنويع، أي: اتقوا أن يصيبكم أحد هذه الأنواع، ويصح أن تكون بمعنى الواو، كما جاء في الرواية الأخرى.\nو(قوله: العبادة في الهرج كهجرة إلي) قد تقدَّم أن الهرج: الاختلاط والارتباك، ويراد به هنا الفتن والقتل، واختلاط الناس بعضهم في بعض، فالمتمسك بالعبادة في ذلك الوقت، والمنقطع إليها المعتزل عن الناس، أجره كأجر المهاجر إلى النبي ﷺ؛ لأنَّه يناسبه من حيث أن المهاجر قد فر بدينه عمن يصده عنه إلى الاعتصام بالنبي ﷺ، وكذلك هو المنقطع للعبادة، فر من الناس بدينه إلى الاعتصام بعبادة ربه، فهو على التحقيق قد هاجر إلى ربه، وفر من جميع خلقه.","vol":"7","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1078>(١٩) باب إغراء الشيطان بالفتن</span>\n[٢٨٤٤] عن جابر، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم.\nرواه أحمد (٣/ ٣١٣)، ومسلم (٢٨١٢)، والترمذي (١٩٣٨).\n[٢٨٤٥] وعنه، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: إن عرش إبليس على البحر، فيبعث سراياه يفتنون الناس، فأعظمهم عنده أعظمهم فتنة.\nوفي أخرى: إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه،\nــ\nو(قوله: إن الشيطان قد يئس من أن يعبده المصلون في جزيرة العرب) يعني - والله أعلم - أن المسلمين في جزيرة العرب ما أقاموا الصلاة فيها وأظهروها، لم يظهر فيها طائفة يرتدون عن الإسلام إلى عبادة الطواغيت والأوثان، فإذا تركوا الصلاة وذهب عنهم اسم المصلين، فإذ ذلك يكونون شرار الخلق، وهذا إنما يتم إذا قبض الله تعالى المؤمنين بالريح الباردة المذكورة في حديث عبد الله بن عمرو، ﵄. وحينئذ يتمثل لهم الشيطان فيقول لهم: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فماذا تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وحينئذ تضطرب أليات دوس حول ذي الخلصة، وتعبد اللات والعزى. والله أعلم، وقد تقدَّم القول في جزيرة العرب.\nو(قوله: ولكن في التحريش بينهم) أي: في الخلاف والشرور والعداوة والبغضاء بينهم، حتى تكون من ذلك أمثال تلك الفتن العظيمة والخطوب الجسيمة.\nو(قوله: إن عرش إبليس على البحر) أي سريره، يفعل ذلك تكبرا على جنوده وأحزابه، وهذا هو العرش الذي رآه ابن صياد، كما تقدَّم. وأصل العرش:","vol":"7","page":310},{"text":"فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئا، ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، قال: فيدنيه منه، ويقول: نعم أنت. قال الأعمش: أراه قال: فيلتزمه.\nرواه مسلم (٢٨١٣) (٦٦ و٦٧).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1079>(٢٠) باب في قوله ﵊: لتتبعن سنن الذين من قبلكم، وهلك المتنطعون آخر الفتن</span>\n[٢٨٤٦] عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب\nــ\nالرفع. ومنه قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَعرُوشَاتٍ وَغَيرَ مَعرُوشَاتٍ﴾ أي: منها ما هو مرفوع على ساق وهي الشجر، ومنها ما ليس كذلك، وهو النجم.\nو(قوله: فيدنيه ويلتزمه، ويقول: نعم أنت،) كذا وجدته مقيدا في أصل الشيخ أبي الصبر؛ أي: يقربه منه ويعانقه ويمدحه بـ (نعم) التي للمحمدة، وقد أضمر فاعلها للعلم به من غير شرط، تقديره: نعم الحبيب، أو الولي أنت. وهذا الإضمار شاذ؛ لأنَّه لا يجوز إلا إذا فسر بنكرة منصوبة على التمييز، كما هو المعروف في النحو، ومن قال: إن (نعم) هنا حرف جواب، فليس على صواب إذ ليس في الكلام سؤال يقتضيه، ولا معنى يناسبه.\nو(قوله: لتتبعن سنن الذين من قبلكم) يروى (سنن) بضم السين وبفتحها،","vol":"7","page":311},{"text":"لاتبعتموهم. قلنا: يا رسول الله، آليهود والنصارى؟ قال: فمن؟\nرواه أحمد (٣/ ٨٤)، والبخاريّ (٣٤٥٦)، ومسلم (٢٦٦٩).\n[٢٨٤٧] وعن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: هلك المتنطعون. قالها ثلاثا.\nرواه مسلم (٢٦٧٠)، وأبو داود (٤٦٠٨).\n[٢٨٤٨] وعن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ: ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء.\nرواه أحمد (٥/ ٢٠٠)، والبخاريّ (٥٠٩٦)، ومسلم (٢٧٤٠)، والترمذي (٢٧٨٠).\n[٢٨٤٩] وعن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون،\nــ\nفبالضم: جمع سُنة، وهي الطريقة المسلوكة، وبالفتح: هو اسم للطريق. والضب: حِرذون الصحراء. والمتنطعون: المتعمقون والغالون، وقد تقدم القول في هذا الحديث.\nو(قوله: إن الدنيا حلوة خضرة) أي: مستطابة في ذوقها معجبة في منظرها، كالثمر المُستحلَى المعجب المرأى.\nو(قوله: إن الله مستخلفكم فيها) أي: جعلكم فيها خلفا ممن كان قبلكم؛ فإنها لم تصل إلى قوم إلا بعد ذهاب آخرين.\nو(قوله: فينظر كيف تعملون) أي: يبصر أعمالكم فيجازي كلا بعمله؛ إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.","vol":"7","page":312},{"text":"فاتقوا النار واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء.\nرواه أحمد (٣/ ١٩)، ومسلم (٢٧٤٢)، والترمذي (٢١٩١)، وابن ماجه (٤٠٠٠).\n[٢٨٥٠] وعن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق.\nرواه أحمد (١/ ٣٩٤)، ومسلم (٢٩٤٩).\n* * *\nــ\nو(قوله: فاتقوا النار، واتقوا النساء) أي: احذروا الأعمال المقربة من النار، واحذروا فتنة النساء، فإنَّهن أول فتنة بني إسرائيل، وفتنتهن على الرجال أشد كل فتنة، والمحنة بهن أعظم كل محنة؛ لأنَّ النفوس مجبولة على الميل إليهن، وعلى اتباع أهوائهن مع نقص عقولهن وفساد آرائهن، ومن ملَّك قيادَه سفيه ناقص فجَدُّه ناكص.\n* * *","vol":"7","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1080>(٤٢) كتاب التفسير</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1081>(١) باب من فاتحة الكتاب</span>\nوقد تقدم في كتاب الصلاة من حديث أبي هريرة قوله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين.\nانظر صحيح مسلم (٣٩٥) (٣٨).\n* * *\nــ\n(٤٢) كتاب التفسير\nوهو مصدر فسَّر يفسِّر: إذا كشف المراد وبينه، وأصله من الفَسر، وهو البيان. يقال: فسرت الشيء أفسره - بالكسر - فسرا. والتأويل: صرف الكلام إلى ما يؤول إليه من المعنى، من آلَ إلى كذا: إذا رجع إليه. وقد حده الفقهاء فقالوا: هو إبداء احتمال في اللفظ معضود بدليل خارج عنه. فالتفسير بيان اللفظ، كقوله: ﴿لا رَيبَ فِيهِ﴾ أي: لا شك فيه، والتأويل: بيان المعنى، كقولهم: لا شك فيه عند المؤمنين، أو لأنه حق في نفسه فلا تقبل ذاته الشك، وإنما الشك وصف الشاك، ونحو ذلك.\n[(١) ومن باب: من فاتحة الكتاب (١)]\nوقد تقدم القول على قوله: قسمت الصلاة، وفي الملائكة.\n_________\n(١) هذا العنوان لم يردْ في نسخ المفهم، واستدركناه من التلخيص.","vol":"7","page":314},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1082>(٢) ومن سورة البقرة</span>\n[٢٨٥١] عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ: خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وآدم مما وصف لكم.\nرواه أحمد (٦/ ١٥٣)، ومسلم (٢٩٩٦).\n[٢٨٥٢] وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: قيل لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سُجدا وقولوا حطة يُغفر لكم خطاياكم، فبدلوا،\nــ\n(٢) ومن باب: ومن سورة البقرة\n(قوله: خلقت الملائكة من نور) أي: من جواهر مضيئة منيرة، فكانوا خيرا محضا.\nو(قوله: وخلق الجان من مارج من نار) أي: من شواظ ذي لهب واتقاد ودخان، فكانوا شرا محضا، والخير فيهم قليل.\nو(قوله: وخلق آدم مما تعلمون (١» أي: مما أعلمكم به، أي: من تراب صُيِّر طينا، ثم فُخارا، كما أخبرنا به تعالى في غير موضع من كتابه. والفخار: الطين اليابس، وفي الخبر: إن الله تعالى لما خلق آدم أمر مَن قبض قبضة مِن جميع أجزاء تراب الأرض، فأخذ من حزنها وسهلها، وأحمرها وأسودها، فجاء ولده كذلك (٢).\nو(قوله: ادخلوا الباب سجدا، وقولوا حطة) هذا الباب: هو الباب الثامن من بيت المقدس. قاله مجاهد. وقيل: باب القرية، وقال أبو علي: باب قرية فيها موسى - ﵇ - وسُجدا: قال ابن عباس: منحنين ركوعا. وقال\n_________\n(١) في مسلم والتلخيص: مما وصف لكم.\n(٢) رواه أحمد (٤/ ٤٠٠)، وأبو داود (٤٦٩٣)، والترمذي (٢٩٥٥).","vol":"7","page":315},{"text":"فدخلوا الباب يزحفون على أستاههم، وقالوا: حبة في شعرة.\nرواه أحمد (٢/ ٣١٨)، والبخاريُّ (٣٤٠٣)، ومسلم (٣٠١٥)، والترمذي (٢٩٥٦).\n[٢٨٥٣] وعنه؛ أن رسول الله ﷺ قال: نحن أحق بالشك من إبراهيم، إذ قال: رب أرني كيف تحيي الموتى؟ قال: أولم تؤمن؟ قال: بلى،\nــ\nغيره: خضوعا وشكرا لتيسير الدخول. وحطة: بمعنى حط عنا ذنوبنا، قاله الحسن. وقال ابن جبير: معناه الاستغفار. ثعلب: التوبة. قال الشاعر:\nفاز بالحطة التي جعل اللـ ... ـه بها ذنب عبده مغفورا\nالكلبي: تعبدوا بقولها كفارة. وهو مرفوع على أنه خبر ابتداء محذوف؛ أي: مسألتنا وأمرنا حطة.\nو(قوله: فدخلوها يزحفون على استاههم) أي: ينجرون على ألياتهم فعل المقعد الذي يمشي على أليته. يقال: زحف الصبي: إذا مشى كذلك، وزحف البعير: إذا أعيا. وقالوا مستهزئين: حبة في شعرة، وفي غير كتاب مسلم: حنطة في شعر، فعصوا، وتمردوا، واستهزؤوا، فعاقبهم بالرجز، وهو العذاب بالهلاك. قال ابن زيد: كان طاعونا أهلك منهم سبعين ألفا.\nو(قوله: نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحيِ المَوتَى﴾ اختلف العلماء قديما وحديثا في هذا السؤال، هل صدر عن شك وقع أم لا؟ فهم فرقتان: المثبتة للشك والنافية له. فالمثبتون اختلفوا فيمن وقع له هذا الشك، فمنهم من قال: إنما وقع الشك لأمة إبراهيم، بدليل أول القصة، وهو قوله: ﴿أَلَم تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾. . . الآية، فسأل إبراهيم ربه تعالى أن يريه وأمته كيفية إحياء الموتى ليطمئن قلبه بظهور حجته عليهم، وبإزالة الشك عنهم. قاله الضحاك، وابن إسحاق.","vol":"7","page":316},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nومنهم من قال: الشك من إبراهيم، لكن فيماذا اختلفوا فيه، فمنهم من قال: في الإحياء. حكي عن ابن عباس أنه قال: دخل قلبه بعض ما يدخل على القلوب، وهذا لا يصح نقله ولا معناه؛ لأنَّ الله تعالى قد أخبر عنه في أول القصة بأنه قال للمحتج عليهم: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحيِي وَيُمِيتُ﴾ وكيف يجوز على الأنبياء مثل هذا الشك، وهو كفر؟ فإنَّ الأنبياء متفقون على الإيمان بالبعث. ومنهم من قال: وقع له الشك في كونه خليلا، أو في كونه مجاب الدعوة، فسأل الله تعالى ودعاه بأن يريه إحياء الموتى حتى يطمئن قلبه بذلك. ومنهم من قال: وقع له شك في كيفية الإحياء، لا في أصل الإحياء. قال الحسن: رأى جيفة نصفها في البر توزّعها السباع، ونصفها في البحر توزّعها دواب الماء، فلما رأى تفرقها أحب أن يرى انضمامها، فسأل ليطمئن قلبه برؤية كيفية الجمع، كما رأى كيفية التفريق. ويتنزل قول نبينا ﷺ: نحن أحق بالشك من إبراهيم على هذه الأقوال واحدا واحدا، بحسب ما يليق به.\nوأما النافون للشك فاختلفوا، فمنهم من قال: أُري من نفسه الشك، وما شك، ولكن ليجاب فيزداد قربه. قال القاضي: وهذا تكلف في اللفظ والمعنى.\nومنهم من قال: لم يشك إبراهيم، وقول نبينا محمد ﷺ: نحن أحق بالشك من إبراهيم نفي للشك عنه، لا إثبات له، فكأنه قال: نحن موقنون بالبعث وإحياء الموتى، فلو شك إبراهيم لكنا نحن أولى بذلك منه، على طريق الأدب، وإكبار حال إبراهيم - ﵇ - لا على جهة أنه وقع شك لواحد منهما.\nومنهم من قال: إنما جاوب نبينا ﷺ بقوله: نحن أحق بالشك مَن سمعه يقول: شك إبراهيم، ولم يشك نبينا، فقال ذلك.\nقلت: هذه جملة ما سمعناه من شيوخنا، ووقفنا عليه في كتب أئمتنا، وكلها محتمل يرتفع به الإشكال، إلا ما حكي عن ابن عباس؛ فإنَّه قول فاسد، وليس في الآية ما يدلّ على أن إبراهيم شك، بل الذي تضمنته أن إبراهيم - ﵇ - سأل أن يشاهد كيفية جمع أجزاء الموتى بعد تفريقها، واتصال","vol":"7","page":317},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالأعصاب والجلود بعد تمزيقها، فأراد أن يترقى من علم اليقين إلى عين اليقين، بقوله: ﴿أَرِنِي كَيفَ﴾ طلب مشاهدة الكيفية.\nو(قوله تعالى: ﴿أَوَلَم تُؤمِن﴾ استفهام تقرير، كقوله تعالى: ﴿أَوَلَم نُعَمِّركُم مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ أي: قد عمرناكم.\nو(قوله: ﴿لِيَطمَئِنَّ قَلبِي﴾ أي: بحصول الفرق بين المعلوم برهانا، والمعلوم عيانا. فإذا لم يكن في الآية ما يدلّ على شك وقع لإبراهيم، ولا لنبينا ﷺ، وإنَّما صدر ذلك من نبينا ﷺ، على الفرض الذهني، والتقدير الشرطي، فكأنه قال: لو شك إبراهيم في إحياء الموتى لكنا نحن أحق بالشك منه، ولم نشك نحن، فهو أولى وأحق بألا يشك، وهذا هو البرهان المسمى عند أئمتنا النظار: البرهان الشرطي المتصل، وأهل المنطق يسمونه بالقياس الاستثنائي الذي ينتج منه استثناء عين التالي، ونقيض المقدم، على ما هو معروف في موضعه.\nو(قوله: ولو لبثت في السجن طول لبث يوسف لأجبت الداعي) يعني به: الداعي الذي دعاه إلى الخروج من السجن المذكور في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارجِع إِلَى رَبِّكَ فَاسأَلهُ﴾ الآية، يصف يوسف - ﵇ - بالتثبت والصبر على المحنة، وأنه أقام في السجن والتضييق عليه مدة طويلة، والنفوس متشوقة إلى الخروج من الضيق، والحبس الطويل، لا سيما إذا بُشر بالتخلص، ودعي إليه. فمقتضى الطبع: المبادرة إلى أول دعوة، والانفلات بمرة، لكنه لما جاءه الداعي لم يبادر لإجابته، ولا استخفه الفرح بالتخلص من محنته، لكنه سكن وثبت إلى أن ظهرت براءته وعُلمت منزلته (١). ثم إن نبينا ﷺ تأدب معه غاية الأدب، واعترف له بأنه من التثبت والصبر في أعلى الرتب، وحمده على ذلك، وقدر أنه لو امتُحن بذلك لبادر إلى التخلص من ذلك\n_________\n(١) انظره في تفسير القرطبي (١/ ٤١١).","vol":"7","page":318},{"text":"ولكن ليطمئن قلبي. ويرحم الله لوطا؛ لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن طول لبث يوسف لأجبت الداعي.\nرواه أحمد (٢/ ٣٢٦)، والبخاريُّ (٣٣٧٢)، ومسلم (١٥١) (٢٣٨)، وابن ماجه (٤٠٢٦).\nــ\nلأول داع. هذا مع أن النبي ﷺ قد أُعطي من التثبت في الأمور، والصبر على المكاره الحظ الأوفر، والنصيب الأكبر، لكنه تواضع لله، وتأدب مع أخيه نبي الله.\nو(قوله: ويرحم الله لوطا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد، وفي الرواية الأخرى: يغفر الله للوط (١» هذا تنبيه على قول لوط لضيفه: ﴿لَو أَنَّ لِي بِكُم قُوَّةً أَو آوِي إِلَى رُكنٍ شَدِيدٍ﴾ وهذا من النبي ﷺ إشارة إلى أن لوطا لم يرضَ منه بذلك القول في ذلك الموطن؛ فإنَّه قد كان انتهى من كمال المعرفة بالله تعالى إلى حال لا يليق به فيها أن يلتفت إلى غير الله تعالى في كفاية المحن، ودفع الشدائد، فلما ضعُف عما كان ينبغي له عوتب على ذلك، ونُسب إلى التقصير. والذي أصدر ذلك القول من لوط ضيق صدره بما لقي من قومه من التكذيب والأذى. وحياؤه من أضيافه عند هم قومه بالفاحشة، وأنه لم تكن له عشيرة، ولا أصحاب آمنوا به حتى ينتصر بهم على قومه؛ فإنَّه لم يؤمن به أحد ممن أرسل إليه غير ابنتيه، ولما أُهلك قومه لم ينج منهم إلا هو وابنتاه، ومع هذه الأعذار كلها لم يُرض منه بأن يصدر منه ذلك في حال تمكنه وتمكينه. وكأن النبي ﷺ أراد من لوط أن يكون على مثل حال إبراهيم - ﵇ - في شدائده، فإنَّه قال حين رُمي بالمنجنيق، وهو في الهواء، وقال له جبريل - ﵇ -: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا. ونحو ذلك صدر عن نبينا ﷺ حين كان في الغار، والكفار عند فم الغار، فقال لأبي بكر - ﵁ - وقد رأى جزعه: لا تحزن إن الله معنا (٢).\n_________\n(١) هذه الرواية عند البخاري (٣٣٧٥).\n(٢) رواه البخاري (٣٦٥٢)، ومسلم (٢٠٠٩).","vol":"7","page":319},{"text":"[٢٨٥٤] وعن البراء، قال: كانت الأنصار إذا حجوا فرجعوا، لم يدخلوا البيوت إلا من ظهورها، قال: فجاء رجل من الأنصار، فدخل من بابه، فقيل له في ذلك، فنزلت هذه الآية: ﴿وَلَيسَ البِرُّ بِأَن تَأتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا﴾\nرواه البخاريُّ (١٨٠٣)، ومسلم (٣٠٢٦).\nــ\nوالحاصل أن لأهل المعرفة بالله تعالى من الأنبياء، والأولياء حالين: حال حضور ومراقبة، فتتوجه عليهم بحسبها المناقشة والمعاتبة، وحال غيبة وبشرية، فيجرون فيها على الأمور العادية، فتارة يناقَشون، وأخرى يسامَحون، فضلا من الله ونعمة، ورفقا بهم ورحمة، وقد تقدَّم بسط هذا المعنى.\nو(قوله: ولو لبثت في السجن لبث (١) يوسف) أي: لو مكثت وأقمت. يقال: لبِث يلبَث، بالكسر في الماضي والفتح في المضارع، لُبثا، بضم اللام وسكون الباء، ولباثا، وكلاهما على غير قياس؛ لأنَّ المصدر من فعِل، بالكسر، قياسه التحريك إذا لم يُعَدَّ، مثل: تعب تعبا، وقد جاء في الشعر على القياس. قال جرير:\nوقد أكون على الحاجات ذا لُبَث ... وأحوذيا إذا انضم الذعاليب\nفهو لابث، ولَبِثٌ أيضًا، وقرئ (لَبِثِينَ فِيهَا أَحقَابًا).\nو(قوله: كانت الأنصار إذا حجوا فرجعوا، لم يدخلوا البيوت إلا من ظهورها) إنما كان يفعلون ذلك؛ لأنَّهم كانوا إذا أحرموا يكرهون أن يحول بينهم وبين السماء سقف إلى أن ينقضي إحرامهم، ويصلوا إلى منازلهم، فإذا دخلوا منازلهم دخلوها من ظهورها. قاله الزهري. يعتقدون أن ذلك من البر والقرب،\n_________\n(١) في مسلم والتلخيص: طول لبث.","vol":"7","page":320},{"text":"[٢٨٥٥] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَإِن تُبدُوا مَا فِي أَنفُسِكُم أَو تُخفُوهُ يُحَاسِبكُم بِهِ اللَّهُ﴾ قَالَ: دَخَلَ قُلُوبَهُم مِنهَا شَيءٌ لَم يَدخُل قُلُوبَهُم مِن شَيءٍ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: قُولُوا: سَمِعنَا وَأَطَعنَا وَسَلَّمنَا، قَالَ: فَأَلقَى اللَّهُ الإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِم، فَأَنزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفسًا إِلا وُسعَهَا\nــ\nفنفى الله ذلك بقوله: ﴿وَلَيسَ البِرُّ بِأَن تَأتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا﴾ ثم بين ما يكون فيه البر بقوله: ﴿وَلَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ أي: بر من اتقى الله، وعمل بما أمره الله به من طاعته. ويستفاد منها: أن الطاعات والقُرب إنما يتوصل إليها بالتوقيف الشرعي، والتعريف، لا بالعقل والتخريف. فالبيوت على هذا محمولة على حقائقها، وقد قال بعض العلماء: إن المراد بها إتيان الأمور من وجوهها، وهو بعيد، وأبعد من قول من قال: إن المراد بها إتيان النساء في فروجهن، لا في أدبارهن، والصحيح الأول. وأما القولان الآخران فيؤخذان من موضع آخر، لا من الآية.\nو(قوله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفسًا إِلا وُسعَهَا﴾ التكليف هو الأمر بما يشق عليه (١)، وتكلفت الشيء: تجشمته. حكاه الجوهري، والوسع: الطاقة والجدة. وهذا خبر من الله تعالى أنه لا يأمرنا إلا بما نطيقه ويمكننا إيقاعه عادة، وهو الذي لم يقع في الشريعة غيره، ويدلّ على ذلك تصفحها، وقد حكي الإجماع على ذلك. وإنما الخلاف في جواز التكليف بما لا يمكننا إيقاعه عقلا، كالجمع بين الضدين، أو عادة، كالطيران في الهواء، والمشي على الماء، فمن مجوز، ومن مانع، وقد بينا ذلك في الأصول، واستيفاء الكلام عليها في علم الكلام.\nتنبيه: الله تعالى بلطفه بنا وإنعامه علينا، وإن كان قد كلفنا بما يشق علينا،\n_________\n(١) ليست في (م ٤).","vol":"7","page":321},{"text":"لَهَا مَا كَسَبَت وَعَلَيهَا مَا اكتَسَبَت رَبَّنَا لا تُؤَاخِذنَا إِن نَسِينَا أَو أَخطَأنَا﴾ قَالَ: قَد فَعَلتُ ﴿رَبَّنَا وَلا تَحمِل عَلَينَا إِصرًا كَمَا حَمَلتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبلِنَا﴾ قَالَ: قَد فَعَلتُ ﴿وَاغفِر لَنَا وَارحَمنَا أَنتَ مَولانَا فَانصُرنَا عَلَى القَومِ الكَافِرِينَ﴾ قَالَ: قَد فَعَلتُ.\nرواه مسلم (١٢٦)، والترمذي (٢٩٩٥).\n* * *\nــ\nويثقل، كثبوت الواحد للعشرة، وهجرة الإنسان وخروجه عن وطنه، ومفارقة أهله وولده وعادته، لكنه لم يكلفنا بالمشقات المثقلة، ولا بالأمور المؤلمة كما كلف من قبلنا؛ إذ كلفهم بقتل أنفسهم، وقرض موضع البول من أبدانهم، بل سهل ورفق بنا، ووضع عنا الإصر والأغلال التي وضعها على من كان قبلنا، فله الحمد والمنة، والفضل والنعمة.\nو(قوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَت وَعَلَيهَا مَا اكتَسَبَت﴾ دليل على صحة إطلاق أئمتنا على أفعال العباد: كسبا واكتسابا، ولذلك لم يطلقوا على ذلك: لا خلق، ولا خالق، خلافا لمن أطلق ذلك من مجترئة المبتدعة، ومن أطلق من أئمتنا على العبد فاعل، فالمجاز المحض، كما يعرف في الكلام.\nو(قوله: ﴿لا تُؤَاخِذنَا إِن نَسِينَا أَو أَخطَأنَا﴾ أي: اعف عن إثم ما يقع منا على هذين الوجهين أو أحدهما، كقوله ﷺ: رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه (١) أي: إثم ذلك، وهذا لم يختلف فيه: أن الإثم مرفوع، وإنما اختلف فيما يتعلق على ذلك من الأحكام؛ هل ذلك مرفوع لا يلزم\n_________\n(١) رواه البيهقي في السنن (٦/ ٨٤) و(٧/ ٣٥٧). وانظر: مجمع الزوائد (٦/ ٢٥٠)، وفتح الباري (٥/ ١٦٠ و١٦١).","vol":"7","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1083>(٣) ومن سورة آل عمران</span>\n[٢٨٥٦] عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ أَنَّ رِجَالًا مِن المُنَافِقِينَ فِي عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا إِذَا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الغَزوِ تَخَلَّفُوا عَنهُ وَفَرِحُوا بِمَقعَدِهِم خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإِذَا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ اعتَذَرُوا لَهُ وَحَلَفُوا،\nــ\nمنه شيء، أو يلزم أحكام ذلك كله؟ اختلف فيه. والصحيح أن ذلك يختلف بحسب الوقائع، فقسم: لا يسقط بالخطأ والنسيان باتفاق، كالغرامات والديات والصلوات، وقسم يسقط باتفاق، كالقصاص والنطق بكلمة الكفر ونحو ذلك. وقسم ثالث يختلف فيه، وصوره لا تنحصر، ويُعرف تفصيل ذلك في الفروع.\nوالإصر: الثقل والمشقة الفادحة. وقول ابن عباس في هذا الحديث حكاية عن الله تعالى: قد فعلت. وقول أبي هريرة في حديثه الذي تقدم في كتاب الإيمان: قال: نعم دليل على أنهم كانوا ينقلون الحديث بالمعنى، وقد قررنا في الأصول: أن ذلك جائز من العالم بمواقع الألفاظ، وأن ذلك لا يجوز لمن بعد الصدر الأول لتغير اللغات، وتباين الكلمات. والمولى: الولي. والناصر: المعين على العدو. والكافر: الجاحد.\n(٣) ومن سورة آل عمران\n(قوله تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم)، تخلفوا: تأخروا. والمقعد: القعود. وحديث أبي سعيد هذا يدلّ على أن قوله تعالى: ﴿لا تَحسَبَنَّ﴾ الآية - نزلت في المنافقين، وحديث ابن عباس الذي بعده يدل على أنها نزلت في أهل الكتاب، ولا بعد في ذلك لإمكان نزولها على السببين لاجتماعهما في زمان واحد، فكانت جوابا للفريقين، والله تعالى أعلم.\nوالمفازة: الموضع الذي يُفاز فيه من المكروه.","vol":"7","page":323},{"text":"وَأَحَبُّوا أَن يُحمَدُوا بِمَا لَم يَفعَلُوا، فَنَزَلَت: ﴿لا تَحسَبَنَّ الَّذِينَ يَفرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَن يُحمَدُوا بِمَا لَم يَفعَلُوا فَلا تَحسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِنَ العَذَابِ﴾\nرواه البخاريُّ (٤٥٦٧)، ومسلم (٢٧٧٧).\n[٢٨٥٧] عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف قال: إنَّ مَروَانَ قَالَ: اذهَب يَا رَافِعُ - لِبَوَّابِهِ - إِلَى ابنِ عَبَّاسٍ فَقُل: لَئِن كَانَ كُلُّ امرِئٍ مِنَّا فَرِحَ بِمَا أَتَى وَأَحَبَّ أَن يُحمَدَ بِمَا لَم يَفعَل مُعَذَّبًا لَنُعَذَّبَنَّ أَجمَعُونَ! فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: مَا لَكُم وَلِهَذِهِ الآيَةِ؟ إِنَّمَا أُنزِلَت هَذِهِ الآيَةُ فِي أَهلِ الكِتَابِ - ثُمَّ تَلَا\nــ\nو(قوله: ﴿لا تَحسَبَنَّ﴾)؛ أي: لا تظنن، أي: لتعلموا أنهم غير فائزين من عذاب الله لأنَّهم كتموا الحق وأحبوا أن يُحمدوا به؛ أي: يثنى عليهم بأنهم عليه. والذين فاعل لـ تحسبن، ومفعولاها محذوفان لدلالة تحسبنهم عليه، وهذا نحو قول الشاعر (١):\nبأي كتاب أم بأية سنة ... ترى حُبهم عارا علي وتحسب؟\nاكتفى بذكر مفعولي الفعل الواحد عن ذكر مفعولي الثاني، وهذا أحسن ما قيل فيه.\nو(قوله واستحمدوا بذلك عنده)؛ أي: طلبوا أن يحمدوا.\nو(قول مروان لابن عباس ﵄ لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون) دليل على القول بأن للعموم صيغا مخصوصة، وأن الذين منها، وهذا مقطوع به من بعضهم، ذلك من القرآن والسنة.\n_________\n(١) هو الكميت بن زيد الأسدي. انظر: خزانة الأدب (٩/ ١٣٧).","vol":"7","page":324},{"text":"ابنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِذ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكتُمُونَهُ﴾ وَتَلَا: ﴿لا تَحسَبَنَّ الَّذِينَ يَفرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَن يُحمَدُوا بِمَا لَم يَفعَلُوا﴾ وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: سَأَلَهُم النَّبِيُّ ﷺ عَن شَيءٍ فَكَتَمُوهُ إِيَّاهُ وَأَخبَرُوهُ بِغَيرِهِ، فَخَرَجُوا قَد أَرَوهُ أَن قَد أَخبَرُوهُ بِمَا سَأَلَهُم عَنهُ، وَاستَحمَدُوا بِذَلِكَ إِلَيهِ، وَفَرِحُوا بِمَا أَتَوا مِن كِتمَانِهِم إِيَّاهُ مَا سَأَلَهُم عَنهُ.\nرواه البخاريُّ (٤٥٦٨)، ومسلم (٢٧٧٨)، والترمذي (٣٠١٨).\n[٢٨٥٨] وعن أنس بن مالك قال: يقال للكافر يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم. فيقال: كذبت! لقد سئلت أيسر من ذلك.\nرواه أحمد (٣/ ٢١٨)، والبخاريُّ (٦٥٣٨)، ومسلم (٢٨٠٥) (٥٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1084>(٤) ومن سورة النساء</span>\n[٢٨٥٩] عن عروة بن الزبير أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَن قَولِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِن خِفتُم أَلا تُقسِطُوا فِي اليَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِنَ النِّسَاءِ مَثنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ قَالَت: يَا ابنَ أُختِي، هِيَ اليَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجرِ وَلِيِّهَا تُشَارِكُهُ\nــ\n(٤) ومن سورة النساء\n(قوله: ﴿وَإِن خِفتُم أَلا تُقسِطُوا فِي اليَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِنَ النِّسَاءِ﴾، خفتم: فزعتم وفرقتم، وهو ضد الأمن، ثم قد يكون الخوف منه معلوم الوقوع","vol":"7","page":325},{"text":"فِي مَالِهِ، فَيُعجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا، فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَن يَتَزَوَّجَهَا بِغَيرِ أَن يُقسِطَ فِي صَدَاقِهَا فَيُعطِيَهَا مِثلَ مَا يُعطِيهَا غَيرُهُ، فَنُهُوا أَن يَنكِحُوهُنَّ إِلَّا أَن يُقسِطُوا لَهُنَّ وَيَبلُغُوا بِهِنَّ أَعلَى سُنَّتِهِنَّ مِن الصَّدَاقِ، وَأُمِرُوا أَن يَنكِحُوا مَا طَابَ\nــ\nوقد يكون مظنونا، فلذلك اختلف العلماء في تفسير هذا الحديث هل هو بمعنى العلم أو بمعنى الظن؛ فقال بعضهم: خفتم علمتم، وقال آخرون: خفتم ظننتم، وحقيقة الخوف ما ذكرناه أولا. ﴿وَتُقسِطُوا﴾ تعدلوا. وقد تقدَّم أن أقسط بمعنى عدل، وقسط بمعنى جار. وقد تقدم أن اليتم في بني آدم من قِبل فقد الأب، وفي غيرهم من قبل فقد الأم، وأن اليتيم إنما أصله أن يقال على من لم يبلغ، وقد أطلق في هذه الآية على المحجور عليها - صغيرة كانت أو كبيرة - استصحابا لإطلاق اسم اليتيم لبقاء الحجر عليها، وإنما قلنا إن اليتيمة الكبيرة قد دخلت في الآية لأنَّها قد أبيح العقد عليها في الآية، ولا تُنكح اليتيمة الصغيرة إذ لا إذن لها، فإذا بلغت جاز نكاحها لكن بإذنها، كما قال النبي ﷺ فيما خرج الدارقطني وغيره في بنت عثمان بن مظعون وأنها يتيمة ولا تنكح إلا بإذنها (١)، وهذا مذهب الجمهور خلافا لأبي حنيفة فإنَّه قال: إذا بلغت لم تحتج إلى ولي، بناء على أصله في عدم اشتراط الولي في صحة النكاح - كما قدمناه في كتاب النكاح.\nو(قوله ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِنَ النِّسَاءِ﴾)، قد تقدَّم أن ما أصلها لما لا يعقل، وقد تجيء بمعنى الذي فتطلق على من يعقل، كما جاءت في هذه الآية فإنَّها فيها للنساء وهن ممن يعقل، ولا يُلتفت لقول من قال: إن المراد بها هنا العقد؛ لقوله تعالى بعد ذلك من النساء مبينا لمبهم ما.\nو(قوله: ﴿مَثنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾)، قد فَهِم مِن هذا مَن بَعُد فَهمُه للكتاب\n_________\n(١) رواه الدارقطني (٣/ ٢٢٩ - ٢٣٠).","vol":"7","page":326},{"text":"لَهُم مِن النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ. قَالَ عُروَةُ: قَالَت عَائِشَةُ: ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ استَفتَوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعدَ هَذِهِ الآيَةِ فِيهِنَّ، فَأَنزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيَستَفتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفتِيكُم فِيهِنَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَتَرغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ قَالَت: وَالَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ أَنَّهُ يُتلَى عَلَيكُم فِي الكِتَابِ الآيَةُ الأُولَى الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِيهَا: ﴿وَإِن خِفتُم أَلا تُقسِطُوا فِي اليَتَامَى فَانكِحُوا﴾ قَالَت: وَقَولُ اللَّهِ فِي الآيَةِ الأُخرَى: ﴿وَتَرغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ رَغبَةَ أَحَدِكُم عَن يتيمته الَّتِي\nــ\nوالسنة وأعرض عما كان عليه سلف هذه الأمة وقل علمه باللسان واللغة أنه يجوز لنا أن ننكح تسعا ونجمع بينهن في عصمة واحدة من هذه الآية، وزعم أن الواو جامعة، وعضد ذلك بأن النبي ﷺ نكح تسعا وجمع بينهن في عصمة، والذي صار إلى هذه الجهالة الرافضة وطائفة من أهل الظاهر، فجعلوا مثنى وثلاث ورباع مثل اثنين وثلاث وأربع، وبينهما من الفرقان ما بين الجماد والإنسان، فإنَّ أهل اللغة مطبقون على الفرق بينهما، ولا نعلم بينهم خلافا في ذلك، وبيان الفرق أن العرب إذا قالت جاءت الخيل مثنى مثنى إنما تعني بذلك اثنين اثنين؛ أي جاءت مزدوجة. قال الجوهري: وكذلك جميع معدول العدد.\nقلت: وعلى هذا جاء قوله تعالى في وصف الملائكة: ﴿أُولِي أَجنِحَةٍ مَثنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾، ويعلم على القطع والبتات أنه لم يرد هنا توزيع هذه الأعداد على الملائكة حتى يكونوا هم أولي تسعة أجنحة يشتركون فيها ولا أنه جمع كل واحد من آحاد الملائكة تسعة أجنحة، وتلزم هذه الفضائح من قال بالجمع في آية النكاح، إذ لا فرق بين هاتين الآيتين في هذا اللفظ في العدل (١)\n_________\n(١) في (م ٤): العدول. وانظر في هذا بحثًا قيِّمًا للقرطبي في تفسيره. الجامع لأحكام القرآن (٥/ ١٥).","vol":"7","page":327},{"text":"تَكُونُ فِي حَجرِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ المَالِ وَالجَمَالِ، فَنُهُوا أَن يَنكِحُوا مَا رَغِبُوا فِي مَالِهَا وَجَمَالِهَا مِن يَتَامَى النِّسَاءِ إِلَّا بِالقِسطِ مِن أَجلِ رَغبَتِهِم عَنهُنَّ.\nــ\nوالعطف بالواو الجامعة، وإنما المراد أن الله تعالى خلق الملائكة أصنافا؛ فمنهم صنف جعل لكل واحد منهم جناحين، ومنهم صنف جعل لكل واحد منهم ثلاثة، ومنهم صنف جعل لكل واحد منهم أربعة، وكذلك آية النكاح معناها أن الله تعالى أباح لكل واحد منهم من الزوجات ما يقدر على العدول فيه، فمن يقدر على العدل في اثنتين أبيح له ذلك، ومن يقدر على العدل في أكثر أبيح له ذلك، فإن خاف ألا يعدل فواحدة كما قال تعالى، وغاية الإباحة أربع؛ لأنَّه انتهى إليهن في العدد، ولقول النبي ﷺ لغيلان بن أمية: أمسك أربعا، وفارق سائرهن (١)، ولأنه لم يسمع عن أحد من الصحابة ولا التابعين أنه جمع في عصمته بين أكثر من أربع، وما أبيح للنبي ﷺ من ذلك فذلك من خصوصياته بدليل أن أصحابه قد علموا ذلك وتحققوه، فلو علموا أن ذلك مسوَّغ لهم لاقتدوا به في ذلك فكانوا يجمعون بين تسع، فإنَّهم كانوا لا يعدلون عن الاقتداء به في جميع أفعاله وأحواله ويبادرون إلى ذلك مبادرة من علم أن التوفيق والفلاح والحصول على خير الدنيا والآخرة في الاقتداء به، فلولا أنهم علموا خصوصيته بذلك لما امتنعوا منه، وما يروي الرافضة في ذلك عن علي أو غيره من السلف فغير معروف عند أهل السنة ولا مأخوذ عن أحد من علماء الأمة، وكيف لا وقوله لغيلان قد بين القدر المباح غاية البيان، وهو من الأحاديث المعروفة المشهورة عند كل أحد بحيث لا يحتاج فيه إلى إقامة سند. وقد ذهب بعض أهل الظاهر إلى إباحة الجمع بين ثماني عشرة تمسُّكًا بأن العدل في تلك الصيغ يفيد التكرار لما لم يمكنه لذلك إنكار، لكنه لما حمل الواو على الجمع جمع بين هذه الأعداد وقصر كل صيغة\n_________\n(١) رواه ابن حبان (٤١٥٧ و٤١٥٨)، والبيهقي (٧/ ١٨١).","vol":"7","page":328},{"text":"وفي رواية قَالَت: أُنزِلَت فِي الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ اليَتِيمَةُ وَهُوَ وَلِيُّهَا وَوَارِثُهَا، ولَهَا مَالٌ وَلَيسَ لَهَا أَحَدٌ يُخَاصِمُ دُونَهَا، فَلَا يُنكِحُهَا لِمَالِهَا فَيَضُرُّ بِهَا وَيُسِيءُ صُحبَتَهَا، فَقَالَ: ﴿وَإِن خِفتُم أَلا تُقسِطُوا فِي اليَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِنَ النِّسَاءِ﴾\nيَقُولُ: مَا أَحلَلتُ لَكُم، وَدَع هَذِهِ الَّتِي تَضُرُّ بِهَا.\nــ\nمن العدد المعدود على أقله، فجعل مثنى بمعنى اثنين واثنين، وثلاث بمعنى ثلاث وثلاث، ورباع بمعنى أربع وأربع. وهذا القائل أعور بأي عينيه شاء، فإنَّ كل ما ذكرناه يبطل دعواه، ونزيد هنا نكتة تضمنها الكلام المتقدِّم، وهي أن قصره كل صيغة على أقل ما تقتضيه بزعمه تحكم بما لا يوافقه أهل اللسان عليه، ولا يرشد معنى الاثنين إليه لأنَّ مقصود الآية إباحة نكاح اثنتين لمن أراد ونكاح ثلاث لمن أراد ونكاح أربع لمن أراد، وكل واحد من آحاد كل نوع من هذه الثلاثة لا ينحصر، فكل اثنين وثلاث وأربع لا ينحصر، فقصره على بعض أعداد ما تضمنه ذلك مخالف لمقصود الآية، فتفهم ذلك فإنَّه من لطيف الفهم، وللكلام في هذه الآية متسع، وفيما ذكرناه تنبيه ومقنع.\nوبعد أن فهمت أفراد تلك الكلمات فاعلم أن العلماء اختلفوا في سبب نزول هذه الآية وفي معناها؛ فذهبت عائشة - ﵂ - إلى ما ذُكر في الأصل عنها، وحاصل الروايات المذكورة عنها أنها نزلت في ولي اليتيمة التي لها مال فأراد وليها أن يتزوجها فأمر بأن يوفيها صداق أمثالها، أو يكون لها مال عنده بمشاركة أو غيرها وهو لا حاجة له لتزويجها لنفسه ويكره أن يزوجها غيره مخافة أخذ مالها من عنده، فأمر الله الأولياء بالقسط وهو العدل، بحيث إن تزوجها بذل لها مهر مثلها، وإن لم تكن له رغبة فيها زوجها من غيره وأوصلها إلى مالها على الوجه المشروع، وتكميل معنى الآية أن الله تعالى قال للأولياء: إن خفتم ألا تقوموا بالعدل فتزوجوا غيرهن ممن طاب لكم من النساء اثنتين اثنتين إن شئتم، وثلاثا ثلاثا لمن شاء، وأربعا أربعا لمن شاء - هذا قول عائشة في","vol":"7","page":329},{"text":"وفي أخرى: أُنزِلَت فِي اليَتِيمَةِ تَكُونُ عِندَ الرَّجُلِ فَتَشرَكُهُ فِي مَالِهِ، فَيَرغَبُ عَنهَا أَن يَتَزَوَّجَهَا، وَيَكرَهُ أَن يُزَوِّجَهَا غَيرَهُ فَيَشرَكُهُ فِي مَالِهِ، فَيَعضِلُهَا فَلَا يَتَزَوَّجُهَا وَلَا يُزَوِّجُهَا غَيرَهُ.\nرواه البخاري (٤٥٧٤)، ومسلم (٣٠١٨) (٦ و٨)، وأبو داود (٢٠٦٨)، والنسائي (٦/ ١١٥).\nــ\nالآية.\nوقال ابن عباس في معنى الآية: إنه قصر الرجال على أربع لأجل أموال اليتامى، فنزلت جوابا لتحرجهم عن القيام بإصلاح أموال اليتامى. وفسر عكرمة قول ابن عباس هذا بألا تُكثروا من النساء فتحتاجوا إلى أخذ أموال اليتامى.\nوقال السدي وقتادة: معنى الآية إن خفتم الجور في أموال اليتامى فخافوا مثله في النساء، فإنَّهن كاليتامى في الضعف، فلا تنكحوا أكثر مما يمكنكم إمساكهن بالمعروف.\nقلت: وأقرب هذه الأقوال وأصحها قول عائشة إن شاء الله تعالى، وقد اتفق كل من يعاني العلوم على أن قوله تعالى ﴿وَإِن خِفتُم أَلا تُقسِطُوا فِي اليَتَامَى﴾ ليس له مفهوم؛ إذ قد أجمع المسلمون على أن من لم يخف القسط في اليتامى له أن ينكح أكثر من واحدة: اثنتين، أو ثلاثا، أو أربعا - كمن خاف، فدل ذلك على أن الآية نزلت جوابا لمن خاف وأن حكمها أعم من ذلك، وفي الآية مباحث تسكت الناقث (١). والمعدولة عن أسماء العدد صفات، وقيل: للعدل والتأنيث؛ لأنَّ أسماء العدد مؤنثة، وقيل: لتكرار العدد في اللفظ، والمعنى: لأنه عدل عن لفظ اثنين إلى لفظ مثنى وإلى معنى اثنين اثنين، ومبدأ العدل آحاد ومنتهاه رباع، ولم يسمع فيما فوق ذلك إلا في عشار في قول الكميت:\nولم يستريثوك حتى رميـ ... ـت فوق الرجال خصالا عشارا\n_________\n(١) \"الناقث\": نَقَث حديثه: إذا خلطه كخلط الطعام. ونَقَث العظم: استخرج مُخَّه. ونَقَث عن الشيء: إذا حَفَر عنه.","vol":"7","page":330},{"text":"[٢٨٦٠] وعنها في قوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَليَأكُل بِالمَعرُوفِ﴾ قالت: أنزلت في والي اليتيم الذي يقوم عليه ويصلحه، إذا كان محتاجا أن يأكل منه.\nفي أخرى: بقدر ماله بالمعروف.\nرواه البخاري (٤٥٧٥)، ومسلم (٣٠١٩) (١٠ و١١).\nــ\nوتختلف صيغ المعدول عن العدد، فيقال: موحد وآحاد وأحد، ومثنى وثنا وثناي، ومثلث وثلاث وثلث، ومربع ورباع وربع. وقرأ النخعي ثلث وربع.\nو(قول عائشة في قوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَليَستَعفِف وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَليَأكُل بِالمَعرُوفِ﴾ أُنزلت في والي اليتيم)، فعلى هذا: المراد بها أولياء الأيتام، وهو قول الجمهور. وقال بعضهم: المراد به اليتيم؛ إن كان غنيا وسع عليه وأعف من ماله، وإن كان فقيرا أنفق عليه بقدره، وهذا في غاية البعد؛ لأنَّ اليتيم لا يخاطب بالتصرف في ماله لصغره ولسفهه، ولأنه إنما يأكل من ماله بالمعروف على الحالين، فيضيع التنويع والتقسيم المذكور في الآية، وعلى قول الجمهور فالولي الغني لا يأخذ من مال يتيمه شيئا ولا يستحق على قيامه عليه أجرا دنيويا؛ بل ثوابا أخرويا. وأما الفقير فاختلف فيه هل يأخذ من مال يتيمه شيئًا أم لا؟ فذهب زيد بن أسلم إلى أنه لا يأخذ منه شيئًا وإن كان فقيرا، وحكي ذلك عن ابن عباس بناء على أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأكُلُونَ أَموَالَ اليَتَامَى ظُلمًا﴾ الآية، وقيل: بقوله ﴿وَلا تَأكُلُوا أَموَالَكُم بَينَكُم بِالبَاطِلِ﴾\nقلت: وهذا لا يصح النسخ فيه لعدم شرطه؛ إذ الجمع ممكن، إذ الأخذ الذي أباحه الله تعالى ليس ظلما ولا أكل مال بالباطل فلم تتناوله الآيتان، وهذا هو القول بالموجب. وذهب جمهور المجوزين إلى إباحة الأخذ، لكنهم اختلفوا","vol":"7","page":331},{"text":"[٢٨٦١] وعن زيد بن ثابت أن النبي ﷺ خرج إلى أحد، فرجع ناس ممن كان معه، فكان أصحاب النبي ﷺ فيهم فرقتين، قال بعضهم: نقتلهم. وقال بعضهم: لا. فنزلت: ﴿فَمَا لَكُم فِي المُنَافِقِينَ فِئَتَينِ﴾\nرواه البخاريُّ (٤٠٥٠)، ومسلم (٢٧٧٦)، والترمذيُّ (٣٠٣١).\nــ\nفي القدر المأخوذ وفي قضاء المأخوذ وفي وجه الأخذ؛ فروي عن عمر - ﵁ - أنه قال: إن أكلتَ قضيتَ. وبه قال عبيدة السلماني وأبو العالية، وهو أحد قولي ابن عباس وعكرمة، وقال من عدا هؤلاء: إن له الأخذ ولا قضاء عليه، لكنهم اختلفوا في وجه الأخذ، فذهب عطاء إلى أنه يأخذ بقدر الحاجة (١)، وقال الضحاك: يضارب بماله ويأكل من ربحه. الحسن: يسد الجوعة ويستر العورة. الشعبي: من التمر واللبن. وقد روي هذا عن ابن عباس - ﵄ - فقال: يأكل ويشرب ويركب الظهر غير مضر بنسل ولا ناهك في الحلب. قال القاضي أبو بكر بن العربي: وعليه مذهب مالك.\nقلت: والصحيح من هذه الأقوال - إن شاء الله - أن مال اليتيم إن كان كثيرا يحتاج إلى كثير قيام عليه بحيث يشغل الولي عن حاجاته ومهماته فُرض له فيه أجرة عمله، وإن كان قليلا مما لا يشغله عن حاجاته فلا يأكل منه شيئا، غير أنه يُستحب له شرب قليل اللبن وأكل القليل من الطعام والتمر غير مضر به ولا مستكثر له، بل ما جرت به العادة بالمسامحة فيه. وما ذكرته من الأجرة ونيل القليل من الثمر واللبن كل واحد منهما معروف، فصلح حمل الآية على ذلك، والله أعلم.\nو(قوله: ﴿فَمَا لَكُم فِي المُنَافِقِينَ فِئَتَينِ﴾)؛ أي فريقين\n_________\n(١) في (ز): الخدمة.","vol":"7","page":332},{"text":"[٢٨٦٢] وعن قيس بن عباد قال: قلنا لعمار: أرأيت قتالكم؛ أرأيا رأيتموه؟ فإن الرأي يخطئ ويصيب! أو عهدا عهده إليكم رسول الله ﷺ؟ فقال: ما عهد إلينا رسول الله ﷺ شيئا لم يعهده إلى الناس كافة. وقال: إن رسول الله ﷺ قال: إن من أمتي - أو في أمتي - اثني عشر منافقا لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها حتى يلج الجمل في سم\nــ\nمختلفين في قتلهم، ويعني بالمنافقين عبد الله بن أُبي وأصحابه الذين خذلوا رسول الله ﷺ يوم أُحد ورجعوا بعسكرهم بعد أن خرجوا معه إلى أحد، فلم يأمر الله بقتلهم لما علم من المفسدة الناشئة عن ذلك، وهي التي نص عليها النبي ﷺ حيث قال: لئلا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه (١). ثم قال بعد هذا: ﴿وَاللَّهُ أَركَسَهُم بِمَا كَسَبُوا﴾؛ أي بكسبهم - عن الزجاج. ابن عباس: أي ردهم إلى كفرهم. قتادة: أهلكهم. السدي: أضلهم - وكلها قريب بعضه من بعض. وقيس بن عباد: هو بضم العين وفتح الباء الموحدة وتخفيفها.\nو(قول عمار ما عهد إلينا رسول الله ﷺ شيئا لم يعهده إلى الناس كافة) تكذيب من عمار للشيعة فيما يدعونه ويكذبون به على رسول الله ﷺ وعلى علي - ﵁ - في يوم غدير خم وغيره، وقد تقدَّم هذا المعنى. والدبيلة: الداهية. يقال: دبلتهم الدبيلة؛ أي: أصابتهم الداهية - حكاها أبو عبيد، وصيغتها صيغة التصغير يراد به التكثير، كما يقال:\n. . . . . . . . . . . . ... دويهية تصفر منها الأنامل (٢)\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٣٩٣)، والبخاري (٤٩٠٧)، ومسلم (٢٥٨٤) (٦٣).\n(٢) عجز بيت للبيد، وصدره:\nوكلُّ أناسٍ سوفَ تدخُلُ بينهم","vol":"7","page":333},{"text":"الخياط، ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة سراج من نار يظهر في أكتافهم حتى ينجم من صدورهم.\nرواه أحمد (٤/ ٣٢٠)، ومسلم (٢٧٧٩) (١٠).\n[٢٨٦٣] وعن عائشة: ﴿وَإِنِ امرَأَةٌ خَافَت مِن بَعلِهَا نُشُوزًا أَو إِعرَاضًا﴾ الآية، قالت: أنزلت في المرأة تكون عند الرجل، فلعله ألا يستكثر منها، ويكون لها صحبة وولد فتكره أن يفارقها، فتقول له: أنت في حل من شأني.\nرواه البخاريُّ (٤٦٠٠)، ومسلم (٣٠٢١) (١٤).\nــ\nوالأظهر أنه اسم سُمي به مصغرا، كما قالوا: كميت. وأراد به هنا الورم المهلك الذي يخرج بين الكتفين، والظاهر أن المراد بالحديث أن الله تعالى يهلك هؤلاء الثمانية من المنافقين بهذا الداء في الدنيا، ولذلك قال: تكفيكهم الدبيلة؛ أي: يميتهم الله بها.\nو(قوله حتى ينجم من صدورهم)؛ أي: تبلغ إلى قلوبهم وتنفذ في صدورهم، والله أعلم.\nوسم الخياط: ثقب الإبرة. والسم: الثقب في كل شيء، يقال في فتح السين وضمها، وكذلك السم القاتل، ويجمعان على سموم وسمام. ومسام الجسد: ثقبه. والجمل: واحد الجمال، ودخول الجمل في ثقب الإبرة محال، والمعلق على المحال محال، فدخول المنافقين الجنة محال، وهذا من نحو قول العرب:\nإذا شاب الغراب رجعت أهـ ... ـلي وصار القار كاللبن الحليب\nأي: شيب الغراب وبياض القار لا يكونان، فرجوعه إلى أهله لا يكون.\nو(قوله: ﴿وَإِنِ امرَأَةٌ خَافَت مِن بَعلِهَا نُشُوزًا أَو إِعرَاضًا﴾، البعل: الزوج. والنشوز: البغض. والإعراض: الميل عنها إلى غيرها. والجناح: الإثم","vol":"7","page":334},{"text":"[٢٨٦٤] وعَن سَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ قَالَ: قُلتُ لِابنِ عَبَّاسٍ: أَلِمَن قَتَلَ مُؤمِنًا مُتَعَمِّدًا مِن تَوبَةٍ؟ قَالَ: لَا. فَتَلَوتُ عَلَيهِ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي فِي الفُرقَانِ:\nــ\nوالحرج. ويصّالحا - بتشديد الصاد - أي: يتصالحا؛ أي: يعقدان بينهما صلحا على ما يجوز كإسقاط مهر أو قسم أو غير ذلك. وعن علي ﵁: يعطيها مالا ليحول قسمها. وقرأه الكوفيون: أَن يُصلِحَا بَينَهُمَا صُلحًا من أصلح، ويكون صلحا مفعولا لا مصدرا، ويكون المعنى: أن يعقدا بينهما عقد صلح أو يفعلا صلحا.\nو(قوله: ﴿وَالصُّلحُ خَيرٌ﴾؛ أي: من النشوز - قاله الزجاج. من الفرقة: ابن عباس.\nوقول سعيد بن جبير لابن عباس ألمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة؟ قال: لا. . الحديث، هذا هو المشهور عن ابن عباس، وقد روي عنه أن توبته تقبل، وهذا هو قول أهل السنة والذي دل عليه الكتاب والسنة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغفِرُ أَن يُشرَكَ بِهِ وَيَغفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ وكقوله: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقتُلُونَ النَّفسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالحَقِّ وَلا يَزنُونَ وَمَن يَفعَل ذَلِكَ يَلقَ أَثَامًا * يُضَاعَف لَهُ العَذَابُ يَومَ القِيَامَةِ وَيَخلُد فِيهِ مُهَانًا * إِلا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِم حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وكقوله: ﴿وَمَن يَعمَل سُوءًا أَو يَظلِم نَفسَهُ ثُمَّ يَستَغفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾\nوأما السنة فكثيرة؛ كحديث عبادة بن الصامت الذي قال فيه: تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، فمن أصاب شيئًا من ذلك فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب شيئًا من ذلك فستره الله عليه فهو إلى الله؛ إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه (١)، وكحديث\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٢١٣)، ومسلم (١٧٠٩)، والترمذي (١٤٣٩)، والنسائي (٧/ ١٤٨).","vol":"7","page":335},{"text":"﴿وَالَّذِينَ لا يَدعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقتُلُونَ النَّفسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالحَقِّ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ. قَالَ: هَذِهِ آيَةٌ مَكِّيَّةٌ نَسَخَتهَا آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ: ﴿وَمَن يَقتُل مُؤمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾\nــ\nأبي هريرة - ﵁ - في الذي قتل مائة نفس، وكحديث جابر في الذي قتل نفسه بقطعه براجمه، وقد تقدَّم كل ذلك.\nو(قول ابن عباس ﵄ هذه آية مكية نسختها آية مدنية) قول لا يليق بعلم ابن عباس ولا بفهمه؛ لأنَّه إن أراد به حقيقة النسخ كان غير صحيح، لأن الآية خبر عن وقوع العذاب بمن فعل تلك الأمور المذكورة في الآية، والنسخ لا يدخل الأخبار كما قررناه في الأصول، سلمنا أنه يدخلها النسخ، لكن الجمع بين الآيتين ممكن بحيث لا يبقى بينهما تعارض، وذلك بأن يُحمل مطلق آية النساء على مقيد آية الفرقان، فيكون معناها: فجزاؤه جهنم إلا من تاب، لا سيما وقد اتحد الموجِب وهو القتل والموجَب وهو المتوعد بالعقاب، وقد قلنا في أصول الفقه: إن مثل هذه الصورة متفق عليها.\nوقد تأول جمهور العلماء آية سورة النساء تأويلات:\nأحدها: أن المتعمد المعنى فيها هو المستحل لقتل المسلم، ومن كان كذلك كان كافرا.\nوثانيها: أن قوله ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ لا يلزم منه دخوله في جهنم ولا بد؛ لأنَّ معناه: إن جازاه، وقد رُفع هذا التقييد إلى النبي ﷺ.\nقلت: وتحري هذا القول أن قوله ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ هو خبر عن استحقاقه لذلك لا عن وقوع ذلك، ويجوز العفو عن المستحق، وحاصله راجع إلى القول بموجب الآية، فلا دلالة فيها.\nوثالثها: أن الخلود ليس نصا في التأبيد الذي لا انقطاع له، بل مقتضاه","vol":"7","page":336},{"text":"وفي رواية: فنزلت ﴿إِلا مَن تَابَ﴾\nرواه مسلم (٣٠٢٣) (١٩ و٢٠).\n[٢٨٦٥] وعن ابن عباس قال: لقي ناس من المسلمين رجلا في غنيمة له فقال: السلام عليكم! فأخذوه فقتلوه، وأخذوا تلك الغنيمة، فنزلت: وَلَا تَقُولُوا لِمَن أَلقَى إِلَيكُمُ السَّلَمَ (١) لَستَ مُؤمِنًا. وقرأها ابن عباس: السلام (٢).\nرواه البخاري (٤٥٩١)، ومسلم (٣٠٢٥)، وأبو داود (٣٩٧٤)، والترمذيُّ (٣٠٣٣).\nــ\nتطويل الآماد وتكرير الأزمان ما لم يرد معه من القرائن ما يقتضي التأبيد، كما ورد في وعيد الكفار، فيجوز أن يدخل القاتل في جهنم ويعذب فيها ما شاء الله من الأزمان ثم يلحقه ما يلحق الموحدين من الشفاعة والغفران، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: ﴿فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَن أَلقَى إِلَيكُمُ السَّلامَ لَستَ مُؤمِنًا﴾، هذه قراءة ابن عباس وجماعة من القراء؛ السلام بألف، يعنون به التحية، وقرأه جماعة أخرى السلم بغير ألف يعنون بذلك الصلح، والقراءتان في السبع، وقرأ ابن وثاب السِّلم بكسر السين وسكون اللام، وهي لغة في السَّلَم الذي هو الصلح.\nو(قوله: ﴿تَبتَغُونَ عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنيَا﴾؛ أي: تريدون المال وما يعرض من الأعراض الدنيوية.\n_________\n(١) وهي قراءة نافع وابن عامر وحمزة وأبي جعفر وخلف ووافقهم الحسن والأعمش.\n(٢) وهي قراءة الباقين.","vol":"7","page":337},{"text":"[٢٨٦٦] وعن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين؛ تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه أخرى.\nوفي رواية تكر بدل تعير.\nرواه أحمد (٢/ ٦٨)، ومسلم (٢٧٨٤) (١٧)، والنسائي (٨/ ١٢٤).\n* * *\nــ\nو(قوله: ﴿فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾؛ أي: إن اتقيتم الله وكففتم عما ينهاكم عنه سلمكم وغنمكم.\nو(قوله: ﴿كَذَلِكَ كُنتُم مِن قَبلُ﴾؛ أي: قبل الهجرة حين كنتم تُخفون الشهادة. وقيل: من قبل أن تعرفوا الشهادة.\n﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيكُم﴾؛ أي بالإسلام وبإعزازكم بمحمد ﷺ، فَتَبَيَّنُوا: من البيان، وتثبتوا: من التثبت. والقراءتان في السبع، وتفيدان وجوب التوقف والتبين عند إرادة الأفعال إلى أن يتضح الحق ويرتفع الإشكال.\nو(قوله مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين؛ تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة)، العائرة: المترددة، وتعير: ترجع وتكر - وإنما ثنّى الغنم وإن كانت اسم جنس لأنَّه أراد قطعتين منها.\nوهذا الحديث مناسب لقوله تعالى: ﴿مُذَبذَبِينَ بَينَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾\n* * *","vol":"7","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1085>(٥) ومن سورة العقود</span>\n[٢٨٦٧] عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا نزلت معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدا! قال: وأي آية؟ قال: ﴿اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلامَ دِينًا﴾ فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي أنزلت فيه والمكان الذي أنزلت فيه؛ نزلت على رسول الله ﷺ بعرفة في يوم جمعة.\nرواه البخاري (٤٦٠٦)، ومسلم (٣٠١٧) (٥)، والترمذي (٣٠٤٦)، والنسائي (٨/ ١١٤).\nــ\n(٥) ومن سورة العقود (١)\n(قوله تعالى: ﴿اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلامَ دِينًا﴾، يعني باليوم يوم عرفة في حجة الوداع التي نزلت فيها هذه الآية، كما جاء في هذا الحديث من قول عمر ﵁، وهذا أولى من قول مجاهد: هو يوم فتح مكة. ودينكم؛ أي: شرائع دينكم، فإنَّها نزلت نجوما، وآخر ما نزل فيها هذه الآية، ولم ينزل بعدها حكم - قاله ابن عباس. وقال القتبي: يعني برفع النسخ. قتادة: يعني أمر حجكم؛ إذ لم يحج في تلك السنة مشرك ولا طاف بالبيت عريان، ووقف الناس كلهم بعرفة.\nو(قوله: ﴿وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي﴾)؛ أي: بإكمال الشرائع والأحكام وإظهار دين الإسلام. ورضيت لكم الإسلام دينا؛ أي: أعلمتكم برضاي به لكم دينا، فإنَّه تعالى لم يزل راضيا بالإسلام لنا دينا، فلا يكون لاختصاص الرضا بذلك اليوم فائدة إن حملناه على ظاهره، ويحتمل أن يريد ورضيت الإسلام لكم دينا قائما بكماله لا أنسخ منه شيئًا، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) هي سورة المائدة.","vol":"7","page":339},{"text":"[٢٨٦٨] وعَن ابنِ عُمَرَ قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ عَلَى مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثنَى عَلَيهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعدُ، أَلَا وَإِنَّ الخَمرَ نَزَلَ تَحرِيمُهَا يَومَ نَزَلَ وَهِيَ مِن خَمسَةِ أَشيَاءَ؛ مِن الحِنطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمرِ، وَالزَّبِيبِ، وَالعَسَلِ. وَالخَمرُ مَا خَامَرَ العَقلَ، وَثَلَاثَةُ أَشيَاءَ وَدِدتُ أَيُّهَا النَّاسُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَهِدَ إِلَينَا فِيهَا: الجَدُّ، وَالكَلَالَةُ، وَأَبوَابٌ مِن أَبوَابِ الرِّبَا.\nوفي رواية العنب بدل الزبيب، وكان عهد إلينا فيهن عهدا ننتهي إليه.\nرواه البخاريُّ (٤٦١٩)، ومسلم (٣٠٣٢) (٣٢ و٣٣)، وأبو داود (٣٦٦٩)، والترمذي (١٨٧٤ و١٨٧٥)، والنسائي (٨/ ٢٩٥).\n[٢٨٦٩] وعَن ابنِ شِهَابٍ قَالَ: سَمِعتُ سَعِيدَ بنَ المُسَيَّبِ يَقُولُ: إِنَّ البَحِيرَةَ الَّتِي يُمنَعُ دَرُّهَا لِلطَّوَاغِيتِ، فَلَا يَحلُبُهَا أَحَدٌ مِن النَّاسِ، وَأَمَّا السَّائِبَةُ الَّتِي كَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِآلِهَتِهِم، فَلَا يُحمَلُ عَلَيهَا شَيءٌ. وَقَالَ\nــ\nو(قول عمر ﵁ ألا وإن الخمر نزل تحريمها يوم نزل وهي من خمسة أشياء. . .) الحديث - دليل واضح يقارب القطع بأن النبيذ يسمى خمرا وأن اسم الخمر ليس مقصورا على ما يعتصر من العنب، وأن الخمر كل ما خامر العقل؛ فإنَّ عمر - ﵁ - قال بذلك ونص عليه في معدن الفصاحة، وبين خيار أهل البلاغة وهم من هم علما وفضلا وقوة وعدلا، لا يخافون في الله لومة لائم، ولا يبالون في الحق باقتحام العظائم، فلو لم يكن ما قاله لسانهم، ومعرفة ذلك شأنهم لبادروا بالإنكار، ولما وجد منهم صحيح ذلك الإقرار.\nوقد تقدَّم القول على هذا الحديث في الأشربة وفي الصلاة، وتقدم القول أيضًا في البحيرة والسائبة في الكسوف.","vol":"7","page":340},{"text":"ابنُ المُسَيَّبِ: قَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: رَأَيتُ عَمرَو بنَ عَامِرٍ الخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصبَهُ فِي النَّارِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَن سَيَّبَ السوائب.\nوفي رواية: عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف، أخا بني كعب هؤلاء.\nرواه أحمد (٢/ ٣٦٦)، والبخاريّ (٣٥٢١)، ومسلم (٢٨٥٦) (٥٠ و٥١).\n[٢٨٧٠] وعن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ: لو تابعني من اليهود عشرة لم يبق على ظهرها يهودي إلا أسلم.\nرواه البخاريُّ (٣٩٤١)، ومسلم (٢٧٩٣).\n* * *\nــ\nو(قوله ﷺ لو تابعني من اليهود عشرة لم يبق على ظهرها يهودي إلا أسلم)؛ يعني - والله تعالى أعلم - عشرة معينين، وكأنهم كانوا رؤساء اليهود وزعماءهم وذوي رأيهم في ذلك الوقت، فلو أسلموا لتابعهم من دونهم من أتباعهم، ولو كان ذلك لأضففت (١) يهود المدينة وجهاتها على الدخول في الإسلام، وعليها إعادة الضمير في قوله لم يبق على ظهرها.\n* * *\n_________\n(١) \"أصفقت\": اجتمعت.","vol":"7","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1086>(٦) ومن سورة الأنعام</span>\n[٢٨٧١] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي فَقَالَ: خَلَقَ اللَّهُ التُّربَةَ يَومَ السَّبتِ، وَخَلَقَ فِيهَا الجِبَالَ يَومَ الأَحَدِ، وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَومَ الِاثنَينِ، وَخَلَقَ المَكرُوهَ يَومَ الثُّلَاثَاءِ، وَخَلَقَ النُّورَ يَومَ الأَربِعَاءِ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَومَ الخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ ﵇ بَعدَ العَصرِ مِن يَومِ الجُمُعَةِ فِي آخِرِ الخَلقِ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِن سَاعَاتِ الجُمُعَةِ فِيمَا بَينَ العَصرِ إِلَى اللَّيلِ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٢٧)، ومسلم (٢٧٨٩).\nــ\n(٦) ومن سورة الأنعام\n(قول أبي هريرة ﵁ أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: خلق الله التربة يوم السبت. . .) الحديث - ذكر هذا الحديث هنا لأنَّه مفصل لما أجمله قوله تعالى: ﴿الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ والتربة: التراب - أي: الأرض، وكأنه خلق التراب يوم السبت غير منعقد ولا متجمد، ثم يوم الأحد جمده وجعل منه الجبال أرسى بها الأرض، وكمل خلق الأرض بجبالها في يومين.\nو(قوله وخلق الأشجار يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء)؛ أي: ما يكره مما يهلك أو يؤلم كالسموم والخشاش (١) والحيوانات المضرة، وقد ذكر هذا الحديثَ ثابثٌ في كتابه، وقال فيه وخلق التِّقن يوم الثلاثاء بدل المكروه، قال: والتقن ما يقوم به المعاش ويصلح به التدبير كالحديد وغيره من\n_________\n(١) \"الخِشاش\": حشرات الأرض وهوامّها. الواحدة: خِشاشة.","vol":"7","page":342},{"text":"[٢٨٧٢] وعَن أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رسول الله ﷺ قَالَ يَومًا: أَتَدرُونَ أَينَ\nــ\nجواهر الأرض، وكل شيء يحصل به صلاح فهو تِقن، ومنه إتقان الشيء وإحكامه.\nو(قوله والنور يوم الأربعاء)، كذا الرواية الصحيحة المشهورة، وقد وقع في بعض نسخ مسلم النون بالنون - يعني به الحوت، وكذا جاء في كتاب ثابت في الأم، وفي رواية أخرى البحور مكان النور.\nقلت: وهذه الرواية ليست بشيء؛ لأنَّ الأرض خُلقت بعد الماء وعلى الماء، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرشُهُ عَلَى المَاءِ﴾؛ أي: قبل خلق السماوات والأرض. إلا إن أراد بالبحور الأنهار التي خلق الله تعالى في الأرض فله وجه، والصحيح رواية النور، ويعني به الأجسام النيرة كالشمس والقمر والكواكب، ويتضمن هذا أنه تعالى خلق السماوات يوم الأربعاء؛ لأنَّ هذه الكواكب في السماوات، ونورها: ضوؤها الذي بين السماء والأرض، والله تعالى أعلم.\nوتحقيق هذا أنه لم يذكر في هذا الحديث نصا على خلق السماوات، مع أنه ذكر فيه أيام الأسبوع كلها، وذكر ما خلق الله تعالى فيها، فلو خلق السماوات في يوم زائد على أيام الأسبوع لكان خلق السماوات والأرض في ثمانية أيام، وذلك خلاف المنصوص عليه في القرآن، ولا صائر إليه. وقد روي هذا الحديث في غير كتاب مسلم بروايات مختلفة مضطربة، وفي بعضها أنه خلق الأرض يوم الأحد والاثنين، والجبال يوم الثلاثاء، والشجر والأنهار والعمران يوم الأربعاء، والسماوات والشمس والقمر والنجوم والملائكة يوم الخميس، وآدم يوم الجمعة. فهذه أخبار آحاد مضطربة فيما لا يقتضي عملا، فلا يُعتمد على ما تضمنته من ترتيب المخلوقات في تلك الأيام، والذي يعتمد عليه في ذلك قوله تعالى: ﴿قُل أَإِنَّكُم لَتَكفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرضَ فِي","vol":"7","page":343},{"text":"تَذهَبُ هَذِهِ الشَّمسُ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ! قَالَ: إِنَّ هَذِهِ تَجرِي حَتَّى تَنتَهِيَ إِلَى مُستَقَرِّهَا تَحتَ العَرشِ، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، فَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا: ارتَفِعِي، ارجِعِي مِن حَيثُ جِئتِ! فَتَرجِعُ فَتُصبِحُ طَالِعَةً مِن مَطلِعِهَا، ثُمَّ تَجرِي حَتَّى تَنتَهِيَ إِلَى مُستَقَرِّهَا تَحتَ العَرشِ، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، فَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا: ارتَفِعِي، ارجِعِي مِن حَيثُ جِئتِ! فَتَرجِعُ فَتُصبِحُ طَالِعَةً مِن مَطلِعِهَا، ثُمَّ تَجرِي لَا يَستَنكِرُ النَّاسَ مِنهَا شَيئًا، حَتَّى تَنتَهِيَ إِلَى مُستَقَرِّهَا ذَاكَ تَحتَ العَرشِ، فَيُقَالُ لَهَا: ارتَفِعِي، أَصبِحِي طَالِعَةً مِن مَغرِبِكِ! فَتُصبِحُ طَالِعَةً مِن مَغرِبِهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَتَدرُونَ مَتَى ذَلكُم؟ حِينَ ﴿لا يَنفَعُ نَفسًا إِيمَانُهَا لَم تَكُن آمَنَت مِن قَبلُ أَو كَسَبَت فِي إِيمَانِهَا خَيرًا﴾\nرواه أحمد (٥/ ١٤٥)، ومسلم في الإيمان (١٥٩) (٢٥٠)، والنسائي في الكبرى (١١١٧٦).\nــ\nيَومَينِ﴾ الآيات، فلينظر فيها من أراد تحقيق ذلك، وفيها أبحاث طويلة ليس هذا موضع ذكرها.\nو(قوله إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها)، قد كثرت أقوال الناس في معنى مستقر الشمس، وأشبه ما يقال فيه: إنه عبارة عن انتهائها إلى أن تسامت جزءا من العرش معلوما بحيث تخضع عنده وتذل، وهو المعبر عنه بسجودها، وتستأذن في سيرها المعتاد لها من ذلك المحل متوقعة ألا يؤذن لها في ذلك وأن تؤمر بالرجوع من حيث جاءت وبأن تطلع من مغربها، فإن كانت الشمس ممن تعقل نسب ذلك كله إليها لأنَّه صدر عنها، وإن كانت مما لا يعقل فعل ذلك الملائكة الموكلون بها، والله تعالى أعلم - وكل ذلك ممكن، وهذا القول موافق لمعنى هذا الحديث، فتأمله!","vol":"7","page":344},{"text":"[٢٨٧٣] وعنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَقُولُ اللَّهُ: مَن جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشرُ أَمثَالِهَا وَأَزِيدُ، وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَجَزَاؤُهُ سَيِّئَةٌ مِثلُهَا أَو أَغفِرُ، وَمَن تَقَرَّبَ مِنِّي شِبرًا تَقَرَّبتُ مِنهُ ذِرَاعًا، وَمَن تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبتُ مِنهُ بَاعًا، وَمَن أَتَانِي يَمشِي أَتَيتُهُ هَروَلَةً، وَمَن لَقِيَنِي بِقُرَابِ الأَرضِ خَطِيئَةً لَا يُشرِكُ بِي شَيئًا لَقِيتُهُ بِمِثلِهَا مَغفِرَةً.\nوفي رواية أو أزيد بزيادة ألف.\nرواه مسلم (٢٦٨٧).\n* * *\nــ\nو(قوله يقول الله: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، وأزيد) مفتوح الهمزة مكسور الزاي مضموم الدال على أنه فعل مضارع، وكذا رويته، وقد روي هذا الحرف بالواو الجامعة وبأو التي معناها أحد الشيئين، وهو إشارة إلى معنى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ﴾ والحسنة تعم الحسنات كلها، فأي حسنة عملها المسلم ضوعف ثوابها كذلك، ولا معنى لقول من قصرها على بعض الحسنات دون بعض فإنَّه تحكم مخالف للفظ العام والكرم التام، وقد تقدَّم الكلام على قوله من أتاني يمشي أتيته هرولة وأن ذلك تمثيل.\nو(قوله ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لقيته بمثلها مغفرة)، قراب الأرض: قدر ملئها، وهو بكسر القاف، وأصله الوعاء، ومنه قراب السيف، وهو في هذا الحديث مَثَل.\n* * *","vol":"7","page":345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1087>(٧) ومن سورة الأعراف</span>\n[٢٨٧٤] عن ابن عباس قال: كانت امرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، فتقول: من يعيرني تطوافا - تجعله على فرجها! وتقول:\nاليوم يبدو بعضه أو كله ... فما بدا منه فلا أحله\nفنزلت هذه الآية: ﴿خُذُوا زِينَتَكُم﴾\nرواه مسلم (٣٠٢٨)، والنسائي (٥/ ٢٣٣).\n* * *\nــ\n(٧) ومن سورة الأعراف\n(قوله كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، فتقول: من يعيرني تطوافا - تجعله على فرجها!)، التطواف بكسر التاء: ثوب تطوف به، وقد تقدَّم أن قريشا كانت ابتدعت في الحج أمورا منها أنه كان لا يطوف أحد بالبيت إلا عريانا إلا أن يكون أحمسيا، وهم من ولد كنانة، أو من أعاره تطوافا أحمسي، فإن طاف من لم يكن كذلك في ثيابه ألقاها فلا ينتفع بها هو ولا غيره، وتسمى تلك الثياب باللقى، حتى قال شاعر العرب:\nكفى حزنا كري (١) عليه كأنه ... لَقًى بين أيدي الطائفين حريم\nوكان هذا الحكم منهم عاما في الرجال والنساء، ولذلك طافت هذه المرأة عريانة وأنشدت الشعر المذكور في الأصل، قال القاضي: وهذه المرأة هي ضباعة بنت عامر بن قرط - فلما جاء الإسلام ستر الله تعالى هذه العورات ورفع هذه الآثام، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُم عِندَ كُلِّ مَسجِدٍ﴾ وأذن مؤذن رسول الله - ﷺ - ألا يطوف بالبيت عريان، وفهم من\n_________\n(١) كذا في (ع) و(م) وتفسير القرطبي (٧/ ١٨٩). وفي (ز): كوني.","vol":"7","page":346},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1088>(٨) ومن سورة الأنفال وبراءة</span>\n[٢٨٧٥] عن أنس بن مالك قال: قال أبو جهل: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم - فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم وَأَنتَ فِيهِم وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُم وَهُم يَستَغفِرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكثَرَهُم لا يَعلَمُونَ﴾\nرواه البخاريُّ (٤٦٤٨)، ومسلم (٢٧٩٦).\nــ\nهذا الأمر وجوب ستر العورة للصلاة على خلاف فيه تقدَّم ذكره، وحاصله أن الجمهور على أنها فرض، واختلف فيها عن مالك على ثلاثة أقوال: الوجوب مطلقا، والسنة مطلقا، والفرق؛ فتجب مع العمد، ولا تجب مع النسيان والعذر.\n(٨) ومن سورة الأنفال وبراءة\n(قول أبي جهل اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم) غلب على أبي جهل جهله فساء قوله وفعله، انظر كيف غلبت عليه جهالته وشقوته فاستجيبت منه دعوته فجدل صريعا وسحب على وجهه إلى جهنم سحبا قصيفا! حكي أن ابن عباس لقيه رجل من اليهود، فقال اليهودي: ممن أنت؟ قال: من قريش. قال: أنت من القوم الذين قالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم؟ فهلا عليهم أن يقولوا: إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له! إن هؤلاء قوم يجهلون. قال ابن عباس: وأنت يا إسرائيلي من القوم الذين لم تجف أرجلهم من بلل البحر الذي أغرق فيه فرعون وقومه وأنجي موسى وقومه حتى قالوا: ﴿اجعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُم آلِهَةٌ﴾! فقال لهم موسى: ﴿إِنَّكُم قَومٌ تَجهَلُونَ﴾ - فأطرق اليهودي مفحما.","vol":"7","page":347},{"text":"[٢٨٧٦] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: سَمِعتُ النبي ﷺ يَقُولُ: لَا يَذهَبُ اللَّيلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تُعبَدَ اللَّاتُ وَالعُزَّى! فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِن كُنتُ لَأَظُنُّ حِينَ أَنزَلَ اللَّهُ ﴿هُوَ الَّذِي أَرسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَو كَرِهَ المُشرِكُونَ﴾ أَنَّ ذَلِكَ تَامٌّ! قَالَ: إِنَّهُ سَيَكُونُ مِن ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يَبعَثُ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَتَوَفَّى كُلَّ مَن\nــ\nو(قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم وَأَنتَ فِيهِم﴾؛ أي: إكراما لك واحتراما لوجودك بينهم، فإنك رحمة عامة للعالمين ونعمة خاصة للمؤمنين، فلما نقله الله عنهم أوقع عذابه بهم.\nو(قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُم وَهُم يَستَغفِرُونَ﴾؛ أي: وما كان الله مهلك جميعهم ومنهم من يستغفره. وقد اختلف في هذا الاستغفار؛ فقال ابن عباس: كانوا يقولون في الطواف غفرانك. مجاهد: هو الإسلام. قتادة: لو استغفروا. السدي: في أصلابهم من يستغفره. الضحاك: فيهم من يصلي ولم يهاجر بعد. وأولاها قول ابن عباس؛ لأنَّ الاستغفار - وإن وقع من الفجار - يُدفع به ضروب من الشرور والأضرار.\nو(قوله: ﴿وَمَا لَهُم أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُم يَصُدُّونَ عَنِ المَسجِدِ الحَرَامِ﴾؛ أي: مستحقون العذاب لما ارتكبوا من القبائح والأسباب، لكن أخره عنهم حلم الحليم، وإن لكل أجل (١) كتاب.\nو(قول عائشة يا رسول الله، ﴿هُوَ الَّذِي أَرسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ إن كنت لأظن (٢) أن ذلك تام إلى يوم القيامة!)، كأن عائشة فهمت من هذا أن الأصنام لا تعبد أبدا وأن دين الإسلام\n_________\n(١) في (ز): أمة.\n(٢) ما بين حاصرتين ورد في التلخيص وفي صحيح مسلم مُقدَّمًا على الآية الكريمة.","vol":"7","page":348},{"text":"كان فِي قَلبِهِ مِثقَالُ حَبَّةِ خَردَلٍ مِن إِيمَانٍ، فَيَبقَى مَن لَا خَيرَ فِيهِ فَيَرجِعُونَ إِلَى دِينِ آبَائِهِم.\nرواه مسلم (٢٩٠٧).\n[٢٨٧٧] وعَن سَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ قَالَ: قُلتُ لِابنِ عَبَّاسٍ: سُورَةُ التَّوبَةِ؟ قَالَ: آلتَّوبَةِ؟ بَل هِيَ الفَاضِحَةُ! مَا زَالَت تَنزِلُ: وَمِنهُم، وَمِنهُم - حَتَّى ظَنُّوا أَنها لَا تبقي مِنَّا أَحَدا إِلَّا ذُكِرَ فِيهَا. قَالَ: قُلتُ: سُورَةُ الأَنفَالِ؟ قَالَ: تِلكَ سُورَةُ بَدرٍ. قَالَ: قُلتُ: فَالحَشرُ؟ قَالَ: نَزَلَت فِي بَنِي النَّضِيرِ.\nرواه البخاري (٤٨٨٢)، ومسلم (٣٠٣١).\nوقد تقدم في كتاب التوبة قصة الثلاثة الذين خلفوا.\nانظر صحيح مسلم (٢٧٦٩) (٥٣).\nوكذلك قصة: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنهُم مَاتَ أَبَدًا﴾ تقدمت في الجنائز.\nانظر صحيح مسلم (٢٧٧٤) (٣).\nوقد تقدمت قصة بدر في الجهاد.\nانظر صحيح مسلم (١٧٧٩) (٨٣).\n* * *\nــ\nلا يزال ظاهرا غالبًا على الأديان كلها إلى أن تقوم الساعة وهو على ذلك، فأجابها النبي ﷺ بما يقتضي أن ذلك يكون في أغلب البلدان وفي أكثر الأزمان، لا أن عبادة الأوثان تنقطع من الأرض، ولا أن جميع الأديان تذهب بالكلية حتى لا يبقى إلا دين الإسلام، لأنه تعالى لم يقل: يمحو به الأديان كلها - وإنما قال:","vol":"7","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1089>(٩) ومن سورة إبراهيم</span>\n[٢٨٧٨] عن البراء بن عازب: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَولِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ قال: نزلت في عذاب القبر.\nرواه البخاريُّ (١٣٦٩)، ومسلم (٢٨٧١) (٧٤)، وأبو داود (٤٧٥٠)، والترمذيُّ (٣١١٩)، والنسائي (٦/ ١٠١)، وابن ماجه (٤٢٦٩).\n[٢٨٧٩] وعن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ: يُحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء\nــ\n﴿لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾، وقد أظهره على كل الأديان وأبقاه مع تجدد (١) الأزمان، كيف لا وقد امتد الإسلام في معمور الأرض، من مشرقها إلى أقصى مغربها حتى غلب أهلُه الأكاسرة والقياصرة والهراقلة والتتابعة والبلاد اليمنية وكثيرا من البلاد الهندية، فغلبوا على متعبداتهم ومواضع قرباتهم وصلواتهم، فلقد صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، فلا شيء بعده.\n(٩) ومن سورة إبراهيم\n(قوله يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء)؛ أي: تضرب إلى الحمرة. والعفرة: بياض ليس ناصعا، بل يضرب إلى الحمرة، وكأنها تغيرت من لهب النار.\n_________\n(١) في (ز): اتحاد.","vol":"7","page":350},{"text":"كقرصة النقي، ليس فيها علم لأحد.\nرواه البخاريُّ (٦٥٢١)، ومسلم (٢٧٩٠).\nــ\nو(قوله كقرصة النقي)، القرصة: الخبزة. النقي - بفتح النون وكسر القاف - هو الحوّارى، وهو الدرمك، سمي بذلك لأنَّه ينقى ويصفى من نخالته ومما يغيره.\nو(قوله ليس فيها علم لأحد)، الرواية المشهورة بفتح العين المهملة واللام؛ أي: ليس فيها علامة لأحد ولا أثر، أي لم يكن فيها أحد فيكون له أثر. قال ابن عباس: لم يعمل عليها خطيئة، وقد وجدته في أصل الشيخ أبي الصبر أيوب ليس بها عِلم لأحد بالباء الموحدة وبكسر العين وسكون اللام؛ أي: لم يتقدم بها لأحد من الخلق علم. وهذا الحديث والذي بعده يدل على أن المراد بتبديل الأرض المذكورة في قوله تعالى: ﴿يَومَ تُبَدَّلُ الأَرضُ غَيرَ الأَرضِ﴾ إنه تبديل ذات بذات، فيُذهب بهذه الأرض ويؤتى بأرض أخرى، وهو قول جمهور العلماء، وقال الحسن: تبدل صورتها ويطهر دنسها. وقال ابن عباس: تبدل آكام الأرض ونجوم السماء. وروي عن النبي ﷺ: تُمَد الأرض مد الأديم (١)، وأما تبديل السماوات فروي عن علي ﵁: تبدل الأرض فضة والسماء ذهبا (٢). كعب: الأرض نارا والسماء جنة (٣) - أي: يُزاد فيها. القاسم بن محمد: تطوى السماء كطي السجل. ابن الشجري (٤): تنشق فلا تظل. ابن الأنباري: تختلف أحوالها كالمهل والدهان.\n_________\n(١) رواه البيهقي في البعث والنشور رقم (٦٦٩).\n(٢) ذكره الطبري في تفسيره (٧/ ٤٨١).\n(٣) المصدر السابق.\n(٤) هو هبة الله بن علي بن الشجري، من أهل العلم باللغة والأدب وأحوال العرب، توفي سنة (٥٤٢ هـ).","vol":"7","page":351},{"text":"[٢٨٨٠] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: سَأَلتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَن قَولِهِ تعالى: ﴿يَومَ تُبَدَّلُ الأَرضُ غَيرَ الأَرضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ فَأَينَ يَكُونُ النَّاسُ يَومَئِذٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: عَلَى الصِّرَاطِ.\nرواه مسلم (٢٧٩١)، والترمذي (٣١٢٠).\nــ\nو(قوله ﷺ في جواب عائشة ﵂ على الصراط) ظاهره الصراط الذي هو جسر ممدود على متن جهنم، كما قد قال في الحديث المتقدِّم هم في الظلمة دون الجسر (١)، أي: على الجسر.\nقلت: وهذا كله ممكن، والقدرة صالحة، ومن الممكن أن يعدم الله الأرض التي يخرجون منها، ويوجد أرضا أخرى وهم عليها ولا يشعرون بذلك.\nو(قوله: تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة)؛ يعني الأرض التي يخرجون منها يقلبها الله تعالى بقدرته كما يقلب أحدنا خبزته، وهو تمثيل لسرعة الانقلاب وسهولته. ويكفؤها: مهموز، من كفأت الإناء إذا قلبته، ووقع في بعض النسخ يتكفؤها كما يتكفؤ بزيادة تاء. والمعنى واحد، وظاهره أن هذه الأرض تقلب فيعاد ما كان أسفلها أعلاها كما يفعل بالخبزة، وهو تبديل صحيح؛ لأنَّ الوجه الذي كان أسفل هو أرض أخرى غير الوجه الذي كان أعلى، فهو تبديل محقق، فيجوز أن يكون هذا هو التبديل الذي أراد الله تعالى في الآية المتقدِّمة، والله تعالى أعلم - وعلى هذا فيكون قوله نزلا لأهل الجنة مفعولا بفعل مضمر تقديره: يُعَد نزلا لأهل الجنة (٢)، والنزل: هو ما يعد للضيف من طعام وشراب وكرامة، وهو بضم النون والزاي، وقد يقال النزل على المنزل\n_________\n(١) رواه مسلم (٣١٥).\n(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ز).","vol":"7","page":352},{"text":"[٢٨٨١] وعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قَالَ: تَكُونُ الأَرضُ يَومَ القِيَامَةِ خُبزَةً وَاحِدَةً، يَكفَؤُهَا الجَبَّارُ بِيَدِهِ كَمَا يَكفَأُ أَحَدُكُم خُبزَتَهُ فِي السَّفَرِ، نُزُلًا لِأَهلِ الجَنَّةِ. فَأَتَى رَجُلٌ مِن اليَهُودِ فَقَالَ: بَارَكَ الرَّحمَنُ عَلَيكَ أَبَا القَاسِمِ! أَلَا أُخبِرُكَ بِنُزُلِ أَهلِ الجَنَّةِ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: تَكُونُ الأَرضُ خُبزَةً وَاحِدَةً. . . (كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ)، قَالَ: فَنَظَرَ إِلَينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ ضَحِكَ حَتَّى بَدَت نَوَاجِذُهُ، فقَالَ: أَلَا أُخبِرُكَ بِإِدَامِهِم؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: إِدَامُهُم بَالَام وَنُونٌ. قَالُوا: وَمَا هَذَا؟ قَالَ: ثَورٌ وَنُونٌ، يَأكُلُ مِن زيادة كَبِدِهِمَا سَبعُونَ أَلفًا.\nرواه البخاريُّ (٦٥٢٠)، ومسلم (٢٧٩٢).\n* * *\nــ\nأيضًا وعلى الإنزال. والنواجذ يراد بها الضواحك، وقد تقدَّم استيعاب الكلام فيه.\nو(قوله ألا أخبرك بإدامهم؟)، هذا قول اليهودي لا قول النبي ﷺ، والنبي ﷺ هو القائل بلى يستخرج بذلك ما عند اليهودي من ذلك ليظهر للحاضرين موافقة اليهودي للنبي ﷺ فيما كان يخبرهم عنه من إدام أهل الجنة، فقد جاء في حديث آخر أن النبي ﷺ كان أخبر أصحابه بذلك وأن اليهود سألوا النبي ﷺ عن ذلك كما تقدم في الطهارة من حديث ثوبان (١).\nو(قوله: إدامهم بالام ونون)، هكذا الرواية الصحيحة التي لا يروى غيرها، فأما بالام فيعني به اليهودي الثور الذي كان يأكل من أطراف الجنة كما في حديث ثوبان، فكانت هذه كلمة عبرانية تكلم بها اليهودي على لسانه، وقد قال\n_________\n(١) رواه مسلم (٣١٥).","vol":"7","page":353},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1090>(١٠) ومن سورة الحجر</span>\n[٢٨٨٢] عن عبد الله بن عمر قال: مررنا مع رسول الله ﷺ على الحجر، فقال لنا رسول الله ﷺ: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين؛ حذرا أن يصيبكم مثل ما أصابهم! ثم زجر فأسرع.\nرواه أحمد (٢/ ٦٦)، والبخاريُّ (٣٣٨٠)، ومسلم (٢٩٨٠) (٣٩).\n[٢٨٨٣] وعنه أن الناس نزلوا مع رسول الله ﷺ على الحجر\nــ\nبعض أئمتنا: إن هذه الكلمة صحفها بعض الرواة، وإنما هي اللأى على وزن اللَّعا، وهو الثور الوحشي، وهذا لا يُلتفت إليه لأنه يخرم الثقة بالعدول العلماء، ولأنه لو كان كذلك لما أشكلت على أصحاب النبي ﷺ ولا سألوه عنها، فإنهم يعرفون أن اللأى الثور، والله أعلم.\nوأما النون فهو الحوت، وقد قدمنا في الصحاح أن النون الحوت، ويجمع أنوانا ونينانا. وذو النون: يونس ﵇. وزيادة الكبد: هي القطعة المتعلقة به المنفردة عنه.\n(١٠) ومن سورة الحجر\n(قوله لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين؛ حذرا أن يصيبكم مثل ما أصابهم)؛ أي: خوفا من أن تُعاقبوا كما عوقبوا، لأن أكثر المخاطبين والموجودين في ذلك الوقت كانوا ظالمين لأنفسهم إما بالكفر وإما بالمعاصي، وإذا كان سبب العقوبة موجودا تعين الخوف من وجود العقوبة، فحق المار بموضع المعاقبين أن يجدد النظر والاعتبار ويكثر من الاستغفار ويخاف من نقمة العزيز القهار، وألا يطيل اللبث في تلك الدار.\nو(قوله ثم زجر فأسرع)؛ أي: زجر ناقته فأسرع بها في المشي، ويستفاد منه كراهة دخول أمثال تلك المواضع والمقابر، فإن كان ولا بد من دخولها فعلى الصفة التي أرشد إليها النبي ﷺ من الاعتبار والخوف والإسراع، وقد قال ﷺ:","vol":"7","page":354},{"text":"- أرض ثمود - فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يهريقوا ما استقوا ويعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة.\nرواه البخاري (٣٣٧٨)، ومسلم (٢٩٨١) (٤٠).\n* * *\nــ\nلا تدخلوا أرض بابل فإنَّها ملعونة (١).\nوأمره ﷺ بإراقة ما استقوا من بئر ثمود وعلف العجين الذي عجن به للدواب حكم على ذلك الماء بالنجاسة؛ إذ ذاك هو حكم ما خالطته نجاسة أو كان نجسا، ولولا نجاسته لما أتلف الطعام المحترم شرعا من حيث إنه مالية وإنه غذاء الأبدان وقوامها، وأمره لهم أن يستقوا من بئر الناقة دليل على التبرك بآثار الأنبياء والصالحين وإن تقادمت أعصارهم وخفيت آثارهم، كما أن في الأول دليلا على بغض أهل الفساد وذم ديارهم وآثارهم. هذا وإن كان التحقيق أن الجمادات غير مؤاخذات، لكن المقرون بالمحبوب محبوب، والمقرون بالمكروه المبغوض مبغوض، كما قال كثير:\nأحب بحبها السودان حتى ... أحب لحبها سود الكلاب\nوقال آخر:\nأمر على الديار ديار ليلى (٢) ... أقبل ذا الجدار وذا الجدارا\nوما تلك الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا\nوفي أمره بعلف الإبل العجين دليل على جواز حمل الرجل النجاسة إلى كلابه ليأكلوها خلافا لمن منع ذلك من أصحابنا وقال: تطلق الكلاب عليها ولا يحملها لهم.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٩٠) من حديث علي أنه قال: \"نهاني - ﷺ - أن أصلي في أرض بابل فإنها ملعونة\".\n(٢) في (ز): سلمى.","vol":"7","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1091>(١١) ومن سورة الإسراء</span>\nقد تقدمت في كتاب الإيمان أحاديث الإسراء.\nانظر هذه الأحاديث في التلخيص في كتاب الإيمان.\n[٢٨٨٤] عن عبد الله بن مسعود قَالَ: بَينَمَا أَنَا أَمشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَرثٍ وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى عَسِيبٍ إِذ مَرَّ بِنَفَرٍ مِن اليَهُودِ، فَقَالَ بَعضُهُم لِبَعضٍ: سَلُوهُ عَن الرُّوحِ! فَقَالُوا: مَا رَابَكُم إِلَيهِ؟ لَا يَستَقبِلُكُم بِشَيءٍ تَكرَهُونَهُ! فَقَالُوا: سَلُوهُ. فَقَامَ إِلَيهِ بَعضُهُم فَسَأَلَهُ عَن الرُّوحِ، قَالَ: فَأَسكَتَ النَّبِيُّ ﷺ، فَلَم يَرُدَّ عَلَيهِ شَيئًا، فَعَلِمتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيهِ. قَالَ: فَقُمتُ مَكَانِي، فَلَمَّا نَزَلَ الوَحيُ قَالَ: ﴿وَيَسأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أَمرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِنَ العِلمِ إِلا قَلِيلا﴾.\nوفي رواية: وما أوتوا.\nرواه أحمد (١/ ٣٨٩)، والبخاري (١٢٥)، ومسلم (٢٧٩٤) (٣٢ و٣٣)، والترمذي (٣١٤٠).\nــ\n(١١) ومن سورة الإسراء\nقد تقدم الكلام في الإسراء وفي أحاديثه في كتاب الإيمان، وتقدم الكلام في الروح في كتاب الصلاة، وقد اختلف الناس في الروح التي سألت اليهود عنها النبي ﷺ؛ فقيل: هو عيسى ﵇. وقيل: هو جبريل ﵇. وقيل: هو روح الإنسان - وهذا الأخير هو الأولى؛ لأنَّ اليهود لا تقر بأن عيسى - ﵇ - ولد بغير أب، وجبريل عندها ملك معروف، فتعين الثالث، وهو الذي يناسب الإبهام في قوله حيث أجابهم بقوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أَمرِ رَبِّي﴾ أي: هو أمر عظيم وشأن كبير من أمر الله تعالى مبهما له،","vol":"7","page":356},{"text":"[٢٨٨٥] وعنه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدعُونَ يَبتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ قال: كان نفر من الإنس يعبدون نفرا من الجن، فأسلم النفر من الجن، واستمسك الإنس بعبادتهم - فنزلت.\nرواه البخاريُّ (٤٧١٤)، ومسلم (٣٠٣٠) (٢٩).\nــ\nوتاركا تفصيله ليعرف الإنسان على القطع عجزه عن علم حقيقة نفسه مع العلم بوجودها، وإذا كان الإنسان في معرفة نفسه هكذا كان بعجزه عن إدراك حقيقة الحق أولى.\nو(قوله فأسكت رسول الله ﷺ) بمعنى سكت، يقال: سكت، وأسكت - لغتان، وقيل: معنى أسكت أطرق ساكتا.\nو(قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدعُونَ يَبتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾، هي نحو مما قال الخضر لموسى ﵇: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر - وقد تقدَّم معناه.\nو(قول ابن عباس ﵄ كان نفر من الإنس يعبدون نفرا من الجن، فاستمسك الإنس بعبادتهم، فنزل: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدعُونَ يَبتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾، هذا هو المشهور عن ابن عباس، وروي عنه أنها نزلت فيمن كان يعبد العزير وعيسى وأمه.\nقلت: والآية بحكم عمومها متناولة للفريقين؛ لأنَّ أولئك إشارة إلى ﴿الَّذِينَ زَعَمتُم مِن دُونِهِ﴾ والمخاطب بـ ﴿قُلِ ادعُوا﴾ كل من كان كذلك، والنفر من الإنس قيل: إنهم كانوا من خزاعة. وزعمتم: ادعيتم، ومعمولها محذوف، تقديره: زعمتم أنهم آلهة غير الله، فلا يملكون: أي لا يستطيعون. والضر: هو قحط سبع سنين، والأحسن حمله على جنس الضر؛ فإنَّهم لا يملكون كشف شيء منه كائنا ما كان ولا تحويلا، ولا يملكون تحويل شيء من أحوالهم ولا تبديله بغيره.","vol":"7","page":357},{"text":"[٢٨٨٦] وعن عائشة في قوله ﷿: ﴿وَلا تَجهَر بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِت بِهَا﴾ قالت: أنزل هذا في الدعاء.\nرواه البخاريّ (٤٧٢٣)، ومسلم (٤٤٧) (١٤٦).\nوقد تقدم في كتاب الصلاة قول ابن عباس، هذه الآية: إنها نزلت مخافة سب المشركين للقرآن إذا قرئ جهرا.\nانظر صحيح مسلم (٤٤٦) (١٤٥).\n* * *\nــ\nويبتغون: يقصدون ويطلبون. وهذه الجملة هي خبر أولئك، والذين يدعون: نعت لأولئك. والوسيلة: القربة إلى الله تعالى. وأيهم أقرب؛ أي: كل واحد منهم يجتهد في التقرب إلى الله تعالى بعبادته، يريد بذلك أن يكون أقرب إليه من كل أحد. وهذا المعنى أمكن في حق العزير وعيسى وأمه، وبهذا يتأيد القول الثاني لابن عباس ﵄.\nو(قوله: ﴿وَيَرجُونَ رَحمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾، هكذا حال العارف بالله تعالى بين الرجاء والخوف، ولا بد منهما للمؤمن، ولذلك قال بعض السلف: لو وزن رجاء المؤمن وخوفه لاعتدلا. إلا أن الخوف أولى بالمسيء لكن بحيث لا يقنط من رحمة الله، والرجاء أولى بالمحسن لكن بحيث لا يغتر فيكسل عن الاجتهاد في عبادة الله.\nو(قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحذُورًا﴾؛ أي: شيئا عظيما يجب أن يحذره المؤمن، فهو محذور للمؤمن العارف ومتروك للجاهل الآمن.\nو(قوله: ﴿وَلا تَجهَر بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِت بِهَا﴾، قد ذكر في الأصل اختلاف عائشة وابن عباس في سبب نزولها، وأيهما كان فمقصود الآية","vol":"7","page":358},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1092>(١٢) ومن سورة الكهف</span>\n[٢٨٨٧] وعن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن جناح بعوضة! اقرؤوا: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُم يَومَ القِيَامَةِ وَزنًا﴾.\nرواه البخاريُّ (٤٧٢٩)، ومسلم (٢٧٨٥).\nــ\nالتوسط في القراءة والدعاء، فلا يفرط في الجهر ولا يفرط في الإسرار، ولكن بين المخافتة والجهر، وخير الأمور أوساطها.\n(١٢) ومن سورة الكهف\n(قوله ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة)؛ أي: لا قيمة له ولا قدر؛ إذ لا عمل له يوزن، فإنَّ الأعمال هي التي توزن، أي صحتها لا أشخاص العاملين، وقد قال ﷺ في عبد الله بن مسعود ﵁: أتعجبون من حموشة ساقيه؟ لهي أثقل في الميزان من أحد (١)، أو كما قال - أي: الأعمال التي عمل بها أثقل في الميزان، لا أن ساقيه توضعان في الميزان ولا شخصه كما قد ذهب إليه بعض المتكلمين على هذه الآية فقال: إن الأشخاص توزن! ويُفهم من هذا الحديث أن السمن المكتسب للرجال مذموم، وقد قال ﷺ: إن أبغض الرجال إلى الله الحبر السمين (٢). وقال في حديث عمران: ويظهر فيهم السمن (٣). وسبب ذلك أن السمن المكتسب\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ١١٤).\n(٢) ذكره القرطبي في تفسيره (١١/ ٦٧).\n(٣) رواه البخاري (٦٤٢٨)، ومسلم (٢٥٣٥) (٢١٥).","vol":"7","page":359},{"text":"وقد تقدمت قصة موسى مع الخضر في كتاب الأنبياء.\nانظر صحيح مسلم (٢٣٨٠) (١٧٠ - ١٧٤).\n[٢٨٨٨] وعن أبي الدرداء أن نبي الله ﷺ قال: من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عُصم من الدجال.\nوفي رواية: من آخر سورة الكهف.\nرواه مسلم (٨٠٩)، وأبو داود (٤٣٢٣)، والترمذيّ (٢٨٨٨).\n* * *\nــ\nإنما هو من كثرة الأكل والشرب والدعة والراحة والأمن والاسترسال مع النفس على شهواتها.\nوحاصل هذا الحديث يرجع إلى قوله في الحديث الآخر إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم (١)، وقد تقدَّم القول في حديث الخضر في كتاب الأنبياء وعلى قراءة عشر آيات من أول سورة الكهف في كتاب الصلاة.\n* * *\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٥٣٩)، ومسلم (٢٥٦٤) (٣٤)، وابن ماجه (٤١٤٣).","vol":"7","page":360},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1093>(١٣) ومن سورة مريم</span>\n[٢٨٨٩] عن خباب قال: كان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه، فقال لي: لن أقضيك حتى تكفر بمحمد! قال: فقلت له: لن أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث! قال: وإني لمبعوث من بعد الموت؟ فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد! قال: فنزلت هذه الآية: ﴿أَفَرَأَيتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا﴾ إلى قوله: ﴿وَيَأتِينَا فَردًا﴾\nوفي رواية قال خباب: كنت قينا في الجاهلية، فعملت للعاص بن وائل عملا، فأتيته. . . وذكره.\nرواه البخاريُّ (٤٧٣٣)، ومسلم (٢٧٩٥) (٣٥ و٣٦)، والترمذيُّ (٣١٦١).\n* * *\nــ\n(١٣) ومن سورة مريم\n(قول خباب كنت قينا في الجاهلية)؛ أي: حدادا، وهذا أصل هذا اللفظ، وقد يقال على كل صانع، وقد تقدم ذلك.\nو(قوله تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الغَيبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحمَنِ عَهدًا﴾؛ أي: أنَظَرَ في اللوح المحفوظ فرأى أمنيته أم أعطاه الله موثقا بذلك، وهذا توبيخ له على جهله وتحكمه، ثم إنه تعالى نفى ذلك وزجره عنه وتوعده عليه بقوله: ﴿كَلا سَنَكتُبُ مَا يَقُولُ﴾؛ أي: نكتب في ديوان أعماله، أو نريه ذلك مكتوبا عليه في القيامة، ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذَابِ مَدًّا﴾ أي: نزيده منه أضعافا، من قولهم: مد النهر، ومده نهر آخر، ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾؛ أي: نسلبه ما يقول بالموت، ويقول: بمعنى قال، يعني به ماله أو ولده، وعبر عن الحال بالماضي لقربه أو لتماديه على ذلك","vol":"7","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1094>(١٤) ومن سورة الأنبياء</span>\n[٢٨٩٠] عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: يقبض الله ﵎ الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك! أين ملوك الأرض؟\nرواه البخاريُّ (٤٨١٢)، ومسلم (٢٧٨٧)، ولم يذكره المؤلف في التلخيص، وقد شرح ما أشكل فيه في المفهم.\nــ\nالقول. وفردا: وحيدا مسلوبا لا نصير له ولا مجير.\n(١٤) ومن سورة الأنبياء\n(قوله يقبض الله ﵎) في هذه الرواية، وفي الرواية الأخرى يطوي، وفي الثالثة يأخذ، هذا الاختلاف يدلّ على أنَّه نقل بالمعنى وأن اللفظ الذي قاله النبي ﷺ لم يتعين، وحاصل مدلول هذه الألفاظ أنه تعالى يفعل في السماوات والأرض فعلا وهو أنه يقبض مبسوطهما ويطمس أنوارهما، فعبر عن ذلك بعبارات مختلفة كالطي والتكوير وغير ذلك مما في معناه مما جاء في الكتاب. وقد تقدَّم أن اليد تطلق في اللسان على القدرة والنعمة، والمراد بها هنا القدرة، وكذلك الإصبع، وسيأتي تكميل هذا المعنى في الزمر.\nو(قوله تعالى: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلكُتُبِ﴾)، اختلف المفسرون في السجل؛ فقال يزيد: هو اسم كاتب النبي ﷺ. وقال ابن عباس: السجل بلغة الحبش الرجل. وقد روى ذلك أبو داود من حديث أبي الجوزاء عن ابن عباس قال: كان للنبي ﷺ كاتب يسمى السجل (١). وهو قوله: ﴿يَومَ نَطوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلكُتُبِ﴾.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢٩٣٥).","vol":"7","page":362},{"text":"[٢٨٩١] وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ يطوي بدل يقبض، وفي رواية: يأخذ.\nرواه البخاريُّ (٧٤١٣)، ومسلم (٢٧٨٨) (٢٤ و٢٥)، وأبو داود (٤٧٣٢)، وابن ماجه (١٩٨) ولم يذكره المؤلف في التلخيص. وقد شرح ما أشكل فيه في المفهم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1095>(١٥) ومن سورة الحج</span>\n[٢٨٩٢] عن قيس بن عباد قال: سمعت أبا ذر يقسم قسما: إن ﴿هَذَانِ خَصمَانِ اختَصَمُوا فِي رَبِّهِم﴾ أنها نزلت في الذين\nــ\nقلت: وفي إسناده مقال، وقال السدي: اسم ملك يكتب أعمال العباد. وقال مجاهد: هو الصحيفة. واللام بمعنى على، أي: على المكتوب، وقيل: هي على أصلها، ويكون معناه: ليصير كتابا. والمساجلة: المكاتبة، وأصله منازعة الدلو، قال:\nمن يساجلني يساجل ماجدا ... يملأ الدلو إلى عقد الكرب (١)\n(١٥) ومن سورة الحج\n(قوله: ﴿هَذَانِ خَصمَانِ﴾ إشارة إلى الفريقين اللذين ذكرهما أبو ذر، وهما: علي وحمزة وعبيدة، وهم المؤمنون، والفريق الآخر: عتبة وشيبة، والوليد بن عتبة - التقيا يوم بدر في أول الحرب، فافتخر المشركون\n_________\n(١) \"الكَرَب\": الحبلُ الصغير يصلُ حَبْلَ الدَّلْو بالخشبة المعترضة على الدَّلْو.","vol":"7","page":363},{"text":"برزوا يوم بدر: حمزة، وعلي، وعبيدة بن الحارث، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة.\nرواه البخاريُّ (٣٩٦٨)، ومسلم (٣٠٣٣).\n* * *\nــ\nبدينهم وانتسبوا إلى شركهم، وافتخر المسلمون بالإسلام وانتسبوا إلى التوحيد. ولما خرج المشركون ودعوا إلى البراز خرج إليهم عوف ومعوذ ابنا عفراء وعبد الله بن رواحة الأنصاري، فلما انتسبوا لهم قالوا: أكفاء كرام، ولكنا نريد قومنا! فخرج إليهم حمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحارث وعلي ﵃، فأما حمزة وعلي فلم يمهلا صاحبيهما فقتلاهما، واختلفت بين عبيدة وشيبة ضربتان كلاهما أثبت (١) صاحبه، وكر حمزة وعلي على شيبة فقتلاه واحتملا صاحبيهما، فمات من جرحه ذلك بالصفراء عند رجوعه.\nوقال قتادة: هم أهل الكتاب، افتخروا بسبق دينهم وكتابهم، فقال المسلمون: كتابنا مهيمن على الكتب، ونبينا خاتم الأنبياء. وقال مقاتل: أهل الملل في دعوى الحق.\nو(قوله: ﴿قُطِّعَت لَهُم ثِيَابٌ مِن نَارٍ﴾)؛ أي أعدت، كما يقطع من الثوب القميص والسراويل، كما قال تعالى: ﴿سَرَابِيلُهُم مِن قَطِرَانٍ وَتَغشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ فأُلبِسوا والله ثيابا العري خير منها، كما أطعموا طعاما وسقوا شرابا الجوع والظمأ خير منهما.\nو(قوله: ﴿يُصهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِم وَالجُلُودُ﴾ (٢»؛ أي: يُقطع به وينضج ويذاب.\n_________\n(١) \"أثبت\": أثبتَ الرمح فيه: أنفذه.\n(٢) هذه الآية لم ترد في التلخيص.","vol":"7","page":364},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1096>(١٦) ومن سورة النور</span>\n[٢٨٩٣] عَن عَائِشَةَ زَوجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَن يَخرُجَ سَفَرًا أَقرَعَ بَينَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهمُهَا خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَت: فَأَقرَعَ بَينَنَا فِي غَزوَةٍ غَزَاهَا فَخَرَجَ فِيهَا سَهمِي، فَخَرَجتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَذَلِكَ بَعدَمَا أُنزِلَ الحِجَابُ، فَأَنَا أُحمَلُ فِي هَودَجِي وَأُنزَلُ فِيهِ مَسِيرَنَا، حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن غَزوِهِ وَقَفَلَ\nــ\n(١٦) ومن سورة النور\n(قولها كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه) دليل على أن للقرعة مدخلا شرعيا في الحقوق المشتركة، وهو قول الكافة. قال أبو عبيدة: وقد عمل بها ثلاثة من الأنبياء: يونس وزكريا ومحمد صلى الله عليهم أجمعين. قال ابن المنذر: واستعمالها كالإجماع بين أهل العلم فيما يقسم بين الشركاء، ولا معنى لقول من ردها، وحكي عن أبي حنيفة إجازتها. قال: ولا تقسيم في القياس، ولكنا تركنا القياس للآثار.\nقلت: ومقتضى هذا أنه قصرها على المواضع التي وردت في الأحاديث دون تعديتها إلى غيرها، وهو قول مالك أيضًا والمغيرة وبعض أصحابنا، وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة ترك القول بها، وأنكرها بعض الكوفيين وقال: هي كالأزلام. وبإجازتها في المشكلات قال الشافعي. قال القاضي: وهو مشهور مذهب مالك.\nوأما القرعة بين النساء إذا أراد سفرا فقد اختلف العلماء في ذلك؛ فذهب مالك في أحد قوليه والشافعي وأبو حنيفة إلى أنه لا يخرج منهن إلا من خرجت عليها القرعة تمسُّكًا بظاهر هذا الحديث فإنه كالنص في ذلك، وقال مالك أيضًا: إن له أن يسافر بمن شاء منهن بغير قرعة وإن القسمة هنا سقطت","vol":"7","page":365},{"text":"وَدَنَونَا مِن المَدِينَةِ آذَنَ لَيلَةً بِالرَّحِيلِ، فَقُمتُ حِينَ أذنوا بِالرَّحِيلِ فَمَشَيتُ حَتَّى جَاوَزتُ الجَيشَ، فَلَمَّا قَضَيتُ مِن شَأنِي أَقبَلتُ إِلَى الرَّحلِ، فَلَمَستُ صَدرِي فَإِذَا عِقدِي مِن جَزعِ ظَفَارِ قَد انقَطَعَ، فَرَجَعتُ فَالتَمَستُ عِقدِي فَحَبَسَنِي ابتِغَاؤُهُ، وَأَقبَلَ الرَّهطُ الَّذِينَ كَانُوا يَرحَلُونَ بي فَحَمَلُوا هَودَجِي\nــ\nللضرورة؛ إذ قد تكون إحداهن أخف محملا وأقل مؤونة وأصلح للسفر والأخرى أصلح للمقام في بيته لسد ضيعته وللقيام بولده، وقد تكون أثقل جسما وأكثر مؤونة.\nقلت: والذي يقع لي أن هذا ليس بخلاف في أصل القرعة في هذا، وإنما هذا لاختلاف أحوال النساء، فإذا كان فيهن من تصلح للسفر ومن لا تصلح تعين من تصلح، ولا يمكن أن يقال: يجب أن يسافر بمن لا تصلح؛ لأنَّ ذلك ضرر ومشقة عليه، ولا ضرر ولا ضرار، وإنما تدخل القرعة إذا كن كلهن صالحات للسفر، فحينئذ تتعين القرعة؛ لأنَّه لو أخرج واحدة منهن بغير قرعة لخيف أن يكون ذلك ميلا إليها، ولكان للأخرى مطالبته بحقها، فإذا خرج بمن وقعت عليها القرعة انقطعت حُجَّة الأخرى وارتفعت التهمة عنه، وطاب قلب من بقي منهن، والله تعالى أعلم.\nو(قوله آذن ليلة بالرحيل) هو بالمد وفتح الذال، بمعنى أعلم. والهودج: القبة التي تكون فيها المرأة على ظهر البعير، وهو الخدر، ويجمع: هوادج.\nو(قولها فإذا عقدي من جزع ظفار قد انقطع)، قال ابن السكيت: الجَزع بفتح الجيم وإسكان الزاي الخرز اليماني. وظَفار بفتح الظاء قرية باليمن.\nقلت: هكذا صحيح الرواية ظَفار كما قاله ابن السكيت، وفي الصحاح ظفار مثل قطام: مدينة في اليمن. يقال: من دخل ظفار حمَّر، وجزع ظفاري:","vol":"7","page":366},{"text":"فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِيَ الَّذِي كُنتُ أَركَبُ وَهُم يَحسِبُونَ أَنِّي فِيهِ! قَالَت: وَكَانَت النِّسَاءُ إِذ ذَاكَ خِفَافًا لَم يُهَبَّلنَ وَلَم يَغشَهُنَّ اللَّحمُ، إِنَّمَا يَأكُلنَ العُلقَةَ مِن الطَّعَامِ، فَلَم يَستَنكِر القَومُ ثِقَلَ الهَودَجِ حِينَ رَحَلُوهُ وَرَفَعُوهُ، وَكُنتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثُوا الجَمَلَ وَسَارُوا، وَوَجَدتُ عِقدِي بَعدَمَا استَمَرَّ الجَيشُ، فَجِئتُ مَنَازِلَهُم وَلَيسَ بِهَا دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ، فَتَيَمَّمتُ مَنزِلِي الَّذِي كُنتُ فِيهِ وَظَنَنتُ أَنَّ القَومَ سَيَفقِدُونِي فَيَرجِعُونَ إِلَيَّ، فَبَينَا أَنَا\nــ\nمنسوب إليها، وكذلك عود ظفاري، وهو العود الذي يتبخر به، وعلى هذا فمن قيده جزع أظفار بألف فقد أخطأ، وبالوجه الصحيح رويته.\nو(قولها وكانت النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلن ولم يغشهن اللحم، إنما يأكلن العلق)، اختلف الرواة في تقييد هذا الحرف؛ فرواه العذري بضم الياء وفتح الهاء وتشديد الباء على ما لم يُسم فاعله يُهَبَّلن، ومن طريق الطبري بفتح الياء وسكون الهاء وفتح الباء يَهبَلن، والصواب بضمها؛ لأنَّ ماضيه فَعُلَ، وفي بعض الروايات عن ابن الحذاء لم يُهَبِّلن بضم الياء وفتح الهاء وكسر الباء مشددة، وهذه الرواية هي المعروفة في اللغة. قال في الصحاح: هبله اللحم إذا كثر عليه وركب بعضه على بعض. وأهبله أيضًا، يقال: رجل مهبّل، قال أبو كبير:\n. . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . فشبَّ غير مُهَبَّلِ (١)\nقال: وقالت عائشة في حديث الإفك: والنساء يومئذ لم يهبلهن اللحم.\nوالعلق: جمع علقة، وهو القليل من الطعام، وكأنه الذي يمسك الرمق ويعلق النفس للازدياد منه، أي: يشوقها إليه.\nو(قولها فتيممت منزلي الذي كنت فيه)؛ أي: قصدته. وقد تقدم أن التيمم\n_________\n(١) هذا جزء من عجز بيت، والبيت بتمامه:\nمِمَّن حَمَلْنَ بِه وَهُنَّ عَوَاقِدٌ ... حُبُكَ النِّطاقِ فَشَبَّ غَيْرَ مُهَبَّلِ","vol":"7","page":367},{"text":"جَالِسَةٌ فِي مَنزِلِي غَلَبَتنِي عَينِي فَنِمتُ، وَكَانَ صَفوَانُ بنُ المُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكوَانِيُّ قَد عَرَّسَ مِن وَرَاءِ الجَيشِ، فَادَّلَجَ فَأَصبَحَ عِندَ مَنزِلِي، فَرَأَى سَوَادَ إِنسَانٍ نَائِمٍ، فَأَتَانِي فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي، وَقَد كَانَ يَرَانِي قَبلَ أَن يُضرَبَ الحِجَابُ عَلَيَّ، فَاستَيقَظتُ بِاستِرجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي، فَخَمَّرتُ وَجهِي بِجِلبَابِي، وَوَاللَّهِ مَا يُكَلِّمُنِي كَلِمَةً وَلَا سَمِعتُ مِنهُ كَلِمَةً غَيرَ استِرجَاعِهِ، حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ فَوَطِئَ عَلَى يَدِهَا فَرَكِبتُهَا، فَانطَلَقَ يَقُودُ بِيَ الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَينَا الجَيشَ بَعدَمَا نَزَلُوا مُوغِرِينَ فِي نَحرِ الظَّهِيرَةِ، فَهَلَكَ مَن هَلَكَ فِي شَأنِي، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبرَهُ عَبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلُولَ، فَقَدِمنَا المَدِينَةَ،\nــ\nفي الأصل هو القصد. والتعريس: النزول من آخر الليل. وقال أبو زيد: هو النزول في أي وقت كان، وأدلج: سار من أول الليل، وادلج - مشددا - سار من آخره. وقيل: هما لغتان، والأول المعروف.\nو(قولها فخمرت وجهي بجلبابي)؛ أي: غطيته بثوبي.\nو(قولها بعدما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة)، الرواية الصحيحة بالغين المعجمة والراء المهملة، من الوغرة بسكون الغين، وهي شدة الحر، ومنه قيل: في صدره علي وغر - بالتسكين، أي: ضغن وعداوة، تقول: وغر صدره علي يوغر وغرا، فهو واغر الصدر عليه، وقد أوغرت صدره على فلان. وقد رواه مسلم من حديث يعقوب بن إبراهيم موعزين بالعين المهملة والزاي، ويمكن أن يقال فيه: هو من وعزت إليه، أي: تقدمت. يقال: وعزت إليه وعزا، مخففا، ويقال: وعّزت إليه توعيزا، بالتشديد، والرواية الأولى أصح وأولى، والظهيرة: شدة الحر، وهي الهاجرة. ونحرها: صدرها؛ أي: أولها. وقد صحفه بعضهم فقال موعرين بالعين المهملة والراء، ولا يلتفت إليه.\nو(قولها فهلك من هلك في شأني)؛ أي: بقول البهتان والقذف. وكبر","vol":"7","page":368},{"text":"فَاشتَكَيتُ حِينَ قَدِمنَا المَدِينَةَ شَهرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَولِ أَهلِ الإِفكِ وَلَا أَشعُرُ بِشَيءٍ مِن ذَلِكَ، وَهُوَ يَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَعرِفُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اللُّطفَ الَّذِي كُنتُ أَرَى مِنهُ حِينَ أَشتَكِي، إِنَّمَا يَدخُلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ: كَيفَ تِيكُم؟ فَذَاكَ يَرِيبُنِي وَلَا أَشعُرُ بِالشَّرِّ، حَتَّى خَرَجتُ بَعدَمَا نَقَهتُ، وَخَرَجَت مَعِي أُمُّ مِسطَحٍ قِبَلَ المَنَاصِعِ، وَهُوَ مُتَبَرَّزُنَا، وَلَا نَخرُجُ إِلَّا لَيلًا إِلَى لَيلٍ، وَذَلِكَ قَبلَ أَن نَتَّخِذَ الكُنُفَ قَرِيبًا مِن بُيُوتِنَا، وَأَمرُنَا أَمرُ العَرَبِ الأُوَلِ فِي التَّنَزُّهِ، وَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالكُنُفِ أَن نَتَّخِذَهَا عِندَ بُيُوتِنَا، فَانطَلَقتُ أَنَا وَأُمُّ مِسطَحٍ، وَهِيَ بِنتُ أَبِي رُهمِ\nــ\nالشيء: معظمه. والناس يفيضون؛ أي: يخوضون فيه ويكثرون القول. ويريبني: من الريبة، وهي اسم للتهمة والشك. تقول: رابني فلان: إذا رأيت منه ما يريبك، وهذيل تقول: أرابني فلان. قال الهذلي:\nيا قوم ما لي وأبا ذؤيب ... كأنني أرَبتُه بريب\nوأراب الرجل: صار ذا ريبة، فهو مريب - حكاه الجوهري، وقال غيره: يقال أرابني الأمر يريبني إذا توهمته وشككت فيه، فإذا استيقنته قلت: رابني منه كذا، يريبني، وقال الفراء: هما بمعنى واحد في الشك.\nو(قولها بعدما نقهت من مرضي) هو بفتح القاف؛ أي: أفقت، فأمَّا بكسر القاف فهو بمعنى فهمت الحديث. والمناصع: مواضع معروفة. والمتبرز بفتح الراء: هو موضع التبرز، وهو الخروج إلى البراز، وهو الفضاء من الأرض التي مَن خرج إليها فقد برز، أي ظهر، وكني به - هنا - عن الخروج للحدث. والكنف: جمع كنيف، وهو الموضع المتخذ للتخلي، وأصل الكنيف: الساتر. والمرط: الكساء.","vol":"7","page":369},{"text":"بنِ المُطَّلِبِ بنِ عَبدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهَا ابنَةُ صَخرِ بنِ عَامِرٍ خَالَةُ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ، وَابنُهَا مِسطَحُ بنُ أُثَاثَةَ بنِ عَبَّادِ بنِ المُطَّلِبِ، فَأَقبَلتُ أَنَا وَبِنتُ أَبِي رُهمٍ قِبَلَ بَيتِي حِينَ فَرَغنَا مِن شَأنِنَا، فَعَثَرَت أُمُّ مِسطَحٍ فِي مِرطِهَا فَقَالَت: تَعِسَ مِسطَحٌ! فَقُلتُ لَهَا: بِئسَ مَا قُلتِ! أَتَسُبِّينَ رَجُلًا قَد شَهِدَ بَدرًا؟ قَالَت: أَي هَنتَاه! أَولَم تَسمَعِي مَا قَالَ؟ قُلتُ: وَمَاذَا قَالَ؟ قَالَت: فَأَخبَرَتنِي بِقَولِ أَهلِ الإِفكِ، فَازدَدتُ مَرَضًا إِلَى مَرَضِي، فَلَمَّا رَجَعتُ إِلَى بَيتِي فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: كَيفَ تِيكُم؟ قُلتُ: أَتَأذَنُ لِي أَن آتِيَ أَبَوَيَّ؟ قَالَت: وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَن أَتَيَقَّنَ الخَبَرَ مِن قِبَلِهِمَا، فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَجِئتُ أَبَوَيَّ فَقُلتُ لِأُمِّي: يَا أُمَّتَاه، مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ فَقَالَت: يَا بُنَيَّةُ، هَوِّنِي عَلَيكِ، فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَت امرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ عِندَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا وَلَهَا ضَرَائِرُ إِلَّا كَثَّرنَ عَلَيهَا! قَالَت: قُلتُ: سُبحَانَ اللَّهِ! وَقَد\nــ\nو(قولها تعس مسطح) هو بكسر العين، معناه: انتكس وسقط على وجهه، دعت عليه لما قال. والمسطح: عود من أعواد الحناء، وهو - هنا - لقب لهذا الرجل، واسمه: عوف بن أثاثة بن عبد المطلب بن عبد مناف.\nو(قولها يا هنتاه (١»؛ أي: يا امرأة. ويقال للرجل: يا هناه، ولا يستعملان إلا في النداء، وهما في الأصل عبارة عن كل نكرة، وقد تقدم الكلام عليها، ونونها مخففة، وحكى الهروي عن بعضهم تشديد النون فأنكره الأزهري.\nو(قولها فوالله لقلما كانت امرأة وضيئة قط عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا كثّرن عليها)، وضيئة: فعيلة من الوضاءة، وهي الحسن والنظافة. أي: جميلة، وكانت عائشة - ﵂ - كذلك. والضرائر: الضرات. وكثّرن؛ أي: بالقول والأذى - تُهوِّن عليها ما سمعت.\n_________\n(١) في التلخيص ومسلم: أي هَنْتَاه.","vol":"7","page":370},{"text":"تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا؟ قَالَت: فَبَكَيتُ تِلكَ اللَّيلَةَ حَتَّى أَصبَحتُ لَا يَرقَأُ لِي دَمعٌ وَلَا أَكتَحِلُ بِنَومٍ، ثُمَّ أَصبَحتُ أَبكِي، وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بنَ زَيدٍ حِينَ استَلبَثَ الوَحيُ يَستَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهلِهِ. قَالَت: فَأَمَّا أُسَامَةُ بنُ زَيدٍ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالَّذِي يَعلَمُ مِن بَرَاءَةِ أَهلِهِ وَبِالَّذِي يَعلَمُ فِي نَفسِهِ لَهُم مِن الوُدِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُم أَهلُكَ، وَلَا نَعلَمُ إِلَّا خَيرًا. وَأَمَّا عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: لَم يُضَيِّق اللَّهُ عَلَيكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَإِن تَسأَل الجَارِيَةَ تَصدُقكَ. قَالَت: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَرِيرَةَ فَقَالَ: أَي بَرِيرَةُ، هَل رَأَيتِ مِن شَيءٍ يَرِيبُكِ مِن عَائِشَةَ؟ قَالَت لَهُ بَرِيرَةُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ إِن رَأَيتُ عَلَيهَا أَمرًا قَطُّ أَغمِصُهُ عَلَيهَا أَكثَرَ مِن أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَن عَجِينِ أَهلِهَا\nــ\nو(قولها لا يرقأ لي دمع)؛ أي: لا ينقطع، وهو مهموز. يقال: رقأ الدم يرقأ إذا انقطع، ومنه قولهم: لا تسبوا الإبل، فإنَّ فيها رَقوء الدم (١) بفتح الراء والهمز. واستلبث الوحي؛ أي استبطأه، فيكون الوحي منصوبا على المفعول، ويصح رفعه على أن يكون استلبث بمعنى لبث، كما قال استجاب بمعنى أجاب، وهو كثير.\nو(قولها أهلك، ولا نعلم إلا خيرا) منصوب على أنه مفعول بفعل مضمر؛ أي: أمسك أهلك، أو الزم. هكذا وقع في نسخة بالنصب، وفي رواية: هم أهلك - على الابتداء والخبر؛ أي: العفائف واللائقات بك. وأغمصه: أعيبه، من الغمص وهو العيب. والداجن: الشاة المقيمة في البيت، ويقال على الحمام أيضًا. ودجن: إذا أقام.\n_________\n(١) ذكره ابن الأثير في النهاية (٢/ ٢٤٨).","vol":"7","page":371},{"text":"فَتَأتِي الدَّاجِنُ فَتَأكُلُهُ! قَالَت: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى المِنبَرِ فَاستَعذَرَ مِن عَبدِ اللَّهِ بنِ أُبَيٍّ ابنِ سَلُولَ. قَالَت: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى المِنبَرِ: يَا مَعشَرَ المُسلِمِينَ، مَن يَعذِرُنِي مِن رَجُلٍ قَد بَلَغَ أَذَاهُ فِي أَهلِ بَيتِي؟ فَوَاللَّهِ مَا عَلِمتُ عَلَى أَهلِي إِلَّا خَيرًا! وَلَقَد ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمتُ عَلَيهِ إِلَّا خَيرًا! وَمَا كَانَ يَدخُلُ عَلَى أَهلِي إِلَّا مَعِي. فَقَامَ سَعدُ بنُ مُعَاذٍ الأَنصَارِيُّ فَقَالَ: أَنَا أَعذِرُكَ مِنهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِن كَانَ مِن الأَوسِ ضَرَبنَا عُنُقَهُ، وَإِن كَانَ مِن إِخوَانِنَا الخَزرَجِ أَمَرتَنَا فَفَعَلنَا أَمرَكَ! قَالَت: فَقَامَ سَعدُ بنُ عُبَادَةَ - وَهُوَ سَيِّدُ الخَزرَجِ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا وَلَكِن اجتَهَلَتهُ الحَمِيَّةُ، فَقَالَ لِسَعدِ بنِ مُعَاذٍ: كَذَبتَ لَعَمرُ اللَّهِ، لَا تَقتُلُهُ وَلَا تَقدِرُ عَلَى قَتلِهِ! فَقَامَ أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ - وَهُوَ ابنُ عَمِّ سَعدِ بنِ مُعَاذٍ - فَقَالَ لِسَعدِ بنِ عُبَادَةَ: كَذَبتَ لَعَمرُ اللَّهِ، لَنَقتُلَنَّهُ؛ فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَن المُنَافِقِينَ! فَثَارَ الحَيَّانِ الأَوسُ وَالخَزرَجُ حَتَّى هَمُّوا أَن يَقتَتِلُوا، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ عَلَى المِنبَرِ، فَلَم يَزَل رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُخَفِّضُهُم حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ. قَالَت: وَبَكَيتُ يَومِي ذَلِكَ لَا يَرقَأُ لِي دَمعٌ وَلَا أَكتَحِلُ بِنَومٍ، ثُمَّ بَكَيتُ لَيلَتِي المُقبِلَةَ لَا يَرقَأُ لِي دَمعٌ وَلَا أَكتَحِلُ بِنَومٍ، وَأَبَوَايَ يَظُنَّانِ أَنَّ البُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي! فَبَينَمَا هُمَا\nــ\nو(قولها فاستعذر من عبد الله بن أبي)؛ أي: طلب من يقبل عذره، كما قال: من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهلي، أي: من يقبل عذري في حقه وعقوبته. فقال سعد: أنا أعذرك منه - أي: أقبل عذرك فيه.\nو(قولها ولكن اجتهلته الحمية)، كذا رواية الجلودي، وعند ابن ماهان احتملته، أي: حملته - والمعنى واحد، وهو أن الحمية حملته على الغضب حتى صدر عنه خلق الجاهلية.\nوبين السعدين ما بين الكلمتين، والله يؤتي فضله من يشاء.\nوثار الحيان: تواثب القبيلان؛ الأوس والخزرج.","vol":"7","page":372},{"text":"جَالِسَانِ عِندِي وَأَنَا أَبكِي استَأذَنَت عَلَيَّ امرَأَةٌ مِن الأَنصَارِ فَأَذِنتُ لَهَا، فَجَلَسَت تَبكِي. قَالَت: فَبَينَا نَحنُ عَلَى ذَلِكَ دَخَلَ عَلَينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ جَلَسَ. قَالَت: وَلَم يَجلِس عِندِي مُنذُ قِيلَ لِي مَا قِيلَ، وَقَد لَبِثَ شَهرًا لَا يُوحَى إِلَيهِ فِي شَأنِي بِشَيءٍ.\nقَالَت: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ جَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعدُ، يَا عَائِشَةُ فَإِنَّهُ قَد بَلَغَنِي عَنكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِن كُنتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ، وَإِن كُنتِ أَلمَمتِ بِذَنبٍ فَاستَغفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيهِ؛ فَإِنَّ العَبدَ إِذَا اعتَرَفَ بِذَنبٍ ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيهِ!\nــ\nو(قوله فإنَّه قد بلغني كذا وكذا) هو كناية عما رُميت به من الإفك، وهذا يدلّ على أن كذا وكذا يكنى بها عن الأحوال كما يكنى بها عن الأعداد، وقد تقدم.\nو(قوله إن كنتِ ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه) من الإلمام، وهو النزول النادر غير المتكرر، كما قال:\nمتى تأتنا تُلمِم بنا في ديارنا (١) ... . . . . . . . . . . . . . .\nأي: متى يقع منك هذا النادر؟ وهو أصل اللمم.\nو(قوله فإن العبد إذا اعترف بذنبه (٢) ثم تاب تاب الله عليه) دليل على أن مجرد الاعتراف لا يغني عن التوبة، بل إذا اعترف به مُتصِّلا نادما، وقد تقدَّم القول في التوبة في كتابها.\n_________\n(١) هذا صدر بيت وعجزه:\nتجد حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأَجَّجا\nوفي (ز): دَارِنا.\n(٢) في التلخيص ومسلم: \"بذنب\".","vol":"7","page":373},{"text":"قَالَت: فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمعِي، حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنهُ قَطرَةً.\nفَقُلتُ لِأَبِي: أَجِب عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيمَا قَالَ! فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَدرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ! فَقُلتُ لِأُمِّي: أَجِيبِي عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ! فَقَالَت: وَاللَّهِ مَا أَدرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ! وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقرَأُ كَثِيرًا مِن القُرآنِ، إِنِّي وَاللَّهِ لَقَد عَرَفتُ أَنَّكُم قَد سَمِعتُم بِهَذَا حَتَّى استَقَرَّ فِي نُفُوسِكُم وَصَدَّقتُم بِهِ، فَإِن قُلتُ لَكُم إِنِّي بَرِيئَةٌ - وَاللَّهُ يَعلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ - لَا تُصَدِّقُونِي بِذَلِكَ، وَلَئِن اعتَرَفتُ لَكُم بِأَمرٍ وَاللَّهُ يَعلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ لَتُصَدِّقُونَنِي، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُم مَثَلًا إِلَّا كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: ﴿فَصَبرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ المُستَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾\nقَالَت: ثُمَّ تَحَوَّلتُ فَاضطَجَعتُ عَلَى فِرَاشِي. قَالَت: وَأَنَا وَاللَّهِ حِينَئِذٍ أَعلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي، وَلَكِن وَاللَّهِ مَا كُنتُ أَظُنُّ أَن يُنزَلَ فِي شَأنِي وَحيٌ يُتلَى، وَلَشَأنِي كَانَ أَحقَرَ فِي نَفسِي مِن أَن يَتَكَلَّمَ اللَّهُ ﷿ فِيَّ بِأَمرٍ يُتلَى،\nــ\nو(قولها فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص دمعي، حتى ما أحس منه قطرة)؛ أي: انقبض وارتفع، وإنَّما كان ذلك لأنَّ الحزن والموجدة قد انتهت نهايتها وبلغت غايتها، ومهما انتهى الأمر إلى ذلك جف الدمع لفرط حرارة المصيبة، كما قال الشاعر:\nعينيَّ سُحَّا ولا تَشُحَّا ... جلّ مُصابي عن الدواء\nإن الأسى والبكا جميـ ... ـعا ضدان كالداء والدواء\nو(قولها ولشأني كان في نفسي أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى) دليل على أن الذي يتعين على أهل الفضل والعلم والعبادة والمنزلة احتقار","vol":"7","page":374},{"text":"وَلَكِنِّي كُنتُ أَرجُو أَن يَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّومِ رُؤيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا.\nقَالَت: فَوَاللَّهِ مَا رَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَجلِسَهُ وَلَا خَرَجَ مِن أَهلِ البَيتِ أَحَدٌ حَتَّى أَنزَلَ اللَّهُ ﷿ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ، فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأخُذُهُ مِن البُرَحَاءِ عِندَ الوَحيِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنهُ مِثلُ الجُمَانِ مِن العَرَقِ فِي اليَومِ الشَّاتِي مِن ثِقَلِ القَولِ الَّذِي أُنزِلَ عَلَيهِ.\nقَالَت: فَلَمَّا سُرِّيَ عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَضحَكُ، فَكَانَ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَن قَالَ: أَبشِرِي يَا عَائِشَةُ! أَمَّا اللَّهُ فَقَد بَرَّأَكِ. فَقَالَت لِي أُمِّي: قُومِي إِلَيهِ! فَقُلتُ: وَاللَّهِ\nــ\nأنفسهم وترك الالتفات إلى أعمالهم ولا إلى أحوالهم، وتجريد النظر إلى لطف الله ومنته وعفوه ورحمته وكرمه ومغفرته. وقد اغتر كثير من الجهال بالأعمال فلاحظوا أنفسهم بعين استحقاق الكرامات وإجابة الدعوات، وزعموا أنهم ممن يُتبرك بلقائهم ويُغتنم صالح دعائهم، وأنهم يجب احترامهم وتعظيمهم فيُتمسح بأثوابهم وتُقبَّل أيديهم، ويرون أن لهم من المكانة عند الله بحيث ينتقم لهم ممن تنقصهم في الحال وأن يؤخذ من أساء الأدب عليهم من غير إمهال، وهذه كلها نتائج الجهل العميم والعقل غير المستقيم؛ فإنَّ ذلك إنما يصدر من جاهل معجب بنفسه غافل عن جرمه وذنبه، مغتر بإمهال الله - ﷿ - له عن أخذه. ولقد غلب أمثال هؤلاء الأنذال في هذه الأزمان، فاستتبعوا العوام، وعظمت بسببهم على أهل الدين المصائب والطوام، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وهذه نفثات مصدور، وإلى الله عاقبة الأمور.\nو(قولها فما رام رسول الله ﷺ مجلسه)؛ أي: ما برحه ولا قام عنه. يقال: رامه يريمه ريما؛ أي: برحه ولازمه، ويقال: رمت فلانا، ورمت من عند فلان. قال الأعشى:\nأبانا فلا رِمت من عندنا ... فإنا بخير إذا لم ترم","vol":"7","page":375},{"text":"لَا أَقُومُ إِلَيهِ وَلَا أَحمَدُ إِلَّا اللَّهَ؛ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ بَرَاءَتِي! قَالَت: فَأَنزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفكِ عُصبَةٌ مِنكُم﴾ عَشرَ آيَاتٍ، فَأَنزَلَ اللَّهُ ﷿ هَؤُلَاءِ الآيَاتِ بَرَاءَتِي.\nقَالَت: فَقَالَ أَبُو بَكرٍ - وَكَانَ يُنفِقُ عَلَى مِسطَحٍ لِقَرَابَتِهِ مِنهُ وَفَقرِهِ: وَاللَّهِ لَا أُنفِقُ عَلَيهِ شَيئًا أَبَدًا بَعدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ! فَأَنزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَلا يَأتَلِ أُولُو الفَضلِ مِنكُم وَالسَّعَةِ أَن يُؤتُوا أُولِي القُربَى﴾، إِلَى قَولِهِ: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغفِرَ اللَّهُ لَكُم﴾\nقَالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ المُبَارَكِ: هَذِهِ أَرجَى آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ.\nفَقَالَ أَبُو بَكرٍ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ أَن يَغفِرَ اللَّهُ لِي! فَرَجَعَ إِلَى مِسطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنفِقُ عَلَيهِ، وَقَالَ: لَا أَنزِعُهَا مِنهُ أَبَدًا.\nقَالَت عَائِشَةُ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَأَلَ زَينَبَ بِنتَ جَحشٍ زَوجَ النَّبِيِّ ﷺ عَن أَمرِي: مَا عَلِمتِ - أَو: مَا رَأَيتِ؟ فَقَالَت:\nــ\nوأما رام بمعنى طلب فيقال منه: رام يروم روما. والبرحاء على فعلاء: شدة الحمى وغيرها، وهو البرح أيضًا. يقال: لقيت منه برحا بارحا، ولقيت منه البُرحين والبُرحين - بضم الباء وكسرها؛ أي: الشدائد والدواهي. وسُري عن رسول الله ﷺ، أي: انكشف ما كان به وزال عنه، وهو بالتشديد مبني لما لم يُسم فاعله.\nو(قوله تعالى: ﴿وَلا يَأتَلِ أُولُو الفَضلِ مِنكُم وَالسَّعَةِ﴾. . .) الآية - أي: لا يحلف. يقال: آلى يؤلي، وائتلى يأتلي - بمعنى واحد، والفضل هنا: المال والسعة في العيش والرزق.\nو(قولها تساميني)؛ أي: تعاندني وتضاهيني في الجمال والمكانة عند رسول الله ﷺ، من السمو وهو الارتفاع.","vol":"7","page":376},{"text":"يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحمِي سَمعِي وَبَصَرِي! وَاللَّهِ مَا عَلِمتُ إِلَّا خَيرًا.\nقَالَت عَائِشَةُ: وَهِيَ الَّتِي كَانَت تُسَامِينِي مِن أَزوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ، فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالوَرَعِ، وَطَفِقَت أُختُهَا حَمنَةُ بِنتُ جَحشٍ تُحَارِبُ لَهَا فَهَلَكَت فِيمَن هَلَكَ.\nقَالَ الزُّهرِيُّ: فَهَذَا مَا انتَهَى إِلَينَا.\nــ\nو(قول زينب أحمي سمعي وبصري)؛ أي: أمنعهما من عقوبة الله تعالى بالكف عن قول سمعت أو رأيت. أي: لم أر ولم أسمع، وما علمت إلا خيرا، فعصمها الله من الهلاك بما رزقها من التثبت والدين والورع، مع أن اكانت تناصبها وتنافسها في المرتبة، فكان كما قال من لا يجوز عليه الخطأ ولا الكذب: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجعَل لَهُ مَخرَجًا * وَيَرزُقهُ مِن حَيثُ لا يَحتَسِبُ﴾\nو(قولها وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها، فهلكت فيمن هلك)؛ أي: حُدت حد القذف فيمن حد.\nو(قوله أسقطوا لها به)، كذا عند الجلودي؛ أي: كلموها بسقط من القول. يقال: أسقط الرجل إذا قال كلاما رديئا سقط فيه. وعلى هذا فيكون الضمير في به عائدا على القول، أي: أسقطوا لها بالقول. وقيل: معناه صرحوا لها بالفحش، ولذلك لما سمعته بريرة أعظمت ذلك وأنكرته، وقالت: سبحان الله! والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر. وقد وقعت هذه الكلمة التي هي سبحان الله في هذا الحديث على نحو ما جاءت في قوله: ﴿سُبحَانَكَ هَذَا بُهتَانٌ عَظِيمٌ﴾، والمقصود بذكرها في هذه المواضع إعظام نسبة السوء إلى عائشة -﵂ - وتحقيق براءتها، وكأن المتكلم بها يريد أن يقول: التنزيه والبراءة لله من أن يجري ذلك على مثل عائشة وأن يوقعه في الوجود، والله تعالى أعلم.","vol":"7","page":377},{"text":"زاد في رواية: قال عروة: كَانَت عَائِشَةُ تَكرَهُ أَن يُسَبَّ حَسَّانُ عِندَهَا، وَتَقُولُ: إِنَّهُ قَالَ:\nفَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرضِي ... لِعِرضِ مُحَمَّدٍ مِنكُم وِقَاءُ\nوفي أخرى: قَالَت: لَمَّا ذُكِرَ مِن شَأنِي الَّذِي ذُكِرَ وَمَا عَلِمتُ بِهِ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطِيبًا، فَتَشَهَّدَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثنَى عَلَيهِ بِمَا هُوَ أَهلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعدُ، أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي أُنَاسٍ أَبَنُوا أَهلِي، وَايمُ اللَّهِ مَا عَلِمتُ عَلَى أَهلِي مِن سُوءٍ قَطُّ، وَأَبَنُوهُم بِمَن، وَاللَّهِ مَا عَلِمتُ عَلَيهِ مِن سُوءٍ قَطُّ، وَلَا دَخَلَ بَيتِي قَطُّ إِلَّا وَأَنَا حَاضِرٌ، وَلَا غِبتُ فِي سَفَرٍ إِلَّا غَابَ مَعِي.\nوَسَاقَ الحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، وَفِيهِ: وَلَقَد دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيتِي فَسَأَلَ جَارِيَتِي، فَقَالَت: وَاللَّهِ مَا عَلِمتُ عَلَيهَا عَيبًا، إِلَّا أَنَّهَا كَانَت تَرقُدُ حَتَّى تَدخُلَ الشَّاةُ فَتَأكُلَ عَجِينَهَا - أَو قَالَت: خَمِيرَهَا - فَانتَهَرَهَا بَعضُ أَصحَابِهِ، فَقَالَ: اصدُقِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ! حَتَّى أَسقَطُوا لَهَا بِهِ. فَقَالَت: سُبحَانَ اللَّهِ! وَاللَّهِ مَا عَلِمتُ عَلَيهَا إِلَّا مَا يَعلَمُ الصَّائِغُ عَلَى تِبرِ الذَّهَبِ الأَحمَرِ! وَقَد بَلَغَ الأَمرُ ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي قِيلَ لَهُ. فَقَالَ: سُبحَانَ اللَّهِ! وَاللَّهِ مَا كَشَفتُ عَن كَنَفِ أُنثَى قَطُّ.\nقَالَت عَائِشَةُ: وَقُتِلَ شَهِيدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ.\nــ\nو(قوله أشيروا علي في أناس أبنوا أهلي)؛ أي: اتهموهم وقذفوهم بالفاحشة، ويقال: رجل مأبون أي معروف بخلة من السوء؛ أي: متهم. ويقال: أبَنَه - بالفتح في الماضي - يأبِنه بالضم والكسر في المضارع.\nو(قول صفوان ﵁ والله ما كشفت عن كنف أنثى قط) هو بفتح النون، وهو الثوب هنا، وأصله الساتر، وهو كناية عن الجماع؛ أقسم أنه ما جامع امرأة قط، وكأنه لم يكن له أرب في النساء، والله تعالى أعلم.","vol":"7","page":378},{"text":"وَكَانَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا بِهِ: مِسطَحٌ، وَحَمنَةُ، وَحَسَّانُ. وَأَمَّا المُنَافِقُ عَبدُ\nــ\nو(قوله وكان الذين تكلموا به: مسطح (١)، وحمنة، وحسان)، وقد ذكرنا الخلاف في حسان في باب فضائله؛ هل صرح بالقذف أم لا؟ وهل حُد أم لا؟ والصحيح أنه حُد بما رواه أبو داود عن عائشة - ﵂ - قالت: لما نزل عذري قام النبي ﷺ فذكر ذلك وتلا القرآن، فلما نزل أمر بالرجلين والمرأة فضُربوا حدهم، وسمّاهم: حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش (٢). وفي كتاب الطحاوي: ثمانين ثمانين. وأما حمنة ومسطح فحُدا، ولم يُسمع بحد لعبد الله بن أُبي، والظاهر من الأخبار والأحاديث أنه لم يحد، وإنما لم يحد عدو الله لأنَّ الله قد أعد له في الآخرة عذابا عظيما؛ لكان نقصا من عذابه في الأخرى وتخفيفا عنه، وقد أشار الله تعالى إلى هذا بقوله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبرَهُ مِنهُم لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ مع أن الله تعالى قد شهد ببراءة عائشة - ﵂ - وبكذب كل من رماها، فقد حصلت فائدة الحد؛ إذ مقصوده إظهار كذب القاذف وبراءة المقذوف، كما قال تعالى: ﴿فَإِذ لَم يَأتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الكَاذِبُونَ﴾ وإنما حُد هؤلاء المسلمون ليكفر عنهم إثم ما صدر عنهم من القذف حتى لا يبقى عليهم تبعة من ذلك في الآخرة. وقد قال النبي ﷺ في الحدود: إنها كفارة لمن أقيمت عليه - كما تقدم في حديث عبادة بن الصامت. ويحتمل أن يقال: إنما ترك حد ابن أبي استئلافا لقومه واحتراما لابنه، وإطفاء لثائرة الفتنة المتوقعة من ذلك، وقد كانت ظهرت مباديها من سعد بن عبادة ومن قومه كما تقدَّم.\nومعنى يستوشيه: يطلبه ويبحث عنه ويشنعه. يقال: فلان يستوشي فرسه يعقبه؛ أي: يطلب ما عنده من الجري ويستخرجه.\nوحديث الإفك هذا فيه أحكام كثيرة لو تُتُبعت لطال الأمر وأفضى إلى الملال، ومن تفقدها من أهل الفطنة وجدها.\n_________\n(١) جاءت هذه اللفظة في جميع نسخ المفهم بالنصب، بينما جاءت في التلخيص بالرفع.\n(٢) رواه أبو داود (٤٤٧٤)، والترمذي (٣١٨٠)، وابن ماجه (٢٥٦٧).","vol":"7","page":379},{"text":"اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ فَهُوَ الَّذِي كَانَ يَستَوشِيهِ وَيَجمَعُهُ، وَهُوَ الَّذِي تَوَلَّى كِبرَهُ وَحَمنَةُ.\nرواه أحمد (٦/ ١٩٥)، والبخاريُّ (٤٧٥٠)، ومسلم في التوبة (٢٧٧٠) (٥٦ - ٥٨)، والترمذيُّ (٣١٧٩)، والنسائي (١/ ١٦٣).\nــ\nووقعت هذه القضية في غزوة المريسيع، وهو ماء في ناحية قديد مما يلي الساحل. أغار النبي ﷺ على بني المصطلق وهم غارون؛ أي: غافلون، وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل المقاتلة وأسر، وكانت هذه الغزوة في شعبان سنة ست من الهجرة. هذا أشهر الأقوال عند أهل السير، وعلى هذا ينشأ بحث يلزم منه وهم بعض النقلة؛ فإنَّه قد تقدَّم في هذا الحديث أن سعد بن معاذ هو الذي راجع سعد بن عبادة حتى سرى أمرهما، ولم يختلف أحد من الرواة في أن سعد بن معاذ - ﵁ - مات في منصرف رسول الله - ﷺ - من بني قريظة بعد أن حكم بحكم الله، وذلك سنة أربع، ولم يدرك غزوة المريسيع - هذا قول أهل النقل.\nقلت: فعلى هذا يكون ذكر سعد بن معاذ في هذا الحديث وهما وغلطا، وكذلك قال أبو عمر بن عبد البر. قال: وإنما تراجع في ذلك سعد بن عبادة وأسيد بن حضير، وكذلك ذكر ابن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، وهو الصحيح. قال القاضي أبو الفضل: قال ابن عقبة: إن غزوة المريسيع كانت سنة أربع في سنة غزوة الخندق، وقد ذكر البخاري اختلاف ابن إسحاق وابن عقبة في ذلك. قال: وقد وجدت الطبري ذكر ذلك عن الواقدي أن المريسيع سنة خمس، قال: وكانت الخندق وقريظة بعدها. قال: ووجدت القاضي إسماعيل قال: اختلفوا في ذلك، والأولى أن تكون المريسيع قبلها.\nقلت: فعلى هذا يستقيم ما رواه مسلم والبخاري من ذكر سعد بن معاذ، ولا يكون ذكره وهما، والله تعالى أعلم.","vol":"7","page":380},{"text":"[٢٨٩٤] وعن جابر أن جارية لعبد الله بن أبي يقال لها مسيكة وأخرى يقال لها أميمة، فكان يريدهما على الزنى، فشكتا ذلك إلى النبي ﷺ، فأنزل الله: ﴿وَلا تُكرِهُوا فَتَيَاتِكُم﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾\nوفي رواية: كان يقول لجاريته: اذهبي فابغينا شيئا.\nرواه مسلم (٣٠٢٩) (٢٦ و٢٧)، وأبو داود (٢٣١١).\n* * *\nــ\nو(قول جابر إن عبد الله بن أبي كانت له جاريتان: مسيكة وأميمة) يريدهما على الزنى، روى غيره أنهن كن ستا. قال: معاذة، ومسيكة، وأروى، وقتيلة، وعمرة، ونبيهة (١) - فكان يحملهن على الزنى ويأخذ منهن أجورهن.\nوالفتيات جمع فتاة، والفتيان جمع فتى - وهم المماليك. والبغاء: الزنى.\nو(قوله: ﴿إِن أَرَدنَ تَحَصُّنًا﴾)؛ أي: عفافا، ولا دليل خطاب لهذا الشرط، ولا يجوز إكراههن عليه بوجه، سواء أردن تحصنا أو لم (٢) يردن، وإنما علق النهي على الإكراه على إرادة التحصن؛ لأنَّ الإكراه لا يتصور إلا مع ذلك، فأمَّا إذا رغبت في الزنى فلا إكراه يتصور.\nو(قوله: ﴿وَمَن يُكرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعدِ إِكرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾)؛ أي: لمن تاب من ذلك. وكان الحسن يقول: غفور لهن والله، لا لمُكرِهِّن - مستدلا على ذلك بإضافة الإكراه إليهن.\n_________\n(١) ورد في التفسير الكبير للفخر الرازي: أميمة بدلًا من نبيهة.\n(٢) في (ز): لا.","vol":"7","page":381},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1097>(١٧) ومن سورة الفرقان</span>\n[٢٨٩٥] عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية بمكة: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إلى قوله: ﴿مُهَانًا﴾ فقال المشركون: وما يغني عنا الإسلام وقد عدلنا بالله وقتلنا النفس التي حرم الله وأتينا الفواحش؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِلا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا﴾ إلى آخر الآية.\nــ\n(١٧) ومن سورة الفرقان\n(قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾. . .) الآيتين - هذه الآية معطوفة على ما قبلها من الأوصاف التي وصف بها عباد الرحمن، وهو من باب عطف الصفات بعضها على بعض، وكذلك ما بعد هذه الآية من الآيات معطوف بعضها على بعض، والكل معطوف على قوله: ﴿الَّذِينَ يَمشُونَ عَلَى الأَرضِ هَونًا﴾ إلى أن قال: ﴿أُولَئِكَ يُجزَونَ الغُرفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَمُقَامًا﴾ وهذه الجملة هي خبر المبتدأ الذي هو: ﴿وَعِبَادُ الرَّحمَنِ﴾ وما بين المبتدأ والخبر أوصاف لهم وما تعلق بها، وقد تضمنت هذه الآية مدح من لم تقع منه هذه الفواحش الثلاث التي هي: الشرك بالله، والقتل - العدوان، والزنى. وذم من وقعت منه، ومضاعفة العذاب عليه، وهي محمولة على ظاهرها عند الجمهور، وعليه فيكون معنى قوله: ﴿إِلا بِالحَقِّ﴾ أي: بأمر موجب للقتل شرعا. وذلك الأمر هو المذكور في قوله ﷺ: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: زنى بعد إحصان، أو كفر بعد إيمان، أو قتل نفس بغير نفس (١). وقد صرف هذه الآية عن ظاهرها بعض\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٥٠٢)، والترمذي (٢١٥٩)، والنسائي (٧/ ٩٢).","vol":"7","page":382},{"text":"قال: فأما من دخل في الإسلام وعقله ثم قتل فلا توبة له.\nرواه مسلم (٣٠٢٣) (١٩).\nــ\nأهل المعاني فقال: لا يليق بمن أضافهم الرحمن إليه إضافة الاختصاص ووصفهم بما ذكرهم من صفات المعرفة والتشريف وقوع هذه الأمور القبيحة منهم حتى يُمدحوا بنفيها؛ لأنَّهم أعلى وأشرف. فقال: معناها لا يدعون الهوى إلها، ولا يذلون أنفسهم بالمعاصي فيكون قتلا لها. ومعنى ﴿إِلا بِالحَقِّ﴾ أي: إلا بسكين الصبر وسيف المجاهدة، ولا ينظرون إلى نساء (١) ليست لهم بمحرم بشهوة فيكون سفاحا، بل بالضرورة فيكون كالنكاح مباحًا.\nقلت: وهذا كلام رائق، غير أنَّه عند السبر مائق (٢)، وهي نبعة باطنية ونزعة باطلية، وإنما يصح تشريف عباد الرحمن باختصاص الإضافة بعد أن تحلوا بتلك الصفات الحميدة وتخلوا عن نقائض ذلك من الأوصاف الذميمة، فبدأ في صدر هذه الآيات بصفات التحلي تشريفا لها، ثم أعقبها بصفات التخلي تقعيدا لها، والله تعالى أعلم.\nوقد تقدَّم القول على ﴿إِلا مَن تَابَ﴾ وعلى قول ابن عباس في سورة النساء.\nوفي هذه الآية دليل على أن الكفار مخاطبون بالفروع، وقد استوفينا ذلك في الأصول، وفي الآية مباحث تطول.\n* * *\n_________\n(١) في جميع نسخ المفهم (دينا)، وما أثبتناه من تفسير القرطبي، وبه يستقيم المعنى.\n(٢) \"المائق\": قليل الثبات.","vol":"7","page":383},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1098>(١٨) ومن سورة الشعراء</span>\n[٢٨٩٦] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: لَمَّا نزلَت هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَأَنذِر عَشِيرَتَكَ الأَقرَبِينَ﴾ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُرَيشًا، فَاجتَمَعُوا، فَعَمَّ وَخَصَّ فَقَالَ: يَا بَنِي كَعبِ بنِ لُؤَيٍّ أَنقِذُوا أَنفُسَكُم مِن النَّارِ، يَا بَنِي مُرَّةَ بنِ كَعبٍ أَنقِذُوا أَنفُسَكُم مِن النَّارِ، يَا بَنِي عَبدِ شَمسٍ أَنقِذُوا أَنفُسَكُم مِن النَّارِ، يَا بَنِي هَاشِمٍ أَنقِذُوا أَنفُسَكُم مِن النَّارِ، يَا بَنِي عَبدِ المُطَّلِبِ أَنقِذُوا أَنفُسَكُم مِن النَّارِ، يَا فَاطِمَةُ أَنقِذِي نَفسَكِ مِن النَّارِ؛ فَإِنِّي لَا أَملِكُ لَكُم مِن اللَّهِ شَيئًا، غَيرَ أَنَّ لَكُم رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا.\nرواه البخاريُّ (٤٧٧١)، ومسلم (٢٠٤)، والترمذيُّ (٣١٨٤)، والنسائي (٦/ ٢٤٨).\n[٢٨٩٧] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: لَمَّا نَزَلَت: ﴿وَأَنذِر عَشِيرَتَكَ الأَقرَبِينَ﴾ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الصَّفَا فَقَالَ: يَا فَاطِمَةُ بِنتَ\nــ\n(١٨) ومن سورة الشعراء\n(قوله: فإني لا أملك لكم من الله شيئا) أي: لا أقدر على دفع عذابه عن أحد، ولا على جلب ثواب لأحد، أي: فلا ينفع القرب في الأنساب مع البعد في الأسباب.\nو(قوله: غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها) أي: سأبلها الصلة التي تليق بها، فصلة المؤمن: إكرامه، ومبَرَّتُه. وصلة الكافر: إرشاده ونصيحته، وقد تقدم القول في تفصيل صلة الأرحام.\nو(قوله: ﴿وَأَنذِر عَشِيرَتَكَ الأَقرَبِينَ﴾ ورهطك منهم المخلصين) ظاهر هذا: أن هذا كان قرآنا يتلى، وأنه نسخ؛ إذ لم يثبت نقله في","vol":"7","page":384},{"text":"مُحَمَّدٍ، يَا صَفِيَّةُ بِنتَ عَبدِ المُطَّلِبِ، يَا بَنِي عَبدِ المُطَّلِبِ، لَا أَملِكُ لَكُم مِن اللَّهِ شَيئًا، سَلُونِي مِن مَالِي مَا شِئتُم.\nرواه أحمد (٦/ ١٨٧)، ومسلم (٢٠٥)، والترمذي (٣١٨٤)، والنسائي (٦/ ٢٥٠).\n[٢٨٩٨] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَأَنذِر عَشِيرَتَكَ الأَقرَبِينَ﴾ وَرَهطَكَ مِنهُم المُخلَصِينَ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا فَهَتَفَ: يَا صَبَاحَاه، فَقَالُوا: مَن هَذَا الَّذِي يَهتِفُ؟ قَالُوا: مُحَمَّدٌ، فَاجتَمَعُوا إِلَيهِ فَقَالَ: يَا بَنِي فُلَانٍ يَا بَنِي فُلَانٍ يَا بَنِي فُلَانٍ، يَا بَنِي عَبدِ مَنَافٍ، يَا بَنِي عَبدِ المُطَّلِبِ، فَاجتَمَعُوا إِلَيهِ فَقَالَ: أَرَأَيتَكُم لَو أَخبَرتُكُم أَنَّ خَيلًا تَخرُجُ بِسَفحِ هَذَا الجَبَلِ، أَكُنتُم مُصَدِّقِيَّ؟ قَالُوا: مَا جَرَّبنَا عَلَيكَ كَذِبًا، قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُم بَينَ يَدَي عَذَابٍ شَدِيدٍ.\nقَالَ: فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ، أَمَا جَمَعتَنَا إِلَّا لِهَذَا؟ ثُمَّ قَامَ، فَنَزَلَت هَذِهِ السُّورَةُ: تَبَّت يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَقَد تَبَّ. هكَذَا قَرَأَهُ الأَعمَشُ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ.\nــ\nالمصحف، ولا تواتر، ويلزم على ثبوته إشكال، وهو أنه كان يلزم عليه ألا ينذر إلا من آمن من عشيرته؛ فإنَّ المؤمنين هم الذين يوصفون بالإخلاص في دين الإسلام، وفي حب النبي ﷺ، لا المشركون؛ لأنَّهم ليسوا على شيء من ذلك، والنبي ﷺ، دعا عشيرته كلهم - مؤمنهم وكافرهم - وأنذر جميعهم، فلم يثبت ذلك نقلا ولا معنى، فالحمد لله الذي رفع عنا الإشكال والعناء. وسفح الجبل: جانبه، وهو بالسين.\nو(قوله: ﴿تَبَّت يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾) أي: قد خسرت، والتباب:","vol":"7","page":385},{"text":"رواه أحمد (١/ ٢٨١)، والبخاريّ (٤٩٧١)، ومسلم (٢٠٨) (٣٥٥)، والترمذي (٣٣٦٣).\n* * *\nــ\nالخسران، ونسب التباب لليد، والمراد صاحب اليد؛ لأنَّ اليد أصل في الأعمال. ولهب: فيها لغتان: السكون في الهاء وفتحها، واسم أبي لهب: عبد العزى، ولُقب بأبي لهب لإشراق وجنتيه، كأنهما كانتا تلتهبان نارا.\nقلت: وأولى من ذلك كله أن الله تعالى أجرى عليه هذا اللقب لعلمه بمآل أمره، وأنه من أهل النار، كما أجرى على أبي جهل لقب الجهل، وسلبه أبا الحكم، وحُكي في قول مصيب: لكل امرئ من اسمه نصيب، ألا يقتضي العجب من قوله: ﴿سَيَصلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾\nو(قوله: وَتَبَّ) معطوف على الأول، وكلاهما بمعنى الدعاء، وقيل: الأول: دعاء، والثاني: إخبار بإجابة الدعاء فيه، ويؤيده قراءة ابن مسعود، وابن عباس - ﵃ -: (وقد تب)، وقيل: كلاهما خبر، فالأول: خسرت يداه، مراده من الرسول ﷺ؛ إذ كان مراده قتله، وإخفاء كلمته. وتب هو: بما أصابه من العذاب، وقيل: تب في نفسه، وتب في ولده وكسبه؛ إذ لم يغنيا عنه شيئًا، ولا جرّا له نفعا.\nو(قوله: ﴿حَمَّالَةَ الحَطَبِ﴾) الجمهور: على رفع (حمالة) على الصفة أو البدل، أو على أنه خبر ابتداء محذوف، وقرأه عاصم بالنصب على الذم، ويجوز أن يكون حالا، وسميت بذلك لأنَّها كانت تُلقي الشوك في طريق النبي ﷺ لتؤذيه، قاله الضحاك. وقيل؛ لأنَّها كانت نقالة للحديث نمامة، فكانت تشعل نار العداوة، كما تشعل النار في الحطب. قال الشاعر:\nإن بني الأدرم حمالو الحطب ... هم الوشاة في الرضا وفي الغضب","vol":"7","page":386},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1099>(١٩) ومن سورة: الم السجدة</span>\n[٢٨٩٩] عن أبي بن كعب، في قوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِنَ العَذَابِ الأَدنَى دُونَ العَذَابِ الأَكبَرِ لَعَلَّهُم يَرجِعُونَ﴾ قال: مصائب الدنيا والروم والبطشة، أو الدخان. شعبة الشاك.\nرواه مسلم (٢٧٩٩).\n* * *\nــ\nوقال قتادة: لأن مصيرها إلى النار كالحطب. يقال: فلان يحتطب على ظهره، أي: يجني على نفسه.\nو(قوله: ﴿فِي جِيدِهَا حَبلٌ مِن مَسَدٍ﴾) الجيد: العنق، وجمعه: أجياد. والمسد - هنا -: الليف، وسمي الليف مسدا؛ لأنَّه يُمسَد منه المسد، وهو: الحبل؛ أي: يُفتَل. قال الشاعر:\nأعوذ بالله من ليل يقربني ... إلى مضاجعه كالدلو بالمسد\nأي: الحبل المفتول، وأصل المسد: الفتل. يقال: دابة ممسودة؛ أي: شديدة الأسر. أي: يُجعل في عنقها حبل من نار مفتول، ولعله السلسلة التي قال الله تعالى: ﴿فِي سِلسِلَةٍ ذَرعُهَا سَبعُونَ ذِرَاعًا﴾ والله تعالى أعلم.\n(١٩ و٢٠) ومن سورة الم تنزيل السجدة، والأحزاب\n(قول الله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِنَ العَذَابِ الأَدنَى دُونَ العَذَابِ الأَكبَرِ لَعَلَّهُم يَرجِعُونَ﴾ فسرها أُبي بالأربعة التي ذكر، مصائب الدنيا: رزاياها من الأمراض والآلام، وذهاب الأموال والأهلين، ونحو ذلك. والروم: يعني بها قوله تعالى: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ والدخان يعني به قوله","vol":"7","page":387},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1100>(٢٠) ومن سورة الأحزاب</span>\n[٢٩٠٠] عن عائشة في قوله تعالى: ﴿إِذ جَاءُوكُم مِن فَوقِكُم وَمِن أَسفَلَ مِنكُم وَإِذ زَاغَتِ الأَبصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ﴾ قالت: كان ذلك يوم الخندق.\nرواه البخاري (٤١٠٣)، ومسلم (٣٠٢٠).\n* * *\nــ\nتعالى: ﴿فَارتَقِب يَومَ تَأتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ وقد تقدَّم الخلاف فيه. والبطشة الكبرى: هي ما أوقع الله تعالى بقريش يوم بدر من الأسر والقتل، وقال مجاهد: الأدنى: عذاب القبر، والأكبر: عذاب الآخرة. وقال جعفر الصادق: الأدنى غلاء الأسعار، والأكبر خروج المهدي بالسيف. وقال أبو سليمان الداراني: الأدنى: الهوان. والأكبر: الخذلان.\nو(قوله: ﴿لَعَلَّهُم يَرجِعُونَ﴾) أي: لكي يرجعوا عن غيهم. قاله الفراء، وعلى مذهب سيبويه: ليصلوا إلى حال يُرجى لهم ذلك.\nو(قوله: ﴿إِذ جَاءُوكُم مِن فَوقِكُم وَمِن أَسفَلَ مِنكُم﴾ كان ذلك في غزوة الخندق الذي حفره المسلمون حول المدينة برأي سلمان، وتسمى غزوة الأحزاب؛ لأنَّ الكفار تحزبوا أحزابا وتجمعوا جموعا حتى اجتمع في عددهم خمسة عشر ألفا من أهل نجد وتهامة، ومن حولهم أو نحوهم، وحاصروا المسلمين في المدينة شهرا، ولم يكن بينهم قتال إلا الرمي بالنبل والحصى، ونقضت قريظة ما كان بينهم وبين رسول الله ﷺ من العهد، وحينئذ جاء المسلمين عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، وزاغت الأبصار، يعني مالت عن سنن القصد فعل المرعوب. وقال قتادة: شخصت. ﴿وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ﴾ أي: قاربت الخروج من الضيق والروع وشدة البلاء والجهد، وكان وقت بلاء وتمحيص، ولذلك نجم في كثير من الناس النفاق، وظهر منهم الشقاق.","vol":"7","page":388},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1101>(٢١) ومن سورة تنزيل</span>\n[٢٩٠١] عن عبد الله بن مسعود قال: جاء رجل من أهل الكتاب إلى رسول الله ﷺ فقال: يا أبا القاسم، إن الله يمسك السماوات على إصبع والأرضين على إصبع والشجر والثرى على إصبع.\nــ\nو(قوله: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾) أي: تشكون في الوعد بالنصر، يخبر عن المنافقين. أو يكون معناه: أنهم خافوا من أن يخذلوا في ذلك الوقت، فإنَّ وقت وقوع النصر الموعود غير معين. وهذا أحسن من الأول، ويؤيده قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابتُلِيَ المُؤمِنُونَ وَزُلزِلُوا زِلزَالا شَدِيدًا﴾ امتحنوا بالصبر على الحصار وشدة الجوع، وزلزلوا بالخوف من أن يخذلهم الله في ذلك الوقت، ويديل عدوهم عليهم، كما فعل يوم أحد. وقد تقدَّم الخلاف في غزوة الخندق متى كانت.\n(٢١) ومن سورة تنزيل (١)\n(قول اليهودي: إن الله يمسك السماوات على إصبع. . . الحديث إلى آخره). هذا كله قول اليهودي، لا قول النبي ﷺ، والغالب على اليهود أنهم يعتقدون الجسمية، وأن الله تعالى شخص ذو جوارح، كما تعتقده غلاة الحشوية في هذه الملة، وضحك النبي ﷺ منه، إنما هو تعجب من جهله، ألا ترى أنه قرأ عند ذلك: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدرِهِ﴾ أي: ما عرفوه حق معرفته، ولا عظموه حق تعظيمه. وهذه الرواية هي الرواية الصحيحة المحققة، فأمَّا رواية من زاد في هذا اللفظ: تصديقا له، فليست بشيء؛ لأنَّها من قول الراوي، وهي باطلة؛ لأنَّ النبي ﷺ لا يصدق الكاذب ولا المحال، وهذه الأوصاف في حق الله تعالى محال، بدليل\n_________\n(١) هي سورة الزمر.","vol":"7","page":389},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nما قدمناه غير مرة، وحاصله أنه لو كان تعالى ذا يد (١) وأصابع وجوارح على نحو ما هو المعروف عندنا، لكان كواحد منا، ويجب له من الافتقار والحدث والنقص والعجز ما يجب لنا، وحينئذ تستحيل عليه الإلهية، ولو جازت الإلهية لمن كان على هذه الأوصاف لجاز أن يكون كل واحد منا إلها، ولصحت الإلهية للدجال، ولصدق في دعواه إياها، وكل ذلك كذب ومحال، والمفضي إليه كذب ومحال، فقول اليهودي كذب ومحال، ولذلك أنزل الله تعالى في الرد عليه ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدرِهِ﴾. وإنما تعجب النبي ﷺ من جهله، فوهم الراوي وظن أن ذلك التعجب تصديق، وليس كذلك. فإن قيل: فقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن (٢)، فقد أخبر بأن له أصابع. فالجواب: أنه إذا جاءنا مثل هذا في كلام الصادق تأولناه، أو توقفنا فيه إلى أن يتبين وجهه، مع القطع باستحالة ظاهره، لضرورة صدق من دلت المعجزة على صدقه. فأمَّا إذا جاءنا مثل هذا على لسان من يجوز عليه الكذب، بل من أخبرنا الصادق عن نوعه بالكذب والتحريف كذبناه، وقبحناه، ثم لو سلمنا أن النبي ﷺ صدقه، وقال له: صدقت، لما كان تصديقا له في المعنى، بل في النقل، أي في نقل ذلك عن كتابه أو عن نبيه، وحينئذ نقطع بأن ظاهره غير مراد، ثم هل نتوقف في تعيين تأويل ونسلم، أو نبدي تأويلا له وجه في اللسان وصحة في العقل على الرأيين اللذين لأئمتنا، وقد تقدما. وقد قلنا: إن الأصبع يصح أن يراد به القدرة على الشيء ويسارة تقليبه، كما يقول من استسهل شيئًا واستخفه مخاطبا لمن استثقله: أنا أحمله على أصبعي، أو أرفعه بأصبعي وأمسكه بخنصري. وكما يقول من طاع بحمل شيء: أنا\n_________\n(١) الأوْلى أن نثبتَ لله تعالى ما أثبته لنفسه في قرآنه، من غير تشبيه ولا تجسيم ولا تعطيل ولا تأويل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].\n(٢) رواه أحمد (٢/ ١٦٨)، ومسلم (٢٦٥٤).","vol":"7","page":390},{"text":"في رواية: ثم يهزهن ثم يقول: أنا الملك، أنا الملك، قال: فرأيت رسول الله ﷺ يضحك حتى بدت نواجذه.\nــ\nأحمله على عيني وأرفعه على رأسي. يعني به: الطواعية، وما أشبه ذلك مما في معناه، وهو كثير، ولما كان ذلك معروفا عند العقلاء متداولا بينهم، خوطبوا بذلك جريا على منهاجهم، وتوسعا معلوما عندهم. وعلى هذا فيمكن حمل الحديث وما في معناه على نحو من هذا، وبيان ذلك أن السماوات والأرض، وهذه الموجودات عظيمة أقدارها في إدراكنا، وكبير خلقها في حقنا، فقد يسبق الوهم الغالب على الإنسان، أن خلقها وإمساكها على الله تعالى كبير، وتكلفها عسير، فنفى النبي ﷺ هذا الوهم بهذا الحديث، وبينه على طريق التمثيل بما تعارفناه، فكأنه قال: خلق بيده المذكورات العظيمة، وإمساكها في قدرة الله تعالى كالشيء الحقير الذي تجعلونه بين أصابعكم، وتهزونه بين أيديكم، وتتصرفون فيه كيف شئتم، ولهذا أشار بقوله: ثم يقبض أصابعه ويبسطها. وبقوله: ثم يهزهن أي: هن في قدرته كالحبة مثلا في حق أحدنا؛ أي: لا يبالي بإمساكها، ولا بهزها، ولا تحريكها، ولا القبض والبسط عليها، ولا يجد في ذلك صعوبة، ولا مشقة، ومن لا يقنعه هذا التفهيم فليس له إلا سلامة التسليم، والله بحقائق الأمور عليم.\nو(قوله تعالى: أنا الملك) أي: الحقيق بالمُلك والمِلك، إذ لو اجتمع ملوك الدنيا من أولها إلى آخرها وجميع المخلوقات، لما استطاعوا على إمساك مقدار ذرة من الأرضين، ولا من السماوات، وهذا معنى قوله: أنا الملك، في حديث اليهودي.\nفأمَّا قوله: أنا الملك في حديث ابن عمر، فمقصوده إظهار انفراده تعالى بالملك عند انقطاع دعاوى المدعين، وانتساب المنتسبين، إذ قد ذهب كل ملك وملكه، وكل جبار ومتكبر وملكه، وانقطعت نِسَبهم ودعاويهم، وهو نحو قوله تعالى: ﴿لِمَنِ المُلكُ اليَومَ لِلَّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ﴾ والإمساك المذكور في حديث اليهودي خلاف الطي والقبض الذي في حديث ابن عمر؛ فإنَّ","vol":"7","page":391},{"text":"وفي أخرى: تصديقا له وتعجبا لما قال، ثم قال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدرِهِ﴾\nرواه البخاريُّ (٧٤١٥)، ومسلم (٢٧٨٦) (٢١ و٢٢)، والترمذيُّ (٣٢٣٨).\n[٢٩٠٢] وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟\nرواه أحمد (٢/ ٣٧٤)، والبخاريُّ (٤٨١٢)، ومسلم (٢٧٨٧).\n[٢٩٠٣] وعن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ .\nرواه مسلم (٢٧٨٨) (٢٤)، وأبو داود (٤٧٧٨).\nــ\nذلك الإمساك هو استدامة وجود السماوات والأرض إلى يوم يطويها ويقبضها ويبدّلها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ أَن تَزُولا وَلَئِن زَالَتَا إِن أَمسَكَهُمَا مِن أَحَدٍ مِن بَعدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ وقد بينا القبض والطي في الأنعام.\nو(قوله في حديث ابن عمر: ثم يطوي الأرض بشماله) كذا جاء في هذه الرواية بإطلاق لفظ الشمال على يد الله تعالى، ولا يكاد يوجد في غير هذه الرواية، وإنما الذي اشتهر في الأحاديث: وبيده الأخرى كما جاء في حديث أبي موسى الأشعري المتقدِّم، وقد تحرز النبي ﷺ من إطلاق لفظ الشمال على الله تعالى","vol":"7","page":392},{"text":"[٢٩٠٤] عن عبد الله بن مقسم أنه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف يحكي رسول الله ﷺ، قال: يأخذ الله سماواته وأراضيه بيديه، فيقول: أنا الله - ويقبض أصابعه ويبسطها - أنا الملك، حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى إني لأقول: أساقط هو برسول الله ﷺ.\nرواه البخاري (٧٤١٣)، ومسلم (٢٧٨٨) (٢٥)، وأبو داود (٤٧٣٢)، وابن ماجه (١٩٨).\n* * *\nــ\nفقال: وكلتا يديه يمين لئلا يُتَوهم نقص في صفة الله تعالى، فإن الشمال في حقنا أضعف من اليمين وأنقص، كما تقدَّم، فنفى النبي ﷺ عن الله ذلك، لكنه جاء في هذا الحديث كما ترى على المقابلة المتعارفة في حقوقنا، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: ويقبض أصابعه ويبسطها) ظاهره: أنه خبر عن الله تعالى، ووجهه ما ذكرناه، وقال بعض علمائنا: هو خبر عما فعله النبي ﷺ؛ فإنَّه قبض أصابعه وبسطها، فيخف الإشكال، ويكون ذلك إشارة بالحواس إلى المعاني، والله تعالى أعلم.\nو(قوله في المنبر: أنه تحرك من أسفل شيء منه) أي: أنه تحرك من أسفله إلى أعلاه. أو تحرك الأسفل بتحريك الأعلى. وظاهر حركة المنبر أنها إنما كانت لحركة رسول الله ﷺ، ويحتمل أن تكون حركة المنبر مساعدة لحركة النبي ﷺ، كرامة وزيادة في دلالة صدقه، كحنين الجذع، وتسبيح الحصى وما أشبه ذلك.\n* * *","vol":"7","page":393},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1102>(٢٢) ومن سورة حم السجدة</span>\n[٢٩٠٥] عن ابن مسعود قال: اجتمع عند البيت ثلاثة نفر: قرشيان وثقفي - أو ثقفيان وقرشي - قليل فقه قلوبهم، كثير شحم بطونهم، فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول؟ وقال الآخر: يسمع إن جهرنا، ولا يسمع إن أخفينا، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا. فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا كُنتُم تَستَتِرُونَ أَن يَشهَدَ عَلَيكُم سَمعُكُم وَلا أَبصَارُكُم وَلا جُلُودُكُم﴾\nرواه البخاريُّ (٧٥٢١)، ومسلم (٢٧٧٥)، والترمذيُّ (٣٢٤٥).\n* * *\nــ\n(٢٢) ومن سورة حم السجدة\n(قوله: قليل فقه قلوبهم) أي: فقههم قليل، أو معدوم، وكثير شحم بطونهم، أي: هم سمان، إذ ليس لهم هم في عبادة، ولا حظ من صوم، ولا مجاهدة. وإنما همهم أن يأكلوا أكل الأنعام من غير مبالاة باكتساب الآثام. وفيه تنبيه على سبب قلة فهمهم، فإنَّ البطنة تذهب بالفطنة.\nو(قوله: ﴿وَمَا كُنتُم تَستَتِرُونَ أَن يَشهَدَ عَلَيكُم سَمعُكُم وَلا أَبصَارُكُم وَلا جُلُودُكُم﴾ أي: ما كنتم تتقون شهادة تلك الجوارح، فتستتروا عنها بالامتناع عن المعاصي، قاله مجاهد. قال قتادة: وما كنتم تظنون ذلك.\nو(قوله: ﴿وَلَكِن ظَنَنتُم أَنَّ اللَّهَ لا يَعلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعمَلُونَ﴾ أي: شككتم في ذلك لجهلكم.\nو(قوله: ﴿وَذَلِكُم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُم أَردَاكُم﴾ أي: وذلك ظنكم الواقع بكم اللازم لكم، فهي جملة ابتدائية، و(أرداكم): خبر ثان، قاله","vol":"7","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1103>(٢٣) ومن سورة الدخان</span>\n[٢٩٠٦] عَن مَسرُوقٍ قَالَ: جَاءَ إِلَى عَبدِ اللَّهِ رَجُلٌ فَقَالَ: تَرَكتُ فِي المَسجِدِ رَجُلًا يُفَسِّرُ القُرآنَ بِرَأيِهِ، يُفَسِّرُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَومَ تَأتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ قَالَ: يَأتِي النَّاسَ يَومَ القِيَامَةِ دُخَانٌ فَيَأخُذُ\nــ\nالزجاج، وقال غيره: حال؛ أي: قد أرداكم؛ أي: أهلككم. مقاتل: أغواكم. وقيل: هو خبر المبتدأ الأول، و(ظنكم) بيان ذلك.\nو(قوله: فأصبحتم من الخاسرين)، أي: صرتم خاسرين في صفقتكم، مغبونين في بيعكم.\n(٢٣) ومن سورة الدخان\nقد تقدَّم ذكر من خالف ابن مسعود في تفسيره للدخان المذكور في هذه الآية فيما تقدَّم، وما أنكره يُروى فيه حديث مرفوع من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - على نحو ما ذكر، وزاد: فيدخل الدخان جوف الكافر والمنافق حتى ينتفخ (١) واستعصت: بمعنى: عصت بترك إجابة النبي ﷺ.\nو(قوله: تصعبت عليه) أي: أبت الدخول في الإسلام.\nوسبع (٢) يوسف هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأتِي مِن بَعدِ ذَلِكَ سَبعٌ شِدَادٌ يَأكُلنَ مَا قَدَّمتُم لَهُنَّ إِلا قَلِيلا مِمَّا تُحصِنُونَ﴾ وقد تقدَّم أن الجدب والقحط يقال عليه: سنة، ويجمع: سنين.\n_________\n(١) رواه ابن أبي حاتم، كما في: الدر المنثور (٧/ ٤٠٨).\n(٢) كذا في نسخ المفهم، ولم يرد هذا اللفظ في التلخيص، وإنما هو في صحيح مسلم (٢٧٩٨) (٣٩).","vol":"7","page":395},{"text":"بِأَنفَاسِهِم حَتَّى يَأخُذَهُم مِنهُ كَهَيئَةِ الزُّكَامِ، فَقَالَ عَبدُ اللَّهِ: مَن عَلِمَ عِلمًا فَليَقُل بِهِ وَمَن لَم يَعلَم فَليَقُل اللَّهُ أَعلَمُ، فَإِنَّ مِن فِقهِ الرَّجُلِ أَن يَقُولَ لِمَا لَا عِلمَ لَهُ بِهِ: اللَّهُ أَعلَمُ، إِنَّمَا كَانَ هَذَا أَنَّ قُرَيشًا لَمَّا استَعصَت عَلَى النَّبِيِّ ﷺ دَعَا عَلَيهِم بِسِنِينَ كَسني يُوسُفَ، فَأَصَابَهُم قَحطٌ وَجَهدٌ حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَنظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى بَينَهُ وَبَينَهَا كَهَيئَةِ الدُّخَانِ مِن الجَهدِ، وَحَتَّى أَكَلُوا العِظَامَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ - في رواية: أبو سفيان، فقال: يا محمد إنك جئت تأمر بطاعة الله وبصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا فادع الله لهم - وفي الرواية الأولى: فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ استَغفِر اللَّهَ لِمُضَرَ؛ فَإِنَّهُم قَد هَلَكُوا، فَقَالَ: لِمُضَرَ؟ إِنَّكَ لَجَرِيءٌ، قَالَ: فَدَعَا اللَّهَ لَهُم فَأَنزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿إِنَّا كَاشِفُو العَذَابِ قَلِيلا إِنَّكُم عَائِدُونَ﴾ قَالَ: فَمُطِرُوا، فَلَمَّا أَصَابَتهُم الرَّفَاهِيَةُ قَالَ: عَادُوا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيهِ، قَالَ: فَأَنزَلَ اللَّهُ\nــ\nو(قوله: حتى جعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى بينها وبينه كهيئة الدخان من الجهد) لا شك في أن تسمية هذا دخانا تجَوُّز، وحقيقة الدخان ما ذكر في حديث أبي سعيد، والذي حمل عبد الله بن مسعود على هذا الإنكار قوله: ﴿رَبَّنَا اكشِف عَنَّا العَذَابَ إِنَّا مُؤمِنُونَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو العَذَابِ قَلِيلا إِنَّكُم عَائِدُونَ﴾ ولذلك قال: أفيكشف عذاب الآخرة؟ وهذا لا دليل فيه على نفي ما قاله ذلك القائل؛ لأنَّ حديث أبي سعيد إنما دل على أن ذلك الدخان يكون من أشراط الساعة قبل أن تقوم القيامة، فيجوز انكشافه كما تنكشف فتن الدجال ويأجوج ومأجوج، وأما الذي لا ينكشف فعذاب الكافر بعد الموت، فلا معارضة بين الآية والحديث، والشأن في صحة الحديث.\nو(قوله: استغفر الله لمضر) كذا صح في كتاب مسلم من الاستغفار، ووقع في كتاب البخاري: استسق الله لمضر، من الاستسقاء، وهو مناسب للحال التي","vol":"7","page":396},{"text":"﷿: ﴿فَارتَقِب يَومَ تَأتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، ﴿يَومَ نَبطِشُ البَطشَةَ الكُبرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ قال: يعني يوم بدر.\nوفي رواية: قال: أفيكشف عذاب الآخرة؟ قال: وقد مضت آية الدخان والبطشة، واللزام وآية الروم. في أخرى: والقمر.\nرواه البخاريُّ (٤٨٢١)، ومسلم (٢٧٩٨) (٣٩ - ٤١)، والترمذيُّ (٣٢٥١).\n* * *\nــ\nكانوا عليها من القحط، غير أن الذي يبعده إنكار النبي ﷺ على القائل بقوله: لمضر؛ فإنَّ طلب السقيا لهم لا يُنكَر، وإنما الذي يُنكَر طلب الاستغفار لهم. وقد فسر البطشة بأنها يوم بدر. وأما اللزام: فهو المذكور بقوله تعالى: ﴿فَسَوفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ وقد اختلف فيه، فقيل: هو العذاب الدائم، وأنشدوا:\nفَإِمَّا ينجُوَا من خسف (١) أرض ... فقد لقيا حتوفهما لزاما\nوقال آخر:\nولم أجزع من الموت اللزام\nوقال أُبي: هو القتل بالسيف يوم بدر، وإليه نحا ابن مسعود، وهو قول أكثر الناس، وعلى هذا فتكون البطشة واللزام شيئا واحدا. وقال القرطبي (٢) وأبو عبيدة: هو الهلاك والموت، وأما الروم، فقد روى الترمذي من حديث نيار بن مكرم الأسلمي قال: لما نزلت: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ الآيتين، فكانت\n_________\n(١) في اللسان: حَتْف. مادة: لزم.\n(٢) المقصود به هنا: بقيّ بن مَخْلَد المتوفى سنة (٢٧٦ هـ).","vol":"7","page":397},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1104>(٢٤) ومن سورة الحجرات</span>\n[٢٩٠٧] عن أنس بن مالك، لما نزلت هذه الآية: ﴿لا تَرفَعُوا أَصوَاتَكُم﴾ إلى آخر الآية، جَلَسَ ثَابِت فِي بَيتِهِ وَقَالَ: أَنَا مِن أَهلِ النَّارِ، وَاحتَبَسَ عَن النَّبِيِّ ﷺ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ سَعدَ بنَ مُعَاذٍ\nــ\nفارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين للروم، وكان المسلمون يحبون ظهور الروم على فارس؛ لأنَّهم وإياهم أهل كتاب، وكانت قريش يحبون ظهور فارس على الروم؛ لأنَّهم وإياهم ليسوا بأهل كتاب ولا إيمان، ولما نزلت هذه الآية خرج أبو بكر يصيح في نواحي مكة بالآية، فقال كبراء المشركين: ألا نراهنك على ذلك؟ قال: بلى. وذلك قبل تحريم الرهان، فارتهن أبو بكر والمشركون، وأقبضوا الرهان، وقالوا لأبي بكر: كم تجعل البضع؟ البضع ثلاث سنين إلى تسع، قسم بيننا وبينك وسطا ننتهي إليه، فسموا بينهم ست سنين، فمضت الست سنين قبل أن يظهروا، فأخذ المشركون رهن أبي بكر، ولما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس، فعاب المسلمون على أبي بكر تسمية ست سنين، لأن الله تعالى قال: ﴿فِي بِضعِ سِنِينَ﴾ قال: وأسلم بعد ذلك ناس كثير. قال: هذا حديث حسن صحيح (١)، وسيأتي القول في انشقاق القمر في سورته.\n(٢٤) ومن سورة الحجرات\nثابت هذا هو ثابت بن قيس بن شماس بن مالك الخزرجي، يكنى أبا محمد، بابنه، وقيل: أبا عبد الرحمن، قُتل له يوم الحرة ثلاثة من الولد: محمد ويحيى وعبد الله، وكان خطيبا بليغا معروفا بذلك، كان يقال له: خطيب رسول الله ﷺ، كما يقال لحسان: شاعر رسول الله ﷺ، ولما قدم وفد بني تميم على رسول الله ﷺ\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣١٩٤).","vol":"7","page":398},{"text":"فَقَالَ: يَا أَبَا عَمرٍو مَا شَأنُ ثَابِتٍ، أشتَكَى؟ قَالَ سَعدٌ: إِنَّهُ لَجَارِي وَمَا عَلِمتُ لَهُ بِشَكوى، قَالَ: فَأَتَاهُ سَعدٌ فَذَكَرَ لَهُ قَولَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ ثَابِتٌ: أُنزِلَت هَذِهِ الآيَةُ، وَلَقَد عَلِمتُم أَنِّي مِن أَرفَعِكُم صَوتًا عَلَى\nــ\nوطلبوا المفاخرة، قام خطيبهم فافتخر في خطبته. ثم قام ثابت بن قيس فخطب خطبة بليغة جزلة فغلبهم، وقام شاعرهم وهو الأقرع بن حابس فأنشد:\nأتيناك كيما يعرف الناس فضلنا ... إذا خالفونا عند ذكر المكارم\nوإنا رؤوس الناس من كل معشر ... وأن ليس في أرض الحجاز كدارم\nفقام حسان فقال:\nبني دارم لا تفخروا إن فخركم ... يعود وبالا عند ذكر المكارم\nهُبِلتم علينا تفخرون وأنتم ... لنا خول من بين ظئر وخادم\nفقالوا: خطيبهم أخطب من خطيبنا، وشاعرهم أشعر من شاعرنا، فارتفعت أصواتهم، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرفَعُوا أَصوَاتَكُم فَوقَ صَوتِ النَّبِيِّ وَلا تَجهَرُوا لَهُ بِالقَولِ﴾ ولما نزلت جلس ثابت في بيته، فكان كما ذكر في الأصل، وقال عطاء الخراساني: حدثتني ابنة ثابت بن قيس، قالت: لما نزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرفَعُوا أَصوَاتَكُم فَوقَ صَوتِ النَّبِيِّ﴾ الآية، دخل أبوها بيته وأغلق عليه بابه، ففقده النبي ﷺ، فأرسل إليه يسأله: ما خبره؟ فقال: أنا رجل شديد الصوت أخاف أن يكون حبط عملي. فقال النبي ﷺ: لست منهم، بل تعيش بخير وتموت بخير. قال: ثم أنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُختَالٍ فَخُورٍ﴾ فأغلق بابه وطفق يبكي، ففقده النبي ﷺ فأرسل إليه: ما خبره؟ فقال: يا رسول الله إني أحب الجمال وأحب أن أسود قومي، فقال:","vol":"7","page":399},{"text":"رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَنَا مِن أَهلِ النَّارِ. فَذَكَرَ ذَلِكَ سَعدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَل هُوَ مِن أَهلِ الجَنَّةِ.\nوفي رواية: قال: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا، رجل من أهل الجنة.\nرواه البخاريُّ (٤٨٤٦)، ومسلم (١١٩) (١٨٧ و١٨٨).\n* * *\nــ\nلستَ منهم، بل تعيش حميدا وتُقتل شهيدا، وتدخل الجنة. قالت: فلما كان يوم اليمامة خرج مع خالد إلى مسيلمة، فلما التقوا انكشفوا، فقال ثابت وسالم مولى أبي حذيفة: ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله ﷺ، ثم حفر كل واحد منهما له حفرة، فثبتا، وقاتلا حتى قُتلا. وعلى ثابت يومئذ درع له نفيسة، فمر به رجل من المسلمين فأخذها، فبينا رجل من المسلمين نائم أتاه ثابت في منامه فقال له: أوصيك بوصية، وإياك أن تقول: هذا حلم، فتضيعه، إني لما قُتلت أمس مر بي رجل من المسلمين فأخذ درعي، ومنزله في أقصى الناس، وعند خبائه فرس يستن في طِوَله، وقد كفأ على الدرع برمة، وفوق البرمة رحل، فأت خالدا فمره أن يبعث إلى درعي، فيأخذها، وإذا قدمت المدينة على خليفة رسول الله ﷺ، يعني أبا بكر - ﵁ - فقل له: إن عَلَي من الدَّين كذا وكذا، وفلان من رقيقي عتيق وفلان. فأتى الرجل خالدا فأخبره، فبعث إلى الدرع، فأُتي بها، وحدث أبا بكر برؤياه فأجاز وصيته.\nقال: ولا نعلم أحدا أُجيزت وصيته بعد موته غير ثابت.\nو(قوله: ﴿وَلا تَجهَرُوا لَهُ بِالقَولِ﴾) أي: لا تخاطبوه: يا محمد، و: يا أحمد، ولكن: يا نبي الله، أو: يا رسول الله. توقيرا له، ﷺ.\nو(قوله: ﴿أَن تَحبَطَ أَعمَالُكُم﴾) أي: من أجل أن تحبط؛ أي: تبطل. فإمَّا أصل الأعمال، إن كان ذلك عن كفر، وإما ثوابها إن كان عن معصية.","vol":"7","page":400},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1105>(٢٥) ومن سورة ق</span>\n[٢٩٠٨] عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير.\nوفي رواية: وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة.\nرواه أحمد (١/ ٣٨٥)، ومسلم (٢٨١٤).\nــ\n(٢٥) ومن سورة ق\nاختلف فيه، فقال ابن عباس: هو اسم لله ﷿، وقال قتادة: اسم للقرآن، وقال الضحاك: اسم الجبل المحيط بالأرض، وهو من زبرجدة خضراء، وعروق الجبال منها، وقال عطاء: هو قوة قلب نبينا محمد ﷺ، وعلى تلك الأوجه: هو قسم، وعُطف: ﴿وَالقُرآنِ المَجِيدِ﴾ عليه. والقرين: فعيل بمعنى المقارن الملازم الذي لا يفارق، وأصله من القَرَن: وهو الحبل الذي يجمع به بين شيئين فيتلازمان بسببه، كما قال الشاعر:\nوابن اللبون إذا ما لُز في قَرَن ... لم يستطع صولة البُزل القناعيس\nوقد تقدَّم أن الشيطان وزنه فيعال، من شطن؛ أي: بعُد عن الخير، أو من شاط: إذا احتد واحترق، وإنه إنما يقال على المارد من الجن، وهو الكثير الشر الشديد الضر.\nو(قوله: إلا أن الله أعانني عليه فأسلم). جمهور الرواة يقولون: فأسلمَ، بفتح الميم، ويريدون أن الشيطان صار مسلما. وكان سفيان بن عيينة يقول: فأسلمُ","vol":"7","page":401},{"text":"[٢٩٠٩] وعن عائشة أن رسول الله ﷺ خرج من عندها ليلا. قالت: فغِرت عليه فرأى ما أصنع، فقال: ما لك يا عائشة أغِرت؟ فقلت: وما لي لا يغار مثلي على مثلك؟ فقال رسول الله ﷺ: أقد جاءك شيطانك؟ قالت: يا رسول الله أومعي شيطان؟ قال: نعم، قلت: ومع كل إنسان؟ قال: نعم، قلت: ومعك يا رسول الله؟ قال: نعم، ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم.\nرواه أحمد (٦/ ١١٥)، ومسلم (٢٨١٥).\n* * *\nــ\nبضم الميم، والمعنى فأسلم أنا من شره، وكان ينكر القول الأول، ويقول: الشيطان لا يسلم.\nقلت: وهذا له موقع، غير أنه يبعده قوله: فلا يأمرني إلا بخير، فحينئذ يزول عنه اسم الشيطان ويصير مسلما، ويكون هذا مؤيدا لرواية الجمهور. فالذي لأجله فر سفيان من إسلام الشيطان، يلزمه في كونه لا يأمره إلا بخير. وقد روي هذا الحديث في مسند أحمد بن حنبل بلفظ آخر، وقال: لا يأمرني إلا بخير. وأما لفظ حديث عائشة - ﵂ - فهو في الوجه الأول واضح، فإنَّها قالت فيه: ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم. والظاهر منه: أن الشيطان هو الذي أسلم، مع أنه يحتمل أن يكون (حتى) بمعنى: كي، ويكون فيه راجع إلى النبي ﷺ، أي: أعانني كي أسلم منه، والله تعالى أعلم.\n* * *","vol":"7","page":402},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1106>(٢٦) ومن سورة القمر</span>\n[٢٩١٠] عن عبد الله بن مسعود قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ بمنى إذ انفلق القمر فلقتين، فكانت فلقة وراء الجبل وفلقة دونه، فقال لنا رسول الله ﷺ: اشهدوا.\nوفي رواية: فستر الجبلُ فلقةً، وكانت فلقة فوق الجبل.\nرواه أحمد (١/ ٤٤٧)، والبخاري (٣٦٣٦)، ومسلم (٢٨٠٠) (٤٤ و٤٥)، والترمذي (٣٢٨٥).\nــ\n(٢٦) ومن سورة القمر\n(قوله: انفلق القمر) أي: انشق نصفين، أي: وقع ذلك الانشقاق على حقيقته، ووُجد ذلك بمكة بمنى، بعد أن سألت قريش رسول الله ﷺ آية، فأراهم انشقاقه، على نحو ما ذكر، ثم إن عبد الله بن مسعود أوضح كيفية هذا الانشقاق حتى لم يترك لقائل مقالا، فقال: وكانت فلقة وراء الجبل، وفلقة دونه. وفي رواية: فستر الجبل فلقة، وكانت فلقة فوق الجبل، ونحو ذلك. قال ابن عمر - ﵄ - وقد روى هذا الحديث جماعة كثيرة من الصحابة - ﵃، منهم: عبد الله بن مسعود، وأنس، وابن عباس، وابن عمر، وحذيفة، وعلي، وجبير بن مطعم، وغيرهم. وروى ذلك عن الصحابة أمثالهم من التابعين، ثم كذلك ينقله الجم الغفير والعدد الكثير، إلى أن انتهى ذلك إلينا، وفاضت أنواره علينا، وانضاف إلى ذلك ما جاء من ذلك في القرآن المتواتر عند كل إنسان، فقد حصل بهذه المعجزة العلم اليقين الذي لا يشك فيه أحد من العاقلين. وقد استبعد هذا كثير من الملحدة وبعض أهل الملة من حيث إنه لو كان كذلك للزم مشاركة جميع أهل الأرض في إدراك ذلك.","vol":"7","page":403},{"text":"[٢٩١١] وعن ابن عمر مثل ذلك.\nرواه مسلم (٢٨٥١)، والترمذيُّ (٣٢٨٨).\n[٢٩١٢] وعن أنس أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر مرتين.\nــ\nوالجواب: إن هذا إنما كان يلزم لو استوى أهل الأرض في إدراك مطالعه في وقت واحد، وليس الأمر كذلك، فإنه يطلع على قوم قبل طلوعه على آخرين، فقد يكون الكسوف عند قوم، ولا يكون عند آخرين، وأيضًا: فإنما كان يلزم ذلك لو طال زمان الانشقاق، وتوفرت الدواعي على الاعتناء بالنظر إليه، ولم يكن شيء من ذلك، وإنما كان ذلك في زمن قصير شاهده من نُبِّه له، وذلك أن أهل مكة طلبوا من النبي ﷺ انشقاق القمر، فخرج بهم إلى منى، فأراهم انشقاق القمر. فلما أراهم الله ذلك قال: اشهدوا. فقالت قريش: هذا سحر. فقال بعضهم لبعض: إن كان محمد سحرنا، فما يبلغ سحره إلى الآفاق، فابعثوا إلى أهل الآفاق، فبعثوا إلى آفاق مكة، فأخبروهم أنهم عاينوا ذلك. هكذا نقل النقلة، وكم من نجم ينقض وصاعقة تنزل، وهو سمائي يختص بمشاهدته بعض الناس دون بعض، ثم إنها كانت آية ليلية، وعادة الناس في الليل كونهم في بيوتهم نائمين، ومعرضين عن الالتفات إلى السماء إلا الآحاد منهم، وقد يكون منهم من شاهد ذلك، فظنه سحابا حائلا، أو خيالا حائلا، وعلى الجملة فالموانع من ذلك لا تنحصر، ولا تنضبط، والذي يحسم مادة الخلاف بين أهل ملتنا أن نقول: لا بُعد في أن يكون الله تعالى خرق العادة في ذلك الوقت، فصرف جميع أهل الأرض عن الالتفات إلى القمر في تلك الساعة لتختص مشاهدة تلك الآية بأهل مكة، كما اختصوا بأكثر مشاهدة آياته، كحنين الجذع، وتسبيح الحصى، وكلام الشجر، إلى غير ذلك من الخوارق التي شاهدوها ونقلوها إلى غيرهم، كما قد نقلنا ذلك في كتابنا المسمى: بكتاب الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإثبات نبوة نبينا محمد ﷺ،","vol":"7","page":404},{"text":"وفي رواية: انشق القمر فرقتين.\nرواه البخاريُّ (٤٨٦٧)، ومسلم (٢٨٠٢) (٤٦ و٤٧)، والترمذيُّ (٣٢٨٢).\n* * *\nــ\nوهذا الكلام خاص للمنكر للانشقاق من أهل الإسلام، وأما الملاحدة فالكلام معهم في إبطال أصولهم الفاسدة، وقد تأول من أنكر وقوع انشقاق القمر من الإسلاميين قوله تعالى: ﴿وَانشَقَّ القَمَرُ﴾ بمعنى: ينشق في القيامة، وممن حكي عنه هذا التأويل: الحسن البصري. وتأول غيره (انشق): تحقق الأمر ووضح، وقال آخر: انشق الظلام عنه بطلوعه.\nقلت: وهذه تحريفات لا تأويلات. والحسن البصري أعلم وأفضل من أن يذهب إلى شيء من ذلك، لا سيما مع شهرة القضية، وكثرة الرواة لها، واستفاضتها، وعلمه هو بالأخبار، وسلوكه طريق الصحابة والأخيار، وقد أدرك منهم جملة صالحة، وحصلت له بهم صفقة رابحة.\nو(قراءة رسول الله - ﷺ -: ﴿فَهَل مِن مُدَّكِرٍ﴾ بالدال، وعليها الجماعة، ومدكر: اسم فاعل من: اذدكر؛ أي: تذكر، أدغمت الذال في الدال.\nو(قوله: ﴿وَلَقَد يَسَّرنَا القُرآنَ لِلذِّكرِ﴾ أي: للحفظ، فليس شيء من الكتب يُحفظ كحفظ القرآن. والمدكر: المتعظ. وقيل: المزدجر. وقيل: المتحفَّظ.\n* * *","vol":"7","page":405},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1107>(٢٧) ومن سورة الحديد والحشر</span>\n[٢٩١٣] عن ابن مسعود قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية ﴿أَلَم يَأنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخشَعَ قُلُوبُهُم لِذِكرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ﴾ إلا أربع سنين.\nرواه مسلم (٣٠٢٧).\nــ\n(٢٧) ومن سورة الحديد والحشر\n(قوله: لم يكن بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربع سنين).\nقال الخليل: العتاب مخاطبة الإدلال، ومذاكرة الموجدة، تقول: عاتبته معاتبة. قال الشاعر:\nأعاتب ذا المودة من صديق ... إذا ما رابني منه اجتناب\nإذا ذهب العتاب فليس ود ... ويبقى الود ما بقي العتاب\nو(قوله: ﴿أَلَم يَأنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخشَعَ قُلُوبُهُم لِذِكرِ اللَّهِ﴾) أي: ألم يحِن، قال الشاعر:\n. . . . . . . . . . . . . . . . . ... ألم يأنِ لي يا قلب أن أترك الجهلا (١)\nوماضيه: أنى يأني، فأمَّا آن الممدود فمضارعه يئين. وأنشد ابن السكيت:\nألما يأن لي أن تجلى عمايتي ... وأفصم (٢) عن ليلي بلى قد أنى ليا\nفجمع بين اللغتين. وأن تخشع: أي تذل وتلين لذكر الله وتعظيمه. وقيل:\n_________\n(١) هذا صدر بيت، وعجزه:\nوأنْ يُحْدِثَ الشيبُ المنير لنا عقلا\n(٢) في تفسير القرطبي (١٧/ ٢٤٨): وأقْصِرُ عن ليلى.","vol":"7","page":406},{"text":"[٢٩١٤] وعن عائشة قالت لعروة: يا ابن أختي أُمِروا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ، فسبّوهم. وقد تقدم.\nرواه مسلم (٣٠٢٢).\n* * *\nــ\nمعناه: تجزع من خشية الله، وقيل: الذكر هنا: القرآن، وفيه بُعد؛ لأن قوله: ﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ﴾ هو القرآن، فيكون تكرارا.\nو(قوله: ﴿فَطَالَ عَلَيهِمُ الأَمَدُ﴾) أي: رأوا الموت بعيدا، يعني أنهم لطول أملهم لا يرون الموت يقع بهم، ﴿فَقَسَت قُلُوبُهُم﴾؛ أي: جفيت وغلظت، فلم يفهموا دلالة ولا صدقوا رسالة. ﴿وَكَثِيرٌ مِنهُم فَاسِقُونَ﴾؛ أي: خارجون عن مقتضى العقل من التوحيد، وعن مقتضى الرسالة من التصديق. وفائدة هذه الآية: أنه لما رسخ الإيمان في قلوبهم أرشدهم إلى الازدياد في أحوالهم، والمراقبة في أعمالهم، وحذرهم عن جفوة أهل الكتاب بأبلغ خطاب وألطف عتاب.\nو(قول عائشة - ﵂ -: أُمروا أن يستغفروا لأصحاب محمد ﷺ فسبوهم) أشارت عائشة - ﵂ - إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعدِهِم يَقُولُونَ رَبَّنَا اغفِر لَنَا وَلإِخوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ فسبوهم: تريد عائشة بهذا أن التابعين حقهم الواجب عليهم أن يحبوا أصحاب رسول الله ﷺ، وأن يعظموهم ويستغفروا لهم، وكذلك كل من يجيء بعد التابعين إلى يوم القيامة، ويحرم عليهم أن يسبوهم، أو يسبوا أحدا منهم، كما قد صرح بذلك بعض بني أمية، وإياهم عنت بقولها، ولقد أحسن مالك - ﵀ - في فهم هذه الآية، فقال: من سب أصحاب رسول الله ﷺ فلا حق له في الفيء، واستدل بالآية. ووجهه: أنه رأى هذه الآية معطوفة على قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبلِهِم﴾ وأن هذه الآية معطوفة على قوله: ﴿لِلفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ﴾","vol":"7","page":407},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1108>(٢٨) ومن سورة المنافقين</span>\n[٢٩١٥] عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: من يصعد الثنية، ثنية المرار، فإنه يُحَط عنه ما حُط عن بني إسرائيل.\nــ\nفظهر له أن المهاجرين والأنصار استحقوا الفيء بأنهم مهاجرون وأنصار من غير قيد زائد على ذلك، وأن مَن جاء بعدهم قُيِّدوا بقيد: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغفِر لَنَا وَلإِخوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ فإنَّ لم يوجد هذا القيد لم يجُز الإعطاء لعدم تمام الموجب. وقد فهم عمر - ﵁ - أن قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعدِهِم﴾ يعم كل من يأتي إلى يوم القيامة، وأنها معطوفة على ما قبلها، فوقف الأرض المغنومة المفتتحة في زمانه على من يأتي بعد إلى يوم القيامة، وخصص بهذه الآية الأرض من جملة الغنيمة التي قال الله فيها: ﴿وَاعلَمُوا أَنَّمَا غَنِمتُم مِن شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ وقد تقدَّم الكلام على هذا في الجهاد.\n(٢٨) ومن سورة المنافقين\n(قوله: من يتسور ثنية المرار) يتسور: يعلو. وتسورت الجدار: علوته، وفي الرواية الأخرى: من يصعد وهذا واضح، والثنية: الطريق في الجبل. والمُرار - بضم الميم -: وهي ثنية معروفة وعرة المرتقى، فحث النبي ﷺ على صعودها، ولعل ذلك للحراسة.\nو(قوله: حط عنه ما حط عن بني إسرائيل) أي: غُفرت خطاياه كما وُعد بنو إسرائيل حين قيل لهم: ﴿وَادخُلُوا البَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغفِر لَكُم خَطَايَاكُم﴾ يعني بذلك: أن من صعد تلك الثنية غُفرت خطاياه كما كانت خطايا بني إسرائيل تحط وتغفر لو فعلوا ما أُمروا به من الدخول، وقول الحطة، لكنهم لم يفعلوا ما أمروا به بل تمردوا واستهزؤوا، فدخلوا يزحفون على أستاههم، وقالوا","vol":"7","page":408},{"text":"قال: فكان أول من صعدها خيلنا خيل بني الخزرج، ثم تتام الناس، فقال رسول الله ﷺ: وكلكم مغفور له، إلا صاحب الجمل الأحمر، فأتيناه فقلنا له: تعال يستغفر لك رسول الله ﷺ فقال: والله لأن أجد ضالتي أحب إلي من أن يستغفر لي صاحبكم، قال: وكان رجل ينشد ضالة له.\nرواه مسلم (٢٧٨٠) (١٢).\n[٢٩١٦] وعن زيد بن أرقم، قال: خَرَجنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، أَصَابَ النَّاسَ فِيهِ شِدَّةٌ، فَقَالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ لِأَصحَابِهِ: (لَا تُنفِقُوا عَلَى مَن عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا مِن حَولِهِ)، قَالَ زُهَيرٌ: وَهِيَ في قِرَاءَةُ عبد الله، وقال: ﴿لَئِن رَجَعنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنهَا الأَذَلَّ﴾ قَالَ: فَأَتَيتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخبَرتُهُ بِذَلِكَ،\nــ\nحنطة في شعرة، وقد لا يبعد أن يكون بعضهم دخل على نحو ما أُمر به فغفر له، غير أنه لم ينقل ذلك إلينا.\nو(قوله ﷺ: كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل) لما صعدوا كما أُمروا أُنجز لهم ما به وُعدوا، فإنَّ الله تعالى لا يخلف الميعاد ولا رسوله. وقيل: إن صاحب الجمل هو الجد بن قيس، المنافق. وينشد ضالته: يطلبها، ونشدت الضالة: طلبتها، وأنشدتها: عرَّفتها.\nو(قوله: حتى ينفضوا) أي: يتفرقوا. و(من حوله): في قراءة عبد الله، ولم يثبت في شيء من المصاحف المتفق عليها، ويمكن أن تكون زيادة بيان من جهة ابن مسعود.\nو(قوله: ﴿لَيُخرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنهَا الأَذَلَّ﴾) يعني المنافق","vol":"7","page":409},{"text":"فَأَرسَلَ إِلَى عَبدِ اللَّهِ بنِ أُبَيٍّ فَسَأَلَهُ، فَاجتَهَدَ يَمِينَهُ مَا فَعَلَ، فَقَالَ: كَذَبَ زَيدٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: فَوَقَعَ فِي نَفسِي مِمَّا قَالُوهُ شِدَّةٌ حَتَّى أَنزَلَ اللَّهُ تَصدِيقِي: ﴿إِذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ﴾\nقَالَ: ثُمَّ دَعَاهُم النَّبِيُّ ﷺ لِيَستَغفِرَ لَهُم، قَالَ: فَلَوَّوا رُؤُوسَهُم. وقَوله: ﴿كَأَنَّهُم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ وَقَالَ: كَانُوا رِجَالًا أَجمَلَ شَيءٍ.\nرواه البخاري (٤٩٠٠)، ومسلم (٢٧٧٢)، والترمذيُّ (٣٣٠٩ و٣٣١٠).\n* * *\nــ\nبالأعز: نفسه وعشيرته، وبالأذل: النبي ﷺ والمؤمنين، جهل فقال، وحيث وجب أن يسكن حال غلبت عليه شقوته، فانعكست فكرته (١)، فظن الأرض سماء والسراب ماء، فنبهه ولد نطفته على قبيح غلطته، فقال له: أنت والله الأذل، ورسول الله الأعز، فأنزل الله تصديقه في كتابه لعلهم يسمعون: ﴿وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلمُؤمِنِينَ﴾ ثم إن النبي ﷺ تلطف بهم على مقتضى خُلقه الكريم وحلمه العظيم، ودعاهم للاستغفار فأبت الشقوة إلا التمادي على الجهل والاستكبار فلووا رؤوسهم معرضين، وصدوا مستكبرين فقوبلوا بلن يغفر الله لهم، إن الله لا يهدي القوم الفاسقين، حشرنا الله مع المؤمنين وجنبنا أحوال المنافقين بفضله وكرمه.\nو(قوله: ﴿كَأَنَّهُم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ يعني أنهم أشباح بلا أرواح وأجسام بلا أحلام، فصورهم معجبة وبواطنهم قبيحة خربة ومسندة إلى الجدر، شبههم بالجذوع المسندة الممالة إلى جدار، كما قال الشاعر:\nقد مضينا بعدهم نتبعهم ... فرأيناهم قياما كالخشب\n_________\n(١) في (ز): فطنته.","vol":"7","page":410},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1109>(٢٩) باب: من أخبار المنافقين</span>\n[٢٩١٧] عن أبي الطفيل، قال: كَانَ بَينَ رَجُلٍ مِن أَهلِ العَقَبَةِ وَبَينَ حُذَيفَةَ بَعضُ مَا يَكُونُ بَينَ النَّاسِ،\nــ\nوهو جمع خشبة. يقال: خُشبة وخُشب بضمهما، ويقال: خَشَب، بفتحهما، وقد قرئ بهما.\n[(٢٩) باب: من أخبار المنافقين] (١)\n(قول أبي الطفيل: كان بين رجل من أهل العقبة وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس) ليست هذه العقبة عقبة بيعة الأنصار لرسول الله ﷺ في أول الإسلام، ومن ظن ذلك فقد جهل، وإنما هي عقبة بطريق تبوك، وقف له فيها قوم من المنافقين ليقتلوه، كما قد رواه أحمد بن حنبل من طريق أبي الطفيل هذا، قال: لما أقبل رسول الله - ﷺ - من غزوة تبوك أمر مناديا ينادي: أن رسول الله ﷺ أخذ العقبة، فلا يأخذها أحد، فبينما رسول الله ﷺ يقوده حذيفة، ويسوقه عمار - ﵄ - إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل غشوا عمارا، وهو يسوق برسول الله ﷺ، وأقبل عمار يضرب وجوه الرواحل، فقال رسول الله ﷺ لحذيفة: قد، قد حتى هبط رسول الله ﷺ، فلما هبط نزل، ورجع عمار، فقال: هل عرفت القوم؟ فقال: قد عرفت عامة الرواحل، والقوم متلثمون. قال: هل تدري ما أرادوا؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: أرادوا أن ينفروا برسول الله ﷺ، فيطرحوه. وذكر أبو الطفيل في تلك الغزاة: أن رسول الله ﷺ قال للناس، وذكر له أن في الماء قلة فأمر رسول الله - ﷺ - مناديا ينادي: ألا يرد الماء أحد قبل رسول الله ﷺ، فورده رسول الله ﷺ، فوجد رهطا قد وردوا قبله، فلعنهم\n_________\n(١) هذا العنوان لم يردْ في نُسخ المفهم، واستدركناه من التلخيص.","vol":"7","page":411},{"text":"فَقَالَ: أَنشُدُكَ اللَّهَ كَم كَانَ أَصحَابُ العَقَبَةِ؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُ القَومُ: أَخبِرهُ إِذ سَأَلَكَ، قَالَ: كُنَّا نُخبَرُ أَنَّهُم أَربَعَةَ عَشَرَ، فَإِن كُنتَ مِنهُم فَقَد كَانَ القَومُ خَمسَةَ عَشَرَ، وَأَشهَدُ بِاللَّهِ أَنَّ اثنَي عَشَرَ مِنهُم حَربٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا وَيَومَ يَقُومُ الأَشهَادُ، وَعَذَرَ ثَلَاثَةً قَالُوا: مَا سَمِعنَا مُنَادِيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَا عَلِمنَا بِمَا أَرَادَ القَومُ، وَقَد كَانَ فِي حَرَّةٍ فَمَشَى فَقَالَ: إِنَّ المَاءَ قَلِيلٌ فَلَا يَسبِقنِي إِلَيهِ أَحَدٌ، فَوَجَدَ قَومًا قَد سَبَقُوهُ، فَلَعَنَهُم يَومَئِذٍ.\nرواه أحمد (٥/ ٣٩١)، ومسلم (٢٧٧٩) (١١).\n[٢٩١٨] وعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ مِنَّا رَجُلٌ مِن بَنِي النَّجَّارِ، قَد قَرَأَ البَقَرَةَ وَآلَ عِمرَانَ، وَكَانَ يَكتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَانطَلَقَ هَارِبًا حَتَّى\nــ\nرسول الله ﷺ (١). وعنى أبو الطفيل بقوله: بعض ما يكون بين الناس: الملاحاة والمعاتبة التي تقع غالبًا بين الناس.\nو(قوله: أنشدك الله) أي: أسالك بالله، والقائل: أنشدك بالله؛ هو الرجل الذي لاحاه حذيفة - ﵁ - والقائل: كنا نخبر أنهم أربعة عشر، فإن كنت فيهم فالقوم خمسة عشر: هو حذيفة، والمخاطب بذلك القول: هو الرجل المعاتب السائل له بأنشدك الله، وظاهر كلام حذيفة: أنه ما شك فيه، لكنه ستر ذلك إبقاء عليه. وهؤلاء الأربعة عشر، أو الخمسة عشر هم الذين سبقوا إلى الماء، فلعنهم النبي ﷺ، غير أنه قبل عذر ثلاثة منهم لما اعتذروا له بأنهم ما سمعوا المنادي، وما علموا بما أراد من كان معهم من المنافقين؛ فإنَّهم أرادوا مخالفة رسول الله ﷺ، وأن يسبقوا إلى الماء، ويحتمل أن يريد بهم الرهط الذين عرضوا لرسول الله ﷺ بالعقبة ليقتلوه، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٤٥٣).","vol":"7","page":412},{"text":"لَحِقَ بِأَهلِ الكِتَابِ، قَالَ: فَرَفَعُوهُ، قَالُوا: هَذَا قَد كَانَ يَكتُبُ لِمُحَمَّدٍ، فَأُعجِبُوا بِهِ، فَمَا لَبِثَ أَن قَصَمَ اللَّهُ عُنُقَهُ فِيهِم، فَحَفَرُوا لَهُ فَوَارَوهُ، فَأَصبَحَت الأَرضُ قَد نَبَذَتهُ عَلَى وَجهِهَا، ثُمَّ عَادُوا فَحَفَرُوا لَهُ فَوَارَوهُ فَأَصبَحَت الأَرضُ قَد نَبَذَتهُ عَلَى وَجهِهَا، ثُمَّ عَادُوا فَحَفَرُوا لَهُ فَوَارَوهُ فَأَصبَحَت الأَرضُ قَد نَبَذَتهُ عَلَى وَجهِهَا، فَتَرَكُوهُ مَنبُوذًا.\nرواه أحمد (٣/ ٢٢٢)، والبخاريُّ (٣٦١٧)، ومسلم (٢٧٨١).\n[٢٩١٩] وعَن جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ مِن سَفَرٍ، فَلَمَّا كَانَ قُربَ المَدِينَةِ هَاجَت رِيحٌ تَكَادُ أَن تَدفِنَ الرَّاكِبَ، فزعم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بُعِثَت هَذِهِ الرِّيحُ لِمَوتِ مُنَافِقٍ، قال: فقدم المدينة فَإِذَا مُنَافِقٌ عَظِيمٌ مِن المُنَافِقِينَ قَد مَاتَ.\nرواه مسلم (٢٧٨٢).\n[٢٩٢٠] وعن إياس قال: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: عُدنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا مَوعُوكًا، قَالَ: فَوَضَعتُ يَدِي عَلَيهِ فَقُلتُ: وَاللَّهِ مَا رَأَيتُ كَاليَومِ\nــ\nو(قوله: فما لبث أن قصم الله عنقه) أي: ما طال مقامه حتى أهلكه الله. وواروه: غطوه. ونبذته: ألقته وأخرجته. ومنبوذا: مطروحا على وجه الأرض. وإنما أظهر الله تلك الآية في هذا المرتد، ليوضح حجَّة نبيه ﷺ لليهود عيانا، وليقيم لهم على ضلالة من خالف دينه برهانا، وليزداد الذين آمنوا يقينا وإيمانا.\nو(قوله: هاجت ريح تكاد أن تدفن الراكب) أي: هبت ريح شديدة تحمل معها التراب والرمل لشدتها، حتى لو عارضها راكب على بعيره لدفنته بما تسفي (١)\n_________\n(١) في (ز): تلقي.","vol":"7","page":413},{"text":"رَجُلًا أَشَدَّ حَرًّا، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: أَلَا أُخبِرُكُم بِأَشَدَّ حَرًّا مِنهُ يَومَ القِيَامَةِ؟ هَذَينِكَ الرَّجُلَينِ الرَّاكِبَينِ المُقَفِّيَينِ. لِرَجُلَينِ حِينَئِذٍ مِن أَصحَابِهِ.\nرواه مسلم (٢٧٨٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1110>(٣٠) ومن سورة التحريم</span>\n[٢٩٢١] عن عبد الله بن عباس قال: حَدَّثَنِي عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ\nــ\nعليه من التراب والرمل. وكأن هذه الريح إنما هاجت عند موت ذلك المنافق العظيم ليعذب بها، أو جعلها الله علامة لنبيه ﷺ على موت ذلك المنافق، وأنه مات على النفاق، والله تعالى أعلم.\nو(قوله: ألا أخبركم بأشد حرا منه يوم القيامة؟ هذينك الرجلين الراكبين المقفيين) الرواية بخفض (هذينك) على البدل من (أشد)، وهو بدل المعرفة من النكرة، وما بعد (هذينك) نعوت له. ومعنى المقفيين: الموليان أقفيتهما.\nو(قوله لرجلين حينئذ من أصحابه) إنما نسبهما الراوي لأصحاب النبي ﷺ؛ لأنَّهما كانا في غمارهم ودخلا بحكم ظاهرهما في دينهم، والعليم الخبير يعلم ما تُجنّه الصدور، وما يختلج في الضمير، فأعلم الله تعالى نبيه ﷺ بخبث بواطنهما وبسوء عاقبتهما، فارتفع اسم الصحبة، وصدق اسم العداوة والبغضاء.\n(٣٠) ومن سورة التحريم\nحديث ابن عباس هذا قد تقدَّم في الإيلاء، لكن بطريق غير هذا، وألفاظ تخالف هذا؛ فلذلك كررناه في المختصر.","vol":"7","page":414},{"text":"قَالَ: لَمَّا اعتَزَلَ رسول اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهُ قَالَ: دَخَلتُ المَسجِدَ فَإِذَا النَّاسُ يَنكُتُونَ بِالحَصَى وَيَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهُ، وَذَلِكَ قَبلَ أَن يُؤمَرَ بِالحِجَابِ، قَالَ عُمَرُ: فَقُلتُ: لَأَعلَمَنَّ ذَلِكَ اليَومَ، قَالَ: فَدَخَلتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلتُ: يَا ابنَةَ أَبِي بَكرٍ أَقَد بَلَغَ مِن شَأنِكِ أَن تُؤذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالَت: مَا لِي وَمَا لَكَ يَا ابنَ الخَطَّابِ، عَلَيكَ بِعَيبَتِكَ، قَالَ: فَدَخَلتُ عَلَى حَفصَةَ بِنتِ عُمَرَ فَقُلتُ لَهَا: يَا حَفصَةُ قَد بَلَغَ مِن شَأنِكِ أَن تُؤذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَاللَّهِ لَقَد عَلِمتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا يُحِبُّكِ، وَلَولَا أَنَا لَطَلَّقَكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَبَكَت أَشَدَّ البُكَاءِ، فَقُلتُ لَهَا: أَينَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَت: هُوَ فِي خِزَانَتِهِ فِي المَشرُبَةِ، فَدَخَلتُ فَإِذَا أَنَا بِرَبَاحٍ غُلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَاعِدًا عَلَى أُسكُفَّةِ المَشرُبَةِ، مُدَلٍّ رِجلَيهِ عَلَى نَقِيرٍ مِن خَشَبٍ وَهُوَ جِذعٌ يَرقَى عَلَيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَيَنحَدِرُ، فَنَادَيتُ: يَا رَبَاحُ استَأذِن لِي عِندَكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَظَرَ رَبَاحٌ إِلَى الغُرفَةِ ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ فَلَم يَقُل\nــ\n(قوله: فإذا الناس ينكتون بالحصى) أي: يخُطّون بها في الأرض، فِعل المهتم بالشيء، المتفكر فيه.\nو(قولها: يا ابن الخطاب عليك بعيبتك) أي: بخاصتك وأهل بيتك، ومنه قوله ﷺ: الأنصار كرشي وعيبتي (١). وقد تقدَّم. والمشربة: الغرفة، تقال بفتح الراء وضمها، والأُسكُفّة بضم الهمزة والكاف: عتبة الباب السفلى. والنقير من الخشب، وهو الذي يُنقَر فيه مثل الدرج ليُرقى عليه.\nو(قوله: يا رباح استأذن لي عندك) أي: بحضرتك وقربك، أي: لا تؤخره،\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ١٨٨ و٢٠١).","vol":"7","page":415},{"text":"شَيئًا، قُلتُ: يَا رَبَاحُ استَأذِن لِي عِندَكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَظَرَ رَبَاحٌ إِلَى الغُرفَةِ ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ فَلَم يَقُل شَيئًا، ثُمَّ رَفَعتُ صَوتِي فَقُلتُ: يَا رَبَاحُ استَأذِن لِي عِندَكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ظَنَّ أَنِّي جِئتُ مِن أَجلِ حَفصَةَ، وَاللَّهِ لَئِن أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِضَربِ عُنُقِهَا لَأَضرِبَنَّ عُنُقَهَا، وَرَفَعتُ صَوتِي، فَأَومَأَ إِلَيَّ أَن ارقَه، فَدَخَلتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُضطَجِعٌ عَلَى حَصِيرٍ، فَجَلَستُ، فَأَدنَى عَلَيهِ إِزَارَهُ وَلَيسَ عَلَيهِ غَيرُهُ، وَإِذَا الحَصِيرُ قَد أَثَّرَ فِي جَنبِهِ، فَنَظَرتُ بِبَصَرِي فِي خِزَانَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا أَنَا بِقَبضَةٍ مِن شَعِيرٍ نَحوِ الصَّاعِ، وَمِثلِهَا قَرَظًا فِي نَاحِيَةِ الغُرفَةِ، وَإِذَا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ، قَالَ: فَابتَدَرَت عَينَايَ، قَالَ: مَا يُبكِيكَ يَا ابنَ الخَطَّابِ؟ قُلتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَمَا لِي لَا أَبكِي وَهَذَا الحَصِيرُ قَد أَثَّرَ فِي جَنبِكَ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ لَا أَرَى فِيهَا إِلَّا مَا أَرَى، وَذَاكَ قَيصَرُ وَكِسرَى فِي الثِّمَارِ وَالأَنهَارِ، وَأَنتَ رَسُولُ اللَّهِ وَصَفوَتُهُ وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ، فَقَالَ: يَا ابنَ الخَطَّابِ أَلَا تَرضَى أَن تَكُونَ لَنَا الآخِرَةُ وَلَهُم الدُّنيَا؟ قُلتُ: بَلَى، قَالَ: وَدَخَلتُ عَلَيهِ حِينَ دَخَلتُ وَأَنَا أَرَى فِي وَجهِهِ الغَضَبَ، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يَشُقُّ عَلَيكَ مِن شَأنِ النِّسَاءِ؟ فَإِن كُنتَ طَلَّقتَهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مَعَكَ وَمَلَائِكَتَهُ وَجِبرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، وَأَنَا وَأَبُو بَكرٍ وَالمُؤمِنُونَ مَعَكَ،\nــ\nوسكوت رباح ونظره لعمر احترام لحضرة النبي ﷺ، فكأنه كان يسمعه. والقرظ: شجر يدبغ به. والأفيق: الجلد قبل الدباغ. وابتدرت عيناي، يعني: بالدموع. أي: غلبه البكاء فلم يملكه.\nو(قوله: فإن طلقتهن فإنَّ الله معك) أي: بالمعونة على مرادك من الطلاق، وعلى أن يبدلك خيرا منهن، كما قال الله تعالى في الآية. ومعية الملائكة هي موافقتهم له على مراده، ونصره على أضداده، والله تعالى أعلم.","vol":"7","page":416},{"text":"وَقَلَّمَا تَكَلَّمتُ - وَأَحمَدُ اللَّهَ - بِكَلَامٍ، إِلَّا رَجَوتُ أَن يَكُونَ اللَّهُ يُصَدِّقُ قَولِي الَّذِي أَقُولُ، وَنَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ، آيَةُ التَّخيِيرِ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبدِلَهُ أَزوَاجًا خَيرًا مِنكُنَّ﴾، ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَولاهُ وَجِبرِيلُ وَصَالِحُ المُؤمِنِينَ وَالمَلائِكَةُ بَعدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾\nوَكَانَت عَائِشَةُ بِنتُ أَبِي بَكرٍ وَحَفصَةُ تَظَاهَرَانِ عَلَى سَائِرِ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَطَلَّقتَهُنَّ؟ قَالَ: لَا، قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي دَخَلتُ المَسجِدَ وَالمُسلِمُونَ يَنكُتُونَ بِالحَصَى يَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهُ، فَأَنزِلُ فَأُخبِرَهُم أَنَّكَ لَم تُطَلِّقهُنَّ؟ قَالَ: نَعَم إِن شِئتَ، فَلَم أَزَل أُحَدِّثُهُ حَتَّى تَحَسَّرَ الغَضَبُ عَن وَجهِهِ، وَحَتَّى كَشَرَ فَضَحِكَ، وَكَانَ مِن أَحسَنِ النَّاسِ ثَغرًا، ثُمَّ نَزَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلتُ أَتَشَبَّثُ بِالجِذعِ وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَأَنَّمَا يَمشِي عَلَى الأَرضِ، مَا يَمَسُّهُ بِيَدِهِ، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا كُنتَ فِي الغُرفَةِ تِسعَةً وَعِشرِينَ، قَالَ: إِنَّ الشَّهرَ يَكُونُ تِسعًا وَعِشرِينَ، فَقُمتُ عَلَى بَابِ المَسجِدِ فَنَادَيتُ بِأَعلَى صَوتِي: لَم يُطَلِّق رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهُ،\nــ\nو(قوله: قل ما تكلمت - وأحمد الله - بكلام إلا رجوت أن يكون الله يصدق الذي أقول) قد شهد له بهذا النبي ﷺ حيث قال: إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه (١).\nو(قوله: فلم أزل أحدثه حتى تحسر الغضب عن وجهه) أي: انكشف الغضب. وكشر: كشف عن أسنانه ليضحك، فضحك، وقد سبق القول على ما في هذا الحديث مما يُحتاج إلى التنبيه عليه في النكاح والإيلاء.\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٩٥)، والترمذي (٣٦٨٢).","vol":"7","page":417},{"text":"وَنَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَإِذَا جَاءَهُم أَمرٌ مِنَ الأَمنِ أَوِ الخَوفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَو رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمرِ مِنهُم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَستَنبِطُونَهُ مِنهُم﴾ فَكُنتُ أَنَا أستنبط ذَلِكَ الأَمرَ، فَأَنزَلَ اللَّهُ ﷿ آيَةَ التَّخيِيرِ.\nرواه مسلم (١٤٧٩) (٣٠).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1111>(٣١) ومن سورة الجن</span>\n[٢٩٢٢] عَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الجِنِّ وَمَا رَآهُم، انطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي طَائِفَةٍ مِن أَصحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ\nــ\nو(قوله: ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءَهُم أَمرٌ مِنَ الأَمنِ أَوِ الخَوفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾. ظاهر هذا أن هذه الآية نزلت بسبب هذه القضية لأجل استنباط عمر - ﵁ - ما استنبط فيما وقع له فيها ووافقه الله تعالى على ما وقع له، فأنزل القرآن على نحو ذلك. والاستنباط: الاستخراج، وقد تقدَّم. وأذاعوا به: أفشوه، يقال: ذاع الحديث يذيع ذيعا وذُيوعا، أي: انتشر، وأذاعه غيره: إذا أفشاه، ويقال: ذاع به، بمعناه. وأولو الأمر: العلماء في قول قتادة وغيره. وفي الآية من الفقه وجوب الرجوع إلى أقوال العلماء على من لا يحسن فهم الأحكام واستنباطها. قال الحسن: هي في الضعفاء أُمروا أن يستخرجوا العلم من الفقهاء والعلماء. وقال قتادة: نزلت هذه الآية في المنافقين، كانوا يشيعون ما يهم به رسول الله ﷺ من أمن من أراد تأمينه، وإغزاء من أراد غزوه؛ إرادة الإفساد.\n(٣١) ومن سورة الجن\n(قول ابن عباس - ﵄ -: ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن ولا رآهم) يعني: لم يقصدهم بالقراءة عليهم، وإنما قرأ النبي ﷺ في الصلاة","vol":"7","page":418},{"text":"عُكَاظٍ، وَقَد حِيلَ بَينَ الشَّيَاطِينِ وَبَينَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرسِلَت عَلَيهِم الشُّهُبُ، فَرَجَعَت الشَّيَاطِينُ إِلَى قَومِهِم فَقَالُوا: مَا لَكُم؟ قَالُوا: حِيلَ بَينَنَا وَبَينَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرسِلَت عَلَيهِمُ الشُّهُبُ، قَالُوا: مَا ذَاكَ إِلَّا مِن شَيءٍ حَدَثَ، فَاضرِبُوا مَشَارِقَ الأَرضِ وَمَغَارِبَهَا فَانظُرُوا مَا الَّذِي حَالَ بَينَنَا وَبَينَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَانطَلَقُوا يَضرِبُونَ مَشَارِقَ الأَرضِ وَمَغَارِبَهَا، فَمَرَّ النَّفَرُ الَّذِينَ أَخَذُوا نَحوَ تِهَامَةَ وَهُوَ بِنَخلٍ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصحَابِهِ صَلَاةَ الفَجرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا القُرآنَ استَمَعُوا لَهُ وَقَالُوا: هَذَا الَّذِي حَالَ بَينَنَا وَبَينَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَرَجَعُوا إِلَى قَومِهِم فَقَالُوا: يَا قَومَنَا إِنَّا سَمِعنَا قُرآنًا عَجَبًا يَهدِي إِلَى الرُّشدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُشرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا، فَأَنزَلَ اللَّهُ ﷿ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿قُل أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ استَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾\nرواه البخاري (٧٧٣)، ومسلم (٤٤٩)، والترمذيُّ (٣٣٢٣).\nــ\nلأصحابه، لكن لما تفرقت الشياطين في الأرض يطلبون السبب الحائل بينهم وبين ما كانوا يسترقون من السمع، صادف هذا النفرُ من الجن النبي ﷺ بسوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه، فاستمعوا له، فقالوا ما أخبر الله به عنهم: ﴿قُل أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ استَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعنَا قُرآنًا عَجَبًا * يَهدِي إِلَى الرُّشدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُشرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ وقيل: كان عدد هؤلاء النفر اثني عشر، وقيل: تسعة، وقيل سبعة، وعلى هذا فالنبي ﷺ ما علم باستماع الجن ولا رآهم ولا كلمهم، وإنما أوحى الله تعالى إليه فعلم ذلك لما أنزل عليه القرآن بذلك، وهذا بخلاف حديث ابن مسعود، فإن مقتضاه أن النبي ﷺ خرج بعبد الله بن مسعود (١) معه، فجاءه داعي الجن فانطلق النبي ﷺ نحو حراء، فقرأ عليهم القرآن، فآمنوا وأسلموا،\n_________\n(١) رواه مسلم (٤٥٠) (١٥٠).","vol":"7","page":419},{"text":"[٢٩٢٣] وعن علقمة، قال: سألت ابن مسعود: هَل شَهِدَ أَحَدٌ مِنكُم مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيلَةَ الجِنِّ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيلَةٍ، فَفَقَدنَاهُ، فَالتَمَسنَاهُ فِي الأَودِيَةِ وَالشِّعَابِ، فَقُلنَا: استُطِيرَ أَو اغتِيلَ، قَالَ: فَبِتنَا بِشَرِّ لَيلَةٍ بَاتَ بِهَا قَومٌ، فَلَمَّا أَصبَحنَا إِذَا هُوَ جَاءٍ مِن قِبَلَ حِرَاءٍ، قَالَ: فَقُلنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَدنَاكَ فَطَلَبنَاكَ فَلَم نَجِدكَ، فَبِتنَا بِشَرِّ لَيلَةٍ بَاتَ بِهَا قَومٌ، فَقَالَ: أَتَانِي دَاعِي الجِنِّ فَذَهَبتُ مَعَهُ فَقَرَأتُ عَلَيهِم\nــ\nفهذه قضية أخرى، وجن آخرون. والحاصل من الكتاب والسنة: العلم القطعي بأن الجن والشياطين موجودون متعبَّدون بالأحكام الشرعية على النحو الذي يليق بخلقتهم وأحوالهم، وأن نبينا محمدا ﷺ رسول إلى الإنس والجن أجمعين، فمن دخل في دينه وآمن به، فهو من المؤمنين، ومعهم في الدنيا والآخرة. والجنة مستقر المؤمنين، ومن كذبه وصد عنه فهو الشيطان المبعد عن المؤمنين في الدنيا والآخرة، والنار مستقر الكافرين أبد الآبدين. وظاهر هذا الحديث يقتضي: أن رجم الشياطين بالنجوم إنما صدر عند بعث النبي ﷺ، وكذلك روى الترمذي عن ابن عباس -﵄ - قال: كان الجن يصعدون إلى السماء يستمعون الوحي، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعا، فلما بعث الرسول ﷺ، مُنعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإبليس، ولم تكن النجوم يُرمى بها قبل ذلك (١)، وذكر نحو ما تقدَّم لمسلم (٢). وقد تقدَّم في آخر كتاب الطب من حديث ابن عباس (٣) - ﵄ - عن النبي ﷺ أنها كانت يُرمى بها في الجاهلية، وقد اختلف الناس في ذلك لاختلاف هذين الحديثين، فذهبت طائفة - منهم الجاحظ - إلى أن الرجم لم يكن قبل مبعث النبي ﷺ، وقالت طائفة، منهم الغزالي: كان يُرمى بها،\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٣٢٤).\n(٢) رواه مسلم (٤٤٩) (١٤٩).\n(٣) رواه مسلم (٢٢٢٩) (١٢٤).","vol":"7","page":420},{"text":"القُرآنَ، قَالَ: فَانطَلَقَ بِنَا فَأَرَانَا آثَارَهُم وَآثَارَ نِيرَانِهِم، وَسَأَلُوهُ الزَّادَ، فَقَالَ: لَكُم كُلُّ عَظمٍ ذُكِرَ اسمُ اللَّهِ عَلَيهِ، يَقَعُ فِي أَيدِيكُم أَوفَرَ مَا يَكُونُ لَحمًا، وَكُلُّ بَعرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُم، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَلَا تَستَنجُوا بِهِمَا؛ فَإِنَّهُمَا طَعَامُ إِخوَانِكُم.\nرواه مسلم (٤٥٠) (١٥٠)، وأبو داود (٨٥)، والترمذيُّ (١٨).\nــ\nولكنه يزيد عند المبعث، وبهذا القول يرتفع التعارض بين الحديثين. وقول عبد الله بن مسعود -﵁ - أنه لم يشهد ليلة الجن مع رسول الله ﷺ أحد، هو أصح من الحديث الذي يحتج به الحنفيون، مما روي عن ابن مسعود أنه كان مع النبي ﷺ، وأنه خط عليه خطأ وقال: لا تبرح حتى آتيك فذهب في سواد الليل ثم جاءه فقال: ما في إداوتك، فقال: نبيذ، فقال: تمرة طيبة وماء طهور (١)، ثم أخبره خبر الجن؛ لأنَّ إسناده مجهول على ما قاله أهل الحديث. واستطير: أي استطيل، وأصله من استطال الفجر: إذا انتشر وطال. واغتيل: إذا هُجم عليه بالمكروه أو القتل. وحراء: جبل معروف بمكة، وهو ممدود مهموز.\nو(قوله: وسألوه الزاد) أي: ما يحل لهم من الزاد ولدوابهم، فأجابهم بقوله: لكم كل عظم، وكل بعرة لعلف دوابكم أي: هذان محلل لكم، ويحتمل أن يكونوا سألوه أن يدعو لهم بالبركة في أرزاقهم، وفي علف دوابهم، ويدل على هذا قوله: يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وفي كتاب مسلم، قال رسول الله - ﷺ -: دعوت الله ألا يمروا بعظم إلا وجدوه أوفر ما كان وأسمنه (٢) أي بالنسبة إلى تغذيهم ونَيلهم. وهل نَيلهم من ذلك شَم أو لَحس؟ كل ذلك ممكن، وقد قيل بكل واحد منهما.\nو(قوله: ذكر اسم الله عليه) أي: على تذكيته، ويحتمل على أكله،\n_________\n(١) رواه أبو داود (٨٤)، والترمذي (٨٨)، وابن ماجه (٣٨٤).\n(٢) رواه البخاري بنحوه (٣٨٦٠) عن أبي هريرة، ولم نجده في صحيح مسلم.","vol":"7","page":421},{"text":"[٢٩٢٤] وعن ابن مسعود قال: آذنت النبي ﷺ بهم شجرة.\nرواه مسلم (٤٥٠) (١٥٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1112>(٣٢) ومن سورة المدثر</span>\n[٢٩٢٥] عن سلمة قال: سألت جابر بن عبد الله: أَيُّ القُرآنِ أُنزِلَ قَبلُ؟ قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ﴾ قُلتُ: أَو اقرَأ؟ قَالَ جَابِرٌ: أُحَدِّثُكُم مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: جَاوَرتُ بِحِرَاءٍ شَهرًا، فَلَمَّا قَضَيتُ جِوَارِي نَزَلتُ فَاستَبطَنتُ بَطنَ الوَادِي، فَنُودِيتُ، فَنَظَرتُ أَمَامِي وَخَلفِي وَعَن يَمِينِي وَعَن شِمَالِي، فَلَم أَرَ أَحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ فَرَفَعتُ رَأسِي فَإِذَا هُوَ عَلَى العَرشِ فِي الهَوَاءِ - يَعنِي جِبرِيلَ ﵇ - فَأَخَذَتنِي رَجفَةٌ شَدِيدَةٌ\nــ\nوالأول أولى، وقد تقدَّم القول في الاستنجاء بالعظام والروث في الطهارة.\nو(قوله: آذنت النبي ﷺ ليلة الجن بهم شجرة) أي: أعلمته بهم، وظاهره: أن الله تعالى خلق فيها نُطقا فهمه النبي ﷺ، كما خلق في الذراع المسمومة نُطقا.\n(٣٢) ومن سورة المدثر\nقد تقدم القول فيما أنزل من القرآن أولا، في حديث عائشة - ﵂ - وتبين هناك أن الأخذ بحديثها أولى؛ لأنها زادت على جابر بذكر ما سكت عنه من حديث لقاء جبريل النبي في الغار، وإلقائه إليه: ﴿اقرَأ بِاسمِ رَبِّكَ﴾ على ما ذكرته عائشة، وقد دل على هذا أن حديث جابر قال فيه: فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء.\nقد تقدَّم القول على فجئثت في الإيمان. والمدثر: المدثر في ثيابه.","vol":"7","page":422},{"text":"فَأَتَيتُ خَدِيجَةَ فَقُلتُ: دَثِّرُونِي، فَدَثَّرُونِي، فَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً، فَأَنزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ * قُم فَأَنذِر * وَرَبَّكَ فَكَبِّر * وَثِيَابَكَ فَطَهِّر﴾\nوفي رواية: فَبَينَا أَنَا أَمشِي سَمِعتُ صَوتًا مِن السَّمَاءِ، فَرَفَعتُ رَأسِي، فَإِذَا المَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسًا عَلَى كُرسِيٍّ بَينَ السَّمَاءِ وَالأَرضِ، فَجُئِثتُ مِنهُ فَرَقًا، فَرَجَعتُ فَقُلتُ: زَمِّلُونِي. . . الحديث.\nوفي أخرى: فجُئثت منه فَرَقا حتى هويت إلى الأرض.\nرواه أحمد (٣/ ٣٠٦)، والبخاريّ (٤٩٢٣)، ومسلم (١٦١) (٢٥٥ و٢٥٧)، والترمذي (٣٣٢٥).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1113>(٣٣) ومن سورة القيامة</span>\n[٢٩٢٦] عَن ابنِ عَبَّاسٍ فِي قَولِهِ تعالى: ﴿لا تُحَرِّك بِهِ لِسَانَكَ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا نَزَلَ عَلَيهِ جِبرِيلُ بِالوَحيِ، كَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ وَشَفَتَيهِ، فَيَشتَدُّ عَلَيهِ، فَكَانَ ذَلِكَ يُعرَفُ مِنهُ، فَأَنزَلَ اللَّهُ: ﴿لا تُحَرِّك بِهِ لِسَانَكَ لِتَعجَلَ بِهِ﴾ أَخذَهُ، ﴿إِنَّ عَلَينَا جَمعَهُ وَقُرآنَهُ﴾\nــ\nو(قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّر﴾ حجة لمن قال بوجوب غسل النجاسة؛ إذ الأصل حمل الثياب والطهارة على الحقيقة اللغوية، ويحتمل أن يكون ذلك كناية عن طهارة القلب عن مذموم الأخلاق، كما قال الشاعر:\nثياب بني عوف طهارى نقية (١) ... . . . . . . . . . . . .\n_________\n(١) هذا صدر بيت، وعجزه:\nوَأوْجُهُهُمْ بِيْضُ المَسَافِر غُرَّانُ","vol":"7","page":423},{"text":"إِنَّ عَلَينَا أَن نَجمَعَهُ فِي صَدرِكَ وَقُرآنَهُ فَتَقرَؤُهُ، ﴿فَإِذَا قَرَأنَاهُ فَاتَّبِع قُرآنَهُ﴾ قَالَ: أَنزَلنَا فَاستَمِع لَهُ ﴿إِنَّ عَلَينَا بَيَانَهُ﴾ أَن نُبَيِّنَهُ بِلِسَانِكَ، فَكَانَ إِذَا أَتَاهُ جِبرِيلُ أَطرَقَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَرَأَهُ كَمَا وَعَدَهُ اللَّهُ.\nرواه البخاريُّ (٤٩٢٨)، ومسلم (٤٤٨) (١٤٧)، والترمذي (٣٣٢٦)، والنسائي (٢/ ١٤٩).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1114>(٣٤) ومن سورة الأخدود</span>\n[٢٩٢٧] عَن صُهَيبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كَانَ مَلِكٌ فِيمَن كَانَ قَبلَكُم، وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ، فَلَمَّا كَبِرَ قَالَ لِلمَلِكِ: إِنِّي قَد كَبِرتُ فَابعَث إِلَيَّ غُلَامًا أُعَلِّمهُ السِّحرَ، فَبَعَثَ إِلَيهِ غُلَامًا يُعَلِّمُهُ، فَكَانَ فِي طَرِيقِهِ - إِذَا سَلَكَ - رَاهِبٌ، فَقَعَدَ إِلَيهِ وَسَمِعَ كَلَامَهُ فَأَعجَبَهُ، فَكَانَ إِذَا أَتى السَّاحِرَ مَرَّ بِالرَّاهِبِ وَقَعَدَ إِلَيهِ، فَإِذَا أَتَى السَّاحِرَ ضَرَبَهُ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ، فَقَالَ: إِذَا خَشِيتَ السَّاحِرَ فَقُل: حَبَسَنِي أَهلِي، وَإِذَا خَشِيتَ أَهلَكَ فَقُل:\nــ\nوالرُّجز: الأوثان، سماها بذلك لاستحقاق عابديها الرِّجز، وهو العذاب. كقوله: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيهِمُ الرِّجزُ﴾ واهجر: اترك. ولربك فاصبر: أي على ما تلقاه من الأذى والتكذيب عند الإنذار.\n(٣٣ (١) و٣٤) ومن سورة الأخدود\n(قول الراهب للغلام: إذا خشيت الساحر فقل: حبسني أهلي) دليل على إجازة الكذب لمصلحة الدين، ووجه التمسك بهذا أن نبينا ﷺ ذكر هذا الحديث\n_________\n(١) لم يتعرض المؤلف -﵀- لشرح ما أشكل في عنوانه: ومن سورة القيامة.","vol":"7","page":424},{"text":"حَبَسَنِي السَّاحِرُ، فَبَينَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذ أَتَى عَلَى دَابَّةٍ عَظِيمَةٍ قَد حَبَسَت النَّاسَ، فَقَالَ: اليَومَ أَعلَمُ آلسَّاحِرُ أَفضَلُ أَم الرَّاهِبُ أَفضَلُ، فَأَخَذَ حَجَرًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِن كَانَ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيكَ مِن السَّاحِرِ فَاقتُل هَذِهِ الدَّابَّةَ حَتَّى يَمضِيَ النَّاسُ، فَرَمَاهَا فَقَتَلَهَا وَمَضَى النَّاسُ، فَأَتَى الرَّاهِبَ فَأَخبَرَهُ فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: أَي بُنَيَّ أَنتَ اليَومَ أَفضَلُ مِنِّي، قَد بَلَغَ مِن أَمرِكَ مَا أَرَى، وَإِنَّكَ سَتُبتَلَى، فَإِن ابتُلِيتَ فَلَا تَدُلَّ عَلَيَّ، وَكَانَ الغُلَامُ يُبرِئُ الأَكمَهَ وَالأَبرَصَ وَيُدَاوِي النَّاسَ مِن سَائِرِ الأَدوَاءِ، فَسَمِعَ جَلِيسٌ لِلمَلِكِ كَانَ قَد عَمِيَ فَأَتَاهُ بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ فَقَالَ: مَا هَاهُنَا لَكَ أَجمَعُ إِن أَنتَ شَفَيتَنِي، قَالَ: إِنِّي لَا أَشفِي أَحَدًا إِنَّمَا يَشفِي اللَّهُ، فَإِن آمَنتَ بِاللَّهِ دَعَوتُ\nــ\nكله في معرض الثناء على الراهب والغلام على جهة الاستحسان لما صدر عنهما، فلو كان شيء مما صدر عنهما من أفعالهما محرما أو غير جائز في شرعه، لبينه لأمته، ولاستثناه من جملة ما صدر عنهما، ولم يفعل ذلك. فكل ما أخبر به عنهما حجَّة ومسوغ الفعل.\nفإن قيل: كيف يجوز في شرعنا ما فعل الغلام من دلالته على الراهب للقتل، ومن إرشاده إلى كيفية قتل نفسه؟ فالجواب من وجهين:\nأحدهما: أن الغلام غير مكلف؛ لأنَّه لم يبلغ الحلم، ولو سلم أنه مكلف لكان العذر عن ذلك أنه لم يعلم أن الراهب يُقتل، فلا يلزم من دلالته عليه قتله. وعن معونته على قتل نفسه: أنه لما غلب على ظنه أنه مقتول ولا بد، أو علم بما جعل الله في قلبه، أرشدهم إلى طريق يظهر الله بها كرامته وصحة الدين الذي كانا عليه، ليُسلم الناس، وليدينوا دين الحق عند مشاهدة ذلك، كما كان. وقد أسلم عثمان - ﵁ - نفسه عند علمه بأنه يقتل - ولا بد - بما أخبر النبي ﷺ كما بيناه.","vol":"7","page":425},{"text":"اللَّهَ فَشَفَاكَ، فَآمَنَ بِاللَّهِ فَشَفَاهُ اللَّهُ، فَأَتَى المَلِكَ فَجَلَسَ إِلَيهِ كَمَا كَانَ يَجلِسُ فَقَالَ لَهُ المَلِكُ: مَن رَدَّ عَلَيكَ بَصَرَكَ؟ قَالَ: رَبِّي، قَالَ: وَلَكَ رَبٌّ غَيرِي؟ قَالَ: رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَخَذَهُ فَلَم يَزَل يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الغُلَامِ، فَجِيءَ بِالغُلَامِ فَقَالَ لَهُ المَلِكُ: أَي بُنَيَّ قَد بَلَغَ مِن سِحرِكَ مَا تُبرِئُ الأَكمَهَ وَالأَبرَصَ وَتَفعَلُ وَتَفعَلُ؟ قَالَ: إِنِّي لَا أَشفِي أَحَدًا، إِنَّمَا يَشفِي اللَّهُ، فَأَخَذَهُ فَلَم يَزَل يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الرَّاهِبِ، فَجِيءَ بِالرَّاهِبِ فَقِيلَ لَهُ: ارجِع عَن دِينِكَ، فَأَبَى، فَدَعَا بِالمِئشَارِ فَوَضَعَ المِئشَارَ فِي مَفرِقِ رَأسِهِ فَشَقَّهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بِجَلِيسِ المَلِكِ فَقِيلَ لَهُ: ارجِع عَن\nــ\nوهذا الحديث كله إنما ذكره النبي ﷺ لأصحابه، ليصبروا على ما يلقون من الأذى والآلام والمشقات التي كانوا عليها؛ ليتأسوا بمثل هذا الغلام في صبره وتصلبه في الحق وتمسكه به، وبذله نفسه في حق إظهار دعوته، ودخول الناس في الدين مع صغر سنه وعظيم صبره، وكذلك الراهب صبر على التمسك بالحق حتى نُشر بالمئشار، وكذلك كثير من الناس لما آمنوا بالله تعالى ورسخ الإيمان في قلوبهم، صبروا على الطرح في النار، ولم يرجعوا عن دينهم، وهذا كله فوق ما كان يُفعل بمن آمن من أصحاب النبي ﷺ، فإنَّه لم يكن فيهم من فُعل به شيء من ذلك؛ لكفاية الله تعالى لهم، ولأنه تعالى أراد إعزاز دينه وإظهار كلمته. على أني أقول: إن محمدا ﷺ أقوى الأنبياء في الله، وأصحابه أقوى أصحاب الأنبياء في الله تعالى، فقد امتُحن كثير منهم بالقتل وبالصلب وبالتعذيب الشديد، ولم يلتفت إلى شيء من ذلك، وتكفيك قصة عاصم وخبيب وأصحابهما، وما لقي أصحابه من الحروب، والمحن، والأسر، والحرق، وغير ذلك، فلقد بذلوا في الله نفوسهم وأموالهم، وفارقوا ديارهم وأولادهم، حتى أظهروا دين الله، ووفوا بما عاهدوا عليه الله، فجازاهم الله أفضل الجزاء، ووفاهم من أجر من دخل في الإسلام بسببهم أفضل الإجزاء.","vol":"7","page":426},{"text":"دِينِكَ، فَأَبَى، فَوَضَعَ المِئشَارَ فِي مَفرِقِ رَأسِهِ فَشَقَّهُ بِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بِالغُلَامِ فَقِيلَ لَهُ: ارجِع عَن دِينِكَ، فَأَبَى، فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِن أَصحَابِهِ فَقَالَ: اذهَبُوا بِهِ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا، فَاصعَدُوا بِهِ الجَبَلَ فَإِذَا بَلَغتُم بِهِ ذُروَتَهُ، فَإِن رَجَعَ عَن دِينِهِ وَإِلَّا فَاطرَحُوهُ، فَذَهَبُوا بِهِ فَصَعِدُوا بِهِ الجَبَلَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكفِنِيهِم بِمَا شِئتَ، فَرَجَفَ بِهِم الجَبَلُ، فَسَقَطُوا وَجَاءَ يَمشِي إِلَى المَلِكِ، فَقَالَ لَهُ المَلِكُ: مَا فَعَلَ أَصحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ، فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِن أَصحَابِهِ فَقَالَ: اذهَبُوا بِهِ فَاحمِلُوهُ على قُرقُورٍ، فَتَوَسَّطُوا بِهِ البَحرَ، فَإِن رَجَعَ عَن دِينِهِ وَإِلَّا فَاطرَحُوهُ، فَذَهَبُوا بِهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكفِنِيهِم بِمَا شِئتَ، فَانكَفَأَت بِهِم السَّفِينَةُ، فَغَرِقُوا وَجَاءَ يَمشِي إِلَى المَلِكِ، فَقَالَ المَلِكُ: مَا فَعَلَ أَصحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ، فَقَالَ لِلمَلِكِ: إِنَّكَ لَستَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ، قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ:\nــ\nوقد تقدَّم أن المئشار يقال بالنون وبالياء المهموزة، وهي الأفصح، وقد تُسهل همزتها. والدابة العظيمة، كانت أسدا، كما جاء في حديث آخر. والقُرقُور - بضم القافين - هو السفينة الكبيرة. قاله الهروي، وقد أُنكر هذا عليه. وقيل: إن السفن الكبار لا تستعمل في مثله.\nقلت: وهذا إنكار ينبغي أن يُنكر، فلعل هذا الملك قصد إلى أعظم السفن حتى يتوسط البحر بهذا الغلام ليلقوه في أبعده عنه، أو لعله جعل معه في السفينة من يملؤها أو ما يملؤها، والمرجع فيه إلى أهل اللغة. وقد قال ابن دريد في الجمهرة: القرقور: ضرب من السفن، عربي معروف، والمعروف عند الناس فيه استعماله فيما صغر منها، وخف للتصرف فيه.\nو(قوله: فرجف بهم الجبل) أي: تحرك، وتزلزل بهم. وخد الأخدود؛ أي: حفر في الأرض شقا مستطيلا عظيما، ويجمع: أخاديد.","vol":"7","page":427},{"text":"تَجمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ وَتَصلُبُنِي عَلَى جِذعٍ، ثُمَّ خُذ سَهمًا مِن كِنَانَتِي، ثُمَّ ضَع السَّهمَ فِي كَبِدِ القَوسِ، ثُمَّ قُل: بِاسمِ اللَّهِ رَبِّ الغُلَامِ، ثُمَّ ارمِنِي؛ فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلتَ ذَلِكَ قَتَلتَنِي، فَجَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ وَصَلَبَهُ عَلَى جِذعٍ، ثُمَّ أَخَذَ سَهمًا مِن كِنَانَتِهِ ثُمَّ وَضَعَ السَّهمَ فِي كَبدِ القَوسِ ثُمَّ قَالَ: بِاسمِ اللَّهِ رَبِّ الغُلَامِ، ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهمُ فِي صُدغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدغِهِ فِي مَوضِعِ السَّهمِ فَمَاتَ، فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الغُلَامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الغُلَامِ،، فَأُتِيَ المَلِكُ فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيتَ مَا كُنتَ تَحذَرُ؟ قَد وَاللَّهِ نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ، قَد آمَنَ النَّاسُ، فَأَمَرَ بِالأُخدُودِ بِأَفوَاهِ السِّكَكِ فَخُدَّت وَأَضرَمَ النِّيرَانَ وَقَالَ: مَن لَم يَرجِع عَن دِينِهِ فَأَحمُوهُ فِيهَا، أَو قِيلَ لَهُ: اقتَحِم. فَفَعَلُوا حَتَّى جَاءَت امرَأَةٌ وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا، فَتَقَاعَسَت أَن تَقَعَ فِيهَا فَقَالَ لَهَا الغُلَامُ: يَا أُمَّه اصبِرِي فَإِنَّكِ عَلَى الحَقِّ.\nرواه أحمد (٦/ ١٧)، ومسلم (٣٠٠٥)، والترمذي (٣٣٤٠)، والنسائي في الكبرى (١١٦٦١).\n* * *\nــ\nو(قوله: فأحموه فيها، أو قيل: اقتحم) هذا شك من بعض الرواة، فأحموه فيها، معناه: ألقوه فيها وأدخلوه إياها. يقال: أحميت الحديد والشيء في النار: إذا أدخلته فيها. قال القاضي أبو الفضل: واقتحم: ادخل على كُره ومشقة.\nو(قوله: فتقاعست) أي: تأخرت وامتنعت، وقد أظهر الله لهذا الملك الجبار الظالم من الآيات والبينات ما يدلّ على القطع والثبات أن الراهب والغلام على الدين الحق، والمنهج الصدق، لكن من حُرم التوفيق استدبر الطريق. وفي هذا الحديث إثبات كرامات الأولياء، وقد تقدَّم القول فيها.","vol":"7","page":428},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1115>(٣٥) ومن سورة الشمس وضحاها</span>\n[٢٩٢٨] عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ زَمعَةَ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ النَّاقَةَ، وَذَكَرَ الَّذِي عَقَرَهَا فَقَالَ: ﴿إِذِ انبَعَثَ أَشقَاهَا﴾ انبَعَثَ بِهَا رَجُلٌ عَزِيزٌ عَارِمٌ مَنِيعٌ فِي رَهطِهِ، مِثلُ أَبِي زَمعَةَ. ثُمَّ ذَكَرَ النِّسَاءَ فَوَعَظَ فِيهِنَّ ثُمَّ قَالَ: إِلَامَ يَجلِدُ أَحَدُكُم امرَأَتَهُ.\nــ\n(٣٥) ومن سورة الشمس وضحاها\n(قوله: ﴿إِذِ انبَعَثَ أَشقَاهَا﴾ أي: قام مسرعا. وضمير المؤنث عائد على ثمود، وهي مؤنثة؛ لأنَّها قُصد بها قصد قبيلة، ولذلك مع التعريف لم تصرف. والعزيز: القليل المثل، ويكون بمعنى الغالب. والعارم: الجبار الصعب على من يرومه، والممتنع بسلطانه وعشيرته. وأبو زمعة هذا يحتمل أن يكون هو الذي قال فيه أبو عمر: أنه بلويٌّ، صحابي ممن بايع تحت الشجرة، وتوفي بإفريقية في غزاة معاوية بن خديج الأولى، ودفن بالبلوية بالقيروان.\nقلت: فإن كان هو هذا؛ فإنَّه إنما شبهه بعاقر الناقة في أنه عزيز في قومه، ومنيع على من يريده من أهل الكفر. ويحتمل أن يريد به غيره ممن يسمى بأبي زمعة، قاله ابن إسحاق وغيره.\nو(قوله: إلام يجلد أحدكم امرأته جلد العبد؟ !) هذا إنكار على من يجلد زوجته، ويكثر من ذلك حتى يعاملها معاملة الأمة، ثم إنه بعد ذلك باليسير يرجع إلى مضاجعتها، وإلى قضاء شهوته منها، فلا تطاوعه، ولا تتحسن له، وقد تبغضه، وقد يكون هو يحبها، فيفسد حاله، ويتفاقم أمرهما، وتزول الرحمة والمودة التي جعلها الله تعالى بين الأزواج، ويحصل نقيضها، فنبه ﷺ بهذا اللفظ الوجيز على ما يطرأ من ذلك من المفاسد.","vol":"7","page":429},{"text":"وَفِي رِوَايَة: جَلدَ العَبدِ، وَلَعَلَّهُ يُضَاجِعُهَا مِن آخِرِ يَومِهِ. ثُمَّ وَعَظَهُم فِي ضَحِكِهِم مِن الضَّرطَةِ فَقَالَ: إِلَامَ يَضحَكُ أَحَدُكُم مِمَّا يَفعَلُ؟ .\nرواه أحمد (٤/ ١٧)، والبخاريّ (٣٣٧٧)، ومسلم (٢٨٥٥)، والترمذي (٣٣٤٣)، وابن ماجه (١٩٨٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1116>(٣٦) ومن سورة الليل</span>\n[٢٩٢٩] عَن عَلقَمَةَ قَالَ: قَدِمنَا الشَّامَ، فَأَتَانَا أَبُو الدَّردَاءِ فَقَالَ: أَفِيكُم أَحَدٌ يَقرَأُ عَلَي قِرَاءَةِ عَبدِ اللَّهِ؟ فَقُلتُ: نَعَم أَنَا، قَالَ: فَكَيفَ سَمِعتَ عَبدَ اللَّهِ يَقرَأُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغشَى﴾ قَالَ: سَمِعتُهُ يَقرَأُ: وَاللَّيلِ إِذَا يَغشَى وَالذَّكَرِ وَالأُنثَى، قَالَ: وَأَنَا وَاللَّهِ هَكَذَا سَمِعتُ\nــ\nو(قوله: ثم وعظهم في ضحكهم من الضرطة) أي: نهاهم وزجرهم عن ذلك؛ لأنَّه فعل عادي يستوي فيه الناس كلهم، وإن كان مِمَّا يُستقبح، فحق الإنسان أن يستتر به، فإن غلبه بحيث يسمعه أحد فلا يضحك منه، فإنَّه يتأذى الفاعل بذلك ويخجل منه، وأذى المسلم حرام، فالضحك من الضرطة حرام.\n(٣٦) ومن سورة والليل إذا يغشى\nقراءة عبد الله بن مسعود وأبي الدرداء - ﵄ - (والذكر والأنثى) ليست قرآنا، هكذا بإجماع الصحابة والمسلمين بعدهم، واتفاق المصاحف على خلافها، وأن القراءة المتواترة: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنثَى﴾ وبقي عبد الله وأبو الدرداء على ما سمعاه، وأبيا أن يقرآ على قراءة الجماعة. وعليهما في ذلك إشكال، وعلى قراءتهما يكون الذكر: هو آدم، والأنثى: حواء، وهو المقسم","vol":"7","page":430},{"text":"رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقرَؤُهَا، وَلَكِن هَؤُلَاءِ يُرِيدُونَ أَن أَقرَأَ: ﴿وَمَا خَلَقَ﴾ فَلَا أُتَابِعُهُم.\nرواه أحمد (٦/ ٤٥١)، والبخاريُّ (٤٩٤٣)، ومسلم (٨٢٤) (٢٨٢)، والترمذي (٢٩٣٩).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1117>(٣٧) ومن سورة الضحى</span>\n[٢٩٣٠] عن جندب بن سفيان، قال: أبطأ جبريل عن رسول الله ﷺ فقال المشركون: قد وُدع محمد، فأنزل الله ﷿:\nــ\nبهما، وعلى قراءة الجماعة: المقسم به: ما خلق، وهو بمعنى الذي، ويعني به الخالق. وقد قيل: يعني بذلك المصدر، فكأنه قال: وخلق الذكر والأنثى، وعلى هذا فيكون الذكر والأنثى يراد به النوع كله، والله تعالى أعلم.\n(٣٧) ومن سورة والضحى\n(قوله: أبطأ جبريل - ﵇ - عن رسول الله ﷺ، فقال المشركون: قد وُدع محمد) هذا إنما كان بمكة في أول الإسلام، وذلك أن المشركين سألوا رسول الله ﷺ عن الخضر، وذي القرنين، والروح، فوعدهم بالجواب إلى غد، ولم يستثنِ، فأبطأ عليه جبريل. قيل: اثنتي عشرة ليلة، وقيل أكثر من ذلك، حتى ضاق صدر النبي ﷺ، وقال المشركون ذلك القول، فعند ذلك نزل عليه جبريل - ﵇ - بهذه السورة، وبجواب ما سألوا عنه، وقال له: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ قاله ابن إسحاق وغيره.","vol":"7","page":431},{"text":"﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾\nرواه مسلم في الجهاد (١٧٩٧) (١٤).\n[٢٩٣١] وعنه قال: اشتكى رسول الله ﷺ فلم يقم ليلتين أو ثلاثا، فجاءته امرأة فقالت: يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، ولم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث، قال: فأنزل الله ﷿: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾\nرواه البخاري (١١٢٤)، ومسلم (١٧٩٧) (١١٥)، والترمذي (٣٣٤٥).\n* * *\nــ\nو(قول جندب في الرواية الأخرى: إنها نزلت جوابا لمن قالت: تركه شيطانه). لا يعارض بما قاله ابن إسحاق؛ إذ يجوز أن تكون نزلت جوابا لذينك الشيئين، وجوابا لمن قال ذلك كائنا من كان. وقد تقدَّم أن الضحى: صدر النهار. وسجى: أقبل ظلامه. وما ودّعك - مشددا -: هي القراءة المتواترة. أي: ما تركك ترك مودع. وقراءة ابن أبي عبلة: وَدَعَك - مخففا - على الأصل المرفوض كما قدمناه، وذلك أن العرب أماتت ماضيه واسم فاعله، وصيغة مفاضلته، استغناء عنه بـ (ترك)، وقد نُطق بذلك قليلا. والقِلى: البُغض.\n* * *","vol":"7","page":432},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1118>(٣٨) ومن سورة اقرأ باسم ربك</span>\n[٢٩٣٢] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو جَهلٍ: هَل يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجهَهُ بَينَ أَظهُرِكُم؟ قَالَ: فَقِيلَ: نَعَم، فَقَالَ: وَاللَّاتِ وَالعُزَّى لَئِن رَأَيتُهُ يَفعَلُ ذَلِكَ لَأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ، أَو لَأُعَفِّرَنَّ وَجهَهُ فِي التُّرَابِ، قَالَ: فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي - زَعَمَ - لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ، قَالَ: فَمَا فَجِئَهُم مِنهُ إِلَّا وَهُوَ يَنكُصُ عَلَى عَقِبَيهِ وَيَتَّقِي بِيَدَيهِ، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ بَينِي وَبَينَهُ لَخَندَقًا مِن نَارٍ وَهَولًا وَأَجنِحَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَو دَنَا\nــ\n(٣٨) ومن سورة اقرأ\nتعفير الوجه: تتريبه. وينكص على عقبيه: يرجع القهقرى وراءه.\nو(قوله تعالى: ﴿اقرَأ بِاسمِ رَبِّكَ﴾ أي: اذكر اسم ربك بالتوحيد والتعظيم. والباء صلة. قاله أبو عبيدة، وقيل عنه: الاسم صلة. أي: بعونه وتوفيقه، وأشبه منهما أن يقال: إن معناه: ابتدئ القراءة ببركة اسم ربك وعونه، وخلق: أي: آدم - ﵇ - من تراب. وخلق الإنسان من علق: يعني ولده، والعلق: الدم. جمع علقة، وسميت بذلك لتعلقها بما مرت عليه، وأنشدوا:\nتركناه يخر على يديه ... يمج عليهما علق الوتين\nواقرأ الثاني: توكيد للأول لفظي، ولذلك حسن الوقف عليه. ﴿وَرَبُّكَ الأَكرَمُ﴾ وهو مرفوع بالابتداء، وخبره: علم الإنسان ما لم يعلم، قيل: آدم - ﵇ - علمه الأسماء كلها. وقال قتادة: هي للجنس، أي: الخط.\nقلت: (ما) لإبهامها للعموم؛ إذ لله تعالى علم كل واحد من نوع الإنسان ما لم يكن يعلم، لكن الامتنان إنما يحصل بالعلوم النافعة لا غير، فهي المقصودة بهذا العموم، والله أعلم.","vol":"7","page":433},{"text":"مِنِّي لَاختَطَفَتهُ المَلَائِكَةُ عُضوًا عُضوًا، قَالَ: فَأَنزَلَ اللَّهُ ﷿، لَا نَدرِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ، أَو شَيءٌ بَلَغَهُ: ﴿كَلا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطغَى﴾ إلى ﴿أَرَأَيتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ يَعنِي أَبَا جَهلٍ، ﴿أَلَم يَعلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى * كَلا لَئِن لَم يَنتَهِ﴾ إلى قوله: ﴿سَنَدعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلا لا تُطِعهُ﴾ وقال: وَأَمَرَهُ بِمَا أَمَرَهُ.\nــ\nوقد تقدَّم أن أول ما نزل من القرآن من أول هذه السورة إلى آخر هذه الآية، ثم بعد آماد نزل قوله: ﴿كَلا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطغَى﴾ فهذا نمط آخر افتُتح الكلام به، ولذلك قال أبو حاتم: إن (كلا) هنا بمعنى (ألا) التي للاستفتاح. وقال الفراء: إنها تكذيب للمشركين. وقول أبي حاتم أولى. والإنسان هنا: أبو جهل. و(ليطغى) أي: تكبر وارتفع حتى تجاوز المقدار والحد. و(أن رآه استغنى) أي: من أجل استغنائه بماله وشدته، وعشيرته، وعلى هذا فالضمير عائد إلى أبي جهل، أعني: الضمير في (رآه). وقيل: هو عائد على محمد ﷺ؛ أي: أن أبا جهل طغى وتجاوز الحد في حسده لمحمد ﷺ، من أن استغنى محمد ﷺ بربه، وبما منحه من فضله عن كل أحد من جميع خلقه.\nو(قوله: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجعَى﴾ أي: الرجوع إليه يوم القيامة، فيجازي كلا بفعله.\nو(قوله: ﴿أَرَأَيتَ الَّذِي يَنهَى * عَبدًا إِذَا صَلَّى﴾ يعني به: أبا جهل، نهى رسول الله - ﷺ - عن أن يصلي، وقال ما ذكره في الحديث، و(أرأيت) هذه فيها معنى التعجب، فكأنه قال: اعجب من هذا الجاهل الضعيف العقل، كيف ينهى عن عبادة الله تعالى مثل محمد ﷺ.\nو(قوله: ﴿أَرَأَيتَ إِن كَانَ عَلَى الهُدَى * أَو أَمَرَ بِالتَّقوَى﴾ قيل: هو خطاب لأبي جهل، وهو خطاب توبيخ له واحتجاج عليه، فكأنه قال: أخبرني أيها المناع لمحمد من العبادة إن كان محمد على الهدى، أو أمر بالتقوى، فصددته","vol":"7","page":434},{"text":"في رواية: ﴿فَليَدعُ نَادِيَهُ﴾ يَعنِي قَومَهُ.\nرواه أحمد (٢/ ٣٧٠)، ومسلم (٢٧٩٧)، والنسائي في الكبرى (١١٦٨٣).\n* * *\nــ\nعن ذلك، ألم تعلم أن الله يراك، وهو قدير على أخذك ومعاقبتك؟ ! وقيل: جوابه محذوف، تقديره: ألست تستحق من الله النكال والعقاب؟ ثم أخذ بعد هذا في تهديده ووعيده، فقال: (كلا) أي: ويل له وهلاك.\nو(قوله: ﴿لَئِن لَم يَنتَهِ لَنَسفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾) هذا قسم من الله تعالى على تعذيبه، وإهلاكه إن لم يؤمن. ومعنى: لنسفعا: لنأخذن ولنجذبن. والناصية: شعر مقدم الرأس، وهذا الوعيد مثل قوله تعالى: ﴿يُعرَفُ المُجرِمُونَ بِسِيمَاهُم فَيُؤخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقدَامِ﴾ ثم وصف ناصيته بأنها كاذبة خاطئة، والمقصود: صاحبها.\nو(قوله: ﴿فَليَدعُ نَادِيَهُ﴾) أي: إذا أخذناه فلينتصر بأهل مجلسه إن صح له ذلك. والنادي: المجلس، وأراد به أهل ناديه، ويقال عليهم: الندي.\nو(قوله: ﴿سَنَدعُ الزَّبَانِيَةَ﴾) أي: لتعذيبه، وهم خزنة النار الموكلون بتعذيب الكفار، وهم الملائكة الذين قال الله فيهم: ﴿عَلَيهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُم وَيَفعَلُونَ مَا يُؤمَرُونَ﴾ وسُموا زبانية من الزبن، وهو الدفع؛ لشدة دفعهم وبطشهم. قال الشاعر:\n. . . . . . . . . . . . ... زبانية غُلبٌ عِظام كُلومها (١)\n_________\n(١) هذا عجز بيتٍ، وصدره:\nمَطَاعِيمُ في القُصْوَى مَطَاعِينُ في الوَغَى","vol":"7","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1119>(٣٩) ومن سورة النصر</span>\n[٢٩٣٣] عن عبد الله بن عتبة، قال: قال لي ابن عباس: تعلم آخر سورة من القرآن نزلت جميعا؟ قلت: نعم: ﴿إِذَا جَاءَ نَصرُ اللَّهِ وَالفَتحُ﴾ قال: صدقت.\nوفي رواية: تعلم أي سورة، ولم يقل: آخر.\nرواه مسلم (٣٠٢٤).\nــ\nو(قوله: ﴿كَلا لا تُطِعهُ﴾) تأكيد زجر لأبي جهل، ونهي لمحمد ﷺ عن طاعته في ترك الصلاة، وفيما يأمر به وينهى عنه. و﴿وَاسجُد وَاقتَرِب﴾) أي: صل لله، وتقرب إليه بعبادته وأفعال البر، وقد تكلمنا على سجود القرآن في كتاب الصلاة.\n(٣٩) ومن سورة النصر\nنصر الله: عونه على إظهار نبيه ﷺ على قريش وغيرهم. والفتح: فتح مكة، كما فسره النبي ﷺ في حديت عائشة - ﵂ - ولا يُلتفت لما قيل في ذلك مما يخالفه. والأفواج: الزمر. يعني زمرة بعد زمرة، وهذا كان بعد فتح مكة، فإنَّ أهل مكة كانوا عظماء العرب وقادتهم، ومكة بيت الله تعالى، فتوقفت العرب في إسلامها على أهل مكة ينظرون ما يفعلون، فلما فتح الله تعالى مكة على نبيه ﷺ، وأسلم أهلها أصفقت العرب على الدخول في الإسلام، وهجرت الأوثان، وعطّلت الأزلام، وحصل التمام، وكمل الإنعام، فوجب الشكر لهذا المنعم الكريم، واستغفار هذا المولى الرحيم، لا سيما وقد أفصح خطابا: ﴿فَسَبِّح بِحَمدِ رَبِّكَ وَاستَغفِرهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ أي: قل يا محمد: سبحان الله وبحمده، و: أستغفر الله وأتوب إليه. فكان ﷺ يُكثر من قول ذلك شكرا","vol":"7","page":436},{"text":"[٢٩٣٤] وعن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر من قول: سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه. فقلت: يا رسول الله، أراك تكثر من قول: سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه، فقال: خبرني ربي أني سأرى علامة في أمتي، فإذا رأيتها أكثرت من قول:\nــ\nلله تعالى، وامتثالا لما أُمر به هنالك. وقد تقدَّم: أن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عباس - ﵃ - فهما من هذه السورة أن الله تعالى نعى لنبينا محمد ﷺ نفسه، وكذلك فهمه أبو بكر - ﵁ - وقال ابن عمر - ﵄ -: نزلت هذه السورة بمنى في حجَّة الوداع، ثم نزلت: ﴿اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي﴾ فعاش بعدها النبي ﷺ ثمانين يوما، ثم نزلت آية الكلالة، فعاش بعدها خمسين يوما، ثم نزل: ﴿لَقَد جَاءَكُم رَسُولٌ مِن أَنفُسِكُم﴾ فعاش بعدها خمسة وثلاثين يوما، ثم نزلت: ﴿وَاتَّقُوا يَومًا تُرجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ فعاش بعدها أحدا وعشرين يوما. وقال مقاتل: سبعة أيام.\nإنه كان توابا على النادمين - وإن كثروا - ومحاء ذنوب الخطائين إذا استغفروا. نسأل (١) الله العظيم الكريم أن يلهمنا الندم الذي هو أعظم أركان التوبة، وأن يمحو ذنوبنا، ويلهمنا الاستغفار الموجب لذلك، إن شاء الله تعالى.\n* * *\nتم الجزءُ الرابعُ من كتاب \"المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم\" وبتمامه يتمُّ جميعُ الديوان، والله المستعان، وذلك في شهر شوال سنه أربع وعشرين وسبعمئة على يد الفقير إلى الله تعالى محمد بن عيسى بن محمد بن رزيك الشافعي مذهبًا، الغسَّاني نسبًا، رحمهم الله تعالى برحمته الواسعة وسائر المسلمين (١).\n_________\n(١) هذا خاتمة (ع).","vol":"7","page":437},{"text":"سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه، فقد رأيتها، ﴿إِذَا جَاءَ نَصرُ اللَّهِ وَالفَتحُ﴾ فتح مكة ﴿وَرَأَيتَ النَّاسَ يَدخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفوَاجًا﴾ إلى آخرها.\nرواه البخاري (٨١٧)، ومسلم (٤٨٤) (٢٢٠).\nــ\nتم هذا الكتاب الشريف وهو تلخيص كتاب مسلم، وهو آخر الكتاب\nالحمد لله حقَّ حَمْدِه وصلواتُه على سيدنا محمد، وآله، وأصحابه، وسلامه\nوكان الفراغ منه في الثامن من شهر شعبان المكرّم سنة سبعٍ وثلاثين وستمئة\n* * *","vol":"7","page":438}]}