{"ً":{"ٌ":132618,"ٍ":"الإشاعة لأشراط الساعة","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"العقيدة/الاشاعة لاشراط الساعة_البرزنجي_دار المنهاج_معه تعليقات محمد زكريا الكاندهلوي عناية حسين محمد علي شكري_3","files":["159399.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الإشاعة لأشراط الساعة\nالمؤلف: محمد بن رسول البرزنجي الحسيني (١٠٤٠ هـ - ١١٠٣ هـ)\nتعليقات: محمد زكريا الكاندهلوي\nقابله واعتنى به: حسين محمد علي شكري\nالناشر: دار المنهاج للنشر والتوزيع، جدة - المملكة العربية السعودية\nالطبعة: الثالثة، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م\nعدد الصفحات: ٣٨٤\nأعده للشاملة: رابطة النساخ، تنفيذ (مركز النخب العلمية)، وبرعاية (أوقاف عبد الله بن تركي الضحيان الخيرية)\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2936,"ٕ":1,"ٖ":1770156185,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"[مقدمة التحقيق]","level":1,"page":4},{"title":"تصدير","level":2,"page":4},{"title":"وصف النسخ الخطية","level":2,"page":5},{"title":"تقديم","level":2,"page":7},{"title":"ترجمة المؤلف","level":2,"page":12},{"title":"اسمه","level":3,"page":12},{"title":"مولده ونشأته","level":3,"page":12},{"title":"رحلاته","level":3,"page":12},{"title":"مصنفاته وأعماله","level":3,"page":13},{"title":"[مقدمة المؤلف]","level":1,"page":21},{"title":"تنبيه: في ذكر مآخذ هذا الكتاب","level":2,"page":24},{"title":"تنبيه آخر: في ذكر المقصود من تأليف هذا الكتاب","level":2,"page":24},{"title":"الباب الأول: في الأمارات البعيدة التي ظهرت وانقرضت","level":1,"page":25},{"title":"ذكر موت النبي - ﷺ - وما ورد في ذلك","level":2,"page":26},{"title":"ذكر قتل أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب وما ورد في ذلك","level":2,"page":27},{"title":"حاصل معنى ما ورد في ذلك من الأحاديث","level":3,"page":28},{"title":"ذكر سبب قتل سيدنا عمر بن الخطاب - ﵁ - وما ورد في ذلك من الروايات","level":2,"page":28},{"title":"ذكر تفاصيل ما جرى قبيل وفاة سيدنا عمر بن الخطاب وحديثه مع سيدنا علي ﵄","level":2,"page":31},{"title":"فائدة: ذكر القسطلاني في \"شرح البخاري\": أن الشمس كسفت يوم وفاة سيدنا عمر - ﵁ -","level":3,"page":32},{"title":"تنبيه: معنى: (العضاة - أسوق - البوائق - الأكمام - الحمام - المطرق)","level":3,"page":33},{"title":"ذكر بقية حديث \"البخاري\" في وفاة ودفن سيدنا عمر - ﵁ -","level":2,"page":33},{"title":"تنبيه: ما علم من الأحاديث السابقة الذكر","level":3,"page":34},{"title":"ذكر قتل سيدنا عثمان بن عفان - ﵁ - وما ورد في ذلك","level":2,"page":34},{"title":"ذكر سبب قتله بالاختصار","level":2,"page":36},{"title":"ذكر ما ورد في خلال فترة حصار سيدنا عثمان - ﵁ - في داره حتى قتل","level":2,"page":36},{"title":"ذكر دفن سيدنا عثمان - ﵁ - وما ورد في ذلك من أخبار","level":2,"page":38},{"title":"ذكر ما روي من نوح الجن على سيدنا عثمان - ﵁ -","level":2,"page":38},{"title":"ذكر خبر سيدنا علي - ﵁ - حين سماعه بقتل سيدنا عثمان - ﵁ -","level":2,"page":39},{"title":"ذكر وقعة الجمل","level":2,"page":39},{"title":"تنبيهان","level":3,"page":40},{"title":"الأول: ذكر تعجب الدميري من إنكار الإمام ابن العربي لحديث نبح كلاب الحوأب","level":4,"page":40},{"title":"الثاني: معنى: \"الأدبب\"","level":4,"page":40},{"title":"ذكر سبب وقعة الجمل وما جرى خلالها على سبيل الاختصار","level":2,"page":41},{"title":"ذكر قتل ابن جرموز سيدنا الزبير بن العوام - ﵁ -","level":2,"page":46},{"title":"ذكر رد سيدنا علي أموال سيدنا طلحة لابنه عمر ﵃","level":2,"page":46},{"title":"ذكر ما روي في إجابة السيدة عائشة عن سبب خروجها على سيدنا علي ﵄","level":2,"page":46},{"title":"ذكر وقعة صفين","level":2,"page":47},{"title":"ذكر سببها بالاختصار","level":2,"page":47},{"title":"ذكر وقعة النهروان","level":2,"page":49},{"title":"ذكر المصنف أن أصحاب سيدنا معاوية - ﵁ - مخطئون في اجتهادهم ودليله على ذلك","level":2,"page":51},{"title":"ذكر سبب الواقعة بالاختصار","level":2,"page":51},{"title":"ذكر نزول أمير المؤمنين الحسن بن علي لمعاوية ﵄","level":2,"page":52},{"title":"تنبيه: معنى: (السرم)","level":3,"page":52},{"title":"ذكر ما روي في شأن سيدنا معاوية - ﵁ -","level":2,"page":52},{"title":"ذكر سبب نزول سيدنا الحسن - ﵁ - عن الخلافة","level":2,"page":53},{"title":"ذكر يزيد بن معاوية وما حدث في ملكه من الفتن","level":2,"page":55},{"title":"بيان المصنف المعني بالاستثناء المشار إليه في الحديث: \"إلا الصالحين\"","level":3,"page":56},{"title":"ذكر ما روي في الحكم بن أبي العاصي","level":2,"page":56},{"title":"ذكر مدة ملك بني أمية","level":2,"page":57},{"title":"ذكر ما وقع من الفتن في زمن يزيد بن معاوية","level":2,"page":58},{"title":"قتل سيدنا الحسن بن علي ﵄ وسببه","level":3,"page":58},{"title":"قتل سيدنا الحسين بن علي ﵄","level":3,"page":59},{"title":"بيان المصنف أن حديث: \"أمسك يا معاذ وأحص. .\" ذم للذين بايعوه وأخرجوه","level":3,"page":59},{"title":"ذكر سبب قتله - ﵁ -","level":2,"page":60},{"title":"ذكر شعر قاتله - ﵁ - وسبب قتل ابن زياد له","level":2,"page":61},{"title":"ذكر ما رواه الترمذي حول دخول حية عظيمة رأس ابن زياد لما قتل","level":2,"page":62},{"title":"ذكر ما ظهر يوم قتل الحسين - ﵁ -","level":2,"page":62},{"title":"ذكر وقعة الحرة وما ورد في ذلك","level":2,"page":63},{"title":"ذكر سبب هذه الوقعة وما جرى فيها","level":2,"page":64},{"title":"ذكر خطبة معاوية بن يزيد بن معاوية ونزوله عن الخلافة","level":2,"page":66},{"title":"ذكر دفن بني أمية لمعلم معاوية بن يزيد حيا وسبب ذلك","level":2,"page":68},{"title":"ذكر ما روي عن الأئمة وحكمهم على يزيد بن معاوية","level":2,"page":68},{"title":"ذكر المصنف رأيه حول ذلك","level":2,"page":69},{"title":"ذكر ما حصل بين بني أمية ومن خالفهم ونازعهم في أمر الخلافة","level":2,"page":69},{"title":"ذكر خراب المدينة بعد الحرة وما روي في ذلك","level":2,"page":70},{"title":"نقل المصنف عن السمهودي سبب ترك المدينة أهلها","level":3,"page":71},{"title":"ذكر المصنف رأيه حول الخروج وعدده","level":2,"page":72},{"title":"ذكر بعض الفتن التي وقعت في زمن بني مروان","level":2,"page":72},{"title":"قتل زيد بن علي بن الحسين وصلبه وحرقه بالنار","level":3,"page":72},{"title":"ذكر دولة بني العباس وما روي في ذلك","level":2,"page":73},{"title":"ذكر الفتن التي وقعت زمن دولة بني العباس","level":2,"page":74},{"title":"ذكر فتنة الفاطمية واستيلاؤهم على المغرب ومصر","level":2,"page":75},{"title":"ذكر بعض فتن الفاطمية","level":2,"page":75},{"title":"ذكر حال الحاكم بأمر الله الفاطمي وبعض أخباره","level":2,"page":75},{"title":"ذكر فتنة القرامطة وإهانتهم الدين","level":2,"page":77},{"title":"ذكر قتال الترك وفتنتهم -وهم التتار- وما روي في ذلك","level":2,"page":77},{"title":"تنبيه: ذكر معنى بعض المفردات اللغوية","level":3,"page":77},{"title":"ذكر خروج جنكيز خان وما وقع من فتن","level":2,"page":79},{"title":"فائدة: في ذكر أول من مدح الترك من الشعراء","level":3,"page":80},{"title":"ذكر نار الحجاز وما ورد في ذلك من أحاديث وأخبار","level":2,"page":81},{"title":"نقل المصنف ما رواه السمهودي حول هذه النار","level":3,"page":82},{"title":"ذكر المصنف ما أورد المطري حول عدم إحراق النار للشجر ونقل ما ذكره القسطلاني أنها كانت تسحق الحجر والشجر حتى وصولها إلى حد الحرم وانطفائها","level":2,"page":83},{"title":"ترجيح المصنف ما ورد عن القسطلاني على ما ورد عن المطري","level":3,"page":83},{"title":"ذكر الطامة الكبرى في وقوع بغداد بأيدي التتار","level":2,"page":84},{"title":"ذكر ظهور الرفض واستبداد الرافضة بالملك وما روي في ذلك","level":2,"page":85},{"title":"ذكر فتن هذه الطائفة في بلاد الإسلام","level":2,"page":87},{"title":"ذكر المصنف ما ورد من أحاديث حول مدح شيعة سيدنا علي - ﵁ -","level":2,"page":87},{"title":"ذكر المصنف حديث نوف البكالي في وصف سيدنا علي - ﵁ - لشيعته","level":2,"page":88},{"title":"ذكر كلام المصنف حول صفة الشيعة","level":2,"page":90},{"title":"ذكر خروج دجالين كذابين كلهم يدعي أنه رسول وما ورد في ذلك","level":2,"page":91},{"title":"ذكر المصنف ما ورد حول تحديد عدد الكذابين وأخبار من ظهر منهم","level":2,"page":91},{"title":"ذكر خبر سجاح ومسيلمة الكذاب وما جرى بينهما من اتفاق","level":2,"page":94},{"title":"ذكر أخبار بعض الدجالين على سبيل الاختصار","level":2,"page":95},{"title":"ذكر خبر الدجال الذي ظهر بالمغرب وحرف حديث: \"لا نبي بعدي\"","level":2,"page":97},{"title":"ذكر فتح بيت المقدس","level":2,"page":98},{"title":"ذكر فتح المدائن","level":2,"page":98},{"title":"ذكر هلاك العرب وزوال ملكهم","level":2,"page":98},{"title":"ذكر كثرة المال وفيضه","level":2,"page":99},{"title":"ذكر أن الجبال تزول من أماكنها","level":2,"page":99},{"title":"ذكر فقد الصحابة رضوان الله عليهم","level":2,"page":99},{"title":"ذكر وقوع ثلاث خسوفات","level":2,"page":99},{"title":"ذكر كثرة الزلازل وكثرة القتل والرجف وأماكن وقوع ذلك","level":2,"page":101},{"title":"ذكر المسخ والقذف وما روي في ذلك","level":2,"page":103},{"title":"ذكر قصص بعض من وقع لهم المسخ","level":2,"page":104},{"title":"ذكر القذف وأماكن وقوعه","level":2,"page":105},{"title":"ذكر الريح الحمراء وما روي في ذلك","level":2,"page":106},{"title":"ذكر الريح وأوقات وقوعها","level":2,"page":106},{"title":"ذكر الأمور العظام: القحط الشديد","level":2,"page":108},{"title":"ذكر غرق خلق كثير بمدينة الرملة","level":2,"page":108},{"title":"ذكر الغرق العظيم ببغداد","level":2,"page":108},{"title":"ذكر غلبة الإفرنج على جميع جزيرة صقلية وسبي ذراري المسلمين","level":2,"page":108},{"title":"ذكر النار العظيمة التي ظهرت بأرض عدن","level":2,"page":108},{"title":"ذكر دخول الزنج البصرة وخرابها","level":2,"page":109},{"title":"ذكر زمن ظهور القرامطة بالكوفة","level":2,"page":109},{"title":"ذكر الغلاء المفرط الذي وقع بمصر وأكل الناس الجيف","level":2,"page":109},{"title":"ذكر الغلاء الذي وقع بديار بكر والموصل وغيرهما وما حصل من جراء ذلك","level":2,"page":110},{"title":"ذكر سماع أهل أخلاط صيحة عظيمة وموت خلق منها","level":2,"page":111},{"title":"ذكر وقوع طائر أبيض في رمضان وما نطق به","level":2,"page":111},{"title":"ذكر انقطاع طريق الحج ومتى وقع ذلك","level":2,"page":111},{"title":"ذكر رفع الحجر الأسود من قبل القرامطة ورده","level":2,"page":112},{"title":"ذكر رضخ رؤوس أقوام بكواكب من السماء وأوقات ذلك","level":2,"page":113},{"title":"ذكر ظهور كوكب له ذنب وما ورد في ذلك","level":2,"page":114},{"title":"فائدة: ذكر مضمون كتاب ورد إلى بلاد بني عثمان من بلاد النصارى","level":3,"page":114},{"title":"ذكر كثرة الموت وما ورد في ذلك","level":2,"page":115},{"title":"ذكر الطواعين التي حصلت وأماكنها","level":2,"page":115},{"title":"ذكر موت ابن زياد وما حصل له قبل ذلك","level":2,"page":118},{"title":"ذكر خبر الغلام الذي عاش في وباء الطاعون","level":2,"page":119},{"title":"ذكر بقية أخبار وباء الطاعون","level":2,"page":119},{"title":"ذكر خبر أيوب بن سليمان بن عبد الملك وإصابته بالطاعون","level":2,"page":121},{"title":"ذكر خبر عمر بن عبد العزيز مع الطاعون","level":2,"page":122},{"title":"ذكر خبر داود بن أبي هند لما أصابه الطاعون","level":2,"page":122},{"title":"ذكر ما روي عن الإمام الشافعي قوله: لم أر للوباء أنفع من البنفسج وبيان أن الطاعون لم يقع في حياته","level":2,"page":123},{"title":"تذنيب: ذكر ما أورده التنوخي في \"نشوار المحاضرة\" حول موت الفجأة","level":3,"page":124},{"title":"ذكر بقية أخبار الطاعون","level":2,"page":124},{"title":"ذكر وقوع وباء الطاعون الكبير وما نظمه المصنف في خبر ذلك","level":2,"page":125},{"title":"ذكر ما روي عن أبي حجلة في قدر من مات من هذا الوباء المذكور","level":2,"page":125},{"title":"ذكر بقية أخبار الطواعين نقلا عن السيوطي","level":2,"page":125},{"title":"ذكر استباحة مكة","level":2,"page":126},{"title":"خاتمة: في الفتن الواقعة بين الصحابة رضوان الله عليهم","level":3,"page":127},{"title":"ذكر ما روي عن الإمام أحمد ﵀ في لعن يزيد بن معاوية","level":2,"page":130},{"title":"ذكر ما حكاه ابن خلكان في ترجمة ابن السكيت مما جرى له مع المتوكل","level":2,"page":130},{"title":"كلام المصنف حول فضل الشيخين وما ورد في ذلك","level":2,"page":130},{"title":"فائدة: في ذكر إشارات القرآن الكريم إلى فضائل الخلفاء الأربعة","level":3,"page":132},{"title":"تنبيه: ذكر المصنف ما يحتمل من قوله - ﷺ -: \"الآيات بعد المئتين\"","level":3,"page":133},{"title":"الباب الثاني في الأمارات المتوسطة التي ظهرت ولم تنقض","level":1,"page":135},{"title":"ذكر شواهد حديث: \"يكون في آخر الزمان رجال يركبون على المياثر. .\"","level":2,"page":149},{"title":"ختم هذا الباب بإيراد حديث عن سيدنا علي كرم الله وجهه","level":2,"page":157},{"title":"شرح بعض ألفاظ وردت في الحديث","level":3,"page":158},{"title":"خاتمة: في سرد أحاديث تناسب المقام","level":2,"page":163},{"title":"الباب الثالث: في الأشراط العظام والأمارات القريبة التي تعقبها الساعة","level":1,"page":166},{"title":"[ذكر المهدي]","level":2,"page":167},{"title":"المقام الأول: في ذكر اسم المهدي ونسبه ومولده ومبايعته ومهاجره وحليته وسيرته","level":3,"page":168},{"title":"تنبيه: ذكر ما وقع في كتاب \"اليواقيت والجواهر\" للإمام الشعراني","level":4,"page":169},{"title":"ذكر لقب المهدي وكنيته","level":4,"page":169},{"title":"ذكر نسب المهدي ومولده ومبايعته ومهاجره وحليته","level":4,"page":170},{"title":"تفسير بعض الألفاظ التي وردت في وصف المهدي","level":5,"page":171},{"title":"ذكر سيرة المهدي","level":4,"page":172},{"title":"ذكر ما قاله ابن حجر الهيثمي فيما ذكر حول قتل المهدي الخنزير وكسر الصليب وتعليق المصنف على ذلك","level":4,"page":173},{"title":"المقام الثاني: في العلامات التي يعرف بها والأمارات الدالة على قرب خروجه ﵇","level":3,"page":174},{"title":"ذكر الأمارات الدالة على قرب خروجه","level":4,"page":175},{"title":"المقام الثالث: في الفتن الواقعة قبل خروجه وذكر المصنف لها في سياق واحد","level":3,"page":177},{"title":"ذكر انحسار نهر الفرات عن جبل من ذهب","level":4,"page":177},{"title":"ذكر خروج السفياني وعلامة ذلك","level":4,"page":177},{"title":"تنبيه: بيان أن: (الأبقع، والأصهب، والأعرج، والمنصور، والحارث، والمهدي) ألقاب لا أسماء لهم","level":5,"page":178},{"title":"ذكر بقية قصة خروج السفياني","level":4,"page":178},{"title":"تنبيه: بيان معنى الغيبتين بالنسبة للمهدي","level":5,"page":179},{"title":"ذكر بقية قصة الخروج","level":4,"page":180},{"title":"تنبيه: في عدم وقوف المصنف على اسم أم المهدي","level":5,"page":180},{"title":"ذكر قصة وجود المهدي ومبايعته","level":4,"page":180},{"title":"تنبيه: في حل إشكال الإتيان للمدينة في مدة قصيرة بعد بيعة المهدي","level":5,"page":181},{"title":"رجوع المصنف إلى ذكر حكاية أهل خراسان مع السفياني","level":4,"page":182},{"title":"تنبيه: في بيان معنى إتيان جنود من قبل سجستان للمهدي","level":5,"page":183},{"title":"ذكر بقية حديث بين المهدي والسفياني","level":4,"page":183},{"title":"تنبيه: في بيان حال الجيش المذكور في الروايات والجمع بينها","level":5,"page":184},{"title":"ذكر بقية حديث المهدي والسفياني","level":4,"page":184},{"title":"تنبيه: في بيان فائدة وإشكال ورد في الحديث السابق","level":5,"page":185},{"title":"ذكر بقية حديث المهدي والسفياني","level":4,"page":186},{"title":"تنبيه: في ذكر بعض الروايات المتعلقة بالحديث والجمع بينها","level":5,"page":187},{"title":"ذكر الملحمة الكبرى وقتال المسلمين الروم","level":4,"page":188},{"title":"تنبيه: في ذكر معنى: (الغاية، الأعماق)","level":5,"page":189},{"title":"ذكر بقية حديث قتال المسلمين مع الروم","level":4,"page":189},{"title":"تنبيه: في بيان المقصود من بعض عبارات وردت في الحديث","level":5,"page":192},{"title":"تنبيه: معنى: (الشرطة)","level":5,"page":195},{"title":"ذكر فتح القسطنطينية وما ورد في ذلك","level":4,"page":196},{"title":"تنبيه: في بيان صحة رواية سبع سنين بدلا من سبعة أشهر","level":5,"page":198},{"title":"تنبيه آخر: في بيان مدة ملك المهدي ودليل المصنف على ذلك","level":5,"page":198},{"title":"تكملة: في ذكر فوائد تضمنتها الأحاديث منقولة من كلام ابن عربي","level":4,"page":201},{"title":"ذكر الأمور التسعة التي يحتاجها المهدي","level":4,"page":203},{"title":"تنبيه: في ذكر أنه لا منافاة بين ما ورد في الأحاديث الصحيحة وما ورد عن ابن عربي في إمامة سيدنا عيسى ﵇ للمهدي في الصلاة","level":5,"page":207},{"title":"تنبيه آخر: في بيان مدة خلافة المهدي","level":5,"page":207},{"title":"تنبيه آخر: في تأويل حديث: \"لا مهدي إلا عيسى\" وبيان رواته وتخريجه","level":5,"page":207},{"title":"تنبيه آخر: في بيان معنى ما ورد عن ابن سيرين أن المهدي خير من أبي بكر وعمر ﵄ وتعليق المصنف على ذلك","level":5,"page":209},{"title":"خاتمة: في بيان جملة من أشراط الساعة وردت في قصة المهدي","level":5,"page":210},{"title":"تنبيه: في بيان من هو المقصود بالنفس الزكية","level":5,"page":210},{"title":"ذكر طلوع الرايات السود","level":4,"page":211},{"title":"تنبيه: في بيان أن الرايات السود غير التي أتت لنصرة بني العباس","level":5,"page":211},{"title":"ذكر بقية الأشراط","level":4,"page":212},{"title":"تنبيه: وجه الجمع بين روايتين ذكرهما المصنف","level":5,"page":213},{"title":"ذكر بقية الأشراط","level":4,"page":214},{"title":"تنبيه: في بيان مكان أحجار الزيت المذكورة في بعض الروايات","level":5,"page":216},{"title":"ذكر بقية الأشراط وما ورد ذلك من الروايات","level":4,"page":216},{"title":"تنبيه: في بيان أنه لا مانع من تكرار النداء خلال العام حسبما جاء في الروايات","level":5,"page":217},{"title":"ذكر بقية الأشراط وما ورد في ذلك من الروايات","level":4,"page":217},{"title":"تنبيه: في بيان سبب كثرة النساء التي هي من أشراط الساعة","level":5,"page":219},{"title":"ذكر بقية الأشراط وما ورد في ذلك من الروايات","level":4,"page":220},{"title":"تفهيم في تتميم: ذكر الاختلاف في المهدي على ما قاله ابن القيم","level":5,"page":221},{"title":"ذكر قول الرافضة في المهدي ومن هو","level":4,"page":222},{"title":"ذكر زعم محمد بن تومرت أنه المهدي وبيان حاله","level":4,"page":222},{"title":"ذكر خروج الملحد عبيد الله القداح وادعائه أنه المهدي وبيان حال دولة الفاطمية","level":4,"page":223},{"title":"ذكر المصنف لبعض من ظهر في وقته وادعاء المهدية","level":4,"page":223},{"title":"ذكر بقية الأشراط وهو ظهور الدجال وما روي في ذلك","level":2,"page":224},{"title":"المقام الأول: في ذكر اسم الدجال ونسبه ومولده","level":3,"page":226},{"title":"المقام الثاني: في ذكر حليته وسيرته وفتنته","level":3,"page":228},{"title":"تنبيه: في معنى (السيجان)","level":4,"page":230},{"title":"ذكر بعض صفاته","level":4,"page":230},{"title":"تنبيه: في بيان أنه لا منافاة بين روايات طول وقصر الدجال","level":5,"page":231},{"title":"ذكر سيرته وما ورد في ذلك من روايات","level":4,"page":231},{"title":"ذكر بعض فتنه","level":4,"page":232},{"title":"تنبيه: في بيان أنه لا منافاة في عدم تسلطه على نفس واحدة","level":5,"page":232},{"title":"ذكر بعض الروايات فيما يأتي به الدجال","level":4,"page":232},{"title":"تنبيه: في بيان الاختلاف في حقيقة جنة ونار الدجال","level":5,"page":233},{"title":"ذكر بقية الروايات فيما يأتي به الدجال ويظهر","level":4,"page":233},{"title":"تنبيه: في بيان المراد بالأعراب","level":5,"page":234},{"title":"فائدة: في بيان قدر الذين ينجون من فتنة الدجال","level":5,"page":234},{"title":"ذكر بقية ما يأتي به الدجال","level":4,"page":235},{"title":"تنبيه: معنى (المنشار)","level":5,"page":237},{"title":"المقام الثالث: في ذكر محل خروج الدجال ووقته ومدته وكيفيته وطريق النجاة منه ومن يقتله","level":3,"page":238},{"title":"تنبيه: في ذكر اختلاف العلماء في تأويل حديث: \"أن أيامه أربعون سنة. .\" وطريق جمع الروايات الواردة في ذلك","level":4,"page":239},{"title":"فائدة: في ذكر سؤال النبي - ﷺ - عن الصلاة في اليوم الذي كالسنة","level":4,"page":240},{"title":"كلام المصنف ونقوله عن حقيقة عالم المثال","level":4,"page":240},{"title":"ذكر كيفية خروج الدجال","level":4,"page":241},{"title":"سياق المصنف لأحاديث خروج الدجال","level":5,"page":241},{"title":"تنبيه: في بيان من هو الرجل المؤمن وذكر الأحاديث الدالة على أنه الخضر ﵇","level":5,"page":244},{"title":"تنبيه: في بيان أن من معجزاته - ﷺ - إخباره بأن مسجده يرفع ويبيض","level":5,"page":246},{"title":"ذكر بقية حديث الدجال","level":4,"page":246},{"title":"تنبيه: معنى: (لد)","level":5,"page":247},{"title":"ذكر بقية حديث الدجال وما ورد في ذلك من روايات","level":4,"page":247},{"title":"تنبيه: في بيان طريق الجمع بين الروايات","level":5,"page":248},{"title":"ذكر بقية حديث الدجال","level":4,"page":249},{"title":"ذكر كيفية النجاة من الدجال بالعلم","level":4,"page":249},{"title":"ذكر كيفية النجاة من الدجال بالعمل","level":4,"page":250},{"title":"فائدة: فيما روي عن المحاربي بقوله: ينبغي أن يدفع حديث الدجال المؤدب حتى يعلمه الصبيان في الكتاب","level":5,"page":250},{"title":"خاتمة: في ذكر الاختلاف هل ابن الصياد هو الدجال أم غيره","level":5,"page":250},{"title":"ذكر الروايات التي وردت في ابن الصياد","level":4,"page":251},{"title":"ذكر كلام الحافظ ابن حجر في بيان القصد من تلك الروايات","level":4,"page":252},{"title":"ذكر حديث الجساسة","level":4,"page":253},{"title":"ذكر قول البيهقي في أن ابن الصياد أحد الدجالين الكذابين","level":4,"page":256},{"title":"ذكر ما رواه أبو نعيم عن حسان بن عبد الرحمن في فتح أصبهان","level":4,"page":256},{"title":"ترجيح المصنف أن قصة تميم الداري متأخرة عن قصة ابن الصياد","level":5,"page":257},{"title":"مزيد نقل المصنف لأقوال الحافظ فيما يتعلق بابن الصياد","level":5,"page":258},{"title":"تذنيب: في ذكر ما اشتملت عليه قصة الدجال من أشراط الساعة","level":5,"page":259},{"title":"ذكر أن نزول عيسى ﵇ من الأشراط القريبة","level":2,"page":259},{"title":"المقام الأول: في ذكر حلية سيدنا عيسى ﵇ وسيرته","level":3,"page":261},{"title":"ذكر سلب قريش ملكها","level":4,"page":262},{"title":"المقام الثاني: في ذكر وقت نزوله ﵇ ومحله وما يجري على يديه الملاحم","level":3,"page":263},{"title":"المقام الثالث: في ذكر مدته ﵇ ووفاته","level":3,"page":264},{"title":"تذنيب: في رد زعم بعض جهلة عوام الحنفية أن سيدنا عيسى ﵇ والمهدي يقلدان مذهب الإمام أبي حنيفة ونقل كلام ملا علي قاري في ذلك","level":4,"page":266},{"title":"الكلام حول المهدي هل هو مجتهد أم متبع؟","level":4,"page":271},{"title":"ذكر المصنف بطلان كلام من قال بأن المهدي متبع لمذهب الإمام أبي حنيفة","level":4,"page":272},{"title":"من الأشراط العظيمة القريبة خروج يأجوج ومأجوج","level":2,"page":275},{"title":"المقام الأول: في ذكر نسبهم والأقوال في ذلك","level":3,"page":276},{"title":"المقام الثاني: في حليتهم وفي سيرتهم","level":3,"page":277},{"title":"في ذكر ما قاله ابن العربي من الآيات الثلاث التي في حديث حفر السد","level":4,"page":279},{"title":"نقل المصنف كلام الحافظ ابن حجر حول قول أحد يأجوج ومأجوج: ارجعوا فستخرقونه غدا إن شاء الله","level":4,"page":279},{"title":"المقام الثالث: في ذكر خروجهم وإفسادهم وهلاكهم وما روي في ذلك","level":3,"page":280},{"title":"فائدة: في ذكر الاختلاف حول اشتقاق يأجوج ومأجوج","level":4,"page":281},{"title":"خاتمة: في ذكر ما اشتملت عليه قصة سيدنا عيسى ﵇ من أشراط الساعة وإشارة المصنف إليها","level":4,"page":282},{"title":"ذكر الأمور العظام","level":2,"page":283},{"title":"ذكر خراب المدينة وأنه من الأشراط القريبة وما روي في ذلك","level":2,"page":284},{"title":"تنبيه: في ذكر ما روي من عودة الدين إلى المدينة","level":3,"page":285},{"title":"ذكر المصنف طريق الجمع بين الروايات حول عودة الدين للمدينة","level":2,"page":285},{"title":"ذكر بقية الأشراط القريبة","level":2,"page":287},{"title":"تنبيه: ذكر المصنف أن أكثر هذه الأحاديث متعارضة وكيفية الجمع بينها","level":3,"page":289},{"title":"ذكر هدم الكعبة وسلب حليها وإخراج كنزها وأنه من الأشراط العظيمة","level":2,"page":290},{"title":"تنبيه: معنى: (السويقتان، الأصلع، الأفيدع، والأصعل)","level":3,"page":291},{"title":"تنبيه: بيان محمول قوله تعالى: ﴿أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا﴾","level":3,"page":292},{"title":"خاتمة: ذكر الاختلاف في هدم الكعبة","level":3,"page":292},{"title":"في ذكر اسم القحطاني وسيرته وزمانه وتعليق المصنف على ذلك","level":2,"page":293},{"title":"فائدة: في ذكر قول الفقهاء: إذا هدمت الكعبة -والعياذ بالله- فعرصتها بمنزلتها","level":3,"page":294},{"title":"تذنيب: في ذكر أخبار تتعلق بهذا المقام","level":3,"page":294},{"title":"ذكر إشكال وقع في حديث ذو العرف وبيان المصنف له","level":2,"page":296},{"title":"ذكر طلوع الشمس من مغربها وأنه من الأشراط العظام","level":2,"page":297},{"title":"ذكر المصنف لما ورد حول طلوع الشمس من مغربها وبيان ذلك","level":2,"page":297},{"title":"تنبيه: معنى: (العكمة)","level":3,"page":299},{"title":"ذكر بقية حديث طلوع الشمس من مغربها","level":2,"page":299},{"title":"فائدة: في ذلك قول الفقهاء: تلك الليلة عن ليلتين ويوم فتقضي خمس صلوات","level":3,"page":300},{"title":"تنبيه: في ذكر طريق الجمع بين روايات المدة التي تبقى بعد طلوع الشمس","level":3,"page":301},{"title":"تعقيب المصنف على قول الحافظين ابن حجر والسخاوي حول ذلك","level":3,"page":302},{"title":"تنبيه آخر: في ذكر من تاب وأسلم بعد أن تمتد الدنيا وينسى الأمر، هل يقبل ذلك أم لا وذكر كلام الحافظ في ذلك","level":3,"page":303},{"title":"تنبيه آخر: في ذكر روايات أول الآيات ظهورا ونقل كلام الحافظ ابن حجر في طريق الجمع بينها","level":3,"page":304},{"title":"تبصرة: تقرير إشكال في قوله تعالى: ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك ..﴾ ونقل كلام الزمخشري والبيضاوي وغيرهما وتعليق المصنف عليه","level":3,"page":305},{"title":"ذكر أجوبة حول هذا الأمر وبيان المصنف لها","level":2,"page":306},{"title":"خاتمة: في ذكر الدابة وبيان وقت خروجها","level":3,"page":310},{"title":"تنبيه: رد المصنف على أهل الهيئة في موضوع طلوع الشمس من مغربها ونقل كلام الكرماني","level":3,"page":311},{"title":"ذكر بقية أخبار الدابة","level":2,"page":311},{"title":"ذكر الكلام على حلية الدابة وما ورد في ذلك من أخبار","level":2,"page":312},{"title":"تنبيه: معنى: (الزغب، الأيل)","level":3,"page":313},{"title":"ذكر سيرة الدابة","level":2,"page":314},{"title":"تنبيه: في ذكر إعراب \"نكتة\"","level":3,"page":314},{"title":"ذكر بقية روايات سيرة الدابة","level":2,"page":314},{"title":"ذكر خروج الدابة وما روي في ذلك","level":2,"page":315},{"title":"تنبيه: في ذكر أوجه الجمع بين روايات خروج الدابة","level":3,"page":316},{"title":"ذكر بقية الأشراط القريبة","level":2,"page":317},{"title":"تنبيه: في ذكر قتل الدابة لإبليس","level":3,"page":318},{"title":"تنبيه: نقل المصنف قول المناوي في اختلاف الروايتين اللتين ذكر فيهما الريح وبيان ذلك","level":3,"page":318},{"title":"تكملة: ذكر فائدة نقلها المصنف عن ابن عربي وشرحها للعلامة الجامي","level":2,"page":319},{"title":"تنبيه: في بيان مراد ابن عربي فيما نقله عنه المصنف","level":3,"page":320},{"title":"تنبيه آخر: في ذكر الحكمة من عقم النساء ثلاثين سنة","level":3,"page":320},{"title":"تنبيه آخر: في ذكر عدم منافاة ظاهر بعض الروايات","level":3,"page":321},{"title":"ذكر بقية الأشراط القريبة","level":2,"page":322},{"title":"ذكر النار التي تخرج من قعر عدن وأنها من الأشراط العظام","level":2,"page":324},{"title":"تنبيه: بيان أن قوله - ﷺ -: \"تقذرهم نفس الله\" أنه من المتشابهات فيجب الإيمان بها على مراد الله ومراد رسوله - ﷺ -","level":3,"page":324},{"title":"تنبيه: في بيان أن النار التي تحشر الناس غير الناس التي ظهرت بالمدينة","level":3,"page":325},{"title":"فائدة: ذكر ما نقله الحافظ ابن حجر عن القرطبي في أنواع الحشر","level":3,"page":326},{"title":"تنبيه: ذكر الجمع بين روايات أن النار تدور الدنيا في ثمانية أيام وبين أنها تسير سير بطيئة الإبل","level":3,"page":326},{"title":"خاتمة: ذكر الاختلاف في الحشر هو هل قبل يوم القيامة أو هو يوم القيامة وما نقل في ذلك عن الحفاظ","level":3,"page":327},{"title":"ذكر ما أورد التوربشتي في \"شرح المصابيح\" حول الحشر ودلالته على ذلك","level":2,"page":328},{"title":"ذكر أقوال الأئمة في الحشر الذي يقع في الدنيا نقلا عن الطيبي","level":2,"page":329},{"title":"مزيد كلام المصنف عن الحشر والنار التي تحشر الناس","level":3,"page":332},{"title":"تذنيب: في ذكر قصة الرجلان من مزينة وأنهما آخر من يحشر كما ورد ذلك في \"الصحيحين\"","level":3,"page":333},{"title":"خاتمة الكتاب","level":1,"page":335},{"title":"تنبيه: وجه الجمع بين روايات فتح القسطنطينية","level":2,"page":337},{"title":"آخر ما ورد في النسخ الخطية","level":2,"page":338},{"title":"استدراك ذيل \"الإشاعة\" في الفتن الباقية","level":2,"page":340},{"title":"ملتقط أبواب الفتن من \"إزالة الخفا للدهلوي\"","level":2,"page":350},{"title":"هذا الكتاب","level":1,"page":356}],"ٛ":{"1,1":1,"1,3":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,17":15,"1,19":16,"1,20":17,"1,21":18,"1,22":19,"1,23":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,31":26,"1,32":27,"1,33":28,"1,34":29,"1,35":30,"1,36":31,"1,37":32,"1,38":33,"1,39":34,"1,40":35,"1,41":36,"1,42":37,"1,43":38,"1,44":39,"1,45":40,"1,46":41,"1,47":42,"1,48":43,"1,49":44,"1,50":45,"1,51":46,"1,52":47,"1,53":48,"1,54":49,"1,55":50,"1,56":51,"1,57":52,"1,58":53,"1,59":54,"1,60":55,"1,61":56,"1,62":57,"1,63":58,"1,64":59,"1,65":60,"1,66":61,"1,67":62,"1,68":63,"1,69":64,"1,70":65,"1,71":66,"1,72":67,"1,73":68,"1,74":69,"1,75":70,"1,76":71,"1,77":72,"1,78":73,"1,79":74,"1,80":75,"1,81":76,"1,82":77,"1,83":78,"1,84":79,"1,85":80,"1,86":81,"1,87":82,"1,88":83,"1,89":84,"1,90":85,"1,91":86,"1,92":87,"1,93":88,"1,94":89,"1,95":90,"1,96":91,"1,97":92,"1,98":93,"1,99":94,"1,100":95,"1,101":96,"1,102":97,"1,103":98,"1,104":99,"1,105":100,"1,106":101,"1,107":102,"1,108":103,"1,109":104,"1,110":105,"1,111":106,"1,112":107,"1,113":108,"1,114":109,"1,115":110,"1,116":111,"1,117":112,"1,118":113,"1,119":114,"1,120":115,"1,121":116,"1,122":117,"1,123":118,"1,124":119,"1,125":120,"1,126":121,"1,127":122,"1,128":123,"1,129":124,"1,130":125,"1,131":126,"1,132":127,"1,133":128,"1,134":129,"1,135":130,"1,136":131,"1,137":132,"1,138":133,"1,139":134,"1,141":135,"1,143":136,"1,144":137,"1,145":138,"1,146":139,"1,147":140,"1,148":141,"1,149":142,"1,150":143,"1,151":144,"1,152":145,"1,153":146,"1,154":147,"1,155":148,"1,156":149,"1,157":150,"1,158":151,"1,159":152,"1,160":153,"1,161":154,"1,162":155,"1,163":156,"1,164":157,"1,165":158,"1,166":159,"1,167":160,"1,168":161,"1,169":162,"1,170":163,"1,171":164,"1,172":165,"1,173":166,"1,175":167,"1,176":168,"1,177":169,"1,178":170,"1,179":171,"1,180":172,"1,181":173,"1,182":174,"1,183":175,"1,184":176,"1,185":177,"1,186":178,"1,187":179,"1,188":180,"1,189":181,"1,190":182,"1,191":183,"1,192":184,"1,193":185,"1,194":186,"1,195":187,"1,196":188,"1,197":189,"1,198":190,"1,199":191,"1,200":192,"1,201":193,"1,202":194,"1,203":195,"1,204":196,"1,205":197,"1,206":198,"1,207":199,"1,208":200,"1,209":201,"1,210":202,"1,211":203,"1,212":204,"1,213":205,"1,214":206,"1,215":207,"1,216":208,"1,217":209,"1,218":210,"1,219":211,"1,220":212,"1,221":213,"1,222":214,"1,223":215,"1,224":216,"1,225":217,"1,226":218,"1,227":219,"1,228":220,"1,229":221,"1,230":222,"1,231":223,"1,232":224,"1,233":225,"1,234":226,"1,235":227,"1,236":228,"1,237":229,"1,238":230,"1,239":231,"1,240":232,"1,241":233,"1,242":234,"1,243":235,"1,244":236,"1,245":237,"1,246":238,"1,247":239,"1,248":240,"1,249":241,"1,250":242,"1,251":243,"1,252":244,"1,253":245,"1,254":246,"1,255":247,"1,256":248,"1,257":249,"1,258":250,"1,259":251,"1,260":252,"1,261":253,"1,262":254,"1,263":255,"1,264":256,"1,265":257,"1,266":258,"1,267":259,"1,268":260,"1,269":261,"1,270":262,"1,271":263,"1,272":264,"1,273":265,"1,274":266,"1,275":267,"1,276":268,"1,277":269,"1,278":270,"1,279":271,"1,280":272,"1,281":273,"1,282":274,"1,283":275,"1,284":276,"1,285":277,"1,286":278,"1,287":279,"1,288":280,"1,289":281,"1,290":282,"1,291":283,"1,292":284,"1,293":285,"1,294":286,"1,295":287,"1,296":288,"1,297":289,"1,298":290,"1,299":291,"1,300":292,"1,301":293,"1,302":294,"1,303":295,"1,304":296,"1,305":297,"1,306":298,"1,307":299,"1,308":300,"1,309":301,"1,310":302,"1,311":303,"1,312":304,"1,313":305,"1,314":306,"1,315":307,"1,316":308,"1,317":309,"1,318":310,"1,319":311,"1,320":312,"1,321":313,"1,322":314,"1,323":315,"1,324":316,"1,325":317,"1,326":318,"1,327":319,"1,328":320,"1,329":321,"1,330":322,"1,331":323,"1,332":324,"1,333":325,"1,334":326,"1,335":327,"1,336":328,"1,337":329,"1,338":330,"1,339":331,"1,340":332,"1,341":333,"1,342":334,"1,343":335,"1,344":336,"1,345":337,"1,346":338,"1,347":339,"1,349":340,"1,351":341,"1,352":342,"1,353":343,"1,354":344,"1,355":345,"1,356":346,"1,357":347,"1,358":348,"1,359":349,"1,360":350,"1,361":351,"1,362":352,"1,363":353,"1,364":354,"1,365":355,"1,384":356},"ٜ":{"1":[1,384]},"ٝ":["1,1","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,17","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,141","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,349","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,384"],"ٞ":{"4":[1,2],"5":[3],"7":[4],"12":[5,6,7,8],"13":[9],"21":[10],"24":[11,12],"25":[13],"26":[14],"27":[15],"28":[16,17],"31":[18],"32":[19],"33":[20,21],"34":[22,23],"36":[24,25],"38":[26,27],"39":[28,29],"40":[30,31,32],"41":[33],"46":[34,35,36],"47":[37,38],"49":[39],"51":[40,41],"52":[42,43,44],"53":[45],"55":[46],"56":[47,48],"57":[49],"58":[50,51],"59":[52,53],"60":[54],"61":[55],"62":[56,57],"63":[58],"64":[59],"66":[60],"68":[61,62],"69":[63,64],"70":[65],"71":[66],"72":[67,68,69],"73":[70],"74":[71],"75":[72,73,74],"77":[75,76,77],"79":[78],"80":[79],"81":[80],"82":[81],"83":[82,83],"84":[84],"85":[85],"87":[86,87],"88":[88],"90":[89],"91":[90,91],"94":[92],"95":[93],"97":[94],"98":[95,96,97],"99":[98,99,100,101],"101":[102],"103":[103],"104":[104],"105":[105],"106":[106,107],"108":[108,109,110,111,112],"109":[113,114,115],"110":[116],"111":[117,118,119],"112":[120],"113":[121],"114":[122,123],"115":[124,125],"118":[126],"119":[127,128],"121":[129],"122":[130,131],"123":[132],"124":[133,134],"125":[135,136,137],"126":[138],"127":[139],"130":[140,141,142],"132":[143],"133":[144],"135":[145],"149":[146],"157":[147],"158":[148],"163":[149],"166":[150],"167":[151],"168":[152],"169":[153,154],"170":[155],"171":[156],"172":[157],"173":[158],"174":[159],"175":[160],"177":[161,162,163],"178":[164,165],"179":[166],"180":[167,168,169],"181":[170],"182":[171],"183":[172,173],"184":[174,175],"185":[176],"186":[177],"187":[178],"188":[179],"189":[180,181],"192":[182],"195":[183],"196":[184],"198":[185,186],"201":[187],"203":[188],"207":[189,190,191],"209":[192],"210":[193,194],"211":[195,196],"212":[197],"213":[198],"214":[199],"216":[200,201],"217":[202,203],"219":[204],"220":[205],"221":[206],"222":[207,208],"223":[209,210],"224":[211],"226":[212],"228":[213],"230":[214,215],"231":[216,217],"232":[218,219,220],"233":[221,222],"234":[223,224],"235":[225],"237":[226],"238":[227],"239":[228],"240":[229,230],"241":[231,232],"244":[233],"246":[234,235],"247":[236,237],"248":[238],"249":[239,240],"250":[241,242,243],"251":[244],"252":[245],"253":[246],"256":[247,248],"257":[249],"258":[250],"259":[251,252],"261":[253],"262":[254],"263":[255],"264":[256],"266":[257],"271":[258],"272":[259],"275":[260],"276":[261],"277":[262],"279":[263,264],"280":[265],"281":[266],"282":[267],"283":[268],"284":[269],"285":[270,271],"287":[272],"289":[273],"290":[274],"291":[275],"292":[276,277],"293":[278],"294":[279,280],"296":[281],"297":[282,283],"299":[284,285],"300":[286],"301":[287],"302":[288],"303":[289],"304":[290],"305":[291],"306":[292],"310":[293],"311":[294,295],"312":[296],"313":[297],"314":[298,299,300],"315":[301],"316":[302],"317":[303],"318":[304,305],"319":[306],"320":[307,308],"321":[309],"322":[310],"324":[311,312],"325":[313],"326":[314,315],"327":[316],"328":[317],"329":[318],"332":[319],"333":[320],"335":[321],"337":[322],"338":[323],"340":[324],"350":[325],"356":[326]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"الإشاعة لأشراط الساعة\n\nتأليف\nالعالم العلامة المحقق السيد محمد بن رسول البرزنجي الحسيني\nرحمه الله تعالى (١٠٤٠ هـ - ١١٠٣ هـ)\n\nمع تعليقات المحدث العلامة\nمحمد زكريا الكاندهلوي\nرحمه الله تعالى\n\nقابله واعتنى به\nحسين محمد علي شكري","vol":"1","page":1},{"text":"دار المنهاج\nالطبعة الثالثة\nمنقحة ومصححة ومزيدة\n١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م\nجميع الحقوق محفوظة للمحقق\n\nلا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه، وبأيِّ شكلٍ من الأشكال، أو نسخه، أو حفظه في أي نظام إلكتروني أو ميكانيكي يمكِّن من استرجاع الكتاب أو أي جزء منه، وكذلك لا يسمح بالاقتباس منه أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبقًا من الناشر.\n\nدار المنهاج للنشر والتوزيع\nلصاحبها عمر سالم باجخيف\nوفقه الله تعالى\nجدة - هاتف رئيسي: ٦٣٢٦٦٦٦ - فاكس: ٦٣٢٠٣٩٢\nالإدارة: ٦٣١١٧١٠ - المكتبة: ٦٣٢٢٤٧١\n\nwww.alminhaj.com\nE-mail: info@alminhaj.com","vol":"1","page":3},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"1","page":4},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>تصديرٌ</span>\nالحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيد البشر؛ سيدنا ومولانا محمدٍ وعلى آله وصحبه.\nأما بعد:\nفقد قال سيدنا محمدٌ - ﷺ - فيما يرويه الإمام البخاري ﵀: \"بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين\"، ويشير بإصبعيه فيمدهما.\nولما كان من معاني هذا الحديث: قُرب يوم القيامة فقد جعل الله لها أشراطًا وعلاماتٍ يُعرف منها قُربُ هذا الوقت.\nوالحكمة في تَقدُّمِ هذه الأشراط؛ كما ذكرها الحافظ ابن حجر العسقلاني في \"فتح الباري\" (١١/ ٣٥٧) نقلًا عن الإمام الضحاك: إيقاظ الغافلين، وحثهم على التوبة والاستعداد.\nففي هذه الأشراط عِبرٌ ودروس يلزم كل عاقلٍ النظر فيها وتدبرها، وأخذ الحيطة في أموره، والاستعداد ليوم المعاد والحساب.\nوقد ألّف كثير من العلماء والحفاظ كتبًا وأجزاءً في علامات وأشراط الساعة، إما إجمالًا بذكر العلامات كلها، أو تخصيص العلامات الكبرى أو الصغرى، أو بالتَحدُّثِ عن بعض هذه العلامات والأشراط؛ مثل المسيح الدجال، والمهدي ﵇.\nوهذا المُؤلَّف الذي تشرفت بخدمته وإخراجه في طبعةٍ جديدة مقابلة يُعتبر من تلك الكتب المجملة التي وصلت إلينا، وهي قليلة ونادرة، فالمؤلف ﵀ وضع منهجًا وأسلوبًا تفرّد به في تصنيف هذا الكتاب ذكره في مقدمته.","vol":"1","page":5},{"text":"وقد قمت بقراءة الكتاب في طبعته المصورة عن النسخة المطبوعة عام (١٣٢٥ هـ) فوجدتها طبعةً سقيمةً، قد مُلئت بالأخطاء والتصحيفات الكثيرة، إضافةً إلى وجود سَقطٍ في بعض الصفحات، ظهر بعد المقابلة بثلاث نسخ خطية لهذا الكتاب، والنسخة المطبوعة المشار إليها.\nوعملي في هذا الكتاب يتلخص في إجراء مقابلةٍ دقيقةٍ بين هذه الطبعة المذكورة وبين أربع نُسخٍ للكتاب، دون الاهتمام بذكر الفروق بين النسخ، أو موضع السقط أو الزيادة، بل كان جُلُّ الاهتمام في إثبات نصٍ كاملٍ للكتاب.\nكما أود التنبيه على أنَّ المُصنِّفَ لم يكن يهتم بذكر نص الأحاديث والآثار بقدر ما يهتم بذكر الشاهد منها، أو روايتها أقرب ما يكون للمعنى.\nوأحمد الله أنني حصلت على نسخة الشيخ العلامة المُحدِّث محمد زكريا الكاندهلوي ثم المدني، حيث رأيت عليها من الفوائد والتعليقات ما لا يمكن تركها، فأثبت تلك الفوائد والتعليقات بحاشية الكتاب مع الرمز لها بحرف (ز)، كما ألحقت بآخر الكتاب ذيلًا لأشراط الساعة ذكره الشيخ ﵀ في آخر نسخته المطبوعة.\n\nأما النسخ الخطية المعتمدة في مقابلة هذه الطبعة فهي:\nأ - نسخة مكتبة تشستربتي: وهي من مصوَّرات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، تحت رقم (٥٣٠٥) ف.\nوتقع هذه النسخة في (١٢٦) ورقة، وخطها نسخ معتاد، وناسخها: محمد إبراهيم بن محمد ياسين، وتاريخ نسخها (١٧) رجب (١١٠٠ هـ).\nوتمتاز هذه النسخة بوجود استدراكات على حاشية النسخة، كما يوجد بآخرها بلاغ قراءة ومقابلة.\nب - نسخة مكتبة الحرم النبوي الشريف: وتقع هذه النسخة في (٣٨٨) صفحة، وخطها مغربي، وناسخها: منصور بن أبي مدين، وتاريخ نسخها (٢٥) رمضان (١٢٤٨ هـ).","vol":"1","page":6},{"text":"ج - نسخة مكتبة الأحقاف: وتقع هذه النسخة في (٩٥) ورقة، وخطها معتاد، ولكن بها سقط بعض الأوراق من وسطها.\nد - نسخة مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت: والمحفوظة تحت الرقم (١٤/ ٢٣٢) وتقع هذه النسخة في (٨١) ورقة، وخطها معتاد، وناسخها محمد الأيسر ابن عبد اللطيف الحنبلي، وتاريخ نسخها (١٢) رجب (١١٥٨ هـ).\nوالله أسأل أن يجعل ثواب خدمتي لهذا الكتاب في ميزان حسنات والديّ ومشايخي، وميزان جميع من أحسن إليَّ، وأن يجزل الثواب والأجر لمن كان سببًا في إخراج هذا الكتاب وجعل خَلفهُ خير خَلف، ويكافئه من جزيل عطاءه، ويعظم له الأجر، إنه جوادٌ كريم.\nوصلى الله وسلم على سيدنا محمدٍ وآله وصحبه أجمعين\n\n٢٧/ ١١/ ١٤١٦ هـ\nالمدينة المنورة\n\nوكتبه بالمدينة المنورة\nحسين محمد علي شكري\nحامدًا لله ومصليًا على النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أجمعين","vol":"1","page":7},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>تقديمٌ</span>\nالحمد لله، والصلاة والسلام على أفضل خلقه سيدنا محمدٍ رسول الله، وعلى آله وصحابته ومن والاه.\nأما بعد:\nفإنَّ الله جَلّ شأنه خَلقَ الخَلْق، وجعل لهم نهاية لا يُسَتَقدمُ عنها ولا يُستَأخر.\nوبكرمه وَمِنّته -تعالى شأنه- لم يُفْلت الخلق بالنهاية، ولم يفجأهم فُجاءة، بل جعل لها علامات وأمارات قريبة، ومتوسطة، وبعيدة حتى يَتَهيؤوا لما بعد النهاية، ويُهَيئوا أنفسهم للرحمة أو النكاية؛ فالسعيد من اتعظ بغيره، وعمل لما بعد الموت، والشقي من لم يعتبر بغيره، وَتمنّى على الله الأماني؛ فإنه لن يَهلِكَ على الله إلَّا هالك.\nفلم يخلُ قرنٌ إلَّا وأُلّفَ فيه كتابٌ أو أكثر في هذا القبيل إلى يومنا هذا، سواء كان كتابًا مستقلًا، أو أبوابًا وَكُتبًا في الجوامع المدونة الحديثية؛ كما لا يخفى على المُطّلع.\nوأوسع الكتب مادةً، وأحسنها جمعا وترتيبًا، وألطفها توفيقًا بين الروايات، وأصحها تطبيقًا للحديث على الواقعة هو كتاب الإمام، المحدث، الفقيه، الواسع الاطلاع: محمد بن رسول البرزنجي رحمه الله تعالى، المسمى بـ\"الإشاعة لأشراط الساعة\".\nأما كونه أوسع مادة فقد جمع كتابه من كُتب الحفاظ المكثرين؛ كما ذكر هو في المقدمة فقال:","vol":"1","page":8},{"text":"\"مأخذ ما نذكره في كتابنا هذا من الأحاديث غالبًا كتب الحافظين الإمامين: الحافظ ابن حجر العسقلاني، والحافظ جلال الدين السيوطي؛ كشرح البخاري؛ المسمى: \"فتح الباري\" للأول.\nوكـ\"الدُّر المنثور\"، و\"الخصائص الكبرى\"، و\"جمع الجوامع\"، و\"العَرْف الوردي\"، و\"الكشف\" للثاني.\nوكتب الإمام الشريف نور الدين علي السمهودي، وكتب المحقق علي المتقي، وقليلًا كتب غيرهم\". إلى آخر ما قال.\nوأما كونه أحسنَ ترتيبًا وجمعًا فقد أقرَّ به غيره، وقاله المؤلف بنفسه:\n(فانقسمت الأمارات إلى ثلاثة أقسام:\nقسمٌ ظهر وانقضى؛ وهي الأمارات البعيدة.\nوقسمٌ ظهر ولم ينقض، بل لا يزال يتزايد ويتكامل، حتى إذا بلغ الغاية ظهر.\nوالقسم الثالث: وهي الأمارات القريبة الكبيرة التي تعقبها الساعة، وإنها تتتابع كنظام خرزٍ انقطع سلكها.\nفلنذكر كُلّ قسم في باب على حدته.\nوهذا تَرتيبٌ لم أره لغيري، ولعله أقرب إلى الضبط، وأنفع للعوام إن شاء الله تعالى.\nوأما كونه ألطف توفيقًا فأقول الكلمة المعروفة: \"من لم يذق لم يدر\"؛ فإنه من يطالع كتابه يُدهَش.\nطالع مثلًا روايات مُلْك المهدي ﵇ المتعارضة، وجمع المؤلف بينها تر العجب. ومثله في الكتاب كثير، وكثير.\nوأما كونه أصح تطبيقًا للحديث على الواقعة فهذا فنٌ صعبٌ يحتاج إلى نظرٍ دقيق، وبصيرةٍ نافذة، ولا يجترئُ عليه كلُّ من هبَّ ودبّ؛ فإنه يحتاج إلى أن يكون حافظًا لِطُرُقِ الحديث وألفاظه المختلفة، وفوق ذلك الاستحضار الدقيق لها، ثم إلى معرفة","vol":"1","page":9},{"text":"الوقائع وتواريخها حتى يطبق الحديث على الواقعات. ومثاله أيضًا في الكتاب كثير وكثير. لا يخفى على القارئ.\nكيف لا؛ ومؤلفه محدِّثٌ، وَفقيهٌ، ومؤرخٌ، ومشاركٌ في أكثر العلوم المتداولة في زمانه، بل محقَّقٌ فيها ولا نطيل الكلام بذكر ترجمته؟ !\nوكان قد اعتنى بكتاب \"الإشاعة\" شيخنا الإمام المُحدّث الحافظ محمد زكريا الكاندهلوي ثم المهاجر المدني رحمه الله تعالى، وكانت عنده نسخةٌ من الكتاب مطبوعة قديمة سنة (١٣٢٥ هـ) بالقاهرة، فكان أن جلَّدَها الشيخ رحمه الله تعالى تجليدًا؛ بحيث أدخل بعد كُلّ ورقة مطبوعة ورقة بيضاء؛ ليكتب عليها فائدةً تسنح له، أو لطيفة حديثية تظهر له، أو تطبيقًا للحديث على الواقعة، فذكرنا كلام شيخنا رحمه الله تعالى في مواضعه في الحاشية، وميزناه بحرف: (ز).\nثم كان الشيخ رحمه الله تعالى أراد أن يكتب ذيلًا على كتاب \"الإشاعة\"، وألحقه في آخر نسخته لكن لم يتمه، فتتميمًا للفائدة ألحقناها في آخر الكتاب، لكن لما كان كلام الشيخ رحمه الله تعالى إشاراتٍ مستخلصة من الأحاديث المفصلة، ذكرنا في الحاشية الأحاديث التي أشار إليها الشيخ رحمه الله تعالى.\nوعناية شيخنا رحمه الله تعالى بالكتاب ألجأتنا إلى الاعتناء به؛ فإنه لا يعرف الفضل إلَّا ذووه.\nبل شيخنا رحمه الله تعالى هو الذي أمرنا أن نُرتب ما كُتب على الكتاب من الحواشي في آخر حياته، ولكن كل شيء مرهون بوقته.\nوشيخنا هو الإمام، المُحدِّث، الحافظ، الفقيه، العابد، الزاهد، الورع: محمد زكريا ابن العلامة محمد يحيى الصديقي الكاندهلوي، ثم المهاجر المدني.\nولد لعشر خلون من شهر رمضان سنة (١٣١٥ هـ)، وأدرك الإمام الكبير الرباني الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي رحمه الله تعالى في صباه، وسعد بحنانه وعطفه؛ لما كان بينه وبين أبيه من اختصاص.\nوأسرة شيخنا معروفةٌ بالعلم والزهد والعبادة، فَربّاهُ والده تربيةً دقيقةً حسنة،","vol":"1","page":10},{"text":"فحفظ القرآن الكريم، ثم الكتب الدينية الابتدائية على أساتذة الفن في ذلك الوقت، ثم لما انتقل والده إلى (جامعة مظاهر علوم) بسهارنفور أكمل دراسة الحديث على أبيه، وعلى شيخه الإمام خليل أحمد السهارنفوري؛ صاحب \"بذل المجهود في شرح سنن أبي داود\" في عشرين مجلدًا.\nوبعد التخرج بدأ التدريس في نفس الجامعة، فدرَّس فيها من سنة (١٣٣٥ هـ) إلى (١٣٨٨ هـ) مختلف الكتب بإتقانٍ وإمعان.\nومن كتب الحديث خصوصًا كان له اشتغالٌ بالتدريس بـ\"سنن أبي داود\"، و\"صحيح البخاري\" أكثر من غيرهما، فدرَّس \"سنن أبي داود\" من أوله إلى آخره ثلاثين مرة تقريبًا، و\"صحيح البخاري\" أكثر من ثلاثين مرةً بشرحٍ مُفصّل.\nوَألّفَ تآليف كثيرة بالعربية والأوردية، أكثر من ستين تأليفًا، بعضها في خمسة عشر مجلدًا.\nورزقت تأليفاته قبولًا حسنًا، وانتشرت في العالم، فطبع بعضها أكثر من عشر مراتٍ، بل بعضها بلغت طبعاته أكثر من خمسين مرةً، وترجمت بعض كتبه إلى أكثر من عشرين لغةً، وقد ألقى الله محبته في جميع الطوائف المختلفة.\nوبالجملة: كان هو رجالًا في رجل واحد.\nوليس على الله بمستنكرٍ ... أن يجمع العالَمَ في واحد\nوكانت أوقاته منظمة؛ لكلّ عملٍ وقتٌ محدَّد لا يجاوزهُ إلى غيره، وكان لا ينام في الليل والنهار ثلاث ساعات، بل لا يدع أحدًا من خدمه ومرافقيه أن يناموا في الليل والنهار؛ ولو في أوقات متفرقة أكثر من ثلاث ساعات، وكان يغضب على من يرى من مرافقيه ينام كثيرًا، ويقول لهم: (هذه الدنيا دار عمل؛ فاعملوا هنا، وبعد الموت ننام) وكثيرًا ما كان يتمثل بقول الشاعر:\nبقدر الكد تكتسب المعالي ... ومن طلب العُلا سهر الليالي\nوهذا كان حاله منذ كان عمره عشرين سنة، إلى أن تُوفّي.","vol":"1","page":11},{"text":"كان لا يعرف الملل ولا الكسل، ويقضي أوقاته في سبيل العلم والعبادة.\nوأما استحضاره لكتب الحديث، والشروح، والفقه فحدِّث ولا حرج.\nكانت كتب الأحاديث؛ خصوصًا \"صحيح البخاري\" والكتب الستة، بجميع طُرُقِها وألفاظها المختلفة على طرف لسانه، وهكذا حال الشروح الحديثية والكتب الفقهية، وهذا جربناه كثيرًا.\nفلما كان في آخر حياته ضعف بصره، وكان يعتمد علينا في إملاء تأليفاته، فكان يأمرنا ببحث حديث أو مسألةٍ في كتاب ما، فإذا لم نجد المسألة في الكتاب كان يقول: (هات الكتاب الفلاني وافتح باب كذا، واقرأ من صفحة كذا) فنجد المسألة، أو الحديث.\nوهكذا كانت حاله في عِبَادة ربه، وفي قراءة القرآن والذكر حتى جاء أمر ربه، فلبَّاه بعد العصر من يوم الإثنين من شهر شعبان سنة (١٤٠٢ هـ)، وصُلِّي عليه بعد العشاء، ودفن بالبقيع بجوار أهل البيت، رحمه الله تعالى رحمة واسعة ولو أطلنا الكلام لاحتجنا إلى مجلد كبير، ولكن لا يسع هذا المختصر إلَّا هذا.\nوالحمد لله أولًا وآخرًا، وصلى الله وسلم على حبيبه دائمًا وسرمدًا.\n\nكتبه: حبيب الله قربان علي\n(٢٦/ ١١/ ١٤١٦ هـ)","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>ترجمة المؤلّف </span>(١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>اسمه: </span>هو السيد محمد بن رسول بن عبد السيد بن قلندر الحسيني البرزنجي الشهرزوري المدني.\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>مولده ونشأته: </span>ولد رحمه الله تعالى بشهرزور -قرية من بلاد الكُردِ بالعراق- ليلة الجمعة، ثاني عشر ربيع الأول، سنة أربعين وألف.\nنشأ بها، وقرأ القرآن الكريم، وَجوّدهُ على والده، وتخرّج به في بقية العلوم والمعارف.\nوقرأ على المُلّازيرك، والعلاّمة المُلّاشريف الصديقي الكُوراني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>رحلاته: </span>رحل رحمه الله تعالى إلى ماردين، وحلب، واليمن، ودمشق، ومصر، وبغداد، وأخذ عن علماء تلك البلاد، وانتفع بهم.\nثم قَدِمَ المدينة المنورة، فلازم فيها خاتمة المحققين العلامة إبراهيم بن حسن الكُوراني، وكذلك الشيخ أحمد القُشَاشي، وتصدَّى للتدريس بمسجد النبي - ﷺ -.\nشيوخه: أخذ علومه في بلاده من الملازيرك، والعلاّمة المُلاشريف الصديقي الكُوراني بعد تخرجه على يد والده.\nثم أخذ بماردين عن الشيخ أحمد السِّلاحي.\nوبحلب عن أبي الوفاء العُرْضي، ومحمد الكواكبي.\nوبدمشق عن العلامة عبد الباقي الحنبلي، وعبد القادر الصقوري.\n_________\n(١) مصادر الترجمة: \"هدية العارفين\" (٢/ ٣٠٢)، \"سلك الدرر\" (٤/ ٦٥)، \"معجم المؤلفين\" (٩/ ٣٠٨).","vol":"1","page":13},{"text":"وببغداد عن الشيخ مدلج.\nوبمصر عن الشيخ محمد البابلي، وعلي الشبراملسي، وسلطان المِزّاحي، ومحمد العناني، وأحمد العجمي.\nومن الوافدين على بلاد الحرمين أخذ عن: الشيخ إسحاق بن جعمان الزبيدي، وعلي الربيعي، وعلي العقيبي، وعيسى الجعفري، وعبد الملك السجلماسي، وغيرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>مصنفاته وأعماله: </span>كان رحمه الله تعالى من المكثرين في التصنيف، حيث تربو مصنفاته على تسعين مؤلفًا؛ منها:\n١ - إرشاد الأواه إلى معنى حديث: \"من قرأ حرفًا من كتاب الله\".\n٢ - الإشاعة لأشراط الساعة، وهو كتابنا هذا.\n٣ - إضاءة النبراس لإزاحة الوسواس الخناس.\n٤ - الأعجوبة في أعمال المكتوبة.\n٥ - أنهار السلسبيل لرياض أنوار التنزيل.\n٦ - الاهتداء في الجمع بين أحاديث الابتداء.\n٧ - إيقاظ ذوي الانتباه لفهم الاشتباه الواقع لابن نجيم في الأشباه.\n٨ - الترجيح والتصحيح لصلاة التسبيح.\n٩ - تصقيل لوح الإيمان بتنزيه عرش الرحمن.\n١٠ - رَجْلُ الطاوس في شرح القاموس.\n١١ - السنا والسنوت في أحكام القنوت.\n١٢ - رفع الإصر عن معنى كونه - ﷺ - أميًا لم ينطق الشعر.\n١٣ - النوافض للروافض.\n١٤ - القول السديد في جواب رسم الإمام والتجويد.\n١٥ - القول المختصر في ترجمة ابن حجر.","vol":"1","page":14},{"text":"١٦ - الترغيم والترخيم لمنكر التعظيم والتفخيم.\n١٧ - خالص التلخيص مختصر تلخيص المفتاح.\n١٨ - السبيل في إعراب (حسبنا الله ونعم الوكيل).\n١٩ - سَدادُ الدِّين وسِدادُ الدَّين في إثبات النجاة والدرجات للوالدين طبع.\n٢٠ - الصافي عن الكدر في أحاديث القضاء والقدر.\nوغيرها من المؤلفات والتصانيف التي تشير إلى مكانته، وبروزه في شتى العلوم. إضافةً إلى توليه منصب إفتاء السادة الشافعية بالمدينة المنورة.\nوفاته: توفي رحمه الله تعالى في غرة محرم سنة ثلاث ومئة وألف للهجرة، بالمدينة المنورة، وكان له مشهد عظيم، ودفن ببقيع الغرقد بمقبرة السادة البرزنجيين.\nوله رحمه الله تعالى عقبٌ مبارك أكثرهم من العلماء ذوي الفضائل الباهرة، يتداولون فتوى الشافعية بالمدينة المنورة (١).\n_________\n(١) آخر من تولى منصب إفتاء الشافعية هو: السيد محمد زكي البرزنجي المتوفى سنة (١٣٦٥ هـ) رحمه الله تعالى.","vol":"1","page":15},{"text":"صور المخطوطات المستعان بها","vol":"1","page":17},{"text":"الورقة الأولى من نسخة مكتبة تشستر بتي","vol":"1","page":19},{"text":"الورقة الأولى من نسخة مكتبة الحرم النبوي الشريف","vol":"1","page":20},{"text":"الورقة الأولى من نسخة مكتبة الأحقاف","vol":"1","page":21},{"text":"الورقة الأولى من نسخة مكتبة عارف حكمت","vol":"1","page":22},{"text":"الإشاعة لأشراط الساعة\n\nتأليف\nالعالم العلامة المحقِّق السيد\nمحمد بن رسول البرزنجي الحسيني\nرحمه الله تعالى\n(١٠٤٠ - ١١٠٣ هـ)","vol":"1","page":23},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nوبه ثقتي والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين\nأَحمدُ من أوضح منهاج الحق ونصب عليه في كل شيءٍ دليلًا، ووعد وعد الصدق لمن اتخذه وكيلًا ورضي به كفيلًا، وجعل إبراهيم خليفة؛ إنه كان أمة قانتًا واتخذه خليلًا، وأمره ببناء بيتٍ يقصده من كُلّ فجٍّ عميق من استطاع إليه سبيلًا، تطبيقًا للصورة على المعنى، وتنويهًا بالمجاز إلى الحقيقة وتمثيلًا، وجعل هُدَاهُ علمًا على طيِّ بساط هذه النشأة، وليبلو المؤمنين ويضل من يشاء تضليلًا، وجعل بدعوته من ذريته محمدًا - ﷺ - عبدًا سيدًا ونبيًا رسولا، فهو دعوة أبيه إبراهيم كما أخبر عنه في الصحيح؛ إنَّ دعاءه كان مقبولًا.\nأَحمدهُ على أن أتانا منه رسولٌ أمينٌ بكتابٍ كريم، وأنه غفورٌ حليمٌ، حريصٌ علينا بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم، وإنه لعلى خلقٍ عظيم؛ كما أخبر به العلي الحكيم، وأمره باتباع ملة أبيه إبراهيم، وأرسله بين يدي الساعة كالمُسبِّحة والوسطى نذيرًا، فأخبر عن جميع الفتن والأشراط الكائنة قبلها، فاسأل به خبيرًا، فَبلّغَ وبَالَغ، وحذَّر أمته الفتن عمومًا والدَّجال خصوصًا تحذيرًا.\nصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ووارثيه وإخوانه وأحبابه وسلم تسليمًا كثيرًا.\nأما بعد:\nفإني لما رَأيتُ الحافظ جلال الدين أبا الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ذكر في خطبة كتابه الذي ألّفه في بيان حال البرزخ؛ المسمى \"شرح الصدور بشرح حال الموتى في القبور\" ما نصه: (وأرجو إن كان في الأجل فُسحة، أن أضم إليه","vol":"1","page":25},{"text":"كتابًا إن شاء الله تعالى في أشراط الساعة، وآخر في أحوال البعث والقيامة، وصفة الجنة والنار، على وجه الاستيعاب أيضًا، حقق الله ذلك بمنه وكرمه) انتهى، ووجدته قد ألّف في أحوال البعث وما بعده كتابًا وسماه \"البدور السافرة في أمور الآخرة\"، ولم أجد له كتابًا في أشراط الساعة؛ إما لعدم تأليفه، أو لانعدامه، أو لغير ذلك أحببتُ أن أُؤلِّفَ في أشراط الساعة كتابًا مستوعبًا لها؛ كما أراد الحافظ السيوطي، فيكون برزخًا بين كتابيه: \"شرح الصدور\"، و\"البدور السافرة\"، أو مقدمةً لهما.\nوتوكلت في ذلك على الله تعالى، مستعينًا به فأقول:\nقد قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾.\nوقال تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾.\nوقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٦٦)﴾.\nوقال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾.\nإلى غير ذلك من الآيات.\nوأما الأحاديث فلا تَكادُ تَنحصِر؛ كما سيأتي بعضها إن شاء الله تعالى.\nولما كانت الدنيا لم تُخْلق للبقاء ولم تكن دار إقامة، وإنما هي منزلٌ من منازل الآخرة، جُعِلت للتزود منها إلى الآخرة، والتهيُّئ للعرض على الله ولقائه، وقد آذنت بالانصرام وولَّت لذا كان حقًا على كل عالم أن يُشِيع أشراطها، ويبثَ الأحاديث والأخبار الواردة فيها بين الأنام، ويَسرُدها مرةً بعد أخرى على العوام، فعسى أن ينتهوا عن بعض الذنوب، ويلين منهم بعض القلوب، وينتبهوا من سِنَة الغفلة، ويغتنموا المُهْلة قبل الوَهلة.\nفدعاني ذلك إلى أن أبسط فيها القول بعض البسط؛ ولو أدى إلى التكرار، لا كَمَن جمع فيها أوراقًا على سبيل الاختصار؛ تبصرةً لأهل الاغترار، وتَذكرةً لأُولي الأبصار، ووسيلةً إلى رضى الجبار، وذريعةً إلى دار القرار.\nوالله أسأل أن يُخلص نِيتي، ويُحسن طَويتي، فإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل","vol":"1","page":26},{"text":"امرئ ما نوى، وأن ينفع به عامة المؤمنين، وأن يغفر لي ولآبائي ولإخواني ولأولادي طينًا ودينًا أجمعين آمين.\nوسميته:\n\"الإشاعة لأشراط الساعة\"\nوأرجو من النبي - ﷺ - الشفاعة مع قلة البِضَاعة.\nفأقول، وفي ميدان نعمه أجول:\nلابُدَّ من مقدمة؛ هي: لَمَّا كان أمر الساعة شديدًا، وهولُها مَزيدًا، وأمدُها بعيدًا؛ فإنَّ الله في ذلك اليوم يَحكُم بين الأولين والآخرين، ويقضي للمؤمنين على الكافرين، ويُميز بين المخلصين والمنافقين؛ كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣)﴾، وقال تعالى: ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦)﴾، وقال تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١)﴾.\nوأنها لا تجيء إلَّا بغتةً كما قال تعالى، وقد استأثر بِعِلمها، ولم يُعْلِمْهَا أحدًا من خلقه، أو عَلّمها النبي - ﷺ - ونهاه عن الإخبار بها؛ تهويلًا لشأنها، وتعظيمًا لأمرها كان الاهتمام بشأنها أكثر من غيرها، وضيرها أكبر من خيرها.\nفأكثر النبي - ﷺ - من بيان أشراطها وأماراتها، وما بين يديها من الفتن القريبة والبعيدة؛ ليكون أَهلُ كلّ قرنٍ على حذرٍ منها، متهيئين لها بالأعمال الصالحات، غير منهمكين في الشهوات واللذات.\nفانقسمت الأمارات إلى ثلاثة أقسامٍ:\nقسمٍ ظهر وانقضى؛ وهي الأماراتُ البعيدة.\nوقسمٍ ظهر ولم ينقضِ، بل لا يزال يَتزايدُ ويتكامل، حتى إذا بلغ الغاية ظهر.\nالقسم الثالث؛ وهي الأمارات القريبة الكبيرة التي تعقبها الساعة، وإنها تَتتابَعُ كنظام خَرزٍ انقطع سلكها.\nفلنذكر كُلّ قسمٍ في باب على حدته.","vol":"1","page":27},{"text":"وهذا ترتيبٌ لم أره لغيري، ولعله أقرب إلى الضبط، وأنفع للعوام إن شاء الله تعالى.\nتَنبيه\nمَأخذُ ما نذكره في كتابنا هذا من الأحاديث غالبًا كُتُب الحافظين الإمامين: الحافظ ابن حجر العسقلاني، والحافظ جلال الدين السيوطي.\nكشرح البخاري المسمى \"فتح الباري\" للأول.\nوكـ\"الدر المنثور\"، و\"الخصائص الكبرى\"، و\"جمع الجوامع\"، و\"العَرف الوردي\"، و\"الكشف\" للثاني.\nوكتب الإمام الشريف نور الدين علي السمهودي؛ كـ\"تاريخ المدينة\"، و\"جواهر العقدين\".\nوكتب المحقق علي المتقي، وغير ذلك.\nفَليُعلم ذلك؛ لئلا يحتاج إلى إعادة ذكرها كُلّ مرة.\nوقليلًا كتب غيرهم؛ كـ\"تخريج المصابيح\" للحافظ المناوي، و\"القناعة\" للحافظ السخاوي.\nوما سوى ذلك فسأصرح بالنقل عنه.\nوإنما قَدّمتُ هذه المقدمة فرارًا من التحلي بحلية السَّرَق، وتحاشيًا من تسويد وجه الوَرَق، وليمكن الناظر فيه مراجعة المآخذ.\nتَنبيه آخَر\nالمقصود الأصلي من تأليف هذا الكتاب حفظ بعض الأحاديث النبوية على المسلمين رجاء شفاعته - ﷺ -، فلذا ترانا إذا سُقْنا الروايات مَسَاقًا واحدًا لفهم العامة نُكِرُّ عليه بسرد أحاديثها وتخريجها، فقد يَظُن من لا خبرة له أنه تكرار، وقد نوردها في موضعين؛ لمناسبتها لكل منهما، فَليُعْلم ذلك؛ لئلا يُساءَ بالمؤلف الظن. وبالله التوفيق.","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>البابُ الأوّل في الأَمَارَاتِ البعيدَةِ الّتي ظَهرَت وَانقَرَضت</span>","vol":"1","page":29},{"text":"البَابُ الأوّل في الأَمَارَاتِ البَعِيدَةِ الّتي ظَهَرَتْ وَانقَرَضَتْ\nوهي كثيرةٌ:\nفمنها: موت النبي - ﷺ -:\nوهو من أَعظم المصائب في الدِّين، بل أعظمها، ومن ثَمَّ قال - ﷺ -: \"إذا أصيب أحدكم بمصيبة، فليذكر مصيبته بي؛ فإنها أعظم المصائب\" رواه ابن سعد، عن عطاء بن أبي رباح.\nوعن عائشة ﵂؛ أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"من أصيب منكم بمصيبة من بعدي، فليتعزَّ بمصيبته بي عن مصيبته التي تُصيبه، فإنه لن يُصاب أحدٌ من أمتي من بعدي بمثل مصيبته بي\" رواه الطبراني في \"الأوسط\".\nوعن أم سَلمةَ ﵂؛ أنها ذكرت وفاة النبي - ﷺ -، فقالت: \"يا لها من مُصيبة! ما أُصبنا بعدها من مُصيبة؛ إلَّا هَانت إذا ذكرنا مُصيبتنا به - ﷺ -\" رواه البيهقي.\nوهو أَولُ فَتْحِ باب الاختلاف؛ حيث قالوا: مِنّا أمير، ومنكم أمير.\nوعن عوف بن مالك - ﵁ - رفعه قال: \"اُعدد ستًا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس\" الحديث.\nوَروى الطبراني عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يا عبد الله بن عمر؛ سِتُّ خصال كائنة فيكم: قَبضُ نبيكم\" الحديث.\nوروى نُعيم، عن حذيفة - ﵁ - حديثًا طويلا؛ منه: فقال: \"هيهات","vol":"1","page":31},{"text":"هيهات، والذي بعثني بالحق؛ ليزيدونها يا حذيفة خصالًا سِتًا، أولهن: موتي\"، قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون\" الحديث.\nوفي الصحيح: \"ما نفضنا أيدينا من تراب قبر رسول الله - ﷺ - حتى أنكرنا قلوبنا\".\nومنها: قتل أمير المؤمنين عمر - ﵁ -:\nففي \"صحيح البخاري\": أنَّ عمر سأل حذيفة ﵄ عن الفتنة التي تَمُوج كموج البحر، فقال: يا أمير المؤمنين لا بأس عليك منها، إنَّ بينك وبينها بابًا مُغلقًا. قال: أَيُفتح الباب أو يُكسر؟ قال: لا، بل يُكسر. قال: ذاك أحرى أن لا يُغلق. وفيه أنَّ الباب هو عمر - ﵁ -.\nوَروى الطبراني بسندٍ رجاله ثقات: أنَّ أبا ذر لقي عمر ﵄، فأخذ عمر بيده فغمزها، فقال له أبو ذر: أَرسل يدي يا قُفل الفتنة. الحديث.\nوفيه: أنَّ أبا ذر - ﵁ - قال: لا تصيبكم فتنة ما دام فيكم هذا. وأشار إلى عمر - ﵁ -.\nوَروى البزار من حديث قدامة بن مظعون، عن أخيه عثمان؛ أنه قال لعمر ﵄: يا غُلق الفتنة. فسأله عن ذلك -أي فسأل عمر عثمان بن مظعون ﵄ عن سبب تسميته بذلك- فقال: مَرَرت أنت يومًا ونحن جلوس مع النبي - ﷺ -، فقال: \"هذا غُلق الفتنة، لا يزال بينكم وبين الفتنة باب شَديدُ الغَلْق ما عاش\".\nوَروى الخطيب في \"الرواة عن مالك\": أنَّ عمر - ﵁ - دخل على امرأته أم كُلثُوم بنت علي ﵄ فوجدها تبكي، فقال: ما يُبكيك، قالت: هذا اليهودي -لكعب الأحبار- يقول: إنك بابٌ من أبواب جَهنم. فقال عمر - ﵁ - ما شاء الله. ثم خرج فأرسل إلى كعب، فجاءه، فسأله عن قوله، فقال: يا أمير المؤمنين؛ والذي نفسي بيده لا يَنسلخُ ذو الحجة حتى تدخل الجنة. فقال: ما هذا؟ مرةً في الجنة، ومرةً في النار! فقال: إنا لنَجِدكُ في كتابنا على بابٍ من","vol":"1","page":32},{"text":"أبواب جهنم تمنع الناس أن يقتحموا فيها، فإذا مِتَّ اقتحموا.\nوفي \"صحيح البخاري\": أنَّ أبا وائل قال: قلنا لحذيفة - ﵁ -: أَعلِمَ عمرُ مَن الباب؟ قال: نعم، كما يعلم أنَّ دون غدٍ الليلة، إني حَدّثته حديثًا ليس بالأغاليط. قال: \"فهبنا أن نسأله، وأمرنا مسروقًا فسأله، فقال: من الباب؟ قال: عمر\".\nوحاصل معنى هذه الأحاديث: أنه - ﷺ - شَبّه مدة حياة عمر - ﵁ - بحصنٍ منيع فيه أهل الإسلام، وشبّه شخص عمر - ﵁ - بباب ذلك الحصن، وفهم ذلك عمر - ﵁ -، وسأل حذيفةَ: أيموت أم يقتل؟ فأخبره أنه يقتل، فقال: ذاك أحرى أن لا يُغلق، فإنَّ الباب إذا كان موجودًا يمكن غَلقُه بعد الفتح، بخلاف ما إذا انكسر.\nوإنما كان هو الباب دون عثمان - ﵁ -؛ لأنَّ وجود الباب يمنع من دخول العدو للحصن، وإنَّ الفتنة لم تظهر في حياة عمر - ﵁ -؛ لأنَّ وجوده كان بابًا مانعًا من ظهورها، وإنما ظهرت في حياة عثمان - ﵁ -، وَقُتلَ هو فيها، فلو كان هو الباب المانع منها لما ظهرت الفتن في حياته، فاندفع ما استشكله الزركشي من أنَّ الواقع في الوجود يشهد أنَّ الأولى بذلك عثمان - ﵁ -؛ لأنَّ قتله هو سبب افتراق الكلمة.\nووجه الاندفاع ظاهرٌ، وسببه كما رواه ابن سعد، عن ابن شهاب: أنَّ عمر - ﵁ - كان لا يأذن لصبي قد احتلم في دخول المدينة، حتى كتب المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة يذكر له غُلامًا عنده صَنْعًا، ويستأذنه أن يُدخِلهُ المدينة، يقول: إنَّ عنده أعمالًا كثيرةً فيها منافع للناس، حَدادٌ، نقاش، نجار. فكتب إليه عمر - ﵁ -، فأذن له أن يُرسل به إلى المدينة، وكان كافرًا مجوسيًا يُدعى: أبا لؤلؤة، وكان خبيثًا، إذا نظر إلى الصبيان الصغار يمسح رؤوسهم ويبكي، ويقول: إنَّ العرب أكلت كبدي. وكان قد ضرب عليه المغيرة مئة درهم في كل شهر، وفي رواية: مئة وعشرين درهمًا، وفي رواية: أربعة دراهم كل يوم.","vol":"1","page":33},{"text":"فجاء إلى عمر - ﵁ - يشتكي إليه شدة الخراج، فقال له عمر - ﵁ -: ماذا تُحْسِن من العمل؟ فذكر له أعمالًا كثيرة، فقال له عمر - ﵁ -: ما خراجك بكثير في كَفّةِ عملك. فانصرف ساخطًا يتذمر.\nوفي رواية قال: وما تعمل؟ قال: الأرحاء. وسكت عن سائر أعماله، قال: في كم تعمل الرَّحَى؟ فأخبره، قال: وبكم تبيعها؟ فأخبره، فقال: لقد كلفك يسيرًا، انطلق فأعط مولاك ما سألك.\nفلما وَلّى قال عمر - ﵁ -: ألا تجعل لنا رحى؟ .\nوفي رواية: قال له: ألم أُحَدثْ أنك تقول: لو أشاء لصَنعتُ رحى تطحن بالريح؟ ! فالتفت العبد ساخطًا على عمر - ﵁ -، ومع عمر رهط، فقال: لأصنعنَّ لك رحى يَتحدّث الناس بها، فلما وَلّى العبد، أقبل عمر - ﵁ - على الرهط الذي معه، فقال: أوعدني العبد آنفًا.\nوفي رواية: قال: بلى؛ أجعل لك رَحى يَتحدّث بها أهل الأمصار. ففزع عمر - ﵁ - من كلمته، وعليٌّ كرّم الله وجهه معه، فقال: ما تراه أراد؟ قال: أوعدك يا أمير المؤمنين.\nقال عمر - ﵁ -: يكفينا الله، قد عَلمتُ أنه يريد بكلمته غدرًا.\nفخرج عمر - ﵁ - إلى الحج، فلما صدر اضطجع بالمُحصَّب، وجعل رداءه تحت رأسه، فنظر إلى القمر فأعجبه استواؤه وحسنه، فقال: \"اللهم؛ إنَّ رعيتي قد كثرت وانتشرت، فاقبضني إليك غير عاجزٍ ولا مضيع\".\nفصدر إلى المدينة. ورأى عمر - ﵁ - في المنام أنَّ ديكًا أحمر نقره نقرتين أو ثلاثًا بين السُرّة والثُّنَّةِ، فقالت أسماء بنت عُميس أم عبد الله بن جعفر: قولوا له فَليُوص؛ فإنه يقتله رجلٌ من الأعاجم. وكانت تَعبُر الرؤيا.\nوروى أبو يعلى، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي عن أبي رافع قالوا: كان أبو لؤلؤة عبدًا للمُغيرة بن شعبة، وكان يَصنعُ الرحى، وكان المغيرة يستغله كل يوم أربعة دراهم، فلقي أبو لؤلؤة عمر - ﵁ - فقال: يا أمير المؤمنين: إِنَّ المغيرة قد","vol":"1","page":34},{"text":"أثقل عليَّ غلتي، فكلّمه يُخفف عني، قال: اتق الله وأحسن إلى مولاك، ومن نية عمر - ﵁ - أن يَلقى المغيرة فيكلمه فيُخففَ عنه.\nوفي رواية: أنه كلّمه في أمره ووصى به خيرًا وهو لا يدري، فغضب العبد، وقال: وسع الناس كلهم عدله غيري. فأضمر على قتله، فاصطنع خنجرًا له رأسان، وشحذه، وسمَّه، ثم أتى به إلى الهُرمُزان، فقال: كيف ترى هذا؟ قال: أرى أنك لا تَضربُ به أحدًا إلَّا قتلته. فتحيّن أبو لؤلؤة، فجاء في صلاة الغداة، فخرج عمر - ﵁ - بدرته يُوقظ الناس لصلاة الصبح، وكان عمر - ﵁ - إذا أقيمت الصلاة يتكلّم فيقول: أقيموا صفوفكم. فذهب يقول كما كان يقول، فقام أبو لؤلؤة وراء عمر - ﵁ -، فلما كَبَّر طَعنهُ ثلاث طعنات، طعنة في كتفه، وأخرى في خاصرته، وأخرى تحت سُرّته بين الثُّنةِ والسُّرة، وقد خرقت الصِّفَاق وهي التي قتلته، وطعن ثلاثة عشر رجلًا، فهلك منهم سبعةٌ، وتصايح الناس، فرمى رجلٌ على رأسه بِبُرْنُسٍ، ثم اضطبعه إليه.\nوفي رواية: فاشتمل أبو لؤلؤة على خنجر ذي رأسين، نِصَابه في وسطه، فكمن في زاوية البيت في غَلَس السَّحَر، فلم يزل هنالك حتى خرج عمر - ﵁ - يُوقظ الناس لصلاة الصبح، وكان عمر - ﵁ - يفعل ذلك، فلما دنا عمر - ﵁ - منه وثب عليه فطعنه ثلاث طعنات إحداهن تحت السُّرة، ثم انحاز أيضًا على أهل المسجد فطعن من يليه، حتى طعن سوى عمر - ﵁ - أحد عشر رجلًا، ثم انتحر بخنجره.\nوفي رواية: فلما رأى أنه أُحِيطَ به قتل نفسه، فقال عمر - ﵁ -: قولوا لعبد الرحمن بن عوف فليُصل بالناس، ثم غَلَب عمر - ﵁ - النَّزفَ حتى غُشي عليه، فلم يزل في غشيةٍ واحدةٍ حتى أسفر الصبح، فلما أسفر أفاق فنظر في وجوه الناس، فقال: أصلّى الناس؟ قالوا: نعم. فقال: لا إسلام لمن ترك الصلاة. ثم دعا بوضوء فتوضأ، ثم صلى، ثم قال: من قتلني؟ قالوا: أبو لؤلؤة؛ غُلام المغيرة بن شعبة. فقال: الحمد لله الذي لم يجعل قاتلي يحاجني عند الله بسجدةٍ سجدها له قط، ما كانت العرب لتقتلني، أنا أحبُّ إليها من ذلك. ثم دعا بنبيذ","vol":"1","page":35},{"text":"فشربه، فخرج من جرحه، فقال بعضهم: نبيذ. وقال بعضهم: بل دم. فدعا بلبن، فخرج من جرحه.\nفلما عَلِم أنه ميتٌ، جعل الأمر شورى بين ستة: عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص ﵃.\nوجعل عبد الله بن عمر ﵄ معهم مشيرًا وليس هو منهم، وَأَجّلهُم ثلاثًا، وأمر صُهيبًا أن يُصلي بالناس، ثم قال: ادعوا لي عليًا، وعثمان، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن، وسعدًا. فوصاهم، فلما خرجوا من عنده قال: إن ولوها الأجلح -يعني: عليا- سلك بهم الطريق الأقوم. فقال له ابن عمر ﵄: فما يمنعك يا أمير المؤمنين؟ قال: أكره أن أتحملها حيًا وميتًا. رواه ابن سعد، والحارث، وأبو نُعيم في \"الحلية\"، واللالكائي في \"السُّنَّة\".\nعن أبي مطر قال: سمعت عليًا - ﵁ - يقول: دَخلتُ على عمر بن الخطاب - ﵁ - حين وجَأهُ أبو لؤلؤة وهو يبكي، فقلت: ما يُبكيكَ يا أمير المؤمنين؟ قال: أبكاني خبر السماء، أيُذهب بي إلى الجنة أم إلى النار؟ فقلت له: أبشر يا أمير المؤمنين، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول ما لا أُحصيه: \"سيدا كُهُول أهل الجنة: أبو بكر، وعمر، وأنعما\" فقال: أشاهد أنت لي يا عليّ بالجنة؟ قلت: نعم. قال: وأنت يا حسن؛ فاشهد على أبيك رسول الله - ﷺ - أنَّ عمر من أهل الجنة. رواه ابن عساكر.\nوعن أبي أوفى بن حكيم قال: لما كان اليوم الذي مات فيه عمر - ﵁ - قلت: والله لآتين باب عليِّ بن أبي طالب. فأتيت باب عليٍّ، فإذا الناس يَرقُبُونه، فما لبث أن خرج علينا فأطرق ساعة، ثم رفع رأسه فقال: لله دَرُّ باكية عمر؛ قالت: واعمراه؛ قَوّمَ الأود، وأيّد العمد، واعمراه؛ مات نقي الثوب، بريئًا من العيب، واعمراه؛ ذهب بالسُّنّة، وأبقى الفتنة.\nصدقت؛ أصاب والله ابن الخطاب خيرها، ونجا من شرها.\nوفي \"صحيح البخاري\" عن ابن عباس ﵄ قال: إني لواقفٌ في قوم","vol":"1","page":36},{"text":"ندعوا الله لعمر بن الخطاب - ﵁ - وقد وُضع على سريره، إذا رجل من خلفي وضع مرفقيه على منكبي يقول: رحمك الله، إن كُنت لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك؛ لأني كثيرًا ما كُنت أسمع النبي - ﷺ - يقول: \"كنت وأبو بكر وعمر، وفعلت وأبو بكر وعمر، وانطلقت وأبو بكر وعمر\"، وإن كُنت لأرجو أن يجعلك الله معهما. فَالْتَفتُّ فإذا هو عليّ بن أبي طالب - ﵁ -.\nوفي لفظ له: عن ابن أبي مُليكة؛ أنه سمع ابن عباس ﵄ يقول: وُضع عمر على سريره، فتكنفه الناس يدعون ويصلون قبل أن يرفع وأنا فيهم، فلم يَرُعْني إلَّا رجلٌ آخذ منكبي، فإذا عليّ بن أبي طالب، فترحّم على عمر وقال: ما خَلّفتَ أحدًا أَحبُّ إليَّ أن ألقى الله بمثل عمله منك، وايم الله؛ إن كنت لأَظُن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وحَسبتُ أني كثيرًا أسمع النبي - ﷺ - يقول: \"ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر\".\nفائِدَة\nفي شرح \"البخاري\" للقسطلاني: أنَّ الشمس كُسِفت يوم مات عمر - ﵁ -، وأنَّ الأرض أظلمت، فجعل الصبي يقول لأُمه: يا أماه؛ أقامت القيامة؟ فتقول: لا يا بني، ولكن قُتل عمر.\nوأنَّ الجن نَاحَت على عمر - ﵁ - قبل أن يموت بثلاث، فقالت:\nأَبَعْدَ قَتِيلٍ بِالْمَدِينَةِ أَظْلَمَتْ ... لَهُ الأَرْضُ تَهْتَزُّ العِضَاةُ بِأَسْوُقِ\nجَزَى اللهُ خَيْرًا مِنْ إِمَامٍ وَبَارَكَتْ ... يَدُ اللهِ فِي ذَاكَ الأَدِيمِ الْمُمَزَّقِ\nفَمَنْ يَسْعَ أَوْ يَرْكَبْ جَنَاحَيْ نَعَامَةٍ ... لِيُدْرِكَ مَا قَدَّمْتَ بِالأَمْسِ يُسْبَقِ\nقَضَيْتَ أُمُورًا ثُمَّ غَادَرْتَ بَعْدَهَا ... بَوَائِقَ فِي أَكْمَامِهَا لَمْ تُفْتَقِ\nوَمَا كُنْتُ أَخْشَى أَنْ يَكُونَ مَمَاتُهُ ... بِكَفَّيْ سَبَنْتَى أَزْرَقِ الْعَيْنِ مُطْرِقِ","vol":"1","page":37},{"text":"تَنبيْه\n(العِضَاةُ) -بكسر العين المهملة والضاد المعجمة، جمع عِضَهَة؛ كعِنَبة، وعِضَه؛ كعِنَب. وهو كالعِضَاهة؛ بالكسر-: أعظم الشجر أو الخمط، أو كل ذات شوكٍ، أو ما عَظُمَ منها وطال.\nو(أسْوُق): جمع ساق، هُمزت واوه لتحتمل الضمة، كذا في \"القاموس\".\nيعني: أَبعد قتل عمر - ﵁ -؛ تَهتزُّ الأشجار على سوقها؟ !\nو(البوائق) -جمع بائقة- وهي: الداهية.\nو(الأكمام) -جمع كِمًّ؛ بكسر الكاف، وقد يضم-: غطاء الزهر والورد قبل أن يتفتق.\nيعني: تركت دواهي وفتنًا مستورة في أغطيتها لم تظهر في حياتك، وإنما تظهر بعدك. و(أخشى) بمعنى: أظن.\nو(الحِمام) -بكسر الحاء المهملة-: الموت.\nيعني: ما كنت أظن أنَّ موته يكون بكَفِّ.\nو(سَبنتى)، و(سَبندى) -بالتاء والدال؛ بوزن فَعنلى-: النَّمِر.\nو(المُطرق): المُغْضب.\nولنرجع إلى بقية حديث \"البخاري\":\nقال ابن عباس ﵄: فلما قُبض عمر - ﵁ - خرجنا به، فانطلقنا نمشي -يعني: إلى حُجرة عائشة-، فَسلّم عبد الله بن عمر، وقال: يَستأذنُ عمر بن الخطاب. قالت: أدخلوه. فَأُدخل، فَوُضِع هنالك مع صاحبيه، فلما فُرِغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط -يعني: أهل الشورى- فقال عبد الرحمن - ﵁ -: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم. فقال الزبير - ﵁ -: قد جعلت أمري إلى عليّ. وقال طلحة - ﵁ -: قد جعلت أمري إلى عثمان. وقال سعد - ﵁ -: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن. فقال عبد الرحمن - ﵁ -: أيكما تبرأ من هذا","vol":"1","page":38},{"text":"الأمر فنجعله إليه، والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه. فأسكت الشيخان -يعني: عليًا، وعثمان-، فقال عبد الرحمن - ﵁ -: أفتجعلونه إليَّ، والله عليَّ أن لا آلو عن أفضلكم؟ قالا: نعم. فأخذ بيد أحدهما -يعني: عليًا- فقال: لك من قرابة رسول الله - ﷺ -، والقِدَم في الإسلام ما قد علمت، فالله عليك لئن أَمَّرتُك لتعدلن، ولئن أَمَّرتُ عثمان لتسمعن ولتطيعن، قال: نعم. ثم خلا بالآخر فقال له مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق قال: ارفع يدك يا عثمان فبايعَه، فبايع له عَليٌّ، ثم وَلجَ أهل الدار فبايعوه.\nزاد الطبراني في روايته: أنَّ عبد الرحمن دار تلك الليلة كلها على الصحابة ومن وافى المدينة من أشراف الناس، لا يخلو برجلٍ منهم إلَّا أمره بعثمان، فقال: يا علي؛ إني سألت الناس كلهم؛ فما رأيتهم يعدلون بعثمان.\nتَنبيْه\nعُلِم من هذه الأحاديث أنَّ عمر - ﵁ - كان أحبَّ الناس إلى عليّ، وأنَّ عليًا كان أحبَّ الناس إلى عمر ﵄؛ كما يدل عليه قوله: إن ولوها الأَجْلَح. الحديث، وأنه إنما لم يُولّهِ الخلافة مع إخباره بأولويته؛ مخافة أن يصدر من الخليفة أمرٌ فيكون هو المسؤول عنه؛ لعلمه أنَّ الفتن تقع بعده، ولهذا قال: \"لا أتحملها حيًا وميتًا\". في جواب عبد الله بن عمر ﵄: فما يمنعك أن تولّي عليًا؟\nوظهر بهذا كَذِبُ الرافضة وافتراؤهم أنَّ عليًا واطأ أبا لؤلؤة في قتل عمر ﵄، وأنه إنما قتله عن أَمْرِ علي - ﵁ -، وأنَّ عمر - ﵁ - إنما جعل الخلافة شورى بين ستة؛ ليصرفها عن علي - ﵁ -، وأنَّ عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - باطن عثمان - ﵁ - على ذلك. إلى غير ذلك من الزُّور والبُهتان، فقاتلهم الله أَنّى يُؤفَكون، وقاتلهم الله بما يفترون، فَإنّا لله وَإنّا إليه راجعون.\nومنها: قتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان - ﵁ -:\nعن الزبير - ﵁ - أنه قال: قتَل النبي - ﷺ - يوم الفتح رجُلًا من قريش صَبرًا، ثم قال - ﷺ -: \"لا يُقتل قُرشي بعد هذا اليوم صبرًا إلَّا","vol":"1","page":39},{"text":"رَجُلٌ قتل عثمان بن عفان فاقتلوه، فَإلَّا تَفعلوا تُقتلوا قَتْل الشاء\" رواه البزار والطبراني.\nوعن أبي هريرة - ﵁ -؛ أنه قال وعثمان - ﵁ - محصور: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إنها ستكون فتنةٌ واختلاف -أو اختلافٌ وفتنة- قال: قلنا: فما تَأمُرنا يا رسول الله؟ قال: عليكم بالأمير وأصحابه. وأشار إلى عثمان\" رواه الحاكم وصححه، والبيهقي.\nوعن عائشة ﵂؛ أنَّ رسول الله - ﷺ - دعا عثمان - ﵁ - فجعل يُسِر إليه ولون عثمان يتغير، فلما كان يَومُ الدار قلنا: ألا تقاتل؟ قال: لا، إنَّ رسول الله - ﷺ - عَهد إليَّ أمرا فأنا صابر عليه. رواه ابن ماجه، والحاكم، وصححه، والبيهقي، وأبو نُعيم.\nوعن عبد الله بن حوالة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ذات يوم تهجمون على رجلٍ معتجرٍ ببُردة يبايع الناس من أهل الجنة\"، فهجمت على عثمان وهو معتجرٌ ببُردة حِبَرةٍ يبايع الناس. رواه الحاكم وصححه.\nوعن مُرّة بن كعب - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - ذَكر فتنة فَقَرّبها، فمر به رجل مُقنع بثوب، فقال: \"هذا يومئذ على الهدى\"، فَقُمتُ إليه؛ فإذا هو عثمان - ﵁ -.\nوعن عائشة ﵂؛ قالت: قال رسول الله - ﷺ - لعثمان: \"إنَّ الله مُقمِّصَكَ قميصًا -أي: مُوليك الخلافة- فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه\".\nوعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يا عثمان؛ إنك ستلي الخلافة من بعدي، وسيريدك المنافقون على خلعها فلا تخلعها، وصُم في ذلك اليوم تفطر عندي\" رواه ابن عدي، وابن عساكر.\nوعن حذيفة - ﵁ - قال: أَوّلُ الفتن قتل عثمان، وآخرها خروج الدجال.\nوزاد ابن عساكر في روايته: والذي نفسي بيده؛ ما من رجل في قلبه مثقال حبة من","vol":"1","page":40},{"text":"قتل عثمان؛ إلَّا تبع الدجال إن أدركه، وإن لم يدركه آمن به في قبره.\nوسبب قتله بالاختصار: أنهم انتقدوا عليه بعض الأمور؛ منها: أنه وَلَّى محمد بن أبي بكر مصر، فلما كان في بعض الطريق، إذا بغلام عثمان - ﵁ - على ناقته متوجهًا نحو مصر، فأتوا به، فسألوه عن الخبر، فلم يُخبرهم، ففتشوه، فلقوا معه كتابًا إلى العامل بمصر يأمُرُه فيه بقتله، فرجع إلى المدينة، فاجتمع عليه أربعة آلاف من أوباش مصر، ورئيسهم ابن عُديس، وابن تميم، وغيرهما، وسألوه -أي: عئمان - ﵁ - عن الكتاب والغلام، فقال: لا علم لي به. فقالوا: إنَّ هذا فِعْلَ مروان. وعرفوا خطه، وقالوا: فادفعه إلينا. فلم يفعل، فأرادوه على أن يعزل نفسه، فلم يفعل؛ امتثالًا للحديث المارِّ: \"إنَّ الله مُقمِّصك قميصًا. . .\".\nوكانوا لما هجموا المدينة، كان عثمان - ﵁ - يخرج فيصلي بالناس وهم يُصلون خلفه شهرًا، ثم خرج في آخر جُمعةٍ خرج فيها، فَحَصَبُوه حتى وقع عن المنبر ولم يقدر أن يُصلي بهم، فَصلّى بهم يومئذ أبو أُمامةَ سهل بن حُنَيف، فمنعوه، وكان يُصلّي ابن عُديس تارة، وكنانة بن بشر أخرى، فبقوا على ذلك عشرة أيام، وكان طَلحة يُصلي بهم، وأكثر ما كان يصلي بهم علي - ﵁ -، وهو الذي صَلّى بهم العيد، فحاصروه؛ قيل: عشرة أيام، وقيل: أربعين يومًا. ويمكن الجمعُ بأنَّ ثلاثين يومًا كان يخرج للصلاة، وعشرة شَدّدوا عليه الحصار ومنعوه من الخروج للصلاة، ومنعوه الماء، فجاءت الأنصار إلى الباب وقالوا: يا أمير المؤمنين؛ إن شئت كُنا أنصار الله مرتين، فقال: لا حاجة لي في ذلك؛ كُفُّوا، إنَّ رسول الله - ﷺ - عَهِد إلي عَهدًا وأنا صائرٌ إليه. وجاء علي كرم الله وجهه في جماعةٍ من بني هاشم يُريد نصره.\nفقال: كُلّ من لي عهدٌ في ذمته يَكُف عن القتال. فأخذ عليّ - ﵁ - عمامته ورمى بها في صحن داره، وقال: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾، ومنعوه الماء العذب، فأرسل عليٌّ الحسنَ والحسينَ وعبدَ الله بن جعفر ﵃ في فتيةٍ من بني هاشم بثلاث قِرَبٍ من الماء، فحالوا دونهم، فحملوا عليهم حتى جُرِح الحسن أو الحسين بن علي ﵃، وسال الدَمُ على وجهه،","vol":"1","page":41},{"text":"وأوصلوه الماء، فلما رأوا ذلك خافوا بني هاشم، وتركوا الباب، ونَقبُوا البيت من ظهره، وكان عنده في الدار عَبيدُهُ الكثيرون، فأرادوا أن يمنعوا عنه، فقال: من أغمد سيفه فهو حُر. ومنعهم من ذلك.\nوكان ممن دخل عليه الدار: محمد بن أبي بكر - ﵁ - فذكر له بعض مناقبه في الإسلام، ويقول: أَنشدُك الله ألم تعلم كذا؟ ألم تعلم كذا؟ وَكُلّ ذلك يقول محمد: نعم.\nثم قال له: لو رأى أبو بكر مكانك هذا مني لساءه ذلك، فخرج محمد، ودخل عليه جماعةٌ فقتلوه في أواسط أيام التشريق والمصحف بين يديه، سنة خمس وثلاثين من الهجرة عن ثمان وثمانين سنة من العُمْرِ، وقيل: أكثر، وقيل: أقل.\nورأى في ليلة يوم قُتل فيه النبيَّ - ﷺ - قال له: \"يا عثمان؛ أفطر عندنا\". فأصبح صائمًا، وقتل وهو صائم.\nرَوى ابن منيع في \"مسنده\" من طريق النُعمان بن بشير، عن نَائلة بنت الفرافصة امرأة عثمان - ﵁ -؛ قالت: لما حُصِر عثمان - ﵁ - ظل صائمًا، فلما كان عند الإفطار سألهم الماء العذب، فمنعوه، فبات، فلما كان في السَّحَر قال: إنَّ رسول الله - ﷺ - اطلع عليَّ من هذا السقف ومعه دلوٌ من ماء، فقال: \"اشرب يا عثمان\"، فشربت حتى رويت، ثم قال: \"ازدد\"، فشربت حتى تملأت.\nوَروى الحارث بن أبي أسامة في \"مسنده\"، عن مُهاجر بن حبيب قال: بعث عثمان إلى عبد الله بن سَلام وهو مَحصُور، فقال له: ارفع رأسك ترى هذه الكُّوّة، فإنَّ رسول الله - ﷺ - أشرف منها هذه الليلة، فقال: \"يا عثمان؛ أحصروك؟ ! \" قلت: نعم. فأدلى دلوًا فشربت منه، فإني لأجِدُ بَرْدَهُ على كبدي، ثم قال لي: \"إن شئت دَعوتُ الله فينصرك عليهم، وإن شئت أفطرت عندنا\"، فاخترت الفطر عنده، فقُتل في يومه.\nوفي \"تنوير الحلك\" للسيوطي، مَعزُوًا لابن باطيش في كتاب \"مزيل","vol":"1","page":42},{"text":"الشبهات\": عن عبد الله بن سلام: أتيت عثمان - ﵁ - وهو مَحصُور، فقال: مرحبًا يا أخي، رأيت رسول الله - ﷺ - في هذه الخوخة، فقال - ﷺ -: \"يا عثمان؛ أحصروك؟ \" قلت: نعم. قال: \"عطشوك؟ \" قلت: نعم. فأدلى لي دلوًا فيه ماء، فشربت حتى رَويتُ، وحتى أني لأجد بَردَهُ بين ثديي وبين كتفي.\nفقال - ﷺ -: \"إن شئت نُصرت عليهم، وإن شئت أفطرت عندنا؟ \" فاخترت أن أفطر عنده، فقتل ذلك اليوم.\nوعن عدي بن حاتم - ﵁ - قال: سمعت صوتًا يوم قتل عثمان: \"أبشر يا بن عفان برَوْح وريحان، أبشر يا بن عفان بربٍّ غير غَضْبان، أبشر يا بن عفان بغُفران ورِضوان. فالتفت فلم أر أحدًا\" رواه أبو نُعيم.\nوَروى الطبراني، وأبو نُعيم: عن سهم بن حُبيش قال: دفنا عثمان - ﵁ - ليلًا، فغشينا سوادٌ من خلفنا، فهبناه حتى كدنا أن نَتفرّقَ عنه، فنادى مُنادٍ: لا رَوْعَ عليكم، اثبتوا؛ فإنَّا قد جئنا لنشهده معكم. فكان ابن حبيش يقول: هم والله الملائكة.\nوَروى أبو نُعيم، عن عروة - ﵁ - قال: مكث عثمان - ﵁ - في حَشِّ كوكب مطروحًا ثلاثًا لا يدفنونه، حتى هتف بهم هاتف: ادفنوه ولا تصلوا عليه؛ فإنَّ الله ﷿ قد صَلّى عليه.\nوكان الذين خرجوا عليه: عبد الرحمن بن عُديس البلوي، وكنانة بن بشر -أحد رؤوس الخوارج-، وآخرون ساروا بأهل مصر، واجتمع عليهم خَلقٌ من أوباشِ الناس، وقُتل عبد الرحمن هذا وأصحابه بعد عام، أو عامين بجبل لبنان.\nوقد روى البيهقي، وأبو نُعيم: أنَّ النبي - ﷺ - قال: \"يخرج أناس يمرقون من الدَّين كما يَمرُق السهم من الرمية، يُقتلون في جبل لبنان\"، أورده السيوطي في \"الخصائص\".\nوروى أبو نُعيم، عن عثمان بن مُرّة، عن أمه؛ قالت: سَمعتُ الجن تَنُوحُ على","vol":"1","page":43},{"text":"عثمان - ﵁ - فوق مسجد رسول الله - ﷺ - ثلاث ليال، فكان مما قالوا:\nلَيلةَ الحصبة إذ ... يَرمُون بالصَّخْر الصِّلاب\nثُمّ جاؤوا بُكرةً ... يَبغُون صقرًا كالشِّهاب\nزَينهم في الحيِّ والـ ... مجلس فَكَّاكُ الرِّقاب\nوكان علي - ﵁ - حين قُتل في أرضٍ له، فجاءه الخَبرُ، فَدُهش من شدة ما سمع، فجاء ولطم الحسن، وضرب صدر الحسين ﵄، وسب عبد الله بن جعفر، وابن الزبير، وقال: أيقتل عثمان وأنتم أحياء؟ ! فاعتذروا بأنهم ما عَلِمُوا.\nوصَحّ أنه أشرف من كُوَّةٍ فقال لعلي - ﵁ -: يا أبا الحسن؛ ما هذا الذي ركب متني؟ فقال: اصبر يا أبا عبد الله، فوالله ما غِبتُ عن رسول الله - ﷺ - حين كُنا على أُحُدٍ، فتحرك الجبل ونحن عليه، فقال - ﷺ -: اثبت أُحُد؛ فإنه ليس عليك إلَّا نبي، أو صِدِّيقٌ، أو شهيد\"، وايم الله لتُقتلن، ولأقتلن معك -أي: بعدك-، وليُقتلن طلحة، والزبير.\nوصح أنه استشهد جماعة من الصحابة منهم: علي، وطلحة، والزبير ﵃ على أنه اشترى الجنة من النبي - ﷺ - مرات، فشهدوا له، فقال الخارجون عليه: صدقوا، ولكنك غَيّرتَ. فقال: ويلكُم، كيف يُغير من هذا حَاله؟ !\nثم ذكر أنهم سيقولون ذلك في غيره أيضًا، وكان كذلك، فإنهم قالوا في علي - ﵁ - حين خرجت عليه الخوارج، فاستشهد الصحابةَ في خُصُوصياته، فشهدوا له، فقالوا: صدقوا، ولكنك غَيّرتَ.\nومنها: وقعة الجمل:\nرَوى الحاكم عن علي وطلحة ﵄: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال للزبير: \"أتحب عليًا؟ ! أما إنك سَتخرُجُ عليه وتقاتله، وأنت له ظالم\".","vol":"1","page":44},{"text":"وروى هو، وأحمد عن عائشة ﵂؛ أنه - ﷺ - قال لها: \"كيف بإحداكُن إذا نَبحتها كِلابُ حوأب! \".\nوَروى ابن أبي شيبة، والبزار بسندٍ رجاله ثقات عن ابن عباس ﵄، والحاكم من حديث قيس بن أبي حازم: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال لنسائه: \"أيتكن صاحبة الجمل الأدبب؟؛ تسير-أو تخرج- حتى تَنْبحها كِلابُ الحوأب، يقتل عن يمينها وعن شمالها قتلى كثيرة، وتنجو بعدما كادت\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>تَنبيْهَان</span>\nالأول: قال الدَّميري في \"حياة الحيوان\": قال ابن دِحية: والعجب من ابن العربي كيف أنكر هذا الحديث في كتاب \"العواصم والقواصم\" له، وذكر أنه لا يوجد له أصل، وهو أشهر من فَلَقِ الصبْح.\nالثاني: الأَدْبَب؛ بهمزة مفتوحة، ودال مهملة ساكنة، وموحدتين؛ الأولى مفتوحة. قال في \"القاموس\": الأَدبُّ: الجمل الكثير الشعر، وبإظهار التضعيف جاء في الحديث: \"صاحبة الجمل الأدبب\". اهـ\nقال الطائي في \"شرح التسهيل\": \"فَكُّ الإدغام على غير القياس؛ لمناسبة الحوأب\". اهـ بمعناه.\nوَروى أحمد، والطبراني عن أبي رافع؛ أنَّ النبي - ﷺ - قال لعلي - ﵁ -: \"سيكون بينك وبين عائشة أمر\"، قال: فأنا أشقاهما يا رسول الله. فقال: \"لا، ولكن إذا كان ذلك؛ فارددها إلى مأمنها\".\nوروى نُعيم بن حماد في \"الفتن\" بسندٍ صحيح عن طاوس؛ أن رسول الله - ﷺ - قال لنسائه: \"أيتكن تَنْبحُها كذا وكذا؟ \" فضحكت عائشة متعجبة، فقال: \"انظري لا تكوني أنت يا حُميراء\".\nوعن أُم سلمة رضي الله تعالى عنها؛ قالت: ذَكَر النبي - ﷺ - خُروج بعض أمهات المؤمنين، فضحكت عائشة ﵂، فقال: \"انظري يا حميراء أن لا تكوني أنت\"، ثم التفت إلى علي - ﵁ -، فقال: \"إن وليت من أمرها","vol":"1","page":45},{"text":"شيئًا فارفق بها\" رواه الحاكم وصححه، والبيهقي.\nوعن حُذيفة - ﵁ - أنه قال: \"لو حَدّثتُكم أن بعض أمهات المؤمنين تغزوكم في كتيبة تَضربُكم بالسيف؛ ما صَدقْتمُوني\". قالوا: سبحان الله! ومن يُصدّق بهذا؟ ! قال: \"أتتكم الحميراء في كتيبة تسوقها أعلاجها\" رواه الحاكم وصححه، والبيهقي، وقال: أَخبر بهذا حُذيفة ومات قبل مَسِير عائشة ﵄.\nوسبب ذلك: قال الحافظ ابن حجر في \"شرح البخاري\": قد جمع عمر بن شبّة في كتاب \"أخبار البصرة\" قصة الجمل مطولة، وها أنا أُلخصها وأقتصر على ما أورده بسندٍ صحيح، أو حسن. انتهى\nفنذكر حاصله هنا مُختصرًا: وهو أنه لما كان الغَدُ من قتل عثمان - ﵁ - خرج علي - ﵁ - ومعه سفيان الثقفي فدخل المسجد، فإذا جماعةٌ على طلحة، فخرج أبو جهم بن حُذيفة فقال: يا علي؛ ألا ترى؟ فلم يَتكلّم، ودخل بيته فأتي بثريد فأكل، ثم قال: يُقتل ابن عمي ويُغلب على مُلكه؟ ! فخرج فأتاه الناس وهو في سوق المدينة فقالوا: ابسُط يَدك نُبايعك. فقال: حتى يتشاور الناس. فقال بعضهم: لئن رجع الناس إلى أمصارهم بقتل عثمان - ﵁ -، ولم يقم بعده قائم لم يؤمن الاختلاف وفساد الأمة، فأخذ الأشتر بيده فبايعوه، وذهب إلى بيت المال ففتحه، فلما تسامع الناسُ تركوا طلحة، فلم يعدلوا به طلحة ولا غيره، ثم أرسل إلى طلحة والزبير ﵄ فبايعاه، ثم إنهما ندما على خِذلان عثمان - ﵁ -، فطلبوا أن يُقتل قَتلةُ عثمان - ﵁ -، فلم يُجِبهما؛ وذلك لأنَّ قاتله كان غير معلوم، وكان ينتظِرُ أولياء عثمان - ﵁ - أن يتحاكموا إليه، ثم استأذناه في العُمرة، فأخذ عليهما العهود وأذن لهما، فلقيا عائشة ﵂، فاتفقا معها على الطلب بدم عثمان - ﵁ -، وكان يعلى بن أمية عامل عثمان - ﵁ - على صنعاء، وكان عظيم الشأن عنده، وكان مُتمولًا، فقدم حاجًّا فأعانهما بأربع مئة ألف، وحمل سبعين رجلًا من قريش، واشترى لعائشة ﵂ جملًا -يقال له: عسكر- بثمانين دينارًا.\nوكان علي - ﵁ - يقول: أتدرُونَ بمن ابتليتُ؟ بأطوع الناس في الناس؛","vol":"1","page":46},{"text":"عائشة، وأدهى الناس طلحة، وأشد الناس الزبير، وأثرى الناس يعلى بن أمية.\nفتوجهوا إلى البصرة، فنزلوا بعض مياه بني عامر، فنبحت الكلاب، فقالت عائشة ﵂: أي ماء هذا؟ قالوا: الحَوْأب -أي: بفتح المهملة، وسكون الواو بعدها همزة، ثم موحدة بوزن: كوكب. قال في \"القاموس\": موضعٌ بالبصرة، وقال الدَّميري: نهر بقرب البصرة- قالت: ما أظنني إلَّا راجعة. فقال لها الزبير: بل تَقْدُمِين، فيراك المسلمون فيصلح الله ذات بينهم.\nقالت: ما أظنني إلَّا راجعة، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"كيف بإحداكُن إذا نَبَحتها كلابُ الحوأب؟ ! \" رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزار، والحاكم، والبيهقي، وأبو نُعيم: عن قيس، قال: لما بلغت عائشة ﵂ بعض ديار بني عامر، نبحت عليها الكلاب. فذكره.\nفقدموا البصرة فتعجب الناس، وسألوهم عن مسيرهم، فذكروا أنهم خرجوا غَضَبًا لعثمان - ﵁ -، وتوبةً لما صنعوا من خِذلانه، وقبضوا على عامل علي - ﵁ - عليها؛ ابن الأحنف، وأقبل عليٌّ - ﵁ - لما سمع بخروجهم من المدينة ومعه تسع مئة راكب، فنزل بذي قار، فبلغه أنَّ أهل البصرة اجتمعوا لطلحة والزبير ﵄، فشق ذلك على أصحابه، فقال: والذي لا إله غيره لتَظْهرُن على أهل البصرة، ولتقتلُن طلحة والزبير، وبعث ابنه الحسن وعمارًا ﵄ إلى أهل الكوفة يَستنفِرهم، فدخلا المسجد، وصَعِدا المنبر، وكان الحسنُ في أعلى المنبر، وقام عمار أسفل منه، فَتكلّم عمار - ﵁ -، وقال: إنَّ أمير المؤمنين بعثنا إليكم يَستَنفِرُكم، فإنَّ أُمَّنا قد سارت إلى البصرة، والله إني أقول لكم هذا، ووالله إنها لزَوجة نَبيكُم في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلانا؛ ليعلم إياه نُطيع، أو إياها.\nوقال الحسن - ﵁ -: إنَّ أمير المؤمنين يقول: إني أُذَكِّرُ الله رجُلًا رعى لله حقًا إلَّا نفر، فإن كُنْت مظلومًا أعانني، وإن كُنْتُ ظالمًا أخذ مني، والله إنَّ طلحة والزبير لأول من بايعني ثم نكثا، ولم أستأثر بمال، ولا بدلت حُكمًا.\nفخرج إليه اثنا عشر ألف رجل، ولما قدم قام إليه قيس بن سعد بن عبادة، وابن","vol":"1","page":47},{"text":"الكَوّا، فقالا: أخبرنا عن مسيرك هذا؛ أوصية أوصاك به رسول الله - ﷺ -، أم رأيٌ رأيته؟ فقال: أما والله لئن كُنت أول من صَدّق رسول الله - ﷺ - فلا أكون أَوّل من كَذبَ عليه، والله لأن يَكُون عَهدٌ من رسول الله - ﷺ - إليَّ فلا، ولكن ما مات رسول الله فجأةً، ولا قُتل قتلًا، ولقد مَكث في مرضه أيامًا وليالي؛ كُلّ ذلك يأتيه المؤذن فيؤذنه بالصلاة فيقول: \"مروا أبا بكر فَليصَلِّ بالناس\"، ولقد تركني وهو يرى مكاني، وما كنت غائبًا، ولو عهد إليَّ شيئًا لقمت به، حتى إنَّ امرأةً من نسائه عارضت في ذلك؛ فقالت: إنَّ أبا بكر رجلٌ رقيق إذا قام مقامك لم يُسْمِع الناس، فلو أمرت عمر فَلُيصلِّ بالناس؟ فقال - ﷺ -: \"إنكن صواحب يوسف\".\nفلما قُبض رسول الله - ﷺ - نظرنا فإذا رسول الله قد وَلاهُ أمر ديْننا، فَولينَاهُ أمر دنيانا، فبايعته في المسلمين ووفيت بيعته، ثم بايعت عمر - ﵁ - ووفيت بيعته، ثم بايعت عثمان - ﵁ - ووفيت بيعته، فعدا الناس عليه فقتلوه وأنا مُعْتزلٌ عنهم، ثم وَلّوني، ولولا الخشية على الدِّين ما أجبتهم، ثم وثب فيها من ليس سابقته كسابقتي، ولا قرابته كقرابتي، ولا علمه كعلمي. يعني: معاوية - ﵁ -.\nقالوا: صدقت، فأخبرنا عن قتالك لهذين صاحباك في بدر وحُديبية وأُحُد، وأخواك في الدِّين والسابقة والهجرة. يعني: طلحة والزبير ﵄.\nفقال: إنهما بايعاني بالمدينة، وخلعاني بالبصرة، ولو أنَّ رجُلًا ممن بايع أبا بكر - ﵁ - خلعه لقاتلناه، ولو أنَّ رجُلًا ممن بايع عمر - ﵁ - خلعه لقاتلناه.\nثم دعاهم ثلاثة أيام، حتى إذا كان اليوم الثالث، دخل عليه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر ﵃، فقالوا: قد أكثروا فينا الجراح. وذلك أنَّ قتلة عثمان - ﵁ - كانوا متفرقين في العسكرَيْن، فخشوا أن يصطلحوا على قتلهم، فأنشبوا الحرب، فتسابَّ صبيان العسكرين، ثم تراموا، ثم تبعهم العبيد، ثم السفهاء، فصلى عليٌّ - ﵁ - ركعتين، ودعا ربه، ثم قال: إن ظهرتم على القوم فلا تطلبوا مُدبرًا، ولا تَجَهَزُوا على جريح، وانظروا ما حضرت به الحرب من","vol":"1","page":48},{"text":"آنية فاقبضوه، وما كان سوى ذلك فهو لورثتهم.\nونادى على الزبير - ﵁ - وقال: تعال ولك الأمان. فخلا به، وقال: أَنشُدك الله؛ هل سمعت رسول الله - ﷺ - يقول وأنت لاوٍ يدي: \"لتقاتلنَّهُ وأنت له ظالم، ثم ليُنصرنَّ عليك\".\nقال: لقد ذكرتني شيئًا أنسانيه الدهر، لا جرم لا أُقاتلك.\nفقال له ابنه: ما جِئتَ للقتال إنما جِئتَ للصلح، فأعتق غلامك وقِف. فأعتق غلامه ووقف.\nفلما رَأى الحرب نشبت، وأيس من الصُّلح خرج عن العسكرين، فغلب أصحاب أمير المؤمنين علي - ﵁ -، وبلغت القتلى ثلاثة عشر ألفًا، وقُتل طلحة - ﵁ -.\nرَوى الحاكم عن ثور بن مَجْزَأةَ قال: مررت بطلحة يوم الجمل في آخر رمق، فقال لي: ممن أنت؟ قلت: من أصحاب أمير المؤمنين علي. فقال: ابسط يدك أبايعك، فبسطت يدي، فبايعني، وقال: هذه بيعة علي. وفاضت نفسه، فأتيتُ عليًا فأخبرته، فقال: الله أكبر، صدق رسول الله - ﷺ -، أبى الله أن يدخل طلحة الجنة إلَّا وبيعتي في عنقه. ثم جمع الناس وبايعهم.\nوانتهى عبد الله بن يزيد بن ورقاء الخزاعي إلى عائشة ﵂ وهي في الهودج، فقال: يا أم المؤمنين؛ أتعلمين أني أتيتك عندما قتل عثمان، فقلت: ما تأمرينني؟ فَقُلْتِ: الزم عليًا؟ ! فسكتت. فقال: اعقروا الجمل. فعقروه، فنزل محمد بن أبي بكر أخوها، ورجلٌ آخر، فاحتملا هودجها، فوضعاه بين يدي علي - ﵁ -، وإنه كالقنفذ من السهام.\nفسألها محمد: هل أصابك شيء منها؟ فقالت: لا. وأمر علي كرم الله وجهه أخاها محمدًا وعمارًا أن يضربا عليها قبة، ففعلا، فجاء إليها عليّ - ﵁ - مُسَلِّمًا، فقال: كيف أنت يا أمُّ؟ قالت: بخير. قال: يغفر الله لك. وجاء وجوه الناس والأعيان يُسَلّمُون عليها.","vol":"1","page":49},{"text":"فلما كان الليل دخلت البصرة ومعها أخوها، ونزلت في دار عبد الله بن خُليد، وهي أعظم دار بالبصرة، على صفية بنت الحارث بن أبي طلحة العبدري؛ وهي أم طلحة الطلحات، وأقام علي - ﵁ - بظاهر البصرة ثلاثًا، ثم دخلها فبايعه أهلها أجمعون حتى الجرحى، وعَرض على أبي بكرة إمارة البصرة، فامتنع، وأشار عليه بابن عباس ﵄، فولى عليها ابن عباس، ثم جاء إلى أم المؤمنين ﵂ فاستأذن عليها، ودخل وَسلّمَ عليها، فردت السلام، ورحبت به، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين؛ إنَّ بالباب رجلين ينالان من عائشة. فأمر القعقاع بن عمرو أن يجلد كل واحدٍ منهما مئة جلدة، وأن يُجردهما من ثيابهما.\nفلما رأت الخروج من البصرة بعث إليها علي - ﵁ - بكل ما ينبغي من مركب، وزاد، ومتاع، وغير ذلك، وأذن لمن نجا من الجيش الذي معها أن يرجع إلَّا أن يُحب المُقَام، وأرسل معها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات، وسيَّر معها أخاها محمدًا.\nفلما كان اليوم الذي ارتحلت فيه جاء علي - ﵁ - فوقف على الباب، وحضر الناس، وخرجت من الدار في الهودج، فودعت الناس، ودعت لهم، وقالت: يا بَنِيَّ؛ لا يَعْتِب بعضنا على بعض، إنه والله ما كان بيني وبين علي في القديم إلَّا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنه لمن الأخيار. فقال علي - ﵁ -: صدقت، والله ما كان بيني وبينها إلَّا ذلك، وإنها لزوجة نبيكم - ﷺ - في الدنيا والآخرة. وسار معها عليٌّ - ﵁ - مشيًا أميالًا، وسَرَّح بنيه معها بقية ذلك اليوم.\nذكر هذا الفصل الحافظ عماد الدين بن كثير في \"تاريخه\"، وهذا ملخصه.\nوفعل ذلك معها؛ إكرامًا لرسول الله - ﷺ -، وامتثالًا لقوله المار: \"إذا كان ذلك فارددها إلى مأمنها\"، وأداءً لحق الأمومة، فإنها أُمُّ المؤمنين بنص الكتاب العزيز، فتلطف بها غاية التلطف، ولم يُعنفها، ولم يُوبخها، بل أكرمها، وردها، وقصدت في مسيرها ذلك إلى مكة، فأقامت بها إلى أن حجت عامها ذاك، ثم رجعت إلى المدينة.","vol":"1","page":50},{"text":"ولما وَلّى الزبير - ﵁ - تبعه عمرو بن جُرْمُوز فقتله، وجاء بسيفه إلى علي - ﵁ -، فأخذه، فنظر إليه، وقال: أما والله؛ لَرُبّ كُربةٍ قد فَرّجها صاحب هذا السيف عن وجه رسول الله - ﷺ -، واستأذن عليه ابن جُرْمُوز، فأبطأ عليه الإذن. فقال: أنا قاتل الزبير. فقال: أبقتل ابن صفية يُفتخر؟ ! فليتبوأ بالنار، إنه حواري رسول الله - ﷺ -، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"قاتل ابن صفية في النار\".\nوجاء عمر بن طلحة عليًا - ﵁ - فقال: مرحبًا يا بن أخي، إني لم أقبض مالكم لآخذه، ولكن خِفْتُ عليه من السفهاء.\nانطلق فخذ مَالَكَ، إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير من الذين قال الله فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾.\nثم أَمَّر ابن عباس ﵄ على البصرة، ورجع إلى الكوفة.\nعن عروة قال: قلت لعائشة ﵂: من كان أحب الناس إلى رسول الله - ﷺ -؟ قالت: علي بن أبي طالب. قلت: ما سبب خروجك عليه؟ قالت: لِمَ تزوج أبوك أمك؟ قلت: ذلك من قدر الله. قالت: وكان ذلك من قدر الله.\nوذكر لها مرة يوم الجمل، فقالت: والناس يقولون يوم الجمل؟ قالوا: نعم، قالت: وددت أني جلست كما جلس غيري، فكان أحب إليَّ من أن أكون وُلّدتُ من رسول الله - ﷺ - عشرة كلهم مثل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.\nوعن أبي بكرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"يخرج قوم هلكى لا يفلحون، قائدهم امرأة، قائدهم في الجنة\" رواه البزار، والبيهقي.\nوعن أبي البختري قال: سئل علي - ﵁ - عن أهل الجمل: أمشركون هم؟ قال: من الشرك فروا. قيل: أمنافقون هم؟ قال: إنَّ المنافقين لا يذكرون الله إلَّا قليلًا. قيل: فما هم؟ قال: إخواننا بَغوا علينا.","vol":"1","page":51},{"text":"ومنها: وقعة صفين:\nوقد صَحّ: \"لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، تكون بينهما مَقتلةٌ عَظِيمةٌ، دعواهما واحدة\" (١).\nوعن عطاء بن السائب قال: حدثني غير واحد: أنَّ قاضيًا من قُضاة الشام أتى عمر - ﵁ -، فقال: يا أمير المؤمنين؟ رأيت كأنَّ الشمس والقمر يقتتلان، والنجوم معهما نصفين. قال: فمع أيهما كنت؟ قال: مع القمر على الشمس. فقال عمر - ﵁ -: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ انطلق فوالله لا تَعملُ لي عملًا أبدًا.\nقال عطاء: فبلغني أنه قُتل مع معاوية - ﵁ - يوم صِفّين.\nوسببها بالاختصار: أنه لما قُتل عثمان - ﵁ -، وبويع علي - ﵁ - أرسل إلى معاوية - ﵁ - أن يَدْخُل فيما دخل فيه المسلمون، وينعزل عن العمل، وكان عاملًا لعمر، ثم لعثمان ﵄ على الشام، وكان يرجو أن يُبقيه علي - ﵁ - على عمله، وقد كان الحسن بن علي، وابن عباس ﵃، وغيرهما أشاروا عليه بإبقائه على الشام حتى يأخذ له البيعة، ثم يقول فيه ما شاء، فقال: هيهات، لو علمت أنَّ المُدَاهنة تسعني في دين الله؛ لفعلت، ولكن الله لم يرض لأهل القرآن بالمُدَاهنة.\nفبلغ معاوية - ﵁ -، فحلف أنه لا يلي لعلي - ﵁ - عملًا أبدًا، وكان\n_________\n(١) وكذا حمل الحديث على صفين: القاري (٥/ ١٥٤) \"المرقاة\". والأوجه عندي حرب الدول الحادث التي يسمونها الحرب العالمية، فإن الفئتين كانتا أعظم ما تكون، ودعواهما كان توريث الأمن في العالم. اهـ (ز).\nتعليق: إنما حمل الشيخ الحديث على الحرب العالمية الثانية؛ لإطلاق الحديث، فإنَّ في صِفّين كانت دعوى الفريقين مختلفة، فأما فئة سيدنا معاوية - ﵁ - فكانت تطالب بالقصاص من قتلة سيدنا عثمان - ﵁ -، وأما مطلب فئة سيدنا علي - ﵁ - فكان تثبيت الأمن، وتوحيد الصف. وكذا فنص الحديث يذكر كون الفئتين عظيمتين، وهذا يصدق على ما حدث في الحرب العالمية؛ فإنَّ الدنيا انقسمت إلى فئتين؛ كما لا يخفى.","vol":"1","page":52},{"text":"عمرو بن العاص - ﵁ - على مصر فعزله أيضًا، فاجتمع عمرو ومعاوية ﵄ واتفقا على الخُروج.\nوقد رَوى الطبراني عن شداد بن أوس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا رأيتم معاوية وعمرو بن العاص جميعًا، ففرقوا بينهما\"، وكان شداد إذا رآهما جالسين على فراش، جلس بينهما.\nولما فرغ علي - ﵁ - من الجَمل، ورجع إلى الكوفة أرسل جرير بن عبد الله البجلي إلى معاوية يدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه الناس، فامتنع، فقال له أبو مسلم الخَولاني: أنت تنازع عليًا في الخلافة، أفَأنت مثله؟ قال: لا، وإني لأعلم أنه أفضل، لكن ألستم تعلمون أنَّ عثمان - ﵁ - قُتِلَ مظلومًا وأنا ابن عمه ووليه أطلب بدمه، فأتوا عليًا فقولوا له: يَدفَع لنا قتلة عثمان. فأجاب أهل الشام.\nفأرسل إليه معاوية - ﵁ - أبا مسلم يطلب بدم عثمان - ﵁ - وأنه وليه وابن عمه. قال: يدخل في البيعة كما فعل الناس، ثم يُحاكمهم إليَّ.\nفتجهز معاوية - ﵁ - من الشام، وعليّ - ﵁ - من الكوفة، فالتقيا بصفين، فتقاتلوا قتالًا شديدًا حتى بلغت القتلى ثلاثين ألفا، فلما رأى أصحاب معاوية - ﵁ - منهم العجز قال عمرو لمعاوية ﵄: أرسلوا إلى عليّ بالمصحف، وادعوه إلى كتاب الله، فإنَّ عليًا يجيبكم إلى ذلك، ففعلوا. فقال علي - ﵁ -: نعم، نحن أحق بالإجابة إلى كتاب الله، فقال القراء الذين صاروا بعد ذلك خوارج: يا أمير المؤمنين؛ ما تنظر من هؤلاء؟ ألا نمشي عليهم بسيوفنا حتى يحكم الله بيننا. فقال سهل بن حنيف: يا أيها الناس؛ اتهموا رأيكم. فآل الأمر إلى التحكيم.\nفَحكّمَ عليٌّ أبا موسى ﵄ بعد أن أراد أن يُحكّم ابن عباس ﵄ فمنعه أهل الكوفة، وحَكّم معاوية عمرو بن العاص ﵄، فاتفق الحكمان على أن يَخْلع كل منهما صاحبه. وكان عمرو - ﵁ - داهية، فَقدّم أبا موسى - ﵁ - فخلع عليًا - ﵁ -، ثم قام عمرو - ﵁ -، فقال: إنَّ أبا موسى خَلع عليا، وإني نَصبتُ معاوية، فاختلف الناس، وأخذ أبو موسى","vol":"1","page":53},{"text":"- ﵁ - يَسبُّ عمروًا، ويقول: إنك غَدرت. فرجع عليّ إلى الكوفة، ومعاوية إلى الشام.\nثم تجهز علي - ﵁ - لقتال أهل الشام مرة بعد أخرى، فشغله أمر الخوارج، ثم تجهز في سنة تسع وثلاثين، فلم يتهيأ ذلك؛ لافتراق آراء أهل العراق عليه، ثم وقع الجِدُّ منه في ذلك في سنة أربعين، وجعل على مُقَدِّمتهِ قيس بن سعد بن عبادة، وكانوا أربعين ألفًا بايعوه على الموت، فَقُتلَ علي - ﵁ -، وكان ما قدر الله.\nوعن عروة عن [أبيه] رويم قال: جاء أعرابي إلى النبي - ﷺ - فقال: صارعني. فقام إليه معاوية - ﵁ - فقال: أنا أُصارعك. فقال النبي - ﷺ -: \"لن يُغلب معاوية أبدًا\"، فَصَرعَ الأعرابيَّ.\nفلما كان يوم صِفّين قال علي كرّم الله وجهه: لو ذَكرتُ هذا الحديث؛ ما قاتلت معاوية. رواه ابن عساكر.\nوعن يزيد بن الأصم قال: سُئل علي - ﵁ - عن قتلى يوم صِفّين؟ فقال: قتلانا وقتلاهم في الجنة، ويَصِيرُ الأمر إليَّ وإلى معاوية.\nوعن المسيب بن نجبة قال: أخذ علي - ﵁ - بيدي يوم صفين، فوقف على قتلى أصحاب معاوية - ﵁ - فقال: يرحمكم الله، ثم مال إلى قتلى أصحابه فترحم عليهم بمثل ما ترحم على أصحاب معاوية. فقلت: يا أمير المؤمنين؛ استحللت دماءهم ثم تترحم عليهم؟ ! قال: إنَّ الله جعل قَتْلنَا إياهم كفارة لذنوبهم.\nوعليٌّ كرّم الله وجهه قال: من كان يريد وجه الله مِنّا ومنهم نجا.\nوما أحسن ما أخرج ابن عساكر قال: جاء رجل إلى أبي زُرعة الرازي فقال: إني أُبغض معاوية. قال: لِمَ؟، قال: لأنه قاتل عليًا بغير حق. فقال أبو زُرْعة: ربُّ معاوية رَبٌّ رحيم، وخصمه خصمٌ كريم، فما دخولك بينهما؟\nومنها: وقعة النهروان:\nعن مِخْنف بن سُلَيم قال: أتينا أبا أيوب - ﵁ - فقلنا: يا أبا أيوب؛ قاتلت المشركين بسيفك مع رسول الله - ﷺ -، ثم جئت تقاتل المسلمين؟ !","vol":"1","page":54},{"text":"فقال: إنَّ رسول الله - ﷺ - أمرنا بقتال ثلاثة: الناكثين، والقاسطين، والمارقين، فقد قاتلت الناكثين، والقاسطين، وأنا مقاتلٌ إن شاء الله المارقين. رواه ابن جرير.\nوفي رواية أبي صادق عنه: عهد إلينا رسول الله - ﷺ - أن نقاتل مع عليٍّ الناكثين؛ فقد قاتلناهم -يعني: أهل الجَمل-، وعهد إلينا أن نقاتل معه القاسطين؛ فهذا وجهنا إليهم -يعني: معاوية وأصحابه-، وعهد إلينا أن نقاتل معه المارقين؛ فلم أرهم بَعْد.\nوَروى الزبير بن بكار في \"الموفقيات\": عن عليّ - ﵁ -؛ أنه أوصى حين ضربه ابن مُلْجم في وصيته: إنَّ رسول الله - ﷺ - أخبرني بما يكون من اختلاف أمته بعده، وأمرني بقتال الناكثين، والمارقين، والقاسطين، وأخبرني بهذا الذي أصابني، وأخبرني أنه يملك معاوية وابنه يزيد، ثم يصير إلى بني مروان يتوارثونها، وأنَّ هذا الأمر صائرٌ إلى بني أُمية، ثم إلى بني العباس، وأراني التربة التي يُقْتلُ بها الحسين - ﵁ -.\nوعن أبي سعيد - ﵁ - مرفوعًا: \"إنه يخرج من ضِئْضِئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبًا لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدِّين كما يمرق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام، ويَدعون أهل الأوثان، لئن أدركتهم، لأقتلنهم قتل عاد وثمود\".\nوعن أبي ذر - ﵁ - نحوه، وزاد: \"هم شر الخَلْق والخَلِيقة\".\nوعن علي - ﵁ - نحوه، وزاد: \"فاقتلوهم؛ فإنَّ في قتلهم أجرًا لمن قتلهم عند الله يوم القيامة\".\nوعن أنس - ﵁ - نحوه، وزاد: \"طُوبى لمن قتلهم وقتلوه، يَدْعُونَ إلى كتاب الله وليسوا منه، من قاتلهم كان أولى بالله منهم، سيماهم التحليق\".\nوعن علي - ﵁ - أيضًا نحوه، وزاد: \"لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قُضيَ لهم على لسان نبيهم، لاتَّكلوا عن العمل، وآية ذلك أنَّ فيهم رجلًا له عضد","vol":"1","page":55},{"text":"ليس فيه ذراع، على رأس عضده مثل حلمة الثدي، عليه شَعراتٌ بيض\".\nوعن أبي سعيد - ﵁ -: تَمرقُ مَارقةٌ عند فُرقةٍ من المسلمين، فيقتلها أولى الطائفتين بالحق.\nأقول: وفي هذا دليلٌ على أن أصحاب معاوية - ﵁ - ما خرجوا عن الإسلام، بل لم يفسقوا؛ لأنهم مجتهدون، وأنهم مخطئون في اجتهادهم، وأنَّ أمير المؤمنين عليًا - ﵁ - وأصحابه كانوا أولى بالحق؛ لأنه الذي قَتلهم، وقد صرح به في رواية ابن عمرو: \"يقتلهم علي بن أبي طالب\".\nوالأحاديث في الخوارج كثيرةٌ لا تكاد تنحصر.\nوسبب وقعتهم بالاختصار: أنهم لما حَكّمُوا الحكمين، قالت القراء: كفر عليّ، وكفر معاوية. فاعتزلوا أمير المؤمنين، ونزلوا بحروراء بضعة عشر ألفًا، فأرسل إليهم ابن عباس ﵄ يناشدهم الله: ارجعوا إلى خليفتكم، فبم نقضتم عليه: أفي قِسمةٍ أو قضاء؟ قالوا: نخاف أن ندخل في الفتنة. قال: فلا تعجلوا ضلالة العام مخافة فتنة عام قابل.\nفرجع بعضهم إلى الطاعة، وقال بعضهم: نكون على ناحيتنا، فإن قَبِلَ القضية -يعني: التحكيم- قاتلناه على ما قاتلنا عليه أهل الشام بصِفِّين، وإن نقضها؛ قاتلنا معه. فساروا حتى قطعوا النهر، وافترقت منهم فرقةٌ يقتلون الناس، فقال أصحابهم: ما على هذا فارقنا عليًا.\nفلما بلغ عليًا - ﵁ - صنيعهم، وكان متجهزًا إلى الشام قام فقال: أتسيرون إلى عدوكم، أو ترجعون إلى هؤلاء الذين خلفوكم في دياركم؟ فقالوا: بل نرجع إليهم. فقال: ابسطوا عليهم، فوالله لا يُقتل منكم عشرة، ولا ينجو منهم عشرة. فكان كذلك، فقال: اطلبوا رجلًا صفته كذا وكذا. فطلبوه فلم يجدوه، ثم طلبوه فوجدوه على النعت الذي ذكره رسول الله - ﷺ -، فقال رجلٌ: الحمد لله الذي أبادهم، وأراحنا منهم.\nفقال عليّ - ﵁ -: كلا، والذي نفسي بيده إنَّ منهم لمن في أصلاب الرجال","vol":"1","page":56},{"text":"لم تحمله النساء بعد، وليكونن آخرهم لصاصًا حَرّادِين.\nوروى عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: \"يخرج ناسٌ من المشرق يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلما قطع قرن نشأ قرن، حتى يكون آخرهم يخرج مع المسيح الدجال\".\nوعن ابن عمر ﵄: من قَتلهُ الحرورية فهو شهيد.\nوعن الحسن قال: لما قَتلَ علي - ﵁ - الحرورية قالوا: من هؤلاء يا أمير المؤمنين؟ أكفارٌ هم؟ قال: من الكفر فروا. قيل: فمنافقون؟ قال: إنَّ المنافقين لا يذكرون الله إلَّا قليلًا، وهؤلاء يذكرون الله كثيرًا. قيل: فما هم؟ قال: قوم أصابتهم فتنةٌ فعموا فيها وصموا.\nومن بقايا هؤلاء القرامطة، ومنهم: الباطنية، والإسماعيلية، وفتنتهم مشهورة أهلكوا العباد، وأفسدوا البلاد، وستأتي الإشارة إليهم.\nومنها: نزول أمير المؤمنين الحسن بن عليّ لمعاوية ﵄:\nروى نُعيم، عن سفيان [بن الليل] قال: أتيت حسن بن عليّ - ﵁ - بعد رجوعه إلى المدينة، فقلت له: يا هَلاكَ المؤمنين. فكان مما احتج به عَليَّ أن قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا تذهب الأيام والليالي حتى يجتمع أمر هذه الأمة على رجل واسع السَّرمِ، ضخم البلعُوم، يأكل ولا يشبع\"؛ وهو معاوية، فعلمت أنَّ أمر الله واقع.\nوَروى الديلمي عن الحسن بن علي ﵄ قال: سمعت عليًا - ﵁ - يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا تذهب الأيام والليالي حتى يملك معاوية\".\nتَنبيْه\nقال في \"النهاية\": السَّرم: الدُّبر. والضخم: العظيم. ومعناه: الشديد الذي يملك الأرض كلها. انتهى\n[قوله - ﷺ -: \"يأكل ولا يشبع\"] أهو على حقيقته؟ فإن معاوية","vol":"1","page":57},{"text":"- ﵁ - دعا عليه النبي - ﷺ - أن لا يُشبع الله بطنه، فلم يشبع بَعْدُ.\nروى مسلم، والبيهقي واللفظ له، عن ابن عباس ﵄؛ أنَّ النبي - ﷺ - قال: \"ادع لي معاوية\". فقلت: إنه يأكل. فقال في الثالثة: \"لا أشبع الله بطنه\". فما شبع بطنه أبدًا. أورده السيوطي في \"الخصائص\".\nوقد كان سليمان بن عبد الملك من بني أمية كذلك، يأكل ولا يشبع، فيحتمل أن يكون هو المراد في الحديث، والله أعلم.\nوعن عمار بن ياسر ﵄ قال: إذا رأيتم الشام قد اجتمع أمره على ابن أبي سفيان فالحقوا بمكة.\nوَروى ابن عساكر، والطبراني عن عائشة ﵂؛ أنَّ النبي - ﷺ - قال لمعاوية - ﵁ -: \"إنَّ الله ولاك أمر هذه الأمة، فانظر ما أنت صانع\". قالت أم حبيبة ﵂: أو يُعطِي الله أخي يا رسول الله؟ قال: \"نعم، وفيها هنات، وهنات، وهنات\".\nوروى أحمد عن أبي هريرة - ﵁ -؛ أنَّ النبي - ﷺ - قال: \"يا معاوية؛ إن وليت أمرًا فاتق الله واعدل. قال معاوية: فما زلت أظن أني مبتلىً بعملٍ لقول النبي - ﷺ - حتى ابتُلِيتُ\".\nوسببه: أنه لما رجع علي - ﵁ - من قتال الخوارج، وتجهز للشام كما مر قُتِل في سابع عشر شهر رمضان وهو خارج لصلاة الصبح، قتله أشقى الآخرين؛ اللعين عبد الرحمن بن مُلْجَم، ضربه بسيفٍ مسموم على جبهته فأوصله دماغه، ليلة الجمعة سابع عشر رمضان سنة أربعين.\nفبويع للحسن - ﵁ - بالخلافة، فسار الحسن إلى معاوية ﵄ بكتائب أمثال الجبال يريد الشام، وخرج إليه معاوية يريد الكوفة، وأرسل عبد الله بن عامر، وعبد الرحمن بن سمرة إلى الحسن - ﵁ - يطلب الصُّلح.\nفقال الحسن: إني أحقن دماء المسلمين وأنزل عن الخلافة لمعاوية، ولكن إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال -أي: جُبِلْنا على الكرم، والتوسعة على","vol":"1","page":58},{"text":"أتباعنا حتى صار لنا عادة -فلا نقدر على القلة، وإنَّ هذه الأمة قد عاثت في دمائها- أي: العسكرين الشامي والعراقي -وقد قتل بعضهم من بعض- فلا يَكُفُّون إلَّا بالصفح، وعدم الانتقام.\nقالا: فإنه يَعرضُ عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك، قال: فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به.\nفكتب إليه معاوية أن اطلب ما شئت، واشرط؛ فإني أُوفي لك بذلك. وأرسل إليه ورقًا بياضًا، وختم في أسفله، وقال: اكتب فيه ما شئت، فشرط الحسن أشياء منها: أن يكون له بيت مال الكوفة، وأن يكون له خراج دار أبجرد، وأن تكون الخلافة بعد معاوية - ﵁ - له ولأخيه الحسين.\nوفي رواية: تكون للمسلمين يولون من شاؤوا، وأن لا يَتعرّضَ لأهل العراق، ولا ينتقم منهم.\nفنزل الحسن - ﵁ - وبايعه، فقال معاوية - ﵁ -: تكلم يا حسن.\nفقام، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: أيها الناس؛ إنَّ الله هداكم بأولنا، وحقن دماءكم بآخرنا، وإنَّ معاوية نازعني أمرًا أنا أحق به منه، وإنى تركته حقنًا لدماء المسلمين، وطلبًا لما عند الله.\nفشهد جماعة من الصحابة أنهم سمعوا رسول الله - ﷺ - يقول عن الحسن: \"إنَّ ابني هذا سيِّدٌ، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين يكون بينهما مقتلةٌ عظيمة\".\nوسميت تلك السنة: سنة الجماعة؛ لاجتماع الناس، ورفع القتال بينهم.\nوعن الحارث قال: لما رجع عليّ - ﵁ - من صفين علم أنه لا يملك أبدًا، فتكلم بأشياء كان لا يتكلم بها، وحَدّثَ بأحاديث كان لا يُحدِّث بها.\nوقال فيما يقول: أيها الناس؛ لا تكرهوا إمارة معاوية، والله لو فقدتموه لرأيتم الرؤوس تنزل عن كواهلها كالحنظل.","vol":"1","page":59},{"text":"ومنها: مُلْكُ بني أمية؛ يزيد بن معاوية ومن بعده:\nالمشتمل على الفتن العظام؛ كقطع الليل المظلم:\nعن عمران بن حصين - ﵁ - قال: أَبغضُ الناس إلى رسول الله - ﷺ - بنو أمية، وثقيف، وبنو حنيفة.\nوعن أبي ذر - ﵁ - مرفوعا: \"إذا بلغت بنو أمية أربعين رجلًا اتخذوا عباد الله خَولًا، ومال الله نِحَلًا، وكتاب الله دَغَلًا\".\nوفي رواية: \"ومال الله نِحَلًا، وكتاب الله نفلًا\".\nوفي رواية: \"إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلًا اتخذوا دين الله دخلًا\". إلخ.\nقال في \"النهاية\": الخَولُ: حَشَمُ الرجل وأتباعه، وأحدهم: خائلٌ، وقد يكون واحدًا ويقع على العبد والأمة. انتهى. وهذا الثاني هو المراد هنا.\nوعن ابن الموهب؛ أنه كان عند معاوية - ﵁ - فدخل عليه مروان، فقال له: اقض حاجتي يا أمير المؤمنين، فوالله إن مؤُنتي لعظيمة، وإني أبو عشرة، وعم عشرة، وأخو عشرة.\nفلما أدبر مروان، وابن عباس جالس مع معاوية على السرير فقال معاوية: يا بن عباس؛ أما تعلم أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين رجلًا اتخذوا مال الله بينهم دُوَلًا، وعباد الله خَولًا، وكتاب الله دَغلًا، فإذا بلغوا تسعة وتسعين وأربع مئة رجل كان هلاكهم أسرع من أكل أَوَّلِ تمرة\"، فقال ابن عباس: اللهم؛ نعم.\nوذكر مروان حاجةً له، فرد مروان عبد الملك إلى معاوية فكلمه فيها، فلما أدبر عبد الملك قال معاوية: يا بن عباس؛ أما تعلم أن رسول الله - ﷺ - ذكر هذا؟ فقال: \"أبو الجبابرة الأربعة\". فقال ابن عباس: اللهم؛ نعم. رواه البيهقي.\nوعن عليّ كرّم الله وجهه قال: لكل أمة آفة، وآفة هذه الأمة بنو أمية.","vol":"1","page":60},{"text":"وعن عمران بن جابر الحنفي -وكان أحد الوفد- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"ويل لبني أمية\" (ثلاث مرات).\nوعن محمد بن كعب القُرظِي قال: لعن رسول الله - ﷺ - الحكم وما وَلَدَ، إلَّا الصالحين منهم، وهم قليل.\nوعن عمرو بن مرة الجهني قال: استأذن الحكم بن أبي العاصي على رسول الله - ﷺ -، فعرف صوته، فقال: \"ائذنوا له، حية، أو ولد حية، لعنة الله عليه وعلى كل من يخرج من صُلبه، إلَّا المؤمن منهم، وقليل ما هم\".\nقُلْتُ: وهذا الاستثناء إشارةٌ إلى عمر بن عبد العزيز وأمثاله منهم، يشرفون في الدنيا، ويوضعون في الآخرة، ذوو مكر وخديعة، يُعظَّمُون في الدنيا، وما لهم في الآخرة من خلاق.\nوعن زهير بن الأقمر قال: كان الحكم بن أبي العاصي يجلس إلى رسول الله - ﷺ -، وينقل كلامه إلى قريش، فلعنه رسول الله - ﷺ -، وما يخرج من صلبه إلى يوم القيامة.\nوعن عبد الله بن الزبير ﵄؛ أنه قال وهو على المنبر: وربِّ هذا البيت الحرام والبلد الحرام؛ إنَّ الحكم بن أبي العاصي وولده ملعونون على لسان محمد - ﷺ -.\nوعنه وهو يطوف: وَربِّ هذه البَنِيَّة؛ لعن رسول الله - ﷺ - الحكم وما وَلَد.\nوعن أبي يحيى النخعي قال: كنت بين الحسن والحسين، والحسين ومروان يتشاتمان، فجعل الحسن يكف الحسين، فقال مروان: أهل بيت ملعونون. فغضب الحسن - ﵁ - وقال: أَقُلتَ أهل بيت ملعونون، فوالله لقد لعنك الله على لسان نبيه - ﷺ - وأنت في صلب أبيك.\nوفي لفظ: لعن الله أباك على لسان نبيه - ﷺ - وأنت في صلبه.\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"رأيت","vol":"1","page":61},{"text":"في النوم بني الحكم ينزون على منبري؛ كما تنزو القردة\". قال: \"فما رئي النبي - ﷺ - ضاحكًا مستجمعا حتى تُوفي\" رواه أبو يعلى، والحاكم، والبيهقي.\nوعن ابن المسيب - ﵁ - قال: رَأى النبيُّ - ﷺ - بني أمية على منبره، فساءه ذلك، فَأُوحي إليه: (إنما هي دنيا أُعْطُوهَا)، فقرَّت عينه. رواه البيهقي.\nوعن الحسن بن علي ﵉ قال: \"إنَّ رسول الله - ﷺ - قد رأى بني أمية يَخْطُبونَ على منبره رجلًا رجلًا، فساءه ذلك، فنزلت: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، ونزلت: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ يملكها بنو أمية.\nقال القاسم بن الفضل: فَحَسبنا مدة مُلكَ بني أمية، فإذا هي ألف شهر، لا تزيد ولا تنقص. رواه الترمذي، والحاكم، والبيهقي.\nوعن الزُّهري، وعطاء الخراساني؛ أنَّ النبي - ﷺ - قال للحكم: \"كأني أنظر إلى بَنِيكَ يصعدون منبري وينزلون\". رواه الفاكهي.\nوعن جُبير بن مُطعم قال: كنا مع النبي - ﷺ - فمر الحكم بن أبي العاصي، فقال النبي - ﷺ -: \"ويلٌ لأمتي مما في صلب هذا\".\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ليَرْعُفَنَّ جبار من جبابرة بني أمية على منبري هذا\"، فَرعفَ عمرو بن سعيد بن العاصي على منبر النبي - ﷺ - حتى سال الدم على درج المنبر.\nوعن ابن عمر ﵄ قال: هَجَّرتُ الرواح إلى رسول الله - ﷺ -، فجاء أبو الحسن، فقال له رسول الله - ﷺ -: ادن. فلم يزل يُدنيه حتى التقم أذنيه، فبينما النبي - ﷺ - يُسَارُّهُ؛ إذ رفع رأسه كالفزع، فإذا قَرعٌ بسِيفَةِ الباب، فقال لعلي: \"اذهب فَقُدْهُ كما تُقَادُ الشاة إلى حالبها\"، فإذا عليٌّ يُدْخِل الحكم بن أبي العاصي آخذًا بأذنه ولها زَنْمةٌ حتى أوقفه بين يدي النبي","vol":"1","page":62},{"text":"- ﷺ -، فلعنه نبي الله ثلاثًا، ثم قال: \"أجلسه ناحية\"، حتى راح إليه قومٌ من المهاجرين والأنصار، ثم دعاه فلعنه، ثم قال: \"إنَّ هذا سيخالف كتاب الله وسنة نبيه، وسيخرج من صلبه فتنٌ يبلغ دخانها السماء\"، فقال نَاسٌ من القوم: هو أقل وأذل أن يكون هذا منه، قال: \"بلى، وبعضكم يومئذ شيعته\".\nثم إنه - ﷺ - نَفاهُ إلى الطائف فكان هناك حياته، ولم يرده أبو بكر ولا عمر ﵄، فرده عثمان - ﵁ - في خلافته.\nوهذا أحد الأمور التي انتقدوها عليه، وهم صاروا سبب قتله، فكانت دولتهم مقتضيةً لمفاسد كثيرة، ومظالم لا تُعد ولا تُحصى.\nفمما وقع في زمن يزيد: قتل الحسن بن عليّ - ﵁ -:\nوسببه: أنَّ يزيد بن معاوية أرسل إلى زوجة الحسن جعدة الكندية أنها تَسُمَّهُ ويتزوجها، وبذل لها مئة ألف درهم، ففعلت، فمرض أربعين يومًا، وجهد به أخوه الحسين أن يخبره عمن سمَّه، فأبى، وقال: الله أشد نقمة، وأجد كبدي تَقَطَّع، وإني لعارفٌ من أين دُهِيتُ -أي: يشير إلى أنه من قِبَل يزيد-، فبحقي عليك لا تكلمت في ذلك بشيء. ثم قال: أُقسم عليك ألا تريق في أمري مَحْجَمة دم.\nومن كلامه له: إياك وسفهاء الكوفة أن يستخفوك فيخرجوك، والله ما أرى أن يجمع الله فينا النبوة والخلافة، وقد كنت طلبت من عائشة أن أُدفنَ مع رسول الله - ﷺ - فأجابت، فإذا مِتُّ فاطلب منها وما أظن القوم -يعني: بني أمية- إلَّا سيمنعونك، فإن فعلوا فلا تراجعهم، وادفني عند أمي فاطمة بالبقيع.\nفمات رضي الله تعالى عنه بعد أربعين يومًا، والأكثرون أنه سنة خمسين.\nفلما مات سأل الحسين عائشة ﵂ فقالت: نعم وكرامة. فمنعهم مروان -وكان أميرًا بالمدينة من جهة معاوية - ﵁ - ومن معه من بني أمية، فَلَبس الحسين - ﵁ - ومن معه السلاح، وقالوا: نقاتل. وقال أبو هريرة - ﵁ -: والله لا يمنعه إلَّا ظالم، والله إنه لابن رسول الله - ﷺ -.\nثم قال أبو هريرة للحسين ﵄: لا تكن أول من ترك وصية أخيك؛","vol":"1","page":63},{"text":"فقد أوصاك بعدم القتال، فما زال به حتى رده، ودفنوه بالبقيع عند أمه.\nوأرسلت جعدة إلى يزيد تطلب ما وعدها به، فأبى ولم يتزوجها.\nومنها: قتل الحسين - ﵁ -:\nعن معاذ بن جبل - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أمسك يا معاذَ وأحصِ، فلما بلغت خمسًا -يعني: من الخلفاء- قال: يزيد، لا بارك الله في يزيد، نُعي إليَّ حسين، وأُتيت بتربته، وأُخبرت بقاتله، والذي نفسي بيده لا يُقتل بين ظهراني قوم لا يمنعونه إلَّا خالف الله بين صدورهم وقلوبهم، وسلط عليهم شرارهم، وألبسهم شيعًا\".\nقُلْتُ: في هذا ذمُّ الذين بايعوه وأخرجوه، ثم أَسلَمُوه إلى العدو ولم يمنعوه.\n\"واهًا لفراخ آل محمد من خليفةٍ مُستخلف، يقتل خلفي وخلف الخلف، أمسك يا معاذ\". قال: فلما بلغت عشرة وقال: الوليد اسم فرعون، هادم شرائع الإسلام، يَبوءُ بدمه رجل من أهل بيته. . .\" الحديث.\nوقوله: (فلما بلغت عشرة): يحتمل عشرة مع الخلفاء الراشدين، وحينئذ فهو الوليد بن عبد الملك؛ لأنَّ الخلفاء أربعة، والخامس: معاوية، والسادس: يزيد، والسابع: ابنه معاوية، والثامن: ابن الزبير، أو مروان، والتاسع: عبد الملك، والعاشر: الوليد ابنه.\nوإن كان عشرة بعد يزيد فهو الوليد بن يزيد بن عبد الملك؛ لأنه تولى بعد الوليد هذا سليمان أخوه، وعمر بن عبد العزيز، ويزيد وهشام ابنا عبد الملك، فهؤلاء أربعة، إذا انضموا إلى الخمسة يكونون تسعة، والعاشر الوليد بن يزيد.\nويؤيد هذا الثاني: قوله - ﷺ -: \"يبوء بدمه رجل من أهل بيته\"؛ لأنه قتله ابن عمه يزيد بن الوليد، وكذا قوله - ﷺ -: \"سَلَّ الله سيفه فلا إغماد له\"؛ لأنهم اختلفوا فَقتلَ بعضهم بعضًا، فغلب عليهم بنو العباس، ومن ثَمَّ قال الزهري: إن تولَّى الوليد بن يزيد فهو هو، وإلَّا فهو الوليد بن عبد الملك.\nوجاء من طُرقٍ صَحّح الحاكم بعضها: أنَّ جبريل -وفي رواية: مَلكَ القَطْر- جاء","vol":"1","page":64},{"text":"إلى النبي - ﷺ - فأخبره أنَّ الحسين مقتول، وأراه من تربة الأرض التي يُقتل فيها، فأعطاه لأُمّ سلمة وأخبرها أن يوم قتله يتحول دمًا، فكان كذلك. وشم - ﷺ - ذلك، فقال: \"رِيحُ كَرْبٍ وبلاء\".\nوسببه: أنه لما مات الحسن - ﵁ - أخذ معاوية - ﵁ - البيعة ليزيد من أهل الشام، وجاء حاجًّا، فأراد أن يأخذها من أهل الحجاز من المهاجرين والأنصار فامتنعوا، وقالوا: إن كان لك رغبةٌ فيها فهي لك، وإن سئمتها فردها على المسلمين.\nفلما مات معاوية - ﵁ -، وبُويع ليزيد بالشام وغيرها أرسل يزيد لعامله بالمدينة أن يأخذ له البيعة على الحسين - ﵁ -، فهرب الحسين إلى مكة خوفًا على نفسه، فأرسل إليه أهل الكوفة أن يأتيهم ليبايعوه، فنهاه ابن عباس ﵄، وذكر له غدرهم وقتلهم لأبيه، وَخِذْلانهم لأخيه، وأمره أن لا يذهب بأهله، فأبى، فبكى ابن عباس ﵄، وقال: واحسيناه. وقال له ابن عمر ﵄ نحو ذلك، فأبى، فقبّل بين عينيه، وقال: أستودعك الله من قتيل. وكذلك نهاه ابن الزبير ﵄، بل لم يبق بمكة أحدٌ إلَّا حَزن لمسيره.\nولما بلغ أخاه محمد بن الحنفية بكى حتى ملأ طستًا بين يديه، وقَدّمَ أمامه مسلم بن عقيل، فبايعه من أهل الكوفة اثنا عشر ألفًا أو أكثر، فأرسل إليه يزيد ابن زياد وحرضه على قتله، وأخذوا مسلم بن عقيل فقتلوه، وتفرق المبايعون.\nوسار الحسين - ﵁ - غير عَالمٍ بذلك، فلقي الفرزدق فسأله، فقال: قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بني أمية، والقضاء ينزل من السماء.\nولما قرب من القادسية تلقاه من أخبره الخبر، وأمره بالرجوع فهمَّ بالرجوع، فقالت إخوة مسلم بن عقيل: والله لا تَرجِع حتى نأخذ بثأرنا، أو نُقتل. فقال: لا خير في الحياة بعدكم.\nثم سار فلقيه أوائل خيل ابن زياد، فعدل إلى كربلاء، فجهز إليه ابن زياد عشرين ألف مقاتل، فلما وصلوا إليه طلبوا منه النزول على حكم ابن زياد، والمبايعة ليزيد، فقال: دعوني أذهب إلى يزيد. فأبى ابن زياد إلَّا النزول على حكمه.","vol":"1","page":65},{"text":"فقال: والله لا نَزلتُ على حكمه أبدًا. فقاتلوه، وكان أكثر مقاتليه المكاتبين له، والمبايعين له، فلعنة الله على قاتليه مرة، وعلى خاذليه مئة مرة؛ حيث جعلوا آل بيت رسول الله - ﷺ - فِداءً لأنفسهم، قاتلهم الله ما أغدرهم وأخذلهم! !\nومن ثَمَّ قال لهم أمير المؤمنين عليّ كرّم الله وجهه: والله لو قدرت لبعتكم بأهل الشام؛ صَرفَ الدرهم بالدينار، كل عشرة منكم بواحد منهم.\nفحارب - ﵁ - ذلك العدد الكثير، ومعه من أهله نيف وثمانون، فثبت في ذلك الموقف ثباتًا باهرًا، ولولا أنهم حالوا بينه وبين الماء ما قدروا عليه.\nفلما بلغ القتلى من أهله خمسين نادى: أما ذابٌّ يذُبُّ عن حريم رسول الله - ﷺ -؟ فخرج يزيد بن الحارث رجاء شفاعة جده - ﷺ -، فقاتل بين يديه حتى قتل، ثم فني أصحابه، وبقي بمفرده، فحمل عليهم حملة عمه حمزة وأبيه عليّ ﵄، وقتل كثيرًا من شُجعانهم، فكثروا عليه حتى حالوا بينه وبين حريمه.\nفصاح ﵇: كفوا سفهاءكم عن النساء والأطفال. فكفوا.\nثم لم يزل يقاتلهم حتى أثخنوه بالجراح؛ لأنه طُعِنَ إحدى وثلاثين طعنة، وضرب أربعًا وثلاثين ضربة.\nومع ذلك غلب عليه العطش فسقط على الأرض، وحزوا رأسه الشريف يوم الجمعة عاشر محرم عام إحدى وستين.\nولما وضعه قاتله بين يدي اللعين ابن زياد أنشد متبجحًا شعرًا:\nأوقر ركابي فضة وذهبا ... أني قتلت ملكًا مُحجبا\nقتلت خير الناس أُمًّا وأبا ... وخيرهم إذ ينسبون نسبا\nفأمر بضرب عنقه، وقال: إذا علمت أنه كذلك فلم قتلته؟ !\nوالظاهر: أنه ما قتله إلَّا لأنه مدحه، لا لأنه قتله.\nويَدُلّ لذلك أنه جعل الرأس الشريف في طست، وجعل يضرب ثناياه الشريفة بقضيبٍ، ويدخله أنفه، ويتعجب من حسن ثغره.","vol":"1","page":66},{"text":"فبكى أنس - ﵁ -، وقال: كان أشبههم برسول الله - ﷺ -.\nوقال زيد بن أرقم: ارفع قضيبك، فوالله لطالما رأيت رسول الله - ﷺ - يُقبّل ما بين الشفتين. وبكى، فأغلظ عليه اللعين ابن زياد، وهدده بالقتل، فقال: لأُحدّثَنّك بما هو أَغيظُ عليك من هذا: رأيت رسول الله - ﷺ - أقعد حَسنًا على فَخِذه اليمنى، وحُسينًا هذا على فَخِذه اليسرى، ثم وضع يده الكريمة على يافُوخِهما، ثم قال: \"اللهم؛ إني استودعتك إياهما وصالحَ المؤمنين\".\nفكيف كانت وديعة النبي - ﷺ - عندك يا بن زياد؟ !\nوقد انتقم الله منه؛ فقد رَوى الترمذي بسندٍ صحيح؛ أنَّ رأس ابن زياد لما قتل وضع موضع رأس الحسين، وإذا حَيّةٌ عَظيمةٌ قد جاءت، فتفرق الناس عنها، فتخللت الرؤوس حتى جاءت رأس ابن زياد، فجعلت تدخل من فمه، وتخرج من منخريه، وتدخل من منخريه، وتخرج من فمه، فعلت ذلك مرتين، أو ثلاثًا.\nولما دخل قصر الإمارة بالكوفة أُمر بالرأس فوضع على تُرْسٍ عن يمينه، والناس سِمَاطَان، ثم أُنزلَ، وَجُهزه مع رؤوس أصحابه، وسبايا آل الحسين على أقتاب الجمال موثقين في الحبال، والنساء مكشفات الوجوه والرؤوس إلى يزيد لعنه الله.\nولما نزل الذين أرسلهم ابن زياد بالرأس أول منزل جعلوا يشربون بالرأس، فخرجت عليهم يَدٌ من الحائط فكتبت سطرًا بدم:\nأترجو أمة قتلت حُسينًا ... شفاعة جده يوم الحساب\nفهربوا وتركوا الرأس، ثم عادوا وأخذوه.\nولما قَدِمُوا به على يزيد أقام الحريم على درج الجامع، حيث تقام الأسارى والسبي.\nومما ظهر يوم قتله: أنَّ السماء أمطرت دمًا، وأنَّ أوانيهم مُلئت دمًا، وانكسفت الشمس، ورؤيت النجوم، واشتد الظلام حتى ظنَّ الناس أنَّ القيامة قد قامت، وأنَّ الكواكب ضربت بعضها بعضًا، وأنه لم يُرفع حَجرٌ إلَّا رُئِيَ تحته دَمٌ عبيط، وأنَّ الورس انقلب دمًا، وأنَّ الدنيا أظلمت ثلاثة أيام.","vol":"1","page":67},{"text":"وقتل معه من إخوته، وبنيه، وبني أخيه الحسن، ومن أولاد جعفر، وعقيل تسعة عشر رجلًا.\nقال الحسن البصري رحمه الله تعالى: وما كان على وجه الأرض لهم يومئذ شبيهٌ، وأنشدوا:\nعينُ ابكي بعبرةٍ وعَويل ... واندبي إن ندبت آل الرسول\nتسعة منهم لصلب عليٍّ ... قد أبيدوا وتسعة لعقيل\nومنها: وقعة الحرة.\nروى عمر بن شَبّة، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: \"والذي نفسي بيده ليكونن بالمدينة مَلحمةٌ يقال لها: الحالقة، لا أقول حالقة الشعر، ولكن حالقة الدِّين، فاخرجوا من المدينة ولو على قدر بَرِيد\".\nوَرُوي أيضًا: \"ويل للعرب من شر قد اقترب (١)، على رأس الستين تصير الأمانة غنيمة، والصدقة غرامة، والشهادة بالمعرفة، والحُكم بالهوى\" رواه الحاكم.\nوكان أبو هريرة - ﵁ -، يقول: اللهم؛ لا تدركني سنة ستين، ولا إمارة الصبيان. يشير إلى قوله - ﷺ -: \"هلاك أمتي على أيدي أُغَيلمةٍ من قريش\" (٢)، فإنَّ يزيد فيها تولى.\nوعن أيوب بن بشير - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يُقتل في هذه الحرة خِيَارُ أمتي بعد أصحابي\".\nوعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يقتل بحرة زُهرة خِيَار أمتي\".\n_________\n(١) قال القاري (٥/ ١٠٥): الأظهر المراد منه: ما فتح من ردم يأجوج ومأجوج، وقيل: مقتل عثمان - ﵁ -، وقيل: صفين، وقيل: الحرة اهـ\nقلت: وهذا الأخير متعين؛ لما ورد من زيادة قوله: \"على رأس الستين\"، ويؤيد الأول رواية الترمذي: \"ويلٌ للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج\" والحديث أخرجه الشيخان. اهـ (ز).\n(٢) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" بطرقٍ وألفاظ مختلفة في \"علامات النبوة\" اهـ (ز).","vol":"1","page":68},{"text":"وعن أبي عُبيدة: \"لا يزال هذا الدِّين قائمًا بالقسط حتى يكون أول من يَثْلُمهُ رجلٌ من بني أمية\".\nوعن أبي العالية قال: كنا بالشام مع أبي ذر - ﵁ -، فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"أول رجل يُغَيّر سنتي، رجل من بني فلان -يعني: بني أمية-، فقال يزيد بن أبي سفيان؛ أخو معاوية: أنا هو؟ قال: لا\".\nقال: وقد أخرج أبو يعلى، عن أبي عُبيدة مرفوعًا: \"لا يزال أمر أمتي قائمًا بالقسط حتى يكون أول من يَثْلُمهُ رجل من بني أمية يقال له: يزيد\".\nوأخرج الرُّوياني عن أبي الدرداء - ﵁ - مرفوعًا: \"أول من يُبدِّل سنتي رجل من بني أمية يقال له: يزيد\".\nوسبب هذه الوقعة: أنَّ معاوية - ﵁ - لما أراد أخذ البيعة ليزيد من أكابر أهل الحجاز؛ كابن عمر، وابن عباس، وعبد الرحمن بن أبي بكر ﵃ أرسل إليهم في ذلك، فلم يُجيبوه، فأرسل إلى ابن عمر ﵄ بمئة ألف درهم فأخذها، فَدّس إليه رجلًا فقال له: ما يمنعك أن تبايع؟ فقال له: إنَّ ذاك لذاك -يعني: عطاء المال للمبايعة-، إنَّ ديني إذًا عندي لرخيص، لا أُبايع أميرين أبدًا.\nوأرسل إلى عبد الرحمن بن أبي بكر، فأجابه بكلامٍ غليظ.\nوأرسل إلى عبد الله بن الزبير، فأجابه بنحو ذلك، فظن أنهم لا يرضون بخلافة يزيد، ولا يبايعونه.\nفلما احتضر معاوية - ﵁ - قال لابنه يزيد: لقد وَطّأتُ لك البلاد، ومَهدتُ لك الناس، ولست أخاف عليك إلَّا أهل الحجاز، فإن رابك منهم أمر فوجه إليهم مسلم بن عقبة؛ فإني قد جربته، ورأيت نصيحته.\nفلما مات وصار أمر الحسين - ﵁ - إلى ما ذكر أظهر ابن الزبير ﵄ الخلاف على يزيد، والتجأ إلى مكة، وقام أهل المدينة، فشاركوا ابن الزبير في الخلاف، وخلعوا يزيد بعد أن بايعوه، وحاصروا بني أمية الذين كانوا بالمدينة، فأرسل مروان: إنَّا حُصرنا، ومُنعنا الماء العذب، فواغوثاه.","vol":"1","page":69},{"text":"فَوجّه إليهم يزيد مسلم بن عقبة المِرّي في اثني عشر ألفًا، وقيل: عشرين ألفًا، وقال: ادعهم ثلاثًا، فإن رجعوا، وإلَّا فقاتلهم، فإذا ظهرت فأبحها للجيش ثلاثًا، وأجهز على جريحهم، واتبع منهزمهم، فتوجه إليهم، فوصل في ذي الحجة سنة ثلاث وستين، فحاربوه.\nوكان الأمير على الأنصار: عبد الله بن حنظلة؛ غسيل الملائكة، وعلى قريش: عبد الله بن مُطيع، وعلى غيرهم من القبائل: مَعْقِل بن سنان الأشجعي، وكانوا اتخذوا خندقًا.\nفلما رآهم أهل الشام خافوهم، وكرهوا قتالهم، فأدخل بنو حارثة قومًا من الشاميين من جانبة الخندق، فلما سمعوا التكبير في جوف المدينة خافوا على أهلهم، فتركوا القتال، ودخلوا المدينة، فكانت الهزيمة.\nوأباح مُسلِمٌ المدينة ثلاثًا يقتلون الناس، ووقعوا على النساء، وقاتل عبد الله بن مُطيع حتى قُتِلَ هو وبنون له سبعة، وبُعِثَ برأسه إلى يزيد، وَقُتلَ من وجوه الناس أكثر من سبع مئة من قريش، ومن أخلاط الناس من الموالي والعبيد والصبيان والنساء أكثر من عشرة آلاف، وسبوا الذرية، واستباحوا الفروج، وأحبلوا أكثر من ألف امرأة من الزنا، وسمي أولادهن أولاد الحَرّة، وربطوا الخيل بسواري المسجد الشريف، وجالت الخيل فيه، وراثت، وبالت بين القبر الشريف والمنبر، وتعطل المسجد الشريف ثلاثة أيام؛ لم يُصل فيه.\nوكان ابن المسيب - ﵁ - في المسجد تلك الأيام يَسْمَعُ من القبر الشريف الأذان والإقامة، وكانوا يضحكون منه ويقولون: انظروا إلى هذا الشيخ المجنون يُصلي.\nوذلك أنهم جاؤوا به ليبايع يزيد على أنه عَبْدُ قِنٍّ ليزيد في طاعة الله ومعصيته كما بايع الناس، فقال: بل على كتاب الله، وسنَّة نبيه، وسيرة أبي بكر وعمر ﵄. فأمر بقتله، فقال بعض الناس: دعوه فإنه مجنون. فتركوه.\nوكل من أبى أن يبايع على أنه عَبْدٌ ليزيد في طاعة الله ومعصيته أُمِر بقتله، ودخلت","vol":"1","page":70},{"text":"طائفة بيت أبي سعيد الخُدري، فأخذوا ما فيه من المتاع، ودخلت طائفةٌ أخرى فلم يجدوا شيئًا، فأضجعوه، ومعطوا لحيته خصلة خصلة.\nولم يَتعرّض لعلي بن الحسين زين العابدين؛ لأنَّ يزيد وصاه به، وقال: إنه لم يدخل في شيءٍ من أمرهم.\nوَسَمَّوا مُسلمًا: هذا مُسرفًا؛ لإسرافه في القتل والفساد.\nثم توجَّهَ إلى ابن الزبير؛ فإنه قال له يزيد: إذا فرغت من أمر المدينة فتوجه إلى مكة، وكان مريضًا، فمات في الطريق.\nوكان من غاية جهله وضلاله يقول: اللهم؛ إني لم أعمل بعد شهادة أن لا إله إلَّا الله عملًا أرجى لي من قتل أهل المدينة، ولئن دخلت النار بعدها إني لشقي.\nثم نادى حُصين بن نُمير، وقال له: أمير المؤمنين -يعني: يزيد- ولاك بعدي، فأسرع السير ولا تؤخر ابن الزبير. وأمره أن يَنْصِب المجانيق على مكة، وقال: إن يعوذوا بالبيت فارمه.\nفذهب وحاصر مكة أربعًا وستين يومًا، وجرى فيها قتال شديد، وَرمى البيت بالمجانيق، وأخذ رجلٌ قبسًا في رأس رمح فطارت به الريح فأحرق البيت، فجاءهم نَعْيُ يزيد.\nوكان بين الحرة وموته ثلاثة أشهر، وقيل دونه.\nواجترأ أهل مكة والمدينة على أهل الشام، فذلوا حتى كان لا ينفرد منهم رجلٌ إلَّا أُخذ بلجام دابته فنكس عنها، فقال لهم بنو أمية: لا تبرحوا حتى تحملونا معكم إلى الشام. ففعلوا، ومضى ذلك الجيش حتى دخل الشام، فبويع لابن الزبير بالحجاز، وبايع أهل الآفاق كلها لمعاوية بن يزيد، وكان رجلًا صالحًا فيه دين وعقل، فأقام فيها أربعين يومًا، وقيل: أقام فيها خمسة أشهر وأيامًا وخلع نفسه.\nوذكر غير واحدٍ أنَّ معاوية بن يزيد لما نزع نفسه صَعِد المنبر وجلس طويلًا، ثم حمد الله تعالى، وأثنى عليه بأبلغ ما يكون من الحمد والثناء، ثم ذكر النبي - ﷺ - بأحسن ما يُذْكَر به، ثم قال: أيها الناس؛ لست أنا بالراغب في الائتمار","vol":"1","page":71},{"text":"عليكم؛ لعظيم ما أكرهه منكم، وإني أعلم أنكم تكرهوننا أيضًا؛ لأنّا بُلينا بكم، وبُليتُم بِنا، ألا إنَّ جدي معاوية نازع في هذا الأمر من كان أولى به منه ومن غيره؛ لقرابته من رسول الله - ﷺ -، وعظيم فضله وسابقته، أعظم المهاجرين قدرًا، وأشجعهم قلبًا، وأكثرهم عِلمًا، وأولهم إيمانًا، أشرفهم منزلة، وأقدمهم صحبة، ابن عم رسول الله - ﷺ -، وصهره، وأخوه، زَوَّجهُ رسول الله - ﷺ - ابنته، وجعله لها بعلًا باختياره لها، وجعلها له زوجةً باختيارها له، أبو سبطيه سيدا شباب أهل الجنة، وأفضلا هذه الأمة، تربية الرسول - ﷺ -، وابنا فاطمة البتول ﵂، من الشجرة الطاهرة الزكية، فركب جدي منه ما تعلمون، وركبتم ما لا تجهلون، حتى انتظمت لجدي الأمور، فلما جاء القدر المحتوم، واخترمته أيدي المنون بقي مُرتَهنًا بعمله، فريدًا في قبره، ووجد ما قدمت يداه، ورأى ما ركبه واعتداه، ثم انتقلت الخلافة إلى يزيد، فتقلد أمركم لهوىً كان أبوه فيه، ولقد كان أبي يزيد بسوء فعله وإسرافه على نفسه غير خَلِيقٍ بالخلافة على أمة محمد - ﷺ -، فركب هواه، واستحسن خَطَأهُ، وأقدم على ما أقدم من جراءته على الله، وبغيه على من استحل حرمته من أولاد رسول الله - ﷺ -، فَقَلَّتْ مُدته، وانقطع خبره، وضاجع عمله، وصار حليف حفرته، ورهين خطيئته، وبقيت أوزاره وتبعاته، وحَصّل ما قَدّم، وندم حيث لا ينفعه الندم، وشغلنا الحُزْنُ له عن الحُزنِ عليه. فليت شعري ماذا قال؟ وماذا قيل له؟ هل عُوقِب بإساءته وجوزي بعمله؟ وذلك ظني.\nثم اختنقته العبرة؛ فبكى طويلًا، وعلا نحيبه، ثم قال: وصرت أنا ثالث القوم، والساخط عَليَّ أكثر من الراضي، وما كنت لأتحمل آثامكم، ولا يراني الله جلت قدرته مُتقلدًا أوزاركم وألقاه بتبعاتكم، شأنكم وأمركم فخذوه، ومن رضيتم به عليكم فولوه، وخَلعتُ بيعتي من أعناقكم، والسلام.\nفقال له مروان بن الحكم -وكان تحت المنبر-: أسُنّةٌ عمرية يا أبا ليلى؟ فقال: ابعد عني، أعن ديني تخدعني؟ !، فوالله ما ذقت حلاوة خلافتكم فأتجرع مرارتها، ائتني برجالٍ مثل رجال عمر على أنه ما كان حين جعلها شورى، وصرفها عمن","vol":"1","page":72},{"text":"لا يشك في عدالته ظلومًا، والله لئن كانت الخلافة مغنمًا لقد نال أبي منها مغرمًا ومأثمًا. ولئن كانت شرًّا فحسبه منها ما أصابه.\nثم نزل، فدخل عليه أقاربه وأمه فوجدوه يبكي، فقالت له أمه: ليتك كنت حَيْضَةً، ولم أسمع بخبرك. فقال: وددت والله ذلك. ثم قال: ويلي إن لم يرحمني ربي.\nثم إنَّ بني أمية قالوا لِمُعَلِّمهِ عمرو المقصوص: أنت عَلّمته هذا، ولقنته إياه، وصددته عن الخلافة، وزينت له حُبّ عليٍّ وأولاده، وحملته على ما وسمنا به من الظلم، وحَسّنت له البدع حتى نطق بما نطق، وقال ما قال. فقال: والله ما فعلته، ولكنه مجبولٌ ومطبوعٌ على حُبِّ عليٍّ. فلم يقبلوا منه ذلك، وأخذوه ودفنوه حيًّا حتى مات.\nوتوفي معاوية بن يزيد بعد خلعه نفسه بأربعين يومًا، وقيل: تسعين ليلة، وكان عمره ثلاثًا وعشرين سنة، وقيل: إحدى وعشرين سنة، وقيل: ثماني عشرة سنة، وقيل: عشرين سنة.\nويقال: إنه لما احتضر قيل له: أما تستخلف؟ فأبى، وقال: ما أصبت من حلاوتها شيئًا فلم أتحمل مرارتها. ولم يُعْقِب، ﵀ رحمة الأبرار، ورحم به.\nوكان قتل الحسين - ﵁ -، ووقعة الحرة، وقتل ابن الزبير - ﵁ -، ورمي الكعبة بالمنجنيق، واستحلال الحرم، من الشنائع التي وقعت في زمن يزيد.\nقال ابن حجر في \"شرح الهمزية\": ولا عجب؛ فإنَّ يزيد بلغ من قبائح الفسق والإخلال بالتقوى مبلغًا لا يستكثر عليه صدور تلك القبائح منه.\nبل قال الإمام أحمد بن حنبل بكفره، وناهيك به ورعًا وعِلمًا يقضيان بأنه لم يقل ذلك إلَّا لقضايا وقعت منه صريحة في ذلك، ثبتت عنده، وإن لم تثبت عند غيره؛ كالغزالي.\nوبالغ ابن العربي المالكي فقال: لم يقتل يزيد الحسين - ﵁ - إلَّا بسيف جده؛ أي لأنَّ البيعة سبقت ليزيد، وهو باغٍ عليه؛ لأنَّ كثيرين قدموا عليها مختارين","vol":"1","page":73},{"text":"على أنَّ أباه قد استخلفه، ومع الاستخلاف لا يشترط ذلك، ولا شك أنَّ أباه قد صار خليفةً حقا بنزول الحسن - ﵁ - له، واجتماع الناس عليه.\nوَيُرَدُّ بأنَّ هذا إنما هو بعد استقرار الأحكام وانعقاد الإجماع على تحريم الخروج على الإمام الجائر، أما قبل ذلك فكان الأمر منوطًا بالاجتهاد، واجتهاد الحسين رضي الله تعالى عنه اقتضى جواز بل وجوب الخروج على يزيد؛ لجوره وقبائحه التي تصمُّ عنها الآذان، ويزيد لم تنعقد بيعته عند الحسين - ﵁ - وغيره ممن لم يبايعوه، والمبايعون له مكرهون على البيعة.\nوغاية أمر يزيد إن لم يكن كافرًا؛ أنه جائرٌ فاسقٌ متغلب، وحرمة الخروج على الجائر محلها بعد استقرار الأمور، وانقضاء تلك الأعصار. انتهى\nقُلْتُ: وأيضًا فإنَّ يزيد كان فاسقًا جاهلًا، وشرط الاستخلاف ابتداء العلم بالأحكام والعدالة، وقولهم: إنَّ الإمام الأعظم لا ينعزل بالفسق، إنما هو دوامًا لا ابتداء؛ فإنه يمنع من البيعة.\nوأما تَغلبُ يزيد فإنما حصل بعد قتل الحسين - ﵁ -، بل وبعد الحَرّة، حيث قُتِلَ أكثر من يستحق الخلافة.\nعلى أنَّ أهل مكة لم يبايعوه، وأصروا مع ابن الزبير ﵄ على القتال زمنه وزمن أبيه معاوية.\nثم بعد موت معاوية بن يزيد بايع أهل الآفاق كلها لابن الزبير، وانتظم له مُلك الحجاز، واليمن، ومصر، والعراق، والمشرق كله، وجميع بلاد الشام، حتى دمشق، لم يَتخلّف عن بيعته إلَّا بنو أمية ومن يهوى هواهم، وكانوا بفلسطين.\nحتى إنَّ مروان همَّ بالرحلة إلى مكة ليبايعه، فمنعه بنو أمية وبايعوه بالخلافة، وخرج بمن أطاعه إلى دمشق وقاتل الضحاك بن قيس المبايع لابن الزبير، فاقتتلوا بمرج راهط، فَقُتِل الضحاك، وغَلَبَ مروان على الشام، ثم توجه إلى مصر فحاصر عامل ابن الزبير بها حتى غلب عليها في ربيع الآخر سنة خمس وستين، ومات في تلك السنة، فكانت مدته ستة أشهر.","vol":"1","page":74},{"text":"وعهد إلى ابنه عبد الملك فقام مقامه، وكَمُلَ له مُلك الشام، ومصر، والمغرب، ولابن الزبير ملك اليمن، والحجاز، والعراق، والمشرق. إلَّا أنَّ المختار بن أبي عبيد غلب على الكوفة، وكان يدعو إلى المهدي من أهل البيت، ويقول: إنه محمد ابن الحنفية، فأقام على ذلك نحو السنتين، ثم سار إليه مصعب بن الزبير أمير البصرة لأخيه عبد الله بن الزبير، فحاصره حتى قُتل في شهر رمضان في سنة سبع وستين.\nوانتظم أمر العراق كله لابن الزبير، فدام ذلك إلى سنة إحدى وسبعين، فسار عبد الملك إلى مصعب بن الزبير، وقاتله حتى قتله في جمادى منها، وملك العراق كله، ولم يبق مع ابن الزبير إلَّا الحجاز واليمن فقط.\nفجهز إليه عبد الملك الشقي الحجاج بن يوسف الثقفي، فحاصره في سنة اثنتين وسبعين إلى أن قُتل عبد الله بن الزبير في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين، وكان مجموع مدة ابن الزبير تسع سنين وشيء.\nثم اجتمع الناس على عبد الملك بن مروان، ثم بعده على ابنه الوليد، ثم ابنه الآخر سليمان، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم ابنه الآخر يزيد، ثم ابنه الآخر هشام.\nفهؤلاء كلهم أولاد عبد الملك إلَّا عمر؛ فإنه ابن أخيه عبد العزيز.\nثم بعد هشام تولّى ابن أخيه الوليد بن يزيد، فقام عليه ابن عمه يزيد بن الوليد فقتله، وقام عليه مروان الحمار بن محمد بن مروان.\nولما مات ولي أخوه إبراهيم، فغلبه مروان، واختل أمرهم حتى غلب على المُلْكِ بنو العباس وقتلوهم أشد قِتلة.\nفلله الأمر من قَبلُ ومن بَعْد.\nومنها: خراب المدينة بعد الحرة:\nأخرج ابن شَبّة، عن أبي هريرة - ﵁ -: لَيخرُجَن أهل المدينة من المدينة أَعْمَرَ ما كانت، نصفًا زَهوًا ونصفًا رُطبًا، قيل: من يُخْرِجهم؟ قال: أمراء السوء.\nوروى أحمد برجال الصحيح؛ أنَّ النبي - ﷺ - صَعِد أُحُدًا، فأقبل","vol":"1","page":75},{"text":"على المدينة، فقال: \"ويل أُمّها، قريةٌ يدعها أهلها كأينع ما تكون\".\nوَروى ابن شبة عن شريحِ بن عبيد؛ أنه قرأ كتابًا لكعب: ليغشين أهل المدينة أمرٌ يُفْزِعهم حتى يتركوها وهي مُذللةٌ، وتبول السنانير على قطائف الخز ما يروعها شيء، وحتى تخرق الثعالب في أسواقها ما يروعها شيء.\nوفي \"الموطأ\": \"لتتركنّ المدينة على أحسن ما كانت، حتى يدخل الكلب أو الذئب فيقذي -أي: يبول- على بعض سواري المسجد\".\nورواه ابن شَبّة، ولفظه: \"فيقذي على سواري المسجد والمنبر\".\nقال القاضي عياض: إنَّ هذا جرى في العصر الأول، وإنها تركت أحسن ما كانت من حيث الدين والدنيا، أما الدين: فلكثرة العلماء بها، وأما الدنيا: فلعمارتها واتساع حال أهلها.\nوذكر الإخباريون: أنه رحل عنها أكثر أهلها، وبقيت ثمارها للعوافي، وخلت مدة ثم تراجعوا.\nقال: وقد حكى قومٌ كثيرون أنهم رأوا ما أنذر به - ﷺ - من تقذية الكلاب على سواري مسجدها. انتهى\nوقال النووي: الظاهر المختار أن الترك لها يكون آخر الزمان.\nقال السيد السمهودي في \"تاريخها\": إنه ورد ما يقضي أن الترك لها يكون مُتعددًا؛ فقد روى ابن شبة: \"ليخرجن أهل المدينة منها ثم ليعودون إليها، ثم ليخرجن منها ثم لا يعودون إليها\".\nوروي أيضًا عن عمر - ﵁ - مرفوعًا: \"يخرج أهل المدينة منها، ثم يعودون إليها فيعمرونها، ثم تمتلئ وتبنى، ثم يخرجون منها ولا يعودون إليها أبدًا\".\nقال: فالظاهر أن ما ذكره القاضي عياض هو الترك الأول، وسببه كائنة الحرة؛ كما في حديث أبي هريرة - ﵁ -: \"يخرجهم أمراء السوء\"، وأنه بقي الترك الذي يكون آخر الزمان. انتهى ملخصًا.","vol":"1","page":76},{"text":"قُلْتُ: ويؤيد ما ذكره ما في رواية شريح السابقة: \"ليغشين أهل المدينة أمرٌ يفزعهم حتى يتركوها\"، فإن خروجهم عنها آخر الزمان يكون للهجرة إلى بيت المقدس؛ طلبًا للجهاد لا للفزع.\nنعم؛ يمكن أن يقال: إن ذلك يقع في زمن السفياني أيضًا، وهو من أمراء السوء، وهو في آخر الزمان. لكن إذا ثبت التعدد سهل الأمر بأن يقال: يخرجون منها ثلاث مرات، وإنما ذُكِرَ في الحديث مرتين إيجازًا واختصارًا.\nوبالجملة: فقد وقع ذلك في زمن يزيد، وهو من جملة قبائحه الشنيعة، ولابد من وقوعها مرة أخرى في آخر الزمان؛ كما صرحت به الأحاديث الصحيحة، وسيأتي إن شاء الله هذا الترك الثاني في القسم الثالث، وبالله التوفيق.\nومن الفتن التي وقعت في زمن بني مروان: قتل ابن الزبير، وهدم الكعبة، وتولية الحجاج؛ فإنه قتل مئة ألف وعشرين ألفًا وأربعة آلاف نفس حرام صبرًا، غير ما قتله في المحاربات، وأهان جماعةً من الصحابة، وختمهم في رقابهم إهانةً، منهم: أنس - ﵁ -؛ خادم النبي - ﷺ -، ودسَّ على ابن عمر ﵄ من ضربه بحربة مسمومة فقتله ... إلى غير ذلك من القبائح، ولا شك أنه سيئة من سيئات عبد الملك؛ فإنه كان أميرًا له على العراق وعلى الحجاز.\nوعن حبيب بن أبي ثابت قال: قال علي - ﵁ - لرجل: لا متَّ حتى تدرك فتى ثقيف. قيل: ما فتى ثقيف؟ قال: ليُقالن له يوم القيامة: اكفنا زاويةً من زوايا جهنم؛ رجل يملك عشرين أو بضعًا وعشرين سنة، لا يدع لله معصية إلَّا ارتكبها، حتى لو لم تبق إلَّا معصيةٌ واحدة وكان بينه وبينها بابٌ مغلق لكسره حتى يرتكبها، يَقتُلُ بمن أطاعه من عصاه. رواه البيهقي في \"الدلائل\".\nومنها: قتل زيد بن علي بن الحسين - ﵁ -، وصلبه، وحرقه بالنار، وقتل ولده يحيى في زمانهم، وشربهم للخمر، وصلاتهم بالناس سكارى، وتقديمهم الجواري في المحراب، وغير ذلك من أنواع القبائح:\nبل نقل السيوطي في \"تاريخ الخلفاء\": أن الوليد بن يزيد عزم على الحج؛ لأجل","vol":"1","page":77},{"text":"أن يشرب فوق ظهر الكعبة، فَقُتِلَ قبل أن يبلغ مراده.\nعن المسور بن مخرمة قال: قال عمر بن الخطاب لعبد الرحمن بن عوف ﵃: ألم يكن فيما تقرأ: (قاتلوا في الله في آخر مرة كما قاتلتم أول مرة)؟ قال: متى ذاك؟ قال: \"إذا كانت بنو أمية الأمراء، وبنو مخزوم الوزراء\"، رواه الخطيب.\nوقد مر لعنهم على لسان نبيهم - ﷺ -.\nهذا وطريق السلامة والورع السكوت عنهم، والاشتغال بعيوب النفس وبذكر الله تعالى؛ فإن الاشتغال بهم بابٌ عظيمٌ من أبواب الشيطان، ولقد أحسن من قال:\nلَعَمْرُكَ إِنَّ فِي ذَنْبِي لَشُغْلًا ... بِنَفْسِي عَنْ ذُنُوبِ بَنِي أُمَيَّه\nعَلَى رَبِّي حِسَابُهُمُ تَنَاهَى ... إِلَيْهِ عِلْمُ ذَلِكَ لا إِلَيَّه\nوَلَيْسَ بِضَائِرِي مَا قَدْ أَتَوْهُ ... إِذَا مَا اللهُ يَغْفِرُ مَا لَدَيَّه\nومنها: دولة بني العباس:\nعن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إذا أقبلت رايات ولد العباس من عقبات خراسان جاؤوا بنعي الإسلام، فمن سار تحت لوائهم لم تنله شفاعتي يوم القيامة\" رواه أبو نُعيم في \"الحلية\".\nوعن أبي أمامة قال [: قال رسول الله - ﷺ -]: \"ستخرج راياتٌ من المشرق لبني العباس، أولها مثبور، وآخرها مثبور، لا تنصروهم، لا ينصرهم الله، من مشى تحت راية من راياتهم أدخله الله تعالى النار يوم القيامة. ألا إنهم شرار خلق الله، وأتباعهم شرار خلق الله، يزعمون أنهم مني وما هم مني\". رواه الطبراني.\nوعن ثوبان، وعن مكحول مرسلًا، وعن علي - ﵁ - موصولًا: \"ما لي ولبني العباس؟ ! شيعوا أمتي، وسفكوا دماءها، وألبسوها ثياب السواد، ألبسهم الله ثياب النار\" رواه الطبراني.\nلكن قد رَوى السهروردي وغيره بسندٍ جيد: أن جبريل ﵇ نزل لابسًا","vol":"1","page":78},{"text":"السواد، فقال: يا محمد؛ هذه ثياب بني عمك العباس، فدعا لهم - ﷺ -.\nوقال: اللهم؛ اغفر للعباس وولده.\nفَتُحْمل الأحاديث الأُول إن صحت على شرارهم، وهذا وأمثاله على خيارهم، على أن هذا أصح وله شواهد.\nومن الفتن التي وقعت في زمنهم:\n- قتال أهل المدينة.\n- وقتل محمد النفس الزكية ابن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط.\n- وقتل أخيه إبراهيم بن عبد الله.\n- وقتل جماعةٍ كثيرةٍ من العلويين.\n- وحبس الإمام جعفر الصادق في زمن المنصور.\n- وموت الإمام موسى الكاظم في الحبس في زمن الرشيد.\n- وإدخال الفلسفة في الإسلام.\n- ونصرة الاعتزال في زمن المأمون.\n- وقتل كثير من العلماء.\n- وتكليفهم القول بخلق القرآن.\n- وضرب الإمام أحمد بن حنبل في زمنه وزمن المعتصم والواثق وغيرهم.\nولم تتفق الكلمة في زمنهم، ولم تَصْفُ لهم الخلافة، فكان أول من رجع عن الاعتزال منهم، ونصر السُنّة: المتوكل؛ فإنه رأى في المنام كأنَّ النبي - ﷺ - على تَلٍّ وحوله خلقٌ كثير، وهو ينادي بأعلى صوته: \"ألا إن محمد بن إدريس الشافعي ترك فيكم عِلمًا نَفيسًا فاتبعوه تهتدوا\"، فانتقل إلى مذهب الشافعي، وعين من بيت المال اثني عشر ألفًا لنشر حديث رسول الله - ﷺ -.","vol":"1","page":79},{"text":"ثم لا زالوا في التناقص إلى أن بقي لهم من الخلافة مُجرد الاسم، وغلب آل سلجوق على معظم البلاد، فكان آخرهم بالعراق المستعصم الذي قتله التتار، ثم انتقلوا إلى مصر.\nوكان زمانهم مشحونًا بالعلماء في كل فنٍّ؛ من التفسير، والحديث، والنحو، واللغة، والقراءات، والفقه، والكلام، والتاريخ، وغير ذلك، حتى أن زمان الرشيد كان يسمى: عروس الدهر.\nومنها: فتنة الفاطمية:\nواستيلاؤهم على المغرب ومصر نحوًا من ثلاث مئة سنة، وإظهارهم الرفض، ونصرهم مذهب الباطنية، وإلحادهم في الدين.\nوكان استيلاؤهم على جزيرة الفسطاط سنة ثمان وثلاث مئة، وكان انتزاعها منهم على يد صلاح الدين يوسف بن أيوب الملك الناصر، في سنة أربع وستين وأربع مئة، فرحم الله روحه، وجزاه عن الإسلام خيرًا.\nومن فتن هؤلاء: أنَّ الحاكم منهم بنى دارًا وفرشها، وأجلس الفقهاء والمحدثين فيها، ثم بعد ثلاث سنين هدمها، وقتل الفقهاء والمحدثين.\nوأنَّ الظاهر بن الحاكم جمع ألفين وست مئة وستين جارية مزينات بحليهن في قصرٍ، وأمر ببناء أبوابه إلى أن مِتن كُلُّهن، وبعد ستة أشهر أضرم عليهن النار، فأحرقهن بثيابهن وحليهن، فلا ﵀، ولا رحم من خلفه. ذكر ذلك السيوطي في \"حُسْنِ المحاضرة\".\nقال ابن أبي حَجلَة في \"السكردان\": إن الحاكم قتل من العلماء ما لا يُحصى، وأمر بِسَبِّ الصحابة، وأمر بكتب ذلك على أبواب المساجد والشوارع، ثم محاه بعد مدة، وهدم قمامةً، وبنى مكانها مسجدًا، ثم أعادها كما كانت.\nوبنى المدارس، وجعل فيها العلماء والمشايخ، ثم قتلهم وهدمها، ونهى عن أكل الملوخية والجرجير، وعلل تحريمها بكون معاوية - ﵁ - يميل إلى الملوخية، وعائشة ﵂ إلى الجرجير.","vol":"1","page":80},{"text":"ونهى عن بيع الرطب، ثم جمع منه شيئًا كثيرًا وأحرقه، وكان مقدار النفقة على إحراقه خمس مئة دينار.\nونهى عن بيع العنب، وقلب خمسة آلاف ألف جرة من جرار العسل في البحر، وكسر جراره.\nوأمر النصارى واليهود بالدخول في الإسلام كُرهًا، ثم أمرهم بالعود إلى أديانهم، فارتد منهم في سبعة أيام ستة آلاف، وخرب كنائسهم ثم أعادها.\nوادعى الربوبية، وكتب: باسم الحاكم الرحمن الرحيم.\nواجتمع له كثير من الجهال، وبذل لهم المال، ونادوه باسم الإله، فكانوا إذا رأوه قالوا: يا واحد، يا أحد، يا محيي، يا مميت.\nوصَنَّف له بعض الباطنية كتابًا ذكر فيه: أن روح آدم انتقل إلى عليٍّ، ثم إليه، وقُرِئَ هذا الكتاب بجامع القاهرة، وَسُيِّر هذا المُصَنِّفُ إلى جبال الشام، فنزل بوادي التيم، وناحية بانياس، واستمال الناس، وأعطاهم المال، وأباح لهم الخمر والزنا، ودعاهم إلى معتقد الحاكم، فَأضلّ منهم خلقًا كثيرًا.\nوفي وادي التيم إلى يومنا هذا قرىً كَثيرة يعتقدون رجوع الحاكم، وأنه يعود ويمهد الأرض. هذا كلامه مُلخصًا.\nواستمروا بها ظالمين إلى أن أبادهم الله على أيدي السلاطين الأكراد الأيوبية، وتولى هؤلاء أيضًا قَريبًا من مئتي سنة؛ من سنة أربع وستين وأربع مئة إلى سنة ثمان وأربعين وست مئة، آخرهم الملك المعظم تورانشاه قتله أتباعهم الأتراك، وتولى أولئك أيضًا؛ من هذه السنة إلى سنة ثمان وسبعين وسبع مئة، ثم استولى على الأمر أتباعهم الجراكسة إلى سنة اثنتين وعشرين وتسع مئة، ثم غلبهم ملوك بني عُثمان إلى يومنا هذا.\nفالملك والأرض لله يُورِثُها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين، والحمد لله رب العالمين.","vol":"1","page":81},{"text":"ومنها: فتنة القرامطة:\nوإهانتهم الدين، واستحلالهم الحُرُمْ، وستأتي الإشارة إليهم فيما بعد (١).\nومنها: قتال الترك وفتنتهم؛ وهم التتار:\nفقد رَوى الستة إلَّا النسائي: \"لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا نعالهم الشعر (٢)، وحتى تقاتلوا الترك؛ صغار الأعين، حمر الوجوه، ذلف الأنوف؛ كأن وجوههم المجان المطرقة\".\nوفي رواية للبخاري: \"لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوز وكرمان؛ قومًا من الأعاجم، حمر الوجوه\".\nوفي لفظ له: \"عراض الوجوه، فطس الأنوف، صغار الأعين، وجوههم المجان المطرقة، ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا نعالهم الشعر\".\nتَنبيه\nقوله: (نعالهم الشعر) على ظاهره.\nقال البيهقي: وقد وقع ذلك؛ فإن قومًا من الخوارج قد خرجوا بناحية الري وكانت نعالهم الشعر، وقوتلوا. ذكره السيوطي في \"الخصائص الكبرى\".\nقيل: ويحتمل أن يكون من جلود مشعرة غير مدبوغة، ويحتمل أن المراد: وفور شعرهم حتى يطؤوها بأقدامهم.\nقال المناوي في \"تخريج المصابيح\": وحمر الوجوه: بيض الوجوه مشربة بحمرة، وذلف الأنوف بالذال المعجمة في رواية الجمهور.\n_________\n(١) انظر الصفحة (١١٥).\n(٢) قال الحافظ (٦/ ٦٦): الأحاديث تدل على أن الذين ينتعلون الشعر غير الترك، وقد وقع للإسماعيلي قال: بلغني أن أصحاب بَابِك كانت نعالهم الشعر، وكانوا من الزنادقة؛ استباحوا المحرمات، وقامت لهم الشوكة في أيام المأمون، وغلبوا على كثير من بلاد العجم كطبرستان والري إلى أن قُتِلَ بَابِك في أيام المعتصم، وكان خروجه سنة مئتين وواحد، وقتله سنة مئتين وعشرين هجرية. اهـ مختصرًا (ز).","vol":"1","page":82},{"text":"قال صاحب \"المشارق\": وهو الصواب.\nويروى بالمهملة؛ وهو بضم الدال، وسكون اللام: جمع أدلف؛ كأحمر.\nوَحُمر: معناه: فُطْسُ الأنُوف؛ كما في الرواية الأخرى؛ أي: قصارها مع انبطاح، وقيل: غلظ أرنبة الأنف. قاله النووي.\nوالمَجانَّ؛ بفتح الميم، وتشديد النون: جمع مِجَنٍّ؛ بكسر الميم؛ وهو التُّرس.\nوالمُطْرقة؛ بضم الميم، وسكون الطاء، وحكي: فتح الطاء، وتشديد الراء.\nقال النووي: الأول هو المشهور في الرواية وكتب اللغة، ومعناه: أنَّ وجوههم عريضة؛ كما في الرواية الأخرى، ووجناتهم ناتئةٌ كالتُّرس المطرقة.\nوخوز: ضبطه في \"النهاية\" بالخاء والزاي المعجمتين؛ مُضافًا إلى كرمان.\nقال: وهو جبل معروف، وهو من بلاد الأهواز من عراق العجم، بحيث قيل: إنه صِنْفٌ منهم.\nوكرمان: صقعٌ معروف في العجم.\nقال السخاوي: وهي بلدة معمورة من بلاد العجم بين خراسان وبحر الهند.\nقال في \"النهاية\": ويروى بالراء المهملة؛ وهو من أرض فارس.\nوصوبه الدارقطني قال: وروي خوزًا (١)، وكرمان، وقيل: إذا أضيف فبالراء، وإذا عطف فبالزاي المعجمة.\nوورد: \"اتركوا التُّرك ما تركوكم؛ فإنَّ أوّل من يَسلُبُ أمتي مُلْكَهم بنو قنطوراء. . . .\" الحديث.\nزاد في رواية: \"فإنهم أصحاب بأسٍ شديد، وغنائمهم قليلة\".\n_________\n(١) وبسط القاري (٥/ ١٥٦) في ضبطهما، ثم حكى عن الشارح: المراد صنفان من الترك؛ سماهما باسم أبويهما، ولا نحمله على أهل خوزستان وكرمان؛ لأنهم لم يوجدوا على النعت المذكور في الحديث، بل وجد عليه الترك. اهـ (ز).","vol":"1","page":83},{"text":"قال النووي: هذه الأحاديث كلها معجزة لرسول الله - ﷺ -؛ فقد عُرِفَ هؤلاء الترك بجميع صفاتهم التي ذكرها النبي - ﷺ -، وقاتلهم المسلمون مرات.\nقال السخاوي (١) في \"القناعة\": ومن المرات التي قاتل فيها المسلمون الترك في دولة بني أمية، وكان ما بينهم وبين المسلمين مسدودًا، إلى أن فُتِحَ ذلك شيئا بعد شيء، وكثر السبي منهم؛ لما فيهم من الشدة والبأس، حتى كان أكثر عسكر المعتصم منهم، ثم غلبت الأتراك على المُلْك، فقتلوا ابنه المتوكل، ثم أولاده؛ واحدًا بعد واحد، إلى أن خالط المملكة الديلم.\nثم كانت الملوك السامانية من الترك أيضًا، فملكوا بلاد العجم، ثم غلب على تلك المماليك آل سُبْكتُكِين، ثم آل سلجوق، وامتدت مملكتهم إلى العراق، والشام، والروم.\nوكان بقايا أتباعهم بالشام، وهم آل زِنْكي، وأتباع هؤلاء؛ وهم بيت أيوب، واستكثر هؤلاء أيضًا من الترك فغلبوهم بالديار المصرية، والشامية، والحجازية، وخرج على آل سلجوق في المئة الخامسة الغُزْ، فخربوا البلاد، وفتكوا في العباد.\nثم جاءت الطامة الكبرى بالتتار بعد الست مئة، فكان خروج جنكيز خان، واستعرت الدنيا بهم نارًا، لاسيما المشرق بأسره، حتى لم يبق بلدٌ منه حتى دخله شرهم، ثم كان خراب بغداد، وقتل الخليفة المستعصم على أيديهم، وهو آخر الخلفاء العباسية ببغداد؛ الذي رثاه مصلح الدين السعدي الشيرازي بالقصيدة الفارسية التي مطلعها:\nآسمان راحق بُوَدُ كرون بكَريد برزمين ... برزوال ملك مستعصم أمير المؤمنين\nومعناه: حُقَّ للسماء أن تبكي على الأرض؛ لزوال ملك المستعصم أمير المؤمنين في سنة ست وخمسين وست مئة.\nقال التاج السبكي في \"طبقاته\": لم يكن منذ خلق الله الدنيا فتنةٌ أكبر من فتنةِ\n_________\n(١) ذكره الحافظ في \"الفتح\" (٦/ ٣٩٧) (ز).","vol":"1","page":84},{"text":"التتار؛ فإنهم خربوا المساجد، وحرقوا المصاحف والكتب، وقتلوا الرجال وسبوا النساء، وبقروا بطونهن، فأخرجوا أولادهن وقتلوهم.\nقال السخاوي: ثم لم تزل بقاياهم يخرجون إلى أن كان آخرهم الأمير تيمور الأعرج، فطرق الديار الشامية، وعاث فيها، وحرق دمشق حتى جعلها خاوية على عروشها، ودخل الروم والهند وما بين ذلك، وطالت مدته إلى أن مات، وتفرق بنوه في البلاد.\nوظهر بجميع ذلك مصداق قوله - ﷺ -: \"إنَّ أول من يَسْلُبُ أمتي مُلكها بنو قنطوراء\".\nقال في \"القناعة\": وقنطوراء؛ بالمد والقصر، قيل: كانت جارية لإبراهيم الخليل ﵊، فولدت له أولادًا، فانتشر منهم الترك، حكاه ابن الأثير واستبعده، وجزم به المجد في \"القاموس\". انتهى\nومصداق ما رَوى الخطيب عن عليّ - ﵁ -: تكون مدينة بين الفرات ودجلة، يكون فيها ملك بني العباس؛ وهي الزوراء، تكون فيها حرب مفظعة، تسبى فيها النساء، وتُذبح فيها الرجال؛ كما تذبح الغنم.\nقال: وإسناده شديد الضعف.\nقال الحافظ السيوطي في \"الجامع الكبير\": وقعت هذه الحرب بعد موت الخطيب بأكثر من مئتي سنة، وذلك مما يقوي الحديث.\nوقال ابن مسعود - ﵁ -: كأني بالترك وقد أتتكم على براذين مخرمة الآذان، حتى تربطها بشط الفرات.\nوفي حديث آخر: يُلْحِقُونَ أهل الشام بمنابت الشِّيح؛ كأني أنظر إليهم وقد ربطوا خيولهم بسواري المسجد.\nفائِدَة\nقال السخاوي في \"القناعة\": أسند الحاكم صاحب \"الصحيح\" في \"مستدركه\" إلى محمد بن يحيى أبي بكر الصولي النحوي قال: أول من مدح الترك من شعراء","vol":"1","page":85},{"text":"العرب علي بن عباس الرومي؛ حيث يقول:\nإِذَا ثَبَتُوا فَسَدٌّ مِنْ حَدِيدٍ ... تَخَالُ عُيونَنَا فِيهَا بِحَارَا\nوَإِنْ بَرَزُوا فَنِيرَانٌ تَلَظَّى ... عَلَى الأَعْدَاءِ يضرمها استعارا\nومنها (١): نار الحجاز التي أضاءت أعناق الإبل ببصرى؛ كما أخبر به - ﷺ -:\nروى البخاري، والحاكم في \"المستدرك\": عن أبي هريرة - ﵁ -: \"لا تقوم الساعة حتى تخرج نارٌ من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى\".\nوروى ابن أبي شيبة، وأحمد، والحاكم وصححه: عن أبي ذر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ليت شعري متى تخرج نار من جبل وراق تضيء لها أعناق البخت ببصرى كضوء النهار؟ ! \".\nوروى الطبراني بسنده عن عاصم بن عدي الأنصاري قال: سألَنا رسول الله - ﷺ - حدثان ما قَدِمَ -أي: أول ما قدم المدينة- قال: \"أين حَبْسُ سيل؟ \" قلنا: لا ندري. فمر بي رجل من بني سليم، فقلت: من أين جئت؟ قال: مِنْ حَبْس سيل. فدعوت بنعلي، فانحدرت إلى رسول الله - ﷺ -، فقلت: يا رسول الله؛ سألتنا عن حَبْس سيل، فقلنا: لا علم لنا به، وإنه مر بي هذا الرجل، فسألته، فزعم أنه من أهله. فسأله رسول الله - ﷺ - \"فقال: أين أهلك؟ \" فقال: بحبس سيل. فقال: \"أخرج أهلك؛ فإنه يوشك أن تخرج منها نار تضيء أعناق الإبل ببصرى\".\nوروى هو، وأبو يعلى، والإمام أحمد من رواية رافع بن بشر السُّلمي، عن أبيه -\n_________\n(١) ذكره السيوطي في \"تاريخ الخلفاء\" (ص ٣٢٤)، وحكي عن الذهبي: تواترت الأخبار بذلك، قال: وحكى غير واحد ممن رأى ببصرى أعناق الإبل بها ... إلخ.\nوأيضًا ذكره الحافظ في \"الفتح\" (١٣/ ٦٣). وجعل القاضي عياض هذه النار أيضًا حاشرة، فرد عليه النووي (٢: ٣٩٣) وقال: قد مضى. وبسط الكلام على هذه النار في مبدأ \"وفاء الوفا\" و\"خلاصته\" اهـ (ز).","vol":"1","page":86},{"text":"قال الحافظ الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح، غير رافع، وهو ثقة- قال: \"يُوشِكُ نار تخرج من حبس سيل، تسير سير بطيئة الإبل، تسير النهار، وتقيم الليل ... \" الحديث.\nوفي \"مسند الفردوس\": عن عمر - ﵁ -: \"لا تقوم الساعة حتى يسيل وادٍ من أودية الحجاز بالنار، تضيء أعناق الإبل ببصرى\".\nقال نور الدين السيد علي السمهودي في \"تاريخ المدينة\": وقد ظهرت هذه النار بالمدينة، واشتهرت اشتهارًا بلغ حد التواتر، وتقدمها زلازل مهولة، وأشفق أهل المدينة منها غاية الإشفاق، والتجؤوا إلى النبي - ﷺ -.\nوكان ابتداء الزلزلة بالمدينة مستهل جمادى الآخرة، وآخر جمادى الأولى، سنة أربع وخمسين وست مئة؛ أي: فيكون قبل قتل المستعصم وخراب بغداد بسنتين.\nقال: لكنها كانت خفيفة، واشتدت يوم الثلاثاء، وظهرت ظُهورًا عظيمًا، ثم لما كان ليلة الأربعاء؛ ثالث الشهر، أو رابعه في الثلث الأخير منها حدثت زلزلة عَظِيمة انزعجت القلوب لهيبتها، واستمرت بقية الليل إلى يوم الجمعة، ولها دَويٌّ أعظم من الرعد، فَتمُوجُ الأرض، وتُحَرِّكُ الجُدُرات، حتى وقع في يَومٍ وَاحدٍ دون ليلته ثمان عشرة حركة، فسكنت ضحى يوم الجمعة، ولما كان نصف النهار ظهرت تلك النار، فثار من محل ظُهورها دُخَانٌ متراكم غشي الأفق سواده.\nفلما تراكمت الظلمات، وأقبل الليل سطع شُعَاعُ النار، وظهر بقريظة بطرف الحرة ترى في صفة البلد العظيم، عليها سُورٌ محيط، عليه شراريف وأبراج ومنائر، وترى رجال يقودونها لا تمر على جبلٍ إلا دكته وأذابته، ويخرج من مجموع ذلك مثل النهر أحمر وأزرق، له دويٌّ كدوي الرعد، يأخذ الصخور من بين يديه، وينتهي إلى محط الركب العراقي، واجتمع من ذلك رَدْمٌ صار كالجبل العظيم، وانتهت النار إلى قرب المدينة، ومع ذلك، فكان يأتي المدينة نَسِيمٌ بَارِدٌ، وشوهد لهذه النار غليانٌ؛ كغليان البحر.\nوقال بعض أصحابنا: رأيتها صاعدة في الهواء من نحو خمسة أيام، وسمعت أنها رُؤيَت من مكة، ومن جبال بصرى.","vol":"1","page":87},{"text":"وقال القاضي سنان: وطلعت إلى الأمير -أي: أمير المدينة- وكان عز الدين منيف، وقلت له: قد أحاط بنا العذاب، فارجع إلى الله تعالى.\nقال: فأعتق كل مماليكه، ورد على الناس مظالمهم، وأبطل المكس، ثم هبط الأمير إلى النبي - ﷺ -، وبات في المسجد ليلة السبت، ومعه جميع أهل المدينة، حتى النساء والصغار، وحتى أهل النخيل، وباتوا يَتَضرعُون ويبكون، وأحاطوا بالحجرة الشريفة، كاشفين رؤوسهم، مقرين بذنوبهم، مستجيرين بنبيهم، فصرف الله عنهم تلك النار العظيمة ذات الشمال، فسارت من مخرجها وسارت ببحر عظيم من النار، وأخذت في وادي أُحْيليين، وأهل المدينة يشاهدونها من دورهم؛ كأنها عندهم، واستمرت مدة ثلاثة أشهر.\nقال المطري: وكانت تُذِيبُ الحجر، ولا تَحرقُ الشجر.\nوذكر القسطلاني: أن هذه النار لم تزل مارةً على سبيلها حتى اتصلت بالحرة ووادي الشظاة، وهي تسحق ما والاها، وتُذِيبُ ما لاقاها من الشجر الأخضر والحصى؛ من قوة الحر، وأن طرفها الشرقي آخذ بين الجبال، فحالت دونها فوقفت، وأن طرفها الغربي -وهو الذي يلي الحرم- اتصل بجبل يقال له: وعيرة؛ على قرب من شرقي جبل أُحُد، ومضت في الشظاة التي في طرفه وادي حمزة، ثم استمرت حتى استقرت تجاه حرم النبي - ﷺ -، فَطُفِئت.\nقال: وأخبرني من أعتمد عليه أنه عاين حجرًا ضخمًا من حجارة الحرة كان بعضه خارجًا عن حد الحرم، فعلقت بما خرج منه، فلما وصلت إلى ما دخل منه في الحرم طفئت، وخمدت.\nقال: وهذا أولى بالاعتماد من كلام المطري أنها كانت تحرق الحجر دون الشجر، وأن رجُلًا مد إليها نبلًا فأحرقت النصل ولم تحرق الخشب. فإن المطري لم يُدرك هذه النار.\nوقال المؤرخون: واستمرت هذه النار مدة ظهورها تأكل الأحجار والجبال، وتسير سيرًا ذريعا في وادٍ يكون مقداره أربعة فراسخ، وعرضه أربعة أميال، وعمقه","vol":"1","page":88},{"text":"قامتان ونصف، وهي تجري على وجه الأرض، والصخر يَذُوبُ حتى يبقى مثل الآنك، فإذا خمد اسود بعد أن كان أحمر.\nولم يزل يجتمع من هذه النار الحجارة المذابة في آخر الوادي عند منتهى الحرة حتى قطعت في وسط وادي الشظاة إلى جهة جبل وعيرة، فسدت الوادي المذكور بسدٍّ عَظيمٍ من الحجر المسبوك ولا كسدِّ ذي القرنين؛ يُعْجَزُ عن وصفه، ولا مسلك لإنسان فيه ولا دابة.\nوقال العماد بن كثير: أخبرني القاضي صدر الدين الحنفي قال: أخبرني والدي صفي الدين؛ مدرس مدرسة بُصرى، أنه أخبره غير واحد من الأعراب ممن كان بحاضرة بلدة بُصرى: أنهم رأوا صفحات أعناق إبلهم في ضوء تلك النار مصداق قوله - ﷺ -.\nوقد كان إقبال هذه النار من جهة شرق المدينة في جهة طريق السوارقية، وهناك حَبْسُ سيل؛ فإنه بين حرة بني سُلَيم، والسوارقية.\nوبعد انطفاء النار في هذه السنة احترق مسجد النبي - ﷺ -، وزادت دجلة زيادةً عظيمةً، فغرق أكثر بغداد، وتهدمت دار الوزير، وكان ذلك إنذارًا لهم.\nوفي السنة التي تلي هذه السنة وقعت الطَّامةُ الكبرى (١)؛ وهي أخذ التتار لبغداد، وقتل الخليفة المستعصم، وبذل السيف ببغداد نَيفًا وثلاثين يومًا، وأُخرجت الكتب فألقيت تحت أرجل الدواب، وشوهد بالمدرسة النظامية معالف الدواب مبنية بالكتب موضع اللَّبِنْ، وخلت بغداد من أهلها، واستولى عليها الحريق، واحترقت دار الخلافة، وعم الحريق أكثر الأماكن حتى القصور البرانية وتربة الرِّصَافة مدفن ولاة الخلافة. ورُئِيَ على بعض حيطانها مكتوبًا شعر:\nإِنْ تُرِدْ عِبْرَةً فَهذِي بَنُو الْعَبَّـ ... ـاسِ دَارَتْ عَلَيْهِمُ الدَّائِرَاتُ\nاُسْتُبِيحَ الْحَرِيمُ إِذْ قُتِلَ الأَحْـ ... ـيَاءُ مِنْهُمْ وَأُحْرِقَ الأَمْوَاتُ\n_________\n(١) ذكر السيوطي في \"تاريخ الخلفاء\" (ص ٣٢٤) فتنة التتار في سنة (٦٥٥ هـ). (ز).","vol":"1","page":89},{"text":"وقال بعضهم شعرًا:\nسُبْحَانَ مَنْ أَصْبَحَتْ مَشِيئَتُهُ ... جَارِيَة فِي الْوَرَى بِمِقْدَارِ\nفِي سَنَةٍ أَغْرَقَ الْعِرَاقَ وَقَدْ ... أَحْرَقَ أَرْضَ الْحِجَازِ بِالنَّارِ\nثم كثر الموت والفناء ببغداد، وطُوي بِسَاطُ الخلافة منها، فلله الأمر من قبل ومن بعد، يعز من يشاء ويذل من يشاء. هذا ملخص \"تاريخ السمهودي\".\nوهذه النار غير النار التي تَخْرُج آخر الزمان تحشر الناس إلى محشرهم، تبيت معهم وتقيل، وستأتي في القسم الثالث إن شاء الله تعالى.\nومنها: ظهور الرفض، واستبداد الرافضة بالملك، وإظهار الطعن واللعن على جَنابِ الصحابة الكرام:\nوهذا أعظم الفتن، وأشد المِحَن، وموت السُّنن.\nفقد روى الدارقطني عن فضيل بن مرزوق، عن أبي الحجاف داود بن أبي عوف، عن محمد بن عمرو بن الحسين، عن زينب -يعني: بنت عليّ بن أبي طالب-، عن فاطمة بنت رسول الله - ﷺ -؛ أنه - ﷺ - قال لعلي: \"يا أبا الحسن؛ أما إنك وشيعَتك في الجنة، وإن قومًا يزعمون أنهم يحبونك يُصَغِّرُون الإسلام، ثم يرفضونه ويلفظونه، يمرقون منه كما يَمْرقُ السهم من الرمية، لهم نُبَزُ، يقال لهم: الرافضة، فإن أدركتهم فقاتلهم؛ فإنهم مشركون\".\nوأخرجه من طريق أبي الحجاف، عن أبي جعفر الباقر، عن فاطمة الصغرى، عن فاطمة الكبرى، عن النبي - ﷺ -، به.\nثم قال الدراقطني: ولهذا الحديث عندنا طُرقٌ كثيرة كتبناها في \"مسند فاطمة ﵂\"، وتقصيناها هناك.\nثم أخرج عن أم سلمة ﵂ نحوه، وزادت في آخره: \"قالوا: يا رسول الله؛ ما العلامة فيهم؟ قال: لا يشهدون جُمعة ولا جماعة، ويطعنون على السلف الأول\".","vol":"1","page":90},{"text":"وروى الطبراني، وأبو نُعيم في \"الحلية\"، والخطيب البغدادي، وابن الجوزي -وفي سنده محمد بن جحادة \"ثقة غالٍ في التشيع، روى له الشيخان-، ورواه ابن أبي عاصم في \"السُّنّة\"، وابن شاهين، وابن بشران، والحاكم في \"الكنى\"، وخيثمة بن سليمان الطرابلسي في \"فضائل الصحابة\"، واللالكائيُّ في \"السُّنّة\"؛ كلهم عن علي كرم الله وجهه قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: \"أنت وشيعتك في الجنة، وسيأتي قوم لهم نَبزٌ -أي: لقب- يقال لهم: الرافضة، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإنهم مشركون\".\nزاد ابن أبي عاصم، وابن شاهين في روايتهما: \"قلت: يا رسول الله؛ ما العلامة فيهم؟ قال: يُقَرِّظُونك -أي: يمدحونك- بما ليس فيك، ويطعنون على أصحابي ويشتمونهم\".\nوفي رواية ابن بشران، والحاكم: \"ينتحلون حُبّكَ، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم\".\nوفي رواية خيثمة، واللالكائي به: قال علي - ﵁ -: سيكون بعدنا قوم ينتحلون مودتنا تكون علينا مارقة، وآية ذلك أنهم يَسُبون أبا بكر وعمر.\nوفي لفظ اللالكائي: لهم نبز، يسمون: الرافضة، يعرفون به، ينتحلون شيعتنا وليسوا من شيعتنا، وآية ذلك أنهم يشتمون أبا بكر وعمر.\nوروى أحمد، وأبو يعلى، والطبراني، عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: \"يكون في آخر الزمان قوم يسمون الرافضة، يرفضون الإسلام، فإذا رأيتموهم فاقتلوهم؛ فإنهم مشركون\".\nولفظ الطبراني بإسنادٍ حَسنٍ عنه: كنت عند النبي - ﷺ - وعنده علي، فقال - ﷺ -: \"سيكون في أمتي قوم ينتحلون حُبَّ أهل البيت، لهم نبز يسمون الرافضة، فاقتلوهم فإنهم مشركون\".\nوأخرج أيضًا من طُرقٍ من طريق أهل البيت، عن علي - ﵁ -؛ مرفوعًا: \"يظهر في أمتي آخر الزمان قوم يسمون الرافضة، يرفضون الإسلام\".","vol":"1","page":91},{"text":"وروى خشيش، وابن أبي عاصم، والأصبهاني، عنه كرم الله وجهه قال: يهلك فينا أهل البيت فريقان: مُحبٌّ مُفرط، وباهِتٌ مُفترٍ.\nوفي لفظ: يهلك فِيَّ رجلان مُحبٌّ مُفرط؛ يقرظني بما ليس فيّ، ومُبغضٌ مُفرط؛ يحمله شنآني على أن يبهتني. ورواه أحمد في \"مسنده\" بهذا اللفظ.\nوفي رواية: يحبني قَومٌ حتى يدخلهم حبي النار، ويبغضني قوم حتى يدخلهم بغضي النار. وفي رواية: اللهم؛ العَن كل مبغض لنا، وكل محب لنا غالٍ.\nوفي لفظ: يقتل في آخر الزمان كل من على رأي عليّ وحسن.\nوفي لفظ: كل من على رأي حسن وأبي حسن، وذلك إذا أفرطوا فيَّ؛ كما أفرطت النصارى في عيسى ابن مريم، فانثالوا على ولدي فأطاعوهم طلبًا للدنيا.\nوأخرج محمد بن سوقة، عنه كرّم الله وجهه قال: تفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، شرها من ينتحل حُبنا ويفارق أمرنا.\nوصح أن من أشراط الساعة: أن يلعن آخر هذه الأمة أولها.\nومن فتن هذه الطائفة: أنهم قتلوا العلماء بأكثر البلاد، بل ونبشوا قبورهم، واستهانوا بكثير من مشاهد هذه الأمة، حين استولوا على بغداد، ولار، وشيراز، وغيرها.\nوناهيك أن شيراز كان دار العلم والسُّنّة، والآن صار معدن الرفض، وحصر هؤلاء العبادة والدين في السبِّ، وضموا إلى الصحابة السلف الصالح وأئمة المذاهب؛ فلم يتركوا أحدًا من أهل السُّنّة والجماعة حيًا وميتًا إلا وسبوه على المنابر والمنائر، ويدعون أنهم شِيعةُ عليّ - ﵁ -، وينتحلون حُبَّ أهل البيت، وليسوا من ذلك في شيء؛ فإن من علامة المُحِب الاقتداء بمن يُحبه، وأدنى صفاته كرّم الله وجهه: الزهد في الدنيا، وعدم شق عصا الإسلام.\nوعن موسى بن علي بن الحسين بن علي ﵃ وكان فاضلًا، عن أبيه، عن جده قال: إنما شيعتنا من أطاع الله تعالى وعمل مثل أعمالنا.","vol":"1","page":92},{"text":"وقد ورد غير ما حديث في مدح شيعته، وأنهم يدخلون الجنة معه، منها ما مر.\nومنها: ما رواه الإمام علي بن موسى الرضا، عن آبائه، عن علي - ﵁ -؛ أن رسول الله - ﷺ - قال له: \"أنت وشيعتك تردون عليَّ الحوض رواء مرويين مبيضة وجوهكم، وإن عدوكم يردون عليّ الحوض ظماء مقمحين\" أخرجه الطبراني في \"الكبير\" بسندٍ ضعيف.\nوما رواه الحافظ جمال الدين الزرندي، عن ابن عباس ﵄؛ لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ قال النبي - ﷺ -: \"هو أنت وشيعتك؛ تأتون يوم القيامة راضين مرضيين، ويأتي عدوك غِضَابًا مقمحين، فقال: ومن عدوي؟ قال: من تبرأ منك ولعنك\".\nفقد بيّن - ﷺ - عدوه، وأن من لم يفعل ذلك فهو من شيعته لا من عدوه، وقد بيّن عليٌّ كرم الله وجهه صِفات شيعته وعلاماتهم حتى لا يلتبس بهم مُدَّعٍ.\nفقد روى الدينوري، وابن عساكر عن المدائني، قال: نظر علي بن أبي طالب إلى قوم ببابه، فقال لقنبر: يا قنبر من هؤلاء؟ قال: هؤلاء شيعتك. قال: وما لي لا أرى فيهم سيما الشيعة؟ قال: وما سيما الشيعة؟ قال: خُمصُ البطون من الطوى، يُبسُ الشفاه من الظمأ، عُمشُ العُيون من البكاءِ.\nوقد صح عنه كرّم الله وجهه، قوله: لا يجتمع حبي وبُغْضُ أبي بكر وعمر ﵄ في قلب مؤمن.\nوروى صاحب \"المطالب العالية\": عن نوف البكالي، أن أمير المؤمنين عليًا كرّم الله وجهه خرج يَؤُمُّ المسجد وقد أقبل إليه جندب بن نصير، والربيع بن خثيم، وابن أخيه همام بن عباد بن خثيم، وكان من أصحاب البرانس المتعبدين، فأفضى عليّ وهم معه إلى نَفَرٍ، فأسرعوا إليه قيامًا وسلموا عليه، فرد التحية، ثم قال: من القوم؟ فقالوا: أناسٌ من شيعتك يا أمير المؤمنين. فقال لهم خيرًا، ثم قال: يا هؤلاء؛ ما لي لا أرى فيكم سمة شيعتنا، وحلية أحبتنا؟ ! فأمسك القوم حَياءً، فأقبل عليه جُنْدُب والربيع، فقالا له: ما سمة شيعتكم يا أمير المؤمنين؟ فسكت،","vol":"1","page":93},{"text":"فقال همام -وكان عَابدًا مُجتهدًا-: أسألك بالذي أكرمكم أهل البيت، وخصكم وحباكم لما أنبأتنا بصفة شيعتكم. قال: فسأنبئكم جميعًا. ووضع يده على مَنْكِب همام وقال: شيعتنا هم العارفون بالله، العاملون بأمر الله، أهل الفضائل، الناطقون بالصواب، مأكولهم القوت، وملبوسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع، نجعوا الله بطاعته، وخضعوا إليه بعبادته، مضوا غاضين أبصارهم عما حرّم الله عليهم، موقفين أسماعهم على العلم بدينهم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالذي نزلت منهم في الرخاء؛ رضاءً عن الله بالقضاء، فلولا الآجال التي كتب الله تعالى لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين؛ شوقًا إلى لقاء الله تعالى والثواب، وخوفًا من أليم العقاب، عَظُمَ الخالق في أنفسهم، وصغر ما دونه في أعينهم، فهم والجنة كمن رآها، فهم على أَرائِكِهَا متكئون، وهم والنار كمن رآها، فهم فيها يعذبون، صبروا أيامًا قليلة، فأعقبهم راحةً طويلة، أرادتهم الدنيا فلم يُرِيدُوها، وطلبتهم فأعجزوها.\nأما الليل: فصافُّون أقدامهم، تالون لأجزاء القرآن ترتيلًا، يعظون أنفسهم بأمثاله، ويستشفون لدائهم بدوائه تارة، وتارة مفترشون جباههم وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم، تجري دموعهم على خدودهم، يمجدون جبارًا عظيمًا، ويَجْأرُون إليه في فكاك رقابهم. هذا ليلهم.\nفأما نهارهم: فحكماء علماء، بررةٌ أتقياء، براهم خوف بارئهم؛ فهم تحسبهم مرضى أو قد خولطوا وما هم بذلك، بل خامرهم من عظمة ربهم وشدة سلطانه ما طاشت له قلوبهم، وذهلت منه عقولهم، فإذا استفاقوا من ذلك بادروا إلى الله تعالى بالأعمال الزكية، لا يرضون له بالقليل، ولا يستكثرون له الجزيل، فهم لأنفسهم متهمون، ومن أعمالهم مشفقون، ترى لأحدهم قوة في دين، وحزمًا في لين، وإيمانًا في يقين، وحرصًا على علم، وفهمًا في فقه، وعلمًا في حلم، وكيسًا في قصد، وقصدًا في غناء، وتَجمُّلًا في فاقة، وصبرًا في شدة، وخُشوعًا في عبادة، ورحمة لمجهود، وإعطاءً في حق، ورفقًا في كسب، وطلبًا في حلال، ونشاطا في هدىً، وإعتصامًا في شهوة، لا يضرُّه ما جهله، ولا يدع إحصاء ما عمله، يستبطئ نفسه في العمل، وهو من صالح عمله على وَجل، يُصبح وشُغله الذِّكرُ، ويمسي","vol":"1","page":94},{"text":"وهمه الشُّكْرُ، يَبيتُ حَذِرًا من سِنَة الغفلة، ويصبح فرحًا بما أصاب من الفضل والرحمة، رغبته فيما يبقى، وزهادته فيما يفنى، وقد قرن العلم بالعمل، والحلم بالعلم، دائمًا نشاطه، بعيدًا كسله، قريبًا أمله، قليلًا زلله، متوقعًا أجله، خاشعًا قلبه، ذاكرًا ربه، قانعة نفسه، مُحرزًا دينه، كَاظِمًا غيظه، آمنًا منه جاره، سهلًا أمره، معدومًا كبره، بيِّنًا صبره، كثيرًا ذكره، لا يعمل شيئًا من الخير رياءً، ولا يتركه حياءً.\nأولئك شيعتنا وأحبتنا، ومنا ومعنا، ألا ما أشوقنا إليهم! .\nفصاح همام صيحةً فوقع مغشيًا عليه، فحركوه فإذا هو قد فارق الدنيا، فغُسِل وصَلى عليه أمير المؤمنين ومن معه ﵀.\nفهؤلاء هم شيعته، لا من لا يَعْلَمُ من دينه إلا حلق اللحية أو قصها، وتعمير القدرة بالتنباك ومصها، وسبَّ الشيخين وبغضهما، ورفع النَّصير المُنَجّم وخفضهما، والطعن على الصحابة والصدر الأول، والتمسك بأكاذيب ما عليها معول، ونسبة أُم المؤمنين الصديقة عائشة ﵂ المبرأة في بِضْعِ عشرة آية من القرآن إلى الفاحشة.\nولنِعْمَ ما قال زين العابدين علي بن الحسين السجاد - ﵁ - لجماعة نالوا من الصحابة عنده: هل أنتم من المهاجرين ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا. . .﴾ الآية؟، قالوا: لا.\nقال: هل أنتم من ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ. . .﴾ الآية؟، قالوا: لا. قال: فأنا أشهد بين يدي الله يوم القيامة أنكم لستم من الذين جاؤوا من بعدهم يقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾، فمن أنتم؟ !\nنسأل الله العفو والعافية في الدارين، ونعوذ به من الخذلان والمكر والاستدراج، ومن يضلل الله فما له من هاد.","vol":"1","page":95},{"text":"ومنها: خروج (١) دَجّالين كَذّابين كلهم يَدّعي أنه رسول الله؛ كما أخبر به - ﷺ -:\nفقد روى أبو داود، والترمذي، وصححه ابن حِبّان، وهو طرفٌ من حديث أخرجه مسلم عن ثوبان؛ أنه - ﷺ - قال: \"سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي\".\nوفي رواية البخاري: \"لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، دعواهما واحدة، وحتى يبعث دجالون قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله\".\nولأحمد، وأبي يعلى من حديث عبد الله بن عمر ﵄: \"وبين يدي الساعة ثلاثون دجالًا كذابًا\".\nوفي حديث علي - ﵁ - عند أحمد نحوه، وفي حديث ابن مسعود - ﵁ - عند الطبراني نحوه.\nوفي حديث سمرة - ﵁ -: \"لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابًا، آخرهم الأعور الدجال\" أخرجه أحمد، والطبراني، وأصله عند الترمذي وصححه.\nوفي حديث ابن الزبير ﵄: \"إن بين يدي الساعة ثلاثين كذابًا؛ منهم الأسود العَنَسي صاحب صنعاء، وصاحب اليمامة\" يعني: مُسَيلمة.\nوفي حديث عبد الله بن عمر ﵄: \"وثلاثون كذابًا أو أكثر، قلت: ما آيتهم؟ قال: يأتونكم بسُنّة لم تكونوا عليها، يغيرون سُنتكم، فإذا رأيتموهم فاجتنبوهم\".\n_________\n(١) قال الحافظ (٦/ ٤٠٢): ليس المراد من ادعى النبوة مطلقًا؛ فإنهم لا يحصون كثرة؛ لكون غالبهم ينشأ لهم ذلك عن جنون أو سوداء، وإنما المراد من قامت له شوكة، وبدت له شبهة. اهـ\nقلت: وسيأتي ذكر بعضهم (ص ٢٢٧).\nوذكر صاحب رسالة: \"شهادة آسماني في الرد على القادياني\" بعضهم؛ منهم: طريف أبو صبيح، وولده صالح بن طريف، وعبيد الله صاحب إفريقيا، والسيد محمد الجونفوري، وذكر تراجم بعض هؤلاء مفصلًا في رسالته الأخرى المسماة: \"معيار المسيح\"، ورسالته الأخرى المسمّاة: \"فيصل آسماني\" الجزء الثاني. (ز).","vol":"1","page":96},{"text":"وفي رواية عبد الله بن عمرو ﵄ عند الطبراني: \"لا تقوم الساعة حتى يخرج سبعون كذابًا\".\nونحوه عند أبي يعلى من حديث أنس - ﵁ -.\nقال الحافظ ابن حجر: وسندهما ضعيف.\nوهو إن ثبت؛ محمولٌ على المبالغة لا على التحديد.\nوأما التحديد: ففيما أخرجه أحمد عن حذيفة - ﵁ - بسندٍ جيد: \"سيكون في أمتي كذابون دجالون سبعة وعشرون، منهم أربع نسوة، وأنا خاتم النبيين؛ لا نبي بعدي\". وهذا يَدُل على أن رواية الثلاثين بالجزم على طريق جبر الكسر، ويُؤيده حديث البخاري المار قريب من ثلاثين.\nقال: ويحتمل أن يكون ما ذكره من الثلاثين أو نحوها يدَّعون النبوة، ومن زاد عليهم كما في رواية (أو أكثر)، ورواية (سبعون) يكون كذابًا فقط، لكن يدعون إلى الضلال؛ كغُلاة الرافضة والباطنية، والحلولية وسائر الفرق الدعاة إلى ما يُعلَمُ بالضرورة أنه خلاف ما جاء به سيدنا محمد - ﷺ -.\nقال: ويُؤيده أن في حديث علي - ﵁ - عند أحمد: فقال علي لعبد الله بن الكَوّاء: وإنك لمنهم.\nوابن الكواء لم يدع النبوة، وإنما كان يَغْلُو في الرفض. انتهى\nقُلْتُ: ويؤيده أيضًا ما في حديث ابن عمر ﵄ المار: \"قلت: وما آيتهم؟ قال: يأتونكم بسُنّة لم تكونوا عليها. . .\" إلخ.\nوقد كان منهم الأسود العنسي صاحب صنعاء، ومُسيلمة الكذاب صاحب اليمامة؛ كما أخبر به - ﷺ -، وقد مر آنفًا في حديث ابن الزبير.\nوكان من خبرهما؛ كما ذكره البقاعي في \"اللامعة المنيرة\": أن النبي - ﷺ - لما رجع من حَجّة الوداع حصل له مرضٌ عوفي منه، ثم مَرِض عن قريب مرض الموت، فطارت الأخبار في ذلك المرض الأول بأنه - ﷺ - قد اشتكى، فادعى الكذابان ما ادعيا، وفعلا من الشر ما فعلاه. فبلغ النبي - صلى الله عليه","vol":"1","page":97},{"text":"وسلم - خبرهما وهو مَريضٌ بعد ما حزّب بعث أسامة - ﵁ -.\nفخرج - ﷺ - عَاصبًا رأسه، فقال: \"إني رأيتُ في يَديّ سوارين من ذهب، فكرهتهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما؛ صاحب اليمن، وصاحب اليمامة\".\nفارتد الأسود العنسي في مذحج، وكان صاحب شعبذة يظهر بها عجائب، وله شيطانان يخبرانه بغالب أسرار الناس، يقال لأحدهما: سحيق، وللآخر شفيق، وله مَنْطِقٌ حُلو، فغلب على اليمن في ناحية صنعاء، وهرب منها أمراؤه - ﷺ -. وكان يقال له: ذو الخمار؛ لأنه لا يزال مُتَبرقعًا مُعتمًا، وقيل: ذو الحمار بالمهملة؛ لأنه كان له حِمارٌ مُعلَّم، يقال له: اسجد لربك فيسجد، ويقال له: ابرك فيبرك.\nولما سمع أهل نجران خبر الأسود أرسلوا إليه فدعوه إلى بلادهم، فجاءهم، فتبعوه وارتدوا عن الإسلام، ثم أخذ منهم ست مئة وسار بهم إلى صنعاء فغلب عليها، ونزل غمدان واستنزل الأبناء.\nوأما مُسيلمة الكذاب فخرج في بني حنيفة، ونازعه قومه، فقال: إني أُشرِكتُ في الأمر، وجعل يَسجَعُ لهم بما يضاهي القرآن بزعمه، فاستخفهم بذلك.\nفلما مالوا إليه أسقط عنهم الصلاة، وأحل لهم الخمر والزنا، ونحو ذلك، وكثر أتباعه.\nوكتب النبي - ﷺ - إلى الأبناء في أمر الأسود، وكانوا قد ثبتوا على الإسلام، فقتله فيروز الديلمي غِيلةً بمواطأة زوجته المرزبانة، وكان قد قهرها على نكاحها، وكانت من الخَيِّرات، ومن عظماء أهل فارس، ونادوا بالأذان عند الصباح، فقالوا: نشهد أن الأسود كذاب، وشنوها غارة، فتراجع أصحاب النبي - ﷺ -، وتفرق أصحابه، فقتلوا منهم خَلقًا، وَجاءَ النبي - ﷺ - خَبرُ السماء بذلك، فأخبر الناس به قبل موته بيوم أو بليلة، وقيل بخمسة أيام.\nثم وصل الكتاب بذلك بعد موته - ﷺ - بعشرة أيام، وكانت مُدة الأسود أربعة أشهر.","vol":"1","page":98},{"text":"وأما مُسيلمة فغزاه خالد بأمر أبي بكر ﵄، وقتل منهم خَلقًا كثيرًا، وصالح بقيتهم على ربع الخيل والسلاح، وقُتِلَ من الصحابة ﵃ خَلقٌ كثير من قُراءِ القرآن، وكان ذلك سبب جمع أبي بكر - ﵁ - القرآن في المصحف.\nوكذا ابن الصياد إن قُلنا إنه ليس الدجال الكبير؛ كما هو ظاهر حديث الجساسة التي رآها تميم الداري، وهو الذي رجحه الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\"، وسيأتي تحقيقه.\nوخرج في زمن أبي بكر - ﵁ - طليحة بن خويلد الأسدي في بني أسد بناحية خيبر، وآزرهم غطفان، وادعى النبوة، ثم تاب ورجع إلى الإسلام. كذا قال في \"فتح الباري\".\nلكن عند ابن عساكر من طُرق أنه خرج في عهد النبي - ﷺ -، فوجه إليه النبي - ﷺ - ضِرار بن الأزور، فأشجوا طليحة وأخافوه، ثم جاءهم موت النبي - ﷺ -، فَارفَضّ الناس إلى طليحة، واستطار أمره، فلم يقدروا عليه حتى غزاه خالد بأمر أبي بكر ﵄، فهزمه خالد، فهرب منه إلى الشام إلى ملوك غسان، ثم رجع إلى الإسلام وحسن إسلامه، فعلى هذا نسبة خروجه إلى زمان أبي بكر - ﵁ -؛ لاستطارة أمره فيه.\nوتنبأت أيضًا سجاح بنت سويد بن يربوع في فرسان تغلب، واتفقت تميم كُلها على نصرها، وفيهم رؤساء الناس؛ كالأحنف بن قيس، وحارثة بن بدر ونظرائهما، وفيها يقول عطارد بن حاجب:\nأَضْحَتْ نَبِيَّتُنَا أُنْثَى نَطِيفُ بِهَا ... وَأَصْبَحَتْ أَنْبِيَاءُ النَّاسِ ذُكْرَانَا\nفركبت على ذياب، وقتلت فيهم قتلًا ذريعًا، ثم قصدت اليمامة، فلما سمع مُسيلمة ضاق ذرعًا وتحصن، فأحاطت جيوشها به، فاستشار وجوه قومه، فقالوا: الرأي أن تُسلم الأمر إليها وتنجو بنفسك. فقال: سأنظر في أمري.\nثم أرسل إليها يقول: أما بعد فإنه أُنزِلَ عليك وَحيٌّ وعليَّ وَحيٌّ، فهلم نتدارس ما أُنزلَ علينا، فمن غلب صاحبه اتبعه الآخر. فأجابته إلى ما طلب، فضرب لها قُبة","vol":"1","page":99},{"text":"من أدمٍ، وأمر بالعود المندلي فأحرق، وقال: كثروا لها الطيب؛ فإن المرأة إذا شمت الطيب تذكرت الباه، فانتهت إلى القبة، وسألته عما أنزل عليه، فقال: ألم تر إلى ربك كيف فعل بالحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشى، وأمات وأحيى، وإلى الله المنتهى.\nقالت: ثم ماذا؟ قال: ألم تر أن الله خلقنا أفواجًا، وجعل النساء لنا أزواجًا، نُولج فيهن إيلاجًا، ونخرج منهن إذا شئنا إخراجًا. فضحكت، فأنشأ يقول:\nأَلاَ قُومِي إِلَى الْمِخْدَعْ ... فَقَدْ هُيِّئْ لَكِ الْمَضْجَعْ\nفَإِنْ شِئْتِ فَرَشْنَاكِ ... وَإِنْ شِئْتِ عَلَى أَرْبَعْ\nوَإِنْ شِئْتِ بِثُلْثَيْهِ ... وَإِنْ شِئْتِ بِهِ أَجْمَعْ\nقالت: بل به أجمع، قال: كذلك أُمرت. وواقعها.\nفلما قام عنها قالت: إن مثلي لا تُنْكح هكذا؛ فإنه وصمةٌ على قومي، ولكني مُسلمةٌ إليك النبوة، فإذا سلمتها إليك فاخطبني إلى أوليائي، ففعلت، واتبعته، فتزوجها، وسألوه عن المهر، قال: قد وضعتُ عنكم صلاة العصر.\nقال الرُّشَاطي: فبنو تميم إلى الآن بالرملة لا يصلون صلاة العصر، ويقولون: مَهْرُ كريمة لنا لا نرده.\nوفي ذلك قول الشاعر:\nإِنَّ سَجَاحِ لَاقَتِ الْكَذَّابَا ... بنِيَّةٍ فَحَلَّتِ الْكِتَابَا\nوَجَعَلَتْ كُتبهَا قِرَابَا ... أَوْقَبَ فِيهِ أَيْرَهُ إِيْقَابَا\nثم رجعت إلى الإسلام في زمن معاوية - ﵁ -، وحسن إسلامها.\nوخرج المختار في زمن ابن الزبير وعبد الملك؛ فإنه كان يدعي أنه يُوحى إليه، ويكتب في مكاتيبه: \"من المختار رسول الله\". وحكاياته، ووقائعه، وفتنته كثيرة شهيرة.\nعن عدي بن خالد؛ أنه - ﷺ - قال: \"أحذركم الدجالين الثلاثة\". قيل يا رسول الله؛ قد أخبرتنا عن الدجال الأعور، وعن أكذب الكذابين، فمن","vol":"1","page":100},{"text":"الثالث؟ قال: \"رجلٌ من قوم أولهم مثبور، وآخرهم مثبور، عليهم اللعنة دائبة في فتنة يقال لها: الجارفة، وهو الدجال الأكلس، يأكل عباد الله بآل محمد، وهو أبعد الناس من سنته\" رواه ابن خزيمة، والحاكم، والطبراني.\nوعن أسماء ﵂: \"يخرج من ثقيف ثلاثة: الذيال، والكذاب، والمبير\" رواه نُعيم بن حماد.\nوفي رواية: \"يخرج من ثقيف كذاب ومبير\".\nقالوا: الكذاب هو مختار بن أبي عبيد، والمُبِير هو الحجاج بن يوسف الثقفيان. وخرج المتنبي الشاعر المشهور، ثم تاب.\nوخرج جماعة في زمن بني العباس منهم في أيام المعتمد: قائد فتنة الزنج بهبود لعنه الله، الذي أفسد في العراق، وأهان آل الرسول - ﷺ -، وستأتي الإشارة إلى أحواله في أواخر هذا الباب.\nكان يدعي أنه أُرسل إلى الخلق فرد الرسالة، وأنه مُطلعٌ على المغيبات.\nوفي خلافة المكتفي: خرج يحيى بن زكرويه القَرمَطي، ثم بعده أخوه الحسين، وأظهر شامةً في وجهه، وزعم أنها آيته، وجاء ابن عمه عيسى بن مهرويه، وزعم أن لقبه المدثر، وأنه المعني في السورة، ولَقّب غُلامًا له: المطوَّق بالنور، فظهر على الشام، وعاث وأفسد، ودعا له الناس على المنابر، ثم قُتِلَ إلى لعنة الله تعالى.\nوخرج في خلافة المقتدر: أبو طاهر القَرمَطي الذي قلع الحجر الأسود.\nوكان يقول:\nأَنَا بِاللهِ وَبِاللهِ أَنَا ... يَخْلُقُ الْخَلْقَ وَأَفْنِيهِمْ أَنَا\nوستأتي الإشارة إلى فتنته.\nوفي خلافة الراضي: ظهر محمد بن علي الشلمغاني؛ المعروف بابن أبي العراق، وقد شاع عنه أنه يدعي الإلهية، وأنه يحيي الموتى، فقتل وصلب، وقتل معه جماعة من أصحابه.","vol":"1","page":101},{"text":"وظهر في خلافة المطيع: قوم من التناسخية، فيهم شابٌّ يَزعُمُ أن روح علي - ﵁ - انتقلت إليه، وامرأته تزعم أن روح فاطمة ﵂ انتقلت إليها، وآخر يدعي أنه جبريل ﵇، فضربوا، فتعزوا بالانتماء إلى أهل البيت، فأمر معز الدولة بإطلاقهم.\nوفي خلافة المستظهر في سنة تسع وتسعين وأربع مئة: ظهر رَجلٌ بنواحي نهاوند، وادعى النبوة وتبعه خلق، فَأُخِذَ وقُتِل.\nوخرج جماعة آخرون بالمغرب وغيرها، في الرجال والنساء.\nفمنهم: رَجلٌ تسمى بـ (لا)، وحَرَّفَ الحديث المشهور: \"لا نبي بعدي\"، فجعله إخبارًا منه - ﷺ - بأن (لا)؛ أي: صاحب هذا الاسم نبي بعدي، ويقول: إنّ \"لا\" في الحديث مبتدأ، ونبي خبره.\nومنهم: الفزاري الساحر الذي بمالقة، وأُخرج بسببه أبو جعفر بن الزبير إلى غرناطة، ثم اتفق قدوم الفزاري رسولًا من أميرها إلى غرناطة، فسعى أبو جعفر المذكور في قتله، فقتلوه.\nومنهم امرأة ادعت النبوة، فذكروا لها الحديث، فقالت: إنما قال: \"لا نبي\"، ولم يقل: لا نبية ... إلى غير ذلك.\nوالحاصل أن عددهم سبعة وعشرين قد تم أو كاد يتم، وأما مُطلق الكذابين فلا حصر لهم.\nومن هذا القسم من يدعي أنه مهدي، وهؤلاء أيضًا كثيرون.\nوبعد تأليف الكتاب بأشهر خرج أيضًا بنواحي عقراء، خرج رجل اسمه عبد الله وكان سمّى ابنًا له محمّدًا ولقبه مهديًّا، فادعى أنَّ ابنه المهدي المنتظر، فاتبعه أجلاف الأكراد وعوامَّهم، فاستولى على بعض القلاع، ثم ركب عليه عامل الموصل، فقتل منهم جماعة، وهربَ ابنهُ إلى بعض النواحي، وحُبسَ هو، فادعى أنَّ ابنه قد غاب، وأنه الغيبة الأولى، فأثبت للمهديّ غيبتان كما في بعَض الروايات، ثم إنهم أخذوا ابنه أيضًا وأرسلوا بهما إلى استانبول.","vol":"1","page":102},{"text":"ومنهم من ادعى أنه صحابي رأى النبي - ﷺ -؛ كالمعمر المشهور: رتن الهندي.\nولا شك أن ما أخبر به الصادق لصادق، وأن الدين لواقع.\nومنها: فتح بيت المقدس:\nعن عوف بن مالك - ﵁ - مرفوعًا: \"اعدد بين يدي الساعة سِتًّا: موتي، وفتح بيت المقدس. . .\".\nوقد فُتح مرتين: مرةً في زمن عمر - ﵁ -؛ ومرة في زمن الأكراد الأيوبية، فتحه السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب الملك الناصر، وكان من أعظم فتوح الإسلام، ثم بعد موته رده بعض أولاده إلى النصارى، ثم استرده حفيده داود الملك الناصر.\nوأنشد في ذلك بعض الشعراء يُهنيه:\nاَلْمَسْجِدُ الأَقْصَى لَهُ عَادَةٌ ... سَارَتْ فَصَارَتْ مَثَلًا سَائِرَا\nإِذَا غَدَا بِالْكُفْرِ مُسْتَوْطِنًا ... أَنْ يَبْعَثَ اللهُ لَهُ نَاصِرَا\nفَنَاصِرٌ طَهَّرَهُ أَوَّلًا ... وَنَاصِرٌ طَهَّرَهُ آخِرَا\nومنها: فتح المدائن:\nعن عدي بن حاتم - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إنه لا تقوم الساعة حتى يُفتح القصر الأبيض الذي في المدائن، ولا تقوم الساعة حتى تسير الظَّعِينَةُ من الحجاز إلى العراق آمنة لا تخاف شيئًا\".\nقال عدي: فقد رأيتهما جميعا، وكان وقوعهما في زمن عمر - ﵁ -.\nومنها: هلاك العرب:\nأعني: زوال ملكهم.\nعن طلحة بن مالك قال: \"من اقتراب الساعة هلاك العرب\" رواه الترمذي، وقد زال ملك العرب بزوال المُلْكِ عن بني العباس، وقد مرَّ.","vol":"1","page":103},{"text":"ومنها: كثرة المال (١) وفيضه:\nروى الشيخان عن أبي هريرة - ﵁ -: \"لا تقوم الساعة حتى يكثر المال فيكم، فيفيض حتى يُهِمَّ رب المال من يقبل صدقته، وحتى يعرضه، فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرب -أي: لا حاجة- لي فيه\".\nوهذا وقع في زمن عثمان - ﵁ -، كثرت الفتوح حتى اقتسموا أموال الفرس والروم، ووقع في زمان عمر بن عبد العزيز - ﵁ -، أن الرجل يعرض ماله للصدقة فلا يجد من يقبل صدقته. وسيقع في آخر الزمان في زمن عيسى ﵊، وسيأتي في القسم الثالث.\nومنها: أن تَزُول الجبال عن أماكنها:\nروى الطبراني عن سَمُرة - ﵁ -: \"لا تقوم الساعة حتى تزول الجبال عن أماكنها\".\nونقل السيوطي في \"تاريخ الخلفاء\" أن في سنة اثنتين وأربعين بعد المئتين في خلافة المتوكل سار جبل باليمن عليه مزارع لأهله حتى أتى مزارع آخرين، وفي سنة ثلاث مئة في خلافة المقتدر ساخ جبل بدينور في الأرض، وخرج من تحته ماءٌ كثير أغرق القرى.\nومنها: فقد الصحابة رضوان الله عليهم:\nعن علي - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -: \"لا تقوم الساعة حتى يُلْتَمسَ الرجل من أصحابي كما تلتمس الضالة فلا توجد\" رواه أحمد.\nومنها: وقوع ثلاث خسوفات:\nعن أم سلمة ﵂: \"سيكون بعدي خَسفٌ بالمشرق، وخَسفٌ بالمغرب، وخسف في جزيرة العرب\"، قيل: أتخسف الأرض وفيهم الصالحون؟ !\n_________\n(١) قال الحافظ (١٣/ ٦٦): يحتمل أن يكون ما وقع في زمن عمر بن عبد العزيز، أو ما سيقع في زمن عيسى ابن مريم ﵊، وهكذا في (ص ١٨٠) (ز).","vol":"1","page":104},{"text":"قال: \"نعم؛ إذا أكثر أهلها الخبث\" رواه الطبراني.\nوعن حذيفة بن أَسِيد - ﵁ - قال: اطلع علينا رسول الله - ﷺ - ونحن نتذاكر الساعة، فقال: \"إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات. . .\"، فذكر منها ثلاثة خسوف: خسفًا بالمشرق، وخسفًا بالمغرب، وخسفًا بجزيرة العرب. رواه الستة إلا البخاري.\nوقد وقعت الخسوفات الثلاثة: فوقع في خلافة سليمان بن عبد الملك أنه ورد كتاب ابن هبيرة فيه: أن ببخارى وقت السّحَرِ سمع قعقعةٌ عظيمةٌ من السماء، ودويٌّ كالرعد القاصف، أسقطت منه الحوامل، فنظروا فإذا قد انفرج من السماء فرجةٌ عظيمةٌ، ونزل أشخاصٌ عِظامٌ؛ رؤوسهم في السماء وأرجلهم في الأرض، وقائلٌ يقول: يا أهل الأرض؛ اعتبروا بأهل السماء، هذا صفوائيل المَلَكْ عصى الله فَعُذّب، فلما طلع النهار أتى الناس إلى ذلك الموضع فوجدوا خسفًا عظيمًا لا يُدرك له قرار، يصعد منه دخانٌ أسود.\nأُثبتَ ذلك على قاضي بُخارى بأربعين عدلًا، كذا في \"السكردان\" وفيه شيء؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾، لكن تجوزه قصة هاروت وماروت، والله قادر على كل شيء.\nوفي سنة ثمان ومئتين خُسِفَ بثلاث عشرة قرية بالمغرب.\nوفي سنة أربع وثلاثين وثمان مئة في شعبان وقعت زلزلة بغرناطة، وخسف بعدة أماكن، وانهدم بعض القلعة. ذكر ذلك في \"إنباء الغمر\".\nوفي خلافة المطيع في سنة ست وأربعين وثلاث مئة وقع بالري ونواحيها زلازل عظيمة، وخسفٌ ببلد طالقان، ولم يفلت من أهلها إلا نحو ثلاثين نفسًا، وخُسِفَ بمئة وخمسين قرية من قرى الري، واتصل الأمر إلى حُلْوَان، فخسف بأكثرها، وقذفت الأرض عظام الموتى، وتفجرت فيها المياه، وتقطع بالري جبل، وعلقت قرية بين السماء والأرض بمن فيها نصف نهار، ثم خُسف بها، وانخرقت الأرض خُروقًا عظيمة، وخرج منها مياه مُنْتِنة، ودخانٌ عظيم. كذا نقله السيوطي عن ابن الجوزي.","vol":"1","page":105},{"text":"وفي سنة سبع وتسعين وخمس مئة خُسفت قرية من أعمال بُصرى.\nوفي سنة ثلاث وثلاثين وخمس مئة: خُسف بلد بحيرة، وصار مكان البلد ماء أسود.\nوخُسف في زماننا بعدة قرى من ناحية أذربيجان وخراسان وغيرهما من ديار العجم.\nولا تكاد تنحصر الخسوفات.\nومنها: كثرة الزلازل وكثرة القتل والرجف:\nعن أبي هريرة - ﵁ -[قال: قال النبي - ﷺ -]: \"لا تقوم الساعة حتى يُقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج؛ وهو القتل\" رواه البخاري، وابن ماجه.\nوعند ابن عساكر عن عروة بن رويم، عن [جابر] الأنصاري، عنه - ﷺ -: \"يكون في أمتي رَجفةٌ يهلك فيها عشرة آلاف، عشرون ألفًا، ثلاثون ألفًا، يجعلها الله موعظة للمتقين، ورحمةً للمؤمنين، وعذابًا على الكافرين\".\nوقد وقع في أول خلافة المتوكل سنة اثنتين وثلاثين ومئتين زلزلة مَهُولةٌ بدمشق، سقطت منها دور، وهلك تحتها خلق، وامتدت إلى أنطاكية فهدمتها، وإلى الجزيرة فأحرقتها، وإلى الموصل، فيقال: هلك من أهلها خمسون ألفًا.\nوفي سنة اثنتين وأربعين ومئتين: زُلْزلت الأرض زلزلة عظيمة بتونس وأعمالها، وخراسان، ونيسابور، وطبرستان، وأصبهان، وتقطعت جبال، وتشققت الأرض بقدر ما يدخل الرجل في الشِّق، وكان بين الزلزلتين عشر سنين.\nوفي سنة خمس وأربعين ومئتين: عَمّت الزلازل الدنيا، فأخربت المدن والقلاع والقناطر، وسقط من أنطاكية جبل في البحر.\nوفي خلافة المعتضد سنة مئتين وثمانين: وقعت في الدَّيبل زلزلة عظيمة هدمت عامة البلد، فكان عدة من أخرج من تحت الردم مئة ألف وخمسين ألفًا.","vol":"1","page":106},{"text":"وفي سنة أربع مئة وستين: وقع بالرَّملة زلزلة هائلة، خَرّبتها حتى طلع الماء من رؤوس الآبار، وهلك من أهلها خمسة وعشرون ألفًا، وبَعُد البحر عن ساحله مسيرة يوم، فنزل الناس إلى أرضه يلتقطون؛ فرجع الماء عليهم فأهلكهم.\nوفي سنة أربع وأربعين وخمس مئة: وقعت زلزلة عظيمة، وماجت بغداد نحو عشر مرات، وتقطع بِحُلْوان منها جبل.\nوفي سنة سبع وتسعين وخمس مئة: جاءت زلزلة كبرى بمصر، والشام، والجزيرة، فأخربت أماكن كثيرة، وقلاعًا متعددة.\nوفي سنة اثنتين وخمس مئة: وقعت زلازل عظيمة بالشام، وحلب، وشيراز، وأنطاكية، وطرابلس، وهلك خَلْقٌ كثير حتى إنَّ مُعلمًا بحماة قام من المكتب، ثم عاد فوجد المكتب قد وقع على الصبيان فماتوا كلهم، ولم يأت أحدٌ يسأل عن ولده؛ لأنَّ أهلهم ماتوا أيضًا، وهلك كل من في شيراز إلَّا امرأة وخادمًا واحدًا، وانشق تَلٌّ في حران فظهر فيه بيوتٌ، وعمائر، ونواويس، وانشق في اللاذقية موضعٌ فظهر فيه صنم قائمٌ في الماء.\nوخربت صيدا، وبيروت، وطرابلس، وعكار، وصور، وجميع بلاد الفرنج، وانفرق البحر إلى قبرص وقذف بالمراكب إلى ساحله، وتعدى إلى ناحية الشرق، ومات خَلقٌ كثير.\nقال صاحب \"المرآة\" مات في هذه السنة نحو ألف ألف ومئة ألف إنسان. كذا في \"السُّكْردان\".\nوفي سنة اثنتين وستين وست مئة: زُلزلت مصر زلزلة عظيمة، وقد مرت الزلزلة الواقعة بالمدينة قبل خروج النار بها.\nووقعت في سنة ثلاث وثلاثين وأربع مئة بحيرة زلزلةٌ عظيمة عشرة فراسخ في مثلها، فأهلكت خلائق كثيرة.\nوفي سنة اثنتين وعشرين وتسع مئة: وقع بأزرنكان زلزلةٌ عظيمة، وهلك بسببها عالمٌ كثير، والله يفعل ما يشاء.","vol":"1","page":107},{"text":"وفي سنة ألف وقعت ببلدة لار زلزلةٌ عظيمة، انهدمت منها البيوت كلها واندكت، بحيث لا يكادون يعرفون محل بيوتهم.\nوكانت قبلها بأيام زلازل صغار في كل يوم، فخرجوا منها، فمن خرج منها نجا، ومن لا هلك.\nووقعت بعد تأليف هذا الكتاب بنحو ستة أشهر زلزلةٌ هائلة ما نجى منها إلَّا القليل، فألحقناها بهذا المحل.\nفهذه هي الزلازل العظام والرجفات التي اعتني بنقلها في كتب التواريخ، وأما الزلازل الصغار فلا تكاد تنحصر، وبالله التوفيق.\nومنها: المسخ والقذف:\nعن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: \"يكون في أمتي خسفٌ، ومسخٌ، وقذف\" رواه أحمد، ومسلم، والحاكم.\nوعن ابن مسعود - ﵁ -: \"بين يدي الساعة مسخٌ، وخسفٌ، وقذفٌ\" رواه ابن ماجه.\nوعن أبي أمامة - ﵁ -: \"ليبيتن أقوام من أمتي على أكل، ولهو، ولعب، ثم ليصبحن قردة وخنازير\" رواه الطبراني.\nوعن عائشة ﵂: \"يكون في آخر هذه الأمة خسفٌ، ومسخٌ، وقذف\"، قيل: يا رسول الله؛ أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: \"نعم، إذا كثر الخبث\" رواه الترمذي.\nوعن عبد الرحمن بن صحار، عن أبيه: \"لا تقوم الساعة حتى يُخسف بقبائل حتى يقال: من بقي من بني فلان؟ \" رواه أحمد، والبغوي، وابن قانع، والطبراني، والحاكم، وغيرهم.\nوعن ابنِ عمر ﵄: \"يكون في هذه الأمة خَسفٌ، ومَسخٌ، وقذف\" رواه الترمذي، وابن ماجه.","vol":"1","page":108},{"text":"أما الخَسفُ فقد مَرّ.\nوأما المَسخُ (١): فقد وقع لأشخاص.\nفقد صح الخبر عن غير واحد أن في زمن فاطمية مصر كانوا يجتمعون بالمدينة يوم عاشوراء في قبة العباس - ﵁ - ويسُبُّون الشيخين والصحابة ﵃، فجاء رجل فقال: من يطعمني في محبة أبي بكر - ﵁ -؟ فخرج إليه شيخٌ وأشار إليه أن اتبعني، فأخذه إلى بيته، وقطع لسانه، ووضعه في يده، وقال: هذه لمحبة أبي بكر. فذهب الرجل إلى المسجد وسلم على رسول الله - ﷺ - والشيخين بقلبه، ورجع ولسانه في يده، فقعد حزينًا عند باب المسجد وغلبه النوم، فرأى النبي - ﷺ - في منامه ومعه أبو بكر - ﵁ -، فقال لأبي بكر: \"إنَّ هذا قطعوا لسانه في محبتك، فرد عليه لسانه\". قال: فأخرج لسانه من يده، ووضعه في محله، فانتبه فإذا لسانه كما كان قبل القطع وأحسن، فلم يخبر أحدًا بذلك، ورجع إلى بلاده.\nفلما كان العام القابل، رجع إلى المدينة، ودخل القبة يوم عاشوراء وطلب شيئًا بمحبة أبي بكر - ﵁ -، فخرج إليه شابٌّ وقال: اتبعني. فتبعه، فأدخله الدار التي قطع فيها لسانه، فأكرمه الشاب، فقال الرجل: إني تعجبت من هذا البيت، لقيت فيه العام الماضي مُصيبةً ومَهانةً، وهذه السنة لقيت ما أرى من الإكرام.\nفقال الشاب: كيف القصة؟ فأخبره بالقصة، فأكب على يديه ورجليه، وقال: ذلك أبي وقد مسخه الله قردًا، وكشف عن ستارة فأراه قردًا مربوطًا، فأحسن إليه، وتاب عن مذهبه وقال: اكتم عليَّ أمر والدي.\n_________\n(١) وأورد السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٥٩) حديثًا أخرجه أبو الشيخ، وابن مردويه مرفوعًا: \"صبيحة تطلع الشمس من مغربها يصير في هذه الأمة قردة وخنازير\". وورد في \"أبي داود\" من حديث أنس في ذكر البصرة: \"يكون بها خسفٌ، ومسخ، يبيتون ويصبحون قردة وخنازير\".\nوذكر الشاه عبد العزيز في تفسير سورة البقرة (ص ٢٢٣) ثلاث عشرة صورة للمسخ، أعاذنا الله منها. (ز).","vol":"1","page":109},{"text":"ذكر هذه القصة السيد السمهودي، وابن حجر في \"الزواجر\"، و\"الصواعق\"، والقسطلاني في \"المواهب اللدنية\"، وغيرهم.\nوذكر في \"الزواجر\" أنه كان بحلب رَجلٌ سَبّابٌ للشيخين، فلما مات، اتفق شباب على أن ينبشوا قبره، فلما نبشوه، رأوه قد مسخ خنزيرًا، فأخرجوه، ثم أحرقوه بالنار. ويقال: قَلّ رافضيٌّ إلا ويمسخُ في قبره خنزيرًا، والله أعلم.\nوذكر السيوطي في \"تاريخ الخلفاء\" أنَّ في سنة اثنتين وثمانين وسبع مئة في خلافة المتوكل سادس الخلفاء العباسيين الذين كانوا بمصر، ورد كتابٌ من حلب يتضمن أن إمامًا قام يُصلِّي، وأن شخصًا عَبَثَ به في صلاته، فلم يقطع الإمام الصلاة حتى فرغ، وحين سلم انقلب وجه العابث وجه خنزير، وهرب إلى غابة هنالك. وكتب بذلك محضرًا.\nوأما القذف: فقد نقل السيوطي في \"تاريخ الخلفاء\": أنَّ في سنة خمس وثمانين ومئتين: مُطرت قريةٌ بالبصرة حجارة سوداء وبيضاء، ووقع بَردٌ، ووزن البَردَةُ مئة وخمسون درهمًا.\nوفي سنة اثنتين وأربعين ومئتين: رُجِمت قرية السويداء بالحجارة، وَوُزِنَ حَجرٌ من الحجارة فكان عشرة أرطال.\nوفي سنة ثمان وسبعين وأربع مئة في خلافة المقتدي: جاءت رِيحٌ سوداء ببغداد، واشتد الرعد والبرق، وسقط رمل وترابٌ كالمطر.\nوأخبرني ثِقةٌ أنَّ في سنة نيف وستين بعد الألف: مُطرت حجارة سوداء كثيرة عريضةٌ؛ قدر بيض الدجاج وأكبر، في الصيف والسماء مُصحيةٌ، ببلاد الأكراد بين هيزان وكفرا، وكان يُسمع لها حِسٌّ من مسافة يوم.\nوفي وسط شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين وسبع مئة: ورد كتاب إلى مصر من حماة يُخْبر فيه أنه وقع في هذه الأيام ببارين؛ من عمل حماة بَرَدٌ على صور حيوانات مختلفة، منها: سِباعٌ، وحَيّاتٌ، وعَقاربٌ، وطُيورٌ، ومَعزٌ، وبلشون، ورجالٌ","vol":"1","page":110},{"text":"في أوساطهم حوايص، وإن ذلك ثبت بمحضرٍ شرعي عند قاضي الناحية، ثم نقل ثبوته إلى قاضي حماة. كذا في \"السكردان\"، والله يفعل ما يشاء.\nومنها: الريح الحمراء -أي: الشديدة- والأمور العظام:\nعن علي بن أبي طالب، وأبي هريرة (١) ﵄ قالا: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا اتُّخِذ الفيء دُولًا، والأمانة مَغْنمًا، والزكاة مَغْرمًا، وتُعُلِّم لغير الدِّين، وأطاع الرجل امرأته وَعقَّ أمه، وأدنى صديقه وأقصى أباه، وظهرت الأصوات في المساجد، وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وَأُكرِمَ الرجل مخافة شره، وظهرت القينات والمعازف، وشربت الخمور، ولعن آخر هذه الأمة أولها فليرتقبوا عند ذلك رِيحًا حمراء، وزلزلة، وخَسفًا، ومَسخًا، وقذفًا، وآيات تتابع؛ كنظام بالٍ قُطعَ سلكه فتتابع\" رواه الترمذي.\nوعن عبد الله بن حوالة (٢) - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -: \"إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة فقد دنت الزلازل، والبلابل، والأمور العظام، والساعة يومئذ أقرب من يدي هذه إلى رأسك\" رواه أبو داود، والحاكم.\nوهذا إن أُريد بالخلافة النازلة إلى الأرض المقدسة مُلْكُ بني أمية، فقد وقع من الأمور العظام ما سنذكر بعضها.\nوإن أُريد خلافة المهدي فالمراد بها الآيات القريبة إلى الساعة؛ كالدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وغير ذلك.\nأما الريح: ففي سنة اثنتين وثلاثين ومئتين في أول خلافة المتوكل هبت بالعراق رِيحٌ شَديدةُ السموم ولم يُعهد مثلها، أحرقت زرع الكوفة، والبصرة، وبغداد، وقتلت المسافرين، ودامت خمسين يومًا، واتصلت بهمذان، فأحرقت الزرع والمواشي، واتصلت بالموصل وسنجار، ومنعت الناس من المعاش في الأسواق،\n_________\n(١) ذكرهما صاحب \"المشكاة\" (ص ٤٦٢) مع الاختلاف فيهما في بعض الكلمات، وكذا الترمذي (٢/ ٤٨) وسيأتي (ص ١٦٣) (ز).\n(٢) كذا في \"المشكاة\" (ص ٤٦٢). (ز).","vol":"1","page":111},{"text":"ومن المشي في الطرقات، وأهلكت خَلقًا عَظيمًا.\nوفي سنة ثمانين ومئتين في شوال في خلافة المعتضد أصبحت الدنيا مُظلمة إلى العصر، فهبت رِيحٌ سوداء، فدامت إلى ثلث الليل، وأعقبها زلزلة عظيمة أذهبت عامة بلد الدِّيبل.\nوفي سنة خمس وثمانين ومئتين في خلافته: هبت رِيحٌ صفراء بالبصرة، ثم صارت خضراء، ثم صارت سوداء، وامتدت في الأمصار.\nوفي خلافة المقتدر: جاءت رِيحٌ سوداء ببغداد، واشتد الرعد والبرق حتى ظُنَّ أنها القيامة.\nوفي خلافة المستظهر: هبت بمصر رِيحٌ سوداءُ مُظلمةٌ أخذت الأنفاس حتى لا يبصر الرجل يده، ونزل على الناس رمل، وأيقنوا بالهلاك، ثم انجلى قليلًا، وعاد إلى الصفرة.\nوفي سنة أربع وعشرين وخمس مئة: طلعت سَحابةٌ على بلد الموصل، فأمطرت نارًا، وأحرقت ما نزلت عليه، وظهر بالعراق عقارب طيارة، فقتلت خَلقًا عَظيمًا. ذكره ابن أبي حجلة.\nوفي سنة ست وتسعين وخمس مئة: هبت رِيحٌ سوداء مُظلمة بمكة عمت الدنيا، ووقع على الناس رمل أحمر، ووقع من الركن اليماني قطعة.\nوفي سنة ست وعشرين وثمان مئة في ولاية الأشرف برسباي: هبت بمصر رِيحٌ بَرِقةٌ تحمل تُرابا أصفر إلى الحمرة، وذلك قبل غروب الشمس، فاحمر الشفق جدًا بحيث صار من لا يدري يَظُنُّ أن بجواره حَريقًا، وصارت البيوت كلها ملأى تُرابًا ناعمًا جدًا يدخل الأنوف والأمتعة، ثم لما تكامل غيبوبة الشفق اسود الأفق، وعصفت الريح وكانت معلقة، فلو وصلت الأرض لكان أمرًا مَهُولًا، وكثر ضجيج الناس في الأسواق والبيوت بالذكر والدعاء والاستغفار إلى أن لطف الله بإدرار المطر، ولم تَهُب هذه الريح مُنذ ثلاثين سنة قبلها، وانتشرت حتى غطت الأهرام، والجيزة، والبحر، واشتدت حتى ظنوا أنها تُدَمِّرُ كل شيء، فدامت تلك الليلة ويومها إلى العصر، وكانت","vol":"1","page":112},{"text":"سببًا في هيف الزرع، وغلاء السعر. ذكره الحافظ ابن حجر في \"إنباء الغمر\".\nوأما الأمور العظام: فوقع القحط الشديد مرات.\nمنها: ما وقع في زمن الظاهر العُبيدي بمصر [مِن] الغلاء الذي لم يقع مثله منذ زمن يوسف ﵇، ودام سبع سنين حتى أكل الناس بعضهم بعضًا، وقيل: بيع فيه رغيف بخمسين دينارًا.\nوفي زمن المستنصر العُبيدي: وقع بمصر أيضًا القحط سنين متوالية حتى أكل الناس بعضهم بعضًا، وبلغ الإردبُّ: من الحنطة مئة دينار، والإردبُّ: أربعون صاعًا بصاع النبي - ﷺ - وشيء، وبيع الكلب بخمسة دنانير، والهرة بثلاثة دنانير.\nوفي سنة خمس وأربعين في خلافة المقتفي العباسي: جاء مطر باليمن كله دم، وصارت الأرض مرشوشة بالدم، وبقي أثره في ثياب الناس.\nوفي سنة ثمان وخمسين وأربع مئة: ظهر كوكب؛ كأنه دارة القمر ليلة التمام، بشعاع عظيم وهال الناس ذلك، وأقام عشر ليال، ثم تناقص ضوءه وغاب.\nوفي سنة ستين وأربع مئة في خلافة القائم: غرق بالرملة خلقٌ كثير.\nوفي سنة ست وستين وأربع مئة في خلافة القائم كان الغَرقُ العظيم ببغداد، وزادت دجلة ثلاثين ذراعًا، ولم يقع مثل ذلك قط، وهلكت الأموال والأنفس والدواب، وركب الناس في السفن، وأقيمت الجمعة في التيار على ظهر الماء مرتين، وصارت بغداد كلها مَلَقة، وانهدم مئة ألف دار.\nوفي سنة أربع وثمانين وأربع مئة في خلافة المقتدي: غلب الإفرنج على جميع جزيرة صقلية، وأسروا وسبوا ذراري المسلمين.\nوفي سنة اثنتين وخمسين وست مئة في خلافة المستعصم: ظهرت نارٌ في أرض عدن (١)، وكان يطير شررها في الليل إلى البحر، ويصعد منها دُخان عَظيمٌ في النهار.\n_________\n(١) ذكره السيوطي في \"تاريخ الخلفاء\" (ص ٣٢٣) في سنة ٦٥٢ هـ (ز).","vol":"1","page":113},{"text":"وفي أيام المعتمد في سنة ست وستين ومئتين دخلت الزنج البصرة وأعمالها، وخربوها، وبذلوا السيف وسبوا؛ وهم من الخوارج الذين قتلهم أمير المؤمنين علي - ﵁ -، وأعقب ذلك الوباء العظيم، فمات خَلق كثير لا يحصون، ثم أعقبه هدات وزلازل، فمات تحت الردم ألوفٌ من الناس، واستمر القتال مع الزنج إلى سنة سبعين.\nقال الصولي: إنه قتل من المسلمين ألف ألف وخمس مئة آدمي، وقتل في يوم واحدٍ بالبصرة ثلاث مئة ألف، وكان له منبر في بلده يَصعَدُ عليه يسب عثمان، وعليًا، ومعاوية، وطلحة، والزبير، وعائشة ﵃، وكان ينادى على المرأة العلوية في عسكره بدرهمين وثلاثة، وكان عند الواحد منهم العشر من العلويات يستخدمهن ويطؤهن، فقُتل اللعين رئيس الزنج سنة سبعين، وكان اسمه بهبود، وكان يدعي أنه أُرسِلَ إلى الخلق فرد الرسالة، وأنه مطلع على المغيبات، وقع في زمنه غلاء مُفرطٌ بالحجاز والعراق، وبلغ كَرُّ الحنطة ببغداد مئة وخمسين دينارًا، والكَرُّ: ستة أحمال الحمير والبغال، أو اثنا عشر وسقًا.\nوفي أيامه انبثق في نهر عيسى بثقٌ، فجاء الماء إلى الكرخ فهدم سبعة آلاف دار.\nوفي زمنه ظهرت القرامطة (١) بالكوفة، وهم نوع من الملاحدة، وهم الباطنية يَدّعُونَ أنه لا غسل من الجنابة، وأن الخمر حلال، وأن الصوم في السنة يومان، ويزيدون في أذانهم: (محمدٌ ابن الحنفية رسول الله) وأن الحج والقِبلَة إلى بيت المقدس، وأشياء أخر.\nوفي سنة ست وتسعين وخمس مئة كان بمصر الغلاء المُفرط بحيث أكلوا الجيف والآدميين، وفشا أكل بني آدم واشتهر، وتعدوا إلى حفر القبور وأكل الموتى، وكثر الموت من الجوع؛ بحيث كان الماشي لا يقع قدمه أو بصره إلَّا على ميتٍ أو قريبٍ من\n_________\n(١) ذكره السيوطي في \"تاريخ الخلفاء\" (ص ٢٥٥) في زمان المعتمد، وذكر صاحب \"الخميس\" (٢/ ٣٤٣) مختصرًا، وذكرها في \"شرح المواقف\" (٨/ ٣٨٨) في فِرَقِ الشيعة، وفي حاشية \"الفوائد البهية\" (ص ١٣). (ز).","vol":"1","page":114},{"text":"الموت، وهلك أهل القرى قاطبة، بحيث إن المسافر يمر بالقرية فلا يرى فيها نافخ نار، وتجد البيوت مُفتحةً وأهلها موتى، وصارت الطرق مزرعةً للموتى، ومأدبة بلحومهم للطير والسباع، وبيعت الأحرار والأولاد بالدراهم اليسيرة، واستمر ذلك سنتين.\nقال أبو شامة في \"الذيل\": إنَّ العادل الكبير في هذه السنة كَفّنَ من ماله في مدة يسيرة نحوًا من مئتي ألف وعشرين ألف ميت، وقيل: ثلاث مئة ألف من الغرباء، وَأُكلَتْ الكلاب والميتات في مصر، وأكل من الصغار والأطفال خَلقٌ كثير، حتى إن الوالد يشوي ولده ويأكله، وكَثُر في الناس هذا حتى صار لا ينكر عليهم، ثم صاروا يحتالون بعضهم على بعض، ويأكلون من يقدرون عليه، وإذا غلب القوي على الضعيف ذبحه وأكله، وفُقِدَ كثيرٌ من الأطباء يدعونهم إلى المرضى فيذبحونهم ويأكلونهم. انتهى.\nوفي سنة ثمان عشرة وسبع مئة حصل بديار بكر، والموصل، وإربل، وماردين، والجزيرة، وميافارقين، وغيرها الغلاء العظيم، وخربت البلاد، وبيع الأولاد، وكثر الموت في الناس، حتى إنه مات من جزيرة ابن عمر خمسة عشر ألفًا بالجوع، وبيع من الأولاد نحو ثلاثة آلاف صبي، وكان يُباع الصبي بنحو عشرة دراهم أو أكثر، ويشتريهم التتار.\nومات أكثر أهل ميافارقين بحيث لم يبق من أسواقها غير ست حوانيت، والموصل كان الغلاء بها أكثر من ماردين، وبيع بها الأولاد بحيث خلت الدور من أهلها، وأكلوا الجيف والميتات، وباع رجل ولده باثني عشر درهما.\nوقال: قد أنفقت في ختانه خمسين دينارًا، وكان المشترون يَتحرّجُون من شراء أولاد المسلمين، فكانت المرأة والصبية تجعل نفسها نصرانية وتقر بالنصرانية؛ ليرغب فيها، وأهل إربل أكلوا النبات، ثم قشور الشجر، ثم الجيف، وجاءهم الموت الذريع، وجلا الباقي، ومات كثيرٌ منهم بالثلج. ذكر ذلك البِرْزَالي في \"ذيل الروضتين\"، وذكرت ملخصه.\nاللهم؛ إنا نعوذ بك من الجوع؛ فإنه بئس الضجيع.","vol":"1","page":115},{"text":"وفي سنة ثمان وثلاثين ومئتين في خلافة المتوكل: سمع أهل أخلاط صَيحةً عظيمةً من جو السماء، فمات منها خلقٌ كثير.\nوفي سنة اثنتين وأربعين: وقع بجبلٍ طائر أبيض دون الرَّخمة في رمضان، فصاح: معاشر الناس؛ اتّقوا الله، الله، الله. فصاح أربعين صوتًا، ثم طار وجاء من الغد، ففعل كذلك، وَكُتبَ البريد بذلك، وشهد خمس مئة إنسان سمعوه ... إلى غير ذلك من الأمور العظام التي وقعت.\nومنها: انقطاع طريق الحج، ورفع الحجر الأسود من الكعبة:\nعن أبي سعيد - ﵁ -: \"لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت\" رواه الحاكم وصححه، والبزار، وأبو يعلى، وابن حبان.\nوعن ابن عمر ﵄: \"لا تقوم الساعة حتى يرفع الركن\" رواه السِّجزي.\nوهذان كلاهما قد وقعا.\nأما انقطاع طريق الحج: ففي سنة عشرين وثلاث مئة انقطع الحج من بغداد إلى سنة سبع وعشرين بسبب فتنة القرامطة.\nوفي سنة تسع وأربعين وثلاث مئة: رجع حجيج مصر في مكة، فنزلوا واديًا، فجاءهم السيل، فأخذهم كلهم فألقاهم في البحر عن آخرهم.\nوفي سنة خمس وخمسين: قطعت بنو سُلَيم الطريق على الحجيج من أهل مصر، وأخذوا منهم عشرين ألف بعير بأحمالها، وعليها من الأمتعة ما لا يُقَومُ كثرة، وبقي الحجاج في البوادي فهلك أكثرهم.\nوفي سنة ثلاث وستين: خرج بنو هلال وطائفةٌ من العرب على الحجاج، فقتلوا منهم خلقًا كثيرًا، وعطلوا على من بقي منهم الحج في هذا العام، ولم يحصل لأحدٍ حج في هذه السنة سوى أهل درب العراق وحدهم.\nوفي سنة أربع وثمانين وثلاث مئة: رجع الحاج العراقي من الطريق؛ اعترضهم","vol":"1","page":116},{"text":"الأصفر الأعرابي، ومنعهم الجواز إلَّا بالباج، فعادوا ولم يحجوا، ولا حج أيضًا أهل الشام ولا اليمن، إنما حَجَّ أهل مصر فقط.\nوانقطع في زمن بني عثمان من طريق الشام سنين في زمن الشيخ علوان الحموي.\nوفي سنة اثنتين وتسعين وثلاث مئة: انفرد المصريون بالحج، ولم يحج أحدٌ من بغداد وبلاد الشرق؛ لَعَبثِ الأعراب بالفساد، وكذا في سنة ثلاث وتسعين وثلاث مئة.\nوفي سنة سبع وتسعين: انفرد المصريون بالحج، ولم يحج أهل العراق؛ لفساد الطريق بالأعراب.\nوفي سنة سبع وأربع مئة: انفرد المصريون أيضًا، ولم يحج أحدٌ سواهم، وكذا في سنة ثمان وأربع مئة.\nوفي سبع عشرة وأربع مئة: انفرد المصريون أيضًا بالحج، ولم يحج غيرهم.\nوفي سنة ثمان عشرة وأربع مئة: لم يحج أحدٌ لا من المشرق ولا من مصر وغيرها، إلا طائفة من خراسان حجوا من البحر.\nوفي سنة ثلاث وثلاثين وأربع مئة: تعطل الحج من الأقاليم بأسرها، ومن السنة التي بعدها إلى سنة أربعين وأربع مئة لم يحج أحدٌ غير أهل مصر. ذكر هذا كله السيوطي في \"حسن المحاضرة\".\nوذكر الحافظ ابن حجر في \"إنباء الغمر\": أن في السنة الثالثة، والرابعة، والخامسة بعد الثمان مئة، لم يحج أحدٌ من طريق الشام، وذلك بعد أن طرق تيمور الشام، وعاث فيها.\nأما رفع الحجر: ففي خلافة المقتدر، وذلك أن المقتدر سير الحجَّاج مع منصور الديلي إلى مكة سالمين، فوافاهم يوم التروية عدو الله أبو طاهر القرمطي، فقتل الحجيج في المسجد الحرام قتلًا ذريعًا، وطرح القتلى في بئر زمزم، وضرب الحجر الأسود بدبوس فكسره، ثم اقتلعه، وأقام بها أحد عشر يومًا، ثم رحلوا وبقي الحجر الأسود عندهم أكثر من عشرين سنة، ودُفِعَ لهم فيه خمسون ألف دينار، فأبوا رَدّهُ حتى أُعيد في خلافة المطيع.","vol":"1","page":117},{"text":"وقيل: إنهم لما أخذوه هلك تحته أربعون جملًا من مكة إلى هَجَرْ، فلما أُعيد حمل على قعود هزيل فسمن.\nقال محمد بن الربيع بن سليمان: كنت بمكة سنة القرامطة، فصعد رجل لقلع الميزاب وأنا أراه، فَعِيلَ صبري، وقلت: ربي ما أَحْلَمكَ! ! فسقط الرجل على دماغه فمات.\nوصعد القرمطي المنبر وهو يقول:\nأَنَا بِاللهِ وَبِاللهِ أَنَا ... يَخْلُقُ الْخَلْقَ وَأَفْنِيهِمْ أَنَا\nولم يفلح أبو طاهر القرمطي بعد ذلك؛ تقطع جسده بالجدري.\nوقال محمد بن نافع الخزاعي: تأملت الحجر وهو مقلوع، فإذا السواد في رأسه فقط، وسائره أبيض، وطوله قدر عَظْمِ الذراع.\nوأما هدم البيت كله، وانقطاع الحج بالكلية فإنما يكون في آخر الزمان والعياذ بالله.\nوكذلك رفع القرآن، وسيأتي في القسم الثالث إن شاء الله تعالى.\nومنها: رضخ رؤوس أقوامٍ بكواكب من السماء:\nعن ابن عباس ﵄: \"لا تقوم الساعة حتى تُرضَخَ رؤوس أقوام بكواكب من السماء باستحلالهم عمل قوم لوط\" رواه الديلمي.\nوفي سنة ثلاث وتسعين وخمس مئة: انقض كوكبٌ عظيم، سُمِعَ لانقضاضه صوتٌ هائل، واهتزت الدور والأماكن، فاستغاث الناس، وأعلنوا بالدعاء، وظنوا أنه من أمارات القيامة.\nوفي سنة إحدى وأربعين ومئتين: ماجت النجوم في السماء، وتناثرت الكواكب كالجراد أكثر الليل، وكان أمرًا مُزعجًا لم يُعْهد مثله.\nوفي سنة ثلاث وعشرين وثلاث مئة في خلافة الراضي في ذي القعدة: انقضّت النجوم سائر الليل انقضاضًا عَظيمًا ما رُئي مثله، وقد وقع بعد ذلك كثيرًا أن النجوم والشهب انقضّت وقتلت ناسًا.","vol":"1","page":118},{"text":"ومنها: ظهور كوكب له ذنب:\nعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يا سلمان، إذا كان حج الملوك تَنزُّها، والأغنياء للتجارة، والمساكين للمسألة، والقراء رياءً وسمعة فعند ذلك يظهر نجم له ذنب\" رواه ابن مردويه.\nوهذا الكوكب قد ظهر (١) مرات، آخرها في سنة خمس وسبعين وألف في شهر جمادى الآخرة، بقي شهرًا أو أكثر، وكان يسير سيرًا أسرع من القمر.\n\nفائِدَة\nجاء من بلاد النصارى إلى بلاد بني عثمان في سنة سبع وسبعين وألف في شهر جمادى الأولى وأنا إذ ذاك بأدرنة كتابٌ منقوشٌ فيه صورة حيوان، طوله عشرون ذراعًا، وسمكه خمسة أذرع، جسده جسد السمكة، له أربع قوائم، في يديه خمس أصابع كأصابع الأسد، وفي رجليه حافرٌ مثل حافر الفرس، ورأسه رأس الثور، له أربعة قرون، اثنان بين عينيه أسودان، واثنان أصغران بين أذنيه الآخرين واغربَ كلُّ اثنين إلى جهة الآخرين، وعلى فكه الأسفل أربعة كذلك، وله ذنب السمكة، وعلى كفله متصلًا مخلوقٌ نصف إنسان عريان له أربع أيدي، في كل واحدة خمس أصابع، وله ذؤابتان سوداوان، ولحيةٌ، وثديان كثدي المرأة.\nومضمون الكتاب: أنَّ هذا الحيوان صار في جبال الإفرنج حين ظهر هذا النجم في سنة خمس وسبعين، وأنه ظهر على جسده مثل النجم المذكور، وهلك بِنَفَسِهِ خلقٌ كثير من دواب الأرض، وأنهم رموه بالمجانيق فلم تؤثر فيه، وأهلك منهم اثنين وثلاثين ألف آدمي، ثم بَعُدَ مُدةً عنه ذلك الكوكب الذي ندي عليه، فرموه بالمنجنيق فقتلوه، وكتبوا بذلك إلى البلدان، والله على كل شيء قدير.\n_________\n(١) وقد ظهر بعد ذلك أيضًا مرات، وقد ظهر في هذا الشهر المحرم سنة (١٣٦٨ هـ) منذ أيام، يظهر كل يوم في آخر الليل، وتكلم المجدد السرهندي -﵀- في \"مكاتيبه\" (٢/ ١١٨) في المكتوب الثامن والستين كلامًا مبسوطًا (ز).","vol":"1","page":119},{"text":"ومنها: كثرة الموت:\nعن عوف بن مالك - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: \"اعدد بين يدي الساعة ستًا: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم مُوْتانا كَقُعاص الغنم. . .\" الحديث. رواه البخاري، وابن ماجه، والحاكم في \"المستدرك\".\nو(المُوتان)؛ بضم الميم، وإسكان الواو، على وزن بُطلان: الموت الكثير الوقوع. قاله في \"النهاية\".\nو(قُعاص الغنم)؛ بضم القاف، وبالعين والصاد المهملتين، بينهما ألف: داءٌ يأخذ الغنم فلا تلبث أن تموت، ومنه: ضربه فأقعصه؛ أي: مات مكانه.\nوهذا وقع في زمن عمر - ﵁ - في طاعون عمواس، وبعد ذلك في طاعون الجارف، وفي الطواعين والوباءات الواقعة في أقطار الأرض.\nذكر الحافظ السيوطي في كتاب \"ما رواه الواعون في أخبار الطاعون\" ما لفظه: سرد الطواعين الواقعة في الإسلام.\nقال ابن أبي حجلة في تأليفه في \"الطاعون\":\nأول طَاعونٍ وقع في الإسلام على عهد النبي - ﷺ - سنة ست من الهجرة بالمدائن، ويُعْرفُ بطاعون شيرويه فيما حكاه المدائني، ولم أعلم كم مات فيه فأحكيه.\nقُلْتُ: ولم يمت فيه أحدٌ من المسلمين.\nوقد أخرج ابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" من طريق حماد بن زيد، عن أيوب قال: قال محمد: لم يكن طاعون أشد من ثلاثة طواعين: طاعون ازدجرد، وطاعون عمواس، وطاعون الجارف.\nوقال المدائني: كانت الطواعين العظام المشهورة في الإسلام خمسة: طاعون شيرويه بالمدائن في عهد رسول الله - ﷺ -، ثم طاعون عمواس، ثم طاعون الجارف، ثم طاعون الفتيات، ثم طاعون الأشراف. انتهى.","vol":"1","page":120},{"text":"الثاني: طاعون عَمواس؛ بفتح العين المهملة، وسكون الميم، وقد تحرك، وتخفيف الواو وآخره سين مهملة: اسم موضع بالشام.\nوكان في خلافة عمر بن الخطاب - ﵁ - سنة سبع عشرة، وقيل: ثمان عشرة، ومات فيه من جيش المسلمين خمسة وعشرون ألفًا، وقيل: ثلاثون ألفًا، وقيل: سُمِّي طاعون عَمواس، لأنه لم يقع في شيء من المواضع سوى ما وقع فيه، حكاه الحافظ عبد الغني المقدسي.\nوذكر سيف بن عمر، عن شيوخه قالوا: لما كان طاعون عَمواس وقع مرتين لم ير مثلهما، وطال مكثه، وذلك أنه وقع بالشام في المحرم وصفر ثم ارتفع، ثم عاد، وفني فيه خلقٌ كثير من الناس حتى طمع العدو، وتخوفت قلوب المسلمين لذلك.\nقال سيف: وأصاب أهل البصرة أيضًا تلك السنة طاعون، فمات بشرٌ كثير، وجمٌّ غفير.\nفي \"مرآة الزمان\": لما كان سنة ثمان عشرة أصاب جماعة من المسلمين بالشام الشراب، فجلدهم أبو عبيدة بأمر عمر - ﵁ -، وقال - ﵁ - عند ذلك: ليحدثن في هذا العام حادث. فوقع الطاعون.\nوقال هشام: إنما حدث الطاعون بالشام؛ لأجل هؤلاء الذين شربوا الخمر.\nوممن مات في طاعون عَمواس من مشاهير الصحابة: أبو عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وشرحبيل بن حسنة، والفضل بن العباس؛ وهو ابن عم رسول الله - ﷺ -، وأبو مالك الأشعري، ويزيد بن أبي سفيان؛ أخو معاوية، والحارث بن هشام؛ أخو أبي جهل -وأبو جندل الذي جاء يوم الحديبية يَرسُفُ في قيوده، وسهيل بن عمرو الذي قام بمكة يوم مات النبي - ﷺ - فَثبّتَ الناس، وهو والد أبي جندل.\nومما قيل في طاعون عَمواس من الشعر: قول امرئ القيس، حشيش الكندي، أورده أبو حذيفة البخاري في كتاب \"المبتدأ\"، وابن عساكر في \"تاريخه\".\nرُبَّ حرفٍ مِثْلَ الْهِلاَلِ وَبَيْضَا ... ء حصان بالجزع من عمواس","vol":"1","page":121},{"text":"قَدْ لَقُوا اللهَ غَيْرَ بَاغٍ عَلَيْهِمْ ... ثُمَّ أَضْحَوْا فِي غَيْرِ دَارِ التَّنَاسِي\nفَصبرنا لَهُمْ كَمَا عَلِم اللهُ ... وَكُنَّا فِي الْمَوْتِ أَهْلَ تَآسِي\nوقال سيف عن شيوخه: خرج الحارث بن هشام في سبعين من أهله إلى مرتفع الشام فلم يرجع منها إلا أربعة، فقال المهاجر بن خالد في ذلك:\nمَنْ يَسْكُنِ الشَّامَ يُقَدّسْ بِهِ ... وَالشَّام إِنْ لَمْ يَأْتِنَا كَارِبُ\nأَفْنَى بَنِي ريطة فُرْسَانُهُمْ ... عِشْرُونَ لَمْ يُقْصَصْ لَهُمْ شَارِبُ\nوَمِنْ بَنِي أَعْمَامِهِمْ مِثْلُهُمْ ... لِمِثْلِ هَذا يَعْجَبُ الْعَاجِبُ\nطَعْنًا وَطَاعُونًا مَنَايَاهُم ... ذَلِكَ مَا خَطَّ لَنَا الْكَاتِبُ\nوقال الحافظ عماد الدين ابن كثير: عَمواس: بُليدةٌ صَغِيرةٌ بين القدس والرملة، كان الطاعون أول ما نجم بها، ثم انتشر بالشام منها فَنُسب إليها.\nوقال البيهقي في \"دلائل النبوة\": باب ما جاء في إِخْبارِ النبي - ﷺ - بالطاعون الذي وقع بالشام في أصحابه في عهد عمر بن الخطاب - ﵁ -.\nئم أخرج عن عوف بن مالك الأشجعي قال: أتيت رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك وهو في خِبَاءٍ من أَدَمٍ، فقال: \"يا عوف؛ احفظ خِلالًا سِتًّا بين يدي الساعة: إحداهن موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم مُوَتان يظهر فيكم، يستشهد الله به ذراريكم وأنفسكم، ويزكي به أعمالكم، ثم استفاضة المال بينكم\". . . الحديث.\nوأخرج الحاكم عن عوف بن مالك؛ أنه قال في طاعون عَمواس: إن رسول الله - ﷺ - قال: \"اعدد سِتًّا بين يدي الساعة\". قال: فقد وقع منهن ثلاث. يعني: موته، وفتح بيت المقدس، والطاعون. قال: وبقي ثلاث. فقال معاذ: إن لها أمدًا.\nثم وقع الطاعون بالكوفة سنة تسع وأربعين، فخرج المغيرة بن شعبة منها فارًّا. فلما ارتفع الطاعون رجع إليها فأصابه الطاعون، فمات في سنة خمسين. ذكره ابن كثير في \"تاريخه\".\nثم وقع في سنة ثلاث وخمسين، ومات فيها زياد. ذكره في \"مرآة الزمان\".","vol":"1","page":122},{"text":"وقال ابن كثير: في سنة ثلاث وخمسين في رمضان توفي زياد بن أبي سفيان، -ويقال له: زياد ابن أبيه، وزياد بن سُمّية؛ وهي: أمه- مطعونًا.\nوكان سبب ذلك: أنه كتب إلى معاوية - ﵁ - يقول له: إني قد ضبطت لك العراق بشمالي ويميني فارغة. وهو يُعَرِّضُ له أن يستنيبه على بلاد الحجاز أيضًا، فلما بلغ أهل الحجاز جاؤوا إلى عبد الله بن عمر ﵄، فشكوا إليه ذلك، وخافوا أن يلي عليهم زياد فَيَعسِفهم كما عَسَفَ أهل العراق، فقام ابن عمر ﵄ فاستقبل القبلة، فدعا على زياد والناس يُؤمِنون، فَطُعِنَ زياد بالعراق في يده.\nفضاق ذرعًا بذلك؛ واستشار شُريحًا القاضي في قطع يده، فقال له شريح: إني لا أرى لك ذلك؛ فإنه إن لم يكن في الأجل فُسحة لقيت الله أجذم قد قطعت يدك خوفًا من لقائه، وإن كان لك أجل بقيت في الناس أجذم فيعير وَلَدُكَ بذلك، فصرفه عن ذلك.\nوَيُقال: إن زيادًا جعل يقول: أنام أنا والطاعون في فراشٍ واحد؟ ! !\nوأخرج ابن أبي الدنيا، عن عبد الرحمن بن السائب الأنصاري قال: جمع زياد أهل الكوفة، فملأ منهم المسجد والرحبة والقصر؛ ليحرضهم على البراءة من علي بن أبي طالب - ﵁ -.\nقال عبد الرحمن: فإني لمع نَفرٍ من أصحابي من الأنصار والناس في أمرٍ عظيم، فَهُوِّمْتُ تَهْويمة، فرأيت شيئًا أقبل طويل العنق مثل عنق البعير، أهدب أهدل، فقلت: ما أنت؟ فقال: أنا النقاد ذو الرقبة، بُعِثت إلى صاحب هذا القصر. فاستيقظت فزعًا، فقلت لأصحابي: هل رأيتم ما رأيت؟ قالوا: لا. فأخبرتهم. وخرج علينا خَارجٌ من القصر فقال: إن الأمير يقول لكم: انصرفوا عني؛ فإني عنكم مشغول. وإذا الطاعون قد أصابه.\nثم وقع بالبصرة طاعون الجارف:\nوسُمِّي بذلك؛ لأنه جرف الناس كما يجرف السيل الأرض فيأخذ معظمها، واخْتُلِفَ في سنته. فقيل: وقع في سنة أربع وستين، وجزم به ابن الجوزي في \"المنتظم\"، وقيل: كان في شوال سنة تسع وستين.","vol":"1","page":123},{"text":"قال ابن كثير: وهذا هو المشهور الذي ذكره شيخنا الذهبي وغيره، وقيل: سنة سبعين، وقيل: سنة ست وسبعين، وقيل: سنة ثمانين.\nقال ابن كثير: حكاه ابن جرير عن الواقدي، ومات فيه لأنس بن مالك - ﵁ - ثلاثة وثمانون ولدًا، ولأبي بكرة - ﵁ - أربعون ولدًا.\nقال ابن كثير: كان ثلاثة أيام، مات في أول يوم منه من أهل البصرة سبعون ألفًا، وفي اليوم الثاني منه واحدٌ وسبعون ألفًا، وفي اليوم الثالث منه ثلاثة وسبعون ألفًا. وأصبح الناس في اليوم الرابع موتى إلا القليل من آحاد الناس، حتى ذُكِر أن أُم الأمير بها ماتت، فلم يجد من يحملها.\nوقال صاحب \"المرآة\": مات فيه أهل الشام إلا اليسير.\nوقال الحافظ أبو نُعيم الأصفهاني: حدثنا عبيد الله، حدثنا أحمد بن عصام، حدثني معدي، عن رجل يُكنى أبا الفضل وكان قد أدرك زمن الطاعون، قال: كُنا نطوف في القبائل وندفن الموتى، فلما كثروا لم نقدر على الدفن، فكنا ندخل الدار وقد مات أهلها فَنسد بابها.\nفدخلنا دارًا نُفَتشها فلم نجد فيها أحدًا حيّا، فسددناها، فلما مضت الطواعين كُنا نَطوفُ فَننزعُ تلك السُّدَد عن الأبواب، ففتحنا سُدةَ الباب التي كنا قد فتشناها، فإذا نحن بغلام في وسط الدار طَريٌ دهين، كأنما أُخِذ ساعتئذ من حِجر أمه.\nقال: فنحن وقوفٌ على الغلام نتعجب منه، فدخلت كلبةٌ من شق الحائط، فجعلت تلوذُ بالغلام، والغلام يحبو إليها حتى مص من لبنها.\nقال معدي: وأنا رأيت ذلك الغلام في مسجد البصرة قد قبض على لحيته.\nوقال ابن أبي الدنيا في كتاب \"الاعتبار\": حدثني يحيى بن عبد الله الخثعمي، عن محمد بن سلام الجُمحي قال: زعم يحيى أنه لما وقع الطاعون الجارف بالبصرة، وذهب الناس فيه، وعجزوا عن موتاهم، وكانت السباع تدخل البيوت فتصيب من الموتى، وذلك سنة سبعين أيام مُصعب، وكان يموت في اليوم سبعون ألفًا فبقيت جاريةٌ من بني عجل ومات أهلها جميعا، فَسَمِعت عواء الذئب فقالت:","vol":"1","page":124},{"text":"أَلاَ أَيُّهَا الذِّئْبُ الْمُنَادِي بِسَحْرَةٍ ... هَلُمَّ أُنبِّئْكَ الَّذِي قَدْ بَدَا لِيَا\nبَدَا لِي أَنِّي قَدْ يَتُمْتُ وَأَنَّنِي ... بقيَّةُ قَوْمٍ أَوْرَثُونِي الْمَبَاكِيَا\nوَلاَ ضَيْرَ أَنِّي سَوْفَ أَتْبَعُ مَنْ مَضَى ... وَيَتْبَعُنِي مِنْ بَعْدِي مَنْ كَانَ تَالِيَا\nوقال ابن أبي الدنيا: حدثني الفضل بن جعفر، حدثنا أحمد بن محمد البجلي، حدثني محمد بن إبراهيم التيمي قال: نزل بنا حَيٌّ من العرب فأصابهم الطاعون، فماتوا وبقيت جويرية مريضة، فلما أفاقت جعلت تسأل عن أبيها وأمها وأختها، فيقال: مات، ماتت، ماتت. فرفعت يدها وقالت:\nوَلَوْلاَ الأَسَى مَا عِشْتُ فِي النَّاسِ سَاعَةً ... وَلكِنْ مَتَى نَادَيْتُ جَاوَبَنِي مِثْلِي\nقال الحافظ ابن حجر: وكان بمصر سنة ست وستين طاعون، ثم في سنة وفاة عبد العزيز بن مروان سنة خمس وثمانين، وقيل: سنة اثنتين، وقيل: سنة أربع، وقيل: سنة ست، وكان بالشام طاعون سنة تسع وسبعين، ذكره ابن جرير وغيره.\nثم وقع بالبصرة طاعون الفتيات سنة سبع وثمانين.\nوسمي بذلك؛ لكثرة من مات فيها من النساء الشَّوابِ والعذارى.\nقال ابن أبي الدنيا في \"الاعتبار\": حدثني محمد بن علي بن عثام الكلابي قال: سمعت حامد بن عمر بن حفص البكراوي قال: حدثني أبو بحر البكراوي، عن أمه؛ قالت: خرجنا هاربين من طاعون الفتيات، فنزلنا قريبًا من سنام، قالت: وجاء رجل من العرب معه بنون له عشرة، فنزل قريبًا منا، فلم يمض إلا أيام حتى مات بنوه أجمعون، وكان يجلس بين قبورهم فيقول:\nبِنَفْسِي فِتْيَةٌ هَلَكُوا جَمِيعًا ... بِرَابِيَةٍ مُجَاوِرَةٍ سَنَامَا\nأَقُولُ إِذَا ذَكَرْتُ الْعَهْدَ مِنْهُمْ ... بِنَفْسِي تِلْكَ أَصْدَاءٌ وَهَامَا\nفَلَمْ أَرَ مِثْلَهُمْ هَلَكُوا جَمِيعًا ... وَلَمْ أَرَ مِثْلَ هَذَا الْعَامِ عَامَا\nقالت: وكان يُبْكِي من سمعه.","vol":"1","page":125},{"text":"ثم طاعون الأشراف: وقع والحجاج بواسط حتى قيل فيه: لا يكون الطاعون والحجاج في بلد واحد. سُمي بذلك؛ لكثرة من مات فيها من أشراف الناس.\nثم وقع بالشام طاعون، مات فيه ولي العهد أيوب بن الخليفة سليمان بن عبد الملك.\nأخرج ابن أبي الدنيا في \"الاعتبار\" من طريق عبد الله بن المبارك، عن أبي كنانة، قال: أخبرني يزيد بن المهلب قال: حملت حملين مِسكًا من خُراسان إلى سليمان بن عبد الملك، فانتهيت إلى باب ابنه أيوب؛ وهو ولي العهد، فدخلت عليه؛ فإذا دارٌ مجصصةٌ حيطانها وسقوفها خضر، وإذا وصِيف ووصائف عليهم حُلل خُضر وحليٌّ من الزمرد، فوضعت الحملين بين يدي أيوب وهو قاعدٌ على سريره، فانتهب المسك من بين يديه، ثم عُدت بعد أحد عشر يومًا، فإذا أيوب وجميع من معه في داره قد ماتوا بعد إصابتهم بالطاعون.\nوأخرج ابن أبي الدنيا عن حاتم بن عطارد قال: حدثني أبو الأبطال قال: بُعثت إلى سليمان بن عبد الملك ومعي ستة أحمال مسك، فمررت بدار أيوب بن سليمان فَأُدْخِلْتُ عليه، فمررت بدارٍ بيضاء، وما فيها من الثياب والنجد بياض، ثم أُدْخِلْتُ منها إلى دار أخرى صفراء، وما فيها كذلك، ثم أدخلت منها إلى دار حمراء، وما فيها كذلك، ثم أدخلت منها إلى دارٍ خضراء، وما فيها كذلك، فإذا أنا بأيوب على سرير، ولحقني من كان في تلك الدور، فانتهبوا ما معي من المسك، ثم مررت بدار أيوب بعد سبعة عشر يومًا، فإذا الدار بَلاقع. فقلت: ما هذا؟ قالوا: طاعون أصابهم.\nقال ابن أبي الدنيا: كان أيوب ولي عهد أبيه من بعده، قد رشحه للخلافة، فأصابه الطاعون، فمات في حياة أبيه، وكانت وفاته في سنة ثمان وتسعين.\nوقال الحافظ ابن حجر: وقع بالشام طاعون عدي بن أرطاة سنة مئة.\nقُلْتُ: وذلك في خلافة عمر بن عبد العزيز.","vol":"1","page":126},{"text":"وأخرج ابن سعد، عن أرطاة بن المنذر، قال: كان عند عمر بن عبد العزيز نَفرٌ يسألونه أن يَتحفّظَ في طعامه، ويسألونه أن يكون له حَرسٌ إذا صلى؛ لئلا يثور ثائرٌ فيقتله، ويسألونه أن يتنحى عن الطاعون، ويخبرونه أنَّ الخلفاء قبله كانوا يفعلون ذلك.\nقال لهم عمر: فأين هم؟ فلما أكثروا عليه قال: اللهم؛ إن كُنتَ تعلم أني أخاف يومًا دون يوم القيامة، فلا تؤمِّن خَوفي.\nوأخرج محمد بن خلف المعروف بوكيع في كتاب \"الغُرَر من الأخبار\" عن أبي الزناد قال: قال عبد الله بن حسن بن حسن: كنت عند عمر بن عبد العزيز فوقع طاعون بالشام، فقال: ارحل؛ فإنك لن تَغْنَم أهلك مثل نفسك، فقضى حوائجي، وأتبعني إياها.\nقال الحافظ ابن حجر: ثم وقع أيضًا بالشام في سنة سبع ومئة، ثم سنة خمس عشرة، وكذا في \"تاريخ\" ابن كثير.\nوفي \"المرآة\": وقع في سنة ست عشرة طاعون شديد بالشام والعراق، وكان أعظم ذلك في واسط. ذكره ابن كثير أيضًا.\nثم وقع بالبصرة طاعون غُراب؛ وهو رجل مات فيه سنة سبع وعشرين ومئة.\nثم وقع بالبصرة طاعون مسلم بن قتيبة في رجب وشعبان ورمضان سنة إحدى وثلاثين ومئة، ثم خَفّ في شوال، وبلغ في كل يوم ألف جنازة.\nقال ابن سعد: وتوفي فيه إسحاق بن سويد العدوي، وفرقد بن يعقوب السَّبخي، وأيوب السَّختياني.\nقال ابن سعد: وأخبرنا علي بن عبد الله؛ حدثنا سفيان قال: سمعت داود بن أبي هند يقول: أصابني الطاعون فَأُغمي عَليَّ، فكأن اثنين أتياني فغمز أحدهما عكوة لساني، وغمز الآخر أخمص قَدميّ، فقال: أي شيء تجد؟ . قال: تسبيحًا وتكبيرًا، وشيئًا من خطوة إلى المسجد، وشيئًا من قراءة القرآن. قال: ولم أكن أخذت القرآن يومئذ. قال: فكنت أذهب في الحاجة فأقول: لو ذكرتُ الله حتى آتي حاجتي. قال: فعوفيت، فأقبلت على القرآن فَتعلّمتهُ.","vol":"1","page":127},{"text":"هذا كله في الدولة الأموية، بل نقل بعض المؤرخين أن الطواعين في زمن بني أمية كانت لا تنقطع بالشام، حتى كان خلفاء بني أمية إذا جاء زمن الطاعون يخرجون إلى الصحراء، ومن ثم اتخذ هشام بن عبد الملك الرُّصافة منزلًا.\nثم خَفَّ ذلك في الدولة العباسية، فيقال: إن بعض أمرائهم خطب بالشام، فقال: احمدوا الله الذي رفع عنكم الطاعون منذ وُلِّينَا عليكم، فقام بعض من له جراءةٌ، فقال: الله أعدل من أن يجمعكم علينا والطاعون، فقتله.\nوأخرج ذلك ابن عساكر في \"تاريخه\"، وَسمّى الذي قال: جَعوَنة بن الحارث.\nوأخرج ابن عساكر عن الأصمعي قال: لقي المنصور أعرابيًا بالشام، فقال: احمد الله يا أعرابي الذي رفع عنكم الطاعون بولايتنا أهل البيت، قال: إن الله لم يجمع علينا حَشفًا وَسُوء كَيل؛ ولايتكم والطاعون.\nثم كان في سنة أربع وثلاثين بالري، ثم في سنة ست وأربعين ببغداد، ثم في سنة إحدى وعشرين ومئتين بالبصرة.\nقُلْتُ: كذا ذكره الحافظ ابن حجر والمؤرخون قبله، فكان بين هذين الطاعونين خمس وسبعون سنة، وفي هذه المدة كان مولد الإمام الشافعي - ﵁ - ووفاته، فلم يقع في حياته طاعون.\nوبذلك يُعْرف أن قوله السابق: (لم أر للوباء أنفع من البنفسج) لم يُرِد به الطاعون؛ لأنَّ الوباء غير الطاعون، كما تَقدّم الفرق بينهما، ويحتمل أنه أراد الطاعون، والمراد: الذي نَصَل صاحبه وقام واحتاج إلى علاجه، فَيدّهِنُ به كما يستعمل الناس الآن في علاجه الدهان بزبد اللبن البقري ودهن اللوز.\nوظن طائفةٌ من الناس أنَّ مراد الإمام: أنَّ الادهان بدُهن البنفسج يمنع الطاعون من أصله، وليس كما ظنوه، والله أعلم.\nثم في سنة تسع وأربعين ومئتين بالعراق.\nثم في سنة ثمان ومئتين بأذربيجان وبرذعة، فمات لمحمد بن أبي الساج ثمانون ولدًا. ذكره صاحب \"المرآة\".","vol":"1","page":128},{"text":"ثم في سنة تسع وتسعين ومئتين بأرض فارس.\nثم في سنة إحدى وثلاث مئة ببغداد.\nثم في سنة أربع وعشرين وثلاث مئة بأصبهان.\nثم في سنة ست وأربعين وثلاث مئة بالعراق، وكثر فيه موت الفَجأة، حتى إن القاضي لبس ثيابه ليخرج إلى الحُكْم، فمات وهو يلبس إحدى خفيه.\n\nتَذنيبٌ\nرأيت في كتاب \"نِشْوار المحاضرة\" للتنوخي أن موت الفجأة وقع للناس في كل حال، منهم من مات وهو يُصلي، ومنهم من مات وهو يأكل، ومنهم من مات وهو يمشي، ومنهم من مات بالجامع، ومنهم من مات في الحمام.\nوفي جميع الأحوال إلَّا حالة واحدة وهي الخطبة، فلم يُنقل قط أن خطيبًا مات فجأة على منبر.\nثم وقع في سنة أربع مئة بالبصرة.\nثم وقع في سنة ثلاث وعشرين وأربع مئة طاعونٌ عظيمٌ ببلاد الهند والعجم، وبلاد الجبل وامتد إلى بغداد، وَفَنِيَ الناس، ولم يشاهدوا مثله، ومات بالموصل في هذه السنة أربعة آلاف صبي بالجدري.\nثم وقع بشيراز سنة خمس وعشرين وأربع مئة، ووصل إلى البصرة وبغداد.\nثم في سنة تسع وثلاثين وأربع مئة بالموصل والجزيرة وبغداد، بحيث صَلّى الجمعة بالبصرة أربع مئة نفس، وكانوا أكثر من أربع مئة ألف.\nثم وقع سنة ثمان وأربعين بمصر والشام وبغداد.\nثم وقع بالعجم سنة تسع وأربعين.\nثم وقع بمصر سنة خمس وخمسين وأربع مئة، ودام فيها عشرة أشهر.\nثم بدمشق سنة تسع وستين، وكان أهلها نحو خمس مئة ألف، فلم يبق منهم سوى ثلاثة آلاف وخمس مئة.","vol":"1","page":129},{"text":"ثم وقع في سنة ثمان وسبعين وأربع مئة بالعراق.\nثم في سنة اثنتين وخمسين وخمس مئة بالحجاز واليمن.\nثم في سنة خمس وسبعين وخمس مئة ببغداد.\nثم في سنة تسع وأربعين وسبع مئة لم يُعهد نظيره في الدنيا؛ فإنه طَبّق الأرض شرقًا وغربًا، ودخل البلاد كلها حتى دخل مكة المشرفة، ووقع في الحيوانات أيضًا، وعمل فيه ابن الوردي مقامةً مشهورة.\nوقلت في ذلك:\nفِي عَامِ تِسْعَةٍ وَأَرْبَعِينَا ... مِنْ بَعْدِ سَبْعِ مِئَةٍ سِنِينَا\nقَدْ دَهَمَ الْخَلائِقَ الطَّاعُوْنُ ... وَمَا أَرَادَ رَبُّنَا يَكُونُ\nطَبَّقَ الأَرْضَ مَشْرِقًا وَمَغْرِبًا ... أَوْسَعَ طَعْنًا فِي الْوَرَى وَمَضْرِبَا\nأَهَلَّ نِصْفَ النَّاسِ بَلْ وَأَكْثَرَا ... وَأَدْخَلَ الْفَنَاءَ فِي أُمِّ الْقُرَى\nفِيْ الْحَيَوَانِ قَدْ بَدَا تَأْثِيرُهُ ... لَمْ يُرَ فِي الدُّنْيَا أَخُو نَظِيرُهُ\nفِيهِ مَقَامَة عَنِ ابْنِ الْوَرْدِي ... خُذْ هَذِهِ عَنِ السِّيُوطِي الْفَرْدِ\nنَاظِمُهُ مُحَمَّدُ الْبَرْزَنْجِي ... يَرْجُو النَّجَاةَ وَالإِلهُ الْمُنْجِي\nوقال ابن أبي حَجَلة: مات فيه على جهة التقريب نصف العالم أو أكثر، وبلغ الموت في القاهرة كل يوم زيادةً على عشرين ألفًا.\nثم وقع في سنة أربع وستين وسبع مئة بالقاهرة ودمشق.\nثم في سنة إحدى وسبعين بدمشق.\nثم في سنة إحدى وثمانين بالقاهرة.\nثم في سنة إحدى وتسعين.\nثم في سنة ثلاث عشرة وثمان مئة.\nثم في سنة تسع عشرة.","vol":"1","page":130},{"text":"ثم في سنة إحدى وعشرين.\nثم في التي تليها.\nثم في سنة ثلاث وثلاثين وثمان مئة، وهو أوسع هذه الطواعين كلها.\nولم يقع بمصر بعد الطاعون العام الذي كان في سنة تسع وأربعين وسبع مئة نظير هذا.\nثم وقع في سنة إحدى وأربعين بمصر، وكان خفيفًا وأكثر ما بلغ في اليوم ألف نفس.\nثم وقع في سنة تسع وأربعين في ذي الحجة، ودام إلى ربيع الأول سنة خمسين.\nثم في سنة ثلاث وخمسين، وبلغ في كل يوم خمسة آلاف.\nثم في سنة أربع وستين بمصر والشام.\nثم في سنة ثلاث وسبعين بهما.\nثم في سنة إحدى وثمانين وثمان مئة.\nثم بالروم سنة ست وتسعين وثمان مئة، ودخل حلب في افتتاح سنة سبع وتسعين.\nثم وصل إلى مصر في شهر ربيع الآخر منها، أحسن الله ختامها في خير.\nهذا كلام الحافظ السيوطي ﵀.\nوقد وقع بعده أيضًا طواعين كثيرة يطول ذكرها.\nومنها: استباحة مكة:\nعن الحسين بن علي ﵄ أنه حين خرج إلى الكوفة فنصحوه في الخروج قال: إن أبي حدثني أنه تُستحل حرمتها، ولأن أُقتل خارجها بشبر أحب إلي من أن أُقتل داخلها ... الحديث.\nوهذه وقعت في زمن يزيد كما مر، وفي زمن عبد الملك حين أرسل الحجاج، وقتل ابن الزبير - ﵁ -، وهدم البيت، وفي زمن أبي طاهر القَرمطي كما مر أيضًا.","vol":"1","page":131},{"text":"ووقع بعد ذلك مرات قُتِلُوا بها جماعة من الأشراف من بني حسن، وسيقع قبيل خروج المهدي.\nوآخر من يَستبيحُها ذو السَّويقتين من الحبشة؛ فإنه يبيحها ويهدم البيت حجرًا حجرًا.\nوهذان سيأتيان في الباب الثالث إن شاء الله تعالى.\nومن راجع التواريخ؛ كتاريخ مصر، والشام، وبغداد، وغيرها، ولاسيما تاريخ بغداد لابن الجوزي المسمى بـ\"المنتظم\" وجد من ذلك شيئًا كثيرًا لا يُعد ولا يُحصى، فلنكتف من هذا القسم بهذا المقدار؛ فإنما المقصود التنبيه على وقوعه لا التحذير منه؛ فإنه قد فات، وإنما الحذر مما يأتي، وبالله التوفيق، والحمد لله رب العالمين.\n\nخَاتمَة\nالفتن الواقعة بين الصحابة رضوان الله عليهم، الحَقُّ في كلها مع أمير المؤمنين عليّ كرّم الله وجهه، وأنه المُصيب (١) دائمًا وغيره المُخطئُ؛ لقوله - ﷺ -: \"عَليٌّ مع القرآن والقرآن معه\"، وقوله: \"عَليٌّ يدور مع الحق حيث دار\"، وقوله: \"يا عَلي؛ تُقَاتِل على تأويل القرآن كما قَاتلتُ أنا على تنزيله\".\nوقوله للزبير - ﵁ -: \"تُقَاتله وأنت له ظالم\"، وقوله: \"ما خُيِّر عمار بين أمرين إلا اختار أرشدهما\"، وقوله: \"عمار تقتله الفئة الباغية\".\nوعمار كان معه، وقتل في صفين؛ قتله أصحاب معاوية - ﵁ -.\nولقول حذيفة - ﵁ - حين قال: سيكون قتال بين المسلمين. فسئل مع من نكون؟ فقال: انظروا إلى الفئة التي تدعو إلى أمر عليِّ، فكونوا معها، فإنها على الحق.\nوغير ذلك من الأحاديث.\n_________\n(١) جزم ابن عابدين (٣/ ٣٣٨) بأنه كان مصيبًا وغيره كان مخطئًا. (ز).","vol":"1","page":132},{"text":"وحينئذ فنقول: أما طلحة، والزبير، وعائشة ﵃ فهم مُجتهدون قطعًا؛ لأنهم لم يطمعوا في الخلافة، ولم يكونوا جَاهلين بفضل أمير المؤمنين عليّ - ﵁ - وعلمه وقرابته وسابقته، وإنما حملهم على ذلك طلب دم عثمان - ﵁ - لِمَا أَدّى إليه اجتهادهم من وجوب قتلهم على الإمام، وكان أمير المؤمنين عليّ - ﵁ - ينتظر مُحاكمة الورثة إليه، وإقامة البينة على القاتل.\nوقد كان طلحة والزبير ﵄ من أهل بدر، وقد قال - ﷺ - لعمر في قصة حاطب بن أبي بلتعة - ﵁ -: \"وما يُدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم؟ ! \".\nوقال لغلام حاطب حين شكاه إليه: يا رسول الله؛ إن حاطبًا يدخل النار، قال: \"كذبت، لا يدخل النار؛ إنه شهد بدرًا والحديبية\"، ولأنهما من العشرة المبشرين بالجنة، وبشارته - ﷺ - حق، ولأنهما رجعا عن الخروج وتابا.\nأما الزبير - ﵁ -: فحين ذَكّره عَليٌّ - ﵁ - بالحديث ترك القتال، وخرج من العسكرين.\nوأما طلحة - ﵁ -: فبعدما جُرح وأُثْخِنَ، مرَّ به رَجلٌ من أصحاب علي - ﵁ - فسأله: ممن أنت؟ قال: من أصحاب علي. قال: مُدَّ يدك أبايعك عن علي. فلما سمع علي - ﵁ - ذلك قال: صدق رسول الله - ﷺ -؛ أبى الله أن يَدخُل طلحة الجنة إلَّا وبيعتي في عنقه. كما تقدم.\nوقال: أرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير من الذين قال الله فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾. وَأكرم ابن طلحة، وَردّ عليه جميع ماله.\nوأما عائشة ﵂: فإنها زوج النبي - ﷺ - في الدنيا والآخرة؛ كما ثبت في \"الصحيح\"، ولأنها أرادت الرجوع من الطريق حين سمعت كلاب حوأب نبحتها، وتذكرت الحديث.\nفقالوا: بل تَقدّمين، لعل الله أن يُصلح بك ذات بين المسلمين، فما قصدت إلَّا الصُّلح لا الفساد. وإنما قَتلةُ عثمان - ﵁ - أنشبوا الحرب خِيفةً على أنفسهم،","vol":"1","page":133},{"text":"ولأنها أُمُّ المؤمنين وَحَبيبةُ رسول الله - ﷺ -، فكلهم مأجورون، إلا أن عليا له أجران؛ أجر الاجتهاد، وأجر الإصابة، وغيره له أجر الاجتهاد فقط.\nوأما معاوية - ﵁ -: فهو وإن كان باغيًا لم يدخل في البيعة، بل كان طالبًا للمُلك، وإنما جعل طلب الدم وسيلة إلى طاعة أهل الشام له، وقد ظهر له بغيه بقتل عمار بن ياسر (١) - ﵁ -، فأخبروه بأن النبي - ﷺ - قال لعمار: \"إنما تقتلك الفئة الباغية\" (٢)، ولأنه لما تَولّى بعد نزول الحسن - ﵁ - عن الخلافة لم يَقتُل (٣) أحدًا بدم عثمان - ﵁ - ولا طالبه، ولم يكن له سابقة ولا هجرة على الأصح، فإنه من مُسلِمَةُ الفتح.\nوقد قال عمر - ﵁ -: إن هذا الأمر في أهل بدر والمهاجرين الأولين ما بقي منهم أحد، وليس لطَليقٍ ولا لمُسلمة الفتح فيه نصيب.\nلكنه لكونه صِهرًا لرسول الله - ﷺ -، وكاتبًا للوحي، وله صحبة، وقد قال - ﷺ -: \"إذا ذُكِر أصحابي فأمسكوا\"، وقال: \"الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضًا بعدي. . .\" الحديث ينبغي الإمساكُ عن ذكره إلا بخير، على أنه - ﷺ - قد أخبره بأنه يتَولّى وقال: \"يا معاوية؛ إذا وُليتَ فأحسن\"، ودعا له فقال: \"اللهم؛ اجعله هاديًا مهديًا، واهد به\".\nوقال أمير المؤمنين عَليٌّ - ﵁ -: لا تكرهوا إمرة معاوية، والله لو فقدتموه لرأيتم الرؤوس تنزل عن كواهلها كالحنظل.\nوأما الحَرُورية: فلا حاجة إلى الاعتذار عنهم بعدما قال - ﷺ -: \"يمرقون من الدِّين مروق السهم من الرمية\"، ونحوه من الأحاديث.\n_________\n(١) لكن بعد ثبوت أنه قتله شيعته، وقيل: قتلته الخوارج؛ كما في العيني (٢/ ٣٩٣). (ز).\n(٢) لكن للمخالف أن طلحة - ﵁ - كان ممن قتله جماعة علي - ﵁ -، وكان ممن قضى نحبه؛ كما في الترمذي (٢/ ١٦٩)، وبسطه في \"الكوكب\" (ج ٢)، والسيوطي في \"الدر\" (٥/ ١٩١) (ز).\n(٣) ذكر الحافظ في \"تهذيبه\" في ترجمة محمد بن أبي بكر: أنه قتله وجماعة كبيرة غيره في دم عثمان - ﵁ - (ز).","vol":"1","page":134},{"text":"وأما يزيد (١)، وبنو الحكم: فهم ملعونون على لسان النبي - ﷺ -، ولذا قال أحمد ابن حنبل حين سأله ابنه عن لعن يزيد: كيف لا يُلعن من لعنه الله في كتابه، فقال: قد قرأت كتاب الله، فلم أر فيه لعن يزيد. فقال: إن الله يقول: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾، وأي فساد وقطيعة رحم أَشدُّ مما فعله يزيد يا بني؟ ! ! .\nنعم؛ عمر بن عبد العزيز من الأئمة الراشدين، والخلفاء المهتدين، ويجب استثناؤه من بني أمية؛ كما استثناه النبي - ﷺ - حيث قال: \"إلا الصالحون منهم، وَقليلٌ مَا هُمْ\"، بخلاف بقية بني أمية كما مر.\nوكذلك من بعدهم؛ من بني العباس؛ وغيرهم، فأكثرهم أو عامتهم ظَلمةٌ فَسقةٌ، وأحسن من فيهم المتوكل؛ وهو كان في النَّصْب بحيث هدم قبر الحسين - ﵁ -، وجعله مزرعة، ومنع الناس زيارته، وقال في ذلك بعض الشعراء شعرًا:\nتاللهِ إِنْ كَانَتْ أُمَيَّةُ قَدْ أَتَتْ ... قَتْلَ ابْنِ بِنْتِ نَبِيِّهَا مَظْلُومَا\nفَلَقَدْ أتاهُ بَنُو أَبِيْهِ بِمِثْلِهِ ... هَذَا لَعَمْرُكَ قَبْرُهُ مَهْدُومَا\nأَسِفُوا عَلَى أَنْ لاَ يَكُونُوا شَارَكُوا ... فِي قَتْلِهِ فتَتَبَّعُوهُ رَمِيمَا\nوَحكى ابن خلكان في ترجمة ابن السِّكِّيت: أنه كان جالسًا يومًا مع المتوكل، وكان يُؤَدّبُ أولاده، فجاء ولداه؛ المعتز، والمؤيد، فقال: يا يعقوب؛ أيما أحب إليك: ابناي هذان، أم الحسن والحسين؟ فقال: والله إن قَنبر خادم علي بن أبي طالب خَيرٌ منك ومن ابنيك. فقال المتوكل للأتراك: سُلُّوا لسانه من قفاه. ففعلوا، فمات ليلة الإثنين لخمس خلون من شهر رجب سنة أربع وأربعين ومئتين، ثم أرسل المتوكل لولده عشرة آلاف درهم وقال: هذا دية والدك. انتهى\n_________\n(١) أنكر الغزالي ﵀ في \"الإحياء\" (٣/ ١٠٨) جواز لعنه. انظر: \"شرح الإحياء\" (٧/ ٤٨٨)، و\"حياة الحيوان\" (٢/ ١٨٦)، و\"تهذيب التهذيب\" (ج ١٢)، و\"الشامي\" (٢/ ٥٨٧)، و\"الفتاوى الرشيدية\" (١/ ٣/ ٢٦)، و\"فتاوى عبد الحي اللكنوي\" (١/ ٣٦) و\"شرح العقائد\" (ص ١١٧). وتقدم أيضًا في \"الإشاعة\" (ص ٦١) (ز).","vol":"1","page":135},{"text":"وهذا إن صَحَّ فهو الغاية في التعصُّب، ولعله لا يصح.\nنعم؛ كان المهتدي منهم زاهدًا يتأسَّى بعمر بن عبد العزيز في هديه، لكنه قُتِل بعد سَنةٍ، ولم تَطُل مُدته.\nهذا، وأما ما توسع فيه الرافضة من سَبّ السلف الصالح حتى الصحابة الكرام، سيما الشيخين فخروج من طريق العقل والنقل، وضلال مُبين، وإلحادٌ في الدِّين، وتَجهيلٌ لجميع المسلمين حتى علي - ﵁ - أمير المؤمنين.\nكلا ثم كلا، بل هم خير أُمةٍ أُخرجت للناس بشهادة القرآن، وشُهداء الله على الأمم يوم الحشر والميزان، وهم أهل بَدرٍ وأُحُدٍ وبيعة الرضوان، اختارهم الله لصُحبة نبيه - ﷺ - من بين الأكوان، لم تكن فيهم شائبة نفسانية، ولا مَيلٌ إلى الباطل والعدوان.\nوقد صح عن علي - ﵁ - أنه قال: أبو بكر خَير من مؤمن آل فرعون؛ إنه كان يَكتمُ إيمانه، وأبو بكر كان يُظهر إيمانه، ويدفع عن النبي - ﷺ - ويقول: أتقتلون رجُلًا أن يقول ربي الله.\nوقال حين سأله ابنه محمد ابن الحنفية: مَنْ خير الناس؟\nقال: أبو بكر. قال: ثُمّ مَنْ؟ قال: عمر. قال: ثُمّ أنت يا أبت؟ قال: إنما أبوك رَجل من المسلمين.\nوقال: سبق رسول الله - ﷺ -، وصَلَّى أبو بكر، وَثلّث عمر، ثم غشيتنا فِتنٌ، فلا حول ولا قوة إلَّا بالله.\nوقوله: (صَلّى أبو بكر)؛ معناه: أنه تلا رسول الله - ﷺ - في الإمامة أو في الفضل؛ من قولهم: فرسٌ مُصَلٍّ: إذا كان ثانيًا في ميدان السبق.\nويُؤيده حديث: \"كنت أنا وأبو بكر كفرسي رِهان، سبقته فآمن بي، ولو سبقني لآمنت به\"، لكن فيه مقال، بل قيل بوضعه، والله أعلم.\nوالأحاديث الواردة في فضلهما، بل وفضل عثمان ﵃ وعن عليّ كرّم الله وجهه وأبرار أهل بيته؛ تنوف عن مئتين، فرحم الله امرأً عرف قدره، وعرف","vol":"1","page":136},{"text":"لهم حقهم، فأحبهم بحب رسول الله - ﷺ - ولم يهلك مع الهالكين، والعياذ بالله تعالى.\n\nفائِدَة\nقد تُفهم الإشارةُ إلى مدح الخلفاء الراشدين وأهل الشورى، وذم من بعدهم والباغين عليهم من الآيات التي في سورة الشورى بعد قوله تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾.\nفقوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ إشارة إلى الصديق - ﵁ -.\nأما إيمانه: فيشهد له قوله - ﷺ -: \"لو وُزِنَ إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح بهم إيمان أبي بكر\".\nوأما توكله: فيشهد له قوله - ﷺ -: \"يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب، أبو بكر منهم\". قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: \"هم الذين لا يرقون ولا يسترقون، ولا يكوون ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون\".\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ إشارةٌ إلى عمر - ﵁ -.\nأما تركه للفواحش: فيشهد له حديث: \"ما سَلكتَ فجًا إلا سلك الشيطان فجًا غير فجك\".\nوأما مغفرته عند الغضب: فيدل له حديث عيينة بن حصن لما دخل عليه، فقال: هيه يا بن الخطاب؛ فوالله إنك لا تعطينا الجزل، ولا تقسم فينا بالعدل. فغضب عمر - ﵁ - حتى همّ أن يُوقع به.\nفقال ابن أخيه حُرُّ بن قيس: يا أمير المؤمنين؛ إن الله تعالى يقول: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾، وهذا من الجاهلين. فوالله ما تعداها عمر حين سمعها، وكان وَقافًا عند كتاب الله - ﵁ -.\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ إشارةٌ إلى أصحاب الشورى، ومنهم عثمان وعليّ ﵃.","vol":"1","page":137},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ إشارة إلى عثمان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهما، ونحوهما.\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ إشارةٌ إلى عليّ كرّم الله وجهه، وأن ما فعله من انتصاره على أهل البغي مما يُثَابُ ويُمدح عليه.\nوكذلك قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ إشارة إلى عفوه وكرمه. ومن ثَمّ نادى يوم الجمل: أن لا يُتبع منهزمهم، ولا يُجهز على جريحهم، ولا تؤخذ أموالهم.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ إشارةٌ إلى نُزولِ الحسن بن علي ﵄ عن الخلافة، وعفوه عن إساءة معاوية - ﵁ - وأهل الشام، وإصلاحه بين المسلمين، وحقنه دماءهم.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾: إشارةٌ إلى من ظلَم المذكورين وقتلَهم، أو بغى عليهم؛ كقاتِل عمر وقتلَة عثمان وقاتِل علي ﵃، والخارجين عليه؛ كالحرورية.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ إشارةٌ إلى الحسين بن علي ﵄ وقيامه على يزيد، وقتاله على حقه إلى أن قتل هو وأهل بيته.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ إشارةٌ إلى يزيد ومن بعده من بني أمية وغيرهم، والله أعلم برموز كتابه، وأسرار خطابه.\n\nتنبيه\nورد عنه - ﷺ - أنه قال: \"الآيات بعد المئتين\"، وهذا يحتمل بعد المئتين من الهجرة، ويحتمل بعد المئتين بعد الألف.\nويُؤيد الأول: أن جميع أو أكثر الآيات المذكورة؛ من الزلازل، والرياح، والرجفات، ومطر الدم، والحجارة، وفتن الاعتزال، والقرامطة، والزنج، وصياح الطير، والصيحة من السماء، والغرق، والنار، وغير ذلك مما مر مُفصلًا إنما وقعت","vol":"1","page":138},{"text":"بعد المئتين في أواخر خلافة المأمون، إلى أن كَثُر في زمن المتوكل جدًا، وتوالى.\nويَدُل له أيضًا حديث: \"خياركم بعد المئتين كل خفيف الحاذ\"، وما رُوي مع ضَعفٍ: \"لا يولد بعد المئتين مولود لله فيه حاجة\".\nوعلى هذا، فلا يتقيد ظُهور الآيات القريبة من الساعة بما بعد المئتين بعد الألف، ولو سُلّم أن المراد هو الاحتمال الثاني، وأنه المئتان بعد الألف فلا يلزم تأخر المهدي إلى ذلك الوقت؛ لجواز أن يخص الآيات ببعضها؛ كالدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وهدم الكعبة، ونحوها.\nوعلى كل تقدير: فظهور المهدي على رأس هذه المئة محتمل احتمالًا قويًا ظاهرًا، وإن تأخر عنها فلا يتأخر عن المئة الثانية قطعا (١).\nونسأل الله تعالى أن يُميتنا على الإيمان غير مفتونين ولا مُبدّلين.\nوكل واحدةٍ من هذه الفتن تحتمل مُجلدًا، بل تفصيلها يحتمل مجلدات، وإنما اختصرنا وأشرنا إليها إشارةً؛ لأنها غير مقصودة حيث مضت، والمقصود ما نحن بصدده، ولئلا يَمَل السامعون، ولأن الوقت لا يَسعُ غير ذلك؛ فإن الموسم قريب، ولأن تفصيلها يُورث قسوة القلب والضَغائِن وما لا ينبغي، والمهم ذكر ما يلين القلوب ويحزنها ويزجرها عن الغفلة.\nوالحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وصحبه أجمعين.\n_________\n(١) سيأتي التعليق على هذه المسألة لاحقًا في حاشية (ص ٣٤٤).","vol":"1","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>البابُ الثّاني في الأَمَارَاتِ المتَوَسِّطة الّتي ظَهَرَت وَلَم تَنقَضِ</span>","vol":"1","page":141},{"text":"الباب الثاني في الأَمَارَاتِ المتَوَسِّطةِ التي ظَهَرَت وَلَم تَنقَضِ\nبل تتزايد إلى أن تتكامل وتتصل بالقسم الثالث، ولنسرد أحاديثها اختصارًا.\nفمنها: \"لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لُكع بن لُكع\" رواه أحمد، والترمذي، والضياء عن حذيفة - ﵁ -، وابن مردويه عن علي كرّم الله وجهه.\nاللُّكع: العبد، أو الأحمق، أو اللئيم؛ أي: حتى يكون اللئام أو الحمقاء أو العبيد رؤساء الناس.\nومنها: \"يأتي على الناس زمانٌ الصابر على دينه كالقابض على الجمر\" رواه الترمذي عن أنس - ﵁ -، كناية عن: عدم المُسَاعِد والمُعَاوِن على الدِّين.\nومنها: \"يكون في آخر الزمان عُبادٌ جُهال، وقراء فسقةٌ\" رواه أبو نُعيم، والحاكم عن أنس - ﵁ -.\nومنها: \"لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد\" رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وابن حِبّان، عن أنس - ﵁ -.\nومنها: \"من أشراط الساعة: الفُحش، والتفحش، وقطيعة الرحم، وتخوين الأمين، وائتمان الخائن\" رواه الطبراني عن أنس - ﵁ -.\nومنها: \"من اقتراب الساعة: انتفاخ الأهلة، وأن يُرى الهلال قَبَلًا -بفتحتين؛ أي: ساعة ما يطلع- فيقال: لليلتين\" رواه الطبراني عن ابن مسعود، وأنس ﵄.","vol":"1","page":143},{"text":"ومنها: \"أن تتخذ المساجد طرقًا، وأن يظهر موت الفجأة\" رواه الطبراني عن أنس - ﵁ -.\nومنها: \"من اقتراب الساعة: كثرة القَطر -أي: المطر-، وقلة النبات، وكثرة القراء -أي: العباد-، وقلة الفقهاء، وكثرة الأمراء، وقلة الأمناء\" رواه الطبراني عن عبد الرحمن بن عمرو الأنصاري.\nومنها: \"يذهب الصالحون الأول فالأول، وتبقى حُثَالةٌ كحثالة الشعير أو التمر\" رواه أحمد، والبخاري، عن مرداس الأسلمي.\nومنها: \"لا تقوم الساعة حتى يكون الزهد رِواية، والورع تصنعًا\" رواه أبو نعيم في \"الحلية\" عن أبي هريرة - ﵁ -.\nومنها: \"أنَّ من أعلام الساعة وأشراطها أن يكون الولد غيظًا، وأن يكون المطر قيظًا، وأن يفيض الأشرار فيضًا\" رواه الطبراني عن ابن مسعود - ﵁ -.\nأي: يكون الولد غيظ أبيه وأمه؛ أي: يعمل ما يغيظهما بعقوقه لهما، ولا يكون طوعهما، ويكون المطر في الصيف؛ فلا يُنبت شيئًا.\nوهذا قريبٌ مما مر أنَّ من أشراطها: كثرة القطر، وقلة النبات.\nو(فيض الأشرار): كثرتهم؛ أي: يكثر الشرار كثرةً.\nومنها: \"أنَّ من أعلام الساعة، وأشراطها: أن يُصدّق الكاذب، وأن يُكذّب الصادق\" رواه الطبراني عن ابن مسعود - ﵁ - (١).\nومنها: \"أنَّ من أعلام الساعة، وأشراطها: أن يؤتمن الخائن، وأن يُخَوّن الأمين، وأن يتواصل الأطباق -أي: الأباعد والأجانب-، وتقطع الأرحام\" رواه الطبراني عن ابن مسعود - ﵁ -.\nومنها: \"أنَّ من أعلام الساعة وأشراطها: أن يَسُود كل قبيلة مُنافقوها، وكل سُوقٍ فُجارها\" رواه الطبراني عن ابن مسعود - ﵁ -.\n_________\n(١) ذكره في \"مجمع الزوائد\" (٧: ٣٢٣) مفصلًا (ز).","vol":"1","page":144},{"text":"ومنها: \"أنَّ من أعلام الساعة، وأشراطها: أن يكون المُؤمن في القبيلة أذل من النقد\" رواه الطبراني عن ابن مسعود - ﵁ -.\n(النقد): صِغار الغنم.\nومنها: \"أن! من أعلام الساعة، وأشراطها: أن تزخرف المحاريب وأن تخرب القلوب\" رواه الطبراني عنه.\nومنها: \"أنَّ من أعلام الساعة، وأشراطها: أن يكتفي الرجال بالرجال، والنساء بالنساء\" رواه الطبراني عنه.\nوهو كناية عن: كثرة اللواط في الرجال، وكثرة السِّحَاق في النساء.\nومنها: \"أنَّ من أعلام الساعة، وأشراطها: أن تكثف المساجد، وأن تعلو المنابر\" رواه الطبراني عنه.\nو(المنابر): يجوز أن يكون بالموحدة جمع مِنْبَر، وأن يكون بالمثناة جمع مِنَارة، وكلاهما واقع.\nومنها: \"أنَّ من أعلام الساعة وأشراطها: أن يُعمر خَرابُ الدنيا، ويُخرب عِمرانها\" رواه الطبراني عنه، وابن عساكر عن محمد بن عطية السعدي.\nأي: يُخرب البلدُ العامر ويبنى بمحلٍّ آخر، كما نقل مصر إلى القاهرة، وكما نقل الكوفة إلى نجف.\nومنها: \"أنَّ من أعلام الساعة، وأشراطها: أن تظهر المعازف، وتشرب الخمور\" رواه الطبراني عنه.\nالمعازف؛ بالعين المهملة، والزاي المعجمة: جمع عزف.\nقال في \"النهاية\": وهي الدفوف وغيرها مما يضرب، وقيل: كل لعب عزف.\nومنها: \"أنَّ من أعلام الساعة وأشراطها: أن تكثر الشُّرط، والهمازون، والغمازون، واللمازون، وأن يكثر أولاد الزنا\" رواه الطبراني عن ابن مسعود - ﵁ -.","vol":"1","page":145},{"text":"و(الشُّرط)؛ بضم المعجمة، وفتح المهملة: هم أعوان السلطان.\nقال السخاوي: وهم الآن أعوان الظلمة، ويُطلق غالبًا على أقبح جماعة الوالي ونحوه، وربما توسع في إطلاقه على ظلمة الحُكام. انتهى\nو(الهمز): الغيبة والوقيعة في الناس وذكر عيوبهم، وهمز يهمز فهو هَمّازٌ وَهُمَزة؛ للمبالغة، ومثله: اللَّمزُ، فهو لَمازٌ ولُمَزة، ومنه قوله تعالى: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾.\nوقيل: اللَّمزُ: هو العيب في الوجه، والهمز: العيب بالغيبة.\nومنها: \"أنَّ بين يدي الساعة: تسليم الخاصة، وفشو التجارة حتى تُعين المرأة زوجها على التجارة، وقطع الأرحام، وفشو القلم، وظهور الشهادة بالزور، وكتمان شهادة الحق\" رواه أحمد، والبخاري، والحاكم وصححه، عن ابن مسعود - ﵁ -.\nو(فشو القلم) كنايةٌ عن كثرة الكَتَبةِ وقلة العلماء؛ يعني: يكتفون بتعلم الخط؛ ليخالطوا الحكام.\nومنها: \"إذا استحلّت هذه الأمة الخمر بالنبيذ -أي: يشربونها، ويسمونها النبيذ، والنبيذ في المعنى هو الخمر؛ لأنها: كل مُسكر مائع -والربا بالبيع- أي: يتحيلون بإظهار الربا في صورة البيع -والسُّحت بالهدية- أي: يأكلون الرشوة والحرام الصرف، ويسمونها: هدية -واتجروا بالزكاة- أي: يُعطون الزكاة لأجرائهم، أو يتعارضون بالزكاة، فيعطي هذا لهذا، وبالعكس-\".\nومنها: \"إذا استغنى النساء بالنساء، والرجال بالرجال فبشرهم بريحٍ حمراء تخرج من قبل المشرق، فيَمسخ بعضهم، ويَخسف ببعض، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون\" رواه الديلمي عن أنس - ﵁ -.\nومنها: \"إذا اتخذ الفيء دُولًا\" رواه الترمذي عن أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":146},{"text":"قال في \"الفائق\": الدُّول؛ بضم الدال وفتحها: ما يدول الإنسان -أي: يدور- من الحظ.\nوقال في \"النهاية\": هو الدُّول؛ بضم الدال وفتح الواو: جمع دُولة بالضم، وهو ما يتداول من المال، فيكون لقوم دون قوم.\nومعناه: إذا اختص الأغنياء وأصحاب المناصب بأموال الفيء، ومنعوا عنها مُستحقيها.\nومنها: \"أن تتخذ الأمانة مَغْنمًا، والزكاة مَغْرمًا، ويُتعلم لغير الدِّين\" رواه الترمذي عنه.\nومعناه: أن يذهب المؤتمنون بأمانات الناس وودائعهم ويتخذونها مغانم كأنها غنيمة وقعت في أيديهم، ويَعُد الناس الزكاة غرامة؛ أي: يَشُق عليهم أداؤها كما يشق عليهم الغرامات.\nويتعلمون لغير الدين؛ أي: يحملهم على التعلم غير الدين، من طلب المقاصد الدنية الردية، والمناصب الدنيوية.\nومنها: \"إذا أطاع الرجل امرأته وعقَّ أمه، وأدنى صديقه وأقصى أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد\" رواه الترمذي عنه.\nومعناه: يُقرب صديقه ويُكرمه، ويُبعد أباه ويؤذيه، ويكثُر اللغط في المساجد بحديث الدنيا، كأنهم جالسون في ناديهم، لا في مسجدهم.\nومنها: \"إذا ساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وَأُكرِمَ الرجل مخافة شره\" رواه الترمذي عنه.\nيعني: يكون فاسق القوم كبيرهم وسيدهم، و(الزعيم) من يتكفل بأمر القوم ويقوم به.\nو(الرُّذّل): الرديء من كل شيء، أي: يقوم بأمرهم أردَؤُهم.\nومنها: \"إذا ظهرت القِينَات -أي: المغنيات- والمعازف، وشُربت الخمور، ولعن آخر هذه الأمة أولها\" رواه الترمذي عنه.","vol":"1","page":147},{"text":"وقد ظهر لعن آخر هَذه الأمة أولها في الرافضة قبَّحهم الله تعالى.\nومنها: \"إذا اقترب الزمان كثُر لُبس الطيالسة، وكثرت التجارة، وكثر المال، وعُظِّم رب المال لماله، وكثرت الشُّرط، وكانت إمارة الصبيان، وكثرت النساء، وجار السلطان، وطففت المكيال والميزان\" رواه الطبراني، والحاكم، عن أبي ذر - ﵁ -.\nوالتطفيف: هو نقص الكيل والوزن والذرع، وهو من الكبائر، قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾؛ أي: اشتروا منهم ﴿يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾؛ أى: باعوهم ﴿يُخْسِرُونَ﴾.\nومنها: \"أن الشيطان ليتمثل في صورة الرجل، فيأتي القوم فيحدثهم بالحديث من الكذب، فيتفرقون، فيقول الرجل منهم: سمعت رجلًا أعرف وجهه ولا أدري ما اسمه يحدث\" رواه مُسلم في مقدمة \"صحيحه\" عن ابن مسعود - ﵁ -.\nومنها: \"أن في البحر شياطين مسجونة أوثقها سليمان ﵇ يوشك أن تخرج فتقرأ على الناس قرآنًا\" رواه مسلم عن ابن عمرو ﵄.\nومنها: \"إذا اقترب الزمان يُربّي الرجل جروًا -أي: ولد الكلب- خير له من أن يربي ولدًا له، ولا يوقر كبير، ولا يرحم صغير، ويكثر أولاد الزنا حتى أن الرجل ليغشى المرأة -أي: يزني بها- على قارعة الطريق، يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب، أمثلهم في ذلك الزمان المُدَاهِن\" رواه الطبراني، والحاكم، عن أبي ذر - ﵁ -.\nومعنى: \"يلبسون جلود الضأن\" ... إلى آخره: أنهم يُلَينون القول، ويحسنون الفعل رياءً، وقلوبهم كالذئاب.\nومنها: \"إذا كانت الفاحشة في كباركم، والمُلك في صغاركم، والعلم في رُذَّالِكم، والمُدَاهنة في خياركم\" رواه أحمد، وابن ماجه، عن أنس - ﵁ -.\nومنها: \"إذا تقارب الزمان ينقي الموت خيار أمتي؛ كما ينقي أحدكم الرطب من الطبق\" رواه الرامهرمزي عن أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":148},{"text":"ومنها: \"إذا تطاول الناس في البنيان -وفي رواية: \"إذا رأيت الحُفاة العُراة العالة رِعَاء الشاء يتطاولون في البنيان، فانتظروا الساعة\" رواه الشيخان عن عمر - ﵁ -.\nوذلك حيث كَثُرت أموالهم، وامتدت وجاهتهم، ولم يكن لهم دأبٌ ولا همةٌ سوى البناء؛ لأنهم لا يشتغلون بالعبادة ولا بالعلم ولا بالجهاد.\nومنها: \"إذا وُسِّدَ الأمر -وفي رواية: \"أسند الأمرُ\"- إلى غير أهله فانتظروا الساعة\" رواه البخاري عن أبي هريرة - ﵁ -.\nولله در القائل:\nأَيَا دَهْرُ أَعْمَلْتَ فِينَا أَذَاكَا ... وَوَلَّيْتَنَا بَعْدَ وَجْهٍ قَفَاكَا\nقَلَبْتَ الشِّرَارَ عَلَيْنَا رُؤُوسًا ... وَأَجْلَسْتَ سَفلتنَا مُسْتَوَاكَا\nفَيَا دَهْرُ إِنْ كُنْتَ عَادَيْتَنَا ... فَهَا قَدْ صَنَعْتَ بِنَا مَا كَفَاكَا\nومنها -من أشراط الساعة-: \"أن يتدافع أهل المسجد لا يَجدُون إمامًا يصلي بهم\" رواه أحمد، وأبو داود، عن سُلامة بنت الحران.\nومنها: \"لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل على القبر، فيتمرغ عليه، ويقول: يا ليتني كنت مكان صاحب هذا القبر. وليس به الدِّين؛ ما به إلَّا البلاء\" رواه مسلم، وابن ماجه، عن أبي هريرة - ﵁ -.\nومنها: \"لا تقوم الساعة حتى تقتلوا إمامكم (١)، وتجتلدوا بأسيافكم، ويرث دنياكم شراركم\".\nوهذا قد وقع كثيرًا، ولا يزالُ يقع من قتل الملوك، وهم إن لم يكونوا أئمة، لكنهم نواب عنهم، فقتلهم بمنزلة الأئمة.\nومنها: \"أن من أشراط الساعة أن يُلتمس العلم عند الأصاغر\" رواه الطبراني عن أبي أمية الجُمحي.\n_________\n(١) وحمله صاحب \"إزالة الخفاء\" على شهادة عثمان - ﵁ - (ز).","vol":"1","page":149},{"text":"ومعناه: أن الأكابر من أولاد المهاجرين والأنصار بل ومن قريش يشتغلون بطلب الدنيا والجاه، ويبقى الأصاغر من الموالي وأخلاط الناس هم الذين يتعلمون، فيطلب منهم الفتاوى في الواقعات.\nومنها: \"لا تقوم الساعة حتى يقتل الرجل أخاه لا يدري فيم قتله\" رواه الحاكم في \"تاريخه\" عن أبي موسى - ﵁ -.\nومنها: -من أشراط الساعة-: \"أن يَملُكَ من ليس أهلًا أن يُمَلّك، ويُرفع الوضيع ويُتَّضعَ الرفيع\" رواه نُعيم بن حماد عن كثير بن مرة مُرسلًا.\nومنها -من اقتراب الساعة-: إذا كثر خُطباء منابركم، وركن عُلماؤكم إلى وُلاتِكُم، فأحلوا لهم الحرام، وحرّموا عليهم الحلال، فأفتوهم بما يشتهون\" رواه الديلمي عن عليّ كرّم الله وجهه.\nومنها -من اقتراب الساعة-: إذا تَعلَّم عُلماؤكم ليَجلبوا به دنانيركم ودراهمكم، واتخذتم القرآن تجارة\" رواه الديلمي عن عليّ كرّم الله وجهه.\nومعناه: يقرؤون القرآن بالأجرة، لا يقرؤون لله.\nومنها: \"لا تزال الأمة على شريعة حسنة ما لم تظهر فيهم ثلاث: ما لم يقبض منهم العلم، ويكثر فيهم ولد الحِنْث، ويظهر فيهم السَّقارُون\". قالوا: وما السَّقارُون؟ قال: \"نشَءٌ يكونون في آخر الزمان؛ تكون تحيتهم بينهم إذا تلاقوا التَّلاعُنُ\" رواه أحمد والطبراني، والحاكم، عن معاذ بن أنس - ﵁ -.\nقُلْتُ: وهذا كثير في الفلاحين، والبقالين، والسَّفلةُ، فيبدأ أحدهم بشتم صاحبه عند التلاقي قبل السلام، بل ويمضي كل منهما ولا يعرفون السلام، فإنا لله وإنا إليه راجعون.\nومنها: \"لا تقوم الساعة حتى يعمد الرجل إلى النبطية فيتزوجها على معيشة، ويترك بنت عمه لا ينظر إليها\" رواه الطبراني عن أبي أمامة - ﵁ -.\nومعناه: يتزوج الدَّنِية الأصل؛ لغناها، ويترك بنت عمه الأصيلة؛ لفقرها.\nومنها: \"أن من أمارتها: أن تُقطع الأرحام، ويُؤخذ المال بغير حقه، وتُسفَكَ","vol":"1","page":150},{"text":"الدماء، ويشتكي ذو القرابة قرابته لا يعود عليه بشيء، ويطوف السائل لا يوضع في يده شيء\" رواه ابن أبي شيبة عن عبد الله - ﵁ -.\nومنها: \"لا تقوم الساعة حتى يُجعل كتاب الله عارًا، ويكون الإسلام غريبًا، وحتى تبدو الشحناء بين الناس، وحتى يُقبض العلم، وَيهرِم الزمان، وينقص عمر البشر، وتنقص السنون والثمرات، ويؤمن التُّهماء، ويتهم الأُمَناء، ويصدَّق الكاذب، ويكذَّب الصادق، ويكثر الهرج -وهو: القتل- وحتى تبنى الغرف -أي القصور- فتطاول، وحتى تحزن ذوات الأولاد -أي: لعقوق أولادهن- وتفرح العواقر، ويظهر البغي والحسد والشح، وَيهلِكَ الناس، ويكثر الكذب، ويقل الصدق، وحتى تختلف الأمور بين الناس، ويُتبع الهوى، ويُقضى بالظن، ويكثر المطر، ويقل الثمر، ويغيض العلم غيضًا -أي: ينقص- ويفيض الجهل فيضًا -أي: يكثر-، ويكون الولد غيظًا، والشتاء قيظًا -سبق تفسيرهما-، وحتى يُجهر بالفحشاء، وتُزوى الأرض زيًا، وتقوم الخطباء بالكذب فيجعلون حقي لشرار أمتي، فمن صدقهم بذلك ورضي به لم يَرَحْ رائحة الجنة\" رواه ابن أبي الدنيا، والطبراني، وأبو نصر السجزي، وابن عساكر، عن أبي موسى - ﵁ -، وسنده جيد.\nومنها: \"لا تقوم الساعة حتى يخرج قومٌ يأكلون بألسنتهم كما تأكل البقر بألسنتها\" رواه أحمد، والخرائطي، وغيرهما عن سعد بن أبي وقاص - ﵁ -.\nومعناه: يمدحون الناس ويظهرون محبتهم نِفاقًا ويطرونهم، ويمدحون أنفسهم حتى يتوسلوا إلى أخذ الأموال منهم.\nومنها: \"لا تقوم الساعة حتى يتسافد الناس تسافد البهائم في الطرق\" رواه الطبراني عن ابن عمر ﵄.\nومنها: \"لا تقوم الساعة حتى توجد المرأة نهارًا تنكح -أي: تجامع وسط الطريق- لا يُنكر ذلك أحدٌ، فيكون أمثلهم يومئذ الذي يقول: لو نحيتها عن الطريق قليلًا. فذلك فيهم مثل أبي بكر وعمر فيكم\" رواه الحاكم عن أبي هريرة - ﵁ -.\nومنها: \"لا تقوم الساعة حتى تتناكر القلوب، وتختلف الأقاويل، ويختلف","vol":"1","page":151},{"text":"الأخوان من الأب والأم في الدِّين\" رواه الديلمي عن حذيفة - ﵁ -.\nومنها: \"لا تقوم الساعة حتى يتغايروا على الغلام كما يتغاير على المرأة\" رواه الديلمي عن أبي هريرة - ﵁ -.\nومنها: \"لا تقوم الساعة حتى يُعِزَّ الله فيه ثلاثًا: درهمًا من حلال، وعلمًا مستفادًا، وأخًا في الله ﷿\" رواه الديلمي عن حذيفة - ﵁ -.\nيعني: تقل فيه هذه الثلاثة حتى لا تكاد تُوجد.\nومنها: \"إذا رأيت الصدقة كُتِمت وغُلت، واستؤجر على الغزو، وأخرب العامر، وَأُعمر الخراب، ورأيت الرجل يتمرس بأمانته -وفي رواية: بدينه- كما يتمرس البعير بالشجر فإنك والساعة كهاتين\" رواه عبد الرزاق، والطبراني، عن عبد الله بن زينب الجندي.\nقال في \"النهاية\": يُتمرس؛ أي: يتلعب، ويعبث بدينه؛ كما يعبث البعير بالشجر.\nومنها: \"أن من أشراط الساعة: حيف الأئمة، وتصديقٌ بالنجوم، وتكذيبٌ بالقدر\" رواه البزار عن عليّ كرّم الله وجهه مرفوعًا، وسنده حسن.\nومنها: \"لا يذهب الناس حتى يقولوا: القرآن مخلوق. وليس بخالق ولا مخلوق ولكنه كلام الله؛ منه بدأ، وإليه يعود\" رواه اللالكائي، والأصبهاني، عن عليّ كرّم الله وجهه.\nومنها: \"إذا اجتمع عشرون رجلًا أو أكثر أو أقل فلم يكن فيهم من يُهاب في الله فقد حضر الأمر\" رواه البيهقي، وابن عساكر، عن عبد الله بن بشر الصحابي - ﵁ -.\nومنها -من أشراط الساعة-: أن يمر الرجل في المسجد فلا يركع ركعتين\" رواه ابن أبي داود عن ابن مسعود - ﵁ -.\nومنها: \"تكون في آخر هذه الأمة عند اقتراب الساعة أشياء؛ فمنها: نكاح الرجل امرأته أو أمته في دبرها، وذلك مما حرّم الله ورسوله، ويَمقُتُ الله عليه ورسوله\".","vol":"1","page":152},{"text":"ومنها: \"نكاح الرجل الرجل، وذلك مما حرّم الله ورسوله، ويَمقُتُ الله عليه ورسوله\".\nومنها: \"نكاح المرأة المرأة وذلك مما حرّم الله ورسوله، ويَمقُتُ الله عليه ورسوله، وليس لهؤلاء صلاة ما أقاموا على ذلك حتى يتوبوا إلى الله توبة نصوحًا\" رواه الدارقطني، والبيهقي، وابن النجار، عن أَبي قَالٍ الصحابي - ﵁ -.\nومنها: \"ليأتين على الناس زمان يكون فيه استشارة الإماء، وسلطان النساء، وإمارة السفهاء\" رواه ابن المنادي عن علي كرّم الله وجهه.\nومنها: \"لا تقوم الساعة حتى يكون السلام على المعرفة، وحتى تُتَّخذ المساجد طُرقًا فلا يُسجد لله فيها، وحتى يَبعث الغلام الشيخ بريدًا بين الأفقين، وحتى يَبلُغ التاجر بين الأفقين فلا يجد ربحًا\" رواه الطبراني عن ابن مسعود - ﵁ -.\nوهو كناية عن عدم الرغبة في الصلاة، وعدم توقير الصغير الكبير، وعدم البركة في التجارة؛ لغلبة الكذب والغش على التجار.\nومنها: \"لا تقوم الساعة حتى يتحول شرار أهل الشام إلى العراق، وخيار أهل العراق إلى الشام\" رواه ابن أبي شيبة عن أبي أمامة - ﵁ -.\nومنها: \"يأتي على الناس زمان لا يَسلَم لذي دين دينه إلَّا من فَرّ من شاهق إلى شاهق، أو من حجر إلى حجر؛ كالثعلب يفر بأشباله، وذلك في آخر الزمان إذا لم تنل المعيشة إلَّا بمعصية الله، فإذا كان كذلك حلت الغربة، يكون في ذلك الزمان هلاك الرجل على يد أبويه إن كان له أبوان، وإلَّا فعلى يد زوجته وولده، وإلَّا فعلى يد الأقارب والجيران يُعيرونَهُ بضيق المعيشة، ويكلفونه ما لا يطيق حتى يورد نفسه الموارد التي يَهلكُ فيها\" رواه أبو نُعيم، والبيهقي، والخليلي، والرافعي عن ابن مسعود - ﵁ -.\nومنها: \"يأتي على الناس زمان يقعد الرجل إلى قومٍ، فما يمنعه أن يقوم إلَّا مخافة أن يقعوا فيه\" رواه الديلمي عن أبي هريرة - ﵁ -.\nومنها: \"سيصيب أمتي في آخر الزمان بلاءٌ شَديدٌ لا ينجو منه إلَّا رجلٌ عرف","vol":"1","page":153},{"text":"دين الله فجاهد عليه بلسانه وبقلبه، فذلك الذي سبقت له السوابق، ورجلٌ عرف دين الله فَصدّق به\" رواه أبو نصر السجزي، وأبو نُعيم، عن عمر - ﵁ -.\nومنها: \"يأتي على الناس زمان يكون حديثهم في مساجدهم في أمر دنياهم، فلا تجالسوهم؛ فليس لله فيهم حاجة\" رواه البيهقي عن الحسن مُرسلًا.\nومنها: \"يأتي على الناس زمانٌ يستخفي المؤمن فيهم؛ كما يستخفي المنافق فيكم\" رواه ابن السُّني عن جابر - ﵁ -.\nومنها: \"يأتي على الناس زمان هَمُّهم بُطونهم، وشرههم متاعهم، وقِبلتُهم نساؤهم، ودِينُهم دراهمهم ودنانيرهم، أولئك شر الخلق؛ لا خلاق لهم عند الله\" رواه السُّلمي عن عليّ كرّم الله وجهه.\nومنها: \"يأتي على الناس زمان عَضُوضٌ، يعض الموسر على ما في يده\" رواه أحمد عن علي - ﵁ -.\nومنها: \"يأتي على الناس زمان يُقتل فيه العلماء كما تُقتل الكلاب، فياليت العلماء في ذلك الزمان تحامقوا\" رواه الديلمي، وابن عساكر، عن عليّ كرّم الله وجهه (١).\nومنها: \"يأتي على العلماء زمان الموت أحب إلى أحدهم من الذهب الأحمر\" رواه أبو نُعيم عن أبي هريرة - ﵁ - (٢).\nومنها: \"لا تَذهبُ الأيام والليالي حتى يَخْلقَ القرآن في صدور أقوامٍ من هذه الأمة كما تَخْلقُ الثياب، ويكون ما سواه أعجب لهم، يكون أمرهم طمعًا كله لا يخالطه خوف، إن قَصّر في حق الله تعالى منَّته نفسه الأماني، وإن تجاوز إلى ما نهى الله عنه قال: أرجو أن يتجاوز الله عني. يلبسون جُلود الضأن على قلوب الذئاب، أفضلهم في نفسه المُدَاهن الذي لا يأمر بالحق ولا ينهى عن المنكر\" رواه أبو نُعيم عن معقل بن يسار - ﵁ -.\n_________\n(١) وفي \"منتخب كنز العمال\" (٥/ ٤٠٧) برواية الديلمي عن ابن عباس ﵄. (ز).\n(٢) ورواه الحاكم (٤/ ٥١٨) وقال: صحيح على شرطهما، وأقره عليه الذهبي. وفي \"منتخب الكنز\" (٥/ ٤٠٧) برواية أبي نعيم عن أبي هريرة - ﵁ - (ز).","vol":"1","page":154},{"text":"ومنها: \"يأتي على الناس زمان لا يتبع فيه العالم، ولا يُستحيى فيه من الحليم، ولا يُوقر فيه الكبير، ولا يرحم فيه الصغير، يقتل بعضهم بعضًا على الدنيا، قلوبهم قلوب الأعاجم، وألسنتهم ألسنة العرب، لا يعرفون مَعروفًا، ولا ينكرون مُنكرًا، يمشي الصالح فيهم مُستخفيًا، أولئك شرار خَلقِ الله لا ينظر الله إليهم يوم القيامة\" رواه الديلمي عن عليّ كرّم الله وجهه.\nومنها: \"يَجيءُ يوم القيامة المُصحف، والمسجد، والعترة. فيقول المصحف: يا رب؛ خرقوني ومزقوني. ويقول المسجد: يا رب؛ خربوني، وعطلوني، وضيعوني. وتقول العترة: يا رب؛ طردونا، وقتلونا، وشردونا، وأجثو بركبتي للخصومة.\nفيقول الله ﵎: \"ذلك إليَّ، وأنا أولى بذلك\" رواه الديلمي عن جابر - ﵁ -، وأحمد، والطبراني، عن أبي أمامة - ﵁ -.\nوكأنه إشارةٌ إلى ما وقع في زمن بني أمية ومن بعدهم؛ من قتل أهل البيت، وتعطيل مسجده - ﷺ -، وربط الخيل فيه في زمن يزيد، وتمزيق المصحف في زمن الوليد، أو يكون تمزيق المصحف كنايةً عن عدم العمل به.\nومنها: \"يوشك أن لا تجدوا بيوتًا تكنُّكم؛ تهلكها الرواجف، ولا دواب تبلغوا عليها في أسفاركم؛ تهلكها الصواعق\" رواه أبو نُعيم عن أبي هريرة - ﵁ -.\nومنها: \"إذا زخرفتم مساجدكم، وحليتم مصاحفكم؛ فالدمار عليكم\" رواه الحكيم عن أبي الدرداء - ﵁ -.\nومنها -من اقتراب الساعة-: \"أن يُصلي خمسون نفسًا لا يقبل لأحدهم صلاة\" رواه أبو الشيخ عن ابن مسعود - ﵁ -.\nومعناه: أنهم لا يأتون بشروطها وأركانها؛ فلا تَصِحُّ لأحدهم صلاة، فلا تُقبل منهم.\nومنها: \"أنَّ الساعة لا تقوم حتى لا يُقسم مِيرَاثٌ، ولا يُفْرحَ بغنيمة\" رواه مسلم عن عبد الله بن مسعود - ﵁ -.","vol":"1","page":155},{"text":"ومنها -من أشراط الساعة-: \"تقارب الأسواق. قلت: ما تقارب الأسواق؟ قال: \"أن يشكو الناس بعضهم إلى بعض قلة الإصابة -أي: الربح-، ويكثر ولد البغي، وتفشو الغيبة، ويُعظَّم رب المال -أي: يكرم من جهة ماله-، وترتفع الأصوات في المساجد، ويظهر أهل المنكر، ويظهر البناء\" رواه ابن مردويه عن أبي هريرة - ﵁ -.\nومنها -من أشراط الساعة-: \"سوء الجوار، وقطيعة الأرحام، وأن يُعطل السيف من الجهاد، وأن تجتلب الدنيا بالدين\" رواه ابن مردويه عن أبي هريرة - ﵁ -.\nومنها -من أشراط الساعة-: \"أن يظهر الفحش والتفحش، وسوء الخلق، وسوء الجوار\" رواه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود - ﵁ -.\nومنها: \"لا تقوم الساعة حتى لا تحمل النخلة إلَّا تمرة\" رواه ابن أبي شيبة عن رجاء بن حيوة.\nكِنايةٌ عن قلة الثمار والبركات.\nومنها -من أشراط الساعة-: \"موت البدار\" رواه ابن أبي شيبة عن مجاهد.\nوفي رواية عن الشعبي: \"من اقتراب الساعة: موت الفجاءة\".\nومنها: \"سيكون في آخر هذه الأمة رجال يركبون على المياثر حتى يأتون أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات، على رؤوسهن كأسنمة البُخت العجاف، العنوهن فإنهن ملعونات، لو كانت وراءكم أمة من الأمم لخدمتهم؛ كما خدمتكم نساء الأمم قبلكم\".\nقال ابن عمرو ﵄: قلت لأبي: وما المياثر؟ قال: سروج عظام. رواه أحمد، والحاكم، عن ابن عمرو ﵄.\nولهذا الحديث شواهدُ وطُرق.\nمنها: عند مسلم: عن أبي هريرة - ﵁ -: \"صِنْفَانِ من أمتي من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات","vol":"1","page":156},{"text":"مُمِيلات مَائِلات، رؤوسهن كأسنمة البُخت المائلة، لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا\".\nقال النووي في \"رياض الصالحين\": أي: يُكْبِرنَ رؤوسهن ويعظمنها بلف عمامة أو عصابة أو نحوهما. انتهى\nوقد فصلنا الكلام في هذه المسألة في رسالةٍ مستقلة سميناها: \"أجوبة الخمس عن الأسئلة الخمس\".\nومنها: \"يخرج في هذه الأمة في آخر الزمان رجال معهم أسياط كأنها أذناب البقر، يغدون في سخط الله، ويروحون في غضبه\" رواه أحمد، والحاكم وصححه، عن أبي أمامة - ﵁ -.\nومنها: عن ابن عباس ﵄ قال: حج النبي - ﷺ - حجة الوداع، ثم أخذ بحلقة باب الكعبة، فقال: \"يا أيها الناس؛ ألا أخبركم بأشراط الساعة؟ \"، فقام إليه سلمان فقال: أخبرنا فداك أبي وأمي يا رسول الله. قال: \"من أشراط الساعة: إضاعة الصلاة، والميل مع الهوى، وتعظيم رب المال\".\nفقال سلمان: ويكون هذا يا رسول الله؟ !\nقال: \"نعم، والذي نَفْسُ مُحمدٍ بيده، فعند ذلك يا سلمان تكون الزكاة مَغرمًا، والفيءُ مَغنمًا، ويصدَّق الكاذب، ويكذَّب الصادق، ويُؤتمن الخائن، ويُخوَّن الأمين، ويتكلم الرُّوَيبضة\".\nقالوا: وما الرُّوَيبضة؟\nقال: \"يتكلم في الناس من لم يكن يتكلم، وينكر الحق تسعة أعشارهم، ويذهب الإسلام فلا يبقى إلَّا اسمه، ويذهب القرآن فلا يبقى إلَّا رسمه، وتُحلى المصاحف بالذهب، ويتسمن ذكور أمتي، وتكون المشورة للإِماء، ويَخطبُ على المنابر الصبيان، وتكون المخاطبة للنساء. فعند ذلك تُزخرف المساجد كما تُزخرف الكنائس والبِيعُ، وتطول المنابر، وتكثر الصفوف مع قلوب متباغضة، وألسن مختلفة، وأهواء جمة\".","vol":"1","page":157},{"text":"قال سلمان: ويكون ذلك يا رسول الله؟ !\nقال: \"نعم، والذي نَفْسُ مُحمدٍ بيده، عند ذلك يا سلمان يكون المؤمن فيهم أذل من الأَمة، يذوب قلبه في جوفه؛ كما يذوب الملح في الماء مما يرى من المنكر فلا يستطيع أن يُغيره، ويكتفي الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، ويُغار على الغلمان؛ كما يُغار على الجارية البكر. فعند ذلك يا سلمان تكون أمراء فسقة، ووزراء فجرة، وأمناء خونة، يضيعون الصلاة، ويتبعون الشهوات، فإن أدركتموهم فصلّوا صلاتكم لوقتها. عند ذلك يا سلمان يجيء سَبيٌ من المشرق، وسَبيٌ من المغرب، جثاؤهم -أي: أجسادهم- جثاء الناس، وقلوبهم قلوب الشياطين، لا يرحمون صغيرًا، ولا يوقرون كبيرًا. عند ذلك يا سلمان يحج الناس إلى هذا البيت الحرام، ويحج ملوكهم لهوًا وتَنَزُّهًا، وأغنياؤهم للتجارة، ومساكينهم للمسألة، وقراؤهم رياءً وسمعة\".\nقال: ويكون ذلك يا رسول الله؟ !\nقال: \"نعم، والذي نَفْسي بيده، عند ذلك يا سلمان يَفشُو الكذب، ويظهر الكوكب له الذنب، وتشارك المرأة زوجها في التجارة، وتتقارب الأسواق\".\nقال: وما تقاربها؟ قال: \"كسادها، وقلة أرباحها. عند ذلك يا سلمان، يبعث الله ريحًا فيها حَيّاتٌ صُفرٌ، فتلتقط رؤوس العلماء لِمَا رأوا المنكر فلم يغيروه\".\nقال: ويكون ذلك يا رسول الله؟ !\nقال: \"نعم، والذي نفس محمدٍ بيده\"، رواه ابن مردويه عنه.\nقوله في الحديث: \"وتكثر الصفوف\" ... إلخ؛ معناه: أنهم لا يتمون الصفوف الأول فالأول، بل يَصطفُّ كل ثلاثة في صف، وأربعة في صف، وهكذا فتكثر الصُّفوفُ.\nويؤيده قوله: \"مع قلوب متباغضة\"؛ لأن ذلك يُورث تخالف القلوب وتباغضها؛ كما أشار إليه حديث: \"أقيموا صفوفكم -أي: أتموها- ولا تختلفوا فيخالف الله بين قلوبكم\".","vol":"1","page":158},{"text":"وقد جاء عنه روايةٌ أخرى أبسط منه.\nقال القاضي أبو الفرج المعافى في المجلس الحادي والستين من كتابه \"الجليس والأنيس\" ما لفظه:\nحدثنا محمد بن الحسن بن علي بن سعيد أبو الحسن الترمذي، في صفر سنة سبع عشرة وثلاث مئة، أملاه من أصل كتابه، قال: حدثنا أبو سعيد محمد بن الحسن بن ميسرة، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن أبي شعيب الخواتيمي، قال: حدثنا إبراهيم بن مخلد، عن سليمان الخشاب، مولى لبني شيبة، قال: أخبرني ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس (١) ﵄ قال: لما حج النبي - ﷺ - حجة الوداع أخذ بحلقتي باب الكعبة، ثم أقبل بوجهه على الناس فقال: \"يا أيها الناس\". قالوا: لبيك يا رسول الله، يَفْدِيكَ آباؤنا وأمهاتنا. ثم بكى حتى علا انتحابه، فقال: \"يا أيها الناس؛ إني أخبركم بأشراط القيامة: إنَّ من أشراط القيامة: إماتة الصلوات، واتباع الشهوات، والميل مع الهوى، وتعظيم رب المال\".\nقال: فوثب سلمان فقال: بأبي أنت وأمي؛ إنَّ هذا لكائن؟ !\nقال: إي والذي نفسي بيده. إنَّ المؤمن ليمشي بينهم يومئذ بالمخافة\".\nقال سلمان: بأبي أنت وأمي؛ وإنَّ هذا لكائن؟ !\nقال: \"إي والذي نفسي بيده. عندها يَذُوبُ قلب المؤمن؛ كما يَذُوبُ الملح في الماء مما يرى ولا يستطيع أن يُغَيّر\".\nقال سلمان: بأبي أنت وأمي؛ وإنَّ هذا لكائن؟ !\nقال: \"إي والذي نفسي بيده. عندها يكون المطر قَيظًا والولد غَيظًا، ويفيض اللئام فيضًا، ويغيض الكرام غيضًا\".\n_________\n(١) ذكره السيوطي في \"الدر\" (٦/ ٥٣). وحديث: \"وإن ذلك لكائن؟ قال: نعم، وأشد\" برواية علي - ﵁ - في \"جمع الفوائد\" (٢/ ١٥١) في (الفتن)، وبرواية أبي هريرة - ﵁ - في \"الخصائص الكبرى\" (٢/ ١٠٥)، وفي \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٢٨٠)، وبرواية أبي أمامة - ﵁ - في \"إحياء العلوم\" (٢/ ٢٧١). (ز).","vol":"1","page":159},{"text":"قال سلمان: بأبي أنت وأمي؛ وإنَّ هذا لكائن؟ !\nقال: \"إي والذي نفسي بيده، للمؤمن يومئذ أذل من الأَمَة، فعندها يكون المُنكر معروفًا والمعروف مُنكرًا، ويُؤتمَن الخائن ويُخوَّن الأمين، ويُصدق الكذاب ويُكذب الصادق\".\nقال سلمان: بأبي أنت وأمي؛ وإنَّ هذا لكائن؟ !\nقال: \"إي والذي نفسي بيده، عندها يكون أمراء جورة، ووزراء فسقة، وأُمَناءُ خونة، وإمارة النساء، ومشاورة الإماء، وصعود الصبيان المنابر\".\nقال سلمان: بأبي أنت وأمي؛ إنَّ هذا لكائن؟ !\nقال: \"إي والذي نفسي بيده يا سلمان، عندها يليهم أقوامٌ إن تكلموا قتلوهم، وإن سكتوا استباحوهم، ويستأثرون بفيئهم، وليطؤون حريمهم، ويجار في حكمهم، ويليهم أقوام جُثَاهم جُثَا الناس -قال القاضي أبو الفرج: هو هكذا في الكتاب، والصواب: \"جثثهم جثة الناس\"- وقلوبهم قلوب الشياطين، لا يوقرون كبيرًا، ولا يرحمون صغيرًا\".\nقال سلمان: بأبي أنت وأمي؛ إنَّ هذا لكائن؟ !\nقال: \"إي والذي نفسي بيده يا سلمان، عندها تُزخرف المساجد كما تُزخرف الكنائس والبِّيع، وتحلى المصاحف، ويطيلون المنابر، ويكثر العقوق، قلوبهم متباغضة، وأهواؤهم جمة، وألسنتهم مختلفة\".\nقال سلمان: بأبي أنت وأمي؛ إنَّ هذا لكائن؟ !\nقال: \"إي والذي نفسي بيده، عندها يأتي سبيٌ من المشرق والمغرب يلون أمتي، فويل للضعفاء، وويل لهم من الله تعالى\".\nقال سلمان: بأبي أنت وأمي؛ إِنَّ هذا لكائن؟ !\nقال: \"إي والذي نفسي بيده، عندها يكون الكذب ظَرفًا، والزكاة مغرمًا، وتظهر الرُّشَا، ويكثر الربا، ويتعاملون بالعِينَةِ، ويتخذون المساجد طُرقًا\".","vol":"1","page":160},{"text":"قال سلمان: بأبي أنت وأمي؛ وإنَّ هذا لكائن؟ !\nقال: \"إي والذي نفسي بيده يا سلمان، عندها تُتَّخذُ جلود النمور صِفَافًا، يتحلى ذكور أمتي بالذهب، ويلبسون الحرير، ويتهاونون بالدماء، وتظهر الخمور والقِيَنات والمعازف، وتشارك المرأة زوجها في التجارة\".\nقال سلمان: بأبي أنت وأمي؛ وإنَّ هذا لكائن؟ !\nقال: \"إي والذي نفسي بيده يا سلمان، عندها يَطْلُعُ كوكب له الذنب، ويكثر السيجان، ويتكلم الرُّوَيبضة\".\nقال سلمان: وما الرُّوَيبضة؟ قال: \"يَتكلّم في العامة من لم يكن يتكلم. وَيُحتقر الرجل للسمنة، وَيُتغنّى بكتاب الله ﷿، وَيُتّخذ القرآن مزامير، ويُباع الحكم، ويكثر الشُّرُط\".\nقال سلمان: بأبي أنت وأمي؛ إنَّ هذا لكائن؟ !\nقال: \"إي والذي نفسي بيده، عندها يحج أمراء الناس لهوًا وتَنَزُّهًا، وأوساط الناس للتجارة، وفقراء الناس للمسألة، وَقُراء الناس للرياء والسمعة\".\nقال سلمان: بأبي أنت وأمي؛ إنَّ هذا لكائن؟ !\nقال: \"إي والذي نفسي بيده، عندها يُغار على الغلام؛ كما يُغار على الجارية البكر، ويُخطَبُ الغلام؛ كما تُخطَبُ المرأة، ويُهيأ كما تُهيأ المرأة، ويتشبه النساء بالرجال، ويتشبه الرجال بالنساء، ويكتفي الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، وتركب ذوات الفروج السروج، فعليهن من أمتي لعنة الله\".\nقال سلمان: بأبي أنت وأمي؛ وإنَّ هذا لكائن؟ !\nقال: \"إي والذي نفسي بيده، عندها يظهر قراء عبادتهم التلاوم بينهم، أولئك يسمون في ملكوت السماء الأنجاس الأرجاس\".\nقال سلمان: بأبي أنت وأمي؛ وإنَّ هذا لكائن؟ !\nقال: \"إي والذي نفسي بيده، عندها تتشبب المشيخة\".","vol":"1","page":161},{"text":"قال: قلت: وما شَببُ المشيخة؟\nقال -أَحسبهُ ذهب من كتابي \"أنَّ الحمرة\" (١)؛ هذا الحرف وحده-: \"أنَّ الحُمرة خضاب الإسلام، والصفرة خضاب الإيمان، والسواد خضاب الشيطان\".\nقال سلمان: بأبي أنت وأمي؛ وإنَّ هذا لكائن؟ !\nقال: \"إي والذي نفسي بيده، عندها يُوضع الدِّين وتُرفع الدنيا، ويُشيد البناء وتعطل الحدود، ويميتون سُنتي، فعندها يا سلمان لا ترى إلَّا ذامًّا، ولا ينصرهم الله\".\nقال: بأبي أنت وأمي، وهم يومئذ مسلمون كيف لا ينصرون؟ !\nقال: \"يا سلمان؛ إنَّ نصرة الله: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأرى قومًا يذمون الله تعالى، ومذمتهم إياه أن يشكوه، وذلك عند تقارب الأسواق\".\nقال: وما تقارب الأسواق؟\nقال: \"عند كسادها؛ كُلٌّ يقول: ما أبيع، ولا أشتري، ولا أربح. ولا رازق إلَّا الله تعالى\".\nقال سلمان: بأبي أنت وأمي، وإنَّ هذا لكائن؟ !\nقال: \"إي والذي نفسي بيده، عندها يجفو الرجل والديه، ويبر صديقه، ويتحالفون بغير الله تعالى، ويحلف الرجل من غير أن يستحلف، ويتحالفون بالطلاق يا سلمان، لا يَحلِفُ بها إلَّا فاسق، ويفشو الموت؛ موت الفجأة، وَيُحَدّثُ الرجل سَوطه\".\nقال سلمان: بأبي أنت وأمي؛ وإنَّ هذا لكائن؟ !\nقال: \"إي والذي نفسي بيده، عندها تخرج الدابة، وتَطْلُعُ الشمس من مغربها، ويخرج الدجال، وريح حمراء، ويكون خَسفٌ، ومَسخٌ، وقَذفٌ، ويأجوج ومأجوج، وهدم الكعبة، وتمور الأرض، وإذا ذكر الرجل رُئِيَ\".\n_________\n(١) لعل الذي ذهب من كتابه هو قوله: يختضبون بالسواد.","vol":"1","page":162},{"text":"ومنها: عن عليّ كرّم الله وجهه: أنَّ عمر - ﵁ - سأل رسول الله - ﷺ - عن الساعة، فقال: \"ذلك عند حَيفِ الأئمة، وتكذيب بالقدر، وإيمان بالنجوم، وقوم يتخذون الأمانة مَغْنمًا، والزكاة مَغْرمًا، والفاحشة زيارة\".\nفسألته عن: \"الفاحشة زيارة\"؟ فقال: \"الرجلان من أهل الفسق يصنع أحدهما طعامًا وشرابًا، ويأتيه بالمرأة فيقول: اصنع ما كنت تصنع، فيتزاورون على ذلك. قال: فعند ذلك هلكت أمتي يا بن الخطاب\" رواه ابن أبي الدنيا، والبزار، عنه.\nومنها: عن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من اقتراب الساعة اثنتان وسبعون خصلة: إذا رأيتم الناس أماتوا الصلاة، وأضاعوا الأمانة، وأكلوا الربا، واستحلوا الكذب، واستخفوا بالدماء، واستعلوا بالبناء، وباعوا الدِّين بالدنيا، وتقطعت الأرحام، ويكون الحكم ضَعفًا، والكذب صِدقًا، والحرير لِباسًا، وظهر الجور، وكثر الطلاق، وموت الفجأة، وائتمن الخائن، وَخُوّنَ الأمين، وصدق الكاذب، وَكُذّب الصادق، وكثر القذف، وكان المطر قَيظًا، والولد غَيظًا، وفاض اللئام فيضًا، وغاض الكرام غيضًا، وكان الأمراء فجرة، والوزراء كذبة، والأمناء خونة، والعرفاء ظلمة، والقراء فسقة، إذا لبسوا مُسُوكَ الضأن، قلوبهم أنتن من الجيفة وأَمَرُّ من الصَّبِر، يغشيهم الله فتنة يتهاوكون فيها تهاوك اليهود الظلمة، وتظهر الصفراء -يعني: الدنانير-، وتطلب البيضاء، وتكثر الخطباء، ويقل الأمر بالمعروف، وحُلّيت المصاحف، وصورت المساجد، وَطُوّلت المنابر، وَخُربت القلوب، وَشُربت الخمور، وَعُطلّت الحدود، وولدت الأمة ربتها، وترى الحُفاة العُراة قد صاروا مُلوكا، وشاركت المرأة زوجها في التجارة، وتشبّه الرجال بالنساء، والنساء بالرجال، وحُلِفَ بغير الله، وشهد المرء من غير أن يُستشهد، وَسُلّم للمعرفة، وَتُفقِّهَ لغير دين الله، وطلب الدنيا بعمل الآخرة، واتخذ المغنم دُولًا، والأمانة مَغْنَمًا، والزكاة مَغْرمًا، وكان زعيم القوم أرذلهم، وَعقّ الرجل أباه، وجفا أمه، وبر صديقه، وأطاع امرأته، وعلت أصوات الفسقة في المساجد، واتخذت القينات والمعازف، وشربت الخمور في الطرق، واتخذ الظلم فخرًا، وبيع الحكم، وكثرت الشُّرَط، واتخذ القرآن مزامير، وجلود","vol":"1","page":163},{"text":"السباع صِفَافًا، ولعن آخر هذه الأمة أولها فليرتقبوا عند ذلك ريحًا حمراء، وخَسفًا، ومَسخًا، وقَذفًا، وآيات\"، أخرجه أبو نُعيم في \"الحلية\" عنه.\nومنها: \"إذا ظهر القول، وخُزِن العمل، وائتلفت الألْسُن، واختلفت القلوب، وقطع كُلّ ذي رَحِم رحمه فعند ذلك لعنهم الله فأصمهم، وأعمى أبصارهم\" رواه أحمد، وعَبْد بن حُميد، وابن أبي حاتم، عن سلمان - رضي لله عنه - موقوفًا. والحسن بن سفيان، والطبراني، وابن عساكر، والديلمي، عنه مرفوعًا.\nومنها: \"إذا الناس أظهروا العلم، وضَيّعوا العمل، وتحابوا بالألسن، وتباغضوا بالقلوب، وتقاطعوا في الأرحام لعنهم الله عند ذلك، فأصمّهم وأعمى أبصارهم\" رواه ابن أبي الدنيا في كتاب \"العِلم\" عن الحسن ﵀.\nولنختم هذا القسم بحديثٍ عن أمير المؤمنين علي (١) كرّم الله وجهه جامعٍ لأكثر ما ذُكِرَ، وزيادة تبرُّكًا.\nقال: قال - ﷺ -: \"مِنْ اقتراب الساعة: إذا رأيتم الناس أضاعوا الصلاة، وأضاعوا الأمانة، واستحلوا الكبائر، وأكلوا الربا، وأكلوا الرشا، وشيدوا البناء، واتبعوا الهوى، وباعوا الدين بالدنيا، واتخذوا القرآن مزامير (٢)، واتخذوا جلود السباع صِفافًا، والمساجد طُرقًا، والحرير لِباسًا، وأكثروا الجور، وفشا الزنا، وتهاونوا بالطلاق، وائتمن الخائن، وَخُوّن الأمين، وصار المطر قَيظًا، والولد غيظًا، وأمراء فَجرة، ووزراء كَذبة، وأمناء خَونة، وعُرفاء ظَلمة، وقَلّتِ العلماء، وكَثُر القراء، وَقلّتِ الفُقهاء، وحُليت المصاحف، وزُخرِفت المساجد، وطولت المنابر، وفسدت القلوب، واتخذوا القينات، واستُحِلت المعازف، وشُربت الخمور، وعطلت الحدود، ونقصت الشهور، ونقضت المواثيق، وشاركت المرأة زوجها في التجارة، وركب النساء البَراذِين، وَتَشبّهت النساء بالرجال والرجال بالنساء، وَحُلفَ بغير الله، وشهد الرجل من غير أن يُستشهد، وكانت الزكاة مَغْرمًا\n_________\n(١) رواه الترمذي مختصرًا، وعنه صاحب \"المشكاة\"، وقد تقدم (ص ١١١). (ز).\n(٢) سيأتي معناه (ص ١٦٦)، وورد هذا اللفظ -في هذا الكتاب- برواية ابن عباس، وحذيفة، وعلي ﵃ وسؤال سلمان. وفي \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٣٢٣) برواية عوف (ز).","vol":"1","page":164},{"text":"والأمانة مَغْنمًا، وأطاع الرجل امرأته وَعقَّ أُمه، وقرب صديقه وأقصى أباه، وصارت الإمارات مواريث، وَسبَّ آخر هذه الأمة أولها، وأُكْرِمَ الرّجُل اتقاء شره، وكَثُرت الشُّرط، وَصَعِدت الجهال المنابر، ولبس الرجال التيجان، وضيقت الطرقات، وشُيد البناء، واستغنى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، وَكَثُرت خطباء منابركم، وركن علماؤكم إلى وُلاتِكُم، فأحلوا لهم الحرام، وحرّموا عليهم الحلال، وأفتوهم بما يشتهون، وتَعلّم علماؤكم العلم، ليجلبوا به دنانيركم ودراهمكم، واتخذتم القرآن تجارة، وضيعتم حق الله في أموالكم، وصارت أموالكم عند شراركم، وقطعتم أرحامكم، وشربتم الخمور في ناديكم، ولعبتم بالميسر، وضربتم بالكَبَرْ والمعزفة والمزامير، ومنعتم محاويجكم زكاتكم ورأيتموها مَغْرمًا، وَقُتِلَ البريء ليغيظ العامة، واختلفت أهواؤكم، وصار العطاء في العبيد والسقاط، وَطُفِفت المكاييل والموازين، وَوَليت أموركم السفهاء\" رواه أبو الشيخ، وعويس، والديلمي؛ كلهم عن عليّ كرّم الله وجهه.\nولنشرع في شرح ألفاظه؛ ليتم به النفع:\nقوله: (أضاعوا الصلاة)؛ أي: تركوها، أو أخلوا بشيءٍ من أركانها وواجباتها.\nولا ينافي هذا ما ورد أنَّ: \"أول ما يُرفع من الأمة الأمانة، وآخر ما يُرفع الصلاة\"؛ لأن المراد بقاء صورة الصلاة، وهنا إضاعتها بالإخلال بخشوعها، أو شروطها.\nوقوله: (أضاعوا الأمانة): قال في \"النهاية\": الأمانة تقع على الطاعة، والعبادة والوديعة والثقة والأمانة. انتهى\nوالكل جائزٌ هنا، أما في قوله الآتي: (الأمانة مَغْنمًا) فالمراد بها الوديعة.\nقوله: (وشيدوا البناء)؛ أي: طولوها من الشيد، بمعنى الرفع، أو جصصوها وعملوها بالشيد؛ وهو كل ما طليت به الحائط من جصٍّ وغيره.\nوقوله: (واتبعوا الهوى)؛ أي: ما تهواه أنفسهم من العقائد الفاسدة، والآراء الباطلة المخالفة للأحاديث الصحيحة.","vol":"1","page":165},{"text":"قوله: (باعوا الدين بالدنيا)؛ أي: رضوا بنقص دينهم مع سلامة دنياهم، وآثروا سلامة الدنيا على سلامة الدين.\nقوله: (اتخذوا القرآن مزامير)؛ أي: يَتَغنّونَ به من غير تَدبرٍ في مواعظه وأحكامه.\nقوله: (اتخذوا جلود السباع صفافًا): جمع صُفّة، وهي للسُّرجِ بمنزلة المَيثَرة من الرَّحل؛ وهو شيء يُفْرَشُ في السرج ويُجلس عليه. ومنه الحديث: \"نُهي عن صُفُفِ النمور\".\nقوله: (المساجد طُرقًا)؛ أي: يمرون بالمسجد بغير الصلاة، ولا يصلون فيه ركعتين.\nقوله: (تهاونوا بالطلاق)؛ أي: يحلفون بالطلاق كثيرًا لا يبالون بوقوعه.\nقوله: (صار المطر قَيظًا): مر تفسيره.\nقوله: (اتخذوا القِينَات): جمع قِينَة، وهي الأَمَةُ المُغنية.\nو(المعازف): آلات اللهو؛ كالطنبور، والبربط، والرباب، وغيرها.\nقوله: (عُطّلت الحدود): كأن لا يُرجم الزاني، ولا يُقطع السارق، ولا يُحدُّ القاذف.\nقوله: (نقصت الشهور)؛ بالصاد المهملة؛ أي: تكون الشهور أكثرها ناقصة.\nقوله: (وَنُقضت المواثيق)؛ بالضاد المعجمة: المواثيق: جمع ميثاق، وهو العهد.\nقوله: (ركب النساء البراذين): جمع بِرذَونْ؛ بكسر الموحدة، وسكون الراء، وفتح الذال المعجمة، آخره نون: الدابة. والمؤنث برذونة، وجمعه براذين، ويقال لصاحبه: المُبَرذِن.\nوالمعنى: أنهن يركبن الدواب؛ كما في رواية: \"يركبن السرج تشبهًا بالرجال\".","vol":"1","page":166},{"text":"قوله: (حُلِفَ بغير الله)، كأن يقول: ورأس السلطان. أو: وحياة سيدي، أو والدي، أو: الأمانة. أو غير ذلك من الطلاق أو العتق، أو نحو ذلك.\nوقد أتى زمان لا يصدقون إلا إن حلف بغير الله، فإنا لله وإنا إليه راجعون.\nقوله: (كانت الزكاة مَغْرمًا) ... إلى قوله: (أقصى أباه): مر تفسيرها.\nقوله: (صارت الإمارات مواريث)، أي: لا يراعون في الإمارة الدِّين والرُّشدَ والتدبير والعلم، وغير ذلك من صِفَاتِ الكمال، بل يقولون: هذا ولد الأمير أو أخوه، فهو أحق بالإمارة.\nوأول من أحدث هذا بنو أمية، فَوَلّوا أبناءهم، ولم يفعل أَحَدٌ من الخلفاء الراشدين هذا؛ فلم يولوا أولادهم ولا قرابتهم.\nقوله: (وَسبّ آخر هذه الأمة أولها): إشارةٌ إلى ما اشتهر من الرفض، وَسبِّ عامة الصحابة والتابعين والسلف الصالح، حتى أن الرجل منهم ليَسبُّ أباه وجدَّه الذي مات على السُّنة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.\nقوله: (وَأُكرِمَ الرجل اتقاء شره)؛ أي: يخافُ إن لم يُكرمه؛ أن يَناله شره وليس به من الدين شيء.\nقوله: (كثرت الشُّرط)؛ أي: أعوان الظلمة.\nقوله: (واستغنى الرجال بالرجال) ... إلخ: مر تفسيره.\nقوله: (وصعدت الجهال المنابر): معناه واضح.\nوفي رواية: (الجهلاء) بدل: الجهال، ومعناه: السِّمان؛ أي: الذين ليس عندهم خوف الآخرة؛ فإنَّ الخوف يُذيب الشحم.\nولذا قال الشافعي - ﵁ -: \"ما رأيت سمينًا أفلح قَطُّ\".\nقوله: (ولبس الرجال التيجان)؛ أي: رجعوا إلى عادة المجوس والفُرْس من لبس التاج؛ فقد قال - ﷺ -: \"العمائم تيجان العرب\"؛ أي: أن العرب لا يلبسون التاج، وإنما يلبسون العمائم بدلها.","vol":"1","page":167},{"text":"قوله: (وضُيّقت الطرقات)؛ أي: يبنون في الطريق الشارع الدَّكَك، ويجلسون فيها، ويتحدثون بالباطل، ويضيقون الطرقات على المارة.\nقوله: (وكثرت خطباء منابركم)؛ أي: إنهم لا يخطبون لله ولا للاستحقاق، وإنما يشترون وظيفة الخطابة، فيكثر الراغبون في ذلك، ولقد رأينا للمسجد الواحد أكثر من عشرين خطيبًا.\nقوله: (ركن علماؤكم) ... إلخ؛ أي: يميل العلماء إلى الملوك فَيُفْتُونَ بمقتضى هواهم ولو خالف الشرع، ويتوصلون بذلك إلى دنياهم، فيحلون لهم الحرام من المعازف، وأكل الحرام، والكِبر، والغُرور، والمُكُوس، ويحرّمون عليهم الحلال من التواضع، والتقلل، وإقامة الحدود، ونحوها.\nقوله: (وتعلم علماؤكم) ... إلخ؛ أي: لا يتعلمون لوجه الله ولدينهم، وإنما قصدهم في التعلم تحصيل الدنيا.\nومن علامة ذلك: أنَّ أكثر رغبتهم في الفلسفيات والحكميات، فتراهم جاهلين بالسُّنة وشرائع الأحكام ويعدون أنفسهم من عُلماء الإسلام، فإنا لله وإنا إليه راجعون.\nقوله: (اتخذتم القرآن تجارة)؛ أي: إن أعطوا أُجرة على القراءة قرؤوا، وإلا لم يقرؤوا.\nقوله: (ضيعتم حق الله في أموالكم)؛ أي: من الزكاة، وغير ذلك من الحقوق المالية، إما بعدم إخراجها، أو بالإخلال ببعض شروطها من الاستحقاق وقدر الواجب، وغير ذلك.\nقوله: (وشربتم الخمور في ناديكم)؛ أي: في مجالسكم العامة غير مختفين، بل مجاهرين بشربها.\nوليس هذا تكرارًا مع قوله السابق: (وشربت الخمور)؛ لأن ذلك هو الشراب، لا بقيد المجاهرة، بخلاف هذا.\nوكذا يُقال في حديث حذيفة المار: \"وشربت الخمور في الطرق\".\nقوله: (ولعبتم بالميسر وضربتم بالكبر) ... إلخ.","vol":"1","page":168},{"text":"قال في \"النهاية\": الميسر هو القمار، ومنه الحديث: \"الشطرنج ميسر العجم\"، شبه اللعب به بالميسر؛ وهو القمار بالقَدّاح، وكل شيء فيه قمار فهو من الميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز. انتهى\nأي: ومنه اللعب في الأعياد بالبيض ونحوه.\nو(الكَبَر)؛ بفتحتين: الطبل ذو الرأسين، وقيل: الطبل الذي له وجه واحد.\nو(المعزفة): واحدة المعازف، وقد مر تفسيرها.\nو(المزامير): جمع مزمار؛ وهو الآلة التي يُزْمَرُ بها، ويقال له بالفارسية: صَرنا.\nقوله: (منعتم محاويجكم زكاتكم): معناه واضح.\nقوله: (قتل البريء ليغيظ العامة بقتله): معناه: أنهم لا يقتلون القاتل، ويقتلون بريئًا من قبيلته أو قريته؛ ليغيظهم ذلك، وهو جَمعٌ بين ذنبين: ترك القَوَد، وقتل البريء.\nقوله: (صار العطاء في العبيد والسقاط): سقاط الناس: أراذلهم وأدانيهم. فهو كقوله: \"وُسِّدَ الأمر إلى غير أهله\".\nقوله: (وطُفِّفَ المكاييل والموازين): التطفيف هو: بخس الكيل والوزن.\nفهذه جُملةٌ من الأشراط من القسم الثاني وهي كلها موجودة، وهي في التزايد يومًا فيومًا، وقد كادت أن تَبْلُغُ الغاية، أو قد بَلَغت.\nفنسأل الله أن يُجنبنا الفتن، ويَعصمنا من المحن، ويُميتنا على السُّنن، ويغفر لنا الذنوب التي جنيناها في السِّر والعلن؛ إنه جواد كريم ذو المِنن، بجاه جَدِّ الحسين والحسن، آمين يا أرحم الراحمين.","vol":"1","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>خَاتِمَة في سرد أحاديث تُناسب المقام</span>\nعن معقل بن يسار - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"العبادة في الهرج كهجرة إليَّ\" رواه مسلم، والترمذي، وابن ماجه.\nوعن الزبير (١) بن عدي قال: شكونا إلى أنس من الحَجاج، فقال: اصبروا؛ إنه لا يأتي عليكم زمانٌ إلَّا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم، سمعته من نبيكم - ﷺ -. رواه البخاري، والترمذي.\nوعن ثوبان - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وضع السيف في أمتي لم يُرفع إلى يوم القيامة\" رواه أبو داود، وابن ماجه.\nوعن عتبة بن غزوان - ﵁ - قال: \"إنَّ من ورائكم أيام الصبر، المتمسك فيه يومئذ بمثل ما أنتم عليه؛ له كأجر خمسين منكم\" رواه الطبراني.\nوعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال النبي - ﷺ -: \"كيف بك إذا بقيت في حُثَالةٍ من الناس، مَرجت عُهودهم وأماناتهم واختلفوا، وكانوا هكذا -وشبك بين أصابعه-\". قال: فبم تأمرني؟ قال: \"الزم بيتك وأهلك، واملك عليك لسانك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة\" رواه أبو داود، والنسائي.\nوهذا من قبيل قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾.\nوعن أبي موسى - ﵁ - نحوه، وفي آخره: قالوا: بم تأمرنا؟ قال: \"كونوا أحلاس بيوتكم\" رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه.\nوعن عمر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"سيُصِيبُ أمتي في آخر الزمان بلاءٌ شديدٌ، لا ينجو منه إلَّا رجل عَرفَ دين الله فجاهد عليه بلسانه\n_________\n(١) رواه البزار في \"الفتن\" (ز).","vol":"1","page":170},{"text":"وبقلبه، فذلك الذي سبقت له السوابق، ورجلٌ عَرفَ دين الله فَصَدّق به\" رواه أبو نصر السجزي، وأبو نُعيم.\nوعن حذيفة - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله! هل بعد هذا الخير شر؟ قال: \"نعم؛ دُعاةٌ على أبواب جهنم، مَن أجابهم إليها قذفوه فيها\". قُلت: صفهم لنا. قال: \"هم من جِلدتنا، يتكلمون بألسنتنا\". قُلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: \"تلزم جماعة المسلمين، وإمامهم\". قُلت: فإن لم يكن لهم جماعةٌ ولا إمام؟ قال: \"فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تَعَضّ بأصل شجرة حتى يُدركك الموت وأنت على ذلك\".\nوفي رواية عنه: \"يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهديي، ولا يستنون بسُنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس\".\nقال حذيفة: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: \"تَسمعُ وتُطِيعُ الأمير، وإن ضُرِبَ ظهرك، وأُخِذَ مالك\" رواه مسلم.\nوعن أبي ذر - ﵁ - قال: قال له رسول الله - ﷺ -: \"يا أبا ذر كيف أنت إذا كنت في حثالة؟ -وشبك بين أصابعه- قال: ما تأمرني يا رسول الله؟ قال: \"اصبر، اصبر، اصبر، خَالِقُوا الناس بأخلاقهم، وخَالفوهم في أعمالهم\" رواه الحاكم، والبيهقي في \"الزهد\".\nوعن أبي الدرداء - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تقربوا الفتنة إذا حَمِيت، ولا تَعرّضُوا لها إذا عَرضَت، واضربوا أهلها إذا أقبلت\".\nوعن خالد بن عُرْفُطةَ - ﵁ -: أنَّ النبي - ﷺ - قال له: \"يا خالد، إنها ستكون بعدي أحداثٌ، وفتن، وفُرقَةٌ، واختلاف، فإذا كان ذلك: فإن استطعت أن تكون عبد الله المقتول لا القاتل فافعل\" رواه أحمد، وابن أبي شيبة، ونُعيم بن حماد، والطبراني، والبغوي، والباوَردي، وابن قانع، وأبو نُعيم، والحاكم.\nوعن أبي أمامة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"سيكون في آخر الزمان شُرطة يغدون في غضب الله، ويروحون في سخط الله، فإياك أن تكون من بطانتهم\".","vol":"1","page":171},{"text":"وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال - ﷺ -: \"إنكم في زمان من ترك منكم عُشر ما أمر به هلك، ثم يأتي زمان من عمل منهم بِعُشر ما أمر به نجا\" رواه الترمذي.\nوعن عبد الله بن مسعود - ﵁ -: أنه كان يقول كل عشية خميس لأصحابه: سيأتي على الناس زمان تُمَاتُ فيه الصلاة، ويُشْرفُ فيه البنيان، ويكثر فيه الحلف والتَّلاعُن، ويفشو فيه الرشا والزنا، وتُباع الآخرة بالدنيا، فإذا رأيت ذلك فالنجا النجا. قيل: وكيف النجا؟ قال: كن حِلسًا من أحلاس بيتك، وَكُفّ لسانك ويدك\" رواه ابن أبي الدنيا.\nوعن ابن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما من نبي بعثه الله في أمته قبلي إلَّا كان له في أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بِسُنّته ويقتدون به، ثم إنها تَخلُف من بعدهم خُلوف؛ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل\" رواه مسلم.\nوعن أبي سعيد - ﵁ - قال: قال - ﷺ -: \"من أكل طيبًا، وعمل في سنّة، وأمن الناس بوائقه؛ دخل الجنة\". فقال رجل: يا رسول الله؛ إنَّ هذا اليوم لكثير في الناس. قال: \"وسيكون في قرون بعدي\" رواه الترمذي.\nوعن أنس - ﵁ - قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: \"يا بُنَيّ؛ إن قدرت على أن تُصبح وتُمسي ليس في قلبك غِشٌّ لأحد؛ فافعل\"، ثم قال: \"يا بني؛ وذلك من سُنتي، ومن أحيا سنتي فقد أحبني، ومن أحبني كان معي في الجنة\" رواه الترمذي.\nوعن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي - ﷺ -: \"من تمسّك بِسُنتي عند فساد أُمتي فله أجر مئة شهيد\" رواه البيهقي.\nوعن أبي هريرة - ﵁ -: \"المتمسك بِسُنتي عند فساد أُمتي له أجر شهيد\" رواه الطبراني في \"الأوسط\".","vol":"1","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>البَابُ الثّالث في الأَشْرَاطِ العِظَامِ وَالأَمَارَاتِ القَريبَةِ الّتي تَعْقُبُهَا السَّاعَةُ</span>","vol":"1","page":173},{"text":"البَابُ الثّالث في الأَشْرَاطِ العِظَامِ وَالأَمَارَاتِ القَريبَةِ الّتي تَعْقُبُهَا السَّاعَةُ\nوهي أيضًا كثيرة.\nفمنها: المهدي (١):\nوهو أولها. واعلم؛ أن الأحاديث الواردة فيه على اختلاف رواياتها لا تكاد تنحصر.\n\nفقد قال محمد بن الحسن الإسنوي في كتاب \"مناقب الشافعي\": \"قد تواترت الأخبار عن رسول الله - ﷺ - ب<span data-type=\"title\" id=toc-151>ذكر المهدي</span>، وأنه من أهل بيته - ﷺ -\". انتهى\nوستأتي الإشارة إليها إجمالًا، ولو تعرضنا لتفصيلها طال الكتاب، وخرج عن موضوعه، ولكن نقتصر على حاصل الجمع بين الروايات من غير تَعرُّضٍ لمخرَجها ومُخَرِّجيها، والكلام فيه يأتي في مقامات.\n_________\n(١) وبسط في الروايات في بيانه ابن حجر في \"الفتاوى الحديثية\" (ص ٢٧)، وللسيوطي فيه رسالةٌ سماها \"كتاب المهتدي\" أشار إليها في \"اللآلي المصنوعة\" (ص ٥٥١).\nوقال صاحب \"عون المعبود\" (٤: ١٧٠): أحاديثه بين صحيح وحسن وضعيف، وبالغ ابن خلدون في \"تاريخه\" في تضعيف رواياته فلم يصب ... إلخ\nولحضرة مولانا أشرف علي التهانوي رسالة في الرد على ابن خلدون مسماة: \"مؤخرة الظنون عن ابن خلدون\" معروفةٌ، وأيضًا له رسالة بالأوردو باسم \"تحقيق مهدي\" مطبوعة في آخر المجلد الرابع من \"إمداد الفتاوى\". (ز).","vol":"1","page":175},{"text":"المقام الأول في اسمه، ونسبه، ومولده، ومبايعته، وَمُهَاجره، وحليته، وسيرته\nأما اسمه: ففي أكثر الروايات أنه: محمد، وفي بعضها أنه: أحمد، واسم أبيه عبد الله، فقد ورد، بل صَحَّ عنه - ﷺ -؛ كما عند أبي داود، والترمذي، وقال: حسن صحيح. عن ابن مسعود - ﵁ - أنه قال: \"يُواطئ -أي: يُوافق- اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي\".\nوتعسف بعض الشيعة فقالوا: إنَّ هذا تحريف، والصواب: اسم أبيه اسم ابني -بالنون-، يعني: الحسن، أو أنَّ المراد بأبيه: جده؛ يعني: الحسين، والمراد باسمه: كُنْيتُه، فإنَّ كُنيةَ الحسين: أبو عبد الله، فمعناه: أنَّ كُنية جده الحسين توافق اسم ولد النبي - ﷺ -، وذلك لاعتقادهم أنه محمد بن الحسن العسكري.\nوهو بَاطلٌ من وجوه:\nأما أولًا: فلهذه التعسفات.\nوأما ثانيًا: فلأنَّ محمد بن الحسن هذا مات، وأخذ عمه جعفر مِيراث أبيه الحسن.\nوأما ثالثًا: فلأنَّ المهدي يُبايَعُ وهو ابن أربعين سنة، أو أقل، ولو كان هو لزاد عن سبع مئة سنة.\nوأما رابعًا: فلأنَّ مولد المهدي المدينة، بخلافه.\nوأما خامسًا: فلأنَّ رواية ابن المُنادي عن عليّ ﵇: \"فيجيء الله بالمهدي محمد بن عبد الله\".\nبل وكثيرٌ من الأحاديث صريحةٌ في رَدِّ ما قالوه.\nوُوجوهٌ أُخر لا نُطِيل الكلام بذكرها.","vol":"1","page":176},{"text":"تَنبيه\nوقع للشيخ عبد الوهاب الشعراني في كتاب \"اليواقيت والجواهر\": أنه مشى على هذا القول، ونسبه \"للفتوحات المكية\"، وسيأتي كلام \"الفتوحات\" وليس فيه ذلك، بل الذي فيه هو أنَّ المهدي من أولاد الحسن، ولا شك أن العسكري من أولاد الحسين، فما في \"الفتوحات\" أعم مما نُسِب إليها.\nوالظاهر: أن هذا مَدسُوسٌ على الشعراني، ويؤيده أنه في حياته لم يُحرر الكتاب المذكور، وأنه قال فيه: لا أُحِلُّ لأَحَدٍ أن يروي عني هذا الكتاب حتى يَعْرِضَهُ على علماء المسلمين ويجيزوا ما فيه.\nوقد وقع فيما خاف منه، فَدُسَّ عليه مذهب الشيعة.\nومما دُسَّ عليه في \"طبقاته\" أنه قال في ترجمة الحسين بن علي: إنَّ العقب منه فقط، لا من أخيه الحسن.\nوهذا أيضًا من دسائس الرافضة، وإلَّا فكيف يُنكر الشعراني نَسَبَ الحسن وهو أظهر من أن يُشهر، وأكثر من أن يُحصر، ومنهم الأعاظم كأئمة اليمن، وملوك الحجاز، وملوك الغرب، وأئمة طبرستان القدماء كالداعي الكبير، وكتب النسب طَافحةٌ بأنسابهم كـ\"عمدة الطالب\" وغيرها، وأئمة علم الأنساب مُجمِعُون على إثبات نسبه، لم يختلف فيه منهم اثنان.\nثم كيف يجوز أن يُنسَب ذلك إلى الشعراني وهو مصري، وأجلاء بني حسن كانوا بمصر كبني طَباطِبا وغيرهم؟ !\nفَليتنبه لذلك فإنه زَلةٌ، وبالله التوفيق.\nولقبه: المهدي؛ لأنَّ الله هداه للحق.\nوالجابر: لأنه يجبر قلوب أمة محمد - ﷺ -، أو لأنه يجبر؛ أي: يقهر الجبارين والظالمين ويقصمهم.\nوكُنيته: أبو عبد الله.","vol":"1","page":177},{"text":"وفي \"الشفا\" للقاضي عياض ﵀: أن كنيته أبو القاسم، وأنه جُمع له بين كُنية النبي - ﷺ - واسمه، ولم يذكر له سندًا سلام الله عليه.\nوأما نسبه: فإنه من أهل بيت النبي - ﷺ -.\nثم الذي في الروايات الكثيرة الصحيحة الشهيرة: أنه من ولد فاطمة ﵍. وجاء في بعضها: أنه من ولد العباس - ﵁ -، ثم اختلفت الروايات في ولدي فاطمة ﵍؛ ففي بعضها: أنه من أولاد الحسن، وفي بعضها: أنه من أولاد الحسين.\nووجه الجمع بينهما أن ولادته العُظمى من الحسين، أو من الحسن، وللآخر فيه ولادة من جهة بعض أمهاته، وكذلك للعباس فيه ولادةٌ أيضًا.\nعلى أن في أولاد العباس كان من تَسمّى بالمهدي، وجاءتهم الرايات السود من خراسان كما تجيء للمهدي، وكان قبله المنصور كما يكون قبل المهدي المنصور.\nوأما مولده: فإنه يُولد بالمدينة، رواه نُعيم بن حماد عن أمير المؤمنين عليّ كرّم الله وجهه.\nوفي \"التذكرة\" للقرطبي: أنَّ مولده ببلاد المغرب، وأنه يأتي من هناك ويجوز على البحر، كما سيأتي نقله.\nوأما مبايعته: فإنه يُبايع بمكة بين الركن والمقام ليلة عاشوراء؛ كما يأتي.\nوأما مهاجره: فإنه يُهاجر إلى بيت المقدس، وأن المدينة تخرب بعد هجرته، وتصير مأوى للوحوش؛ فقد ورد عن عمر - ﵁ -: أن عِمرَانَ بيت المقدس خَرَابُ يثرب.\nوأما حليته: فإنه آدم ضربٌ من الرجال رَبعةٌ، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، أشمه، أزج أبلج، أعين، أكحل العينين، براق الثنايا، أفرقها، في خَدِّه الأيمن خالٌ أسود، يُضيءُ وجهه كأنه كوكب دُري، كث اللحية، في كتفه علامةٌ للنبي - ﷺ -، أذيل الفخذين، لونه لون عربي، وجسمه جسم إسرائيلي، في لسانه ثقل، وإذا أبطأ عليه الكلام ضرب فخذه الأيسر بيده اليمنى، ابن أربعين سنة.","vol":"1","page":178},{"text":"وفي رواية: ما بين الثلاثين إلى أربعين، خاشعٌ لله خشوع النسر بجناحيه، عليه عبايتان قِطْوَانيتان، يشبه النبي - ﷺ - في الخُلُق -أي: بالضم- لا في الخَلْق -أي بالفتح-.\nولنذكر تفسير بعض كلماته:\nقوله: (آدم): هو الأسمر شديد السُّمرة، أو هو الذي لونه لون الأرض، وبه سُمّي آدم ﵇.\nقوله: (ضرب من الرجال): هو الخفيف اللحم الممشوق المستدق.\nقوله: (رَبعةٌ): هو بين الطويل والقصير.\nقوله: (أجلى الجبهة): هو الخفيف شعر النزعتين من الصدغين، والذي انحسر الشعر عن جبهته.\nقوله: (أقنى الأنف): القنا في الأنف: طوله ودقة أرنبته، يقال: رجل أقنى، وامرأة قنواء.\nقوله: (أشمه): يقال: فلان أشم الأنف، إذا كان عرنينه رفيعًا.\nقوله: (أزج أبلج): الزجج: هو تقويس في الحاجب مع طول في طرفه وامتداد، وفلان أزج حاجبه كذلك.\nو(الأبلج): هو المشرق اللون مسفره، و(الأبلج) أيضًا: هو الذي وضح ما بين حاجبيه فلم يقترنا، والاسم: البَلج؛ بفتح اللام.\nقوله: (أعين أكحل العينين): الأعين: الواسع العين، والمرأة العيناء، والجمع: عِينٌ.\nومنه قوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾.\nو(الكَحَل) -بفتحتين-: سواد في أجفان العين خلقة من غير اكتحال، والرجل أكحل، والمرأة كحلاء.\nقوله: (بَرّاق الثنايا أفرقها)؛ أي: لها بريق ولمعان من شدة بياضها.","vol":"1","page":179},{"text":"و(أفرقها)؛ أي: ثناياه متباعدة ليست مُتلاصقة.\nقوله: (أذيل الفخذين)؛ أي: منفرج الفخذين متباعدهما.\nقوله: (عبايتان قِطْوَانيتان)؛ القطوانية: قال في \"النهاية\": عباءة بيضاء قصيرة الخمل والنون زائدة، يقال: كساء قِطْوَاني، وعباءة قِطْوانية.\nوأما سيرته: فإنه يعمل بسُنّة النبي - ﷺ -، لا يُوقِظُ نائمًا، ولا يهريق دمًا، يقاتل على السُنّة لا يترك سُنّةً إلَّا أقامها، ولا بدعةً إلَّا رفعها، يقوم بالدين آخر الزمان؛ كما قام به النبي - ﷺ - أوله، يملك الدنيا كلها؛ كما ملك ذو القرنين وسليمان.\nيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، يَردُّ إلى المسلمين أُلفتهم ونعمتهم، يملأ الأرض قِسطًا وعدلًا؛ كما مُلِئَت ظُلمًا وجورًا، يحثو المال حثيًا، ولا يَعُدهُ عدًا، يقسم المال صِحاحًا بالسوية، يَرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، والطير في الجو، والوحش في القفر، والحيتان في البحر.\nيملأ قلوب أمة محمد - ﷺ - غِنىً حتى إنه يأمر مناديًا ينادي: ألا من له حاجة في المال. فلا يأتيه إلَّا رجل واحد، فيقول: أنا.\nفيقول: ائْتِ السَّادِن -يعني: الخازن- فقل له: إنَّ المهدي يَأمُرك أن تُعطيني مالًا.\nفيقول له: احثُ. حتى إذا جعله في حِجْرهِ وأبرزه نَدِم، فيقول: كنت أجشع أمة محمد - ﷺ -. -أي: أحرصهم. والجشع: أشد الحرص- ويقول: أَعْجَز عما وسعهم. قال: فيرده فلا يقبل منه. فيقال له: إنا لا نأخُذُ شيئًا أعطيناه.\nتَنْعَمُ الأمة برها وفاجرها في زمنه نعمة لم يُسمع بمثلها قط، تُرسل السماء عليهم مِدرارًا لا تدخر شيئا من قطرها، تُؤتي الأرض أُكلها لا تدخر عنهم شيئًا من بذرها، تجري على يديه الملاحم، يستخرج الكنوز، ويفتح المدائن ما بين الخافقين، يُؤتى إليه بملوك الهند مَغلولين، وتُجعل خزائنهم حُليًا لبيت المقدس، يأوي إليه الناس كما تأوي النحل إلى يَعْسُوبها حتى يكون الناس على مثل أمرهم الأول.","vol":"1","page":180},{"text":"يُمِدُه الله بثلاثة آلاف من الملائكة يضربون وُجُوه مخالفيه وأدبارهم، جبريل على مقدمته، وميكائيل على ساقته.\nترعى الشاة والذئب في زمنه في مكان واحد، وتلعب الصبيان بالحيات والعقارب لا تضرهم شيئًا، ويزرع الإنسان مُدًا؛ يخرج له سبع مئة مُدّ.\nويُرفع الربا، والرياء، والزنا، وشرب الخمر، وتطول الأعمار وتؤدى الأمانة، وتهلك الأشرار، ولا يبقى من يُبْغِضُ آل محمد - ﷺ -.\nمحبوب في الخلائق، يُطفئُ الله به الفتنة العمياء، وتأمن الأرض حتى إن المرأة تحج في خمس نسوة ما معهن رجل لا يخفن شيئًا إلَّا الله.\nمكتوب في أسفار الأنبياء: \"ما في حكمه ظُلم ولا عيب\".\nقال الفقيه ابن حجر في \"القول المختصر في علامات المهدي المنتظر\": ولا يُنافي هذا أنَّ عيسى ﵇ يفعل بعض ما ذُكر؛ من قتل الخنزير، وكَسْرِ الصليب؛ إذ لا مانع أن كُلًا منهما يفعله.\nأقول: ويحتمل أن يكون الزمان واحدًا، ويُنْسَبُ إلى كُلّ منهما باعتبار؛ كما سيأتي.","vol":"1","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>المقام الثاني في العلامات التي يُعرف بها، والأمارات الدالة على قرب خروجه ﵇</span>\nأما العلامات:\nفمنها: أن معه قميص رسول الله - ﷺ -، وسيفه، ورايته من مِرْطٍ مُخَملّة مُعلّمة سوداء، فيها حُجَرٌ لم تُنشر منذ توفي - ﷺ -، ولا تُنشر حتى يخرج المهدي، مكتوب على رايته: البيعة لله.\nومنها: أن على رأسه غَمامةً فيها منادٍ ينادي: هذا المهدي خليفة الله فاتبعوه، وتخرج منها يَدٌ تشير نحو المهدي بالبيعة.\nومنها: أنه يَغْرِسُ قضيبًا يابسًا في أَرضٍ يَابسةٍ فيخضرُ ويُورِق.\nومنها: أنه يُطلب منه آية، فَيُومئ بيده إلى طَيْرٍ في الهواء فيسقط على يده.\nومنها: أنه يُخسفُ بجيش يقصدونه بالبيداء بين المدينة ومكة؛ كما سيأتي.\nومنها: أنه ينادي منادٍ من السماء: أيها الناس؛ إن الله قد قطع عنكم الجبارين والمنافقين وأشياعهم، وولاكم خير أمة محمد - ﷺ -، فالحقوا بمكة؛ فإنه المهدي، واسمه: أحمد بن عبد الله.\nوفي رواية: وولاكم الجابر خير أمة محمد - ﷺ -، الحقوه بمكة؛ فإنه المهدي، واسمه: محمد بن عبد الله.\nومنها: أن الأرض تُخرج أفلاذ كبدها مثل الأسطوانات من الذهب.\nومنها: غنى قلوب الناس، وكثرة بركات الأرض؛ كما مر في سيرته ﵊.\nومنها: أنه يُخرج كنز الكعبة المدفون فيها، فيقسمه في سبيل الله تعالى. رواه نُعيم عن عليّ كرّم الله وجهه.","vol":"1","page":182},{"text":"ومنها: أنه يَستخرِجُ تابوت السكينة من غار أنطاكية، أو من بحيرة طبرية، فيُخرج حتى يُحمل فيوضع بين يديه ببيت المقدس، فإذا نظر إليه اليهود أسلموا إلَّا قليلًا منهم.\nومنها: أنه يَنْفَلِقُ له البحر كما انفلق لبني إسرائيل؛ كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\nومنها: أنه تأتي الرايات السود من خراسان، فيرسلون إليه بالبيعة.\nومنها: أنه يجتمع بعيسى ابن مريم ﵉، ويُصلي عيسى خلفه.\nومنها: ما مر في حليته من علامة النبي - ﷺ -، وثقل اللسان، وغير ذلك.\n* وأما الأمارات الدالة على قرب خروجه:\nفمنها: أنه ينشق الفرات، فينحسر عن جبل من ذهب.\nومنها: أنه ينكسف القمر أول ليلة من رمضان، والشمس ليلة النصف منه، وهذان لم يكونا منذ خلق الله السماوات والأرض.\nومنها: خُسوف القمر مرتين في شهر رمضان، وهذا لا يُنافي الأول؛ كما هو واضح.\nومنها: طُلوع القرن ذي السنين.\nومنها: طُلوع نجم له ذنب يُضيءُ.\nومنها: ظُهور نار عَظيمةٍ من قبل المشرق ثلاث ليال، أو سبع ليال.\nومنها: ظُهور ظُلمةٍ في السماء.\nومنها: حُمرةٌ في السماء، وتُنشر في أفقها، ليست كحمرة الأفق.\nومنها: نِداءٌ يَعُمُّ جميع أهل الأرض، ويسمع أهل كل لغة بلغتهم.\nومنها: خَسفُ قرية بالشام، يقال لها: حَرَستا.\nومنها: منادٍ يُنادي من السماء باسم المهدي، فَيسمع من بالمشرق ومن بالمغرب","vol":"1","page":183},{"text":"حتى لا يبقي رَاقدًا إلَّا استيقظ، ولا قائِمًا إلَّا قعد، ولا قاعِدًا إلا قام على رجليه.\nوهذا غير الصوت الآتي بعد خروجه كما مر.\nومنها: عِصَابةٌ في شوال (١)، ثم مَعْمعةٌ في ذي القعدة، ثم حَربٌ في ذي الحجة، ونهب الحاج، وقتلهم حتى تسيل الدماء على جمرة العقبة.\nوبعض هذه المذكورات من نجم ذي ذنب والحُمرة والسواد، قد وقع.\nوالمعمعة: صوت الحرب واليوم الشديد الحر، والمراد منها الفتن.\nومنها: أنه يكون اختلاف، وزلازل كثيرة.\nومنها: أنه يُنادي مُنادٍ من السماء: ألا إن الحق في آل محمد - ﷺ -، ويُنادي مُنادٍ من الأرض: ألا إن الحق في آل عيسى وآل العباس، وإن الأول نداء المَلك، وإن الثاني نداء الشيطان.\nومنها: ما يأتي مما نذكره من الفتن الواقعة قبل ظهوره.\n_________\n(١) ذكره السيوطي في \"اللآلئ\" (ص ٥٤٠) وفي \"الموضوعات\"، وفي \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٣١٠). (ز).","vol":"1","page":184},{"text":"المقام الثالث في الفتن الواقعة قبل خروجه\nولنسقها مساقًا واحدًا تقريبًا إلى فهم العوام المقصودين بهذه الرسالة، وتكميلًا للفائدة، فنقول:\nمن الفتن التي قبله: أنه يَنْحَسِرُ الفرات عن جبل من ذهب (١)، فإذا سمع به الناس ساروا إليه، واجتمع ثلاثة كلهم ابن خليفة يقتتلون عنده، ثم لا يصير إلى واحد منهم، فيقول مَنْ عنده: والله لئن تركت الناس يأخذون منه ليذهبن بكليته. فيقتتلون عليه حتى يُقتل من كل مئة تسعة وتسعون. وفي رواية: فيقتل تسعة أعشارهم.\nوفي رواية: من كل تسعة سبعة، فيقول رجل: لعلي أكون أنا أنجو.\nوفي \"الصحيحين\" وغيرهما: قال - ﷺ -: \"فمن حضره فلا يأخذ منه شيئا\".\nومنها: خروج السفياني، والأبقع، والأصهب، والأعرج الكندي:\nأما السفياني (٢): فعن أمير المؤمنين عليّ كرّم الله وجهه؛ أنه من ولد خالد بن يزيد بن أبي سفيان.\nويزيد هذا هو أخو معاوية بن أبي سفيان: صحابي أسلم مع أبيه وأخيه يوم الفتح، مات في خلافة عمر - ﵁ -.\nوالسفياني من ولده، وهو رجل ضخم الهامة، بوجهه آثار الجدري، وبعينه نُكتة بيضاء، هكذا ورد في حِلْيتهِ عن علي كرّم الله وجهه.\nوأنه يخرج من ناحية مدينة دمشق، في وَادٍ يقال له: وادي اليابس.\n_________\n(١) كذا في \"البذل\" (١٧/ ٢٣٣)، وسيأتي أحاديثه (ص ٢١٨). (ز).\n(٢) ذكر شيئًا من أحواله ابن حجر في \"الفتاوى الحديثية\" (ص ٢٨، ص ٣١). (ز).","vol":"1","page":185},{"text":"يُؤتى في منامه فيقال له: قُم فاخرج. فيقوم فلا يجد أحدًا، ثم يُؤتى الثانية فيقال له مثل ذلك، ثم يقال له في الثالثة: قم فاخرج فانظر إلى باب دارك. فينحدر في الثالثة إلى باب داره، فإذا هو بسبعة نفر أو تسعة، معهم لواء فيقولون: نحن أصحابك، مع رجل منهم لواء معقود لا يعرفون في لوائه النصر، يستفرش يديه على ثلاثين ميلًا لا يرى ذلك العَلَمَ أَحدٌ إلَّا انهزم.\nفيخرج فيهم، ويتبعهم نَاسٌ من قريات الوادي، وبيد السفياني ثلاث قُضبان لا يقرع بها أحدًا إلَّا مات، فيسمع به الناس، فيخرج صاحب دمشق فيلقاه ليقاتله، فإذا نظر إلى رايته انهزم، فيدخل السفياني في ثلاث مئة وستين راكبًا دمشق، وما يمضي عليه شهر حتى يجتمع عليه ثلاثون ألفًا من كلب، وهم أخواله.\nوعلامة خروجه: أنه يُخسَفُ بقرية من قُرى دمشق، ولعلها حَرسْتَا، ويسقط الجانب الغربي من مسجدها.\nثم يخرج الأبقع والأصهب، فيخرج السفياني من الشام، والأبقع من مصر، والأصهب من الجزيرة؛ أي: جزيرة العرب لا جزيرة ابن عمر، فإنها داخلة في جزيرة العرب.\nويخرج الأعرج الكندي بالمغرب، ويدوم القتال بينهم سَنةً، ويغلب السفياني على الأبقع والأصهب.\nويسير صاحب المغرب فيقتل الرجال، ويسبي النساء، ثم يرجع حتى ينزل الجزيرة إلى السفياني على قيس، فيظهر السفياني على قيس، وَيَحُوزُ ما جمعوا من الأموال، ويظهر على الرايات الثلاث.\nتَنبيه\nالأبقع، والأصهب، والأعرج، والمنصور، والحارث، والمهدي: صِفَاتٌ وألقاب، لا أسماء لهم، فَليُعْلم.\nثم يُقاتل الترك والروم بقرقيسيا فيظهر عليهم، ويفسد في الأرض، فيبقر بطون النساء، ويقتل الصبيان، ويهرب رجال من قريش إلى قسطنطينية، فيبعث إلى عظيم","vol":"1","page":186},{"text":"الروم أن يبعث بهم في المجامع، فيبعث بهم إليه، فيضرب أعناقهم على باب المدينة بدمشق، ثم ينفتق عليهم فَتقٌ من خلفهم، فيرجع إليهم ويقتل طائفة منهم، فينهزمون حتى يدخلوا أرض خراسان، وتُقبل خيل السفياني في طلبهم كالليل والسيل، فلا تمر بشيء إلَّا أهلكته وهدمته، فيهدم الحصون، وَيُخرّب القلاع حتى يدخل الزوراء -وهي: بغداد- فيقتل من أهلها مئة ألف، ثم يسير إلى الكوفة، فيقتل من أهلها ستين ألفًا، ويسبي النساء والذراري، ويبث جنوده في البلاد، فتبلغ عامة المشرق من أرض خراسان، ويطلبون أهل خراسان في كل وجه، ويبعث بعثًا إلى المدينة، فيأخذون من قدروا عليه من آل محمد - ﷺ -، ويقتلون من بني هاشم رجالًا ونساء، ويُؤتى بجماعة منهم إلى الكوفة، وتفترق بقيتهم في البراري، فعند ذلك يهرب المهدي والمُبَيض -وفي رواية: والمنصور- إلى مكة في سبعة أنفس، ويستخفون هناك، فيرسل صاحب المدينة إلى صاحب مكة: إذا قدم عليكم فلان وفلان -يكتب أسماءهم- فاقتلوهم. فَيُعظِم ذلك صاحب مكة، ثم يتآمرون بينهم، فيأتونه ليلًا ويستجيرون به، فيقول: اخرجوا آمنين. فيخرجون، ثم يبعث إلى رجلين منهم فيقتل أحدهما والآخر ينظر إليه، ويقتلون النفس الزكية بين الركن والمقام، فعند ذلك يَغْضَبُ الله ويَغْضَبُ أهل السماوات، ثم يرجع الآخر إلى أصحابه فيخبرهم، فيخرجون حتى ينزلوا جبلًا من جبال الطائف، فيقيمون فيه ويبعثون إلى الناس، فينساب إليهم ناسٌ، فإذا كان كذلك غزاهم أهل مكة، فيهزمون أهل مكة، ويدخلون مكة، ويقتلون أميرهم، ويكونون بمكة إلى خروج المهدي.\nتَنبيه\nورد عن أبي عبد الله الحسين بن علي ﵉ أنه قال لصاحب هذا الأمر -يعني: المهدي ﵇- غيبتان؛ إحداهما تطول حتى يقول بعضهم مات، وبعضهم: ذهب، ولا يَطّلِعُ على موضعه أَحدٌ؛ من ولي ولا غيره، إلا المولى الذي يلي أمره.\nوهاتان الغيبتان -والله أعلم- ما مر آنفًا، أنه يختفي بجبال الطائف، ثم يَنْسَاب إليه ناسٌ، ويظهر معهم، ويهزم أهل مكة، ثم إنه يختفي بجبال مكة، ولا يَطّلِعُ عليه أَحدٌ.","vol":"1","page":187},{"text":"ويؤيده: ما رُوي عن أبي جعفر؛ محمد بن علي الباقر أنه قال: يكون لصاحب هذا الأمر غَيبَةٌ في بعض هذه الشعاب. وأومأ بيده إلى ناحية ذي طوى.\nويُلائمه: قول أبي عبد الله الحسين المار حتى يقول بعضهم: مات ... إلخ؛ لأن الاختفاء بعد الظهور هو الذي يُظن فيه الموت.\nوأما ما ذهب إليه الإمامية الشيعة من أنه محمد بن الحسن العسكري، وأنه غاب ثم ظهر لبعض خواص شيعته، ثم غاب ثانيًا، وأنه يراه خواص شيعته: فيرده أن الظهور لبعض الخواص لا يُسمى ظُهورًا.\nوقوله في رواية الحسين: لا يطلع على موضعه أَحدٌ من ولي ولا غيره. فإن هذا يُنافي قولهم: يعرفه خواص شيعته، وكونه بناحية ذي طوى؛ لأنهم يقولون: غاب بسردَابٍ بِسُرَّ من رأى. والله أعلم.\nويحج الناس في هذه السنة؛ أعني: سنة خروجه من غير أمير، فيطوفون جميعًا فإذا نزلوا مِنَى أخذ الناس كالكَلِبْ، فيثور القبائل بعضهم على بعض فيقتتلون، ويُنْهبُ الحاج، وتسيل الدماء على جمرة العقبة، ويأتي سبعة رجال علماء من آفاق شتى على غير ميعاد، وقد بايع لكل منهم ثلاث مئة وبضعة عشر، فيجتمعون بمكة، ويقول بعضهم لبعض: ما جاء بكم؟ فيقولون: جئنا في طلب هذا الرجل الذي ينبغي أن تَهدَأَ على يديه الفتن، ويفتح له قسطنطينية، قد عرفناه باسمه واسم أبيه وأمه.\nتَنبيه\nلم أقف على اسم أُمِّ المهدي بعد الفحص والتَّتَبُّع، فلعلهم يعرفون اسمه من طريق الكشف، لا من طريق النقل، والله أعلم.\nفيتفق السبعة على ذلك، فيطلبونه بمكة فيقولون: أنت فلان ابن فلان؟ فيقول: بل أنا رجل من الأنصار، فينفلت منهم، فيصفونه لأهل الخبرة فيه والمعرفة به، فيقولون: هو صاحبكم الذي تطلبونه وقد لحق بالمدينة. فيطلبونه بالمدينة فيخالفهم إلى مكة، وهكذا إلى ثلاث مرات.\nويسمع صاحب المدينة بطلب الناس للمهدي، فيجهز جيشًا في طلب الهاشميين","vol":"1","page":188},{"text":"بمكة، ويأتي أولئك السبعة فيصيبونه بالثالثة بمكة عند الركن، ويقولون: إِثْمُنا عليك، ودِماؤُنا في عنقك إن لم تَمُدّ يدك نبايعك، هذا عسكر السفياني قد توجه في طلبنا عليهم رجلٌ من حزم. ويهددونه بالقتل إن لم يفعل.\nفيجلس بين الركن والمقام ويمد يده فيُبايع، فيظهر عند صلاة العشاء مع راية رسول الله - ﷺ -، وقميصه وسيفه.\nفإذا صَلّى العشاء أتى المقام فصلى ركعتين، وَصَعِد المنبر، ونادى بأعلى صوته: أذكركم الله أيها الناس ومقامكم بين يدي ربكم.\nويخطب خطبة طويلة يرغبهم فيها في إحياء السُّنن، وإماتة البِدَع، فيظهر في ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلًا عدد أهل بدر، وعدد أصحاب طالوت حين جاوزوا معه النهر، من أبدال الشام، وعصائب أهل العراق، ونجائب مصر، على غير ميعاد قُزَعًا كَقُزع الخريف، رهبان بالليل أُسدٌ بالنهار.\nويأتيهم جيش صاحب المدينة فيقاتلونه، فيهزمونهم ويتبعونهم حتى يدخلون المدينة ويستنقذونها من أيديهم.\nتَنبيه\nلا يشكل إتيانهم المدينة مرتين أو ثلاثًا مع وقوع البيعة ليلة عاشوراء، وإن المدة بعد انقضاء المناسك إلى ليلة عاشوراء قَريبٌ من عشرين يومًا، أو خمسة وعشرين يومًا، ومسافة ما بين الحرمين عشر مراحل أو أكثر بالسير المعتاد، مع ما يتخلل ذلك من طلبهم له في كل من الحرمين في كل مرة؛ إذ يمكن الإتيان على الركاب في خمسة أيام، فيمكن تكرره في خمس وعشرين، على أنهم كُلّهم أولياء فيمكن أن تُطوى لهم الأرض، أو يكونوا من أصحاب الخطوات، والله أعلم (١).\nويبلغ السفياني خروجه، فيبعث إليهم بعثًا من الكوفة، فيأتون المدينة فيستبيحونها ثلاثًا، ويقتلون قتلًا في الحرة عنده كضربة سوط، ويقصدون المهدي، فإذا خرجوا\n_________\n(١) منشأ هذا القول من المُصَنِّف عدم تصور التطور في وسائل النقل السريعة وتسهيل الطرقات، وهذا مشاهد في عصرنا الحاضر، والله أعلم بما سيستجد مستقبلًا.","vol":"1","page":189},{"text":"من المدينة وكانوا ببيداء من الأرض خُسِفَ بأولهم وآخرهم، ولم يَنْجُ أوسطهم، فلا ينجو منهم إلَّا نَذيرٌ إلى السفياني، وبشيرٌ إلى المهدي، فلما سمع المهدي بذلك قال: هذا أوان الخروج. فيخرج ويمر بالمدينة، فيستنقذ من كان أسيرًا من بني هاشم، وتُفتح له أرض الحجاز كلها.\nولنرجع إلى حكاية أهل خراسان: ثم يخرج رجل من وراء النهر يقال له: الحارث وحراث، على مقدمته رجلٌ يقال له: المنصور (١) يمكِّن لآل محمد - ﷺ -، كما مَكّنت قريش لمحمد - ﷺ -، وجب على كل مؤمن نصره، فهذا الرجل يَحتَمِل أن يكون هو الهاشمي الآتي ذكره، ويلقب بـ: الحارث؛ كما يلقب المهدي بـ: بالجابر، ويَحتمل أن يكون غيره، ويثور أهل خراسان بعسكر السفياني، ويكون بينهم وقعات، وقعة بتونس، ووقعة بدولاب الري، ووقعة بتخوم الدرنيخ.\nفإذا طال عليهم قتالهم إياه بايعوا رجلًا من بني هاشم بكفه اليمنى خَالٌ، سهل الله أمره وطريقه، هو أخو المهدي من أبيه أو ابن عمه، وهو حينئذ بآخر المشرق، فيخرج بأهل خراسان وطَالَقان ومعه الرايات السود الصغار، وهذه غير رايات بني عباس، على مُقَدّمته رَجلٌ من تميم من الموالي، رَبعَةٌ أصفر قليل اللحية كوسج، واسمه شعيب بن صالح التميمي، يخرج إليه في خمسة آلاف، فإذا بلغه خروجه شايعه وصيره على مقدمته، لو استقبلته الجبال الرواسي لهدها، يمهد الأمر للمهدي؛ كما مهدت قريش للنبي - ﷺ -.\nوعنه - ﷺ - أنه قال: \"إذا سمعتم براياتٍ سوداء أقبلت من خراسان فَاْتوها ولو حبوًا على الثلج\" (٢).\n_________\n(١) وحكى القاري (٥/ ١٨٤): قيل: إن المراد أبو منصور الماتريدي، وقيل: الخضر. والحديث أخرجه أبو داود (ز).\n(٢) فقد أخرج معناه في \"المشكاة\" برواية أحمد، عن ثوبان - ﵁ -، قال القاري (٥/ ١٨٥): \"يحتمل أن يكون السواد كناية عن كثرة العساكر، والظاهر أنها عساكر الحارث والمنصور\". اهـ\nوأخرجه الترمذي برواية أبي هريرة - ﵁ - (٢/ ٥٦) (ز).","vol":"1","page":190},{"text":"وعن أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه: لو كنت في صندوق مُقفلٍ فاكسر ذلك القفل والصندوق والحق بها.\nوفي رواية: فإنَّ فيها خليفة الله المهدي -أي: فيها نصره-، وإلَّا فهو حينئذ بمكة، كما مر.\nفيلتقي هو وخيل السفياني، فيقتل منهم مَقتلةٌ عظيمة ببيضاء اصطخر حتى تطأ الخيل الدماء إلى أرساغها، ثم يأتيه جنود من قبل سجستان عظيمة عليهم رجلٌ من بني عدي، فيظهر الله أنصاره وجنوده.\nتَنبيه\nهكذا الروايات، وهذه الجنود يَحتَمِل أن تكون مددًا للهاشمي، فالمعنى: فيظهر الله أنصاره عليهم. والله أعلم.\nثم تكون وقعةٌ بالمدائن بعد وقعة الري، وفي عاقرقوقا وقعة صلبة يُخبر عنها كل ناج، وَتُقْبِلُ الرايات السود حتى تنزل على الماء. هكذا أطلق في الحديث، ولعله ماء دجلة.\nفيبلغ من في الكوفة من أصحاب السفياني نزولهم هناك فيهربون، ثم ينزل الكوفة حتى يستنقذ من فيها من بني هاشم، ثم يخرج قَومٌ من سواد الكوفة يقال لهم: العَصَبْ، ليس معهم سلاحٌ إلَّا قليل، وفيهم بعض أهل البصرة قد تركوا أصحاب السفياني، فيستنقذون ما في أيديهم من سبي الكوفة، وتبعث الرايات السود بيعتهم إلى المهدي، ويُقبِلُ المهدي من الحجاز، والسفياني من الكوفة -بعد أن يبلغه خبر خَسْف جيشه، ولا يهوله ذلك- إلى الشام كأنهما فرسا رهان، فيسبقه الصخري (١)، فيقطع بعثًا آخر من الشام إلى المهدي، فيدركون المهدي بأرض الحجاز، فيبايعونه بيعة المهدي، ويُقبلون معه إلى الشام.\n_________\n(١) هو: السفياني، ولعل سبب تسميته بذلك لأنه يُذبح على صخرة عند الكنيسة التي ببطن الوادي؛ كما سيأتي (ص ١٩٤).","vol":"1","page":191},{"text":"تَنبيه\nفي بعض الروايات: أنَّ الجيش الذي يُخسف بهم يبعث من الشام، وفي بعضها من العراق، ولا منافاة كما قال ابن حجر؛ لأنَّ البعث من العراق، لكنهم لما كانوا من أهل الشام نُسِبُوا إليها في الروايات الأخرى.\nوفي رواية: أنَّ المهدي يُقاتل هذا الجيش الثاني في عدد أهل بدر، وأصحاب المهدي يومئذ جُنَّتهم البرادع، فيسمع يومئذ صوت من السماء: ألا إنَّ أولياء الله أصحاب فلان. يعني: المهدي، فتكون الدَّبُرةَ على أصحاب السفياني، فيقتلون لا يبقى منهم إلَّا الشريد، فيهربون إلى السفياني فيخبرونه.\nويمكن الجمع بأنَّ بعضهم يُبايعه، وبعضهم يُقاتله، فينهزمون، أو أن الذين يقاتلونه هم الذين يبعثهم صاحب المدينة الأمير من قبل السفياني إلى مكة؛ كما مرت الإشارة إليه.\nويُؤيده: أنه يُقاتلهم في عدد أهل بدر، وأن جُنتهم يومئذ البرادع، فإنَّ هذه الصفات تناسب حالهم عند ابتداء البيعة.\nوأما بعد الاستيلاء على أرض الحجاز فعسكره كثير. والله أعلم.\nثم إن السفياني يُفسد في الأرض، ويُظهر الكفر حتى إنه يُطاف بالمرأة وتُجامع نهارًا في مسجد دمشق على مجلس شُربٍ، حتى تأتي فخذ السفياني فتجلس عليه وهو في المحراب قاعد، فيقوم إليه رَجُلٌ مُسلمٌ من المسلمين، فيقول: ويحكم أكفرتم بعد إيمانكم؟ ! إن هذا لا يحل. فيقوم إليه فَيَضرب عُنقه في المسجد، ويقتل كل من شايعه.\nفعند ذلك يُنادي مُنادٍ من السماء: أيها الناس؛ إن الله قد قطع عنكم الجبارين والمنافقين وأشياعهم، وولاكم خير أمة محمد - ﷺ -، فالحقوا بمكة؛ فإنه المهدي واسمه: أحمد بن عبد الله.\nويسير المهدي بالجيوش حتى يصير بوادي القُرى، وهو من المدينة على مرحلتين إلى جهة الشام في هدوء ورفق، ويلحقه هناك ابن عمه الحسني في اثني عشر ألفًا،","vol":"1","page":192},{"text":"فيقول له: يا بن عم؛ أنا أحق بهذا الأمر منك، أنا ابن الحسن، وأنا المهدي. فيقول له المهدي: بل أنا المهدي. فيقول الحسني: هل لك من آية فأبايعك؟ فَيومئ المهدي ﵇ إلى الطير فيسقط على يديه، ويغرس قضيبًا يابسًا في بقعة من الأرض فيخضر ويورق. فيقول الحسني: يا بن عمي؛ هي لك.\nتَنبيه\nفي هذا الحديث فائدةٌ، وإشكال:\nأما الفائدة: فإنها تدل على أن المهدي من أولاد الحسين، وأن ابن عمه هذا حسني، وأنه يظن أن الخلافة في بني الحسن حيث يقول: أنا ابن الحسن.\nومستنده في هذه الدعوى -والله أعلم- أمران:\nأحدهما: أن الحسن اسْتُخلفَ؛ فيكون أولاده أحق بها.\nالثاني: أنه نزل عنها حقنًا لدماء المسلمين، فعوضه الله الخلافة في أولاده.\nوكلا الأمرين مُعارَضٌ:\nأما الأول: فلأن بيعة الحسن من بعض الناس؛ وهم أهل العراق والمشرق واليمن، دون أهل الشام والمغرب ومصر، وقد بايع بعضهم للحسين أيضًا.\nوأما الثاني: فلأن الحسن قد فَوّتَ حقه بعد ما ناله، وأما الحسين فلم ينل ما أراد، فحقه باقٍ، فأعطاه الله في أولاده.\nوأما الإشكال: فهو أن هذا الحسني إن كان الذي قدم بالرايات السود فقد مر أنه بعثَ بالبيعة من الكوفة، وأنه لا يَقدمُ الحجاز، وإنما يلقاه ببيت المقدس.\nوإن كان غيره فكيف ينازعه بعد أن بايعه أهل الحجاز كلها، وبايعه أهل المشرق والعراق؟\nوالجواب: أنه إن قلنا إن القادم بالرايات أخوه؛ كما في بعض الروايات فهذا غيره، وحينئذ فوجه دعواه: أن البيعة للمهدي من أهل البيت كائنًا من كان، فهي بيعةٌ للمتصف بهذا الوصف لا لشخصٍ بعينه فيدعي أن البيعة له لأنه المهدي، لا لأنه ينازعه في الخلافة، فإذا ظهر له أنه ليس بمهدي بايعه.","vol":"1","page":193},{"text":"وإن قلنا: إنه ابن عمه: فإن كان غير هذا الحسني فالجواب ما مر. وإن كان هو فمعنى ملاقاته أنه يُرسل إليه جماعة اثني عشر ألفًا إمدادًا واحتياطًا أن لا يكون هو المهدي، فينازعوه على الخلافة ويُؤمر عليهم واحدًا، ويأمره بأن يمتحنه ويوكله في البيعة، فيقول له: إن كان هو المهدي فبايعه عني، وإن كنت أنا المهدي فخذ لي منه البيعة، فيكون بعث البيعة على التردد.\nفلما بايعوه صح أن يقال: بعثوا له بالبيعة. وأن يقال: لقيه مجازًا.\nهذا ما ظهر لي في هذا المقام، والله أعلم.\nفيقبل المهدي حتى إذا انتهى إلى حد الشام الذي بين الشام والحجاز فيقيم بها، ويقال له: انفذ. فيكره المجاز، ويقول: أنا أكتب إلى ابن عمي -يعني: الصخري- فإن خلع طاعتي فأنا صاحبكم. فإذا أتاه كتاب المهدي قال أصحابه: إن هذا المهدي قد ظهر لتبايعنه أو لنقتلنك. فيبايعه ويسير إليه حتى ينزل بيت المقدس، ولا يترك المهدي بيد رجل من أهل الشام فترًا من الأرض إلَّا ردها إلى أهل الذمة، ورد المسلمين جميعًا إلى الجهاد، ثم يخرج رجل من كلب يقال له: كنانة، بعينه كوكب، في رهطٍ من قومه حتى يأتي الصخري فيقول: بايعناك ونصرناك، حتى إذا مَلكت بايعت هذا الرجل. ويعيرونه فيقولون: كساك الله قميصًا فخلعته. فيقول: ما ترون، أنقض العهد؟ فيقولون: نعم، فلنقاتلن، لا تبقى عامرية أمها أكبر منك إلَّا لحقتك، لا يتخلف عنك ذات خف ولا ظلف، فيرتحل وترحل معه عامر بأسرها.\nوفي رواية: أنه ينقض العهد، ويستقيله البيعة بعد مضي ثلاث سنين من بيعته إياه، ويوجه إليهم المهدي راية، وأعظم رايةٍ في زمان المهدي مئة رجل.\nفتصف كلب خيلها، ورجلها، وإبلها، وغنمها، فإذا تسامت الخيلان ولت كلب أدبارها فيقتلونهم ويسبونهم حتى تباع العذراء منهم بثمانية دراهم، ويؤخذ الصخري -أي: السفياني- فيؤتى به أسيرًا إلى المهدي، فَيُذْبح على الصخرة المعترضة على وجه الأرض عند الكنيسة التي ببطن الوادي على طرف درج طور زيتا المقنطرة التي على الوادي؛ كما تُذْبَحُ الشاة.","vol":"1","page":194},{"text":"قال - ﷺ -: \"الخائب من خاب يومئذ من غنيمة كلب ولو بعقال، قيل: يا رسول الله؛ كيف يغنمون أموالهم ويسبون ذراريهم وهم مسلمون؟ قال - ﷺ -: يكفرون باستحلالهم الخمر والزنا\".\nويأتي الهاشمي بالرايات السود وسيفه على عاتقه ثمانية أشهر.\nوفي رواية: ثمانية عشر شهرًا، يَقتل وَيُمَثّلُ حتى يقول الناس: معاذ الله أن يكون هذا من ولد فاطمة، ولو كان لرحمنا.\nيغريه الله ببني عباس وبني أمية، فيكون لهم وقعةٌ بأرضٍ من أرض نصيبين، ووقعة بحران وشعارهم: أَمِت أَمِت -وفي رواية: بِكُشْ بِكُشْ. والمعنى واحد- حتى يُسلموها إلى المهدي.\nتَنبيه\nفي بعض الروايات: يحمل السيف على عاتقه ثمانية أشهر، وفي بعضها: ثمانية عشر شهرًا، وفي رواية: اثنين وسبعين شهرًا؛ وهي مدة ست سنين.\nوفي بعض الروايات: أنه يُسَلّمُ الرايات إلى المهدي ببيت المقدس.\nوفي رواية: فلا يبلغه حتى يموت.\nوفي رواية: فتلتقي بعض رايات الهاشمي مع خيل السفياني، فيكون بينهم مقتلة عظيمة وتنهزم خيل السفياني، ثم تكون الغلبة للسفياني فيهرب الهاشمي، ويأتي التميمي مُستخفيًا إلى بيت المقدس يُمَهّد للمهدي إذا خرج للشام.\nوطريق الجمع بين الروايات الأُوَل: أن اثنين وسبعين باعتبار جميع مدته.\nويَدُلُّ له ما في بعض الروايات: \"إن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاءً وتشريدًا وتطريدًا حتى يأتي قوم من قبل المشرق معهم رايات سود، فيسألون الخير فلا يعطونه، فيقاتلون، فينصرون، فيعطون ما سألوا، فلا يقبلونه حتى يسلموه إلى المهدي\".\nوثمانية عشر باعتبار ما بعد مدة قتاله مع خيل السفياني، واجتماع شعيب بن صالح به.","vol":"1","page":195},{"text":"وثمانية أشهر باعتبار مدة ما بعد نزوله الكوفة، وبعثه بالبيعة إلى المهدي.\nوهذا جمعٌ حسن لا بأس به.\nوطريق الجمع بين الروايات الأخيرة: وهو أن يقال -على بعد-: إن ضمير \"يموت\" راجع إلى السفياني؛ أي: فلا يلقى الهاشمي المهدي حتى يموت السفياني أو يرجع إليه، ويكون القادم بالرايات التميمي، ونسبته إلى الهاشمي مجاز للسبب، أو أنه يُوصل الرايات ويفتح الشام، ويموت قبل اجتماعه به بقليل.\nعلى أن روايات قدومه بالرايات، ووصوله إليه أكثر وأشهر، فتُقدّم عند عدم إمكان الجمع، وإنما تتساقط إذا تعارضت، وكذلك روايات النصر والغلبة أكثر من روايات الهزيمة، فَتُقدّم، ولو جُمعَ فوجه الجمع: أنه ينهزم في بعض الوقعات، ثم تكون له الغلبة بعد ذلك، والله أعلم.\nثم تتمهد الأرض للمهدي، ويلقي الإسلام بجرانه، ويدخل في طاعته ملوك الأرض كلهم، ويبعث بعثًا إلى الهند فتفتح ويؤتى بملوك الهند إليه مغلولين، وتنقل خزائنها إلى بيت المقدس فتجعل حِليةً لبيت المقدس، ويمكث في ذلك سنين.\n\nذكر الملحمة الكبرى\nوذلك أن بعد هلاك السفياني يُهَادِنون الروم صُلحًا أمنًا.\nوفي بعض الروايات: أن مدة المهادنة تسع سنين، حتى يغزو المسلمون وهم عدوًا من وراءهم، فينتصرون ويغنمون وينصرفون حتى ينزلوا بمرج ذي تلوم، وهو موضع.\nفيقول قائلٌ من الروم: غَلَبَ الصليب. ويقول قائل من المسلمين: بل الله غلب. فيتداولانها بينهم، فيثور المسلم إلى صليبهم وهو منهم غير بعيد، فيدقه، وتثور الروم إلى كاسر صليبهم فيقتلونه، وتثور المسلمون إلى أسلحتهم فيقتتلون، فيكرم الله تلك العِصَابة من المسلمين بالشهادة، فَيُقْتلُونَ عن آخرهم.\nفتقول الروم لملكهم: كفيناك شر العرب، وقتلنا أبطالها، فما تنتظر؟ فيجمعون في مدة تسعة أشهر مقدار حمل امرأة، فيأتون تحت ثمانين غاية.","vol":"1","page":196},{"text":"وفي لفظ: فيسيرون بثمانين بندًا، والمعنى واحد.\nتحت كل غاية أو بند اثنا عشر ألفًا، فينزلون بالأعماق أو بدابق، وهما موضعان قرب حلب وأنطاكية.\nقال في \"القاموس\": العَمْق ويحرك: كُورةٌ بنواحي حلب. قال والأعماق: موضع بين حلب وأنطاكية مصب مياه كثيرة لا يجف إلَّا صيفًا، وهو العَمْقُ جُمِعَ بأجزائه. اهـ\nفيخرج إليهم جَلَبٌ من أهل المدينة من خيار أهل المدينة يومئذ وهم الذين خرجوا مع المهدي، فإذا تصافوا قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم. فيقول المسلمون: لا والله لا نُخَلِّي بينكم وبين إخواننا.\nتَنبيه\n(الغاية): -بالغين المعجمة، والياء؛ آخر الحروف-: الراية.\nويُروى بالباء الموحدة، وهي: الأَجمةُ من القصب، شَبَّه كثرة رماحهم بها.\nو(الأعماق)، بالعين المهملة.\nو(الدَّابق): بوزن الطابع؛ بكسر الباء وفتحها.\nو(سبوا)، وروي بضم السين والباء على بناء المجهول، وبفتحهما على بناء المعلوم.\nوالمعنى على الأول: الذين سبيتموهم منا، وخرجوا عن ديننا، وصاروا يقاتلوننا.\nوعلى الثاني: الذين سبوا أولادنا ونساءنا.\nفينهزم من المسلمين ثلث لا يتوب الله عليهم أبدًا، ويقتل ثلث هم أفضل الشهداء عند الله، ويفتتح ثلث لا يفتنون أبدًا.\nوفي رواية نُعيم بن حماد، عن ابن مسعود - ﵁ - مرفوعًا: \"يكون بين المسلمين وبين الروم هدنة وصلح، حتى يقاتلوا معهم عدوهم فيقاسمونهم غنائمهم،","vol":"1","page":197},{"text":"ثم إن الروم يغزون مع المسلمين فارس، فيقتلون مُقَاتِلهم، ويسبون ذراريهم، فتقول الروم: قاسمونا الغنائم كما قاسمناكم. فيقاسمونهم الأموال وذراري الشرك، فتقول الروم: قاسمونا ما أصبتم من ذراريكم. فيقولون: لا نقاسمكم ذراري المسلمين أبدًا. فيقولون: غدرتم بنا. فترجع الروم إلى صاحب القسطنطينية فيقولون: إن العرب غدرت، ونحن أكثر منهم عددًا، وأتم منهم عدة، وأشد منهم قوة، فأمددنا نقاتلهم. فيقول: ما كُنت لأغدر بهم، ولقد كانت لهم الغلبة في طول الدهر علينا، فيأتون صاحب رومية فيخبرونه بذلك، فيوجه ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفًا في البحر، ويقول لهم صاحبهم: إذا أرسيتم بسواحل الشام فاحرقوا المراكب؛ لتقاتلوا عن أنفسكم. فيفعلون ذلك، ويأخذون أرض الشام كلها، برها وبحرها ما خلا مدينة دمشق والمُعْتَق، ويخربون بيت المقدس\".\nقال ابن مسعود - ﵁ -: فقلت: كم تسع دمشق من المسلمين؟ فقال النبي - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده، لتتسعنَّ على من يأتيها من المسلمين؛ كما يتسع الرحم على الولد\"، قلت: وما المُعْتَق يا نبي الله؟ قال: \"جبلٌ بأرض الشام من حمص على نهر يقال له: الأريط\".\nفيكون ذراري المسلمين في أعلى المعتق، والمسلمون على نهر الأريط يقاتلونهم صباحًا ومساء، فإذا أبصر صاحب القسطنطينية ذلك وجه في البر إلى قنسرين ثلاث مئة ألف، حتى تجيئهم مادة اليمن ألف ألف، أَلَّفَ الله بين قلوبهم بالإيمان، معهم أربعون ألفًا من حمير، حتى يأتوا بيت المقدس، فيقاتلون الروم فيهزمونهم، ويخرجونهم من جُنْدٍ إلى جند، حتى يأتوا قنسرين، تجيئهم مادة الموالي.\nقلت: وما مادة الموالي يا رسول الله؟\nقال: \"هم عَتَاقتكُم، وهم منكم قوم يجيئون من قبل فارس، فيقولون: تعصبتم يا معشر العرب، لا يكون معكم أحدٌ من الفريقين، أتجتمع كلمتكم فنقاتل نزارًا يومًا والموالي يومًا؟ .\nفيخرجون إلى المعتق وينزل المسلمون على نهر يقال له: كذا وكذا -يُعزى-، والمشركون على نهر يقال له: الرقية؛ وهو النهر الأسود، فيقاتلونهم، فيرفع الله","vol":"1","page":198},{"text":"نصره عن العسكرين، وينزل الصبر عليهما، حتى يقتل من المسلمين الثلث، ويفر الثلث، ويبقى الثلث.\nفأما الذين يقتلون: فشهيدهم؛ كشهيد عشرة من شهداء بدر، ويشفع الواحد من شهداء بدر بسبعين شهيدًا، ويفترقون ثلاثة أثلاث:\nثلثٌ يلحقون بالروم، ويقولون: لو كان لله بهذا الدِّين من حاجة لنصرهم.\nويقول ثلث وهم مُسْلِمةُ العرب: مروا حيث لا ينالنا الروم أبدًا، مروا بنا إلى البدو وهم الأعراب، سيروا بنا إلى العراق واليمن والحجاز، حيث لا يُغاثُ الروم.\nوأما الثلث: فيمشي بعضهم إلى بعض فيقولون: الله الله فدعوا عنكم العصبية، ولتجتمع كلمتكم، وقاتلوا عدوكم، فإنكم لن تنصروا ما تعصبتم، فيجتمعون جميعًا يتبايعون على أن يقاتلوا حتى يلحقوا بإخوانهم الذين قتلوا.\nفإذا أبصر الروم إلى من تحول إليهم ومن قتل، ورأوا قلة المسلمين قام رُوميٌّ بين الصفين ومعه بند في أعلاه صليب، فينادي: غَلبَ الصليب. فيقوم رجلٌ من المسلمين بين الصفين ومعه بندٌ وينادي: بل غلب أنصار الله، بل غلب أنصار الله وأولياؤه. فغضب الله على الذين كفروا من قولهم: غَلبَ الصليب.\nفينزل جبريل ﵇ في مئتي ألف من الملائكة ويقول: يا ميكائيل؛ أغث عبادي. فينزل ميكائيل في مئتي ألف من الملائكة، ويُنْزِلُ الله نصره على المؤمنين، ويُنْزِل بأسه على الكافرين، فَيُقْتلون ويهزمون.\nويسير المسلمون في أرض الروم حتى يأتوا عمورة وعلى سورها خلقٌ كثير يقولون: ما رأينا شيئًا أكثر من الروم! كم قتلنا وهرقنا دم أكثرهم في هذه المدينة! فيقولون: آمنونا على أن نُؤَدي إليكم الجزية. فيأخذون الأمان لهم، وتجتمع الروم على أداء الجزية؛ تجتمع إليهم أطرافهم فيقولون: يا معشر العرب؛ إن الدجال قد خالفكم إلى ذراريكم -والخبر باطلٌ- فمن كان فيهم منكم فلا يُلقين شيئًا مما معه، فإنه قوةٌ لكم على ما بقي.\nفيخرجون فيجدون الخبر باطلًا، وتَثِبُ الروم على من بقي في بلادهم من العرب،","vol":"1","page":199},{"text":"فيقتلونهم حتى لا يبقى بأرض الروم عربي ولا عربية ولا ولد عربي إلا قتل، فيبلغ ذلك المسلمين فيرجعون غَضَبًا لله، فيقتلون مقاتلهم، ويسبون ذراريهم، ويجمعون الأموال، ولا ينزلون على مدينة ولا حصن فوق ثلاثة أيام حتى يُفتح لهم.\nوينزلون على الخليج حتى يفيض، فيصبح أهل القسطنطينية فيقولون: الصليب مدَّ لنا بحرنا، والمسيح ناصرنا. فيصبحون والخليج يابس، فتضرب فيه الأخبية، ويُحبس البحر عن القسطنطينية، فيقولون: الصليب مد لنا. ويُحيطُ المسلمون بمدينة الكفر ليلة الجمعة بالتحميد والتكبير والتهليل إلى الصباح، ليس فيهم نائم ولا جالس، فإذا طلع الفجر كَبّر المسلمون تكبيرةً واحدة، فيسقط ما بين البرجين، فتقول الروم: كنا نقاتل العرب، فالآن نقاتل ربنا، وقد هدم لهم مدينتنا، وخربها لهم. فيملؤون أيديهم، ويكيلون الذهب بالأترسة، ويقتسمون الذراري حتى يبلغ سهم الرجل ثلاث مئة عذراء، ويتمتعون بما في أيديهم ما شاء الله.\nثم يخرج الدجال حقًّا، ويَفْتَحُ الله القسطنطينية على يدي أقوام هم أولياء الله، يرفع الله عنهم الموت والمرض والسقم حتى ينزل عليهم عيسى ابن مريم ﵇ فيقاتلون معه الدجال\".\nأورد هذا الحديث بطوله السيوطي في \"الجامع الكبير\".\nتَنبيه\nقوله: \"يكون بين الروم والمسلمين هُدنة حتى يقاتلوا معهم عدوهم\": الضمير للروم؛ أي: حتى يقاتل المسلمون مع الروم عدو الروم، بدليل قولهم بعد هذا للمسلمين: قاسمونا الغنائم كما قاسمناكم. وفارس يكونون عدوًّا للمسلمين.\nوهذا إما أن يقاتلوا المهدي وهم مسلمون؛ كما يقاتل بعض المسلمين بعضًا على الملك، وهو ظاهر قولهم: (لا نقاسمكم ذراري المسلمين)، أو أنهم يرجعون إلى الكفر، وهو ظاهر قوله: \"فيقاسمونهم الأموال وذراري الشرك\"، وهو المناسب للاستعانة بالروم عليهم، والروم كفارٌ؛ لعدم جواز الاستعانة بالكفار على المسلمين، وحينئذ فيكونون قد سبوا من أطراف بلاد المسلمين بعض الذراري.","vol":"1","page":200},{"text":"ثم لما استولوا عليهم استردوا ذراريهم، وطلبت الروم منهم المقاسمة فيهم حيث صاروا في يد الكفار.\nواستفيد من هذه الرواية: أن الروم تأتي من البحر، فلا يلزم من وصولهم دابق أو الأعماق -وهما بقرب حلب- استيلاؤهم على جميع بلاد المسلمين حتى يُظَنّ أن القسطنطينية التي الآن دار الإسلام دامت معمورة به إلى ساعة القيام ترجع دار الكفر والعياذ بالله؛ إذ المراد القسطنطينية الكبرى، كما سيأتي.\nنعم؛ يُشْكل عليه قوله الآتي: \"فإذا أبصر صاحب القسطنطينية ذلك وجه في البر ثلاث مئة ألف إلى قنسرين\"، إلَّا أن يقال: إن صاحب القسطنطينية يُرسلهم مددًا للمسلمين، ولا ينافيه قوله الآتي: (فلما رأوا قِلّةَ المسلمين)؛ لأن ثلاث مئة ألف في جنب ثمانين غاية تحت كل غاية منها اثنا عشر ألفًا قليل، ولاسيما أن ذلك إنما يُقال بعد قتل من قتل، وتحول من يتحول إلى الروم منهم، أو يُقال: إن أهل القسطنطينية لما جاؤوا إلى المهدي تَخْلِفُهم الكفرة في بلادهم، فيأخذونها كما يأخذون أرض الشام، وهذا هو الظاهر.\nقال في \"القاموس\": قسطنطينة، أو بزيادة ياء مشددة، وقد تضم الطاء الأولى منهما: دار مُلكِ الروم. وفتحها من أشراط الساعة، وتسمى بالرومية: بوزنطيا. وارتفاع سورها أحد وعشرون ذراعًا، وكنيستها مستطيلة، وبجانبها عمود عال من دور أربعة أبواع تقريبًا، وفي رأسه فرسٌ من نحاس وعليه فارس، وفي إحدى يديه كورة من ذهب، وقد فتح أصابع يده الأخرى مشيرًا بها وهو صورة قسطنطين؛ بانيها.\nوقوله: \"ما خلا دمشق\": يوافقه ما في الرواية الأخرى أن فسطاط المسلمين عند الملحمة الكبرى دمشق، وعند خروج الدجال بيت المقدس. وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى.\nوَالأُرَيط؛ قال في \"القاموس\": كَزُبير؛ موضع، وقد ذكر في الحديث أنه عند حمص، فيحتمل أن يكون النهر نفسه، أو موضعًا أضيف إليه النهر.\nوقوله: \"فشهيدهم كشهيد عشرة\". . . إلى قوله: \"بسبعين شهيدًا\"، معناه:","vol":"1","page":201},{"text":"أن لكل شهيد شفاعة يوم القيامة، وأن لشهيد بدر شفاعة سبعين شهيدًا، وأن لهؤلاء الشهداء لكل واحد شفاعة عشرة من أهل بدر، فيكون لكل واحدٍ منهم شفاعة سبع مئة شهيد.\nوهذا من قبيل قوله - ﷺ -: \"للواحد منهم أجر خمسين منكم\"، فلا يلزم منه تفضيلهم على أهل بدر مُطلقًا؛ لأن فضيلة الصحبة لا يُعادلها شيء.\nوسيأتي أنَّ التحقيق أن جهات التفضيل مختلفة، فيمكن أن يُفضل هؤلاء من جهة وأولئك من جهة أخرى، أو لأن بلاء أحدهم كبلاء عشرة من أهل بدر؛ لكثرة من يقاتلونهم من الروم، ولبعد زمن النبوة عنهم.\nويُؤيده: أن الملائكة المنزلين مددًا لهم أكثر من البدرية بمئة أمثالهم، فإن المقاتلين ببدر من الملائكة كانوا ثلاثة آلاف، وفي ذلك اليوم يكونون ثلاث مئة ألف.\nولا ينافي هذا ما مر في سيرته أنه يُمد بثلاثة آلاف من الملائكة؛ لأن هذا في خصوص هذه الملحمة، وذلك في عموم خلافته.\nوعَمُّور: وجدناه في ثلاث نُسخ بغير هاء التأنيث وياء النسب، والذي في \"القاموس\" وغيره: عَمُّورية بهاء، فَلعل فيه لغةً أو نقصًا من النسخ.\nوقول الروم في المرة الأولى: (الصليب مَدّ لنا)؛ معناه: مَدّ الخليج لنا حيث فاض ماؤه وزاد. وفي الثانية معناه: إنكار القول الأول وتكذيب من قال ذلك منهم، فهو بحذف همزة الاستفهام إلى الإنكار.\nيدل لذلك قولهم: (كنا نُقاتل العرب فالآن نقاتل ربنا) ... إلخ وتقدير الكلام: أن الله ناصرهم فلا نقدر على قتالهم، فيستسلمون للأسر، والله أعلم.\nوقوله: \"يابس ويحبس البحر\"، أي: يُحبس الخليج.\nوقد عبر عن هذه في الرواية الأخرى بفلق البحر، وهذه مُعجزةٌ للنبي - ﷺ - وتأييدٌ؛ لما قال بعض العلماء: من أنه لم يكن لنبي من الأنبياء مُعجزة إلَّا وللنبي - ﷺ - مثلها، والله أعلم بمراد رسوله - ﷺ -.\nوبقية ألفاظ الحديث معناها واضح.","vol":"1","page":202},{"text":"وفي رواية: يشترط المسلمون شُرطَةً للموت لا ترجع إلَّا غالبة فيقتتلون حتى يَحْجُزَ بينهم الليل، فيفيء هؤلاء وهؤلاء كُلٌّ غير غالب، ثم يشترط المسلمون شُرطَةً للموت لا ترجع إلَّا غالبة، فيرجعون غير غالبين إلى ثلاثة أيام، فإذا كان اليوم الرابع نهد إليهم بقية أهل الإسلام، فيجعل الله الدَّبرة على الكافرين، فيقتلون مقتلة لم يُر مثلها، حتى إن الطائر ليمر بجنباتهم فما يخلّفهم حتى يَخر ميتًا، فيتعاد بنو الأب؛ كانوا مئة فلا يجدون بقي منهم إلَّا الرجل الواحد، فلا يُقسم مِيراث، ولا يُفرح بغنيمة، ويكون لخمسين امرأة قيمٌ واحد.\nتَنبيْه\n(الشُّرطة)؛ بالضم: طائفة من الجيش تَتَقدَّمُ للقتال. و(نَهدَ إليهم): نهض. و(الدَّبرة): الهزيمة. و(جنباتهم)؛ بجيم فنون مفتوحتين ثم موحدة؛ أي: بنواحيهم. و(لا يخلّفهم)؛ بتشديد اللام، لا يجعلهم خلفه؛ أي: لا يتجاوزهم حتى ينقطع عن الطيران ويموت من بُعْدِ مسافة المقتلة وكثرة القتلى، ويتبعونهم ضربًا وقتلًا حتى ينتهوا إلى قسطنطينية؛ أي: الكبرى.\nقال في \"عقد الدرر\": لها سبعة أسوار، عرض السور السابع منها المحيط بالستة إحدى وعشرون ذراعًا، وفيه مئة باب، وعرض السور الأخير الذي يلي البلد عشرة أذرع، وهو على خليج يَصُبُّ في البحر الرومي، وهي متصلة ببلاد الروم والأندلس (١). انتهى\nفيركز المهدي لواءه عند البحر ليتوضأ للفجر، فيتباعد الماء منه، فيتبعه حتى يجوز من تلك الناحية، ثم يركزه وينادي: أيها الناس؛ اعبروا فإن الله ﷿ فَلَقَ لكم البحر كما فلقه لبني إسرائيل. فيجوزون فيستقبلها، فيكبرون فتهتز حيطانها، ثم يكبرون فتهتز، فيسقط في الثالثة منها ما بين اثني عشر بُرجًا، فيفتحونها ويقيمون بها سنة حتى يبنون بها المساجد، ثم يدخلون مدينة أخرى، فبينما هم يقتسمون بها\n_________\n(١) هذا النقل يوضح أن القسطنطينية الكبرى هي روما عاصمة إيطاليا، فبلاد رومية هي إيطاليا وبها الفاتيكان مقر البابا مرجع معظم نصارى العالم. وسيأتي ما يوضح ذلك (ص ٢٠٤).","vol":"1","page":203},{"text":"بالأترسة إذا بصارخ: إن الدجال خلفكم في ذراريكم بالشام. فيرجعون فإذا الأمر باطل، فالتارك نادم، والآخذ نادم، ثم ينشئون ألف سفينة، ويركبون فيها من عكا، وهم أهل المشرق والمغرب والشام والحجاز على قلب رجل واحد، فيسيرون إلى رومية.\nوعن عبد الله بن بسر المازني أنه قال: يا بن أخي؛ لعلك تُدرك فتح القسطنطينية، فإياك إن أدركت فتحها أن تترك غنيمتك منها؛ فإن بين فتحها وبين خروج الدجال سبع سنين. رواه نُعيم بن حماد في الفتن.\nويُستخرج كنز بيت المقدس وحليته التي أخذها طاهر بن إسماعيل حين غزا بني إسرائيل فسباهم، وسبى حلي بيت المقدس، وأحرقها بالنيران، وحمل منها في البحر ألفًا وسبع مئة سفينة حتى أوردها رومية.\nقال حذيفة - ﵁ - فسمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"ليستخرجن المهدي ذلك حتى يرده إلى بيت المقدس\".\nقال في \"عقد الدرر\": رومية: أم بلاد الروم، فكل من ملكها يقال له: الباب (١)، وهو الحاكم على دين النصرانية، بمنزلة الخليفة في المسلمين، وليس في بلاد المسلمين مثلها.\nوقد ذكر المؤرخون في صفة رومية من العجائب ما لم يُسمع بأذني ذلك ببلد في العالم.\n\"وتقرب قسطنطينية منها، فيكبرون عليها أربع تكبيرات، فيسقط حائطها، فيقتلون ست مئة ألف، ويستخرجون منها حُلي بيت المقدس، والتابوت الذي فيه السكينة، ومائدة بني إسرائيل، ورضاضة الألواح، وحُلة آدم، وعصا موسى، ومنبر سليمان، وقفيزين من المَنِّ الذي أنزل الله ﷿ على بني إسرائيل، أشدُّ بياضًا من اللبن، ثم يأتون مدينة يقال لها: القاطع؛ طولها ألف ميل، وعرضها خمس مئة\n_________\n(١) الظاهر من كلام السُّلَمي في \"عقد الدرر\" أن المراد برومية هي الفاتيكان، وأن من يطلق عليه الباب هو ما يسمى الآن: البابا، فهو الحاكم على دين معظم نصارى العالم كما هو معروف. والله أعلم.","vol":"1","page":204},{"text":"ميل، ولها ستون وثلاث مئة باب، يخرج من كل باب ألف مقاتل، وهي على البحر، لا يحمل جارية -يعني: سفينة- فيه\".\nقيل: يا رسول الله؛ ولِمَ لا يُحمل فيه جارية؟\nقال: \"لأنه ليس له قعر، وإنما يمرون من خلجان من ذلك البحر جعلها الله منافع لبني آدم لها قعور، فهي تحمل السفن، فيكبرون عليها أربع تكبيرات فيسقط حائطها، فيغنمون ما فيها، ثم يقيمون بها سبع سنين، ثم ينتقلون منها إلى بيت المقدس، فيبلغهم أن الدجال قد خرج في يهود أصبهان\".\nأخرجه أبو عمرو الداني في \"سننه\".\nوفي رواية: \"ثم يأتي مدينة يقال لها: القاطع، وهي على البحر الأخضر المحيط بالدنيا، ليس خلفه إلَّا أمر الله ﷿، طولها ألف ميل، وعرضها خمس مئة ميل، فيكبرون ثلاث تكبيرات فتسقط حيطانها، فيقتلون بها ألف ألف مقاتل، ثم يتوجه المهدي منها إلى بيت المقدس بألف سفينة، فينزلون بشام فلسطين بين عكا وصور وعسقلان وغزة، فيخرجون ما بها معهم من الأموال، وينزل المهدي ببيت المقدس ويقيم بها حتى يخرج الدجال؛ أي: وفسطاط المسلمين في الملحمة العظمى دمشق، وعند خروج الدجال يكون ببيت المقدس، ويدخل الآفاق كلها فلا تبقى مدينةٌ دخلها ذو القرنين إلَّا دخلها وأصلحها، ولا يبقى جبارٌ إلَّا هلك\".\nوعنه - ﷺ -: \"مَلكَ الدنيا مؤمنان وكافران، أما المؤمنان: فذو القرنين، وسليمان. وأما الكافران: فنمروذ، وبخت نصر.\nوسيملكها خامسٌ من عترتي وهو المهدي\".\nوَروى ابن مردويه عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا، قال: \"أصحاب الكهف أعوان المهدي\".\nقال العلماء: والحكمة في تأخيرهم إلى هذه المدة: ليحوزوا شرف الدخول في أمة محمد - ﷺ - إكرامًا لهم.\nوورد أنَّ أول لواء يعقده المهدي يبعث به إلى التُّرك.","vol":"1","page":205},{"text":"والظاهر أن هذه الفتوح تكون في مدة مهادنة الروم؛ لأنه بعد اشتغاله بهم لا يفرغ لغيرهم، أو أنه يَبْعَثُ البُعوث والسرايا، ونسبة دخول الآفاق إليه يكون مجازًا.\nتَنبيْه\nجاء من طريق أنه - ﷺ - قال: \"الملحمة العُظمى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال في سبعة أشهر\".\nوفي رواية: \"سبع سنين\".\nقال أبو داود في \"سننه\": وهذه؛ يعني: رواية سبع سنين أصح، يعني: من رواية سبعة أشهر.\nتَنبيه آخَر\nوردت في مدة مُلك المهدي روايات مختلفة؛ ففي بعض الروايات: يملك خمسًا أو سبعًا أو تسعًا بالترديد، وفي بعضها: سبعًا، وفي بعضها: تسعًا، وفي بعضها: إن قَلَّ فخمسا، وإن كَثُرَ فتسعًا، وفي بعضها: تسع عشرة سنة وأشهرًا، وفي بعضها: عشرين، وبعضها: أربعة وعشرين، وبعضها: ثلاثين، وبعضها: أربعين منها تسع سنين يُهادن فيها الروم.\nقال ابن حجر في \"القول المختصر\": ويمكن الجمع على تقدير صحة الكل؛ بأن ملكه متفاوت الظهور والقوة، فيُحمل الأكثر على أنه باعتبار جَمعِ مُدّة المُلك، والأقل على غاية الظهور، والأوسط على الوسط. انتهى\nقُلْتُ: ويدل على ما قاله وجوه:\nالأول: أنه - ﷺ - بشر أمته، وخصوصًا أهل بيته ببشارات، وأن الله يعوضهم عن الظلم والجور قِسطًا وعَدلًا، واللائق بكرم الله أن تكون مدة العدل قدر ما ينسون فيه الظلم والفتن، والسبع والتسع أقل من ذلك.\nالثاني: أنه يَفْتَحُ الدنيا كلها كما فتحها ذو القرنين وسليمان ﵇، ويدخل جميع الآفاق كما في بعض الروايات، ويبني المساجد في سائر البلدان، ويُحلي بيت المقدس.","vol":"1","page":206},{"text":"ولا شك أن مدة التسع فما دونها لا يمكن أن يُساح فيها ربع أو خمس المعمورة سياحة، فضلًا عن الجهاد، وتجهيز العساكر، وترتيب الجيوش، وبناء المساجد، وغير ذلك (١).\nالثالث: أنه ورد أن الأعمار تطول في زمنه كما مر في سيرته، وطولها فيه مُسْتَلزِمٌ لطوله، وإلَّا لا يكون طولها في زمنه، والتسع وما دونه ليست من الطول في شيء.\nالرابع: أنه يُهادن الروم تسع سنين، ويقيم بقسطنطينية سنة، وبالقاطع سبعًا، ومدة المسير إليها مرتين والرجوع في أثنائه يكون سنين، ومدة قتاله مع السفياني، وأنه ينقض البيعة بعد ثلاث سنين، وفتحه للهند وسائر البلدان يكون سنين كثيرة؛ كما ورد كل ذلك في الروايات. وذلك أزيد من التسع بكثير.\nوحينئذ فنقول: التحديد بالسبع باعتبار مدة استيلائه على جميع المعمورة.\nفيكون معنى الحديث: أنه يملك سبعا مُلكًا كاملًا لجميع الأرض، وذلك بعد فتحه لمدينة القاطع، وبالتسع باعتبار مدة فتحه لقسطنطينية، وبتسعة عشر باعتبار مدة قتله للسفياني ودخول أهل الإسلام كلهم في طاعته.\nفإنه يُهادن الروم تسع سنين، ومدة اشتغاله بحربهم وتملكه لهم يكون نحوًا من عشر سنين على طريقة جبر الكسر، وبأربع وعشرين باعتبار مدة خروجه إلى الشام ودخول السفياني في بيعته، وبثلاثين باعتبار خروجه بمكة واستيلائه على أرض الحجاز، وبأربعين باعتبار مدة ملكه في الجملة مشتملة على خروجه أولًا بالطائف وقتله لأمير مكة، وغيبته بعد ذلك وخروج الهاشمي بخراسان، وحمله السيف على عاتقه اثنين وسبعين شهرًا؛ كما في بعض الروايات.\nوهذا الجمع أولى من إسقاط بعض الروايات، ولا شك أنه مُقدمٌ على الترجيح مهما أمكن، والله ورسوله أعلم بمرادهما.\n_________\n(١) عدم الإمكانية في رأي المؤلف نظرًا للوسائل المتاحة في عصره، أما في عصرنا الحالي فوسائل النقل سريعة، وجهود المختصين في هذا المجال مستمرة لإيجاد وسائل أسرع من الصوت، وهي مشاهدةٌ معروفةٌ. فوقوع سياحة المعمورة في المدة المذكورة ليس مستحيلًا في زماننا وفي المستقبل، والله أعلم.","vol":"1","page":207},{"text":"على أنه لا مانع أن يكون التسع وما دونه بعد نزول عيسى ﵇ وقتله الدجال؛ فإن عيسى ﵇ لا يسلب المهدي ملكه؛ فإن الأئمة من قريش مادام من الناس اثنان، وعيسى ﵇ يكون من أَخَصّ وزرائه وتابعًا له لا أميرًا عليه، ومن ثم يُصلي خلفه ويقتدي به؛ كما يدل عليه حديث جابر - ﵁ - عند \"مسلم\": أن عيسى ﵇ يقول له حين يتأخر في الصلاة: إن بعضكم على بعض أمراء؛ تكرمة الله لهذه الأمة.\nولا يرد عليه ما ورد في بعض الروايات: أنَّ المهدي يُصلي بهم تلك الصلاة، ثم يكون عيسى إمامًا بعده؛ لأنه لما ثبتت إمامته وإمارته جاز له أن يعينه إماما للصلاة لأنه أفضل، وأفضليته لا تستلزم خلافته؛ لجواز خلافة المفضول مع وجود الفاضل، سيما إذا كان الفاضل من غير قريش.\nقال الشهاب القسطلاني في \"شرح البخاري\" قال ابن الجوزي: لو تقدم عيسى ﵇ إمامًا لوقع في نفس الإشكال، ولقيل: أتراه نائبًا أو مبتدئًا شرعيًا؟ فيصلي مأمومًا؛ لئلا يتدنس بغبار الشبهة وجه قوله - ﷺ -: \"لا نبي بعدي\". انتهى\nقال ابن حجر: ومعنى \"تُسلب قريش ملكها\"؛ أي: بعد نزول عيسى ﵇: أنه لا يبقى لها معه اختصاص بشيء دون مراجعته، فلا يُعارض ذلك خبر: \"لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان\". انتهى\nوستأتي الإشارة إلى هذا في كلام الشيخ في \"الفتوحات\"، ولا شك أن بهذا الوجه يندفع كثير من الإشكالات من كون زمان كل منهما مَوصُوفًا بالبركة والأمن، وأنه يملأ الأرض قِسطًا، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير؛ لأن الزمان يكون واحدًا، فينسب إلى هذا تارة، وإلى هذا أخرى، وقد يُستأنسُ له بقوله - ﷺ -: \"كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم حكمًا مُقسطا وإمامكم منكم\"؛ فإنه لما احتمل أن يُفهم من قوله: \"حكمًا مُقسطًا\": الإمامة دفعه بقوله: \"وإمامكم منكم\"، وظاهر أنه ليس المراد إمامة الصلاة؛ لأن المراد إثبات اتباع عيسى لشرعه، وكونه رعية خليفته ورجلًا من آحاد أمته - ﷺ -. وبالله التوفيق.","vol":"1","page":208},{"text":"تَكْمِلَة\nفي فوائد تضمنتها الأحاديث، ودل عليها الكشف الصحيح، لخصتها من كلام إمام المحققين محيي الملة والدِّين محمد بن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي.\nقال ﵀ ورضي عنه في (الباب السادس والستين وثلاث مئة) من \"الفتوحات المكية\" ما ملخصه:\nإن لله خليفة يخرج وقد امتلأت الأرض جورًا وظُلمًا، فَيملَؤُها قِسطًا وعَدْلًا، يقفو أثر رسول الله - ﷺ - لا يخطئ؛ له مَلَكٌ يسدده من حيث لا يراه، يحمل الكَلَّ، ويقوي الضعيف، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق، يفعل ما يقول، ويقول ما يعلم، ويعلم ما يشهد، يصلحه الله في ليلة، يبيد الظلم وأهله، ويقيم الدين، وينفخ الروح في الإسلام، ويعزه بعد ذُلّهِ، ويحييه بعد موته، ويمسي الرجل في زمانه جاهلًا بخيلًا جبانًا، فيصبح أعلم الناس، أكرم الناس، أشجع الناس، يضع الجزية ويدعو إلى الله بالسيف، فمن أبى قُتل، ومن نازعه خُذل، يظهر من الدين ما هو الذي عليه في نفسه ما لو كان رسول الله - ﷺ - حيًا لحكم به، يرفع المذاهب من الأرض فلا يبقى إلَّا الدين الخالص، أعداؤه مقلدة العلماء أهل الاجتهاد؛ لما يرونه من الحكم بخلاف ما ذهبت إليه أئمتهم، فيدخلون كُرهًا تحت حكمه؛ خوفًا من سيفه وسطوته، ورغبة فيما لديه، فليس له عدو مبين إلَّا الفقهاء خاصة؛ فإنهم لا يبقى لهم رئاسة ولا تمييز عن العامة، بل لا يبقى لهم علمٌ بحكم إلَّا قليل، ويرتفع الخلاف عن العالم في الأحكام بوجود هذا الإمام، ولولا أن السيف بيده لأفتى الفقهاء بقتله، ولكن الله يُظهرهُ بالسيف والكرم، فيطمعون ويخافون، فيقبلون حكمه من غير إيمان، بل يضمرون خلافه، يفرح به عامة المسلمين أكثر من خواصهم، أسعد الناس به أهل الكوفة، يبايعه العارفون بالله من أهل الحقائق عن شهود وكشف وتعريف إلهي، له رجال إلهيون يقيمون دعوته وينصرونه، هم الوزراء، يحملون أثقال المملكة، ويعينونه على ما قلده الله، وهم تسعة على أقدام رجال من الصحابة، قال الله تعالى فيهم: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾، وهم من الأعاجم، ما فيهم عربي لكن لا يتكلمون إلَّا بالعربية، لهم حافظ ليس من جنسهم","vol":"1","page":209},{"text":"ما عصى الله قط، هو أخص الوزراء، وأفضل الأمناء.\nأي: وكأن هذا إشارةٌ إلى عيسى ﵇؛ إذ لا معصوم إلَّا الأنبياء فيكون هو وزيره الأخص، وأما عصمة المهدي ففي حكمه كما يشير إليه كلامه فيما بعد، أو إشارة إلى الملك الذي يسدده، ويؤيده قوله: \"ليس من جنسهم\"؛ لأن عيسى ﵇ من جنسهم؛ لأنه بشر، لكن قد يُطلق الجنس على النوع فيصدق على عيسى ﵇؛ لأنه من بني إسرائيل والأعاجم، وإن كان يُطلق على ما سوى العرب، لكن غلب إطلاقه في فارس، فحينئذ ليس عيسى ﵇ من جنسهم؛ أي نوعهم، والله أعلم.\nوأنشد - ﵁ -:\nأَلا إِنَّ خَتْمَ الأَوْلِيَاءِ شَهِيدُ ... وَعَيْنَ إِمَامِ الْعَالَمِينَ فَقِيدُ\nهُوَ السَّيِّدُ الْمَهْديُّ مِن آلِ أَحْمَدٍ ... هُوَ الصَّارِمُ الْهِنْدِيُّ حِينَ يَبيدُ\nهُوَ الشَّمْسُ يَجْلُو كُلَّ غَمٍّ وَظُلْمَةٍ ... هُو الْوَابِلُ الوَسْمِيُّ حِينَ يَجُودُ\nومراده بـ (ختم الأولياء): المهدي. وبـ (إمام العالمين): النبي - ﷺ -. و(الصارم): السيف. و(الوابل): المطر الكثير. و(الوسمي): هو الذي ينزل في أول الشتاء.\nقال: وقد جاء زمانه، وأظلكم أوانه، وظهر في القرن الرابع اللاحق بالقرون الثلاثة الماضية، قرن رسول الله - ﷺ - وهو قرن الصحابة، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه.\nوهو إشارةٌ إلى ما ورد في حديث ثلاث مرات: \"ثم الذين يلونهم\" بعد قوله - ﷺ -: \"خير القرون قرني\".\nوورد في رواية: ثلاثة تَترى وواحد فُرادى، فيكون قرنه الرابع المفرد الملحق بالثلاثة تترى.\nقال: ثم جاء بينها؛ أي: القرن الثالث والرابع، فنزلت وحدثت أمور، وانتشرت أهواء، وسفكت دماء، وعاثت الذئاب في البلاد، وكثر الفساد إلى أن طم","vol":"1","page":210},{"text":"الجور، وطما سيله، وأدبر نهار العدل بالظلم حين أقبل ليله، فشهداؤه خير الشهداء، وأمناؤه خير الأمناء، وإن الله يستوزر له طائفةً خبأهم له في مكنون غيبه، أطلعهم كشفًا وشهودًا على الحقائق، وما هو أمر الله عليه في عباده، فبمشاورتهم يفصل ما يفصل، فهم العارفون الذين يعرفون ما هناك.\nوأما هو في نفسه: فصاحب سيف حق وسياسة مرتبة، يعرف من الله قدر ما يحتاج إليه مرتبته ومنزلته؛ لأنه خليفة مُسدد، يعرف منطق الطير والحيوان، يسري عدله في الإنس والجان. من أسرار علم وزرائه الذين استوزرهم الله له قوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وهم على أقدام من قال الله فيهم: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾، أعطاهم الله في هذه الآية التي اتخذوها هِجِّيرًا، وفي ليلهم سميرًا فضل علم الصدق حالًا وذوقًا، فعلموا أن الصدق سيف الله في الأرض ما قام بأحد، ولا اتصف به أَحَدٌ إلَّا نصره الله تعالى؛ لأن الصدق صفته تعالى، والصادق اسمه، وإذا علم الإمام المهدي هذا عمل به، فيكون أصدق أهل زمانه، فوزراؤه الهُداة وهو المهدي، فهذا القدر من العلم بالله يحصل للمهدي على أيدي وزرائه.\nإِنَّ الإِمَامَ إِلَى الْوَزِيرِ فَقِيرُ ... وَعَلَيْهِمَا فَلَكُ الْوُجُود يَدُورُ\nوَالْمُلْكُ إِنْ لَمْ تَسْتَقِمْ أَحْوَالُهُ ... بِوُجُودِ هَذَيْنِ فَسَوفَ يَبُورُ\nإِلَّا الإِلَهُ الْحَق فَهْوَ مُنَزَّهٌ ... مَا عِنْدَهُ فِيمَا يُرِيدُ وَزِيرُ\nجَلَّ الإِلَهُ الْحَقُّ فِي مَلَكُوتِهِ ... عَنْ أَنْ يَرَاهُ الْخَلْقُ وَهْوَ فَقِيرُ\nوجميع ما يحتاج إليه المهدي مما يكون قيام وزرائه به تسعة أمور لا عاشر لها، ولا ينقص عن ذلك؛ وهي:\nالأول: نفوذ البصر؛ ليكون دعاؤه إلى الله على بصيرة في المدعو إليه لا في المدعو، قال تعالى عن نبيه - ﷺ -: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾، فالمهدي ممن اتبعه، وهو - ﷺ - لا يخطئ في دعائه إلى الله، فمتبعه لا يخطئ؛ فإنه يقفو أثره.\nوالثاني: معرفة الخطاب الإلهي عند الإلقاء، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ","vol":"1","page":211},{"text":"أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾.\nوالثالث: علم الترجمة عن الله تعالى، وذلك لكل من كلمه الله تعالى في الإلقاء والوحي، فيكون المترجم مُهيأ لصور الحروف اللفظية والمرقومة التي يُوجِدُهَا، ويكون روح تلك الصورة كلام الله لا غير.\nوالرابع: تعيين المراتب لولاة الأمر، وهو العلم بما تستحقه كل مرتبة من المصالح التي خلقت لها، فينظر صاحب هذا العلم في نفس الشخص الذي يُريد أن يُوليه ويرفع الميزان بينه وبين المرتبة، فإذا رأى الاعتدال في الوزن من غير ترجيح لكفة المرتبة؛ ولاه، وإن رجح الوالي؛ فلا يضره، فإن رجحت كفة المرتبة عليه؛ لم يُولّه.\nوالخامس: الرحمة في الغضب، ولا يكون ذلك إلَّا في الحدود الموضوعة والتعزير، وما عدا ذلك فَغضَبٌ ليس فيه من الرحمة شيء.\nوالسادس: علم ما يحتاج إليه الملك من الأرزاق، وهو أن يعلم أصناف العالم، وليس إلَّا اثنان: عالم الصور، وعالم الأنفس المدبرين لهذه الصور فيما يتصرفون فيه من حركة أو سكون، وما عدا هذين الصنفين؛ فما له عليهم حكم، إلَّا من أراد منهم أن يحكمه على نفسه كعالم الجان.\nوالسابع: علم تداخل الأمور بعضها على بعض، وهو معنى قوله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾، فالمولج ذكر، والمولوج فيه أنثى، وهو في العلوم العلم النظري، وفي الحس النكاح الحيواني والنباتي، ولولا السدى واللحام لما ظهر للشقة عين، وهو سَارٍ في جميع الصنائع العملية والعلمية.\nفإذا علم الإمام ذلك لم يدخل عليه شبهة في أحكامه.\nهذا هو الميزان الموضوع في العالم في المعاني والمحسوسات، فالإمام يتعين عليه الجمع بين علم ما يكون بطريق التنزيل الإلهي، وبين ما يكون بطريق القياس، ولا يعلم المهدي علم القياس ليحكم به، وإنما يعلمه ليجتنبه، فما يحكم المهدي إلَّا بما يُلقي إليه الملك من عند الله الذي بعثه الله إليه يُسدده، وذلك هو الشرع الحنيفي","vol":"1","page":212},{"text":"المحمدي الذي لو كان محمد - ﷺ - حيًا، ورفعت إليه تلك النازلة؛ لم يحكم فيها إلَّا بحكم هذا الإمام، فيعلمه الله أن ذلك هو الشرع المحمدي، فَيحْرُمُ عليه القياس مع وجود النصوص التي منحه الله تعالى إياها، ولذا قال - ﷺ - في صفته: \"يقفو أثري لا يخطئ\".\nفعرفنا أنه مُتبعٌ لا مُشرع، وأنه معصوم، ولا معنى للمعصوم في الحكم إلَّا أنه معصومٌ من الخطإِ؛ فإن حُكم الرسول لا يُنسب إليه خطأ؛ فإنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلَّا وحي يوحى؛ أي: فمعنى عصمته أنه معصوم في حكمه، وأما في باقي حالاته فمحفوظٌ لا معصوم؛ إذ لا عصمة إلَّا للأنبياء وهو ليس بنبي، وإنما هو ولي، والأولياء محفوظون لا معصومون.\nوالثامن: الاستقصاء في قضاء حوائج الناس، وأنه متعينٌ على الإمام خُصوصًا دون جميع الناس، فإن الله إنما قدمه على خلقه ليسعى في مصالحهم، والذي ينتجه هذا السعي عظيم، وحركة الأئمة كلهم إنما تكون في حق الغير لا في حق نفوسهم، فإذا رأيتم السلطانَ يشتغِلُ بغير رعيته وما يحتاجون إليه فاعلم أنه قد عزلته المرتبة لهذا الفعل، ولا فرق بينه وبين العامة.\nوالتاسع: الوقوف على علم الغيب الذي يحتاج إليه في الكون في مدته خاصة، وهي تاسع مسألةٍ ليس وراءها ما يحتاج إليه الإمام في إمامته، وذلك أن الله تعالى أخبر عن نفسه أن كل يوم هو في شأن، وهو ما يكون عليه العالم في ذلك اليوم، ومَعلومٌ أن ذلك الشأن إذا ظهر في الوجود ووقع أنه معلوم لكل من شاهده فهذا الإمام من هذه المسألة له اطلاع من جانب الحق على ما يُريد الحق أن يحدثه من الشؤون قبل وقوعها في الوجود، فيطلع في اليوم الذي قبل وقوع ذلك الشأن على ذلك الشأن، فإن كان مما فيه منفعةٌ لرعيته شكر لله وسكت عنه، وإن كان مما فيه عقوبة بنزول بلاءٍ عام، أو على أشخاصٍ معينين سأل الله فيهم وشفع وتضرع، فصرف الله عنهم ذلك البلاء برحمته وفضله، وأجاب دعوته وسؤاله، فلهذا يُطلعه الله عليه قبل وقوعه في الوجود بأصحابه، ثم يُطلعه الله في تلك الشؤون على النوازل الواقعة من الأشخاص، ويُعين له الأشخاص بحليتهم حتى إذا رآهم لا يَشُك فيهم أنهم عين ما رآهم.","vol":"1","page":213},{"text":"ثم يُطلعه الله تعالى على الحُكم المشروع في تلك النازلة له التي شرع الله لنبيه محمد - ﷺ - أن يحكم به فيها، ولا يحكم إلَّا بذلك الحكم لا يُخطئ أبدًا، وإن أعمى الله عليه الحكم في بعض النوازل، ولم يقع له عليها كشف كان غايته أن يلحقها في الحكم بالمباح، ويعلم بعدم التعريف أن ذلك حكم الشرع فيها؛ فإنه معصومٌ عن الرأي والقياس في الدين؛ فإن القياس ممن ليس بنبي حكمٌ على الله في دين الله بما لا يعلم؛ فإنه طرد علة، وما يُدريك لعل الله لا يريد طرد تلك العلة، ولو أرادها لأبان عنها على لسان رسوله وأمر بطردها.\nهذا إذا كانت العلة مما نص الشرع عليها في قضية، فما ظنك بعلةٍ يستخرجها الفقيه بنفسه ونظره من غير أن يذكرها الشرع ثم يطردها؟ !\nفيكون تحكمًا على تحكم بشرع لم يأذن به الله.\nهذا يمنع المهدي ﵇ من القول بالقياس في دين الله، ولاسيما وهو يعلم أن مراد النبي - ﷺ - التخفيف في التكليف عن هذه الأمة، ولذلك كان يقول: \"اتركوني ما تركتكم\"، وكان يكره السؤال في الدِّين خوفًا من زيادة الحكم، فكل ما سُكِت له عنه؛ لم يطلع على حكم معين فيه جعل عاقبة الأمر فيه الحكم بحكم الأصل، وكل ما أطلعه الله عليه كشفًا وتعريفًا فذلك حكم الشرع المحمدي في المسألة.\nوقد يطلعه الله في أوقات على المباح على أنه مباح وعافية، فكل مصلحة تكون في حق رعاياه فإن الله يطلعه عليها ليسأله فيها، وكل فَسادٍ يريد الله أن يوقعه برعاياه فإن الله يطلعه عليه ليسأل الله في دفع ذلك؛ لأنه عقوبة.\nفالمهدي رَحْمةُ الله كما كان رسول الله - ﷺ - رحمة؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، والمهدي يقفو أثره لا يخطئ، فلابد أن يكون رحمة.\nفهذه تسعة أمور لم تصح بمجموعها لإمامٍ من أئمة الدين خلفاء الله تعالى ورسول الله - ﷺ - إلى يوم القيامة، إلَّا لهذا الإمام المهدي، كما أنه ما نص رسول الله - ﷺ - على إمامٍ من أئمة الدين الذين يكونون بعده أنه","vol":"1","page":214},{"text":"يرثه ويقفو أثره لا يخطئ إلَّا المهدي خاصة؛ فقد شهد بعصمته في أحكامه؛ كما شهد الدليل العقلي بعصمة رسول الله - ﷺ - فيما يبلغه عن ربه من الحكم المشروع له في عباده.\nقال رحمه الله تعالى: وينزل عيسى ﵇ في زمانه بالمنارة البيضاء شرقي مسجد دمشق، والناس في صلاة العصر، فيتنحى له الإمام، فيتقدم فَيُصلي بالناس، يؤم الناس بسنّة محمد - ﷺ -.\nتَنبيْه\nلا ينافي هذا ما في الأحاديث الصحيحة أن عيسى ﵇ يقتدي بالمهدي في صلاة الصبح ويقول: إنها لك أُقيمت. لما يأتي في قصة الدجال في الجمع بين اختلاف الروايات أن المهدي حين نزول عيسى ﵇ بدمشق يكون ببيت المقدس، فيكون الذي يتنحى له أمير المهدي على دمشق، ويوضحه أن هذا في صلاة العصر، وأنه يجتمع إليه اليهود والنصارى والمسلمون، كل يرجوه كما يأتي هناك وإن تقدم المهدي واقتدى عيسى ﵇ به في صلاة الصبح وليس هناك إلَّا خالص المسلمين. وبالله التوفيق.\nتَنبيه آخَر\nما أشرنا إليه سابقًا من أن السبع أو التسع من خلافة المهدي المذكور في الأحاديث يحتمل أن يكون في زمن عيسى ﵇ لا ينافيه قوله - ﷺ -: \"لن تهلك أمةٌ أنا في أولها، والمهدي في أوسطها، وعيسى في آخرها\"؛ لأن المهدي يسبق نزول عيسى ﵇ بأكثر من ثلاثين سنة، وعيسى ﵇ يتأخر عنه بضعًا وثلاثين؛ لما ورد في المهدي أنه يمكث أربعين، وفي عيسى ﵇ أنه يمكث خمسًا وأربعين، فمدة اجتماعهما سبع أو تسع، والباقي مدة الافتراق.\nتَنبيه آخَر\nقد علمت أن أحاديث وجود المهدي وخروجه آخر الزمان، وأنه من عترة رسول الله - ﷺ - من ولد فاطمة ﵍ بلغت حد التواتر المعنوي،","vol":"1","page":215},{"text":"فلا معنى لإنكارها، ومن ثم ورد: \"من كَذّب بالدجال فقد كفر، ومن كَذَّب بالمهدي فقد كفر\". رواه أبو بكر الإسكاف في \"فوائد الأخبار\"، وأبو القاسم السهيلي في شرح \"السير\" له.\nفما ورد في بعض الأحاديث: أنه \"لا مهدي إلَّا عيسى ابن مريم\" مع كونه ضعيفًا عند الحفاظ يجب تأويله بأنه: لا قول للمهدي إلَّا بمشورة عيسى ﵇ إن قلنا أنه وزيره، أو لا مهدي معصومًا مطلقًا إلَّا عيسى ﵇.\nفإن المهدي معصوم في الأحكام فقط، أو لا مهدي بعد عيسى ﵇؛ فإن بعده يكون أمراء مخلطون.\nولا يغتر بما قد يُفهم من كلام العلامة التفتازاني في \"شرح العقائد\" من نفيه بناءً على الحديث المذكور؛ لما مر أنه حديثٌ ضعيف خالف أحاديث صحيحة، والله أعلم.\nقال الحافظ ابن القيم في \"المنار\": حديث \"لا مهدي إلَّا عيسى ابن مريم\". رواه ابن ماجه من طريق محمد بن خالد الجندي، عن أبان بن صالح، عن الحسن، عن أنس بن مالك، عن النبي - ﷺ -، وهو مما تفرد به عن محمد بن خالد.\nقال محمد بن الحسن الإسنوي في كتاب \"مناقب الشافعي\": محمد بن خالد هذا غير معروف عند أهل الصناعة من أهل العلم والنقل، وقد تواترت الأخبار عن رسول الله - ﷺ - بذكر المهدي، وأنه من أهل بيته.\nوقال البيهقي: تفرد به محمد بن خالد هذا، وقد قال الحاكم أبو عبد الله: هو مجهول، وقد اختلف عليه في إسناده. فَرُويَ عنه، عن أبان بن أبي عياش، عن الحسن، عن النبي - ﷺ -.\nقال: فرجع الحديث إلى رواية محمد بن خالد وهو مجهول، عن أبان بن أبي عياش، وهو متروك، عن الحسن، وهو منقطع.\nوالأحاديث الدالة على خروج المهدي أصح إسنادًا؛ كحديث ابن مسعود - ﵁ -: \"لو لم يبق على الدنيا إلَّا يوم لَطَوّل الله ذلك اليوم حتى يُبعث رجل مني، أو من","vol":"1","page":216},{"text":"أهل بيتي\" ... الحديث، رواه أبو داود، والترمذي وقال: حسن صحيح.\nوفي الباب: عن علي، وأبي سعيد، وأم سلمة، وأبي هريرة ﵃، ثم روى حديث أبي هريرة - ﵁ - وقال: صحيح. اهـ\nوقال ابن القيم: وفي الباب: عن حذيفة بن اليمان، وأبي أمامة الباهلي، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وثوبان، وأنس بن مالك، وجابر، وابن عباس ﵃، وغيرهم. اهـ، والله أعلم.\nتَنبيه آخَر\nجاء عن ابن سيرين: أن المهدي خَيْرٌ من أبي بكر وعمر ﵃، قيل: يا أبا بكر؛ خير من أبي بكر وعمر؟ ! قال: قد كان يُفَضّل على بعض الأنبياء.\nوعنه: لا يَفْضُل عليه أبو بكر وعمر ﵄.\nقال السيوطي في \"العَرف الوردي\": هذا إسناد صحيح، وهو أخف من اللفظ الأول. قال: والأوجه عندي تأويل اللفظين على ما أُوِّلَ عليه حديث: \"بل أجر خمسين منكم\"؛ لشدة الفتن في زمان المهدي.\nقُلْتُ: التحقيق أن جهات التفاضل مختلفة، ولا يجوز لنا التفضيل على الإطلاق في فَردٍ من الأفراد إلَّا إذا فضله النبي - ﷺ - كذلك؛ فإنه قد وُجِدَ في المفضول مَزيةٌ من جهات أخر ليست في الفاضل.\nوتَقدَّم عن الشيخ في \"الفتوحات\": أنه مَعصوم في حكمه، مُقتفٍ أثر النبي - ﷺ -، لا يخطئ أبدًا، ولا شك أن هذا لم يكن في الشيخين، وأن الأمور التسعة التي مرت لم تجتمع كلها في إمام من أئمة الدين قبله.\nفمن هذه الجهات يجوز تفضيله عليهما وإن كان لهما فضل الصحبة ومشاهدة الوحي والسابقة وغير ذلك، والله أعلم.\nقال الشيخ علي القاري في \"المشرب الوردي في مذهب المهدي\": ومما يدل على أفضليته: أن النبي - ﷺ - سَمَّاهُ: خليفة الله، وأبو بكر - ﵁ - لا يقال له إلَّا: خليفة رسول الله.","vol":"1","page":217},{"text":"خَاتِمَة\nاشتملت قصة المهدي على جُملةٍ من أشراط الساعة، فلنشر إلى عدها وذكر بعض أحاديثها إجمالًا؛ وفاءً بما وعدناه من حفظ الأحاديث على المسلمين.\nفمنها: حسر الفرات عن جبل من الذهب:\nكما مر عن أبي هريرة - ﵁ -: \"لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب، يقتتل عليه الناس فيقتل تسعة أعشارهم\" رواه ابن ماجه عنه، ورواه أحمد، ومسلم، عن أبي هريرة - ﵁ -، وفي آخره: \"حتى يُقْتلَ من كلِّ مئة تسعة وتسعون\" وكذا رواه مسلم عن أبي هريرة.\nوروى عنه الشيخان، وأبو داود مختصرًا: \"يوشك الفرات يحسر عن كنز، فمن حضره فلا يأخذ منه شيئًا\".\nوفي رواية نُعيم بن حماد عنه: \"فيقتل من كل تسعة سبعة، فإذا أدركتموه فلا تقربوه\".\nومنها: قتل النفس الزكية:\nعن مجاهد قال: حدثني رجلٌ من أصحاب رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا قتلت النفس الزكية غضب عليهم من في السماء ومن في الأرض، فيأتي الناس المهدي فزفَّوْه كما تُزف العروس إلى زوجها ليلة عرسها\" رواه ابن أبي شيبة.\nوعن عمار بن ياسر - ﵁ -: \"إذا قتلت النفس الزكية وأخوه يقتل بمكة ضيعة نادى مناد من السماء: إن أميركم فلان، وذلك المهدي الذي يملأ الأرض حقًا وعدلًا\" رواه نُعيم بن حماد.\nتَنبيه\nالنفس الزكية هذا غير النفس الزكية الذي قتل في زمن المنصور العباسي؛ قتله موسى بن عيسى عم المنصور، وهو: محمد النفس الزكية بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب ﵃، بايعه أهل","vol":"1","page":218},{"text":"المدينة بالخلافة، وكان يقال: إنه المهدي، قتل هو بالمدينة، وقتل أخوه إبراهيم بن عبد الله بالعراق، ومات أبوهما في الحبس.\nومنها: طلوع الرايات السود من قبل خراسان:\nعن ثوبان - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"تطلع الرايات السود من قبل المشرق، فيقاتلونكم قِتالًا شديدًا لم يقاتله قوم مثله، فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبوًا على الثلج؛ فإنه خليفة الله المهدي\" رواه ابن ماجه، والحاكم وصححه.\nومعنى كونه المهدي: أنَّ الرايات تصير إليه وتنصره.\nعن ابن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يأتي قومٌ من قبل المشرق معهم رايات سود، فيسألون الخير فلا يعطونه، فيقاتلون، فينصرون، فيعطون ما سألوا، فلا يقبلونه حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي، فيملؤها قِسطًا كما ملؤوها جورًا، فمن أدرك ذلك منكم فليأتهم ولو حبوًا على الثلج\". رواه ابن أبي شيبة، وابن ماجه (١).\nتَنبيه\nهذه الرايات السود غير الرايات السود التي أتت لنصر بني العباس، وإن كان كل منهما من قبل المشرق من أهل خراسان وقاتلت بني أمية؛ لأن هؤلاء قلانسهم سُود وثيابهم بيض، وأولئك كل ثيابهم سود، أو لأن هذه الرايات صغار، وتلك كانت عِظامًا، ولأن هذه يَقْدمُ بها الهاشمي الذي على مقدمته شعيب بن صالح التميمي، وتلك قَدمَ بها أبو مسلم الخراساني، ولأن هذه تقاتل بني أبي سفيان، وتلك قاتلت بني مروان.\nوقد صرح بذلك في رواية سعيد بن المسيب - ﵁ -، مُرسلًا قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"تخرج من المشرق رايات سود لبنِي العباس، ثم\n_________\n(١) ذكره ابن الجوزي في \"الموضوعات\"، ورد عليه الحافظ ابن حجر في \"القول المسدد\" (ص ٤٥) (ز).","vol":"1","page":219},{"text":"يمكثون ما شاء الله تعالى، ثم تخرج رايات سود صغار تقاتل رَجُلًا من ولد أبي سفيان وأصحابه من قبل المشرق، ويؤدون الطاعة للمهدي\" رواه نُعيم بن حماد.\nومنها: قذف الأرض أفلاذ كبدها من الذهب والفضة:\nعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: \"إن هذا الدين قد تم، وإنه صائر إلى النقصان، وإن أمارة ذلك: أن تُقطع الأرحام، ويُؤخذ المال بغير حقه، وتُسفك الدماء ويشتكي ذو القرابة قرابته لا يعود عليه بشيء، ويطوف السائل لا يوضع في يده شيء.\nفبينما هم كذلك إذ خارت الأرض خوار البقر، يحسب كل أناس أنها خارت من قبلهم، فبينما الناس كذلك إذ قذفت الأرض بأفلاذ كبدها من الذهب والفضة، لا ينفع بعد شيء منه لا ذهب ولا فضة\" رواه ابن أبي شيبة.\nومنها: خسف عند معدن:\nعن ابن عمر ﵄ قال: \"تخرج معادن مختلفة، معدن منها قريب من الحجاز يأتيه شرار الناس يقال له: فرعون، فبينما هم يعملون فيه إذ حُسِرَ عن الذهب فأعجبهم معتمله، فبينما هم كذلك إذ خُسِفَ به وبهم\" رواه الحاكم وصححه.\nوعن علي كرم الله وجهه أنه قال: \"الفتن أربع: فتنة السراء والضراء، وفتنة كذا -فذكر: معدن الذهب-، ثم يخرج رجلٌ من عترة النبي - ﷺ - يُصلح الله تعالى على يديه أمرهم\" رواه نُعيم بن حماد بسندٍ صحيح على شرط مسلم.\nومنها: خسف قرية بالغوطة شرقي دمشق:\nعن خالد بن معدان قال: \"لا يخرج المهدي حتى يُخسف بقرية بالغوطة تسمى حرستا\"، رواه ابن عساكر.\nومنها: خَسْفٌ بالبيداء:\nعن عائشة ﵂؛ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"العجب أن ناسًا من أمتي يأتون البيت لرجل من قريش قد لجأ بالبيت، حتى إذا كانوا بالبيداء","vol":"1","page":220},{"text":"خُسِفَ بهم، فيهم المنتصر والمجبور وابن السبيل، يهلكون مهلكًا واحدًا، ويصدرون مصادر شتى، يبعثهم الله على نياتهم\" (١) رواه البخاري، ومسلم.\nوعن صفية أم المؤمنين ﵂؛ قالت: قال رسول الله - ﷺ - \"لا ينتهي الناس عن غزو هذا البيت حتى يغزو جيش، حتى إذا كانوا بالبيداء -أو بيداء من الأرض- خُسِفَ بأولهم وآخرهم، ولم يَنْجُ أوسطهم\".\nقيل: فإن كان معهم من يكره؟ قال: \"يبعثهم الله على ما في أنفسهم\" رواه أحمد، وأبو داود، والتر مذي، وابن ماجه، ورواه أحمد، ومسلم، والطبراني عن أم سلمة ﵂.\nورواه أحمد، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه عن حفصة، عن ابن عباس ﵄: \"يقطع الخليفة بالشام بعثًا فيهم ست مئة غريب إلى هاشميين بمكة، فإذا أتوا البيداء فينزلون في ليلة مقمرة، إذ أقبل راعٍ ينظر إليهم ويعجب، ويقول: يا ويح أهل مكة. فينصرف إلى غنمه، ثم يرجع فلا يرى أحدًا، فإذا هم قد خُسِفَ بهم، فيقول: سبحان الله! ارتحلوا في ساعةٍ واحدة، فيأتي فيجد قطيفةً قد خُسِفَ ببعضها وبعضها على وجه الأرض، فيعالجها فلا يُطيقها، فَيعلم أنه قد خُسِفَ بهم، فينطلق إلى صاحب مكة، فيبشره فيقول: الحمد لله؛ هذه العلامة التي كنتم تُخْبَرُونَ بها\" رواه نُعيم بن حماد.\nوفي رواية: \"لا يُفلت منهم أحدٌ إلَّا بَشِيرٌ ونَذِيرٌ؛ بشير إلى المهدي، ونذير إلى السفياني، وهما رجلان من كلب\".\nتَنبيه\nوجه الجمع بين الروايتين أن الرجلين يهربان، ثم يأتي الراعي فلا يرى أحدًا، فيأتي بالبشارة إلى المهدي أيضًا.\n_________\n(١) هذا لفظ حديث \"مسلم\"، وأخرجه \"البخاري\" مختصرًا في \"البيوع\".\nقال الحافظ (٣/ ٢٩٩): يعني أن الظاهر أنه يخسف بهم مرة، ويترك الآخرين فيهدمونهم.\nوقال أيضًا (٤/ ٢٣٤): الظاهر أنه يخسف بهم قبل أن يصلوا إليها، ومال ابن التين إلى أن المخسوفين هم الهادمون، خُسفوا بعد الهدم انتقامًا لهم، وكذا قال العيني. (ز).","vol":"1","page":221},{"text":"وفي رواية: \"فيخسف بثلثهم، ويمسخ ثلثهم، فتصير وجوههم إلى أقفيتهم يمشون إلى ورائهم كما يمشون إلى أمامهم، ويلحق ثلثهم بمكة\".\nوهذه إن صحت يُحتاج في الجمع إلى تَمَحُّل وتَعَسُّف، ويمكن أن يقال بتكرار خسف الجيش، فمرةً يكون كذا ومرةً كذا.\nويَقربُهُ ما مر أن صاحب المدينة يبعث بعثًا قبل بعث السفياني، وأنه أمير على المدينة من قبله، فينسب إليه أيضًا، والله أعلم.\nومنها: انكساف الشمس والقمر في رمضان (١):\nعن الإمام محمد بن علي الباقر قال: \"لمهدينا آيتان لم يكونا منذ خلق الله السماوات والأرض: ينكسف القمر لأول ليلة من رمضان، وتنكسف الشمس في النصف منه، ولم تكونا منذ خلق الله السموات والأرض\" رواه الدارقطني في \"سننه\"\nوعن ابن عباس ﵄ قال: \"لا يخرج المهدي حتى تطلع الشمس آية\" رواه البيهقي، ونُعيم بن حماد.\nومنها: طلوع القرن ذي السنين:\nعن أبي جعفر محمد بن علي الباقر قال: \"إذا بلغ العباسي خراسان طلع بالمشرق القرن ذو السنين، وكان أول ما طلع بهلاك قوم نوح حين أغرقهم الله، وطلع في زمن إبراهيم حين ألقوه في النار، وحين أهلك الله قوم فرعون ومن معه، وحين قتل يحيى بن زكريا\".\n_________\n(١) أما اجتماع الخسوف والكسوف في شهرٍ واحد: فشائع كثير الوقوع، ذكر بعضها في كتاب \"شهادة آسماني\" للسيد أبي أحمد رحماني في رد القادياني، إذ قال: \"إنه وقع في رمضان سنة مئة وسبعة هجري، وسنة مئة وثمانية هجري، وسنة مئة واثنين وخمسين هجري، وسنة ثلاث مئة وثمانية هجري، وسنة تسع مئة وعشرة هجري كلها في رمضان\" اهـ\nفالمراد بهذه العلامة أول رمضان ووسطه ... إلخ كما بسطه في هذه الرسالة، وذكر أنه وقع اجتماعهما من بعد سنة ألف إلى سنة ألف وثلاث مئة واثنتي عشرة ستين مرة، وكذلك بسط الكلام على هذا الحديث وَفَصَّل الكسوفات في رسالته الأخرى المسماة: \"دوسري شهادة آسماني\" (ز).","vol":"1","page":222},{"text":"فإذا رأيتم ذلك فاستعيذوا بالله من شر الفتن، ويكون طُلوعه بعد انكساف الشمس والقمر، ثم لا يلبثون حتى يطلع الأبقع بمصر\" رواه نُعيم بن حماد.\nومنها: طلوع النجم ذي الذنب:\nعن كعب قال: \"يطلع من المشرق قبل خروج المهدي نجمٌ له ذنب يُضيء\" أخرجه نعيم.\nقلت: وقد ظهر في عام خمس وسبعين في شهر جمادى الثانية نجمٌ ذو ذنب، وأقام مقدار شهرين ثم غاب.\nومنها: خسوف القمر مرتين في رمضان:\nعن شريك قال: بلغني: قبل خروج المهدي ينكسف القمر في شهر رمضان مرتين. رواه نعيم.\nومنها: نار من قبل المشرق:\nعن أبي عبد الله الحسين بن علي ﵄ قال: إذا رأيتم علامةً من السماء؛ نارًا عظيمة من قبل المشرق تطلع ليلًا فعندها فرج الناس، وهي إقدام المهدي.\nوعن أبي جعفر محمد بن علي الباقر ﵄ قال: إذا رأيتم نارًا من المشرق ثلاثة أيام أو سبعة أيام فتوقعوا فَرجَ آل محمد - ﷺ - إن شاء الله تعالى.\nومنها: وقعة بالمدينة عظيمة:\nعن أبي هريرة - ﵁ - قال: \"يكون بالمدينة وقعةٌ يَغْرقُ فيها أحجار الزيت، ما الحرة عندها إلَّا كضربة سوط، فيتنحى عن المدينة بريدين، ثم يبايع المهدي\" رواه نعيم.","vol":"1","page":223},{"text":"تَنبيه\nقال في \"سفر السعادة\": أحجار الزيت قريبٌ من باب من أبواب المسجد، يقال له: باب السلام، إذا خرج شَخصٌ من باب السلام، وعطف على الجانب الأيمن، وصار نحو رمية حجر بلغ المكان المعروف بأحجار الزيت.\nوعبارة السيد السمهودي في \"الخلاصة\": أن أحجار الزيت كانت عند مشهد مالك بن سنان، يضع عليها الزَّياتونَ رواياهم، فَعلَا الكَبْسُ عليها فاندفنت.\nولأبي داود، والترمذي، وغيرهما: عن مولى آبي اللحم: أنه رأى النبي - ﷺ - يستسقي عند أحجار الزيت قريبًا من الزوراء قائما يدعو ... الحديث.\nفاقتضى كلام كعب الأحبار أنها موضعٌ من الحرة بمنازل بني عبد الأشهل، به كانت وقعة الحرة. انتهى كلامه.\nومنها: نداء من السماء:\nعن عاصم بن عمر البجلي قال: \"لينادين باسم رجل من السماء لا ينكره الدَّليل، ولا يُمْنَع منه الذَّليل\" رواه ابن أبي شيبة.\nوعن علي - ﵁ - قال: \"إذا نادى مُناد من السماء: إن الحق في آل محمد - ﷺ - فعند ذلك يظهر المهدي على أفواه الناس، وَيُشْرَبُونَ حُبَّه، ولا يكون لهم ذكر غيره\" رواه نعيم.\nوعن سعيد بن المسيب - ﵁ - قال: \"تكون فتنةٌ كأن أولها لعب الصبيان، فلا تتناهى حتى يُنادي مُنادٍ من السماء: ألا إنَّ الأمير فلان ذلكم الأمير حقًا. (ثلاث مرات) \" رواه نعيم.\nوعن أبي جعفر الباقر - ﵁ - قال: ينادي مُنادٍ من السماء: ألا إنَّ الحق في آل محمد - ﷺ -. وينادي مُنادٍ من الأرض: ألا إنَّ الحق في آل عيسى ﵇أو قال: العباس، فَشَكَّ فيه- وإنما الأسفل كلمة الشيطان، والصوت الأعلى كلمة الله العليا\". رواه نعيم.","vol":"1","page":224},{"text":"وعنه - ﵁ - قال: \"إذا كان الصوت في شهر رمضان في ليلة جمعة فاسمعوا وأطيعوا، وفي آخر النهار صوت اللعين إبليس يُنادي: ألا إنَّ فُلانًا قد قتل مظلومًا. ليُشكِّكَ الناس ويفتنهم، فكم في اليوم من شَاكٍّ مُتحير! فإذا سمعتم الصوت في رمضان -يعني: الأول- فلا تشكّوا أنه صوت جبريل، وعلامة ذلك أنه يُنادي باسم المهدي واسم أبيه\".\nوعن إسحاق بن يحيى، عن أمه قالت: تكون فتنة تهلك الناس لا يستقيم أمرهم حتى يُنادي مُنادٍ من السماء: عليكم بفلان\" رواه نُعيم بن حماد.\nعن شهر بن حوشب قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"في المُحَرَّم يُنادي مُنادٍ من السماء: ألا إن صفوة الله من خلقه فلان. فاسمعوا له وأطيعوا، في سَنةِ الصوت والمعمعة\" رواه نُعيم.\nوَمَرَّ عن عمار - ﵁ - النداء عند قتل النفس الزكية قال في \"عقد الدرر\": وهذا النداء يَعُم أهل الأرض، ويسمعه كل أهل لغة بلغتهم.\nوعن الحكم بن نافع قال: (إذا كان الناس بمنى وبعرفات نادى مُنادٍ بعد أن تتحارب القبائل: ألا إنَّ أميركم فلان. ويتبعه صوت آخر: ألا إنه قد صدق).\nتَنبيه\nلا مانع من تكرر النداء في رمضان، وفي ذي الحجة، وفي المحرم، وغيرها؛ كما يظهر من اختلاف الروايات.\nومنها: طلوع كَفٍّ من السماء:\nعن سعيد بن المسيب - ﵁ - قال: (تكون فرقة واختلاف، حتى يطلع كَفٌّ من السماء، ويُنادي مُنادٍ من السماء: إن أميركم فلان).\nوعن أسماء بنت عُميس ﵂: (إن أمارة ذلك اليوم أن كفًّا من السماء مدلاة ينظر الناس إليها) رواه نُعيم بن حماد.","vol":"1","page":225},{"text":"ومنها: إخراج كنز الكعبة وخزائنها:\nعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: أنه قال حين وَلَج هو وعمر ﵄ البيت، فقال عمر - ﵁ -: والله ما أدري! أأدع خزائن البيت وما فيه من السلاح والأموال، أو أقسمه في سبيل الله؟\nفقال له علي - ﵁ -: \"امض يا أمير المؤمنين فلست بصاحبه، إنما صاحبه منا شاب من قريش يقسمه في سبيل الله في آخر الزمان\" رواه نُعيم بن حماد.\nومنها: الملحمة العظمى:\nعن أبي هريرة - ﵁ - قال: \"لا تقوم الساعة حتى تنزل الروم بالأعماق أو بدابق، فيخرج إليهم جلبٌ من المدينة. . .\" الحديث. رواه مسلم، والحاكم وصححه، وقد مر تفصيله.\nوعن أبي الدرداء - ﵁ -: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"إنَّ فسطاط المسلمين يوم الملحمة الكبرى بالغوطة إلى جانب مدينة يقال لها: دمشق، من خير مدائن الشام\" رواه أبو داود، والحاكم وصححه.\nوعن عبد الله - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: \"لا تقوم الساعة حتى لا يُقْسمَ مِيراث، ولا يُفرح بغنيمة، ثم قال: يجتمعون لأهل الشام، ويجمع لهم أهل الإسلام -يعني: الروم- ... إلى أن قال: فيجعل الله الدَّبَرة عليهم، فيقتلون مقتلة عظيمة لم يُر مثلها، حتى إنَّ الطائر يمر بجانبهم فما يُخلفهم حتى يخر ميتًا، فيتعادُّ بنو الأب، كانوا مئة فلا يجدون بقي منهم إلَّا الرجل الواحد، فبأي غنيمة يُفرح، أو أي مِيراث يُقسم؟ ! \" رواه مسلم.\nوعن معاذ - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"سِتٌّ من أشراط الساعة: موتي، وفتح بيت المقدس\" ... إلى أن قال: \"وأن يغدر الروم فيسيرون بثمانين بندًا، تحت كل بند اثنا عشر ألفًا\" رواه أحمد، وابن أبي شيبة، والطبراني.\nوعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -:","vol":"1","page":226},{"text":"\"سِتٌّ فيكم أيتها الأمة\". فقال في الخامسة: \"وهدنةٌ تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيجمعون لكم تسعة أشهر كقدر حمل المرأة، ثم يكونون أولى بالغدر منكم\" رواه أحمد.\nومنها: أن يكون لخمسين امرأة قيمٌ واحد.\nومنها: أن لا يفرح بميراث ولا بغنيمة.\nوهذان كلاهما يقع في الملحمة العظمى حتى يتعادَّ بنو الأب الواحد؛ كانوا مئة فلا يبقى منهم إلَّا الرجل الواحد، ويكون لخمسين امرأة قيم واحد.\nورَوى الستة غير أبي داود: عن أنس - ﵁ - مرفوعًا: \"إن من أشراط الساعة أن يقل الرجال ويكثر النساء، حتى يكون لخمسين امرأة قيم واحد\".\nومرَّ: \"لا تقوم الساعة حتى لا يُقسم مِيراث، ولا يُفرح بغنيمة\".\nتَنبيه\nقيل: كثرة النساء؛ سببه: كثرة الفتن المُورثة لكثرة القتل في الرجال؛ لأنهم أهل الحرب دون النساء. انتهى\nويدل له حديث الملحمة، حيث ذكر كثرتهن بعد قتل الرجال.\nلكن قال الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" في (باب العلم): الظاهر أنها علامةٌ محضةٌ لا لسبب آخر، بل يُقدِّر الله في آخر الزمان أن يقل من يُولد من الذكور، ويكثر من يُولد من الإناث.\nقال: وكون كثرة النساء من العلامات مناسبٌ لظهور الجهل ورفع العلم؛ أي: فعلى هذا ينبغي أن تُذكر عند رفع العلم، لكن استطردناها هنا للمناسبة.\nثم قال الحافظ ابن حجر: قوله: \"لخمسين\" يحتمل أن يراد به حقيقة هذا العدد، أو يكون مجازًا عن الكثرة.\nويؤيده: أن في حديث أبي موسى - ﵁ -: \"وترى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة\" انتهى","vol":"1","page":227},{"text":"ومنها: فتح القسطنطينية ورومية (١):\nوعن أبي هريرة - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"هل سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب في البحر؟ \" قالوا: نعم يا رسول الله. قال: \"لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفًا من بني إسحاق. . .\" الحديث. رواه مسلم، والحاكم. وقال الحاكم: يقال هذه المدينة هي القسطنطينية.\nقال القاضي عياض: كذا هو في أصول مسلم (بني إسحاق)، والمعروف المحفوظ (بني إسماعيل)، وهو الذي يدل عليه الحديث وسياقه؛ لأنه إنما أراد العرب.\nوقال الحافظ ابن حجر: قيل: صوابه (بني إسماعيل)؛ كما دلت عليه أحاديث أخر.\nوعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"سِتٌّ فيكم أيتها الأمة. . .\". وقال في السادسة: \"وفتح مدينة\". قلت: يا رسول الله؛ أي مدينة؟ قال: \"قسطنطينية\".\nوعن كثير بن عبد الله المزني، عن أبيه، عن جده: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا تذهب الدنيا حتى تقاتلوا بني الأصفر، يخرج إليهم دوقة\n_________\n(١) وقد فتحت أولًا في زمن معاوية - ﵁ - في سنة خمسين أو سنة واحد وخمسين؛ كما في \"الخميس\" (٢/ ٢٩٤)، وتوفي فيها أبو أيوب - ﵁ -، وهي مصداق آخرى غزوتي في حديث أم حرام بنت ملحان: \"كالملوك على الأسرة\" وفي \"الفتوحات الإسلامية\" (٢: ٧١) للسيد أحمد ابن السيد زيني دحلان مفتي الشافعية بمكة: أنهم افتتحوا في زمن معاوية - ﵁ - طرفًا منها، ثم استرجع الروم الطرف الذي افتتح في ذلك الزمن. فالفتح التام حصل في زمن السلطان محمد من آل عثمان نهار الأربعاء لعشرين من جمادى الآخر سنة سبع وخمسين وثمان مئة، وكانت أيام محاصرتها إحدى وخمسين يومًا فغنم المسلمون من الأموال والدواب ما لم يسمع بمثله ... إلخ\nقلت: وحكى صاحب \"المجمع\" عن القرطبي فتحها في زمن عثمان - ﵁ -، وليس بوجيه؛ فإنهم قاطبة صرحوا بأنها فتحت قريبًا من سنة خمسين هجري، ولعل القرطبي تجوز باعتبار أن مبدأ غزوة الروم في البحر كان في زمن عثمان - ﵁ -، وهي مصداق أولى غزوتي في حديث أم حرام (ز).","vol":"1","page":228},{"text":"المؤمنين أهل الحجاز الذين يجاهدون في سبيل الله ولا تأخذهم في الله لومة لائم، حتى يفتح الله عليهم قسطنطينية ورومية بالتسبيح والتكبير، فينهدم حصنها. . .\" الحديث. رواه ابن ماجه، والحاكم.\nوعن أبي قبيل قال: \"تذاكرنا فتح القسطنطينية ورومية، أيهما تُفتح أولًا؟ قال عبد الله فقيل: يا رسول الله؛ أي المدينتين تفتح أولًا: قسطنطينية أو رومية؟ فقال - ﷺ -: \"مدينة هرقل تُفتح أولًا\"؛ يريد القسطنطينية رواه أحمد، والحاكم وصححه.\n\nتَفهيمٌ في تَتمِيم\nقال الحافظ ابن القيم في \"المنار\": قد اختلف الناس في المهدي على أربعة أقوال:\nأحدها: أنه المسيح ابن مريم ﵇، وأنه هو المهدي على الحقيقة، واحتج أصحاب هذا القول بحديث محمد بن خالد الجُنْدي؛ أي المتقدم، وقد بينا حاله وأنه لا يصح، ولو صح لم يكن فيه حجةٌ؛ لأن عيسى ﵇ أعظم مهدي بين يدي الساعة، فيصح أن يقال: لا مهدي في الحقيقة سواه، إن كان غيره مهديًا، يعني: هو المهدي الكامل المعصوم.\nثانيها: أنه المهدي الذي ولي من بني العباس قد انتهى، واحتج أصحاب هذا القول بما رواه أحمد في \"مسنده\" عن ثوبان؛ مرفوعًا: \"إذا رأيتم الرايات السود أقبلت من خراسان فأتوها ولو حبوًا على الثلج؛ فإن فيه خليفة الله المهدي\"، وفيه علي بن زيد ضعيفٌ وله مناكير، فلا يحتج بما ينفرد به.\nوَرَوى ابن ماجه من حديث الثوري، عن ثوبان نحوه، وتابعه عبد العزيز بن المختار، عن خالد.\nوفي \"سنن ابن ماجه\": عن عبد الله بن مسعود - ﵁ -؛ مرفوعًا: \"إن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاءً وتشريدًا وتطريدًا، حتى يأتي قومٌ من أهل المشرق ومعهم رايات سود\" ... الحديث، وفي إسناده يزيد بن أبي زياد؛ وهو سَيِّئ الحفظ، اختلط في آخر عمره، وكان يقبل الفلوس.","vol":"1","page":229},{"text":"قال: وهذا والذي قبله لو صح لم يكن فيه دليلٌ على أن المهدي هو الذي تولى من بني العباس.\nأقول: قد مر أن رايات المهدي أيضًا تأتي من خراسان وأنها سود، وأنها غير رايات بني العباس، والله أعلم.\nثالثها: أنه رجل من أهل بيت النبي - ﷺ - من ولد الحسن؛ أي: أو ولد الحسين بن علي، يخرج في آخر الزمان وقد ملئت الأرض جورًا، فيملؤها قِسطًا وَعدلًا، وأكئر الأحاديث على هذا.\nوأما الرافضة والإمامية فلهم قول رابع:\nوهو: أن المهدي هو محمد بن الحسن العسكري المنتظر، من ولد الحسين بن علي، لا من ولد الحسن بن علي، الحاضر في الأمصار الغائب عن الأبصار، دخل سرداب سامراء طِفلًا صغيرًا من أكثر من خمس مئة سنة، فلم تره بعد ذلك عين، ولم يُحس عنه بخبر، وهم ينتظرونه كل يوم ويقفون بالخيل على باب السرداب ويصيحون به: أن اخرج يا مولانا، اخرج يا مولانا. ثم يرجعون بالخيبة والحرمان، فهذا دأبهم.\nولقد أحسن من قال:\nمَا آنَ لِلسِّرْدَابِ أَنْ يَلِدَ الَّذِي ... كَلَّمْتُمُوهُ لِجَهْلِكُمْ مَا آنَا\nفَعَلَى عُقُولكُمُ الْعَفَاءُ فَإِنَّكُمْ ... ثَلَّثْتُمُوا الْعَنْقَاءَ وَالْغِيلَانَا\nولقد أصبح هؤلاء عارًا على بني آدم، وَضُحكةً يَسخر منها كل عاقل.\nأقول: وقد ادعى قومٌ من السلف في محمد بن عبد الله المحض النفس الزكية أنه المهدي، وقد مرت الإشارة [إليه]، والله أعلم.\nقال: وأما مهدي المغاربة؛ محمد بن تومرت فإنه رجلٌ كَذابٌ ظَالمٌ متغلبٌ بالباطل، ملك بالظلم، فقتل النفوس، وأباح حريم المسلمين، وسبى ذراريهم، وأخذ أموالهم، وكان شرًّا على الملة من الحجاج بن يوسف بكثير، وكان يُودع بطن الأرض في القبور جماعة من أصحابه أحياء، ويأمرهم أن يقولوا للناس: إنه المهدي","vol":"1","page":230},{"text":"الذي بشر به النبي - ﷺ -، ثم يردم عليهم؛ لئلا يكذبوه بعد ذلك، وتسمى بالمهدي المعصوم.\nثم خرج الملحد عبيد الله بن ميمون القداح، وكان جَدُّهُ يهوديًا من بنت مجوسي، فانتسب بالكذب والزور إلى أهل البيت، وادعى أنه المهدي الذي بشر به النبي - ﷺ -، وملك وتغلب واستفحل أمره، إلى أن استولت ذريته الملاحدة المنافقون الذين كانوا أعظم الناس عداوة لله ورسوله على بلاد المغرب ومصر والحجاز والشام، واشتدت غُربة الإسلام ومحنته ومصيبته، وكانوا يدعون الإلهية ويدعون أن للشريعة باطنًا يخالف ظاهرها، وهم ملوك الفاطمية الباطنية أعداء الدين، فتستروا بالرفض والانتساب إلى أهل البيت، ودانوا بدين أهل الإلحاد.\nولم يزل أمرهم ظاهرًا إلى أن أنقذ الله الأمة، ونصر الإسلام بصلاح الدين يوسف بن أيوب، فاستنقذ الملة الإسلامية منهم وأبادهم، وعادت مصر دار إسلام بعد أن كانت دار نفاق وإلحاد في زمنهم.\nانتهى ملخصًا بمعناه.\nوقد مرت الإشارة إلى بعض قبائحهم، وبدعهم، وكفرهم، وإلحادهم في الباب الأول.\nأقول: وقد ذكر الشيخ علي المتقي في رسالةٍ له في أمر المهدي: أن في زمانه خرج رجل بالهند ادعى أنه المهدي المنتظر واتبعه خَلقٌ كثير، وظهر أمره وطار صيته، ثم إنه مات بعد مدة، وأن أتباعه لم يرجعوا عن اعتقادهم.\nقُلْتُ: وقد سمعت كثيرًا من القادمين من بلاد الهند إلى الحرمين من العلماء والصلحاء، أن أولئك القوم إلى الآن على ذلك الاعتقاد الخبيث، وأنهم يعرفون بالمهدوية، وربما سموا بالقتالية؛ لأن كل من قال لهم: إن اعتقادكم باطل. قتلوه، حتى إن الرجل الواحد منهم يكون بين الجمع الكثير من المسلمين، فإذا قيل له: إن اعتقادك باطل قتل القائل، ولا يبالي أيقتل أو يَسلم، وهم خَلقٌ كثير، وقد ضموا إلى ذلك الاعتقاد بدعًا أخر خرجوا بها عن سواء الصراط.\nأخبرني بهذا جَمعٌ من ثقات أهل الهند.\nوظهر بجبال شهرزور وأنا طفل إذ ذاك بقريةٍ يقال لها: أزمك -بهمزة مفتوحة","vol":"1","page":231},{"text":"آخرها كاف- رجل يسمى محمدًا، وادعى أنه المهدي واتبعه خَلقٌ، ثم إن أمير تلك البلاد أحمد خان الكردي أغار عليه، فهرب، وأخذ أخاه، وخرب قريته، وقتل جماعةً من أتباعه، فزالت شوكته وَذَلَّ، فاجتمع عليه علماء الأكراد وأفتوه بكفره، وألزموه بتجديد إيمانه، وتجديد عقد نكاح أزواجه، فتاب ورجع عن ذلك ظاهرًا، لكن كان بعض من يخالطه يقول: إنه لم يرجع باطنًا.\nوقد اجتمعتُ به سنة سبعين وألف فوجدته عابدًا كثير الاجتهاد، متورعًا في مأكله وملبسه عن الحرام، مُلازمًا للأوراد على طريقة الخلوتية، وكان أخوه ذاك الذي أُخِذَ وحُبِسَ لأجله شديد الإنكار عليه، كثير اللوم له، ثم إنه توفي ﵀.\nفهؤلاء الذين ادعوا المهدية بالباطل، واتبعهم بعض السفهاء وحصلت منهم فِتنٌ وفسادٌ كثير في الدين.\nوظهر قبل تأليفي لهذا الكتاب بقليل رَجُلٌ بجبال عقر، أو العمادية من الأكراد يسمى: عبد الله، ويدعي أنه شريفٌ حُسيني، وله ولدٌ صغير ابن اثنتي عشرة سنة، أو أقل أو أكثر، قد سماه محمدًا، ولقبه المهدي، فادعى أن ابنه هو المهدي الموعود، وتبعه جماعةٌ كثيرة من القبائل، واستولى على بعض القلاع، ثم ركب عليه والي الموصل، ووقع بينهم قتال وسفك دماء، وقد انهزم المدعي وأُخِذَ هو وابنه إلى استنبول، ثم إن السلطان عفا عنهما ومنعهما من الرجوع إلى بلادهما، وماتا جميعًا.\nومنها: الدجال:\nورد عن معاذ بن جبل - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب حضور الملحمة، وحضور الملحمة فتح القسطنطينية، وفتح القسطنطينية خروج الدجال\" رواه ابن أبي شيبة، وأحمد، وأبو داود، والحاكم وصححه.\nوحكى البيهقي عن شيخه الحاكم قال: أول الآيات ظُهورًا -أي: بعد المهدي- خروج الدجال، ثم نزول عيسى ﵇، ثم فتح يأجوج ومأجوج، ثم خروج الدابة، ثم طلوع الشمس من مغربها.","vol":"1","page":232},{"text":"وسيأتي في كلام الحاكم أن خروج الدابة بعد طلوع الشمس وأنه الأوجه، فنذكرها بإذن الله على هذا الترتيب، وبالله التوفيق وعليه التكلان.\nفنقول: ومن الفتن الواقعة في زمن المهدي، ومن الأشراط العظام القريبة: خروج الدجال، وأخباره تحتمل مجلدًا، أفردها غير واحد من الأئمة بالتأليف (١).\nعن عمران بن حصين - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر أكبر من الدجال\" رواه مسلم.\nوعن أبي هريرة - ﵁ -: \"ثلاث إذا خرجن لم ينفع نَفْسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل: الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها\" رواه الترمذي وصححه.\nومن دعواته - ﷺ -: \"اللَّهَم؛ إني أعوذ بك من فتنة المسيح الدجال\".\nووقع في \"تفسير البغوي\": أن الدجال مذكور في القرآن في قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾، وأن المراد بالناس هنا الدجال من إطلاق الكل على البعض.\nوفي \"صحيح البخاري\": \"ما من نبي إلَّا وقد أنذر قومه\". زاد في رواية معمر: \"لقد أنذر نوح قومه\".\nوعند أبي داود، والترمذي وحسنه عن أبي عبيدة - ﵁ -: \"لم يكن نبيٌّ بعد نوح إلَّا وقد أنذر قومه الدجال\".\nوعند أحمد: \"لقد أنذر نوح أمته والنبيون من بعده\"، وأخرجه من وجه آخر عن ابن عمر ﵄.\nوالكلام عليه يأتي في مقامات في اسمه ونسبه ومولده وحليته وسيرته وفتنته ومحل خروجه ووقته ومدته وكيفيته وكيف النجاة منه ومن يقتله.\n_________\n(١) وبسط روايات خروجه عامة أهل الحديث سيما السيوطي في \"الدُّر\" (٢/ ٢٤٢) تحت قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ قبيل المائدة. (ز).","vol":"1","page":233},{"text":"المقام الأول في اسمه، ونسبه، ومولده\nهو: صافي بن الصياد، أو الصائد، ومولده المدينة هذا بناءً على أن ابن الصياد هو الدجال، وسيأتي إن شاء الله تعالى أن الأصح أنه غيره.\nوعليه: فإما أنه شيطانٌ موثقٌ في بعض الجزائر، أو هو من أولاد شِقّ؛ الكاهن المشهور، أو هو شِقٌّ نفسه، وكانت أمه جنية عشقت أباه فأولدها شقًّا، وكانت الشياطين تعمل له العجائب، فحبسه سليمان النبي ﵇ ولقبه المسيح.\nوصفته: الدجال؛ مشتقٌّ من الدجل؛ وهو: الخلط واللبس والخَدعُ، فمعنى الدجال: الخداع الملبس على الناس، ومنه قوله - ﷺ - حين خطب إليه أبو بكر - ﵁ - فاطمة ﵍: \"إني وعدتها لعلي، ولست بدجال\"؛ أي: لست بخداعٍ له ولا مُلبسٍ عليك أمرك.\nوأما تلقبه بالمسيح (١): فلأن عينه الواحدة ممسوحة، يقال: رجل مسيح الوجه، إذا لم يبق على أحد شقي وجهه عين ولا حاجب إلَّا استوى. وقيل: لأنه يمسح الأرض؛ أي: يقطعها.\nوقال أبو الهيثم: إنه المِسِّيح؛ بوزن سكين؛ وهو: الذي مُسِحَ خلقه وشوه. وقال بعضهم: إنه المسيخ، بالخاء المعجمة. وعيسى ﵇؛ بالمهملة.\nقال في \"فتح الباري\": وبالغ القاضي ابن العربي فقال: ضلَّ قومٌ فروه بالخاء المعجمة، وشدد بعضهم السين ليفرقوا بينه وبين المسيح ابن مريم ﵇، قال: وقد فرق النبي - ﷺ - بينهما بقوله في الدجال: \"مسيح الضلالة\"، فدل على أن عيسى ﵇ مَسيحُ الهدى، فأراد هؤلاء تعظيم عيسى ﵇ فحرفوا الحديث.\n_________\n(١) وحكى صاحب \"الدرجات\" (ص ١٧٦) عن القرطبي أن في وجه تسميته بالدجال عشرة أقوال، وعن صاحب \"القاموس\" عن وجه تَلقُّبهِ بالمسيح خمسين قولًا (ز).","vol":"1","page":234},{"text":"قال المجد في \"القاموس\" اجتمع لنا في سبب تسميته المسيح خمسون قولًا، وأما وجه تسمية عيسى ﵇ مسيحًا؛ لأنه لا يمسح ذا عاهة إلَّا برئ، أو لأنه لا أخمص له، ومنه في صفة النبي - ﷺ - كان مسيح القدمين، أو لأنه خرج من بطن أمه ممسوحًا بالدهن، أو لأنه يمسح الأرض ويقطعها.","vol":"1","page":235},{"text":"المقام الثاني في حليته، وسيرته، وفتنته\nأما حليته: فإنه رجلٌ شاب، وفي رواية: شيخ، -وسندهما صحيح- جسيم، أحمر. وفي رواية: أبيض أمهق. وفي حديث عبد الله بن مغفل عند الطبراني: \"أنه آدم\".\nقال في \"فتح الباري\": يمكن أن تكون أدمته صافية، وقد يوصف ذلك بالحمرة؛ لأن كثيرًا من الأُدْمِ قد تحمر وجنته، جعد الرأس، قطط، أعور العين اليمنى كأنها عنبة طافية. وفي رواية: \"أعور العين اليسرى\" (١). ووقع في حديث سمرة عند الطبراني، وصححه ابن حبان، والحاكم: \"ممسوح العين اليسرى\". وجاء في رواية: \"أنه أعور العين مطموسها، وليست جحراء\"، وهذا معنى (طافئة)؛ مهموزة.\nقال في \"فتح الباري\" نقلًا عن القاضي عياض: الذي رويناه عن الأكثر وصححه الجمهور، وجزم به الأخفش: (طافية)؛ بغير همزة.\nقال: وضبطه بعض الشيوخ بالهمزة، ومعناه: أنها ناتئةٌ نُتوء العنبة، وأنكره بعضهم ولا وجه لإنكاره.\nثم جمع القاضي عياض بين الروايات بأن عينه اليمنى طافية بغير همز وممسوحة؛ أي: ذهب ضوءها، وهو معنى حديث أبي داود: \"مطموس العين ليست بناتئة ولا جحراء\"؛ أي: ليست عالية ولا عميقة؛ كما في حديث ابن عمر ﵄ في \"الصحيحين\": \"واليسرى طافئة\" بالهمز؛ كما في الرواية الأخرى عنه.\nوهي: الجاحظة التي كأنها كوكب، وكأنها نخاعة في حائط؛ أي: وهي الخضراء، كما جاء كل ذلك في الأحاديث.\n_________\n(١) اختلفت الروايات في عيني الدجال، كما بسطها الحافظ (٦/ ٣٤٣) (١٣/ ٧٨)، والعيني (ج ١، ج ٢)، والنووي (١/ ٩٦). (ز).","vol":"1","page":236},{"text":"قال: وعلى هذا فهو أعور العينين معًا، فكل واحدة منهما عوراء، وذلك أن العور: العيب، والأعور من كل شيء: المعيب. وكلا عيني الدجال معيبة؛ إحداهما بذهاب نورها، والأخرى بنتوئها وخضرتها.\nقال النووي: وهو في غاية الحسن، له على عينه ظفرة غليظة، وهي جلدة تغشى العين، وإذا لم تقطع عميت.\nوقال البيضاوي: الظفرة: لحمة تنبت عند المأق.\nوقيل: لحمة تخرج في العين في الجانب الذي يلي الأنف، وهما متقاربان.\nقال الحافظ ابن حجر: وقد ورد في كلتا عينيه أن عليها ظفرة.\nوفي بعض الروايات: عن أبي سعيد - ﵁ - عند أحمد: \"عينه اليمنى جاحظة لا تخفى، كأنها نخاعة في حائط مجصص، وعينه اليسرى؛ كأنها كوكب دري\".\nوفي حديث أُبَيّ عند أحمد، والطبراني: \"إحدى عينيه كأنها زجاجة خضراء\".\nقال الحافظ: والذي يتحصل من مجموع الأخبار، أن الصواب في (طافية) أنه بغير همز، وصرح في حديث عبد الله بن مغفل وسمرة وأبي بكرة بأن عينه اليسرى ممسوحة، والطافية هي البارزة، وهي غير الممسوحة ولها الظفرة.\nفجائز أن يكون في كل من عينيه؛ لأنه لا يضاد الطمس ولا النتوء، ويكون التي ذهب ضوءها هي المطموسة -يعني: اليسرى- والمعيبة مع بقاء عينها هي البارزة. انتهى\nومن حليته: أنه قصير أفحج -بفاء ساكنة، وجيم آخره- من الفحج؛ وهو: تباعد ما بين الساقين، وقيل: تداني صدور القدمين مع تباعد العقبين، وقيل: هو الذي في رجليه اعوجاج.\n(جفال الشعر)؛ بضم الجيم وتخفيف الفاء؛ أي: كثيره.\n(هجان)؛ بكسر أوله، وتخفيف الجيم؛ أي: أبيض.\n(أقمر)؛ أي: شديد البياض. (ضخم فيلماني)؛ بفتح الفاء، وسكون","vol":"1","page":237},{"text":"التحتانية؛ أي: عظيم الجثة كأن رأسه أغصان شجرة؛ أي: شعر رأسه كثير متفرق قائم.\nوفي رواية: أن رأسه من ورائه حبك؛ أي: شعره متكسر من الجعودة كالماء والرمل إذا ضربته الريح.\nقال في \"النهاية\": وهذا معنى ما مر أنه جعد قطط مكتوب بين عينيه: (ك ف ر)، بحروف متقطعة، يقرؤها كل مسلم كاتب وغير كاتب، ولا يقرؤها الكفار، لا يولد له، ولا يدخل المدينة ومكة، تتبعه أقوام كأن في وجوههم المجان المطرقة، وسبعون ألفًا من يهود أصبهان عليهم الطيالسة.\nوفي لفظ: عليهم من السيجان، وكلهم ذو سيف مُحَلّى.\nتَنبيه\nقال في \"النهاية\": السيجان جمع ساج وهو الطيلسان الأخضر، وقيل: هو الطيلسان المقور ينسج كذلك. ومنهم من يجعل ألفه منقلبة عن الواو، ومنهم من يجعلها منقلبة عن الياء. انتهى\nومن صفاته أنه تنام عيناه، ولا ينام قلبه، أبوه طوال ضرب اللحم كأن أنفه منقارًا. وأمه امرأة فرضاخية؛ أي: كثيرة اللحم طويلة الثديين. له حمار أهلب؛ أي: كثير الهلب، وهو الشعر الغليظ. ما بين أذنيه أربعون ذراعًا، يضع خطوة عند منتهى طَرْفهِ.\nعن أبي الطفيل، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - قال: \"يخرج الدجال على حمار، رجس على رجس\" رواه ابن أبي شيبة.\nوعن عليّ كرّم الله وجهه: \"يخرج الدجال، ومعه سبعون ألفًا من الحاكة (١)؛ وهي موضع، على مقدمته أشعر؛ أي: رجل كثير الشعر يقول: بِرَو بِرَو\" رواه الديلمي؛ أي: وهي كلمة بالفارسية، ومعناه: اسع اسع.\n_________\n(١) وقد ذكره الحافظ في \"اللسان\" (١/ ٢٤٢) من رواية ابن مسعود - ﵁ - بلفظ: \"سبعون ألف حائك\" وقال: هذا باطلٌ (ز).","vol":"1","page":238},{"text":"وعن أمير المؤمنين عليّ كرّم الله وجهه: \"أن طول الدجال أربعون ذراعًا بالذراع الأول، تحته حمار أقمر؛ أي: شديد البياض، طول كل أذن من أذنيه ثلاثون ذراعًا، ما بين حافر حماره إلى الحافر الآخر مسيرة يوم وليلة، تُطوى له الأرض منهلًا منهلًا، يتناول السحاب بيمينه، ويسبق الشمس إلى مغيبها، يخوض البحر إلى كعبيه. . .\" الحديث بطوله.\nتَنْبيه\nلا منافاة بين هذه ورواية أنه قصير؛ لاحتمال أن قصره بالنظر إلى ضخامته؛ فإن ضخامته تقضي أن يكون أطول من ذلك، أو أنه ابتداء قصير وهو خلقته في نفس الأمر، ثم إذا أظهر الكفر وادعى الإلهية زاد طوله وضخامته؛ ابتلاء من الله للعباد، وفتنة لهم كسائر فتنه، والله أعلم.\nوأما سيرته: فإنه يخرج أولًا فيدعي الإيمان والصلاح، ويدعو إلى الدين، فَيُتبع ويظهر، فلا يزال حتى يقدم الكوفة، فيظهر الدين ويعمل فيه، فَيُتبع ويُحَبُّ على ذلك، ثم يدعي أنه نبي فيفزع من ذلك كل ذي لُبّ ويفارقه، ثم يمكث بعد ذلك أيامًا، ثم يدّعي الإلهية ويقول: أنا الله. فتغشى عينه، وتقطع أذنه، ويكتب بين عينيه: ك ف ر، فلا يخفى على كل مسلم، فيفارقه كل أحدٍ من الخلق في قلبه مثقال ذرة من الإيمان. هكذا رواه الطبراني عن عبد الله بن معتمر - ﵁ -، وكان صحابيًا.\nوعن كعب الأحبار - ﵁ - قال: \"يتوجه الدجال فينزل عند باب دمشق الشرقي -أي: ابتداءً قبل خروجه- ثم يُلتمس فلا يُقدر عليه، ثم يُرى عند المنارة التي عند نهر الكسوة، ثم يُطلب فلا يُدرى أين توجه، فَيُنسى ذكرهُ، ثم يَظهَرُ بالمشرق فَيُعْطَى الخلافة، ثم يُظهر السحر، ثم يدعي النبوة، فيتفرق الناس عنه -أي: يعني: المسلمين- فيأتي النهر فيأمره أن يسيل فيسيل، ثم يأمره أن يرجع فيرجع، ثم يأمره أن ييبس فييبس. . .\" الحديث بطوله رواه نُعيم بن حماد.\nويتبعه سبعون ألفًا من يهود أصبهان، وثلاثة عشر ألف امرأة، وعامة من يتبعه اليهود، والترك، والنساء، ويبعث الله له شياطين فيقولون: استعن بنا على ما تريد.","vol":"1","page":239},{"text":"فيقول: نعم، اذهبوا إلى الناس فقولوا: أنا ربهم. فيبثهم في الآفاق إلى غير ذلك.\nوأما فتنه: فكثيرة لا تكاد تنحصر:\nمنها: \"أنه يسير معه جبلان أحدهما فيه أشجار وثمار وماء، وأحدهما فيه دخان ونار، فيقول: هذه الجنة، وهذه النار\" رواه الحاكم، وابن عساكر عن ابن عمر ﵄.\nومنها: \"أن معه جنة ونارًا، ورجالًا يقتلهم ثم يحييهم، معه جبل من ثريد ونهر من ماء\" رواه نُعيم عن حذيفة - ﵁ -.\nتَنبيه\nلا ينافي هذا ما ورد أنه يُسلط على نفس واحدة ثم لا يقدر عليه ثانيًا، وأنه يقول: لا يفعل بعدي بأحدٍ من الناس. لأن هؤلاء الرجال هم شياطين، وقتله إياهم وإحياؤه إنما هو في رأي العين لا على الحقيقة.\nوقيل: ذلك حقيقة؛ أي: وهو الخَضِرُ؛ كما سيأتي.\nوفي رواية: \"معه جِبالٌ من خبز، والناس في جهد إلَّا من اتبعه، ومعه نهران أنا أعلم بهما منه، نهر يقول له: الجنة، ونهرٌ يقول له: النار. فمن أدخل الذي يسميه الجنة فهو النار، ومن أدخل الذي يسميه النار فهو الجنة\" رواه أحمد، وابن خزيمة، والحاكم، وسعيد بن منصور، عن جابر - ﵁ -.\nوفي رواية: \"لأنا أعلم بما مع الدجال منه؛ معه نهران يجريان: أحدهما رأي العين ماء أبيض، والآخر رأي العين نار تأجج، فأما إن أدرك ذلك واحد منكم فليأت النهر الذي يراه نارًا وَليغمض، ثم ليطأطئ رأسه فليشرب، فإنه ماء بارد\".\nوفي رواية البخاري، عن المغيرة بن شعبة: \"معه جبل خبز\".\nزاد مسلم في روايته: \"معه جبال خبز، ولحم، ونهر من ماء\".\nوفي رواية إبراهيم: \"أن معه الطعام والأنهار\".\nوفي رواية يزيد بن هارون: \"أنَّ معه الطعام والشراب\".\nوفي رواية: \"معه مثل الجنة والنار\".","vol":"1","page":240},{"text":"وفي رواية نُعيم عن ابن مسعود - ﵁ -: \"ومعه جبل من مرق، وعَرَاقٌ اللحم حار لا يبرد، ونهر جار، وجبل من جنان وخضرة، وجبل من نار ودخان، يقول: هذه جنتي، وهذه ناري، وهذا طعامي، وهذا شرابي\".\nتَنبيه\nاختلفوا في هذه الجنة والنار؛ هل هي حقيقة أم تخييل؟\nمال ابن حبان في \"صحيحه\" إلى أنه تخييل، واستدل بحديث المغيرة بن شعبة في \"الصحيحين\" أنه قال: كنت أُكْثِرُ من سؤال النبي - ﷺ - عن الدجال، فقال لي: \"وما يضُرك؟ \" قلت: لأنهم يقولون إن معه جبل خبز. قال: \"هو أهون من ذلك\".\nمعناه: أنه أهون على الله من أن يكون معه ذلك حقيقة، بل يُرى كذلك وليس بحقيقة؛ أي: ويدل له الرواية السابقة: \"أحدهما في رأي العين ماء أبيض، والآخر في رأي العين نار تأجج\".\nوقال جماعة منهم القاضي ابن العربي: بل هي على ظاهرها؛ أي: فيكون ذلك امتحانًا من الله لعباده، ويكون معنى الحديث: هو أهون من أن يُخَاف، أو أن يضل الله به من يُحبه.\nقُلْتُ: والتحقيق: الأول؛ كما يدل له قوله: \"فليغمض، ثم ليطأطئ رأسه، فيشرب؛ فإنه ماء بارد\"، وما في رواية: \"فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يراه أنها نار؛ فإنه ماء عذب بارد\"، وما في رواية: \"فالنار روضة خضراء، والجنة غبراء ذات دخان\"، والفرق بينهما وبين غيرهما من الخوارق حيث إن لها حقيقة، كما يظهر أن الجنة والنار لما كانا داري جزاءٍ وثواب وعقاب، ينبغي أن لا يكونا لغير الله حقيقة، بخلاف غيرهما من الخوارق، والله أعلم.\nومنها: أنه تُطوى له الأرض منهلًا منهلًا طي فروة الكبش، وأنه يسيح الأرض كلها في أربعين يومًا، وما من بلد إلَّا وسيطؤها إلَّا مكة والمدينة؛ كما سيأتي.\nوسرعته في السير كالغيث استدبرته الريح.","vol":"1","page":241},{"text":"ومنها: \"أن له ثلاث صيحات يسمعها أهل المشرق وأهل المغرب، ويتناول الطير من الجو، ويشويه في الشمس شيًا\" رواه الحاكم، وابن عساكر عن ابن عمر ﵄.\nومنها: \"أنه يخوض البحر في اليوم ثلاث خوضات لا يبلغ حقويه، وإحدى يديه أطول من الأخرى، فيمد الطويلة في البحر فيبلغ قعره، فَيُخْرِجُ من الحيتان ما يريد\" رواه أبو نعيم عن حذيفة - ﵁ -.\nومنها: أنه يخرج في خفة من الدين وإدبار من العلم، فلا يبقى أحد يحاجّه في أكثر الأرض، ويذهل الناس عن ذكره، وأن أكثر ما يتبعه الأعراب والنساء، حتى إن الرجل ليردّ أمه وبنته وأخته وعمته، فيوثقهن رباطًا مخافة أن يخرجن إليه.\nوأنه يأتي فيقول لأعرابي: أرأيت إن بعثت لك أباك، وبعثت لك أمك، أتشهد أني ربك؟ فيقول له: نعم. فيتمثل له شيطان على صورة أبيه، وآخر على صورة أمه، فيقولان له: يا بني؛ اتبعه فإنه ربك. فيتبعه.\nومن ثَمَّ قال حذيفة - ﵁ -: لو خرج الدجال في زمانكم لرمته الصبيان بالخزف، ولكنه يخرج في نَقصٍ من العلم، وخِفةٍ من الدين.\nتَنبيه\nالمراد بالأعراب هنا: كل بعيدٍ عن العلماء ساكن في البادية والجبال، سواء كان من الأعراب أو الأتراك أو الأكراد أو غير ذلك؛ لأنهم ليس عندهم ما يميزون به بين الحق والباطل، وأكثر النفوس مائلةٌ إلى تصديق الخوارق.\nفائِدَة\nقال الحافظ ابن حجر: أخرج أبو نُعيم في ترجمة حسان بن عطية أحد ثقات التابعين من \"الحلية\" بسندٍ صحيح إليه قال: لا ينجو من فتنة الدجال إلَّا اثنا عشر ألف رجل، وسبعة آلاف امرأة. قال: وهذا لا يقال من قِبَلِ الرأي؛ فيحتمل أن يكون مرفوعًا أرسله، أو أخذه عن بعض أهل الكتاب. اهـ\nوينبغي أن يُحْمَل على أن الذين ينجون من الأعراب والنساء هذا القدر؛ لما مر في","vol":"1","page":242},{"text":"قصة المهدي أن معه في الغزو أكثر من هذا بكثير، ويمكن أن يقال: إذا رأوه اتبعوه، لكنه بعيدٌ إن شاء الله تعالى.\nوقد ورد كما مر في قتل عثمان - ﵁ -: أن كل من في قلبه مثقال حبة من قتل عثمان - ﵁ - اتبع الدجال إن أدركه، وإن لم يدركه آمن به في قبره.\nفعلى هذا: كل من بقي من الرافضة على اعتقاده اليوم ولم يهتد بالمهدي الحق فإنه يتبعه؛ لأن كل رافضي يُحب قتل عثمان - ﵁ - وراضٍ به، نسأل الله أن يُميتنا على محبة رسول الله - ﷺ - وصحابته آمين.\nومنها: أن معه ملكين من الملائكة يشبهان نبيين من الأنبياء، أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، فيقول الدجال: ألست ربكم أحيي وأميت؟ ! فيقول أحد الملكين: كذبت. فما يسمعه أحدٌ من الناس إلَّا صاحبه، فيقول له صاحبه: صدقت. ويسمعه الناس فيحسبون أنه صَدَّق الدجال، وذلك فتنة.\nوفي حديث ابن مسعود - ﵁ - عند نُعيم والحاكم:\nفإذا قال: أنا رب العالمين قال له إلياس: كذبت. ويقول اليسع: صدق إلياس. فكأن النبيين الذين يشبههما الملكان هما إلياس واليسع.\nومنها: أن الله يبعث له الشياطين من مشارق الأرض ومغاربها، فيقولون: استعن بنا على من شئت. فيقول: نعم، انطلقوا فأخبروا الناس أني ربهم، وأني قد جئتهم بجنتي وناري. فتنطلق الشياطين، فيدخل على الرجل أكثر من مئة شيطان، فيتمثلون له بصورة والده، ووالدته، وإخوته، ومواليه، ورفيقه، فيقولون: يا فلان؛ أتعرفنا؟ فيقول لهم الرجل: نعم، هذا أبي، وهذه أمي، وهذه أختي، وهذا أخي. فيقول الرجل: ما نبأكم؟ فيقولون: بل أنت أخبرنا ما نبأك؟ فيقول الرجل: إنّا قد أُخبرنا أن عدو الله الدجال قد خرج. فتقول له الشياطين: مهلًا، لا تقل هذا، فإنه ربكم يريد القضاء فيكم، هذه جنته قد جاء بها وناره، ومعه الأنهار والطعام، فلا طعام إلَّا ما كان قِبَلَهُ إلَّا ما شاء. فيقول الرجل: كذبتم، ما أنتم إلَّا شياطين وهو الكذاب، وقد بلغنا أن رسول الله - ﷺ - قد حدث حديثكم وحذّرنا","vol":"1","page":243},{"text":"وأنبأنا به، فلا مرحبًا بكم، أنتم الشياطين، وهو عدو الله، وليسوقن الله إليه عيسى ابن مريم فيقتله، فيخسؤوا فينقلبوا خائبين.\nثم قال رسول الله - ﷺ -: \"إنما أحدثكم هذا لتعقلوه وتفهموه وتفقهوه وتعوه، فاعملوا عليه، وحدثوا به من خلفكم، وليحدث الآخر الآخر، فإن فتنته أشد الفتن\" رواه نُعيم.\nوروى هو والحاكم في \"المستدرك\": عن ابن مسعود - ﵁ - بلفظ: \"وتأتيه المرأة فتقول: يا رب؛ أحيي ابني وأخي وزوجي. حتى إِنها تعانق شيطانًا، وبيوتهم مملوءة شياطين، ويأتيه الأعرابي فيقول: يا رب؛ أحيي لنا إبلنا وغنمنا. فيعطيهم شياطين أمثال إبلهم وغنمهم سواء بالسن والسمة، فيقولون: لو لم يكن هذا ربنا لم يُحيي لنا موتانا\"؛ أي: وكأن الحديث الأول وارد فيمن يكفر به، وهذا فيمن يُؤمن ويتبعه.\nومنها: \"أنه يتناول السحاب بيمينه، ويسبق الشمس إلى مغيبها، يخوض البحر إلى كعبه، أمامه جبل دخان، وخلفه جبل أخضر، يُنادي بصوت له يَسمَعُ ما بين الخافقين: إليَّ أوليائي، إليَّ أوليائي، إليَّ أحبابي، إليَّ أحبابي، فأنا الذي خلق فسوّى، والذي قدر فهدى، وأنا ربكم الأعلى. كذبَ عدو الله ليس ربكم كذلك، ألا إن الدجال أكثر أتباعه اليهود وأولاد الزنا\". رواه ابن المنادي عن عليّ كرم الله وجهه.\nومنها: \"أنه يأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به، فيأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم -أي: ماشيتهم- أطول ما كانت ذُرى؛ أي: أسنمه، وأسبغَهُ؛ أي: أطوله ضروعًا وأمده خواصر، ثم يأتي على القوم فيدعوهم، فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم، فيصبحون مُمَحّلِين -أي: مقحطين- ليس بأيديهم شيء من أموالهم\" رواه مسلم عن النواس بن سمعان.\nومنها: \"أنه يمر بالخَربةِ فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل\" رواه مسلم عن النواس.\nواليعاسيب: جمع يَعْسُوب، وهو ذكر النحل. والمراد هنا: جماعة النحل، لكنه كَنّى عن الجماعة باليعسوب وهو أميرها؛ لأنه متى طار تبعته جماعته.","vol":"1","page":244},{"text":"ومنها: \"أنه يأتي على النهر فيأمره أن يسيل فيسيل، ثم يأمره أن يرجع فيرجع، ثم يأمره أن ييبس فييبس\" رواه نُعيم بن حماد عن كعب الأحبار.\nومنها: \"أنه يأمر جبل طور سيناء وجبل زيتا أن ينتطحا فينتطحان، ويأمر الريح أن تُثير سحابًا من البحر فَتُمطرَ الأرضَ\" رواه نُعيم عنه أيضًا.\nومنها: \"أنه يقول: أنا رب العالمين، وهذه الشمس تجري بإذني، أفتريدون أن أحبسها؟ فيقولون: نعم. فيحبس الشمس حتى يجعل اليوم كالشهر، والجمعة كالسنة، ويقول: أتريدون أن أُسَيّرهَا؟ فيقولون: نعم. فيجعل اليوم كالساعة\" رواه نُعيم بن حماد، والحاكم، عن ابن مسعود - ﵁ -.\nومنها: \"أن قبل خروجه ثلاث سنوات شدائد يُصيب الناس فيها جُوعٌ شَديدٌ، يأمر الله السماء في السنة الأولى أن تَحبس ثلث مطرها، ويأمر الأرض أن تَحبس ثلث نباتها، ثم يأمر الله [السماء] في السنة الثانية فتحبس ثلث مطرها، ويأمر الأرض فتحبس ثلث نباتها. ثم يأمر الله ﷿ السماء في السنة الثالثة فلا تُمْطر قطرة، ويأمر الأرض فلا تُنبت خضراء، فلا يبقى ذات ظِلْفٍ إلَّا هلكت إلَّا ما شاء الله\"، قيل: يا رسول الله؛ فما يُعيشُ الناس إذا كان ذلك؟ قال: \"التسبيح والتكبير، يجري ذلك منهم مجرى الطعام\". رواه ابن ماجه، وابن خزيمة، والحاكم عن أبي أمامة - ﵁ -.\nومنها: \"أنه يُسَلّطُ على نفس واحدة فينشرها بالمنشار حتى يَلْقِيها شقين، فيمر الدجال بينهما ثم يقول: انظروا هذا، فإني أبعثه الآن، ثم يزعم أن له ربًا غيري. ثم يبعثه الله فيقول له الخبيث: من ربك؟ فيقول: ربي الله، وأنت عدو الله الدجال، والله ما كُنت قط أَشدَّ بصيرة فيك مني الآن. فيريد أن يقتله ثانيًا فلا يُسلّط عليه\" رواه ابن ماجه، وابن خزيمة، والحاكم، والضياء، عن أبي أمامة - ﵁ -.\nتَنبيه\nالمنشار؛ بالنون وبالياء المثناة التحتية: لغتان فصيحتان من النشر والوشر، وهما بمعنًى.","vol":"1","page":245},{"text":"المقام الثالث في مَحلِّ خُروجه، وَوقتهِ، وَمُدّتهِ، وكيفيته، وطريق النجاة منه، ومن يقتله\nأما محل خروجه: فالمشرق جزمًا (١)، ثم جاء في رواية: أنه يخرج من خراسان، روى ذلك أحمد، والحاكم، من حديث أبي بكر - ﵁ -.\nوفي أخرى: أنه يخرج من أصبهان. أخرجها مسلم.\nوعند الحاكم، وابن عساكر، من حديث ابن عمر ﵄: أنه يخرج من يهودية أصبهان؛ أي: محلة خارج أصبهان، ومثله عند أحمد عن عائشة ﵂.\nوعند الطبراني من حديث فاطمة بنت قيس: يخرج من بلدة يقال لها: أصبهان، من قرية من قراها يقال لها: رستقباد.\nوأما وقته: فعند فتح قسطنطينية؛ أي: بعده، وعند القحط الشديد ثلاث سنين كما مر في فتنته.\nوفي بعض الروايات: أنه بعد فتح القاطع.\nووجه الجمع أن ابتداء خروجه ودعواه الخلافة والنبوة يكون عند فتح القسطنطينية وخروجه الأعظم، ودعواه الإلهية يكون عند فتح القاطع، والمقيد بالأربعين يومًا هو هذا الخروج.\nوأما مدته (٢): \"فأربعون يومًا: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر\n_________\n(١) وبذلك جزم الحافظ في \"الفتح\" (١٣/ ٧٣) (ز).\n(٢) قلت: وفيها رواية ثالثة في \"المشكاة\" عن \"شرح السنة\" برواية أسماء ﵂ مرفوعًا، قال: \"يمكث الدجال في الأرض أربعين سنة، السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كاضطرام السعفة في النار\".\nوجمع القاري (٥/ ١٩٥ - ٢١١) بينها بالترجيح واختلاف الأحوال والرجال. (ز).","vol":"1","page":246},{"text":"أيامه كأيامكم\" كذا في حديث النواس بن سمعان - ﵁ - عند أحمد، ومسلم، والترمذي.\nوفي حديث أبي أمامة - ﵁ - عند ابن ماجه، وابن خزيمة، والحاكم، والضياء: \"إن أيامه أربعون سنة، السنة كنصف السنة، والسنة كالشهر، والسنة كالجمعة، وآخر أيامه كالشررة؛ يُصبح أحدكم على باب المدينة فلا يبلغ بابها الآخر حتى يمسي\".\nتَنبيه\nاختلف العلماء في تأويل هذا الحديث، فمنهم من قال: هو كنايةٌ عن اشتغال الناس بأنفسهم من الفتن حتى لا يدرون كيف يمضي النهار، فيكون مضي النهار عندهم كمُضي الساعة، والشهر كاليوم، والسنة كالشهر.\nوقال بعضهم: بل هو على ظاهره. فقد ورد من حديث أنس - ﵁ - عند أحمد، والترمذي في أشراط الساعة: \"لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كالضرمة بالنار\".\nوالجواب عن اختلاف الحديثين إما بالترجيح وإما بالجمع، فإن رجحنا فحديث النواس عند مسلم أقوى؛ لأنه أصح. وإن كان الثاني أيضًا في \"الصحيح\" فَيقَدَّمُ. وإن جمعنا فطريق الجمع من وجوه:\nالأول: أن أيامه أربعون سنة، وسمى السنين أيامًا مجازًا، ثم إن أول أيام سنته الأولى كسنة، وثانيها كشهر، وثالثها كجمعة، وباقي أيامها كأيامنا، ثم تتناقص أيام السنة الثانية حتى تكون السنة كنصف سنة، وهكذا إلى أن تكون السنة كشهر، والشهر كجمعة، حتى يكون آخر أيامه كالشررة؛ يُصبح أحدهم على باب المدينة فلا يبلغ بابها الآخر حتى يُمسي، فتكون السنة الأولى من سنينه مشتملة على مقدار سنين من سِنينا، وَسُنُوه الأخيرة مقدار سنة من سِنينا.\nويقربه رواية نُعيم والحاكم المارة عن ابن مسعود - ﵁ - أنه يقول: أنا رب العالمين، وهذه الشمس تجري بإذني، أفتريدون أن أحبسها؟ فيحبس الشمس حتى","vol":"1","page":247},{"text":"يجعل اليوم كالشهر، والجمعة كالسنة. ويقول: أتريدون أن أسيرها؟ فيجعل اليوم كالساعة.\nفائِدَة\nسُئِلَ النبي - ﷺ - عن الصلاة في اليوم الذي كالسنة: \"أيكفينا فيه صلاة يوم واحد؟ قال: لا، ولكن اقدروا له\"؛ أي: اقدروا مقدار كل يوم فصلوا فيه خمس صلوات، وقيس به اليومان الآخران.\nوسُئِلَ عن الأيام القصار: فقالوا: كيف نُصلي يا رسول الله في تلك الأيام؟ قال: \"تُقَدّرون فيها الصلاة كما تُقَدّرونها في هذه الأيام الطوال\".\nوالظاهر أن التقدير هنا عكس الأول؛ بأن تُصلي الخمس في مقدار يوم من هذه الأيام، ولو اشتمل ذلك على أيام كثيرة من تلك الأيام، والله أعلم.\nالوجه الثاني: يحتاج إلى مقدمة هي: أن عالم المثال موجود، وأنه ليس خيالًا محضًا، بل حقيقة وهو في الخارج محسوس.\nقال الإمام السيوطي في: \"المنجلي في تطور الولي\" نقلًا عن العلاء القونوي شارح \"الحاوي\" ما نصه: وقد أثبت الصوفية عالمًا متوسطًا بين عالم الأجساد وعالم الأرواح سمَّوْه عالم المثال، وقالوا: هو ألطف من عالم الأجساد، وأكثف من عالم الأرواح، وبنوا على ذلك تجسد الأرواح وظهورها في صور مختلفة في عالم المثال، وقد يستأنس لذلك بقوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾. انتهى الغرض منه.\nوقال في \"الفتوحات المكية\" في الباب الثالث والستين: أظهر الله تعالى هذه الحقيقة -يعني: حقيقة عالم المثال- لعبده؛ ليعلم أنه إذا عجز وحار في هذا فهو بخالقه أجهل؛ فإن العقول لا تلحقه بالعدم المحض، ولا بالوجود المحض، ولا بالإمكان المحض.\nوإلى هذه الحقيقة يصير الإنسان في نومه وبعد موته، فيرى الأعراض صورًا قائمة مُتجسدة لا يَشُكُّ فيها، والمكاشف يرى في يقظته ما يراه النائم في حال نومه، وما يراه الميت بعد موته، كما يُرى في الآخرة صور الأعمال توزن والموت يذبح، وكلها أعراض وَنِسب.","vol":"1","page":248},{"text":"قال: ومن الناس من يُدرك هذا المُتَخيّلَ بعين الحس ... إلى أن قال: فإن أدركت العين المتخيل، ولم تغفل عنه لم تختلف عليه التكوينات في الإرادة في مواضع مختلفات والذات واحدة لا يُشَكّ فيها، ولا انتقلت ولا تحولت في أكوان مختلفة، فيعلم أنه أدركها ببصره الحسي الذي يُدرك به المحسوسات. انتهى الغرض منه.\nفعلم أنه ليس مَحْضَ خيال، بل هو مثالٌ محسوس، وقد وقع غير مرة تصديق هذا في الخارج؛ منها: أن رجلًا اغتسل بمصر فغطس في الماء وكان يوم الجمعة، فلما خرج منه رأى نفسه ببغداد، وتزوج هناك، وجاء بأولاد، وقعد سبع سنين فيها، ثم اغتسل في دجلة، فلما خرج منها رأى نفسه بمصر بمحل غسله في ذلك اليوم، وتلك الساعة، وأهله وأصحابه في انتظاره حتى يرجع ويلحق الجمعة. ثم بعد مدة قدمت امرأته وأولاده الذين ببغداد عليه ولحقوه بمصر.\nإذا تمهد هذا فنقول: يحتمل أن يكون هذا من هذا القبيل، وأنه لبعض الناس أيام، ولبعضهم سُنُون، والكل موجود مُحقق. ولهذا تَرتبت عليه الأحكام، ووَجبت الصلاة فيها؛ كما في الحديث المار، وهنا وجه آخر أبعد من هذين فلا نذكره، والله أعلم.\nوأما كيفية خروجه: فالروايات فيه مختلفة، وأبسط حَديثٍ فيه حديث النواس - ﵁ - عند مسلم، وغيره.\nوحديث أبي أمامة - ﵁ - عند ابن ماجه، وابن خزيمة، والحاكم، والضياء.\nوحديث ابن مسعود - ﵁ - عند نُعيم بن حماد، والحاكم.\nوحديث أبي سعيد - ﵁ - عند مسلم، وعند البخاري معناه.\nوحديث أبي سعيد - ﵁ - أيضًا عند الحاكم.\nفلنسق هذه الأحاديث مساقًا واحدًا، ولنجمع بين اختلافها بحسب الإمكان والتيسير، ونزيد بعض الزيادات من غيرها، وبالله التوفيق وعليه التكلان:\nقال: خطب النبي - ﷺ - فقال: \"إنه لم يكن في الأرض منذ ذرأ الله","vol":"1","page":249},{"text":"ذرية آدم ﵇ أعظم من فتنة الدجال، وإن الله لم يبعث نبيًا إلَّا حذر أمته الدجال، أنا آخر الأنبياء وأنتم آخر الأمم، وهو خارجٌ فيكم لا محالة، فخفض فيه ورفع حتى ظَنَنَّاه في طائفة النخل، فلما رحنا إليه عرف ذلك منا، فقال: غير الدجال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وأنا حجيج كل مسلم، وإن يخرج من بعدي فكلٌّ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، وإنه يخرج من خَلّةً -أي: من طريق- بين الشام والعراق، فيعيث -أي: يفسد- يبعث السرايا والجنود يمينًا وشمالًا، وإن على مقدمته سبعين ألفًا من يهود أصبهان، عليهم رجل أشعر من فيهم يقول: بِرَو، بِرَو؛ أي: اِسعَ اِسعَ\".\nقال - ﷺ -: \"يا عباد الله؛ فاثبتوا، فإني سأصفه لكم صفة لم يَصِفها إياه نبيٌّ قبلي، وإنه يبدأ فيقول: أنا نبي. ولا نبي بعدي، ثم يُثَنَّي فيقول: أنا ربكم. ولا ترون ربكم حتى تموتوا، وإنه أعور، وربكم ليس بأعور، وإنه مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب -أي: حروفًا مهجأة هكذا: (ك ف ر)؛ كما صرح به في بعض الروايات-، وأن من فتنته أن معه جنة ونارًا، فناره جنة وجنته نار، فمن ابتليَ بناره فليستغث بالله وليقرأ فواتح الكهف، فتكون عليه بردًا وسلامًا؛ كما كانت النار على إبراهيم، وأن من فتنته كذا وكذا، وقد ذكرناها مُفصلًا، وأن معه اليسع ﵇ يُنذر الناس؛ يقول: هذا المسيح الكذاب فاحذروه لعنه الله، ويعطيه الله من السرعة ما لا يلحقه الدجال.\nوفي رواية: \"أنَّ بين يديه رجلين يُنذران أهل القرى، كلما دخلا قرية أنذرا أهلها، فإذا خرجا منها دخلها أول أصحاب الدجال، ويدخل القرى كلها غير مكة والمدينة، فيمر بمكة فإذا هو بخَلْقٍ عظيم، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا ميكائيل بعثني الله لأمنعك من حرمه. ويمر بالمدينة فإذا هو بخَلْقٍ عظيم، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا جبريل بعثني الله لأمنعك من حرم رسوله\".\nوفي رواية: \"وإنه لا يبقى شيءٌ من الأرض إلَّا وطئه وظهر عليه، إلَّا مكة والمدينة؛ فإنه لا يأتيهما من نقب من أنقابهما إلَّا لقيه الملائكة بالسيوف صَلتةً فيمر بمكة، فإذا رأى ميكائيل ولى هاربًا، ويصيح فيخرج إليه من مكة منافقوها، ويمر","vol":"1","page":250},{"text":"بالمدينة كذلك حتى ينزل عند الظريب الأحمر، عند منقطع السبخة\".\nوفي حديث عائشة ﵂ عند ابن حبان في \"صحيحه\" في كتاب التوحيد: \"فيسير حتى ينزل بناحية المدينة، وهي يومئذ لها سبعة أبواب، على كل باب ملكان، فيخرج الله شرار أهلها\" اهـ\nفيتوجه قِبَلهُ رجل من المؤمنين ويقول لأصحابه: والله لأنطلقن إلى هذا الرجل فلأنظرن: أهو الذي أنذرنا رسول الله - ﷺ - أم لا؟ فيقول له أصحابه: والله لا ندعك تأتيه، ولو أنَّا نعلمُ أنه يقتلك إذا أتيته خلينا سبيلك، ولكنا نخاف أن يفتنك. فيأبى عليهم الرجل المؤمن إلَّا أن يأتيه، فينطلق يمشي حتى يأتي مسالح الدجال -أي: خفراءه وطلائعه- فيقولون له: أين تعمد؟ فيقول: أعمد إلى هذا الرجل الذي خرج. فيقولون له: أو ما تؤمن بربنا؟ فيقول: ما بربنا خفاء. فيقولون: اقتلوه. فيقول بعضهم لبعض: أليس قد نهاكم ربكم أن تقتلوا أحدًا دونه؟ ! فيرسلون إلى الدجال: إنَّا قد أخذنا من يقول: كذا وكذا، أفنقتله أو نرسله؟ قال: أرسلوه إليَّ. فينطلقون به إلى الدجال، فإذا رآه المؤمن عرفه بنعت رسول الله - ﷺ -. فيقول: يا أيها الناس؛ هذا الدجال الذي ذكر رسول الله - ﷺ -. فيأمر به الدجال فيشبح، ثم يقول: لتطيعني فيما أمرتك، وإلَّا شققتك شقتين. فينادي المؤمن: أيها الناس؛ هذا المسيح الكذاب، من عصاهُ فهو في الجنة، ومن أطاعه فهو في النار. فيؤمر به فيوسع ظهره وبطنه ضربًا، فيقول له الدجال: والذي أحلف به؛ لتطيعني، أو لأشقنك شقتين. فيقول: أنت المسيح الكذاب. فيؤمر به فيؤشر بالميشار من مفرقه حتى يفرق بين رجليه.\nوفي رواية: \"فمد برجله فوضع حديدته على عجب ذنبه، فشقه شقين ويبعد بينهما قدر رمية الغرض، ثم يمشي الدجال بين القطعتين، ويقول لأوليائه: أرأيتم إن أحييته ألستم تعلمون أني ربكم؟ قالوا: بلى. فيضرب أحد شقيه، أو الصعيد عنده ويقول له: قم. فيستوي قائما، فلما رآه أولياؤه صدقوه، وأيقنوا أنه ربهم وأجابوه واتبعوه، وقال للمؤمن: ألا تؤمن بي؟ فيقول: ما ازددت فيك إلَّا بصيرة\".\nوفي رواية: \"يقول: لأنا الآن أشد فيك بصيرة مني قبل، ثم نادى في الناس:","vol":"1","page":251},{"text":"ألا إنَّ هذا المسيح الكذاب، وإنه لا يفعل بعدي بأحدٍ من الناس. فيقول الدجال: والذي أحلف به؛ لتطيعني، أو لأذبحنك ولألقينك في النار. فيقول: والله لا أُطيعك أبدًا. فيأخذه الدجال ليذبحه فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاسًا، فلا يستطيع إليه سبيلًا\".\nوفي رواية: \"فيوضع على جلده صفائح من نحاس، فلا يحيك فيه سلاحهم، فيأخذ بيديه ورجليه فيقذف به، فيحسب الناس أنما قذفه في النار، وإنما ألقي في الجنة\".\nقال رسول الله - ﷺ -: \"هذا أقرب امرئٍ درجة مني، وأعظم الناس شهادة عند رب العالمين\".\nتَنبيه\nهذا الرجل المؤمن هو الخَضِرُ ﵇ على الأصح؛ كما صرح به في بعض الأحاديث الصحيحة، ودل عليه الكشف الصحيح.\nأما الأحاديث فكثيرة:\nمنها: ما رواه ابن حبان في كتاب التوحيد من \"صحيحه\" في ذكر الدجال أنه - ﷺ - قال: \"ولعله يدركه بعض من رآني، أو سمع كلامي\".\nوهذا البعض هو الخَضِرُ لأمور:\nأحدها: أن من عدا الخضر وعيسى ﵉ لم يبق أحدٌ ممن رآه - ﷺ - بالإجماع، وليس هذا هو عيسى ﵇؛ لأن عيسى ﵇ يقتل الدجال، وهذا الرجل يقتله الدجال.\nثانيها: رَوى الدارقطني في \"الأفراد\": عن ابن عباس ﵄ أنه قال: \"نُسِئَ للخضر في أجله حتى يُكذّب الدجال\". وله شاهدٌ صحيح.\nففي \"صحيح مسلم\" عقب رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة؛ أي: عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال أبو إسحاق: هو إبراهيم بن محمد بن سفيان الزاهد راوي \"صحيح مسلم\" عنه، يقال: إنَّ هذا الرجل هو الخَضِر ﵇.","vol":"1","page":252},{"text":"قال الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" بعد نقل ذلك: وقال معمر في \"جامعه\" بعد ذكر الحديث -يعني: أنَّ الذي يقتله الدجال-: هو الخَضِر.\nقال الحافظ: وقد يتمسك لمن قاله بما أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" من حديث أبي عبيدة بن الجراح - ﵁ - في ذكر الدجال رفعه: \"لعله أن يدركه بعض من رآني، أو سمع كلامي. . .\" الحديث. اهـ\nفدل هذا الحديث الصحيح على أن بعض الصحابة يُدرك الدجال، ودلت رواية الدارقطني على أن هذا المبهم هو الخَضِر.\nقال: فصح بالمجموع أن الخَضِر صحابي، وأنه مُؤخرٌ؛ لتكذيب الدجال، فيصح التمسك بما ذكر في أن الذي يقتله الدجال هو الخَضِر.\nثالثها: في بعض الروايات: أن الذي يقتله الدجال يقول: يا أيها الناس؛ هذا الذي حدثنا عنه رسول الله - ﷺ -. مكان قوله: (ذكر رسول الله)، والأصل في الكلام الحقيقة، فيكون رسول الله - ﷺ - حدثه بلا واسطة، ولا شك أن الحمل على التحديث بوسائط مجازٌ.\nوأما الكشف: فقد ذكر ذلك محققو الصوفية كالشيخ علاء الدولة السمناني وغيره، وقيل: هو أحد أصحاب الكهف؛ لما مر أنهم يكونون من أصحاب المهدي، وهذا القول الثاني ضَعيفٌ؛ قاله في \"الفتوحات\".\n\"وترجف المدينة يومئذ ثلاث رجفات، فلا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه، فتنفي المدينة يومئذ خبثها؛ كما ينفي الكير خبث الحديد، ويُدعى ذلك اليوم يوم الخلاص، ويكون آخر من يخرج إليه النساء، حتى إن الرجل ليرجع إلى أمه وبنته وأخته وعمته، فيوثقهن رباطًا مخافة أن تخرج إليه\".\nوفي رواية: \"يوم الخلاص، وما يوم الخلاص؟ قال ثلاث مرات: يجيء الدجال فيصعد أُحُدًا فيطلع، فينظر إلى المدينة ويقول لأصحابه: ألا ترون إلى هذا القصر الأبيض؟ هذا مسجد أحمد\".","vol":"1","page":253},{"text":"تَنبيه\nهذه إحدى معجزاته - ﷺ -، وإخبارٌ منه بأن مسجده يُرفع ويُبيض بالجص؛ لأنه في زمنه كان مبنيًا بالجريد والسعف، وقد وقع ما أخبر به، فإن مسجده الشريف يُرى أبيض من مسافة بعيدة، ومنائره تلمع بياضًا، ولعل خروجه قريب، ويرى هذا البناء. والله أعلم.\n\"ثم يأتي إلى المدينة، فيجد بكل نَقبٍ من أنقابها مَلكًا مصلتًا، فيأتي سبخة الجُرف\".\nوفي لفظ: \"بهذه السبخة ينزل بمر قناة، فيضرب رواقه، ثم ترجف المدينة ثلاث رجفات، فلا يبقى منافق ولا منافقة، ولا فاسق ولا فاسقة إلا خرج إليه، فتخلص المدينة وذلك يوم الخلاص\" رواه أحمد، والحاكم، عن محجن بن الأدرع.\nفقالت أم شريك بنت أبي العكر: يا رسول الله؛ فأين العرب يومئذ؟ قال: \"هم يومئذ قليل، وجلهم ببيت المقدس، وإمامهم المهدي رجلٌ صالح، فيتوجه إلى الشام، فيفر المسلمون إلى جبل الدخان بالشام، فيأتيهم فيحصرهم، ويشتد حصارهم، ويجهدهم جهدًا شديدًا\".\nوفي رواية: \"فَيَشُك الناس فيه -أي: حين لم يقدر على قتل ذلك الرجل ثانيًا- ويبادر إلى بيت المقدس، فإذا صعد عقبة أَفِيق وقع ظله على المسلمين، فيوترون قسيهم لقتاله، فأقواهم من برك أو جلس من الجوع والضعف، وذلك لأن قبل خروج الدجال ثلاث سنوات شِداد، يصيب الناس فيها جُوعٌ شَديدٌ كما مر في فتنته، وإن قوت المؤمن التهليل والتسبيح والتحميد.\nحتى إذا طال عليهم الحصار قال رجلٌ: إلى متى هذا الجهد والحصار؟ ! اخرجوا إلى هذا العدو حتى يحكم الله بيننا: إما الشهادة، وإما الفتح، هل أنتم إلا بين إحدى الحسنيين؟ بين أن تستشهدوا، أو يُظْهِركُم الله عليهم، فيتبايعون على القتال بيعة يعلم الله أنها الصدق من أنفسهم.","vol":"1","page":254},{"text":"ثم تأخذهم ظُلمةٌ لا يُبصر أحدهم كفه، فينزل ابن مريم ﵇ فيحسر عن أبصارهم وبين أظهرهم رجل عليه لأمة، فيقولون: من أنت؟ فيقول: أنا عبد الله وكلمته؛ عيسى، اختاروا إحدى ثلاث: أن يبعث الله على الدجال وجنوده عذابًا جسيمًا، أو يَخْسِفَ بهم الأرض، أو يُرسل عليهم سلاحكم ويكف سلاحهم عنكم؟ فيقولون: هذه يا رسول الله أشفى لصدورنا. فيومئذ يُرى اليهودي العظيم الطويل الأكول الشروب لا تقل يده سيفه من الرعب، فينزلون إليهم فيسلطون عليهم\".\nوفي رواية: \"فبينما إمامهم -أي: المهدي- وقد تقدم يُصلي بهم الصبح إذ نزل عليهم نبي الله عيسى ابن مريم ﵇ للصبح، فرجع المهدي قهقرى؛ ليتقدم عيسى - ﷺ - يُصلي بالناس، ويقال له: يا روح الله؛ تقدم -أي: يقول له بعض من لم يحرم بالصلاة-. فيقول: ليتقدم إمامكم فليُصلِّ بكم. ويضع عيسى ﵇ يده بين كتفيه، فيقول له: تقدم فإنها لك أُقِيمت. فيصلي بهم إمامهم، فإذا انصرف قال عيسى ﵇: افتح. فيفتح، ووراء الدجال سبعون ألف يهودي، كلهم ذو سيف محلىً بوساج، فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء، وانطلق هاربًا، فيقول له عيسى ﵇: إن لي فيك ضربة لن تسبقني بها. فيدركه عند باب لُدّ الشرقي، فيقتله، ويهزم الله اليهود\".\nتَنبيه\nلُدّ؛ بضم اللام وتشديد الدال المهملة، بوزن مُدّ: بلد بناحية بيت المقدس، بينه وبين الرملة مقدار فرسخ إلى جهة دمشق، متصلة نخيله بنخيلها.\nوفي رواية لمسلم: \"فبينما هو -أي: الدجال- كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهروذتين -أي: بالذال المعجمة والمهملة؛ أي: مصبوغتين بالهرذ؛ وهو شيء أصفر أو بالزعفران أو الورس- واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر -أي: الماء- من شعره، وإذا رفعه تحدر منه مثل الجُمان -أي؛ بضم الجيم وتخفيف الميم: حبات من الفضة تصنع على هيئة اللؤلؤ الكبار- كاللؤلؤ، فلا يَحِلُّ لكافر يجد من ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي","vol":"1","page":255},{"text":"حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يُدركه بباب لُدّ فيقتله\".\nوفي رواية: \"ثم ينزل عيسى ﵇ فينادي من السَّحر فيقول: يا أيها الناس؛ ما يمنعكم أن تخرجوا إلى الكذاب الخبيث؟ ! ويسمعون النداء: جاءكم الغوث. فيقولون: هذا كلام رجل شبعان. وتشرق الأرض بنور ربها، وينزل عيسى ابن مريم ﵇، ويقول: يا معشر المسلمين؛ احمدوا ربكم وسبّحوه -أي: لأنه قُوتهم كما مر-. فيفعلون، ويريدون -أي: أصحاب الدجال- الفرار، فيضيق الله عليهم الأرض، فإذا أتوا باب لُدّ في نصف ساعة فيوافقون عيسى ﵇، فإذا نظر -أي: الدجال- إلى عيسى ﵇يقول -أي: لبعض أصحابه-: أقم الصلاة. خوفًا منه، فيقول الدجال: يا نبي الله؛ قد أقيمت الصلاة. فيقول: يا عدو الله؛ زعمت أنك رب العالمين، فلمن تُصلي؟ ! فيضربه بمقرعته فيقتله\".\nتَنبيه\nطريق الجمع (١) بين هذه الروايات: أن عيسى صلوات الله عليه ينزل أولًا بدمشق على المنارة البيضاء -وهي موجودة اليوم- لست ساعات من النهار، وقد مر عن \"الفتوحات\" أنه يُصلي بالناس صلاة العصر، فيحتمل أنه ينزل بعد الظهر، ثم مع اشتغاله بالقرعة بين اليهود والنصارى يدخل وقت العصر، فيصلي بهم العصر؛ كما في رواية، ثم يأتي إلى بيت المقدس غوثًا للمسلمين، ويلحقهم في صلاة الصبح وقد أحرم المهدي والناس كلهم، أو بعضهم لم يحرموا، فيخرج إليه بعض من لم يُحرم بالصلاة فيأتي والمهدي في الصلاة، فيتقهقر ويقول لعيسى ﵇ بعض الناس: تقدم. لما رأى تقهقر المهدي، فيضع يده على كتف المهدي أن تقدم، ويقول\n_________\n(١) وسيأتي إليه الإشارة مختصرًا (ص ٢٧١)، ومال القاري (٥/ ١٩٧) إلى أرجحية رواية بيت المقدس، وأوّل الباقي إليها.\nواختار مولانا رفيع الدين ابن الشاه ولي الله في \"قيامة نامة\" نزوله ﵇ بجامع دمشق عند صلاة العصر، ورجحه الدَّمنتي في \"نور مصباح الزجاجة\" (ص ٨٤)، وحكى عن ابن كثير أنه قال: هو الأشهر. (ز).","vol":"1","page":256},{"text":"للقائل: ليتقدم إمامكم. فيجيب المهدي بالفعل، والقائل بالقول؛ ليكون جواب كُلٍّ على طبق قوله، ثم إذا أصبحوا شرد أصحاب الدجال، فتضيق عليهم الأرض، فيدركهم بباب لُدّ، فيصادف ذلك صلاة الظهر، فيتحيل اللعين إلى الخلاص منه بإقامة الصلاة، فلما عرفَ أنه لا يتخلص منه بذلك ذاب خوفًا منه كما يَذُوبُ الملح، فأدركه فقتله، أو لأنه يُنشيء صلاةً في غير وقتها، وهو أدل على ضلالته وجهالته بالله.\nويقرب هذا التأويل، ما في رواية ابن المنادي عن علي - ﵁ -: \"يقتله الله بالشام على عقبة أَفِيق، لثلاث ساعات يمضين من النهار على يد عيسى ابن مريم\".\nقال في \"القاموس\": أَفِيق كأمير، ومنه: عقبة أفيق. اهـ\nوهنا وجه آخر أقرب إلى التحقيق، وهو أنه مَرّ أن الصلاة في الأيام القصار التي هي آخر أيام الدجال تُقدر، فيحتمل أن يُصادف التقدير ذلك الوقت، وعلى هذا فلا إشكال بين كونه ينزل بدمشق لست ساعات مضين من النهار، وبين أنه يُصلي بالناس صلاة العصر. وهذا جوابٌ مبنيٌّ على التحقيق، والله يهدي للحق وهو يهدي السبيل.\nويهزم الله اليهود وأصحاب الدجال، فلا يبقى شيء مما خلق الله يتوارى به يهودي إلا أنطق الله ذلك الشيء، لا شجر ولا حجر ولا حائط ولا دابة إلا قال: يا عبد الله المسلم؛ هذا يهودي.\nوفي رواية: \"هذا دجال فتعال فاقتله، إلَّا الغرقد؛ فإنها من شجر اليهود لا ينطق\".\nقال - ﷺ -: \"فيكون عيسى ابن مريم في أمتي حَكَمًا عَدلًا، وإمامًا مُقْسطًا\"، وسيأتي قصته مستوفاة إن شاء الله تعالى.\nوأما كيفية النجاة منه: فاعلم أن النجاة منه بالعلم والعمل.\nأما العلم: فبأن يُعْلَمَ أنه يأكل ويشرب، وأنَّ الله منزه عن ذلك، وأنه أعور، وأن الله ليس بأعور، وأن أحدًا لا يرى ربه حتى يموت، وهذا يراه الناس أحياء قبل موتهم، إلى غير ذلك مما مر.","vol":"1","page":257},{"text":"وأما العمل: فبأن يلتجيء إلى أحد الحرمين؛ فإنه لا يَدْخُلهما، أو إلى المسجد الأقصى، أو إلى مسجد طور سينا، ففي بعض الروايات لا يدخلهما أيضًا، وبأن يقرأ عشر آيات من أول سورة الكهف، وقد مرت أحاديث ما ذكر؛ فلا نعيدها.\nوبأن يهرب منه في الجبال والبراري؛ فإنه أكثر ما يدخل القرى.\nفعن عبيد بن عمر: \"ليصحَبنَّ الدجال أقوام يقولون: إنا لنصحبه وإنا لنعلم أنه لكافر، ولكنا نصحبه نأكل من طعامه، ونرعى من الشجر. فإذا نزل غضب الله نزل عليهم كلهم\" رواه نُعيم بن حماد.\nوبأن يُتْفَلُ في وجهه.\nفعن أبي أمامة - ﵁ - مرفوعًا: \"فمن لقيه منكم فَليَتْفُل في وجهه\" رواه الطبراني.\nوبالتسبيح والتكبير والتهليل؛ فإنه قُوتُ المؤمن في ذلك القحط.\nوأن من ابتلي به فليثبت وليصبر، وإن رماه في النار فَليُغْمِض عينيه، وليستعن بالله تكن عليه بردًا وسلامًا.\nوأما من يقتله: فقد عُلم أنه يقتله عيسى ﵇. والحمد لله رب العالمين.\nفائِدَة\nقال ابن ماجه: سمعت الطنافسي يقول: سمعت المحاربي يقول: ينبغي أن يُدفع هذا الحديث -يعني: حديث الدجال- إلى المُؤدب حتى يُعلمه الصبيان في الكُتَّاب. اهـ\nوقد ورد أن من علامات قُرب خروجه: نِسيان ذكره على المنابر.\nخَاتِمَة\nاختلفت الصحابة فمن بعدهم وهكذا: هَل هو ابن الصياد أو غيره؟ على قولين، ولِكُلٍّ أدلة، فلنشر إلى الراجح منها بعون الله تعالى وحسن توفيقه:\nوأحسن ما جُمع في ذلك كلام الإمام الحافظ قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن","vol":"1","page":258},{"text":"حجر العسقلاني في شرح البخاري المسمى: \"فتح الباري\"، فلنذكر مقاصده؛ ففيه الكفاية إن شاء الله تعالى.\nقال رحمه الله تعالى: مما يدل على أن ابن الصياد هو الدجال حديث جابر - ﵁ - الذي في البخاري أنه كان يحلف أنَّ ابن الصياد هو الدجال، ويقول: سمعت عمر - ﵁ - يَحْلفُ عند رسول الله - ﷺ - فلم ينكر عليه.\nوحديث ابن عمر ﵄ عند مسلم، وعند عبد الرزاق بسندٍ صحيح، قال: لقيت ابن الصياد مرتين. فذكر المرة الأولى، ثم قال: ثم لقيته أخرى، فإذا عينه قد طفئت.\nوفي لفظ: قد نفرت عينه، وهي خارجة مثل عين الجمل، فقلت: متى فعلت عينك ما أرى؟ قال: لا أدري. قلت: لا تدري وهي في رأسك. قال: إن شاء الله تعالى جعلها في عصاك هذه. فمسحها، ونخر ثلاثًا كأشد نخير حمار سمعت، فزعم أصحابي أني ضربته بعصا كانت معي حتى تكسرت، وأنا والله ما شعرت.\nوفي لفظ: وكان معه يهودي، فزعم اليهودي أني ضربت بيدي صدره، وقلت: اخسأ، فلن تعدو قدرك. فذكرت ذلك لحفصة قالت: ما تريد إليه؟ ألم تسمع أن الدجال يخرج عند غضبة يغضبها.\nوفي لفظ: إنما يبعثه على الناس غضب يغضبه.\nووقع لابن الصياد مع أبي سعيد الخدري - ﵁ - قصة تتعلق بأمر الدجال، فأخرج مسلم من طُرقٍ عنه قال: صحبني ابن الصياد فقال لي: ألا ترى ما لقيت من الناس؟\nوفي لفظ: لقد هممت أن آخذ حبلًا فأعلقه بشجرة، ثم أختنق به مما يقول لي الناس، يا أبا سعيد؛ يزعمون أني الدجال، ألست سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إنه يهودي، وقد أسلمت؟ ! يقول: لا يدخل مكة ولا المدينة وقد ولدت بالمدينة وها أنا أُريد مكة؟ ! ويقول: إنه لا يُولد له وقد وُلد لي؟ !\nزاد في رواية: حتى كدت أعذره.","vol":"1","page":259},{"text":"ثم قال: لكني أعرفه وأعرف مولده، وأين هو الآن.\nوفي رواية: لو عرض عَليَّ أن أكون أنا هو لم أكره، قال: فقلت له: تبًا لك سائر اليوم.\nقال الحافظ: وهذه الأحاديث كلها ليست نصًا، ولا صريحًا في أن ابن الصياد هو الدجال؛ لأن النبي - ﷺ - ردد فيه القول فقال: \"إن يكن هو\"؛ أي: وهذا كان عند أول قدومه - ﷺ - إلى المدينة، ثم لما أخبره تميم الداري جزم بأن الدجال هو ذلك المحبوس الذي رآه تميم، وسيأتي حديثه.\nوأما حَلفُ عمر - ﵁ - عند رسول الله - ﷺ -: فبناءً على ظنه وسكوت النبي - ﷺ -؛ لأنه كان مُترددًا فيه إذ ذاك.\nوأما حَلفُ جابر - ﵁ -: فبناء على حَلف عمر - ﵁ - عند رسول الله - ﷺ -. وأما حديث أبي سعيد - ﵁ -: فغايته أن يكون ابن صياد أحد الدجاجلة، وأحد أتباع الدجال الكبير.\nقُلْتُ: أو أنه لم يكن سمع النبي - ﷺ - يُحدث عن تميم، فقال بناء على ذلك.\nقال الحافظ: وأما ما أخرجه أبو داود (١) من حديث أبي بكرة؛ مرفوعًا: \"يمكثُ أبوا الدجال ثلاثين عامًا لا يُولد لهما، ثم يولد لهما غلام أعور، أضر شيء، وأقله نفعًا إنه تنام عينه ولا ينام قلبه\". ونعت أباه وأمه.\nقال: فسمعنا بمولودٍ ولد في اليهود، فذهبت أنا والزبير بن العوام فدخلنا على أبويه فإذا النعت الذي نعته النبي - ﷺ -، فقلنا: هل لكما ولد؟ قالا: مكثنا ثلاثين عامًا لا يُولد لنا، ثم وُلد لنا غلام أعور أضر شيء وأقله نفعًا ... الحديث.\nفقال البيهقي في الجواب عنه: تفرد به علي بن زيد بن جُدعان، وليس بالقوي.\nقال الحافظ: وَيُوهي حديثه أن أبا بكرة - ﵁ - أسلم حين نزل من الطائف لما حُوصرت سنة ثمانية من الهجرة.\n_________\n(١) الظاهر أنه في نسخة ابن داسة، ولم نجده في \"اللؤلؤيِّ\" (ز).","vol":"1","page":260},{"text":"وفي حديث \"الصحيحين\": أنه حين اجتمع به النبي - ﷺ - في النخل كان كالمُحتلم.\nوفي لفظ: وقد قارب الحُلم. فلم يُدرك أبو بكرة زمان مولده بالمدينة، وهو لم يسكن المدينة إلا قبل وفاة النبي - ﷺ - بسنتين، فكيف يتأتى أن يكون في الزمن النبوي كالمحتلم؟ فالذي في \"الصحيحين\" هو المعتمد.\nثم نقل عن البيهقي: أنه ليس في حديث جابر - ﵁ - أكثر من سكوت النبي - ﷺ - على حلف عمر - ﵁ -، فيحتمل أنه - ﷺ - كان متوقفًا في أمره، ثم جاء التثبيت من الله تعالى بأنه غيره على ما تقتضيه قصة تميم الداري.\nقال الحافظ: وقد توهم بعضهم أن حديث فاطمة بنت قيس في قصة تميم فردٌ، وليس كذلك؛ فقد رواه مع فاطمة بنت قيس أبو هريرة، وعائشة، وجابر ﵃.\nأما حديث أبي هريرة - ﵁ -: فأخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وأبو يعلى.\nوأما حديث عائشة ﵂: فهو حديث فاطمة المذكور عن الشعبي، قال: ثم لقيت القاسم بن محمد فقال: أشهد على عائشة؛ حدثتني كما حدثت فاطمة بنت قيس.\nوأما حديث جابر - ﵁ -: فأخرجه أبو داود بسندٍ حسن.\nوأما حديث فاطمة بنت قيس ﵂: فأخرجه مسلم وأبو داود بمعناه، والترمذي وابن ماجه، قال الترمذي: حسنٌ صحيح.\nولفظ رواية مسلم قال: سمعت مُنادي رسول الله - ﷺ - يُنادي: الصلاة جامعة. فخرجت إلى المسجد، فصليت مع رسول الله - ﷺ -، فلما قضى صلاته جلس على المنبر وهو يضحك، فقال: \"ليلزم كل إنسان مُصلاه\". ثم قال: \"هل تدرون لم جمعتكم\"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال:","vol":"1","page":261},{"text":"\"إني والله ما جمعتكم لرغبةٍ ولا لرهبة، ولكن جمعتكم؛ لأنَّ تميمًا الداري كان رجلًا نصرانيًا، فجاء وأسلم وحدثني حديثًا وافق الذي كُنت أحدِّثكم به عن المسيح الدجال، حدثني أنه ركب سفينة بحرية مع ثلاثين رجلًا من لخم وجذام، فلعب بهم الموج شهرًا في البحر، فأرفؤوا -أي: بالهمز: لجؤوا- إلى جزيرة حين مغرب الشمس، فجلسوا في أَقرُب السفينة -أي: بضم الراء جمع قارب، بفتح الراء وكسرها؛ وهو سفينة صغيرة تكون مع الكبيرة يكون فيها ركاب السفينة لقضاء الحوائج-، فدخلوا الجزيرة فلقيهم دابة أَهلَبُ -أي: غليظ الشعر كثيره-\"، وفي رواية أبي داود: \"فإذا أنا بامرأة تجر شعرها، قالوا: ويلك، ما أنت؟ قالت: أنا الجُسَّاسة\". أي: بضم الجيم وتشديد السين الأولى، سميت بذلك لتجسسها الأخبار.\nوعن عبد الله بن عمرو ﵄: أن هذه هي دابة الأرض التي تخرج في آخر الزمان فتكلمهم.\n\"فقالت: انطلقوا إلى هذا الرجل في الدّير؛ فإنه إلى خبركم بالأشواق.\nقال: لما سمت لنا رجلًا فرقنا منها -أي: خفنا أن تكون شيطانة-.\nقال: فانطلقنا سِراعًا حتى دخلنا الدير، فإذا فيه أعظم إنسان رأينا قط خَلقًا، وأشده وِثاقًا، مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد، قلنا: ويلك، من أنت؟\nقال: قد قدرتم على خبري فأخبروني ما أنتم؟\nقالوا: نحن أُناسٌ من العرب ركبنا في سفينة بحرية، وأخبروه الخبر فقال: أخبروني عن نَخل بَيسان -أي: بفتح الموحدة، ولا يقال بالكسر: قرية بالشام- هل تُثمر؟\nقلنا: نعم.\nقال: أما إنها يوشك أن لا تُثمر.\nقال: أخبروني عن بُحيرة طبرية؛ هل فيها ماء؟","vol":"1","page":262},{"text":"قالوا: هي كثيرة الماء.\nقال: أما إن ماءها يُوشك أن يذهب.\nقال: أخبروني عن عين زُغَر أ-ي: بضم الزاي، وفتح الغين المعجمة على وزن صُرَد: بلدة معروفة من الجانب القبلي من الشام-؛ هل في العين ماء، وهل يزرع أهلها بماء العين؟\nقلنا: نعم، هي كثيرة الماء، وأهلها يزرعون من مائها.\nقال: أخبروني عن نبيّ الأميين ما فعل؟\nقلنا: قد خرج من مكة ونزل يثرب.\nقال: أقاتله العرب؟\nقلنا: نعم.\nقال: كيف صنع بهم؟\nفأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه.\nقال: أما إن ذلك خَيْرٌ لهم أن يطيعوه، وإني مُخبركم: أني أنا المسيح وإني أوشك أن يُؤذن لي في الخروج، فأخرج فأسير في الأرض، ولا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة، غير مكة وطيبة هما مُحرمتان عليَّ كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة منهما استقبلني مَلكٌ بيده السيف صَلتًا يَصُدني عنها، وإن على كل نَقْبٍ من أنقابهما ملائكة يحرسونهما.\nقال رسول الله - ﷺ - وطعن بمِخصرته -أي؛ بكسر الميم: عصا أو قضيب يكون مع الملك أو الخطيب يشير بها إذا خاطب في المنبر-: هذه طيبة (ثلاثًا) -يعني المدينة- ألا هل كنت حدثتكم؟\nفقال الناس: نعم، أَلا إِنه في بحر الشام أو بحر اليمن، لا بل من قبل المشرق ما هو: وأومأ بيده إلى المشرق.","vol":"1","page":263},{"text":"قال القاضي عياض: لفظة \"ما\" زائدة صلة للكلام، ليس نافية.\nوالمراد إثبات أنه من قبل المشرق. وفي بعض طرقه عند البيهقي: أنه شيخ، وسنده صحيح.\nقال البيهقي: فيه أن الدجال الأكبر الذي يخرج في آخر الزمان غير ابن الصياد، وأن ابن الصياد أحد الدجالين الكذابين الذين أخبر النبي - ﷺ - بخروجهم، وَكأنَّ هؤلاء الذين كانوا يقولون: إن ابن صياد هو الدجال. لم يسمعوا بقصة تميم، وإلا فالجمع بينهما بَعيدٌ جدًا، إذ كيف يلتئم من كان في أثناء الحياة النبوية شبه المُحتلم ويجتمع به النبي - ﷺ -، ويسأله أن يكون في آخرها شيخًا مسجونًا في جزيرة من جزائر البحر موثقًا بالحديد يستفهم عن خبر النبي - ﷺ - هل خرج أو لا؟ . فالأولى أن يُحمل على عدم الاطلاع.\nقال: وأما إسلام ابن صياد وحجه وجهاده: فليس فيه تصريح بأنه غير الدجال؛ لاحتمال أنه يختم له بالشر.\nفقد أخرج أبو نُعيم في \"تاريخ أصبهان\": عن حسان بن عبد الرحمن عن أبيه قال: لما افتتحنا أصبهان كان بين عسكرنا وبين اليهودية فرسخ، فكنا نأتيها ونمتار منها، فأتيتها يومًا فإذا اليهود يزفنون ويضربون، فسألت صديقًا لي منهم، فقال: مَلِكُنَا الذي نستفتح به على العرب يدخل، فبت عنده على سطح، فصليت، فلما طلعت الشمس إذا الوهج من قبل العسكر، فنظرت فإذا رجلٌ عليه قبة من ريحان واليهود يزفنون، فنظرت فإذا هو ابن الصياد، فدخل المدينة فلم يَعُد حتى الساعة.\nقال الحافظ: وحسان بن عبد الرحمن ما عرفته، والباقون ثِقات.\nقال: وقد أخرج أبو داود بسندٍ صحيح عن جابر - ﵁ - قال: فقدنا ابن الصياد يوم الحرة. ورواه غيره بسندٍ حسن.\nوخبر جابر - ﵁ - هذا يُضعف خبر أنه مات بالمدينة، وأنهم صلوا عليه، وكشفوا عن وجهه، ولا يلتئم أيضًا مع خبر حسان بن عبد الرحمن المار؛ لأن فتح أصبهان كان في خلافة عمر - ﵁ -؛ كما أخرج أبو نُعيم في \"تاريخها\"، وبين","vol":"1","page":264},{"text":"قتل عمر - ﵁ -، ووقعة الحرة نحو أربعين سنة؛ لأن وقعة الحرة كانت في زمن يزيد.\nوغاية ما يُعتذر عنه أن القصة إنما شاهدها والد حسان بعد فتح أصبهان هذه المدة، ويكون جوابًا لما في قوله: (لما افتتحنا أصبهان)، محذوفًا تقديره: صرت أتعاهدها وأتردد إليها. فجرت قصة ابن صياد.\nوقد أخرج الطبراني في \"الأوسط\" مرفوعًا من حديث فاطمة بنت قيس ﵂: أن الدجال يخرج من أصبهان، ومن حديث عمران بن حصين - ﵁ -.\nوأخرج أحمد بسندٍ صحيح، عن أنس - ﵁ -: أنه يخرج من يهودية أصبهان.\nقال أبو نُعيم: كانت اليهودية من جملة قرى أصبهان، وإنما سميت اليهودية؛ لأنها كانت تختص بسكنى اليهود، ولم تزل كذلك إلى أن مصرها أيوب بن زياد أمير مصر في زمن المهدي بن المنصور العباسي، فسكنها المسلمون وبقيت منها لليهود قطعة.\nهذا ملخص كلام الحافظ ابن حجر.\nوحاصله: أن الأصح أن الدجال غير ابن صياد وإن شاركه ابن صياد في كونه أعور ومن اليهود، وأنه ساكن في يهودية أصبهان ... إلى غير ذلك. وذلك لأن أحاديث ابن صياد كلها محتملة، وحديث الجُسَّاسة نَصٌّ، فيقدم.\nقُلْتُ: ومما يرجح أنه غيره أن قصة تميم الداري مُتأخرةٌ عن قصة ابن صياد، فهو كالناسخ له، ولأنه حين إخباره - ﷺ - بأنه في بحر الشام أو بحر اليمن، لا بل من قبل المشرق كان ابن الصياد بالمدينة، فلو كان هو لقال: بل هو بالمدينة.\nلا يقال: إنما لم يقل خوفًا عليه من أن يقتلوه، فأخبر بما يؤول إليه أمره. لأنا نقول هذا ليس بشيء، إذ كيف يقتلون شخصًا قبل أجله، والمُقَدّر أنه إنما يقتله نبي الله عيسى ﵇، ولو كان كذلك لما كان بينَ ضئضئ الخوارج بأن له أصحابًا كذا وكذا، ولما بيّنَ قاتل علي كرّم الله وجهه بأنه يُخضب لحيته من يافوخه،","vol":"1","page":265},{"text":"ولما بَيّنَ الحكم بن أبي العاصي بأنه يخرج من صلبه من يُغير سُنَّته ... إلى غير ذلك.\nويؤيده أيضًا: ما أخرجه نُعيم بن حماد من طريق جبير بن نفير، وشريح بن عبيد، وعمر بن الأسود وكثير بن مرة؛ قالوا جميعًا: الدجال ليس هو إنسان، وإنما هو شيطانٌ موثقٌ بسبعين حلقة في بعض جزائر اليمن، لا يُعْلَم من أوثقه سليمان النبي ﵇ أو غيره، فإذا آن ظهوره فك الله عنه كل عام حلقة، فإذا برز أتاه أتانٌ عرض ما بين أذنيها أربعون ذراعًا، فيضع على ظهرها منبرًا من نحاس ويقعد عليه، وتتبعه قبائل الجن يخرجون له خزائن الأرض.\nقال الحافظ: وهذا لا يمكن مع كون ابن صياد هو الدجال، ولعل هؤلاء مع كونهم ثقات تلقوا ذلك من بعض كتب أهل الكتاب. انتهى\nولا ينافي ذلك قوله: في بعض جزائر اليمن؛ لأنه يَحتَمِل أن قوله - ﷺ - في قصة تميم الداري: من قبل المشرق، باعتبار آخر وقته حين يخرج.\nوذكر ابن وصيف المؤرخ: أنَّ الدجال من ولد شِق الكاهن المشهور، قال: ويقال: بل هو شِقٌّ نفسه أنظره الله تعالى، وكانت أمه جنية عشقت أباه، فأولدها شِقًا، وكان الشيطان يعمل له العجائب، فأخذه سليمان ﵇ فحبسه في جزيرة من الجزائر.\nلكن قال الحافظ: هذا واهٍ جدًا ..\nقال: وغاية ما يُجمع به وبين ما تضمنه حديث تميم وكون ابن صياد هو الدجال، وأن الذي شاهده تميم موثقًا هو الدجال بعينه، وأن ابن صياد شيطانه ظهر في صورة الدجال في تلك المدة التي قدر الله تعالى خروجه فيها. والله أعلم. اهـ\nفإن قيل: كيف يُحكم بكفر ابن الصياد فضلًا عن كونه دجالًا بعد أن ثبت إسلامه وحجه وجهاده، والأصل بقاؤه على الإسلام إلى الموت؟\nقلْتُ: قوله في حديث أبي سعيد: لا يكره أن يكون دجالًا، ولو عرض عليه ذلك لقبله. دل على عدم إسلامه في الباطن، إذ كيف يرضى المسلم أن يَدّعي الربوبية أو النبوة؟ ! ! فهذا الذي جوز الحكم بذلك، والله أعلم وبالله التوفيق.","vol":"1","page":266},{"text":"تَذْنيبٌ\nاشتملت قصة الدجال على جُملةٍ من الأشراط:\nمنها: القحط الشديد ثلاث سنين، وقد مر حديثه، وإليه الإشارة بقوله - ﷺ -: \"تكون بين يدي الساعة سنوات خِدَاعات، يُصدق فيها الكاذب، ويُكذب الصادق\" ... الحديث.\nومنها: تقارب الزمان، حتى تكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، والساعة كالضرمة بالنار.\nومنها: إخراج الأرض كنوزها، وكان هذا يقع في زمن كل من المهدي وعيسى ﵉ والدجال، فَيُخرَجُ لكل منهم شيء منها، لكنه في زمنهما رحمة، وفي زمن الدجال بلاءٌ وامتحان.\nومنها: خروج الشياطين، وإتيانهم بالأخبار الكاذبة، وقراءتهم قرآنًا على الناس، وقد مر أحاديث جميع ذلك.\nومنها: كُفر أقوام بعد إيمانهم ورجوعهم إلى عبادة الأوثان.\nأخرج الطيالسي عن أبي هريرة - ﵁ - قال: \"لا تقوم الساعة حتى يرجع ناسٌ من أمتي إلى عبادة الأوثان يعبدونها\"، وأحاديثه كثيرة.\nومن الأشراط القريبة: نزول عيسى (١) على نبينا وعليه الصلاة والسلام، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾، وقُرئ في الشواذ: (لعَلَم) بفتح العين واللام، بمعنى: العلامة.\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حَكمًا عَدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية. . .\" الحديث. رواه الشيخان.\n_________\n(١) وقد حُكِمَ على رواياته بالتواتر؛ كما حكاه مولانا أنور شاه الديوبندي في رسالته في الرد على القادياني المسماة: \"عقيدة الإسلام\". (ز).","vol":"1","page":267},{"text":"وفي رواية مسلم عنه: \"والله لينزلن ابن مريم حَكمًا عدلًا فليكسرن الصليب\" بنحوه.\nوعن جابر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تزال طائفة من أُمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة\"، قال: \"فينزل عيسى ابن مريم فيقول أميرهم: تعال صَلَّ لنا. فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة\" رواه مسلم.\nوالكلام عليه في مقامات؛ في حليته وسيرته، ووقت نزوله ومحله وما يجري على يديه من الملاحم، ومدته وموته.\nوأما اسمه ونسبه ومولده فكل ذلك معلومٌ مما مر آنفًا.","vol":"1","page":268},{"text":"المقام الأول في حليته وسيرته\nأما حليته: فعند البخاري من حديث عقيل بن خالد: أنه أحمر جَعْدٌ عريض الصدر.\nوفي رواية: \"آدم كأحسن ما أنت رَاءٍ من أُدُمِ الرجال، سبط الشعر ينطِفُ -أي: بكسر الطاء المهملة؛ أي: يقطر- زاد في رواية: له لِمَّة -بكسر اللام، وتشديد الميم- كأحسن ما أنت رَاءٍ من اللِّمَم، قد رجّلها\". أي؛ بتشديد الجيم: سرحها.\nوفي رواية: \"لمتُهُ بين منكبيه، رجل الشعر، يقطر رأسه ماء\".\nوفي حديث ابن عباس ﵄: \"ورأيت عيسى ابن مريم مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض، سبط الرأس\".\nزاد في حديث أبي هريرة - ﵁ - بنحوه: \"كأنما خرج من دِيماس\"؛ يعني: الحمام.\nولا مُنافاة بين الحمرة والأدمة؛ لجواز أن تكون أدمته صافية؛ كما مر في الدجال: \"لا يجد ريح نَفَسِه -بفتح الفاء- كَافرٌ إلَّا مات، عليه مهروذتان\" ... إلى غير ذلك؛ كما مر أكثرها.\nوأما سيرته: فإنه يَدُقُّ الصليب ويقتل الخنزير والقردة، ويضع الجزية، فلا يَقبل إلَّا الإسلام، ويتحد الدين فلا يُعبد إلا الله، ويَترك الصدقة -أي: الزكاة- لعدم من يقبلها، وتَظهر الكنوز في زمنه، ولا يُرغَبُ في اقتناء المال -أي: للعلم بقرب الساعة- ويرفع الشحناء والتباغض -أي: لفقد أسبابهما غالبًا-، وينزع سُمُّ كل ذي سُمٍّ حتى تلعب الأولاد بالحيات والعقارب فلا تضرهم، ويرعى الذئب مع الشاة فلا يضرها، ويملأ الأرض سِلمًا وينعدم القتال، وَتُنبِتُ الأرض نبتها كعهد آدم حتى يجتمع النفر على القطف من العنب فيشبعهم، وكذا الرمانة، وترخص الخيل؛ لعدم القتال، ويغلو الثور؛ لأن الأرض تُحْرث كلها، ويكون مقررًا للشريعة النبوية لا رسولًا إلى هذه الأمة، ويكون قد علم بأمر الله في السماء قبل أن ينزل، وهو نبي، ومع ذلك","vol":"1","page":269},{"text":"فهو من أمة محمد - ﷺ - وصحابي؛ لأنه اجتمع به - ﷺ - ليلة الإسراء، وحينئذ فهو أفضل الصحابة.\nوقد أَلغَزَ التاج السبكي في ذلك حيث يقول:\nمَنْ بِاتِّفَاقِ جَمِيعِ الْخَلْقِ أَفْضَلُ مِنْ ... خَيْرِ الصَّحَابِ أَبِي بَكْرٍ وَمِنْ عُمَرِ\nوَمِنْ عَلِيٍّ وَمِنْ عُثْمَانَ وَهْوَ فَتىً ... مِنْ أُمَّةِ الْمُصْطَفَى الْمُخْتَارِ مِنْ مُضَرِ\nوتُسلب قريش مُلكها؛ قال ابن حجر الفقيه في \"القول المختصر\"، وسبقه إليه السخاوي في \"القناعة\": معناه: لا يبقى لقريش اختصاص بشيء دون مراجعته، فلا يُعارض ذلك خبر: \"لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان\". انتهى\nقُلْتُ: ويدل لما قاله حديث جابر - ﵁ - عند مسلم: \"فيقول أميرهم -أي: لعيسى: تعال صَلَّ لنا. فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه الأمة\".\nوعلى هذا؛ فلا مُنافاة أن يكون المهدي هو الأمير حتى في زمن عيسى ﵇، ويكون مُراجعته في الأمور لعيسى ﵉، وهذا وجه آخر في الجمع بين اختلاف الروايات في مدة ملك المهدي؛ بأن التسع ونحوه مَحمولٌ على ما بعد نزول عيسى ﵇، والأربعين ونحوه باعتبار جميع المدة حتى في زمن عيسى ﵇، وقد مرت الإشارة إلى ذلك، والله أعلم.\nفإن قيل: كيف يصح معنى حديث: \"لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان\"، مع أنا نُشاهد أن قريشًا لم تملك منذ قرون؟\nقُلنا: معنى هذا الحديث استحقاق الخلافة لقريش وإن ظَلمها ظَالم، ولا شك أن عيسى ﵇ يُظهر كمال العدل، فلا يجوز أن يأخذ حقهم، وبالله التوفيق.","vol":"1","page":270},{"text":"المقام الثاني في وقت نزوله، ومحله، وما يجري على يديه من الملاحم\nوقد سبق اختلاف الروايات في محل نزوله والجمع بين الروايات، وفي وقته، ونُشير إلى حاصل الجمع ههنا إجمالًا.\nوهو أنه ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، أي: وهي موجودة اليوم، واضعًا كفيه على أجنحة ملكين لست ساعات مضين من النهار حتى يأتي مسجد دمشق، يقعد على المنبر، فيدخل المسلمون المسجد وكذا النصارى واليهود، وكلهم يرجونه، حتى لو ألقيت شيئًا لم يُصب إلا رأس إنسان من كثرتهم، ويأتي مُؤذن المسلمين، وصاحب بوق اليهود وناقوس النصارى، فيقترعون فلا يخرج إلا سهم المسلمين، وحينئذ يُؤذن مُؤذنهم، وتخرج اليهود والنصارى من المسجد، ويُصلي بالمسلمين صلاة العصر.\nومر الجمع (١) بين نزوله لست ساعات، وكونه يُصلي العصر. فراجعه.\nثم يخرج عيسى ﵇ بمن معه من أهل دمشق في طلب الدجال، ويمشي وعليه السكينة والأرض تقبض له، وما أدرك نَفَسُهُ من كافرٍ قتله، ويدرك نَفَسُهُ حيث ما أدرك بصره، حتى يُدركهم بصره في حصونهم وَقُرَيّاتِهم، إلى أن يأتي بيت المقدس فيجده مُغلقًا قد حصره الدجال، فيصادف ذلك صلاة الصبح؛ كما مر، ومر قتله للدجال اللعين، وسيأتي هلاك يأجوج ومأجوج بدعائه، فهذا المقام الثاني لا نحتاج إلى ذكره.\n_________\n(١) (ص ٢٥٦).","vol":"1","page":271},{"text":"المقام الثالث في مدته، ووفاته\nأما مدته: فقد ورد في حديث عند الطبراني، وابن عساكر، عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ينزل عيسى ابن مريم فيمكث في الناس أربعين سنة\".\nوفي لفظ للطبراني: \"يخرج الدجال فينزل عيسى ابن مريم ﵇ فيقتله، ثم يمكث في الأرض أربعين سنة إمامًا عادلًا وحكمًا مُقسطًا\".\nوعند ابن أبي شيبة، وأحمد، وأبي داود، وابن جرير، وابن حبان؛ عنه: \"أنه يمكث أربعين سنة ثم يُتَوفّى، ويُصلي عليه المسلمون، ويدفنونه عند نبينا - ﷺ -\".\nوأخرج ابن أبي شيبة، والحاكم في \"المستدرك\": عن ابن مسعود - ﵁ -: \"وينزل عيسى فيقتله -أي: الدجال لعنه الله-، فيتمتعون أربعين سنة لا يموت أحد، ويقول الرجل لغنمه ولدوابه: اذهبوا فارعوا، وتمر الماشية بين الزرع لا تأكل منه سنبلة، والحيات والعقارب لا تؤذي أحدًا، والسبع على أبواب الدور لا يؤذي أحدًا، ويأخذ الرجل المُدّ من القمح فيبذره بلا حرث، فيجيءُ منه سبع مئة مُدّ، فيمكثون في ذلك حتى يُكسر سد يأجوج ومأجوج. . . .\" الحديث.\nوأخرج أحمد، وأبو يعلى، وابن عساكر: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الدجال، ثم يمكث عيسى في الأرض أربعين سنة إماما عادلًا وحَكمًا مُقسطًا\".\nوأخرج أحمد في \"الزهد\": عن أبي هريرة - ﵁ - قال: يلبث عيسى ابن مريم في الأرض أربعين سنة، لو يقول للبطحاء: سيلي عسلًا لسالت.\nوفي رواية: (خمسة وأربعين سنة)، والقليل لا ينافي الكثير، ولعل روايات الأربعين وردت بإلغاء الكسر، وفي رواية: (سبع سنين)، وجمع بعضهم بأنه كان","vol":"1","page":272},{"text":"حين رفع ابن ثلاث وثلاثين وينزل سبعًا؛ فهذه أربعون، وقد علمت أنَّ القليل لا ينافي الكثير فلا حاجة إلى هذا الجمع.\nوعند أحمد، وابن جرير، وابن عساكر: عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الخنزير، ويمحي الصليب، وتجمع له الصلاة، ويُعطي المال حتى لا يُقبل، ويضع الخراج، وينزل الروحاء فيحج منها أو يعتمر، أو يجمعهما\".\nوفي رواية مسلم، وابن أبي شيبة عنه: \"لَيُهِلَّنَّ عيسى ابن مريم بفج الروحاء بالحج أو العمرة، أو لينشئنهما جميعًا\".\n(الفج): الطريق. و(الروحاء): مكان بين المدينة ووادي الصفراء في طريق مكة.\nوأخرج الحاكم وصححه، وابن عساكر عنه: \"ليهبطن ابن مريم حَكَمًا عَدلًا وإمامًا مُقسطًا، وليسلكن فجًا حاجًا أو معتمرًا، وليأتين قبري حتى يُسلم عليَّ، ولأردن عليه\".\nقال أبو هريرة - ﵁ -: أي بني أخي؛ إن رأيتموه فقولوا: أبو هريرة يُقرئك السلام.\nوأخرج الحاكم عن أنس - ﵁ - قال: قال - ﷺ -: \"من أدرك منكم عيسى ابن مريم فليقرئه مني السلام\".\nوورد أنه يتزوج بعد ما ينزل ويولد له، ثم يموت بالمدينة، ولعل موته عند حجه وزيارته النبي - ﷺ -، وإلَّا فهو إنما يكون ببيت المقدس.\nوأخرج الترمذي وحسنه، وابن عساكر: عن عبد الله بن سلام [عن أبيه، عن جده] قال: مكتوب في التوارة صفة محمد - ﷺ - وعيسى ابن مريم، يُدفن معه.\nوأخرج البخاري في \"تاريخه\"، والطبراني، وابن عساكر: قال: \"يُدفن عيسى ابن مريم مع رسول الله - ﷺ - وصاحبيه، فيكون قبره رابعًا\".","vol":"1","page":273},{"text":"وذكر البقاعي في \"سر الروح\" أنَّ ابن المراغي قال في \"تاريخ المدينة\"، وفي \"المنتظم\" لابن الجوزي: عن عبد الله بن عمر ﵄؛ مرفوعًا: \"ينزل عيسى ابن مريم إلى الأرض فيتزوج ويولد له، فيمكث خمسًا وأربعين سنة، ثم يموت فيه، فيدفن معي في قبري، فأقوم أنا وعيسى ابن مريم من قبر واحد بين أبي بكر وعمر\".\nوعزاه القرطبي في آخر \"تذكرته\" إلى أبي حفص المَيّانشي. اهـ\nتَذنيبٌ\nوقع لبعض جهلة عوام الحنفية أنه ادعى أن كُلا من عيسى ﵇ والمهدي يقلدان مذهب الإمام أبي حنيفة - ﵁ -، وذكره بعض مشايخ الطريقة ببلاد الهند في تصنيفٍ له بالفارسية شاع في تلك الديار، وكان بعض من يَتوسم بالعلم من الحنفية ويتصدر للتدريس يُشْهِرُ هذا القول ويفتخر به، ويقرره في مجلس درسه بالروضة النبوية.\nفَذُكِرَ لي ذلك، فأنكرته وجهلتُ قائله وناقله ومقرره، فلما بلغه إنكاري نسبني إلى التنقيص في حق الإمام أبي حنيفة - ﵁ -، وحاشاه من ذلك، ولو سمعه الإمام أبو حنيفة - ﵁ - لأفتى بتعزير، أو تكفير قائله.\nثم بعد مدة وقفت للشيخ علي القاري الهروي نزيل مكة المشرفة ﵀ على تأليف سماه: \"المشرب الوردي في مذهب المهدي\"، نقل فيه هذا القول، ورد عليه ردًا شنيعًا وجهله، فأرسلت بالكتاب لمجلس درسه، فقرئ عليه وافتضح بين تلامذته.\nفلننقل كلام الشيخ عليٍّ هنا مختصرًا؛ فإنه أعون على قبول عوام الحنفية؛ فإنهم جامدون على نُقُول أهل مذهبهم وإن لم يتعلق بالفقه.\nقال ﵀: ولقد عارضني في هذه القضية -يعني: مسألة التقليد المذكورة- من هو عارٍ من الفضيلة بالكلية، وأبرز نقلًا مما كتب في قفا الدفاتر يقطع ببطلانه حتى ذو العقل القاصر، ومع هذا فهو منقولٌ من كتاب مجهول، وقد صرح الإمام ابن الهمام بعدم جواز النقل من غير الكتب المتداولة، سواء العلوم الأصلية والفرعية، ثم","vol":"1","page":274},{"text":"إن ركاكة ألفاظه ومبانيه تدل على بطلان معانيه، وها أنا أذكره بلفظه لتحيط به علمًا حيث قال، ولم يخش ما عليه من الوبال وغضب الملك المتعال:\nاعلم أن الله قد خص أبا حنيفة بالشريعة والكرامة، ومن كراماته أن الخَضِر ﵇ كان يجيء إليه كل يوم وقت الصبح، ويتعلم منه أحكام الشريعة إلى خمس سنين، فلما توفي أبو حنيفة ناجى الخَضِر ربه قال: إلهي؛ إن كان لي عندك مَنزلةٌ فأذن لأبي حنيفة حتى يعلمني من القبر على حسب عادته حتى أعلم شرع محمد - ﷺ - على الكمال؛ لتحصل لي الطريقة والحقيقة. فنودي: أن اذهب إلى قبره، وتعلم منه ما شئت. فجاء الخَضرُ، وتعلم منه ما شاء كذلك إلى خمس وعشرين سنة أخرى، حتى أتم الدلائل والأقاويل، ثم ناجى الخَضِرُ ربه، وقال: إلهي ماذا أصنع؟ فنودي أن اذهب إلى صفائك، واشتغل بالعبادة إلى أن يأتيك أمري ... إلى أن قال له: اذهب إلى البقعة الفلانية وعلم فُلانًا علم الشريعة. ففعل الخَضِرُ ﵇ ما أُمر، ثم بعد مدة ظهر في مدينة ما وراء النهر شاب وكان اسمه أبا القاسم القشيري، وكان يخدم أمه ويحترمها، ثم إنه قال وقتًا من الأوقات لأمه: يا أماه قد حصل لي الحرص على طلب العلم وقد قال علي كرم الله وجهه: من كان في طلب العلم كانت الجنة في طلبه فأذني لي حتى أذهب إلى بخارى وأتعلم العلم، فتفكرت والدته، وقالت: إن لم أعطه الإذن أكون مانعة للخير، وإن أذِنتُ له لم أصبر على فِراقه. فلم يكن لها بُدٌّ حتى أذنت له، فودع القشيري أمه وعزم على السفر مع شاب صاحب له يطلبان العلم، فقعدت أمه على الباب باكية حزينة، وقالت: إلهي؛ اشهد أني حَرَّمتُ على نفسي الطعام والمنزل، ولا أقوم من مقامي حتى أرى ولدي. فمضى القشيري وصاحبه حتى نزلا في منزل ليأكلا فيه طعامًا، فقام القشيري ليقضي حاجته، فتلوثت ثيابه ببوله، وقال لصاحبه: اذهب أنت، فإني أريد أن أرجع إلى المنزل، وأخاف أن تُصيب النجاسة جسمي في المنزل الثاني، ويصيب روحي في الثالث، فقعودي عند والدتي أولى. ورجع إلى أمه وكانت قاعدة على مكانها الذي ودعت ابنها فيه، فقامت وتصافحت مع ولدها وقالت: الحمد لله. فأمر الله تعالى الخَضِر: أن اذهب إلى القشيري وعلمه ما تعلمت من أبي حنيفة - ﵁ -؛ لأنه","vol":"1","page":275},{"text":"أرضى أمه. فجاء الخَضِرُ إلى أبي القاسم وقال: أنت أردت السفر لأجل طلب العلم وقد تركته لرضا أمك، وقد أمرني الله تعالى أن أجيء إليك كل يوم على الدوام وأعلمك. فكل يوم يجيء إليه الخَضِر حتى ثلاث سنين، وعلمه العلم الذي تعلم من أبي حنيفة في ثلاثين سنة، حتى علمه علم الحقائق والدقائق ودلائل العلم، وصار مشهور دهره، وفريد عصره، حتى صنف ألف كتاب، وصار صاحب كرامات، وكثر مريدوه وتلاميذه، فكان له مُريدٌ كبيرٌ متدين لا يفارق الشيخ، فعد له الشيخ ألف كتاب من مصنفاته، ووضعهم في الصندوق وأعطى لذلك المريد وقال: قد بدا لي أمر، فاذهب وارم هذا الصندوق في جيحون. فحمل المريد الصندوق، وخرج من عند الشيخ، وقال في نفسه: كيف أرمي مصنفات الشيخ في الماء؟ ! لكن أذهب، وأحفظ الكتب، وأقول للشيخ: رميتها. وحفظ الكتب، وجاء وقال للشيخ: رميت الصندوق في الماء. قال الشيخ: وما رأيت في تلك الساعة من العلامات؟ قال: ما رأيت شيئًا. قال الشيخ: اذهب وارم الصندوق. فذهب المريد إلى الصندوق وأراد أن يرميه، فلم يَهُن عليه، ورجع إلى الشيخ مثل الأول، وقال: رميته؟ قال: نعم. قال وما رأيت؟ قال: لم أر شيئًا. قال الشيخ: ما رميته، فاذهب وارمه فإن لي فيها سرًا مع الله، ولا ترد أمري. فذهب المريد، ورمى الصندوق. فخرج من الماء يَدٌ وأخذ الصندوق، قال المريد له: من أنت؟ فنادى في الماء: إني وُكلت أن أحفظ أمانة الشيخ. فرجع المريد وجاء إلى الشيخ، فقال: رميت؟ قال: نعم. قال: وما رأيت؟ قال: رأيت الماء قد انشق وخرج منه يَدٌ وأخذ الصندوق، وقد صرتُ مُتحيرًا، وما السر في ذلك؟\nقال الشيخ: السر في ذلك أنه إذا قربت القيامة، وخرج الدجال، ونزل عيسى ﵇ ببيت المقدس فيضع الإنجيل بجنبه ويقول: أين الكتاب المحمدي؟ وقد أمرني الله أن أحكم بينكم بكتابه، ولا أحكم بالإنجيل.\nفيطلبون الدنيا، ويطوفون بالبلاد، فلم يوجد كتابٌ من كتب الشرع المحمدي، فيتحير عيسى ﵇ ويقول: إلهي؛ بماذا أحكم بين عبادك ولم يوجد غير الإنجيل؟، فينزل جبريل ويقول: قد أمر الله تعالى أن تذهب إلى نهر جيحون،","vol":"1","page":276},{"text":"وتُصلّي ركعتين بجنبه، وتنادي: يا أمير صندوق أبي القاسم القشيري؛ سلم إليَّ الصندوق وأنا عيسى ابن مريم وقد قتلت الدجال.\nفيذهب عيسى ﵇ إلى جيحون، ويُصلّي ركعتين، ويقول مثل ما أمره جبريل، فينشق الماء ويخرج الصندوق، ويأخذه ويفتح ويجد فيه ختمة وألف كتاب، فيحيي الشرع بذلك الكتاب.\nثم سأل عيسى ﵇ جبريل: بم نال أبو القاسم هذه المرتبة؟ فقال: برضاء والدته.\nنُقل من كتاب \"أَنيس الجلساء\" اهـ\nقال الشيخ علي: \"ولا يخفى أن هذا -مع ركاكته ولحنه- كلام بعض الملحدين الساعين في إفساد الدين إذ حاصله أن الخَضر الذي قال تعالى في حقه: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾، وقد تعلم منه موسى ﵇ فيكون من جملة تلاميذ أبي حنيفة، ثم عيسى ﵇ وهو من أُولي العزم يأخذ أحكام الإسلام من تلميذ تلميذ أبي حنيفة، وما أسرع فهم هذا التلميذ حيث أخذ عن الخَضِر في ثلاث سنين ما تعلمه الخضر من أبي حنيفة حيًا وميتًا في ثلاثين سنة! ! وأعجب منه أن أبا القاسم القشيري ليس معدودًا في طبقات الحنفية! ! ثم العجب من الخَضِر أنه أدرك النبي - ﷺ - ولم يتعلم منه شرائع الإسلام، ولا من علماء الصحابة الكرام؛ كعلي - ﵁ - باب مدينة العلم وأقضى الصحابة، وزيد أفرضهم، وأُبَيّ أقرئهم، ومعاذ بن جبل أعلمهم بالحلال والحرام. ولا من عظماء التابعين؛ كالفقهاء السبعة، وسعيد بن المسيب بالمدينة، وعطاء بمكة، والحسن بالبصرة، ومكحول بالشام، وقد رضي بجهله بالشريعة حتى تعلم مسائلها في أواخر عُمر أبي حنيفة! !\nقال: فهذا مما لا يخفى بُطلانه حتى على ذوي العقول السخيفة، حتى أن علماء المذاهب أخذوا هذه المقالة على وجه السخرية، وجعلوها دليلًا على قلة عقل الطائفة الحنفية، حيث لم يعلموا أن أحدًا منهم لم يرض بهذه القضية بالكلية.\nثم لو تعرضت لما في نقوله من الخطأ في مبانيه ومعانيه الدالة على نقصان معقوله","vol":"1","page":277},{"text":"لصار كتابًا مُستقلًا، إلا أني أعرضت عنه صفحًا؛ لقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾.\nفبطل قول القائل، بل وكفر فيما ظهر، لاسيما فيما أبرز بالنسبة إلى نبي الله عيسى ﵇ المُجمع على نبوته سابقًا ولاحقًا، فمن قال بسلب نبوته كفر حقًا؛ كما صرح به الإمام السيوطي؛ فإن النبي لا يَذْهَبُ عنه وصف النبوة ولا بعد موته.\nوأما حديث: \"لا وحي بعدي\" فباطلٌ لا أصل له.\nنعم؛ ورد: \"لا نبي بعدي\"، ومعناه عند العلماء: أنه لا يحدث بعده نبي بشرع يَنْسَخُ شرعه.\nوقد صرح الإمام السبكي في تصنيفٍ له: أن عيسى ﵇ يحكم بشريعة نبينا - ﷺ - بالقرآن والسُّنَّة (١)، وحينئذ يترجح أن أخذه للسُّنَّة من النبي - ﷺ - بطريق المشافهة من غير واسطة، أو بطريق الوحي والإلهام.\nوقد رُوي عن أبي هريرة - ﵁ - أنه لما أكثر الحديث، وأنكر عليه الناس قال: لئن نزل عيسى ابن مريم قبل أن أموت لأحدثنه عن رسول الله - ﷺ - فيصدقني.\nفقوله: (فيصدقني) دليلٌ على أن عيسى ﵇ عَالِمٌ بجميع سُنَة النبي - ﷺ -، من غير احتياج إلى أن يأخذها عن أحدٍ من الأمة، حتى إن أبا هريرة - ﵁ - الذي سمع من النبي - ﷺ - احتاج إلى أن يلجأ إليه؛ ليُصدقه فيما رواه ويزكيه.\nفإن قلت: هل ثبت أن عيسى ﵇ بعد نزوله يأتيه الوحي؟\nفالجواب: نعم؛ ثبت في حديث النواس بن سمعان - ﵁ - عند مسلم وغيره، فإن فيه: \"فيقتل عيسى الدجال عند باب لُدّ الشرقي، فبينما هم كذلك إذ أوحى الله تعالى إلى عيسى ابن مريم: أني قد أخرجت عِبادًا من عبادي لا يَدَانِ لك بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور. . .\" الحديث.\n_________\n(١) وقريبًا منه ما في \"الفتاوى الحديثية\" لابن حجر (ص/ ١٣١ ص ١٣٢). (ز).","vol":"1","page":278},{"text":"ثم الظاهر أن الجائي إليه بالوحي هو جبريل ﵇، بل هو الذي نقطع به ولا نتردد فيه؛ لأن ذلك وظيفته، وهو السفير بين الله وبين أنبيائه، لا يُعْرَفُ ذلك لغيره من الملائكة، وقد أخرج أبو حاتم في \"تفسيره\": أنه وُكّلَ جبريل ﵇ بالكتب والوحي إلى الأنبياء.\nوأما ما اشتهر على ألسنة العامة أن جبريل ﵇ لا ينزل إلى الأرض بعد موت النبي - ﷺ - فلا أصل له، وقد ورد في غير ما حديث نزوله إلى الأرض؛ كحضور موت من يموت على طهارة، ونزوله ليلة القدر، ومنعه الدجال من دخول مكة والمدينة ... إلى غير ذلك.\nثم وقفت على سؤالٍ رفع إلى شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني: هل ينزل عيسى ﵇ في آخر الزمان حافظًا للقرآن العظيم، ولسنّة نبينا الكريم - ﷺ -، أو يتلقى الكتاب والسُّنّة عن علماء ذلك الزمان؟\nفأجاب: لم يُنقل في ذلك شيءٌ صريح، والذي يليق بمقام عيسى ﵇ أنه يتلقى ذلك عن رسول الله - ﷺ -، فيحكم في أمته كما تلقاه عنه؛ لأنه في الحقيقة خليفة عنه\".\nانتهى ما أردنا نقله من كلام العلامة الشيخ علي القاري الحنفي عامله الله باللطف الخفي، وهو في غاية النفاسة.\nثم رد أيضًا قول القائل: إن المهدي يقلد الإمام أبا حنيفة ﵀، بالأدلة الشافية، لكنه قرر أنه مجتهدٌ مطلق، وهو يُخالف ما مر عن الشيخ محيي الدين في \"الفتوحات\" أن المهدي لا يعلم القياس ليحكم به، وإنما يعلمه ليجتنبه، فلا يحكم المهدي إلا بما يُلْقِي إليه المَلَكُ من عند الله الذي بعثه الله إليه يُسدده، وذلك هو الشرع الحنيفي المحمدي الذي لو كان نبينا محمد - ﷺ - حيًا، ورُفعت إليه تلك النازلة لم يحكم فيها إلا بحكم المهدي، فيعلم أن ذلك هو الشرع المحمدي، فيحرم عليه القياس مع وجود النصوص التي منحه الله إياها، ولذا قال - ﷺ - في صفته: \"يقفو أثري لا يخطئ\"، فعرفنا أنه مُتبع لا مُشرع. انتهى كلام \"الفتوحات\".\nفعلى هذا: المهدي ليس بمجتهد؛ لأن المجتهد يحكم بالقياس، وهو يحرم","vol":"1","page":279},{"text":"عليه القياس، ولأن المجتهد قد يخطئ، وهو لايخطئ قط، فإنه مَعصومٌ في أحكامه لشهادة النبي - ﷺ - له، وهذا مبنيٌّ على عدم جواز الاجتهاد في حق الأنبياء، وهو التحقيق وبالله التوفيق.\nثم نقول: إن كلام القائل المذكور بَاطلٌ وزورٌ وافتراءٌ من وجوه كثيرة:\nمنها: ما أشار إليه الشيخ علي القاري.\nومنها: أن أبا القاسم القشيري من الفقهاء الشافعية ومشايخه في الفقه والكلام والتصوف معلومةٌ؛ كما تنطق به رسالته المتداولة في أيدي المسلمين شرقًا وغربًا.\nومنها: أنه لا يُعْرَفُ له من التآليف غير كتاب \"الرسالة\"، و\"التفسير\"، وكتب أخر معدومة لا تبلغ ألف ورقة، فضلًا عن ألف كتاب.\nومنها: أن في زمن المهدي النازل عيسى ابن مريم ﵇ في زمانه الفقهاء في سائر المذاهب باقية، وأنهم أكبر أعداء المهدي؛ لذهاب جاههم وعلمهم، والقرآن باقٍ إذ ذاك لم يُرفع بعد.\nومنها: أنه كيف يجوز أن يتحير عيسى ﵇ ويُعطل أحكام المسلمين إلى أن يذهب إلى نهر جيحون وَيُخْرِجَ الكتب، وكم من حدود وخصومات ووقائع تقع في تلك المدة.\nومنها: أن جبريل ﵇ إذا نزل عليه، وأمره بأن يذهب إلى جيحون، فنزوله عليه بالوحي. ما المانع منه أن يعلمه شرع النبي - ﷺ - ولا يحوجه إلى كتب أبي القاسم؟ !\nومنها: أن الخَضِر المعلم لأبي القاسم حيٌّ عند نزول عيسى ﵇، فإنه الذي يقتله الدجال ثم يحييه، فلم لا يُعْلِمُ عيسى ﵇ كما علم أبا القاسم حتى يكون بين عيسى ﵇ وبين الإمام أبي حنيفة واسطة واحدة؟ ! .\nومنها: أن المسلمين في الصلاة حين نزول عيسى ﵇، وأن المؤذن يُؤذن، وأنه يقول للمهدي: تقدم فإنها لك أقيمت. فإن لم يكن القرآن باقيًا والمذاهب باقية، كيف يصلون وكيف تصح صلاتهم، وقد قال - ﷺ -","vol":"1","page":280},{"text":"في حقهم إنهم ملحقون بالقرون الثلاثة التي هي خير القرون؟ !\nومنها: أن الخَضِر الذي يُخاطب ربه ويُناجيه، ويُجيبه ربه ويناديه؛ لم لا يسأل ربه أن يعلمه شرائع الإسلام من غير واسطة أحد حتى يتعلم من قبر أبي حنيفة - ﵁ -؟ !\nومنها: أن الخَضِر إما أن يكون مأمورًا بتعلم شرع النبي - ﷺ - أو لا، فإن كان مأمورًا به فتركه التعلم إلى زمن أبي حنيفة - ﵁ -، بل إلى بعد موته، وهو إنما مات في سنة مئة وخمسين تَركٌ للواجب.\nوكيف يجوز للمعصوم أن يترك الواجب مئة وخمسين سنة؟ ! إذ الأصح أنه نبي وإن لم يكن مأمورًا بذلك، وإنما هو زيادة تحصيل للكمال، فلم لم يأخذه من النبي - ﷺ - غضًا طريًا؟ ! وإن لم يعلم أنه كمال إلا بعد موت أبي حنيفة - ﵁ - فقد جوز الجهل بالكمال على الأنبياء.\nومنها: أن عيسى ﵇ معصومٌ مُطلقًا، والمهدي معصومٌ في الأحكام، والإمام أبو حنيفة - ﵁ - مُجتهدٌ، والمجتهد قد يُصيب وقد يُخطئ، ولذا خالفه صاحباه في أكثر من ثلث قوله، فكيف يُقلد من لا يُخْطِئُ قط من يُخْطِئُ ويصيب؟ !\nومنها: أن جميع فقه أبي حنيفة - ﵁ - يمكن أن تُجمع أصوله وفروعه في كتاب واحد، أو في كتابين، فما الذي في ألف كتاب؟ ! إن كان معرفة الله أو الحقائق أو السلوك أو غير ذلك يلزم أن يكون عيسى ﵇ ما كان عرف الله قبل ذلك واعتقاد ذلك كُفرٌ، وإن كان غير ذلك فليبين ما فيها.\nومنها: أن من مذهب الإمام أبي حنيفة - ﵁ - أن يقبل الجزية من الكفار ويخرج الزكاة، ويبقي الصليب والخنزير في يدهم، وأن لا يجمع بين الصلاتين، وعيسى ﵇ لا يقبل الجزية، ولا يُخْرِجُ الزكاة، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، وتُجمع له الصلاة ... إلى غير ذلك.\nفإن كانت هذه الأحكام في كتب أبي القاسم القشيري فقد خالف أبا حنيفة - ﵁ -، فيلزم أن يكون مُجتهدًا مطلقًا، وحينئذ فيكون الفضل له لا لأبي حنيفة.","vol":"1","page":281},{"text":"وإن لم يكن في كتبه يلزم أن يكون عيسى ﵇ لم يعمل بما في مذهب أبي حنيفة.\nومنها: مَفاسِدُ كثيرة لا تنحصر، ولا تسعها هذه الأوراق، تظهر لمن تتبع الأحاديث المارة في هذا الكتاب.\nثم إن مثل هؤلاء الجهلة لفرط تعصبهم وعنادهم ليس مطمح نظرهم إلا تفضيل أبي حنيفة - ﵁ -، ولو بما لا أصل له، ولو بما يؤدي إلى الكفر، وليس عندهم عِلْمٌ بفضائله الجمة التي أُلفت فيها الكتب، فيرضون بالأكاذيب والافتراءات التي لا يرضاها الله ورسوله ولا أبو حنيفة - ﵁ - نفسه، ولو سمعها أبو حنيفة - ﵁ - لأفتى بكفر قائلها.\nوفي فضائل أبي حنيفة - ﵁ - المقررة المحررة كفايةٌ لمحبيه، ولا يحتاج في إثبات فضله إلى الأقوال الكاذبة المُفتراة المُؤدية إلى تنقيص الأنبياء.\nومن العجائب أنه وقع للقهستاني مع فضله وجلالته شيءٌ من ذلك، فقال في شرح خطبة \"النقاية\" أن عيسى ﵇ إذا نزل عمل بمذهب أبي حنيفة، كما ذكره في \"الفصول الستة\"، وليت شعري ما \"الفصول الستة\"، وما الدليل على هذا القول، فإنا لله وإنا إليه راجعون.\nفعليك باتباع السُّنَّة الغراء؛ فإنها حِرزٌ وحِصنٌ من الأهواء والآراء، وَجُنّة من سهام الشيطان المريد لعنه الله. وإياك والاغترار بأمثال هذه الترهات الباطلة، ودع التعصب؛ فإنه بابٌ عظيمٌ من أبواب الشيطان الرجيم.\nاللَّهم؛ إنا نعوذ بك من شر الشيطان ونفثه ونفخه، ونسألك التوفيق لما تحب وترضى، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد الأمين وعلى آله الطيبين وأصحابه أجمعين آمين.","vol":"1","page":282},{"text":"و<span data-type=\"title\" id=toc-260>من الأشراط العظيمة القريبة\nخروج يأجوج ومأجوج </span>(١):\nوهي من الفتن العظام، وقد أُشير إليهم في غير آية فقال تعالى: ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، وقال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦)﴾.\nوقال - ﷺ -: \"لا تقوم الساعة حتى يكون عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، ويأجوج ومأجوج، ونزول عيسى ابن مريم، وثلاث خسوفات، ونارٌ تخرج من قعر عدن أبين\". الحديث رواه ابن ماجه عن حذيفة بن أسيد - ﵁ -.\nوالأحاديث الواردة فيهم كثيرة، والكلام عليهم (٢) في مقامات في نسبهم، وحليتهم وسيرتهم، وخروجهم وإفسادهم وهلاكهم.\n_________\n(١) وبوب عليهما البخاري في \"صحيحه\"، وبسط الكلام عليهما الحافظ (١٣/ ٨٦). (ز).\n(٢) وقد بسطه الدميري في \"حياة الحيوان\" (٢/ ٣٣٦)، والسيوطي في \"الدر\" (٤/ ٢٥٠) (ز).","vol":"1","page":283},{"text":"المقام الأول في نسبهم\nوفي ذلك أقوال:\nأحدها: أنهم من بني آدم من بني يافث بن نوح، وبه جزم وهب وغيره، واعتمده كثير من المتأخرين.\nوقيل: إنهم من الترك؛ قاله الضحاك. وقيل: يأجوج من الترك ومأجوج من الديلم.\nوعن كعب الأحبار - ﵁ -: هم ولد آدم من غير حواء، وذلك أن آدم نام فاحتلم، فامتزجت نطفته بالتراب، فخلق الله منها يأجوج ومأجوج، ورُدَّ بأن النبي لا يحتلم، وأجيب بأن المنفي أن يرى في منامه أنه يجامع، فيحتمل أن يكون دفق الماء فقط، وهو جائزٌ كما يجوز أن يبول.\nقال الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\": والأول هو المعتمد، وإلا فأين كانوا حين الطوفان.\nوقال النووي في \"الفتاوى\": يأجوج ومأجوج من أولاد آدم من غير حواء عند جماهير العلماء، فيكونون إخوتنا لأب.\nقال الحافظ: ولم يرد هذا عن أحدٍ من السلف إلا عن كعب الأحبار.\nقال: ويرده الحديث المرفوع أنهم من ذرية نوح، ونوح من ذرية حواء قطعًا.\nوعن أبي هريرة - ﵁ -؛ رفعه: \"ولد لنوح سام، وحام، ويافث. فولد لسام: العرب وفارس والروم. وولد لحام: القبط والبربر والسودان. وولد ليافث: يأجوج ومأجوج والترك والصقالبة\".\nقال الحافظ: وفي سنده ضعف.","vol":"1","page":284},{"text":"المقام الثاني في حليتهم، وسيرتهم\nأما حليتهم: فأخرج ابن أبي حاتم من طريق شريح بن عبيد، عن كعب قال: هم ثلاثة أصناف:\nصِنْفٌ أجسادهم كالأَرز؛ وهو بفتح الهمزة وسكون الراء ثم زاي معجمة: وهو شجر كبير جدًا.\nقال في \"النهاية\": هو شجر الأَرز وهو خشب معروف، وقيل: شجر الصنوبر.\nوصِنْفٌ منهم أربعة أذرع في أربعة أذرع.\nوصِنْفٌ يفترشون إحدى آذانهم، ويلتحفون الأخرى.\nووقع في حديث حذيفة نحوه.\nوأخرج هو والحاكم من طريق أبي الجوزاء: عن ابن عباس ﵄ قال: \"يأجوج ومأجوج شبرًا شبرًا، وشبرين شبرين، وأطولهم ثلاثة أشبار\".\nوأخرج عن قتادة قال: \"يأجوج ومأجوج ثنتان وعشرون قبيلة، بنى ذو القرنين على إحدى وعشرين، وكانت منهم قبيلة غائبة في الغزو وهم الأتراك، فبقوا دون السد\".\nوأخرج ابن مردويه من طريق السُدّي قال: \"الترك سريةٌ من سرايا يأجوج ومأجوج تغيبت، فجاء ذو القرنين فبنى السَدّ فبقوا خارجًا\".\nوأخرج أحمد والطبراني عن خالد بن عبد الله بن حرملة، عن خالته؛ مرفوعًا: \"إنكم تقولون لا عدو، وإنكم لا تزالون تقاتلون عدوًا حتى تقاتلوا يأجوج ومأجوج، عراض الوجوه، صغار العيون، صُهْب الشعور من كل حدب ينسلون، كأن وجوههم المجان المطرقة\".\nقُلْتُ: وهذا يؤيد أن الترك قبيلة منهم، والصهبة بين الحمرة والسواد، ورجل أصهب وامرأة صهباء.","vol":"1","page":285},{"text":"وأما سيرتهم: أخرج ابن حبان في \"صحيحه\": عن ابن مسعود - ﵁ -؛ رفعه، قال: \"إن يأجوج ومأجوج قل ما يترك أحدهم من صلبه ألفًا من الذرية\".\nوللنسائي من رواية عمرو بن أوس، عن أبيه؛ رفعه: \"إن يأجوج ومأجوج يجامعون ما شاؤوا، ولا يموت رجل منهم إلا ترك من ذريته ألفًا فصاعدًا\".\nوأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه: \"إن يأجوج ومأجوج لهم نساء يجامعون ما شاؤوا، وشجر يلقحون ما شاؤوا. . .\" الحديث.\nوأخرج الحاكم، وابن مردويه من طريق عبد الله بن عمرو ﵄: \"إن يأجوج ومأجوج من ذرية آدم، وراءهم ثلاث أمم، ولن يموت منهم رجل إلا ترك من ذريته ألفًا فصاعدًا\".\nوأخرج الطبراني، وابن مردويه، والبيهقي، وعَبدُ بن حُميد: عن ابن عمر ﵄ بنحوه، وزاد: \"فَسمّى الأمم الثلاث: تأويل، وتأريس، ومنسك\".\nوأخرج عَبدُ بن حُميد بسندٍ صحيح عن عبد الله بن سَلام، مثله.\nوأخرج ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن عمرو ﵄ قال: \"الجن والإنس عشرة أجزاء، فتسعة أجزاء يأجوج ومأجوج، وجزء سائر الناس\".\nوقد جاء في خبر مرفوع: \"إن يأجوج ومأجوج يحفرون السد كل يوم\"، وهو فيما أخرجه الترمذي وحسنه، وابن حبان، والحاكم وصحّحاه: عن أبي هريرة - ﵁ -؛ رفعه: في السد: \"يحفرونه كل يوم حتى إذا كادوا يخرقونه قال الذي عليهم: ارجعوا فتخرقونه غدًا، فيعيده الله كأشد ما كان، حتى إذا بلغ مدتهم، وأراد الله أن يبعثهم على الناس قال الذي عليهم: ارجعوا فستخرقونه غدًا إن شاء الله تعالى، واستثنى، قال: فيرجعون فيجدونه كهيئته حين تركوه، فيخرقونه فيخرجون على الناس. . . .\" الحديث.\nقال الحافظ ابن حجر: أخرجه الترمذي، وابن ماجه، والحاكم، وعَبدُ بن حُميد، وابن حبان؛ كلهم عن قتادة، ورجال بعضهم رجال الصحيح.","vol":"1","page":286},{"text":"قال ابن العربي: في هذا الحديث ثلاث آيات:\nالأولى: أن الله منعهم أن يوالوا الحفر ليلًا ونهارًا.\nالثانية: منعهم أن يحاولوا الرقي على السد بالسلم، أو الآلة، فلم يُلْهِمهُم ذلك، ولا علمهم إياه؛ أي: مع أنه ورد في خبرهم عند وهب: أن لهم أشجارًا وزُرُوعًا، وغير ذلك من الآلات.\nالثالثة: أنه صَدَّهم أن يقولوا: إن شاء الله تعالى. حتى يجيء الوقت المحدد.\nقال الحافظ: وفيه أن فيهم أهل صناعات، وأهل ولاية وسلاطة -لعل الصواب: وسُلْطة. تأمَّل-، ورعية تُطيع من فوقها، وأن فيهم من يعرف الله، ويقر بقدرته ومشيئته.\nويحتمل أن تكون تلك الكلمة تجري على لسان ذلك الوالي من غير أن يعرف معناها، فيحصل المقصود ببركتها.\nثم روى لكل من الاحتمالين حديثًا.\nفقال: وعند عَبد بن حُميد من طريق كعب الأحبار نحو حديث أبي هريرة - ﵁ -، وقال فيه: \"فإذا جاء الأمر ألقي على بعض ألسنتهم: نأتي غدًا إن شاء الله تعالى فنفرغ منه\".\nوعند ابن مردويه من حديث حذيفة - ﵁ - نحو حديث أبي هريرة - ﵁ -، وفيه: \"فيصبحون وهو أقوى منه بالأمس، حتى يُسلم رجل منهم حين يريد الله أن يبلغ أمره فيقول المؤمنُ: غدًا نفتحه إن شاء الله تعالى، فيصبحون ثم يغدون عليه فيفتح. . . .\" الحديث وسنده ضعيف. انتهى كلام الحافظ.\nوحاصله: يحتمل أن يلقى (إن شاء الله تعالى) على لسان أحدهم؛ وهو أقوى، ويحتمل أن يُسلم واحد منهم؛ كما يدل على كُلٍّ رواية.\nولا يردّ الأول ما رواه نُعيم بن حماد في \"الفتن\" عن ابن عباس - ﵁ -؛ مرفوعًا قال: \"بعثني الله حين أسري بي إلى يأجوج ومأجوج، فدعوتهم إلى دين الله وعبادته، فأبوا أن يجيبوني، فهم في النار مع من عصى من ولد آدم وولد إبليس\"؛ كما هو واضح.","vol":"1","page":287},{"text":"المقام الثالث في خروجهم، وإفسادهم، وهلاكهم\nفقد ورد في حالهم عند خروجهم، ما أخرجه مسلم من حديث النواس بن سمعان بعد ذكر الدجال وهلاكه على يد عيسى ﵇ وغيره قال: \"ثم يأتيه -يعني: عيسى ﵇- قومٌ قد عصمهم الله من الدجال، فيمسح وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هم كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى: أن قد أخرجت عبادًا لي لا يَدَان لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج فيخرجون على الناس، فينشفون الماء، ويتحصن الناس منهم في حصونهم، ويضمون إليهم مواشيهم، ويشربون مياه الأرض حتى إن بعضهم ليمر بالنهر فيشربون ما فيه، حتى يتركوه يبسًا، حتى إن من يمر من بعدهم ليمر بذلك النهر فيقول: قد كان ههنا ماء مرة. حتى إذا لم يبق من الناس أَحَدٌ إلا أخذ في حصن أو مدينة، ويمرون ببحيرة طبرية، فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم، فيقول: لقد كان بهذه مرة ماء. ويحصر عيسى نبي الله وأصحابه، حتى يكون رأس الثور ورأس الحمار لأحدهم خيرًا من مئة دينار\".\nوفي روايةٍ لمسلم وغيره: \"فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض، هَلُمَّ فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهم إلى السماء، فيردها الله عليهم مخضوبة دمًا\".\nوفي رواية: \"ثم يهز أحدهم حربته ثم يرمي إلى السماء، فترجع إليه مخضبة دمًا للبلاء والفتنة، فيرغب نبي الله وأصحابه إلى الله، فيرسل عليهم النَّغَف في رقابهم\".\nوفي رواية: \"دودًا كالنغف في أعناقهم -وهو بفتح النون والغين المعجمة: دودٌ يكون في أنوف الإبل والغنم- فيصبحون موتى كموت نفسٍ واحدة لا يسمع لهم حس، فيقول المسلمون: ألا رجل يشري لنا نفسه فينظر ما فعل هذا العدو؟ فيتجرد رجل منهم محتسبًا نفسه قد وطنها على أنه مقتول، فينزل فيجدهم موتى بعضهم على بعض، فينادي: يا معشر المسلمين؛ ألا أبشروا إن الله ﷿ قد كفاكم عدوكم.","vol":"1","page":288},{"text":"فيخرجون من مدائنهم وحصونهم وَيُسرّحُون مواشيهم، فما يكون لها مرعى إلا لحومهم فتشكَر عنه -بفتح الكاف؛ أي: تسمن- بأحسن ما شكَرت عن شيء، وحتى إن دواب الأرض لتسمن وتشكر شكرًا من لحومهم ودمائهم، ويهبط نبي الله عيسى وأصحابهم إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأ زهمهم -أي: شحمهم-، ونتنهم -أي: ريحهم- من الجيف، فيؤذون الناس بنتنهم أشد من حياتهم، فيستغيثون بالله فيبعث ريحًا ثمانية غبراء، فتصير على الناس غمًا ودخانًا، وتقع عليهم الزكمة ويكشف ما بهم بعد ثلاث وقد قذفت جيفهم في البحر\".\nوفي رواية: \"فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل طيرًا كأعناق البُخت فتحملهم، فتطرحهم حيث شاء الله تعالى\".\nوفي رواية: \"في النار\"، ولا منافاة فإن البحر يسجر فيصير نارًا يوم القيامة.\nثم يرسل الله مطرًا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة -أي: المرآة، بحيث يرى الإنسان فيها وجهه من صفائها-، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك، وردي بركتك. فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون بقحفها، ويوقد المسلمون من قسي يأجوج ومأجوج ونشابهم وأترستهم سبع سنين.\nفائِدَة\nاختلفوا في اشتقاق يأجوج ومأجوج، فقيل: من أجيج النار؛ وهو التهابها.\nوقيل: من الأجة بالتشديد؛ وهي الاختلاط أو شدة الحر. وقيل: من الأج؛ وهو سرعة العدو. وقيل: من الأُجاج؛ وهو الماء الشديد الملوحة.\nوعلى التقادير كلها: وزنهما يفعول ومفعول، وهو ظاهر قراءة عاصم؛ فإنه وحده قرأه بالهمزة. وكذا قراءة الباقين إن كانت الألف مُسهلة من الهمزة.\nوقيل: فاعول، من يج ومج.\nوقيل: مأجوج؛ من ماج إذا اضطرب، ووزنه أيضًا مفعول، قاله أبو حاتم قال: والأصل موجوج.","vol":"1","page":289},{"text":"وجميع ما ذكر من الاشتقاق مناسب لحالهم، ويؤيد الاشتقاقَ وقولَ من جعله من ماج قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾، وذلك حين يخرجون من السد.\nخَاِتمَة\nاشتملت قصة عيسى ﵇ على جملة من الأشراط، فلنشر إليها:\nمنها: قتال اليهود:\nأخرج مسلم عن أبي هريرة - ﵁ -: \"لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبيء اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر والشجر: يا عبد الله؛ هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إلا الغرقد؛ فإنه من شجر اليهود\".\nومنها: قتال يأجوج ومأجوج:\nأخرج أحمد، والطبراني: عن خالة خالد بن حرملة: \"إنكم لا تزالون تقاتلون عدوًا حتى تقاتلوا يأجوج ومأجوج، عراض الوجوه، صغار العيون، صُهْب الشعور، من كل حدب ينسلون\".\nومنها: مطرٌ لا يكن منه بيت مدر ولا وبر:\nأخرج أحمد عن أبي هريرة - ﵁ -: \"لا تقوم الساعة حتى يمطر الناسُ مطرًا لا تكن منه بيوت المدر ولا بيوت الوبر\".\nومنها: انقطاع الجهاد ورجوع الناس حراثين:\nأخرج الطبراني عن أبي أمامة - ﵁ -: \"لا تقوم الساعة حتى ترجعوا حراثين\".\nومنها: نزول الخلافة في الأرض المقدسة:\nأخرج أحمد، وأبو داود، والحاكم: عن ابن حوالة؛ مرفوعًا: \"يا بن حوالة؛ إذا رأيت الخلافة نزلت الأرض المقدسة فقد دنت الزلازل، والبلابل، والأمور","vol":"1","page":290},{"text":"العظام، والساعة يومئذ أقرب من الناس من يدي هذه من رأسك\"، وكان وضع يده على رأسه.\nوهذا: إن أريد مطلق الخلافة فقد وقع في زمن بني أمية، فيكون من القسم الأول وقد ذكرنا هناك بعض الأمور العظام. وإن أريد الخلافة الكاملة فسيكون في زمن المهدي وعيسى ﵉.\nوالأمور العظام هي:\nالدابة، والشمس، والنار، والريح. . . إلى غير ذلك.\nويدل للثاني آخر الحديث: \"الساعة يومئذ أقرب\". . . إلى آخره.\nومنها: كثرة المال:\nأخرج الشيخان عن أبي هريرة - ﵁ -: \"لا تقوم الساعة حتى يكثر المال، ويفيض حتى يخرج الرجل بزكاة ماله فلا يجد أحدًا يقبلها منه، وحتى تعود أرض العرب مُروجا وأنهارًا\".\nوفي رواية: \"حتى يكثر المال فيكم\".\nوقد ذكر هذا في القسم الأول، ولا مانع أن تكون الرواية الثانية إشارة إلى ما وقع في زمن عثمان وعمر بن عبد العزيز ﵄؛ لقرينة قوله: \"فيكم\"؛ يعني: الصحابة. والرواية الأولى لما سيقع في زمن المهدي وعيسى ﵉، ولذا ذكرناه في القسمين.\nومنها: أن يكون رأس الثور بالأوقية:\nأخرج ابن أبي شيبة عن قيس: لا تقوم الساعة حتى يُقَوَّمَ رأس البقرة بالأوقية؛ أي: وذلك في حصار يأجوج ومأجوج لعيسى ﵇ وأصحابه؛ كما مر.\nومنها: نُشُوفُ بحيرة طبرية: كما مر أنها يشربها يأجوج ومأجوج.\nومنها: رخص الخيل، وغلاء الثور:\nأخرج ابن ماجه، وابن خزيمة، وغيرهما: عن أبي أمامة - ﵁ -: \"إن من","vol":"1","page":291},{"text":"أشراطها: \"أن يكون الفرس بالدريهمات، ويكون الثور بكذا وكذا مئة دينار\"، قيل: وما يُرخِصُ الخيل يا رسول الله؟ قال: \"عدم الجهاد\". قيل: فما يُغلي الثور؟ قال: \"إن الأرض تُحرث كلها\".\nومنها: نزول البركات:\nونَزعُ سُمِّ كل صاحب سُمْ ... إلى غير ذلك.\nومن الأشراط القريبة: خراب المدينة قبل يوم القيامة بأربعين سنة، وخروج أهلها منها:\nأخرج أبو داود عن معاذ - ﵁ -؛ مرفوعًا: \"عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية، وفتح القسطنطينية خروج الدجال\".\nوَروى الطبراني: \"سيبلغ البناء سَلعًا، ثم يأتي على المدينة زمان يمر السفر على بعض أقطارها فيقول: قد كانت هذه مرة عامرة من طول الزمان وعفو الأثر\"، وروى أحمد نحوه بإسنادٍ حسن.\nوروي أيضًا برجال ثقات: \"المدينة يتركها أهلها وهي مرطبة، قالوا: فمن يأكلها؟ قال: السباع والعوافي\".\nوفي \"الصحيحين\": \"لتتركن المدينة على خير ما كانت، مذللة ثمارها لا يغشاها إلا العوافي -يريد: عوافي الطير والسباع- وآخر من يحشر منها راعيان من مُزينة. . . .\" الحديث.\nوَروى ابن زَبالة، وتبعه ابن النجار: \"لا تقوم الساعة حتى يَغْلِبَ على مسجدي هذا الكلاب والذئاب والضباع، فيمر الرجل ببابه فيريد أن يُصلي فيه، فما يقدر عليه\".\nوَروى ابن أبي شيبة بسندٍ صحيح حديث: \"أما والله لتدعنها مذللة أربعين عامًا للعوافي، أتدرون ما العوافي؟ الطير والسباع\". ورواه ابن زَبالة بنحوه.","vol":"1","page":292},{"text":"وَروى الديلمي في \"مسند الفردوس\": عن عوف بن مالك قال: \"تخرب المدينة قبل يوم القيامة بأربعين سنة\".\nورُوي عن أبي هريرة - ﵁ -: \"لا تقوم الساعة حتى يجيء الثعلب فيربضَ على منبر رسول الله - ﷺ -، فلا ينهضه أحد\".\nوَروى ابن شبة حديث: \"ليخرجن أهل المدينة منها، ثم يعودون إليها، ثم ليخرجن منها، ثم لا يعودون إليها أبدًا، وليدعنها خير ما تكون مونقة\"، وروي أيضًا عن عمر - ﵁ - نحوه مرفوعًا.\nوقد مر في القسم الأول الترك الأول، وهذا هو الترك الثاني.\nوسبب خرابها -والله أعلم- أنهم يخرجون مع المهدي إلى الجهاد، ثم ترجف بمنافقيها وترميهم إلى الدجال، ثم يبقى فيها المؤمنون الخُلص، فيهاجرون إلى بيت المقدس.\nفقد ورد: \"ستكون هجرة بعد هجرة، وخِيَارُ الناس يومئذ ألزمهم مهاجر إبراهيم. . . .\" الحديث.\nومن بقي منهم تقبض الريح الطيبة -التي يأتي ذكرها- أرواحهم، فتبقى خاوية، وهذا سر خرابها قبل غيرها.\nتنبيه\nرَوى المَرجاني في \"أخبار المدينة\": عن جابر - ﵁ - مرفوعًا: \"ليعودن هذا الأمر -أي: الدِّين- إلى المدينة كما بدأ منها، حتى لا يكون إيمان إلَّا بها. . . .\" الحديث.\nورَوى النسائي عن أبي هريرة - ﵁ -: \"آخر قرية من قرى الإسلام خرابًا المدينة\"، ورواه ابن حبان بلفظ: \"آخر قرية في الإسلام خرابًا المدينة\".\nوصح: \"إنَّ الدين ليأرز إلى المدينة؛ كما تأرز الحية إلى جحرها\".\nوهذه الروايات بحسب الظاهر تنافي الروايات السابقة، وطريق الجمع بينها أن","vol":"1","page":293},{"text":"الفتن تَعُمّ الدنيا كلها كما مر في خروج المهدي، ويبقى أهل المدينة مع المهدي، فيأرز الدين إلى المدينة حينئذ؛ لأنهم المؤمنون الكاملون التابعون للخليفة الحق، فإنه إذا كان الإمام الحق موجودًا فمن لم يعرفه، ولم يبايعه مات مِيتةً جاهلية، فهذا محط: \"إن الدين ليأرز إلى المدينة\".\nثم إنها تنفي خبثها في زمن الدجال، وتخرج منافقيها ويبقى فيها الإيمان الخالص، بخلاف بيت المقدس وغيرها من البلدان؛ فإنه يبقى فيهم أهل الذمة والمنافقون؛ لأنهم إنما يؤمنون بعد نزول عيسى ﵇، وهذا محط حديث جابر - ﵁ -: \"حتى لا يكون إيمان إلَّا بها\"؛ أي: إيمان خالصٌ لا يشوبه نفاق.\nثم إنه تجيء الريح الباردة -الآتية فيما بعد-، فتقبض كل مؤمن ومؤمنة، وإنها تأتي من الشام أو من اليمن، أو من كليهما؛ كما جُمِعَ به بين الروايتين، ولا شك أن التي تأتي من الشام تبدأ بأهل الشام، وأن التي تأتي من اليمن تبدأ بأهل اليمن، فلا تنتهيان إلى المدينة إلا بعد هلاك أهل الإقليمين من المؤمنين، فيكون آخر من يُقبض من المؤمنين أهل المدينة، وهذا محط حديث أبي هريرة - ﵁ - الذي عند النسائي، والترمذي، وابن حبان المارّ.\nثم إنها حينئذ لا يكون بها غير المؤمنين؛ لأنها تخلصت في زمن الدجال، فبمجرد موتهم تخرب، وتبقى بقية الدنيا عامرة بشرار الناس، وعليهم تقوم الساعة، كما يأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى.\nوهذا مما ظهر لي عند كتابتي لهذا المحل، ولعله ليس بعيدًا عن الصواب، ولم أقف في كلام أحدٍ عليه، فإن يكن خطأ فهو مني لا من أحد، ونسأل الله السداد.\nوإنما ذكرته هنا وإن كان يصلح أن يذكر بعد طلوع الشمس من مغربها والدابة أيضًا؛ لأن ابتداء خرابها بالخروج عنها كما دلت عليه الأحاديث، والخروج يكون في زمن عيسى ﵇، فلهذا ذكرناه هنا، والله أعلم.","vol":"1","page":294},{"text":"ومنها: بلوغ بناء المدينة سلعًا:\nوهذا وقع زمن الصحابة، وهو واقعٌ اليومَ أيضًا، وقد مرَّ حديثُه.\nومنها: بلوغ بنائها إهاب أو يهاب؛ بالهمز أو الياء:\nفقد ورد: \"لا تقوم الساعةُ حتى يبلغ البناء إهاب أو يهاب\" وهو موضعٌ قريبٌ بالحرة العربيَّة. وهذا قد كادَ أن يقع.\nومنها: مطرٌ لا تكنُّ منه بيوت الشعر:\nفقد وردَ: \"لا تقوم السَّاعة حتى يمطر بالمدينة مطر لا تكن منه بيوت المدر، إنما تكنّ منه بيوت الشعر\".\nوفي لفظٍ: \"ولا يكن منه إلا بيوت الشعر\"، والله أعلم.\nومنها: خروج القحطاني (١)، والجهجاه، والهيثم، والمقعد، وغيرهم بعد عيسى والمهدي ﵉:\nأخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: \"ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الدجال، ويمكث أربعين عامًا يعمل فيهم بكتاب الله تعالى وسنتي، ويموت، فيستخلفون بأمر عيسى رجلًا من بني تميم يقال له: المقعد، فإذا مات المقعد لم يأت على الناس ثلاث سنين حتى يُرفع القرآن من صدور الرجال؛ أي: من صدور\n_________\n(١) اختُلِفَ في أن القحطاني والجهجاه واحدٌ؛ كما حكى الحافظ (١٣/ ٦٢) عن القرطبي، أو اثنان، وأشار صاحب \"علامة قيامة\" إلى الوحدة، وميل المُصنف إلى الثاني كما سيأتي قريبًا.\nثم ظاهر ميل الحافظ إلى أن القحطاني فاسقٌ، ويظهر مما سيأتي من كلام المصنف أنه على سيرة المهدي. فتأمل.\nوبذلك جزم ابن حجر في \"الفتاوى الحديثية\" (ص ٣٢). هذا وقد مضى في سالف الزمان رجلٌ يُسمى: القحطاني في خلافة يزيد بن عبد الملك، كان اسمه: يزيد بن المهلب كما في \"الخميس\" (٢/ ٣١٨).\nوالجهجاه أيضًا له ذكر في \"الخميس\" (١/ ٤٧١)، وذكر الحافظ في (١٣/ ١٧٠) ما يتعلق بالقحطاني أيضًا. (ز).","vol":"1","page":295},{"text":"بعضهم، ويبدو النقص فيهم\"؛ ليوافق ما يأتي من بقاء الدين مدة مديدة بعد عيسى ﵇.\nوأخرج الطبراني عن علياء السلمي قال: \"لا تقوم الساعة حتى يملك الناس رجل من الموالي يقال له: جهجاه\".\nوروى مسلم عن أبي هريرة - ﵁ - قال: \"لا تذهب الأيام والليالي حتى يملك رجل يقال له: الجهجاه\".\nوأخرج الشيخان عنه: \"لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه\".\nوأخرج الطبراني في \"الكبير\"، وابن منده، وأبو نُعيم، وابن عساكر: عن قيس بن جابر، عن أبيه، عن جده: أن النبي - ﷺ - قال: \"ستكون من بعدي خلفاء، ومن بعد الخلفاء أمراء، ومن بعد الأمراء ملوك جبابرة، ثم يخرج رجل من أهل بيتي يملأ الأرض عدلًا كما مُلئت جَورًا، ثم يؤمر القحطاني، فوالذي بعثني بالحق ما هو دونه\".\nوأخرج نُعيم بن حماد، عن سليمان بن عيسى قال: بلغني أن المهدي يملك أربع عشرة سنة ببيت المقدس، ثم يموت، ثم يكون من بعده رجلٌ من قوم تبع يقال له: المنصور؛ أي: وهو القحطاني، يمكث ببيت المقدس إحدى وعشرين سنة، ثم يقتل، ثم يملك رجلٌ من الموالي ويمكث ثلاث سنين، ثم يقتل، ثم يملك بعده هيثم المهدي ثلاث سنين وأربعة أشهر وعشرة أيام.\nوأخرج نُعيم بن حماد: عن كعب قال: يموت المهدي ثم يلي الناس بعده رجل من أهل بيته فيه خيرٌ وشَرّ، وشره أكثر من خيره، يُغْضِبُ الناس يدعوهم إلى الفرقة بعد الجماعة، بقاؤه قليل، يثور به رجلٌ من أهل بيته فيقتله.\nوأخرج أيضًا عن الزُّهري قال: يموت المهدي موتًا يصير الناس بعده في فتنة، ويُقْبِلُ إليهم رجلٌ من بني مخزوم فيبايع له، فيمكث زمانًا، ثم يُنادي مُنادٍ من السماء ليس بإنس ولا جان: بايعوا فلانًا، ولا ترجعوا على أعقابكم بعد الهجرة. فينظرون","vol":"1","page":296},{"text":"فلا يعرفون الرجل، ثم يُنادي ثلاثًا، ثم يُبايع المنصور، فيسير إلى المخزومي فينصره الله عليه فيقتله ومن معه.\nوأخرج أيضًا عن كعب قال: يتولى رجل من بني مخزوم، ثم رجلٌ من الموالي، ثم يسير رجلٌ من العرب جسيم طويل عريض ما بين المنكبين، فيقتل من لقيه حتى يدخل بيت المقدس، فيموت موتًا، ثم تكون الدنيا شرًا مما كانت، ثم يلي بعده رجل من مضر، يقتل أهل الصلاح، ظلوم غشوم، ثم يلي من بعد المضري اليماني القحطاني، يسير بسيرة المهدي، وعلى يديه تفتح مدينة الروم.\nوأخرج أيضًا عن الوليد، عن معمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما القحطاني بدون المهدي؟ ! \".\nوأخرج أيضًا عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: \"بعد الجبابرة الجابر، ثم المهدي، ثم المنصور، ثم السلام، ثم أمير العصب\".\nوأخرج أيضًا عن ابن عمرو ﵄ قال: \"ثلاثة أمراء يتوالون يفتح اللهُ الأرض كلها عليهم: صالح الجابر، ثم المفرج، ثم ذو العصب، يمكثون أربعين سنة، ثم لا خير في الدنيا بعدهم\".\nوأخرج أيضًا عن كعب قال: \"يكون بعد المهدي خليفة من أهل اليمن من قحطان أخو المهدي في دينه، يعمل بعمله وهو الذي يفتح مدينة الروم ويصيب غنائمها\".\nوأخرج أيضًا عن أرطاة قال: بلغني أن المهدي يعيش أربعين عامًا، ثم يموت على فراشه، ثم يخرج رجلٌ من قحطان مثقوب الأذنين على سيرة المهدي، بقاؤه عشرين سنة، ثم يموت قتيلًا بالسلاح، ثم يخرج من بيت النبي - ﷺ - مهديٌّ حسن السيرة يغزو مدينة قيصر، وهو آخر أمير من أمة محمد - ﷺ -، ثم يخرج في زمانه الدجال.\nتنبيه\nهذه الأحاديث أكثرها متعارضة، وقد قال الفقيه ابن حجر في \"القول المختصر\": الذي يتعين اعتقاده ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة من وجود المهدي","vol":"1","page":297},{"text":"المنتظر الذي يخرج الدجال، وعيسى ﵇ في زمانه، ويُصلي عيسى خلفه، وأنه المراد حيث أُطْلِقَ المهدي، والمذكورون قبله لم يصح فيهم شيء، والذين بعده أمراء صالحون أيضًا لكن ليسوا مثله، فهو الأَخْيَر في الحقيقة. انتهى\nأقول: غاية ما يمكن في الجمع: أن المهدي الكبير هو الذي يفتح الروم، ويخرج الدجال في زمنه، ويُصلي عيسى ﵇ خلفه، وأن الخلافة تكون له ولقريش من بعده، وأن عيسى ﵇ لا يَسْلبُ قريشًا مُلكها رأسًا، وإنما تكون إليه المشورة وهو الحَكَمُ فيهم يعلمهم الدين، ومر إشارةٌ إلى ذلك، ثم يلي بعد المهدي رجلٌ من أهل بيته في سيرته، ويكون القحطاني مع المهدي في زمانه.\nومعنى فتحه لمدينة الروم كما ورد عن كعب: أنه يكون أميرًا على السرية التي يُرسلها المهدي إلى فتح مدينة الروم، فيفتحها في حال تابعيته لا في حال خلافته ومتبوعيته، ثم يموت عيسى ﵇، ثم بعد عيسى ﵇ يتولى باستخلافه المقعد؛ وهو أيضًا من قريش، فإذا مات تولى من قريش من لا يحسن سيرته، فيخرج عليه المخزومي، ولعله الجهجاه، ويدعو إلى الفُرقَة، فيخرج عليه القحطاني بسيرة المهدي؛ وهو الملقب بالمنصور، وهو المراد: بـ\"رجل من تبع\" وبـ\"رجل من اليمن\"، ويمكث إحدى وعشرين سنة، والذي قال: عشرين. ألغى الكسر، ثم تنتقص الدنيا ويملك الموالي، ويغلب الشر إلى أن تطلع الشمس من المغرب، والله أعلم.\nومن الأشراط العظام: هدم الكعبة، وسَلبُ حُلِيها، وإخراج كنزها:\nأخرج الشيخان والنسائي عن أبي هريرة - ﵁ - قال: \"يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة\".\nوأخرج أحمد عن ابن عمرو ﵄ نحوه، وزاد: \"ويَسلبها حليتها ويجردها من كسوتها، ولكأني أنظر إليه أُصَيلع أُفَيدع، يضرب عليها بمسحاته ومعوله\".\nوأخرج الأزرقي عنه: \"يجيش البحر بمن فيه من السودان، ثم يسيلون سيل النمل","vol":"1","page":298},{"text":"حتى ينتهوا إلى الكعبة فيخربونها، والذي نفسي بيده إنى لأنظر إلى صفته فى كتاب الله تعالى؛ أُفَيحج أُصَيلع أُفَيدع، قائمًا يهدمها بمسحاته\".\nوأخرج الحاكم عن الحارث بن سويد قال: سمعت عليًا - ﵁ - يقول: حجوا قبل أن لا تحجوا، فكأني أنظر إلى حبشي أصلع وأفدع، بيده معول يهدمها حجرًا حجرًا، فقلت له: شيء تقول برأيك أو سمعته من النبي - ﷺ -؟ فقال: لا والذي فَلق الحبة وبرأ النَّسمة، ولكني سمعته من نبيكم.\nوفي \"الصحيحين\": \"كأني به أسود أفحج يهدمها حجرًا حجرًا\".\nوفي حديث علي كرم الله وجهه عند أبي عُبيد في \"غريب الحديث\": من طريق أبي العالية قال: استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يُحال بينكم وبينه، فكأني برجل من الحبشة أصلع، أو قال: أصمع، أحمش الساقين، قاعد عليها وهي تُهدم.\nورواه الفاكهي من هذا الوجه ولفظه: \"أصعل\" بدل \"أصلع\"، وقال: قائمًا عليها يهدمها بمسحاته. ورواه يحيى الحِمّاني في \"مسنده\" من وجه آخر عن عليٍّ مرفوعًا، ورواه الأزرقي عنه بنحوه.\nتنبيه\n(السويقتان): تصغير الساقين؛ أي: دقيق الساقين؛ كما هو غالب في سوق الحبشة.\nو(الأصلع): من ذهب شعر مقدم رأسه، و(الأُصيلع): تصغيره.\nو(الأفيدع): تصغير (الأفدع)؛ وهو من في يديه اعوجاج.\nو(الأصعل): الصغير الرأس، و(الأصمع): الصغير الأذنين، وقيل: الكبير الأذن، و(الأسود) واضح، و(الأفحج): المتباعد الفخذين.\nقال في \"فتح الباري\": ووقع في هذا الحديث عند أحمد من طريق سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة - ﵁ - بأتم من هذا السياق.","vol":"1","page":299},{"text":"ولفظه: \"يبايع لرجل بين الركن والمقام، ولن يستحل هذا البيت إلَّا أهله، فإذا استحلوه فلا تسأل عن هلكة العرب، ثم يجيء الحبشة فيخربونه خرابًا لا يَعْمُر بعده أبدًا، وهم الذين يستخرجون كنزه\"، ورواه بهذا اللفظ الأزرقي في \"تاريخ مكة\"، والحاكم وصححه.\nوفي رواية عنه مرفوعًا: \"لا يستخرج كنز الكعبة إلَّا ذو السويقتين من الحبشة\".\nتنبيه\nقيل: هذا مخالفٌ لقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾، ولأن الله رد عن مكة الفيل ولم يُمكِّن أصحابه من تخريب الكعبة، ولم تكن إذ ذاك قبلة، فكيف يسلط عليها الحبشة بعد أن صارت قبلة للمسلمين؟\nوأجيب: بأن ذلك محمول على أنه يقع في آخر الزمان قرب قيام الساعة، حتى لا يبقى في الأرض أحد يقول: الله الله وفيه: أنه يخالف ما يأتي عن كعب أنه يقع في زمن عيسى.\nوالأولى ما أشار إليه في \"فتح الباري\"؛ وهو أن يقال: قد أشار - ﷺ - إلى الجواب في الحديث بقوله: \"ولن يستحل هذا البيت إلا أهله\"، ففي زمن أصحاب الفيل ما كان أهله استحلوه، فمنعه الله منهم، وأما الحبشة فلا يهدمونه إلَّا بعد استحلال أهله له مرارًا، فقد استباحها أهل الشام في زمن يزيد بأمره، ثم الحجاج في زمن عبد الملك بأمره، ثم القرامطة بعد الثلاث مئة، فقتلوا من المسلمين في المطاف ما لا يُحصى، وقلعوا الحجر ونقلوه لبلادهم، وقد مر جميع ذلك في القسم الأول.\nفلما وقع استحلاله من أهله مرارًا أمكن الله غيرهم من ذلك أيضًا، على أنه ليس في الآية استمرار إلا من المذكورين فيه.\nخاتمة\nاختلفوا في هدم الكعبة: هل هو في زمن عيسى (١) ﵇، أو عند قيام الساعة حين لا يبقى أحد يقول: الله الله؟\n_________\n(١) وبهذا جزم صاحب \"الإحياء\" كما في هامش \"الإتحاف\" (٤/ ٢٧٩). (ز).","vol":"1","page":300},{"text":"فعن كعب - ﵁ -: أنه في زمن عيسي ﵇، وكذا قال الحليمي، وأن الصريخ يأتي عيسى ﵇ بذلك، فيبعث إليه طائفة ما بين الثمانية إلى التسعة.\nوقيل: هدمها في زمانه، وبعد هلاك يأجوج ومأجوج يحج الناس ويعتمرون؛ كما ثبت، وأن عيسي ﵇ يحج أو يعتمر، أو يجمعهما، ولا ينافيه ما ورد: \"لا تقوم الساعة حتي لا يُحَج البيت\".\nوفي لفظ: \"استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يُرفع؛ فقد هدم مرتين ويرفع في الثالثة\".\nقال الحافظ ابن حجر: وجدت في كتاب \"التيجان\" لابن هشام: أنَّ عمر بن عامر كان ملكًا مُتوجًا، وكان كاهنًا مُعمرًا، وأنه قال لأخيه عمرو بن عامر المعروف بمزيقيا لما حضرته الوفاة: إن بلادكم ستخرب، وإن لله في أهل اليمن سخطتين ورحمتين، فالسخطة الأولي: هدم سد مأرب، وخراب البلاد بسببه.\nوالثانية: غلبة الحبشة علي اليمن.\nوالرحمة الأولي: بِعثَةُ نبي من تهامة اسمه محمد يرسل بالرحمة، ويغلب أهل الشرك.\nوالثانية: إذا خرب بيت الله يبعث الله رجلًا يقال له: شعيب بن صالح، فَيُهلك من خَرّبهُ، ويخرجهم حتي لا يكون في الدنيا إيمان إلا بأرض اليمن.\nقال الحافظ: إن ثبت هذا عُلم منه اسم القحطاني وسيرته وزمانه. اهـ\nقُلْتُ: ليس فيما ذكر أنَّ ذلك هو القحطاني، ولم لا يجوز أن يكون شعيب بن صالح التميمي القادم بالرايات السود إلي المهدي، وأنه يُرسله عيسي ﵇ إليه حين يأتيه الصريخ؟ ويؤيده كون لقبه: المنصور، وبتقدير أن يكون هو إياه، فجائز أن يكون قبل خلافته، ويكون فيمن أرسله عيسي ﵇ أميرًا عليهم، وكونه رحمة لأهل اليمن لا يلزم أن يكون منهم، ويكفي في كونه رحمة لهم كونه يدفع الحبشة عنهم بحيث لا يبقي إيمان إلَّا باليمن، ثم إنَّ الحجاز من اليمن، ولذا يقال للكعبة يمانية، ومنه يُعلم أن ليس في هذا دليلٌ علي تأخر إيمان أهل اليمن عن أهل","vol":"1","page":301},{"text":"المدينة حتي يتعارض الحديثان، ويؤيد ذلك: أن المراد باليمن الحجاز؛ لأن الخلافة حينئذ تكون بالأرض المقدسة لا باليمن، والله أعلم.\nوأيما كان فهذا أيضًا يدل علي تقدم هدمها علي موت المؤمنين.\nولكن يبقي احتمال أن يكون بعد الدابة؛ لما مر أنها تخرج ليلة المزدلفة، وأنها تطوف علي الناس بمني، إلا أن يقال إنها تحج بعد خرابها أو هدمها، وأن مكة تبقي معمورة بعدها.\nوقيل: إن هدمها بعد الآيات كلها قرب قيام الساعة حتي ينقطع الحج، ولا يبقي في الأرض من يقول: الله الله.\nويؤيد هذا: أن زمن عيسي ﵇ كله زمن سِلْمٍ وخير وبركة وأمن، وأنها قبلة المسلمين والحج إليها أحد أركان الدين، فينبغي أن تبقي ببقاء المسلمين، وأنها تهدم مع رفع القرآن، وسنشير إليه ثَمَّ أيضًا إن شاء الله تعالي.\nفائِدَة\nقال الفقهاء: إذا هدمت الكعبة -والعياذ بالله- فَعَرصَتُهَا بمنزلتها، فمن صلى خارجها جاز استقبالها مُطلقًا ولو كان أعلي منها؛ كمن صلي علي أبي قُبيس، ومن صلي فيها لابد وأن يستقبل شاخصًا قدر ثلثي ذراع إلى ذراع من بنائها، أو ما لحق بذلك؛ كعصًا مُسَمّرة، أو شجرة نابتة ولو يابسة، أو تراب منها مجتمع، أو حجر منها، أو حفرة ينزل فيها مقدار ما ذكر، وإلا فلا تصح صلاته.\nوكذا الطواف يجب أن يكون خارجها، وبالله التوفيق.\n\nتَذْنيبٌ يناسب ذكره المقام، نورده تتميمًا للفائدة\nفي \"مسند الروياني\": عن أبي ذر - ﵁ -: أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: \"سيكون رجل من قريش أخنس يلي سُلطانًا، ثم يُغلب عليه -أو: يُنْزَعُ منه- فيفر إلى الروم، فيأتي بهم إلى الإِسكندرية، فيقاتل أهل الإسلام بها، فذلك أول الملاحم\".","vol":"1","page":302},{"text":"وفي رواية عنه: \"سيكون بمصر رجلٌ من بني أمية أخنس\"، بنحوه.\nوروي نُعيم بن حماد: عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: \"يقاتلكم أهل الأندلس بوسيم، فيأتيكم مددكم من الشام فيهزمهم الله\".\nوعن عمر - ﵁ -: أنه قال لرجل من أهل مصر: ليأتينَّكم أهل الأندلس فيقاتلونكم بوسيم حتي تركض الخيل في الدم؛ يهزمهم الله، ثم تأتيكم الحبشة في العام الثاني.\nوأخرج أيضًا عن أبي قبيل قال: خرج يومًا وردان من عند مسلمة بن مخلد وهو أمير علي مصر، فمر علي عبد الله بن عمرو مستعجلًا، فناداه فقال: أين تريد؟ فقال: أرسلني الأمير إلى مَنَفْ فأحفر له كنز فرعون. قال: فارجع إليه، وأقرئه مني السلام، وقل له: إن كنز فرعون ليس لك، ولا لأصحابك، إنما هو للحبشة، يأتون في سفنهم يريدون الفسطاط، فيسيرون حتي ينزلوا منفًا، فيظهر الله لهم كنز فرعون، فيأخذون منه ما شاؤوا، فيقولون: ما نبغي غنيمة أفضل من هذه. فيرجعون ويخرج المسلمون في آثارهم حتي يدركوهم، فيهزم الله الجيش، فيقتلهم المسلمون، ويأسرونهم. أخرجها الحافظ السيوطي في جزءٍ له.\nوقال في \"أزهار العروش في أخبار الحبوش\": أخرج الحاكم في \"المستدرك\" من طريق عبد الله بن صالح: حدثني الليث: حدثني أبو قبيل: عن عبد الله بن عمرو ﵄: أن رجلًا من أعداء المسلمين بالأندلس يقال له: ذو العرف، يجمع من قبائل الشرك جمعًا عظيمًا، يعرف من بالأندلس أن لا طاقة لهم، فيهرب أهل القوة من المسلمين في السفن فيجيزون إلى طنجة ويبقي ضعفة الناس وجماعتهم ليس لهم سفنٌ يجيزون عليها، فيبعث الله وَعْلًا وينشره لهم في البحر، فيجيز الوعل لا يغطي الماء أظلافه، فيراه الناس فيقولون: الوعل الوعل؛ اتبعوه. فيجيز الناس علي أثره كلهم، ثم يصير البحر علي ما كان عليه، ويجيز العدو في المراكب، فإذا حستهم أهل إفريقية هربوا كلهم من أفريقية ومعهم من كان بالأندلس من المسلمين حتي يدخلوا الفسطاط، وَيُقْبِل ذلك العدو حتي ينزلوا فيما بين ترنوط إلى الأهرام مسيرة خمسة بُرُد، فيملؤون ما هناك شرًا، فتخرج إليهم راية المسلمين علي الجسر فينصرهم الله","vol":"1","page":303},{"text":"عليهم، فيهزمونهم ويقتلونهم إلى لوعة مسيرة عشر ليال، ويستوقد أهل الفسطاط بعجلهم وأوانيهم سبع سنين، وينفلت ذو العرف من القتل ومعه كتابٌ لا ينظر فيه إلَّا وهو منهزم، فيجد فيه ذكر الإسلام، وأنه يؤمر فيه بالدخول في السلم، فيسأل الأمان علي نفسه وعلي من أجابه إلى الإسلام من قومه، فيسلم.\nثم يأتي في العام الثاني رجلٌ من الحبشة يقال له: أسيس، وقد جمع جمعًا عظيمًا، فيهرب المسلمون منهم من أسوان حتي لا يبقي فيها ولا فيما دونها أَحدٌ من المسلمين إلا دخل الفسطاط، فينزل أسيس بجيشه منف، فتخرج إليهم راية المسلمين علي الجسر فينصرهم الله عليهم، فيقاتلونهم ويأسرونهم حتي يباع الأسود بعباءة. قال الحاكم: موقوفٌ صحيح الإسناد. اهـ\nوفي هذا الحديث إشكال؛ وهو أن واقعة ذي العرف المذكورة لم تقع إلى الآن، وإلا لكان ذكر في التواريخ، وإن قلنا إنها ستقع فيما سيأتي يُشكُل عليه أن الأندلس ليس بها إذ ذاك، بل ولا اليوم مسلم، فكيف يهربون في السفن وغيرها؟ وقد يقال: يمكن أن يكون هناك مسلمون قد أقروا علي الجزية، وإذا آن الأوان هربوا.\nويقربه: أن في هذه الأعصر قدمت طائفة من المسلمين من الأندلس في المراكب إلى طنجة؛ وهي نهرٌ في بلاد الروم عليها مدينة أدرنه. فيسمون: المنجل، فيمكن أن يكون لهم هناك بقايا ضعفة إذا أراد الله تعالي أجازهم البحر.\nويمكن أن يقال: إن هذا إنما يقع بعد موت المهدي، وتناكص الدين، ورجوع الناس إلى الشرك، وأن مصر إذ ذاك لكون الخلفاء ببيت المقدس تكون عامرة بالإسلام، فيكون قُبَيل هدم البيت أو بعده علي ما سبق من الخلاف في وقته، وبالله التوفيق.\nلكن في \"التذكرة\" للقرطبي: أن أولئك أولياء المهدي وأتباعه، وأن المحل الذي يمشي فيه الوعل جسرٌ بناه ذو القرنين لهذا الأمر، وأنه إذا جاء أوانه مروا عليه. والله أعلم بحقيقة الحال.","vol":"1","page":304},{"text":"ومن الأشراط العظام: طلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة الأرض:\nوهذان أيهما سبق الآخر فالآخر علي أثره، فإن طلعت الشمس قبل خرجت الدابة ضحي يومها أو قريبًا من ذلك، وإن خرجت الدابة قبل طلعت الشمس من الغد.\nأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وعَبدُ بن حُميد، وأبو داود، وابن ماجه، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي؛ كلهم عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: حفظت من رسول الله - ﷺ -: إن أول الآيات خُروجًا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة ضحيً، فأيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخري علي أثرها.\nقال عبد الله -وكان يقرأ الكُتُب-: وأظن أولهما خروجًا طلوع الشمس من مغربها.\nوقال أبو عبد الله الحاكم: والذي يظهر أن طلوع الشمس من مغربها قبل خروج الدابة.\nقال الحافظ ابن حجر معتمدًا لما قاله الحاكم: ولعل الحكمة في ذلك أن بطلوع الشمس من مغربها ينسد باب التوبة، فتجيء الدابة، فتميز بين المؤمن والكافر تكميلًا للمقصود من إغلاق باب التوبة. اهـ\nفلنبدأ بطلوع الشمس من المغرب:\nونقول: أما طلوع الشمس من مغربها: فقد قال الله تعالي: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾، أجمع المفسرون أو جمهورهم علي أنه طلوع الشمس من مغربها.\nوقال تعالي: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)﴾.\nوروي الفريابي، وعَبدُ بن حُميد، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ: عن ابن مسعود - ﵁ - في قوله تعالي: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ قال: طلوع الشمس والقمر من مغربهما مقترنين كالبعيرين القرينين، ثم قرأ: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)﴾.","vol":"1","page":305},{"text":"وروي عبد الرزاق، وأحمد، وعَبدُ بن حُميد، والستة غير الترمذي، وابن المنذر، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي: عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تقوم الساعة حتي تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها\"، ثم قرأ الآية.\nوروى ابن مردويه عن حذيفة - ﵁ - قال: \"سألت رسول الله - ﷺ - ما آية طلوع الشمس من مغربها؟ فقال: تَطُول تلك الليلة حتي تكون قدر ليلتين\".\nوروي هو، وابن أبي حاتم: عن ابن عباس ﵄ أنه - ﷺ - قال: \"آية تلكم الليلة أن تطول قدر ثلاث ليال\"، والقليل لا ينافي الكثير.\nوفي رواية البيهقي عن عبد الله بن عمرو ﵄ بلفظ: \"قدر ليلتين أو ثلاث، فيستيقظ الذين يخشون ربهم فيصلون، ويعملون كما كانوا ولا يري قد قامت النجوم مكانها، ثم يرقدون، ثم يقومون، ثم يقضون صلاتهم والليل كأنه لم ينقض فيضطجعون، حتي إذا استيقظوا والليل مكانه حتي يتطاول عليهم الليل، فإذا رأوا ذلك خافوا أن يكون ذلك بين يدي أمر عظيم، ففزع الناس وهاج بعضهم في بعض فقالوا: ما هذا؟ فيفزعون إلى المساجد، فإذا أصبحوا طال عليهم طلوع الشمس، فبينما هم ينتظرون طلوعها من المشرق إذا هي طلعت عليهم من مغربها، فضج الناس ضجةً واحدة، حتي إذا صارت في وسط السماء رجعت فطلعت من مطلعها\".\nوروي أبو الشيخ، وابن مردويه عن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"صبيحة تطلع الشمس من مغربها يصير في هذه الأمة قردة وخنازير، وتطوي الدواوين، وتجف الأقلام؛ لا يزاد في حسنة، ولا ينقص من سيئة، ولا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا\".\nوروي البيهقي عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: \"فيذهب الناس فيتصدقون بالذهب الأحمر فلا يُقْبَلُ منهم ويقال: لو كان بالأمس\".","vol":"1","page":306},{"text":"وروي ابن مردويه عن ابن عباس ﵄ قال: \"لا تزال الشمس تجري من مطلعها إلى مغربها حتي يأتي الوقت الذي جعل الله لتوبة عباده، فتستأذن الشمس من أين تطلع، ويستأذن القمر من أين يطلع، فلا يُؤذن لهما، فيحبسان مقدار ثلاث ليال للشمس، وليلتين للقمر، فلا يَعْرِفُ مقدار حبسهما إلا قليل من الناس، وهم بقية أهل الأرض، وحملة القرآن، يقرأ كل رجلٍ في تلك الليلة منهم ورده، حتي إذا فرغ منه نظر؛ فإذا الليلة علي حالها، فلا يعرف طول تلك الليلة إلا حملة القرآن فينادي بعضهم بعضًا، فيجتمعون في مساجدهم بالتضرع والبكاء والصراخ بقية تلك الليلة، ومقدار تلك الليلة ثلاث ليال، يرسل الله جبريل إلى الشمس والقمر فيقول: إن الرب تعالي يأمركما أن ترجعا إلى مغاربكما فتطلعا منها؛ فإنه لا ضوء لكما عندنا ولا نور. فيبكي الشمس والقمر من خوف يوم القيامة وخوف الموت، وترجع الشمس والقمر فيطلعان من مغاربهما، فبينما الناس كذلك يبكون ويتضرعون إلى الله ﷿ والغافلون في غفلاتهم إذ نادي مُنادٍ: ألا إن باب التوبة قد أُغْلِق، والشمس والقمر قد طلعا من مغاربهما. فينظر الناس وإذا بهما أسودان كالعكمين ولا ضوء لهما ولا نور، فذلك قوله: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)﴾ \".\nتَنبيه\n(العكمة): الغرارة؛ أي: كالغرارتين العظيمتين، ومنه يقال لمن يشد الغرائر علي الجمل: العكام، وفي حديث أم زرع: \"عكومها رداح\".\n\"فيرتفعان مثل البعيرين المقرونين ينازع كل منهما صاحبه استباقًا، ويتصايح أهل الدنيا، وتذهل الأمهات عن أولادها، وتضع كل ذات حملٍ حملها.\nفأما الصالحون والأبرار: فإنهم ينفعهم بكاؤهم يومئذ ويكتب لهم عبادة.\nوأما الفاسقون والفجار: فلا ينفعهم بكاؤهم يومئذ ويكتب عليهم حسرة.\nفإذا بلغت الشمس والقمر سُرَّةَ السماء؛ وهو منتصفها جاءهما جبريل فأخذ بقرونهما فردهما إلى المغرب، فلا يغربهما في مغاربهما -أي: مغارب طلوعهما ذلك اليوم؛ وهو جهة المشرق- ولكن يغربهما في مغاربهما الذي في باب التوبة\".","vol":"1","page":307},{"text":"فقال عمر بن الخطاب - ﵁ - للنبي - ﷺ -: وما باب التوبة؟ فقال: \"يا عمر؛ خلق الله بابًا للتوبة خلف المغرب، فهو من أبواب الجنة، له مصراعان من ذهب، مكللان بالدر والجواهر، ما بين المصراع إلى المصراع مسيرة أربعين عامًا للراكب المسرع، فذلك الباب مفتوحٌ منذ خلق الله خلقه إلى صبيحة تلك الليلة، عند طلوع الشمس والقمر من مغاربهما، ولم يتب عَبْدٌ من عباد الله توبةً نصوحًا من لدن آدم إلى ذلك اليوم إلا ولجت تلك التوبة في ذلك الباب، ثم تُرْفَعُ إلى الله\".\nفقال معاذ بن جبل - ﵁ -: يا رسول الله؛ وما التوبة النصوح؟ قال: \"أن يندم العبد علي الذنب الذي أصاب، فيهرب إلى الله منه، ثم لا يعود إليه حتي يعود اللبن في الضرع\".\nقال: \"فيغربهما جبريل في ذلك الباب ثم يرد المصراعين، فيلتئم ما بينهما ويصيران كأنهما لم يكن فيهما صدع قط ولا خلل، فإذا أغلق باب التوبة لم يقبل لعبد بعد ذلك توبة، ولم تنفعه حسنة يعملها بعد ذلك إلا ما كان قبل ذلك فإنه يجري لهم وعليهم بعد ذلك ما كان يجري لهم قبل ذلك، فذلك قوله تعالي: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ﴾ ... الآية\".\nفقال أُبي بن كعب: يا رسول الله؛ فداك أبي وأمي، فكيف بالشمس والقمر بعد ذلك؟ وكيف بالناس والدنيا؟ قال: \"يا أُبيّ؛ إن الشمس والقمر يكسبان بعد ذلك ضوء النور، ثم يطلعان علي الناس ويغربان كما كانا قبل ذلك، وأما الناس: فإنهم حين رأوا ما رأوا من تلك الآية وعظمها، يلحون علي الدنيا فيعمرونها ويجرون فيها الأنهار، ويغرسون فيها الأشجار، ويبنون فيها البنيان، فأما الدنيا: فإنه لو نتج رجلٌ مهرًا لم يركبه حتي تقوم الساعة من لدن طلوع الشمس من مغربها إلى يوم ينفخ في الصور\".\nفائِدَة\nقال الفقهاء: تلك الليلة عن ليلتين ويوم، فيقضي خمس صلوات؛ لأن الليلة الأولي ما فيها صلاة؛ لأن الفرض أنهم ناموا بعد فعل العشاءين، والليلة الثانية مع","vol":"1","page":308},{"text":"اليوم فيها خمس صلوات، فتقضي قياسًا علي أيام الدجال بجامع الطول، كما قاسوا يوميه الأخيرين علي يومه الأول.\nوعلي هذا: فمن نام عن صلاته فعليه مع قضاء الخمس قضاء ما نام عنه، وهو واضح، ويدخل وقت صلاة الصبح يوم طلوعها من مغربها بطلوع الفجر، وصلاة الظهر برجوعها عن وسط السماء فإنه بمنزلة الزوال، والعصر والمغرب والعشاء كبقية الأيام، وبالله التوفيق.\nتَنبيه\nرَوي ابن أبي شيبة، عن ابن عمر ﵄ قال: \"الأشرار بعد الأخيار عشرين ومئة سنة\"، كذا في الأصل المنقول عنه، فيحتمل أن الناصب سقط، وأن يُقدر بدليل الروايتين بعدها؛ فتمكث، أو تبقي.\nوروي عن ابن عمر - ﵁ - قال: \"يمكث الناس بعد طلوع الشمس من مغربها عشرين ومئة سنة\".\nوروي عبدُ بن حُميد عنه أيضًا قال: \"يبقي شرار الناس بعد طلوع الشمس من مغربها عشرين ومئة سنة\".\nوروي نُعيم عن ابن عمر ﵄ قال: \"لا تقوم الساعة حتي تعبد العرب ما كان يَعْبدُ آباؤهم عشرين ومئة عام بعد نزول عيسي ابن مريم وبعد الدجال\".\nوروي عَبدُ بن حُميد عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تقوم الساعة حتي يلتقي الشيخان الكبيران، فيقول أحدهما لصاحبه: متي ولدت؟ فيقول: زمن طلعت الشمس من مغربها\".\nوروي هو وابن أبي شيبة، وابن المنذر عنه قال: \"الآيات كلها في ثمانية أشهر\".\nوأخرجوا غير ابن أبي شيبة عن أبي العالية، قال: \"الآيات كلها في ستة أشهر\". ومَرَّ: \"لو أن رجلًا نتج مهرًا لم يركبه حتي ينفخ في الصور\".\nقال في \"فتح الباري\" وتبعه في \"القناعة\": وطريق الجمع بين الروايات أن المدة","vol":"1","page":309},{"text":"كما في الروايات الأول عشرون ومئة سنة، لكنها تمر مرًا سريعًا كمقدار عشرين ومئة شهر، كما في \"صحيح مسلم\": عن أبي هريرة - ﵁ - رفعه: \"لا تقوم الساعة حتي تكون السنة كالشهر\" ... الحديث، وفيه: \"اليوم كالساعة، والساعة كاحتراق السعفة\". اهـ\nوعلي هذا: فيكون تقارب الزمان وتقاصر الأيام مرتين، مرةً في زمن الدجال، ثم ترجع بركة الأرض وطول الأيام إلى حالها الأولي، ثم تتناقص بعد موت عيسي ﵇ إلى أن تصير في آخر الدنيا إلى ما ذكر.\nوهذا تنبيهٌ حسن لم أر من نبه عليه، وبالله التوفيق.\nوأقول: ما قالاه يقتضي أن تكون المدة مقدار اثنتي عشرة سنة من سنينا، فالإشكال بحاله؛ لأن المهر قد يركب في سنتين، وبتسليم ذلك وتمحل أن المراد الركوب للكر والفر في الحرب، وذلك في الخيل الأصيل لا يكون إلا في العشر وما بعدها، ولا يمكن الجمع بينها وبين رواية ثمانية وستة أشهر.\nوأيضًا ينافيه حديث أبي هريرة - ﵁ - المار عند عَبد بن حُميد؛ مرفوعًا: \"لا تقوم الساعة حتي يلتقي الشيخان الكبيران. . . .\" الحديث، إلا أن يقال: إن كِبَرَ أهل ذلك الزمان علي حسب سنيهم، وعليه فَيُقدرُ إنتاج المهر وركوبه في السنين المعتادة، والأولي أن يُجمع بأن المدة القليلة بالنظر لبقاء المؤمنين، والمئة والعشرون للكفار والأشرار؛ كما تصرح به الروايات السابقة: \"الأشرار بعد الأخيار\".\nمع هذا لابد من القول بتقاصر الزمان؛ ليكون أربعون سنة الواقعة في حديث ابن مسعود السابق في بقاء المؤمنين مقدار أربعين شهرًا، فيكون التقدير بإنتاج المهر وركوبه واضحًا.\nومعني: \"تقوم الساعة\" علي هذا: أنها تقوم علي المؤمنين بموتهم، ونظيره ما في البخاري: أن رجلًا سأله - ﷺ - عن الساعة فنظر إلى أحدث القوم سنًا فقال: \"إن يستنفد هذا عمره لم يمت حتي تقوم الساعة\".\nقال العلماء: أراد ساعة الحاضرين، لا ساعة عامة الخلق.\nولكن رواية الثمانية أشهر، والستة أشهر، فيجب -إن صحتا- تأويلهما قطعًا.","vol":"1","page":310},{"text":"تَنبيه آخَر\nاختلفوا: هل إذا كان كذلك، وامتدت الدنيا بعد ذلك إلى أن يُنسي هذا الأمر، أو ينقطع تواتره، ويصير الخبر عنه آحادًا، فمن أسلم حينئذ وتاب تُقْبَلُ منه أم لا؟\nذكر أبو الليث السمرقندي في \"تفسيره\": عن عمران بن حصين - ﵁ - قال: إنما لا يقبل الإيمان والتوبة وقت الطلوع، فمن أسلم أو تاب بعد ذلك قُبِلت توبته.\nقال الحافظ في \"فتح الباري\" ما حاصله: إن الذي دلت عليه الأحاديث الثابتة الصحاح والحسان أن قبول التوبة مَلغِيٌّ بطلوع الشمس من مغربها، ومفهومها: أن بعد ذلك لا تقبل، بل وفي بعض الروايات التصريح بعدم القبول.\nكما عند أحمد، والطبراني: عن مالك بن يخامر، ومعاوية، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمرو؛ رفعوه: \"لا تزال التوبة مقبولة حتي تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت طبع علي كل قلب بما فيه، وَكُفي الناس العمل\".\nوفي حديث ابن عباس ﵄ عند ابن مردويه السابق: \"فإذا أُغْلِقَ ذلك الباب لم تقبل بعد ذلك توبة، ولا تنفع حسنة\".\nوعند نُعيم بن حماد، عن ابن عمرو ﵄: \"فيناديهم مُنادٍ: يا أيها الذين آمنوا؛ قد قُبِلَ منكم، ويا أيها الذين كفروا؛ قد أُغْلِقَ عنكم باب التوبة، وجفت الأقلام، وطويت الصحف\".\nومن طريق يزيد بن شريح، وكثير بن مرة: \"إذا طلعت الشمس من المغرب يُطبع علي القلوب بما فيها، وترتفع الحفظة، وتؤمر الملائكة أن لا يكتبوا عملًا\".\nوأخرج عَبدُ بن حُميد، والطبري بسندٍ صحيح عن عائشة ﵂: \"إذا خرجت أول الآيات -يعني: طلوع الشمس من المغرب- طُرِحت الأقلام، وطويت الصحف، وخلصت الحفظة، وشهدت الأجساد علي الأعمال\".\nوعن ابن مسعود - ﵁ - قال: \"الآية التي تختم بها الأعمال: طلوع الشمس من مغربها\".","vol":"1","page":311},{"text":"قال: فهذه آثارٌ يَشُدُّ بعضها بعضًا متفقةٌ علي أن الشمس إذا طلعت من المغرب أغلق باب التوبة ولم يُفتح بعد ذلك، ولا يختص ذلك بيوم طلوعها، بل يمتد إلى يوم القيامة.\nقُلْتُ: ويؤيد هذا ما يأتي في الخاتمة: أن إبليس يخر عند طلوعها ساجدًا، وأن الدابة تقتله؛ فإنه لا يموت إبليس إلا وقد فُرغ من العمل.\nتَنبيه آخَر\nورد في بعض الروايات: أن أول الآيات (١) خروج الدجال. وفي بعضها: أن أولها طلوع الشمس من مغربها. وفي بعضها: الدابة. وفي بعضها: نارٌ تحشر الناس إلى محشرهم.\nقال الحافظ ابن حجر: وطريق الجمع: أن الدجال أول الآيات العظام المُؤذِنة بتغيير أحوال العامة في الأرض؛ أي: فلا ينافي تقدم المهدي عليه.\nقال: وينتهي ذلك بموت عيسي ابن مريم ﵇، ومِنْ بَعْدِه القحطاني وغيره، وأن طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات المؤذنة بتغيير أحوال العالم العلوي، وينتهي ذلك بقيام الساعة؛ أي: والدابة معها، فهي والشمس كشيء واحد، وأن النار أول الآيات المؤذنة بقيام الساعة. انتهي\nوهذا جَمعٌ حسن ﵀ تعالي.\n_________\n(١) وذكر صاحب \"درجات مرقاة الصعود\" (ص ١٨٤) ترتيبها هكذا، فقال: ذكر القرطبي عن بعض العلماء ترتيبها هكذا: أولها: الخسوفات، فالدجال، فنزول عيسي ﵇، فخروج يأجوج ومأجوج، فريح تقبض أرواح المؤمنين، فتقبض روح عيسي ﵇ مع من معه، فتهدم الكعبة، ورفع القرآن، واستيلاء الكفر علي الخلق، فتطلع الشمس من مغربها، فتخرج الدابة.\nوذكر البيهقي عن الحاكم مثله، إلا أنه جعل خروج الدابة قبل طلوع الشمس. ثم ذكر إيراد أهل الهيئة أنه لا يمكن، وأجاب عنه إلخ.\nقلت: ينبغي خروج الدابة قبل الريح القابضة كما لا يخفي أنها هي تَسِمُ المؤمن والكافر، فإذا لم يبق مؤمن لأجل الريح فمن تَسِمهُ؟ ! (ز).","vol":"1","page":312},{"text":"ويدل علي ذلك ما في بعض الروايات: \"وآخر ذلك -يعني: الآيات- نارٌ تحشر الناس إلى محشرهم\".\nورَوي نُعيم عن وهب بن منبه قال: أول الآيات: الروم، ثم الدجال، والثالثة يأجوج ومأجوج، والرابعة عيسي ﵇.\nأي: وكون عيسي ﵇ رابعة باعتبار تأخره عن يأجوج ومأجوج، وإن كان باعتبار وقت نزوله مُقدّمًا عليهما فهو باعتبارٍ ثالث، وباعتبار آخر رابع.\nوالخامسة: الدخان، وسيأتي بيانه وتفصيله.\nوالسادسة: الدابة؛ أي: وَعَدُّه هذا باعتبار الآيات الأرضية، ومن ثم لم يعد طلوع الشمس، فهو أيضًا يؤيد ما ذكره الحافظ، لكن لو قال: وينتهي ذلك بخروج الدابة بدل قوله: بموت عيسي ﵇ لكان أولي وأوضح، وكون الروم أولًا حقيقي، وكون الدجال أولًا إضافي؛ لأنه أعظم من الروم، وكأن الروم بالنظر إليه ليس بشيء.\n\nتَبْصِرَة\nقوله تعالي: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾: فيه بحسب الظاهر إشكال.\nوتقريره: أن قوله: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ صفة لـ (نفسًا) فصل بينها وبين موصوفها بالفاعل.\nوقوله: ﴿أَوْ كَسَبَتْ﴾، عطف علي الصفة.\nفيكون المعني: إذا جاء بعض الآيات لا ينفع الإيمان نفسًا، موصوفةً بأحد الأمرين:\nعدم الإيمان، ويلزمه عدم كسب الخير فيه.\nوعدم كسب الخير في الإيمان ولو وجد الإيمان واتصفت به.\nوهذا إنما يتأتي علي مذهب الاعتزال، وأهل السُّنَّة لا يقولون بذلك.","vol":"1","page":313},{"text":"ومن ثم قال صاحب \"الكشاف\". لم يفرق كما تري بين النفس الكافرة إذا آمنت في غير وقت الإيمان، وبين النفس التي آمنت في وقتها ولم تكتسب خيرًا؛ ليعلم أن قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ جَمعٌ بين قرينتين، لا ينبغي أن تنفك إحداهما عن الأخري حتي يفوز صاحبهما ويسعد، وإلا فالشقوة والهلاك. انتهي كلام \"الكشاف\".\nوأشار البيضاوي لظهور دلالة الآية لهذا المعني؛ فقال: والمعني أنه لا ينفع الإيمان حينئذ نفسًا غير مقدمة إيمانها، أو مقدمة إيمانها غير كاسبة في إيمانها خيرًا، وهو دليل لمن لا يعتبر الإيمان المجرد عن العمل؛ أي: بل يجعل العمل جزءًا من أصل الإيمان وحقيقته كالمعتزلة، لا من يجعله جزءًا من كماله، وزيادته كجمهور أهل السُّنَّة وعامة أهل الحديث وأكثر الأئمة.\nثم أشار البيضاوي إلى الجواب عن ذلك بثلاثة أجوبة اختصارًا؛ فقال: وللمُعْتبِر؛ أي: لمن يعتبر الإيمان المجرد عن العمل تخصيص هذا الحكم بذلك اليوم، وحمل الترديد علي اشتراط النفع بأحد الأمرين علي معني ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا﴾ خلت عنها إيمانها، والعطف علي ﴿لَمْ تَكُنْ﴾ بمعني لا ينفع نفسًا إيمانها الذي أحدثته حينئذ وإن كسبت فيه خيرًا. انتهي\nوتقرير كلامه: أنا نُجِيبُ أولًا: بأنا نُسَلّم أن المعني كذلك لكن نَخُصُّ الحكم بذلك اليوم، ولا نعممه بجميع الأزمنة؛ فمن مات مؤمنًا قبل ذلك اليوم نفعه إيمانه وإن لم يكن كسب فيه خيرًا ولم يعمله، ومن أدرك ذلك اليوم: إن قدم الإيمان عليه، وكسب فيه خيرًا نفعه، وإلا؛ بأن لم يقدمه أو قدمه من غير كسب خير فيه فلا.\nهذا حاصل الجواب الأول، وفيه أن العمومات دلت علي أن الإيمان المجرد نافعٌ في جميع الأحوال والأوقات.\nوحاصل الجواب الثاني: أن (أو) تكون تارة لعموم النفي؛ كقوله تعالي: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾؛ أي: واحدًا منهم، وأخري لنفي العموم وذلك إذا قدر عطف النفي علي النفي، ثم جيء بـ (أو) والآية من الأول، فالمعني: لا ينفع نفسًا لم تقدم","vol":"1","page":314},{"text":"إيمانًا ولا كسبت فيه خيرًا؛ أي: نفسًا خالية من الأمرين جميعًا، عارية عنهما، وعليه اقتصر أبو السعود في \"تفسيره\".\nواعترض هذا الوجه بأن انتفاء الإيمان مُستلزمٌ لانتفاء كسب الخير فيه، فلا وجه للترديد بينهما.\nوأجاب عنه أبو السعود بأجوبة، وأطال فيها الكلام، وكلها مخدوشة، وهي بالنكات البيانية الخطابية أشبه منها بالأجوبة.\nوأقربها: قوله: ولك أن تقول المقصود من وصف نفسًا بما ذكر من العدمين التعريض بحال الكفرة في تمردهم وتفريطهم في كل واحدٍ من الأمرين الواجبين عليهم وإن كان وجوب أحدهما منوطًا بالآخر؛ كما في قوله ﷿: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ تسجيلًا علي كمال طغيانهم، وإيذانًا بتضاعف عقابهم؛ لما تقرر من أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع في حق المؤاخذة؛ كما يُنبيء عنه قوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ اهـ\nوهذا الذي قاله قريبٌ، لكنه خلاف مذهبه، فإن الكفار عندهم غير مكلفين بالفروع، والله أعلم.\nوحاصل الجواب الثالث من أجوبة البيضاوي: أنَّا لا نعطف ﴿أَوْ كَسَبَتْ﴾ علي ﴿آمَنَتْ﴾ كما في الوجهين الأولين حتي يلزم دخول الأمرين في حيز النفي، بل نعطفه علي النفي نفسه، أعني: ﴿لَمْ تَكُنْ﴾، فيكون الترديد بين النفي والإثبات لا بين المنفيين.\nفالمعني: لا ينفع نفسًا لم تقدم إيمانًا علي ذلك اليوم إيمانها، سواء لم تؤمن أصلًا؛ لأنه يصدق علي من لا يؤمن أنه لا ينفعه الإيمان؛ لأن النفع فرع الوجود، فإذا انتفي انتفي نفعه أيضًا. أو أحدثته ذلك اليوم وكسبت فيه خيرًا أيضًا؛ لأن الإيمان شرطه أن يكون بالغيب، فإذا صار الأمر معاينة لم ينفعها. وهذا هو معني قول البيضاوي: بمعني لا ينفع نفسًا إيمانها الذي أحدثته وإن كسبت فيه خيرًا.\nفانظر إلى هذا السحر الحلال: كيف أدرج ﵀ ثلاثة أجوبة في مقدار","vol":"1","page":315},{"text":"سطرين، وغيره سود وجه ورقة كاملة بجوابٍ واحد ولم يقدر علي بيانه حق البيان! ! قال - ﷺ -: \"إنّ من البيان لسحرًا، وإنَّ من الشعر لحكمة\". ولا شك أن التأييد والهداية من الرحمن؛ فإنه الذي: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾.\nثم لما كان كلٌّ من الجوابين الأولين فيه ما مر، والثالث فيه خَفاءٌ وفي دلالة الكلام عليه بعد اختيار جَمْعٍ من المحققين -كالعلامة التفتازاني، وابن الحاجب، وصاحب \"الانتصاف\"، وابن هشام، وعليه اقتصر المحقق الكوراني في \"تفسيره\"- جوابًا آخر غير الثلاثة، وهو أن الآية من قبيل اللف التقديري؛ أي: لا ينفع نفسًا إيمانها، ولا كسبها في الإيمان لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرًا.\nوالمعني: أن الناس في التوبة قسمان؛ قسمٌ تائب عن الكفر، وقسمٌ عن المعاصي، فالكافر إن قدم الإيمان علي ذلك اليوم قُبِل منه ونفعه إيمانه بعد ذلك اليوم أيضًا، وإلا فلا، والعاصي إن تاب عن المعصية قبل ذلك قُبِلت منه ونفعته بعد ذلك اليوم أيضًا، وإلا فلا قبول ولا نفع.\nوهذا هو معني ما مر في الحديث: أنهم يجري لهم وعليهم بعد ذلك اليوم ما كانوا يعملون قبل ذلك اليوم.\nقال صاحب \"الانتصاف\": هذا الفن من الكلام في البلاغة يُلقب باللف التقديري، وأصله: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن مؤمنة من قبل إيمانها بعد، ولا نفسًا لم تكتسب في إيمانها خيرًا قبل ما تكسبه من الخير بعد، فلف الكلامين فجعلهما كلامًا واحدًا؛ اختصارًا وإيجازًا وبلاغة.\nقال: فظهر بذلك أنه لا يُخالف مذهب أهل الحق، ولا ينقطع بعد ظهور الآيات اكتساب الخير؛ أي: في النوع الذي كان يعمله قبل، لا في مطلق الخير؛ لئلا يُخالف ما مر، وأن نفع الإيمان المتقدم باقٍ في السلامة من الخلود في النار.\nوقال: فهو بالرد علي مذهب الاعتزال أولي من أن يدل له.\nوقال ابن هشام: بهذا التقدير تندفع هذه الشبهة.","vol":"1","page":316},{"text":"قال: وقد ذكر هذا التأويل ابن عطية، وابن الحاجب. اهـ\nواعترض أبو السعود هذا الجواب: بأن مبني اللف التقديري أن يكون المقدر من مُتممات الكلام ومُقتضيات المقام، وقد ترك ذكره تعويلًا علي دلالة الملفوظ عليه، واقتضائه إياه، ولا ريب في أن ما هنا ليس مما يستدعيه قوله: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾، ولا هو من مقتضيات المقام. اهـ\nأقول: إنكار دلالة الكلام عليه واقتضاء المقام يُشبه مكابرة المحسوس في المرام أمام دلالة الكلام؛ فلأنه بدون التقدير يؤدي لاختلال النظام أو لتناقض الأحكام، وأما اقتضاء المقام فلأنه في بيان حكم عام لكافة الأيام، فيعم الكفر والإسلام والطاعة والآثام، وبالله التوفيق؛ وليِّ الإنعام.\nوقد أجابوا بأجوبةٍ أُخر فلنشر إليها:\nأحدها: أن الآية من قبيل القلب؛ أي: لم تكن كسبت خيرًا أو آمنت من قبل، وذِكر نفي الإيمان بعد نفي الكسب مُفيدٌ؛ لأنه ترقٍّ، وليس كعكسه السابق في عدم إفادة الترديد، ونكتة القلب التنبيه بتقديم الإيمان في أنه الأصل الذي نيط به النجاة.\nثانيها: حمل الإيمان علي اللغوي السابق علي نزول القرآن وهو المعرفة؛ أي: وهو من قبيل التصور لا من قبيل التصديق، وقد فسر به الإيمان في قوله تعالي: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ﴾.\nقال البيضاوي: معناه منهم من يُصدق به ويعلم أنه حَقٌّ ولكن يُعاند، وسبقه إليه \"الكشاف\"، ويُحمل الكسب علي الإذعان والقبول.\nثالثها: أن يُحمل الإيمان علي التصديق القلبي، والكسب علي الإقرار اللساني؛ أي: وهو كسبٌ؛ لأنه بالجارحة.\nوهذا ظاهرٌ؛ لأن الإسلام غير الإيمان، فيصح أن يقال: إن الإيمان النافع في الدارين ما يكون جامعًا بينهما، فيكون الظاهر معنا لا مع المخالف.\nأشار إلى الجوابين الأخيرين شيخ مشايخنا العلامة المحقق الشريف صبغة الله الحسيني ﵀ فيما كتب علي هامش \"تفسير الكوراني\" بخطه، لكن قوله: (إن","vol":"1","page":317},{"text":"الإيمان النافع في الدارين ما يكون جامعًا بينهما) مبنيٌّ علي القول بأن الشهادتين شطرٌ من الإيمان لا شرط، والأصح خلافه كما هو مُبينٌ في محله.\nولبعض متأخري مُحققي العجم علي هذه الآية رسالة مبسوطة بلسان المناطقة، أتي فيه بالعجب العجاب، وكشف عن وجه المقصود الحجاب، لكن لبعدها عن أفهام العامة سيما المبتدئين لم ننقل منها شيئًا هنا، ولبعض المحشين علي البيضاوي هنا خَبطٌ واضطراب، فاجتنبه؛ فإنه جعل الأجوبة الثلاثة واحدًا، وإنما نبهنا عليه؛ لئلا يُغتر به فيظن أن كلام البيضاوي متناقض، والله أعلم.\nخَاتِمَة\nأخرج نُعيم بن حماد في \"الفتن\"، والحاكم في \"المستدرك\": عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: \"لا يلبثون -يعني: الناس- بعد يأجوج ومأجوج حتي تطلع الشمس من مغربها، وجفت الأقلام، وطويت الصحف، ولا يقبل من أحدٍ توبةٌ ويخر إبليس ساجدًا يُنادي: إلهي؛ مُرني أن أسجد لمن شئت، وتجتمع إليه الشياطين فتقول: يا سيدنا؛ إلى من تفزع؟ فيقول: إنما سألت ربي أن ينظرني إلى يوم البعث، فأنظرني إلى يوم الوقت المعلوم، وقد طلعت الشمس من مغربها، وهذا يوم الوقت المعلوم، وتصير الشياطين ظاهرة في الأرض حتي يقول الرجل: هذا قريني الذي كان يغويني، فالحمد لله الذي أخزاه، ولا يزال إبليس ساجدًا باكيًا حتي تخرج الدابة فتقتله وهو ساجد\".\nقُلْتُ: وهذا يدل علي تأخر الدابة عن الشمس، ويتمتع المؤمنون بعد ذلك أربعين سنة لا يتمنون شيئًا إلا أعطوه، حتي يتم أربعون سنة بعد الدابة، ثم يعود فيهم الموت ويسرع فلا يبقي مؤمن، ويبقي الكفار يتهارجون في الطرق كالبهائم، حتي ينكح الرجل أمه في وسط الطريق، يقوم واحد عنها، وينزل واحد، وأفضلهم من يقول: لو تنحيتم عن الطريق كان أحسن. فيكونون علي مثل ذلك حتي لا يُولد أحدٌ من نكاح، ثم يُعْقِمُ الله النساء ثلاثين سنة، ويكونون كلهم أولاد زنا؛ شرار الناس، عليهم تقوم الساعة.","vol":"1","page":318},{"text":"وأخرج الطبراني، وابن مردويه: عن ابن عمرو بن العاص ﵄ قال: \"إذا طلعت الشمس من مغربها خر إبليس ساجدًا يُنادي ويجهر: إلهي؛ مُرني أسجد لمن شئت، فتجتمع إليه زبانيته فيقولون: يا سيدنا، ما هذا التضرع؟ فيقول: إنما سألت ربي أن ينظرني إلى الوقت المعلوم، وهذا الوقت المعلوم.\nقال: \"وتخرج دابة الأرض من صدعٍ في الصفا، فأول خطوة تضعها بأنطاكية، فتأتي إبليس فتخطمه\".\nتَنبيه\nفي طلوعها من المغرب ردٌّ علي أهل الهيئة ومن وافقهم أن الشمس وغيرها من الفلكيات بسيطة لا تختلف مقتضياتها، ولا يتطرق إليها تغيير عما هي عليه.\nقال الكرماني: وقواعدهم منقوضة، ومقدماتهم ممنوعة، وعلي تقدير تسليمها فلا امتناع من انطباق منطقة البروج علي المعدل بحيث يصير المشرق مغربًا والمغرب مشرقًا. اهـ\nوأما دابة الأرض (١): فقد قال تعالي: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ ...﴾ الآية.\nقال أهل التفسير: إذا لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر.\nوقال البيضاوي: إذا دنا وقوع معناه؛ وهو ما وعدوا من البعث والعذاب.\nوعن ابن مسعود - ﵁ -: إذا مات العلماء، وذهب العلم، ورُفِعَ القرآن ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾، من الكلام، ويؤيده: أنه قُريء: (تنبئهم) وقُريء: (تحدثهم)، وقُريء وحمل علي التفسير: (تكلمهم ببطلان سائر الأديان سوي الإسلام).\nوقيل: من الكلم الجرح، والتفعيل للتكثير، ويؤيده أنه قُريء (تَكْلمهم) بفتح فسكون، وقريء: (تجرحهم).\n_________\n(١) وهي المذكورة في قوله تعالي: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ ... الآية في آخر النمل. وذكر رواياتها السيوطي في \"الدر\" (٥/ ١١٥) وبسطها.\nوفي \"حاشية ابن ماجه\" (ص ٣١٤) عن ابن عمرو بن العاص أنها: الجساسة (ز).","vol":"1","page":319},{"text":"وسأل أبو الحواري ابن عباس ﵄: تُكَلِّمُهم أو تَكْلَمُ؟ فقال: كِلا ذلك تفعل؛ تُكَلِّمُ المؤمن وتَكْلُمُ الكافر، وقد مر أنه قيل: إنها الجساسة، وجزم به البيضاوي وغيره.\nوقرأ الكوفيون ويعقوب: ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ بفتح الهمزة، والباقون بكسرها علي أنه حكاية معني قولها وحكايتها لقول الله.\nويؤيدهما ما يأتي أنها تُنادي بأعلي صوتها: (إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون)، أو استئناف علة لخروجها، أو علة لتكلمها علي قراءة الكسرة، أو علة فحذف الجار علي قراءة الفتح؛ أي: إنما أخرجناها؛ لأن الناس كانوا، أو إنما تكلمهم؛ لأن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون.\nوعن أبي العالية: أن وقوع القول؛ سَدُّ باب الإيمان والتوبة.\nقُلْتُ: وعلي هذا التفسير يكون في القرآن أيضًا الإشارة إلى تأخرها عن طلوع الشمس من مغربها؛ لأنه به يقع القول.\nوالكلام في حليتها، وسيرتها، وخروجها:\nأما حليتها: فعن ابن عباس ﵄: أن لها عُنقًا مُشرفًا؛ أي: طويلًا، يراها من بالمشرق كما يراها من بالمغرب، ولها وجه الإنسان ومنقار كمنقار الطير، ذات وبر وزغب.\nوعن أبي هريرة - ﵁ -: أنها ذات عصب وريش.\nوعن ابن عباس ﵄: أنها ذات وبر وريش مؤلفة، وفيها من كل لون لها أربع قوائم.\nوعن ابن عمر ﵄: زغباء ذات وبر وريش.\nوعن حذيفة - ﵁ -: أنها ملمعة ذات وبر وريش، لن يدركها طالب، ولن يفوتها هارب.","vol":"1","page":320},{"text":"وعن علي (١) بن أبي طالب كرم الله وجهه، وقد قيل له: إن ناسًا يزعمون أنك دابة الأرض. فقال: والله إن لدابة الأرض ريشًا وزغبًا، وما لي ريشٌ ولا زغب، وإن لها حافرًا وما لي حافر، وإنها لتخرج حُضْرُ الفرس الجواد ثلاثًا، وما أخرج ثلثاها.\nوعن عمرو بن العاص - ﵁ -: أن رأسها يمس السماء، وما خرجت رجلاها من الأرض.\nوعن ابن عمرو ﵄: أنها تخرج كجري الفرس ثلاثة أيام، لم يخرج ثلثها، وهذا يقرب من رواية علي كرم الله وجهه المارة.\nوعن أبي هريرة - ﵁ -: أن فيها من كل لون، ما بين قرنيها فرسخ للراكب.\nوعن ابن عباس ﵄: أنها مؤلفة ذات زغب وريش، فيها من ألوان الدواب كلها، وفيها من كل أمة سيما، وسيماها من هذه الأمة أنها تكلم الناس بلسان عربي مبين، تكلمهم بكلامهم.\nتَنبيه\nالزغب: صغار الريش أول ما يطلع، قاله في \"النهاية\".\nوعن أبي الزبير أنه وصف الدابة؛ فقال: رأسها رأس ثور، وعيناها عينا خنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أيل، وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هر، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير.\nأي: وقد مر عن ابن عباس ﵄: أن وجهها وجه إنسان، ومنقارها منقار طير، بين كل مفصلين منها اثنا عشر ذراعًا.\n(الأيل)؛ بفتح الهمزة وكسر التحتانية مشددة، وبالعكس، وبضم وفتح: الوعل، وهو تيس الجبل.\nوعن عاصم بن حبيب بن أصبهان قال: سمعت عليًا - ﵁ - علي المنبر\n_________\n(١) حكاه السيوطي في \"الدر\" (ز).","vol":"1","page":321},{"text":"يقول: إن دابة الأرض تأكل بفيها، وتكلم من استها.\nوعن الحسن - ﵁ -: أن موسي سأل ربه أن يريه الدابة؟ فخرجت ثلاثة أيام ولياليهن تذهب في السماء لا يُري واحدٌ من طرفيها.\nقال: فرأي منظرًا فظيعًا، فقال: رَبِّ؛ ردها. فردَّها.\nوأما سيرتها: فإن معها عصا موسي، وخاتم سليمان بن داود، تُنادي بأعلي صوتها: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ وإنها تسم الناس المؤمن والكافر، فأما المؤمِن فَيُرَي وجهه كأنه كوكب دُري، وَيُكتَب بين عينيه مؤمن، وأما الكافر فَيُكْتَبُ بين عينيه نكتةٌ سوداء: كافر.\nتَنبيْه\nيجوز في إعراب هذا أن يكون \"نكتة\" مرفوعًا علي أنه نائب فاعل (يكتب)، و(سوداء) صفتها، و(كافر) بدلًا منه، وأن يكون (كافر) نائب الفاعل، و(نكتة) منصوبًا علي أنه حال منه تقدمت عليه، و(سوداء) نعتها.\nوفي رواية: \"فتلقي المؤمن لتسمه في وجهه، ولكنه يبيض له وجهه، وتسم الكافر ولكنه يسود وجهه\".\nوفي رواية: \"فارفضَّ -أي: تفرق- الناس عنها شتي ومعًا، وثبت عصابة من المؤمنين، وعرفوا أنهم لن يعجزوا الله، فبدأت بهم؛ حلت وجوههم حتي جعلتها كأنها الكوكب الدُري، وولت في الأرض لا يدركها طالب ولا ينجو منها هارب، حتي إن الرجل ليتعوذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه، فتقول: يا فلان؛ الآن تُصلي! فيقبل عليها فتسمه في وجهه، ثم تنطلق، ويشترك الناس في الأموال ويصطحبون في الأمصار يصرف المؤمن الكافر وبالعكس، حتي إن المؤمن يقول: يا كافر؛ اقضني حقي، وحتي إن الكافر ليقول: يا مؤمن؛ اقضني حقي\".\nوفي رواية: \"تخرج فتصرخ ثلاث صرخات، فيسمعها مَنْ بين الخافقين\".\nوفي لفظ: \"تستقبل المشرق فتصرخ صرخة تنفذها، ثم تستقبل الشام فتصرخ","vol":"1","page":322},{"text":"صرخة تنفذها، ثم تستقبل المغرب فتصرخ صرخة تنفذها، ثم تستقبل اليمن فتصرخ صرخة تنفذها\".\nوفي رواية: \"لا يبقي مؤمن إلَّا نكتت في مسجده (١) بعصا موسي نكتة بيضاء، فتفشو تلك النكتة حتي يَبْيَضَّ لها وجهه، ولا يبقي كافر إلا نكتت في وجهه نكتة سوداء بخاتم سليمان، فتفشو تلك النكتة حتي يسود لها وجهه، حتي إن الناس ليتبايعون في الأسواق: بكم ذا يا مؤمن؟ وبكم ذا يا كافر؟ ويقول هذا: خذ يا مؤمن. ويقول هذا: خذ يا كافر\".\nوفي رواية: \"تأتي الرجل وهو يُصلي في المسجد، فتقول: ما الصلاة من حاجتك، ما هذا إلا تعوذٌ ورياء. فتخطمه وتكتب بين عينيه كذاب\".\nوقد مر أنها تقتل إبليس أو تخطمه.\nوأما خروجها: فقد ورد أن لها ثلاث خرجات في الدهر، فتخرج خرجةً من أقصي البادية.\nوفي رواية: \"من أقصي اليمن، ولا يدخل ذكرها القرية -يعني: مكة-، ثم تكمن زمانًا طويلًا، ثم تخرج خرجة أخري دون تلك، فيعلو ذكرها في أهل البادية، ويدخل ذكرها القرية -يعني: مكة-\".\nقال - ﷺ -: \"ثم بينما الناس في أعظم المساجد علي الله حرمة وأكرمها المسجد الحرام لم ترعهم إلا وهي ترغو بين الركن والمقام، تنفض عن رأسها التراب، فارفض الناس عنها شتي\".\nهكذا ورد عن ابن عباس، وحذيفة ﵃، وبعض طرق حديث حذيفة صحيح.\nوعن ابن عباس ﵄ أيضًا: أنها تخرج من بعض أودية تهامة -أي: وهذا في بعض خرجاتها-، والأول في خرجاتها الأخيرة.\n_________\n(١) أي: موضع سجود جبهته.","vol":"1","page":323},{"text":"وعن أبي هريرة، وابن عمر، وابن عمرو، وعائشة ﵃: أنها تخرج بأجياد.\nوعن ابن عمر ﵄ أيضًا: أن رسول الله - ﷺ - أراه المكان الذي تخرج منه الدابة، وأنه من قبل الشق الذي في الصفا.\nوعن ابن عمر ﵄ قال: يكون خروجها من الصفا ليلة مِني، فيصبحون بين ذنبها ورأسها، لا يدحض داحضٌ، ولا يخرج خارجٌ، حتي إذا فرغت مما أمر الله، فهلك من هلك ونجي من نجي كان أول خطوة تضعها بأنطاكية.\nوفي بعضها: أنها تخرج من المروة. وفي بعضها: من مدينة قوم لوط. وفي بعضها: من وراء مكة.\nتَنبيْه\nوجه الجمع بين هذه الروايات من وجهين:\nأحدهما: أن لها ثلاث خرجات، ففي بعضها تخرج من مدينة قوم لوط، ويصدق عليها أنها من أقصي البادية، وفي بعضها تخرج من بعض أودية تهامة، ويصدق عليها أنها من وراء مكة، ومن اليمن؛ لأن الحجاز يمانية، ومن ثم قيل: الكعبة يمانية. وفي المرة الأخيرة تخرج من مكة، وهي من عظم جثتها وطولها يمكن أن تخرج من بين المروة والصفا وأجياد، فإنها تمسك مقدار ثلاثة أيام وأكثر، وحينئذ يصدق عليها أنها خرجت من المروة، ومن الصفا، ومن أجياد، ومن المسجد، وبالله التوفيق.\nوالوجه الثاني: أنها تخرج من جميع تلك الأماكن في آنٍ واحد خرقًا للعادة في صور مثالية، وهذا أيضًا مبنيٌّ علي تحقق المثال المحسوس.\nوقد أفتي السيوطي في رجلين حلفا بالطلاق كُلٌّ حلف علي أن الشيخ عبد القادر الطحطوحي بات عنده في ليلةٍ واحدة معينة، بأنه لا يقع طلاق واحد منهما بناءً علي هذا.\nقال: وقد وقعت هذه المسألة قديمًا، وأفتي فيه العلماء بعدم الحنث. انتهي","vol":"1","page":324},{"text":"ثم رأيت ابن عَلَّان قال في تفسيره \"ضياء السبيل\" ما لفظه: وقيل: تخرج في كل بلدٍ دابةٌ مما هو مثبوت نوعها في الأرض وليست واحدة، فدابة علي هذا القول اسم جنس. انتهي\nوإذا قلنا بتعدد الصور المثالية أغني عن القول بالجنسية، وبالله التوفيق.\nومن الأشراط: الدخان:\nعن حذيفة بن أسيد - ﵁ - قال: \"اطلع علينا رسول الله - ﷺ - ونحن نتذاكر، فقال: ما تذاكرون؟ قالوا: الساعة يا رسول الله. قال: إنها لن تقوم حتي تروا قبلها عشر آيات. . . .\" فذكر الدخان والدجال. الحديث رواه مسلم، والترمذي، وابن ماجه، ورواه حذيفة - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: وأنه يمكث في الأرض أربعين عامًا.\nوفي رواية: \"أنه يأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام\".\nوقد مر أنه يكون دُخانٌ عند هلاك يأجوج ومأجوج، وأنه يمكث ثلاثًا، فيحتمل أن يكون هذا هو ويحتمل غيره، لكنه لابد أن يكون قبل الريح الآتية؛ لأن بعد الريح لا يبقي مؤمنٌ، وعند الدخان يُوجد المؤمنون؛ كما هو صريح العبارة.\nومنها: ريح طيبة تقبض روح كل مؤمن، ورجوع الناس إلى عبادة الأوثان ودين آبائهم:\nأخرج مسلم وغيره: عن عائشة ﵂: \"لا تذهب الأيام والليالي حتي تُعبد اللات والعزي من دون الله. . . .\" الحديث.\nوفيه: \"فيبعث الله ريحًا طيبة فيتوفي بها كل مؤمن في قلبه مثقال حبة من إيمان، فيبقي من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم\".\nوله شاهدٌ من حديث حذيفة بن أسيد.\nوأخرج أحمد ومسلم: عن ابن عمرو ﵄ قال: \"ثم يُرسل الله -يعني: بعد موت عيسي- ريحًا باردة من قبل الشام، فلا يبقي علي وجه الأرض أحَدٌ","vol":"1","page":325},{"text":"في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته، حتي لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلت عليه حتي تقبضه، فيبقي شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكرًا، فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، فيعبدونها: وهم في ذلك دَارٌّ رزقهم، حسنٌ عيشهم، ثم ينفخ في الصور\".\nتَنبيْه\nهذا ينافي ما مر من قتل الدابة إبليس بحسب الظاهر، ويمكن أن يُقال علي بُعْدٍ: إن هذا الشيطان غير إبليس.\nوروي أحمد، ومسلم، والترمذي: عن النواس بن سمعان: \"فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحًا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقي شرار الناس يتهارجون فيها -أي: يتسافدون- تهارج الحُمُر، فعليهم تقوم الساعة\".\nوقد مر عن ابن مسعود - ﵁ -: \"أن المؤمنين يتمتعون بعد الدابة أربعين سنة، ثم يعود فيهم الموت ويُسرع، فلا يبقي مؤمن، ويبقي الكفار يتهارجون في الطرق كالبهائم. . . .\" الحديث.\nوفيه: \"فيكونون علي مثل ذلك حتي لا يُولد أحدٌ من نكاح، ثم يُعقم الله النساء ثلاثين سنة، ويكونون كلهم أولاد زنا؛ شرار الناس، عليهم تقوم الساعة\".\nوأخرج الحاكم عن أبي هريرة - ﵁ -: \"أن الله يبعث ريحًا من اليمن ألين من الحرير، فلا تدع أحدًا في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته\".\nتَنبيْه\nقال المناوي في \"تخريج أحاديث المصابيح\": ويُجاب عن اختلاف الروايتين -يعني: كون الريح من قبل الشام ومن اليمن- بأنهما ريحان شامية ويمانية.\nوأخرج ابن ماجه عن حذيفة بن اليمان - ﵁ - قال: يَدْرُسُ الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتي لا يُدري ما صيام، ولا صلاة، ولا نُسك، ولا صدقة،","vol":"1","page":326},{"text":"ويبقي طوائف من الناس الشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة يقولون: أدركنا آباءنا علي هذه الكلمة فنحن نقولها.\nفقال رجلٌ لحذيفة: فما تغني عنهم الكلمة؟ فأعرض عنه حذيفة، فأعاد عليه السؤال ثانيًا وثالثًا، فقال في الثالثة: تُنْجِيهم من النار.\nوأخرج أحمد بسندٍ قوي عن أنس - ﵁ - قال: \"لا تقوم الساعة حتي لا يُقال في الأرض: لا إله إلا الله\".\nوهو عند مسلم، لكن بلفظ: \"الله الله\".\nفدلت الأحاديث المذكورة علي أن المراد بالشرار في الحديث: هم الذين لا يقولون: (لا إله إلا الله)، و(الله الله)، وأنه ما دام في النوع الإنساني من يقول هذه الكلمة لا تقوم الساعة، وإنما تقوم علي الكفار الذين لا يعرفون نكاحًا ولا يولدون من نكاح، فيكونون بهائم في صورة الإنسان وليسوا بإنسان حقيقة، أولئك كالأنعام بل هم أضل.\n\nتَكْمِلَة\nفي فائدةٍ ذكرها الشيخ الكبير محيي الدين بن عربي ﵀ في \"الفصوص\" في (الفص الشيثي)، فلنذكر كلامه مع شرحه للعلامة المحقق نور الدين عبد الرحمن الجامي قدس الله أسرارهما.\nقال ﵀: (وعلي قدم شيث ﵇) بل علي قلبه في التهيؤ للتجليات الذاتية، والعطايا الوهبية (يكون آخر مولود يولد في النوع الإنساني)؛ لأن مراتب الوجود دورية، فكما أن شيثَ ﵇ كان أول مولود من سلسلة أولاد آدم المنتهية إلينا ينبغي أن يكون آخر مولود أيضًا كذلك؛ ليتم الدائرة بانطباق آخرها علي أولها (وهو حامل أسراره) من علومه وتجلياته؛ لما ذكرنا (وليس يولد بعده) ولدٌ آخر (في هذا النوع الإنساني، فهو خاتم الأولاد يولد معه) في بَطنٍ واحد (أخت له) كما أن شيثَ ﵇ أيضًا كان كذلك؛ فإن حواء كانت تلد لآدم في كل بَطنٍ ذكرًا وأنثي (فتخرج أخته) قبله (ويخرج) هو بعدها؛ لأنه لو لم يتأخر عنها في الولادة لم","vol":"1","page":327},{"text":"يكن خاتم الأولاد، ويشبه أن يكون شيث ﵇ مع أخته بعكس ذلك، ليكون أول مولود (يكون رأسه عند رجليها، ويكون مولده بالصين) أقصي البلاد (ولغته لغة بلده، ويسري بعد ولادته العقم في الرجال والنساء، فيكثر النكاح من غير ولادة، ويدعوهم إلى الله، فلا يُجاب في هذه الدعوة، (فإذا قبضه الله)، وقبض مؤمني زمانه (بقي من بقي مثل البهائم)، فهم حيوانات في صور الإنسان؛ لإظهار كمال الحقائق الحيوانية الطبيعية البهيمية السبعية في الصورة الإنسانية تمامًا علي ما تقتضيه الطبيعة من حيث هي هي، من غير وازعٍ عقلي أو مانعٍ شرعي، (لا يحلون حلالًا، ولا يحرمون حرامًا، ويتصرفون) بحكم الطبيعة (بشهوة مجردة عن) العقل والشرع، (فعليهم تقوم الساعة، وتخرب الدنيا، وانتقل الأمر إلى الآخرة). انتهي\nتَنبيْه\nمراد الشيخ - ﵁ - بقوله: (ليس يُولد بعده ولدٌ في هذا النوع الإنساني فهو خاتم الأولاد). انتهي\nالإنساني الحقيقي، فهو خاتم أولاد المؤمنين، أو خاتم أولاد النكاح، فيكون العقم مرتين مرةً في المنكوحات، ومرةً في مطلق النساء؛ كما يشير له قول الشارح: (فيكثر النكاح من غير ولادة)، فإن النكاح يُطلق علي العقد كما يطلق علي الجِمَاع، فلا يُنافي أن يُولد بعده بهائم في صورة الإنسان كما يشير إليه كلامه، أو من الزنا كما صرح به حديث ابن مسعود - ﵁ - المار: \"فيكونون علي مثل ذلك حتي لا يُولد أحدٌ من نكاح، ثم يعقم الله النساء ثلاثين سنة، ويكونون كلهم أولاد زنا، شرار الناس، عليهم تقوم الساعة\".\nفلا منافاة بين الحديث وكلام الشيخ، والحديث وإن ضعفه الحاكم فالكشف الصحيح يدل علي صحة هذا المقدار منه، ولبقيته، بل ولمجموعه شواهد، وقد مرت.\nتَنبيْه آخَر\nحكمة عقم النساء ثلاثين سنة -والعلم عند الله تعالي- أنهم لو توالدوا لزم تعذيب الصبيان قبل البلوغ وقد قال - ﷺ -: \"رفع القلم عن ثلاثة\"، ومنهم:","vol":"1","page":328},{"text":"\"الصبي حتي يبلغ\"، والبلوغ وإن كان يحصل بخمسة عشر لكنه تعالي يُمهلهم حتي يبلغوا أشدهم إلزامًا للحُجة.\nلا يُقال هم أهل الفترة فكيف يعذبهم؛ لأنه قد مر عن \"شرح الفصوص\" أن المولود المذكور يدعوهم إلى الله فلا يُجاب، ولا مانع أن يُبْقِي الله ذلك المولود بعد هلاك جميع المؤمنين إلزامًا للحجة، وبالله التوفيق.\nوهذا إنما يوافق القول بأن الشيطان لا تقتله الدابة، وأن الأعمال تكتب بعد طلوع الشمس من مغربها.\nتَنبيْه آخَر\nينافي ما ذكر بحسب الظاهر قوله - ﷺ -: \"لا تزال طائفةٌ من أمتي يقاتلون علي الحق ظاهرين. . . .\" الحديث.\nفإن ظاهر الروايات السابقة: أنه لا يبقي أحدٌ من المؤمنين فضلًا عن القائم بالحق، وظاهر هذا البقاء.\nقال الحافظ في \"فتح الباري\": يمكن أن يكون المراد بقوله: أمرُ الله هبوب تلك الريح، فيكون ظهور تلك الطائفة قبل هبوبها.\nقال: فبهذا الجمع يزول الإشكال بتوفيق الله تعالي. انتهي\nولا يأبي هذا كل الإباء ما ورد في بعض الروايات مكان \"أمر الله\": \"يوم القيامة\"؛ لأن ما قارب الشيء يُعطي حكمه، فهذا الوقت لقربه من القيامة يطلق عليه القيامة، وجمعه هذا أحسن من جمع غيره بأن يَكفر بعض الناس ويبقي بعضهم؛ لمنافاته للكليات الواردة كما لا يخفي.\nويوضحه: ما رواه الحاكم وصححه عن عقبة بن عامر: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا تزال عِصَابةٌ من أمتي يقاتلون علي أمر الله قاهرين علي العدو، لا يضرهم من خالفهم حتي تأتيهم الساعة\".\nفقال عبد الله بن عمرو: أجل ويبعث ريحًا ريحها المسك، ومسها مس الحرير،","vol":"1","page":329},{"text":"فلا تترك نفسًا في قلبه من مثقال حبة من الإيمان إلا قبضته، ثم يبقي شرار الناس، عليهم تقوم الساعة.\nفإن قول ابن عمرو ﵄ هذا في مقابلة ما رواه عقبة كالصريح فيما قلناه، والله أعلم.\nومنها: رفع القرآن من المصاحف ومن الصدور:\nرَوي الديلمي عن حذيفة، وأبي هريرة ﵄ معًا؛ قالا: \"يُسري علي كتاب الله ليلًا فيصبح الناس وليس منه آية ولا حرف في جوف إلا نسخت\".\nوروي عن ابن عمر ﵄: \"لا تقوم الساعة حتي يرجع القرآن من حيث جاء، فيكون له دويٌّ حول العرش كدوي النحل، فيقول الرب ﷿: مالك؟ فيقول: منك خرجت وإليك عُدت، أتلي فلا يُعمل بي. فعند ذلك رفع القرآن\".\nوأخرج السجزي عن ابن عمر ﵄ قال: \"لا تقوم الساعة حتي يرفع الركن والقرآن\".\nوروي الأزرقي في \"تاريخ مكة\": \"أول ما يرفع الركن، والقرآن، ورُؤيا النبي - ﷺ - في المنام\".\nوروي ابن ماجه بسندٍ صحيح قوي، والحاكم، والبيهقي، والضياء: عن حذيفة - ﵁ -: \"يدرس الإسلام كما يدرس وشْي الثوب، حتي لا يدري ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، ويُسري علي كتاب الله في ليلة، فلا يبقي في الأرض منه آية، وتبقي طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون: أدركنا آباءنا علي هذه الكلمة (لا إله إلا الله) فنحن نقولها\".\nومنها: هدم الكعبة:\nوقد مر بأحاديثه وتوجيهها، وإنما ذكرته هنا؛ لأن بعضهم قال: ذلك بعد موت المؤمنين قرب القيامة عند انقطاع الحج.","vol":"1","page":330},{"text":"ومنها: رجوع الناس إلى عبادة الأوثان:\nوقد مرت أحاديثها وأن بعضهم يُؤمن بالدجال، فهذا مَحطُّ حديث: \"تلحق قبائل من أمتي بالمشركين ويكفرون جميعًا قبل يوم القيامة\" وهذا محطُّ الأحاديث المصرحة بالعموم، وكلاهما من الأشراط، والله أعلم.\nومنها: رِيحٌ تُلقي الناس في البحر:\nأخرج الستة إلا البخاري عن حذيفة بن أسيد ﵄؛ مرفوعًا: \"لن تقوم الساعة حتي تروا قبلها عشر آيات. . . .\"، وقال في العاشرة: \"ورِيحٌ تلقي الناس في البحر\".\nوفي لفظ الترمذي: \"والعاشرة: إما ريحٌ تطرحهم في البحر، وإما نزول عيسي ابن مريم\"؛ بالشك من الراوي.\nوالمراد بكون عيسي ﵇ عاشرًا في العَدِّ لا في الوقوع.\nوظاهره (١) أن هذه غير الريح التي تلقي يأجوج ومأجوج في البحر كما مر، وأن هذه تكون عند خروج النار الآتي ذكرها، ويحتمل أن تكون إياها، والله أعلم.\nومنها: تقارب الزمان، وقصر الأيام:\nأخرج مسلم عن أبي هريرة، والترمذيُّ عن أنس: \"لا تقوم الساعة حتي يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كالضرمة بالنار. واللفظ للترمذي.\nوقد مر في بحث الدجال أن هذا يصير في زمانه أيضًا، ولا مانع من تكرره مرتين: مرة في زمنه، ومرة في آخر الزمان، فالقدرة صالحة لكل شيء.\n_________\n(١) وقال القاري (٥/ ١٨٨): لعل المراد من الناس الكفار، وأن نارهم تكون منضمة إلى ريحٍ شديدة الجري، سريعة التأثير في إلقائها البحر، وهو موضع شر الكفار ... إلخ.\nقلت: والظاهر أنه ليس إذ ذاك إلا الكفار؛ لتقدم الريح القابضة علي ذلك، لكن يخالفه ما سيأتي (ص ٣٣٥): \"يحشر الناس علي ثلاثة طوائف طاعمين كاسين\" الحديث، إلا أن يقال: إن المراد أن الفرق كلهم من الكفرة. فتأمل. (ز).","vol":"1","page":331},{"text":"ومن الأشراط العظام وهي آخرها: نارٌ تخرج من قعر عدن تحشر الناس إلى محشرهم.\nأخرج أحمد، والبخاري: عن أنس - ﵁ -: \"أما أول أشراط الساعة فنارٌ تخرج من المشرق فتحشر الناس إلى المغرب، وأما أول ما يأكل أهل الجنة فزيادة كبد الحوت. . . .\" الحديث.\nوأخرج الستة غير البخاري: عن حذيفة بن أسيد ﵄ مرفوعًا: \"لن تقوم الساعة حتي تروا قبلها عشر آيات. . . .\" الحديث.\nوفيه: \"وآخر ذلك نارٌ تَخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم\".\nويُروي: \"نار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر\".\nوفي لفظ: \"من قعر عدن أبين\".\nو(أبين)؛ بوزن أحمر: اسم الملك الذي بناها. قال في \"النهاية\": وقد مَرَّ وَجْهُ الجمع بين أوليتها وآخريتها.\nوأخرج أحمد عن ابن عمر ﵄، وهو وأبو داود والحاكم وأبو نُعيم عن ابن عمرو ﵄ قال: \"ستكون هجرة بعد هجرة، فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم، ويبقي في الأرض شرار أهلها تلفظهم أرضوهم، وتقذرهم نفس الله، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير، تبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا، وتأكل من تُخَلّف\".\nتَنبيْه\nقوله: \"تقذرهم نفس الله\" من المتشابهات، فيجب الإيمان بها علي مراد الله ومراد رسوله، ولا حاجة إلى تأويله، فإن الحديث كالقرآن لا يَعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم؛ لأنهم يقولون: آمنا به كل من عند ربنا، فينتج لهم إيمانهم به العلمَ بتأويله.\nوأخرج أحمد والترمذي وقال: حسنٌ صحيح، عن ابن عمر ﵄:","vol":"1","page":332},{"text":"\"ستخرج نارٌ من حضرموت أو من بحر حضرموت قبل يوم القيامة تحشر الناس، قالوا: يا رسول الله؛ فما تأمرنا؟ قال: عليكم بالشام\"، وهذا هو المراد بمهاجر إبراهيم ﵇ في الرواية السابقة.\nوأخرج الطبراني وابن عساكر، عن حذيفة بن اليمان - ﵁ - قال: \"لتقصدنكم نارٌ هي اليوم خامدةٌ في وادٍ يقال له: برهوت. تغشي الناس فيها عذاب أليم تأكل الأنفس والأموال، وتدور الدنيا كلها في ثمانية أيام، تطير طير الريح والسحاب، حرها بالليل أشد من حرها بالنهار، ولها بين السماء والأرض دويٌّ كدوي الرعد القاصف، وهي من رؤوس الخلائق أدني من العرش، قيل: يا رسول الله؛ أسليمةٌ يومئذ علي المؤمنين والمؤمنات؛ قال: وأين المؤمنون والمؤمنات يومئذ؟ ! هم شَرٌّ من الحُمُر، يتسافدون كما يتسافد البهائم وليس فيهم رجلٌ يقول: مه مه\".\nوأخرج أحمد، والبغوي، والباوَردي، وابن قانع، وابن حبان، والطبراني، والحاكم، وأبو نُعيم: عن رافع بن بشر السلمي قال: \"يوشك أن تخرج نارٌ من حبس سيل، تسير سير بطيئة الإبل، تسير بالنهار وتقيم بالليل، تغدو وتروح، يقال: غدت النار أيها الناس؛ فاغدوا، قالت النار أيها الناس؛ فقيلوا، راحت النار أيها الناس؛ فروحوا. من أدركته أكلته\".\nتَنبيْه\nهذه النار المذكورة في هذه الأحاديث الخارجة من قعر عدن غير نار المدينة المار ذكرها في القسم الأول، ولا ينافي هذه الرواية أن هذه تخرج من حبس سيل أيضًا؛ لأن أصل خروجها من برهوت، ويقال له: وادي النار. وهو في قعر عدن، وعدن بناحية حضرموت وعلي ساحل البحر، فالعبارات مآلُها واحد، وتمر بحبس سيل أيضًا، والخطاب مع أهل المدينة.\nوحبس سيل شرقي المدينة، فوصول النار إليها يكون قبل وصولها المدينة، فيصح أن يقال لهم: تخرج نارٌ من حبس سيل.","vol":"1","page":333},{"text":"فائِدَة\nنقل الحافظ ابن حجر عن القرطبي: إن الحشر أربعة: حشران في الدنيا، وحشران في الآخرة، فالذي في الدنيا المذكور في سورة الحشر، وهو حشر اليهود إلى الشام، والثاني: الحشر المذكور في أشراط الساعة (١).\nوفي حديث أنس - ﵁ - في مسألة عبد الله بن سلام لما أسلم: \"أما أول أشراط الساعة فنارٌ تحشر الناس من المشرق إلى المغرب\".\nوفي حديث عبد الله بن عمر ﵄ عند الحاكم؛ رفعه: \"تُبعَثُ علي أهل المشرق نارٌ فتحشرهم إلى المغرب، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، ويكون لها ما سقط منهم وتخلّف، وتسوقهم سَوْقَ الجمل الكبير\".\nقال الحافظ ابن حجر: وكونها تخرج من قعر عدن لا ينافي حشرها الناس من المشرق إلى المغرب؛ لأن ابتداء خروجها من عدن، فإذا خرجت انتشرت في الأرض كلها؛ أي: كما في رواية الطبراني، وابن عساكر عن حذيفة - ﵁ - المارة أنها تدور الدنيا كلها في ثمانية أيام.\nأو أن المراد تعميم الحشر، لا خصوص المشرق والمغرب؛ أي: يكون المعني: تحشر من بين المشرق والمغرب، أو أنها بعد الانتشار أول ما تحشر أهل المشرق.\nتَنبيْه\nيجمع بين قوله: (تدور الدنيا كلها في ثمانية أيام)، وبين (أنها تسير سير بطيئة الإبل والجمل الكبير، وتبيت وتقيل) بأن انتشارها في ثمانية أيام، ثم تسير علي سير الناس بعد ذلك.\nوالثالث: حشر الأموات من قبورهم بعد البعث جميعًا:\nقال تعالي: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾.\n_________\n(١) وبسط الحافظ (١١/ ٣٠٠) في باب \"المحشر\" من البخاري الكلام علي روايات الباب، والجمع بينها وذكر الأقوال فيها أشد البسط. فارجع إليها (ز).","vol":"1","page":334},{"text":"والرابع: حشرهم إلى الجنة أو النار:\nقال الحافظ: الحشر الأول ليس حشرًا مُستقلًا، فإن المراد حشر كل موجودٍ يومئذ، والأول إنما وقع لفرقةٍ مخصوصة، وهذا وقع كثيرًا كما وقع لبني أمية أن ابن الزبير - ﵁ - أخرجهم من المدينة إلى جهة الشام. اهـ\nقُلْتُ: المراد ما سُمي حشرًا علي لسان الشارع، وقد سَمَّي الله الأول حشرًا بخلاف غيره، فظهر الفرق.\nخَاتِمَة\nاختلف الناس: هل هذا الحشر قبل يوم القيامة، أو هو يوم القيامة؟\nوعلي الأول: هل النار حقيقةٌ أو مجاز، أو المراد بها الفتن؟ مال إلى الثاني الحليمي، وجزم به الغزالي.\nقالوا: ويدل له حديث أبي هريرة - ﵁ - في \"الصحيحين\" وغيرهما: \"يحشر الناس علي ثلاث طرائق راغبين راهبين، واثنان علي بعير وثلاثة علي بعير، وعشرة علي بعير، وتحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا وتمسي معهم حيث أمسوا\"؛ أي: فالحديث كالتفسير لقوله تعالي: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً ...﴾ الآية.\nقال الحافظ ابن حجر: ويؤيده حديث أبي ذر - ﵁ - عند أحمد، والنسائي، والبيهقي: \"حدثني الصادق المصدوق أن الناس يحشرون يوم القيامة علي ثلاثة أفواج: فوج طاعمين كاسين راكبين، وفوج يمشون، وفوج تسحبهم الملائكة علي وجوههم. . . .\" الحديث.\nثم اختلفوا علي هذا القول في الجمع بين حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا وحديث ابن عباس ﵄ في \"الصحيحين\" وغيرهما مرفوعًا: \"إنكم تحشرون حُفاةً عُراةً غُرلًا. . . .\" الحديث.\nفقال الإسماعيلي: الحشر يُعبر به عن النشر أيضًا؛ لاتصاله به؛ وهو إخراج","vol":"1","page":335},{"text":"الخلق من القبور، فيخرجون من القبور حُفاة عُراةً، فيساقون ويجمعون إلى الموقف للحساب، ثم يحشر المتقون رُكبانا علي الإبل؛ أي: والمجرمون علي وجوههم.\nوقال غيره: يخرجون من القبور علي ما في حديث ابن عباس ﵄، ثم يحشرون إلى الموقف علي ما في حديث أبي هريرة - ﵁ -.\nوقال بعض شراح \"المصابيح\" -أي: وهو التُّوربشتي-: حَملُ الحشر علي هذا أقوي من وجوه:\nأحدها: إذا أطلق الحشر يُراد به شرعًا: الحشر من القبور، ما لم يُخصصه دليل.\nثانيها: أن التقسيم المذكور في الخبر لا يستقيم في الحشر إلى أرض الشام؛ لأن المُهَاجِر لابد أن يكون راغبًا أو راهبًا، أو جامعًا بين الصفتين، فأما أن يكون راغبًا راهبًا فقط، وتكون هذه طريقة واحدة لا ثاني لها من جنسها فلا.\nثالثها: حشر البقية علي ما ذكر، وإلجاء النار لهم إلى تلك الجهة وملازمتها حتي لا تفارقهم قَولٌ لم يرد به التوقيف، وليس لنا أن نحكم بتسليط النار في الدنيا علي أهل الشقوة من غير توقيف.\nرابعها: أن الحديث يُفسر بعضه بعضًا، وقد وقع من حديث أبي هريرة - ﵁ - بلفظ: \"ثلثًا علي الدواب، وثلثًا ينسلون علي أقدامهم، وثلثًا علي وجوههم\".\nقال: ونري أن هذا التقسيم نظير التقسيم الذي في سورة الواقعة: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ ... الآيات.\nفقوله في الحديث: \"راغبين راهبين\": يُريد عموم المؤمنين المخلطين عملًا صالحًا وآخر سيئًا، وهم أصحاب الميمنة.\nوقوله: \"اثنان علي بعير\" ... إلى آخره: يُريد السابقين وهم أفاضل المؤمنين ركبانًا.\nوقوله: \"وتحشر بقيتهم النار\": يُريد أصحاب المشأمة.\nفيحتمل أن البعير يحمل عشرة دفعة واحدة؛ لأنه يكون من بديع قدرة الله، فيقوي","vol":"1","page":336},{"text":"علي ما لا يقدر عليه عشرة من بُعران الدنيا، ويحتمل أن يتعاقبوه. انتهي ملخصًا.\nوقال الخطابي والقرطبي، وصوبه القاضي عياض وقواه بحديث حذيفة بن أسيد - ﵁ -: إن هذا الحشر يكون قبل يوم القيامة، يُحشر الناس أحياء إلى الشام، وأما الحشر من القبور فهو علي ما في حديث ابن عباس ﵄.\nقال: وقوله: \"اثنان علي بعير إلى عشرة\" يريد: أنهم يعتقبون أنهم يتعاقبون البعير الواحد يركب بعض ويمشي بعض؛ أي: وذلك لقلة الظهر كما في بعض الأحاديث.\nقال القاضي عياض: ويقويه آخر حديث أبي هريرة - ﵁ -: \"تقيل معهم وتبيت، وتصبح وتُمسي\"، وأن هذه الأوصاف مُختصةٌ بالدنيا.\nورجحه الطيبي وتعقب علي الشارح المذكور، وأجاب عن أول وجوه ترجيحه بأن الدليل المخصص ثابت، فقد ورد في عدة أحاديث وقوع الحشر في الدنيا إلى جهة الشام، وذكر حديث حذيفة بن أسيد السابق ذكره، وحديث معاوية بن حيدة رفعه: \"إنكم محشورون -ونحى بيده نحو الشام- رجالًا ورُكبانًا وتخرون علي وجوهكم\"، أخرجه الترمذي، والنسائي، وسنده قوي.\nوحديث: \"ستكون هجرة بعد هجرة، وينحاز الناس إلى مهاجر إبراهيم، ولا يبقي في الأرض إلا شرارها، تلفظهم أرضوهم، تحشرهم النار مع القردة والخنازير، تبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا\" أخرجه أحمد بسندٍ لا بأس به.\nوحديث: \"ستخرج نارٌ من حضر موت تحشر الناس. قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: عليكم بالشام\".\nقال: فليس المراد بالنار في هذه الأحاديث نَارَ الآخرة كما زعمه المعترض، وإلا لقيل: تحشر بقيتهم إلى النار، وقد قال: \"تحشر بقيتهم النار\" فأضاف الحشر إليها.\nقال: والجواب عن الثاني أن التقسيم المذكور في سورة الواقعة لا يستلزم أن يكون","vol":"1","page":337},{"text":"هو التقسيم المذكور في الحديث، فإن الذي في الحديث ورد علي القصد من الخلاص من الفتنة، فمن اغتنم الفرصة سار علي فسحة من الظّهر، ويُسرة في الزاد، راغبًا فيما يستقبله، راهبًا مما يستدبره، وهؤلاء هم الصنف الأول في الحديث.\nفمن تواني حتي قل الظهر، وضاق أن يسعهم لركوبهم اشتركوا أو ركبوا عقبة، فيحصل اشتراك الاثنين في البعير الواحد، وكذا الثلاثة يمكنهم كل من الأمرين.\nوأما الأربعة فالظاهر من حالهم التعاقب، وقد يمكن الاشتراك إذا كانوا خِفَافًا أو أطفالًا.\nوأما العشرة فبالتعاقب لا غير.\nوسكت عما فوقها إشارةً إلى أنها المنتهي في ذلك، وعما بينها وبين الأربعة إيجازًا واختصارًا، وهؤلاء هم الصنف الثاني في الحديث.\nوأما الصنف الثالث: فعبر عنه بقوله: \"تحشر بقيتهم النار\"؛ إشارةً إلى أنهم عجزوا عن تحصيل ما يركبونه، ولم يقع في الحديث بيان حالهم، بل يحتمل أنهم يمشون أو يسحبون فرارًا من النار.\nويؤيد ذلك: ما وقع في آخر حديث أبي ذر - ﵁ - الذي تقدمت الإشارة إليه في كلام المعترض، وفيه أنهم سألوا عن السبب في مشي المذكورين، فقال: تُلقي الآفة علي الظهر حتي لا يبقي ذات ظهر، حتي إن الرجل ليعطي الحديقة المعجبة بالشارف -أي: الناقة- المسن ذات القتب؛ أي: يشتريها بالبستان الكريم؛ لهوان العقار الذي عزم علي الرحيل عنه، وعزة الظهر الذي يوصله إلى مقصوده، وهذا لائِقٌ بحال الدنيا دون الآخرة، مُؤكدٌ لما ذهب إليه الخطابي وغيره.\nويتنزل علي وفق حديث الباب؛ يعني: حديث \"المصابيح\"، وهو أن قوله: \"فوج طاعمين كاسين راكبين\" مُوافقٌ لقوله: \"راغبين راهبين\".\nوقوله: \"وفوج يمشون\"، مُوافقٌ للصنف الذين يتعاقبون علي البعير؛ فإن صفة المشي لازمة لهم.\nوأما الصنف الذين تحشرهم النار فهم الذين تسحبهم الملائكة.","vol":"1","page":338},{"text":"قال: والجواب عن الثالث: أنه تبين بشواهد الحديث أنه ليس المراد بالنار نار الآخرة، وإنما هي نارٌ تخرج من الدنيا أنذر النبي - ﷺ - بخروجها، وذكر كيفية ما تفعل في الأحاديث المذكورة.\nوالجواب عن الرابع: أن حديث أبي هريرة - ﵁ - من رواية علي بن زيد -أي: الذي استدل به المعترض- مع ضعفه لا يُخالف حديث الباب؛ لأنه مُوافقٌ لحديث أبي ذر - ﵁ - في لفظه، وقد تبين من حديث أبي ذر - ﵁ - ما دل علي أنه في الدنيا، لا بعد البعث في الحشر إلى الموقف، إذ لا حديقة هناك ولا آفة تلقي علي الظهر.\nووقع في حديث علي بن زيد المذكور عند أحمد: أنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك، وأرض الموقف مستوية لا عوج فيها ولا أمتًا، ولا حدب ولا شوك.\nقال: هذا ما سنح لي علي سبيل الاجتهاد، ثم رأيت في \"صحيح البخاري\" في باب المحشر: \"يحشر الناس يوم القيامة علي ثلاث طرائق\"، فعلمت من ذلك أن الذي ذهب إليه الإمام التُّوربشتي هو الحق الذي لا محيد عنه. انتهي كلام الطيبي مع التلخيص.\nقال الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" بعدما نقل ذلك عنه ما نصه: قلت: ولم أقف في شيءٍ من طرق الحديث الذي أخرجه البخاري علي لفظ: \"يوم القيامة\"، لا في \"صحيحه\"، ولا في غيره، وكذا هو عند مسلم، والإسماعيلي، وغيرهما ليس فيه: \"يوم القيامة\".\nنعم؛ ثبت لفظ: \"يوم القيامة\" في حديث أبي ذر - ﵁ - المنبه عليه قبل، وهو مُؤولٌ بأن المراد بذلك: أن يوم القيامة يعقب ذلك فيكون من مجاز المجاورة، ويتعين ذلك لما وقع فيه أن الظهر يقل بما يلقي عليه من الآفة، وأن الرجل يشتري الشارف الواحد بالحديقة المعجبة، فإن ذلك ظاهرٌ جدًا في أنه من أحوال الدنيا لا بعد البعث. انتهي كلام الحافظ بلفظه.\nوحاصله: أن حمل لفظة من الحديث علي المجاز أهون من إلغاء جملة من ألفاظه وإبطال معني الحديث، فيتعين.","vol":"1","page":339},{"text":"وعلي هذا: فلو ثبت لفظ: \"يوم القيامة\" في \"البخاري\" أيضا لوجب تأويله بذلك كذلك؛ لذلك.\nوأقول: قد مر في حديث ابن عمر ﵄ عند أحمد، والترمذي وقال: حسنٌ صحيح: \"ستخرج نار من حضرموت، أو من بحر حضرموت، قبل يوم القيامة تحشر الناس. . . .\" الحديث.\nفقد صرح بكونه قبل يوم القيامة، وحديث حذيفة بن أسيد عند غير البخاري: \"لن تقوم الساعة حتي تروا قبلها. . . .\" الحديث، فقد تعارض مع حديث البخاري المذكور علي تقدير ثبوت لفظة: \"يوم القيامة\"، ولا يمكن تأويلهما بخلافه، فوجب المصير إليه دفعًا للتعارض، فثبت أن الحق أن النار قبل يوم القيامة، وبالله التوفيق.\nفإن قلت: كون النار آخر الآيات يستلزم أن لا يكون في الأرض خيار، وقد صُرح بذلك في حديث حذيفة - ﵁ - عند الطبراني، وابن عساكر المار؛ فإن فيه: \"قيل: يا رسول الله؛ أهي سليمة علي المؤمنين والمؤمنات؟ قال: وأين المؤمنون والمؤمنات يومئذ؟ ! . . . .\" الحديث.\nوفي حديث ابن عمرو ﵄ عند أحمد، وأبي عبيدة، وعند أبي داود، والحاكم، وأبي نُعيم: \"فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم\".\nوفي بعض الأحاديث: \"راغبين راهبين وطاعمين كاسين\"، فيلزم أن يوجد الخيار يومئذ، وهذا تناقض أو كالتناقض.\nقُلْتُ: ليس في الحديث إلا أن خير الناس يهاجرون باختيارهم إلى الشام في رفاهية ورخاء، ولا يلزم من ذلك أن يبقوا إلى خروج النار، بل الثابت أن الريح تقبضهم ولا يبقي إلا الشرار، وأن المراد خيارهم في حال حياة الدنيا من يذهب بنفسه، وهم الطاعمون الكاسون الذين يجدون الظهر والسعة، ولا يلزم من ذلك أن يكونوا خيارًا عند الله، وكونهم راغبين في الوصول إلى السلامة، راهبين من النار كما فسره به الطيبي لا يلزم منه أن يكونوا مؤمنين.","vol":"1","page":340},{"text":"وهذا واضح، وبالله التوفيق لسلوك أوضح طريق، إنه بالإجابة حقيق، وبعباده رفيق.\nتَذْنيبٌ\nورد في \"الصحيحين\" عن أبي هريرة - ﵁ -: \"إن آخر من يحشر راعيان من مُزينة يريدان المدينة، ينعقان بغنمهما فيجدانها وحوشًا، حتي إذا بلغا ثنية الوداع خرا علي وجوههما\".\nوثنية الوداع: قرب المدينة إلى جهة الشام علي الأصح (١).\nوفي رواية ابن أبي شيبة عنه: \"رجلان: رجلٌ من جهينة، وآخر من مزينة، فيقولان: أين الناس؟ فيأتيان المدينة فلا يجدان إلا الثعلب، فينزل إليهما ملكان فيسحبانهما علي وجوههما حتي يلحقانهما بالناس\".\nوَروي ابن أبي شيبة أيضًا عن حذيفة بن أسيد - ﵁ - قال: \"آخر الناس محشرًا رجلان من مزينة يفقدان الناس، فيقول أحدهما لصاحبه: قد فقدنا الناس منذ حين، انطلق بنا إلى شخصٍ من بني فلان، فينطلقان فلا يجدان أحدًا، ثم يقول: انطلق بنا إلى المدينة، فينطلقان فلا يجدان بها أحدًا، فيقول: انطلق بنا إلى منزل قريش ببقيع الغرقد، فينطلقان فلا يريان إلا السباع والثعالب، فيتوجهان نحو البيت الحرام\".\nقال السمهودي في الجمع بينهما: وكأنه إذا توجها نحو البيت الحرام ينزل إليهما الملكان قبل ذهابهما، فلا يُخالف ما تقدم. انتهي\nقُلْتُ: وكونهما من مزينة تغليب؛ لأن أحدهما من جهينة؛ كما في رواية ابن أبي شيبة، والله أعلم.\n_________\n(١) للمدينة أكثر من ثنية، فمن جهة الشمال تقع الثنية المشهورة، ومن جهة الجنوب توجد ثنايا أيضًا معروفة الآن، فتحديد ثنية الوداع بالشامية؛ بناءً علي الشهرة، أو لموقع قبيلة مزينة من قبل المُصَنِّف، أمَّا الحكم بأنه لا ثنية إلَّا الثنية الشامية؛ فهذا محل نظر، وليس هذا محل بسطه.","vol":"1","page":341},{"text":"وهذا الحشر لهما من نفخ الصور، فإن بعد النار المذكورة يُنفخ في الصور وتقوم الساعة.\nروي الشيخان عن أبي هريرة - ﵁ -؛ مرفوعًا: \"لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما يتبايعانه، فلا يطويانه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه؛ أي: يلطخه بالطين\".\nيقال: لاط حوضه، يليطه، ويلوطه؛ إذا لطخه بالطين وأصلحه.\nفلا يَسقي فيه -أي: إبله ودوابه- ولتقومن الساعة وقد رفع أُكْلَتهُ -أي؛ بضم الهمزة؛ يعني: لقمته- إلى فِيه فلا يطعمها -أي: لا يأكلها-.\nوفي حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عند مسلم والنسائي: \"يخرج الدجال فيمكث أربعين. لا أدري أربعين يومًا أو شهرًا أو عامًا. . . .\" الحديث.\nوفيه: \"يبقي شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع\" ... إلى أن قال: \"ثم يُنفخ في الصُّور فلا يسمع أحدٌ إلا أصغي لِيتا -ورفع لِيتا- قال: وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله، فَيَصعق ويَصعق الناس\".\nقال في \"النهاية\": (اللِّيت) -أي: بكسر اللام- صفحة العنق، وهما ليتان. و(أصغي): أمال. انتهي\nوالمعني: أنه يرفع إحدي أذنيه نحو السماء، كمن يستمع النداء من فوق.\nوفي \"الصحيحين\": عن أبي هريرة - ﵁ -: \"ما بين النفختين أربعون عامًا\"، ونحوه عند أبي داود وابن مردويه عنه. وروي ابن المبارك عن الحسن مثله.\nوعند مسلم والنسائي: \"ثم يرسل الله مطرًا كأنه الطل فتنبت منه أجساد بني آدم، ثم ينفخ فيه أخري فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال: يا أيها الناس؛ هَلمَّ إلى ربكم ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾. . . .\" الحديث.\nونسأل الله العفو، والعافية التامة، والمغفرة العامة في الدارين لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، ولمشايخنا في الدين ولإخواننا دينًا وطينًا، ولأمة محمد - ﷺ - أجمعين؛ إنه أرحم الراحمين. آمين.","vol":"1","page":342},{"text":"خَاتمَة نختم بها الكتاب إن شاء الله تعالي تتميمًا للفائدة\nفنقول: قال الإمام الحافظ الحجة جلال الدين عبد الرحمن السيوطي في رسالته المسماة بـ\"الكشف في مجاوزة هذه الأمة الألف\": الذي دلت عليه الآثار أن مدة هذه الأمة تزيد علي ألف سنة، ولا تبلغ الزيادة عليها خمس مئة سنة، وذلك لأنه ورد من طُرقٍ أن مدة الدنيا -أي: من لدن آدم ﵇ إلى قيام الساعة- سبعة آلاف سنة، وأن النبي - ﷺ - بُعث في آخر الألف السادسة.\nقال: ورد أن الدجال يخرج علي رأس مئة سنة، وينزل عيسي ﵇ فيقتله، فيمكث في الأرض أربعين سنة، وأن الناس يمكثون بعد طلوع الشمس من مغربها مئة وعشرين سنة، وأن بين النفختين أربعين سنة، فهذه مئتا سنة لابد منها.\nقال: ولا يمكن أن تكون المدة ألفًا وخمس مئة سنة أصلًا، ثم ساق بسنده الأحاديث الدالة علي ما ذكره مُستوفيًا لطرقها.\nأقول: الذي فُهم مما مر من الأحاديث التي ذكرناها في القسم الثالث أن المهدي يمكث في الأرض أربعين سنة، وأن عيسي ﵇ يمكث بعد الدجال أربعين سنة، كما رواه الحاكم في \"المستدرك\" عن ابن مسعود - ﵁ -: \"أن عيسي ﵇ ينزل فيقتل الدجال، فيتمتعون أربعين سنة، لا يموت أحدٌ، ولا يمرض أحد، ويقول الرجل لغنمه ولدابته: اذهبوا فارعوا، وتمر الماشية بين الزرعين لا تأكل منه سنبلة، والحيات والعقارب لا تؤذي أحدًا، والسبع علي أبواب الدور، ويأخذ الرجل المُدّ من القمح فيبذره بلا حرث فيجيءُ منه سبع مئة مُدٍّ. . . .\" الحديث.\nفإنه ظاهر في أن الأربعين بعد الدجال، وأن بعد عيسي ﵇ يتولي أمراء؛ منهم القحطاني يتولي إحدي وعشرين سنة، ولنفرض لبقيتهم إلى طلوع الشمس من المغرب عشرين سنة أيضًا إن لم تكن أكثر، فهذه مئة وعشرون سنة، ومر أن الدجال يمكث أربعين سنة، فإن لم تكن سنين فلا أقل من مقدار سنتين؛ لأن أيامه طوال،","vol":"1","page":343},{"text":"وأن بعد طلوع الشمس من مغربها يمكث الناس مئة وعشرين سنة.\nوفي رواية: أن الشرار بعد الخيار عشرون ومئة سنة.\nومر أيضًا: أن المؤمنين يتمتعون بعد طلوعها أربعين سنة، ثم يُسرع فيهم الموت.\nفهذه ثلاث مئة وعشرون سنة، وقد مضي بعد الألف قريبٌ من ثمانين، فهذه أربع مئة، وإلي تمام هذه المئة تبلغ أربع مئة وثلاثين، وقد مر عن السيوطي أنه لا تبلغ خمس مئة، بل أخذ بعضهم من قوله تعالي: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾، وقوله: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ أن الساعة تقوم سنة سبع بعد أربع مئة، فإن عدد حروف ﴿بَغْتَةً﴾: ألف وأربع مئة وسبع والعلم عند الله تعالي.\nفيحتمل خروج المهدي علي رأس هذه المئة احتمالًا قويًا بل قبل المئة، إذ الدجال يخرج في خلافته، وهو كما مر يخرج علي رأس المئة.\nويحتمل أن يتأخر للمئة الثانية، ولا يفوتها قطعًا (١)، وإذا تأخر فلابد أن يبعث الله علي رأس هذه المئة من يحيي للأمة أمر دينها؛ كما ورد في حديث مشهور.\nقال الحافظ السيوطي في منظومته:\nوَالشَّرْطُ فِي ذَلِكَ أَنْ تَمْضِي الْمِئَهْ ... وَهْوَ عَلَي حَيَاتِهِ بَيْنَ الْفِئَهْ\nيُشَارُ بِالْعِلْمِ إِلَي مَقَامِهِ ... وَيَنْصُرُ السُّنَّةَ فِي كَلامِهِ\nوَأَنْ يَكُونَ فِي حَدِيْثِ قدْ رُوِي ... مِنْ أَهْلِ بَيْتِ الْمُصْطَفَي وَهْوَ قَوِي\n_________\n(١) وهكذا قال في الصفحة (١٣٩) بظهور المهدي في المئة الثانية بعد الألف قطعًا، وهذا مُشْكلٌ؛ فإنه قد مرت المئة الثانية، والثالثة، والرابعة، وها نحن قد دخلنا في الخامسة، اللهم؛ إلَّا أن يُقال: لما تظاهرت العلامات علي خروج المهدي فأحدث ذلك يقينا قطعيًا في رأي المؤلف، فقال ذلك الكلام، والحال أن دلالة العلامة علي المعلم لها ظنية دائمًا، فخروج المهدي وظهوره ثابتٌ بالأحاديث الصحيحة المتواترة، وأما وقت ظهوره فلا يعلمه قطعًا إلَّا الله تعالي، وقد أشار المُصَنِّف إلى ذلك بقوله (ص ٣٤٥): \"وهذه كلها مظنونات\"، وقد وقع مثل هذا لكثير من الأئمة مثل الحافظ السيوطي كما تقدم النقل عنه، والإمام محمد عمر بحرق تلميذ الحافظ السخاوي في \"حدائق الأنوار\"، وغيرهم من الأئمة حسبما ظهر لهم من فهمٍ للنصوص.","vol":"1","page":344},{"text":"ويرجح الاحتمال الثاني: ما أخرج نُعيم بن حماد عن محمد ابن الحنفية قال: يقوم المهدي سنة مئتين.\nوأخرج عن جعفر الصادق قال: يقوم المهدي سنة مئتين.\nوأخرج أيضًا عن أبي قبيل قال: اجتماع الناس علي المهدي سنة أربع ومئتين.\nتَنبيْه\nوجه الجمع بين الروايات: أن كمال ظهوره وذلك إنما يكون بفتح القسطنطينية يكون سنة مئتين، وتجتمع عليه الناس أجمعون سنة أربع ومئتين وذلك بعد فتح الرومية والقاطع، وهذا لا ينافي خروج الدجال علي رأس مئة؛ لأنه باعتبار أول خروجه بالمشرق وادعائه الخلافة، أو لأن الأربع والخمس بل والعشر من أول المئة يعد من رأس المئة عُرفًا.\nوعلي هذا: فيكون خروج المهدي بسبع أو بتسع أو بثلاثين أو بأربعين قبل المئة، لا يخرجه عن كونه يخرج علي رأس المئة، وكذلك إن تأخر آخر مدته عن رأس المئة.\nوهذه كلها مظنونات وردت بأخبار الآحاد، بعضها صحاح وبعضها حسان، وبعضها ضعاف مع شواهد، وبعضها بغير شواهد.\nوغاية ما ثبت بالأخبار الصحيحة الصريحة الكثيرة الشهيرة التي بلغت التواتر المعنوي وجود الآيات العظام التي منها بل أولها خروج المهدي، وأنه يأتي في آخر الزمان من ولد فاطمة ﵂ يملأ الأرض عدلًا كما مُلئت ظُلمًا، وأنه يقاتل الروم في الملحمة ويفتح القسطنطينية، ويخرج الدجال في زمنه وينزل عيسي ﵇ ويُصلي خلفه، وما سوي ذلك كله أمور مظنونة أو مشكوكة، والله أعلم بحقيقة الحال.\nونعوذ بالله من الزيغ والضلال، والغلو في المقال، والحمد لله علي كل حال، والصلاة علي حائز قصبة الكمال، في الغدو والآصال، وعلي آله وصحبه خير صحب وآل، وغفر الله لنا ولوالدينا وآبائنا وإخواننا طينًا ودينًا وصلبًا وقلبًا ولجميع أمة محمد - ﷺ - آمين.","vol":"1","page":345},{"text":"قال مؤلفه الفقير إلى الله تعالي محمد بن رسول بن عبد السيد العلوي الحسيني الموسوي الشهرزوري البرزنجي ثم المدني عفا الله عنه: ختمتُها يوم الأربعاء بين الصلاتين حادي عشر شهر الله الحرام ذي القعدة من شهور سنة (١٠٧٦ هـ) بالمدينة النبوية، بمنزلي بالزقاق المعروف بالسويقة، حامدًا ومُصليًا، مُستغفرًا مُحسبلًا ومُحوقلًا داعيًا بالمغفرة للمسلمين والمسلمات.\nجعلها الله ذريعة ليوم المعاد بجاه سيد العباد آمين. وصلي الله علي سيدنا ومولانا محمد وعلي آله وصحبه أجمعين آمين.\nآخر ما ورد بالمخطوطة \"أ\":\nوكان الفراغ من تعليق هذه النسخة المباركة بين الصلاتين سابع عشر شهر رجب الفرد المبارك سنة مئة بعد الألف يوم الإثنين، بين الصلاتين، علي يد الفقير إليه تعالي محمد بن إبراهيم بن محمد بن ياسين غفر الله له ولوالديه ولمن قرأ لهم الفاتحة ولكافة المسلمين أجمعين، آمين، آمين، آمين (١).\n* * *\nآخر ما ورد بالمخطوطة (ب):\nنجز تحرير زبرها بحمد الله وحسن عونه وتوفيقه، يوم الجمعة قبيل الزوال، خامس عشرين رمضان المعظم من شهور سنة ثمان وأربعين ومئتين وألف، بقلم العبد الضعيف الراجي من الخبير اللطيف الوصول إلى كل مقام شريف: منصور بن أبي مدين. والحمد لله رب العالمين. آمين.\n* * *\nآخر ما ورد بالمخطوطة (ج):\nقال مؤلفه الفقير إلى الله تعالي: محمد بن رسول بن عبد السيد العلوي الحسيني الموسوي الشهرزوري البرزنجي ثم المدني عفي عنه: ختمتها يوم الأربعاء بين\n_________\n(١) وعلي هامشها: بلغ قراءة ومقابلة.","vol":"1","page":346},{"text":"الصلاتين حادي عشر شهر الله الحرام ذي القعدة من سنة (١٠٧٦ هـ) بالمدينة النبوية بمنزلي بالزقاق المعروف بسويقة، حامدًا ومصليًا، مستغفرًا محسبلًا، محوقلًا داعيًا بالمغفرة للمسلمين والمسلمات، جعلها الله ذريعة ليوم المعاد بجاه سيد العباد. آمين.\nوصلي الله علي سيدنا ومولانا محمد وعلي آله وصحبه أجمعين. آمين، آمين، آمين.","vol":"1","page":347},{"text":"ذَيْل الإشَاعَةِ في الفِتَنِ البَاقِيَةِ","vol":"1","page":349},{"text":"ذَيْل الإِشَاعَةِ فِي الفِتَنِ البَاقِيَةِ\nأسئلة الدجال \"جمع الفوائد\" (٢ ص ٢٩٣)\n١ - عن نخل بيسان قال: هل يثمر؟ قالوا: نعم. قال: يوشك أن لا يثمر.\n٢ - وعن بحيرة طبرية. هل فيها ماء؟ قالوا: نعم. قال: يوشك أن يذهب.\n٣ - عين زغر. قالوا: يزرع، وفيها ماء كثيرة (١).\n_________\n(١) أشار شيخنا رحمه الله تعالى إلى حديث معروف بين طلاب العلم بحديث الجسّاسة، رواه النبي - ﷺ - عن الصحابي تميم الداري رضي الله تعالى عنه، قد رواه الإمام مسلم، والإمام أبو داود، والإمام الترمذي رحمهم الله تعالى، وفي الحديث لطيفةٌ إسنادية حديثية؛ وهي رواية النبي - ﷺ - عن الصحابي.\nعن فاطمة بنت قيس رضي الله تعالى عنها: أن النبي - ﷺ - أمر فنودي الصلاة جامعة، فلما قضى الصلاة جلس على المنبر وهو يضحك فقال: ليلزم كل إنسان مصلاه. قال: هل تدرون لم جمعتكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن جمعتكم لأن تميمًا الداري كان رجلًا نصرانيًا، فجاء فبايع وأسلم، وحدثني حديثًا وافق الذي كنت أحدثكم عن المسيح الدجال:\nحدثني أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلًا من لَخْم وجُذَام، فلعب بهم الموج شهرًا في البحر، ثم أرفؤوا إلى جزيرة في البحر حيث مغرب الشمس، فجلسوا إلى أَقْرُب السفينة، فلقيتهم دابةٌ أهلب كثير الشعر لا يدرون ما قُبله من دُبره، فقالوا: ويلك! ما أنت؟ قالت: أنا الجسّاسة. قالوا: وما الجساسة؟ قالت: أيها القوم؛ انطلقوا إلى هذا الرجل الذي في الدير؛ فإنه إلى خبركم بالأشواق. قال: لما سمت لنا رجلًا فرقنا منها أن تكون شيطانة، فانطلقنا سراعًا حتى دخلنا الدير، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقًا وأشده وثاقًا، مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد، قلنا: ويلك! ما أنت؟ قال: قد قدرتم على خبري، فأخبروني ما أنتم؟ قال: نحن ناسٌ من العرب، ركبنا في سفينة بحرية، فصادفنا البحر حين اغتلم، فلعب بنا الموج شهرًا ثم أَرْفأنا إلى جزيرتك هذه، فجلسنا في أَقْرُبِها، فدخلنا الجزيرة، فلقينا دابة أهلب كثير الشعر لا ندري ما قُبله من دبره من كثرة الشعر، فقلنا: ويلك! ما أنت؟ فقالت: الجساسة. قلنا: وما الجساسة؟ قالت اعمدوا إلى هذا الرجل الذي في الدير؛ فإنه إلى خبركم بالأشواق، فأقبلنا إليك سراعًا، وفزعنا منها، ولم نأمن أن تكون شيطانة. قال: أخبروني عن نخل بيسان. قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها هل يثمر؟ فقلنا له: نعم. قال: أما إنها توشك أن لا تثمر. قال: أخبروني عن بحيرة طبرية. قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء، قال: أما إنها يوشك أن يذهب، قال: أخبروني عن عين زغر. قالوا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل في العين ماء، وهل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا له: نعم هي كثيرة الماء، وأهلها يزرعون من مائها، =","vol":"1","page":351},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال: أخبروني عن نبي الأميين ما فعل. قالوا: قد خرج من مكة ونزل يثرب. قال: أقاتله العرب؟ قلنا: نعم. قال: كيف صنع بهم؟ فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب، وأطاعوه. قال لهم: قد كان ذلك؟ قلنا: نعم. قال: أما إن ذلك خير لهم أن يطيعوه، وإني مخبركم عني: أنا المسيح، وإني يوشك أن يؤذن لي في الخروج، فأخرج فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إلَّا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة؛ فإنهما محرمتان عَليَّ كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة منهما استقبلني ملك بيده السيف صلتا يصدني عنها، وإن على كل نقب من أنقابها ملائكة يحرسونها. قال رسول الله - ﷺ -: وطعن بمخصرته في المنبر هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة، ألا هل كنت حدثتكم ذلك؟ فقال الناس: نعم. قال: فإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه وعن المدينة ومكة، إلَّا إنه في بحر الشام أو بحر اليمن، لا بل من قبل المشرق وما هو من قبل المشرق، ما هو من قبل المشرق، ما هو. وأومأ بيده إلى المشرق، قالت: فحفظت هذا من رسول الله - ﷺ -.\nومن رواياته قالت: فسمعت النبي - ﷺ - وهو على المنبر يخطب، فقال: إن بني عم لتميم الداري ركبوا في البحر ... وساق الحديث.\nومنها: أن النبي - ﷺ - أخرج تميمًا إلى الناس فحدثهم.\nومنها: قال - ﷺ -: أيها الناس حدثني تميم الداري أن أناسًا من قومه كانوا في البحر في سفينة لهم، فانكسرت بهم السفينة، فركب بعضهم على لوح من ألواح السفينة، فخرجوا إلى جزيرة ... وساق الحديث.\nومنها: قالت: صلّى الظهر، ثم صعد المنبر.\nومنها: أنه أَخَر العشاء الآخرة ذات ليلة، ثم خرج فقال: إنه حبسني حديث كان يحدثنيه تميم الداري عن رجل كان في جزيرة ... بنحوه.\nوفيه أن الجساسة قالت له: اذهب إلى ذلك القصر، فأتيته فإذا رجل يجر شعره، مسلسل في الأغلال، ينزو فيما بين السماء والأرض.\nومنها: أن ناسًا من أهل فلسطين ركبوا سفينة في البحر، فجالت بهم ... نحوه. وفيه: قالت: أنا الجساسة. قالوا: فأخبرينا. قالت: لا أخبركم، ولا أستخبركم، ولكن ائتوا أقصى القرية فإن ثَمَّ من يخبركم ويستخبركم. فأتينا أقصى القرية فإذا رجل موثق ... بنحوه. وفيه قال: أخبروني عن نخل بيسان الذي بين الأردن وفلسطين؛ هل أطعم؟ قلنا: نعم.\nلمسلم، والترمذي، وأبي داود، وله عن جابر نحوه. وفيه: شهد جابر أنه ابن صياد، قلت: فإنه قد مات. قال: وإن مات. قلت: فإنه أسلم. قال: وإن أسلم. قلت: فإنه دخل المدينة. قال: وإن دخل المدينة.\n\"جمع الفوائد\" (ج ٣ ص ٢٩٣) (كتاب الملاحم وأشراط الساعة).","vol":"1","page":352},{"text":"٤ - عن أبي ذرّ - ﵁ -: قال ﵊ له: \"كيف أنت إذا رأيت أحجار الزيت قد غرقت؟ \" (١).\nوحمله القاري (ج ٥ ص ١٣٥) على وقعة يزيد. قال: وكان الأمير على تلك الجيوش مسلم بن عقبة المُرّي.\n٥ - حذيفة مرفوعًا: \"يكون بعد هذا الخير شر؟ (٢) قال: نعم. [قال] فما العصمة؟ قال: السيف\". \"البذل\" (ج ٥ ص ٩٠)، حمله الشيخ على مقتل\n_________\n(١) إشارة إلى حديث طويل رواه أبو داود عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه؛ رفعه: يا أبا ذر. قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال. كيف أنت إذا رأيت أحجار الزيت قد غرقت بالدم؟ قلت: ما خار الله لي ورسوله. قال: عليك بمن أنت منه. قلت: يا رسول الله؛ أفلا آخذ سيفي فأضعه على عاتقي؟ قال: شاركت القوم إذًا. قلت: فما تأمرني؟ قال: تلزم بيتك. قلت: فإن دَخَل عَليَّ بيتي؟ قال: فإن خشيت أن يبهرك شعاع السيف فألق ثوبك على وجهك يبوء بإثمك وإثمه. لأبي داود مطولًا.\n\"جمع الفوائد\" (ج ٣ ص ٢٨٣ كتاب الفتن -أعاذنا الله منها-).\n(٢) أشار الشيخ رحمه الله تعالى إلى ما رواه الإمام أبو داود رحمه الله تعالى بسنده عن سبيع بن خالد قال: أتيت الكوفة في زمن فتحت تُستر أجلب منها بغالًا، فدخلت المسجد فإذا صدعٌ من الرجال، وإذا رجل جالس تعرف إذا رأيته أنه من رجال أهل الحجاز، قال: قلت: من هذا؟ فتجهمني القوم وقالوا: أما تعرف هذا؟ ! هذا حذيفة بن اليمان صاحب رسول الله - ﷺ -. فقال حذيفة: إن الناس كانوا يسألون رسول الله - ﷺ - عن الخير، وكنت أسأله عن الشر. فأحدقه القوم بأبصارهم، فقال: إني قد أرى الذي تنكرون، إني قلت: يا رسول الله؛ أرأيت هذا الخير الذي أعطانا الله تعالى، أيكون بعده شر كما كان قبله؟ قال: نعم. قلت: فما العصمة من ذلك؟ قال: السيف. قلت: يا رسول الله؛ ثم ماذا يكون؟ قال: إن كان لله تعالى خليفة في الأرض، فضرب ظهرك، وأخذ مالك فأطعه، وإلا فمت وأنت عاض بجذل شجرة، قلت: ثم ماذا؟ قال: ثم يخرج الدجّال معه نهر ونار، فمن وقع في ناره وجب أجره، وَحُطَّ وزره، ومن وقع في نهره وجب وزره، وَحُطّ أجره. قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: ثم هي قيام الساعة.\nحدثنا محمد بن يحيى بن فارس قال: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن نصر بن عاصم عن خالد بن خالد اليشكري بهذا الحديث قال: قلت: بعد السيف قال: بقية على أقذاء، وهدنة على دخن. ثم ساق الحديث.\nقال: وكان قتادة يضعه على الردّة التي في زمن أبي بكر، على أقذاء يقول: قذي، وهدنة يقول: صلح على دخن على ضغائن.\n\"بذل المجهود\" (ج ١٢ ص ١٣٦ كتاب الفتن).","vol":"1","page":353},{"text":"عثمان رضي الله تعالى عنه، وعندي الردّة.\n٦ - \"وبعد السيف قال: بقيةٌ على أقذاءٍ، وصلحٌ على دخن\" (١) \"البذل\" (ج ٥) حملهُ قتادة على الردّة، وأوّله الوالد كما حكاه الشيخ في \"البذل\"، وحمله من عند نفسه على صلح معاوية وعليّ ﵄ في التحكيم، وعندي صُلْحُ الحسن (١).\n٧ - عن ابن عمرو بن العاص - ﵁ -؛ رفعه: \"ستكون فتنة تستنظف العرب، قتلاها في النار (٢). \"جمع الفوائد\" (ج ٣ ص ٢٨٢) عن الترمذي، وأبي داود، وحمله في حاشية كليهما على وقعة الصفين، وكذا القاري (ج ٥ ص ١٤٧) مع الاحتمال.\n٨ - فتنة الأحلاس (٣) \"جمع الفوائد\" (ج ٣ ص ٢٨٦) حمله الشيخ الشاه ولي الله\n_________\n(١) قال الإمام الشاه ولي الله رحمه الله تعالى: الفتنة التي يكون العصمة فيها السيف ارتداد العرب في أيام أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وأما إمارة على أقذاء: فالمشاجرات التي وقعت في أيام عثمان وعلي ﵄. وهدنة على دخن: الصلح الذي وقع بين معاوية والحسن بن علي ﵄. ودعاة الضلال: يزيد بالشام، ومختار بالعراق، ونحو ذلك، حتى استقر الأمر على عبد الملك.\n\"حجة الله البالغة\" (ج ٣ ص ١٩٦ باب الفتن).\n(٢) أشار إلى ما رواه أبو داود، والترمذي: عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إنها ستكون فتنة تستنظف العرب قتلاها في النار، اللسان فيها أشد من وقوع السيف\".\n\"بذل المجهود\" (ج ١٢ ص ١٢١ باب في كف اللسان).\nولكن قال شيخنا رحمه الله تعالى في \"حاشية البذل\": حملها عامة المحشّين على أبي داود والترمذي [على] القتال بين علي ومعاوية ﵄ وسكت عنه محشي ابن ماجه، وكذا حكاها القاري وقال: لا يجوز حمله على هذه الفتنة. وهكذا في الكوكب الدرّي أن الأسلم أنها لم تعلم أيّها هي.\n(٣) إشارة إلى ما رواه الإمام أبو داود رحمه الله تعالى في حديث طويل وفيه ذكر فتن عديدة، عن عبد الله ابن عمرو رضي الله تعالى عنهما، يقول: كنا قعودًا عند رسول الله - ﷺ -، فذكر الفتن فأكثر في ذكرها، حتى ذكر فتنة الأحلاس، فقال قائل: يا رسول الله؛ وما فتنة الأحلاس؟ قال: \"هرب وحرب، ثم فتنة السرَّاء، دخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي، يزعم أنه مني وليس مني، وإنما أوليائي المتقون، ثم يصطلح الناس على رجل كورك على ضلع، ثم فتنة الدهيماء لا تدع =","vol":"1","page":354},{"text":"الدهلوي في \"حجة الله\" (ج ٣ ص ١٥٩) (١) على قتال أهل الشام ابن الزبير - ﵁ -، وفي \"البذل\" (ج ٥ ص ٨٨) على مقتل عثمان - ﵁ -.\n٩ - \"ثم فتنة السراء، دخنها تحت قدمي رجل مني\" (٢). قال: وفي \"حجة الله\" (ج ٣ ص ١٥٩): هو تغلّب المختار، أو خروج أبي مسلم الخراساني لبني العباس (٣).\nوفي \"البذل\" (ج ٥ ص ٨٩): على فتنة شريف مكة سنة ١٣٣٤ هـ (٤).\n_________\n= أحدًا من هذه الأمة إلَّا لطمته لطمة، فإذا قيل: انقضت تمادت، يصبح الرجل فيها مؤمنًا، ويمسي كافرًا حتى يصير الناس إلى فسطاطين: فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه، فإن كان ذاكم فانتظروا الدجال من يومه أو من غده\".\n\"بذل المجهود\" (ج ١٧ ص ١٣٢ كتاب الفتن والملاحم).\n(١) قال الإمام الشاه ولي الله ﵀: يشبه والله أعلم أن تكون فتنة الأحلاس قتال أهل الشام عبد الله بن الزبير ﵄ بعد هربه من المدينة.\n\"حجة الله البالغة\" (ج ٣ ص ١٩٦).\n(٢) إشارة إلى ما ورد من حديث أبي داود الطويل الذي ذكرناه من قبل.\n(٣) قال الإمام الشاه ولي الله ﵀: وفتنة السراء: إما تغلب المختار وإفراطه في القتل والنهب يدعو ثأر أهل البيت.\nفقوله ﵇: \"يزعم أنه مني\"؛ معناه: من حزب أهل البيت وناصريهم، ثم اصطلحوا على مروان وأولاده.\nأو خروج أبي مسلم الخراساني لبني العباس، يزعم أنه يسعى في خلافة أهل البيت، ثم اصطلحوا على السفاح.\n\"حجة الله البالغة\" (ج ٣ ص ١٩٦).\n(٤) قال الإمام السهارنفوري رحمه الله تعالى: والذي يظهر لي: أنها هي الفتنة التي حدثت في رمضان سنة ألف وثلاث مئة وأربع وثلاثين، ومنشأها أن الشريف حسين بن علي كان في زمن حكومة الأتراك شريفًا تابعًا لحكومتهم، ثم راسل إحدى سلطنة من النصارى في زمان الحرب الكبير، وكان الحرب بين سلطنة الأتراك وحكومة النصرانية، فلحق بالحكومة النصرانية سرًا، ووافق معهم على حرب الأتراك، فقتل الأتراك الذين كانوا في مكة المكرمة من جند الأتراك، وسبى نساءهم، ثم تولى الحكومة بنفسه، وسمى نفسه: ملك الحجاز. وبقيت حكومته قريبًا من عشر سنين، ثم اضمحل أمره، واصطلح الناس على حكومة ابنه علي بن الحسين، ولم ينتظم له أمر فبقي كورك على ضلع.\nوإنما سمى هذه الفتنة فتنة السرَّاء؛ لأن مبناه وأسباب حديثها كانت في السرّ، فإن الحكومة =","vol":"1","page":355},{"text":"١٠ - \"ثم يصطلح الناس على رجل كورك\" (١)، وفي \"حجة الله\" ص (٢).\n١١ - \"ثم فتنة الدهيماء لا تدع أحدًا من هذه الأمة إلَّا لطمته حتى يصير الناس فسطاطين\" (٣) \"جمع الفوائد\" (ج ٣ ص ٢٨٦) حمله في \"البذل\" (ج ٥ ص ٨٩) على فتنة تمتد إلى خروج المهدي (٤).\n١٢ - \"حتى يصير الناس فسطاطين: إيمان لا نفاق فيه، ونفاق لا إيمان فيه فانتظروا الدجال من يومه أو غده\" (٥) \"جمع الفوائد\" (ج ٣ ص ٢٨٦).\n١٣ - عن أبي هريرة - ﵁ -؛ مرفوعًا: \"لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، دعوتهما واحدة\" \"البخاري\".\n_________\n= النصرانية، أمَالته إليها، وأرسلت إليه من الجنيهات ألوفًا في السر؛ ليبغي على حكومة الإسلام وينحرف عنها، فقسم من هذه الجنيهات في أهل البدو، وتوافق معهم على قتال الأتراك المسلمين، وكل ذلك في السر. واتفق أن قائد الأتراك الذي كان بمكة أخبر بشيء من هذه الفتنة، فسأل الشريف عنها، فحلف عند الكعبة أنه لا أصل لها حتى اطمأن قائد الأتراك، ثم وقع ما وقع من قتل المسلمين، وسبي نسائهم، وإرسالهم إلى الكفار، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم.\nويحتمل أن يكون السراء من السرور، لأن في ذاك الزمان بعد الحصار والمضايقة الشديدة نثرت على العرب الجنيهات، والحبوب، وسائر الأطعمة بعد الفقر الشديد حتى أن أحدهم من أفقر العربان لا يملك جنيهين مَلَكَ ثمانية وأربعين ألف جنيهًا، وهو عبيد الله بن هويمل الحازمي، وكذلك غيره، سمعت هذا من أحد علماء المدينة كان موصوفًا بالثقة والإتقان.\n\"بذل المجهود\" (ص ١٣٤ ج ٧ كتاب الفتن).\n(١) انظر الحديث الذي فيه ذكر الأحلاس.\n(٢) هكذا ترك الشيخ البياض في الأصل، وانظر الحاشية التي كتبناها على لفظة السرّاء، ومحصل كلام الإمام الشاه ولي الله ﵀: أنه إن كان المراد بفتنة السراء تغلب المختار، فمعنى: \"يصطلح الناس على رجل كورك\": اصطلاحهم على مروان، وإن كان المراد خروج أبي مسلم الخراساني لبني العباس فالمراد اصطلاحهم على السفاح.\n(٣) انظر الحديث الذي ذكرنا في فتنة الأحلاس.\n(٤) فيه اختصار مُخلٍّ كأنّه حمله على فتنة تكون من قبيل خروج المهدي، وتمتد إلى نزول عيسى ﵊، قال في \"البذل\" (ج ١٧ ص ١٣٦) -بعد ذكر الفسطاطين-: وهذه الفتنة بعدُ، وسيكون قبيل ظهور المهدي ويمتد إلى نزول عيسى ابن مريم ﵊. اهـ\n(٥) انظر الحديث في حاشية فتنة الأحلاس (ص ٣٥٤).","vol":"1","page":356},{"text":"المراد بهما: علي - ﵁ - ومن معه، ومعاوية - ﵁ - ومن معه (١)، \"فتح الباري\" (ج ١٣ ص ٦٩) \"الإشاعة\" ص ٥٢.\n١٤ - \"فتنة عمياء (٢) صمّاء عليها دعاة على أبواب النار\". من رواية حذيفة - ﵁ -.\nقال في \"البذل\" (ج ٥ ص ٩١): ولا يبعد أن يحمل هذا على ما وقع في أيّام يزيد بن معاوية؛ من قتل الحسين بن علي ﵄ وجماعته، أو على ما وقع في أيام الحجاج بن يوسف في خلافة عبد الملك، حيث قتل ابن الزبير - ﵁ -.\n١٥ - أبو هريرة - ﵁ - مرفوعًا: \"لا تقوم الساعة حتى تقتلوا إمامكم، ويرث دنياكم شِراركم\": حمله في \"إزالة الخفاء\" (ص ١٨٣) على شهادة عثمان - ﵁ -، وتقدّم.\n١٦ - أبو بكر - ﵁ - رفعه قال: \"ينزل ناس من أمتي بغائط يسمونه البصرة، عند نهر يقال له: دجلة، يكون عليه جسر يكثر أهلها، ويكون من أمصار المهاجرين، قال ابن يحيى: قال أبو معمر: ويكون من أمصار المسلمين، فإذا كان في آخر الزمان جاء بنو قنطوراء عِراضُ الوجوه صغار الأعين حتى ينزلوا على شط النهر، فيتفرق أهلها ثلاث فرق، فرقة يأخذون أذناب البقر والبرية، وهلكوا، وفرقة\n_________\n(١) تقدم ص (٥٢) وانظر رأي شيخنا رحمه الله تعالى في مصداق \"فئتان عظيمتان\" في الحاشية هناك.\n(٢) إشارة إلى ما رواه الإمام أبو داود رحمه الله تعالى من حديث حذيفة - ﵁ - عن نصر بن عاصم الليثي قال: أتينا اليشكري في رهط من بني ليث، فقال: من القوم؟ فقلنا: أتيناك نسألك عن حديث حذيفة، فذكر الحديث: قال: \"يا رسول الله؛ هل بعد هذا الخير شر؟ قال: فتنة وشر. قال: قلت: يا رسول الله؛ بعد هذا الشر خير؟ قال: يا حذيفة؛ تعلم كتاب الله، واتبع ما فيه. ثلاث مرات. قال: قلت: يا رسول الله؛ هل بعد هذا الشر خير؟ قال: هدنة على دخن، وجماعة على أقذاء فيها أو فيهم. قلت: يا رسول الله؛ الهدنة على الدخن ما هي؟ قال: لا ترجع قلوب أقوام على الذي كانت عليه. قال: قلت: يا رسول الله؛ هل بعد هذا الخير شر؟ قال: فتنة عمياء صماء، عليها دعاة على أبواب النار، فإن تمت يا حذيفة وأنت عاض على جذل خير لك من أن تتبع أحدًا منهم\".\n\"بذل المجهود\" (ج ١٧ ص ١٤١).","vol":"1","page":357},{"text":"يأخذون لأنفسهم؛ وكفروا، وفرقة يجعلون ذراريهم خلف ظهورهم ويقاتلونهم؛ وهم الشهداء\".\nفي \"البذل\" (ج ٤ ص ١٠٨) عن \"فتح الودود\": قيل: المراد بالبصرة بغداد.\nوفيه باب يسمى: باب البصرة، فسماه - ﷺ - باسم البصرة، ويؤيده: أن دجلة جريها في بغداد. ولم يقع مثل هذه الواقعة بالبصرة قط، وإنما وقع في بغداد زمان المعتصم بالله العباسي، فالظاهر أن في الحديث إشارة إلى ذلك، وفي بين سطور أبي داود (ج ٣ ص ٢٣٥) عن \"مرقاة الصعود\": وقع كما قال في صفر سنة ٦٥٦ هـ.\n١٧ - حارثة بن وهب مرفوعًا: \"سيأتي على الناس زمان يمشي الرجل بصدقته، فلا يجد من يقبلها\" \"البخاري\".\nيحتمل أن يراد به ما وقع في زمن عمر بن عبد العزيز، ويحتمل ما سيقع في زمن عيسى ﵇، \"فتح الباري\" (ج ١٣ ص ٦٦) تقدم في \"الإشاعة\" ص ١٠٤.\n١٨ - حديث أبي هريرة - ﵁ -؛ مرفوعًا: \"ستكون فتنة واختلاف -أو اختلاف وفتنة- فعليكم بالأمير وأصحابه\"، وأشار إلى عثمان - ﵁ -. \"إزالة الخفاء\" (ص ١٧١ وص ٢٦٦) \"الإشاعة\" ص ٤٠.\n١٩ - ابن عمر ﵄؛ رفعه: \"يوشك المسلمون أن يحاصروا إلى المدينة حتى يكون أبعد مسالحهم سُلاح\"\nقال الزهري: \"سلاح\" قريبٌ من خيبر \"جمع الفوائد\" (ج ٣ ص ٣٨٩) عن \"أبي داود\" (ج ٣ ص ٣٣٧)، وفي هامشه: لعله في زمن الدجال، أو زمن آخر: وسكت في \"البذل\".\n٢٠ - \"لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى\" \"البخاري\".\nووقع في جمادى الأخرى سنة ٦٥٤ هـ تقدم في \"الإشاعة\" ص ٨٦.","vol":"1","page":358},{"text":"٢١ - \"ويلٌ للعرب من شرّ قد اقترب\" \"فتح الباري\" (١) (ج ١٣ ص ٨٧) تقدم في \"الإشاعة\" ص ٦٨.\n٢٢ - أبو مالك؛ رفعه: \"ليكونن من أمتي قوم يستحلون الحِرَ والحرير، والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم، تروح عليهم سارحة لهم؛ فيأتيهم رجل لحاجة، فيقولون: ارجع إلينا غدًا فيبيتهم الله، ويضع العَلَم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة\" \"جمع الفوائد\" (ج ٣ ص ٢٨٦).\n٢٣ - أبو هريرة - ﵁ -؛ رفعه: \"لا تقوم الساعة حتى تضطرب أَليات نساء دوس على ذي الخَلَصة\" \"جمع الفوائد\" (ج ٣ ص ٣٩١).\n٢٤ - عوف بن مالك؛ رفعه: \"تكون هدنة بينكم وبين بني الأصفر، ثم يغدرون، فيأتون تحت ثمانين راية، تحت كل راية اثنا عشر ألفًا\" \"جمع الفوائد\" (ص ٣٩٣ عن البخاري) وَتقدّم.\n٢٥ - بريدة بن الحصيب مرفوعًا في حديث: \"يقاتلكم قوم صغار الأعين\"؛ يعني: التُّرك، تسوقونهم ثلاث مرار حتى تلحقوهم بجزيرة العرب، فأما في السياقة الأولى فينجو من هرب منهم، وأما في الثانية فينجو بعض ويهلك بعض، وأمّا في الثالثة فيصطلحون أو كما قال. \"بذل المجهود\" (ج ١٧ ص ٣١٨).\nوحمل الشاه ولي الله ﵀ في \"حجة الله\" (ج ٣ ص ١٥٩) أنَّ السياقة الأولى بقتال جنكيز خان، والثانية بوطء تيمور، والثالثة بغلبة العثمانية (٢).\n_________\n(١) كأنه أشار إلى ما قال الحافظ في \"الفتح\" في تخصيص العرب بالذكر؛ حيث قال: إنما خص العرب بالذكر؛ لأنهم أول من دخل في الإسلام، وللإنذار بأن الفتن إذا وقعت كان الهلاك أسرع إليهم. \"الفتح\" (ج ١٣ ص ١٤).\n(٢) هذا مختصر من كلام الإمام الدهلوي ﵀، وتمام كلامه: قال بعد ذكر الحديث مختصرًا: معناه أن العرب يجاهدونهم ويغلبونهم، فيصير ذلك سببًا لأحقاد وضغائن حتى يؤول الأمر إلى أن يذب العرب من بلادهم، ثم لا يقتصرون على ذلك، بل يدخلون بلاد العرب، وهذا هو المراد من قوله: \"حتى تلحقوهم بجزيرة العرب\"، أما في السياقة الأولى فينجو من العرب من هرب من قتالهم، بأن يفرّ من بين أيديهم، وذلك صادق بقتال الجنكيزية، فهلك العباسية الذين كانوا ببغداد، ونجا العباسية =","vol":"1","page":359},{"text":"مُلْتَقطُ أَبْوَابِ الفِتَنِ مِنْ إِزَالَةِ الخَفَاءِ (للإمام ولي الله الدهلوي)\nحديث: \"تدور رَحى الإسلام بخمس وثلاثين -أو ست وثلاثين ... أو سبع وثلاثين- فإن يهلكوا فسبيل من هلك، وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عامًا\" ... الحديث.\nفإنَّ مقتل عثمان - ﵁ - كان لخمس وثلاثين، ثم انتشر أمر الجهاد حتى استقر في زمن معاوية - ﵁ -، ومن هذا اليوم إلى انتشار أمر بني أمية سبعون سنة، وإلى مقتل عثمان - ﵁ - يشير حديث: \"لا تقوم الساعة حتى تقتلوا إمامكم، وتجتلدوا بأسيافكم، ويرث دنياكم شراركم\".\nحديث ابن مسعود رفعه: \"أحذّركم سبع فتن تكون من بعدي: أولها فتنة تُقْبِل من المدينة\"، الحديث، وفتنة المدينة من قبل طلحة والزبير.\nثم النبي - ﷺ - أمر بالقعود في هذه الفتنة (أي: الفتنة بعد عثمان) فقال: \"القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير ... إلخ\".\nوقد أخبر النبي - ﷺ - خيرية الرجال بقبل الفتنة، وشريتهم بعدها بوجوه:\nالأول: بحديث: \"تدور رَحى الإسلام\" ... إلخ، فإن رَحى الإسلام عبارة عن غلبة الحق ووجود الجهاد، والهلاك جامع لجميع أنواع الشرور أهمها انقطاع الجهاد.\nوالثاني: بأحاديث الخلافة في المدينة والملك بالشام، وقال ﵊: \"إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة فقد دنت الزلازل\" ... إلخ.\nوالثالث: بنزوع الأمانة؛ فقد روى حذيفة - ﵁ -: حدثنا رسول الله - ﷺ - حديثين. رأيت أحدهما، وأنتظر الآخر، الحديث. فيه نزول\n_________\n= الذين فرّوا إلى مصر. وأما في السياقة الثانية فينجو بعض، ويهلك بعض، وذلك صادق بوطء تيمور ديار الشام، وإهلاك أمر العباسية، وأما في الثالثة فيصطلحون، وذلك صادق بغلبة العثمانية على جميع العمل، والله أعلم. \"حجة الله\" (ج ٣ ص ١٩٧).","vol":"1","page":360},{"text":"الأمانة ورفعها، ولا شك أن حذيفة - ﵁ - رأى اختلال الأمانة بعد هذه الفتنة، ولذا قال: أما اليوم فلم أكن أبايع إلَّا فلانًا وفلانًا.\nوالرابع: بأحاديث ظهور الكذب؛ كما في قوله ﵊: \"أوصيكم بأصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذي يلونهم، ثم يفشو الكذب\" ... إلخ.\nوأخرج مسلم قال: \"جاء بُشَير بن كعب إلى ابن عباس ﵄ فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله - ﷺ -، قال رسول الله - ﷺ - فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه، فقال: يا بن عباس؛ مالي لا أراك تسمع لحديثي؟ ! أحدثك عن رسول الله - ﷺ - ولا تسمع.\nفقال ابن عباس: إنّا كنا مرة إذا سمعنا رجلًا يقول: قال رسول الله - ﷺ - ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلَّا ما نعرف\".\nولا شك أن أول زمان ابن عباس كان زمان أمانة، وبعد الفتنة كان زمان ركب الصعب والذلول.\nوالخامس: تعمقهم في تجويد ألفاظ القرآن، وذهولهم عن معانيه، كما وردت الروايات بهذا المعنى.\nالسادس: تعمقهم في تأويل متشابهات القرآن، وقد ورد النهي عنه.\nوالسابع: تعمقهم في الصور الفرضية الفقهية، وقد تحاشا عنه السلف.\nوالثامن: ظهور الأسئلة في الإلهيات.\nوالتاسع: ظهور الروايات عن بني إسرائيل، وأهل الكتاب.\nوالعاشر: ظهور الأوراد والوظائف تقربًا إلى الله تعالى.\nوالحادي عشر: جرأتهم على الوعظ والفتوى ويتحاشا عنه السلف.\nوالثاني عشر: وقوع القتال بين المسلمين؛ قال ﵊: \"إن بين يدي الساعة لهرجًا\" ... الحديث، وما في معناه.","vol":"1","page":361},{"text":"الثالث عشر: سب السلف؛ ففي أحاديث علامات القيامة: \"سَبَّ آخر هذه الأمة أوّلها\"، وقد ظهر بعد مقتل عثمان - ﵁ -.\nوالرابع عشر: افتراق المسلمين؛ قال ﵊: \"تفترق أمتي على ثلاث وسبعين\".\nوالخامس عشر: ظهور الخوارج، وقد ورد حديثٌ متواترًا معنى. وروي عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: \"ينشأ نشأ يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلما خرج قرن قطع\"؛ يقول ﵇: كلما خرج قرن قطع عشرين مرة حتى يخرج في عراضهم الدجال\".\nالسادس عشر، إلى الثامن عشر: ظهور القدرية، والمرجئة، والروافض.\nالتاسح عشر: استحلال الفروج بتأويل المتعة، واستحلال الخمر بتأويل النبيذ، واستحلال المعازف.\nالعشرون: ارتفاع الأمن عن المسلمين.\nالحادي والعشرون: استخلاف من ليس بأهل، قال ﵊: \"يرث دنياكم شراركم\"، وقد قال ﵊: \"إذا مشت أمتي المطيطاء، وخدمتهم أبناء الملوك أبناء فارس والروم سلط الله شرارها على خيارها\"، وقد وقع هذا المعنى في زمن عثمان - ﵁ -.\nالثاني والعشرون: الفتور في أركان الإسلام من إماتة الصلاة، وَيُعْلَم من التاريخ أن بعد عثمان - ﵁ - لم يُقِمْ الحج أميرٌ بنفسه، بل كانوا يرسلون نوابهم حتى أن عليًا رضي الله تعالى عنه لم يستطع في بعض السنين على النائب أيضًا، ومعاوية رضي الله تعالى عنه جعل أبانًا أمير الحج، والسابقون من الخلفاء كانوا يقيمون الحج بأنفسهم.\nوالثالث والعشرون: التشديد في العبادات وعدم قبول الرخص، وقال ﵊: \"الدين يسرٌ، ولن يشادّ الدين أحد إلَّا غلبه\"، ووردت الآثار في قبول الرخص، وعلم منه أن التقاط الرخص من أقوال الأئمة الأربعة ما لم يعارضه نص","vol":"1","page":362},{"text":"حسن، بخلاف قول المتأخرين، حتى إنهم عدوه من الفسق.\nالرابع والعشرون: أخبر النبي - ﷺ - بفتنتين، فقال حذيفة - ﵁ -: \"أيكون بعد هذا الخير شر؟ قال نعم، قلت: فما العصمة؟ قال: السيف. قلت: وهل بعد السيف بقية؟ قال: نعم؛ إمارة على أقذاء، وهدنة على دخن. قلت: ثم ماذا؟ قال ينشأ دعاة الضلالة\".\nوفي لفظ: \"قلت يا رسول الله؛ كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بالخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ فقال: نعم، وفيه دخن. قلت: ما دخنه؟ قال: قوم يَهِدُّونَ بغير هديي، تعرف منهم وتنكر. قلت: فهل بعده من شر؟ قال: نعم؛ دعاة على أبواب جهنم. قلت: صفهم لنا. قال: هم من جِلدتنا\" ... الحديث.\nوَفسّر سعيد بن المسيب - ﵁ - هاتين الفتنتين؛ فقال: ثارت الفتنة الأولى؛ فلم يبق ممن شهد بدرًا أحدٌ، ثم كانت الثانية؛ فلم يبق ممن شهد الحديبية أحد، وأظن لو كانت الثالثة لم ترتفع وفي الناس طباخ.\nقال البغوي: أراد بالفتنة الأولى مقتل عثمان - ﵁ -، وبالثانية الحرة.\nفالفتنة الأولى بدأت من مقتل عثمان - ﵁ -، حتى استقر أمر معاوية - ﵁ -. والفتنة الثانية من موت معاوية رضي الله تعالى عنه، حتى استقر أمر عبد الملك.\nففي الحديث الأول عُدّت الردة من الفتنة؛ لشدتها على المسلمين، ولم تُعَدّ في الحديث الثاني لأنها كانت بين المسلمين والكفار، لا بين المسلمين في أنفسهم.\nالخامس والعشرون: عيّن ﵊ صورة علو الإسلام ورفعته إلى آخر عهد عثمان - ﵁ -، ثم أنذر الفتن.\nفقال أعرابي: هل للإسلام منتهىً يا رسول الله؟ قال: \"نعم، أيما أهل بيت من العرب والعجم أراد الله بهم خيرًا أدخل الله عليهم الإسلام، ثم تقع الفتن كأنها الظُّلل\". الحديث أخرجه البغوي.","vol":"1","page":363},{"text":"السادس والعشرون: عَدّ النبي - ﷺ - الفتن، فقد أخرج البغوي عن عوف - ﵁ - قال ﵊: \"اعدد ستًا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم مُوتان، ثم استفاضة المال، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلَّا دخلته، ثم هدنة بينكم وبين بني الأصفر، فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفًا\".\nفاستفاضة المال في زمن عثمان - ﵁ -، وبعدها فتنة مستطيرة بسبب شهادة عثمان - ﵁ -.\nالسابع والعشرون: أخرج البغوي عن معاذ - ﵁ - مرفوعًا: \"عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروجها فتح القسطنطينية\". . . . الحديث.\nوالمراد ببيت المقدس: مُلْكُ الشام، وعمرانه كان في زمن عثمان بإمارة معاوية رضي الله تعالى عنهما، وخراب يثرب بمقتل عثمان - ﵁ -. والملحمة حرب الجمل والصّفين، وفتح القسطنطينية في زمن معاوية - ﵁ -.\nوَيُشْكِلُ هاهنا ترتّبُ خروج الدجال بفتح القسطنطينية، وكذا في قوله ﵊: \"لا تقوم الساعة حتى تقتلوا إمامكم، وتجتلدوا بأسيافكم\"، ولم يظهر أثر الدجال، ولا أثر الساعة، وقد مضى أكثر من ألف سنة، وكذا في أكثر الأحاديث.\nوالجواب: أن خروج الدجال، وكذا قيام الساعة، وكذا كل فتنة لها خصيصة وارتباط خاصٌّ بالقيامة، كارتباط غرس الشجر ببدُوِّ ثمارها، وبهذا المعنى أنذر نوح ﵇ قومه الدجال مع بُعْدِ زمانه أشد البعد، وههنا سرٌّ عظيم لا يسعه المقام.\nالثامن والعشرون: قال ﵊: \"بدأ هذا الأمر نبوة ورحمة، ثم خلافة ورحمة، ثم ملكًا عَضُوضًا، ثم عتوًا وجبرية\" الحديث.\nالتاسع والعشرون: أخرج ابن ماجه من حديث زيد بن وهب، عن عبد الرحمن قال: انتهيت إلى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ ... فذكر حديثًا طويلًا في الفتن.","vol":"1","page":364},{"text":"الثلاثون: أخرج البغوي عن مرداس الأسلمي رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: \"يذهب الصالحون؛ الأول فالأول، ويبقى حفالة كحفالة الشعير لا يباليهم الله\". ومر تفسيره من قول سعيد بن المسيب - ﵁ -.\nوغير ذلك من الروايات الكثيرة في الفتن، وتغير الناس، وقد أمر النبي - ﷺ - بأحكام خاصة عند ذلك من عدم الخروج ما لم يكن كفرًا بواحًا، ومن السمع والطاعة ولو عبدًا حبشيًا، ومن قوله: \"لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق\"، وهي أيضًا كثيرة:\nالأول: وجوب الطاعة فيما وافق الشرع.\nوالثاني: عدم الخروج ما لم يكن كفرًا بواحًا.\nوالثالث: إذا بويع الخليفتان فاقتلوا الآخر؛ يعني: سواء كان فاضلًا، أو مفضولًا.\nوالرابع: إذا أمات الصلاة فليصلِّ الصلوات لوقتها.\nوالخامس: إذا تعدَّوا في أخذ الزكاة، فقال عليه الصلاة السلام: \"سيأتيكم ركب مبغضون فرحّبوا بهم، وخلوا بينهم وبين ما يبتغون\".\nوالسادس: التخلي للعبادة كان ممنوعًا أولًا؛ لقوله - ﷺ -: \"لا رهبانية في الإسلام\"، وما في معناه، ومندوب.","vol":"1","page":365},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-326>هذا الكتاب</span>\nإنَّه من نفائس ما كُتب عن أشراط السَّاعة من بدايتها إلى نهايتها إلى أن تطوى صفحة الدُّنيا، معتمدًا في سردها على تبيان من لا ينطق عن الهوى ﵌.\nومن المعلوم أن فقه أشراط الساعة ... من الأمور المهمة في الدين، ويدل لذلك آخر حديث جبريل المشهور؛ حيث سأل النبي ﵌ عن الساعة، ثم علاماتها.\nوما ذكر ذلك مع الإسلام والإيمان والإحسان ... إلَّا ليشعر بالأهمية البالغة لهذا الموضوع.\nإنَّ لهذا الكتاب مميِّزات يرتفع بها عمَّا سواه، ويختص بها عمَّا عداه؛ فهو ليس من الكتب التي ابتدعت تفسيرات للنصوص، وقصرت علامات من أشراط الساعة على أحداث خاصَّةٍ بظنون اجتهادية، فكبا بأربابها جواد الاجتهاد، ولم تصب كبد الحقيقة.\nكما أنَّه لم يسطر ترهات هذى بها بعض الكُتَّاب فيما يتعلق بالأشراط، فكانت أشبه بتنميق الخرَّاصين والكُهَّان؛ لما يزعمون من شقِّ ستار الغيب، واستكشاف الأحداث من لوحه.\nومع كثرة ما كُتب وما سيكتب فى هذا الموضوع ... يبقى هذا الكتاب المبارك مرجعًا علميًا، ومصدرًا هامًا لمن أراد المعرفة والاطلاع، والإحاطة بأحداث آخر الزمان.\nنعم؛ أنَّ ميزة هذا الكتاب أنَّه أثريٌّ خالص، وكاتبه محدِّث بارع مشهور، جرى في تأليفه على سنن الأسلاف، وأودع فيه من الفوائد الحديثية والأشراط ما لا يوجد فى سواه، كما ألحق به تعليقات للعلامة المحدِّث محمد زكريا الكاندهلوي ﵀، زادت من أهمية الكتاب.\nفهو حقًّا من الكتب التي ينبغي أن تقرأ وتقتنى، ومثله يعض الفطن عليه بالنَّواجذ؛ لما تميَّز به من أصالة وعمق واستقصاء، وبعدٍ عن الانحراف والتخمين.\nباختصار: هذا الكتاب فيه:\nالرؤية المستقبلية للأحداث ... من المنظور النبوي الصادق","vol":"1","page":384}]}