{"ً":{"ٌ":13277,"ٍ":"التوضيح الرشيد في شرح كتاب التوحيد","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"https://archive.org/download/tdrsheed_202307/","files":["tdrsheed_1.pdf","tdrsheed_2.pdf"]},"ّ":"الكتاب: التوضيح الرشيد في شرح كتاب التوحيد؛ المذيل بالتفنيد لشبهات العنيد\nالمؤلف: أبو عبد الله خلدون بن محمود بن نغوي الحقوي\nالناشر: دار اللؤلؤة - مصر\nالطبعة: الأولى، ١٤٤٣ هـ - ٢٠٢٣ م\nعدد الأجزاء: ٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"[التوضيح الرشيد في شرح كتاب التوحيد - خلدون نغوي]\n\nيقول مؤلف الكتاب:\nوهو شرح جامع لكتاب التوحيد - مشكول مخرج محقق كامل العزو، جامع لـ:\n١ - متن كتاب التوحيد للشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب مع مسائل الأبواب.\n٢ - شرح الأبواب بشكل جامع -إن شاء الله-؛ لعله لم يجمع في كتاب قبله.\n٣ - كل باب مذيل بمسائل تخصه مفيدة جدا في بابها.\n٤ - فهرسة كاملة للكتاب بحسب الأبواب والفوائد والمسائل.\n٥ - ثلاثة عشر ملحقا على الكتاب لتجعل الكتاب -بإذن الله- جامعا لجملة واسعة من مسائل التوحيد وكشف الشبهات المتعلقة، وهي:\nالملحق الأول: مقدمة على كتاب التوحيد.\nالملحق الثاني: قواعد ومسائل في التبرك والبركة.\nالملحق الثالث: مختصر الآيات البينات في عدم سماع الأموات.\nالملحق الرابع: مختصر تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد.\nالملحق الخامس: فوائد ومسائل على باب ما جاء في السحر.\nالملحق السادس: مسائل علم الغيب.\nالملحق السابع: مختصر القواعد المثلى.\nالملحق الثامن: مختصر كتاب (التوسل؛ أنواعه؛ أحكامه).\nالملحق التاسع: مسائل الإيمان بالقدر.\nالملحق العاشر: لمحة عن الفرق الضالة في العقيدة.\nالملحق الحادي عشر: مسائل في أحكام الصور والتصوير.\nالملحق الثاني عشر: مختصر في الرد على أبيات من البردة للبوصيري.\nالملحق الثالث عشر: رد شبهات المشركين.\n\nللتواصل:\nnaghwi@gmail.com","ٓ":"2.0","ٔ":2642,"ٕ":1,"ٖ":1770156018,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":2},{"title":"مقدمة المؤلف","level":2,"page":2},{"title":"التعريف بمصنف كتاب التوحيد","level":2,"page":6},{"title":"العذر بالجهل عند الإمام محمد بن عبد الوهاب","level":2,"page":8},{"title":"الملحق الأول على كتاب التوحيد: مقدمة على كتاب التوحيد","level":1,"page":12},{"title":"أنواع التوحيد","level":2,"page":12},{"title":"وقد أنكر بعض أهل البدع تقسيم التوحيد إلى هذه الأقسام","level":2,"page":15},{"title":"لا بد في شهادة (أن لا إله إلا الله) من سبعة شروط","level":2,"page":16},{"title":"تطلق العبادة على أحد معنيين (فعل أو وصف)","level":2,"page":17},{"title":"أنواع الشرك","level":2,"page":18},{"title":"أنواع النفاق","level":2,"page":19},{"title":"أنواع الكفر","level":2,"page":20},{"title":"فائدة: إن من كمال الربوبية نفي الولد عنه سبحانه، واتخاذ الولد هو تنقص وعيب له، ومن أوجه بيان كونه تنقصا له سبحانه","level":2,"page":21},{"title":"طريقة استدلال المصنف ﵀ في كتاب التوحيد تجري وفق ثلاثة أشكال","level":2,"page":23},{"title":"أبواب كتاب التوحيد تنقسم إلى سبعة أقسام","level":2,"page":24},{"title":"(١) باب حق الله على العبيد","level":1,"page":26},{"title":"المتن","level":2,"page":26},{"title":"الشرح","level":2,"page":29},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":34},{"title":"المسألة الأولى: كيف يكون للعباد حق على الله تعالى؛ وهو الذي أوجدهم؟","level":3,"page":34},{"title":"المسألة الثانية: ما التوفيق بين أمر النبي ﷺ لمعاذ ﵁ بأن لا يبشر الناس","level":3,"page":35},{"title":"(٢) باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب","level":1,"page":36},{"title":"المتن","level":2,"page":36},{"title":"الشرح","level":2,"page":40},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":51},{"title":"مسألة: تواترت الأحاديث بأن كثيرا ممن يقول: \"لا إله إلا الله\" يدخل النار ثم يخرج منها؛ فكيف الجمع","level":3,"page":51},{"title":"(٣) باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب","level":1,"page":53},{"title":"المتن","level":2,"page":53},{"title":"الشرح","level":2,"page":57},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":69},{"title":"مسألة: قوله: «لا يسترقون» لماذا لا يحمل على النهي عن الرقى الشركية","level":3,"page":69},{"title":"(٤) باب الخوف من الشرك","level":1,"page":71},{"title":"المتن","level":2,"page":71},{"title":"الشرح","level":2,"page":73},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":80},{"title":"مسألة: هل الكفر هو نفسه الشرك؛ أم أن هناك فرقا بينهما؟","level":3,"page":80},{"title":"(٥) باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله","level":1,"page":82},{"title":"المتن","level":2,"page":82},{"title":"الشرح","level":2,"page":85},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":92},{"title":"مسألة: ما سبب تخصيص الصلاة والزكاة بالذكر دون ذكر الصيام والحج؟","level":3,"page":92},{"title":"(٦) باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله","level":1,"page":93},{"title":"المتن","level":2,"page":93},{"title":"الشرح","level":2,"page":95},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":101},{"title":"مسألة: هل يقبل إسلام أي كافر بمجرد قول الشهادتين؟","level":3,"page":101},{"title":"(٧) باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه","level":1,"page":103},{"title":"المتن","level":2,"page":103},{"title":"الشرح","level":2,"page":105},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":111},{"title":"مسألة: ظهر في الأسواق -في الآونة الأخيرة- حلقة من المعدن","level":3,"page":111},{"title":"(٨) باب ما جاء في الرقى والتمائم","level":1,"page":112},{"title":"المتن","level":2,"page":112},{"title":"الشرح","level":2,"page":115},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":118},{"title":"المسألة الأولى: هل يجوز أن يلبس المسلم أبناءه ملابس رثة وبالية خوفا من العين؟","level":3,"page":118},{"title":"المسألة الثانية: بعض الناس يقول أعلق شيئا -كخرزة أو عين أو كف أو حدوة فرس- ولا أستحضر هذه المعاني الشركية","level":3,"page":120},{"title":"المسألة الثالثة: ما حكم من يضع ورقة كتبت عليها آية الكرسي في السيارة","level":3,"page":121},{"title":"المسألة الرابعة: بعض الأواني التي تباع يكتب عليها آيات من القرآن","level":3,"page":122},{"title":"المسألة الخامسة: هل يجوز تعليق التمائم من القرآن؟","level":3,"page":123},{"title":"(٩) باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما","level":1,"page":127},{"title":"المتن","level":2,"page":127},{"title":"الشرح","level":2,"page":130},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":136},{"title":"المسألة الأولى: ما الجواب عن أثر علي ﵁ -ردا على قول عمر السابق عن الحجر الأسود-","level":3,"page":136},{"title":"المسألة الثانية: ما حكم التبرك بالصالحين، وبماء زمزم، والتعلق بأستار الكعبة؟","level":3,"page":137},{"title":"الملحق الثاني على كتاب التوحيد: قواعد ومسائل في التبرك والبركة","level":1,"page":139},{"title":"قواعد في التبرك","level":2,"page":139},{"title":"أسباب التبرك الممنوع","level":2,"page":143},{"title":"التبرك بالأنبياء والصالحين: منه المشروع ومنه الممنوع","level":2,"page":145},{"title":"المسألة الأولى: إذا صح طلب الشفاعة من النبي ﷺ في حياته؛ فهل يصح طلبها منه بعد وفاته","level":2,"page":151},{"title":"المسألة الثانية: قصة العتبي","level":2,"page":153},{"title":"المسألة الثالثة: حديث الكوة فوق القبر","level":2,"page":158},{"title":"المسألة الرابعة: ما الجواب عن بعض الآثار التي فيها شبهة التبرك بالأماكن؟","level":2,"page":160},{"title":"المسألة الخامسة: هل يصح قياس الصالحين على الأنبياء في التبرك؟","level":2,"page":164},{"title":"المسألة السادسة: ما الجواب عن شبهة تبرك الشافعي بقميص أحمد رحمهما الله؟","level":2,"page":167},{"title":"المسألة السابعة: ما الجواب عن شبهة تمريغ بلال وأبي أيوب ﵄ لوجهيهما على قبر النبي","level":2,"page":169},{"title":"المسألة الثامنة: ما الجواب عن الأثر الذي نقل عن الإمام أحمد ﵀ من أنه لم ير بأسا في تقبيل القبر النبوي والتمسح به؟","level":2,"page":172},{"title":"(١٠) باب ما جاء في الذبح لغير الله","level":1,"page":179},{"title":"المتن","level":2,"page":179},{"title":"الشرح","level":2,"page":181},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":187},{"title":"المسألة الأولى: قول المصنف ﵀ في المسألة التاسعة: \"كونه دخل النار بسبب ذلك الذباب الذي لم يقصده؛ بل فعله تخلصا من شرهم! \" فيه إشكال","level":3,"page":187},{"title":"المسألة الثانية: هل الأولى للإنسان إذا أكره على الكفر أن يصبر ولو قتل! أو يوافق ظاهرا؟","level":3,"page":191},{"title":"المسألة الثالثة: ما يذبح عند قدوم الضيف","level":3,"page":193},{"title":"(١١) باب لا يذبح لله في مكان يذبح فيه لغير الله","level":1,"page":194},{"title":"المتن","level":2,"page":194},{"title":"الشرح","level":2,"page":196},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":204},{"title":"المسألة الأولى: ثبت عن بعض أصحاب النبي ﷺ الصلاة في كنيسة!","level":3,"page":204},{"title":"المسألة الثانية: ما حكم ما يحصل -وخاصة في بلاد الغرب- من شراء كثير من المسلمين لكنائس قديمة ثم تعديلها لتكون مساجد","level":3,"page":207},{"title":"المسألة الثالثة: في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ أنه سأل رسول الله ﷺ: أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟","level":3,"page":208},{"title":"(١٢) باب من الشرك النذر لغير الله","level":1,"page":209},{"title":"المتن","level":2,"page":209},{"title":"الشرح","level":2,"page":211},{"title":"(١٣) باب من الشرك الاستعاذة بغير الله","level":1,"page":216},{"title":"المتن","level":2,"page":216},{"title":"الشرح","level":2,"page":218},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":224},{"title":"المسألة الأولى: قول القائل: \"أعوذ بالله وبك\"، ما حكمه؟","level":3,"page":224},{"title":"المسألة الثانية: ما حكم التعامل مع الجن؟","level":3,"page":225},{"title":"المسألة الثالثة: إذا كانت الاستعاذة بغير الله شرك؛ فما الجواب عن الأحاديث التي فيها الاستعاذة برسول الله","level":3,"page":230},{"title":"(١٤) باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره","level":1,"page":234},{"title":"المتن","level":2,"page":234},{"title":"الشرح","level":2,"page":237},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":249},{"title":"المسألة الأولى: زعم بعض المبتدعة أن دعاء الأولياء الأموات جائز؛ لأنه من باب سؤال العبد ما يقدر عليه","level":3,"page":249},{"title":"المسألة الثانية: ما سر اقتران كثير من نصوص القرآن التي فيها ذكر الشفاعة","level":3,"page":251},{"title":"الملحق الثالث على كتاب التوحيد: مختصر الآيات البينات في عدم سماع الأموات","level":1,"page":253},{"title":"مقدمة","level":2,"page":253},{"title":"الأدلة التفصيلية","level":2,"page":254},{"title":"أدلة المخالفين","level":2,"page":264},{"title":"(١٥) باب قول الله تعالى: ﴿أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون﴾","level":1,"page":270},{"title":"المتن","level":2,"page":270},{"title":"الشرح","level":2,"page":273},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":278},{"title":"المسألة الأولى: قوله تعالى: ﴿من قطمير﴾ ﴿من﴾ هنا جاء في إعرابها أنها حرف جر زائد","level":3,"page":278},{"title":"المسألة الثانية: ما فائدة التخصيص بالحمد في قول المصلي: (سمع الله لمن حمده)","level":3,"page":279},{"title":"المسألة الثالثة: ما صحة زعم بعضهم في أن ما جاء في الحديث من كونه ﷺ لا يملك لأهله وللناس شيئا؛ أنه لا يعني عدم نفعه لهم في الآخرة!","level":3,"page":280},{"title":"المسألة الرابعة: إذا كان الله تعالى قد أعطى لعيسى ﵊ آيات على صدقه من إحياء الموتى","level":3,"page":282},{"title":"(١٦) باب قول الله تعالى ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير﴾","level":1,"page":285},{"title":"المتن","level":2,"page":285},{"title":"الشرح","level":2,"page":288},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":295},{"title":"مسألة: قالت المعطلة: إن الله تعالى لا يتكلم بكلام يسمع، وإنما هو يخلق كلاما!","level":3,"page":295},{"title":"(١٧) باب الشفاعة","level":1,"page":300},{"title":"المتن","level":2,"page":300},{"title":"الشرح","level":2,"page":303},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":311},{"title":"المسألة الأولى: قد شفع النبي ﷺ في عمه أبي طالب وهو مشرك، فما الجواب؟","level":3,"page":311},{"title":"المسألة الثانية: هل الاستشفاع إلى الله بالمخلوق هو نفسه التوسل بالمخلوق عند الله؟","level":3,"page":313},{"title":"المسألة الثالثة: إذا كانت الشفاعة لا تحصل إلا بإذنه سبحانه، فكيف صح تشفع الإنسان لأخيه إلى ربه -في صلاة الجنازة وغيرها-","level":3,"page":314},{"title":"(١٨) باب قول الله تعالى ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾","level":1,"page":315},{"title":"المتن","level":2,"page":315},{"title":"الشرح","level":2,"page":317},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":326},{"title":"المسألة الأولى: كيف عرض النبي ﷺ الشهادة على عمه في حال الاحتضار","level":3,"page":326},{"title":"المسألة الثانية: في عدم جواز الاستغفار لمن مات مشركا","level":3,"page":327},{"title":"المسألة الثالثة: في قوله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ [القصص: ٥٦] بيان أن الهداية ليست إلى النبي ﷺ!","level":3,"page":329},{"title":"المسألة الرابعة: كيف يستقيم أن تكون آية: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ وهي مدنية!","level":3,"page":330},{"title":"المسألة الخامسة: كيف يستقيم النهي عن الاستغفار للمشركين مع كون النبي ﷺ كان يستغفر لقومه المشركين؟","level":3,"page":331},{"title":"المسألة السادسة: ما وجه الجمع بين حديث: أن رجلا قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: «في النار». فلما قفى دعاه فقال: «إن أبي وأباك في النار»","level":3,"page":333},{"title":"(١٩) باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين","level":1,"page":338},{"title":"المتن","level":2,"page":338},{"title":"الشرح","level":2,"page":342},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":349},{"title":"مسألة: ظن بعض الناس أن النهي في قوله: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم» أنه نهي عن مثل إطراء النصارى","level":3,"page":349},{"title":"(٢٠) باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح؛ فكيف إذا عبده؟!","level":1,"page":353},{"title":"المتن","level":2,"page":353},{"title":"الشرح","level":2,"page":357},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":362},{"title":"المسألة الأولى: إذا كانت الصلاة في مسجد فيه قبر ممنوعة!","level":3,"page":362},{"title":"المسألة الثانية: إذا كانت الصلاة لا تجوز في المقابر؛ فما الجواب عن أحاديث صلاة الجنازة في المقبرة؟!","level":3,"page":363},{"title":"المسألة الثالثة: قوله: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء» فيه أنهم من شرار الناس! وهذا مشكل","level":3,"page":364},{"title":"المسألة الرابعة: زعم بعضهم أن النهي عن اتخاذ القبور مساجد هو من أجل أن القبور تتنجس بسبب ما فيها؛","level":3,"page":365},{"title":"المسألة الخامسة: إن النصوص السابقة دلت على التحريم، ولكن حملها بعض أهل العلم على الكراهة","level":3,"page":368},{"title":"المسألة السادسة: هل يفرق -من جهة النهي عن الصلاة في المسجد- بين كون القبر في قبلة المصلي أم لا؟","level":3,"page":370},{"title":"الملحق الرابع على كتاب التوحيد: مختصر \"تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد\"","level":1,"page":373},{"title":"الفصل الأول: في أحاديث النهي عن اتخاذ القبور مساجد","level":2,"page":373},{"title":"الفصل الثاني: معنى اتخاذ القبور مساجد.","level":2,"page":374},{"title":"الفصل الثالث: في أن اتخاذ القبور مساجد من الكبائر","level":2,"page":377},{"title":"الفصل الرابع: شبهات تدل على خلاف ذلك، وجوابها","level":2,"page":380},{"title":"الفصل الخامس: في حكمة تحريم بناء المساجد على القبور","level":2,"page":397},{"title":"الفصل السادس: في حكم الصلاة في المساجد المبنية على القبور","level":2,"page":398},{"title":"الفصل السابع: في أن الحكم السابق يشمل جميع المساجد إلا المسجد النبوي","level":2,"page":401},{"title":"(٢١) باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله","level":1,"page":402},{"title":"المتن","level":2,"page":402},{"title":"الشرح","level":2,"page":404},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":408},{"title":"المسألة الأولى: في الحديث -وكذا في القرآن-: (غضب الله): الغضب لله تعالى هل هو صفة حقيقية ثابتة لله تعالى؟","level":3,"page":408},{"title":"المسألة الثانية: ما حكم زيارة النساء للمقابر؟","level":3,"page":410},{"title":"(٢٢) باب ما جاء في حماية المصطفى جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك","level":1,"page":414},{"title":"المتن","level":2,"page":414},{"title":"الشرح","level":2,"page":416},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":425},{"title":"المسألة الأولى: ما الجواب عن التعارض حول ما نقل عن الإمام مالك ﵀ في مسألة استقبال القبر أو القبلة في الدعاء؟","level":3,"page":425},{"title":"المسألة الثانية: في قوله ﷺ: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا» معارضة لما ثبت من أن النبي ﷺ دفن في بيته!","level":3,"page":427},{"title":"المسألة الثالثة: قال بعضهم: إن المنهي في الحديث هو عن الصلاة في القبر نفسه؛ وليس في المقبرة (١)! فما الجواب؟","level":3,"page":428},{"title":"(٢٣) باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان","level":1,"page":430},{"title":"المتن","level":2,"page":430},{"title":"الشرح","level":2,"page":434},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":445},{"title":"المسألة الأولى: احتج الزاهدون في تعلم التوحيد اليوم بالحديث الذي في صحيح مسلم","level":3,"page":445},{"title":"المسألة الثانية: يشكل قوله ﷺ: «على الحق منصورة» مع ما علم","level":3,"page":447},{"title":"المسألة الثالثة: هل المراد بالقردة والخنازير في الآية الكريمة هذه الموجودة؟","level":3,"page":449},{"title":"المسألة الرابعة: قوله: «وأنا خاتم النبيين» يشكل مع ما ثبت في الصحيحين من نزول عيسى بن مريم في آخر الزمان","level":3,"page":450},{"title":"المسألة الخامسة: قال بعض السلف: إن الطائفة المنصورة هم أهل الحديث، فما مدى صحة هذا القول؟","level":3,"page":451},{"title":"(٢٤) باب ما جاء في السحر","level":1,"page":452},{"title":"المتن","level":2,"page":452},{"title":"الشرح","level":2,"page":455},{"title":"الملحق الخامس على كتاب التوحيد: فوائد ومسائل باب ما جاء في السحر","level":1,"page":466},{"title":"الفوائد","level":2,"page":466},{"title":"الفائدة الأولى: تفسير آيات سورة البقرة من تفسير الشيخ السعدي رحمه الله تعالى","level":3,"page":466},{"title":"الفائدة الثانية: اعلم أنه قد جاء في التفاسير كثير من الروايات حول هاروت وماروت وما جرى معهما من إنزالهما وافتتانهما بالمرأة وتوبتهما","level":3,"page":470},{"title":"الفائدة الثالثة: أنواع السحر","level":3,"page":471},{"title":"الفائدة الرابعة: حكم السحر؛ أنه كفر (تعلمه، والعمل به)","level":3,"page":473},{"title":"الفائدة الخامسة: السحر لا يضر إلا بإذن الله تعالى.","level":3,"page":474},{"title":"الفائدة السادسة: ذكر شيء من أعراض السحر والمس، وعلاج ذلك","level":3,"page":475},{"title":"الفائدة السابعة: وسائل الاعتصام من شر الشيطان","level":3,"page":477},{"title":"الفائدة الثامنة: وسائل دفع شر الحاسد","level":3,"page":479},{"title":"الفائدة التاسعة: السحر لا يغير الأعيان.","level":3,"page":481},{"title":"المسائل","level":2,"page":482},{"title":"المسألة الأولى: هل يقتل الساحر؟","level":3,"page":482},{"title":"المسألة الثانية: احتج بعضهم على عدم قتل الساحر بأن النبي ﷺ لم يقتل من سحره!","level":3,"page":484},{"title":"المسألة الثالثة: أورد بعضهم شبهة في شأن قاتل النفس المؤمنة؛ فقالوا: إنه خالد في النار -وهو كافر تبعا لذلك-!","level":3,"page":486},{"title":"المسألة الرابعة: أورد بعضهم شبهة في شأن قاتل النفس المؤمنة أيضا؛ فقالوا: ليس للقاتل توبة!","level":3,"page":493},{"title":"المسألة الخامسة: استدل بعضهم على جواز تعلم السحر بقول الرازي","level":3,"page":497},{"title":"المسألة السادسة: أنكر بعضهم تلبس الجني بالإنسي، وقالوا: لا يصح لأن طبيعتهما مختلفة، فما الجواب؟","level":3,"page":499},{"title":"المسألة السابعة: أنكرت المعتزلة حقيقة السحر!","level":3,"page":505},{"title":"المسألة الثامنة: ما صحة ما نسب إلى الإمام أبي حنيفة النعمان ﵀ في أنه أنكر حقيقة السحر؟","level":3,"page":509},{"title":"المسألة التاسعة: أنكرت المعتزلة كون النبي ﷺ سحر","level":3,"page":513},{"title":"المسألة العاشرة: إذا كان حديث الباب ذكر سبعا من الموبقات، فكيف الجمع مع ما ورد في ألفاظ كثيرة للحديث عن غير هذه السبعة؟","level":3,"page":515},{"title":"المسألة الحادية عشرة: ما سبب عطف السحر على الشرك في الحديث رغم أن السحر هو من الشرك؟","level":3,"page":516},{"title":"(٢٥) باب بيان شيء من أنواع السحر","level":1,"page":517},{"title":"المتن","level":2,"page":517},{"title":"الشرح","level":2,"page":520},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":527},{"title":"مسألة: إذا كان الطرق من السحر؛ فما الجواب عن خبر النبي ﷺ في النبي الذي كان يخط","level":3,"page":527},{"title":"(٢٦) باب ما جاء في الكهان ونحوهم","level":1,"page":528},{"title":"المتن","level":2,"page":528},{"title":"الشرح","level":2,"page":531},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":538},{"title":"مسألة: هل من الكهانة ما يخبر به الآن من أحوال الطقس في خلال أربع وعشرين ساعة قادمة، أو ما أشبه ذلك؟","level":3,"page":538},{"title":"الملحق السادس على كتاب التوحيد: مسائل في العلم بالغيب","level":1,"page":539},{"title":"المسألة الأولى: هل علم الغيب مختص بالله تعالى وحده؟","level":2,"page":539},{"title":"المسألة الثانية: ما أشكال علم الغيب","level":2,"page":542},{"title":"المسألة الثالثة: لو قال قائل إن أحد الأولياء يعلم الغيب، فماذا يقال له؟","level":2,"page":544},{"title":"المسألة الرابعة: ما الوحي وما الإلهام؟","level":2,"page":549},{"title":"المسألة الخامسة: ما الجواب عن شبهة كون عمر محدثا؛ فهو إذا يعلم الغيب؟","level":2,"page":553},{"title":"المسألة السادسة: هل رؤيا المنام تعتبر من العلم بالغيب؟","level":2,"page":560},{"title":"المسألة السابعة: ما الجواب عن الأثر الذي فيه معرفة أبي بكر بما سيأتيه من الولد، وعن أثر عثمان في مكاشفة أنس","level":2,"page":561},{"title":"المسألة الثامنة: من أين يأتي الكاهن بأخباره؟","level":2,"page":564},{"title":"(٢٧) باب ما جاء في النشرة","level":1,"page":565},{"title":"المتن","level":2,"page":565},{"title":"الشرح","level":2,"page":567},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":572},{"title":"المسألة الأولى: لماذا لا يحمل قول ابن المسيب ﵀ على أنه أجاز السحر في النشرة؟","level":3,"page":572},{"title":"المسألة الثانية: ألا يمكن القول بأن حل السحر بالسحر هو من باب الضرورات؛ والقاعدة الأصولية تقول: الضرورات تبيح المحظورات","level":3,"page":573},{"title":"(٢٨) باب ما جاء في التطير","level":1,"page":576},{"title":"المتن","level":2,"page":576},{"title":"الشرح","level":2,"page":579},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":589},{"title":"المسألة الأولى: قوله: «وما منا إلا؛ ولكن الله يذهبه بالتوكل» كيف يصح نسبته إلى النبي ﷺ وهو صريح في الوقوع في الشرك؟","level":3,"page":589},{"title":"المسألة الثانية: ما وجه الجمع بين الآيتين في الباب من حيث جهة تعلق الطيرة","level":3,"page":590},{"title":"المسألة الثالثة: ألا يمكن القول بأن نفي العدوى هو نفي لوجودها مطلقا؛ وليس لكونها هي الفاعلة نفسها؟","level":3,"page":591},{"title":"المسألة الرابعة: إذا كانت الطيرة منفية؛ فما الجواب عن حديث: «الشؤم في المرأة والدار والفرس»","level":3,"page":594},{"title":"المسألة الخامسة: هل يشرع تغيير الأسماء لدفع الطيرة؟","level":3,"page":598},{"title":"المسألة السادسة: إذا كانت الطيرة من الشرك! فما الجواب عن قوله تعالى: ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا﴾","level":3,"page":600},{"title":"المسألة السابعة: هل قوله: «ويعجبني الفأل» خاص بكونه كلاما مستحسنا، أم يتعداه إلى المرئي المستحسن أيضا؟","level":3,"page":601},{"title":"المسألة الثامنة: إذا كانت الطيرة هي ما أمضاك أو ردك؛ فما الجواب عن الحديث","level":3,"page":602},{"title":"المسألة التاسعة: هل قول القائل عند سماعه ما يتطير منه عادة: (خير خير)، أو (خير يا طير) مشروع لرد التشاؤم؟","level":3,"page":603},{"title":"المسألة العاشرة: هل المقصود بقوله ﷺ: «لا غول» نفي وجوده؟","level":3,"page":604},{"title":"المسألة الحادية عشرة: كيف يدفع شر الغيلان؟","level":3,"page":606},{"title":"المسألة الثانية عشرة: إذا كانت الطيرة لا حقيقة لها؛ فما الجواب عن حديث: «الطيرة على من تطير»","level":3,"page":608},{"title":"المسألة الثالثة عشرة: ما وجه النهي في حديث سمرة بن جندب ﵁ عن التسمي بـ (أفلح، ورباح، ويسار، ونافع)؟","level":3,"page":609},{"title":"(٢٩) باب ما جاء في التنجيم","level":1,"page":613},{"title":"المتن","level":2,"page":613},{"title":"الشرح","level":2,"page":615},{"title":"(٣٠) باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء","level":1,"page":624},{"title":"المتن","level":2,"page":624},{"title":"الشرح","level":2,"page":626},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":633},{"title":"المسألة الأولى: هل يصح قول: مطرنا بنوء كذا، أو بسعد السعود -على اعتبار أنه وقت لذلك-؟","level":3,"page":633},{"title":"المسألة الثانية: هل يصح قول من يجيب عن أمر من الأمور الكونية (غير الشرعية) بقوله: (الله ورسوله أعلم)؟","level":3,"page":635},{"title":"المسألة الثالثة: في حديث زيد بن خالد؛ لماذا لم يحمل الكفر فيه على الكفر الأكبر؟","level":3,"page":636},{"title":"(٣١) باب قول الله تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله﴾","level":1,"page":638},{"title":"المتن","level":2,"page":638},{"title":"الشرح","level":2,"page":641},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":647},{"title":"مسألة: لماذا حمل قوله: «لا يؤمن» على نفي الكمال، رغم أن هناك محامل أخر تقبلها اللغة، وهي نفي الوجود ونفي الصحة؟","level":3,"page":647},{"title":"(٣٢) باب قول الله تعالى: ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين﴾","level":1,"page":648},{"title":"المتن","level":2,"page":648},{"title":"الشرح","level":2,"page":650},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":658},{"title":"مسألة: ما صحة القول الذي اشتهر عن المرأة الصالحة -رابعة العدوية","level":3,"page":658},{"title":"(٣٣) باب قول الله تعالى: ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾","level":1,"page":663},{"title":"المتن","level":2,"page":663},{"title":"الشرح","level":2,"page":665},{"title":"(٣٤) باب قول الله تعالى: ﴿أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون﴾","level":1,"page":670},{"title":"المتن","level":2,"page":670},{"title":"الشرح","level":2,"page":672},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":676},{"title":"المسألة الأولى: قوله تعالى: ﴿حتى إذا استيأس الرسل﴾","level":3,"page":676},{"title":"المسألة الثانية: كيف يوصف الله تعالى بالمكر مع أن ظاهره مذموم؟","level":3,"page":678},{"title":"المسألة الثالثة: إذا كان القنوط من رحمة الله تعالى كفر؛ فكيف استبعد إبراهيم","level":3,"page":680},{"title":"(٣٥) باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله","level":1,"page":681},{"title":"المتن","level":2,"page":681},{"title":"الشرح","level":2,"page":683},{"title":"(٣٦) باب ما جاء في الرياء","level":1,"page":692},{"title":"المتن","level":2,"page":692},{"title":"الشرح","level":2,"page":694},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":699},{"title":"مسألة: ما حكم من خالطت نيته نية غير الرياء؟","level":3,"page":699},{"title":"(٣٧) باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا","level":1,"page":701},{"title":"المتن","level":2,"page":701},{"title":"الشرح","level":2,"page":703},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":708},{"title":"المسألة الأولى: ما حكم أخذ المال على بعض الوظائف الدينية؛ كإمامة المسجد، والتدريس الشرعي، وتعليم القرآن وما أشبه؟","level":3,"page":708},{"title":"المسألة الثانية: هل يدخل في الذم من يتعلمون في الكليات أو غيرها لغاية شهادة أو مرتبة؟","level":3,"page":714},{"title":"(٣٨) باب من أطاع العلماء والأمراء","level":1,"page":715},{"title":"المتن","level":2,"page":715},{"title":"الشرح","level":2,"page":718},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":725},{"title":"المسألة الأولى: ما هي شروط التكفير؟","level":3,"page":725},{"title":"المسألة الثانية: إذا كان التحليل والتحريم هو من اتخاذ الأرباب؛ فما الجواب عن تحريم النبي ﷺ بعض الأشياء على نفسه؟!","level":3,"page":728},{"title":"(٣٩) باب قول الله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك﴾","level":1,"page":731},{"title":"المتن","level":2,"page":731},{"title":"الشرح","level":2,"page":734},{"title":"(٤٠) باب من جحد شيئا من الأسماء والصفات","level":1,"page":745},{"title":"المتن","level":2,"page":745},{"title":"الشرح","level":2,"page":747},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":764},{"title":"المسألة الأولى: هل يصح تأويل صفة الرحمة لله تعالى بإرادة الثواب أو الرضى","level":3,"page":764},{"title":"المسألة الثانية: ما هي شروط التوبة","level":3,"page":769},{"title":"الملحق السابع على كتاب التوحيد: مختصر القواعد المثلى","level":1,"page":771},{"title":"قواعد في أسماء الله تعالى","level":2,"page":771},{"title":"قواعد في صفات الله تعالى","level":2,"page":776},{"title":"قواعد في أدلة الأسماء والصفات","level":2,"page":782},{"title":"شبه وجوابها","level":2,"page":790},{"title":"بيان أدلة العلو من الكتاب والسنة والعقل والفطرة والإجماع","level":2,"page":800},{"title":"حكم منكر الصفات","level":2,"page":806},{"title":"(٤١) باب قول الله تعالى: ﴿يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون﴾","level":1,"page":810},{"title":"المتن","level":2,"page":810},{"title":"الشرح","level":2,"page":812},{"title":"(٤٢) باب قوله تعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾","level":1,"page":817},{"title":"المتن","level":2,"page":817},{"title":"الشرح","level":2,"page":820},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":825},{"title":"المسألة الأولى: إذا كان الحلف بغير الله تعالى شرك؛ فما الجواب عن قسم الرب تعالى بالمخلوقات؟","level":3,"page":825},{"title":"المسألة الثانية: إذا كان الحلف بغير الله تعالى شرك؛ فما الجواب عن الحديث الذي في صحيح مسلم","level":3,"page":826},{"title":"(٤٣) باب ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله","level":1,"page":828},{"title":"المتن","level":2,"page":828},{"title":"الشرح","level":2,"page":829},{"title":"(٤٤) باب قول: (ما شاء الله وشئت)","level":1,"page":832},{"title":"المتن","level":2,"page":832},{"title":"الشرح","level":2,"page":835},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":839},{"title":"مسألة: يشكل جواز العطف في حديث زيد بن خالد -الذي فيه قولهم: (الله ورسوله أعلم) - مع حديث: قال رجل للنبي ﷺ: ما شاء الله وشئت.","level":3,"page":839},{"title":"(٤٥) باب من سب الدهر فقد آذى الله","level":1,"page":841},{"title":"المتن","level":2,"page":841},{"title":"الشرح","level":2,"page":843},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":845},{"title":"المسألة الأولى: هل الدهر اسم من أسماء الله تعالى؟","level":3,"page":845},{"title":"المسألة الثانية: كيف يصح القول بأن ابن آدم يؤذي الله تعالى؛ مع أنه هو رب العالمين؟!","level":3,"page":847},{"title":"(٤٦) باب التسمي بقاضي القضاة ونحوه","level":1,"page":849},{"title":"المتن","level":2,"page":849},{"title":"الشرح","level":2,"page":851},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":853},{"title":"مسألة: كيف الجمع بين قوله تعالى: ﴿ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير﴾ [فاطر: ١٣] التي فيها نفي التملك عن البشر؛ وبين غيرها من الن","level":3,"page":853},{"title":"(٤٧) باب احترام أسماء الله تعالى، وتغيير الاسم لأجل ذلك","level":1,"page":855},{"title":"المتن","level":2,"page":855},{"title":"الشرح","level":2,"page":856},{"title":"(٤٨) باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول","level":1,"page":859},{"title":"المتن","level":2,"page":859},{"title":"الشرح","level":2,"page":861},{"title":"(٤٩) باب قول الله تعالى: ﴿ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي﴾","level":1,"page":871},{"title":"المتن","level":2,"page":871},{"title":"الشرح","level":2,"page":875},{"title":"(٥٠) باب قول الله تعالى: ﴿فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون﴾","level":1,"page":881},{"title":"المتن","level":2,"page":881},{"title":"الشرح","level":2,"page":884},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":889},{"title":"المسألة الأولى: ما وجه التوفيق بين ما اتفق عليه أهل العلم من عدم جواز التسمية باسم معبد لغير الله تعالى مع ما ثبت في الصحيح","level":3,"page":889},{"title":"المسألة الثانية: ما أوجه الرد على هذه القصة -التي في هذا الباب-؛ باختصار","level":3,"page":892},{"title":"(٥١) باب قول الله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾","level":1,"page":894},{"title":"المتن","level":2,"page":894},{"title":"الشرح","level":2,"page":895},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":900},{"title":"مسألة: قال بعضهم: إن الطلب والاستغاثة بالصالحين هو من باب الأسباب","level":3,"page":900},{"title":"الملحق الثامن على كتاب التوحيد: مختصر كتاب \"التوسل؛ أنواعه؛ أحكامه\"","level":1,"page":908},{"title":"الفصل الأول: التوسل في اللغة والقرآن","level":2,"page":908},{"title":"الفصل الثاني: الوسائل الكونية والشرعية","level":2,"page":912},{"title":"الفصل الثالث: التوسل المشروع وأنواعه","level":2,"page":914},{"title":"الفصل الرابع: شبهات والجواب عليها","level":2,"page":921},{"title":"الشبهة الأولى: استسقاء عمر بالعباس ﵄","level":3,"page":921},{"title":"الشبهة الثانية: حديث الضرير.","level":3,"page":927},{"title":"الشبهة الثالثة: الأحاديث الضعيفة في التوسل، وأشهرها","level":3,"page":933},{"title":"الشبهة الرابعة: قياس الخالق على المخلوق!","level":3,"page":944},{"title":"الشبهة الخامسة: هل هناك مانع من التوسل المبتدع على وجه الإباحة؛ لا الاستحباب؟","level":3,"page":949},{"title":"الشبهة السادسة: قياس التوسل بالذات على التوسل بالعمل الصالح!","level":3,"page":950},{"title":"الشبهة السابعة: قياس التوسل بذكر ذات النبي ﷺ وجاهه على التبرك بآثاره!","level":3,"page":951},{"title":"(٥٢) باب لا يقال: السلام على الله","level":1,"page":952},{"title":"المتن","level":2,"page":952},{"title":"الشرح","level":2,"page":954},{"title":"(٥٣) باب قول: اللهم اغفر لي إن شئت.","level":1,"page":958},{"title":"المتن","level":2,"page":958},{"title":"الشرح","level":2,"page":960},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":962},{"title":"المسألة الأولى: ما الجواب عن بعض النصوص التالية التي فيها التعليق بالمشيئة عند الدعاء","level":3,"page":962},{"title":"المسألة الثانية: إذا كان الجزم بالدعاء واجبا؛ فهل الجزم بحصول الإجابة واجب أيضا؟","level":3,"page":964},{"title":"(٥٤) باب لا يقول: عبدي وأمتي","level":1,"page":967},{"title":"المتن","level":2,"page":967},{"title":"الشرح","level":2,"page":969},{"title":"(٥٥) باب لا يرد من سأل بالله","level":1,"page":975},{"title":"المتن","level":2,"page":975},{"title":"الشرح","level":2,"page":977},{"title":"(٥٦) باب لا يسأل بوجه الله إلا الجنة","level":1,"page":981},{"title":"المتن","level":2,"page":981},{"title":"الشرح","level":2,"page":982},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":986},{"title":"المسألة الأولى: قال بعضهم: وجه الله؛ المراد به القبلة أو الجهة أو الثواب كما نقل عن بعض السلف","level":3,"page":986},{"title":"المسألة الثانية: ذهب بعض أهل العلم إلى أن عدم إجابة من سأل بالله هو مكروه فقط وليس للتحريم!","level":3,"page":988},{"title":"(٥٧) باب ما جاء في الـ (لو)","level":1,"page":990},{"title":"المتن","level":2,"page":990},{"title":"الشرح","level":2,"page":992},{"title":"(٥٨) باب النهي عن سب الريح","level":1,"page":999},{"title":"المتن","level":2,"page":999},{"title":"الشرح","level":2,"page":1001},{"title":"(٥٩) باب قول الله تعالى: ﴿يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء﴾","level":1,"page":1007},{"title":"المتن","level":2,"page":1007},{"title":"الشرح","level":2,"page":1009},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":1016},{"title":"المسألة الأولى: إذا كان ظن السوء بالله بهذه المثابة والخطورة؛ فما الجواب عن مثل قوله تعالى","level":3,"page":1016},{"title":"المسألة الثانية: زعمت المعطلة أن الله تعالى لا يوصف بالحكمة؛ وذلك لأنه منزه عن الأغراض!","level":3,"page":1020},{"title":"(٦٠) باب ما جاء في منكري القدر","level":1,"page":1021},{"title":"المتن","level":2,"page":1021},{"title":"الشرح","level":2,"page":1024},{"title":"الملحق التاسع على كتاب التوحيد: مسائل في الإيمان بالقدر","level":1,"page":1042},{"title":"المسألة الأولى: هل من معنى الإيمان بالقدر ترك العمل والاتكال على ما كتب في اللوح المحفوظ؟ وهل في ذلك حجة للعاصي على معصيته؟","level":2,"page":1042},{"title":"المسألة الثانية: ما الجواب عن أدلة الفرقتين الضالتين في مسائل القدر؟","level":2,"page":1045},{"title":"المسألة الثالثة: كيف الجمع بين حديث: «من أحب أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره؛ فليصل رحمه» مع الأحاديث الكثيرة الصريحة التي فيها كتابة أجل الإنسان ع","level":2,"page":1051},{"title":"المسألة الرابعة: إذا كان العبد قد سبق في علمه تعالى وكتب ذلك عنده؛ أنه من أهل الجنة أو من أهل النار؛ فلماذا العمل؟","level":2,"page":1056},{"title":"المسألة الخامسة: ما الجواب عن قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله﴾","level":2,"page":1060},{"title":"المسألة السادسة: إذا كانت الهداية من الله تعالى؛ فكيف يكون للعبد أصلا سعي فيها، وما الذي يميز العاصي عن الطائع؟","level":2,"page":1062},{"title":"المسألة السابعة: ما هو حديث الكتابين، وأين هما الآن؟","level":2,"page":1064},{"title":"المسألة الثامنة: إذا كان لا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعصية؛ فكيف احتج آدم ﵊ بالقدر على معصيته؟","level":2,"page":1066},{"title":"المسألة التاسعة: إذا كان الشر لا يجوز أن ينسب إلى الله تعالى؛ فما الجواب عن الحديث المعروف: «وتؤمن بالقدر خيره وشره»؟","level":2,"page":1068},{"title":"المسألة العاشرة: أليس في قوله ﵊: «الله أعلم بما كانوا عاملين به»","level":2,"page":1072},{"title":"المسألة الحادية عشرة: قوله تعالى في الحديث القدسي: «كلكم ضال إلا من هديته» يشكل مع حديث أبي هريرة المرفوع","level":2,"page":1074},{"title":"المسألة الثانية عشرة: ما حكم قول القائل: \"حصل هذا الأمر الفلاني صدفة\"؟","level":2,"page":1075},{"title":"الملحق العاشر على كتاب التوحيد: لمحة عن الفرق الضالة في العقيدة","level":1,"page":1076},{"title":"مقدمة","level":2,"page":1076},{"title":"الفرقة الأولى: القدرية","level":2,"page":1079},{"title":"الفرقة الثانية: الخوارج","level":2,"page":1081},{"title":"الفرقة الثالثة: الشيعة (الرافضة)","level":2,"page":1084},{"title":"الفرقة الرابعة: الجهمية","level":2,"page":1086},{"title":"أصول المعتزلة خمسة؛ هي","level":2,"page":1088},{"title":"وأما الأشاعرة","level":2,"page":1089},{"title":"(٦١) باب ما جاء في المصورين","level":1,"page":1092},{"title":"المتن","level":2,"page":1092},{"title":"الشرح","level":2,"page":1094},{"title":"جملة من الفوائد المتعلقة بالباب","level":2,"page":1099},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":1107},{"title":"مسألة: كيف الجمع بين حديث: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي»","level":3,"page":1107},{"title":"الملحق الحادي عشر: مسائل في أحكام الصور والتصوير","level":1,"page":1108},{"title":"المسألة الأولى: ما أوجه النهي عن التصوير؟","level":2,"page":1108},{"title":"المسألة الثانية: ألا يدل حديث أبي هريرة الذي فيه: «فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة» أن النهي لا يختص بذوات الأرواح","level":2,"page":1112},{"title":"المسألة الثالثة: هل يلحق بالتصوير المنهي عنه التصوير الشمسي (الفوتوغرافي)؟ وذلك لاختلافه عن التصوير اليدوي بأمور هي","level":2,"page":1114},{"title":"المسألة الرابعة: هل النهي هو عن التماثيل المجسمة (ذات الظل) أم عن عموم الصور؟","level":2,"page":1121},{"title":"المسألة الخامسة: هل يخرج من النهي صور ما له رأس إن كان مما لا يعيش حقيقة في الخارج؛ كالصور الخيالية والصور النصفية؟","level":2,"page":1123},{"title":"المسألة السادسة: هل يخرج من النهي الصور الممتهنة كالفرش والبسط والوسائد؟","level":2,"page":1124},{"title":"المسألة السابعة: إذا كان التصوير واقتناء الصور محرما، فما الجواب عن شبهة جواز صنع التماثيل في قوله تعالى عن سليمان","level":2,"page":1137},{"title":"المسألة الثامنة: إذا كان التصوير واقتناء الصور محرما؛ فما الجواب عن الأحاديث التي فيها وجود بعض التماثيل في بيت النبي","level":2,"page":1139},{"title":"المسألة التاسعة: هل النهي عن التصوير أو اقتناء الصور خاص بما كان على صورة ما يعبد من دون الله تعالى فقط؟","level":2,"page":1142},{"title":"المسألة العاشرة: ألا يكون إبقاء التماثيل التي هي على هيئة ذي روح جائزا من باب حماية الآثار التاريخية والتراث الإنساني؟!","level":2,"page":1144},{"title":"المسألة الحادية عشرة: ما الأمور التي ينبغي مراعاتها في استخدام لعب الأطفال -ذات الروح-؟","level":2,"page":1146},{"title":"(٦٢) باب ما جاء في كثرة الحلف","level":1,"page":1151},{"title":"المتن","level":2,"page":1151},{"title":"الشرح","level":2,"page":1153},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":1161},{"title":"المسألة الأولى: قوله: «يشهدون ولا يستشهدون» يشكل مع حديث: «ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها»","level":3,"page":1161},{"title":"المسألة الثانية: في حديث البخاري: «خير الناس قرني»، قد ورد في نصوص أخر صحيحة قوله: «إن من ورائكم زمان صبر؛ للمتمسك فيه أجر خمسين شهيدا»","level":3,"page":1162},{"title":"(٦٣) باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه","level":1,"page":1163},{"title":"المتن","level":2,"page":1163},{"title":"الشرح","level":2,"page":1166},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":1172},{"title":"مسألة: ما الجواب عن ظاهر التعارض بين الآية في الباب، وبين النصوص التي فيها إباحة نقض اليمين مع الكفارة!","level":3,"page":1172},{"title":"(٦٤) باب ما جاء في الإقسام على الله","level":1,"page":1174},{"title":"المتن","level":2,"page":1174},{"title":"الشرح","level":2,"page":1176},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":1180},{"title":"المسألة الأولى: ما الأمور التي يجب مراعاتها عند الأمر بالمعروف، أو إنكار المنكر؟","level":3,"page":1180},{"title":"المسألة الثانية: احتجت المعتزلة بحديث الباب على إحباط الأعمال بالمعاصي الكبائر خلافا لمذهب أهل السنة! فما الجواب؟","level":3,"page":1183},{"title":"(٦٥) باب لا يستشفع بالله على خلقه","level":1,"page":1184},{"title":"المتن","level":2,"page":1184},{"title":"الشرح","level":2,"page":1185},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":1187},{"title":"مسألة: إذا كان الاستشفاع بالله تعالى عند أحد من عباده غير مشروع؛ فكيف جاز السؤال بالله في الحديث: «من سأل بالله فأعطوه»","level":3,"page":1187},{"title":"(٦٦) باب ما جاء في حماية النبي ﷺ حمى التوحيد وسده طرق الشرك","level":1,"page":1188},{"title":"المتن","level":2,"page":1188},{"title":"الشرح","level":2,"page":1190},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":1194},{"title":"المسألة الأولى: إذا كان النبي ﷺ هو سيد ولد آدم -كما ثبت في الحديث- فما الجواب عن الأحاديث التي فيها النهي عن تفضيله على غيره من الأنبياء؟","level":3,"page":1194},{"title":"المسألة الثانية: لماذا قال ﵊ في الحديث: «السيد الله» ولم يقل: (الله سيدكم) من باب المقابلة؟","level":3,"page":1195},{"title":"(٦٧) باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾","level":1,"page":1196},{"title":"المتن","level":2,"page":1196},{"title":"الشرح","level":2,"page":1202},{"title":"مسائل على الباب","level":2,"page":1212},{"title":"المسألة الأولى: هل لله تعالى صفة الأصابع حقيقة؟","level":3,"page":1212},{"title":"المسألة الثانية: لم يذكر في الحديث أنه ﷺ استعاذ بالله من الشيطان الرجيم عند تلاوة الآية الكريمة","level":3,"page":1219},{"title":"الملحق الثاني عشر: مختصر في الرد على أبيات من البردة للبوصيري","level":1,"page":1220},{"title":"مقدمة","level":2,"page":1220},{"title":"قوله: (وقدمتك جميع الأنبياء بها ... والرسل تقديم مخدوم على خدم)","level":2,"page":1221},{"title":"قوله: (وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من ... لولاه لم تخرج الدنيا من العدم)","level":2,"page":1221},{"title":"قوله: (فاق النبيين في خلق وفي خلق ... ولم يدانوه في علم ولا كرم وكلهم من رسول الله ملتمس ... غرفا من البحر أو رشفا من الديم)","level":2,"page":1222},{"title":"قوله: (دع ما ادعته النصارى في نبيهم ... واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف ... وانسب إلى قدره ما شئت من عظم)","level":2,"page":1223},{"title":"قوله: (لو ناسبت قدره آياته عظما ... أحيا اسمه حين يدعى دارس الرمم)","level":2,"page":1226},{"title":"قوله: (لا طيب يعدل تربا ضم أعظمه ... طوبى لمنتشق منه وملتثم)","level":2,"page":1228},{"title":"قوله: (فإن لي ذمة منه بتسميتي ... محمدا وهو أوفى الخلق بالذمم)","level":2,"page":1229},{"title":"قوله: (ما سامني الدهر ضيما واستجرت به ... إلا ونلت جوارا منه لم يضم)","level":2,"page":1230},{"title":"قوله: (أقسمت بالقمر المنشق: إن له ... من قلبه نسبة مبرورة القسم)","level":2,"page":1231},{"title":"قوله: (يا أكرم الرسل ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم)","level":2,"page":1231},{"title":"قوله: (ولن يضيق -رسول الله- جاهك بي ... إذا الكريم تحلى باسم منتقم)","level":2,"page":1234},{"title":"قوله: (فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم)","level":2,"page":1236},{"title":"الملحق الثالث عشر: رد شبهات المشركين","level":1,"page":1238},{"title":"مقدمة","level":2,"page":1238},{"title":"الشبهة الأولى: إن قول صاحب البردة (ومن علومك علم اللوح والقلم) ليس فيه محظور! لأن اللوح غير أم الكتاب","level":2,"page":1238},{"title":"الشبهة الثانية: قول صاحب البردة في همزيته عن النبي ﷺ: (وليس يخفى عليك في القلب داء) ليس فيه محظور!","level":2,"page":1240},{"title":"الشبهة الثالثة: إن النبي ﷺ يعلم الغيب! والملائكة أيضا! فعلم الغيب ليس محصورا بالله تعالى وحده!","level":2,"page":1243},{"title":"الشبهة الرابعة: قول صاحب البردة: (فإن من جودك الدنيا وضرتها) ليس فيه محذور!","level":2,"page":1250},{"title":"الشبهة الخامسة: إن الكفار لم تنفعهم الشفاعة لكونهم يرجونها من الأصنام، وهل هي إلا حجارة صماء عمياء؟!","level":2,"page":1254},{"title":"الشبهة السادسة: إن الله تعالى بشر نبيه ﷺ بأنه لن يخزيه في أمته","level":2,"page":1256},{"title":"الشبهة السابعة: ما جاء في الحديث من كونه ﷺ لا يملك لأهله وللناس شيئا؛ لا يعني عدم نفعه لهم في الآخرة!","level":2,"page":1258},{"title":"الشبهة الثامنة: الطلب من الأموات والغائبين لا يسمى دعاء بل هو نداء، والنهي إنما هو عن دعاء الأموات فقط؛ وليس عن ندائهم!","level":2,"page":1261},{"title":"الشبهة التاسعة: إن الله تعالى يملك الشفاعة من شاء من عباده، وأولى الناس بذلك هم الصالحون","level":2,"page":1265},{"title":"الشبهة العاشرة: إن الأنبياء والصالحين أحياء يجيبون من دعاهم -ومثلهم الشهداء- لذلك يجوز دعاؤهم والاستغاثة بهم بخلاف الأصنام فهي حجارة لا تسمع ولا تعقل!","level":2,"page":1268},{"title":"الشبهة الحادية عشرة: أن الصحابة كانوا يستغيثون بالنبي ﷺ بعد موته","level":2,"page":1278},{"title":"الشبهة الثانية عشرة: أليس قد استقر عند الخاصة وكثير من العامة ما يسمى بـ (الأبدال)؟!","level":2,"page":1280},{"title":"فهرس المصادر والمراجع","level":1,"page":1289}],"ٛ":{"1,1":1,"1,5":2,"1,6":3,"1,7":4,"1,8":5,"1,9":6,"1,10":7,"1,11":8,"1,12":9,"1,13":10,"1,14":11,"1,15":12,"1,16":13,"1,17":14,"1,18":15,"1,19":16,"1,20":17,"1,21":18,"1,22":19,"1,23":20,"1,24":21,"1,25":22,"1,26":23,"1,27":24,"1,28":25,"1,29":26,"1,30":27,"1,31":28,"1,32":29,"1,33":30,"1,34":31,"1,35":32,"1,36":33,"1,37":34,"1,38":35,"1,39":36,"1,40":37,"1,41":38,"1,42":39,"1,43":40,"1,44":41,"1,45":42,"1,46":43,"1,47":44,"1,48":45,"1,49":46,"1,50":47,"1,51":48,"1,52":49,"1,53":50,"1,54":51,"1,56":53,"1,57":54,"1,58":55,"1,59":56,"1,60":57,"1,61":58,"1,62":59,"1,63":60,"1,64":61,"1,65":62,"1,66":63,"1,67":64,"1,68":65,"1,69":66,"1,70":67,"1,71":68,"1,72":69,"1,73":70,"1,74":71,"1,75":72,"1,76":73,"1,77":74,"1,78":75,"1,79":76,"1,80":77,"1,81":78,"1,82":79,"1,83":80,"1,84":81,"1,85":82,"1,86":83,"1,87":84,"1,88":85,"1,89":86,"1,90":87,"1,91":88,"1,92":89,"1,93":90,"1,94":91,"1,95":92,"1,96":93,"1,97":94,"1,98":95,"1,99":96,"1,100":97,"1,101":98,"1,102":99,"1,103":100,"1,104":101,"1,105":102,"1,106":103,"1,107":104,"1,108":105,"1,109":106,"1,110":107,"1,111":108,"1,112":109,"1,113":110,"1,114":111,"1,115":112,"1,116":113,"1,117":114,"1,118":115,"1,119":116,"1,120":117,"1,121":118,"1,122":119,"1,123":120,"1,124":121,"1,125":122,"1,126":123,"1,127":124,"1,128":125,"1,129":126,"1,130":127,"1,131":128,"1,132":129,"1,133":130,"1,134":131,"1,135":132,"1,136":133,"1,137":134,"1,138":135,"1,139":136,"1,140":137,"1,141":138,"1,142":139,"1,143":140,"1,144":141,"1,145":142,"1,146":143,"1,147":144,"1,148":145,"1,149":146,"1,150":147,"1,151":148,"1,152":149,"1,153":150,"1,154":151,"1,155":152,"1,156":153,"1,157":154,"1,158":155,"1,159":156,"1,160":157,"1,161":158,"1,162":159,"1,163":160,"1,164":161,"1,165":162,"1,166":163,"1,167":164,"1,168":165,"1,169":166,"1,170":167,"1,171":168,"1,172":169,"1,173":170,"1,174":171,"1,175":172,"1,176":173,"1,177":174,"1,178":175,"1,179":176,"1,180":177,"1,181":178,"1,182":179,"1,183":180,"1,184":181,"1,185":182,"1,186":183,"1,187":184,"1,188":185,"1,189":186,"1,190":187,"1,191":188,"1,192":189,"1,193":190,"1,194":191,"1,195":192,"1,196":193,"1,197":194,"1,198":195,"1,199":196,"1,200":197,"1,201":198,"1,202":199,"1,203":200,"1,204":201,"1,205":202,"1,206":203,"1,207":204,"1,208":205,"1,209":206,"1,210":207,"1,211":208,"1,212":209,"1,213":210,"1,214":211,"1,215":212,"1,216":213,"1,217":214,"1,218":215,"1,219":216,"1,220":217,"1,221":218,"1,222":219,"1,223":220,"1,224":221,"1,225":222,"1,226":223,"1,227":224,"1,228":225,"1,229":226,"1,230":227,"1,231":228,"1,232":229,"1,233":230,"1,235":232,"1,236":233,"1,237":234,"1,238":235,"1,239":236,"1,240":237,"1,241":238,"1,242":239,"1,243":240,"1,244":241,"1,245":242,"1,246":243,"1,247":244,"1,248":245,"1,249":246,"1,250":247,"1,251":248,"1,252":249,"1,253":250,"1,254":251,"1,255":252,"1,256":253,"1,257":254,"1,258":255,"1,259":256,"1,260":257,"1,261":258,"1,262":259,"1,263":260,"1,264":261,"1,265":262,"1,266":263,"1,267":264,"1,268":265,"1,269":266,"1,270":267,"1,271":268,"1,272":269,"1,273":270,"1,274":271,"1,275":272,"1,276":273,"1,277":274,"1,278":275,"1,279":276,"1,280":277,"1,281":278,"1,282":279,"1,283":280,"1,284":281,"1,285":282,"1,286":283,"1,287":284,"1,288":285,"1,289":286,"1,290":287,"1,291":288,"1,292":289,"1,293":290,"1,294":291,"1,295":292,"1,296":293,"1,297":294,"1,298":295,"1,299":296,"1,300":297,"1,301":298,"1,302":299,"1,303":300,"1,304":301,"1,305":302,"1,306":303,"1,307":304,"1,308":305,"1,309":306,"1,310":307,"1,311":308,"1,312":309,"1,313":310,"1,314":311,"1,315":312,"1,316":313,"1,317":314,"1,318":315,"1,319":316,"1,320":317,"1,321":318,"1,322":319,"1,323":320,"1,324":321,"1,325":322,"1,326":323,"1,327":324,"1,328":325,"1,329":326,"1,330":327,"1,331":328,"1,332":329,"1,333":330,"1,334":331,"1,335":332,"1,336":333,"1,337":334,"1,338":335,"1,339":336,"1,340":337,"1,341":338,"1,342":339,"1,343":340,"1,344":341,"1,345":342,"1,346":343,"1,347":344,"1,348":345,"1,349":346,"1,350":347,"1,351":348,"1,352":349,"1,353":350,"1,354":351,"1,355":352,"1,356":353,"1,357":354,"1,358":355,"1,359":356,"1,360":357,"1,361":358,"1,362":359,"1,363":360,"1,364":361,"1,365":362,"1,366":363,"1,367":364,"1,368":365,"1,369":366,"1,370":367,"1,371":368,"1,372":369,"1,373":370,"1,374":371,"1,375":372,"1,376":373,"1,377":374,"1,378":375,"1,379":376,"1,380":377,"1,381":378,"1,382":379,"1,383":380,"1,384":381,"1,385":382,"1,386":383,"1,387":384,"1,388":385,"1,389":386,"1,390":387,"1,391":388,"1,392":389,"1,393":390,"1,394":391,"1,395":392,"1,396":393,"1,397":394,"1,398":395,"1,399":396,"1,400":397,"1,401":398,"1,402":399,"1,403":400,"1,404":401,"1,405":402,"1,406":403,"1,407":404,"1,408":405,"1,409":406,"1,410":407,"1,411":408,"1,412":409,"1,413":410,"1,414":411,"1,415":412,"1,416":413,"1,417":414,"1,418":415,"1,419":416,"1,420":417,"1,421":418,"1,422":419,"1,423":420,"1,424":421,"1,425":422,"1,426":423,"1,427":424,"1,428":425,"1,429":426,"1,430":427,"1,431":428,"1,432":429,"1,433":430,"1,434":431,"1,435":432,"1,436":433,"1,437":434,"1,438":435,"1,439":436,"1,440":437,"1,441":438,"1,442":439,"1,443":440,"1,444":441,"1,445":442,"1,446":443,"1,447":444,"1,448":445,"1,449":446,"1,450":447,"1,451":448,"1,452":449,"1,453":450,"1,454":451,"1,455":452,"1,456":453,"1,457":454,"1,458":455,"1,459":456,"1,460":457,"1,461":458,"1,462":459,"1,463":460,"1,464":461,"1,465":462,"1,466":463,"1,467":464,"1,468":465,"1,469":466,"1,470":467,"1,471":468,"1,472":469,"1,473":470,"1,474":471,"1,475":472,"1,476":473,"1,477":474,"1,478":475,"1,479":476,"1,480":477,"1,481":478,"1,482":479,"1,483":480,"1,484":481,"1,485":482,"1,486":483,"1,487":484,"1,488":485,"1,489":486,"1,490":487,"1,491":488,"1,492":489,"1,493":490,"1,494":491,"1,495":492,"1,496":493,"1,497":494,"1,498":495,"1,499":496,"1,500":497,"1,501":498,"1,502":499,"1,503":500,"1,504":501,"1,505":502,"1,506":503,"1,507":504,"1,508":505,"1,509":506,"1,510":507,"1,511":508,"1,512":509,"1,513":510,"1,514":511,"1,515":512,"1,516":513,"1,517":514,"1,518":515,"1,519":516,"1,520":517,"1,521":518,"1,522":519,"1,523":520,"1,524":521,"1,525":522,"1,526":523,"1,527":524,"1,528":525,"1,529":526,"1,530":527,"1,531":528,"1,532":529,"1,533":530,"1,534":531,"1,535":532,"1,536":533,"1,537":534,"1,538":535,"1,539":536,"1,540":537,"1,541":538,"1,542":539,"1,543":540,"1,544":541,"1,545":542,"1,546":543,"1,547":544,"1,548":545,"1,549":546,"1,550":547,"1,551":548,"1,552":549,"1,553":550,"1,554":551,"1,555":552,"1,556":553,"1,557":554,"1,558":555,"1,559":556,"1,560":557,"1,561":558,"1,562":559,"1,563":560,"1,564":561,"1,565":562,"1,566":563,"1,567":564,"1,568":565,"1,569":566,"1,570":567,"1,571":568,"1,572":569,"1,573":570,"1,574":571,"1,575":572,"1,576":573,"1,577":574,"1,578":575,"1,579":576,"1,580":577,"1,581":578,"1,582":579,"1,583":580,"1,584":581,"1,585":582,"1,586":583,"1,587":584,"1,588":585,"1,589":586,"1,590":587,"1,591":588,"1,592":589,"1,593":590,"1,594":591,"1,595":592,"1,596":593,"1,597":594,"1,598":595,"1,599":596,"1,600":597,"1,601":598,"1,602":599,"1,603":600,"1,604":601,"1,605":602,"1,606":603,"1,607":604,"1,608":605,"1,609":606,"1,610":607,"1,611":608,"1,612":609,"1,613":610,"1,614":611,"1,615":612,"1,616":613,"1,617":614,"1,618":615,"1,619":616,"1,620":617,"1,621":618,"1,622":619,"1,623":620,"1,624":621,"1,625":622,"1,626":623,"1,627":624,"1,628":625,"1,629":626,"1,630":627,"1,631":628,"1,632":629,"1,633":630,"1,634":631,"1,635":632,"1,636":633,"1,637":634,"1,638":635,"1,639":636,"1,640":637,"1,641":638,"1,642":639,"1,643":640,"1,644":641,"1,645":642,"1,646":643,"1,647":644,"1,648":645,"1,649":646,"1,650":647,"1,651":648,"1,652":649,"1,653":650,"1,654":651,"1,655":652,"1,656":653,"1,657":654,"1,658":655,"1,659":656,"1,660":657,"1,661":658,"1,662":659,"1,663":660,"1,664":661,"1,665":662,"2,5":663,"2,6":664,"2,7":665,"2,8":666,"2,9":667,"2,10":668,"2,11":669,"2,12":670,"2,13":671,"2,14":672,"2,15":673,"2,16":674,"2,17":675,"2,18":676,"2,19":677,"2,20":678,"2,21":679,"2,22":680,"2,23":681,"2,24":682,"2,25":683,"2,26":684,"2,27":685,"2,28":686,"2,29":687,"2,30":688,"2,31":689,"2,32":690,"2,33":691,"2,34":692,"2,35":693,"2,36":694,"2,37":695,"2,38":696,"2,39":697,"2,40":698,"2,41":699,"2,42":700,"2,43":701,"2,44":702,"2,45":703,"2,46":704,"2,47":705,"2,48":706,"2,49":707,"2,50":708,"2,51":709,"2,52":710,"2,53":711,"2,54":712,"2,55":713,"2,56":714,"2,57":715,"2,58":716,"2,59":717,"2,60":718,"2,61":719,"2,62":720,"2,63":721,"2,64":722,"2,65":723,"2,66":724,"2,67":725,"2,68":726,"2,69":727,"2,70":728,"2,71":729,"2,72":730,"2,73":731,"2,74":732,"2,75":733,"2,76":734,"2,77":735,"2,78":736,"2,79":737,"2,80":738,"2,81":739,"2,82":740,"2,83":741,"2,84":742,"2,85":743,"2,86":744,"2,87":745,"2,88":746,"2,89":747,"2,90":748,"2,91":749,"2,92":750,"2,93":751,"2,94":752,"2,95":753,"2,96":754,"2,97":755,"2,98":756,"2,99":757,"2,100":758,"2,101":759,"2,102":760,"2,103":761,"2,104":762,"2,105":763,"2,106":764,"2,107":765,"2,108":766,"2,109":767,"2,110":768,"2,111":769,"2,112":770,"2,113":771,"2,114":772,"2,115":773,"2,116":774,"2,117":775,"2,118":776,"2,119":777,"2,120":778,"2,121":779,"2,122":780,"2,123":781,"2,124":782,"2,125":783,"2,126":784,"2,127":785,"2,128":786,"2,129":787,"2,130":788,"2,131":789,"2,132":790,"2,133":791,"2,134":792,"2,135":793,"2,136":794,"2,137":795,"2,138":796,"2,139":797,"2,140":798,"2,141":799,"2,142":800,"2,143":801,"2,144":802,"2,145":803,"2,146":804,"2,147":805,"2,148":806,"2,149":807,"2,150":808,"2,151":809,"2,152":810,"2,153":811,"2,154":812,"2,155":813,"2,156":814,"2,157":815,"2,158":816,"2,159":817,"2,160":818,"2,161":819,"2,162":820,"2,163":821,"2,164":822,"2,165":823,"2,166":824,"2,167":825,"2,168":826,"2,169":827,"2,170":828,"2,171":829,"2,172":830,"2,173":831,"2,174":832,"2,175":833,"2,176":834,"2,177":835,"2,178":836,"2,179":837,"2,180":838,"2,181":839,"2,182":840,"2,183":841,"2,184":842,"2,185":843,"2,186":844,"2,187":845,"2,188":846,"2,189":847,"2,190":848,"2,191":849,"2,192":850,"2,193":851,"2,194":852,"2,195":853,"2,196":854,"2,197":855,"2,198":856,"2,199":857,"2,200":858,"2,201":859,"2,202":860,"2,203":861,"2,204":862,"2,205":863,"2,206":864,"2,207":865,"2,208":866,"2,209":867,"2,210":868,"2,211":869,"2,212":870,"2,213":871,"2,214":872,"2,215":873,"2,216":874,"2,217":875,"2,218":876,"2,219":877,"2,220":878,"2,221":879,"2,222":880,"2,223":881,"2,224":882,"2,225":883,"2,226":884,"2,227":885,"2,228":886,"2,229":887,"2,230":888,"2,231":889,"2,232":890,"2,233":891,"2,234":892,"2,235":893,"2,236":894,"2,237":895,"2,238":896,"2,239":897,"2,240":898,"2,241":899,"2,242":900,"2,243":901,"2,244":902,"2,245":903,"2,246":904,"2,247":905,"2,248":906,"2,249":907,"2,250":908,"2,251":909,"2,252":910,"2,253":911,"2,254":912,"2,255":913,"2,256":914,"2,257":915,"2,258":916,"2,259":917,"2,260":918,"2,261":919,"2,262":920,"2,263":921,"2,264":922,"2,265":923,"2,266":924,"2,267":925,"2,268":926,"2,269":927,"2,270":928,"2,271":929,"2,272":930,"2,273":931,"2,274":932,"2,275":933,"2,276":934,"2,277":935,"2,278":936,"2,279":937,"2,280":938,"2,281":939,"2,282":940,"2,283":941,"2,284":942,"2,285":943,"2,286":944,"2,287":945,"2,288":946,"2,289":947,"2,290":948,"2,291":949,"2,292":950,"2,293":951,"2,294":952,"2,295":953,"2,296":954,"2,297":955,"2,298":956,"2,299":957,"2,300":958,"2,301":959,"2,302":960,"2,303":961,"2,304":962,"2,305":963,"2,306":964,"2,307":965,"2,308":966,"2,309":967,"2,310":968,"2,311":969,"2,312":970,"2,313":971,"2,314":972,"2,315":973,"2,316":974,"2,317":975,"2,318":976,"2,319":977,"2,320":978,"2,321":979,"2,322":980,"2,323":981,"2,324":982,"2,325":983,"2,326":984,"2,327":985,"2,328":986,"2,329":987,"2,330":988,"2,331":989,"2,332":990,"2,333":991,"2,334":992,"2,335":993,"2,336":994,"2,337":995,"2,338":996,"2,339":997,"2,340":998,"2,341":999,"2,342":1000,"2,343":1001,"2,344":1002,"2,345":1003,"2,346":1004,"2,347":1005,"2,348":1006,"2,349":1007,"2,350":1008,"2,351":1009,"2,352":1010,"2,353":1011,"2,354":1012,"2,355":1013,"2,356":1014,"2,357":1015,"2,358":1016,"2,359":1017,"2,360":1018,"2,361":1019,"2,362":1020,"2,363":1021,"2,364":1022,"2,365":1023,"2,366":1024,"2,367":1025,"2,368":1026,"2,369":1027,"2,370":1028,"2,371":1029,"2,372":1030,"2,373":1031,"2,374":1032,"2,375":1033,"2,376":1034,"2,377":1035,"2,378":1036,"2,379":1037,"2,380":1038,"2,381":1039,"2,382":1040,"2,383":1041,"2,384":1042,"2,385":1043,"2,386":1044,"2,387":1045,"2,388":1046,"2,389":1047,"2,390":1048,"2,391":1049,"2,392":1050,"2,393":1051,"2,394":1052,"2,395":1053,"2,396":1054,"2,397":1055,"2,398":1056,"2,399":1057,"2,400":1058,"2,401":1059,"2,402":1060,"2,403":1061,"2,404":1062,"2,405":1063,"2,406":1064,"2,407":1065,"2,408":1066,"2,409":1067,"2,410":1068,"2,4110":1069,"2,412":1070,"2,413":1071,"2,414":1072,"2,415":1073,"2,416":1074,"2,417":1075,"2,418":1076,"2,419":1077,"2,420":1078,"2,421":1079,"2,422":1080,"2,423":1081,"2,424":1082,"2,425":1083,"2,426":1084,"2,427":1085,"2,428":1086,"2,429":1087,"2,430":1088,"2,431":1089,"2,432":1090,"2,433":1091,"2,434":1092,"2,435":1093,"2,436":1094,"2,437":1095,"2,438":1096,"2,439":1097,"2,440":1098,"2,441":1099,"2,442":1100,"2,443":1101,"2,444":1102,"2,445":1103,"2,446":1104,"2,447":1105,"2,448":1106,"2,449":1107,"2,450":1108,"2,451":1109,"2,452":1110,"2,453":1111,"2,454":1112,"2,455":1113,"2,456":1114,"2,457":1115,"2,458":1116,"2,459":1117,"2,460":1118,"2,461":1119,"2,462":1120,"2,463":1121,"2,464":1122,"2,465":1123,"2,466":1124,"2,467":1125,"2,468":1126,"2,469":1127,"2,470":1128,"2,471":1129,"2,472":1130,"2,473":1131,"2,474":1132,"2,475":1133,"2,476":1134,"2,477":1135,"2,478":1136,"2,479":1137,"2,480":1138,"2,481":1139,"2,482":1140,"2,483":1141,"2,484":1142,"2,485":1143,"2,486":1144,"2,487":1145,"2,488":1146,"2,489":1147,"2,490":1148,"2,491":1149,"2,492":1150,"2,493":1151,"2,494":1152,"2,495":1153,"2,496":1154,"2,497":1155,"2,498":1156,"2,499":1157,"2,500":1158,"2,501":1159,"2,502":1160,"2,503":1161,"2,504":1162,"2,505":1163,"2,506":1164,"2,507":1165,"2,508":1166,"2,509":1167,"2,510":1168,"2,511":1169,"2,512":1170,"2,513":1171,"2,514":1172,"2,515":1173,"2,516":1174,"2,517":1175,"2,518":1176,"2,519":1177,"2,520":1178,"2,521":1179,"2,522":1180,"2,523":1181,"2,524":1182,"2,525":1183,"2,526":1184,"2,527":1185,"2,528":1186,"2,529":1187,"2,530":1188,"2,531":1189,"2,532":1190,"2,533":1191,"2,534":1192,"2,535":1193,"2,536":1194,"2,537":1195,"2,538":1196,"2,539":1197,"2,540":1198,"2,541":1199,"2,542":1200,"2,543":1201,"2,544":1202,"2,545":1203,"2,546":1204,"2,547":1205,"2,548":1206,"2,549":1207,"2,550":1208,"2,551":1209,"2,552":1210,"2,553":1211,"2,554":1212,"2,555":1213,"2,556":1214,"2,557":1215,"2,558":1216,"2,559":1217,"2,560":1218,"2,561":1219,"2,562":1220,"2,563":1221,"2,564":1222,"2,565":1223,"2,566":1224,"2,567":1225,"2,568":1226,"2,569":1227,"2,570":1228,"2,571":1229,"2,572":1230,"2,573":1231,"2,574":1232,"2,575":1233,"2,576":1234,"2,577":1235,"2,578":1236,"2,579":1237,"2,580":1238,"2,581":1239,"2,582":1240,"2,583":1241,"2,584":1242,"2,585":1243,"2,586":1244,"2,587":1245,"2,588":1246,"2,589":1247,"2,590":1248,"2,591":1249,"2,592":1250,"2,593":1251,"2,594":1252,"2,595":1253,"2,596":1254,"2,597":1255,"2,598":1256,"2,599":1257,"2,600":1258,"2,601":1259,"2,602":1260,"2,603":1261,"2,604":1262,"2,605":1263,"2,606":1264,"2,607":1265,"2,608":1266,"2,609":1267,"2,610":1268,"2,611":1269,"2,612":1270,"2,613":1271,"2,614":1272,"2,615":1273,"2,616":1274,"2,617":1275,"2,618":1276,"2,619":1277,"2,620":1278,"2,621":1279,"2,622":1280,"2,623":1281,"2,624":1282,"2,625":1283,"2,626":1284,"2,627":1285,"2,628":1286,"2,629":1287,"2,630":1288,"2,631":1289,"2,632":1290,"2,633":1291,"2,634":1292,"2,635":1293,"2,636":1294,"2,637":1295,"2,638":1296,"2,639":1297,"2,640":1298,"2,641":1299,"2,642":1300,"2,643":1301,"2,644":1302,"2,645":1303,"2,646":1304,"2,647":1305,"2,648":1306,"2,649":1307,"2,650":1308,"2,651":1309,"2,652":1310,"2,653":1311,"2,654":1312,"2,655":1313,"2,656":1314,"2,657":1315,"2,658":1316,"2,659":1317,"2,660":1318,"2,661":1319,"2,662":1320,"2,663":1321,"2,664":1322,"2,665":1323,"2,666":1324,"2,667":1325,"2,668":1326,"2,669":1327,"2,670":1328},"ٜ":{"1":[1,665],"2":[5,670]},"ٝ":["1,1","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,54","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,233","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","1,663","1,664","1,665","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,4110","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","2,506","2,507","2,508","2,509","2,510","2,511","2,512","2,513","2,514","2,515","2,516","2,517","2,518","2,519","2,520","2,521","2,522","2,523","2,524","2,525","2,526","2,527","2,528","2,529","2,530","2,531","2,532","2,533","2,534","2,535","2,536","2,537","2,538","2,539","2,540","2,541","2,542","2,543","2,544","2,545","2,546","2,547","2,548","2,549","2,550","2,551","2,552","2,553","2,554","2,555","2,556","2,557","2,558","2,559","2,560","2,561","2,562","2,563","2,564","2,565","2,566","2,567","2,568","2,569","2,570","2,571","2,572","2,573","2,574","2,575","2,576","2,577","2,578","2,579","2,580","2,581","2,582","2,583","2,584","2,585","2,586","2,587","2,588","2,589","2,590","2,591","2,592","2,593","2,594","2,595","2,596","2,597","2,598","2,599","2,600","2,601","2,602","2,603","2,604","2,605","2,606","2,607","2,608","2,609","2,610","2,611","2,612","2,613","2,614","2,615","2,616","2,617","2,618","2,619","2,620","2,621","2,622","2,623","2,624","2,625","2,626","2,627","2,628","2,629","2,630","2,631","2,632","2,633","2,634","2,635","2,636","2,637","2,638","2,639","2,640","2,641","2,642","2,643","2,644","2,645","2,646","2,647","2,648","2,649","2,650","2,651","2,652","2,653","2,654","2,655","2,656","2,657","2,658","2,659","2,660","2,661","2,662","2,663","2,664","2,665","2,666","2,667","2,668","2,669","2,670"],"ٞ":{"2":[1,2],"6":[3],"8":[4],"12":[5,6],"15":[7],"16":[8],"17":[9],"18":[10],"19":[11],"20":[12],"21":[13],"23":[14],"24":[15],"26":[16,17],"29":[18],"34":[19,20],"35":[21],"36":[22,23],"40":[24],"51":[25,26],"53":[27,28],"57":[29],"69":[30,31],"71":[32,33],"73":[34],"80":[35,36],"82":[37,38],"85":[39],"92":[40,41],"93":[42,43],"95":[44],"101":[45,46],"103":[47,48],"105":[49],"111":[50,51],"112":[52,53],"115":[54],"118":[55,56],"120":[57],"121":[58],"122":[59],"123":[60],"127":[61,62],"130":[63],"136":[64,65],"137":[66],"139":[67,68],"143":[69],"145":[70],"151":[71],"153":[72],"158":[73],"160":[74],"164":[75],"167":[76],"169":[77],"172":[78],"179":[79,80],"181":[81],"187":[82,83],"191":[84],"193":[85],"194":[86,87],"196":[88],"204":[89,90],"207":[91],"208":[92],"209":[93,94],"211":[95],"216":[96,97],"218":[98],"224":[99,100],"225":[101],"230":[102],"234":[103,104],"237":[105],"249":[106,107],"251":[108],"253":[109,110],"254":[111],"264":[112],"270":[113,114],"273":[115],"278":[116,117],"279":[118],"280":[119],"282":[120],"285":[121,122],"288":[123],"295":[124,125],"300":[126,127],"303":[128],"311":[129,130],"313":[131],"314":[132],"315":[133,134],"317":[135],"326":[136,137],"327":[138],"329":[139],"330":[140],"331":[141],"333":[142],"338":[143,144],"342":[145],"349":[146,147],"353":[148,149],"357":[150],"362":[151,152],"363":[153],"364":[154],"365":[155],"368":[156],"370":[157],"373":[158,159],"374":[160],"377":[161],"380":[162],"397":[163],"398":[164],"401":[165],"402":[166,167],"404":[168],"408":[169,170],"410":[171],"414":[172,173],"416":[174],"425":[175,176],"427":[177],"428":[178],"430":[179,180],"434":[181],"445":[182,183],"447":[184],"449":[185],"450":[186],"451":[187],"452":[188,189],"455":[190],"466":[191,192,193],"470":[194],"471":[195],"473":[196],"474":[197],"475":[198],"477":[199],"479":[200],"481":[201],"482":[202,203],"484":[204],"486":[205],"493":[206],"497":[207],"499":[208],"505":[209],"509":[210],"513":[211],"515":[212],"516":[213],"517":[214,215],"520":[216],"527":[217,218],"528":[219,220],"531":[221],"538":[222,223],"539":[224,225],"542":[226],"544":[227],"549":[228],"553":[229],"560":[230],"561":[231],"564":[232],"565":[233,234],"567":[235],"572":[236,237],"573":[238],"576":[239,240],"579":[241],"589":[242,243],"590":[244],"591":[245],"594":[246],"598":[247],"600":[248],"601":[249],"602":[250],"603":[251],"604":[252],"606":[253],"608":[254],"609":[255],"613":[256,257],"615":[258],"624":[259,260],"626":[261],"633":[262,263],"635":[264],"636":[265],"638":[266,267],"641":[268],"647":[269,270],"648":[271,272],"650":[273],"658":[274,275],"663":[276,277],"665":[278],"670":[279,280],"672":[281],"676":[282,283],"678":[284],"680":[285],"681":[286,287],"683":[288],"692":[289,290],"694":[291],"699":[292,293],"701":[294,295],"703":[296],"708":[297,298],"714":[299],"715":[300,301],"718":[302],"725":[303,304],"728":[305],"731":[306,307],"734":[308],"745":[309,310],"747":[311],"764":[312,313],"769":[314],"771":[315,316],"776":[317],"782":[318],"790":[319],"800":[320],"806":[321],"810":[322,323],"812":[324],"817":[325,326],"820":[327],"825":[328,329],"826":[330],"828":[331,332],"829":[333],"832":[334,335],"835":[336],"839":[337,338],"841":[339,340],"843":[341],"845":[342,343],"847":[344],"849":[345,346],"851":[347],"853":[348,349],"855":[350,351],"856":[352],"859":[353,354],"861":[355],"871":[356,357],"875":[358],"881":[359,360],"884":[361],"889":[362,363],"892":[364],"894":[365,366],"895":[367],"900":[368,369],"908":[370,371],"912":[372],"914":[373],"921":[374,375],"927":[376],"933":[377],"944":[378],"949":[379],"950":[380],"951":[381],"952":[382,383],"954":[384],"958":[385,386],"960":[387],"962":[388,389],"964":[390],"967":[391,392],"969":[393],"975":[394,395],"977":[396],"981":[397,398],"982":[399],"986":[400,401],"988":[402],"990":[403,404],"992":[405],"999":[406,407],"1001":[408],"1007":[409,410],"1009":[411],"1016":[412,413],"1020":[414],"1021":[415,416],"1024":[417],"1042":[418,419],"1045":[420],"1051":[421],"1056":[422],"1060":[423],"1062":[424],"1064":[425],"1066":[426],"1068":[427],"1072":[428],"1074":[429],"1075":[430],"1076":[431,432],"1079":[433],"1081":[434],"1084":[435],"1086":[436],"1088":[437],"1089":[438],"1092":[439,440],"1094":[441],"1099":[442],"1107":[443,444],"1108":[445,446],"1112":[447],"1114":[448],"1121":[449],"1123":[450],"1124":[451],"1137":[452],"1139":[453],"1142":[454],"1144":[455],"1146":[456],"1151":[457,458],"1153":[459],"1161":[460,461],"1162":[462],"1163":[463,464],"1166":[465],"1172":[466,467],"1174":[468,469],"1176":[470],"1180":[471,472],"1183":[473],"1184":[474,475],"1185":[476],"1187":[477,478],"1188":[479,480],"1190":[481],"1194":[482,483],"1195":[484],"1196":[485,486],"1202":[487],"1212":[488,489],"1219":[490],"1220":[491,492],"1221":[493,494],"1222":[495],"1223":[496],"1226":[497],"1228":[498],"1229":[499],"1230":[500],"1231":[501,502],"1234":[503],"1236":[504],"1238":[505,506,507],"1240":[508],"1243":[509],"1250":[510],"1254":[511],"1256":[512],"1258":[513],"1261":[514],"1265":[515],"1268":[516],"1278":[517],"1280":[518],"1289":[519]},"ٟ":[1289,1290,1291,1292,1293,1294,1295,1296,1297,1298,1299,1300,1301,1302,1303,1304,1305,1306,1307,1308,1309,1310,1311,1312,1313,1314,1315,1316,1317,1318,1319,1320,1321,1322,1323,1324,1325,1326,1327,1328]},"pages":[{"text":"التَّوضِيحُ الرَّشِيدُ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوحِيدِ\nالمُذَيَّلُ بِالتَّفْنِيدِ لِشُبُهَاتِ العَنِيدِ\n\nقَالَ الإِمَامُ الأَلْبَانِيُّ عَنِ المَتْنِ:\n\"فَإِنَّهُ ﵀ قَدْ لَخَّصَ عَقِيدَةَ السَّلَفِ فِي كِتَابِ التَّوحِيدِ المَعْرُوفِ بِهِ\"\n\nتَأْلِيفُ\nأَبِي عَبْدِ اللهِ؛ خُلْدُونِ بنِ مَحْمُودِ بنِ نَغَوِي آل حَقُوي\n\nمَضْبُوطَةٌ بِالشَّكْلِ وَالتَّخْرِيجِ","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1>مُقَدِّمَةٌ</span>\n<span data-type='title' id=toc-2>مُقَدِّمَةُ المُؤَلِّفِ</span>\nإِنِّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُور أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.\nأَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي كُنْتُ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ -وَإِلَى الآنَ- أَتَطَلَّعُ إِلَى خِدْمَةِ دِينِ اللهِ تَعَالَى، وَإِلَى أَنْ يَكُونَ لِي سَبَبٌ إِلَى رِضَاه تَعالى فِي حَيَاتِي وَبَعْدَ مَمَاتِي (^١)، وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ أَكُونَ أَحَدَ جُنُودِ الإِسْلَامِ المُدَافِعِينَ عَنْهُ بِاليَدِ وَاللِّسَانِ.\nوَلَمْ أَرَ أَنْفَعَ لِدِينِ الإِسْلَامِ -عِنْدَ أَزْمِنَةِ انْتِشَارِ الجَهْلِ وَالشِّرْكِ وَالبُعْدِ عَنِ السُّنَّةِ وَفُشُوِّ البِدَعِ- مِنْ جِهَادٍ بِاللِّسَانِ وَفَرْيٍ بِالقَلَمِ (^٢)، وَذَلِكَ بِنَشْرِ العَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ المُسْتَقَاةِ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِفَهْمِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَبَيَانِ أُصُولِ أَهْلِ الإِسْلَامِ، وَقَوَاعِدِ الدِّينِ، وَمَنْهَجِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِي فَهْمِ دِينِ الإِسْلَامِ وَالعَمَلِ بِهِ.\nوَقَدْ رَأَيتُ الاعْتِنَاءَ بِكِتَابِ (التَّوحِيدِ) لِلشَّيخِ الإِمَامِ المُجَدِّدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ ﵀ لِمَا فِيهِ مِنْ ذِكْرِ أَصْلِ الدِّينِ وَالتَّوحِيدِ وَبَيَانِ العَقِيدَةِ السَّلِيمَةِ عَلَى وُفْقِ الكِتَابِ\n_________\n(^١) كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (١٦٣١) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَو وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ».\nوَأَنَا أَرْجُو اللهَ تَعَالَى الكَرِيمَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْ أَهْلِ العِلْمِ العَامِلِينَ المُنْتَفَعِ بِهِم؛ فَإِنَّ الدَّالَ عَلَى الخَيرِ كَفَاعِلِهِ -كَمَا ثَبَتَ فِي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ-.\n(^٢) كَمَا فِي الحَدِيثِ: «جَاهِدُوا المُشْرِكِينَ بِأمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ» صَحِيحٌ، أَبُو دَاوُدَ (٢٥٠٤) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٣٠٩٠).","vol":"1","page":5},{"text":"وَالسُّنَّةِ وَعَمَلِ سَلَفِ الأُمَّةِ.\nوَنَظَرًا لِسَعَةِ وَتَنَوُّعِ أَدِلَّةِ هَذَا الكِتَابِ، وَلِمَا وَقَعَتْ فِيهِ الأُمَّةُ -إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ- مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ أَصْلِ بَعْثَةِ الرُّسُلِ، وَتَرْوِيجِ أَهْلِ الضَّلَالِ وَأَهْلِ الزَّنْدَقَةِ لِبِدَعِهِم فِي عَقَائِدِ المُسْلِمِينَ، والبُعْدِ عَنِ التَّوحِيدِ -وَالَّذِي لَا نَجَاةَ لِلعَبْدِ مُطْلَقًا إِلَّا بِأَنْ يَأْتِيَ بِهِ- وَلِمَا عُلِمَ مِنْ كَلَامِ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ وَإِشَارَتِهِم إِلَى أَهَمِّيَّةِ وَجُودَةِ جَمْعِ هَذَا الكِتَابِ المُبَارَكِ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَلِكَثْرَةِ مَنِ اعْتَنَى بِشَرْحِهِ وَلَكِنْ عَلَى وَجْهٍ يَلْزَمُهُ التَّكْمِيلُ -بَينَ تَحْقِيقٍ حَدِيثِيٍّ، أَوْ شَرْحِ ضَرُورِيٍّ، أَوْ شُبْهَةٍ تَرِدُ، أَوْ مَسْأَلَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ-؛ فَقَدْ قُمْتُ مُسْتَعِينًا بِاللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، وَمُسْتَنِيرًا بِشُرُوحِ العُلَمَاءِ المَعْرُوفِينَ بِتَصْنِيفِ شَرْحٍ عَلَيهِ؛ عَلَى أَنْ يَكُونَ وَجِيزًا فِي عِبَارَتِهِ، وَاسِعًا فِي فَوَائِدِهِ (^١)، مَعَ الاعْتِنَاءِ الشَّدِيدِ بِتَحْقِيقِ الآثَارِ المَرْفُوعَةِ وَالمَوقُوفَةِ -مَوضِعِ الاسْتِدْلَالِ (^٢) -؛ وَالعَزْوِ الصَّحِيحِ -مَا أَمْكَنَ- فِي مَوَاطِنِ الاسْتِشْهَادِ وَالاسْتِئْنَاسِ، وَذِكْرِ المُفِيدِ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ العُلَمَاءُ مِمَّا يَمَسُّ مَادَّةَ هَذَا الكِتَابِ، وَبَيَانِ الرَّاجِحِ مِنْهَا قَدْرَ الإِمْكَانِ.\nوَلَا أَدَّعِي لِنَفْسِي التَّفرُّدَ فِي شَرْحِ الكِتَابِ، وَإِنَّمَا هُوَ الاعْتِمَادُ عَلَى شُرُوحِ العُلَمَاءِ الأَفَاضِلِ -قَدِيمًا وَحَدِيثًا- المَعْرُوفِينَ بِسَلَامَةِ المَنْهَجِ وَرُسُوخِ العِلْمِ وَبُعْدِ النَّظَرِ (^٣).\n_________\n(^١) وَمِنْ هَذِهِ الفَوَائِدِ جُمْلَةٌ وَاسِعَةٌ مِنَ المَسَائِلِ المُتَعَلِّقَةِ، وَهَذِهِ المَسَائِلُ هِيَ غَيرُ مَسَائِلِ المُصَنِّفِ المُخْتَصَرَةِ الَّتِي أتْبَعَهَا المُصَنِّفُ لِمَتْنِ البَابِ، أَمَّا مَسَائِلِي الخَاصَّةُ فِي هَذَا الكِتَابِ؛ فَقَدْ جَعَلْتُهَا قِسْمَينِ:\nالقِسْمَ الأَوَّلَ: المَسَائِلُ الَّتِي أَجْعَلُهَا فِي أَوَاخِرِ شُرُوحِ الأَبْوَابِ.\nالقِسْمَ الثَّانِي: المَلَاحِقُ المُسْتَقِلَّةُ عَنِ الأَبْوَابِ، وَهِيَ تَتَضَمَّنُ مُلَخَّصَاتٍ لِبَعْضِ الكُتُبِ، وَمِنْهَا مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ جُزْءًا يَسِيرًا فِي بَابِهِ، وَسَأَذْكُرُ هَذِهِ المَلَاحِقَ قَرِيبًا.\n(^٢) مُعْظَمُ تَحْقِيقِ الحَدِيثِ فِي هَذَا الشَّرْحِ هُوَ مِنْ مُصَنَّفَاتِ الشَّيخِ الإِمَامِ الأَلْبَانِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.\n(^٣) وَأَخُصُّ بِالذِّكْرِ الشَّيخَ الفَاضِلَ الإِمَامَ العَلَّامَةَ ابْنَ عُثَيمِين ﵀، فَقَدْ نَفَعَنِي اللهُ بِهِ كَثِيرًا.","vol":"1","page":6},{"text":"عَلَى أَنَّنِي أَعْتَقِدُ أَنَّنِي -إِنْ شَاءَ اللهُ- قَدْ وُفِّقْتُ مِنَ اللهِ تَعَالَى فِي اسْتِيعَابِ فَوَائِدَ وَمَسَائِلَ تَمَسُّ الحَاجَةُ إِلَيهَا فِي كُلِّ بَابٍ؛ لَعَلَّهَا لَمْ تُجْمَعْ فِي شَرْحٍ وَاحِدٍ مِنْ شُرُوحِ كِتَابِ التَّوحِيدِ.\nوَقَدْ أَضَفْتُ إِلَى شَرْحِ الكِتَابِ -فِي مَوَاضِعَ مُنَاسِبَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ- بَعْضَ المُلْحَقَاتِ المُفِيدَةِ؛ التَي يَنْدُرُ الوُصُولُ إِلَى مِثْلَ فَائِدَتِهَا -بِفَضْلِ اللهِ- تَتْمِيمًا لِلمَنْفَعَةِ لِمِثْلِ هَذَا الكِتَابِ المُبَارَكِ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَهَذِهِ المُلْحَقَاتُ هِيَ:\nالمُلْحَقُ الأَوَّلُ: مَقَدِّمَةٌ عَلَى كِتَابِ التَّوحِيدِ.\nالمُلْحَقُ الثَّانِي: قَوَاعِدُ ومَسَائِلُ فِي التَّبَرُّكِ وَالبَرَكَةِ.\nالمُلْحَقُ الثَّالِثُ: مُخْتَصَرُ الآيَاتِ البَيِّنَاتِ فِي عَدَمِ سَمَاعِ الأَمْوَاتِ.\nالمُلْحَقُ الرَّابِعُ: مُخْتَصَرُ تَحْذِيرِ السَّاجِدِ مِنِ اتِّخَاذِ القُبُورِ مَسَاجِد.\nالمُلْحَقُ الخَامِسُ: فَوَائِدُ وَمَسَائِلُ عَلَى بَابِ مَا جَاءَ فِي السِّحْرِ.\nالمُلْحَقُ السَّادِسُ: مَسَائِلُ عِلْمِ الغَيبِ.\nالمُلْحَقُ السَّابِعُ: مُخْتَصَرُ القَوَاعِدِ المُثْلَى.\nالمُلْحَقُ الثَّامِنُ: مُخْتَصَرُ كِتَابِ (التَّوَسُّلُ: أَنْوَاعُهُ، أَحْكَامُهُ).\nالمُلْحَقُ التَّاسِعُ: مَسَائِلُ الإِيمَانِ بِالقَدَرِ.\nالمُلْحَقُ العَاشِرُ: لَمْحَةٌ عَنِ الفِرَقِ الضَّالَّةِ فِي العَقِيدَةِ.\nالمُلْحَقُ الحَادِيَ عَشَرَ: مَسَائِلُ فِي أَحْكَامِ الصُّوَرِ وَالتَّصْوِيرِ.\nالمُلْحَقُ الثَّانِيَ عَشَرَ: مُخْتَصَرٌ فِي الرَّدِّ عَلَى أَبْيَاتٍ مِنَ البُرْدَةِ لِلبُوصِيرِيِّ.\nالمُلْحَقُ الثَّالِثَ عَشَرَ: رَدُّ شُبُهَاتِ المُشْرِكِينَ.","vol":"1","page":7},{"text":"وَأَخِيرًا أَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى إِجَابَتِي دَعْوَةً كَدَعْوَةِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ ﵊ ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إِبْرَاهِيم: ٤٠ - ٤١].\n\nوَكَتَبَهُ: أَبُو عَبْدِ اللهِ خُلْدُونُ بْنُ مَحْمُودَ بْنِ نَغَوِي آل حَقُوي (^١).\n_________\n(^١) أُرَحِّبُ بِتَلَقِّي تَعْلِيقَاتِ القُرَّاءِ الكِرَامِ عَلَى العُنْوَانِ الإِلِكتْرُوني:  Naghwi@gmail.com","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3>التَّعْرِيفُ بِمُصَنِّفِ كِتَابِ التَّوحِيدِ </span>(^١):\nهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ بْنِ سُلَيمَانَ التَّمِيمِيُّ النَّجْدِيُّ، زَعِيمُ النَّهْضَةِ الدِّينِيَّةِ الإِصْلَاحِيَّةِ الحَدِيثَةِ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ (^٢)، وُلِدَ عَامَ (١١١٥ هـ)، وَتُوُفِّيَ عَامَ (١٢٠٦ هـ).\nوُلِدَ وَنَشَأَ فِي العُيَينَةِ بِنَجْدٍ، وَرَحَلَ مَرَّتَينِ إِلَى الحِجَازِ، فَمَكَثَ فِي المَدِينَةِ مُدَّةً قَرَأَ بِهَا عَلَى بَعْضِ أَعْلَامِهَا، وَزَارَ الشَّامَ، وَدَخَلَ البَصْرَةَ فَأُوذِيَ فِيهَا، وَعَادَ إِلَى نَجْدٍ؛ فَسَكَنَ حُرَيمِلَاءَ، وَكَانَ أَبُوهُ قَاضِيهَا بَعْدَ العُيَينَةِ.\nثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى العُيَينَةِ نَاهِجًا مَنْهَجَ السَّلَفِ الصَّالِحِ، دَاعِيًا إِلَى التَّوحِيدِ الخَالِصِ وَنَبْذِ البِدَعِ وَتَحْطِيمِ مَا عَلَقَ بِالإِسْلَامِ مِنْ أَوهَامٍ (^٣)، وَارْتَاحَ أَمِيرُ العُيَينَةِ: عُثْمَانُ بْنُ\n_________\n(^١) يُنْظَرُ: كِتَابُ (الأَعْلَامُ) لِلزِّرِكْلِيِّ (٦/ ٢٥٧).\n(^٢) قَالَ عَنْهُ الشَّيخُ وَهْبَةُ الزُّحَيلِيُّ حَفِظَهُ اللهُ -الأُسْتَاذُ فِي كُلِّيَّةِ الشَّرِيعَةِ فِي جَامِعَةِ دِمَشْقَ-: \"كَانَ مِنْ أَجْرَأِ أَصْوَاتِ الحَقِّ، وَأَكْبَرِ دُعَاةِ الإِصْلَاحِ وَالبِنَاءِ وَالجِهَادِ لِإِعَادَةِ تَمَاسُكِ الشَّخْصِيَّةِ الإِسْلَامِيَّةِ وَإِعَادَتِهَا لِمَنْهَجِ السَّلَفِ الصَّالِحِ: دَعْوَةُ الشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ فِي القَرْنِ الثَّانِي عَشَر الهِجْرِيِّ -الثَّامِنِ عَشَر المِيلَادِي- لِتَجْدِيدِ الحَيَاةِ الإِسْلَامِيَّةِ بَعْدَمَا شَابَهَا فِي أَوْسَاطِ العَامَّةِ مِنْ خُرَافَاتٍ وَأَوْهَامٍ وَبِدَعٍ وَانْحِرَافَاتٍ، فَكَانَ ابْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ -بِحَقٍّ- زَعِيمَ النَّهْضَةِ الدِّينِيَّةِ الإِصْلَاحِيَّةِ المُنْتَظَرَ، الَّذِي صَحَّحَ مَوَازِينَ العَقِيدَةِ الإِسْلَامِيَّةِ النَّاصِعَةِ، وَأَبَانَ حَقِيقَةَ الوَحْدَانِيَّةِ وَالوَحْدَةِ وَالتَّوْحِيدَ الخَالِصَ للهِ ﷿، وَأَنَّ العِبَادَةَ هِيَ التَّوحِيدَ\" إِلَى آخِرِ مَا قَالَ حَفِظَهُ اللهُ. يُنْظَرُ كِتَابُهُ (مَدَى تَأَثُّرِ الدَّعَوَاتِ الإِصْلَاحِيَّةِ الإِسْلَامِيَّةِ بِدَعْوَةِ الشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ) (ص ٢٩٦) ضِمْنَ كِتَابِ (بُحُوثُ أُسْبُوعِ الشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ) جَامِعَةُ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ سُعُود.\n(^٣) وَفِي مُعْجَمُ المُؤَلِّفِينَ (١٠/ ٢٦٩) لِعُمَر كَحَّالَة: \"وَقَامَ بِالدَّعْوَةِ إِلَى العَقِيدَةِ السَّلَفِيَّةِ وَالعَمَلِ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ\".","vol":"1","page":9},{"text":"حَمَدِ بْنِ مَعْمَرِ إِلَى دَعْوَتِهِ فَنَاصَرَهُ، ثُمَّ خَذَلَهُ (^١)، فَقَصَدَ الدَّرْعِيَّةَ بِنَجْدٍ سَنَةَ (١١٥٧ هـ)، فَتَلَقَّاهُ أَمِيرُهَا مُحَمَّدُ بْنُ سُعُودٍ بِالإِكْرَامِ، وَقَبِلَ دَعْوَتَهُ وَآزَرَهُ، كَمَا آزَرَهُ مِنْ بَعْدِهِ ابْنُهُ عَبْدُ العَزِيزِ، ثُمَّ سُعُودُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وَقَاتَلُوا مِنْ خَلْفِهِ، وكَانَتْ دَعْوَتُهُ الشُّعْلَةَ الأُولَى لِليَقَظَةِ الحَدِيثَةِ فِي العَالَمِ الإِسْلَامِيِّ كُلِّهِ، تَأَثَّرَ بِهَا رِجَالُ الإِصْلَاحِ فِي الهِنْدِ وَمِصْرَ وَالعِرَاقِ وَالشَّامِ وَغَيرِهَا، وَعُرِفَ مَنْ وَالَاهُ وَشَدَّ أَزْرَهُ فِي قَلْبِ الجَزِيرَةِ بِـ (أَهْلِ التَّوحِيدِ) وَ(إِخْوَانِ مَنْ أَطَاعَ اللهَ)، وَسَمَّاهُم خُصُومُهُم بِالوَهَّابِيِّينَ، وَشَاعَتِ التَّسْمِيَةُ الأَخِيرَةُ عِنْدَ الأَورُبِّيِّينَ فَدَخَلَتْ مَعاجِمَهُمُ الحَدِيثَةَ، وَأَخْطَأَ بَعْضُهُم فَجَعَلَهَا مَذْهَبًا جَدِيدًا فِي الإِسْلَامِ تَبَعًا لِمَا افْتَرَاهُ خُصُومُهُ وَلَا سِيَّمَا دُعَاةُ مَنْ كَانُوا يَتَلَقَّبُونَ بِالخُلَفَاءِ مِنَ التُّرْكِ.\nوَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي الدَّرْعِيَّةِ، وَأَحْفَادُهُ اليَومَ يُعْرَفُونَ بِبَيتِ (الشَّيخِ)، وَلَهُمْ مَقَامٌ رَفِيعُ عِنْدَ آلِ سُعُودٍ.\nوَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ أَكْثَرُهَا رَسَائِلُ مَطْبُوعَةٌ، مِنْهَا (كِتَابُ التَّوحِيدِ) (^٢)، وَرِسَالَةُ (كَشْفُ الشُّبُهَاتِ)، وَ(تَفْسِيرُ الفَاتِحَةِ)، وَ(أُصُولُ الإِيمَانِ)، وَ(تَفْسِيرُ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وَغَيرُهَا (^٣).\n_________\n(^١) أَيضًا مِمَّنْ خَذَلَهُ: أَخُوْهُ سُلَيمَانُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، لَكِنَّهُ تَابَ وَرَجَعَ وَأَظْهَرَ النَّدَمَ. يُنْظَرُ: كِتَابُ (الأَعْلَامُ) لِلزِّرِكْلِيِّ (٣/ ١٣٠).\n(^٢) وَمِنْ أَبْرَزِ مَنْ شَرَحَهُ: حَفِيدُهُ؛ الشَّيخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنِ بْنِ مَحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ المَجِيدُ) (ت ١٢٨٥ هـ).\n(^٣) وَانْقُلُ أَيضًا عَنِ المُؤَرِّخِ رَاغِبِ السّرْجَانِيِّ حَفِظَهُ اللهُ جُمْلَةً مِنَ العِبَارَاتِ فِي بَيَانِ حَالِ الشَّيخِ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ ﵀، مِنْهَا:\n\"دَرَسَ الإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ القُرْآنَ وَالحَدِيثَ وَالمَذَاهِبَ الأَرْبَعَةَ مِنْ مَذَاهِبِ أَهْلِ السُّنَّةِ،\n=","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4>العُذْرُ بِالجَهْلِ عِنْدَ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ </span>﵀، وَمَوقِفُهُ مَعَ مَنْ خَالَفَهُ\nوَبَيَانُ هَذِهِ المَسْأَلَةِ إِنَّمَا نَجْعَلُهُ مِنْ خَاصَّةِ كَلَامِهِ ﵀:\nقَالَ ﵀: \"وَأَمَّا الكَذِبُ وَالبُهْتَانُ؛ فِمِثْلُ قَولِهِم: إِنَّا نُكَفِّرُ ِبالعُمُومِ! وَنُوجِبُ الهِجْرَةَ إِلَينَا عَلَى مَنْ قَدِرَ عَلَى إِظْهَارِ دِينِهِ! وَإِنَّا نُكَفِّرُ مَنْ لَمْ يَكْفُرْ وَمَنْ لَمْ يُقاتِلْ! وَمِثْلُ\n_________\n=\nكَمَا دَرَسَ مَذَاهِبَ غَيرِهِم كَالشِّيعَةِ، وَلَمْ يَفُتْهُ عِلْمُ الكَلَامِ؛ فَقَدْ دَرَسَهُ وَاتَّخَذَ مَعَهُ سَبِيلَ السَّلَفِ الصَّالِحِ؛ فَاسْتَنْكَرَ مُصْطَلَحَاتِ عُلَمَاءِ الكَلَامِ وَأُسْلُوبَهُم فِي النَّفْي وَالإِثْبَاتِ، وَاسْتَنْكَرَ طَرِيقَةَ الكَلَامِيِّينَ فِي الجَدَلِ وَالمَنْطِقِ؛ لِأَنَّهَا مَزْلَقَةٌ وَمَضَلَّةٌ\".\nوَقَالَ أَيضًا: \"وَمَعْ غَزَارَةِ العِلْمِ، وَإِلْحَاحٍ فِي الطَّلَبِ وَالسَّعْي مِنْ أَجْلِهِ؛ فَإِنَّ الشَّيخَ لَمْ يَكُنْ صَاحِبَ تَرَفٍ فِكْرِيٍّ، أَوْ عِلْمٍ دُونَ عَمَلٍ! فَوَاقِعُ حَيَاةِ الرَّجُلِ وَأَخْبَارِهِ وَمَا حَقَّقَتْهُ دَعْوَتُهُ تُؤَكِّدُ أَنَّهُ كَانَ مِنَ العُلَمَاءِ العَامِلِينَ، بَلْ كَانَ يَحُضُّ أَنْصَارَهُ عَلَى ضَرُورَةِ تَحَلِّيهِم بِالعِلْمِ وَالعَمَلِ.\nلَقَدِ افْتَرَى الكَثِيرُونَ عَلَى عِلْمِ الإِمَامِ وَعَقِيدَتِهِ، فَأَوْرَدُوا شُبَهًا خَطِيرَةً تُحَرِّفُ الحَقِيقَةَ، وَتَدَّعِي البَاطِلَ، وَمِنْ ثَمَّ دَفَعَ هَذَا الأَمْرُ الإِمَامَ إِلَى بَيَانِ عَقِيدَتِهِ الَّتِي يَدِينُ بِهَا، وَالَّتِي نَسْتَشِفُّهَا مِنْ رَسَائِلِهِ الكَثِيرَةِ\".\nوَقَالَ أَيضًا: \"أُثِرَ عَنِ الشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ لِينَهُ فِي خِطَابِهِ مَعَ المُخَالِفِينَ، وَشَفَقَتُهُ فِي مُنَاصَحَةِ الجَاهِلِينَ.\nوَدَائِمًا مَا تَقَبَّلَ الشَّيخُ اللَّومَ وَالعِتَابَ، بَلْ وَالهُجُومَ عَلَى شَخْصِهِ وَدَعْوَتِهِ بِنَفْسٍ رَاضِيَةٍ وَادِعَةٍ؛ فَلَا يَرُدُّ الإِسَاءَةَ بِمِثْلِهَا، بَلْ يَرُدُّ الإِسَاءَةَ بِإِحْسَانٍ، وَقَدْ حَوَتْ مُكَاتَبَاتُهُ وَمُرَاسَلَاتُهُ مِنْ هَذَا الأَمْرِ الكَثِيرَ.\nكَاتَبَ الشَّيخُ -عِنْدَمَا اسْتَقَرَّ فِي الدَّرْعِيَّةِ- بِدَعْوَتِهِ أَهْلَ البُلْدَانِ وَرُؤَسَاءَهُم وَمُدَّعِي العِلْمِ فِيهِم، فَمِنْهُم مَنْ قَبِلَ الحَقَّ وَاتَّبَعَهُ، وَمِنْهُم مَنِ اتَّخَذَهُ سُخْرِيًا وَاسْتَهْزَءُوا بِهِ، وَنَسَبُوهُ إِلَى الجَهْلِ تَارَةً، وَإِلَى السِّحْرِ تَارَةً أُخْرَى، وَرَمَوهُ بِأَشْيَاءَ هُوَ بَرِيءٌ مِنْهَا جَمِيعًا، وَبَقِيَ يَدْعُو رَبَّهُ بِالحُجَّةِ الوَاضِحَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ، فَلَمْ يُبَادِرْ أَحَدًا بِالتَّكْفِيرِ، وَلَمْ يَبْدَأْ أَحَدًا بِالعُدْوَانِ، بَلْ تَوَقَّفَ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ وَرَعًا مِنْهُ وَأَمَلًا فِي أَنْ يَهْدِيَ اللهُ الضَّالِينَ\". يُنْظَرُ كِتَابُ (قِصَّةِ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ) لِلْمُؤَرِّخِ رَاغِبِ السّرْجَانيِّ حَفِظَهُ اللهُ.","vol":"1","page":11},{"text":"هَذَا وَأَضْعَافُ أَضْعَافِهِ؛ فَكُلُّ هَذَا مِنَ الكَذِبِ وَالبُهْتَانِ الَّذِي يَصُدُّونَ بِهِ النَّاسَ عَنْ دِينِ اللهِ وَرَسُولِهِ.\nوَإِذَا كُنَّا لَا نُكَفِّرُ مَنْ عَبَدَ الصَّنَمَ الَّذِي عَلَى عَبْدِ القَادِرِ (^١)؛ وَالصَّنَمَ الَّذِي عَلَى قَبْرِ أَحْمَدِ البَدَوِيِّ وَأَمْثَالِهِمَا لِأَجْلِ جَهْلِهِم وَعَدَمِ مَنْ يُنبِّهُهُم؛ فَكَيفَ نُكَفِّرُ مَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللهِ إِذَا لَمْ يُهَاجِرْ إِلَينَا، أَوْ لَمْ يَكْفُرْ ويُقاتِلْ؟! سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ\" (^٢).\nوَقَالَ أَيضًا ﵀: \"وَأَمَّا مَا ذَكَرَ الأَعْدَاءُ عَنِّي: أَنِّي أُكَفِّرُ بِالظَّنِّ وَبِالمُوَالَاةِ! أَوْ أُكَفِّرُ الجَاهِلَ الَّذِي لَمْ تَقُمْ عَلَيهِ الحُجَّةُ! فَهَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ يُرِيدُونَ بِهِ تَنْفِيرَ النَّاسِ عَنْ دِينِ اللهِ وَرَسُولِهِ\" (^٣).\nوَقَالَ أَيضًا ﵀: \"وَكَذَلِكَ تَمْوِيهُهُ عَلَى الطُّغَامِ: بِأَنَّ ابْنَ عَبْدِ الوَهَّابِ يَقُولُ: الَّذِي مَا يَدْخُلُ تَحْتَ طَاعَتِي كَافِرٌ!! وَنَقُولُ: سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ! بَلْ نُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا يَعْلَمُهُ مِنْ قُلُوبِنَا؛ بِأَنَّ مَنْ عَمِلَ بِالتَّوحِيدِ، وَتَبَرَّأَ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ؛ فَهُوَ المُسْلِمُ فِي أَيِّ زَمَانٍ وَأَيِّ مَكَانٍ.\nوَإِنَّمَا نُكَفِّرُ مَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ فِي إِلَهِيَّتِهِ بَعْدَمَا نُبَيِّنُ َلُه الحُجَّةَ عَلَى بُطْلَانِ الشِّرْكِ، وَكَذَلِكَ نُكَفِّرُ مَنْ حَسَّنَهُ لِلْنَّاسِ، أَوْ أَقَامَ الشُّبَهَ البَاطِلَةَ عَلَى إِبَاحَتِهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ قَامَ بِسَيْفِهِ دُونَ هَذِهِ المَشَاهِدِ الَّتِي يُشْرَكُ بِاللهِ عِنْدَهَا وَقَاتَلَ مَنْ أَنْكَرَهَا وَسَعَى فِي إِزَالَتِهَا\" (^٤).\n_________\n(^١) يَقْصِدُ القُبَّةَ المَبْنِيَّةَ عَلَى الضَّرِيحِ.\n(^٢) الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ فِي الأَجْوِبَةِ النَّجْدِيَّةِ (١/ ١٠٤).\n(^٣) الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ فِي الأَجْوِبَةِ النَّجْدِيَّةِ (١٠/ ١١٣).\n(^٤) الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ فِي الأَجْوِبَةِ النَّجْدِيَّةِ (١٠/ ١٢٨).","vol":"1","page":12},{"text":"وَقَالَ أَيضًا ﵀: \"وَأَمَّا التَّكْفِيرُ؛ فَأَنَا أُكَفِّرُ مَنْ عَرَفَ دِيْنَ الرَّسُولِ ثُمَّ بَعْدَمَا عَرَفَه سَبَّهُ وَنَهَى النَّاسَ عَنْهُ؛ وَعَادَى مَنْ فَعَلَهُ؛ فَهَذَا هُوَ الَّذِي أُكَفِّرُ، وَأَكْثَرُ الأُمَّةِ -وَللهِ الحَمْدُ- لَيسُوا كَذَلِكَ.\nوَأَمَّا القِتَالُ؛ فَلَمْ نُقَاتِلْ أَحَدًا -إِلَى اليَومِ- إِلَّا دُونَ النَّفْسِ وَالحُرْمَةِ، وَهُمْ الَّذِين أَتَونَا فِي دِيَارِنَا، وَلَا أَبْقَوا مُمْكِنًا! وَلَكِنْ قَدْ نُقَاتِلُ بَعْضَهُم عَلَى سَبِيلِ المُقَابَلَةِ، ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشُّورَى: ٤٠].\nوَكَذَلِكَ مَنْ جَاهَرَ بِسَبِّ دِينِ الرَّسُولِ بَعْدَمَا عُرِّفَ؛ فَإِنَّا نُبَيِّنُ لَكُم أَنَّ هَذَا هُوَ الحقُّ الَّذِي لَا رَيبَ فِيهِ؛ وَأَنَّ الوَاجِبَ إِشَاعَتُهُ فِي النَّاسِ وَتَعْلِيمُهُ النِّسَاءَ وَالرِّجَالَ\" (^١).\nثَنَاءُ العُلَمَاءِ عَلَى كِتَابِ التَّوحِيدِ\nقَالَ الشَّيخُ عَبْدُ الرَّحْمَن ِبْنُ حَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ ﵀: \"جَمَعَ عَلَى اخْتِصَارِهِ خَيرًا كثيرًا، وَضَمَّنَهُ مِنْ أَدِلَّةِ التَّوحِيدِ مَا يَكْفِي مَنْ وَفَّقَهُ اللهُ، وَبَيَّنَ فِيهِ الأَدِلَّةَ فِي بَيَانِ الشِّرْكِ الَّذِي لَا يَغْفِرُهُ اللهُ\" (^٢).\nوَقَالَ العَلَّامَةُ المُؤَرِّخُ ابْنُ بِشْرٍ ﵀ فِي \"عُنْوَانُ المَجْدِ\": \"مَا وَضَعَ المُصَنِّفُونَ فِي فَنِّهِ أَحْسَنَ مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ أَحْسَنَ فِيهِ وَأَجَادَ، وَبَلَغَ الغَايَةَ وَالمُرَادَ\" (^٣).\nوَأَوْصَى الشَّيخُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ آلُ الشَّيخِ ﵀ فِي رِسَالَةٍ مِنْهُ إِلَى أَحَدِ القُضَاةِ فَقَالَ: \"وَعَلَيكَ بِصِفَتِكَ مَسْئُولًا عَنْ مَا وَلَّاكَ اللهُ عَلَيهِ أَنْ تُعَيِّنَ وَقْتًا مِنْ أَوْقَاتِكَ\n_________\n(^١) الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ فِي الأَجْوِبَةِ النَّجْدِيَّةِ (١/ ٧٣).\n(^٢) الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ فِي الأَجْوِبَةِ النَّجْدِيَّةِ (٤/ ٣٣٩).\n(^٣) عُنْوَانُ المَجْدِ (١/ ٩٢).","vol":"1","page":13},{"text":"تَجْلِسُ فِيهِ فِي السُّوقِ يُقْرَأُ عَلَيكَ فِي كِتَابِ التَّوحِيدِ وَتَتَكَلَّمُ عَلَيهِ بِمَا تَيَسَّرَ\" (^١).\nوَقَالَ الإِمَامُ المُحَدِّثُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: \"يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ كُتُبُ إِمَامِ الدَّعْوَةِ وَمُجَدِّدِ دَعْوَةِ التَّوحِيدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ ﵀؛ فَكُتُبُهُ أَيضًا فِي هَذَا المَجَالِ بِمَنْزِلَةِ الكُتُبِ الَّتِي لَا مَثِيلَ لَهَا، فَإِنَّهُ ﵀ قَدْ لَخَّصَ عَقِيدَةَ السَّلَفِ فِي كِتَابِ التَّوحِيدِ المَعْرُوفِ بِهِ، وَالوَاقِعُ أَنَّ هَذَا الكِتَابَ لَهُ أَثَرٌ طَيِّبٌ جِدًّا لَيسَ فِي البِلَادِ السَّعَودِيَّةِ فَقَط! بَلْ وَفِي كَثِيرٍ مِنَ البِلَادِ الإِسْلَامِيَّةِ، فَقَدْ أَخَذَ المُسْلِمُونَ يَتَعَرَّفُونَ عَلَى هَذِهِ الدَّعْوَةِ -دَعْوَةِ التَّوحِيدِ الخَالِصَةِ للهِ ﷿ مِنَ الكُتُبِ الَّتِي يَطْبَعُهَا عُلَمَاءُ هَذِهِ المَمْلَكَةِ سَوَاءً مَا كَانَ مِنْهَا مِنْ كُتُبِ الشَّيخِ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ شُرُوحِ كُتُبِهِ الكَثِيرَةِ\" (^٢).\nوَقَالَ الشَّيخُ عَبْدُ المُحْسِنِ العَبَّادُ حَفِظَهُ اللهُ: \"كِتَابُ التَّوحِيدِ -الَّذِي هُوَ حَقُّ اللهِ عَلَى العَبِيدِ- هُوَ أَهَمُّ وَأَوْسَعُ كُتُبِ الشَّيخِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي العَقِيدَةِ\" إِلَى أَنْ قَالَ -حَفِظَهُ اللهُ-: \"وَمِنْ مَنْهَجِهِ فِي تَأْلِيفَهِ أَنَّ الكِتَابَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ يَسُوقُ فِيهِ الشَّيخُ الإِمَامُ آيَاتٍ وَأَحَادِيثَ وَآثَارًا عَنْ سَلَفِ هَذِهِ الأُمَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُم مِمَّنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِم وَطَرِيقَتِهِم\" (^٣).\n_________\n(^١) مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ الشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ آلِ الشَّيخِ ﵀ (رَقَم ٤٥٤٩).\n(^٢) انْظُرْ أَشْرِطَةَ \"فَتَاوَى مُتَفَرِّقَةٌ\" (شَرِيط ٢٠٢) مِنْ فَتَاوَى الشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.\n(^٣) مَنْهَجُ شَيخِ الإِسْلَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ فِي التَّأْلِيفِ (ص ١٤).","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5>المُلْحَقُ الأَوَّلُ عَلَى كِتَابِ التَّوحِيدِ: مَقَدِّمَةٌ عَلَى كِتَابِ التَّوحِيدِ</span>\n- التَّوحِيدُ: هُوَ جَعْلُ الشَّيءِ وَاحِدًا (^١).\n- التَّوحِيدُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ، وَهِيَ مَجْمُوعَةٌ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مَرْيَم: ٦٥].\nوَهَذِهِ الأَنْوَاعُ هِيَ:\n١ - تَوحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ: وَمَعْنَاهُ تَوحِيدُ اللهِ بِأَفْعَالِهِ، وَأُصُولُهَا: الخَلْقُ وَالمُلْكُ وَالتَّدْبِيرُ.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يُونُس: ٣١] (^٢).\n_________\n(^١) قَالَ الزُّبَيدِيُّ ﵀ (ت ١٢٠٥ هـ) فِي كِتَابِهِ تَاجُ العَرُوسِ (٩/ ٢٧٦): \"التَّوحِيدُ تَوحِيدَانِ، تَوحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ وَتَوحِيدُ الإِلَهِيَّةِ.\nفَصَاحِبُ تَوحِيدِ الرَّبَّانِيَّةِ يَشْهَدُ قَيُّومِيَّةَ الرَّبِ فَوقَ عَرْشِهِ، يُدَبِّرُ أَمْرَ عِبَادِهِ وَحْدَهُ، فَلَا خَالِقَ وَلَا رَازِقَ وَلَا مُعْطِيَ وَلَا مَانِعَ وَلَا مُحْييَ وَلَا مُمِيتَ وَلَا مُدَبِّرَ لِأَمْرِ المَمْلَكَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا غَيرُهُ، فَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَلَا تَتَحَرَّكُ ذَرَّةٌ إِلَّا بإِذْنِهِ، وَلَا يَجُوزُ حَادِثٌ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ، وَلَا تَسْقُطُ وَرَقَةٌ إِلَّا بِعِلْمِهِ، وَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا وَقَدْ أَحْصَاهَا عِلْمُهُ وَأَحَاطَتْ بِهَا قُدْرَتُهُ وَنَفَذَتْ فِيهَا مَشِيئَتُهُ وَاقْتَضَتْهَا حِكْمَتُهُ.\nوَأَمَّا تَوحِيدُ الإِلَهِيَّةِ فَهُوَ أنْ يَجْمَعَ هِمَّتَهُ وَقَلْبَهُ وَعَزْمَهُ وَإِرَادَتَهُ وَحَرَكاتِهِ عَلَى أَدَاءِ حَقِّهِ وَالقِيَامِ بِعُبُودِيَّتِهِ\".\n(^٢) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٤/ ٢٦٧): \" ﴿فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ أَي: أَفَلَا تَخَافُونَ مِنْهُ أَنْ\n=","vol":"1","page":15},{"text":"٢ - تَوحِيدُ الأُلُوهِيَّةِ (^١) أَو تَوحِيدُ العِبَادَةِ (^٢): وَمَعْنَاهُ جَعْلُ العِبَادَةِ للهِ وَحْدَهُ.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [لُقْمَان: ٣٠].\nوَقَالَ تَعَالَى أَيضًا: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإِسْرَاء: ٢٢].\nوَإِنَّ تَحْقِيقَ الإِيمَانِ بِاللهِ تَعَالَى يَكُونُ بِإِفْرَادِ اللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ بِالعِبَادَةِ مِنْ صَلَاةٍ وَدُعَاءٍ وَذَبْحٍ وَنَذْرٍ وَتَوَكُّلٍ وَرَغْبَةٍ وَرَهْبَةٍ وَمَحَبَّةٍ وَ…، فَمَنْ صَرَفَ شَيئًا مِنْهَا لِغَيرِ اللهِ تَعَالَى فَهُوَ مُشْرِكٌ بِهِ سُبْحَانَهُ.\nوَإِنَّ المُشْرِكِينَ الأَوَائِلَ لَمْ يَكُنْ شِرْكُهُم هُوَ بِاعْتِقَادِ خَالِقٍ أَو رَازِقٍ أَو نَافِعٍ أَو ضَارٍّ مَعَ اللهِ تَعَالَى -كَمَا يَظُنُّ ذَلِكَ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ بِالقُرْآنِ- (^٣)، وَإِنَّمَا كَانَ شِرْكُهُم\n_________\n=\nتَعْبُدُوا مَعَهُ غَيرَهُ بِآرَائِكُم وَجَهْلِكُم؟!\nوَقَولُهُ: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ أَي: فَهَذَا الَّذِي اعْتَرَفْتُم بِأَنَّهُ فَاعِلُ ذَلِكَ كُلِّهِ هُوَ رَبُّكُم وَإِلَهُكُم الحَقُّ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُفْرَدَ بِالعِبَادَةِ، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ أَي: فَكُلُّ مَعْبُودٍ سِوَاهُ بَاطِلٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ\".\n(^١) قَالَ فِي القَامُوسِ المُحِيطِ (ص ١٢٤٢): \"أَلَهَ إِلَاهَةً وَأُلُوهَةً وَأُلُوهِيَّةً: عَبَدَ عِبَادَةً، وَمِنْهُ لَفْظُ الجَلَالَةِ\".\nوَقَالَ فِي لِسَانِ العَرَبِ (١٣/ ٤٦٧): \" (ألَهَ) الإلَهُ: اللهُ ﷿، وكُلُّ مَا اتُخِذَ مِنْ دُونِهِ مَعْبُودًا: إلَهٌ عِنْدَ مُتَّخِذِهِ، وَالجَمْعُ آلِهَةٌ، وَالآلِهَةُ: الأَصْنَامُ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِاعْتِقَادِهِم أَنَّ العِبَادَةَ تَحُقُّ لَهَا، وَأَسْمَاؤُهُم تَتْبَعُ اعْتِقَادَاتِهِم لَا مَا عَلَيهِ الشَّيءُ فِي نَفْسِهِ\".\n(^٢) هَذَا النَّوعُ مِنَ التَّوحِيدِ يَكُونُ اسْمُهُ بِاعْتِبَارَينِ:\nفَبِاعْتِبَارِ إِضَافَتِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى يُسمَّى: تَوحِيدَ الأُلُوهِيَّةِ، فَلَا إلَهَ حَقٌّ إِلَّا هُوَ، وَبِاعْتِبَارِ إِضَافَتِهِ إِلَى العِبَادِ يُسمَّى: تَوحِيدَ العِبَادَةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ لَا تَعْبُدَ غَيرَهُ.\nقَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (ص ٥٠٣): \"فَالأُلُوهِيَّةُ وَصْفُهُ تَعَالَى، وَالعُبُودِيَّةُ وَصْفُ عَبْدِهِ\".\n(^٣) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى\n=","vol":"1","page":16},{"text":"هُوَ بِاتِّخَاذِ الوَسَائِطِ وَالشُّفَعَاءِ بَينَهُم وَبَينَ اللهِ تَعَالَى (^١)؛ حَيثُ تَعَلَّقُوا بِهِم فَدَعَوهُم وَاسْتَغَاثُوا بِهِم، وَهُمْ \"لَا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ هَذِهِ الأَصْنَامَ تَنْفَعُهُمْ أَو تَضُرُّهُمْ بِذَاتِهَا! وَلَا أَنَّهَا تَخْلُقُ! وَلَا أَنَّهَا تَرْزُقُ! لَكِنْ يَدَّعُونَ أَنَّهُم اتَّخَذُوهَا وَسِيلَةً\" (^٢).\n٣ - تَوحِيدُ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ: وَمَعْنَاهُ أَنْ يَعْتَقِدَ العَبْدُ أَنَّ اللهَ ﷻ وَاحِدٌ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَلَا مُمَاثِلَ لَهُ فِيهِمَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشُّورَى: ١١] (^٣).\n_________\n=\nيُؤْفَكُونَ﴾ [العَنْكَبُوت: ٦١].\nوقَالَ تَعَالَى أَيضًا: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يُونُس: ٣١ - ٣٢].\n(^١) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يُونُس: ١٨].\n(^٢) تَفْسِيرُ سُورَةِ الزُّمَرْ لِابْنِ عُثَيمِين (ص ٣٠).\nوَقَالَ الفَخْرُ الرَّازِي ﵀: \"وَحَاصِلُ الكَلَامِ لِعُبَّادِ الأَصْنَامِ أَنْ قَالُوا: إِنَّ الإِلَهَ الأَعْظَمَ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يَعْبُدَه البَشَرُ، لَكِنَّ اللَّائِقَ بِالبَشَرِ أَنْ يَشْتَغِلُوا بِعِبَادَةِ الأَكَابِرِ مِن عِبَادِ اللهِ مِثْلِ الكَوَاكِبِ، وَمِثْلِ الأَرْوَاحِ السَّمَاوِيَّةِ؛ ثُمَّ إِنَّها تَشْتَغِلُ بِعِبَادَةِ الإِلَهِ الأَكْبَرِ! فَهَذَا هُوَ المُرَادُ مِنْ قَولِهِم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] \". تَفْسِيرُ الرَّازِي (٢٦/ ٤٢١).\n(^٣) فَائِدَةٌ: اشْتِرَاكُ أسْمَاءِ بَعْضِ الصِّفَاتِ بَينَهُ تَعَالَى وَبَينَ بَعْضِ خَلْقِهِ إِنَّمَا هُوَ اشْتِرَاكٌ فِي أَصْلِ الصِّفَةِ وَلَيسَ فِي حَقِيقَتِهَا، فَالكَمَالُ فِيهَا للهِ وَحْدَهُ دُونَ مَنْ سِوَاهُ، فَمَثَلًا المَخْلُوقُ قَدْ يَكُونُ عَزِيزًا مَعْ أَنَّ اللهُ تَعَالَى هُوَ العَزِيزُ؛ لَكِنَّ لِلْمَخْلُوقِ مِنْ صِفَةِ العِزَّةِ مَا يُنَاسِبُ ذَاتَهُ الحَقِيرَةَ الوَضِيعَةَ الفَقِيرَةَ، وَاللهُ جَلَّ وَعَلَا لَهُ مِنْ كَمَالِ هَذِهِ الصِّفَةِ مُنْتَهَى ذَلِكَ، لَيسَ لَهُ فِيهَا مَثِيلٌ، وَلَيسَ لَهُ فِيهَا مُشَابِهٌ عَلَى الوَجْهِ التَّامِّ. وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ لِذَلِكَ فِي مَوضِعِهِ مِنْ شَرْحِ الكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.","vol":"1","page":17},{"text":"وَهَذَا النَّوعُ الأَخِيرُ يَتَضَمَّنُ شَيئَين:\nأ- الإِثْبَاتَ، وَذَلِكَ بِأَنْ نُثْبِتَ للهِ تَعَالَى جَمَيعَ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ الَّتِي أَثْبتَهَا لِنَفْسِهِ فِي كِتَابِهِ أَو سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ.\nب- نَفْيَ المُمَاثَلَةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ لَا نَجْعَلَ للهِ مَثِيلًا فِي تِلْكَ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ.\n\n-<span data-type='title' id=toc-7> وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ أَهْلِ البِدَعِ تَقْسِيمَ التَّوحِيدِ إِلَى هَذِهِ الأَقْسَامِ،</span> وَزَعَمُوا أَنَّ هَذَا خَارِجٌ عَنْ طَرِيقَةِ أَهْلِ الإِسْلَامِ أَصْلًا! وَالرَّدُّ عَلَيهِم هُوَ مِنْ جِهَتَينِ:\n١ - أَنَّهُ لَو غَضَضْنَا الطَّرْفَ عَنِ المُسَمَّيَاتِ وَتَكَلَّمْنَا فِي حَقِيقَةِ المَعْنَى لَوَجَدْنَا الأَمْرَ يَؤُولُ إِلَى هَذِهِ الأَقْسَامِ وَلَابُدَّ -كَمَا سَبَقَ البَيَانُ قَبْلَ قَلِيلٍ-، وَعَلَيهِ فَلَا مُشَاحَّةَ فِي الاصْطِلَاحِ وَالتَّقْسِيمِ طَالَمَا هُوَ حَقٌّ.\n٢ - أَنَّ هَذَا مَعْرُوفٌ فِي كُتُبِ عَقَائِدِ أَهْلِ السُّنَّةِ الأَوَّلِينَ أَصْلًا.\nقَالَ الإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللهِ؛ ابْنُ بَطَّةَ العُكْبُرِيُّ ﵀ (ت ٣٨٧ هـ): \"وَذَلِكَ أَنَّ أَصْلَ الإِيمَانِ بِاللَّهِ -الَّذِي يَجِبُ عَلَى الخَلْقِ اعْتِقَادُهُ فِي إِثْبَاتِ الإِيمَانِ بِهِ- ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ:\nأَحَدُهَا: أَنْ يَعْتَقِدَ العَبْدُ رَبَّانِيَّتَهُ، لِيَكُونَ بِذَلِكَ مُبَايِنًا لِمَذْهَبِ أَهْلِ التَّعْطِيلِ الَّذِينَ لَا يُثْبِتُونَ صَانِعًا.\nالثَّانِي: أَنْ يَعْتَقِدَ وَحْدَانِيَّتَهُ، لِيَكُونَ مُبَايِنًا بِذَلِكَ مَذَاهِبَ أَهْلِ الشِّرْكِ الَّذِينَ أَقَرُّوا بِالصَّانِعِ وَأَشْرَكُوا مَعَهُ فِي العِبَادَةِ غَيرَهُ.\nوَالثَّالِثُ: أَنْ يَعْتَقِدَهُ مَوصُوفًا بِالصِّفَاتِ الَّتِي لَا يَجُوزُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَوصُوفًا بِهَا مِنَ العِلْمِ وَالقُدْرَةِ وَالحِكْمَةِ وَسَائِرِ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ، إِذْ قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يُقِرِّ بِهِ وَيُوَحِّدُهُ بِالقَولِ المُطْلَقِ قَدْ يُلْحِدُ فِي صِفَاتِهِ، فَيَكُونُ إِلْحَادُهُ فِي صِفَاتِهِ","vol":"1","page":18},{"text":"قَادِحًا فِي تَوحِيدِهِ، وَلِأَنَّا نَجِدُ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ خَاطَبَ عِبَادَهُ بِدُعَائِهِمْ إِلَى اعْتِقَادِ كُلِّ وَاحِدَةٍ فِي هَذِهِ الثَّلَاثِ وَالإِيمَانِ بِهَا\" (^١).\nوَإِنَّ مِن آثَارِ هَذَا الإِنْكَارِ أَنَّ عَامَّةَ هَؤُلَاءِ المُنْكِرِينَ يَقَعُونَ فِي الشِّرْكِ بِسَبَبِ جَهْلِهِم هَذَا؛ فَإِنَّ الإِنْسَانَ عَدُوُّ مَا يَجْهَلُ! وَصَدَقَ الخَلِيفَةُ الرَّاشِدُ عُمَرُ الفَارُوقُ ﵁ حَيثُ قَالَ: (قَدْ عَلِمْتُ -وَرَبِّ الْكَعْبَةِ- مَتَى تَهْلِكُ الْعَرَبُ: إِذَا وَلِيَ أَمْرَهُمْ مَنْ لَمْ يَصْحَبِ الرَّسُولَ ﷺ، وَلَمْ يُعَالِجْ أَمْرَ الْجَاهِلِيَّةِ) (^٢).\n\n-<span data-type='title' id=toc-8> لَا بُدَّ فِي شَهَادَةِ (أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) مِنْ سَبْعَةِ شُرُوطٍ،</span> وَهِيَ لَا تَنْفَعُ قَائِلَهَا إِلَّا بِاجْتِمَاعِهَا (^٣):\n١ - العِلْمُ المُنَافِي لِلْجَهْلِ.\n٢ - اليَقِينُ المُنَافِي لِلشَّكِّ.\n٣ - القَبُولُ المُنَافِي لِلرَّدِّ.\n٤ - الانْقِيَادُ المُنَافِي لِلتَّرْكِ.\n٥ - الإِخْلَاصُ المُنَافِي لِلشِّرْكِ.\n_________\n(^١) الإِبَانَةُ الكُبْرَى (٦/ ١٧٢).\nوَيُنْظَرُ أَيضًا: تَفْسِيرُ المَرَاغِي (١٢/ ١٠٢)، التَّفْسِيرُ المُنِيرُ لِلزُّحَيلِيّ (٦/ ١٢).\n(^٢) رَوَاهُ الحَاكِمُ (٨٣١٨) وَصَحَّحَهُ، وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ.\nوَأَمَّا اللَّفْظُ المَشْهُورُ عَنْهُ: (إِنَّمَا تُنْقَضُ عُرَى الْإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً؛ إِذَا نَشَأَ فِي الْإِسْلَامِ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْجَاهِلِيَّةَ) فَلَمْ أَعْثُرْ عَلَيهِ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ شَيخُ الإِسْلَامِ وَابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُمَا اللهُ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ مِن كُتُبِهِم. يُنْظَرُ: مِنْهَاجُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ (٤/ ٥٩٠)، مَدَارِجُ السَّالِكِينَ (١/ ٣٥١).\n(^٣) يُنْظَرُ: (فَتِحُ المَجِيدِ) (ص ٨٣).","vol":"1","page":19},{"text":"٦ - الصِّدْقُ المُنَافِي لِلكَذِبِ.\n٧ - المَحَبَّةُ المُنَافِيَةُ لِضِدِّهَا (^١).\n\n-<span data-type='title' id=toc-9> تُطْلَقُ العِبَادَةُ عَلَى أَحَدِ مَعْنَيَينِ (فِعْلٍ أَوْ وَصْفٍ):</span>\nأ- العِبَادَةُ بِمَعْنَى التَّعَبُّدِ: أَي التَّذَلُّلُ للهِ تَعَالَى وَالخُضُوعُ لَهُ؛ بِفِعْلِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ مَحَبَّةً وَتَعْظِيمًا (^٢).\nب- العِبَادَةُ بِمَعْنَى مَا يُتعبَّدُ بِهِ: هِيَ \"اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ مِنَ الأَقْوَالِ وَالأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ وَالبَاطِنَةِ\" (^٣)؛ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَسَائِرِ أَفْعَالِ الطَّاعَاتِ، فَيَكُونُ بِذَلِكَ دُعَاءُ غَيرِ اللهِ هُوَ كَالصَّلَاةِ لِغَيرِ اللهِ؛ وَذَلِكَ لِكَونِهِمَا عِبَادَةً يُحِبُّهَا اللهُ تَعَالَى.\n- إِنَّ نِزَاعَ أَكْثَرِ الطَّوَائِفِ الكَافِرَةِ المُخَالِفَةِ لِلإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ فِي النَّوعِ الأَوَّلِ\n_________\n(^١) قَالَ الشَّيخُ عَبْدُ اللهِ الغُنَيمَانُ حَفِظَهُ اللهُ فِي شَرْحِ فَتْحِ المَجِيدِ (٢٠/ ٢٢): \"وَيُضَافُ شَرْطٌ ثَامِنٌ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَهُوَ الكُفْرُ بِكُلِّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكْفُرَ بِكُلِّ مَا يُخَالِفُهَا، وَلِذَلِكَ يَقُولُ اللهُ جَلَّ وَعَلَا: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] فَيَبْدَأُ بِالكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ أَولًا\"، وَكَذَا أَضَافَهُ الشَّيخُ الإِمَامُ ابْنُ بَازٍ ﵀ كَمَا فِي مَجْمُوعِ فَتَاوَى ابْنِ بَازٍ (٧/ ٥٧).\nقُلْتُ: إِلَّا أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: إِنَّ هَذَا الشَّرْطَ مُضَمَّنٌ فِيمَا سَبَقَ مِنَ القَبُولِ وَالانْقِيَادِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ هِيَ شُرُوطُ (لَا إِلَهَ إِلَّا الله)، وَلَيسَتْ شُرُوطَ الإِيمَانِ بِأُلُوهِيَّةِ اللهِ فَقَط! فَـ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهَ) مَعْنَاهَا: الإِيمَانُ بِاللهِ وَالكُفْرُ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ أَصْلًا! فَالشَّرْطُ الثَّامِنُ مُضَمَّنٌ فِي المَعْنَى أَصْلًا. وَاللهُ أَعْلَمُ.\n(^٢) قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى (ت ٦٧١ هـ) فِي التَّفْسِيرِ (١/ ٢٢٥): \"وَأَصْلُ العِبَادَةِ الخُضُوعُ وَالتَّذَلُّلُ، يُقَالُ: طَرِيقٌ مُعَبَّدَةٌ إِذَا كَانَتْ مَوطُوءَةً بِالأَقْدَامِ\".\nوَقَالَ أَبُو العَبَّاسِ القُرْطُبِيُّ ﵀ (ت ٦٥٦ هـ) فِي كِتَابِهِ المُفْهِمُ عَلَى مُسْلِمٍ (١/ ١٨١): \"سُمِّيَتْ وَظَائِفُ الشَّرْعِ عَلَى المُكَلَّفِينَ عِبَادَاتٍ؛ لِأَنَّهُمْ يَلْتَزِمُونَهَا وَيَفْعَلُونَهَا خَاضِعِينَ مُتَذَلِّلِينَ للهِ تَعَالَى\".\n(^٣) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (١٠/ ١٤٩).","vol":"1","page":20},{"text":"مِنَ التَّوحِيدِ -وَهُوَ تَوحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ-، وَلَكِنْ فِي تَوحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أُرْسِلَتِ الرُّسُلُ وَأُنْزِلَتِ الكُتُبُ، فَأَكْثَرُ الأُمَمِ الكَافِرَةِ كَانَتْ تُقِرُّ للهِ تَعَالَى بِالخَلْقِ وَالمُلْكِ وَالتَّدْبِيرِ، وَلَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ تُخْلِصُ للهِ تَعَالَى فِي العِبَادَةِ لَهُ وَحْدَهُ، لِذَلِكَ فَإِنَّ الأَمْرَ القُرْآنِيَّ لِلمُشْرِكِينَ بِالعِبَادَةِ يُقْصَدُ بِهِ إِفْرَادُ اللهُ بِالعِبَادَةِ (^١)، لِأَنَّهُم كَانُوا يَعْبُدُونُ اللهَ تَعَالَى وَلَكِنْ يَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيرَهُ؛ فَكَانَ اللهُ تَعَالَى يَحْتَجُّ عَلَى المُشْرِكِينَ بِمَا يُقِرُّونَهُ مِنْ رُبُوبِيَّتِهِ وَحْدَهُ عَلَى مَا يُنْكِرُونَهُ مِنْ أُلُوهِيَّتِهِ وَحْدَهُ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العَنْكَبُوت: ٦١] (^٢).\n\n-<span data-type='title' id=toc-10> أَنْوَاعُ الشِّرْكِ:</span> يُقْسَمُ إِلَى شِرْكٍ أَكْبَرَ، وَشِرْكٍ أَصْغَرَ:\n١ - الشِّرْكُ الأَكْبَرُ: هُوَ أَنْ يَصْرِفَ العَبْدُ نَوعًا أَو فَرْدًا مِنْ أَفْرَادِ العِبَادَةِ لِغَيرِ اللهِ.\nفَكُلُّ اعْتِقَادٍ أَو قَولٍ أَو عَمَلٍ ثَبَتَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ مِنَ الشَّارِعِ للهِ؛ فَصَرْفُهُ للهِ وَحْدَهُ تَوحِيدٌ وَإِيمَانٌ وَإِخْلَاصٌ، وَصَرْفُهُ لِغَيرِهِ شِرْكٌ وَكُفْرٌ (^٣).\n٢ - الشِّرْكُ الأَصْغَرُ: هُوَ كُلُّ وَسِيلَةٍ وَذَرِيعَةٍ يُتَوَصَّلُ مِنْهَا إِلَى الشِّرْكِ الأَكْبَرِ مِنَ\n_________\n(^١) قَالَ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (١/ ٣٦٢): \"وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسَ -فِيمَا رُوِيَ لَنَا عَنْهُ- يَقُولُ فِي ذَلِكَ نَظِيرَ مَا قُلْنَا فِيهِ؛ غَيرَ أنَّهُ ذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي مَعْنَى (اعْبُدُوا رَبَّكَم): وَحِّدُوا رَبَّكُم. وَقَدْ دَلَلْنَا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا عَلَى أَنَّ مَعْنَى العِبَادَةِ: الخُضُوعُ للهِ بِالطَّاعَةِ\".\n(^٢) قَالَ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي التَّفْسِيرِ (٢٠/ ٥٨): \"يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَئِنْ سَأَلْتَ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ المُشْرِكِينَ بِاللهِ: مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فَسَوّاهُنَّ، وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لِعِبَادِهِ يَجْرِيَانِ دَائِبِينِ لِمَصَالِحِ خَلْقِ اللهِ؟ لَيَقُولُنَّ: الَّذِي خَلَقَ ذَلِكَ وَفَعَلَه اللهُ، ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَأَنَّى يُصْرَفُونَ عَمَّنَ صَنَعَ ذَلِكَ فَيَعْدِلُونَ عَنْ إِخْلَاصِ العِبَادَةِ لَهُ؟! \".\n(^٣) القَوْلُ السَّدِيْدُ (ص ٥٤).","vol":"1","page":21},{"text":"الإِرَادَاتِ وَالأَقْوَالِ وَالأَفْعَالِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ رُتْبَةَ العِبَادَةِ (^١)؛ وَجَاءَ وَصْفُهَا بِكَونِهَا شِرْكًا (^٢).\n\n-<span data-type='title' id=toc-11> أَنْوَاعُ النِّفَاقِ:</span>\n١ - النِّفَاقُ الاعْتِقَادِيُّ: وَهُوَ النِّفَاقُ الأَكْبَرُ الَّذِي يُظْهِرُ فِيهِ صَاحِبُهُ الإِسْلَامَ وَيُبْطِنُ الكُفْرَ، وَهَذَا النَّوعُ مُخْرِجٌ مِنَ الدِّينِ بِالكُلِّيَّةِ (^٣).\n٢ - النِّفَاقُ العَمَلِيُّ: وَهُوَ عَمَلُ شَيءٍ مِنْ أَعْمَالِ المُنَافِقِينَ مَعَ بَقَاءِ الإِيمَانِ فِي القَلْبِ، وَهَذَا لَا يُخْرِجُ مِنَ المِلَّةِ، لَكِنَّهُ وَسِيلَةٌ إِلَى ذَلِكَ، وَصَاحِبُهُ يَكُونُ فِيهِ إِيمَانٌ وَنِفَاقٌ، وَإِذَا كَثُرَ صَارَ بِسَبَبِهِ مُنَافِقًا خَالِصًا (^٤)، وَالدَّلِيلُ عَلَيهِ قَولُهُ ﷺ: «أرْبَعٌ مَنْ كُنَّ\n_________\n(^١) القَوْلُ السَّدِيْدُ (ص ٥٤).\n(^٢) يُنْظَرُ: شَرْحُ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ (سُؤَال رَقَم ٢٨) مِنْ شَرِيْط رَقَم (٢٨٢) لِلْشَيخِ الفَاضِلِ عَبْدِ المُحْسِنِ العَبَّاد حَفِظَهُ اللهُ.\n(^٣) قَالَ الشَّيخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ ﵀: \"وَهَذَا النِّفَاقُ سِتَّةُ أَنْوَاعٍ، وَهِيَ:\nتَكْذِيبُ الرَّسُولِ ﷺ، أَو تَكْذِيبُ بَعْضِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ.\nأَو بُغْضُ الرَّسُولِ ﷺ، أَو بُغْضُ بَعْضِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ.\nأَوِ المَسَرَّةُ بِانْخِفَاضِ دِينِ الرَّسُولِ ﷺ، أَوِ الكَرَاهِيَةُ لِانْتِصَارِ دِينِ الرَّسُولِ ﷺ\". مَجْمُوعَةُ التَّوحِيدِ النَّجْدِيَّةِ (ص ١١).\n(^٤) قَالَ ابْنُ القَيِّمِ ﵀ فِي كِتَابِهِ (الصَّلَاةُ وَحُكْمُ تَارِكِهَا) (ص ٦٠): \"وَلَكِنْ إِذَا اسْتَحْكَمَ وكَمُلَ فَقَدْ يَنْسَلِخُ صَاحِبُهُ عَنِ الإِسْلَامِ بِالكُلِّيَّةِ -وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ-؛ فَإِنَّ الإِيمَانَ يَنْهَى المُؤْمِنَ عَنْ هَذِهِ الخِلَالِ، فَإِذَا كَمُلَتْ فِي العَبْدِ -وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يَنْهَاهُ عَنْ شَيءٍ مِنْهَا-؛ فَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا مُنَافِقًا خَالِصًا\".\nوَقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِهِ عَلَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٢/ ٤٧): \"فَالَّذِي قَالَهُ المُحَقِّقُونَ وَالأَكْثَرُونَ -وَهُوَ الصَّحِيحُ المُخْتَارُ- أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ هَذِهِ الخِصَالَ خِصَالُ نِفَاقٍ، وَصَاحِبُهَا شَبِيهٌ بالمنافقين فِي هَذِهِ الخِصَالِ، وَمُتَخَلِّقٌ بِأَخْلَاقِهِمْ؛ فَإِنَّ النِّفَاقَ هُوَ إِظْهَارُ مَا يُبْطِنُ خِلَافَهُ، وَهَذَا المَعْنَى مَوجُودٌ فِي صَاحِبِ هَذِهِ الخِصَالِ، وَيَكُونُ نِفَاقُهُ فِي حَقِّ مَنْ حَدَّثَهُ وَوَعَدَهُ وَائْتَمَنَهُ وَخَاصَمَهُ وَعَاهَدَهُ مِنَ النَّاسِ؛ لَا أَنَّهُ\n=","vol":"1","page":22},{"text":"فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ؛ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا ائْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^١).\n\n- أَنْوَاعُ الكُفْرِ: قَالَ الشَّيخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ ﵀ (^٢):\n<span data-type='title' id=toc-12>\"أَنْوَاعُ الكُفْرِ:</span> كُفْرٌ أَكْبَرُ، وَهُوَ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ، وَكُفْرٌ أَصْغَرُ، وَهُوَ الكُفْرُ العَمَلِيُّ.\nوَالكُفْرُ الأَكْبَرُ أَنْوَاعُهُ:\n١ - كُفْرُ التَّكْذِيبِ.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [العَنْكَبُوت: ٦٨].\n٢ - كُفْرُ الإبَاءِ وَالاسْتِكْبَارِ.\n_________\n=\nمُنَافِقٌ فِي الإِسْلَامِ فَيُظْهِرُهُ وَهُوَ يُبْطِنُ الكُفْرَ! وَلَمْ يُرِدِ النَّبِيُّ ﷺ بِهَذَا أَنَّهُ مُنَافِقٌ نِفَاقَ الكُفَّارِ المُخَلَّدِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ، وَقَولُهُ ﷺ: «كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا» مَعْنَاهُ شَدِيدُ الشَّبَهِ بِالمُنَافِقِينَ بِسَبَبِ هَذِهِ الخِصَالِ، قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: وَهَذَا فِيمَنْ كَانَتْ هَذِهِ الخِصَالُ غَالِبَةً عَلَيهِ، فَأَمَّا مَنْ يَنْدُرُ ذَلِكَ مِنْهُ فَلَيسَ دَاخِلًا فِيهِ، فَهَذَا هُوَ المُخْتَارُ فِي مَعْنَى الحَدِيثِ، وَقَدْ نَقَلَ الإِمَامُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ ﵁ مَعْنَاهُ عَنِ العُلَمَاءِ مُطْلَقًا فَقَالَ: إِنَّمَا مَعْنَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ نِفَاقُ العَمَلِ\".\nقُلْتُ: وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَينَ مَا ذَهَبَ إِلَيهِ ابْنُ القَيِّمِ وَبَينَ مَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنْ جُمْلَةِ العُلَمَاءِ ﵏، وَذَلِكَ لِأَنَّ ابْنَ القَيِّمِ ﵀ قَيَّدَهُ بِالكَمَالِ -وَلَيسَ بِالغَلَبَةِ-، وبكونه لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يَنْهَاهُ عَنْ شَيءٍ مِنْهَا؛ فَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَالُهُ فَهُوَ لَمْ يَنْقَدْ لِلإسلَامِ أَصْلًا، وَلَا بُدَّ مِنْ تَوجِيهِ ابْنِ القَيِّمِ هَذَا وَلَابُدَّ، وَذَلِكَ لِصَرَاحَةِ الحَدِيثِ فِي قَولِهِ «مُنَافِقًا خَالِصًا»، وَإِلَّا فَمَا وَجْهُ ذِكْرِ الخُلُوصِ هُنَا؟؟\n(^١) البُخَارِيُّ (٣٤)، وَمُسْلِمٌ (٥٨) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَمْرو مَرْفُوعًا.\n(^٢) مَجْمُوعَةُ التَّوحِيدِ (ص ١٠) بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ.","vol":"1","page":23},{"text":"قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البَقَرَة: ٣٤].\n٣ - كُفْرُ الظَّنِّ (الشَّكِّ).\nقَالَ تَعَالَى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكَهْف: ٣٥ - ٣٨].\n٤ - كُفْرُ الإِعْرَاضِ.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأَحْقَاف: ٣].\n٥ - كفرُ النِّفاقِ.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المُنَافِقُون: ٣].\nوَالكُفْرُ الأَصْغَرُ: هُوَ كُفْرٌ لَا يُخْرِجُ عَنِ المِلَّةِ، وَهُوَ الكُفْرُ العَمَلِيُّ، وَهُوَ فِعْلُ الذُّنُوبِ الَّتِي وَرَدَ تَسْمِيَتُهَا فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كُفْرًا وَلَا تَصِلُ إِلَى حَدِّ الكُفْرِ الأَكْبَرِ، مِثْلُ كُفْرِ النِّعْمَةِ المَذْكُورِ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النَّحْل: ١١٢] \" (^١).\n\n-<span data-type='title' id=toc-13> فَائِدَةٌ: إِنَّ مِنْ كَمَالِ الرُّبُوبِيَّةِ نَفْيُ الوَلَدِ عَنْهُ سُبْحَانَهُ، وَاتِّخَاذُ الوَلَدِ هُوَ تَنَقُّصٌ وَعَيبٌ لَهُ، وَمِن أَوجُهِ بَيَانِ كَونِهِ تَنَقُّصًا لَهُ سُبْحَانَهُ:</span>\n_________\n(^١) كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقُ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤٨)، وَمُسْلِمٌ (٦٤).","vol":"1","page":24},{"text":"١ - أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى احْتِيَاجِ الوَالِدِ لِلْوَلَدِ! وَاللهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ، وَلِهَذَا تَجِدُ الإِنْسَانَ إِذَا لَمْ يَأْتِهِ الوَلَدُ يَرَى أَنَّهُ نَاقِصٌ، وَيَتَمَنَّى كُلَّ الأُمْنِيَةِ أَنْ يَأْتِيَهُ وَلَدٌ يُسَاعِدُهُ عَلَى شُؤُونِ الحَيَاةِ، وَيُبْقِي ذِكْرَهُ بَعْدَ مَوتِهِ؛ فَاتِّخَاذُ الوَلَدِ نَقْصٌ، وَلِهَذَا نَزَّهَ اللهُ نَفْسَه عَنْهُ فَقَالَ: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٢].\n٢ - أَنَّ الوَلَدَ إِنَّمَا يَأْتِي مِنْ أَجْلِ بَقَاءِ النَّوعِ الَّذِي تَوَلَّدَ مِنْهُ، وَاللهُ ﷾ غَيرُ مُحْتَاجٍ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الوَاحِدُ البَاقِي ﷿، وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزُّمَر: ٤] فَفِيهِ إِشَارَةٌ أَنَّ كَونَهُ تَعَالَى قَهَّارًا يَمْنَعُ مِن ثُبُوتِ الوَلَدِ لَهُ، فَالمُحْتَاجُ إِلَى الوَلَدِ هُوَ الَّذِي يَمُوتُ فَيَحْتَاجُ إِلَى وَلَدٍ يَقُومُ مَقَامَهُ؛ فَالمُحْتَاجُ إِلَى الوَلَدِ هُوَ الَّذِي يَكُونُ مَقْهُورًا بِالمَوتِ، أَمَّا الَّذِي يَكُونُ قَاهِرًا وَلَا يَقْهَرُهُ غَيرُهُ؛ كَانَ الوَلَدُ فِي حَقِّهِ مُحَالًا.\n٣ - أَنَّ الوَلَدَ يَكُونُ مُمَاثِلًا لِأَبِيهِ، فَلَو فُرِضَ أَنَّ اللهَ اتَّخَذَ وَلَدًا؛ لَكَانَ الوَلَدُ مِثْلَ اللهِ ﷿! وَاللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يُمَاثِلَهُ أَحَدٌ؛ فَإِنَّهُ ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ [الشورى: ١١].\n٤ - أَنَّ اللهَ لَيسَ لَهُ زَوجَةٌ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]، فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيسَ لَهُ زَوجَةٌ؛ فَكَيفَ يَأْتِي الوَلَدُ؟! وَإِنَّمَا جَاءَ الوَلَدُ مِن مِثْلِ آدَمَ ﵊ لِأَنَّهُ آيةٌ مُعْجِزَةٌ.\n٥ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَو كَانَ لَهُ وَلَدٌ لَنُقِضَ التَّوحِيدُ لِتَعَدُّدِ الأَرْبَابِ! فَالوَلَدُ مُتَوَلِّدٌ مِن أَبِيهِ؛ مُمَاثِلٌ لَهُ، وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤] (^١).\n_________\n(^١) يُنْظَرُ: تَفْسِيرُ الرَّازِي (٢٦/ ٤٢٢)، بَدَائِعُ الفَوَائِدِ (٤/ ١٥٣)، تَفْسِيرُ السَّعْدِي (ص ٥٠١)، تَفْسِيرُ ابْنِ عُثَيمِين- سُورَةُ الزُّمَر (ص ٤١).","vol":"1","page":25},{"text":"- الإِسْلَامُ لَهُ ضِدَّانِ:\nقَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: \"وَلَهُ ضِدَّانِ: الكِبْرُ، وَالشِّرْكُ، وَلِهَذَا رُوِيَ أَنَّ نُوحًا ﵇ أَمَرَ بَنِيهِ بِـ (لَا إلَهِ إلَّا اللَّهُ) وَ(سُبْحَانَ اللَّهِ)، وَنَهَاهُمْ عَنِ الكِبْرِ وَالشِّرْكِ -فِي حَدِيثٍ قَدْ ذَكَرْته فِي غَيرِ هَذَا المَوْضِعِ (^١) -؛ فَإِنَّ المُسْتَكْبِرَ عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ؛ لَا يَعْبُدُهُ؛ فَلَا يَكُونُ مُسْتَسْلِمًا لَهُ! وَاَلَّذِي يَعْبُدُهُ وَيَعْبُدُ غَيرَهُ؛ يَكُونُ مُشْرِكًا بِهِ؛ فَلَا يَكُونُ سَالِمًا لَهُ! بَلْ يَكُونُ لَهُ فِيهِ شِرْكٌ. وَلَفْظُ (الإِسْلَامِ) يَتَضَمَّنُ الِاسْتِسْلَامَ، وَالسَّلَامَةَ -الَّتِي هِيَ الإِخْلَاصُ-، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الرُّسُلَ جَمِيعَهُمْ بُعِثُوا بِالإِسْلَامِ العَامِّ المُتَضَمِّنِ لِذَلِكَ\" (^٢).\n\n-<span data-type='title' id=toc-14> طَرِيقَةُ اسْتِدْلَالِ المُصَنِّفِ ﵀ فِي كِتَابِ التَّوحِيدِ تَجْرِي وَفْقَ ثَلَاثَةِ أَشْكَالٍ:</span>\n١ - الاسْتِدْلَالُ بِالنَّصِّ العَامِّ عَلَى مَنْعِ الشِّرْك فِي عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى، ثُمَّ إِيرَادُ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ الخَاصِّ عَلَى أَنَّ عَمَلًا مَا هُوَ عِبَادَةٌ للهِ تَعَالَى.\nكَمِثْلِ بَابِ (مِنَ الشِّرْكِ النَّذْرُ لِغَيرِ اللهِ) فَقَدْ أَورَدَ فِيهِ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإِنْسَان: ٧]، ثُمَّ قَالَ فِي مَسَائِلِ البَابِ: \"إِذَا ثَبَتَ كَونُهُ عِبَادَةً للَّهِ؛ فَصَرْفُهُ إِلَى غَيرِهِ شِرْكٌ\"، فَالاسْتِدْلَالُ حَصَلَ بِبَيَانِ أَنَّ النَّذْرَ عِبَادَةٌ للهِ تَعَالَى، وَقَدْ أَسْلَفَ فِي البَابِ الأَوَّلِ مَجْمُوعَةً مِنَ الأَدِلَّةِ عَلَى وُجُوبِ إِفْرَادِ اللهِ تَعَالَى بِالعِبَادَةِ وَمَنْعِ الشِّرْكِ فِيهَا، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا﴾ [النِّسَاء: ٣٦]؛\n_________\n(^١) يُرِيدُ حَدِيثَ: «إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ نُوحًا ﷺ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لِابْنِهِ: إِنِّي قَاصٌّ عَلَيكَ الْوَصِيَّةَ: آمُرُكَ بِاثْنَتَينِ، وَأَنْهَاكَ عَنِ اثْنَتَينِ. آمُرُكَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ … وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ …». صَحِيحٌ. مُسْنَدُ أَحْمَدَ (٦٥٨٣). صَحِيحُ الأَدَبِ المُفْرَدِ (٥٤٨).\n(^٢) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (٧/ ٦٢٣).","vol":"1","page":26},{"text":"فَيَكُونُ الدَّلِيلُ مُرَكَّبًا مِنْ دَلِيلَينِ.\n٢ - الاسْتِدْلَالُ بِالنَّصِّ الخَاصِّ عَلَى أَنَّ الأَمْرَ الفُلَانِيَّ شِرْكٌ أَو مِنَ الكَبَائِرِ، كَمَا فِي بَابِ (مِنَ الشِّرْكِ لُبْسُ الحَلْقَةِ وَالخَيطِ وَنَحْوِهِمَا لِرَفْعِ البَلَاءِ أَو دَفْعِهِ)، وَقَدْ أَورَدَ فِيهِ حَدِيثَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ» (^١).\n٣ - الاسْتِدْلَالُ بِأَنَّ العَمَلَ المَذْكُورَ هُوَ مِنْ أَعْمَالِ المُشْرِكِينَ؛ فَصَارَ اجْتِنَابُهُ مِنَ التَّوحِيدِ، كَمَا فِي بَابِ (مِنَ الشِّرْكِ الاسْتِعَاذَةُ بِغَيرِ اللهِ) فَقَدْ أَورَدَ فِيهِ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجِنّ: ٦]، وَمَوضِعُ الاسْتِدْلَالِ هُوَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الرِّجَالِ مِنَ الإِنْسِ كَانُوا يَعُوذُونَ بِالجِنِّ؛ وَأَنَّ الجِنَّ المُسْلِمَ ذَكَرَ مَا كَانَ يَحْصُلُ عِنْدَهُم فِي الجَاهِلِيَّةِ قَبْلَ أَنَّ يَسْمَعُوا القُرْآنَ.\n- قُلْتُ: إِنَّ أَبْوَابَ كِتَابِ التَّوحِيدِ لِلشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ ﵀ تَنْقَسِمُ إِلَى سَبْعَةِ أَقْسَامٍ عَلَى سَبِيلِ الإِجْمَالِ (^٢)، وَذَلِكَ تَسْهِيلًا لِلتَّعْلِيمِ. وَهِيَ:\nالقِسْمُ الأَوَّلُ: مِنَ البَابِ (رَقَم ١) إِلَى البَابِ (رَقَم ٦): مُقَدِمَةٌ فِي التَّوحِيدِ عَلَى التَّرْتِيبِ التَّالِي:\nالبَابُ (رَقَم ١) فِيهِ بَيَانُ أَنَّ للهِ تَعَالَى حَقًّا عَلَيكَ.\nالبَابُ (رَقَم ٢) فِيهِ التَّرْغِيبُ فِي التَّوحِيدِ بِكَونِ هَذَا الحَقِّ المَذْكُورِ فِيهِ لَيسَ حَقًّا مُجَرَّدًا! بَلْ فِيهِ فَضْلٌ يَعُودُ عَلَيكَ.\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١٧٤٢٢). الصَّحِيحَةُ (٤٩٢).\n(^٢) وُفْقَ مَا ظَهَرَ لِي، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.\nوَهَذَا عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّ مُقَدِّمَةَ المَتْنِ هِيَ بَابٌ مُسْتَقِلٌّ.","vol":"1","page":27},{"text":"البَابُ (رَقَم ٣) فِيهِ تَمَامُ التَّرْغِيبِ فِي التَّوحِيدِ؛ بِأَنَّ مِنْ جَاءَ بِهِ كَامِلًا نَجَا مِنَ الحِسَابِ وَالعَذَابِ.\nالبَابُ (رَقَم ٤) فِيهِ التَّرْهِيبُ مِنْ تَرْكِ التَّوحِيدِ؛ بِأَنَّ الشِّرْكَ لَا يُغْفَرُ.\nالبَابُ (رَقَم ٥) أَنَّكَ إِذَا عَلِمْتَ هَذَا الخَيرَ فَلَا تَقْتَصِرْ فِيهِ عَلَى نَفْسِكَ؛ بَلِ ادْعُ النَّاسَ إِلَيهِ.\nالبَابُ (رَقَم ٦) أَنَّكَ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَدْعُوَ إِلَيهِ فَكُنْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ، وَقَالَ المُصَنِّفُ ﵀ فِي آخِرِ هَذَا البَابِ: \"وَشَرْحُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ مَا بَعْدَهَا مِنَ الأَبْوَابِ\".\nالقِسْمُ الثَّانِي: مِنَ البَابِ (رَقَم ٧) إِلَى البَابِ (رَقَم ١٨): أَبْوَابُ الشِّرْكِ الجَلِيِّ.\nالقِسْمُ الثَّالِثُ: مِنَ البَابِ (رَقَم ١٩) إِلَى (رَقَم ٢٣): أَبْوَابُ شِرْكِ القُبُورِ وَذَرَائِعِهِ.\nالقِسْمُ الرَّابِعُ: مِنَ البَابِ (رَقَم ٢٤) إِلَى بَابِ (رَقَم ٣٠): أَبْوَابُ السَّحْرِ.\nالقِسْمُ الخَامِسُ: مِنَ البَابِ (رَقَم ٣١) إِلَى (رَقَم ٣٩): أَبْوَابُ أَعْمَالِ القُلُوبِ.\nالقِسْمُ السَّادِسُ: البَابِ (رَقَم ٤٠) وَ(رَقَم ٥١) وَ(رَقَم ٦٧): فِي الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ.\nالقِسْمُ السَّابِعُ: الأَبْوَابُ البَاقِيَةُ مِنَ البَابِ (رَقَم ٤١) إِلَى بَابِ (رَقَم ٦٦) عَدَا بَابِ (رَقَم ٥١): فِي بَيَانِ مُكَمِّلَاتِ التَّوحِيدِ.","vol":"1","page":28},{"text":"بَابُ حَقِّ اللهِ عَلَى العَبِيدِ\nكِتَابُ التَّوحِيدِ، وَقَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذَّارِيَات: ٥٦].\nوَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النَّحْل: ٣٦] الآيَة.\nوَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا﴾ [الإِسْرَاء: ٢٣] الآيَة.\nوَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا﴾ [النِّسَاء: ٣٦] الآيَات.\nوَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا﴾ [الأَنْعَام: ١٥١] الآيَات.\nقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: (مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى وَصِيَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّتِي عَلَيهَا خَاتَمُهُ؛ فَلْيَقْرَأْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا﴾ إِلَى قَولِهِ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأَنْعَام: ١٥٣ - الآيَة] (^١).\nوَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁؛ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى حِمَارٍ؛ فَقَالَ لِي: «يَا مُعَاذُ! أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى العِبَادِ، وَمَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ؟» قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «حَقُّ اللهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا، وَحَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ أَنْ لَا يُعَذّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيئًا». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَفَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: «لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا». أَخْرَجَاهُ (^٢).\n_________\n(^١) ضَعِيفٌ. التِّرْمِذِيُّ (٣٠٧٠). ضَعِيفُ التِّرْمِذِيِّ (٣٠٧٠).\n(^٢) البُخَارِيُّ (٢٨٥٦)، وَمُسْلِمٌ (٣٠).","vol":"1","page":29},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: الحِكْمَةُ فِي خَلْقِ الجِنِّ وَالإِنْسِ.\nالثَّانِيَةُ: أَنَّ العِبَادَةَ هِيَ التَّوحِيدُ؛ لِأَنَّ الخُصُومَةَ فِيهِ.\nالثَّالِثَةُ: أَنَّ مَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ لَمْ يَعْبُدِ اللهَ، فَفِيهِ مَعْنَى قَولِهِ: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكَافِرُون: ٣].\nالرَّابِعَةُ: الحِكْمَةُ فِي إِرْسَالِ الرُّسُلِ.\nالخَامِسَةُ: أَنَّ الرِّسَالَةَ عَمَّتْ كُلَّ أُمَّةٍ.\nالسَّادِسَةُ: أَنَّ دِينَ الأَنْبِيَاءِ وَاحِدٌ.\nالسَّابِعَةُ: المَسْأَلَةُ الكَبِيرَةُ؛ أَنَّ عِبَادَةَ اللهِ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِالكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ، فَفِيهِ مَعْنَى قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٥٦].\nالثَّامِنَةُ: أَنَّ الطَّاغُوتَ عَامٌّ فِي كُلِّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللهِ.\nالتَّاسِعَةُ: عِظَمُ شَأْنِ الثَّلَاثِ آيَاتٍ المُحْكَمَاتِ فِي سُورَةِ الأَنْعَامِ عِنْدَ السَّلَفِ، وَفِيهَا عَشْرُ مَسَائِلَ أَوَّلُهَا النَّهْيُ عَنِ الشِّرْكِ.\nالعَاشِرَةُ: الآيَاتُ المُحْكَمَاتُ فِي سُورَةِ الإِسْرَاءِ، وَفِيهَا ثَمَانِي عَشْرَةَ مَسْأَلَةً، بَدَأَهَا اللهُ بِقَولِهِ: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإِسْرَاء: ٢٢] وَخَتَمَهَا بِقَولِهِ: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإِسْرَاء: ٣٩]، وَنَبَّهَنَا اللهُ سُبْحَانَهُ عَلَى عِظَمِ شَأْنِ هَذِهِ المَسَائِلِ بِقَولِهِ: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ [الإِسْرَاء: ٣٩].\nالحَادِيَةَ عَشْرَةَ: آيَةُ سُورَةِ النِّسَاءِ الَّتِي تُسَمَّى آيَةَ الحُقُوقِ العَشْرَةِ، بَدَأَهَا اللهُ تَعَالَى بِقَولِهِ: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا﴾ [النِّسَاء: ٣٦].","vol":"1","page":30},{"text":"الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: التَّنْبِيهُ عَلَى وَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عِنْدَ مَوتِهِ.\nالثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: مَعْرِفَةُ حَقِّ اللهِ عَلَينَا.\nالرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: مَعْرِفَةُ حَقِّ العِبَادِ عَلَيهِ إِذَا أَدَّوا حَقَّهُ.\nالخَامِسَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ هَذِهِ المَسْأَلَةَ لَا يَعْرِفُهَا أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ.\nالسَّادِسَةَ عَشْرَةَ: جَوَازُ كِتْمَانِ العِلْمِ لِلْمَصْلَحَةِ.\nالسَّابِعَةَ عَشْرَةَ: اسْتِحْبَابُ بِشَارَةِ المُسْلِمِ بِمَا يَسُرُّهُ.\nالثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: الخَوفُ مِنَ الِاتِّكَالِ عَلَى سَعَةِ رَحْمَةِ اللهِ.\nالتَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: قَولُ المَسْئُولِ عَمَّا لَا يَعْلَمُ: \"اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ\".\nالعِشْرُونَ: جَوَازُ تَخْصِيصِ بَعْضِ النَّاسِ بِالعِلْمِ دُونَ بَعْضٍ.\nالحَادِيَةُ وَالعِشْرُونَ: تَوَاضُعُهُ ﷺ لِرُكُوبِ الحِمَارِ مَعَ الإِرْدَافِ عَلَيهِ.\nالثَّانِيَةُ وَالعِشْرُونَ: جَوَازُ الإِرْدَافِ عَلَى الدَّابَّةِ.\nالثَّالِثَةُ وَالعِشْرُونَ: عِظَمُ شَأْنِ هَذِهِ المَسْأَلَةِ.\nالرَّابِعَةُ وَالعِشْرُونَ: فَضِيلَةُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ.","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type='title' id=toc-18>الشَّرْحُ</span>\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ اللَّامُ هُنَا لِلتَّعْلِيلِ، فَفِيهَا بَيَانُ سَبَبِ خَلْقِ اللهِ تَعَالَى لِلجِنِّ وَالإِنْسِ.\n- مَعْنَى (يَعْبُدُونَ) هُنَا أَي: يُوَحِّدُوَن (^١)، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ المُشْرِكِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ اللهَ تَعَالَى وَكَانُوا يَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيرَهُ؛ فَلَمَّا أُمِروا بِالعِبَادَةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُم لَمْ يَكُونُوا عَلَى عِبَادَةٍ مَرْضِيَّةٍ مِنَ اللهِ تَعَالَى، فَكُلُّ عِبَادَةٍ فِيهَا شِرْكٌ لَا تَكُونُ مَقْبُولَةً عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا «قَالَ اللهُ ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ؛ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» (^٢).\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ فِيهِ أُسْلُوبُ الحَصْرِ، فَإِنَّ الاسْتِثْنَاءَ بَعْدَ النَّفْي يُفِيدُ الحَصْرَ، وَالمَعْنَى: خُلِقَتِ الجِنُّ وَالإِنْسُ لِغَايَةٍ وَاحِدَةٍ هِيَ العِبَادَةُ للهِ وَحْدَهُ دُونَ مَا سِوَاهُ.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا\n_________\n(^١) وَقَدْ سَلَفَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي التَّفْسِيرِ: \"وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسَ -فِيمَا رُوِيَ لَنَا عَنْهُ- يَقُوْلُ فِي ذَلِكَ نَظِيرَ مَا قُلْنَا فِيهِ، غَيرَ أنَّهُ ذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُوْلُ فِي مَعْنَى (اعْبُدُوا رَبَّكَم): وَحِّدُوا رَبَّكُم. وَقَدْ دَلَلْنَا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا عَلَى أَنَّ مَعْنَى العِبَادَةِ: الخُضُوْعُ للهِ بِالطَّاعَةِ\". تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (١/ ٣٦٢).\nوَقَالَ الكَلْبِيُّ: \"إِلَّا لِيُوَحِّدُونِ، فَالمُؤْمِنُ يُوَحِّدُهُ فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ، وَالكَافِرُ فِي الشِّدَّةِ\". (البَحْرُ المُحِيطُ) لِأَبِي حَيَّانَ (٩/ ٥٦٢).\nوَفِي البُخَارِيِّ (٦/ ١٣٩) -كِتَابُ التَّفْسِيرِ، سُورَةُ الذَّارِيَاتِ- ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾: \"مَا خَلَقْتُ أَهْلَ السَّعَادَةِ مِنْ أَهْلِ الفَرِيقَينِ إِلَّا لِيُوَحِّدُونِ. وَالفَرِيقَانِ هُمُ الجِنُّ وَالإِنْسُ\".\n(^٢) مُسْلِمٌ (٢٩٨٥).","vol":"1","page":32},{"text":"الطَّاغُوتَ﴾ أَورَدَ المُصَنِّفُ ﵀ هَذِهِ الآيَةَ لِبَيَانِ مَعْنَى العِبَادَةِ فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ؛ وَأَنَّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ الرُّسُلُ هُوَ التَّوحِيدُ، وَهُوَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَمَعْنَاهَا نَفْيُ الأُلُوهِيَّةِ الحَقِّ عَنْ غَيرِ اللهِ تَعَالَى؛ وَإِثْبَاتُهَا للهِ وَحْدَهُ، وَالنَّفْيُ فِي هَذِهِ الآيَةِ مُضمَّنٌ فِي الأَمْرِ بِاجْتِنَابِ الطَّاغُوتِ، وَالإِثْبَاتُ مُضمَّنٌ فِي الأَمْرِ بِعِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى.\n- الطَّاغُوتُ مَأْخُوذٌ مِنَ الطُّغْيَانِ، وَهُوَ كُلُّ مَا تَجَاوَزَ بِهِ العَبْدُ حَدَّهُ مِنْ مَعْبُودٍ أَو مَتْبُوعٍ أَو مُطَاعٍ (^١).\n- الطَّوَاغِيتُ كَثِيرَةٌ وَرُؤُوسُهَا خَمْسَةٌ (^٢):\n١ - الشَّيطَانُ الدَّاعِي إِلَى عِبَادَةِ غَيرِ اللهِ.\nوَالدَّلِيلُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يَس: ٦٠]، وَالشَّيطَانُ هُوَ الَّذِي زَيَّنَ مَعْصِيَةَ اللهِ تَعَالَى، وَزَيَّنَ طَاعَةَ غَيرِ اللهِ تَعَالَى (^٣).\n٢ - الحَاكِمُ الجَائِرُ المُغيِّرُ لِأَحْكَامِ اللهِ.\nوَالدَّلِيلُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيكَ وَمَا\n_________\n(^١) إِعْلَامُ المُوَقِّعِينَ (١/ ٤٠) لِابْنِ القَيِّمِ.\n(^٢) قَالَهُ الشَّيخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ ﵀. اُنْظُرْ: مَجْمُوعَةَ التَّوحِيدِ النَّجْدِيَّةِ (ص ١٦٠).\n(^٣) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ: جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (١/ ٥٠٩): \"وَلَعَلَّ مَنْ قَالَ: إِنَّ المُرَادَ الِاسْتِقَامَةُ عَلَى التَّوحِيدِ؛ إِنَّمَا أَرَادَ التَّوحِيدَ الكَامِلَ الَّذِي يُحَرِّمُ صَاحِبَهُ عَلَى النَّارِ، وَهُوَ تَحْقِيقُ مَعْنَى (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)، فَإِنَّ الإِلَهَ هُوَ المَعْبُودُ الَّذِي يُطَاعُ؛ فَلَا يُعْصَى خَشْيَةً وَإِجْلَالًا وَمَهَابَةً وَمَحَبَّةً وَرَجَاءً وَتَوَكُّلًا وَدُعَاءً، وَالمَعَاصِي كُلُّهَا قَادِحَةٌ فِي هَذَا التَّوحِيدِ لِأَنَّهَا إِجَابَةٌ لِدَاعِي الهَوَى وَهُوَ الشَّيطَانُ، قَالَ اللهُ ﷿: ﴿أَفَرَأَيتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجَاثِيَة: ٢٣] قَالَ الحَسَنُ وَغَيرُهُ: هُوَ الَّذِي لَا يَهْوَى شَيئًا إِلَّا رَكِبَهُ، فَهَذَا يُنَافِي الِاسْتِقَامَةَ عَلَى التَّوحِيدِ\".","vol":"1","page":33},{"text":"أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النِّسَاء: ٦٠].\n٣ - الَّذِي يَحْكُمُ بِغَيرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ.\nوَالدَّلِيلُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المَائِدَة: ٤٤] (^١).\n٤ - الَّذِي يَدَّعِي عِلْمَ الغَيبِ مِنْ دُونِ اللهِ.\nوَالدَّلِيلُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجِنّ: ٢٦ - ٢٧] (^٢).\n٥ - الَّذِي يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ وَهُوَ رَاضٍ بِهَذِهِ العِبَادَةِ.\nوَالدَّلِيلُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٢٩].\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ هَذَا مَعْنَى (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) بِالمُطَابَقَةِ؛ يَعْنِي احْصُرُوا العِبَادَةَ فِيهِ وَحْدَهُ دُونَ مَا سِوَاهُ.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا﴾ هَذِهِ أَيضًا فِيهَا إِثْبَاتٌ\n_________\n(^١) وَهُوَ بِقَيدِ الاسْتِحْلَالِ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: (مَنْ جَحَدَ مَا أَنْزَلَ اللهُ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ أَقَرَّ بِهِ وَلَمْ يَحْكُمْ؛ فَهُوَ ظَالِمٌ فَاسِقٌ). تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (١٠/ ٣٥٧)، وَقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الصَّحِيحَةِ (٢٥٥٢): \"جَيِّدٌ فِي الشَّوَاهِدِ\".\n(^٢) قَالَ جَابِرٌ: (كَانَتِ الطَّوَاغِيتُ الَّتِي يَتَحَاكَمُونَ إِلَيهَا؛ فِي جُهَينَةَ وَاحِدٌ، وَفِي أَسْلَمَ وَاحِدٌ، وَفِي كُلِّ حَيٍّ وَاحِدٌ: كُهَّانٌ يَنْزِلُ عَلَيهِمُ الشَّيطَانُ). رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦/ ٤٥) تَعْلِيقًا، وَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيقِ وَهَبِ بْنِ مُنَبِّه. انْظُرْ (فَتْحُ البَارِي) (٨/ ٢٥٢).","vol":"1","page":34},{"text":"وَنَفْيٌ، فَالأَمْرُ هُوَ أَنْ يُعْبَدَ اللهُ تَعَالَى وَحْدَهُ دُونَ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ شَيءٌ، وَإِنَّ مِمَّا تَقَرَّرَ فِي قَوَاعِدِ اللُّغَةِ أَنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ النَّفْي تُفِيدُ العُمُومَ، أَي أَنَّ كَلِمَةَ (شَيئًا) جَاءَتْ نَكِرَةً فِي سِيَاقِ النَّفْي (لَا تُشْرِكُوا) فَصَارَ المَعْنَى: النَّهْيُ عَنْ أَيِّ شِرْكٍ مَهْمَا كَانَ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا﴾ فِيهِ بَيَانُ أَوَّلِ المُحَرَّمَاتِ، وَهُوَ الشِّرْكُ بِاللهِ تَعَالَى، ثُمَّ اخْتَتَمَ الآيَةَ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فَصَارَ فِيهِ بَيَانُ أَنَّ هَذِهِ هِيَ وَصِيَّةُ اللهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الوَصِيَّةَ بِأَمْرٍ مَا تَدُلُّ عَلَى أَهَمِّيَّتِهِ.\n- فِي قَولِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: (مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى وَصِيَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إِرْشَادٌ إِلَى أَنَّ آخِرَ مَا كَانَتْ عَلَيهِ حَيَاةُ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ وَصَّى بِهَذِهِ الأُمُورِ، وَأَوَّلُهَا وَأَهَمُّهَا التَّوحِيدُ (^١).\nوَقَدْ سَبَقَ فِي أَوَّلِ البَابِ بَيَانُ أَنَّ أَوَّلَ دَعْوَةِ الرُّسُلِ الإِرْشَادُ إِلَى التَّوحِيدِ؛ فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ التَّوحِيدَ هُوَ أَصْلُ الشَّرَائِعِ وَأَعْظَمُهَا (^٢).\n_________\n(^١) وَكَمَا فِي وَصِيَّةِ يَعْقُوبَ ﵊: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البَقَرَة: ١٣٣].\n(^٢) وَيَزِيدُ ذَلِكَ بَيَانًا قَولُهُ تَعَالَى عَنْ دَعْوَةِ الرُّسُلِ لِأَقْوَامِهِم:\n﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرُهُ﴾ [الأَعْرَاف: ٥٩].\n﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرُهُ﴾ [الأَعْرَاف: ٦٥].\n﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرُهُ﴾ [الأَعْرَاف: ٧٣].\n﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرُهُ﴾ [الأَعْرَاف: ٨٥].","vol":"1","page":35},{"text":"- فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ بَيَانُ أَنَّ للهِ تَعَالَى حَقًّا عَلَى العِبَادِ وَهُوَ التَّوحِيدُ، مِمَّا يَسْتَدْعِي الوَفَاءَ بِهِ للهِ تَعَالَى؛ وَأَنْ يُنْشَرَ بَينَ النَّاسِ وَيُرْشَدُوا إِلَيهِ.\n- فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ بَيَانُ أَنَّ لِلعِبَادِ حَقًّا عَلَى اللهِ تَعَالَى، وَهُوَ أَنْ يُدْخِلَهُم الجَنَّةَ وَلَا يُعَذِّبَهُم إِذَا لَمْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا، وَلَكِنَّهُ مَقْرُونٌ بِعَدَمِ الشِّرْكِ لَا الأَكْبَرِ وَلَا الأَصْغَرِ، وَإِنَّ الإِصْرَارَ عَلَى المَعَاصِي قَادِحٌ فِي كَمَالِ التَّوحِيدِ وَتَمَامِ النَّجَاةِ؛ فَلَا بُدَّ مِنَ التَّوبَةِ بَعْدَ كُلِّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ.\n- قَولُهُ: «فَيَتَّكِلُوا» أَي: يَتَّكِلُونَ عَلَى مُجَرَّدِ التَّوحِيدِ؛ فَلَا يَتَنَافَسُونَ فِي الأَعْمَالِ؛ فَيَخْسَرُونَ بِذَلِكَ الدَّرَجَاتِ الرَّفِيعَةَ فِي الجَنَّةِ -جَعَلَنَا اللهُ مِنْ أَهْلِهَا-.","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type='title' id=toc-19>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-20> المَسْأَلَةُ الأُولَى: كَيفَ يَكُونُ لِلْعِبَادِ حَقٌّ عَلَى اللهِ تَعَالَى؛ وَهُوَ الَّذِي أَوجَدَهُم؟</span>\nالجَوَابُ مِنْ جِهَتَينِ:\n١ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ الحَقَّ وَلَمْ يُوجِبْهُ عَلَيهِ أَحَدٌ، وَاللهُ تَعَالَى يَجْعَلُ عَلَى نَفْسِهِ مَا يَشَاءُ مِمَّا اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ وَرَحْمَتُهُ، وَكَذَا يَكْتُبُ عَلَى نَفْسِهِ (^١)، وَكَذَا يُحَرِّمُ عَلَى نَفْسِهِ (^٢).\n٢ - أَنَّ هَذَا الحَقَّ هُوَ حَقُّ تَفَضُّلٍ وَلَيسَ حَقَّ مُقَابَلَةٍ (^٣)! كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى عَنْ جَزَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾ [النَّبَأ: ٣٦] فَجَزَاهُمُ اللهُ تَعَالَى الأَجْرَ الكَثِيرَ عَلَى العَمَلِ القَلِيلِ (^٤).\n_________\n(^١) كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأَنْعَام: ١٢].\nوَكَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ (٧٤٠٤) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ قَالَ: «لَمَّا خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ -وَهُوَ يَكْتُبُ عَلَى نَفْسِهِ، وَهُوَ وَضْعٌ عِنْدَهُ عَلَى العَرْشِ- إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي».\n(^٢) كَمَا فِي حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ المَرْفُوعُ القُدُسِيُّ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي». مُسْلِمٌ (٢٥٧٧).\n(^٣) وَاسْتِحْقَاقُ المُقَابَلَةِ هُوَ كَإِعْطَاءِ أُجْرَةِ الأَجِيرِ المُسَاوِيَةِ لِقِيمَةِ عَمَلِهِ، أَمَّا لَو جُعِلَ لِلأَجِيرِ أَلْفُ ضِعْفٍ -مَثَلًا- لِقَاءَ عَمَلِ يَومٍ وَاحِدٍ؛ فَهُوَ اسْتِحْقَاقُ تَفَضُّلٍ.\n(^٤) وَفِي البُخَارِيِّ (٦٤٦٣)، وَمُسْلِمٍ (٢٨١٦) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا «لَنْ يُنْجِيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ»، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا؛ إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِرَحْمَةٍ».","vol":"1","page":37},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-21> المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَا التَّوفِيقُ بَينَ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ لِمُعَاذٍ ﵁ بِأَنْ لَا يُبَشِّرَ النَّاسَ </span>بِذَلِكَ الحَقِّ؛ مَعَ الأَمْرِ الرَّبَّانِيِّ بِتَبْلِيغِ الشَّرِيعَةِ عُمُومًا وَعَدَمِ كِتْمَانِهَا (^١)؟\nالجَوَابُ:\nيَحْتَمِلُ التَّوفِيقُ عِدَّةَ أَوْجُهٍ؛ مِنْهَا:\n١ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكْتُمْ هَذَا الأَمْرَ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِهِ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ﵁، غَايَةُ الأَمْرِ أَنَّهُ مَنَعَ نَشْرَهُ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ خَوفًا عَلَى مَنْ لَمْ يُدْرِكْ مَرَامِيَ الحَدِيثِ فَيَقَعُ فِي المُحْظُورِ فَيَدَعُ بَعْضَ العَمَلِ، أَوْ يُفَرِّطُ فِيمَا أُمِرَ بِهِ.\nقَالَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ ﵀ فِي كِتَابِ العِلْمِ: \"بَابُ مَنْ خَصَّ بِالعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ؛ كَرَاهِيَةَ أَنْ لَا يَفْهَمُوا\" (^٢).\n٢ - أَنَّ أَمْرَهُ ﷺ بِالكِتْمَانِ لَيسَ المَقْصُودُ بِهِ الكِتْمَانَ المُطْلَقَ المُؤَبَّدَ! بَلْ هُوَ كِتْمَانٌ فِي زَمَنٍ مُعَيَّنٍ؛ وَهَذَا الَّذِي فَهِمَهُ مُعَاذٌ نَفْسَهُ ﵁؛ وَلِذَلِكَ فَقَدْ (أَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا) (^٣).\nقَالَ الشَّيخُ مُلَّا عَلِي القَارِيِّ ﵀: \"وَإِنَّمَا رَوَاهُ مُعَاذٌ -مَعَ كَوْنِهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ- لِأَنَّهُ عَلِمَ مِنْهُ أَنَّ هَذَا الْإِخْبَارَ يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الزَّمَانِ وَالْأَحْوَالِ، وَالْقَوْمِ يَوْمَئِذٍ كَانُوا حَدِيثِي الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ لَمْ يَعْتَادُوا تَكَالِيفَهُ، فَلَمَّا تَثَبَّتُوا وَاسْتَقَامُوا أَخْبَرَهُمْ\" (^٤).\n_________\n(^١) يَعْنِي فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المَائِدَة: ٦٧].\n(^٢) عِنْدَ أَثَرِ عَلِيٍّ ﵁ (حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ؛ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟!). صَحِيحُ البُخَارِيِّ (١٢٧).\n(^٣) صَحِيحُ البُخَارِيِّ (١٢٨).\n(^٤) مِرْقَاةُ المَفَاتِيحِ (١/ ٩٨).","vol":"1","page":38},{"text":"بَابُ فَضْلِ التَّوحِيدِ وَمَا يُكَفَّرُ مِنَ الذُّنُوبِ\nوَقَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأَنْعَام: ٨٢].\nعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ؛ وَالجَنَّةَ حَقٌّ؛ وَالنَّارَ حَقٌّ؛ أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ العَمَلِ» أَخْرَجَاهُ (^١).\nوَلَهُمَا فِي حَدِيثِ عِتْبَان: «فَإِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ -يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ-» (^٢).\nوَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁؛ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ قَالَ: «قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ، عَلِّمْنِي شَيئًا أَذْكُرُكَ وَأَدْعُوكَ بِهِ. قَالَ: قُلْ يَا مُوسَى: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، قَالَ: كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُونَ هَذَا! قَالَ: يَا مُوسَى؛ لَو أَنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَعَامِرَهُنَّ غَيرِي؛ وَالأَرَضِينَ السَّبْعَ فِي كِفَّةٍ؛ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فِي كِفَّةٍ؛ مَالَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ». رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَه (^٣).\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٣٤٣٥)، وَمُسْلِمٌ (٢٨).\n(^٢) البُخَارِيُّ (٤٢٥)، وَمُسْلِمٌ (٣٣).\n(^٣) ضَعِيفٌ؛ لِأًنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ دَرَّاجٍ عَنْ أَبِي الهَيثَمِ، وَهِيَ رِوَايَةٌ مُتَكَلَّمٌ فِيهَا. ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ (٦٢١٨)، وَالحَاكِمُ (١٩٣٦). ضَعِيفُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (٩٢٣).","vol":"1","page":39},{"text":"وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ عَنْ أَنَسٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «قالَ اللهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ؛ لَو أَتَيتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا؛ ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيئًا؛ لَأَتَيتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً» (^١).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٣٥٤٠). الصَّحِيحَةُ (١٢٧).","vol":"1","page":40},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: سَعَةُ فَضْلِ اللهِ.\nالثَّانِيَةُ: كَثْرَةُ ثَوَابِ التَّوحِيدِ عِنْدَ اللهِ.\nالثَّالِثَةُ: تَكْفِيرُهُ مَعَ ذَلِكَ لِلذُّنُوبِ.\nالرَّابِعَةُ: تَفْسِيرُ الآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ الأَنْعَامِ.\nالخَامِسَةُ: تَأَمُّلُ الخَمْسِ اللَّوَاتِي فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ.\nالسَّادِسَةُ: أَنَّكَ إِذَا جَمَعْتَ بَينَهُ وَبَينَ حَدِيثِ عِتْبَانَ وَمَا بَعْدَهُ تَبَيَّنَ لَكَ مَعْنَى قَولِ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)، وَتَبَيَّنَ لَكَ خَطَأَ المَغْرُورِينَ.\nالسَّابِعَةُ: التَّنْبِيهُ لِلشَّرْطِ الَّذِي فِي حَدِيثِ عِتْبَانَ.\nالثَّامِنَةُ: كَونُ الأَنْبِيَاءِ يَحْتَاجُونَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى فَضْلِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ).\nالتَّاسِعَةُ: التَّنْبِيهُ لِرُجْحَانِهَا بِجَمِيعِ المَخْلُوقَاتِ؛ مَعَ أَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يَقُولُهَا يَخِفُّ مِيزَانُهُ!\nالعَاشِرَةُ: النَّصُّ عَلَى أَنَّ الأَرَضِينَ سَبْعٌ كَالسَّمَوَاتِ.\nالحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ لَهُنَّ عُمَّارًا.\nالثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: إِثْبَاتُ الصَّفَاتِ -خِلَافًا لِلْأَشْعَرِيَّةِ-.\nالثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أَنَّكَ إِذَا عَرَفْتَ حَدِيثَ أَنَسٍ؛ عَرَفْتَ أَنَّ قَولَهُ فِي حَدِيثِ عِتْبَانَ: «فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ -يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ-» أَنَّ تَرْكَ الشِّرْكِ لَيسَ قَولًا بِاللِّسَانِ!","vol":"1","page":41},{"text":"الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: تَأَمُّلُ الجَمْعِ بَينَ كَونِ عِيسَى وَمُحَمَّدٍ عَبْدَيِّ اللِه وَرَسُولَيهِ.\nالخَامِسَةَ عَشْرَةَ: مَعْرِفَةُ اخْتِصَاصِ عِيسَى بِكَونِهِ كَلِمَةَ اللهِ.\nالسَّادِسَةَ عَشْرَةَ: مَعْرِفَةُ كَونِهِ رُوحًا مِنْهُ.\nالسَّابِعَةَ عَشْرَةَ: مَعْرِفَةُ فَضْلِ الإِيمَانِ بِالجَنَّةِ وَالنَّارِ.\nالثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: مَعْرِفَةُ قَولِهِ: «عَلَى مَا كَانَ مِنَ العَمَلِ».\nالتَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: مَعْرِفَةُ أَنَّ المِيزَانَ لَهُ كِفَّتَانِ.\nالعِشْرُونَ: مَعْرِفَةُ ذِكْرِ الوَجْهِ.","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type='title' id=toc-24>الشَّرْحُ</span>\n- عَقَدَ المُصَنِّفُ ﵀ هَذَا البَابَ لِبَيَانِ أَنَّ الحَقَّ الوَارِدَ فِي البَابِ السَّابِقِ لَيسَ حَقًّا مُجَرَّدًا بَلْ فِيهِ فَضْلٌ يَعُودُ عَلَى صَاحِبِهِ، فَهُوَ أَعْظَمُ الحَسَنَاتِ وَأَعْظَمُ الوَاجِبَاتِ، لِذَلِكَ فَهُوَ أَعْظَمُ الأَعْمَالِ تَكْفِيرًا لِلذُّنُوبِ، وَهُوَ رَأْسُ الأَعْمَالِ وَأَهَمُّهَا وَأَوجَبُهَا.\nوَفِي الحَدِيثِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوصِنِي؟ قَالَ: «إِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً؛ فَأَتْبِعْهَا حَسَنَةً تَمْحُهَا»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمِنَ الحَسَنَاتِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟ قَالَ: «هِيَ أَفْضَلُ الحَسَنَاتِ» (^١).\n- إِنَّ مِنْ فَضْلِ التَّوحِيدِ عَلَى العَبْدِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَحْفَظُهُ بِهِ مِنْ سُوءِ العَمَلِ، وَيُوَفِّقُهُ بِسَبَبِهِ لِتَرْكِ المَعَاصِي، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يُوسُف: ٢٤].\nوَقَدْ عَلِمَ ذَلِكَ إِبْلِيسُ الرَّجِيمُ كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣] (^٢).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢١٤٨٧). الصَّحِيحَةُ (١٣٧٣).\n(^٢) وَفِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النِّسَاء: ١١٥] بَيَانُ ذَلِكَ أَيضًا.\nقَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (ص ٢٠٢): \"وَيَدُلُّ مَفْهُومُهَا عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ وَيَتَّبِعْ سَبِيلَ المُؤْمِنِينَ -بِأَنْ كَانَ قَصْدُهُ وَجْهَ اللهِ وَاتِّبَاعَ رَسُولِهِ وَلُزُومَ جَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ؛ ثُمَّ صَدَرَ مِنْهُ مِنَ الذُّنُوبِ، أَوِ الهَمِّ بِهَا مَا هُوَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ النُّفُوسِ وَغَلَبَاتِ الطِّبَاعِ- فَإِنَّ اللهَ لَا يُوَلِّيهِ نَفْسَهُ وَشَيطَانَهُ، بَلْ يَتَدَارَكُهُ بِلُطْفِهِ، وَيَمُنُّ عَلَيهِ بِحِفْظِهِ، وَيَعْصِمُهُ مِنَ السُّوءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْ يُوسُفَ ﵇:\n=","vol":"1","page":43},{"text":"وَهَذَا الحِفْظُ أَيضًا مَشْمُولٌ بِعُمُومِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النِّسَاء: ٦٦].\n- إِنَّ مِنْ فَضْلِ التَّوحِيدِ أَيضًا أَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ التَّهْلِيلَ وَالتَّكْبِيرَ سِلَاحًا لِلنَّصْرِ، كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ؛ قَالَ: «سَمِعْتُمْ بِمَدِينَةٍ؛ جَانِبٌ مِنْهَا فِي البَرِّ وَجَانِبٌ مِنْهَا فِي البَحْرِ؟» قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَغْزُوَهَا سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ بَنِي إِسْحَاقَ، فَإِذَا جَاءُوهَا نَزَلُوا، فَلَمْ يُقَاتِلُوا بِسِلَاحٍ، وَلَمْ يَرْمُوا بِسَهْمٍ، قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ؛ فَيَسْقُطُ أَحَدُ جَانِبَيهَا» -قَالَ ثَورٌ [بْنُ يَزِيدَ؛ الرَّاوِي]: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ- «الَّذِي فِي البَحْرِ، ثُمَّ يَقُولُوا الثَّانِيَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ؛ فَيَسْقُطُ جَانِبُهَا الآخَرُ، ثُمَّ يَقُولُوا الثَّالِثَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ؛ فَيُفَرَّجُ لَهُمْ، فَيَدْخُلُوهَا فَيَغْنَمُوا (^١)، فَبَينَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ المَغَانِمَ؛ إِذْ جَاءَهُمُ الصَّرِيخُ، فَقَالَ: إِنَّ الدَّجَّالَ قَدْ خَرَجَ! فَيَتْرُكُونَ كُلَّ شَيءٍ وَيَرْجِعُونَ» (^٢).\n- قَولُهُ: (وَمَا يُكفِّرُ مِنَ الذُّنُوبِ): أَي: وَتَكْفِيرُهُ الذُّنُوبَ.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا﴾ أَي: لَمْ يَخْلِطُوا، وَالظُّلْمُ هُنَا هُوَ الشِّرْكُ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَينِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁؛ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ\n_________\n=\n﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ أَي: بِسَبَبِ إِخْلَاصِهِ صَرَفْنَا عَنْهُ السُّوءَ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مُخْلِصٍ -كَمَا يَدُلُّ عَلَيهِ عُمُومُ التَّعْلِيلِ-\".\n(^١) وَرَجَّحَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّهَا القُسْطَنْطِينِيَّةُ؛ وَأَنَّ فَتْحَهَا هَذَا لَمْ يَحْصُلْ بَعْدُ، وَإِنَّمَا هُوَ مَعَ قِيَامِ السَّاعَةِ. وَاللهُ أَعْلَمُ.\n(^٢) مُسْلِمٌ (٢٩٢٠).","vol":"1","page":44},{"text":"يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَيسَ كَمَا تَظُنُّونَ! إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لُقْمَان: ١٣]» (^١).\nوَالظُّلْمُ هُنَا فِي الحَدِيثِ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْي؛ فَتَعُمُّ كُلَّ ظُلْمٍ، وَلَكِنَّ الحَدِيثَ قَيَّدَهَا بِالشِّرْكِ؛ فَيَكُونُ العُمُومُ مَقْصُودًا بِهِ هُنَا عُمُومُ الشِّرْكُ.\nوَفِي الحَدِيثِ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: «الظُّلْمُ ثَلَاثَةٌ: فَظُلْمٌ لَا يَتْرُكُهُ اللهُ، وَظُلْمٌ يُغْفَرُ، وَظُلْمٌ لَا يُغْفَرُ. فَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لَا يُغْفَرُ؛ فَالشِّرْكُ، لَا يَغْفِرُهُ اللهُ، وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي يُغْفَرُ؛ فَظُلْمُ العَبْدِ فِيمَا بَينَهُ وَبَينَ رَبِّهِ، وَأَمَّا الَّذِي لَا يُتْرَكُ؛ فَقَصُّ اللهِ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ» (^٢).\n- وَجْهُ كَونِ الشِّرْكِ ظُلْمٌ: أَنَّ \"الظُّلْمَ وَضْعُ الشَّيءِ فِي غَيرِ مَوضِعِهِ، وَأَعْظَمُ ذَلِكَ: أَنْ يُوضَعَ المَخْلُوقُ فِي مَقَامِ الخَالِقِ؛ وَيُجْعَلَ شَرِيكًا لَهُ فِي الرُّبُوبِيَّةِ وَفِي الإِلَهِيَّةِ! سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ\" (^٣).\n- قَولُهُ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ أَي: أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ فِي الآخِرَةِ، وَهُمْ مُهْتَدُونَ فِي الدُّنْيَا (^٤).\n- قَولُ «أَشْهَدُ» أَي: أُقِرُّ نَاطِقًا بِلِسَانِي (^٥).\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٦٩٣٧)، وَمُسْلِمٌ (١٢٤).\n(^٢) حَسَنٌ. البَزَّارُ (١٣/ ١١٥)، وَالطَّيَالِسِيُّ (٢٢٢٣). الصَّحِيحَةُ (١٩٢٧).\n(^٣) (فَتْحُ البَارِي) للحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ الحَنْبَلِيِّ (١/ ١٤٤).\n(^٤) وَأَيضًا هُمْ مُهْتَدُونَ إِلَى الجَنَّةِ فِي الآخِرَةِ.\n(^٥) قَالَ ابْنُ أَبِي العِزِّ الحَنَفِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ (ص ٩٠):\n\"وَعِبَارَاتُ السَّلَفِ فِي (شَهِدَ) تَدُورُ عَلَى الحُكْمِ وَالقَضَاءِ وَالإِعْلَامِ وَالبَيَانِ وَالإِخْبَارِ، وَهَذِهِ الأَقْوَالُ\n=","vol":"1","page":45},{"text":"- قَولُهُ: «عَبْدُ اللهِ» رَدٌ عَلَى النَّصَارَى؛ حَيثُ عَبَدُوا عِيسَى ﵊، وَقَولُهُ: «وَرَسُولُهُ» رَدٌ عَلَى اليَهُودِ؛ حَيثُ كَذَّبُوا بِنُبُوَّةِ عِيسَى ﵊.\n- قَولُهُ: «وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا» أَي: خُلِقَ بِكَلِمَةِ ﴿كُنْ﴾، وَالإِضَافَةُ هُنَا لِلتَّشْرِيفِ.\n- قَولُهُ: «وَرُوحٌ مِنْهُ» أَي أنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ عِيسَى ﵊ كَغَيرِهِ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ جَسَدٍ وَرُوحٍ؛ وَلَكِنَّهُ أَضَافَ رُوحَهُ إِلَيهِ تَشْرِيفًا لَهُ وَتَكْرِيمًا، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى فِي آدَمَ: ﴿فَإِذَا سَوَّيتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحِجْر: ٢٩]، فَـ ﴿مِنْ﴾ هُنَا هِيَ لِلابْتِدَاءِ وَلَيسَتْ لِلتَّبْعِيضِ!\nوَمَفَادُ الإِضَافَةِ هُنَا التَّشْرِيفُ وَالتَّكْرِيمُ، وَرَدٌّ عَلَى اليَهُودِ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُ ابْنُ زِنَى! فَالتَّشْرِيفُ فِي هَذَا المَقَامِ هُوَ تَطْهِيرٌ لَهُ مِنْ زَعْمِهِم ذَلِكَ (^١)، فَلَيسَ فِيهَا مُتَمَسَّكٌ لِلنَّصَارَى -الضَّالِّينَ- فِي زَعْمِهِم أَنَّهُ جُزْءٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى! وَالعِيَاذُ بِاللهِ، بَلْ نَزِيدُهُم\n_________\n=\nكُلُّهَا حَقٌّ لَا تَنَافِيَ بَينَهَا؛ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ تَتَضَمَّنُ كَلَامَ الشَّاهِدِ وَخَبَرَهُ، وَتَتَضَمَّنُ إِعْلَامَهُ وَإِخْبَارَهُ وَبَيَانَهُ.\nفَلَهَا أَرْبَعُ مَرَاتِبَ:\nفَأَوَّلُ مَرَاتِبِهَا: عِلْمٌ وَمَعْرِفَةٌ وَاعْتِقَادٌ لِصِحَّةِ المَشْهُودِ بِهِ وَثُبُوتِهِ.\nوَثَانِيهَا: تَكَلُّمُهُ بِذَلِكَ -وَإِنْ لَمْ يُعْلِمْ بِهِ غَيرَهُ- بَلْ يَتَكَلَّمُ بِهَا مَعَ نَفْسِهِ، وَيَتَذَكَّرُهَا، وَيَنْطِقُ بِهَا أَو يَكْتُبُهَا.\nوَثَالِثُهَا: أَنْ يُعْلِمَ غَيرَهُ بِمَا يَشْهَدُ بِهِ، وَيُخْبِرَهُ بِهِ، وَيُبَيِّنَهُ لَهُ.\nوَرَابِعُهَا: أَنْ يُلْزِمَهُ بِمَضْمُونِهَا وَيَأْمُرَهُ بِهَا\".\n(^١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٢/ ٤٧٩): \"فَقَولُهُ فِي الآيَةِ وَالحَدِيثِ: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ كَقَولِهِ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجَاثِيَة: ١٣]، أَي: مِنْ خَلْقِهِ وَمِنْ عِنْدِهِ، وَلَيسَتْ (مِنْ) لِلتَّبْعِيضِ! كَمَا تَقُولُهُ النَّصَارَى -عَلَيهِمْ لَعَائِنُ اللهِ المُتَتَابِعَةُ-، بَلْ هِيَ لِابْتِدَاءِ الغَايَةِ، كَمَا فِي الآيَةِ الأُخْرَى، وَقَدْ قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَولِهِ: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أَي: وَرَسُولٌ مِنْهُ. وَقَالَ غَيرُهُ: وَمَحَبَّةٌ مِنْهُ. وَالأَظْهَرُ الأَوَّلُ؛ أنَّه مَخْلُوقٌ مِنْ رُوحٍ مَخْلُوقَةٍ؛ وَأُضِيفَتِ الرُّوحُ إِلَى اللهِ عَلَى وَجْهِ التَّشْرِيفِ كَمَا أُضِيفَتِ النَّاقَةُ وَالبَيتُ إِلَى اللهِ فِي قَولِهِ: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾ [هُود: ٦٤]، وَفِي قَولِهِ: ﴿وَطَهِّرْ بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحَجِّ: ٢٦] \".","vol":"1","page":46},{"text":"إِفْحَامًا بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عِمْرَان: ٥٩] (^١).\n- قَولُهُ: «أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ العَمَلِ» يَعْنِي عَلَى الَّذِي كَانَ عَلَيهِ مِنَ العَمَلِ -وَلَو كَانَ مقصِّرًا فِيهِ وَعِنْدَهُ ذُنُوبٌ وَعِصْيَانٌ-.\nوَقَرِيبٌ مِنْهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا: «لَقِّنُوا مَوتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ فَإِنَّهُ مَنْ كانَ آخِرَ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ -عِنْدَ المَوتِ- دَخَلَ الجَنَّة يَومًا مِنَ الدَّهْرِ؛ وَإِنْ أَصَابَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَا أَصَابَهُ» (^٢).\n- قَولُهُ: «حَرَّمَ عَلَى النَّارِ» إِنَّ التَحْرِيمَ عَلَى النَّارِ فِي نُصُوصِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يَأْتِي عَلَى دَرَجَتَينِ:\n١ - تَحْرِيمٌ مُؤَبَّدٌ (مُطْلَقٌ): فَهُوَ لَا يَدْخُلُهَا أَبَدًا لِأَنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ.\n٢ - تَحْرِيمٌ بَعْدَ أَمَدٍ: أَي رُبَّمَا يَدْخُلُهَا ثُمَّ يَحْرُمُ عَلَيهِ البَقَاءُ فِيهَا.\nوَالحَدِيثُ هُنَا يَحْتَمِلُ الدَّرَجَتِينِ وَلَكِنْ بِتَوجِيهِ كَلِمَةِ التَّوحِيدِ مِنْ جِهَةِ كَمَالِهَا، وَمِنْ جِهَةِ آخَرِ مَا كَانَ عَلَيهِ مِنْ شَأْنِهَا (^٣).\n_________\n(^١) وَمِثْلُهُ قَولُهُ تَعَالَى فِي سُورَة مَرْيَمَ عَنْ جِبْرِيلَ ﵇: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مَرْيَم: ١٦ - ١٩]، فَانْظُرْ كَيفَ وَصَفَهُ اللهُ تَعَالَى بِقَولِهِ: ﴿رُوحَنَا﴾ -مُضَافًا إِلَى جَنَابِهِ تَعَالَى- ثُمَّ انْظُرْ كَيفَ قَالَ جِبْرِيلُ ﵇: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾.\n(^٢) صَحِيحُ مُسْلِمِ (٩١٦)، وَاللَّفْظُ بِتَمَامِهِ لِابْنِ حِبَّانَ (٣٠٠٤).\nوَبِنَحْوِهَا أَحَادِيثُ الشَّفَاعَةِ الَّتِي فِيهَا خُرُوجُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ التَّوحِيدِ مِنَ النَّارِ بَعْدَ أَنْ دَخَلُوهَا بِذُنُوبِهِم.\n(^٣) قَالَ البُخَارِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِهِ (٧/ ١٤٩) عَقِبَ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الَّذِي فِيهِ: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟» \"هَذَا عِنْدَ المَوتِ، أَو قَبْلَهُ إِذَا تَابَ وَنَدِمَ وَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؛ غُفِرَ لَهُ\".","vol":"1","page":47},{"text":"فَمَنْ مَاتَ عَلَيهَا مُخْلِصًا بِهَا مِنْ قَلْبِهِ؛ مُنَزِّهًا قَلْبَهُ عَنِ الإِصْرَارِ عَلَى المَعَاصِي؛ فَهُوَ الَّذِي يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ مُطْلَقًا، خِلَافًا لِمَنْ مَاتَ عَلَيهَا وَلَكِنْ لَمْ يَكْمُلْ تَوحِيدُ قَلْبِهِ؛ وَلَمْ يُنَزِّهْهُ عَنْ مَحَبَّةِ المَعَاصِي؛ وَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا.\n- حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ هُنَا ضَعِيفُ الإِسْنَادِ (^١)، وَيُغْنِي عَنْهُ حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو مَرْفُوعًا: أَنَّ نُوحًا أَوصَى ابْنَهُ؛ فَقَالَ: «آمُرُكَ بلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ فَإِنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَالأَرَضِينَ السَّبْعَ لَو وُضِعْنَ فِي كِفَّةٍ، وَوُضِعَتْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فِي كِفَّةٍ أُخْرَى لَرَجَحَتْ بِهِنَّ» (^٢).\n- إِنَّ هَذَا الفَضْلَ العَظِيمَ لِكَلِمَةِ التَّوحِيدِ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ قَوِيَتْ فِي قَلْبِهِ وَأَتَى بِكَمَالِهَا، وَهَذِهِ القُوَّةُ هِيَ الَّتِي تَحْرِقُ مَا يُقَابِلُهَا مِنَ الذُّنُوبِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الخَلَائِقِ يَومَ القِيَامَةِ؛ فَيَنْشُرُ عَلَيهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ البَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيئًا؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الحَافِظُونَ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً؛ فَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيكَ اليَومَ، فَتَخْرُجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ: احْضُرْ وَزْنَكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ مَا هَذِهِ البِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلاَّتِ؟! فَقَالَ: إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ، قَالَ: فَتُوضَعُ السِّجِلاَّتُ فِي كَفَّةٍ وَالبِطَاقَةُ فِي كَفَّةٍ؛ فَطَاشَتِ السِّجِلاَّتُ، وَثَقُلَتِ البِطَاقَةُ؛ فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللهِ شَيءٌ» (^٣).\n_________\n(^١) سَبَقَ ذِكْرُ وَجْهِ ضَعْفِهِ.\n(^٢) صَحِيحٌ. الأَدَبُ المُفْرَدُ (٥٤٨). صَحِيحُ الأَدَبِ المُفْرَدِ (٤٢٦).\n(^٣) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٦٣٩). الصَّحِيحَةُ (١٣٥).","vol":"1","page":48},{"text":"قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: \"مَنْ جَاءَ مَعَ التَّوحِيدِ بِقُرَابِ الأَرْضِ -وَهُوَ مِلْؤُهَا أَو مَا يُقَارِبُ مِلْأَهَا- خَطَايَا، لَقِيَهُ اللهُ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً، لَكِنْ هَذَا مَعَ مَشِيئَةِ اللهِ ﷿، فَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِذُنُوبِهِ، ثُمَّ كَانَ عَاقِبَتُهُ أَنْ لَا يُخَلَّدَ فِي النَّارِ، بَلْ يَخْرُجُ مِنْهَا، ثُمَّ يَدْخُلُ الجَنَّةَ. قَالَ بَعْضُهُمْ: المُوَحِّدُ لَا يُلْقَى فِي النَّارِ كَمَا يُلْقَى الكُفَّارُ، وَلَا يَلْقَى فِيهَا مَا يَلْقَى الكُفَّارُ، وَلَا يَبْقَى فِيهَا كَمَا يَبْقَى الكُفَّارُ، فَإِنْ كَمُلَ تَوحِيدُ العَبْدِ وَإِخْلَاصُهُ لِلَّهِ فِيهِ، وَقَامَ بِشُرُوطِهِ كُلِّهَا بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَجَوَارِحِهِ، أَو بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ عِنْدَ المَوتِ؛ أَوجَبَ ذَلِكَ مَغْفِرَةَ مَا سَلَفَ مِنَ الذُّنُوبِ كُلِّهَا، وَمَنَعَهُ مِنْ دُخُولِ النَّارِ بِالكُلِّيَّةِ، فَمَنْ تَحَقَّقَ بِكَلِمَةِ التَّوحِيدِ قَلْبُهُ؛ أَخْرَجَتْ مِنْهُ كُلَّ مَا سِوَى اللهِ مَحَبَّةً وَتَعْظِيمًا وَإِجْلَالًا وَمَهَابَةً وَخَشْيَةً وَرَجَاءً وَتَوَكُّلًا، وَحِينَئِذٍ تُحْرَقُ ذُنُوبُهُ وَخَطَايَاهُ كُلُّهَا -وَلَو كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ-، وَرُبَّمَا قَلَبَتْهَا حَسَنَاتٍ -كَمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي تَبْدِيلِ السَّيِّئَاتِ حَسَنَاتٍ-، فَإِنَّ هَذَا التَّوحِيدَ هُوَ الإِكْسِيرُ الأَعْظَمُ، فَلَو وُضِعَتْ مِنْهُ ذَرَّةٌ عَلَى جِبَالِ الذُّنُوبِ وَالخَطَايَا لَقَلَبَهَا حَسَنَاتٍ\" (^١).\n- شَهَادَةُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ تَسْتَلْزِمُ أُمُورًا؛ مِنْهَا:\n١ - تَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ -إِذَا ثَبَتَتْ نِسْبَتُهُ إِلَيهِ-.\n٢ - امْتِثَالُ أَمْرِهِ دُونَ تَرَدُّدٍ.\nوَمِنَ التَّرَدُّدِ المَذْمُومِ: التَّوَقُّفُ عَنِ الامْتِثَالِ وَالتَّطْبِيقِ إِلَى أَنْ يَعْلَمَ هَلِ الأَمْرُ لِلوُجُوبِ أَمْ لِلاسْتِحْبَابِ! وَأَيضًا: التَّوَقُّفُ عَنِ الامْتِثَالِ حَتَّى يَعْلَمَ مَا مَوقِفُ المَذْهَبِ الفُلَانِيِّ مِنْهُ!\n_________\n(^١) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ٤١٧) عِنْدَ شَرْحِ الحَدِيثِ الثَّانِي وَالأَرْبَعِينَ.","vol":"1","page":49},{"text":"٣ - اجْتِنَابُ نَهْيِهِ دُونَ تَرَدُّدٍ، وَالحَذَرُ مِنْ قَولِ: \"هَذَا لَيسَ فِي القُرْآنِ\"! لِقَولِهِ ﵊: «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ؛ يَأْتِيهِ الأَمْرُ مِنْ أَمْرِي -مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ وَنَهَيتُ عَنْهُ- فَيَقُولُ: لَا نَدْرِي، وَمَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللهِ اتَّبَعْنَاهُ» (^١).\n٤ - أَنْ لَا يُقدِّمَ قَولَ أَحَدٍ مِنَ البَشَرِ عَلَى قَولِهِ ﷺ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁: (مِنْ هَهُنَا تَرِدُونَ، نَجِيئُكُمْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ؛ وَتَجِيئُونَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ!) (^٢).\n٥ - أَنْ لَا يَبْتَدِعَ فِي شَرْعِهِ ﷺ.\nوَقَدْ نَقَلَ الشَّاطِبِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (الاعْتِصَامُ) عَنْ مَالِكٍ قَولَهُ: \"مَنِ ابْتَدَعَ فِي الإِسْلَامِ بِدْعَةً يَرَاهَا حَسَنَةً؛ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا خَانَ الرِّسَالَةَ! لِأَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المَائِدَة: ٣]، فَمَا لَمْ يَكُنْ يَومَئِذٍ دِينًا؛ فَلَا يَكُونُ اليَومَ دِينًا\" (^٣).\n٦ - أَنْ لَا يَغْلَوَ فِيهِ ﷺ؛ فَيُعْطِيَهُ مِنْ صِفَاتِ الرُّبُوبِيَّة شَيءٌ -كَالنَّفْعِ وَالضُّرِّ مَثَلًا-!\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٣٨٧٦) عَنِ أَبِي رَافِعٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٧١٧٢).\n(^٢) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٣١٢١)، وَلَفْظُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: (تَمَتَّعَ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيرِ: (نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنِ المُتْعَةِ). فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (مَا يَقُولُ عُرَيَّةُ؟) قَالَ: (يَقُولُ نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنِ المُتْعَةِ). فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (أُرَاهُمْ سَيَهْلِكُونَ؛ أَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ؛ وَيَقُولُ: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ!). قَالَ الشَّيخُ صَالِحُ آلِ الشَّيخِ حَفِظَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ (التَّمْهِيدُ) (ص ٤١٧): \"بِإِسْنَادٍ صَحَيحٍ\".\nوَأَورَدَهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ العَسْقَلَانِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ المَطَالِبُ العَالِيَةُ (٧/ ٩٦) فَقَالَ: قَالَ إِسْحَاقُ: نَا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيكَةَ قَالَ: قَالَ عُرْوَةُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: (وَيحَكَ أَضَلَلْتَ! تَأْمُرُنَا بِالعُمْرَةِ فِي العَشْرِ وَلَيسَ فِيهِنَّ عُمْرَةٌ!) فَقَالَ: (يَا عُرَيُّ؛ فَسَلْ أُمَّكَ). قَالَ: (إِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَمْ يَقُولَا ذَلِكَ! وَكَانَا أَعْلَمَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَتْبَعَ لَهُ مِنْكَ). فَقَالَ: (مِنْ هَهُنَا تَرِدُونَ؛ نَجِيئُكُمْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَتَجِيئُونَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ!). سَنَدُهُ صَحِيحٌ، وَبَعْضُهُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالعُمْرَةِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ.\n(^٣) الاعْتِصَامُ (١/ ٦٤).","vol":"1","page":50},{"text":"قَالَ تَعَالَى عَنْهُ: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأَعْرَاف: ١٨٨] (^١).\n- قَولُهُ: (لَا تُشْرِكُ بِي شَيئًا): (شَيئًا) نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْي تُفِيدُ العُمُومَ؛ أَي: لَا شِرْكًا أَصْغَرَ وَلَا شِرْكًا أَكْبَرَ.\n- فَائِدَة ١: إنَّ الحَدِيثَ فِيهِ بَيَانُ مَغْفِرَةِ اللهِ تَعَالَى لِلذُّنُوبِ وَلَو كَانَتْ بِمِقْدَارِ الأَرْضِ، ولَكِنَّ هَذَا مُقَيَّدٌ بِأُمُورٍ:\n١ - أَنْ لَا يُشْرِكَ بِاللهِ تَعَالَى شَيئًا (^٢).\n٢ - أَنْ يَمُوتَ عَلَى ذَلِكَ لِقَولِهِ: «لَقِيتَنِي».\n٣ - أَنَّ ذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِالمَشِيئَةِ لِقَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النِّسَاء: ٤٨].\n- فَائِدَة ٢: اعْلَمْ أَنَّ مَا أَضَافَهُ اللهُ تَعَالَى إِلَى نَفْسِهِ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ (^٣):\n_________\n(^١) لَمْ نَتَعَرَّضْ لِمَا تَسْتَلْزِمُهُ (شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) بِخُصُوصِهَا؛ لِأَنَّ كِتَابَ التَّوحِيدِ هَذَا -إِجْمَالًا- قَائِمٌ عَلَى بَيَانِهَا وَتَوضِيحِهَا.\n(^٢) وَأَيضًا؛ فَإِنَّ التَّوحِيدَ هُوَ سَبَبُ الشَّفَاعَاتِ، فَكُلَّمَا قَوِيَ التَّوحِيدُ كُلَّمَا زَادَتِ الشَّفَاعَةُ فِي حَقَّ العَبْدِ بِفَضْلِ اللهِ تَعَالَى، كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ (٩٩) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ: «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَومَ القِيَامَةِ: مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَو نَفْسِهِ».\n(^٣) بِتَصَرُّفٍ مِنْ كِتَابِ الجَوَابُ الصَّحِيحُ لِمَنْ بَدَّلَ دِينَ المَسِيحِ (٤/ ٧١) لِشَيخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.\nوَسَبَبُ الاشْتِبَاهِ فِي مِثْلِ هَذِهِ المَسَائِلِ هُوَ أَنَّهُ يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ لُغَةً عَنِ المَفْعُولِ بِالصِّفَةِ، فَالمَطَرُ مَفْعُولٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى يَرْحَمُ بِهِ عِبَادَهُ، وَيَصِحُّ بِذَلِكَ وَصْفُ المَطَرِ بِأَنَّهُ رَحْمَةُ اللهِ؛ فَهُوَ مَخْلُوقٌ وَلَيسَ بِصِفَةٍ لَهُ سُبْحَانَهُ، وكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى -عَنْ صِفَةِ الخَلْقِ مَثَلًا-: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [لُقْمَان: ١١]، وَلَكِنَّهُ فِي مَقَامٍ آخَرَ وَاعْتِبَارٍ آخَرَ يَكُونُ صِفَةً لَهُ\n=","vol":"1","page":51},{"text":"١ - مَا كَانَ عَينًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ؛ فَهُوَ مَخْلُوقٌ، وَالإِضَافَةُ فِيهَا لَهَا حَالَتَانِ:\nأ- عَامَّةٌ: مِنْ بَابِ إِضَافَةِ المَخْلُوقِ إِلَى خَالِقِهِ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجَاثِيَة: ١٣]، وَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العَنْكَبُوت: ٥٦].\nب- خَاصَّةٌ: لِلتَّشْرِيفِ -رُغْمَ كَونِهِ مَشْمُولًا بِعُمُومِ الإِضَافَةِ السَّابِقِ ذِكْرُهَا-؛ كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيئًا وَطَهِّرْ بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحَجّ: ٢٦]، وَكَقَولِهِ تَعَالَى عَنْ عِيسَى ﵇: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النِّسَاء: ١٧١]، فَهَذِهِ الإِضَافَةُ أَيضًا لِلتَّشْرِيفِ وَالتَّزْكِيَةِ، وَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشَّمْس: ١٣].\n٢ - مَا كَانَ وَصْفًا لِعَينٍ مَخْلُوقَةٍ يَقُومُ بِهَا ذَلِكَ المَعْنَى، وَهَذَا القِسْمُ مَخْلُوقٌ أَيضًا (^١).\n٣ - مَا كَانَ وَصْفًا لَا يَقُومُ بِغَيرِهِ تَعَالَى -كَالمَحَبَّةِ وَالكَلَامِ وَالرِّضَى وَالغَضَبِ-، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيتُكَ وَكُنْ\n_________\n=\nسُبْحَانَهُ وَلَيسَتْ مَخْلُوقَةً.\nوَقَدْ أَشَارَ البُخَارِيُّ ﵀ إِلَى ذَلِكَ في صَحِيحِهِ (٩/ ١٣٤) فَقَالَ: \"بَابُ مَا جَاءَ فِي تَخْلِيقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَغَيرِهَا مِنَ الخَلَائِقِ، وَهُوَ فِعْلُ الرَّبِّ ﵎ وَأَمْرُهُ، فَالرَّبُّ بِصِفَاتِهِ وَفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ وَكَلَامِهِ -وَهُوَ الخَالِقُ المُكَوِّنُ-: غَيرُ مَخْلُوقٍ، وَمَا كَانَ بِفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ وَتَخْلِيقِهِ وَتَكْوِينِهِ فَهُوَ مَفْعُولٌ مَخْلُوقٌ مُكَوَّنٌ\".\n(^١) قُلْتُ: كَقَولِهِ تَعَالَى لِمُوسَى ﵇: ﴿وَأَلْقَيتُ عَلَيكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طَه: ٣٩]، فَهَذِهِ المَحَبَّةُ الَّتِي جَعَلَهَا اللهُ تَعَالَى فِي قُلُوبِ النَّاسِ لِمُوسَى ﷺ أَضَافَهَا اللهُ تَعَالَى لِنَفْسِهِ، فَهِي لِلتَّشْرِيفِ وَالتَّزْكِيَةِ، وَهِيَ مَعْنىً قَائِمٌ فِي قُلُوبِ النَّاسِ.","vol":"1","page":52},{"text":"مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٤٤]، فَالرِّسَالَةُ وَالكَلَامُ أُضِيفَتَا إِلَى اللهِ تَعَالَى مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الصِّفَةِ إِلَى المَوصُوفِ، فَهِيَ لَيسَتْ عَينًا، وَلَا صِفَةً قَائِمَةً بِمَخْلُوقٍ؛ فَتَكُونُ هَذِهِ الصِّفَةُ غَيرَ مَخْلُوقَةٍ لِأَنَّهَا صِفَةُ الخَالِقِ تَعَالَى (^١).\n_________\n(^١) وَانْظُرْ كِتَابَ القَولُ المُفِيدُ (١/ ٧٥) للشَّيخِ ابْنِ عُثَيمِين رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، وَفِيهِ أَيضًا: \"فَالأَعْيَانُ القَائِمَةُ بِنَفْسِهَا وَالمتَّصِلُ بِهَا (مِنَ الصِّفَاتِ) مَخْلُوقَةٌ، وَالوَصْفُ الَّذِي لَمْ يُذْكَرْ لَهُ عَينٌ تَقُومُ بِهِ غَيرُ مَخْلُوقٍ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مِنْ صِفَاتِ اللهِ، وَصِفَاتُ اللهِ غَيرُ مَخْلُوقَةٍ\".","vol":"1","page":53},{"text":"<span data-type='title' id=toc-25>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-26> مَسْأَلَةٌ: تَوَاتَرَتِ الأَحَادِيثُ بِأَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يَقُولُ: \"لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ\" يَدْخُلُ النَّارَ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهَا؛ فكَيفَ الجَمْعُ </span>مَعَ حَدِيثِ عِتْبَانَ الَّذِي فِيهِ بأَنَّ اللهَ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: \"لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ\"؟\nالجَوَابُ:\nإِنَّ الَّذِي يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ هُوَ صَاحِبُ الإِخْلَاصِ وَاليَقِينِ فِيهَا؛ الَّذِي يَتَبَرَّأُ بِهَا مِنْ جَمِيعِ مَعَاصِيهِ؛ \"فِإِنَّهُ إِذَا قَالَهَا بِإِخْلَاصٍ وَيَقِينٍ تَامٍّ لَمْ يَكُنْ فِي هَذِهِ الحَالِ مُصِرًّا عَلَى ذَنْبٍ أَصْلًا، فَإِنَّ كَمَالَ إِخْلَاصِهِ وَيَقِينِهِ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ اللهُ أَحَبَّ إِلَيهِ مِنْ كُلِّ شَيءٍ، فَإِذًا لَا يَبْقَى فِي قَلْبِهِ إِرَادَةٌ لِمَا حَرَّمَ اللهُ، وَلَا كَرَاهَةٌ لِمَا أَمَرَ اللهُ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ -وَإِنْ كَانَتْ لَهُ ذُنُوبٌ قَبْلَ ذَلِكَ-، فَإِنَّ هَذَا الإِيمَانَ وَهَذَا الإِخْلَاصَ وَهَذِهِ التَّوبَةَ وَهَذِهِ المَحَبَّةَ وَهَذَا اليَقِينَ؛ لَا يَتْرُكُ لَهُ ذَنْبًا إِلَّا مُحِيَ عَنْهُ كَمَا يَمْحُو اللَّيلُ النَّهَارَ، فَإِذَا قَالَهَا عَلَى وَجْهِ الكَمَالِ -المَانِعِ مِنَ الشِّرْكِ الأَكْبَرِ وَالأَصْغَرِ-؛ فَهَذَا غَيرُ مُصِرٍّ عَلَى ذَنْبٍ أَصْلًا؛ فَيُغْفَرُ لَهُ وَيَحْرُمُ عَلَى النَّارِ\" (^١) (^٢).\n_________\n(^١) نَقَلَهُ مُلَخَّصًا الشَّيخُ عَبْدُ الرَّحْمَن بْنُ حَسَن آل الشَّيخ ﵀ عَنْ شَيخِ الإِسْلَامِ. فَتْحِ المَجِيدِ (ص ٤٧).\n(^٢) وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (١/ ٥٢٤) -عِنْدَ شَرْحِ الحَدِيثِ الخَامِسِ وَالعِشْرِينَ-: \"فَإِنَّ تَحَقُّقَ القَلْبِ بِمَعْنَى (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وَصِدْقَهُ فِيهَا، وَإِخْلَاصَهُ بِهَا يَقْتَضِي أَنْ يَرْسَخَ فِيهِ تَأَلُّهَ اللهِ وَحْدَهُ إِجْلَالًا؛ وَهَيبَةً؛ وَمَخَافَةً؛ وَمَحَبَّةً؛ وَرَجَاءً؛ وَتَعْظِيمًا؛ وَتَوَكُّلًا؛ وَيَمْتَلِئَ بِذَلِكَ، وَيَنْتَفِيَ عَنْهُ تَأْلُّهُ مَا سِوَاهُ مِنَ المَخْلُوقِينَ، وَمَتَى كَانَ كَذَلِكَ؛ لَمْ يَبْقَ فِيهِ مَحَبَّةٌ وَلَا إِرَادَةٌ وَلَا طَلَبٌ لِغَيرِ مَا يُرِيدُ اللهُ وَيُحِبُّهُ وَيَطْلُبُهُ، وَيَنْتَفِي بِذَلِكَ مِنَ القَلْبِ جَمِيعُ أَهْوَاءِ النُّفُوسِ وَإِرَادَاتِهَا وَوَسَاوِسُ الشَّيطَانِ، فَمَنْ أَحَبَّ شَيئًا وَأَطَاعَهُ؛ وَأَحَبَّ عَلَيهِ وَأَبْغَضَ عَلَيهِ؛ فَهُوَ إِلَهُهُ، فَمَنْ كَانَ لَا يُحِبُّ وَلَا يُبْغِضُ إِلَّا لِلَّهِ،\n=","vol":"1","page":54},{"text":"_________\n=\nوَلَا يُوَالِي وَلَا يُعَادِي إِلَّا لَهُ؛ فَاللَّهُ إِلَهُهُ حَقًّا، وَمَنْ أَحَبَّ لِهَوَاهُ، وَأَبْغَضَ لَهُ، وَوَالَى عَلَيهِ، وَعَادَى عَلَيهِ؛ فَإِلَهُهُ هَوَاهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجَاثِيَة: ٢٣]، قَالَ الحَسَنُ: هُوَ الَّذِي لَا يَهْوَى شَيئًا إِلَّا رَكِبَهُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ الَّذِي كُلَّمَا هَوَى شَيئًا رَكِبَهُ، وَكُلَّمَا اشْتَهَى شَيئًا أَتَاهُ، لَا يَحْجِزُهُ عَنْ ذَلِكَ وَرَعٌ وَلَا تَقْوًى!\nوَيُرْوَى مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا: «مَا تَحْتَ ظِلِّ السَّمَاءِ إِلَهٌ يُعْبَدُ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ مِنْ هَوًى مُتَّبَعٍ»، وَكَذَلِكَ مَنْ أَطَاعَ الشَّيطَانَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ؛ فَقَدْ عَبَدَهُ، كَمَا قَالَ ﷿: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يَس: ٦٠].\nفَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَحْقِيقُ مَعْنَى قَولِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَكُنْ فِي قَلْبِهِ إِصْرَارٌ عَلَى مَحَبَّةِ مَا يَكْرَهُهُ اللهُ، وَلَا عَلَى إِرَادَةِ مَا لَا يُرِيدُهُ اللهُ، وَمَتَى كَانَ فِي القَلْبِ شَيءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ كَانَ ذَلِكَ نَقْصًا فِي التَّوحِيدِ، وَهُوَ نَوعٌ مِنَ الشِّرْكِ الخَفِيِّ، وَلِهَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا﴾ [الأَنْعَامِ: ١٥١] قَالَ: لَا تُحِبُّوا غَيرِي.\nوَفِي صَحِيحِ الحَاكِمِ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ قَالَ: «الشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ الذَّرِّ عَلَى الصَّفَا فِي اللَّيلَةِ الظَّلْمَاءِ، وَأَدْنَاهُ أَنْ تُحِبَّ عَلَى شَيءٍ مِنَ الجَورِ، وَتُبْغِضَ عَلَى شَيءٍ مِنَ العَدْلِ، وَهَلِ الدِّينُ إِلَّا الحُبُّ وَالبُغْضُ؟ قَالَ اللهُ ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٣١]»، وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ مَحَبَّةَ مَا يَكْرَهُهُ اللهُ وَبُغْضَ مَا يُحِبُّهُ؛ مُتَابَعَةٌ لِلْهَوَى، وَالمُوَالَاةُ عَلَى ذَلِكَ وَالمُعَادَاةُ عَلَيهِ مِنَ الشِّرْكِ الخَفِيِّ.\nوَخَرَّجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: «لَا تَزَالُ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) تَمْنَعُ العِبَادَ مِنْ سُخْطِ اللهِ مَا لَمْ يُؤْثِرُوا دُنْيَاهُمْ عَلَى صَفْقَةِ دِينِهِمْ، فَإِذَا آثَرُوا صَفْقَةَ دُنْيَاهُمْ عَلَى دِينِهِمْ ثُمَّ قَالُوا: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) رُدَّتْ عَلَيهِمْ، وَقَالَ اللهُ: كَذَبْتُمْ»، فَتَبَيَّنَ بِهَذَا مَعْنَى قَولِهِ ﷺ: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ -صَادِقًا مِنْ قَلْبِهِ-؛ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ»؛ وَأَنَّ مَنْ دَخَلَ النَّارَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ فَلِقِلَّةِ صِدْقِهِ فِي قَولِهَا، فَإِنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ إِذَا صَدَقَتْ طَهَّرَتْ مِنَ القَلْبِ كُلَّ مَا سِوَى اللهِ، فَمَنْ صَدَقَ فِي قَولِهِ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) لَمْ يُحِبَّ سِوَاهُ، وَلَمْ يَرْجُ إِلَّا إِيَّاهُ، وَلَمْ يَخْشَ أَحَدًا إِلَّا اللهَ، وَلَمْ يَتَوَكَّلْ إِلَّا عَلَى اللهِ، وَلَمْ تَبْقَ لَهُ بَقِيَّةٌ مِنْ إِيثَارِ نَفْسِهِ وَهَوَاهُ، وَمَتَى بَقِيَ فِي القَلْبِ أَثَرٌ لِسِوَى اللهِ، فَمِنْ قِلَّةِ الصِّدْقِ فِي قَولِهَا\".\nقُلْتُ: وحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ السَّابِقِ مَوضُوعٌ، رَوَاهُ الطَّبَرَاِنُّي فِي الكَبِيرِ (٨/ ١٠٣). ضَعِيفُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (٣٩)\n=","vol":"1","page":54},{"text":"بَابُ مَنْ حَقَّقَ التَّوحِيدَ دَخَلَ الجَنَّةَ بِغَيرِ حِسَابٍ\nوَقَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النَّحْل: ١٢٠].\nوَقَولُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ [المُؤْمِنُون: ٥٩].\nوَعَنْ حُصَينِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ؛ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ ﵁؛ فَقَالَ: أَيُّكُمْ رَأَى الكَوكَبَ الَّذِي انْقَضَّ البَارِحَةَ؟ قُلْتُ: أَنَا. ثُمَّ قُلْتُ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَكُنْ فِي صَلَاةٍ؛ وَلَكِنِّي لُدِغْتُ. قَالَ: فَمَاذَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: اَرْتقَيتُ. قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟ قُلْتُ: حَدِيثٌ حَدَّثَنَاهُ الشَّعْبِيُّ. قَالَ: وَمَا حَدَّثَكُمُ الشَّعْبِيُّ؟ قُلْتُ: حَدَّثَنَا عَنْ بُرَيدَةَ بْنِ الحُصَيبِ؛ أَنَّهُ قَالَ: لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَينٍ أَو حُمَةٍ. قَالَ: قَدْ أَحْسَنَ مَنِ انْتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ؛ وَلَكِنْ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قَالَ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فَرَأَيتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ وَلَيسَ مَعَهُ أَحَدٌ، إِذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي، فَقِيلَ لِي: هَذَا مُوسَىَ وَقَومُهُ، وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ، فَنَظَرْتُ؛ فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِي: هَذِهِ أُمَّتُكَ؛ وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ\n_________\n=\nوَحَدِيثُ «الشِّرْكُ أَخْفَى …» صَحِيحٌ مِنْهُ الشَّطْرُ الأَوَّلُ فَقَط. الحَاكِمُ (٣١٤٨) عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا. انْظُرِ التَّعْلِيقَ عَلَى حَدِيثِ الضَّعِيفَةِ (٣٧٥٥).\nوَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا السَّابِقِ فَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا. مُسْنَدُ أَبِي يَعْلَى (٤٠٣٤) بِتَحْقِيقُ الشَّيخِ حُسَينِ أَسَد حَفِظَهُ اللهُ.","vol":"1","page":56},{"text":"الجَنَّةَ بِغَيرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ». فنَهَضَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَخَاضَ النَّاسُ فِي أُولَئِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ صَحِبُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الإِسْلَامِ فَلَمْ يُشْرِكُوا بِاللهِ، وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ. فَخَرَجَ عَلَيهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ. فَقَالَ: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ»، فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: «أَنْتَ مِنْهُمْ»، ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَالَ: «سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ» (^١).\n_________\n(^١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٥٧٠٥)، وَمُسْلِمٌ (٢٢٠).\nوَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي التَّفْسِيرِ (٧/ ٥١٩): \"ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيرِ حِسَابٍ\".","vol":"1","page":57},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: مَعْرِفَةُ مَرَاتِبِ النَّاسِ فِي التَّوحِيدِ.\nالثَّانِيَةُ: مَا مَعْنَى تَحْقِيقِهِ.\nالثَّالِثَةُ: ثَنَاؤُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ بِكَونِهِ لَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ.\nالرَّابِعَةُ: ثَنَاؤُهُ عَلَى سَادَاتِ الأَولِيَاءِ بِسَلَامَتِهِمْ مِنَ الشِّرْكِ.\nالخَامِسَةُ: كَونُ تَرْكِ الرُّقْيَةِ وَالكَيِّ مِنْ تَحْقِيقِ التَّوحِيدِ.\nالسَّادِسَةُ: كَونُ الجَامِعِ لِتِلْكَ الخِصَالِ هُوَ التَّوَكُّلَ.\nالسَّابِعَةُ: عُمْقُ عِلْمِ الصَّحَابَةِ بِمَعْرِفَتِهِمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَنَالُوا ذَلِكَ إِلَّا بِعَمَلٍ.\nالثَّامِنَةُ: حِرْصُهُمْ عَلَى الخَيرِ.\nالتَّاسِعَةُ: فَضِيلَةُ هَذِهِ الأُمَّةِ بِالكَمِّيَّةِ وَالكَيفِيَّةِ.\nالعَاشِرَةُ: فَضِيلَةُ أَصْحَابِ مُوسَى.\nالحَادِيَةَ عَشْرَةَ: عَرْضُ الأُمَمِ عَلَيهِ ﵊.\nالثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ كُلَّ أُمَّةٍ تُحْشَرُ وَحْدَهَا مَعَ نَبِيِّهَا.\nالثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: قِلَّةُ مَنِ اسْتَجَابَ لِلْأَنْبِيَاءِ.\nالرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ مَنْ لَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ يَأْتِي وَحْدَهُ.\nالخَامِسَةَ عَشْرَةَ: ثَمَرَةُ هَذَا العِلْمِ؛ وَهُوَ عَدَمُ الِاغْتِرَارِ بِالكَثْرَةِ، وَعَدَمُ الزُّهْدِ فِي القِلَّةِ.\nالسَّادِسَةَ عَشْرَةَ: الرُّخْصَةُ فِي الرُّقْيَةِ مِنَ العَينِ وَالحُمَةِ.","vol":"1","page":58},{"text":"السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: عُمْقُ عِلْمِ السَّلَفِ؛ لِقَولِهِ: \"قَدْ أَحْسَنَ مَنِ انْتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ؛ وَلَكِنْ كَذَا وَكَذَا\"؛ فَعُلِمَ أَنَّ الحَدِيثَ الأَوَّلَ لَا يُخَالِفُ الثَّانِي.\nالثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: بُعْدُ السَّلَفِ عَنْ مَدْحِ الإِنْسَانِ بِمَا لَيسَ فِيهِ.\nالتَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: قَولُهُ: «أَنْتَ مِنْهُمْ» عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ.\nالعِشْرُونَ: فَضِيلَةُ عُكَّاشَةَ.\nالحَادِيَةُ وَالعِشْرُونَ: اسْتِعْمَالُ المَعَارِيضِ.\nالثَّانِيَةُ وَالعِشْرُونَ: حُسْنُ خُلُقِهِ ﷺ.","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type='title' id=toc-29>الشَّرْحُ</span>\n- هَذَا البَابُ أَرْفَعُ رُتْبَةً مِنَ البَابِ السَّابِقِ؛ فَإِنَّ فِيهِ: (مَنْ حَقَّقَ التَّوحِيدَ دَخَلَ الجَنَّةَ بِلَا حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ)، وَتَحْقِيقُ التَّوحِيدِ هُوَ تَصْفِيَةُ التَّوحِيدِ وَالشَّهَادَتَينِ مِنْ شَوَائِبِ الشِّرْكِ وَالبِدَعِ وَالمَعَاصِي.\nفَلَا يُكْتَفَى فِيهِ بِتَرْكِ شِرْكِ العُبُودِيَّةِ! بَلْ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ لَا يُشْرِكَ هَوَاهُ فِي الطَّاعَةِ، وَإِذَا أَشْرَكَ المَرْءُ هَوَاهُ أَتَى بِالبِدَعِ وَأَتَى بِالمَعْصِيَةِ، فَصَارَ نَفْيُ الشِّرْكِ هُنَا نَفْيًا لِلشِّرْكِ بِأَنْوَاعِهِ، وَنَفْيًا لِلبِدْعَةِ، وَنَفْيًا لِلمَعْصِيَةِ، وَهَذَا هُوَ تَحْقِيقُ التَّوحِيد للهِ تَعَالَى (^١).\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀: \"فَجَمِيعُ المَعَاصِي تَنْشَأُ مِنْ تَقْدِيمِ هَوَى النُّفُوسِ عَلَى مَحَبَّةِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَقَدْ وَصَفَ اللهُ المُشْرِكِينَ بِاتِّبَاعِ الهَوَى فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القَصَص: ٥٠]، وَكَذَلِكَ البِدَعُ؛ إِنَّمَا تَنْشَأُ مِنْ تَقْدِيمِ الهَوَى عَلَى الشَّرْعِ، وَلِهَذَا يُسَمَّى أَهْلُهَا أَهْلَ الأَهْوَاءِ، وَكَذَلِكَ المَعَاصِي إِنَّمَا تَقَعُ مِنْ تَقْدِيمِ الهَوَى عَلَى مَحَبَّةِ اللهِ وَمَحَبَّةِ مَا يُحِبُّهُ اللهُ\" (^٢).\n- قَولُهُ: «لَا يَسْتَرْقُونَ» أَي: لَا يَطْلُبُونَ الرُّقْيَةَ، وَالطَّالِبُ لِلرُّقْيَةِ فِي قَلْبِهِ مَيلٌ وَتَعَلُّقٌ بِالرَّاقِي حَتَّى يُرْفَعَ مَا بِهِ -أَي: مِنْ جِهَةِ السَّبَبِ-، وَهَذَا التَّعَلُّقُ يُنَافِي كَمَالَ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ ﷻ (^٣).\n_________\n(^١) بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ مِنْ كِتَابِ التَّمْهِيدُ (ص ٣٨) لِلشَّيخِ صَالِحِ آلِ الشَّيخِ حَفِظَهُ اللهُ.\n(^٢) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ٣٩٧) -شَرْحُ حَدِيثِ رَقَم (٤١) -.\n(^٣) أَي: الكَمَالَ المُسْتَحَبَّ، وَهَذَا لَا يَأْثَمُ بِهِ صَاحِبُهُ؛ لَكِنَّهُ خِلَافُ الأَكْمَلِ.","vol":"1","page":60},{"text":"وِإِنَّ مَنْ تَرَكَ طَلَبَ الرُّقْيَةِ -الَّتِي هِيَ فِي أَصْلِهَا جَائِزَةٌ- مِنْ رَجُلٍ حَيٍّ حَاضِرٍ قَادِرٍ عَلَيهَا؛ أَفَلَا يَكُونُ أَبْعَدَ عَنْ أَنْ يَطْلُبَ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيهِ إِلَّا اللهُ مِنْ غَيرِ اللهِ؛ مِنْ مَقْبُورٍ أَو غَائِبٍ؟؟ فَظَهَرَ بِذَلِكَ سِرُّ اسْتِحْبَابِ تَرْكِ طَلَبِ الرُّقْيَةِ؛ وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ كَمَالِ التَّوحِيدِ المُسْتَحَبِّ.\n- ذَكَرَ المُؤَلِّفُ فِي هَذَا البَابِ آيَتِينِ، وَمُنَاسَبَتُهُمَا لِلبَابِ: الإِشَارَةُ إِلَى تَحْقِيقِ التَّوحِيدِ، وَأَنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِانْتِفَاءِ الشِّرْكِ كُلِّهِ.\n- فِي ذِكْرِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ -هُنَا- بَيَانُ أَرْبَعِ صِفَاتٍ لَهُ، وَهِيَ:\n١ - أَنَّهُ كَانَ إِمَامًا، فَهُوَ قُدْوَةٌ لِغَيرِهِ فِي التَّوحِيدِ، فَقَدْ أَتَى بِكَمَالِ التَّوحِيدِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البَقَرَة: ١٢٤]، وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [المُمْتَحَنَة: ٤] (^١).\n_________\n(^١) قَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ ﵀: \"وَالفَرْقُ بَينَ الأُمَّةِ وَالإِمَامِ مِن وَجْهَينِ:\nأَحَدِهِمَا: أَنَّ الإِمَامَ كُلُّ مَا يُؤْتَمُّ بِهِ سَوَاءً كَانَ بِقَصْدِهِ وَشُعُورِهِ أَوْ لَا، وَمِنْهُ سُمِّيَ الطَّرِيقُ إِمَامًا كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيكَةِ لَظَالِمِينَ * فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [الحِجْر: ٧٨ - ٧٩] أَي: بِطَرِيقٍ وَاضِحٍ لَا يَخْفَى عَلَى السَّالِكِ، وَلَا يُسَمَّى الطَّرِيقُ أُمَّةً!\nالثَّانِي: أَنَّ الأُمَّةَ فِيهِ زِيَادَةُ مَعْنًى، وَهُوَ الَّذِي جَمَعَ صِفَاتِ الكَمَالِ مِن العِلْمِ وَالعَمَلِ بِحَيثُ بَقِيَ فِيهَا فَرْدًا وَحْدَهُ، فَهُوَ الجَامِعُ لِخِصَالٍ تَفَرَّقَتْ فِي غَيرِهِ، فَكَأَنَّهُ بَايَنَ غَيرَهُ بِاجْتِمَاعِهِا فِيهِ وَتَفَرُّقِهَا أَوْ عَدَمِهَا فِي غَيرِهِ، وَلَفْظُ (الأُمَّةُ) يُشْعِرُ بِهَذَا المَعْنَى لِمَا فِيهِ مِن المِيمِ المُضَعَّفَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الضَّمِّ بِمَخْرَجِهَا وَتَكْرِيرِهَا، وَكَذَلِكَ ضَمُّ أَوَّلِه؛ فَإِنَّ الضَّمَّةَ مِن الوَاوِ وَمَخْرَجِها يَنْضَمُّ عِنْدَ النُّطْقِ بِهَا، وَأَتَى بِالتَّاءِ الدَّالَّةِ عَلَى الوِحْدَةِ كَالغُرْفَةِ وَاللُّقْمَةِ، وَمِنْهُ الحَدِيثُ: «إِنَّ زَيدَ بنَ عَمرِو بْنِ نُفَيلٍ يُبْعَثُ يَومَ القِيَامَةِ أُمَّةً وَحْدَهُ»، فَالضَّمُّ وَالاجْتِمَاعُ لَازِمٌ لِمَعْنَى الأُمَّةِ، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الأُمَّةُ الَّتِي هِي آحَادُ الأُمَمِ لأَنَّهُم النَّاسُ المُجْتَمِعُونَ عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ أَو فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ\". مِفْتَاحُ دَارِ السَّعَادَةِ (١/ ١٧٤).\nقُلْتُ: وَالحَدِيثُ المَذْكُورُ رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى (٩٧٣)، وَأَوْرَدَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِ السِّيرَةِ (ص ٩٤).","vol":"1","page":61},{"text":"٢ - أَنَّهُ كَانَ قَانِتًا للهِ، أَي: دَائِمَ الطَّاعَةِ للهِ.\n٣ - أَنَّهُ كَانَ حَنِيفًا (^١)؛ أَي: مَائِلًا عَنْ سَبِيلِ المُشْرِكِينَ؛ وَالَّذِي هُوَ الابْتِدَاعُ وَالقَولُ عَلَى اللهِ بِلَا عِلْمٍ.\n٤ - أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَهُوَ لَمْ يَجْعَلْ مَعَ اللهِ مَعْبُودًا آخَرَ.\nفَفِي الآيَةِ التَّنْبِيهُ عَلَى إِمَامَتِهِ، وَذَلِكَ لِكَونِهِ دَائِمَ الطَّاعَةِ للهِ تَعَالَى؛ مُوَافِقًا لِشِرْعَةِ رَبِّهِ؛ غَيرَ مُشْرِكٍ بِهِ، وَإِنَّ التَّنْبِيهَ عَلَى إِمَامَتِهِ هُوَ إِرْشَادٌ إِلَى تَمَامِ الدِّينِ بِذَلِكَ.\n- لَا بُدَّ مِنَ العِلْمِ أَنَّ ثَنَاءَ اللهِ تَعَالَى عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ لَا يُقْصَدُ مِنْهُ مُجَرَّدُ الثَّنَاءِ عَلَيهِ، وَلَكِنْ يُقْصَدُ بِهِ أَيضًا مَحَبَّتُهُ، وَالاقْتِدَاءُ بِهِ.\n- الحُمَةُ -بِضَمِّ الحَاءِ المُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ المِيمِ-: هِيَ سُمُّ العَقْرَبِ وَشَبَهُهَا.\n- فِي عَرْضِ الأُمَمِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَيَانُ فَضِيلَتِهِ ﷺ وَكَثْرَةِ أَتْبَاعِهِ؛ وَأَيضًا تَسْلِيَتُهُ فِي أَنَّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ مَنْ لَمْ يَأْتِ مَعَهُ أَحَدٌ؛ وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَيضًا نَاصِرُهُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ وَخَذَلَهُ.\n- حَدِيثُ البَابَ جَاءَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ بِلَفْظِ: «فَاسْتَزَدْتُ رَبِّي ﷿؛ فَزادَنِي مَعَ كلِّ واحِدٍ سَبْعِينَ ألْفًا» (^٢)، وَفِي لَفْظٍ أَيضًا «مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا؛ وَثَلَاثَ حَثَيَاتٍ مِن حَثَيَاتِ رَبِّي» (^٣).\n_________\n(^١) قَالَ فِي لِسَانِ العَرَبِ (٩/ ٥٧): \"مَعْنَى الحَنِيفِيَّةِ فِي اللُّغَةِ: المَيلُ، وَالمَعْنَى: أَنَّ إِبْرَاهِيمَ حَنَفَ إِلَى دِينِ اللَّهِ وَدِينِ الإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا أُخِذَ الحَنَفُ مِنْ قَولِهِمْ: رَجُلٌ أَحْنَفُ، وَرِجْلٌ حَنْفاءُ، وَهُوَ الَّذِي تَمِيلُ قَدَمَاهُ كُلُّ وَاحِدَةٍ إِلَى أُخْتِهَا بِأَصَابِعِهَا\".\n(^٢) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٢). الصَّحِيحَةُ (١٤٨٤).\n(^٣) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٢٣٠٣). الصَّحِيحَةُ (١٩٠٩).","vol":"1","page":62},{"text":"- دَرَجَاتُ النَّاسِ عِنْدَ الرُّقْيَةِ:\n١ - مَنْ يَطْلُبُهَا، وَهَذَا قَدْ فَاتَهُ الكَمَالُ.\n٢ - أَنْ لَا يَمْنَعْ مَنْ يَرْقِيهِ، وَهَذَا لَمْ يَفُتْهُ الكَمَالُ.\n٣ - أَنْ يَمْنَعْ مَنْ يَرْقِيهِ، وَهَذَا خِلَافُ السُّنَّةِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَمْنَعْ عَائِشَةَ ﵂ أَنْ تَرْقِيَهُ (^١).\n- فِي الحَدِيثِ جَوَازُ اسْتِعْمَالِ المَعَارِيضِ (^٢)، وَذَلِكَ لِقَول الرَّسُولِ ﷺ: «سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ»؛ فَإِنَّ هَذَا فِي الحَقِيقَةِ لَيسَ هُوَ المَانِعَ الحَقِيقِيَّ، بَلِ المَانِعُ هُوَ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا الرَّجُلُ مُنَافِقًا فَلَمْ يُرِدِ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُجِيبَهُ إِلَيهَا، وَإِمَّا خَوفًا مِنِ فَتْحِ هَذَا البَابِ؛ فَيَسْتَرْسِلُ النَّاسُ بِذَلِكَ؛ فَيَسْأَلُ هَذِهِ المَرْتَبَةَ مَنْ لَيسَ مِنْ أَهْلِهَا!\n- (الأُمَّةُ): تُطْلَقُ عَلَى كُلِّ جَمَاعَةٍ يَجْمَعُهُم أَمْرٌ مِنَ الأُمُورِ؛ إِمَّا دِينٌ، أَو زَمَانٌ، أَو مَكَانٌ، وَأَيضًا يُطْلَقُ عَلَى الإِمَامِ القُدْوَةِ، وَأَدِلَّتُهَا كَمَا يَلِي:\n١ - الجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ فِي المَكَانِ الوَاحِدِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القَصَص: ٢٣].\n٢ - المِلَّةُ وَالدِّينُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزُّخْرُف: ٢٣].\n٣ - الفَتْرَةُ مِنَ الزَّمَنِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ\n_________\n(^١) فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٢١٩٢) -بَابُ رُقيَةِ المَرِيضِ بِالمُعَوِّذَاتِ وَالنَّفْثِ- عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ نَفَثَ عَلَيهِ بِالمُعوِّذَاتِ، فَلَمَّا مَرِضَ -مَرَضَه الَّذِي مَاتَ فِيهِ- جَعَلْتُ أَنْفُثُ عَلَيهِ وَأَمْسَحُهُ بِيَدِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ أعَظْمَ بَرَكةً مِنْ يَدِي).\n(^٢) كَمَا فِي الأَثَرِ: (إِنَّ فِي المَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةً عَنِ الكَذِبِ). صَحِيحٌ. البَيهَقِيُّ فِي الكُبْرَى (٢٠٨٤٢) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ مَوقُوفًا. اُنْظُرِ التَّعْلِيقَ عَلَى حَدِيثِ الضَّعِيفَةِ (١٠٩٤).","vol":"1","page":63},{"text":"بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ [يُوسُف: ٤٥].\n٤ - الإِمَامُ القُدْوَةُ المُتَّبَعُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [النَّحْل: ١٢٠] (^١).\n- قَولُهُ: (عُكَّاشَةُ) - بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ - لُغَتَانِ.\n_________\n(^١) مُسْتَفَادٌ مِنْ شَرْحِ الشَّيخِ الغُنَيمَانِ حَفِظَهُ اللهُ عَلَى كِتَابِ فَتْحُ المَجِيدِ، شَرِيطُ رَقَم (١٦) شَرْحُ البَابِ.","vol":"1","page":64},{"text":"جُمْلَةٌ مِنَ الفَوَائِدِ عَلَى البَابِ:\n- فَائِدَة ١: فِي البُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ لَفْظُ: «مُتَمَاسِكِينَ، آخِذٌ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلُهُمْ وَآخِرُهُمُ الجَنَّةَ، وَوُجُوهُهُمْ عَلَى ضَوءِ القَمَرِ لَيلَةَ البَدْرِ» (^١).\n- فَائِدَة ٢: فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ؛ أَنَّهُ (رُخِّصَ فِي الحُمَةِ وَالنَّمْلَةِ وَالعَينِ) (^٢) (^٣)، وَفِي هَذَا دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ يُلْحَقُ بِالسُّمِّ كُلُّ مَا عَرَضَ لِلبَدَنِ مِنْ قَرْحِ وَنَحْوِهِ مِنَ المَوَادِ السُّمِّيَّةِ (^٤).\n- فَائِدَة ٣: إِنَّ طَلَبَ عُكَّاشَةَ الدُّعَاءَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَنْفِي عَنْهُ كَونَهُ مِنَ السَّبْعِينَ أَلْفًا! وَذَلِكَ لِأَنَّ دُعَاءَ الرَّسُولِ ﷺ لَيسَ كَدُعَاءِ غَيرِهِ، وَلَعَلَّهُ يَنْدَرِجُ تَحْتَ قَاعِدَةِ: \"مَا مُنِعَ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ؛ فَإِنَّهُ يُبَاحُ لِلمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ\" (^٥) (^٦).\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٦٥٤٣).\n(^٢) مُسْلِمٌ (٢١٩٦).\n(^٣) \"النَّمْلَةُ: قُرُوحٌ تَخْرُجُ فِي الجَنْبَينِ، وَهُوَ دَاءٌ مَعْرُوفٌ، وَسُمِّيَ نَمْلَةً؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ يُحِسُّ فِي مَكَانِهِ كَأَنَّ نَمْلَةً تَدِبُّ عَلَيهِ وَتَعَضُّهُ\". زَادُ المَعَادِ (٤/ ١٦٩)، وَهُوَ نَوعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الأَكْزِيمَا، وَيُعْرَفُ اليَومَ بِالْتِهَابِ الجِلْدِ الدُّهْنِيِّ.\n(^٤) مُسْتَفَادٌ مِنْ رِسَالَةِ التَّبَرُّكُ (ص ٢٢٣) لِلشَّيخِ نَاصِرِ الجديع.\n(^٥) وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ القَاعِدَةَ ابْنُ القيَّمِ ﵀ فِي كِتَابِهِ إِعْلَامُ المُوَقِّعِينَ (٢/ ١٠٨).\n(^٦) وَذَلِكَ لِأَنَّ دُعَاءَ النَّبِيِّ ﷺ لَيسَ كَدُعَاءِ غَيرِهِ.\nوَمِثْلُهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٢٥٤٢) عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁؛ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ خَيرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أُوَيسٌ، وَلَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَو أقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبرَّهُ، وَكَانَ بِهِ بَيَاضٌ، فُمُرُوهُ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ»، فَلَمَّا لَقِيَهُ عُمَرُ قَالَ الحَدِيثَ، ثُمَّ قَالَ: (فَاسْتَغْفِرْ لِي)، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ.\nوَعِنْدِي أَيضًا وَجْهٌ آخَرُ فِي ذَلِكَ: وَهُوَ أَنَّ المَنْعَ هُوَ بِاعْتِبَارِ الدَّيدَنِ وَكَثْرَةِ الطَّلَبِ، فَيَخْرُجُ مِنْهُ مَا كَانَ عَارِضًا كَمَصْلَحَةٍ أَو عَلَى سَبِيلِ النُّدْرَةِ، وَمِنْ هَذَا الضَّرْبِ -فِي جَعْلِهِ دَيدَنًا- مَا اشْتُهِرَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ بِقَولِهِم: (اُدْعُ لَنَا) كُلَّمَا رَآكَ أَو فَارَقَكَ. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.","vol":"1","page":65},{"text":"وَنَقَلَ الشَّاطِبِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (الاعْتِصَامُ) (^١) مِنْ كِتَابِ (التَّهْذِيب) لِلطَّبَرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى كَثِيرًا مِنَ الآثَارِ أَنَّ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ -رِضْوَانُ اللهِ عَلَيهِم- كَانُوا يَكْرَهُونَ تَقَصُّدَ النَّاسِ لَهُم لِلدُّعَاءِ، وَيَقُولُونَ لَهُم: (لَسْنَا بِأَنْبِيَاءٍ! أَنَحْنُ أَنْبِيَاءُ؟!).\n- فَائِدَة ٤: فِي مَسْأَلَةِ التَّدَاوِي قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ فِي مَجْمُوعِ الفَتَاوَى (^٢): \"فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ تَنَازَعُوا فِي التَّدَاوِي هَلْ هُوَ مُبَاحٌ، أَو مُسْتَحَبٌّ، أَو وَاجِبٌ؟\nوَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ مِنْهُ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ، وَمِنْهُ مَا هُوَ مَكْرُوهٌ، وَمِنْهُ مَا هُوَ مُبَاحٌ، وَمِنْهُ مَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْهُ مَا هُوَ وَاجِبٌ، وَهُوَ: مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ بَقَاءُ النَّفْسِ لَا بِغَيرِهِ؛ كَمَا يَجِبُ أَكْلُ المَيتَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ؛ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ عِنْد الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَجُمْهُورِ العُلَمَاءِ، وَقَدْ قَالَ مَسْرُوقٌ: مَنْ اُضْطُرَّ إلَى أَكْلِ المَيتَةِ؛ فَلَمْ يَأْكُلْ حَتَّى مَاتَ! دَخَلَ النَّارَ. فقَدْ يَحْصُلُ أَحْيَانًا لِلْإِنْسَانِ إذَا اسْتَحَرَّ المَرَضُ مَا إنْ لَمْ يَتَعَالَجْ مَعَهُ مَاتَ،\n_________\n(^١) الاعْتِصَامُ (١/ ٥٠١)، وَقَالَ أَيضًا ﵀: \"وَيَدُلُّكَ عَلَى هَذَا مَا رُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁؛ أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ الشَّامَ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي؛ فَقَالَ: (غَفَرَ لَكَ)، ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي؛ فَقَالَ: (لَا غَفَرَ اللهُ لَكَ وَلَا لِذَاكَ؛ أَنَبِيٌّ أَنَا؟!)، فَهَذَا أَوضَحَ فِي أَنَّهُ فَهِمَ مِنَ السَّائِلِ أَمْرًا زَائِدًا؛ وَهُوَ أَنْ يُعْتَقَدَ فِيهِ أَنَّهُ مِثْلُ النَّبِيِّ! أَو أَنَّهُ وَسِيلَةٌ إِلَى أَنْ يُعْتَقَدَ ذَلِكَ، أَو يُعْتَقَدَ أَنَّهُ سُنَّةٌ تَلْزَمُ! أَو يَجْرِي فِي النَّاسِ مَجْرَى السُّنَنِ المُلْتَزَمَةِ! وَذَلِكَ يُخْرِجُ المَشْرُوعَ عَنْ كَونِهِ مَشْرُوعًا، وَيُؤَدِّي إِلَى التَّشيُّعِ وَاعْتِقَادِ أَكْثَرَ مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيهِ، وَقَدْ تَبيَّنَ هَذَا المَعْنَى بِحَدِيثٍ رَوَاهُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنِ ابْنِ عَونٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى إِبْرَاهِيمَ؛ فَقَالَ: يَا أَبَا عِمْرَانَ! اُدْعُ اللهَ أَنْ يَشْفِيَنِي، فَكَرِهَ ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ وَقَطَبَ، وَقَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى حُذَيفَةَ فَقَالَ: اُدْعُ اللهَ أَنْ يَغْفِرَ لِي فَقَالَ: (لَا غَفَرَ اللهُ لَكَ). فَتَنَحَّى الرَّجُلُ فَجَلَسَ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ: (فَأَدْخَلَكَ اللهُ مُدْخَلَ حُذَيفَةَ، أَقَدْ رَضِيتَ؟) .... وَهَذِهِ الآثَارُ مِنْ تَخْرِيجِ الطَّبَرِيِّ فِي تَهْذِيبِهِ\".\n(^٢) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (١٨/ ١٢).","vol":"1","page":66},{"text":"وَالعِلَاجُ المُعْتَادُ تَحْصُلُ مَعَهُ الحَيَاةُ كَالتَّغْذِيَةِ لِلضَّعِيفِ وَكَاسْتِخْرَاجِ الدَّمِ أَحْيَانًا\" (^١).\n- فَائِدَة ٥: حَدِيثُ دُخُولِ السَّبْعِينَ أَلْفًا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَرْتَبَتَهُم أَعْلَى مِنْ مَرْتَبَةِ غَيرِهِم مُطْلَقًا، وَذَلِكَ لِمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ رِفَاعَةَ الجُهَنِيِّ قَالَ: صَدَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا مِنْ عَبْدٍ يُؤْمِنُ ثُمَّ يُسَدِّدُ إِلَّا سُلِكَ بِهِ فِي الجَنَّةِ، وَأَرْجُو أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ حَتَّى تَبَوَّؤُوا أَنْتُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ذُرِّيَاتِكُمْ مَسَاكِنَ فِي الجَنَّةِ، وَلَقَدْ وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا بِغَيرِ حِسَابٍ» (^٢). وَالشَّاهِدُ مِنْهُ هُوَ فِي قَولِهِ: «أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ حَتَّى تَبَوَّؤُوا أَنْتُمْ» فَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ مَنْزِلَةَ الصَّحَابَةِ فَوقَ مَنْزِلَةِ أُولَئِكَ مُطْلَقًا.\n- فَائِدَة ٦: مَعْنَى (لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَينٍ أَو حُمَةٍ): أَي: لَا رُقْيَةَ أَشْفَى وَأَولَى مِنْ رُقْيَةِ العَينِ وَالحُمَةِ. نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنِ الخَطَّابِيِّ رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى، وَكَذَا قَالَ البَغَوِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (شَرْحُ السُّنَّةِ) (^٣).\n- فَائِدَة ٧: قَولِ المُصَنِّفِ ﵀ فِي المَسْأَلَةِ العَاشِرَةِ فِي قَولِهِ: (فَضِيلَةُ أَصْحَابِ مُوسَى) صَوَابُهُ: (كَثْرَةُ) (^٤).\n_________\n(^١) قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀: \"التَّدَاوِي عَلَى أَقْسَامٍ:\nفَإِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ نَفْعُ الدَّوَاءِ -مَعَ احْتِمَالِ الهَلَاكِ بِتَرْكِهِ- فَالتَّدَاوِي وَاجِبٌ.\nوَإِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ نَفْعُ الدَّوَاءِ -وَلكِنْ لَيسَ هُنَاكَ احْتِمَالٌ لِلْهَلَاكِ بِتَرْكِ الدَّوَاءِ- فَالتَّدَاوِي أَفْضَلُ.\nوَإِنْ تَسَاوَى الأَمْرَانِ؛ فَتَرْكُ التَّدَاوِي أَفْضَلُ\". اُنْظُرْ مَجْمُوعَ فَتَاوَى الشَّيخِ ابْنِ عُثَيمِين ﵀ (١٣/ ١٧).\n(^٢) صَحِيحٌ. ابْنُ مَاجَه (٤٢٨٥). الصَّحِيحَة (٢٤٠٥).\nوَقَوْلُهُ (صَدَرْنَا)؛ أَي: رَجَعْنَا مِنْ غَزْوٍ أَوْ سَفَرٍ.\n(^٣) شَرْحُ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ (٣/ ٩٣)، شَرْحُ السُّنَّةِ لِلبَغَوِيِّ (١٢/ ١٦٢).\n(^٤) القَولُ المُفِيدُ (١/ ١٠٨).","vol":"1","page":67},{"text":"- فَائِدَة ٨: وَقَعَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ (^١) زِيَادَةُ لَفْظِ: «لَمَّا أُسْرِيَ» -فِي حَدِيثِ السَّبْعِينَ أَلْفًا- وَهِيَ زِيَادَةٌ شَاذَّةٌ سَنَدًا، كَمَا ذَهَبَ إِلَيهِ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ، وَكَذَا الإِمَامُ الأَلْبَانِيُّ رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى (^٢).\n- فَائِدَة ٩: لَا كَرَاهَةَ مُطْلَقًا فِي طَلَبِ الرُّقْيَةِ لِلغَيرِ -وَلِيسَ للنَّفْسِ- وَذَلِكَ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى فِي بَيتِهَا جَارِيَةً فِي وَجْهِهَا سَفْعَةٌ؛ فَقَالَ: «اسْتَرْقُوا لَهَا؛ فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ» (^٣).\n- فَائِدَة ١٠: الرُّقيةُ هِيَ مِنْ جُمْلَةِ أَسْبَابِ الشِّفَاءِ -وَإِنْ كَانَتْ ظَنِّيَّةً- وَلَكِنَّهَا تَزيدُ عَلَى غَيرِهَا بِأنَّهَا عِبَادَةٌ فِي نَفْسِهَا (^٤)، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ» (^٥) (^٦).\n- فَائِدَة ١١: فِي بَيَانِ سَبَبِ كَرَاهَةِ طَلَبِ الرُّقيَةِ والاكْتِوَاءِ:\nقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ عِنْدَ حَدِيثِ «مَنِ اكْتَوَى أَوِ اسْتَرْقَى فَقَدْ بَرِئَ مِنَ التَّوَكُّلِ» (^٧): \"قُلْتُ: وَفِيهِ كَرَاهَةُ الاكْتِوَاءِ وَالاسْتِرْقَاءِ، أَمَّا الأَوَّلُ؛ فَلِمَا فِيهِ مِنَ التَّعْذِيبِ بِالنَّارِ.\n_________\n(^١) سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ (٢٤٤٦). صَحِيحُ وَضَعِيفُ سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ (٢٤٤٦).\n(^٢) فَتْحُ البَارِي (١١/ ٤٠٧)، وَالإِسْرَاءُ وَالمِعْرَاجُ لِلأَلْبَانِيُّ (ص ٨٤).\n(^٣) البُخَارِيُّ (٥٧٣٩) عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ.\nوَلِتَمَامِ الفَائِدَةِ انْظُرْ أَشْرِطَةَ فَتَاوَى سِلْسِلَةِ الهُدَى وَالنُّورِ (شَرِيط ٦٢٨) مِنْ فَتَاوَى الشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.\n(^٤) انْظُرْ أَشْرِطَةَ فَتَاوَى سِلْسِلَةِ الهُدَى وَالنُّورِ (شَرِيط ٦٢٨) مِنْ فَتَاوَى الشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.\n(^٥) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١٨٤٣٦) عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٣٤٠٧).\n(^٦) أَمَّا قَولُ المُصَنِّفِ ﵀ فِي المَسَائِلِ \"الرُّخْصَةُ فِي الرُّقْيَةِ مِنَ العَينِ وَالحُمَةِ\"؛ فَالوَاقِعُ أَنَّ الرُّخْصَةَ مِنَ الرُّقْيَةِ عَامَّةٌ وَلَيسَتْ مِنَ العَينِ وَالحُمَةِ فَقَط. مُسْتَفَادٌ مِنْ شَرْحِ الشَّيخِ الغُنَيمَانِ حَفِظَهُ اللهُ عَلَى كِتَابِ فَتْحُ المَجِيدِ شَرِيطُ رَقَم (١٨) شَرْحُ البَابِ.\n(^٧) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٠٥٥) عَنِ المُغِيرةِ بْنِ شُعْبَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَة (٢٤٤).","vol":"1","page":68},{"text":"وَأَمَّا الآخَرُ؛ فَلِمَا فِيهِ مِنَ الاحْتِيَاجِ إِلَى الغَيرِ فِيمَا الفَائِدَةُ فِيهِ مَظْنُونَةٌ غَيرُ رَاجِحَةٍ\" (^١).\n- فَائِدَة ١٢: وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ زِيَادَةُ لَفْظِ: «وَلَا يَرْقُونَ» (^٢)، وَهِيَ زِيَادَةٌ شَاذَّةٌ سَنَدًا وَمَتْنًا.\nقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الضَّعِيفَةِ: \"وَلَا يَخْدُجُ فِيمَا ذَكَرْتُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمْسْلِمٍ فِي حَدِيثِ ابْنِ عبَّاسٍ المُشَارِ إِلَيهِ آنِفًا مِنَ الجَمْعِ بَينَ: «لَا يَرْقُونَ» وَ«لَا يَسْتَرْقُونَ»! فَإِنَّهَا رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ، أَخْطَأَ فِيهَا أَحَدُ رُوَاتِهِ عِنْدَهُ؛ فَغيَّرَ الحَدِيثَ فَزَادَ وَأَنْقَصَ، زَادَ «لَا يَرْقُونَ» وَأَسْقَطَ «لَا يَكْتَوُونَ»!! خِلَافًا لِرِوَايَةِ الجَمَاعَةِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِينَ رَوُوهُ بِلَفْظِ: «لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ».\nوَإِنَّ مِمَّا يُؤَكِّدُ الشُّذُوذَ المَذْكُورَ مُخَالَفَتُهُ لِسَائِرِ الأَحَادِيثِ الوَارِدَةِ فِي البَابِ مِثْلَ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَأَبِي عَوَانَةَ وَغَيرِهِمَا؛ وَحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ البُخَارِيِّ فِي الأَدَبِ المُفْرَدِ وَغَيرِهِ؛ فَلَيسَ فِيهِمَا الجَمْعُ بَينَ اللَّفْظَينِ المَذْكُورَينِ، بَلْ إِنَّهُمَا وُفْقَ حَدِيثِ ابْنِ عبَّاسٍ عِنْدَ الجَمَاعَةِ، فَذَلِكَ كُلُّهُ يُؤَكِّدُ شُذُوذَ لَفْظِ «لَا يَرْقُونَ» مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلسُّنَّةِ العَمَلِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ\" (^٣).\nوَقَالَ أَيضًا ﵀ فِي صَحِيح الجَامِعِ: \"قَولُهُ «لَا يَرْقُونَ» هُوَ مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ مُسْلِمٌ دُونَ البُخَارِيِّ وَغَيرِهِ، ثُمَّ هُوَ شَاذٌّ سَنَدًا وَمَتْنًا -كَمَا بيَّنْتُهُ فِي مَحَلٍّ آخَرَ- وَحَسْبُكَ دَلِيلًا عَلَى شُذُوذِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ رَقَى غَيرَهُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ! \" (^٤).\nوَقَالَ ابْنُ القَيِّمِ ﵀: \"وَرُبَّمَا كَانَ يَقُولُ «كَفَّارَةٌ وَطَهُورٌ»، وَكَانَ يَرْقِي مَنْ بِهِ قُرْحَةٌ\n_________\n(^١) السِّلْسِلَةُ الصَّحِيحَة (٢٤٤)، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ فِي بَابِ الكَلَامِ عَنِ التَّوَكُّلِ -إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى-.\n(^٢) مُسْلِمٌ (٢٢٠).\n(^٣) الضَّعِيفَةُ (٣٦٩٠).\n(^٤) صَحِيح الجَامِعِ (٣٩٩٩).","vol":"1","page":69},{"text":"أَو جُرْحٌ أَو شَكْوَى؛ فَيَضَعُ سَبَّابَتَهُ بِالأَرْضِ ثُمَّ يَرْفَعُهَا وَيَقُولُ: «بِسْمِ اللهِ، تُرْبَةُ أَرْضِنَا؛ بِرِيقَةِ بَعْضِنَا؛ يُشْفَى سَقِيمُنَا بِإِذْنِ رَبِّنَا» هَذَا فِي الصَّحِيحَينِ، وَهُوَ يُبْطِلُ اللَّفْظَةَ الَّتِي جَاءَتْ فِي حَدِيثِ السَّبْعِينَ أَلْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيرِ حِسَابٍ وَأَنَّهُمْ لَا يَرْقُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ! فَقَولُهُ فِي الحَدِيثِ «لَا يَرْقَونَ» غَلَطٌ مِنَ الرَّاوِي، سَمِعْت شَيخَ الإِسْلَامِ ابْنَ تَيمِيَّةَ يَقُولُ ذَلِكَ، قَالَ: وَإِنَّمَا الحَدِيثُ «هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ». قُلْتُ: وَذَلِكَ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ دَخَلُوا الجَنَّةَ بِغَيرِ حِسَابٍ، قَالَ: «وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» فَلِكَمَالِ تَوَكُّلِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ وَسُكُونِهِمْ إلَيهِ وَثِقَتِهِمْ بِهِ وَرِضَاهُمْ عَنْهُ وَإِنْزَالِ حَوَائِجِهِمْ بِهِ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ شَيئًا -لَا رُقْيَةً وَلَا غَيرَهَا-، وَلَا يَحْصُلُ لَهُمْ طِيَرَةٌ تَصُدُّهُمْ عَمَّا يَقْصِدُونَهُ، فَإِنَّ الطِّيَرَةَ تُنْقِصُ التَّوحِيدَ وَتُضْعِفُهُ. قَالَ: وَالرَّاقِي مُتَصَدِّقٌ مُحْسِنٌ، وَالمُسْتَرْقِي سَائِلٌ، وَالنَّبِيُّ ﷺ رَقَى وَلَمْ يَسْتَرْقِ، وَقَالَ: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ؛ فَلْيَنْفَعْهُ» \" (^١).\nثُمَّ إِنَّ زِيَادَةَ «لَا يَرْقُونَ» -إِنْ صَحَّتْ- فَيُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى الرُّقَى الشِّرْكيَّةِ كَمَا وجَّهَ بِذَلِكَ الحَدِيثَ النَّوَوِيُّ وَالعَسْقَلَانِيُّ رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى، وَالأَرْجَحُ مَا أَثْبَتْنَاهُ -كَمَا سَيَأْتِي مَعَنَا- وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.\n- إِيرَادٌ وَجَوَابُهُ:\nقَالَ الشَّيخُ سُلَيمَانُ بْنُ عَبدِ اللهِ ﵀ بَعْدَ ذِكْرِ جُمْلَةِ كَلَامِ ابْنِ القَيِّمِ وَشَيخِ الإِسْلَامِ ﵏ جَمِيعًا: \"وَلَكِنِ اعْتَرَضَهُ بَعْضُهُم (^٢) بِأَنْ قَالَ: (تَغْلِيطُ الرَّاوِي مَعْ إِمْكَانِ تَصْحِيحِ الزِّيَادَةِ لَا يُصَارُ إِلَيهِ، وَالمَعْنَى الَّذِي حَمَلَهُ عَلَى التَّغْلِيطِ مَوجُودٌ فِي المُسْتَرْقِي! لِأَنَّهُ اِعْتَلَّ بِأَنَّ الَّذِي لَا يَطْلُبُ مِنْ غَيرِهِ أَنْ يَرْقِيَهُ تَامُّ التَّوَكُّلِ؛ فَكَذَا يُقَالُ: وَالَّذِي\n_________\n(^١) زَادُ المَعَادِ (١/ ٤٧٦).\nقُلْتُ: وَحَدِيثُ «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ» هُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٢١٩٩) عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا.\n(^٢) قُلْتُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀، كَمَا فِي الفَتْحِ (١١/ ٤٠٨).","vol":"1","page":70},{"text":"يَفْعَلُ بِهِ غَيرُهُ ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُمَكِّنُهُ مِنْهُ لِأَجْلِ تَمَامِ التَّوَكُّلِ، وَلَيسَ فِي وُقُوعِ ذَلِكَ مِنْ جِبْرِيلَ ﵇ دِلَالَةٌ عَلَى المُدَّعَى، وَلَا فِي فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ أَيضًا دِلَالَةٌ لِأَنَّهُ فِي مَقَامِ التَّشْرِيعِ وَتَبْيِينِ الأَحْكَامِ)! كَذَا قَالَ هَذَا القَائِلُ.\nوَهُوَ خَطَأٌ مِن وُجُوهٍ:\nالأَوَّلُ: أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةُ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهَا إِلَّا بِحَمْلِهَا عَلَى وُجُوهٍ لَا يَصِحُّ حَمْلُهَا عَلَيهَا! كَقَولِ بَعْضِهِم: المُرَادُ «لَا يَرْقُونَ» بِمَا كَانَ شِرْكًا أَوِ احْتَمَلَهُ! فَإِنَّهُ لَيسَ فِي الحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا أَصْلًا!\nوَأَيضًا؛ فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ لِلْسَبْعِينَ مَزِيَةٌ عَلَى غَيرِهِم؛ فَإِنَّ جُمْلَةَ المُؤْمِنِينَ لَا يَرْقُونَ بِمَا كَانَ شِرْكًا!\nالثَّانِي: قَولُهُ: فَكَذَا يُقَالُ … إِلخ. لَا يَصِحُّ هَذَا القِيَاسُ؛ فَإِنَّهُ مِنْ أَفْسَدِ القِيَاسِ، وَكَيفَ يُقَاسُ مَنْ سَأَلَ وَطَلَبَ عَلَى مَنْ لَمْ يَسْأَلْ؟! مَعْ أَنَّهُ قِيَاسٌ مَعَ وُجُودِ الفَارِقِ الشَّرْعِيِّ، فَهُوَ فَاسِدُ الاعْتِبَارِ لِأَنَّهُ تَسْوِيَةٌ بَينَ مَا فَرَّقَ الشَّارِعُ بَينَهُمَا بِقَولِهِ: «مَنِ اكْتَوَى أَوِ اسْتَرْقَى؛ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ التَّوَكُّلِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَابْنُ مَاجَه، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ أَيضًا.\nوَكَيفَ يُجْعَلُ تَرْكُ الإِحْسَانِ إِلَى الخَلْقِ سَبَبًا لِلْسَبْقِ إِلَى الجِنَانِ؟! وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ رَقَى أَوْ رُقِيَ مِنْ غَيرِ سُؤَالٍ؛ فَقَدْ رَقَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ ﵇ لَمْ يَكُنْ مُتَوَكِّلًا فِي تِلْكَ الحَالِ!\nالثَّالِثُ: قَولُهُ: (لَيسَ فِي وُقُوعِ ذَلِكَ مِنْ جِبْرِيلَ ﵇ … إِلَخ؛ كَلَامٌ غَيرُ صَحِيحٍ، بَلْ هُمَا سَيِّدَا المُتَوَكِّلِينَ؛ فَإِذَا وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُمَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ؛ فَاعْلَمْ ذَلِكَ\" (^١).\n_________\n(^١) تَيسِيرُ العَزِيزِ الحَمِيدِ (ص ٨٢).","vol":"1","page":71},{"text":"<span data-type='title' id=toc-30>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-31> مَسْأَلَةٌ: قَولُهُ: «لا يَسْتَرْقُونَ» لِمَاذَا لَا يُحْمَلُ عَلَى النَّهْي عَنِ الرُّقَى الشِّرْكِيَّةِ </span>المَنْهِيِّ عَنْهَا أَصْلًا (^١)؛ فَتَكُونُ بِذَلِكَ الرُّقَى المَشْرُوعَةُ غَيرَ مَقْصُودَةٍ بِالحَدِيثِ؟ وَعَلَيهِ فَيَجُوزُ طَلَبُ الرُّقْيَةِ مُطْلَقًا مِنَ الغَيرِ إِذَا كَانَتْ غَيرَ شِرْكِيَّةٍ.\nالجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ:\n١ - أَنَّ عُمُومَ النَّفْي فِي قَولِهِ: «لَا يَسْتَرْقُونَ» شَامِلٌ لِلوَجْهَينِ، فَأَمَّا الشِّرْكيُّ مِنْهُ فَمُحَرَّمٌ لِمَا هُوَ مَعْرُوفٌ مِنَ النُّصُوصِ الكَثِيرَةِ (^٢)، وَأَمَّا الجَائِزُ فَيَكُونُ خِلَافَ الأَولَى لِمَا قَدْ ثَبَتَ مِنْ جَوَازِهِ.\n٢ - أَنَّهُ لَو كَانَ المَقْصُودُ النَّهْيَ عَنْهَا لِكَونِهَا شِرْكًا؛ لَقَالَ ﷺ: (هُمُ الَّذِينَ لَا يُشْرِكُونَ) وَلَمْ يَجْعَلْهُ لَفْظًا مُوهِمًا مُخَالِفًا المَشْهُورَ عِنْدَ النَّاسِ! فَلَفْظُ الحَدِيثِ أَخَصُّ مِنَ الدَّعْوَى لِأَنَّهُ خَاصٌّ بِالطَّلَبِ؛ بِخِلَافِ عُمُومِ الرُّقْيَةِ الشِّرْكِيَّةِ؛ فَيُنْهَى فِيهَا عَنِ الطَّلَبِ وَعَنِ الرُّقْيَةِ نَفْسِهَا أَيضًا.\n٣ - أَنَّ الاسْتِرْقَاءَ هُوَ مِنْ جِنْسِ الطَّلَبِ مِنَّ النَّاسِ (^٣)؛ وَهَذَا قَدْ دَلَّتِ الشَّرِيعَةُ عَلَى أَنَّ تَرْكَه أَولَى (^٤)، وَهَذَا وَحْدَهُ يُحَصِّلُ المَقْصُودَ بِغَضِّ النَّظَرِ عَنِ الحَدِيث نَفْسِهِ؛\n_________\n(^١) وَهُوَ الَّذِي رجَّحَهُ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ (١٤/ ١٦٨)، خِلَافًا لِمَا نَقَلَهُ عَنِ ابْنِ عَبْدِ البَرِّ رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى.\n(^٢) كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: «إنَّ الرُّقَى والتَّمَائِمَ والتِّوَلَةَ شِرْكٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ (٣٦١٥). صَحِيحٌ. الصَّحِيحَة (٣٣١).\n(^٣) وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّرْكِيبَ اللَّفْظِيَّ فِي (الأَلِفِ وَالسِّينِ وَالتَّاءِ) يَكْثُرُ اسْتِخْدَامُهُ فِي مَعْنَى الطَّلَبِ.\n(^٤) كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ عَوفِ بْنِ مَالِكٍ مَرْفُوعًا: «أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟» -وَكُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيعَةٍ-\n=","vol":"1","page":72},{"text":"فَكَيفَ إِذَا جُمِعَ مَعَهُ.\n٤ - أَنَّ فِي آخِرِ الحَدِيثِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ عَنْهُ: إِنَّهُ العِلَّةُ الَّتِي عَلَيهَا مَدَارُ الحَدِيثِ؛ وَهِيَ حَصْرُ التَّوكُّلِ عَلَى الله تَعَالَى، حَيثُ غَالِبًا مَا تَتَعَلَّقُ النُّفُوسُ بِمَنْ يَرْقِيهَا فَيَغْفَلُونَ عَنِ اللهِ تَعَالَى! وَالتَّعلُّقُ بِهِم أَكْبَرُ مِنَ التَّعَلُّقِ بِالأَطِبَّاءِ المَادِيِّينَ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُم يُعَالِجُونَ بِدُونِ أَسْبَابٍ مَادِّيَّةٍ ظَاهِرَةٍ، بَلِ الأَمْرُ مُرْتَبِطٌ بِصَلَاحِهِم وَحُسْنِ نِيَّتِهِم وَقُوَّةِ تَوحِيدِهِم مَعَ ذِكْرِهِم وَاسْتِعَانَتِهِم بِرَبِّهِم (^١)، لِذَلِكَ فَالفِتْنَةُ فِيهِم أَكْبَرُ، فَيَكُونُ الأَمْرُ هُوَ مِنْ بَابِ سَدِّ ذَرَائِعِ الشِّرْكِ. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.\n٥ - تَفْسِيرُ رَاوِي الحَدِيثِ -وَالرَّاوِي أَدْرَى بَمَرْوِيِّهِ-؛ فَإِنَّ سَبَبِ إِيرَادِ الحَدِيثِ مِنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَير هُوَ إِشَارَتُهُ ﵀ إِلَى أَنَّ تَرْكَ طَلَبِ الرُّقْيَةِ مِنَ اللَّدْغَةِ كَانَ أَولَى لِحُصَينٍ ﵀؛ وَلَيسَ بِسَبَبِ شِرْكٍ مَا ذُكِرَ! فَتَنَبَّهْ.\n_________\n=\nقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ! -حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا-، فَبَسَطْنَا أَيدِيَنَا فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ؛ فَعَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: «أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا، وَتُصَلُّوا الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ، وَتَسْمَعُوا وَتُطِيعُوا» -وَأَسَرَّ كَلِمَةً خُفْيَةً- قَالَ: «وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيئًا». قَالَ: فَلَقَدْ كَانَ بَعْضُ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوطُهُ؛ فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا أَنْ يُنَاوِلَهُ إِيَّاهُ. مُسْلِمٌ (١٠٤٣).\n(^١) فَالرُّقْيَةُ بِالأَذْكَارِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ قِبَلِ العَبْدِ الصَّالِحِ بِمَنْزِلَةِ السَّيفِ الصَّارِمِ فِي اليَدِ القَوِيَّةِ.","vol":"1","page":73},{"text":"بَابُ الخَوفِ مِنَ الشِّرْكِ\nوَقَولُ اللهِ ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النِّسَاء: ٤٨].\nوَقَالَ الخَلِيلُ ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إِبْرَاهِيم: ٣٥].\nوَفِي الحَدِيثِ «أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيكُم الشِّرْكُ الأَصْغَرُ»، فَسُئِلَ عَنْهُ؛ فَقَالَ: «الرِّيَاءُ» (^١).\nوَعَنِ ابْن مَسْعُودٍ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَهوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ نِدًّا؛ دَخَلَ النَّارَ» رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^٢).\nوَلِمُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ شَيئًا دَخَلَ النَّارَ» (^٣).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٣٦٣٠) عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَة (٩٥١).\nوَتَمَامُهُ فِي المُسْنَدِ، وَفِيهِ: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيكُمُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ: الرِّياءُ، يَقُولُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ -إِذَا جَزَى النَّاسَ بأَعْمالِهِمْ-: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاؤُونَ فِي الدُّنْيا؛ فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً؟!».\n(^٢) البُخَارِيُّ (٤٤٩٧).\n(^٣) مُسْلِمٌ (٩٣).","vol":"1","page":74},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: الخَوفُ مِنَ الشِّرْكِ.\nالثَّانِيَةُ: أَنَّ الرِّيَاءَ مِنَ الشِّرْكِ.\nالثَّالِثَةُ: أَنَّهُ مِنَ الشِّرْكِ الأَصْغَرِ.\nالرَّابِعَةُ: أَنَّهُ أَخْوَفُ مَا يُخَافُ مِنْهُ عَلَى الصَّالِحِينَ.\nالخَامِسَةُ: قُرْبُ الجَنَّةِ وَالنَّارِ.\nالسَّادِسَةُ: الجَمْعُ بَينَ قُرْبِهِمَا فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ.\nالسَّابِعَةُ: أَنَّهُ مَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ شَيئًا دَخَلَ النَّارَ؛ وَلَو كَانَ مِنْ أَعْبَدِ النَّاسِ.\nالثَّامِنَةُ: المَسْأَلَةُ العَظِيمَةُ؛ سُؤَالُ الخَلِيلِ لَهُ وَلِبَنِيِهِ وِقَايَةَ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ.\nالتَّاسِعَةُ: اعْتِبَارُهُ بِحَالِ الأَكْثَرِ لِقَولِهِ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إِبْرَاهِيم: ٣٦].\nالعَاشِرَةُ: فِيهِ تَفْسِيرُ \"لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ\" كَمَا ذَكَرَهُ البُخَارِيُّ.\nالحَادِيَةَ عَشْرَةَ: فَضِيلَةُ مَنْ سَلِمَ مِنَ الشِّرْكِ.","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type='title' id=toc-34>الشَّرْحُ</span>\n- مُنَاسَبَةُ البَابِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ وَلِمَا قَبْلَهُ مِنَ الأَبْوَابِ؛ هُوَ التَّخْوِيفُ مِنْ تَرْكِ التَّوحِيدِ بَعْدَ ذِكْرِ التَّرْغِيبِ فِي التَّوحِيدِ، فَيَكُونُ الأَمْرُ بِالتَّوحِيدِ قَدْ جَاءَ مِنْ جِهَةِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ.\n- أَورَدَ المُصَنِّفُ ﵀ فِي البَابِ وَجْهَانِ لِلخَوفِ مِنَ الشِّرْكِ؛ هُمَا:\n١ - أَنَّ الشِّرْكَ لَا يُغْفَرُ أَبَدًا.\n٢ - أَنَّ الشِّرْكَ مِنْهُ شِرْكٌ أَصْغَرُ يَعْرِضُ لِلمُسْلِمِ فِي عِبَادَتِهِ لِرَبِّهِ؛ وَقَدْ لَا يَشْعُرُ بِهِ.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ أَي: لَا يَغْفِرُ لِعَبْدٍ لَقِيَهُ وَهُوَ مُشْرِكٌ ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أَي: مِنَ الذُّنُوبِ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ (^١).\nوَلَكِنَّ الشِّرْكَ لَا يُغْفَرُ إِلَّا بِالتَّوبَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأَنْفَال: ٣٨].\n- فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ بَيَانُ أَنَّ الشِّرْكَ لَا يُغْفَرُ أَبَدًا، وَيَدْخُلُ فِيهِ الشِّرْكُ الأَكْبَرُ وَالأَصْغَرُ، وَلَكِنَّ الأَكْبَرَ يَتَمَيَّزُ عَنْهُ بِأَنَّ صَاحِبَهُ يَبْقَى يُعذَّبُ بِهِ فِي النَّارِ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا أَبَدًا، وَذَلِكَ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المَائِدَة: ٧٢].\n_________\n(^١) أَفَادَهُ الحَافِظُ ابْنُ كَثِير ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٢/ ٣٢٥).","vol":"1","page":76},{"text":"أَمَّا الشِّرْكُ الأَصْغَرُ فَهُوَ -وَإِنْ كَانَ لَا يُغْفَرُ- فَإِنَّ صَاحِبَهُ يُعَذَّبُ عَلَيهِ بِقَدْرِهِ -لِأَنَّ أَصْلَ التَّوحِيدِ مَعَهُ-؛ فَلَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ -وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ قَرِيبًا-، وَفِي الحَدِيثِ: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ نَفَعَتْهُ يَومًا مِنْ دَهْرِهِ، يُصِيبُهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَا أَصَابَهُ» (^١).\n- فِي الآيَةِ رَدٌّ عَلَى الخَوَارِجِ -المُكَفِّرِينَ بِالذُّنُوبِ-؛ وَعَلَى المُعْتَزِلَةِ القَائِلِينَ بِأَنَّ أَصْحَابَ الكَبَائِرِ يُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ؛ وَلَيسُوا عِنْدَهُم بِمُؤْمِنِينَ وَلَا كُفَّارَ! وَذَلِكَ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ مَا سِوَى الشِّرْكِ تَحْتَ المَشِيئَةِ؛ فَهُوَ قَابِلٌ لِلمَغْفِرَةِ -خِلَافًا لِمَذْهَبِهِم-.\n- الصَّنَمُ: هُوَ مَا كَانَ عَلَى صُورَةِ حَيَوَانٍ -أَي: ذِي رُوحٍ-، أَمَّا مَا عُبِدَ وَهُوَ عَلَى غَيرِ صُورَةِ حَيَوَانٍ كَالشَّجَرِ وَالحَجَرِ وَالقَبْرِ فَهَذَا يُسَمَّى وَثَنًا، فَالوَثَنُ أَعَمُّ مِنَ الصَّنَمِ لِأَنَّ الصَّنَمَ لَا يُطْلَقُ إِلَّا عَلَى التِّمْثَالِ، وَأَمَّا الوَثَنُ فَيُطْلَقُ عَلَى التِّمْثَالِ وَغَيرِهِ، فَالقَبْرُ يَكُونُ وَثَنًا إِذَا عُبِدَ، قَالَ ﷺ: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا، لَعَنَ اللهُ قَومًا اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَاءِهِم مَسَاجِدَ» (^٢)، فَالوَثَنُ كُلُّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللهِ عَلَى أَيِّ شَكْلٍ كَانَ (^٣).\n- فِي دُعَاءِ الخَلِيلِ رَبَّهُ أَنْ يُجَنِّبَهُ وَبَنِيهِ عِبَادَةَ الأَصْنَامِ؛ بَيَانُ عِظَمِ الشِّرْكِ -وَقَدْ\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. البَزَّارُ (١٥/ ٦٦) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٦٤٣٤).\n(^٢) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٧٣٥٨) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. أَحْكَامُ الجَنَائِزِ (ص ٢١٦).\n(^٣) فَالصَّنَمُ مَا كَانَ مَنْحُوتًا عَلَى صُورَةٍ، وَالوَثَنُ مَا كَانَ مَوضُوعًا عَلَى غَيرِ ذَلِكَ. اُنْظُرْ تَفْسِيرَ الطَّبَرِيِّ (١٧/ ١٧).\nوَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٣/ ٥٣٠) -فِي سِيَاقِ الكَلَامِ عَنْ آلِهَةِ المُشْرِكِينَ-: \"وَقَولُهُ: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ إِنَّمَا قَالَ: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيكَ﴾ أَي: يُقَابِلُونَكَ بِعُيُونٍ مُصَوَّرَةٍ كَأَنَّهَا نَاظِرَةٌ -وَهِيَ جَمَادٌ-، وَلِهَذَا عَامَلَهُم مُعَامَلَةَ مَنْ يَعْقِلُ؛ لِأَنَّهَا عَلَى صُوَرٍ مُصَوَّرَةٍ كَالإِنْسَانِ، فَقَالَ: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيكَ﴾ فَعبَّرَ عَنْهَا بِضَمِيرِ مَنْ يَعْقِلُ\".","vol":"1","page":77},{"text":"عَلِمْتَ أًنَّهُ كَانَ إِمَامًا لِلنَّاسِ ﵇، وَكَمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيمِيُّ (^١): \"مَنْ يَأْمَنُ البَلَاءَ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ! \"،\nوَأَيضًا قَولُهُ ﵊: «أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيكُمُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ» (^٢) وَالكَافُ فِيهِ لِلخِطَابِ؛ فَيَدْخُلُ فِيهِ أَوَّلِيًّا الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيهِم ثُمَّ مَنْ بَعْدَهُم،\nوَأَيضًا فِي الحَدِيثِ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيكُمْ مِنَ المَسِيحِ عِنْدِي؟» قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «الشِّرْكُ الخَفِيُّ: أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يَعْمَلُ لِمَكَانِ رَجُلٍ» (^٣).\nفَفِي هَذِهِ الأَدِلَّةِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ هَوَّنَ مِنْ أَمْرِ الشِّرْكِ -فِي هَذَا الزَّمَنِ- وَاسْتَبْعَدَ وُقُوعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ! فَلَا يَأْمَنُ مِنَ الوُقُوعِ فِي الشِّرْكِ إِلَّا مَنْ هُوَ جَاهِلٌ بِهِ، وَقَدْ عَقَدَ المُصَنِّفُ ﵀ بَابًا خَاصًّا لِدَفْعِ هَذَا التَّوَهُّمِ وَسَمَّاهُ \"بَابُ مَا جَاءَ فِي أَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأُمَّةِ يَعْبُدُ الأَوثَانَ\".\n- الرِّيَاءُ نَوعَانِ: رِيَاءُ المُنَافِقِ، وَرِيَاءُ المُسْلِمِ -أَي الَّذِي قَدْ يَصْدُرُ مِنَ المُسْلِمِ-:\n١ - رِيَاءُ المُنَافِقِ: هُوَ رِيَاءٌ فِي أَصْلِ الدِّينِ، يَعْنِي أَظْهَرَ الإِسْلَامَ وَأَبْطَنَ الكُفْرَ، قَالَ تَعَالَى عَنِ المُنَافِقِينَ: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النِّسَاء: ١٤٢].\n٢ - رِيَاءُ المُسْلِمِ: لَا يَكُونُ فِي أَصْلِ تَدَيُّنِهِ، وَذَلِكَ كَمَا لَو حَسَّنَ الرَّجُلُ صَلَاتَهَ\n_________\n(^١) مِنَ الطَّبَقَةِ الوُسْطَى مِنَ التَّابِعِينَ، (ت ١١٠ هـ).\n(^٢) وَعِنْدَ ابْنِ خُزَيمَةَ (٩٣٧) عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَشِرْكَ السَّرَائِرِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا شِرْكُ السَّرَائِرِ؟ قَالَ: «يَقُومُ الرَّجُلُ فَيُصَلِّي؛ فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ جَاهِدًا لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ النَّاسِ إِلَيهِ، فَذَلِكَ شِرْكُ السَّرَائِرِ». حَسَنٌ. صَحِيحُ التَّرْغِيبِ (٣١).\n(^٣) حَسَنٌ. أَحْمَدُ (١١٢٥٢) عَنْ أَبِي سَعِيد الخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٢٦٠٧)، وَسَيَأْتِي الكَلَامُ عَلَيهِ بِتَفْصِيلٍ أَكْثَرَ إِنْ شَاءَ اللهُ فِي \"بَابِ مَا جَاءَ فِي الرِّيَاءِ\".","vol":"1","page":78},{"text":"أَمَامَ النَّاسِ لِطَلَبِ جَاهٍ أَو ذِكْرٍ حَسَنٍ بَينَ النَّاسِ، وَقَدْ جَعَلَ ابْنُ القَيِّمِ ﵀ الشِّرْكَ الأَصْغَرَ مِثْلَ يَسِيرِ الرِّيَاءِ، أَمَّا الرِّيَاءُ الكَامِلُ فَهُوَ لَا يَصْدُرُ إِلَّا مِنَ المُنَافِقِ (^١).\n- الشِّرْكُ الأَصْغَرُ: هُوَ جَمِيعُ الأَقْوَالِ وَالأَفْعَالِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى الشِّرْكِ، كَالغُلُوِّ فِي المَخْلُوقِ -بِحَيثُ لَا يَصِلُ هَذَا الغُلُوُّ إِلَى رُتْبَةِ العِبَادَةِ (^٢) -، وَكَالحَلِفِ بِغَيرِ اللهِ، وَيَسِيرِ الرِّيَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.\nقُلْتُ: إِلَّا أَنَّهُ بِقَيدِ أَنْ يَكُونَ الشَّرْعُ قَدْ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ شِرْكٌ، فَلَيسَ كُلُّ ذَرِيعَةٍ إِلَى الشَّرْكِ تَكُونُ شِرْكًا؛ وَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَكُونُ كَبِيرَةً مِنَ الكَبَائِرِ فِي نَفْسِهَا!\n- الرِّيَاءُ فِي الحَدِيثِ جَاءَ مِنْ بَابِ التَّمْثِيلِ لَا الحَصْرِ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الغَالِبُ، وَإِلَّا فَلَو كَانَ التَّصَنُّعُ لِيُسْمَعَ عَنْهُ فَهُوَ سُمْعَةٌ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الرِّيَاءِ أَيضًا، كَمَا فِي حَدِيثِ جُنْدَبٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللهُ بِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^٣).\n- قَولُهُ: (وَهُوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ نِدًّا) (^٤): الدُّعَاءُ نَوعَانِ:\n١ - دُعَاءُ عِبَادَةٍ: كَالصَّومِ وَالصَّلَاةِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِنَ العِبَادَاتِ.\nوَسُمِّيَ دُعَاءً لِأَنَّهُ دَاعٍ بِلِسَانِ حَالِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الجَنَّةَ وَالبُعْدَ عَنِ النَّارِ؛ فَإِنَّهُ يُحَافِظُ عَلَى أَعْمَالِ الطَّاعَةِ للهِ؛ فَهُوَ دَاعٍ فِي الجُمْلَةِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجِنّ: ١٨]، وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى:\n_________\n(^١) مَدَارِجُ السَّالِكِينَ (١/ ٣٥٢).\n(^٢) يُنْظَرُ: (القَولُ السَّدِيدُ) لِلسَّعْدِيِّ (ص ٥٤).\n(^٣) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦٤٩٩)، وَمُسْلِمٌ (٢٩٨٦).\n(^٤) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤٤٩٧)، وَتَمَامُهُ عَنْ عَبْدِ اللهِ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ كَلِمَةً؛ وَقُلْتُ أُخْرَى، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَهْوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ نِدًّا دَخَلَ النَّارَ»، وَقُلْتُ أَنَا: (مَنْ مَاتَ وَهْوَ لَا يَدْعُو لِلَّهِ نِدًّا دَخَلَ الجَنَّةَ).","vol":"1","page":79},{"text":"﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غَافِر: ٦٠] فَجَعَلَ سُبْحَانَهُ الدُّعَاءَ عِبَادَةً، وَهَذَا النَّوعُ لَا يَجُوزُ صَرْفُهُ لِغَيرِ اللهِ تَعَالَى، وَهُوَ المَقْصُودُ بِالحَدِيثِ هُنَا.\nوَهُنَا مَلْحَظٌ لَطِيفٌ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ \"كَنَّى بِالدُّعَاءِ عَنِ الْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّ مَنْ عَبَدَ شَيْئًا دَعَاهُ عِنْدَ حَوَائِجِهِ وَمَصَالِحِهِ\" (^١)، \"وَمَا أَنْسَبَ التَّعْبِيرَ لِعُبَّادِ الأَوثَانِ عَنِ العِبَادَةِ بِالدُّعَاءِ: إِشَارَةً إِلَى أَنَّ كُلَّ مَعْبُودٍ لَا يُدْعَى فِي الضَرُورَاتِ فَيَسْمَعُ؛ فَعَابِدُهُ أَجْهَلُ الجَهَلَةِ\" (^٢).\nوَمِصْدَاقُهُ فِي إِنْكَارِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ عَلَى وَالِدِهِ الشِّرْكَ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيئًا﴾ [مَرْيَم: ٤٢].\n٢ - دُعَاءُ مَسْأَلَةٍ: أَي: يَدْعُو سَائِلًا بِلِسَانِهِ، وَهَذَا النَّوعُ فِيهِ تَفْصِيلٌ مِنْ حَيثُ كَونِ المُسْتَغَاثِ بِهِ حَيًّا حَاضِرًا قَادِرًا (^٣)، كَمَا فِي قَولِهِ ﷺ: «مَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ» (^٤) فِي الدَّعْوَةِ إِلَى الطَّعَامِ، وَكَمَا فِي الحَدِيثِ «يَا قَبِيصَةُ؛ إِنَّ المَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ» (^٥) فِي سُؤَالِ الصَّدَقَةِ؛ فَهَذَا جَائِزٌ، بِخِلَافِ مَنْ دَعَا مَيِّتًا أَوْ غَائِبًا أَوْ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى مَا دُعِيَ بِهِ -مِمَّا يَكُونُ خَارِجًا عَنْ قُدْرَةِ البَشَرِ أَصْلًا-؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ شِرْكًا، قال تعالى: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشُّعَرَاء: ٩٦ - ٩٨].\n_________\n(^١) البَحْرُ المُحِيطُ (٤/ ٦٨).\n(^٢) نَظْمُ الدُّرَرِ (٥/ ٤٠٤).\n(^٣) قُلْتُ: مَعَ التَّأْكِيدِ عَلَى كَونِ دُعَاءِ المَدْعُوِّ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الأَسْبَابِ؛ وَأَنَّ النَّفْعَ إِنَّمَا هُوَ مِنَ اللهِ تَعَالَى.\n(^٤) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (١٦٧٢) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَة (٢٥٤).\n(^٥) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٠٤٤) مِنْ حَدِيثِ قَبِيصَةَ بْنِ مُخارِقٍ مَرْفُوعًا.","vol":"1","page":80},{"text":"- فَائِدَة ١: قَدْ أَورَدَ بَعْضُهُم هُنَا حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ: «وَإِنِّي -وَاللهِ- مَا أَخَافُ علَيكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي؛ وَلَكِنِّي أَخَافُ علَيكُمُ الدُّنْيَا أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا» (^١) فَظَاهِرُهُ عَدَمُ الخَوفِ مِنَ الوُقُوعِ فِي الشِّرْكِ؛ وَإِنَّمَا فَقَط مِنَ التَّنَافُسِ فِي الدُّنْيَا!! وَلَا يَصِحُّ هَذَا التَّوجِيهُ، وَالجَوَابُ عَلَيهِ هُوَ فِي قَولِ الحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (^٢): \"قَولُهُ: «وَإِنِّي وَاللهِ مَا أَخَافُ عَلَيكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِيِ» أَي: عَلَى مَجْمُوعِكُم؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ وَقَعَ مِنَ البَعْضِ -أَعَاذَنَا اللهُ تَعَالَى-\" (^٣).\n- فَائِدَة ٢: فِي التَّخلُّصِ مِنَ الشِّرْكِ بِنَوعَيهِ: الأَكْبَرِ وَالأَصْغَرِ:\nعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، لَلشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ»، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَلِ الشِّرْكُ إِلَّا مَنْ جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَلشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى شَيءٍ إِذَا قُلْتَهُ ذَهَبَ عَنْكَ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ؟»، قَالَ: «قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ» (^٤).\n_________\n(^١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١٣٤٤)، وَمُسْلِمٌ (٢٢٩٦) مِنْ حَدِيثِ عُقْبَة بْنِ عَامِرٍ مَرْفُوعًا.\n(^٢) فَتْحُ البَارِي (٣/ ٢١١).\n(^٣) قُلْتُ: وَيَدُلُّ أَيضًا لِذَلِكَ حَدِيثُ مُسْلِمٍ (٢٩٠٧) عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَذْهَبُ اللَّيلُ وَالنَّهْارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللَّاتُ وَالعُزَّى». فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ كُنْتُ لَأَظنُّ حِينَ أَنْزَلَ اللهُ ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التَّوبَة: ٣٣] أَنَّ ذَلِكَ تَامًّا. قَالَ: «إنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَتَوَفَّى كُلَّ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إيمَانٍ؛ فَيَبْقَى مَنْ لَا خَيرَ فيهِ فَيَرْجِعُونَ إِلَى دِينِ آبَائِهِم». وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ -إِنْ شَاءَ اللهُ- فِي بَابِ مَا جَاءَ أنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأُمَّةِ يَعْبُدُ الأَوثَانَ.\n(^٤) صَحِيحٌ. الأَدَبُ المُفْرَدُ (٧١٦). صَحِيحُ الأَدَبِ المُفْرَدِ (٥٥٤).","vol":"1","page":81},{"text":"- فَائِدَة ٣: قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ حَدِيثِ جَابِرٍ-بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ- (^١): \"فَأَمَّا دُخُولُ المُشْرِكِ النَّارَ فَهُوَ عَلَى عُمُومِهِ؛ فَيَدْخُلُهَا وَيَخْلُدُ فِيهَا، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَينَ (الكِتَابِيِّ اليَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ) وَبَينَ (عَبَدَةِ الأَوثَانِ وَسَائِرِ الكَفَرَةِ)، وَلَا فَرْق عِنْدَ أَهْلِ الحَقِّ بَينَ (الكَافِر عِنَادًا وَغَيرهِ) وَلَا بَين (مَنْ خَالَفَ مِلَّة الإِسْلَامِ) وَبَينَ (مَنِ انْتَسَبَ إِلَيهَا؛ ثُمَّ حُكِمَ بِكُفْرِهِ بِجَحْدِهِ مَا يَكْفُر بِجَحْدِهِ وَغَيرِ ذَلِكَ). وَأَمَّا دُخُولُ مَنْ مَاتَ غَيرَ مُشْرِكٍ الجَنَّةَ؛ فَهُوَ مَقْطُوعٌ لَهُ بِهِ، لَكِنْ إِنْ لَمْ يَكُنْ (صَاحِبَ كَبِيرَةٍ مَاتَ مُصِرًّا عَلَيهَا) دَخَلَ الجَنَّةَ أَوَّلًا، وَإِنْ كَانَ (صَاحِبَ كَبِيرَةٍ مَاتَ مُصِرًّا عَلَيهَا) فَهُوَ تَحْتَ المَشِيئَةِ، فَإِنْ عُفِيَ عَنْهُ دَخَلَ أَوَّلًا وَإِلَّا عُذِّبَ ثُمَّ أُخْرِجَ مِنَ النَّارِ وَخُلِّدَ فِي الجَنَّةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ\" (^٢).\n- فَائِدَة ٤: قَولُ المُصَنِّفِ ﵀ فِي المَسْأَلَةِ العَاشِرَةِ: \"فِيهِ تَفْسِيرُ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) كَمَا ذَكَرَهُ البُخَارِيُّ\" يَقْصُدُ بِهِ أَنَّ البُخَارِيِّ ﵀ بَوَّبَ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ السَّابِقِ فِي الصَّحِيحِ: \"بَابُ قَولِهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البَقَرَة: ١٦٥] \" فَكَانَ هَذَا الحَدِيثُ عِنْدَهُ مُفَسِّرًا لِلتَّرْجَمَةِ فِي مَعْنَى اتِّخَاذِ الأَنْدَادِ، وَأَنَّ المَحَبَّةَ مَعَ اللهِ هِيَ مِنَ الشِّرْكِ.\n_________\n(^١) شَرْحُ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ (٢/ ٩٧).\n(^٢) هَذِهِ الأَقْوَاسُ الدَّاخِلِيَّةُ وَضَعْتُهَا لِسُهُولَةِ تَمْيِيزِ سِيَاقِ الكَلَامِ، وَلَيسَ فِي النَّصِّ أَيُّ إِدْرَاجٍ خَارِجٍ عَنْهُ.","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type='title' id=toc-35>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-36> مَسْأَلَةٌ: هَلِ الكُفْرُ هُوَ نَفْسُهُ الشِّرْكُ؛ أَمْ أَنَّ هُنَاكَ فَرْقًا بَينَهُمَا؟</span>\nالجَوَابُ: الكُفْرُ يَخْتَلِفُ عَنِ الشِّرْكِ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ، فَالكُفْرُ هُوَ التَّغْطِيَةُ، وَأَمَّا الشِّرْكُ فَهُوَ مِنَ الإِشْرَاكِ فِي الشَّيءِ خِلَافًا لِلتَّوحِيدِ.\nأَمَّا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ؛ فَلَا فَرْقَ بَينَ الكُفْرِ وَالشِّرْكِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ فَقَدْ كَفَرَ بِتَوحِيدِ اللهِ، وَكُلُّ مَنْ كَفَرَ بِتَوحِيدِهِ سُبْحَانَهُ فَقَدْ أَشْرَكَ مَعَهُ سُبْحَانَهُ شَيئًا -إِمَّا إِلَهًا مَعْبُودًا، وَإِمَّا هَوًى مُتَّبَعًا وَلَابُدَّ-، وَيُمْكُنُ القَولُ أَيضًا بِأَنَّهُ جَعَلَ مَا للهِ لِغَيرِ اللهِ (^١).\nفَالكُفْرُ وَالشِّرْكُ مُتَرَادِفَانِ فِي الشَّرْعِ، وَالأَكْثَرُ فِي الشِّرْكِ أَنْ يُطْلَقَ عَلَى إِشْرَاكِ شَيءٍ مَعَ اللهِ تَعَالَى فِي الرُّبُوبِيَّةِ أَوِ الأُلَوهِيَّةِ أَوِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَالأَكْثَرُ فِي الكُفْرِ أَنْ يَكُونَ فِي الجُحُودِ، وَلَكِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَافِرٌ مِنْ وَجْهٍ وَمُشْرِكٌ مِنْ وَجْهٍ، وَهَذِهِ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ مَرَدُّهَا إِلَى الشَّرْعِ، وَمِنْ أَدِلَّةِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَينَهُمَا:\nأ- قَولُهُ تَعَالَى فِي صَاحِبِ الجَنَّةِ: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ [الكَهْف: ٣٥ - ٣٧]، فَفِيهِ إِثْبَاتُ كُفْرِهِ وَذَلِكَ بِإِنْكَارِهِ البَعْثَ وَالمَعَادَ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّهِ: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾، وَأَيضًا قَولُهُ تَعَالَى عَنِ الأَوَّلِ: ﴿وَأُحِيطَ\n_________\n(^١) قَالَ أَبُو حَيَّانَ الأَنْدَلُسِيُّ ﵀ فِي تَفْسِيرِهِ البَحْرُ المُحِيطُ (٣/ ٢٨١): \"قَالَ الزَّجَّاجُ: كُلُّ كَافِرٍ مُشْرِكٌ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَفَرَ مَثَلًا بِنَبِيٍّ؛ زَعَمَ أَنَّ هَذِهِ الآيَاتِ الَّتِي أَتَى بِهَا لَيسَتْ مِنْ عِنْدِ اللهِ؛ فَيَجْعَلُ مَا لَا يَكُونُ إِلَّا للهِ لِغَيرِ اللهِ، فَيَصِيرُ مُشْرِكًا بِهَذَا المَعْنَى\".","vol":"1","page":83},{"text":"بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ حَيثُ سَمَّى اللهُ تَعَالَى كُفْرَ ذَلِكَ الرَّجُلِ شِرْكًا.\nب- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَرَأَيتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيهِ وَكِيلًا﴾ [الفُرْقَان: ٤٣] فَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ كُلَّ كَافِرٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَتْبُوعٍ يَكُونُ مُشْرِكًا بِهِ.\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: \"قَالَ اللهُ ﷿: ﴿أَفَرَأَيتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجَاثِيَة: ٢٣] قَالَ الحَسَنُ وَغَيرُهُ: هُوَ الَّذِي لَا يَهْوَى شَيئًا إِلَّا رَكِبَهُ، فَهَذَا يُنَافِي الِاسْتِقَامَةَ عَلَى التَّوحِيدِ\" (^١).\nج- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَصَفَ تَارِكَ الصَّلَاةِ بِالشِّرْكِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «لَيسَ بَينَ العَبْدِ وَالشِّرْكِ إِلَّا تَرْكُ الصَّلَاةِ، فَإِذَا تَرَكَهَا فَقَدْ أَشْرَكَ» (^٢)، رُغْمَ أَنَّهُ لَمْ يَتَّخِذَ نِدًّا فِي العِبَادَةِ -ظَاهِرًا- مَعَ اللهِ تَعَالَى! (^٣).\n_________\n(^١) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (١/ ٥٠٩).\n(^٢) صَحِيحٌ. ابْنُ مَاجَه (١٠٨٠) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٥٣٨٨).\n(^٣) انْظُرْ أَشْرِطَةَ فَتَاوَى سِلْسِلَةِ الهُدَى وَالنُّورِ (شَرِيط ٣٤١) مِنْ فَتَاوَى الشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.","vol":"1","page":84},{"text":"بَابُ الدُّعَاءِ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ\nوَقَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يُوسُف: ١٠٨].\nوَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ؛ قَالَ لَهُ: «إِنَّكَ تَأْتِي قَومًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ -وَفِي رِوَايَةٍ: إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللهَ-، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَومٍ وَلَيلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ؛ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيسَ بَينَهَا وَبَينَ اللهِ حِجَابٌ» (^١). أَخْرَجَاهُ.\nوَلَهُمَا عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ يَومَ خَيبَرَ: «لَأُعطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ؛ يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدِيهِ». فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيلَتَهُم أّيُّهُم يُعْطَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحُوا غَدَوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ كُلُّهُم يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا، فَقَالَ: «أَينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟» فَقِيلَ: هُوَ يَشْتَكِي عَينَيهِ، فَأَرْسَلُوا إِلَيهِ، فَأُتِي بِهِ فبَصَقَ فِي عَينَيهِ، ثُمَّ دَعَا لَهُ فَبَرَأَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ، فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ، فَقَالَ: «اُنْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِم، ثُمَّ اُدْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُم بِمَا يَجِبُ عَلَيهِم مِنْ حَقِّ اللهِ فِيهِ؛ فَوَاللهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ» (^٢).\n(يَدُوكُونَ) أَي: يَخُوضُونَ.\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (١٤٩٦)، وَمُسْلِمٌ (١٩).\n(^٢) البُخَارِيُّ (٣٧٠١)، وَمُسْلِمٌ (٢٤٠٦).","vol":"1","page":85},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: أَنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى اللهِ طَرِيقُ مَنِ اتَّبَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ.\nالثَّانِيَةُ: التَّنْبِيهُ عَلَى الإِخْلَاصِ، لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَو دَعَا إِلَى الحَقِّ؛ فَهُوَ يَدْعُو إِلَى نَفْسِهِ.\nالثَّالِثَةُ: أَنَّ البَصِيرَةَ مِنَ الفَرَائِضِ.\nالرَّابِعَةُ: مِنْ دَلَائِلِ حُسْنِ التَّوحِيدِ كَونُهُ تَنْزِيهًا لِلَّهِ تَعَالَى عَنِ المَسَبَّةِ.\nالخَامِسَةُ: أَنَّ مِنْ قُبْحِ الشِّرْكِ كَونَهُ مَسَبَّةً لِلَّهِ.\nالسَّادِسَةُ: وَهِيَ مِنْ أَهَمِّهَا؛ إِبْعَادُ المُسْلِمِ عَنِ المُشْرِكِينَ لِئَلَّا يَصِيرَ مِنْهُمْ؛ وَلَو لَمْ يُشْرِكْ.\nالسَّابِعَةُ: كَونُ التَّوحِيدِ أَوَّلَ وَاجِبٍ.\nالثَّامِنَةُ: أَنَّهُ يُبْدَأُ بِهِ قَبْلَ كُلِّ شَيءٍ؛ حَتَّى الصَّلَاة.\nالتَّاسِعَةُ: أَنَّ مَعْنَى: «أَنْ يُوَحِّدُوا اللهَ» مَعْنَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ.\nاَلعَاشِرَةُ: أَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهَا؛ أَو يَعْرِفُهَا وَلَا يَعْمَلُ بِهَا.\nالحَادِيَةَ عَشْرَةَ: التَّنْبِيهُ عَلَى التَّعْلِيمِ بِالتَّدْرِيجِ.\nالثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: البدَاءَةُ بِالأَهَمِّ فَالأَهَمِّ.\nالثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: مَصْرِفُ الزَّكَاةِ.\nالرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: كَشْفُ العَالِمِ الشُّبْهَةَ عَنِ المُتَعَلِّمِ.","vol":"1","page":86},{"text":"الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: النَّهْيُ عَنْ كَرَائِمِ الأَمْوَالِ.\nالسَّادِسَةَ عَشْرَةَ: اتِّقَاءُ دَعْوَةِ المَظْلُومِ.\nالسَّابِعَةَ عَشْرَةَ: الإِخْبَارُ بِأَنَّهَا لَا تُحْجَبُ.\nالثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: مِنْ أَدِلَّةِ التَّوحِيدِ مَا جَرَى عَلَى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وِسَادَاتِ الأَولِيَاءِ مِنَ المَشَقَّةِ وَالجُوعِ وَالوَبَاءِ.\nالتَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: قَولُهُ: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ» إِلَخْ؛ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ.\nالعِشْرُونَ: تَفْلُهُ فِي عَينَيهِ؛ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِهَا أَيضًا.\nالحَادِيَةُ وَالعِشْرُونَ: فَضِيلَةُ عَلِيٍّ ﵁.\nالثَّانِيَةُ وَالعِشْرُونَ: فَضْلُ الصَّحَابَةِ فِي دَوكِهِمْ تِلْكَ اللَّيلَةَ وَشُغْلِهِمْ عَنْ بِشَارَةِ الفَتْحِ.\nالثَّالِثَةُ وَالعِشْرُونَ: الإِيمَانُ بِالقَدَرِ لِحُصُولِهَا لِمَنْ لَمْ يَسْعَ لَهَا وَمَنْعِهَا عَمَّنْ سَعَى.\nالرَّابِعَةُ وَالعِشْرُونَ: الأَدَبُ فِي قَولِهِ «عَلَى رِسْلِكَ».\nالخَامِسَةُ وَالعِشْرُونَ: الدَّعْوَةُ إِلَى الإِسْلَامِ قَبْلَ القِتَالِ.\nالسَّادِسَةُ وَالعِشْرُونَ: أَنَّهُ مَشْرُوعٌ لِمَنْ دُعُوا قَبْلَ ذَلِكَ وَقُوتِلُوا.\nالسَّابِعَةُ وَالعِشْرُونَ: الدَّعْوَةُ بِالحِكْمَةِ لِقَولِهِ: «أَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيهِمْ».\nالثَّامِنَةُ وَالعِشْرُونَ: المَعْرِفَةُ بِحَقِّ اللهِ فِي الإِسْلَامِ.\nالتَّاسِعَةُ وَالعِشْرُونَ: ثَوَابُ مَنِ اهْتَدَى عَلَى يَدَيهِ رَجُلٌ وَاحِدٌ.\nاَلثَّلَاثُونَ: الحَلِفُ عَلَى الفُتْيَا.","vol":"1","page":87},{"text":"<span data-type='title' id=toc-39>الشَّرْحُ</span>\n- فِي الأَبْوَابِ السَّابِقَةِ بَيَانُ أَنَّ المُسْلِمَ إِذَا عَلِمَ أَهَمِيَّةَ التَّوحِيدِ وَفَضْلَهُ وَضَرُورَةَ الخَوفِ مِنْ تَرْكِهِ لَزِمَ أَنَّ يَعْمَلَ بِهِ، وَفِي هَذَا البَابِ أَنَّ مَنْ عَلِمَ ذَلِكَ فَلَا يَقْتَصِرَنَّ فِي الخَيرِ عَلَى نَفْسِهِ؛ بَلْ يَدْعُو النَّاسَ إِلَيهِ.\nوَفِي هَذَا البَابِ أَيضًا أَنَّهُ لَا يَتِمُّ إِيمَانُ العَبْدِ إِلَّا إِذَا دَعَا إِلَى التَّوحِيدِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العَصْر: ١ - ٣].\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ تَنْزِيهٌ للهِ تَعَالَى عَنْ كُلِّ مَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُوصَفَ بِهِ (^١).\n- فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ تَنْبِيهٌ عَلَى أَمْرَينِ:\n١ - ضَرُورَةُ الدَّعْوَةُ إِلَى التَّوحِيدِ؛ وَأَنَّهَا سَبِيلُ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَنَّهَا أَصْلُ الإِسْلَامِ؛ حَيثُ جُعِلَ الإِسْلَامُ مُفَسَّرًا بِهَا فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، وَالتَّعْبِيرُ بِالشَّيءِ عَنِ الشَّيءِ يَدُلُّ عَلَى رُكْنيَّتِهِ وَأَنَّهُ أَصْلُهُ الأَصِيلُ (^٢).\n_________\n(^١) وَإِعْرَابُ \"سُبْحَانَ\": مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ عَامِلُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: \"أُسَبِّحُ\".\n(^٢) كَمَا فِي قَولِهِ ﷺ: «الحَجُّ عَرَفَة». صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١٨٧٧٤) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَن بْنِ يَعْمُرَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٣١٧٢).\nوَحَدِيثِ «الدِّينُ النَّصِيحَةُ». صَحِيحُ مُسْلِمٍ (٥٥) عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ مَرْفُوعًا.\nوَحَدِيثِ (الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ). صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١٨٤٣٦) عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٣٤٠٧).","vol":"1","page":88},{"text":"٢ - التَّنْبِيهُ عَلَى الإِخْلَاصِ؛ وَذَلِكَ فِي أَنَّ الدَّاعِيَ إِلَى اللهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُ فِي دَعْوَتِهِ هُوَ لِابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنْ لَا يُخَالِفَ فِعْلُهُ قَولَهُ (^١).\n- قَولُهُ: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ البَصِيرَةُ هِيَ العِلْمُ، فَالبَصِيرَةُ لِلقَلْبِ كَالبَصَرِ لِلعَينِ، يُبْصِرُ بِهَا الحَقَائِقَ.\n- قَولُهُ: ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ دَلَّ عَلَى أَنَّ سَبِيلَ أَتْبَاعِ النَّبِيِّ ﷺ الدَّعْوَةُ إِلَى تَوحِيدِ اللهِ تَعَالَى وَعَلَى بَيِّنَةٍ فِي دِينِهِم، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ أَيضًا عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الدَّاعِيَةِ أَنْ يَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ؛ أَي: عَلَى عِلْمٍ بِمَا يَدْعُو إِلَيهِ، أَمَّا الجَاهِلُ فَلَا يَصْلُحُ لِلدَّعْوَةِ (^٢).\n- فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ بَيَانُ أَنَّ عَلَى الدَّاعِيَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى أَنْ يَتَبَيَّنَ ثَلَاثَةَ أُمُورٍ فِي دَعْوَتِهِ:\n١ - حَالَ المَدْعُوِّ: فَالَّذِينَ قُصِدُوا هُمْ أَهْلُ كِتَابٍ، وَمَا عِنْدَهُم لَيسَ كَمَا عِنْدَ الوَثَنَيينَ! فلَزِمَ تَهَيُّؤُ النَّفْسِ لِشُبَهِهِم وَمَقَالَاتِهِم.\n٢ - طَرِيقَةَ الدَّعْوَةِ: وَهِيَ التَدَرُّجَ فِي الدَّعْوَةِ بِحَسْبِ الأَهَمِّ فَالأَهَمِّ؛ وَأَنْ لَا يُنْتَقَلَ مِنْ أَمْرٍ إِلَى آخَرَ إِلَّا بَعْدَ الانْتِهَاءِ مِنَ الأَوَّلِ.\n٣ - مَادَّةَ الدَّعْوَةِ: وَهِيَ التَّوحِيدُ فِي الأَوَّلِ، ثُمَّ الصَّلَاةُ، ثُمَّ الزَّكَاةُ.\n_________\n(^١) وَلِهَذَا قَالَ المُصَنِّفُ ﵀ فِي مَسَائِلِ هَذَا البَابِ: فِي قَولِهِ: (إِلَى اللهِ): تَنْبِيهٌ عَلَى الإِخْلَاصِ؛ لِأَنَّ كَثِيرِينَ -وَإِنْ دَعَوا إِلَى الحَقِّ- فَإِنَّمَا يَدْعُونَ إِلَى أَنْفُسِهِم! أَي مِنْ جِهَةِ الرِّيَاءِ.\n(^٢) وَلَا يَخْفَى أَنَّ المُتَصَدِّرَ لِلدَّعْوَةِ إِلَى الإِسْلَامِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ شُرُوطٍ أُخَرَ؛ لَيسَ هَذَا مَوضِعُ ذِكْرِهَا.\nوَهَذَا لَا يَعْنِي أَنَّ مَنْ عَلِمَ شَيئًا مِنَ الحَقِّ أَنَّهُ لَا يُبَلِّغُهُ لِمَنْ لَا يَعْلَمُهُ! وَكَمَا فِي الحَدِيثِ: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَو آيَةً» رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣٤٦١) عَنِ ابْنِ عَمْرو مَرْفُوعًا، وَلَكِنَّ الكَلَامَ فِي الدُّعَاةِ الَّذِينَ جَعَلُوا الدَّعْوَةَ مَيدَانَهُم وَهَمَّهُم وَتَصَدَّرُوا لَهَا.","vol":"1","page":89},{"text":"- قَولُهُ: (بَاتَ): البَيتُوتَةُ: هِيَ المُكْثُ فِي اللَّيلِ -سَوَاءً كَانَ مَعَهُ نَومٌ أَو لَمْ يَكُنْ مَعَهُ نَومٌ-.\n- قَولُهُ: «اُنْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ» \"الرِّسْلُ\" -بِالكَسْرِ- الرِّفْقُ وَالتُّؤَدَةُ (^١)، وَالمَعْنَى هُنَا: امْشِ هُوَينًا هُوَينًا، لِأَنَّ المَقَامَ خَطِيرٌ وَيُخْشَى مِنْ مَكْرِ العَدُوِ، فَاليَهُودُ خُبَثَاءُ أَهْلُ غَدْرٍ (^٢).\n- قَولُهُ: «لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا» لَمْ يقل: لَأنْ تَهْدِي! لِأَنَّ الَّذِي يَهْدِي هُوَ اللهُ ﵎ (^٣)، وَالمُرَادُ بِالهِدَايَةِ هُنَا هِدَايَةُ التَّوفِيقِ وَالقَبُولِ.\n- قَولُهُ: «فَوَاللهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيرٌ لَكَ مِنٍ حُمْرِ النَّعَمِ» يُشِيرُ فِيهِ إِلَى عَدَمِ اليَأْسِ مِنْ قِلَّةِ المُسْتَجِيبِينَ، وَكَمَا سَبَقَ فِي الحَدِيثِ «فَرَأَيتُ النَّبِيَّ وَلَيسَ مَعَهُ أَحَدٌ».\n- قَولُهُ: «حُمْرِ النَّعَمِ» -بِتَسْكِينِ المِيمِ-: جَمْعُ أَحْمَرَ، وَبِالضَّمِّ: جَمْعُ حِمَارٍ، وَالمُرَادُ الأَوَّلُ، وَهِيَ الإِبِلُ الحَمْرَاءُ، وَخَصَّهَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَنْفَسُ أَمْوَالِ العَرَبِ.\n- قَولُهُ: «يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ» فِيهِ إِثْبَاتُ المَحَبَّةِ للهِ مِنَ الجَانِبَينِ، أَي: أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّ ويُحَبُّ.\n_________\n(^١) القَامُوسُ المُحِيطِ (ص ١٠٠٥).\n(^٢) وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الهُدُوءِ فِي الجِهَادِ، وَتَرْكِ العَجَلَةِ وَرَفْعِ الأَصْوَاتِ، وَيَدُلُّ أَيضًا عَلَى الثَّبَاتِ وَالشَّجَاعَةِ وَالتَّدَبُّرِ فِي الأَمْرِ، بِخِلَافِ الطَّيشِ وَالرَّكْضِ وَرَفْعِ الأَصْوَاتِ! فَإِنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى الجُبْنِ وَعَدَمِ الثَّبَاتِ.\n(^٣) وَأَمَّا الهِدَايَةُ الَّتِي تَصِحُّ نِسْبَتُها إِلَى البَشَرِ فَهِيَ هِدَايَةُ الدِّلَالَةِ وَالإِرْشَادِ، وَهُنَاكَ أَنْوَاعٌ أُخَرُ مِنَ الهِدَايَةِ سَيَأْتِي الكَلَامُ عَلَيهَا فِي مَوضِعِهَا مِنْ هَذَا الكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.","vol":"1","page":90},{"text":"وَقَدْ أنكرَ هَذَا أَهْلُ التَّعْطِيلِ، وَقَالُوا: المُرَادُ بِمَحَبَّةِ اللهِ لِلعَبْدِ إِثَابَتُهُ أَو إِرَادَةُ إِثَابَتِهِ! وَأَنَّ المُرَادَ بِمَحَبَّةِ العَبْدِ للهِ مَحَبَّةُ ثَوَابِهِ! وَهَذَا تَحْرِيفٌ لِلكَلَامِ عَنْ ظَاهِرِهِ، عَدَا عَنْ مُخَالَفَةِ إِجْمَاعِ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الهُدَى مِنْ بَعْدِهِم (^١)، فَمَحَبَّةُ اللهِ تَعَالَى ثَابِتَةٌ لَهُ حَقِيقَةً وَهِيَ مِنْ صِفَاتِهِ الفِعْلِيَّةِ (^٢).\n_________\n(^١) قُلْتُ: وَسَبَبُ كَونِهَا مُخَالِفَةً لِلإِجْمَاعِ أَنَّهُ لَمْ يُنقلْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلفِ أَبَدًا تَأْوِيلُ مَحَبَّةِ اللهِ تَعَالَى بِالثَّوَابِ أَو بِإِرَادَةِ الثَّوَابِ، فَمَنْ قَالَ بِذَلِكَ طَالَبْنَاهُ بِالدَّلِيلِ.\n(^٢) قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ -وَغَفَرَ لَهُ- فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (٦/ ٩٥): \"قَولُهُ ﷺ فِي الَّذِي قَالَ فِي ﴿قُل؟ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ؛ فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا: «أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللهَ يُحِبُّهُ»، قَالَ المَازِرِيُّ: مَحَبَّةُ اللهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ؛ إِرَادَةُ ثَوَابِهِم وَتَنْعِيمِهِم، وَقِيلَ: مَحَبَّتُهُ لَهُم نَفْسُ الإِثَابَةِ وَالتَّنْعِيمِ لَا الإِرَادَة.\nقَالَ القَاضِي: وَأَمَّا مَحَبَّتُهُم لَهُ سُبْحَانَهُ فَلَا يَبْعُدُ فِيهَا المَيلُ مِنْهُم إِلَيهِ سُبْحَانَهُ، وَهُوَ مُتَقَدِّسٌ عَنِ المَيلِ. قَالَ: وَقِيلَ: مَحَبَّتُهُم لَهُ اسْتِقَامَتُهُم عَلَى طَاعَتِهِ، وَقِيلَ: الاسْتِقَامَةُ ثَمَرَةُ المَحَبَّةِ. وَحَقِيقَةُ المَحَبَّةِ لَهُ: مَيلُهُم إِلَيهِ لِاسْتِحْقَاقِهِ ﷾ المَحَبَّةَ مِنْ جَمِيعِ وُجُوهِهَا\". كَذَا نَقَلَ!! غَفَرَ اللهُ لَهُ.\nقُلْتُ: قَالَ ابٍنُ أَبِي العِزِّ الحَنَفِيِّ ﵀ فِي شَرْحِ العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ (ص ٢٩٤): \"قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النِّسَاء: ١٢٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النِّسَاء: ١٦٤].\nالخِلَّةُ: كَمَالُ المَحَبَّةِ، وَأَنْكَرَتِ الجَهْمِيَّةُ حَقِيقَةَ المَحَبَّةِ مِنَ الجَانِبَينِ زَعْمًا مِنْهُم أَنَّ المَحَبَّةَ لَا تَكُونُ إِلَّا لِمُنَاسَبَةٍ بَينَ المُحِبِّ وَالمَحْبُوبِ؛ وَأَنَّهُ لَا مُنَاسَبَةَ بَينَ القَدِيمِ وَالمُحْدَثِ تُوجِبُ المَحَبَّةَ! وَكَذَلِكَ أَنْكَرُوا حَقِيقَةَ التَّكْلِيمِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَانَ أوَّلَ مَنِ ابْتَدَعَ هَذَا فِي الإِسْلَامِ هُوَ الجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ فِي أَوَائِلِ المَائَةِ الثَّانِيَةِ، فَضَحَّى بِهِ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ القَسْرِيُّ -أَمِيرُ العِرَاقِ وَالمَشْرِقِ بِوَاسِطٍ-، خَطَبَ النَّاسَ يَومَ الأَضْحَى فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ ضَحُّوا -تَقَبَّلَ اللهُ ضَحَايَاكُم-؛ فَإِنِّي مُضَحٍّ بِالجَعْدِ بْنِ دِرْهَم، إِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللهَ لَمْ يَتَّخِذْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَلَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا! ثُمَّ نَزَلَ فَذَبَحَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ بِفَتْوَى أَهْلِ زَمَانِهِ مِنْ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ ﵃؛ فَجَزَاهُ اللهُ عَنِ الدِّينِ وَأَهْلِهِ خَيرًا.\nوَأَخَذَ هَذَا المَذْهَبَ عَنِ الجَعْدِ الجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ، فَأَظْهَرَهُ وَنَاظَرَ عَلَيهِ، وَإِلَيهِ أُضِيفَ قَولُ الجَهْمِيَّةِ، فَقَتَلَهُ سَلَمُ بْنُ أَحْوَز -أَمِيرُ خُرَاسَانَ بِهَا-، ثُمَّ انْتَقَلَ ذَلِكَ إِلَى المُعْتَزِلَةِ -أَتْبَاعِ عَمْرو بْنِ عُبَيدٍ-، وَظَهَرَ قَولُهُم فِي أَثْنَاءِ خِلَافَةِ المَأْمُونِ حَتَّى امْتُحِنَ أَئِمَّةُ الإِسْلَامِ، وَدَعَوهُم إِلَى المُوَافَقَةِ لَهُم عَلَى ذَلِكَ.\n=","vol":"1","page":91},{"text":"- فِي حَدِيثِ إِرْسَالِ مُعَاذٍ إِلَى اليَمَنِ بَيَانُ صِحَّةِ العَمَلِ بِخَبَرِ الوَاحِدِ، لِأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ أَرْسَلَ مُعَاذًا وَحْدَهُ مُبَلِّغًا لِلإِسْلَامِ؛ بَلْ وَلِأَصْلِ الإِسْلَامِ وَهُوَ عَقِيدَةُ التَّوحِيدِ، ثُمَّ مَا يَأْتِي بَعْدَهَا مِنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُعْتَمَدُ خَبَرُ الوَاحِدِ فِي العَقَائِدِ، وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لَهُ التَّوَاتُرُ كَمَا تَقُولُهُ المُبْتَدِعَةُ (^١).\n- فِي شَرْحِ المَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ: \"أَنَّ مِنْ دَلَائِلِ حُسْنِ التَّوحِيدِ كَونُهُ تَنْزِيهًا للهِ عَنِ المَسَبَّةِ\" وَذَلِكَ بِكَونِ اتِّخَاذِ الشُّرَكَاءِ مَعَ اللهِ تَعَالَى هُوَ تَنَقُّصٌ للهِ تَعَالَى فِي رُبُوبِيَّتِهِ وَأُلُوهِيَّتِهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ.\n- فِي شَرْحِ المَسْأَلَةِ العَاشِرَةِ: \"أَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَهُوَ لَا يَعْرِفُها؛ أَو يَعْرِفُهَا وَلَا يَعْمَلُ بِهَا\": مُرَادُهُ بِقَولِهِ: \"لَا يَعْرِفُها أَو يَعْرِفُها\" شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَتُؤْخَذُ مِنْ قَولِهِ: «فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»، إِذْ لَو كَانُوا يَعْرِفُونَ \"لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ\" وَيَعْمَلُونَ بِهَا مَا احْتَاجُوا إِلَى الدَّعْوَةِ إِلَيهَا رُغْمَ أَنَّهُم أَهْلُ كِتَابٍ وَكَانَ عِنْدَهُم إِيَّاهَا فِيمَا جَاءَ عَنْ رُسُلِهِم.\n_________\n=\nوَأَصْلُ هَذَا مَأْخُوذٌ عَنِ المُشْرِكِينَ وَالصَّابِئَةِ، وَهُمْ يُنْكِرُونَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلًا وَمُوسَى كَلِيمًا؛ لِأَنَّ الخِلَّةَ هِيَ كَمَالُ المَحَبَّةِ المُسْتَغْرِقَةِ لِلمُحِبِّ، كَمَا قِيلَ: قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي .. وَلِذَا سُمِّيَ الخَلِيلُ خَلِيلًا. وَلَكِنَّ مَحَبَّتَهُ وَخِلَّتَهُ كَمَا يَلِيقُ بِهِ تَعَالَى كَسَائِرِ صِفَاتِهِ\".\n(^١) هُمْ مُبْتدِعَةٌ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُم أَصَّلُوا أَصْلًا فِي عَقِيدَتِهِم لَيسَ عَلَيهِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ، بَلْ وَالعَجَبُ مِنْهُم كَيفَ أَنَّهُم يَشْتَرِطُونَ فِي عَقِيدَتِهِم أَنْ تَكُونَ مَبْنِيَّةً عَلَى القُرْآنِ وَالحَدِيثِ المُتَوَاتِرِ فَقَط؛ وَهُمْ فِي ذَلِكَ قَدْ أَصَّلُوا أَصْلَهُم هَذَا -الَّذِي جَعَلُوهُ قَاعِدَةَ التَّمْيِيزِ بَينَ مَا يُقْبَلُ وَمَا يُرَدُّ- بِمَا لَمْ يَأْتِ أَصْلًا لَا فِي الكِتَابِ، وَلَا فِي السُّنَّةِ المُتَوَاتِرَةِ أَوِ الآحَادِ، وَلَا حَتَّى فِي حَدِيثٍ ضَعِيفٍ!!\nوَقَدْ عَقَدَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ الجَلِيلِ (الرِّسَالَةُ) (ص ٤٠١) بَابًا هُوَ \"حُجِّيَّةُ تَثْبِيتِ خَبَرِ الوَاحِدِ\" وَاحْتَجَّ فِيهِ بِحَدِيثِ مُعَاذٍ السَّابِقِ.","vol":"1","page":92},{"text":"- فِي شَرْحِ المَسْأَلَةِ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: \"كَشْفُ العَالِمِ الشُّبْهَةَ عَنِ المُتَعَلِّمِ\" المُرَادُ بِالشُّبْهَةِ هُنَا: شُبْهَةُ العِلْمِ، وَهِيَ هُنَا الجَهْلُ بِمَصْرِفِ الزَّكَاةِ فِي قَولِهِ: «صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» فَبيَّنَ أَنَّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ تُؤْخَذُ مِنَ الأَغْنِيَاءِ، وَأَنَّ مَصْرِفَهَا الفُقَرَاءُ.\n- فِي شَرْحِ المَسْأَلَةِ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: \"مِنْ أَدِلَّةِ التَّوحِيدِ مَا جَرَى عَلَى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وَسَادَةِ الأَولِيَاءِ مِنَ المَشَقَّةِ وَالجُوعِ وَالوَبَاءِ\" قَدْ يَكُونَ مُرَادُ المُصَنِّفِ بَيَانُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ -وَهُم سَادَةُ الأَولِيَاءِ- قَدْ أَصَابَهُم مِنَ الشِّدَّةِ مَا أَصَابَهُم فِي قِصَّةِ خَيبَرَ؛ الأَمْرُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى سَفَهِ وَضَلَالِ مَنِ اسْتَغَاثَ بِهِم فِي الشَّدَائِدِ، لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَمْلِكْ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ الضُّرَّ فكَيفَ يَدْفَعُ عَنْ غَيرِهِ (^١) (^٢)؟!\n_________\n(^١) قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ فِي كِتَابِهِ القَولُ المُفِيدُ (١/ ١٤٢): \"الظَّاهِرُ أَنَّ المُؤَلِّفَ ﵀ يُرِيدُ الإِشَارَةَ إِلَى قِصَّةِ خَيبَر، إِذْ وَقَعَ فِيهَا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ جُوعٌ عَظِيمٌ، حَتَّى أَنَّهُم أَكَلُوا لَحْمَ الحَمِيرِ وَالثُّومِ. وَأَمَّا الوَبَاءُ؛ فَهُوَ مَا وَقَعَ مِنْ رَمَدِ عَينِ عَلِيٍّ ﵁، وَأَمَّا المَشَقَّةُ، فَظَاهِرَةٌ.\nوَوَجْهُ كَونِ ذَلِكَ مِنْ أَدِلَّةِ التَّوحِيدِ: أَنَّ الصَّبْرَ وَالتَّحَمُّلَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الأُمُورِ يَدُلُّ عَلَى إِخْلَاصِ الإِنْسَانِ فِي تَوحِيدِهِ وَأَنَّ قَصْدَه اللهُ تَعَالَى، وَلِذَلِكَ صَبَرَ عَلَى البَلَاءِ\".\n(^٢) وَبِنَحْوِ هَذِهِ الفَائِدَةِ مَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ [الإِسْرَاء: ٥]، فَفِيهِ دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ قُبُورَ الصَّالِحِينَ أَوِ الأَنْبِيَاءِ الَّتِي فِي المَدَائِنِ وَالقُرَى لَا تَدْفَعُ البَلاءَ عَن أَهْلِهَا! لِأَنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ أَنَّ فِي بَيتِ المَقْدِسِ -وَمَا حولَه مِن قُبُورِ الأَنْبِيَاءِ- مَا هُوَ أَكْثَرُ مِن غَيرِهِ مِن جِهَةِ القُبُورِ؛ وَمَع ذَلِكَ لَمَّا غَلَوا وَأَفْسَدُوا عَاقَبَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِم، وَسَلَّطَ عَلَيهِمُ العَدُوَّ الَّذِي جَاسَ خِلَالَ الدِّيَارِ، وَدَخَلَ المَسْجِدَ وَقَتَّلَ فِيهِم مَن لَا يُحْصِي عَدَدَهُ إلَّا اللهُ، وَلَمْ يَمْنَعْهُم أَحَدٌ مِن قُبُورِ الأَنْبِيَاءِ الَّتِي كَانَتْ هُنَاكَ! فَاللهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَرْزُقُهُم وَيَنْصُرُهُم؛ لَا رَازِقَ غَيرُه وَلَا نَاصِرَ إِلَّا هُوَ. يُنْظَرُ: (الإِخْنَائِيَّة) لِابْنِ تَيمِيَّةَ (ص ١٨٩ - ١٩٣).","vol":"1","page":93},{"text":"وَسَيَمُرُّ هَذَا البَيَانُ بِأَطْوَلَ مِنْهُ وَأَوسَعَ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى فِي بَابِ \"قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٩١] \" مِنْ هَذَا الكِتَابِ.\n- فِي شَرْحِ المَسْأَلَةِ الثَّلَاثُونَ: \"الحَلِفُ عَلَى الفُتْيَا\": الفَائِدَةُ مِنَ الحَلِفِ هِيَ تَوكِيدُ الكَلَامِ، وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي الحَلِفُ عَلَى الفُتْيَا إِلَّا لِمَصْلَحَةٍ وَفَائِدَةٍ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيمَانَكُمْ﴾ [المَائِدَة: ٨٩].","vol":"1","page":94},{"text":"<span data-type='title' id=toc-40>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-41> مَسْأَلَةٌ: مَا سَبَبُ تَخْصِيصِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ بِالذِّكْرِ دُونَ ذِكْرِ الصِّيَامِ وَالحَجِّ؟</span>\nالجَوَابُ: أَنَّهُ أَحَدُ أُمُورٍ:\n١ - أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِحَسْبِ نُزُولِ الفَرَائِضِ وَالأَمْرِ بِهَا.\n٢ - أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ اقْتَصَرَ عَلَى الأَرْكَانِ العَظِيمَةِ الأَسَاسِيَّةِ الَّتِي يُقَاتَلُ مَنْ تَرَكَهَا.\n٣ - أَنَّ هَذِهِ هِيَ الأَرْكَانُ الظَّاهِرَةُ الَّتِي يَرَاهَا النَّاسُ عُمُومًا، أَمَّا الصِّيَامُ فَهُوَ أَمْرٌ خَفِيٌ بَينَ العَبْدِ وَبَينَ رَبِّهِ.\n٤ - أَنَّ هَذِهِ الأًعْمَالَ هِيَ أُصُولُ الأَعْمَالِ الشَّرْعِيَّةِ؛ فَمَنِ التَزَمَ بِهَا كَانَ لِغَيرِهَا أَشَدَّ الْتِزَامًا (^١).\n_________\n(^١) فَالصَّلَاةُ أَصْلُ العِبَادَاتِ البَدَنِيَّةِ وَأَعْظَمُهَا، وَكَذَلِكَ الزَّكَاةُ أَصْلُ العِبَادَاتِ المَالِيَّةِ وَأَعْظَمُهَا.","vol":"1","page":95},{"text":"بَابُ تَفْسِيرِ التَّوحِيدِ وَشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ\nوَقَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإِسْرَاء: ٥٧].\nوَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزُّخْرُف: ٢٦ - ٢٨].\nوَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التَّوبَة: ٣١].\nوَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البَقَرَة: ١٦٥].\nوَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ أَنَّه قَالَ: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ؛ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ؛ وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ ﷿) (^١).\nوَشَرْحُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ مَا بَعْدَهَا مِنَ الأَبْوَابِ.\nفِيهِ أَكْبَرُ المَسَائِلِ وَأَهَمُّهَا: وَهِيَ تَفْسِيرُ التَّوحِيدِ، وَتَفْسِيرُ الشَّهَادَةِ، وَبيَّنَهَا بِأُمُورٍ وَاضِحَةٍ.\nمِنْهَا: آيَةُ الإِسْرَاءِ: بَيَّنَ فِيهَا الرَّدَّ عَلَى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَدْعُونَ الصَّالِحِينَ؛ فَفِيهَا بَيَانُ أَنَّ هَذَا هُوَ الشِّرْكُ الأَكْبَرُ.\n_________\n(^١) الحَدِيث رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢٣) دُونَ البُخَارِيِّ، مِنْ حَدِيثِ طَارِقِ بْنِ أَشْيَمَ الأَشْجَعِيِّ مَرْفُوعًا.","vol":"1","page":96},{"text":"وَمِنْهَا: آيَةُ بَرَاءَة: بَيَّنَ فِيهَا أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُم وَرُهْبَانَهُم أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُم لَمْ يُؤْمَرُوا إِلَّا بِأَنْ يَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا، مَعَ أَنَّ تَفْسِيرَهَا الَّذِي لَا إِشْكَالَ فِيهِ: طَاعَةُ العُلَمَاءِ وَالعُبَّادِ فِي المَعْصِيَةِ؛ لَا دُعَاؤهُم إِيَّاهُم!\nوَمِنْهَا: قَولُ الخَلِيلِ ﵇ لِلكُفَّارِ: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ فَاسْتَثْنَى مِنَ المَعْبُودِينَ رَبَّهُ، وَذَكَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ هَذِهِ البَرَاءَةَ وَهَذِهِ المُوَالَاةَ: هِيَ تَفْسِيرُ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللهُ، فَقَالَ: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.\nوَمِنْهَا: آيَةُ البَقَرَةِ فِي الكُفَّارِ الَّذِينَ قَالَ اللهُ فِيهِم: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾: ذَكَرَ أَنَّهُم يُحِبُّونَ أَنْدَادَهُم كَحُبِّ اللهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُم يُحِبُّونَ اللهَ حُبًّا عَظِيمًا وَلَمْ يُدْخِلْهُم فِي الإِسْلَامِ! فَكَيفَ بِمَنْ أَحَبَّ النِّدَّ أَكْبَرَ مِنْ حُبِّ اللهِ؟! فَكَيفَ بِمَنْ لَمْ يُحِبَّ إِلَّا النِّدَّ وَحْدَهُ وَلَمْ يُحِبَّ اللهَ؟!\nوَمِنْهَا قَولُهُ ﷺ: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ؛ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ ﷿) وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ مَا يُبَيِّنُ مَعْنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَجْعَلِ التَّلَفُّظَ بِهَا عَاصِمًا لِلدَّمِ وَالمَالِ! بَلْ وَلَا مَعْرِفَةَ مَعْنَاهَا مَعَ لَفْظِهَا! بَلْ وَلَا الإِقْرَارَ بِذَلِكَ! بَلْ وَلَا كَونَهُ لَا يَدْعُو إِلَّا اللهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ! بَلْ لَا يَحْرُمُ مَالُهُ وَدَمُهُ حَتَّى يُضِيفَ إِلَى ذَلِكَ الكُفْرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ، فَإِنْ شَكَّ أَو تَوَقَّفَ لَمْ يَحْرُمْ مَالُهُ وَدَمُهُ، فَيَالَهَا مِنْ مَسْأَلَةٍ مَا أَعْظَمَهَا وَأَجَلَّهَا! وَيَا لَهُ مِنْ بَيَانٍ مَا أَوضَحَهُ! وَحُجَّةٍ مَا أَقْطَعَهَا لِلمُنَازِعِ!","vol":"1","page":97},{"text":"<span data-type='title' id=toc-44>الشَّرْحُ</span>\n- قَولُهُ: (شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ): \"أَلَهَ إِلَاهَةً وَأُلُوهَةً وَأُلُوهِيَّةً: عَبَدَ عِبَادَةً، وَمِنْهُ لَفْظُ الجَلَالَةِ\" (^١).\nوَقَالَ فِي (لِسَانِ العَرَبِ): \" (أَلَهَ) الإلَهُ: اللهُ ﷿، وكُلُّ مَا اتُخِذَ مِنْ دُونِهِ مَعْبُودًا إلَهٌ عِنْدَ مُتَّخِذِهِ، وَالجَمْعُ آلِهَةٌ، وَالآلِهَةُ: الأَصْنَامُ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِاعْتِقَادِهِم أَنَّ العِبَادَةَ تَحُقُّ لَهَا، وَأَسْمَاؤُهُم تَتْبَعُ اعْتِقَادَاتِهِم لَا مَا عَلَيهِ الشَّيءُ فِي نَفْسِهِ\" (^٢).\n- فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٦ - ٥٧] بَيَانُ ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ لِلعُبُودِيَّةِ:\n١ - الحُبُّ، وَهُوَ مِنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ (^٣).\n٢ - الرَّجَاءُ، وَهُوَ مِنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ﴾.\n٣ - الخَوفُ، وَهُوَ مِنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾.\n_________\n(^١) قَالَهُ فِي القَامُوسِ المُحِيطِ (ص ١٢٤٢).\n(^٢) لِسَانُ العَرَبِ (١٣/ ٤٦٧).\n(^٣) قَالَ فِي لِسَانِ العَرَبِ (١١/ ٧٢٤): \"الوَسِيلةُ: المَنْزِلَةُ عِنْدَ المَلِكِ، وَالوَسِيلةُ الدَّرَجَةُ، وَالوَسِيلَةُ القُرْبَةُ، وَوَسَّلَ فُلَانٌ إِلَى اللهِ وَسِيلَةً: إِذَا عَمِلَ عَمَلًا تَقَرَّبَ بِهِ إِلَيهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإِسْرَاء: ٥٧]، وَفِي حَدِيثِ الأَذَانِ: «اللَّهُمَّ آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ» هيَ فِي الأَصْلِ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى الشَّيءِ وَيُتَقَرَّبُ بِهِ، وَالمُرَادُ بِهِ فِي الحَدِيثِ: القُرْبُ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: هِيَ الشَّفَاعَةُ يَومَ القِيَامَةِ، وَقِيلَ: هِيَ مَنْزِلَةٌ مِنْ مَنَازِلِ الجَنَّةِ -كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ-\".","vol":"1","page":98},{"text":"وَفِي الآيَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ تِلْكَ العِبَادَاتِ هِيَ مِمَّا تَلَبَّسَ بِهَا المُشْرِكُونَ تُجَاهَ مَعْبُودِيهِم؛ فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهَا للهِ، وَأَنَّ مَعْبُودَاتِهِم أَنْفُسَهُم هُمْ مُتَلَبِّسُونَ بِهَا للهِ تَعَالَى وَحْدَهُ.\nوَفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَخْصِيصَ تِلْكَ الأُمُورِ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلَى كَونِهَا أَرْكَانًا لِلعُبُودِيَّةِ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ أَنَّ التَّعْبِيرَ بِالشَّيءِ عَنِ الشَّيءِ يَدُلُّ عَلَى كَونِهِ رُكْنًا فِيهِ.\n- أَورَدَ البُخَارِيُّ ﵀ فِي (صَحِيحِهِ) (^١) فِي كِتَابِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ -بَابُ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ - عَنْ عَبْدِ اللهِ (^٢) ﵁ فِي هَذِهِ الآيَةِ ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ قَالَ: (كَانَ نَاسٌ مِنَ الجِنِّ يُعْبَدُونَ فَأَسْلَمُوا) (^٣) (^٤)\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ يَدْعُونَ أَي: يَعْبُدُونَ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الدُّعَاءَ نَوعَانِ: دُعَاءُ مَسْأَلَةٍ، وَدُعَاءُ عِبَادَةٍ (^٥).\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٦/ ٨٦).\n(^٢) هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁.\n(^٣) وَفِي رِوَايَةٍ لِلبُخَارِيِّ (٤٧١٤) أَيضًا: (كَانَ نَاسٌ مِنَ الإِنْسِ يَعْبُدُونَ نَاسًا مِنَ الجِنِّ؛ فَأَسْلَمَ الجِنُّ وَتَمَسَّكَ هَؤُلَاءِ بِدِينِهِم).\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٩٧): \"اسْتَمَرَّ الإِنْسُ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ عَلَى عِبَادَةِ الجِنِّ -وَالجِنُّ لَا يَرْضَونَ بِذَلِكَ لِكَونِهِمْ أَسْلَمُوا- وَهُم الَّذِينَ صَارُوا يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَزَادَ فِيهِ (وَالإِنْسُ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ بِإِسْلَامِهِمْ!)، وَهَذَا هُوَ المُعْتَمَدُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ\".\n(^٤) وَفِي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ (١٧/ ٤٧٤) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الآيَةِ: أَنَّهَا فِي عِيسَى وَمَرْيَمَ وَالعُزَير وَالمَلَائِكَةِ، وَهَذَا مِنِ ابْن عَبَّاسٍ -وَمَا سَبَقَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ- هُوَ مِنْ بَابِ تَفْسِيرِ التَّنَوُّعِ.\n(^٥) هُنَا وَإِنْ كَانَ المَعْنَى العَامُّ أَنَّهُ دُعَاءُ عِبَادَةٍ؛ فَهُوَ أَيضًا مُتَضَمِّنٌ لِدُعَاءِ المَسْأَلَةِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ». صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١٨٤٣٦) عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٣٤٠٧).","vol":"1","page":99},{"text":"- قَولُهُ: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ذَكَرَ الفَطْرَ دُونَ غَيرِهِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ التَّذْكِيرُ بِأَنَّه إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ العِبَادَةَ مَنْ فَطَرَ (^١)، أَمَّا مَنْ لَمْ يَفْطِرْ وَلَمْ يَخْلُقْ شَيئًا؛ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيئًا مِنَ العِبَادَةِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الاسْتِدْلَالِ بِالرُّبُوبِيَّةِ عَلَى تَوحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ.\n- قَولُهُ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الرَّبُّ هُنَا هُوَ المَعْبُودُ، وَهَذَا عَلَى قَاعِدَةِ المُتَرَادِفَاتِ فِي اللُّغَةِ وَالَّتِي إِذَا اجْتَمَعَت افْتَرَقَتْ؛ وَإِذَا افْتَرَقَت اجْتَمَعَتْ (^٢).\nوَدَلَّ لِذَلِكَ أَيضًا حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ الطَّائِيِّ عِنْدَمَا قَالَ: (إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُم!) وَهَذَا النَّوعُ مِنَ الشِّرْكِ هُنَا هُوَ شِرْكُ الطَّاعَةِ، وَسَيَأْتِي فِيهِ تَفْصِيلٌ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى (^٣).\nوَحَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ بِتَمَامِهِ هُوَ: أَتِيتُ النَّبِيَّ ﷺ -وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ-، فَقَالَ: «يَا عَدِيُّ، اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الوَثَنَ»، وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّهُم لَمْ يَعْبُدُوهُم! فَقَالَ: «بَلَى، إِنَّهُم حَرَّمُوا عَلَيهِمُ الحَلَالَ وَأَحَلُّوا لَهُمُ الحَرَامَ فَاتَّبَعُوهُم؛ فَذَلِكَ عِبَادَتُهُم إِيَّاهُم» (^٤).\n_________\n(^١) \"فَطَرَ اللهُ الخَلْقَ يَفْطُرُهُم: خَلَقَهُمْ وَبَدَأَهُم\". لِسَانُ العَرَبِ (٥/ ٥٦).\n(^٢) كَالإِسْلَامِ وَالإِيمَانِ، وَالفَقِيرِ وَالمِسْكِينِ.\n(^٣) قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ فِي كِتَابِهِ القَولُ المُفِيدُ (١/ ١٦٠): \"وَالشَّيخُ ﵀ جَعَلَ شِرْكَ الطَّاعَةِ مِنَ الأَكْبَرِ، وَهَذَا فِيهِ تَفْصِيلٌ، وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللهُ فِي بَابِ (مَنْ أَطَاعَ الأُمَرَاءَ وَالعُلَمَاءَ فِي تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَ اللهُ أَو تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللهُ فَقَد اتَّخَذَهُم أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ) \".\n(^٤) صَحِيحٌ. الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ (١/ ٩٢) وَالتِّرْمِذِيُّ (٣٠٩٥) وَحَسَّنَهُ. الصَّحِيحَة (٣٢٩٣).","vol":"1","page":100},{"text":"- قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ فِي (مَجْموعِ الفَتَاوى) (^١): \"وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا -حَيثُ أَطَاعُوهُمْ فِي تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَ اللهُ وَتَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللهُ- يَكُونُونَ عَلَى وَجْهَينِ:\nأَحَدِهِمَا: أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّهُمْ بَدَّلُوا دِينَ اللهِ؛ فَيَتْبَعُونَهُمْ عَلَى التَّبْدِيلِ؛ فَيَعْتَقِدُونَ تَحْلِيلَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَتَحْرِيمَ مَا أَحَلَّ اللهُ اتِّبَاعًا لِرُؤَسَائِهِمْ -مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّهُمْ خَالَفُوا دِينَ الرُّسُلِ- فَهَذَا كُفْرٌ، وَقَدْ جَعَلَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ شِرْكًا -وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا يُصَلُّونَ لَهُمْ وَيَسْجُدُونَ لَهُم-، فَكَانَ مَنِ اتَّبَعَ غَيرَهُ فِي خِلَافِ الدِّينِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ خِلَافُ الدِّينِ، وَاعْتَقَدَ مَا قَالَهُ ذَلِكَ دُونَ مَا قَالَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ: مُشْرِكًا مِثْلَ هَؤُلَاءِ.\nوَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ اعْتِقَادُهُمْ وَإِيمَانُهُمْ [بِتَحْرِيمِ الحَرَامِ وَتَحْلِيلِ الحَلَالِ (^٢)] ثَابِتًا، لَكِنَّهُمْ أَطَاعُوهُمْ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ -كَمَا يَفْعَلُ المُسْلِمُ مَا يَفْعَلُهُ مِنَ المَعَاصِي الَّتِي يَعْتَقِدُ أَنَّهَا مَعَاصٍ-؛ فَهَؤُلَاءِ لَهُمْ حُكْمُ أَمْثَالِهِمْ مِنْ أَهْلِ الذُّنُوبِ؛ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ» (^٣) \".\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ يَعْنِي: \"لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ\" لَا يَزَالُ فِي ذُرِّيَّتِهِ مَنْ يَقُولُهَا (^٤).\n_________\n(^١) مَجْموعُ الفَتَاوى (٧/ ٧٠).\n(^٢) مُلَاحَظَةٌ: فِي الأُصُولِ \"بِتَحْرِيمِ الحَلَالِ وَتَحْلِيلِ الحَرَامِ\"!! وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ خَطَأٌ مِنَ النُّسَّاخِ.\nقَالَ الشَّيخُ نَاصِرُ بْنُ حَمَدٍ الفَهْدُ حَفِظَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ (صِيَانَةُ مَجْمُوعِ الفَتَاوَى مِنَ السَّقْطِ وَالتَّصْحِيفِ) (ص ٥٩): \"وَقَولُهُ هُنَا (بِتَحْرِيمِ الحَلَالِ وَتَحْلِيلِ الحَرَامِ) قَدْ أَشَارَ عَدَدٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ إِلَى أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ تَصْحِيفًا مِنَ النُّسَّاخِ، وَالأَظْهَرُ أَنَّ العِبَارَةَ هِيَ (بِتَحْرِيمِ الحَرَامِ وَتَحْلِيلِ الحَلَالِ) \".\n(^٣) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٧١٤٥)، وَمُسْلِمٌ (١٨٤٠) مِنْ حَدِيثِ عَليٍّ مَرْفُوعًا.\n(^٤) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٧/ ٢٢٥).","vol":"1","page":101},{"text":"- فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ بَيَانُ ضَلَالِ ثَلَاثِ طَوَائِفَ:\n١ - الطَّائِفَةِ الأُولَى: بَعْضُ المُتَصَوِّفَةِ الَّذِينَ يُطِيعُونَ شُيُوخَهُم -وَلَو أَمَرُوهُم بِمَعْصِيَةٍ ظَاهِرَةٍ- بِحُجَّةِ أَنَّهَا فِي الحَقِيقَةِ لَيسَتْ بِمَعْصِيَةٍ؛ وَأَنَّ الشَّيخَ يَرَى مَا لَا يَرَى المُرِيدُ! (^١)\n٢ - الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ: هُمُ المُقَلِّدَةُ الَّذِينَ يُؤْثِرُونَ اتِّبَاعَ كَلَامِ المَذْهَبِ عَلَى كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ؛ مَعَ وُضُوحِ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ! (^٢)\n٣ - الطَّائِفَةِ الثَّالِثَةِ: هُمُ الَّذِينَ يُطِيعُونَ وُلَاةَ الأُمُورِ فِيمَا يُشَرِّعُونَهُ لِلنَّاسِ مِنْ نُظُمٍ وَقَرَارَاتٍ مُخَالِفَةٍ لِلشَّرْعِ؛ كَالشُّيُوعِيَّةِ وَمَا شَابَهَهَا، وَشَرُّهُم مَنْ يُحَاوِلُ أَنْ يُظْهِرَ أَنَّ ذَلِكَ مُوَافِقٌ لِلشَّرْعِ غَيرُ مُخَالِفٍ لَهُ! (^٣)\n- فَائِدَةٌ: قَد يُجْمَلُ الخَوفُ مَعَ الرَّجَاءِ فَتَكُونُ الأَرْكَانُ رُكْنَينِ: المَحَبَّةُ وَالرَّجَاءُ، أَوِ المَحَبَّةُ وَالخَوفُ.\n_________\n(^١) قُلْتُ: هُوَ مَا يُسَمُّونَهُ بِالشَّرِيعَةِ وَالحَقِيقَةِ؛ أَو عِلْمِ الظَّاهِرِ وَعِلْمِ البَاطِنِ.\n(^٢) قَالَ الفَخْرُ الرَّازِي؛ أَبُو عَبْدِ اللهِ -صَاحِبُ التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ- ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٦/ ٣١) عِنْدَ شَرْحِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: \"قَالَ شَيخُنَا وَمَولَانَا خَاتِمَةُ المُحَقِّقِينَ وَالمُجْتَهِدِينَ ﵁: قَدْ شَاهَدْتُ جَمَاعَةً مِنْ مُقَلِّدَةِ الفُقَهَاءِ؛ قَرَأْتُ عَلَيهِم آيَاتٍ كَثِيرَةً مِنْ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى فِي بَعْضِ المَسَائِلِ -وَكَانَتْ مَذَاهِبُهُم بِخِلَافِ تِلْكَ الآيَاتِ-؛ فَلَمْ يَقْبَلُوا تِلْكَ الآيَاتِ! وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيهَا! وَبَقَوا يَنْظُرُونَ إِلَيِّ كَالمُتَعَجِّبِ، يَعْنِي كَيفَ يُمْكِنُ العَمَلُ بِظَوَاهِرِ هَذِهِ الآيَاتِ مَعَ أَنَّ الرِّوَايَةَ عَنْ سَلَفِنَا وَرَدَتْ عَلَى خِلَافِهَ!! وَلَو تَأَمَّلْتَ حَقَّ التَّأَمُّلِ وَجَدْتَ هَذَا الدَّاءَ سَارِيًا فِي عُرُوقِ الأَكْثَرِينَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا\".\n(^٣) أَفَادَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي التَّعْلِيقِ عَلَى حَدِيثِ: «لَا طَاعَةَ لِبَشَرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ؛ إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ». الصَّحِيحَة (١٨١).","vol":"1","page":102},{"text":"وَوَجْهُ هَذَا \"أَنَّ الْخَوْفَ مُسْتَلْزِمٌ لِلرَّجَاءِ، وَالرَّجَاءُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْخَوْفِ؛ فَكُلُّ رَاجٍ خَائِفٌ، وَكُلُّ خَائِفٍ رَاجٍ، وَلِأَجْلِ هَذَا حَسُنَ وُقُوعُ الرَّجَاءِ فِي مَوْضِعٍ يَحْسُنُ فِيهِ وُقُوعُ الْخَوْفِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نُوح: ١٣]، قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: الْمَعْنَى: مَا لَكَمَ لَا تَخَافُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً؟! قَالُوا: وَالرَّجَاءُ بِمَعْنَى الْخَوْفِ.\nوَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ مُلَازِمٌ لَهُ؛ فَكُلُّ رَاجٍ خَائِفٌ مِنْ فَوَاتِ مَرْجُوِّهِ، وَالْخَوْفُ بِلَا رَجَاءٍ: يَأْسٌ وَقُنُوطٌ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجَاثِيَة: ١٤] قَالُوا فِي تَفْسِيرِهَا: لَا يَخَافُونَ وَقَائِعَ اللَّهِ بِهِمْ؛ كَوَقَائِعِهِ بِمَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ\" (^١).\n_________\n(^١) مَدَارِجُ السَّالِكِينَ لِابْنِ القَيِّمِ (٢/ ٥١).","vol":"1","page":103},{"text":"<span data-type='title' id=toc-45>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-46> مَسْأَلَةٌ: هَلْ يُقْبَلُ إِسْلَامُ أَيِّ كَافِرٍ بِمُجَرَّدِ قَولِ الشَّهَادَتَينِ؟</span>\nالجَوَابُ:\nالأَصْلُ فِي قَبُولِ إِسْلَامِ الكَافِرِ هُوَ قَولُ الشَّهَادَتِينِ؛ إِلَّا إِنْ كَانَ هَذَا الكَافِرُ لَهُ اعْتِقَادٌ خَاصٌّ سَابِقٌ؛ فَلَا يُقْبَلُ إِسْلَامُهُ مُطْلَقًا حَتَّى يُضِيفَ إِلَى الشَّهَادَتِينِ إِبْطَالَ عَقِيدَتِهِ الخَاصَّةِ السَّابِقَةِ، كَمَا فِي لَفْظِ الحَدِيثِ «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ؛ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ ﷿) (^١).\nفَالبَاطِنِيُّ الَّذِي يُؤَلِّهُ عَلِيًّا ﵁؛ لَا أَقُولُ: إِذَا نَطَقَ الشَّهَادَتَينِ فَقَطْ! بَلْ وَأَيضًا إِذَا صَلَّى؛ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ بِذَلِكَ مُسْلِمًا، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُعْلِنَ بُطْلَانَ مَا كَانَ عَلَيهِ سَابِقًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الشَّهَادَةِ لَيسَتْ مُجَرَّدَ قَولِهَا! بَلْ وَلَا مُجَرَّدَ إِقَامَةِ مَظَاهِرِ تَوحِيدِ اللهِ تَعَالَى! بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الكُفْرِ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى مِنَ المَعْبُودَاتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البَقَرَة: ٢٥٦] (^٢).\n_________\n(^١) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢٣) مِنْ حَدِيثِ طَارِقِ بْنِ أَشْيَمَ مَرْفُوعًا.\n(^٢) قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ القَولُ المُفِيدُ (١/ ١٥٧): \"وَفِي قَولِهِ: «وكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّلَفُّظِ بِـ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)! بَلْ لَا بُدَّ أَنْ تَكْفُرَ بِعِبَادَةِ مَنْ يُعَبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ، بَلْ وَتَكْفُرَ أَيضًا بِكُلِّ كُفْرٍ، فَمَنْ يَقولُ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وَيَرَى أَنَّ النَّصَارَى وَاليَهُودَ اليَومَ عَلَى دِينٍ صَحِيحٍ! فَلَيسَ بِمُسْلِمٍ\".\nوَقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ رَوضَةُ الطَّالِبِينَ (٧/ ٣٠١) -كِتَابُ الرِّدَّةِ، فَصْلٌ فِيمَا تَحْصُلُ بِهِ تَوبَةُ المُرْتَدِّ وَفِي مَعْنَاهَا إِسْلَامُ الكُفَّارِ الأَصْلِيِّ-: \"وَقَدْ وَصَفَ الشَّافِعِيُّ ﵁ تَوبَتَهُ فَقَالَ: أَنْ يَشْهَدَ أنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ؛ ويَبْرَأَ مِنْ كُلِّ دِينٍ خَالَفَ الإِسْلَامَ. وَقَالَ فِي مَوضِعٍ -أَي:\n=","vol":"1","page":104},{"text":"قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: \"هَؤُلَاءِ الدُّرْزِيَّةُ والنُصَيرِيَّة كُفَّارٌ بِاتِّفَاقِ المُسْلِمِينَ، لَا يَحِلُّ أَكْلُ ذَبَائِحِهِم وَلَا نِكَاحُ نِسَائِهِم؛ بَلْ وَلَا يُقَرُّونَ بِالجِزْيَةِ، فَإِنَّهُمْ مُرْتَدُّونَ عَنْ دِينِ الإِسْلَامِ، لَيسُوا مُسْلِمِينَ؛ وَلَا يَهُودَ وَلَا نَصَارَى، لَا يُقِرُّونَ بِوُجُوبِ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ وَلَا وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ وَلَا وُجُوبِ الحَجِّ، وَلَا تَحْرِيمِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنَ المَيتَةِ وَالخَمْرِ وَغَيرِهِمَا وَإِنْ أَظْهَرُوا الشَّهَادَتَينِ -مَعَ هَذِهِ العَقَائِدِ- فَهُمْ كُفَّارٌ بِاتِّفَاقِ المُسْلِمِينَ\" (^١).\nقَالَ الإِمَامُ المُجدِّدُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ ﵀ -فِي مَسَائِلِ البَابِ- مِنْ كِتَابِ التَّوحِيدِ: \"وَمِنْهَا قَولُهُ ﷺ: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ؛ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ ﷿) وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ مَا يُبَيِّنُ مَعْنَى (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)، فَإِنَّهُ لَمْ يَجْعَلِ التَّلَفُّظَ بِهَا عَاصِمًا لِلدَّمِ وَالمَالِ! بَلْ وَلَا مَعْرِفَةَ مَعْنَاهَا مَعَ لَفْظِهَا! بَلْ وَلَا الإِقْرَارَ بِذَلِكَ! بَلْ وَلَا كَونَهُ لَا يَدْعُو إِلَّا اللهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ! بَلْ لَا يَحْرُمُ مَالُهُ وَدَمُهُ حَتَّى يُضِيفَ إِلَى ذَلِكَ الكُفْرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ؛ فَإِنْ شَكَّ أَو تَوَقَّفَ لَمْ يَحْرُمْ مَالُهُ وَدَمُهُ\".\n_________\n=\nالشَّافِعِيُّ-: إِذَا أَتَى بِالشَّهَادَتينِ صَارَ مُسْلِمًا. وَلَيسَ هَذَا بِاخْتِلَافِ قَولٍ عِنْدَ جُمْهُورِ الأَصْحَابِ -كَمَا ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ الظِّهَارِ- بَلْ يَخْتَلِفُ الحَالُ بِاخْتِلَافِ الكُفَّارِ وَعَقَائِدِهِم\".\nوَقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ أَيضًا فِي كِتَابِهِ رَوضَةُ الطَّالِبِينَ (٧/ ٣٠٢): \"وَأَنَّ الثَّنَوِيَّ إِذَا قَالَ: (لَا إِلَهَ إلِّا اللهَ) لَمْ يَكُنْ مُؤمِنًا حَتَّى يَتَبَرَّأَ مِنَ القَولِ بِقِدَمِ الظُّلْمَةِ وَالنُّورِ؛ وَأَنْ لَا قَدِيمَ إِلَّا اللهُ؛ كَانَ مُؤمِنًا\".\nقُلْتُ: وَفِي الحَدِيثِ: «مَنْ شِهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ؛ أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ العَمَلِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣٤٣٥)، وَمُسْلِمٌ (٢٨) عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مَرْفُوعًا.\nوَبِنَحْوِهِ أَيضًا فِي كِتَابِ المُغْنِي (٩/ ٢١) لِابْنِ قُدَامَةَ ﵀.\nوَانْظُرْ أَيضًا فَتْوَى الشَّيخِ ابْنِ بَازٍ ﵀ فِي صَدَّام حُسَين فِي كِتَابِهِ مَجْمُوعُ فَتَاوَى ابْنِ بَاز (٦/ ١٢١).\n(^١) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (٣٥/ ١٦١).","vol":"1","page":105},{"text":"بَابُ مِنَ الشِّرْكِ لُبْسُ الحَلْقَةِ وَالخَيطِ وَنَحْوِهِمَا لِرَفْعِ البَلَاءِ أَو دَفْعِهِ\nوَقَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزُّمَر: ٣٨].\nوَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ الحُصَينِ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَىَ رَجُلًا فِي يَدِهِ حَلْقَةٌ مِنْ صُفْرٍ. فَقَالَ: «مَا هَذِهِ؟» قَالَ: مِنَ الوَاهِنَةِ. فَقَالَ: «انْزِعْهَا؛ فَإِنَّهَا لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا، فإنَّكَ لو مِتَّ وَهِيَ عَلَيكَ؛ مَا أَفْلَحَتَ أَبَدًا». رَوَاهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ (^١).\nوَلَهُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً؛ فَلَا أَتَمَّ اللهُ لَهُ، ومَنْ تَعلَّقَ وَدَعَةً؛ فَلَا وَدَعَ اللهُ لَهُ» (^٢).\nوَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ تَعلَّقَ تَمِيمَةً، فَقَدْ أَشْرَكَ» (^٣).\nوَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ حُذَيفَةَ ﵁؛ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا فِي يَدِهِ خَيطٌ مِنَ الحُمَّى؛ فَقَطَعَهُ، وَتَلَا قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يُوسُف: ١٠٦] (^٤).\n_________\n(^١) أَحْمَدُ (٢٠٠٠٠)، وَالحَدِيثُ ضَعَّفَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الضَّعِيفَةِ (١٠٢٩) بِسَبَبِ الانْقِطَاعِ بَينَ الحَسَنِ وَعِمْرَانَ؛ وَأَيضًا بِسَبَبِ عَنْعَنَةِ المُبَارَكِ -وَهُوَ ابْنُ فَضَالَةَ- فَقَدْ كَانَ مُدَلِّسًا.\n(^٢) ضَعِيفٌ. أَحْمَدُ (١٧٤٠٤). ضَعِيفُ الجَامِعِ (٥٧٠٣)، وَيُغْنِي عَنْهُ الحَدِيثُ الَّذِي بَعْدَهُ.\n(^٣) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١٧٤٢٢). الصَّحِيحَة (٤٩٢).\n(^٤) ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي التَّفْسِيرِ (١٢٠٤٠).","vol":"1","page":106},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: التَّغْلِيظُ فِي لُبْسِ الحَلْقَةِ وَالخَيطِ وَنَحْوِهِمَا لِمِثْلِ ذَلِكَ.\nالثَّانِيَةُ: أَنَّ الصَّحَابِيَّ لَو مَاتَ -وَهِيَ عَلَيهِ- مَا أَفْلَحَ؛ فِيهِ شَاهِدٌ لِكَلَامِ الصَّحَابَةِ: أَنَّ الشِّرْكَ الأَصْغَرَ أَكْبَرُ مِنَ الكَبَائِرِ.\nالثَّالِثَةُ: أَنَّهُ لَمْ يُعْذَرْ بِالجَهَالَةِ.\nالرَّابِعَةُ: أَنَّهَا لَا تَنْفَعُ فِي العَاجِلَةِ؛ بَلْ تَضُرُّ، لِقَولِهِ: «لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا».\nالخَامِسَةُ: الإِنْكَارُ بِالتَّغْلِيظِ عَلَى مَنْ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ.\nالسَّادِسَةُ: التَّصْرِيحُ بِأَنَّ مَنْ تَعَلَّقَ شَيئًا؛ وُكِلَ إِلَيهِ.\nالسَّابِعَةُ: التَّصْرِيحُ بِأَنَّ مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً؛ فَقَدْ أَشْرَكَ.\nالثَّامِنَةُ: أَنَّ تَعْلِيقَ الخَيطِ مِنَ الحُمَّى مِنْ ذَلِكَ.\nالتَّاسِعَةُ: تِلَاوَةُ حُذَيفَةَ الآيَةَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ يَسْتَدِلُّونَ بِالآيَاتِ الَّتِي فِي الشِّرْكِ الأَكْبَرِ عَلَى الأَصْغَرِ -كَمَا ذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي آيَةِ البَقَرَةِ-.\nالعَاشِرَةُ: أَنَّ تَعْلِيقَ الوَدَعَ مِنَ العَينِ مِنْ ذَلِكَ.\nالحَادِيَةَ عَشْرَةَ: الدُّعَاءُ عَلَى مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً أَنَّ اللهَ لَا يُتِمُّ لَهُ؛ وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً فَلَا وَدَعَ اللهُ لَهُ؛ أَي: تَرَكَ اللهُ لَهُ.","vol":"1","page":107},{"text":"<span data-type='title' id=toc-49>الشَّرْحُ</span>\n- قَولُهُ: \"بَابُ مِنَ الشِّرْكِ لُبْسُ الحَلْقَةِ\": اللُّبْسُ بِالضَّمِّ: مِنْ لُبْسِ الثَّوبِ، وَبِالفَتْحِ مِنَ التَّخْلِيطَ، وَبِالكَسْرِ هُوَ مَا يُلْبَسُ.\nوَالحَلْقَةُ -بِسُكُونِ اللَّامِ-: مِنَ الاسْتِدَارَةِ -، وَهِيَ المَقْصُودَةُ فِي البَابِ-، وَبِالفَتْحِ: مِنْ حِلَاقَةِ الشَّعْرِ.\n- قَولُهُ: \"لِدَفْعِ البَلَاءِ\" هُوَ قَبْلَ وُقُوعِهِ، \"وَرَفْعُ البَلَاءِ\" هُوَ بَعْدَ وُقُوعِهِ، وَفِي هَذَا التَّنْوِيعِ تَفْصِيلٌ سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى فِي البَابِ التَّالِي.\n- الآيَةُ الكَرِيمَةُ هُنَا سِيَاقُهَا فِيمَنْ تَعَلَّقَ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى؛ حَيثُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزُّمَر: ٣٨].\n- القَاعِدَةُ فِي هَذَا البَابِ: أَنَّ اعْتِقَادَ الأَسْبَابِ المُؤَثِّرَةِ لَا يَجُوزُ إِلَّا مَا ثَبَتَ شَرْعًا أَو قَدَرًا، فَالتَّعَلُّقُ بِشَيءٍ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ الشَّرْعُ يَكُون نَوعًا مِنَ الشِّرْكِ إِذَا كَانَ لِدَفْعِ البَلَاءِ أَو لِرَفْعِهِ.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ ﴿بِضُرٍّ﴾ هَذِهِ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ؛ وَهَذَا يَعُمُّ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الضُّرِّ.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿تَدْعُونَ﴾ هَذَا الدُّعَاءُ يَشْمَلُ دُعَاءَ المَسْأَلَةِ وَدُعَاءَ العِبَادَةِ؛ لِأَنَّهُمَا حَالَانِ مِنْ أَحْوَالِ أَهْلِ الإِشْرَاكِ بِاللهِ تَعَالَى.","vol":"1","page":108},{"text":"- فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ بَيَانُ أَنَّهُ كَمَا أَنَّ الخَالِقَ هُوَ اللهُ وَحْدَهُ؛ فَالَّذِي يَرْحَمُ وَيَضُرُّ أَيضًا هُوَ اللهُ وَحْدَهُ، لِذَلِكَ لَا يُدْعَى وَلَا يُتَعَلَّقُ بِسِوَى اللهِ تَعَالَى، فَصَارَ فِيهِ الاسْتِدْلَالُ بِتَوحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ عَلَى تَوحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ.\n- الوَاهِنَةُ: عِرْقٌ يَأْخُذُ فِي المَنْكِبِ وَاليَدِ كُلِّهَا.\n- التَّمَائِمُ: جَمْعُ تَمِيمَةٍ، وَهِيَ خَرَزَاتٌ كَانَتِ العَرَبُ تُعَلِّقُهَا عَلَى أَولَادِهِم يَتَّقُونَ بِهَا العَينَ -فِي زَعْمِهِم-؛ فَأَبْطَلَهَا الإِسْلَامُ (^١).\n- الوَدْعَةُ -بِسُكُونِ الدَّالِ، وَيُحَرَّكُ-: جَمْعُهَا وَدَعَاتٌ؛ خَرَزٌ بِيضٌ تُخْرَجُ مِنَ البَحْرِ؛ تُعَلَّقُ لِدَفْعِ العَينِ (^٢).\n- الحَدِيثُ الأَوَّلُ فِي البَابِ لَمْ يَصِحَّ بِهَذَا اللَّفْظِ؛ وَإِنَّمَا صَحَّ مَوقُوفًا عَنْ عِمْرَانَ ﵁ بِنَحْوِهِ، فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا فِي عَضُدِهِ حَلْقَةٌ مِنَ صُفَرٍ؛ فَقَالَ لَهُ: مَا هَذِهِ؟ قَالَ: نُعِتَتْ لِي مِنَ الوَاهِنَةِ، قَالَ: أَمَا إِنْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيكَ وُكِلْتَ إِلَيهَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَيسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَو تُطُيِّرَ لَهُ، وَلَا تَكَهَّنَ أَو تُكُهِّنَ لَهُ، أَو سَحَرَ أَو سُحِرَ لَهُ» (^٣).\n- قَولُهُ: «فَإِنَّهَا لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا» أَي: ضَعْفًا، وَذَلِكَ عُقُوبَةً لَهُ مِنْ جِنْسِ عَمَلِهِ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ قَلْبَهُ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى رَجَاءَ كَشْفِ الضُّرِّ.\n- قَولُهُ: «ومَنْ تَعلَّقَ وَدَعَةً؛ فَلَا وَدَعَ اللهُ لَهُ» أَي: لَا تَرَكَ لَهُ مَا يُحِبُّ، أَو لَا جَعَلَهُ فِي دَعَةٍ -أَي رَاحَةٍ- وَسُكُونٍ.\n_________\n(^١) النِّهَايَةُ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ (١/ ٥٣٦).\n(^٢) القَامُوسُ المُحِيطُ (ص ٧٦٩).\n(^٣) صَحِيحٌ. البَزَّارُ (٩/ ٥٢). الصَّحِيحَة (٢١٩٥).","vol":"1","page":109},{"text":"- قَولُهُ: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلَا أَتَمَّ اللهُ لَهُ» قَدْ تَكُونُ جُمْلَةً خَبَرِيَّةً؛ أَي: مَعْنَاهَا الإِخْبَارُ بِأَنَّ اللهَ لَا يُتِمُّ لَهُ أَمْرَهُ، وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَاهَا إِنْشَائِيًّا؛ أَي: مَعْنَاهَا الدُّعَاءُ عَلَيهِ بِأَنْ لَا يُتِمَّ اللهُ لَهُ أمْرَهُ.\n- قَولُهُ: «مَنْ تَعلَّقَ تَميمَةً» أَي: علَّقَهَا مُتَعَلِّقًا بِهَا قَلْبُهُ.\nوَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ فِي المُسْنَدِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الجُهَنِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَقْبَلَ إِلَيهِ رَهْطٌ، فَبَايَعَ تِسْعَةً وَأَمْسَكَ عَنْ وَاحِدٍ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! بَايَعْتَ تِسْعَةً وَتَرَكْتَ هَذَا؟ قَالَ: إنَّ عَلَيهِ تَميمَةً!، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فَقَطَعَهَا؛ فبَايَعَهُ. وَقَالَ: «مَنْ عَلَّقَ تَميمَةً فَقد أَشْرَكَ» (^١).\n- تَعْلِيقُ التَّمَائِمِ فِيهِ خَلَلٌ مِنْ جَانِبِ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ تَعَالَى؛ حَيثُ جَعَلَ نَصِيبًا لِغَيرِهِ تَعَالَى مِنَ التَّوَكُّلِ عَلَيهِ، وَفِي الحَدِيثِ عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيلَى؛ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُكَيمٍ؛ أَبِي مَعْبَدٍ الجُهَنِيِّ أَعُودُهُ -وَبِهِ حُمْرَةٌ-، فَقُلْنَا: أَلَا تُعَلِّقُ شَيئًا؟ قَالَ: المَوتُ أَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ؛ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ تَعَلَّقَ شَيئًا وُكِلَ إِلَيهِ» (^٢).\n- إِنَّ مَنْ لَبِسَ الحَلْقَةَ وَنَحْوَهَا مِنَ التَّمَائِمَ -لِدَفْعِ العَينِ- لَهُ حَالَانِ:\n١ - إِنِ اعْتَقَدَ لَابِسُهَا أَنَّهَا مُؤَثِّرَةٌ بِنَفْسِهَا دُونَ اللهِ؛ فَهَذَا شِرْكٌ فِي الرُّبُوبِيَّةِ، لِأَنَّهُ جَعَلَ شَرِيكًا مَعَ اللهِ فِي الخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ! وَهُوَ أَيضًا شِرْكٌ فِي العُبُودِيَّةِ حَيثُ عَلَّقَ قَلْبَهُ بِهَا طَمَعًا وَرَجَاءً لِلنَّفْعِ.\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَحْمَد (١٧٤٢٢). الصَّحِيحَة (٤٩٢).\n(^٢) حَسَنٌ لِغَيْرِهِ. التِّرْمِذِيُّ (٢٠٧٢) -بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ التَّعْلِيْقِ-. صَحِيْحُ التَّرْغِيْبِ (٣٤٥٦).","vol":"1","page":110},{"text":"٢ - إِنِ اعْتَقَدَ أَنَّهَا سَبَبٌ فَقَط؛ فَهُوَ مُشْرِكٌ شِرْكًا أَصْغَرَ (^١) -وَعَلَيهِ حَدِيثُ البَابِ-، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا جَعَلَ مَا لَيسَ بِسَبَبٍ سَبَبًا وَتَعَلَّقَ بِهِ؛ فَقَدْ شَابَهَ المُشْرِكِينَ مِنْ جِهَةِ الهَيئَةِ (^٢)، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الاسْتِسْقَاءِ بِالأَنْوَاءِ ذِكْرُ القَاعِدَةِ هُنَاكَ (^٣).\n- إِنَّ جَعْلَ أَيَّ شَيءٍ سَبَبًا إِنَّمَا يَكُونُ بِطَرِيقَينِ فَقَط:\n١ - عَنْ طَرِيقِ الشَّرْعِ: بِأَنْ يَثْبُتَ فِي الشَّرْعِ كَونُهُ سَبَبًا لِأَمْرٍ مَا، وَذَلِكَ كَالعَسَلِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِيهِ: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النَّحْل: ٦٩]، وَكَقِرَاءَةِ القُرْآنِ فَفِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإِسْرَاء: ٨٢]، وَكَالحَبَّةِ السَّودَاءُ وَ.....\n٢ - عَنْ طَرِيقِ القَدَرِ: أَي: مَا قَدَّرَهُ اللهُ كَونًا أَنَّهُ سَبَبٌ، وَهُوَ مَا عُلِمَ بِالتَّجْرِبَةِ وَالحِسِّ، كَمَا إِذَا جَرَّبْنَا هَذَا الشَّيءَ فَوَجَدْنَاهُ نَافِعًا فِي هَذَا الأَلَمِ أَوِ المَرَضِ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ أَثَرُهُ ظَاهِرًا مُبَاشِرًا (^٤).\n_________\n(^١) كَمَا ذَهَبَ إِلَيهِ المُصَنِّفُ فِي المَسْأَلَةِ التَّاسِعَةِ.\n(^٢) وَأَيضًا قَدْ شَارَكَ اللهَ تَعَالَى فِي الحُكْمِ لِهَذَا الشَّيءِ بِأَنَّهُ سَبَبٌ؛ وَاللهُ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْهُ سَبَبًا!\n(^٣) قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الصَّحِيحَة (١/ ٤٩١): \"وَلَمْ يَقِفِ الأَمْرُ بِبَعْضِهِم عِنْدَ مُجَرَّدِ المُخَالَفَةِ؛ بَلْ تَعَدَّاهُ إِلَى التَّقَرُّبِ بِهَا إِلَى اللهِ تَعَالَى! فَهَذَا الشَّيخُ الجَزُولِيُّ -صَاحِبُ (دَلَائِلِ الخَيرَاتِ) - يَقُولُ فِي الحِزْبِ السَّابِعِ فِي يَومِ الأَحَدِ (ص ١١١ طَبْعُ بُولَاق): \"اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ؛ مَا سَجَعَتِ الحَمَائِمُ، وَحَمَتِ الحَوَائِمُ، وَسَرَحَتِ البَهَائِمُ، وَنَفَعَتِ التَّمَائِمُ\"! وَتَأْوِيلُ الشَّارِحِ لِـ (الدَّلَائِلِ) بِأَنَّ (التَّمَائِمَ) جَمْعُ تَمِيمَةٍ -وَهِيَ الوَرَقَةُ الَّتِي يُكْتَبُ فِيهَا شَيءٌ مِنَ الأَسْمَاءِ أَوِ الآيَاتِ، وَتُعَلَّقُ عَلَى الرَّأْسِ مَثَلًا لِلتَّبَرُّكِ- فَمِمَّا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ التَّمَائِمَ عِنْدَ الإِطْلَاقِ إِنَّمَا هِيَ الخَرَزَاتُ كَمَا سَبَقَ عَنِ ابْنِ الأَثِيرِ، عَلَى أَنَّهَ لَو سُلِّمَ بِهَذَا التَّأْوِيلِ فَلَا دَلِيلَ فِي الشَّرْعِ عَلَى أَنَّ التَّمِيمَةَ بِهَذَا المَعْنَى تَنْفَعُ! وَلِذَلِكَ جَاءَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ كَرَاهَةُ ذَلِكَ كَمَّا بَيَّنْتُهُ فِي تَعْلِيقِي عَلَى (الكَلِمِ الطَّيِّبِ) \".\n(^٤) وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا لِئَلَّا يَقُولَ قَائِلٌ: أَنَا جَرَّبْتُ هَذَا وَانْتَفَعْتُ بِهِ -وَهُوَ لَمْ يَكُنْ مُبَاشِرًا- كَالحَلْقَةِ؛ فَقَدْ يَلْبَسُهَا إِنْسَانٌ -وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا نَافِعَةٌ- فَيَنْتَفِعُ! لِأَنَّ الانْفِعَالَ النَّفْسِيَّ لِلشَّيءِ لَهُ أَثَرٌ بَيِّنٌ.","vol":"1","page":111},{"text":"- قَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀: \"وَهَذَا البَابُ يَتَوَقَّفُ فَهْمُهُ عَلَى مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الأَسْبَابِ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ:\n١ - أَنْ لَا يَجْعَلَ مِنْهَا سَبَبًا إِلَّا مَا ثَبَتَ أَنَّه سَبَبٌ شَرْعًا أَو قَدَرًا.\n٢ - أَنْ لَا يَعْتَمِدَ العَبْدُ عَلَيهَا؛ بَلْ يَعْتَمِدُ عَلَى مُسَبِبِهَا وَمُقَدِّرِهَا، مَعَ قِيَامِهِ بِالمَشْرُوعِ مِنْهَا، وَحِرْصِهِ عَلَى النَّافِعِ مِنْهَا.\n٣ - أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الأَسْبَابَ مُرْتَبِطَةٌ بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ، وَاللهُ تَعَالَى يَتَصَرَّفُ فِيهَا كَيفَ يَشَاءُ -إِنْ شَاءَ أَبْقَى سَبَبِيَّتَهَا جَارِيَةً، وَإِنْ شَاءَ غَيَّرَهَا كَيفَ يَشَاءُ-، وَفِي هَذَا فَائِدَةٌ عَظِيمَةٌ لِلعِبَادِ فِي أَنْ لَا يَعْتَمِدوا عَلَيهَا؛ وَلِيَعْلَمُوا كَمَالَ قُدْرَتِهِ سُبْحَانَهُ\" (^١).\n- فِي المَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ: قَولُهُ: \"أَنَّهُ لَمْ يُعْذَرْ بِالجَهَالَةِ\": هَذَا فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ قَولَهُ ﷺ: «لَو مِتَّ وَهِيَ عَلَيكَ؛ مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا» لَيسَ بِصَرِيحٍ أَنَّهُ لَو مَاتَ قَبْلَ العِلْمِ! بَلْ ظَاهِرُهُ: \"بَعْدَ أَنْ عَلِمْتَ وَأُمِرْتَ بِنَزْعِهَا\" (^٢).\n- يُشْرَعُ عِنْدَ الإِصَابَةِ بِالعَينِ فِعْلُ الرُّقْيَةِ بَدَلًا مِنْ تَعْلِيقِ التَّمَائِمِ، فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ قَالَتْ: (أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَسْتَرْقِيَ مِنَ العَينِ) (^٣)، وَقَدْ مَرَّ مَعَنَا حَدِيثُ: «لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَينٍ أَو حُمَةِ» (^٤).\nوَالرُّقيَةُ هِيَ مِنْ جِنْسِ الدُّعَاءِ وَهُوَ مِمَّا جَعَلَهُ اللهُ سَبَبًا لِرَدِّ البَلَاءِ قَبْلَ وُقُوعِهِ\n_________\n(^١) القَولُ السَّدِيدُ (ص ٤٢).\n(^٢) القَولُ المُفِيدُ (١/ ١٧٣).\n(^٣) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٥٧٣٨)، وَمُسْلِمٌ (٢١٩٥).\n(^٤) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٥٧٠٥)، وَمُسْلِمٌ (٢٢٠).","vol":"1","page":112},{"text":"أَصْلًا، كَمَا فِي حَدِيثِ ثَوبَان مَرْفُوعًا: «لَا يَرُدُّ القَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي العُمُرِ إِلَّا البِرُّ» (^١)، فَتأمَّلْ قَولَهُ: «لَا يَرُدُّ القَدَرَ إِلَّا الدُّعَاُء» حَيثُ أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ بَعْدَ النَّفْي يُفِيدُ الحَصْرَ.\nوَفِي الحَدِيثِ: «الدُّعَاءُ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزَلْ؛ فَعَلَيكُمْ عِبَادَ اللهِ بِالدُّعَاءِ» (^٢)، فَهُوَ صَرِيحٌ فِي دَفْعِ البَلَاءِ وَرَفْعِهِ.\n- فِي قَولِهِ: «فَإِنَّكَ لَو مِتَّ وَهِيَ عَلَيكَ؛ مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا» أَي: لَو مَاتَ وَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا مَا أَفْلَحَ أَبَدًا، فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشِّرْكَ لَا يُغْفَرُ حَتَّى وَلَو كَانَ شِرْكًا أَصْغَر، فَهُوَ يُعذَّبُ بِهِ -وَإِنْ كَانَ لَا يعذَّبُ تَعْذِيبَ المُشْرِكِ الشِّرْكَ الأَكْبَرَ- فَهُوَ لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ، لَكِنْ يُعَذَّبُ بِهِ بِقَدَرِهِ (^٣)، فَفِيهِ شَاهِدٌ لِكَلَامِ الصَّحَابَةِ: \"أَنَّ الشِّرْكَ الأَصْغَرَ أَكْبَرُ مِنَ الكَبَائِرِ\" (^٤).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. ابْنُ مَاجَه (٤٠٢٢). وَالحَدِيثُ بِهَذَا القَدْرِ صَحِيحٌ. الصَّحِيحَة (١٥٤).\n(^٢) حَسَنٌ. الحَاكِمُ (١٨١٥) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٣٤٠٩).\n(^٣) يُنْظَرُ: إِعَانَةُ المُسْتَفِيدِ (١/ ١٩١).\nقُلْتُ: وَفِي القَولِ بِعَدَمِ مَغْفِرَةِ الشِّرْكِ الأَصْغَرِ -إِلَّا بِالتَّوبَةِ- خِلَافٌ بَينَ أَهْلِ العِلْمِ.\nقَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ فِي كِتَابِهِ (تَلْخِيصُ كِتَابِ الاسْتِغَاثَةِ) المَعْرُوفِ بِاسْمِ (الرَّدُ عَلَى البَكْرِيِّ) (ص ٣٠١): \"وَقَدْ يُقَالُ: الشِّرْكُ لَا يُغْفَرُ مِنْهُ شَيءٌ لَا أَكْبَرَ وَلَا أَصْغَرَ -عَلَى مُقْتَضَى عُمُومِ القُرْآنِ-؛ وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الشِّرْكِ الأَصْغَرِ يَمُوتُ مُسْلِمًا، لَكِنَّ شِرْكَهُ لَا يُغْفَرُ لَهُ، بَلْ يُعَاقَبُ عَلَيهِ، وَإِنْ دَخَلَ بَعْدَ ذَلِكَ الجَنَّةَ\".\n(^٤) وَسَيَأْتِي الكَلَامُ عَلَيهِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى فِي بَابِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البَقَرَة: ٢٢].","vol":"1","page":113},{"text":"<span data-type='title' id=toc-50>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-51> مَسْأَلَةٌ: ظَهَرَ فِي الأَسْوَاقِ -فِي الآوِنَةِ الأَخِيرَةِ- حَلْقَةٌ مِنَ المَعْدِنِ </span>يَقُولُونَ: إِنَّهَا تَنْفَعُ فِي عِلَاجِ المَرَضِ المُسَمَّى بِـ\"الرُّومَاتِيزِمِ\"؛ فَمَا حُكْمُ لُبْسِهَا؟\nالجَوَابُ:\nالأَصْلُ أَنَّهُ لَيسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّهُ لَيسَ عِنْدَنَا دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ وَلَا مَادِيٌّ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَهِيَ لَا تُؤَثِّرُ عَلَى الجِسْمِ! فَلَيسَ فِيهَا مَادَّةٌ ذَوَّابَةٌ حَتَّى نَقُولَ: إِنَّ الجِسْمَ يَشْرَبُ هَذِهِ المَادَّةِ وَيَنْتَفِعُ بِهَا!\nفَالأَصْلُ أَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ حَتَّى يَثْبُتَ لَنَا بِدَلِيلٍ مَادِّيٍّ صَحِيحٍ صَرِيحٍ ظَاهِرٍ أَنَّ لَهَا اتِّصَالًا مُبَاشِرًا بِهَذَا \"الرُّومَاتِيزِم\" حَتَّى يُنْتَفَعَ بِهَا، أَو أَنْ يَحْكُمَ بِذَلِكَ أَطِبَّاءٌ مُسْلِمُونَ مُؤْتَمَنُونَ فِي دِينِهِم؛ حَرِيصُونَ عَلَى أَمْرِ شَرِيعَتِهِم؛ حَاذِقُونَ فِي مِهْنَتِهِم، فَيَشْهَدُونَ بِصِحَّةِ ذَلِكَ الأَمْرِ الغَائِبِ عَنِ العِيَانِ. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.","vol":"1","page":114},{"text":"بَابُ مَا جَاءَ فِي الرُّقَى وَالتَّمَائِمِ\nفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبي بَشِيرٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁؛ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ؛ فَأَرْسَلَ رَسُولًا: «أَنْ لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ، أَو قِلَادَةٌ، إِلَّا قُطعَتْ» (^١).\nوَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁؛ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد (^٢).\n«التَّمَائِمُ» شَيءٌ يُعَلَّقُ عَلَى الأَولَادِ مِنَ العَينِ، لَكِنْ إِذَا كَانَ المُعلَّقُ مِنَ القُرْآنِ؛ فَرَخَّصَ فِيهِ بَعْضُ السَّلَفِ، وَبَعْضُهُم لَمْ يُرَخِّصْ فِيهِ وَيَجْعَلُهُ مِنَ المَنْهيِّ عَنْهُ؛ مِنْهُم ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁.\nوَ«الرُّقَى» هِيَ الَّتِي تُسَمَّى العَزَائِمَ، وَخَصَّ مِنْهَا الدَّلِيلُ مَا خَلَا مِنَ الشِّرْكِ؛ فَقَدْ رَخَّصَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ العَينِ وَالحُمَةِ.\nوَ«التِّوَلَة» شَيءٌ يَصْنَعُونَهُ، يَزْعُمُونَ أَنَّهُ يُحَبِّبُ المَرْأَةَ إِلَى زَوجِهَا، وَالرَّجُلَ إِلَى امْرَأَتِهِ.\nوَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُكَيمٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ تَعَلَّقَ شَيئًا وُكِلَ إِلَيهِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ (^٣).\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٣٠٠٥)، وَمُسْلِمٌ (٢١١٥).\n(^٢) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٣٦١٥)، وَأَبُو دَاوُدَ (٣٨٨٣). الصَّحِيحَة (٣٣١).\n(^٣) حَسَنٌ لِغَيرِهِ. أَحْمَدُ (١٨٧٨٦)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٢٠٧٢). صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (٣٤٥٦).","vol":"1","page":115},{"text":"وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ رُوَيفِعٍ؛ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا رُوَيفعُ! لَعَلَّ الحَيَاةَ تَطُولُ بِكَ؛ فَأَخْبِرِ النَّاسَ أَنَّ مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ، أَو تَقَلَّدَ وَتَرًا، أَوِ اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَو عَظْمٍ؛ فَإِنَّ مُحَمَّدًا بَرِيءٌ مِنْهُ» (^١).\nوَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ؛ قَالَ: (مَنْ قَطَعَ تَمِيمَةً مِنْ إِنْسَانٍ؛ كَانَ كَعِدْلِ رَقَبَةٍ). رَوَاهُ وَكِيعٌ (^٢).\nوَلَهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ؛ قَالَ: (كَانُوا يَكْرَهُونَ التَّمَائِمَ كُلَّهَا مِنَ القُرْآنِ وَغَيرِ القُرْآنِ) (^٣).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١٧٠٠٠). صَحِيحُ الجَامِعِ (٧٩١٠).\n(^٢) مُصَنَّفُ ابْنِ أَبِي شَيبَةَ (٢٣٤٧٣).\n(^٣) مُصَنَّفُ ابْنِ أَبِي شَيبَةَ (٥/ ٣٦)، ورَوَاهُ القَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ فِي (فَضَائِلِ القُرْآنِ) (٧٠٤)، وَتَمَامُهُ عِنْدَهُ: \"حَدَّثَنَا هُشَيمٌ؛ أَخْبَرَنَا مُغِيرَةُ؛ عَنْ إِبْرَاهِيمَ؛ قَالَ: (كَانُوا يَكْرَهُونَ التَّمَائِمَ كُلَّهَا مِنَ القُرْآنِ وَغَيرِهِ)، قَالَ: وَسَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ فَقُلْتُ: أُعَلِّقُ فِي عَضُدِي هَذِهِ الآيَةَ ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٦٩] مِنْ حُمًّى كَانَتْ بِي؟ فَكَرِهَ ذَلِكَ\". وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. اُنْظُرْ تَحْقِيقَ كِتَابِ (الكَلِمُ الطَّيِّبُ) لِلشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ ﵀ (ص ٨٥).","vol":"1","page":116},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: تَفْسِيرُ الرُّقَى وَالتَّمَائِمِ.\nالثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ التِّوَلَةِ.\nالثَّالِثَةُ: أَنَّ هَذِهِ الثَّلِاثَةَ كُلَّهَا مِنَ الشِّرْكِ مِنْ غَيرِ اسْتِثْنَاءٍ.\nالرَّابِعَةُ: أَنَّ الرُّقْيَةَ بِالكَلَامِ الحَقِّ مِنَ العَينِ وَالحُمَةُ لَيسَ مِنْ ذَلِكَ.\nالخَامِسَةُ: أَنَّ التَّمِيمَةَ إِذَا كَانَتْ مِنَ القُرْآنِ؛ فَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ؛ هَلْ هِيَ مِنْ ذَلِكَ أَمْ لَا؟\nالسَّادِسَةُ: أَنَّ تَعْلِيقَ الأَوتَارِ عَلَى الدَّوَابِ مِنَ العَينِ مِنْ ذَلِكَ.\nالسَّابِعَةُ: الوَعِيدُ الشَّدِيدُ عَلَى مَنْ تَعَلَّقَ وَتَرًا.\nالثَّامِنَةُ: فَضْلُ ثَوَابِ مَنْ قَطَعَ تَمِيمَةً مِنْ إِنْسَانٍ.\nالتَّاسِعَةُ: أَنَّ كَلَامَ إِبْرَاهِيمَ لَا يُخَالِفُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الِاخْتِلَافِ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ أَصْحَابُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ.","vol":"1","page":117},{"text":"<span data-type='title' id=toc-54>الشَّرْحُ</span>\n- لَمْ يَجْزِمِ المُصَنِّفُ ﵀ فِي التَّرْجَمَةِ بِأَنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ شِرْكٌ -كَمَا ذَكَرَ عَنِ التَّمِيمَةِ فِي البَابِ السَّابِقِ- لِأَنَّ الرُّقَى مِنْهَا مَا هُوَ جَائِزٌ مَشْرُوعٌ وَمِنْهَا مَا هُوَ شِرْكٌ، وَالتَّمَائِمَ مِنْهَا مَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلِيهِ أَنَّهُ شِرْكٌ وَمِنْهَا مَا قَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيهِ هَلْ هُوَ مِنَ الشِّرْكِ أَمْ لَا.\n- (الرُّقْيَةُ): بِالضَّمِّ: العُوذَةُ (^١).\n- قَولُهُ: «إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ» (أَلُّ) التَّعْرِيفِ هُنَا لِلاسْتِغْرَاقِ فِي جَمِيعِ الأَنْوَاعِ، وَخَصَّ الدَّلِيلُ مِنَ الرُّقَى مَا خَلَا مِنَ الشِّرْكِ كَمَا فِي الحَدِيثِ «لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ» (^٢).\n- شُرُوطُ الرُّقَى:\n\"أَجْمَعَ أَهْلُ العِلْمِ عَلَى جَوَازِ الرُّقَى بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ:\n١ - أَنْ تَكُونَ بِكَلَامِ اللهِ تَعَالَى أَو بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ.\n٢ - أَنْ تَكُونَ بِاللِّسَانِ العَرَبِيِّ أَو بِمَا يُعْرَفُ مَعْنَاهُ.\n٣ - أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ الرُّقْيَةَ لَا تُؤَثِّرُ بِذَاتِهَا بَلْ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى\" (^٣).\n- كَانَ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ إِذَا اخْلَولَقَ وَبَليَ وَتَرُ القَوسِ أَبْدَلُوهُ بِغَيرِهِ، وَقَلَّدُوا بِالقَدِيمِ\n_________\n(^١) القَامُوسِ المُحِيطِ (ص ١٢٨٩).\n(^٢) مُسْلِمٌ (٢٢٠٠) عَنْ عَوفِ بْنِ مَالِكٍ مَرْفُوعًا.\n(^٣) قَالَهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١٠/ ١٩٥).","vol":"1","page":118},{"text":"الدَّوَابَ اعْتِقَادًا مِنْهُم أَنَّهُ يَدْفَعُ عَنِ الدَّابَّةِ العَينَ (^١)!\n- قَولُهُ: «مَنْ تَعَلَّقَ شَيئًا وُكِلَ إِلَيهِ» التَّعَلُّقُ: فِعْلُ القَلْبِ، وتَتْبَعُهُ أَعْمَالُ الجَوَارِحِ، وَهَذَا خَبَرٌ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ يُبَيِّنُ أَنَّ الَّذِي يَتَعَلَّقُ عَلَى شَيءٍ يُوكَلُ إِلَى ذَلِكَ الشَّيءِ.\nوَمَعْلُومٌ أَنَّ الَّذِي يُوكَلُ إِلَى المَخْلُوقِ يُوكَلُ إِلَى ضَيَاعٍ وَإِلَى ضَعْفٍ، لِأَنَّ المُخْلُوقَ ضَعِيفٌ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَجْلِبَ لِنَفْسِهِ النَّفْعَ، فَمَنْ تَعَلَّقَ بِمَخْلُوقٍ وُكِلَ إِلَى ضَيَاعٍ وَإِلَى عَجْزٍ وَإِلَى ضَلَالٍ فَيَهْلَكُ فِي أَيِّ وَادٍ كَانَ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى العَبْدِ المُؤْمِنِ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِرَبِّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَمَنْ تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِرَبِّهِ وَتَوَكَّلَ عَلَيهِ؛ فَإِنَّهُ يَكْفِيهِ وَيَقِيهِ كُلَّ شَرٍّ (^٢).\n- قَولُهُ: «فَإِنَّ مُحَمَّدًا بَرِيءٌ مِنْهُ» هَذَا مِنَ الأَلْفَاظِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الفِعْلَ مِنَ الكَبَائِرِ.\n- النَّهْيُ عَنْ عَقْدِ اللِحْيَةِ يُفَسَّرُ عَلَى وَجْهَينِ:\n١ - أَنَّهُ مِنْ زِيِّ العَجَمِ عِنْدَ الحَرْبِ لِلتَّكَبُّرِ.\n٢ - أَنَّ مَعْنَاهُ مُعَالَجَةُ الشَّعْرِ لِيَتَعَقَّدَ وَيَتَجَعَّدَ، وَذَلِكَ مِنْ فِعْلِ أَهْلِ التَّأْنِيثِ (^٣).\n- النَّهْيُ عَنِ الاسْتِنْجَاءِ بِالرَّوثِ وَالعِظَامِ سَبَبُهُ:\n١ - أَنَّهُ زَادُ الجِنِّ المُسْلِمِ (^٤).\n_________\n(^١) قُلْتُ: فَمَا أَشْبَهَهُ بِتَمِيمَةِ النَّعْلِ البَالِي الَّذِي يُوضَعُ خَلْفَ السَّيَّارَاتِ اليَومَ.\n(^٢) يُنْظَرُ شَرْحُ الشَّيخِ الغُنَيمَانِ حَفِظَهُ اللهُ عَلَى كِتَابِ فَتْحُ المَجِيدِ، شَرِيطُ رَقَم (٧٦).\n(^٣) قَالَهُ الخَطَّابِيُّ ﵀. اُنْظُرْ (فَتْحُ البَارِي) لِابْنِ حَجَرٍ (١٠/ ٣٥١).\n(^٤) فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٤٥٠) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ مَرْفُوعًا: «لَا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا؛ فَإِنَّهُمَا طَعَامُ إِخْوَانِكُمْ» يَعْنِي: الجِنِّ، كَمَا هُوَ سِيَاقُ الحَدِيثِ.","vol":"1","page":119},{"text":"٢ - أَنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ (^١).\n- قَولُهُ: «مَنْ قَطَعَ تَمِيمَةً مِنْ إِنْسَانٍ؛ كَانَ كَعِدْلِ رَقَبَةٍ» هُوَ لِسَبَبِينِ:\n١ - أَنَّهُ أَعْتَقَهُ مِنْ عُبُودِيَّةِ غَيرِ اللهِ.\n٢ - أَنَّهُ أَعْتَقَهُ مِنَ النَّارِ، لِكَونِ الشِّرْكِ لَا يُغْفَرُ.\n- فِي قَولِ المُصَنِّفِ ﵀: \"الثَّالِثَةُ: أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ كُلَّهَا مِنَ الشِّرْكِ ِمِنْ غَيرِ اسْتِثْنَاءٍ! ظَاهِرُ كَلَامِهِ حَتَّى الرُّقَى، وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الرُّقَى ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ يَرْقِي وَيُرْقَى؛ وَلَكِنَّهُ لَا يَسْتَرْقِي، أَيْ: لَا يَطْلُبُ الرُّقْيَةَ، فَإِطْلَاقُهَا بِالنِّسْبَةِ لِلْرُّقَى فِيهِ نَظَرٌ، وَقَدْ سَبَقَ لِلْمُؤَلِّفِ ﵀ أَنَّ الدَّلِيلِ خَصَّ مِنْهَا مَا خَلَا مِنَ الشِّرْكِ، وَبِالنِّسْبَةِ لِلْتَمَائِمِ؛ فَعَلَى رَأْي الجُمْهُورِ فِيهِ نَظَرٌ أَيضًا، وَأَمَّا عَلَى رَأْي ابْنِ مَسْعُودٍ؛ فَصَحِيحٌ، وَبِالنِّسْبَةِ لِلْتُّوَلِةِ؛ فَهِيَ شِرْكٌ بِدُونِ اسْتِثْنَاءٍ\".\nوَأَيضًا فَإِنَّ \"المُؤَلِّفَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى خَصَّصَ العَينَ أَوِ الحُمَةَ فَقَطْ اسْتِنَادًا لِقَولِ الرَّسُولِ ﷺ «لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَينٍ أَوْ حُمَةٍ» وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ يَشْمَلُ غَيْرَهُمَا كَالسِّحْرِ\" (^٢).\n_________\n(^١) رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (١٥٢) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: نَهَى أَنْ يُسْتَنْجَى بِرَوثٍ أَو بِعَظْمٍ وَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَا تُطَهِّرَان». وَقَالَ: \"إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ\".\n(^٢) القَولُ المُفِيدُ (١/ ١٩١).","vol":"1","page":120},{"text":"<span data-type='title' id=toc-55>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-56> المَسْأَلَةُ الأُولَى: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُلبِسَ المُسْلِمُ أَبْنَاءَهُ مَلَابِسَ رَثَّةً وَبَالِيَةً خَوفًا مِنَ العَينِ؟</span>\nالجَوَابُ:\nالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ شَيئًا، وَإِنَّمَا تَرَكَ شَيئًا وَهُوَ التَّحْسِينُ وَالتَّجْمِيلُ.\nوَفِي الأَثَرِ عَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّهُ رَأَى غُلَامًا صَغِيرًا حَسَنَ الصُّورَةِ فَخَافَ عَلِيهِ العَينَ، فَقَالَ لِأَهْلِهِ: (دَسِّمُوا نُونَتَهُ)، وَهِيُ النُّقْرَةُ فِي الذَّقْنِ الَّتِي تَظْهَرُ عِنْدَ الضَّحِكِ (^١)، فَهُوَ لَيسَ لِأَجْلِ أَنْ تَدْفَعَ تِلْكَ النُّقْطَةُ العَينَ! وَلَكِنْ لِأَجْلِ أَنْ يَظْهَرَ بِمَظْهَرٍ لَيسَ بِحَسَنٍ؛ فَلَا تَتَعَلَّقُ النُّفُوسُ الشِّرِّيرَةُ بِهِ (^٢).\nوَكَمَا فِي أَمْرِ يَعْقُوبَ ﵊ لِأَبْنَائِهِ بِالدُّخُولَ مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ خَشْيَةُ العَينٍ.\nقَالَ الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ: \"القَولُ فِي تَأْوِيلِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يُوسُف: ٦٧]: يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ يَعْقُوبُ لِبَنِيهِ لَمَّا أَرَادُوا الخُرُوجَ مِنْ عِنْدِهِ إِلَى مِصْرَ لِيَمْتَارُوا الطَّعَامَ: يَا بَنِيَّ\n_________\n(^١) أَورَدَهُ البَغَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ (١٢/ ١٦٦)، وَابْنُ الأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ (٢/ ٢٦٨) رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى.\n(^٢) أَمَّا إِذَا وَضَعَ هَذِهِ النُّقْطَةَ مُعْتَقِدًا أَنَّهَا تَدْفَعُ العَينَ فَهَذَا مِنِ اتِّخَاذِ الأَسْبابِ الشِّرْكيَّةِ الَّتِي لَا تَجُوزُ.","vol":"1","page":121},{"text":"لَا تَدْخُلُوا مِصْرَ مِنْ طَرِيقٍ وَاحِدٍ، وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ. وَذُكِرَ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لَهُم؛ لِأَنَّهُم كَانُوا رِجَالًا لَهُم جَمَالٌ وَهَيأَةٌ؛ فَخَافَ عَلَيهِم العَينَ إِذَا دَخَلُوا جَمَاعَةً مِنْ طَرِيقٍ وَاحِدٍ -وَهُم وَلَدُ رَجُلٍ وَاحِدٍ- فَأَمَرَهُم أَنْ يَفْتَرِقُوا فِي الدُّخُولِ إِلَيهَا\" (^١).\n_________\n(^١) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (١٦/ ١٦٤).","vol":"1","page":122},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-57> المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: بَعْضُ النَّاسِ يَقُولُ أُعَلِّقُ شَيئًا -كَخَرَزَةٍ أَو عَينٍ أَو كَفٍّ أَو حَدْوَةِ فَرَسٍ- وَلَا أَسْتَحْضِرُ هَذِهِ المَعَانِي الشِّرْكِيَّةِ</span>؛ فَقَطْ أُعَلِّقُهَا لِلزِّينَةِ -فِي السَّيَّارَةِ أَو فِي البَيتِ- فَهَلْ هُوَ جَائِزٌ؟\nالجَوَابُ:\nإِنْ عَلَّقَ التَّمَائِمَ لِلدَّفْعِ أَوِ الرَّفْعِ؛ فَإِنَّهُ شِرْكٌ أَصْغَرُ إِنِ اعْتَقَدَ أَنَّهَا سَبَبٌ، وَإِنْ عَلَّقَهَا لِلزِّينَةِ فَهُوَ مُحرَّمٌ لِأَجْلِ مُشَابَهَتِهِ مَنْ يُشْرِكُ الشِّرْكَ الأَصْغَرَ، وَقَدْ قَالَ ﵊: «مَنْ تَشَبّهَ بِقَومٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (^١).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٠٣١) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٢٨٣١).","vol":"1","page":123},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-58> المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: مَا حُكْمُ مَنْ يَضَعُ وَرَقَةً كُتِبَتْ عَلَيهَا آيَةُ الكُرْسِيِّ فِي السِّيَّارَةِ،</span> أَو يَضَعُ مُجَسَّمًا فِيهِ أَدْعِيَةٌ كَأَدْعِيَةِ رُكُوبِ السَّيَّارَةِ أَو أَدْعِيَةِ السَّفَرِ وَغَيرِهَا مِنَ الأَدْعِيَةِ؟\nالجَوَابُ:\nهَذَا فِيهِ تَفْصِيلٌ:\n١ - إِنْ كَانَ وَضَعَ هَذِهِ الأَشْيَاءَ لِيَحْفَظَهَا وَيَتَذَكَّرَ قِرَاءَتَهَا؛ فَهَذَا جَائِزٌ، كَمَنْ يَضَعُ المُصْحَفَ فِي مُقَدِّمِ السَّيَّارَةِ أَو يَضَعُهُ مَعَهُ لِأَجْلِ أَنَّ يَقْرَأَ فِيهِ إِذَا أُتِيحَتْ فُرْصَةٌ لَهُ أَو لِمَنْ مَعَهُ؛ فَهَذَا جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ.\n٢ - أَمَّا إِذَا وَضَعَهَا تَعَلُّقًا بِهَا لِأَجْلِ أَنْ تَدْفَعَ عَنْهُ الأَذَى! فَهَذَا هُوَ الكَلَامُ فِي مَسْأَلَة تَعْلِيقِ التَّمَائِمِ مِنَ القُرْآنِ؛ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ وَيَحْرُمُ.\n٣ - إِنْ وَضَعَهَا لِأَجْلِ الزِّينَةِ؛ فَلَا يَجُوزُ، لِأَنَّ القُرْآنَ لَمْ يُجْعَلْ لِمِثْلِ هَذَا، وَفِي الحَدِيثِ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا (^١).\nقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (التِّبْيَانُ فِي آدَابِ حَمَلَةِ القُرْآنِ): \"فَصْلٌ: لَا تَجُوزُ كِتَابَةُ القُرْآنِ بِشَيءٍ نَجِسٍ، وَتُكْرَهُ كِتَابَتُهُ عَلَى الجُدْرَانِ عِنْدَنَا\" (^٢).\nوَقَالَ الإِمَامُ البَغَوِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (شَرْحُ السُّنَّةِ): \"وَيُكْرَهُ تَنْقِيشُ الجُدُرِ وَالخَشَبِ وَالثِّيَابِ بِالقُرْآنِ وَبِذِكْرِ اللهِ ﷾\" (^٣).\n_________\n(^١) مُسْلِمٌ (١٧١٨).\n(^٢) التِّبْيَانُ فِي آدَابِ حَمَلَةِ القُرْآنِ (ص ١٩٠).\n(^٣) شَرْحُ السُّنَّةِ (٤/ ٥٢٩).","vol":"1","page":124},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-59> المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: بَعْضُ الأَوَانِي الَّتِي تُبَاعُ يُكْتَبُ عَلَيهَا آيَاتٌ مِنَ القُرْآنِ</span>؛ فَهَلْ يَجُوزُ اسْتِخْدَامُهَا أَو شِرَاؤُهَا؟\nالجَوَابُ:\n١ - إِنْ كَانَ يَسْتَخْدِمُهَا لِأَجْلِ أَنْ يَتَبَرَّكَ بِمَا كُتِبَ فِيهَا مِنَ الآيَاتِ فَيَجْعَلَ فِيهَا مَاءً وَيَشْرَبَهُ لِأَجْلِ أَنَّ المَاءَ يُلَامِسُ هَذِهِ الآيَاتِ؛ فَهَذَا مِنَ الرُّقْيَةِ غَيرِ المَشْرُوعَةِ (^١).\n٢ - أَمَّا إِذَا أَخَذَهَا لِلزِّينَةِ أَو لِجَعْلِهَا فِي البَيتِ أَو لِتَعْلِيقِهَا؛ فَهَذَا كَرِهَهُ كَثِيرٌ مَنْ أَهْلِ العِلْمِ، لِأَنَّ القُرْآنَ مَا نَزَلَ لِتُزَيَّنَ بِهِ الأَوَانِي أَو تُزَيَّنَ بِهِ الحِيطَانُ، وَإِنَّمَا نَزَلَ للهِدَايَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإِسْرَاء: ٩].\nوَقَدْ سَبَقَ النَّقْلُ عَنِ العُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ فِي المَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ.\n_________\n(^١) وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ إِذَا كَانَتِ الآيَاتُ تَنْحَلُ بِالمَاءِ، كَأَنْ تَكُونَ قَدْ كُتِبَتْ بِالزَّعْفَرَانِ عَلَى الإِنَاءِ، وَقَالُوا: لَهَا حُكْمَ النَّفْثِ فِي الرُّقْيَةِ، وَاسْتَدَلُّوا أَيضًا بِحَدِيثِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى ثَابِتِ بْنِ قَيسٍ -وَهُوَ مَرِيضٌ- فَقَالَ: «اكْشِفِ البَاسَ رَبَّ النَّاسِ عَنْ ثَابِتِ بْنِ قَيسٍ» ثُمَّ أَخَذَ تُرَابًا مِنْ بَطْحَانَ فَجَعَلَهُ فِي قَدَحٍ ثُمَّ نَفَثَ عَلَيهِ بِمَاءٍ وَصَبَّهُ عَلَيهِ. وَلَكِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٨٣٨٥). الضَّعِيفَة (١٠٠٥).\nثُمَّ قُلْتُ: فالاسْتِدْلَالُ لَا يَصِحُّ مِنْ حَيثُ الإِسْنَادِ، وَأَيضًا هُوَ بَعِيدٌ مِنْ حَيثُ الدِّلَالَةِ عَلَى المَطْلُوبِ، خِلَافًا للنَّفْثِ فَلَهُ مَا يَشْهَدُ لَهُ فِي الجُمْلَةِ بِخِلَافِ الكِتَابَةِ.\nوَأَمَّا القِرَاءَةُ عَلَى المَاءِ؛ فَلَا بَأْسَ بِهَا، كَمَا فِي الأَثَرِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: (أَنَّهَا كَانَتْ لَا تَرَى بَأْسًا أَنْ يُعَوَّذَ فِي المَاءِ ثُمَّ يُصَبَّ عَلَى المَرِيضِ). مُصَنَّفُ ابْنِ أَبِي شَيبَةَ (٢٣٥٠٩). وَصَحَّحَهُ الشَّيخُ عَبْدُ المُحْسِنِ العَبَّادِ حَفِظَهُ اللهُ فِي شَرْحِهِ عَلَى سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ شَرِيط (٤٣٨).","vol":"1","page":125},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-60> المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: هَلْ يَجُوزُ تَعْلِيقُ التَّمَائِمِ مِنَ القُرْآنِ؟</span>\nالجَوَابُ:\nاخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ بِجَوَازِ ذَلِكَ -وَهُوَ قَولُ الجُمْهُورِ- وَهُوَ مَرْوُيٌّ عَنْ عَبْد اللهِ بْن عَمْرو بْنِ العَاصِ (^١)، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ (^٢) (^٣)،\n_________\n(^١) فِي التِّرْمِذِيِّ (٣٥٢٨) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو بْنِ العَاصِ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا فَزِعَ أحَدُكُم فِي النَّومِ فَلْيَقُلْ: أعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّياطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ؛ فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ». وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرو يُلَقِّنُهَا مَنْ بَلَغَ مِنْ وَلَدِهِ، وَمَنْ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهُم كَتَبَها فِي صَكٍ ثُمَّ عَلَّقَها فِي عُنُقِهِ. حَسَّنَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ دُونَ زِيَادَةِ (فَكَانَ ابْنُ عَمْرو …). اُنْظُرِ الصَّحِيحَة (٢٤٦).\n(^٢) عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ قَالَتْ: (لَيسَ التَّمِيمَةُ مَا تُعُلِّقَ بِهِ بَعْدَ البَلَاءِ، إِنَّمَا التَّمِيمَةُ مَا تُعُلِّقَ بِهِ قَبْلَ البَلَاءِ). رَوَاهُ الحَاكِمُ (٧٥٠٧)، وَقَالَ: صَحِيح الإِسْنَادِ. وَهُوَ صَحِيحٌ مَوقُوفٌ، كَمَا فِي صَحِيحِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (٣٤٥٨). وَعِنْدَ البَيهَقِيِّ فِي السُّنَنِ الكُبْرَى (١٩٦٠٦) بِلَفْظ: (إِنَّمَا التَّمِيمَةُ مَا يُعَلَّقُ بَعْدَ البَلَاءِ لِيُدْفَعَ بِهِ المَقَادِيرُ).\nقُلْتُ: الظَّاهِرُ مِنْ قَولِ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ التَّعْلِيقَ يَجُوزُ بَعْدَ البَلَاءِ مِنْ بَابِ التَّبَرُّكِ، أَمَّا قَبْلَهُ فَهُوَ تَمِيمَةٌ لِرَدِّ العَينِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي النَّهْي لِمَنْ يَسْتَدِلُ بِالأَثَرِ مُطْلَقًا، وَاللهُ أَعْلَمُ.\nوَفِي الاسْتِذْكَارِ (٨/ ٣٩٧) لِابْنِ عَبْدِ البَرِّ ﵀: \"قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِتَعْلِيقِ الكُتُبِ الَّتِي فِيهَا أَسْمَاءُ اللهِ ﷿ عَلَى أَعْنَاقِ المَرْضَى عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّكِ بِهَا إِذَا لَمْ يُرِدْ مُعَلِّقُها بِتَعْلِيقِهَا مُدَافَعَةَ العَينِ. وَهَذَا مَعْنَاهُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ شَيءٌ مِنَ العَينِ، وَلَو نَزَلَ بِهِ شَيءٌ مِنَ العَينِ جَازَ الرُّقَى عِنْدَ مَالِكٍ وَتَعْلِيقِ الكُتُبِ\".\nقُلْتُ: وَكَذَا أَيضًا تَعْلِيقُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو لِلصَّكِّ الذَي فِيهِ ذِكْرُ الفَزَعِ فِي النَّومِ -عَلَى فَرْضِ صِحَّتِهِ- فِي عُنُقِ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ مِنْ وَلَدِهِ -دُونَ مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَتَلَقَّنَهَا مِنْ وَلَدِهِ-؛ فَهَذَا ظَاهِرٌ أَنَّهُ لِغَايَةِ الحِفْظِ وَلَيسَ بِغَرَضِ التَّعْلِيقِ كَهَيئَةِ التَّمِيمَةِ. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.\n(^٣) فَائِدَةٌ: قَالَ الَحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ النُّكَتُ عَلَى كِتَابِ ابْنِ الصَّلَاحِ (ص ٥٣٣): \"تَنْبِيهٌ: إِذَا ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ حُكْمًا يَحْتَاجُ إِلَى شَرْحٍ؛ فَشَرَحَهُ الصَّحَابِيُّ ﵁ سَوَاءً كَانَ مِنْ رِوَايَتِهِ أَو مِنْ رِوَايَةِ غَيرِهِ؛ هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ مَرْفُوعًا أَمْ لَا؟ ذَهَبَ الحَاكِمُ إِلَى أَنَّهُ مَرْفُوعٌ، فَقَالَ عَقِبَ حَدِيثٍ أَورَدَهُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂\n=","vol":"1","page":126},{"text":"وَهُوَ قَولُ ابْنِ المُسِيِّبِ ﵃ (^١)، وَبِهِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ البَاقِرُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ، وَحَمَلُوا الحَدِيثَ عَلَى التَّمَائِمِ الَّتِي فِيهَا شِرْكٌ.\nوَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ (^٢) وَالحَسَنُ (^٣)\n_________\n=\nفِي تَفْسِيرِ التَّمِيمَةِ: \"هَذَا لَيسَ بِمَوقُوفٍ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ ذَكَرَ التَّمِيمَةَ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ؛ فَإِذَا فَسَّرَتْهَا عَائِشَةُ ﵂ كَانَ ذَلِكَ حَدِيثًا مُسْنَدًا\". وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَا يُجْزَمُ بِكَونِ جَمِيعِ ذَلِكَ يُحْكَمُ بِرَفْعِهِ، بَلِ الاحْتِمَالُ فِيهِ وَاقِعٌ، فَيُحْكَمُ بِرَفْعِ مَا قَامَتِ القَرَائِنُ الدَّالَّةُ عَلَى رَفْعِهِ وَإِلَّا فَلَا. وَاللهُ أَعْلَمُ\".\nوَقَالَ مُحَقِّقُ الكِتَابِ الشَّيخُ الفَاضِلُ رَبِيعُ بْنُ هَادِي حَفِظَهُ اللهُ -تَعْلِيقًا عَلَى كَلَامِ الحَاكِمِ-: \"وَلَكِنَّ تَفْسِيرَ ابْنِ مَسْعُودٍ يُعَارِضُ تَفْسِيرَ عَائِشَةَ، فَإِنَّ الحَاكِمَ رَوَى مِنْ طَرِيقِ عَمْرو بْنِ قَيسِ بْنِ السَّكَنِ الأَسَدِيِّ قَالَ: دَخَلَ عَبْدُ اللهُ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ عَلَى امْرَأَةٍ فَرَأَى عَلَيهَا حِرْزًا مِنَ الحُمْرَةِ؛ فَقَطَعَهُ قَطْعًا عَنِيفًا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ آلَ عَبْدِ اللهِ عَنِ الشِّرْكِ أَغْنِيَاءٌ، وَقَالَ: كَانَ مِمَّا حَفِظْنَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ: «أَنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ مِنَ الشِّرْكِ»، ثُمَّ قَالَ الحَاكِمُ: هَذَا صَحِيحٌ وَلَم يُخَرِّجَاهُ، وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ المُسْتَدْرَكُ: (٤/ ٢١٧). فَنَرَى ابْنَ مَسْعُودٍ يُنْكِرُ التَّعَلُّقَ بَعْدَ نُزُولِ البَلَاءِ لِأَنَّهُ يَرَى شُمُولَ الحَدِيثِ لِلحَالَينِ قَبْلَ البَلَاءِ وَبَعْدَهُ\".\nقُلْتُ: وَكَذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُكَيمٍ ﵁؛ فَقَدْ أَنْكَرَ التَّعْلِيقَ بَعْدَ البَلَاءِ، وَهُوَ مِمَّنْ رَوَى حَدِيثَ النَّهْي عَنِ التَّعَلُّقِ، كَمَا تَجِدُهُ فِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ (٢٠٧٢) - بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ التَّعْلِيقِ: عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن بْنِ أَبِي لَيلَى؛ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُكَيمٍ؛ أَبِي مَعْبَدِ الجُهَنِيِّ أَعُودُهُ -وَبِهِ حُمْرَةٌ-، فَقُلْنَا: أَلَا تُعَلِّقُ شَيئًا؟ قَالَ: المَوتُ أَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ تَعَلَّقَ شَيئًا وُكِلَ إِلَيهِ». حَسَنٌ لِغَيرِهِ. صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (٣٤٥٦).\n(^١) قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ المَجْمُوعُ (٩/ ٦٧): \"وَرَوَى البَيهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِتَعْلِيقِ القُرْآنِ، وَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ\".\n(^٢) قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ الآدَابُ الشَّرْعِيَّةِ (٣/ ٨١): \"رَوَى وَكِيعٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: اُتْفُلْ بِالمُعَوِّذَتَينِ وَلَا تُعلِّقْ\".\n(^٣) رَوَى أَبُو عُبَيدٍ -القَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ- فِي كِتَابِهِ فَضَائِلُ القُرْآنِ (ص ٣٨٢): عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُغْسَلَ القُرْآنُ وَيُسْقَاهُ المَرِيضُ، أَو يُعلَّقَ القُرْآنُ. وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. اُنْظُرْ تَحْقِيقَ كِتَابِ الكَلِمُ الطَّيِّبُ لِلشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ ﵀ (ص ٨٥).","vol":"1","page":127},{"text":"وَالنَّخَعِيُّ (^١)؛ وَطَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ.\nوَهُوَ ظَاهِرُ قَولِ حُذَيفَةَ وَعُقْبَةَ بِنْ عَامِرٍ وَابْنِ عُكَيمٍ (^٢)، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ مِنْهُم أَصْحَابُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ اخْتَارَهَا كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَجَزَمَ بِهَا المُتَأَخِّرُونَ، وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الحَدِيثِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ.\nوَهُوَ الصَّحِيحُ -إِنْ شَاءَ اللهُ- لِعِدَّةِ أَسْبَابٍ:\n١ - عُمُومُ النَّهْي فِي الحَدِيثِ، وَلَا مُخَصِّصَ لِهَذَا العُمُومِ.\n٢ - سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، فَإِنَّهُ يُفْضِي إِلَى تَعْلِيقِ مَا لَيسَ كَذَلِكَ، وَيَكْفِي فِيهِ ذَمًّا أَنَّهُ يُبْطِلُ النَّهْيَ عَنْ تَعْلِيقِ جُمْلَةِ التَّمَائِمِ الشِّرْكِيَّةِ بِحُجَّةِ أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ مِنَ القُرْآنِ! (^٣)\n٣ - أَنَّهُ لَو كَانَ جَائِزًا لَأَرْشَدَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيهِ، وَلَمْ يَخْفَ عَلِيهِ خَيرُهُ، لَا سِيَّمَا وَهُوَ أَيسَرُ وَأَدْوَمُ أَثَرًا مِنَ القِرَاءَةِ عَلَى المَرِيضِ، وَأَهْوَنُ مِنْ تَكْرَارِ قِرَاءَةِ القُرْآنِ وَالأَدْعِيَةِ! (^٤)\n_________\n(^١) مُصَنَّفُ ابْنِ أَبِي شَيبَةَ (٥/ ٣٦)، ورَوَاهُ القَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ فِي فَضَائِلِ القُرْآنِ (٧٠٤)، وَتَمَامُهُ عِنْدَهُ: \"حَدَّثَنَا هُشَيمٌ، أَخْبَرَنَا مُغِيرَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ؛ قَالَ: كَانُوا يَكْرَهُونَ التَّمَائِمَ كُلَّهَا مِنَ القُرْآنِ وَغَيرِهِ، قَالَ: وَسَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ فَقُلْتُ: أُعَلِّقُ فِي عَضُدِي هَذِهِ الآيَةَ ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٦٩] مِنْ حُمًّى كَانَتْ بِي؟ فَكَرِهَ ذَلِكَ\". وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. اُنْظُرْ تَحْقِيقَ كِتَابِ (الكَلِمُ الطَّيِّبُ) لِلشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ ﵀ (ص ٨٥).\n(^٢) سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ (٢٠٧٢) -بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ التَّعْلِيقِ-: فِي الحَدِيثِ عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن بْنِ أَبِي لَيلَى؛ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُكَيمٍ أَبِي مَعْبَدِ الجُهَنِيِّ أَعُودُهُ -وَبِهِ حُمْرَةٌ-، فَقُلْنَا: أَلَا تُعَلِّقُ شَيئًا؟ قَالَ: المَوتُ أَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ تَعَلَّقَ شَيئًا وُكِلَ إِلَيهِ». حَسَنٌ لِغَيرِهِ. صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (٣٤٥٦).\n(^٣) وَهِيَ مُغَلَّفَةٌ غَيرُ مُشَاهَدٍ مَا فِيهَا؛ كَالحِجَابَاتِ المَعْرُوفَةِ اليَومَ.\n(^٤) قَالَ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ ابْنُ العَرَبِيِّ فِي (شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ): \"تَعْلِيقُ القُرْآنِ لَيسَ مِنْ طَرِيقِ السُّنَّةِ، وَإِنَّمَا السُّنَّةُ\n=","vol":"1","page":128},{"text":"٤ - أَنَّ الاسْتِشْفَاءَ بِالقُرْآنِ وَرَدَ عَلَى صِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ -وَهِيَ القِرَاءَةُ بِهِ عَلَى المَرِيضِ- فَلَا تُتَجَاوَزُ إِلَّا بِمَا جَاءَ بِهِ الدَّلِيلُ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (^١).\n٥ - أنَّهُ يُفْضِي إِلَى امْتِهَانِ المُصْحَفِ وَوُصُولِ النَّجَاسَاتِ إِلَيهِ (^٢).\n٦ - أَنَّ وَاقِعَ التَّمِيمَةِ أَنَّهَا اسْمٌ لِمَا يُدْرِكُهُ البَصَرُ عَلَى شَيءٍ مُغَلَّفٍ مِنْ جُلُودٍ وَرِقَاعٍ وَنَحْوِهِمَا لَا مَا كُتِبَ فِيهَا، وَلَا يَصِحُّ تَسْمِيَتُهَا تَمِيمَةً مِنَ القُرْآنِ لِأَنَّهَا لَيسَتْ بِظَاهِرَةٍ لِلعَيَانِ فِي كَونِهَا قُرْآنًا (^٣).\n_________\n=\nفِيهِ الذِّكْرُ دُونَ التَّعْلِيقِ\". اُنْظُرْ كِتَابَ عَونُ المَعْبُودِ (١٠/ ٢٥٠).\nوَقَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀: \"وَمِنْهُم مَن يَقُولُ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِعُمُومِ النَّهِي عَنِ التَّمَائِمِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الاحْتِيَاطَ أَلَّا يَلْبَسَهُ الإِنْسَانُ، لَكِنْ إِذَا لَبِسَهُ فَتَأْثِيمُهُ شَاقٌّ عَلَى الإِنْسَانِ، يَعْنِي: مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ: إِنَّهُ حَرَامٌ\". اللِّقَاءُ الشَّهْرِيُّ (٢٤/ ٥٦).\nوَقَالَ ﵀ فِي مَوضِعٍ آخَرَ: \"وَمِنْهُم مَن مَنَعَ ذَلِكَ وَقَالَ: إِنَّ تَعْلِيقَهَا لَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سَبَبٌ شَرْعِيٌّ يُدْفَعُ بِهِ السُّوءُ أَوْ يُرْفَعُ بِهِ، وَالأَصْلُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الأَشْيَاءِ التَّوْقِيفُ، وَهَذَا القَولُ هُوَ الرَّاجِحُ؛ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ التَّمَائِمُ وَلَو مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ، وَلَا يَجُوزُ أَيضًا أَنْ تُجْعَلَ تَحْتَ وِسَادَةِ المَرِيضِ أَوْ تُعَلَّقَ فِي الجِدَارِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُدْعَى لِلْمَرِيضِ وَيُقْرَأَ عَلَيهِ مُبَاشَرَةً كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُ\". مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ العُثَيمِين (١/ ١٠٧).\n(^١) مُسْلِمٌ (١٧١٨).\n(^٢) رَوَى ابْنُ أَبِي شَيبَةَ (٢٣٤٧٦) عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ المَعَاذَةَ لِلصِّبْيَانِ، وَيَقُولُ: إِنَّهُم يَدْخُلُونَ بِهَا الخَلَاءَ!\n(^٣) وَبِهَذَا البَيَانِ يَبْطُلُ الاسْتِدْلَالُ بِأَثَرِ عَائِشَة ﵂ عَلَى التَّمَائِمِ المَصْنُوعَةِ اليَومَ الَّتِي يَزْعُمُونَ أَنَّ بِدَاخِلِهَا كُتِبَ شَيءٌ مِنَ القُرْآنِ، عَدَا عَنْ كَونِ عَائِشَةَ ﵂ عَدَّتْ مَا يُعَلَّقُ -وَلَو كَانَ قُرْآنًا- قَبْلَ البَلَاءِ تَمِيمَةً؛ كَمَا سَبَقَ.","vol":"1","page":129},{"text":"بَابُ مَنْ تَبَرَّكَ بِشَجَرٍ أَو حَجَرٍ وَنَحْوِهِمَا\nوَقَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النَّجْم: ١٩ - ٢٢].\nوَعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيثِيِّ؛ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى حُنَينٍ -وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ-، وَللِمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا وَيَنُوطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُم؛ يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةٍ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اللهُ أَكْبَرُ! إِنَّهَا السُّنَنُ، قُلْتُم -وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ- كَمَا قَالَتْ بَنو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٣٨]، لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (^١).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢١٩٠٠)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٢١٨٠). ظِلَالُ الجَنَّةِ (٧٦).","vol":"1","page":130},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ النَّجْمِ.\nالثَّانِيَةُ: مَعْرِفَةُ صُورَةِ الأَمْرِ الَّذِي طَلَبُوا.\nالثَّالِثَةُ: كَونُهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا.\nالرَّابِعَةُ: كَونُهُمْ قَصَدُوا التَّقَرُّبَ إِلَى اللهِ بِذَلِكَ لِظَنِّهِمْ أَنَّهُ يُحِبُّهُ.\nالخَامِسَةُ: أَنَّهُمْ إِذَا جَهِلُوا هَذَا؛ فَغَيرُهُمْ أَولَى بِالجَهْلِ.\nالسَّادِسَةُ: أَنَّ لَهُمْ مِنَ الحَسَنَاتِ وَالوَعْدِ بِالمَغْفِرَةِ مَا لَيسَ لِغَيرِهِمْ.\nالسَّابِعَةُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَعْذِرْهُمْ بَلْ رَدَّ عَلَيهِمْ بِقَولِهِ: «اَللَّهُ أَكْبَرُ! إِنَّهَا السُّنَنُ، لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»؛ فَغَلَّظَ الأَمْرَ بِهَذِهِ الثَّلَاثِ.\nالثَّامِنَةُ: الأَمْرُ الكَبِيرُ -وَهُوَ المَقْصُودُ- أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ طَلَبَهُمْ كَطَلَبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا قَالُوا لِمُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾.\nالتَّاسِعَةُ: أَنَّ نَفْيَ هَذَا مِنْ مَعْنَى (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) مَعَ دِقَّتِهِ وَخَفَائِهِ عَلَى أُولَئِكَ.\nالعَاشِرَةُ: أَنَّهُ حَلَفَ عَلَى الفُتْيَا، وَهُوَ لَا يَحْلِفُ إِلَّا لِمَصْلَحَةٍ.\nالحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ الشِّرْكَ فِيهِ أَكْبَرُ وَأَصْغَرُ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَرْتَدُّوا بِهَذَا.\nالثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: قَولُهُمْ: (وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ)؛ فِيهِ أَنَّ غَيرَهُمْ لَا يَجْهَلُ ذَلِكَ.\nالثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: التَّكْبِيرُ عِنْدَ التَّعَجُّبِ -خِلَافًا لِمَنْ كَرِهَهُ-.\nالرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: سَدُّ الذَّرَائِعِ.\nالخَامِسَةَ عَشْرَةَ: النَّهْيُ عَنِ التَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الجَاهِلِيَّةِ.\nالسَّادِسَةَ عَشْرَةَ: الغَضَبُ عِنْدَ التَّعْلِيمِ.","vol":"1","page":131},{"text":"السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: القَاعِدَةُ الكُلِّيَّةُ لِقَولِهِ «إِنَّهَا السُّنَنُ».\nاَلثَّامِنَةِ عَشْرَةَ: أَنَّ هَذَا عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ لِكَونِهِ وَقَعَ كَمَا أَخْبَرَ.\nالتَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ كُلَّ مَا ذَمَّ اللهُ بِهِ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى فِي القُرْآنِ؛ أَنَّهُ لَنَا.\nالعِشْرُونَ: أَنَّهُ مُتَقَرَّرٌ عِنْدَهُمْ أَنَّ العِبَادَاتِ مَبْنَاهَا عَلَى الأَمْرِ، فَصَارَ فِيهِ التَّنْبِيهُ عَلَى مَسَائِلِ القَبْرِ، أَمَّا (مَنْ رَبُّكَ؟) فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا (مَنْ نَبِيِّكَ؟)؛ فَمِنْ إِخْبَارِهِ بِأَنْبَاءِ الغَيبِ، وَأَمَّا (مَا دِينُكَ) فَمِنْ قَولِهِمْ (اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا …) إِلَى آخِرِهِ.\nالحَادِيَةُ وَالعِشْرُونَ: أَنَّ سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ مَذْمُومَةٌ كَسُنَّةِ المُشْرِكِينَ.\nالثَّانِيَةُ وَالعِشْرُونَ: أَنَّ المُنْتَقِلَ مِنَ البَاطِلِ الَّذِي اعْتَادَهُ قَلْبُهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَكُونَ فِي قَلْبِهِ بَقِيَّةٌ مِنْ تِلْكَ العَادَةِ؛ لِقَولِهِ: (وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ).","vol":"1","page":132},{"text":"<span data-type='title' id=toc-63>الشَّرْحُ</span>\n- التَّبَرُّكُ: طَلَبُ البَرَكَةِ، وَأَصْلُ البَرَكَةِ: الزِّيَاَدُةُ وَالنَّمَاءُ (^١).\n- التَّبَرُّكُ لُغَةً مُشْتَقٌّ مِنْ أَحَدِ مَعْنَيَينِ:\n١ - مِنْ بُرُوكِ البَعِيرِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مُلَازَمَتِهِ وَثُبُوتِهِ فِي ذَلِكَ المَكَانِ.\n٢ - مِنَ البِرْكَةِ (مَجْمَعِ المَاءِ): وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَثْرَةِ المَاءِ فِي هَذَا المَوضِعِ، وَعَلَى لُزُومِهِ لَهُ، وَزِيَادَتِهِ.\n- حُكْمُ التَّبَرُّكِ غَيرِ المَشْرُوعِ:\n١ - شِرْكٌ أَكْبَرُ: وَيَشْمَلُ حَالَتَينِ:\nإِذَا اعْتَقَدَ فِي المُتَبَرَّكِ بِهِ الاسْتِقْلَالَ فِي النَّفْعِ أَوِ الضَّرِّ، وَهَذَا شِرْكٌ مِنْ جِهَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَأَمَّا إِذَا اعْتَقَدَ أَنَّهُ وَسِيلَةٌ إِلَى اللهِ مِنِ بَابِ اتِّخَاذِ الأَنْدَادِ وَالشُّفَعَاءِ؛ فَهَذَا شِرْكٌ مِنْ جِهَةِ الأُلُوهِيَّةِ (^٢).\n٢ - شِرْكٌ أَصْغَرُ: إِذَا كَانَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ جَعَلَهُ سَبَبًا لِحُصُولِ البَرَكَةِ حَيثُ لَمْ يَرِدْ كَونُهُ سَبَبًا، وَأيضًا فِيهِ مُشَابَهَةٌ لِلمُشْرِكِينَ فِي أَفْعَالِهِم، وَهُوَ ذَرِيعَةٌ لِلاعْتِقَادِ فِيهَا مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى.\n_________\n(^١) تَهْذِيبُ اللُّغَةِ (١٠/ ١٣١).\n(^٢) وَهَذَا هُوَ الَّذِي كَانَ يزعُمُهُ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ فِي الأَحْجَارِ وَالأَشْجَارِ الَّتِي يَعْبُدُونَهَا، وَأَيضًا بِالقُبُورِ الَّتِي يَتَبَرَّكُونَ بِهَا، وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزُّمَر: ٣].","vol":"1","page":133},{"text":"- فِي تَفْسِيرِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى * إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى * أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى * فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾ [النَّجْم: ١٩ - ٢٥].\nقَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ: \" ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي رَآهَا ﷺ لَيلَةَ أُسْرِيَ بِهِ.\nوَلَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنَ الهُدَى وَدِينِ الحَقِّ، وَالأَمْرِ بِعِبَادَةِ اللهِ وَتَوحِيدِهِ؛ ذَكَرَ بُطْلَانَ مَا عَلَيهِ المُشْرِكُونَ مِنْ عِبَادَةِ مَنْ لَيسَ لَهُ مِنْ أَوصَافِ الكَمَالِ شَيءٌ، وَلَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ، وَإِنَّمَا هِيَ أَسْمَاءٌ فَارِغَةٌ عَنِ المَعْنَى، سَمَّاهَا المُشْرِكُونَ هُمْ وَآبَاؤُهُم الجُهَّالُ الضُّلَالُ، ابْتَدَعُوا لَهَا مِنَ الأَسْمَاءِ البَاطِلَةِ الَّتِي لَا تَسْتَحِقُّهَا، فَخَدَعُوا بِهَا أَنْفُسَهُم وَغَيرَهُم مِنَ الضُّلَّالِ، فَالآلِهَةُ الَّتِي بِهَذِهِ الحَالِ؛ لَا تَسْتَحِقُّ مِثْقَالَ ذَرَةٍ مِنَ العِبَادَةِ، وَهَذِهِ الأَنْدَادُ الَّتِي سَمَّوهَا بِهَذِهِ الأَسْمَاءِ؛ زَعَمُوا أَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ أَوصَافٍ هِيَ مُتَّصِفَةٌ بِهَا، فَسَمَّوا (اللَاتَ) مِنَ (الإِلَهِ) المُسْتَحِقِّ لِلعِبَادَةِ، وَ(العُزَّى) مِنَ (العَزِيزِ)، وَ(مَنَاةَ) مِنَ (المَنَّانِ) إِلْحَادًا فِي أَسْمَاءِ اللهِ وَتَجَرِّيًا عَلَى الشِّرْكِ بِهِ، وَهَذِهِ أَسْمَاءٌ مُتَجَرِّدَةٌ عَنِ المَعَانِي، فَكُلُّ مَنْ لَهُ أَدْنَى مُسْكَةٍ مِنْ عَقْلٍ يَعْلَمُ بُطْلَانَ هَذِهِ الأَوصَافِ فِيهَا.\n﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ أَي: أَتَجْعَلُونَ للهِ البَنَاتِ بِزَعْمِكُم، وَلَكُمُ البَنُونَ؟ ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ أَي: ظَالِمَةٌ جَائِرَةٌ (^١).\n_________\n(^١) قَالَ البَغَوِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٧/ ٤٠٩): \"قَالَ الكَلْبِيُّ -مِنْ أَصْحَابِ الإِمَامِ أَحْمَدَ-: كَانَ المُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ يَقُولُونَ: الأَصْنَامُ وَالمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللهِ، وَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُم إِذَا بُشِّرَ بِالأُنْثَى كَرِهَ ذَلِكَ\".","vol":"1","page":134},{"text":"وَقَولُهُ: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أَي: مِنْ حُجَّةٍ وَبُرْهَانٍ عَلَى صِحَّةِ مَذْهَبِكُم (^١)، وَكُلُّ أَمْرٍ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهِ مِنْ سُلْطَانٍ؛ فَهُوَ بَاطِلٌ فَاسِدٌ، لَا يُتَّخَذُ دِينًا، وَهُمْ -فِي أَنْفُسِهِم- لَيسُوا مُتَّبِعِينَ بُرْهَانًا يَتَيَقَّنُونَ بِهِ مَا ذَهَبُوا إِلَيهِ، وَإِنَّمَا دَلَّهُم عَلَى قَولِهِم الظَّنُّ الفَاسِدُ، وَمَا تَهْوَاهُ أنْفُسُهُم مِنَ الشِّرْكِ وَالبِدَعِ المُوَافِقَةِ لِأَهْوِيَتِهِم (^٢).\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ أَي: الَّذِي يُرْشِدُهُم فِي بَابِ التَّوحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَجَمِيعِ المَطَالِبِ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَيهَا العِبَادُ، فَكُلُّهَا قَدْ بيَّنَهَا اللهُ أَكْمَلَ بَيَانٍ وَأَوضَحَهُ، وَأَقَامَ عَلَيهِ مِنَ الأَدِلَّةِ وَالبَرَاهِينَ مَا يُوجِبُ لَهُم وَلِغَيرِهِم اتِّبَاعَهُ، فَلَمْ يَبْقَ لِأَحَدٍ عُذْرٌ وَلَا حُجَّةٌ مِنْ بَعْدِ البَيَانِ وَالبُرْهَانِ، وَإِذَا كَانَ مَا هُمْ عَلَيهِ غَايَتُهُ اتِّبَاعُ الظَّنِّ، وَنِهَايَتُهُ الشَّقَاءُ الأَبَدِيُّ وَالعَذَابُ السَّرْمَدِيُّ، فَالبَقَاءُ عَلَى هَذِهِ الحَالِ مِنْ أَسْفَهِ السَّفَهِ وأَظْلَمِ الظُّلْمِ، وَمَعْ ذَلِكَ يَتَمَنَّونَ الأَمَانِيَ، وَيَغْتَرُّونَ بِأَنْفُسِهِم، وَلِهَذَا أَنْكَرَ تَعَالَى عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ مَا تَمَنَّى، وَهُوَ كَاذِبٌ فِي ذَلِكَ! فقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى * فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾ فَيُعْطِي مِنْهُمَا مَنْ يَشَاءُ، وَيَمْنَعُ مَنْ يَشَاءُ، فَلَيسَ الأَمْرُ تَابِعًا لِأَمَانِيِّهِم، وَلَا مُوَافِقًا لِأَهْوَائِهِم\" (^٣).\n_________\n(^١) قَالَ فِي لِسَانِ العَرَبِ (١٣/ ٤٦٧): \"وَالآلِهَةُ الأَصْنَامُ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِاعْتِقَادِهِم أَنَّ العِبَادَةَ تَحُقُّ لَهَا، وَأَسْمَاؤُهُم تَتْبَعُ اعْتِقَادَاتِهِم لَا مَا عَلَيهِ الشَّيءُ فِي نَفْسِهِ\".\n(^٢) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٧/ ٤٥٨) -فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ -: \"أَي: لَيسَ لَهُمْ مُسْتَنَدٌ إِلَّا حُسْنَ ظَنِّهِمْ بِآبَائِهِمُ الَّذِينَ سَلَكُوا هَذَا المَسْلَكَ البَاطِلَ قَبْلَهُمْ، وَإِلَّا حَظَّ نُفُوسِهِمْ فِي رِيَاسَتِهِمْ وَتَعْظِيمِ آبَائِهِمُ الأَقْدَمِينَ\".\n(^٣) تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ (ص ٨١٨).","vol":"1","page":135},{"text":"- اللَاتُ (^١): كَانَتْ صَخْرَةً بَيضَاءَ مَنْقُوشَةً، عَلَيهَا بَيتٌ وَأَسْتَارٌ وَسَدَنَةٌ وَحَولَهُ فِنَاءٌ مُعظَّمٌ عِنْدَ أَهْلِ الطَّائِفِ، وَهُمْ ثَقِيفٌ وَمَنْ تَبِعَهَا، بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيهَا المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ فَهَدَمَهَا وَحَرَّقَها بِالنَّارِ.\nوَالعُزَّى (^٢): كَانَتْ شَجَرَةً عَلَيهَا بِنَاءٌ وَأَسْتَارٌ بِنَخْلَةَ (^٣)، كَانَتْ قُرَيشُ يُعَظِّمُونَها، وَلَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكَّةَ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إِلَيهَا فَهَدَمَهَا.\nوَأَمَّا مَنَاةُ (^٤): فَصَنَمٌ بَينَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ، وَكَانَتْ خُزَاعَةُ وَالأَوسُ وَالخَزْرَجُ يُعَظِّمُونَهَا وَيُهِلُّونَ مِنْهَا لِلحَجِّ، بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيًّا فَهَدَمَهَا عَامَ الفَتْحِ (^٥). وَسُمِّيَتْ بِـ (مَنَاة) لِكَثْرَةِ مَا يُمْنَى (يُرَاقُ) عَلَيهَا مِنَ الدِّمَاءِ.\n- وَجْهُ مُنَاسَبَةِ الآيَةِ لِلتَّرْجَمَةِ: أَنَّ اللَاتَ صَخْرَةٌ، وَمَنَاةَ صَخْرَةٌ، وَالعُزَّى شَجَرَةٌ؛ وَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ المُشْرِكُونَ عِنْدَ هَذِهِ الثَّلَاثِ هُوَ عَينُ مَا يَفْعَلُهُ المُشْرِكُونَ فِي هَذِهِ الأَزْمِنَةِ المُتَأخِّرَةِ عِنْدَ الأَشْجَارِ وَالأَحْجَارِ وَالغِيرَانِ وَالقُبُورِ.\n_________\n(^١) هَذِهِ الأَوثَانُ الثَّلَاثَةُ هِيَ أَعْظَمُ أَوثَانِ الجَاهِلِيَّةِ لِأَهْلِ الحِجَازِ، وَلِهَذَا نُصَّ عَلَيهَا بِأَعْيَانِهَا، وَإِلَّا فَفِي الحِجَازِ أَوثَانٌ غَيرُهَا كَثِيرَةٌ، وَلَكِنَّ الفِتْنَةَ بِهَذِهِ أَشَدُّ.\nوَهَذِهِ الصَّخْرَةُ تَرْمُزُ لِرَجُلٍ صَالِحٍ كَانَ يَجْلِسُ عِنْدَهَا.\nقَالَ القُرْطُبُيُّ ﵀ في التَّفْسِيرِ (١٧/ ١٠٠): \"قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (كَانَ اللَاتُ يَبِيعُ السَّوِيقَ وَالسَّمْنَ عِنْدَ صَخْرَةٍ وَيَصُبُّهُ عَلَيهَا، فَلَمَّا مَاتَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَبَدَتْ ثَقِيفُ تِلْكَ الصَّخْرَةَ إِعْظَامًا لِصَاحِبِ السَّوِيقِ).\n(^٢) (العُزَّى): لُغَةً؛ مُؤَنَّثُ أَعَزّ، وَقَدْ جَعَلَ المُشْرِكُونَ الإِنَاثَ للهِ، كَالمَلَائِكَةِ وَاللَاتِ وَالعُزَّى وَمَنَاة.\n(^٣) مَكَانٌ بَينَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ.\n(^٤) وَفِي الأَثَرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُم اشْتَقُّوا اللَاتَ مِنَ الإِلَهِ، وَالعُزَّى مِنَ العَزِيزِ، وَمَنَاةَ مِنَ المَنَّانِ. وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللهُ في بَابِ قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\n(^٥) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٧/ ٤٥٦).","vol":"1","page":136},{"text":"- فِي حَدِيثِ أَبِي واقدٍ اللَّيثِيِّ (^١) بَيَانُ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ هِيَ مِنْ أَفْعَالِ المُشْرِكِينَ:\n١ - أَنَّهُم كَانُوا يُعَظِّمُونَ تِلْكَ الشَّجَرَةَ.\n٢ - أَنَّهُم كَانُوا يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا، وَالعُكُوفُ: هُوَ مُلَازَمَةُ الشَّيءِ.\n٣ - أَنَّهُم كَانُوا يَنُوطُونَ بِهَا الأَسْلِحَةَ رَجَاءَ حُلُولِ البَرَكَةِ فِي السِّلَاحِ حَتَّى يَكُونَ أَمْضَى، وَحَتَّى يَكُونَ خَيرُهُ لِحَامِلِهِ أَكْثَرَ (^٢).\n- قَولُهُم: (اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ) إِنَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَتَبَرَّكُوا بِهَذِهِ الشَّجَرَةِ لَا أَنْ يَعْبُدُوها -وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُم تَرَكُوا عِبَادَةَ غَيرِ اللهِ وَأَسْلَمُوا-؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ التَّبَرُّكَ بِمِثْلِ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ، وَأَنَّهُ كُفْرٌ، وَتَأَمَّلْ قَولَهُ: (وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ).\n- قَولُهُ: «اللهُ أَكْبَرُ» (^٣) فِيهِ بَيَانُ أَنَّ مَا سَبَقَ مِنَ الكَلَامِ فِيهِ تَنَقُّصٌ للهِ تَعَالَى، وَهُوَ جَعْلُ نِدٍّ مَعَهُ.\n- قَولُهُ: «كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى» فِيهِ تَشْبِيهُ القَولِ بِالقَولِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ شِرْكٌ.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ فِيهِ بَيَانُ أَنَّ الجَهْلَ سَبَبٌ لِلشِّرْكِ،\n_________\n(^١) هُوَ الحَارِثُ بْنُ عَوفٍ؛ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ، أَسْلَمَ قَبْلَ الفَتْحِ، وَقِيلَ: هُوَ مِنْ مُسْلِمَةِ الفَتْحِ، (ت ٦٨ هـ).\n(^٢) وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الكَبِيرِ (٣/ ٢٤٤) بِلَفْظٍ آخَرَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ -وَنَحْنُ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ- وَقَدْ كَانَتْ لِكُفَّارِ قُرَيشٍ وَمَنْ سِوَاهُمْ مِنَ العَرَبِ شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ يُقَالُ لَهَا: ذَاتَ أَنْوَاطٍ، يَأْتُونَهَا كُلَّ عَامٍ، فَيُعَلِّقُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ، وَيُرِيحُونَ تَحْتَهَا، وَيَعْكُفُونَ عَلَيهَا يَومًا، فَرَأَينَا وَنَحْنُ نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سِدْرَةً خَضْرَاءَ عَظِيمَةً، فَتَنَادَينَا مِنْ جَنَبَاتِ الطَّرِيقِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ، قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ كَمَا قَالَ قَومُ مُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأَعْرَاف: ١٣٨]، لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ».\n(^٣) وَهُوَ لَفْظُ أَحْمَدَ (٢١٩٠٠) فِي المُسْنَدِ، وَفِي لَفْظِ التِّرْمِذِيِّ (٢١٨٠): «سُبْحَانَ اللهُ».","vol":"1","page":137},{"text":"وَفِيهِ أَهَمِيِّةُ تَعَلُّمِ التَّوحِيدِ وَضَرُورَةُ تَعْلِيمِهِ.\nوَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَفَغَيرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤]، وَكَقَولِهِ أَيضًا سُبْحَانَهُ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩].\nهَذَا؛ وَقَدْ خَفِيَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ حَدِيثًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ؛ فكَيفَ بِمَنْ لَمْ يَعْرِفِ التَّوحِيدَ إِلَّا مُجَرَّدَ كَلِمَةٍ يَقُولُهَا بِلِسَانِهِ! فَاللهُ المُسْتَعَانُ.\n- فِي الحَدِيثِ بَيَانُ أَدَبِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيهِم أَنَّهُم سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ وَلَمْ يَفْعَلُوا؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ العِبَادَاتِ تَوقِيفِيَّةٌ.\n- قَولُ المُصَنِّفِ ﵀: (بِشَجَرٍ أَو حَجَرٍ): يَدْخُلُ فِيهِ الحَجَرُ الأَسْوَدُ فَلَا يُتَبَرَّكُ بِهِ، وَإِنَّمَا يُتعبَّدُ اللهُ تَعَالَى بِمَسْحِهِ وَتَقْبِيلِهِ -اتِّبَاعًا لِلرَّسُولِ ﷺ وَبِذَلِكَ تَحْصُلُ بَرَكَةُ الثَّوَابِ.\nوَفِي (صَحِيحِ البُخَارِيِّ): قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁ لِلرُّكْنِ اليَمَانِيِّ: (أَمَا وَاللهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَولَا أَنِّي رَأَيتُ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَلَمَكَ مَا اسْتَلَمْتُكَ)، فَاسْتَلَمَهُ. ثُمَّ قَالَ: (فَمَا لَنَا وَللرَّمَلِ؟ إِنَّمَا كُنَّا رَاءَينَا بِهِ المُشْرِكِينَ -وَقَدْ أهلَكَهُمُ اللهُ-، ثُمَّ قَالَ: شَيءٌ صَنَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَتْرُكَهُ) (^١) (^٢).\n- إِنَّ سَبَبَ انْتِشَارِ المُخَالَفَاتِ الشِّرْكيَّةِ بِالتَّبَرُّكِ بِالصَّالِحِينَ وَالآثَارِ هُوَ نَتِيجَةُ صُعُوبَةِ التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى أُولَئِكَ المُتَبَرِّكِينَ؛ فَأَرَادُوا غُفْرَانَ الذُّنُوبِ وَزِيَادَةَ الحَسَنَاتِ بِأَهْوَنَ مِنْ ذَلِكَ؛ فَعَمَدُوا إِلَى التَّبَرُّكِ المُبْتَدَعِ بِالآثَارِ المَكَانِيَّةِ وَآثَارِ الصَّالِحِينَ.\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (١٦٠٥).\n(^٢) قُلْتُ: وَفِي البُخَارِيِّ (١٥٩٧) أَيضًا قَولُهُ ذَلِكَ عَنِ الحَجَرِ الأَسْوَدِ، وَفِيهِ: (وَلَولَا أَنِّي رَأَيتُ النَّبِيَّ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ).","vol":"1","page":138},{"text":"<span data-type='title' id=toc-64>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-65> المَسْأَلَةُ الأُولَى: مَا الجَوَابُ عَنْ أَثَرٍ عَلِيٍّ ﵁ -رَدًّا عَلَى قَولِ عُمَرَ السَّابِقِ عَنِ الحَجَرِ الأَسْوَدِ</span>- وَفِيهِ: قَالَ عُمَرُ: (إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَولَا أَنِّي رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَبَّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ) ثُمَّ قَبَّلَهُ، فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁: (بَلَى يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين؛ إِنَّهُ يَضُرُّ وَيَنْفَعُ)! رَوَاهُ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ، وَالبَيهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ (^١)؟\nوَالجَوَابُ عَلَيهِ هُوَ مِنْ وَجْهَينِ مُخْتَصَرَينِ:\n١ - أَنَّ الحَدِيثَ ضَعِيفٌ فَلَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ (^٢).\n٢ - أَنَّ مَعْنَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ النَّفْعَ وَالضُّرَّ حَاصِلٌ مِنْ جِهَةِ ثَوَابِ اللهِ تَعَالَى وَعِقَابِهِ، وَأَنَّ الحَجَرَ شَاهِدٌ لِمَنْ تَابَعَ سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي اسْتِلَامِهِ؛ كَمَا تَجِدُهُ فِي سِيَاقِ نَفْسِ اللَّفْظِ الضَّعِيفِ، وَيُغْنِي عَنْهُ مَا صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الحَجَرِ: «لَيَأْتِيَنَّ هذَا الحَجَرُ يَومَ القِيَامَةِ لَهُ عَينَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ؛ يَشْهَدُ عَلَى مَنِ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ» (^٣).\n_________\n(^١) الحَاكِمُ (١٦٨٢)، وَالبَيهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ (٣٧٤٩).\n(^٢) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (٣/ ٤٦٢): \"فِي إِسْنَادِهِ أَبُو هَارُونَ العَبْدِيُّ؛ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا\".\n(^٣) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٩٦١). صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (١١٤٤).","vol":"1","page":139},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-66> المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَا حُكْمُ التَّبَرُّكِ بِالصَّالِحِينَ، وَبِمَاءِ زَمْزَمَ، وَالتَّعَلُّقِ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ؟</span>\nالجَوَابُ:\n١ - أَمَّا التَّبَرُّكُ بِالصَّالِحِينَ فَقِسْمَانِ:\nأ- تَبَرُّكٌ بِذَوَاتِهِم؛ بِعَرَقِهِم؛ بِسُؤْرِهِم؛ بِشَعْرِهِم؛ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَهُوَ مِنَ البِدَعِ المُحْدَثَة، وَلَمْ يَجْرِ عَلَيهِ عَمْلُ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيهِم مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ -وَهُم سَادَةُ أَولِيَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ- (^١)، فَهَذَا التَّبَرُّكُ بِالذَّوَاتِ خَاصٌّ بِالأَنْبِيَاءِ فَقَط (^٢).\n_________\n(^١) قَالَ العَلَّامَةُ الشَّاطِبِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ الاعْتِصَامُ (١/ ٤٨٢): \"إِلَّا أَنَّهُ عَارَضَنَا فِي ذَلِكَ أَصْلٌ مَقْطُوعٌ بِهِ فِي مَتْنِهِ، مُشْكِلٌ فِي تَنْزِيلِهِ، وَهُوَ أَنَّ الصَّحَابةَ ﵃ لَمْ يَقَعْ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُم شَيءٌ مِنْ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ خَلْفِهِ، إِذْ لَمْ يَتْرُكِ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَهُ فِي الأُمَّةِ أَفْضَلَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ فَهُوَ كَانَ خَلِيفَتُهُ، وَلَمْ يُفْعَلْ بِهِ شِيءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا عُمَرُ ﵁، وَهُوَ كَانَ أَفْضَلَ الأُمَّةِ بَعْدَهُ، ثُمَّ كَذَلِكَ عُثْمَانُ، ثُمَّ عَلِيٌّ، ثُمَّ سَائِرَ الصَّحَابَةِ -الَّذِينَ لَا أَحَدَ أَفْضَلُ مِنْهُم فِي الأُمَّةِ-، ثُمَّ لَمْ يَثْبُتْ لِوَاحِدٍ مِنْهُم مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ مَعْرُوفٍ أَنَّ مُتَبَرِّكًا تَبَرَّكَ بِهِم عَلَى أَحَدِ تِلْكَ الوُجُوهِ أَو نَحْوِهَا، بَلِ اقْتَصَرُوا فِيهِم عَلَى الاقْتِدَاءِ بِالأَفْعَالِ وَالأَقْوَالِ وَالسِّيَرِ الَّتِي اتَّبَعُوا فِيهَا النَّبِيَّ ﷺ؛ فَهُوَ إِذًا إِجْمَاعٌ مِنْهُم عَلَى تَرْكِ تِلْكَ الأَشْيَاءِ\".\nقُلْتُ: وَكَذَا لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ التَّبَرُّكَ مَعَ الحَسَنِ وَالحُسَينِ، وَلَا فَاطِمَةَ ﵃ أَجْمَعِينَ، فَالبَرَكَةُ الذَّاتيَّةُ لَا تَنْتَقِلُ بِالنُّطْفَةِ! خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ غَيرَ ذَلِكَ مِنَ الرَّافِضَةِ وَمُقَلِّدِيهِم، وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَابْنِهِ عَلَيهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصَّافَّات: ١١٣] فَفِي ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ، رَغُمَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى بَارَكَ عَلَيهِمَا.\nقَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (ص ٧٠٦): \"اقْتَضَى ذَلِكَ البَرَكَةَ فِي ذُرِّيَّتِهِمَا، وَأَنَّ مِنْ تَمَامِ البَرَكةِ أَنْ تَكُونَ الذُّريَّةُ كُلُّهُم مُحْسِنِينَ! فَأَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ مِنْهُم مُحْسِنًا وَظَالِمًا. وَاللهُ أَعْلَمُ\".\n(^٢) وَالنَّبِيُّ ﷺ كَانَ يُرْشِدُ إِلَى مَا هُوَ أَولَى مِنْ هَذَا التَّبَرُّكِ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: نَزَلَ بالنَّبِيِّ ﷺ أَضْيَافٌ مِنَ البَحْرَينِ، فَدَعَا النَّبِيُّ بِوَضُوئِهِ، فَتَوَضَّأَ، فَبَادَرُوا إِلَى وُضُوئِهِ فَشَرِبُوا مَا أَدْرَكُوهُ مِنْهُ، وَمَا انْصَبَّ مِنْهُ فِي الأَرْضِ فَمَسَحُوا بِهِ وُجُوهَهُم وَرُؤُوسَهُم وَصُدُورَهُم، فَقَالَ لَهُم النَّبِيُّ ﷺ: «مَا دَعَاكُم\n=","vol":"1","page":140},{"text":"ب- تَبرُّكٌ بِعِلْمِهِم وَعَمَلِهِم: وَهُوَ الاقْتِدَاءُ بِالصَّالِحِينَ فِي صَلَاحِهِم، وَالاسْتِفَادَةُ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ فِي عِلْمِهِم وَهَدْيهِم وَسِيرَتِهِم.\n٢ - أَمَّا التَّبَرُّكُ بِمَاءِ زَمْزَمَ فَهُوَ عَلَى قَاعِدَةِ: (أَنَّ التَّبَرُّكَ يَجْرِي كَمَا وَرَدَ) أَي: أَنَّ التَّبَرُّكَ تَوقِيفِيُّ الكَيفِيَّةِ، فَإِنَّ التَّبَرُّكَ بِمَاءِ زَمْزَمَ جَاءَ بِهَيئَةِ الشُّرْبِ وَالصَّبِّ؛ فَمَنْ تَبَرَّكَ بِهِ بِأَنْ يَغْسِلَ ثِيَابَهُ بِهِ فَقَدْ أَخْطَأَ (^١) (^٢).\n٣ - أَمَّا التَّعَلُّقَ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ رَجَاءَ البَرَكَة؛ فَلَهُ حَالَانِ:\nأ- شِرْكٌ أَصْغَرُ: إِذَا اعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ التَّبَرُّكَ سَبَبٌ لِلخَيرِ أَوِ الشِّفَاءِ مِنَ الله تَعَالَى، وَقَدْ عُلِمَ أنَّ الشَّرِيعَةَ لَمْ تُرْشِدْ لِهَذَا النَّوعِ مِنَ الأَسْبَابِ.\nب- شِرْكٌ أَكْبَرُ: إِذَا اعْتَقَدَ أَنَّ الكَعْبَةَ تَرْفَعُ أَمْرَهُ إِلَى اللهِ، أَو أَنَّ الكَعْبَةَ لَهَا شَفَاعَةٌ عِنْدَ اللهِ فَتُقْضَى حَاجَتُهُ بِهَا.\n_________\n=\nإِلَى ذَلِكَ؟» قَالُوا: حُبًّا لَكَ؛ لَعَلَّ اللهَ يُحِبُّنَا يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنْ كُنْتُم تُحِبُّونَ أَنْ يُحِبَّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ فَحَافِظُوا عَلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: صِدْقِ الحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ، وَحُسْنِ الجِوَارِ». رَوَاهُ الخِلَعِيُّ فِي الفَوَائِدِ. الصَّحِيحَة (٢٩٩٨).\n(^١) قُلْتُ: وَمِثْلُهُ بَرَكَةُ المَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ هِيَ بِالصَّلَاةِ وَلَيسَتْ بِالتَّمَسُّحِ!\n(^٢) وَلَا يَصِحُّ الاسْتِدْلَالُ بِفِعْلِ جِبْرِيلَ ﵇ عِنْدَمَا غَسَلَ قَلْبَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَاءِ زَمْزَمَ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيسَ شَرْعًا لَنَا! فَلَمْ يُرْشِدْ إِلَيهِ نَبِيُّنَا ﷺ.\nقُلْتُ: وَحَدِيثُ جِبْرِيلَ هَذَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٧٥١٧)، وَمُسْلِمٌ (١٦٤).","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type='title' id=toc-67>المُلْحَقُ الثَّانِي عَلَى كِتَابِ التَّوحِيدِ: قَوَاعِدُ ومَسَائِلُ فِي التَّبَرُّكُ والبَرَكَةُ</span>\nالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، أَمَّا بَعْدُ فَهَذِهِ مَسَائِلُ مُوجَزَةٌ فِي مَوضُوعِ التَّبَرُّكِ؛ اقْتَطَفْتُهَا مِنْ كُتُبِ أَهْلِ العِلْمِ رَحِمَهُم اللهُ تَعَالَى، أَسْأَلُهُ سُبْحَانَهُ أَنْ تَكُونَ مُفِيدَةً فِي بَابِهَا (^١).\n\n-<span data-type='title' id=toc-68> قَوَاعِدُ فِي التَّبَرُّكِ:</span>\n١ - الخَيرُ كُلُّهُ فِي يَدِ اللهِ تَعَالَى؛ لَيسَ لِأَحَدٍ مِنْهُ شَيءٌ.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عِمْرَان: ٢٦] (^٢).\nوَفِي البُخَارِيِّ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «البَرَكَة مِنَ اللهِ» (^٣).\n_________\n(^١) وَمِنْهَا: كِتَابُ (التَّمْهِيدُ) لِلشَّيخِ صَالِحِ آلِ الشَّيخِ حَفِظَهُ اللهُ، وَكِتَابُ (هَذِهِ مَفَاهِيمُنَا) لَهُ أَيضًا رَدَّ فِيهِ عَلَى كِتَابِ (مَفَاهِيمٌ يَجِبُ أَنْ تُصَحَّحَ) لِمُحَمَّدِ بْنِ عَلَوِي المَالِكِيِّ، وَكِتَابِ (التَّبَرُّكُ) لِلشَّيخِ نَاصِر الجُدَيع، وَغَيرِهَا مِنَ الكُتُبِ المُفِيدَةِ فِي هَذَا البَابِ.\n(^٢) قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٦/ ٢٩٩): \"يَعْنِي بِذَلِكَ: يَا مَالِكَ المُلْكِ، يَا مَنْ لَهُ مُلْكُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ خَالِصًا دُونَ غَيرِهِ، ﴿بِيَدِكَ الْخَيرُ﴾ أَي: كُلُّ ذَلِكَ بِيَدِكِ وَإِلَيكَ، لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ لِأَنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ دُونَ سَائِرِ خَلْقِكَ، وَدُونَ مَنِ اتَّخَذَهُ المُشْرِكُونَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَالأُمِّيينَ مِنَ العَرَبِ إِلَهًا وَرَبًّا يَعْبُدُونَهُ مِنْ دُونِكَ؛ كَالمَسِيحِ وَالأَنْدَادِ الَّتِي اتَّخَذَهَا الأُمِّيُّونَ رَبًّا\".\n(^٣) البُخَارِيُّ (٥٦٣٩).","vol":"1","page":142},{"text":"٢ - مَعْنَى البَرَكَةِ.\nالبَرَكَةُ تَدُورُ حَولَ ثَلَاثَةِ مَعَانٍ: الثَّبَاتُ وَاللُّزُومُ، النَّمَاءُ وَالزِّيَادَةُ (^١)، السَّعَادَةُ (^٢).\nوَالتَّبَرُّك هُوَ طَلَبُ البَرَكَةِ، أَي: طَلَبُ حُصُولِ الخَيرِ بِمُقَارَبَةِ ذَلِكَ الشَّيءِ وَمُلَابَسَتِهِ.\nوَيَشْرحُ مَعْنَى البَرَكَةِ مَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ: «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مِنْ نَفْسِهِ أَو مالِهِ أَو مِنْ أَخِيهِ مَا يُعْجِبُهُ فَلْيَدْعُ لهُ بِالبَرَكَةِ؛ فَإِنَّ العَينَ حَقٌّ» (^٣)، فَالمَقْصُودُ بِالبَرَكَةِ هُنَا -مَثَلًا- هُوَ عَكْسُ مَا يُخْشَى مِنْهُ مِنَ العَينِ.\nوَمِنْ ذَلِكَ قَولُ عَائِشَة ﵂ -لَمَّا تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ جُوَيرِيَةَ بِنْتَ الحَارِثِ- قَالَتْ: (فَمَا رَأَينَا امْرَأَةً كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً عَلَى قَومِهَا مِنْهَا؛ أُعْتِقَ فِي سَبَبِهَا مِائَةُ أَهْلِ بَيتٍ مِنْ بَنِي المُصْطَلِقِ) (^٤)، فالبَرَكَةُ هُنَا هِيَ حُصُولُ الخَيرِ بِسَبَبِهَا.\nوَكَمَا قَالَ أُسَيدُ بْنُ حُضَيرٍ فِي قِصَّةِ شَرْعِيَّةِ التَّيَمُّمِ: (مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ) (^٥) بِمَعْنَى أَنَّهُ لَيسَ ذَلِكَ هُوَ أَوَّلُ خَيرٍ يَحْصُلُ بِسَبَبِكُم.\n_________\n(^١) قَالَ أَبُو مَنْصُورٍ الأَزْهَرِيُّ فِي تَهْذِيبِ اللُّغَةِ (١٠/ ١٣١): \"وَأَصْلُ البَرَكَةِ: الزِّيَادَةُ وَالنَّمَاءُ\".\n(^٢) قَالَ الفَرَّاءُ فِي كِتَابِهِ مَعَانِي القُرْآنِ (٢/ ٢٣) عِنْدَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيكُمْ أَهْلَ الْبَيتِ﴾ [هُود: ٧٣]: \"البَرَكَاتُ: السَّعَادَةُ\".\n(^٣) صَحِيحٌ. الحَاكِمُ (٧٥٠٠) عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَة مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَة (٢٥٧٢).\n(^٤) حَسَنٌ. أَبُو دَاوُدَ (٣٩٣١). صَحِيحُ أَبِي دَاوُدَ (٣٩٣١).\n(^٥) وَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ -كَمَا فِي البُخَارِيِّ (٣٣٤) - عَنْ عَائِشَةَ زَوجِ النَّبِيِّ ﷺ؛ قَالَتْ: (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالبَيدَاءِ أَو بِذَاتِ الجَيشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي، فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى التِمَاسِهِ وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيسُوا عَلَى مَاءٍ، فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ؛ فَقَالُوا: أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ؛ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَالنَّاسِ؛ وَلَيسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيسَ مَعَهُمْ مَاءٌ! فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ -وَرَسُولُ اللهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ- فَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَالنَّاسَ؛ وَلَيسُوا\n=","vol":"1","page":143},{"text":"٣ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى اخْتَصَّ بَعْضَ خَلْقِهِ بِمَا شَاءَ مِنَ الفَضْلِ وَالبَرَكَةِ.\nفَهَذِهِ الزِّيَادَةُ وَالنَّمَاءُ قَدْ تَكُونُ فِي أَمْكِنَةٍ، وَقَدْ تَكُونُ فِي ذَوَاتٍ، وَقَدْ تَكُونُ فِي أَزْمِنَةٍ، وَقَدْ تَكُونُ فِي صِفَاتٍ.\nومِنَ الأَوَّلِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا﴾ [فُصِّلَت: ١٠] عَنِ الأَرْضِ.\nومِنَ الثَّانِي قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصَّافَّات: ١١٣]، وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾ [مَرْيَم: ٣١] عَنِ الأَنْبِيَاءِ.\nومِنَ الثَّالِثِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿لَيلَةُ الْقَدْرِ خَيرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القَدْر: ٣]، وَمِثْلُهُ حَدِيثُ: «تَسَحَّرُوا فإنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً» (^١).\nوَمِنَ الرَّابِعِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النُّور: ٦١]، وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٥٠].\n٤ - أَنَّ التَّبَرُّكَ مِنْهُ المَشْرُوعُ وَمِنْهُ المَمْنُوعُ (^٢).\n_________\n=\nعَلَى مَاءٍ وَلَيسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ، وَجَعَلَ يَطْعَنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي فَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أَصْبَحَ عَلَى غَيرِ مَاءٍ؛ فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا، فَقَالَ أُسَيدُ بْنُ الحُضَيرِ: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ. قَالَتْ: فَبَعَثْنَا البَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيهِ فَأَصَبْنَا العِقْدَ تَحْتَهُ).\n(^١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١٩٢٣)، وَمُسْلِمٌ (١٠٩٥) عَنْ أَنَس مَرْفُوعًا.\nوَهَذَا الأَخِيرُ فِيهِ بَرَكَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ مِنْ جِهَةِ اتِّبَاعِ السُّنَّةِ، وَمِنْ جِهَةِ مُخَالَفَةِ أَهْلِ الكِتَابِ، وَأَيضًا فِيهِ بَرَكَةٌ مَادِّيَّةٌ مِنْ جِهَةِ التَّقْوِيَةِ عَلَى الصِّيَامِ.\n(^٢) وَسَيَمُرُّ مَعَنَا قَرِيبًا تَفْصِيلٌ وَاسِعٌ فِي هَذِهِ القَاعِدَةِ.","vol":"1","page":144},{"text":"٥ - أَنَّ التَّبَرُّكَ بِشَيءٍ يَجْرِي عَلَى النَّحْوِ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ.\nفَالتَّبَرُّكُ بِالمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ يَكُونُ بِالصَّلَاةِ فِيهَا؛ وَلَيسَ بالتَّمَسُّحِ بِجُدْرَانِهَا وَأَرْضِهَا! وَالتَّبَرُّكُ بِالقُرْآنِ يكَونُ بِتِلَاوَتِهِ وَتَدَبُّرِهِ وَالعَمَلِ بِهِ؛ لَا بِجَعْلِهِ تَمِيمَةً! أَو غَسْلِ أَورَاقِ المُصْحَفِ وَشُرْبِهَا! وَهَكَذَا كُلٌّ وُفْقَ مَا وَرَدَ.\n- مَعْنَى (تَبَارَكَ): قَالَ فِيهِ أَهْلُ العِلْمِ مَعْنَيَينِ:\nالأَوَّلُ: تَعَاظَمَ، فَقَدْ جَاءَتِ اللَّفْظَةُ عَلَى بِنَاءِ السَّعَةِ وَالمُبَالَغَةِ كَـ (تَعَالَى) وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى كَمَال العُلُوِّ، فَكَذَلِكَ (تَبَارَكَ) دَالَّةٌ عَلَى كَمَالِ بَرَكَتِهِ وَعِظَمِهَا وَسِعَتِهَا (^١).\nالثَّانِي- تَبَارَكَ: أَي: جَاءَ بِكُلِّ برَكَةَ.\nولِمَا سَبَقَ مِنَ المَعْنَى؛ فَهِيَ لَا تُطْلَقُ عَلَى غَيرِ اللهِ تَعَالَى، فَهِيَ مُخْتَصَّةٌ بِهِ تَعَالَى كَمَا أَطْلَقَهَا عَلَى نَفْسِهِ بِقَولِهِ: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأَعْرَاف: ٥٤]، أَلَا تَرَاهَا كَيفَ اطَّرَدَتْ فِي القُرْآنِ جَارِيَةً عَلَيهِ مُخْتَصَّةً بِهِ لَا تُطْلَقُ عَلَى غَيرِهِ (^٢).\n_________\n(^١) قَالَ الشَّيخُ صَالِحُ آلِ الشَّيخِ حَفِظَهُ اللهُ فِي شَرْحِ العَقِيدَةِ الوَاسِطِيَّةِ -شَرِيط رَقَم (١١) -: \"ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: (تَبَارَكَ): تَعَاظَمَ. قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ المُحَقَّقِينَ: لَا يُرِيدُ ابْنُ عَبَّاسٍ بِقَولِهِ: (تَبَارَكَ: تَعَاظَمَ) أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلَّفْظِ، وَلَكِنْ يَقُولُ: هِيَ عَلَى وَزْنِها مِنْ جِهِةِ كَونِهَا مَقْصُورَةً، لِأَنَّ الأَصْلَ فِي (تَفَاعَلَ) أَنْ يَكُونَ بَينَ اثْنَينِ فَلَا يَكُونُ لَازِمًا، تَقُولُ: تَقَاتَلَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَتَشَاجَرَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَهَكَذَا، فَـ (تَفَاعَلَ) فِي الأَصْلِ أَنَّهَا تَكُونُ بَينَ اثْنَينِ.\nفَابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ فَسَّرَهَا بِمَعْنَى (تَعَاظَمَ)، يُرِيدُ أَنَّهَا لَازِمةٌ، لَا يُرِيدُ مَعْنَى كَلِمَةَ (تَبَارَكَ)! وَإِلَّا فَإِنَّ البَرَكَةَ مَعْنَاهَا دَوَامُ الخَيرِ وَثَبَاتُهُ وَاسْتِقْرَارُهُ، وَهَذَا مُشْتَقٌّ عِنْدَ العَرَبِ مِنَ البُرُوكِ وَالبِرْكَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَالبُرُوكُ بِهِ يَسْتَقِرُ البَعِيرُ وَيَثْبُتُ فِي مَكَانِهِ، والبِرْكَةُ هِيَ الَّتِي فِيهَا يَدُومُ المَاءُ وَيَسْتَقِرُ وَيَثْبُتُ بَعْدَ المَطَرِ\". وَاللهُ أَعْلَمُ.\n(^٢) وَتَفْسِيرُ السَّلَفِ يَدُورُ عَلَى هَذِينِ المَعْنَيَينِ. يُنْظَرُ: (بَدَائِعُ الفَوَائِدِ) لِابْنِ القَيِّمِ (ص ٦٨٠).","vol":"1","page":145},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-69> أَسْبَابُ التَّبَرُّكِ المَمْنُوعِ:</span>\n١ - الجَهْلُ بِالدِّينِ.\nوَتأمَّلْ قَولَ مُوسَى ﵊ عَنْ قَومِهِ: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٣٨].\nوَهَذَا الجَهْلُ -اليَومَ- نَاشِئٌ عَنْ سُكُوتِ أَهْلِ العِلْمِ، وَتَشْجِيعِ أَهْلِ البِدَعِ (^١)، وَالتَّقْلِيدِ الأَعْمَى.\n٢ - الغُلُوُّ فِي الصَّالِحِينَ.\nكَمَا فِي البُخَارِيِّ عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ؛ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ» (^٢).\n٣ - التَّشَبُّهُ بِالكُفَّارِ.\nكَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا: «لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» (^٣)، وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا التَّشَبُّهِ: إِقَامَةُ المَولِدِ النَّبَوِيِّ وَالأَعْيَادِ المُبْتَدَعَةِ، وَبِنَاءُ المَسَاجِدِ عَلَى القُبُورِ.\n٤ - تَعْظِيمُ الآثَارِ.\nوَهُوَ نَاتِجٌ عَنْ تَسَاهُلِ كَثِيرٍ مِنَ العُلَمَاءِ فِي رِوَايَةِ أَحَادِيثِ فَضَائِلِ الآثَارِ المَكَانِيَّةِ\n_________\n(^١) وَرُؤُوسُهُم هُم مِنَ الرَّافِضَةِ وَالمُتَصَوِّفَةِ.\n(^٢) البُخَارِيُّ (٣٣٤٥).\n(^٣) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٧٣٢٠)، وَمُسْلِمٌ (٢٦٦٩).","vol":"1","page":146},{"text":"الضَّعْيِفَةِ وَالمَوضُوعَةِ.\nعَنْ نَافِعٍ؛ أَنَّ عُمَرَ بَلَغَهُ أَنَّ قَومًا يَأْتُونَ الشَّجَرَةَ فَيُصَلُّونَ عِنْدَهَا، فَتَوَعَّدَهُم، ثُمَّ أُمِرَ بِقَطْعِهَا؛ فَقُطِعَتْ (^١).\n- وَسَائِلُ مُقَاوَمَةِ التَّبَرُّكِ المَمْنُوعِ:\n١ - نَشْرُ التَّوحِيدِ، وَبَيَانُ حَقِيقَتِهِ، وَتَعْلِيمُهُ لِلنَّاسِ، وَكَمَا قِيلَ: \"وَبِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الأَشْيَاءُ\" (^٢).\n_________\n(^١) أَورَدَهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (٧/ ٤٤٨)، وَقَالَ: \"وَجَدْتُ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ\" ثُمَّ ذَكَرَهُ.\nوَلَكِنْ قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ بَعْدَ أَنْ أَورَدَ هَذَا الأَثَرَ فِي كِتَابِهِ (تَحْذِيرُ السَّاجِدِ) (ص ١١٦): \"ثُمَّ اسْتَدْرَكْتُ فَقُلْتُ: يُبْعِدُ ذَلِكَ كُلَّهُ مَا أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي كِتَابِ الجِهَادِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ نَافِعٍ؛ قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: (رَجَعْنَا مِنَ العَامِ المُقْبِلِ فَمَا اجْتَمَعَ مِنَّا اثْنَانِ عَلَى الشَّجَرَةِ الَّتِي بَايَعْنَا تَحْتَهَا! كَانَتْ رَحْمَةً مِنَ اللهِ). (يَعْنِي: خَفَاءَهَا عَلَيهِم). فَهُوَ نَصٌّ عَلَى أَنَّ الشَّجَرَةَ لَمْ تَبْقَ مَعْرُوفَةَ المَكَانِ يُمْكِنُ قَطْعُهَا مِنْ عُمَرَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى ضَعْفِ رِوَايَةِ القَطْعِ الدَّالِّ عَلَيهِ الانْقِطَاعُ الظَّاهِرُ فِيهَا نَفْسِهَا، وَمِمَّا يَزِيدُهَا ضَعْفًا مَا رَوَى البُخَارِيُّ فِي المَغَازِي مِنْ صَحِيحِهِ عَنْ سَعِيد بْنِ المُسَيِّبِ عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: (لَقَدْ رَأَيتُ الشَّجَرَةَ، ثُمَّ أَتَيتُهَا بَعْدُ فَلَمْ أَعْرِفْهَا) \".\nوَقَالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ فِي (الاسْتِذْكَارُ) (٢/ ٣٦٠): \"وَقَدْ كَرِهَ مَالِكُ وَغَيرُهُ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ طَلَبَ مَوضِعَ الشَّجَرَةِ الَّتِي بُويِعَ تَحْتَهَا بَيعَةُ الرِّضْوَانِ، وَذَلِكَ -وَاللهُ أَعْلَمُ- مُخَالَفَةً لِمَا سَلَكَهُ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى فِي مِثْلِ ذَلِكَ\".\n(^٢) وَيَكُونُ ذَلِكَ بِإِقَامَةِ المُحَاضَرَاتِ وَالنَّدَوَاتِ فِي مَوضُوعِ التَّبَرُّكِ، وَأَيضًا بِغَزْوِ القُبُورِيينَ عِنْدَ أَضْرِحَتِهِم، وَبَيَانِ ضَلَالِهِم بِالحُجَّةِ وَالبُرْهَانِ -وَلَكِنْ بِالحُسْنَى، وَبِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ-، وَبِإِقَامَةِ المُنَاظَرَاتِ مَعَهُم، كَمَا فِي مُحَاجَّةِ إِبْرَاهِيمَ لِقَومِهِ؛ وَهُودٍ مَعَ قَومِهِ عَلَيهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.\nوَعَلَى كُلِّ حَالٍ؛ يَجِبُ عَلَى الشَّبَابِ المُسْلِمِ أَنْ يَأْخُذَ دَورَهُ فِي ذَلِكَ -وَلَكِنْ مُتَسَلِّحًا بِالعِلْمِ-، وَهَذَا يَحْتَاجُ لِسَعْيٍ وَصَبْرٍ وَمَنْهَجٍ قَوِيمٍ وَرُجُوعٍ لِلعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ، فَالإِسْلامُ لَا يَقُومُ عَلَى الشَّبَابِ الهَزِيلِ! قَالَ تَعَالَى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأَحْزَاب: ٢٣].","vol":"1","page":147},{"text":"٢ - نَشْرُ العِلْمِ الصَّحِيحِ، وَالتَّحَرِّي فِيمَا يُنْقَلُ وَيُذكَرُ مِنَ الأَحَادِيثِ وَالآثَارِ، وَتَوجِيهُ مَا صَحَّ مِنْهَا.\n٣ - الدَّعْوَةُ إِلَى المَنْهَجِ الحَقِّ بَالرُّجُوعِ إِلَى الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَعَلَى مَنْهَجِ السَّلَفِ الصَّالِحِ.\n٤ - إِزَالَةُ وَسَائِلِ الغُلوِّ وَمَظَاهِرِ التَّبَرُّكِ المَمْنُوعِ -وَكُلٌّ بِحَسْبِ وِلَايَتِهِ وَقُدْرَتِهِ-، كَمَا فِي كَسْرِ النَّبِيِّ مَحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ لِلأَصْنَامِ، وَتَحْرِيقِ مُوسَى لِلعِجْلِ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (^١).\n\n-<span data-type='title' id=toc-70> التَّبَرُّكُ بِالأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ: مِنْهُ المَشْرُوعُ وَمِنْهُ المَمْنُوعُ:</span>\nأَوَّلًا: التَّبَرُّكُ المَشْرُوعُ بِالأَنْبِيَاءِ\nإِنَّ بَرَكَةَ الأَنْبِيَاءِ جَارِيَّةٌ وُفْقَ نَوعِينِ:\nأ- بَرَكَةٍ حِسِّيَّةٍ: وَهِيَ بَرَكَةُ ذَاتٍ وَآثَارٍ وَأَفْعَالٍ، وَهِيَ خَاصَّةٌ بِالأَنْبِيَاءِ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.\nوَهَاكَ أَمْثِلَةً:\nأَمَّا بَرَكَةُ الذَّاتِ: فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁؛ قَالَ: (كَانَ -أَي النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى الغَدَاةَ جَاءَ خَدَمُ أَهْلِ المَدِينَةِ بِآنِيَتِهِمْ فِيهَا المَاءُ، فَمَا يُؤْتَى بِإِنَاءِ إِلَّا غَمَسَ يَدَهَ فِيهِ) (^٢).\n_________\n(^١) وَلَا تَخْفَى هُنَا مُرَاعَاةُ المَصَالِحِ وَالمَفَاسِدِ وَمَصْلَحَةُ الدَّعْوَةِ.\n(^٢) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢٣٢٤).","vol":"1","page":148},{"text":"وَأَمَّا بَرَكَةُ الآثَارِ -كَالرِّيقِ وَالشَّعْرِ وَالعَرَقِ-: فَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فِي قِصَّةِ صُلْحِ الحُدَيبِيَة؛ أَنَّهُ قَالَ عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ: (وَاللَّهِ؛ إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ) (^١).\nوَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٢٠٦٩) عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -تُخْبِرُ عَنْ جُبَّةٍ كَانَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ؛ فَقَالَتْ: (هَذِهِ كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂ حَتَّى قُبِضَتْ، فَلَمَّا قُبِضَتْ قَبَضْتُهَا -وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَلْبَسُهَا- فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى) (^٢)، وَفِي الحَدِيثِ دِلَالَةٌ أَيضًا عَلَى صِحَّةِ التَّبَرُّكِ بِآثَارِهِ المُنْفَصِلَةِ عَنْ جَسَدِهِ الشَّرِيفِ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﷺ.\nوَهَذَا التَّبَرُّكُ بِالذَّاتِ وَبِالآثَارِ قَدِ انْقَطَعَ بَعْدَ مَوتِ النَّبِيِّ ﷺ؛ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ آثَارِهِ بَاقِيًا بِيَقِينٍ بَعْدَ مَوتِهِ، وَقَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ المُتَيَقَّنُ مَعَ انْقِرَاضِ قَرْنِ الصَّحَابَةِ ﵃.\nوَأَمَّا بَرَكَةُ الأَفْعَالِ: فَهُوَ كَمَا فِي حَدِيثِ تَكْثِيرِ المَاءِ بَينَ يَدِيهِ ﷺ، وَتَكْثِيرِ الطَّعَامِ فِي قِصَّةِ وَلِيمَةِ جَابِرٍ، وَالأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، وَهِيَ فِي الصَّحِيحَينِ وَغَيرِهِمَا.\nب- بَرَكَةٍ مَعْنَوِيَّةٍ: وَهِيَ بَرَكَةُ الإِسْلَامِ وَالخَيرِ الَّذِي جَاءَ بِهِ، وَهَذِهِ يَشْتَرِكُ فِيهَا العُلَمَاءُ وَالصَّالِحُونَ مَعَ الأَنْبِيَاءِ.\nوَهَذِهِ البَرَكَةُ الحَاصِلَةُ؛ مِنْ ثَمَرَتِهَا: الهِدَايَةُ وَالنَّصْرُ فِي الدُّنْيَا، وَالجَنَّةُ وَالنَّجَاةُ مِنَ العَذَابِ فِي الآخِرَةِ.\nوَكَمَا فِي حَدِيثِ حُذَيفَةَ بْنِ اليَمَانِ ﵁؛ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الخَيرِ؛ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ -مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي-، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا\n_________\n(^١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢٧٣١).\n(^٢) رَوَاهُ مُسْلِمٍ (٢٠٦٩).","vol":"1","page":149},{"text":"كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللهُ بِهَذَا الخَيرِ … الخ) (^١).\nوَفِي البُخَارِيِّ مِنْ حَدِيث عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄؛ قَالَ: بَينَا نَحْنُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ جُلُوسٌ إِذَا أُتِيَ بِجُمَّارِ نَخْلَةٍ (^٢)، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ لَمَا بَرَكَتُهُ كَبَرَكَةِ المُسْلِمِ»، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَعْنِي النَّخْلَةَ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ التَفَتُّ فَإِذَا أَنَا عَاشِرُ عَشَرَةٍ أَنَا أَحْدَثُهُمْ فَسَكَتُّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هِيَ النَّخْلَةُ» (^٣).\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: \"وَبَرَكَةُ النَّخْلَةِ فِي جَمِيعِ أَجْزَائِهَا مُسْتَمِرَّةٌ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهَا، فَمِنْ حِينِ تَطْلُعُ إِلَى أَنْ تَيبَسَ تُؤْكَلُ أَنْوَاعًا، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُنْتَفَعُ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا حَتَّى النَّوَى فِي عَلَفِ الدَّوَابِ وَاللِّيفِ فِي الحِبَالِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَخْفَى، وَكَذَلِكَ بَرَكَةُ المُسْلِمِ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ وَنَفْعُهُ مُسْتَمِرٌّ لَهُ وَلِغَيِرْهِ حَتَّى بَعْدَ مَوتِهِ\" (^٤).\nفَلِكُلِّ مُسْلِمٍ بَرَكَةٌ بِقَدْرِ إِسْلَامِهِ، وَلَيسَتْ هِيَ بَرَكَةُ ذَاتٍ؛ وَإِنَّمَا هِيَ بَرَكَةُ عَمَلٍ بِالشَّرْعِ.\n_________\n(^١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣٦٠٦).\n(^٢) \"وَالجُمَّارُ: -بِضَمِّ الجِيمِ وَتَشْدِيدِ المِيمِ- وَهُوَ الَّذِي يُؤْكَلُ مِنْ قَلْبِ النَّخْلِ، يَكُونُ لَيِّنًا\". شَرْحُ مُسْلِمٍ للنَّوَوِيِّ (١٧/ ١٥٥).\n(^٣) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٥٤٤٤).\n(^٤) فَتْحُ البَارِي (١/ ١٤٦).","vol":"1","page":150},{"text":"ثَانِيًا: التَّبَرُّكُ المَمْنُوعُ بِالأَنْبِيَاءِ\nمِنْ صُوَرِهِ (^١):\nأ- طَلَبُ الدُّعَاءِ أَوِ الشَّفَاعَةِ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ بَعْدَ مَوتِهِ.\nوَهَذَا مِنَ الشِّرْكِ بِاللهِ تَعَالَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يُونُس: ١٠٦].\nقَالَ الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ: \" ﴿فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، يَقُولُ: مِنَ المُشْرِكِينَ بِاللهِ؛ الظَّالِمِي أَنْفُسِهِم\" (^٢).\nب- أَدَاءُ بَعْضِ العِبَادَاتِ عِنْدَ قَبْرِهِ ﷺ -كالدُّعاءِ والصَّلاةِ-.\nكَمَا فِي الحَدِيثِ: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيثُ كُنْتُمْ» (^٣).\nج- التَّمَسُّحُ بِالقَبْرِ وَتَقْبِيلُهُ وَنَحْو ذَلِكَ.\nوَهُوَ مِنَ البِدَعِ المُحْدَثَةِ فِي دِينِ اللهِ تَعَالَى، وَلَمْ يَجْرِ عَلَيهِ عَمَلُ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ الله تَعَالَى عَلَيهِم.\nوَقَدْ سَبَقَ مَعَنَا حَدِيثُ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيثِيِّ ﵁ فِي التَّبَرُّكِ بِالشَّجَرَةِ، حَيثُ قَالَ\n_________\n(^١) وَهِيَ مِنْ بَابِ التَّمْثِيلِ لَا الحَصْرِ، وَلَعَلَّ فِيهَا الكِفَايَةَ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.\n(^٢) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (١٥/ ٢١٩).\n(^٣) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٢٠٤٢) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٧٢٢٦).","vol":"1","page":151},{"text":"النَّبِيُّ ﷺ: «قُلْتُم وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٣٨]، لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» (^١) (^٢).\nد- التَّبَرُّكُ بِالمَوَاضِعِ الَّتِي جَلَسَ أَو صَلَّى فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ.\nوَهَذِهِ المَسْأَلَةُ يُبْنَى فَهْمُهَا عَلَى مَعْرِفَةِ حَالَينِ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَعَ هَذِهِ المَوَاضِعِ:\nالأَوَّلِ: مَا قَصَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ العِبَادَاتِ فِي مَكَانٍ مَا (^٣)؛ فَإِنَّهُ يُشْرَعُ قَصْدُهُ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ ﷺ طَلَبًا لِلأَجْرِ (^٤).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢١٩٠٠)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٢١٨٠). ظِلَالُ الجَنَّةِ (٧٦).\n(^٢) قَالَ المُنَاوِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (فَيضُ القَدِيرِ) (٥/ ٥٥) -عِنْدَ حَدِيثِ «فَزُورُوا القُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الآخِرَةَ» -: \"أَي: بِشَرْطِ أَنْ لَا يَقْتَرِنَ بِذَلِكَ تَمَسُّحٌ بِالقَبْرِ أَو تَقْبِيلٌ أَو سُجُودٌ عَلَيهِ أَو نَحْوِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ -كَمَا قَالَ السُّبكْيُّ-: بِدْعَةٌ مُنْكَرَةٌ، إِنَّمَا يَفْعَلُهَا الجُهَّالُ\".\n(^٣) كَالصَّلَاةِ خَلْفَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، أَو فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ فِي صَلَاةِ الجَمَاعَةِ، أَو فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ، أَو ....\n(^٤) وَهَذَا مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَدُّ رَحِلٍ -أَي: سَفَرٌ-، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ لِغَيرِ المَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ بِسَبَبِ مَا جَاءَ مِنَ التَّخْصِيصِ بِهَا.\nوَفِي الحَدِيثِ الَّذِي فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ (١٤٣٠) -وَصَحَّحَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الإِرْوَاءِ (٤/ ١٤١) -: أَنَّ أَبَا هُرَيرَةَ قَالَ: لَقِيتُ بَصْرَةَ بْنَ أَبِي بَصْرَةَ الغِفَارِيَّ، فَقَالَ: منْ أَينَ جِئْتَ؟ قُلْتُ: مِنَ الطُّورِ. قَالَ: لَو لَقِيتُكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَهُ لَمْ تَأْتِهِ. قُلْتُ لَهُ: وَلِمَ؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُعْمَلُ المَطِيُّ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: إِلَى المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَإِلَى مَسْجِدِي هذَا، وَإِلَى مَسْجِدِ بَيتِ المَقْدِسِ». وَالحَدِيثُ أَصْلُهُ فِي البُخَارِيِّ (١١٨٩) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.\nوَقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ أَحْكَامُ الجَنَائِزِ (ص ٢٢٦): \"عَنْ قَزَعَةَ قَالَ: أَرَدْتُ الخُرُوجَ إِلَى الطُّورِ، فَسَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إَلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ، وَالمَسْجِدِ الأَقْصَى»، وَدَعْ عَنْكَ الطُّورَ فَلَا تَأْتِهِ). أَخْرَجَهُ الأَزْرَقِيُّ\n=","vol":"1","page":152},{"text":"الثَّانِي: مَا حَصَلَ اتِّفَاقًا، أَي: لَمْ يَتَقَصَّدْهُ النَّبِيُّ ﷺ؛ فَإِنَّهُ لَا يُشْرَعُ تَقَصُّدُه (^١).\nقَالَ المَعْرُورُ بْنُ سُوَيدٍ الأَسَدِيُّ؛ خَرَجْتُ مَعَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا صَلَّى بِنَا الغَدَاةَ، ثُمَّ رَأَى النَّاسَ يَذْهَبُونَ مَذْهَبًا، فَقَالَ: أَينَ يَذْهَبُ هَؤلَاءِ؟ قَيلَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ! مَسْجِدٌ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ هُمْ يَأْتُونَهُ يُصَلُّونَ فِيهِ، فَقَالَ: إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُم بِمِثْلِ هَذَا: يَتَّبِعُونَ آثَارَ أَنْبِيَائِهِم، فَيَتَّخِذُونَهَا كَنَائِسَ وَبِيَعًا! مَنْ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فِي هَذِهِ المَسَاجِدِ فَلْيُصَلِّ؛ وَمَنْ لَا فَلْيَمْضِ، وَلَا يَتَعَمَّدْهَا (^٢).\nوَلَا شَكَّ أَنَّ قَولَ عُمَرَ السَّالِفَ فِي النَّهْي عَنْ تَتَبُّعِ الآثَارِ هُوَ مِنَ الحَقِّ الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ عُمَرَ ﵁.\nقَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ القُرْطُبِيُّ ﵀ (^٣): \"وَكَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَغَيرُهُ مِنْ عُلَمَاءِ المَدِينَةِ يَكْرَهُونَ إِتْيَانَ تِلْكَ المَسَاجِدِ وَتِلْكَ الآثَارِ لِلنَّبِيِّ ﷺ؛ مَا عَدَا قُبَاءَ وَحْدَهُ\" (^٤).\n_________\n=\nفِي أَخْبَارِ مَكَّةَ (ص ٣٠٤) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، وَأَورَدَ المَرْفُوعَ مِنْهُ الهَيثَمِيُّ فِي المَجْمَعِ (٤/ ٤) وَقَالَ: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ وَالأَوسَطِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ\".\n(^١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (٣/ ٤٢٨): \"وَقَدْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ مَشْهُورًا بِتَتَبُّعِ آثَارِ النَّبِيِّ ﷺ، وَمِنْ ذَلِكَ صَلَاتُهُ فِي المَوَاضِعِ الَّتِي كَانَ يُصَلِّي فِيهَا. وَهِيَ عَلَى نَوعَينِ:\nأَحَدِهِمَا: مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْصُدُهُ لِلصَّلَاةِ فِيهِ، كَمَسْجِدِ قُبَاءَ، وَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي مَوضِعِهِ مِنَ الكِتَابِ؛ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.\nوَالثَّانِي: مَا صَلَّى فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ اتِّفَاقًا لِإِدْرَاكِ الصَّلَاةِ لَهُ عِنْدَهُ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي اخْتَصَّ ابْنُ عُمَرَ بِإِتِّبَاعِهِ\".\nقُلْتُ: وَقَولُ الحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ (اخْتَصَّ) فِيهِ بَيَانُ تَفَرُّدِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ دُونَ سَائِرِ الصَّحَابَةِ بِهَذَا الفِعْلِ -خَاصَّةً أَبُوهُ الفَارُوقُ-كَمَا سَبَقَ.\n(^٢) صَحِيحٌ. ابْنُ أَبِي شَيبَةَ (٧٥٥٠). اُنْظُرْ تَخْرِيجَ أَحَادِيثِ فَضَائِلِ الشَّامِ وَدِمَشْقَ (ص ٥٠) لِلشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ ﵀.\n(^٣) هُوَ مُحَدِّثُ الأَنْدَلُسِ مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاٍح القُرْطُبِيُّ (تُوفِّيَ قُرَابَةَ ٢٨٠ هـ) فِي كِتَابِهِ (البِدَعُ وَالنَّهْيُ عَنْهَا) (ص ٤١).\n(^٤) فِي الأَصْلِ (قُبَاءَ وَأُحُدًا)، وَالمَقْصُودُ بِـ (أُحُد) زِيَارَةُ قُبُورِ شُهَدَاءِ أُحُدٍ وَالسَّلَامُ عَلَى أَهْلِهَا، وَالَّذِي أَثْبَتُّهُ هُوَ مِنْ نَقْلِ الِاعْتِصَامِ (١/ ٤٤٩): \"قُبَاءَ وَحْدَهُ\".","vol":"1","page":153},{"text":"مَسَائِلُ وَالجَوَابُ عَلَيهَا:\n\n-<span data-type='title' id=toc-71> المَسْأَلَةُ الأُولَى: إِذَا صَحَّ طَلَبُ الشَّفَاعَةِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَيَاتِهِ؛ فَهَلْ يَصِحُّ طَلَبُهَا مِنْهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ</span>؛ لِأَنَّهُ حَيٌّ فِي قَبْرِهِ، كَمَا ثَبَتَتِ الحَيَاةُ لِلشُّهَدَاءِ، وَرُتْبَةُ الأَنْبِيَاءِ أَعْلَى مِنْ رُتْبَةِ الشُّهَدَاءِ؟\nالجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ:\n١ - أَنَّ كَونَ النَّبِيِّ ﷺ حَيٌّ فِي قَبْرِهِ -كَمَا أَنَّ الشُّهَدَاءَ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِم- لَا يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّ لَهُم اتِّصَالًا بِالدُّنْيَا! كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [البَقَرَة: ١٥٤] فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَنْ عَدَمِ شُعُورِنَا بِحَيَاتِهِم أَصْلًا، وَكَمَا قَالَ أَيضًا سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عِمْرَان: ١٦٩] فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ صِفَةَ الحَيَاةِ لَهُم هِيَ فِي البَرْزَخِ وَلَيسَتْ فِي الدُّنْيَا.\nوَتأَمَّلْ حَدِيثَ: «أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوضِ، وَلأُنازعَنَّ أقْوَامًا ثمَّ لَأُغْلَبَنَّ عَلَيهِمْ، فأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي أَصْحَابِي! فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ» (^١). مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n٢ - كَونُهُم أَحْيَاءَ فِي قُبُورِهِم لَا يَعْنِي سَمَاعَهُم لِمَنْ يَسْتَغِيثُ بِهِم! لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النَّمْل: ٨٠] (^٢).\n_________\n(^١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦٥٧٦)، وَمُسْلِمٌ (٢٢٩٧) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا.\n(^٢) وَسَيَأْتِي مُلْحَقٌ وَافٍ فِي عَدَمِ سَمَاعِ الأَمْوَاتِ -إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى-، وَهُوَ مُخْتَصَرُ الآيَاتِ البَيِّنَاتِ فِي عَدَمِ سَمَاعِ الأَمْوَاتِ.","vol":"1","page":154},{"text":"٣ - أَنَّ الاسْتِغَاثَةَ وَالتَّعَلُّقَ بِهِم فِي تَفْرِيجِ الكُرُبَاتِ شِرْكٌ، بَلْ أَصْلُ شِرْكِ العَالَمِينَ هُوَ التَّعَلُّقُ بِالصَّالِحِينَ وَجَعْلُهُم وَسَائِطَ بَينَ النَّاسِ وَبَينَ اللهِ تَعَالَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأَحْقَاف: ٥].\n٤ - أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، بَلْ وَرَدَ عَنِ السَّلَفِ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ.\nعَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَينِ ﵁؛ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَجِيءُ إِلَى فُرْجَةٍ كَانَتْ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَيَدْخُلُ فِيهَا فَيَدْعُو، فَنَهَاهُ، فَقَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ قَالَ: «لا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا، وَلَا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا؛ فَإِنَّ تَسْلِيمَكُمْ يَبْلُغُنِي أَينَمَا كُنْتُمْ» (^١).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ لِغَيرِهِ. الضِّيَاءُ المَقْدِسِيُّ فِي المُخْتَارَةِ (٢/ ٤٩). قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (تَخْرِيجُ أَحَادِيثِ فَضَائِلِ الشَّامِ) (ص ٥٢): صَحِيحٌ بِطُرُقِهِ وشَوَاهِدِهِ.","vol":"1","page":155},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-72> المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قِصَّةُ العُتْبِيِّ:</span>\nذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ (^١) قِصَّةً اغْتَرَّ بِهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَهِيَ \"أَنَّ العُتْبيَّ (^٢) قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فقالَ: السَّلَامُ عَلَيكَ يَا رَسُولَ اللهِ، سَمِعْتُ اللهَ يَقُولُ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النِّسَاء: ٦٤]. وَقَدْ جِئْتُكَ مُسْتَغْفِرًا لِذَنْبِي مُسْتَشْفِعًا بِكَ إِلَى رَبِّي، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:\nيَا خَيرَ مَنْ دُفنَتْ بِالقَاعِ أَعْظُمُهُ … فَطَابَ مِنْ طِيبِهِنَّ القَاعُ وَالأَكَمُ\nنَفْسِي الفِدَاءُ لِقَبْرٍ أَنْتَ سَاكِنُهُ … فِيهِ العَفَافُ وَفِيهِ الجُودُ وَالكَرَمُ\nثُمَّ انْصَرَفَ الأَعْرَابِيُّ، فَغَلَبَتْنِي عَينِي، فَرَأَيتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي النَّومِ فَقَالَ: يَا عُتْبيُّ، اِلْحَقِ الأَعْرَابِيَّ فَبَشِّرْهُ أَنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَهُ\".\n_________\n(^١) أَورَدَهَا الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٢/ ٣٤٧) عَنِ الشَّيخِ أَبِي نَصْرٍ بْنِ الصَّبَّاغِ فِي كِتَابِهِ (الشَّامِلُ)، وَذَكَرَ هَذِهِ الحِكَايةَ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي المَجْمُوعِ (٨/ ٢٧٤) وَفِي الإِيضَاحِ (ص ٤٩٨)، وَزَادَ البَيتَينِ التَّالِيَينِ:\nأَنْتَ الشَّفِيعُ الَّذِي تُرْجَى شَفَاعَتُهُ … عَلَى الصِّرَاطِ إِذَا مَا زَلَّتِ القَدَمُ\nوَصَاحِبَاكَ فَلَا أَنْسَاهُمَا أَبَدًا … مِنِّي السَّلَامُ عَلَيكُمُ مَا جَرَى القَلَمُ\nوَسَاقَهَا النَّوَوِيُّ بِقَولِهِ: \"وَمِنْ أَحْسَنِ مَا يَقُولُ: مَا حَكَاهُ أَصْحَابُنَا عَنِ العُتْبِيِّ -مُسْتَحْسِنِينَ لَهُ- ثُمَّ ذَكَرَهَا بِتَمَامِهَا\"، وَابْنُ كَثِيرٍ هُنَا إِنَّمَا هُوَ نَاقِلٌ لِلْمُنَاسَبَةِ فَحَسْبُ! وَلَمْ يَسْتَحْسِنْهَا! بَلْ نَقَلَهَا كَمَا نَقَلَ بَعْضَ الإِسْرَائِيلِيَّاتِ فِي تَفْسِيرِهِ.\n(^٢) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الهَادِي ﵀ فِي كِتَابِهِ الصَّارِمُ المُنْكيُّ (ص ٢٥٣): \"وَهَذِهِ الحِكَايَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا -المُعْتَرِضُ- بَعْضُهُم يَرْوِيهَا عَنِ العُتْبِيِّ بِلَا إِسْنَادٍ، وَبَعْضُهُم يَرْوِيهَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ الهِلَالِيِّ، وَبَعْضُهُم يَرْوِيهَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ أَبِي الحَسَنِ الزَّعْفَرَانِيِّ عَنِ الأَعْرَابِيِّ، وَقَدْ ذَكَرَهَا البَيهَقِيُّ فِي كِتَابِ (شُعَبِ الإِيمَانِ) بِإِسْنَادٍ مُظْلِمٍ عِنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَوحِ بْنِ يَزِيدَ البَصْرِيِّ، حَدَّثَنِي أَبُو حَرْبٍ الهِلَالِيِّ … \".","vol":"1","page":156},{"text":"فَاسْتَدَلُّوا بِهَا عَلَى أُمُورٍ؛ أَهَمِّهَا: جَوَازُ شَدِّ الرَّحَالِ إِلَى قُبُورِ الصَّالِحِينَ لِطَلَبِ الاسْتِغْفَارِ وَالشَّفَاعَةِ مِنْهُم!\nفَمَا الجَوَابُ عَنْهَا؟\nالجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ:\n١ - أَنَّ هَذِهِ القِصَّةَ سَاقِطَةُ الصِّحَّةِ.\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الهَادِي ﵀ (^١) فِي كِتَابِهِ (الصَّارِمُ المُنْكيُّ): \"وَفِي الجُمْلَةِ لَيسَتِ الحِكَايَةُ المَذْكُورَةُ عَنِ الأَعْرَابيِّ مِمَّا تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ، وَإِسْنَادُهَا مُظْلِمٌ، وَلَفْظُهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ أَيضًا، وَلَو كَانَتْ ثَابِتَةً لَمْ يَكُنْ فِيهَا حُجَّةٌ عَلَى مَطْلُوبِ المُعْتَرِضِ، وَلَا يَصْلُحُ الاحْتِجَاجُ بِمِثْلِ هَذِهِ الحِكَايَةِ، وَلَا الاعْتِمَادُ عَلَى مِثْلِهَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، وَبِاللهِ التَّوفِيقُ\" (^٢).\n٢ - أَنَّهَا إِنْ صَحَّتْ؛ فَهِيَ صَادِرَةٌ عَنْ أَعْرَابيٍّ مَجْهُولٍ، وَأنَّى يَكُونُ الاسْتِدْلَالُ بِمِثْلِهَا فِي أُمُورِ العَقِيدَةِ (^٣).\n_________\n(^١) قَالَ الحَافِظُ السُّيُوطِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ طَبَقَاتُ الحُفَّاظِ (ص ٥٢٤): \"الإِمَامُ الأَوحَدُ المُحَدِّثُ الحَافِظُ الحَاذِقُ الفَقِيهُ البَارِعُ المُقْرِئُ النَّحَوِيُّ اللُّغَوِيُّ ذُو الفُنُونِ؛ شَمْسُ الدِّينِ؛ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الهَادِي المَقْدِسِيُّ الحَنْبَلِيُّ؛ أَحَدُ الأَذْكِيَاءِ، (ت ٧٤٤ هـ) \".\n(^٢) الصَّارِمُ المُنْكيُّ (ص ٢٥٣).\n(^٣) أَقُولُ: عَجَبًا لِمَنْ يَرُدُّ أَحَادِيثَ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ فِي العَقِيدَةِ مِمَّا أَورَدَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمُ بِحُجَّةِ أَنَّهَا أَحَادِيثُ آحَادٍ فِي العَقَائِدِ؛ وَيَأْخُذُ بِمَنَامٍ رَآهُ رَجُلٌ مَجْهُولُ الحَالِ عَنْ أَعْرَابيٍّ فِي قِصَّةٍ وَاهِيَةٍ، وَلَكِنْ ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النُّور: ٤٠].\nوَيَلْزَمُ عَلَى مِثْلِ هَذَا الاسْتِدْلَالِ بِعَمَلِ الأَعْرَابِيِّ؛ أَنْ يَبُولَ أَحَدُهُم فِي المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ؛\n=","vol":"1","page":157},{"text":"٣ - أَنَّهَا إِنْ صَحَّتْ أَيضًا وَذُكِرَ فِيهَا إِقْرَارُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ؛ فَهِيَ مَا تَزَالُ مَنَامًا، وَلَيسَ مِنْ مَصَادِرِ التَّشْرِيعِ الإِسْلَامِيِّ المَنَامَاتُ -اللَّهُمَّ إِلَّا عِنْدَ غُلَاةِ المُتَصَوِّفَةِ-.\nوَصَحِيحٌ أَنَّ رُؤْيَةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي المَنَامِ حَقٌّ -كَمَا فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ (^١) - وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَرَاهُ عَلَى صُورَتِهِ المَعْرُوفَةِ، وَأَيضًا بِشَرْطِ أَنْ لَا يُحْدِثَ فِي دِينِ اللهِ تَعَالَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المًائِدَة: ٣].\nقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: \"مَعْنَى الحَدِيثِ: أَنَّ رُؤْيَتَهُ صَحِيحَةٌ وَلَيسَتْ مِنْ أَضْغَاثِ الأَحْلَامِ وَتَلْبِيسِ الشَّيطَانِ، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ إِثْبَاتُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ بِهِ\" (^٢).\nفَإِنْ قِيلَ: فَمَا الفَائِدَةُ مِنْ عُمُومِ الحَدِيثِ؟ يَعْنِي: هَذِهِ الرُّؤْيَةُ مَا دِلَالَتُهَا؟\nنَقُولُ: دِلَالَتُهَا -أَيًّا كَانَتْ- فَلَيسَ فِيهَا أَنَّ الرُّؤْيَةَ تُفِيدُ أَمْرًا شَرْعِيًّا -لَا وُجُوبًا وَلَا اسْتِحْبَابًا- حَيثُ لَمْ تَدُلَّ عَلَيهِ الشَّرِيعَةُ أَصْلًا (^٣).\nوَاللهُ تَعَالَى أَخْبَرَنَا أَنَّهُ أَكْمَلَ الشَّرِيعَةَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المَائِدَة: ٣]، وَقَالَ ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (^٤).\n_________\n=\nلِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحَيحَينِ أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي المَسْجِدِ!! فَمُجَرَّدُ حُدُوثِ فِعْلٍ لَا يَعني مَشْرُوعِيَّتَهُ؛ وَمِنْ ثُمَّ غَضُّ الطَّرْفِ عَمَّا جَاءَ فِي حَقِّهِ مِنَ السُّنَّةِ!\n(^١) هُوَ حَدِيثُ «مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَكَوَّنُنِي». صَحِيحُ البُخَارِيِّ (٦٥٩٦) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.\n(^٢) شَرْحُ مُسْلِمٍ (١/ ١١٥).\n(^٣) كَمَا تَزْعُمُ الصُّوفِيَّةُ فِي الأَحَادِيثِ المَنَامِيَّةِ وَأَحَادِيثِ \"حَدَّثَنِي قَلْبِي عَنْ رَبِّي\"!! وَهِيَ الأَولَى بِهَا أَنْ تَكُونَ \"أَوحَى إِلَيَّ شَيطَانِي\".\n(^٤) صَحِيحُ مُسْلِمٍ (١٧١٨).","vol":"1","page":158},{"text":"وَلَكِنْ لِتَمَامِ الفَائِدَةِ نَقُولُ: فَائِدَةُ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ أَنَّهَا تَكُونُ بُشْرَى لِلِقَاءِ النَّبيِّ ﷺ عِنْدَ حَوضِهِ الشَّرِيفِ، فَيَكُونُ صَاحِبُهَا مُبَشَّرًا بِدُخُولِ الجَنَّةِ.\nقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: \"فِيهِ أَقْوَالٌ:\nأَحَدُهَا: المُرَادُ بِهِ أَهْلُ عَصْرِهِ. وَمَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ رَآهُ فِي النَّومِ -وَلَمْ يَكُنْ هَاجَرَ- يُوَفِّقُهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْهِجْرَةِ وَرُؤْيَتُهُ ﷺ فِي اليَقَظَةِ عِيَانًا.\nوَالثَّانِي: مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَرَى تَصْدِيقَ تِلْكَ الرُّؤْيَا فِي اليَقَظَةِ فِي الدَّارِ الآخِرَةِ، لِأَنَّهُ يَرَاهُ فِي الآخِرَةِ جَمِيعُ أُمَّتِهِ -مَنْ رَآهُ فِي الدُّنْيَا وَمَنْ لَمْ يَرَهُ-.\nوَالثَّالِثُ: يَرَاهُ فِي الآخِرَةِ رُؤْيَةَ خَاصَّتِهِ فِي القُرْبِ مِنْهُ وَحُصُولِ شفاعته وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ\" (^١).\n٤ - مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ؛ قَولُهُ تَعَالَى ﴿إِذْ ظَلَمُوا﴾ ظَرْفٌ لِمَا مَضَى مِنَ الزَّمَانِ؛ فَلَا يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الفِعْلِ دَومًا كَالظَّرْفِ (إِذَا) (^٢) (^٣).\n٥ - أَنَّهَا إِنْ صَحَّتْ أَيضًا؛ فَهِيَ مَقْرُونَةٌ بِحَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِأَنَّ فِيهَا ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾.\n٦ - أَنَّ السَّلَفَ كُلَّهُم لَمْ يَصِحَّ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُم أَبَدًا -وَلَيسَ فِي شَيءٍ مِنْ كُتُبِ\n_________\n(^١) شَرْحُ مُسْلِمٍ (١٥/ ٢٦).\n(^٢) قَالَ السُّيُوطِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ الإِتْقَانُ فِي عُلُومِ القُرْآنِ (٢/ ١٧١): \"إِذْ: تَرِدُ عَلَى أَوجُهٍ: أَحَدِهِمَا: أَنْ تَكُونَ اسْمًا لِلزَّمَنِ الْمَاضِي -وَهُوَ الْغَالِبُ-\".\n(^٣) وَتُفِيدُ أَيضًا التَّعْلِيلَ -زِيَادَةً عَلَى كَونِهَا تَخْتَصُّ بِالزَّمَنِ المَاضِي-، وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزُّخْرُف: ٣٩].","vol":"1","page":159},{"text":"السُّنَّةِ المَعْرُوفَةِ- أَنَّهُم فَعَلُوا ذَلِكَ، وَلَمْ يَسْتَدِلَّ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ المَذَاهِبِ المَتْبُوعَةِ، فَكَيفَ يُتْرَكُ «مَا أَنَا عَلَيهِ وَأَصْحَابِي» وَيُذهَبُ إِلَى أَضْغَاثِ أَحْلَامٍ فِي أَسَاطِيرِ الآخِرِينَ!!\n٧ - أَنَّ شَدَّ الرِّحَالِ إِلَى القُبُورِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ مُطْلَقًا لِحَديثِ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدٍ»، وَلِحَدِيثِ: «لَا تَجْعَلوا قَبْرِي عِيدًا» (^١).\n٨ - أَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁؛ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ خَيرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أُوَيسٌ -وَلَهُ وَالِدَةٌ وَكَانَ بِهِ بَيَاضٌ (^٢) -، فَمُرُوهُ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُم». وَفِي رِوَايَةٍ: «لَو أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ؛ فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ»، فَلَمَّا لَقيَهُ عُمَرُ قَالَ الحَدِيثَ، ثُمَّ قَالَ: (فَاسْتَغْفِرْ لِي)، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ (^٣).\nوَدِلَالَةُ هَذَا الحَدِيثِ هُنَا أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ أَرْشَدَ عُمَرَ إِلَى أَنْ يَطْلُبَ الدُّعَاءَ مِنْ أُوَيسٍ -وَإِنَّمَا هُوَ تَابِعِيٌّ! -، وَأَينَ مَنْزِلَتُهُ مِنْ مَنْزِلَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ!! وَمَعْ ذَلِكَ فَقَدْ أَرْشَدَهُ الرَّسُولُ ﷺ إِلَى أَنْ يَدْعُوَ لَهُ المَفْضُولُ وَيَتْرُكَ طَلَبَ الدُّعَاءِ مِنْ خَيرِ الخَلْقِ فِي قَبْرِهِ، وَهَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ فِي أَنَّ الفَرْقَ هُوَ تَغَيُّرُ نَوعِ الحَيَاةِ؛ وَقُدْرَةُ الحَيِّ عَلَى الدُّعَاءِ لِلمُعَيَّنِ، بِخِلَافِ مَنْ حَيَاتُهُ بَرْزَخِيَّةٌ ﵊؛ فَتَأَمَّلْ.\n_________\n(^١) الأَوَّلُ فِي البُخَارِيِّ (١١٨٩) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا، وَالتَّالِي لَهُ هُوَ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ (٢٠٤٢) مَرْفُوعًا أَيضًا. وَقَدْ مَرَّ سَابِقًا.\n(^٢) هُوَ مَرَضٌ فِي الجِلْدِ يَجْعَلُ الجِلْدَ أَبْيَضًا -كَالبُهَاقِ اليَومَ-.\n(^٣) صَحِيحُ مُسْلِمٌ (٢٥٤٢).","vol":"1","page":160},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-73> المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: حَدِيثُ الكُوَّةِ فَوقَ القَبْرِ:</span>\nرَوَى الدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ؛ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ زَيدٍ؛ حَدَّثَنَا عَمْرو بْنُ مَالِكٍ النُّكْرِيُّ؛ حَدَّثَنَا أَبُو الجَوزَاءِ -أَوسُ بْنُ عَبْدِ اللهِ- قَالَ: قَحَطَ أَهْلُ المَدِينَةِ قَحْطًا شَدِيدًا، فَشَكَوا إِلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: انْظُرُوا قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ فَاجْعَلُوا مِنْهُ كُوًّا إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى لَا يَكُونَ بَينَهُ وَبَينَ السَّمَاءِ سَقْفٌ، قَالَ: فَفَعَلُوا، فَمُطِرْنَا مَطَرًا حَتَّى نَبَتَ العُشْبُ وَسَمِنَتِ الإِبِلُ حَتَّى تَفَتَّقَتْ مِنَ الشَّحْمِ؛ فَسُمِّيَ عَامَ الفَتْقِ (^١).\nفَمَا الجَوَابُ عَنْهُ؟\nالجَوَابُ من أَوجُهٍ:\n١ - أَنَّ الحَدِيثَ ضَعِيفٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ مُطْلَقًا بِسَبَبِ أُمُورٍ:\nأَوَّلِهَا: أَنَّ سَعِيدَ بْنَ زَيدٍ فِيهِ ضَعْفٌ، قَالَ فِيهِ الحَافِظُ فِي كِتَابِهِ (التَّقرِيبُ): \"صَدُوقٌ لَهُ أَوهَامٌ\" (^٢).\nوَثَانِيهَا: أَنَّ أبَا النُّعْمَانِ هَذَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ -يُعْرَفُ بِعَارِمٍ-، وَهوَ -وَإِنْ كَانَ ثِقَةً- فَقَد اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ (^٣).\n٢ - أَنَّهُ مَوقُوفٌ عَلَى عَائِشَةَ، وَلَيسَ بِمَرْفُوعٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَلَو صَحَّ؛ لَمْ تَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ، لِأَنَّه يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ الآرَاءِ الاجْتِهَادِيَّةِ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ مِمَّا يُخْطِئُونَ فِيهِ وَيُصِيبُونَ، وَلَسْنَا مُلْزَمِينَ بِالعَمَلِ بِهَا إِذَا لَمْ تُوَافِقِ السُّنَّةَ.\n_________\n(^١) الدَّارِمِيُّ (٩٣).\n(^٢) التَّقرِيبُ (ص ٢٣٦).\n(^٣) قَالَ ابْنُ حِبَّانَ ﵀ فِي كِتَابِهِ المَجْرُوحِينَ (١/ ٣٤٥): \"يَرْوِي المَوضُوعَاتِ عَنِ الأَثْبَاتِ\".","vol":"1","page":161},{"text":"٣ - مِمَّا يُبَيّنُ كَذِبَ هَذهِ الرِّوَايَةِ أَنَّه فِي مُدَّةِ حَيَاةِ عَائِشَةَ لَمْ يَكُنْ لِلبَيتِ كُوَّةٌ! بَلْ كَانَ بَاقِيًا كَمَا كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ -بَعْضُهُ مَسْقُوفٌ وَبَعْضُهُ مَكْشُوفٌ- وَكَانَتِ الشَّمْسُ تَنْزِلُ فِيهِ (^١)، وَلَم تَزَلِ الحُجْرَةُ كَذَلِكَ حَتَّى زَادَ الوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ فِي المَسْجِدِ فِي إِمَارَتِهِ لَمَّا أَدْخَلَ الحُجَرَ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ، وَمِنْ حِينِئِذٍ دَخَلَتِ الحُجْرَةُ النَّبَوِيَّةُ فِي المَسْجِدِ، ثُمَّ إِنَّه بَنَى حَولَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ الَّتِي فِيهَا القَبْرُ جِدَارًا عَالِيًا، وَبَعْدَ ذَلِكَ جُعِلَتِ الكُوَّةُ لِيَنْزِلَ مِنْهَا مَنْ يَنْزِلُ إِذَا احْتِيجَ إِلَى ذَلِكَ لِأَجْلِ كَنْسٍ أَو تَنْظِيفٍ (^٢).\n_________\n(^١) كَمَا ثَبَتَ فِي البُخَارِيِّ (٥٤٥)، وَمُسْلِمٍ (٦١١) عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلي العَصْرَ -وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا- لَمْ يَظْهَرِ الفَيءُ بَعْدُ.\n(^٢) يُنْظَرُ: (الاسْتِغَاثَةُ) لِابْنِ تَيمِيَّةَ (ص ١٠٥)، وَكِتَابَ (التَّوَسُّلُ) لِلْأَلْبَانِيِّ (ص ١٢٧).","vol":"1","page":162},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-74> المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: مَا الجَوَابُ عَنْ بَعْضِ الآثَارِ الَّتِي فِيهَا شُبْهَةُ التَّبَرُّكِ بِالأَمَاكِنِ؟</span> كَمِثْلِ:\nمَا فِي البُخَارِيِّ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، قَالَ: رَأَيتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَتَحَرَّى أَمَاكِنَ مِنَ الطَّرِيقِ فَيُصَلِّي فِيهَا، وَيُحَدِّثُ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يُصَلِّي فِيهَا، وَأَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي فِي تِلْكَ الأَمْكِنَةِ (^١).\nوَمَا فِي المُتَّفَقِ عَلَيهِ: أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ يَؤُمُّ قَومَهُ -وَهُوَ أَعْمَى-، وَأَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّهَا تَكُونُ الظُّلْمَةُ وَالسَّيلُ، وَأَنَا رَجُلٌ ضَرِيرُ البَصَرِ، فَصَلِّ -يَا رَسُولَ اللهِ- فِي بَيتِي مَكَانًا أَتَّخِذُهُ مُصَلَّى. فَجَاءَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «أَينَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ؟» فَأَشَارَ إِلَى مَكَانٍ مِنَ البَيتِ، فَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ (^٢).\nالجَوَابُ:\n١ - أَنَّ فِعْلَ ابْنِ عُمَرَ لَيسَ فِيهِ التَّبَرُّكُ بِالمَكَانِ، وَإِنَّمَا فِيهِ دِلَالَةٌ عَلَى شِدَّةِ الاقْتِدَاءِ وَالمُتَابَعَةِ وَالتَّشَبُّهِ، فَهُوَ حَرِيصٌ عَلَى بَرَكَةِ الاقْتِدَاءِ، لَا عَلَى بَرَكَةِ المَكَانِ (^٣).\nفَفَرْقٌ بَينَ النيَّتِينِ، نِيَّةِ التَّبرُّكِ بِالمَكَانِ وَالتِمَاسِ الخَيرِ فِي البُقْعَةِ، وَبَينَ نيَّةِ الاقْتِدَاءِ بِالأَفْعَالِ، فَابْنُ عُمَرَ لَمْ يَنْظُرْ إِلَى المَكَانِ، وَإِنَّمَا نَظَرَ إِلَى الفِعْلِ الَّذِي جَرَى عِنْدَهُ.\n_________\n(^١) صَحِيحُ البُخَارِيِّ (٤٨٣).\n(^٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦٦٧)، وَمُسْلِمٌ (١/ ٤٥٥).\n(^٣) وَفِي سُنَنِ البَيهَقِيِّ الكُبْرَى (١٠٣٠١): عَنْ نَافِعٍ؛ قَالَ: رَأَيتُ ابْنَ عُمَرَ إِذَا ذَهَبَ إِلَى قُبُورِ الشُّهَدَاءِ عَلَى نَاقَتِهِ رَدَّهَا هَكَذَا وَهَكَذَا، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إنِّي رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي هَذَا الطَّرِيقِ عَلَى نَاقَتِهِ. فَقُلْتُ: لَعَلَّ خُفِّي يَقَعُ عَلَى خُفِّهِ.\nوَرَوَى ابْنُ بَطَّةَ العُكْبرِيُّ ﵀ فِي الإِبَانَةِ الكُبْرَى (١/ ٢٦٢): عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ؛ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: إِنَّ اللهَ ﷿ قَدْ أَوسَعَ، وَالبُرُّ أَفْضَلُ مِنَ التَّمْرِ. قَالَ: (إِنَّ أَصْحَابِي سَلَكُوا طَرِيقًا؛ فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَسْلُكَهُ).","vol":"1","page":163},{"text":"وَمَعَ هَذَا فَمَا يُؤْمَنُ مِنَ الفِتْنَةِ عَلَى مِثْلِ ابْنِ عُمَرَ؛ فَإِنَّهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَى مِثْلِ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُم مِمَّنْ لَا يَعْرِفُونَ الجَاهِلِيَّةَ وَالشِّرْكَ، كَمَا نُقِلَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁: (إِنَّمَا تُنْقَضُ عُرَى الإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً؛ إِذَا نَشَأَ فِي الإِسْلَامِ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ الجَاهِلِيَّةَ) (^١) (^٢).\n٢ - أَنَّ هَذَا الفِعْلَ هُوَ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ ابْنُ عُمَرَ ﵁ عَنْ بِاقِي الصَّحَابَةِ، بَلْ خَالَفَهُ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ -أَبُوهُ ﵁ كَمَا مرَّ مَعَنَا قَبْلَ قَلِيلٍ- وَقَولُهُ مُقَدَّمٌ عَلَى رَأْي ابْنِهِ عِنْدَ الخِلَافِ بِاتِّفَاقٍ (^٣)، كَمَا فِي حَدِيثِ العِرْبَاضِ: «فَعَلَيكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ\n_________\n(^١) أَورَدَهُ ابْنُ القَيِّمِ ﵀ فِي كِتَابِهِ الفَوَائِدُ (ص ١٠٩).\n(^٢) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ فَتْحُ البَارِي (٣/ ٤٢٧): \"وَقَدْ رَخَّصَ أَحْمَدُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ، وكَرِهَ مَا أَحْدَثَهُ النَّاسُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الغُلُوِّ وَالإِفْرَاطِ وَالأَشْيَاءِ المُحْدَثَةِ الَّتِي لَا أَصْلَ لَهَا فِي الشَّرِيعَةِ\".\nوَقَالَ أَيضًا ﵀: \"وَقَدْ نَقَلَ أَحْمَدُ بْنُ القَاسِمِ وَسِنْدِيُّ الخَوَاتِيمِيُّ، عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ؛ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ إِتْيَانِ هَذِهِ المَسَاجِدِ؟ فَقَالَ: أَمَّا عَلَى حَدِيث ابْنِ أُمِّ مَكْتُوم: أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيتِهِ فَيَتَّخِذَهُ مُصَلًّى، وَعَلَى مَا كَانَ يَفْعَلُ ابْنُ عُمَرَ -يَتَّبُعُ مَوَاضِعَ النَّبِيِّ وأثَرَهُ؟ - فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْتيَ الرَّجُلُ المَشَاهِدَ، إِلَّا أَنَّ النَّاسَ قَدْ أَفْرَطُوا فِي هَذَا، وَأَكْثَرُوا فِيهِ\".\nوَفِي رِوَايَةِ ابْنِ القَاسِمِ: أَنَّ أَحْمَدَ ذَكَرَ قَبْرَ الحُسَينِ وَمَا يَفْعَلُ النَّاسُ عِنْدَهُ -يَعْنِي: مِنَ الأُمُورِ المَكْرُوهَةِ المُحْدَثَةِ-، وَهَذَا فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الإِفْرَاطَ فِي تَتَبُّعِ مِثْلِ هَذِهِ الآثَارِ يُخْشَى مِنْهُ الفِتْنَةُ، كَمَا كُرِهَ اتِّخَاذُ قُبُورِ الأَنْبِيَاءِ مَسَاجِدَ، وَقَدْ زَادَ الأَمْرُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ النَّاسِ حَتَّى وَقَفُوا عِنْدَهُ، وَاعْتَقَدُوا أَنَّهُ كَافٍ لَهُم، وَاطَّرَحُوا مَا لَا يُنْجِيهِم غَيرُهُ؛ وَهُوَ طَاعَةُ اللهِ وَرَسُولِهِ\".\n(^٣) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ فَتْحُ البَارِي (٣/ ١٨٠) نَقْلًا عَنِ ابْنِ عَبْدِ البَرِّ فِي كِتَابِهِ الاسْتِذْكَارُ (٢/ ٣٦١): \"وَقَالَ: ذَكَرَ مَالِكُ بِإِثْرِ هَذَا الحَدِيثِ -أَي: حَدِيثِ المَعْرُورِ عَنْ عُمَرَ فِي النَّهْي عَنْ تتبُّعِ الآثَارِ- حَدِيثَ عِتْبَان بْنِ مَالِكٍ؛ لِيُبَيِّنَ لَكَ أَنَّ مَعْنَى هَذَا الحَدِيثَ مُخَالِفٌ لِلذِي قَبْلَهُ\".","vol":"1","page":164},{"text":"الرَّاشِدِينَ المّهْدِيِّينَ» (^١) (^٢).\n٣ - وَأَمَّا حَدِيثُ عِتْبَانَ ﵁؛ فَالمَقْصُودُ مِنْهُ أَنَّ عِتْبَانَ أَرَادَ بِنَاءَ مَسْجِدٍ لِحَاجَتِهِ إِلَيهِ، فَأَحَبَّ أَنْ يَكُونَ مَوضِعًا -يُصَلِّي لِهُ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ بَيتِهِ لِيَكُونَ النَّبِيُّ هُوَ الَّذِي رَسَمَ ذَلِكَ المَسْجِدَ، كَمَا أنَّه بَنَى مَسْجِدَ قُبَاء وَمَسْجِدَهُ هُوَ. فَالمَقْصُودُ إِذًا هُوَ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ المَكَانُ مَشْرُوعِيَّةَ كَونِهِ مَسْجِدًا (^٣).\n٤ - أَنَّ كُلَّ خِيرٍ فِي اِتِّبَاعِ مَنْ سَلَفَ، وَكُلَّ شَرٍّ فِي ابْتِدَاعِ مَنْ خَلَفَ، فِإِنَّ طُرُقَ مَكَّةَ وَالمَدِينَة كُلَّهَا كَانَتْ مَمْشَى لِلنَّبِيِّ ﷺ؛ وَمَعْ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ هَدِي أَصْحَابِ\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٦٧٦). صَحِيحُ الجَامِعِ (٢٥٤٩).\n(^٢) قَالَ البَغَوِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ شَرْحُ السُّنَّةِ (١/ ٢٠٧) -عِنْدَ شَرْحِ حَدِيث العِرْبَاضِ-: \"وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الوَاحِدَ مِنَ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ إِذَا قَالَ قَولًا -وَخالَفَهُ غَيرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ-؛ كَانَ المَصِيرُ إِلَى قَولِهِ أَولَى، وَإِلَيهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي القَدِيمِ\".\nوَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ١٢٥) -فِي شَرْحِ نَفْسِ الحَدِيثِ-: \"وَبِكُلِّ حَالٍ، فَمَا جَمَعَ عُمَرُ عَلَيهِ الصَّحَابَةَ -فَاجْتَمَعُوا عَلَيهِ فِي عَصْرِهِ-؛ فَلَا شَكَّ أَنَّه الحَقُّ وَلَو خَالَفَ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْ خَالَفَ\".\n(^٣) كَمَا فِي قِصَّةِ مَسْجِدِ الضِّرَارِ الَّذِي بَنَاهُ المُنَافِقُونَ، وَأَرَادُوا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ لِيَكُونَ مَشْرُوعًا لَهُم وَلِغَيرِهِم الاجْتِمَاعُ فِيهِ.\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٤/ ٢١١) -عِنْدَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التَّوبَة: ١٠٨]-: \"فَشَرَعُوا فِي بِنَاءِ مَسْجِدٍ مُجَاوِرٍ لِمَسْجِدِ قُبَاء، فَبَنَوهُ وَأَحْكَمُوهُ، وَفَرَغُوا مِنْهُ قَبْلَ خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى تَبُوكٍ، وَجَاءُوا فَسَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يَأْتِيَ إِلَيهِم فَيُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِهِم -لِيَحْتَجُّوا بِصَلَاتِهِ ﵇ فِيهِ عَلَى تَقْرِيرِهِ وَإِثْبَاتِهِ-، وَذَكَرُوا أَنَّهُم إِنَّمَا بَنَوهُ لِلضُّعَفَاءِ مِنْهُم وَأَهْلِ العِلَّةِ فِي اللَّيلَةِ الشَّاتِيَةِ، فعَصَمَهُ اللهُ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ؛ فَقَالَ: «إنَّا عَلَى سَفَرٍ، وَلَكِنْ إِذَا رَجَعْنَا إِنْ شَاءَ اللهُ». وَأَمَرَ بِهَدْمِهِ\".","vol":"1","page":165},{"text":"النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَتَبَرَّكُوا بِالطُّرُقِ وَغَيرِهَا! فَالمَقْصُودُ مِنْ هَذَا أَنَّ السَّلَفَ -سَلَفَ الأُمَّةِ- كَانُوا يُنْكِرُونَ التَّبَرُّكَ بِالآثَارِ المَكَانِيَّةِ، وَيُنْكِرُونَ تَحَرِّيهَا وَالتَّعَلُّقَ بِهَا رَجَاءَ بَرَكَتِهَا، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إِلَّا ابْنُ عُمَرَ ﵄؛ فَقَدْ كَانَ يَتَتَبَّعُ الأَمَاكِنَ الَّتِي صَلَّى فِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَيُصَلِّي حَيثُ صَلَّى وَنَحْو ذَلِكَ. وَمَا نُقِلَ نَقْلٌ مُصَدَّقٌ عَنْ غَيرِ ابْنِ عُمَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ ابْنُ عُمَرَ فِي الآثَارِ المَكَانِيَّةِ (^١).\nقَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: \"وَلَو كَانَ هَذَا مُسْتَحَبًّا؛ لَكَانَ يُسْتَحَبُّ لِلصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَنْ يُصَلُّوا فِي جَمِيعِ حُجَرِ أَزْوَاجِهِ وَفِي كُلِّ مَكَانٍ نَزَلَ فِيهِ فِي غَزَوَاتِهِ أَوْ أَسْفَارِهِ، وَلَكَانَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْنُوا هُنَاكَ مَسَاجِدَ! وَلَمْ يَفْعَلِ السَّلَفُ شَيئًا مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَشْرَعِ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُسْلِمِينَ مَكَانًا -يُقْصَدُ لِلصَّلَاةِ- إلَّا الْمَسْجِدَ؛ وَلَا مَكَانًا -يُقْصَدُ لِلعِبَادَةِ- إلَّا المَشَاعِرَ\" (^٢).\n_________\n(^١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (٣/ ٤٢٨): \"وَقَدْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ مَشْهُورًا بِتَتَبُّعِ آثَارِ النَّبِيِّ ﷺ، وَمِنْ ذَلِكَ صَلَاتُهُ فِي المَوَاضِعِ الَّتِي كَانَ يُصَلِّي فِيهَا. وَهِيَ عَلَى نَوعَينِ:\nأَحَدِهِمَا: مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْصُدُهُ لِلصَّلَاةِ فِيهِ، كَمَسْجِدِ قُبَاءَ، وَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي مَوضِعِهِ مِنَ الكِتَابِ؛ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.\nوَالثَّانِي: مَا صَلَّى فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ اتِّفَاقًا لِإِدْرَاكِ الصَّلَاةِ لَهُ عِنْدَهُ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي اخْتَصَّ ابْنُ عُمَرَ بِإِتِّبَاعِهِ\".\nقُلْتُ: وَقَولُ الحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ (اخْتَصَّ) فِيهِ بَيَانُ تَفَرُّدِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ دُونَ سَائِرِ الصَّحَابَةِ بِهَذَا الفِعْلِ -خَاصَّةً أَبُوهُ الفَارُوقُ-كَمَا سَبَقَ.\n(^٢) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (٢٧/ ٥٠٣).","vol":"1","page":166},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-75> المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: هَلْ يَصِحُّ قِيَاسُ الصَّالِحِينَ عَلَى الأَنْبِيَاءِ فِي التَّبَرُّكِ؟</span>\nالجَوَابُ:\nإِنَّ بَرَكَةَ الذَّوَاتِ لَا تَكُونُ إِلَّا لِمَنْ نَصَّ اللهُ تَعَالَى عَلَى إِعْطَائِهِ البَرَكَةَ كَالأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ، وَأَمَّا غَيرُهُم مِنْ عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ فَبَرَكَتُهُم بَرَكَةُ عَمَلٍ، أَي: نَاشِئَةٌ عَنْ عِلْمِهِم وَعَمَلِهِم وَاِتِّبَاعِهِم، لَا عَنْ ذَوَاتِهِم.\nوَمِنْ هَذِهِ البَرَكَاتِ: دُعَاؤُهُم النَّاسَ إِلَى الخَيرِ، وَدُعَاؤُهُم لَهُم، وَنَفْعُهُم الخَلْقَ بِالإِحْسَانِ إِلَيهِم بِنِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَنَحْو هَذَا.\nوَمِنْ آثَارِ بَرَكَاتِ أَعْمَالِهِم مَا يَجْلِبُ اللهُ مِنَ الخَيرِ عَلَى الأُمَّةِ بِسَبَبِهِم، وَيَدْفَعُ مِنَ النِّقمَةِ وَالعَذَابِ العَامِّ بِبَرَكَةِ إِصْلَاحِهِم (^١)، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هُود: ١١٧].\nوَأَمَّا أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ ذَوَاتَهُم مُبَارَكَةٌ؛ فَيُتَمَسَّحَ بِهِم، وَيُشْرَبَ سُؤْرُهُم، وَتُقبَّلَ أَيدِيهِم لِلبَرَكَةِ دَائِمًا وَنَحْوَ ذَلِك؛ فَهُوَ مَمْنُوعٌ فِي غَيرِ الأَنْبِيَاءِ لِأَوجُهٍ:\n١ - عَدَمُ مُقَارَبَةِ أَحَدٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي الفَضْلِ؛ فكَيفَ بِالمُسَاوَاةِ فِي البَرَكَةِ الذَّاتِيَّةِ؟!\n٢ - أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ دَلِيلٌ شَرِعِيٌّ عَلَى أَنَّ غَيرَ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُهُ فِي التَّبَرُّكِ بِأَجْزَاءِ ذَاتِهِ؛ فَهُوَ خَاصٌّ بِهِ كَغِيرِهِ مِنْ خَصَائِصِهِ.\n٣ - إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ.\n_________\n(^١) وَعَلَيهِ يُحْمَلُ خَبَرُ الأَبْدَالِ إِنْ قِيلَ بِهِ، وَإِلَّا فَلَيسَ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ يَصِحُّ، وَسَتَأْتِي مَعَنَا -إِنْ شَاءَ اللهُ- مَسْأَلَةٌ فِي خَبَرِ الأَبْدَالِ.","vol":"1","page":167},{"text":"قَالَ العَلَّامَةُ الشَّاطِبِيُّ ﵀: \"إِلَّا أَنَّهُ عَارَضَنَا فِي ذَلِكَ أَصْلٌ مَقْطُوعٌ بِهِ فِي مَتْنِهِ، مُشْكِلٌ فِي تَنْزِيلِهِ، وَهُوَ أَنَّ الصَّحَابةَ ﵃ لَمْ يَقَعْ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُم شَيءٌ مِنْ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ خَلْفِهِ، إِذْ لَمْ يَتْرُكِ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَهُ فِي الأُمَّةِ أَفْضَلَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ فَهُوَ كَانَ خَلِيفَتُهُ، وَلَمْ يُفْعَلْ بِهِ شِيءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا عُمَرُ ﵁، وَهُوَ كَانَ أَفْضَلَ الأُمَّةِ بَعْدَهُ، ثُمَّ كَذَلِكَ عُثْمَانُ، ثُمَّ عَلِيٌّ، ثُمَّ سَائِرَ الصَّحَابَةِ -الَّذِينَ لَا أَحَدَ أَفْضَلُ مِنْهُم فِي الأُمَّةِ-، ثُمَّ لَمْ يَثْبُتْ لِوَاحِدٍ مِنْهُم مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ مَعْرُوفٍ أَنَّ مُتَبَرِّكًا تَبَرَّكَ بِهِم عَلَى أَحَدِ تِلْكَ الوُجُوهِ أَو نَحْوِهَا، بَلِ اقْتَصَرُوا فِيهِم عَلَى الاقْتِدَاءِ بِالأَفْعَالِ وَالأَقْوَالِ وَالسِّيَرِ الَّتِي اتَّبَعُوا فِيهَا النَّبِيَّ ﷺ؛ فَهُوَ إِذًا إِجْمَاعٌ مِنْهُم عَلَى تَرْكِ تِلْكَ الأَشْيَاءِ\" (^١) (^٢).\nقُلْتُ: وَكَذَا لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ التَّبَرُّكَ مَعَ الحَسَنِ وَالحُسَينِ، وَلَا فَاطِمَةَ ﵃ أَجْمَعِينَ، فَالبَرَكَةُ الذَّاتيَّةُ لَا تَنْتَقِلُ بِالنُّطْفَةِ! خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ غَيرَ ذَلِكَ مِنَ الرَّافِضَةِ وَمُقَلِّدِيهِم، وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَابْنِهِ عَلَيهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصَّافَّات: ١١٣] فَفِي ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ، رَغُمَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى بَارَكَ عَلَيهِمَا (^٣).\n_________\n(^١) الاعْتِصَامُ (١/ ٤٨٢).\n(^٢) وَأَمَّا حَدِيثُ الطَّبَرَانِيِّ الَّذِي فِي الأَوسَطِ (٧٩٤) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: (كَانَ يَبْعَثُ إِلَى المَطَاهِرِ فَيُؤْتَى بِالمَاءِ فَيَشْرَبُهُ؛ يَرْجُو بَرَكَةَ أَيدِي المُسْلِمِينَ) فَهُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ كَمَا فِي الضَّعِيفَةِ (٦٤٧٩)، وَقَدْ كَانَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ قَدْ حَسَّنَهُ سَابِقًا فِي الصَّحِيحَة (٢١١٨) ثُمَّ تَبَيَّنَتْ لَهُ نَكَارَتُهُ.\nوَ(المَطَاهِرُ): جَمْعُ (المِطْهَرَةِ): كُلُّ إِنَاءٍ يُتَطَهَّرُ مِنْهُ كَالإِبْرِيقِ وَالسَّطْلِ وَالرَّكْوَةِ وَغَيرِهَا.\n(^٣) قَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (ص ٧٠٦): \"اقْتَضَى ذَلِكَ البَرَكَةَ فِي ذُرِّيَّتِهِمَا، وَأَنَّ مِنْ تَمَامِ البَرَكةِ أَنْ تَكُونَ الذُّريَّةُ كُلُّهُم مُحْسِنِينَ! فَأَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ مِنْهُم مُحْسِنًا وَظَالِمًا. وَاللهُ أَعْلَمُ\".","vol":"1","page":168},{"text":"٤ - أنَّ سَدَّ الذَّرَائِعِ قَاعِدَةٌ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ العَظِيمَةِ قَدْ دَلَّ عَلَيهَا القُرْآنُ العَظِيمُ فِي مَوَاضِعَ، وَفِي السُّنَّةِ شَيءٌ كَثِيرٌ يُقَارِبُ صَحِيحُهُ المِئَةَ، وَلَعَلَّهُ لِهَذَا لَمْ يُسَلْسَلِ التَّبَرُّكُ بِذَوَاتِ الصَّالِحِينَ، إِنَّمَا اخْتَصَّ بِهِ الأَنْبِيَاءُ، فالتَّبَرُّكُ بِالصَّالِحِينَ يُفْضِي إِلَى الغُلُوِّ.\n٥ - أَنَّ فِعْلَ هَذَا النَّوعِ مِنَ التَّبَرُّكِ مَعَ غَيرِهِ ﷺ لَا يُؤمَنُ أنْ يَفْتِنَهُ وَتُعْجِبَهُ نَفْسُهُ فَيُورِثَهُ ذَلِكَ العُجْبَ وَالكِبْرَ وَالرِّيَاءَ وَتَزْكِيَةَ نَفْسِهِ، وَكُلُّ هَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ.","vol":"1","page":169},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-76> المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: مَا الجَوَابُ عَنْ شُبْهَةُ تَبَرُّكِ الشَّافِعِيِّ بِقَمِيصِ أَحْمَدَ رَحِمَهُمَا اللهُ؟</span>\nفَقَدْ أَورَدَ الحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرٍ ﵀ فِي التَّارِيخِ: \"قَالَ الرَّبِيعُ: إِنَّ الشَّافِعِيَ خَرَجَ إِلَى مِصْرَ -وَأَنَا مَعَهُ- فَقَالَ لِي: يَا رَبِيعُ، خُذْ كِتَابِي هَذَا وَامْضِ بِهِ وَسَلِّمْهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللهِ؛ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَائْتِنِي بِالجَوَابِ. قَالَ الرَّبِيعُ: فَدَخَلْتُ بَغْدَادَ -وَمَعِيَ الكِتَابُ-، فَلَقِيتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلَ صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَصَلَّيتُ مَعَهُ الفَجْرَ. فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنَ المِحْرَابِ سَلَّمْتُ إِلَيهِ الكِتَابَ، وَقُلْتُ لَهُ: هَذَا كِتَابُ أَخِيكَ الشَّافِعِيِّ مِنْ مِصْرَ، فَقَالَ أَحْمَدُ: نَظَرْتَ فِيهِ؟ قُلْتُ: لَا. فَكَسَرَ أَبْو عَبْدِ اللهِ الخَتْمَ، وَقَرَأَ الكِتَابَ، فَتَغَرْغَرَتْ عَينَاهُ بِالدُّمُوعِ، فَقُلْتُ: إيش فِيهِ يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ؟ قَالَ: يَذْكُرُ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي النَّومِ فَقَالَ لَهُ: اُكْتُبْ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللهِ؛ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَاقْرَأْ عَلَيهِ مِنَّي السَّلَامَ، وَقُلْ: إِنَّكَ سَتُمْتَحَنُ وَتُدْعَى إِلَى خَلْقِ القُرْآنِ فَلَا تُجِبْهُم فَسَيَرْفَعُ اللهُ لَكَ عَلَمًا إِلَى يَومِ القِيَامَةِ. قَالَ الرَّبِيعُ: فَقُلْتُ: البِشَارَةَ! فَخَلَعَ أَحَدَ قَمِيصَيهِ الَّذِي يَلِي جِلْدَهُ وَدَفَعَهُ إليَّ فَأَخَذْتُهُ، وَخَرَجْتُ إِلَى مِصْرَ، وَأَخَذْتُ جَوَابَ الكِتَابِ فَسَلَّمْتُهُ إِلَى الشَّافِعِيِّ، فَقَالَ لِيَ الشَّافِعِيُّ: يَا رَبِيعُ، إيش الَّذِي دَفَعَ إِلَيكَ؟ قُلْتُ: القَمِيصَ الَّذِي يَلِي جِلْدَهُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيسَ نَفْجَعُكَ بِهِ! وَلَكِنْ بُلَّهُ وَادْفَعْ إِلَيَّ المَاءَ لِأَتبَرَّكَ بِهِ -وَفِي رِوَايَةٍ حَتَّى أَشْركَكَ فِيهِ-\" (^١).\nالجَوَابُ:\n١ - إِنَّ القِصَّةَ غَيرُ صَحِيحَةٍ، فَقَدْ قَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي تَرْجَمَةِ -\n_________\n(^١) تَارِيخُ دِمْشَقَ (٥/ ٣١١).","vol":"1","page":170},{"text":"الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيمَانِ المُرَادِيِّ-: \"وَلَمْ يَكُنْ صَاحِبَ رِحلَةٍ، فَأَمَّا مَا يُرْوَى أَنَّ الشَّافِعِيَّ بَعَثَهُ إِلَى بَغْدَادَ بِكِتَابِهِ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فَغَيرُ صَحِيحٍ\" (^١).\n٢ - أَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ لَقِيَ مَنْ هُوَ أَعْلَى رُتْبَةً مِنَ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُمَا اللهُ مِثْلَ مَالِكٍ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَينَةَ وَغَيرَهُم؛ وَمَعْ ذَلِكَ لَمْ يُنقَلْ عَنْهُ مِثْلُ ذَلِكَ.\n٣ - أَنَّ مَنْ هُمْ خَيرٌ مِنْهُ -وَهُمُ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيهِم- لَمْ يَرِدْ عَنْهُم مِثْلُ هَذَا مَعَ مَنْ هُوَ خَيرُ هَذِهِ الأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا وَهُوَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَمِنْ ثُمَّ عُمَرُ وَ…، فَلَو كَانَ خَيرًا لَفَعَلُوهُ، وَفِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التَّوبَة: ١٠٠] بَيَانُ الأَمْرِ بِاتِّبَاعِهِم (^٢).\n_________\n(^١) سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ (١٢/ ٥٨٧).\nقُلْتُ: وَأَيضًا فِي أَحَدِ أَسَانِيدِهَا مُحَمَّدُ بْنُ الحُسَينِ السُّلَمِيُّ. قَالَ عَنْهُ الدَّارَقُطْنِيُّ: \"وَكَانَ يَضَعُ لِلصُّوفِيَّةِ الأَحَادِيثَ\". انْظُرْ كِتَابَ (طَبَقَاتُ الحُفَّاظِ) (ص ٤١٢) لِلسُّيُوطِيِّ، وَأَمَّا الأَسَانِيدُ الأُخْرَى فَفِيهَا انْقِطَاعٌ، وَبَعْضُ رُوَاتِهَا لَا يُعْرَفُ.\n(^٢) وَلَا يَصِحُّ الاحْتِجَاجُ عَلَى مِثْلِ هَذَا النَّوعِ مِنَ التَّبَرُّكِ بِقِصَّةِ يَعْقُوبَ وَيُوسُفَ عَلَيهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؛ حَيثُ بَعَثَ يُوسُفُ بِقَمِيصِهِ إِلَى أَبِيهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا بِهِ! وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا النَّوعَ هُوَ مِمَّا أَثْبَتْنَاه سَابِقًا مِنَ التَّبَرُّكِ بِآثَارِ الأَنْبِيَاءِ المُنْفَصِلَةِ عَنْ جَسَدِهِم -مُمَثَّلًا هُنَا بِعَرَقِ الجَسَدِ-، فَلَيسَ فِيهِ دِلَالَةٌ عَلَى المَقْصُودِ، لِأَنَّ المَطْلُوبَ هُنَا -فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ- إِيرَادُ الدَّلِيلِ عَلَى هَذَا النَّوعِ مِنَ التَّبَرُّكِ فِي غَيرِ الأَنْبِيَاءِ.","vol":"1","page":171},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-77> المَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: مَا الجَوَابُ عَنْ شُبْهَةِ تَمْرِيغِ بِلَالٍ وَأَبِي أَيُّوبَ ﵄ لِوَجْهَيهِمَا عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ </span>ﷺ بَعْدَ مَوتِهِ؟\nالجَوَابُ:\nلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عَنْهُمَا.\nوَلْنَسْتَعْرِضِ الأَثَرَينِ فِي ذَلِكَ مَعَ بَيَانِ سَبَبِ الضَّعْفِ حَدِيثِيًّا.\nأَمَّا الأَثَرُ الأَوَّلُ: فَقَدْ رَوَى ابْنُ عَسَاكِر فِي تَارِيخِهِ عَن أَبِي الدَّرْدَاءِ: أَنَّ بِلَالًا رَأَى فِي مَنَامِهِ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ لَهُ: «مَا هَذِهِ الجَّفْوَةُ يَا بِلَالُ؟! أَمَا آنَ لَكَ أَنْ تَزُورَنِي يَا بِلَالُ»؟! فَانْتَبَهَ حَزِينًا وَجِلًا خَائِفًا؛ فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَقَصَدَ المَدِينَةَ، فَأَتَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ، فَجَعَلَ يَبْكِي عِنْدَهُ وَيُمَرِّغُ وَجْهَهُ عَلَيهِ، وَأَقْبَلَ الحَسَنُ وَالحُسَينُ؛ فَجَعَلَ يَضُمُّهُمَا وَيُقَبِّلُهُمَا، فَقَالَا لَهُ: يَا بِلَالُ؛ نَشْتَهِي نَسْمَعُ أَذَانَكَ الَّذِي كُنْتَ تُؤَذِّنُهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فِي السَّحَرِ! فَفَعَلَ؛ فَعَلَا سَطْحَ المَسْجِدِ، فَوَقَفَ مَوْقِفَهُ الَّذِي كَانَ يَقِفُ فِيهِ، فَلَمَّا أَنْ قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ؛ ارْتَجَّتِ المَدِينَةُ، فَلَمَّا أَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ زَادَ تَعَاجِيجُهَا، فَلَمَّا أَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ؛ خَرَجَ العَوَاتِقُ مِن خُدُورِهِنَّ فَقَالُوا: أَبُعِثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟! فَمَا رُئِيَ يَومٌ أَكْثَرُ بَاكِيًا وَلَا بَاكِيَةً بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن ذَلِكَ اليَومِ (^١).\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الهَادِي ﵀ عَنْهُ: \"أَثَرٌ غَرِيبٌ مُنْكَرٌ، وَإِسْنَادُهُ مَجْهُولٌ، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ، وَقَدِ انْفَرَدَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الفَيضِ الغَسَّانِيِّ، عَن إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ. وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ هَذَا: شَيخٌ لَمْ يُعْرَفْ بِثِقَةٍ\n_________\n(^١) ضَعِيفٌ. تَارِيخُ دِمَشْقَ (٧/ ١٣٧). أُسْدُ الغَابَةِ (١/ ٤١٥).","vol":"1","page":172},{"text":"وَأَمَانَةٍ وَلَا ضَبْطٍ وَعَدَالَةٍ! بَلْ هُوَ مَجْهُولٌ غَيرُ مَعْرُوفٍ بِالنَّقْلِ، وَلَا مَشْهُورٍ بِالرِّوَايَةِ! وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيرُ مُحَمَّدِ بْنِ الفَيضِ، رَوَى عَنْهُ هَذَا الأَثَرَ المُنْكَرَ\" (^١).\nوَقَالَ ابنُ حَزْمٍ: \"قَدْ ذَكَرْنَا مَا لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ اثْنَانِ مِن أَهْلِ النَّقْلِ: أَنَّ بِلَالًا ﵁ لَمْ يُؤَذِّنْ قَطُّ لِأَحَدٍ بَعْدَ مَوتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً بِالشَّامِ\" (^٢).\nوَأَمَّا الأَثَرُ الثَّانِي: فَقَدْ رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَن دَاودَ بْنِ أَبِي صَالِحٍ: أَقْبَلَ مَرْوَانُ يَوْمًا، فَوَجَدَ رَجُلًا وَاضِعًا وَجْهَهُ عَلَى الْقَبْرِ، فَقَالَ: أَتَدْرِي مَا تَصْنَعُ؟ فَأَقْبَلَ عَلَيهِ؛ فَإِذَا هُوَ أَبُو أَيُّوبَ، فَقَالَ: نَعَمْ. جِئْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَلَمْ آتِ الْحَجَرَ! سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَبْكُوا عَلَى الدِّينِ إِذَا وَلِيَهُ أَهْلُهُ؛ وَلَكِنِ ابْكُوا عَلَيهِ إِذَا وَلِيَهُ غَيرُ أَهْلِهِ» (^٣).\nوَالجَوَابُ عَلَيهِ أَيضًا: أَنَّ إِسْنَادَهُ ضَعِيفٌ.\nقَالَ الإِمَامُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: \"قَالَ الحَاكِمُ: صَحِيحُ الإِسْنَادِ، وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ! وَهُوَ مِن أَوْهَامِهِمَا؛ فَقَدْ قَالَ الذَّهَبِيُّ نَفْسُهُ فِي تَرْجَمَةِ دَاودَ هَذَا: حِجَازِيٌّ لَا يُعْرَفُ! وَوَافَقَهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ؛ فَأَنَّى لَهُ الصِّحَّةُ؟! \" (^٤).\nوَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ: شَيخُهُ؛ أَحْمَدُ بْنُ رِشْدِينَ؛ قَالَ عَنْهُ الحَافِظُ: \"قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: كَذَّبُوهُ، وَأُنْكِرَتْ عَلَيهِ أَشْيَاء\" (^٥).\n_________\n(^١) الصَّارِمُ المُنْكِيُّ (ص ٢٣٧).\n(^٢) المُحَلَّى (٢/ ١٨٨).\n(^٣) ضَعِيفٌ. مُسْنَدُ أَحْمَد (٢٣٥٨٥)، المُسْتَدْرَكُ (٨٥٧١)، المُعْجَمُ الأَوْسَطُ لِلطَّبَرَانِيِّ (٢٨٤). الضَّعِيفَةُ (٣٧٣).\n(^٤) السِّلْسِلَةُ الضَّعِيفَةُ (١/ ٥٥٢).\n(^٥) لِسَانُ المِيزَانِ (١/ ٥٩٤).","vol":"1","page":173},{"text":"وَفِيهِ أَيضًا حَاتِمُ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ؛ قَالَ عَنْهُ الحَافِظُ: \"صَدُوقٌ يَهِمُ\" (^١)، وَقَدْ تَفَرَّدَ بِهِ، قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: \"لَا يُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ؛ تَفَرَّدَ بِهِ: حَاتِمٌ\" (^٢).\nوَمِن جِهَةٍ أُخْرَى؛ فَلَيسَ فِي الأَثَرَينِ أَنَّ التَّمَرُّغَ كَانَ سَبَبُهُ التَّبَرُّكَ! وَإِنَّمَا ظَاهِرُهُ الشَّوقُ وَالحَنِينُ لِصَاحِبِ القَبْرِ ﵊، كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي مِثْلِهِ مِنِ اسْتِلَامِ الحَجَرِ الأَسْوَدِ وَالرُّكْنِ اليَمَانِيِّ.\nقَالَ الإِمَامُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: \"وَقَدْ شَاعَ عِنْدَ المُتَأَخِّرِينَ الاسْتِدْلَالُ بِهَذَا الحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ التَّمَسُّحِ بِالقَبْرِ لِوَضْعِ أَبِي أَيُّوبَ وَجْهَهُ عَلَى القَبْرِ، وَهَذَا مَعَ أَنَّهُ لَيسَ صَرِيحًا فِي الدِّلَالَةِ عَلَى أَنَّ تَمَسُّحَهُ كَانَ لِلْتَبَرُّكِ -كَمَا يَفْعَلُ الجُهَّالُ-! فَالسَّنَدُ إِلَيهِ بِذَلِكَ ضَعِيفٌ -كَمَا عَلِمْتَ- فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، وَقَدْ أَنْكَرَ المُحَقِّقُونَ مِن العُلَمَاءِ -كَالنَّوَوِيِّ وَغَيرِهِ- التَّمَسُّحَ بِالقُبُورِ، وَقَالُوا: إِنَّهُ مِن عَمَلِ النَّصَارَى، وَقَدْ ذَكَرْتُ بَعْضَ النُّقُولِ فِي ذَلِكَ فِي (تَحْذِيرِ السَّاجِدِ مِنِ اتِّخَاذِ القُبُورِ مَسَاجِدَ) \" (^٣).\n_________\n(^١) تَقْرِيبُ التَّهْذِيبِ (ص ١٤٤).\n(^٢) المُعْجَمُ الأَوْسَطُ لِلطَّبَرَانِيِّ (١/ ٩٤).\n(^٣) السِّلْسِلَةُ الضَّعِيفَةُ (١/ ٥٥٣).\nقَالَ الشَّيْخُ الدُّكْتُورُ وَهْبَةُ الزُّحَيليُّ حَفِظَهُ اللهُ وَرَعَاهُ فِي كِتَابِهِ (الفِقْهُ الإِسْلَامِيُّ وَأَدِلَّتُهُ) (ص ١٤٥٣) - فِي حَاشِيَةِ أَبْوَابِ صَلَاةِ الاسْتِسْقَاءِ -: \"اتَّفَقَ الأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ الدُّعَاءَ عِنْدَ قَبْرٍ رَجَاءَ الإِجَابَةِ بِدْعَةٌ، لَا قُرْبَةٌ\".","vol":"1","page":174},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-78> المَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: مَا الجَوَابُ عَنِ الأَثَرِ الَّذِي نُقِلَ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَرَ بَأْسًا فِي تَقْبِيلِ القَبْرِ النَّبَوِيِّ وَالتَّمَسُّحِ بِهِ؟</span>\nالجَوَابُ:\nبِدَايَةً؛ الأَثَرُ هَذَا بِلَفْظِهِ هُوَ -كَمَا جَاءَ فِي كِتَابِ (العِلَلُ وَمَعْرِفَةُ الرِّجَالِ) لِعَبْدِ اللهِ ابْنِ الإِمَامِ أَحْمِدَ- أَنَّهُ سَأَلَ أَبَاهُ: \"سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَمَسُّ مِنْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ وَيَتَبَرَّكُ بِمَسِّهِ وَيُقَبِّلُهُ وَيفْعَلُ بِالقَبْرِ مِثْلَ ذَلِكَ أَو نَحْوَ هَذَا؛ يُرِيدُ بِذَلِكَ التَّقَرُّبَ إِلَى اللهِ جَلَّ وَعَزَّ؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ\" (^١).\nوَأَمَّا جَوَابُهُ؛ فَهُوَ أَنَّهُ أَثَرٌ شَاذٌّ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ، وَلَا تَصِحُّ نِسْبَتُهُ إِلَيهِ ﵀.\nوَبَيَانُهُ مِنْ أَوْجُهٍ:\n- الوَجْهِ الأَوَّلِ: إِنَّ هَذَا الأَثَرَ شَاذٌّ مَتْنًا مِن عِدَّةِ طُرُقٍ مَنْقُولَةٍ بِالأَسَانِيدِ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀؛ مِنْهَا:\nنَقَلَ أَبُو بَكْرٍ الأَثْرَمُ -وَهُوَ مِنْ أَجَلِّ أَصْحَابِ الإِمَامِ أَحْمَدَ- عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ؛ أَنَّهُ: \"قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ: قَبْرُ النَّبِيِّ ﷺ يُلْمَسُ وَيُتَمَسَّحُ بِهِ؟ قَالَ: مَا أَعْرِفُ هَذَا! قُلْتُ لَهُ: فَالمِنْبَرُ؟ قَالَ: أَمَّا المِنْبَرُ؛ فَنَعَمْ، قَدْ جَاءَ فِيهِ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: شَيءٌ يَرْوُونَهُ عَنِ ابْنِ أَبِي فُدَيكٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى المِنْبَرِ. قَالَ: وَيَرْوُنَهُ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ المُسَيّبِ فِي الرُّمَّانَةِ. قُلْتُ: وَيُرْوَى عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ -يَعْنِي: الأَنْصَارِيَّ؛ شَيخَ مَالِكٍ- وَغَيرِه؛ أَنَّهُ حَيثُ أَرَادَ الخُرُوجَ إِلَى العِرَاقِ جَاءَ إِلَى المِنْبَرِ فَمَسَحَهُ وَدَعَا، فَرَأَيتُهُ اسْتَحْسَنَ ذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّهُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَالشَّيءِ. قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ: إِنَّهُم\n_________\n(^١) العِلَلُ وَمَعْرِفَةُ الرِّجَالِ لِأَحْمَدَ -رِوَايَةُ ابْنِهِ عَبْدِ اللهِ- (٢/ ٤٩٢).","vol":"1","page":175},{"text":"يُلْصِقُونَ بُطُونَهُم بِجِدَارِ القَبْرِ! وَقُلْتُ لَهُ: وَرَأَيتُ أَهْلَ العِلْمِ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ لَا يَمَسُّونَهُ، وَيَقُومُونَ نَاحِيَتَهُ فَيُسَلِّمُونَ! فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: نَعَمْ، وَهَكَذَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: بِأَبِي وَأُمَّيِ ﷺ\" (^١).\nوَنَقَلَ صَالِحُ -ابْنُ الإِمَامِ أَحْمَدَ- عَنْهُ: \"وَلَا يَمَسَّ الحَائِطَ، وَيَضَعَ يَدَهُ عَلَى الرُّمَّانَةِ وَمَوْضِعَ الَّذِي جَلَسَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ، وَلَا يُقَبِّلَ الحَائِطَ\" (^٢).\nوَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ الطَّيَالِسِيُّ -وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ-: \"مَسَحْتُ يَدِي عَلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلَ ثُمَّ مَسَحْتُ يَدِي عَلَى بَدَنِي وَهُوَ يَنْظُرُ، فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا وَجَعَلَ يَنْفُضُ نَفْسَهُ وَيَقُولُ: عَمَّنْ أَخَذْتُم هَذَا؟! وَأَنْكَرَهُ إِنْكَارًا شَدِيدًا\" (^٣).\nوَهَذَا أَثَرٌ وَاضِحٌ بيِّنٌ فِي تَشْنِيعِ الإِمَامِ عَلَى مَنْ يَتَبَرَّكُ بِهِ وَهُوَ حَيٌّ؛ فَكَيفَ يَرْضَى أَنْ يُتَبَرَّكَ بِالقُبُورِ؟!\n- الوَجْهِ الثَّانِي: مَا نَقَلَهُ أَئِمَّةُ المَذْهَبِ الحَنْبَلِيِّ -وَالَّذِينَ هُمْ أَدْرَى النَّاسِ بِمَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ وَمَا هُوَ الثَّابِتُ عَنْهُ- وَغَيرُهُم.\nقَالَ الإِمَامُ ابْنُ قُدَامَةَ المَقْدِسِيُّ ﵀: \"وَلَا يُسْتَحَبُّ التَّمَسُّحُ بِحَائِطِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا تَقْبِيلُهُ. قَالَ أَحْمَدُ: مَا أَعْرِفُ هَذَا. قَالَ الأَثْرَمُ: رَأَيتُ أَهْلَ العِلْمِ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ لَا يَمَسُّونَ قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ\" (^٤).\nوَقَالَ المَرْدَاوِيُّ ﵀: \"لَا يُسْتَحَبُّ تَمَسُّحُهُ بِقَبْرِهِ -عَلَيهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ\n_________\n(^١) الصَّارِمُ المُنْكِي (ص ١٤٥).\n(^٢) مَسَائِلُ الإِمَامِ أَحْمَدَ -رِوَايَةُ ابْنِهِ أَبِي الفَضْلِ؛ صَالِحٍ- (٣/ ٦٠).\n(^٣) طَبَقَاتُ الحَنَابِلَةِ لِأَبِي يَعْلَى (١/ ٢٢٨).\n(^٤) المُغْنِي (٣/ ٤٧٩).","vol":"1","page":176},{"text":"وَالسَّلَامِ- عَلَى الصَّحِيحِ مِن المَذْهَبِ. قَالَ فَي المُسْتَوعَبِ: بَلْ يُكْرَهُ، قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ: أَهْلُ العِلْمِ كَانُوا لَا يَمَسُّونَهُ! نَقَلَ أَبُو الحَارِثِ: يَدْنُو مِنْهُ وَلَا يَتَمَسَّحُ بِهِ، بَلْ يَقُومُ حِذَاءَهُ فَيُسَلِّمُ، وَعَنْهُ يُتَمَسَّحُ بِهِ (^١) \" (^٢).\nوَقَالَ الحَجَاوِيُّ ﵀: \"وَلَا يُتَمَسَّحْ، وَلَا يُمَسَّ قَبْرُ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَا حَائِطُهُ، وَلَا يُلْصِقْ بِهِ صَدْرَهُ، وَلَا يُقَبِّلْهُ\" (^٣).\nوَقَالَ السَّمْهُودِيُّ: \"وَرُوِيَ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ رَأَى رَجُلًا وَضَعَ يَدَهُ عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيهِ وَسَلَّمَ؛ فَنَهَاهُ، وَقَالَ: مَا كُنَّا نَعْرِفُ هَذَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ! وَقَدْ أَنْكَرَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ أَشَدَّ الإِنْكَارِ\" (^٤).\nوكُلُّ مَنْ دَرَسَ المذْهَبَ الحَنْبَلِيَّ عَرَفَ أَنَّ مَسْأَلَةَ التَّمَسُّحِ بِالقَبْرِ مَسْأَلَةٌ مَرْدُودَةٌ مُنْكَرَةٌ فِي المَذْهَبِ؛ فَكَيفَ يُنْسَبُ بَعْدَ هَذَا جَوَازُ التَّمَسُّحِ بِالقَبْرِ إِلَى الإِمَامِ أَحْمَدَ؟! وَقَاعِدَةُ العِلْمِ مَعْرُوفَةٌ فِي رَدِّ المُتَشَابِهِ إِلَى المُحْكَمِ.\n- الوَجْهِ الثَّالِثِ: قَدْ نَقَلَ كَثِيرٌ مِن المُحَقِّقِينَ الإِجْمَاعَ -وَمِن جُمْلَتِهِم الإِمَامُ أَحْمَدُ كَمَا لَا يَخْفَى- عَلَى المَنْعِ مِن التَّمَسُّحِ بِالقَبْرِ الشَّرِيفِ، وَمِنْهُم:\nقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: \"لَا يَجُوزُ أَنْ يُطَافَ بِقَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ، ويُكْرَهُ إلْصَاقُ البَطْنِ وَالظهْرِ بِجِدَارِ القَبْرِ، قَالَهُ الحَلِيميُّ وَغَيرُهُ.\n_________\n(^١) وَهَذِهِ لَا تَثْبُتُ عَنْ أَحْمَدَ، كَمَا تَجِدُ نَصَّ المَرْدَاوِيِّ عَنْهُ فِي قَولِهِ السَّابِقِ: \"عَلَى الصَّحِيحِ مِن المَذْهَبِ\".\n(^٢) الإِنْصَافُ (٤/ ٥٣).\n(^٣) الإِقْنَاعُ (١/ ٣٩٦).\n(^٤) وَفَاءُ الوَفَاءِ (٤/ ٢١٦).","vol":"1","page":177},{"text":"وَيُكْرَهُ مَسْحُهُ بِاليَدِ وَتَقْبِيلُهُ، بَلِ الأَدَبُ أَنْ يَبْعُدَ مِنْهُ كَمَا يَبْعُدُ مِنْهُ لَوْ حَضَرَ في حَيَاتِهِ ﷺ، هذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَهُوَ الَّذِي قَالَهُ العُلَمَاءُ وَأطْبقُوا عَلَيهِ.\nوَيَنْبَغِي أنْ لَا يُغْتَرَّ بِكَثِيرٍ مِنَ العَوَامِّ فِي مُخَالَفَتِهِمْ ذلِكَ؛ فَإِنَّ الاقْتِدَاءَ وَالعَمَلَ إنَّمَا يَكُونُ بِأَقْوَالِ العُلماءِ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلى مُحْدَثَاتِ العَوَامِّ وَجَهَالَاتِهِم، وَلَقَدْ أَحْسَنَ السَّيِّدُ الجَلِيلُ أبُو عَلِيٍّ -الفُضَيلُ بنُ عِيَاضِ- رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي قَوْلهِ مَا مَعْنَاهُ: اتَّبْعِ طُرُقَ الهُدَى وَلَا يَضُرُّكَ قِلَّةُ السَّالِكِينَ، وَإِيَّاكَ وَطُرُقَ الضَّلَاَلَةِ وَلَا تَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ الهَالِكِينَ! وَمَنْ خَطَرَ بِبَالِهِ أنَّ المَسْحَ بِاليَدِ وَنَحْوَهُ أَبْلَغُ فِي البَرَكَةِ! فَهُوَ مِنْ جَهَالَتِهِ وَغَفْلَتِهِ، لَأَنَّ البَرَكَةَ إِنَّمَا هِيَ فِيمَا وَافَقَ الشَّرْعَ وَأَقْوَالَ العُلَمَاءِ، وَكَيفَ يُبْتَغَى الفَضْلُ فِي مُخَالَفَةِ الصَّوَابِ؟! \" (^١).\nوَقَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: \"وَأَمَّا التَّمَسُّحُ بِقَبْرِ النَّبِيِّ ﵌ وَتَقْبِيلُهُ؛ فَكُلُّهُمْ كَرِهَ ذَلِكَ وَنَهَى عَنْهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا مَا قَصَدَهُ النَّبِيُّ ﵌ مِنْ حَسْمِ مَادَّةِ الشِّرْكِ وَتَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ وَإِخْلَاصِ الدِّينِ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ\" (^٢).\n- الوَجْهِ الرَّابِعِ: حَمَلَ بَعْضُ أَصْحَابِ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ التَّمَسُّحَ -مُحَاوَلَةً فِي التَّوفِيقِ مَعَ الرِّوَايَةِ المُسْتَنْكَرَةِ تِلْكَ- عَلَى أَنَّ مَسَّ القَبْرِ لَيسَ المَقْصُودُ مِنْهُ التَّبَرُّكَ! وَإِنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى مُصَافَحَةِ الحَيِّ.\nقَالَ القَاضِي أَبُو يَعْلَى الحَنْبَلِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (المَسَائِلُ الفِقْهِيَّةُ مِن كِتَابِ\n_________\n(^١) الإِيضَاحُ فِي مَنَاسِكِ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ لِلنَّوَوِيِّ (ص ٤٥٦).\n(^٢) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (٢٧/ ٨٠).","vol":"1","page":178},{"text":"الرِّوَايَتَينِ وَالوَجْهَينِ): \"وَجْهُ الرِّوَايَةِ الأُولَى: أَنَّ الزِّيَارَةَ لِلْمَيِّتِ جَارِيَةٌ مَجْرَى زِيَارَةِ الحَيِّ، وَلِهَذَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَلَّمَ عَلَى المَيِّتِ عِنْدَ قَبْرِهِ كَمَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَلَّمَ عَلَى الحَيِّ وَيُسْتَحَبُّ مُصَافَحَةُ الحَيِّ؛ فَجَازَ أَنْ يُسْتَحَبَّ مَسُّ قَبْرِهِ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى المُصَافَحَةِ. وَوَجْهُ الثَّانِيَةِ: إِنَّمَا طَرِيقَةُ القُرْبَةِ تَقِفُ عَلَى التَّوْقِيفِ، وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ ﵁ فِي الحَجَرِ: (لَولَا أَنِّي رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ يُقَبِّلُكُ لَمَا قَبَّلْتُكَ!) وَلَيسَ فِي هَذَا تَوقِيفٌ\" (^١).\n- الوَجْهِ الخَامِسِ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الإِمَامِ أَحْمَدَ نفْسَه -الَّذِي رَوَى تِلْكَ الرِّوَايَةَ المُسْتَنْكَرَةَ- نَقَلَ عَنْ أَبِيه أَنَّهُ سَمِعَ سُفْيَانَ بْنَ عُيَينَةَ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ؛ فَأَقَرَّهُ وَلَمْ يَعْتَرِضِ عَلَيهِ! فَرَوَى أَبُو الحَسَنِ -عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ القُزْوِينِيُّ- فِي أَمَالِيهِ قَالَ: \"قَرَأْتُ عَلَى عُبَيدِ اللهِ الزُّهْرِيِّ؛ قُلْتُ لَهُ: حَدَّثَكَ أَبُوكَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا زَيدٍ -حَمَّادَ بْنَ دَلِيلٍ- قَالَ لِسُفْيَانَ -يَعْنِي ابْنَ عُيَينَةَ- قَالَ: يُتَمَسَّحُ بِالقَبْرِ؟ قَالَ: لَا، وَلَا يُلْتَزَمُ القَبْرُ، وَلَكِنْ يَدْنُو. قَالَ أَبِي: يَعْنِي: الإِعْظَامَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ\" (^٢).\n- الوَجْهِ السَّادِسِ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ هَذَا -ابْنَ الإِمَامِ أَحْمَدَ- قَدْ حَكَتِ الحَنَابِلَةُ عَنْهُ تَغْرِيبَهُ فِي كَثِيرٍ مِمَّا يَروِيهِ عَنْ أَبِيهِ فِي الأَحْكَامِ!\nقَالَ أَبُو يَعْلَى الحَنْبَلِيُّ فِي كِتَابِهِ (طَبَقَاتُ الحَنَابِلَةِ): \"وَقَعَ لِعَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ مَسَائِلُ جِيَادٌ كَثِيرَةٌ؛ يُغَرِّبُ مِنْهَا بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ فِي الأَحْكَامِ! فَأَمَّا العِلَلُ؛ فَقَدْ جَوَّدَ عَنْهُ،\n_________\n(^١) المَسَائِلُ الفِقْهِيَّةُ مِن كِتَابِ الرِّوَايَتَينِ وَالوَجْهَينِ (١/ ٢١٥).\n(^٢) الإِخْنَائِيَّةُ لِابْنِ تَيمِيَّةَ (ص ٤١٥).","vol":"1","page":179},{"text":"وَجَاءَ عَنْهُ بِمَا لَمْ يَجِئْ بِهِ غَيرُهُ\" (^١).\nوَلِذَلِكَ -فِيمَا يَخُصُّ مَسْأَلَتَنَا هَذِهِ- قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ مُعَلِّقًا عَلَيهَا: \"وَاسْتَبْعَدَ بَعْضُ أَتْبَاعِهِ صِحَّةَ ذَلِكَ\" (^٢).\nوَكَذَا لَمَّا نَقَلَ ابْنُ حَجَرٍ الهَيتَمِيُّ ﵀ الرِّوَايَتَينِ قَالَ: \"فَتَعَارَضَتِ الرِّوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الأَثْرَمِ -وَهُوَ مِن أَجَلِّ أَصْحَابِهِ- أَنَّ مَيلَ أَحْمَدَ إِلَى المَنْعِ، فَإِنَّهُ قَالَ: رَأَيتُ أَهْلَ العِلْمِ بِالمَدِينَةِ لَا يَمَسُّونَ القَبْرَ، قَالَ أَحْمَدُ: وَهَكَذَا كَانَ يَفْعَلُ ابْنُ عُمَرَ. انْتَهَى\" (^٣).\nفَائِدَةٌ فِي التَّفْرَيقِ بَينَ رُمَّانَةِ المِنْبَرِ وَبَينَ القَبْرِ الشَّرِيفِ:\nفَرَّقَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ بَينَ التَّمَسُّحِ بِرُمَّانَةِ مِنْبَر النَّبِيِّ ﷺ وَبَينَ التَّمَسُّحِ بِالقَبْرِ، وَلَا يَخْفَى الفَرْقُ بَينَ الأَمْرَينِ مِنْ جِهَةِ مَسِّ أَثَرِ يَدِ النَّبِيِّ ﷺ لِهَذِهِ الأَشْيَاءِ؛ خِلَافًا لِلْقَبْرِ.\nقَالَ الشَّيخُ أَبُو حَامِدٍ الغَزَالِيُّ ﵀ فِي حَقِّ جِدَارِ القَبْرِ النَّبَوِيِّ: \"وَلَيسَ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَمَسَّ الْجِدَارَ وَلَا أَنْ يُقَبِّلَهُ! بَلِ الْوُقُوفُ مِنْ بُعْدٍ أَقْرَبُ لِلْاحْتِرَامِ\" (^٤)، بَينَمَا قَالَ فِي حَقِّ رُمَّانَةِ المِنْبَرِ: \"وَيَدْعُو عِنْدَ المِنْبَرِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى الرُّمَّانَةِ السُّفْلَى الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضَعُ يَدَهُ عَلَيهَا عِنْدَ الخُطْبَةِ\" (^٥).\n_________\n(^١) طَبَقَاتُ الحَنَابِلَةِ (١/ ١٨٣).\n(^٢) فَتْحُ البَارِي (٣/ ٤٧٥).\n(^٣) حَاشِيَةُ الإِيضَاحِ (ص ٥٠٢).\n(^٤) إِحْيَاءُ عُلُومِ الدِّينِ (١/ ٢٥٩).\n(^٥) إِحْيَاءُ عُلُومِ الدِّينِ (١/ ٢٦٠).","vol":"1","page":180},{"text":"وَقَدْ بَيَّنَ ﵀ أَنَّ التَّمَسُّحَ بِالقَبْرِ هُوَ مِن عَادَةِ النَّصَارَى أَصْلًا! فَقَالَ ﵀: \"وَالْمُسْتَحَبُّ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَنْ يَقِفَ مُسْتَدْبِرَ القِبْلَةِ مُسْتَقْبِلًا بِوَجْهِهِ الْمَيِّتَ، وَأَنْ يُسَلِّمَ، وَلَا يَمْسَحِ الْقَبْرَ، وَلَا يَمَسَّهُ، وَلَا يُقَبِّلْهُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَادَةِ النَّصَارَى!\nقَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ -رَأَيتُهُ مِائَةَ مَرَّةٍ أَوْ أَكْثَرَ- يَجِيءُ إِلَى الْقَبْرِ فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ، السَّلَامُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، السَّلَامُ عَلَى أَبِي، وَيَنْصَرِفُ.\nوَعَن أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: رَأَيتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَتَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ فَوَقَفَ فَرَفَعَ يَدَيهِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ؛ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ انْصَرَفَ\" (^١).\nوَقَالَ ﵀ فِي مَوضِعٍ آخَرَ: \"فَإِنَّ الْمَسَّ وَالتَّقْبِيلَ لِلْمَشَاهِدِ عَادَةُ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ\" (^٢).\nوَقَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: \"فَقَدْ رَخَّصَ أَحْمَدُ وَغَيرُهُ فِي التَّمَسُّحِ بِالمِنْبَرِ وَالرُّمَّانَةِ -الَّتِي هِيَ مَوْضِعُ مَقْعَدِ النَّبِيِّ ﷺ وَيَدِهِ-، وَلَمْ يُرَخِّصُوا فِي التَّمَسُّحِ بِقَبْرِهِ.\nوَقَدْ حَكَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا رِوَايَةً فِي مَسْحِ قَبْرِهِ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ شَيَّعَ بَعْضَ المَوْتَى؛ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى قَبْرِهِ يَدْعُو لَهُ، وَالفَرْقُ بَينَ المَوضِعَينِ ظَاهِرٌ.\nوَكَرِهَ مَالِكٌ التَّمَسُّحَ بِالمِنْبَرِ كَمَا كَرِهُوا التَّمَسُّحَ بِالقَبْرِ، فَأَمَّا اليَومَ فَقَدِ احْتَرَقَ المِنْبَرُ، وَمَا بَقِيَتِ الرُّمَّانَةُ، وَإِنَّمَا بَقِيَ مِن المِنْبَرِ خَشَبَةٌ صَغِيرَةٌ، فَقَدْ زَالَ مَا رُخِّصَ فِيهِ، لِأَنَّ الأَثَرَ المَنْقُولَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَغَيرِهِ إِنَّمَا هُوَ التَّمَسُّحُ بِمَقْعَدِهِ\" (^٣).\n_________\n(^١) إِحْيَاءُ عُلُومِ الدِّينِ (٤/ ٤٩١).\n(^٢) إِحْيَاءُ عُلُومِ الدِّينِ (١/ ٢٧١).\n(^٣) اقْتِضَاءُ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ (٢/ ٢٤٤).","vol":"1","page":181},{"text":"بَابُ مَا جَاءَ فِي الذَّبْحِ لِغَيرِ اللهِ\nوَقَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأَنْعَام: ١٦٢ - ١٦٣].\nوَقَولِهِ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكَوثَر: ٢].\nعَنْ عَلِيٍّ ﵁؛ قَالَ: حَدّثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَرْبَعٍ كَلِمَاتٍ: «لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيرِ اللهِ، لَعَنَ اللهُ مَنْ آوَىَ مُحْدِثًا، لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيهِ، لَعَنَ اللهُ مَنْ غَيَّرَ المَنَارَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).\nوَعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «دَخَلَ رَجُلٌ الجَنَّةَ فِي ذُبَابٍ، وَدَخَلَ النَّارَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ»، قَالُوا: وَكَيفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: «مَرَّ رَجُلَانِ عَلَى قَومٍ لَهُمْ صَنَمٌ لَا يَجُوزُهُ أَحَدٌ حَتَّى يُقَرِّبَ لَهُ شَيئًا، فَقَالُوا لِأَحَدِهِمَا: قَرِّبْ، قَالَ: لَيسَ عِنْدِي شَيءٌ، فَقَالُوا لَهُ: قَرِّبْ وَلَو ذُبَابًا، فَقَرَّبَ ذُبَابًا فَخَلَّوا سَبِيلَهُ؛ قَالَ: فَدَخَلَ النَّارَ. وَقَالُوا لِلْآخَرِ: قَرِّبْ وَلَو ذُبَابًا، قَالَ: مَا كُنْتُ لِأُقَرِّبَ لِأَحَدٍ شَيئًا دُونَ اللهِ ﷿، قَالَ: فَضَرَبُوا عُنُقَهُ، قَالَ: فَدَخَلَ الجَنَّةَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٢).\n_________\n(^١) مُسْلِمٌ (١٩٧٨).\n(^٢) صَحِيحٌ مَوقُوفًا عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ سَلْمَانَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ (٨٤). اُنْظُرِ التَّعْلِيقَ عَلَى حَدِيثِ الضَّعِيفَةِ (٥٨٢٩).\nقُلْتُ: وَهُوَ خَبَرٌ غَيبِيٌّ لَا يُدْرَكُ بِالعَقْلِ، وَلَكِنْ لَا يُقَالُ: إِنَّ حُكْمَهُ الرَّفْعُ؛ لِأَنَّ سَلْمَانَ كَانَ -قَبْلَ إِسْلَامِهِ- مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَيَحْتَمِلُ الخَبَرُ أَنْ يَكُونَ قَدْ تَلَقَّاهُ عَنْهُم، لِذَلِكَ يَبْقَى الخَبَرُ مَوقُوفًا عَلَيهِ وَلَا يَأْخُذُ حُكْمَ الرَّفْعِ.","vol":"1","page":182},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: تَفْسِيرُ قَولِهِ: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾.\nالثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ قَولِهِ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾.\nالثَّالِثَةُ: البَدَاءَةُ بِلَعْنَةِ مَنْ ذَبَحَ لِغَيرِ اللهِ.\nالرَّابِعَةُ: لَعْنُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيهِ، وَمِنْهُ أَنْ تَلْعَنَ وَالِدَيِ الرَّجُلِ فَيَلْعَنَ وَالِدَيكَ.\nالخَامِسَةُ: لَعْنُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا، وَهُوَ الرَّجُلُ يُحْدِثُ شَيئًا يَجِبُ فِيهِ حَقُّ اللهِ؛ فَيَلْتَجِئُ إِلَى مَنْ يُجِيرُهُ مِنْ ذَلِكَ.\nالسَّادِسَةُ: لَعْنُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الأَرْضِ، وَهِيَ المَرَاسِيمُ الَّتِي تُفَرِّقُ بَينَ حَقِّكَ وَحَقِّ جَارِكَ مِنَ الأَرْضِ، فَتُغَيِّرُهَا بِتَقْدِيمٍ أَو تَأْخِيرٍ.\nالسَّابِعَةُ: الفَرَقُ بَينَ لَعْنِ المُعَيَّنِ وَلَعْنِ أَهْلِ المَعَاصِي عَلَى سَبِيلِ العُمُومِ.\nالثَّامِنَةُ: هَذِهِ القِصَّةُ العَظِيمَةُ؛ وَهِيَ قِصَّةُ الذُّبَابِ.\nالتَّاسِعَةُ: كَونُهُ دَخَلَ النَّارَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الذُّبَابِ الَّذِي لَمْ يَقْصِدْهُ، بَلْ فَعَلَهُ تَخَلُّصًا مِنْ شَرِّهِمْ.\nالعَاشِرَةُ: مَعْرِفَةُ قَدْرِ الشِّرْكِ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ؛ كَيفَ صَبَرَ ذَلِكَ عَلَى القَتْلِ وَلَمْ يُوَافِقْهُم عَلَى طَلَبِهِمْ، مَعَ كَونِهِمْ لَمْ يَطْلُبُوا إِلَّا العَمَلَ الظَّاهِرَ؟!\nالحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ الَّذِي دَخَلَ النَّارَ مُسْلِمٌ، لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَافِرًا لَمْ يَقُلْ: «دَخَلَ النَّارَ فِي ذُبَابٍ».\nالثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: فِيهِ شَاهِدٌ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «الجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ».\nالثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: مَعْرِفَةُ أَنَّ عَمَلَ القَلْبِ هُوَ المَقْصُودُ الأَعْظَمُ؛ حَتَّى عِنْدَ عَبَدَةِ الأَصْنَامِ.","vol":"1","page":183},{"text":"<span data-type='title' id=toc-81>الشَّرْحُ</span>\n- قَولُهُ: «لِغَيرِ اللهِ» اللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ، أَي: الذَّبْحُ مِنْ أَجْلِ غَيرِ اللهِ.\n- يُشْتَرَطُ فِي حِلِّ الذَّبِيحَةِ -مِنْ جِهَةِ التَّسْمِيَةِ وَالقَصْدِ- أُمُورٌ:\n١ - أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللهِ تَعَالَى عَلَيهَا، فَيَقُولَ عِنْدَ تَذْكِيَتِهَا: (بِسْمِ اللهِ).\nقَالَ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأَنْعَام: ١١٨].\n٢ - أنْ لَا يَنْوِي بِهَا غَيرَ اللهِ تَعَالَى، يَعْنِي مِنْ جِهَةِ التَّعْظِيمِ أَوِ التَّقَرُّبِ.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المَائِدَة: ٣]، وَالذَّبْحُ عَلَى النُّصُبِ هُوَ ذَبْحٌ لِغَيرِ اللهِ (^١).\n٣ - أنْ لَا يُذْكَرَ عَلَيهَا اسْمُ غَيرِ اللهِ تَعَالَى.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المَائِدَة: ٣]، وَالإِهْلَالُ هُوَ رَفْعُ الصَّوتِ، وَهِي هُنَا تَسْمِيَةُ الذَّابِحِ.\n- إِنَّ الذَّبْحَ المُحَرَّمَ -مِنْ جِهَةِ التَّسْمِيَةِ وَالقَصْدِ- لَهُ عِدَّةُ صُوَرٍ، أَبْرَزُهَا:\n١ - مَا ذُبِحَ مِنْ أَجْلِ اللَّحْمِ وَلَكِنْ ذُكِرَ عَلَيهِ اسْمُ غَيرِ اللهِ.\n٢ - مَا ذُبِحَ لِلأَصْنَامِ تَقَرُّبًا إِلَيهَا.\n_________\n(^١) النُّصُبُ: حَجَرٌ كَانَ يُنْصَبُ؛ فَيُعْبَدُ وَتُصَبُّ عَلَيهِ دِمَاءُ الذَّبَائِحِ.","vol":"1","page":184},{"text":"٣ - مَا ذُبِحَ تَعْظِيمًا لِمَخْلُوقٍ وَتَحِيَّةً لَهُ عِنْدَ نُزُولِهِ وَوُصُولِهِ إِلَى المَكَانِ الَّذِي يُسْتَقْبَلُ فِيهِ.\n٤ - مَا ذُبِحَ عِنْدَ انْحِبَاسِ المَطَرِ فِي مَكَانٍ مُعَيَّنٍ أَو عِنْدَ قَبْرٍ لِأَجْلِ نُزُولِ المَطَرِ.\n٥ - مَا ذُبِحَ عِنْدَ نُزُولِ البُيُوتِ خَوفًا مِنَ الجِنِّ أَنْ تُصِيبَهُ (^١) (^٢).\n- النُّسُكُ: لُغَةً العِبَادَةُ، وَيَأْتِي بِمَعْنَى ذَبْحِ القُرْبَانِ.\n- اللَّامُ فِي قَولِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ﴾ تُفِيدُ الاسْتِحْقَاقَ فِي الصَّلَاةِ وَالذَّبْحِ لِأَنَّهَا عِبَادَاتٌ، فَهِيَ تَدُلُّ عَلَى تَوحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ، وَفِي جُمْلَةِ ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ فَهِيَ تُفِيدُ المُلْكَ، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى تَوحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَعَلَيهِ فَمَا ثَبَتَ كَونُهُ عِبَادَةً للهِ تَعَالَى فَصَرْفُهُ لِغَيرِهِ شِرْكٌ بِهِ.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ المُرَادُ بِهِ أَحَدُ مَعْنَيَين:\n١ - أَوَّلِيَّةٌ زَمَنِيَّةٌ: أَي: أَنَا أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ (^٣).\n٢ - أَوَّلِيَّةٌ مَعْنَوِيَّةٌ: وَمَعْنَاهَا أَنَّهُ ﵊ هُوَ أَتَمُّ النَّاسِ انْقِيَادًا وَاتِّبَاعًا لِهَذَا الأَمْرِ القُرْآنِيِّ.\n- الصَّلَاةُ أَجَلُّ العِبَادَاتِ البَدَنِيَّةِ، وَالنَّحْرُ أَجَلُّ العِبَادَاتِ المَالِيَّةِ الظَّاهِرَةِ.\n- الكَوثَرُ: الخَيرُ الكَثِيرُ، وَهُوَ اسْمُ نَهْرٍ فِي الجِنَّةِ.\n- قَولُهُ: «بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ» الكَلِمَةُ فِي اصْطِلَاحِ النَّحَوِيِّينَ هِيَ اللَّفْظُ المُفْرَدُ، أَمَّا\n_________\n(^١) أَو عِنْدَ أَوَّلِ تَشْغِيلٍ لِآلَاتِ المَعَامِلِ.\n(^٢) اُنْظُرْ (إِعَانَةُ المُسْتَفِيدِ) للفَوزَانِ (١/ ٢٣٣).\n(^٣) وَكَمَا فِي إِخْبَارِهِ تَعَالَى عَنْ تَوبَةِ سَحَرَةِ فِرْعَونَ: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشُّعَرَاء: ٥١].","vol":"1","page":185},{"text":"فِي أَصْلِ اللُّغَةِ فَهِيَ كُلُّ قَولٍ مُفِيدٍ، كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا: «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلٌ» (^١).\nوَلَهُمَا عَنْهُ أَيضًا مَرْفُوعًا: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ؛ ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ؛ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمنِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ؛ سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ» (^٢).\n- اللَّعْنُ: الطَّرْدُ والإبْعَادُ.\nقَالَ أَبُو السَّعَادَاتِ؛ ابْنُ الأَثِيرِ ﵀: أَصْلُ اللَّعْنِ: الطَّرْدُ والإبْعَادُ مِنَ اللهِ، وَمِنَ الخَلْقِ السَّبُّ وَالدُّعَاءُ (^٣).\n- قَولُهُ: «لَعَنَ اللهُ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الأُمُورَ مِنَ الكَبَائِرِ.\nوَفِي الحَدِيثِ قَدْ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ:\n١ - خَبَريَّةً: أَي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يُخْبِرُ عَنْهُم أَنَّهُم مَلْعُونُونَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الفِعْلِ.\n٢ - إنْشَائِيَّةً: أَي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَدْعُو عَليهِم.\n- قَولُهُ: «لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيهِ» يَعْنِي أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَإِنْ عَلَيَا.\nوَفِي الصَّحِيحَينِ عَنِ ابْنِ عَمْرو مَرْفُوعًا: «إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيهِ». قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ وَكَيفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيهِ؟ قَالَ: «يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ وأُمَّهُ؛ فَيَسُبُّ أَبَاهُ وَيَسُبُّ أُمَّهُ» (^٤).\n_________\n(^١) البُخَارِيِّ (٣٨٤٢)، وَمُسْلِمٍ (٢٢٥٦).\n(^٢) البُخَارِيِّ (٦٦٨٢)، وَمُسْلِمٍ (٢٥٩٤).\n(^٣) النِّهَايَةُ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ (٤/ ٥١١).\n(^٤) البُخَارِيُّ (٥٩٧٣)، وَمُسْلِمٌ (٩٠).","vol":"1","page":186},{"text":"- قَولُهُ: «لَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدثًا» بِالفَتْحِ: أَي: نَفْسَ البِدْعَةِ، وَالمَعْنَى: مَنْ نَصَرَهَا. وَبِالكَسْرِ: أَي: نَفْسَ الجَانِي (المُجْرِمِ) أَي: مَنَعَهُ مِنْ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ الحَقُّ الَّذِي وَجَبَ عَلَيهِ.\nوَفِي الحَدِيثِ: «مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ فَقَدْ ضَادَّ اللهَ» (^١).\n- قَولُهُ: «لَعَنَ اللهُ مَنْ غيَّرَ مَنَارَ الأَرْضِ» أَي: حُدُودَهَا.\nوَفِي الحَدِيثِ: «أَيُّمَا رَجُلٍ ظَلَمَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ كَلَّفَهُ اللهُ ﷿ أَنْ يَحْفِرَهُ حَتَّى يَبْلُغَ آخِرَ سَبْعِ أَرَضِينَ، ثُمَّ يُطَوَّقَهُ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ حَتَّى يُقْضَى بَينَ النَّاسِ» (^٢).\n- قَولُهُ: «فِي ذُبَابٍ» فِي: سَبَبِيَّةٌ، أَي: دَخَلَ النَّارَ بِسَبَبِ ذُبَابٍ (^٣).\n- قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِينَ ﵀ مُعَلِّقًا عَلَى قَولِ المُصَنِّفِ ﵀: (مَعْرِفَةُ أَنَّ عَمَلَ القَلْبِ هُوَ المَقْصُودُ الأَعْظَمُ حَتَّى عِنْدَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ): \"وَالحَقِيقَةُ أَنَّ هَذِهِ المَسْأَلَةَ مَعَ التَّاسِعَةِ فِيهَا شِبْهُ تَنَاقُضٍ! لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ أَحَالَ الحُكْمَ عَلَى عَمَلِ القَلْبِ، وَفِي التَّاسِعَةِ أَحَالَهُ عَلَى الظَّاهِرِ، فَقَالَ: (بِسَبَبِ ذَلِكَ الذُّبَابِ الَّذِي لَمْ يَقْصِدْهُ بَلْ فَعَلَهُ تَخَلُّصًا مِنْ شَرِّهِم) وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ بَاطِنَهُ سَلِيمٌ، وَهُنَا يَقُولُ: إِنَّ العِبْرَةَ (^٤) بِعَمَلِ القَلْبِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا قَالَهُ المُؤَلِّفُ ﵀ حَقٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَنَّ المَدَارَ عَلَى القَلْبِ\" (^٥).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٣٥٩٧) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَة (٤٣٧).\n(^٢) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١٧٥٧١) عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّة مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَة (٢٤٠).\n(^٣) كَمَا فِي البُخَارِيِّ (٣٣١٨) عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «دَخَلَتِ امْرَأةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْها؛ فَلَمْ تُطْعِمْهَا، ولَمْ تَدَعْها تأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ».\n(^٤) فِي الأَصْلِ: (العَمَل)! وَلَعَلَّهُ تَصْحِيفٌ، وَمَا أَثْبَتْنَاهُ هُوَ الأَلْيَقُ بِالمَطْلُوبِ.\n(^٥) القَولُ المُفِيدُ (١/ ٢٣١).","vol":"1","page":187},{"text":"- فَائِدَةٌ ١: ذَبَائِحُ أَهْلِ الكِتَابِ جَائِزَةٌ لِلمُسْلِمِينَ رُغْمَ كَونِهِم مُشْرِكِينَ (^١)، لَكِنَّ هَذَا مُقَيَّدٌ بِقَيدَينِ:\n١ - أَنْ يَكُونُوا حَقًّا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، وَإِلَّا فَإِنَّ مِنْهُمُ الآنَ مَنْ لَا يَدِينُ بِدِيَانَةٍ وَلَا يَعْتَرِفُ بِدِينِهِ أَصْلًا! فَمِثْلُ هَذَا هُوَ وَثَنِيٌّ لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ.\n٢ - أَنْ لَا يَذْكُرَ عَلَيهِ اسْمَ غَيرِ اللهِ تَعَالَى.\nقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: \"وَأَمَّا الذَّبْحُ لِغَيرِ اللَّهِ؛ فَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَذْبَحَ بِاسْمِ غَيرِ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَنْ ذَبَحَ لِلصَّنَمِ أَوِ الصَّلِيبِ أَو لِمُوسَى أَو لِعِيسَى -صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِمَا- أَو لِلْكَعْبَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَكُلُّ هَذَا حَرَامٌ، ولَا تَحِلُّ هَذِهِ الذَّبِيحَةُ، سَوَاءً كَانَ الذَّابِحُ مُسْلِمًا أَو نَصْرَانِيًّا أَو يَهُودِيًّا، نَصَّ عَلَيهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيهِ أَصْحَابُنَا، فَإِنْ قَصَدَ مَعَ ذَلِكَ تَعْظِيمَ الْمَذْبُوحِ لَهُ -غَيرِ اللَّهِ تَعَالَى- وَالْعِبَادَةَ لَهُ؛ كَانَ ذَلِكَ كُفْرًا، فَإِنْ كَانَ الذَّابِحُ مُسْلِمًا قَبْلَ ذَلِكَ؛ صَارَ بِالذَّبْحِ مُرْتَدًّا\" (^٢).\n- فَائِدَةٌ ٢: التَّسْمِيَةُ شَرْطٌ فِي حِلِّ الذّبِيحَةِ إِلَّا لِنِسْيَانٍ.\nعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَوقُوفًا: (المُسْلِمُ يَكْفِيهِ اسْمُهُ، فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ حِينَ يَذْبَحُ؛ فَلْيُسَمِّ ثُمَّ لِيَأْكُل)، قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي بُلُوغِ المَرَامِ: \"وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مَوقُوفًا عَلَيهِ\" (^٣) (^٤).\n_________\n(^١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي تَفْسِيرِهِ (٣/ ٤٠): \"وَهَذَا أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيهِ بَينَ العُلَمَاءِ؛ أَنَّ ذَبَائِحَهُمْ حَلَالٌ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَ الذَّبْحِ لِغَيرِ اللَّهِ، وَلَا يَذْكُرُونَ عَلَى ذَبَائِحِهِمْ إِلَّا اسْمَ اللَّهِ وَإِنِ اعْتَقَدُوا فِيهِ -تَعَالَى- مَا هُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ قَولِهِمْ -تَعَالَى وَتَقَدَّسَ-\".\n(^٢) شَرْحُ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ (١٣/ ١٤١).\n(^٣) بُلُوغُ المَرَامِ (ص ٤١٢).\n(^٤) مُلَاحَظَةٌ: لَفْظُ الحَدِيثِ فِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ (٣٥٣٨): (المُسْلِمُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ؛ فَإِذَا نَسِيَ\n=","vol":"1","page":188},{"text":"وَقَالَ البُخَارِيُّ ﵀ في صَحِيحِهِ: \"بَابُ التَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ وَمَنْ تَرَكَ مُتَعَمِّدًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ نَسِيَ فَلَا بَأْسَ، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأَنْعَام: ١٢١]؛ وَالنَّاسِي لَا يُسَمَّى فَاسِقًا! وَقَولُهُ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأَنْعَام: ١٢١] \" (^١).\nقُلْتُ: وَوَجْهُ الدِّلَالَةِ مِنَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ -فِيمَا يَظْهَرُ- أَنَّ المَقْصُودَ بِهَا هُمُ المُشْرِكُونَ؛ لِأَنَّهُم هُمْ أَولِيَاءُ الشَّيَاطِينِ وَلَيسَ المُسْلِمُونَ -وَإِنْ أَخْطَأوا-.\nوأَيضًا لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البَقَرَة: ٢٨٦]، قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رجب ﵀: \"وَكَذَا لَو تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ نِسْيَانًا؛ فِيهِ عَنْهُ -عَنْ أَحْمَدَ- رِوَايَتَانِ، وَأَكْثَرُ الفُقَهَاءِ عَلَى أنَّها تُؤْكَلُ\" (^٢).\n_________\n=\nأَحَدُكُمْ أَنْ يُسَمِّيَ عَلَى الذَّبِيحَةَ؛ فَلْيُسَمِّ وَلْيَأْكُلْ). وَلَكِنْ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ (٤٨٠٦)، وَالبَيهَقِيُّ فِي الصَّغِيرِ (٣٠١٢) بِلَفْظِ: (فَإِنَّ المُسْلِمَ فِيهِ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ).\n(^١) البُخَارِيُّ (٧/ ٩٠).\n(^٢) جَامِعِ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ٣٦٧).","vol":"1","page":189},{"text":"<span data-type='title' id=toc-82>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-83> المَسْأَلَةُ الأُولَى: قَولُ المُصَنِّفِ ﵀ فِي المَسْأَلَةِ التَّاسِعَةِ: \"كَونُهُ دَخَلَ النَّارَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الذُّبَابِ الَّذِي لَمْ يَقْصِدْهُ؛ بَلْ فَعَلَهُ تَخَلُّصًا مِنْ شَرِّهِم! \" فِيهِ إِشْكَالٌ </span>مِنْ جِهَةِ عَدَمِ العُذْرِ بِالإِكْرَاهِ (^١)! فَمَا الجَوَابُ؟\nالجَوَابُ:\nفِيهِ تَوجِيهَاتٌ عِدَّةٌ:\n١ - إِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ كَانَ قَاصِدًا لِهَذَا الذَّبْحِ غَيرَ مُبَالٍ بِحُرْمَتِهِ -فَهُوَ غَيرُ مُكْرَهٍ- كَمَا يَدُلُّ لِذَلِكَ قَولُ الأَوَّلِ: «لَيسَ عِنْدِي شَيءٌ أُقَرِّبُ» فَامْتِنَاعُهُ عَنِ الذَّبْحِ أَوَّلًا كَانَ سَبَبُهُ عَدَمَ المُلْكِ وَلَيسَ كَونَهُ شِرْكًا، وَلَكَانَ أَولَى بِهِ أَنْ يَرْجِعَ أَدْرَاجَهُ لِأَنَّهُم إِنَّمَا مَنَعُوا مُجَاوَزَةَ الصَّنَمِ لِمَنْ لَمْ يَذْبَحْ، وَلَمْ يُخيِّرُوهُ بَينَ قَتْلِهِ وَبَينَ ذَبْحِهِ لِلقُرْبَانِ (^٢).\n_________\n(^١) قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ فِي كِتَابِهِ القَولُ المُفِيدُ (١/ ٢٧١): \"هَذِهِ المِسْأَلَةُ غَيرُ مُسَلَّمَةٍ، فَإِنَّ قَولَهُ: «قرِّبْ وَلَو ذُبَابًا» يَقْتَضِي أنَّهُ فَعَلَهُ قَاصِدًا التَّقَرُّبَ، وَلَيسَ كَقَولِ المُصَنِّفِ: (لَمْ يَقْصِدْهُ)، أَمَّا لَو فَعَلَهُ تَخَلُّصًا مِنْ شَرِّهِم؛ فَإِنَّهُ لَا يَكْفُرُ لِعَدَمِ قَصْدِ التَّقَرُّبِ\".\n(^٢) قُلْتُ: وَلَا أَظُنُّ أَنَّ الشَّيخَ المُصَنِّفَ ﵀ قَصَدَ ظَاهِرَ الكَلَامِ -مِنْ جِهَةِ تَكْفِيرِ مَنْ فَعَلَ الكُفْرَ دُونَ قَصْدٍ مُطْلَقًا- وَذَلِكَ مِنْ جِهَتَينِ:\n١ - أَنَّ المُصَنِّفَ ﵀ قَالَ فِي المَسْأَلِةِ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ مِنْ نَفْسِ البَابِ: \"مَعْرِفَةُ أَنَّ عَمَلَ القَلْبِ هُوَ المَقْصُودُ الأَعْظَمُ؛ حَتَّى عِنْدَ عَبَدَةِ الأَصْنَامِ\".\n٢ - قَولِ شُرَّاحِ الكِتَابِ الأَئِمَّةِ المَعْرُوفِينَ بِمَعْرِفَةِ مَنْهَجِ الشَّيخِ ﵀ -كَصَاحِبِ فَتْحِ المَجِيدِ، وَابْنِ قَاسِمٍ فِي حَاشِيَتِهِ-: \"أَنَّهُ دَخَلَ النَّارَ بِسَبَبٍ لَمْ يَقْصِدْهُ ابْتِدَاءً، وَإِنَّمَا فَعَلَهُ تَخَلُّصًا مِنْ شَرِّ أَهْلِ الصَّنَمِ\"، حَيثُ قَيَّدُوا عَدَمَ القَصْدِ فِي الابْتِدَاءِ لِبَيَانِ أَنَّهُ انْتِهَاءً قَد قَصَدَ الكُفْرَ بِنَفْسِهِ؛ وَأَنَّهُ لَمْ يُبَالِ بِهِ. يُنْظَر: فَتْحُ المَجِيدُ (ص ١٤٩)، حَاشِيَةُ كِتَابِ التَّوحِيدِ لِابْنِ قَاسِم (ص ١٠١).\nوَمِمَّا يُؤَكِّدُ مَا وَجَّهْتُهُ -وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ- قَولُهُ ﵀ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النَّحْل: ١٠٦]: \"أَنَّ الرُّخْصَةَ لِمَنْ جَمَعَ بَينَهُمَا، خِلَافَ المُكْرَهِ فَقَط\"، حَيثُ جَعَلَ ﵀ مُجَرَّدَ الإِكْرَاهِ لَيسِ بِعُذْرٍ حَتَّى يُضَافَ إِلَيهِ الاطْمِئْنَانُ بِالإيمَانِ. انْظُرْ كِتَابَ (تَفْسِيرِ آيَاتٍ مِنَ القُرآنِ الكَريمِ) -مَطْبُوعٌ ضِمْنَ مُؤَلَّفَاتِ الشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ- الجُزْءُ الخَامِسُ. وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ.","vol":"1","page":190},{"text":"٢ - وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ كَانَ مُكْرَهًا وَمَعْ ذَلِكَ فَقَدْ دَخَلَ النَّارَ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي شَرِيعَتِهِم قَبُولُ العُذْرِ بِالإِكْرَاهِ.\nوَيَشْهَدُ لِذَلِكَ أُمُورٌ:\nأ- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٥٧]، وَمَحَلُّ الشَّاهِدِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيهِمْ﴾، وَمِنْهَا التَّجَاوزُ عَنِ الإِكْرَاهِ وَالنِّسْيَانِ وَالخَطَإِ (^١).\nب- قَولُهُ ﷺ: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ» (^٢)، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَوضُوعًا عَنِ الأُمَمِ سَابِقًا.\n_________\n(^١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٣/ ٤٨٩): \"وَقَدْ كَانَتِ الأُمَمُ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَنَا؛ فِي شَرَائِعِهِم ضِيقٌ عَلَيهِم، فَوَسَّعَ اللهُ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ أُمُورَهَا، وَسَهَّلَهَا لَهُمْ\".\n(^٢) صَحِيحٌ. ابْنُ مَاجَه (٢٠٤٣)، وَالبَيهَقِيُّ فِي الكُبْرَى (١٥٠٩٤) مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (١٧٣١).\nمُلَاحَظَةٌ: جَاءَ هَذَا الحَدِيثُ مِن عِدَّةِ طُرُقٍ لَا يَخلُو وَاحِدٌ مِنْهَا مِنْ مَقَالٍ، وَعَلَيه فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي صِحَّةِ\n=","vol":"1","page":191},{"text":"قَالَ الشَّيخُ مُحَمَّدُ الأَمِينُ الشَّنْقِيطِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (أَضْوَاءُ البَيَانِ فِي إِيضَاحِ القُرْآنِ بِالقُرْآنِ) -عِنْدَ تَفْسِيرِ سُورَةِ الكَهْفِ-: \"أَخَذَ بَعْضُ العُلَمَاءِ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أَنَّ العُذْرَ بِالإِكْرَاهِ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الأُمَّةِ، لِأَنَّ قَولَهُ عَنْ أَصْحَابِ الكَهْفِ: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ ظَاهِرٌ فِي إِكْرَاهِهِم عَلَى ذَلِكَ وَعَدَمِ طَواعيَّتِهِم؛ وَمَعْ هَذَا قَالَ عَنْهُم: ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾! فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الإِكْرَاهَ لَيسَ بِعُذْرٍ.\nوَيَشْهَدُ لِهَذَا المَعْنَى حَدِيثُ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ فِي الَّذِي دَخَلَ النَّار فِي ذُبَابٍ قَرَّبَهُ مَعَ الإِكْرَاهِ بِالخَوفِ مِنَ القَتْلِ، لِأَنَّ صَاحِبَهُ الَّذِي امتنعَ أنْ يُقَرِّبَ -وَلَو ذُبَابًا- قَتَلُوهُ.\nوَيَشْهَدُ لَهُ أَيضًا دَلِيلُ الخِطَابِ، أَي: مَفْهُومُ المُخَالَفَةِ فِي قَولِهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ»؛ فَإِنَّهُ يُفهَمُ مِنْ قَولِهِ: «تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي» أَنَّ غَيرَ أُمَّتِهِ مِنَ الأُمَمِ لَمْ يُتَجَاوَزْ لَهُم عَنْ ذَلِكَ\" (^١).\nقُلْتُ: وَكَذَا يُفْهَمُ مِن وُقُوعِ المُؤَاخَذَةِ عَلَى كُفْرِ سَحَرَةِ فِرْعَونَ رُغْمَ الإِكْرَاهِ؛ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ [طه: ٧٣].\n٣ - وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الحَدِيثَ مِنَ الإِسْرَائِيلِيَّاتِ وَلَيسَ بِمَرْفُوعٍ، وَلَا يُؤْخَذُ بِهِ فِي هَذَا الاسْتِدْلَالِ لِمُخَالَفَتِهِ النُّصُوصَ الكَثِيرَةَ المُصَرِّحَةَ بِالعُذْرِ بِالإِكْرَاهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ\n_________\n=\nهَذَا الحَدِيثِ بينَ أَهْلِ العِلْمِ مَا بَينَ مُضَعِّفٍ ومُنْكِرٍ؛ وَمَا بَينَ مُحَسِّنٍ وَمُصَحِّحٍ، وَالخَلَاصَةُ فِيهِ هُوَ الصِّحَّةُ لِكَثْرَةِ طُرُقِه وَشَوَاهِدِهِ.\n(^١) أَضْوَاءُ البَيَانِ (٣/ ٢٥١).","vol":"1","page":192},{"text":"بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النَّحْل: ١٠٦] (^١).\n_________\n(^١) قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الضَّعِيفَةِ (٥٨٢٩): \"وَبِالجُمْلَةِ؛ فَالحَدِيثُ صَحِيحٌ مَوقُوفًا عَلَى سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ ﵁، إِلَّا أَنَّهُ يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ مِنَ الإِسْرَائِيلِيَّاتِ الَّتِي كَانَ تَلَقَّاهَا عَنْ أَسْيِادِهِ حِينَمَا كَانَ نَصْرَانِيًّا.\nهَذَا؛ وَإِنِّي لَأَسْتَنْكِرُ مِنْ هَذَا الحَدِيثِ: دُخُولَ الرَّجُلِ النَّارَ فِي ذُبَابٍ! لِأَنَّ ظَاهِرَ سِيَاقِهِ أَنَّهُ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ خَوفًا مِنَ القَتْلِ الَّذِي وَقَعَ لِصَاحِبِهِ، كَمَا أَنَّنِي اسْتَنْكَرْتُ قَولَ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ فِي المَسْأَلَةِ الحَادِيَةَ عَشَرةَ: أَنَّ الَّذِي دَخَلَ النَّارَ مًسْلِمٌ؛ لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَافِرًا؛ لَمْ يَقُلْ: دَخَلَ النَّارَ فِي ذُبَابٍ!\nفَأَقُولُ: وَجْهُ الاسْتِنْكَارِ: أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ أَمْرَينِ:\nالأَوَّلِ: أَنَّهُ لَمَّا قَدَّمَ الذُّبَابَ لِلصَّنَمِ؛ إِنَّمَا قَدَّمَهُ عِبَادَةً لَهُ وَتَعْظِيمًا، فَهُوَ فِي هَذِهِ الحَالَةِ لَا يَكُون مُسْلِمًا؛ بَلْ هُوَ مُشْرِكٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ الشَّيخِ سُلَيمَان ﵀ (ص ١٦١): (فِي هَذَا بَيَانُ عَظَمَةِ الشِّرْكِ وَلَو فِي شَيءٍ قَلِيلٍ وَأَنَّهُ يُوجِبُ النَّارَ، أَلَا َتَرى إِلَى َهَذا لَمَّا قَرَّبَ لِهَذَا الصَّنَمِ أَرْذَلَ الحَيَوَانِ وَأَخَسَّهُ وَهُوَ الذُّبَابُ كَانَ جَزَاؤُهُ النَّارَ؛ لِإِشْرَاكِهِ فِي عِبَادَةِ اللهِ؟! إِذِ الذَّبْحُ عَلَى سَبِيلِ القُرْبَةِ وَالتَّعْظِيمِ عِبَادَةٌ، وَهَذَا مُطَابِقٌ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢]).\nوَالآخَرِ: أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ خَوفًا مِنَ القَتْلِ -كَمَا تَقَدَّمَ مِنِّي-، وَهُوَ فِي هَذِهِ الحَالَةِ لَا تَجِبُ لَهُ النَّارُ! فَالحُكْمُ عَلَيهِ بِأَنَّهُ مُسْلِمٌ دَخَلَ النَّارَ فِي ذُبَابٍ؛ يَأْبَاهُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النَّحْل: ١٠٦]، وَقَدْ نَزَلَتْ فِي عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ حِينَ عَذَّبَهُ المُشْرِكُونَ حَتَّى يَكْفُرَ بِهِ ﷺ، فَوَافَقَهُم عَلَى ذَلِكَ مُكْرَهًا، وَجَاءَ مُعْتَذِرًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ؛ كَمَا فِي تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ وَغَيرِهِ\".","vol":"1","page":193},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-84> المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: هَلِ الأَولَى لِلإِنْسَانِ إِذَا أُكْرِهَ عَلَى الكُفْرِ أَنْ يَصْبِرَ وَلَو قُتِلَ! أَو يُوَافِقَ ظَاهِرًا؟</span>\nالجَوَابُ عَلَى حَالَاتٍ:\n١ - إِنْ كَانَ كُفْرًا ظَاهِرًا وبَاطِنًا؛ فَهَذِهِ رِدَّةٌ، وَلَا تَجُوزُ مُطْلَقًا.\n٢ - إِنْ كَانَ ظَاهِرًا وَلَيسَ بَاطِنًا -لِلتَّخَلُّصِ مِنَ الإِكْرَاهِ-؛ جَازَ.\nوَدَلَّ لَهُ حَدِيثُ عَمَّارِ مَرْفُوعًا وَفِيهِ: «إِنْ عَادُوا فَعُدْ» (^١).\nوَكَذَا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عِمْرَان: ٢٨].\nقَالَ الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ: \"إِلَّا أَنْ تَكُونُوا فِي سُلْطَانِهِم فَتَخَافُوهُم عَلَى أَنْفُسِكُم؛ فَتُظْهِرُوا لَهُم الوَلَايَةَ بِأَلْسِنَتِكُم، وَتُضْمِرُوا لَهُمُ العَدَاوَةَ، وَلَا تُشَايعُوهُم عَلَى مَا هُم عَلَيهِ مِنَ الكُفْرِ، وَلَا تُعِينُوهُم عَلَى مُسْلِمٍ بِفِعْلٍ\" (^٢).\n_________\n(^١) فِي مُسْتَدْرَكِ الحَاكِمِ (٣٣٦٢): أَخَذَ المُشْرِكُونَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتَّى سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيرٍ، ثُمَّ تَرَكُوهُ، فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: «مَا وَرَاءَكَ؟» قَالَ: شَرٌّ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا تُرِكْتُ حَتَّى نِلْتُ مِنْكَ وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيرٍ! قَالَ: «كَيفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟» قَالَ: مُطْمَئِنًا بِالإِيمَانِ. قَالَ: «إِنْ عَادُوا فَعُدْ». قَالَ الذَّهَبِيُّ ﵀: \"عَلَى شَرْطِ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ\"، وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي (الدِّرَايَةِ) (٢/ ١٩٧): \"وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ؛ إِنْ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارٍ سَمِعَهُ مِنْ أَبِيهِ\".\nوَفِي الإِسْنَادِ كَلَامٌ، وَقَدْ جَزَمَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ بِثُبُوتِ نُزُولِ الآيَةِ فِي عَمَّار لِمَجِيءِ ذَلِكَ مِنْ طُرُقٍ سَاقَهَا ابْنُ جَرِيرٍ؛ إِلَّا أَنَّ سِيَاقَ الحَدِيثِ فِيهِ نَظَرٌ. يُنْظَرُ: فِقْهُ السِّيرَةِ لِلغَزَالِيِّ (ص ١١١) بِتَحْقِيقِ الشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ ﵀.\n(^٢) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (٦/ ٣١٣).","vol":"1","page":194},{"text":"٣ - لَا ظَاهِرًا وَلَا بَاطِنًا؛ فَهَذَا جَائِزٌ، وَهُوَ مِنَ الصَّبْرِ.\nوَالأَولَى مِنْهُمَا بِحَسْبِ حَالِهِ:\nأ- فَإِنْ كَانَ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيهِ ضَرَرٌ فِي الدِّينِ لِلعَامَّةِ، أَو أَنَّ بَقَاءَهُ حَيًّا فِيهِ نَفْعٌ وَزِيَادَةُ خَيرٍ لِنَفْسِهِ أَو لِلنَّاسِ؛ فَالتَّقِيَّةُ أَولَى.\nب- وَإِنْ كَانَ فِي مُوَافَقَتِهِ ظَاهِرًا عَلَى الكُفْرِ ضَرَرٌ عَلَى الإِسْلَامِ؛ فَإِنَّهُ يَصْبِرُ، وَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا، لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الصَّبْرِ عَلَى الجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَيسَ مِنْ بَابِ إِلْقَاءِ النَّفْسِ فِي التَّهْلُكَةِ (^١)!\n_________\n(^١) اُنْظُرْ كِتَابَ القَولُ المُفِيدُ لِابْنِ عُثَيمِين ﵀ (١/ ٢٢٩).","vol":"1","page":195},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-85> المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: مَا يُذْبَحُ عِنْدَ قُدُومِ الضَّيفِ</span>؛ هَلْ هُوَ مِنَ الشِّرْكِ أَمْ هُوَ جَائِزٌ مِنْ بَابِ الفَرَحِ بِقُدُومِهِ وَالاحْتِفَالِ بِذَلِكَ وَالتَّوسِعَةِ فِي المَأْكَلِ بِسَبَبِهِ؟\nالجَوَابُ:\nإِنْ كَانَ مِنْ بَابِ إِظْهَارِ التَّعْظِيمِ بِذَبْحِ الدِّمَاءِ لَهُ؛ فَهُوَ شِرْكٌ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ بَابِ الاحْتِفَالِ بِقُدُومِهِ بِالتَّوسِعَةِ فِي المَأْكَلِ؛ فَهُوَ مُبَاحٌ، وَقَدْ يَكُونُ مُسْتَحَبًّا مِنْ بَابِ إِكْرَامِ الضَّيفِ.\nوَعَلَامَةُ كَونِهِ تَعْظِيمًا لَهُ أَمْرَانِ:\n١ - أَنَّهُ يَذْبَحُ عِنْدَ قُدُومِهِ أَمَامَهُ، فَيَظْهَرُ بِذَلِكَ التَّعْظِيمُ؛ وَأَنَّ مَا أُرِيقَ مِنَ الدَّمِ فَهُوَ لَهُ (^١) (^٢).\n٢ - أَنَّهُ يُذْبَحُ عِنْدَ قُدُومِهِ عَدَدٌ كَبِيرٌ مِنَ المَوَاشِي أَكْثَرَ مِمَّا يَلْزَمُ لِإِطْعَامِهِ وَإِطْعَامِ المَوجُودِينَ وَالضُّيُوفِ مَعَهُ، لِذَلِكَ فَبَعْدَ الذَّبْحِ يُرْمَى أَكْثَرُهَا وَلَا يُؤْكَلُ (^٣)!\n_________\n(^١) وَلَا يَخْفَى أَنَّ عَاقِلًا لَا يُرِيقُ الدَّمَ أَمَامَ دَارِهِ وَبَينَ النَّاسِ وَيُعَرِّضُ نَفْسَهُ وَمَنْ حَولَهُ لِلتَّلَطُّخِ بِالدِّمَاءِ وَالدَّوسِ عَلَيهَا! وَلَكِنَّ شَأْنِ الذَّبَائِحِ عَادَةً هُوَ فِي المَطَابِخِ المُجَهَّزَةِ لِذَلِكَ أَوِ الأَحْوَاشِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.\n(^٢) قَالَ الشَّيخُ الزُّحَيلِيُّ حَفِظَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ التَّفْسِيرُ المُنِيرُ (٨/ ٢٥): \"لَكِنْ لَو كَانَ الذَّبْحُ بَينَ رِجْلَي القَادِمِ أَو مَرَّ عَلَيهِ مِنْ فَوقِهِ؛ فَلَا يُؤْكَلُ، لِأَنَّهُ ذَبْحٌ أُهِلَّ لِغَيرِ اللهِ بِهِ، أَي ذُكِرَ اسْمُ غَيرِ اللهِ عَلَيهِ\".\n(^٣) قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ فِي كِتَابِهِ القَولُ المُفِيدُ (١/ ٢١٤): \"فَلَو قَدِمَ السُّلْطَانُ إِلَى بَلَدٍ؛ فَذَبَحْنَا لَهُ؛ فَإِنْ كَانَ تَقَرُّبًا وَتَعْظِيمًا؛ فَإِنَّهُ شِرْكٌ أَكْبَرُ، وَتَحْرُمُ هَذِهِ الذَّبَائِحُ، وَعَلَامَةُ ذَلِكَ: أَنَّنَا نَذْبَحُهَا فِي وَجْهِهِ ثُمَّ نَدَعُهَا\".","vol":"1","page":196},{"text":"بَابُ لَا يُذبَحُ للهِ فِي مَكَانٍ يُذبَحُ فِيهِ لِغَيرِ اللهِ\nوَقَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التَّوبَة: ١٠٨].\nوَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ﵁؛ قَالَ: نَذَرَ رَجُلٌ أَنْ يَنْحَرَ إبِلًا بِبُوَانَةَ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أوثَانِ الجَاهِلِيّةِ يُعْبَدُ؟»، قَالُوا: لَا، قَالَ: «فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أعْيَادِهِمْ؟» قَالُوا: لَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَوفِ بِنَذْرِكَ؛ فَإنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنِذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِهِمَا (^١).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٣٣١٣)، وَالحَدِيثُ عِنْدَ النَّسَائِيِّ (٣٧٩٢) بِزِيَادَةِ: «ولَا قَطِيعَةِ رَحِمِ» عَنِ ابْنِ عَمْرو مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَة (٢٨٧٢).","vol":"1","page":197},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: تَفْسِيرُ قَولِهِ: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾.\nالثَّانِيَةُ: أَنَّ المَعْصِيَةَ قَدْ تُؤَثِّرُ فِي الأَرْضِ، وَكَذَلِكَ الطَّاعَةُ.\nالثَّالِثَةُ: رَدُّ المَسْأَلَةِ المُشْكِلَةِ إِلَى المَسْأَلَةِ البَيِّنَةِ لِيَزُولَ الإِشْكَالُ.\nالرَّابِعَةُ: اسْتِفْصَالُ المُفْتِي إِذَا احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ.\nالخَامِسَةُ: أَنَّ تَخْصِيصَ البُقْعَةِ بِالنَّذْرِ لَا بَأْسَ بِهِ إِذَا خَلَا مِنَ المَوَانِعِ.\nالسَّادِسَةُ: المَنْعُ مِنْهُ إِذَا كَانَ فِيهِ وَثَنٌ مِنْ أَوثَانِ الجَاهِلِيَّةِ وَلَو بَعْدَ زَوَالِهِ.\nالسَّابِعَةُ: المَنْعُ مِنْهُ إِذَا كَانَ فِيهِ عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ وَلَو بَعْدَ زَوَالِهِ.\nالثَّامِنَةُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الوَفَاءُ بِمَا نَذَرَ فِي تِلْكَ البُقْعَةِ لِأَنَّهُ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ.\nالتَّاسِعَةُ: الحَذَرُ مِنْ مُشَابَهَةِ المُشْرِكِينَ فِي أَعْيَادِهِمْ وَلَو لَمْ يَقْصِدْهُ.\nالعَاشِرَةُ: لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ.\nالحَادِيَةَ عَشْرَةَ: لَا نَذْرَ لِابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ.","vol":"1","page":198},{"text":"<span data-type='title' id=toc-88>الشَّرْحُ</span>\n- مُنَاسَبَةُ البَابِ مَعَ البَابِ المَاضِي؛ أَنَّهُ فِي البَابِ المَاضِي يُنْهَى عَنِ الذَّبْحِ لِغَيرِ اللهِ مِنْ جِهَةِ كَونِهِ شِرْكًا، فَهُوَ نَهْيٌ مِنْ جِهَةِ القَصْدِ، وَفِي هَذَا البَابِ يُنْهَى عَنِ الذَّبْحِ -وَلَو أَنَّهُ للهِ- مِنْ جِهَةِ المُشَابَهَةِ لِأَفْعَالِ المُشْرِكِينَ.\n- سِيَاقُ الآيَةِ السَّابِقَةِ هُوَ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَينَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التّوبة: ١٠٧ - ١٠٨].\nقَالَ العَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ: \"كَانَ أُنَاسٌ مِنَ المُنَافِقِينَ مِنْ أَهْلِ قُبَاء اتَّخَذُوا مَسْجِدًا إِلَى جَنْبِ مَسْجِدِ قُبَاءٍ يُرِيدُونَ بِهِ المُضَارَّةَ وَالمُشَاقَّةَ بَينَ المُؤْمِنِينَ، وَيُعِدُّونَهُ لِمَنْ يَرْجُونَهُ مِنَ المُحَارِبِينَ للهِ وَرَسُولِهِ يَكُون لَهُم حِصْنًا عِنْدَ الاحْتِيَاجِ إِلَيهِ، فَبَيَّنَ تَعَالَى خِزْيَهُم؛ وَأَظْهَرَ سِرَّهُم، فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ أَي: مُضَارَّةً لِلمُؤْمِنِين وَلِمَسْجِدِهِم الَّذِي يَجْتَمِعُونَ فِيهِ، ﴿وَكُفْرًا﴾ أَي: قَصْدُهُم فِيهِ الكُفْرُ؛ إِذْ قَصَدَ غَيرُهُم الإِيمَانَ.\n﴿وَتَفْرِيقًا بَينَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أَي: لِيَتَشَعَّبُوا وَيَتَفَرَّقُوا وَيَخْتَلِفُوا، ﴿وَإِرْصَادًا﴾ أَي: إِعْدَادًا ﴿لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أَي: إِعَانَةً لِلمُحَارِبِينَ للهِ وَرَسُولِهِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ حِرَابُهُم وَاشْتَدَّتْ عَدَاوَتُهُم، وَذَلِكَ كَأَبِي عَامِرٍ الرَّاهِبِ الَّذِي كَانَ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ؛ فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَهَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ كَفَرَ بِهِ، وَكَانَ مُتَعَبِّدًا فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَذَهَبَ إِلَى","vol":"1","page":199},{"text":"المُشْرِكِينَ يَسْتَعِينُ بِهِم عَلَى حَرْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.\nفَلَمَّا لَمْ يُدْرِكْ مَطْلُوبَهُ عِنْدَهُم ذَهَبَ إِلَى قَيصَرَ -بِزَعْمِهِ أَنَّهُ يَنْصُرُهُ-، فَهَلَكَ اللَّعِينُ فِي الطَّرِيقِ، وَكَانَ عَلَى وَعْدٍ وَمُمَالَأَةٍ هُوَ وَالمُنَافِقُونَ، فَكَانَ مِمَّا أَعَدُّوا لَهُ مَسْجِدَ الضِّرَارِ، فَنَزَلَ الوَحْيُ بِذَلِكَ، فَبَعَثَ إِلَيهِ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ يَهْدِمُهُ وَيَحْرِقُهُ، فَهُدِمَ وحُرِقَ، وَصَارَ بَعْدَ ذَلِكَ مَزْبَلَةً.\nقَالَ تَعَالَى -بَعْدَمَا بَيَّنَ مِنْ مَقَاصِدِهِم الفَاسِدَةِ فِي ذَلِكَ المَسْجِدِ-: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا﴾ فِي بِنَائِنَا إِيَّاهُ ﴿إِلَّا الْحُسْنَى﴾ أَي: الإِحْسَانَ إِلَى الضَّعِيفِ وَالعَاجِزِ وَالضَّرِيرِ ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فَشَهَادَةُ اللهِ عَلَيهِم أَصْدَقُ مِنْ حَلِفِهِم.\n﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ أَي: لَا تُصَلِّ فِي ذَلِكَ المَسْجِدِ الَّذِي بُنِيَ ضِرَارًا أَبَدًا، فَاللهُ يُغْنِيكَ عَنْهُ، وَلَسْتَ بِمُضْطَرٍّ إِلَيهِ، ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ ظَهَرَ فِيهِ الإِسْلَامُ فِيهِ -وَهُوَ مَسْجِدُ قُبَاءٍ- أُسِّسَ عَلَى إِخْلَاصِ الدِّينِ للهِ، وَإِقَامَةِ ذِكْرِهِ وَشَعَائِرِ دِينِهِ، وَكَانَ قَدِيمًا فِي هَذَا عَرِيقًا فِيهِ؛ فَهَذَا المَسْجِدُ الفَاضِلُ ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ وَتَتَعَبَّدَ وَتَذْكُرَ اللهَ تَعَالَى، فَهُوَ فَاضِلٌ وَأَهْلُهُ فُضَلَاءُ، وَلِهَذَا مَدَحَهُم اللهُ بِقَولِهِ: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ مِنَ الذُّنُوبِ وَيَتَطَهَّرُوا مِنَ الأَوسَاخِ وَالنَّجَاسَاتِ وَالأَحْدَاثِ\" (^١).\n- قَولُهُ: «لَا يُذْبَحُ للهِ» هَذَا مِنَ النَّفْي المُشْتَمِلِ عَلَى النَّهْي، وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ مُجَرَّدِ النَّهْي، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أنْ يَقَعَ أَصْلًا.\n_________\n(^١) تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ (ص ٣٥١).","vol":"1","page":200},{"text":"- الحِكْمَةُ فِي النَّهْي عَنِ الذَّبْحِ فِي مَكَانٍ يُذْبَحُ فِيهِ لِغَيرِ اللهِ هِيَ:\n١ - أَنَّهَا وَسِيلَةٌ مُفْضِيَةٌ إِلَى الشِّرْكِ، فَهِيَ مِنْ بَابِ سَدِّ ذَرَائِعِ الشِّرْكِ.\nوَكَمَا أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي أَوقَاتٍ مُعَيَّنَةٍ هِيَ لِعِلَّةِ مَنْعِ التَّشَبِّهِ بِالمُشْرِكِينَ -وَهِيَ مُشَابَهَةٌ زَمَنِيَّةٌ-؛ فَمَوضُوعُ البَابِ فِي المُشَابَهَةِ المَكَانِيَّةِ.\n٢ - تَشَبُّهٌ بِالكُفَّارِ الَّذِينَ يَذْبَحُونَ فِيهِ لِغَيرِ اللهِ.\n٣ - يُؤَدِّي لِلاغْتِرَارِ بِالفِعْلِ، فَمَنْ رَآه يَظُنُّ أَنَّ فِعْلَ المُشْرِكِينَ جَائِزٌ!\n٤ - تَكْثِيرٌ لِسَوَادِهِم، فَالمُشْرِكُونَ يَقْوَونَ عَلَى فِعْلِهِم إِذَا رَأَوا مَنْ يَفْعَلُ مِثْلَهُم.\n- النَّهْيُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ الضِّرَارِ عُمُومًا لَهُ عِدَّةُ أَسْبَابٍ:\n١ - مُضَارَّةُ مَسْجِدِ قُبَاءٍ، وَلِهَذَا سُمِّيَ بِمَسْجِدِ الضِّرَارِ (^١).\n٢ - الكُفْرُ بِاللهِ حَيثُ اتَّخَذَهُ المُنَافِقُونَ لِأَغْرَاضِهِم الخَبِيثَةِ.\n٣ - التَّفْرِيقُ بَينَ المُؤْمِنِينَ؛ فَبَدَلًا مِنْ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ قُبَاء صَفٌّ أَو صَفَّانِ؛ يُصَلِّي فِيهِ نِصْفُ صَفٍّ وَالبَاقِي فِي المَسْجِدِ الآخَرِ! وَالشَّرْعُ لَهُ نَظَرٌ فِي اجْتِمَاعِ المُصَلِّينَ.\n٤ - الإِرْصَادُ وَالإِعْدَادُ لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ.\n- التَّقْوَى أَصْلُهَا مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ (وَقْوَى) فَالتَّاءُ فِيهَا مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوٍ، وَهِيَ مِنَ الوِقَايَةِ، وَقَاهُ يَقِيهِ وِقَايَةً.\n- المُتَّقِي لُغَةً: هُوَ مَنْ جَعَلَ بَينَهُ وَبَينَ مَا يَكْرَهُ وِقَايَةً، وَشَرْعًا: مَنْ جَعَلَ بَينَهُ وَبَينَ\n_________\n(^١) رُغْمَ أَنَّهُم عَلَّلُوا سَبَبَ بِنَائِهِ أَنَّهُ يَكُونُ لِلمَرِيضِ أَو مِنْ أَجْلِ الليلَةِ المَطِيرَةِ أَوِ البَارِدَةِ لِئَلَّا يَشِقَّ عَلَيهِم الذَّهَابُ إِلَى مَسْجِدِ قُبَاءٍ.","vol":"1","page":201},{"text":"سَخَطِ اللهِ وَعَذَابِهِ وِقَايَةً.\n- التَّقْوَى لَا تَكُونُ إِلَّا عَنْ بَصِيرَةٍ مِنَ اللهِ تَعَالَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البَقَرَة: ١٨٧] (^١)، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: (كَمْ مِنْ مُرِيدٍ لِلْخَيرِ لَنْ يُصِيبَهُ) (^٢).\n- التَّقْوَى فِي القُرْآنِ تَكُونُ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ:\n١ - تَقْوَى بِمَعْنَى التَّوحِيدِ، وَقَدْ أُمرَ بِهَا النَّاسُ جَمِيعًا.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيكُمْ رَقِيبًا﴾ [النِّسَاء: ١].\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ في التَّفْسِيرِ: \"يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا خَلْقَهُ بِتَقْوَاهُ -وَهِيَ عِبَادَتُهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ- وَمُنَبِّهًا لَهُم عَلَى قُدْرَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُم بِهَا مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ آدَمَ ﵇\" (^٣).\n٢ - تَقْوَى أُمِرَ بِهَا المُؤْمِنُونَ.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البَقَرَة: ٢٧٨] فَهِيَ لِلمُؤْمِنِ بَعْدَ تَحْصِيلِهِ التَّوحِيدَ، وَمَعْنَاهَا: أَنْ يَعْمَلَ العَبْدُ بِطَاعَةِ اللهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللهِ، وَأَنْ يَتْرُكَ مَعْصِيَةَ اللهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللهِ تَعَالَى.\n_________\n(^١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (١/ ٥٢٠): \"أَي: كَمَا بَيَّنَ اللهُ الصِّيَامَ وَأَحْكَامَهُ وَشَرَائِعَهُ وَتَفَاصِيلَهُ؛ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ سَائِرَ الأَحْكَامِ عَلَى لِسَانِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أَي: يَعْرِفُونَ كَيفَ يَهْتَدُونَ، وكَيفَ يُطِيعُونَ\".\n(^٢) صَحِيحٌ. الدَّارِمِيُّ (٢١٠) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوقُوفًا. الصَّحِيحَة (٢٠٠٥).\n(^٣) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٢/ ٢٠٦).","vol":"1","page":202},{"text":"٣ - تَقْوَى بِمَعْنَى الثَّبَاتِ عَلَيهَا وَعَلَى الطَّاعَةِ، فَهِيَ مُوَجَّهَةٌ لِمَنْ هُوَ آتٍ بِهَا.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأَحْزَاب: ١].\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ هَذَا فِيهِ اسْتِعْمَالُ أَفْعُلِ التَّفْضِيلِ عَلَى غَيرِ بَابِهَا، فَلَيسَ لِمَسْجِدِ الضِّرَارِ حَقٌّ أَصْلًا لِلصَّلَاةِ فِيهِ؛ وَقَدْ أُسِّسَ عَلَى مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ مِنَ المَعْصِيَةِ!\n- وَجْهُ المُنَاسَبَةِ مِنَ الآيَةِ: أَنَّ هَذَا المَسْجِدَ لَمَّا أُعِدَّ لِمَعْصِيَةِ اللهِ صَارَ مَحَلَّ غَضَبٍ لِأَجْلِ ذَلِكَ، فَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ وَلَو للهِ، وَعَلَاقَةُ هَذَا مَعَ البَابِ أَنَّهُ مِنْ بَابِ القِيَاسِ، حَيثُ صَارَ فِيهِ النَّهْيُ عَنْ مُشَابَهَةِ المُشْرِكِينَ فِي مَكَانِ العِبَادَةِ وَلَو كَانَتْ للهِ، أَمَّا الحَدِيثُ الآتِي فِي البَابِ فَهُوَ مِنْ بَابِ التَّنْصِيصِ عَلَى النَّهْي.\n- المَسْجِدُ المَذْكُورُ فِي الآيَةِ هُوَ مَسْجِدُ قُبَاءٍ، وَقَدْ وَرَدَتِ الفَضِيلَةُ فِيهِ وَفِي أَهْلِهِ، وَهِيَ:\n١ - أَنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ تَعْدِلُ عُمْرَةً.\nكَمَا فِي الحَدِيثِ: «مَنْ خَرَجَ حَتَّى يَأْتِيَ هذَا المَسْجِدَ -مَسْجِدَ قُبَاءٍ- فَيُصَلِّي فِيهِ؛ كانَ لَهُ عَدْلَ عُمْرَةٍ» (^١).\n٢ - فَضِيلَةُ أَهْلِهِ مِنْ جِهَةِ الطَّهَارَةِ -البَدَنِيَّةِ وَالمَعْنَوِيَّةِ-.\nلِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التَّوبَة: ١٠٨].\nوَفِي الحَدِيثِ: «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ؛ إِنَّ اللهَ قَدْ أَثْنَى عَلَيكُمْ فِي الطُّهُورِ، فَمَا\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١٥٩٨١) عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيفٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَة (٣٤٤٦).","vol":"1","page":203},{"text":"طُهُورُكُمْ؟» قَالُوا: نَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، وَنَغْتَسِلُ مِنَ الجَنَابَةِ، وَنَسْتَنْجِي بِالمَاءِ. قَالَ: «فَهُوَ ذَاكَ، فَعَلَيكُمُوهُ» (^١).\n- قَولُهُ: (بُوَانَة): \"هَضَبَةٌ وَرَاءَ يَنْبُع، قَرِيبَةٌ مِنْ سَاحِلِ البَحْرِ\" (^٢).\n- النَّذْرُ لُغَةً: الإِلْزَامُ وَالعَهْدُ، وَاصْطِلَاحًا: إِلْزَامُ المُكَلَّفِ نَفْسَهُ للهِ شَيئًا غَيرَ وَاجِبٍ، وَالنَّذْرُ مِنْهُ المَكْرُوهُ (^٣) وَمِنْهُ المُسْتَحَبُّ.\n- قَولُهُ: «هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أوثَانِ الجَاهِلِيّةِ يُعْبَدُ؟» «يُعْبَدُ» صِفَةٌ مُوَضِّحَةٌ -كَاشِفَةٌ- ولَيسَتْ مُقَيِّدَةٌ، وَالمَعْنَى هَلْ كَانَ فِيهَا شَيءٌ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ؟ وَلَيسَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ هُنَاكَ وَثَنٌ -وَلَكِنَّهُ لَا يُعْبَدُ- فَجَائِزٌ (^٤).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. ابْنُ مَاجَه (٣٥٥) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ مَرْفُوعًا. اُنْظُرْ تَحْقِيقَ مِشْكَاةِ المَصَابِيحِ (٣٦٩).\n(^٢) مُعْجَمُ البُلْدَانِ (١/ ٥٠٥).\n(^٣) بَلْ إِنَّ بَعْضَ أَهْلِ العِلْمِ يَمِيلُ لِحُرْمَتِهِ؛ وَفِي البُخَارِيِّ (٦٦٩٣) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ النَّذْرِ؛ وَقَالَ: «إِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيئًا! وَلَكِنَّهُ يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ».\n(^٤) وَالصِّفَةُ المُوَضِّحَةُ يُفِيدُ وَضْعُهَا بَيَانَ العِلَّةِ فِي النَّهْي، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المُؤْمِنُون: ١١٧] فَلَيسَ مَعْنَى ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ﴾ أَنَّهُ إِنْ كَانَ لَهُ بُرْهَانٌ بِهِ فَجَائِزٌ! وَلَكِنِ المَعْنَى: أَنَّ أيَّ شَيءٍ غَيرَ اللهِ لَيسَ لَهُ بُرْهَانٌ لِلعِبَادَةِ، فَهِيَ عِلَّةُ التَّوحِيدِ لِرَبِّ العَالَمِينَ ﷾.\nوَمِثْلُهُ أَيضًا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البَقَرَة: ٢١] فَلَيسَ المَعْنَى أَنَّهُ هُنَاكَ رَبٌّ خَالِقٌ وَهُنَاكَ رَبٌّ لَمْ يَخْلُقْ! وَلَكِنَّهُ لِبَيَانِ أَنَّ الرَّبَّ هُوَ الخَالِقُ وَحْدَهُ.\nوَمِثْلُهُ أَيضًا حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ (٢٦٧٧) مَرْفُوعًا عَنْ عَمْرو بْنِ عَوفٍ -وَالحَدِيثُ ضَعِيفٌ؛ كَمَا فِي ضَعِيفِ الجَامِعِ (٩٦٥) -: \"مَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةَ ضلالَةٍ لَا تُرْضِي اللهَ وَرَسُولَهُ؛ كانَ علَيهِ مِثْلُ آثامِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أوزَارِ النَّاسِ شَيئًا». فَقَولُهُ «لَا يَرْضَاهَا» صِفَةٌ شَارِحَةٌ لِلضَّلَالَةِ، وَلَا يَعْنِي أَنَّ هُنَاكَ مِنَ البِدَعِ الضَّلَالَاتِ مَا تُرْضِي اللهَ وَرَسُولَهُ!","vol":"1","page":204},{"text":"- فِي الحَدِيثِ نَهْيٌ عَنِ الشِّرْكِ فِي قَولِهِ: «هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ؟»، وَنَهْيٌ عَنْ وَسَائِلِهِ فِي قَولِهِ: «عِيدٌ مِنْ أعْيَادِهِمْ؟».\n- العِيدُ: لُغَةً مِنَ العَودِ، أَي: مَا يَقَعُ عَلَى وَجْهٍ مُعْتَادٍ عَائِدٍ.\nوَيُطْلَقُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ:\n١ - عِيدٍ زَمَنِيٌّ: كَيَومِ الفِطْرِ وَالأَضْحَى وَيَومِ الجُمُعَةِ.\n٢ - عِيدٌ مَكَانِيٌّ: أَي: مَا تُعَادُ زِيَارَتُهُ (^١) -كَالحَدِيثِ هُنَا- وَمِثْلِ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنَى، هَذِهِ أَعْيَادٌ لِلمُسْلِمِينَ مَكَانِيَّةٌ.\n٣ - الاجْتِمَاعُ وَالأَعْمَالُ المُعَيَّنَةِ: كَقَولِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁: (شَهِدْتُ العِيدَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^٢) (^٣).\n- فِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ قَصْدِ وَنيَّةِ التَّشَبُّهِ كَي يَكُونَ ذَلِكَ الأَمْرُ لِلتَّحْرِيمِ، حَيثُ لَمْ يَسْتَفْصِلِ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَصْدِهِ -لَا سِيَّمَا وَأَنَّ السَّائِلَ مُسْلِمٌ-.\nوَكَمَا فِي الحَدِيثِ: «إَنَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبِغُونَ؛ فَخَالِفُوهُمْ» (^٤)،\n_________\n(^١) وَكَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا». صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٢٠٤٢). صَحِيحُ أَبِي دَاوُدَ (٢٠٤٢). وَسَيَأْتِي قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.\n(^٢) البُخَارِيُّ (٩٦٢).\n(^٣) وَأَعْيَادُ المُشْرِكِينَ مِنْ نَاحِيَةِ الأَمْكِنَةِ أَوِ الأَزْمِنَةِ مَعْلُومٌ أَنَّهَا رَاجِعَةٌ فِي نَشْأَتِهَا إِلَى عَقَائِدِهِم وَدِيَانَاتِهِم الشِّرْكيَّةِ، فَإِذًا يَكُونُ المَعْنَى أَنَّهُم يَتَعَبَّدُونَ فِي تِلْكَ الأَعْيَادِ عِبَادَاتِهِم الشِّرْكِيَّةَ، وَأَعْظَمُ مَا يُفْعَلُ عِنْدَهَا هُنَاكَ التَّقَرُّبُ بِالذَّبْحِ وَإِرَاقَةِ الدِّمَاءِ.\n(^٤) وَكَمَا فِي الحَدِيثِ: «إَنَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبِغُونَ؛ فَخَالِفُوهُمْ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣٤٦٢)، وَمُسْلِمٌ (٢١٠٣) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.\nوَالشَّاهِدُ مِنْهُ أَنَّ الشَّيبَ لَا يَحْصُلُ بِالقَصْدِ -حَيثُ يَشْتَرِكُ فِيهِ المُسْلِمُ وَالكَافِرُ- وَمَعْ ذَلِكَ أُمِرَ المُسْلِمُ بِتَغْيِيرِهِ مُخَالَفَةً لِلنَّصَارَى.","vol":"1","page":205},{"text":"وَالشَّاهِدُ مِنْهُ أَنَّ الشَّيبَ لَا يَحْصُلُ بِالقَصْدِ -حَيثُ يَشْتَرِكُ فِيهِ المُسْلِمُ وَالكَافِرُ-؛ وَمَعْ ذَلِكَ أُمِرَ المُسْلِمُ بِتَغْيِيرِهِ مُخَالَفَةً لِلنَّصَارَى.\n- قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الصَّحِيحَة -عِنْدَ حَدِيثِ البَابِ-: \"وَفِيهِ مِنَ الفِقْهِ تَحْرِيمُ الوَفَاءِ بِنَذْرِ المَعْصِيَةِ، وَأَنَّ مِنْ ذَلِكَ الوَفَاءُ بِنَذْرِ الطَّاعَةِ فِي مَكَانٍ كَانَ يُشْرَكُ فِيهِ بِاللهِ، أَو كَانَ عِيدًا لِلكُفَّارِ، فَضْلًا عَنْ مَكَانٍ يَتَعَاطَى النَّاسُ الشِّرْكَ فِيهِ، أَو مَعَاصِيَ\" (^١).\n- فَائِدَةٌ: لَا يَجُوزُ المُكْثِ فِي مَكَانٍ يُعْصَى فِيهِ اللهُ تَعَالَى إِلَّا عَلَى جِهَةِ الإِنْكَارِ.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَيتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأَنْعَام: ٦٨].\nوَكَمَا فِي الحَدِيثِ: «إِذَا عُمِلَتِ الخَطِيئَةُ فِي الأَرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا أَو أَنْكَرَهَا كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا» (^٢).\n_________\n(^١) الصَّحِيحَةُ (٢٨٧٢).\n(^٢) حَسَنٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٣٤٥) عَنِ العُرْسِ بْنِ عَمِيرَةَ الكِنْدِيِّ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٦٨٩).","vol":"1","page":206},{"text":"<span data-type='title' id=toc-89>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-90> المَسْأَلَةُ الأُولَى: ثَبَتَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ الصَّلَاةُ فِي كَنِيسَةٍ!</span> كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ \"وَقَالَ عُمَرُ ﵁: إِنَّا لَا نَدْخُلُ كَنَائِسَكُمْ مِنْ أَجْلِ التَّمَاثِيلِ الَّتِي فِيهَا الصُّوَرُ، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُصَلِّي فِي البِيعَةِ إِلَّا بِيعَةً فِيهَا تَمَاثِيلُ\" (^١).\nوَقَالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ ﵀: \"وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ صَلَّى فِي كَنِيسَةٍ أَو بِيعَةٍ فِي مَوضِعٍ طَاهِرٍ أَنَّ صَلَاتَهُ مَاضِيَةٌ جَائِزَةٌ\" (^٢).\nفَمَا الجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ؟\nالجَوَابُ هُوَ مِنْ وَجْهَينِ:\n١ - أَنَّ صِفَةَ صَلَاةِ المُسْلِمِ فِي الكَنِيسَةِ تُخَالِفُ صِفَةَ صَلَاةِ النَّصَارَى فِي كَنَائِسِهِم، فَلَا يَكُونُ المُسْلِمُ مُتَشَبِّهًا بِهَذَا العَمَلِ، بِخِلَافِ الذَّبْحِ فِي مَكَانٍ يُذْبَحُ فِيهِ لِغَيرِ اللهِ؛ فَإِنَّ الفِعْلَ وَاحِدٌ؛ أَي: مِنْ حَيثُ كَونِهِ عِبَادَةً، وَكَونِهِ ذَبْحًا (^٣).\n٢ - أَنَّ الكَنَائِسَ بُنِيَتْ أَصْلًا لِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، ثُمَّ طَرَأَ عَلَيهَا الشِّرْكُ، فَهِيَ تُخَالِفُ الأَمَاكِنَ الَّتِي اتُّخِذَتْ لِلشِّرْكِ المَحْضِ فِي الأَصْلِ، لِذَلِكَ إِذَا كَانَ الشِّرْكُ فِيهَا ظَاهِرًا -كَمَا هُوَ الآنَ- فَلَا يُصَلَّى فِيهَا (^٤)، كَمَا سَبَقَ فِي البُخَارِيِّ \"وَقَالَ عُمَرُ: إِنَّا لَا\n_________\n(^١) البُخَارِيِّ (١/ ٩٤) -بَابُ الصَّلَاةِ فِي البِيعَةِ-.\n(^٢) التَّمْهِيدُ (٥/ ٢٢٩)\n(^٣) وَالصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ الضِّرَارِ هَيئَتُهَا وَاحِدَةٌ بَينَ المُؤْمِنِ وَالمُنَافِقِ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ تَجُزْ هُنَاكَ، عَدَا عَمَّا فِيهِ مِنْ سَائِرِ المُخَالَفَاتِ الَّتِي سَبَقَ ذِكْرُهَا.\n(^٤) مُسْتَفَادٌ مِنْ شَرْحِ الشَّيخِ الغُنَيمَانِ حَفِظَهُ اللهُ عَلَى كِتَابِ فَتْحُ المَجِيدِ، شَرِيطُ رَقَم (٤٢)، شَرْحُ البَابِ. بِتَصَرُّفٍ يِسِيرٍ.\nقُلْتُ: وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ -هُنَاكَ- أَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِمِثْلِ الكَنَائِسِ وَالبِيَعِ، وَدُونَ وُجُودِ الصُّوَرِ فِيهَا.","vol":"1","page":207},{"text":"نَدْخُلُ كَنَائِسَكُم مِنْ أَجْلِ التَّمَاثِيلِ الَّتِي فِيهَا الصُّوَرُ، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُصَلِّي فِي البِيعَةِ إِلَّا بِيعَةً فِيهَا تَمَاثِيلٌ\" (^١).\nقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي شَرْحِ البُخَارِيِّ: \"اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي الصَّلَاةِ فِي البِيَعِ وَالكَنَائِسِ؛ فَكَرِهَ عُمَرُ وَابْنُ عَبَّاسٍ الصَّلَاةَ فِيهَا مِنْ أَجْلِ الصُّوَرِ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ قَالَ: انْضَحُوهَا بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَصَلُّوا، وَهُوَ قَولُ مَالِكٍ.\nذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مَالِكٍ؛ قَالَ: أَكْرَهُ الصَّلَاةَ فِي الكَنَائِسِ لِمَا يُصِيبُ فِيهَا أَهْلُهَا مِنْ لَحْمِ الخَنَازِيرِ وَالخُمُورِ وَقِلَّةِ احْتِيَاطِهِم مِنَ النَّجَسِ؛ إِلَّا أَنْ يَضْطَرَّ إِلَى ذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ طِينٍ أَو مَطَرٍ، إِلَّا أَنْ يَتَيَقَّنَ أنَّهُ لَمْ يُصِبْهَا نَجَسٌ\" (^٢).\nقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (الثَّمَرُ المُسْتَطَابُ): \"ثُمَّ حَكَى النَّوَوِيُّ عَنْ بَعْضِ العُلَمَاءِ التَّرْخِيصَ فِي الصَّلَاةِ فِي الكَنِيسَةِ وَالبِيعَةِ. وَلَعَلَّ ذَلِكَ فِيمَا إِذَا كَانَتْ خَالِيَةً عَنِ الصُّوَرِ وَالتَّمَاثِيلِ كَمَا يُفِيدُهُ أَثَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ وَإِلَّا فَهُوَ عَلَى إِطْلَاقِهِ بَعِيدٌ عَنِ الصَّوَابِ، لِأَنَّ المَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيتًا فِيهِ صُورَةٌ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَدْخُلِ الكَعْبَةَ حَتَّى مَحَا مَا فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ، ثُمَّ هِيَ بِمَنْزِلَةِ المَسْجِدِ المَبْنِيِّ عَلَى القَبْرِ، كَمَا قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ فِي مَجْمُوعِ الفَتَاوَى (^٣): «أُولَئِكَ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ\n_________\n(^١) وَأَثَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَصَلَهُ البَغَوِيُّ ﵀ فِي الجَعْدِيَّاتِ بِزِيَادَةِ: \"إِنْ كَانَ فِيهَا تَمَاثِيلُ؛ خَرَجَ فَصَلَّى فِي المَطَرِ\". وَأَمَّا أَثَرُ عُمَرَ فَوَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ (١٦١١). اُنْظُرْ فَتْح البَارِي (١/ ٥٣٢).\n(^٢) شَرْحُ البُخَارِيِّ لِابْنِ بَطَّالٍ (٢/ ٨٩).\n(^٣) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (١٧/ ٤٦٢).","vol":"1","page":208},{"text":"الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ التَّصَاوِيرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ يَومَ القِيَامَةِ» وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا صُوَرٌ فَقَدْ صَلَّى الصَّحَابَةُ فِي الكَنِيسَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ فِي (الاخْتِيَارَاتِ): وَالمَذْهَبُ الَّذِي عَلَيهِ عَامَّةُ الأَصْحَابِ كَرَاهَةُ دُخُولِ الكَنِيسَةِ المُصَوَّرَةِ؛ فَالصَّلَاةُ فِيهَا وَفِي كُلِّ مَكَانٍ فِيهِ تَصَاوِيرُ أَشَدُّ كَرَاهَةً. وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا رَيبَ فِيهِ وَلَا شَكَّ\" (^١).\nقُلْتُ: وَعَلَى كُلِّ حَالٍ؛ فَإِذَا خَلَا المَكَانُ مِنَ المَوَانِعِ جَازَتِ الصَّلَاةُ، وَمِنْ هَذِهِ المَوَانِعِ: حُدُوثُ المُشَابَهَةِ، وُوُجُودُ التَّصَاوِيرِ وَمَظَاهِرِ الشِّرْكِ (^٢).\n_________\n(^١) الثَّمَرُ المُسْتَطَابُ (١/ ٣٩٥).\n(^٢) وَمِمَّا تَجْدُرُ الإِشَارَةُ إِلَيهِ أَنَّ صَلَاةَ المُسْلِمِ فِي كَنِيسَةٍ -وَلَو خَلَتْ مِنَ الصُّوَرِ- فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ؛ تَخْتَلِفُ عَنْ صَلَاةِ المُسْلِمِ فِي هَذَا الزَّمَنِ؛ وَذَلِكَ لِقُوَّةِ الإِسْلَامِ وَظُهُورِهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ، بِخِلَافِ هَذَا الزَّمَنِ الَّذِي ظَهَرَتْ فِيهِ العِلْمَانِيَّةُ وَدَعْوَى (وَحْدَةِ الأَدْيَانِ) وَغَيرِهَا مِنَ الدَّعَاوَى المُمَيِّعَةِ لِلإِسْلَامِ؛ مِمَّا تَكُونُ فِيهِ صَلَاةُ المُسْلِمِ اليَومَ فِي كَنِيسَةٍ -وَلَو خَلَتْ مِنَ الصُّوَرِ؛ وَهَيهَاتَ هَيهَاتَ- أَشَدَّ حَظْرًا لِدِلَالَتِهَا عَلَى وَحْدَةِ المَضْمُونِ بَينَ المُسْلِمِ وَالنَّصْرَانِيِّ! بِخِلَافِ قَولِ عُمَرَ ﵁: (إِنَّا لَا نَدْخُلُ كَنَائِسَكُمْ مِنْ أَجْلِ التَّمَاثِيلِ الَّتِي فِيهَا الصُّوَرُ) فَهُوَ صَرِيحٌ فِي ظُهُورِ عِزَّةِ المُسْلِمِ، وَمُبَايَنَتِهِ لِلكُفَّارِ فِي طُقُوسِهِم وَمَظَاهِرِهِم، وَإِنْكَارِهِ لِشِرْكِهِم المُتَمَثِّلِ فِي الصُّوَرِ. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.","vol":"1","page":209},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-91> المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَا حُكْمُ مَا يَحْصُلُ -وَخَاصَّةً فِي بِلَادِ الغَرْبِ- مِنْ شِرَاءِ كَثِيرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ لِكَنَائِسَ قَدِيمَةٍ ثُمَّ تَعْدِيلِهَا لِتَكُونَ مَسَاجِدَ،</span> أَو هَدْمِ الكَنِيسَةِ وَبِنَاءِ مَسْجِدٍ مَكَانَهَا؟\nالجَوَابُ:\nهُوَ جَائِزٌ، وَلَا يَدْخُلُ فِي النَّهْي؛ لِأُمُورٍ:\n١ - أَنَّ تَغَيُّرَ الوَصْفِ مِنْ كَنِيسَةٍ إِلَى مَسْجِدٍ لِلمُسْلِمِينَ؛ هُوَ تَغَيُّرٌ فِي أَصْلِ الاعْتِقَادِ فِي المَكَانِ، فَتَنْتَفِي عِلَّةُ النَّهْي فِي المُشَابَهَةِ المَكَانِيَّةِ.\n٢ - أَنَّ هَيئَةَ صَلَاةِ المُسْلِمِينَ مُغَايِرَةٌ بِشَكْلٍ تَامٍّ لِهَيئَةِ صَلَاةِ النَّصَارَى وَاليَهُودِ، فَتَنْتَفِي عِلَّةُ النَّهْي أَيضًا مِنْ جِهَةِ المُشَابَهَةِ فِي هَيئَةِ العِبَادَةِ.\n٣ - أَنَّ الكَعْبَةَ وَالمَسْجِدَ الحَرَامَ كَانَا مَلِيئَينِ بِالأَصْنَامِ، وَلَكِنْ بَعْدَمَا أُزِيلَتْ وَظَهَرَ الإِسْلَامُ عَلَى المَكَانِ لَمْ يَعُدْ لَهَا الطَّابَعُ الشِّرْكيُّ القَدِيمُ.\nوَمِثْلُهُ أَيضًا المَسْجِدُ النَّبَوِيُّ؛ فَقَدْ أُقِيمَ عَلَى قُبُورِ المُشْرِكِينَ بَعْدَمَا نُبِشَتْ (^١).\n_________\n(^١) وَمِثْلُهُ مَا قَالَهُ الحَافِظُ ابْنُ كَثِير ﵀ في التَّفْسِيرِ (٧/ ٤٥٧) -عَنِ اللَاتِ-: \"وَقَدْ بَعَثَ إِلَيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ المُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ وَأَبَا سُفْيَان صَخْرَ بْنَ حَرْبٍ، فَهَدَمَاهَا وَجَعَلَا مَكَانَهَا مَسْجِدَ الطَّائِفِ\".\nقُلْتُ: وَهُوَ المَعْرُوفُ بِمَسْجِدِ ابْنِ عَبَّاس، وَمَحَلُّ الوَثَنِ هُوَ فِي مَوضِعِ المَنَارَةِ. مُسْتَفَادٌ مِنْ شَرْحِ الشَّيخِ الغُنَيمَانِ حَفِظَهُ اللهُ عَلَى كِتَابِ فَتْحُ المَجِيدِ، شَرِيطُ رَقَم (٤٢) شَرْحُ البَابِ.","vol":"1","page":210},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-92> المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ ﵁؛ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ: أَيُّ المَسْجِدَينِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى؟</span> قَالَ: «فَأَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصْبَاءَ، فَضَرَبَ بِهِ الأَرْضَ، ثُمَّ قَالَ: هُوَ مَسْجِدُكُمْ هَذَا» لِمَسْجِدِ المَدِينَةِ (^١). فَمَا الجَوَابُ مَعَ مَا ذُكرَ أَنَّ آيَةَ البَابِ قَصَدَتْ مَسْجِدَ قُبَاءٍ؟\nالجَوَابُ:\nلَا مُنَافَاةَ بَينَ الآيَةِ وَالحَدِيثِ، لِأَنَّ الآيَةَ ذَكَرَتْ أَنَّ المَسْجِدَ المُؤَسَّسَ مِنْ أوَّلِ يَومٍ هُوَ مَسْجِدُ قُبَاءٍ -بِاعْتِبَارِ مُقَارَنَتِهِ مَعَ مَسْجِدِ الضِّرَارِ-، أَمَّا الحَدِيثُ فَهُوَ عَامٌّ بَينَ كُلِّ المَسَاجِدِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَتِ المُقَارَنَةُ بَينَ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ وَبَينَ مَسْجِدِ قُبَاءٍ.\n_________\n(^١) مُسْلِمٌ (١٣٩٨).","vol":"1","page":211},{"text":"بَابُ مِنَ الشِّرْكِ النَّذْرُ لِغَيرِ اللهِ\nوَقَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإِنْسَان: ٧].\nوَقَولُهُ: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [البَقَرَة: ٢٧٠].\nوَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلَا يَعْصِهِ» (^١).\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٦٦٩٦).","vol":"1","page":212},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: وُجُوبُ الوَفَاءِ بِالنَّذْرِ.\nالثَّانِيَةُ: إِذَا ثَبَتَ كَونُهُ عِبَادَةً للَّهِ؛ فَصَرْفُهُ إِلَى غَيرِهِ شِرْكٌ.\nالثَّالِثَةُ: أَنَّ نَذْرَ المَعْصِيَةِ لَا يَجُوزُ الوَفَاءُ بِهِ.","vol":"1","page":213},{"text":"<span data-type='title' id=toc-95>الشَّرْحُ</span>\n- النَّذْرُ لُغَةً: الإِلْزَامُ وَالعَهْدُ. وَاصْطِلَاحًا: إِلْزَامُ المُكَلَّفِ نَفْسَهُ للهِ شَيئًا غَيرَ وَاجِبٍ (^١).\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ يَدُلُّ عَلَى كَونِهِ عِبَادَةً، وَوَجْهُ الاسْتِدْلَالِ مِنْ جِهَتِينِ:\n١ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى عَلَّقَ النَّذْرَ بِعِلْمِهِ تَعَالَى بهِ؛ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَحَلُّ جَزَاءٍ.\n٢ - أَنَّ سِيَاقَهُ سِيَاقُ مَدْحٍ؛ لِأَنَّهُ عَطَفَهُ عَلَى النَّفَقَةِ.\n- وَجْهُ اسْتِدْلَالِ المُصَنِّفِ ﵀ بِالآيَةِ هُنَا: هُوَ بَيَانُ أَنَّ النَّذْرَ عِبَادَةٌ للهِ؛ فَيَكُونُ جَعْلُهُ لِغَيرِ اللهِ شِرْكًا، وَهُوَ اتِّخَاذُ الأَنْدَادِ مَعَ اللهِ تَعَالَى، وَهَذَا أَصْلٌ ذَكَرَ أَدِلَّتَهُ المُصَنِّفُ ﵀ فِي البابِ الأَوَّلِ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإِسْرَاء: ٢٣]، وَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذَّارِيَات: ٥٦]، وَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا﴾ [النِّسَاء: ٣٦]، وَكَقَولِهِ تَعَالَى أَيضًا ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا﴾ [الأنْعَام: ١٥١].\n- الفَرْقُ بَينَ النَّذْرِ لِغَيرِ اللهِ وَبَينَ نَذْرِ مَعْصِيَةِ اللهِ (^٢):\n١ - النَّذْرُ لِغَيرِ اللهِ: هُوَ شِرْكٌ، وَلَا يَنْعَقِدُ إِطْلَاقًا، وَلَا تَجِبُ فِيهِ كَفَّارَةٌ؛ وإنّما تَجِبُ فِيهِ التَّوبَةُ، وَمِنَ التَّوبَةِ قَولُ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) (^٣).\n_________\n(^١) القَولُ المُفِيدُ (١/ ٢٣٥).\n(^٢) وَكِلَاهُمَا مَعْصِيَةٌ أَصْلًا.\n(^٣) قَالَ الخَطَّابِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ مَعَالِمُ السُّنَنِ (٤/ ٤٥) -تَعْلِيقًا عَلَى حَدِيثِ الحَلِفِ بِاللَّاتِ وَالعُزَّى-: \"فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الحَلِفَ بِاللَّاتِ لَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ اليَمِينِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الإِنَابَةُ وَالاسْتِغْفَارُ\".","vol":"1","page":214},{"text":"٢ - نَذْرُ المَعْصِيَةِ: لَيسَ مِنَ الشِّرْكِ بَلْ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ المَعَاصِي، وَهُوَ مُنْعَقِدٌ، وَلَا يَجُوزُ الوَفَاءُ بِهِ، وَفِيهِ الكَفَّارَةُ.\nقَالَ صَاحِبُ فَتْحِ المَجِيدِ: \"قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: وَأَمَّا مَا نُذِرَ لِغَيرِ اللهِ كَالنَّذْرِ لِلأَصْنَامِ وَالشَّمْسِ وَالقَمَرِ وَالقُبُورِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَحْلِفَ بِغَيرِ اللهِ مِنَ المَخْلُوقَاتِ، وَالحَالِفُ بِالمَخْلُوقَاتِ لَا وَفَاءَ عَلَيهِ وَلَا كَفَّارَةٌ (^١)، وَكَذَلِكَ النَّاذِرُ لِلمَخْلُوقَاتِ؛ فَإِنَّ كِلَاهُمَا شِرْكٌ، وَالشِّرْكُ لَيسَ لَهُ حُرْمَةٌ، بَلْ عَلَيهِ أَنْ يَسْتَغْفِرَ اللهَ مِنْ هَذَا وَيَقُولَ مَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ حَلَفَ وَقَالَ فِي حَلِفِهِ: وَاللَّاتِ وَالعُزَّى؛ فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» \" (^٢).\n- كَفَّارَةُ النَّذْرِ هِيَ كَفَّارَةُ اليَمِينِ.\nعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مَرْفُوعًا: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ اليَمِينِ» (^٣).\nوَكَفَّارَةُ اليَمِينِ بيَّنَهَا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المَائِدَة: ٨٩].\n_________\n(^١) قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: \"مَنْ حَلَفَ بِالكَعْبَةِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ؛ فَلَيسَ عَلَيهِ كَفَّارَةٌ؛ لِأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ\". اُنْظُرْ كِتَابَ العُلُوُّ لِلعَلِيِّ الغَفَّارِ لِلحَافِظِ الذَّهَبِيِّ ﵀ (ص ١١٦).\n(^٢) فَتْحُ المَجِيدِ (ص ١٥٨).\n(^٣) صَحِيحُ مُسْلِم (١٦٤٥).","vol":"1","page":215},{"text":"- أَنْوَاعُ النَّذْرِ -مِنْ جِهَةِ الابْتِدَاءِ-:\n١ - نَذْرُ الشَّرْطِ (^١).\nوَيَكُونُ بِاشْتِرَاطِ فِعْلِ أَمْرٍ للهِ تَعَالَى فِي مُقَابِلِ قَضَاءِ اللهِ تَعَالَى لِأَمْرٍ مَا، وَهَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ (^٢)، وَهُوَ كَقَولِ القَائِلِ: \"يَا رَبِّ؛ إِنْ فَعَلْتَ كَذَا؛ فَعَلْتُ أَنَا كَذَا\"!!\nوَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: (أَنَّهُ نَهَى عَنِ النَّذْرِ، وَقَالَ: إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيرٍ! وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ» (^٣).\nوَلَكِنَّ الوَفَاءَ بِهِ وَاجِبٌ إِنْ كَانَ طَاعَةً للهِ تَعَالَى (^٤).\n٢ - نَذْرٌ مُطْلَقٌ.\nوَيَكُونُ ابْتِدَاءً مِنْ بَابِ التَّقَرُّبِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، أَوِ الشُّكْرِ لَهُ تَعَالَى عَلَى نِعَمِهِ، وَلَيسَتْ هِيَ فِي مُقَابَلَةِ أَمْرٍ مَا عَلَى سَبِيلِ أَدَاءِ الشَّرْطِ كَمَا سَبَقَ، كَمَا لَوْ قَالَ قَائِلٌ مِنْ بَابِ الشُّكْرِ عَلَى نِعْمَةٍ اسْتَجَدَّتْ عَلَيهِ: \"لِلَّهِ عَلَيَّ شَاةٌ\".\nوَهَذَا النَّذْرُ المُطْلَقُ هُوَ قُرْبَةٌ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [البَقَرَة: ٢٧٠].\n_________\n(^١) أَو نَذْرُ المُجَازَاةِ.\n(^٢) وَحُكْمُ أَهْلِ العِلْمِ فِيهِ بَينَ الكَرَاهَةِ وَالتَّحْرِيمِ.\n(^٣) مُسْلِمٌ (١٦٣٩).\nوَفِي الحَدِيثِ أَيضًا: «لَا تَنْذِرُوا؛ فَإِنَّ النَّذْرَ لَا يُغْنِي مِنَ القَدَرِ شَيئًا! وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ». صَحِيحِ مُسْلِمٍ (١٦٤٠) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.\n(^٤) قَالَ التِّرْمِذِيُّ ﵀ في (الجَامِعِ) (٣/ ١٦٤) عَقِبَ الحَدِيثِ: \"وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيرِهِمْ، كَرِهُوا النَّذْرَ، وقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ: مَعْنَى الكَرَاهِيَةِ فِي النَّذْرِ فِي الطَّاعَةِ وَالمَعْصِيَةِ، وَإِنْ نَذَرَ الرَّجُلُ بِالطَّاعَةِ فَوَفَّى بِهِ؛ فَلَهُ فِيهِ أَجْرٌ وَيُكْرَهُ لَهُ النَّذْرُ\".","vol":"1","page":216},{"text":"قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: \"وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ قَالَ: كَانُوا يَنْذِرُونَ طَاعَةَ اللهِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ وَالحَجِّ وَالعُمْرَةِ وَمِمَّا افْتُرِضَ عَلَيهِم؛ فَسَمَّاهُمُ اللهُ أَبْرَارًا. وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الثَّنَاءَ وَقَعَ فِي غَيرِ نَذْرِ المُجَازَاةِ\" (^١).\n- وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الوَفَاءِ بِهِ:\n١ - مَا يَجِبُ الوَفَاءُ بِهِ.\nوَهُوَ نَذْرُ الطَّاعَةِ، وَفِي البُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ» (^٢).\nوَفِي الحَدِيثِ: «إِنَّ النّذْرَ نَذْرَانِ، فَمَا كَانَ للهِ؛ فَكَفَّارَتُهُ الوَفَاءُ بِهِ، وما كَانَ لِلشَّيطانِ؛ فَلَا وَفَاءَ لَهُ، وَعَلَيهِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ» (^٣).\n٢ - مَا يَحْرُمُ.\nوَهُوَ نَذْرُ المَعْصِيَةِ لِمَا سَلَفَ، وَلِقَولِهِ فِي حَدِيثِ البَابِ السَّابِقِ: «فَإنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنِذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ»، وَفِيهِ الكفَّارةُ.\n٣ - مَا يُكْرَهُ.\nوَهُوَ نَذْرُ المَكْرُوهِ، كَأَنْ يَكُونَ المَنْذُورُ مِمَّا ثَبَتَتْ كَرَاهَتُهُ شَرْعًا، كَأَكْلِ الثَّومِ وَالبَصَلِ؛ فَهَذَا يُكْرَهُ الوَفَاءُ بِهِ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ الكَفَّارَةُ.\n_________\n(^١) فَتْحُ البَارِي (١١/ ٥٧٩).\n(^٢) البُخَارِيُّ (٦٦٩٦).\n(^٣) صَحِيحٌ. البَيِهَقِيُّ فِي الكُبْرَى (٢٠٠٧٨) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَة (٤٧٩).","vol":"1","page":217},{"text":"٤ - مَا يُبَاحُ.\nوَهُوَ نَذْرُ المُبَاحِ، كَنَذْرِ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالرُّكُوبِ وَالسَّفَرِ، وَغَيرِ ذَلِكَ مِنَ المُبَاحَاتِ، فَيَقُولُ النَّاذِرُ فِيهِ: \"لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَلْبِسَ ثَوبِي، أَوْ أَرْكَبَ دَابَّتِي\"، وَهَذَا مُخَيَّرٌ بَينَ فِعْلِهِ وَكَفَّارَةِ اليَمِينِ.\n٥) نَذْرُ اللَّجَاجِ وَالغَضَبِ.\nوَهَذَا المَقْصُودُ مِنْهُ الحَثُّ أَوِ المَنْعُ أَوِ التَّصْدِيقُ أَوِ التَّكْذِيبُ، كَقَولِ القَائِلِ: \"للهِ عَلَيَّ نَذْرٌ إِنْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا\"، فَهُوَ كَالسَّابِقِ مُخَيَّرٌ فِيهِ (^١).\n_________\n(^١) وَأَضَافَ إِلَيهَا بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ قِسْمًا سَادِسًا وَهُوَ النَّذْرُ المُطْلَقُ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ نَذْرُهُ، كَقَولِ القَائِلِ: \"للهِ عَلَيَّ نَذْرٌ\"؛ فَهَذَا كَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ لِحَدِيثِ: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ إِذَا لَمْ يُسَمِّ كَفَّارَةُ يَمِينِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (١٥٢٨) عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مَرْفُوعًا. وَالحَدِيثُ صَحَّحَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ دُونَ زِيَادَةِ (وَلَمْ يُسَمِّ) وَهِيَ مَوضِعُ الشَّاهِدِ. اُنْظُرْ ضَعِيفَ الجَامِعِ (٥٨٦٢).","vol":"1","page":218},{"text":"بَابُ مِنَ الشِّرْكِ الِاسْتِعَاذَةُ بِغَيرِ اللهِ\nوَقَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجِنّ: ٦].\nوَعَنْ خَولَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ ﵂؛ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا فقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ؛ لَمْ يَضُرَّهُ شَيءٌ حَتّىَ يَرْحَلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).\n_________\n(^١) مُسْلِمٌ (٢٧٠٨).","vol":"1","page":219},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ الجِنِّ.\nالثَّانِيَةُ: كَونُهُ مِنَ الشِّرْكِ.\nالثَّالِثَةُ: الِاسْتِدْلالُ عَلَى ذَلِكَ بِالحَدِيثِ، لِأَنَّ العُلَمَاءَ يَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلَى أَنَّ كَلِمَاتِ اللهِ غَيرُ مَخْلُوقَةٍ لِأَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ بِالمَخْلُوقِ شِرْكٌ.\nالرَّابِعَةُ: فَضِيلَةُ هَذَا الدُّعَاءِ مَعَ اخْتِصَارِهِ.\nالخَامِسَةُ: أَنَّ كَونَ الشَّيءِ يَحْصُلُ بِهِ مَنْفَعَةٌ دُنْيَوِيَةٌ مِنْ كَفِّ شَرٍّ أَو جَلْبِ نَفْعٍ؛ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيسَ مِنَ الشِّرْكِ!","vol":"1","page":220},{"text":"<span data-type='title' id=toc-98>الشَّرْحُ</span>\n- قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (^١): \"وَقَولُهُ: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ أَي: كُنَّا نَرَى أَنَّ لَنَا فَضْلًا عَلَى الإِنْسِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعُوذُونَ بِنَا إِذَا نَزَلُوا وَادِيًا أَو مَكَانًا مُوحِشًا مِنَ البَرَارِي وَغَيرهَا -كَمَا كَانَتْ عَادَةُ العَرَبِ فِي جَاهِلِيَّتهَا- يَعُوذُونَ بِعَظِيمِ ذَلِكَ المَكَانِ مِنَ الجَانِّ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِشَيءٍ يَسُوءُهُم؛ كَمَا كَانَ أَحَدُهُمْ يَدْخُلُ بِلَادَ أَعْدَائِهِ فِي جِوَارِ رَجُل كَبِيرٍ وَذِمَامِهِ وَخِفَارَتِهِ، فَلَمَّا رَأَتِ الجِنُّ أَنَّ الإِنْسَ يَعُوذُونَ بِهِمْ مِنْ خَوفهمْ مِنْهُمْ زَادُوهُمْ رَهَقًا -أَي: خَوفًا وَإِرْهَابًا وَذُعْرًا- حَتَّى بَقُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ مَخَافَةً، وَأَكْثَرَ تَعَوُّذًا بِهِمْ، كَمَا قَالَ قَتَادَةُ: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ أَي: إِثْمًا، وَازْدَادَتِ الجِنُّ عَلَيهِمْ بِذَلِكَ جَرَاءَةً\".\n- قَولُهُ: (اسْتَعَاذَ) هُوَ عَلَى وَزْنِ (اسْتَفْعَلَ)، وَهَذَا البِنَاءُ (الأَلِفُ وَالسِّينُ وَالتَّاءُ) يَدُلُّ عَلَى أَحَدِ مَعْنَيَينِ لُغَةً:\n١ - الطَّلَبِ.\nكَحَدِيثِ مُسْلِمٍ القُدْسِيِّ: «يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي» (^٢)، وَأَيضًا حَدِيثِ مُسْلِمٍ القُدْسِيِّ الآخَرِ: «يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيتُهُ؛ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ» (^٣).\n_________\n(^١) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٨/ ٢٣٩).\n(^٢) مُسْلِمٌ (٢٥٦٩) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.\n(^٣) مُسْلِمٌ (٢٥٧٧) عَنْ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا.","vol":"1","page":221},{"text":"٢ - كَثْرَةِ الوَصْفِ فِي الفِعْلِ.\nكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البَقَرَة: ٣٤]. وَالمَعْنَى أَنَّ إِبْلِيسَ زَادَ فِي كِبْرِهِ وَتَعَاظَمَ، وَمِثْلِ قَولِهِ تَعَالَى أَيضًا ﴿وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التَّغَابُن: ٦].\n- الاسْتِعَاذَةُ: طَلَبُ العَوذِ.\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀: \"وَالِاسْتِعَاذَةُ: هِيَ الِالْتِجَاءُ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَالِالْتِصَاقُ بِجَنَابِهِ مِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ، وَالعِيَاذَةُ تَكُونُ لِدَفْعِ الشَّرِّ، وَاللِّيَاذُ يَكُونُ لِطَلَبِ جَلْبِ الخَيرِ.\nكَمَا قَالَ المُتَنَبِّي -مَادِحًا لِرَجُلٍ؛ وَلَا يَصْلُحُ مَا قَالَ إِلَّا للهِ تَعَالَى-:\nيَا مَنْ أَلُوذ بِهِ فِيمَا أُؤَمِّلهُ … وَمَنْ أَعُوذ بِهِ مِمَّنْ أُحَاذِرهُ\nلَا يَجْبُرُ النَّاسُ عَظْمًا أَنْتَ كَاسِره … وَلَا يَهِيضُونَ عَظْمًا أَنْتَ جَابِرُهُ\" (^١).\n- الاسْتِعَاذَةُ تَتَضَمَّنُ عَمَلَينِ:\n١ - عَمَلًا بَاطِنًا.\nوَهُوَ تَوَجُّهُ القَلْبِ وَسَكَنُهُ وَاضْطِرَارُهُ وَحَاجَتُهُ إِلَى هَذَا المُسْتَعَاذِ بِهِ، وَاعْتِصَامُهُ بِهِ، وَتَفْوِيضُ أَمْرِ نَجَاتِهِ إِلَيهِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ لِغَيرِ اللهِ وَحْدَهُ سَوَاءً كَانَ المَطْلُوبُ فِي طَاقَةِ المَخْلُوقِ أَمْ لَا.\n٢ - عَمَلًا ظَاهِرًا.\nوَهُوَ الطَّلَبُ، وَهَذَا القَدْرُ وَحْدَهُ يَجُوزُ مِنَ المَخْلُوقِ إِذَا اجْتَمَعَتْ فِيهِ ثَلَاثُ\n_________\n(^١) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (١/ ١١٤).","vol":"1","page":222},{"text":"خِصَالٍ: حَيٌّ، حَاضِرٌ، قَادِرٌ، وَخُلَاصَتُهُ: أَنَّ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيهِ إِلَّا اللهُ؛ فَإِنَّ طَلَبَهُ مِنْ غَيرِ اللهِ شِرْكٌ.\nوَفِي الحَدِيثِ «سَتَكُونُ فِتَنٌ؛ القَاعِدُ فِيهَا خَيرٌ مِنَ القَائِمِ، وَالقَائِمُ خَيرٌ مِنَ المَاشِي، وَالمَاشِي فِيهَا خَيرٌ مِنَ السَّاعِي، مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، فَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَو مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ» (^١).\n- الجِنُّ: جَمْعُ جِنِّي، وَسُمُّوا بِالجِنِّ لِاجْتِنَانِهِم، أَي: اسْتِتَارِهِم عَنِ الأنْظارِ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الجَنِينُ جَنِينًا لِأَنَّهُ لَا يُرَى فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَمِنْهُ المِجَنُّ الَّذِي يُتَّخَذُ فِي الحَرْبِ يَتَوَقَّى بِهِ المُقَاتِلُ سِهَامَ العَدُوِّ؛ فَهُوَ يُجِنُّهُ مِنَ السِّهَامِ، وَمِنْهُ «الصَّومُ جُنَّةٌ» (^٢) أَي: سَاتِرٌ بَينَ العَبْدِ وَبَينَ المَعَاصِي وَالنَّارِ (^٣).\n- الاسْتِعَاذَةُ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى مَنْهِيٌّ عَنْهَا مِنْ أَوجُهٍ (^٤):\n١ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالاسْتِعَاذَةِ بِهِ.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفَلَقْ: ١] وَهَذَا أَمْرٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ عِبَادَةٌ، فَجَعْلُهَا لِغَيرِهِ شِرْكٌ.\nوَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٣٦٠١)، وَمُسْلِمٌ (٢٨٨٦) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.\n(^٢) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٨٠٥٨) عَنْ مُعَاذٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (١١٢٢).\n(^٣) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (٦/ ٤٦٠): \"قَالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: الجِنُّ عَلَى مَرَاتِبَ، فَالأَصْلُ جِنِّيٌّ؛ فَإِنْ خَالَطَ الإِنْسَ قِيلَ: عَامِرٌ. وَمَنْ تَعَرَّضَ مِنْهُمْ لِلصِّبْيَانِ قِيلَ: أَرْوَاحٌ. وَمَنْ زَادَ فِي الخُبْثِ قِيلَ: شَيطَانٌ. فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ قِيلَ: مَارِدٌ. فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ قِيلَ: عِفْرِيتٌ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: العِفْرِيتُ مِنَ الجِنِّ هُوَ العَارِمُ الخَبِيثُ. وَإِذَا بُولِغَ فِيهِ قِيلَ: عِفْرِيتٌ نِفْرِيتٌ\".\n(^٤) إِعَانَةُ المُسْتَفِيدِ (١/ ٢٥٧) بِتَصَرُّفٍ وَزِيَادَةٍ.","vol":"1","page":223},{"text":"رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المُؤْمِنُون: ٩٧ - ٩٨].\n٢ - أَنَّ الاسْتِعَاذَةَ بِغَيرِ اللهِ هِيَ مِنْ أَعْمَالِ المُشْرِكِينَ، لِأَنَّ الجِنَّ ذَكَرُوهَا عَنِ الجَاهِلِيَّةِ قَبْلَ سَمَاعِهِم لِلقُرْآنِ.\n٣ - أَنَّ غَيرَ اللهِ تَعَالَى لَا يَمْلِكُ كَشْفَ الضُّرِّ، وَلَا جَلْبَ النَّفْعِ.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزُّمَر: ٣٨] فَصَارَ ذَلِكَ مِنَ اتِّخَاذِ الأَنْدَادِ مَعَ اللهِ تَعَالَى.\n٤ - أَنَّ الاسْتِعَاذَةَ هِيَ مِنَ الدُّعَاءِ، وَدُعَاءُ غَيرِ اللهِ تَعَالَى شِرْكٌ.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يُونُس: ١٠٦].\nقَالَ الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ: \" ﴿فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ يَقُولُ: مِنَ المُشْرِكِينَ بِاللهِ، الظَّالِمِي أَنْفُسِهِم\" (^١).\nوَكَمَا فِي نَفْسِ سُورَةِ الجِنِّ: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ [الجِنّ: ٢٠].\n- فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ تَحْرِيمُ الاسْتِعَاذَةِ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّ مَنِ التَجَأَ إِلَى غَيرِ اللهِ خَذَلَهُ اللهُ، وَفِيهَا إِثْبَاتُ وُجُودِ الجِنِّ؛ وَأَنَّ فِيهِم رِجَالًا وَنِسَاءً.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ يَعْنِي خَوفًا وَاضْطِرَابًا فِي القَلْبِ؛ أَوجَبَ لَهُم الإِرْهَاقَ، وَ(الرَّهَقُ) يَكُونُ فِي الأَبْدَانِ وَالأَرْوَاحِ، فَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ تَعَاظَمَتِ الجِنُّ وَزَادَ شَرُّهَا.\n_________\n(^١) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (١٥/ ٢١٩).","vol":"1","page":224},{"text":"- قَولُهُ: «بِكَلِمَاتِ اللهِ» المُرَادُ بِالكَلِمَاتِ هُنَا: الكَلِمَاتُ الشَّرْعِيَّةُ وَالكَونِيَّةُ.\nفَكَلِمَاتُهُ الدِّينِيَّةُ الشَّرْعِيَّةُ؛ هِيَ شَرْعُهُ تَعَالَى الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى عِبَادِهِ.\nوَأَمَّا كَلِمَاتُهُ الكَونِيَّةُ (القَدَرِيَّةُ): فَهِيَ الَّتِي يُكَوِّنُ اللهُ بِهَا الأَشْيَاءَ وَيُقَدِّرُهَا، فَهِيَ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهَا بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ، فَقَضَاءُ اللهِ تَعَالَى وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ لَا يَتَجَاوَزُهُ لَا البَرُّ وَلَا الفَاجِرُ.\nوَفِي الحَدِيثِ: «أَتَانِي جِبْرِيٍلُ، فَقَالَ: يَا مُحمَّدُ قُلْ، قُلْتُ: وَمَا أَقُولُ؟ قَالَ: قُلْ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وذَرَأ وَبَرَأَ، وَمِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمِنْ شَرِّ مَا يَعْرُجُ فِيهَا، وَمِنْ شَرِّ مَا ذَرَأ فِي الأَرْضِ وَبَرَأَ، وَمِنْ شَرِّ ما يَخْرُجُ مِنْها، وَمِنْ شَرِّ فِتَنِ اللَّيلِ وَالنَّهارِ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ طَارِقٍ يَطْرُقُ إِلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيرٍ يَا رَحْمنُ» (^١).\n- قَولُهُ: «التَّامَّات» أَي: الَّتِي لَيسَ فِيهَا نَقْصٌ وَلَا عَيبٌ.\nوَتَمَامُ الكَلَامِ هُوَ بِأَمْرِينِ:\n١ - الصِّدْقُ فِي الأَخْبَارِ.\n٢ - العَدْلُ فِي الأَحْكَامِ.\nقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأَنْعَام: ١١٥].\n- قَولُهُ: «مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ» أَي: مِنْ شَرِّ كُلِّ خَلْقٍ فِيهِ شَرٌّ، لِأَنَّ هُنَاكَ خَلْقًا لَيسَ\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١٥٤٦٠) عَنْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ خُنْبُش مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَة (٨٤٠).","vol":"1","page":225},{"text":"فِيهِم شَرٌّ؛ كَالأَنْبِيَاءِ وَالمَلَائِكَةِ وَ....\n- مِنْ فِقْهِ المُصَنِّفِ ﵀ فِي إِيرَادِ الحَدِيثِ بَعْدَ الآيَةِ هُوَ الدِّلَالَةُ عَلَى أُمُورٍ؛ مِنْهَا:\n١ - أَنَّ الاسْتِعَاذَةَ تَجُوزُ بِصِفَاتِهِ تَعَالَى أَيضًا.\nوَكَمَا فِي الحَدِيثِ: «أَعُوذُ بِاللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ». مُسْلِمٌ (^١).\n٢ - الإِرْشَادُ إِلَى الأُسْلُوبِ النَّبَوِيِّ فِي الدَّعْوَةِ: أَنَّكَ إِذَا أَغْلَقْتَ بَابًا مِنَ الشَّرِّ فَافْتَحْ عِوَضًا عَنْهُ بَابًا مِنَ الخَيرِ.\nمِثَالُهُ: قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البَقَرَة: ١٠٤].\n- فَائِدَةٌ: كَلَامُ اللهِ تَعَالَى صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ وَلَيسَ بِمَخْلُوقٍ، وَدَلَّ لِذَلِكَ الحَدِيثُ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الاسْتِعَاذَةَ لَا تَجُوزُ إِلَّا بِاللهِ تَعَالَى أَو بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ.\nقَالَ أَبُو دَاوُد صَاحِبُ السُّنَنِ ﵀ عَقِبَ حَدِيثِ «أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيطَانٍ وَهَامَّةٍ وَمِنْ كُلِّ عَينٍ لَامَّةٍ» (^٢): \"هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ القُرْآنَ لَيسَ بِمَخْلُوقٍ\" (^٣).\n_________\n(^١) مُسْلِمٌ (٢٢٠٢).\nوَكَمَا فِي الحَدِيثِ: «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤٨٦) عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا، وبَوَّبَ البُخَارِيُّ ﵀ (٨/ ١٣٤) فِي كِتَابِ الأَيمَانِ وَالنُّذُورِ: (بَابُ الحَلِفِ بِعِزَّةِ اللهِ وَصِفَاتِهِ وَكَلِمَاتِهِ).\n(^٢) صَحِيحُ أَبِي دَاوُدَ (٤٧٣٧) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا.\n(^٣) سنن أبي داود (٧/ ١١٧).","vol":"1","page":226},{"text":"<span data-type='title' id=toc-99>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-100> المَسْأَلَةُ الأُولَى: قَولُ القَائِلِ: \"أَعُوذُ بِاللهِ وَبِكَ\"، مَا حُكْمُهُ؟</span>\nالجَوَابُ:\nحُكْمُهُ عَلَى دَرَجَتَينِ:\n١ - شِرْكٍ أَكْبَرَ: إِنْ كَانَ مَا يَعُوذُ مِنْهُ لَا يَقْدِرُ عَلَيهِ إِلَّا اللهُ تَعَالَى.\n٢ - شِرْكٍ أَصْغَرَ: إِنْ كَانَ مَا يَعُوذُ مِنْهُ هُوَ مِمَّا يَقْدِرُ العَبْدُ عَلَيهِ أَيضًا. وَلَكِنَّهُ شِرْكٌ لِأَنَّهُ عَطْفٌ بِالوَاوِ، وَهُوَ مِنِ اتِّخَاذِ الأَنْدَادِ لَفْظًا، وَلَيسَ بِأَكْبَرَ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ مَا كَانَ للهِ لِغَيرِهِ تَعَالَى.\nوَعَلَيهِ يَجُوزُ قَولُ: (أَعُوذُ بِاللهِ ثُمَّ بِكَ) فِيمَا يَقْدِرُ عَلَيهِ العَبْدُ.\nوَجَاءَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: \"أَنَّهُ يَكْرَهُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ وَبِكَ، وَيُجَوِّزُ أَنْ يَقُولَ: بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ. قَالَ: وَيَقُولُ: لَولَا اللهُ ثُمَّ فُلَانٌ، وَلَا تَقُولُوا: لَولَا اللهُ وَفُلَانٌ\" (^١).\n_________\n(^١) مُصَنَّفُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ (١٩٨١١).","vol":"1","page":227},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-101> المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَا حُكْمُ التَّعَامُلِ مَعَ الجِنِّ؟</span>\nالجَوَابُ:\nالتَّعَامُلُ مَعَ الجنِّ لَا يَجُوزُ وَلَو كَانَ مُسْلِمًا (^١)، وَدَلَّ لِذَلِكَ أُمُورٌ:\n١ - أَنَّ اسْتِمْتَاعَ الجِنِّيِّ بِالإِنْسِيِّ؛ وَالإِنْسِيِّ بِالجِنِّيِّ مُحَرَّمٌ فِي ظَاهِرِ نُصُوصِ الشَّرِيعَةِ.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأَنْعَام: ١٢٨]، وَلَمْ يَأْتِ مَا يُخَصِّصُ هَذِهِ الآيَةَ، وَالاسْتِعَاذَةُ بِهِم هِيَ مِنْ جِنْسِ الاسْتِمْتَاعِ بِهِم.\n٢ - أَنَّ تَسْخِيرَ الجِنِّ هُوَ مِمَّا خُصَّ بِهِ سُلَيمَانُ ﵇، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ.\n_________\n(^١) وَلَو كَانَ المَقْصُودُ هُوَ اسْتِخْدَامَ الجِنِّ المُسْلِمِ بِغَرَضِ العِلَاجِ مِنَ المَسِّ، أَو فِي قَضَاءِ حَاجَاتِ المُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ لِكَونِهِ مُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ العَمَلِيَّةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَلِأَصْحَابِهِ الكِرَامِ. اُنْظُرْ أَشْرِطَةَ فَتَاوَى سِلْسِلَةِ الهُدَى وَالنُّورِ (ش ٤٥٥) لِلشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ ﵀، وَاُنْظُرْ أَيضًا أَشْرِطَةَ شَرْحِ العَقِيدَةِ الوَاسِطِيَّة (ش ٢٨) لِلشَّيخِ صَالِحِ الفَوزَانِ حَفِظَهُ اللهُ، وَاُنْظُرْ أَيضًا أَشْرِطَةَ شَرْحِ العَقِيدَةِ الوَاسِطِيَّةِ (ش ٤) لِلشَّيخِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ بَازٍ ﵀، خِلَافًا لِمَا نُقِلَ عَنْ شَيخِ الإِسْلَامِ ﵀ فِي جَوَازِ ذَلِكَ -أَو مَا قَدْ يُفْهَمُ فِي جَوَازِ ذَلِكَ- كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي مَجْمُوعِ الفَتَاوَى (١٣/ ٨٧) حَيثُ قَالَ ﵀: \"النَّوعُ الثَّالِثُ: أَنْ يَسْتَعْمِلَهُمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ كَمَا يُسْتَعْمَلُ الْإِنْسُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ فَيَأْمُرَهُمْ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، وَيَنْهَاهُمْ عَمَّا نَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ كَمَا يَأْمُرُ الْإِنْسَ وَيَنْهَاهُمْ، وَهَذِهِ حَالُ نَبِيِّنَا ﷺ وَحَالُ مَنْ اتَّبَعَهُ وَاقْتَدَى بِهِ مِنْ أُمَّتِهِ وَهُمْ أَفْضَلُ الْخَلْقِ، فَإِنَّهُمْ يَأْمُرُونَ الْإِنْسَ وَالْجِنَّ بِمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ\". وَرَاجِعْ لِزَامًا كَلَامَ الشَّيخِ صَالِحِ آلِ الشَّيخِ حَفِظَهُ اللهُ فِي أَشْرِطَةِ شَرْحِ العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ (ش ٤٩) فِي بَيَانِ تَوجِيهِ كَلَامِ شَيخِ الإِسْلَامِ ﵀.","vol":"1","page":228},{"text":"كَمَا ورَدَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الجِنِّ تَفَلَّتَ البَارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلَاتِي؛ فَأَمْكَنَنِي اللهُ مِنْهُ، فَأَخَذْتُهُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبُطَهُ عَلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ حَتَّى تَنْظُرُوا إِلَيهِ كُلُّكُمْ؛ فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أَخِي سُلَيمَانَ: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥] فَرَدَدْتُهُ خَاسِئًا» (^١).\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: \"وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ تَرَكَهُ رِعَايَةً لِسُلَيمَانَ ﵇\" (^٢).\n٣ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ دَعَا الجِنَّ إِلَى الإِسْلَامِ نَهَى ابْنَ مَسْعُودٍ عَنْ تَكْلِيمِهِم، وَنَهَاهُ أَنْ يَبْرَحَ مَكَانَهُ؛ فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى مَنْعِ التَّعَامُلِ مَعَهُم، كَمَا فِي الحَدِيثِ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ العِشَاءَ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَأَخَذَ بِيَدِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ حَتَّى خَرَجَ بِهِ إِلَى بَطْحَاءِ مَكّةَ، فَأَجْلَسَهُ، ثُمَّ خَطَّ عَلَيهِ خَطًّا، ثُمَّ قَالَ: «لَا تَبْرَحَنَّ خَطَّكَ؛ فَإِنَّهُ سَيَنْتَهِي إِلَيكَ رِجَالٌ، فَلَا تُكَلّمْهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَلّمُوكَ» (^٣) (^٤).\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٣٤٢٣).\n(^٢) فَتْحُ البَارِي (٦/ ٤٥٩).\n(^٣) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٨٦١). صَحِيحُ التِّرْمِذِيِّ (٢٨٦١).\n(^٤) وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٣٨٩) عَنْ سُهَيلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: أَرْسَلَنِي أَبِي إلَى بَنِي حَارِثَةَ وَمَعِي غُلَامٌ لَنَا أَو صَاحِبٌ لَنَا، فَنَادَاهُ مُنَادٍ مِنْ حَائِطٍ بِاسْمِهِ، قَالَ: وَأَشْرَفَ الَّذِي مَعِي عَلَى الحَائِطِ فَلَمْ يَرَ شَيئًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي فَقَالَ: لَو شَعَرْتُ أَنَّك تَلْقَى هَذَا لَمْ أُرْسِلْكَ، وَلَكِنْ إذَا سَمِعْتَ صَوتًا فَنَادِ بِالصَّلَاةِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا هُرَيرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الشَّيطَانَ إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ وَلَّى وَلَهُ حِصَاصٌ». وَالحِصَاصُ هُوَ الضُّرَاطُ.\nوَأَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ هُوَ ذَكْوَانُ: تَابِعِيٌّ مِنَ الوُسْطَى، وَهُوَ ثِقَةٌ ثَبْتٌ. وَالشَّاهِدُ هُنَا قَولُ ذَكْوَان: \"لَو شَعَرْتُ أَنَّك تَلْقَى هَذَا لَمْ أُرْسِلْكَ\".","vol":"1","page":229},{"text":"وَفِي الأَثَرِ أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ يَقُولُ عَلَى المِنْبَرِ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ! أَصْلِحُوا عَلَيكُمْ مَثَاوِيكُمْ، وَأَخِيفُوا هَذِهِ الجِنَّانَ قَبْلَ أَنْ تُخِيفَكُمْ، فَإِنَّهُ لَنْ يَبْدُوَ لَكُمْ مُسْلِمُوهَا، وَإِنَّا وَاللَّهِ مَا سَالَمْنَاهُنَّ مُنْذُ عَادَينَاهُنَّ) (^١)، وَالشَّاهِدُ مِنْهُ: (فَإِنَّهُ لَنْ يَبْدُوَ لَكُمْ مُسْلِمُوهَا).\nإِلَّا أَنَّهُ مِمَّا يَنْبَغِي التَّفَطُّنُ لَهُ أَنَّ الجِنَّ المُسْلِمَ -وَالصَّالِحَ جَدَلًا- إِنْ حَصَلَ مِنْهُ تَعَامُلٌ مَعَ بَعْضِ المُسْلِمِينَ؛ فَلَيسَ ذَلِكَ بِحُجَّةٍ فِي شَيءٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُم لَيسُوا بِمَعْصُومِينَ! فَلَو حَصَلَ شَيءٌ مِنْ هَذَا التَّعَامُلِ -وَإِنْ كَانَ فِي خَيرٍ- فَهُمْ مُخْطِئُونَ فِي ذَلِكَ كَحَالِ مُسْلِمِي الإِنْسِ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ يُعَامِلُونَهُم (^٢).\n٤ - أَنَّ الجِنِّ فِي زَمَنِ النُّبُوَّةِ كَانَ مِنْهُم مَنْ لَقِيَ النَّبِيِّ ﷺ، وَاسْتَمَعَ إِلَيهِ، وَأَسْلَمَ مَعَهُ (^٣)، وَمَعْلُومٌ أَنَّ عِنْدَهُم مِنَ القُدُرَاتِ وَالإِمْكَانَاتِ الَّتِي أَعْطَاهُم إِيَّاهَا اللهُ تَعَالَى مَا لَيسَ لِغَيرِهِم؛ وَقَدْ مَضَى زَمَنُ النُّبُوَّةِ وَزَمَنُ الصَّحَابَةِ (^٤) وَلَمْ يَجْرِ فِيهِ الاسْتِعَانَةُ بِالجِنِّ\n_________\n(^١) حَسَنٌ. صَحِيحُ الأَدَبِ المُفْرَدِ (٣٤٧).\n(^٢) أَفَادَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيِّ ﵀ فِي أَشْرِطَةِ فَتَاوَى سِلْسِلَةِ الهُدَى وَالنُّورِ (ش ٩٥٢).\n(^٣) كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى عَنْهُم فِي سُورَةِ الجِنِّ: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾ [الجِنّ: ١٣].\n(^٤) رَوَى أَحْمَدُ ﵀ فِي كِتَابِ (فَضَائِلُ الصَّحَابَةِ) (ص ٣٠٤): عَنْ أَبِي مُوسَى الأشعريِّ؛ أَنَّهُ أبطأَ عَلَيهِ خَبَرُ عُمَرَ؛ وَكَانَ هُنَاكَ امْرَأَةٌ لَهَا قَرِينٌ مِنَ الجِنِّ، فَسَأَلَهُ عَنْهُ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَرَكَ عُمَرَ يَسِمُ إِبِلَ الصَّدَقَةِ. وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.\nوَفِي خَبَرٍ آخَرَ أَنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ جَيشًا، فَقَدِمَ شَخْصٌ إِلَى المَدِينَةِ فَأَخْبرَ أَنَّهُم انْتَصَرُوا عَلَى عَدُوِّهِم وَشَاعَ الخَبَرُ، فَسَأَلَ عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ فذُكِرَ لَهُ، فَقَالَ: (هَذَا أَبُو الهَيثَمِ بَرِيدُ المُسْلِمِينَ مِنَ الجِنِّ، وَسَيَأْتِي بَرِيدُ الإِنْسِ بَعْدَ ذَلِكَ)، فَجَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ بِعِدَّةِ أَيَّامٍ. أَورَدَهُ بَدْرُ الدِّينِ الشُّبليُّ فِي كِتَابِ (آكَامُ المَرْجَان فِي أَحْكَامِ الجَانِّ) (ص ١٣٩) بِدُونِ سَنَدٍ. اُنْظُرْ كِتَابَ (المُنْتَخَبُ مِنْ كُتُبِ شَيخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيمِيَّة) (ص ٩٩) لِلشَّيخِ عَلَوِيّ السَّقَّافِ.","vol":"1","page":230},{"text":"-حَتَّى المُسْلِمَ مِنْهَا-، فَكَانَ هَذَا الأَمْرُ بِمَثَابَةِ إِجْمَاعٍ مِنْهُم عَلَى عَدَمِ مَشْرُوعيَّتِهِ. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.\nقَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي كِتَابِهِ (الآدَابُ الشَّرْعِيَّةُ): \"قَالَ أَحْمدُ ﵀ فِي الرَّجُلِ يَزْعُمُ أَنَّهُ يُعَالِجُ المَجْنُونَ مِنَ الصَّرَعِ بِالرُّقَى وَالعَزَائِمِ، أَو يَزْعُمُ أَنَّهُ يُخَاطِبُ الجِنَّ وَيُكَلِّمُهُم، وَمْنُهم مَنْ يَخْدُمُهُ؛ قَالَ: مَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَهُ، تَرْكُهُ أَحَبُّ إليَّ. وَهَذَا يُرَادُ بِهِ التَّحْرِيمُ، كَمَا هُوَ المَعْلُومُ مِنْ نُصُوصِ الإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَلْفَاظِهِ\" (^١).\n٥ - سَدًّا لِذَرِيعَةِ الافْتِتَانِ بِهِم.\nوَالفِتْنَةُ بِهِم حَاصِلَةٌ مِنْ وُجُوهٍ:\nأ- أَنَّ الشَّيَاطِينَ الأَصْلُ فِيهِمُ الكَذِبُ؛ فَلَا يُؤْمَنُ كَذِبُ مَنْ يَزْعُمُ مِنْهُم أَنَّهُ مُسْلِمٌ أَو صَالِحٌ، فَهُم يُوقِعُونَ العَدَاوَةَ بَينَ النَّاسِ فِي كَذِبِهِم.\nب- أَنَّ الشَّيَاطِينَ لَهُم اسْتِدْرَاجٌ، فَيَتَدَرَّجُونَ مِنْ مُبَاحٍ إِلَى مَكْرُوهٍ إِلَى مُحَرَّمٍ إِلَى شِرْكٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البَقَرَة: ١٦٨].\nج- أَنَّ الاسْتِعَانَةَ بِهِم -وَهُمْ غَيرُ مُشَاهَدُونَ لَنَا- يَعْنِي الاسْتِغَاثَةَ بِهِم فِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ، وَهَذَا يُمَاثِلُ فِعْلَ المُشْرِكِينَ مَعَ آلِهَتِهِم وَمَعَ الجِنِّ، فَقَولُ أَحَدِهِم: \"أَغِثْنِي يَا فُلَانُ -بِاسْمِ الجِنِّيِّ-\" أَو \"أُعُوذُ بِفُلَانٍ وَفُلَانٍ -مِنَ الجِنِّ-\" وَبِزَعْمِ أَنَّهُ حَيٌّ حَاضِرٌ قَادِرٌ! هَذَا ذَرِيعَةٌ لِلشِّرْكِ؛ إِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ الشِّرْكُ.\n_________\n(^١) الآدَابُ الشَّرْعِيَّةُ (١/ ١٩٨).","vol":"1","page":231},{"text":"فَاللهُ تَعَالَى بَيَّنَ فِي سُورَةِ الجِنِّ ضَلَالَ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَانُوا يَسْتَعِيذُونَ بِمَرَدَةِ الجِنِّ مِنْ سَائِرِ الجِنِّ، وَالاسْتِعَاذَةُ طَلَبٌ وَاسْتِعَانَةٌ، وَلَمْ يَكُونُوا يَقُولُون هَذَا إِلَّا إِذَا نَزَلُوا فِي الأَودِيَةِ! فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ كَبِيرُ الجِنِّ يَسْمَعَ كَلَامَهُم؛ وَهُمْ لَمْ يَطْلُبُوا مِنْهُ مَا لَا يَسْتَطِيعُهُ؛ وَمَعَ ذَلِكَ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى ضَلَالَهُم (^١) (^٢).\n_________\n(^١) وَإِذَا كَانَتِ الاسْتِعَانَةُ بِالجِنِّ هِيَ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيهِ إِلَّا اللهُ تَعَالَى؛ كَانَتْ حَينَئِذٍ مِنَ الشِّرْكِ الأَكْبَرِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشُّعَرَاء: ٩٦ - ٩٨].\n(^٢) فَائِدَةٌ: وَأَمَّا زَعْمُ بَعْضِهِم -عِنْدَمَا يَصْطَدِمُ بِنُصُوصِ المَنْعِ السَّابِقَةِ الَّتِي تَمْنَعُ مِنَ التَّعَامُلِ مَعَ الجِنِّ إِطْلَاقًا- أَنَّهُ يَتَعَامَلُ مَعَ المَلَائِكَةِ؛ وَأَنَّهُ يَسْتَعِينُ بِهِم عَلَى قَضَاءِ حَاجَاتِ النَّاسِ؛ فَهُوَ زَعْمٌ بَاطِلٌ لَمْ يَدُلَّ عَلَيهِ الشَّرْعُ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ أَنَّ المَلَائِكَةَ خَلْقٌ مُطِيعٌ لَهُ، يَعْمَلُونَ بِأَمْرِهِ ﷾، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٧]، وَلَا يَخْفَى أَنَّ تَقْدِيمَ مَا حَقُّهُ التَّأْخِيرُ يُفِيدُ الحَصْرَ، فَالمَلَائِكَةُ لَا تَعْمَلُ شَيئًا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهَا أَصْلًا إِلَّا أَنْ يَأْمُرَهَا اللهُ تَعَالَى بِهِ.","vol":"1","page":232},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-102> المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إِذَا كَانَتِ الاسْتِعَاذَةُ بِغَيرِ اللهِ شِرْكٌ؛ فَمَا الجَوَابُ عَنِ الأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا الاسْتِعَاذَةُ بِرَسُولِ اللهِ </span>ﷺ -وَبِحُضُورِهِ أَيضًا- دُونَ إِنْكَارٍ مِنْهُ عَلَى المُسْتَعِيذِ بِهِ؟\nوَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ البَدْرِيِّ ﵁؛ أَنَّهُ كَانَ يَضْرِبُ غُلَامَهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللهِ، قَالَ: فَجَعَلَ يَضْرِبُهُ، فَقَالَ: أَعُوذُ بِرَسُولِ اللهِ، فَتَرَكَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَاللهِ؛ لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيكَ مِنْكَ عَلَيهِ»، قَالَ: فَأَعْتَقَهُ (^١).\nالجَوَابُ:\nقَدْ سَبَقَ بَيَانُ أَنَّ الاسْتِعَاذَةَ تَجُوزُ إِذَا تَحَقَّقَتْ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ، وَهِيَ: كَونُ المَدْعُوِّ أَوِ المُسْتَعَاذِ بِهِ حَيًّا، حَاضِرًا، قَادِرًا عَلَى مَا أُعِيذَ بِهِ مِنْهُ، وَعَلَيهِ فَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ، وَيَكُونُ الأَخْذُ بِهَا هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الأَسْبَابِ الدُّنْيَوِيَّةِ المَأْذُونِ بِهَا (^٢)، وَكُلُّ هَذَا كَانَ مُحَقَّقًا فِي هَذَا الحَدِيثِ (^٣).\n_________\n(^١) مُسْلِمٌ (١٦٥٩).\n(^٢) وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ أَنَّ الاسْتِعَاذَةَ تَتَضَمَّنُ عَمَلَينِ:\nأ- عَمَلًا بَاطِنًا؛ وَهُوَ تَوَجُّهُ القَلْبِ وَسَكَنُهُ وَاضْطِرَارُهُ وَحَاجَتُهُ إِلَى هَذَا المُسْتَعَاذِ بِهِ وَاعْتِصَامُهُ بِهِ، وَتَفْوِيضُ أَمْرِ نَجَاتِهِ إِلَيهِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ لِغَيرِ اللهِ وَحْدَهُ سَوَاءً كَانَ المَطْلُوبُ فِي طَاقَةِ المَخْلُوقِ أَمْ لَا.\nب- عَمَلًا ظَاهِرًا؛ وَهُوَ الطَّلَبُ، وَهَذَا القَدْرُ وَحْدَهُ يَجُوزُ مِنَ المَخْلُوقِ إِذَا اجْتَمَعَتْ فِيهِ ثَلَاثُ خِصَالٍ: حَيٌّ، حَاضِرٌ، قَادِرٌ.\nوَخُلَاصَتُهُ أَنَّ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيهِ إِلَّا اللهُ؛ فَإِنَّ طَلَبَهُ مِنْ غَيرِ اللهِ شِرْكٌ.\nكَمَا فِي البُخَارِيِّ (٣٦٠١)، وَمُسْلِمٌ (٢٨٨٧) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا: «سَتَكُونُ فِتَنٌ القَاعِدُ فِيهَا خَيرٌ مِنَ القَائِمِ، وَالقَائِمُ خَيرٌ مِنَ المَاشِي، وَالمَاشِي فِيهَا خَيرٌ مِنَ السَّاعِي، مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، فَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَو مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ».\n(^٣) وَمِثْلُهُ أَيضًا الحَدِيثُ الَّذِي فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ (١٥٩٥٤) أَنَّ الحَارِثَ بْنَ يَزِيدَ البَكْرِيَّ قَالَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ:=","vol":"1","page":233},{"text":"_________\n= (أَعُوذُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنْ أَكُونَ كَوَافِدِ عَادٍ) عَلَى القَولِ بِعَدَمِ شُذُوذِ == هَذِهِ اللَّفْظَةِ كَمَا ذَهَبَ إِلَيهِ الشَّيخُ الفَاضِلُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الدِّمَشْقِيَّةُ حَفِظَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ (مَوسُوعَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي نَقْدِ أُصُولِ فِرْقَةِ الأَحْبَاشِ وَمَنْ وَافَقَهُم فِي أُصُولِهِم) (١/ ٧٤) حَيثُ حَسَّنَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀. اُنْظُرِ التَّعْلِيقَ عَلَى حَدِيثِ الضَّعِيفَةِ (١٢٢٨).\nوَأَمَّا قَولُهُ فِي الحَدِيثِ: (كَوَافِدِ عَادٍ) فَهُوَ مَثَلٌ مَعْنَاهُ -كَمَا قَالَ الرَّاغِبُ الأَصْفَهَانِيُّ فِي كِتَابِهِ مُحَاضَرَاتُ الأُدَبَاءِ (١/ ٣٨٨) -: \"وَوَافِدُ عَادٍ: هُوَ الَّذِي بَعَثُوهُ إِلَى الحَرَمِ لِيَسْتَسْقِي لَهُم؛ فَمَرَّ بِمُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ؛ فَأَقَامَ عِنْدَهُ شَهْرًا يَشْرَبُ الخَمْرَ وَتُغَنِّي لَهُ الجَرَادَتَانِ، ثُمَّ أَتَى جِبَالَ مَهْرَةَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أَجِئْ لِفَائِتٍ فَأُودِيهِ، وَلَا لِأَسِيرٍ فَأَفْادِيهِ، وَلَا لِمَرِيضٍ فَأُدَاوِيهِ، اللُّهُمَّ اسْقِ عَادًا مَا كُنْتَ تَسْقِيهِ! فَعَرَضَتْ لَهُم سَحَابَةٌ أَهْلَكَتْهُم\". وَ(الجَرَادَتَانِ): مُغَنِّيَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ عِنْدَ العَرَبِ.\nوَلَكِنْ هُنَا يَبْقَى إِشْكَالٌ مِنْ جِهَةِ جَوَازِ العَطْفِ فِي قَولِهِ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) حَيثُ قَدْ ثَبَتَ فِي الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ، فَقَالَ: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟! بَلْ مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ». صَحِيحٌ. النَّسَائِيُّ فِي الكُبْرَى (١٠٧٥٩). صَحِيحُ الأَدَبِ المُفْرَدِ (٧٨٣).\nوَالجَوَابُ عَلَيهِ -عِنْدِي- هُوَ مِنْ وَجْهَينِ:\nأ- أَنْ يَكُونَ هَذَا قَبْلَ النَّهْي، وَذَلِكَ لِأَنَّ الشِّرْكَ فِي الأَلْفَاظِ لَمْ يَكُنْ قَدْ نُهِيَ عَنْهُ أَولًا، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «إِنَّ طُفَيلًا رَأَى رُؤْيَا؛ فَأَخْبَرَ بِهَا مَنْ أَخْبَرَ مِنْكُمْ، وَإِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَقُولُونَ كَلِمَةً كَانَ يَمْنُعُنِي الحَيَاءُ مِنْكُمْ أَنْ أَنْهَاكُمْ عَنْهَا، قَالَ: لَا تَقُولُوا مَا شَاءَ اللهُ وَمَا شَاءَ مُحَمَّدٌ». صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٠٦٩٤) عَنْ طُفَيلِ بْنِ سَخْبَرَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَة (١٣٨).\nب- أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةِ: (وَرَسُولِهِ) قَدْ تَكُونُ وَهْمًا وَتَصَرُّفًا مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ -وَاللهُ أَعْلَمُ-، وَوَجْهُ ذَلِكَ يَظْهَرُ مِنْ نَاحِيَتَينِ:\nالأُولَى: أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الحَدِيثِ النَّهْيُ عَنِ العَطْفِ بِالوَاوِ بَينَ اللهِ تَعَالَى وَالرَّسُولِ ﷺ -كَمَا سَبَقَ فِي الحَدِيثِ-، لَا سِيَّمَا وَأَنَّ إِعَاذَةَ النَّبِيِّ ﷺ مُبَايِنَةٌ لِإِعَاذَةِ اللهِ تَعَالَى.\nالثَّانِيَةُ: أَنَّ أَكْثَرَ أَلْفَاظِ الحَدِيثِ مُقْتَصِرَةٌ عَلَى قَولِهِ (أَعُوذُ بِاللهِ) فَقَط، دُونَ زِيَادَةِ (وَرَسُولِهِ)، كَمَا تَجِدُ ذَلِكَ فِي:\n- تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (١٤/ ٥١٢).\n- سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ (٣٢٧٣).=","vol":"1","page":233},{"text":"وَلِذَلِكَ لَا تَجِدُ فِي شَيءٍ مِنَ الأَحَادِيثِ أَنَّ أَحَدًا:\nأ- اسْتَعَاذَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهُ.\nب- اسْتَعَاذَ بِالنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ مَوتِهِ.\nج- اسْتَعَاذَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيهِ البَشَرُ.\nوَأَمَّا بِخُصُوصِ نَفْسِ الحَدِيثِ؛ فَالغُلَامُ اسْتَعَاذَ بِالنَّبِيِّ ﷺ -عِنْدَمَا رَآهُ- لِيَنْجُوَ مِنَ العَذَابِ؛ وَلَيسَ حَالَ غِيَابِهِ -لِاعْتِقَادِهِ قُوةً ذَاتِيَّةً فِي النَّفْعِ أَوِ كَشْفِ الضُّرِّ فِيهِ! -، وَدَلَّ لِذَلِكَ لَفْظُ الحَدِيثِ فِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ؛ وَفِيهِ: (بَينَا رَجُلٌ يَضْرِبُ غُلَامًا لَهُ -وَهُوَ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهُ-؛ إِذْ بَصُرَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أَعُوذُ بِرَسُولِ اللهِ) (^١).\n- فَائِدَةٌ: أَمَّا وَجْهُ تَرْكِ أَبِي مَسْعُودٍ لِضَرْبِ الغُلَامِ عِنْدَ الاسْتِعَاذَةِ بِالنَّبِيِّ ﷺ -وَلَمْ يَكُنْ قَدْ تَرَكَهُ عِنْدَ الاسْتِعَاذَةِ بِاللهِ تَعَالَى- هُوَ لِكَونِهِ لَمْ يَعْقِلْ مَا حَولَهُ مِنَ الكَلَامِ لِشِدَّةِ الغَضَبِ؛ فَلَمَّا رَأى النَّبِيَّ ﷺ سَقَطَ السَّوطُ مِنْ هَيبَتِهِ -كَمَا فِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ-؛ وَفِيهِ قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ البَدْرِيُّ: كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي بِالسَّوطِ؛ فَسَمِعْتُ صَوتًا مِنْ خَلْفِي: «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ»! فَلَمْ أَفْهَمِ الصَّوتَ مِنَ الغَضَبِ، فَلَمَّا دَنَا مِنِّي إِذَا هُوَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَإِذَا هُوَ يَقُولُ: «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ؛ اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ»! قَالَ: فَأَلْقَيتُ\n_________\n=\n- الاسْتِيعَابُ لِابْنِ عَبْدِ البَرِّ (١/ ٢٨٦).\n- العَظَمَةُ لِأَبِي الشَّيخِ الأَصْبَهَانِيِّ (٤/ ١٣٢٠)، وَهِيَ عِنْدَهُ بِلَفْظِ: (فَأَعُوذُ بِاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَنْ أَكُونَ كَوَافِدِ عَادٍ)، وَهَذَا أَقْرَبُ لِكَونِ لَفْظَةِ (وَرَسُولِهِ) بِالعَطْفِ وَهْمٌ أَو تَصْحِيفٌ. وَاللهُ أَعْلَمُ.\n- الأحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ الكُبْرَى لِلإِشْبِيلِيِّ (٤/ ٢١٢).\n(^١) مُصَنَّفُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ (١٧٩٥٧).","vol":"1","page":235},{"text":"السَّوطَ مِنْ يَدِي. وَفِي لَفْظٍ آخَرَ لِمُسْلِمٍ أَيضًا: فَسَقَطَ مِنْ يَدِي السَّوطُ مِنْ هَيبَتِهِ، فَقَالَ: «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ! أَنَّ اللهَ أَقْدَرُ عَلَيكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الغُلَامِ». فَقُلْتُ: لَا أَضْرِبُ مَمْلُوكًا بَعْدَهُ أَبَدًا.\nقَالَ القَاضِي عِيَاضُ ﵀ فِي كِتَابِهِ (إِكْمَالُ المُعْلِمِ شَرْحُ مُسْلِمٍ): \"فَلَعَلَّهُ لَمْ يَسْمَعِ اسْتِعَاذَتَهُ الأُولَى لِشِدَّةِ غَضَبِهِ؛ كَمَا لَمْ يَسْمَعْ نِدَاءَ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ -كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ-، أَو يَكُونُ لَمَّا اسْتَعَاذَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ تَنَبَّهَ لِمَكَانِهِ\" (^١).\n_________\n(^١) إِكْمَالُ المُعْلِمِ (٥/ ٢٢٣).","vol":"1","page":236},{"text":"بَابُ مِنَ الشِّرْكِ أَنَّ يَسْتَغِيثَ بِغَيرِ اللهِ أَو يَدْعُوَ غَيرَهُ\nوَقَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يُونُس: ١٠٦ - ١٠٧].\nوَقَولُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العَنْكَبُوت: ١٧].\nوَقَولُهُ: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأَحْقَاف: ٥ - ٦].\nوَقَولُهُ: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النَّمْل: ٦٢].\nوَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ؛ أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُنَافِقٌ يُؤْذِي المُؤْمِنِينَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قُومُوا بِنَا نَسْتَغِيثُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ هَذَا المُنَافِقِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي، وَإِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بِاَللَّهِ» (^١).\n_________\n(^١) ضَعِيفٌ. أَحْمَدُ (٢٢٧٠٦) عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ (١/ ٣٨٧)، وَلَمْ أَعْثُرْ عَلَيهِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ -رُغْمَ أَنَّ الهَيثَمِيَّ عَزَاهُ إِلَيهِ فِي (المَجْمَعِ)، وَلَعَلَّهُ يَكُونُ فِي القِسْمِ المَفْقُودِ مِنْ مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ-، وَلَمْ يَعْزُهُ السُّيُوطِيُّ ﵀ -عَلَى سَعَةِ اطِّلَاعِهِ- لِغيرِهِمَا. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.\nقَالَ الشَّيخُ رَبِيعُ بْنُ هَادِي المَدْخَلِيُّ حَفِظَهُ اللهُ تَعَالَى فِي تَحْقِيقِهِ لِكِتَابِ (قَاعِدَةٌ جَلِيلَةٌ فِي التَّوَسُّلِ وَالوَسِيلَةِ، تَأْلِيفُ شَيخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيمِيَّة ﵀: \"اُنْظُرْ مَجْمَعَ الزَّوَائِدِ (١٠/ ١٥٩)، قَالَ الهيثميُّ\n=","vol":"1","page":237},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: أَنَّ عَطْفَ الدُّعَاءِ عَلَى الِاسْتِغَاثَةِ مِنْ عَطْفِ العَامِّ عَلَى الخَاصِّ.\nالثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ قَولِهِ: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾.\nالثَّالِثَةُ: أَنَّ هَذَا هُوَ الشِّرْكُ الأَكْبَرُ.\nالرَّابِعَةُ: أَنَّ أَصْلَحَ النَّاسِ لَو فَعَلَهُ إِرْضَاءً لِغَيرِهِ؛ صَارَ مِنَ الظَّالِمِينَ.\nالخَامِسَةُ: تَفْسِيرُ الآيَةِ الَّتِي بَعْدَهَا.\nالسَّادِسَةُ: كَونُ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُ فِي الدُّنْيَا مَعَ كَونِهِ كُفْرًا.\nالسَّابِعَةُ: تَفْسِيرُ الآيَةِ الثَّالِثَةِ.\nالثَّامِنَةُ: أَنَّ طَلَبَ الرِّزْقِ لَا يَنْبَغِي إِلَّا مِنَ اللهِ؛ كَمَا أَنَّ الجَنَّةَ لَا تُطْلَبُ إِلَّا مِنْهُ.\nالتَّاسِعَةُ: تَفْسِيرُ الآيَةِ الرَّابِعَةِ.\nالعَاشِرَةُ: أَنَّهُ لَا أَضَلُّ مِمَّنْ دَعَا غَيرَ اللهِ.\nالحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّهُ غَافِلٌ عَنْ دُعَاءِ الدَّاعِي لَا يَدْرِي عَنْهُ.\n_________\n=\nعَقِبَهُ: وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ غَيرُ ابْنِ لَهِيعَة، وَهُوَ حَسَنُ الحَدِيثِ. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ (٥/ ٣١٧): ثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُد، ثَنَا ابْنُ لَهِيعَة، عَنِ الحَارِثِ بْنِ يَزِيدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ؛ أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ يَقُولُ: خَرَجَ عَلَينَا رَسُولُ اللهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: قُومُوا نَسْتَغِيثُ برَسُولِ اللهِ مِنْ هَذَا المُنَافِقِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: «لَا يُقامُ لِي، إِنَّمَا يُقَامُ للهِ ﵎). وَرَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ (١/ ٣٨٧) بِهَذَا الإِسْنَادِ وَبِهَذَا اللَّفْظِ. وَمُوسَى بْنُ دَاوُد؛ هُوَ الضَّبِيُّ؛ أَبْوُ عَبْدِ اللهِ الطَرْطُوسِيُّ، صَدُوقٌ فَقِيهٌ زَاهِدٌ لَهُ أَوهَامٌ، مِنْ صِغَارِ التَّاسِعَةِ، فَيَبْدُو أَنَّه مِمَّنْ رَوَى عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ بَعْدَ اخْتِلَاطِهِ، وَفِيهِ الرَّجُلُ المَجْهُولُ الرَّاوِي عَنْ عُبَادَةَ؛ فَالحَدِيثُ عَلَى هَذَا ضَعِيفٌ\".","vol":"1","page":238},{"text":"الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ تِلْكَ الدَّعْوَةَ سَبَبٌ لِبُغْضِ المَدْعُوِّ لِلدَّاعِي وَعَدَاوَتِهِ لَهُ.\nالثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: تَسْمِيَةُ تِلْكَ الدَّعْوَةِ عِبَادَةً لِلْمَدْعُوِّ.\nالرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: كُفْرُ المَدْعُوِّ بِتِلْكَ العِبَادَةِ.\nالخَامِسَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ هَذِهِ الأُمُورَ هِيَ سَبَبُ كَونِهِ أَضَلَّ النَّاسِ.\nالسَّادِسَةَ عَشْرَةَ: تَفْسِيرُ الآيَةِ الخَامِسَةِ.\nالسَّابِعَةَ عَشْرَةَ: الأَمْرُ العَجِيبُ؛ وَهُوَ إِقْرَارُ عَبْدَةِ الأَوثَانِ أَنَّهُ لَا يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِلَّا اللهُ، وَلِأَجْلِ هَذَا يَدَعُونَهُ فِي الشَّدَائِدِ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.\nالثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: حِمَايَةُ المُصْطَفَى ﷺ حِمَى التَّوحِيدِ، وَالتَّأَدُّبُ مَعَ اللهِ.","vol":"1","page":239},{"text":"<span data-type='title' id=toc-105>الشَّرْحُ</span>\n- كَلَامُ المُصَنِّفِ لَيسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، بَلْ يُقيَّدُ بِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيهِ المُسْتَغَاثُ بِهِ مِمَّا يَخْتَصُّ اللهُ تَعَالَى بِهِ، فَمَا كَانَ للهِ تَعَالَى لَا يُطْلَبُ مِنْ غَيرِهِ.\nوَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشُّعَرَاء: ٩٦ - ٩٨]. فَتَسْوِيَتُهُم بَينَ مَعْبُودَاتِهِم وَبَينَ اللهِ تَعَالَى هُوَ سَبَبُ دُخُولِهِم النَّارَ، عِلْمًا أَنَّهُم لَمْ يَعْتَقِدُوا فِيهِم الرُّبوبيّةَ! فَصَارَ فِي ذَلِكَ التَّدْلِيلُ عَلَى أَنَّ دُعَاءَ غَيرِ اللهِ فِيمَا كَانَ للهِ هُوَ الكُفْرُ الأَكْبَرُ الَّذِي لَا يُغْفَرُ.\nوَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى أَيضًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٩٤].\n- الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ: وَدَلَّ لِذَلِكَ الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.\nفَفِي الحَدِيثِ: «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غَافِر: ٦٠] (^١).\n- الدُّعَاءُ نَوعَانِ:\n١ - دُعَاءُ عِبَادَةٍ: كَالصَّومِ وَالصَّلَاةِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِنَ العِبَادَاتِ.\nوَسُمِّيَ دُعَاءً؛ لِأَنَّهُ دَاعٍ بِلِسَانِ حَالِهِ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ يُرِيدُ الجَنَّةَ وَالبُعْدَ عَنِ النَّارِ؛ فَإِنَّهُ يُحَافِظُ عَلَى أَعْمَالِ الطَّاعَةِ للهِ، فَهُوَ دَاعٍ فِي الجُمْلَةِ، وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٩٦٩) عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٣٤٠٧).","vol":"1","page":240},{"text":"جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غَافِر: ٦٠]، فَجَعَلَ سُبْحَانَهُ الدُّعَاءَ عِبَادَةً، وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجِنّ: ١٨]، وَهَذَا النَّوعُ لَا يَجُوزُ صَرْفُهُ لِغَيرِ اللهِ تَعَالَى، وَهُوَ المَقْصُودُ بِالحَدِيثِ هُنَا.\n٢ - دُعَاءُ مَسْأَلَةٍ: أَي: يَدْعُو سَائِلًا بِلِسَانِهِ.\nوَهَذَا النَّوعُ فِيهِ تَفْصِيلٌ مِنْ حَيثُ كَونِ المُسْتَغَاثِ بِهِ حَيًّا حَاضِرًا قَادِرًا (^١)، كَمَا فِي قَولِهِ ﷺ: «مَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ» (^٢).\nوَالنَّوعَانِ مَجْمُوعَانِ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأَعْرَاف: ٥٥ - ٥٦].\n- يَدُلُّ لِهَذَا التَّفْصِيلِ (الحَيِّ الحَاضِرِ القَادِرِ) نُصُوصٌ عَدِيدَةٌ، مِنْهَا: قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [الأَعْرَاف: ١٩٥] (^٣).\n_________\n(^١) قُلْتُ: مَعَ التَّأْكِيدِ عَلَى كَونِ دُعَاءِ المَدْعُوِّ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الأَسْبَابِ؛ وَأَنَّ النَّفْعَ إِنَّمَا هُوَ مِنَ اللهِ تَعَالَى.\n(^٢) صَحِيحٌ. أَبُو دَاود (١٦٧٢) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَة (٢٥٤).\n(^٣) وَالسِّيَاقُ بِتَمَامِهِ: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ * إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ * وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ * وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٩٤ - ١٩٨].\nوَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٣/ ٥٣٠) -فِي سِيَاقِ الكَلَامِ عَنْ آلِهَةِ المُشْرِكِينَ-: \"وَقَولُهُ: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ إِنَّمَا قَالَ: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيكَ﴾ أَي: يُقَابِلُونَكَ بِعُيُونٍ مُصَوَّرَةٍ كَأَنَّهَا نَاظِرَةٌ -وَهِيَ جَمَادٌ- وَلِهَذَا عَامَلَهُم مُعَامَلَةَ مَنْ يَعْقِلُ، لِأَنَّهَا عَلَى صُوَرٍ مُصَوَّرَةٍ كَالإِنْسَانِ، فَقَالَ: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيكَ﴾ فَعبَّرَ عَنْهَا بِضَمِيرِ مَنْ يَعْقِلُ\".","vol":"1","page":241},{"text":"قُلْتُ: إِنَّ ذِكْرَ الاسْتِفْهَامِ فِي هَذِهِ الأَوجُهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَدَمَهَا هُوَ سَبَبُ النَّهْيِّ (^١)، وَأَوجُهُ الدِّلَالَةِ هِيَ:\nأ - إِنَّ ذِكْرَ صِفَاتِ المَشْي وَالبَطْشِ يَدُلُّ عَلَى القُدْرَةِ.\nب- إِنَّ ذِكْرَ صِفَاتِ السَّمْعِ وَالبَصَرِ يَدُلُّ عَلَى الحُضُورِ (^٢).\nج- إِنَّ مَجْمُوعَ هَذِهِ الصِّفَاتِ يَدُلُّ عَلَى الحَيَاةِ.\nقُلْتُ: وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى فِي مَعْرِضِ ذِكْرِ الأُلُوهيَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ فِي أَعْظَمِ آيَةٍ فِي القُرْآنِ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البَقَرَة: ٢٥٥]، فَاللهُ حَيٌّ سُبْحَانَهُ لَا يَمُوتُ، وَهُوَ قَيُّومٌ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى القُدْرَةِ التَّامَّةِ، وَلَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَومٌ -وَالسِّنَةُ هِيَ: أَوَّلُ النَّومِ وَمُقَدِّمَاتُهُ- وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ المَعِيَّةِ وَالحُضُورِ وَالإِحَاطَةِ.\nوَكَمَا قَالَ تَعَالَى لِمُوسَى يُطَمْئِنُهُ مِنْ بَطْشِ فِرْعَونَ: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا\n_________\n(^١) قُلْتُ: وَالسِّيَاقُ هُوَ فِي دُعَاءِ المَسْأَلَةِ.\n(^٢) وفِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزُّمَر: ٤٢] بَيَانُ أَنَّ أَرْوَاحَ الأَمْوَاتِ مُمْسَكَةٌ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى؛ بِخِلَافِ مَنْ زَعَمَ مِمَّنْ يَتَعَلَّقُ بِالأَمْوَاتِ -مِنْ ضُلَّالِ الأَحْيَاءِ- فَيَقُولُونَ: إِنَّ الأَرْوَاحَ مُطْلَقَةٌ مُتَصَرِّفَةٌ! ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البَقَرَة: ١٤٠].","vol":"1","page":242},{"text":"أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طَه: ٤٦] (^١).\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ هَذَا لِبَيَانِ الوَاقِعِ، فَإِنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللهِ لَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ (^٢)، فَصَارَ فِيهِ التَّنْبِيهُ عَلَى العِلَّةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا مُنِعَ دُعَاءُ غَيرِ اللهِ تَعَالَى، وَأَمَّا مَا جَعَلَهُ اللهُ سَبَبًا؛ فَإِنَّمَا هُوَ مِمَّا أَذِنَ بِهِ اللهُ -قَدَرًا أَوْ شَرْعًا-، وَلَيسَ مِمَّا أَذِنَ اللهُ بِهِ أَنْ يُسْتَغَاثَ بِالأَمْوَاتِ وَالغَائِبِينَ، وَلَمْ يَجْعَلِ اللهُ تَعَالَى ذَلِكَ سَبَبًا فِي حُصُولِ المَطْلُوبِ.\n- فِي الآيَةِ الاسْتِدْلَالُ بِالرُّبُوبِيَّةِ عَلَى تَوحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ، حَيثُ جَعَلَ اللهُ عَدَمَ النَّفْعِ وَالضُّرِّ هُوَ عِلَّةَ التَّوحِيدِ فِي دُعَائِهِ وَحْدَهُ سُبْحَانَهُ.\n- فِي بَيَانِ وَجْهِ النَّهْي عَنْ دُعَاءِ غَيرِ اللهِ؛ سَبَبَانِ:\n١ - أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا.\n٢ - أَنَّهَا لَا تَنْفَعُكَ إِذَا عَبَدْتَهَا، وَلَا تَضُرُّكَ إِذَا تَرَكْتَهَا.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ فِيهِ تَقْدِيمُ مَا حَقُّهُ التَّأْخِيرُ لِإِفَادَةِ الحَصْرِ (^٣)، وَخَصَّ الرِّزْقَ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ أَسْبَابِ الحَيَاةِ.\n_________\n(^١) وَقَدْ صَارَ عِنْدَ المُشْرِكِينَ فِي هَذِهِ الأّيَّامِ: \"لَا تَخَافَا إِنَّ الوَلِيَّ مَعَكُمَا يَسْمَعُ وَيَرَى\"!! فَإِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ.\n(^٢) وَقَدْ سَبَقَ مَعَنَا أَنَّ القَيدَ قَدْ يَكُونُ شَرْطًا وَقَدْ لَا يَكُونُ، فَقَدْ يَأْتِي كَاشِفًا مُوَضِّحًا لِبَيَانِ العِلَّةِ.\n(^٣) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي التَّفْسِيرِ (٦/ ٢٥١): \" ﴿فَابْتَغُوا﴾ أَي: فَاطْلُبُوا ﴿عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ أَي: لَا عِنْد غَيره، فَإِنَّ غَيرَهُ لَا يَمْلِكُ شَيئًا، ﴿وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ أَي: كُلُوا مِنْ رِزْقه وَاعْبُدُوهُ وَحْدَهُ وَاشْكُرُوا لَهُ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيكُمْ، ﴿إِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾ أَي: يَوم القِيَامَة؛ فَيُجَازِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ\".","vol":"1","page":243},{"text":"- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾ إِشَارَةٌ إِلَى الإِخْلَاصِ فِي هَذَا الشُّكْرِ، وَأَنْ يَكُونَ للهِ وَحْدَهُ؛ كَمَا أَنَّ الحِسَابَ وَالجَزَاءَ إِلَيهِ وَحْدَهُ.\n- مِمَّا يُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أَيضًا: أَنَّ الرِزْقَ الَّذِي يُنْعِمُ اللهُ جَلَّ وَعَلَا بِهِ عَلَى عِبَادِهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَونًا عَلَى الطَّاعَةِ، فَإِنْ لَمْ يُسْتَعْمَلْ لِذَلِكَ؛ فَإِنَّ الإِنْسَانَ مُسْتَحِقٌ لِعَذَابِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا.\n- فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ أُسْلُوبُ التَّضْمينِ، وَالمَعْنَى: \"وَاشْكُرُوا مُخْلِصِينَ لَهُ\".\n- فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن؟ أَضَلُّ﴾ اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى النَّفْي، أَي: لَا أَضَلَّ مِمَّنْ يَدْعُو غَيرَ اللهِ تَعَالَى.\n- سَبَبُ كَونِهِ أَكْثَرَ النَّاسِ ضَلَالًا أُمُورٌ:\n١ - أَنَّهُ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ.\n٢ - أَنَّ المَدْعُوِّينَ غَافِلُونَ عَنْ دُعَائِهِم.\n٣ - أَنَّهُ إِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُ أَعْدَاءً.\n٤ - أَنَّهُم كَافِرُونَ بِعِبَادَتِهِم.\n- فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ هَذِهِ فِي الأَمْوَاتِ مِنَ الصَّالِحِينَ، لِأَنَّ المَيِّتَ إِذَا كَانَ يَومَ القِيَامَةِ نُشِرَ وَصَارَ يَسْمَعُ وَرُبَّمَا أَجَابَ مَنْ طَلَبَ مِنْهُ؛ إذْ هُوَ فِي ذَلِكَ المَقَامِ حَيٌّ (^١)، فَفِيهِ دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ شِرْكَ\n_________\n(^١) وَمِثْلُهَا سُؤَالُ النَّاسِ لِلأَنْبِيَاءِ يَومَ القِيَامَةِ فِي مَوقِفِ الشَّفَاعَةِ الكُبْرَى، لِأَنَّهُم أَحْيَاءٌ حِينَهَا وَقَادِرُونَ عَلَى الإِجَابَةِ، أَمَّا الآنَ فِي الدُّنْيَا فَهُم أَمْوَاتٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزُّمَر: ٣٠].\nقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الصَّحِيحَة (٥/ ٤٥٩) فِي سِيَاقِ الكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ الكُبْرَى: \"وَلَيسَ فِيهِ جَوَازُ الاسْتِغَاثَةِ بِالأَمْوَاتِ -كَمَا يَتَوَهَّمُ كَثِيرٌ مِنَ المُبْتَدِعَةِ الأَمْوَاتِ-! بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ\n=","vol":"1","page":244},{"text":"المُشْرِكِينَ كَانَ أَيضًا فِي البَشْرِ، بِخِلَافِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ شِرْكَهُم كَانَ فِي الأَحْجَارِ الصُمِّ فَقَط! كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النَّحْل: ٢٠ - ٢١].\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ فِيهِ بَيَانُ أَنَّ المُشْرِكَ يُخْلِصُ للهِ تَعَالَى فِي الشِّدَّةِ، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى يُجِيبُهُ -رُغْمَ أَنَّهُ مُشْرِكٌ فِي الأَصْلِ-! وَفِيهِ بَيَانُ سِرِّ قَولِهِ ﷺ: «وَأَنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ» (^١).\nوَهَذِهِ الإِجَابَةُ -أَي: الإِجَابَةَ عِنْدَ الكَرْبِ- سَبَبُهَا أَمْرَانِ:\n١ - أَنَّ الكَرْبَ إِذَا اشْتَدَّ وَعَظُمَ وَتَنَاهَى؛ حَصَلَ لِلْعَبْدِ الإِيَاسُ مِنْ كَشْفِهِ مِنْ جِهَةِ المَخْلُوقِينَ، وَتَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، فَإِنَّ هَذَا هُوَ حَقِيقَةُ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الأَسْبَابِ الَّتِي تُطْلَبُ بِهَا الحَوَائِجُ، فَإِنَّ اللهَ يَكْفِي مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطَّلَاق: ٣] (^٢).\n_________\n=\nالاسْتِغَاثَةِ بِالحَيِّ فِيمَا يَقْدِرُ عَلَيهِ\".\nوَفِي مَجْمُوعِ الفَتَاوَى (١/ ٢٠٢) ذَكَرَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ أَنْوَاعَ التَّوَسُّلِ وَذَكَرَ فِي النَّوعِ الثَّانِي مَا نَصُّهُ: \"التَّوَسُّلُ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ، وَهَذَا كَانَ فِي حَيَاتِهِ، وَيَكُونُ يَومَ القِيَامَةِ؛ يَتَوَسَّلُونَ بِشَفَاعَتِهِ\".\nوَفِي الحَدِيثِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَشْفَعَ لِي يَومَ القِيَامَةِ، فَقَالَ: «أَنَا فَاعِلٌ»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ فَأَينَ أَطْلُبُكَ؟ قَالَ: «اُطْلُبْنِي -أَوَّلَ مَا تَطْلُبُنِي- عَلَى الصِّرَاطِ»، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عَلَى الصِّرَاطِ؟ قَالَ: «فَاطْلُبْنِي عِنْدَ المِيزَانِ»، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عِنْد المِيزَانِ؟ قَالَ: «فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الحَوضِ، فَإِنِّي لَا أُخْطِئُ هَذِهِ الثَّلَاثَ المَوَاطِنَ». صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيِّ (٢٤٣٣). الصَّحِيحَة (٢٦٣٠).\n(^١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٨٠٣) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَة (٢٣٨٢).\n(^٢) وَأَيضًا هُمْ يُخْلِصُونَ للهِ تَعَالَى فِي الشِّدَّةِ لِزَوَالِ مَا يُنَازِعُ الفِطْرَةَ مِنَ الهَوَى وَالتَّقْلِيدِ بِمَا دَهَاهُم مِنَ الخَوفِ الشَّدِيدِ. قَالَهُ البَيضَاوِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٤/ ٣٥٢).","vol":"1","page":245},{"text":"٢ - أَنَّ المُؤْمِنَ إِذَا اسْتَبْطَأَ الفَرَجَ وَأَيِسَ مِنْهُ بَعْدَ كَثْرَةِ دُعَائِهِ وَتَضَرُّعِهِ -وَلَمْ تَظْهَرْ لَهُ اسْتِجَابَةٌ- رَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ بِاللَّومِ، وَهَذَا اللَّومُ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الطَّاعَاتِ، فَإِنَّهُ يُوجِبُ انْكِسَارَ العَبْدِ لِمَولَاهُ، وَاعْتِرَافَهَ لَهُ بِأَنَّه أَهْلٌ لِمَا نَزَلَ بِهِ مِنَ البَلَاءِ، وَأَنَّهُ لَيسَ أَهْلًا لِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ، فَلِذَلِكَ تَسْرعُ إِلَيهِ حِينَئِذٍ إِجَابَةُ الدُّعَاءِ وَتَفْرِيجُ الكُرَبِ؛ فَإِنَّهُ تَعَالَى عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُم مِنْ أَجْلِهِ (^١).\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ أَي: يَخْلُفُ بَعْضُكُم بَعْضًا فِي الأَرْضِ.\n- حَدِيثُ البَابِ -وَإِنْ كَانَ ضَعِيفَ السَّنَدِ- فَيَصِحُّ إِيرَادُهُ عَلَى سَبِيلِ التَّأْيِيدِ لِمَا كَانَ ثَابِتًا مِنَ الأُصُولِ.\nقَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: \"وَأَهْلُ الحَدِيثِ لَا يَسْتَدِلُّونَ بِحَدِيثٍ ضَعِيفٍ فِي نَقْضِ أَصْلٍ عَظِيمٍ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ! بَلْ إمَّا فِي تَأْيِيدِهِ، وَإِمَّا فِي فَرْعٍ مِنَ الفُرُوعِ\" (^٢).\n- قَولُهُ: «إِنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي»: هُوَ مِنْ بَابِ التَّأَدُّبِ فِي الأَلْفَاظِ وَالبُعْدِ عَنِ التَّعَلُّقِ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنْ يَكُونَ تَعَلُّقَ الإِنْسَانِ دَائِمًا بِاللهِ وَحْدَهُ.\nوَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ مَا يَشْهَدُ لِعُمُومِهِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «إِذَاَ سَأَلْتَ؛ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَاَ اسْتَعَنتَ؛ فَاسْتَعِن بِاللهِ» (^٣)، وَهُوَ أَيضًا مُنْتَزَعٌ مِنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفَاتِحَة: ٥]، فَفِيهِ بَيَانُ إِفْرَادِ اللهِ تَعَالَى\n_________\n(^١) بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ مِنْ (جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ) (١/ ٤٩٤).\n(^٢) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (٤/ ٢٥).\n(^٣) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٨٠٣)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٢٥١٦). صَحِيحُ التِّرْمِذِيُّ (٢٥١٦).","vol":"1","page":246},{"text":"بِالسُّؤَالِ وَالاسْتِعَانَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ؛ أَنَّ تَقْدِيمَ مَا حَقُّهُ التَّأْخِيرُ يُفِيدُ الحَصْرَ (^١).\nوَهُنَاكَ وَجْهٌ آخَرُ؛ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ المُنَافِقَ -بِسَبَبِ كَونِ كُفْرِهِ غَيرَ ظَاهِرٍ- فَإِنَّ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُعَاقِبَهُ بِشَيءٍ لِكَونِهِ يَسْتَتِرُ بِكُفْرِهِ ولا يُظْهِرُهُ، فَصَارَ فِيهِ الدِّلَالَةُ إِلَى مَنْ بِيَدِهِ مَقَالِيدُ الأُمُورِ وَالإِطِّلَاعُ عَلَى مَا فِي الصُّدُورِ.\n- إِنَّ إِفْرَادَ اللهِ تَعَالَى بِالسُّؤَالِ وَالاسْتِعَانَةِ -فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقِ مَثَلًا- يَكُونُ عَلَى مَرْتَبَتِينِ:\n١ - مَرْتَبَةٍ وَاجِبَةٍ: وَهِيَ التَّوحِيدُ، بِأَنْ يَسْتَعِينَ بِاللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ دُونَ مَا سِوَاهُ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيهِ إِلَّا اللهُ تَعَالَى، وَإِنَّ صَرْفَ ذَلِكَ لِغَيرِهِ تَعَالَى شِرْكٌ بِهِ.\n٢ - مَرْتَبَةٍ مُسْتَحَبَّةٍ: وَهِيَ أَنَّهُ إِذَا أَمْكَنَهُ أنْ يَقُومَ بِالمَطْلُوبِ وَحْدَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَسْأَلُ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ شَيئًا (^٢).\nوَهَذِهِ المَرْتَبَةُ قَدْ أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ البَيعَةَ عَلَيهَا مِنْ عَدَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَمرَهُم أَلَّا يَسْأَلُوا النَّاسَ شَيئًا، كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ عَوفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ؛ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ -تِسْعَةً، أَو ثَمَانِيَةً، أَو سَبْعَةً- فَقَالَ: «أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟» -وَكُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيعَةٍ- قُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ! -حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا-، فَبَسَطْنَا أَيدِيَنَا فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ؛ فَعَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: «أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا، وَتُصَلُّوا الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ، وَتَسْمَعُوا وَتُطِيعُوا» -وَأَسَرَّ كَلِمَةً خُفْيَةً- قَالَ: «وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيئًا». قَالَ: فَلَقَدْ كَانَ بَعْضُ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوطُهُ؛ فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا\n_________\n(^١) الكُلِّيَّاتُ لِأَبِي البَقَاءِ الكَفَوِيّ (ص ١٠٦٥).\n(^٢) يَعْنِي: بِلَا كُلْفَةٍ وَلَا مَشَقَّةٍ وَلَا مِنَّةٍ، فَيَخْرُجُ مِنْهُ أَمْرُكَ لِزَوجِكَ وَعَامِلِكَ وَغَيرِهِمَا مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهُ.","vol":"1","page":247},{"text":"أَنْ يُنَاوِلَهُ إِيَّاهُ! رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).\n- فَائِدَةٌ ١:\nقَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ فِي كِتَابِهِ (القَولُ المُفِيدُ): \"وَالعَجَبُ أَنَّهُم فِي العِرَاقِ يَقُولُونَ: عِنْدَنَا الحُسَينُ؛ فَيَطُوفُونَ قَبْرَهُ وَيَسْأَلُونَهُ! وَفِي مِصْرَ كَذَلِكَ! وَفِي سُورِيَّا كَذَلِكَ! وَهَذَا سَفَهٌ فِي العُقُولِ، وَضَلَالٌ فِي الدِّينِ.\nوَالعَامَّةُ لَا يُلَامُونَ فِي الوَاقِعِ، لَكِنِ الَّذِي يُلَامُ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ العُلَمَاءِ وَمِنْ غَيرِ العُلَمَاءِ\" (^٢).\n- فَائِدَةٌ ٢:\nقَالَ أَيضًا الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ فِي كِتَابِهِ (القَولُ المُفِيدُ): \"فَالذِي يَأْتِي لِلبَدَوِيِّ أَو لِلدُّسُوقِيِّ فِي مِصْرَ؛ فَيَقُولُ: المَدَدَ المَدَدَ! أَو: أَغِثْنِي؛ لَا يُغْنِي عَنْهُ شَيئًا، وَلَكِنْ قَدْ يُبْتَلى فَيِأْتِيهِ المَدَدُ عِنْدَ حُصُولِ هَذَا الشَّيءِ لَا بِهَذَا الشَّيءِ، وَفَرْقٌ بَينَ مَا يَأْتِي بِالشَّيءِ وَمَا يَأْتِي عِنْدَ الشَّيءِ.\nمِثَالُ ذَلِكَ: امْرَأَةٌ دَعَتِ البَدَوِيَّ أَنْ تَحْمِلَ، فلمَّا جَامَعَهَا زُوجُهَا حَمَلَتْ -وَكَانَتْ سَابِقًا لَا تَحْمِلُ-، فَنَقُولُ هُنَا: إِنَّ الحَمْلَ لَمْ يَحْصُلْ بِدُعَاءِ البَدَوِيِّ، وَإنِّمَا حَصَلَ عِنْدَهُ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ \" (^٣).\n_________\n(^١) مُسْلِمٌ (١٠٤٣).\n(^٢) القَولُ المُفِيدُ (١/ ٢٧٣).\n(^٣) القَولُ المُفِيدُ (١/ ٢٧٢).","vol":"1","page":248},{"text":"- فَائِدَةٌ ٣:\nأَمَّا وَجْهُ التَّفْرِيقِ بَينَ طَلَبِ الدُّعَاءِ مِنَ الحَيِّ وَطَلَبِهِ مِن المَيِّتِ -زِيَادَةً عَلَى مَا سَبَقَ مِن كَونِهِ حَيًّا حَاضِرًا قَادِرًا-؛ هُوَ:\n\"أَنَّهُ فِي حَيَاتِهِ لَا يَعْبُدُهُ أَحَدٌ بِحُضُورِهِ! فَإِذَا كَانَ الْأَنْبِيَاءُ -رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيهِمْ أَجْمَعِينَ- وَالصَّالِحُونَ أَحْيَاءٌ لَا يَتْرُكُونَ أَحَدًا يُشْرِكُ بِهِمْ بِحُضُورِهِمْ! بَلْ يَنْهَوْنَهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَيُعَاقِبُونَهُمْ عَلَيهِ.\nوَلِهَذَا قَالَ الْمَسِيحُ ﵇: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧]،\nوَقَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﵌: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْت؛ فَقَالَ: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟! مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ» (^١)،\nوَقَالَ: «لَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ! وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ مُحَمَّدٌ» (^٢)،\nوَلَمَّا قَالَتِ الجُوَيرِيَةُ: وَفِينَا رَسُولُ اللَّهِ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ! قَالَ: «دَعِي هَذَا، قُولِي بِاَلَّذِي كُنْت تَقُولِينَ» (^٣)،\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. النَّسَائِيُّ فِي الكُبْرَى (١٠٧٥٩) مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الأَدَبِ المُفْرَدِ (٧٨٣).\n(^٢) صَحِيحٌ. مسند أحمد (٢٣٣٣٩) مِن حَدِيثِ حُذَيفَةَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٤٣٧٨).\n(^٣) صَحِيحُ البُخَارِيِّ (٤٠٠١) مِن حَدِيثِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ مَرْفُوعًا.","vol":"1","page":249},{"text":"وَقَالَ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ! إنَّمَا أَنَا عَبْدٌ؛ فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ» (^١)،\nوَلَمَّا صَفُّوا خَلْفَهُ قِيَامًا قَالَ: «لَا تُعَظِّمُونِي كَمَا تُعَظِّمُ الْأَعَاجِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا!» (^٢)،\nوَقَالَ أَنَسٌ: لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ إلَيهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌؛ وَكَانُوا إذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا لَهُ؛ لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ (^٣)،\nوَلَمَّا سَجَدَ لَهُ مُعَاذٌ؛ نَهَاهُ، وَقَالَ: «إنَّهُ لَا يَصْلُحُ السُّجُودُ إلَّا لِلَّهِ، وَلَوْ كُنْت آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدِ لَأَمَرْت الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا مَنْ عِظَمِ حَقِّهِ عَلَيهَا» (^٤)،\nوَلَمَّا أُتِيَ عَلِيٌّ بِالزَّنَادِقَةِ -الَّذِينَ غَلَوْا فِيهِ، وَاعْتَقَدُوا فِيهِ الْإِلَهِيَّةَ- أَمَرَ بِتَحْرِيقِهِمْ بِالنَّارِ (^٥).\nفَهَذَا شَأْنُ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَأَوْلِيَائِهِ، وَإِنَّمَا يُقِرُّ عَلَى الْغُلُوِّ فِيهِ وَتَعْظِيمِهِ بِغَيرِ حَقٍّ مَنْ يُرِيدُ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَفَسَادًا! كَفِرْعَوْنَ وَنَحْوِهِ، وَمَشَايِخِ الضَّلَالِ الَّذِينَ غَرَضُهُمُ الْعُلُوُّ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادُ وَالْفِتْنَةُ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَاِتِّخَاذُهُمْ أَرْبَابًا وَالْإِشْرَاكُ بِهِمْ مِمَّا يَحْصُلُ فِي مَغِيبِهِم وَفِي مَمَاتِهِمْ -كَمَا أُشْرِكُ بِالْمَسِيحِ وَعُزَيرٍ-.\n_________\n(^١) صَحِيحُ البُخَارِيِّ (٣٣٤٥). مِن حَدِيثِ عُمَرَ مَرْفُوعًا.\n(^٢) صَحِيحٌ. ابْنُ مَاجَه (٣٨٣٦) بِنَحْوِهِ مِن حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٧٣٨٠).\n(^٣) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٧٥٤) مِن حَدِيثِ أَنَسٍ. الصَّحِيحَة (٣٥٨).\n(^٤) صَحِيحٌ. النَّسَائِيُّ فِي الكُبْرَى (٩١٠٢) مِن حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٧٧٢٥).\n(^٥) رَوَى البُخَارِيُّ (٣٠١٧): أَنَّ عَلِيًّا ﵁ حَرَّقَ قَوْمًا، فَبَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ! لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللهِ»، وَلَقَتَلْتُهُمْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ».","vol":"1","page":250},{"text":"فَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ الْفَرْقَ بَينَ سُؤَالِ النَّبِيِّ ﵌ وَالصَّالِحِ فِي حَيَاتِهِ وَحُضُورِهِ وَبَينَ سُؤَالِهِ فِي مَمَاتِهِ وَمَغِيبِهِ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ وَلَا تَابِعِي التَّابِعِينَ يَتَحَرَّوْنَ الصَّلَاةَ وَالدُّعَاءَ عِنْدَ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَيَسْأَلُونَهُمْ! وَلَا يَسْتَغِيثُونَ بِهِمْ -لَا فِي مَغِيبِهِمْ وَلَا عِنْدَ قُبُورِهِمْ-، وَكَذَلِكَ الْعُكُوفُ\" (^١).\n_________\n(^١) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (٢٧/ ٨٠).","vol":"1","page":251},{"text":"<span data-type='title' id=toc-106>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-107> المَسْأَلَةُ الأُولَى: زَعَمَ بَعْضُ المُبْتَدِعَةِ أَنَّ دُعَاءَ الأَولِيَاءِ الأَمْوَاتِ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ سُؤَالِ العَبْدِ مَا يَقْدِرُ عَلَيهِ،</span> وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَكْرَمَهُم بِذَلِكَ -وَأَهْلُ السُّنَّةِ يُثْبِتُونَ الكَرَامَاتِ-!!\nفَمَا الجَوَابُ؟\nالجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ:\n١ - أَنَّ دُعَاءَ الأَمْوَاتِ عَلَى كُلِّ حَالٍ هُوَ مِنْ أَعْمَالِ المُشْرِكِينَ، قَالَ تَعَالَى عَنْهُم: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النَّحْل: ٢٠ - ٢١].\n٢ - أَنَّ أَصْلَ شِرْكِ المُشْرِكِينَ هُوَ التَّعَلُّقُ بِالصَّالِحِينَ وَجَعْلُهُم وَسَائِطَ بَينَ النَّاسِ وَبَينَ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّ أَصْنَامَ قَومِ نُوحٍ -وَدَّ وَسُوَاعَ وَيَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرَ- هُمْ رِجَالٌ صَالِحُونَ أَصْلًا.\nكَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوقُوفًا -يُخْبِرُ عَنْهَا- قَالَ: أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَومِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوحَى الشَّيطَانُ إِلَى قَومِهِمْ أَنْ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا فَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ (^١) (^٢).\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٤٩٢٠).\n(^٢) قَالَ الإِمَامُ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي رِسَالَةِ (الوَاسِطَةُ) (ص ٥): \"وَمَنْ أَثْبَتَ الأَنْبِيَاءَ وَسِوَاهُم -مِنَ مَشَايخِ العِلْمِ وَالدِّينِ- وَسَائِطَ بَينَ اللهِ وَبَينَ خَلْقِهِ كَالحُجَّابِ الَّذِينَ بَينَ المَلِكِ وَرَعِيَّتِهِ؛ بِحَيثُ يَكُونُونُ هُم يَرْفَعُونَ إِلَى اللهِ تَعَالَى حَوَائِجَ خَلْقِهِ؛ وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى إِنَّمَا يَهْدِي عِبَادَهُ وَيَرْزُقَهُم وَيَنْصُرَهُم بِتَوَسُّطِهِم؛ بِمَعْنَى أَنَّ الخَلْقَ يَسْأَلُونَهُم؛ وَهُم يَسْأَلُونَ اللهَ؛ كَمَا أَنَّ الوَسَائِطَ عِنْدَ المُلُوكِ يَسْأَلونَ المَلِكَ حَوَائِجَ النَّاسِ لِقُرْبِهِم مِنْهُم؛ وَالنَّاسَ يَسْأَلونَهُم أَدَبًا مِنْهُم أَنْ يُبَاشِرُوا سُؤَالَ المَلِكِ؛ وَلِأَنَّ طَلَبَهُم مِنَ الوَسَائِطِ أَنْفَعُ لَهُم مِنْ طَلَبِهِم مِنَ المَلِكِ لِكَونِهِم أَقْرَبَ إِلَى المَلِكِ مِنَ الطَّلَبِ! فَمَنْ أَثْبَتَهُم وَسَائِطَ عَلَى هَذِهِ الوُجُوهِ؛ فَهُوَ كَافِرٌ مُشْرِكٌ يَجِبُ أَنْ يُسْتَتَابَ؛ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، وَهَؤُلَاءِ مُشَبِّهُونَ للهِ، شَبَّهُوا الخَالِقَ بِالمَخْلُوقِ، وَجَعَلُوا للهِ أَنْدَادًا\". مُسْتَفَادٌ مِنْ كِتَابِ (التَّوَسُّلُ) (ص ١٣٣) لِلشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ ﵀.","vol":"1","page":252},{"text":"٣ - دَعُوَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَقْدَرَهُم عَلَى إِجَابَةِ الدُّعَاءِ: كَذِبٌ عَلَى الشَّرِيعَةِ، وَحُمْقٌ فِي العَقْلِ، فَاللهُ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ قَضَاءَ الحَاجَاتِ لَهُم، بَلْ أَخْبَرَ أَنَّهُم أَمْوَاتٌ لَا يَسْمَعُونَ، وَأَنَّهُم لَو سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأَحْقَاف: ٥ - ٦].\nوَهُوَ حُمْقٌ فِي العَقْلِ، أَرَأَيتَ لَو أَنَّ مُغَسِّلًا -يُغَسِّلُ مَيِّتًا- ذَهَبَ يَسْتَأْذِنُهُ فِي أَنْ يُغَسِّلَهُ بِمَاءٍ بَارِدٍ أَو حَارٍّ! أَلَا يَكُونُ عِنْدَ جَمِيعِ النَّاسِ أَحْمَقًا؟! فَكَيفَ إِذَا طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَقْضِيَ حَاجَتَهُ؛ وَهُوَ فِي هَذِهِ الحَالِ مَيِّتٌ بَينَ يَدِي مُغَسِّلٍ!!\n٤ - الاحْتِجَاجُ بِأَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يُثْبِتُونَ الكَرَامَاتِ: لَا دِلَالَةَ لَهُ هُنَا، لِأَنَّ مَا يَزْعُمُونَهُ هُوَ تَكْذِيبٌ لِلشَّرِيعَةِ، وَلَيسَ إِثْبَاتًا لِلكَرَامَةِ! وَفِي الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: «إِنَّ اللهَ لَا يُنَالُ فَضْلُهُ بِمَعْصِيَةٍ» (^١) (^٢).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. الحَاكِمُ (٢١٣٦). صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (١٧٠٠).\n(^٢) وَمِنَ المُفَارَقَاتِ العَجِيبَةِ فِي هَذَا السِّيَاقِ مَا يَلِي:\nأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ وَهُمْ يَقُولُونَ: \"وَمَنْ أَفْضَلُ\"!\nوَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿أَمْوَاتٌ غَيرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النَّحْل: ٢١] وَهُمْ يَقُولُونَ: \"أَحْيَاءٌ غَيرُ أَمْوَاتٍ\"!\nوَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزُّمَرْ: ٤٤] وَهُمْ يَقُولُونَ: \"يَمْلِكُونَ شَفَاعَةً\"!\n=","vol":"1","page":253},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-108> المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَا سِرُّ اقْتِرَانِ كَثِيرٍ مِنَ نُصُوصِ القُرْآنِ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الشَّفَاعَةِ،</span> أَو ذِكْرُ الآيَاتِ الَّتِي أَتَتْ بِهَا الرُّسُلُ، أَو ذِكْرُ النَّفْعِ وَالضُّرِّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى وَمَشِيئَتِهِ (^١)؟\n_________\n=\nوَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ عَنْ دُعَائِهِم: ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأَحْقَاف: ٦] وَهُمْ يَقُولُونَ: \"الدُّعَاءُ لَيسَ بِعِبَادَةٍ\"!\nوَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ﴾ [الأَنْفَال: ٩] وَهُمْ يَقُولُونَ: \"مَدَدٌ؛ يَا رَسُولَ اللهِ\"!\nوَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ [آل عِمْرَان: ١٢٨] وَهُمْ يَقُولُونَ: \"إنْ لَمْ تكنْ فِي مَعَادِي آخِذًا بِيَدِي فَضْلًا وإلاّ فَقُلْ يَا زلَّةَ القَدَمِ\"!\nوَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ عَنْ نَبِيِّهِ: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيرِ﴾ [الأَعْرَاف: ١٨٨] وَهُمْ يَقُولُونَ: \"ومِنْ عُلومِكَ عِلْمُ اللوحِ وَالقَلَمِ\"!\nوَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵁: «إِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ» وَهُمْ يَقُولُونَ: \"بِالوَلِيِّ؛ وَهُوَ تَوَسُّلٌ مُسْتَحَبٌّ\"!\nوَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ لِابْنَتِهِ ﵍: «لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيئًا» وَهُمْ يَقُولُونَ: \"فَإِنَّ مِنْ جُودِكَ الدُّنْيَا وَضَرَّتُهَا - يَعْنِي: الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ -\"!\nوَلَكِنْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النُّور: ٤٠].\n(^١) وَتَأَمَّلْ هَذِهِ الآيَاتِ؛ تَجِدُ بُرْهَانَ ذَلِكَ:\n- ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البَقَرَة: ١٠٢].\n- ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٤٩].\n- ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عِمْرَان: ٤٩].\n- ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عِمْرَان: ١٤٥].\n- ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأَعْرَاف: ١٨٨].\n- ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَينِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الأَنْفَال: ٦٦].\n- ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الرَّعْد: ٣٨]، [غَافِر: ٧٩].\n- ﴿وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [إِبْرَاهِيم: ١١].\n- ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النَّجْم: ٢٦].\n- ﴿وَلَيسَ بِضَارِّهِمْ شَيئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [المُجَادِلَة: ١٠].\n- ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [التَّغَابُن: ١١].","vol":"1","page":254},{"text":"الجَوَابُ:\nإِنَّ هَذَا فِيهِ إِرْشَادٌ مُهِمٌ إِلَى أَمْرَينِ:\n١ - أَنَّ هَذِهِ الأَشْيَاءَ لَا يَمْلِكُهَا مَنْ أُجْرِيَتْ عَلَى يَدَيهِ اسْتِقْلَالًا.\nكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [غَافِر: ٧٨] فَيَظْهَرُ بِهَذَا تَوحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ (^١).\n٢ - بَيَانُ ضَرُورَةِ جَعْلِ الدُّعَاءِ وَالاسْتِغَاثَةِ وَسَائِرِ أَشْكَالِ التَّعَلُّقِ بِاللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ؛ دُونَ مَنْ أُجْرِيَتْ عَلَى يَدَيهِ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَو شَاءَ لَأَبْطَلَهَا، فَيَظْهَرُ بِهَذَا تَوحِيدُ الأُلُوهِيَّةِ؛ فَلَا يُدْعَى مَعَ اللهِ أَحَدٌ؛ لَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَلَا وَلِيٌّ صَالِحٌ.\n_________\n(^١) وَتَأَمَّلْ كَونَ «لَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ» مِنْ كَنْزِ تَحْتِ العَرْشِ، كَمَا ثَبَتَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا. صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢١٤١٥). الصَّحِيحَة (٢١٦٦).","vol":"1","page":255},{"text":"<span data-type='title' id=toc-109>المُلْحَقُ الثَّالِثُ عَلَى كِتَابِ التَّوحِيدِ: مُخْتَصَرُ الآيَاتِ البَيِّنَاتِ فِي عَدَمِ سَمَاعِ الأَمْوَاتِ</span>\nالحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ،\nأَمَّا بَعْدُ؛ فَهَذَا مُخْتَصَرٌ مُفِيدٌ لِكِتَابِ (الآيَاتُ البَيِّنَاتُ فِي عَدَمِ سَمَاعِ الأَمْوَاتِ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ السَّادَاتِ)، لِلعَلاَّمَةِ الآلُوسِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى (^١)، وَقَدْ أَضَفْتُ إِلَيهِ بَعْضَ النُّقُولِ المُفِيدَةِ إِلَى مَتْنِهِ وَإِلى حَاشِيَتِهِ تَتْمِيمًا لِلفَائِدَةِ.\n\n-<span data-type='title' id=toc-110>مُقَدِّمَةٌ:</span>\nاعْلَمْ أَنَّ كَونَ المَوتَى يَسْمَعُونَ أَو لَا يَسْمَعُونَ إِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ غَيبِيٌّ مَحْضٌ مِنْ أُمُورِ البَرْزَخِ الَّتِي لَا تُعْلَمُ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الشَّرِيعَةِ حَصْرًا، فَلَا يَجُوزُ الخَوضُ فِيهِ بِالأَقْيِسَةِ وَالآرَاءِ، وَإِنَّمَا يُوقَفُ فِيهِ مَعَ النَّصِّ إِثْبَاتًا وَنَفْيًا (^٢).\n_________\n(^١) وَهِيَ بِتَحْقِيقِ وَتَعْلِيقِ المُحَدِّثِ الأَلْبَانِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، وَمُعْظَمُ مَادَّةِ هَذَا المُخْتَصَرِ مُسْتَفَادٌ مِنْ مُقدِّمَةِ الشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ ﵀ عَلَى الكِتَابِ.\n(^٢) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ١٧٢) عِنْدَ شَرْحِ حَدِيثِ: «وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ غَيرَ نِسْيَانٍ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا» مِنَ الأَرْبَعِين النَّوَوِيَّةِ: \"وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ عَنِ التَّعَمُّقِ وَالبَحْثِ عَنْهُ: أُمُورُ الغَيبِ الخَبَرِيَّةِ الَّتِي أُمِرَ بِالإِيمَانِ بِهَا، وَلَمْ يُبَيِّنْ كَيفِيَّتَهَا، وَبَعْضُهَا قَدْ لَا يَكُونُ لَهُ شَاهِدٌ فِي هَذَا العَالَمِ المَحْسُوسِ، فَالبَحْثُ عَنْ كَيفِيَّةِ ذَلِكَ هُوَ مِمَّا لَا يَعْنِي، وَهُوَ مِمَّا يُنْهَى عَنْهُ، وَقَدْ يُوجِبُ الحَيرَةَ وَالشَّكَّ، وَيَرْتَقِي إِلَى التَّكْذِيبِ\".\nقُلْتُ: وَالحَدِيثُ السَّابِقُ ضَعِيفٌ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (٤١٩٦)، اُنْظُرْ تَحْقِيقَ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ لِلأَلْبَانِيِّ (١٨٤١).","vol":"1","page":256},{"text":"وَأَهَمِّيَّةُ هَذَا البَحْثِ هُوَ صِلَتُهُ الوَطِيدَةُ بِمَسْأَلَةِ الاسْتِغَاثَةِ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى، فَإِنَّ الَّذِينَ يَدْعُونَ غَيرَ اللهِ تَعَالَى مِنَ الأَمْوَاتِ مِنَ الصَّالِحِينَ أَوِ الأَنْبِيَاءِ أَوِ الشُّيُوخِ العَارِفِينَ يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ اعْتِمَادًا عَلَى عِدَّةِ مُقَدِّمَاتٍ؛ مِنْ أَهَمِّهَا أنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ الدُّعَاءَ، لِذَلِكَ إِذَا قَامَ الدَّلِيلُ الوَاضِحُ عَلَى عَدَمِ السَّمَاعِ؛ فَإِنَّ أَصْلَ الاسْتِغَاثَةِ بِغَيرِ اللهِ يُهْدَمُ (^١).\n\n-<span data-type='title' id=toc-111> الأَدِلَّةُ التَّفْصِيلِيَّةُ:</span>\nالدَّلِيلُ الأَوَّلُ: قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فَاطِر: ٢٢].\nوَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النَّمْل: ٨٠].\nوَوَجْهُ الدِّلَالَةِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يَسْتَطِيعُ إِسْمَاعَ مَنْ فِي القُبُورِ، وَفِي الآيَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ إِسْمَاعَ المَوتَى؛ فَغَيرُهُ مِنْ بَابِ أَولَى.\nوَلَا بُدَّ مِنَ العِلْمِ أَنَّ الأَصْلَ هُوَ عُمُومُ النُّصُوصِ، وَأَنَّ مَا جَاءَ فِي المَسْأَلَةِ مِنَ الحَدِيثِ -مِمَّا ظَاهِرُهُ التَّعَارُضُ (^٢) - إِنَّمَا هُوَ مُخَصِّصٌ لَهَا؛ وَلَيسَ مُعَارِضًا لَهَا!!\nقَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀: \"الوَاجِبُ عَلَى المُؤْمِنِ نَحْوَ هَذِهِ الأُمُورِ الغَيبِيَّةِ أَنْ يُؤْمِنَ بِمَا جَاءَ بِهِ النَّصُّ فَقَط، بَلْ يجِبُ عَلَيهِ أَنْ يَقُولَ: العِلْمُ عِنْدَ اللهِ؛ فَلَا يَجْزِمُ بِالنَّفْي وَلَا يَجْزِمُ بِالإِثْبَاتِ. نَعَمْ؛ لَهُ أَنْ يَجْزِمَ بِالنَّفْي وَيَجْعَلَ مَا ثَبَتَ بِهِ الحَدِيثُ مِن السَّمَاعِ مُخَصِّصًا؛ لِأَنّه قَالَ: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] وَفِي الآيَةِ الأُخْرَى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠] \" (^٣).\n_________\n(^١) هَذَا وَلَا بُدَّ مِنَ العِلْمِ أَنَّ مَنْ أَثْبَتَ سَمَاعَ الأَمْوَاتِ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ لَا يَعْنِي أَنَّهُ يُجِيزُ الاسْتِغَاثَةَ بِهِم!\n(^٢) وَسَيَأْتِي مَعَنَا قَرِيبًا.\n(^٣) تَفْسِيرُ سُورَةِ فَاطِر لِابْنِ عُثَيمِين (ص ١٧٠).","vol":"1","page":257},{"text":"شُبْهَةٌ وجَوَابُهَا:\nاعْتَرَضَ المُثْبِتُونَ لِلسَّمَاعِ بِأَنَّ الآيَتَينِ مَجَازٌ، وَأَنَّهُ لَيسَ المَقْصُودُ -في الآيَتَيِنْ- بِـ ﴿الْمَوْتَى﴾ وَبِـ ﴿مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ المَوتَى حَقِيقَةً الَّذِينَ فِي قُبُورِهِم، وَإِنَّمَا المُرَادُ بِهِم الكُفَّارُ الأَحْيَاءُ حَيثَ شُبِّهُوا بِالمَوتَى.\nوَالجَوَابُ:\nأَنَّهُ لَا شَكَّ عِنْدَ كُلِّ مَنْ تَدَبَّرَ الآيَتَينِ وَسِياقَهُمَا أَنَّ المَقْصُودَ بِالأَمْوَاتِ هُنَا هُمُ الكُفَّارُ فِعْلًا، وَعَلَى ذَلِكَ جَرَى عُلَمَاءُ التَّفْسِيرِ لَا خِلافَ بَينَهُم فِي ذَلِكَ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنَ الاسْتِدْلَالِ بِالآيَتَينِ عَلَى مَا سَبَقَ، لِأَنَّ المَوتَى لَمَّا كَانُوا لَا يَسْمَعُونَ حَقِيقَةً -وَكَانَ ذَلِكَ مَعْرُوفًا عِنْدَ المُخَاطَبِينَ- شَبَّهَ اللهُ تَعَالَى بِهِمُ الكُفَّارَ الأَحْيَاءَ فِي عَدَمِ السَّمَاعِ، فَدَلَّ هَذَا التَّشْبِيهُ عَلَى أَنَّ المُشَبَّهَ بِهِم -وَهُمُ المَوتَى فِي قُبُورِهِم- لَا يَسْمَعُونَ.\nكَمَا يَدُلُّ -مَثَلًا- تَشْبِيهُ زَيدٍ فِي الشَّجَاعَةِ بِالأَسَدِ عَلَى أَنَّ الأَسَدَ شُجَاعٌ، بَلْ هُوَ فِي ذَلِكَ أَشْجَعُ مِنْ زَيدٍ نَفْسِهِ، وَلِذَلِكَ شُبِّهَ بِهِ -وَإِنْ كَانَ الكَلَامُ لَمْ يُسَقْ لِلتَّحَدُّثِ عَنْ شَجَاعَةِ الأَسَدِ نَفْسِهِ وَإِنَّمَا عَنْ زَيدٍ-، وَكَذَلِكَ الآيَتَانِ السَّابِقَتَانِ -وَإِنْ كَانَتَا تَحَدَّثَتَا عَنِ الكُفَّارِ الأَحْيَاءِ، وشُبِّهُوا بِمَوتَى القُبُورِ-؛ فَذَلِكَ لَا يَنْفِي أَنَّ مَوتَى القُبُورِ لَا يَسْمَعُونَ، بَلْ إِنَّ كُلَّ عَرَبِيٍّ -سَلِيمَ السَّلِيقَةِ- لَا يَفْهَمُ مِنْ تَشْبِيهِ مَوتَى الأَحْيَاءِ بَهَؤُلَاءِ إِلَّا أَنَّ هَؤُلَاءَ أَشَدُّ فِي عَدَمِ السَّمَاعِ مِنْهُم كَمَا فِي المِثَالِ السَّابِقِ (^١).\n_________\n(^١) أَقُولُ: لَا بُدَّ مِنْ لَفْتِ النَّظَرِ إِلَى أَنَّ الأَمْرَ كُلَّمَا زَادَ وُضُوحُهُ صَعُبَ إِيجَادُ مَنْ يَنُصُّ عَلَيهِ بِلَفْظِهِ، فَمَثَلًا يَصْعُبُ أَنْ تَجِدَ مَنْ يَنُصُّ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى أَنَّ الشَّمْسَ وَاضِحَةٌ، وَعَلَى أَنَّ البَشَرَ يَنْطِقُونَ، وَعَلَى أَنَّ\n=","vol":"1","page":258},{"text":"قَالَ الإِمَامُ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ لِهَذِهِ الآيَةِ (^١): \"هَذَا مَثَلٌ مَعْنَاهُ: فَإِنَّكَ لَا تَقْدِرُ أَنْ تُفْهِمَ هَؤُلَاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَدْ خَتَمَ اللهُ عَلَى أَسْمَاعِهِم فَسَلَبَهُم فَهْمَ مَا يُتْلَى عَلَيهِم مِنْ مَوَاعِظِ تَنْزِيلِهِ؛ كَمَا لَا تَقْدِرُ أَنْ تُفْهِمَ المَوتَى الَّذِينَ سَلَبَهُمُ اللهُ أَسْمَاعَهُم بِأَنْ تَجْعَلَ لَهُم أَسْمَاعًا.\nوَقَولُهُ: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ يَقُولُ: كَمَا لَا تَقْدِرُ أَنْ تُسْمِعَ الصُّمَّ الَّذِينَ قَدْ سُلِبُوا السَّمْعَ إِذَا وَلَّوا عَنْكَ مُدْبِرِينَ (^٢)؛ كَذَلِكَ لَا تَقْدِرُ أَنْ تُوَفِّقَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَدْ سَلَبَهُم اللهُ فَهْمَ آيَاتِ كِتَابِهِ لِسَمَاعِ ذَلِكَ وَفَهْمِهِ\".\nثُمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ عَنْ قَتَادَةَ؛ قَالَ: \"هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ لِلكَافِرِ، فَكَمَا لَا يَسْمَعُ المَيِّتُ الدُّعَاءَ؛ كَذَلِكَ لَا يَسْمَعُ الكَافِرُ، ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ يَقُولُ: لَو أَنَّ أَصَمًّا وَلَّى مُدْبِرًا ثُمَّ نَادَيتَهُ لَمْ يَسْمَعْ؛ كَذَلِكَ الكَافِرُ لَا يَسْمَعُ وَلَا يَنْتَفِعُ بِمَا سَمِعَ\" (^٣).\n_________\n=\nالأَنْعَامَ بَهَائِمٌ لَا تَعْقِلُ، وَعَلَى أَنَّ اللبَنَ أَبْيَضُ؛ رُغْمَ أَنَّ كُلًّا مِنْهَا تَجِدُ لَهُ نَصٌّ شَرْعيٌّ فِي التَّشْبِيهِ بِهِ، فَكَذَا الأَمْرُ هُنَا.\nفَمِنَ العَجَبِ أَنْ يُذكَرَ أَنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ، وَقَدْ عُلِمَ بِالحِسِّ التَّامِ أَنَّ المَيِّتَ عِنْدَ جَمِيعِ النَّاسِ لَا يَسْتَجِيبُ! فَهُم لِذَلِكَ يُسَفِّهُونَ مَنْ يُخَاطِبُ المَيِّتَ فِي بَعْضِ شُؤُونِهِ، كَمِثْلِ مُغَسِّلٍ يَعْتَذِرُ مِنَ المَيِّتِ إِذَا اسْتَخْدَمَ لَهُ مَاءً حَارًّا أَو بَارِدًا! وَاللهُ المُسْتَعَانُ.\n(^١) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (٢٠/ ١١٧).\n(^٢) قَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ قُيِّدَ عَدَمُ الإِسْمَاعِ بِهِ لِيَكُونَ أَشَدَّ اسْتِحَالَةٍ، فَإِنَّ الأَصَمَّ المُقْبِلَ -وَإِنْ لَمْ يَسْمَعِ الكَلَامَ- فَإِنَّهُ يَفْطَنُ مِنْهُ بِوَاسِطَةِ الحَرَكَاتِ شَيئًا. اُنْظُرْ تَفْسِيرَ البَيضَاوِيِّ (٤/ ٣٤١).\n(^٣) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٦/ ٣٢٤) الآيَةُ (٥٢) مِنْ سُورَةِ الرُّومِ: \"يَقُولُ تَعَالَى: كَمَا أَنَّكَ لَيسَ فِي قُدْرَتِكَ أَنْ تُسْمِعَ الأَمْوَاتَ فِي أَجْدَاثِهَا، وَلَا تُبْلِغَ كَلَامَكَ الصُمَّ الَّذِينَ لَا يَسْمَعُونَ -وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ مُدْبِرُونَ عَنْكَ- كَذَلِكَ لَا تَقْدِرُ عَلَى هِدَايَةِ العُمْيَانِ عَنِ الحَقِّ، وَرَدِّهِم عَنْ ضَلَالَتِهِم، بَلْ ذَلِكَ إِلَى\n=","vol":"1","page":259},{"text":"وَمِنْ نَفْسِ البَابِ؛ يُقَالُ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى شَبَّهَ الكُفَّارَ بِالصُمِّ فِي عَدَمِ السَّمَاعِ فِي نَفْسِ الآيَاتِ السَّابِقَةِ؛ فَهَلْ يُمْكِنُ القَولُ أَيضًا بِأَنَّ الآيَةَ قَصَدَتِ الكُفَّارَ وَلَيسَ فِيهَا دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الصُمَّ لَا يَسْمَعُونَ! وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ.\n- فَائِدَةٌ: إِذَا تَأَمَّلْتَ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [فَاطِر: ٢٢] وَهُوَ سياقُ الآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ فَاطِرٍ؛ فَإِنَّكَ سَتَجِدُ أَدِلَّةً أُخْرَى عَلَى عَدَمِ السَّمَاعِ، مِنْهَا:\nأ- أَنَّ الحَيَّ وَالمَيِّتَ لَا يَسْتَوِيَانِ، وَهُوَ مَثَلٌ ضُرِبَ لِلكَافِرِ وَالمُؤْمِنِ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ السَّمَاعِ؛ حَيثُ جُعِل مَنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِالسَّمَاعِ كَمَنْ لَا سَمْعَ لَهُ؛ لِعَدَمِ حُصُولِ الغَايَةِ مِنْهُ.\nب- أَنَّ اللهَ تَعَالَى سَلَبَ المَيِّتَ سَمْعَهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ كَونِهِ مِثَالًا لِمَنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِالسَّمَاعِ، حَيثُ أَخْبَرَ أَنَّهُ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ؛ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّمَاعَ خِلَافُ الأَصْلِ.\nج- أَخِيرًا -وَهِيَ قَاصِمَةُ ظُهُورِ القُبُورِيينَ-؛ نَقُولُ: هَبْ أَنَّ المَيِّتَ هُوَ كَالكَافِرِ فِي كَونِهِ -فَقَط- لَا يَسْمَعُ سَمَاعَ انْتِفَاعٍ وَاسْتِجَابَةٍ؛ وَإِنَّمَا يَسْمَعُ سَمَاعَ\n_________\n=\nاللهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ بِقُدْرَتِهِ يُسْمِعُ الأَمْوَاتَ أَصْوَاتَ الأَحْيَاءِ إِذَا شَاءَ، وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ، وَلَيسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ سِوَاهُ\".\nوَعِنْدَ تَفْسِيرِهِ لِآيَةِ سُورَةِ فَاطِرٍ قَالَ ﵀: \" ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي القُبُورِ﴾ أَي: كَمَا لَا يَسْمَعُ وَيَنْتَفِعُ الأَمْوَاتُ بَعْدَ مَوتِهِم وَصَيرُورَتِهِم إِلَى قُبُورِهِم -وَهُمْ كُفَّارٌ- بِالهِدَايَةِ وَالدَّعْوَةِ إِلَيهَا، كَذَلِكَ هَؤُلَاءِ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ كُتِبَتْ عَلَيهِم الشَّقَاوةُ لَا حِيلَةَ لَكَ فِيهِم، وَلَا تَسْتَطِيعُ هِدَايَتَهُم\".\nقُلْتُ: وَالمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى طَمَسَ عَلَى قُلُوبِهِم، فَهُمْ يَسْمَعُونَ وَلَا يَنْتَفِعُونَ بِمَا سَمِعُوا، فَصَارُوا كَأَنَّهُم لَا يَسْمَعُونَ؛ لِعَدَمِ انْتِفَاعِهِم بِسَمْعِهِم.","vol":"1","page":260},{"text":"إِدْرَاكٍ، فَنَقُولُ: هَذَا القَدْرُ يَكْفِينَا فِي أَنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُكَ وَلَكِنَّهُ لَا يَسْتَجِيبُ لَكَ؛ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَنْفَعَكَ!\nبَلْ لَو فُرِضَ سَمَاعُهُ، وَأَنَّهُ يَدْعُو وَيَتَوَسَّطُ بِالخَيرِ لِمَنِ اسْتَغَاثَ بِهِ عِنْدَ اللهِ؛ لَكَانَ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ عَمَلِهِ الصَّالِحِ بَعْدَ مَوتِهِ، وَكَيفَ يَصِحُّ هَذَا وَقَدِ انْقَطَعَ عَمَلُهُ مِنَ الدُّنْيِا كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ: «إِلَّا مِن ثَلَاث» وَهَذِهِ لَيسَتْ مِنَ الثَّلَاثِ!! فَبَطَلَتْ بِذَلِكَ غَايَتُهُم مِنْ إِثْبَاتِ سَمَاعِ الأَمْوَاتِ. وَالحَمْدُ للهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ.\nالدَّلِيلُ الثَّانِي: قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يُولِجُ اللَّيلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فَاطِر: ١٣ - ١٤] (^١).\nفَهَذِهِ الآيَةُ صَرِيحَةٌ فِي نَفْي السَّمْعِ عَنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَانَ المُشْرِكونَ يَدْعُونَهُم مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى، وَهُمْ مَوتَى الأَولِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ الَّذِينَ كَانَ المُشْرِكُونَ يُمَثِّلُونَهُم فِي التَّمَاثِيلِ وَالأَصْنَامِ (^٢).\n_________\n(^١) وَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأَحْقَاف: ٥].\n(^٢) وَهُمْ يَعْبُدُونَهَا لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَصْحَابِهَا، وَلَيسَ لِذَاتِهَا! كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ آيَةُ سُورَةِ نُوحٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نُوح: ٢٣]، فَفِي التَّفْسِيرِ المَأْثُورِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيرِهِ مِنَ السَّلَفِ: \"أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَومِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوحَى الشَّيطَانُ إِلَى قَومِهِمْ أَنْ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا فَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤٩٢٠) وَغَيرُهُ.\nوَمَعْنَى (وَتَنَسَّخَ العِلْمُ): \"أَي: عِلْمُ تِلْكَ الصُّوَرِ بِخُصُوصِهَا\". فَتْحُ البَارِي (٨/ ٦٦٩).","vol":"1","page":261},{"text":"الدَّلِيلُ الثَّالِثُ: حَدِيثُ قَلِيبِ بَدْرٍ؛ وَأَقْتَصِرُ عَلَى رِوَايَتَينِ فِيهِ:\n- حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي البُخَارِيِّ، قَالَ: وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى قَلِيبِ بَدْرٍ؛ فَقَالَ: «هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟» ثُمَّ قَالَ: «إِنَّهُمُ الآنَ يَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ»، فَذُكِرَ لِعَائِشَةَ؛ فَقَالَتْ: إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّهُمُ الآنَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ هُوَ الحَقُّ» ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ حَتَّى قَرَأَتِ الآيَةَ (^١) (^٢).\n- حَدِيثُ أَبِي طَلْحَةَ فِي الصَّحِيحَينِ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ أَمَرَ يَومَ بَدْرٍ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيشٍ فَقُذِفُوا فِي طَوِيٍّ مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ خَبِيثٍ مُخْبِثٍ، وَكَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَومٍ أَقَامَ بِالعَرْصَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَلَمَّا كَانَ بِبَدْرٍ اليَومَ الثَّالِثَ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَشُدَّ عَلَيهَا رَحْلُهَا ثُمَّ مَشَى وَاتَّبَعَهُ أَصْحَابُهُ، وَقَالُوا: مَا نُرَى يَنْطَلِقُ إِلَّا لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، حَتَّى قَامَ عَلَى شَفَةِ الرَّكِيِّ، فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ:\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٣٩٨٠).\n(^٢) تَوجِيهٌ: هُنَا لَا يُقْبَلُ تَقْدِيمُ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ عَلَى كَلَامِ عَائِشَة ﵄ بِدَعْوَى أَنَّ عَائِشَةَ لَمْ تَشْهَدْ ذَلِكَ! وَهَذَا بِسَبَبِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵁ لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا أَيضًا، حَيثُ جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (١٨٦٨) أَنَّهُ عُرِضَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَومَ بَدْرٍ -وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةٍ- فَلَمْ يُجِزْهُ لِلقِتَالِ، وَلَكِنْ يُقَدَّمُ حَدِيثُهُ مِنْ جِهَةِ كَثْرَةِ مَا رُويَ عَنِ الصَّحَابَةِ فِي تَأْيِيدِ مَا رَوَاهُ ﵁.\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي كِتَابِ السِّيرَةُ النَّبَوِيَّةُ (٢/ ٤٥٠): \"الصَّوَابُ: قَولُ الجُمْهُورِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُم، لِلأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ نَصًّا عَلَى خِلَافِ مَا ذَهَبَتْ إِلَيهِ ﵂ وَأَرْضَاهَا\".\nقُلْتُ: وَلَعَلَّ عَائِشَةَ ﵂ رَجَعَتْ عَنْ هَذَا إِلَى إِثْبَاتِ لَفْظِ الحَدِيثِ.\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: \"وَمِنَ الْغَرِيبِ أَنَّ فِي الْمَغَازِي لِابْنِ إِسْحَاقَ رِوَايَةَ يُونُسَ بْنِ بُكَيرٍ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ وَفِيهِ: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا؛ فَكَأَنَّهَا رَجَعَتْ عَنِ الْإِنْكَارِ لِمَا ثَبَتَ عِنْدَهَا مِنْ رِوَايَةِ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ لِكَوْنِهَا لَمْ تَشْهَدِ الْقِصَّةَ\". فَتْحُ البَارِي (٧/ ٣٠٣).","vol":"1","page":262},{"text":"«يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ وَيَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ؛ أَيَسُرُّكُمْ أَنَّكُمْ أَطَعْتُمُ اللهَ وَرَسُولَهُ؛ فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا، فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟» (^١)، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا تُكَلِّمُ مِنْ أَجْسَادٍ لَا أَرْوَاحَ لَهَا! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ؛ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ». قَالَ قَتَادَةُ: أَحْيَاهُمُ اللهُ حَتَّى أَسْمَعَهُمْ قَولَهُ تَوبِيخًا وَتَصْغِيرًا وَنَقمَةً وَحَسْرَةً وَنَدَمًا (^٢).\nوَوَجْهُ الدِّلَالَةِ أُمُورٌ:\nأ- مَا فِي الرِّوَايَةِ الأُولَى مِنْ تَقْيِيدِهِ ﷺ سَمَاعَ مَوتَى القَلِيبِ بِقَولِهِ: «الآنَ»، فَإِنَّ مَفْهومَهُ أَنَّهُم لَا يَسْمَعُونَ فِي غَيرِ هَذَا الوَقْتِ، وَهُوَ المَطْلُوبُ.\nفَفِيهَا تَنْبِيهٌ قَوِيٌّ عَلَى أَنَّ الأَصْلَ فِي المَوتَى أَنَّهُم لَا يَسْمَعُونَ؛ وَلَكِنَّ أَهْلَ القَلِيبِ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ قَدْ سَمِعُوا نِدَاءَ النَّبِيِّ ﷺ، وَذَلِكَ بِإِسْمَاعِ اللهِ تَعَالَى إِيَّاهُم خَرْقًا لِلعَادَةِ وَمُعْجِزَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَلِذَلِكَ أَورَدَهُ الخَطِيبُ التَّبْرِيزِيُّ فِي بَابِ المُعْجِزَاتِ مِنْ مِشْكَاةِ المَصَابِيحِ.\nقَالَ الإِمَامُ القُرْطُبِيُّ ﵀: \"وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَا أَنْتُم بِأَسْمَعَ مِنْهُم»، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فيُشْبِهُ أَنَّ قِصَّةَ بَدْرٍ خَرْقُ عَادَةٍ لِمُحَمَّدٍ ﷺ فِي أَنْ رَدَّ اللهُ إِلَيهِم إِدْرَاكًا سَمِعُوا بِهِ مَقَالَهُ، وَلَولَا إِخْبَارُ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِسَمَاعِهِم لَحَمَلْنَا نِدَاءَهُ إِيَّاهُم عَلَى\n_________\n(^١) \"أَيْ هَلْ تَتَمَنَّوْنَ أَنْ تَكُونُوا مُسْلِمِينَ بَعْدَمَا وَصَلْتُمْ إِلَى عَذَابِ اللَّهِ؟ قُلْتُ: فَالْهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ أَتَحْزَنُونَ وَتَتَحَسَّرُونَ عَلَى مَا فَاتَكُمْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَمْ لَا؟ وَتَذْكُرُونَ قَوْلَنَا لَكُمْ: إِنَّ اللَّهَ سَيُظْهِرُ دِينَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَيَنْصُرُ أَوْلِيَاءَهُ وَيَخْذُلُ أَعْدَاءَهُ؟ فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا\". مِرْقَاةُ المَفَاتِيحِ (٦/ ٢٥٥٣).\n(^٢) البُخَارِيُّ (٣٩٧٦)، وَمُسْلِمٌ (٢٨٧٥).","vol":"1","page":263},{"text":"مَعْنَى التَّوبِيخِ لِمَنْ بَقيَ مِنَ الكَفَرةِ، وَعَلَى مَعْنَى شِفَاءِ صُدُورٍ المُؤْمِنِينَ\" (^١).\nب- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَرَّ عُمَرَ وَغَيرَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَى مَا كَانَ مُسْتَقِرًّا فِي نُفُوسِهِم وَاعْتِقَادِهِم أَنَّ المَوتَى لَا يَسْمَعُونَ (^٢)، حَيثُ بَادَرَ الصَّحَابَةُ (^٣) لَمَّا سَمِعُوا نِدَاءَهُ ﷺ لِمَوتَى القَلِيبِ بِقَولِهِم: \"مَا تُكَلِّمُ مِنْ أَجْسَادٍ؛ لَا أَرْوَاحَ فِيهَا! \" فَهَذَا يَدُلُّ أَنَّهُم كَانُوا عَلَى عِلْمٍ بِذَلِكَ سَابِقٍ تَلَقَّوهُ مِنْهُ ﷺ، وَإِلَّا لَمْ يُبَادِرُوا لِذَلِكَ الإِنْكَارِ.\nفَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يُخَطِّئ فَهْمَهُم وَإِنَّمَا أَرْشَدَ إِلَى تَخْصِيصِ هَذَا السَّمَاعِ بِأَمْرَينِ وَهُمَا: «الآنَ» بِاعْتِبَارِ الزَّمَنِ، وَ«إنَّهُم» أَي: أَهْلَ القَليبِ؛ وَهُوَ بِاعْتِبَارِ جَمْيِعِ المَوتَى.\nقُلْتُ: وَهَذَا العِلْمُ السَّابِقُ مِنْهُم هُوَ إِمَّا مِنْ جِهَةِ البَرَاءَةِ الأَصْلِيَّةِ فِي أَعْرَافِ النَّاسِ وَمَا اسْتَقَرَّ فِي نُفُوسِهِم، وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ الشَّرِيعَةِ.\nوَيُؤَيِّدُ هَذَا الأَخِيرَ مَا فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَرَكَ قَتْلَى بَدْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى جَيَّفُوا، ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَامَ عَلَيهِمْ؛ فَقَالَ: «يَا أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، يَا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، يَا شَيبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا»، قَالَ: فَسَمِعَ عُمَرُ صَوتَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتُنَادِيهِمْ بَعْدَ ثَلَاثٍ؟! وَهَلْ يَسْمَعُونَ؟ يَقُولُ اللهُ ﷿: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُجِيبُوا» (^٤).\nج- قَولُ رَاوِي الحَدِيثِ قَتَادَةَ؛ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَحْيَاهُم لِيَسْمَعُوا التَّوبِيخَ وَلِيَزْدَادُوا\n_________\n(^١) تَفْسِيرُ القُرْطُبِيِّ (١٣/ ٢٣٢).\n(^٢) وَكَذَا كَانَ فَهْمُ عَائِشَة ﵂ حِينَ أنْكَرَتْ قَولَ: «يَسْمَعُونَ» وَقَالَتْ: إِنَّمَا قَالَ: \"يَعْلَمُونَ\".\n(^٣) وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ حُمَيدٍ عَنْ أَنَسٍ نَحْوَه بِلَفْظِ: (قَالُوا) بَدَلَ: (قَالَ عُمَرُ). مُسْنَدُ أَحْمَد (١٢٠١٢).\n(^٤) صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. مُسْنَدُ أَحْمَدَ (١٤٠٦٤). مُخْتَصَرُ صَحِيحِ البُخَارِيِّ لِلْأَلْبَانِيِّ (٣/ ١٣).","vol":"1","page":264},{"text":"حَسْرَةً وَنَدَمًا (^١)، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الأَمْوَاتَ لَا يَسْمَعُونَ أَصْلًا.\nقَالَ العَلَّامَةُ القَصَّابُ فِي فَوَائِدَ مِن قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ أَنَّ فِيهَا: \"تَكْذِيبًا لِلأَخْبَارِ الوَاهِيَةِ فِي أَنَّ المَوتَى يَعْلَمُونَ وَيَشْعُرُونَ! وَمَا كَانَ مِنْهَا صَحِيحَةً فَلَهَا مَعَانٍ وَاضِحَةٌ، مِثْلُ وُقُوفِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى قَلِيبِ بَدْرٍ وَنِدَاءِ مَنْ فِيهِ مِنْ قَتْلَى قُرَيشٍ وَقَولِهِ: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُم؛ غَير أَنَّهُم لَا يُطِيقُونَ الجَوَابَ»، فَهَذِهِ الآيَةُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فِي وَقْتِهَا خَاصَّةٌ فِيهِم لِيُقِرَّ اللهُ عَينَ رَسُولِهِ عَاجِلًا بِإِسْمَاعِهِم قَولَهُ وَتَحْقِيقِ مَا كَانُوا يُكَذِّبُونَ فِيهِ حَتَّى يُقْبَروا، فَإِذَا قُبِرُوا لَمْ يُسْمِعْهُم. وَمِثْلُ مَا رُوِيَ فِي الشُّهَدَاءِ، فَإِنَّهُم -وَإِنْ قُتِلُوا- فَهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِم يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ\" (^٢).\n- فَائِدَةٌ: يَظْهَرُ أَنَّ مُنَادَاةَ الكُفَّارِ بَعْدَ هَلَاكِهِم سُنَّةٌ قَدِيمَةٌ مِنْ سُنَنِ الأَنْبِيَاءِ؛ فَقَد قَالَ تَعَالَى فِي قَومِ صَالِحٍ ﵇: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ * فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأَعْرَاف: ٧٩].\nقَالَ ابْنُ كَثِير ﵀: \"هَذَا تَقْرِيعٌ مِنْ صَالِح ﵇ لِقَومِهِ لَمَّا أَهْلَكَهُمُ اللهُ بِمُخَالَفَتِهِمْ إِيَّاهُ وَتَمَرُّدِهِمْ عَلَى اللهِ وَإِبَائِهِمْ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ وَإِعْرَاضِهِمْ عَنِ الهُدَى إِلَى\n_________\n(^١) قَالَ ابْنُ القَيِّمِ ﵀ فِي كِتَابِهِ الرُّوح (ص ٤٥): \"وَقَدْ يُقَالُ: نَفْيُ إِسْمَاعِ الصُّمِّ مع نَفْي إِسْمَاعِ المَوتَى يَدُلُّ عَلَى أَنّ المُرَادَ عَدَمُ أَهْلِيَّةِ كُلٍّ مِنْهُمَا لِلسَّمَاعِ؛ وَأَنَّ قُلُوبَ هَؤُلَاءِ لَمّا كَانَتْ مَيِّتَةً صَمَّاءَ كَانَ إِسْمَاعُهَا مُمْتَنِعًا بِمَنْزِلَةِ خِطَابَ المَيِّتِ وَالأَصَمِّ، وَهَذَا حَقٌّ؛ وَلَكِنْ لَا يَنْفِي إِسْمَاعَ الأَرْوَاحِ بَعْدَ المَوتِ إِسْمَاعَ تَوبِيخٍ وَتَقْرِيعٍ بَوَاسِطَةِ تَعَلُّقِهَا بِالأَبْدَانِ فِي وَقْتٍ مَا، فَهَذَا غَيرُ الإِسْمَاعِ المَنْفِيَّ، وَاللهُ أَعْلَمُ\".\n(^٢) النُّكَتُ الدَّالَّةُ عَلَى البَيَانِ (١/ ١٨٦).","vol":"1","page":265},{"text":"العَمَى، قَالَ لَهُمْ صَالِحُ ذَلِكَ بَعْدَ هَلَاكِهِمْ تَقْرِيعًا وَتَوبِيخًا -وَهُمْ يَسْمَعُونَ ذَلِكَ- كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ … \" (^١) وَذَكَرَ حَدِيثَ القَلِيبِ.\nالدَّلِيلُ الرَّابِعُ: حَدِيثُ النَّسَائِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: «إِنَّ للهِ تَعَالَى مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الأَرْضِ يُبَلِّغُونِي مِنْ أُمَّتِي السَّلَامَ» (^٢).\nوَوَجْهُ الدِّلَالَةِ أَنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يَسْمَعُ سَلَامَ مَنْ يُسلِّمُ عَلَيهِ؛ إِذْ لَو كَانَ يَسْمَعُهُ بِنَفْسِهِ لَمَا كَانَ بِحَاجَةٍ إِلَى مَنْ يُبَلِّغُهُ إِيَّاهُ، فَالاسْتِدْلَالُ هُنَا هُوَ مِنْ بَابِ قِيَاسِ الأَولَى بِالنِّسْبَةِ لِعُمُومِ الأَمْوَاتِ؛ وَلِعُمُومِ الكَلَامِ، أَي أَنَّهُ إِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ -وَهُوَ سَيِّدُ البَشَرِ- لَا يَسْمَعُ سَلَامَ المُسَلِّمِ عَلَيهِ وَإِنَّمَا يَصِلُهُ بَلَاغًا؛ فَعَامَّةُ الأَمْوَاتِ مِنْ بَابِ أَوْلَى أَنَّهُم لَا يَسْمَعُونَ السَّلَامَ؛ بَلْ وَسَائِرَ الكَلَامِ (^٣).\n_________\n(^١) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٣/ ٤٤٣).\nلَكِنَّ قَولَهُ: (وَهُمْ يَسْمَعُونَ ذَلِكَ) لَيسَ فِي الآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَيهِ، كَمَا أَرْشَدَ إِلَيهِ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.\n(^٢) صَحِيحٌ. النَّسَائِيُّ (١٢٨٢). صَحِيحُ الجَامِعِ (٢١٧٤).\n(^٣) قُلْتُ: وَيُمْكِنُ إِيرَادُ أَدِلَّةٍ أُخَرَ فِي مَسْأَلَةِ عَدَمِ السَّمَاعِ.\nكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ [الرَّعْد: ٣١]، حَيثُ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ تَكْلِيمَ المَوتَى بِحَيثُ يَسْمَعُونَ وَيُجِيبُونَ وَيَهْتَدُونَ هُوَ أَمْرٌ خَارِجٌ عَنِ الأَصْلِ، بَلْ إِنْ كَانَ فَهُوَ لَا يَكُونُ لِغَيرِ القُرْآنِ الكَرِيمِ.\nقَالَ البَيضَاوِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٣/ ٣٣٠): \" ﴿أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ فَتَسْمَعُ فَتَقْرَؤُهُ، أَو فَتَسْمَعُ وَتُجِيبُ عِنْدَ قِرَاءَتِهِ؛ لَكَانَ هَذَا القُرْآنُ، لِأَنَّهُ الغَايَةُ فِي الإِعْجَازِ وَالنِّهَايَةُ فِي التَّذْكِيرِ وَالإِنْذَارِ\".\nوَكَقَولِهِ تَعَالَى أَيضًا: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإِسْرَاءُ: ٥٢].\nقَالَ الإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ القَصَّابُ ﵀: \"فَأَخْبَرَ عَمَّن قَدْ أَمَاتَهُ تِلْكَ المَوْتَةَ بِمَا تَرَى؛ فَلَو كَانُوا يَشْعُرُونَ لَعَلِمُوا أَنَّهُم أَقَامُوا طَوِيلًا لَيسَ قَلِيلًا، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فِي القُرْآنِ\". النُّكَتُ الدَّالَّةُ عَلَى البَيَانِ (١/ ١٨٦).","vol":"1","page":266},{"text":"<span data-type='title' id=toc-112>أَدِلَّةُ المُخَالِفِينَ:</span>\nإِنَّ أَقْوَى مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ هُوَ:\nالدَّلِيلُ الأَوَّلُ: حَدِيثُ قَلِيبِ بَدْرٍ المُتَقَدِّمِ؛ وَقَدْ عَرَفْتَ مِمَّا سَبَقَ بَيَانُهُ أَنَّهُ خَاصٌّ بِأَهْلِ القَلِيبِ مِنْ جِهَةٍ، وَأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الأَصْلَ فِي المَوتَى أَنَّهُم لَا يَسْمَعُونَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَأَنَّ سَمَاعَهُم كَانَ خَرْقًا لِلعَادَةِ فَلَا دَاعِيَ لِلإِعَادَةِ.\nالدَّلِيلُ الثَّانِي: حَدِيثُ خَفْقِ النِّعَالِ.\nفِي الصَّحِيحَينِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ مَرْفُوعًا: «إِنَّ المَيِّتَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ؛ إِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ إِذَا انْصَرَفُوا، يَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَان: …» (^١).\nوَالجَوَابُ: أَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِوَقْتِ وَضْعِهِ فِي قَبْرِهِ وَمَجِيءِ المَلَكَينِ إِلَيهِ لِسُؤَالِهِ؛ فَلَا عُمُومَ فيهِ، وَلِذَلِكَ فَقَدِ اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ البُخَارِيُّ ﵀ فِي تَبْوِيبِهِ عَلَى الحَدِيثِ حَيثُ قَالَ: \"بَابُ المَيِّتُ يَسْمَعُ خَفْقَ النِّعَالِ\" (^٢).\nقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي شَرْحِ البُخَارِيِّ (٣/ ٣٢٠): \"قَولُهُ ﷺ فِي المَيِّتِ: «إِنَّهُ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِم» وَكَلَامُهُ مَعَ المَلَكَينِ يُبَيِّنُ قَولَهُ: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فَاطِر: ٢٢] أَنَّهُ عَلَى غَيرِ العُمُومِ.\nقَالَ المُهَلَّبُ: وَلَا مُعَارَضَةَ بَينَ الآيَةِ وَالحَدِيثِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا نُسِبَ إِلَى المَوتَى مِنْ اسْتِمَاعِ النِّدَاءِ وَالنَّوحِ فَهِيَ فِي هَذَا الوَقْتِ عِنْدَ الفِتْنَةِ أَوَّلَ مَا يُوضَعُ المَيِّتُ فِي قَبْرِهِ، أَو مَتَى شَاءَ اللهُ أَنْ يَرُدَّ أَرْوَاحَ المَوتَى رَدَّهَا إِلَيهِم ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (١٣٣٨)، وَمُسْلِمٌ (٢٨٧٠).\n(^٢) البُخَارِيُّ (٢/ ٩٠).","vol":"1","page":267},{"text":"وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٢٣] \" (^١).\nقُلْتُ: وَتَأْيِيدُ كَلَامِهِ هُوَ فِي نَفْسِ سِيَاقِ الآيَةِ ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فَاطِر: ٢٢].\nوَمِثْلُهُ أَيضًا حَدِيثُ عَمْرو بْنُ العَاصِ ﵁؛ قَالَ: \"إِذَا دَفَنْتُمُونِي؛ فَأقِيمُوا حَولَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقَسَّمُ لَحْمُهَا حَتَّى أَسْتَأنِسَ بِكُمْ، وَأعْلَمَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢). فَهُوَ مِنْ نفْسِ البَابِ أَيضًا.\nقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: \"وَفِيهِ أَنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ حِينَئِذٍ مَنْ حَولَ القَبْرِ\" (^٣).\nوَقَالَ ابْنُ الجَوزِيِّ ﵀\"وَقَولُهُ (حَتَّى أَسْتَأنِسَ بِكُم) وَقَدْ سَبَقَ فِي مُسْنَدِ أَنَسٍ وَغَيرِهِ أَنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ خَفْقَ النِّعَالِ إِذَا وَلَّوا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ حَسُنَ أَنْ يَقُولَ: (حَتَّى أَسْتَأنِسَ بِكُم)، وَالمُرَادُ بِالرُّسُلِ هُنَا مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ\" (^٤).\nالدَّلِيلُ الثَّالِثُ: مَا وَرَدَ عِنْدَ زِيَارَةِ القُبُورِ مِنَ الدُّعَاءِ لِلأَمْوَاتِ بِصِيغَةِ الخِطَابِ: \"السَّلَامُ عَلَيكُم\"، وَأَيضًا تَسْمِيَتُهَا بِـ (زِيَارةِ القُبُورِ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُم يَعْلَمُونَ مَنْ يَزورُهُم (^٥).\n_________\n(^١) شَرْحُ البُخَارِيِّ لِابْنِ بَطَّال (٣/ ٣٢٠).\n(^٢) مُسْلِمٌ (١٢١).\n(^٣) شَرْحُ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ (٢/ ١٣٩): \"وَفِيهِ أَنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ حِينَئِذٍ مَنْ حَولَ القَبْرِ\".\n(^٤) كَشْفُ المُشْكِلِ مِنْ حَدِيثِ الصَّحِيحَين (٤/ ١١١).\n(^٥) وَهَذِهِ الشُّبْهَةُ مَنْقُولَةٌ عَنِ ابْنِ القَيِّمِ ﵀ فِي كِتَابِهِ الرُّوح (ص ٨).\nتَنْبِيهٌ: قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي التَّعْلِيقِ عَلَى (الآيَاتُ البَيِّنَاتُ) (ص ٣٩): \"إِنِّي فِي شَكٍّ كَبِيرٍ مِنْ صِحَّةِ نِسْبَةِ (الرُّوحِ) إِلَيهِ، أَو لَعَلَّهُ ألَّفَهُ فِي أَوَّلِ طَلَبِهِ لِلعِلْمِ. وَاللهُ أَعْلَمُ\".","vol":"1","page":268},{"text":"وَالجَوَابُ:\nأ- إِنَّ لَفْظَ الخِطَابِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَبَدًا أَنْ يَكُونَ المُخَاطَبُ سَامِعًا لِلنِّدَاءِ (^١)! كَمَا فِي مُخَاطَبَةِ عُمَرَ ﵁ لِلحَجَرِ الأَسْوَدِ فِي قَولِهِ: \"إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ\" (^٢) (^٣).\nوَمِثْلُهُ قَولُ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَمَا هَاجَرَ؛ فَخَاطَبَ مَكَّةَ قَائِلًا: «وَاللهِ؛ إِنَّكِ لَخَيرُ أَرْضِ اللهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللهِ إِلَيَّ، وَلَولَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ» (^٤).\n_________\n(^١) وَعَلَى فُرِضَ سَمَاعُهُم؛ فَهُوَ مُقَيَّدٌ بِالزِّيَارَةِ وَبِلَفْظِ السَّلَامِ فَقَط. مُسْتَفَادٌ مِنْ تَفْسِيرِ رُوحِ المَعَانِي (١١/ ٥٧) لِلشَّيخِ مَحْمُود الآلُوسِيِّ -وَالِدِ مُؤَلِّفِ الكِتَابِ الأَصْلِ رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى-.\nوَإِلى هَذَا ذَهَبَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٦/ ٣٢٧)، فَقَدْ أَثْبَتَ سَمَاعَ الأَمْوَاتِ عِنْدَ قُبُورِهِم، وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِالآثَارِ النَّبَوِيَّةِ وَالسَّلَفِيَّةِ -وَسَيَأْتِي التَّعْلِيقُ عَلَى بَعْضِهَا-، فَقَالَ ﵀: \"وَقَدْ شُرِعَ السَّلَامُ عَلَى المَوتَى، وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَمْ يَشْعُرْ وَلَا يَعْلَمُ بِالمُسَلِّمِ مُحَالٌ! وَقَدْ عَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّتَهُ إِذَا رَأَوا القُبُورَ أَنْ يَقُولُوا: السَّلَامُ عَلَيكُم أَهْلَ الدِّيَارِ\".\nوَقَرِيبٌ مِنْهُ قَولُ شَيخِ الإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي مَجْمُوِعِ الفَتَاوَى (٢٤/ ٣٦٤): \"فَهَذِهِ النُّصُوصُ وَأَمْثَالُهَا تُبَيِّنُ أَنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ فِي الجُمْلَةِ كَلَامَ الحَيِّ، وَلَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ السَّمْعُ لَهُ دائِمًا، بَلْ قَدْ يَسْمَعُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ\".\n(^٢) البُخَارِيُّ (١٥٩٧).\n(^٣) قُلْتُ: وَلَا يَرِدُ عَلَيهِ مَا فِي التِّرْمِذِيِّ (٩٦١) -وَهُوَ صَحِيحٌ، كَمَا فِي صَحِيحِ الجَامِعِ (٥٣٤٦) - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا فِي الحَجَرِ الأَسْوَدِ: «وَاللهِ لَيَبْعَثَنَّهُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ لَهُ عَينَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ؛ يَشْهَدُ عَلَى مَنِ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ» وَذَلِكَ لِأَمْرَينِ:\nالأَوَّلِ: أَنَّهُ جَمَادٌ؛ وَإِذَا شَاءَ اللهُ أَنْطَقَهُ، وَذَلِكَ كَائِنٌ يَومَ القِيَامَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فُصِّلَت: ٢١].\nوَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمْ تَأْتِ فِي صِفَتِهِ السَّمَاعُ! بَلِ البَصَرُ وَالنُّطْقُ. وَالحَمْدُ للهِ.\n(^٤) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٣٩٢٥) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الحَمْرَاءِ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٧٠٨٩).","vol":"1","page":269},{"text":"وَكَمُخَاطَبَةِ الصَّحَابَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي حَيَاتِهِ فِي تَشَهُّدِ الصَّلَاةِ بِقَولِهِم: \"السَّلَامُ عَلَيكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ\" -وَهُم فِي جَمِيعِ المَسَاجِدِ- وَلَمْ يَكُنْ يَسْمَعُهُم وَيَرُدُّ ﵈ (^١)! وَلَكِنَّهَا عِبَادَةٌ يُتعَبَّدُ اللهُ تَعَالَى بِهَا -أَي: دُعَاءَ دُخُولِ المَقَابِرِ، وَالتَّشَهُّدُ-.\nوِمِثْلُهُ حَدِيثُ: «مَنْ رَأَى مُبْتَلى؛ فَقَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا؛ لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ البَلَاءُ» (^٢).\nقَالَ المُنَاوِيُّ ﵀: \"قَالَ العُلَمَاءُ: يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ هَذَا الذِّكْرَ سِرًّا بِحَيثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَلَا يُسْمِعْهُ المُبْتَلَى، إِلَّا أَنْ تَكُونَ بَلِيَّتُهُ مَعْصِيَةً فَيُسْمِعُهُ -إِنْ لَمْ يَخَفْ مَفْسَدَةً-\" (^٣).\nب- وَأَمَّا الاسْتِدْلَالُ بِتَسْمِيَةِ (زِيَارَةِ القُبُورِ) وَأَنَّ مَفَادَهَا عِلْمُ أَهْلِ القُبُورِ بِمَنْ زَارَهُم كَمَا يُزَارُ الأَحْيَاءُ! فَهُوَ قِيَاسٌ غَيرُ صَحِيحٍ مُطْلَقًا، فَكَيفَ يُقَاسُ المَيِّتُ عَلَى الحَيِّ، وَهَلْ هَذَا إِلَّا أَبْعَدُ القِيَاسِ، بَلْ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَصْلًا قَدْ سَمَّاهَا (زِيَارَةَ القُبُورِ وَلَيسَ زِيَارَةَ المَوتَى) لِأَنَّ المَزُورَ هُنَا هُوَ القَبْرُ وَلَيسَ المَيِّتَ.\nوَنَقُولُ أَيضًا: إِنَّ الجَمَادَ أَيضًا تَصِحُّ تَسْمِيَةُ إِتْيَانِهِ زِيَارَةً، كَمَا وَرَدَ فِي الحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَزُورُ البَيتَ فِي الحَجِّ (^٤)، وَمِنَ المَعْلُومِ تَسْمِيَةُ طَوَافِ الإِفَاضَةِ بِطَوَافِ الزِّيَارَةِ، وَأَنَّهُ ﷺ كَانَ وَهُوَ فِي المَدِينَةِ يَزُورُ قُبَاءَ رَاكِبًا وَمَاشِيًا (^٥)؛ فَهَلْ مِنْ أَحَدٍ يَقُولُ:\n_________\n(^١) وَرَدُّ السَّلَامِ وَاجِبٌ كَمَا لَا يَخْفَى.\nوَمِنْ نَفْسِ البَابِ يُجَابُ عَنْ حَدِيثِ الضَّرِيرِ الَّذِي فِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ (٣٥٧٨) -وَهُوَ صَحِيحٌ- وَسَيَأْتِي إِنْ شاءَ اللهُ فِي المُلْحَقِ الثَّامِنِ عَلَى كِتَابِ التَّوحِيدِ وهو (مُخْتَصَرُ كِتَابِ: التَّوَسُّلُ؛ أَنْوَاعُهُ؛ أَحْكَامُهُ).\n(^٢) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٣٤٣٢) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٦٠٢).\n(^٣) فَيضُ القَدِيرِ (٦/ ١٣٠).\n(^٤) البُخَارِيُّ (٢/ ١٧٤) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.\n(^٥) مُسْلِمٌ (١٣٩٩) عَنِ ابْنِ عُمَرَ.","vol":"1","page":270},{"text":"بِأَنَّ البَيتَ وَقُبَاءَ هُمَا مِنَ الأَحْيَاءِ وَلَيسَتْ جَمَادَاتٍ، وَيَشْعُرُ كُلٌّ مِنْهُا بِزِيَارَةِ الزَّائِرِ أَو أَنَّهُ يَعْلَمُ بِزِيَارَتِهِ؟!\nالدَّلِيلُ الرَّابِعُ: بَعْضُ الأَحَادِيثِ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِهَا، وَالحُكْمُ عَلَيهَا:\n١ - «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي سَمِعْتُهُ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ نَائِيًا أُبْلِغْتُهُ». مَوضُوعٌ (^١).\n٢ - «لَقِّنُوا مَوتَاكُمْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» (^٢).\nوَلَكِنَّ مَعْنَاهُ: مَنْ حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ، لِذَلِكَ بَوَّبَ عَلَيهِ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: \"بَابُ مَا جَاءَ فِي تَلْقِينِ المَرِيضِ عِنْدَ المَوتِ وَالدُّعَاءِ لَهُ\"، ثُمَّ قَالَ ﵀: \"مَعْنَاهُ: مَنْ حَضَرَهُ المَوتُ؛ ذَكِّرُوهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ لِيَكُونَ آخِرَ كَلَامِهِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «مَنْ كانَ آخِرَ كَلَامِهِ \"لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ\" دَخَلَ الجَنَّةَ» (^٣).\nوَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ بِتَمَامِهِ مَرْفُوعًا: «لَقِّنُوا مَوتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ فَإِنَّهُ مَنْ كَانَ آخِرَ كَلَامِهِ: \"لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ\" عِنْدَ المَوتِ؛ دَخَلَ الجَنَّةَ يَومًا مِنَ الدَّهْرِ -وَإِنْ أَصَابَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَا أَصَابَهُ-» (^٤) \".\n_________\n(^١) المَوضُوعَاتُ لِابْنِ الجَوزِيِّ (١/ ٣٠٣).\nقُلْتُ: وَبَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ بَنَى عَلَيهِ جَوَازَ سَمَاعِ المَيِّتِ، وَلَكِنَّهُ بَقِيَ مُقَيَّدًا عِنْدَهُ بِأَمْرَينِ:\nالأَوَّلِ: أَنَّ الأَصْلَ أَنَّهُم لَا يَسْمَعُونَ -لِعُمُومِ الآيَاتِ مَوضُوعِ البَحْثِ-، وَهَذَا السَّمَاعُ هُوَ مِمَّا جُعِلَ تَحْتَ المَشِيئَةِ مِنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾.\nالثَّانِي: السَّمَاعُ لِمَنْ كَانَ عِنْدَ القَبْرِ، وَلَيسَ مُطلقًا نَائِيًا عَنْهُ كَمَا فِي الأَثَرِ، وَقَدْ عَلِمْتَ كَونَهُ مَوضُوعًا.\n(^٢) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٩١٦) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا.\n(^٣) شَرْحُ مُسْلِمٍ (٦/ ٢١٩).\n(^٤) صَحِيحٌ. ابْنُ حِبَّانَ (٣٠٠٤). صَحِيحُ الجَامِعِ (٥١٥٠).","vol":"1","page":271},{"text":"٣ - حَدِيثُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ رَجُلٍ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيهِ؛ إِلَّا عَرَفَهُ، وَرَدَّ ﵇) ضَعِيفٌ (^١).\n٤ - حَدِيثُ: كَانَتِ امْرَأَةٌ بِالمَدِينَةِ تَقُمُّ المَسْجِدَ فَمَاتَتْ، فَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ، فَمَرَّ عَلَى قَبْرِهَا فَقَالَ: «مَا هَذَا القَبْرُ؟» فَقَالُوا: أُمُّ مِحْجَنٍ، قَالَ: «الَّتِي كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ؟» قَالُوا: نَعَمْ، فَصَفَّ النَّاسَ فَصَلَّى عَلَيهَا، ثُمَّ قَالَ: «أَيَّ العَمَلِ وَجَدْتِ أَفْضَلَ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَسْمَعُ؟ قَالَ: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهَا»، فَذَكَرَ أَنَّهَا أَجَابَتْهُ: قَمَّ المَسْجِدِ. ضَعِيفٌ مَعْضَلٌ (^٢).\n٥ - حَدِيثُ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيرٍ حِينَ رَجَعَ مِنْ أُحُدٍ؛ فَوَقَفَ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: «أَشْهَدُ أنَّكُم أَحْيَاءُ عِنْدَ اللهِ. فَزُورُوهُم وَسَلِّمُوا عَلَيهِم، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يُسَلِّمُ عَلَيهِم أَحَدٌ إِلَّا رَدَّوا عَلَيهِ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ» (^٣).\n_________\n(^١) العِلَلُ المُتَنَاهِيَةُ (٢/ ٢٢٩) لِابْنِ الجَوزِيِّ ﵀، وَقَالَ: \"هَذَا حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى تَضْعِيفِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ -وَهُوَ ابْنِ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ-\".\n(^٢) أَورَدَهُ الحَافِظُ المُنْذِريُّ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (١/ ١٢٢) عَنْ أَبِي الشَّيخِ الأَصْبَهَانِيُّ عَنْ عُبَيدِ اللهِ بْنِ مَرْزُوقٍ، وَقَالَ: \"هَذَا مُرْسَلٌ\". ضَعِيفُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (١٨٢).\n(^٣) رَوَاهُ الحَاكِمُ (٢٩٧٧)، وَقَالَ: \"حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيخَينِ\"! وَرَدَّهُ الذَّهَبِيُّ ﵀ بِقَولِهِ: \"كَذَا قَالَ! وَأَنَا أَحْسِبُهُ مَوضُوعًا\".\nوَقَالَ الهَيثَمِيُّ فِي المَجْمَعِ (٦/ ١٢٣): \"رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الأَوْسَطِ، وَفِيهِ عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ\".","vol":"1","page":272},{"text":"بَابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٩٢].\nوَقَولِهِ: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فَاطِر: ١٢ - ١٣].\nوَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ ﵁؛ قَالَ: شُجَّ النَّبِيُّ ﷺ يَومَ أُحُدٍ، وكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، فَقَالَ: «كَيفَ يُفْلِحُ قَومٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ؟»، فَنَزَلَتْ ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ [آل عِمْرَان: ١٢٨] (^١).\nوَفِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ -إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرّكُوعِ مِنَ الرّكْعَةِ الآخِرَةِ مِنَ الفَجْرِ- يَقُولُ: «اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلانًا وَفُلَانًا -بَعدَمَا يَقُولُ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ؛ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ-». فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ [آل عِمْرَان: ١٢٨] (^٢).\nوَفِي رِوَايَةٍ يَدْعُو عَلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ وَسُهَيلِ بْنِ عَمْرٍو وَالحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيءٌ﴾ [آل عِمْرَان: ١٢٨] (^٣).\nوَفِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁؛ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ -حِينَ أُنْزِلَ عَلَيهِ ﴿وَأَنْذِرْ\n_________\n(^١) عَلَّقَهُ البُخَارِيُّ (٥/ ٩٩)، وَهُوَ فِي مُسْلِمٍ (١٧٩١).\n(^٢) البُخَارِيُّ (٤٥٥٩).\n(^٣) البُخَارِيُّ (٤٠٧٠).","vol":"1","page":273},{"text":"عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشُّعَرَاء: ٢١٤]-، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ قُرَيشٍ -أَو كَلِمَةً نَحْوَهَا- اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ؛ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيئًا. يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيئًا. يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ؛ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيئًا. يَا صَفِيَّةُ عَمّةَ رَسُولِ اللهِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيئًا. يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي؛ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيئًا» (^١).\n_________\n(^١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤٧٧١)، وَمُسْلِمٌ (٢٠٦).","vol":"1","page":274},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: تَفْسِيرُ الآيَتَينِ.\nالثَّانِيَةُ: قِصَّةُ أُحُدٍ.\nالثَّالِثَةُ: قُنُوتُ سَيِّدُ المُرْسَلِينَ، وَخَلْفَهُ سَادَاتُ الأَولِيَاءِ يُؤَمِّنُونَ فِي الصَّلَاةِ.\nالرَّابِعَةُ: أَنَّ المَدْعُوَّ عَلَيهِمْ كُفَّارٌ.\nالخَامِسَةُ: أَنَّهُمْ فَعَلُوا أَشْيَاءَ مَا فَعَلَهَا غَالِبُ الكُفَّارِ، مِنْهَا شَجُّهُمْ نَبِيَّهُمْ، وَحِرْصُهُمْ عَلَى قَتْلِهِ، وَمِنْهَا التَّمْثِيلُ بِالقَتْلَى -مَعَ أَنَّهُمْ بَنُو عَمِّهِمْ-.\nالسَّادِسَةُ: أَنْزَلَ اللهُ عَلَيهِ فِي ذَلِكَ ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾.\nالسَّابِعَةُ: قَولُهُ: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ فَتَابَ عَلَيهِمْ فَآمَنُوا.\nالثَّامِنَةُ: القُنُوتُ فِي النَّوَازِلِ.\nالتَّاسِعَةُ: تَسْمِيَةُ المَدْعُوِّ عَلَيهِمْ فِي الصَّلَاةِ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ.\nالعَاشِرَةُ: لَعْنُ المُعَيَّنِ فِي القُنُوتِ.\nالحَادِيَةَ عَشْرَةَ: قِصَّتُهُ ﷺ لَمَّا أُنْزِلَ عَلَيهِ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾.\nالثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: جِدُّهُ ﷺ فِي هَذَا الأَمْرِ؛ بِحَيثُ فَعَلَ مَا نُسِبَ بِسَبَبِهِ إِلَى الجُنُونِ، وَكَذَلِكَ لَو يَفْعَلُهُ مُسْلِمٌ الآنَ.\nالثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: قَولُهُ لِلْأَبْعَدِ وَالأَقْرَبِ: «لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيئًا» حَتَّى قَالَ: «يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ! لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيئًا» فَإِذَا صَرَّحَ -وَهُوَ سَيِّدُ المُرْسَلِينَ- بِأَنَّهُ لَا يُغْنِي شَيئًا عَنْ سَيِّدَةِ نِسَاءِ العَالَمِينَ، وَآمَنَ الإِنْسَانُ بِأَنَّهُ لَا يَقُولُ إِلَّا الحَقَّ، ثُمَّ نَظَرَ فِيمَا وَقَعَ فِي قُلُوبِ خَوَاصِّ النَّاسِ اليَومَ؛ تَبَيَّنَ لَهُ تَرْكُ التَّوحِيدِ وَغُرْبَةُ الدِّينِ.","vol":"1","page":275},{"text":"<span data-type='title' id=toc-115>الشَّرْحُ</span>\n- هَذَا البَابُ يَصْلُحُ أَنْ يُسَمَّى بِـ (بَابِ مَنْ تَعَلَّقَ بِالصَّالِحِينَ)، وَأَدِلَّتُهُ مِنْ بَابِ قِيَاسِ الأَولَى، وَقَدْ جَعَلَهُ المُصَنِّفُ ﵀ بَعْدَ البَابَينِ السَّابِقَينِ لِبَيَانِ العِلَّةِ فِي النَّهْي عَنْ دُعَاءِ غَيرِ اللهِ تَعَالَى، فَهُوَ مِنْ بَابِ الاسْتِدْلَالِ بِتَوحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ عَلَى تَوحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ.\n- وَجْهُ اسْتِدْلَالِ المُصَنِّفِ ﵀ فِي هَذَا البَابِ هُوَ مِنْ جِهَتَينِ:\n١ - جِهَةٍ عَامَّةٍ: وَهِيَ مِنَ الآيَتَينِ، وَفِيهَا أَنَّ الخَالِقَ الَّذِي بِيَدِهِ كُلُّ شَيءٍ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ وَيُدْعَى وَحْدَهُ (^١).\n٢ - جِهَةٍ خَاصَّةٍ: وَهِيَ مِنَ الأَحَادِيثِ، وَفِيهَا الاسْتِدْلَالُ بِقِيَاسِ الأَولَى، حَيثُ أَورَدَ النُّصُوصَ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ وَالتِي تُبَيِّنُ أَنَّهُ ﷺ لَا يَمْلِكُ مِنَ الأَمْرِ شَيئًا وَلَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ؛ فَصَارَ غَيرُهُ مِنْ بَابِ أَولَى.\n- قَولُهُ: ﴿أَيُشْرِكُونَ﴾ الاسْتِفْهَامُ هُنَا لِلإِنْكَارِ وَالتَّوبِيخِ. وَالمَقْصُودُ هُنَا بِـ ﴿أَيُشْرِكُونَ﴾ أَي: فِي العِبَادَةِ.\n- الاسْتِدْلَالُ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَيُشْرِكُونَ﴾ هُوَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوجُهٍ؛ هِيَ:\n١ - أَنَّ آلِهَةَ المُشْرِكِينَ لَا تَخْلُقُ؛ وَمَنْ لَا يَخْلُقُ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ (^٢).\n_________\n(^١) وَهَذِهِ مِنَ الأَدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ الَّتِي دَلَّ الشَّرْعُ إِلَى الاسْتِدْلَالِ بِهَا عَلَى وَحْدَانيَّةِ اللهِ تَعَالَى فِي أُلُوهِيَّتِهِ.\n(^٢) وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النَّحْل: ١٧]،\nوَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يُونُس: ٣١ - ٣٢]، يَعْنِي: أَتُقِرُّونَ بِذَلِكَ فَلَا تَتَّقُونَ الشِّرْكَ بِهِ!.","vol":"1","page":276},{"text":"٢ - أَنَّهُم مَخْلُوقُونَ مِنَ العَدَمِ فَهُم مُفْتَقِرُونَ إِلَى غَيرِهِم ابْتِدَاءً.\n٣ - أَنَّهُم لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ مَنْ دَعَاهُم.\n٤ - أَنَّهُم لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسَهُم (^١).\n- قَولُهُ: (شُجَّ): الشُّجَّةُ: الجُرْحُ فِي الرَّأْسِ خَاصَّةً.\n- قَولُهُ: (وكُسِرَتْ رَبَاعِيَّتُهُ): الرَّبَاعِيَّةُ مَا بَينَ الثّنيَّةِ وَالنَّابِ.\n- قَولُهُ: (شُجَّ النَّبِيُّ): إِذَا كَانَ هَذَا أَفْضَلُ الخَلْقِ وَأَقْرَبُ النَّاسِ مَنْزِلَةً إِلَى اللهِ تَعَالَى وَأَفْضَلُ الأَنْبِيَاءِ؛ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ الضُّرَّ وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ -وَهُمْ خَيرُ القُرُونِ- فَصَارَ فِي الحَدِيثِ الدَّلَالةُ عَلَى أَنَّهُ -وَمَنْ هُوَ دُونَهُ مِنْ سَادَةِ الأَولِيَاءِ مِنْ بَابِ أَولَى- لَا يَسْتَحِقُّونَ أَنْ يُعْبَدُوا، وَيُتَعَلَّقَ بِهِم فِي كَشْفِ الضُّرِّ.\nقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: \"وَفِي هَذَا وُقُوعُ الأَسْقَامِ وَالابْتِلَاءِ بِالأَنْبِيَاءِ -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيهِم- لِيَنَالُوا بِذَلِكَ جَزِيلَ الأَجْرِ وَالثَّوَابِ، وَلِتَعْرِفَ الأُمَمُ مَا أَصَابَهُم وَيأْتَسُوا بِهِم.\nوَقَالَ القَاضِي ﵀: وَلِيُعْلَمَ أَنَّهُم مِنَ البَشَرِ تُصِيبُهُم مِحَنُ الدُّنْيَا، وَيَطْرَأُ عَلَى أَجْسَامِهِم مَا يَطْرَأُ عَلَى البَشَرِ\" (^٢).\n_________\n(^١) قُلْتُ: وَتَأَمَّلْ صَنِيعَ إِبْرَاهِيمَ ﵇ تَجِدُهُ مِنْ هَذَا القَبِيلِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيهِ يَرْجِعُونَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٥٨].\n(^٢) شَرْحُ مُسْلِمٍ لِلْنَّوَوِيِّ (١٢/ ١٤٨).","vol":"1","page":277},{"text":"- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْي فَتَعُمُّ كُلَّ شَيءٍ، فَصَارَ فِيهَا الدِّلَالَةُ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يَمْلِكُ النَّفْعَ -وَمَنْ هُوَ دُونَهُ مِنْ سَادَةِ الأَولِيَاءِ مِنْ بَابِ أَولَى- فَبَطَلَ بِذَلِكَ التَّعَلُّقُ بِهِ ﷺ فِي جَلْبِ النَّفْعِ، وَهُوَ مِصْدَاقُ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٨٨].\nوَأَيضًا فِي قَولِهِ ﷺ: «سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي؛ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيئًا» أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ النَّفْعَ لِغَيرِهِ، وَهِيَ ﵂ مِنْ أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيهِ، فكَيفَ بِغَيرِهَا؟!\n- قَولُهُ: «اللَّهُمَّ العَنْ فُلَانًا وَفُلانًا وَفُلَانًا» فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ (^١): فِيهِ دِلَالَةٌ عَلَى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يَمْلِكُ الضُّرَّ لِأَحَدٍ، حَيثُ نُهِيَ عَنِ الدُّعَاءِ عَلَيهِم وَعَنْ لَعْنِهِم، فَصَارَ مِنْ بَابِ أَولَى أَنَّ غَيرَهُ لَا يَمْلِكُ الضُّرَّ، فَبَطَلَ بِذَلِكَ التَّعَلُّقُ بِهِ -وَمَنْ هُوَ دُونَهُ مِنْ سَادَةِ الأَولِيَاءِ مِنْ بَابِ أَولَى- فِي الضُّرِّ وَالنَّفْعِ.\n- قَولُهُ: «لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيئًا» (^٢):\nفِيهِ بَيَانُ أَنَّ المَرْءَ لَا يَنْفَعُهُ إِلَّا عَمَلُهُ الصَّالِحُ.\nوَفِيهِ: جَوَازُ سُؤَالِ الرَّسُولِ ﷺ مَا يَقْدِرُ عَلَيهِ فِي حَيَاتِهِ.\nوَفِيهِ: بُطْلَانُ الاعْتِمَادِ عَلَى النَّسَبِ فِي دَفْعِ العَذَابِ دُونَ العَمَلِ الصَّالِحِ، كَمَا أَنَّ\n_________\n(^١) قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٧/ ١٩٥): \"وَذُكِرَ أَنَّ اللهَ ﷿ إِنَّمَا أَنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِأَنَّهُ لَمَّا أَصَابَهُ بِأُحُدٍ مَا أَصَابَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ، قَالَ -كَالآيِسِ لَهُم مِنَ الهُدَى أَو مِنَ الإِنَابَةِ إِلَى الحَقِّ-: «كَيفَ يُفْلِحُ قَومٌ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِم!!».\n(^٢) وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ (٢٠٤): «أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ».","vol":"1","page":278},{"text":"نُوحًا ﵇ لَمْ يَنْفَعْ وَلَدَهُ، وَلَا إِبْرَاهِيمَ ﵇ أَبَاهُ، وَلَا نُوحًا وَلُوطًا ﵉ أَزْوَاجَهُمَا.\nوَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَينِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَينِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التَّحْرِيم: ١٠]، فَقَدْ جَعَلَهُ اللهُ مَثَلًا لِلاعْتِبَارِ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ أَخْذِ الحِكْمَةِ مِنْهُ.\n- فِي قَولِهِ: «سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي؛ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيئًا» بَيَانُ القَاعِدَةِ الكُلِّيَّةِ فِي التَّوحِيدِ، وَهِيَ: أَنَّ مَا كَانَ للهِ لَا يُطْلَبُ مِنْ غَيرِ اللهِ، فَلَا يَخْفَى الفَرْقُ بَينَ قَولِهِ: «مِنْ مَالِي» وَبَينَ «مِنَ اللهِ شَيئًا».\nوَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ بِلَفْظِ: «أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ؛ فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ ضَرًّا أَو نَفْعًا» (^١).\n- فَائِدَة ١: فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ إِرْشَادٌ إِلَى أَنَّ الدَّاعِيَةَ وَالآمِرَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّاهِيَ عَنِ المُنْكَرِ يَبْدَأُ بِأَهْلِ بَيتِهِ وَخَاصَّتِهِ أَوَّلًا، ثُمَّ بِجِيرَانِهِ وَأَهْلِ بَلَدِهِ، ثُمَّ يَتَوَسَّعُ بِالخَيرِ إِلَى مَنْ حَولَهُ مِنَ البِلَادِ، أَمَّا العَكْسُ؛ فَهَذَا خِلَافُ مَنْهَجِ الرَّسُولِ ﷺ.\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: \"وَالسِّرُّ فِي الأَمْرِ بِإِنْذَارِ الأَقْرَبِينَ أَوَّلًا؛ أَنَّ الحُجَّةَ إِذَا قَامَتْ عَلَيهِم تَعدَّتْ إِلَى غَيرِهِم؛ وَإِلَّا فَكَانُوا عِلَّةٍ لِلأَبْعَدِينَ فِي الامْتِنَاعِ\" (^٢).\nقُلْتُ: وَأَيضًا مِنْ جِهَةِ حَقِّ الرَّحِمِ؛ فَإِنّ الأَقْرَبَ هُوَ الأَولَى بِالنَّفْعِ.\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيِّ (٣١٨٥). صَحِيحُ الجَامِعِ (٧٩٨٣).\n(^٢) فَتْحُ البَارِي (٨/ ٥٠٣).","vol":"1","page":279},{"text":"- فَائِدَة ٢: الفَرْقُ بَينَ الحَمْدِ وَالمَدْحِ: أَنَّ الحَمْدَ إِخْبَارٌ عَنْ مَحَاسِنِ المَحْمودِ مَعَ حُبِّهِ وَإِجْلَالِهِ وَتَعْظِيمِهِ، أَمَّا المَدْحُ فَإِنَّهُ خَبَرٌ مُجَرَّدٌ.\n- فَائِدَة ٣: قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: \"وَالثَّلَاثَةُ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ قَدْ أَسْلَمُوا يَومَ الفَتْحِ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي نُزُولِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيهِمْ﴾ \" (^١).\nقُلْتُ: فَفِيهِ فَائِدَةٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّكَ إِذَا رَأَيتِ إِنْسَانًا غَارِقًا بِالمَعَاصِي؛ فَلَا تَسْتَبْعِدْ رَحْمَةَ اللهِ لَهُ! فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ يَتُوبُ عَلَيهِ، لِذَلِكَ فَإِنَّ مِنْ مَنْهَجِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ أَنَّ لَا يَشْهَدُوا لِأَحَدٍ بِجَنَّةٍ وَلَا بِنَارٍ إِلَّا مَنْ شَهِدَ لَهُ النَّصُّ، كَمَا فِي (العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ): \"وَلَا نُنَزِّلُ أَحَدًا مِنْهُم جَنَّةً ولَا نَارًا\" (^٢).\n- فَائِدَة ٤: إِذَا كَانَ القُرْبُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لَا يُغْنِي عَنِ القَرِيبِ شَيئًا! دَلَّ ذَلِكَ عَلَى مَنْعِ التَّوَسُّلِ بِجَاهِ النَّبِيِّ ﷺ، لِأَنَّ جَاهَ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ إِلَّا النَّبِيُّ ﷺ، وَلِهَذَا كَانَ أَصَحَّ قَولَي أَهْلِ العِلْمِ تَحْرِيمُ التَّوَسُّلِ بِجَاهِ النَّبِيِّ ﷺ (^٣).\n- فَائِدَة ٥: فِي الحَدِيثِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الإِمَامَ -فِي الصَّلَاةِ- يَجْمَعُ بَينَ التَّسْمِيعِ وَالتَّحْمِيدِ.\n_________\n(^١) فَتْحُ البَارِي (٧/ ٣٦٦).\n(^٢) العَقِيدَةُ الطَّحَاوِيَّةُ (ص ٦٧).\n(^٣) القَولُ المُفِيدُ (١/ ٢٩٧).","vol":"1","page":280},{"text":"<span data-type='title' id=toc-116>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-117> المَسْأَلَةُ الأُولَى: قَولُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ هُنَا جَاءَ فِي إِعْرَابِهَا أَنَّهَا حَرْفُ جَرٍّ زَائِدٍ،</span> فكَيفَ يَسْتَقِيمُ هَذَا القَولُ مَعَ مَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي الشَّرِيعَةِ مِنْ أَنَّ كَلَامَ اللهِ تَعَالَى مُحْكَمٌ وَكَامِلٌ لَيسَ فِيهِ زِيَادَةٌ وَلَا نَقْصٌ؟!\nالجَوَابُ:\nإِنَّهَا زِيَادَةٌ مِنْ جِهَةِ الإِعْرَابِ؛ لَا أَنَّهَا زَائِدَةٌ مِنْ حَيثُ المَعْنَى! فَإِنَّ مَعْنَاهَا التَّوكيدَ (^١).\n_________\n(^١) ذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ الزَّرْكَشيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (البُرْهَانُ) (٣/ ٧٢).","vol":"1","page":281},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-118> المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَا فَائِدَةُ التَّخْصِيصِ بِالحَمْدِ فِي قَولِ المُصَلِّي: (سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ)</span> وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى سَمِيعٌ لِكُلِّ شَيءٍ؟!\nالجَوَابُ:\nإِنَّ السَّمَاعَ هُنَا بِمَعْنَى الاسْتِجَابَةِ، وَلَيسَ مُطْلَقَ السَّمَاعِ! وَهَذَا الأُسْلُوبُ يُسَمَّى عِنْدَ العَرَبِ بِالتَّضْمِينِ، لِذَلِكَ يُلْحَقُ بِالفِعْلِ الأَوَّلِ مَا يَدُلُّ عَلَى المَعْنَى المُضَمَّنِ فِي الفِعْلِ الثَّانِي، وَهُوَ اللَّامُ هُنَا.\nوَقَالَ العَلَّامَةُ الصَّنْعَانِيُّ ﵀: \"سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ: أَي: أَجَابَ اللهُ مَنْ حَمِدَهُ؛ فَإِنَّ مَنْ حَمِدَ اللهَ تَعَالَى مُتَعَرِّضًا لِثَوَابِهِ؛ اسْتَجَابَ اللهُ لَهُ، وَأَعْطَاهُ مَا تَعَرَّضَ لَهُ؛ فَنَاسَبَ بَعْدَهُ أَنْ يَقُولَ: رَبَّنَا وَلَك الحَمْدُ\" (^١).\n_________\n(^١) سُبُلُ السَّلَامِ (١/ ٢٦٧).","vol":"1","page":282},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-119> المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: مَا صِحَّةُ زَعْمِ بَعْضِهِم فِي أَنَّ مَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ مِنْ كَونِهِ ﷺ لَا يَمْلِكُ لِأَهْلِهِ وَلِلنَّاسِ شَيئًا؛ أَنَّهُ لَا يَعْنِي عَدَمَ نَفْعِهِ لَهُم فِي الآخِرَةِ!</span> لِأَنَّ مَنْ نُفِيَ عَنْهُم النَّفْعُ هُمُ الَّذِينَ لَمْ يُؤمِنُوا بِهِ أَصْلًا، فَالمَقْصُودُ بِالحَدِيثِ هُوَ: \"لَا أُغْنِي عَنْكُم مِنَ اللهِ شَيئًا إِذَا لَمْ تُؤمِنُوا، أَمَّا إِذَا آمَنْتُم فَإِنِّي أُغْنِي عَنْكُم\"؟\nالجَوَابُ:\nهَذَا الزَّعْمُ لَيسَ بِصَحِيحٍ، فَهُنَا نَفِيٌ مُطْلَقٌ؛ وَلَا يَخْتَصُّ بِالكُفَّارِ فَقَطْ -كَمَا يَزْعُمُهُ أَرْبَابُ التَّعَلُّقِ بِالصَّالِحِينَ-! بَلْ يَتَعَلَّقُ أَيضًا بِأَهْلِ الإِيمَانِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يُغْنِي عَنْهُم شَيئًا.\nوَبَيَانُ ذَلِكَ مِنْ أَوجُهٍ:\nأ- أَنَّ هَذَا نَفْيٌ مُطْلَقٌ؛ فَيَشْمَلُ الجَمِيعَ، وَلَا دَلِيلَ هُنَا عَلَى التَّخْصِيصِ.\nب- أَنَّهُ مُؤَيَّدٌ بِعُمُومَاتِ الشَّرِيعَةِ.\nكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عِمْرَان: ١٢٨].\nوقَالَ تَعَالَى أَيضًا: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عِمْرَان: ١٢٩].\nوقَالَ تَعَالَى أَيضًا: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٨٨].\nجـ- أَنَّ قَولَهُ ﷺ: «لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيئًا» يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ صَرَاحَةً؛ فَإِنَّ","vol":"1","page":283},{"text":"فَاطِمَةَ ﵂ مُؤْمِنَةٌ (^١)؛ وَمَعْ ذَلِكَ خُوطِبَتْ بِهَذَا الخِطَابِ.\nد- أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ يَومَ القِيَامَةِ لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ لِأَحَدٍ شَيئًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانْفِطَار: ١٩]، وَتَأَمَّلْ كَونَ النَّفْسِ فِي الآيَةِ جَاءَتْ نَكِرَةً فِي حَقِّ الشَّافِعِ والمَشْفُوعِ وَجِهَةِ الشَّفَاعَةِ؛ الأَمْرَ الَّذِي يَعْنِي أَنَّهُ أَيًّا كَانَ الشَّافِعُ، وَأَيًّا كَانَ المَشْفُوعُ فِيهِ، وَأَيًّا كَانَ وَجْهُ الشَّفَاعَةِ؛ فَلَا يَمْلِكُ أَحَدٌ لِأَحَدٍ شَيئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى.\nهـ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ بيَّنَ فِي بَعْضِ أَحَادِيثِهِ الشَّرِيفَةِ أَنَّهُ لَا يُغْنِي عَنْ أُمَّتِهِ نَفْسِهَا شَيئًا إِذَا جَاءُوهُ بِالمَعَاصِي -وَلَيسَ بِالكُفْرِ فَقَط-، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «إِنَّ أَولِيَائِي يَومَ القِيَامَةِ المُتَّقُونَ -وَإِنْ كَانَ نَسَبٌ أَقْرَبَ مِنْ نَسَبٍ-؛ فَلَا يَأْتِينِي النَّاسُ بِالأَعْمَالِ وَتَأْتُونَ بِالدُّنْيَا تَحْمِلُونَهَا عَلَى رِقَابِكُمْ، فَتَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ! فَأَقُولُ: هَكَذَا وَهَكَذَا؛ لَا» وَأَعْرَضَ فِي كِلَا عِطْفَيهِ (^٢).\nوَأَمَّا الشَّفَاعَةُ الَّتِي أُعْطِيَهَا النَّبِيُّ ﷺ؛ فَهِيَ لَيسَتْ مِلْكًا لَهُ، وَلَكِنَّهَا مِلْكٌ للهِ تَعَالَى، لِذَلِكَ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَأْذَنُ لِمَنْ شَاءَ وَفِيمَنْ شَاءَ أَنْ يُشْفَعَ فِيهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النَّجْم: ٢٦]. وَسَيَأْتِي قَرِيبًا -إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى- الكَلَامُ بِتَوَسُّعٍ فِي بَابِ الشَّفَاعَةِ.\n_________\n(^١) وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهَا بِأَنَّهَا: «سَيِّدَةُ نِسَاءِ المُؤْمِنِينَ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦٢٨٥)، وَمُسْلِمٌ (٢٤٥٠) عِنْ فَاطِمَةَ ﵂.\n(^٢) حَسَنٌ. الأَدَبُ المُفْرَدُ (٨٩٧) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. الصَّحِيحَةُ (٧٦٥).","vol":"1","page":284},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-120> المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: إِذَا كَانَ اللهُ تَعَالَى قَدْ أَعْطَى لِعِيسَى ﵊ آيَاتٍ عَلَى صِدْقِهِ مِنْ إِحْيَاءِ المَوتَى،</span> وَمِنْ عِلْمِ الغَيبِ، وَمِنْ إِبْرَاءِ المَرْضَى؛ فَهَلْ يَجُوزُ دُعَاؤُهُ لِتَحْصِيلِ ذَلِكَ الخَيرِ؟\nالجَوَابُ:\nلَا يَجُوزُ أَنْ يُدْعَى عِيسَى ﵊، وَذَلِكَ لِأَسْبَابٍ؛ مِنْهَا:\n١ - أَنَّ هَذِهِ الأَشْيَاءَ الَّتِي جَاءَ بِهَا عِيسَى ﵇ هِي مَقْرُونَةٌ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى كَمَا فِي نَفْسِ سِيَاقِ الآيَاتِ الكَرِيمَاتِ مِنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيئَةِ الطَّيرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آلِ عِمْرَان: ٤٩]، فَهُوَ لَا يَمْلِكُهَا اسْتِقْلَالًا، لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ إِظْهَارِ الآيَاتِ عَلَى صِدْقِهِ وَعَلَى تَأْيِيدِ رَبِّهِ لَهُ.\nوَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الرَّعد: ٣٨]، وَعَلَى ذَلِكَ لَا يَصِحُّ أَنْ يَدْعُوهُ أَحَدٌ مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا يَدْعُو اللهَ تَعَالَى وَحْدَهُ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَأْذَنُ بِحُصُولِ الخَيرِ وَدَفْعِ الضُّرِّ.\nوَكَذَلِكَ الأَولِيَاءُ الصَّالِحُونَ -إِنْ أُعْطِيَ أَحَدٌ مِنْهُم مَا يُسَمَّى بِالكَرَامَةِ- فَلَا يَعْنِي ذَلِكَ جَوَازَ دُعَائِهِ! لِكَونِهِ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهَا كَمَا يَشَاءُ.\n٢ - أَنَّ الاسْتِغَاثَةَ وَالتَّعَلُّقَ بِهِم فِي تَفْرِيجِ الكُرُبَاتِ شِرْكٌ، بَلْ أَصْلُ شِرْكِ العَالَمِينَ هُوَ التَّعَلُّقُ بِالصَّالِحِينَ وَجَعْلُهُم وَسَائِطَ بَينَ اللهِ تَعَالَى وَبَينَ النَّاسِ.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ","vol":"1","page":285},{"text":"وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأَحْقَاف: ٥].\nوَتَأَمَّلْ كَيفَ أَنَّ عِيسَى ﵊ قَدْ قَالَ لِقَومِهِ - فِي سِيَاقِ ذِكْرِ الآيَاتِ التِي أَتَى بِهَا - ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آلِ عِمْرَان: ٥١] الأَمْرَ الَّذِي يُفِيدُ أَنَّهُ وَإِيَّاهُم سَوَاءٌ فِي العُبُودِيَّةِ للهِ وَالخُضُوعِ لَهُ تَعَالَى، وَقَدْ عُلْمَ قَولُهُ ﵊: «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ» (^١).\n٣ - أَنَّ كَونَ عِيسَى ﵊ حَيًّا -قَدْ رَفَعَهُ اللهُ تَعَالَى- لَا يَعْنِي أَنَّهُ عَالِمٌ بِمَا هُوَ حَالُ النَّاسِ فِي الأَرْضِ وَأَنَّهُ يَسْمَعُهُم!\nوَدَلِيلُ ذَلِكَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ﴾ [المَائِدَة: ١١٧]، فَهُوَ غَائِبٌ وَلَيسَ بِحَاضِرٍ.\nوَتأَمَّلْ حَدِيثَ: «أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوضِ، وَلأُنازعَنَّ أقْوَامًا ثمَّ لَأُغْلَبَنَّ عَلَيهِمْ فأَقُولُ: يَا رَبِّ؛ أَصْحَابِي أَصْحَابِي! فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ» (^٢).\n٤ - أَنَّ عِيسَى ﵊ لَمْ يَمْلِكْ لِنَفْسِهِ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا عِنْدَمَا أَرَادَ قَومُهُ قَتْلَهُ؛ فَكَيفَ يَمْلِكُ لِغَيرِهِ نَفْعًا أَو ضَرًّا؟!\nبَلْ حَتَّى النَّبِيَّ ﷺ قَالَ تَعَالَى عَنْهُ: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأَعْرَاف: ١٨٨].\nوَقَدْ نَهَى اللهُ تَعَالَى عَنْ دُعَاءِ غَيرِهِ فَقَالَ: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١٨٤٣٦) عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٣٤٠٧).\n(^٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦٥٧٦)، وَمُسْلِمٌ (٢٢٩٧) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا.","vol":"1","page":286},{"text":"وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يُونُس: ١٠٦ - ١٠٧].\n٥ - أَنَّ الكُفَّارَ كَانُوا يَعْبُدُونَ المَسِيحَ؛ وَوَصَفَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِأَنَّهُم كُفَّارٌ -رُغْمَ مَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنَ الآيَاتِ الَّتِي أَتَى بِهَا-.","vol":"1","page":287},{"text":"بَابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سَبَأ: ٢٣].\nوَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ قَالَ: «إِذَا قَضَى اللهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ المَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَولِهِ كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ يَنْفُذُهُم ذَلِكَ ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سَبَأ: ٢٣]، فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضُهُ فَوقَ بَعْضٍ -وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِكَفِّهِ فَحَرَفَهَا وَبَدَّدَ بَينَ أَصَابِعِهِ- فَيَسْمَعُ الكَلِمَةَ، فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، ثُمَّ يُلْقِيهَا الآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوِ الكَاهِنِ. فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ، فَيُقَالُ: أَلَيسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَومَ كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا؟ فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ» (^١).\nوَعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ ﵁؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا أَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يُوحِيَ بِالأَمْرِ؛ تَكَلَّمَ بِالوَحْيِ؛ أَخَذَتِ السَّمَوَاتِ مِنْهُ رَجْفَةٌ -أَو قَالَ رِعْدَةٌ شَدِيدَةٌ- خَوفًا مِنَ اللهِ ﷿. فَإِذَا سَمِعَ ذَلِكَ أَهْلُ السَّمَوَاتِ؛ صَعِقُوا وَخَرُّوا لِلَّهِ سُجَّدًا، فَيَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ جِبْرِيلُ، فَيُكَلِّمُهُ اللهُ مِنْ وَحَيِّهِ بِمَا أَرَادَ، ثُمَّ يَمُرُّ جِبْرِيلُ عَلَى المَلَائِكَةِ، كُلَّمَا مَرَّ بِسَمَاءٍ؛ سَأَلَهُ مَلَائِكَتُهَا مَاذَا قَالَ رَبُّنَا يَا جِبْرِيلُ؟ فَيَقُولُ: قالَ: الْحَقَّ، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ، فَيَقُولُونَ كُلُّهُمْ مِثْلَ مَا قَالَ جِبْرِيلُ، فَيَنْتَهِي جِبْرِيلُ بِالوَحْيِ إِلَى حَيثُ أَمَرَهُ اللهُ ﷿) (^٢).\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٤٨٠٠).\n(^٢) لَهُ شَوَاهِدُ.\nقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ ظِلَالُ الجَنَّةِ: ضَعِيفٌ، بِرَقَم (٥١٥).\n\nوَقَالَ أَيضًا ﵀ فِي تَحْقِيقِ كِتَابِ (التَّنْكِيلُ) (٢/ ٧٣٥) لِلشَّيخِ المُعَلِّميِّ اليَمَانِيِّ (ت ١٣٨٦ هـ) رَحِمَهُمَا اللهُ: <span data-type='title' id=toc-122>\"المَتْنُ </span>غَيرُ مُنْكَرٍ؛ فلَهُ شَوَاهِدُ؛ .. فَالنَّكَارَةُ فِي السَّنَدِ فَقَط\".\nوَقَالَ السُّيُوطِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ الدُّرُّ المَنْثُورُ (٦/ ٦٩٨): \"وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ خُزَيمَةَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو الشَّيخِ فِي العَظَمَةِ وَابْنُ مَرْدَوِيه وَالبَيهَقِيُّ فِي الأَسْمَاءِ وَالصِّفاتِ عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ … \".","vol":"1","page":288},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: تَفْسِيرُ الآيَةِ.\nالثَّانِيَةُ: مَا فِيهَا مِنَ الحُجَّةِ عَلَى إِبْطَالِ الشِّرْكِ، خُصُوصًا مَنْ تَعَلَّقَ بِالصَّالِحِينَ، وَهِيَ الآيَةُ الَّتِي قِيلَ: إِنَّهَا تَقْطَعُ عُرُوقَ شَجَرَةِ الشِّرْكِ مِنَ القَلْبِ.\nالثَّالِثَةُ: تَفْسِيرُ قَولِهِ: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.\nالرَّابِعَةُ: سَبَبُ سُؤَالِهِمْ عَنْ ذَلِكَ.\nالخَامِسَةُ: أَنَّ جِبْرِيلَ يُجِيبُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَولِهِ: (قَالَ: كَذَا وَكَذَا).\nالسَّادِسَةُ: ذِكْرُ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ جِبْرِيلُ.\nالسَّابِعَةُ: أَنَّهُ يَقُولُ لِأَهْلِ السَّمَوَاتِ كُلِّهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَسْأَلُونَهُ.\nالثَّامِنَةُ: أَنَّ الغَشْيَ يَعُمُّ أَهْلَ السَّمَوَاتِ كُلَّهُمْ.\nالتَّاسِعَةُ: ارْتِجَافُ السَّمَوَاتِ لِكَلَامِ اللهِ.\nالعَاشِرَةُ: أَنَّ جِبْرِيلَ هُوَ الَّذِي يَنْتَهِي بِالوَحْيِ إِلَى حَيثُ أَمَرَهُ اللهُ.","vol":"1","page":289},{"text":"الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: ذِكْرُ اسْتِرَاقِ الشَّيَاطِينِ.\nالثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: صِفَةُ رُكُوبِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا.\nالثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: إِرْسَالُ الشِّهَابِ.\nالرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أَنَّهُ تَارَةً يُدْرِكُهُ الشِّهَابُ قَبْلِ أَنْ يُلْقِيَهَا، وَتَارَةً يُلْقِيهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ مِنَ الإِنْسِ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ.\nالخَامِسَةَ عَشْرَةَ: كَونُ الكَاهِنِ يَصْدُقُ بَعْضَ الأَحْيَانِ.\nالسَّادِسَةَ عَشْرَةَ: كَونُهُ يَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ.\nالسَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أَنَّهُ لَمْ يُصَدَّقْ كَذِبَهُ إِلَّا بِتِلْكَ الكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ.\nالثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: قَبُولُ النُّفُوسُ لِلْبَاطِلِ؛ كَيفَ يَتَعَلَّقُونَ بِوَاحِدَةٍ وَلَا يُعْتَبَرُونَ بِمِائَةٍ!\nالتَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: كَونُهُمْ يَتَلَقَّى بَعْضُهُمُ مِنْ بَعْضِ تِلْكَ الكَلِمَةَ وَيَحْفَظُونَهَا وَيَسْتَدِلُّونَ بِهَا.\nالعِشْرُونَ: إِثْبَاتُ الصِّفَاتِ خِلَافًا لِلْأَشْعَرِيَّةِ المُعَطِّلَةِ.\nالحَادِيَةُ وَالعِشْرُونَ: التَّصْرِيحُ بِأَنَّ تِلْكَ الرَّجْفَةَ وَالغَشْيَ خَوفًا مِنَ اللهِ ﷿.\nالثَّانِيَةُ وَالعِشْرُونَ: أَنَّهُمْ يَخِرُّونَ لِلَّهِ سُجَّدًا.","vol":"1","page":290},{"text":"<span data-type='title' id=toc-123>الشَّرْحُ</span>\n- هَذَا البَابُ يَصْلُحُ أَنْ يُسَمَّى (بَابَ مَنْ تَعَلَّقَ بِالمَلَائِكَةِ) حَيثُ تَعَلَّقَ المُشْرِكُونَ بِهِم لِحُصُولِ الشَّفَاعَةِ.\n- مُنَاسَبَةُ الآيَةِ لِلتَّوحِيدِ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ تَعَالَى مُنْفَرِدًا فِي العَظَمَةِ وَالكِبْرِيَاءِ؛ فَيَجِبُ أَنْ يُفْرَدَ بِالعِبَادَةِ، فَلَا يُجْعَلَ وَسَائِطَ بَينَهُ وَبَينَ خَلْقِهِ؛ لَا مَلَكًا مُقَرَّبًا وَلَا نَبِيًّا مُرْسَلًا.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ فِي قِرَاءَةٍ (فُرِّغَ عَنْ) (^١)، وَمَعْنَاهُ ذَهَبَ عَنْ قُلُوبِ المَلَائِكَةِ مَا حَلَّ فِيهَا مِنَ الفَزَعِ (^٢)، وَالفَزَعُ هُوَ الخَوفُ المُفَاجِئُ.\n- سِيَاقُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ هُوَ ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سَبَأ: ٢٢ - ٢٣].\n- فِي البَابِ بَيَانُ حَالِ المَلَائِكَةِ عِنْدَ رَبِّهَا وَإشْفَاقِهَا مِنْ خَشيَتِهِ، وَعَلَيهِ فَلَا يَصِحُّ التَّعَلُّقُ بِهِم دُونَ اللهِ تَعَالَى بِحُجَّةِ الشَّفَاعَةِ!\nكَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُم: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٤/ ١٧٣٧).\n(^٢) قَالَ الجَوهَرِيُّ ﵀ فِي الصِّحَاحِ (٣/ ١٢٥٨): \"الإِفْزَاعُ: الإِخَافَةُ، وَفُزِّعَ عَنْهُ: أَي: كُشِفَ عَنْهُ الخَوفُ، وَمِنْهُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أَي: كُشِفَ عَنْهَا الفَزَعُ\".","vol":"1","page":291},{"text":"مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٢٦ - ٢٩].\nقُلْتُ: وَتَأَمَّلِ الاقْتِرَانَ بَينَ الشَّفَاعَةِ وَالخَشْيَةِ تَرَى المُطَابقَةَ مَعَ الآيَةِ وَالحَدِيثِ اللَّذَينِ فِي البَابِ، وَتَعْلَم بِذَلِكَ مَقْصُودَ المُصَنِّفِ مِنْ إِيرَادِهِمَا.\n- السِّيَاقُ فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا شَفَاعَةَ إلّا بإِذْنِ اللهِ تَعَالَى، وَلَمَّا كَانَتِ المَلَائِكَةُ عِنْدَ المُشْرِكِينَ هُم بَنَاتُ اللهِ -تَعَالَى اللهُ عَنْ ذَلِكَ- وَكَانُوا يَطْلُبُونَ مِنْهَا الشَّفَاعَةَ؛ حَسُنَ إِيرَادُ حَالِ المَلَائِكَةِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، فَصَارَ فِي ذَلِكَ بَيَانُ حَالِ مَنْ لَا يَخْلُقُ مَعَ مَنْ يَخْلُقُ.\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ -عِنْدَ تَفْسِيرِ سُورَةِ النَّجْمِ-: \"وَقَولُهُ: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النَّجْم: ٢٦] كَقَولِهِ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٥٥]، ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سَبَأ: ٢٣]، فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي حَقِّ المَلَائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، فكَيفَ تَرْجُونَ أَيُّهَا الجَاهِلُونَ شَفَاعَةَ هَذِهِ الأَصْنَامِ وَالأنْدَادِ عِنْدَ اللهِ؛ وَهُوَ لَمْ يَشْرَعْ عِبَادَتَهَا وَلَا أَذِنَ فِيهَا؟! بَلْ قَدْ نَهَى عَنْهَا عَلَى أَلْسِنَةِ جَمِيعِ رُسُلِهِ، وَأنْزَلَ بِالنَّهْي عَنْ ذَلِكَ جَمِيعَ كُتُبِهِ\" (^١).\n- إِنَّ الصَّعْقَ الحَاصِلَ عَلَى المَلَائِكَةِ عِنْدَمَا يُوحِي اللهُ تَعَالَى بِالأَمْرِ يَدُلُّ عَلَى مَعْرِفَتِهِم بِاللهِ تَعَالَى، وَمَنْ كَانَ بِاللهِ أَعْرَفَ؛ كَانَ مِنْهُ أَخْوَفَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فَاطِر: ٢٨].\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾ الحَقُّ هُنَا: هُوَ صِفَةُ كَلَامِ اللهِ تَعَالَى، وَهُوَ قِسْمَينِ\n_________\n(^١) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٧/ ٤٥٧).","vol":"1","page":292},{"text":"كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأَنْعَام: ١١٥].\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي التَّفْسِيرِ: \"أَي: صِدْقًا فِي الأخْبَارِ، وَعَدْلًا فِي الأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي\" (^١).\nوَلَكِنَّ قَولَ المَلَائِكَةِ: ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾ لَا يَعْنِي أَنَّهُم لَا يَسْتَفْهِمُونَ بَعْضًا عَمَّا جَرَى! كَمَا فِي رِوَايَةٍ: «ثُمَّ قَالَ الَّذِينَ يَلُونَ حَمَلَةَ الْعَرْشِ لِحَمَلَةِ الْعَرْشِ: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ فَيُخْبِرُونَهُمْ مَاذَا قَالَ. قَالَ: فَيَسْتَخْبِرُ بَعْضُ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ بَعْضًا؛ حَتَّى يَبْلُغَ الْخَبَرُ هَذِهِ السَّمَاءَ الدُّنْيَا» (^٢).\n- قَولُهُ: «كَسِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ» (الصَّفْوَانُ): هُوَ الحَجَرُ الأَمْلَسُ الصُّلْبُ، وَالسِّلْسِلَةُ عَلَيهِ يَكُونُ لَهَا صَوتٌ عَظِيمٌ، وَالمُرَادُ تَشْبِيهُ مَا يَحْصُلُ مِنَ الفَزَعِ فِي القُلُوبِ، وَلَيسَ المُرَادُ تَشْبِيهَ الصَّوتِ بَالصَّوتِ، وَذَلِكَ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشُّورَى: ١١]، وَلِذَلِكَ قَالَ: «يَنْفُذُهُم ذَلِكَ»، فَالنُّفُوذُ هُوَ الدُّخُولُ فِي الشَّيءِ، وَمِنْهُ نَفَذَ السَّهْمُ فِي الرَّمِيَّةِ أَي: دَخَلَ فِيهَا، وَالمَعْنَى أنَّ هَذَا الصَّوتَ يَبْلُغُ مِنْهُم كُلَّ مَبْلَغٍ.\nقُلْتُ: وَمِنْ أَهْلِ العِلْمِ مَنْ جَعَلَ الصَّوتَ هُنَا هُوَ صَوتَ رِعْدَةِ السَّمَاءِ، وَالأَوَّلُ أَولَى.\nقَالَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (خَلْقُ أَفْعَالِ العِبَادِ): \"وَأَنَّ اللهَ ﷿ يُنَادِي بِصَوتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ، فَلَيسَ هَذَا لِغَيرِ اللهِ ﷿ ذِكْرُهُ.\n_________\n(^١) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٨/ ٢٧).\n(^٢) صَحِيحُ مُسْلِمٍ (٢٢٢٩).","vol":"1","page":293},{"text":"وَفِي هَذَا دَلِيلٌ أَنَّ صَوتَ اللهِ لَا يُشْبِهُ أَصْوَاتَ الخَلْقِ، لِأَنَّ صَوتَ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ يُسْمَعُ مِنْ بُعْدٍ كَمَا يُسْمَعُ مِنْ قُرْبِ، وَأَنَّ المَلائِكَةَ يُصْعَقُونَ مِنْ صَوتِهِ\" (^١).\nوَبَوَّبَ ﵀ عَلَى الحَدِيثِ فِي صَحِيحِهِ: \"بَابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ وَلَمْ يَقُلْ: مَاذَا خَلَقَ رَبُّكُمْ؟ وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، وَقَالَ مَسْرُوقٌ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: إِذَا تَكَلَّمَ اللهُ بِالوَحْيِ؛ سَمِعَ أَهْلُ السَّمَوَاتِ شَيئًا، فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ وَسَكَنَ الصَّوتُ عَرَفُوا أَنَّهُ الحَقُّ وَنَادَوا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾. وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيسٍ؛ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «يَحْشُرُ اللهُ العِبَادَ؛ فَيُنَادِيهِمْ بِصَوتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ: أَنَا المَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ» \" (^٢).\n- الكَاهِنُ: هُوَ الَّذِي يَدَّعِي مَعْرِفَةَ المُغَيَّبَاتِ فِي المُسْتَقْبَلِ وَمَا فِي الضَّمِيرِ (^٣).\n- قَولُهُ: (وَصَفَ سُفْيَانُ بِكَفِّهِ): أَي: وَصَفَ رُكُوبَ بَعْضِهِم فَوقَ بَعْضٍ.\nوَسُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَينَةَ؛ أَبُو مُحَمَّدٍ الهِلَالِيُّ الكُوفِيُّ (ت ١٩٨ هـ).\n_________\n(^١) خَلْقُ أَفْعَالِ العِبَادِ (ص ٩٨).\n(^٢) البُخَارِيُّ (٩/ ١٤١).\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١٣/ ٤٥٦) -عَنْ أَثَرُ ابْنِ مَسْعُودٍ السَّابِقِ-: \"وَقَدْ وَصَلَهُ البَيهَقِيُّ فِي الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيحٍ -وَهُوَ أَبُو الضُّحَى- عَنْ مَسْرُوقٍ\".\nوَالحَدِيثُ رَوَاهُ أَيضًا ابْنُ مَاجَه ﵀ فِي المُقَدِّمَةِ مِنَ السُّنَنِ (١/ ٦٢)؛ وَقَالَ: \"بَابٌ فِي مَا أَنْكَرَتِ الجَهْمِيَّةُ\"، قُلْتُ: وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ المُرَادَ مِنْهُ إِثْبَاتُ صِفَةِ الكَلَامِ للهِ تَعَالَى حَقِيقَةً خِلَافًا لِلْمُعَطِّلَةِ.\n(^٣) وَسَيَأْتِي الكَلَامُ عَلَيهِ فِي بَابٍ مُسْتَقِلٍ إِنْ شَاءَ اللهُ.","vol":"1","page":294},{"text":"- فِي الحَدِيثِ إِثْبَاتُ صِفَةِ الإِرَادَةِ للهِ تَعَالَى.\nوَهِيَ قِسْمَانِ: شَرعيَّةٌ وكَونيَّةٌ، وَالفَرْقُ بَينَهُمَا:\nأ- مِنْ حَيثُ المَحَبَّةِ؛ فَالشَّرْعِيَّةُ تَتَعَلَّقُ بِمَا يُحِبُّهُ اللهُ، وَأَمَّا الكَونيَّةُ فَقَدْ يُحِبُّهَا اللهُ وَقَدْ لَا يُحِبُّهَا.\nب- مِنْ حَيثُ الوُقُوعِ؛ الشَّرْعِيَّةُ قَدْ تَقَعُ وَقَدْ لَا تَقَعُ، بِخِلَافِ الكَونِيَّةِ فَهِيَ وَاقِعَةٌ لَا مَحَالَةَ.\nوَكِلَا النَّوعِينِ مَقْرُونٌ بِالحِكْمَةِ.\nوَمِثَالُ الكَونِيَّةِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البُرُوج: ١٦]، وَالإِرَادَةُ الكَونِيَّةُ هِيَ نَفْسُهَا المَشِيئَةُ، فَمَا شَاءَ اللهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشأْ لَمْ يَكُنْ.\nوَمِثَالُ الشَّرْعِيَّةِ ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢٧].\n- النُّجُومُ رُجُومٌ لِلشَّيَاطِينِ، وَعِنْدَ البَعْثَةِ زَادَ الرَّجْمُ.\nعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسًا فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَرُمِيَ بِنَجْمٍ عَظِيمٍ فَاسْتَنَارَ، قَالَ: «مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ إِذَا كَانَ مِثْلُ هَذَا فِي الجَاهِلِيَّةِ؟» قَالَ: كُنَّا نَقُولُ: يُولَدُ عَظِيمٌ أَو يَمُوتُ عَظِيمٌ. قُلْتُ (^١) لِلزُّهْرِيِّ: أَكَانَ يُرْمَى بِهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِنْ غُلِّظَتْ حِينَ بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَإِنَّهُ لَا يُرْمَى بِهَا لِمَوتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّ رَبَّنَا تَبَارَكَ اسْمُهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا …» الحَدِيث (^٢).\n- الوَحْيُ: هُوَ الإِعْلَامُ بِسُرْعَةٍ وَخَفَاءٍ.\n_________\n(^١) القَائِلُ هُوَ مَعْمَرٌ بْنُ رَاشِدٍ الأَزْدِيُّ؛ أَحَدُ رُوَاةِ الحَدِيثِ.\n(^٢) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١٨٨٢). صَحِيحُ السِّيرَةِ لِلأَلْبَانِيِّ (ص ١٠٣).","vol":"1","page":295},{"text":"وَهُوَ نَوعَانِ: وَحِيُ إِلْهَامٍ، وَوَحْيُ إِرْسَالٍ.\nفَوَحْيُ الإِلْهَامِ: كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النَّحْل: ٦٨]، وَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَوْحَينَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القَصَص: ٧].\nوَأَمَّا وَحْيُ الإِرْسَالِ: فَهُوَ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى الرُّسُلِ.\n- فِي الآيَةِ وَالحَدِيثِ بَيَانُ عِدَّةِ فَوَائِدَ؛ مِنْهَا:\n١ - أَنَّ المَلَائِكَةَ يَخَافُونَ اللهَ تَعَالَى.\nوَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النَّحْل: ٥٠].\n٢ - إِثْبَاتُ القُلُوبِ لِلمَلَائِكَةِ، وَبِهَا تَعْقِلُ (^١).\n٣ - إِثْبَاتُ أَنَّهَا أَجْسَامٌ (^٢).\n٤ - إِثْبَاتُ صِفَةِ الكَلَامِ للهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ مَتَى شَاءَ (^٣).\n٥ - أَنَّ قَضَاءَ اللهِ تَعَالَى يَكُونُ بِالقَولِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عِمْرَان: ٤٧].\n٦ - أَنَّ اللهَ سُبْحَانَه يُمَكِّنُ هَؤُلَاءِ الجِنَّ مِنَ الوُصُولِ إِلَى السَّمَاءِ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَابْتِلَاءً لَهُم، وَهِيَ مَا يُلقونَهُ عَلَى الكُهَّانِ، وَقَدْ أَعْلَمَ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِذَلِكَ كَي لَا\n_________\n(^١) وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ المَعْنِيَّ بِالكَلَامِ فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ هُمُ الكفَّارُ وَلَيسَ المَلَائِكَةَ! وَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَيهِم لِمُخَالَفَتِهِم الحَدِيثَ الصَّحيحَ السَّابِقَ ذِكْرُهُ. اُنْظُرِ الفَتْحَ (١٣/ ٤٥٩) لِلحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ ﵀.\n(^٢) بِخِلَافِ مَنْ زَعَمَ -مِنْ غَيرِ المُسْلِمِينَ- أَنَّ المَلَائِكَةَ هِيَ قِوَى الخَيرِ فِي النُّفُوسِ، أَو هِيَ أَرْوَاحٌ فَقَط!\n(^٣) بِخِلَافِ المُعَطِّلَةِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ كَلَامَ اللهِ كَلَامًا نَفْسِيًّا، أَوْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَخْلُقُ كَلَامًا وَلَكِنَّهُ لَيسَ صِفَةً مِنْ صِفَاتِهِ!","vol":"1","page":296},{"text":"يَحْصُلَ عِنْدَهُم الاشْتِبَاهُ بِذَلِكَ، وَللهِ الحِكْمَةُ البَالِغَةُ (^١)، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيطَانٍ رَجِيمٍ * إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحِجْر: ١٦ - ١٨]، وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحَادِيثِ، وَكَمَا فِي حَدِيثِ البَابِ: «فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ».\n٧ - إِثْبَاتُ صِفَةِ العُلُوِّ للهِ تَعَالَى؛ لِقَولِهِ: «إِذَا قَضَى اللهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ».\n٨ - بَيَانُ تَحَمُّلِ الشَّيَاطِينِ لِلمَخَاطِرِ مِنْ أَجْلِ إِضْلَالِ النَّاسِ.\n_________\n(^١) قَالَ الآلُوسِيُّ ﵀ فِي تَفْسِيرِهِ رُوحُ المَعَانِي (١٢/ ٧٣): \"وَمِنْهَا أَنَّهُ يُغْنِي عَنِ الحِفْظِ مِنِ اسْتِرَاقِ الشَّيَاطِينِ عَدَمُ تَمْكِينِهِم مِنَ الصُّعُودِ إِلَى حَيثُ يُسْتَرَقُ السَّمْعُ، أَو أَمْرُ المَلَائِكَةِ ﵈ بِإِخْفَاءِ كَلَامِهِم بِحَيثُ لَا يَسْمَعُونَهُ، أَو جَعْلُ لُغَتِهِم مُخَالِفَةً لِلُغَتِهِم بِحَيثُ لَا يَفْهَمُونَ كَلَامَهُم؛ وَأُجِيبَ بِأَنَّ وُقُوعَ الأَمْرِ عَلَى مَا وَقَعَ مِنْ بَابِ الابْتِلَاءِ\".","vol":"1","page":297},{"text":"<span data-type='title' id=toc-124>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-125> مَسْأَلَةٌ: قَالَتِ المُعَطِّلَةُ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ يُسْمَعُ، وِإِنَّمَا هُوَ يَخْلُقُ كَلَامًا!</span> وَمِنْهُم مَنْ قَالَ: إِنَّ كَلَامَ اللهِ تَعَالَى هُوَ مَا فِي نَفْسِهِ سُبْحَانَهُ، وَأَمَّا أَلْفَاظُهُ وَحُرُوفُهُ فَهِيَ مَخْلُوقَةٌ!\nفَمَا الجَوَابُ عَنْه حَيثُ دَارَتْ شُبَهُهُم حَولَ أُمُورٍ هِيَ:\n- الشُّبْهَةُ الأُولَى: إِنَّ القُرآنَ وَصَفَهُ اللهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ قَولُ جِبْرِيلَ وَلَيسَ بِقَولِهِ تَعَالَى!\nكَقَولِهِ جَلَّ وَعَلَا: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التَّكْوِير: ١٩ - ٢٠]، أَو أَنَّهُ قَولُ النَّبِيِّ ﷺ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحَاقَّة: ٤٠ - ٤٢]؟\nوَالجَوَابُ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ:\n١ - مَا نُسِبَ فِي الآيَةِ مِنْ أَنَّهُ قَولُ جِبْرِيلَ ﵇؛ فَمَفَادُهُ أَنَّ جِبْرِيلَ يُبلِّغُهُ، فَنِسْبَةُ القَولِ إِلَى جِبْرِيلَ هِيَ نِسْبَةُ تَبْلِيغٍ، وَأَنَّهُ أَدَّاهَا بِأَمَانَةٍ دُونَ تَحْرِيفٍ، وَلِذَلِكَ جَاءَ وَصْفُهُ بِالرِّسَالَةِ وَلَمْ يَرِدْ بِاسْمِهِ المُجَرَّدِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرَّسُولَ يُؤَدِّي رِسَالَةَ مَنْ أَرْسَلَهُ بِهَا؛ وَلَا يَكُونُ القَولُ قَولَهُ.\nوَأَيضًا فِي الآيَةِ الثَّانِيَةِ تَجِدُ الأَمْرَ نَفْسَهُ حَيثُ جَاءَ وَصْفُهُ بِالرَّسُولِ -أَيِّ النَّبِيَّ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَإِنَّمَا نُسِبَ إِلَيهِ القَولُ عَلَى جِهَةِ أَنَّهُ أَدَّى الرِّسَالَةَ بِأَمَانَةٍ دُونَ زِيَادَةٍ أَو نَقْصٍ أَو تَحْرِيفٍ، وَلِذَلِكَ أَيضًا جَاءَ وَصْفُهُ بِالرِّسَالَةِ وَلَمْ يَرِدْ أَيضًا بِاسْمِهِ المُجَرَّدِ.\nوَتَأَمَّلْ تَمَامَ الآيَاتِ لِتَجِدَ بُرْهَانَ ذَلِكَ، حَيثُ قَالَ تَعَالَى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ","vol":"1","page":298},{"text":"الْعَالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَينَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحَاقَّة: ٤٣ - ٤٥]؛ مِمَّا يَدُلُّ صَرَاحَةً أَنَّهُ مُبَلِّغٌ قَولَ رَبِّهِ بِدُونِ زِيَادَةٍ أَو نَقْصٍ أَو تَحْرِيفٍ (^١).\n\"فَالقُرْآنُ قَولُ اللهِ حَقِيقَةً، وَقَولُ جِبْرِيلَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ بَلَّغَهُ لِمُحَمَّدٍ، وَقَولُ مُحَمَّدٍ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ بَلَّغَهُ إِلَى الأُمَّةِ\" (^٢).\n٢ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ كَلَامُهُ وَلَيسَ كَلَامَ البَشَرِ! وَهَذَا فِي مَعْرِضِ بَيَانِ مَنِ القَائِلِ بِهِ.\nقَالَ تَعَالَى عَنْ قولِ المُشْرِكِينَ: ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المُدّثّر: ٢٤ - ٢٥] فَعُلِمَ إِذًا أَنَّ هَذَا القُرْآنَ لَيسَ كَلَامَ البَشَرِ.\n٣ - أَنَّهُ لَو كَانَ القُرْآنُ كَلَامَ البَشَرِ لَمْ يَحْسُنِ التَّحَدِّي بِهِ، بِخِلَافِ كَلَامِ البَشَرِ.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإِسْرَاء: ٨٨].\n٤ - أَنَّ الكَلَامَ لَا تَصِحُّ نِسْبَتُهُ إِلَّا لِمَنْ قَالَهُ ابْتِدَاءً.\n٥ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى فَرَّقَ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ بَينَ القُرْآنِ وَالخَلْقِ.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ [الرَّحْمَن: ١ - ٣] فَخَصَّ القُرْآنَ بِالتَّعْلِيمِ لِأَنَّهُ كَلَامُهُ وَصِفَتُهُ، وَخَصَّ الإِنْسَانِ بِالتَّخْلِيقِ لِأَنَّهُ خَلْقُهُ ومَصْنُوعُهُ، وَلَولَا ذَلِكَ لَقَالَ: خَلَقَ القُرْآنَ وَالإِنْسَانَ.\n_________\n(^١) يُنْظَرُ: (التِّبْيَانُ فِي أَقْسَامِ القُرْآن) لِابْنِ القَيِّمِ (ص ١٢٠).\n(^٢) تَفْسِيرُ جُزْءِ عَمَّ لِلعُثَيمِين (ص ٨٠).","vol":"1","page":299},{"text":"- الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: إِنَّ العَرَبَ فِي كَلَامِهَا تَسْتَخْدِمُ لَفْظَ القَولِ لِغَيرِ الكَلَامِ، كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ بِيَدِهِ هَكَذَا (أَي: إِشَارَةً عَلَى صِفَةِ مَا)، وَكَمَا يُقَالُ: قَالَتِ السَّمَاءُ هَكَذَا (لِوَصْفِ نُزُولِ المَطَرِ)، أَو قَولُهُم: قُلْتُ فِي نَفْسِي. وَكُلُّ ذَلِكَ لَيسَ فِيهِ حَقِيقَةُ الكَلَامِ؟!\nوَالجَوَابُ: إِنَّ هَذَا مَعْرُوفٌ فِي لُغَةِ العَرَبِ، وَلَكِنْ لَا يَأْتِي عَلَى سَبِيلِ الإِطْلَاقِ! وَإِنَّمَا يَكُونُ مُقَيَّدًا بِمَا يَدُلُّ عَلَيهِ، كَقَولِ (هَكَذَا)، أَو قَولِ الصَّخْرةِ (طِق) مَثَلًا، فَلَا يَجُوزُ صَرْفُ النَّصِّ عَنْ ظَاهِرِهِ دُونَ قَرِينَةٍ.\nبَلْ إِنَّهُ قَدْ دَلَّتْ بَعْضُ النُّصُوصِ عَلَى حَقِيقَةِ الكَلَامِ للهِ تَعَالَى بِلَفْظِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ الَّذِي يَنْفِي المَجَازَ.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النِّسَاء: ١٦٤].\nقَالَ البَغَوِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ: \"قَالَ الفَرَّاءُ: العَرَبُ تُسَمِّي مَا يُوصَلُ إِلَى الإِنْسَانِ كَلَامًا بِأَيِّ طَرِيقٍ وَصَلَ، وَلَكِنْ لَا تُحقِّقُهُ بِالمَصْدَرِ، فَإِذَا حُقِّقَ بِالمَصْدَرِ لَمْ يَكُنْ إِلَّا حَقِيقَةَ الكَلَامِ\" (^١).\nوَأَمَّا حَدِيثُ النَّفْسِ فَلَا يُسَمَّى كَلَامًا إِلَّا بِقَيدِ النَّفْسِ، أَمَّا إِذَا أُطْلِقَ فَلَا يَدُلُّ إِلَّا عَلَى الكَلَامِ المَسْمُوعِ (^٢).\n_________\n(^١) تَفْسِيرُ البَغَوِيِّ (٢/ ٣١١).\n(^٢) قَالَ الشَّيخُ الغُنَيمَانُ حَفِظَهُ اللهُ فِي شَرْحِهِ عَلَى كِتَابِ التَّوحِيدِ مِنْ صَحِيحِ البُخَارِيِّ (٢/ ٢٣٣): \"القَولُ إِذَا أُسْنِدَ إِلَى مَا لَا يَعْقِلُ فَلَا بُدَّ أَنْ يُقيَّدَ بِالفِعْلِ الَّذِي يَصْدُرُ مِنْ ذَلِكَ المُسْنَدِ إِلَيهِ، لِأَنَّ القَولَ عِبَارَةٌ عَنْ ذَلِكَ الفِعْلِ\".\nوَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (٢/ ٢٦٧): \"وَالْقَولُ إِذَا وَقَعَ بِهِ الخِطَابُ مُطْلَقًا؛ حُمِلَ عَلَى الجَهْرِ، وَمَتَى أُرِيدَ بِهِ الإِسْرَارُ أَو حَدِيثُ النَّفس قُيِّدَ بِذَلِكَ\".","vol":"1","page":300},{"text":"قَالَ الإِمَامُ أَبُو نَصْرٍ السِّجْزِيُّ ﵀ (^١) فِي رسالَتِهِ (الرَّدُّ عَلَى مَنْ أنْكَرَ الحَرْفَ وَالصَّوتَ) (^٢): \"لَمَّا وَجَدْنَا أَحْكَامَ الشَّرِيعَةِ المُتَعَلِّقَةَ بِالكَلَامِ مَنُوطَةً بِالنُّطْقِ الَّذِي هُوَ حَرْفٌ وَصَوتٌ دُونَ مَا فِي النَّفْسِ؛ عَلِمْنَا أَنَّ حَقِيقَةَ الكَلَامِ هُوَ الحَرْفُ وَالصَّوتُ، فَلَو حَلَفَ امْرُؤٌ أَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ؛ فَأَقَامَ فِي تِلْكَ السَّاعةِ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِأَشْيَاءَ وَلَا يَنْطِقُ بِهَا؛ كَانَ بَارًّا غَيرَ حَانِثٍ\".\n_________\n(^١) قَالَ الحَافِظُ الذَّهبيُّ ﵀ فِي السِّيَرِ (١٧/ ٦٥٤): \"أَبُو نَصْرٍ السِّجْزِيُّ؛ عُبَيدُ اللهِ بنُ سَعِيدِ بْنِ حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ، الإِمَامُ، العَالِمُ، الحَافِظُ، المُجَوِّدُ، شَيخُ السُّنَّةِ، شَيخُ الحَرَمِ، وَمُصَنِّفُ (الإِبَانَةِ الكُبْرَى فِي أَنَّ القُرْآنَ غَيرُ مَخْلُوقٍ)، وَهُوَ مُجَلَّدٌ كَبِيرٌ، دَالٌّ عَلَى سَعَةِ عِلْمِ الرَّجُلِ بِفَنِّ الأَثَرِ. (ت ٤٤٤ هـ) \". بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ.\n(^٢) الرَّدُّ عَلَى مَنْ أنْكَرَ الحَرْفَ وَالصَّوتَ (ص ٢١٩).","vol":"1","page":301},{"text":"- الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ: إِنَّ إِثْبَاتَ الكَلَامِ للهِ تَعَالَى هُوَ تَشْبِيهٌ لَهُ تَعَالَى بِخَلْقِهِ؛ لِأَنَّ الكَلَامَ يَحْتَاجُ لِآلَاتٍ وَاللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْهَا!\nوَالجَوَابُ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى أَثْبَتَ الكَلَامَ لِنَفْسِهِ، وَنَفَى عَنْ نَفْسِهِ المُمَاثَلَةَ سُبْحَانَهُ، فَقَالَ: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشُّورَى: ١١].\nوَمِنْ نَفْسِ البَابِ يُقَالُ: السَّمْعُ وَالبَصَرُ لِلمَخْلُوقِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِآلَةٍ؛ فَهَلْ نَنْفِي عَنِ اللهِ تَعَالَى صِفَاتِهِ لِمُجَرَّدِ اشْتِرَاكِ الوَصْفِ؟!\nوَأَمَّا دَعُوَى أَنَّ هَذَا يَلْزَمُهُ آلَالَاتٌ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَهَذِهِ مَقَالَاتُ الفَلَاسِفَةِ وَلَيسَتْ مِنْ مَقَالَاتِ أَهْلِ الإِسْلَامِ، وَلَمْ يَرِدْ عَنِ السَّلَفِ شَيءٌ مِنْ هَذَا القَبِيلِ.\nوَعَنْ نُوحٍ الجَامِع، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: مَا تَقُولُ فِيمَا أَحْدَثَ النَّاسُ مِنَ الكَلَامِ فِي الأَعْرَاضِ وَالأَجْسَامِ؟ فَقَالَ: \"مَقَالَاتُ الفَلَاسِفَةِ، عَلَيكَ بِالأَثَرِ وَطَرِيقَةِ السَّلَفِ، وَإِيَّاكَ وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ؛ فَإِنَّهَا بِدْعَةٌ\" (^١).\n_________\n(^١) اُنْظُرْ كِتَابَ الحُجَّةُ فِي بَيَانِ المَحَجَّةِ لِلأَصْبَهَانِيِّ (١/ ١٠٥).","vol":"1","page":302},{"text":"بَابُ الشَّفَاعَةِ\nوَقَولُ اللهِ ﷿: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأَنْعَام: ٥١].\nوَقَولُهُ: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزُّمَر: ٤٤].\nوَقَولُهُ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٥٥].\nوَقَولُهُ: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النَّجْم: ٢٦].\nوَقَولُهُ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سَبَأ: ٢٢ - ٢٣].\nقَالَ أَبُو العَبَّاسِ: \"نَفَى اللهُ عَمَّا سِوَاهُ كُلَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ المُشْرِكُونَ، فَنَفَى أَنْ يَكُونَ لِغَيرِهِ مِلْكٌ أَو قِسْطٌ مِنْهُ، أَو يَكُونَ عَونًا لِلَّهِ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الشَّفَاعَةُ، فَبَيَّنَ أَنَّهَا لَا تَنْفَعُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّبُّ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأَنْبِيَاء: ٢٨]، فَهَذِهِ الشَّفَاعَةُ الَّتِي يَظُنُّهَا المُشْرِكُونَ هِيَ مُنْتَفِيَةٌ يَومَ القِيَامَةِ، كَمَا نَفَاهَا القُرْآنُ، وَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ: أَنَّهُ يَأْتِي فَيَسْجُدُ لِرَبِّهِ وَيَحْمَدُهُ، لَا يَبْدَأُ بِالشَّفَاعَةِ أَوَّلًا! ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ،","vol":"1","page":303},{"text":"وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ (^١).\nوَقَالَ لَهُ أَبُو هُرَيرَةَ ﵁: مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ؟ قَالَ: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ» (^٢)، فَتِلْكَ الشَّفَاعَةُ لِأَهْلِ الإِخْلَاصِ بِإِذْنِ اللهِ، وَلَا تَكُونُ لِمَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ.\nوَحَقِيقَتُهُ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي يَتَفَضَّلُ عَلَى أَهْلِ الإِخْلَاصِ؛ فَيَغْفِرُ لَهُمْ بِوَاسِطَةِ دُعَاءِ مَنْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَشْفَعَ؛ لِيُكْرِمَهُ وَيَنَالَ المَقَامَ المَحْمُودَ.\nفَالشَّفَاعَةُ الَّتِي نَفَاهَا القُرْآنُ مَا كَانَ فِيهَا شِرْكٌ، وَلِهَذَا أَثْبَتَ الشَّفَاعَةَ بِإِذْنِهِ فِي مَوَاضِعَ، وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا لِأَهْلِ الإِخْلَاصِ وَالتَّوحِيدِ\". انْتَهَى كَلَامُهُ (^٣).\n_________\n(^١) جُزْءٌ مِنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤٤٧٦)، وَمُسْلِمٌ (١٩٣) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا.\n(^٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٩٩).\n(^٣) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (٧/ ٧٧)، وَفِيهِ اخْتِصَارٌ يَسِيرٌ.","vol":"1","page":304},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: تَفْسِيرُ الآيَاتِ.\nالثَّانِيَةُ: صِفَةُ الشَّفَاعَةِ المَنْفِيَّةِ.\nالثَّالِثَةُ: صِفَةُ الشَّفَاعَةِ المُثْبَتَةِ.\nالرَّابِعَةُ: ذِكْرُ الشَّفَاعَةِ الكُبْرَى وَهِيَ المَقَامُ المَحْمُودُ.\nالخَامِسَةُ: صِفَةُ مَا يَفْعَلُهُ ﷺ؛ أَنَّهُ لَا يَبْدَأُ بِالشَّفَاعَةِ، بَلْ يَسْجُدُ؛ فَإِذَا أُذِنَ لَهُ شَفَعَ.\nالسَّادِسَةُ: مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِهَا؟\nالسَّابِعَةُ: أَنَّهَا لَا تَكُونُ لِمَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ.\nالثَّامِنَةُ: بَيَانُ حَقِيقَتِهَا.","vol":"1","page":305},{"text":"<span data-type='title' id=toc-128>الشَّرْحُ</span>\n- الشَّفَاعَةُ لُغَةً مِنَ الشَّفْعِ وَهُوَ الزَّوجُ، أَي: خِلَافَ الوَتْرِ (^١)، وَاصْطِلَاحًا: التَّوَسُّطُ لِلغَيرِ بِجَلْبِ مَنْفَعَةٍ أَو دَفْعِ مَضَرَّةٍ.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ﴾ الإنْذارُ: هُوَ الإِعْلَامُ المُتَضَمِّنُ لِلتَّخْوِيفِ.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ﴾ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَقُدِّمَ الخَبَرُ لِلحَصْرِ، وَالمَعْنَى: للهِ وَحْدَهُ الشَّفَاعَةُ كُلُّهَا، وَلَا يُوجَدُ شِيءٌ مِنْهَا خَارِجٌ عَنْ إِذْنِ اللهِ تَعَالَى وَإِرَادَتِهِ، وَأَفَادَتِ الآيَةُ فِي قَولِهِ: ﴿جَمِيعًا﴾ أَنَّ هُنَاكَ أَنْوَاعًا لِلشَّفَاعَةِ (^٢).\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ كَمْ هُنَا لِلتَّكْثِيرِ وَلَيسَ مَعْنَاهَا الاسْتِفْهَامُ، وَذَلِكَ لِبَيَانِ أنَّهُ حَتَّى المَلَائِكَةَ المُقَرَّبُونَ حَمَلَةَ العَرْشِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُم شَيئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى.\n- سِيَاقُ الآيَةِ هُوَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سَبَأ: ٢٣ - ٢٤].\n- إِنَّ مَسْأَلةَ الشَّفَاعَةِ هِيَ الشُّبْهَةُ الَّتِي فُتنَ بِهَا المُشْرِكُونَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، حَيثُ\n_________\n(^١) قَالَ فِي لِسَانِ العَرَبِ (٨/ ١٨٤): \"وَالشَّفَاعَةُ: كَلَامُ الشَّفِيعِ لِلْمَلِكِ فِي حَاجَةٍ يَسْأَلُهَا لِغَيرِهِ، وَشَفَعَ إِلَيهِ: فِي مَعْنَى طَلَبَ إِلَيهِ، وَالشَّافِعُ: الطَّالِبُ لِغَيرِهِ يَتَشَفَّعُ بِهِ إِلَى المَطْلُوبِ\".\n(^٢) أَي: لِلشَّفَاعَةِ المُثْبَتَةِ.","vol":"1","page":306},{"text":"ظَنَّوا أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَهُ شُفَعَاءُ يُقرِّبُونَهُم إِلَيهِ إِذَا تَعَلَّقُوا بِهِم، فَأَحَبُّوهُم (^١)، وَنَذَرُوا لَهُم، وَدَعَوهُم، وَذَبَحُوا لَهُم، وَطَافُوا بِقُبُورِهِم، وَعَكَفُوا عِنْدَهَا، فَقَطَعَ اللهُ تَعَالَى حِبَالَهُم وَأَبْطَلَ أَمَانِيَّهُم، حَيثُ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الشَّفَاعَةَ لَهَا شُرُوطٌ؛ وَأَنَّ المُشْرِكِينَ مَحْرُومُونَ مِنْهَا، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المُدَّثِّر: ٤٨]، وَقَالَ تَعَالَى أَيضًا: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غَافِر: ١٨].\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي تَفْسِيرِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيهِ اللَّيلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأَنْعَام: ٧٦]: \"وَالحَقُّ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵊ كَانَ فِي هَذَا المَقَام مُنَاظِرًا لِقَومِهِ مُبَيِّنًا لَهُمْ بُطْلَانَ مَا كَانُوا عَلَيهِ مِنْ عِبَادَة الهَيَاكِلِ وَالأَصْنَامِ، فَبَيَّنَ فِي المَقَامِ الأَوَّلِ مَعَ أَبِيهِ خَطَأَهُمْ فِي عِبَادَةِ الأَصْنَامِ الأَرْضِيَّةِ الَّتِي هِيَ عَلَى صُوَرِ المَلَائِكَةِ السَّمَاوِيَّةِ لِيَشْفَعُوا لَهُمْ إِلَى الخَالِقِ العَظِيمِ -الَّذِينَ هُمْ عِنْد أَنْفُسِهِمْ أَحْقَرُ مِنْ أَنْ يَعْبُدُوهُ-! وَإِنَّمَا يَتَوَسَّلُونَ إِلَيهِ بِعِبَادَةِ مَلَائِكَتِهِ لِيَشْفَعُوا لَهُمْ عِنْدَه فِي الرِّزْقِ وَالنَّصْرِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيهِ\" (^٢).\n- أَنْوَاعُ الشَّفَاعَةِ (مِنْ حَيثُ الإِثْبَاتِ وَالنَّفِي):\n١ - شَفَاعَةٌ مَنْفِيَّةٌ: وَهِيَ عَينُ مَا ظَنَّهُ المُشْرِكُونَ، وَهِيَ شَفَاعَةُ آلِهَتِهِم عِنْدَ اللهِ ابْتِدَاءً، وَشَفَاعَتُهَا فِي مَنْ شَاءَتْ.\n٢ - شَفَاعَةٌ مُثْبَتَةٌ: وَهِيَ مَا قَيَّدَهَا اللهُ تَعَالَى بِشَرْطَينِ، وَهُمَا: الإِذْنُ لِلشَّافِعِ بِأنْ يَشْفَعَ، وَالرِّضَى عَنِ المَشْفُوعِ.\n_________\n(^١) مَحَبَّةَ العُبُودِيَّةِ.\n(^٢) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِير (٣/ ٢٩٢).","vol":"1","page":307},{"text":"وَفِي آيَةِ الكُرْسِيِّ وَمَا قَبْلَهَا بَيَانُ نَوعَيِّ الشَّفَاعَةِ -المَنْفِيَّةِ، وَالمُثْبَتَةِ-، فَالمَنْفِيَّةِ هِيَ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، وَالمُثْبَتَةِ هِيَ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٥٥].\n- شُرُوطُ الشَّفَاعَةِ:\n١ - إِذْنُ اللهِ تَعَالَى لِلشَّافِعِ بِأَنْ يَشْفَعَ.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٥٥].\nوكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا وَلَا يُنْقِذُونِ﴾ [يَس: ٢٣].\nوَفِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ قَالَ مُجَاهِدُ: \"لَا يَشْفعُ عِنْدَهُ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ\" (^١).\n٢ - رِضَاهُ عَنِ المَشْفُوعِ.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٢٦ - ٢٨]، وَاللهُ تَعَالَى لَا يَرْضَى مِنَ العَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ خَالِصًا لَهُ؛ مُوَافِقًا لِشَرْعِهِ.\nوَالنَّوعَانِ مَجْمُوعَانِ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النَّجْم: ٢٦].\n_________\n(^١) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (٢١/ ٣٠٠).","vol":"1","page":308},{"text":"- فِي عِبَارَةِ شَيخِ الإِسْلَامِ ﵀ بَيَانُ شَرْطَيِّ الشَّفَاعَةِ، فَالأَوَّلُ: أَنَّ المَلَائِكَةَ لَا تشفعُ إلّا لِمَنْ ﵁. وَالثَّانِي: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ -وَهُوَ صَاحِبُ المَقَامِ المَحْمُودِ الَّذِي ثَبَتَتِ الشَّفَاعَةُ فِي حَقِّهِ- هُوَ نَفْسُهُ لَا يَشْفَعُ حَتَّى يُؤْذَنَ لَهُ؛ فَيُقَالُ: «يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ».\nفَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يُدْخِلُ مَنْ شَاءَ إِلَى الجَنَّةِ! بَلِ اللهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَحُدُّهُمُ لَهُ، كَمَا فِي المُتَّفَقِ عَلَيهِ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ الطَّوِيلِ؛ وَفِيهِ: «فَأَنْطَلِقُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ عَلَى رَبِّي؛ فَيُؤْذَنَ لِي، فَإِذَا رَأَيتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَحْمَدُهُ بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا؛ فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ» (^١).\n- إِنَّ طَلَبَ الشَّفَاعَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ شِرْكٌ أَكْبَرُ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ لِغَيرِ اللهِ تَعَالَى، وَأَمَّا طَلَبُ الشَّفَاعَةِ مِنَ الحَيِّ فَهُوَ جَائِزٌ، لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ سُؤَالِ الحَيِّ الحَاضِرِ القَادِرِ (^٢)، كَسُؤَالِ النَّاسِ لِلأَنْبِيَاءِ يَومَ القِيَامَةِ فِي مَوقِفِ الشَّفَاعَةِ الكُبْرَى، فَهُمْ أَحْيَاءٌ قَادِرُونَ عَلَى\n_________\n(^١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤٤٧٦)، وَمُسْلِمٌ (١٩٣).\n(^٢) وَقَدْ تقرَّرَ فِي الشَّرِيعَةِ أَنَّ الكُفَّارَ كَانُوا يَدْعُونَ آلهَتَهُم مِنْ بَابِ الشَّفَاعَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يُونُس: ١٨].\nوَأَمَّا سُؤَالُ الحَيِّ الحَاضِرِ القَادِرِ أَنَّ يَشْفَعَ لَهُ (يَطْلُبَ لَهُ) فَهُوَ ثَابِتٌ شَرْعًا فِي أَحَادِيثَ كَثِيرْةٍ، مِثْلَ حَدِيثِ الضَّرِيرِ فِي طَلَبِ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ لُهُ، وَفِيهِ: «اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ» صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١٧٢٤٠). صَحِيحُ الجَامِعِ (١٢٧٩). وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللهُ فِي الحَدِيثِ عَنِ التَّوَسُّلِ.\nوَكَمَا فِي حَدِيثِ حُصَينِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: (فَقَامَ عُكَاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ادْعُ اللهَ لِي). رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦٥٤١)، وَمُسْلِمٌ (٢٢٠). فَالأَوَّلُ بِصَرِيحِ لَفْظِ الشَّفَاعَةِ، وَالثَّانِي بِمَعْنَاهُ.","vol":"1","page":309},{"text":"الإِجَابَةِ، أَمَّا الآنَ فِي الدُّنْيَا فَهُمُ أَمْوَاتٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزُّمَر: ٣٠].\nقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي سِيَاقِ الكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ الكُبْرَى: \"وَلَيسَ فِيهِ جَوَازُ الاسْتِغَاثَةِ بِالأَمْوَاتِ -كَمَا يَتَوَهَّمُ كَثِيرٌ مِنَ المٌبْتَدِعَةِ الأَمْوَاتِ! - بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الاسْتِغَاثَةِ بِالحَيِّ فِيمَا يَقْدِرُ عَلَيهِ\" (^١).\nوَفِي مَجْمُوعِ الفَتَاوَى ذَكَرَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ أَنْوَاعَ التَّوَسُّلِ، وَذَكَرَ فِي النَّوعِ الثَّانِي مَا نَصُّهُ: \"التَّوَسُّلُ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ، وَهَذَا كَانَ فِي حَيَاتِهِ، وَيَكُونُ يَومَ القِيَامَةِ؛ يَتَوَسَّلُونَ بِشَفَاعَتِهِ\" (^٢).\n- المُشْرِكونَ جَعَلُوا وَسِيلَةَ شَفَاعَتِهِم عِنْدَ اللهِ تَعَالَى عَينَ مَا يَحْرِمُهُم مِنْهَا، لِذَلِكَ كَانُوا مِمَّنْ قَالَ تَعَالَى فِيهِم: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكَهْف: ١٠٤]، فَشِرْكُهُم فِي الدُّعَاءِ وَالذَّبْحِ وَالتَّعَلُّقِ هُوَ سَبَبُ حِرْمَانِهِم مِنَ الشَّفَاعَةِ.\nوَكَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَومَ القِيَامَةِ؟ فَقَالَ: «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ. أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَومَ القِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ -خَالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ-» (^٣).\n_________\n(^١) الصَّحِيحَةُ (٥/ ٤٥٩).\n(^٢) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (١/ ٢٠٢).\n(^٣) البُخَارِيُّ (٩٩).","vol":"1","page":310},{"text":"- السِّرُّ فِي أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَشْفَعُ عِنْدَهُ أَحَدٌ إِلَّا بإذْنِهِ هُوَ: كَمَالُ مُلْكِهِ، وَكَمَالُ عِلْمِهِ (^١).\n١ - فَمَنْ كَانَ مُلْكُهُ نَاقِصًا لَزِمَتْهُ الاسْتِعَانَةُ بِغَيرِهِ كَي يَقْضِيَ حَوَائِجَهُ، لِذَا فَهُوَ لَا يَرْفُضُ طَلَبَهُ بِسَبَبِ حَاجَتِهِ إِلَيهِ، فَهُوَ يَشْفَعُ عِنْدَهُ ابْتِدَاءً لِمَا لَهُ مِنْ مِنَّةٍ عَلَيهِ.\nلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى لِكَمَالِ مُلْكِهِ هُوَ غَنِيٌّ عَنْهُم؛ فَلَا يَحْتَاجُ أَحَدًا مِنْهُم سُبْحَانَهُ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزُّمَر: ٤٣ - ٤٤] (^٢).\n٢ - وَمَنْ كَانَ عِلْمُهُ قَاصِرًا أَيضًا لَزِمَهُ مَنْ يُطْلِعُهُ عَلَى مَا فَاتَ عَنْهُ، كَحَالِ الوُزَرَاءِ وَالحُجَّابِ مَعَ المُلُوكِ، لِذَا فَهُوَ لَا يَرُدُّ طَلَبَهُ لِحَاجَتِهِ إِلَيهِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى عَنِ\n_________\n(^١) إِعَانَةُ المُسْتَفِيدِ (١/ ٣٢٧) لِلشَّيخِ الفَوزَانِ حَفِظَهُ اللهُ تَعَالَى، بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ.\n(^٢) قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الرَّازِيُّ ﵀: \"وَاعْلَمْ أَنَّ الْكُفَّارَ أَورَدُوا عَلَى هَذَا الْكَلَامِ سُؤَالًا؛ فَقَالُوا: نَحْنُ لَا نَعْبُدُ هَذِهِ الْأَصْنَامَ لِاعْتِقَادِ أَنَّهَا آلِهَةٌ تَضُرُّ وَتَنْفَعُ! وَإِنَّمَا نَعْبُدُهَا لِأَجْلِ أَنَّهَا تَمَاثِيلُ لِأَشْخَاصٍ كَانُوا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ؛ فَنَحْنُ نَعْبُدُهَا لِأَجْلِ أَنْ يَصِيرَ أُولَئِكَ الْأَكَابِرُ شُفَعَاءَ لَنَا عِنْدَ اللَّهِ. فَأَجَابَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ قَالَ: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر: ٤٣] وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ: أَنَّ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارَ؛ إِمَّا أَنْ يَطْمَعُوا بِتِلْكَ الشَّفَاعَةِ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَامِ أَو مِنْ أُولَئِكَ الْعُلَمَاءِ وَالزُّهَّادِ الَّذِينَ جُعِلَتْ هَذِهِ الْأَصْنَامُ تَمَاثِيلَ لَهَا، وَالْأَوَّلُ: بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْجَمَادَاتِ -وَهِيَ الْأَصْنَامُ- لَا تَمْلِكُ شَيئًا وَلَا تَعْقِلُ شَيئًا، فَكَيفَ يُعْقَلُ صُدُورُ الشَّفَاعَةِ عَنْهَا؟! وَالثَّانِي: بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ فِي يَومِ الْقِيَامَةِ لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ شَيئًا، وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى الشَّفَاعَةِ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، فَيَكُونُ الشَّفِيعُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهَ الَّذِي يَأْذَنُ فِي تِلْكَ الشَّفَاعَةِ، فَكَانَ الِاشْتِغَالُ بِعِبَادَتِهِ أَولَى مِنَ الِاشْتِغَالِ بِعِبَادَةِ غَيرِهِ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤] \". تَفْسِيرُ الرَّازِي (٢٦/ ٤٥٦).","vol":"1","page":311},{"text":"المَلَائِكَةِ: ﴿يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٢٨].\nوَتَأَمَّلْ أَحْوَالَ الشَّافِعِينَ مَعَ المَشْفُوعِ عِنْدَهُم تَجِدُهَا مِنْ هَذَا القَبِيلِ.\nوَبِمَعْرِفَةِ مَا سَبَقَ يُفْتَحُ لَكَ بَابٌ فِي مَعْرِفَةِ سَبَبِ كَونِ آيَةِ الكُرسيِّ أَعْظَمَ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى (^١)، حَيثُ ذُكِرَ فِيهَا كَمَالُ مُلْكِ وَعِلْمِ اللهِ تَعَالَى مَعًا، وَذُكِرَ فِيهَا أَنَّهُ لَا يَشْفَعُ عِنْدَهُ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البَقَرَة: ٢٥٥].\nقُلْتُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُضَافَ أَيضًا سَبَبٌ آخَرُ ثَالِثٌ، وَهُوَ كَمَالُ رَحْمَتِهِ سُبْحَانَهُ؛ فَهُوَ لَا يَحْتَاجُ لِمَنْ يَشْفَعُ عِنْدَهُ كَي يُوَدِّدَ إِلَيهِ فُلَانًا مِنَ النَّاسِ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ -وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِ-، فَاللهُ تَعَالَى هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى -كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ شَيخِ الإِسْلَامِ- هُوَ الَّذِي يَجْعَلُ شَفَاعَةَ الشَّافِعِ سَبَبًا لِحُصُولِ رَحْمَتِهِ تَعَالَى بِالمَشْفُوعِ فِيهِ.\n- فَائِدَةٌ: \"وَالمُشْرِكُ يَقْصِدُ فِيمَا يُشْرِكُ بِهِ أَنْ يَشْفَعَ لَهُ، أَو يَتَقَرَّبَ بِعِبَادَتِهِ إِلَى اللهِ، أَو يَكُونَ قَدْ أَحَبَّهُ كَمَا يُحِبُّ اللهَ.\nوَالمُشْرِكُونَ بِالقُبُورِ تُوجَدُ فِيهِمُ الأَنْوَاعُ الثَّلَاثَةُ.\n_________\n(^١) عَنْ أُبَيّ بْنِ كَعْبٍ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا أَبَا المُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟». قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «يَا أَبَا المُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟». قَالَ: قُلْتُ: اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحيُّ القَيُّومُ. قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: «وَاللَّهِ؛ لِيَهْنِكَ العِلْمُ أَبَا المُنْذِرِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٨١٠).","vol":"1","page":312},{"text":"قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] الآية.\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣].\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] \" (^١).\n_________\n(^١) الإِخْنَائِيَّة لِابْنِ تَيمِيَّة (ص ١٦٦).","vol":"1","page":313},{"text":"<span data-type='title' id=toc-129>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-130> المَسْأَلَةُ الأُولَى: قَدْ شَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ فِي عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ مُشْرِكٌ، فَمَا الجَوَابُ؟</span>\nالجَوَابُ هُوَ مِنْ وَجْهَينِ:\n١ - إِنَّ هَذِهِ الشَّفَاعَةَ خَاصَّةٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ مِنْ جِهَةٍ، وَبِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى (^١).\nفَحَتَّى إِبْرَاهِيمَ ﵇ لَمْ تَنْفَعْ شَفَاعَتُهُ لِأَبِيهِ، كَمَا فِي البُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا: «يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَومَ القِيَامَةِ -وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ-، فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ لَا تَعْصِنِي؟! فَيَقُولُ أَبُوهُ: فَاليَومَ لَا أَعْصِيكَ. فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِيَنِيَ يَومَ يُبْعَثُونَ، فَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الأَبْعَدِ؟! فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: إِنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلَى الكَافِرِينَ. ثُمَّ يُقَالُ: يَا إِبْرَاهِيمُ؛ مَا تَحْتَ رِجْلَيكَ؟ فَيَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُلْتَطِخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ» (^٢).\n_________\n(^١) قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ: (٢/ ٣٠٥): \"وَقَدْ يَكُونُ هَذَا خَاصًّا بِأَبِي طَالِبٍ مِنْ دُونِ الْكَفَّارِ، بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيالسِيّ فِي سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ الْمُؤْمِنَ حَسَنَةً، يُثَابُ عَلَيهَا الرِّزْقَ فِي الدُّنْيَا ويُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِهَا فِي الدُّنْيَا، فَإِذَا كَانَ يَومُ الْقِيَامَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ».\nقُلْتُ: وَالحَدِيثُ هَذَا رَوَاهُ الطَّيَالِسِيُّ (٢١٢٣)، وَهُوَ بِنَحْوِهِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٢٨٠٨).\n(^٢) البُخَارِيُّ (٣٣٥٠).\nوَالذّيخُ: ذَكَرُ الضَّبْعِ الكَثِيرُ الشَّعْرِ؛ حَيثُ أُرِيَ إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ عَلَى غَيرِ هَيئَتِهِ وَمَنْظَرِهِ لِيَسْرُعْ إِلَى التَّبَرُّءِ مِنْهُ.\nوَقَولُهُ: (مُلْتَطِخٌ) أَي: مُتَلَوّثٌ بِالدَّمِ وَنَحْوِهِ.","vol":"1","page":314},{"text":"٢ - إِنَّ هَذِهِ الشَّفَاعَةَ لَيسَتْ هِيَ المَقْصُودَةُ فِي عَامَّةِ النُّصُوصِ فِي كَونِ المَشْفُوعِ فِيهِ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ وَيَدْخُلُ الجَنَّةَ -كَمَا سَبَقَ فِي طَلَبِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ الشَّفَاعَةَ لِأَبِيهِ-، بَلْ هِيَ فِي تَخْفِيفِ العَذَابِ عَنْهُ فَقَط، كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنِ العَبَّاسِ ﵁؛ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَا أَغْنَيتَ عَنْ عَمِّكَ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ؟ قَالَ: «هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَلَولَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ» (^١).\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٣٨٨٣).","vol":"1","page":315},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-131> المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: هَلِ الاسْتِشْفَاعُ إِلَى اللهِ بِالمَخْلُوقِ هُوَ نَفْسُهُ التَّوَسُّلُ بِالمَخْلُوقِ عِنْدَ اللهِ؟</span>\nالجَوَابُ:\nلَا، فَالأوَّلُ هُوَ سُؤَالٌ لِغَيرِ اللهِ تَعَالَى وَهُوَ شِرْكٌ أَكْبَرُ؛ وَعَلَيهِ نُصُوصُ البَابِ.\nأَمَّا الثَّانِي؛ فَهُوَ سُؤَالٌ للهِ تَعَالَى بِطَرِيقَةٍ بِدْعِيَّةٍ، وَهُوَ مِنَ الاعْتِدَاءِ فِي الدُّعَاءِ، وَهُوَ مِنِ الوَسَائِلِ وَالذَرَائِعِ الَّتِي تُفْضِي إِلَى الشِّرْكِ، وَالدُّعَاءُ بِهَيئَةٍ لَمْ تَرِدْ فِي الشَّرِيعَةِ يَكُونُ اعْتِدَاءً، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأَعْرَاف: ٥٥] (^١).\nوَفِي الحَدِيثِ عَنِ ابْنٍ لِسَعْدٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعَنِي أَبِي وَأَنَا أَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الجَنَّةَ وَنَعِيمَهَا وَبَهْجَتَهَا وَكَذَا وكَذَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَسَلَاسِلِهَا وَأَغْلَالِهَا وَكَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: يَا بُنيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «سَيَكُونُ قَومٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ»، فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ. إِنْ أُعْطِيتَ الجَنَّةَ؛ أُعْطِيتَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الخَيرِ، وَإِنْ أُعِذْتَ مِنَ النَّارِ؛ أُعِذْتَ مِنْهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الشَّرِّ (^٢).\n_________\n(^١) قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ التَّوَسُّلُ (ص ١٣٣): \"إِنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي يَحْمِلُ بَعْضَ العُلَمَاءِ وَالمُحَقِّقِينَ عَلَى المُبَالَغَةِ فِي إِنْكَارِ التَّوَسُّل بِذَوَاتِ الأَنْبِيَاءِ وَاعْتِبَارِهِ شِرْكًا، وَإِنْ كَانَ هُوَ نَفْسُهُ لَيسَ شِرْكًا عِنْدَنَا؛ بَلْ يُخْشَى أَنْ يُؤَديَ إِلَى الشِّرْكِ\".\nقَالَ الشَّيخُ عَبْدُ اللهِ الغُنَيمَانُ حَفِظَهُ اللهُ فِي شَرْحِ بَابِ (مَا جَاءَ فِي المُصَوِّرِين) مِنْ شَرْحِهِ عَلَى كِتَابِ فَتْحُ المَجِيدِ شَرِيطُ رَقَم (١٢٨): \"أَمَّا دَعْوَةُ اللهِ بِهِمْ كَأَنْ يَقُولَ: يَا رَبِّ! أَسْأَلُكَ بِوَلِيِّكَ الفُلَانِيِّ، أَو أَسْأَلُكَ بِنَبِيِّكَ، أَو أَسْأَلُكَ بِجِبْرِيلَ، أَو أَسْأَلُكَ بِفُلَانٍ وَفُلَانٍ؛ فَهَذَا -وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شِرْكًا- إِلَّا أَنَّهُ مِنَ البِدَعِ الَّتِي تَكُونُ طَرِيقًا إِلَى الشِّرْكِ\". وَيُنْظَرُ أَيضًا مَجْمُوعِ فَتَاوَى الشَّيخِ ابْنِ بَازٍ ﵀ (٧/ ١٢٩).\n(^٢) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (١٤٨٠). صَحِيحُ الجَامِعِ (٢٣٩٧).","vol":"1","page":316},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-132> المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إِذَا كَانَتِ الشَّفَاعَةُ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِإِذْنِهِ سُبْحَانَهُ، فكَيفَ صَحَّ تَشَفُّعُ الإِنْسَانِ لِأَخِيهِ إِلَى رَبَّهِ -فِي صَلَاةِ الجَنَازَةِ وَغَيرِهَا</span>- وَهُوَ لَمْ يَسْتَأْذِنْ مِنْ رَبِّهِ فِي ذَلِكَ؟\nالجَوَابُ:\nإِنَّ اللهَ تَعَالَى أذْنَ لِلمُسْلِمِ بِأَنْ يَدْعُوَ لِأَخِيهِ الحَيِّ وَالمَيِّتِ فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّصُوصِ، وَمِنْهَا الأَحَادِيثُ الَّتِي فِيهَا الحَضُّ عَلَى صَلَاةِ الجَنَازَةِ، وَغَيرُهَا كَثِيرٌ.\nوَلَكِنْ يُقَالُ أَيضًا: إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَأْذَنْ فِي الشَّفَاعَةِ مِنَ المُسْلِمِ لِلمُشْرِكِ بَعْدَ مَوتِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التَّوبَة: ١١٣].","vol":"1","page":317},{"text":"بَابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القَصَص: ٥٦]\nوَفِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ؛ جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ -وَعِنْدَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمِّيَّةَ وَأَبُو جَهْلٍ-، فَقَالَ لَهُ: «يَا عَمِّ؛ قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ»، فَقَالَا لَهُ: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟ فَأَعَادَ عَلَيهِ النَّبِيُّ ﷺ، فَأَعَادَا، فَكَانَ آخَرَ مَا قَالَ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؛ وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ». فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التَّوبَة: ١١٣]، وَأَنْزَلَ اللهُ فِي أَبِي طَالِبٍ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القَصَص: ٥٦] (^١).\n_________\n(^١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤٧٧٢)، وَمُسْلِمٌ (٢٤).","vol":"1","page":318},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: تَفْسِيرُ قَولِهِ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ الآيَةَ.\nالثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ قَولِهِ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآيَةَ.\nالثَّالِثَةُ: وَهِيَ المَسْأَلَةُ الكَبِيرَةُ؛ تَفْسِيرُ قَولِهِ: «قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» بِخِلَافِ مَا عَلَيهِ مَنْ يَدَّعِي العِلْمَ.\nالرَّابِعَةُ: أَنَّ أَبَا جَهْلٍ وَمَنْ مَعَهُ يَعْرِفُونَ مُرَادَ النَّبِيِّ ﷺ إِذَ قَالَ لِلرَّجُلِ قُلْ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»، فَقَبَّحَ اللهُ مَنْ أَبُو جَهْلٍ أَعْلَمُ مِنْهُ بِأَصْلِ الإِسْلَامِ.\nالخَامِسَةُ: جِدُّهُ ﷺ وَمُبَالَغَتُهُ فِي إِسْلَامِ عَمِّهِ.\nالسَّادِسَةُ: الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ إِسْلَامَ عَبْدِ المُطَّلِبِ وَأَسْلَافِهِ.\nالسَّابِعَةُ: كَونُهُ ﷺ اسْتَغْفَرَ لَهُ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ؛ بَلْ نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ.\nالثَّامِنَةُ: مَضَرَّةُ أَصْحَابِ السُّوءِ عَلَى الإِنْسَانِ.\nالتَّاسِعَةُ: مَضَرَّةُ تَعْظِيمِ الأَسْلَافِ وَالأَكَابِرِ.\nالعَاشِرَةُ: الشُّبْهَةُ لِلْمُبْطِلِينَ فِي ذَلِكَ؛ لِاسْتِدْلَالِ أَبِي جَهْلٍ بِذَلِكَ.\nالحَادِيَةَ عَشْرَةَ: الشَّاهِدُ لِكَونِ الأَعْمَالِ بِالخَوَاتِيمِ؛ لِأَنَّهُ لَو قَالَهَا لَنَفَعَتْهُ.\nالثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: التَّأَمُّلُ فِي كِبَرِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ فِي قُلُوبِ الضَّالِّينَ؛ لِأَنَّ فِي القِصَّةِ أَنَّهُمْ لَمْ يُجَادِلُوهُ إِلَّا بِهَا -مَعَ مُبَالَغَتِهِ ﷺ وَتَكْرِيرِهِ-، فَلِأَجْلِ عَظَمَتِهَا وَوُضُوحِهَا عِنْدَهُمْ اقْتَصَرُوا عَلَيهَا.","vol":"1","page":319},{"text":"<span data-type='title' id=toc-135>الشَّرْحُ</span>\n- مُنَاسَبَةُ البَابِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ تَظْهَرُ مِنْ وَجْهَين:\n١ - أَنَّ الهِدَايَةَ -وَهِيَ أشْرَفُ المَطَالِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ- قَدْ دَلَّ الشَّرْعُ عَلَى أَنَّ أَشْرَفَ الرُّسُلِ لَا يَمْلِكُهَا، وَأَنَّهَا إِلَى اللهِ وَحْدَهُ (^١)؛ فَبَطَلَ بِذَلِكَ التَّعَلُّقُ بِالأَنْبِيَاءِ دُونَ اللهِ ﷿، كَمَا أنَّ مَسْأَلَةَ الشَّفَاعَةِ هِيَ سَبَبُ تَعَلُّقِ المُشْرِكِينَ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى لِتَحْصِيلِ خَيرَي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.\n٢ - أَنَّ هَذَا البَابَ هُوَ كَالمِثَالِ لِلبَابِ المَاضِي فِي أَنَّ الشَّفَاعَةَ لَا تَنَالُ المُشْرِكَ.\n- قَولُهُ: «مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ» فِيهِ تَلْمِيحٌ إِلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فِي نَفْسِهِ شَيءٌ مِنَ القَلَقِ حِيَالَ الاسْتِغْفَارِ لِعَمِّهِ المُشْرِكِ.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ مَا هُنَا نَافِيَةٌ، وَمَعْنَاهَا النَّهْيُ؛ وَالمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ غَايَةَ الامْتِنَاعِ.\n- المُسَيِّبُ (^٢) وَابْنُ أَبِي أُمَيَّة أَسْلَمَا، وَأَبُو جَهْلٍ قُتِلَ يَومَ بَدْرٍ.\n_________\n(^١) وَتَأَمَّلْ قَولَ الخَلِيلِ ﵇ عَنْ رَبِّهِ: ﴿قَالَ أَفَرَأَيتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشُّعَرَاء: ٧٥ - ٧٨]، فَجَعَلَ الهِدَايَةَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الخَلْقِ الَّتِي يَتَفرَّدَ بِهَا الرَّبُّ الخَالِقُ.\nوَتَأَمَّلْ أَيضًا قَولَهَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يُوسُف: ١٠٣].\nوَتَأَمَّلْ أَيضًا قَولَهَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ [الجِنّ: ٢١].\nوَتَأَمَّلْ أَيضًا قَولَهَ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يُونُس: ١٠٠].\n(^٢) (المُسَيَّب): بِالفَتْحِ وَالكَسْرِ.\nوَسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّب بْنِ حَزْنٍ: تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ تُوُفِّيَ بَعْدَ التَّسْعِين، وَأَبُوه وَجَدُّهُ صَحَابِيَّانِ.","vol":"1","page":320},{"text":"- فِي الحَدِيثِ دِلَالَةٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ عِيَادَةِ المَرِيضِ المُشْرِكِ مِنْ أَجْلِ دَعْوَتِهِ إِلَى الإِسْلَامِ.\n- فِي لَفْظٍ لِلْحَدِيثِ عِنْدَ مُسْلِمٍ بَيَانُ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ لَمْ يَكُنْ مُكَذِّبًا لِلنَّبِيِّ ﷺ (^١)، وَلَكِنْ مَنَعَهُ عَنِ الإِيمَانِ تَعَصُّبُه لِمِلَّةِ الآبَاءِ، وَخْوفُهُ مِنْ مَسَبَّةِ النَّاسِ لَهُ وَتَعْيِيرُهُ.\nوَاللَّفُظُ هُوَ: «قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَومَ القِيَامَةِ»، قَالَ أَبُو طَالِبٍ: لَولَا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيشٌ؛ يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الجَزَعُ! لأَقْرَرْتُ بِهَا عَينَكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (^٢).\nوَفِي سِيرَةِ ابْنِ إِسْحَاق أنَّ أَبَا طَالِبٍ كَانَ يُنْشِدُ:\nوَاللهِ لَنْ يَصِلُوا إلَيك بِجَمْعِهِمْ … حَتَّى أُوَسَّدَ فِي التُّرَابِ دَفِينًا\nفَاصْدَعْ بِأَمْرِك مَا عَلَيكَ غَضَاضَةٌ … وَأَبْشِرْ وَقَرّ بِذَاكَ مِنْك عُيُونًا\nوَدَعَوتنِي؛ وَعَرَفْتُ أَنّك نَاصِحِي … وَلَقَدْ صَدَقْتَ؛ وَكُنْتَ ثَمَّ أَمِينًا\nوَعَرَضْتَ دِينًا قَدْ عَرَفْتُ بِأَنَّهُ … مِنْ خَيرِ أَدْيَانِ البَرِيَّةِ دِينًا\nلَولَا المَلَامَةُ أَو حذَارُ مَسَبَّةٍ … لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا بِذَاكَ مُبَيِّنًا (^٣).\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ هَذِهِ المَحَبَّةُ لَهَا مَحْمَلَانِ:\n١ - إِنَّكَ يَا مُحَمَّدُ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ هِدَايَتَهُ ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أَنْ يَهْدِيَهُ مِنْ خَلْقِهِ؛ بِتَوفِيقِهِ لِلإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ.\n_________\n(^١) كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأَنْعَام: ٣٣].\n(^٢) مُسْلِمٌ (٢٥).\n(^٣) سِيرَةُ ابْنِ إِسْحَاق (ص ١٥٥).","vol":"1","page":321},{"text":"٢ - إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أحبَبْتَهُ -أَي: الشَّخْصَ- لِقَرَابَتِهِ مِنْكَ، وَهِيَ مَحَبَّةٌ طَبِيعِيَّةٌ، وَلَيسَتْ دِينِيَّةً (^١).\n- فِي الحَدِيثِ بَيَانُ عَدَمِ جَوَازِ الاسْتِغْفَارِ لِمَنْ مَاتَ مُشْرِكًا.\nوَفِي (أَحْكَامِ الجَنَائِزِ) لِلْأَلْبَانِيِّ: \"وَتَحْرُمُ الصَّلَاةُ وَالاسْتِغْفَارُ وَالتَّرَحُّمُ عَلَى الكُفَّارِ وَالمُنَافِقِينَ لِقَولِ اللهِ ﵎: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التَّوبَة: ٨٤]، … قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي المَجْمُوعِ: الصَّلَاةُ عَلَى الكَافِرِ وَالدُّعَاءُ لَهُ بِالمَغْفِرَةِ حَرَامٌ بِنَصِّ القُرْآنِ وَالإِجْمَاعِ\" (^٢).\nوَبِنَحْوِهِ مَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ عَنْ عِصْمَةَ بْنِ زَامِلٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"سَمِعْتُ أَبَا هُرَيرَةَ يَقُولُ: رَحِمَ اللهُ رَجُلًا اسْتَغْفَرَ لِأَبِي هُرَيرَةَ وَلِأُمِّهِ، قُلْتُ: وَلِأَبِيهِ؟ قَالَ: لَا؛ إِنَّ أَبِي مَاتَ وَهُوَ مُشْرِكٌ\" (^٣).\n- فِي الحَدِيثِ بَيَانُ أَنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ مَاتَ عَلَى الكُفْرِ، وَأَنَّ مَا يُنْقَلُ عَنْهُ فِي السِّيرَةِ مِنْ قَولِهِ لِأَبْرَهَةَ -حِينَ جَاءَ لِهَدْمِ الكَعْبَةِ-: \"أَنَا رَبُّ الإِبِلِ؛ وَلِلبَيتِ رَبٌّ سَيَحْمِيهِ\" (^٤) لَا يَدُلُّ عَلَى إِسْلَامِهِ! فَإِنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى إِقْرَارِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ فَقَط، وَيَدُلُّ عَلَى عَدَمِ تَوحِيدِ العِبَادَةِ (الأُلُوهِيَّةِ) قَولُ ابْنِهِ عَنْهُ: \"هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ\" أَي: غَيرِ مِلَّةِ -لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ- فَتَنَبَّهْ.\n_________\n(^١) يُنْظَرُ: تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (١٩/ ٥٩٨).\n(^٢) أَحْكَامُ الجَنَائِزِ (ص ٩٣).\n(^٣) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (١٤/ ٥١٧).\n(^٤) السِّيرَةُ لِابْنِ كَثِيرٍ (١/ ٣٤).","vol":"1","page":322},{"text":"- قَولُهُ: (هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ): الظَّاهِرُ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ قَالَ: (أَنَا) فَغيَّرَهُ الرَّاوِيُ اسْتِقْبَاحًا لِلَّفَظِ المَذْكُورِ، وَهُوَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الحَسَنَةِ. أَفَادَهُ الحَافِظُ ﵀ فِي الفَتْحِ (^١).\n- فَائِدَة ١: قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (^٢): \"وَأَغْرَبُ مِنْهُ وَأَشَدُّ نَكَارَةً مَا رَوَاهُ الخَطِيبُ البَغْدَادِيُّ فِي كِتَابِ (السَّابِقُ وَاللَّاحِقُ) بِسَنَدٍ مَجْهُولٍ؛ عَنْ عَائِشَةَ فِي حَدِيثٍ فِيهِ قِصَّةُ أَنَّ اللهَ أَحْيَا أُمَّهُ فَآمَنَتْ ثُمَّ عَادَتْ. وَكَذَلِكَ (^٣) مَا رَوَاهُ السُّهَيلِيُّ فِي (الرَّوضِ) بِسَنَدٍ فِيهِ جَمَاعَةٌ مَجْهُولُونَ: أَنَّ اللهَ أَحْيَا لَهُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ فَآمَنَا بِهِ (^٤).\nوَقَدْ قَالَ الحَافِظُ ابْنُ دِحْيَةَ (^٥): [هَذَا الحَدِيثُ مَوضُوعٌ يَرُدُّهُ القُرْآنُ وَالإِجْمَاعُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النِّسَاءِ: ١٨]. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ\n_________\n(^١) فَتْحُ البَارِي (٨/ ٥٠٧).\n(^٢) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٤/ ٢٢٣).\n(^٣) أَي: وَكَذَلِكَ فِي الغَرَابَةِ وَالنَّكَارَةِ.\n(^٤) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ -فِي مَوضِعٍ آخَرَ- (١/ ٤٠١): \"قَالَ القُرْطُبِيُّ: وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّذْكِرَةِ أَنَّ اللهَ أَحْيَا لَهُ أَبَوَيهِ حَتَّى آمَنَا بِهِ، وَأَجَبْنَا عَنْ قَولِهِ: «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ». قُلْتُ -ابْنُ كَثِيرٍ-: وَالحَدِيثُ المَرْوِيُّ فِي حَيَاةِ أَبَوَيهِ ﵇ لَيسَ فِي شَيءٍ مِنَ الكُتُبِ السِّتَّةِ وَلَا غَيرِهَا؛ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ\".\nقُلْتُ: وَحَدِيثُ «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ (٢٠٣).\n(^٥) قَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي السِّيَرِ (٢٢/ ٣٨٩): \"هُو أَبُو الخَطَّابِ عُمَرُ بْنُ حَسَنٍ الكَلْبِيُّ؛ الشَّيخُ العَلاَّمَةُ المُحَدِّثُ …، قَالَ ابْنُ النَّجَّارِ: وَكَانَ حَافِظًا مَاهِرًا، تَامَّ المَعْرِفَةِ بِالنَّحْوِ وَاللُّغَة، ظَاهِرِيَّ المَذْهَبِ، كَثِيرَ الوَقِيعَةِ فِي السَّلَفِ، أَحْمَقَ، شَدِيدَ الكِبْر، خَبِيثَ اللِّسَانِ، مُتَهَاوِنًا فِي دِينِهِ، وَكَانَ يَخْضِبُ بِالسَّوَادِ، (ت ٦٣٣ هـ) \".","vol":"1","page":323},{"text":"القُرْطُبِيُّ: \"إِنَّ مُقْتَضَى هَذَا الحَدِيثِ .... وردَّ عَلَى ابْنِ دِحْيَةَ] (^١) فِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ هَذِهِ حَيَاةٌ جَدِيدَةٌ؛ كَمَا رَجَعَتِ الشَّمْسُ بَعْدَ غَيبُوبَتِهَا فَصَلَّى عَلِيٌّ العَصْرَ. قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَهُوَ حَدِيثٌ ثَابِتٌ -يَعْنِي: حَدِيثَ الشَّمْسِ- (^٢).\nقَالَ القُرْطُبِيُّ: فَلَيسَ إِحْيَاؤُهُمَا يَمْتَنِعُ عَقْلًا وَلَا شَرْعًا، قَالَ: وَقَدْ سَمِعْتُ أَنَّ اللهَ أَحْيَا عَمَّهُ أَبَا طَالِبٍ؛ فَآمَنْ بِهِ. قُلْتُ: وَهَذَا كُلّه مُتَوَقِّف عَلَى صِحَّةِ الحَدِيثِ، فَإِذَا صَحَّ فَلَا مَانِعَ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ\".\nقُلْتُ: وَقَدْ عَلِمْتَ فِيمَا سَبَقَ مِنْ كَلَامِ الحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ ﵀ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ.\nوَنَزِيدُ عَلَى مَا سَبَقَ:\nأ- أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ؛ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ عَمَّكَ الشَّيخَ الضَّالَّ قَدْ مَاتَ. قَالَ: «اذْهَبْ فَوَارِ أَبَاكَ ثُمَّ لَا تُحْدِثَنَّ شَيئًا حَتَّى تَأْتِيَنِي»، فَذَهَبْتُ فَوَارَيتُهُ، وَجِئْتُهُ؛ فَأَمَرَنِي فَاغْتَسَلْتُ وَدَعَا لِي (^٣).\n_________\n(^١) وَمَا بَينَ المُعْتَرِضَتَينِ زِيَادَةٌ مِنْ أَحَدِ نُسَخِ تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ (دَارُ طَيبَةَ، تَحْقِيقُ سَامِي بْنِ مُحَمَّد سَلَامَة) خِلَافًا لِغَيرِهَا مِنَ النُّسَخِ وَالتِي فِيهَا أَنَّ الحَافِظَ ابْنَ دِحْيَةَ مُؤَيِّدٌ لِمَسْأَلَةِ الإِحْيَاءِ، وَالَّذِي أَثْبَتْنَاهُ هُوَ الصَّوَابُ -إِنْ شَاءَ اللهُ- كَمَا تَجِدُهُ فِي كِتَابِ التَّذْكِرَةِ (ص ١٤٠) لِلقُرْطُبِيِّ ﵀.\n(^٢) بل هُوَ مَوضُوعٌ.\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ البِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ (٨/ ٥٨٢) -بَعْدَمَا اسْتَعْرَضَ رِوَايَاتِ الحَدِيثِ-: \"وَالَّذِي يَظْهَرُ -وَاللهُ أَعْلَمُ- أَنَّهُ مُرَكَّبٌ مَصْنُوعٌ مِمَّا عَمِلَتْهُ أَيدِي الرَّوَافِضِ قَبَّحَهُمُ اللهُ، وَلَعَنَ مَنْ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وعَجَّلَ لهُ مَا تَوَعَّدَهُ الشَّارِعُ مِنَ العَذَابِ وَالنَّكَالِ حَيثُ قَالَ -وَهُوَ الصَّادِقُ فِي المَقَالِ-: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»، .. وَقَدِ اغْتَرَّ بِذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ﵀ وَمَالَ إِلَى صِحَّتِهِ، … وَهَكَذَا مَالَ إِلَيهِ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ أَيضًا فِيمَا قِيلَ\".\n(^٣) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٣٢١٤). الصَّحِيحَةُ (١٦١).","vol":"1","page":324},{"text":"ب- عَنِ العَبَّاسِ ﵁؛ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَا أَغْنَيتَ عَنْ عَمِّكَ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ؟ قَالَ: «هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَلَولَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ» (^١).\nج- عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا أَبُو طَالِبٍ، وَهُوَ مُنْتَعِلٌ بِنَعْلَينِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ» (^٢).\nد- قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ: \"وَوَقَفْتُ عَلَى جُزْءٍ جَمَعَهُ بَعْضُ أَهْلِ الرَّفْضِ؛ أَكْثَرَ فِيهِ مِنَ الأَحَادِيثِ الوَاهِيَةِ الدَّالَّةِ عَلَى إِسْلَامِ أَبِي طَالِبٍ، وَلَا يَثْبُتُ مِنْ ذَلِكَ شَيءٌ. وَبِاللَّهِ التَّوفِيقِ\" (^٣).\nوَكَذَا قَالَ فِي كِتَابِهِ (الإِصَابَةُ) (^٤) بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ بَعْضَ رِوَايَاتِهِم (^٥).\n_________\n(^١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦٢٠٨).\n(^٢) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢١٢).\n(^٣) فَتْحُ البَارِي (٧/ ١٩٥).\n(^٤) (الإِصَابَةُ) (٧/ ١٩٦).\n(^٥) قَالَ الشَّيخُ مُلَّا عَلِي القَارِيِّ ﵀:\n\"نَصْبُ مَيدَانٍ جَدَلِيٍّ مَعَ السُّيُوطِيِّ رَحمَهُ اللهُ تَعَالَى:\nثُمَّ أَقُولُ لَهُ بِطَرِيقِ المُجَادَلَةِ عَلَى أُسْلُوبِ الجَدَلِ: هَلْ يُعَارَضُ حَدِيثُ مُسْلِمٍ -المُجْمَعُ عَلَى صِحَّتِهِ، الدَّالُّ عَلَى كُفْرِ أَبَوَيهِ ﷺ بِحَدِيثِ إِحْيَائِهِمَا وَإِيمَانِهِمَا بِهِ بَعْدَ بَعْثِهِمَا وَالحَالُ أَنَّهُ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ المُحَدِّثِينَ؛ بَلْ مَوضُوعٌ بَاطِلٌ لَا َأَصْلَ لَهُ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ؟! مَعَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلآيَاتِ السَّابِقَةِ وَالأَحَادِيثِ اللَّاحِقَةِ وَلِكَلَامِ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَغَيرِهِم مِنْ أَكَابِرِ هَذِهِ الأُمَّةِ وَعُلَمَاءِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى الأُصُولِ البَاطِلَةِ لِلْطَّائِفَةِ الرَّافِضَةِ؟!\nأَوْ نَقُولُ: إِذَا صَحَّ الحَدِيثُ عَنِ الرَّسُولِ، وَتَلَقَّتْهُ الأُمَّةُ بِالقَبُولِ؛ فَهَلْ يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنْ أَرْبَابِ الفُضُولِ أَنْ يَرُدَّ عَلَيهِ وَيَقُولَ: إِنَّهُمَا مَاتَا فِي الفَتْرَةِ قَبْلَ البَعْثَةِ أَوْ يُمْتَحَنَانِ يَومَ القِيَامَةِ؟!\n=","vol":"1","page":325},{"text":"- فَائِدَة ٢: قَولُ المُصَنِّفِ ﵀ فِي المَسَائِلِ: (فِيهِ مَضَرَّةُ تَعْظِيمِ الأَسْلَافِ وَالأَكَابِرِ)، وَأَنَّ اتِّبَاعَهُم مَذْمُومٌ! هَذَا الاتِّبَاعُ فِيهِ تَفْصِيلٌ؛ فَإِنْ كَانَ عَلَى غَيرِ الهُدَى وَالحَقِّ فَهُوَ مَذْمُومٌ، أَمَّا إِذَا كَانَ عَلَى هُدًى وَحَقٍّ فَهُوَ مَمْدُوحٌ، وَدَلِيلُ الذَّمِّ قَولُهُ تَعَالَى:\n_________\n=\nأَفَلَيسَ هَذَا مُعَارَضَةً بِالتَّعْلِيلِ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ مِن الدَّلِيلِ وَمَا ذَكَرَ أَرْبَابُ الأُصُولِ فِي الحَدِيثِ وَالفِقْهِ الجَامِعُونَ بَينَ المَنْقُولِ وَالمَعْقُولِ أَنَّ الحَدِيثَ إِذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ أَوْ أَحَدِهِمَا فَلَا يُعَارِضُهُ حَدِيثُ غَيرِهِما وَلَو صَحَّ مِنْ طَرِيقِهِمَا وَإِنْ كَانَ مِنْ بَقِيَّةِ صِحَاحِ السِّتِّ؟! فَكَيفَ إِذَا أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ الكُتُبِ غَيرِ المُعْتَبَرَةِ مِنَ الطُّرُقِ غَيرِ المَشْهُورَةِ، وَصَرَّحَ الحُفَّاظُ بِضَعْفِ طُرُقِهِ كُلِّهَا؛ بَلْ بِوَضْعِهَا؟! وَالحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ إِلَّا جَمْعٌ مِن المُقَلِّدِينَ لَمْ يَصِلُوا إِلَى مَرْتَبَةِ المُجْتَهِدِينَ، كَابْنِ شَاهِينَ وَالخَطِيبِ البَغْدَادِيِّ وَالسُّهَيلِيِّ وَالقُرْطُبِيِّ وَالمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ وَابْنِ المُنَيِّرِ وَأَمْثَالِهِم؟!\nوَهَلْ يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنَ الحَنَفِيَّةِ وَغَيرِهِم أَنْ يُقَلِّدُوا هَؤُلَاءِ المَذْكُورِينَ وَيَتْرُكُوا الاقْتِدَاءَ بِأَئِمَّتِهِم المُعْتَبَرِينَ مَعَ ظُهُورِ أَدِلَّةِ الجُمْهُورِ مِنْ عُلَمَاءِ الأُمَّةِ لَا سِيَّمَا وَالمَسْأَلَةُ مِن الاعْتِقَادِيَّاتِ الَّتِي لَا بُدَّ لَهَا مِنَ الأَدِلَّةِ اليَقِينِيَّةِ لَا مِنَ الفُرُوعِ الفِقْهِيَّةِ الَّتِي تَغْلِبُ مَدَارُهَا عَلَى القَوَاعِدِ الظَّنِّيَّةِ؟!\nانْتَهَى مَا تَعَلَّقَ بِزُبْدَةِ كَلَامِهِ وَخُلَاصَةِ مَرَامِهِ، وَعَدَلْنَا عَنِ التَّعَرُّضِ لِمَا ذَكَرَهُ مِنَ التَّطْوِيلِ الَّذِي لَا يُفِيدُ التَّعْلِيلَ فِي مَقَامِ التَّحْصِيلِ، وَإِنَّمَا هُوَ بَيَانُ قَالَ وَقِيلَ! وَاللهُ هُوَ الهَادِي إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ.\nوَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ كَحَاطِبِ لَيلٍ وَخَاطِبِ وَيلٍ، فَتَارَةً يَقُولُ: إِنَّهُمَا مُؤْمِنَانِ مِنْ أَصْلِهِمَا؛ فَإِنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ الفَتْرَةِ! أَوْ لِكَونِهِمَا مِنْ آبَاءِ أَرْبَابِ النُّبُوَّةِ! وَأُخْرَى يَقُولُ: إِنَّهُمَا كَانَا كَافِرَينِ لَكِنَّهُمَا أَحْيَاهُمَا اللهُ وَآمَنَا! وَمَرَّةً يَقُولُ: مَا كَانَا مُؤْمِنَينِ وَمَا كَانَا كَافِرَينِ؛ بَلْ كَانَا فِي مَرْتَبَةِ المَجَانِينِ جَاهِلَينِ فَيُمْتَحَنَانِ يَومَ القِيَامَةِ! وَبِالظَّنِّ يُحْكَمُ أَنَّهُمَا نَاجِيَانِ!\nفَانْظُرْ إِلَى هَذِهِ المُعَارَضَاتِ الوَاضِحَةِ وَالمُنَاقَضَاتِ اللَّائِحَةِ؛ فَهَلْ تَثْبُتُ المَسَائِلُ الاعْتِقَادِيَّةُ بِأَمْثَالِ هَذِهِ الاحْتِمَالَاتِ العَقْلِيَّةِ؟!\nفَدَلَّتْ تَصَانِيفُهُ فِي هَذِهِ القَضِيَّةِ بِأَنَّهُ أَقَلُّ العَطَّارِينَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِمَامِ الحُكَمَاءِ المُعْتَبَرِينَ؛ فَإِنَّهُ ﵀ أَعْلَمُ عُلَمَاءِ الشَّافِعِيَّةِ فِي زَمَانِهِ، وَتَفَوَّقَ عَلَى جَمِيعِ أَقْرَانِهِ، وَأَنَا الفَقِيُر الحَقِيرُ مِنْ أَقَلِّ عُلَمَاءِ الحَنَفِيَّةِ بَيَّنْتُ خَطَأَهُ بِمَا أَخَذْتُهُ غَالِبًا مِنَ الكُتُبُ التَّفْسِيرِيَّةِ وَالحَدِيثِيَّةِ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ الفَضْلَ مِنَ اللهِ، وَلَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ\". (أَدِلَّةُ مُعْتَقَدِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي أَبَوَي الرَّسُولِ ﵊ (ص ١٣٢).","vol":"1","page":326},{"text":"﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [المَائِدَة: ١٠٤].\nوَأَمَّا دَلِيلُ المَدْحِ فَهُوَ قَولُهُ تَعَالَى عَنْ يُوسُفَ ﵇: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَينَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [يُوسُف: ٣٨].\n- فَائِدَة ٣: أَنْوَاعُ الهِدَايَةِ -المَعْنَوِيَّةِ- فِي الشَّرِيعَةِ أَرْبَعَةٌ:\n١ - هِدَايَةُ الفِطْرَةِ (الغَرِيزَةِ): وَهِيَ هِدَايَةُ المَخْلُوقِ إِلَى مَا فِيهِ بَقَاءُ حَيَاتِهِ وَحُسْنُ مَعَاشِهِ.\nكَمَا فِي قَولِ مُوسَى ﵇: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طَه: ٥٠]، يَعْنِي هَدَاهُ إِلَى مَا فِيهِ مَصْلَحَتُهُ فِي دُنْيَاهُ، كَهِدَايَةِ الطَّيرِ إِلَى صُنْعِ العُشِّ، وَهِدَايَةِ الرَّضِيعِ إِلَى الثَّدْي وَما أَشْبَهَ.\n٢ - هِدَايَةُ الدِّلَالَةِ وَالإِرْشَادِ: وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِكُلِّ مَنْ دَلَّ إِلَى الخَيرِ، وَهِيَ الأَكْثَرُ فِي القُرْآنِ.\nكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرَّعْد: ٧].\n٣ - هِدَايَةُ التَّوفِيقِ لِلإِيمَانِ: وَهِيَ خَاصَّةٌ بِاللهِ ﷿، فَهُوَ الَّذِي يُوَفِّقْ وَيُلْهِم.\nكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هُود: ٨٨]،\nوَكَمَا قَالَ تَعَالَى أَيضًا: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القَصَص: ٥٦].\n٤ - هِدَايَةُ دُخُولِ الجَنَّةِ أَوِ النَّارِ: وَهِيَ مُرَتَّبَةٌ عَلَى مَا سَبَقَ مِنَ الإِيمَانِ وَالكُفْرِ.","vol":"1","page":327},{"text":"كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يُونُس: ٩]،\nوَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأَعْرَاف: ٤٣].\nوِهِدَايَةُ أَهْلِ النَّارِ إِلَى دُخُولِ النَّارِ هِيَ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ * وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصَّافَّات: ٢٣ - ٢٤] (^١).\nوَيُتَنَبَّهُ أَيضًا إِلَى نَوْعٍ آخَرَ مِنَ الهِدَايَةِ وَهُوَ الهِدَايَةُ المَادِّيَّةُ، كَمَا فِي قَوْلِه تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]؛ \"فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللهَ ﷾ كَمَا يَهْدِي إِلَى الطَّرِيقِ المَعْنَوِيِّ يَهْدِي أَيضًا إِلَى الطَّرِيقِ الحِسِّيِّ؛ لِقَولِهِ: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، وَلَيسَ المُرَادُ هُنَا هِدَايَةُ العِلْمِ وَالتَّوْفِيقِ لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ! وَإِنَّمَا المُرَادُ بِالهِدَايَةِ لِطَرِيقِ النَّجَاةِ الَّتِي يَنْجُو بِهَا؛ فَهَدَاهُ اللهُ ﷾\" (^٢).\n_________\n(^١) يُنْظَرُ: بَصَائِرُ ذَوِي التَّمْيِيزِ لِلفَيرُوزآبَادِي (٥/ ٣١٣)، وفَتْحُ البَارِي لِابْنِ حَجَرٍ (١١/ ٥١٥).\n(^٢) تَفْسِيرُ سُورَةِ الشُّعَرَاءِ لابْنِ عُثَيمِين (ص ١٣٤).","vol":"1","page":328},{"text":"<span data-type='title' id=toc-136>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-137> المَسْأَلَةُ الأُولَى: كَيفَ عَرَضَ النَّبِيُّ ﷺ الشَّهَادَةَ عَلَى عَمِّهِ فِي حَالِ الاحْتِضَارِ </span>-وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ التَّوبَةَ حَينَهَا لَا تَنْفَعُ صَاحِبَهَا- كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النِّسَاء: ١٨]؟!\nالجَوَابُ:\nقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: \" (لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ …) المُرَادُ قَرُبتْ وَفَاتُهُ وَحَضُرَتْ دَلَائِلُهَا، وَذَلِكَ قَبْلَ المُعَايَنَةِ وَالنَّزْعِ، وَلَو كَانَتْ حَالَ المُعَايَنَةِ وَالنَّزْعِ لَمْ تَنْفَعْهُ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النِّسَاء: ١٨]، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَبْلَ المُعَايَنَةِ مُحَاوَرَتُهُ لِلنَّبِيِّ وَكُفَّارِ قُرَيشٍ؛ وَجَوَابُهُ عَنْ نَفْسِهِ\" (^١).\n_________\n(^١) شَرْحُ مُسْلِمٍ (١/ ٢١٤)، وَبوَّبَ عَلَيهِ: \"بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ إِسْلَامِ مَنْ حَضَرَهُ المَوتُ مَا لَمْ يَشْرَعْ فِي النَّزْعِ\".","vol":"1","page":329},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-138> المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي عَدَمِ جَوَازِ الاسْتِغْفَارِ لِمَنْ مَاتَ مُشْرِكًا</span>؛ جَاءَ فِي البُخَارِيِّ (^١): أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى رَأْسِ المُنَافِقِينَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ؛ وَقَالَ: «إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، لَو أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ فَغُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيهَا»؟!\nفَمَا الجَوَابُ عَنْ هَذَا؟\nالجَوَابُ:\nإِنَّ هَذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الأَمْرِ ثُمَّ نُهِيَ عَنْهُ، وَدَلَّ لِذَلِكَ الحَدِيثُ بِتَمَامِهِ فِي البُخَارِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁؛ قَالَ: لمَّا مَاتَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبيِّ بْنِ سَلُولٍ وَدُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيهِ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَثَبْتُ إِلَيهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَتُصلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ وَقَدْ قَالَ كَذَا وكَذَا يَومَ كَذَا وَكَذَا؟! أُعَدِّدُ عَلَيهِ قَولَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَقَالَ: «أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ»، فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيهِ قَالَ: «أَمَا إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، لَو أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرُ لَهُ؛ لَزِدْتُ عَلَيهَا»، قَالَ: فَصَلَّى عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمْ يَمكُثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتِ الآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةَ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التَّوبَة: ٨٤] قَالَ: فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَومَئِذٍ! وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ). وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ: فَمَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَهُ عَلَى مُنَافِقٍ، وَلَا قَامَ عَلَى قَبْرِهِ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ (^٢).\nقُلْتُ: فَيَكُونُ الاسْتِغْفَارُ -اليَومَ- لِمَنْ مَاتَ مُشْرِكًا هُوَ مِنَ الاعْتِدَاءِ فِي الدُّعَاءِ،\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (١٣٦٦).\n(^٢) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٣٠٩٧). صَحِيحُ التِّرْمِذِيِّ (٣٠٩٧).","vol":"1","page":330},{"text":"وَفِي الحَدِيثِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ مَرْفُوعًا: «إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ قَومٌ يَعْتَدُونَ فِي الطُّهُورِ وَالدُّعَاءِ» (^١)\nوَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ فِي قَولِهِ ﷿: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإِسْرَاء: ٢٣ - ٢٤]، فَنَسَخَتْهَا الآيَةُ فِي بَرَاءَة: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التَّوبَة: ١١٣] (^٢).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٩٦). صَحِيحُ الجَامِعِ (٢٣٩٦).\n(^٢) صَحِيحٌ. الأَدَبُ المُفْرَدُ (٢٣). صَحِيحُ الأَدَبِ المُفْرَدِ (١٧).","vol":"1","page":331},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-139> المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القَصَص: ٥٦] بَيَانُ أَنَّ الهِدَايَةَ لَيسَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ!</span> فَمَا الجَوَابُ عَنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشُّورَى: ٥٢]؟!\nالجَوَابُ:\nإِنَّ الهِدَايَةَ المَنْفِيَّةَ هِيَ هِدَايَةُ التَّوفِيقِ لِدُخُولِ الإِسْلَامِ، وَهَذِهِ لَا يَمْلِكُهَا إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، فَهِيَ تُطْلَبُ مِنْهُ، وَيُمَثَّلُ لَهَا بِقَولِهِ تَعَالَى فِي الحَدِيثِ القُدُسِيِّ: «يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُم» (^١)، وَأَمَّا الهِدَايَةُ المُثْبَتَةُ فَهِيَ غَيرُهَا، وَمَعْنَاهَا هُنَا هِدَايَةُ البَيَانِ وَالإِرْشَادِ وَالدِّلَالَةِ، وَيُمَثَّلُ لَهَا أَيضًا بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَينَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فُصِّلَت: ١٧].\nقَالَ الإِمَامُ الرَّازِي ﵀: \"قَالَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وَلَا تَنَافِيَ بَينَهُمَا؛ فَإِنَّ الَّذِي أَثْبَتَهُ وَأَضَافَهُ إِلَيهِ: الدَّعْوَةُ وَالبَيَانُ، وَالَّذِي نَفَى عَنْهُ: هِدَايَةُ التَّوفِيقِ، وَشَرْحُ الصَّدْرِ، وَهُوَ نُورٌ يُقْذَفُ فِي القَلْبِ فَيَحْيَا بِهِ القَلْبُ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيتًا فَأَحْيَينَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا﴾ [الأَنْعَام: ١٢٢] الآيَةُ\" (^٢).\n_________\n(^١) رَوَاهُ أَبُو ذَرٍّ مَرْفُوعًا، وَهُوَ قُدُسِيٌّ. صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٢٥٧٧).\n(^٢) تَفْسِيرُ الرَّازِي (٥/ ٢٥).","vol":"1","page":332},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-140> المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: كَيفَ يَسْتَقِيمُ أَنْ تَكُونَ آيَةُ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ!</span> وَرَدَتْ فِي قِصَّةِ أَبِي طَالِبٍ وَقِصَّتُهُ مَكِّيَّةٌ؟!\nالجَوَابُ:\nقَالَ أَهْلُ العِلْمِ: إَنَّ القِصَّةَ مَكِّيَّةٌ؛ وَلَكِنْ لَمْ يَأْتِ النَّهْيُ عَنِ الاسْتِغْفَارِ لِلْمُشْرِكِينَ إِلَّا فِي المَدِينَةِ، وَيُعْلَمُ بِهَذَا أَيضًا أنَّ اسْتِئْذَانَ النَّبِيِّ ﷺ رَبَّهُ فِي الاسْتِغْفَارِ لِأُمِّهِ بَعْدَ الهِجْرَةِ لَمْ يَكُنْ مَنهيًّا عَنْهُ ابْتِدَاءً (^١)! وَلَكِنْ عِنْدَهَا نَزَلَتْ آيَةُ سُورَةِ التَّوبَةِ.\nوَفِي مُسْتَدْرَكِ الحَاكِمِ عَنْ جَابِرٍ ﵁؛ قَالَ: لَمَّا مَاتَ أَبُو طَالِبٍ؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «رَحِمَكَ اللهُ وغَفَرَ لَكَ يَا عَمِّ؛ وَلَا أَزَالُ اسْتَغْفِرُ لَكَ حَتَّى يَنْهَانِي اللهُ ﷿). فَأَخَذَ المُسْلِمُونَ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَوتَاهُم -الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ مُشْرِكُونَ- فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التَّوبَة: ١١٣] (^٢).\n_________\n(^١) وَالحَدِيثُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٩٧٦) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَالَ: زَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ؛ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَولَهُ، وَقَالَ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي ﷿ فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي، فَزُورُوا القُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ المَوتَ».\n(^٢) مُسْتَدْرَكِ الحَاكِمِ (٣٢٩٠)، قَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀: \"صَحِيحٌ\".","vol":"1","page":333},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-141> المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: كَيفَ يَسْتَقِيمُ النَّهْيُّ عَنِ الاسْتِغْفَارِ لِلمُشْرِكِينَ مَعَ كَونِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَسْتَغْفِرُ لِقَومِهِ المُشْرِكِينَ؟</span>\nكَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ -ضَرَبَهُ قَومُهُ فَأَدْمَوهُ- وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَومِي؛ فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» (^١)!\nالجَوَابُ مِن وَجْهَينِ:\n١ - أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الاسْتِغْفَارِ لِلمُشْرِكِينَ وَالتَّرَحُّمِ عَلَيهِم لَيسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، بَلْ هُوَ مَخْصُوصٌ بِالمَوتِ عَلَى ذَلِكَ.\nوَالدَّلِيلُ تَقْيِيدُ النَّهْي بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، وَهَذَا التَّبَيُّنُ يَكُونُ إِذَا مَاتَ عَلَى الكُفْرِ (^٢)، أَفَادَهُ الإِمَامُ الطَّبريُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (^٣) (^٤)،\n_________\n(^١) البُخَارِيِّ (٣٤٧٧)، وَمُسْلِمٍ (١٧٩٢).\n(^٢) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٤/ ٢١١) فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾: \"لَمَّا مَاتَ. هَذَا ثَابِتٌ عَنْ مُجَاهِدٍ\".\n(^٣) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (١٤/ ٥٠٩).\n(^٤) قُلْتُ: وَتَأَمَّلِ القَيدَ فِي قَولِ اللهِ ﵎: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التَّوبَة: ٨٤]، وَالشَّاهِدُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾.\nوَبِذَلِكَ تَعْلَمُ الجَوَابَ عَنْ اسْتِغْفَارِ إِبْرَاهِيمَ ﵊ لِأَبِيهِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إِبْرَاهِيم: ٤٠ - ٤١]، وَأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِقَولِهِ تَعَالَى فِي الآيَةِ الثَّانِيَةِ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التَّوبَة: ١١٣ - ١١٤]. وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ.","vol":"1","page":334},{"text":"وَأَجَابَ بِهِ الإِمْامُ الطَّحَاوِيُّ ﵀ أَيضًا فِي كِتَابِهِ (مُشْكِلُ الآثَارِ) (^١).\nوَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ (^٢) بِسَنَدٍ صَحِيحٍ -كَمَا قَالَ السُّيُوطِيُّ ﵀ فِي الفَتَاوَى (^٣) - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (مَا زَالَ إِبْرَاهِيمُ يَسْتَغْفِرُ لِأَبِيهِ حَتَّى مَاتَ، فَلَمَّا مَاتَ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للهِ؛ فَلَمْ يَسْتَغْفِرْ لَهُ) (^٤).\n٢ - أَنَّ المَقْصُودَ بِالاسْتِغْفَارِ هُنَا هُوَ بِأَنْ يُوَفِّقَهُ اللهُ تَعَالَى لِلرُّجُوعِ مِنَ الشِّرْكِ إِلَى التَّوحِيدِ، وَمِنَ المَعْصِيَةِ إِلَى الطَّاعَةِ (^٥) (^٦).\n_________\n(^١) مُشْكِلُ الآثَارِ (٦/ ٢٨٠).\n(^٢) تَفْسِيرُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ (١٠٠٥٠).\n(^٣) الحَاوِي (٢/ ٢٥٩).\n(^٤) أَحْكَامُ الجَنَائِزِ (ص ٩٦) لِلشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ ﵀.\n(^٥) اُنْظُرْ: (مَدَارِجُ السَّالِكِين) لِابْنِ القَيِّمِ ﵀ (١/ ٦٠).\n(^٦) وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِجَوَابٍ آخَرَ؛ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ قَبْلَ النَّهْي، وَلَكِنَّ الأَوَّلَ أَولَى. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.","vol":"1","page":335},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-142> المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: مَا وَجْهُ الجَمْعِ بَينَ حَدِيثِ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَينَ أَبِي؟ قَالَ: «فِي النَّارِ». فَلَمَّا قَفَّى دَعَاهُ فَقَالَ: «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ»</span> (^١) وَبَينَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس: ٦] فِي كَوْنِ وَالِدَيِّ النَّبِيِّ ﷺ لَيسا مِنْ أَهْلِ الفَتْرَةِ؟\nالجَوَابُ مِن وَجْهَينِ:\n١ - أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى خُصُوصِ بُلُوغِ قُرَيشٍ دَعْوَةَ إِبْرَاهِيمَ ﵊ مِن جُمْلَةِ النَّاسِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ النُّصُوصُ الكَثِيرةُ فِي أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُعَذِّبُ إِلَّا بَعْدَ إِقَامَةِ الحُجَّةِ عَلَى خَلْقِهِ، وَلَكِنَّ قُرَيشًا بِذَاتِهَا كَانَتْ قَدْ بَلَغَتْهَا الدَّعْوَةُ.\nقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: \"قَوْلُه: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَينَ أَبِي؟ قَالَ: «فِي النَّارِ». فَلَمَّا قَفَّى؛ دعاه فقال: «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ»، فِيهِ: أَنَّ مَن مَاتَ عَلَى الكُفْرِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَلَا تَنْفَعُهُ قَرَابَةُ المُقَرَّبِينَ، وَفِيهِ: أَنَّ مَن مَاتَ فِي الفَتْرَةِ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيهِ العَرَبُ مِن عِبَادَةِ الأَوثَانِ فَهُوَ مِن أَهْلِ النَّارِ، وَلَيسَ هَذَا مُؤَاخَذَةً قَبْلَ بُلُوغِ الدَّعْوَةِ! فَإِنَّ هَؤُلَاءِ كَانَتْ قَدْ بَلَغَتْهُم دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ وَغَيرِه مِن الأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللهِ تَعَالَى وَسَلَامُهُ عَلَيهِم\" (^٢).\nوَقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ -تَعْلِيقًا عَلَى قَولِه تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]-: \"الإِنْذَارُ المَذْكُورُ فِيهَا لَا يَعْنِي الإِنْذَارَ المُبَاشِرَ مِنَ النَّذِيرِ فَقَط! وَإِنَّما يَعْنِي: وُصُولَ النِّذَارَةِ، فَسَوَاءً كَانَ بِالوَاسِطَةِ أَوْ بِدُونِ وَاسِطَةٍ،\n_________\n(^١) فِي صَحِيحُ مُسْلِمٍ (٢٠٣) عَنْ أَنَسٍ.\n(^٢) شَرْحُ النَّوَوِيِّ عَلَى مُسْلِمٍ (٣/ ٧٩).","vol":"1","page":336},{"text":"وَحِينَئِذٍ تَسْلَمُ لَنَا الأَحَادِيثُ الكَثِيرَةُ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ نَقُولَ عَنْهَا بِأَنَّها مُتَوَاتِرةُ المَعْنَى؛ حَيثُ أَنَّها كُلَّهَا تَجْتَمِعُ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ مَاتُوا قَبْلَ بَعْثَةِ الرَّسُولِ ﵇ وَأَخْبَرَ الرَّسُولُ ﵇ أَنَّهُم يُعَذَّبُون: أَنَّهُم يُعَذَّبُون، وَقَدْ بَلغتْهُمُ الدَّعْوَةُ، وَلَيسَتِ الدَّعْوَةُ الَّتِي بَلَغَتْهم إِلَّا هِيَ دَعْوَةُ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ الَّذَينِ قَامُوا بِبِنَاءِ الكَعْبَةِ، وَتَوَارَثُوا الطَّوَافَ أَوِ الحَجَّ إِلَى بَيتِ اللهِ الحَرَامِ مِن نَبِيِّهِم إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ﵉، فَحِينَمَا يَأْتِي حَدِيثٌ كَحَدِيثِ: «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ»، أَوِ الحَدِيثُ الثَّانِي الَّذِي ذَكَرْته: «اسْتَأْذَنْتُ رَبّي» (^١) (^٢)، وَالحَدِيثُ الثَّالِثُ: «كُلَّمَا مَرَرْتَ بِقَبْرِ مُشْرِكٍ فَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ» (^٣)، وَالحَدِيثُ الرَّابِعُ الَّذِي فِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ مَرَّ بِقَبْرَينِ فَشَمَسَتْ بِهِ الدَّابَّةُ، وَإِذَا بِهِ يَرَى قَبْرَين فَسَأَلَ عَنْهُما، قَالُوا: مَاتَا فِي الجَاهِلِيَّةِ. فَقَالَ: «لَولَا أَنْ تَدَافَنوا لَأَسْمَعْتُكُم عَذَابَ القَبْرِ» (^٤) يُشِيرُ بِهَذَا الحَدِيثِ إِلَى أَنَّ الدَّابَّةَ حِينَمَا شَمَسَتْ سَمِعَتْ عَذَابَ المُعَذَّبِين بِالقَبْرِ.\n_________\n(^١) الحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٩٧٦) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَالَ: زَارَ رَسُولُ اللهِ قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَولَهُ، وَقَالَ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي ﷿ فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي، فَزُورُوا القُبُورَ؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ المَوتَ».\n(^٢) وَسَبَقَ قَولُ الحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (١/ ٤٠١): \"وَالحَدِيثُ المَرْوِيُّ فِي حَيَاةِ أَبَوَيهِ ﵇ لَيسَ فِي شَيءٍ مِنَ الكُتُبِ السِّتَّةِ وَلَا غَيرِهَا؛ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ\".\n(^٣) صَحِيحٌ. ابْنُ مَاجَه (١٥٧٣) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄. وَصَحَّحَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي تَحْقِيقِ السُّنَنِ.\nوَقَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ تَوجِيهًا لِحَدِيثِ «إِذَا مَرَرْتَ بِقَبْرِ الكَافِرِ فَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ»: \"مُرَادُ الرَّسُولِ ﵊: الَّذِينَ دُفِنوا فِي حَيَاتِهِ؛ لِأَنَّ غَالِبَهُم قَامَتْ عَلَيهِمُ الحُجَّةُ\". لِقَاءُ البَابِ المَفْتُوحِ لِابْنِ عُثَيمِين (٣١/ ١٣٩).\n(^٤) صَحِيحُ مُسْلِمٍ (٢٨٦٧) مِنْ حَدِيثِ زَيدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ مَرْفُوعًا.","vol":"1","page":337},{"text":"فَإِذًا: هَؤُلَاءِ مَاتُوا فِي الجَاهِلِيَّةِ وَمَعَ ذَلِكَ يُعَذَّبونَ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ تُفَسَّرَ هَذِهِ الأَحَادِيثُ -وَهِيَ كَمَا قُلْتُ آنِفًا: تُعْطِينَا مَعْنًى مُتَوَاتِرًا- وَهِيَ أَنَّ الَّذِينَ مَاتُوا فِي الجَاهِلِيَّةِ أَخْبَرَ الرَّسُولُ ﵌ بِأَنَّهُم يُعَذَّبُونَ، وَنَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُم مَا جَاءَهُم مِن نَذِيرٍ بِالمَعْنَى الضَّيِّقِ الأَوَّلِ، لَكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُم جَاءَهُم النَّذِيرُ بِالمَعْنَى الوَاسِعِ، أَي: جَاءَتْهمُ الدَّعْوَةُ -دَعْوَةُ التَّوحِيدِ؛ دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ ﵇ وَإِسْمَاعِيلَ- فَأُقِيمَتِ الحُجَّةُ عَلَيهِم، وَلِذَلِكَ فَهُم يُعَذَّبُونَ.\nإِذًا: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] هِيَ عَلَى عُمُومِهَا، وَمُؤَيَّدَةٌ بِالنَّصِّ الصَّرِيحِ: «مَا مِنْ رَجُلٍ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ مِن يَهُودِيٍّ أَو نَصْرَانِيٍّ يَسْمَعُ بِي ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِي إِلَّا دَخَلَ النَّارَ» (^١)، وَالأَحَادِيثُ الأُخْرَى الَّتِي ذَكَرْنَاهَا كُلُّهَا تَلْتَئِمُ وَتَضْطَرُّنَا اضْطِرَارًا عِلْمِيًّا أَنْ نَقُولَ بِأَنَّ الآيَةَ عَلَى عُمُومِهَا؛ وَأَنَّهُ لَيسَ المَقْصُودُ -كَمَا هُوَ المُتَبَادِرُ مِن لَفْظِ الآيَةِ: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ - دُونَ التَّوحِيدِ!! هَذَا لَا يَتَبَادَرُ، مَع ذَلِكَ؛ الحَدِيثُ يُؤَيِّدُ عُمُومَ وَشُمُولَ الآيَةِ وَالأَحَادِيثَ الأُخْرَى، وَلِذَلِكَ فَهُنَا -مِمَّا أَعْتَقِدُ مِن كُتُبِ التَّوحِيدِ- لَا أَحَدَ يَقُولُ بِتَخْصِيصِ الآيَةِ فِيمَا أَعْلَمُ مِن أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ أَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِالأَحْكَامِ دُونَ التَّوحِيدِ! \" (^٢) (^٣).\nوَقَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀: \"لَا شَكَّ أَنَّ العُذْرَ بِالجَهْلِ ثَابِتٌ، وَمَا عِنْدَنَا فِي هَذَا إِشْكَالٌ -لَا فِي مَسْأَلَةِ الكُفْرِ؛ وَلَا فِيمَا دُونَها- مَتَى كَانَ الإِنْسَانُ يَقُولُ: إِنَّه مُسْلِمٌ،\n_________\n(^١) صَحِيحُ مُسْلِمٍ (١٤٩) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا.\n(^٢) مَوسُوعَةُ الأَلْبَانِيِّ فِي العَقِيدَةِ (٥/ ٩٣١).\n(^٣) وَيُنْظَرُ: تَفْسِيرُ الرَّازِي (٢٦/ ٢٥٣).","vol":"1","page":338},{"text":"لَكْنْ إِذَا قَالَ الرَّسُولُ لَنَا: (إِنَّ اللهَ أَبَى أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ) نعْتَرِضُ عَلَى اللهِ؟! مَا نَدْرِي، قَد يَكُونُ قَامَتْ عَلَيهِ الحُجَّةُ، لِأَنَّ فِيهِ بَقَايَا مِن دِينِ إِسْمَاعِيلَ فِي العَرَبِ، وَفِيهِ وَرَقَةُ بْنُ نَوفَلٍ؛ تَنَصَّرَ\" (^١).\nقُلْتُ: وَعَلَى سَبِيلِ التأكيد؛ فَإِنَّ فِي صَحِيحِ البُخَاريِّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَ زَيدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيلٍ بِأَسْفَلِ بَلْدَحٍ (^٢) -قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الوَحْيُ-؛ فَقُدِّمَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ سُفْرَةٌ؛ فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ زَيدٌ: إِنِّي لَسْتُ آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ، وَلا آكُلُ إِلَّا مَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيهِ، وَأَنَّ زَيدَ بْنَ عَمْرٍو كَانَ يَعِيبُ عَلَى قُرَيشٍ ذَبَائِحَهُمْ؛ وَيَقُولُ: الشَّاةُ خَلَقَهَا اللَّهُ؛ وَأَنْزَلَ لَهَا مِنَ السَّمَاءِ المَاءَ؛ وَأَنْبَتَ لَهَا مِنَ الأَرْضِ؛ ثُمَّ تَذْبَحُونَهَا عَلَى غَيرِ اسْمِ اللَّهِ!! إِنْكَارًا لِذَلِكَ وَإِعْظَامًا لَهُ (^٣).\nوَأَيضًا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ؛ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ ﵂ قَالَتْ: \"رَأَيتُ زَيدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيلٍ قَائِمًا مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الكَعْبَةِ؛ يَقُولُ: يَا مَعَاشِرَ قُرَيشٍ؛ وَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ غَيرِي\" (^٤).\n٢ - الجَمْعُ بَينَ الأَدِلَّةِ كُلِّهَا؛ بِأَنْ يُحْمَلَ الخَاصُّ -الَّذِي أَثْبَتَ العَذَابَ لِلْمَذْكُورِينَ- عَلَى الإِخْبَارِ عَنْ حَالِهِم عِنْدَ الامْتِحَانِ يَومَ القِيَامَةِ.\nقَالَ العَلَّامَةُ مُحَمَّدٌ الأَمِينُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ -فِي تَفْسِيرِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ -: \"الظَّاهِرُ أَنَّ التَّحْقِيقَ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ الَّتِي هِيَ: هَلْ\n_________\n(^١) تَفْسِيرُ سُورَةِ غَافِرٍ لِابْنِ عُثَيمِين -الأَصْلُ الصَّوتِيُّ- شَرِيطُ (أ/١٢).\n(^٢) \"هُوَ مَكَانٌ فِي طَرِيقِ التَّنْعِيمِ\". فَتْحُ البَارِي (٧/ ١٤٣).\n(^٣) صَحِيحُ البُخَارِيِّ (٣٨٢٦) مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ مَرْفُوعًا.\n(^٤) صَحِيحُ البُخَارِيِّ (٣٨٢٨).","vol":"1","page":339},{"text":"يَعْذُرُ المُشْرِكُونَ بِالفَتْرَةِ أَو لَا؟ هُوَ أَنَّهُمْ مَعْذُورُونَ بِالفَتْرَةِ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَّ اللَّهَ يَومَ القِيَامَةِ يَمْتَحِنُهُمْ بِنَارٍ يَأْمُرُهُمْ بِاقْتِحَامِهَا؛ فَمَنِ اقْتَحَمَهَا دَخْلَ الجَنَّةَ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يُصَدِّقُ الرُّسُلَ لَو جَاءَتْهُ فِي الدُّنْيَا، وَمَنِ امْتَنَعَ دَخَلَ النَّارَ وَعُذِّبَ فِيهَا، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يُكَذِّبُ الرُّسُلَ لَو جَاءَتْهُ فِي الدُّنْيَا؛ لَأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا كَانُوا عَامِلِينَ لَو جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ\" إِلَى أَنْ قَالَ: \"وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى أَيضًا قَبْلَ هَذَا الكَلَامِ بِقَلِيلٍ مَا نَصُّهٌ: وَمِنْهُم مَن ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُم يُمْتَحَنُون يَومَ القِيَامَةِ فِي عَرَصَاتِ المَحْشَرِ؛ فَمَنْ أَطَاعَ دَخَلَ الجَنَّةَ وَانْكَشَفَ عِلْمُ اللهِ فِيهِ بِسَابِقِ السَّعَادَةِ، وَمَن عَصَى دَخَلَ النَّارَ دَاخِرًا، وَانْكَشَفَ عِلْمُ اللهِ فِيهِ بِسَابِقِ الشّقَاوَةِ.\nوَهَذَا القَولُ يَجْمَعُ بَينَ الأَدِلَّةِ كُلِّهَا، وَقَدْ صَرَّحَتْ بِهِ الأَحَادِيثُ المُتَقَدِّمَةُ المُتَعَاضِدةُ؛ الشَّاهِدُ بَعْضُها لِبَعْضٍ، وَهَذَا القَولُ هُوَ الَّذِي حَكَاهُ الشَّيخُ أَبُو الحَسَنِ؛ عَلِيُّ بنُ إِسْمَاعِيلَ الأَشْعَرِيُّ عَن أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، وَهُوَ الَّذِي نَصَرَه الحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ البَيهَقِيُّ فِي كِتَابِ (الاعْتِقَادِ)، وَكَذَلِكَ غَيرُهُ مِن مُحَقِّقِي العُلَمَاءِ وَالحُفَّاظِ وَالنُّقَّادِ (^١). انْتَهَى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلَامِ ابنِ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، وَهُوَ وَاضِحٌ جِدًّا فِيمَا ذَكَرْنَا\" (^٢).\n_________\n(^١) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٥/ ٥٧).\nمَلَاحَظَةٌ: مَا سَبَقَ مِن كَلَامِ الحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ ﵀ إِنَّمَا هُوَ فِي الكَلَامِ عَلَى حُكْمِ أَوْلَادِ المُشْرِكِين، إِلَّا أَنَّهُ -كَمَا يَظْهَرُ مِن صَنِيعِ الشَّيخِ مُحَمَّدٍ الأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ ﵀ أَنَّهُ يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى عُمُومِ أَهْلِ الفَتْرَةِ لِأَنَّ العِلَّةَ وَاحِدةٌ. وَاللهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.\n(^٢) أَضْوَاءُ البَيَانِ (٣/ ٧٤).","vol":"1","page":340},{"text":"بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ سَبَبَ كُفْرِ بَنِي آدَمَ وَتَرْكِهِمْ دِينَهُمْ هُوَ الغُلُوُّ فِي الصَّالِحِينَ\nوَقُولُ اللهِ ﷿: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النِّسَاء: ١٧١].\nوفي الصَّحيحِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾ [نُوح: ٢٣ - ٢٤]. قَالَ: (هَذِهِ أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَومٍ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوحَى الشَّيطَانُ إِلَى قَومِهِمْ أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ فِيهَا أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا وَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ، وَنُسِيَ العِلْمُ عُبِدَتْ) (^١).\nقَالَ ابْنُ القَيِّمِ: \"قَالَ غَيرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: لَمَّا مَاتُوا؛ عَكَفُوا عَلَى قُبُورِهِمْ، ثُمَّ صَوَّرُوا تَمَاثِيلَهُمْ، ثُمَّ طَالَ عَلَيهِمُ الأَمَدُ فَعَبَدُوهُمْ\" (^٢).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ (٤٩٢٠).\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (٨/ ٦٦٧): \"قِيلَ: هَذَا مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّ عَطَاءَ المَذْكُورَ؛ هُوَ الخُرَاسَانِيُّ وَلَمْ يَلْقَ ابْنَ عَبَّاسٍ! وَهَذَا مِمَّا اسْتُعْظِمَ عَلَى البُخَارِيِّ أَنْ يَخْفَى عَلَيهِ، لَكِنِ الَّذِي قَوِيَ عِنْدِي أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ بِخُصُوصِهِ عِنْدَ ابْنِ جُرَيجٍ عَنْ عَطَاءٍ الخُرَاسَانِيِّ وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاح جَمِيعًا\".\n(^٢) إِغَاثَةُ اللَّهْفَانِ مِنْ مَصَايِدِ الشَّيطَانِ (١/ ١٨٤).","vol":"1","page":341},{"text":"وَعَنْ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ؛ فَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ» أَخْرِجَاهُ (^١).\nوَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَالغُلُوَّ؛ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الغُلُوُّ» (^٢).\nوَلِمُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ» قَالَهَا ثَلَاثًا (^٣).\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٣٤٤٥) فَقَط دُونَ مُسْلِمٍ.\n(^٢) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١٨٥١) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ النَّسَائِيِّ (٣٠٥٧). وَهُوَ عِنْدَ البَيهَقِيِّ فِي الصُّغْرَى (١٦٨١) عَنْهُ عَنِ الفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵃ مَرْفُوعًا. وَقَدْ ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ ﵀ بِدُونِ ذِكْرِ رَاوِيه هَكَذَا.\n(^٣) مُسْلِمٌ (٢٦٧٠).","vol":"1","page":342},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: أَنَّ مَنْ فَهِمَ هَذَا البَابَ وَبَابَينِ بَعْدَهُ، تَبَيَّنَ لَهُ غُرْبَةُ الإِسْلَامِ، وَرَأَى مِنْ قُدْرَةِ اللهِ وَتَقْلِيبِهِ لِلْقُلُوبِ العَجَبَ.\nالثَّانِيَةُ: مَعْرِفَةُ أَوَّلِ شِرْكٍ حَدَثَ فِي الأَرْضِ؛ كَانَ بِشُبْهَةِ الصَّالِحِينَ.\nالثَّالِثَةُ: مَعْرِفَةُ أَوَّلِ شَيءٍ غُيِّرَ بِهِ دِينُ الأَنْبِيَاءِ، وَمَا سَبَبُ ذَلِكَ، مَعَ مَعْرِفَةِ أَنَّ اللهَ أَرْسَلَهُمْ!\nالرَّابِعَةُ: قَبُولُ البِدَعِ مَعَ كَونِ الشَّرَائِعِ وَالفِطَرِ تَرُدُّهَا!\nالخَامِسَةُ: أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ كُلِّهُ مَزْجُ الحَقِّ بِالبَاطِلِ.\nفَالأَوَّلُ: مَحَبَّةُ الصَّالِحِينَ، وَالثَّانِي: فِعْلُ أُنَاسٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ وَالدِّينِ شَيئًا أَرَادُوا بِهِ خَيرًا؛ فَظَنَّ مَنْ بَعْدَهُمْ أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِهِ غَيرَهُ!\nالسَّادِسَةُ: تَفْسِيرُ الآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ نُوحٍ.\nالسَّابِعَةُ: جِبِلَّةُ الآدَمِيِّ فِي كَونِ الحَقِّ يَنْقُصُ فِي قَلْبِهِ؛ وَالبَاطِلِ يَزِيدُ.\nالثَّامِنَةُ: فِيهِ شَاهِدٌ لِمَا نُقِلَ عَنِ السَّلَفِ أَنَّ البِدَعَ سَبَبُ الكُفْرِ.\nالتَّاسِعَةُ: مَعْرِفَةُ الشَّيطَانِ بِمَا تَؤُولُ إِلَيهِ البِدْعَةُ؛ وَلَو حَسُنَ قَصْدُ الفَاعِلِ.\nالعَاشِرَةُ: مَعْرِفَةُ القَاعِدَةِ الكُلِّيَّةِ: وَهِيَ النَّهْيُ عَنِ الغُلُوُّ، وَمَعْرِفَةُ مَا يَؤُولُ إِلَيهِ.\nالحَادِيَةَ عَشْرَةَ: مَضَرَّةُ العُكُوفِ عَلَى القَبْرِ لِأَجْلِ عَمَلٍ صَالِحٍ.\nالثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: مَعْرِفَةُ النَّهْيِ عَنِ التَّمَاثِيلِ، وَالحِكْمَةُ فِي إِزَالَتِهَا.\nالثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: عِظَمُ شَأْنِ هَذِهِ القِصَّةِ، وَشِدَّةُ الحَاجَةِ إِلَيهَا مَعَ الغَفْلَةِ عَنْهَا.","vol":"1","page":343},{"text":"الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: وَهِيَ أَعْجَبُ العَجَبِ؛ قِرَاءَتُهُمْ إِيَّاهَا فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَالحَدِيثِ، وَمَعْرِفَتُهُمْ بِمَعْنَى الكَلَامِ، وَكَونُ اللهِ حَالَ بَينَهُمْ وَبَينَ قُلُوبِهِمْ حَتَّى اعْتَقَدُوا أَنَّ فِعْلَ قَومِ نُوحٍ هُوَ أَفْضَلُ العِبَادَاتِ! وَاعْتَقَدُوا أَنَّ مَا نَهَى اللهُ وَرَسُولُهُ عَنْهُ؛ فَهُوَ الكُفْرُ المُبِيحُ لِلدَّمِ وَالمَالِ.\nالخَامِسَةَ عَشْرَةَ: التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا إِلَّا الشَّفَاعَةَ.\nالسَّادِسَةَ عَشْرَةَ: ظَنُّهُمْ أَنَّ العُلَمَاءَ الَّذِينَ صَوَّرُوا الصُّوَرَ أَرَادُوا ذَلِكَ.\nالسَّابِعَةَ عَشْرَةَ: البَيَانُ العَظِيمُ فِي قَولِهِ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ»، فَصَلَوَاتُ اللهُ وَسَلَامُهُ عَلَيهِ، بَلَّغَ البَلَاغَ المُبِينِ.\nالثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: نَصِيحَتُهُ إِيَّانَا بِهَلَاكِ المُتَنَطِّعِينَ.\nالتَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: التَّصْرِيحُ بِأَنَّهَا لَمْ تُعْبَدْ حَتَّى نُسِيَ العِلْمُ، فَفِيهَا بَيَانُ مَعْرِفَةِ قَدْرِ وُجُودِهِ، وَمَضَرَّةُ فَقْدِهِ.\nالعِشْرُونَ: أَنَّ سَبَبَ فَقْدِ العِلْمِ مَوتُ العُلَمَاءِ.","vol":"1","page":344},{"text":"<span data-type='title' id=toc-145>الشَّرْحُ</span>\n- قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النِّسَاء: ١٧١].\n- أَورَدَ المُصَنِّفُ ﵀ هَذَا البَابَ لِبَيَانِ أَسْبَابِ وَذَرَائِعِ الشِّرْكِ بَعْدَمَا ذَكَرَ الأُصُولَ وَالعَقَائِدَ.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ أَي: لَا تَتَجَاوَزُوا الحَدَّ مَدْحًا أَو قَدْحًا.\nحَيثُ قَالَتِ النَّصَارَى: إِنَّهُ ابْنُ اللهِ، وَجَعَلُوهُ ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ، وَأَمَّا اليَهُودُ؛ فَقَدْ غَلَوا فِيهِ فقَدَحُوا فِيهِ، وَقَالُوا: إِنَّ أُمَّهُ زَانِيَةٌ، وَإِنَّهُ وَلَدُ زِنَى! وَكُلُّ ذَلِكَ -مِنَ الإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ- هُوَ خِلَافُ المَنْهَجِ الوَسَطِ؛ مَنْهَجِ أَهْلِ الإِسْلَامِ: مِنِ اعْتِقَادِهِم فِي عِيسَى ﵊ أَنَّهُ عَبْدٌ رَسُولٌ.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ أَي: لَا تَصِفُوهُ إِلَّا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ أَو وَصَفَهُ بِهِ رُسُلُهُ.\nوَفِيهِ بَيَانُ تَحْرِيمِ القَولِ بِالرَّأْي فِي الدِّينِ مِمَّا لَا يَسْتَنِدُ إِلَى دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ هَذِهِ صيغَةُ حَصْرٍ، وَفَائِدَتُهَا الإِعْلَامُ بِأَنَّه ﷺ لَيسَ لَهُ مِنَ الأُلوهيَّةِ شَيءٌ.","vol":"1","page":345},{"text":"وَفِيَها بَيَانُ أُمُورٍ:\nفِي قَولِهِ: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ أَضَافَهُ إِلَى أُمِّهِ لِيَقْطَعَ قَولَ النَّصَارَى الَّذِينَ يُضِيفُونَهُ إِلَى اللهِ.\nفِي قَولِهِ: ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ تَكْذِيبٌ لِقَولِ اليَهُودِ: إِنَّهُ كَذَّابٌ، وَلِقَولِ النَّصَارَى: إِنَّهُ إِلَهٌ.\nفِي قَولِهِ: ﴿وَكَلِمَتُهُ﴾ إِبْطَالٌ لِقَولِ اليَهُودِ: إِنَّهُ ابْنُ زِنَى.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أَي أَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ عِيسَى ﵊ كَغِيرِهِ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ جَسَدٍ وَرُوحٍ، وَإِضَافَةُ الرُّوحِ إِلَيهِ سُبْحَانَهُ هِيَ مِنْ بَابِ التَّشْرِيفِ وَالتِّكْرِيمِ، وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى فِي حَقِّ آدَمَ: ﴿فَإِذَا سَوَّيتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: ٧٢] فَهَذِهِ أَيضًا لِلتَّشْرِيفِ وَالتَّكْرِيمِ (^١).\n- الأَنْصَابُ: جَمْعُ نُصُبٍ، وَهُوَ كُلُّ مَا يُنْصَبُ مِنْ عَصَا أَو حَجَرٍ أَو غَيرِهِ.\nقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدُ وَعَطَاءُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيرٍ وَالحَسَنُ وَغَيرُ وَاحِدٍ: هِيَ حِجَارَة كَانُوا يَذْبَحُونَ قَرَابِينَهُمْ عِنْدهَا (^٢).\n_________\n(^١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٢/ ٤٧٩): \"فَقَولُهُ فِي الآيَةِ وَالحَدِيثِ: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ كَقَولِهِ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجَاثِيَة: ١٣] أَي: مِنْ خَلْقِهِ وَمِنْ عِنْدِهِ، وَلَيسَتْ (مِنْ) لِلتَّبْعِيضِ -كَمَا تَقُولُهُ النَّصَارَى- عَلَيهِمْ لَعَائِنُ اللهِ المُتَتَابِعَةُ، بَلْ هِيَ لِابْتِدَاءِ الغَايَةِ، كَمَا فِي الآيَةِ الأُخْرَى. وَقَدْ قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَولِهِ: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أَي: وَرَسُولٌ مِنْهُ، وَقَالَ غَيرُهُ: وَمَحَبَّةٌ مِنْهُ.\nوَالأَظْهَرُ الأَوَّلُ؛ أنَّه مَخْلُوقٌ مِنْ رُوحٍ مَخْلُوقَةٍ، وَأُضِيفَتِ الرُّوحُ إِلَى اللهِ عَلَى وَجْهِ التَّشْرِيفِ؛ كَمَا أُضِيفَتِ النَّاقَةُ وَالبَيتُ إِلَى اللهِ فِي قَولِهِ: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾ [هُود: ٦٤]، وَفِي قَولِهِ: ﴿وَطَهِّرْ بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحَجِّ: ٢٦] \".\nوَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ تَأْصِيلِ هَذِهِ المَسْأَلَةِ فِي شَرْحِ بَابِ (فَضْلُ التَّوحِيدِ).\n(^٢) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٣/ ١٧٩).","vol":"1","page":346},{"text":"وَفِي الصَّحِيحَينِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ يَومَ الفَتْحِ -وَحَولَ البَيتِ سِتُّونَ وَثَلَاثُ مِائَةِ نُصُبٍ- فَجَعَلَ يَطْعُنُهَا بِعُودٍ فِي يَدِهِ وَيَقُولُ: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإِسْرَاء: ٨١]، ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سَبَأ: ٤٩] (^١).\n- العُكُوفُ لُغَةً: \"عَكَفَهُ يَعْكُفُهُ ويَعْكِفُهُ عَكْفًا: حَبَسَهُ؛ وَعَلَيهِ عُكُوفًا: أقْبَلَ عَلَيهِ مُوَاظِبًا؛ وَالقَومُ حَولَهُ: اسْتَدَارُوا، وَكَذَا الطَّيرُ حَولَ القَتِيلِ\" (^٢).\n- حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ قِصَّةِ الأَصْنَامِ؛ حُكْمُهُ الرَّفْعُ لِأَنَّ مِثْلَهُ لَا يُقَالُ بِالرَّأْي؛ فَهُوَ غَيبِيٌّ.\nوَالحَدِيثُ اخْتَصَرَهُ المُصَنِّفُ ﵀، وَهُوَ بِتَمَامِهِ كَمَا فِي البُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: (صَارَتِ الأَوثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَومِ نُوحٍ فِي العَرَبِ بَعْدُ (^٣)، أَمَّا وَدٌّ كَانَتْ لِكَلْبٍ بِدَومَةِ الجَنْدَلِ (^٤)، وَأَمَّا سُوَاعٌ كَانَتْ لِهُذَيلٍ، وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ ثُمَّ لِبَنِي غُطَيفٍ بِالجَوفِ عِنْدَ سَبَأ، وَأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ، وَأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ لِآلِ ذِي الكَلَاعِ: أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَومِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوحَى الشَّيطَانُ إِلَى قَومِهِمْ أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٤٧٢٠)، وَمُسْلِمٌ (١٧٨١).\n(^٢) القَامُوسُ المُحِيطُ (ص ٨٣٩).\n(^٣) أَي: انْتَقَلَتْ إِلَى العَرَبِ فِيمَا بَعْدُ، وَقَدْ أَدْخَلَهَا إِلَى العَرَبِ رَجُلٌ يُدْعَى عَمْرُو بْنُ لُحِيٍّ الخُزَاعِيُّ؛ كَمَا فِي الحَدِيثِ: «إِنَّ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ، وَعَبَدَ الأَصْنَامَ: أَبُو خُزَاعَةَ؛ عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ، وَإِنِّي رَأَيتُهُ يَجُرُّ أَمْعَاءَهُ فِي النَّارِ». صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٤٢٥٨) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (١٦٧٧).\n(^٤) اسْمُ مَوضِعٍ فَاصِلٍ بَينَ الشَّامِ وَالعِرَاقِ. أَفَادَهُ فِي عُمْدَةِ القَارِي (٤/ ٩٧).","vol":"1","page":347},{"text":"بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا فَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ (وَنُسِيَ) (^١) العِلْمُ عُبِدَتْ) (^٢).\n- فِي أَثَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَيَانُ أَنَّ أَوَّلَ شِرْكٍ وَقَعَ فِي الأَرْضِ كَانَ بِسَبَبِ الغُلُوِّ فِي الصَّالِحِينَ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁: (كَانَ بَينَ نُوحٍ وَآدَمَ عَشْرَةُ قُرُونٍ كُلُّهُمْ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الحَقِّ، فَاخْتَلَفُوا؛ فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ وَالمُرْسَلِينَ وَأَنْزَلَ كِتَابَهُ، فَكَانُوا أُمَّةً وَاحِدَةً) (^٣).\n- الإِطْرَاءُ: هُوَ مُجَاوَزَةُ الحَدِّ فِي المَدْحِ، وَالكَذِبُ فِيهِ (^٤).\n- النَّصَارَى: المُرَادُ بِهِم أَتْبَاعُ عِيسَى، قِيلَ: سُمُّوا نَصَارَى نِسْبَةً إِلَى بَلَدٍ وَهِيَ (النَّاصِرَةُ) فِي فِلَسْطِين، أَو مِنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [الصَّف: ١٤].\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: \"وَالنَّصَارَى -عَلَيهِمْ لَعَائِنُ اللهِ- مِنْ جَهْلِهِمْ؛ لَيسَ لَهُمْ ضَابِطٌ وَلَا لِكُفْرِهِمْ حَدٌّ، بَلْ أَقْوَالُهُمْ وَضَلَالُهُمْ مُنْتَشِرٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَقِدُهُ إِلَهًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَقِدُهُ شَرِيكًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَقِدُهُ وَلَدًا، وَهُمْ طَوَائِفُ كَثِيرَةٌ لَهُمْ آرَاءٌ مُخْتَلِفَةٌ وَأَقْوَالٌ غَيرُ مُؤْتَلِفَةٍ.\nوَلَقَدْ أَحْسَنَ بَعْض المُتَكَلِّمِينَ حَيثُ قَالَ: لَو اجْتَمَعَ عَشَرَةٌ مِنَ النَّصَارَى\n_________\n(^١) أَي: عِلْمُ تِلْكَ الصُّوَرِ بِخُصُوصِهَا.\n(^٢) البُخَارِيُّ (٤٩٢٠).\n(^٣) صَحِيحٌ. الحَاكِمُ (٣٦٥٤)، وَقَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀: \"صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ البُخَارِيِّ\". وَانْظُرْ كِتَابَ (تَحْذِيرُ السَّاجِدِ) (ص ٩٠).\n(^٤) لِسَانُ العَرَبِ (٦/ ١٥).","vol":"1","page":348},{"text":"لَافْتَرَقُوا عَنْ أَحَدَ عَشَرَ قَولًا!\nوَلَقَدْ ذَكَرَ بَعْض عُلَمَائِهِمُ المَشَاهِيرُ عِنْدَهُمْ -وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ بِطْرِيق؛ بَتْركُ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ- فِي حُدُودِ سَنَةِ أَرْبَعمِائَةٍ مِنَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ؛ أَنَّهُمْ اجْتَمَعُوا المَجْمَعَ الكَبِيرَ الَّذِي عَقَدُوا فِيهِ الأَمَانَةَ الكَبِيرَةَ الَّتِي لَهُمْ -وَإِنَّمَا هِيَ الخِيَانَةُ الحَقِيرَةُ الصَّغِيرَةُ-، وَذَلِكَ فِي أَيَّام قُسْطَنْطِين -بَانِي المَدِينَةِ المَشْهُورَةِ- وَأَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا عَلَيهِ اخْتِلَافًا لَا يَنْضَبِطُ وَلَا يَنْحَصِرُ، فَكَانُوا أَزْيَدَ مِنْ أَلْفَينِ أُسْقُفًا، فَكَانُوا أَحْزَابًا كَثِيرَةً، كُلُّ خَمْسِينَ مِنْهُمْ عَلَى مَقَالَةٍ، وَعِشْرُونَ عَلَى مَقَالَةٍ، وَمِائَةٍ عَلَى مَقَالَةٍ، وَسَبْعُونَ عَلَى مَقَالَةٍ، وَأَزْيَدَ مِنْ ذَلِكَ وَأَنْقَصَ، فَلَمَّا رَأَى مِنْهُمْ عِصَابَةً قَدْ زَادُوا عَلَى الثَّلَاثِمَائَةِ بِثِمَانِيَةَ عَشَرَ نَفَرًا -وَقَدْ تَوَافَقُوا عَلَى مَقَالَةٍ- فَأَخَذَهَا المَلِكُ وَنَصَرَهَا وَأَيَّدَهَا -وَكَانَ فَيلَسُوفًا دَاهِيَةً- وَمَحَقَ مَا عَدَاهَا مِنَ الأَقْوَال\" (^١).\n- حَدِيثُ: «إِيَّاكُمْ وَالغُلُوّ» تَمَامُهُ هُوَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ -غَدَاةَ العَقَبَةِ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ-: «هَاتِ اُلْقُطْ لِي». فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ -هُنَّ حَصَى الخَذْفِ-، فَلَمَّا وَضَعْتُهُنَّ فِي يَدِهِ قَالَ: «بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، وَإِيَّاكُمْ وَالغُلُوَّ فِي الدِّينِ؛ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الغُلُوُّ فِي الدِّينِ».\nوَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى المَشْرُوعِ وَمُجَاوَزَةَ الحَدِّ يَكُونُ غُلُوًّا، وَأَنَّ الأَصْلَ هُوَ الْتِزَامُ مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هُود: ١١٢]، فَأَمَرَ بِلُزُومِ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ رَبِّهِ وَالمُؤْمِنُونَ دُونَ أَنْ يَتَجَاوَزُوا ذَلِكَ (^٢).\n_________\n(^١) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٢/ ٤٧٩).\n(^٢) قَالَ البَغَوِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٤/ ٢٠٣): \" ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾ لَا تَجَاوَزُوا أَمْرِي وَلَا تَعْصُونِي، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: وَلَا تَغْلُوا فَتَزِيدُوا عَلَى مَا أَمَرْتُ وَنَهَيتُ\".","vol":"1","page":349},{"text":"- قَولُهُ: «هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ» أَي: المُتَعَمِّقُونَ الغَالُونَ المُجَاوِزُونَ الحُدُودَ فِي أَقْوَالِهِم وَأَفْعَالِهِم (^١).\n- قَولُ المُصَنِّفِ ﵀ فِي المَسَائِلِ: \"وَاعْتَقَدُوا أَنَّ مَا نَهَى اللهُ وَرَسُولُهُ عَنْهُ فَهُوَ الكُفْرُ المُبِيحُ لِلدَّمِ وَالمَالِ\" يَعْنِي أَنَّ الَّذِينَ لَمْ يَفَقَهُوا التَّوحِيدَ وَلَمْ يَفْهَمُوا القُرْآنَ وَلَمْ يَعْرِفُوا وَجْهَ كُفْرِ مَنْ سَبَقَ مِنَ الأُمَمِ؛ ظَنُّوا أَنَّ الكُفْرَ وَالشِّرْكَ هُوَ الرِّدَّةُ عَنِ الدِّينِ فَقَط؛ وَهُوَ الَّذِي يُوجِبُ إِبَاحَةَ الدَّمِ وَالمَالِ! وَلَمْ يَفْطَنُوا إِلَى أَنَّ الشِّرْكَ يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ حَتَّى مِنَ الصَّالِحِينَ القَاصِدِينَ لِلقُرْبِ مِنَ اللهِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيهِ المُصَنِّفُ ﵀ فِي التَّرْجَمَةِ بِقَولِهِ: \"هُوَ الغُلُوُّ في الصَالِحِينَ\".\n- فِي البَابِ عِدَّةُ فَوَائِدَ؛ مِنْهَا:\n١ - أنَّ حُسْنَ النِّيَّةِ لَا يُسَوِّغُ العَمَلَ غَيرَ المَشْرُوعِ، لِأَنَّ قَومَ نُوحٍ أَرَادُوا بِاتِّخَاذِ الأَنْصَابِ النَّشَاطَ عَلَى العِبَادَةِ وتَذَكُّرَ أَحْوَالِ هَؤُلَاءِ الصَّالِحِينَ، وَلَمْ يَقْصِدُوا الكُفْرَ بِهِ تَعَالَى!\nقَالَ الإِمَامُ الطَّبريُّ ﵀: \"عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيسٍ ﴿وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ قَالَ: كَانُوا قَومًا صَالِحِينَ بَينَ آدَمَ وَنُوحٍ؛ وَكَانَ لَهُمْ أَتْبَاع يَقْتَدُونَ بِهِمْ، فَلَمَّا مَاتُوا قَالَ أَصْحَابهمُ الَّذِينَ كَانُوا يَقْتَدُونَ بِهِمْ: لَو صَوَّرْنَاهُمْ كَانَ أَشْوَقَ لَنَا إِلَى العِبَادَة إِذَا ذَكَرْنَاهُمْ، فَصَوَّرُوهُمْ فَلَمَّا مَاتُوا وَجَاءَ آخَرُونَ دَبَّ إِلَيهِمْ إِبْلِيسُ؛ فَقَالَ: إِنَّمَا كَانُوا\n_________\n(^١) قَالَهُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (١٦/ ٢٢٠)، وَقَدْ جَعَلَ التَّنَطُّعَ مُتَنَاوِلًا لِلأَفْعَالِ؛ وَلَيسَ كَمَا قَالَ الخَطَّابيُّ ﵀ حَيثُ خَصَّهُ بِالكَلَامِ فَقَط.","vol":"1","page":350},{"text":"يَعْبُدُونَهُمْ، وَبِهِمْ يُسْقَونَ المَطَرَ فَعَبَدُوهُمْ\" (^١).\n٢ - أَنَّ النِّيَّةَ الصَّالِحَةَ لَا تُصَحِّحُ العَمَلَ! إِذْ لَا بُدَّ مَعَ النِّيَّةِ الحَسَنَةِ مِنْ مُوَافَقَةِ الشَّرْعِ.\nكَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَة مَرْفُوعًا: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيهِ أَمْرُنَا؛ فَهُوَ رَدٌّ» (^٢).\n٣ - بَيَانُ أَهَمِّيَّةِ وُجُودِ العُلَمَاءِ فِي النَّاسِ، لِأَنَّ الشَّيطَانَ مَا نَشَطَ إِلَى الدَّعْوَةِ إِلَى الشِّرْكِ إِلَّا عِنْدَمَا فُقِدَ العِلْمُ وَمَاتَ العُلَمَاءُ.\n٤ - فِيهِ أَنَّ مَكْرَ الشَّيطَانِ -فِي هَذَا البَابِ- يَكُونُ مِنْ جِهَتَينِ:\nأ- تَزْيِينِ البَاطِلِ، وَالتَّرْوِيجِ لَهُ بِالدَّعَاوَى الحَسَنَةِ.\nب- التَّدَرُّجِ فِيهِ.\n٥ - فِيهِ كَرَاهَةُ التَّقَعُّرِ فِي الكَلَامِ بِالتَّشَدُّقِ وَتَكَلُّفِ الفَصَاحَةِ وَاسْتِعْمَالِ وَحْشِيِّ اللُّغَةِ وَدَقَائِقِ الإِعْرَابِ فِي مُخَاطَبَةِ العَوَامِ وَنَحْوِهِم؛ حَيثُ هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ!\nوَفِي الحَدِيثِ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! قُولُوا قَولَكُمْ؛ فَإِنَّمَا تَشْقِيقُ الكَلَامِ مِنَ الشَّيطَانِ»، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مِنَ البَيَانِ سِحْرًا» (^٣).\n_________\n(^١) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (٢٣/ ٦٣٩).\n(^٢) مُسْلِمٌ (١٧١٨).\n(^٣) صَحِيحٌ. الأَدَبُ المُفْرَدُ (٨٧٥) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الأَدَبِ المُفْرَدِ (٦٧٥).","vol":"1","page":351},{"text":"<span data-type='title' id=toc-146>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-147> مَسْأَلَةٌ: ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ النَّهْيَ فِي قَولِهِ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ» أَنَّهُ نَهْيٌ عَنْ مِثْلِ إِطْرَاءِ النَّصَارى </span>لِعِيسَى ﵇ فَقَط، يَعْنِي: لَا تُطْرُونِي بِمِثْلِ مَا أَطْرَتِ النَّصَارى ابْنَ مَرْيَم، فَيَكُونُ المَنْهيُّ عَنْهُ هُوَ -فَقَط- أَنْ يُدَّعَى أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ابْنٌ للهِ تَعَالَى (^١)، فَالنَّهْيُ عَنِ الإِطْرَاءِ لَيسَ عَلَى عُمُومِهِ!\nالجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ:\n١ - أَنَّ الكَافَ هُنَا فِي قَولِهِ «كَمَا» هِيَ كَافُ التَّشْبِيهِ (القِيَاسِ)، وَالفَرْقُ بَينَ التَّمْثِيلِ وَالتَّشْبيهِ: أنَّ التَّمْثِيلَ يَعْنِي المُطَابَقَةَ، بَينَمَا التَّشْبِيهُ يَعْنِي الاشْتِرَاكَ فِي أَصْلِ الشَّيءِ -كَالعِلَّةِ فِي الحُكْمِ-، فَيَكُونُ المَنْهيُّ عَنْهُ هُوَ أَصْلُ الإِطْرَاءِ.\nوَيَدُلُّ لِذَلِكَ سِيَاقُ الحَدِيثِ؛ فَقَد أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقُولُوا: «عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ»، وَهَذَا هُوَ المَآلُ مِنَ النَّهْيِّ عَنِ الإِطْرَاءِ، بِخِلَافِ مَا لَو كَانَ النَّهْيُ هُوَ عَنْ ادِّعَاءِ أَنَّهُ ابْنٌ للهِ تَعَالَى فَقَط -وَالَّذِي يَنْبَنِي عَلِيهِ جَوَازُ ادِّعَاءِ صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى عَلَى عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ! وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا هُوَ مِنْ شِرْكِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النَّحْل: ٦٠] (^٢) (^٣).\n_________\n(^١) كَمَا قَالَ قَائِلُهُم البُوصِيرِيُّ فِي قَصِيدَةِ البُرْدَةِ: \"دَعْ مَا ادَّعَتْهُ النَّصَارى فِي نَبِيِّهِم … وَاحْكُمْ بِمَا شِئْتَ مَدْحًا فِيهِ وَاحْتَكِم\".\n(^٢) وَتَقْدِيمُ الجَارِّ وَالمَجْرُورِ فِي قَولِهِ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ يُفِيدُ الحَصَرَ.\n(^٣) كَمَا قَالَ البُوصِيرِيُّ فِي البُرْدَةِ:\n\"يَا أَكْرَمَ الخَلْقِ مَا لِي مَنْ أَلُوذُ بِهِ … سِوَاكَ عِنْدَ حُلُولِ الحَادِثِ العَمَمِ\n=","vol":"1","page":352},{"text":"وَلَا يَخْفَى إِنْ شَاءَ اللهُ أنَّ أَنْوَاعَ الشِّرْكِ كَثِيرْةٌ وَلَيسَتْ مَحْصُورَةً فَقَط بِشِرْكِ النَّصَارى بِاتِّخَاذِ الوَلَدِ! بَلْ إِنَّ أَصْلَ شِرْكِ المُشْرِكِينَ هُوَ ادِّعَاءُ أَنَّ للهِ تَعَالَى شُفَعَاءَ مِنَ الصَّالِحِينَ يَشْفَعُونَ عِنْدَهُ بِغَيرِ إِذْنِهِ لَهُم وَبِغَيرِ رِضَاهُ عَنِ المَشْفُوعِ فِيهِم.\nقَالَ القُرْطُبِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ: \"وَأَمَّا قَولُهُ ﷺ فِي صَحِيحِ الحَدِيثِ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عَيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، وَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ» فَمَعْنَاهُ: لَا تَصِفُونِي بِمَا لَيسَ فِيَّ مِنَ الصِّفَاتِ تَلْتَمِسُونَ بِذَلِكَ مَدْحِي، كَمَا وَصَفَتِ النَّصَارَى عِيسَى بِمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ، فَنَسَبُوهُ إِلَى أَنَّهُ ابْنُ اللهِ فَكَفَرُوا بِذَلِكَ وَضَلُّوا.\nوَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ رَفَعَ امْرَأً فَوقَ حَدِّهِ، وَتَجَاوَزَ مِقْدَارَهُ بِمَا لَيسَ فِيهِ؛ فَمُعْتَدٍ آثِمٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَو جَازَ فِي أَحَدٍ لَكَانَ أَولَى الخَلْقِ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ\" (^١).\n٢ - أنَّ قَولَهُ ﷺ: «فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ» هُوَ مِنْ أَسَالِيبِ اللُّغَةِ فِي الحَصْرِ، أَي: مَا هُوَ إِلَّا عَبْدٌ رَسُولٌ، وَجَاءَ هَذَا الحَصْرُ بَعْدَ فَاءِ التَّعْلِيلِ لِبَيَانِ أَنَّ العِلَّةَ فِي عَدَمِ الإطْرَاءِ هُوَ لِكَونِهِ فَقَط عَبْدٌ رَسُولٌ، فَهُوَ عَبْدٌ لَا يُعبْدُ، وَرَسُولٌ لَا يُكَذَّبُ.\n٣ - قَدْ دَلَّتِ النُّصُوصُ الكَثِيرَةُ مِنَ السُّنَّةِ عَلَى النَّهْي عَنِ الغُلوِّ مُطْلَقًا وَعَنْ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ جَاءَتْ فِي سِيَاقِ المَدْحِ، وَلَكِنْ نُهِيَ عَنْهَا خَوفًا مِمَّا تَكُونُ ذَرِيعَةً إِلَيهِ.\n_________\n=\nإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَعَادِي آخِذًا بِيَدِي … فَضْلًا وَإِلَّا فَقُلْ يَا زَلَّةَ القَدَمِ\nفَإِنَّ مِنْ جُودِكَ الدُّنْيَا وَضَرَّتَهَا … وَمِنْ عُلُومِكَ عِلْمُ اللوحِ وَالقَلَمِ\".\n(^١) تَفْسِيرُ القُرْطُبِيِّ (٥/ ٢٤٧).","vol":"1","page":353},{"text":"وَتَأَمَّلِ الأَحَادِيثَ الآتِيَةَ عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ:\nأ- عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: يَا سَيِّدَنَا وَابْنَ سَيِّدِنَا، وَيَا خَيرَنَا وَابْنَ خَيرِنَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا بِقَولِكُمْ وَلَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ الشَّيطَانُ! أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَرَسُولُ اللهِ. وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنْ تَرْفَعُونِي فَوقَ مَا رَفَعَنِي اللهُ ﷿) (^١).\nب- عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ الشِّخِّيرِ؛ قَالَ: انْطَلَقْتُ فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقُلْنَا: أَنْتَ سَيِّدُنَا. فَقَالَ: «السَّيِّدُ اللهُ ﵎). قُلْنَا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا، وَأَعْظَمُنَا طَولًا. فَقَالَ: «قُولُوا بِقَولِكُمْ أَو بَعْضِ قَولِكُمْ؛ وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيطَانُ» (^٢) (^٣).\nج- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁؛ قَالَ: جاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا خَيرَ البَرِيَّةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ ﵇). رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٤) (^٥).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١٣٥٢٩)، وَالنَّسَائِيُّ فِي الكُبْرَى (١٠٠٠٧). غَايَةُ المَرَامِ (١٢٧).\n(^٢) أَي: لَا يَتَّخِذَنَّكُم الشَّيطَانُ جَرِيًّا لَهُ.\nوَقَالَ ابْنُ الأثير ﵀ فِي كِتَابِهِ النِّهَايَةُ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ (١/ ٧٣٩): \"يُرِيدُ: تَكَلَّمُوا بِمَا يَحْضُرُكُم مِنَ القَولِ، وَلَا تَتَكَلَّفُوهُ كَأَنَّكُم وُكَلَاءُ الشَّيطَانِ وَرُسُلُهُ تَنْطقُونَ عَنْ لِسَانِهِ\".\n(^٣) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٨٠٦). صَحِيحُ أَبِي دَاوُدَ (٤٨٠٦).\n(^٤) مُسْلِمٌ (٢٣٦٩).\n(^٥) وَقَدْ حَكَمَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ بِالشُّذُوذِ لِجُمْلَةِ (قَولِ خَيرِ البَرِيَّةِ) الَّتِي فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ -فِي غَيرِ هَذَا السِّيَاقِ- وَجَرَى عَلَيهَا بَعْضُ الشُّرَّاحِ! وَبَيَّنَ ﵀ أَنَّ صَوَابَهَا (مِنْ خَيرِ قَولِ البَرِيَّةِ) -وَلَا يَخْفَى الفَرْقُ بَينَهُمَا- وَأَنَّ الصَّوَابَ المَحْفُوظَ هُوَ كَمَا فِي أَلْفَاظِ الصَّحِيحَينِ.\nوَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ فِي البُخَارِيِّ (٣٦١١) عَنْ عَلِيٍّ ﵁ مَرْفُوعًا: «يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَومٌ، حُدَثَاءُ الأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحْلامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيرِ قَولِ البَرِيَّةِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، فَأَينَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَومَ القِيَامَةِ».","vol":"1","page":354},{"text":"- فَائِدَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ: إِنَّ تَعْظِيمَ النَّبِيِّ ﷺ غَيرَ المَشْرُوعِ نَوعَان:\nالأَوَّلُ: كُفْرٌ؛ وَهُوَ مَا كَانَ مُخْتَصًّا بِاللهِ تَعَالَى، كَدُعَائِهِ ﷺ وَالاسْتِغَاثَةِ بِهِ فِي الشَّدَائِدِ، وَوَصْفِهِ بِمَا لَا يَتَّصِفُ بِهِ إِلَّا اللهُ.\nالثَّانِي: مَعْصِيَةٌ وَذَرِيعَةٌ إِلَى الشِّرْكِ؛ كَالكَذِبِ عَلَيهِ فِي صِفَاتِهِ، وَاخْتِرَاعِ الآيَاتِ وَالمُعْجِزَاتِ غَيرِ المَرْويَّةِ بِالأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ.","vol":"1","page":355},{"text":"بَابُ مَا جَاءَ مِنَ التَّغْلِيظِ فِيمَنْ عَبَدَ اللهَ عِنْدَ قَبْرِ رَجُلٍ صَالِحٍ؛ فَكَيفَ إِذَا عَبَدَهُ؟!\nفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ كَنِيسَةً رَأَتْهَا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ؛ وَمَا فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ، فَقَالَ: «أُولَئِكَ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوِ العَبْدُ الصَّالِحُ، بَنَوا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ» (^١)، فَهَؤُلَاءِ جَمَعُوا بَينَ الفِتْنَتَينِ: فِتْنَةَ القُبُورِ، وَفِتْنَةَ التَّمَاثِيلِ.\nوَلَهُمَا عَنْهَا؛ قَالَتْ: لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ؛ فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا، فَقَالَ -وَهُوَ كَذَلِكَ-: «لَعْنَةُ اللهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ -يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا-، وَلَولَا ذَلِكَ؛ أُبْرِزَ قَبْرُهُ؛ غَيرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا». أَخْرَجَاهُ (^٢).\nوَلِمُسْلِمٍ عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ -قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ- وَهُوَ يَقُولُ: «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ؛ فَإِنَّ اللهَ قَدْ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَو كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا القُبُورَ مَسَاجِدَ؛ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» (^٣).\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٤٣٤)، وَمُسْلِمٌ (٥٢٨).\n(^٢) البُخَارِيُّ (٤٤٤١)، وَمُسْلِمٌ (٥٢٩).\n(^٣) مُسْلِمٌ (٥٣٢).","vol":"1","page":356},{"text":"فَقَدْ نَهَى عَنْهُ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ لَعَنَ -وَهُوَ فِي السِّيَاقِ- مَنْ فَعَلَهُ، وَالصَّلَاةُ عِنْدَهَا مِنْ ذَلِكَ -وَإِنْ لَمْ يُبْنَ مَسْجِدٌ-، وَهُوَ مَعْنَى قَولِهِ: «خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا»، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَكُونُوا لِيَبْنُوا حَولَ قَبْرِهِ مَسْجِدًا! وَكُلُّ مَوضِعٍ قُصِدَتِ الصَّلَاةُ فِيهِ فَقَدِ اتُّخِذَ مَسْجِدًا، بَلْ كُلُّ مَوضِعٍ يُصَلَّى فِيهِ يُسَمَّى مَسْجِدًا، كَمَا قَالَ ﷺ: «جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (^١).\nوَلِأَحْمَدَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ مَرْفُوعًا: «إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَالَّذِينَ يَتَّخِذُونَ القُبُورَ مَسَاجِدَ». وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِمٍ فِي صَحِيحِهِ (^٢).\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٤٣٨)، وَمُسْلِمٌ (٥٢١) عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا.\n(^٢) صَحِيحٌ. رَوَاهُ أَحْمَدَ (٤٣٤٢) بِتَمَامِهِ فِي المُسْنَدِ. وَالشَّطْرُ الأَوَّلُ مِنْهُ رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٧٠٦٧) تَعْلِيقًا، وَهُوَ فِي مُسْلِمٍ (٢٩٤٩) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِلَفْظِ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ»، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ (٦٨٤٧). وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ تَحْذِيرُ السَّاجِدِ (ص ٢٣).","vol":"1","page":357},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: مَا ذَكَرَ الرَّسُولُ فِيمَنْ بَنَى مَسْجِدًا يُعْبَدُ اللهُ فِيهِ عِنْدَ قَبْرِ رَجُلٍ صَالِحٍ -وَلَو صَحَّتْ نِيَّةُ الفَاعِلِ-.\nالثَّانِيَةُ: النَّهْيُ عَنِ التَّمَاثِيلِ، وَغِلَظُ الأَمْرِ فِي ذَلِكَ.\nالثَّالِثَةُ: العِبْرَةُ فِي مُبَالَغَتِهِ ﷺ فِي ذَلِكَ كَيفَ بَيَّنَ لَهُمْ هَذَا أَوَّلًا، ثُمَّ قَبْلَ مَوتِهِ بِخَمْسٍ قَالَ مَا قَالَ، ثُمَّ لَمَّا كَانَ فِي السِّيَاقِ لَمْ يَكْتَفِ بِمَا تَقَدَّمَ.\nالرَّابِعَةُ: نَهْيُهُ عَنْ فِعْلِهِ عِنْدَ قَبْرِهِ قَبْلَ أَنْ يُوجَدَ القَبْرُ.\nالخَامِسَةُ: أَنَّهُ مِنْ سُنَنِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي قُبُورِ أَنْبِيَائِهِمْ.\nالسَّادِسَةُ: لَعْنُهُ إِيَّاهُمْ عَلَى ذَلِكَ.\nالسَّابِعَةُ: أَنَّ مُرَادَهُ ﷺ تَحْذِيرُهُ إِيَّانَا عَنْ قَبْرِهِ.\nالثَّامِنَةُ: العِلَّةُ فِي عَدَمِ إِبْرَازِ قَبْرِهِ.\nالتَّاسِعَةُ: فِي مَعْنَى اتِّخَاذِهَا مَسْجِدًا.\nالعَاشِرَةُ: أَنَّهُ قَرَنَ بَينَ مَنْ اتَّخَذَهَا وَبَينَ مَنْ تَقُومُ عَلَيهِمُ السَّاعَةُ، فَذَكَرَ الذَّرِيعَةَ إِلَى الشِّرْكِ قَبْلَ وُقُوعِهِ مَعَ خَاتِمَتِهِ.\nالحَادِيَةَ عَشْرَةَ: ذِكْرُهُ فِي خُطْبَتِهِ قَبْلَ مَوتِهِ بِخَمْسٍ: الرَّدُّ عَلَى الطَّائِفَتَينِ اللَّتَينِ هُمَا أَشَرُّ أَهْلِ البِدَعِ، بَلْ أَخْرَجَهُمْ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنَ الثِّنْتَينِ وَالسَّبْعِينَ فِرْقَةً، وَهُمُ الرَّافِضَةُ وَالجَهْمِيَّةُ، وَبِسَبَبِ الرَّافِضَةِ حَدَثَ الشِّرْكُ وَعِبَادَةُ القُبُورِ، وَهُمْ أَوَّلُ مَنْ بَنَى عَلَيهَا المَسَاجِدَ.","vol":"1","page":358},{"text":"الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: مَا بُلِيَ بِهِ ﷺ مِنْ شِدَّةِ النَّزْعِ.\nالثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: مَا أُكْرِمَ بِهِ مِنَ الخِلَّةِ.\nالرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: التَّصْرِيحُ بِأَنَّهَا أَعْلَى مِنَ المَحَبَّةِ.\nالخَامِسَةَ عَشْرَةَ: التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الصِّدِّيقَ أَفْضَلُ الصَّحَابَةِ.\nالسَّادِسَةَ عَشْرَةَ: الإِشَارَةُ إِلَى خِلَافَتِهِ.","vol":"1","page":359},{"text":"<span data-type='title' id=toc-150>الشَّرْحُ</span>\n- مَقْصُودُ المُصَنِّفِ ﵀ مِنَ البَابِ بَيَانُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَنْ فَعَلَ وَسَائِلَ الشَّرْكِ مَلْعُونًا وَمَوصُوفًا بِأَنَّهُ مِنْ شِرارِ الخَلْقِ؛ فكَيفَ بِمَنْ فَعَلَ الشِّرْكَ الأَكْبَرَ؟!\n- إِنَّ الأَدِلَّةَ الَّتِي أَورَدَهَا المُصَنِّفُ هِيَ فِي الصَّلَاةِ، وَلَكنَّهُ عَمَّ بِقَولِهِ: (فِيمَنْ عَبَدَ اللهَ) وَذَلِكَ بِجَامِعِ أَنَّ السَّبَبَ هُوَ التَّعْظِيمُ؛ وَأَنَّ النَّتِيجَةَ هِيَ الشِّرْكُ، فَهِيَ مِنْ بَابِ القِيَاسِ لَا مِنْ بَابِ التَّنْصِيصِ، وَقَدْ مَرَّ مَعَنَا حَدِيثُ النَّهْي عَنِ الذَّبْحِ عِنْدَ الأَوثَانِ، وَهُوَ حَدِيثُ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ فِي بَابِ (لَا يُذْبَحُ للهِ بِمَكَانٍ يُذْبَحُ فِيهِ لِغَيرِ اللهِ) فَلَمْ تُعْتَبَرْ فِيهِ النِّيَّةُ إِذَا كَانَ المَكَانُ يُعْبَدُ فِيهِ غَيرُ اللهِ.\n- اللَّعْنَةُ: هِيَ الطَّرْدُ وَالإِبْعَادُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُم فَعَلُوا كَبِيرَةً مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ.\n- قَولُهَا: (طَفِقَ) مِنْ أَفْعَالِ الشُّرُوعِ، أَي: جَعَلَ وَبَدَأَ.\n- قَولُهُا: (خَمِيصَةً) هُوَ الكِسَاءُ الغَليظُ الَّذِي لَهُ أَعْلَامٌ (خُطُوطٌ).\n- قَولُهُ: (لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى) يَحْتَمِلُ أنَّها خَبَرِيَّةٌ، وَيَحْتَمِلُ أنَّهُ أَرَادَ بِهَا الدُّعَاءَ؛ فَتَكُونُ خَبَرِيَّةً لَفْظًا؛ إِنْشَائِيَّةً مَعْنى.\n- قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: \"وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الكَنِيسَةِ الَّتِي كَانَتْ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ وَمَا فِيهَا مِنَ التَّصَاوِيرِ؛ وَأَنَّهُ ﷺ قَالَ: «كَانُوا إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ؛ أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ»، فَإِنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَو كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي ذَلِكَ الشَّرْعِ مَا أَطْلَقَ","vol":"1","page":360},{"text":"عَلَيهِ ﷺ أَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ شَرُّ الخَلْقِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ فِعْلَ صُوَرِ الحَيَوَانِ فِعْلٌ مُحْدَثٌ أَحْدَثَهُ عُبَّادُ الصُّوَرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ\" (^١).\n- قَولُهُ: «اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» إنَّ اتِّخَاذَ القُبُورِ مَسَاجِدَ يَكُونُ عَلَى أَحَدِ ثَلَاثِ صُوَرٍ (^٢):\n١ - أَنْ يَسْجُدَ عَلَى القَبْرِ، يَعْنِي: يَجْعَلُ القَبْرَ مَكَانَ سُجُودِهِ.\nوَهَذِهِ الصُّورَةُ فِي الوَاقِعِ لَمْ تَحْصُلْ بِانْتِشَارٍ، لِأَنَّ قُبُورَ الأَنْبِيَاءِ فِي اليَهُودِ وَالنَّصَارَى لَمْ تَكُنْ مُبَاشِرةً لِلنَّاسِ بِحَيثُ يُمْكِنُ أَنْ يَصِلُوا إِلَى القَبْرِ وَأنْ يَسْجُدوا فَوقَهُ! بَلْ كَانُوا يُعَظِّمُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِم؛ فَلَا يُصَلُّون عَلَيهَا مُبَاشَرَةً.\n٢ - أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى القَبْرِ، فَيَكُونَ القَبْرُ أَمَامَهُ يُصَلِّي إِلَيهِ (^٣).\n٣ - أَنْ يَتَّخِذَ القَبْرَ مَسْجِدًا، بِأَنْ يَجْعَلَ القَبْرَ فِي دَاخِلِ بِنَاءِ المَسْجِدِ؛ فَيَتَّخِذَ ذَلِكَ المَكَانَ لِلتَّعَبُّدِ وَالصَّلَاةِ فِيهِ، وَهِيَ الصُّورَةُ الأَعَمُّ، وَعَلَيهَا صُورَةُ النَّهْي فِي حَدِيثِ: «أُولَئِكَ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوِ العَبْدُ الصَّالِحُ؛ بَنَوا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا».\nقَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ الأُمُّ (١/ ٣١٧): \"وَأَكْرَهُ أَنْ يُبْنَى عَلَى القَبْرِ مَسْجِدٌ؛ وَأَنْ يُسَوَّى، أَو يُصَلَّى عَلَيهِ وَهُوَ غَيرُ مُسَوَّى -يَعْنِي أَنَّهُ ظَاهِرٌ مَعْرُوفٌ- أَو يُصَلَّى إِلَيهِ.\nقَالَ: وَإِنْ صَلَّى إِلَيهِ أَجْزَأَهُ؛ وَقَدْ أَسَاءَ. أَخْبَرَنَا مَالِكٌ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:\n_________\n(^١) فَتْحُ البَارِي (١٠/ ٣٨٢).\n(^٢) وَكُلُّهَا مَشْمُولَةٌ بِعُمُومِ قَولِهِ: «اتَّخَذُوا»، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الاتِّخَاذَ أَعَمُّ مِنَ البِنَاءِ.\n(^٣) هَذَا وَقَدْ دَلَّتِ الشَّرِيعَةُ عَلَى النَّهْي عَنْ هَذَا النَّوعِ وَمَا قَبْلَهُ، كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا عِنْدَ الطَّبرانِيِّ فِي الكَبِيرِ (١١/ ٣٧٦): «لَا تُصَلُّوا إِلَى قَبْرٍ، ولَا تُصَلُّوا عَلَى قَبْرٍ». صَحِيحُ الجَامِعِ (٧٣٤٨).","vol":"1","page":361},{"text":"«قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِم مَسَاجِدَ»، قَالَ: وَأَكْرَهُ هَذَا لِلسُّنَّةِ وَالآثَارِ، وَأنَّهُ كَرِهَ -وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ- أَنْ يُعَظَّمَ أَحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ -يَعْنِي: يُتَّخَذَ قَبْرُهُ مَسْجِدًا-؛ وَلَمْ تُؤْمَنْ فِي ذَلِكَ الفِتْنَةُ وَالضَّلَالُ\" (^١).\n- قَولُهَا: (لأُبْرِزَ): أَي: لَأُخْرِجَ مِنْ بيتِهِ وَدُفِنَ مَعَ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ فِي البَقِيعِ (^٢).\n- قَولُهَا: (غَيرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا) فِيهَا رِوَايَتَانِ -كَمَا فِي البُخَارِيِّ-: (خُشِيَ) بِالضَّمِّ، أَي: مِنْ جِهَةِ الصَّحَابَةِ، وَبِالفَتْحِ، أَي: مِنْ جِهَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَبِهَذَا الأَخِيرِ يُعْلَمُ أَنَّ الدَّفْنَ فِي البَيتِ تَمَّ بِتَوقِيفٍ مِنْهُ ﷺ.\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: \"وَكَأَنَّهُ ﷺ عَلِمَ أَنَّهُ مُرْتَحِلٌ مِنْ ذَلِكَ المَرَضِ؛ فَخَافَ أَنْ يُعَظَّم قَبْرُهُ كَمَا فَعَلَ مَنْ مَضَى؛ فَلَعَنَ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى إِشَارَةً إِلَى ذَمِّ مَنْ يَفْعَلُ فِعْلهمْ\" (^٣).\n- إِنَّ سَبَبَ دَفْنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَيتِهِ أَمْرَان:\n١ - حَدِيثُ البَابِ، وَفِيهِ: (ولَولَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ).\n٢ - حَدِيثُ: «مَا قَبَضَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا فِي المَوضِعِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُدْفَنَ فِيهِ» (^٤).\nقُلْتُ: وَهَذَا الدَّفْنُ فِي البَيتِ هُوَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ الأَنْبِياءِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِم وَسَلَّمَ، وَإلَّا فَالأَصْلُ الدَّفْنُ فِي المَقَابِرِ وَعَدَمُ الدَّفْنِ فِي البُيُوتِ، كَمَا فِي صَحِيحِ\n_________\n(^١) الأُمُّ (١/ ٣١٧).\n(^٢) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (٣/ ٢٠٠): \"أَي: لَكُشِفَ قَبْرُ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يُتَّخَذ عَلَيهِ الحَائِلُ، وَالمُرَادُ الدَّفْنُ خَارِجَ بَيتِهِ\".\n(^٣) فَتْحُ البَارِي (١/ ٥٣٢).\n(^٤) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (١٠١٨) عَنْ أَبِي بَكْرٍ مَرْفُوعًا، صَحِيحُ التِّرْمِذِيِّ (١٠١٨).","vol":"1","page":362},{"text":"مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُم مَقَابِرَ» (^١).\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: \"فَإِنَّ ظَاهِرَهُ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنِ الدَّفْنِ فِي البُيُوتِ مُطْلَقًا\" (^٢).\n- قَولُهُ: «خَلِيلًا» الخُلَّةُ -بِالضَّمِّ-: الصَّدَاقَةُ وَالمَحَبَّةُ الَّتِي تَخَلَّلَتِ القَلْبَ فَصَارَتْ خِلَالَهُ: أَي: فِي بَاطِنِهِ (^٣).\n- فَائِدَةٌ ١: الخُلَّةُ أَعْلَى دَرَجَةً مِنَ المَحَبَّةِ، وَبِذَلِكَ يَظْهَرُ خَطَأُ مَنْ فَرَّقَ وَجَعَلَ إِبْرَاهِيمَ ﵇ خَلِيلَ اللهِ؛ وَمُحَمَّدًا ﷺ حَبِيبَ اللهِ! فَإِنَّ الخُلَّةَ أَعْلَى مِنَ المَحَبَّةِ.\nوَلِذَلِكَ فَفِي رِوَايَةٍ لِلبُخَارِيِّ (^٤): «لَو كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ؛ وَلَكِنْ أَخِي وَصَاحِبِي»، والنَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّهُ يُحِبُّ أَبَا بَكْرٍ وَمُعَاذًا وَغَيرَهُم؛ وَمَعْ ذَلِكَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُمُ الخُلَّةَ! لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى اتَّخَذَهُ خَلِيلًا، فمَنْ نَفَاهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَجَعَلَ لَهُ صِفَةَ الحَبيبِ فَقَط فَقَدْ هَضَمَهُ مَنْزِلَتَهُ (^٥).\n_________\n(^١) مُسْلِمٌ (٧٨٠).\n(^٢) فَتْحُ البَارِي (١/ ٥٣٠).\n(^٣) النِّهَايَةُ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ (٢/ ١٤٥).\n(^٤) البُخَارِيُّ (٣٦٥٦).\n(^٥) وَفِي التِّرْمِذِيِّ (٣٦١٦) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللهِ -وَهُوَ كَذلِكَ-، وَمُوسَى نَجِيُّ اللهِ اللهِ -وَهُوَ كَذلِكَ-، وَعِيسَى رُوحُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ اللهِ -وَهُوَ كَذلِكَ-، وَآدَمُ اصْطَفَاهُ اللهُ -وَهُوَ كَذلِكَ-، أَلَا وَأَنَا حَبِيبُ اللهِ -وَلَا فَخْرَ-» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ). ضَعِيفٌ. ضَعِيفُ التِّرْمِذِيِّ (٣٦١٦). قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٢/ ٤٢٣): \"وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَلِبَعْضِهِ شَوَاهِدُ فِي الصِّحَاحِ\".\nقَالَ الشَّيخُ مُقْبِلُ الوَادِعِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ الشَّفَاعَةُ (ص ٤٣): \"الحَدِيثُ فِي سَنَدِهِ زَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ؛ وَهُوَ\n=","vol":"1","page":363},{"text":"- فَائِدَةٌ ٢: البِنَاءُ عَلَى القُبُورِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ.\nكَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ جابرٍ مَرْفُوعًا: \"سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُقْعَدَ عَلَى القَبْرِ وَأَنْ يُقَصَّصَ [يُجَصَّصَ] وَيُبْنَى عَلَيهِ\" (^١).\nوَلِذَلِكَ كَانَ قَبْرُ أَفْضَلِ البَشَرِ غَيرَ مَبْنِيٍّ، كَمَا فِي البُخَارِيِّ: بَابُ مَا جَاءَ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، عَنْ سُفْيَانَ التَّمَّارِ: \"أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ مُسَنَّمًا\" (^٢).\nوَكَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁: \"أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُلْحِدَ لَهُ لَحْدٌ، وَنُصِبَ اللَّبِنُ نَصْبًا، وَرُفِعَ قَبْرُهُ مِنَ الأَرْضِ نَحْوًا مِنْ شِبْرٍ\" (^٣).\nوَفِي التِّرْمِذِيِّ عَقِبَ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁: «ولَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيتَهُ» قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: \"أَكْرَهُ أَنْ يُرْفَعَ القَبْرُ إِلَّا بِقَدْرِ مَا نَعْرِفُ أَنَّه قَبْرٌ لِكَي لَا يُوطَأَ وَلَا يُجْلَسَ عَلَيهِ\" (^٤).\n_________\n=\nضَعِيفٌ كَمَا فِي التَّقْرِيبِ، وَسَلَمَةُ بْنُ وَهْرَام، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ: رَوَى أَحَادِيثَ مَنَاكِيرَ أَخْشَى أَنْ يَكُونَ ضَعِيفًا ....، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ هَذَا الحَدِيثِ أنَّ فِي الصَّحِيحِ: «إِنَّ اللهَ قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا» \".\n(^١) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُد. صَحِيحُ أَبِي دَاوُدَ (٢٧٦٢).\n(^٢) البُخَارِيِّ (٢/ ١٠٢).\nوَسُفْيَانُ هَذَا هُوَ مِنْ كِبَارِ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ. فَتْحُ البَارِي (٣/ ٢٥٧).\n(^٣) رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ (٦٦٣٥)، وَالبَيهَقِيُّ فِي الكُبْرَى (٦٧٣٦). وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ؛ كَمَا قَالَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ أَحْكَامُ الجَنَائِزِ (ص ١٥٣).\n(^٤) التِّرْمِذِيُّ (٢/ ٣٥٨).","vol":"1","page":364},{"text":"<span data-type='title' id=toc-151>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-152> المَسْأَلَةُ الأُولَى: إِذَا كَانَتِ الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدٍ فِيهِ قَبْرٌ مَمْنُوعَةٌ!</span> فَمَا الجَوَابُ عَنْ كَونِ النَّبِيِّ ﷺ دُفِنَ فِي بَيتِهِ؛ رُغْمَ أَنَّ فِي البَيتِ عَائِشَةَ ﵂، وَلَمْ يُنقلْ أَنَّهَا كَانَتْ تَتَحَرَّجُ مِنَ الصَّلَاةِ هُنَاكَ؟!\nالجَوَابُ مِنْ عِدَّةِ جِهَاتٍ:\n١ - أَنَّ هَذَا لَيسَ صَرِيحًا فِي الجَوَازِ، فَلَيسَ هُنَاكَ نَصٌّ صَرِيحٌ فِي إِثْبَاتِ كَونِ عَائِشَةَ ﵂ كَانَتْ تَصَلِّي عِنْدَ القَبْرِ! فَيَبْقَى الأَمْرُ عَلَى أَصْلِ النَّهْي.\n٢ - أنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَتَحَرَّجُونَ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ، كَمَا ثَبَتَ أَنَّ أَنَسًا ﵁؛ قَالَ: (قُمْتُ يَومًا أُصَلِّي -وَبَينَ يَدِيَّ قَبْرٌ لَا أَشْعُرُ بِهِ-، فَنَادَانِي عُمَرُ: القَبْرَ! القَبْرَ! فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَعْنِي القَمَرَ، فَقَالَ لِي بَعْضُ مَنْ يِلِينِي: إِنَّمَا يَعْنِي القَبْرَ، فَتَنَحَّيتُ عَنْهُ) (^١).\n٣ - أَنَّهُ وَرَدَ مَا يُشِيرُ إِلَى المَنْعِ مِنْ ذَلِكَ، حَيثُ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ جَعَلَتْ جِدَارًا فِي بَيتِهَا يِفْصِلُ بَينَهَا وَبَينَ القَبْرِ، كَمَا فِي طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ عَنِ الإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ؛ يَقُولُ: \"قُسِمَ بَيتُ عَائِشَةَ بِاثْنَينِ: قِسْمٍ كَانَ فِيهِ القَبْرُ، وَقِسْمٍ تَكُونُ فِيهِ عَائِشَةُ، وَبَينَهُمَا حَائِطٌ\" (^٢).\n_________\n(^١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١/ ٩٣) مُعَلَّقًا، وَوَصَلَهُ الحَافِظُ، وَهُوَ عِنْدَ البَيهَقِيِّ فِي الكُبْرَى (٤٢٧٧)، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ (١٥٨١) وَغَيرُهُ، وَصَحَّحَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ تَحْذِيرُ السَّاجِدِ (ص ٣٥).\n(^٢) طَبَقَاتُ ابْنِ سَعْدٍ (٢/ ٢٩٤).\nقُلْتُ: فَإِذَا كَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ صَنَعَتْ ذَلِكَ الحَاجِزَ بينَهَا وَبَينَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَكَيفَ بِمَنْ يَجْعَلُ القَبْرَ فِي المَسْجِدِ، وَيَتَحَرَّى الصَّلَاةَ إِلَيهِ!!","vol":"1","page":365},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-153> المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا كَانَتِ الصَّلَاةُ لَا تَجُوزُ فِي المَقَابِرِ؛ فَمَا الجَوَابُ عَنْ أَحَادِيثِ صَلَاةِ الجَنَازَةِ فِي المَقْبَرَةِ؟!</span>\nوَمِنْهَا: صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، وَعَلَى المَرْأَةِ الَّتِي كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ.\nالجَوَابُ:\n١ - إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنَ النَّهْي، لِثُبُوتِهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.\n٢ - إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ -وَإِنْ كَانَتْ تُسَمَّى صَلَاةً شَرْعًا-؛ فَهِيَ لَيسَ فِيهَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ! وَإِنَّمَا هِيَ الدُّعَاءُ لِلمَيِّتِ، فَاخْتَلَفَتْ عَنِ الصَّلَاةِ الَّتِي نُهيَ عَنْهَا أَصْلًا مِنْ جِهَةِ الهَيئَةِ.\nوَعَلَى ذَلِكَ لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ وَجْهٌ لِلنَّهْي، وَهُوَ المُشَابَهَةُ الَّتِي تَكُونُ ذَرِيعَةً إِلَى الشِّرْكِ (^١).\n٣ - يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ أَيضًا: إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَمَّا كَانَتْ خَالِيَةً مِنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؛ فَإِنَّهُ لَيسَ فِيهَا مَا يُشْعِرُ بِتَعْظِيمِ المَيِّتِ، وإنَّمَا بِعَكْسِ ذَلِكَ، فَهِيَ تُشْعِرُ بِأَنَّ هَذَا المَيِّتَ بِحَاجَةٍ إِلَى مَنْ يَنْفَعُهُ، فَاخْتَلَفَتْ عَنِ الصَّلَاةِ الَّتِي نُهيَ عَنْهَا أَصْلًا مِنْ جِهَةِ العِلَّةِ أَيضًا؛ حَيثُ لَمْ تُوجَدْ هُنَا عِلَّةُ النَّهْي وَهِيَ ذَرِيعَةُ الشِّرْكِ.\nفَاخْتَلَفَتِ الصَّلَاتَانِ مِنْ حَيثُ الوَصْفِ وَالعِلَّةِ. وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ.\n_________\n(^١) وَقَدْ مَرَّ مَعَنَا فِي بَابِ (لَا يُذْبَحُ للهِ بِمَكَانٍ يُذْبَحُ فِيهِ لِغَيرِ اللهِ) أنَّ اخْتِلَافَ هَيئَةِ العِبَادَةِ مُؤَثِّرٌ فِي جَوَازِهَا فِي بَعْضِ أَمَاكِنِ النَّهْي.","vol":"1","page":366},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-154> المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَولُهُ: «إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ» فِيهِ أَنَّهُم مِنْ شِرَارِ النَّاسِ! وَهَذَا مُشْكِلٌ </span>مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ جَاءَ وَصْفُ الطَّائِفَةِ المَنْصُورَةِ بِأَنَّهُ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الحَقِّ مَنْصُورَةٌ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ»!\nفَمَا التَّوفِيقُ بَينَ الحَدِيثَينِ؟\nالجَوَابُ:\nإِنَّ المُرَادَ بِقَولِهِ: «حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» أَي: إِلَى قُرْبِ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَلَيسَ إِلَى قِيَامِهَا بِالفِعْلِ، لِأنَّهَا لَا تَقُومُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ الخَلْقِ، فَاللهُ تَعَالَى يُرْسِلُ رِيحًا تَقْبِضُ نَفْسَ كُلِّ مُؤْمِنٍ، وَلَا يَبْقَى إِلَّا شِرَارُ الخَلْقِ (^١)، وَعَلَيهِم تَقُومُ السَّاعَةُ، وَكَمَا فِي لَفْظٍ لِلبُخَارِيِّ: «حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ» (^٢).\nوَيُمْكِنُ القَولُ أَيضًا بِأَنَّ المَقْصُودَ بِقِيَامِ السَّاعَةِ عَلَى الطَّائِفَةِ هُوَ مَوتُهُم، وَكَمَا رُوِيَ أَنَّ: «مَنْ مَاتَ فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُهُ» وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ، وَالأَوَّلُ أَولَى (^٣).\n_________\n(^١) كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٢٩٠٧) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ مَرْفُوعًا: «لَا يَذْهَبُ اللَّيلُ وَالنَّهْارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللَّاتُ وَالعُزَّى». فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ كُنْتُ لَأَظنُّ حِينَ أَنْزَلَ اللهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التَّوبَة: ٣٣] أَنَّ ذَلِكَ تَامًّا. قَالَ: «إنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَتَوَفَّى كُلَّ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إيمَانٍ؛ فَيَبْقَى مَنْ لَا خَيرَ فيهِ فَيَرْجِعُونَ إِلَى دِينِ آبَائِهِم».\n(^٢) البُخَارِيُّ (٧٣١١) عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ مَرْفُوعًا.\n(^٣) ضَعِيفٌ. حِلْيَةُ الأَولِيَاءِ (٦/ ٢٦٧) عَنْ أَنَسٍ. الضَّعِيفَةُ (١١٦٦).","vol":"1","page":367},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-155> المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: زَعَمَ بَعْضُهُم أَنَّ النَّهْيَ عَنِ اتِّخَاذِ القُبُورِ مَسَاجِدَ هُوَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ القُبُورَ تَتَنَجَّسُ بِسَبَبِ مَا فِيهَا</span>؛ وَعَلَيهِ يُحْمَلُ سَبَبُ تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ فِيهَا، لِذَلِكَ إِذَا كَانَتِ القُبُورُ قَدِيمَةً مُنْدَرِسَةً؛ فَلَا بَأْسَ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهَا لِزَوَالِ العِلَّةِ! فَمَا الجَوَابُ؟\nالجَوَابُ:\nدَعْوَى أَنَّ العِلَّةَ هِيَ النَّجَاسَةُ مَرْدُودٌ مِنْ أَوجُهٍ، وَبِرَدِّهَا يَبْقَى النَّهْيُ قَائِمًا (^١).\nوَالأَوجُهُ هِيَ:\n١ - أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي النُّصُوصِ أَبَدًا مَا يَدُلُّ عَلَى النَّجَاسَةِ أَو يُومِئُ إِلَيهَا.\n٢ - أَنَّهُ إِنْ كَانَ المَيِّتُ مُسْلِمًا فَهُوَ لَيسَ بِنَجِسٍ أَبَدًا، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «إِنَّ المُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ» (^٢) (^٣).\nوَإِنْ قِيلَ بِنَجَاسَتِهِ مَيِّتًا فَقَط فَلَا يُقَالُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الأَنْبِيَاءِ (^٤)، وَقَدْ وَرَدَتِ النُّصُوصُ بِذَمِّ أَهْلِ الكِتَابِ لِاتِّخَاذِهِم المَسَاجِدَ عَلَى قُبُورِ أَنْبِيَائِهِم.\n_________\n(^١) وَعَلَى فَرْضِ كَونِ النَّجَاسَةِ هِيَ عِلَّةٌ فِي النَّهْي؛ فَهَذَا لَا يَعْنِي أَنَّهَا وَحْدَهَا العِلَّةُ! لِذَلِكَ فَإِنَّ انْتِفَاءَهَا لَا يَعْنِي زَوَالَ النَّهْي.\n(^٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢٨٥)، وَمُسْلِمٌ (٣٧١) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.\n(^٣) وَقَدْ رَدَّ بَعْضُهُم عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّهُ يَنْجُسُ بِدَلِيلِ الأَمْرِ بِغَسْلِهِ قَبْلَ الدَّفْنِ!\nقُلْتُ: وَهُوَ رَدٌّ عَلَيهِم، لِأَنَّهُ يُقَالُ بِأَنَّ هَذَا الغَسْلَ لَهُ قَدْ أَذْهَبَ نَجَاسَتَهُ -عَلَى فَرْضِ النَّجَاسَةِ-، عَدَا عَنْ كَونِ الأَمْرِ بِالغَسْلِ لَا يَدُلُّ عَلَى النَّجَاسَةِ!\nفَعِنْدَ الحَاكِمِ (١٤٢٦) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «لَيسَ عَلَيكُمْ فِي غَسْلِ مَيِّتِكُمْ غُسْلٌ إِذَا غَسَّلْتُمُوهُ؛ فَإِنَّ مَيِّتَكُمْ لَيسَ بِنَجَسٍ! فَحَسْبُكُمْ أَنْ تَغْسِلُوا أَيدِيَكُمْ». صَحِيحٌ. صَحِيحُ الجَامِعِ (٥٤٠٨).\n(^٤) عَنْ أَوسِ بْنِ أَوسٍ مَرْفُوعًا: «إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ». صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (١٥٣١). صَحِيحُ الجَامِعِ (٢٢١٢).","vol":"1","page":368},{"text":"٣ - أَنَّهُ لَو كَانَتِ العِلَّةُ النَّجَاسَةَ لَمَا جَازَتْ صَلَاةُ الجَنَازَةِ فِي المَقَابِرِ أَيضًا (^١).\n٤ - أنَّ النُّصُوصَ النَّبَوِيَّةَ دَلَّتْ عَلَى أنَّ العِلَّةَ فِي النَّهْي هِيَ تَعْظِيمُ الصَّالِحِينَ (^٢)، حَيثُ قَرَنَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَدِيثِهِ عَنِ النَّصَارى بَينَ أُمُورٍ هِيَ: (كَنِيسةُ النَّصَارَى، العَبْدُ الصَّالِحُ، بَنَوا عَلَى قَبْرِهِ، صَوَّرُوا) فَالجَمْعُ بَينَ البِنَاءِ وَالتَّصْوِيرِ وَالصَّلَاحِ هُوَ لِدِلَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ التَّعْظِيمُ، وَقَدْ عُلِمَ قَولُهُ تَعَالَى عَنْهُم: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [النِّسَاء: ١٧١].\nوَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا؛ لَعَنَ اللهُ قَومًا اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» (^٣).\nقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: \"وَأَكْرَهُ أَنْ يُعَظَّمَ مَخْلُوقٌ حَتَّى يُجْعَلَ قَبْرُهُ مَسْجِدًا: مَخَافَةَ الفِتْنَةِ عَلَيهِ وَعَلَى مَنْ بَعْدِهُ مِنَ النَّاسِ\" (^٤).\n_________\n(^١) وَصَلَاةُ الجَنَازَةِ تَجُوزُ فِي المَسَاجِدِ، فَإِذَا كَانَ المَيِّتُ نَجِسًا فَلَا يَصِحُّ أَنْ تُدْخَلَ الجَنَازَةُ إِلَى المَسْجِدِ!\nوَأَيضًا لَا يَخْفَى حَدِيثُ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ قَبْرِ المَرْأَةِ السَّودَاءِ الَّتِي كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤٦٠)، وَمُسْلِمٌ (٩٥٦).\n(^٢) كَمَا أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُضَافُ لِذَلِكَ عِلَّةٌ أُخْرَى وَهِيَ التَّشَبُّهُ بِالنَّصَارَى.\n(^٣) صَحِيحٌ. مُسْنَدُ أَحْمَدَ (٧٣٥٨) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. تَحْذِيرُ السَّاجِدِ (ص ٢٢).\n(^٤) أَورَدَهُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي المَجْمُوعِ (٥/ ٣١٤).\nوَقَالَ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (٥/ ١٣): \"قَالَ العُلَمَاء: إِنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ اتِّخَاذِ قَبْرِهِ وَقَبْرِ غَيرِهِ مَسْجِدًا خَوفًا مِنَ المُبَالَغَة فِي تَعْظِيمِهِ وَالِافْتِتَانِ بِهِ، فَرُبَّمَا أَدَّى ذَلِكَ إِلَى الكُفْرِ كَمَا جَرَى لِكَثِيرٍ مِنَ الأُمَمِ الخَالِيَةِ. وَلَمَّا احْتَاجَتِ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيهِمْ أَجْمَعِينَ وَالتَّابِعُونَ إِلَى الزِّيَادَة فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ كَثُرَ المُسْلِمُونَ، وَامْتَدَّتِ الزِّيَادَةُ إِلَى أَنْ دَخَلَتْ بُيُوتُ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ فِيهِ -وَمِنْهَا حُجْرَةُ عَائِشَةَ ﵂؛ مَدْفِنُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَصَاحِبَيهِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄؛ بَنَوا عَلَى القَبْرِ حِيطَانًا مُرْتَفِعَةً مُسْتَدِيرَةً حَولَهُ لِئَلَّا يَظْهَر فِي المَسْجِدِ فَيُصَلِّي إِلَيهِ العَوَامُّ وَيُؤَدِّي المَحْذُورِ، ثُمَّ بَنَوا جِدَارَينِ مِنْ\n=","vol":"1","page":369},{"text":"قُلْتُ: وَلَا يَخْفَى مَا قَالَهُ أَهْلُ العِلْمِ فِي التَّفْسِيرِ عَنْ قِصَّةِ أَوثَانِ قَومِ نُوحٍ أنَّهُم عَكَفُوا عَلَى قُبُورِهِم، ثُمَّ عَبَدُوهُم.\n٥ - إِذَا كَانَتِ العِلَّةُ نَجَاسَةُ المَيِّتِ؛ فَلَا يَصِحُّ النَّهْيُ لِوُجُودِ القَدْرِ الكَبِيرِ مِنَ التُّرَابِ بَينَ سَطْحِ الأَرْضِ وَبَينَ المَيِّتِ (^١).\nوَأَخِيرًا؛ فَيُمْكِنُ القَولُ بِأَنَّ العِلَّةَ هِيَ النَّجَاسَةُ الحَاصِلَةُ بالشِّرْكِ، وَهِيَ نَجَاسَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ بَاقِيَةٌ لَا تَتَغَيَّرُ بِالاسْتِحَالَةِ كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التَّوبَة: ٢٨] (^٢).\n_________\n=\nرُكْنَي القَبْرِ الشَّمَالِيَّينِ، وَحَرَّفُوهُمَا حَتَّى التَقَيَا حَتَّى لَا يَتَمَكَّنَ أَحَدٌ مِنِ اسْتِقْبَالِ القَبْرِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الحَدِيثِ: «لَولَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذ مَسْجِدًا». وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَم بِالصَّوَابِ\".\nتَنْبِيهٌ: عَزُو إِدْخَالِ الحُجْرَةِ فِي المَسْجِدِ إِلَى الصَّحَابةِ لَا يَثْبُتُ؛ كَمَا أَوضَحَهُ الحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الهَادِي ﵀ فِي كِتَابِهِ الصَّارِمُ المُنْكِي (ص ١٥١).\nقُلْتُ: وَفِي (إِكْمَالُ المُعْلِمِ) (٢/ ٢٥٢) شَرْحُ مُسْلِمٍ لِلقَاضِي عِيَاض: \"وَلِهَذَا لَمَّا احْتَاجَ المُسْلِمُونَ إِلَى الزِّيَادَةِ فِي مَسْجِدِهِ ﷺ لِتَكَاثُرِهِم بِالمَدِينَةِ، وَامْتَدَّتِ الزِّيَادَةُ إِلَى أَنْ أُدْخِلَ فِيهَا بُيُوتَ أَزْوَاجِهِ\" فَلَمْ يَذْكُرِ الصَّحَابَةَ؛ فَتَنَبَّهْ.\n(^١) وَفِي البُخَارِيِّ (١٨٦٨) قِصَّةُ نَبْشِ قُبُورِ المُشْرِكِينَ لِبِنَاءِ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، فَلَمْ يَأْمُرِ النَّبِيُّ ﷺ بإزَالَةِ التُّرَابِ الَّذِي يُفْتَرَضُ أَنْ يَكُونَ هُوَ مَظِنَّةَ التَّنَجُّسِ!\n(^٢) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (٣/ ٢٠٨): \"وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ المَنْعَ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ حَالَ خَشْيَةِ أَنْ يُصْنَعَ بِالقَبْرِ كَمَا صَنَعَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لُعِنُوا، وَأَمَّا إِذَا أُمِنَ ذَلِكَ فَلَا امْتِنَاعَ، وَقَدْ يَقُولُ بِالمَنْعِ مُطْلَقًا مَنْ يَرَى سَدَّ الذَّرِيعَةِ -وَهُوَ هُنَا مُتَّجِهٌ قَوِيٌّ-\".\nقَالَ الشَّيخُ ابْنُ بَازٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الفَتْحِ: \"بَلْ هَذَا هُوَ الحَقُّ، لِعُمُومِ الأَحَادِيثِ الوَارِدَةِ بِالنَّهْي عَنِ اتِّخَاذِ القُبُورِ مَسَاجِدَ، ولَعْنِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ بِنَاءَ المَسَاجِدِ عَلَى القُبُورِ مِنْ أَعْظَمِ وَسَائِلِ الشِّرْكِ بِالمَقْبُورِينَ فِيهَا. وَاللهُ أَعْلَمُ\".\nقُلْتُ: وَالشِّرْكُ لَمْ يُؤْمَنْ عَلَى أَصْحَابِهِ ﷺ فَكَيفَ بِغَيرِهِم! وَفِي الحَدِيثِ: «أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيكُم\n=","vol":"1","page":370},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-156> المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: إِنَّ النُّصُوصَ السَّابِقَةَ دَلَّتْ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَلَكِنْ حَمَلَهَا بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى الكَرَاهَةِ</span>؛ كَالشَّافِعِيِّ ﵀ حَيثُ قَالَ: \"وَأَكْرَهُ أَنْ يُعَظَّمَ مَخْلُوقٌ حَتَّى يُجْعَلَ قَبْرُهُ مَسْجِدًا: مَخَافَةَ الفِتْنَةِ عَلَيهِ وَالضَّلَالِ وَعَلَى مَنْ بَعْدِهُ مِنَ النَّاسِ! \" (^١)، فَمَا الجَوَابُ؟\nالجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ:\n١ - إِنَّ القَولَ بِكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ عَلَى المَعْنَى الاصْطِلَاحِيِّ لِلكَرَاهَةِ -أَي: الَّذِي لَا يَأْثَمُ فَاعِلُهُ، وَيُثَابُ تَارِكُهُ للهِ- غَيرُ مُسْتَقِيمٍ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى التَّحْرِيمِ، بَلْ وَأَشَدِّ التَّحْرِيمِ، وَدَلَّتْ لِذَلِكَ أَلْفَاظُ الحَدِيثِ وَفِيهِ: (اللَّعْنُ، شِرَارُ النَّاسِ) فَهِيَ مِنْ أَلْفَاظِ الكَبَائِرِ كَمَا لَا يَخْفَى.\n٢ - إِنَّ العُلَمَاءَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا بِالكَرَاهَةِ إنَّمَا قَصَدُوا التَّحْرِيمَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ أَلْفَاظَ السَّلَفِ هِيَ أَلْفَاظُ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ -اللَّهُمَّ إِلَّا لِقَرِينَةٍ يَدُلُّ عَلَيهَا السِّيَاقُ-، وَأَمَّا الكَرَاهَةُ عِنْدَنَا -اليَومَ- فَهَذِهِ كَرَاهَةٌ اصْطَلَحَ عَلَيهَا المُتَأَخِّرُونَ لِلتَّفْرِيقِ فِي النَّهْي بَينَ مَا يَأْثَمُ فَاعِلُهُ وَمَا لَا يَأْثَمُ، وَلَو رُحْتَ تَسْتَعْرِضُ نُصُوصَ القُرْآنِ فِي الكَرَاهَةِ لَتَبَيَّنَ لَكَ ذَلِكَ، وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحُجُرَات: ٧] (^٢).\n_________\n=\nالشِّرْكُ الأَصْغَرُ» صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٣٦٣٠) عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٩٥١).\nبَلْ إِبْرَاهِيمُ نَفْسُهُ ﷺ قَالَ تَعَالَى عَنْهُ: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إِبْرَاهِيم: ٣٥] فَهَلْ يُؤْمَنُ عَلَى غَيرِهِ؟! بَلْ أَقُولُ: لَا يَأْمَنُ الفِتْنَةَ عَلَى نَفْسِهِ إِلَّا مَفْتُونٌ. وَاللهُ تَعَالَى هُوَ المُوَفِّقُ، وَهُوَ الهَادِي لِلصَّوَابِ.\n(^١) الأُمِّ (١/ ٣١٧) لِلشَّافِعِيِّ ﵀، بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ.\n(^٢) قَالَ ابْنُ بَدْرَانَ -فَقِيهٌ أُصُولِيٌّ حَنْبَلِيٌّ (ت ١٣٤٦ هـ) -: \"فَالسَّلَفُ كَانُوا يَسْتَعْمِلُونَ الكَرَاهَةَ فِي مَعْنَاهَا الَّذِي اسْتُعْمِلَتْ فِيهِ فِي كَلَامِ اللهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ، وَلَكِنَّ المُتَأَخِّرُونَ اصْطَلحُوا عَلَى تَخْصِيصِ الكَرَاهَةِ بِمَا لَيسَ بمُحَرَّمٍ وتَرْكُهُ أَرْجَحُ مِنْ فِعْلِهِ\". المَدْخَلُ إِلَى مَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ (ص ١٣٠).","vol":"1","page":371},{"text":"قَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ ﵀: \"وَقَدْ غَلَطَ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَتْبَاعِ الأَئِمَّةِ عَلَى أَئِمَّتِهِم بِسَبَبِ ذَلِكَ، حَيثُ تَورَّعَ الأَئِمَّةُ عَنْ إِطْلَاقِ لَفْظِ التَّحْرِيمِ وَأَطْلَقُوا لَفْظَ الكَرَاهَةِ، فَنَفَى المُتَأَخِّرُونَ التَّحْرِيمَ عَمَّا أَطْلَقَ عَلَيهِ الأَئِمَّةُ، ثُمَّ سَهُلَ عَلَيهِم لَفْظُ الكَرَاهَةِ وَخَفَّتْ مُؤْنَتُهُ عَلَيهِم، فَحَمَلَهُ بَعْضُهُم عَلَى التَّنْزِيهِ فَحَصَلَ بِسَبَبِهِ غَلَطٌ عَظِيمٌ عَلَى الشَّرِيعَةِ وَعَلَى الأَئِمَّةِ\" (^١).\nوَعَلَيهِ؛ فَإِنَّ قَولَ الشَّافِعِيِّ ﵀ هُنَا يُقْصَدُ بِهِ التَّحْرِيمُ.\nقُلْتُ: وَبِنَحْوِهِ قَولُهُ فِي (الأُمِّ) أَيضًا: \"وَأَكْرَهُ النِّيَاحَةَ عَلَى المَيِّتِ بَعْدَ مَوتِهِ؛ وَأَنْ تَنْدُبَهُ النَّائِحَةُ عَلَى الانْفِرَادِ. لَكِن يُعزَّى بِمَا أَمَرَ اللهُ ﷿ مِنَ الصَّبْرِ وَالاسْتِرْجَاعِ، وَأَكْرَهُ المَأْتَمَ -وَهِيَ الجَمَاعَةُ- وَإِنْ لَمْ يَكْنْ لَهُم بُكَاءٌ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُجَدِّدُ الحُزْنَ وَيُكَلِّفُ المُؤْنَةَ\" (^٢).\nوَالشَّاهِدُ مِنْهُ قَولُهُ بِالكَرَاهَةِ لِلنِّيَاحَةِ؛ رُغْمَ مَا عُلِمَ مِنَ الحَدِيثُ -الَّذِي فِي مُسْلِمٍ- «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي الأنْسَابِ وَالنِّيَاحَةُ عَلَى المَيِّتِ» (^٣).\nقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ -فِي سِيَاقِ الحَدِيثِ عَنِ النِّيَاحَةِ-: \"وَكَذَا وَقَعَ لَفْظُ الكَرَاهَةِ فِي نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي (الأُمِّ) وَحَمَلَهَا الأَصْحَابُ عَلَى كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ، وَقَدْ نَقَلَ جَمَاعَةٌ الإِجْمَاعَ فِي ذَلِكَ\" (^٤).\n_________\n(^١) إِعْلَامُ المُوَقِّعِينَ (١/ ٣٢).\n(^٢) الأُمُّ (١/ ٣١٨).\n(^٣) صَحِيحُ مُسْلِمٍ (٦٧) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.\n(^٤) المَجْمُوعُ (٥/ ٣٠٧).","vol":"1","page":372},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-157> المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: هَلْ يُفَرَّقُ -مِنْ جِهَةِ النَّهْي عَنِ الصَّلَاةِ فِي المَسْجِدِ- بَينَ كَونِ القَبْرِ فِي قِبْلَةِ المُصَلِّي أَمْ لَا؟</span>\nالجَوَابُ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ، بَلْ تَزْدَادُ الكَرَاهَةُ (^١).\nخِلَافًا لِمَا ذَهَبَ إِلَيهِ بَعْضُ الأَفَاضِلِ (^٢)؛ حَيثُ أَجَازَ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدٍ فِيهِ قَبْرٌ -إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي جِهَةِ القِبْلَةِ- بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ القَبْرُ طَارِئًا عَلَى المَسْجِدِ دُونَ العَكْسِ، وَوَجْهُ التَّفْرِيقِ دِلَالَةُ الحَدِيثِ: «لَا تُصَلُّوا إِلَى قَبْرٍ، وَلَا تُصَلُّوا عَلَى قَبْرٍ» (^٣)، بِمَعْنَى أَنَّ النَّهْيَ هُوَ عَنِ الاسْتِقْبَالِ فَقَط، وَأَمَّا النَّهْيُ فِي حَالَةِ أَنْ يَكُونَ المَسْجِدُ طَارِئًا عَلَى القَبْرِ؛ هُوَ لِكَونِهِ صَارَ كَمَسْجِدِ الضِّرَارِ، حَيثُ قَالَ تَعَالَى فِيهِ: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التَّوبَة: ١٠٨]!\nوَالجَوَابُ عَلَى مَا سَبَقَ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَينَ كَونِ القَبْرِ فِي جِهَةِ القِبْلَةِ أَوْ لَا، وَذَلِكَ بِسَبَبِ:\n_________\n(^١) قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (الثَّمَرُ المُسْتَطَابُ) (١/ ٣٨٠): \"وَقَالَ الشَّيخُ مُحَمَّدُ يَحْيَى الكَانْدَهْلَوِيُّ الهِنْدِيُّ الحَنَفِيُّ فِي كِتَابِهِ (الكَوكَبُ الدُّريُّ عَلَى جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ) مَا نَصُّهُ: وَأَمَّا اتِّخَاذُ المَسَاجِدِ عَلَيهَا؛ فَإِنَّمَا فِيهِ مِنَ الشَّبَهِ بِاليَهُودِ فِي اتِّخَاذِهِم مَسَاجِدَ عَلَى قُبُورِ أَنْبِيَائِهِمِ وَكُبَرَائِهِم، وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِ المَيِّتِ وَشَبَهٍ بِعَبَدَةِ الأَصْنَامِ لَو كَانَ القَبْرُ فِي جَانِبِ القِبْلَةِ. وَكَرَاهَةُ كَونِهِ فِي جَانِبِ القِبْلَةِ أَكْثَرُ مِنْ كَرَاهَةِ كَونِهِ يَمِينًا أَو يَسَارًا، وَإِنْ كَانَ خَلْفَ المُصَلِّي فَهُوَ أَخَفُّ كَرَاهَةٍ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ، لَكِنْ لَا يَخْلُو عَنْ كَرَاهَةٍ.\nوَقَدْ ذَكَرَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ وَالعَينِيُّ فِي العُمْدَةِ: أَنَّ القَبْرَ فِي المَسْجِدِ إِذَا كَانَ فِي جِهَةِ القِبْلَةِ فَإِنَّهُ تَزْدَادُ الكَرَاهَةُ. أ. هـ وَهَذَا هُوَ الحَقُّ فِي المَسْأَلَةِ حَسْبَ التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ الهِنْدِيُّ\".\n(^٢) كَالشَّيخِ ابْنِ عُثَيمِينَ ﵀. اُنْظُرْ أَشْرِطَةَ شَرْحِ صَحِيحِ البُخَارِيِّ لِلشَّيخِ ابْنِ عُثَيمِين ﵀ -كِتَابُ الجَنَائِزِ- شَرِيطُ (رَقَم ٦/أ)، سُؤَالُ: \"إِذَا كَانَ القَبْرُ عَنْ يَمِينِ الإِنْسَانِ أَو يَسَارِهِ؟ \".\n(^٣) صَحِيحٌ. الطَّبرانيُّ في الكَبِيرِ (١١/ ٣٧٦) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٧٣٤٨).","vol":"1","page":373},{"text":"أ- عُمُومِ النَّهْي دُونَ مُخَصِّصٍ، كَمَا سَبَقَ فِي الحَدِيثِ: «أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا القُبُورَ مَسَاجِدَ» (^١)، وَعَلَيهِ فَلَا فَرْقَ أَيضًا فِي حُكْمِ الصَّلَاةِ بَينَ كَونِ المَسْجِدِ هُوَ الطَّارِئُ عَلَى القَبْرِ أَوِ العَكْسُ.\nب- أَنَّ النَّهْي عَنِ الصَّلَاةِ إِلَى القَبْرِ أَخَصُّ مِنَ عُمُومِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي المَسَاجِدِ الَّتِي فِيهَا القُبُورُ، بَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِوَحْدِهِ، فَحَدِيثُ النَّهْي عَنِ اسْتِقْبَالِ القَبْرِ فِي الصَّلَاةِ عَامٌّ فِي كُلِّ مَوضِعٍ -سَوَاءً فِي المَسْجِدِ الَّذِي فِيهِ قَبْرٌ أَوْ خَارِجَهُ-، وَأَمَّا المَسْجِدُ؛ فَإِنَّ النَّهْيَ فِيهِ غَيرُ مُقَيَّدٍ بِالاسْتِقْبَالِ، بَلْ هُوَ عَامٌّ لِعُمُومِ حَدِيثِ: «لَا تَتَّخِذُوا القُبُورَ مَسَاجِدَ».\nوَيَشْهَدُ لِلتَّفْرِيقِ -بَينَ المَسْجِدِ المُتَّخَذِ لِلصَّلَاةِ؛ وَبَينَ عُمُومِ أَمَاكِنِ الصَّلَاةِ- مَا ثَبَتَ عَنْ أَنَسٍ ﵁؛ أَنَّهُ قَالَ: (قُمْتُ يَومًا أُصَلِّي -وَبَينَ يَدِيَّ قَبْرٌ لَا أَشْعُرُ بِهِ-، فَنَادَانِي عُمَرُ: القَبْرَ! القَبْرَ! فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَعْنِي القَمَرَ، فَقَالَ لِي بَعْضُ مَنْ يِلِينِي: إِنَّمَا يَعْنِي القَبْرَ، فَتَنَحَّيتُ عَنْهُ) (^٢).\nفَقَولُهُ: (فَتَنَحَّيتُ) يُفِيدُ أَنَّ النَّهْيَ هُوَ عَنِ الاسْتِقْبَالِ فَقَط -فِي غَيرِ المَسْجِدِ المُتَّخَذِ لِلصَّلَاةِ-، وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: أَنَّهُ (جَازَ القَبْرَ وَصَلَّى).\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: \"وَالأَثَرُ المَذْكُورُ عَنْ عُمَرَ رَوَينَاهُ مَوصُولًا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ لِأَبِي نُعَيمٍ -شَيخِ البُخَارِيِّ- وَلَفْظُهُ: (بَينَمَا أَنَسٌ يُصَلِّي إِلَى قَبْرٍ؛ نَادَاهُ عُمَرُ: القَبْرَ! القَبْرَ! فَظَنَّ أَنَّهُ يَعْنِي القَمَرَ، فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ يَعْنِي القَبْرَ؛ جَازَ القَبْرَ وَصَلَّى)،\n_________\n(^١) مُسْلِمٌ (٥٣٢) عَنْ جُنْدَبٍ مَرْفُوعًا.\n(^٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١/ ٩٣) مُعَلَّقًا، وَوَصَلَهُ الحَافِظُ، وَهُوَ عِنْدَ البَيهَقِيِّ فِي الكُبْرَى (٤٢٧٧) وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ (١٥٨١) وَغَيرِهِ، وَصَحَّحَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ تَحْذِيرُ السَّاجِدِ (ص ٣٥).","vol":"1","page":374},{"text":"وَلَهُ طُرُقٌ أُخْرَى بَيَّنْتُهَا فِي تَغْلِيقِ التَّعْلِيقِ، مِنْهَا مِنْ طَرِيقِ حُمَيدٍ عَنْ أَنَسٍ نَحْوَهُ وَزَادَ فِيهِ: (فَقَالَ بَعْضُ مَنْ يَلِينِي: إِنَّمَا يَعْنِي القَبْرَ، فَتَنَحَّيتُ عَنْهُ)، وَقَولُهُ: (القَبْرَ! القَبْرَ!) بِالنَّصْبِ فِيهِمَا عَلَى التَّحْذِيرِ، وَقَولُهُ: (وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالإِعَادَةِ) [وَهُوَ مِنْ تَعْلِيقِ البُخَارِيِّ عَلَى الأَثَرِ. خُلْدُون] اسْتَنْبَطَهُ مِنْ تَمَادِي أَنَسٍ عَلَى الصَّلَاةِ، وَلَو كَانَ ذَلِكَ يَقْتَضِي فَسَادَهَا لَقَطَعَهَا وَاسْتَأْنَفَ\" (^١) (^٢).\nج- أَنَّ عِلَّةَ النَّهْي وَاحِدَةٌ فِي الحَالَتَينِ؛ وَهِيَ أَنَّهَا ذَرِيعَةٌ إِلَى الشِّرْكِ.\nد- أَنَّ الامْتِنَاعَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي المَسْجِدِ الذِي بُنِيَ عَلَى قَبْرٍ -دُونَ العَكْسِ-؛ غَيرُ مُنْضَبِطٍ مِنْ جِهَةِ الوَاقِعِ وَالتَّطْبِيقِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَمْيِيزُ أَيِّهِمَا طَرَأَ عَلَى الآخَرِ مِنْ قِبَلِ عَامَّةِ النَّاسِ -اللَّهُمَّ إِلَّا مَنْ شَهِدَ ذَلِكَ، أَو أُخْبِرَ بِهِ جَزْمًا-، وَلَا يَخْفَى أَنَّ عَدَمَ انْضِبَاطِ القَيدِ هَذَا وَحْدَهُ كَافٍ فِي رَدِّ ذَلِكَ التَّفْرِيقِ. وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ.\nوَأَمَّا جَعْلُ حُجْرَةِ عَائِشَةَ ﵂ -لَمَّا وُسِّعَ المَسْجِدُ- مُثَلَّثَةَ الشَّكْلِ مُحَدَّدَةً؛ فَصَحِيحٌ أَنَّهُ كَي لَا يَتَأَتَّى لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى جِهَةِ القَبْرِ مَعَ اسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ؛ لَكِنَّ هَذَا لَا يَعْنِي أَنَّ النَّهْيَ مُنْصَبٌّ فَقَط عَلَى اسْتِقْبَالِ القَبْرِ بِالصَّلَاةِ فَقَط! لِأَنَّ حَقِيقَةَ الأَمْرِ هِيَ زِيَادَةُ الاحْتِيَاطِ -حَتَّى لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ القَبْرَ نَفْسَهُ فِي الصَّلَاةِ-، وَتَثْلِيثِ الجِدَارِ هُوَ كَي لَا تَظْهَرَ صُورَةُ التَّقَصُّدِ لِلحُجْرَةِ الَّتِي فِيهَا القَبْرُ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِلجُدْرَانِ الَّتِي أُقِيمَتْ حَولَهُ مَعْنَى أَصْلًا؛ إِذَا كَانَ عَدَمُ الاسْتِقْبَالِ كَافِيًا فِي ذَلِكَ. وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ (^٣).\n_________\n(^١) الفَتْحُ (١/ ٥٢٤).\n(^٢) وَاُنْظُرْ أَشْرِطَةَ فَتَاوَى سِلْسِلَةِ الهُدَى وَالنُّورِ (ش ٦٤٧) لِلشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ ﵀، وَكَذَا شَرْحَ كِتَابِ (قُرَّةُ عُيُونِ المُوَحِّدِينَ) (ش ٢٤) لِلشَّيخِ صَالِحِ الفَوزَان حَفِظَهُ اللهُ.\n(^٣) قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (٥/ ١٤): \"وَلَمَّا احْتَاجَتِ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيهِمْ أَجْمَعِينَ وَالتَّابِعُونَ إِلَى الزِّيَادَة فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ كَثُرَ المُسْلِمُونَ، وَامْتَدَّتِ الزِّيَادَةُ إِلَى أَنْ دَخَلَتْ بُيُوتُ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ فِيهِ -وَمِنْهَا حُجْرَةُ عَائِشَةَ ﵂؛ مَدْفِنُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَصَاحِبَيهِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄؛ بَنَوا عَلَى القَبْرِ حِيطَانًا مُرْتَفِعَةً مُسْتَدِيرَةً حَولَهُ لِئَلَّا يَظْهَر فِي المَسْجِدِ فَيُصَلِّي إِلَيهِ العَوَامُّ وَيُؤَدِّي المَحْذُورِ، ثُمَّ بَنَوا جِدَارَينِ مِنْ رُكْنَي القَبْرِ الشَّمَالِيَّينِ، وَحَرَّفُوهُمَا حَتَّى التَقَيَا حَتَّى لَا يَتَمَكَّنَ أَحَدٌ مِنِ اسْتِقْبَالِ القَبْرِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الحَدِيثِ: «لَولَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذ مَسْجِدًا». وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَم بِالصَّوَابِ\".\nتَنْبِيهٌ: عَزُو إِدْخَالِ الحُجْرَةِ فِي المَسْجِدِ إِلَى الصَّحَابةِ لَا يَثْبُتُ؛ كَمَا أَوضَحَهُ الحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الهَادِي ﵀ فِي كِتَابِهِ الصَّارِمُ المُنْكِي (ص ١٥١).\nقُلْتُ: وَفِي (إِكْمَالُ المُعْلِمِ) (٢/ ٢٥٢) شَرْحُ مُسْلِمٍ لِلقَاضِي عِيَاض: \"وَلِهَذَا لَمَّا احْتَاجَ المُسْلِمُونَ إِلَى الزِّيَادَةِ فِي مَسْجِدِهِ ﷺ لِتَكَاثُرِهِم بِالمَدِينَةِ، وَامْتَدَّتِ الزِّيَادَةُ إِلَى أَنْ أُدْخِلَ فِيهَا بُيُوتَ أَزْوَاجِهِ\" فَلَمْ يَذْكُرِ الصَّحَابَةَ؛ فَتَنَبَّهْ.","vol":"1","page":375},{"text":"<span data-type='title' id=toc-158>المُلْحَقُ الرَّابِعُ عَلَى كِتَابِ التَّوحِيدِ: مُخْتَصَرُ \"تَحْذِيرُ السَّاجِدِ مِنِ اتِّخَاذِ القُبُورِ مَسَاجِدَ\"</span>\nوَالكِتَابُ الأَصْلُ هُوَ لِلعَلَّامَةِ الأَلْبَانِيِّ ﵀، وَقَدْ أَورَدْتُهُ عَلَى أَبْوَابِهِ مُخْتَصَرًا، وَأَضَفْتُ إِلَيهِ فَوَائِدَ أُخَرَ مِنْ كُتُبِ أَهْلِ العِلْمِ تَتْمِيمًا لِلفَائِدَةِ.\n\n-<span data-type='title' id=toc-159> الفَصْلُ الأَوَّلُ: فِي أَحَادِيثِ النَّهْي عَنِ اتِّخَاذِ القُبُورِ مَسَاجِدَ:</span>\nقَالَ ابْنُ حَزْمٍ ﵀: \"هِيَ مُتَوَاتِرَةٌ\" (^١) (^٢).\n_________\n(^١) وَتَعَقَّبَهُ الحَافِظُ العِرَاقِيُّ ﵀ بِأَنَّهَا مُتَوَاتِرَةٌ مَشْهُورَةٌ مِنْ حَيثُ المَعْنَى. نَيلُ الأَوطَارِ (٢/ ١٥٥).\nوَقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ تَحْذِيرُ السَّاجِدِ (ص ٥٧): \"مُتَوَاتِرَةٌ\".\n(^٢) قُلْتُ: وَاكْتَفَينَا بِمَا فِي كِتَابِ التَّوحِيدِ مِنَ الأَحَادِيثِ النَّاهِيَةِ عَنِ الإِعَادَةِ هُنَا.","vol":"1","page":376},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-160> الفَصْلُ الثَّانِي: مَعْنَى اتِّخَاذِ القُبْورِ مَسَاجِدَ.</span>\nهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ مَعَانٍ:\n١ - الصَّلَاةِ عَلَى القُبُورِ بِمَعْنَى السُّجُودِ عَلَيهَا.\nكَمَا فِي الحَدِيثِ: (نَهَى نَبِيُّ اللهِ ﷺ أَنْ يُبْنَى عَلَى القُبُورِ، أَو يُقْعَدَ عَلَيهَا، أَو يُصَلَّى عَلَيهَا) (^١).\nقَالَ ابْنُ حَجَرٍ الهَيتَمِيُّ (^٢) فِي (الزَّوَاجِرِ): \"وَاتِّخَاذُ القَبْرِ مَسْجِدًا مَعْنَاهُ: الصَّلَاةُ عَلَيهِ أَو إِلَيهِ\" (^٣).\n٢ - السُّجُودِ إِلَيهَا وَاسْتِقْبَالِهَا بِالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ.\nكَمَا فِي الحَدِيثِ: «لَا تُصَلُّوا إِلَى قَبْرٍ، وَلَا تُصَلُّوا عَلَى قَبْر» (^٤).\n٣ - بِنَاءِ المَسَاجِدِ عَلَيهَا وَقَصْدِ الصَّلَاةِ فِيهَا.\nكَمَا فِي الصَّحِيحَينِ: «أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ؛ بَنَوا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ يَومَ القِيَامَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^٥).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَبُو يَعْلَى (١٠٢٠) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ. تَحْذِيرُ السَّاجِدِ (ص ٢٩).\n(^٢) هُوَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَجَرٍ؛ الهِيتَمِيُّ السَّعْدِيُّ الأَنْصَارِيُّ، شِهَابُ الدِّينِ، شَيخُ الإِسْلَامِ، أَبُو العَبَّاسِ، فَقِيهٌ بِاحِثٌ مَصْرِيٌّ، مَولِدُهُ فِي مَحِلَّةِ أَبِي الهَيتَم -مِنْ إِقْلِيمِ الغَرْبِيَّةِ بِمِصْرَ- وَإلَيهَا نِسْبَتهُ، (ت ٩٧٤ هـ). الأَعْلَامُ لِلزِّرِكْلِيِّ (١/ ٢٣٤).\n(^٣) الزَّوَاجِرُ (١/ ٢٤٦).\n(^٤) صَحِيحٌ. الطَّبرانيُّ في الكَبِيرِ (١١/ ٣٧٦) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٧٣٤٨).\n(^٥) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤٣٤)، وَمُسْلِمٌ (٥٢٨) عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا.","vol":"1","page":377},{"text":"وَكَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ؛ قَالَ: (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ القَبْرُ وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيهِ وَأَنْ يُبْنَى عَلَيهِ) (^١) (^٢).\nقَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (الأُمُّ) (^٣): \"وَأَكْرَهُ أَنْ يُبْنَى عَلَى القَبْرِ مَسْجِدٌ؛ وَأَنْ يُسَوَّى، أَو يُصَلَّى عَلَيهِ وَهُوَ غَيرُ مُسَوَّى -يَعْنِي أَنَّهُ ظَاهِرٌ مَعْرُوفٌ- أَو يُصَلَّى إِلَيهِ.\nقَالَ: وَإِنْ صَلَّى إِلَيهِ أَجْزَأَهُ؛ وَقَدْ أَسَاءَ. أَخْبَرَنَا مَالِكٌ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِم مَسَاجِدَ»، قَالَ: وَأَكْرَهُ هَذَا لِلسُّنَّةِ وَالآثَارِ، وَأنَّهُ كَرِهَ -وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ- أَنْ يُعَظَّمَ أَحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ -يَعْنِي: يُتَّخَذَ قَبْرُهُ مَسْجِدًا-؛ وَلَمْ تُؤْمَنْ فِي ذَلِكَ الفِتْنَةُ وَالضَّلَالُ\" (^٤).\nوَلَا فَرْقَ بَينَ بِنَاءِ المَسْجِدِ عَلَى القَبْرِ، أَو إِدْخَالِ المَسْجِدِ عَلَى القَبْرِ؛ لِأَنَّ المَحْذُورَ وَاحِدٌ.\nقَالَ الحَافِظُ العِرَاقِيُّ ﵀ (^٥): \"وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ، وَأَنَّهُ إذَا بُنِيَ المَسْجِدُ\n_________\n(^١) مُسْلِمٌ (٩٧٠).\n(^٢) وَترْجَمَ البُخَارِيُّ (٢/ ٨٨) ﵀ لِحَدِيثِ: «لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى: اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسْجِدًا» بِقَولِهِ: \"بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ اتِّخَاذِ المَسَاجِدِ عَلَى القُبُورِ\" فَجَعَلَ مِنْ مَعْنَى الاتِّخَاذِ البِنَاءَ عَلَى القُبُورِ المَسَاجِدَ.\nوَقَالَ الجَصَّاصُ ﵀ فِي كِتَابِهِ (مُخْتَصَرُ اخْتِلَافِ الفُقَهَاءِ) (١/ ٤٠٧): \"قَالَ اللَّيثُ بْنُ سَعْدٍ ﵀: بُنْيَانُ القُبُورِ لَيسَ مِنْ حَالِ المُسْلِمِينَ! وَإنَّمَا هُوَ مِنْ حَالِ النَّصَارَى\".\n(^٣) الأُمُّ (١/ ٣١٧).\n(^٤) قَالَ التِّرْمِذِيُّ ﵀ (٢/ ٣٥٨) عَقِبِ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁: «لَا تَدَعْ قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيتَه» \"قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَكْرَهُ أَنْ يُرْفَعَ القَبْرُ إِلَّا بِقَدْرِ مَا يُعْرَفُ أَنَّهُ قَبْرٌ لِكَيلَا يُوطَأَ وَلَا يُجْلَسَ عَلَيهِ\".\n(^٥) هُوَ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنِ الحُسَينِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَبْو الفَضْلِ؛ زَينُ الدِّينِ، المَعْرُوفُ بِالحَافِظِ العِرَاقِيِّ: بَحَّاثَةٌ مِنْ كِبَارِ حُفَّاظِ الحَدِيثِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، صَاحِبُ (المُغْنِي) عَلَى الإِحْيَاءِ، (ت ٨٠٦ هـ). الأَعْلَامُ لِلزِّرِكْلِيِّ (٣/ ٣٤٤).","vol":"1","page":378},{"text":"لِقَصْدِ أَنْ يُدْفَنَ فِي بَعْضِهِ أَحَدٌ؛ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي اللَّعْنَةِ، بَلْ يَحْرُمُ الدَّفْنُ فِي المَسْجِدِ، وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يُدْفَنَ فِيهِ لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ لِمُخَالَفَتِهِ لِمُقْتَضَى وَقْفِهُ مَسْجِدًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ\" (^١) (^٢).\n_________\n(^١) فَيضُ القَدِيرِ (٥/ ٢٧٤).\n(^٢) وَقَدْ سَبَقَ فِي مَسَائِلِ البَابِ المَاضِي بَيَانُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ -مِنْ جِهَةِ النَّهْي عَنِ الصَّلَاةِ- بَينَ كَونِ المَسْجِدِ طَارِئًا عَلَى القَبْرِ أَوِ العَكْسُ.","vol":"1","page":379},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-161> الفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي أَنَّ اتِّخَاذَ القُبُورِ مَسَاجِدَ مِنَ الكَبَائِرِ:</span>\nوَذَلِكَ لِاسْتِحْقَاقِ اللَّعْنِ؛ وَلِوَصْفِهِم بِشِرَارِ الخَلْقِ.\nوَالعُلَمَاءُ فِي اتِّخَاذِ القُبُورِ مَسَاجِدَ مُتَّفِقُونَ عَلَى المَنْعِ (^١):\n١ - مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ كَبِيرَةٌ.\nقَالَ الحَافِظُ الهَيتَمِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (الزَّوَاجِرُ عَنِ اقْتِرَافِ الكَبَائِرِ): \"الكَبِيرَةُ الثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ وَالخَامِسَةُ وَالسَّادِسَةُ وَالسَّابِعَةُ وَالثَّامِنَةُ وَالتِّسْعُونَ: اتِّخَاذُ القُبُورِ مَسَاجِدَ، وَإِيقَادُ السُّرُجِ عَلَيهَا، وَاتِّخَاذُهَا أَوثَانًا، وَالطَّوَافُ بِهَا، وَاسْتِلَامُهَا، وَالصَّلَاةُ إلَيهَا\" (^٢).\n_________\n(^١) قَالَ الجزيريُّ فِي كِتَابِهِ الفِقْهُ عَلَى المَذَاهَبِ الأَرْبَعَةِ (١/ ٤٨٧): \"يُكْرَهُ أَنْ يُبْنَى عَلَى القَبْرِ بَيتٌ أَو قُبَّةٌ أَو مَدْرَسَةٌ أَو مَسْجِدٌ أَو حِيطَانٌ تُحْدِقُ بهِ كَالحِيشَانِ إِذَا لَمْ يُقْصَدْ بِهَا الزِّينَةُ وَالتَّفَاخُرُ؛ وَإلَّا كَانَ ذَلِكَ حَرَامًا\".\n\"وَالحَوشُ: شِبْهُ الحَظِيرَةِ …، ويُطْلِقُه أَهْلُ مِصْرَ عَلَى فِنَاءِ الدَّارِ\". تَاجُ العَرُوسِ (١٧/ ١٦٣).\n(^٢) الزَّوَاجِرُ (١/ ٢٤٤).\nوَقَالَ أَيضًا ﵀: \"وَأَمَّا اتِّخَاذُهَا أَوثَانًا فَجَاءَ النَّهْيُ عَنْهُ بِقَولِهِ ﷺ: «لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ بَعْدِي» أَي: لَا تُعَظِّمُوهُ تَعْظِيمَ غَيرِكُمْ لِأَوثَانِهِمْ بِالسُّجُودِ لَهُ أَو نَحْوَهُ؛ فَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ الإِمَامُ [يُرِيدُ أَحَدَ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ الَّذِينَ نَقَلَ قَولَهُم] بِقَولِهِ: (وَاتِّخَاذُهَا أَوثَانًا) هَذَا المَعْنَى؛ اتَّجَهَ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ كَبِيرَةٌ؛ بَلْ كُفْرٌ بِشَرْطِهِ [يُرِيدُ أنَّ سَبَبَ الصَّلَاةِ عِنْدَ ذَلِكَ الإمَامِ كَانَ التَّبَرُّكَ وَالتَّعْظِيمَ]، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ مُطْلَقَ التَّعْظِيمِ الَّذِي لَمْ يُؤْذَنْ فِيهِ كَبِيرَةٌ؛ فَفِيهِ بُعْدٌ! نَعَمْ. قَالَ بَعْضُ الحَنَابِلَةِ: قَصْدُ الرَّجُلِ الصَّلَاةَ عِنْدَ القَبْرِ مُتَبَرِّكًا بِهَا عَينُ المُحَادَّةِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِبْدَاعُ دِينٍ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ لِلنَّهْيِ عَنْهَا ثُمَّ إجْمَاعًا؛ فَإِنَّ أَعْظَمَ المُحَرَّمَاتِ وَأَسْبَابِ الشِّرْكِ الصَّلَاةُ عِنْدَهَا وَاتِّخَاذُهَا مَسَاجِدَ أَو بِنَاؤُهَا عَلَيهَا، وَالقَولُ بِالكَرَاهَةِ مَحْمُولٌ عَلَى غَيرِ ذَلِكَ، إذْ لَا يُظَنُّ بِالعُلَمَاءِ تَجْوِيزُ فِعْلٍ تَوَاتَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَعْنُ فَاعِلِهِ! وَتَجِبُ المُبَادَرَةُ لِهَدْمِهَا وَهَدْمِ القِبَابِ الَّتِي عَلَى القُبُورِ إذْ هِيَ أَضَرُّ مِنْ مَسْجِدِ الضِّرَارِ لِأَنَّهَا أُسِّسَتْ عَلَى مَعْصِيَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، لِأَنَّهُ نَهَى عَنْ ذَلِكَ، وَأَمَرَ ﷺ بِهَدْمِ القُبُورِ المُشْرِفَةِ، وَتَجِبُ إزَالَةُ كُلِّ قِنْدِيلٍ أَو سِرَاجٍ عَلَى قَبْرٍ وَلَا يَصِحُّ وَقْفُهُ وَنَذْرُهُ. انْتَهَى\".","vol":"1","page":380},{"text":"قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي (المَجْمُوعِ): \"وَاتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَالأَصْحَابِ عَلى كَرَاهَةِ بِنَاءِ مَسْجِدٍ عَلى القَبْرِ، سَوَاءً كَانَ المَيِّتُ مَشْهُورًا بِالصَّلَاحِ أَو غَيرِهِ لِعُمُومِ الأَحَادِيثِ.\nقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالأَصْحَابُ: وَتُكْرَهُ الصَّلاةُ إِلَى القُبُورِ -سَوَاءً كَانَ المَيِّتُ صَالِحًا أَو غَيرَهُ-.\nقَال الحَافِظُ أَبُو مُوسَى (^١): قَالَ الإِمَامُ أَبُو الحَسَنِ الزَّعْفَرَانِيُّ ﵀ (^٢): وَلا يُصَلَّى إِلَى قَبْرِهِ وَلَا عِنْدَهُ تَبَرُّكًا بِهِ وَإِعْظَامًا لَهُ؛ لِلأَحَادِيثِ، وَاللهُ أَعْلمُ\" (^٣).\n٢ - مَذْهَبُ الحَنَفِيَّةِ: الكَرَاهَةُ التَّحْرِيمِيَّةُ.\nقَالَ الإِمَامُ مُحَمَّدُ -تَلِمِيذُ أَبِي حَنِيفَة- فِي كِتَابِهِ (الآثَارُ): \"لَا نَرَى أَنْ يُزادَ عَلَى مَا خَرَجَ مِنَ القَبْرِ، وَنَكْرَهُ أَنْ يُجَصَّصَ أَو يُطَيَّنَ أَو يُجْعَلَ عِنْدَهُ مَسْجِدًا\" (^٤).\n٣ - مَذْهَبُ المَالِكِيَّةِ: التَّحْرِيمُ.\nقَالَ القُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ -بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الحَدِيثَ الخَامِسَ (^٥) -: \"قَالَ عُلَمَاؤُنَا:\n_________\n(^١) هُوَ أَبُو مُوسَى المَدِينِيِّ؛ الحَافِظُ الكَبِيرُ شَيخُ الإِسْلَامِ؛ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الأَصْبَهَانِيُّ؛ صَاحِبُ التَّصَانِيفِ (ت ٥٨١ هـ). تَذْكِرَةُ الحُفَّاظِ لِلْذَّهَبِيِّ (٤/ ٨٦).\n(^٢) هُوَ الشَّيخُ الإِمَامُ أَبُو الحَسَنِ؛ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقِ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ مُحَمَّدٍ؛ البَغْدَادِيُّ الزَّعْفَرَانِيُّ الشَّافِعِيُّ، الفَقِيهُ العَلَّامَةُ المُحَدِّثُ الثَّبْتُ، (ت ٥١٧ هـ). السِّيَرُ لِلْذَّهَبِيِّ (١٩/ ٤٧١).\n(^٣) المَجْمُوعُ (٥/ ٣١٦).\n(^٤) الآثَارُ (٢/ ١٩٠)، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: \"وَهُوَ قَولُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁\"، وَالكَرَاهَةُ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ إِذَا أُطْلِقَتْ فَهِيَ لِلتَّحْرِيمِ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ لَدَيهِم، وَقَدْ صَرَّحَ بِالتَّحْرِيمِ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ ابْنُ المَلِكِ مِنْهُم.\n(^٥) وَهُوَ حَدِيثُ البُخَارِيِّ (٤٣٤)، وَمُسْلِمٍ (٥٢٨) وَفِيهِ: «أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ؛ بَنَوا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا».","vol":"1","page":381},{"text":"وَهَذَا يُحرِّمُ عَلَى المُسْلِمِينَ أَنْ يَتَّخِذُوا قُبُورَ الأَنْبِيَاءِ وَالعُلَمَاءِ مَسَاجِدَ\" (^١).\n٤ - مَذْهَبُ الحَنَابِلَةِ: التَّحْرِيمُ أَيضًا.\nقَالَ ابْنُ تيميَّةَ فِي (الفَتَاوَى الكُبْرَى): \"يَحْرُمُ الإِسْرَاجُ عَلَى القُبُورِ وَاتِّخَاذُ القُبُورِ المَسَاجِدَ عَلَيهَا وبَينَهَا، وَيَتَعَيَّنُ إِزَالَتُهَا، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا بَينَ العُلَمَاءِ المَعْرُوفِينَ\" (^٢) (^٣).\n_________\n(^١) تَفْسِيرُ القُرْطُبِيِّ (١٠/ ٣٨٠).\n(^٢) الفَتَاوَى الكُبْرَى (٥/ ٣٦١).\n(^٣) وَقَالَ ابْنُ القيِّمِ ﵀ فِي كِتَابِهِ زَادُ المَعَادِ (٣/ ٥٠١): \"وَمِنْهَا: أَنَّ الوَقْفَ لَا يَصِحُّ عَلَى غَيرِ بِرٍّ وَلَا قُرْبَةٍ، كَمَا لَمْ يَصِحَّ وَقْفُ هَذَا المَسْجِدِ -المَبْنِيِّ عَلَى قَبْرٍ-، وَعَلَى هَذَا؛ فَيُهْدَمُ المَسْجِدُ إذَا بُنِيَ عَلَى قَبْرٍ، كَمَا يُنْبَشُ المَيِّتُ إذَا دُفِنَ فِي المَسْجِدِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيرُهُ، فَلَا يَجْتَمِعُ فِي دِينِ الإِسْلَامِ مَسْجِدٌ وَقَبْرٌ، بَلْ أَيُّهُمَا طَرَأَ عَلَى الآخَرِ مُنِعَ مِنْهُ وَكَانَ الحُكْمُ لِلسَّابِقِ، فَلَو وُضِعَا مَعًا لَمْ يَجُزْ وَلَا يَصِحُّ هَذَا الوَقْفُ، وَلَا يَجُوزُ، وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي هَذَا المَسْجِدِ لِنَهْي رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، وَلَعْنِهِ مَنْ اتَّخَذَ القَبْرَ مَسْجِدًا أَو أَوقَدَ عَلَيهِ سِرَاجًا، فَهَذَا دِينُ الإِسْلَامِ الَّذِي بَعَثَ اللهُ بِهِ رَسُولَهُ وَنَبِيَّهُ، وَغُرْبَتُهُ بَينَ النَّاسِ كَمَا تَرَى\".","vol":"1","page":382},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-162> الفَصْلُ الرَّابِعُ: شُبُهَاتٌ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَجَوَابُهَا:</span>\n- الشُّبْهَةُ الأُولَى: قَولُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الكَهْفِ: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكَهْف: ٢١] فِيهِ أنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا ذَلِكَ، وَأَقَرَّهُم اللهُ تَعَالَى عَلَى قَولِهِم ذَلِكَ! فَمَا الجَوَابُ؟\nالجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ (^١):\n١ - إِذَا كَانَتِ الدَّعْوَى صَحِيحَةً؛ فَإِنَّه يُقَالُ لَهُم: اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي العَمَلِ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا إِذَا لَمْ يُخَالِفْ شَرْعَنَا؛ فَكَيفَ إِذَا كَانَ فِي شَرْعِنَا مَا يُخَالِفُهُ!\nوَعَلَى فَرْضِ كَونِهِ جَازَ فِي شَرْعِهِم، فَيُقَالُ: شَرْعُنَا أَتَمُّ، وَقَدْ جَاءَ بِسَدِّ الذَّرَائِعِ، كَمَا كَانَ فِي قَومِ يُوسُفَ السُّجُودُ لِلبَشَرِ جَائِزٌ مِنْ بَابِ التَّحِيَّةِ؛ فَنُهِيَ عَنْهُ عِنْدَنَا، وَكَمَا فِي صِنْعَةِ الجِنِّ لِسُلَيمَانَ ﷺ التَّمَاثِيلِ -عَلَى القَولِ بِأنَّهَا كَانَتْ صُوَرًا لِذَوَاتِ أَرْوَاحٍ- أَمَّا فِي شَرْعِنَا فَنُهيَ عَنْ تَصْوِيرِ ذَوَاتِ الأَرْوَاحِ.\n٢ - لَيسَ فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ ذَلِكَ كَانَ مَشْرُوعًا عِنْدَهُم، فَلَيسَ فِي الآيَةِ -صَرَاحَةً- أَنَّهُم كَانُوا مُسْلِمِينَ؛ عَدَا عَنْ أَنْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ صَالِحِينَ، بَلِ الظَّاهِرُ هُوَ العَكْسُ.\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ -عِنْدَ شَرْحِ حَدِيثِ: «لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِم مَسَاجِدَ» -: \"وَقَدْ دَلَّ القُرْآنُ عَلَى مِثْلِ مَا دَلَّ عَلَيهِ هَذَا الحَدِيثُ؛ وَهُوَ قَولُ اللهِ ﷿ فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الكَهْفِ: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكَهْف: ٢١]، فَجَعَلَ اتِّخَاذَ القُبُورِ عَلَى المَسَاجِدِ مِنْ فِعْلِ أَهْلِ الغَلَبَةِ عَلَى الأُمُورِ،\n_________\n(^١) مُعْظَمُ أَوجُهِ الرَّدِّ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ كِتَابِ (البِنَاءُ عَلَى القُبُورِ) لِلشَّيخِ المُحَدِّثِ المُعَلِّمِيِّ اليَمَانِيِّ ﵀.","vol":"1","page":383},{"text":"وَذَلِكَ يُشْعِرُ بِأَنَّ مُسْتَنَدَهُ القَهْرُ وَالغَلَبَةُ وَاتِّبَاعُ الهَوَى، وَأَنَّهُ لَيسَ مِنْ فِعْلِ أَهْلِ العِلْمِ وَالفَضْلِ المُنْتَصِرِ لِمَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رُسُلِهِ مِنَ الهُدَى\" (^١).\nقُلْتُ: وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَينِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الكَهْف: ١٢]، فَقَدْ جَعَلَ تَعَالَى مِنْهُم حِزْبَينِ مُخْتَلِفَينِ فَيهِم، فَلَيسَ بمُسَلَّمٍ أَنَّهُم كَانُوا فِئَةً وَاحِدَةً مُسْلِمَةً عَلَى كُلِّ حَالٍ.\nقَالَ الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي تَفْسِيرِهِ: \"وَذُكِرَ أَنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ مِنْ أُمُورِهِم قَومٌ مِنْ قَومُ الفِتْيَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُم: كَانَ الحِزْبَانِ جَمِيعًا كَافِرِينِ. وَقَالَ بَعْضُهُم: بَلْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا، وَالآخَرُ كَافِرًا\". قُلْتُ: وَيَدُلُّ لَهُ مَا أَثْبَتْنَاهُ\" (^٢).\n٣ - دَعْوَى أَنَّهُم مُسْلِمُونَ؛ لَيسَتْ ثَابِتَةٌ، بَلْ مُخْتَلَفٌ فِيهَا عِنْدَ المُفَسِّرِينَ.\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀: \"حَكَى ابْنُ جَرِيرٍ فِي القَائِلِينَ ذَلِكَ قَولَينِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُم المُسْلِمُونَ مِنْهُم. الثَّانِي: أَنَّهُم أَهْلُ الشِّرْكِ مِنْهُم. فَاللهُ أَعْلَمُ (^٣).\nوَالظَّاهِرُ أَنَّ الَّذِينَ قَالوُا ذَلِكَ هُمْ أَصْحَابُ الكَلِمَةِ وَالنُّفُوذِ، وَلَكِنْ هُمْ مَحْمُودُونَ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ\n_________\n(^١) فَتْحُ البَارِي لِابْنِ رَجَب (٣/ ١٩٣).\n(^٢) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (١٧/ ٦١٣).\n(^٣) وَقَالَ القُرْطُبِيُّ ﵀ فِي تَفْسِيرِهِ (١٠/ ٣٥١): \" ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ -أَهْلُ السُّلْطَانِ وَالمُلْكِ مِنْهُم-: لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيهِم مَسْجِدًا\".\nوَقَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: \"فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا عَلَى أَهْلِ الكَهْفِ مَسْجِدًا كَانُوا مِن النَّصَارَى الَّذِينَ لَعَنَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ حَيثُ قَالَ: «لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِم مَسَاجِدَ» وَفِي رِوَايَةٍ «وَالصَّالِحِينَ» \". الاسْتِغَاثَةُ فِي الرَّدِّ عَلَى البَكْرِيِّ (ص ٣١٠).","vol":"1","page":384},{"text":"أَنْبِيَائِهِم مَسَاجِدَ؛ يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا»، وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ أَنَّه لَمَّا وَجَدَ قَبْرَ دَانْيَال -فِي زَمَانِهِ بِالعِرَاق- أَمَرَ أَنْ يُخْفَى عَنِ النَّاسِ\" (^١) (^٢).\nقُلْتُ: فَإِذَا كَانَ المُفَسِّرُونَ قَدْ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ هَلْ هُمُ المُسْلِمُونَ أَمِ المُشْرِكونَ! فَمَا القَولُ بِهَذَا الفِعْلِ الَّذِي اسْتَوَى فِيهِ الظَّنُّ بَينَ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ؟ فَهَلْ هَذَا إِلَّا دَلِيلٌ عَلَى الذَّمِّ (^٣)، وَاللهُ أَعْلَمُ.\n٤ - أَنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ لَمْ تُسَقْ لِبَيَانِ حُكْمِ هَذَا الفِعْلِ أَصْلًا! وَلَكِنَّهَا كَانَتِ اخْتِبَارًا لِلمُشْرِكِينَ فِي تَصْدِيقِهِم بِالآيَاتِ.\nقَالَ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (^٤): \"وَإنَّمَا قُلنَا إِنَّ القَولَ الأَوَّلَ أَولَى بِتَأْوِيلِ الآيَةِ؛ لِأَنَّ اللهَ ﷿ أَنْزَلَ قِصَّةَ أَصْحَابِ الكَهْفِ عَلَى نَبِيِّهِ احْتِجَاجًا بِهَا عَلَى المُشْرِكِينَ مِنْ قَومِهِ -عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الرِّوَايَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ- إِذْ سَأَلُوهُ عَنْهَا اخْتِبَارًا مِنْهُم لَهُ بِالجَوَابِ عَنْهَا لِصِدْقِهِ\" (^٥).\n٥ - لِمَاذَا احْتُجَّ بِقَولِ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي عَلَامَتُهَا الغَلَبَةُ، وَلَمْ يُحْتَجَّ بِالأُولَى\n_________\n(^١) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٥/ ١٤٧).\n(^٢) وَهُوَ أَثَرٌ صَحِيحٌ. أَورَدَهُ الرَّبَعِيُّ ﵀ فِي كِتَابِ (فَضَائِلِ الشَّامِ)، اُنْظُرْ تَخْرِيجَ كِتَابِ فَضَائِلِ الشَّامِ (ص ٥١)، وَصَحَّحَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي أَشْرِطَةَ فَتَاوَى سِلْسِلَةِ الهُدَى وَالنُّورِ (ش ٣٠٤).\n(^٣) فَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا فَقَدْ تَمَّتِ الحُجَّةُ، وَإِنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ فَهُم جُهَّالُهُم؛ وَلَيسَ فِعْلُهُم بِحُجَّةٍ، كَحَالِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ.\n(^٤) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (١٧/ ٦٠١).\n(^٥) عَلَى أَنَّه يُمْكِنُ إِضَافَةُ فَائِدَةٍ ثَانيَةٍ فِي سَبَبِ إِيرَادِ هَذِهِ القِصَّةِ؛ وَهِيَ تَنْبِيهُ الأُمَّةِ إِلَى سَدِّ القُبُورِ؛ وَأَنَّ أَهْلَ الإِيمَانِ مِنْهُم كَانُوا يُنَازِعُونَ أَهْلَ الغَلَبَةِ عَلَى المَنْعِ مِنْ بِنَاءِ المَسَاجِدِ عَلَى القُبُورِ.\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٥/ ١٤٧): \" ﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيهِمْ بُنْيَانًا﴾: أَي: سُدُّوا عَلَيهِم بَابَ كَهْفِهِم، وَذَرُوهُم عَلَى حَالِهِم\".","vol":"1","page":385},{"text":"وَهِيَ المُنَازِعَةُ للثَّانِيَةِ ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَينَهُمْ﴾ وَقَدْ جَاءَ مِنْ صِفَتِهَا تَسْلِيمُ العِلْمِ بِحَالِ أَهْلِ الكَهْفِ إِلَى اللهِ تَعَالَى ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾؟! وَهَذَا أَولَى بِالاقْتِدَاءِ مِنَ الَّذِينَ وُصِفُوا بِالغَلَبَةِ فَقَط (^١).\n٦ - أنَّهُ إِذَا قِيلَ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ؛ فَيُقَالُ: إِنَّ بِنَاءَ المَسْجِدِ عَلَيهِم فِي الكَهْفِ لَهُ حَالَانِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ البِنَاءُ تَمَّ عَلَى ظَهْرِ الجَبَلِ الَّذِي فِيهِ الكَهْفُ (^٢)، أَو أَنْ يُبْنَى عِنْدَ بَابِ الكَهْفِ (^٣)، وَفِي الحَالَتِينِ لَيسَ فِيهَا صُورَةُ قَبْرٍ فِي مَسْجِدٍ (^٤)! فَبَطَلَ الاسْتِدْلَالُ مِنْ أَصْلِهِ. وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ (^٥).\n_________\n(^١) عَلَى أنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُضَافَ أَيضًا بِأنَّهُ لَيسَ فِي القُرْآنِ أَنَّهُم عَمِلُوا بِذَلِكَ، بَلْ مُجَرَّدُ حُصُولِ التَّنَازُعِ.\n(^٢) قَالَ الآلُوسِيُّ ﵀ فِي تَفْسِيرِهِ رُوحُ المَعَانِي (٨/ ٢٢٧): \"وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: إِنَّ ذَلِكَ الاتِّخَاذَ كَانَ عَلى الكَهْفِ فَوقَ الجَبَلِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَفِي خَبَرِ مُجَاهِدٍ أَنَّ المَلِكَ تَرَكَهُم فِي كَهْفِهِم وَبَنَى عَلَى كَهْفِهِم مَسْجِدًا -وَهَذَا أَقْرَبُ لِظَاهِرِ اللَّفْظِ كَمَا لَا يَخْفَى-، وَهَذَا كُلُّهُ إِنَّمَا يُحْتَاجُ إِلَيهِ عَلَى القَولِ بِأَنَّ أَصْحَابَ الكَهْفِ مَاتُوا بَعْدَ الإِعْثَارِ عَلَيهِم، وَأَمَّا عَلَى القَولِ بِأَنَّهُم نَامُوا كَمَا نَامُوا أَوَّلًا فَلَا يُحْتَاجُ إِلَيهِ عَلَى مَا قِيلَ.\nوَبِالجُمْلَةِ لَا يَنْبَغِي لِمَنْ لَهُ أَدْنَى رَشَدٍ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى خِلَافِ مَا نَطَقَتْ بِهِ الأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ وَالآثَارُ الصَّرِيحَةُ مُعَوِّلًا عَلَى الاسْتِدْلَالِ بِهَذِه الآيَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ فِي الغِوَايةِ غَايَةٌ، وَفِي قِلَّةِ النُّهَى نِهَايَةٌ، وَقَدْ رَأَيتُ مَنْ يُبِيحُ مَا يَفْعَلُهُ الجَهَلَةُ فِي قُبُورِ الصَّالِحِينَ مِنْ إِشْرَافِهَا وَبِنَائِهَا بِالجِصِّ وَالآجُرِّ وَتَعْلِيقِ القَنَادِيلِ عَلَيهَا وَالصَّلَاةِ إِلَيهَا وَالطَّوَافِ بِهَا وَاسْتِلَامِهَا وَالاجْتِمَاعِ عِنْدَهَا فِي أَوقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ إِلَى غَيرِ ذَلِكَ مُحْتَجًّا بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ؛ وَبِمَا جَاءَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ القِصَّةِ مِنْ جَعْلِ المَلِكِ لَهُم فِي كُلِّ سَنَةٍ عِيدًا\".\n(^٣) قَالَ السُّيُوطِيُّ ﵀ فِي الدُرِّ المَنْثُورِ (٥/ ٣٧٥): \"وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ .... فَقَالَ المَلِكُ: لَأَتَّخِذَنَّ عِنْدَ هَؤُلْاءِ القَومِ الصَّالِحِينَ مَسْجِدًا\".\n(^٤) عَلَى أَنَّهُ يُقَالُ أَيضًا: لَيسَ فِي الآيَةِ بَيَانُ مَوتِهِم حَتَّى يُجْعَلَ لَهُم قَبْرٌ ثُمَّ يُقَالُ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ عَلَى القَبْرِ! بَلْ يُجْزَمُ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُم قَبْرٌ، بَلْ مَاتُوا فِي صَحْنِ الكَهْفِ، وَلِذَلِكَ قَالُوا: ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ [الكَهْف: ٢١]، فَلَو عَلِمُوا عَنْهُم شَيئًا لَمْ يَصِحَّ مِنْهُم ذَلِكَ القَولُ.\n(^٥) وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ دَاخِلَ الكَهْفِ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ مِثْلَ ذَلِكَ الكَهْفِ -الَّذِي أُعِدَّ لِلاخْتِبَاءِ- لَا يُفْتَرَضُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مِنَ السَّعَةِ مَا يُمَكِّنُ مِنَ البِنَاءِ بِدَاخِلِهِ، عَدَا عَنْ كَونِهِ بِحُكْمِ المَبْنِيِّ أَصْلًا.","vol":"1","page":386},{"text":"- الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: كَونُ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَسْجِدِهِ الشَّرِيفِ، وَلَو كَانَ غَيرَ جَائِزٍ لَمَا دَفَنَهُ أَصْحَابُهُ رِضْوُانُ اللهِ عَلَيهِم فِي مَسْجِدِهِ! فَمَا الجَوَابُ؟\nالجَوَابُ مِنْ وَجْهَينِ:\n١ - أَنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ هُوَ المُشَاهَدُ اليَومَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فِي عَهْدِ الصَّحَابَةِ ﵃، فَإِنَّهُم لَمَّا مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ دَفَنُوهُ فِي حُجْرَتِهِ الَّتِي كَانَتْ بِجَانِبِ مَسْجِدِهِ، وَكَانَ يَفْصِلُ بَينَهُمَا جِدَارٌ فِيهِ بَابٌ -كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَى المَسْجِدِ-، وَهَذَا أَمْرٌ مَعْرُوفٌ مَقْطُوعٌ بِهِ عِنْدَ العُلَمَاءِ، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ بَينَهُم، وَالصَّحَابَةُ ﵃ حِينَمَا دَفَنُوهُ ﷺ فِي الحُجْرَةِ؛ إِنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ كَي لَا يَتَمَكَّنَ أَحَدٌ بَعْدَهُم مِنِ اتِّخَاذِ قَبْرِهِ مَسْجِدًا كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَة وَغَيرِهِ، وَلَكِنْ وَقَعَ بَعْدَهُم مَا لَمْ يَكُنْ فِي حُسْبَانِهِم، ذَلِكَ أنَّ الوَلِيدَ بْنَ عَبْدِ المَلِكِ أَمَرَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ بِهَدْمِ المَسْجِدِ النَّبَويِّ وَإِضَافَةِ حُجَرِ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَيهِ، فَأُدْخِلَتْ فِيهِ الحُجْرَةُ النَّبَويَّةُ -حُجْرَةُ عَائِشَةَ- فَصَارَ القَبْرُ بِذَلِكَ فِي المَسْجِدِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي المَدِينَةِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ حِينَذَاكَ، خِلَافًا لِمَا تَوَهَّمَ بَعْضُهُم (^١).\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الهَادِي ﵀: \"وَإنَّمَا أُدْخْلَتِ الحُجْرَةُ فِي المَسْجِدِ فِي خِلَافَةِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ بَعْدَ مَوتِ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ كَانُوا بِالمَدِينَةِ، وَكَانَ\n_________\n(^١) بَلْ إِنَّ عَائِشَةَ ﵂ جَعَلَتْ جِدَارًا فِي بيتِهَا يَفْصِلُ بَينَهَا وَبَينَ القَبْرِ، كَمَا فِي طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ (٢/ ٢٩٤) عَنِ الإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ يَقُولُ: \"قُسِمَ بَيتُ عَائِشَة بِاثْنَين: قِسْمٍ كَانَ فِيهِ القَبْرُ، وَقِسْمٍ تَكُونُ فِيهِ عَائِشَةُ، وَبَينَهُمَا حَائِطٌ\".","vol":"1","page":387},{"text":"آخِرَهُم مَوتًا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَتُوفِّيَ فِي خِلَافَةِ عَبْدِ المَلِكِ، فَإِنَّه تُوفيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ، وَالوَلِيدُ تَوَلَّى سَنَةَ سِتِّ وَثَمَانِينَ، وَتُوفِّيَ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ، فَكَانَ بِنَاءُ المَسْجِدِ وَإدْخَالُ الحُجْرَةِ فِيهِ فِيمَا بَينَ ذَلِكَ\" (^١).\nوَعَلَيهِ فَلَا يُحْتَجُّ بِفِعْلِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ عَلَى أَحَادِيثِ النَّبِيِّ ﷺ النَّاهِيَةِ! مَعَ مَا عَلِمْتَ مِنْ سَعْي الصَّحَابَةِ إِلَى عَزْلِ القَبْرِ عَنِ المَسْجِدِ (^٢).\n_________\n(^١) الصَّارِمُ المُنْكي (ص ١٥١).\n(^٢) هَذَا وَقَدْ جَاءَتْ آثَارٌ كَثِيرْةٌ فِي بَيَانِ إِنْكَارِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ﵃ عضلَى ذَلِكَ البِنَاءِ وَالاتِّخَاذِ، وَهَذِهِ أَمْثِلَةٌ ثَلَاثَةٌ:\nأ- أَورَدَ السُّيُوطِيُّ ﵀ فِي الجَامِعِ الكَبِيرِ -وَالأَثَرُ أَخْرَجَهُ ابْنُ زَنْجَوِيه- عَنْ عُمَرَ مَولَى غُفْرَة؛ قَالَ: لَمَّا ائْتَمَرُوا فِي دَفْنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ قَائِلٌ: نَدْفِنُهُ حَيثُ كَانَ يُصَلِّي فِي مَقَامِهِ! قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَعَاذَ اللهِ أَنْ نَجْعَلَهُ وَثَنًا يُعْبَدُ! وَقَالَ آخَرُونَ: نَدْفِنُهُ فِي البَقِيعِ حَيثُ دُفِنَ إِخْوَانُهُ مِنَ المَهَاجِرِينَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّا نَكْرَهُ أَنْ نُخْرِجَ قَبْرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى البَقِيعِ فَيَعُوذُ بهِ عَائِذٌ مِنَ النَّاسِ -للهِ عَلَيهِ حَقٌّ- وَحَقُّ اللهِ فَهُوَ حَقُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ فَإِنْ أَخَذْنَا بِهِ ضَيَّعْنَا حَقَّ اللهِ، وَإِنْ أَخْفَرْنَاهُ أَخْفَرْنَا قَبْرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ! قَالُوا: فَمَا تَرَى أَنْتَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا قَبَضَ اللهُ نَبِيًّا قَطُّ إِلَّا دُفِنَ حَيثُ قَبَضَ رُوحَهُ». قَالُوا: فَأَنْتَ -وَاللهِ- رَضِيُّ مُقْنِعٌ، ثُمَّ خَطُّوا حَولَ الفِرَاشِ خَطًّا، ثُمَّ احْتَمَلَهُ عَلِيٌّ وَالعبَّاسُ وَالفَضْلُ وَأَهْلُهُ، وَوَقَعَ القَومُ فِي الحَفْرِ يَحْفِرُونَ حَيثُ كَانَ الفِرَاشُ. ذَكَرَهُ فِي فِضَائِلِ الصِّدِّيقِ.\nقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ تَحْذِيرُ السَّاجِدِ (ص ١٣): قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وَهُوَ مُنْقَطِعٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ، فَإِنَّ عُمَرَ مَولَى غُفْرَةَ -مَعَ ضَعْفِهِ- لَمْ يُدْرِكْ أيَّامَ الصِّدِّيقِ. كَذَا فِي (الجَامِعِ الكَبِيرِ) لِلسُّيُوطِيِّ (٣/ ١٤٧/١٢).\nب- رَوَى ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ (٤/ ٢١): \"عَنْ سَالِمِ أَبِي النَّضْرِ؛ قَالَ: لَمَّا كَثُرَ المُسْلِمُونَ فِي عَهْدِ عُمَرَ ضَاقَ بِهُمُ المَسْجِدُ؛ فَاشْتَرَى عُمَرُ مَا حَولَ المَسْجِدِ مِنَ الدُّورِ إِلَّا دَارَ العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلبِ وَحُجَرِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، فَقَالَ عُمَرُ لِلْعَبَّاسِ: يَا أَبَا الفَضْلِ إِنَّ مَسْجِدَ المُسْلِمِينَ قَدْ ضَاقَ بِهِم، وَقَدْ ابْتَعْتُ مَا حَولَهُ منَ المَنَازِلِ نُوَسِّعُ بهِ عَلَى المُسْلِمِينَ فِي مَسْجِدِهِم إِلَّا دَارَكَ وَحُجَرَ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، فَأَمَّا حُجُرَ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِين فَلَا سَبِيلَ إِلَيهَا، وَأَمَّا دَارُكَ فَبِعْنِيهَا بِمَا شِئْتَ مِنْ بَيتِ مَالِ المُسْلِمِينَ أُوَسِّعُ بِهَا فِي مَسْجِدِهِم\".\nجـ- أَنْكَرَ سَعِيدُ بْنُ المَسَيِّبِ ﵀ -وَقَدْ تُوُفِّيَ بَعْدَ التِّسْعِين- ذَلِكَ الِإدْخَالَ، فَقَدْ قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀\n=","vol":"1","page":388},{"text":"قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: \"وَلَمَّا احْتَاجَتِ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيهِمْ أَجْمَعِينَ وَالتَّابِعُونَ إِلَى الزِّيَادَة فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ كَثُرَ المُسْلِمُونَ، وَامْتَدَّتِ الزِّيَادَةُ إِلَى أَنْ دَخَلَتْ بُيُوتُ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ فِيهِ -وَمِنْهَا حُجْرَةُ عَائِشَةَ ﵂؛ مَدْفِنُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَصَاحِبَيهِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄؛ بَنَوا عَلَى القَبْرِ حِيطَانًا مُرْتَفِعَةً مُسْتَدِيرَةً حَولَهُ لِئَلَّا يَظْهَر فِي المَسْجِدِ فَيُصَلِّي إِلَيهِ العَوَامُّ وَيُؤَدِّي المَحْذُورِ، ثُمَّ بَنَوا جِدَارَينِ مِنْ رُكْنَي القَبْرِ الشَّمَالِيَّينِ، وَحَرَّفُوهُمَا حَتَّى التَقَيَا حَتَّى لَا يَتَمَكَّنَ أَحَدٌ مِنِ اسْتِقْبَالِ القَبْرِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الحَدِيثِ: «لَولَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذ مَسْجِدًا». وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَم بِالصَّوَابِ\" (^١).\n٢ - أَنَّ القَبْرَ مَعْزُولٌ عَنِ المَسْجِدِ لَا سِيَّمَا وَأَنَّهُ قَدْ أُحِيطَ بِجُدْرَانٍ عِدَّةٍ تَعْزِلُهُ عَنِ المَسْجِدِ (^٢)، لِذَلِكَ لَو تَقَصَّدَ رَجُلٌ أَنْ يُصَلِّيَ عِنْدَ القَبْرِ وَيَرْتَكِبَ المَحْذُورَ؛ فَإِنَّهُ لَنْ\n_________\n=\nفِي تَارِيخِهِ (١٢/ ٤١٥) بَعْدَ أَنْ سَاقَ قِصَّةَ إِدْخَالِ الحُجْرَةِ فِي المَسْجِدِ: \"وَيُحْكَى أَنَّ سَعِيدَ بْنَ المُسَيِّبِ أَنْكَرَ إِدْخَالَ حُجْرَةِ عَائِشَة فِي المَسْجِدِ؛ كَأَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ القَبْرُ مَسْجِدًا\".\n(^١) شَرْحُ مُسْلِمٍ (٥/ ١٤).\nتَنْبِيهٌ: عَزُو إِدْخَالِ الحُجْرَةِ فِي المَسْجِدِ إِلَى الصَّحَابةِ لَا يَثْبُتُ؛ كَمَا أَوضَحَهُ الحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الهَادِي ﵀ فِي كِتَابِهِ الصَّارِمُ المُنْكِي (ص ١٥١).\nقُلْتُ: وَفِي إِكْمَالِ المُعْلِمِ (٢/ ٢٥٢) شَرْحُ مُسْلِمٍ لِلقَاضِي عِيَاض: \"وَلِهَذَا لَمَّا احْتَاجَ المُسْلِمُونَ إِلَى الزِّيَادَةِ فِي مَسْجِدِهِ ﷺ لِتَكَاثُرِهِم بِالمَدِينَةِ، وَامْتَدَّتِ الزِّيَادَةُ إِلَى أَنْ أُدْخِلَ فِيهَا بُيُوتَ أَزْوَاجِهِ\"، فَلَمْ يَذْكُرِ الصَّحَابَةَ؛ فَتَنَبَّهْ.\n(^٢) وَالمَوجُودُ عَلَيهِ الآنَ مِنَ الجُدْرَانِ أَرْبَعَةُ جُدُرٍ:\nفَالجِدَارُ الأَوَّلُ -وَهُوَ مُغْلَقٌ تَمَامًا- هُوَ جِدَارُ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، وَهُوَ الَّذِي سَقَطَ فأُعِيدَ وَسُدَّ بَابُهُ.\nوَالجِدَارُ الثَّانِي هُوَ الَّذِي عُمِلَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ فِي إِمَارَةِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، جَعَلُوا جِهَةَ الشَّمَالِ -وَهِيَ عَكْسُ جِهَةِ القِبْلَةِ- جَعَلُوهَا مُثَلَّثَةً.\nثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَزْمَان جَاءَ جِدَارٌ ثَالِثٌ أَيضًا وَبُنيَ حَولَ هَذَينِ الجِدَارَينِ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي القَصِيدَةِ النُّونِيَّةِ يَذْكُرُ دُعَاءَ النَّبِيِّ ﷺ «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ» -وَهُوَ صَحِيحٌ؛ وَسَيَأْتِي- قَالَ: \"فَأَجَابَ رَبُّ العَالَمِينَ دُعَاءَهُ … وَأَحَاطَهُ بِثَلَاثَةِ الجُدْرَانِ،\nحَتَّى غَدَتْ أَرْجَاؤُهُ بِدُعَائِهِ … فِي عِزَّةٍ وحِمَايَةٍ وَصِيَانِ\"، وَهَذَا الجِدَارُ كَبِيرٌ مُرْتَفِعٌ إِلَى فَوقٍ، وُضِعَتْ عَلَيهِ القُبَّةُ فِيمَا بَعْدُ -وَهَذِهِ القُبَّةُ بُنِيَتْ سَنَةَ (٧٧٨ هـ) فِي دَولَةِ السُّلْطَانِ المَلِكِ المَنْصُورِ قَلَاوون-، وَكُلُّ هَذِهِ الجُدْرَانِ لَيسَ لَهَا بَابٌ.\nثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ وُضِعَ السُّورُ الحَدِيدِيُّ هَذَا وَهُوَ الرَّابِعُ، وَهَذَا السُّورُ الحَدِيدِيُّ بَينَهُ وَبَينَ الجِدَارِ الثَّالِثِ نَحْوَ مِتْرٍ وَنِصْفٍ فِي بَعْضِ المَنَاطِقِ وَنَحْوَ مِتْرٍ فِي بَعْضِهَا، وَبَعْضُهَا نَحْوَ مِتْرٍ وَثَمَانِينَ (سَنْتِيمِتْر) إِلَى مِتْرَينِ فِي بَعْضِهَا، يَضِيقُ وَيَزْدَادُ. اُنْظُرْ كِتَابَ (التَّمْهِيدُ) (ص ٢٦١) لِلشَّيخِ صَالِحِ آلِ الشَّيخِ حَفِظَهُ اللهُ.","vol":"1","page":389},{"text":"يَسْتَطِيعَ، لِأَنَّ القَبْرَ مَعْزُولٌ عَنِ المَسْجِدِ قَدْ أُغْلِقَتْ كُلُّ المَنَافِذِ إِلَيهِ، فَبِذَلِكَ خَرَجَ عَنْ كَونِ صُورَتِهِ صُورَةَ قَبْرٍ فِي مَسْجِدٍ (^١).\n٣ - وَبَعْدَ ذَلِكَ لَا بُدَّ مِنَ القَولِ بِأَنَّ المَسْجِدَ النَّبَويَّ، عَلَى فَرْضِ أَنَّ الآنَ صُوَرتُهُ صُورَةُ قَبْرٍ فِي مَسْجِدٍ؛ فَلَا يَنْسَحِبُ عَلَيهِ حُكْمُ النَّهْي لِمَا لَهُ مِنْ فَضِيلَةٍ عُظْمَى فِي مُضَاعَفَةِ أَجْرِ الصَّلَاةِ، وَهَذَا مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ بِقَاعِدَةِ (مَا حُرِّمَ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ؛ فَإِنَّهُ يُبَاحُ لِلمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ) (^٢).\n_________\n(^١) وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ -مِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَظَمَةِ هَذَا الأَمْرِ عِنْدَ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُم- أَنَّهُم أَخَذُوا مِنَ الرَّوضَةِ الشَّرِيفَةِ الَّتِي هِيَ رَوضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ؛ كَمَا قَالَ ﵊: «مَا بَينَ بَيتِي وَمِنْبَرِي رَوضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ» رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١١٩٦)، وَمُسْلِمٌ (١٣٩١) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا، فَأَخَذُوا مِنْهَا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَمْتَارٍ كَي يَقُومَ الجِدَارُ الثَّانِي ثُمَّ يَقُومَ الجِدَارُ الثَّالِثُ ثُمَّ يَقُومَ السُّورُ الحَدِيدِيُّ، وَمَا هَذَا إِلَّا لِمَا هُوَ أَهَمُّ مِنْ شَأْنِ الرَّوضَةِ؛ أَلَا وَهُوَ الخَوفُ مِنَ الافْتِتَانِ بِالقَبْرِ وَاتِّخَاذِهِ مَسْجِدًا.\n(^٢) وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ القَاعِدَةَ ابْنُ القيَّمِ ﵀ فِي كِتَابِهِ (إِعْلَامُ المُوَقِّعِينَ) (٢/ ١٠٨).","vol":"1","page":390},{"text":"قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ فِي كِتَابِهِ (الجَوَابُ البَاهِرُ فِي حُكْمِ زِيَارَةِ المَقَابِرِ): \"وَالصَّلَاةُ فِي المَسَاجِدِ المَبْنِيَّةِ عَلَى القُبُورِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا مُطْلَقًا، بِخِلَافِ مَسْجِدِهِ؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ بِأَلْفِ صَلَاةٍ فَإِنَّهُ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، وَكَانَتْ حُرْمَتُهُ فِي حَيَاتِهِ ﷺ وَحَيَاةِ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ قَبْلَ دُخُولِ الحُجْرَةِ فِيهِ حِينَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِيهِ وَالمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ، وَالعِبَادَةُ فِيهِ إذْ ذَاكَ أَفْضَلُ وَأَعْظَمُ مِمَّا بَقِيَ بَعْدَ إدْخَالِ الحُجْرَةِ فِيهِ؛ فَإِنَّهَا إنَّمَا أُدْخِلَتْ بَعْدَ انْقِرَاضِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ فِي إمَارَةِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ\" (^١).\n_________\n(^١) وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الأَفَاضِلِ إِلَى أَنَّ اسْتِثْنَاءَ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ جَاءَ مِنْ كَونِ القَبْرِ طَارِئًا عَلَى المَسْجِدِ، وَأَنَّه ُلَيسَ فِي جِهَةِ القِبْلَةِ. وَهُوَ جَوَابٌ ضَعِيفٌ سَبَقَ رَدَّهُ فِي مَسَائِلِ البَابِ المَاضِي، وَالحَمْدُ للهِ.","vol":"1","page":391},{"text":"- الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ: صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَسْجِدِ الخَيفِ (^١) مَعَ أنَّ فِيهِ قَبْرَ سَبْعِينَ نَبِيًّا (^٢)! فَمَا الجَوَابُ؟\nالجَوَابُ:\nإِنَّنَا لَا نَشُكُّ فِي صَلَاتِهِ ﷺ فِي هَذَا المَسْجِدِ؛ وَلَكِنَّنَا نَقُولُ: إِنَّ مَا ذُكِرَ فِي الشُّبْهَةِ مِنْ أَنَّهُ دُفِنَ فِيهِ سَبْعُونَ نَبِيًّا!! لَا حُجَّةَ فِيهِ مِنْ أَوْجُهٍ:\n١ - مِنْ جِهَةِ السَّنَدِ: لَا يَصِحُّ، فَإِنَّ فِيهِ عِيسَى بْنَ شَاذَان؛ قَالَ فِيهِ ابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِهِ (الثِّقَاتُ): \"يُغَرِّبُ\" (^٣)، وَفِيهِ أَيضًا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ؛ قَالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ: \"ثِقَةٌ يُغَرِّبُ\" (^٤).\nقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: \"وَأَنَا أَخْشَى أَنْ يَكُونَ الحَدِيثُ تَحَرَّفَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَقَالَ: (قَبْرُ) بَدَلَ (صَلَّى) لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ الثَّانِيَ هُوَ المَشْهُورُ فِي الحَدِيثِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي (الكَبِيرِ) (^٥) بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «صَلَّى فِي مَسْجِدِ الخَيفِ سَبْعُونَ نَبِيًّا»، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي\n_________\n(^١) قَالَ الجَوهَرِيُّ فِي كِتَابِهِ الصِّحَاحُ (٤/ ١٣٥٩): \"الخَيفُ: مَا انْحَدَرَ عَنْ غِلَظِ الجَبَلِ وَارْتَفَعَ عَنْ مَسِيلِ المَاءِ، وَمِنْهُ سُمِّيَ مَسْجِدُ الخَيفِ بِمِنَى\".\n(^٢) رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ (١٢/ ٤١٤) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «فِي مَسْجِدِ الخَيفِ قَبْرُ سَبْعِينَ نَبِيًّا». وَسَيَأْتِي بَيَانُ كَونِهِ ضَعِيفًا.\n(^٣) الثِّقَاتُ (٨/ ٤٩٤).\nوَمَعْنَى (يُغَرِّبُ): أَي: يَأْتِي بِالغَرَائِبِ عَلَى أقْرَانِهِ فِي الحَدِيثِ. انْظُرْ كِتَابَ (تَوضِيحُ الأَفْكَارِ) (٢/ ١٦٧) لِلصَّنْعَانيِّ ﵀.\n(^٤) تَقْرِيبُ التَّهْذِيبِ (ص ٩٠).\n(^٥) المُعْجَمُ الكَبِيرُ (١١/ ٤٥٢).","vol":"1","page":392},{"text":"الأَوسَطِ (^١)، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.\n٢ - مِنْ جِهَةِ المَعْنَى: لَيسَ فِي الحَدِيثِ دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ القُبُورَ ظَاهِرْةٌ فِي المَسْجِدِ، وَقَدْ عَقَدَ الأَزْرَقِيُّ (^٢) فِي (تَارِيخِ مَكَّةَ) عِدَّةَ فُصُولٍ فِي مَسْجِدِ الخَيفِ؛ فَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ فِيهِ قُبُورًا بَارِزَةً!\n٣ - مِنَ جِهَةٍ ظَاهِرِ الحَالِ: فمن المَعْلُومِ أَنَّ الشَّرِيعَةَ إِنَّمَا تُبْنَى أَحْكَامُهَا عَلَى الظَّاهِرِ، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ فِي المَسْجِدِ المَذْكُورِ قُبُورٌ ظَاهِرَةٌ فَلَا مَحْظُورَ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ البَتَّةَ، لِأَنَّ القُبُورَ مُنْدَرِسَةٌ وَلَا يَعْرِفُهَا أَحَدٌ، بَلْ لَولَا هَذَا الخَبَرُ -الَّذِي عَرَفْتَ ضَعْفَهُ- لَمْ يَخْطرْ فِي بَالِ أَحَدٍ أَنَّ فِي أَرْضِهِ سَبْعِينَ قَبْرًا، وَلِذَلِكَ لَا تَقَعُ فِيهِ تِلْكَ المَفْسَدَةُ الَّتِي تَقَعُ عَادَةً فِي المَسَاجِدِ المَبْنِيَّةِ عَلَى القُبُورِ الظَّاهِرَةِ وَالمُشْرِفَةِ (^٣).\n_________\n(^١) المُعْجَمُ الأَوسَطُ (٥٤٠٧).\n(^٢) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ الأَزْرَقِ؛ أَبُو الوَلِيدِ الأَزْرَقِيُّ: مُؤرِّخٌ يَمَانِيُّ الأَصْلِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ. الأَعْلَامُ (٦/ ٢٢٢).\n(^٣) وَمِثْلُهَا فِي الشُّبْهَةِ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ ﵇ مَدْفُونٌ فِي الحِجْرِ مِنَ البَيتِ، وَعُلِمَ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الحِجْرِ مُسْتَحَبَّةٌ!!\nوَالجَوَابُ عَنْهَا هُوَ كَمَا سَبَقَ آنِفًا: أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ هَذَا الكَلَامُ مِنْ جِهَةِ الإِسْنَادِ، وَعَلَى فَرْضِ صِحَّتِه؛ فَإِنَّ هَذَا القَبْرَ غَيرُ ظَاهِرٍ؛ فَزَالَتِ العِلَّةُ. وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ.","vol":"1","page":393},{"text":"- الشُّبْهَةُ الرَّابِعَةُ: بِنَاءُ أَبِي جَنْدَلٍ مَسْجِدًا عَلَى قَبْرِ أَبِي بَصِيرٍ ﵄ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ -كَمَا فِي الاسْتِيعَابِ لِابْنِ عَبْدِ البَرِّ-! فَمَا الجَوَابُ؟\nالجَوَابُ:\n١ - إِنَّ هَذَا الأَثَرَ لَيسَ لَهُ إِسْنَادٌ تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، وَلَيسَ فِي شَيءٍ مِنْ كُتُبِ الحَدِيثِ المَعْرُوفَةِ المَشْهُورَةِ، وَإنَّمَا أَورَدَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ ﵀ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي بَصِيرٍ مِنْ كِتَابِهِ (الاسْتِيعَابُ) مُرْسَلًا فَقَالَ: \"وَلَهُ قِصَّةٌ فِي المَغَازِي عَجِيبَةٌ ذَكَرَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ؛ وَفِيهَا: فَدَفَنَهُ أَبُو جَنْدَل مَكَانَهُ، وَصَلَّى عَلَيهِ، وَبَنَى عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا\" (^١).\nقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الكِتَابِ: \"وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ (بَنَى عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا) مُعْضَلَةٌ مُنْكَرَةٌ مُخَالِفَةٌ لِرِوَايَةِ الثِّقَاتِ\".\n٢ - لَيسَ فِي القِصَّةِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ وَأَقرَّهُ! فَلَا حُجَّةَ فِيهَا.\n٣ - أَنَّهُ لَو فَرَضْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلِمَ بِذَلِكَ وَأَقَرَّهُ؛ فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، لِأَنَّ الأَحَادِيثَ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَرَّمَ ذَلِكَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ -كَمَا سَبَقَ-، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتْرَكَ النَّصُّ المُتَأَخِّرُ مِنْ أَجْلِ النَّصِّ المُتَقَدِّمِ -عَلَى فَرَضِ صِحَّتِهِ- (^٢).\n_________\n(^١) الاسْتِيعَابُ (٤/ ١٦١٢).\n(^٢) وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ (٢٥/ ٣٠٠) عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِلَفْظِ: (وَجَعَلَ عِنْدَ قَبْرِهِ مَسْجِدًا) بَدَلَ: (عَلَى قَبْرِهِ). وَهُوَ مُرْسَلٌ أَو مُعْضَلٌ أَيضًا، فَلَمْ يَعُدْ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى المَقْصُودِ.\nوَفِي الفَتْحِ (٥/ ٣٥١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: \"وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ: (فكَتَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى أَبِي بَصِيرٍ، فَقَدِمَ كِتَابُهُ -وَأَبُو بَصِيرٍ يَمُوتُ-، فَمَاتَ -وَكِتَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي يَدِهِ- فَدَفَنَهُ أَبُو جَنْدَلٍ مَكَانَهُ، وَجَعَلَ عِنْدَ قَبْرِهِ مَسْجِدًا) \".\nقَالَ الشَّيخُ عَبْدُ اللهِ الدُّوَيش ﵀ -فِي التَّعْلِيقِ عَلَى فَتْحِ البَارِي لِابْنِ حَجَرٍ-: \"هَذَا لَا يَثْبُتُ، لِأَنَّهُ إِمَّا مُرْسَلٌ أَو مُعْضَلٌ، خُصُوصًا مَرَاسِيلُ الزُّهْرِيِّ؛ فَإِنَّهَا مِنْ أَضْعَفِ المَرَاسِيلِ؛ كَمَا روى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي\n=","vol":"1","page":394},{"text":"- الشُّبْهَةُ الخَامِسَةُ: زَعَمَ بَعْضُهُم أَنَّ المَنْعَ مِنِ اتِّخَاذِ القُبُورِ مَسَاجِدَ؛ إِنَّمَا كَانَ لِعِلَّةِ خَشْيَةِ الافْتِتَانِ بِالمَقْبُورِ، وَقَدْ زَالَتِ العِلَّةُ اليَومَ بِرُسُوخِ الإِيمَانِ وَالتَّوحِيدِ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ؛ فَزَالَ المَنْعُ! فَمَا الجَوَابُ؟\nالجَوَابُ:\n١ - إِنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ إِنَّمَا دَفَنُوهُ ﷺ فِي بَيتِهِ خَشْيَةَ أَنْ يُتَّخَذَ قَبْرُهُ مَسْجِدًا؛ فَغَيرُهُمْ أَولَى مِنْهُم -أَي: مِنْ جِهَةِ الافْتِتَانِ-، وَأَيضًا التَّابِعُونَ وَمَنْ بَعْدَهُم أَمَرُوا بِذَلِكَ وَعَمِلُوا بِهِ، كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الهَيَّاجِ الأَسَدِيِّ؛ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَدَعَنَّ قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيتَهُ، وَلَا صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا» (^١).\nوَفِي الأَثَرِ (قَالَ المَعْرُورُ بْنُ سُوَيدٍ الأَسَدِيُّ: خَرَجْتُ مَعَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا صَلَّى بِنَا الغَدَاةَ، ثُمَّ رَأَى النَّاسَ يَذْهَبُونَ مَذْهَبًا، فَقَالَ: أَينَ يَذْهَبُ هَؤلَاءِ؟ قَيلَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؛ مَسْجِدٌ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ هُمْ يَأْتُونَهُ يُصَلُّونَ فِيهِ، فَقَالَ: إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُم بِمِثْلِ هَذَا: يَتَّبِعُونَ آثَارَ أَنْبِيَائِهِم فَيَتَّخِذُونَهَا كَنَائِسَ وَبِيَعًا! مَنْ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فِي هَذِهِ المَسَاجِدِ فَلْيُصَلِّ؛ وَمَنْ\n_________\n=\nكِتَابِهِ الجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ (١/ ٢٤٦) عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ القَطَّانِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى إِرْسَالَ الزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ شَيئًا، وَيَقُولُ: هُوَ بِمَنْزِلَةِ الرِّيحِ، وَيَقُولُ: هَؤُلَاءِ قَومٌ حُفَّاظٌ كَانُوا إِذَا سَمِعُوا شَيئًا عَقلُوهُ، وَأَيضًا يُعَارِضُهُ مَا تَقَدَّمُ مِنَ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الدَّالَّةِ عَلَى تَحْرِيمِ اتِّخَاذِ المَسَاجِدِ عَلَى القُبُورِ\".\nقُلْتُ: فَالأَثَرُ الَّذِي فِي الفَتْحِ مُنْقَطِعٌ، وَلَيسَ فِيهِ البِنَاءُ عَلَى القَبْرِ نَفْسِهِ. وَالحَمْدُ للهِ.\n(^١) مُسْلِمٌ (٩٦٩).","vol":"1","page":395},{"text":"لَا فَلْيَمْضِ، وَلَا يَتَعَمَّدْهَا) (^١).\n٢ - دَلَّتِ السُّنَّةُ الشَّرِيفَةُ عَلَى أَنَّ الشِّرْكَ سَيَقَعُ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ -وَهُوَ وَاقِعٌ الآنَ-، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الغُلُوَّ فِي قُبُورِ الصَّالِحِينِ هُوَ أَهَمُّ أَسْبَابِهَا، وَعَلَيهِ فَلَمْ تُؤْمَنْ فِتْنَةُ الشِّرْكِ بَعْدُ.\nوَانْظُرْ مَا جَاءَ فِي إِثْبَاتِ أَنَّ الشِّرْكَ وَاقعٌ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ:\n- «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوسٍ عَلَى ذِي الخَلَصَةِ، وَذُو الخَلَصَةِ طَاغِيَةُ دَوسٍ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ فِي الجَاهِلِيَّةِ» (^٢) (^٣).\n- «لَا يَذْهَبُ اللَّيلُ وَالنَّهْارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللَّاتُ وَالعُزَّى» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ كُنْتُ لَأَظنُّ حِينَ أَنْزَلَ اللهُ ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التَّوبَة: ٣٣] أَنَّ ذَلِكَ تَامًّا! قَالَ: «إنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَتَوَفَّى كُلَّ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إيمَانٍ؛ فَيَبْقَى مَنْ لَا خَيرَ فيهِ فَيَرْجِعُونَ إِلَى دِينِ آبَائِهِم». رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا (^٤).\n- «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ منْ أُمَّتِي بِالمُشْرِكِينَ، وَحَتَّى تَعْبُدَ\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيبَةَ فِي المُصَنِّفِ (٧٥٥٠). اُنْظُرْ تَخْرِيجَ أَحَادِيثِ فَضَائِل الشَّامِ وَدِمَشْقَ (ص ٥٠) لِلشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ ﵀.\n(^٢) البُخَارِيُّ (٧١١٦) بَابُ تَغْيِيرِ الزَّمَانِ حَتَّى تُعْبَدَ الأَوثَانُ، وَمُسْلِمٌ (٢٩٠٦) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.\n(^٣) وَقَدْ بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيهَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ البَجَليُّ فَكَسَرَهَا، كَمَا فِي البُخَارِيِّ (٣٠٢٠)، وَفِيهِ قَولُهُ ﷺ: «أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الخَلَصَةِ؟»، فَقَالَ جَرِيرٌ: فَنَفَرْتُ فِي مَائَةٍ وَخَمْسِينَ رَاكِبًا، فَكَسَرْنَاهُ، وقَتَلْنَا مَنْ وَجَدْنَا عِنْدَهُ -وَفِي لَفْظٍ لَهُ (٤٣٥٧) -: (كَانَ ذُو الخَلَصَةِ بَيتًا بِاليَمَنِ لِخَثْعَمَ وبَجِيلةَ؛ فِيهِ نُصُبٌ تُعْبَدُ، يُقَالُ لَهَا: الكَعْبَةُ! قَالَ: فَأَتَاهَا فَحَرَّقَهَا بِالنَّارِ وَكَسَرَهَا).\n(^٤) مُسْلِمٌ (٢٩٠٧).","vol":"1","page":396},{"text":"قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي الأوثانَ» (^١).\n- «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الأَرْضِ: اللهُ اللهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢)، وَفِي رِوَايَةٍ أَحْمَدَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» (^٣).\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ: \"وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ المَنْعَ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ حَالَ خَشْيَةِ أَنْ يُصْنَعَ بِالقَبْرِ كَمَا صَنَعَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لُعِنُوا، وَأَمَّا إِذَا أُمِنَ ذَلِكَ فَلَا امْتِنَاعَ وَقَدْ يَقُولُ بِالمَنْعِ مُطْلَقًا مَنْ يَرَى سَدَّ الذَّرِيعَةِ -وَهُوَ هُنَا مُتَّجِهٌ قَوِيٌّ-\" (^٤).\nقَالَ الشَّيخُ ابْنُ بَازٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الفَتْحِ: \"بَلْ هَذَا هُوَ الحَقُّ، لِعُمُومِ الأَحَادِيثِ الوَارِدَةِ بِالنَّهْي عَنِ اتِّخَاذِ القُبُورِ مَسَاجِدَ، ولَعْنِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ بِنَاءَ المَسَاجِدِ عَلَى القُبُورِ مِنْ أَعْظَمِ وَسَائِلِ الشِّرْكِ بِالمَقْبُورِينَ فِيهَا. وَاللهُ أَعْلَمُ\".\nقُلْتُ: فَإِذَا كَانَ الشِّرْكُ لَمْ يُؤْمَنْ عَلَى أَصْحَابِهِ ﷺ كَمَا فِي حَدِيثِ: «أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيكُم الشِّرْكُ الأَصْغَرُ» (^٥)! بَلْ إِبْرَاهِيمُ نَفْسُهُ ﷺ كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُ ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إِبْرَاهِيم: ٣٥] فَهَلْ يُؤْمَنُ عَلَى غَيرِهِ؟! بَلْ أَقُولُ: لَا يَأْمَنُ الفِتْنَةَ عَلَى نَفْسِهِ إِلَّا مَفْتُونٌ.\nوَاللهُ تَعَالَى هُوَ المُوَفِّقُ وَهُوَ الهَادِي لِلصَّوَابِ.\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٢٥٢) عَنْ ثَوبَانَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٢٦٥٤).\n(^٢) قَالَ القُرْطُبِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ التَّذْكِرَةُ (ص ١٣٥١): \"قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللهِ عَلَيهِم: قُيِّدَ (الله) بِرَفْعِ الهَاءِ وَنَصْبِهَا، فَمَنْ رَفَعَهَا؛ فَمَعْنَاهُ ذَهَابُ التَّوحِيدِ، وَمَنْ نَصَبَهَا؛ فَمَعْنَاهُ انْقِطَاعُ الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنِ المُنْكَرِ. أَي: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ: اتَّقِ اللهَ\".\n(^٣) مُسْلِمٌ (١٤٨)، وَأَحْمَدُ (١٣٨٣٣) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا.\n(^٤) فَتْحُ البَارِي (٣/ ٢٠٨).\n(^٥) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٣٦٣٠) عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٩٥١).","vol":"1","page":397},{"text":"- الشُّبْهَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّ مَسْجِدَ بَنِي أُمَيَّةَ (المَسْجِدَ الأُمَوِيَّ) مُنْذَ دَخَلَ إِلَيهِ الصَّحَابَةُ وَغَيرُهُم لَمْ يُنْكِرُوا وُجُودَ قَبْرِ يَحْيَى ﵇! فَمَا الجَوَابُ؟\nالجَوَابُ مِنْ وَجْهَينِ:\n١ - أَنَّ المَسْجِدَ الأُمَويَّ إِنَّمَا أَنْشَأَهُ الوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ ﵀، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهُ كَانَ جُزْءًا مِنْ مَعْبَدٍ رُومَانِيٍّ أَو كَنِيسَةٍ؛ وَاسْتَغَلَّ بِنَاءَهُ وَهَيئَتَهُ لِيَكُونُ مَسْجِدًا، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ صَلَّى فِيهِ مِنَ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ (^١) أَنَّهُ رَأَى قَبْرًا فِيهِ أَو ذَكَرَ شَيئًا مِنْ شَأْنِهِ، وَعَلَيهِ فَلَا حُجَّةَ فِي هَذَا الاسْتِدْلَالِ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ أَصْلًا.\n٢ - دَعْوَى أَنَّ فِيهَا قَبْرَ يَحْيَى ﵇! إِنَّمَا هُوَ مَحْضُ اخْتِلَاقٍ، وَذَلِكَ لِأَسْبَابٍ:\nأ- عَدَمُ وُجُودِ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ غَايَةُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ أَنَّهُم أَثْنَاءَ العَمَلِيَّاتِ فِيهِ -عَمَلِيَّاتِ الإِصْلَاحِ لِجَعْلِهِ مَسْجِدًا- وَجَدُوا فِيهِ مَغَارَةً فِيهَا صُنْدُوقٌ فِيهِ رَأْسٌ وَكُتِبَ عَلَى الصُّنْدُوقِ: هَذَا رَأْسُ يَحْيَى، فَأَمَرَ الوَلِيدُ بِإِبْقَائِهِ فِي مَكَانِهِ، وَجَعَلَ العَمُودَ الَّذِي فَوقَهُ مُغَيَّرًا مِنَ الأَعْمِدَةِ، فَلَمْ يُبْنَ عَلَيهِ قَبْرٌ! بَلْ أَبْقَاهُ فِي مَغَارَتِهِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ؛ فَهَذَا الأَثَرُ إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا أَيضًا، رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ (^٢)، وَفِي الإِسْنَادِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامٍ الغَسَّانِيُّ، وَهُوَ كَذَّابٌ (^٣).\nب- أَنَّ جُمْهُورَ المُؤَرِّخِينَ ذَكَرُوا أَنَّ رَأْسَ يَحْيَى ﵇ هُوَ فِي مَسْجِدٍ فِي حَلَبَ، وَلَيسَ فِي المَسْجِدِ الأُمَوِيِّ (^٤)!\n_________\n(^١) وَقَدْ ثَبَتَ أنَّه قَدْ صَلَّى فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ كَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَثَوبَانَ.\n(^٢) تَارِيخُ دِمَشْقَ (٢/ ٢٤١).\n(^٣) اُنْظُرْ (مِيزَانُ الاعْتِدَالِ) (١/ ٧٣).\n(^٤) وَفِي كِتَابِ (تَارِيخُ حَلَب) لابْنِ العَظِيمِيِّ التَّنُوخِيِّ (ص ٣٣٦): \"سَنَة (٤٣٥ هـ): فِيهَا ظَهَرَ بِبَعْلَبَك فِي\n=","vol":"1","page":398},{"text":"وَبَعْدَ هَذَا البَيَانِ لَا بُدَّ مِنَ العِلْمِ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدٍ فِيهِ قَبْرٌ؛ العِبْرَةُ فِيهِ بِالظَّاهِرِ وَلَيسَ بِالحَقِيقَةِ، فَوُجُودُ بِنَاءٍ أَو مَقَامٍ أَو قُبَّةٍ عَلَى قَبْرٍ هُوَ كَافٍ فِي النَّهْي خَشْيَةَ الافْتِتَانِ وَلَو لَمْ يُوجَدْ فِيهِ مَقْبُورٌ أَصْلًا، وَالعَكْسُ بِالعَكْسِ، وَذَلِكَ لِوُجُودِ عِلَّةِ النَّهْي فِي الحَالَتَينِ، وَلِأَنَّ تَمْيِيزَ حَقِيقَةِ المَقْبُورِ فِي القَبْرِ لَيسَ بِمُسْتَطَاعٍ لِعَامَّةِ النَّاسِ وَخَاصَّةً بَعْدَ مُرُورِ أَزْمِنَةٍ مِنْ وُجُودِ القَبْرِ فِي المَسْجِدِ (^١).\n_________\n=\nحَجَرٍ مَنْقُورٍ رَأْسُ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا ﵉، فَنُقِلَ إِلَى حِمْصَ، ثُمَّ مِنْهَا إِلَى مَدِينةِ حَلَبٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَ بِهَذَا المَقَامِ المَذْكُورِ فِي جُرْنٍ مِنَ الخَامِ الأَبْيَضِ، وَوُضِعَ فِي خِزَانَةٍ إِلَى جَانِبِ المِحْرَابِ، وَأُغْلِقَتْ وَوُضِعَ عَلَيهَا سِتْرٌ يَصُونُهَا\".\n(^١) كَمَا فِي رَدِّ العَلَّامَةِ مُلَّا عَلِي القَارِيِّ ﵀ عَلَى شُبْهَةِ كَونِ قَبْرِ إِسْمَاعِيلَ ﵇ فِي الحَطِيمِ (الحِجْرِ) عِنْدَ المِيزَابِ فَقَالَ: \"وَفِيهِ أَنَّ صُورَةَ قَبْرِ إِسْمَاعِيلَ ﵇ وَغَيرُهُ مُنْدَرِسَةٌ؛ فَلَا يَصْلُحُ الاسْتِدْلَالُ بِهِ\". مِرْقَاةُ المَفَاتِيحِ (٢/ ٦٠١).","vol":"1","page":399},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-163> الفَصْلُ الخَامِسُ: فِي حِكْمَةِ تَحْرِيمِ بِنَاءِ المَسَاجِدِ عَلَى القُبُورِ:</span>\nاقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللهِ ﵎ -وَقَدْ أَرْسَلَ مُحَمَّدًا ﷺ خَاتَمَ الرُّسُلِ وَجَعَلَ شَرِيعَتَهُ خَاتِمَةَ الشَّرَائِعِ- أَنْ يَنْهَى عَنْ كُلِّ الوَسَائِلِ الَّتِي يُخْشَى أَنْ تَكُونَ ذَرِيعَةً -وَلَو بَعْدَ حِينٍ- لِوقُوعِ النَّاسِ فِي الشِّركِ؛ الَّذِي هُوَ أَكْبَرُ الكَبَائِرِ، فَلِذَلِكَ نَهَى عَنْ بِنَاءِ المَسَاجِدِ عَلَى القُبُورِ كَمَا نَهَى عَنْ شَدِّ الرِّحَالِ إِلَيهَا وَاتِّخَاذِهَا أَعْيَادًا.","vol":"1","page":400},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-164> الفَصْلُ السَّادِسُ: فِي حُكْمِ الصَّلَاةِ فِي المَسَاجِدِ المَبْنِيَّةِ عَلَى القُبُورِ:</span>\nاعْلَمْ أَنَّ كَرَاهَةَ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ المَسَاجِدِ هُوَ أَمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ بَينَ العُلَمَاءِ، وَإنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي بُطْلَانِهَا. وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الحَنَابِلَةِ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ.\nوَالحُكْمُ هُوَ عَلَى دَرَجَاتٍ:\n١ - مَنْ تَقَصَّدَ المَسْجِدَ لِأَجْلِ القَبْرِ؛ فَالصَّلَاةُ مُحَرَّمَةٌ، بَلْ وَبَاطِلَةٌ (^١).\n٢ - مَنْ لَمْ يَتَقَصَّدِ المَسْجِدَ لِأَجْلِ القَبْرِ؛ فَيُقَالُ: إِنَّ الصَّلَاةَ مَنْهيٌّ عَنْهَا، وَلَكِنْ لَا يَظْهَرُ البُطْلَانُ (^٢).\n٣ - مَنْ لَمْ يَتَقَصَّدِ المَسْجِدَ لِأَجْلِ القَبْرِ، وَإنَّمَا صَلَّى اتِّفَاقًا -أَي صَادَفَ القَبْرَ-؛ فَهَذَا إِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يُدْرِكَ الجَمَاعَةَ فِي غَيرِهِ مِنَ المَسَاجِدِ كَانَ هَذَا هُوَ الوَاجِبَ فِي حَقِّهِ، وَإلَّا صَلَّى فِيهِ لِإِدْرَاكِ مَصْلَحَةِ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ الوَاجِبَةِ فِي حَقِّهِ (^٣).\n_________\n(^١) خَاصَّةً أَنَّ عِلَّةَ النَّهْي عَنِ اتِّخَاذِ القَبْرِ مَسْجِدًا هِيَ نَفْسُ تِلْكَ المَوجُودَةِ فِي هَذَا التَّقَصُّدِ، وَهِيَ الافْتِتَانُ بِالميِّتِ وَالتَّعَلُّقُ بِهِ دُونَ اللهِ تَعَالَى؛ سَوَاءً كَانَ المُسَمَّى بِذَلِكَ القَصْدِ شَفَاعَةً أَو تَوَسُّلًا إِلَى اللهِ تَعَالَى.\n(^٢) قُلْتُ: وَلَعلَّهُ أَيضًا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵀، حَيثُ قَالَ فِي كِتَابِهِ الأُمُّ (١/ ٣١٧): \"وَأَكْرَهُ أَنْ يُبْنَى عَلَى القَبْرِ مَسْجِدٌ؛ وَأَنْ يُسَوَّى، أَو يُصَلَّى عَلَيهِ وَهُوَ غَيرُ مُسَوَّى -يَعْنِي أَنَّهُ ظَاهِرٌ مَعْرُوفٌ- أَو يُصَلَّى إِلَيهِ. قَالَ: وَإِنْ صَلَّى إِلَيهِ أَجْزَأَهُ؛ وَقَدْ أَسَاءَ \".\nوَقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الكِتَابِ: \"إِنَّ المَسْأَلَةَ بِحَاجَةٍ لِتَوسِيعٍ أَكْثَرَ فِي البَحْثِ، عِلْمًا أَنَّ ظَاهِرَ مَذْهَبِ الحَنَابِلَةِ -كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ القيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- هُوَ البُطْلَانُ\".\n(^٣) أَفَادَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي أَشْرِطَةَ فَتَاوَى سِلْسِلَةِ الهُدَى وَالنُّورِ (ش ٥٤٣)، وَهُوَ عَلَى قَاعِدَةِ: (مَا حُرِّمَ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ؛ فَإِنَّهُ يُبَاحُ لِلمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ).","vol":"1","page":401},{"text":"- فَائِدَةٌ: لَا يُصَلَّى فِي المَقْبَرَةِ إِلَّا الجَنَازَةُ:\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: \"قَالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وَقَدْ قَالَ نَافِعٌ -مَولَى ابْنِ عُمَرَ-: صَلَّينَا عَلَى عَائِشَة وَأُمِّ سَلَمَةَ وَسْطَ البَقِيعِ، وَالإِمَامُ يَومَئِذٍ أَبُو هُرَيرَةَ، وَحَضَرَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ\" (^١).\nقُلْتُ: وَصَلَاةُ الجَنَازَةِ مُسْتَثْنَاةٌ مِنَ النَّهْي عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيرِهِ، وَقَدْ سَبَقَ قَولُ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ.\nوَقَالَ أَيضًا: \"لَا يُصَلَّى فِي مَسْجِدٍ بَينَ المَقَابِرِ إِلَّا الجَنَائِزُ، لِأَنَّ الجَنَائِزَ هَذِهِ سُنَّتُهَا\" يُشِيرُ إِلَى فِعْلِ الصَّحَابَةِ.\nقَالَ ابْنُ المُنْذِرِ: \"وَرُوِّينَا أَنَّ وَاثِلَةَ بْنَ الأَسْقَعِ كَانَ يُصَلِّي فِي المَقْبَرَةِ؛ غَيرَ أَنَّهُ لَا يَسْتَتِرُ بِقَبْرٍ\" (^٢).\nقُلْتُ: فَتُصَلَّى الجَنَازةُ فِي المُصَلَّى الخَاصِّ بِهَا عِنْدَ المَقْبَرَةِ، وَلَيسَ بَينَ القُبُورِ! وَذَلِكَ لِحَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهى أَنْ يُصَلَّى عَلَى الجَنَائِزِ بَينَ القُبُورِ» (^٣).\nوَأَمَّا حَدِيثُ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى المَرْأَةِ السَّودَاءِ الَّتِي كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ (^٤)\n_________\n(^١) قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الكِتَابِ (ص ١٢٤): \"أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي المُصَنَّفِ (١٥٩٤/ ٤٠٧/١) بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ نَافِعٍ\".\n(^٢) رَوَاهُ ابْنُ المُنْذِرِ فِي الأَوسَطِ (٢/ ١٨٣) (١/ ١٨٥)، وَفِيهِ خَالِدُ بنُ يَزِيدَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَبِي مَالِكٍ الهَمْدَانِيُّ؛ ضَعَّفُوهُ. اُنْظُرْ (مِيزَانُ الاعْتِدَالِ) (١/ ٦٤٥).\n(^٣) صَحِيحٌ. الطَّبَرَانِيُّ فِي الأَوسَطِ (٥٦٣١). أَحْكَامُ الجَنَائِزِ (ص ١٠٨) لِلشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.\n(^٤) البُخَارِيُّ (٤٦٠)، وَمُسْلِمٌ (٩٥٦).","vol":"1","page":402},{"text":"فَجَائِزَةٌ كَمَا هُوَ ثَابِتٌ، وَلَكِنَّ التَّفْرِيقَ بَينَ الحَالَتِينِ هُوَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ صَلَاةِ الجَنَازَةِ بَينَ القُبُورِ هُوَ قَبْلَ دَفْنِ المَيِّتِ، أَمَّا صُورَةُ الحَالَةِ الثَّانيةِ عِنْدَ القَبْرِ فَهِيَ بَعْدَ الدَّفْنِ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيهَا (^١)، وَبِهَذَا تَجْتَمِعُ الأَدِلَّةُ. وَاللهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ (^٢).\n_________\n(^١) أَفَادَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي أَشْرِطَةَ فَتَاوَى سِلْسِلَةِ الهُدَى وَالنُّورِ (ش ٢٣١).\n(^٢) وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ -كَالمُنَاوِيِّ ﵀ فِي (فَيضُ القَدِيرِ) (٦/ ٣٤١) - إِلَى أَنَّ النَّهيَ هُوَ لِلكَرَاهَةِ التَّنْزِيهيَّةِ.\nوَذَهَبَ غَيرُهُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ مَا فِي حَدِيثِ المَرْأَةِ السَّودَاءِ الَّتِي كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ حَيثُ قَالَ ﷺ: «إِنَّ هَذِهِ القُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللهَ يُنَوِّرُهَا عَلَيهِمْ بِصَلَاتِي» رَوَاهُ َمُسْلِمٌ (٩٥٦) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التَّوبَة: ١٠٣]. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي التَّفْسِيرِ (١٤/ ٤٥٤): \"إِنَّ دُعَاءَكَ وَاسْتِغْفَارَكَ طَمَأْنِينَةٌ لَهُمْ\".\nقُلْتُ: وَلَكِنْ سَبَقَ مَعَنَا قَولُ نَافِعٍ: (صَلَّينَا عَلَى عَائِشَة وَأُمِّ سَلَمَةَ وَسْطَ البَقِيعِ). وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.","vol":"1","page":403},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-165> الفَصْلُ السَّابِعُ: فِي أَنَّ الحُكْمَ السَّابِقَ يَشْمَلُ جَمِيعَ المَسَاجِدِ إِلَّا المَسْجِدَ النَّبَوِيَّ،</span> وَذَلِكَ لِفَضِيلَةِ الصَّلَاةِ فِيهِ بِأَلْفٍ مِمَّا سِوَاهُ، وَأَيضًا لِوُجُودِ الرَّوضَةِ الشَّرِيفَةِ، كَمَا قَالَ ﷺ: «مَا بَينَ بَيتِي وَمِنْبَرِي رَوضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^١)، وَلِغَيرِ ذَلِكَ مِنَ الفَضَائِلِ، وَلَو قِيلَ بِكَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فِيهِ كَانَ مَعْنَى ذَلِكَ تَسْوِيَتُهُ مَعَ غَيرِهِ مِنَ المَسَاجِدِ وَرَفْعُ هَذِهِ الفَضَائِلِ عَنْهُ! وَهَذَا لَا يَجُوزُ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ.\nقَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: \"وَالصَّلَاةُ فِي المَسَاجِدِ المَبْنِيَّةِ عَلَى القُبُورِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا مُطْلَقًا، بِخِلَافِ مَسْجِدِهِ؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ بِأَلْفِ صَلَاةٍ، فَإِنَّهُ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، وَكَانَتْ حُرْمَتُهُ فِي حَيَاتِهِ ﷺ وَحَيَاةِ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ قَبْلَ دُخُولِ الحُجْرَةِ فِيهِ حِينَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِيهِ وَالمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ، وَالعِبَادَةُ فِيهِ إذْ ذَاكَ أَفْضَلُ وَأَعْظَمُ مِمَّا بَقِيَ بَعْدَ إدْخَالِ الحُجْرَةِ فِيهِ؛ فَإِنَّهَا إنَّمَا أُدْخِلَتْ بَعْدَ انْقِرَاضِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ فِي إمَارَةِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ\" (^٢).\n_________\n(^١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١١٩٦)، وَمُسْلِمٌ (١٣٩١) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.\n(^٢) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (٢٧/ ٣٤٨).","vol":"1","page":404},{"text":"بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الغُلُوُّ فِي قُبُورِ الصَّالِحِينَ يُصَيِّرُهَا أَوثَانًا تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ\nرَوَى مَالِكُ فِي المُوَطَّأِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ؛ اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَىَ قَومٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» (^١).\nوَلِابْنِ جَرِيرٍ بِسَنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ؛ عَنْ مَنْصُورٍ؛ عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النَّجْم: ١٩] قَالَ: كَانَ يَلُتُّ لَهُمُ السَّوِيقَ؛ فَمَاتَ فَعَكَفُوا عَلَى قَبْرِهِ (^٢).\nوَكَذَا قَالَ أَبُو الجَوزَاءِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (كَانَ يَلُتُّ السَّوِيقَ لِلْحَاجِّ) (^٣).\nوَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ قَالَ: (لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَائِرَاتِ القُبُورِ وَالمُتّخِذِينَ عَلَيهَا المَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ). رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ (^٤).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. المُوَطَّأ (١/ ١٧٢) وَلَكِنَّهُ عِنْدَهُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، لِأَنَّهُ عَنْ عَطَاءٍ بْنِ يَسَارٍ، وَهُوَ مُرْسَلٌ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ (٧٣٥٨) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا بِلَفْظ: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا؛ لَعَنَ اللهُ قَومًا اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». يُنْظَرُ: (أَحْكَامُ الجَنَائِزِ) (ص ٢١٦) لِلشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ ﵀.\n(^٢) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (٢٢/ ٥٢٣).\n(^٣) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (٢٢/ ٥٢٣).\n(^٤) صَحِيحٌ بِلَفْظِ «زَوَّارَاتِ»، وَبِدُونِ لَفْظِ «السُّرُجِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (١٠٥٦) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيرَةَ وَحَسَّان مَرْفُوعًا.\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (٣/ ٢٠٠) -فِي شَرْحِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا-: \"وَقَالَ مُسْلِمٌ فِي (كِتَابِ التَّفْصِيلِ): هَذَا الحَدِيثُ لَيسَ بِثَابِتٍ، وَأَبُو صَالِحٍ بَاذَام قَدْ اتَّقَى النَّاسُ حَدِيثَهُ، وَلَا يَثْبُتُ لَهُ سَمَاعٌ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ\".\nوَقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (تَمَامُ المِنَّةِ) (ص ٢٥٧): \"هَذَا الحَدِيثُ -عَلَى شُهرتِهِ- ضَعِيفُ\n=","vol":"1","page":405},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: تَفْسِيرُ الأَوثَانِ.\nالثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ العِبَادَةِ.\nالثَّالِثَةُ: أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَسْتَعِذْ إِلَّا مِمَّا يَخَافُ وُقُوعَهُ.\nالرَّابِعَةُ: قَرْنُهُ بِهَذَا اتِّخَاذَ قُبُورِ الأَنْبِيَاءِ مَسَاجِدَ.\nالخَامِسَةُ: ذِكْرُ شِدَّةِ الغَضَبِ مِنَ اللهِ.\nالسَّادِسَةُ: وَهِيَ مِنْ أَهَمِّهَا؛ مَعْرِفَةُ صِفَةِ عِبَادَةِ اللَّاتِ -الَّتِي هِيَ مِنْ أَكْبَرِ الأَوثَانِ-.\nالسَّابِعَةُ: مَعْرِفَةُ أَنَّهُ قَبْرُ رَجُلٍ صَالِحٍ.\nالثَّامِنَةُ: أَنَّهُ اسْمُ صَاحِبِ القَبْرِ، وَذِكْرُ مَعْنَى التَّسْمِيَةِ.\nالتَّاسِعَةُ: لَعْنُهُ زَوَّارَاتِ القُبُورِ.\nالعَاشِرَةُ: لَعْنُهُ مَنْ أَسْرَجَهَا.\n_________\n=\nالإِسْنَادِ، فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ بَاذَام عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبَاذَامُ ضَعَّفَهُ الجُمْهُورُ؛ بَلِ اتَّهَمَهُ بَعْضُهُم بِالكَذِبِ كَمَا ذَكَرْتُهُ فِي أَحْكَامِ الجَنَائِزِ. نَعَمْ؛ الحَدِيثُ صَحِيحٌ لِغَيرِهِ بِلَفْظِ: «زَوَّارَات» لِأَنَّ لَهُ شَوَاهِدَ؛ غَير «السُّرُجِ» فَلَمْ أَجِدْ لَهُ شَاهِدًا فَيَبْقَى عَلَى ضَعْفِهِ\".\nوَقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ أَيضًا فِي كِتَابِهِ (أَحْكَامُ الجَنَائِزِ) (ص ٢٣٢): \"وَأَمَّا الجُمْلَةُ الأُولَى مِنَ الحَدِيثِ فَصَحِيحَةٌ، لَهَا شَاهِدَان مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ وَحَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ، [قُلْتُ: عِنْدَ ابْنِ مَاجَه، وَبِلَفْظِ «زَوَّارَات». أَبُو عَبْدِ اللهِ] أَورَدْتُهُمَا فِي المَسْأَلَةِ (١١٩) (ص ١٨٦،١٨٥). وَأَمَّا الجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ فَهِيَ صَحِيحَةٌ أَيضًا مُتَوَاتِرَةُ المَعْنَى\". قُلْتُ: أَي بُدُونِ لَفْظِ السُّرُجِ.","vol":"1","page":406},{"text":"<span data-type='title' id=toc-168>الشِّرْحُ</span>\n- قَولُهُ: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ»: «يُعْبَدُ» صِفَةٌ لِلوَثَنِ، وَهِيَ صِفَةٌ كَاشِفَةٌ، أَي: إَنَّ القُبُورَ تَصِيرُ أَوثَانًا إِذَا عُبِدَتْ مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى (^١).\n- قَولُهُ: (لِابْنِ جَرِيرٍ): هُوَ الإِمَامُ الحَافِظُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ بْنِ يَزِيدَ الطَّبَرِيُّ (^٢)، صَاحِبُ التَّفْسِيرِ وَالتَّارِيخِ وَالأَحْكَامِ وَغَيرِهَا.\nقَالَ ابْنُ خُزَيمَةَ ﵀: \"لَا أَعْلَمُ عَلَى الأَرْضِ أَعْلَمَ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ\" (^٣)، وَكَانَ مِنَ المُجْتَهِدِينَ لَا يُقَلِّدُ أَحَدًا، (ت ٣١٠ هـ).\nوَمِمَّا تَجْدُرُ الإِشَارَةُ إِلَيهِ أَنَّهُ غَيرُ (مُحَمَّدِ بنِ جَرِيرِ بْنِ رُسْتُمٍ؛ أَبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ) فَهَذَا الأَخِيرُ رَافِضِيٌ (^٤).\n_________\n(^١) قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ فِي كِتَابِهِ (القَولُ المُفِيدُ) (١/ ٤٢٣): \"صَحِيحٌ أَنَّهُ يُوجَدُ أُنَاسٌ يَغْلُونَ فِيهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَصِلُوا إِلَى جَعْلِ قَبْرِهِ وَثَنًا، وَلَكِنْ قَدْ يَعْبُدُونَ الرَّسُولَ ﷺ وَلَو فِي مَكَانٍ بَعِيدٍ، فَإِنْ وُجِدَ مَنْ يَتَوَجَّهُ لَهُ ﷺ بِدُعَائِهِ عِنْدَ قَبْرِه؛، فَيَكُونُ قَدْ اتَّخَذَهُ وَثَنًا، لَكِنَّ القَبْرَ نَفْسَهُ لَمْ يُجْعَلْ وَثَنًا\".\nقُلْتُ: وَقَدْ حَمَى اللهُ تَعَالَى القَبْرَ بِأَنْ جَعَلَ حَولَهُ مِنَ الجُدْرَانِ مَا لَا يَقْدِرُونَ مَعَهُ عَلَى مُبَاشَرَتِهِ وَاسْتِلَامِهِ أَصْلًا.\n(^٢) وَهُوَ غَيرُ الشَّيخِ مُحِبِّ الدِّينِ الطَّبَرِيِّ؛ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ شَيخِ الحَرَمِ؛ وَهُوَ فَقِيهٌ مُحَدِّثٌ شَافِعِيٌّ (ت ٦٩٤ هـ)، لَهُ كِتَابُ (الأَحْكَامِ فِي الحَدِيثِ) وَ(الرِّيَاضُ النَّضِرَةُ فِي مَنَاقِبِ العَشَرَةِ) وَغَيرُهَا.\nوَهُمَا أَيضًا غَيرُ الشَّيخِ الكَيَا الطَّبَرِيِّ؛ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الهَراسيِّ، أَبِي الحَسَنِ؛ عِمَادِ الدِّينِ، وَهُوَ فَقِيهٌ شَافِعِيٌّ (ت ٥٠٤ هـ)، لَهُ كِتَابُ (شِفَاءِ المُسْتَرْشِدِينَ)، وَ(نَقْضُ مُفْرَدَاتِ أَحْمَدَ)، وَكُتُبٌ فِي أُصُولِ الفِقْهِ.\n(^٣) تَارِيخُ الإِسْلَامِ لِلذَّهَبِيِّ (٢٣/ ٢٨٢).\n(^٤) اُنْظُرْ (سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ) (١٤/ ٢٨٢)، (١٤/ ٢٦٧) لِلْحَافِظِ الذَّهَبِيِّ ﵀.","vol":"1","page":407},{"text":"- قَولُهُ: (عَنْ سُفْيَانَ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ بْنِ مَسْرُوقٍ الثَّوَرِيُّ (^١)؛ أَبُو عَبْدِ اللهِ الكُوفِيُّ، ثِقَةٌ حَافِظٌ فَقِيهٌ إِمَامٌ عَابِدٌ، كَانَ مُجْتَهِدًا؛ وَلَهُ أَتْبَاعٌ يَتَفَقَّهُونَ عَلَى مَذْهَبِهِ، (ت ١٦١ هـ)، مِنْ طَبَقَةِ كِبَارِ الأَتْبَاعِ الَّذِينَ لَمْ يَلْقَوا الصَّحَابَةَ (^٢).\n- قَولُهُ: (عَنْ مَنْصُورٍ): هُوَ ابْنُ المُعْتَمِرِ؛ أَبُو عَتَّابٍ السُّلَمِيُّ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ فَقِيهٌ، (ت ١٣٢ هـ)، مِنَ الطَّبَقةِ الصُغْرَى مِنَ التَّابِعِينَ (^٣).\n- قَولُهُ: (عَنْ مُجَاهِدٍ): هُوَ مُجَاهِدُ بْنُ جَبْرٍ؛ أَبُو الحَجَّاجِ المَخْزُومِيُّ المَكِّيُّ، ثِقَةٌ إِمَامٌ فِي التَّفْسِيرِ، أَخَذَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيرِهِ، وُلِدَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ ﵁، (ت ١٠٤ هـ)، مِنَ الطَّبَقَةِ الوسْطَى مِنَ التَّابِعِينَ (^٤).\n- قَولُهُ: (أَبُو الجُوزَاءِ): هُوَ أَوسُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرَّبَعِيُّ، (ت ٨٣ هـ)، مِنَ الطَّبَقةِ الوسْطَى مِنَ التَّابِعِينَ (^٥).\n- السَّوِيقُ: هُوَ الحَبُّ (مِنْ قَمْحٍ أَو شَعِيرٍ) يُحْمَصُ عَلَى النَّارِ، ثُمَّ يُطْحَنُ، ثُمَّ يُوضَعُ مَعَهُ سَمْنٌ أَو زَيتٌ وَيُخْلَطُ وَيُؤْكَلُ، وَقَدْ يَكُونُ مَعَهُ غَيرُ ذَلِكَ.\n- (اللَّاتُ): بِالتَّخْفِيفِ، وَأَيضًا بِالتَّشْدِيدِ. فَعَلَى الأَوَّلِ: اللَّاتُ: اشْتِقَاقٌ مِنَ اللهِ،\n_________\n(^١) فَتْحُ المَجِيدِ (ص ٢٤٩).\nقُلْتُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ سُفْيَانُ الثَّورِيُّ؛ لِأَنَّ إِسْنَادَ الطَّبَرِيِّ هُوَ مِنْ رِوَايَةِ مَهْرَانَ عَنْهُ، وَمَهْرَانُ هَذَا هُوَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ العَطَّار، وُهُوَ يَرْوِي عَنِ الثَّورِيِّ وَلَيسَ عَنِ ابْنِ عُيَينَةَ. اُنْظُرْ كِتَابَ (الجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ) لِابْنِ أَبِي حَاتِم (٨/ ٣٠١).\n(^٢) وَأَمَّا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ الهِلَالِيُّ؛ فَإِنَّ وَفَاتَهُ سَنَةَ (١٩٨ هـ). اُنْظُرْ سِيَرَ أَعْلَامِ النًّبَلَاءِ (٧/ ٢٢٩) لِلْحَافِظِ الذَّهَبِيِّ ﵀.\n(^٣) اُنْظُرْ (سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ) (٥/ ٤٠٢) لِلْحَافِظِ الذَّهَبِيِّ ﵀.\n(^٤) اُنْظُرْ (سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ) (٤/ ٤٤٩) لِلْحَافِظِ الذَّهَبِيِّ ﵀\n(^٥) اُنْظُرْ (الثِقَاتُ) لِابْنِ حِبَّانَ (٤/ ٤٢).","vol":"1","page":408},{"text":"وَهُوَ تَأْنِيثٌ مِنَ اللهِ -تَعَالَى اللهُ عَمَّا يَقُولُونَ-.\nوَعَلَى الثَّانِي: اللَّاتُّ: مِنَ اللَّتِّ، حَيثُ كَانَ يَلُتُّ السَّوِيقَ لِلحَاجِّ (^١).\n- اللَّاتُ (^٢): كَانَتْ صَخْرَةً بَيضَاءَ مَنْقُوشَةً، عَلَيهَا بَيتٌ وَأَسْتَارٌ (^٣) وَسَدَنَةٌ وَحَولَهُ فِنَاءٌ مُعظَّمٌ عِنْدَ أَهْلِ الطَّائِفِ، وَهُمْ ثَقِيفٌ وَمَنْ تَبِعَهَا، بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيهَا المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ فَهَدَمَهَا وَحَرَّقَها بِالنَّارِ.\nوَالعُزَّى (^٤): كَانَتْ شَجَرَةً عَلَيهَا بِنَاءٌ وَأَسْتَارٌ بِنَخْلَة -مَكَانٌ بَينَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ- كَانَتْ قُرَيشٌ يُعَظِّمُونَها، وَلَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكَّةَ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إِلَيهَا فَهَدَمَهَا.\nوَأَمَّا مَنَاةُ (^٥): فَصَنَمٌ بَينَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ، وَكَانَتْ خُزَاعَةُ وَالأَوسُ وَالخَزْرَجُ يُعَظِّمُونَهَا وَيُهِلُّونَ مِنْهَا لِلحَجِّ، بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيًّا فَهَدَمَهَا عَامَ الفَتْحِ (^٦).\n_________\n(^١) \"اللَّتُّ: الدَّقُّ وَالشَّدُّ وَالإِيثَاقُ وَالفَتُّ وَالسَّحْقُ\". القَامُوسُ المُحِيطُ (ص ١٥٩).\n(^٢) هَذِهِ الأَوثَانُ الثَّلَاثَةُ هِيَ أَعْظَمُ أَوثَانِ الجَاهِلِيَّةِ لِأَهْلِ الحِجَازِ، وَلِهَذَا نُصَّ عَلَيهَا بِأَعْيَانِهَا، وَإِلَّا فَفِي الحِجَازِ أَوثَانٌ غَيرُهَا كَثِيرَةٌ، وَلَكِنَّ الفِتْنَةَ بِهَا أَشَدُّ.\nوَهَذِهِ الصَّخْرَةُ تَرْمُزُ لِرَجُلٍ صَالِحٍ كَانَ يَجْلِسُ عِنْدَهَا.\nقَالَ القُرْطُبُيُّ ﵀ في التَّفْسِيرِ (١٧/ ١٠٠): \"قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ (اللَاتُّ) يَبِيعُ السَّوِيقَ وَالسَّمْنَ عِنْدَ صَخْرَةٍ وَيَصُبُّهُ عَلَيهَا، فَلَمَّا مَاتَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَبَدَتْ ثَقِيفُ تِلْكَ الصَّخْرَةَ إِعْظَامًا لِصَاحِبِ السَّوِيقِ\".\n(^٣) إِنَّ وُجُودَ البَيتِ وَالأَسْتَارِ عَلَى الصَّنَمِ هُوَ لِتُضَاهَى بِهِ الكَعْبَةُ؛ فَيُعْتَكَفُ عِنْدَهَا وَيُطَافُ بِهَا، كَالكَعْبَةِ اليَمَانِيَّةِ عَلَى صَنَمِ دَوسٍ (ذِي الخَلَصَةِ).\n(^٤) (العُزَّى): لُغَةً: مُؤَنَّثُ أَعَزّ، وَقَدْ جَعَلَ المُشْرِكُونَ الإِنَاثَ للهِ كَالمَلَائِكَةِ وَاللَاتِ وَالعُزَّى وَمَنَاة.\n(^٥) وَفِي الأَثَرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُم اشْتَقُّوا اللَاتَ مِنَ الإِلَهِ، وَالعُزَّى مِنَ العَزِيزِ، وَمَنَاةَ مِنَ المَنَّانِ. وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللهُ مَزِيدٌ في بَابِ قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠].\n(^٦) يُنْظَرُ تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٧/ ٤٥٦).","vol":"1","page":409},{"text":"وَسُمِّيَتْ بِـ (مَنَاةَ) لِكَثْرَةِ مَا يُمْنَى (يُرَاقُ) عَلَيهَا مِنَ الدِّمَاءِ.\n- حُكْمُ زِيَارَةِ القُبُورِ:\nهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ -بِحَسْبِ القَصْدِ وَالفِعْلِ-:\n١ - سُنَّةٌ: وَهِيَ الزِّيَارَةُ لِلاتِّعَاظِ وَالدُّعَاءِ لِلمَوتَى.\n٢ - بِدْعَةٌ: وَهِيَ الزِّيَارَةُ لِقِرَاءَةِ القُرْآنِ وَالدُّعَاءِ عِنْدَهَا.\n٣ - شِرْكٌ: وَهِيَ الزِّيَارَةُ لِدُعَاءِ الأَمْوَاتِ وَالاسْتِنْجَادِ بِهِم وَالاسْتِغَاثَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.\n- قَولُهُ: «وَالمُتَّخِذِينَ عَلَيهَا المَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ» عَطْفُ إِسْرَاجِ القُبُورِ عَلَى البِنَاءِ عَلَيهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ ذَرَائِعِ الشِّرْكِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ غُلُوٌّ فِي المَقْبُورِ يُؤَدِّي لِلافْتِتَانِ بِهِ.\n- إِيقَادُ السُّرُجِ عَلَى القُبُورِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِأَوجُهٍ:\n١ - وَسِيلَةٌ لِلافْتِتَانِ بِالمَقْبُورِ؛ فَهُوَ مِنْ ذَرَائِعِ الشِّرْكِ.\n٢ - بِدْعَةٌ مُحْدَثَةٌ لَا يَعْرِفُهَا السَّلَفُ الصَّالِحُ.\n٣ - إِضَاعَةٌ لِلمَالِ.\n٤ - تَشَبُّهٌ بِالمَجُوسِ عُبَّادِ النَّارِ.\nقَالَ ابْنُ حَجَرٍ الهَيتَمِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ الزَّوَاجِرُ (١/ ٢٧٣): \"صَرَّحُ أَصْحَابُنَا بِحُرْمَةِ السِّرَاجِ عَلَى القَبْرِ -وَإِنْ قَلَّ- حَيثُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ مُقِيمٌ وَلَا زَائِرٌ، وَعَلَّلُوهُ بِالإِسْرَافِ وَإِضَاعَةِ المَالِ وَالتَّشَبُّهِ بِالمَجُوسِ، فَلَا يَبْعُدُ فِي هَذَا أَنْ يَكُونَ كَبِيرَةً\" (^١).\n_________\n(^١) الزَّوَاجِرُ (١/ ٢٧٣).","vol":"1","page":410},{"text":"<span data-type='title' id=toc-169>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-170> المَسْأَلَةُ الأُولَى: فِي الَحِديثِ -وَكَذَا فِي القُرْآنِ-: (غَضِبَ اللهُ): الغَضَبُ للهِ تَعَالَى هَلْ هُوَ صِفَةٌ حَقِيقيَّةٌ ثَابِتَةٌ للهِ تَعَالَى؟</span> أَمْ كَمَا قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ (التَّعْطِيلِ): غَضَبُ اللهِ هُوَ الانْتِقَامُ مِمَّنْ عَصَاهُ! وَبَعْضُهُم يَقُولُ: إِرَادَةُ الانْتِقَامِ مِمَّنْ عَصَاهُ! وَالحُجَّةُ عِنْدَهُم أَنَّ إِثْبَاتَ الغَضَبِ للهِ هُوَ تَشْبِيهٌ لِلخَالِقِ بِالمَخْلُوقِ! وَوَصْفٌ لَهُ بِمَا لَا يَلِيقُ!\nالجَوَابُ:\nإِنَّ صِفَةَ الغَضَبِ صِفَةٌ حَقِيقيَّةٌ ثَابِتَةٌ للهِ تَعَالَى، وَالدَّلِيلُ مِنْ جِهَتَينِ:\nالجِهَةِ الأُولَى: إِنَّ غَضَبَ اللهِ تَعَالَى لَا يُمَاثِلُ غَضَبَ المَخْلُوقِينَ؛ لَا فِي الحَقِيقَةِ وَلَا فِي الأَثَرِ:\n١ - فَمِنْ حَيثُ الحَقِيقَةِ: غَضَبُ المَخْلُوقِ هُوَ غَلَيَانُ دَمِ القَلْبِ طَلَبًا لِلانْتِقَامِ، وَهُوَ جَمْرَةٌ يُلْقِيهَا الشَّيطَانُ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ حَتَّى يَفُورَ، أَمَّا غَضَبُ الخَالِقِ؛ فَإِنَّهُ صِفَةٌ لَا تُمَاثِلُ هَذَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشُّورَى: ١١].\n٢ - مِنْ حَيثُ الأَثَرِ: غَضَبُ الآدَمِيِّ قَدْ يُؤَثِّرُ آثَارًا غَيرَ مَحْمُودَةٍ، فَقَدْ يَقْتُلُ المَغْضُوبَ عَلَيهِ، وَرُبَّمَا يُطَلِّقُ زَوجَتَهُ، أَو يِكْسِرُ الإِنَاءَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا لَيسَ لَهُ أَدْنَى ارْتِبَاطٍ بِمَوضُوعِ الغَضَبِ نَفْسِهِ! وَأَمَّا غَضَبُ اللهِ تَعَالَى فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيهِ إِلَّا آثَارٌ حَمِيدَةٌ؛ فَاللهُ تَعَالَى عَزِيزٌ حَكِيمٌ.\nوَتَأَمَّلِ الاقْتِرَانَ بَينَ بَعْضِ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى كَالعَزِيزِ وَالحَكِيمِ؛ حَيثُ يَتَبَيَّنُ لَكَ","vol":"1","page":411},{"text":"أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا تُخْرِجُهُ عِزَّتُهُ سُبْحَانَهُ عَنْ حِكْمَتِهِ؛ بِخِلَافِ العَزِيزِ مِنَ البَشَرِ (^١).\nالجِهَةِ الثَّانِيةِ: يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ تَأْوِيلِ صِفَةِ الغَضَبِ بِالانْتِقَامِ (^٢) قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الزُّخْرُف: ٥٥]، فَإِنَّ مَعْنَى ﴿آسَفُونَا﴾ أَغْضَبُونَا (^٣)، فَجَعَلَ الانْتِقَامَ غَيرَ الغَضَبِ؛ بَلْ أَثَرًا مُتَرَتِّبًا عَلَيهِ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى بُطْلَانِ تَفْسِيرِ الغَضَبِ بِالانْتِقَامِ.\nقُلْتُ: وَأَيضًا؛ فَالغَضَبُ صِفَةٌ تَدُلُّ عَلَى القُدْرَةِ؛ فَلَيسَتْ مَذْمُومَةً مُطْلَقًا!\nقَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: \"وَالمُؤْلِمُ إِنْ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ دَفْعُهُ أَثَارَ الغَضَبَ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ أَثَارَ الحُزْنَ، وَلِهَذَا يَحْمَرُّ الوَجْهُ عِنْدَ الغَضَبِ لِثَوَرَانِ الدَّمِ عِنْدَ اسْتِشْعَارِ القُدْرَةِ، وَيَصْفَرُّ عِنْدَ الحُزْنِ لِغَورِ الدَّمِ عِنْدَ اسْتِشْعَارِ العَجْزِ\" (^٤).\n_________\n(^١) اُنْظُرْ كِتَابَ (القَولُ المُفِيدُ) (١/ ٤٢٢).\n(^٢) وَإِنْ كَانَ الانْتِقَامُ قَدْ يَكُونُ مِنْ آثَارِ الغَضَبِ أَحْيَانًا، فَاللهُ تَعَالَى يُوصَفُ بِالانْتِقَامِ مِنَ المُجْرِمِينَ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السَّجْدَة: ٢٢].\n(^٣) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (١٣/ ١٢١).\n(^٤) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (٢٨/ ١٥٩).","vol":"1","page":412},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-171> المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَا حُكْمُ زِيَارَةِ النِّسَاءِ لِلمَقَابِرِ؟</span>\nالجَوَابُ:\nفِيهَا خِلَافٌ بَينَ أَهْلِ العِلْمِ، وَقَدْ ذَهَبَ الأَكْثَرُ إِلَى الجَوَازِ مَعَ الكَرَاهَةِ (^١) (^٢) -وَهُوَ الأَرْجَحُ- وَتَدُلُّ لَهُ أُمُورٌ، مِنْهَا (^٣):\n١ - عُمُومُ قَولِهِ ﷺ: «إِنِّي كُنْتُ نَهَيتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ؛ فَزُورُوهَا (^٤) فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُم الآخِرَةَ» (^٥) (^٦).\n_________\n(^١) وَتَوَسَّعَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ فِي عُمُومِ النَّهْي حَتَّى لِزِيَارَةِ حُجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ.\n(^٢) قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي المَجْمُوعِ (٥/ ٣١٠): \"وَالَّذِي قَطَعَ بِهِ الجُمْهُورُ أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ لَهُنَّ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ\".\nوَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيلِ (٤/ ١٣٤): \"وذَهَبَ الأَكْثَرُ إِلَى الجَوَازِ إِذَا أُمْنَتِ الفِتْنَةُ. قَالَ القُرْطُبِيُّ: اللَّعْنُ المَذْكُورُ فِي الحَدِيثِ إِنَّمَا هُوَ لِلمُكْثِرَاتِ مِنَ الزِّيَارَةِ لِمَا تَقْتَضِيهِ الصِّيغَةُ مِنَ المُبَالَغَةِ، وَلَعَلَّ السَّبَبَ مَا يُفْضِي إِلَيهِ ذَلِكَ مِنْ تَضْيِيعِ حَقِّ الزَّوجِ وَالتَّبَرُّجِ وَمَا يَنْشَأُ مِنَ الصِّيَاحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَقَدْ يُقَالُ: إِذَا أُمِنَ جَمِيعُ ذَلِكَ فَلَا مَانِعَ مِنَ الإِذْنِ لَهُنَّ؛ لِأَنَّ تَذَكُّرَ المَوتِ يَحْتَاجُ إِلَيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ. انْتَهَى. وَهَذَا الكَلَامُ هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي اعْتِمَادُهُ فِي الجَمْعِ بَينَ أَحَادِيثِ البَابِ المُتَعَارِضَةِ فِي الظَّاهِرِ\".\n(^٣) وَالأَدِلَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ كِتَابِ (أَحْكَامُ الجَنَائِزِ) (ص ١٨٠) لِلشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، وَقَالَ فِيهِ ﵀ أَيضًا: \"وَالنِّسَاءُ كَالرِّجَالِ فِي اسْتِحْبَابِ زِيَارَةِ القُبُورِ، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ لَهُنَّ الإِكْثَارُ مِنْ زِيَارَةِ القُبُورِ وَالتَّرَدُّدِ عَلَيهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يُفْضِي بِهِنَّ إِلَى مُخَالَفَةِ الشَّرِيعَةِ مِنْ مِثْلِ الصِّيَاحِ وَالتَّبَرُّجِ وَاتِّخَاذِ القُبُورِ مَجَالِسَ لِلنُّزْهَةِ، وَتَضْيِيعِ الوَقْتِ فِي الكَلَامِ الفَارَغِ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ اليَومَ فِي بَعْضِ البِلَادِ الإِسْلَامِيَّةِ، وَهَذَا هُوَ المُرَادُ -إِنْ شَاءَ اللهُ- بِالحَدِيثِ المَشْهُورِ: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ -وَفِي لَفْظٍ: لَعَنَ اللهُ- زَوَّارَاتِ القُبُورِ» \".\n(^٤) وَالأَمْرُ هُنَا لَيسَ لِلوُجُوبِ، وَلَكِنَّهُ عَلَى قَاعِدَةِ: (الأَمْرُ بَعْدَ النَّهْي يُفِيدُ مُطْلَقَ الإِبَاحَةِ).\n(^٥) مُسْلِمٌ (١٩٧٧)، وَالتِّرْمِذِيُّ (١٠٥٤) عَنْ بُرَيدَةَ مَرْفُوعًا.\n(^٦) وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ بِحَدِيثِ «لَعَنَ اللهُ زَائِرَاتِ القُبُورِ» وَذَلِكَ بِأَنَّ هَذَا الحَدِيثَ مُخَصِّصٌ لِلحَدِيثِ السَّابِقِ، وَلَكِنْ أَيضًا يُجَابُ عَلَى جَوَابِهِم بِأُمُورٍ؛ مِنْهَا:\nأ- أَنَّ حَدِيثَ الإِبَاحَةِ هُوَ نَاسِخٌ لِحَدِيثِ نَهْي النِّسَاءِ الَّذِي فِيهِ اللَّعْنُ.\n=","vol":"1","page":413},{"text":"٢ - مُشَارَكَةُ النِّسَاءِ لِلرِّجَالِ فِي العِلَّةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا شُرِعَتْ زِيَارَةُ القُبُورِ: «فَإِنَّهَا تُرِقُّ القَلْبَ، وَتُدْمِعُ العَينَ، وَتُذَكِّرُ الآخِرَةَ» (^١).\n٣ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ رَخَّصَ لِلنِّسَاءِ فِي زِيَارَةِ القُبُورِ، وَفِيهَا أَحَادِيثُ:\nأ- عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيكَةَ (أَنَّ عَائِشَةَ أَقْبَلَتْ ذَاتَ يَومٍ مِنَ المَقَابِرِ، فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ؛ مِنْ أَينَ أَقْبَلْتِ؟ قَالَتْ: مِنْ قَبْرِ أَخِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَقُلْتُ لَهَا: أَلَيسَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، كَانَ نَهَى؛ ثُمَّ أَمَرَنَا بِزِيَارَتِهَا). وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهَا: (أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ فِي زِيَارَةِ القُبُورِ) (^٢) (^٣).\nب- فِي قِصَّةِ إِتْيَانِ النَّبِيِّ ﷺ البَقِيعَ لَيلًا لِيَسْتَغْفِر لِأَهْلِهِ، حَيثُ قَالَتْ عَائِشَةُ\n_________\n=\nقُلْتُ: وَلَا يُقَالُ هُنَا بِالتَّخْصِيصِ -بِأَنْ يَكُونَ العَامُّ الَّذِي يَشْمَلُ الرِّجالَ وَالنِّسَاءَ هُنَا مَخْصُوصٌ بِحَدِيثِ النَّهْي الَّذِي فِيهِ اللَّعْنُ لِلنِّسَاءِ-! وَذَلِكَ لِكَونِ العِلَّةِ مُشْتَرِكَةً فِي الحَالَتَينِ جَمِيعًا، فَمَا كَانَ سَبَبًا لِلمَنْعِ مِنَ الزِّيَارةِ أَوَّلًا هُوَ مَشْتَرَكٌ بَينَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، ثُمَّ لَمَّا أُبِيحَ أُبِيحَ لِعِلَّةٍ أَيضًا مُشْتَرَكَةٍ بَينَ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ؛ وَهِيَ التَّذْكِيرُ بِالآخِرَةِ.\nقَالَ التِّرْمِذِيُّ ﵀ فِي السُّنَنِ (٢/ ٣٦٣) -عَقِبَ حَدِيثِ لَعْنِ الزَّوَّارَاتِ-: \"وَقَدْ رَأَى بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يُرَخِّصَ النَّبِيُّ ﷺ فِي زِيَارَةِ القُبُورِ، فَلَمَّا رَخَّصَ دَخَلَ فِي رُخْصَتِهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ).\nب- أَنَّ حَدِيثَ نَهْي النِّسَاءِ -فِقْهًا- بَاقٍ عَلَى عُمُومِ النَّهْي مِنْ جِهَةِ الإِكْثَارِ مِنَ الزِّيَارَةِ، وَمَنْسُوخٌ مِنْ جِهَةِ مَنْعِ مُطْلَقِ الزِّيَارَةِ. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.\n(^١) صَحِيحٌ. الحَاكِمُ (١٣٩٣) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٤٥٨٤).\n(^٢) صَحِيحٌ. الحَاكِمُ (١٣٩٢)، وَالبَيهَقِيُّ فِي الكُبْرَى (٧٢٠٧). أَحْكَامُ الجَنَائِزِ (ص ١٨١).\n(^٣) وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُم عَلَى المَنْعِ بِمَفْهُومِ حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ (١٠٥٥) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيكَةَ؛ قَالَ: تُوفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ بِـ (الحَبَشِيِّ) -مَكَانٌ بَينَهُ وَبَينَ مَكَّةَ اثْنَا عَشَرَ مِيلًا- فَحُمِلَ إِلَى مَكَّةَ فَدُفِنَ فِيهَا، فَلَمَّا قَدِمَتْ عَائِشَةُ أَتَتْ قَبْرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَتْ -فِي جُمْلَةِ مَا قَالَتْ ﵂: (وَلَو شَهِدْتُكَ مَا زُرْتُكَ). فَفِيهِ ابْنُ جُرَيحٍ مُدَلِّسٌ؛ وَقَدْ عَنْعَنَهُ. ضَعِيفُ التِّرْمِذِيِّ (١٠٥٥).","vol":"1","page":414},{"text":"﵂: قُلْتُ: كَيفَ أَقُولُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللهُ المُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١) (^٢).\n_________\n(^١) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٩٧٤).\nوَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي وَعَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَتْ: لَمَّا كَانَتْ لَيلَتِي الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهَا عِنْدِي؛ انْقَلَبَ فَوَضَعَ رِدَاءَهُ، وَخَلَعَ نَعْلَيهِ، فَوَضَعَهُمَا عِنْدَ رِجْلَيهِ، وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ، فَاضْطَجَعَ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا رَيثَمَا ظَنَّ أَنْ قَدْ رَقَدْتُ؛ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيدًا، وَانْتَعَلَ رُوَيدًا، وَفَتَحَ البَابَ فَخَرَجَ، ثُمَّ أَجَافَهُ رُوَيدًا، فَجَعَلْتُ دِرْعِي فِي رَأْسِي، وَاخْتَمَرْتُ، وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي، ثُمَّ انْطَلَقْتُ عَلَى إِثْرِهِ، حَتَّى جَاءَ البَقِيعَ فَقَامَ، فَأَطَالَ القِيَامَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ انْحَرَفَ فَانْحَرَفْتُ، فَأَسْرَعَ فَأَسْرَعْتُ، فَهَرْوَلَ فَهَرْوَلْتُ، فَأَحْضَرَ فَأَحْضَرْتُ، فَسَبَقْتُهُ فَدَخَلْتُ، فَلَيسَ إِلَّا أَنِ اضْطَجَعْتُ فَدَخَلَ، فَقَالَ: «مَا لَكِ يَا عَائِشُ حَشْيَا رَابِيَةً؟» قَالَتْ: قُلْتُ: لَا شَيءَ، قَالَ: «لَتُخْبِرِينِي أَو لَيُخْبِرَنِّي اللَّطِيفُ الخَبِيرُ»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: «فَأَنْتِ السَّوَادُ الَّذِي رَأَيتُ أَمَامِي؟» قُلْتُ: نَعَمْ، فَلَهَدَنِي فِي صَدْرِي لَهْدَةً أَوجَعَتْنِي، ثُمَّ قَالَ: «أَظَنَنْتِ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيكِ وَرَسُولُهُ؟» قَالَتْ: مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللهُ، نَعَمْ، قَالَ: «فَإِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي حِينَ رَأَيتِ، فَنَادَانِي، فَأَخْفَاهُ مِنْكِ، فَأَجَبْتُهُ، فَأَخْفَيتُهُ مِنْكِ، وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيكِ وَقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ، وَظَنَنْتُ أَنْ قَدْ رَقَدْتِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَكِ، وَخَشِيتُ أَنْ تَسْتَوحِشِي، فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَ أَهْلَ البَقِيعِ فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ»، قُلْتُ: كَيفَ أَقُولُ لَهُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللهُ المُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ».\nوَ(الإحْضَارُ): الجَرْيُ، وَهُوَ أَشَدُّ مِنَ الهَرْوَلَةِ.\nوَ(حَشْيَا): بِفَتْحِ المُهْمَلَةِ وَإسْكَانِ المُعْجَمَةِ مَعْنَاهُ: وَقَعَ عَلَيكِ الحَشَا؛ وَهُوَ الرَّبُو وَالتَّهَيُّجُ الَّذِي يَعْرِضُ لِلمُسْرِعِ فِي مَشْيِهِ مِنِ ارتِفَاعِ النَّفَسِ وَتَوَاتُرِهِ.\nوَ(رَابِيَة): أَي: مُرْتَفِعَةُ البَطْنِ.\nوَ(لَهَدَنِي): دَفَعَنِي.\n(^٢) وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الإِتْيَانَ هُنَا مَعْنَاهُ المُرُورُ بِجَانِبِ المَقْبَرَةِ وَلَيسَ الدُّخُولَ! وَهُوَ بِعِيدٌ خِلَافُ الظَّاهِرِ.","vol":"1","page":415},{"text":"٤ - إِقْرَارُهُ ﷺ لِذَلِكَ.\nكَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: «اتَّقِي اللهَ وَاصْبِرِي». قَالَتْ: إِلَيكَ عَنِّي؛ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي! وَلَمْ تَعْرِفْهُ، فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ. فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ، فَقَالَ: «إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^١) (^٢).\n_________\n(^١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١٢٨٣)، وَمُسْلِمٌ (٩٢٦).\n(^٢) وَفِي الحَدِيثِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو؛ قَالَ: بَينَمَا نَحْنُ نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ؛ إِذْ بَصُرَ بِامْرَأَةٍ -لَا تَظُنُّ أَنَّهُ عَرَفَهَا- فَلَمَّا تَوَسَّطَ الطَّرِيقَ؛ وَقَفَ حَتَّى انْتَهَتْ إِلَيهِ، فَإِذَا فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ، قَالَ لَهَا: «مَا أَخْرَجَكِ مِنْ بَيتِكِ يَا فَاطِمَةُ؟» قَالَتْ: أَتَيتُ أَهْلَ هَذَا المَيِّتِ؛ فَتَرَحَّمْتُ إِلَيهِمْ، وَعَزَّيتُهُمْ بِمَيِّتِهِمْ. قَالَ: «لَعَلَّكِ بَلَغْتِ مَعَهُمُ الكُدَى». قَالَتْ: مَعَاذَ اللهِ أَنْ أَكُونَ بَلَغْتُهَا -وَقَدْ سَمِعْتُكَ تَذْكُرُ فِي ذَلِكَ مَا تَذْكُرُ-. فَقَالَ لَهَا: «لَو بَلَغْتِهَا مَعَهُمْ؛ مَا رَأَيتِ الجَنَّةَ حَتَّى يَرَاهَا جَدُّ أَبِيكِ». ضَعِيفٌ. النَّسَائِيٌّ (١٨٨٠). ضَعِيفُ النَّسَائِيِّ (١٨٨٠). وَ(الكُدَى): القُبُورُ.\nوَوَرَدَ أَيضًا مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ وَغَيرِهِ مَرْفُوعًا فِي رُؤْيَتِهِ ﷺ نِسْوَةً خَرَجْنَ لِجِنَازَةٍ -لِغَيرِ حَاجَةِ غَسْلٍ أَو نَحْوِهِ- قَالَ: «ارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ؛ غَيرَ مَأْجُورَاتٍ». ضَعِيفٌ. ابْنُ مَاجَه (١٥٧٨) عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا. الضَّعِيفَةُ (٢٧٤٢).\nقُلْتُ: وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ (١٢٧٨) -بَابُ اتِّبَاعِ النِّسَاءِ الجَنَائِزَ- عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂؛ قَالَتْ: (نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ؛ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَينَا).","vol":"1","page":416},{"text":"بَابُ مَا جَاءَ فِي حِمَايَةِ المُصْطَفَى جَنَابَ التَّوحِيدِ وَسَّدِّهِ كُلَّ طَرِيقٍ يُوَصِّلُ إِلَى الشِّرْكِ\nوَقَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٨ - ١٢٩].\nعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّ تَسْلِيمَكُمْ يَبْلُغُنِي حَيثُ كُنْتُمْ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ (^١).\nوَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَينِ ﵁؛ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَجِيءُ إِلَى فُرْجَةً كَانَتْ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَيَدْخُلُ فِيهَا فَيَدْعُو، فَنَهَاهُ، وَقَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ قَالَ: «لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا، وَلَا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّ تَسْلِيمَكُمْ لَيَبْلُغُنِي أَينَ كُنْتُمْ». رَوَاهُ فِي المُخْتَارَةِ (^٢).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٢٠٤٢). صَحِيحُ الجَامِعِ (٧٢٢٦)، وَهُوَ بِلَفْظِ: «فَإِنَّ صَلَاتَكُم»، وَالَّذِي فِي<span data-type='title' id=toc-173> المَتْنِ </span>هُوَ مِنْ لَفْظِ مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى (٦٧٦١) عَنِ الحَسَنِ مَرْفُوعًا.\n(^٢) صَحِيحٌ لِغَيرِهِ. الضِّيَاءُ المَقْدِسِيُّ فِي المُخْتَارَةِ (٢/ ٤٩)، وَقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ تَخْرِيجُ أَحَادِيثِ فَضَائِلِ الشَّامِ (ص ٥٢): \"صَحِيحٌ بِطُرُقِهِ وشَوَاهِدِهِ\".","vol":"1","page":417},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ (بَرَاءَة).\nالثَّانِيَةُ: إِبْعَادُهُ أُمَّتَهُ عَنْ هَذَا الحِمَى غَايَةَ البُعْدِ.\nالثَّالِثَةُ: ذِكْرُ حِرْصِهِ عَلَينَا وَرَأْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ.\nالرَّابِعَةُ: نَهْيُهُ عَنْ زِيَارَةِ قَبْرِهِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ؛ مَعَ أَنَّ زِيَارَتَهُ مِنْ أَفْضَلِ الأَعْمَالِ.\nالخَامِسَةُ: نَهْيُهُ عَنِ الإِكْثَارِ مِنَ الزِّيَارَةِ.\nالسَّادِسَةُ: حَثُّهُ عَلَى النَّافِلَةِ فِي البَيتِ.\nالسَّابِعَةُ: أَنَّهُ مُتَقَرَّرٌ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى فِي المَقْبَرَةِ.\nالثَّامِنَةُ: تَعْلِيلُ ذَلِكَ بِأَنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ وَسَلَامَهُ عَلَيهِ يَبْلُغُهُ وَإِنْ بَعُدَ؛ فَلَا حَاجَةَ إِلَى مَا يَتَوَهَّمُهُ مَنْ أَرَادَ القُرْبَ.\nالتَّاسِعَةُ: كَونُهُ ﷺ فِي البَرْزَخِ تُعْرَضُ أَعْمَالُ أُمَّتِهِ فِي الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ.","vol":"1","page":418},{"text":"<span data-type='title' id=toc-174>الشَّرْحُ</span>\n- قَولُهُ: (المُصْطَفَى): أَصْلُهَا المُصْتَفَى، مِنَ الصَّفْوَةِ: وَهُوَ خِيَارُ الشَّيءِ، وَهُمُ الأَنْبِيَاءُ، وَهُوَ ﷺ خِيرَةُ الأَنْبِيَاءِ.\n- قَولُهُ: (جَنَابَ): أَي: جَوَانِبَ التَّوحِيدِ.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ مَا: مَصْدَرِيَّةٌ، أَي: عَزِيزٌ عَلَيهِ عَنَتُكُم، أَي: مَشَقَّتُكُم.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيكُمْ﴾ جَمَعَ فِيهِ بَينَ دَفْعِ المَكْرُوبِ وَحُصُولِ المَحْبُوبِ.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ بِالمُؤْمِنِينَ: جَارٌّ وَمَجْرُورٌ، وَهُوَ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ يُفِيدُ الحَصْرَ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَينَهُمْ﴾ [الفَتْحِ: ٢٩].\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ وَجْهُ الأَمْرِ بِالاحْتِسَابِ عِنْدَ التَّوَلِّي هُوَ أَنَّ التَّوليَ عَنْهُ ﷺ يُشْعِرُ بِالضَّعْفِ لِقِلَّةِ المَتْبُوعِينَ؛ فَلِذَلِكَ كَانَ الإِرْشَادُ إِلَى التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ تَعَالَى وَجَعْلِهِ حَسِيبَهُ وَكَافِيَهُ.\n- قَولُ: (حَسْبِيَ اللهُ ونِعْمَ الوَكيلِ): تُقَالُ فِي الشَّدَائِدِ، فَهِيَ لِلاسْتِعَانَةِ (^١)، كَقَولِهِ\n_________\n(^١) وَلَيسَتْ لِلتَّحَسُّرِ عَلَى فَوَاتِ المَطْلُوبِ! أَو لِلتَّأَفُّفِ مِنْ حُصُولِ مَكْرُوهٍ! أَو لِلسَّبِّ وَالشَّتْمِ! بَلْ مَعْنَاهَا تَوحِيدُ الأُلُوهِيَّةِ، وَذَلِكَ بِحَصْرِ الاسْتِعَانَةِ بهِ سُبْحَانَهُ؛ لِمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ تَوحِيدِ الرُّبُوبِيَّة، فَالحَسْبُ هُوَ الكَافِي، وَلَا يَكْفِي فِي كُلِّ شَيءٍ إِلَّا الرَّبُّ ﷾.","vol":"1","page":419},{"text":"تَعَالَى فِي يَومِ أُحُدٍ ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ فَكَانَتِ العَاقِبَةُ ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عِمْرَان: ١٧٣ - ١٧٤]، وَقَولِ إِبْرَاهِيمَ ﵊ حِينَ أُلقِيَ فِي النَّارِ (^١).\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ﴾ جَمَعَ فِيهَا تَوحِيدَيِّ الرُّبُوبِيَّةِ وَالأُلُوهِيَّةِ.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ﴾ فِيهِ تَقْدِيمُ الجَارِّ وَالمَجْرُورِ لِإِفَادَةِ الحَصْرِ.\n- التَّوكُّلُ عَلَى اللهِ: هُوَ الاعْتِمَادُ عَلَيهِ فِي جَلْبِ المَنَافِعِ وَدَفْعِ المَضَارِّ، مَعَ الثِّقَةِ بِهِ، وَفِعْلِ الأَسْبَابِ النَّافِعَةِ.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ العَظِيمُ صِفَةٌ لِلعَرْشِ، وَعَظَمَتُهُ تَدُلُّ عَلَى عَظَمَةِ خَالِقِهِ سُبْحَانَهُ، وَهِيَ كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البُرُوج: ١٥] عَلَى قِرَاءَةِ الكَسْرِ (^٢)، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اسْمَ (العَظِيمِ) يُوصَفُ بِهَا المَخْلُوقُ، وَمِثْلُهُ (الرَّحِيمُ) وَ(الرَّؤُوفُ) وَ(الحَكِيمُ)، وَلَكِنَّ عَظَمَتَهُ وَرَحْمَتَهُ وَرَأْفَتَهُ وَحِكْمَتَهُ سُبْحَانَهُ لَيسَتْ كَعَظَمَةِ وَرَحْمَةِ وَرَأْفَةِ وَحِكْمَةِ غَيرِهِ.\n- قَولُهُ: «لا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا» العِيدُ يَكُونُ عِيدًا مَكَانِيًّا أَو زَمَنِيًّا، وَهُنَا هُوَ عِيدٌ\n_________\n(^١) فِي البُخَارِيِّ (٤٥٦٤) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (كَانَ آخِرَ قَولِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ: حَسْبِيَ اللهُ ونِعْمَ الوَكيلُ).\n(^٢) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٨/ ٣٧٢): \" ﴿الْمَجِيدُ﴾ فِيهِ قِرَاءَتَانِ: الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِلرَّبِّ ﷿، وَبِالجَرِّ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِلعَرْشِ، وَكِلَاهُمَا مَعْنَاهُ صَحِيحٌ\".","vol":"1","page":420},{"text":"مَكَانِيٌ (^١)، فَيَكُونُ النَّهْيُ هُوَ عَنْ كَثْرَةِ العَودِ إِلَيهِ، وَهُوَ مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ لِأَنَّهُ مُفْضٍ إِلَى الغُلوِّ.\n- قَدْ عَمِلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الإِرْشَادِ النَّبَوِيِّ فَلَم يَكُونُوا يَعْتَادُونَ زِيَارَةَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ كُلَّمَا دَخَلُوا المَسْجِدَ النَّبَوِيَّ، وَإِنَّمَا فَقَطْ إِذَا قَدِمُوا مِنْ سَفَرٍ؛ فَيَكُونُ اتِّخَاذُهُ عِيدًا هُوَ مِنْ بَابِ ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، فَلَمْ يَكُنِ السَّلَفُ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَأْتُونَ إِلَى مَسْجِدِهِ فَيُصَلُّونَ، فَإِذَا قَضَوا الصَّلَاةَ قَعَدُوا أَو خَرَجُوا، وَلَمْ يَكُونُوا يَأْتُونَ القَبْرَ لِلسَّلَامِ لِعِلْمِهِم أَنَّ الصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ عَلَيهِ ﷺ فِي الصَّلَاةِ أَفْضَلُ وَأكْمَلُ.\nقَالَ القَاضِي عِيَاضُ ﵀ فِي كِتَابِهِ (الشِّفَا بِتَعْرِيفِ حُقُوقِ المُصْطَفَى): \"وَقَالَ مَالِكٌ فِي المَبْسُوطِ: وَلَيسَ يَلْزَمُ مَنْ دَخَلَ المَسْجِدَ وَخَرَجَ مِنْهُ -مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ- الوُقُوفَ بِالقَبْرِ! وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِلْغُرَبَاءِ. وَقَالَ فِيهِ أَيضًا: لَا بَأْسَ لِمَنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ أَنْ يَقِفَ عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَيُصَلِّيَ عَلَيهِ وَيَدْعُوَ لَهُ وَلِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ. قِيلَ لَهُ: فَإِنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ لَا يَقْدِمُونَ مِنْ سَفَرٍ وَلَا يُرِيدُونَهُ؛ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي اليَومِ مَرَّةً أَو أَكْثَرَ! وَرُبَّمَا وَقَفُوا فِي الجُمُعَةِ أَو فِي الأَيَّامِ المَرَّةَ وَالمَرَّتَينِ أَو أَكْثَرَ عِنْدَ القَبْرِ فَيُسَلِّمُونَ وَيَدْعُونَ سَاعَةً! فَقَالَ: لَمْ يَبْلُغْنِي هَذَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الفِقْهِ بِبَلَدِنَا، وَتَرْكُهُ وَاسِعٌ، وَلَا يُصْلِحُ آخِرَ هَذِهِ الأُمَّةِ إِلَّا مَا أَصْلَحَ أَوَّلَهَا، وَلَمْ يَبْلُغْنِي عَنْ أَوَّلِ هَذِهِ الأُمَّةِ وَصَدْرِهَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَيُكْرَهُ إِلَّا\n_________\n(^١) وَمِثْلُهُ حَدِيثُ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ مَرْفُوعًا: «هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِم» صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٣٣١٣).","vol":"1","page":421},{"text":"لِمَنْ جَاءَ مِنْ سَفَرٍ أَو أَرَادَهُ\" (^١).\nوَزَادَ الأَمْرَ بَيَانًا فِعْلُ آلِ بَيتِ النَّبِيِّ ﷺ، كَمَا فِي الأَثَرِ هُنَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَينِ ﵀ (^٢)، حَيثُ اسْتَدَلَ بِالحَدِيثِ عَلَى المَنْعِ.\nوَأَيضًا فِي الأَثَرِ عَنْ سُهَيلِ بْنِ أَبِي سُهَيلٍ؛ قَالَ: رَآنِي الحَسَنُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عِنْدَ القَبْرِ فَنَادَانِي -وَهُوَ فِي بَيتِ فَاطِمَةَ يَتَعَشَّى-، فَقَالَ: هَلُمَّ إِلَى العَشَاءِ، فَقُلْتُ: لَا أُرِيدُهُ، فَقَالَ: مَا لِي رَأَيتُكَ عِنْدَ القَبْر؟! فَقُلْتُ: سَلَّمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: إِذَا دَخَلْتَ المَسْجِد فَسَلِّمْ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا، وَلَا تَتَّخِذُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، وَصَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيثُمَا كُنْتُمْ، لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، مَا أَنْتُمْ وَمَنْ بِالأَنْدَلُسِ إِلَّا سَوَاءٌ» (^٣).\n- قَولُهُ: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا» هُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ مَعَانٍ:\n١ - أَي: لَا تَدْفِنُوا فِيهَا؛ فَتَكُونَ مَقْبَرَةً (^٤).\n_________\n(^١) الشِّفَا بِتَعْرِيفِ حُقُوقِ المُصْطَفَى (٢/ ٢٠٤).\nوَكَذَا أَورَدَهُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ الإِيضَاحُ فِي مَنَاسِكِ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ (ص ٤٥٩).\nوَكَذَا أَورَدَهُ الشَّيخُ وَهْبَةُ الزُّحَيلِيُّ حَفِظَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ الفِقْهُ الإِسْلَامِيُّ وَأَدِلَّتُهُ (ص ٢٤٠٤) فِي فَقَرَةِ (زِيَارَةِ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ وَقَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ الفَقَرَةِ العَاشِرَةِ.\n(^٢) وَهُوَ المُسَمَّى بِزَينِ العَابِدِين (ت ٩٤ هـ)، وَيُسمَّى عَليًّا الأَصْغَرَ تَمْيِيزًا لَهُ عَنْ أَخِيهِ: عَلِيٍّ الأَكْبَرِ الَّذِي تُوُفِّيَ مَعَ أَبِيه ﵏. الأَعْلَام (٤/ ٢٧٧).\n(^٣) رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ، وَهُوَ مُرْسَلٌ قَوِيٌّ كَمَا فِي أَحْكَامِ الجَنَائِزِ (ص ٢٢٠) لِلشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.\n(^٤) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١/ ٥٣٠): \"فَإِنَّ ظَاهِرَهُ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنِ الدَّفْنِ فِي البُيُوتِ مُطْلَقًا. وَاللهُ أَعْلَمُ\".\n=","vol":"1","page":422},{"text":"٢ - أَي: لَا تُعَطِّلُوهَا عَنِ العِبَادَةِ؛ فَتَجْعَلُوهَا كَالمَقَابِرِ لَا يُصَلَّى فِيهَا! لِأَنَّ المَقْبَرَةَ لَا يُصَلَّى فِيهَا، لِذَلِكَ قَالَ: «صَلُّوا فِي بُيُوتِكُم» (^١).\n٣ - أَي: لَا تَجْعَلُوهَا كَالمَقَابِرِ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ قِرَاءَةِ القُرْآنِ فِيهَا، لِأَنَّ المَقْبَرَةَ لَا يُقْرَأُ فِيهَا القُرْآنُ.\nوَفِي الحَدِيثِ «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ؛ إِنَّ الشَّيطَانَ يَنْفِرُ مِنَ البَيتِ الَّذِي يُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ البَقَرَةِ» (^٢).\n- قَولُهُ: «وَصَلُّوا عَلَيَّ» أَي: قُولُوا: \"اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ\"، وَصَلَاةُ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ: هِيَ ثَنَاؤُهُ عَلَيهِم عِنْدَ المَلَائِكَةِ (^٣).\nوَأَمَّا صَلَاةُ المَلَائِكَةِ عَلَى المُسْلِمِينَ: فَهِيَ الاسْتِغْفَارُ (^٤) وَالتَّبْرِيكُ.\n_________\n=\nقُلْتُ: وَعَلَيهِ فَلَا يَجُوزُ أَيضًا السَّكَنُ بَينَ القُبُورِ، وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى كُونُهَا وَقْفًا.\nقَالَ الشَّيخُ ابْنُ بَازٍ ﵀ فِي الفَتَاوَى (١٣/ ٣٥٦) فِي جَوَابِ سُؤَالٍ حَولَ السُّكْنَى فِي المَقْبَرَةِ: \"وَهَذَا مُنْكَرٌ وَإِهَانَةٌ لِلقُبُورِ، وَإِذَا صَلَّوا عِنْدَهَا فَصَلَاتُهُم بَاطِلَةٌ، وَالجُلُوسُ عِنْدَ القُبُورِ بِالصُّورَةِ المَذْكُورَةِ وَالصَّلَاةُ عِنْدَهَا مِنَ المُنْكَرَاتِ\".\n(^١) مُسْلِمٌ (٧٧٧) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا.\nقُلْتُ: وَلَا يَصِحُّ القَولُ بِأَنَّ المَعْنَى: لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُم كَالقُبُورِ: أَي: بِأَنْ تَكُونُوا كَالأَمْوَاتِ في القُبُورِ؛ فَإِنَّهُم لَا يُصَلُّونَ! وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي البَرْزَخِ ثَابِتَةٌ، كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللهُ.\n(^٢) مُسْلِمٌ (٧٨٠) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.\n(^٣) صَلَاةُ اللهِ عَلَى عَبْدِهِ لَيسَتْ هِيَ الرَّحمةُ! وَذَلِكَ لِأَثَرِ أَبِي العَالِيَةِ الآتِي، وَلِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البَقَرَة: ١٥٧] فَالعَطْفُ يَقْتَضِي المُغَايَرَةَ.\n(^٤) كَمَا فِي البُخَارِيِّ (٤٤٥)، وَمُسْلِمٍ (٦٤٩) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا: «المَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ -مَا لَمْ يُحْدِثْ- تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ».","vol":"1","page":423},{"text":"قَالَ البُخَارِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِهِ: \"قَالَ أَبُو العَالِيَةِ: صَلَاةُ اللهِ: ثَنَاؤُهُ عَلَيهِ عِنْدَ المَلَائِكَةِ، وَصَلَاةُ المَلَائِكَةِ: الدُّعَاءُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿يُصَلُّونَ﴾ يُبَرِّكُونَ\" (^١).\nوَأَمَّا صَلَاةُ المُسْلِمِينَ عَلَى بَعْضِهِم فَهِيَ الدُّعَاءُ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ؛ فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَأكُلْ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا (^٢).\n- قَولُهُ: «وَصَلُّوا عَلَيَّ؛ فإنَّ تَسْلِيمَكُمْ» هَذَا يُسَمَّى الطَيَّ والنَّشْرَ، أَي: صَلُّوا عَلَيَّ وسَلِّمُوا؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُم وَتَسْلِيمَكُم تَبْلُغُنِي.\nوَالمُرَادُ: صَلُّوا عَلَيَّ فِي أَيِّ مَكَانٍ كُنْتُم فَلَا حَاجَةَ إِلَى أَنْ تَأْتُوا إِلَى القَبْرِ وَتُسَلِّمُوا عَلَيَّ وَتُصَلُّوا عَلَيَّ عِنْدَهُ.\n- إِنَّ الدَّفْنَ فِي البُيُوتِ مَنْهيٌّ عَنْهُ، وَمِنْ مَضَارِّهِ:\n١ - ذَرِيعَةٌ إِلَى الشِّرْكِ.\nلِأَنَّ البَيتَ تُقَامُ فِيهِ بَعْضُ الصَّلَاةِ؛ فيُخْشَى مِنَ الغُلوِّ فِيهِ واتِّخَاذِهِ مَسْجِدًا، عَدَا عَنْ كَونِ تَخْصِيصِهِ بِهَذَا الدَّفْنِ يُعْطِيهِ مَزِيَّةً عَنْ غَيرِهِ مِنَ القُبُورِ؛ فَلَا تُؤْمَنُ مَعَهُ الفِتْنَةُ، وَإِذَا كَانَ اللهُ تَعَالَى لَعَنَ زَوَّارَاتِ القُبُور، فَكَيفَ بِمَنْ أقَامَ عِنْدَهَا؟!\n٢ - حِرمَانُ الميِّتِ مِنْ دَعَوَاتِ المُسْلِمِينَ.\nوَهُوَ دُعَاءُ الزَّائِرِ لِلْمَقْبَرَةِ، وَلَاسِيَّمَا مَعْ كَثْرَةِ مَنْ يَزُورُ المَقَابِرَ مُقَارَنَةً مَعَ مَنْ يَزُورُ ذَلِكَ البَيتَ.\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٦/ ١٢).\n(^٢) مُسْلِمٌ (١٤٣٠)، وَفِي لَفْظِ الطَّبَرَانِيِّ فِي الكَبِيرِ (١٠/ ٢٣١) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: «فَلْيَدْعُ بِالبَرَكَةِ». صَحِيحٌ. صَحِيحُ الجَامِعِ (٥٣٨).","vol":"1","page":424},{"text":"٣ - يُضَيِّقُ عَلَى الوَرَثَةِ مَسْكَنَهُم، وَيَمْنَعُ مِيرَاثَهُم مِنَ البَيتِ لِحُرْمَةِ المَدْفُونِ فِيهِ مِنْ نَبْشِ قَبْرِهِ أَوِ امْتِهَانِهِ، فَلَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ أَغْلَبِ وُجُوهِ الانْتِفَاعِ بِهِ.\n٤ - لَا يُذَكِّرُ الآخِرَةَ، لِأَنَّ أَهْلَ البَيتِ اعْتَادُوا ذَلِكَ.\n- التَّرَدُّدُ عَلَى القَبْرِ مَمْنُوعٌ نَصًّا وَمَفْهُومًا.\nفَالنَّصُّ هُوَ فِي قَولِهِ: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا»، وَالمَفْهُومُ هُوَ فِي قَولِهِ: «فَإِنَّ تَسْلِيمَكُمْ يَبْلُغُنِي حَيثُ كُنْتُمْ»، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا دَاعِيَ لِلذَّهَابِ إِلَى السَّلَامِ عَلَيهِ عِنْدَ قَبْرِهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيهِ طَالَمَا أَمْكَنَ ذَلِكَ بِدُونِهِ (^١).\n- كِتَابُ (المُخْتَارَةُ): هُوَ كِتَابٌ جَمَعَ فِيهِ مُؤَلِّفُهُ الأَحَادِيثَ الجِيَادَ الزَّائِدَةَ عَلَى الصَّحِيحَين، وَصَاحِبُهُ: هُوَ الحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللهِ؛ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَاحِدِ المَقْدِسِيُّ؛\n_________\n(^١) قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي تَحْقِيقِ كِتَابِ الآيَاتُ البَيِّنَاتُ (ص ٨٠): \"وَأَمَّا حَدِيثُ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي سَمِعْتُهُ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ نَائِيًا أُبْلِغْتُهُ» فَهُوَ مَوضُوعٌ، كَمَا قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيمِيَّة ﵀ فِي مَجْمُوعِ الفَتَاوَى، وَقَدْ خَرَّجْتُهُ فِي الضَّعِيفَةِ (٢٠٣)، وَلَمْ أَجِدْ دَلِيلًا عَلَى سَمَاعِهِ ﷺ سَلَامَ مَنْ سَلَّمَ عِنْدَ قَبْرِهِ، وَحَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ لَيسَ صَرِيحًا فِي ذَلِكَ، فَلَا أَدْرِي مِنْ أَينَ أَخَذَ ابْنُ تَيمِيَّةَ قَولَهُ: أَنَّهُ ﷺ يَسْمَعُ السَّلَامَ مِنَ القَرِيبِ! وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ المُتَقَدِّمُ مُطْلَقٌ. وَاللهُ أَعْلَمُ\".\nقُلْتُ: وَالحَدِيثُ هَذَا إِنَّمَا يَرْوِيه مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانِ السُّدِّيُّ عَنِ الأَعْمَشِ -وَهُوَ كَذَّابٌ بِالاتِّفَاقِ-، وَهَذَا الحَدِيثُ مَوضُوعٌ عَلَى الأَعْمَشِ بِإِجْمَاعِهِم. وَانْظُرِ التَّعْلِيقَ عَلَى حَدِيثِ الضَّعِيفَةِ (٢٠٤).\nوَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي أشارَ إِلَيهِ الشَّيخُ ﵀ فَهُوَ: «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الأَرْضِ يُبَلِّغُونِي مِنْ أُمَّتِي السَّلَامَ». صَحِيحٌ. النَّسَائِيُّ (١٢٨١). صَحِيحُ النَّسَائِيِّ (١٢٨١).","vol":"1","page":425},{"text":"ضِيَاءُ الدِّينِ الحَنْبَلِيُّ، (ت ٦٤٣ هـ) (^١).\n- قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِينَ ﵀ مُعَلِّقًا عَلَى قَولِ المُصَنِّفِ ﵀: (نَهْيُهُ عَنِ الإِكْثَارِ مِنَ الزِّيَارَةِ): \"تُؤْخَذُ مِنْ قَولِهِ: «لَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا» لَكِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الإِكْثَارُ! لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَأْتِي إِلَّا بَعْدَ سَنَةٍ وَيَكُونُ قَدِ اتَّخَذَهُ عِيدًا! فَإِنَّ فِيهِ نَوعًا مِنَ الإِكْثَارِ\" (^٢).\n- قَولُ المُصَنِّفِ ﵀ فِي المَسْأَلَةِ التَّاسِعَةِ: \"كَونُهُ ﷺ فِي البَرْزَخِ تُعْرَضُ أَعْمَالُ أُمَّتِهِ فِي الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ\": أَي: فَقَطْ عَرْضُ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ، وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ قَولِهِ: «إِنَّ تَسْلِيمَكُمْ لَيَبْلُغُنِي أَينَ كُنْتُمْ».\nوَفِي الحَدِيثِ: «إنَّ مِنْ أفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَومَ الجُمعَةِ؛ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ»، قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ وَكَيفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيكَ وَقَدْ أَرِمْتَ -يَقُولُونَ: بَلِيتَ-؟ فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ ﷿ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ» (^٣).\n_________\n(^١) قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي اخْتِصَارِ عُلُومِ الحَدِيثِ (ص ٢٩): \"فَصْلٌ: الزِّيَادَاتُ عَلَى الصَّحِيحَينِ: وَقَدْ جَمَعَ الشَّيخُ ضِيَاءُ الدِّينِ؛ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَاحِدِ المَقْدِسِيُّ فِي ذَلِكَ كِتَابًا سَمَّاهُ (المُخْتَارَةُ) وَلَمْ يَتِمَّ، كَانَ بَعْضُ الحُفَّاظِ مِنْ مَشَايِخِنَا يُرَجِّحُهُ عَلَى مُسْتَدْرَكِ الحَاكِمِ. وَاللهُ أَعْلَمُ\".\nوَقَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ فِي مَجْمُوعِ الفَتَاوَى (٢٢/ ٤٢٦): \"تَصْحِيحُ الحَافِظِ أَبِي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَاحِدِ المَقْدِسِيِّ فِي مُخْتَارِهِ خَيرٌ مِنْ تَصْحِيحِ الحَاكِمِ\".\n(^٢) القَولُ المُفِيدُ (١/ ٤٥٢).\n(^٣) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (١٠٤٧) عَنْ أَوسِ بْنِ أَوسٍ. صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (٦٩٦).\nوَأَمَّا حَدِيثُ: «حَيَاتِي خَيرٌ لَكُمْ؛ تُحَدِّثُونَ ويُحْدَثُ لَكُمْ، فَإِذَا أَنَا مُتُّ كَانَتْ وَفَاتِي خَيرًا لَكُمْ؛ تُعْرَضُ عَلَيَّ أَعْمالَكُمْ؛ فَمَا رَأيتُ خَيرًا حَمِدْتُ اللهَ عَلَيهِ، وَمَا رَأيتُ مِنْ شَرٍّ اسْتَغْفَرْتُ اللهَ لَكُمْ» فَهُوَ عِنْدَ\n=","vol":"1","page":426},{"text":"- فَائِدَةٌ: فِي حَدِيثِ: «اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ؛ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا» (^١): دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الأَفْضَلَ أَنْ يَجْعَلَ المَرْءُ صَلَاتَهُ فِي بيتِهِ لِجَمِيعِ النَّوَافِلِ، وَلِقَولِهِ ﷺ: «أَفْضَلَ صَلَاةِ المَرْءِ فِي بَيتِهِ إِلَّا الصَّلَاةَ المَكْتُوبَةَ» (^٢) (^٣).\nوَهَذَا الحُكْمُ عَامٌّ حَتَّى فِي المَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ ذَلِكَ وَهُوَ فِي المَدِينَةِ، وَتَكُونُ المُضَاعَفَةُ إِذًا بِالنِّسْبَةِ لِلفَرَائِضِ -أَوِ النَّوَافِلِ الَّتِي تُسَنُّ لَهَا الجَمَاعَةُ-، وَتَكُونُ الفَضِيلَةُ بِاعْتِبَارِ المَسَاجدِ مَعَ بَعْضِهَا.\n_________\n=\nالبَزَّارِ (٥/ ٣٠٨) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، وَهُوَ ضَعِيفٌ. الضَّعِيفَةُ (٩٧٥).\nوَقَالَ الحَافِظُ العِرَاقِيُّ ﵀ فِي تَخْرِيجِ الإحْيَاءِ (٣٨١٠): \"أَخْرَجَهُ البزَّارُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، إِلَّا أَنَّ عَبْدَ المَجِيدِ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّاد وَإِنْ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ وَوَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَالنَّسَائِيُّ؛ فَقَدْ ضَعَّفَهُ كَثِيرُونَ، وَرَوَاهُ الحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِنَحْوِهِ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ\".\n(^١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤٣٢)، وَمُسْلِمٌ (٧٧٧) ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا.\n(^٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٧٢٩٠)، وَمُسْلِمٌ (٧٨١) عَنْ زَيدِ بْنِ ثَابِتٍ مَرْفُوعًا.\n(^٣) قُلْتُ: وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ ضِمْنًا مَا كَانَ مِنْ شَأْنِهِ الجَمَاعَةُ كَصَلَاةِ الكُسُوفِ، وَقِيَامِ اللَّيلِ فِي رَمَضَانَ.","vol":"1","page":427},{"text":"<span data-type='title' id=toc-175>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-176> المَسْأَلَةُ الأُولَى: مَا الجَوَابُ عَنِ التَّعَارُضِ حَولَ مَا نُقِلَ عَنِ الإِمَامِ مَالِكٍ ﵀ فِي مَسْأَلَةِ اسْتِقْبَالِ القَبْرِ أَوِ القِبْلَةِ فِي الدُّعَاءِ؟</span>\nفَقَدْ قَالَ الإِمَامُ البَاجِيُّ ﵀ (^١) فِي كِتَابِهِ (المُنْتَقَى شَرْحُ المُوَطَّإِ) (^٢): \"مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا الدُّعَاءُ عِنْدَ القَبْرِ؛ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي المَبْسُوطِ: (لَا أَرَى أَنْ يَقِفَ الرَّجُلُ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ يَدْعُو، وَلَكِنْ يُسَلِّمُ ثُمَّ يَمْضِي)، وَلَكِنْ رَوَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ -فِي غَيرِ المَبْسُوطِ- أَنَّهُ يَدْعُو مُسْتَقْبِلَ القَبْرِ؛ وَلَا يَدْعُو وَهُوَ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ وَظَهْرَهُ إِلَى القَبْرِ\"!\nالجَوَابُ:\nإِنَّ هَذِهِ القِصَّةَ الأَخِيرَةَ -مِمَّا لَهَجَ بِهَا كَثِيرٌ مِنَ المُتَصَوِّفَةِ- وَهِيَ أَنَّ الخَلِيفَةَ المَنْصُورَ العَبَّاسِيَّ سَأَلَ مَالِكًا عَنِ اسْتِقْبَالِ الحُجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ فِي الدُّعَاءِ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَقَالَ: \"هُوَ وَسِيلَتُكَ وَوَسِيلَةُ أَبِيكَ آدَمَ\"! هِيَ حِكَايَةٌ بَاطِلَةٌ مَكْذُوبَةٌ عَلَى مَالِكٍ؛ مُخَالِفَةٌ لِلثَّابِتِ المَنْقُولِ عَنْهُ بِأَسَانِيدِ الثِّقَاتِ فِي كُتُبِ أَصْحَابِهِ، وَرَاوِيهَا عَنْ مَالِكٍ\n_________\n(^١) هُوَ الإِمَامُ الحَافِظُ أَبُو الوَلِيدِ البَاجِيُّ؛ سُلَيمَانُ بنُ خَلَفٍ بنِ سَعْدٍ الأَنْدَلُسِيُّ؛ القُرْطُبِيُّ؛ البَاجِيُّ؛ صَاحِبُ التَّصَانِيفِ، (ت ٤٧٤ هـ). اُنْظُرِ السِّيَر لِلذَّهَبِيِّ (١٨/ ٥٣٥).\n(^٢) المُنْتَقَى (١/ ٢٩٦).\nوَقَدْ رَوَاهَا القَاضِي عِيَاضُ ﵀ بِإِسْنَادِهِ فِي كِتَابِهِ الشِّفَا (٢/ ٩٢)، وَفِيهَا أَنَّ الخَلِيفَةَ المَنْصُورَ العَبَّاسِيَّ سَأَلَ مَالِكًا \"وَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ؛ أَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ وَأَدْعُو؛ أَمْ أَسْتَقْبِلُ رَسُولَ اللهِ ﷺ؟ فَقَالَ: وَلِمَ تَصْرِفُ وَجْهَكَ عَنْهُ؛ وَهُوَ وَسِيلَتُكَ وَوَسِيلَةُ أَبِيكَ آدَمَ ﵇ إِلَى اللهِ تَعَالَى يَومَ القِيَامَةِ؟! بَلِ اسْتَقْبِلْهُ، وَاسْتَشْفِعْ بِهِ؛ فَيُشَفِّعْهُ اللهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النِّسَاء: ٦٤] \".","vol":"1","page":428},{"text":"﵀ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيدٍ؛ وَقَدْ كَذَّبَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ (^١)، عَدَا عَنِ الانْقِطَاعِ فِي السَّنَدِ؛ فَإِنَّه لَمْ يُدْرِكْ أَبَا جَعْفَرٍ المنْصُورَ أَصْلًا (^٢) (^٣).\n_________\n(^١) رُغْمَ كَونِهِ حَافِظًا، وَقَدْ أَحْسَنَ الظَّنَّ بِهِ بَعْضُهُم.\nوَفِي السِّيَرِ (١١/ ٥٠٤) لِلحَافِظِ الذَّهَبِيِّ ﵀: \"قَالَ أَبُو عَلِيٍّ النَّيسَابُورِيُّ: قُلْتُ لابْنِ خُزَيمَةَ: لَو حَدَّثَ الأُسْتَاذُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيدٍ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ قَدْ أَحسَنَ الثَّنَاءَ عَلَيهِ! قَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهُ، وَلَو عَرَفَه كَمَا عَرَفْنَاهُ، لَمَا أَثْنَى عَلَيهِ أَصْلًا\".\nقُلْتُ: وَقَدْ عُلِمَ فِي مُصْطَلَحِ الحَدِيثِ أَنَّ الجَرْحَ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّعْدِيلِ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ مُفَسَّرًا.\n(^٢) أَبُو جَعْفَرٍ المَنْصُورُ وفاتُهُ (١٥٨ هـ) كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (تَهْذِيبُ الأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ) (٢/ ٢٠٣)، وَأَمَّا مُحَمَّدِ بْنُ حُمَيدٍ الرَّازِيُّ فَقَد قَالَ الحَافِظُ الذَّهَبَيُّ ﵀ عَنْهُ فِي السِّيَرِ (١١/ ٥٠٣): \"مَولِدُهُ فِي حُدُودِ السِّتِّينَ وَمائَةٍ\".\n(^٣) قَالَ الشَّيخُ الدُّكْتُورُ وَهْبَةُ الزُّحَيليُّ حَفِظَهُ اللهُ وَرَعَاهُ فِي كِتَابِهِ (الفِقْهُ الإِسْلَامِيُّ وَأَدِلَّتُهُ) (ص ١٤٥٣) فِي حَاشِيَةِ أَبْوَابِ صَلَاةِ الاسْتِسْقَاءِ: \"اتَّفَقَ الأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ الدُّعَاءَ عِنْدَ قَبْرٍ رَجَاءَ الإِجَابَةِ بِدْعَةٌ لَا قُرْبَةٌ\".","vol":"1","page":429},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-177> المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي قَولِهِ ﷺ: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا» مُعَارَضَةٌ لِمَا ثَبَتَ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دُفِنَ فِي بَيتِهِ!</span> فَمَا الجَوَابُ؟\nالجَوَابُ:\n١ - إِنَّ هَذَا خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ، وَذَلِكَ مِنْ جِهَتَينِ:\nأ- مِنْ جِهَةِ الحَدِيثِ: «مَا قَبَضَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا فِي المَوضِعِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُدْفَنَ فِيهِ» (^١).\nب- مِنْ جِهَةِ خَشْيَةِ الافْتِتَانِ بِقَبْرِهِ ﷺ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، لَولَا ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ» (^٢).\n٢ - أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ جَعَلَتْ جِدَارًا فِي بَيتِهَا يَفْصِلُ بَينَهَا وَبَينَ القَبْرِ، فَخَرَجَ بِذَلِكَ القَبْرُ عَنِ البَيتِ وَصَارَ ذَلِكَ الشَّطْرُ مِنْهُ مَدْفَنًا، وَلِذَلِكَ أَمْكَنَ دَفْنُ صَاحِبَيهِ مَعَهُ أَيضًا فِيمَا بَعْدُ ﵄، فَلَيسَ فِيهِ إِذًا ارْتِكَابُ مَحْظُورٍ، وَالحَمْدُ للهِ.\nكَمَا فِي طَبَقَاتِ ابٍنِ سَعْدٍ عَنِ الإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: \"قُسِمَ بَيتُ عَائِشَةَ بِاثْنَينِ: قِسْمٍ كَانَ فِيهِ القَبْرُ، وَقِسْمٍ تَكُونُ فِيهِ عَائِشَةُ، وَبَينَهُمَا حَائِطٌ\" (^٣).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (١٠١٨) عَنْ أَبِي بَكْرٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٥٦٤٩).\n(^٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤٤٤١)، وَمُسْلِمٌ (٥٢٩) عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا.\n(^٣) طَبَقَاتُ ابْنِ سَعْدٍ (٢/ ٢٩٤).","vol":"1","page":430},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-178> المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ بَعْضُهُم: إِنَّ المَنْهِيَّ فِي الحَدِيثِ هُوَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي القَبْرِ نَفْسِهِ؛ وَلَيسَ فِي المَقْبَرَةِ (^١)! فَمَا الجَوَابُ؟</span>\nالجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ:\n١ - إِنَّ السُّنَّةَ دَلَّتْ فِي أَحَادِيثَ أُخَرَ عَلَى المَنْعِ مِنَ الصَّلَاةِ فِي المَقْبَرَةِ نَفْسِهَا، مِنْهَا: «الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الحَمَّامَ وَالمَقْبُرَةَ» (^٢).\n٢ - إِنَّ الحَدِيثَ نَفْسَهُ وَرَدَ بِلَفْظِ: «المَقَابِرِ» كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ من حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ بِلَفْظِ: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ؛ إِنَّ الشَّيطَانَ يَنْفِرُ مِنَ البَيتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ البَقَرَةِ» (^٣).\n٣ - جَعْلُ عِلَّةِ الحَدِيثِ أَنَّ المَيِّتَ لَا يُصَلِي! مَرْدُودٌ مِنْ جِهَتَينِ:\nأ- أَنَّ الصَّلَاةَ فِي القَبْرِ غَيرُ مَعْهُودَةٍ أَبَدًا، بَلْ وَلَيسَتْ بِمُسْتَطَاعَةٍ أَصْلًا، فَكَيفَ يُؤْتَى بِالنَّهْي عَنْهَا! فَهُوَ مِنَ النَّهْي عَنِ المُحَالِ.\nب- قَدْ ثَبَتَ بِأَحَادِيثَ أَنَّ المَوُتَى يُصَلُّونَ فِي قُبُورِهِم.\nمِنْهَا: «الأَنْبِيَاءُ أَحْياءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ» (^٤).\n_________\n(^١) وَيَكُونُ عِنْدَهُم مَعْنَى الحَدِيثِ بِتَمَامِهِ: \"لَا تَجْعَلُوا بُيوتَكُم كَالقَبْرِ لَا تُصَلُّونَ فِيهِ، بَلْ صَلُّوا فِي بُيُوتِكُم لِأَنَّ المَوتَى لَا يُصَلُّونَ\"!\n(^٢) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٩٢) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٢٧٦٧).\n(^٣) مُسْلِمٌ (٧٨٠).\nوَفِي البُخَارِيِّ (٤٣٢) بِلَفْظِ: «اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا»؛ وَتَرْجَمَ لَهُ البُخَارِيُّ بِقَولِهِ: \"بَابُ كَرَاهِيَةِ الصَّلَاةِ فِي المَقَابِر\".\n(^٤) صَحِيحٌ. أَبُو يَعْلَى (٦٨٨٨) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٦٢١).","vol":"1","page":431},{"text":"وَمِنْهَا حَدِيثُ صَلَاةِ مُوسَى ﷺ فِي قَبْرِهِ عِنْدَمَا رَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيلَةَ أُسْرِيَ بِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).\nوَمِثْلُهُ حَدِيثُ سُؤَالِ المَلَكَينِ لِلمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ: «فيُقَالُ لَهُ: أَرَأَيتَكَ هَذَا الَّذِي كَانَ قَبْلَكُم؛ مَا تَقُولُ فِيهِ؟ وَمَاذَا تَشْهَدُ عَلَيهِ؟ فَيَقُولُ: دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ، فَيَقُولُونَ: إِنَّكَ سَتَفْعَلُ» الحَدِيثُ (^٢).\n_________\n(^١) مُسْلِمٌ (٢٣٧٥) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا.\n(^٢) حَسَنٌ. ابْنُ حبَّان (٣١١٣) فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (٣٥٦١).","vol":"1","page":432},{"text":"بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأُمَّةِ يَعْبُدُ الأَوثَانَ\nوَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النِّسَاء: ٥١].\nوَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المَائِدَة: ٦٠].\nوَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكَهْف: ٢١].\nوَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُم حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ، حَتَّى لَو دَخَلوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ». قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: «فَمَنْ؟». أَخْرَجَاهُ (^١).\nوَلِمُسْلِمٍ عَنْ ثَوبَانَ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ زَوَى لِيَ الأَرْضَ؛ فَرَأَيتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الكَنْزَين الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ، وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ؛ فَيَسْتَبِيحَ بَيضَتَهُمْ. وَإِنّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ؛ إِنِّي إِذَا قَضَيتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعْطَيتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ بعَامَّةٍ، وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فيَسْتَبِيحُ بَيضَتَهُمْ -وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيهِمْ مَنْ\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٣٤٥٦)، وَمُسْلِمٌ (٢٦٦٩).","vol":"1","page":433},{"text":"بِأَقْطَارِهَا- حَتَّىَ يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا» (^١).\nوَرَوَاهُ البَرْقَانِيُّ فِي صَحِيحِهِ، وَزَادَ: «وَإِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الأَئِمَّةَ المُضِلِّينَ، وَإِذَا وَقَعَ عَلَيهِمُ السَّيفُ؛ لَمْ يُرْفَعْ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَلْحَقَ حَيٌّ مِنْ أُمَّتِي بِالمُشْرِكِينَ، وَحَتَّى تَعْبُدَ فِئَامٌ مِنْ أُمَّتِي الأَوثَانَ، وَإِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي كَذَّابُونَ ثَلَاثُونَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؛ وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الحَقِّ مَنْصُورَةٌ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ ﵎) (^٢).\n_________\n(^١) مُسْلِمٌ (٢٨٨٩).\n(^٢) صَحِيحٌ. وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ رَوَاهَا أيضًا أَبُو دَاوُدَ (٤٢٥٢). صَحِيحُ الجَامِعِ (٧٨٥).","vol":"1","page":434},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ النِّسَاءِ.\nالثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ المَائِدَةِ.\nالثَّالِثَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ الكَهْفِ.\nالرَّابِعَةُ: وَهِيَ أَهَمُّهَا؛ مَا مَعْنَى الإِيمَانِ بِالجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ فِي هَذَا المَوضِعِ؛ هَلْ هُوَ اعْتِقَادُ قَلْبٍ؟ أَو هُوَ مُوَافَقَةُ أَصْحَابِهَا مَعَ بُغْضِهَا وَمَعْرِفَةِ بُطْلَانِهَا.\nالخَامِسَةُ: قَولُهُمْ: إِنَّ الكُفَّارِ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ كُفْرَهُمْ؛ أَهْدَى سَبِيلًا مِنَ المُؤْمِنِينَ!\nالسَّادِسَةُ: وَهِيَ المَقْصُودَةُ بِالتَّرْجَمَةِ؛ أَنَّ هَذَا لَا بُدَّ أَنْ يُوجَدَ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ.\nالسَّابِعَةُ: تَصْرِيحُهُ بِوُقُوعِهَا -أَعْنِي عِبَادَةَ الأَوثَانِ- فِي هَذِهِ الأُمَّةِ فِي جُمُوعٍ كَثِيرَةٍ.\nالثَّامِنَةُ: العَجَبُ العُجَابُ؛ خُرُوجُ مَنْ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ، مِثْلُ المُخْتَارِ -مَعَ تَكَلُّمِهِ بِالشَّهَادَتَينِ وَتَصْرِيحِهِ بِأَنَّهُ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَأَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَأَنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، وَفِيهِ أَنَّ مُحَمَّدًا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ- وَمَعَ هَذَا يُصَدَّقُ فِي هَذَا كُلِّهِ مَعَ التَّضَادِّ الوَاضِحِ! وَقَدْ خَرَجَ المُخْتَارُ فِي آخِرِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ، وَتَبِعَهُ فِئَامٌ كَثِيرَةٌ.\nالتَّاسِعَةُ: البِشَارَةُ بِأَنَّ الحَقَّ لَا يَزُولُ بِالكُلِّيَّةِ كَمَا زَالَ فِيمَا مَضَى، بَلْ لَا تَزَالُ عَلَيهِ طَائِفَةٌ.\nالعَاشِرَةُ: الآيَةُ العُظْمَى؛ أَنَّهُمْ مَعَ قِلَّتِهِمْ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ.\nالحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ.","vol":"1","page":435},{"text":"الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: مَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ العَظِيمَةِ؛ مِنْهَا إِخْبَارُهُ بِأَنَّ اللهَ زَوَى لَهُ المَشَارِقَ وَالمَغَارِبَ، وَأَخْبَرَ بِمَعْنَى ذَلِكَ، فَوَقَعَ كَمَا أَخْبَرَ، بِخِلَافِ الجَنُوبِ وَالشَّمَالِ، وَإِخْبَارُهُ بِأَنَّهُ أُعْطِيَ الكَنْزَينِ، وَإِخْبَارُهُ بِإِجَابَةِ دَعْوَتِهِ لِأُمَّتِهِ فِي الِاثْنَتَينِ، وَإِخْبَارُهُ بِأَنَّهُ مُنِعَ الثَّالِثَةِ، وَإِخْبَارُهُ بِوُقُوعِ السَّيفِ، وَأَنَّهُ لَا يُرْفَعُ إِذْا وَقَعَ، وَإِخْبَارُهُ بِإِهْلَاكِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَسَبْيِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَخَوفُهُ عَلَى أُمَّتِهِ مِنَ الأَئِمَّةِ المُضِلِّينَ، وَإِخْبَارُهُ بِظُهُورِ المُتَنَبِّئِينَ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ، وَإِخْبَارُهُ بِبَقَاءِ الطَّائِفَةِ المَنْصُورَةِ، وَكُلُّ هَذَا وَقْعِ كَمَا أَخْبَرَ، مَعَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا مِنْ أَبْعَدِ مَا يَكُونُ فِي العُقُولِ!\nالثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: حَصْرُ الخَوفِ عَلَى أُمَّتِهِ مِنَ الأَئِمَّةِ المُضِلِّينَ.\nالرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: التَّنْبِيهُ عَلَى مَعْنَى عِبَادَةِ الأَوثَانِ.","vol":"1","page":436},{"text":"<span data-type='title' id=toc-181>الشَّرْحُ</span>\n- الأَوثَانُ: جَمْعُ وَثَنٍ. قِيلَ: سُمِّيَ وَثَنًا لِانْتِصَابِهِ وَثَبَاتِهِ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، مِنْ وَثَنَ بِالمَكَانِ أَي: أقَامَ بِهِ؛ فَهُوَ وَاثِنٌ (^١).\n- قَولُ المُصَنِّفِ: \"بَعْضَ هَذِهِ الأُمَّةِ\" وَلَيسَ كُلَّهَا، وَذَلِكَ لِوُجُودِ الطَّائفَةِ المْنَصُورَةِ فِيهَا الَّتِي تَكُونُ بَاقِيَةً عَلَى الحَقِّ، فَفِيهِ بُشْرَى بِأَنَّ الحَقَّ لَا يَزُولُ بِالكُلِّيَّةِ، وَفِيهِ أَيضًا حُجِّيَّةُ الإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا اتَّفَقَتِ الأُمَّةُ عَلَى شَيءٍ دَخَلَتْ فِيهَا الطَّائفةُ المَنْصُورَةُ.\n- سَبَبُ نُزُولِ آيَةِ سُورَةِ النِّسَاءِ هُوَ كَمَا فِي تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ ﵀: \"وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدٍ المُقْرِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرو، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: جَاءَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبٍ وَكَعْبُ بْنُ الأَشْرَفِ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ فَقَالُوا لَهُمْ: أَنْتُمْ أَهْلُ الكِتَابِ وَأَهْلُ العِلْمِ؛ فَأَخْبِرُونَا عَنَّا وَعَنْ مُحَمَّدٍ. فَقَالُوا: مَا أَنْتُمْ وَمَا مُحَمَّدٌ؟ فَقَالُوا: نَحْنُ نَصِلُ الأَرْحَامَ، وَنَنْحَرُ الكَومَاءَ (^٢)، وَنَسْقِي المَاءَ عَلَى اللَّبَنِ، وَنَفُكُّ العَانِي، وَنَسْقِي الحَجِيجَ، وَمُحَمَّد صُنْبُورٌ (^٣)، قَطَعَ أَرْحَامَنَا! وَاتَّبَعَهُ سُرَّاقُ الحَجِيجَ مِنْ غِفَارٍ، فَنَحْنُ خَيرٌ أَمْ هُوَ؟ فَقَالُوا: أَنْتُمْ خَيرٌ وَأَهْدَى سَبِيلًا. فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا﴾ الآيَة. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا مِنْ غَير وَجْهٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ\" (^٤).\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ فِيهَا قِرَاءَاتٌ؛ أَشْهَرُهَا: (وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ)،\n_________\n(^١) تَاجُ العَرُوسِ (٣٦/ ٢٣٩).\n(^٢) هِيَ النَّاقَةُ، وَسُمِّيَتْ (كَومَاءَ) لِأَنَّ عَلَى سَنَامِهَا شَحْمٌ مُتَكَوِّمٌ مُتَكَدِّسٌ.\n(^٣) \"الصُّنْبُورُ: الرَّجَلُ الفَرْدُ الضَّعِيفُ الذَّلِيلُ بِلَا أَهْلٍ وَلَا عَقِبٍ وَلَا نَاصِرٍ\". تَاجُ العَرُوسِ (١٢/ ٣٥٣).\n(^٤) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِير (٢/ ٣٣٤).","vol":"1","page":437},{"text":"فَـ (عَبَدَ) فِعْلٌ مَاضٍ، وَ(الطَّاغُوتَ): مِفْعُولٌ بِهِ.\nوَالقِرَاءَةُ الأُخْرَى (وعَبُدَ الطَّاغُوتِ) بِفَتْحِ عَينِ (عَبُدَ) وَضَمِّ بَائِهَا وَخَفْضِ (الطَّاغُوتِ) بِإِضَافَةِ (عَبُدَ) إِلَيهِ. وَعَنَوا بِذَلِكَ: وَخَدَمَ الطَّاغوتِ (^١).\n- فِي الآيَةِ فَائِدَةُ أَنَّ العِلمَ وَحْدَهُ لَيسَ بِعَاصِمٍ مِنَ المَعْصِيَةِ، لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يُؤْمِنَ مَنْ أُوتِيَ نَصِيبًا مِنَ الكِتَابِ بِعِبَادَةِ الأَوثَانِ، لِذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ (أَكْثَرُ دُعائِهِ: يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ؛ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ) (^٢).\n- وَجْهُ المُنَاسَبَةِ مِنَ الآيَاتِ مَعَ البَابِ لَا يَتَبَيَّنُ إِلَّا بِالحَدِيثِ؛ وَهُوَ: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُم»، فَإِذَا كَانَ الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ! وَإِذَا عُلِمَ أَنَّ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ مَنْ يَرْكَبُ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا؛ لَزِمَ مِنْ هَذَا أنَّ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ مَنْ سَيُؤْمِنُ بِالجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ، فَتَكُونُ الآيَةُ مُوَافِقَةً لِلتَّرجَمَةِ بِذَلِكَ.\n- قَولُهُ: ﴿بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ الجِبْتُ: يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ لَا خَيرَ فِيهِ، وَالطَّاغُوتُ: يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ يَدْعُو إِلَى البَاطِلِ (^٣).\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ هَذَا مِنِ اسْتِعْمَالِ أَفَعَلِ التَّفْضِيلِ فِيمَا لَيسَ فِي الطَّرَفِ الآخَرِ لَهُ مُشَارَكَةٌ (^٤).\n_________\n(^١) وَفِيهَا أَيضًا قِرَاءَاتٌ أُخْرُ أَورَدَهَا ابْنُ جَرِيرٍ ﵀ فِي تَفْسِيرِهِ (١٠/ ٤١٤) وَقَالَ: \"وأمَّا قِرَاءَةُ القَرَأَةِ؛ فِبِأَحَدِ الوَجْهَينِ اللَّذَينِ بَدَأْتُ بِذِكْرِهِمَا\".\n(^٢) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٣٥٢٢) عَنْ أمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٤٨٠١).\n(^٣) \"الجِبْتُ -بِالكَسْرِ-: الصَّنَمُ، وَالكَاهِنُ، وَالسَّاحِرُ، وَالسِّحْرُ، وَالَّذِي لَا خَيرَ فِيهِ، وكُلُّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى\". القَامُوسُ المُحِيطِ (ص ١٤٩).\n(^٤) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِير (٣/ ١٤٤).\nوَمِثْلُهُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المُؤْمِنُون: ١٤]، وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿آللَّهُ خَيرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النَّمْل: ٥٩].","vol":"1","page":438},{"text":"- فِي الآيَةِ الأُولَى وَالثَّانِيَةِ فَائِدَةُ أنَّ الإِنْسَانَ يَرِثُ آبَاءَهُ وَأَجْدَادَهُ إِذَا كَانَ عَلَى نَهْجِهِم وَعَلَى طَرِيقِهِم؛ فَيُخَاطَبُ خِطَابَهُم، حَيثُ أَنَّ مَنْ جُعِلُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ قَدْ هَلَكُوا، وَهَؤُلْاءِ عَلَى دِينِهِم وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ نَسْلِهِم أَصْلًا؛ وَمَعْ ذَلِكَ خُوطِبُوا نِيَابَةً عَنْهُم لِكَونِهِم عَلَى نَهْجِهِم وَمُقِرُّونَ بِصِحَّةِ مَا كَانُوا عَلَيهِ.\n- قَولُهُ: «لَتَتَّبِعُنَّ» خَبْرٌ بِمَعْنَى النَّهْي، أَي: لَا تَتَشَبَّهُوا بِهِم وَلَا تُقَلِّدُوهُم، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَومٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (^١).\nوَ\"القُذَذُ: رِيشُ السَّهْمِ، وَاحِدَتُهَا: قُذَّةٌ. وَمِنْهُ الحَدِيثُ: «لتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قبلَكُم حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ»، أَي: كَمَا تُقَدَّرُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى قَدْرِ صَاحِبَتِهَا وَتُقْطَعُ؛ يُضْرَبُ مَثَلًا لِلشَّيئَينِ يَسْتَوِيَانِ وَلَا يَتَفَاوَتَانِ\" (^٢).\nوَهَذَا الاتِّبَاعُ المُرَادُ بِهِ تَقْلِيدُ الأُمَمِ المَاضِيَةِ كَاليَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي عَادَاتِهِم مِمَّا لَا نَفْعَ فِيهِ وَلَا خَيرَ؛ كَمَا فِي الحَدِيثِ هُنَا، وَالحَدِيثُ يَشْمَلُ أَيضًا فَارِسَ وَالرُّومَ كَمَا فِي البُخَارِيِّ (^٣).\n- فِي لَفْظٍ لِلْحَدِيثِ: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُم شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ وبَاعًا بِبَاعٍ، حَتَّى لَو أَنَّ أَحَدَهُم دَخَلَ جُحْرَ ضَبٍّ دَخَلْتُم، وَحَتَّى لَو أَنَّ أَحَدَهُم ضَاجَعَ\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٥١١٤) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٢٨٣١).\n(^٢) النِّهَايَةُ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ (٤/ ٢٨).\n(^٣) البُخَارِيُّ (٧٣١٩).","vol":"1","page":439},{"text":"أُمَّهُ بِالطَّرِيقِ لَفَعَلْتُم» (^١).\n- قَولُهُ: «زَوَى لِيَ الأَرْضَ» أَي جَمَعَ لِيَ الأَرْضَ وَضَمَّهَا لِي.\n- قَولُهُ: «فَرَأَيتُ» أَي: بِعَينِي؛ فَتَكُونُ تَقْوِيَةَ بَصَرٍ لَهُ ﷺ حَتَّى أَمْكَنَهُ رُؤْيَةُ مَا بَعُد مِنَ الأَرْضِ، وَقَدْ تَكُونُ مَنَامًا.\n- قَولُهُ: «أُعْطِيتُ» هُوَ بَعْدَ مَوتِهِ ﷺ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ لِأُمَّتِهِ؛ كَانَ ذَلِكَ لَهُ.\n- قَولُهُ: «الكَنْزَينِ» أَي: مالُ الرُّومِ الَّذِي غَالِبُهُ الذَّهَبُ، وَمَالُ الفُرْسِ الَّذِي غَالِبُهُ الفِضَّةُ وَالجَوهَرُ.\nوَفِي الصَّحِيحَينِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا: «إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَإِذَا هَلَكَ قَيصَرُ فَلَا قَيصَرَ بَعْدَهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللهِ» (^٢) (^٣).\n- قَولُهُ: «بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ» السَّنَةُ: القَحْطُ وَالجَدْبُ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٣٠]: أَي الجَدْبِ المُتَوَالِي. أَو بِسَنَةٍ: أَي: عَامٍ زَمَنِيٍّ، وَالمَعْنَى هَلَاكُهُم كُلُّهُم فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ.\n- قَولُهُ تَعَالَى: «قَضَيتُ قَضَاءً»، القَضَاءُ نَوعَانِ:\nأ- شَرْعِيٌّ.\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. الحَاكِمُ (٨٤٠٤) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (١٣٤٨).\n(^٢) البُخَارِيُّ (٣١٢٠)، وَمُسْلِمٌ (٢٩١٨).\n(^٣) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (٦/ ٦٢٥): \"وَقَدْ اسْتُشْكِلَ هَذَا مَعَ بَقَاءِ مَمْلَكَةِ الفُرْسِ؛ لِأَنَّ آخِرَهُم قُتِلَ فِي زَمَنِ عُثْمَان! وَاسْتُشْكِلَ أَيضًا مَعَ بَقَاءِ مَمْلَكَةِ الرُّومِ! وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ المُرَادَ لَا يَبْقَى كِسْرَى بِالعِرَاقِ وَلَا قَيصرُ بِالشَّامِ. وَهَذَا مَنْقُولٌ عَنِ الشَّافِعِيِّ\".","vol":"1","page":440},{"text":"كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا﴾ [الإِسْرَاء: ٢٣]، وَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأَحْزَاب: ٣٦].\nب- كَونِيٌّ.\nكَالحَدِيثِ هُنَا، وكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البَقَرَة: ١١٧].\nوَكِلَاهُمَا حَقٌّ، وَقَدْ جَمَعَهُمَا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ [غَافِر: ٢٠].\nوَأمَّا التَّفْرِيقُ بَينَهُمَا؛ فَيَكُونُ مِنْ جِهَتَينِ:\nأ- الكَونِيُّ: وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ، وَقَدْ يُحِبُّهُ اللهُ تَعَالَى وَقَدْ لَا يُحِبُّهُ.\nب- الشَّرْعِيُّ: قَدْ يَقَعُ وَقَدْ لَا يَقَعُ، وَهُوَ مَحْبُوبٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى.\n- قَولُهُ: «وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ» هَذِهِ الإِجَابَةُ بِعَدَمِ التَّسْلِيطِ قُيِّدَتْ بِقَولِهِ: «حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُم يُهْلِكُ بَعْضًا ويَسْبِي بَعْضُهُم بَعْضًا»، فَإِذَا وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُم؛ فَقَدْ يُسَلِّطُ اللهُ عَلَيهِم عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِم؛ فَيَسْتَبِيحَ بَيضَتَهُم.\nفَفِيهِ الإِرْشَادُ إِلَى أَنَّ تَفَرُّقَ الأُمَّةِ وَتَنَاحُرَهَا فِيمَا بَينَهَا هُوَ سَبَبٌ لِتَسَلُّطِ العَدُوِّ عَلَيهَا، وَأَنَّ اجْتِمَاعَهَا وَتَوَحُّدَهَا عَلَى الحَقِّ سَبَبٌ لِمَنْعِ الكُفَّارِ مِنَ الاسْتِيلَاءِ عَلَى شَيءٍ مِنْ بِلَادِهَا.\n- قَولُهُ: «بَيضَتَهُمْ» أَي: حَوزَتَهُم وَسَاحَتَهُم، وَالمَعْنَى: لَا يَسْتَبِيحَ بِلَادَهُم وجَمَاعَتَهُم.\n- قَولُهُ: «الأَئِمَّةَ المُضِلِّينَ» فِيهِ أَنَّ الضَّلَالَ كَالحَقِّ -فِيهِ أَئِمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَيهِ-، كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْ آلِ فِرْعَونَ: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا","vol":"1","page":441},{"text":"يُنْصَرُونَ﴾ [القَصَص: ٤١]، وَهَذَا يَشْمَلُ الحُكَّامَ الفَاسِدِينَ والعُلَمَاءَ المُضِلِّينَ.\nوَفِي الأَثَرِ عَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيرٍ؛ قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ: (هَلْ تَعْرِفُ مَا يَهْدِمُ الإِسْلَامَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا. قَالَ: يَهْدِمُهُ زَلَّةُ العَالِمِ، وَجِدَالُ المُنَافِقِ بِالكِتَابِ، وَحُكْمُ الأَئِمَّةِ المُضِلِّينَ) (^١).\n- قَولُهُ: «فِئَامٌ»: الفِئَامُ: الجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ (^٢).\n- قَولُهُ: «وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَلْحَقَ حَيٌّ مِنْ أُمَّتِي بِالمُشْرِكِينَ» الحَيُّ: المُرَادُ بِهِ: القَبِيلَةُ، وَمَعْنَى «يَلْحَقَ» يَتَّبِعَ، وَذَلِكَ إِمَّا بِأَنْ يَذْهَبُوا إِلَى بِلَادِهِم وَيَسْكُنُوا مَعَهُم وَيَكُونوا مِنْ دَولَتِهِم، وَإِمَّا بِأَنْ يَبْقُوا فِي بِلَادِ المُسْلِمِينَ؛ وَلَكِنَّهُم عَلَى مَنْهَجِ الكُفَّارِ، وَيَرْتَدُّونَ عَنِ الإِسْلَامِ.\n- قَدْ دَلَّتْ نُصُوصٌ كَثِيرَةٌ مِنَ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ عَلَى أَنَّ الشِّرْكَ سَيَقَعُ فِي الأُمَّةِ -وَهُوَ وَاقِعٌ الآنَ فِي كَثِيرٍ مِنْهَا- مِنْهَا:\nأ- «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوسٍ عَلَى ذِي الخَلَصَةِ، وَذُو الخَلَصَةِ طَاغِيَةُ دَوسٍ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ فِي الجَاهِلِيَّةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^٣) (^٤).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. سُنَنَ الدَّارِمِيِّ (٢٢٠). تَحْقِيقُ المِشْكَاةِ (٧٢).\n(^٢) لِسَانُ العَرَبِ (١٢/ ٤٤٧).\n(^٣) البُخَارِيُّ (٧١١٦)، وَمُسْلِمٌ (٢٩٠٦) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.\nوَ\"الأَلْيَةُ: العَجِيزَةُ، أَو مَا رَكِبَ العَجُزَ مِنْ شَحْمٍ وَلَحْمٍ\". القَامُوسُ المُحِيطُ (ص ١٢٦٠).\nقَالَ العَلَّامَةُ القَنوجِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (حُسْنُ الأُسْوَةِ) (ص ٤٥٤): \"وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهم يَرْتَدُّونَ وَيَرْجِعُونَ إِلَى جَاهِلِيَّتِهِم فِي عِبَادَةِ الأَوثَانِ؛ فَتَرْمُلُ حَولَهُ نِسَاءُ دَوسٍ طَائِفَاتٍ بِهِ؛ فَتَرْتَجُّ أَرْدَافُهُنَّ\"!\n(^٤) وَقَدْ بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى ذِي الخَلَصَةِ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ البَجَليَّ كَمَا فِي البُخَارِيِّ (٣٠٢٠)، وَفِيهِ قَولُهُ ﷺ: «أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الخَلَصَةِ؟» فَقَالَ جَرِيرٌ: فَنَفَرْتُ فِي مَائَةٍ وَخَمْسِينَ رَاكِبًا، فَكَسَرْنَاهُ، وقَتَلْنَا مَنْ وَجَدْنَا عِنْدَهُ -وَفِي لَفْظٍ لَهُ (٤٣٥٧) -: (كَانَ ذُو الخَلَصَةِ بَيتًا بِاليَمَنِ لِخَثْعَمَ وبَجِيلةَ؛ فِيهِ نُصُبٌ تُعْبَدُ، يُقَالُ لَهَا: الكَعْبَةُ، قَالَ: فَأَتَاهَا فَحَرَّقَهَا بِالنَّارِ وَكَسَرَهَا).","vol":"1","page":442},{"text":"ب- «لَا يَذْهَبُ اللَّيلُ وَالنَّهْارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللَّاتُ وَالعُزَّى»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنْ كُنْتُ لَأَظنُّ حِينَ أَنْزَلَ اللهُ ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التَّوبَة: ٣٣] أَنَّ ذَلِكَ تَامًّا! قَالَ: «إنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَتَوَفَّى كُلَّ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إيمَانٍ؛ فَيَبْقَى مَنْ لَا خَيرَ فيهِ فَيَرْجِعُونَ إِلَى دِينِ آبَائِهِم». رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا (^١).\nج- «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ منْ أُمَّتِي بِالمُشْرِكِينَ، وَحَتَّى تَعْبُدَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي الأوثانَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ ثَوبَان مَرْفُوعًا (^٢).\nد- «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الأَرْضِ: اللهُ اللهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٣)، وَفِي رِوَايَةٍ أَحْمَدَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» (^٤).\nهـ- قَولُهُ: «طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي» (^٥): قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: \"أَمَّا هَذِهِ الطَّائِفَةُ فَقَالَ البُخَارِيُّ (^٦): هُمْ أَهْلُ العِلْمِ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: إِنْ لَمْ يَكُونُوا\n_________\n(^١) مُسْلِمٌ (٢٩٠٧).\n(^٢) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٢٥٢)، وَهُوَ فِي مَتْنِ البَابِ.\n(^٣) قَالَ القُرْطُبِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ التَّذْكِرَةُ (ص ١٣٥١): \"قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللهِ عَلَيهِم: قُيِّدَ (الله) بِرَفْعِ الهَاءِ وَنَصْبِهَا، فَمَنْ رَفَعَهَا؛ فَمَعْنَاهُ ذَهَابُ التَّوحِيدِ، وَمَنْ نَصَبَهَا؛ فَمَعْنَاهُ انْقِطَاعُ الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنِ المُنْكَرِ. أَي: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ: اتَّقِ اللهَ\".\n(^٤) مُسْلِمٌ (١٤٨)، وَأَحْمَدُ (١٣٨٣٣) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا.\n(^٥) وَحَدِيثُ الطَّائِفَةِ المْنَصُورَةِ مُتَوَاتِرٌ، أَفَادَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ تَحْتَ حَدِيثِ الضَّعِيفَةِ (٥٨٤٩).\n(^٦) البُخَارِيُّ (٩/ ١٠١).","vol":"1","page":443},{"text":"أَهْلَ الحَدِيثِ فَلَا أَدْرِي مَنْ هُم (^١)!\nقَالَ القَاضِي عِيَاضُ: إنَّمَا أَرَادَ أَحْمَدُ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ وَمَنْ يَعْتَقِدُ مَذْهَبَ أَهْلِ الحَدِيثِ.\nقُلْتُ [النَّوَوِيُّ]: وَيَحْتَمِلُ أَنْ هَذِهِ الطَّائفةَ مُفَرَّقَةٌ بَينَ أَنْوَاعِ المُؤْمِنِينَ، مِنْهُم شُجْعَانٌ مُقَاتِلُونَ، وَمِنْهُم فُقَهَاءُ، وَمِنْهُم مُحَدِّثُونَ، وَمِنْهُم زُهَّادٌ وَآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَنَاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ، وَمِنْهُم أَهْلُ أَنْوَاعٍ أُخْرَى مِنَ الخَيرِ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونُوا مُجْتَمِعِينَ؛ بَلْ قَدْ يَكُونُونَ مُتَفَرِّقينَ فِي أَقْطَارِ الأَرْضِ\" (^٢).\n- قَولُهُ: «لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ» خَذَلَهُم؛ أَي: لَمْ يَنْصُرْهُم وَيُوَافِقْهُم عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيهِ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ سَيُوجَدُ مَنْ يَخْذُلُهُم، لَكِنَّهُ لَا يَضُرُّهُم، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٤٩].\n- قَولُهُ: «حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ» أَي الكَونِيُّ، وَذَلِكَ عِنْدَ قِيَامِ السَّاعَةِ، عِنْدَمَا يَأْتِي أَمْرُهُ ﷾ بِأَنْ تَقْبِضَ الرِّيحُ الطَّيّبَةُ نَفْسَ كُلِّ مُؤْمِنٍ فَلَا يَبْقَى إِلَّا شِرَارُ الخَلْقِ، وَعَلَيهِم تَقُومُ السَّاعَةُ (^٣).\n- قَولُهُ: «سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي كَذَّابُونَ ثَلَاثُونَ» وَهُم مَنْ كَانَ لَهُ شَأْنٌ وَشَوكَةٌ وَقُوَّةٌ وَاتَّبَعَهُم أُنَاسٌ كَثِيرٌ، وَإلَّا فَالكَذَّابُونَ المُدَّعُونَ لِلنُّبُوَّةِ كَثِيرونَ.\n_________\n(^١) أورَدَهُ الحَاكِمُ فِي مَعْرِفَةِ عُلُومِ الحَدِيثِ (ص ٢).\n(^٢) شَرْحُ مُسْلِمٍ (١٣/ ٦٦).\n(^٣) قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (١٣/ ٦٦): \" «حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» أَي: تَقْرُبَ السَّاعَةُ، وَهُوَ خُرُوجُ الرِّيحِ\".","vol":"1","page":444},{"text":"- قَولُهُ: «تَبَارَكَ» الصَّوَابُ أَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِاللهِ ﷿، وَأَمَّا العَبْدُ فَهُوَ مُبَارَكٌ (^١).\n- المُخْتَارُ هُوَ ابْنُ أَبِي عُبَيدٍ الثَّقَفيُّ، خَرَجَ وَغَلَبَ عَلَى الكُوفَةِ فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ ابْنِ الزُّبَيرِ ﵁، وَأَظْهَرَ مَحَبَّةَ آلِ البَيتِ، وَدَعَا النَّاسَ إِلَى الثَّأْرِ مِنْ قَتَلَةِ الحُسَينِ، فَتَتَبَّعَهُم وَقَتَلَ كَثِيرًا مِمَّنْ بَاشَرَ ذَلِكَ أَو أَعَانَ عَلَيهِ، فَانْخَدَعَتْ بِهِ العَامَّةُ، ثُمَّ ادَّعَى النُّبُوَّةَ وَزَعَمَ أَنَّ جِبْرِيلَ يَأْتِيهِ!\n- قَولُ المُصَنِّفِ ﵀ فِي المَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ: \"مَا مَعْنَى الإِيمَانِ بِالجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ فِي هَذَا المَوضِعِ؛ هَلْ هُوَ اعْتِقَادُ قَلْبٍ؟ أَو هُوَ مُوَافَقَةُ أَصْحَابِهَا مَعَ بُغْضِهَا وَمَعْرِفَةِ بُطْلَانِهَا\".\nقَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ -تَعْلِيقًا-: \"أمَّا إِيمَانُ القَلْبِ وَاعْتِقَادُهُ؛ فَهَذَا لَا شَكَّ فِي دُخُولِهِ فِي الآيَةِ، وَأَمَّا مُوَافَقَةُ أَصْحَابِهَا فِي العَمَلِ مَعَ بُغْضِهَا وَمَعْرِفَةِ بُطْلَانِهَا؛ فَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى تَفْصِيلٍ، فَإِنْ كَانَ وَافَقَ أَصْحَابَهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا صَحِيحَةٌ فَهَذَا كُفْرٌ. وَإِنْ كَانَ وَافَقَ أَصْحَابَهَا وَلَا يَعْتَقِدُ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ؛ فَإِنَّهُ لَا يَكْفُرُ، لَكِنَّهُ لَا شَكَّ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ يُخْشَى أَنْ يُؤَدِّي بِهِ الحَالُ إِلَى الكُفْرِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ\" (^٢) (^٣).\nقُلْتُ: وَعِنْدِي وَجْهٌ آخَرُ فِي تَوجِيهِ كَلَامِ المُصَنِّفِ ﵀ وَتَصْحِيحِهِ؛ وَذَلِكَ بِكَونِ المُوَافَقَةِ ظَاهِرًا تَكُونُ كُفْرًا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي القَلْبِ اطْمِئْنَانٌ بِالتَّوحِيدِ أَصْلًا\n_________\n(^١) وَالبَرَكَةُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى هِيَ مِنْ جهتين: فِعْلُهُ: أَنَّهُ تَعَالَى جَاءَ بِكُلِّ بَرَكَةٍ، وَوَصْفُهُ: تَبَارَكَ: تَعَاظَمَ.\n(^٢) القَولُ المُفِيدُ (١/ ٤٨٣).\n(^٣) قُلْتُ: وَالمُوَافَقَةُ فِي الظَّاهِرِ لَا تَكُونُ كُفْرًا إنْ كَانَتْ أَيضًا مِنْ بَابِ المُنَاظَرَةِ وَالمُحَاجَّةِ.\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي تَفْسِيرِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيهِ اللَّيلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأَنْعَام: ٧٦]: \"وَالحَقُّ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵊ كَانَ فِي هَذَا المَقَامِ مُنَاظِرًا لِقَومِهِ مُبَيِّنًا لَهُمْ بُطْلَانَ مَا كَانُوا عَلَيهِ مِنْ عِبَادَةِ الهَيَاكِلِ وَالأَصْنَامِ\". تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِير (٣/ ٢٩٢).","vol":"1","page":445},{"text":"وَانْقِيَادٌ لَهُ -كَحَالِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالعِلْمَانِيِّينَ وَأَشْبَاهِهِم- (^١) (^٢).\n- فَائِدَةٌ: جَرَى فِي هَذِهِ الأُمَّةِ كَثِيرٌ مِنِ اتِّبَاعِ الأُمَمِ المَاضِيَةِ وَالتَّشَبُّهِ بِهَا، وَمِنْهَا عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ:\nبِنَاءُ المَسَاجِدِ عَلَى القُبُورِ.\n_________\n(^١) وَرَاجِعْ لُزُومًا المَسْأَلَةَ الأُولَى مِنْ (بَابِ مَا جَاءَ فِي الذَّبْحِ لِغَيرِ اللهِ) فَإِنَّ فِيهَا تَحْقِيقًا مُفِيدًا لِمِثْلِ هَذِهِ المَسْأَلَةِ.\n(^٢) قَالَ الشَّيخُ صَالِحُ الفَوزَان حَفِظَهُ اللهُ: \"المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ المُوَافَقَةَ لَهُم فِي الظَّاهِرِ تُسَمَّى إِيمَانًا وَلَو لَمْ يُوَافِقْهُم فِي البَاطِنِ؛ لِأَنَّ اليَهُودَ لَمَّا قَالُوا لِكُفَّارِ قُرَيشٍ: أَنْتُم أَهْدَى مِن الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا! هُم فِي البَاطِنِ يَعْتَقِدُونَ بُطْلَانَ هَذَا الكَلَامِ؛ لَكِنَّهُم وَافَقُوهُم فِي الظَّاهِرِ لِيَحْصُلوا عَلَى مُنَاصَرَتِهِم لَهُم؛ وَمَع هَذَا سَمَّى اللهُ هَذَا إِيمَانًا بِالجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ.\nفَالَّذِي يَمْدَحُ الكُفْرَ وَالكُفَّارَ وَلَو بِلِسَانِهِ، وَيُفَضِّلُ الكُفْرَ وَالكُفَّارَ عَلَى المُؤمِنِينَ؛ يُعْتَبَرُ مُؤمِنًا بِالجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ -وَلَو كَانَ قَلْبُهُ لَا يُوَافِقُ عَلَى هَذَا- مَا لَمْ يَكُنْ مُكْرَهًا، فَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مُرْجِئَةِ هَذَا العَصْرِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ مَن تَكَلَّمَ بِكَلَامِ الكُفْرِ لَا يَكْفُرُ حَتَّى يَعْتَقِدَ بِقَلْبِهِ صِحَّةَ مَا يَقُولُ! وَهَذِهِ دَقِيقَةٌ عَظِيمَةٌ ذَكَرَهَا الشَّيخُ فِي المَسَائِلِ، وَهِيَ عَظِيمَةٌ جِدًّا\". إِعَانَةُ المُسْتَفِيدِ (١/ ٣٢٩).\nقُلْتُ: وَالأَقْرَبُ هُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيهِ شَيخُنَا ابْنُ عُثَيمِين ﵀، لِأَنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ إِنَّمَا ذَكَرَتْ وَصْفَينِ لِلْيَهُودِ فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ، فَقَدْ جَمَعَتْ بَينَ الإِيمَانِ -وَهَذَا أَمْرٌ قَلْبِيٌّ هُنَا بِدِلَالَةِ الوَصْفِ الثَّانِي- وَبَينَ القَولِ؛ فَقَالَ سُبْحَانَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ وَهَذَا إِقْرَارٌ بِصِحَّةِ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ هَذَا إِقْرَارٌ مِنْهُم بِاللِّسَانِ زِيَادَةً عَلَى القَلْبِ، لِذَلِكَ لَا يَصِحُّ حَمْلُ الآيَةِ بِمُطْلَقِ حُكْمِهَا عَلَى مَن لَمْ يَكُنْ عَلَى نَفْسِ وَصْفِهَا! لَا سِيَّمَا وَأَنَّ هُنَاكَ فَرْقًا وَاضِحًا بَينَ مَدْحِ حَالِ الكُفَّارِ مِن جِهَةِ الدُّنيَا وَبَينَ مَدْحِهِم مِن جِهَةِ الدِّينِ.\nوَعَلَى كُلِّ حَالٍ؛ فَإِنَّ مَدْحَ وَاسْتِحْسَانَ مَا عَلَيهِ الكُفَّارُ عُمُومًا -وَلَو لِدُنْيَاهُم فَقَط- يَجْعَلُ صَاحِبَهُ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ. نَسْأَلُ اللهَ العَافِيَةَ وَالسَّلَامَةَ.","vol":"1","page":446},{"text":"عِبَادَةُ القُبُورِ؛ مَعَ قَولِهِ تَعَالَى عَنِ المُشْرِكِينَ ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نُوح: ٢٣].\nنَفْيُ الصِّفَاتِ؛ مَعَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرَّعْد: ٣٠].\nأَكْلُ الرِّبَا؛ مَعَ آكِلِي السُّحْتِ.\nإِقَامَةُ الحُدُودِ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَتَرْكُ الشُّرَفَاءِ.\nتَحْرِيفُهُم (اسْتَوَى) إِلَى (اسْتَولَى)؛ مَعَ ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النِّسَاء: ٤٦].\nالتَّعَصُّبُ لِلمَشَايِخِ عَلَى حِسَابِ الحَقِّ؛ مَعَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التَّوبَة: ٣١].\nقَولُهُم عَنِ المُتَمَسِّكِينَ بِالسُّنَّةِ أَنَّهُم رَجْعِيُّونَ؛ مَعَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المُطَفِّفِين: ٣٢].","vol":"1","page":447},{"text":"<span data-type='title' id=toc-182>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-183> المَسْأَلَةُ الأُولَى: احْتَجَّ الزَّاهِدُونَ فِي تَعَلُّمِ التَّوحِيدِ اليَومَ بِالحَدِيثِ الَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ </span>عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «إِنَّ الشَّيطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبدَهُ المُصَلُّونَ؛ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَينَهُمْ» (^١) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢). فَمَا الجَوَابُ عَنْهُ؟\nالجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ:\n١ - إِنَّ هَذَا اليَأْسَ هُوَ بِحَسْبِ ظَنِّ الشَّيطَانِ نَفْسِهِ؛ فَهُوَ لَا يَعْلمُ الغَيبَ! وَلَيسَ فِي الحَدِيثِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَيَّسَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيطَانِ لِكَثْرَةِ مَا رَأَى مِنِ انْتِشَارِ الإِسْلَامِ (^٣).\n٢ - إِنَّ الحَدِيثَ ذَكَرَ وَصْفَ هَؤُلَاءِ بِأَنَّهُم -المُصَلُّونَ- وَهُوَ وَصْفٌ أَخَصُّ مِنْ عُمُومِ المُسْلِمِينَ، فَتَكُونُ لِلعَهْدِ. وَالعَهْدُ هُنَا هُوَ عَلَى أَحَدِ مَعْنَيَينِ:\n_________\n(^١) وَقَرِيبٌ مِنْهُ فِي الاسْتِدْلَالِ مَنْ يَحْتَجُّ بِقَولِهِ ﷺ: «وَإِنِّي لَسْتُ أَخْشَى عَلَيكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا؛ وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيكُمُ الدُّنْيَا أَنْ تَنَافَسُوهَا». البُخَارِيُّ (٣١٥٨)، وَمُسْلِمٌ (٢٩٦١) عَنْ عَمْرو بْنِ عَوفٍ مَرْفُوعًا.\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (٣/ ٢١١): \"أي: عَلَى مَجْمُوعِكُم، لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ وَقَعَ مِنَ البَعْضِ -أَعَاذَنَا اللهُ تَعَالَى-\".\n(^٢) مُسْلِمٌ (٢٨١٢).\n(^٣) وَأَمَّا حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ؛ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ -وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ- إِنَّهُ لَيَعْتَرِضُ فِي صَدْرِي الشَّيءُ؛ وَوَدِدْتُ أَنْ أَكُونَ حُمَمًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَدْ يَئَّسَ الشَّيطَانَ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ مَرَّةً أُخْرَى، وَلَكِنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِالمُحَقَّرَاتِ مِنْ أَعْمَالِكُمْ». فَهُوَ مُنْقَطِعٌ. أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ (٢٠/ ١٧٢). انْظُرِ كِتَابَ (المَطَالِبُ العَالِيَةُ) (١٢/ ٥٥٣) لِلحَافِظِ العَسْقَلَانِيِّ ﵀.","vol":"1","page":448},{"text":"أ- أَنَّهُم الصَّحَابَةُ الَّذِينَ هُمْ أَوَّلُ مَقْصُودٍ عِنْدَ ذِكْرِ الحَدِيثِ، وَعَلَيهِ فَمَا يُؤْمَنُ عَلَيهِم مِنَ الفِتْنَةِ لَا يُؤْمَنُ عَلَى غَيرِهِم مِمَّنْ بَعُدَ عَهْدُهُ عَنِ الوَحْي وَالرِّسَالَةِ وَأُصُولِ الإِسْلَامِ.\nب- أَنَّهُم المُصَلُّونَ الصَّلَاةَ التَّامَّةَ؛ العَالِمُونَ بِحَقِيقَتِهَا وَمَعَانِيهَا، فَهُمُ المُوَحِّدُونَ حَقِيقَةً، وَانْظُرِ اسْتِثْنَاءَ اللهِ تَعَالَى لَهُم بِقَولِهِ: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ مِنْ سِيَاقِ ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المَعَارِج: ١٩ - ٢١] (^١).\n٣ - أَنَّهُ يَئِسَ مِنْ جِهَةِ إِطْبَاقِ أَهْلِ الأَرْضِ عَلَى الشِّرْكِ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى امْتَنَّ عَلَى المُسْلِمِينَ بِوُجُودِ الطَّائِفَةِ المَنْصُورَةِ البَاقِيَةِ عَلَى الحَقِّ (^٢).\n٤ - بَقِيَ أَنْ يُقَالَ -وَهِيَ قَاصِمَةُ ظَهْرِ الزَّاهِدِينَ فِي تَعَلُّمِ التَّوحِيدِ- بِأَنَّ الحَدِيثَ إِنْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ مُطْلَقًا! فَنَقُولُ: إِنَّهُ يَئِسَ مِنْ وُقُوعِ الشِّرْكِ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ فَقَط؛ فَهُوَ دَلِيلُ قُوَّةِ الإِسْلَامِ هُنَاكَ وَانْتِشَارِهِ فِيهِ وَرُسُوخِ قَدَمِ عُلَمَائِهِ، بِخِلَافِ غَيرِهَا مِنَ البُلْدَانِ (^٣).\n_________\n(^١) وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العَنْكَبُوت: ٤٥].\nوَفِي الحَدِيثِ: «مِنْكُمْ مَنْ يُصَلِّي الصَّلَاةَ كَامِلَةً، وَمِنْكُمْ مَنْ يُصَلِّي النِّصْفَ وَالثُّلُثَ وَالرُّبُعَ وَالخُمُسَ -حَتَّى بَلَغَ- العُشُرَ». حَسَنٌ. النَّسَائِيُّ فِي الكُبْرَى (٦١٦) عَنْ أَبِي اليَسَرِ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (٥٣٨).\n(^٢) كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «لَمَّا افتَتَحَ ﷺ مَكَّةَ؛ رَنَّ إِبْلِيسُ رَنَّةً اجْتَمَعَتْ إِلَيهِ جُنُودُهُ، فَقَالَ: ايأَسُوا أَنْ نَرَى أَمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَى الشِّرْكِ بَعْدَ يَومِكُم هَذَا! وَلَكِنِ افْتِنُوهُم فِي دِينِهِم، وَأَفْشُوا فِيهِمُ النَّوحَ). صَحِيحٌ. الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ (١٢/ ١١). الصَّحِيحَةُ (٣٤٦٧). فَالكَلَامُ إِذًا هُوَ بِاعْتِبَارِ الأُمَّةِ كُلِّهَا.\n(^٣) وَقَدْ يَشْهَدُ لِهَذَا مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ (٨٨١٠) فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا: «إِنَّ الشَّيطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ\n=","vol":"1","page":449},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-184> المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: يُشْكِلُ قَولُهُ ﷺ: «عَلَى الحَقِّ مَنْصُورَةً» مَعَ مَا عُلِمَ </span>مِنْ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى الحَقِّ قُتِلُوا بِيَدِ أَعْدَائِهِم! فَمَا الجَوَابُ عَنْهُ؟\nالجَوَابُ:\nإِنَّ نَصْرَهَا هُوَ مِنْ جِهَتَينِ:\n١ - أَنَّهُ بِالحُجَّةِ وَالبُرْهَانِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فِي قَولِهِ ﷺ: «ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ»، فَعُلُوُّهُم هُوَ بِالحَقِّ الَّذِي مَعَهُم.\n٢ - أَنَّهُ فِي الآخِرَةِ بِالحُكْمِ لَهُم وَلِأَتْبَاعِهِم بِالثَّوَابِ، وَلِمَنْ حَاربَهُم بِشِدَّةِ العِقَابِ (^١).\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (^٢): \"قَدْ أَورَدَ أَبُو جَعْفَرٍ؛ ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى عِنْدَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [غَافِر: ٥١] سُؤَالًا، فَقَالَ: قَدْ عُلِمَ أَنَّ بَعْضَ الأَنْبِيَاءِ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَتَلَهُ قَومُه بِالكُلِّيَّةِ كَيَحْيَى وَزَكَرِيَّا وَشَعْيَا (^٣)، وَمِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ مِنْ بَينِ أَظْهُرِهِمْ؛ إِمَّا مُهَاجِرًا كَإِبْرَاهِيمَ، وَإِمَّا إِلَى السَّمَاءِ كَعِيسَى؛ فَأَينَ النُّصْرَةُ فِي الدُّنْيَا؟ ثُمَّ أَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بِجَوَابَينِ:\n_________\n=\nيُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ؛ وَلَكِنَّهُ قَدْ رَضِيَ مِنْكُمْ بِمَا تَحْقِرُونَ». صَحِيحٌ. الصَّحِيحَةُ (٢٦٣٥). وَهَذَا الوَجْهُ الأَخِيرُ -عِنْدِي- هُوَ مِنْ بَابِ إِلْزَامِ الخَصْمِ بِلَازِمِ بَاطِلِهِ، وَإِلَّا فَالأَولَى هُوَ مَا ذُكِرَ سَابِقًا. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.\n(^١) أَفَادَهُمَا الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (ص ٧٣٩).\n(^٢) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٧/ ١٥٠).\n(^٣) وَهُوَ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ.","vol":"1","page":450},{"text":"أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الخَبَرُ خَرَجَ عَامًّا وَالمُرَادُ بِهِ البَعْضُ، قَالَ: وَهَذَا سَائِغٌ فِي اللُّغَةِ.\nالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ المُرَادُ بِالنَّصْرِ الِانْتِصَارَ لَهُمْ مِمَّنْ آذَاهُمْ؛ وَسَوَاءً كَانَ ذَلِكَ بِحَضْرَتِهِمْ أَو فِي غَيبَتِهِمْ أَو بَعْدَ مَوتِهِمْ، كَمَا فُعِلَ بِقَتَلَةِ يَحْيَى وَزَكَرِيَّا، وَشَعْيَا سُلِّطَ عَلَيهِمْ مِنْ أَعْدَائِهِمْ مَنْ أَهَانَهُمْ وَسَفَكَ دِمَاءَهُمْ\" (^١).\n_________\n(^١) وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ -أَيضًا- فِي التَّفْسِيرِ (٧/ ١٥٠): \"وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ النُّمْرُودَ أَخَذَهُ اللهُ تَعَالَى أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ، وَأَمَّا الَّذِينَ رَامُوا صَلْبَ المَسِيحِ ﵇ مِنَ اليَهُودِ؛ فَسَلَّطَ اللهُ تَعَالَى عَلَيهِمُ الرُّومَ فَأَهَانُوهُمْ وَأَذَلُّوهُمْ، وَأَظْهَرَهُمُ اللهُ تَعَالَى عَلَيهِمْ، ثُمَّ قَبْلَ يَومِ القِيَامَة سَيَنْزِلُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ ﵊ إِمَامًا عَادِلًا وَحَكَمًا مُقْسِطًا؛ فَيَقْتُلُ المَسِيحَ الدَّجَّالَ وَجُنُودَهُ مِنَ اليَهُودِ، وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، وَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَضَعَ الجِزْيَةَ؛ فَلَا يَقْبَلُ إِلَّا الإِسْلَامَ، وَهَذِهِ نُصْرَةٌ عَظِيمَةٌ، وَهَذِهِ سُنَّةُ اللهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ فِي قَدِيمِ الدَّهْرِ وَحَدِيثِهِ؛ أَنَّهُ يَنْصُرُ عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا وَيُقِرُّ أَعْيُنَهُمْ مِمَّنْ آذَاهُمْ\".","vol":"1","page":451},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-185> المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: هَلِ المُرَادُ بِالقِرَدَةِ وَالخَنَازِيرِ فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ هَذِهِ المَوجُودَةُ؟</span>\nالجَوَابُ: لَا، لِمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: «إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ لِمَسْخٍ نَسْلًا وَلَا عَقِبًا، وَقَدْ كَانَتِ القِرَدَةُ وَالخَنَازِيرُ قَبْلَ ذَلِكَ» (^١).\n_________\n(^١) مُسْلِمٌ (٢٦٦٣).","vol":"1","page":452},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-186> المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَولُهُ: «وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ» يُشْكِلُ مَعَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ مِنْ نُزُولِ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ،</span> وَأَنَّهُ يَأْتِي بِتَشْرِيعٍ جَدِيدٍ؛ كَوَضْعِ الجِزْيَةِ وَأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ إِلَّا الإِسْلَامَ (^١)! فَمَا الجَوَابُ عَنْهُ؟\nالجَوَابُ: إِنَّ نُبُوَّتَهُ سَابِقَةٌ لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَلَكِنَّهُ يَأْتِي عَامِلًا بِشَرِيعَةِ النَّبِيِّ ﷺ؛ وَلَيسَ بِالإِنْجِيلِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ هُوَ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا: «كَيفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ فَأَمَّكُمْ مِنْكُمْ؟»، فَقُلْتُ لِابْنِ أَبِي ذِئْبٍ (^٢): إِنَّ الْأَوزَاعِيَّ حَدَّثَنَا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ: «وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ»! قَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ: تَدْرِي مَا أَمَّكُمْ مِنْكُمْ؟ قُلْتُ: تُخْبِرُنِي، قَالَ: فَأَمَّكُمْ بِكِتَابِ رَبِّكُمْ ﵎، وَسُنَّةِ نَبِيِّكُمْ ﷺ (^٣).\nوَأَمَّا كَونُهُ يَضَعُ الجِزْيَةَ (^٤) وَلَا يَقْبَلُ إِلَّا الإِسْلَامَ؛ فَلَيسَ تَشْرِيعًا جَدِيدًا مِنْهُ، بَلْ هُوَ تَشْرِيعٌ مِنْ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ؛ لِأَنَّه أَخْبَرَ بِهِ مُقَرِّرًا لَهُ، وَلِذَلِكَ لَا يُسَمَّى أَتْبَاعُهُ حِينَهَا بِالنَّصَارَى.\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٢٢٢٢)، وَمُسْلِمٌ (١٥٥).\n(^٢) الرَّاوي عَنْهُ هُوَ الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ.\n(^٣) صَحِيحُ مُسْلِمٍ (١٥٥).\n(^٤) قَولُهُ: «وَيَضَعُ الجِزْيَةَ» الصَّوَابُ فِي مَعْنَاهُ: أَنَّهُ لَا يَقْبَلُهَا، وَلَا يَقْبَلُ مِنَ الكُفَّارِ إِلَّا الإِسْلَامَ، وَمَنْ بَذَلَ مِنْهُمُ الجِزْيَةَ لَمْ يَكُفَّ عَنْهُ بِهَا؛ بَلْ لَا يَقْبَلُ إِلَّا الإِسْلَامَ أَوِ القَتْلَ. هَكَذَا قَالَهُ الإِمَامُ أَبُو سُلَيمَانَ الخَطَّابِيُّ وَغَيرُهُ مِنَ العُلَمَاءِ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى. يُنْظَرُ: شَرْحُ مُسْلِمٍ لِلْنَوَوِيِّ (٢/ ١٩٠).","vol":"1","page":453},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-187> المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إِنَّ الطَّائِفَةَ المَنْصُورَةَ هُمْ أَهْلُ الحَدِيثِ، فمَا مَدَى صِحَّةِ هَذَا القَولِ؟</span>\nالجَوَابُ: فِيهِ تَفْصِيلٌ؛ إِنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ أَهْلُ الحَدِيثِ المُصْطَلَحِ عَلَيهِ -الَّذِينَ يَنْظُرُونَ فِي الأَسَانِيدِ وَالرِّجَالِ وَالمُتُونِ- وَأُخْرِجَ مِنْهُمُ الفُقَهَاءُ وَعُلَمَاءُ التَّفْسِيرِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَهَذَا لَيسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّ عُلَمَاءَ التَّفْسِيرِ وَالفُقَهَاءَ الَّذِينَ يَتَحَرَّونَ البِنَاءَ عَلَى الدَّلِيلِ هُمْ فِي الحَقِيقَةِ مِنْ أَهْلِ الحَدِيثِ بِالمَعْنَى العَامِّ؛ فَلَا يَخْتَصُّ بِأَهْلِ الحَدِيثِ صِنَاعَةً، لِأَنَّ العُلُومَ الشَّرْعيَّةَ هِيَ تَفْسِيرٌ، وَحَدِيثٌ، وَفِقْهٌ … إِلَخ.\nفَالمَقْصُودُ إِذًا كُلُّ مَنْ تَحَاكَمَ إِلَى الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهُمْ أَهْلُ الحَدِيثِ بِالمَعْنَى العَامِّ، فَيَشْمَلُ الفُقَهَاءَ الَّذِينَ يَتَحَرَّونَ العَمَلَ بِالسُّنَّةِ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الحَدِيثِ اصْطِلَاحًا.\nقَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: \"وَنَحْنُ لَا نَعْنِي بِأَهْلِ الحَدِيثِ: المُقْتَصِرِينَ عَلَى سَمَاعِهِ أَو كِتَابَتِهِ أَو رِوَايَتِهِ! بَلْ نَعْنِي بِهِمْ: كُلَّ مَنْ كَانَ أَحَقَّ بِحِفْظِهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَفَهْمِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَاتِّبَاعِهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَكَذَلِكَ أَهْلُ القُرْآنِ، وَأَدْنَى خَصْلَةٍ فِي هَؤُلَاءِ: مَحَبَّةُ القُرْآنِ وَالحَدِيثِ، وَالبَحْثُ عَنْهُمَا وَعَنْ مَعَانِيهِمَا، وَالعَمَلُ بِمَا عَلِمُوهُ مِنْ مُوجِبِهِمَا\" (^١).\n_________\n(^١) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (٤/ ٩٥).","vol":"1","page":454},{"text":"بَابُ مَا جَاءَ فِي السِّحْرِ\nوَقَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البَقَرَة: ١٠٢].\nوَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النِّسَاء: ٥١]. قَالَ عُمَرُ: الجِبْتُ: السِّحْرُ، والطَّاغُوتُ: الشَّيطَانُ (^١). وَقَالَ جَابِرٌ: الطَّوَاغِيتُ: كُهَّانٌ كَانَ يَنْزِلُ عَلَيهِمُ الشَّيطَانُ؛ فِي كُلِّ حَيٍّ وَاحِدٌ (^٢).\nوَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَاّ بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَومَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ الغَافِلَاتِ المُؤْمِنَاتِ» (^٣).\nوَعَنْ جُنْدُبٍ مَرْفُوعًا: «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبُهُ بِالسَّيفِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوقُوفٌ (^٤).\n_________\n(^١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦/ ٤٥) تَعْلِيقًا، وَوَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ فِي تَفْسِيرهِ وَمُسَدَّدٌ فِي مُسْنَدِهِ. وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ. اُنْظُرِ الفَتْحَ (٨/ ٢٥٢) لِابْنِ حَجَرٍ ﵀.\n(^٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦/ ٤٥) تَعْلِيقًا، وَوَصَلَهٌ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّه. اُنْظُرِ الفَتْحَ (٨/ ٢٥٢) لِابْنِ حَجَرٍ ﵀.\n(^٣) البُخَارِيُّ (٢٧٦٦)، وَمُسْلِمٌ (٨٩).\n(^٤) ضَعِيفٌ مَرْفُوعًا، صَحِيحٌ مَوقُوفًا. التِّرْمِذِيُّ (١٤٦٠). الضَّعِيفَةُ (١٤٤٦).","vol":"1","page":455},{"text":"وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنْ بَجَالَةَ بْنِ عَبَدَةَ؛ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁: أَنِ اُقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وَسَاحِرَةٍ. قَالَ: فَقَتَلْنَا ثَلَاثَ سَوَاحِرَ (^١).\nوَصَحَّ عَنْ حَفْصَةَ ﵂: أَنَّهَا أَمَرَتْ بِقَتْلِ جَارِيَةٍ لَهَا سَحَرَتْهَا؛ فَقُتِلَتْ (^٢). وَكَذَلِكَ صَحَّ عَنْ جُنْدَبٍ (^٣).\nقَالَ أَحْمَدُ: عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ (^٤)\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَصْلُهُ فِي البُخَارِيِّ (٣١٥٦)، وَاللَّفْظُ لِأَبِي دَاوُدَ (٣٠٤٣) وَأَحْمَدَ (١٦٥٧). صَحِيحُ أَبِي دَاوُدَ (٣٠٤٣).\n(^٢) صَحِيحٌ. الأَثَرُ فِي المُوَطَّإِ (٢/ ٨٧١) وَهُوَ ضَعِيفُ الإِسْنَادِ، وَلَكِنْ صَحَّ فِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيبَةَ (٢٧٩١٢) عَنِ ابْنِ عُمَرَ: (أَنَّ جَارِيَةً لِحَفْصَةَ سَحَرَتْهَا، وَوَجَدُوا سِحْرَهَا، وَاعْتَرَفَتْ، فَأَمَرَتْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيدٍ فَقَتَلَهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمَانَ فَأَنْكَرَهُ وَاشْتَدَّ عَلَيهِ، فَأَتَاهُ ابْنُ عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهَا سَحَرَتْهَا، وَوَجَدُوا سِحْرَهَا، وَاعْتَرَفَتْ بِهِ، فَكَأَنَّ عُثْمَانُ إِنَّمَا أَنْكَرَ ذَلِكَ لأَنَّهَا قُتِلَتْ بِغَيرِ إِذْنِهِ). أَفَادَهُ حَامِدُ مُحَمَّد طَاهِر فِي تَحْقِيقِ كِتَابِ المُوَطَّأ (ص ٥٨٠) طَبْعَةُ دَارِ الفَجْرِ لِلتُّرَاثِ، القَاهِرَة.\n(^٣) صَحِيحٌ. الحَاكِمُ (٨٩٧٥)، وَالدَّارَقُطْنِيُّ (٣٢٠٥)، وَالبَيهَقِيُّ فِي الكُبْرَى (١٦٥٠١). اُنْظُرِ التَّعْلِيقَ عَلَى حَدِيثَ الضَّعِيفَةِ (١٤٤٦).\n(^٤) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (١/ ٣٦٥).","vol":"1","page":456},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ البَقَرَةِ.\nالثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ النِّسَاءِ.\nالثَّالِثَةُ: تَفْسِيرُ الجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ، وَالفَرَقُ بَينَهُمَا.\nالرَّابِعَةُ: أَنَّ الطَّاغُوتَ قَدْ يَكُونُ مِنَ الجِنِّ وَقَدْ يَكُونُ مِنَ الإِنْسِ.\nالخَامِسَةُ: مَعْرِفَةُ السَّبْعِ المُوبِقَاتِ المَخْصُوصَاتِ بِالنَّهْيِ.\nالسَّادِسَةُ: أَنَّ السَّاحِرَ يَكْفُرُ.\nالسَّابِعَةُ: أَنَّهُ يُقْتَلُ وَلَا يُسْتَتَابُ.\nالثَّامِنَةُ: وُجُودُ هَذَا فِي المُسْلِمِينَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ؛ فَكَيفَ بَعْدَهُ؟!","vol":"1","page":457},{"text":"<span data-type='title' id=toc-190>الشَّرْحُ</span>\n- السِّحْرُ لُغَةً: كُلُّ مَا لَطُفَ مَأْخَذُه وَدَقَّ (^١).\nوَشَرْعًا: \"عَزَائِمُ (^٢) وَرُقَى وَعُقَدُ تُؤَثِّرُ فِي الأَبْدَانِ وَالقُلُوبِ، فَيُمْرِضُ وَيَقْتُلُ وَيُفَرِّقُ بَينَ المَرْءِ وَزَوجِهِ، وَيَأخُذُ أَحَدَ الزَّوجَينِ عَنْ صَاحِبِهِ\" (^٣).\nوَفِي هَذَا البَابِ لَنْ نَتَعَرَّضَ لِلمَعْنَى اللُّغَوِيِّ؛ وَإِنَّمَا لِلشَّرْعِيِّ الَّذِي يَكُونُ مِنْ جِنْسِ الشِّرْكِ وَالاسْتِعَانَةِ بِالشَّيَاطِينِ.\n- مُنَاسَبَةُ ذِكْرِ السِّحْرِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ أَنَّ السِّحْرَ نَوعٌ مِنَ الشِّرْكِ.\n- السِّحْرُ لَا خَيرَ فِيهِ بَلْ كُلُّهُ فَسَادٌ، وَتَأَمَّلْ كَونَ عُمَرَ سَمَّى الجِبْتَ سِحْرًا، وَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ [البَقَرَة: ١٠٢]،\nوَقَالَ أَيضًا سُبْحَانَهُ عَنْ سَحَرَةِ فِرْعَونَ: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يُونُس: ٨١].\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ أَي: أَخَذَ السِّحْرَ وَبَذَلَ تَوحِيدَهُ عِوَضًا، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَيضًا تَمَامُ الآيَاتِ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٣] حَيثُ جَعَلَ سُبْحَانَهُ الإِيمَانَ آخِرًا فِي مُقَابِلِ الشِّرَاءِ أَوَّلًا.\n_________\n(^١) لِسَانُ العَرَبِ (٤/ ٣٤٨).\n(^٢) العَزَائِمُ: هِيَ القِرَاءَةُ وَالرُّقَى.\n(^٣) أَفَادَهُ المُوَفَّقُ ابْنُ قُدَامَةَ المَقْدِسِيُّ ﵀ (ت ٦٢٠ هـ) فِي كِتَابِهِ (الكَافِي فِي فِقْهِ الإِمَامِ أَحْمَدَ) (٤/ ٦٤).","vol":"1","page":458},{"text":"- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ قَالَ عُمَرُ: (الجِبْتُ: السِّحْرُ) هَذَا فِي ذَمِّ أَهْلِ الكِتَابِ، لِأَنَّ السِّحْرَ يَكْثُرُ فِي اليَهُودِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُم: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ﴾، وَجَعْلُهُ إِيمَانًا هُوَ دَلِيلُ كُفْرِ مَنْ تَعَاطَاهُ.\n- تَفْسِيرُ عُمَرَ الجِبْتَ بِالسِّحْرِ؛ وَالطَّاغُوتَ بِالشَّيطَانِ هُوَ مِنْ بَابِ التَّفْسِيرِ بِالمِثَالِ، وَكَذَا تَفْسِيرُ جَابِرٍ ﵃.\n- قَولُهُ: «المُوبِقَات» أَي المُهْلِكَات، وَالهَلَاكُ فِي الدُّنْيَا بِالعِقَابِ وَالحَدِّ، وَفِي الآخِرَةِ لِمَا لَهُ مِنَ الوَعِيدِ بِالعَذَابِ.\n- قَولُهُ: «وَأَكْلُ الرِّبَا» خَصُّهُ بِالأَكْلِ؛ لَيسَ حَصْرًا لِوَجْهِ النَّهْي، وَلَكِنَّهُ خَرَجَ عَلَى الغَالِبِ، لِأَنَّ أَوَّلَ وُجُوهِ الانْتِفَاعِ هُوَ الأَكْلُ، وَكَذَا أَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ.\n- الرِّبَا (^١): الزِّيَادَةُ، وَحُكْمُهُ شَرْعًا أَنَّهُ كَبِيرَةٌ مِنَ الكَبَائِرِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البَقَرَة: ٢٧٨ - ٢٧٩].\n- أَنْوَاعُ الرِّبَا:\n١ - رِبَا النَّسِيئَةِ: وَهُوَ الزِّيَادَةُ المَشْرُوطَةُ الَّتِي يَأْخُذُهَا الدَّائِنُ مِنَ المَدِينِ نَظِيرَ التَّأْجِيلِ (^٢).\n_________\n(^١) وَمَادَّةُ مَوضُوعِ الرِّبَا مُسْتَفَادَةٌ مِنْ كِتَابِ الوَجِيزُ (ص ٣٤٦) لِلشَّيخِ عَبْدِ العَظِيمِ بْنِ بَدَوِيِّ حَفِظَهُ اللهُ، وَمِنْ كِتَابِ الدَّرَاريُّ المَضِيَّةُ (٢/ ٢٥٩) لِلشَّوكَانِيِّ ﵀.\n(^٢) وَلَا بُدَّ مِنْ كَونِهَا مَشْرُوطَةً كَي يَخْرُجَ مِنْهَا مَا كَانَ مِنْ بَابِ المُكَافَأَةِ عَلَى المَعْرُوفِ، لِذَا فَلَا يَصِحُّ القَولُ بِحَرْفِيَّةِ القَاعِدَةِ المَشْهُورَةِ (كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ نَفْعًا فَهُوَ رِبَا)، وَهُوَ أَثَرٌ مَوقُوفٌ عَنْ عَلِيٍّ ﵁؛ وَلَا يَصِحُّ. ضَعِيفُ الجَامِعِ (٤٢٤٤).","vol":"1","page":459},{"text":"٢ - رِبَا الفَضْلِ: وَهُوَ بَيعُ النُّقُودِ بِالنُّقُودِ، أَوِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ مَعَ الزِّيَادَةِ، وَهُوَ ذَرِيعَةٌ إِلَى الرِّبَا الأَوَّلِ.\nوَرِبَا الفَضْلِ لَا يَجْرِي إِلَّا فِي الأَصْنَافِ السِّتَّةِ المَنْصُوصِ عَلَيهَا فِي هَذَا الحَدِيثِ، وَهُوَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مَرْفُوعًا: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالفِضَّةُ بِالفِضَّةِ، وَالبُرُّ بِالبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالمِلْحُ بِالمِلْحِ؛ مِثْلًا بِمِثْلٍ؛ سَوَاءً بِسَوَاءٍ؛ يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١) (^٢).\nفَإِذَا بِيعَ جِنْسٌ مِنْ هَذِهِ السِّتَّةِ بِجِنْسِهِ كَذَهَبٍ بِذَهَبٍ، أَو تَمْرٍ بِتَمْرٍ حَرُمَ التَّفَاضُلُ وَالنَّسِيئَةُ -بِغَضِّ النَّظَرِ عَنِ الجُودَةِ والرَّدَاءَةِ- وَلَا بُدَّ مِنَ التَّقَابُضِ فِي المَجْلِسِ.\nوَإِذَا بِيعَ جِنْسٌ مِنْ هَذِهِ السِّتَّةِ بِغَيرِ جِنْسِهِ كَذَهَبٍ بِفِضَّةٍ، أَو بُرٍّ بِشَعِيرٍ؛ جَازَ التَّفَاضُلُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ التَّقَابُضُ فِي المَجْلِسِ، لِقَولِهِ ﷺ فِي الحَدِيثِ: «وَلَا بَأْسَ بِبَيعِ الذَّهَبِ بِالفِضَّةِ -وَالفِضَّةُ أَكْثَرُهُمَا- يَدًا بِيَدٍ؛ وَأَمَّا نَسِيئَةً فَلَا، وَلَا بَأْسَ بِبَيعِ البُرِّ بِالشَّعِيرِ -وَالشَّعِيرُ أَكْثَرُهُمَا- يَدًا بِيَدٍ؛ وَأَمَّا نَسِيئَةً فَلَا» (^٣).\n_________\n(^١) مُسْلِمٌ (١٥٨٧).\n(^٢) وَهَذِهِ تُسَمَّى الأَصْنَافَ الرَّبَويَّةَ -أَي الَّتِي يَجْرِي فِيهَا الرِّبَا- وَأَيَّدَهُ الشَّوكَانِيُّ ﵀ وَاسْتَدَلَّ لَهُ، وَالجُمْهُورُ عَلَى عَدَمِ الحَصْرِ فِي هَذِهِ السِّتَّةِ، وَخَصَّ الدَّلِيلُ بَعْضَ الحَالَاتِ مِنَ الرِّبَا؛ وَلَيسَ هَذَا مَوضِعُ ذِكْرِهَا.\n(^٣) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٣٣٤٩) عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٣٤٤٣).","vol":"1","page":460},{"text":"وَإِذَا بِيعَ جِنْسٌ مِنْ هَذِهِ السِّتَّةِ بِمَا يُخَالِفُهُ فِي الجِنْسِ وَالعِلَّةِ كَذَهَبٍ بِبُرٍّ، وَفِضَّةٍ بِمِلْحٍ؛ جَازَ التَّفَاضُلُ وَالنَّسِيئَةُ، كَمَا فِي البُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ» (^١).\nوَلَا يَصِحُّ بَيعٌ رَبَويٌّ بِجِنْسِهِ وَمَعَهُمَا أَو مَعَ أَحَدِهِمَا مِنْ غَيرِ جِنْسِهِمَا.\n- قَولُهُ: «وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ» اليَتِيمُ: هُوَ مَنْ مَاتَ أَبُوهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ، أَمَّا مَنْ مَاتَتْ أُمُّهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ فَلَيسَ يَتِيمًا لَا شَرْعًا وَلَا لُغَةً (^٢).\nوَاليَتِيمُ مَأْخُوذٌ مِنَ اليُتْمِ؛ وَهُوَ الانْفِرَادُ، أَي انْفَرَدَ عَنِ الكَاسِبِ لَهُ، لِأَنَّ أَبَاهُ هُوَ الَّذِي يَكْسِبُ لَهُ (^٣).\nوَخَصَّ اليَتِيمَ لِأَنَّهُ لَا أَحَدَ يُدَافِعُ عَنْهُ، وَلِأَنَّهُ أَولَى أَنْ يُرْحَمَ، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُ حَقًّا فِي الفَيءِ.\n- قَولُهُ: «وَالتَّوَلِّي يَومَ الزّحْفِ» التَّوَلِّي: الإِدْبَارُ وَالإعْرَاضُ، وَيَومُ الزَّحْفِ: هُوَ يَومُ تَلَاحُمِ الصَّفَّينِ فِي القِتَالِ مَعَ الكُفَّارِ (^٤).\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٢٠٦٨).\n(^٢) وَكَذَلِكَ إِذَا بَلَغَ خَرَجَ عَنْ كَونِهِ يَتِيمًا، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ». صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٢٨٧٣) عَنْ عليٍّ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٧٦٠٩).\n(^٣) قَالَ الأَزْهَرِيُّ فِي تَهْذِيبُ اللُّغَةِ (١٤/ ٢٤٢): \"وَقَالَ الأَصْمَعيُّ: اليُتْمُ فِي البَهَائِمِ مِنْ قِبَلِ الأُمِّ، وَفِي النَّاسِ مِنْ قِبَلِ الأَبِ\".\n(^٤) وَسُمِّيَ يَومَ الزَّحْفِ؛ لِأَنَّ الجُمُوعَ إِذَا تَقَابَلَتْ تَجِدُ أَنَّ بَعْضَهَا يَزْحَفُ إِلَى بَعْضٍ، كَالَّذِي يَمْشِي زَحْفًا -كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُم يَهَابُ الآخَرَ- فَيَمْشِي رُوَيدًا رُوَيدًا.","vol":"1","page":461},{"text":"وَالحَدِيثُ خَصَّهُ القُرْآنُ بِثَلَاثَةِ اسْتِثْنَاءَاتٍ:\n١ - أَنْ يَكُونَ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ.\nأَي: مُتَهَيِّئًا لَهُ، كمَنْ يَنْصَرِفُ لِيُصْلِحَ مِنْ شَأْنِهِ أَو يُهَيِّئ الأَسْلِحَةَ وَيُعِدَّهَا، وَمِنْهُ الانْحِرَافُ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ يَأْتِي العَدُوُّ مِنْ جهَتِهِ؛ فَهَذَا لَا يُعَدُّ مُتَوَلِّيًا وَإِنَّمَا يُعَدُّ مُتَهَيِّئًا.\n٢ - أَنْ يَتَحَيَّزَ إِلَى فِئَةٍ.\nكَمَا إِذَا حُصِرَتْ سَرِيَّةٌ لِلمُسْلِمِينَ يُمْكِنُ أَنْ يَقْضِيَ عَلَيهَا العَدُوُّ؛ فَانْصَرَفَ مِنْ هَؤُلَاءِ لِيُنْقِذَهَا.\nوَدَلِيلُ هَذِينِ الأَمْرَينِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأَنْفَال: ١٦].\n٣ - إِذَا كَانَ الكفَّارُ أَكْثَرَ مِنْ مِثْلَي المُسْلِمِينَ.\nفَيَجُوزُ الفِرَارُ حِينَئِذٍ، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَينِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَينِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأَنْفَال: ٦٦].\nقَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀: \"أَو كَانَ عِنْدَهُم عُدَّةٌ لَا يُمْكِنُ لِلمُسْلِمِينَ مُقَاوَمَتُهَا، كَالطَّائِرَاتِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ المُسْلِمِينَ مِنَ الصَّوَارِيخِ مَا يَدْفَعُهَا، فَإِذَا عُلِمَ أَنَّ الصُّمُودَ يَسْتَلْزِمُ الهَلَاكَ وَالقَضَاءَ عَلَى المُسْلِمِينَ؛ فَلَا يَجوزُ لَهُم أَنْ يَبْقَوا\" (^١).\nوَقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: \"وَقَالَ الإِمَامُ [الجُوَينِيُّ]: إِنْ كَانَ فِي الثَّبَاتِ الهَلَاكُ\n_________\n(^١) القَولُ المُفِيدُ (١/ ٥٠٥).","vol":"1","page":462},{"text":"المَحْضُ مِنْ غَيرِ نِكَايَةٍ؛ وَجَبَ الفِرَارُ قَطْعًا، وَإِنْ كَانَ فِيهِ نِكَايةٌ فَوَجْهَانِ. قُلْتُ [النَّوَوِيُّ]: هَذَا الَّذِي قَالَهُ الإِمَامُ هُوَ الحَقُّ، وَأَصَحُّ الوَجْهَينِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ؛ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ\" (^١).\n- قَولُهُ: «وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلَاّ بِالحَقِّ» المُرَادُ بِالنَّفْسِ هُنَا: بَدَنُ الآدَمِيِّ الَّذِي فِيهِ الرُّوحُ.\nوَقَولُهُ: «إلَّا بِالحَقِّ» أَي: مِمَّا يُوجِبُ القَتْلَ، كَالثَّيِّبِ الزَّانِي، وَالنَّفْسِ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكِ لِدِينِهِ المُفَارِقِ لِلجَمَاعَةِ. كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا (^٢).\n- قَولُهُ: «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبُهُ بِالسَّيفِ» صَحِيحٌ مَوقُوفٌ، وَالرَّاوِي هُوَ جُنْدُبُ (الخَيرِ) بْنُ كَعْبٍ الأزْدِيُّ؛ المُلَقَّبُ بِقَاتِلِ السَّاحِرِ، وَلَيسَ جُنْدَبَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيَّ (^٣).\nوَلُقِّبَ بِقَاتِلِ السَّاحِرِ لِمَا جَاءَ مِنْ أَنَّ: أَمِيرًا مِنْ أُمَرَاءِ الكُوفَةِ (الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ) دَعَا سَاحِرًا يَلْعَبُ بَينَ يَدِي النَّاسِ، فَكَانَ يَأْخُذُ سَيفَهُ فَيَذْبَحُ نَفْسَهُ؛ وَلَا يَضُرُّهُ! وَكَانَ يَضْرِبُ رَأْسَ الرَّجُلِ ثُمَّ يَصِيحُ بهِ فَيَقُومُ خَارِجًا فَيَرْتَدُّ إِلَيهِ رَأْسُهُ، فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللهِ! يُحْيي المَوتَى! فَبَلَغَ جُنْدُبَ، فَأَقْبَلَ بِسَيفِهِ -وَاشْتَمَلَ عَلَيهِ- فَلَمَّا رَآهُ ضَرَبَهُ بِسَيفِهِ، فَقَالَ: إنْ كَانَ صَادِقًا فَلْيُحيي نَفْسَهُ! ثُمَّ قَرَأَ ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٣]\n_________\n(^١) رَوضَةُ الطَّالِبِينَ (٧/ ٤٤٩).\n(^٢) البُخَارِيُّ (٦٨٧٨).\n(^٣) وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ صَحَابِيٌّ أَيضًا. انْظُرِ السِّيَرَ لِلذَّهَبِيِّ ﵀ (٣/ ١٧٥)، تَهْذِيبُ التَّهْذِيبِ (٢/ ١١٨)، وَالإِصَابَةُ فِي تَمْيِيزِ الصَّحَابَةِ لِلْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ (١/ ٦١٦).","vol":"1","page":463},{"text":"فَتَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْهُ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ لَنْ تُرَاعُوا، إنَّمَا أَرَدْتُ السَّاحِرَ. فَأَخَذَهُ الأَمِيرُ فَحَبَسَهُ، وَأَمَرَ بِهِ الوَلِيدُ دِينَارًا -صَاحِبَ السِّجْنِ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا- فَسَجَنَهُ، فَأَعْجَبَهُ نَحْوُ الرَّجُلِ، فَقَالَ: أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَهْرُبَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاخْرُجْ؛ لَا يَسْأَلْنِي اللهُ عَنْكَ أَبَدًا! فَبَلَغَ ذَلِكَ سَلْمَانَ، فَقَالَ: بِئْسَمَا صَنَعَا! لَمْ يَكُنْ يَنْبَغي لِهَذَا -وَهُوَ إِمَامٌ يُؤْتَمُّ بِهِ- يَدْعُو سَاحِرًا يَلْعَبُ بينَ يَدِيهِ! وَلَا يَنْبَغِي لِهَذَا أَنْ يُعَاتِبَ أَمِيرَهُ بِالسَّيفِ (^١).\nقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: \"وَمِثْلُ هَذَا السَّاحِرِ المَقْتُولِ؛ هَؤُلَاءِ الطُّرُقِيَّةُ الَّذِينَ يَتَظَاهَرُونَ بِأَنَّهُم مِنْ أَولِيَاءِ اللهِ؛ فَيَضْرِبُونَ أنْفُسَهُم بِالسَّيفِ وَالشِّيشِ، وَبَعْضُهُ سِحْرٌ وَتَخْيِيلٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَبَعْضُهُ تَجَارِبٌ وَتَمَارِينٌ يَسْتَطِيعُهُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ مُؤْمِنٍ أَو كَافِرٍ إِذَا تَمَرَّسَ عَلَيهِ؛ وَكَانَ قَوِيَّ القَلْبِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَسُّهُم النَّارَ بِأَفْوَاهِهِم وَأَيدِيهِم، وَدُخُولُهُم التَّنُّورَ\" (^٢).\n- قَولُهُ: «وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ» القَذْفُ: بِمَعْنَى الرَّمِيُ، وَالمُرَادُ بِهِ هُنَا الرَّمْيُ بِالزِّنَا، وَالمُحْصَنَاتُ هُنَا الحَرَائِرُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ.\n- قَولُهُ: «الغَافِلَاتُ» هُنَّ العَفِيفَاتُ عَنِ الزِّنَا؛ البَعِيدَاتُ عَنْهُ؛ اللَّاتِي لَا يَخْطُرُ عَلَى بَالِهِنَّ هَذَا الأَمْرُ، وَ«المُؤْمِنَاتُ» احْتِرَازًا مِنَ الكَافِرَاتِ (^٣).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. الحَاكِمُ (٨٠٧٦)، وَالدَّارَقُطْنِيُّ (٣٢٠٥)، وَالبَيهَقِيُّ فِي الكُبْرَى (١٦٥٠١)، وَالأَصْلُ لِلحَاكِمِ، وبَعْضُ الجُمَلِ مُضَافَةٌ مِنْ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي أَورَدَهَا الأَلْبَانِيُّ ﵀ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ. اُنْظُرِ التَّعْلِيقَ عَلَى حَدِيثِ الضَّعِيفَةِ (١٤٤٦).\n(^٢) الضَّعِيفَةُ (١٤٤٦).\n(^٣) قَالَ العَينِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (عُمْدَةُ القَارِي) (١٤/ ٦٢): \"احْتَرَزَ بِهِ عَنْ قَذْفِ الكَافِرَاتِ؛ فَإِنَّ قَذْفَهُنَّ لَيسَ مِنَ الكَبَائِرِ، وَإِنْ كَانَتْ ذِمّيَّةً فَقَذْفُهَا مِنَ الصَّغَائِرِ لَا يُوجِبُ الحَدَّ، وَفِي قَذْفِهِ الأَمَةَ المُسْلِمَةَ التَّعْزيرُ دُونَ الحَدِّ\".","vol":"1","page":464},{"text":"وَقَدْ جَعَلَ اللهُ عَلَى القَاذِفِ ثَلَاثَةَ أُمُورٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النُّور: ٤].\nوَقَذْفُ المُحْصَنِينَ الغَافِلِينَ المُؤْمِنِينَ كَقَذْفِ المُحْصَنَاتِ هُوَ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، وَإنَّمَا خَصَّ بِذَلِكَ المَرْأَةَ؛ لِأَنَّ الغَالِبَ أَنَّ القَذْفَ يَكُونُ لِلنِّسَاءِ أَكْثَرُ؛ إِذِ البَغَايَا كَثِيرَاتٌ قَبْلَ الإِسْلَامِ، وَقَذْفُ المَرْأَةِ أَشَدُّ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الشَّكَ فِي نَسَبِ أَولَادِهَا مِنْ زَوجِهَا؛ فَيُلْحِقُ بِهَنَّ القَذْفُ ضَرَرًا أَكْبَرَ، فَهُوَ مِنْ بَابِ الغَالِبِ.\n- حَدِيثُ بَجَالَةَ (^١) بْنِ عَبَدَةَ أَنَّهُ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁؛ أَنَّ اُقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وَسَاحِرَةٍ. قَالَ: فَقَتَلْنَا ثَلَاثَ سَوَاحِرَ. هُوَ صَحِيحٌ، وَلَفْظُهُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَأَحْمَدَ، وَأَصْلُهُ فِي البُخَارِيِّ.\nوَفِيهِ مِنَ الفِقْهِ أَمْرُ الخَلِيفَةِ الرَّاشِدِ عُمَرَ ﵁ -وَأَمْرُهُ النَّاسَ- بِقَتْلِ السَّوَاحِرِ، وَلَمْ يَرِدْ عَنْهُ الاسْتِفْصَالُ.\n- قَولُهُ: «حَدُّ السَّاحِرِ» بِمَعْنَى: عُقُوبَةُ السَّاحِرِ (^٢)، وَذَلِكَ لِأَنَّ السَّاحِرَ مُرْتَدٌّ بِسِحْرِهِ، وَالرِدَّةُ لَيسَ لَهَا حَدٌّ وَإِنَّمَا يُعَاقَبُ عَلَيهَا بِالقَتْلِ (^٣)، وَالفَرْقُ بَينَ الحَدِّ وَعُقُوَبَةِ\n_________\n(^١) (بَجَالَة): بِفَتْحَتَينِ، وَ(عَبَدَة): بِفَتْحَتَينِ، العَنْبَريُّ؛ التَّمِيمِيُّ، أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ وَلَمْ يَرَهُ، وَكَانَ كَاتِبًا لِجُزْءِ بْنِ مُعَاوِيَةَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ. اُنْظُرِ الإِصَابَةَ (١/ ٤٦٥).\n(^٢) أَي: أَنَّهُ لَيسَ عَلَى مَعْنَى تَطْهِيرِ المُسْلِمِ مِنْ ذَنْبِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كُلُّهُ كُفْرٌ، وَأَمَّا عَلَى قَولِ الشَّافِعِيِّ ﵀ فَيَصِحُّ عَلَى مَحْمَلٍ عِنْدَهُ؛ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ سِحْرًا لَا كُفْرَ فِيهِ؛ فَيَصْدُقُ عَلَيهِ اسْمُ الحَدِّ اصْطِلَاحًا.\n(^٣) وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ (٣٠١٧) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ».","vol":"1","page":465},{"text":"الرِّدَّةِ يَظْهَرُ مِن جَانِبَينِ:\nأ- أَنَّ الحَدَّ إِذَا بَلَغَ الإِمَامَ لَا يُسْتَتَابُ صَاحِبُهُ؛ بَلْ يُقْتَلُ بِكُلِّ حَالٍ، أَمَّا الكُفْرُ؛ فَإِنَّه يُسْتَتَابُ صَاحِبُهُ (^١).\nب- أَنَّ الحُدُودَ كَفَّارَاتٌ لِأَصْحَابِهَا، وَتَنْفَعُ صَاحِبَهَا (^٢)، وَأَمَّا الرِّدَّةُ؛ فَيُعَاقَبُ عَلَيهَا بِالقَتْلِ، وَلَا تَنْفَعُهُ بِشَيءٍ.\n- قَالَ التِّرْمِذِيُّ ﵀ عَقِبَ حَدِيثِ جُنْدُبٍ -الَّذِي فِيهِ قَتْلُ السَّاحِرِ-: \"وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَغَيرِهِمْ، وَهُوَ قَولُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ (^٣)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّمَا يُقْتَلُ السَّاحِرُ إذَا كَانَ يَعْمَلُ فِي سِحْرِهِ مَا يَبْلُغُ الكُفْرَ، فَإِذَا\n_________\n(^١) وَأَمَّا اسْتِتَابَةُ السَّاحِرِ؛ فَفِيهَا تَفْصِيلٌ، قَالَ العَينِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (عُمْدَةُ القَارِي) (١٤/ ٦٤): \"قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ -فِي المَشْهُورِ عَنْهُ-: لَا تُقْبَلُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي الرِّوَايَةِ الأُخْرَى: تُقْبَلُ. وَعَنْ مَالِكٍ: إِذَا ظُهِرَ عَلَيهِ لَمْ تُقْبَلْ تَوبَتُهُ كَالزِّنْدِيقِ، فَإِنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ يُظْهَرَ عَلَيهِ وَجَاءَ تَائِبًا قَبِلْنَاهُ وَلَمْ نُقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلَ بِسِحْرِهِ قُتِلَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُ: فَإِنْ قَالَ: لَمْ أَتَعَمَّدِ القَتْلَ؛ فَهُوَ مُخْطِئٌ تَجِبُ عَلَيهِ الدِّيَةُ\".\n(^٢) فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ (٣٨٩٢) بَابُ: الحُدُودُ كَفَّارَةٌ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁؛ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَجْلِسٍ فَقَالَ: «بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيئًا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا» وَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ كُلَّهَا، «فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيئًا فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيئًا فَسَتَرَهُ اللهُ عَلَيهِ؛ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ».\nقَالَ العَينِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ عُمْدَةُ القَارِي (٢٣/ ٢٧٣): \"قَالَ الكِرْمَانِيُّ: وَهَذِهِ الآيَةُ هِيَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَينَ أَيدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المُمْتَحِنَةُ: ١٢] \".\n(^٣) قَالَ ﵀ فِي المُوَطَّأ (٢/ ٨٧١): \"السَّاحِرُ: الَّذِي يَعْمَلُ السِّحْرَ وَلَمْ يَعْمَلْ ذَلِكَ لَهُ غَيرُهُ؛ هُوَ مِثْلُ الَّذِي قَالَ اللهُ ﵎ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ فَأَرَى أَنْ يُقْتَلَ ذَلِكَ إِذَا عَمِلَ ذَلِكَ هُوَ نَفْسُهُ\".","vol":"1","page":466},{"text":"عَمِلَ عَمَلًا دُونَ الكُفْرِ؛ فَلَمْ نَرَ عَلَيهِ قَتْلًا\" (^١) (^٢).\n- إِذَا تَابَ السَّاحِرُ قُبِلَتْ تَوبَتُهُ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى، لِأَنَّ سِحْرَهُ لَا يَزِيدُ عَنِ الشِّرْكِ، وَالشِّرْكُ لَهُ تَوبَةٌ، وَقَدْ صَحَّتْ تَوبَةُ سَحَرَةِ فِرْعَونَ، وَلَكِنْ كَونُهُ لَهُ تَوبَةٌ؛ لَا يَعْنِي أَنَّهُ إِذَا أُحْضِرَ إِلَى الإِمَامِ أَنَّهُ يُرْفَعُ عَنْهُ القَتْلُ! وَلَكِنَّهَا تَنْفَعُهُ بَينَهُ وَبَينَ رَبِّهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ عِلْمَ السِّحْرِ لَا يَزُولُ بِالتَّوبَةِ! فَهُوَ بِمَثَابَةِ الزِّنْدِيقِ الَّذِي يُظْهِرُ الإِسْلَامَ وَيَدَّعِي التَّوبَةَ مِنَ الكُفْرِ؛ فَأَمْرُهُ إِلَى الحَاكِمِ. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.\n- حَدِيثُ السَّبْعِ المُوبِقَاتِ وَرَدَ فِيهِ عِدَّةُ أَلْفَاظٍ، وَقَدْ جَمَعَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ مَا صَحَّ مِنْ هَذِهِ الأَلْفَاظِ؛ فَقَالَ ﵀: \"وَالمُعْتَمَدُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ مَا وَرَدَ مَرْفُوعًا -بِغَيرِ تَدَاخُلٍ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ- وَهِيَ السَّبْعَةُ المَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ البَابِ، وَالانْتِقَالُ عَنِ الهِجْرَةِ، وَالزِّنَا، وَالسَّرِقَةُ، وَالعُقُوقُ، وَاليَمِينُ الغَمُوسُ، وَالإِلْحَادُ فِي الحَرَمِ، وَشُرْبُ الخَمْرِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، وَالنَّمِيمَةُ، وَتَرْكُ التَّنَزُّهِ مِنَ البَولِ، وَالغُلُولُ، وَنَكْثُ الصَّفْقَةِ، وَفِرَاقُ الجَمَاعَةِ، فَتِلْكَ عِشْرُونَ خَصْلَةً\" (^٣).\n_________\n(^١) التِّرْمِذِيُّ (٣/ ١١٢).\n(^٢) وَفِي الأَدَبِ المُفْرَدِ لِلبُخَارِيِّ (١٦٢) أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ سَحَرَتْهَا جَارِيَةٌ لَهَا، فَأَمَرَتْ بِهَا فَبَاعُوهَا. صَحِيحٌ. صَحِيحُ الأَدَبِ المُفْرَدِ (١٢٠).\nوَبَوَّبَ عَلَيهِ البَيهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الكُبْرَى (٨/ ٢٣٦): بَابُ مَنْ لَا يَكُونُ سِحْرُهُ كُفْرًا وَلَمْ يَقْتُلْ بِهِ أَحَدًا؛ لَمْ يُقْتَلْ.\nوَفِي الأُمِّ (١/ ٢٩٣) لِلشَّافِعِيِّ ﵀: \"وَأَمَّا بَيعُ عَائِشَةَ الجَارِيَةَ -وَلَمْ تَأْمُرْ بِقَتْلِهَا- فَيُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ لَمْ تَعْرِفْ مَا السِّحْرُ؛ فَبَاعَتْهَا، لِأَنَّ لَهَا بَيعَهَا عِنْدَنَا وَإِنْ لَمْ تَسْحَرْهَا، وَلَو أَقَرَّتْ عِنْدَ عَائِشَةَ أَنَّ السِّحْرَ شِرْكٌ مَا تَرَكَتْ قَتْلَهَا إِنْ لَمْ تَتُبْ، أَو دَفَعَتْهَا إِلَى الإِمَامِ لِيَقْتُلْهَا\".\n(^٣) فَتْحُ البَارِي (١٢/ ١٨٣).","vol":"1","page":467},{"text":"- فَائِدَةٌ: وَصْفُ السِّحْرِ يَخْتَلِفُ عَنْ تَعَلُّمِ السِّحْرِ، فَالوَصْفُ يُبَيِّنُ حُكْمَهُ، أَمَّا تَعَلُّمُهُ فَقَدْ يُفْتَتَنُ بِهِ المَرْءُ فَيَعْمَلُهُ، وَتَجِدُ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ ﵀ لِلسَّاحِرِ: \"صِفْ لَنَا سِحْرَكَ\" (^١).\n_________\n(^١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (١/ ٣٧١): \"قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: إِذَا تَعَلَّمَ السِّحْر؛ قُلْنَا لَهُ: صِفْ لَنَا سِحْرَكَ، فَإِنْ وَصَفَ مَا يُوجِبُ الكُفْرَ مِثْلَ مَا اعْتَقَدَهُ أَهْلُ بَابِلٍ مِنَ التَّقَرُّبِ إِلَى الكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ؛ وَأَنَّهَا تَفْعَل مَا يُلْتَمَسُ مِنْهَا! فَهُوَ كَافِرٌ، وَإِنْ كَانَ لَا يُوجِبُ الكُفْرَ؛ فَإِنْ اعْتَقَدَ إِبَاحَتَهُ فَهُوَ كَافِرٌ\".","vol":"1","page":468},{"text":"<span data-type='title' id=toc-191>المُلْحَقُ الخَامِسُ عَلَى كِتَابِ التَّوحِيدِ: فَوَائِدُ وَمَسَائِلُ بَابِ مَا جَاءَ فِي السِّحْرِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-193> الفَائِدَةُ الأُولَى:\nتَفْسِيرُ آيَاتِ سُورَةِ البَقَرَةِ مِنْ تَفْسِيرِ الشَّيخِ السَّعْدِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:</span>\nقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَينَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البَقَرَة: ١٠٢ - ١٠٣].\nقَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀: \"هُمْ كَذَبَةٌ فِي ذَلِكَ، فَلْم يَسْتَعْمِلْهُ سُلَيمَانُ! بَلْ نَزَّهَهُ الصَّادِقُ فِي قِيلِهِ (^١)، ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ﴾ أَي: بِتَعَلُّمِ السِّحْرِ، فَلَمْ يَتَعَلَّمْهُ،\n﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ بِذَلِكَ، ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ مِنْ إِضْلَالِهِم وَحِرْصِهِم عَلَى إِغْوَاءِ بَني آدَمَ، وَكَذَلِكَ اتَّبَعَ اليَهُودُ السِّحْرَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى المَلَكِينِ الكَائِنَينِ بِأَرْضِ بَابِلَ مِنْ أَرْضِ العِرَاقِ، أُنْزِلَ عَلَيهِمَا السِّحْرُ امْتِحَانًا وَابْتِلَاءً\n_________\n(^١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ: \"وَعَدَّاهُ بِـ (عَلَى) لِأَنَّهُ تَضَمَّنَ (تَتْلُو): تَكْذِبُ\". تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (١/ ٣٥٠).","vol":"1","page":469},{"text":"مِنَ اللهِ لِعِبَادِهِ فَيُعَلِّمَانِهِمُ السِّحْرَ (^١)،\n﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى﴾ يَنْصَحَاهُ،\nوَ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ أَي: لَا تَتَعَلَّمِ السِّحْرَ؛ فَإِنَّهُ كُفْرٌ، فَيَنْهَيَانِهِ عَنِ السِّحْرِ، وَيُخْبِرَانِهِ عَنْ مَرْتَبَتِهِ، فَتَعْلِيمُ الشَّيَاطِينِ لِلسِّحْرِ عَلَى وَجْهِ التَّدْلِيسِ وَالإِضْلَالِ، وَنِسْبَتُهُ وَتَرْويجُهُ إِلَى مَنْ بَرَّأَهُ اللهُ مِنْهُ -وَهُوَ سُلَيمَانُ ﵇[هُوَ أَيضًا\n_________\n(^١) وَقَدْ اسْتَعْرَضَ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٢/ ٤١٩) قَولَينِ فِيهَا، فَقَالَ ﵀: \"قَولُهُ: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ﴾ قَالَ بَعْضُهُم: مَعْنَاهُ الجَحْدُ، وَهِيَ بمَعْنَى (لَمْ) فَتَأْوِيلُ الآيَةِ عَلَى هَذَا المَعْنَى: وَلَمْ يَنْزِلْ عَلَى المَلَكَينِ، وَاتَّبَعُوا الَّذِي تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ مِنَ السِّحْرِ، وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ، وَلَا أَنْزَلَ اللهُ السِّحْرَ عَلَى المَلَكَيٍنِ، وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ. فَيَكُونُ حِينَئِذٍ قَولُهُ: ﴿بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ مِنَ المُؤَخَّرِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقدِيمُ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ تَأْوِيلُ (مَا) الَّتِي فِي قَولِهِ: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ﴾: (الذِي) … \" وَسَاقَ بِنَحْوِ مَا قَالَهُ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ وَرَجَّحَهُ.\nوَالأَوَّلُ رَجَّحَهُ القُرْطُبِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٢/ ٥٠)، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.\nوَعَلَى الوَجْهِ الأَوَّلِ (مَا: النَافِيَة): يَكُونُ عِنْدَهُمُ المَلَكَانِ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ هُمَا الَّذَينِ ادَّعَى فِيهِمُ اليَهُودُ النُّزُولَ بِالسِّحْرِ، وَهَارُوتُ وَمَارُوتُ هُمَا الَّذَينِ تَعَلَّمُوا السِّحْرَ مِنَ الشَّيَاطِينِ.\nقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: \"لَا شَكَّ أَنَّ الآيَةَ فِيهَا خِلَافٌ عِنْدَ عُلَمَاءِ التَّفْسِيرِ، لَكِنِ الَّذِي تَرَجَّحَ لَدَيَّ أَنَا شَخْصِيًّا بِأَنَّ (مَا) فِي قَولِهِ: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ﴾ لَيسَتْ نَافِيَةً، بَلْ هِيَ مَوصُولَة، أَي: أَنَّ اللهَ ﷿ أَنْزَلَ المَلَكَينِ لِيُعَلِّمُوا النَّاسَ السِّحْرَ، حَيثُ كَانَ السِّحْرُ انْتَشَرَ فِي ذَلِكَ الزَّمانِ؛ وَاخْتَلَطَ أَمْرُهُ بِبَعْضِ المُعْجِزَاتِ الَّتِي كَانَ يَأْتِي بِهَا بَعْضُ الأَنْبِيَاءِ، كَمِثْلِ قِصَّةِ السَّحَرَةِ مَعَ مُوسَى ﵊، حَيثُ أَرَادَ فِرْعَونُ عَلَى يَدِي السَّحَرَةِ أَنْ يُضَلِّلَ الشَّعْبَ عَنْ دَعْوَةِ مُوسَى إِلَى الحَقِّ؛ لِأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ إنَّمَا هُوَ السِّحْرُ، ثُمَّ كَمَا نَعْلَمُ أَنَّ اللهَ ﷿ قَضَى عَلَى عَمَلِ السَّحَرَةِ وَأَسْلَمُوا وَآمَنُوا بِاللهِ رَبِّ العَالَمِينَ، فَكَانَ عِلْمُهُم بِالسِّحْرِ سَبَبًا لَهُم لِيُمَيِّزُوا بَينَ مَا كَانَ خَيَالًا وَسِحْرًا وَبَينَ مَا كَانَ حَقِيقَةً، ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الشُّعَرَاء: ٤٥] \". أَشْرِطَةُ سِلْسِلَةِ الهُدَى وَالنُّورِ (ش ١٨٩).","vol":"1","page":470},{"text":"عَلَى وَجْهِ الإِضْلَالِ] (^١)، وَتَعْلِيمُ المَلَكَينِ امْتِحَانًا مَعَ نُصْحِهِمَا لِئَلَّا يَكُونَ لَهُم حُجَّةٌ (^٢).\nفَهَؤُلْاءِ اليَهُودُ يَتَّبِعُونَ السِّحْرَ الَّذِي تُعَلِّمُهُ الشَّيَاطِينُ وَالسِّحْرَ الَّذِي يُعَلِّمُهُ المَلَكَانِ، فَتَرَكُوا عِلْمَ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ وَأَقْبَلُوا عَلَى عِلْمِ الشَّيَاطِينِ، وَكُلٌّ يَصْبُو إِلَى مَا يُنَاسِبُهُ.\nثُمَّ ذَكَرَ مَفَاسِدَ السِّحْرِ فَقَالَ: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَينَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ مَعَ أَنَّ مَحَبَّةَ الزَّوجَينِ لَا تُقَاسُ بِمَحَبَّةِ غَيرِهِمَا؛ لِأَنَّ اللهَ قَالَ فِي حَقِّهِمَا: ﴿وَجَعَلَ بَينَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الرُّوم: ٢١] وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السِّحْرَ لَهُ حَقِيقَةٌ، وَأَنَّهُ يَضُرُّ بِإِذْنِ اللهِ، أَي: بِإِرَادَةِ اللهِ،\nوَالإِذْنُ نَوعَانِ: إِذْنٌ قَدَرِيٌّ؛ وَهُوَ المُتَعَلِّقُ بَمَشِيئَةِ اللهِ -كَمَا فِي هَذِهِ الآيَةِ-،\n_________\n(^١) زِيَادَةٌ مِنِّي -لَيسَتْ فِي الأَصْلِ- كَي يَسْتَقِيمَ الكَلَامُ.\n(^٢) كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشَّمْس: ٨). قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٢٤/ ٤٥٤): \"فَبَيَّنَ لَهَا مَا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَأْتِيَ أَو تَذَرَ مِنْ خَيرٍ أَو شَرٍّ أَو طَاعَةٍ أَو مَعْصِيَةٍ\".\nقَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ فِي مَجْمُوعِ الفَتَاوَى (١٥/ ٩٩): \"كَذَلِكَ قَدْ قِيلَ فِي قَولِهِ: ﴿وَهَدَينَاهُ النَّجْدَينِ﴾ [البَلَد: ١٠]: أَي: بَيَّنَا لَهُ طَرِيقَ الخَيرِ وَالشَّرِّ؛ وَهُوَ هُدَى البَيَانِ العَامِّ المُشْتَرَكِ. وَقِيلَ: هَدَينَا المُؤْمِنَ لِطَرِيقِ الخَيرِ وَالكَافِرَ لِطَرِيقِ الشَّرِّ؛ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَدْ جَعَلَ الفُجُورَ هُدَى كَمَا جَعَلَ أُولَئِكَ البَيَانَ إلْهَامًا. وَكَذَلِكَ قَولُهُ ﴿إِنَّا هَدَينَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإِنْسَان: ٣] قِيلَ: هُوَ الهُدَى المُشْتَرَكُ؛ وَهُوَ أَنَّهُ بَيَّنَ لَهُ الطَّرِيقَ الَّتِي يَجِبُ سُلُوكُهَا وَالطَّرِيقَ الَّتِي لَا يَجِبُ سُلُوكُهَا. وَقِيلَ: بَلْ هَدَى كُلًّا مِنَ الطَّائِفَتَينِ إلَى مَا سَلَكَهُ مِنَ السَّبِيلِ ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ \".","vol":"1","page":471},{"text":"وَإِذْنٌ شَرْعِيٌّ كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧] (^١).\nوَفِي هَذِهِ الآيَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا؛ أَنَّ الأَسْبَابَ مَهْمَا بَلَغَتْ فِي قُوَّةِ التَّأْثِيرِ؛ فَإِنَّهَا تَابِعَةٌ لِلقَضَاءِ وَالقَدَرِ لَيسَتْ مُسْتَقِلَّةً فِي التَّأْثِيرِ (^٢).\nثُمَّ ذَكرَ أَنَّ عِلْمَ السِّحْرِ مَضَرَّةٌ مَحْضَةٌ، لَيسَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لَا دِينِيَّةٌ وَلَا دُنْيَوِيَّةٌ كَمَا يُوجَدُ بَعْضُ المَنَافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ فِي بَعْضِ المَعَاصِي، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الخَمْرِ والمَيسِرِ: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البَقَرَة: ٢١٩]، فَهَذَا السِّحْرُ مَضَرَّةٌ مَحْضَةٌ، فَلَيسَ لَهُ دَاعٍ أَصْلًا، فَالمَنْهِيَّاتُ كُلُّهَا إِمَّا مَضَرَّةٌ مَحْضَةٌ أَو شَرُّهَا أَكْبَرُ مِنْ خَيرِهَا، كَمَا أَنَّ المَأْمُورَاتِ إِمَّا مَصْلَحَةٌ مَحْضَةٌ أَو خَيرُهَا أَكْثَرُ مِنْ شَرِّهَا.\n﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾ أَي اليَهُودُ ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ أَي: رَغِبَ فِي السِّحْرِ رَغْبَةَ المُشْتَرِي فِي السِّلْعَةِ ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ أَي: نَصِيبٍ، بَلْ هُوَ مُوجِبٌ لِلعُقُوبَةِ، فَلَمْ يَكُنْ فِعْلُهُم إِيَّاهُ جَهْلًا، وَلَكِنَّهُم اسْتَحَبُّوا الحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ.\n﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ عِلْمًا يُثْمِرُ العَمَلَ مَا فَعَلُوهُ\" (^٣).\n_________\n(^١) قُلْتُ: وَهِيَ غَيرُ ظَاهِرَةٍ عِنْدِي فِي كَونِهَا مِنَ الإِذْنِ الشَّرْعِيِّ -الَّذِي قَدْ يَقَعُ وَقَدْ يَتَخَلَّفُ-، وَيُغْنِي عَنْهَا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَينَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشُّورَى: ٢١]. فَالإِذْنُ هُنَا هُوَ الأَمْرُ بِالشَّرْعِ؛ فَمِنَ النَّاسِ مُطِيعٌ وَمِنْهُ عَاصٍّ.\n(^٢) حَيثُ جُعِلَتْ مُقَيَّدَةً بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى.\n(^٣) تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ (ص ٦١).","vol":"1","page":472},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-194> الفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي التَّفَاسِيرِ كَثِيرٌ مِنَ الرِّوَايَاتِ حَولَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا جَرَى مَعَهُمَا مِنْ إِنْزَالِهِمَا وَافْتِتَانِهِمَا بِالمَرْأَةِ وَتَوبَتِهِمَا،</span> وَلَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيءٌ مَرْفُوعًا، بَلْ أَقْصَى مَا قَدْ يَصِحُّ مِنْهَا هُوَ مَوقُوفٌ مَنْقُولٌ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ.\nوَمِمَّا اشْتُهِرَ هُنَا الحَدِيثُ المَوضُوعُ: (لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الزُّهْرَةَ؛ فَإِنَّهَا فَتَنَتِ المَلَكَينِ) (^١).\nوَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀: \"وَحَاصِلُهَا رَاجِعٌ فِي تَفْصِيلهَا إِلَى أَخْبَار بَنِي إِسْرَائِيل؛ إِذْ لَيسَ فِيهَا حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ صَحِيحٌ مُتَّصِلُ الإِسْنَادِ إِلَى الصَّادِقِ المَصْدُوقِ المَعْصُومِ الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى، وَظَاهِرُ سِيَاقِ القُرْآنِ إِجْمَالُ القِصَّةِ مِنْ غَيرِ بَسْطٍ وَلَا إِطْنَابٍ فِيهَا، فَنَحْنُ نُؤْمِنُ بِمَا وَرَدَ فِي القُرْآنِ عَلَى مَا أَرَادَهُ اللهُ تَعَالَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحَالِ\" (^٢).\nوَقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: \"قُلْتُ: وَقَدْ زَعَمَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ دَومَةِ الجَنْدَلِ أَنَّهَا رَأَتْهُمَا مُعَلَّقَينِ بِأَرْجُلِهِمَا بِبَابِلٍ (^٣)، وَأَنَّهَا تَعَلَّمَتْ مِنْهُم السِّحْرَ-وَهُمَا فِي هَذِهِ الحَالِةِ- فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ حَكَتْهَا لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا؛ رَوَاهَا ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ، وَلَكِنَّ المَرْأَةَ مَجْهُولَةٌ فَلَا يُوثَقُ بِخَبَرِهَا، وَقَدْ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إِنَّهُ أَثَرٌ غَرِيبٌ وَسِيَاقٌ عَجِيبٌ\" (^٤).\n_________\n(^١) مَوضُوعٌ. ابْنُ السُّنِّيِّ (ص ٦٠٤) عَنْ عَلِيٍّ ﵁. الضَّعِيفَةُ (٩١٣).\n(^٢) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (١/ ٣٢).\n(^٣) يَعْنِي: هَارُوتَ وَمَارُوتَ.\n(^٤) الضَّعِيفَةُ (٩١٣).\nوَ(دَومَةُ الجَنْدَلِ): اسْمُ مَوضِعٍ فَاصِلٍ بَينَ الشَّامِ وَالعِرَاقِ. عُمْدَةُ القَارِي (٤/ ٩٧).","vol":"1","page":473},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-195> الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْوَاعُ السِّحْرِ </span>(^١):\nقَالَ العَينِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (عُمْدَةُ القَارِي): \"وذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الرَّازي أَنْوَاعَ السِّحْرِ ثَمَانِيَةً:\n١ - سِحْرُ الكَلْدَانِيِّينَ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ الكَوَاكِبَ السَّبْعَةَ المُتَحَيِّرَةَ -وَهِيَ السَّيَّارَةُ-، وَكَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا مُدَبِّرَةٌ لِلعَالَمِ، وَأَنَّهَا تَأْتِي بِالخَيرِ وَالشَّرِّ! وَهُمُ الَّذِينَ بَعَثَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ الخَلِيلَ مُبْطِلًا لِمَقَالَتِهِم وَرَدًّا لِمَذَاهِبِهِم.\n_________\n(^١) أَشْهَرُهَا أَرْبَعٌ -تَسْهِيلًا لِلتَّدَبُّرِ وَالتَّمْيِيزِ-:\nأ- عُقَدٌ وَرُقَى: وَهِيَ قِرَاءَاتٌ وَطَلَاسِمُ يَتَوَصَّلُ بِهَا السَّاحِرُ إِلَى اسْتِخْدَامِ الشَّيَاطِينِ فِيمَا يُرِيدُ بِهِ ضَرَرَ المَسْحُورِ. لَكِنْ قَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البَقَرَة: ١٠٢].\nب- خِفَّةُ اليَدِّ: وَهَذِهِ يُحْسِنُونَهَا بِالتَّدَرُّبِ عَلَى المُسَارَعَةِ بِفِعْلِ الأَشْيَاءِ، كَإِخْرَاجِ المُخْبُوءِ مِنْ حَيثُ لَا يُشْعَرُ بِهِ، أَوِ اكْتِسَابِ المَهَارَةِ فِي أَدَاءِ أَعْمَالٍ يَعْسُرُ عَلَى أَغْلَبِ النَّاسِ فِعْلُهَا أَوْ فَهْمُ كَيفِيَّةِ حُصُولِهَا.\nجـ- سِحْرُ العُيُونِ: وَهَذَا كَثِيرٌ عِنْدَ الدَّجَّاليَنَ، فَهُوَ لَا يُدْخِلُ السَّيفَ -مَثَلًا- فِي جَسَدِهِ، لَكِنَّهُ يَسْحَرُ عُيُونَ المُشَاهِدِينَ وَيُمَرِّرُ السَّيفَ عَلَى جَانِبِهِ، وَيَراهُ النَّاسُ المَسْحُورُونَ مَرَّ فِي وَسَطِهِ، وَبَعْضُهُ يَكُونُ مِنَ القِسْمِ السَّابِقِ.\nد- اسْتِعْمَالُ المَوَادِّ الكِيمَاوِيَّةِ: وَهَذِهِ يُحْسِنُهَا مَنْ يُجِيدُ تَرْكِيبَ المَوَادِّ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ؛ فَتَنْتُجُ مَادَّةٌ تَمْنَعُ تَأْثِيرَ بَعْضِ المَوَادِّ، مِثْلُ مَا كَانَتْ تَصْنَعُ الطَّائِفَةُ الصُّوفِيَّةٌ الرِّفَاعِيَّةُ مِنْ إِيهَامِ النَّاسِ أَنَّهَا لَا يُؤَثِّرُ بِهِمُ النَّارُ! وَالحَقِيقَةُ أَنَّهُم يَدْهَنُونَ جُلُودَهُم بِبَعْضِ المَوَادِّ الَّتِي تَمْنَعُ تَأْثِيرَ النَّارِ فِيهِم، وَقَدْ تَحَدَّاهُم شَيخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيِمِيَّةَ ﵀ فِي أَنْ يَغْتَسِلُوا بِالمَاءِ السَّاخِنِ وَالخَلِّ قَبْلَ دُخُولِهِمُ النَّارَ؛ فَرَفَضُوا ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَشَفَ حِيلَتَهُم.\nوَمِنْهَا أَنْ يَأْتِيَ السَّاحِرُ بِحَمَامَةٍ فَيَخْنِقَهَا أَمَامَ المُشَاهِدِينَ ثُمَّ يَضْرِبَهَا بِيَدِهِ فَتَقُومَ وَتَطِيرَ! وَالحَقِيقَةُ: أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِهِ بِنْجٌ! فَأَشَمَّهَا إِيَّاهُ وأَوهَمَهُم أَنَّهُ خَنَقَهَا فَمَاتَتْ! ثُمَّ لَمَّا ضَرَبَهَا أَفَاقَتْ مِنَ البِنْجِ، وَغَيرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِمَّا يَفْعَلُهُ السَّحَرَةُ وَالمُشَعْوِذُونَ.","vol":"1","page":474},{"text":"٢ - سِحْرُ أَصْحَابِ الأَوهَامِ وَالنُّفُوسِ القَوِيَّةِ.\n٣ - الاسْتِعَانَةُ بِالأَرْوَاحِ الأَرْضِيَّةِ -وَهُمُ الجِنُّ- خِلَافًا لِلفَلَاسِفَةِ وَالمُعْتَزِلَةِ، وَهُم عَلَى قِسْمَينِ: مُؤْمِنُونَ، وَكُفَّارٌ -وَهُمُ الشَّيَاطِينُ-، وَهَذَا النَّوعُ يَحْصُلُ بِأَعْمَالٍ مِنَ الرُّقَى وَالدَّخَنِ، وَهَذَا النَّوعُ المُسَمَّى بِالعَزَائِمِ وَعَمَلِ تَسْخِيرٍ.\n٤ - التَّخَيُّلَاتُ وَالأَخْذُ بِالعُيُونِ وَالشَّعْبَذَةُ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أَنَّ سِحْرَ السَّحَرَةِ بَينَ يَدِي فِرْعَونَ إِنَّمَا كَانَ مِنْ بَابِ الشَّعْبَذَةِ (^١).\n٥ - الأَعْمَالُ العَجِيبَةُ الَّتِي تَظْهَرُ مِنْ تَرْكِيبِ الآلَاتِ المُرَكَّبَةِ.\n٦ - الاسْتِعَانَةُ بِخَوَاصِ الأَدْوِيَةِ؛ يَعْنِي فِي الأَطْعِمَةِ وَالدِّهَانَاتِ.\n٧ - تَعَلُّقُ القَلْبِ، وَهُوَ أَنْ يدَّعِي السَّاحِرُ أَنَّهُ عَرَفَ الاسْمَ الأعْظَمَ، وَأَنَّ الجِنَّ يُطِيعُونَهُ وَيَنْقَادُونَ لَهُ فِي أَكْثَرِ الأُمُورِ.\n٨ - السَّعيُ بِالنَّميمَةِ بِالتَّصْريفِ مِنْ وُجُوهٍ خَفِيَّةٍ لَطِيفَةٍ، وَذَلِكَ شَائِعٌ فِي النَّاسِ.\nوَإنَّمَا أُدْخِلَ كَثِيرٌ مِنْ هَذِهِ الأَنْوَاعِ المَذْكُورَةِ فِي فَنِّ السِّحْرِ لِلَطَافَةِ مَدَارِكِهَا، لِأَنَّ السِّحْرَ فِي اللُّغَةِ: عِبَارَةٌ عَمَّا لَطُفَ وَخَفِيَ سَبَبُهُ، ولِهَذَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ: «إنَّ مِنَ البيَانِ لَسِحْرًا» (^٢)، وَسُمِّيَ السُّحُورَ لِكَونِهِ يَقَعُ خَفِيًّا آخِرَ اللَّيلِ\" (^٣).\n_________\n(^١) قَالَ فِي تَاجِ العَرُوسِ (٩/ ٤٢٦): \"الشَّعْوَذَةُ: السُّرْعَةُ. وَقِيلَ: هِيَ الخِفَّةُ فِي كُلِّ أَمْرٍ\".\nوَقَالَ القُرْطُبِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٢/ ٤٤): \"وَالشَّعْوَذِيُّ: البَرِيد؛ لِخِفَّةِ سَيرِهِ\".\nقُلْتُ: وَسَيَأْتِي مَعَنَا رَدُّ قَولِ مَنْ قَالَ إِنَّ سِحْرَ قَومِ فِرْعَونَ كَانَ مِنْ بَابِ الشَّعْبَذَةِ لَا الحَقِيقَةِ! إِنْ شَاءَ اللهُ.\n(^٢) صَحِيحٌ. البُخَارِيُّ (٥٧٦٧) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا.\n(^٣) عُمْدَةُ القَارِي (١٤/ ٦١)، وَقَدْ اخْتَصَرَهَا ﵀ مِنَ الأَصْلِ، ونَقَلْتُهَا عَنْهُ لِكَونِهَا مُخْتَصَرَةً دَرْءًا لِلإِطَالَةِ.","vol":"1","page":475},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-196> الفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: حُكْمُ السِّحْرِ؛ أَنَّهُ كُفْرٌ (تَعَلُّمُه، وَالعَمَلُ بِهِ):</span>\n١ - مِنْ جِهَةِ التَّعَلُّمِ (^١): قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البَقَرَة: ١٠٢].\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (^٢): \"وَقَدْ اسْتَدَلَّ بَعْضُهُم بِهَذِهِ الآيَةِ عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ تَعَلَّمَ السِّحْرَ، وَيُسْتَشْهَدُ لَهُ بِالحَدِيثِ: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَو سَاحِرًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ». وَهُوَ صَحِيحٌ مَوقُوفٌ\" (^٣).\nوَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ: \"وَكَذَا قَولُهُ فِي الآيَةِ عَلَى لِسَانِ المَلَكَينِ: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُر﴾ فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ تَعَلُّمَ السِّحْرِ كُفْرٌ؛ فَيَكُونُ العَمَلُ بِهِ كُفْرًا\" (^٤).\n٢ - مِنْ جِهَةِ العَمَلِ: قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ فَالسِّحْرُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالكُفْرِ بِاللهِ تَعَالَى، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.\n_________\n(^١) أَي: تَعَلُّمُهُ لَيَعْمَلَ بِهِ، وَلَيسَ لِلاطِّلَاعِ عَلَيهِ! وَهَذَا لَا يَعْنِي طَبْعًا أَنَّ الأَخِيرَ جَائِزٌ، وَلَكِنَّهُ أَدْنَى مَنْزِلَةً مِنَ الأَوَّلِ.\n(^٢) (١/ ٣٦٣)\n(^٣) صَحِيحٌ. البزَّارُ (٥/ ٢٥٦) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوقُوفًا، صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (٣٠٤٨).\nقُلْتُ: وَلَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ كَمَا قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١٠/ ٢١٧): \"إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ بِالرَّأَي\".\n(^٤) فَتْحُ البَارِي (١٠/ ٢٢٥).\nوَقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (١٤/ ١٧٦): \"وَأَمَّا تَعَلُّمُهُ وَتَعْلِيمُهُ فَحَرَامٌ؛ فَإِنْ تَضَمَّنَ مَا يَقْتَضِي الكُفرَ كَفَرَ وَإِلَّا فَلَا\".\nقُلْتُ: وَقَولُهُ ﵀ جَارٍ عَلَى قَولِ الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي حُكْمِ السَّاحِرِ أَنَّ فِيهِ تَفْصِيلًا مِنْ جِهَةِ الكُفْرِ. وَسَيَأْتِي البَحْثُ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللهُ.","vol":"1","page":476},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-197> الفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: السِّحْرُ لَا يَضُرُّ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى.</span>\nإِنَّ تَعْلِيقَ أَثَرِ السِّحْرِ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى يُفِيدُ كَمَالَ التَّوَكُّلِ عَلِيهِ سُبْحَانَهُ، لِذَلِكَ فَالاسْتِعَاذَةُ بِاللهِ تَعَالَى وَالرُّقَى الشَّرْعِيَّةُ هِيَ سَبِيلُ التَّحَصُّنِ مِنَ الشَّيطَانِ وَأثَرِ السِّحْرِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا ﵊ أَنْ يَأْمُرَ قَومَهُ بِخَمْسٍ، مِنْهَا: «وَآمُرُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اللهَ؛ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ العَدُوُّ فِي أَثَرِهِ سِرَاعًا حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ، كَذَلِكَ العَبْدُ لَا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنَ الشَّيطَانِ إِلَّا بِذِكْرِ اللهِ» (^١).\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀: \"أَنْفَعُ مَا يُسْتَعْمَلُ لِإِذْهَابِ السِّحْرِ؛ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي إِذْهَابِ ذَلِكَ؛ وَهُمَا المُعَوِّذَتَانِ، وَفِي الحَدِيثِ: «لَمْ يَتَعَوَّذِ المُتَعَوِّذُ بِمِثْلِهِمَا» (^٢)، وَكَذَلِكَ قِرَاءَةُ الكُرْسِيِّ فَإِنَّهَا مَطْرِدَةٌ لِلشَّيطَانِ\" (^٣).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٨٦٣) عَنِ الحَارِثِ الأَشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٢٦٠٤).\n(^٢) صَحِيحٌ. النَّسائِيُّ (٥٤٣١) عَنْ عَقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الجُهنيِّ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ النَّسَائِيِّ (٥٤٣١).\n(^٣) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (١/ ٣٧٢).","vol":"1","page":477},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-198> الفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: ذِكْرُ شَيءٍ مِنْ أَعْرَاضِ السِّحْرِ وَالمَسِّ، وَعِلَاجُ ذَلِكَ </span>(^١):\nذَكَرَ أَهْلُ الخِبْرَةِ بِالرُّقَى أَعْرَاضًا لِلمَسِّ وَالسِّحْرِ.\nفَمِنْ عَلَامَاتِ المَسِّ مَا يَلِي:\n١ - الإِعْرَاضُ وَالنُّفورُ الشَّدِيدُ مِنْ سَمَاعِ الأَذَانِ أَوِ القُرْآنِ.\n٢ - الإغْمَاءُ أَوِ التَّشَنُّجُ أَوِ الصَّرَعُ وَالسُّقُوطُ حَالَ القِرَاءَةِ عَلَيهِ.\n٣ - كَثْرَةُ الرُّؤَى المُفْزِعَةِ.\n٤ - الوِحْدَةُ وَالعُزْلَةُ وَالتَّصَرُّفَاتُ الغَرِيبَةِ.\n٥ - قَدْ يَنْطِقُ الشَّيطَانُ الَّذِي تَلَبَّسَ بِهِ عِنْدَ القِرَاءَةِ.\n٦ - التَّخَبُّطُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البَقَرَة: ٢٧٥].\nوَأَمَّا السِّحْرُ فَمِنْ أَعْرَاضِهِ:\n١ - كُرْهُ المَسْحُورِ لِزَوجَتِهِ أَوِ المَسْحُورَةِ لِزَوجِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَينَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البَقَرَة: ١٠٢].\n٢ - اخْتِلَافُ حَالَتِهِ خَارِجَ البَيتِ عَنْ حَالَتِهِ دَاخِلَهُ اخْتِلَافًا كُلِّيًّا، فَيَشْتَاقُ إِلَى أَهْلِهِ وَبَيتِهِ فِي الخَارِجِ؛ فَإِذَا دَخَلَ كَرِهَهُم أَشَدَّ الكُرْهِ!\n٣ - عَدَمُ القُدْرَةِ عَلَى وِقَاعِ الزَّوجَةِ.\n٤ - تَوَالِي إِسْقَاطِ المَرْأَةِ الحَامِلِ بِاسْتِمْرَارٍ.\n_________\n(^١) مُسْتَفَادٌ مِنْ مَوقِعِ (الإِسْلَامُ سُؤَالٌ وَجَوَابٌ) عَلَى الشَّبَكَةِ العَنْكَبُوتِيَّةِ، فَتْوَى رَقَم (٢٤٠).","vol":"1","page":478},{"text":"٥ - التَّغَيُّرُ المُفَاجِئُ فِي التَّصَرُّفَاتِ دُونَ أَيِّ سَبَبٍ وَاضِحٍ.\n٦ - عَدَمُ اشْتِهَاءِ الطَّعَامِ بِالكُلِّيَّةِ.\n٧ - أَنْ يُخَيَّلَ إِلَيهِ أَنَّهُ فَعَلَ الشَّيءَ وَهُوَ لَمْ يَفْعَلْهُ.\n٨ - الطَّاعَةُ العَمْيَاءُ وَالمَحَبَّةُ المُفَاجِئَةُ وَالمُفْرِطَةُ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ.\nهَذَا وَيَجِبُ الانْتِبَاهُ إِلَى أَنَّ الأَعْرَاضَ المَذْكُورَةَ آنِفًا لَا يُشْتَرَطُ -عِنْدَ تَوَفِّرِ بَعْضِهَا- أَنْ يَكُونَ الشَّخْصُ مُصَابًا بِالسِّحْرِ أَوِ المَسِّ! فَقَدْ يَكُونُ بَعْضُهَا لِأَسْبَابٍ عُضْوِيَّةٍ أَو نَفْسِيَّةٍ أُخْرَى.\nأما عِلَاجُ السِّحْرِ وَالمَسِّ، فَيَكُونُ بِـ:\n١ - التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ، وَصِدْقِ اللُّجُوءِ إِلَيهِ.\n٢ - الرُّقَى وَالتَّعْوِيذَاتِ الشَّرْعيَّةِ.\nوَأَهَمُّهَا المُعَوِّذَتَانِ، وَهُمَا اللَّتَانِ شَفَى اللهُ بِهَا النَّبِيَّ ﷺ، وَمَا تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بِمِثْلِهِمَا قَطُّ، يُضَافُ إِلَيهِمَا قِرَاءَةُ سُورَةِ الإِخْلَاصِ، وَسُورَةِ الفَاتِحَةِ؛ فَإِنَّهَا رُقْيَةٌ نَاجِحَةٌ كَمَا ثَبَتَ.\n٣ - اسْتِخْرَاجِ السِّحْرِ -إنْ أَمْكَنَ- وَإتْلَافُهُ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا سَحَرَهُ لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ اليَهُودِيُّ.\n٤ - اسْتِعْمَالِ الأَدْوِيَةِ المُبَاحَةِ كَأَكْلِ سَبْعِ تَمَرَاتٍ مِنْ تَمْرِ العَاليَةِ (البَرْنِيِّ؛ مِنْ تُمُورِ المَدِينةِ النَّبَوِيَّةِ) عَلَى الرِّيقِ، وَإِذَا لَمْ يَجِدْ يَأْكُلُ مِنْ أَيِّ تَمْرٍ وَجَدَهُ؛ يَكُونُ نَافِعًا بِإِذْنِ اللهِ (^١).\n_________\n(^١) فِي الحَدِيثِ: «مَنْ تَصَبَّحَ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً؛ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ اليَومَ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ». البُخَارِيُّ (٥٧٦٩) عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ مَرْفُوعًا.","vol":"1","page":479},{"text":"٥ - الحِجَامَةِ.\n٦ - الدُّعَاءِ.\n\n-<span data-type='title' id=toc-199> الفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: وَسَائِلُ الاعْتِصَامِ مِن شَرِّ الشَّيطَانِ </span>(^١):\n١ - الاسْتِعَاذَةُ بِاللهِ مِن الشَّيطَانِ.\n٢ - قِراءَةُ المُعَوِّذَتَينِ (^٢).\n٣ - قِرَاءَةُ آيَةِ الكُرْسِيِّ.\n٤ - قِرَاءَةُ سُورَةِ البَقَرَةِ.\n٥ - قِرَاءَةُ خَاتِمَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ؛ فَفِي الحَدِيثِ: «مَنْ قَرَأَ بِالْآيَتَينِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي لَيلَةٍ كَفَتَاهُ» (^٣).\n٦ - قِرَاءَةُ \"لَا إِلَه َإِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ\" مِئَةَ مَرَّةٍ؛ فَقَد جَاءَ فِي وَصْفِهَا: «وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ» (^٤).\n٧ - كَثْرَةُ ذِكْرِ اللهِ؛ فَفِي الحَدِيثِ -فِي وَصِيَّةِ يَحيَى ﵇: «وَآمُرُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا\n_________\n(^١) بِاخْتِصَارٍ مِن بَدَائِعِ الفَوَائِدِ لِابْنِ القَيِّمِ ﵀ (٢/ ٢٦٧).\n(^٢) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَابِسٍ الْجُهَنِيَّ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «يَا ابْنَ عَابِسٍ؛ أَلَا أَدُلُّكَ -أَوْ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ- بِأَفْضَلِ مَا يَتَعَوَّذُ بِهِ الْمُتَعَوِّذُونَ؟» قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ وَ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ هَاتَينِ السُّورَتَينِ». صَحِيحٌ. النَّسَائِيُّ (٥٤٣٢). صَحِيحُ الجَامِعِ (٧٨٣٩).\n(^٣) صَحِيحُ البُخَارِيِّ (٥٠٠٩) مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا.\n(^٤) صَحِيحُ البُخَارِيِّ (٣٢٩٣) مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.","vol":"1","page":480},{"text":"اللهَ؛ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ العَدُوُّ فِي أَثَرِهِ سِرَاعًا، حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ، كَذَلِكَ العَبْدُ لَا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنَ الشَّيطَانِ إِلَّا بِذِكْرِ اللهِ» (^١).\n٨ - إِمْسَاكُ فُضُولِ النَّظَرِ وَالكَلَامِ وَالطَّعَامِ وَمُخَالَطَةِ النَّاسِ؛ فَإِنَّ الشَّيطَانَ إِنَّمَا يَتَسَلَّطُ عَلَى ابْنِ آدَمَ وَيَنَالُ مِنْهُ غَرَضَهُ مِن هَذِهِ الأَبْوَابِ الأَرْبَعَةِ.\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٨٦٣) عَنِ الحَارِثِ الأَشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٢٦٠٤).","vol":"1","page":481},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-200> الفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: وَسَائِلُ دَفْعِ شَرِّ الحَاسِدِ </span>(^١):\n١ - التَّعَوُّذُ بِاللهِ تَعَالَى مِن شَرِّهِ، وَاللُّجُوءُ وَالتَّحَصُّنُ بِهِ، وَاللُّجُوءُ إِلَيهِ.\n٢ - تَقْوَى اللهِ وَحِفْظُهُ عِنْدَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، فَمَنِ اتَّقَى اللهَ تَوَلَّى اللهُ حِفْظَهُ وَلَمْ يَكِلْهُ إِلَى غَيرِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيدُهُمْ شَيئًا﴾ [آل عِمْرَان: ١٢٠]، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ: «احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدُهُ تُجَاهَكَ» (^٢).\n٣ - الصَّبْرُ عَلَى عَدُوِّهِ، وَأَنْ لَا يُقَاتِلَهُ وَلَا يَشْكُوهُ وَلَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِأَذَاهُ أَصْلًا؛ فَمَا نُصِرَ عَلَى حَاسِدِهِ وَعَدُوِّهِ بِمِثْلِ الصَّبْرِ عَلَيهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ.\n٤ - التَّوَكُّلُ عَلَى اللهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطَّلَاقُ: ٣].\n٥ - فَرَاغُ القَلْبِ مِنَ الاشْتِغَالِ بِهِ وَالفِكْرِ فِيهِ، وَأَنْ يَقْصِدَ أَنْ يَمْحُوهُ مِن بَالِهِ كُلَّمَا خَطَرَ لَهُ فَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيهِ وَلَا يَخَافُهُ وَلَا يَمْلَأُ قَلْبَهُ بِالفِكْرِ فِيهِ.\n٦ - الإِقْبَالُ عَلَى اللهِ، وَالإِخْلَاصُ لَهُ، قَالَ تَعَالَى -حِكَايَةً عَن عَدُوِّهِ إِبْلِيسَ- أَنَّهُ قَالَ: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣].\n٧ - تَجْرِيدُ التَّوبَةِ إِلَى اللهِ مِن الذُّنُوبِ الَّتِي سَلَّطَتْ عَلَيهِ أَعْدَاءَهُ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيدِيكُمْ﴾ [الشُّورَى: ٣٠].\n٨ - الصَّدَقَةُ وَالإِحْسَانُ مَا أَمْكَنَهُ.\n_________\n(^١) بِاخْتِصَارٍ مِن بَدَائِعِ الفَوَائِدِ لِابْنِ القَيِّمِ ﵀ (٢/ ٢٣٨).\n(^٢) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٨٠٣)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٢٥١٦). صَحِيحُ التِّرْمِذِيِّ (٢٥١٦).","vol":"1","page":482},{"text":"٩ - إِطْفَاءُ نَارِ الحَاسِدِ وَالبَاغِي وَالمُؤْذِي بِالإِحْسَانِ إِلَيهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَينَكَ وَبَينَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فُصِّلَت: ٣٤].\n١٠ - تَجْرِيدُ التَّوحِيدِ، وَالتَّرَحُّلُ بِالفِكْرِ فِي الأَسْبَابِ إِلَى المُسَبِّبِ العَزِيزِ الحَكِيمِ، وَالعِلْمُ بِأَنَّ هَذِهِ آلَاتٌ بِمَنْزِلَةِ حَرَكَاتِ الرِّيَاحِ وَهِيَ بِيَدِ مُحَرِّكِهَا وَفَاطِرِهَا وَبَارِئِهَا، وَلَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ إِلَّا بِإِذْنِهِ.","vol":"1","page":483},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-201> الفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: السِّحْرُ لَا يُغَيِّرُ الأَعْيَانَ.</span>\nمِمَّا تَجْدُرُ الإِشَارَةُ إِلَيهِ أَنَّ \"السِّحْرَ لَهُ تَأثِيرٌ فِي التَّقْلِيبِ مِنَ الصِّحَّةِ إِلَى المَرَضِ، وَبِالعَكْسِ. أَمَّا فِي قَلْبِ المَاهِيَّةِ؛ فَلَا، وَمَا يُتَرَاءَى فِيهِ مِنْ قَلْبِ المَاهِيَّةِ لَا يَكُونُ فِيهِ إِلَّا التَّخْيِيلُ الصِّرْفُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]، فَلَمْ تَنْقَلِبِ الحِبَالُ إِلَى حَيَّاتٍ! وَلَكِنْ خُيِّلَ إِلَيهِ أَنَّهَا انْقَلَبَتْ\" (^١).\nوَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأَنْعَام: ٧]، وَوَجْهُ الدِّلَالَةِ: أَنَّهُ \"عَلَّقَهُ بِاللَّمْسِ بِاليَدِ إِبْعَادًا لَهُ عَنِ السِّحْرِ، لِأَنَّ السِّحْرَ يَتَخَيَّلُ فِي المَرْئِيَّاتِ دُونَ المَلْمُوسَاتِ. وَمَعْنَى الآيَةِ أَنَّهُم يَدْفَعُونَ الصَّحِيحَ\" (^٢) يَعْنِي: يَرُدُّونَ مَا هُوَ حَقِيقِيٌّ لَيسَ بِوَهْمٍ وَلَا تَخْييلٍ!\n_________\n(^١) فَيضُ البَارِي عَلَى صَحِيحِ البُخَارِيّ لِلْكَشْمِيري (٤/ ٢٩٣).\n(^٢) زَادُ المَسِيرِ لِابْنِ الجَوزِيِّ (٢/ ١١).","vol":"1","page":484},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-203> المَسْأَلَةُ الأُولَى: هَلْ يُقْتَلُ السَّاحِرُ؟</span>\nالجَوَابُ: فِيهَا عِدَّةُ أَقْوَالٍ:\n١ - يُقْتَلُ مُطْلَقًا رِدَّةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالشِّرْكِ.\n٢ - يُقْتَلُ رِدَّةً إِذَا كَانَ بِشِرْكٍ، وَحَدًّا إِذَا قَتَلَ غَيرَهُ بِدُونِ شِرْكٍ، كَاسْتِعْمَالِ المَوَادِّ المُمْرِضَةِ.\n٣ - قَولُ شَيخِ الإِسْلَامِ؛ بِأَنَّهُ كَالزِّنْدِيقِ؛ يُتْرَكُ أَمْرُهُ إِلَى الإِمَامِ بِحَسْبِ مَا يَرَاهُ، إِنْ رَأَى المَصْلَحَةَ الشَّرْعِيَّةَ فِي قَتْلِهِ؛ قَتَلَهُ.\nوَالأَرْجَحُ أَنَّ مَنْ خَرَجَ بِهِ السِّحْرُ إِلَى الكُفْرِ فَقَتْلُهُ قَتْلُ رِدَّةٍ، ومَنْ لَمْ يَخْرُجْ بِهِ السِّحْرُ إِلَى الكُفْرِ فَقَتْلُهُ هُوَ مِنْ بَابِ دَفْعِ الصَّائِلِ؛ وَحَيثُ رَأَى الإِمَامُ المَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ.\nوَيَدُلُّ عَلَى عَدَمِ التَّفْرِيقِ عُمُومُ أَمْرِ عُمَرَ لِلأُمَرَاءِ بِالقَتْلِ (^١)، وَقَولُ جُنْدُبٍ وفِعْلُهُ، وَإِقْرَارُ سَلْمَانَ (^٢)، وَكَذَا فِعْلُ حَفْصَةَ ﵃. وَقَدْ سَبَقَ فِي البَابِ المَاضِي بَيَانُ ذَلِكَ.\nقَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: \"وَالحَاصِلُ: أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ تُقْتَلَ السَّحَرَةُ -سَوَاءً قُلْنَا بِكُفْرِهِم أَمْ لَمْ نَقُلْ-، لِأَنَّهُم يُمْرِضُونَ وَيَقْتُلُونَ ويُفَرِّقُونَ بَينَ المَرْءِ وَزَوجِهِ، وَكَذَلِكَ بِالعَكْسِ، فَقَدْ يَعْطِفُونَ فَيُؤَلِّفُونَ بَينَ الأَعْدَاءِ، وَيَتَوَصَّلُونَ إِلَى أَغْرَاضِهِم، فَإِنَّ\n_________\n(^١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ١٢٥) -عِنْدَ شَرْحِ حَدِيثِ اِتِّبَاعِ سُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنَ الأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ (رَقَم ٢٨) -: \"وَبِكُلِّ حَالٍ، فَمَا جَمَعَ عُمَرُ عَلَيهِ الصَّحَابَةَ؛ فَاجْتَمَعُوا عَلَيهِ فِي عَصْرِهِ؛ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ الحَقُّ، وَلَو خَالَفَ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْ خَالَفَ\".\n(^٢) قُلْتُ: وَقَدْ كَانَ مَوضِعُ إِنْكَارِهِ عَلَى جُنْدُبٍ هُوَ الافْتِئَاتُ عَلَى الأَمِيرِ وَمُبَاشَرَةُ الحَدِّ بِيَدِهِ. وَاللهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":485},{"text":"بَعْضَهُم قَدْ يَسْحَرُ أَحَدًا لِيَعْطِفَهُ إِلَيهِ وَيَنَالَ مآرِبَهُ مِنْهُ، كَمَا لَو سَحَرَ امْرَأَةً لِيَبْغِي بِهَا! وَلِأَنَّهُم كَانُوا يَسْعَونَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا؛ فَكَانَ وَاجِبًا عَلَى وَلِيِّ الأَمْرِ قَتْلُهُم بِدُونِ اسْتِتَابَةٍ مَادَامَ أَنَّهُ لِدَفْعِ ضَرَرِهِم وَفَظَاعَةِ أَمْرِهِم، فَإِنَّ الحَدَّ لَا يُسْتَتَابُ صَاحِبُهُ؛ مَتَى قُبِضَ عَلَيهِ وَجَبَ أَنْ يُنْفِذَ فِيهِ الحَدَّ، وَالقَولُ بِقَتْلِهِم مُوَافِقٌ لِلقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ لِأَنَّهُم يَسْعَونَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا، وَفَسَادُهُم مِنْ أَعْظَمِ الفَسَادِ، فَقَتْلُهُم وَاجِبٌ عَلَى الإِمَامِ، وَلَا يَجُوزُ لِلإمَامِ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْ قَتْلِهِم، لِأَنَّ مِثْلَ هَؤُلَاءِ إِذَا تُرِكُوا وَشَأْنَهُم انْتَشَرَ فَسَادُهُم فِي أَرْضِهِم وَفِي أَرْضِ غَيرِهِم، وَإِذَا قُتِلُوا سَلِمَ النَّاسُ مِنْ شَرِّهِم، وَارْتَدَعَ النَّاسُ عَنْ تَعَاطِي السِّحْرِ\" (^١).\n_________\n(^١) القَولُ المُفِيدُ (١/ ٥٠٩).","vol":"1","page":486},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-204> المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: احْتَجَّ بَعْضُهُم عَلَى عَدَمِ قَتْلِ السَّاحِرِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَقْتُلْ مَنْ سَحَرَهُ!</span> فَمَا الجَوَابُ؟\nالجَوَابُ:\nقَدْ تَقَدَّمَ عَمَلُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَتْلِ السَّاحِرِ، وَلَكِنَّ سَبَبَ عَدَمِ القَتْلِ هُنَا -أَي مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لِمَنْ سَحَرَهُ- هُوَ مِنْ أَوجُهٍ:\nأ- أَنَّ سَاحِرَ أَهْلِ الكِتَابِ مُسْتَثْنًى مِنَ القَتْلِ، لِأَنَّ الأَصْلَ أَنَّهُ كَافِرٌ، وَأَمَّا السَّاحِرُ الَّذِي أَصْلُهُ مُسْلِمٌ؛ فَهُوَ مُرْتَدٌّ مُبَدِّلٌ لِدِينِهِ.\nوَفِي الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ الله إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبِ الزَّانِي، وَالنَّفْسِ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكِ لِدِينِهِ المُفَارِقِ لِلْجَمَاعَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^١) (^٢).\nب- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُرِدْ قَتْلَهُ دَرْءًا لِلفِتْنَةِ، كَمَا فِي نَفْسِ الحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، وَفِيهِ: فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللهِ؛ أَفَلَا أَحْرَقْتَهُ! قَالَ: «لَا، أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَافَانِي اللهُ وَكَرِهْتُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا»، فَأَمَرْتُ بِهَا فَدُفِنَتْ (^٣) (^٤).\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٦٨٦٧)، وَمُسْلِمٌ (١٦٧٦).\n(^٢) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (٦/ ٢٧٧) -تَعْلِيقًا عَلَى تَبْوِيبِ البُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: بَابُ هَلْ يُعْفَى عَنِ الذِّمِيِّ إِذَا سَحَرَ-: \"قَالَ ابْنُ بَطَّال: لَا يُقْتَلُ سَاحِرُ أَهْلِ العَهْدِ لَكِنْ يُعَاقَبُ، إِلَّا إِنْ قَتَلَ بِسِحْرِهِ فَيُقْتَلُ، أَو أَحْدَثَ حَدَثًا فَيُؤْخَذُ بِهِ، وَهُوَ قَولُ الجُمْهُورِ. وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ أَدْخَلَ بِسِحْرِهِ ضَرَرًا عَلَى مُسْلِمٍ؛ نُقِضَ عَهْدُهُ بِذَلِكَ\".\nوَقَالَ العَينِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ عُمْدَةُ القَارِي (١٤/ ٦٣): \"وَأَمَّا سَاحِرُ أَهْلِ الكِتَابِ؛ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا يُقْتَلُ السَّاحِرُ المُسْلِمُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكُ وَأَحْمَدُ: لَا يُقْتَلُ لِقِصَّةِ لَبِيدِ بْنِ أَعْصَمٍ\".\n(^٣) وَهُوَ لَفْظٌ لِمُسْلِمٍ (٢١٨٩).\n(^٤) اعْلَمْ أَنَّ أَلْفَاظَ هَذَا الحَدِيثِ فِي شَأْنِ اسْتِخْرَاجِ السِّحْرِ وَقَتْلِ السَّاحِرِ مُتَنَوِّعَةٌ مُتَبَايِنَةٌ، وَلَمْ أَجِدْ مَا يَرْوِي\n=","vol":"1","page":487},{"text":"جـ- أَنَّ هَذَا حَقٌّ لِلنَّبيِّ ﷺ؛ وَقَدْ عَفَا عَمَّن سَحَرَهُ.\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: \"وَإنَّمَا لَمْ يَقْتُلِ النَّبِيُّ ﷺ لَبِيدَ بْنَ الأَعْصَمِ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ، وَلِأَنَّهُ خَشِيَ إِذَا قَتَلَهُ أَنْ تَثُورَ بِذَلِكَ فِتْنَةٌ بَينَ المُسْلِمِينَ وَبَينَ حُلَفَائِهِ مِنَ الأَنْصَارِ، وَهُوَ مِنْ نَمَطِ مَا رَاعَاهُ مِنْ تَرْكِ قَتْلِ المُنَافِقِينَ سَوَاءً كَانَ لَبِيدُ يَهُودِيًّا أَو مُنًافِقًا عَلَى مَا مَضَى مِنَ الاخْتِلَافِ فِيهِ\" (^١).\n_________\n=\nالغَلِيلَ إِلَّا مَا وَجَّهَهُ ابْنُ الجَوزِيِّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (كَشْفُ المُشْكِلِ مِنْ حَدِيثِ الصَّحِيحَين) (٤/ ٣٤١)، فَقَالَ ﵀: \"وَقَولُهَا: أَفَأَخْرَجْتَهُ؟ وَفِي لَفْظٍ: فَهَلَّا أَحْرَقْتَهُ؟ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الَّذِي سُحِرَ فِيهِ، إِلَّا أَنَّا قَدْ رَوَينَاهُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ وَفِيهِ: قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا تَأْخُذُ الخَبِيثَ فَتَقْتُلُهُ؟ فَقَالَ: «أَمَّا أَنَا فَقَدْ شَفَانيَ اللهُ؛ وَأَكْرَهُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا»، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الإِشَارَةَ إِلَى اليَهُودِيِّ السَّاحِرِ! وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا لِلسَّاحِرِ وَذَلِكَ لِلسِّحْرِ\".\nقُلْتُ: وَلَا سِيَّمَا أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ اسْتَخْرَجَ السِّحَرَ أَصْلًا وَحَلَّهُ، كَمَا فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ (١٩٢٦٧)، وَالنَّسائيِّ فِي الكُبْرَى (٣٥٢٩) عَنْ زَيدِ بْنِ أَرْقَمٍ بِلَفْظِ: (فَاسْتَخْرَجَهَا، فَجَاءَ بِهَا فَحَلَّلَهَا). وَأَورَدَهُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الصَّحِيحَةِ (٢٧٦١) بِلَفْظِ: (فَأَمَرَهُ أَنْ يَحُلَّ العُقَدَ -أَي: لِعَليٍّ-).\n(^١) فَتْحُ البَارِي (١٠/ ٢٣٦).","vol":"1","page":488},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-205> المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أَورَدَ بَعْضُهُم شُبْهَةً فِي شَأْنِ قَاتِلِ النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ (^١)؛ فَقَالُوا: إِنَّهُ خَالِدٌ فِي النَّارِ -وَهُوَ كَافِرٌ تَبَعًا لِذَلِكَ</span>-! قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النِّسَاء: ٩٣] (^٢)، فَهَلْ يَصِحُّ هَذَا؟\nالجَوَابُ: لَا يَصِحُّ، وَذَلِكَ مِنْ أَوجُهٍ (^٣):\nأ- أَنَّ المُرَادَ بِالخُلُودِ هُوَ لِمُسْتَحِلِّ ذَلِكَ، وَالمُسْتَحِلُّ كَافِرٌ إِجْمَاعًا، وَتَبَعًا لِذَلِكَ هُوَ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي مَعْنَى قَولِهِ: ﴿مُتَعَمِّدًا﴾ (أَي: مُسْتَحِلًّا لِقَتْلِهِ) (^٤) (^٥).\n_________\n(^١) وَلِتَمَامِ الفَائِدَةِ انْظُرْ شَرْحَ (بَابِ مَا جَاءَ فِي التَّنْجِيمِ) مِنْ كِتَابِنَا هَذَا وَمَا فِيهِ مِنَ الكَلَامِ عَلَى نُصُوصِ الوَعِيدِ، وَفِي ظَاهِرِ هَذِهِ النُّصُوصِ إِشْكَالٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يُفهَمُ مِنْهَا الكُفْرُ المُخْرِجُ مِنَ المِلَّةِ؛ وَأَنَّ صَاحِبَهَا خَالِدٌ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ!\n(^٢) وَبِمَعْنَاهَا عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا: «كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللهُ أَنْ يَغْفِرَهُ إِلَاّ مَنْ مَاتَ مُشْرِكَا أَو قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا» صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٢٧٠). صَحِيحُ الجَامِعِ (٤٥٢٤).\n(^٣) وَهِيَ أَوجَهُهَا. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.\n(^٤) أَورَدَهُ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي التَّفْسِيرِ (٥/ ٣٣٤).\n(^٥) قُلْتُ: وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ (٤٢٧٠) عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مَرْفُوعًا: «مَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا فَاعْتَبَطَ بِقَتْلِهِ؛ لَمْ يَقْبَلِ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا». صَحِيحٌ. صَحِيحُ الجَامِعِ (٦٤٥٤).\nقَالَ فِي لِسَانِ العَرَبِ (٧/ ٣٤٨): \"وفِي الحَدِيثِ: «مَن قَتَلَ مُؤْمِنًا فَاعْتَبَطَ بقتْلِه؛ لَمْ يَقْبَلِ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا»؛ هَكَذَا جَاءَ الحَدِيثُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ الحَدِيثِ: قَالَ خَالِدُ بْنُ دَهْقَان -وَهُوَ رَاوِي الحَدِيثِ-: سَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ يَحْيَى الغَسَّانِيِّ عَنْ قَولِهِ: «اِعْتبَطَ بِقَتْلِهِ»، قَالَ: الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي الفِتْنَةِ؛ فَيَرَى أَنَّهُ عَلَى هُدَى؛ لَا يَسْتَغْفِرُ اللهَ مِنْهُ.\nقَالَ ابْنُ الأَثِيرِ: وَهَذَا التَّفْسِيرُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الغِبْطةِ -بِالغَينِ المُعْجَمَةِ- وَهِيَ الفَرَحُ وَالسُّرُورُ وَحُسْنُ الحَالِ، لِأَنَّ القَاتِلَ يَفْرَحُ بِقَتْل خَصْمِهِ، فَإِذَا كَانَ المَقْتُولُ مُؤْمِنًا وَفَرِحَ بِقَتْلِهِ دَخَلَ فِي هَذَا الوَعِيدِ.\nوَقَالَ الخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ -وَشَرَحَ هَذَا الحَدِيثَ- فَقَالَ: اعْتَبَطَ قَتْلَهُ، أَي: قَتَله ظُلْمًا لَا عَنْ قِصَاصٍ\".","vol":"1","page":489},{"text":"ب- أَنَّ الجَزاءَ فِي الآيَاتِ لَيسَ المَقْصُودُ وُقُوعَهُ؛ وَإنَّمَا الإِخْبَارُ عَنِ اسْتِحْقَاقِهِ لَهُ، فَهُوَ وَعِيدٌ وَلَيسَ بِوَعْدٍ (^١).\nقَالَ صَاحِبُ كِتَابِ (عَونُ المَعْبُودِ) (^٢): \"جُمْهُورُ السَّلَفِ وَجَمِيعُ أَهْلِ السُّنَّةِ حَمَلُوا مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى التَّغْلِيظِ، وَصَحَّحُوا تَوبَةَ القَاتِلِ كَغَيرِهِ، وَقَالُوا مَعْنَى قَولِهِ: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ أَي: إِنْ شَاءَ أَنْ يُجَازِيَهُ تَمَسُّكًا بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ \" (^٣).\nوَقَالَ أَبُو مِجْلَز: (هِيَ جَزَاؤُهُ؛ فَإِنْ شَاءَ اللهُ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنْهُ فَعَلَ) (^٤).\nج- أَنَّ هَذِهِ النُّصُوصَ مَخَصُوصَةٌ بِالنُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى العَفْوِ بِمَشِيئَةِ اللهِ وَبِالتَّوبَةِ وَبِأَحَادِيثِ الشَّفَاعَةِ الدَّالَّةِ عَلَى إِخْرَاجِ المُوَحِّدَينَ مِنَ النَّارِ، كَمَا قَالَ\n_________\n(^١) كَمَا فِي الحَدِيثِ: «مَنْ وَعَدَهُ اللهُ ﷿ عَلَى عَمَلٍ ثَوَابًا؛ فَهُوَ مُنْجِزُهُ لَهُ، وَمَنْ وَعَدَهُ عَلَى عَمَلٍ عِقَابًا؛ فَهُوَ فِيهِ بِالخِيَارِ». صَحِيحٌ. أَبُو يَعْلَى (٣٣١٦) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٢٤٦٣).\n(^٢) هُوَ مُحَمَّدُ؛ شَمْسُ الحَقِّ؛ العَظِيمُ آبَادِي؛ أَبُو الطَّيِّبِ، (ت ١٣٢٩ هـ).\n(^٣) عَونُ المَعْبُودِ (١١/ ٢٣٦).\nوَقَالَ أَيضًا ﵀: \"وَمِنَ الحُجَّةِ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ الإِسْرَائِيلِيِّ الَّذِي قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا؛ ثُمَّ أَتَى تَمَامَ المِائَةِ إِلَى الرَّاهِبِ، فَقَالَ: لَا تَوبَة لَكَ؛ فَقَتَلَهُ فَأَكْمَلَ بِهِ مِائَةَ، ثُمَّ جَاءَ آخَرَ فَقَالَ لَهُ: وَمَنْ يَحُول بَينك وَبَين التَّوبَةِ. الحَدِيث. وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ لِمَنْ قَبْلَ هَذِهِ الأُمَّةِ؛ فَمِثْلُهُ لَهُمْ أَولَى لِمَا خَفَّفَ الله عَنْهُمْ مِنَ الأَثْقَالِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى مَنْ قَبْلَهُم\".\n(^٤) حَسَنٌ مَقْطُوعٌ. سُنَنُ أَبِي دَاوُدَ (٤٢٧٦). صَحِيحُ أَبِي دَاوُدَ (٤٢٧٦).\nوَأَبُو مِجْلَزٍ: هُوَ لَاحِقُ بْنُ حُمَيدٍ السَّدُوسِيُّ، تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ، (ت ١١٠ هـ). اُنْظُرْ (تَقْرِيبُ التَّهْذِيبِ) (١/ ٥٨٦).","vol":"1","page":490},{"text":"تَعَالَى: ﴿اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النِّسَاء: ٤٨].\nوَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا: «يَضْحَكُ اللهُ إِلَى رَجُلَينِ؛ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ يَدْخُلَانِ الجنَّةَ! يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ عَلَى القَاتِلِ فَيُسْتَشْهَدُ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^١).\nوَالشَّاهِدُ مِنَ الحَدِيثِ كَونُهُ نَفَعَهُ عَمَلُهُ الصَّالِحُ؛ فَتَجَاوَزَ اللهُ بِهِ عَنْ ذَلِكَ القَتْلِ.\nد- أَنَّ الخُلُودَ هُنَا لَيسَ عَلَى بَابِهِ، وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ طُولُ البَقَاءِ.\nقَالَ الإِمَامُ القُرْطُبِيُّ ﵀: \"وَالخُلُودُ: البَقَاءُ، وَمِنْهُ جَنَّةُ الخُلْدِ، وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ مَجَازًا فِيمَا يَطُولُ، وَمِنْهُ قَولُهُمْ فِي الدُّعَاءِ: خَلَّدَ اللهُ مُلْكَهُ، أَي: طَوَّلَهُ.\nقَالَ زُهَيرٌ: أَلَا لَا أَرَى عَلَى الحَوَادِثِ بَاقِيًا … وَلَا خَالِدًا إِلَّا الجِبَالَ الرَّوَاسِيَا\" (^٢).\nقُلْتُ: وَقَدْ عُلِمَ يَقِينًا زَوَالُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا عِنْدَ قِيَامِ السَّاعَةِ؛ وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَنْسِفُ الجِبَالَ فَلَا تَبْقَى.\nهـ- وَيُمْكِنُ أَيضًا الجَوَابُ بِمِثْلِ مَا قالَه السِّنْدِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ النَّسَائِيِّ: \"وَكَأَنَّ المُرَادَ: كُلُّ ذَنْبٍ تُرْجَى مَغْفِرَتُهُ ابْتِدَاءً إِلَّا قَتْلَ المُؤْمِنِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُغْفَرُ بِلَا سَبْقِ عُقُوبَةٍ، وَإلَّا الكُفْرَ؛ فَإِنَّه لَا يُغْفَرُ أَصْلًا\" (^٣).\n_________\n(^١) أَورَدَهُ البُخَارِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِهِ (٢٨٢٦) -بَابُ: الكَافِرُ يَقْتُلُ المُسْلِمَ ثُمَّ يُسْلِمُ فَيُسَدِّدُ أَو يُقْتَلُ-، وَمُسْلِمٌ (١٨٩٠).\n(^٢) تَفْسِيرُ القُرْطُبِيِّ (١/ ٢٤١).\n(^٣) شَرْحُ النَّسَائِيِّ لِلْسِنْدِيِّ (٧/ ٨١).","vol":"1","page":491},{"text":"- مُنَاقَشَةٌ أُوْلَى: فِي تَحْقِيقِ مَسْأَلَةِ أَلْفَاظِ الخُلُودِ لِغَيرِ أَصْحَابِ الكُفْرِ الأَكْبَرِ.\nقَالَ الشَّيخُ صَالِحُ آلِ الشَّيخِ حَفِظَهُ اللهُ: \"الخُلُودُ فِي القُرْآنِ نَوعَانِ: خُلُودٌ أَبَدِيٌّ، وَخُلُودٌ أَمَدِيٌّ.\nالخُلُودُ فِي اللُّغَةِ -وَاسْتِعْمَالُ القُرْآنِ عَلَى ذَلِكَ-: أَنَّ الخُلُودَ مَعْنَاهُ المُكْثُ الطَّوِيلُ، إِذَا مَكَثَ طَوِيلًا قِيلَ لَهُ: خَالِدٌ، وَلِذَلِكَ العَرَبُ تُسَمِّي أَولَادَهَا خَالِدًا تَفَاؤُلًا بِطُولِ المُكْثِ؛ بِطُولِ العُمُرِ، سَمَّوهُ خَالِدًا، يَعْنِي أَنَّهُ سَيُعَمِّرُ عُمْرًا طَوِيلًا، وَلَيسَ مَعْنَى الخُلُودِ يَعْنِي أَنَّهُ خُلُودٌ لَيسَ مَعَهُ اِنْقِطَاع!، وَإِنَّمَا هَذَا يُمَيَّزُ بِالأَبَدِيَّةِ، لِهَذَا فِي الآيَاتِ ثَمَّ آيَاتٌ فِيهَا ﴿أَبَدًا﴾ وَثَمَّ آيَاتٌ لَيسَ فِيهَا الأَبَدِيَّةُ، فَلَمَّا جَاءَ فِي القَتْلِ قَالَ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النِّسَاء: ٩٣] أَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ الخُلُودَ فِي هَذِهِ الآيَةِ لَيسَ أَبَدِيًّا لِأَنَّ مُرْتَكِبَ الكَبِيرَةِ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ بِتَوحِيدِهِ\" (^١).\nوَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ ﵀ -فِي ذِكْرِ إِشْكَالٍ وَجَوَابِهِ-: \"فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَ آدَمُ ﵇ قَدْ عَلِمَ أَنَّ لَهُ عُمُرًا مُقَدَّرًا وَأَجَلًا يَنْتَهِي إِلَيهِ وَأَنَّهُ لَيسَ مِنَ الخَالِدِينَ؛ فَكَيفَ لَمْ يَعْلَمْ كَذِبَ إِبْلِيسَ فِي قَولِهِ: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ [طه: ١٢٠] وقوله: ﴿أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠]؟\nفَالجَوَابُ مِنْ وَجْهَينِ:\nأَحَدِهِمَا: أَنَّ الخُلْدَ لَا يَسْتَلْزِمُ الدَّوَامَ وَالبَقَاءَ؛ بَلْ هُوَ المُكْثُ الطَّوِيلُ -كَمَا سَيَأْتِي-.\n_________\n(^١) شَرْحُ العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ، شَرِيط رَقَم (٢٨).","vol":"1","page":492},{"text":"الثَّانِي: أَنَّ إِبْلِيسَ لَمَّا حَلَفَ لَهُ وَغَرَّهُ وَأَطْمَعَهُ فِي الخُلُودِ؛ نَسِيَ مَا قُدِّرَ لَهُ مِنْ عُمُرِهِ\" (^١).\nقُلْتُ: إلَّا أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ (٥٧٧٨) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ؛ فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا» فَفِيهِ ذِكْرُ الأَبَدِيَّةِ عَلَى الانْتِحَارِ!!\nوَلَكِنْ يُجَابُ عَنْهُ -زِيَادَةً عَلَى كَونِ الخُلُودِ هُنَا يُقْصَدُ بِهِ المُكْثُ الطَّوِيلُ- بِأَحَدِ أُمُورٍ:\n١ - أَنَّهُ يُقْصَدُ بِهِ المُسْتَحِلُّ، وَذَلِكَ جَمْعًا بَينَ صَرَاحَةِ هَذَا اللَّفْظِ وَبَينَ النُّصُوصِ الَّتِي تَجْعَلُ عَامَّةَ الذُّنُوبِ الَّتِي دُونَ الشِّرْكِ هِي تَحْتَ المَشِيئَةِ.\nوَذَهَبَ إِلَى هَذَا التَّفْصِيلِ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، مِنْهُمُ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَغَيرُهُ (^٢)، وَحَكَاهُ الإِمَامُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ وَجْهًا وَاحِدًا فِي الجَوَابِ عَنِ الإِشْكَالِ فِي الحَدِيثِ (^٣).\n٢ - أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ غَيرُ مَحْفُوظٍ؛ وَأَنَّ المَحْفُوظَ هُوَ بِدُونِ ذِكْرِ الخُلُودِ وَالتَّأْبِيدِ.\nوَذَهَبَ إِلَى هَذَا التِّرْمِذِيُّ ﵀ فِي سُنَنِهِ، وَقَالَ: \"وَهَذَا أَصَحُّ، لأَنَّ الرِّوَايَاتِ إِنَّمَا تَجِيءُ بِأَنَّ أَهْلَ التَّوحِيدِ يُعَذَّبُونَ فِي النَّارِ ثُمَّ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّهُمْ يُخَلَّدُونَ فِيهَا\"! (^٤)\n_________\n(^١) حَادِي الأَرْوَاحِ (١/ ٣٦).\n(^٢) شَرْحُ مُسْلِمٍ لِلْنَّوَوِيِّ (٢/ ١٢٥).\n(^٣) أَشْرِطَةُ فَتَاوَى سِلْسِلَةِ الهُدَى وَالنُّورِ (شَرِيط رَقَم ٣٠٠).\n(^٤) سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ (٣/ ٤٥٥)، وَبِمِثْلِهِ أَيضًا ابْنُ الجَوزِيِّ ﵀ فِي كَشْفِ المُشْكِلِ (٣/ ٤٥٣)، وَنَقَلَهُ\n=","vol":"1","page":493},{"text":"٣ - أَنَّ مُرَادَ الحَدِيثِ أَنَّ فِعْلَهُ هَذَا أَبَدِيٌّ مَا دَامَ فِي جَهَنَّمَ؛ لَا أَنَّ قِيَامَهُ فِي جَهَنَّمَ أَبَدِيٌّ! وَهَذَا الوَجْهُ أَولَى الأَوجُهِ عِنْدِي (^١).\nوَيَشْهَدُ لِهَذَا الوَجْهِ قَولُهُ تَعَالَى عَنِ الكُفَّارِ فِي عَدَمِ تَمَنِّي المَوتِ: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البَقَرَة: ٩٥] مَعَ قَولِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَينَا رَبُّكَ﴾ [الزُّخْرُف: ٧٧] (^٢).\n- مُنَاقَشَةٌ ثَانِيَةٌ: فِي التَّعْلِيقِ عَلَى جَوَازِ إِخْلَافِ الوَعِيدِ دُونَ الوَعْدِ.\nقَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِينَ ﵀ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٤٢]: \"أَنَّ الوَعْدَ يَأْتِي فِي الشَّرِّ وَالعُقُوبَةِ؛ خِلَافًا لِمَن قَالَ: الوَعْدُ فِي الخَيرِ؛ وَالإِيعَادُ فِي الشَّرِّ! وَأَنْشَدُوا عَلَى ذَلِكَ قَولَ الشَّاعِرِ: وَإِنِّي؛ وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ لَمُخْلِفٌ إِيعَادِي وَمُنْجِزٌ مَوعِدِي (^٣)، فَالصَّوَابُ أَنَّ مَعْنَاهَا أَنَّهَا تُطْلَقُ عَلَى هَذَا وَعَلَى هَذَا، فَهُنَا قَالَ: ﴿الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ﴾ وَعَلَى قِيَاسِ قَولِ البَيتِ يَكُونُ التَّعْبِيرُ: (الَّذِي أَوْعَدْنَاهُم)! وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهَا جَائِزَةٌ لِهَذَا وَهَذَا\" (^٤).\nوَقَدْ عَقَّبَ شَيخُنَا الالبَانِيُّ ﵀ عَلَى ابْنِ القَيِّمِ فِي مَسْأَلَةِ فَنَاءِ النَّارِ فِي أَنَّ اللهَ تَعَالَى \"لَمْ يَقُلْ فِي مَوضِعٍ وَاحِدٍ: لَا يُخْلِفُ وَعِيدَهُ\"! فَقَالَ شَيخُنَا ﵀: \"قَدْ فَاتَهُ -\n_________\n=\nالحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٣/ ٢٢٧).\nوَلَكِنْ قَالَ المُبَارَكْفُورِيُّ ﵀ فِي تُحْفَةِ الأَحْوَذِيِّ (٦/ ١٦٦): \"مَقْصُودُ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ وَهْمٌ؛ فَإِنَّهَا تُخَالِفُ الرِّوَايَاتِ الَّتِي تَجِيءُ بِأَنَّ أَهْلَ التَّوحِيدِ يُعَذَّبُونَ فِي النَّارِ ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنْهَا، قُلْتُ: هَذِهِ الزِّيَادَةُ زَادَهَا الْأَعْمَشُ وَهُوَ ثِقَةٌ حَافِظٌ، وَزِيَادَةُ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، فَتَأْوِيلُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ أَولَى مِنْ تَوهِيمِهَا\".\n(^١) وَهَذَا أَجَابَ بِهِ الكَشْمِيرِيُّ ﵀ فِي فَيضِ البَارِي (٣/ ٧٥)، وَكَذَا فِي العُرْفِ الشَّذِيِّ (٣/ ٣٥٠) لَهُ أَيضًا.\n(^٢) يُنْظَرُ: (حَادِي الأَرْوَاح) لِابْنِ القَيِّمِ (٢/ ٦٠٨).\n(^٣) البَيتُ لِعَامِرِ بنِ الطُّفَيلِ. يُنْظَرُ: (لِسَانُ العَرَبِ) (١٤/ ٢٢٣).\n(^٤) تَفْسِيرُ ابْنِ عُثَيمِينَ لِسُورَةِ الزُّخْرُفِ (ص ١٦٣).","vol":"1","page":494},{"text":"عَفَا اللهُ عَنَّا وَعَنْهُ- قَولُهُ تَعَالَى في (ق: ٢٧ - ٢٩) ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيكُمْ بِالوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾! وَلِهَذَا قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيمِيَّةَ ﵀ عَقِبَهُ (^١): (وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ صَادِقٌ فِي وَعِيدِهِ أَيضًا، وَأَنَّ وَعِيدَهُ لَا يُبَدَّلُ، وَهَذَا مِمَّا احْتَجَّ بِهِ القَائِلُونَ بِأَنَّ فُسَّاقَ المِلَّةِ لَا يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ! وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيهِمْ فِي غَيرِ هَذَا المَوْضِع. لَكِنَّ هَذِهِ الآيَةَ تُضْعِفُ جَوَابَ مَنْ يَقُولُ: إنَّ إخْلَافَ الوَعِيدِ جَائِزٌ! فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إلَيكُمْ بِالوَعِيدِ﴾ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ وَعِيدَهُ لَا يُبَدَّلُ كَمَا لَا يُبَدَّلُ وَعْدُهُ) \" (^٢).\nوَعَلَى العُمُومِ؛ فَإِنَّ الأَمْرَ فِي نُصُوصِ الوَعِيدِ هُوَ كَمَا قَالَ أَهْلُ العِلْمِ: \"هَذَا مِنْ نُصُوصِ الوَعِيْدِ الَّتِي كَرِهَ السَّلَفُ تَأْوِيْلَهَا، وَقَالُوا: أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ، وَمَنْ تَأَوَّلَهَا فَهُوَ عَلَى خَطَرٍ مِنَ القَولِ عَلَى اللهِ بِلَا عِلْمٍ.\nوَأَحْسَنُ مَا يُقَالُ: إنَّ كُلَّ عَمَلٍ دُونَ الشِّرْكِ وَالكُفْرِ -المُخْرِجِ عَنْ مِلَّةِ الإِسْلَامِ-؛ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى مَشِيْئَةِ اللهِ، فَإِنْ عَذَّبَهُ فَقَدِ اسْتَوجَبَ العَذَابَ، وَإِنْ غَفَرَ لَهُ فَبِفَضْلِهِ وَعَفْوِهِ وَرَحْمَتِهِ\" (^٣).\n_________\n(^١) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (١٤/ ٤٩٨).\n(^٢) انْظُرْ كِتَابَ (رَفْعُ الأَسْتَارِ لِإِبْطَالِ أَدِلَّةِ القَائِلِينَ بِفَنَاءِ النَّارِ) لِلْصَنْعَانِيِّ (ص ٤٤) بِتَعْلِيقِ شَيخِنَا الالبَانِيِّ ﵀.\nقُلْتُ: وَلِتَمَامِ الفَائِدَةِ؛ فَقَدْ تَابَعَ شَيخُ الإِسْلَامِ ذَلِكَ بِقَولِهِ: \"لَكِنَّ التَّحْقِيقَ: الجَمْعُ بَينَ نُصُوصِ الوَعْدِ وَالوَعِيدِ، وَتَفْسِيرُ بَعْضِهَا بِبَعْضِ مِنْ غَيرِ تَبْدِيلِ شَيءٍ مِنْهَا؛ كَمَا يُجْمَعُ بَينَ نُصُوصِ الأَمْرِ وَالنَّهْيِ مِنْ غَيرِ تَبْدِيلِ شَيءٍ مِنْهَا\".\n(^٣) فَتْحُ المَجِيْدِ (ص ٣٢٠).","vol":"1","page":495},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-206> المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: أَورَدَ بَعْضُهُم شُبْهَةً فِي شَأْنِ قَاتِلِ النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ أَيضًا؛ فَقَالُوا: لَيسَ لِلقَاتِلِ تَوبَةٌ!</span> اسْتِدْلَالًا بِقَولِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، فَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ؛ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] قَالَ: (لَا تَوبَةَ لَهُ)؛ وَعَنْ قَولِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفُرْقَان: ٧٠] (^١)، قَالَ: (كَانَتْ هَذِهِ فِي الجَاهِلِيَّةِ) البُخَارِيُّ (^٢)، فَمَا الجَوَابُ؟\nالجَوَابُ هُوَ مِنْ أَوْجُهٍ:\nأ- إِنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَينَ الآيَتِينِ أَصْلًا، لِأَنَّ الأُولَى أَثْبَتَتْ لَهُ الجَزَاءَ، وَالثَّانِيَةَ أَثْبَتَتْ لَهُ قَبُولَ التَّوبَةِ إِنْ تَابَ.\nقَالَ المُنَاوِيُّ ﵀: \"وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ أَحَدٌ إِلَّا بِأَجَلِهِ، وَأَنَّ القَاتِلَ لَا يَكْفُرُ وَلَا يَخْلُدُ فِي النَّارِ وَإِنْ مَاتَ مُصِرًّا، وَأَنَّ لَهُ تَوبَةً\" (^٣).\nب- أَنَّهُ لَيسَ لَهُ تَوبَةٌ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ اسْتِدْرَاكَ مَا فَاتَهُ، فَهُوَ لَا يَمْلِكُ إِرْجَاعَ الحَيَاةِ لِلمَيِّتِ كَمَا يَمْلِكُ إِرْجَاعَ الحَقُوقِ المَالِيَّةِ.\n_________\n(^١) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفُرْقَان: ٦٨ - ٧٠].\n(^٢) البُخَارِيُّ (٤٧٦٤).\nوَفِي نَفْسِ البَابِ قَالَ ابْنُ عُبَّاسٍ ﵁: (هَذِهِ مَكِّيَّةٌ نَسَخَتْهَا آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ).\nوَأَيضًا فِي الحَدِيثِ: «أَبَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ لِقَاتِلِ المُؤمِنِ تَوبَةً». صَحِيحٌ. المَقْدِسِيُّ فِي المُخْتَارَةِ (٦/ ١٦٣) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٦٨٩).\n(^٣) فَيضُ القَدِيرِ (١/ ٧١).","vol":"1","page":496},{"text":"وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ حَدِيثُ النَّسَائِيِّ؛ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَمَّنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ثُمَّ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَنَّى لَهُ التَّوبَةُ؟ سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ يَقُولُ: «يَجِيءُ مُتَعَلِّقًا بِالقَاتِلِ تَشْخُبُ أَودَاجُهُ دَمًا، فَيَقُولُ: أَي: رَبِّ سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي؟». ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ؛ لَقَدْ أَنْزَلَهَا اللهُ ثُمَّ مَا نَسَخَهَا.\nفَهُوَ ظَاهِرٌ أَنَّ عَدَمَ القَبُولِ هُوَ بِاعْتِبَارِ حَقِّ المَقْتُولِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ إِرْجَاعُهُ كَمَا فِي قَولِهِ: (وَأَنَّى لَهُ التَّوبَةُ؟) (^١)، وَلَيسَ أَنَّهُ إِنْ تَابَ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَقْبَلُ تَوبَتَهُ.\nقَالَ الشَّيخُ الغُنَيمَانُ حَفِظَهُ اللهُ: \"وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا: أَنَّ قَتْلَ النَّفْسِ تَتَعَلَّقُ فِيهِ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ: حَقٌّ لِأَولِيَاءِ المَقْتُولِ، وَحَقٌّ للهِ جَلَّ وَعَلَا، وَحَقٌّ لِلمَقْتُولِ نَفْسِهِ.\nفَأَمَّا حَقُّ أَولِيَاءِ المَقتولِ؛ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِالقِصَاصِ أَو بِدَفْعِ الدِّيَةِ، وَأَمَّا حَقُّ اللهِ جَلَّ وعَلَا فَإِنَّه يَسْقُطُ بِالتَّوبَةِ [كَمَا فِي آيَةِ سُورَةِ الفُرْقَانِ]، وَيَبْقَى حَقُّ المَقْتُولِ لَا بُدَّ مِنْ أَدَائِهِ، وَلَا بُدَّ أَنْ تُؤَدَّى الحُقُوقُ إِلَى أَصْحَابِهَا، لِأَنَّهُ يَأْتِي يَومَ القِيَامَةِ مُمْسِكًا قَاتِلَهُ فَيَقُولُ: «يَا رَبِّ! اسْأَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي؟» فَهَلْ يَضِيعُ حَقُّهُ؟ لَا؛ لَنْ يَضِيعَ حَقُّهُ.\nوَهَذَا وَجْهٌ اسْتَدَلَّ بِهِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّهُ لَا تَوبَةَ لَهُ.\nوَيَجُوزُ أَنَّ اللهَ جَلَّ وَعَلَا يُرْضِي المَقْتُولَ عَنِ القَاتِلِ فِي ذَلِكَ المَوقِفِ إِذَا شَاءَ\" (^٢).\nقُلْتُ: وَقَدْ يُسْتَدَلُّ لِلأَخِيرِ بحَدِيثِ: «إِنَّ اللهَ ﷿ غَفَرَ لِأَهْلِ عَرفَات وَأَهْلِ المَشْعَرِ؛ وَضَمِنَ عَنْهُم التَّبِعَاتَ» (^٣).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. النَّسَائِيُّ (٣٩٩٩). صَحِيحُ النَّسائيِّ (٣٩٩٩).\n(^٢) مُسْتَفَادٌ مِنْ شَرْحِ الشَّيخِ الغُنَيمَانِ حَفِظَهُ اللهُ عَلَى كِتَابِ (فَتْحُ المَجِيدِ)، شَرِيطُ رَقَم (٧٥)، شَرْحُ البَابِ.\n(^٣) صَحِيحٌ. أَورَدَهُ الحَافِظُ المُنْذِرِيُّ ﵀ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (١٧٩٦) عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّورِيِّ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (١١٥١).","vol":"1","page":497},{"text":"ج- وَأَمَّا قَولُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ فَقَدْ رَجَعَ عَنْهُ -عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا تَوبَةَ لَهُ مُطْلَقًا-.\nقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: \"هَذَا هُوَ المَشْهُورُ عَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ لَهُ تَوبَةً، وَجَوَازُ المَغْفِرَةِ لَهُ، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ مَذْهَبُ جَمِيعِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ.\nوَمَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِمَّا يُخَالِفُ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى التَّغْلِيظِ وَالتَّحْذِيرِ مِنَ القَتْل؛ وَالتَّورِيَةِ فِي المَنْعِ مِنْهُ (^١)، وَلَيسَ فِي هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا اِبْنُ عَبَّاسٍ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ يُخَلَّدُ! وَإِنَّمَا فِيهَا أَنَّهُ جَزَاؤُهُ، وَلَا يَلْزَم مِنْهُ أَنَّهُ يُجَازَى\" (^٢).\nقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الصَّحِيحَةِ -فِي مَعْرِضِ ذِكْرِ الرِّوَايَاتِ عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ فِي ذَلِكَ-:\n\"الأُولَى: مَا رَوَاهُ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ عَنْهُ: أَنَّهُ أَتَاهُ رَجَلٌ؛ فَقَالَ: إنِّي خَطَبْتُ امْرَأَةً فَأَبَتْ أَنْ تَنْكِحَنِي؛ وخَطَبَهَا غَيرِي فَأَحَبَّتْ أَنْ تَنْكِحَهُ، فَغِرْتُ عَلَيهَا فَقَتَلْتُهَا! فَهَلْ لِي مِنْ تَوبَةٍ؟ قَالَ: (أُمُّكَ حَيَّةٌ؟) قَالَ: لَا. قَالَ: (تُبْ إِلَى اللهِ ﷿، وَتَقَرَّبْ إِلَيهِ مَا اسْتَطَعْتَ). فَذَهَبْتُ فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: لِمَ سَأَلْتَهُ عَنْ حَيَاةِ أُمِّهِ؟ فَقَالَ: (إنِّي لَا أَعْلَمُ عَمَلًا أَقْرَبَ إِلَى اللهِ ﷿ مِنْ بِرِّ الوَالِدَةِ). أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ فِي الأَدَبِ المُفْرَدِ بِسَنَدٍ\n_________\n(^١) \"وَقَدْ كَانَ ابْنُ شِهَابٍ إِذَا سُئِلَ: هَلْ لِلْقَاتِلِ تَوبَةٌ؟ يَتَعَرَّفُ مِنَ السَّائِلِ: هَلْ قَتَلَ أَمْ لَا؟ وَيُطَاوِلُهُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ تَبَيَّنَ لَهُ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْ؛ قَالَ لَهُ: لَا تَوبَةَ لَهُ، وَإِنْ تَبَيَّنَ لَهُ مِن أَنَّهُ قَدْ قَتَلَ: قَالَ: لَهُ تَوْبَةٌ. وَإِنَّ هَذَا لَحَسَنٌ مِن الفَتْوَى\". البَيَانُ وَالتَّحْصِيلُ لِابْنِ رُشْدٍ (١٥/ ٤٨١).\n(^٢) شَرْحُ مُسْلِمٍ (١٨/ ١٥٩).","vol":"1","page":498},{"text":"صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحَينِ.\nالثَّانِيَةُ: مَا رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَولِهِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ قَالَ: (لَيسَ لِقَاتِلٍ تَوبَةٌ؛ إِلَّا أَنْ يَسْتَغْفِرِ اللهَ). أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، وَلَعَلَّهُ يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُغْفَرُ لَهُ -عَلَى قَولِهِ الأَوَّلِ- ثُمَّ اسْتَدْرَكَ عَلَى نَفْسِهِ فَقَالَ: (إِلَّا أَنْ يَسْتَغْفِرَ اللهَ). وَاللهُ أَعْلَمُ\" (^١).\n_________\n(^١) التَّعْلِيقُ عَلَى حَدِيثِ الصَّحِيحَةِ (٢٧٩٩).","vol":"1","page":499},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-207> المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: اسْتَدَلَّ بَعْضُهُم عَلَى جَوَازِ تَعَلُّمِ السِّحْرِ بِقَولِ الرَّازِي </span>(^١) ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (^٢): \"إِنَّ العِلْمَ بِالسِّحْرِ لَيسَ بِقَبِيحٍ وَلَا مَحْظُورٍ! اتَّفَقَ المُحَقِّقُونَ عَلَى ذَلِكَ، لِأَنَّ العِلْمَ لِذَاتِهِ شَرِيفٌ، وَأَيضًا لِعُمُومِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزُّمَر: ٩]، وَلِأَنَّ السِّحْرَ لَو لَمْ يَكُنْ يُعلَمُ لَمَا أَمْكَنَ الفَرْقُ بَينَهُ وَبَينَ المُعْجِزَةِ، وَالعِلْمُ بِكَونِ المُعْجِزِ مُعْجِزًا وَاجِبٌ\"! فَمَا الجَوَابُ؟\nالجَوَابُ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ (^٣):\n١ - قَولُهُ: العِلْمُ بِالسِّحْرِ لَيسَ بِقَبِيحٍ! إِنْ كَانَ عَقْلًا؛ فَجُمْهُورُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى المَنْعِ.\n٢ - قَولُهُ: وَلَا مَحْظُورَ فِيهِ! فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَولُهُ ﵊: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيءٍ؛ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيلَةً» (^٤).\n٣ - قَولُهُ: اتَّفَقَ المُحَقِّقُونَ عَلَى ذَلِكَ! لَيسَ بِصَوَابٍ، فَأَينَ كَلَامُ الأَئِمَّةِ العُلَمَاءِ\n_________\n(^١) هُوَ أَبُو عَبْدِ اللهِ؛ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ؛ صَاحِبُ التَّفْسِيرِ المُسَمَّى (مَفَاتِيحُ الغَيبِ)، (ت ٦٠٦ هـ).\nقَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي المِيزَانِ (٣/ ٣٤٠): \"وَلَهُ كِتَابُ (السِّرُّ المُكْتُومُ) فِي مُخَاطَبَةِ النُّجُومِ؛ سِحْرٌ صَرِيحٌ! فَلَعَلَّهُ تَابَ مِنْ تَأْلِيفِهِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى\".\nوَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (١/ ٣٦٧): \"وَيُقَالُ: إِنَّهُ تَابَ مِنْهُ، وَقِيلَ: بَلْ صَنَّفَهُ عَلَى وَجْهِ إِظْهَارِ الفَضِيلَةِ لَا عَلَى سَبِيلِ الِاعْتِقَادِ، وَهَذَا هُوَ المَظْنُونُ بِهِ، إِلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ طَرِيقَهُمْ فِي مُخَاطَبَةِ كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ وَكَيفِيَّةِ مَا يَفْعَلُونَ وَمَا يَلْبَسُونَهُ وَمَا يَتَمَسَّكُونَ بِهِ\".\n(^٢) تَفْسِيرُ الرَّازِي (٣/ ٦٢٦) وَبِحَذْفٍ يَسِيرٍ مِنْ قِبَلِ الحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ ﵀ فِي تَفْسِيرِهِ (١/ ٣٦٦).\n(^٣) مُعْظَمُ مَادَّةِ هَذَا الجَوَابِ هُوَ مِنْ رَدِّ الحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ عَلَيهِ فِي التَّفْسِيرِ (١/ ٣٦٦) رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى.\n(^٤) مُسْلِمٌ (٢٢٣٠) عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ.\nوَفِي الأَثَرِ أَيضًا: (مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَو سَاحِرًا؛ فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ). صَحِيحٌ. البزَّارُ (٥/ ٢٥٦) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوقُوفًا. صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (٣٠٤٨).","vol":"1","page":500},{"text":"أَو أَكْثَرِهِم عَلَى تَحْسِينِ تَعَلُّمِ السِّحْرِ (^١)؟!\n٤ - قَولُهُ: لِعُمُومِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾! فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ هَذِهِ الآيَةَ إِنَّمَا دَلَّتْ عَلَى مَدْحِ العَالِمِينَ العِلْمَ الشَّرْعِيَّ (^٢).\n٥ - قَولُهُ: إِنَّهُ لَا يَحْصُلُ العِلْمُ بِالمُعْجِزِ إِلَّا بِالعِلْمِ بِالسِّحْرِ! هُوَ قَولٌ فَاسِدٌ، لِأَنَّ أَعْظَمَ مُعْجِزَاتِ رَسُولِنَا ﷺ هُوَ القُرْآنُ العَظِيمُ؛ وَالعِلْمُ بِأَنَّهُ مُعْجِزٌ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى عِلْمِ السِّحْرِ أَصْلًا!\nثُمَّ مِنَ المَعْلومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةَ المُسْلِمِينَ وَعامَّتَهُم كَانُوا يَعْلَمُونَ المُعْجِزَ وَيُفَرِّقُونَ بَينَهُ وَبَينَ غَيرِهِ، وَلَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ السِّحْرَ وَلَا تَعَلَّمُوهُ وَلَا عَلَّمُوهُ! وَاللهُ أَعْلَمُ.\n_________\n(^١) وَقَدْ سَبَقَ النَّقْلُ عَنِ النَّوَوِيِّ وَالحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ رَحِمَهُمَا اللهُ فِي تَحْرِيمِ تَعَلُّمِهِ.\n(^٢) وَإِلَّا فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى ذَمَّ الكُفَّارَ عَلَى مُجَرَّدِ عِلْمِهِم العِلْمَ الدُّنْيَوِيَّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الرُّوم: ٧].","vol":"1","page":501},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-208> المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: أنْكَرَ بَعْضُهُم تَلَبُّسَ الجِنِّيِّ بِالإِنْسِيِّ، وَقَالُوا: لَا يَصِحُّ لِأَنَّ طَبِيعَتَهُمَا مُخْتَلِفَةٌ، فَمَا الجَوَابُ؟</span>\nالجَوَابُ:\nقَدْ دَلَّتِ الشَّرِيعَةُ عَلَى وُقُوعِ هَذَا التَّلَبُّسِ فِي عِدَّةِ نُصُوصٍ مِنْهَا (^١):\n١ - قَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البَقَرَة: ٢٧٥].\nقَالَ القُرْطُبِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (^٢): \"فِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ إنْكَارِ مَنْ أَنْكَرَ الصَّرَعَ مِنْ جِهَةِ الجِنِّ، وَزَعَمَ أَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الطَّبَائِعِ (^٣)، وَأَنَّ الشَّيطَانَ لَا يَسْلُكُ فِي الإِنْسَانِ وَلَا يَكُونُ مِنْهُ مَسُّ\" (^٤).\n_________\n(^١) وَهِيَ عَلَى سَبِيلِ تَنْوِيعِ أَوجُهِ الدِّلَالَةِ لَا الجَمْعِ وَالاسْتِقْصَاءِ.\n(^٢) (٣/ ٣٣٥).\n(^٣) كَجُمْلَةِ الأَمْرَاضِ العَصَبِيَّةِ وَالنَّفْسِيَّةِ.\n(^٤) قُلْتُ: وَانْظُرْ وَتَعَجَّبْ مِنْ كَلَامِ الزَّمَخْشَرِيِّ -صَاحِبِ الكَشَّافِ- ﵀ وغَفَرَ لَهُ فِي تَفْسِيرِهِ (١/ ٣٢٠) حَيثُ قَالَ: \" ﴿لَا يَقُومُونَ﴾ إِذَا بُعِثُوا مِنْ قُبُورِهِم ﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ﴾ أَي المَصْرُوعُ. وَتَخَبُّطُ الشَّيطَانِ مِنْ زَعَمَاتِ العَرَبِ، يَزْعُمُونَ أَنَّ الشَّيطَانَ يَخْبِطُ الإِنْسَانَ فَيُصْرَعُ. وَالخَبْطَ: الضَّرْبُ عَلَى غَيرِ اسْتِوَاءٍ كَخَبْطِ العَشْوَاءِ، فَوَرَدَ عَلَى مَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَ. وَالمَسُّ: الجُنُونُ، وَرَجُلٌ مَمْسُوسٌ، وَهَذَا أَيضًا مِنْ زَعَمَاتِهِم؛ وَأَنَّ الجنِّيَّ يَمَسُّهُ فَيَخْتَلِطُ عَقْلُهُ، وَكَذَلِكَ جُنَّ الرَّجُلُ: مَعْنَاهُ ضَرَبَتْهُ الجِنُّ. وَرَأَيتُهُم لَهُم فِي الجِنِّ قِصَصٌ وَأَخْبَارٌ وَعَجَائِبُ، وَإِنْكَارُ ذَلِكَ عِنْدَهُم كَإِنْكَارِ المُشَاهَدَاتِ\".\nقُلْتُ: العَجِيبُ مِنْهُ كَيفَ أَنَّهُ يَصِفُ ذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ زَعَمَاتِ العَرَبِ؛ رُغْمَ أَنَّ اللهَ ﵎ شَبَّهَ قِيَامَ آكِلِ الرِّبَا بِقِيَامِ مَنْ بهِ مَسٌّ مِنَ الشَّيطَانِ، فَهَلْ يُشَبِّهُ رَبُّنَا تَعَالَى شَيئًا -وَاقِعًا حَتْمًا- بِشَيءٍ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، بَلْ وَيُؤَكِّدُهُ بِالاسْتِثْنَاءِ بَعْدَ النَّفْي.\nوَلِلْعِلْمِ أَيضًا؛ فَهَذَا الاعْتِقَادُ بِالمَسِّ لَيسَ مِنْ فَرَائِدِ العَرَبِ! بَلْ عَامَّةُ الأُمَمِ تَعْتَقِدُ بِهِ، وَلَمْ يُنْكِرُهُ سِوَى العَقْلَانِيُّونَ -زَعَمُوا- وَمَنْ سَارَ سَيرَهُم.","vol":"1","page":502},{"text":"وَفِي الحَدِيثِ: «مَنْ أَكَلَ الرِّبَا بُعِثَ يَومَ القِيَامَةِ مَجْنُونًا يَتَخَبَّطَ. ثُمَّ قَرَأَ ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾» (^١).\nوَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا فِي الدِّلَالَةِ حَدِيثُ سُلَيمَانَ بْنِ صُرَدٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ -وَرَجُلَانِ يَسْتَبَّانِ-، فَأَحَدُهُمَا احْمَرَّ وَجْهُهُ وَانْتَفَخَتْ أَودَاجُهُ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَو قَالَهَا ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَو قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيطَانِ ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ». فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «تَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيطَانِ». فَقَالَ: وَهَلْ بِي جُنُونٌ!! (^٢)\nقُلْتُ: وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الشَّيطَانَ لَهُ أَثَرٌ فِي جُنُونِ النَّاسِ.\n٢ - عَنْ عُثْمَان بْنِ أَبِي العَاصِ؛ أَنَّهُ شَكَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تَفَلُّتَ القُرْآنِ مِنْ صَدْرِهِ، قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِي وَقَالَ: «يَا شَيطَانُ! أُخْرُجْ مِنْ صَدْرِ عُثْمَان»، فَمَا نَسِيتُ شَيئًا أُرِيدُ حِفْظَهُ (^٣).\nوَقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ مُعَلِّقًا عَلَيهِ فِي الصَّحِيحَةِ: \"وَفِي الحَدِيثِ دِلَالَةٌ صَرِيحَةٌ عَلَى أَنَّ الشَّيطَانَ قَدْ يَتَلَبَّسُ الإِنْسَانَ وَيَدْخُلُ فِيهِ -وَلَو كَانَ مُؤْمِنًا صَالِحًا- وَفِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ كَثِيرْةٌ، … وَمِثْلُهُ عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّة؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: أَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنَّ ابْنِي هَذَا بِهِ لَمَمٌ (جُنُونٌ) مُنْذُ سَبْعِ سِنِينَ؛ يَأْخُذُهُ كُلَّ يَومٍ مَرَّتَينِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ (١٨/ ٦٠) عَنْ عَوفِ بْنِ مَالِكٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (١٨٦٢).\n(^٢) البُخَارِيُّ (٦٠٤٨).\n(^٣) صَحِيحٌ. الطَّبَرَانِيُّ (٩/ ٤٧)، وَالبَيهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبوَّةِ (٥/ ٣٠٧). الصَّحِيحَةُ (٢٩١٨).","vol":"1","page":503},{"text":"ﷺ: «أَدْنِيهِ»، فَأَدْنَتْهُ مِنْهُ، فَتَفَلَ فِي فِيهِ، وَقَالَ: «اخْرُجْ عَدُوَّ اللهِ! أَنَا رَسُولُ اللهِ». رَوَاهُ الحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ ....، وَبِالجُمْلَةِ فَالحَدِيثُ بِهَذِهِ المُتَابَعَاتِ جَيِّدٌ\".\n٣ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا: «إِذَا تَثاءَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطاعَ؛ فَإِنَّ الشَّيطَانَ يَدْخُلُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).\nقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (^٢): \"قَالَ العُلَمَاءُ: أُمِرَ بِكَظْمِ التَّثَاؤبِ وَرَدِّهِ وَوَضْعِ اليَدِ عَلَى الفَمِ لِئَلَّا يَبْلُغَ الشَّيطَانُ مُرَادَهُ مِنْ تَشْوِيهِ صُورَتِهِ، وَدُخُولِهِ فَمَهَ، وَضَحِكِهِ مِنْهُ. وَاللهُ أَعْلَمُ\".\n٤ - يُضَافُ لِمَا سَبَقَ مَا هُوَ مُشَاهَدٌ مَحْسُوسٌ مِنْ أَحْوَالِ المَمْسُوسِينَ مِنْ أَنَّ الجِنَّ يَنْطِقُ عَلَى لِسَانِهِ.\n\"قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلَ: قُلْتُ لِأَبِي: إِنَّ قَومًا يَقُولُونَ: إِنَّ الجِنَّ لَا تَدْخُلُ فِي بَدَنِ الإِنْسِ! فَقَالَ: يَا بُنَيَّ يَكْذِبُونَ، هُوَ ذَا يَتَكَلَّمُ عَلَى لِسَانِهِ\" (^٣).\n\"وَقَدِ اشْتُهِرَ بَينَ النَّاسِ وُجُودُ عَقْدِ الرَّجُلِ عَنْ امْرَأَتِهِ حِينَ يَتَزَوَّجُهَا؛ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى إتْيَانِهَا وَحَلِّ عَقْدِهِ، فَيَقْدِرُ عَلَيهَا بَعْدَ عَجْزِهِ عَنْهَا! حَتَّى صَارَ مُتَوَاتِرًا لَا يُمْكِنُ جَحْدُهُ. وَرُوِيَ مِنْ أَخْبَارِ السَّحَرَةِ مَا لَا يَكَادُ يُمْكِنُ التَّوَاطُؤُ عَلَى الْكَذِبِ فِيهِ\" (^٤).\n_________\n(^١) مُسْلِمٌ (٢٩٩٥).\nوَبِمَعْنَاهُ: «إِنَّ الشَّيطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢٠٣٩)، وَمُسْلِمٌ (٢١٧٥) عَنْ صَفِيَّةَ مَرْفُوعًا.\n(^٢) شَرْحُ مُسْلِمٍ (١٨/ ١٢٣).\n(^٣) عُمْدَةُ القَارِي (٢١/ ٢١٤).\n(^٤) المُغْنِي لِابْنِ قُدَامَةَ (٩/ ٢٩).","vol":"1","page":504},{"text":"أَخِيرًا؛ نَقُولُ: لَا يِلْزَمُ أَبَدًا مِنْ كَونِ الرَّجُلِ يُصْرَعُ أَنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ بِمَا بَدَرَ مِنْهُ فِي حَالِ صَرَعِهِ مُطْلَقًا! بَلْ مَرْجِعُ ذَلِكَ إِلَى كَونِهِ مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ أَمْ غَيرَ مَغْلُوبٍ، لِقَولِ النَّبِيِّ ﷺ: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ المَجْنُونِ المَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ حَتَّى يَبْرَأَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيقِظَ، وعَنِ الصَّبِيِّ حتَّى يَحْتَلِمَ» (^١).\nقَالَ الشَّيخُ عَبْدُ المُحْسِنِ العَبَّادِ حَفِظَهُ اللهُ تَعَالَى جَوَابًا عَلَى سُؤَالٍ: هَلِ المَسْحُورُ أَوِ الَّذِي بهِ صَرَعٌ لَهُ حُكْمُ المَعْذُورِينَ؟ وَهَلْ إِذَا فَعَلَ إِثْمًا ثُمَّ عُلِمَ أَنَّهُ مَسْحُورٌ -وَفَعَلَ هَذَا بِغَيرِ إِرَادَتِهِ- لَا يُقَامُ عَلَيهِ الحَدُّ؟\nالجَوَابُ: \"إِذَا كَانَ فَاقِدَ العَقْلِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُقامُ عَلَيهِ الحَدُّ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ فَاقِدَ العَقْلِ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ لَهُ شَيءٌ مِنْ تِلْكَ العَوَارِضِ -وَعَقْلُهُ مَوجُودٌ مَعَهُ- فَإِنَّهَ يُقَامُ عَلَيهِ الحَدُّ، حَتَّى لَو كَانَ عِنْدَهُ أَلَمٌ أَوِ اكْتِئَابٌ وَعَدَمُ ارْتِيَاحٍ، لَكِنَّ الشَّيءَ الَّذِي يُعْذَرُ فِيهِ هُوَ فُقْدَانُ العَقْلِ\" (^٢).\n\n- مُنَاقَشَةُ شُبْهَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ فِي نَفْي المَسِّ\nوَأَمَّا اسْتِدْلَالُ بَعْضِهِم -كَالْمُعْتَزِلَةِ- عَلَى نَفْي المَسِّ بِمِثْلِ قَولِهِ تَعَالَى عَنِ الشَّيطَانِ: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إِبْرَاهِيم: ٢٢]، يَعْنَي: أَنَّ سُلْطَانَهُ هُوَ الدَّعْوَةُ فَقَط! وَلَيسَ عِنْدَهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ!! فَمَرْدُودٌ.\nوَذَلِكَ لِأَنَّ السُّلْطَانَ هُنَا مَعْنَاهُ: الحُجَّةُ وَالبُرْهَانُ، وَهَذَا حَقٌّ، يَعْنِي أَنَّ الشَّيطَانَ لَيسَ لَهُ حُجَّةٌ وَلَا بُرْهَانٌ فِيمَا دَعَا النَّاسَ إِلَيهِ مِنَ الكُفْرِ بِاللهِ تَعَالَى، وَتَزْيِينِ المَعَاصِي.\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٣٩٩) عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٣٥١٢).\n(^٢) شَرْحُ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، شَرِيط رَقَم (٤٩٦).","vol":"1","page":505},{"text":"وَبِهَذَا المَعْنَى فِعْلًا لَيسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى ابْنِ آدَمَ، أَمَّا لَو حُمِلَ السُّلْطَانُ عَلَى مَعْنَى التَّسَلُّطِ وَالتَّلَبُّسِ؛ فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ -قُرْآنًا وَسُنَّةً- قَدْ دَلَّتْ عَلَى حُصُولِ ذَلِكَ، فَلَا تَعَارُضَ بِحَمْدِ اللهِ.\nوَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الشَّيطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ يَظْهَرْ لَكَ أَنَّ السُّلْطَانَ هُنَا هُوَ الحَقُّ وَالحُجَّةُ، وَعَلَيهِ فَلَا سُلْطَانَ لِلشَّيطَانِ عَلَى ابْنِ آدَمَ (^١).\nوَكَذَا القَولُ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحِجْر: ٤٢] أَنَّهُ فِي الحُجَّةِ (^٢).\nوَكَذَا القَولُ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ * قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾ [الصَّافَّات: ٢٨ - ٣٠] أَنَّهُ فِي الحُجَّةِ أَيضًا (^٣).\n_________\n(^١) قَالَ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (١٦/ ٥٦٠): \"يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَالَ إِبْلِيسُ ﴿لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ يَعْنِي لَمَّا أُدْخِلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ؛ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ؛ وَاسْتَقَرَّ بِكُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُم قَرَارُهُم ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ﴾ أَيُّهَا الأَتْبَاعُ النَّارَ، وَوَعَدْتُكُم النُّصْرَةَ، فَأَخْلَفْتُكُم وَعْدِي، وَوَفَّى اللهُ لَكُم بِوَعْدِهِ ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ يَقُولُ: وَمَا كَانَ لِي عَلَيكُم فِيمَا وَعَدْتُكُم مِنَ النُّصْرَةِ مِنْ حُجَّةٍ تَثْبُتُ لِي عَلَيكُم بِصِدْقِ قَولِي\".\n(^٢) قَالَ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (١٧/ ١٠٥): \"يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِم حُجَّةٌ؛ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ عَلَى مَا دَعُوتَهُ إِلَيهِ مِنَ الضَّلَالَةِ مِمَّنْ غَوَى وَهَلَكَ\".\n(^٣) قَالَ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٢١/ ٣٢): \"يَقُولُ: قَالُوا: وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيكُم مِنْ حُجَّةٍ؛ فَنَصُدَّكُم بِهَا عَنِ الإِيمَانِ وَنَحُولَ بَينَكُم مِنْ أَجْلِهَا وَبَينَ اتِّبَاعِ الحَقِّ\".","vol":"1","page":506},{"text":"وَأَمَّا القَولُ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النَّحْل: ٩٨ - ١٠٠] فَمَعْنَى السُّلْطَانِ هُنَا: الوَسْوَسَةُ وَالخَوَاطِرُ الرَّدِيَّةُ (^١).\n_________\n(^١) قَالَ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (١٧/ ٢٩٥): \"وَأَولَى الأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ؛ قَولُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ: ﴿إِنَّهُ لَيسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَاسْتَعَاذُوا بِاللهِ مِنْهُ بِمَا نَدَبَ اللهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مِنَ الاسْتِعَاذَةِ ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ عَلَى مَا عَرَضَ لَهُم مِنْ خَطَرَاتِهِ وَوَسَاوِسِهِ.\nوَإِنَّمَا قُلْنَا: ذَلِكَ أَولَى التَّأوِيلَاتِ بِالآيَةِ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَتْبَعَ هَذَا القَولَ ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ﴾ وَقَالَ فِي مَوضِعٍ آخَر: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فَكَانَ بَيِّنًا بِذَلِكَ أَنَّهُ إِنَّمَا نَدَبَ عِبَادَهُ إِلَى الاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ فِي هَذِهِ الأَحْوَالِ لِيُعِيذَهُم مِنْ سُلْطَانِهِ\".","vol":"1","page":507},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-209> المَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: أَنْكرَتِ المُعْتَزِلَةُ حَقِيقَةَ السِّحْرِ!</span> وَقَالُوا إِنَّمَا هِيَ أَوهَامٌ وَخِفَّةٌ فِي اليَدِ فَقَط! وَاسْتَدَلُّوا بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طَه: ٦٦]، فَهُوَ خَيَالٌ فِي العَينِ فَقَط! وَأَيضًا أَنَّ هَذِهِ الحِبَالَ كَانَتْ مَمْلُوءَةً زِئْبَقًا (^١)! فَمَا الجَوَابُ؟\nالجَوَابُ:\nإِنَّهُ يُقَالُ ابْتِدَاءً:\nقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: \"قَالَ الإِمَامُ المَازِرِيُّ ﵀: مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَجُمْهُورِ عُلَمَاءِ الأُمَّةِ عَلَى إِثْبَاتِ السِّحْرِ؛ وَأَنَّ لَهُ حَقِيقَةً كَحَقِيقَةِ غَيرِهِ مِنَ الأَشْيَاءِ الثَّابِتَةِ، خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ وَنَفَى حَقَيقَتَهُ وَأَضَافَ مَا يَقَعُ مِنْهُ إِلَى خَيَالَاتٍ بَاطِلَةٍ لَا حَقَائِقَ لَهَا\" (^٢).\nثُمَّ إِنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ العِلْمِ أَنَّ السِّحْرَ مِنْهُ مَا هُوَ حَقِيقِيٌّ لَهُ تَأْثِيرٌ، وَمِنْهُ مَا هُوَ جَارٍ عَلَى مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ مِنَ الخِفَّةِ وَالاسْتِتَارِ وَالسُّرْعَةِ وَالخِدَاعِ، فَإِذَا أُثْبِتَ نَوعٌ مَا بِدَلِيلٍ فَهَذَا لَا يَعْنِي نَفْيَ الآخَرِ (^٣)!\n_________\n(^١) وَهِيَ مُجَرَّدُ دَعْوَى تُخَالِفُ ظَاهِرَ مَا وَرَدَ فِي النُّصُوصِ القُرْآنيَّةِ مِنْ كَونِهِم جَاءُوا بِالسِّحْرِ؛ وَسَحَرُوا أَعيُنَ النَّاسِ؛ وَأَنَّهُ سِحْرٌ عَظِيمٌ.\n(^٢) شَرْحُ مُسْلِمٍ (١٤/ ١٧٤) بَابُ السِّحْرِ.\n(^٣) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١٠/ ٢٢٥): \"وَقَولُهُ: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طَه: ٦٦]: الآيَةُ عُمْدَةُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ السِّحْرَ إِنَّمَا هُوَ تَخْيِيلٌ! وَلَا حُجَّةَ لَهُ بِهَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ وَرَدَتْ فِي قِصَّةِ سَحَرَةِ فِرْعَونَ، وَكَانَ سِحْرُهُم كَذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ جَمِيعَ أَنْوَاعِ السِّحْرِ تَخْيِيلٌ\".\n=","vol":"1","page":508},{"text":"وَبَعْدَ ذَلِكَ نَقُولُ: إِنَّ مِنَ أَدِلَّة حَقِيقَةِ وَأَثَرِ السِّحْرِ:\n١ - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفَلَق: ١ - ٤] وَالنَّفَّاثَاتُ فِي العُقَدِ: هُنَّ السَّوَاحِرُ (^١) مِنَ النِّسَاءِ، وَلَمَّا أُمِرَ بِالاسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّهِنَّ عُلِمَ أَنَّ لَهُنَّ تَأْثِيرًا وَضَرَرًا حَقِيقَةً.\nوَفِي الحَدِيثِ: «مَنْ تَصَبَّحَ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً؛ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ اليَومَ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ» (^٢)، فعَطْفُ السِّحْرِ عَلَى السُّمِّ؛ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ التَّأْثِيرِ الحَقِيقِيِّ؛ بَلْ وَعَلَى عِظَمِ أَثَرِهِ حَيثُ عُطِفَ عَلَى السُّمِّ المُمِيتِ.\n٢ - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَينَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البَقَرَة: ١٠٢] ظَاهِرٌ فِيهِ أَثَرُ السِّحْرِ فِي التَّفْرِيقِ وَالضَّرَرِ، \"وَغَيرُ مُسْتَنْكَرٍ فِي العَقْلِ أَنْ يَكُونَ البَارِي سُبْحَانَهُ يَخْرِقُ العَادَاتِ عِنْدَ النُّطْقِ بِكَلَامٍ مُلَفَّقٍ أَو تَرْكِيبِ أَجْسَامٍ، أَوِ المَزْجِ بَينَ قِوىً عَلَى تَرتَيبٍ مَا لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا السَّاحِرُ\" (^٣).\nوَالإِيمَانُ بِحَقِيقَةِ السِّحْرِ وَأَثَرِهِ لَيسَ بِأَعْجَبَ مِنَ الإِيمَانِ بِحَقِيقَةِ الحَسَدِ وَالعَينِ،\n_________\n=\nقُلْتُ: أَمَّا كَونُ سِحْرِهِم تَخْيِيلًا فَصَحِيحٌ، أَمَّا كَونُهُ لَيسَ لَهُ حَقِيقَةٌ! فَخَطَأٌ، وَلَيسَ فِي قِصَّةِ مُوسَى مَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى حَقِيقَتِهِ أَنَّهُ أثَّرَ فِي الأَعْيُنِ حَتَّى تَخَيَّلوا، فَتَحَوُّلُ الحِبَالِ وَالعِصِيِّ إِلَى أَفَاعِي لَيسَ لَهُ حَقِيقَةٌ، وَأَمَّا تَأَثُّرُ الأَعْيُنِ فَحَقِيقَةٌ. وَاللهُ تَعَالَى المُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.\n(^١) قَالَهُ البُخَارِيُّ ﵀ فِي الصَّحِيحِ (٧/ ١٣٦).\n(^٢) البُخَارِيُّ (٥٧٦٩) عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ مَرْفُوعًا.\n(^٣) إِكْمَالُ المُعْلِمِ (٧/ ٨٦).","vol":"1","page":509},{"text":"فَمَنْ آمَنَ بِالثَّانِي وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالأَوَّلِ فَقَدْ تَنَاقَضَ وَخَالَفَ المَحْسُوسَ وَالمُتَوَاتِرَ.\n٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ قَالَتْ سَحَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيقٍ يُقَالُ لَهُ: لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ، حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُخَيَّلُ إِلَيهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيءَ وَمَا فَعَلَهُ! حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَومٍ أَو ذَاتَ لَيلَةٍ -وَهْوَ عِنْدِي- لَكِنَّهُ دَعَا وَدَعَا ثُمَّ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ، أَشَعَرْتِ أَنَّ اللهَ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيتُهُ فِيهِ؟ أَتَانِي رَجُلَانِ؛ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي، وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ فَقَالَ: مَطْبُوبٌ. قَالَ: مَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ. قَالَ: فِي أَيِّ شَيءٍ؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ وَجُفِّ طَلْعِ (^١) نَخْلَةٍ ذَكَرٍ، قَالَ: وَأَينَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ». فَأَتَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَجَاءَ فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ كَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الحِنَّاءِ، أَو كَأَنَّ رُءُوسَ نَخْلِهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَفَلَا اسْتَخْرَجْتَهُ؟ قَالَ: «قَدْ عَافَانِي اللهُ؛ فَكَرِهْتُ أَنْ أُثَوِّرَ عَلَى النَّاسِ فِيهِ شَرًّا» فَأَمَرَ بِهَا فَدُفِنَتْ (^٢).\nوَالشَّاهِدُ فِيهِ مِنْ جِهَتَينِ: (التَّخْيِيلُ، قَدْ عَافَانِي).\nوَأَمَّا فِي خُصُوصِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طَه: ٦٦] أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى التَّخييلِ دُونَ الحَقِيقَةِ! فَالرَّدُّ عَلَيهِم مِنْ جِهَتَينِ:\nأ- أَنَّ هَذَا التَّخْيِيلَ -وَإِنْ كَانَ لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي تَغْيِيرِ أَعْيَانِ الأَشْيَاءِ- وَلَكِنَّهُ كَانَ مُؤَثِّرًا حَقِيقَةً عَلَى العَينَ حَتَّى جَعَلَهَا تَتَخَيَّلُ، فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى حَقيقَتِهِ وَأَثَرِهِ.\nب- لَا يَصِحُّ حَمْلُ ذَلِكَ السِّحْرِ عَلَى التَّخْيِيلِ بِكَونِ الحِبَالِ وَالعِصِيِّ كَانَتْ\n_________\n(^١) (جُفِّ طَلْعٍ): الجُفُّ: وِعَاءُ الطَّلعِ وَغِشَاؤُهُ الَّذِي يُكِنُّهُ.\n(^٢) البُخَارِيُّ (٥٧٦٣)، وَمُسْلِمٌ (٢١٨٩).","vol":"1","page":510},{"text":"مَمْلُوءَةً زِئْبَقًا، لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ سَعْيُ الحيَّاتِ هَذَا خَيَالًا بَلْ حَرَكَةً حَقِيقِيَّةً! وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ سِحْرًا لِأَعْيُنِ النَّاسِ أَصْلًا! وَلَا يُسَمَّى -أَصْلًا- سِحْرًا؛ بَلْ صِنَاعَةً مِنَ الصِّنَاعَاتِ المُشْتَرَكةِ.\nوَأَيضًا لَو كَانَ ذَلِكَ حِيلَةً مِنْهُم كَمَا قَالَ هَؤُلَاءِ؛ لَكَانَ طَرِيقَ إِبْطَالِهَا إِخْرَاجُ مَا فِيهَا مِنَ الزِّئْبَقِ؛ وَبَيَانُ ذَلِكَ المُحَالِ، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى إِلْقَاءِ العَصَا لِابْتِلَاعِهَا! وَأَيضًا فَمِثْلُ هَذِهِ الحِيَلَةِ لَا يُحْتَاجُ فِيهَا إِلَى الاسْتِعَانَةِ بِالسَّحَرَةِ؛ بَلْ يَكْفِي فِيهَا حُذَّاقُ الصُّنَّاعِ، وَلَا يُحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إِلَى تَعْظِيمِ فِرْعَونَ لِلسَّحَرَةِ وَخُضُوعِهِ لَهُم وَوَعْدِهِم بِالتَّقْرِيبِ وَالجَزَاءِ (^١).\n_________\n(^١) انْظُرْ (بَدَائِعُ الفَوَائِدِ) (ص ٧٤٨) لِابْنِ القَّيِّمِ.","vol":"1","page":511},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-210> المَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: مَا صِحَّةُ مَا نُسِبَ إِلَى الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ النُّعْمَان ﵀ فِي أَنَّهُ أَنْكَرَ حَقِيقَةَ السِّحْرِ؟</span>\nالجَوَابُ:\nلَو ثَبَتَ المَطْلُوبُ؛ لَمْ تَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ شَرْعًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ وَأَحْسَنَ مَثْوَاهُ-؛ يُسْتَدَلُّ لَهُ وَلَا يُسْتَدَلُّ بِهِ، فَالحَقُّ لَا يُعْرَفُ بِالرِّجَالِ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ الرِّجَالُ بِالحَقِّ.\nوَلَكِنْ أَقُولُ -مُسْتَعِينًا بِالله تَعَالَى وَحْدَهُ-:\nإِنَّ مَا عُزِيَ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ مِنْ أَنَّهُ لَا يُثْبِتُ حَقِيقَةَ السِّحْرِ؛ عَلَيهِ مُلَاحَظَاتٌ:\n١ - إِنَّ الَّذِينَ نَقَلُوا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ النَّفْيَ؛ إِنَّمَا ذَكَرُوا أَنَّ الإِجْمَاعَ وَقَعَ عَلَى خِلَافِ مَا ذَهَبَ إِلَيهِ ﵀! فَيَكُونُ قَولُهُ مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ! وَعَلَيهِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ.\nقَالَ الوَزِيرُ أَبُو المُظَفَّرِ ابْنُ هُبَيرَةَ فِي كِتَابِهِ (الإِشْرَافُ عَلَى مَذَاهِبِ الأَشْرَافِ): \"بَابٌ فِي السِّحْرِ، فَقَالَ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ السِّحْرَ لَهُ حَقِيقَةٌ إِلَّا أَبَا حَنِيفَةَ؛ فَإِنَّهُ قَالَ لَا حَقِيقَةَ لَهُ عِنْدَهُ\" (^١).\n٢ - إِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ نُقِلَ عَنْهُ القَولَانِ مَعًا -مِنْ جِهَةِ الإِثْبَاتِ وَالنَّفْي-.\nقَالَ أَبُو الحَسَنِ المَاوَرْدِيُّ ﵀: \"فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي حَقِيقَةِ السِّحْرِ، فَقَدِ\n_________\n(^١) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (١/ ٢٥٥).","vol":"1","page":512},{"text":"اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا، فَالَّذِي عَلَيهِ الفُقَهَاءُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَكَثِيرٌ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ أَنَّهُ لَهُ حَقِيقَةً وَتَأثِيرًا\" (^١).\nعِلْمًا أَنَّ أَبَا الحَسَنِ المَاوَرْدِيَّ هَذَا ﵀ كَانَ مُعْتَزِلِيًّا (^٢) -وَالمُعْتَزِلَةُ تُنْكِرُ حَقِيقَةَ السِّحْرِ-؛ وَمَعْ ذَلِكَ فَقَدْ نَسَبَ لِأَبِي حَنِيفَةَ إِثْبَاتَ حَقِيقَةِ السِّحْرِ!\nوَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ المُلَقِّنِ الشَّافِعِيُّ ﵀: \"ثُمَّ السِّحْرُ لَهُ حَقِيقَةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَقَدْ يُمْرِضُ مَنْ يُفْعَلُ بِهِ وَيَمُوتُ خِلَافًا لِمَنْ نَفَاهُ وَقَال إِنَّهُ تَخْيِيلٌ وَشَعْوَذَةٌ\" (^٣).\nوَأَيضًا عُلَمَاءُ المَذْهَبِ الحَنَفِيِّ؛ مِنْهُم مَنْ أَثْبَتَ حَقِيقَتَهُ وَأَثَرَهُ، وَهُمْ أَعْلَمُ بِقَولِ إِمَامِهِم (^٤).\nقَالَ ابْنُ نُجَيمٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ (النَّهْرُ الفَائِقُ شَرْحُ كَنْزِ الدَّقَائِقِ) -مِنْ كُتُبِ الحَنَفِيَّةِ-: \"وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا: إِنَّ لَهُ حَقِيقَةً وَتَأثِيرًا فِي إِيلَامِ الأَجْسَامِ، خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ وَقَالَ: إِنَّهُ تَخْيِيلٌ. كَذَا فِي (الفتح) \" (^٥).\nوَجَاءَ أَيضًا فِي كِتَابِ (الدُّرُّ المُخْتَارُ مَعَ حَاشِيَةِ رَدِّ المُحْتَارِ) -مِنْ كُتُبِ\n_________\n(^١) الحَاوِي الكَبِير لِلْمَاوَرْدِيّ (١٣/ ٩٣).\n(^٢) قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ مِيزَانُ الاعْتِدَالِ (٣/ ١٥٥) -فِي تَرْجَمَةِ أَبِي الحَسَنِ المَاوَرْدِيِّ هَذَا-: \"عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّد، أَقْضَى القُضَاةِ، أَبُو الحَسَنِ المَاوَرْدِي، صَدُوقٌ فِي نَفْسِهِ؛ لَكِنَّهُ مُعْتَزِلِيٌّ\".\n(^٣) التَّوضِيحُ لِشَرْحِ الجَامِعِ الصَّحِيحِ (٢٧/ ٥٣٦).\n(^٤) وَمِنْهُم أَيضًا مَنْ جَعَلَ أَثَرَهُ مُتَعَلِّقًا بِمَا كَانَ كَالدُّخَانِ الَّذِي يَصِلُ إِلَى بَدَنِ المَسْحُورِ.\n(^٥) النَّهْرُ الفَائِقُ شَرْحُ كَنْزِ الدَّقَائِقِ (٣/ ٢٥٤).","vol":"1","page":513},{"text":"الحَنَفِيَّةِ-: \"قَولُهُ: (وَالسِّحْرِ): هُوَ عِلْمٌ يُسْتَفَادُ مِنْهُ حُصُولُ مَلَكَةٍ نَفْسَانِيَّةٍ يُقْتَدَرُ بِهَا عَلَى أَفْعَالٍ غَرِيبَةٍ لِأَسْبَابٍ خَفِيَّةٍ\" (^١).\nوَانْظُرْ كِتَابَ (مِرْقَاةِ المَفَاتِيحِ) أَيضًا لِلعَلَّامَةِ مُلَّا عَلِي القَاري الحَنَفِيِّ ﵀ (^٢).\n٣ - مِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ بِحَقِيقَةِ السِّحْرِ أَنَّه يَقُولُ بِحَدِّ السَّاحِرِ وَرِدَّتِهِ، فَلَو كَانَ السِّحْرُ لَيسَ لَهُ حَقِيقَةٌ عِنْدَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ أَعْمَالِ خِفَّةِ اليَدِ وَمَا يُسَمَّى بِسَاحِرِ (السِّيرك)! فَعَلَى أَيِّ شَيءٍ يَكْفُرُ وَيُقْتَلُ السَّاحِرُ عِنْدَهُ؟!\nجَاءَ فِي كِتَابِ (الدُّرُّ المُخْتَارُ مَعَ حَاشِيَةِ رَدِّ المُحْتَارِ) -مِنْ كُتُبِ الحَنَفِيَّةِ-: \"قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: السَّاحِرُ إذَا أَقَرَّ بِسِحْرِهِ أَو ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ؛ يُقْتَلُ وَلَا يُسْتَتَابُ مِنْهُ\" (^٣).\n٤ - إِنَّ الرَّاجِحَ فِي مَوقِفِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ يَقْصِدُ أَنَّ السِّحْرَ لَهُ حَقِيقَةٌ مِنْ جِهَةِ وُجُودِهِ وَتَأثِيرِهِ عَلَى النَّاسِ بِالمَرَضِ وَالتَّخْيِيلِ وَنَحْوِهِ؛ وَلَيسَ لَهُ حَقِيقَةٌ مِنْ جِهَةِ تَغْيِيرِهِ لِلْأَعْيَانِ، يَعْنِي أَنْ يُحَوِّلَ العِصِيَّ إِلَى أَفَاعِيَ حَقِيقِيَّةٍ مِثَلًا!!\nوَهَذَا بَيَّنَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ.\nوَهَذَا الجَمْعُ أَولَى مِنْ تَرْجِيحِ وَجْهٍ عَلَى وَجْهٍ، لَا سِيَّمَا وَأَنَّ الجَمْعَ هَذَا لَا يُخْرِجُ رَأْيَهُ ﵀ عَنِ الأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ الصَّرِيحَةِ فِي هَذَا البَابِ، وَأَيضًا يَبْقَى مُوَافِقًا لِسَائِرِ كَلَامِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ هُبَيرَةَ فِيمَا سَبَقَ عن إِجْمَاعِهِم.\n_________\n(^١) الدُّرُّ المُخْتَارُ مَعَ حَاشِيَةِ رَدِّ المُحْتَارِ (١/ ٤٤).\n(^٢) مِرْقَاةُ المَفَاتِيحِ (١/ ١٢٣).\n(^٣) الدُّرُّ المُخْتَارُ مَعَ حَاشِيَةِ رَدِّ المُحْتَارِ (٤/ ٢٤٠).","vol":"1","page":514},{"text":"قَالَ الكَشْمِيرِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (فَيضُ البَارِي): \"ثُمَّ إِنَّ السِّحْرَ لَهُ تَأثِيرٌ فِي التَّقْلِيبِ مِنَ الصِّحَّةِ إِلَى المَرَضِ، وَبِالعَكْسِ، أَمَّا فِي قَلْبِ المَاهِيَّةِ؛ فَلَا، وَمَا يَتَرَاءَى فِيهِ مِنْ قَلْبِ المَاهِيَّةِ لَا يَكُونُ فِيهِ إِلَّا التَّخْيِيلُ الصَّرْفُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]، فَلَمْ تَنْقَلِبِ الحِبَالُ إِلَى حَيَّاتٍ! وَلَكِنْ خُيِّلَ إِلَيهِ أَنَّهَا انْقَلَبَتْ.\nوَهَذَا مَا نُسِبَ إِلَى أَبِي حَنِيفَةِ أَنَّ فِي السِّحْرِ تَخْيِيلًا فَقَط، وَلَا يُرِيدُ بِهِ نَفْيَ التَّأثِيرِ مُطْلَقًا؛ فَإِنَّهُ مَعْلُومٌ مَشْهُودٌ، بَلْ يُرِيدُ بِهِ نَفِيَ التَّأثِيرِ فِي حَقِّ قَلْبِ المَاهِيَّاتِ\" (^١).\n_________\n(^١) فَيضُ البَارِي عَلَى صَحِيحِ البُخَارِيّ (٤/ ٢٩٣).","vol":"1","page":515},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-211> المَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: أَنْكَرَتِ المُعْتَزِلَةُ كَونَ النَّبِيِّ ﷺ سُحِرَ،</span> مِنْ أَوجُهٍ:\nالشُّبْهَةِ الأُولَى: قَالُوا: هَذَا يُدْخِلُ طَعْنًا عَلَى تَبْلِيغِ الدِّينِ!\nوَالجَوَابُ:\nنَقُولُ: قَدْ ثَبَتَ كُلٌّ مِنَ الأَمْرَينِ، فنُثْبِتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ سُحِرَ (^١)، وَنَنْفِي عَنْهُ الخَطَأَ فِي التَّشْرِيعِ.\nقَالَ ابْنُ القَيِّمِ ﵀: \"وَكَانَ غَايَةُ هَذَا السِّحْرِ فِيهِ؛ إِنَّمَا هُوَ فِي جَسَدِهِ وَظَاهِرِ جَوَارِحِهِ، لَا عَلَى عَقْلِه وَقَلْبِه، وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ يَعْتَقِدُ صِحَّةَ مَا يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ إِتْيَانِ النِّسَاءِ، بَلْ يَعْلَمُ أَنَّهُ خَيَالٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَمِثْلُ هَذَا قَدْ يَحْدُثُ مِنْ بَعْضِ الأَمْرَاضِ. وَاللهُ أَعْلَمُ\" (^٢).\n_________\n(^١) قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: \"إنَّ هَذَا السِّحْرَ هُوَ مَا يُسَمَّى الآنَ بِالرَّبْطِ، فَلَا يَسْتَطِيعُ الرَّجُلُ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ، وَمَعْ هَذَا فَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ فِي عَقْلِهِ، وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ سَائِرِ شُؤُونِهِ\" أ. هـ بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ مِنْ أَشْرِطَةِ فَتَاوَى جِدَّة (ش ١١).\nوَنَقَلَ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (١٤/ ١٧٥) عَنِ القَاضِي عِيَاضٍ رَحِمَهُمَا اللهُ: \"وَيُرْوَى: (يُخَيَّلُ إِلَيهِ): أَي: يَظْهَرُ لَهُ مِنْ نَشَاطِهِ وَمُتَقَدِّمِ عَادَتِهِ القُدْرَةُ عَلَيهِنَّ؛ فَإِذَا دَنَى مِنْهُنَّ أَخَذَتْهُ أَخْذَةُ السِّحْرِ فَلَم يَأْتِهِنَّ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ كَمَا يَعْتَرِي المَسْحُورَ. وكُلُّ مَا جَاءَ فِي الرِّوَايَاتِ مِنْ أَنَّهُ يُخيَّلُ إِلَيهِ فِعْلُ شَيءٍ لَمْ يَفْعَلْهُ وَنَحْوُهُ فمَحْمُولٌ عَلَى التَّخيُّلِ بِالبَصَرِ لَا لِخَلَلٍ تَطَرَّقَ إِلَى العَقْلِ، وَلَيسَ فِي ذَلِكَ مَا يُدْخِلُ لَبْسًا عَلَى الرِّسَالَةِ\".\n(^٢) زَادُ المَعَادِ (٤/ ١١٦).","vol":"1","page":516},{"text":"الشُّبْهَةِ الثَّانِيَةِ: أَنَّ المُشْرِكِينَ هُمُ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسْحُورٌ! قَالَ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا * انْظُرْ كَيفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإِسْرَاء: ٤٧ - ٤٨].\nوَالجَوَابُ: إِنَّ اتِّهَامَهُم لَهُ ﷺ هُوَ مِنْ بَابِ الإيذَاءِ، وَيَقْصِدُونَ أَنَّ كَلَامَهُ كَلَامُ المَجَانِين -وَحَاشَاهُ ﷺ، وَأَنَّهُ أَتَى بِمَا لَا يُعْقَلُ وَلَا يَصِحُّ، وَلَيسَ مِنْ بَابِ أَنَّهُ مُصَابٌ بِسِحْرٍ فِي بَدَنِهِ قَدْ أَمْرَضَهُ! كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذَّارِيَات: ٥].\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي التَّفْسِيرِ: \"فَتَارَةً مِنْ إِفْكِهِمْ يَقُولُونَ: سَاحِرٌ، وَتَارَةً يَقُولُونَ: شَاعِرٌ، وَتَارَةً يَقُولُونَ: مَجْنُونٌ، وَتَارَةً يَقُولُونَ: كَذَّابٌ. وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿انْظُرْ كَيفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإِسْرَاء: ٤٨] \" (^١).\nوَيَتَأَكَّدُ الجَوَابُ بِبَيَانِ أَنَّ هَذَا هُوَ نَظِيرُ مَا جَرَى مَعَ مُوسَى ﷺ، حَيثُ قَالَ فِرْعَونُ لِمُوسَى: ﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإِسْرَاء: ١٠١] مَعَ مَا قَد عُلِمَ مِنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طَه: ٦٦].\n_________\n(^١) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٦/ ٩٤).","vol":"1","page":517},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-212> المَسْأَلَةُ العَاشِرَةُ: إِذَا كَانَ حَدِيثُ البَابِ ذَكَرَ سَبْعًا مِنَ المُوبِقَاتِ، فَكَيفَ الجَمْعُ مَعَ مَا وَرَدَ فِي أَلْفَاظٍ كَثِيرْةٍ لِلحَدِيثِ عَنْ غَيرِ هَذِهِ السَّبْعَةِ؟</span>\nالجَوَابُ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ (^١):\n١ - أَنَّهُ ﷺ أَعْلَمَ أَوَّلًا بِالمَذْكُورَاتِ، ثُمَّ أَعْلَمَ بِمَا زَادَ، فَيَجِبُ الأَخْذُ بِالزَّائِدِ.\n٢ - أَنَّ الاقْتِصَارَ وَقَعَ بِحَسْبِ المَقَامِ بِالنِّسبَةِ لِلسَّائِلِ أَو مَنْ وَقَعَتْ لَهُ وَاقِعَةٌ.\n٣ - أَنَّ مَفْهُومَ العَدَدِ لَيسَ بِحُجَّةٍ -وَهُوَ جَوَابٌ ضَعِيفٌ-.\n_________\n(^١) ذَكَرَهَا الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١٢/ ١٨٣).","vol":"1","page":518},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-213> المَسْأَلَةُ الحَادِيَةُ عَشْرَةَ: مَا سَبَبُ عَطْفِ السِّحْرِ عَلَى الشِّرْكِ فِي الحَدِيثِ رُغْمَ أَنَّ السِّحْرَ هُوَ مِنَ الشِّرْكِ؟</span>\nالجَوَابُ هُوَ مِنْ وَجْهَينِ:\n١ - أَنَّ السِّحْرَ نَوعٌ مِنَ الشِّرْكِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ عَطْفِ الخَاصِّ عَلَى العَامِّ لِلدَّلَالَةِ عَلَى خُطُورَتِهِ.\n٢ - أَنَّ السِّحْرَ لَيسَ مُطَابِقًا تَمَامًا لِلشِّرْكِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مِنْهُ مَا هُوَ لَيسَ بِشِرْكٍ، كَمَا هُوَ فِي اسْتِخْدَامِ العَقَاقِيرِ وَالتَّدْخِينِ وَخِفَّةِ اليَدِ.","vol":"1","page":519},{"text":"بَابُ بَيَانِ شَيءٍ مِنْ أَنْوَاعِ السِّحْرِ\nقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ؛ حَدَّثَنَا عَوفٌ؛ عَنْ حَيَّانَ بْنِ العَلَاءِ؛ حَدَّثَنَا قَطَنُ بْنُ قَبِيصَةَ عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ العِيَافَةَ وَالطَّرْقَ وَالطِّيَرَةَ مِنَ الجِبْتِ».\nقَالَ عَوفٌ: العِيَافَةُ زَجْرُ الطَّيرِ، وَالطَّرْقُ: الخَطُّ يُخَطُّ بِالأَرْضِ، وَالجِبْتُ؛ قَالَ الحَسَنُ: رَنَّةُ الشَّيطَانِ. إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ. وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ المُسْنَدِ مِنْهُ (^١).\nوَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ النُّجُومِ؛ فَقَدِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ؛ زَادَ مَا زَادَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ (^٢).\nوَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ: «مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا؛ فَقَدْ سَحَرَ، وَمَنْ سَحَرَ؛ فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيئًا؛ وُكِلَ إِلَيهِ» (^٣).\n_________\n(^١) ضَعِيفٌ. أَبُو دَاوُدَ (٣٩٠٧)، وَالنَّسَائِيُّ فِي الكُبْرَى (١١٠٤٣)، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ (٦١٣١)، وَأَحْمَدُ (٢٠٦٠٤)، وَفِيهِ حيَّانُ بْنُ العَلَاءِ؛ وَهُوَ مَجْهُولٌ. تَحْقِيقُ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ لِلشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ ﵀ (١٦٧٨).\nقُلْتُ: لَكِنَّ أَثَرَ عَوفٍ صَحِيحٌ مَقْطُوعًا. صَحِيحُ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ (٣٩٠٨).\n(^٢) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٣٩٠٥). صَحِيحُ الجَامِعِ (٦٠٧٤).\n(^٣) ضَعِيفٌ. النَّسَائِيُّ (٤٠٧٩). ضَعِيفُ الجَامِعِ (٥٧٠٢)، وَالشَّطْرُ الأَخِيرُ مِنْهُ حَسَنٌ لِغَيرِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُكَيمٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ (٢٠٧٢). صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (٣٤٥٦).\n=","vol":"1","page":520},{"text":"وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَلَا هَلْ أُنَبِّئُكُمْ مَا العَضْهُ؟ هِيَ النَّمِيمَةُ؛ القَالَةُ بَينَ النَّاسِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).\nوَلَهُمَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْرًا» (^٢).\n_________\n=\nقُلْتُ: لَكِنَّ الحَدِيثَ مَعْنَاهُ صَحِيحٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ عَقْدَ العُقَدِ وَالنَّفْثَ فِيهَا هُوَ عَمَلُ السَّوَاحِرِ كَمَا قَالَهُ البُخَارِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِهِ (٧/ ١٣٦) فِي بَابِ السِّحْرِ، وَلَا رَيبَ أَنَّ فِعْلَ هَذَا السِّحْرِ شِرْكٌ.\nوَعِنْدَ البَزَّارِ (٩/ ٥٢) مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ مَرْفُوعًا: «لَيسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَو تُطُيِّرَ لَهُ، أَو تَكَهَّنَ أَو تُكُهِّنَ لَهُ، أَو سَحَرَ أَو سُحِرَ لَهُ». صَحِيحٌ. الصَّحِيحَةُ (٢١٩٥).\n(^١) مُسْلِمٌ (٢٦٠٦).\n(^٢) البُخَارِيُّ (٥١٤٦) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، وَمُسْلِمٌ (٨٦٩) عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ مَرْفُوعًا.","vol":"1","page":521},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: أَنَّ العِيَافَةَ وَالطَّرْقَ وَالطِّيَرَةَ مِنَ الجِبْتِ.\nالثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ العِيَافَةِ وَالطَّرْقِ.\nالثَّالِثَةُ: أَنَّ عِلْمَ النُّجُومِ نَوعٌ مِنَ السِّحْرِ.\nالرَّابِعَةُ: العُقَدُ مَعَ النَّفْثِ مِنْ ذَلِكَ.\nالخَامِسَةُ: أَنَّ النَّمِيمَةَ مِنْ ذَلِكَ.\nالسَّادِسَةُ: أَنَّ مِنْ ذَلِكَ بَعْضُ الفَصَاحَةِ.","vol":"1","page":522},{"text":"<span data-type='title' id=toc-216>الشَّرْحُ</span>\n- أَرَادَ المُصَنِّفُ ﵀ بِهَذَا البَابِ بَيَانَ أَنَّ السِّحْرَ أَنْوَاعٌ -أَي مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ، وَالعُرْفِ، وَالشَّرْعِ- وَمِنْهُ الكُفْرُ، وَمِنْهُ مَا دُونَ ذَلِكَ.\nفَقَدْ يُسَمَّى الشَّيءُ سِحْرًا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يَفْعَلُ فِعْلَ السِّحْرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي حَقِيقَتِهِ سِحْرًا مِنْ جِهَةِ المَعْنَى الَّذِي هُوَ الكُفْرُ وَالشِّرْكُ وَعِبَادَةُ الشَّيَاطِين وَالاسْتِعَانَةُ بِهِم، وَقَدْ يُسَمَّى أَيضًا سِحْرًا مِنْ حِيثُ خَفَاءِ أَسْبَابِهِ المَزْعُومَةِ.\n- قَولُهُ: «العِيَافَةَ» عَافَ الشَّيءَ يَعَافُهُ: إِذَا تَرَكَهُ فَلَم تبْغِهِ نَفْسُهُ، وعَافَ الطَّيرُ يَعِيفُ عَيَفَانًا وَعَيفًا وَعِيَافَةً: إِذَا حَامَ فِي السَّمَاءِ (^١).\n- قَولُهُ: «زَجْرُ الطّيرِ» هُوَ أَنْ يُحرِّكَ طَيرًا حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى أَينَ يَتَحَرَّكُ، ثُمَّ يَفْهَمَ مِنْ ذَلِكَ الزَّجْرِ هَلْ هَذَا الأَمْرُ الَّذِي سَيُقْدِمُ عَلَيهِ أَمْرٌ مَحْمُودٌ أَمْ أَمْرٌ مَذْمُومٌ، وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ عُمُومِ الطِّيَرَةِ الَّتِي هِيَ التَّشَاؤُمُ وَالتَّفَاؤُلُ، وَسَيَأْتِي الكَلَامُ عَلَيهَا إِنْ شَاءَ اللهُ بَعْدَ أَبْوَابٍ.\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١٠/ ٢١٣): \"وَكَانُوا يَتَيَمَّنُونَ بِالسَّانِحِ وَيَتَشَاءَمُونَ بِالبَارِحِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِن رَمْيُهُ إِلَّا بِأَنْ يَنْحَرِف إِلَيهِ، وَقَدْ كَانَ بَعْضُ عُقَلَاءِ الجَاهِلِيَّةِ يُنْكِرُ التَّطَيُّرَ وَيَتَمَدَّحُ بِتَرْكِهِ.\nقَالَ شَاعِر مِنْهُمْ: لَعُمْرُكَ مَا تَدْرِي الطَّوَارِق بِالحَصَى … وَلَا زَاجِرَتُ الطَّيرِ مَا اللهُ صَانِعُ\" (^٢).\n_________\n(^١) جَمْهَرَةُ اللُّغَةِ (٢/ ٩٣٨) لِابْنِ دُرَيدٍ.\n(^٢) فَتْحُ البَارِي (١٠/ ٢١٣).","vol":"1","page":523},{"text":"- العِيَافَةُ مِنَ السِّحْرِ، فَحرَكَةُ الطَّيرِ يَمْنَةً أَو يَسْرَةً لَهَا أَثَرٌ خَفَيٌّ دَخَلَ فِي النَّفْسِ فَأَثَّرَ عَلَيهَا مِنْ جِهَةِ الإِقْدَامِ أَوِ الكَفِّ (^١).\n- قَولُهُ: «الطَّرْقُ» مَأْخُوذٌ مِنْ وَضْعِ طُرُقٍ وَخُطُوطٍ فِي الأَرْضِ، وَفَاعِلُهُ يُسَمَّى الرَّمَّالَ.\n- قَولُ الحَسَنِ: (رَنَّةُ الشَّيطَانِ): أَي: مِنْ وَحْي الشَّيطَانِ، وَالرَّنِينُ هُوَ صَوتُهُ الَّذِي يَسْتَفِزُ بِهِ (^٢).\n- قَولُهُ: «اقْتَبَسَ» تَعَلَّمَ، وَ«شُعْبَةً» طائِفَةً.\n- عِلْمُ التَّنْجِيمِ: هُوَ عِلْمُ النُّجومِ، وَالتَّنْجِيمُ هُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْكَالٍ (^٣):\n١ - الاعْتِقَادُ بِأَنَّ النُّجُومَ هِيَ الَّتِي تُدبِّرُ الكَونَ وَتُصَرِّفُهُ، وَأَنَّهَا تُخَاطَبُ وَتُعْبَدُ وَتُدْعَى وَيُسَبَّحُ لَهَا! فَهَذَا النَّوعُ سِحْرٌ وَشِرْكٌ.\nكَمَا هُوَ حَالُ الكَنْعَانِيِّين الَّذِينَ بُعِثَ فِيهِم إِبْرَاهِيمُ ﵇؛ فَإِنَّهُم كَانُوا يَبْنُونَ هَيَاكِلَ عَلَى صُوَرِ الكَوَاكِبِ الَّتِي يَرَونَهَا، وَيَجْعَلُونَ بُيُوتًا لَهَا، وَيَضَعُونَ فِيهَا الصُّوَرَ، ثُمَّ يَتَقَرَّبُونَ إِلَيهَا بِالدُّعَاءِ، وَيَلْبَسُونَ لِبَاسًا مُعَيَّنًا، وَيُبَخِّرُونَ عِنْدَهَا، وَيَتَقرَّبُونَ إِلَيهَا بِالقُرَبِ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُم إِذَا صَنَعُوا ذَلِكَ نَزَلَتْ رُوحَانِيَّاتُهَا! وَهَذِهِ الرُّوحَانِيَّاتُ الَّتِي يَزْعُمُونَ أَنَّهَا رُوحَانِيَّاتُ الكَوَاكِبِ إِنَّمَا هِيَ لِلشَّيَاطِينِ الَّتِي تَنْزِلُ عَلَيهِم، وَقَدْ\n_________\n(^١) وَيُمْكِنُ القَولُ بِأَنَّهَا مِنَ السِّحْرِ بِحَسْبِ مَا يُدَّعَى مِنْ أَثَرِهَا فِي عِلْمِ الغَيبِ.\n(^٢) وَصَوتُ الشَّيطَانِ يَشْمَلُ أَشْيَاءَ كَثِيرْةً؛ مِنْهَا: الأَغَانِي وَالمَزَامِيرُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإِسْرَاء: ٦٤]. وَصَوتُ الشَّيطَانِ هُوَ كُلُّ كَلَامٍ بَاطِلٍ، وكُلُّ كَلَامٍ كُفْرٍ أَو شِرْكٍ.\n(^٣) وَأَكْثَرُ مَا يَرِدُ اسْتِعْمَالُ لَفْظِهِ هُوَ عَلَى النَّوعِ الثَّانِي، وَهُوَ مَعْرِفَةُ المُغَيَّبَاتِ عَنْ طَرِيقِ النُّجُومِ.","vol":"1","page":524},{"text":"تُخَاطِبُهُم، وَقَدْ تَقْضِي حَوَائِجَهُم وَتَفْعَلُ لَهُم بَعْضَ الشَّيءِ الَّذِي يُرِيدُونَهُ؛ لِأَنَّهُم فَعَلُوا مَا تَرْضَاهُ الشَّيَاطِينُ، فَخَدَمُوهَا وَعَبَدُوهَا، فَيَأْتُونَ إِلَيهِم بِبَعْضِ النَّفْعِ (^١).\n٢ - عِلْمُ التَّأْثِيرِ: وَهُوَ الاسْتِدْلَالُ بِالأَحْوَالِ الفَلَكِيَّةِ عَلَى الحَوَادِثِ الأَرْضِيَّةِ، كَالاسْتِدْلَالِ بِمَوَاضِعِ النُّجُومِ مِنَ الاقْتِرْانِ وَالطُّلُوعِ عَلَى الأُمُورِ الَّتِي تَحْدُثُ فِي الأَرْضِ، وَهَذَا أَيضًا كُفْرٌ بِاللهِ تَعَالَى (^٢).\nوَلَكِنَّهُ عَلَى دَرَجَتَينِ:\nأ- أَنْ يَجْعَلَهَا سَبَبًا يَدَّعِي بِهِ عِلْمَ الغَيبِ، فَيَسْتَدِلَّ بِحَرَكَاتِهَا وَتَنَقُّلَاتِهَا وَتَغَيُّرَاتِهَا عَلَى أَنَّهُ سَيَكُونُ كَذَا وَكَذَا (^٣)، فَهَذَا اتَّخَذَ تَعَلُّمَ النُّجومِ وَسِيلَةً لِادِّعَاءِ عِلْمِ الغَيبِ، وَدَعْوَى عِلْمِ الغَيبِ كُفْرٌ مُخْرِجٌ عَنِ المِلَّةِ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النَّمْل: ٦٥]، وَهَذَا الأُسْلُوبُ اللُّغَوِيُّ فِي الحَصْرِ هُوَ مِنْ أَقْوَى أَنْوَاعِ الحَصْرِ، لِأَنَّهُ بِالنَّفِي وَالإِثْبَاتِ، فَإِذَا ادَّعَى أَحَدٌ عِلْمَ الغَيبِ؛ فَقَدْ كَذَّبَ القُرْآنَ.\nب- أَنْ يَجْعَلَهَا سَبَبًا لِحُدُوثِ الخَيرِ وَالشَّرِّ، أَي: أَنَّهُ إِذَا وَقَعَ شَيءٌ نَسَبَهُ إِلَى النُّجُومِ، وَلَا يَنْسُبُ إِلَى النُّجُومِ شَيئًا إِلَّا بَعْدَ وُقُوعِهِ، فَهَذَا شِرْكٌ أَصْغَرُ؛\n_________\n(^١) مُسْتَفَادٌ مِنْ شَرْحِ الشَّيخِ الغُنَيمَانِ حَفِظَهُ اللهُ عَلَى كِتَابِ (فَتْحُ المَجِيدِ)، شَرِيطُ رَقَم (٧٦)، شَرْحُ البَابِ.\n(^٢) وَقَدْ تَغَيَّرَتِ الطُّرُقُ الآنَ عِنْدَ نَاسٍ مِنَ المُثَقَّفِينَ -زَعَمُوا-، فَيَكْتُبُونَ جَدَاوِلَ وَيَذْكُرُونَ الحَوَادِثَ الَّتِي تَحْدُثُ فِي هَذَا البُرْجِ، فَيَقُولُونَ: يَومُ كَذَا يَكُونُ كَذَا وَكَذَا، ومَنْ كَانَ مَولِدُهُ فِي اليَومِ الفُلَانِيِّ يَحْدُثُ لَهُ كَذَا وَكَذَا، وَهَذِهِ كُلُّهَا مِنَ الكُفْرِ وَالضَّلَالِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْظَرَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا رَجْمٌ بِالغَيبِ.\n(^٣) مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: هَذَا الإِنْسَانُ سَتَكُونُ حَيَاتُهُ شَقَاءً لِأَنَّهُ وُلِدَ فِي وَقْتِ النَّجْمِ الفُلَانِيِّ، وَهَذَا حَيَاتُهُ سَتَكُونُ سَعِيدَةً لِأَنَّهُ وُلِدَ فِي النَّجْمِ الفُلَانِيِّ.","vol":"1","page":525},{"text":"حَيثُ جَعَلَ مَا لَيسَ بِسَبَبٍ سَبَبًا.\n٣ - عِلْمُ التَّسْيِيرِ: وَهُوَ الاسْتِدْلَالُ بِالنُّجُومِ عَلَى الجِهَاتِ وَالأَوقَاتِ؛ فَهَذَا جَائِزٌ، وَقَدْ يَجِبُ إِذَا تَرَتَّبَ عَلَيهِ أَمْرٌ وَاجِبٌ شَرْعًا (^١).\nوَهَذَا الاسْتِدْلَالُ أَيضًا يَكُونُ مِنْ جِهَتَينِ:\nأ- الاسْتِدْلَالُ عَلَى الزَّمَانِ: كَالفُصُولِ وَدُخُولِ رَمَضَانَ وَالأَعْيَادِ وَمَوَاعِيدِ الزِّرَاعَةِ وَالحَصَادِ و…\nب- الاسْتِدْلَالُ عَلَى المَكَانِ: كَجِهَةِ القِبْلَةِ وَالجِهَاتِ الأَرْبَعَةِ (^٢).\n- قَولُهُ: «زَادَ مَا زَادَ» هُوَ عَلَى وَجْهَينِ مُتَلازِمَينِ:\n١ - كُلَّمَا ازْدَادَ مِنْ عِلْمِ النُّجُومِ؛ ازْدَادَ مِنَ السِّحْرِ حَتَّى يَصِلَ إِلَى حَقِيقَتِهِ، وَهُوَ عِلْمُ التَّأْثِيرِ؛ فَيُصْبِحُ سِحْرًا وَكِهَانَةً حَقِيقَةً.\n٢ - كُلَّمَا ازْدَادَ مِنْ تَعَلُّمِ عِلْمِ النُّجُومِ؛ ازْدَادَ فِي الإِثْمِ الحَاصِلِ.\n- النَّفْثُ: هُوَ النَّفْخُ بِرِيقٍ خَفِيفٍ، وَهُوَ دُونَ التَّفْلِ.\n- قَولُهُ: «وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيئًا؛ وُكِلَ إِلَيهِ» مُنَاسَبَةُ هَذِهِ الجُمْلَةِ لِلَّتِي قَبْلَهَا هُوَ مِنْ جِهَتَينِ:\n١ - أَنَّ النَّافِخَ فِي العُقَدِ يُرِيدُ أَنْ يَتَوَصَّلَ بِهَذَا الشَّيءِ إِلَى حَاجَتِهِ وَمَآرِبِهِ، فَيُوكَلُ إِلَى هَذَا الشَّيءِ المُحَرَّمِ وَهُوَ السِّحْرُ.\n_________\n(^١) كَحَالِ المُسَافِرِ خَارِجَ البُنْيَانِ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيهِ مَعْرِفَةُ جِهَةِ القِبْلَةِ مِنْ أَجْلِ الصَّلَاةِ.\n(^٢) وَمِنْهُ نَأْخُذُ خَطَأَ العَوَامِّ الَّذِينَ يَقُولُونَ -إِذَا هَبَّتِ الرِّيحُ-: طَلَعَ النَّجْمُ الفُلَانِيُّ! وَذَلِكَ لِأَنَّ النُّجُومَ لَا تَأْثِيرَ لَهَا بِالرِّيَاحِ، صَحِيحٌ أَنَّ بَعْضَ الأَوقَاتِ وَالفُصُولِ يَكُونُ فِيهَا رِيحٌ وَمَطَرٌ؛ وَلَكِنَّهَا ظَرْفٌ لَهُمَا، وَلَيسَتْ سَبَبًا لَهُمَا.","vol":"1","page":526},{"text":"٢ - أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ إِذَا سُحِرَ عَنْ طَرِيقِ النَّفْثِ بِالعُقَدِ ذَهَبَ إِلَى السَّحْرةِ وتَعَلَّقَ بِهِم لِيَكْشِفُوا مَا بهِم! وَتَعَلَّقُوا أَيضًا التَّمَائِمَ! فَكَانَ فِيهِ إِذًا الإِرْشَادُ إِلَى التَّوكلِ عَلَى اللهِ تَعَالَى الَّذِي بِيَدِهِ سُبْحَانَهُ الأَسْبَابُ كُلُّهُا، وَمِنْ ثُمَّ يَتَعَاطَى مَا جَازَ فِي الشَّرِيعَةِ فِعْلُهُ مِنَ الأَسْبَابِ (^١).\n- (العِضَةُ): الكَذِبُ وَالبُهْتَانُ، وَ(العَضْهُ): التَّفْرِيقُ (^٢).\nقَالَ فِي القَامُوسِ المُحِيطِ (^٣): \"وَالعِضَةُ: السِّحْرُ وَالكِهَانَةُ، وَالعَاضِهُ: السَّاحِرُ\" (^٤).\n- النَّمِيمَةُ كَبِيرَةٌ مِنَ الكَبَائِرِ، وَهِيَ نَقْلُ الكَلَامِ عَلَى وَجْهِ الوِشَايَةِ وَالإِفْسَادِ (^٥).\n_________\n(^١) وَقَدْ يَشْمَلُ الحَدِيثُ مَنْ تَوَكَّلَ وَاعْتَمَدَ عَلَى نَفْسِهِ وَصَارَ مُعْجَبًا بِمَا يَقُولُ وَيَفْعَلُ؛ فَإِنَّهُ يُوكَلُ إِلَى نَفْسِهِ، ويُوكَلُ إِلَى ضَعْفٍ وَعَجْزٍ وَعَورَةٍ، وَلِهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ العَبْدُ دَائِمًا مُتَعَلِّقًا بِاللهِ فِي كُلِّ أَفْعَالِهِ وَأَحْوَالِهِ حَتَّى فِي أَهْوَنِ الأُمُورِ، وَكَذَلِكَ مَنْ تَعَلَّقَ بِصَنْعَةٍ مِنْ صَنْعَتِهِ أَو عَمَلٍ مِنْ عَمَلِهِ فَيُوكَلُ إِلَيهِ.\n(^٢) العَضْهُ -بِفَتْحِ المُهْمَلَةِ وَسُكُونِ المُعجَمَةِ- قَالَ ابْنُ الأثير ﵀ فِي كِتَابِهِ النِّهَايَةُ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ (٣/ ٤٩٦): \"هَكَذَا يُرْوَى فِي كُتُبِ الحَدِيثِ، وَالَّذِي فِي كُتُبِ الغَرِيبِ: «ألَا أُنَبِّئُكُم مَا العِضَةُ» بِكَسْرِ العَينِ وَفَتْحَ الضَّادِ\".\n(^٣) القَامُوسُ المُحِيطُ (ص ١٢٤٩) بِحَذْفٍ يَسِيرٍ.\n(^٤) وَقَالَ فِي تَاجِ العَرُوسِ (٣٩/ ٦١): \" ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحِجْر: ٩١] قَالَ الرَّاغِبُ: جَعَلوا القُرْآنَ عِضِينَ؛ أَي: مُفَرَّقًا، فَقَالُوا: كِهَانَةٌ، وَقَالُوا: أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ، إِلَى غَيرِ ذَلِكَ مِمَّا وَصَفُوهُ بِهِ.\nوَقِيلَ: مَعْنَى (عِضِين) مَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البَقَرَة: ٨٥] خِلَافَ مَنْ قَالَ فِيهِ: ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ [البَقَرَة: ١١٨] \".\nقُلْتُ: وَهُوَ صَحِيحٌ مِنَ الوَجْهَينِ هُنَا، لِأَنَّ مَنْ آمَنَ بِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ فَقَدْ فَرَّقَ فِيهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَينَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَينَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النِّسَاء: ١٥٠ - ١٥١].\nوَأَيضًا فَإِنَّهُم كَذَّبُوا النَّبِيَّ ﷺ فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنَ القُرْآنِ؛ فَهُوَ عَلَى المَعْنَى الثَّانِي أَيضًا صَحِيحٌ؛ أَي: مِنَ الكَذِبِ وَالبُهْتَانِ.\n(^٥) وَفِي لَفْظٍ لِلحَدِيثِ: «أَتَدْرُونَ مَا العَضْهُ؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: نَقْلُ الحَدِيثِ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ إِلَى بَعْضٍ لِيُفْسِدُوا بَينَهُمْ». صَحِيحٌ. الأَدَبُ المُفْرَدُ (٤٢٥) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٨٤٥).","vol":"1","page":527},{"text":"وَوَجْهُ تَسْمِيَتِهَا سِحْرًا أَنَّهَا تَعْمَلُ عَمَلَ السِّحْرِ فِي التَّفرِيقِ بَينَ النَّاسِ، بَلْ قَدْ تَكُونُ أَشَدَّ مِنْ حَيثُ الضَّرَرِ، كَمَا قَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ (^١): \"يُفْسِدُ النَّمَّامُ وَالكذَّابُ فِي سَاعَةٍ مَا لَا يُفْسِدُ السَّاحِرُ فِي سَنَةٍ\".\nوَفِي الحَدِيثِ: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ» (^٢) وَهُوَ النَّمَّامُ.\n- قَولُهُ: «إنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْرًا» (^٣): (مِنْ) هُنَا للتَّبْعِيضِ، وَالبَيَانُ عُمُومًا هُوَ عَلَى مَعْنَيِينِ:\n١ - الإِفْهَامِ: وَهَذَا يَشْتَرِكُ فِيهِ جَمِيعُ النَّاسِ؛ خِلَافًا لِلبَهَائِمِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرَّحْمَن: ١ - ٤] (^٤).\n_________\n(^١) وَهُوَ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ حَافِظٌ، (ت ١٢٩ هـ)، وَالأَثَرُ أَورَدَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي الفُرُوعِ (١٠/ ٢١١) عَنِ ابْنِ عَبْدِ البَرِّ رَحِمَهُمَا اللهُ.\n(^٢) البُخَارِيُّ (٦٠٥٦)، وَمُسْلِمٌ (١٠٥) عَنْ حُذَيفَةَ مَرْفُوعًا.\n(^٣) وَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ؛ قَالَ: جَلَسَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَيسُ بْنُ عَاصِمٍ وَالزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ وَعَمْرُو بْنُ الأَهْتَمِ التَّمِيمِيُّونَ، فَفَخَرَ الزِّبْرِقَانُ؛ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَنَا سَيِّدُ تَمِيمٍ، وَالمُطَاعُ فِيهِمْ، وَالمُجَابُ فِيهِمْ، أَمْنَعُهُمْ مِنَ الظُّلْمِ فَآخُذُ لَهُمْ بِحُقُوقِهِمْ، وَهَذَا يَعْلَمُ ذَاكَ -يَعْنِي عَمْرَو بْنَ الأَهْتَمِ-، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الأَهْتَمِ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ لَشَدِيدُ العَارِضَةِ، مَانِعٌ لِجَانِبِهِ، مُطَاعٌ فِي نَادِيهِ. قَالَ الزِّبْرِقَانُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللهِ؛ لَقَدْ عَلِمَ مِنِّي غَيرَ مَا قَالَ، وَمَا مَنَعَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ إِلَّا الحَسَدُ، قَالَ عَمْرٌو: أَنَا أَحْسُدُكَ! فَوَاللَّهِ إِنَّكَ لَئِيمُ الخَالِ، حَدِيثُ المَالِ، أَحْمَقُ الوَالِدِ، مُضَيِّعٌ فِي العَشِيرَةِ. وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللهِ؛ لَقَدْ صَدَقْتُ فِيمَا قُلْتُ أَوَّلًا، وَمَا كَذَبْتُ فِيمَا قُلْتُ آخِرًا، لَكِنِّي رَجُلٌ رَضِيتُ فَقُلْتُ أَحْسَنَ مَا عَلِمْتَ، وَغَضِبْتُ فَقُلْتُ أَقْبَحَ مَا وَجَدْتَ، وَوَاللَّهِ لَقَدْ صَدَقْتُ فِي الأَمْرِينِ جَمِيعًا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْرًا؛ إِنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْرًا». مُسْتَدْرَكُ الحَاكِمِ (٦٥٦٨). وَفِي لَفْظٍ لِلحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلًا أَو أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ بَيِّنٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ مِنَ البَيَانِ سِحْرًا، وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً». صَحِيحٌ. الأَدَبُ المُفْرَدُ (٨٧٢). الصَّحِيحَةُ (١٧٣١).\n(^٤) وَمِنْهُ سُمِّيَتِ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً؛ لِأَنَّهَا مُبْهِمَةٌ عَمَّا تُرِيدُ.","vol":"1","page":528},{"text":"٢ - الفَصَاحَةِ التَّامَّةِ: وَهِيَ الَّتِي تَسْبِي العُقُولَ وَتُغَيِّرُ الأَفْكَارَ، وَتُؤَثِّرُ فِي القُلُوبِ، وَعَلَيهَا يُحْمَلُ الحَدِيثُ هُنَا.\nوَوَجْهُ كَونِهِ مِنَ السِّحْرِ هُوَ أَنَّ صَاحِبَهُ يُؤَثِّرُ فِي النَّاسِ بِاسْتِمَالَةِ قُلُوبِهِم عَلَى وَجْهٍ خَفِيٍّ؛ فَيَعْمَلُ عَمَلَ السِّحْرِ فَيَجْعَلُ الحَقَّ فِي قَالِبِ البَاطِلِ؛ وَالبَاطِلَ فِي قَالِبِ الحَقِّ!\n- قَولُهُ: «مِنَ البَيَانِ» اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي كَونِهِ سِيقَ لِلمَدْحِ أَمْ لِلذَمِّ، فجَعَلَهُ بَعْضُهُم لِلذَّمِّ لِكَونِهِ سَمَّاهُ سِحْرًا، وَجَعَلَهُ بَعْضُهُم مَدْحًا لِكَونِهِ عَنِ البَيَانِ -وَالبَيَانُ نِعْمَةٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى-.\nوَالأَرْجَحُ -وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ- هُوَ أَنَّهُ يُمْدَحُ أَو يُذَمُّ بِحَسْبِ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ مِنْ حَقٍّ أَو بَاطِلٍ -إِذَا خَلَا مِنَ التَّكلُّفِ-.\nوَفِي الأَدَبِ المُفْرَدِ لِلْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنَ عُمَرَ ﵄: قَدِمَ رَجُلَانِ مِنَ المَشْرِقِ -خَطِيبَانِ- عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَامَا فَتَكَلَّمَا ثُمَّ قَعَدَا، وَقَامَ ثَابِتُ بْنُ قَيسٍ -خَطِيبُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَتَكَلَّمَ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِهِمَا، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، قُولُوا قَولَكُمْ؛ فَإِنَّمَا تَشْقِيقُ الكَلَامِ مِنَ الشَّيطَانِ»، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مِنَ البَيَانِ سِحْرًا» (^١)، وَتَشْقِيقُ الكَلَامِ: هُوَ المُبَالَغَةُ فِيهِ وَتَزْيِينُهُ (^٢).\n- فَائِدَةٌ: يَدْخُلُ فِي إتْيَانِ الكُهَّانِ قِرَاءَةُ المَجَلَّاتِ الَّتِي فِيهَا بُرُوجُ الحَظِّ، فَالإِنْسَانُ يَقْرَؤُهَا وَقَدْ يَفْتَتَنُ بِهَا، فَهِيَ مِنْ جِنْسِ إِتْيَانِ الكُهَّانِ.\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. صَحِيحُ الأَدَبِ المُفْرَدِ (٦٧٥).\n(^٢) قَالَ ابْنُ الرُّومِيِّ فِي دِيوَانِهِ (٢/ ١٦٩):\n\"في زُخْرُفِ القَولِ تَرْجِيحٌ لِقَائِلِهِ … وَالحَقُّ قَدْ يَعْتَرِيهِ بَعْضُ تَغْيِيرِ\nتَقُولُ هَذَا مُجَاجُ النَّحْلِ تَمْدَحُهُ … وَإِنْ تَعِبْ قُلْتَ ذَا قَيءُ الزَّنَابِيرِ\nمَدْحًا وَذَمًّا ومَا جَاوَزْتَ وَصْفَهُمَا … سِحْرُ البَيَانِ يُرِي الظَلْمَاءَ كَالنَّورِ\".","vol":"1","page":529},{"text":"<span data-type='title' id=toc-217>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-218> مَسْأَلَةٌ: إِذَا كَانَ الطَّرْقُ مِنَ السِّحْرِ؛ فَمَا الجَوَابَ عَنْ خَبَرِ النَّبِيِّ ﷺ فِي النَّبِيِّ الَّذِي كَانَ يَخُطُّ،</span> وَالَّذِي قَالَ فِيهِ: «فَمَنْ وَافَقَ خَطُّهُ خَطَّهُ فَذَاكَ» (^١)؟\nالجَوَابُ هُوَ مِنْ وَجْهَينِ:\n١ - أَنَّ هَذَا هُوَ مِنَ التَّعْلِيقِ بِالمُحَالِ، وَالمَعْنَى: مَنْ كَانَ مِنْكُم نَبِيًّا فَلَهُ ذَاكَ، وَالمَقْصُودُ أَنَّهُ حَرَامٌ.\n٢ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَهُ سَبِيلًا لِنَبيِّهِ ذَاكَ؛ أَنَّهُ يَخُطُّ فِي الأَرْضِ فَيُعَلِّمُهُ مِنْ وَحْيهِ بِمَا شَاءَ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ يَدَّعِي ذَلِكَ وَهُوَ كَاذِبٌ يَقِينًا! لِانْقِضَاءِ زَمَنِ الوَحْي وَالنُّبُوَّةِ، فَيَكُونُ مِنِ ادِّعَاءِ الغَيبِ وَمِنَ التَّعَامُلِ مَعَ الشَّيَاطِينِ، فَالأًوَّلُ وَحْيٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَالثَّانِي وَحْيٌ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ.\n_________\n(^١) وَالحَدِيثُ هُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٥٣٧) عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الحَكَمِ السُّلَمِيِّ، وَفِيهِ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ: إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ وَقَدْ جَاءَ اللهُ بِالإِسْلَامِ، وَإِنَّ مِنَّا رِجَالًا يَأْتُونَ الكُهَّانَ! قَالَ: «فَلَا تَأْتِهِمْ». قَالَ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ! قَالَ: «ذَاكَ شَيءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ فَلَا يَصُدَّنَّهُمْ». قَالَ: قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ! قَالَ: «كَانَ نَبِيٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ؛ فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ».","vol":"1","page":530},{"text":"بَابُ مَا جَاءَ فِي الكُهَّانِ وَنَحْوِهِمْ\nرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ قَالَ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيءٍ فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ؛ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةُ أَرْبَعِينَ يَومًا» (^١).\nوَعَنْ أَبِي هُريرةَ ﵁؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ قَالَ: «مَنْ أَتَىَ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ؛ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^٢).\nوَلِلْأَرْبَعَةِ وَالحَاكِمِ -وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا-؛ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَو كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ؛ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» (^٣).\nوَلِأَبِي يَعَلَى بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلُهُ مَوقُوفًا (^٤).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢٢٣٠) دُونَ زِيَادَةِ «فَصَدَّقَهُ»، وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ (١٦٦٣٨) فِي المُسْنَدِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ دُونَ زِيَادَةِ «فَسَأَلَهُ». الضَّعِيفَةُ (٦٥٢٣).\nقُلْتُ: وَأَمَّا حَدِيثُ: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ؛ فَقَدْ بَرِءَ مِمَّا أُنِزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ. ومَنْ أَتَاهُ غَيرَ مُصَدِّقٍ لَهُ؛ لَمْ تُقْبلْ لَهُ صَلَاةُ أَرْبَعِينَ يَومًا»! فَقَدْ قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الضَّعِيفَةِ بِنَفْسِ الرَّقَمِ السَّابِقِ (٦٥٢٣): \"مُنْكَرٌ لِلفَقَرَةِ الثَّانِيَةِ. أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي المُعْجَمِ الأَوسَطِ، فَإِنَّ الفَقَرَةَ الثَّانِيَةَ إنَّمَا صَحَّتْ فِي المُصَدِّقِ بِلَفْظِ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ؛ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ يَومًا». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيخَينِ، ورَوَاهُ مُسْلِم وَغَيرُهُ\".\n(^٢) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٣٩٠٤). الصَّحِيحَةُ (٣٣٨٧).\n(^٣) صَحِيحٌ. الحَاكِمُ (١٥)، وَقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: \"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائيُّ وَابْنُ مَاجَه، وَفِي أَسَانِيدِهِم كَلَامٌ ذَكَرْتُهُ فِي مُخْتَصَرِ السُّنَنِ\". صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (٣٠٤٧).\n(^٤) صَحِيحٌ مَوقُوفًا. أَبُو يَعْلَى (٥٤٠٨)، وَالبزَّارُ (٥/ ٣١٥)؛ وَبِزِيَادَةِ «أَو سَاحِرًا». صَحِيحُ التَّرْغِيبِ\n=","vol":"1","page":531},{"text":"وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ مَرْفُوعًا: «لَيسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَو تُطِيِّرَ لَهُ، أَو تَكَهَّنَ أَو تُكُهِّنَ لَهُ، أَو سَحَرَ أَو سُحِّرَ لَهُ، ومَنْ أَتَى كَاهِنًا؛ فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ؛ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ». رَوَاهُ البَزَّارُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ (^١).\nوَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الأَوسَطِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ دُونَ قَولِهِ «وَمَنْ أَتَى» إِلَى آخِرِهِ (^٢).\nقَالَ البَغَوِيُّ: \"العَرَّافُ: الَّذِي يَدَّعِي مَعْرِفَةَ الأُمُورِ بِمُقَدِّمَاتٍ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى المَسْرُوقِ وَمَكَانِ الضَّالَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقِيلَ هُوَ الكَاهِنُ. وَالكَاهِنُ: هُوَ الَّذِي يُخْبِرُ عَنِ المُغَيَّبَاتِ فِي المُسْتَقْبَلِ، وَقِيلَ: الَّذِي يُخْبِرُ عَمَّا فِي الضَّمِيرِ\" (^٣).\nوَقَالَ أَبُو العَبَّاسِ ابْنُ تَيمِيَّةَ: \"العَرَّافُ اسْمٌ لِلْكَاهِنِ وَالمُنَجِّمِ وَالرَّمَّالِ وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ فِي مَعْرِفَةِ الأُمُورِ بِهَذِهِ الطُّرُقِ\" (^٤).\nوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَومٍ يَكْتُبُونَ (أَبَا جَادٍ) وَيَنْظُرُونَ فِي النُّجُومِ: (مَا أَرَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَهُ عِنْدَ اللهِ مِنْ خَلَاقٍ) (^٥).\n_________\n=\nوَالتَّرْهِيبِ (٣٠٤٨).\nقُلْتُ: وَلَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ كَمَا قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١٠/ ٢١٧): \"إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ بِالرَّأْي\".\n(^١) صَحِيحٌ لِغَيرِهِ. البزَّارُ (٩/ ٥٢)، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ (١٨/ ١٦٢). الصَّحِيحَةُ (٢١٩٥).\n(^٢) الطَّبَرَانِيُّ فِي الأَوسَطِ (٤٢٦٢).\n(^٣) شَرْحُ السُّنَّةِ لِلبَغَوِيِّ (١٢/ ١٨٢).\n(^٤) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (٣٥/ ١٧٣).\n(^٥) صَحِيحٌ مَوقُوفًا. أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي المُصَنِّفِ بِرَقَم (١٩٨٠٥)، وَقَالَ: (عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ طَاوُوس عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ). وَكَذَا رَوَاهُ البَيهَقِيُّ عَنْهُ فِي الشُّعَبِ (٤٨٣١). تَحْقِيقُ فَتْحِ المَجِيدِ (ص ٣٠٧) لِلشَّيخِ حَامِدِ الفَقِي.\nوَالمَرْفُوعُ مِنْهُ مَوضُوعٌ وَهُوَ بِلَفْظِ: «رُبَّ مُعَلِّمِ حُرُوفِ أَبَي جَادَ، دَارِسٍ فِي النُّجُومِ، لَيسَ لَهُ عِنْدَ اللهِ خَلَاقٌ يَومَ القِيَامَةِ»، فَإِنَّ فِيهِ خَالِدَ بْنَ يَزِيدَ العُمَرِيَّ، وَهُوَ كذَّابٌ. الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ (١١/ ٤١). الضَّعِيفَةُ (٤١٧).","vol":"1","page":532},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: أَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ تَصْدِيقُ الكَاهِنِ مَعَ الإِيمَانِ بِالقُرْآنِ.\nالثَّانِيَةُ: التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ كُفْرٌ.\nالثَّالِثَةُ: ذِكْرُ مَنْ تُكُهِّنَ لَهُ.\nالرَّابِعَةُ: ذِكْرُ مَنْ تُطُيَّرَ لَهُ.\nالخَامِسَةُ: ذِكْرُ مَنْ سُحِرَ لَهُ.\nالسَّادِسَةُ: ذِكْرُ مَنْ تَعَلَّمَ أَبَا جَادٍ.\nالسَّابِعَةُ: ذِكْرُ الفَرْقِ بَينَ الكَاهِنِ وَالعَرَّافِ.","vol":"1","page":533},{"text":"<span data-type='title' id=toc-221>الشَّرْحُ</span>\n- قَالَ فِي المُعْجَمِ الوَسِيطِ: \" (كَهَنَ) لَهُ كِهَانَةً: أَخْبَرَهُ بِالغَيبِ؛ فَهُوَ كَاهِنٌ\" (^١).\nوَفِي القَامُوسِ المُحِيطِ: \"تَكَهَّنَ: قَضَى لَهُ بِالغَيبِ\" (^٢).\n- الكَاهِنُ يَجْتَمِعُ مَعَ السَّاحِرِ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَسْتَخْدِمُ الجِنَّ لِغَرَضِهِ وَيَسْتَمْتِعُ بِهِ.\n- مُنَاسَبَةُ البَابِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ وَلِمَا قَبْلَهُ؛ هُوَ أَنَّ الكَاهِنَ كَافرٌ، وَأَنَّ الكِهَانَةَ شِرْكٌ، وَذَلِكَ مِنْ جِهَتَينٍ:\n١ - مِنْ جِهَةِ دَعْوَى مُشَارَكَةِ اللهِ تَعَالَى فِي عِلْمِهِ بِالغَيبِ؛ وَهَذَا اخْتَصَّ بِهِ سُبْحَانَهُ.\n٢ - مِنْ جِهَةِ التَّقَرُّبِ إِلَى غَيرِ اللهِ تَعَالَى مِنَ الجِنِّ؛ وَدُعَائِهِم وَعِبَادَتِهِم.\nوَقَدْ جَعَلَهُم جَابِرٌ ﵁ مِنَ الطَّوَاغِيتِ -كَمَا سَبَقَ فِي الأَبْوَابِ-، فَهُم طَوَاغِيتُ لِأَنَّهُم تَجَاوَزُوا حَدَّهُم فَنَازَعُوا اللهَ تَعَالَى فِي صِفَاتِهِ مِنْ عِلْمِ الغَيبِ وعِلْمِ مَا فِي الصُّدُورِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النَّمْل: ٦٥].\n_________\n(^١) المُعْجَمُ الوَسِيطُ (٢/ ٨٠٣).\n(^٢) القَامُوسُ المُحِيطُ (ص ١٢٢٨).\nوَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي الفَتْحِ (١٠/ ٢١٦): \"وَالكَهَانَةُ -بِفَتْحِ الكَافِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا-: ادِّعَاءُ عِلْمِ الغَيبِ، كَالإِخْبَارِ بِمَا سَيَقَعُ فِي الأَرْضِ مَعَ الاسْتِنَادِ إِلَى سَبَبٍ، وَالأَصْلُ فِيهَا اسْتِرَاقُ السَّمْعِ مِنْ كَلَامِ المَلَائِكَةِ فَيُلْقِيهِ فِي أُذُنِ الكَاهِنِ.\nوَالكَاهِنُ لَفْظٌ يُطْلَقُ عَلَى العَرَّافِ وَالَّذِي يَضْرِبُ بِالحَصَى وَالمُنَجِّمِ، وَيُطْلَقُ عَلَى مَنْ يَقُومُ بِأَمْرٍ آخَرَ وَيَسْعَى فِي قَضَاءِ حَوَائِجِهِ.\nوَقَالَ فِي المُحْكَمِ: الكَاهِنُ: القَاضِي بِالغَيبِ، وَقَالَ فِي الجَامِعِ: العَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ مَنْ أَذِنَ بِشَيءٍ قَبْلَ وُقُوعِهِ كَاهِنًا\".","vol":"1","page":534},{"text":"وَتَأَمَّلْ قَولَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ فِي حَقِّ الرَّسُولِ ﷺ: (وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُخْبِرُ بِمَا يَكُونُ فِي غَدٍ؛ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الفِرْيَةَ، وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيبَ إِلَّا اللَّهُ﴾) (^١)، حَيثُ جَعَلَتْ ادِّعَاءَ ذَلِكَ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ افْتِرَاءً عَظِيمًا عَلَى اللهِ تَعَالَى؛ وَلَيسَ فَقَطْ عَلَى الرَّسُولِ! وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّ الشِّرْكَ مَعَ اللهِ تَعَالَى فِي صِفَاتِهِ هُوَ تَنَقُّصٌ لِلرَّبِّ ﷾.\n- قَولُهُ: (فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ): أَي: بِالقُرْآنِ، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النَّمْل: ٦٥].\n- أَثَرُ ابْنِ مَسْعُودٍ المَوقُوفُ هُوَ بِلَفْظِ: (مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَو سَاحِرًا أَو كَاهِنًا فَسَأَلَهُ فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ؛ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ)، وَلَهُ حُكْمُ الرَّفعِ، كَمَا قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ: \"إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، ومِثْلُهُ لَا يُقَالُ بِالرَّأْي\" (^٢).\n- قَولُهُ: (لَيسَ مِنَّا): إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ مِنَ الكَبَائِرِ، وَالكَبَائِرُ مِنْهَا مَا قَدْ يَكُونُ كُفْرًا مُخْرِجًا مِنَ المِلَّةِ، وَمِنْهُ مَا قَدْ يَكُونُ مَعْصِيَةً كَبِيرَةً.\n- أَبُو يَعْلَى: هُوَ الإِمَامُ الحَافِظُ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ؛ المَوصِلِيُّ -نِسْبَةً إِلَى المَوصِل- صَاحِبُ التَّصَانِيفِ كَالمُسْنَدِ وَغَيرِهِ، (ت ٣٠٧ هـ).\n- الكَاهِنُ لَا يَجُوزُ إِتْيَانُهُ وَلَو لِمُجَرَّدِ الاطِّلَاعِ عَلَى مَا عِنْدَهُ.\nفَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الحَكَمِ السُّلَميِّ عِنْدَمَا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَمَّنْ يَأْتُونَ الكُهَّانَ فَقَالَ لَهُ: «لَا تَأْتِهِم» (^٣).\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٤٨٥٥)، وَمُسْلِمٌ (١٧٧).\n(^٢) فَتْحُ البَارِي (١٠/ ٢١٧).\n(^٣) مُسْلِمٌ (٥٣٧).","vol":"1","page":535},{"text":"قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: \"قَالَ العُلَمَاءُ: إِنَّمَا نُهِيَ عَنْ إِتْيَانِ الكَاهِنِ لِأَنَّهُمْ يَتَكَلَّمُونَ فِي مُغَيَّبَاتٍ قَدْ يُصَادِفُ بَعْضُهَا الإِصَابَةَ؛ فَتُخَافُ الفِتْنَةُ عَلَى الإِنْسَانِ بِسَبَبِ ذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ يُلَبِّسُونَ عَلَى النَّاسِ كَثِيرًا مِنْ أَمْرِ الشَّرَائِعِ، وَقَدْ تَظَاهَرَتِ الأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِالنَّهْيِ عَنْ إِتْيَانِ الكُهَّانِ وَتَصْدِيقِهِمْ فِيمَا يَقُولُونَ، وَتَحْرِيمِ مَا يُعْطَونَ مِنَ الحُلْوَانِ، وَهُوَ حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ المُسْلِمِينَ\" (^١).\n- قَولُ ابْنِ عَبَّاسٍ: (لَيسَ لَهُ عِنْدَ اللهِ خَلَاقٌ): أَي: لَيسَ لَهُ نَصِيبٌ مِنَ الجَنَّةِ عِنْدَ اللهِ ﷿، وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ كَافِرٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي السَّحَرةِ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البَقَرَة: ١٠٢].\n- البَغَوِيُّ: هُوَ مُحْيي السُّنَّةِ؛ أَبُو مُحَمَّدٍ؛ الحُسَينُ بْنُ مَسْعُودٍ الفَرَّاءُ؛ البَغَوِيُّ (نِسْبَةً إِلَى -بَغ- وَهِيَ مَدِينَةٌ بَينَ هَرَاةَ وَمَرْو فِي خُرِاسَانَ) الشَّافِعِيُّ؛ عَالِمُ خُرَاسَان وَصَاحِبُ التَّصَانِيفِ كَالتَّهْذِيبِ وَشَرْحِ السُّنَّةِ وَالتَّفْسِيرِ (ت ٥١٦ هـ).\n- (أَبُو العَبَّاسِ): هُوَ شَيخُ الإِسْلَامِ؛ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الحَلِيمِ بْنُ تَيمِيَّةَ الحَرَّانِيُّ، (ت ٧٢٨ هـ).\n- قَولُهُ: (يُخْبِرُ عَمَّا فِي الضَّمِيٍرِ): يَعْنِي عَمَّا فِي القَلْبِ، وَلَا يَعْلَمُ مَا فِي القُلُوبِ إِلَّا اللهُ تَعَالَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [فَاطِر: ٣٨]، لَكِنَّ الشَّيطَانَ قَدْ يَعْرِفُ شَيئًا مِنْ هَوَاجِسِ الإِنْسَانِ\n_________\n(^١) شَرْحُ مُسْلِمٍ (٥/ ٢٢).\nوَقَالَ المُنَاوِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ فَيضُ القَدِيرِ (٦/ ٢٣): \"وَاعْلَمْ أَنَّ إِتْيَانَ الكَاهِنِ شَدِيدُ التَّحْرِيمِ حَتَّى فِي المِلَلِ السَّابِقَةِ، قَالَ فِي السِّفْرِ الثَّانِي مِنَ التَّورَاةِ: (لَا تَتَّبِعُوا العَرَّافِينَ وَالقَافَةَ وَلَا تَنْطَلِقُوا إِلَيهِم، وَلَا تَسْأَلُوهُم عَنْ شَيءٍ لِئَلَّا تَتَنَجَّسُوا بِهِم) \".","vol":"1","page":536},{"text":"لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُوَسْوِسُ لَهُ.\n- الكَاهِنُ يَسْتَخْدِمُ وَسِيلَةً ظَاهِرَةً لِلنَّاسِ فِي إِجَابَاتِهِ لِيُقْنِعَ السَّائِلَ بِأَنَّهُ وَصَلَ إِلَيهِ العِلْمُ عَنْ طَرِيقِهَا، كَالنُّجُومِ أَوِ الخَطِّ أَوِ الكَفِّ، وَهِيَ وَسَائِلُ لَا تُحَصِّلُ ذَلِكَ العِلْمَ! وَلَكِنَّ العِلْمَ جَاءَهُ عَنْ طَرِيقِ الجِنِّ، وَهَذِهِ الوَسِيلَةُ إنَّمَا هِيَ لِخِدَاعِ النَّاسِ كَي يَظُنَّ الظَّانُّ أَنَّهَا تُؤدِي إِلَى ذَلِكَ العِلْمِ؛ فَيَظُنَّ بِهِ الكَرَامَةَ وَالخُصُوصِيَّةَ لَا الدَّجَلَ وَالشَّعْوَذَةَ.\n- الكَاهِنُ وَالمُنَجِّمُ يَجِبُ قَتْلُهُمُ لِدَفعِ مَفْسَدَتِهِم وَمَضَرَّتِهِم -حَتَّى وَإِنْ قُلْنَا بِعَدَمِ كُفْرِهِم- لِأَنَّ أَسْبَابَ القَتْلِ لَيسَتْ مُخْتَصَّةً بِالكُفْرِ فَقَط! بَلْ لِلقَتْلِ أَسْبَابٌ مُتَعَدِّدَةٌ وَمُتَنَوِّعَةٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المَائِدَة: ٣٣].\nفَكُلُّ مَنْ أفسدَ عَلَى النَّاسِ أُمُورَ دِينِهِم أَو دُنْيَاهُم؛ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَتْ هَذِهِ الأُمُورُ تَصِلُ إِلَى الخُرُوجِ مِنَ الإِسْلَامِ (^١).\n- قَولُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَومٍ يَكْتُبُونَ (أَبَا جَادٍ) وَيَنْظُرُونَ فِي النُّجُومِ: المَقْصُودُ بِـ (أَبَا جَادٍ) أَي حُرُوفُ الهِجَاءِ، وَهَذِهِ يَنْقَسِمُ تَعَلُّمُهَا إِلَى قِسْمَينِ:\n١ - تَعَلُّمٍ مُبَاحٍ: كَأَنْ يَتَعَلَّمَهَا المَرْءُ لِحِسَابِ الجُمَلِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ كَمَا\n_________\n(^١) يُنْظَرُ: (القَولُ المُفِيدُ) (١/ ٥٥٠).\nقُلْتُ: إنَّمَا قِيلَ بِالاسْتِتَابَةِ هُنَا خِلَافًا لِلسَّاحِرِ أَنَّهُ يُقْتَلُ دُونَ اسْتِتَابَةٍ! لِأَنَّ السِّحْرَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالكُفْرِ الأَكْبَرِ، أَمَّا الكَاهِنُ فَقَدْ يَكُونُ مِثْلَهُ؛ وَقَدْ لَا يَكُونُ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَاطِيًا لِلكَذِبِ وَالشَّعْوَذَةِ وَالتَّلْبِيسِ دُونَ حَقِيقَةِ السِّحْرِ وَادِّعَاءِ الغَيبِ.","vol":"1","page":537},{"text":"هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ العَرَبِ مِنْ أَنَّهُم مَثَلًا يُؤَرِّخُونَ عَنْ طَرِيقِ حِسَابِ الجُمَلِ الَّتِي يَكْتُبُونَهَا؛ فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ.\n٢ - تَعَلُّمٍ مُحَرَّمٍ: وَهُوَ كِتَابَتُهَا بِكِتَابَةٍ مُرْتَبِطَةٍ بِسَيرِ النُّجُومِ -كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ عَمَلِ المُنَجِّمِينَ وَالكُهَّانِ- حَيثُ أَنَّهُم يَزْعُمُونَ أَنَّهُم يَسْتَدِلُّونَ بِهَا عَلَى الحَوَادِثِ الأَرْضِيَّةِ (^١).\n- اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي حُكْمِ مَنْ أَتَى الكَاهِنَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:\n١ - مَنْ أَتَاهُ لِيَسْأَلُهُ فَقَطْ وَلَمْ يُصَدِّقْهُ؛ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةُ أَرْبَعِينَ يَومًا، لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةُ أَرْبَعِينَ لَيلَةً»، ومَنْ صَدَّقَهُ فَقَدْ كَفَرَ كُفْرًا أَكْبَرَ لِلحَدِيثِ الثَّانِي: «مَنْ أَتَىَ كَاهِنًا؛ فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» (^٢) (^٣).\nوَفِي الحَدِيثِ أَيضًا: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيءٍ حُجِبَتْ عَنْهُ التَّوبَةُ أَرْبَعِينَ لَيلَةً؛ فَإِنْ صَدَّقَهُ بِمَا قَالَ كَفَرَ» (^٤).\n_________\n(^١) القَولُ المُفِيدُ (١/ ٥١٩) بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ.\n(^٢) مُسْلِمٌ (٢٢٣٠).\n(^٣) وَهَذَا التَّوجِيهُ مُتَعَقَّبٌ بِكَونِ لَفْظِ الحَدِيثِ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ (١٦٦٣٨) جَمَعَ بَينَ التَّصْدِيقِ وَبَينَ عَدَمِ قَبُولِ الصَّلَاةِ أَرْبَعِينَ يَومًا.\nوَمِنْ جِهَةٍ ثَانِيَةٍ: إِنَّ العِلَّةُ الَّتِي جُعِلَتْ هُنَا فِي عَدَمِ كُفْرِ السَّائِلِ -فَقَط- هِيَ عَدَمُ التَّصْدِيقِ؛ مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ الحَالِ أَنَّهُ جَاءَ لِيَسْتَفِيدَ مِمَّا عِنْدَهُ، فَلَو وَافَقَ قَولُ الكَاهِنِ هَوَى السَّائِلِ لَصَدَّقَهُ! فَعِلَّةُ الكُفْرِ مَوجُودَةٌ بِمُجَرَّدِ الإِتْيَانِ. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.\n(^٤) رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ (٢٢/ ٦٩) عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ مَرْفُوعًا، وَلَكِنَّ إِسْنَادَهُ ضَعِيفٌ جِدًا مُسَلْسَلٌ بِالعِلَلِ. انْظُرِ الضَّعِيفَةَ (٦٦٧٤).\n=","vol":"1","page":538},{"text":"٢ - مَنْ أَتَى الكَاهِنَ مُطْلَقًا فَقَدْ كَفَرَ كُفْرًا أَصْغَرَ (^١)، وَذَلِكَ جَمْعًا بَينَ النُّصُوصِ، فَيَكُونُ حُكْمُ الفِعْلِ أَنَّهُ كُفْرٌ وَيُعَاقَبُ عَلَيهِ بِعَدَمِ قَبُولِ الصَّلَاةِ أَرْبَعِينَ يَومًا، وَلَمْ نَقُلْ بِكَونِهِ كُفْرًا أَكْبَرَ لِكَونِهِ خَصَّ عَدَمَ القَبُولِ بِأَرْبَعِينَ يَومًا، وَلَو كَانَ كَافِرًا لَمْ تُقْبَلْ صَلَاتُهُ وَسَائِرُ عَمَلِهِ مُطْلَقًا (^٢)!\nوَيَكُونُ كُفْرًا أَكْبَرَ إِذَا اسْتَحَلَّ إِتْيَانَهُم (^٣).\n٣ - إِمْرَارُ هَذِهِ النُّصُوصِ كَمَا جَاءَتْ دُونَ الخَوضِ فِي تَفْصِيلِهَا، فَيُطْلَقُ عَلَى مَنْ أَتَى الكَاهِنَ أَنَّهُ كَفَرَ وَلَا تُقْبَلُ لَهُ صَلَاةُ أَرْبَعِينَ يَومًا، وَلَا نَخُوضُ فِي بَيَانِ حَقيقَتِهَا لِيَكُونَ أَوقَعَ فِي النُّفُوسِ وَأَشَدَّ فِي الزَّجْرِ، \"وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ يَتَوَقَّى الكَلَامَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ النُّصُوصِ تَوَرُّعًا، وَيَمُرُّهَا كَمَا جَاءَتْ مِنْ غَيرِ تَفْسِيرٍ؛ مَعَ اعْتِقَادِهِمْ أَنَّ المَعَاصِيَ لَا تُخْرِجُ عَنِ المِلَّةِ\" (^٤) (^٥).\n_________\n=\nوَمِثْلُهُ أَيضًا مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الأَوسَطِ (٦٦٧٠) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ؛ فَقَدْ بَرِءَ مِمَّا أُنِزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ، ومَنْ أَتَاهُ غَيرَ مُصَدِّقٍ لَهُ؛ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةُ أَرْبَعِينَ يَومًا». ضَعِيفٌ. الضَّعِيفَةُ (٥٢٨١).\n(^١) وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَد، كَمَا فِي (الفُرُوعُ) لِابْنِ مُفْلِحٍ (١٠/ ٢١١).\n(^٢) قَالَ صَاحِبُ فَتِحِ المَجِيدِ (ص ٢٩٦) ﵀: \"هَذَا عَلَى قَولِ مَنْ يَقُولُ: هُوَ كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ. أَمَّا عَلَى قَولِ مَنْ يَقُولُ بِظَاهِرِ الحَدِيثِ؛ فَيُسْأَلُ عَنْ وَجْهِ الجَمْعِ بَينَ الحَدِيثَينِ\".\n(^٣) قَالَ صَاحِبُ عَونُ المَعْبُودِ بِشَرْحِ سُنَنِ أَبِي دَاوُد (١٠/ ٢٨٤): \"وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الاسْتِحْلَالِ أَو عَلَى التَّهْدِيدِ وَالوَعِيدِ\".\n(^٤) الفُرُوعُ (١٠/ ٢١٣).\n(^٥) قُلْتُ: وَالأَرْجَحُ عِنْدِي هُوَ القَولُ الثَّانِي لِتَضَافُرِ الأَدِلَّةِ وَجَمْعِهَا، أَمَّا عَلَى قَولِ إِمْرَارِهَا كَمَا جَاءَتْ فَهُوَ صَحِيحٌ فِي مَوضِعِهِ مِنَ الزَّجْرِ، وَلَكِنَّهُ لَا يُنَافِي مَعْرِفَةَ حُكْمِهِ، وَذَلِكَ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيهِ مِنَ الآثَارِ، وَكَي لَا تَبْقَى الأَدِلَّةُ دُونَ تَوجِيهٍ. وَاللهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.","vol":"1","page":539},{"text":"- فَائِدَةٌ:\nلَا يَدْخُلُ فِي مَا سَبَقَ مِنَ النَّهْي مَنْ أَتَى الكَاهِنَ بِقَصْدِ الإِفْحَامِ وَالمُنَاظَرَةِ وَإِبْطَالِ حُجَّتِهِ، وَهَذَا جَائِزٌ لِلْمُتَمَكِّنِ مِنْ دِينِهِ.\nفَفِي البُخَارِيِّ: أَنَّ عُمَرَ انْطَلَقَ فِي رَهْطٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ، حَتَّى وَجَدُوهُ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ عِنْدَ أُطُمِ بَنِي مَغَالَةَ -وَقَدْ قَارَبَ يَومَئِذٍ ابْنُ صَيَّادٍ يَحْتَلِمُ-، فَلَمْ يَشْعُرْ بِشَيءٍ حَتَّى ضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ ظَهْرَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟» فَنَظَرَ إِلَيهِ ابْنُ صَيَّادٍ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ، فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ! قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَاذَا تَرَى؟» قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: يَأْتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «خُلِطَ عَلَيكَ الأَمْرُ»، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنِّي قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا»، قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: هُوَ الدُّخُّ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اخْسَأْ؛ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ»، قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ ائْذَنْ لِي فِيهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ فَلَا خَيرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ» (^١).\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٣٠٥٥).\nوَ(الأُطُمُ) بِضَمَّتِينِ: كُلُّ حِصْنٍ مَبْنِيٍّ بِحِجَارَةٍ.\nوَقَولُهُ: (إِنْ يَكُنْهُ) أَي: إِنْ يَكُنْ هُوَ المَسِيحَ الدَّجَّالَ.","vol":"1","page":540},{"text":"<span data-type='title' id=toc-222>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-223> مَسْأَلَةٌ: هَلْ مِنَ الكِهَانَةِ مَا يُخْبَرُ بِهِ الآنَ مِنْ أَحْوَالِ الطَّقْسِ فِي خِلَالِ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ سَاعَةً قَادِمَةً، أَو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؟</span>\nالجَوَابُ:\n\"لَا، لِأَنَّه يَسْتَنِدُ إِلَى أُمُورٍ حِسِّيَّةٍ، وَهِيَ تَكَيُّفُ الجَوِّ، لِأَنَّ الجَوَّ يَتَكَيَّفُ عَلَى صِفَةٍ مُعيَّنَةٍ تُعْرَفُ بِالمَوَازِينِ الدَّقِيقَةِ عِنْدَ أَهْلِ الخِبْرَةِ، فَيَكُونُ الجَوُّ مَثَلًا صَالِحًا لِأَنْ يُمْطِرَ أَو لَا يُمْطِرَ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ فِي العِلْمِ البَدِيهِيِّ أَنَّنَا إِذَا رَأَينَا تَجَمُّعَ الغُيومِ وَالرَّعَدَ وَالبَرْقَ وَثِقَلَ السَّحَابِ؛ نَقُولُ: يُوشِكُ أَنْ يَنْزِلَ المَطَرُ، فَمَا اسْتَنَدَ إِلَى شَيءٍ مَحْسُوسٍ؛ فَلَيسَ مِنْ عِلْمِ الغَيبِ\" (^١).\nوَنَقُولُ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي أَطْلَعَهُم عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ جَعَلَ لَهُم وَسِيلَةً حَقِيقيَّةً مُبَاحَةً إِلَى ذَلِكَ، بِخِلَافِ الكَهَنَةِ الَّذِينَ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ تَعَالَى لَهُم وَسِيلَةً إِلَى تِلْكَ المَعْرِفَةِ؛ فَيَكُونُونَ كَذَبَةً فِي دَعْوَاهُم تِلْكَ.\nلَكِنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ سَبَبًا حَقِيقِيًّا؛ فَإِنَّهُ لَا يُتَعَلَّقُ بِهِ فِي نِسْبَةِ المَطَرِ إِلَيهِ! بَلْ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ أَنَّهُ رَحْمَةٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي أَجْرَاهُ، وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَينَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ [النُّور: ٤٣] (^٢).\n_________\n(^١) القَولُ المُفِيدُ (١/ ٥٣٢).\n(^٢) قُلْتُ: وَالتَّعَلُّقُ بِهَذِهِ الأَسْبَابِ، وَنِسْبَةُ نُزُولِ المَطَرِ إِلَيهَا، مَعَ الغَفْلَةِ عَنِ الرَّزَّاقِ ﷾ وَعَنْ رَحْمَتِهِ وحِكْمَتِهِ؛ لَا شَكَّ أَنَّهُ مِنَ الكُفْرِ -وَإِنْ لَمْ يَكْنْ كُفْرًا أَكْبَرَ- فَهُوَ مِنْ كُفْرِ النِّعْمَةِ، فَاليَومَ ذَهَبَتْ أَنْوَاءُ الجَاهِلِيَّةِ وَجَاءَتِ المُنْخَفَضَاتُ الجَويَّةُ!","vol":"1","page":541},{"text":"<span data-type='title' id=toc-224>المُلْحَقُ السَّادِسُ عَلَى كِتَابِ التَّوحِيدِ: مَسَائِلُ في العِلْمِ بِالغَيبِ </span>(^١)\n-<span data-type='title' id=toc-225> المَسْأَلَةُ الأُولَى: هَلْ عِلْمُ الغَيبِ مُخْتَصٌّ بِاللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ؟</span>\nالجَوَابُ: نَعَمْ.\nإِنَّ عِلْمَ الغَيبِ مُخْتَصٌّ بِاللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، وَالدَّلِيلُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ [يُونُس: ٢٠].\nفَالغَيبُ هُوَ مَا غَابَ عَنِ العُيونِ -وَإِنْ كَانَ مُحَصَّلًا فِي القُلُوبِ- (^٢).\nوَالمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِالجَنَّةِ وَالنَّارِ رُغْمَ عَدِمِ رُؤيَتِهِمَا؛ لِكَونِ الخَبَرِ الصَّادِقِ قَدْ أَتَى بِهِمَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنِ المُتَّقِينَ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيبِ﴾ [البَقَرَة: ٣].\nوَالغَيبُ الَّذِي اخْتَصَّ بهِ اللهُ تَعَالَى هُوَ الغَيبُ الذَّاتيُّ؛ أَي: الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ\n_________\n(^١) وَسَيَأْتِي -إِنْ شَاءَ اللهُ- ذِكْرُ جُمْلَةٍ مِنَ شُبُهَاتٍ أُخَرَ وَجَوَابِهَا فِي مُلْحَقِ (ردُّ شُبُهَاتِ المُشْرِكِينَ).\n(^٢) قَالَهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ؛ كَمَا فِي لِسَانِ العَرَبِ (١/ ٦٥٤).\nوَقَالَ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي تَفْسِيرِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البَقَرَة: ٣٣]: \"وَالغَيبُ: هُوَ مَا غَابَ عَنْ أبْصَارِهِم فَلَمْ يُعَايِنُوهُ\". تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (١/ ٤٩٧).","vol":"1","page":542},{"text":"بِذَاتِهِ دُونَ وَاسِطَةٍ (^١)، فَهُوَ سُبْحَانَهُ الَّذِي يُهَيِّئُ مِنَ الأَسْبَابِ القَدَرِيَّةِ أَوِ الشَّرْعِيَّةِ مَا يُمَكِّنُ المَخْلُوقَ مِنَ الاطِّلَاعِ عَلَى شَيءٍ مِنَ الغَيبِ، وَلَهُ سُبْحَانَهُ فِي ذَلِكَ الحِكْمَةُ البَالِغَةُ (^٢).\nقَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: \"وَالجِنُّ غَايَتُهَا أَنْ تُخْبِرَ بِبَعْضِ الأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ، كَالَّذِي يَسْتَرِقُهُ الجِنُّ مِن السَّمَاءِ -مَع مَا فِي الجِنِّ مِن الكَذِبِ؛ فَلَا بُدَّ لَهُم مِن الكَذِبِ-، وَالَّذِي يُخْبِرُون بِهِ هُوَ مِمَّا يُعْلَمُ بِالمَنَامَاتِ وَغَيرِ المَنَامَاتِ؛ فَهُوَ مِن جِنْسِ المُعْتَادِ لِلنَّاسِ.\nوَأَمَّا مَا يُخْبِرُ الرُّسُلُ مِن الأُمُورِ البَعِيدَةِ الكَبِيرَةِ مُفَصَّلًا؛ مِثْلِ إِخْبَارِه: «إِنَّكُم تُقَاتِلُون التُّرْكَ، صِغَارُ الأَعْيُنِ، ذُلْفُ الآنُفِ، يَنْتَعِلُونَ الشَّعْرَ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ المَجَانُّ\n_________\n(^١) أَفَادَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي أَشْرِطَةَ فَتَاوَى سِلْسِلَةِ الهُدَى وَالنُّورِ (ش ٤٢٦).\nوَقَالَ المُنَاوِيُّ ﵀: \"الغَيبُ: مَا غَابَ عَنِ الحِسِّ؛ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيهِ عِلْمٌ يَهْتَدِي بِهِ الفِعْلُ فَيَحْصُلُ بِهِ العِلْمُ\". التَّوقِيفُ عَلَى مُهِمَّاتِ التَّعَارِيفِ (ص ٢٥٤).\n(^٢) فَالقَدَرِيَّةُ مِنْهَا: هُوَ مَا جَرَتْ بِهِ العَادَةُ؛ كَبَعْضِ المُخْتَرَعَاتِ الحَدِيثَةِ الَّتِي قَدَّرَ اللهُ المَخْلُوقَ عَلَى صُنْعِهَا: كَالهَاتِفِ (لِعِلْمِ الحَاضِرِ)، وَالتَّصْوِيرِ الشُّعَاعِيِّ (لِعِلْمِ المُسْتَقْبَلِ مِنْ وُقُوعِ الحَمْلِ)، وَالتَّحْلِيلِ المَخْبَرِيِّ لِلمُستَحَاثَّاتِ وَغَيرِهَا (لِعِلْمِ المَاضِي)، وَكتَمْكِينِهِ تَعَالَى لِلجِنِّ مِنِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ وَإِخْبَارِهِم أَولِيَاءَهُم مِنَ الكُهَّانِ.\nوَأَيضًا الرُّؤْيَا فِي المَنَامِ -وَهِيَ مِنَ اللهِ تَعَالَى-، وَقَدْ جَاءَ فِي الحَدِيثِ الوَعِيدُ عَلَى مَنْ أَرَى نَفْسَهُ مَا لَمْ يَرَ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلْمٍ لَمْ يَرَهُ؛ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَينَ شَعِيرَتَينِ وَلَنْ يَفْعَلَ». البُخَارِيُّ (٧٠٤٢) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا.\nوَأَمَّا الشَّرْعِيَّةُ مِنْهَا: فَتَكُونُ وُفْقَ مَا دَلَّتْ عَلَيهِ النُّصُوصُ، فَعُلِمَ بِهَا أَنَّ الجَنَّةَ وَالنَّارَ مَوجُودَتَانِ (لِعِلْمِ الحَاضِرِ)، وَمَرَاحِلُ تَكوُّنِ الجَنِينِ (لِعِلْمِ الحَاضِرِ أَيضًا)، وَيَومُ القِيَامَةِ وَمَا سَيَكُونُ فِيهِ (لِعِلْمِ المُسْتَقْبَلِ)، وَقِصَّةُ مَرْيَمَ ﵍ فِيمَا مَضَى مِنَ الزَّمَانِ (لِعِلْمِ المَاضِي).","vol":"1","page":543},{"text":"المُطْرَقَةُ» (^١)، وَقَولِهِ: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الحِجَازِ تُضِيءُ لها أَعْنَاقُ الإِبِلِ بِبُصْرَى» (^٢)، وَنَحو ذَلِكَ؛ فَهَذَا لَا يَقْدِرُ عَلَيهِ جِنِّيٌّ وَلَا إِنْسِيٌّ.\nوَالمَقْصُودُ؛ أَنَّ مَا يُخْبِرُ بِهِ غَيرُ النَّبِيِّ مِن الغَيبِ مُعْتَادٌ، مَعْرُوفٌ نَظِيرُهُ مِن الجِنِّ وَالإِنْسِ؛ فَهُوَ مِن غَيبِ اللهِ الَّذِي قَالَ فِيهِ: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧] \" (^٣).\nوَنَقَلَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ عَنِ القُرْطُبِيِّ ﵀: \"أَنَّ هَذِهِ الخَمْسَ لَا سَبِيلَ لِمَخْلُوقٍ عَلَى عِلْمٍ بِهَا قَاطِعٍ، وَأَمَّا الظَّنُّ بِشَيءٍ مِنْهَا بِأَمَارَةٍ قَدْ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ؛ فَلَيسَ ذَلِكَ بِمُمْتَنِعٍ، وَلَا نَفْيُهُ مُرَادٌ مِنْ هَذِهِ النُّصُوصِ\" (^٤).\nوَهَذِهِ الخَمْسُ هِيَ الَّتِي فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لُقْمَان: ٣٤].\n_________\n(^١) صَحِيحُ البُخَارِيِّ (٢٧٧٠) عَن أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.\n(^٢) صَحِيحُ البُخَارِيِّ (٧١١٨) عَن أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.\n(^٣) النُّبُوَّاتُ لِابْنِ تَيمِيَّةِ (١/ ١٤٨).\n(^٤) فَتْحُ البَارِي لِابْنِ رَجَبٍ (١/ ٢١٦).","vol":"1","page":544},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-226> المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَا أَشْكَالُ عِلْمِ الغَيبِ </span>(^١)؟\nالجَوَابُ:\n١ - عِلْمُ المُسْتَقْبَلِ.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٨٨] (^٢).\n_________\n(^١) كَمَا يُمْكِنُ تَقْسِيمُ هَذِهِ الأَشْكَالِ -مِنْ جِهَةِ العُمُومِ- إِلى: غَيبٍ مُطْلَقٍ: وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُطْلِعْهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى أَحَدٍ. وَإِلى غَيبٍ نِسْبِيٍّ: وَهُوَ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يُطْلِعَهُ اللهُ تَعَالَى لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ.\n(^٢) قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الكَهْفِ (ص ٥١): \"وَالمُرَادُ بِالغَيبِ: المُسْتَقْبَلُ، أَمَّا المَوجُودُ أَوِ المَاضِي؛ فَمَنِ ادَّعَى عِلْمَهُمَا فَلَيسَ بِكَافِرٍ؛ لِأَنَّ هَذَا الشَّيءَ قَدْ حَصَلَ وَعَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ مِنَ النَّاسِ، لَكِنَّ غَيبَ المُسْتَقْبَلِ لَا يَكُونُ إِلَّا للهِ وَحْدَهُ\".\nقُلْتُ: لَعَلَّ الصَّوَابَ أَنَّهُ أَوسَعُ مِنْ ذَلِكَ كَمَا تَجِدُهُ فِي بَيَانِ أَنْوَاعِ الغَيبِ الَّتِي أَثْبَتْنَاهَا، وَأَمَّا كَونُ المَوجُودِ وَالمَاضِي مَعْلُومًا لِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ فَهَذَا كُلُّهُ بِقَيدِ أَنَّهُم اطَّلَعُوا عَلَيهِ بِوَاسِطَةٍ، كَمُشَاهَدَةٍ أَو خَبَرٍ أَو …، وَلَكِنَّ الغَيبَ -الَّذِي هُوَ مَوضُوعُ البَحْثِ- هُوَ مَا كَانَ بِغَيرِ وَاسِطَةٍ.\nوَأَيضًا كُونُهُ جُعِلَ لَيسَ مِنَ الغَيبِ لِأَنَّهُ اطَّلَعَ عَلَيهِ بَعْضُهُم وَقَدْ مَضَى زَمَنُهُ! فَأَيضًا عِلْمُ مَا سَيَكُونُ قَدْ اطَّلَعَ عَلَيهِ بَعْضُهُ،؛ كَمَا فِي إخْبَارِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ بَعْضِ أَحْوَالِ يَومِ القِيَامَةِ وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ، وَهَذَا كُلُّهُ دَاخِلٌ فِي مُسَمَّى الغَيبِ.\nقَالَ الشَّيخُ الآلُوسِيُّ ﵀ فِي تَفْسِيرِهِ (رُوحُ المَعَانِي) (١١/ ٢٢٩) فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَينَا عَلَيهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سَبَأ: ١٤]: \"وَفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الغَيبَ لَا يَخْتَصُّ بِالأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ، بَلْ يَشْمَلُ الأُمُورَ الوَاقِعَةَ الَّتِي هِيَ غَائِبَةٌ عَنِ الشَّخْصِ أَيضًا\".","vol":"1","page":545},{"text":"٢ - عِلْمُ المَاضِي.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عِمْرَان: ٤٤].\n٣ - عِلْمُ الحَاضِرِ فِيمَا غَابَ عَنْكَ حِسُّهُ.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَينَا عَلَيهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سَبَأ: ١٤].\n٤ - عِلْمُ البَاطِنِ وَمَا فِي الضَّمِيرِ.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [فَاطِر: ٣٨] (^١).\n_________\n(^١) وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيرَةَ المَرْفُوعُ فِي كِتَابَةِ المَلَكِ لِلحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦٤٩١)، وَمُسْلِمٌ (١٢٨) وَالَّذِي فِيهِ: «إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ فَلَا تَكْتُبُوهَا عَلَيهِ، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا سَيِّئَةً. وَإِذَا هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا عَشْرًا» فَهُوَ يُفِيدُ عِلْمَ المَلَكِ بِمَا يَهُمُّ بِهِ العَبْدُ، وَلَكِنَّهُ مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ إِيَّاهُ لِيَكْتُبَهُ، أَو مِمَّا مَكَّنَهُ مِنْ مَعْرِفَتِهِ. أَفَادَهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١١/ ٣٢٥).\nفَلَيسَ بِغَرِيبٍ أَنْ يُمَكِّنَ اللهُ تَعَالَى المَلَكَ مِنْ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا إِخْبَارُهُ تَعَالَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لَيسَ بِمَلَكٍ: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأَنْعَامُ: ٥٠].\nقَالَ البَغَوِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٣/ ١٤٥): \" ﴿لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ أَي: خَزَائِنُ رِزْقِهِ فَأُعْطِيكُم مَا تُرِيدُونَ، ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيبَ﴾ فَأُخْبِرُكُم بِمَا غَابَ مِمَّا مَضَى وَمِمَّا سَيَكُونُ، ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ المَلَكَ يَقْدِرُ عَلَى مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيهِ الآدَمِيُّ وَيُشَاهِدُ مَا لَا يُشَاهِدُهُ الآدَمِيُّ\".\nوَقَالَ أَبُو حَيَّانَ الأَنْدَلُسِيُّ ﵀ فِي تَفْسِيرِهِ (٣/ ١٣٢): \"فَاطِّلَاعُ الرَّسُولِ عَلَى الغَيبِ هُوَ بِإِطْلَاعِ اللهِ تَعَالَى بِوَحْيٍ إِلَيهِ، فَيُخْبَرُ بِأَنَّ فِي الغَيبِ كَذَا مِنْ نِفَاقِ هَذَا وَإِخْلَاصِ هَذَا، فَهُوَ عَالِمٌ بِذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الوَحِي لَا مِنْ جِهَةِ اطِّلَاعِهِ نَفْسِهِ مِنْ غَيرِ وَاسِطَةِ وَحْيٍ عَلَى المُغَيَّبَاتِ\".","vol":"1","page":546},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-227> المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: لو قَالَ قَائِلٌ إِنَّ أَحَدَ الأَولِيَاءِ يَعْلَمُ الغَيبَ، فَمَاذَا يُقَالُ لَهُ؟</span>\nالجَوَابُ:\nنَقُولُ لَهُ: كَذَبْتَ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النَّمْل: ٦٥]،\nوَيَقُولُ تَعَالَى أَيضًا: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأَنْعَام: ٥٩].\nفَإِنْ قَالَ: إنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي أَطْلَعَهُ عَلَى ذَلِكَ! قُلْنَا لَهُ: أَيضًا كَذَبْتَ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى حَصَرَ ذلِكَ الاطْلَاعَ فِي الرُّسُلِ فَقَط، قَالَ تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجِنّ: ٢٦ - ٢٧] فَيَكُونُ ذَلِكَ إِمَّا كَذِبًا، أَو كِهَانَةً وَتَعَامُلًا مَعَ الجِنِّ.\nبَلْ إِنْ حَقِيقَةَ هَذِهِ الدَّعْوَى إِبْطَالُ النُّبُوَّاتِ وَدَعَوَاتِ الأَنْبِيَاءِ، فَاللهُ تَعَالَى جَعَلَ اطِّلَاعَ عِيسَى ﵊ عَلَى شَيءٍ مِنَ الغَيبِ آيَةً عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وَقَدْ احْتَجَّ بِهَا عِيسَى ﵊، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى عَنْهُ ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عِمْرَان: ٤٩].\nمُلَاحَظَاتٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَسْأَلَةِ اطْلَاعِ اللهِ تَعَالَى الرُّسلَ عَلَى الغَيبِ:\n- المُلَاحَظَةُ الأُوْلَى:\nصَحِيحٌ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُظْهِرُ رُسَلَهُ عَلَى الغَيبِ؛ وَلَكِنَّ الإِظْهَارَ هُوَ اطْلَاعٌ عَلَى شَيءٍ مِنْهُ فَقَط، وَلَيسَ عِلْمًا تَامًّا (^١).\n_________\n(^١) وكَقَولِهِ تَعَالَى أَيضًا: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عِمْرَان: ١٧٩].\n=","vol":"1","page":547},{"text":"أَمَّا دَعْوَى عِلْمِهِم بِالغَيبِ مُطْلَقًا فَهُوَ كَذِبٌ، قَالَ تَعَالَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيبَ﴾ [الأَنْعَام: ٥٠] (^١).\n- المُلَاحَظَةُ الثَّانِيَةُ:\nهَذِهِ الأَشْيَاءُ الَّتِي أُطْلِعَ عَلَيهَا النَّبِيُّ ﷺ هِيَ مِنْ بَابِ إِظْهَارِ الآيَاتِ عَلَى صِدْقِهِ وَعَلَى تَأْيِيدِ رَبِّهِ لَهُ، وَلَكنَّهُ لَا يَمْلِكُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا اسْتِقْلَالًا (^٢)، بَلْ هِيَ مَقْرُونَةٌ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى، وَلَهُ الحِكْمَةُ البَالِغَةُ فِي اطْلَاعِهِ عَلَيهَا مَتَى شَاءَ سُبْحَانَهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ\n_________\n=\nقَالَ أَبُو حَيَّانَ الأَنْدَلُسِيُّ ﵀ فِي تَفْسِيرِهِ البَحْرُ المُحِيطُ (٣/ ١٣٢): \"فَاطِّلَاعُ الرَّسُولِ عَلَى الغَيبِ هُوَ بِإِطْلَاعِ اللهِ تَعَالَى بِوَحْيٍ إِلَيهِ، فَيُخْبَرُ بِأَنَّ فِي الغَيبِ كَذَا مِنْ نِفَاقِ هَذَا وَإِخْلَاصِ هَذَا، فَهُوَ عَالِمٌ بِذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الوَحِي، لَا مِنْ جِهَةِ اطِّلَاعِهِ نَفْسِهِ مِنْ غَيرِ وَاسِطَةِ وَحْيٍ عَلَى المُغَيَّبَاتِ\".\n(^١) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التَّوبَة: ١٠١].\nوَقَالَ أَيضًا سُبْحَانَهُ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأَنْفَال: ٦٠].\nوَفِي الحَدِيثِ: «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ؛ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ؛ فَمَنْ قَضَيتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيئًا بِقَولِهِ؛ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ؛ فَلَا يَأْخُذْهَا». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢٦٨٠) عَنْ أمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا.\nوَفِي الحَدِيثِ: «أَلَا إِنَّهُ يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي! فَيُقَالُ: لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤٧٤٠) عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ مَرْفُوعًا.\nوَكَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ فِي رَدِّهَا عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ؛ حَيثُ قَالَتْ ﵂: (وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ؛ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾، وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ كَتَمَ؛ فَقَدْ كَذَبَ ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ﴾) البُخَارِيُّ (٤٨٥٥)، وَمُسْلِمٌ (١٧٧).\n(^٢) أَي أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا مَتَى شَاءَ بِاخْتِيَارِهِ وَقَصْدِهِ؛ وَإِلَّا فَكُلُّ شَيءٍ مَقْرُونٌ بِحَولِ اللهِ تَعَالَى وَمَشِيئَتِهِ؛ فَلَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ.","vol":"1","page":548},{"text":"لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الرَّعْد: ٣٨] (^١).\nفَمَا يُخْبِرُ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أُمُورِ المُغَيَّبَاتِ إِنَّمَا هُوَ بِإِطْلَاعِ اللهِ تَعَالَى لَهُ عَلَيهِ وَلَيسَ اسْتِقْلَالًا، لِذَلِكَ أَثْبَتَ اللهُ تَعَالَى الإِظْهَارَ مِنْهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَنَفَى عَنْهُ العِلْمَ بِالغَيبِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجِنّ: ٢٦ - ٢٧]، وَقَالَ أَيضًا سُبْحَانَهُ فِي النَّفْي: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيبَ﴾ [الأَنْعَام: ٥٠].\nوَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى فِي حِوَارِ الهُدْهُدِ مَعَ سُلَيمَانَ ﵇: ﴿فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النَّمْل: ٢٢]! فِي \"أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ ﵈ شَيئًا مِمَّا غَابَ عَنْهُ إلّا بِإِعْلَامِ اللهِ، فَلَيسَ لَهُم كَشْفٌ عَامٌّ عَنْ جَمِيعِ مَا فِي الكَونِ! وَإِنَّمَا يَعْلَمُونَ مِنْهُ مَا أَطْلَعَهُمُ اللهُ عَلَيهِ، وَمِنْ مَدَارِكِ ذَلِكَ هَذِهِ القِصَّةُ؛ فَإِنَّ سُلَيمَانَ ﵇ لَم يَكُنْ يَعْلَمُ مِنْ مَمْلَكَةِ سَبَأٍ شَيئًا حَتَّى أَطْلَعَهُ اللهُ عَلَيهِ بِوَاسِطَةِ الهُدْهُدِ! وَإِذَا كَانَ هَذَا حَالُ الأَنْبِيَاءِ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؛ فَغَيرُهُم مِنْ عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ مِنْ بَابِ أَحْرَى وَأَوْلَى\" (^٢).\n- المُلَاحَظَةُ الثَّالِثَةُ:\nأَنَّ الغَايَةَ مِنْ إِظْهَارِهِم عَلَى شَيءٍ مِنَ الغَيبِ هُوَ تَأْيِيدُهُم عَلَى صِحَّةِ دَعوَاهُم، وَإظْهَارُ نُصْرَتِهِم عَلَى عَدُوِّهِم، كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْ عِيسَى ﵊: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عِمْرَان: ٤٩]؛ بِخِلَافِ\n_________\n(^١) وقَالَ تَعَالَى أَيضًا: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [إِبْرَاهِيم: ١١].\n(^٢) تَفْسِيرُ ابْنِ بَادِيسَ (ص ٢٧١).","vol":"1","page":549},{"text":"غَايَةِ مَنْ يَنْسِبُ عِلْمَ الغَيبِ إِلَى المَشَايخِ وَالأَولِيَاءِ -مِنَ المُتَصَوِّفَةِ وَغَيرِهِم- فَهُمْ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ فَتْحَ بَابِ الاسْتِغَاثَةِ بِهِم وَالتَّعَلُّقِ بِهِم وَالتَّوَكُّلِ عَلَيهِم! وَشَتَّانَ بَينَ الوَجْهَينِ (^١).\n- المُلَاحَظَةُ الرَّابِعَةُ:\nأَمَّا مَا يُنْسَبُ لِبَعْضِ الشُّيُوخِ أَوِ الصَّالِحِينَ مِنْ أُمُورٍ تَشْتَبِهُ عَلَى سَامِعِهَا، أَو تَحْصُلُ مَعَ أَفْرَادٍ مِنَّا نَحنُ؛ فيُمْكِنُ تَصْدِيقُهَا -مَا لَمْ تُخَالِفْ نَصًّا- عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهَا لَيسَتْ بِغَيبٍ؛ وَلَا بِإِطْلَاعٍ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَلَكِنَّه قَدْ يَكُونُ إِلْهَامًا وَمَعُونَةً مِنْهُ تَعَالَى وَتَوفِيقًا، وَلَكِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَا يَسْتَطيعُ صَاحِبُهُ أَنْ يَجْزِمَ بِكَونِهِ تَلَقَّاهُ مِنَ اللهِ تَعَالَى؛ وَأَنَّهُ تَعَالَى أَطْلَعَهُ عَلَى الغَيبِ! وَلَكِنَّهُ حَدْسٌ وَحُسْنُ ظَنٍّ بِهِ تَعَالَى أنَّهُ سَيُوَفِّقُهُ فِي أَمْرِهِ.\nكَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ أَنَسٍ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الفَأْلُ». قَالُوا: وَمَا الفَأْلُ؟ قَالَ: «الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ» (^٢).\n_________\n(^١) وَيَلْزَمُ عَلَى مَذْهَبِ هَؤُلَاءِ أَنْ يُصَحِّحُوا دُعَاءَ النَّصَارَى لِعِيسَى ﵊؛ وَهُوَ أَولَى مِنْ تَصْحِيحِ دُعَائِهِم لِأَولِيَائِهِم؛ وَذَلِكَ لِكَونِ النَّصِّ القُرْآنِيِّ قَدْ شَهِدَ لِعِيسَى ﵊ بِأَمْرَينِ زَائِدَينِ عَلَى دَعْوَى أَولَئِكَ، وُهُمَا:\nأ- أَنَّ اللهَ تَعَالَى مَكَّنَهُ مِنَ العِلْمِ بِالغَيبِ؛ بَلْ وَمِنْ شِفَاءِ المَرْضَى وَإِحْيَاءِ المَوتَى -بِإِذْنِهِ؛ وَكَمَا يَقُولُونَ عَنْ أَولِيَائِهِم! -.\nب) حَيَاتُهُ الحَقِيقِيَّةُ -وَلَيسَتِ البَرْزَخِيَّةَ كَحَالِ أَولِيَائِهِم- الآنَ، حَيثُ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ وَإِنَّمَا رُفِعَ ﵊.\nوَحَقِيقَةُ حَالِ هَؤُلَاءِ أَنَّهُم غَافِلُونَ عَنْ أَنَّ أَصْلَ شِرْكِ المُشْرِكِينَ كَانَ فِي التَّعَلُّقِ بِالصَّالِحِينَ، كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ اللَّاتِ، وَقِصَّةِ قَومِ نُوحٍ ﵊ مَعَ صَالِحِيهِم.\nوَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ ذَلِكَ فِي مَوضِعِهِ، وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ.\n(^٢) البُخَارِيُّ (٥٧٧٦)، ومُسْلِمٌ (٢٢٢٤). وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ -إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى- فِي بَابِ (مَا جَاءَ فِي التَّطَيُّرِ).","vol":"1","page":550},{"text":"وَكَمَا فِي الحَدِيثِ: «لَقَدْ كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُم مِنَ الأُمَمِ نَاسٌ مُحَدَّثونَ مِنْ غَيرِ أَنْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ، فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ؛ فَإِنَّهُ عُمَرُ» (^١) (^٢).\nوَهَذَا عَلَى القَولِ بِأَنَّهُ لَيسَ خَاصًّا بِعُمَرَ ﵁، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ فِي ذَلِكَ.\n_________\n(^١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣٦٨٩) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا، وَمُسْلِمٌ (٢٣٩٨) عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا.\n(^٢) رَاجِعْ شَرِيطَ (٦٨٨) مِنْ أَشْرِطَةَ فَتَاوَى سِلْسِلَةِ الهُدَى وَالنُّورِ لِلشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ ﵀ عِنْدَ جَوَابِ سُؤَالٍ (هَلِ الرُّؤيا الصَّالِحَةُ مِنَ الغَيبِ؟).","vol":"1","page":551},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-228> المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: مَا الوَحْيُ وَمَا الإِلْهَامِ؟</span>\nالجَوَابُ:\nالوَحْيُ لُغَةً: هُوَ الإِعْلَامُ بِسُرْعَةٍ وخَفَاءٍ، وَهُوَ نَوعَانِ: وَحْيُ إِلْهَامٍ، وَوَحْيُ إِرْسَالٍ.\nفَوَحْيُ الإِلْهَامِ: هُوَ كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النَّحل: ٦٨]، وكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَوْحَينَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القَصَص: ٧].\nوَأَمَّا وَحْيُ الإِرْسَالِ: فَهُوَ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى الرُّسُلِ، وَهَذَا الوَحْيُ قَدْ يَكُونَ مَا يُخَاطَبُ بِهِ النَّبِيُّ مُشَافَهَةً وَيَرَاهُ بِعَينِهِ (^١)، وَقَدْ يَكُونُ مَا يُبَثُّ فِي نَفْسِهِ (^٢).\nوَإِذَا أُطْلِقَ لَفْظُ الوَحْيِّ فَالأَصْلُ أَنَّهُ يُقْصَدُ بِهِ مَا كَانَ مِنَ اللهِ تَعَالَى جَزْمًا (^٣)، رُغْمَ أَنَّهُ قَدْ يٌقْصَدُ بِهِ أَحْيَانًا الإِلْهَامُ، أَو تَزْيِينُ الشَّيَاطِينِ (^٤).\n_________\n(^١) كَمَا فِي الحَدِيثِ: (كَانَ جَبْرَائِيلُ يَأْتِي النَّبِيَّ فِي صُورَةِ دِحْيَةَ الكَلْبِيِّ). صَحِيحٌ. ابْنُ سَعْدٍ (٤/ ٢٥٠) عَنِ ابْنِ عُمَرَ. اُنْظُرِ التَّعْلِيقَ عَلَى حَدِيثَ الصَّحِيحَةِ (١١١١).\nقُلْتُ: وَالمَعْنَى أَنَّ جِبْرَائِيلَ ﵇ كَانَ أَشْبَهَ بِدِحْيَةَ الكَلْبِيِّ؛ لَا أَنَّهُ هُوَ دِحْيَةُ الكَلْبِيُّ! كَمَا فِي لَفْظِ ابْنِ سَعْدٍ (٤/ ٢٥٠) عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (١١١١).\n(^٢) كَمَا فِي الحَدِيثِ: «إنَّ رُوحَ القُدْسِ نَفَثَ فِي رُوعِي؛ أَنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا وأَجَلَهَا». صَحِيحٌ. الحَاكِمُ (٢١٣٦) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٢٨٦٦).\n(^٣) كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشُّورَى: ٥١].\n(^٤) كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأَنْعَام: ١١٢].","vol":"1","page":552},{"text":"وَأَمَّا الإِلْهَامُ فَالأَصْلُ أَنَّهُ يُقْصَدُ بِهِ مَا يَقَعُ فِي النَّفْسِ مِنْ غَيرِ أَنْ يَجْزِمَ المَرْءُ بِأَنَّهُ مِنَ اللهِ تَعَالَى، فَتُحَدِّثُهُ نَفْسُهُ بِهِ، كَمَا جَرَى معَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ (^١).\nفَالفَرْقُ بَينَهُمَا -كَمَا أَثْبَتْنَا آخِرًا- أَنَّ الوَحْيَ يَكُونُ حَقًّا ومِنَ اللهِ تَعَالَى (^٢).\nوَهَذَا الوَحْيُ اليَومَ إِنْ كَانَ فِي الشَّرِيعَةِ فَهُوَ مُحَالٌ، وَذَلِكَ لِكَمَالِ الشَّريعَةِ بِوَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المَائِدَة: ٣]، وَإِنْ كَانَ فِي غَيرِهَا؛ فَمَرْدُودٌ أَيضًا، وَذَلِكَ لِانْقِطَاعِ الوَحْي بِعْدَهُ أَيضًا ﷺ.\nوَفِي الأَثَرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (مَا نَزَلَ وَحْيٌ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ (^٣).\nوَأَمَّا الإِلْهَامُ فَلَا يَسْتَطِيعُ صَاحِبُهُ أَنْ يَجْزِمَ بِصَوَابِهِ أَصْلًا؛ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ ضَلَالًا فِي نَفْسِهِ؛ أَو مُفْضِيًا إِلَى ضَلَالٍ.\nقَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: \"وَلَيسَ كُلُّ مَن رَأَى رُؤْيَا كَانَتْ وَحْيًا! فَكَذَلِكَ لَيسَ كُلُّ مَن أُلْقِيَ فِي قَلْبِهِ شَيءٌ يَكُونُ وَحْيًا، وَالإِنْسَانُ قَدْ تَكُونُ نَفْسُهُ فِي يَقَظَتِهِ أَكْمَلَ مِنْهَا فِي نَومِهِ، كَالْمُصَلِّي الَّذِي يُنَاجِي رَبَّهُ، فَإِذَا جَازَ أَنْ يُوحَى إِلَيهِ فِي حَالِ النَّومِ\n_________\n(^١) كَمَا سَبَقَ فِي الحَدِيثِ: «لَقَدْ كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُم مِنَ الأُمَمِ نَاسٌ مُحَدَّثُونَ مِنْ غَيرِ أَنْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ، فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ؛ فإِنَّهُ عُمَرُ». قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: تَفْسِيرُ (مُحَدَّثُونَ): مُلْهَمُون. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣٦٨٩) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا، وَمُسْلِمٌ (٢٣٩٨) عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا.\nوَعَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ هَذَا هُوَ فَقِيهٌ مِنَ الأَئِمَّةِ؛ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، (ت ١٩٧ هـ).\n(^٢) لِذَلِكَ فَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى لِهَذَا الوَحْي حَرَسًا لِئَلَّا يُسْتَرَقَ وَلِئَلَّا يُخْلَطَ بِهِ غَيرُهُ، بِخِلَافِ الإِلْهَامِ.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجِنّ: ٢٦ - ٢٧].\n(^٣) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢١٤٢). صَحَّحَهُ الشَّيخُ شُعَيبٌ الأَرْنَؤُوطُ.","vol":"1","page":553},{"text":"فَلِمَاذَا لَا يُوحَى إِلَيهِ فِي حَالِ اليَقَظَةِ؟! كَمَا أَوحَى إِلَى أُمِّ مُوسَى وَالحَوَارِيِّين وَإِلَى النَّحْلِ، لَكِنْ لَيسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُطْلِقَ القَولَ عَلَى مَا يَقَعُ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ وَحْيٌ لَا فِي يَقَظَةٍ وَلَا فِي المَنَامِ إِلَّا بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الوَسْوَاسَ غَالِبٌ عَلَى النَّاسِ. وَاللهُ أَعْلَمُ\" (^١).\nوَهَذَا الإِلْهَامُ إِنْ كَانَ خَيرًا كَانَ تَوفِيقًا مِنَ اللهِ تَعَالَى وَمَعُونَةً، وَإِنْ كَانَ شَرًّا فَإِضْلَالٌ مِنَ الشَّيطَانِ.\nقُلْتُ: فَضَابِطُهُ أَمْرَانِ: عَدَمُ مُخَالَفَةِ الشَّرْعِ، ثُمَّ حُصُولُ الخَيرِ بِهِ. وَاللهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.\nوَفِي الحَدِيثِ: «إِنَّ لِلشَّيطانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً، فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيطَانِ: فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالحَقِّ، وَأَمَّا لَمَّةُ المَلَكِ: فَإِيعَادٌ بِالخَيرِ وَتَصْدِيقٌ بِالحَقِّ. فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللهِ تَعَالَى؛ فَلْيَحْمَدِ اللهِ، وَمَنْ وَجَدَ الأُخْرَى؛ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ» (^٢).\nقَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ ﵀ عِنْدَ شَرْحِ حَدِيثِ الصِّرَاطِ وَالسُّورَانِ (^٣) -: \"فَهَذَا\n_________\n(^١) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (١٧/ ٥٣٢).\n(^٢) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٩٨٨) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ مَوَارِدِ الظَمْآنِ (٣٨)، وَكَانَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ قَدْ ضَعَّفَهُ أَوَّلًا، ثُمَّ صَحَّحَه بَعْدُ؛ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.\n(^٣) وَالحَدِيثُ هُوَ: «ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَلَى جَنْبَتَي الصِّرَاطِ سُورَانِ، فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَعَلَى بَابِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ؛ ادْخُلُوا الصِّرَاطَ جَمِيعًا وَلَا تَتَعَرَّجُوا [وَفِي نُسَخٍ: وَلَا تَتَفَرَّجُوا، وَلَا تَعْوَجُّوا]، وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ فَوقِ الصِّرَاطِ؛ فَإِذَا أَرَادَ يَفْتَحُ شَيئًا مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ قَالَ: وَيحَكَ! لَا تَفْتَحْهُ، فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ. وَالصِّرَاطُ الإِسْلَامُ، وَالسُّورَانِ: حُدُودُ اللهِ،\n=","vol":"1","page":554},{"text":"الوَاعِظُ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ هُوَ الإِلْهَامُ الإِلَهِيُّ بِوَاسِطَةِ المَلَائِكَةِ\" (^١).\nوَمِنَ الجَدِيرِ بِالذِّكْرِ هُنَا التَّفْرِيقُ بَينَ الفِرَاسَةِ وَالإِلْهَامِ؛ وَحَقِيقَتُهُ \"أَنَّ الْفِرَاسَةَ قَدْ تَتَعَلَّقُ بِنَوْعِ كَسْبٍ وَتَحْصِيلٍ، وَأَمَّا الْإِلْهَامُ فَمَوْهِبَةٌ مُجَرَّدَةٌ لَا تُنَالُ بِكَسْبٍ الْبَتَّةَ\" (^٢).\n_________\n=\nوَالأَبْوَابُ المُفَتَّحَةُ: مَحَارِمُ اللهِ، وَذَلِكَ الدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ: كِتَابُ اللهِ، وَالدَّاعِي مِنِ فَوقَ الصِّرَاطِ: وَاعِظُ اللهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ». صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١٧٦٣٤) عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٣٨٨٧).\n(^١) مَدَارِجُ السَّالِكِينَ (١/ ٧٠).\n(^٢) مَدَارِجُ السَّالِكِين (١/ ٦٩).","vol":"1","page":555},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-229> المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: مَا الجَوَابُ عَنْ شُبْهِةِ كَونِ عُمَرَ مُحَدَّثًا؛ فَهُوَ إِذًا يَعْلَمُ الغَيبَ؟</span>\nبَلْ فِي قِصَّةِ سَارِيَةَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ اطَّلَعَ عَلَى القَومِ وَأَنَّ عَدُوَّهُم يُبَاغِتُهُم وَيَهْزِمُهُم، ثُمَّ أَمَرَ سَارِيَةَ بِأَخْذِ نَاحِيَةِ الجَبَلِ كَي يَسْلَمَ مِنْهُم (^١)!\nوَأَيضًا قَدْ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ بِقِرَاءَةٍ فِيهَا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ وَلَا مُحَدَّثٍ﴾ بِزِيَادَةِ -وَلَا مُحَدَّثٍ- مِنْ سُورَةِ الحَجِّ (^٢)، فَهِيَ تَدُلُّ عَلَى عِلْمِ المُحَدَّثِ بِالغَيبِ أَيضًا!\nالجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ:\n١ - أَنَّ الحَدِيثَ لَمْ يَجْزِمُ بِذَلِكَ، بَلْ جَاءَ عَلَى جِهَةِ الفَرْضِ لَا الجَزْمِ.\nوَلَفْظُ الحَدِيثِ هُوَ: «لَقَدْ كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُم مِنَ الأُمَمِ نَاسٌ مُحَدَّثُونَ مِنْ غَيرِ أَنْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ، فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ؛ فَإِنَّهُ عُمَرُ» (^٣).\n٢ - أَنَّ الحَدِيثَ نَفْسَهُ يُبيِّنُ أَنَّ الاطِّلَاعَ عَلَى الغَيبِ لَا يَكُونُ إِلَّا لِلأَنْبِيَاءِ، وَأَمَّا التَّحَدِيثُ فَهُوَ مُشَابِهٌ لَهُ وَلَكِنَّه لَيسَ مِنْهُ، فَصَاحِبُهُ يُحَدَّثُ إِمَّا صَرَاحَةً أَو فِي نَفْسِهِ بِأَشْيَاءَ؛ لَكِنَّه لَا يَسْتَطِيعُ الجَزْمَ بَصَحَّتِهَا.\nوَبُرْهَانُ ذَلِكَ هُوَ مِنْ وَجْهَينِ:\nأ- أَنَّ عُمَرَ ﵁ نَفْسَهُ قَدْ جَاءَ عَنْهُ قَولُهُ: (وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَو اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى فَنَزَلَتْ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.\n_________\n(^١) وَسَيَأْتِي فِي الجَوَابِ ذِكْرُ تَفَاصِيلِ القِصَّةِ.\n(^٢) قَالَ القُرْطُبِيُّ ﵀ فِي تَفْسِيرِهِ (١٢/ ٧٩): \"قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَجَاءَ عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ وَلَا مُحَدَّثٍ﴾ \".\n(^٣) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣٦٨٩) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا، وَمُسْلِمٌ (٢٣٩٨) عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا.","vol":"1","page":556},{"text":"وَآيَةُ الحِجَابِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ لَو أَمَرْتَ نِسَاءَكَ أَنْ يَحْتَجِبْنَ؛ فَإِنَّهُ يُكَلِّمُهُنَّ البَرُّ وَالفَاجِرُ! فَنَزَلَتْ آيَةُ الحِجَابِ.\nوَاجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الغَيرَةِ عَلَيهِ، فَقُلْتُ لَهُنَّ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبَدِّلَهُ أَزْوَاجًا خَيرًا مِنْكُنَّ﴾! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ). مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^١).\nفَظَهَرَ صَرَاحَةً أَنَّهُ وَافَقَ الحَقَّ فِي هَذِهِ الثَّلَاثِ دُونَ جَزْمٍ مِنْهُ أَنَّهُ كَانَ عَلَى الحَقِّ، بَلْ لَو كَانَ وَاثِقًا مِنْ ذَلِكَ لَمَا قَالَ: (وَافَقْتُ)، بَلْ قَالَ: (أَطَعْتُ رَبِّي فِي قَولِ ثَلَاثٍ)، بَلْ وَلَمَا كَانَ بِحَاجَةٍ إِلَى أَنْ يَنْتَظِرَ إِقْرَارَ النَّبِيِّ ﷺ لِذَلِكَ. وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ.\nب- أَنَّ عُمَرَ نَفْسَهُ ﵁ قَدْ نُقِلَ عَنْهُ مَا كَانَ خِلَافَ الحَقِّ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيهِ لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ، كَمَا فِي رَأْيهِ فِي صُلْحِ الحُدَيبِيَةِ (^٢)، وَأَيضًا فِي حِوَارِهِ معَ أَبِي بَكْرٍ ﵄ فِي حَرْبِ الرِّدَّةِ (^٣)، فَلَو كَانَ يَعْلَمُ الغَيبَ أَو يَجْزِمُ بِأَنَّهُ عَلَى الحَقِّ لَمَا صَدَرَ عَنْهُ كُلُّ ذَلِكَ،\n_________\n(^١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤٠٢)، وَمُسْلِمٌ (٢٣٩٩) عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا.\n(^٢) وَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ: قَامَ سَهْلُ بْنُ حُنَيفٍ؛ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ؛ فَإِنَّا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَومَ الحُدَيبِيَةِ؛ وَلَو نَرَى قِتَالًا لَقَاتَلْنَا -وَذَلِكَ فِي الصُّلْحِ الَّذِي كَانَ بَينَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَينَ المُشْرِكِينَ-، فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ؛ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَلَسْنَا عَلَى الحَقِّ وَهُمْ عَلَى البَاطِلِ؟! فَقَالَ: «بَلَى»، فَقَالَ: أَلَيسَ قَتْلَانَا فِي الجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟! قَالَ: «بَلَى»، قَالَ: فَعَلَامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا؟! أَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللهُ بَينَنَا وَبَينَهُمْ؟! فَقَالَ: «يَا ابْنَ الخَطَّابِ! إِنِّي رَسُولُ اللهِ وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللهُ أَبَدًا»، فَانْطَلَقَ عُمَرُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: إِنَّهُ رَسُولُ اللهِ وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللهُ أَبَدًا؛ فَنَزَلَتْ سُورَةُ الفَتْحِ، فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى عُمَرَ إِلَى آخِرِهَا، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَوَ فَتْحٌ هُوَ؟ قَالَ: «نَعَمْ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣١٨٢)، وَمُسْلِمٌ (١٧٨٥).\n(^٣) وَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ -وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرَبِ-، قَالَ عُمَرُ: يَا أَبَا بَكْرٍ؛ كَيفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ)؟!\n=","vol":"1","page":557},{"text":"وَلَكِنَّهُ ﵁ كَانَ مُوَفَّقًا لِقَولِ الصَّوَابِ كَمَا فِي الحَدِيثِ: «إنَّ اللهَ جَعَلَ الحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ يَقُولُ بِهِ» (^١).\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: \"فَقَد كَانَ عُمَرُ ﵁ رَأْسَ الْمُلْهَمِينَ؛ وَمَعَ ذَلِكَ فَكَانَ رُبَّمَا رَأَى الرَّأْيَ فَيُخْبِرُهُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ بِخِلَافِهِ فَيَرْجِعُ إِلَيهِ وَيَتْرُكُ رَأْيَهُ، فَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَكْتَفِي بِمَا يَقَعُ فِي خَاطِرِهِ عَمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﵊! فَقَدِ ارْتَكَبَ أَعْظَمَ الْخَطَأ، وَأَمَّا مَنْ بَالَغَ مِنْهُمْ فَقَالَ: حَدَّثَنِي قَلْبِي عَنْ رَبِّي! فَإِنَّهُ أَشَدُّ خَطَأً؛ فَإِنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ قَلْبُهُ إِنَّمَا حَدَّثَهُ عَنِ الشَّيطَانِ! وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ\" (^٢).\nقَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: \"وَالْقِرَاءَةُ الْعَامَّةُ لَيسَ فِيهَا (المُحَدَّثُ)، إذْ يَجُوزُ أَنْ يُقَرَّ عَلَى بَعْضِ الْخَطَأِ وَيُدْخِلَ الشَّيطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ بَعْضَ مَا يُلْقِيهِ فَلَا يُنْسَخُ، بِخِلَافِ الرَّسُولِ وَالنَّبِيِّ؛ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نَسْخِ مَا يُلْقِي الشَّيطَانُ وَأَنْ يُحْكِمَ اللَّهُ آيَاتِهِ لِأَنَّهُ حَقٌّ، وَالْمُحَدَّثُ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَعْرِضَ مَا يُحَدَّثُهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ. وَلِهَذَا أَلْقَى الشَّيطَانُ لِعُمَرِ -وَهُوَ مُحَدَّثٌ- فِي قِصَّةِ الْحُدَيبِيَةِ، وَقِصَّةِ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ، وَقِصَّةِ اخْتِلَافِهِ وَهِشَامَ بْنِ حَكِيمِ فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ؛ فَأَزَالَهُ عَنْهُ نُورُ النُّبُوَّةِ\" (^٣).\n٣ - أَنَّ مَا جَرَى لِعُمَرَ ﵁ -فِي قِصَّةِ سَارِيَةَ- لَيسَ فِيهِ عِلْمٌ بِالغَيبِ مُطْلَقًا،\n_________\n=\nقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَينَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ؛ فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، وَاللَّهِ لَو مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا. قَالَ عُمَرُ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيتُ أَنْ قَدْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ؛ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الحَقُّ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦٩٢٥)، وَمُسْلِمٌ (٢٠).\n(^١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٥١٤٥) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (١٧٣٦).\n(^٢) فَتْحُ البَارِي (١١/ ٣٤٥).\n(^٣) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (٢/ ٥٢).","vol":"1","page":558},{"text":"وَلَكنَّهُ مِنْ بَابَ الكَرَامَاتِ الَّتِي أَكْرَمَهُ اللهُ تَعَالَى بِهَا -لَهُ وَلِغَيرِهِ- وَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ، وَلَمْ يَقُلْ عُمَرُ ﵁ يَومًا إِنَّهُ يَعْلَمُ الغَيبَ؛ وَلَا قَالَهُ أَحَدٌ عَنْهُ، بَلْ ولَا أَنَّهُ اطَّلَعَ عَلَى الغَيبِ أَصْلًا!\nوَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي صَحَّتْ فِي ذَلِكَ هِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ قَالَ: (وَجَّهَ عُمَرُ جَيشًا، وَرَأَّسَ عَلَيهِمْ رَجُلًا يُدْعَى سَارِيَةَ، فَبَينَا عُمَرُ ﵁ يَخْطُبُ جَعَل يُنَادِي: يَا سَارِيَةُ، الجَبَلَ! -ثَلَاثَ مَرَّاتٍ-، ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ الجَيشِ فَسَأَلَهُ عُمَرُ، فَقَال: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ هُزِمْنَا، فَبَينَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ سَمِعْنَا صَوتًا يُنَادِي: يَا سَارِيَةُ إِلَى الجَبَلِ! -ثَلَاثَ مَرَّاتٍ-، فَأَسْنَدْنَا ظُهُورَنَا إِلَى الجَبَلِ؛ فَهَزَمَهُمُ اللهُ تَعَالَى -وَكَانَتِ المَسَافَةُ بَينَ المَدِينَةِ حَيثُ كَانَ يَخْطُبُ عُمَرُ وَبَينَ مَكَانِ الجَيشِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ- فَقيلَ لِعُمَرَ: إِنَّكَ كُنْتَ تَصِيحُ بِذَلِكَ) (^١). فَلَيسَ فِيهَا عِلْمُهُ بِمَا وَقَعَ لَهُم؛ وَإِنَّمَا جَرَى مِنْهُ كَلَامٌ أَثْنَاءَ خُطْبَتِهِ دُونَ قَصْدٍ مِنْهُ أَصْلًا وَلَا عِلْمٍ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ سُؤَالُهُ رَسُولَ الجَيشِ مَا جَرَى مَعَهُ، وَأَيضًا قَولُ النَّاسِ لَهُ: (إِنَّكَ كُنْتَ تَصِيحُ بِذَلِكَ!) (^٢).\nعَلَى أَنَّهُ حَتَّى لَو كَانَ عُمَرُ قَدْ رَأَى ذَلِكَ فَيَبْقَى مِنْ بَابِ الكَرَامَاتِ، وَلَيسَ مِنْ بَابِ أَنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَى الغَيبِ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الاطْلَاعَ عَلَى الغَيبِ لَا يَكُونُ إِلَّا لِلرُّسُلِ، وَإلَّا فَهَّلا اطَّلَعَ ﵁ عَلَى مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْ سَارِيَةَ وَأَشَدُّ خَطَرًا مِنْهُ عَلَيهِ ألَا وَهُوَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ المَجُوسِيُّ الَّذِي طَعَنَهُ فِي الصَّلَاةِ -وَهُوَ خَلْفهُ فِي الصُّفُوفِ- وَلَا يَحْتَاجُ لِكَثِيرِ\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. الاعِتْقَادُ لِلبَيهَقِيِّ (١/ ٣١٤) عَنِ ابْنِ عُمَرَ. الصَّحِيحَةُ (١١١٠).\nوَأَمَّا بَقِيَّةُ الطُّرُقِ الَّتِي فِيهَا أَنَّ عُمَرَ ﵁ اطَّلَعَ عَلَى أَحْوَالِهِم فَقَالَ ذَلِكَ! فَضَعِيفَةٌ وَاهِيَةٌ، وَأَمَّا مَا أَثْبَتْنَاهُ فَهُوَ صَحِيحٌ، وَقَالَ عَنْهُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ البِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ (١٠/ ١٧٥): \"هَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ حَسَنٌ\".\n(^٢) قالَ الذَّهَبيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ تَارِيخُ الإِسْلَامِ (٣/ ٢٤٩): \"وَيُرْوَى أَنَّ عُمَرَ سُئِلَ فِيمَا بَعْدُ عَنْ كَلَامِهِ (يَا سَارِيَةُ؛ الجَبَلَ) فَلَمْ يَذْكُرْهُ\".","vol":"1","page":559},{"text":"عَنَاءٍ لِرُؤْيَتِهِ وَرُؤْيَةِ سِكِّينِهِ؟! (^١)\nوَلَا يَصِحُّ أَيضًا الاسْتِدْلَالُ بِهَذِهِ القِصَّةِ عَلَى حُصُولِ المُكَاشَفَاتِ مِنَ المَشَايخِ وَالأَولِيَاءِ لِمَا يَحْصُلُ حَولَنَا؛ أَو لِمَا فِي الصُّدُورِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا فِي الصُّدُورِ هُوَ مِمَّا اخْتَصَّ اللهُ تَعَالَى بِهِ -كَمَا سَبَقَ-، وَأَمَّا المُكَاشَفَاتُ لِمَا يَحْصُلُ حَولَهُم فَقَد يَكُونُ تَعَامُلًا مَعَ الجِنِّ، أَو اخْتِلَاقًا، أَو تَهْوِيلًا لِلقَصَصَ، أَو فِرَاسَةً وَفِطْنَةً.\nوَعَلَى كُلِّ؛ فَلَا تُقَاسُ عَلَى قِصَّةِ عُمَرَ، لِأَنَّ عُمَرَ لَهُ مَزِيَّةٌ مَنْصُوصَةٌ فِيهِ لَيسَتْ لِغَيرِهِ، كَمَا سَبَقَ فِي الحَديثِ: «فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ؛ فَإِنَّهُ عُمَرُ».\n٤ - أَنَّ مَعْنَى (مُحَدَّثٍ) أَصْلًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بِنَفْسِهِ، وَلَكِنَّ هُنَاكَ مَنْ يُحَدِّثُه، كَمَا فِي رِوَايَةٍ لِلحَدِيثِ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ كَيفَ مُحَدَّثٌ؟ قَالَ: «تَتَكَلَّمُ\n_________\n(^١) قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الصَّحِيحَةِ (١١١٠): \"وَمِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ، أَنَّ النِّدَاءَ المَذْكُورَ إِنَّمَا كَانَ إِلْهَامًا مِنَ اللهِ تَعَالَى لِعُمَرَ، وَلَيسَ ذَلِكَ غَرِيبًا عَنْهُ، فَإِنَّهُ (مُحَدَّثٌ) كَمَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَكِنْ لَيسَ فِيهِ أَنَّ عُمَرَ كُشِفَ لَهُ حَالُ الجَيشِ؛ وَأَنَّهُ رَآهُم رَأْيَ العَينِ! فَاسْتِدْلَالُ بَعْضِ المُتَصَوِّفَةِ بِذَلكَ عَلَى مَا يَزْعُمُونَهُ مِنَ الكَشْفِ لِلأَولِيَاءِ؛ وَعَلَى إِمْكَانِ اطِّلَاعِهِم عَلَى مَا فِي القُلُوبِ؛ مِنْ أَبْطَلِ البَاطِلِ، كَيفَ لَا وَذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ رَبِّ العَالَمِينَ المُنْفَرَدِ بِعِلْمِ الغَيبِ وَالإطِّلَاعِ عَلَى مَا فِي الصُّدُورِ.\nوَلَيتَ شِعْرِي كَيفَ يَزْعُمُ هَؤُلْاءِ ذَلِكَ الزَّعْمَ البَاطِلَ وَاللهُ ﷿ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿عَالِمُ الْغَيبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجِنّ: ٢٦ - ٢٧]، فَهَلْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ أولَئْكَ الأَولِيَاءَ رُسُلٌ مِنْ رُسُلِ اللهِ حَتَّى يَصِحَّ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُم يَطَّلِعُونَ عَلَى الغَيبِ بِإِطْلَاعِ اللهِ إِيَّاهُم!! سُبْحَانَك هَذا بُهْتَانٌ عَظيمٌ.\nعَلَى أَنَّهُ لَو صَحَّ تَسْمِيَةُ مَا وَقَعَ لِعُمَرَ ﵁ كَشْفًا؛ فَهُوَ مِنَ الأُمُورِ الخَارِقَةِ لِلعَادَةِ الَّتِي قَدْ تَقَعُ مِنَ الكَافِرِ أَيضًا، فَلَيسَ مُجَرَّدُ صُدُورِ مِثْلِهِ بِالذِي يَدُلُّ عَلَى إِيمَانِ الَّذِي صَدَرَ مِنْهُ فَضْلًا عَنْ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى وَلَايَتِهِ! وَلِذَلِكَ يَقُولُ العُلَمَاءُ: إِنَّ الخَارِقَ لِلعَادَةِ إنْ صَدَرَ مِنْ مُسْلِمٍ فَهُوَ كَرَامَةٌ، وَإِلَّا فَهُوَ اسْتِدْرَاجٌ، وَيَضْرِبُونَ عَلَى هَذَا مَثَلًا الخَوَارِقَ الَّتِي تَقَعُ عَلَى يَدِ الدَّجَّالِ الأَكْبَرِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ كَقَولِهِ لِلسَّمَاءِ: أَمْطِري؛ فَتُمْطِرُ! وَلِلأَرْضِ: أَنْبِتِي نَبَاتَكِ؛ فَتُنْبِتُ! وَغَيرَ ذَلِكَ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ الأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ\".","vol":"1","page":560},{"text":"المَلَائِكَةُ عَلَى لِسَانِهِ» (^١).\n٥ - أَمَّا عَنْ قِرَاءَةِ ابْنِ عبَّاسٍ ﵁ نَفْسِهَا؛ فَالجَوَابُ عَلَيهَا هُوَ مِنْ أوجُهٍ:\nأ- أَنَّ هَذِهِ القِرَاءَةَ لَيسَتْ مُتَوَاتِرَةً وَلَا مَعْلُومَةَ الصِّحَّةِ، وَلَا يَجُوزُ الاحْتِجَاجُ بِهَا فِي أُصُولِ الدِّينِ (^٢).\nب- إِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً؛ فَالمَعْنَى أَنَّ المُحَدَّثَ كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَنَا، وَكَانُوا يَحْتَاجُونَ إِلَيهِ، وَكَانَ يُنْسَخُ مَا يُلْقِيهِ الشَّيطَانُ إِلَيهِ كَذَلِكَ، وَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ لَا تَحْتَاجُ إِلَى غَيرِهِ ﷺ، وَلِهَذَا كَانَتِ الأُمَمُ قَبْلَنَا لَا يَكفِيهِم نَبيٌّ وَاحِدٌ؛ بَلْ يُحِيلُهُم هَذَا النَّبِيُّ فِي بَعْضِ الأُمُورِ عَلَى النَّبِيِّ الآخَرِ، وَكَانُوا يَحْتَاجُونَ إِلَى عَدَدٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ وَيَحْتَاجُونَ إِلَى المُحَدَّثِ، وَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ أغْنَاهُم اللهُ بِهِ عَنْ غَيرِهِ مِنَ الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ؛ فَكَيفَ لَا يُغْنِيهِم عَنِ المُحَدَّثِ! وَلِهَذَا قَالَ ﷺ: «لَقَدْ كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُم مِنَ الأُمَمِ نَاسٌ مُحَدَّثونَ مِنْ غَيرِ أَنْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ، فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ؛ فَإِنَّهُ عُمَرُ» (^٣)، فَعَلَّقَ ذَلِكَ بِـ «إِنْ» وَلَمْ يَجْزِمْ بِهِ، لِأَنَّهُ عَلِمَ اسْتِغْنَاءَ أُمَّتِهِ عَنْ مُحَدَّثٍ كَمَا اسْتَغْنَتْ عَنْ غَيرِهِ مِنَ الأَنْبِيَاءِ سَوَاءً كَانَ فِيهَا مُحَدَّثٌ أَو لَا، أَو كَانَ ذَلِكَ لِكَمَالِهَا بِرَسُولِهَا الَّذِي هُوَ أَكْمَلُ الرُّسُلِ وَأَجْمَلُهُم (^٤).\nج- أَنَّ المُحَدَّثَ هُوَ المُلْهَمُ، وَالإِلْهَامَ لَا يَعْنِي العِلْمَ بِالغَيبِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللهُ\n_________\n(^١) قَالَ الهَيثَمِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ مَجْمَعُ الزَّوَائِدِ (١٤٤٣٩): \"رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ فِي الأَوسَطِ، وَفِيهِ أَبُو سَعْدٍ -خَادِمُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ- وَلَمْ أَعْرِفْهُ، وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ\".\n(^٢) اُنْظُرْ شَرْحَ العَقِيدَةِ الأَصْفَهَانِيَّةِ (ص ١٦) لِشَيخِ الإِسْلَامِ ﵀.\n(^٣) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣٦٨٩) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا، وَمُسْلِمٌ (٢٣٩٨) عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا.\n(^٤) اُنْظُرْ شَرْحَ العَقِيدَةِ الأَصْفَهَانِيَّةِ (ص ١٦) لِشَيخِ الإِسْلَامِ ﵀.","vol":"1","page":561},{"text":"تَعَالَى بِهِ، وَإنَّمَا هُوَ ظَنٌّ، وَالظَّنُّ لَيسَ بِعِلْمٍ يَقِينِيٍّ (^١).\nوَأَخِيرًا لِتَمَامِ الفَائِدَةِ؛ فَإِنَّ مَعْنَى كَونِهِ مُرْسَلًا هُوَ عَلَى تَقْدِيرِ مَا يُعْرَفُ بِالطَّيِّ وَالنَّشْرِ فِي لِسَانِ العَرَبِ، فَيَكُونُ المَعْنَى: \"وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ، وَلَا أَلْهَمْنَا مِنْ مُحَدَّثٍ؛ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ\"، كَمَا فِي قَولِ الشَّاعِرِ: \"يَا لَيتَ زَوجَكِ قَدْ غَدَا … مُتَقَلِّدًا سَيفًا وَرُمْحًا\" فَهُوَ كَمَا لَو قَالَ: مُتَقَلِّدًا سَيفًا وَحَامِلًا رُمْحًا (^٢).\n_________\n(^١) وَقَدْ ذَهَبَ ابْنُ القَيِّمِ ﵀ إِلَى أَنَّ التَّحْدِيثَ أَخَصُّ مِنَ الإِلْهَامِ، فَقَالَ ﵀: \"التَّحْدِيثُ أَخَصُّ مِنَ الإِلْهَامِ؛ فَإِنَّ الإِلْهَامَ عَامٌّ لِلمُؤْمِنِينَ بِحَسْبِ إِيمَانِهِم، فّكُلُّ مُؤْمِنٍ فَقَدَ أَلْهَمَهُ اللهُ رُشْدَهُ الَّذِي حَصَلَ لَهُ بِهِ الإِيمَانُ، فَأَمَّا التَّحْدِيثُ؛ فَالنَّبِيُّ قَالَ فِيهِ: «إنْ يِكُنْ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ أَحَدٌ؛ فَعُمَرُ» يَعْنِي مِنَ المُحَدَّثِينَ، فَالتَّحْدِيثُ إِلْهَامٌ خَاصٌّ وَهُوَ الوَحْيُ إِلَى غَيرِ الأَنْبِيَاءِ\". مَدَارِجُ السَّالِكِينَ (١/ ٦٨).\nقُلْتُ: وَعَلَى كُلٍّ؛ فَإِنَّ الإِلْهَامِ وَالتَّحْدِيثَ لَيسَ بِعِلْمٍ يَقينيٍّ.\n(^٢) أَفَادَهُ الإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ شَرْحُ مُشْكِلِ الآثَارِ (٤/ ٣٤٢).","vol":"1","page":562},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-230> المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: هَلِ رُؤْيَا المَنَامِ تُعْتَبَرُ مِنَ العِلْمِ بِالغَيبِ؟</span>\nالجَوَابُ:\nلَا، لَيسَ مِنَ العِلْمِ بالغَيبِ، إِلَّا إِنْ كَانَتْ لِلأَنْبِيَاءِ فَهِي مِنْ جُمْلَةِ شُؤُونِ النُّبُوَّةِ، بِخِلَافِ المَنَامِ الَّذِي يَراهُ الرَّجُلُ مِنَّا؛ فَمِنْهُ الحَقُّ ومِنْهُ البَاطِلُ.\nوَلَيسَ مَعْنَى الحَقِّ هُنَا أَنَّهُ يَجْزِمُ بِكَونِهِ غَيبًا! وَلَكِنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِيهِ نَوعُ إطْلَاعٍ مِنَ اللهِ تَعَالَى لَهُ عَلَى شَيءٍ مِنَ الغَيبِ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ مِنَ الكَرَامَاتِ الَّتِي يُعْطِيهَا اللهُ تَعَالَى لِلعَبْدِ (^١) أَوْ مَا يُجْرِيهَا تَعَالَى لِحِكْمَةٍ يَعْلَمُهَا، خَاصَّةً وَأَنَّ هَذِهِ المَنَامَاتِ هِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ جَاءَتْ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ المَرْفُوعِ وَهُوَ: «رُؤْيَا المُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، وَالرُّؤْيَا ثَلَاثٌ: حَدِيثُ النَّفْسِ، وَتَخْوِيفُ الشَّيطَانِ، وَبُشْرَى مِنَ اللهِ. فَمَنْ رَأَى شَيئًا يَكْرَهُهُ فَلَا يَقُصَّهُ عَلَى أَحَدٍ، وَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^٢).\nوَأَمَّا قَولُهُ: «رُؤْيَا المُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» فَمَعْنَاهُ: \"إِنْ وَقَعَتِ الرُّؤيَا مِنَ النَّبِيِّ فَهِيَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ حَقِيقَةً، وَإِنْ وَقَعَتْ مِنْ غَيرِ النَّبِيِّ فَهِي جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبوَّةِ عَلَى سَبِيلِ المَجَازِ.\nوَقَالَ الخَطَّابيُّ: قِيلَ: مَعْنَاهُ إِنَّ الرُّؤيَا تَجِيءُ عَلَى مُوافَقَةِ النُّبوَّةِ؛ لِأَنَّهَا جُزْءٌ بَاقٍ مِنَ النُّبُوَّةِ.\nوَقِيلَ: المَعْنَى أَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ عِلْمِ النُّبُوَّةِ؛ لِأَنَّ النُّبُوَّةَ -وَإِنِ انْقَطَعَتْ- فَعِلْمُهَا بَاقٍ\" (^٣) (^٤).\n_________\n(^١) وَإِنْ كَانَتْ أَيضًا لَا تَخْتَصُّ مُطْلَقًا بِالصَّالِحِينَ؛ كَمَا فِي رُؤْيَةِ مَلِكِ مِصْرَ فِي قِصَّةِ يُوسُفَ ﵊.\n(^٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٧٠١٧)، وَمُسْلِمٌ (٢٢٦٣).\n(^٣) أَفَادَهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١٢/ ٣٦٣).\n(^٤) قَالَ الحَافِظ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١٢/ ٣٦٣): \"وَتُعقّبَ بِقَولِ مَالِكٍ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ ﵀\n=","vol":"1","page":563},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-231> المَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: مَا الجَوَابُ عَنِ الأَثَرِ الَّذِي فِيهِ مَعْرِفَةُ أَبِي بَكرٍ بِمَا سَيَأْتِيهِ مِنَ الوَلَدِ، وَعَنْ أَثَرِ عُثْمَانَ فِي مُكَاشَفَةِ أَنَسٍ </span>(^١) ﵃ أَجْمَعِينَ؟\nالجَوَابُ:\nالأَثَرُ الأَوَّلُ بِتَمَامِهِ فِي المُوطَّأ أَنَّهُ عِنْدَمَا حَضَرَتِ الوَفَاةُ أَبَا بَكْرٍ ﵁ فَأَخْبَرَ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ وَرَثَتِهِ مِنَ البَنِينَ؛ فَقَالَ: \"وَإِنَّمَا هُوَ مَالُ الوَارِثِ، وَإِنَّمَا هُوَ أَخَوَاكِ وَأُخْتَاك،؛ فَاقْتَسِمُوهُ عَلَى كِتَابِ اللهِ. فَقَالَتْ: يَا أَبَتِ؛ وَاللَّهِ لَو كَانَ كَذَا وَكَذَا لَتَرَكْتُهُ، إِنَّمَا هُوَ أَسْمَاءُ؛ فَمَنِ الأُخْرَى؟ قَالَ: ذُو بَطْنِ بِنْتِ خَارِجَةَ؛ أُرَاهَا جَارِيَةً (^٢) \" (^٣).\n_________\n=\nأَنَّهُ سُئِلَ: أَيُعبِّرُ الرُّؤْيَا كُلُّ أَحَدٍ؟ فَقَالَ: أَبِالنُّبُوَّةِ يُلْعَبُ؟! ثُمَّ قَالَ: الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ؛ فَلَا يُلْعَبُ بِالنُّبُوَّةِ.\nوَالجَوَابُ: أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنَّهَا نُبُوَّةٌ بَاقيَةٌ! وَإنَّمَا أَرَادَ أَنَّهَا لَمَّا أَشْبَهَتِ النُّبُوَّةَ مِنْ جِهَةِ الاطِّلَاعِ عَلَى بَعْضِ الغَيبِ؛ فَإِنَّه لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَكَلَّمَ فِيهَا بِغَيرِ عِلْمٍ\".\nقُلْتُ: وَيُمْكِنُ القَولُ أَيضًا أَنَّ جِهَةَ النُّبُوَّةِ فِيهَا هُوَ مِنْ جِهَةِ كَونِ تَأْوِيلِهَا يَرْجِعُ إِلَى الشَّرْعِ، وَيَشْهَدُ لِهَذَا التَّوجِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَنْ لَا تُقَصَّ إِلَّا عَلَى عَالِمٍ أَو نَاصِحٍ، وَوَجْهُ كَونِهِ عَالِمًا هُوَ بِسَبَبِ أَنَّ الشَّرِيعَةَ جَاءَ فِيهَا كَثِيرٌ مِنْ تَأْوِيلِ المَنَامَاتِ، كَمَا جَعَلَ البُخَارِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِهِ كِتَابًا سَمَّاهُ كِتَابَ التَّعْبِيرِ (٩/ ٢٩).\n(^١) الرِّسَالَةُ القُشَيرِيَّةُ (٢/ ٣٩٣).\nوَلَفْظُهُ: \"وَيُرْوَى عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁؛ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عُثْمَانَ ﵁ -وَكُنْتُ رَأَيتُ فِي الطَّرِيقِ امْرَأَةً تَأَمَّلْتُ مَحَاسِنَهَا-، فَقَالَ عُثْمَانُ ﵁: يَدْخُلُ عَلَيَّ أَحَدُكُم وَآثَارُ الزِّنَى ظَاهِرَةٌ عَلَى عَينِهِ؟! فَقُلْتُ: أَوَحْيٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟! فَقَالَ: لَا؛ وَلَكِنْ تَبْصِرَةٌ وَبُرْهَانٌ وَفِرَاسَةٌ صَادِقَةٌ\".\n(^٢) وَاسْمُهَا أُمُّ كُلْثُومٍ.\n(^٣) صَحِيحٌ. المُوَطَّأُ (٢/ ٧٥٢). إِرْوَاءُ الغَلِيلِ (١٦١٩).","vol":"1","page":564},{"text":"وَالتَّعْلِيقُ عَلَيهِ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ:\n١ - أَنَّهُ مُجَرَّدُ ظَنٍّ وَتَخْمِينٍ مِنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁، وَذَلِكَ لِقَولِهِ: (أُرَاهَا) أَي: أَظُنُّهَا، فَلَيسَ هُوَ مِنَ العِلْمِ بِالغَيبِ بِحَالٍ.\n٢ - أَنَّ سَبَبَهَا قَدْ يَكُونُ رُؤْيًا رَآهَا ﵁، كَمَا نَقَلَهُ الزَّرْقَانِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ المُوَطَّأِ عَنِ ابْنِ مُزَينٍ (^١): \"قَالَ بَعْضُ فُقَهَائِنَا: وَذَلِكَ لِرُؤْيَا رَآهَا أَبُو بَكْرٍ\" (^٢).\n٣ - أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى كَونِهِ مِنْ جُمْلَةِ الكَرَامَاتِ الَّتِي أُكْرِمَ بِهَا ﵁ -كَمَا سَبَقَ فِي الأَثَرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ لَمَّةِ المَلَكِ-.\n- وَأَمَّا الأَثَرُ أَنَّ أَنَسًا ﵁ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ ﵁؛ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: \"يَدْخُلُ عَلَيَّ أَحَدُكُم وَأَثَارُ الزِّنَى ظَاهِرةٌ عَلَى عَينهِ! \" فَهُوَ أَثَرٌ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الحَدِيثِ المَشْهُورِينَ؛ بَلْ رَوَاهُ القُشَيرِيُّ فِي رِسَالَتِهِ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ (^٣).\nوَإِنْ صَحَّ؛ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الظَّنِّ وَالحَدْسِ الَّذِي يَقَعُ فِي خَاطِرِ المُؤْمِنِ وَقَلَّمَا يُخْطِئ، وَلَيسَ لَهُ دِلَالَةٌ عَلَى عِلْمِ الغَيبِ أَصْلًا، وَبَيَانُ ذَلِكَ هُوَ مِنْ وَجْهَينِ:\nأ- أَنَّ أَنَسًا ﵁ قَالَ -جَوَابًا عَلَى قَولِ عُثمان ﵄: \"أَوَحْيٌ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ؟! \" فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى تَأْكِيدِ عَدَمِ العِلْمِ بِالغَيبِ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﷺ؛ وَأَنَّ ذَلِكَ الجَزْمَ لَا يَكُونُ إِلَّا وَحْيًا.\n_________\n(^١) هُوَ يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُزَينٍ؛ أَبُو زَكَرِيَّا: عَالِمٌ بِلُغَةِ الحَدِيثِ وَرِجَالِهِ، مِنْ أَهْلِ قُرْطُبَةَ، (ت ٢٥٩) هـ. الأَعْلَام لِلزِّرِكْلِيِّ (٨/ ١٣٤).\n(^٢) شَرْحُ الزَّرْقَانِيِّ (٤/ ٨٦).\nوَالزَّرْقَانِيُّ: هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ البَاقِي بِنِ يُوسُفَ الأَزْهَرِيُّ؛ المَالِكيُّ، (ت ١١٢٢) هـ.\n(^٣) أَفَادَهُ الشَّيخُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الغُنَيمَانُ فِي كِتَابِهِ (عِلْمُ الغَيبِ فِي الشَّرِيعَةِ الإِسْلَاميَّةِ) (ص ٤٦٢).","vol":"1","page":565},{"text":"ب- أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ أَجَابَ عَلَى جَوابِ أَنَسٍ بِمَا يُؤَكِّدُ قَولَهُ السَّابِقَ؛ فَقَالَ: \"لَا؛ وَلَكِنْ تَبْصِرَةٌ وَبُرْهَانٌ وَفِرَاسَةٌ صَادِقَةٌ\" (^١).\nوَيَشْهَدُ لِمَعْنَاهُ حَدِيثُ: «إنَّ للهِ تَعَالَى عِبَادًا يَعْرِفُونَ النَّاسَ بِالتَّوَسُّمِ» (^٢).\n_________\n(^١) قَالَ فِي القَامُوسِ المُحِيطِ (ص ٥٦٣): \"وَالفِراسَةُ بِالكَسْرِ: اسْمٌ مِنَ التَّفَرُّسِ، وَبِالفَتْحِ: الحِذْقُ بِرُكُوبِ الخَيلِ وَأَمْرِهَا\".\n(^٢) صَحِيحٌ. الطَّبَرَانِيُّ فِي الأَوسَطِ (٢٩٣٥) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (١٦٩٣).\nوَأَمَّا حَدِيثُ: «اتَّقُوا فِرَاسَةَ المُؤمِنِ؛ فَإنَّه يَنْظُرُ بِنُورِ اللهِ ﷿) فَهُوَ ضَعِيفٌ. التِّرْمِذِيُّ (٣١٢٧) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا. المَوضُوعَاتُ لِلصَّغَانِيِّ (ص ٥١).","vol":"1","page":566},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-232> المَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: مِنْ أَينَ يَأْتِي الكَاهِنُ بِأَخْبَارِهِ؟</span>\nالجَوَابُ:\nيِأْتِي مِنْ عِدَّةِ أَشْكَالٍ؛ هِيَ:\n١ - مَا يَتَلَقَّونَهُ مِنَ الجِنِّ؛ فَإِنَّ الجِنَّ كَانُوا يَصْعَدُونَ إِلَى جِهَةِ السَّمَاءِ فَيَرْكَبُ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَى أَنْ يَدْنُوَ الأَعْلَى بِحَيثُ يَسْمَعُ الكَلَامَ فَيُلْقِيهِ إِلَى الَّذِي يَلِيهِ، إِلَى أَنْ يَتَلَقَّاهُ مَنْ يُلْقِيهِ فِي أُذُنِ الكَاهِنِ فَيَزِيدَ فِيهِ (^١).\n٢ - مَا يُخْبِرُ الجِنِّيُّ بِهِ مَنْ يُوَالِيهِ بِمَا غَابَ عَنْ غَيرِهِ مِمَّا لَا يَطَّلِعُ عَلَيهِ الإِنْسَانُ غَالِبًا، أَو يَطَّلِعُ عَلَيهِ مَنْ قَرُبَ مِنْهُ لَا مَنْ بَعُدَ.\n٣ - مَا يَسْتَنِدُ إِلَى ظَنٍّ وَتَخْمِينٍ وَحَدْسٍ، وَهَذَا قَدْ يَجْعَلُ اللهُ فِيهِ لِبَعْضِ النَّاسِ قُوَّةً، مَعَ كَثْرَةِ الكَذِبِ فِيهِ.\n٤ - مَا يَسْتَنِدُ إِلَى التَّجْرُبَةِ وَالعَادَةِ، فَيَسْتَدِلُ عَلَى الحَادِثِ بِمَا وَقَعَ قَبْلَ ذَلِكَ.\n٥ - مَا يَعْرِفُهُ الشَّيطَانُ مِنْ هَوَاجِسِ الإِنْسَانِ الَّتِي يُوَسْوِسُهَا لِابْنِ آدَمَ؛ فيُخْبِرُ بِهَا وَلِيَّهُ (^٢).\n_________\n(^١) وَفِي البُخَارِيِّ (٦٢١٣)، وَمُسْلِمٍ (٢٢٢٨) عَنْ عَائِشَةَ ﵂: سَأَلَ أُنَاسٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الكُهَّانِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَيسُوا بِشَيءٍ». قَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ: فَإِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ أَحْيَانًا بِالشَّيءِ يَكُونُ حَقًّا! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «تِلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ يَخْطَفُهَا الجِنِّيُّ فَيَقُرُّهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ قَرَّ الدَّجَاجَةِ؛ فَيَخْلِطُونَ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كَذْبَةٍ». وَفِي لَفْظٍ: «فَيُقَرْقِرُهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ كَقَرْقَرَةِ الدَّجَاجَةِ».\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حجرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١٠/ ٢١٩): \"قَولُهُ لَهُم: «لَيسُوا بِشَيءٍ» أَي: لَيسَ قَولُهُم بِشَيءٍ يُعْتَمَدُ عَلَيهِ\" ثُمَّ نَقَلَ عَنِ الخَطَّابِيِّ ﵀: \"أَنَّ إِصَابَةَ الكَاهِنِ أَحْيَانًا إِنَّمَا هِيَ لِأَنَّ الجِنِّيَّ يُلْقِي إِلَيهِ الكَلِمَةَ الَّتِي يَسْمَعُهَا اسْتِرَاقًا مِنَ المَلَائِكَةِ فَيَزِيدُ عَلَيهَا أَكَاذِيبَ يَقِيسُهَا عَلَى مَا سَمِعَ، فَرُبَّمَا أَصَابَ نَادِرًا؛ وَخَطَؤُهُ الغَالِبُ\".\n(^٢) انْظُرِ الفَتْحَ (١٠/ ٢١٧)، وَ(إِعَانَةُ المُسْتَفِيدِ) (١/ ٥١٣).","vol":"1","page":567},{"text":"بَابُ مَا جَاءَ فِي النُّشْرَةِ\nعَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ النُّشْرَةِ، فَقَالَ: «هِيَ مِنْ عَمَلِ الشَّيطَانِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، وَأَبُو دَاوُدَ (^١).\nوَقَالَ: سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْهَا؛ فَقَالَ: ابْنُ مَسْعُودٍ يَكْرَهُ هَذَا كُلَّهُ (^٢).\nوَفِي البُخَارِيِّ عَنْ قَتَادَةَ؛ قُلْتُ لِابْنِ المُسَيِّبِ: رَجُلٌ بِهِ طِبٌّ أَو يُؤْخَذُ عَنِ امْرَأَتِهِ؛ أَيُحَلُّ عَنْهُ أَو يُنْشَرُ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ الإِصْلَاحَ، فَأَمَّا مَا يَنْفَعُ فَلَمْ يُنْهَ عَنْهُ (^٣).\nوَرُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَحُلُّ السِّحَرَ إِلَّا سَاحِرٌ (^٤).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١٤١٣٥)، وَعَنْهُ أَبُو دَاوُدَ (٣٨٦٨). الصَّحِيحَةُ (٢٧٦٠).\n(^٢) الآدَابُ الشَّرْعِيَّةُ (٣/ ٧٧) لِابْنِ مُفْلِحٍ الحَنْبَلِيِّ.\nوَقَالَ أَيضًا ﵀: \"وَقَالَ ابْنُ الجَوزِيِّ فِي جَامِعِ المَسَانِيدِ: النُّشْرَةُ: حَلُّ السِّحْرِ عَنِ المَسْحُورِ، وَلَا يَكَادُ يَقْدِرُ عَلَيهِ إِلَّا مَنْ يَعْرِفُ السِّحْرَ.\nوَقَدْ قَالَ الحَسَنُ: لَا يُطْلِقُ السِّحْرَ إِلَّا سَاحِرٌ؛ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ.\nوَسُئِلَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ عَنْ حَلِّ العُقَدِ وَالنُّشُرِ؛ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ.\nوَسُئِلَ أَحْمَدُ عَمَّنْ يُطْلِقُ السِّحْرَ عَنِ المَسْحُورِ؛ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ. انْتَهَى كَلَامُهُ\".\n(^٣) صَحِيحٌ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٧/ ١٣٧) تَعْلِيقًا، وَوَصَلَهُ الحَافِظُ فِي تَغْلِيقِ التَّعلِيقِ (٥/ ٤٩) عَنِ الطَّبَرِيِّ فِي تَهْذِيبِ الآثَارِ، وَقَالَ: \"إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ\".\nوَقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الصَّحِيحَةِ (٢٧٦٠): \"وَرِوَايَةُ قَتَادَةَ أَخْرَجَهَا ابْنُ أَبِي شِيبَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْهُ مُخْتَصَرًا\".\n(^٤) حَسَنٌ مَقْطُوعٌ. الصَّحِيحَةُ (٢٧٦٠).","vol":"1","page":568},{"text":"قَالَ ابْنُ القَيِّمِ: النُّشْرَةُ: حَلُّ السِّحَرِ عَنِ المَسْحُورِ، وَهِيَ نَوعَانِ:\nأَحَدُهُمَا: حَلٌّ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ، وَهُوَ الَّذِي مِنْ عَمَلِ الشَّيطَانِ، وَعَلَيهِ يُحْمَلُ قَولُ الحَسَنِ، فَيَتَقَرَّبُ النَّاشِرُ وَالمُنْتَشَرُ إِلَى الشَّيطَانِ بِمَا يُحِبُّ؛ فَيُبْطِلُ عَمَلَهُ عَنِ المَسْحُورِ.\nوَالثَّانِي: النُّشْرَةُ بِالرُّقْيَةِ وَالتَّعَوُّذَاتِ وَالأَدْوِيَةِ وَالدَّعَوَاتِ المُبَاحَةِ؛ فَهَذَا جَائِزٌ (^١).\nفِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: النَّهْيُ عَنِ النُّشْرَةِ.\nالثَّانِيَةُ: الفَرَقُ بَينَ المَنْهِيِّ عَنْهُ وَالمُرَخَّصِ فِيهِ؛ مِمَّا يُزِيلُ الإِشْكَالَ.\n_________\n(^١) إِعْلَامُ المُوَقِّعِينَ (٤/ ٣٠١).","vol":"1","page":569},{"text":"<span data-type='title' id=toc-235>الشَّرْحُ</span>\n- النَّشْرُ لُغَةً: خِلَافُ الطَّيِّ، وَالنَّشْرُ: التَّفرِيقُ، وَالنُّشْرَةُ بِالضَّمِّ: رُقْيَةٌ يُعالَجُ بِهَا المَجْنُونُ وَالمَرِيضُ وَمَنْ كَانَ يُظَنُّ أَنَّ بِهِ مَسًّا مِنَ الجِنِّ، وَقَدْ نَشَرَ عنه؛ إِذَا رَقَاهُ (^١).\n- مُنَاسَبَةُ البَابِ لِمَا قَبْلَهُ هُوَ مِنْ جِهَتَينِ:\n١ - الرَّدُّ عَلَى شُبْهَةِ إِتْيَانِ النَّاسِ إِلَى السَّحَرَةِ وَالكُهَّانِ بِقَصْدِ حَلِّ السِّحْرِ عَنِ المَسْحُورِ.\n٢ - بَيَانُ المَشْرُوعِ فِي ذَلِكَ عِوَضًا عَنِ المَذْمُومِ، كَمَا تَجِدُهُ فِي كَلَامِ ابْنِ القيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.\n- قَولُ المُصَنِّفِ ﵀: بَابُ مَا جَاءَ فِي النُّشْرَة: يَعْنِي مِنَ التَّفْصِيلِ؛ وَأَنَّ مِنْهَا المَذْمُومُ وَمِنْهَا المَأْذُونُ.\n- قَولُهُ: (سُئِل عَنِ النُّشْرَة): (أَلْ) هُنَا لِلْعَهْدِ، أَي: النُّشْرَةُ المَعْرُوفَةُ فِي الجَاهِلِيَّةِ الَّتِي كَانُوا يَسْتَعْمِلُونَهَا فِي حَلِّ السِّحْرِ، وَهِيَ حَلُّ السِّحْرِ بِاسْتِخْدَامِ الشَّيَاطِينِ وَبِالسِّحْرِ، كَالعُقَدِ وَالنَّفْثِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَلَيسَتْ (أَلْ) هُنَا لِلاسْتِغْرَاقِ! وَذَلِكَ لِمَا ثَبَتَ مِنْ جَوَازِ الرُّقيَةِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَقَى ورُقِيَ.\n- قَولُهُ: «مِنْ عَمَلِ الشَّيطَانِ» أَي: مِنَ العَمَلِ الَّذِي يَأْمُرُ بِهِ الشَّيطَانُ وَيُوحِي بِهِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى التَّحْرِيمِ.\n- قَولُ أَحْمَدَ ﵀: (ابْنُ مَسْعُودٍ يَكْرَهُ هَذَا كُلَّهُ): مَرَّ مَعَنَا فِيمَا سَبَقَ أَنَّ ابْنَ\n_________\n(^١) تَاجُ العَرُوسِ (١٤/ ٢١٧) بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ.","vol":"1","page":570},{"text":"مَسْعُودٍ كَانَ يَكْرَهُ جَمِيعَ أَنْوَاعِ التَّمَائِمِ -حَتَّى مِنَ القُرْآنِ-.\n- (الطِّبُّ) هُنَا: مَعْنَاهُ السِّحْرُ، وَمَطْبُوبٌ أَي: مَسْحُورٌ، وَهَذَا عِنْدَ العَرَبِ هُوَ مِنْ بَابِ التَّفَاؤُلِ بِالشِّفَاءِ، لِأَنَّ الطِبَّ مَعْنَاهُ العِلَاجُ، وَذَلِكَ كَمَا يُقَالُ لِلَّدَيغِ: سَلِيمٌ، وَلِلكَسِيرِ: جَبِي؛ ٌ، مِنْ بَابِ التَّفَاؤلِ بِالشِّفَاءِ، وَلِلَّرَكْبِ: قَافِلَةٌ، مِنْ بَابِ التَّفَاؤلِ بِالعَودَةِ وَالسَّلَامَةِ.\n- قَولُ ابْنِ المُسَيَّبِ ﵀: (لَا بَأْسَ بِهِ، إنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ الإِصْلَاحَ، فَأَمَّا مَا يَنْفَعُ، فَلَم يُنْهَ عَنْهُ) يُرِيدُ بِذَلِكَ: مَا يَنْفَعُ مِنَ النُّشْرَةِ بِالتَّعَوُّذَاتِ وَالأَدْعِيَةِ وَالقُرْآنِ وَالدَّوَاءِ المُبَاحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ دُونَ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ السِّحْرِ، كَمَا يُمْكِنُ حَمْلُ قَولِهِ عَلَى نَوعٍ مِنَ التَّدَاوِي لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ سِحْرٌ.\n- الحَسَنُ: هُوَ ابْنُ أَبِي الحَسَنِ؛ أَبُو سَعِيدٍ البَصْرِيُّ الأَنْصَارِيُّ، ثِقَةٌ فَقِيهٌ، إِمَامٌ مِنْ خِيَارِ التَّابِعِينَ، (ت ١١٠ هـ).\n- قَتَادَةُ: هُوَ ابْنَ دِعَامَةَ السَّدُوسِيُّ، نِسْبَةً إِلَى جَدِّهِ سَدُوس، وَكَانَ مِنْ أَكْبَرِ عُلَماءِ التَّابِعِينَ، وَيُقَالُ: إِنَّه وُلِدَ أَكْمَهًا، (ت ١١٧ هـ).\n- النُّشْرَةُ الجَائِزَةُ أَنْوَاعٌ -كَمَا فِي كَلَامِ ابْنِ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- وَهِيَ:\n١ - الرُّقيَةُ الشَّرْعِيَّةُ بِالقُرْآنِ: بِأَنْ يُقْرَأَ عَلَى المَسْحُورِ مِنْ كِتَابِ اللهِ ﷿، كَالفَاتِحَةِ وَآيَةِ الكُرْسِيِّ وَسُورَةِ البَقَرَةِ وَالقَوَاقِلِ.\n٢ - الرُّقيَةُ الشَّرْعِيَّةُ بِالتَّعَوًّذَاتِ: وَهِيَ الأَدْعِيَةُ، وَخَاصَّةً الَّتِي وَرَدَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (^١).\n_________\n(^١) وَمِنْهَا: «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا؛ ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢٧٠٨) عَنْ خَولَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ مَرْفُوعًا.\n=","vol":"1","page":571},{"text":"٣ - الأَدْوِيَةُ المُبَاحَةُ: وَهَذِهِ يَعْرِفُهَا الحُذَّاقُ وَأَهْلُ التَّجْرِبَةِ وَأَهْلُ العَقِيدَةِ السَّلِيمَةِ (^١).\nفَإِذَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الأُمُورُ المُبَاحَةُ نَفَعَ اللهُ بِهَا؛ لَا سِيَّمَا مَعَ حُسْنِ الظَّنِّ بِاللهِ ﷿ وَاعْتِقَادِ أَنَّ الشِّفَاءَ مِنَ اللهِ تَعَالَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإِسْرَاء: ٨٢].\nوَيُشْتَرَطُ أَنْ يَتَوَلَّاهَا مَنْ يُوثَقُ بِعِلْمِهِ وَدِينِهِ دُونَ أَصْحَابِ المَطَامِعِ الدُّنيَويَّةِ؛ فَضْلًا عَنِ المُشَعْوِذِينَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ عَقَائِدَ النَّاسِ، وَيُرَهِبُونَهُم بِالكَذِبِ وَالتَّدْجِيلِ.\n_________\n=\nوَمِنْهَا: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيطَانٍ وَهَامَّةٍ وَمِنْ كُلِّ عَينٍ لَامَّةٍ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣٣٧١) عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ مَرْفُوعًا.\nوَمِنْهَا: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَذَرَأَ وَبَرَأَ، وَمِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، وَمِنْ شَرِّ مَا يَعْرُجُ فِيهَا، وَمِنْ شَرِّ مَا ذَرَأ فِي الأَرْضِ وَبَرَأ، وَمِنْ شَرِّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَمِنْ شَرِّ فِتَنِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ طَارِقٍ يَطْرُقُ إِلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيرٍ يَا رَحْمَنُ» صَحِيحٌ. الطَّبَرَانِيُّ فِي الَأوسَطِ (٤٣) عَنْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ خُنْبُشٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٨٤٠).\nوَمِنْهَا: «بِسْمِ اللهِ أَرْقيكَ، مِنْ كُلِّ شَيءٍ يُؤذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ وَعَينِ حَاسِدٍ، بِسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ، وَاللهُ يَشْفِيكَ». مُسْلِمٌ (٢١٨٦) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا.\nوَمِنْهَا: «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، أَذْهِبِ البَاسَ، اشْفِهِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ؛ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٥٧٤٣)، وَمُسْلِمٌ (٢١٩١).\n(^١) قَالَ الإِمَامُ مَالِكٌ ﵀: \"وَبَلَغَنِي أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ سُحِرَتْ، فَقِيلَ لَهَا فِي مَنَامِهَا: خُذِي مَاءً مِنْ ثَلَاثَةِ آبَارٍ تَجْرِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فَاغْتَسِلِي بِهِ، فَفَعَلَتْ فَذَهَبَ عَنْهَا\". المَنْتَقَى شَرْحُ المُوَطَّأِ (٧/ ٢٥٥) لِلبَاجِي.\nوَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي تَفْسِيرِهِ (١/ ٣٧٢): \"وَحَكَى القُرْطُبِيُّ عَنْ وَهْبٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: يُؤْخَذُ سَبْعُ وَرَقَاتٍ مِنْ سِدْرٍ، فَتُدَقُّ بَينَ حَجَرَينِ، ثُمَّ تُضْرَبُ بِالمَاءِ، وَيُقْرَأُ عَلَيهَا آيَةُ الكُرْسِيِّ، وَيَشْرَبُ مِنْهَا المَسْحُورُ ثَلَاثَ حَسَوَاتٍ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ بِبَاقِيهِ؛ فَإِنَّهُ يَذْهَبُ مَا بِهِ، وَهُوَ جَيِّدٌ لِلرَّجُلِ الَّذِي يُؤْخَذُ عَنِ امْرَأَتِهِ\".","vol":"1","page":572},{"text":"- فَائِدَة ١: قَالَ القُرْطُبِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ: (المُفْهِمُ شَرْحُ مُسْلِمٍ) (^١) -بَابُ الرُّقيَةِ بِأَسْمَاءِ اللهِ ﷿: \"قَولُهُ: «ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ» (^٢): هَذَا الأَمْرُ عَلَى جِهَةِ التَّعْلِيمِ وَالإرْشَادِ إِلَى مَا يَنْفَعُ مِنْ وَضْعِ يَدِ الرَّاقي عَلَى المَرِيضِ وَمَسْحِهِ بِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَخْصُوصًا بِالنَّبِيِّ ﷺ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ كُلُّ رَاقٍ ....، وَمِمَّا يَنْبَغِي لِلرَّاقِي أَنْ يَفْعَلَهُ النَّفْثُ وَالتَّفْلُ، وَقَدْ قُلنَا: إنَّهُمَا نَفْخٌ مَعَ رِيقٍ\" (^٣).\n- فَائِدَة ٢: قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: \"وَهَؤُلَاءِ (^٤) إذَا قَالُوا لِلْإِنْسَانِ: تُعْطِينَا؛ وَإِلَّا فَإِنِّي أَنَالُك فِي نَفْسِك! فَإِنَّهُ قَدْ تُعِينُهُمْ شَيَاطِينٌ عَلَى إضْرَارِ بَعْضِ النَّاسِ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، لَكِنَّ هَذَا يَكُونُ لِمَنْ هُوَ خَارِجٌ عَنْ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، مِثْلِ أَهْلِ الْفُجُورِ وَالْبِدَعِ الَّذِينَ لَا يُصَلُّونَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؛ فَهَؤُلَاءِ قَدْ تَسَلَّطَ عَلَيهِم بَعْضُ هَؤُلَاءِ بِذُنُوبِهِمْ وَخَطَايَاهُمْ\n_________\n(^١) المُفْهِمُ شَرْحُ مُسْلِمٍ (٥/ ٥٨٩).\nوَقَالَ أَيضًا ﵀ (٥/ ٥٨٠): \"وَأَمَّا النَّفْثُ وَوَضْعُ السَّبَّابَةِ عَلَى الأَرْضِ؛ فَلَا يَتَعَلَّقُ مِنْهَا بِالمَرْقِيِّ شَيءٌ لَهُ بَالٌ وَلَا أَثَرٌ، إِنَّمَا هَذَا مِنْ بَابِ التَّبرُّكِ بِأَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَبِآثَارِ رَسُولِهِ ﷺ، وَأَمَّا الرِّيقُ وَوَضْعُ الإِصْبَعِ -وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ- فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِخَاصِّيَّةٍ فِيهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِحِكْمَةِ إِخْفَاءِ آثَارِ القُدْرَةِ بِمُبَاشَرَةِ الأَسْبَابِ المُعْتَادَةِ. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ\".\nقُلْتُ: وَلَيسَ بِمُمْتَنِعٍ شَرْعًا أَنْ يُجْرِيَ اللهُ تَعَالَى بَرَكَةَ الشِّفَاءِ فِي الرِّيقِ وَالتُّرَابِ الَّذِي قَارَنَ القِرَاءَةَ وَالذِّكْرَ الشَّرِيفَ، لَا سِيَّمَا وَأَنَّ المَقَامَ مَقَامُ تَبَرُّكٍ وَاسْتِعَانَةٍ بِاللهِ تَعَالَى الكَرِيمِ.\n(^٢) هُوَ شَطْرٌ مِنْ حَدِيثِ مُسْلِمٍ (٢٢٠٢)، وَهُوَ بِتَمَامِهِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي العَاصِ الثَّقَفِيِّ؛ أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ مُنْذُ أَسْلَمَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ، وَقُلْ: بِسْمِ اللهِ -ثَلَاثًا-، وَقُلْ -سَبْعَ مَرَّاتٍ-: أَعُوذُ بِاللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ».\n(^٣) وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٢١٩٢) -بَابُ رُقيَةِ المَرِيضِ بِالمُعَوِّذَاتِ وَالنَّفْثِ-: عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ نَفَثَ عَلَيهِ بِالمُعوِّذَاتِ، فَلَمَّا مَرِضَ مَرَضَه الَّذِي مَاتَ فِيهِ جَعَلْتُ أَنْفُثُ عَلَيهِ وَأَمْسَحُهُ بِيَدِ نَفْسِهِ لِأَنَّهَا كَانَتْ أعَظْمَ بَرَكةً مِنْ يَدِي).\n(^٤) يُرِيدُ الدَّجَّالِينَ وَالكُهَّانَ وَأَصْحَابَ الأَحْوَالِ الشَّيطَانِيَّةِ.","vol":"1","page":573},{"text":"وَأَمَّا الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ مِنَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَغَيرِهَا، وَيُخْلِصُونَ دِينَهُمْ لِلَّهِ فَلَا يَدْعُونَ إلَّا اللَّهَ وَلَا يَعْبُدُونَ غَيرَهُ وَلَا يُنْذِرُونَ إلَّا لِلَّهِ وَيُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؛ فَهَؤُلَاءِ جُنْدُ اللَّهِ الْغَالِبُونَ، وَحِزْبُ اللَّهِ الْمُفْلِحُونَ؛ فَإِنَّهُ يُؤَيِّدُهُمْ وَيَنْصُرُهُمْ.\nوَهَؤُلَاءِ يَهْزِمُونَ شَيَاطِينَ أُولَئِكَ الضَّالِّينَ؛ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ مَعَ شُهُودِ هَؤُلَاءِ وَاسْتِغَاثَتِهِمْ بِاللَّهِ أَنْ يَفْعَلُوا شَيئًا مِنْ تِلْكَ الْأَحْوَالِ الشَّيطَانِيَّةِ! بَلْ تَهْرُبُ مِنْهُمْ تِلْكَ الشَّيَاطِينُ.\nوَهَؤُلَاءِ مُعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ؛ يَقُولُونَ: أَحْوَالُنَا مَا تَنْفُذُ قُدَّامَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ! وَإِنَّمَا تَنْفُذُ قُدَّامَ مَنْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ مِنَ الْأَعْرَابِ وَالتُّرْكِ وَالْعَامَّةِ وَغَيرِهِمْ\" (^١).\n- فَائِدَة ٣: لَا يُشْتَرَطُ فِي إِفَادَةِ الرُّقيَةِ -وَلِكَنَّهُ أَكْمَلُ- أَنْ يَكُونَ المَرْقِيُّ مُؤْمِنًا أَو صَالِحًا.\nفَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁؛ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَتَوا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ؛ فَلَمْ يَقْرُوهُمْ! فَبَينَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ لُدِغَ سَيِّدُ أُولَئِكَ، فَقَالُوا: هَلْ مَعَكُمْ مِنْ دَوَاءٍ أَو رَاقٍ؟ فَقَالُوا: إِنَّكُمْ لَمْ تَقْرُونَا! وَلَا نَفْعَلُ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا، فَجَعَلُوا لَهُمْ قَطِيعًا مِنَ الشَّاءِ. فَجَعَلَ يَقْرَأُ بِأُمِّ القُرْآنِ وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ وَيَتْفِلُ؛ فَبَرَأَ. فَأَتَوا بِالشَّاءِ، فَقَالُوا: لَا نَأْخُذُهُ حَتَّى نَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ، فَسَأَلُوهُ فَضَحِكَ، وَقَالَ: «وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟! خُذُوهَا، وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ» (^٢).\n_________\n(^١) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (١١/ ٦٦٨).\n(^٢) البُخَارِيُّ (٥٧٣٦)، وَهُوَ فِي مُسْلِمٍ (٢٢٠١) بَابُ جَوَازِ أَخْذِ الأُجْرَةِ عَلَى الرُّقيَةِ بِالقُرْآنِ وَالأَذْكَارِ.\nوَ(القِرَى): مَا يُعدُّ لِلضَّيفِ النَّازِلِ مِنَ النُّزْلِ.","vol":"1","page":574},{"text":"<span data-type='title' id=toc-236>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-237> المَسْأَلَةُ الأُولَى: لِمَاذَا لَا يُحْمَلُ قَولُ ابْنِ المَسَيَّبِ ﵀ عَلَى أَنَّهُ أَجَازَ السِّحْرَ فِي النُّشرَةِ؟</span>\nالجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ:\n١ - أَنَّ ابْنَ المُسَيَّبِ ﵀ أَرْفَعُ مَقَامًا مِنْ أَنْ يُجِيزَ السِّحْرَ مَعْ مَا عُلِمَ مِنَ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فِي تَحْرِيمِ السِّحْرِ وَذَمِّ مَنْ سَحَرَ أَو سُحِرَ لَهُ!\n٢ - أَنَّ كَلَامَهُ عَامٌّ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ؛ فيُحْمَلُ عَلَى وَجْهٍ غَيرِ مُشْكِلٍ مَعَ غَيرِهِ مِنَ المُسَلَّمَاتِ.\n٣ - أَنَّهُ قَيَّدَ إِبَاحَتَهُ لِلنُّشْرَةِ بِقَيدِ النَّفْعِ، وَذَلِكَ بِقَولِهِ: (فَأَمَّا مَا يَنْفَعُ، فيُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى غَيرِ السِّحْرِ قَطْعًا، لِأَنَّ السِّحْرَ لَيسَ فِيهِ نَفْعٌ بِالنَّصِّ، فَإِنَّ نَفْسَ السِّحْرِ ضَرَرٌ لَا نَفْعٌ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ [البَقَرَة: ١٠٢]، وَكَذَا مِنْ جِهَةِ عَاقِبَتِهِ ضَرَرٌ لَا نَفْعٌ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيثُ أَتَى﴾ [طَه: ٦٩] (^١).\n_________\n(^١) قَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (ص ٦١): \"ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّ عِلْمَ السِّحْرِ مَضَرَّةٌ مَحْضَةٌ، لَيسَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لَا دِينِيَّةٌ ولا دُنْيَوِيَّةٌ -كَمَا يُوجَدُ بَعْضُ المَنَافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ فِي بَعْضِ المَعَاصِي-\".","vol":"1","page":575},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-238> المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَلَا يُمْكِنُ القَولُ بِأَنَّ حَلَّ السِّحْرِ بِالسِّحْرِ هُوَ مِنْ بَابِ الضَّرُورَاتِ؛ وَالقَاعِدَةُ الأُصُوليَّةُ تَقُولُ: الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ المَحْظُورَاتِ </span>(^١)؟\nالجَوَابُ:\nلَا يَجُوزُ، وَذَلِكَ مِنْ جِهَاتٍ:\n١ - أَنَّ صُورَةَ النَّهْي فِي الحَدِيثِ عِنْدَمَا سُئِلَ ﵊ عَنِ النُّشْرَةِ -وَهِيَ لِلمَسْحُورِ قَطْعًا- مُطَابِقَةٌ لِلنَّهْي بِقَولِهِ ﵊ عَنْهَا: «هُوَ مِنْ عَمَلِ الشَّيطَانِ»، فَكَيفَ جَازَتِ النُشْرَةُ بِالسِّحْرِ مِنْ بَابِ الشِّفَاءِ؛ مَعَ أَنَّ النَّصَّ عَلَيهَا بِخِلَافِهَا!!\n٢ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ إِتْيَانِ الكُهَّانِ أَصْلًا، كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: (وَمِنَّا رِجَالٌ يَأْتُونَ الكُهَّانَ. قَالَ: (فَلَا تَأْتُوهُمْ» (^٢).\n_________\n(^١) وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الحَنَابِلَةِ إِلَى ذَلِكَ.\nوَقَرِيبٌ مِنْهُ قَولُ الحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١٠/ ٢٣٣): \"قَولُهُ: (النُّشْرَةُ مِنْ عَمَلِ الشَّيطَانِ): إِشَارَةٌ إِلَى أَصْلِهَا، وَيَخْتَلِفُ الحُكْمُ بِالقَصْدِ؛ فَمَنْ قَصَدَ بِهَا خَيرًا كَانَ خَيرًا، وَإِلَّا فَهُوَ شَرٌّ\".\nوَهُوَ مَرْدُودٌ كَمَا سَيَأْتِي.\nقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ وَنَفَعَ بِعِلْمِهِ: \"هَذَا وَلَا خِلَافَ عِنْدِي بَينَ الأَثَرَينِ، فَأَثَرُ الحَسَنِ يُحْمَلُ عَلَى الاسْتِعَانَةِ بِالجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ وَالوَسَائِلِ المُرْضِيَةِ لَهُم كَالذَّبْحِ لَهُم وَنَحْوِهِ -وَهُوَ المُرَادُ بِالحَدِيثِ-، وَأَثَرُ سَعِيدٍ عَلَى الاسْتِعَانَةِ بِالرُّقَى وَالتَّعَاوِيذِ المَشْرُوعَةِ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَإِلى هَذَا مَالَ البَيهَقِيُّ فِي السُّنَنِ، وَهُوَ المُرَادُ بِمَا ذَكَرَهُ الحَافِظُ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ؛ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّن يُطْلِقَ السِّحْرَ عَنِ المَسْحُورِ؟ فَقَالَ: (لَا بَأْسَ بِهِ).\nوَأَمَّا قَولُ الحَافِظِ: (وَيَخْتَلِفُ الحُكْمُ بِالقَصْدِ؛ فَمَنْ قَصَدَ بِهَا خَيرًا كَانَ خَيرًا؛ وَإلَّا فَهُوَ شَرٌّ)! قُلْتُ: هَذَا لَا يَكْفِي فِي التَّفْرِيقِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَجْتَمِعُ قَصْدُ الخَيرِ مَعَ كَونِ الوَسِيلَةِ إِلَيهِ شَرٌّ! كَمَا قِيلَ فِي المَرْأَةِ الفَاجِرَةِ: (لَيتَهَا لَمْ تَزْنِ وَلَمْ تَتَصَدَّقِ\". الصَّحِيحَةُ (٢٧٦٠).\n(^٢) مُسْلِمٌ (٥٣٧).","vol":"1","page":576},{"text":"وَيُضَافُ لِهَذَا أَنَّهُ حَتَّى لَو انْدَفَعَتْ بِهِ الضَّرُورَةُ -جَدَلًا- فَإِنَّه لَا يَصِحُّ أَيضًا؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِهِ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيهَا، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «إنَّ اللهَ خَلَقَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ؛ فَتَدَاوُوا، وَلَا تَتَدَاوُوا بِحَرَامٍ» (^١).\nوَقَدْ حَذَّرَتِ الشَّرِيعَةُ مِنْ إِتْيَانِ الكُهَّانِ وَالعَرَّافِينَ وَالسِّحْرةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ إِتْيِانَ النَّاسِ إِلِيهِم هُوَ مِنْ بَابِ الالْتِجَاءِ إِليهِم مِمَّا يُلِمُّ بِهِم مِنَ المَصَائِبِ فِي أَمْوَالِهِم وَأَبْدَانِهِم؛ فَجَاءَ التَّحْذِيرُ مِنْهُم عَامًّا وَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهُم مُعْتَبَرًا شَرْعًا، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَيسَ مِنَّا مَنْ سَحَرَ أَو سُحِرَ لَهُ» (^٢).\n٣ - مِنْ جِهَةِ القَاعِدَةِ المَذْكُورَةِ؛ فَلَا رَيبَ أَنَّ القَاعِدَةَ صَحِيحَةٌ، وَلَكِنَّ حَمْلَهَا عَلَى هَذِهِ المَسْأَلَةِ غَيرُ صَحِيحٍ، فَالضَّرُورَةُ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ، وَهِيَ حِفْظُ الدِّينِ، وَالنَّفْسِ، وَالنَّسْلِ، وَالمَالِ، وَالعَقْلِ (^٣)، وَلَكِنْ لِلعَمَلِ بِهَذِهِ القَاعِدَةِ هُنَاكَ قُيُودٌ، هِيَ:\nأ- أَنْ لَا يَجِدَ سِوَى هَذَا المُحَرَّمِ.\nوَهَذَا غَيرُ مُحَقَّقٍ هُنَا، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى شَرَعَ لِعِبَادِهِ فِي عِلَاجِ السِّحْرِ الكَثِيرَ المُبَاحَ مِنَ القُرْآنِ وَالرُّقَى وَالتَّعْوِيذَاتِ وَالأَدْوِيَةِ المُبَاحَةِ، كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ عَنِ ابْنِ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.\nب- أَنْ تَنْدَفِعَ بِهِ الضَّرُورَةُ.\nوَهَذَا غَيرُ مُحَقَّقٍ هُنَا، لِأَنَّ السِّحْرَ ضَارٌّ وَلَيسَ بِنَافِعٍ مُطْلَقًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى:\n_________\n(^١) حَسَنٌ. الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ (٢٤/ ٢٥٤) عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ أَيضًا (٩/ ٣٤٥) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوقُوفًا عَلِيهِ بِلَفْظِ: «إنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُم فِيمَا حَرَّم عَلَيكُم»، وَعَلَّقَهُ البُخَارِيُّ (٧/ ١١٠) مَجْزُومًا بِهِ، وَصَحَّحَهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ. تَمَّ مُخْتَصَرًا مِنَ الصَّحِيحَةِ (١٦٣٣).\n(^٢) صَحِيحٌ. البزَّارُ (٩/ ٥٢) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٢١٩٥).\n(^٣) ذَكَرَهَا الإِمَامُ الشَّاطِبِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (المُوَافَقَاتُ) (٢/ ٢٠)، وَتَرْتِيبُهَا هُوَ مِنَ الأَعْلَى إِلَى الأَدْنَى.","vol":"1","page":577},{"text":"﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيثُ أَتَى﴾ [طَه: ٦٩] (^١).\nج- أَنَّ الضَّرُورَةَ تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا.\nوَهَذَا أَيضًا غَيرُ مُتَحَقِّقٍ هُنَا، فَالضَّرُورَاتُ الخَمْسُ أَوَّلُهَا حِفْظُ الدِّينِ، فَلَا يُبْذَلُ مَا هُوَ أَعْلَى لِتَحْصِيلِ مَا هُوَ أَدْنَى وَهُوَ حِفْظُ النَّفْسِ (^٢)!\nفَالأَنْفُسُ لَا يَجُوزُ حِفْظُهَا بِالشِّرْكِ، فَالسِّحْرُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالشِّرْكِ، وَالَّذِي يَأْتِي السَّاحِرَ وَيَطْلُبُ مِنْهُ حَلَّ السِّحْرِ؛ هَذَا فِيهِ الرِّضَى بِقَولِهِ وَعَمَلِهِ، وَبِأَنْ يُشْرِكَ ذَاكَ بِاللهِ تَعَالَى لِأَجْلِ مَنْفَعَتِهِ! وَهَذَا غَيرُ جَائِزٍ (^٣).\nوَفِي الحَدِيثِ: «لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيئًا؛ وَإِنْ قُطِّعْتَ أَو حُرِّقْتَ» (^٤).\nقُلْتُ: وَلَا يَرِدُ عَلَينَا فِي هَذِهِ النُّقْطَةِ الأَخِيرَةِ الاسْتِدْلَالُ بِحَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁ فِي إِكْرَاهِهِ عَلَى الكُفْرِ! وَذَلِكَ لِأَنَّ حَديثَ عَمَّارٍ فِيهِ الكُفْرُ ظَاهِرًا فَقَطْ لِقَولِهِ ﷺ: «كَيفَ تَجِدُ قَلبَكَ؟ فَقَالَ عَمَّاُر: مُطْمَئِنًّا بِالإِيمَانِ» (^٥)، أَمَّا هُنَا فَفِيهِ الكُفْرُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.\n_________\n(^١) هَذَا وَإِنْ كَانَ التَّدَاوِي عُمُومًا مَحْمُولٌ عَلَى الظَّنِّ الغَالِبِ وَلَيسَ عَلَى اليَقِينِ؛ وَلَكِنَّ التَّدَاوِي بِالسِّحْرِ جَاءَ النَّصُّ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ، كَمَا مَرَّ سَابِقًا فِي الآيَاتِ الكَرِيمَاتِ، وَكَمَا فِي الحَدِيثِ: «مَنْ تَعَلَّقَ شَيئًا وُكِلَ إِلَيهِ» صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١٨٧٨١) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُكَيمٍ مَرْفُوعًا.\nوَتَأَمَّلْ كَونَ عُمَرَ سَمَّى الجِبْتَ سِحْرًا -كَمَا سبقَ-؛ فَهُوَ لَا خيرَ فِيهِ مُطْلَقًا.\n(^٢) هَذَا عَلَى فَرْضِ أَنَّ المَسْحُورَ شَارَفَ عَلَى المَوتِ، وَإِلَّا فَالسِّحْرُ غَالِبُهُ يَجْرِي مَجْرَى المَرَضِ الَّذِي يَعْتَري الإِنْسَانَ عَادَةً؛ فَيُحْتَمَلُ وُيُصْبَرُ عَلَيهِ حَتَّى يَأْذَنَ اللهُ تَعَالَى بِالشِّفَاءِ.\n(^٣) أَفَادَهُ الشَّيخُ صَالِحُ آلِ الشَّيخِ حَفِظَهُ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ التَّمْهِيدُ (ص ٣٣١) بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ.\n(^٤) حَسَنٌ. الأَدَبُ المُفْرَدُ (١٨) عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الأَدَبِ المُفْرَدِ (١٤).\n(^٥) رَوَاهُ الحَاكِمُ (٣٣٦٢)، وَصَحَّحَهُ الذَّهَبِيُّ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.","vol":"1","page":578},{"text":"بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّطَيُّرِ\nوَقَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٣١].\nوَقَولُهُ: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [يَس: ١٩].\nعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ، وَلَا صَفَرَ». أَخْرَجَاهُ (^١). زَادَ مُسْلِمٌ: «وَلَا نَوءَ وَلَا غُولَ».\nوَلَهُمَا عَنْ أَنَسٍ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الفَأْلُ». قَالُوا: وَمَا الفَأْلُ؟ قَالَ: «الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ» (^٢).\nوَلِأَبِي دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: ذُكِرَتِ الطِّيَرَةُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «أَحْسَنُهَا الفَأْلُ، وَلَا تَرُدُّ مُسْلِمًا. فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ؛ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ» (^٣).\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٥٧٥٧)، ومُسْلِمٌ (٢٢٢٠).\n(^٢) البُخَارِيُّ (٥٧٧٦)، ومُسْلِمٌ (٢٢٢٤).\n(^٣) ضَعِيفٌ. أَبُو دَاوُدَ (٣٩١٩). الضَّعِيفَةُ (١٦١٩).\nوَالحَدِيثُ هُوَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ عَامِرٍ وَلَيسَ عَنْ عُقْبَةَ كَمَا تَجِدُهُ فِي مَصْدَرِهِ.\nوَأَمَّا قَولُ النَّوَوِيِّ ﵀ فِي كِتَابِهِ رِيَاضُ الصَّالِحِينَ (ص ٥٩٣): \"حَدِيثٌ صَحِيحٌ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ\"! فَلَيسَ بِصَحِيحٍ.\nقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: \"ضَعِيفُ الإِسْنَادِ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ عَامِرٍ؛ قَالَ: ذُكْرَتِ الطِّيَرَةُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: فَذَكَرَهُ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ السُّنِّيِّ (١/ ٢٥٥) مِنْ طَرِيقِ الأَعْمَشِ عَنْ حَبِيبٍ بِهِ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: (عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الجُهَنِيَّ) بَدَلَ (عُرْوَةَ بْنِ عَامِرٍ)، وَأَظنُّهُ تَصْحِيفًا مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ. وَهَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ -وَإِنْ كَانَ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ-، فَإِنَّ حَبِيبَ بْنَ أَبِي ثَابِتٍ كَثِيرُ التَّدْلِيسِ؛ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِالتَّحَدِيثِ، وَعُرْوَةَ بْنَ عَامِرٍ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي ثِقَاتِ التَّابِعِينَ؛ فَالحَدِيثُ مُرْسَلٌ، وَقِيلَ: إِنَّ لَهُ صُحْبَةً، وَقَالَ الحَافِظُ فِي (التَّهْذِيبِ): أَثْبَتَ غَيرُ وَاحِدٍ لَهُ صُحْبَةً، وَشَكَّ فِيهِ بَعْضُهُم، وَرِوَايَتُهُ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ لَا تَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ صَحَابيًّا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ رِوَايَةَ حَبِيبٍ عَنْهُ مُنْقَطِعَةٌ. وَقَالَ فِي (الإِصَابَةِ) بَعْدَ أَنْ سَاقَ الحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيرِهِ: رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، لَكِنَّ حَبِيبَ كَثِيرُ الإِرْسَالِ\". الضَّعِيفَةُ (١٦١٩).","vol":"1","page":579},{"text":"وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: «الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، الطِّيَرَةُ شِرْكٌ -ثَلَاثًا-، وَمَا مِنَّا إِلَّا؛ وَلَكِنَّ اللهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (^١)، وَجُعِلَ آخِرُهُ مِنْ قَولِ ابْنِ مَسْعُودٍ (^٢).\nوَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَمْرِوٍ: «مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ عَنْ حَاجَتِهِ؛ فَقَدْ أَشْرَكَ». قَالُوا: فَمَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: «أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ لَا خَيرَ إِلَّا خَيرُكَ، وَلَا طَيرَ إِلَّا طَيرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيرُكَ» (^٣).\nوَلَهُ مِنْ حَدِيثِ الفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ: «إِنَّمَا الطِّيَرَةُ مَا أَمْضَاكَ أَو رَدَّكَ» (^٤).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٣٩١٠)، وَالتِّرْمِذِيُّ (١٥١٤). الصَّحِيحَةُ (٤٢٩).\n(^٢) قَالَ التِّرْمِذِيُّ ﵀ (٣/ ٢١٣): \"سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ (البُخَارِيَّ) يَقُولُ: كَانَ سُلَيمَانُ (بْنُ حَرْبٍ) يَقُولُ فِي هَذَا الحَدِيثِ: «وَمَا مِنَّا إلَّا؛ وَلَكِنَّ اللهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ» هَذَا عِنْدِي قَولُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ\".\nقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: \"قَالَ الشَّارِحُ المُنَاوِيُّ: لَكِنْ تَعَقَّبَهُ ابْنُ القَطَّانِ بِأَنَّ كُلَّ كَلَامٍ مَسُوقٍ فِي سِيَاقٍ؛ لَا تُقْبَلُ دَعْوَى دَرْجِهِ إِلَّا بِحُجَّةٍ. قُلْتُ: ولَا حُجَّةَ هُنَا فِي الإِدْرَاجِ، فَالحَدِيثُ صَحِيحٌ بِكَامِلِهِ\". الصَّحِيحَةُ (٤٢٩).\n(^٣) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٧٠٤٥). صَحِيحُ الجَامِعِ (٦٢٦٤).\n(^٤) ضَعِيفٌ. أَحْمَدُ (١٨٢٤). \"وَفِي إِسْنَادِهِ انْقِطَاعٌ بَينَ مَسْلَمَةَ الجُهَنِيِّ -رَاوِيهِ- وَبَينَ الفَضْلِ\". كَمَا فِي فَتْحِ المَجِيدِ (ص ٣١٥).\nوَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ عَنِ الفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَومًا، فَبَرِحَ ظَبْيٌ فَمَالَ فِي شِقِّهِ فَاحْتَضَنْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ تَطَيَّرْتَ؟ قَالَ: «إِنَّمَا الطِّيَرَةُ مَا أَمْضَاكَ أَو رَدَّكَ». وضَعَّفَهُ الشَّيخُ شُعَيبٌ الأَرْنَؤُوطُ فِي تَحْقِيقِهِ لِلمُسْنَدِ.","vol":"1","page":580},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: التَّنْبِيهُ عَلَى قَولِهِ: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ مَعَ قَولِهِ: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾.\nالثَّانِيَةُ: نَفْيُ العَدْوَى.\nالثَّالِثَةُ: نَفْيُ الطِّيَرَةِ.\nالرَّابِعَةُ: نَفْيُ الهَامَةِ.\nالخَامِسَةُ: نَفْيُ الصَّفَرِ.\nالسَّادِسَةُ: أَنَّ الفَأْلَ لَيسَ مِنْ ذَلِكَ؛ بَلْ مُسْتَحَبٌّ.\nالسَّابِعَةُ: تَفْسِيرُ الفَأْلِ.\nالثَّامِنَةُ: أَنَّ الوَاقِعَ فِي القُلُوبِ مِنْ ذَلِكَ مَعَ كَرَاهَتِهِ؛ لَا يَضُرُّ بَلْ يُذْهِبُهُ اللهُ بِالتَّوَكُّلِ.\nالتَّاسِعَةُ: ذِكْرُ مَا يَقُولُ مَنْ وَجَدَهُ.\nالعَاشِرَةُ: التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الطِّيَرَةَ شِرْكٌ.\nالحَادِيَةَ عَشْرَةَ: تَفْسِيرُ الطِّيَرَةِ المَذْمُومَةِ.","vol":"1","page":581},{"text":"<span data-type='title' id=toc-241>الشَّرْحُ</span>\n- مُنَاسَبَةُ البَابِ لِمَا قَبْلَهُ مِنَ الأَبْوَابِ المُتَعَلِّقَةِ بِالسِّحْرِ هُوَ أَنَّ التَّطَيُّرَ نَوعٌ مِنْ أَنْوَاعِهِ بِنَصِّ الحَدِيثِ (^١).\n- وَحَقِيقَتُهُ: التَّشَاؤُمُ أَوِ التَّفَاؤُلُ بِحَرَكَةِ الطَّيرِ مِنَ السَّوَانِحِ وَالبَوَارِحِ أَوِ النَّطِيحِ أَوِ القَعِيدِ، أَو بِغَيرِ الطَّيرِ مِنَ الحَوَادِثِ.\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: \"وَكَانُوا يَتَيَمَّنُونَ بِالسَّانِحِ وَيَتَشَاءَمُونَ بِالبَارِحِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِن رَمْيُهُ إِلَّا بِأَنْ يَنْحَرِف إِلَيهِ، …، وَقَدْ كَانَ بَعْضُ عُقَلَاء الجَاهِلِيَّة يُنْكِر التَّطَيُّر وَيَتَمَدَّح بِتَرْكِهِ.\nقَالَ شَاعِرٌ مِنْهُمْ: لَعُمْرُكَ مَا تَدْرِي الطَّوَارِقُ بِالحَصَى … وَلَا زَاجِرَتُ الطَّيرِ مَا اللهُ صَانِعُ\" (^٢).\nوَ\"السَّانحُ: مَا وَلَاّك ميامِنَه، والبارحُ: مَا وَلَاّك مَيَاسِره\" (^٣).\n- التَّطَيُّرُ يُنَافِي كَمَالَ التَّوحِيدِ الوَاجِبِ؛ لِأَنَّه شِرْكٌ أَصْغَرُ.\nوَسَبَبُ كَونِهِ شِرْكًا هُوَ مِنْ أَوجُهٍ:\n١ - مُنَافَاتُهُ لِلتَّوَكُّلِ؛ لِتَعَلُّقِ القَلْبِ بِهِ دُونَ اللهِ تَعَالَى، وَسَبَقَ الكَلَامُ فِي بَابِ (مَنْ\n_________\n(^١) أَي: حَدِيثَ قَبِيصَةَ مَرْفُوعًا: «إِنَّ العِيَافَةَ وَالطَّرْقَ وَالطِّيَرَةَ مِنَ الجِبْتِ». ضَعِيفٌ. أَبُو دَاوُدَ (٣٩٠٧). وَقَدْ سَبَقَ الكَلَامُ عَلَيهِ.\n(^٢) فَتْحُ البَارِي (١٠/ ٢١٣).\n(^٣) تَهْذِيبُ اللُّغَةِ (٤/ ١٨٧).","vol":"1","page":582},{"text":"حَقَّقَ التَّوحِيدَ دَخَلَ الجَنَّةَ بِغَيرِ حَسَابٍ) عَنْ عَلَاقَةِ التَّوَكُّلِ بِتَرْكِ الطِّيَرَةِ (^١).\n٢ - اعْتِقَادُ سَبَبِ النَّفْعِ أَوِ الضُّرِ فِي الطَّائِرِ وَنَحْوِهِ؛ حَيثُ لَمْ يَجْعَلْهُ الشَّرْعُ سَبَبًا (^٢).\n٣ - رَجْمٌ بِالغَيبِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النَّمْل: ٦٥].\nوَهَذَا عَدَا عَنْ مَا فِيهِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالمُشْرِكِينَ، كَمَا فِي سِيَاقِ الآيَاتِ فِي البَابِ.\n- فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٣١] (^٣)، قَالَ ابْنُ عبَّاسٍ ﵁: (﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يَقُولُ: مَصَائِبُهُم عِنْدَ اللهِ وَمِنْ قِبَلِه) (^٤).\n- قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [يَس: ١٨ - ١٩]، فَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أَي: مَرْدُودٌ عَلَيكُم، وَقَالَ قَتَادَةُ: أَي: أَعْمَالُكُم مَعَكُم.\nوَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ (^٥) أَي: \"مِنْ أَجْلِ أنَّا\n_________\n(^١) لَكِنْ لَو اعْتَقَدَ هَذَا المُتَشَائِمُ المُتَطَيِّرُ أَنَّ هَذَا فَاعِلٌ بِنَفْسِهِ دُونَ اللهِ؛ فَهُوَ مُشْرِكٌ الشِّرْكَ الأَكْبَرَ، لِأَنَّهُ جَعَلَ مَعَ اللهِ شَرِيكًا فِي الخَلْقِ وَالإِيجَادِ.\n(^٢) وَسَيَأْتِي الكَلَامُ عَلَى هَذِهِ القَاعِدَةِ فِي بَابِ الاسْتِسْقاءِ بِالأَنْوَاءِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.\n(^٣) المُرَادُ بِالحَسَنَةِ هُنَا: الخَصْبُ وَالأَرْزَاقُ وَنُزُولُ الأَمَطْارِ.\n(^٤) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٣/ ٤٦١) بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ.\n(^٥) قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ القَولُ المُفِيدُ (١/ ٥٦٢): \"وَقَولُهُ: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ يَنْبَغِي أَنْ تَقِفَ عَلَى قَولِهِ: ﴿ذُكِّرْتُمْ﴾ لِأَنَّهَا جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ، وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أَئِنْ ذُكِّرْتُم تَطَيَّرْتُم! وَعَلَى هَذَا فَلَا تَصِلْهَا بِمَا بَعْدَهَا\".","vol":"1","page":583},{"text":"ذَكَّرْنَاكُم وَأَمَرْنَاكُم بِتَوحِيدِ اللهِ وَإِخْلَاصِ العِبَادَةِ لَهُ؛ قَابَلْتُمُونَا بِهَذَا الكَلَامِ وَتَوَعَدْتُمُونَا وتَهَدَّدْتُمُونَا! بَلْ أَنْتُم قَومٌ مُسْرِفُونَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: أَي إِنْ ذَكَّرْنَاكُم بِاللهِ تَطَيَّرْتُم بِنَا! بَلْ أَنْتُم قَومٌ مُسْرِفُونَ\" (^١).\n- وَجْهُ الدِّلَالَةِ مِنَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أَنَّ التَّطَيُّرَ هُوَ مِنْ صِفَاتِ المُشْرِكِينَ أَعْدَاءِ الرُّسُلِ، وَكَمَا قَالَ قَومُ صَالِحٍ لَهُ: ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [النَّمْل: ٤٧].\nفَيُسْتَفَادُ مِنَ الآيَتَينِ المَذْكُورَتَينِ فِي البَابِ: أَنَّ التَّطَيُّرَ كَانَ مَعْرُوفًا مِنْ قِبَلِ العَرَبِ وَمِنْ غَيرِ العَرَبَ، لِأَنَّ الأُولَى فِي فِرْعَونَ وَقَومِهِ، وَالثَّانِيَةَ فِي أَصْحَابِ القَرْيَةِ.\n- قَولُهُ: «لَا عَدْوَى» أَي: لَا عَدْوَى مُؤَثِّرَةٌ بِطَبْعِهَا وَنَفْسِهَا، وَإنَّمَا تَنتَقِلُ العَدْوَى بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى، وَأَهْلُ الجَاهِليَّةِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ العَدْوَى تَنْتَقِلُ بِنَفْسِهَا؛ فَأَبْطَلَ اللهُ جَلَّ وَعَلَا صِحَّةَ ذَلِكَ الاعْتِقَادَ (^٢).\n- قَولُهُ: «وَلَا طِيَرَةَ» المَنْفِيُّ هُنَا لَيسَ هُوَ وُجُودُ الطِّيَرَةِ؛ لِأَنَّ الطِّيَرَةَ مَوجُودَةٌ مِنْ جِهَةِ اعْتِقَادِ النَّاسِ (^٣) وَمِنْ جِهَةِ اسْتِعْمَالِهَا، وَلَكِنَّهَا مَنْفِيَّةٌ مِنْ جِهَةِ صِحَّتِهَا، وَكَذَلِكَ\n_________\n(^١) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٦/ ٥٧٠).\n(^٢) قَالَ البَيهَقِيُّ ﵀ فِي السُّنَنِ الكُبْرَى (٧/ ٣٥١): \"بَابُ لَا عَدْوَى عَلَى الوَجْهِ الَّذِي كَانوا فِي الجَاهِلِيَّةِ؛ يَعْتَقِدُونَهُ مِنْ إِضَافَةِ الفِعْلِ إِلَى غَيرِ اللهِ\".\nوَأَمَّا قَولُ صَاحِبِ فَتْحِ المَجِيدِ ﵀ (ص ٣٠٧): \"وَالمَنْفِيُّ: نَفْسُ سِرَايَةِ العِلَّةِ أَو إِضَافَتُهَا إِلَى العِلَّةِ. وَالأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ\".\nقُلْتُ: الظَّاهِرُ هُوَ الثَّانِي. وَيُنْظَرُ شَرْحُ الشَّيخِ الغُنَيمَانِ حَفِظَهُ اللهُ عَلَى كِتَابِ (فَتْحُ المَجِيدِ)، شَرِيطُ رَقَم (٧٩)، شَرْحُ البَابِ. وَسَيَأْتِي الكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي المَسَائِلِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.\n(^٣) وَفِي حَدِيثِ مُعَاوَيِةَ بْنِ الحَكَمِ السُّلَمِيِّ؛ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﵊ عَنِ الطِّيَرَةِ، فَقَالَ لَهُ: «ذَاكَ شَيءٌ يَجِدُهُ أَحَدُكُم فِي صَدْرِهِ فَلَا يَصُدَّنَّكُم» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٥٣٧)، فَأَخْبَرَ أَنَّ تَأثيرَهُ وَتَشَاؤمَهُ بِالطَّيرِ إِنَّمَا هُوَ فِي نَفْسِهِ وَعَقِيدَتِهِ؛ لَا فِي المُتَطَيَّرِ بِهِ! فَوَهْمُهُ وَخَوفُهُ وَإِشْرَاكُهُ هُوَ الَّذِي يُطَيِّرُهُ وَيَصُدُّهُ لِمَا رَآهُ وَسَمِعَهُ.","vol":"1","page":584},{"text":"العَدْوَى مَوجُودَةٌ مِنْ جِهَةِ الوُقوعِ، فَالنَّفيُ إِذًا يَعُودُ عَلَى صِحَّةِ الاعْتِقَادِ بِهَا.\n- الهَامَةُ: بِالفَتْحِ؛ فِيهَا قَولَانِ:\n١ - هِيَ طَائِرُ اللَّيلِ المَعْرُوفُ (^١)، وَقِيلَ: هِيَ البُومَةُ، قَالُوا: كَانَتْ إِذَا سَقَطَتْ عَلَى دَارِ أَحَدِهِم رَآهَا نَاعِيَةً لَهُ نَفْسَهُ أَو بَعْضَ أَهْلِهِ.\n٢ - أَنَّ العَرَبَ كَانَتْ تَعْتَقِدُ أَنَّ عِظَامَ المَيِّتِ -وَقِيلَ: رُوحَهُ- تَنْقَلِبُ هَامَةً تَطِيرُ (^٢).\nوَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ المُرَادُ النَّوعِين؛ فَإِنَّهُمَا جَمِيعًا بَاطِلَانِ (^٣).\n- قَولُهُ: «وَلَا صَفَرَ» فِيهِ ثَلَاثةُ أَقْوَالٍ:\n١ - أَنَّهُ شَهْرُ صَفَرٍ؛ حَيثُ كَانَتِ العَرَبُ تَتَشَاءَمُ بِهِ؛ فَيَتْرُكُونَ الأَسْفَارَ وَالأَعْمَالَ وَالنِّكَاحَ فِيهِ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ عَطْفُهُ عَلَى الطِّيَرَةِ هُوَ مِنْ بَابِ عَطْفِ الخَاصِّ عَلَى العَامِّ.\n٢ - أَنَّهُ دَاءٌ فِي البَطْنِ يُصِيبُ الإِبِلَ وَيَنْتَقِلُ مِنْ بَعِيرٍ إِلَى آخَرَ، وَعَلَيهِ يَكُونُ عَطْفُهُ عَلَى العَدْوَى هُوَ مِنْ بَابِ عَطْفِ الخَاصِّ عَلَى العَامِّ أَيضًا.\n٣ - أَنَّهُ نَهْيٌ عَنِ النَّسِيئَةِ، فَكَانُوا فِي الجَاهِلِيَّةِ َيَنْسَئُونَ؛ فَإِذَا أَرَادُوا القِتَالَ فِي شَهْرِ\n_________\n(^١) يُدْعَى (الصَّدَى)، وَهِيَ البُومَةُ أَوْ تُشْبِهُ البُومَةَ.\n(^٢) وَأَنَّهَا تَبْقَى تَصِيحُ حَتَّى يُؤْخَذَ بِثَأْرِ المَقْتُولِ، وَفِيهَا يَقُولُ قَائِلُهُم: \"يَا عَمْرُو إِلَّا تَدَعْ شَتْمِي وَمَنْقَصَتِي … أَضْرِبُكَ حَتَّى تَقُولَ الهَامَةُ اسْقُونِي\". لِسَانُ العَرَبِ (١٢/ ٦٢٤).\n(^٣) أَفَادَهُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (١٤/ ٢١٥).","vol":"1","page":585},{"text":"اللهِ المُحَرَّمِ اسْتَحَلُّوهُ، وَأَخَّرُوا الحُرْمَةَ إِلَى شَهْرِ صَفَرَ، وَهَذِهِ النَّسِيئَةُ هِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا اللهُ بِقَولِهِ: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التَّوبَة: ٣٧].\n- هَذَا النَّفيُ فِي هَذِهِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ فِي الحَدِيثِ لَيسَ نَفيًا لِلوُجُودِ؛ لِأَنَّهَا مَوجُودَةٌ، وَلَكِنَّهُ نَفْيٌ:\n١ - لِلتَّأثِيرِ بِنَفْسِهِ إِنْ كَانَ سَبَبًا صَحِيحًا؛ كَالعَدْوَى.\n٢ - أَو نَفْيًا لِكَونِهِ سَبَبًا إِنْ كَانَ بَاطِلًا؛ كَالطِّيَرَةٍ وَالهَامَةِ وَالنَّوءِ.\nوَأَمَّا الغُولُ؛ فَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِكِلَيهِمَا، وَسَيَأْتِي.\n- قَولُهُ: «وَلَا نَوءَ» هُوَ وَاحِدُ الأَنْوَاءِ، وَالأَنْوَاءُ هِيَ: مَنَازِلُ القَمَرِ (^١).\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: \"كَانُوا يَقُولُونَ: (مُطِرْنَا بِنَوءِ كَذَا) فَأَبْطَلَ ﷺ ذَلِكَ؛ بِأَنَّ المَطَر إِنَّمَا يَقَعُ بِإِذْنِ اللهِ لَا بِفِعْلِ الكَوَاكِب -وَإِنْ كَانَتِ العَادَةُ جَرَتْ بِوُقُوعِ المَطَرِ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ- لَكِنْ بِإِرَادَةِ اللهِ تَعَالَى وَتَقْدِيرِهِ؛ لَا صُنْعَ لِلْكَوَاكِبِ فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ\" (^٢).\n_________\n(^١) وَهِيَ ثَمَانٍ وَعِشْرُونَ مَنْزِلَةً، كُلُّ مَنْزِلَةٍ لَهَا نَجْمٌ؛ تَدُورُ بِمَدَارِ السَّنَةِ، وَهَذِهِ النُّجُومُ بَعْضُهَا يُسَمَّى النُّجُومَ الشَّمَالِيَّةَ -وَهِيَ لِأَيَّامِ الصَّيفِ-، وَبَعْضُهَا يُسَمَّى النُّجُومَ الجَنوبِيَّةَ -وَهِيَ لِأَيَّامِ الشِّتَاءِ-، وَأَجْرَى اللهُ العَادَةَ أَنَّ المَطَرَ -مَثَلًا فِي وَسَطِ الجَزِيرَةِ العَرَبيَّةِ- يَكُونُ أَيَّامَ الشِّتَاءِ، أَمَّا أَيَّامَ الصَّيفِ فَلَا مَطَرَ، فَكَانَتِ العَرَبُ تَعْتَقِدُ أَنَّ المَطَرَ يَكُونُ بِالأَنْوَاءِ، وَأَنَّ بَعْضَهَا مَحْمُودٌ وَبَعْضَهَا مَنْحُوسٌ لَا يَأْتِي فِيهَا خَيرٌ، وَلِهَذَا كَانُوا يُسَمُّونَ بَعْضَهَا: سَعْدًا أَو سَعْدَ السُّعُودِ، وَبَعْضُهَا يَتَشَاءَمُونَ بِهَا أَشَدَّ التَّشَاؤُمِ كَسَعْدِ الذَّابِحِ، فَيَقُولُونَ: هَذَا نَوءٌ غَيرُ مَحْمُودٍ، يَعْنِي: أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ فِيهِ المَطَرُ وَلَا يَحْصُلُ فِيهِ الخَيرُ. اُنْظُرْ كِتَابَ (القَولُ المُفِيدُ) (١/ ٥٦٨).\n(^٢) فَتْحُ البَارِي (١٠/ ١٥٩).","vol":"1","page":586},{"text":"- قَولُهُ: «وَلَا غُول» قَالَ ابْنُ الأَثِيرِ ﵀: \"الغُولُ: أَحَدُ الغِيلَانِ، وَهِيَ جِنْسٌ مِنَ الجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ (^١)، كَانَتِ العَرَبُ تَزْعُم أَنَّ الغُولَ فِي الفَلَاةِ تَتَرَاءَى لِلنَّاسِ فَتَتَغَوَّلُ تَغَوُّلًا: أَي: تَتَلَوًّنُ تلَوُّنًا فِي صُوَرٍ شَتَّى، وَتَغُولُهُم أَي: تُضِلُّهُم عَنِ الطَّريقِ وَتُهْلِكهُم؛ فَنَفَاهُ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبْطَلَهُ\" (^٢).\nوَالحَاصِلُ أَنَّهَا لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَضِلَّ أَحَدًا مَعَ ذِكْرِ اللهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ كَيدَ الشَّيطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النِّسَاء: ٧٦].\nفَالعَرَبُ كَانُوا إِذَا سَافَرُوا أَو ذَهَبُوا يَمِينًا أَو شِمَالًا تَلَوَّنَتْ لَهُمُ الشَّيَاطِينُ بِأَلْوَانٍ مُفْزِعَةٍ مُخِيفَةٍ؛ فَتُدْخِلُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ وَالخَوفَ، فَتَجِدُهُم يَكْتَئِبُونَ وَيَمْتَنِعُونَ عَنِ الذَّهَابِ إِلَى هَذَا الوَجْهِ الَّذِي أَرَادُوا! وَهَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ يُضْعِفُ التَّوَكُّلَ عَلَى اللهِ، وَالشَّيطَانُ حَرِيصٌ عَلَى إِدْخَالِ القَلَقِ وَالحُزْنِ عَلَى الإِنْسَانِ بِقَدْرِ مَا يَسْتَطِيعُ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيسَ بِضَارِّهِمْ شَيئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المُجَادِلَة: ١٠].\n- قَولُهُ: «وَيُعْجِبُنِي الفَأْلُ» (^٣): الفَأْلُ هُنَا هُوَ الاسْتِبْشَارُ بِحُصُولِ الخَيرِ عِنْدَ سَمَاعِ مَا يَسُرُّ، لِأَنَّ النَّاسَ إِذَا أَمَّلُوا الخَيرَ مِنَ اللهِ تَعَالَى عِنْدَ كُلِّ سَبَبٍ فَهُم عَلَى خَيرٍ، وَإِذَا قَطَعُوا آمَالَهُم وَرَجَاءَهُم مِنَ اللهِ تَعَالَى كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّرِّ، كَمَا فِي الحَدِيثِ\n_________\n(^١) هِيَ سَحَرَتُهُم، وَقَالَ بَعْضُهُم: السَّاحِرُ الذَّكَرُ هُوَ الغُولُ، وَالأُنْثَى هِيَ السِّعْلَاةُ. اُنْظُرْ (لِسَانُ العَرَبِ) (١١/ ٥١٠).\n(^٢) النِّهَايَةُ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ (٣/ ٧٤٦).\n(^٣) وَفِي رِوَايَةٍ\" قَالُوا: وَمَا الفَأْلُ؟ قَالَ: «الكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٥٧٥٤)، وَمُسْلِمٌ (٢٢٢٣) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.","vol":"1","page":587},{"text":"القُدُسِيِّ: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» (^١).\nوَمِنْ جُمْلَةِ الأَمْثِلَةِ فِي التَّفَاؤُلِ المَشْرُوعِ هَذِهِ الأَحَادِيثُ:\n١ - عَنْ بُرِيدَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: (كَانَ لَا يَتَطَيَّرُ مِنْ شَيءٍ، وَكَانَ إِذَا بَعَثَ عَامِلًا سَأَلَ عَنِ اسْمِهِ؛ فَإِذَا أَعْجَبَهُ اسْمُهُ فَرِحَ بِهِ وَرُئِيَ بِشْرُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، وَإِنْ كَرِهَ اسْمَهُ رُئِيَ كَرَاهِيَةُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ.\nوَإِذَا دَخَلَ قَرْيَةً سَأَلَ عَنِ اسْمِهَا؛ فَإِنْ أَعْجَبَهُ اسْمُهَا فَرِحَ بِهَا وَرُئِيَ بِشْرُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، وَإِنْ كَرِهَ اسْمَهَا رُئِيَ كَرَاهِيَةُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ» (^٢).\n٢ - عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ فِي حَدِيثِ صُلْحِ الحُدَيبِيَةِ حِينَ جَاءَ سُهَيلُ بْنُ عَمْرو، فقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَقَدْ سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ» (^٣).\n٣ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: (كَانَ يُعْجِبُهُ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ أَنْ يَسْمَع: َ يَا رَاشِدُ؛ يَا نَجِيحُ) (^٤).\n- قَولُهُ: «اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ» أَي: لَا يُقَدِّرُهَا وَلَا يُوجِدُهَا لِلعَبْدِ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنْ تَكُونُ الحَسَنَاتُ بِأَسْبَابٍ، لِأَنَّ خَالِقَ هَذِهِ الأَسْبَابِ هُوَ اللهُ، فَإِذَا وُجِدَتْ هَذِهِ الحَسَنَاتُ بِأَسْبَابٍ خَلَقَهَا اللهُ؛ صَارَ المُوجِدُ هُوَ اللهُ تَعَالَى.\nوَالمُرَادُ بِالحَسَنَاتِ: مَا يَسْتَحْسِنُ المَرْءُ وُقُوعَهُ، وَيَشْمَلُ ذَلِكَ الحَسَنَاتِ\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٧٤٠٥) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.\n(^٢) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٣٩٢٠). الصَّحِيحَةُ (٧٦٢).\n(^٣) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢٧٣١). وَفِي الأَدَبِ المُفْرَدِ (٩١٥) تَحْتَ بَابِ (التَّبَرُّكُ بِالاسْمِ الحَسَنِ).\n(^٤) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (١٦١٦). صَحِيحُ الجَامِعِ (٤٩٧٨).","vol":"1","page":588},{"text":"الشَّرْعِيَّةَ؛ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَغَيرِهَا، وَيَشْمَلُ أَيضًا الحَسَنَاتِ الدُّنْيَوِيَّةَ؛ كَالمَالِ وَالوَلَدِ وَنَحْوِهَا.\n- قَولُهُ: «وَلَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ» فِي مَعْنَاهَا وَجْهَانِ:\n١ - البَاءُ بمَعْنَى (فِي): وَالتَّقْدِيرُ: لَا حَولَ إِلَّا فِي اللهِ وَحْدَهُ، وَالمَنفيُّ عَنْ غَيرِهِ هُوَ الحَولُ المُطْلَقُ، وَالحَولُ هُنَا نِسْبِيٌّ، فَالكَامِلُ هُوَ فِي اللهِ وَحْدَهُ.\n٢ - البَاءُ لِلاسْتِعَانَةِ أَوِ السَّبَبِيَّةِ: أَي: لَا تَحَوُّلَ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ إِلَّا مُسْتَعِينِينَ بِاللهِ تَعَالَى، وَهَذَا الوَجْهُ أَصَحُّ، فَالأَصْلُ فِي الكَلَامِ عَدَمُ التَّقْدِيرِ (^١).\n- الفَأْلُ الحَسَنُ (^٢) يَخْتَلِفُ عَنِ الطِّيَرَةِ مِنْ أَوجُهٍ:\n١ - الفَأْلُ الحَسَنُ لَا يُقْصَدُ؛ بِخِلَافِ الطِّيَرَةِ فَقَد تُقْصَدُ. كَمَا فِي الحَدِيثِ: «أَقِرُّوا الطَّيرَ عَلَى مَكِنَّاتِهَا» (^٣).\n_________\n(^١) وَكَذَا القَولُ فِي (القُوَّةِ).\n(^٢) لَفْظُ «الفَأْلِ الحَسَنَ» هُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ (٢٤٩٨٢) عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا، وَتَمَامُهُ: «الطَّيرُ تَجْرِي بِقَدَرٍ، وكَانَ يُعْجِبُهُ الفَألُ الحَسَنُ». صَحِيحٌ. الصَّحِيحَةُ (٨٦٠).\nوَعِنْدَ البُخَارِيِّ (٥٧٥٦) بِلَفْظِ: «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الفَأْلُ الصَّالِحُ: الكَلِمَةُ الحَسَنَةُ».\n(^٣) سُنَنُ أَبِي دَاوُدَ (٢٨٣٥) عَنْ أُمِّ كُرْزٍ الكَعْبِيَّةِ مَرْفُوعًا، وَقَدْ صَحَّحَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ تَصَحِيحِهِ حَيثُ أَورَدَهُ فِي الضَّعِيفَةِ (٥٨٦٢). وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.\nقَالَ المُنَاوِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ فَيضُ القَدِيرِ (٢/ ٦٩): \" «أَقرُّوا الطَّيرَ عَلَى مَكِنَّاتِهَا» بِفَتْحِ المِيمِ وَكَسْرِ الكَافِ وَشَدِّ النُّونِ أَو تُخَفَّفُ جَمْعُ (مَكِنَّة): أَي: أَقِرُّوهَا فِي أَوكَارِهَا فَلَا تُنَفِّرُوهَا عَنْ بَيضِهَا وَلَا تُزْعِجُوهَا عَنْهُ وَلَا تَتَعَرَّضُوا لَهَا، فَالمُرَادُ: أَمَاكِنُهَا؛ مِنْ قَولِهِم: (النَّاسُ عَلَى مَكَانَاتِهِم) أَي: مَنَازِلِهِم وَمَقَامَاتِهِم، أَو جَمْعُ (مُكُنَةٍ) بِضَمِّ المِيمِ وَالكَافِ بِمَعْنَى التَّمَكُّنُ: أَي: أَقِرُّوهَا عَلَى كُلِّ مُكُنةٍ تَرَونَهَا عَلَيهَا وَدَعُوا التَّطَيُّرَ بِهَا، كَانَ أَحَدُهُم إِذَا سَافَرَ نَفَّرَ طَير؛ ا، فَإِنْ طَارَ يَمِينًا تَفَاءَلَ، وَإِنْ طَارَ شِمَالًا تَشَاءَمَ وَرَجَعَ\".","vol":"1","page":589},{"text":"٢ - الفَأْلُ الحَسَنُ لَيسَ مُؤَثِّرًا فِي العَمَلِ أَوِ المَنْعِ عَلَى صَاحِبِهِ؛ فَهُوَ مُجَرَّدُ بُشْرَى، بِخِلَافِ الطِّيَرَةِ فَهِي مُؤَثِّرَةٌ فِي عَمَلِ المَتَطَيِّرِ.\n٣ - الفَأْلُ الحَسَنُ لَا يُعْتَمَدُ عَلَيهِ فِي القَلبِ، فَيَبْقَى القَلْبُ مُتَعَلِّقًا بِاللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، بِخِلَافِ الطِّيَرَةِ؛ فَإِنَّ المُتطيِّرَ يَعْتَمِدُ وَيَتَوَكَّلُ عَلَيهَا.\n٤ - الفَأْلُ الحَسَنُ نَاجِمٌ عَنْ نُطْقٍ وَبَيَانٍ يَدُلَّانِ عَلَى الاسْتِبْشَارِ؛ بِخِلَافِ الطِّيَرَةِ فَلَيسَ لَهَا سَبَبٌ صَحِيحٌ مِنْ نُطْقٍ أَو بَيَانٍ (^١).\n- عِلَاجُ الطِّيَرَةِ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ (^٢):\n١ - التَّوَكُّلُ عَلَى اللهِ ﷾، وَاسْتِحْضَارُ أَنَّهُ لَا يَأْتِي بِالخَيرِ وَلَا يَدْفَعُ الشَّرَّ إِلَّا هُوَ ﷾.\n٢ - أَنْ يَمْضِيَ المَرْءُ فِي حَاجَتِهِ الَّتِي أَرَادَهَا، وَلَا يَرْجِعَ عَنْهَا بِسَبَبِ الطِّيَرَةِ.\n٣ - الدُّعَاءُ، وَمِنْهُ: «اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ» (^٣).\n- قَولُهُ: «وَلَا طَيرَ إِلَّا طَيرُكَ» يَحْتَمِلُ أَوجُهًا -وَكُلُّهَا صَحِيحَةٌ قَرِيبَةٌ-:\nأ- أَنَّهُ لَا يَحْدُثُ إِلَّا قَضَاؤُكَ الَّذِي قَضَيتَهُ، فَعِلْمُ المُغَيَّبَاتِ إِنَّمَا هُوَ للهِ ﷿، وَهَذَا\n_________\n(^١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١٠/ ٢١٤): \"قَالَ الخَطَّابِيُّ: وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّ مَصْدَر الفَأْلِ عَنْ نُطْقٍ وَبَيَانٍ، فَكَأَنَّهُ خَبَرٌ جَاءَ عَنْ غَيبٍ، بِخِلَافِ غَيرهِ؛ فَإِنَّهُ مُسْتَنِدٌ إِلَى حَرَكَةِ الطَّائِرِ أَو نُطْقِهِ وَلَيسَ فِيهِ بَيَانٌ أَصْلًا، وَإِنَّمَا هُوَ تَكَلُّفٌ مِمَّنْ يَتَعَاطَاهُ\".\n(^٢) إِعَانَةُ المُسْتَفِيدِ (٢/ ١٧) لِلْفَوزَانِ حَفِظَهُ اللهُ مُخْتَصَرًا.\n(^٣) قُلْتُ: هَذَا -وَإِنْ كَانَ الحَدِيثُ ضَعِيفًا- فَلَا بَأْسَ بِالدُّعَاءِ بِهِ مِنْ بَابِ عُمُومِ الدُّعَاءِ لِصِحَّةِ مَعْنَاهُ، لَا مِنْ بَابِ كَونِهِ سُنَّةً نَبَوِيَّةً. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.","vol":"1","page":590},{"text":"الدُّعَاءُ كَفَّارَةٌ لِمَنْ وَقَعَ فِي الطِّيَرَةِ.\nب- أَنَّ المُرَادَ بِالطَّيرِ هُنَا مَا يَتَشَاءَمُ بِهِ الإِنْسَانُ، فَكُلُّ مَا يَحْدُثُ لِلإِنْسانِ مِنَ التَّشَاؤمِ وَالحَوَادِثِ المَكْرُوهَةِ؛ فَإِنَّهُ مِنَ اللهِ تَعَالَى كَمَا أَنَّ الخَيرَ مِنْهُ أَيضًا سُبْحَانَه، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأَعْرَاف: ١٣١].\nج- أَنَّ الطُّيُورَ كُلَّهَا مِلْكُكَ، فَهِي لَا تَفْعَلُ شَيئًا، وَإنَّمَا هِيَ مُسَخَّرَةٌ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النَّحْل: ٧٩].\nفَالطَّيرُ مُسَخَّرَةٌ بِإِذْنِ اللهِ، وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يُدَبِّرُهَا وَيُصَرِّفُهَا وَيُسَخِّرُهَا تَذْهَبُ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَا عَلَاقَةَ لَهَا بِالحَوَادِثِ (^١).\n- قَولُهُ: «إِنَّمَا الطِّيَرَةُ مَا أَمْضَاكَ أَو رَدَّكَ» فِيهِ بَيَانُ أَنَّ المَنْهِيَّ عَنْهُ هُوَ مَا أثَّرَ فِي إِتْمَامِ أَمْرِكَ أَوِ الانْصِرَافِ عَنْهُ، وَفِي الحَدِيثِ: «لَنْ يَلِجَ الدَّرَجَاتِ العُلَى مَنْ تَكَهَّنَ أَوِ اسْتَقْسَمَ أَو رَجَعَ مِنْ سَفَرٍ تَطَيُّرًا» (^٢).\n_________\n(^١) وَفِي الحَدِيثِ «الطَّيرُ تَجْرِي بِقَدَرٍ». صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٤٩٨٢) عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٨٦٠).\n(^٢) صَحِيحٌ. مُسْنَدُ الشَّامِيِّينَ لِلطَّبَرَانِيِّ (٢١٠٤) عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٢١٦١).","vol":"1","page":591},{"text":"<span data-type='title' id=toc-242>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-243> المَسْأَلَةُ الأُولَى: قَولُهُ: «وَمَا مِنَّا إِلَّا؛ وَلَكِنَّ اللهَ يُذْهِبُهُ بِالتّوَكُّلِ» كَيفَ يَصِحُّ نِسْبَتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الوُقُوعِ فِي الشِّرْكِ؟</span>\nالجَوَابُ هُوَ مِنْ وَجْهَينِ:\n١ - أَنَّ الشِّرْكَ وَالإِثْمَ فِي الطِّيَرَةِ حَاصِلٌ بِالتَّأَثُّرِ بِهَا فِي الإِقْدَامِ أَوِ الإِعْرَاضِ، أَمَّا مَا يَقَعُ فِي القَلْبِ مِنْ مُجَرَّدِ رُؤيَتِهَا أَو سَمَاعِهَا فَلَيسَ فِيهِ إِثْمٌ، لِذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَمْرو المَرْفُوعِ: «مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ عَنْ حَاجَتِهِ؛ فَقَدْ أَشْرَكَ» (^١).\nوَفِي الحَدِيثِ أَيضًا: «إِذَا حَسَدْتُمْ فَلَا تَبْغُوا، وَإِذَا ظَنَنْتُمْ فَلَا تُحَقِّقُوا، وَإِذَا تَطَيَّرْتُمْ فَامْضُوا، وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا» (^٢).\n٢ - أَنَّ زِيَادَةَ: «وَمَا مِنَّا إِلَاّ وَلَكِنَّ اللهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ» رَجَّحَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ كَونَهَا مُدْرَجَةً مِنْ كَلَامِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ (^٣).\n_________\n(^١) وَمِثْلُهُ قَولُ النَّبِيِّ ﷺ لِمُعَاوِيَةَ بْنِ الحَكَمِ السُّلَميِّ عِنْدَمَا سَأَلَهُ عَنِ الطِّيَرَةِ: «ذَاكَ شَيءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ؛ فَلَا يَصُدَّنَّهُمْ». صَحِيحُ مُسْلِمٍ (٥٣٧).\n(^٢) صَحِيحٌ. الكَامِلُ لِابْنِ عَدِيٍّ (٥/ ٥٠٩). الصَّحِيحَةُ (٣٩٤٢).\n(^٣) قَالَ التِّرْمِذِيُّ ﵀ (٣/ ٢١٣): \"سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ (البُخَارِيَّ) يَقُولُ: كَانَ سُلَيمَانُ (بْنُ حَرْبٍ) يَقُولُ فِي هَذَا الحَدِيثِ: «وَمَا مِنَّا إلَّا؛ وَلَكِنَّ اللهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ» هَذَا عِنْدِي قَولُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ\".\nقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: \"قَالَ الشَّارِحُ المُنَاوِيُّ: لَكِنْ تَعَقَّبَهُ ابْنُ القَطَّانِ بِأَنَّ كُلَّ كَلَامٍ مَسُوقٍ فِي سِيَاقٍ؛ لَا تُقْبَلُ دَعْوَى دَرْجِهِ إِلَّا بِحُجَّةٍ. قُلْتُ: ولَا حُجَّةَ هُنَا فِي الإِدْرَاجِ، فَالحَدِيثُ صَحِيحٌ بِكَامِلِهِ\". الصَّحِيحَةُ (٤٢٩).","vol":"1","page":592},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-244> المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَا وَجْهُ الجَمْعِ بَينَ الآيَتِينِ فِي البَابِ مِنْ حَيثُ جِهَةِ تَعَلُّقِ الطِّيَرَةِ،</span> حَيثُ كَانَتْ فِي الآيَةِ الأُولَى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾، وَفِي الثَّانِيَةِ: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾؟\nالجَوَابُ:\nلَا مُنَافَاةَ بَينَهُمَا، لِأَنَّ الأُولَى تَدُلُّ عَلَى أَنَّ المُقَدِّرَ لِهَذِهِ المَصَائِبِ هُوَ اللهُ تَعَالَى، وَالثَّانِيَةَ تُبَيِّنُ سَبَبَهَا، وَهُوَ أَنَّهَا بِسَبَبِهِم، فَطَائِرُهُم مَعَهُم، أَي: الشُّؤْمُ الحَاصِلُ عَلَيهِم مَعَهُم مُلَازِمٌ لَهُم؛ لِأَنَّ أَعْمَالَهُم تَسْتَلْزِمُهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الرُّوم: ٤١] (^١).\n_________\n(^١) وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا * مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النِّسَاء: ٧٨ - ٧٩].","vol":"1","page":593},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-245> المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: ألَا يُمْكِنُ القَولُ بِأَنَّ نَفيَ العَدْوَى هُوَ نَفْيٌ لِوُجُودِهَا مُطْلَقًا؛ وَلَيسَ لِكَونِهَا هِيَ الفَاعِلَةَ نَفْسَهَا؟</span>\nالجَوَابُ:\nقَالَ بِذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ، وَلَكِنَّ الأَرْجَحَ هُوَ مَا أَثْبَتْنَاهُ سَابِقًا مِنْ أَنَّ النَّفيَ هُوَ لِاعْتِقَادِهِم سَرَيَانَ العَدْوَى بِطَبْعِهَا دُونَ إِذْنِ اللهِ تَعَالَى، وَمِمَّا يُرَجِّحُ هَذَا الوَجْهَ وُجُودُ العَدْوَى أَصْلًا، وَبَيَانُ ذَلِكَ مِنْ جِهَتَينِ:\n١ - أَنَّ الوَاقِعَ يَشْهَدُ لِذَلِكَ، فمُخَالَطَةُ السَّلِيمِ لِلمَرِيضِ هُوَ سَبَبٌ ظَاهِرٌ فِي حُصُولِ مَرَضِ السَّلِيمِ، وَهَذَا أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يُرَدَّ.\n٢ - الأَحَادِيثُ الكَثِيرَةُ الَّتِي فِيهَا الأَمْرُ بِاجْتِنَابِ مُخَالَطَةِ المَجْذُومِ (^١) وَغَيرِهِ مِنْ أَصْحَابِ الأَمْرَاضِ المُعْدِيَةِ، وَهَذَا فِيهِ إثْبَاتُ العَدْوَى،\nكَقَولِهِ ﷺ: «لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ» (^٢)،\nوكَقَولِهِ ﷺ: «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ، وَفِرَّ مِنَ المَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ» (^٣)،\n_________\n(^١) الجُذَامُ: مَرَضٌ خَبِيثٌ مُعْدٍ بِسُرْعَةٍ، ويُسَمَّى أَيضًا مَرَضُ \"هَانْسِن\" وَهُوَ مَرَضٌ يُؤَثِّرُ أَسَاسًا عَلَى الجِلْدِ وَالأَغْشِيَةِ المُخَاطِيَّةِ.\nوَالجَذْمُ: القَطْعُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِتَجَذُّمِ الأَصَابِعِ وَتَقَطُّعِهَا.\n(^٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٥٧٧١)، وَالمَعْنَى: لَا يُورِدُ صَاحِبُ الإِبِلِ المَرِيضَةِ عَلَى صَاحِبِ الإِبِلِ الصَّحِيحَةِ؛ لِئَلَّا تَنْتَقِلَ العَدْوَى.\nوَبَوَّبَ عَلَيهِ البَيهَقِيُّ ﵀ فِي السُّنَنِ الكُبْرَى (٧/ ٣٥٢): \"بَابُ لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ؛ فَقَدْ يَجْعَلُ اللهُ تَعَالَى -بِمَشِيئَتِهِ- مُخَالَطَتَهُ إِيَّاهُ سَبَبًا لِمَرَضِهِ\".\n(^٣) صَحِيحٌ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ تَعْلِيقًا (٥٧٠٧) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. الصَّحِيحَةُ (٧٨٣).\nوتَأَمَّلْ كَيفَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَمَعَ بينَ النَّفْي وَالإِثْبَاتِ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ فِي قَولِهِ: «لَا عَدْوَى، وَفِرَّ مِنَ المَجْذُومِ».","vol":"1","page":594},{"text":"وَكَالأَمْرِ بِعَدَمِ الدُّخُولِ أَوِ الخُرُوجِ مِنْ أَرْضِ الطَّاعُونِ (^١) (^٢).\nوَقَدْ أَجَابَ أَصْحَابُ القَولِ الآخَرِ بِأَنَّ الأَمْرَ بِاجْتِنَابِ المَجْذُومِ هُوَ لِدَفْعِ وَهْمِ وُجُودِ العَدْوَى أَصْلًا.\nقُلْتُ: وَمِنْ جُمْلَةِ مَا يُجَابُ بِهِ عَنْ جَوَابِهِم أُمُورٌ:\nأ- هَذَا التَّعْلِيلُ لَا دَلِيلَ صَرِيحَ عَلَيهِ؛ وَإنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ ذِكْرِ وَجْهٍ لِلتَّوفِيقِ فَقَط، وَالنَّفْيُ فِي قَولِهِ: «لَا عَدْوَى» لَهُ ثَلَاثَةُ أَوجُهٍ: فَالأَوَّلُ نَفْيٌ لِلْوُجُودِ، وَالثَّانِي نَفيٌ\n_________\n(^١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٥٧٢٩) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوفٍ مَرْفُوعًا.\n(^٢) وَفِي المَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ أُخْرَى كَثِيرْةٌ مَرْجُوحَةٌ مِنْهَا:\nدَعْوَى النَّسْخِ؛ بِأَنَّ أَحَادِيثَ نَفْي العَدْوَى نَاسِخَةٌ لِأَحَادِيثِ الاجْتِنَابِ (المُثْبِتَةِ للعَدْوَى).\nوَبِالعَكْسِ أَيضًا: أَنَّ أَحَادِيثَ إِثْبَاتِ العَدْوَى ثَابِتَةٌ؛ وَغَيرُهَا مُتَكَلَّمٌ فِيهَا. وَكِلَاهُمَا مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ دَعْوَى النَّسْخِ لَا تُقْبَلُ إِلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ الجَمْعِ.\nوَأَيضًا دَعْوَى التَّخْصِيصِ؛ بِأَنَّ أَحَادِيثَ (لَا عَدْوَى) وَأَحَادِيثَ مُخَالَطَةِ المَجْذُومِ خَاصَّةٌ بِقَوِيِّ الإِيمَانِ؛ وَأَمَّا أَحَادِيثَ الاجْتِنَابِ فَهيَ لِضَعِيفِهِ.\nأَو أَنَّ الأَمْرَ بِالاجْتِنَابِ لَيسَ لِمَسْأَلةِ العَدْوَى؛ وَإِنَّمَا رِعَايَةً لِحَالِ المَرِيضِ وَمَنْعًا لِأَذِيَّتِهِ بِإِدَامَةِ النَّظَرِ إِلَيهِ.\nأَو دَعْوَى التَّخْصِيصِ بِالاجْتِنَابِ لِمَرِيضِ الجُذَامِ فَقَط.\nقَالَ القَاضِي عِيَاضُ ﵀: \"وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيهِ الأَكْثَرُ -وَيَتَعَيَّنُ المَصِيرُ إِلَيهِ- أَنْ لَا نَسْخَ، بَلْ يَجِبُ الجَمْعُ بَينَ الحَدِيثَينِ؛ وَحَمْلُ الأَمْرِ بِاجْتِنَابِهِ وَالفِرَارِ مِنْهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالِاحْتِيَاطِ، وَالأَكْلُ مَعَهُ عَلَى بَيَانِ الجَوَازِ\" أ. هـ مُخْتَصَرًا مِنَ الفَتْحِ (١٠/ ١٥٩) لِابْنِ حَجَرٍ ﵀.\nقُلْتُ: حَدِيثُ أَكْلِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ المَجْذُومِ ضَعِيفٌ. أَبُو دَاوُدَ (٣٩٢٥) عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا. الضَّعِيفَةُ (١١٤٤).","vol":"1","page":595},{"text":"لِلصِّحَّةِ، وَالثَّالِثُ نَفيٌ لِلكَمَالِ. وَهُنَا يُمْكِنُ الجَمْعُ بِالحَمْلِ عَلَى نَفي صِحَّةِ الاعْتِقَادِ الشَّائِعِ عِنْدَهُم، وَهَذَا أَولَى مِنْ إثْبَاتِ حَدِيثٍ وَتَعْطِيلِ مَعْنَى حَدِيثٍ.\nب- فِي حَدِيثِ عَمْرو بْنِ الشَّرِيدِ الثَّقَفِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: (كَانَ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ رَجُلٌ مَجْذُومٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيهِ رَسُول اللهِ ﷺ: (إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاك؛ فَارْجِعْ» (^١)، فَلَمْ يُصَافِحْهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيعَتِهِ؛ وَهُوَ ﵊ سَيِّدُ المُتَوَكِّلِينَ وَهُوَ بَعِيدٌ عَنْ هَذَا الوَهْمِ لَا رَيبَ؛ وَمَعْ ذَلِكَ فَلَمْ يُصَافِحْهُ!\nجـ- هَذَا الوَهْمُ الَّذِي جُعِلَ سَبَبَ الفِرَارِ مِنَ المَجْذُومِ يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِالبَيَانِ، وَالبَيَانُ لَا يَخْفَى أَنَّهُ أَوضَحُ مِنَ الإِشَارَةِ وَالإِيمَاءِ بِالأَوجُهِ البَعِيدَةِ لَو كَانَ هُوَ سَبَبَ نَفي العَدْوَى فِي الحَدِيثِ.\n_________\n(^١) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢٢٣١).","vol":"1","page":596},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-246> المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: إِذَا كَانَتِ الطِّيَرَةُ مَنْفِيَّةً؛ فَمَا الجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ: «الشُّؤْمُ فِي المَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالفَرَسِ»</span> (^١)؟\nالجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ:\n١ - مِنْ جِهَةِ لَفْظِ الحَدِيثِ؛ فَالصَّوَابُ هُوَ: «إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيءٍ؛ فَفِي الدَّارِ وَالمَرْأَةِ وَالفَرَسِ»، وَأَمَّا الحَدِيثُ مَوضُوعُ السُّؤَالِ فَهُوَ تَصَرُّفٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ يَظْهَرُ بِمَا يَلِي:\nأ- مُخَالَفَتُهُ لِأَحَادِيثِ البَابِ الصَّرِيحَةِ بِكَونِ الطِّيَرَةِ شِرْكٌ.\nب- أَنَّ الحَدِيثَ التَّالِي لَهُ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ هُوَ أَيضًا عَنِ ابْنِ عُمَر وَلَكِنَّهُ بِلَفْظِ: «إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيءٍ؛ فَفِي الدَّارِ وَالمَرْأَةِ وَالفَرَسِ» (^٢).\nج- دَعْوَى أَنَّ الشُّؤمَ هُوَ فِي المَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالمَسْكَنِ هُوَ عَقِيدَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: دَخَلَ رَجُلَانِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ عَلَى عَائِشَةَ، فَأَخْبَرَاهَا أَنَّ أَبَا هُرَيرَةَ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الطِّيَرَةُ فِي الدَّارِ وَالمَرْأَةِ وَالفَرَسِ»، فَغَضِبَتْ، وَطَارَتْ شِقَّةٌ مِنْهَا فِي السَّمَاءِ وَشِقَّةٌ فِي الأَرْضِ (^٣)، وَقَالَتْ: وَالَّذِي أَنْزَلَ الفُرْقَانَ عَلَى مُحَمَّدٍ؛ مَا قَالَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَطُّ! إِنَّمَا قَالَ: «كَانَ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ يَتَطَيَّرُونَ مِنْ ذَلِكَ» (^٤).\n_________\n(^١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٥٠٩٣) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا.\n(^٢) البُخَارِيُّ (٥٠٩٤).\n(^٣) قَالَ فِي لِسَانِ العَرَبِ (٤/ ٥١٠): \"أَي: كَأَنَّهَا تفَرَّقَتْ وَتقَطَّعَتْ قِطَعًا مِنْ شِدَّةِ الغَضَبِ\".\nوَقَالَ فِي مَوضِعٍ آخَرَ (١٠/ ١٨٢): \"فَطَارَتْ شِقَّةٌ مِنْهَا فِي السَّمَاءِ وَشِقَّةٌ فِي الأًرْضِ: هُوَ مُبَالَغَةٌ فِي الغَضَبِ وَالغَيظِ. يُقَالُ: قَدْ انْشَقَّ فُلَانٌ مِنَ الغَضَبِ؛ كَأَنَّهُ امْتَلَأَ بَاطِنُهُ بِهِ حَتَّى انْشَقَّ\".\n(^٤) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٦٠٣٤). الصَّحِيحَةُ (٩٩٣).\nوَفِي لَفْظٍ فِي مُسْنَدِ الطَّيَالِسِيِّ (١٦٤١) عَنْ مَكْحُولٍ؛ قِيلَ لِعَائِشَة: \"إِنَّ أَبَا هُرَيرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n=","vol":"1","page":597},{"text":"د- أَنَّهُ قَدْ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَا يُعَارِضُهُ وَهُوَ: «لَا شُؤْمَ، وَقَدْ يَكُونُ اليُمْنُ فِي الدَّارِ وَالمَرْأَةِ وَالفَرَسِ» (^١).\n٢ - مِنْ جِهَةِ فِقْهِ الحَدِيثِ -عَلَى فَرْضِ ثُبُوتِهِ-: أَنَّ الشَّؤْمَ هُنَا لَيسَ بمَعْنَى الطِّيَرَةِ الشِّركيَّةِ، وَلَكِنَّهُ بِمَعْنَى السَّبَبِ القَدَريِّ فِي حُصُولِ الخَيرِ أَوِ الشَّرِّ.\nوَهَذَا صَحِيحٌ لَا رَيبَ فِيهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لِكَثْرَةِ مُلَازَمَةِ المَرْءِ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ؛ فَإِنَّ صَاحِبَهَا قَدْ يَسْعَدُ وَقَدْ يَسُوءُ.\nوَذَلِكَ يَتَبَيَّنُ بِالحَدِيثِ الآتِي: «ثَلَاثَةٌ مِنَ السَّعَادَةِ، وَثَلَاثَةٌ مِنَ الشَّقَاءِ.\nفَمِنَ السَّعَادَةِ: المَرْأةُ الصَّالِحَةُ تَرَاهَا فَتُعْجِبُكَ، وَتَغِيبُ عَنْهَا فَتَأْمَنُها عَلَى نَفْسِهَا وَمَالِكَ، وَالدَّابَّةُ تَكُونُ وَطِيئَةً؛ فَتُلْحِقُكَ بِأَصْحَابِكَ، وَالدَّارُ تَكُونُ وَاسِعَةً كَثِيرْةَ المَرَافِقِ.\nوَمِنَ الشَّقَاءِ: المَرْأَةُ تَرَاهَا فَتَسُوءُكَ، وَتَحْمِلُ لِسَانَهَا عَلَيكَ، وَإِنْ غِبْتَ عَنْهَا لَمْ\n_________\n=\n«الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ: فِي الدَّارِ وَالمَرْأَةِ وَالفَرَسِ». فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَمْ يَحْفَظْ أَبُو هُرَيرَةَ، لِأَنَّهُ دَخَلَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ؛ يَقُولُونَ: الشَّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ: الدَّارُ وَالمَرْأَةُ وَالفَرَسُ» فَسَمِعَ آخِرَ الحَدِيثِ وَلَمْ يَسْمَعْ أَوَّلَهُ\".\nقَالَ الزَّركَشِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (الإِجَابَةُ لِإِيرَادِ مَا اسْتَدْرَكَتْهُ عَائِشَةُ عَلَى الصَّحَابَةِ) (ص ١١٥): \"قَالَ بَعْضُ الأَئِمَّة: وَرِوَايَة عَائِشَةَ فِي هَذَا أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ -إِنْ شَاءَ اللهُ- لِمُوَافِقَتِهِ نَهْيَهُ ﵊ عَنِ الطِّيَرَةِ نَهْيًا عَامًّا، وَكَرَاهَتِهِ لَهَا وَتَرْغِيبِهِ فِي تَرْكِهَا بِقَولِه: «يَدْخُلُ الجَنَّةَ سَبْعُونَ ألَفًا بِغَيرِ حِسَابٍ، وَهُمُ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى رَبِّهِم يَتَوَكَّلُونَ» \".\nقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الصَّحِيحَةِ (٩٩٣): \"وَجُمْلَةُ القَولِ أَنَّ الحَدِيثَ اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ فِي لَفْظِهِ، فَمِنْهُم مَنْ رَوَاهُ كَمَا فِي التَّرْجَمَةِ، وَمِنْهُم مَنْ زَادَ عَلَيهِ فِي أَوَّلِهِ؛ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا طِيَرَةَ أَو شُؤْمَ وَهُمَا بِمَعْنَى وَاحِدٍ -كَمَا قَالَ العُلَمَاءُ- وعَلَيهِ الأَكْثَرُونَ، فَرِوَايَتُهُم هِيَ الرَّاجِحَةُ؛ لِأَنَّ مَعَهُم زِيَادَةُ عِلْمٍ، فَيَجِبُ قَبُولُهَا\".\n(^١) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٤/ ٤٢٤) عَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (١٩٣٠).","vol":"1","page":598},{"text":"تَأْمَنْهَا عَلَى نَفْسِهَا وَمَالِكَ! وَالدَّابَّةُ تَكُونُ قَطُوفًا (^١)؛ فَإِنْ ضَرَبْتَها أَتْعَبَتْكَ وَإِنْ تَرَكْتَهَا لَمْ تُلْحِقْكَ بِأَصْحَابِكَ! وَالدَّارُ تَكُونُ ضَيِّقَةً قَلِيلَةَ المَرَافِقِ» (^٢).\nفَدَلَّ الحَدِيثُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ؛ مِنْهَا مَا يُسْعِدُ وَمِنْهَا مَا يُشْقِي، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ الأَسْبَابِ القَدَرِيَّةِ وَلَيسَتْ مِنَ التَّطَيُّرِ أَصْلًا (^٣).\nقَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ ﵀: \"وَبِالجُمْلَةِ فَإِخْبِارُهُ ﷺ بِالشُّؤْمِ أَنَّهُ يَكُونُ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لَيسَ فِيهِ إِثْبَاتُ الطِّيَرَةِ الَّتِي نَفَاهَا، وَإنَّمَا غَايَتُهُ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَه قَدْ يَخْلِقُ مِنْهَا أَعْيَانًا مَشْؤُمَةً عَلَى مَنْ قَارَبَهَا وَسَاكَنَهَا، وَأَعْيَانًا مُبَارَكَةً لَا يَلْحَقُ مَنْ قَارَبَهَا مِنْهَا شُؤْمٌ وَلَا شَرٌّ.\nوَهَذَا كَمَا يُعْطِي سُبْحَانَهُ الوَالِدَينِ وَلَدًا مُبَارَكًا يَرَيَانِ الخَيرَ عَلَى وَجْهِهِ، وَيُعْطِي غَيرَهُمَا وَلَدًا مَشْؤُمًا نَذْلًا يَرَيَانِ الشَّرَّ عَلَى وَجْهِهِ.\nوَكَذَلِكَ مَا يُعْطَاهُ العَبْدُ مِنْ وِلايَةٍ أَو غَيرِهَا؛ فَكَذَلِكَ الدَّارُ وَالمَرْأَةُ وَالفَرَسُ، وَاللهُ سُبْحَانَهُ خَالِقُ الخَيرِ وَالشَّرِّ وَالسُّعُودِ وَالنُّحُوسِ، فَيَخْلُقُ بَعْضَ هَذِهِ الأَعْيَانِ\n_________\n(^١) أَي: بَطِيئَةَ السَّيرِ.\n(^٢) حَسَنٌ. الحَاكِمُ (٢٦٨٤) عَنْ سَعْدٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٥٣٦٧).\nوَعِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ (٤٠٣٢) بِزِيَادَةِ: «وَالجَارِ الصَّالِحِ». صَحِيحٌ. الصَّحِيحَةُ (٢٨٢).\nقُلْتُ: وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى مِنْ وَجْهِ الاشْتِرَاكِ مَعَ الثَّلَاثَةِ السَّابِقَةِ فِي كَثْرَةِ مُلَازَمَةِ الرَّجُلِ لِهَذِهِ الأَشْيَاء.\nفَالجَارُ الصَّالِحُ مِنَ السَّعَادَةِ؛ لِأَنَّه يُعِينُ عَلَى الطَّاعَاتِ وَالأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنِ المُنْكَرِ، وَيَتَمَثَّلُ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العَصْر: ٣]، وَلَا يُشْغِلُكَ بِالدُّنْيَا وَمَصَائِبِهَا وَفِتَنِهَا عَنِ الآخِرَةِ.\n(^٣) وَلَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ هَذَا الحَدِيثِ تَصْحِيحُ الحَدِيثِ مَوضُوعِ هَذِهِ المَسْأَلَةِ! لِأَنَّ مَدَارَ الإِشْكَالِ هُوَ عَلى لَفْظِ الشُّؤْم؛ فَإِنَّهُ غَيرُ مَوجُودٍ فِي هَذَا الحَدِيثِ، وَأَيضًا لِاخْتِلَافِ الرُّوَاةِ عَلَيهِ؛ فَتَنَبَّهْ.","vol":"1","page":599},{"text":"سُعُودًا مُبَارَكَةً وَيَقْضِي بِسَعَادَةِ مَنْ قَارَنَهَا وَحُصُولِ اليُمْنِ لَهُ وَالبَرَكَةِ، وَيَخْلُقُ بَعْضَ ذَلِكَ نُحُوسًا يَتَنَحَّسُ بِهَا مَنْ قَارَنَهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، كَمَا خَلَقَ سَائِرَ الأَسْبَابِ وَرَبَطَهَا بِمُسَبَّبَاتِهَا المُتَضَادَّةِ وَالمُخْتَلِفَةِ\" (^١).\nقُلْتُ: وَتَأَمَّلْ تَبْوِيبَ البُخَارِيِّ ﵀ عَلَى الحَدِيثِ فَقَالَ: \"بَابُ مَا يُتَّقَى مِنْ شُؤْمِ المَرْأَةِ، وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ [التَّغَابُن: ١٤] \" (^٢)، فَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِنَ النِّسَاءِ مَا يَكُونُ فِيهَا شَرٌّ لِزَوجِهَا، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ فِيهَا خَيرٌ. ثُمَّ أَورَدَ البُخَارِيُّ حَدِيثَ أُسَامَةَ بْنِ زَيدٍ ﵄ مَرْفُوعًا: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ» (^٣)، وَهَذَا فِيهِ بَيَانُ سَبَبِ الشُّؤْمِ فِيهَا، وَأَنَّ فِتْنَةَ المَرْأَةِ لِلرَّجُلِ مِنْ أَعْظَمِ الفِتَنِ، فَلِذَلكَ قَالَ: \"بَابُ مَا يُتَّقَى مِنْ شُؤْمِ المَرْأَةِ\"، فَجَعَلَ تِلْكَ الفِتْنَةَ هِيَ سَبَبَ الشُّؤْمِ، وَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ الأَسْبَابِ القَدَرِيَّةِ فِي السَّعَادَةِ وَالشَّقَاءِ. فَرَحِمَ اللهُ البُخَارِيَّ مَا أَدَقَّ نَظَرَهُ.\n_________\n(^١) مِفْتَاحُ دَارِ السَّعَادَةِ (٢/ ٢٥٧).\n(^٢) البُخَارِيُّ (٧/ ٨).\n(^٣) البُخَارِيُّ (٥٠٩٦).","vol":"1","page":600},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-247> المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: هَلْ يُشْرَعُ تَغْيِيرُ الأَسْمَاءِ لِدَفْعِ الطِّيَرَةِ؟</span>\nالجَوَابُ: نَعَم.\nوَلَكِنَّ المَقْصُودَ بِدَفْعِ الطِّيَرَةِ هُنَا هُوَ دَفْعُ تَطَيُّرِ النَّاسِ بِهَا، وَلِمَنْعِ تَوَّهُمِ كَونِ ذَلِكَ الشَّيءِ سَبَبًا لِحُصُولِ الطِّيَرَةِ.\nكَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: (مَرَّ بِأَرْضٍ تُسَمَّى غَدِرَةً؛ فَسَمَّاهَا خَضِرَةً) (^١).\nقَالَ الطَّحَاوِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (مُشْكِلُ الآثَارِ) -فِي وَجْهِ كَرَاهِيةِ اسْمِهَا-: \"أنْ يَنْزِلَهَا نَازِلٌ -وَاسْمُهَا عِنْدَهُ غَدِرَةٌ- فَيَتَطَيَّرُ بِذَلِكَ! فَحَوَّلَ ﷺ اسْمَهَا إِلَى خَضِرَة مِمَّا لَا طِيَرَةَ فِيهِ\" (^٢).\nقُلْتُ: وَمِمَّا يَشْهَدُ لِهَذَا أَيضًا مَا ثَبَتَ مَوقُوفًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ (البَلَاءُ مُوَكَّلٌّ بِالقَولِ) (^٣)، وَمِنْ هَذَا يُؤْخَذُ أَدَبُ الأَلْفَاظِ أَيضًا بِذِكْرِ مَا يُسْتَبْشَرُ بِهِ عُمُومًا دُونَ ذِكْرِ مَا\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. ابْنُ حِبَّان (٥٨٢١)، وَأَبُو يَعْلَى (٤٥٥٦). تَحْقِيقُ مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى لِلأُسْتَاذِ حُسَين أَسَد حَفِظَهُ اللهُ.\nوَأَوَرَدَهُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الصَّحِيحَةِ (٢٠٨) مِنْ رِوَايَةِ الطَّبَرَانيِّ فِي المُعْجَمِ الصَّغِيرِ (٣٤٩) بِلَفْظِ: (عَفِرَة) بَدَلَ: (غَدِرَة).\nوَ(عَفِرَة) بِفَتْحِ عَينٍ، وَكَسْر فَاءٍ، وَهِيَ مِنَ الأَرْض مَا لَا تُنْبِتُ شَيئًا\". قَالَهُ صَاحِبُ عَونِ المَعْبُودِ (٩/ ٢٢٣٤).\nوَنَقَلَ البَغَوِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ شَرْحُ السُّنَّةِ (١٢/ ٣٤٤) عَنِ الخَطَّابيِّ ﵀ قَولَهُ: \"وَأَمَّا عَفِرَة: -يَعْنِي بِفَتْحِ العَينِ وكَسْرِ الفَاءِ- فَهِيَ نَعْتُ الأَرْضِ الَّتِي لَا تُنْبِتُ شَيئًا فَسَمَّاهَا خَضِرَةً عَلَى مَعْنَى التَّفَاؤُلِ حَتَّى تَخْضَرَّ\".\n(^٢) مُشْكِلُ الآثَارِ (٥/ ١٠٤).\n(^٣) صَحِيحٌ مَوقُوفًا؛ ضَعِيفٌ مَرْفُوعًا. يُنْظَرُ: الضَّعِيفَةُ (٧/ ٣٩٥).","vol":"1","page":601},{"text":"يَسُوءُ وَلَو عَلَى سَبِيلِ احْتِمَالِ الوقُوعِ.\nوَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى عَنْ يَعْقُوبَ ﵇: \" ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يُوسُف: ١٣] يُؤَكِّدُ أَنَّ البَلَاءَ مُوَكَّلٌ بِالمَنْطِقِ، لِأَنَّهُم لَمْ يَعْتَلُّوا عَلَى أَبِيهِم إِلَّا بِالشَّيءِ نَفْسِهِ الَّذِي سَمِعُوهُ يَنْطِقُ بِهِ لَا غَيرَهُ\" (^١).\n_________\n(^١) النُّكَتُ الدَّالَّةُ عَلَى البَيَانِ (١/ ٦١١).","vol":"1","page":602},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-248> المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: إِذَا كَانَتِ الطِّيَرَةُ مِنَ الشِّرْكِ! فَمَا الجَوَابُ عَنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾</span> [الإِسْرَاء: ١٣] (^١)؟\nالجَوَابُ:\nذِكْرُ الطَّيرِ فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ لَيسَ لَهُ عَلَاقَةٌ بِالطِّيَرَةِ المَعْرُوفَةِ، وَإنَّمَا المَقْصُودُ بِهِ عَمَلُ المَرْءِ.\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (^٢): \"وَطَائِرُهُ هُوَ مَا طَارَ عَنْهُ مِنْ عَمَلِهِ -كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدُ وَغَيرُهُمَا- مِنْ خَيرٍ وَشَرٍّ، وَيُلْزَمُ بِهِ وَيُجَازَى عَلَيهِ، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ٧ - ٨]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧ - ١٨] وَقَالَ: ﴿وَإِنَّ عَلَيكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانْفِطَار: ١٠ - ١٢]، وَقَالَ: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطُّور: ١٦]، وَقَالَ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النِّسَاء: ١٢٣] الآيَة، وَالمَقْصُودُ أَنَّ عَمَلَ ابْنِ آدَمَ مَحْفُوظٌ عَلَيهِ قَلِيلَهُ وَكَثِيرَهُ، وَيُكْتَبُ عَلَيهِ لَيلًا وَنَهَارًا، صَبَاحًا وَمَسَاءً\" (^٣).\n_________\n(^١) وَيُشْبِهُهُ حَدِيثُ أَحْمَدَ (١٤٨٧٨) عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «طَائِرُ كُلِّ إِنْسَانٍ فِي عُنُقِهِ». صَحِيحٌ. الصَّحِيحَةُ (١٩٠٧).\n(^٢) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٥/ ٥٠).\n(^٣) قُلْتُ: وَحَمَلَهُ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (١٧/ ٣٩٧) عَلَى الكِتَابَةِ القَدَريَّةِ فَقَالَ: \"وكُلَّ إِنْسَانِ أَلْزَمْنَاهُ مَا قُضيَ لَهُ أَنَّهُ عَامِلُهُ، وَهُوَ صَائِرٌ إِلَيهِ مِنْ شَقَاءٍ أَو سَعَادَةٍ بِعَمَلِهِ فِي عُنُقِهِ لَا يُفَارِقُهُ\".","vol":"1","page":603},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-249> المَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: هَلْ قَولُهُ: «وَيُعْجِبُنِي الفَأْلُ» خَاصٌّ بِكَونِهِ كَلَامًا مُسْتَحْسَنًا، أَمْ يَتَعَدَّاهُ إِلَى المَرْئِيِّ المُسْتَحْسَنِ أَيضًا؟</span>\nالجَوَابُ: يَتَعَدَّاهُ، وَذَلِكَ لِسَبَبَينِ:\n١ - أَنَّ العِلَّةَ فِي جَوَازِ الأَوَّلِ هُوَ كَونُهُ مِنْ بَابِ البِشْرِ بِحُصُولِ الخَيرِ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَعَلَيهِ فَإِذَا وُجِدَ فِي المَرْئِيِّ مَا يُبَشِّرُ بِخَيرٍ؛ فَهُوَ أَيضًا مَشْرُوعٌ، عَدَا عَنْ كَونِهِ لَيسَ فِيهِ عِلَّةُ النَّهْي عَنِ التَّطَيُّر الَّتِي هِيَ سُوءُ الظَّنِّ بِاللهِ تَعَالَى وَضَعْفُ التَّوَكُّلِ، وَرَجْمٌ بِالغَيبِ، واعْتِقَادُ حُصُولِ الضُّرِّ وَالنَّفْعِ مِنْ غَيرِ اللهِ تَعَالَى.\n٢ - أَنَّ السُّنَّةَ دَلَّتْ عَلَى هَذَا أَيضًا، كَمَا فِي حَدِيثِ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى خَيبَرَ؛ وَفِيهِ أَنَّهُ عِنْدَمَا رَأَى أَهْلَهَا قَدْ خَرَجوا إِلَى أَعْمَالِهِم وَبِأَيدِيهِم الفُؤُوسُ وَالمَسَاحِيُّ اسْتَبْشَرَ بِذَلِكَ خَرَابَ خَيبَرَ، فَقَالَ ﷺ: «اللهُ أَكْبَرُ، خَرَبَتْ خَيبَرُ» (^١).\nقَالَ القَاضِي عِيَاض ﵀ فِي كِتَابِهِ (إِكْمَالُ المُعْلِمِ شَرْحُ مُسْلِمٍ): \"وَقَولُهُ: «اللهُ أَكْبَرُ، خَرَبَتْ خَيبَرُ» قَالَهَا النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا رَآهُم خَرَجُوا بِآلَةِ الخَرَابِ وَالهَدْمِ؛ لِقَولِهِ: (خَرَجُوا بِفُؤُوسِهِم وَمَكَاتِلِهِم وَمُرُورِهِم)، وَهَذَا مِنَ الفَأْلِ الحَسَنَ فِي حَقِّهِ ﵇ وحَقِّ المُسْلِمِينَ -الَّذِي كَانَ يَسْتَحِبُّهُ- وَلَيسَ مِنَ الطِّيَرَةِ المَذْمُومَةِ\" (^٢).\n_________\n(^١) وَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ كَمَا فِي البُخَارِيِّ (٣٧١)، وَمُسْلِمٍ (١٣٦٥) عَنْ أَنَسٍ؛ قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ أَبِي طَلْحَةَ يَومَ خَيبَرَ -وَقَدَمِي تَمَسُّ قَدَمَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: فَأَتَينَاهُمْ حِينَ بَزَغَتِ الشَّمْسُ وَقَدْ أَخْرَجُوا مَوَاشِيَهُمْ، وَخَرَجُوا بِفُؤُوسِهِمْ وَمَكَاتِلِهِمْ وَمُرُورِهِمْ، فَقَالُوا: مُحَمَّدٌ، وَالخَمِيسُ! قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خَرِبَتْ خَيبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَومٍ فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ»، قَالَ: وَهَزَمَهُمُ اللهُ ﷿.\nوَقَولُهُ (بِمَكَاتِلِهِمْ): جَمْعُ مِكْتَلٍ -بِكَسْرِ المِيمِ- وَهُوَ الزِّنْبِيلُ الكَبِيرُ، (وَمَسَاحِيهِم): جَمْعُ مِسْحَاةٍ، وَهِيَ المِجْرَفَةُ مِنَ الحَدِيدِ، (وَالخَمِيسُ): هُوَ الجَيشُ.\n(^٢) إِكْمَالُ المُعْلِمِ (٤/ ٣٠٤).","vol":"1","page":604},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-250> المَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: إِذَا كَانَتِ الطِّيَرَةُ هِيَ مَا أَمْضَاكَ أَو رَدَّكَ؛ فَمَا الجَوَابُ عَنِ الحَدِيثِ:</span> قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّا كُنَّا فِي دَارٍ كَثِيرٌ فِيهَا عَدَدُنَا وَكَثِيرٌ فِيهَا أَمْوَالُنَا، فَتَحَوَّلْنَا إِلَى دَارٍ أُخْرَى؛ فَقَلَّ فِيهَا عَدَدُنَا وَقَلَّتْ فِيهَا أَمْوَالُنَا! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ذَرُوهَا ذَمِيمَةً» (^١)؟\nالجَوَابُ هُوَ مِنْ وَجْهَينِ:\n١ - دَرْءًا لِلمَفْسَدَةِ: فتَرْكُهَا لَيسَ مِنْ بَابِ التَّطَيُّر بِهَا، وَإنَّمَا لِدَرْءِ مَا قَدْ يُعْتَقَدُ مِنْ شُؤْمِهَا؛ فَيَقَعُ المُتَشَائِمُ بِهَا فِي الشِّركِ!\nقَالَ صَاحِبُ عَونِ المَعْبُودِ: \"قَالَ الخَطَّابِيُّ وَابْنُ الأَثِيرِ: إِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِالتَّحَوُّلِ عَنْهَا إِبْطَالًا لِمَا وَقَعَ فِي نُفُوسِهِم مِنْ أَنَّ المَكْرُوهَ إِنَّمَا أَصَابَهُمْ بِسَبَبِ السُّكْنَى، فَإِذَا تَحَوَّلُوا عَنْهَا انْقَطَعَتْ مَادَّةُ ذَلِكَ الوَهْمِ وَزَالَ عَنْهُمْ مَا خَامَرَهُمْ مِنَ الشُّبْهَةِ\" (^٢).\n٢ - أَنَّهَا سَبَبٌ قَدَرِيٌّ صَحِيحٌ لَيسَ لَهُ عَلَاقَةٌ بِالطِّيَرَةِ، فَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ الأَسْبَابِ الَّتِي إِذَا صَلَحَتْ سَعِدَ سَاكِنُهَا، وَإِذَا سَاءَتْ سَاءَ سَاكِنُهَا، وَقَدْ سَبَقَ مَعْنَى ذَلِكَ فِي شَرْحِ حَدِيثِ: «الشُّؤْمُ فِي المَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالفَرَسِ».\n_________\n(^١) حَسَنٌ. أَبُو دَاوُدَ (٣٩٢٤) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٧٩٠).\n(^٢) عَونُ المَعْبُودِ (١٠/ ٣٠٠).","vol":"1","page":605},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-251> المَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: هَلْ قَولُ القَائِلِ عِنْدَ سَمَاعِهِ مَا يُتَطَيَّرُ مِنْهُ عَادَةً: (خَيرٌ خَيرٌ)، أَو (خَيرٌ يَا طَيرُ) مَشْرُوعٌ لِرَدِّ التَّشَاؤُمِ؟</span>\nالجَوَابُ:\nلَا يُشْرَعُ، لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ مُدَاوَاةِ البِدْعَةِ بِالبِدْعَةِ (^١).\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ (^٢): \"وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَمَرَّ طَائِرٌ فَصَاحَ، فَقَالَ رَجُلٌ: خَيرٌ خَيرٌ! فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (مَا عِنْدَ هَذَا لَا خَيرٌ وَلَا شَرٌّ) \" (^٣).\nوَأَمَّا حَدِيثُ قَولِ: (خَيرٍ خَيرٍ) عِنْدَ سَمَاعِ نَعِيقِ الغُرَابِ وَنَحوِهِ؛ فَلَيسَ بِحَدِيثٍ، وَهُوَ نَوعُ طِيَرَةٍ (^٤).\n_________\n(^١) قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ فِي كِتَابِهِ القَولُ المُفِيدُ (١/ ٥٦٧): \"وَبَعْضُ النَّاسِ إِذَا انْتَهَى مِنْ شَيءٍ فِي صَفَر أرَّخَ ذَلِكَ وَقَالَ: انْتَهَى فِي صَفَرِ الخَيرِ، وَهَذَا مِنْ بَابِ مُدَاوَاةِ البِدْعَةِ بِبِدْعَةٍ، وَالجَهْلِ بِالجَهْلِ، فَهُوَ لَيسَ شَهْرَ خَيرٍ وَلَا شَهْرَ شَرٍّ\".\n(^٢) فَتْحُ البَارِي (١٠/ ٢١٥).\n(^٣) وَرَوَى الأَصْبَهَانِيُّ فِي الحِلْيَةِ (٤/ ٤): \"أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَسِيرُ مَعَ طَاوُوسَ فَسَمِعَ غُرَابًا نَعَبَ، فَقَالَ: خَيرٌ. فَقَالَ طَاوُوسُ: أَيُّ خَيرٍ عِنْدَ هَذَا أَو شَرٍّ؟! لَا تَصْحَبْنِي أَو لَا تَسِرْ مَعِيَ\".\nقَالَ فِي لِسَانِ العَرَبِ (١/ ٧٦٤): \"نَعَبَ الغُرَابُ: صَاحَ وَصَوَّتَ\".\n(^٤) المَقَاصِدُ الحَسَنَةُ (ص ٣٣٣) لِلْسَّخَاوِيِّ.","vol":"1","page":606},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-252> المَسْأَلَةُ العَاشِرَةُ: هَلِ المَقْصُودُ بِقَولِهِ ﷺ: «لَا غُول» نَفيُ وُجُودِهِ؟</span>\nالجَوَابُ: لَا.\nوَإنَّمَا المَقْصُودُ نَفيُ الاعْتِقَادِ بِهِ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ المَزْعُومَةِ عِنْدَ العَرَبِ.\nوَيَدُلُّ لِوُجُودِهِ:\n١ - أَنَّ هَذَا شَائِعٌ مَعْرُوفٌ وُجُودُهُ عِنْدَ العَرَبِ.\nقَالَ فِي القَامُوسِ المُحِيطِ: \"غَالَهُ: أَهْلَكَهُ، كَاغْتَالَهُ وَأَخَذَهُ مِنْ حَيثُ لَمْ يَدْرِ. وَالغُولُ بِالضَّمِّ: الهَلَكَةُ، وَالدَّاهِيَةُ، وَالسِّعْلَاةُ، وَسَاحِرَةُ الجِنِّ، وَالمَنِيَّةُ، وَشَيطَانٌ يَأْكُلُ النَّاسَ\" (^١).\n٢ - مَا ثَبَتَ فِي الأَحَادِيثِ مِنْ لَفْظِ الغُولِ، كَحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ: (كَانَتْ لِي سَهْوَةٌ (^٢) فِيهَا تَمْرٌ؛ فَكَانَتِ الغُولُ تَجِيءُ فَتَأْكُلُ مِنْهُ) (^٣).\nبَلْ فِي القُرْآنِ مَا يُشِيرُ إِلَى وُجُودِهَا أَيضًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأَنْعَام: ٧١] (^٤).\n_________\n(^١) القَامُوسُ المُحِيطُ (ص ١٠٤٠) بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ.\n(^٢) هُوَ بَيتٌ صَغِيرٌ فِي الجِدَارِ كَالخِزَانَةِ الصَّغِيرةِ.\n(^٣) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٨٨٠). صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (١٤٦٩).\n(^٤) قَالَ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (١١/ ٤٥٢): \"عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَولُهُ: ﴿أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا﴾ قَالَ: هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ لِلآلِهَةِ وَمَنْ يَدُعُو إِلَيهَا وَلِلدُّعَاةِ الَّذِينَ يَدْعُونَ إِلَى اللهِ، كَمَثَلِ رَجُلٍ ضَلَّ عَنِ الطَّرِيقِ تَائِهًا ضَالًّا، إِذْ نَادَاهُ مُنَادٍ: (يَا فُلانُ بْنُ فُلَانٍ، هَلُمَّ إِلَى الطَّرِيقِ)،\n=","vol":"1","page":607},{"text":"قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: (إِنَّ هَذَا الصِّرَاطَ مُحْتَضَرٌ تَحْضُرُهُ الشَّيَاطِينُ، يُنَادُونَ: يَا عَبادَ اللَّهِ؛ هَذَا الطَّرِيقُ! فَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ؛ فَإِنَّ حَبْلَ اللَّهِ الْقُرْآنُ) (^١).\nوَثَبَتَ أَيضًا أَنَّ الغِيلَانَ ذُكِرَتْ عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ: (إِنَّ أَحَدًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَحَوَّلَ عَنْ صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللهُ عَلَيهَا؛ وَلَكِنْ لَهُمْ سَحَرَةٌ كَسَحَرَتِكُمْ؛ فَإِذَا رَأَيتُمْ ذَلِكَ فَأَذِّنُوا) (^٢).\n_________\n=\nوَلَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ: (يَا فُلَانُ، هَلُمَّ إِلَى الطَّرِيقِ)! فَإِنِ اتَّبَعَ الدَّاعِيَ الأَوَّلَ انْطَلَقَ بِهِ حَتَّى يُلْقِيَهُ فِي الهَلَكَةِ، وَإِنْ أَجَابَ مَنْ يَدْعُوهُ إِلَى الهُدَى اهْتَدَى إِلَى الطَّرِيقِ، وَهَذِهِ الدَّاعِيَةُ الَّتِي تَدْعُو فِي البَرِّيَّةِ مِنَ الغِيلَانِ\".\nقُلْتُ: وَالغِيلَانُ هُنا هِيَ مِنَ الجِنِّ الَّتِي تَسْعَى فِي إِضْلَالِ النَّاسِ.\nوَمِثْلُهُ مَا فِي مُسْلِمٍ (٣٨٩) عَنْ سُهَيلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: (أَرْسَلَنِي أَبِي إلَى بَنِي حَارِثَةَ -وَمَعِي غُلَامٌ لَنَا أَو صَاحِبٌ لَنَا-، فَنَادَاهُ مُنَادٍ مِنْ حَائِطٍ بِاسْمِهِ، قَالَ: وَأَشْرَفَ الَّذِي مَعِيَ عَلَى الحَائِطِ فَلَمْ يَرَ شَيئًا! فَذَكَرْت ذَلِكَ لِأَبِي فَقَالَ: لَو شَعَرْتُ أَنَّك تَلْقَى هَذَا لَمْ أُرْسِلْك؛ وَلَكِنْ إذَا سَمِعْتَ صَوتًا فَنَادِ بِالصَّلَاةِ فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا هُرَيرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ الشَّيطَانَ إذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ؛ وَلَّى وَلَهُ حِصَاصٌ».\nوَ(الحِصَاصُ): هُوَ الضُّرَاطُ.\nوَ(أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ) هُوَ ذَكْوانُ: تَابِعِيٌّ مِنَ الوُسْطَى، وَهُوَ ثِقَةٌ ثَبْتٌ (ت ١٠١ هـ).\n(^١) سُنَنُ الدَّارِمِيِّ (٣٣٦)، وَصَحَّحَهُ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ. اُنْظُرْ مَجْمُوعَ رَسَائِلِ ابْنِ رَجَبٍ (١/ ١٩٥).\n(^٢) صَحِيحٌ. ابْنُ أَبِي شَيبَةَ، بَابُ (الغِيلَانُ إِذَا رُئيَتْ مَا يَقُولُ الرَّجُلُ). قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (٦/ ٣٤٤): \"إسْنَادُهُ صَحِيحٌ\". وَقَالَ أَيضًا ﵀: \"وَإِذَا ثَبَتَ وُجُودُهُمْ؛ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي أَصْلِهِمْ؛ فَقِيلَ: .... \".","vol":"1","page":608},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-253> المَسْأَلَةُ الحَادِيَةَ عَشَرَةَ: كَيفَ يُدْفَعُ شَرُّ الغِيلَانِ؟</span>\nالجَوَابُ:\nيُدْفَعُ بِأُمُورٍ مِنْهَا:\n١ - التَّوَكُّلُ عَلَى اللهِ تَعَالَى فِي الأُمُورِ كُلِّهَا، لِأَنَّ عَمَلَ الغُولِ حَقِيقَةً هُوَ التَّخْوِيفُ وَالسَّعْيُ فِي الإِضْلَا.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيسَ بِضَارِّهِمْ شَيئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المُجَادِلَة: ١٠].\n٢ - ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى، وَمِنْهُ:\nأ- قِرَاءَةُ القُرْآنِ وَخَاصَّةً سُورَةَ البَقَرَةِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِر؛ إِنَّ الشَّيطَانَ يَنْفِرُ مِنَ البَيتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ البَقَرَةِ» (^١) (^٢).\nب- النِّدَاءُ بِالأَذَانِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيطَانُ وَلَهُ\n_________\n(^١) مُسْلِمٌ (٧٨٠) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.\n(^٢) وَكَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ؛ أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ سَهْوَةٌ فِيهَا تَمْرٌ، فَكَانَتْ تَجِيءُ الغُولُ فَتَأْخُذُ مِنْهُ، قَالَ: فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ؛ قَالَ: «فَاذْهَبْ؛ فَإِذَا رَأَيتَهَا فَقُلْ: بِسْمِ اللهِ؛ أَجِيبِي رَسُولَ اللهِ ﷺ)، قَالَ: فَأَخَذَهَا، فَحَلَفَتْ أَنْ لَا تَعُودَ، فَأَرْسَلَهَا. فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟» قَالَ: حَلَفَتْ أَنْ لَا تَعُودَ. فَقَالَ: «كَذَبَتْ، وَهِيَ مُعَاوِدَةٌ لِلْكَذِبِ»، قَالَ: فَأَخَذَهَا مَرَّةً أُخْرَى؛ فَحَلَفَتْ أَنْ لَا تَعُودَ؛ فَأَرْسَلَهَا. فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟» قَالَ: حَلَفَتْ أَنْ لَا تَعُودَ، فَقَالَ: «كَذَبَتْ، وَهِيَ مُعَاوِدَةٌ لِلْكَذِبِ»، فَأَخَذَهَا فَقَالَ: مَا أَنَا بِتَارِكِكِ حَتَّى أَذْهَبَ بِكِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَتْ: إِنِّي ذَاكِرَةٌ لَكَ شَيئًا؛ آيَةَ الكُرْسِيِّ؛ اقْرَأْهَا فِي بَيتِكَ فَلَا يَقْرَبُكَ شَيطَانٌ وَلَا غَيرُهُ. قَالَ: فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟» قَالَ: فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَتْ، قَالَ: «صَدَقَتْ وَهِيَ كَذُوبٌ». صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٨٨٠). صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (١٤٦٩).","vol":"1","page":609},{"text":"ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قَضَى النِّدَاءَ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ» (^١).\nوَثَبَتَ أَنَّ الغِيلَانَ ذُكِرَتْ عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ: (إِنَّ أَحَدًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَحَوَّلَ عَنْ صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللهُ عَلَيهَا؛ وَلَكِنْ لَهُمْ سَحَرَةٌ كَسَحَرَتِكُمْ؛ فَإِذَا رَأَيتُمْ ذَلِكَ فَأَذِّنُوا) (^٢).\n_________\n(^١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦٠٨)، وَمُسْلِمٌ (٣٨٩) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.\n(^٢) صَحِيحٌ. ابْنُ أَبِي شَيبَةَ، بَابُ (الغِيلَانُ إِذَا رُئيَتْ مَا يَقُولُ الرَّجُلُ). قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (٦/ ٣٤٤): \"إسْنَادُهُ صَحِيحٌ\".\nقُلْتُ: وَهَذَا الأَثَرُ يُغْنِي عَنِ المَرْفُوعِ الضَّعِيفِ: «إذَا تَغَوَّلَتْ لَكُمُ الغِيلَانُ فَنَادُوا بِالأَذَانِ». ضَعِيفٌ. ابْنُ أَبِي شَيبَةَ (٢٩٧٤١). الضَّعِيفَةُ (١١٤٠).\nوَمِثْلُهُ مَا سَبَقَ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ (٣٨٩) عَنْ سُهَيلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ حِينَ أَمَرَهُ أَبُوهُ بِالأَذَانِ إِذَا لَقِيَ شَيئًا مِنْ هَذِهِ الشَّيَاطِين.","vol":"1","page":610},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-254> المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ عَشَرَةَ: إِذَا كَانَتِ الطِّيَرَةُ لَا حَقِيقَةَ لَهَا؛ فَمَا الجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ: «الطِّيَرَةُ عَلَى مَنْ تَطَيَّرَ»</span> (^١)؛ فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطِّيَرَةَ تَقَعُ عَلَى المُتَطَيِّرِ؟!\nالجَوَابُ:\nإِنَّ مَعْنَى الحَدِيثِ هُوَ إِثْبَاتُ مَا يَقَعُ فِي القَلْبِ لَا مَا يَقَعُ حَقِيقَةً فِي الوَاقِعِ، وَذَلِكَ مُوَافَقَةً لِلنُّصُوصِ المَعْرُوفَةِ فِي البَابِ، وَدَلَّ لِذَلِكَ لَفْظُ الحَدِيثِ نَفْسِهِ: «الطِّيَرَةُ عَلَى مَنْ تَطَيَّرَ»، وَهُوَ بِمَعْنَى حَدِيثِ: «وَلَا تَرُدُّ مُسْلِمًا»، حَيثُ أَنَّ المُسْلِمَ يَدْفَعُ مَا يَقَعُ فِي نَفْسِهِ بِالتَّوَكُّلِ، وَأَمَّا الجَاهِلُ فَيَسْتَجِيبُ لَهَا بِقَلْبِهِ وَيَشْرَبُهَا حَتَّى تُؤْثِّرَ فِي اعْتِقَادِهِ؛ فَيَتَطَيَّرَ بِهَا!\nقَالَ الإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ ﵀: \"مَنْ تَطَيَّرَ فَعَلَى نَفْسِهِ، لَا أَنَّهُ يَكُونُ بِذَلِكَ مَا تَطَيَّرَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ حَقِيقَتُهُ! وَلَكِنْ لَبَّسَهُ عَلَى نَفْسِهِ\" (^٢)!\n_________\n(^١) حَسَنٌ. ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ (٦١٢٣). التَّعْلِيقَاتُ الحِسَانُ (٤٧٠/ ٨).\nوَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: «لَا طِيَرَةَ، والطِّيَرَةُ عَلَى مَنْ تَطَيَّرَ، وَإِنْ تَكُ فِي شَيءٍ؛ فَفِي الدَّارِ وَالفَرَسِ وَالمَرْأَةِ».\n(^٢) شَرْحُ مُشْكِلِ الآثَارِ (٦/ ٩٩).","vol":"1","page":611},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-255> المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشَرَةَ: مَا وَجْهُ النَّهْي فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ عَنِ التَّسَمِّي بِـ (أَفْلَحَ، وَرَبَاحٍ، وَيَسَارٍ، وَنَافِعٍ)؟</span>\nوَمَا الجَمْعُ مَعَ حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ فِي عَدَمِ النَّهْي؟\nوَهَلِ النَّهْيُ هُنَا لِلتَّحْرِيمِ؟\nالجَوَابُ -مُرَتَّبًا عَلَى تَرْتِيبِ السُّؤَالِ-:\n١ - بِدَايَةً؛ حَدِيثُ سَمُرَةَ هُوَ: (نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نُسَمِّيَ رَقِيقَنَا بِأَرْبَعَةِ أَسْمَاءٍ: أَفْلَحَ، وَرَبَاحٍ، وَيَسَارٍ، وَنَافِعٍ) (^١).\nأَمَّا وَجْهُ النَّهْي؛ فَهُوَ مَا ذُكِرَ صَرَاحَةً فِي حَدِيثٍ آخَرَ لِسَمُرَةَ: «لَا تُسَمِّيَنَّ غُلَامَكَ يَسَارًا، وَلَا رَبَاحًا، وَلَا نَجِيحًا، وَلَا أَفْلَحَ. فَإِنَّكَ تَقُولُ: أَثَمَّ هُوَ؟ فَلَا يَكُونُ؛ فَيَقُولُ: لَا! إِنَّمَا هُنَّ أَرْبَعٌ فَلَا تَزِيدُنَّ عَلَيَّ» (^٢).\nقَالَ البَغَوِيُّ ﵀: \"مَعْنَى هَذَا أَنَّ النَّاسَ إِنَّمَا يَقْصُدُونَ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ التَّفَاؤُلَ بِحُسْنِ أَلْفَاظِهَا وَمَعَانِيهَا، وَرُبمَا يَنْقَلِبُ عَلَيهِم مَا قَصَدُوهُ إِلَى الضِّدِّ إِذَا سَأَلُوا وَقَالُوا: أَثَمَّ يَسَارُ أَو نَجِيحُ؟ فَقِيلَ: لَا، فَتَطَيَّروا بِنَفْيِهِ، وَأَضْمَرُوا الإِيَاسَ مِنَ الْيُسْرِ وَالنَّجَاحِ!! فَنَهَاهُم عَنِ السَّبَبِ الَّذِي يَجْلِبُ سُوءَ الظَّنِّ وَالإِيَاسَ مِنَ الْخَيرِ.\nقَالَ حُمَيدُ بْنُ زَنْجوَيه (^٣): \"فَإِذا ابْتُلِيَ رَجُلٌ فِي نَفْسِهِ أَو أَهْلِهِ بِبَعْضِ هَذِهِ\n_________\n(^١) صَحِيحُ مُسْلِم (٢١٣٦).\n(^٢) صَحِيحُ مُسْلِم (٢١٣٧)، وَجُمْلَةُ: (إِنَّمَا هُنَّ أَرْبَعٌ فَلَا تَزِيدُنَّ عَلَيَّ) إِنَّمَا هِيَ مِنْ كَلَامِ جَابِرٍ ﵁. اُنْظُرْ كِتَابَ (إِكْمَالُ المُعْلِمِ) (٧/ ١٢).\n(^٣) هُوَ الحَافِظُ حُمَيدُ بْنُ زَنْجَوِيه؛ أَبُو أَحْمَدَ؛ الأَزْدِيُّ النَّسَائِيُّ، ثِقَةٌ حٌجَّةٌ، مِنْ كِبَارِ الأَئِمَّةِ، صَاحِبُ كِتَابِ (الأَمْوَالُ) وَكِتَابِ (التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ)، (ت ٢٥١). تَذْكِرَةُ الحُفَّاظِ (٢/ ١٠١) بِاخْتِصَارٍ.","vol":"1","page":612},{"text":"الْأَسْمَاءِ؛ فَلْيُحَوِّلهُ إِلَى غَيرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ؛ فَقِيلَ: أَثَمَّ يَسَارُ؟ أَثَمَّ بَرَكَةُ؟ فَإِنَّ مِنَ الْأَدَبِ أَنْ يُقَالَ: (كُلُّ مَا هَاهُنَا يُسْرٌ وَبَرَكَةٌ وَالْحَمْد للهِ، وَيُوشِكُ أَنْ يَأتِيَ الَّذِي تُرِيدُ)، وَلَا يقَالُ: لَيسَ هَاهُنَا! وَلَا خَرَجَ! \" (^١).\nوَيُشْبِهُ هَذَا حَدِيثَ: (كَانَتْ جُوَيرِيَةُ اسْمُهَا بَرَّةُ، فَحَوَّلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ اسْمَهَا جُوَيرِيَةَ، وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُقَالَ: خَرَجَ مِنْ عِنْدَ بَرَّةَ) (^٢).\n٢ - وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁: (أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَنْهَى عَنْ أَنْ يُسَمَّى بِيَعْلَى، وَبِبَرَكَةَ، وَبِأَفْلَحَ، وَبِيَسَارٍ، وَبِنَافِعٍ وَبِنَحْوِ ذَلِكَ، ثُمَّ رَأَيتُهُ سَكَتَ بَعْدُ عَنْهَا فَلَمْ يَقُلْ شَيئًا، ثُمَّ قُبِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ أَرَادَ عُمَرُ أَنْ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ تَرَكَهُ) (^٣)، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْ سَمُرَةَ وَجَابِر ﵄ أَخْبَرَ بِمَا عَلِمَ، وَمَعْلُومٌ فِي الأُصُولِ أَنَّ المُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي، كَمَا أَفَادَهُ الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي (تَهْذِيبِ الآثَارِ) (^٤).\n٣ - النَّهْيُ هُنَا هُوَ لِلكَرَاهَةِ دُونَ التَّحْرِيمِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أُمُورٌ:\nأ- مَا نَقَلَهُ الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي (تَهْذِيبِ الآثَارِ) مِنَ الإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ\n_________\n(^١) شَرْحُ السُّنَّةِ (١٢/ ٣٣٨).\nوَبِمِثْلِهِ أَفَادَ الطَّحَاوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ (٤/ ٤٤٣).\n(^٢) صَحِيحُ مُسْلِم (٢١٣٠) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁.\n(^٣) صَحِيحُ مُسْلِم (٢١٣٨).\n(^٤) تَهْذِيبُ الآثَارِ -مُسْنَدُ عُمَرَ- (١/ ٢٨٢)، وَبِنَحْوِهِ أَفَادَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ كَمَا فِي الصَّحِيحَةِ (١/ ٦٨٢).","vol":"1","page":613},{"text":"التَّسْمِيَةِ بِهَذِهِ الأَسْمَاءِ (^١)؛ الأَمْرُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ هُنَا هُوَ لِلْكَرَاهَةِ دُونَ التَّحْرِيمِ -كَمَا أَفَادَهُ الطَّبَرِيُّ نَفْسُهُ- (^٢).\nب- (قَدْ كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ غُلَامٌ اسْمُهُ رَبَاحُ، وَمَولى اسْمُهُ يَسَارُ) (^٣)، وَمَعَ ذَلِكَ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْ ذَلِكَ شَيءٌ! وَاللهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.\nوَلِتَمَامِ الفَائِدَةِ:\n- لَا يَخْتَصُّ النَّهْيُ فِي التَّسْمِيَةِ بِالرَّقِيقِ! وَإِنَّمَا يَشْمَلُ الأَبْنَاءَ أَيضًا (^٤).\n- لَا يَخْتَصُّ النَّهْيُ بِهَذِهِ الأَسْمَاءِ الأَرْبَعِ الَّتِي فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ! وَذَلِكَ لِمَا سَبَقَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ مِنْ أَسْمَاءَ أُخَر، وَلِقَولِهِ أَيضًا فِي الحَدِيثِ: (وَبِنَحْوِ ذَلِكَ).\nقَالَ الإِمَاُم الطَّبَرِيُّ ﵀: \"وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُتَجَنَّبَ مِنْ تَسْمِيَتِهِ مِنَ الْأَسْمَاءِ بِمَا كَانَ نَظِيرًا لِمَا ذَكَرْنَا وَلَهُ شَبِيهًا؛ لِلْعِلَّةِ الَّتِي وَصَفْنَا مِنْ كَرَاهَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَسْمِيَتَهُ بِالْأَسْمَاءِ الَّتِي ذَكَرْنَا فِي الْخَبَرِ الَّذِي رَوَينَا عَنْهُ\" (^٥).\n_________\n(^١) تَهْذِيبُ الآثَارِ -مُسْنَدُ عُمَرَ- (١/ ٢٨١).\n(^٢) وَتَأَمَّلْ تَبْوِيبَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى الحَدِيثِ:\nسُنَنُ ابْنِ مَاجَه (٢/ ١٢٢٩): بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ.\nسُنَنُ التِّرْمِذِيِّ (٥/ ١٣٣): بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الأَسْمَاءِ.\nسُنَنُ الدَّارِمِيِّ (٣/ ١٧٦٧): بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الأَسْمَاءِ.\nمُصَنَّفُ ابْنِ أَبِي شَيبَةَ (٥/ ٢٦٢): مَا يُكْرَهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ.\nصَحِيحُ مُسْلِم (٣/ ١٦٨٥) -تَبْوِيبُ النَّوَوِيِّ-: بَابُ كَرَاهَةِ التَّسْمِيَةِ بِالْأَسْمَاءِ الْقَبِيحَةِ وَبِنَافِعٍ وَنَحْوِهِ.\n(^٣) إِكْمَالُ المُعْلِمِ (٧/ ١٣).\n(^٤) مِرْقَاةُ المَفَاتِيحِ (٧/ ٢٩٩٧).\n(^٥) تَهْذِيبُ الآثَارِ -مُسْنَدُ عُمَرَ- (١/ ٢٨٥).","vol":"1","page":614},{"text":"وَقَالَ القَاضِي عِيَاضُ ﵀: \"وَقَولُ سَمُرَةَ: (إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعٌ؛ فَلَا تَزِيدُوا عَلَيَّ): يَعْنِي الَّتِي سَمِعَ وَرَوَى هُوَ، وَإِلَّا فَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ مَا ذَكَرْنَاهُ\" (^١).\n- يَظْهَرُ مِنَ عِلَّةِ النَّهْي أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالأَسْمَاءِ الَّتِي يَكُونُ قَصْدُ التَّسْمِيَةِ بِهَا عُمُومًا التَّفَاؤُلُ بِمَضْمُونِهَا؛ دُونَ سَائِرِ الأَسْمَاءِ. وَاللهُ أَعْلَمُ.\n_________\n(^١) إِكْمَالُ المُعْلِمِ (٧/ ١٢).","vol":"1","page":615},{"text":"بابُ مَا جَاءَ فِي التَنْجِيمِ\nقَالَ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: \"قَالَ قَتَادَةُ: (خَلَقَ اللهُ هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلَاثٍ؛ زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ، وَعَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا؛ فَمَنْ تَأَوَّلَ فِيهَا غَيرَ ذَلِكَ؛ أَخْطَأَ وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ، وَتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ) انْتَهَى\" (^١).\nوَكَرِهَ قَتَادَةُ تَعَلُّمَ مَنَازِلِ القَمَرِ، وَلَمْ يُرَخِّصِ ابْنُ عُيَينَةَ فِيهِ. ذَكَرَهُ حَرْبٌ عَنْهُمَا.\nوَرَخَّصَ فِي تَعَلُّمِ المَنَازِلِ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ.\nوَعَنْ أَبِي مُوسَى؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ: مُدْمِنُ الخَمْرِ، وَقَاطِعُ الرَّحِمِ، وَمُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ (^٢).\n_________\n(^١) ذَكَرَهُ البُخَارِيُّ (٤/ ١٠٧) تَعْلِيقًا مَجْزُومًا بِهِ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي التَّفْسِيرِ (١٦٥٣٦)، وَالطَّبَرِيُّ فِي التَّفْسِيرِ (٢٣/ ٥٠٨)، وَغَيرُهُم.\n(^٢) صَحِيحٌ لِغَيرِهِ. أَحْمَدُ (١٩٥٦٩)، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ (٥٣٤٦). صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (٢٥٣٩).\nوَقَدْ ضَعَّفَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ بِزِيَادَةِ: «ومَنْ مَاتَ وهُوَ مُدْمِنٌ لِلْخَمْرِ سَقَاهُ اللهُ مِنْ نَهْرِ الغُوطَةِ؛ نَهْرٌ يَجْرِي مِنْ فُرُوجِ المُومِسَاتِ، يُؤْذِي أَهْلَ النَّارِ رِيحُ فُرُوجِهِنَّ». ضَعِيفُ التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ (١٤١٠).","vol":"1","page":616},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: الحِكْمَةُ فِي خَلْقِ النُّجُومِ.\nالثَّانِيَةُ: الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ غَيرَ ذَلِكَ.\nالثَّالِثَةُ: ذِكْرُ الخِلَافِ فِي تَعَلُّمِ المَنَازِلَ.\nالرَّابِعَةُ: الوَعِيدُ فِيمَنْ صَدَّقَ بِشَيءٍ مِنَ السِّحْرِ؛ وَلَو عَرَفَ أَنَّهُ بَاطِلٌ.","vol":"1","page":617},{"text":"<span data-type='title' id=toc-258>الشَّرْحُ</span>\n- عِلْمُ التَّنْجِيمِ: هُوَ عِلْمُ النُّجومِ، وَالتَّنْجِيمُ هُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْكَالٍ (^١):\n١ - الاعْتِقَادُ بِأَنَّ النُّجُومَ هِيَ الَّتِي تُدبِّرُ الكَونَ وَتُصَرِّفُهُ، وَأَنَّهَا تُخَاطَبُ وَتُعْبَدُ وَتُدْعَى وَيُسَبَّحُ لَهَا! فَهَذَا النَّوعُ سِحْرٌ وَشِرْكٌ (^٢).\n٢ - عِلْمُ التَّأْثِيرِ: وَهُوَ الاسْتِدْلَالُ بِالأَحْوَالِ الفَلَكِيَّةِ عَلَى الحَوَادِثِ الأَرْضِيَّةِ، كَالاسْتِدْلَالُ بِمَوَاضِعِ النُّجُومِ مِنَ الاقْتِرْانِ وَالطُّلُوعِ عَلَى الأُمُورِ الَّتِي تَحْدُثُ فِي الأَرْضِ، وَهَذَا أَيضًا كُفْرٌ بِاللهِ تَعَالَى (^٣).\nوَلَكِنَّهُ عَلَى دَرَجَتَينِ:\nأ- أَنْ يَجْعَلَهَا سَبَبًا يَدَّعِي بِهِ عِلْمَ الغَيبِ؛ فَيَسْتَدِلَّ بِحَرَكَاتِهَا وَتَنَقُّلَاتِهَا وَتَغَيُّرَاتِهَا\n_________\n(^١) وَأَكْثَرُ مَا يَرِدُ اسْتِعْمَالُ لَفْظِهِ هُوَ عَلَى النَّوعِ الثَّانِي، وَهُوَ مَعْرِفَةُ المُغَيَّبَاتِ عَنْ طَرِيقِ النُّجُومِ.\n(^٢) كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ الكَنْعَانِيُّونَ الَّذِينَ بُعِثَ فِيهِم إِبْرَاهِيمُ ﵇؛ فَإِنَّهُم كَانُوا يَبْنُونَ هَيَاكِلَ عَلَى صُوَرِ الكَوَاكِبِ الَّتِي يَرَونَهَا، وَيَجْعَلُونَ بُيُوتًا لَهَا، وَيَضَعُونَ فِيهَا الصُّوَرَ، ثُمَّ يَتَقَرَّبُونَ إِلَيهَا بِالدُّعَاءِ، وَيَلْبَسُونَ لِبَاسًا مُعَيَّنًا، وَيُبَخِّرُونَ عِنْدَهَا، وَيَتَقرَّبُونَ إِلَيهَا بِالقُرَبِ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُم إِذَا صَنَعُوا ذَلِكَ نَزَلَتْ رُوحَانِيَّاتُهَا! وَهَذِهِ الرُّوحَانِيَّاتُ الَّتِي يَزْعُمُونَ أَنَّهَا رُوحَانِيَّاتُ الكَوَاكِبِ؛ إِنَّمَا هِيَ لِلشَّيَاطِينِ الَّتِي تَنْزِلُ عَلَيهِم، وَقَدْ تُخَاطِبُهُم، وَقَدْ تَقْضِي حَوَائِجَهُم وَتَفْعَلُ لَهُم بَعْضَ الشَّيءِ الَّذِي يُرِيدُونَهُ؛ لِأَنَّهُم فَعَلُوا مَا تَرْضَاهُ الشَّيَاطِينُ، فَخَدَمُوهَا وَعَبَدُوهَا، فَيَأْتُونَ إِلَيهِم بِبَعْضِ النَّفْعِ. مُسْتَفَادٌ مِنْ شَرْحِ الشَّيخِ الغُنَيمَانِ حَفِظَهُ اللهُ عَلَى كِتَابِ (فَتْحُ المَجِيدِ)، شَرِيطُ رَقَم (٧٦).\n(^٣) وَقَدْ تَغَيَّرَتِ الطُّرُقُ الآنَ عِنْدَ نَاسٍ مِنَ المُثَقَّفِينَ -كَمَا يَزْعُمُونَ-، فَيَكْتُبُونَ جَدَاوِلَ وَيَذْكُرُونَ الحَوَادِثَ الَّتِي تَحْدُثُ فِي هَذَا البُرْجِ، فَيَقُولُونَ: يَومُ كَذَا يَكُونُ كَذَا وَكَذَا، ومَنْ كَانَ مَولِدُهُ فِي اليَومِ الفُلَانِيِّ يَحْدُثُ لَهُ كَذَا وَكَذَا، وَهَذِا كُلُّهُ مِنَ الكُفْرِ وَالضَّلَالِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْظَرَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا رَجْمٌ بِالغَيبِ.","vol":"1","page":618},{"text":"عَلَى أَنَّهُ سَيَكُونُ كَذَا وَكَذَا (^١)! فَهَذَا اتَّخَذَ تَعَلُّمَ النُّجومِ وَسِيلَةً لِادِّعَاءِ عِلْمِ الغَيبِ، وَدَعْوَى عِلْمِ الغَيبِ كُفْرٌ مُخْرِجٌ عَنِ المِلَّةِ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النَّمْل: ٦٥]، وَهَذَا الأُسْلُوبُ اللُّغَوِيُّ فِي الحَصْرِ هُوَ مِنْ أَقْوَى أَنْوَاعِ الحَصْرِ لِأَنَّهُ بِالنَّفِي وَالإِثْبَاتِ، فَإِذَا ادَّعَى أَحَدٌ عِلْمَ الغَيبِ؛ فَقَدْ كَذَّبَ القُرْآنَ.\nب- أَنْ يَجْعَلَهَا سَبَبًا لِحُدُوثِ الخَيرِ وَالشَّرِّ، أَي: أَنَّهُ إِذَا وَقَعَ شَيءٌ؛ نَسَبَهُ إِلَى النُّجُومِ، وَلَا يَنْسُبُ إِلَى النُّجُومِ شَيئًا إِلَّا بَعْدَ وُقُوعِهِ، فَهَذَا شِرْكٌ أَصْغَرُ (^٢).\nفَالدَّرَجَةُ الأُولَى هِيَ قَبْلَ الوُقُوعِ؛ وَهِيَ ادِّعَاءُ عِلْمِ الغَيبِ، وَالثَّانِيَةُ بَعْدَ الوُقُوعِ مِنْ جِهَةِ بَيَانِ سَبَبِ الحُصُولِ حَيثُ لَمْ يَجْعَلْهُ اللهُ سَبَبًا.\n٣ - عِلْمُ التَّسْيِيرِ: وَهُوَ الاسْتِدْلَالُ بِالنُّجُومِ عَلَى الجِهَاتِ وَالأَوقَاتِ، فَهَذَا جَائِزٌ، وَقَدْ يَجِبُ إِذَا تَرَتَّبَ عَلَيهِ أَمْرٌ وَاجِبٌ شَرْعًا (^٣).\n_________\n(^١) مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: هَذَا الإِنْسَانُ سَتَكُونُ حَيَاتُهُ شَقَاءً لِأَنَّهُ وُلِدَ فِي وَقْتِ النَّجْمِ الفُلَانِيِّ، وَهَذَا حَيَاتُهُ سَتَكُونُ سَعِيدَةً لِأَنَّهُ وُلِدَ فِي النَّجْمِ الفُلَانِيِّ.\n(^٢) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (٢/ ٥٢٣): \"وَأَعْلَى مَا وَقَفْتُ عَلَيهِ مِنْ ذَلِكَ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ، قَالَ فِي الأُمِّ: مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوءِ كَذَا وَكَذَا -عَلَى مَا كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الشِّرْكِ يَعْنُونَ مِنْ إِضَافَةِ المَطَرِ إِلَى أَنَّهُ مَطَرُ نَوءِ كَذَا- فَذَلِكَ كُفْرٌ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، لِأَنَّ النَّوءَ وَقْتٌ؛ وَالوَقْتُ مَخْلُوقٌ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيرِهِ شَيئًا! وَمَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوءِ كَذَا -عَلَى مَعْنَى مُطِرْنَا فِي وَقْتِ كَذَا- فَلَا يَكُونُ كُفْرًا، وَغَيرُهُ مِنَ الكَلَامِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ. يَعْنِي حَسْمًا لِلْمَادَّةِ، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ إِطْلَاقُ الحَدِيثِ، أَي: حَدِيثَ زَيدِ بْنِ خَالِدٍ\".\n(^٣) كَحَالَةِ المُسَافِرِ خَارِجَ البُنْيَانِ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيهِ مَعْرِفَةُ جِهَةِ القِبْلَةِ مِنْ أَجْلِ الصَّلَاةِ.","vol":"1","page":619},{"text":"وَهَذَا الاسْتِدْلَالُ أَيضًا يَكُونُ مِنْ جِهَتَينِ:\nأ- الاسْتِدْلَالُ عَلَى الزَّمَانِ: كَالفُصُولِ وَدُخُولِ رَمَضَانَ وَالأَعْيَادِ وَمَوَاعِيدِ الزِّرَاعَةِ وَالحَصَادِ وَ…\nب- الاسْتِدْلَالُ عَلَى المَكَانِ: كَجِهَةِ القِبْلَةِ وَالجِهَاتِ الأَرْبَعَةِ وَ… (^١)\n- قَالَ الإِمَامُ الخَطَّابِيُّ ﵀: \"عِلْمُ النُّجُومِ المَنْهِيُّ عَنْهُ هُوَ مَا يَدَّعِيهِ أَهْلُ التَّنْجِيمِ مِنْ عِلْمِ الكَوَائِنِ وَالحَوَادِثِ الَّتِي لَمْ تَقَعْ وَسَتَقَعُ فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ، كَإِخْبَارِهِم بِأَوقَاتِ هُبُوبِ الرِّيَاحِ، وَمَجِيءِ المَطَرِ، وَظُهُورِ الحَرِّ وَالبَرْدِ، وَتَغَيُّرِ الأَسْعَارِ، وَمَا كَانَ فِي مَعَانِيهَا مِنَ الأُمُورِ، يَزْعُمُونَ أَنَّهُم يُدْرِكُونَ مَعْرِفَتَهَا بِسَيرِ الكَوَاكِبِ فِي مَجَارِيهَا وَبِاجْتِمَاعِهَا وَاقْتِرَانِهَا، وَيَدَّعُونَ لَهَا تَأْثِيرًا فِي السُّفْلِيَّاتِ، وَأَنَّهَا تَتَصَرَّفُ عَلَى أَحْكَامِهَا وَتَجْرِي عَلَى قَضَايَا مُوجِبَاتِهَا، وَهَذَا مِنْهُم تَحَكُّمٌ عَلَى الغَيبِ، وَتَعَاطٍ لعِلْمٍ اسْتِأْثَرَ اللهُ سُبْحَانَهُ بِهِ، لَا يَعْلَمُ الغَيبَ أَحَدٌ سِوَاهُ\" (^٢).\n- فِي بَيَانِ الدَّلِيلِ عَلَى كُلٍّ مِمَّا ذَكَرَ قَتَادَةُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\nالأَوَّلُ وَالثَّانِي: زِينَةً لِلسَّمَاءِ وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيطَانٍ مَارِدٍ﴾ [الصَّافَات: ٦ - ٧].\nالثَّالِثُ: عَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا.\n_________\n(^١) وَمِنْهُ نَأْخُذُ خَطَأَ العَوَامِّ الَّذِينَ يَقُولُونَ إِذَا هَبَّتِ الرِّيحُ: طَلَعَ النَّجْمُ الفُلَانِيُّ! وَذَلِكَ لِأَنَّ النُّجُومَ لَا تَأْثِيرَ لَهَا بِالرِّيَاحِ. صَحِيحٌ أَنَّ بَعْضَ الأَوقَاتِ وَالفُصُولِ يَكُونُ فِيهَا رِيحٌ وَمَطَرٌ؛ وَلَكِنَّهَا ظَرْفٌ لَهُمَا، وَلَيسَتْ سَبَبًا لَهُمَا!\n(^٢) مَعَالِمُ السُّنَنِ (٤/ ٢٢٩).","vol":"1","page":620},{"text":"قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النَّحْل: ١٥ - ١٦].\n- قَولُهُ: (وتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ): لِأَنَّ النُّجُومَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ الَّتِي لَا يَعْلَمُ البَشَرُ شَأْنَ خَفَايَاهَا إِلَّا بِمَا أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى بِهِ عَنْهَا، وَالمُسْلِمُ مَأْمُورٌ بِالكَفِّ عَنْهَا إِلَّا فِي حُدُودِ مَا جَاءَ فِي الشَّرْعِ بَيَانُهُ كَمَا بَيَّنَهُ قَتَادَةُ ﵀.\nوَفِي الحَدِيثِ: «إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا، وَإِذَا ذُكِرَتِ النُّجُومُ فأَمْسِكُوا، وَإذا ذُكِرَ القَدَرُ فَأَمْسِكُوا» (^١).\n- أَثَرُ قَتَادَةَ ﵀ بِتَمَامِهِ -كَمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ-: \"وَإِنَّ نَاسًا جَهَلَةً بِأَمْرِ اللهِ؛ قَدْ أَحْدَثُوا مِنْ هَذِهِ النُّجُومِ كِهَانَةً: مَنْ أَعْرَسَ بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا؛ كَانَ كَذَا وَكَذَا! ومَنْ سَافَرَ بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا؛ كَانَ كَذَا وَكَذَا! وَمَنْ وُلِدَ بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا؛ كَانَ كَذَا وَكَذَا!\nوَلَعَمْرِي مَا مِنْ نَجْمٍ إِلَّا يُولَدُ بِهِ الأَحْمَرُ وَالأَسْوَدُ، وَالقَصِيرُ وَالطَّوِيلُ، وَالحَسَنُ وَالدَّمِيمُ، وَمَا عِلْمُ هَذَا النَّجْمِ وَهَذِهِ الدَّابَّةِ وَهَذَا الطَّيرِ بِشَيءٍ مِنَ الغَيبِ؟! وَقَضَى اللهُ أَنَّهُ: ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النَّمْل: ٦٥] \" (^٢).\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀: \"وَهُوَ كَلَامٌ جَلِيلٌ مَتِينٌ صَحِيحٌ\" (^٣).\n- قَولُ المُصَنِّفِ ﵀: (ورَخَّصَ فِيهِ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ) هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى امْتَنَّ عَلَى عِبَادِهِ بِذَلِكَ العِلْمِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يُونُس: ٥] وَظَاهِرُ الآيَةِ أَنَّ حُصُولَ\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ (١٠/ ١٩٨) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٣٤).\n(^٢) ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي التَّفْسِيرِ (١٦٥٣٦).\n(^٣) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٦/ ٢٠٤).","vol":"1","page":621},{"text":"المِنَّةِ بِهِ هِيَ فِي تَعَلُّمِهِ، وَهُوَ دَلِيلُ الجَوَازِ (^١).\n- (حَرْبٌ): هُوَ الإِمَامُ الحَافِظُ حَرْبُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ؛ أَبُو مُحَمَّدٍ الكِرْمَانِيُّ؛ الفَقِيهُ مِنْ جِلَّةِ أَصْحَابِ الإِمَامِ أَحْمَدَ، وَلَهُ كِتَابُ (المَسَائِلُ) الَّتِي سُئِلَ عَنْهَا الإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيرُهُ، (ت ٢٨٠ هـ).\n- (إِسْحَاقُ): هُوَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَخْلَدٍ؛ أَبُو يَعْقُوبَ؛ الحَنْظَلِيُّ النَيسَابُورِيُّ؛ الإِمَامُ المَعْرُوفُ بِابْنِ رَاهَوِيه، قَالَ أَحْمَدُ: إِسْحَاقُ عِنْدَنا إِمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ، (ت ٢٣٩ هـ).\n- قَولُهُ: (وَمُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ) (^٢): قَصَدَ بِهِ المُصَنِّفُ هُنَا التَّصْدِيقَ بِعِلْمِ النُّجُومِ المَذْمُومِ، وَالإِقْرَارَ بِصِحَّتِهِ وَالعَمَلَ بِهِ (^٣)، وَقَدْ مَرَّ مَعَنَا أَنَّ التَّنْجِيمَ نَوعٌ مِنْ أَنْوَاعِ السِّحْرِ كَمَا قَالَ ﵊: «مَنِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ النُّجُومِ؛ فَقَدِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ، زَادَ مَا زَادَ» (^٤).\n_________\n(^١) عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ القَولُ بِأَنَّ مَنْ مَنَعَ -وَخَاصَّةً قَتَادَةَ- فَمَنْعُهُ مَحْمُولٌ عَلَى غَيرِ هَذِهِ الثَّلَاثِ -جَمْعًا بَينَ الرِّوَايَاتِ- أَو مُطْلَقًا بِحَيثُ يَكُونُ سَبَبُ المَنْعِ هُوَ سَدُّ ذَرِيعَةِ الشِّرْكِ، وَهَذَا السَّدُّ هُوَ مِنْ جِهَتَينِ:\nأ- أَنَّهُ قَدْ يُفْضِي إِلَى تَعَلُّمِ المَذْمُومِ.\nب- أَنَّهُ يُخْشَى إِذَا قِيلَ: إذا طَلَعَ النَّجُمُ الفُلَانِيُّ فَإِنَّهُ سَيَكُونُ حَرٌّ أَو بَرْدٌ -مِنْ بَابِ الاسْتِدْلَالِ عَلَى الزَّمَنِ- أَنَّ بَعْضَ العَامَّةِ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَأْتِي بِالبَرْدِ أَوِ الحَرِّ أَوِ الرِّيحِ.\n(^٢) وَكَمَا فِي الحَدِيثِ: «إنَّ أخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي فِي آخِرِ زَمَانِهَا النُّجُومُ، وَتَكْذِيبٌ بِالقَدَرِ، وَحَيفُ السُّلْطَانِ». صَحِيحٌ. الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ (٨/ ٢٨٩) عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (١١٢٧).\n(^٣) وَيَشْمَلُ أَيضًا المُصَدِّقُ لِقَولِ الكَاهِنِ بِدَعْوَاهُ عِلْمَ المُغَيَّبَاتِ.\n(^٤) صَحِيحٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٣٩٠٥) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٦٠٧٤).","vol":"1","page":622},{"text":"- قَولُهُ: (ثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ): هُوَ مِنْ نُصُوصِ الوَعِيدِ.\nوَفِي ظَاهِرِهَا إِشْكَالٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يُفهَمُ مِنْهَا الكُفْرُ المُخْرِجُ مِنَ المِلَّةِ، وَأَنَّ صَاحِبَهَا خَالِدٌ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ، رُغْمَ أَنَّ مِنْهَا مَا هُوَ لَيسَ بِشِرْكٍ أَصْلًا!\nوَفِي الجَوَابِ عَلَيهَا أَقْوَالٌ (^١):\n١ - مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ وَالخَوَارِجِ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ بِظَاهِرِ نُصُوصِ الوَعِيدِ (^٢)، فَيَرَونَ الخُرُوجَ مِنَ الإِيمَانِ بِهَذِهِ المَعْصِيَةِ، لَكِنَّ الخَوَارِجَ يَقُولُونَ: هُوَ كَافِرٌ، وَالمُعْتَزِلَةَ يَقُولُونَ: هُوَ فِي مَنْزِلَةٍ بَينَ المَنْزِلَتَينِ، وَتَتَّفِقُ الطَائِفَتَانِ عَلَى أَنَّهُم مُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ، فَيُجْرُونَ هَذَا الحَدِيثَ وَنَحْوَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الأَحَادِيثِ الأُخْرَى الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ مَنْ فِي قَلْبِهِ إِيمَانُ -وَإِنْ قَلَّ- فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ مَآلًا.\nوَمَذْهَبُ هَؤُلَاءِ مِنَ الخَوَارِجِ وَالمُعْتَزِلَةِ مَرْدُودٌ مُخَالِفٌ لِلإِجْمَاعِ (^٣).\n٢ - أَنَّ هَذَا الوَعِيدَ هُوَ فِيمَنِ اسْتَحَلَّ هَذَا الفِعْلَ (^٤).\n_________\n(^١) بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ وَزِيَادَةٍ مِنَ كِتَابِ (القَولُ المُفِيدُ) (٢/ ١٤) لِلشَّيخِ ابْنِ عُثَيمِين ﵀.\nوَلِتَمَامِ الفَائِدَةِ اُنْظُرْ شَرْحَ بَابِ (مَا جَاءَ فِي السِّحْرِ) مِنْ كِتَابِنَا هَذَا، وَمَا فِيهِ مِنَ الكَلَامِ عَلَى بَعْضِ نُصُوصِ الوَعِيدِ (مَسْأَلَةِ قَاتِلِ النَّفْسِ).\n(^٢) أَي: يُسَلِّطُونَهَا عَلَى أُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَيَجْعَلُونَهَا قَاضِيَةً عَلَيهَا دُونَ تَوجِيهٍ لَهَا! فَيُبْطِلُونَ بِهَا عُمُومَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النِّسَاء: ٤٨]، وَمِنْ مِثْلِ قَولِهِ ﷺ: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ دَخَلَ الجنَّةَ، .... وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ، وَإِنْ شَرِبَ الخَمْرَ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦٤٤٣) عَنْ أَبِي ذَرٍّ.\n(^٣) قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمِ (٢/ ٩٧): \"وَأَمَّا حُكْمُهُ ﷺ عَلَى مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِدُخُولِ النَّارِ؛ وَمَنْ مَاتَ غَيرَ مُشْرِكٍ بِدُخُولِهِ الجَنَّةَ؛ فَقَدْ أَجْمَعَ عَلَيهِ المُسْلِمُونَ\".\n(^٤) وَفِي الحَدِيثِ: «مُدْمِنُ الخَمْرِ إنْ مَاتَ؛ لَقِيَ اللهَ كَعَابِدِ وَثَنٍ». صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٤٥٣) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ\n=","vol":"1","page":623},{"text":"٣ - أَنَّ نُصُوصَ الوَعِيدِ هَذِهِ تُمَرُّ كَمَا جَاءَتْ وَلَا يُتَعَرَّضُ لِمَعْنَاهَا، بَلْ يُقَالُ: هَكَذَا قَالَ اللهُ وَقَالَ رَسُولُهُ وَنَسْكُتْ، وَهَذَا مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ، كَمَالِكٍ وَغَيرِهِ، وَهَذَا أَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ (^١).\n٤ - أَنَّ هَذَا نَفْيٌ مُطْلَقٌ، وَالنَّفْيُ المُطْلَقُ يُحْمَلُ عَلَى المُقَيَّدِ، فَيُقَالُ: لَا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ دُخُولًا مُطْلَقًا -يَعْنِي لَا يَسْبِقُهُ عَذَابٌ-، وَلَكِنَّهُم يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ دُخُولًا يَسْبِقُهُ عَذَابٌ بِقَدْرِ ذُنُوبِهِم -إِنْ لَمْ يُغْفَرْ لَهُم أَولًا-، ثُمَّ مَرْجِعُهُم إِلَى الجَنَّةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ نُصُوصَ الشَّرِيعَةِ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَيُلَائِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَهَذَا أَقْرَبُ إِلَى القَوَاعِدِ وَأَبْيَنُ حَتَّى لَا تَبْقَى دِلَالَةُ النُّصُوصِ غَيرَ مَعْلُومَةٍ، فَتُقَيَّدُ النُّصُوصُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ (^٢).\n_________\n=\nمَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٦٧٧).\nقَالَ ابْنُ حِبَّانَ ﵀ فِي صَحِيحِهِ (١٢/ ١٦٧): \"يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى هَذَا الخَبَرِ: مَنْ لَقِيَ اللهَ مُدْمِنَ خَمْرٍ مُسْتَحِلًّا لِشُرْبِهِ؛ لَقِيَهُ كَعَابِدِ وَثَنٍ، لِاسْتِوَائِهِمَا فِي حَالَةِ الكُفْرِ\".\n(^١) وَلِأَنَّ تَأْوِيلَهَا يُبْطِلُ مَفَادَهَا مِنْ وُقُوعِ الزَّجْرِ فِي النُّفُوسِ، وَهَذَا القَولُ حَقِيقَتُهُ بَيَانُ كَيفِيَّةِ اسْتِخْدَامِ هَذِهِ النُّصُوصِ؛ لَا أَنَّهَا مَجْهُولَةُ المَعْنَى عِنْدَنَا! وَلَكِنَّ الخَوضَ فِي بَيَانِهَا وَجَمْعِهَا مَعَ سَائِرِ النُّصُوصِ مُضْعِفٌ لِأَثَرِهَا فِي الزَّجْرِ كَمَا ذَكَرْنَا.\nقَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ (الفُرُوعُ) (١٠/ ٢١٣): \"وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ يَتَوَقَّى الكَلَامَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ النُّصُوصِ تَوَرُّعًا، وَيَمُرُّهَا كَمَا جَاءَتْ مِنْ غَيرِ تَفْسِيرٍ؛ مَعَ اعْتِقَادِهِمْ أَنَّ المَعَاصِيَ لَا تُخْرِجُ عَنِ المِلَّةِ\".\nوَقَالَ صَاحِبُ فَتْحِ المَجِيدِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى (ص ٣٢٠): \"قَولُهُ: (ثَلَاثةٌ لَا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ): هَذَا مِنْ نُصُوصِ الوَعِيدِ الَّتِي كَرِهَ السَّلَفُ تَأْوِيلَهَا، وَقَالُوا: أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ، وَمَنْ تَأَوَّلَهَا فَهُوَ عَلَى خَطَرٍ مِنَ القَولِ عَلَى اللهِ بِلَا عِلْمٍ.\nوَأَحْسَنُ مَا يُقَالُ: إنَّ كُلَّ عَمَلٍ دُونَ الشِّرْكِ وَالكُفْرِ -المُخْرِجِ عَنْ مِلَّةِ الإِسْلَامِ-؛ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى مَشِيئَةِ اللهِ، فَإِنْ عَذَّبَهُ فَقَدِ اسْتَوجَبَ العَذَابَ، وَإِنْ غَفَرَ لَهُ فَبِفَضْلِهِ وَعَفْوِهِ وَرَحْمَتِهِ\".\n(^٢) قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (١٦/ ١١٣) عِنْدَ شَرْحِ حَدِيثِ: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ»: \"هَذَا الحَدِيثُ يُتَأَوَّلُ بِتَأْوِيلَينِ:\nأَحَدِهِمَا: حَمْلُهُ عَلَى مَنْ يَسْتَحِلُّ القَطِيعَةَ بِلَا سَبَبٍ وَلَا شُبْهَةٍ مَعَ عِلْمِهِ بِتَحْرِيمِهَا، فَهَذَا كَافِرٌ يُخَلُّدُ فِي النَّارِ وَلَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ أَبَدًا.\nوَالثَّانِي: مَعْنَاهُ لَا يَدْخُلُهَا فِي أَوَّلِ الأَمْرِ مَعَ السَّابِقِينَ، بَلْ يُعَاقَبُ بِتَأَخُّرِهِ القَدْرَ الَّذِي يُرِيدُهُ اللهُ تَعَالَى\".","vol":"1","page":624},{"text":"٥ - أَنَّ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَالُهُ حَرِيٌّ أَنْ يُخْتَمَ لَهُ بِسُوءِ الخَاتِمَةِ، فَيَمُوتَ كَافِرًا، فَيَكُونُ هَذَا الوَعِيدُ هُوَ بِاعْتِبَارِ مَا يَؤُولُ حَالُهُ إِلَيهِ (^١).\n- فَائِدَة ١: مِمَّا يَدْخُلُ فِي هَذَا العَصْرِ بِوُضُوحٍ -مَعَ غَفْلَةِ النَّاسِ عَنْهُ- مَا يَكْثُرُ فِي المَجَلَّاتِ وَيُسَمُّونَه الأَبْرَاجَ، وَيَجْعَلُونَ أَمَامَ كُلِّ بُرْجٍ مَا سَيَحْصُلُ فِيهِ، فَإِذَا كَانَ المَرْءُ مَولُودًا فِي ذَلِكَ البُرْجِ فَإِنَّهُم يَقُولُونَ لَهُ: سَيَحْصُلُ لَكَ فِي هَذَا الشَّهْرِ كَذَا وَكَذَا (^٢)!\nوَهَذَا هُوَ التَّنْجِيمِ الَّذِي هُوَ ادِّعَاءُ التَأْثِيرِ. وَالاسْتِدْلَالُ بِالنُّجُومِ وَالبُرُوجِ عَلَى التَّأْثِيرِ فِي الأَرْضِ وَعَلَى مَا سَيَحْصُلُ فِيهَا؛ هُوَ نَوعٌ مِنَ الكِهَانَةِ، وَوُجُودُهُ فِي\n_________\n(^١) قَالَ ابْنُ حِبَّانَ ﵀ (٤/ ٣٢٤): \"ذِكْرُ خَبَرٍ تَاسِعٍ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَا؛ أَنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ اسْمَ المُتَوَقَّعِ مِنَ الشَّيءِ فِي النِّهَايَةِ عَلَى البِدَايَةِ: [ثُمَّ أَورَدَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «المِرَاءُ فِي القَرْآنِ كُفْرٌ»] قَالَ أَبُو حَاتِمٍ [ابْنُ حِبَّانَ]: إِذَا مَارَى المَرْءُ فِي القُرْآنِ أَدَّاهُ ذَلِكَ -إِنْ لَمْ يَعْصِمْهُ اللهُ- إِلَى أَنْ يَرْتَابَ فِي الآي المُتَشَابِهِ مِنْهُ، وَإِذَا ارْتَابَ فِي بَعْضِهِ أَدَّاهُ ذَلِكَ إِلَى الجَحْدِ، فَأَطْلَقَ ﷺ اسْمَ الكُفْرِ الَّذِي هُوَ الجَحْدُ عَلَى بِدَايَةِ سَبَبِهِ الَّذِي هُوَ المِرَاءُ\".\nقُلْتُ: وَالحَدِيثُ المَذْكُورُ صَحِيحٌ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٤٦٠٣) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٦٦٨٧).\n(^٢) قَالَ الشَّيخُ مُلَّا عَلِي القَارِيِّ ﵀ فِي كِتَابِهِ مِرْقَاةُ المَفَاتِيحِ (٧/ ٢٩١١): \"وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ قَولِهِمْ: أَنْ يُقَالَ لَهُمْ: أَخْبِرُونَا عَنْ مَولُودَينِ وُلِدَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ؛ أَلَيسَ يَجِبُ تَسَاوِيهِمَا فِي كُلِّ وَجْهٍ؛ وَلَا تَمْيِيزَ بَينَهُمَا فِي الصُّورَةِ وَالقَدِّ وَالمَنْظَرِ؛ وَحَتَّى لَا يُصِيبَ أَحَدًا نَكْبَةٌ إِلَّا أَصَابَ الآخَرَ، وَحَتَّى لَا يَفْعَلَ هَذَا شَيئًا إِلَّا وَالآخَرَ يَفْعَلُ مِثْلَهُ؟ وَلَيسَ فِي العَالَمِ اثْنَانِ هَذَا صِفَتُهُمَا\".","vol":"1","page":625},{"text":"المَجَلَّاتِ وَالجَرَائِدِ عَلَى ذَلِكَ النَّحْوِ هُوَ وُجُودٌ لِلكُهَّانِ فِيهَا، فَهَذَا يَجِبُ إِنْكَارُهُ إِنْكَارًا لِلشِّرْكِ، وَلِادِّعَاءِ مَعْرِفَةِ الغَيبِ، وَلِأَنَّ التَّنْجِيمَ مِنَ السِّحْرِ كَمَا ذَكَرْنَا، فَيَجِبُ إِنْكَارُهُ عَلَى كُلِّ صَعِيدٍ (^١).\n- فَائِدَة ٢: الَّذِي يُقْبَلُ قَولُهُ فِي الاسْتِدْلَالِ بِالنُّجُومِ عَلَى الزَّمانِ وَالمَكَانِ إِنَّمَا هُوَ مَنْ تَوَفَّرَ فِيهِ شَرْطَانِ:\n١ - أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ خِبْرَةٍ فِي ذَلِكَ.\n٢ - أَنْ يَكُونَ مُؤْتَمَنًا فِي دِينِهِ، حَرِيصًا عَلَى أَمْرِ شَرِيعَتِهِ.\nقَالَ الإِمَامُ الخَطَّابِيُّ ﵀: \"وَأَمَّا مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ مِنْ جِهَةِ النُّجُومِ عَلَى جِهَةِ القِبْلَةِ؛ فَإِنَّمَا هِيَ كَوَاكِبُ رَصَدَهَا أَهْلُ الخِبْرَةِ بِهَا مِنَ الأَئِمَّةِ الَّذِينَ لَا نَشُكُّ فِي عِنَايَتِهِم بِأَمْرِ الدِّينِ وَمَعْرِفَتِهِم بِهَا وَصِدْقِهِم فِيمَا أَخْبَرُوا بِهِ عَنْهَا، مِثْلَ أَنْ يُشَاهِدُوهَا بِحَضْرَةِ الكَعْبَةِ وَيُشَاهِدُوهَا فِي حَالِ الغَيبَةِ عَنْهَا، فَكَانَ إِدْرَاكُهُم الدِّلَالَةَ عَنْهَا بِالمُعَايَنَةِ، وَإِدْرَاكُنَا لِذَلِكَ [هُوَ] بِقَبُولِنَا لِخَبَرِهِم إِذْ كَانُوا غَيرَ مُتَّهَمِينَ فِي دِينِهِم وَلَا مُقَصِّرِينَ فِي مَعْرِفَتِهِم\" (^٢).\n_________\n(^١) وَيَجِبُ أَيضًا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ لَا يُدْخِلَهُ بَيتَهُ، وَأَنْ لَا يَقْرَأَهُ وَلَا يطَّلِعَ عَلَيهِ؛ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي النَّهْي مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ أَتَى إِلَى الكَاهِنِ غَيرَ مُنْكِرٍ لَهُ.\nوَعَلَيهِ أَيضًا أَنْ لَا يُؤَثِّمَ نَفْسَهُ وَمَنْ فِي بَيتِهِ بِإِدْخَالِ شَيءٍ مِنَ الجَرَائِدِ الَّتِي فِيهَا ذَلِكَ إِلَى البُيُوتِ، لِأَنَّ هَذَا مَعْنَاهُ إِدْخَالٌ لِلْكَهَنَةِ إِلَى البُيُوتِ! وَهَذَا -وَالعِيَاذُ بِاللهِ- مِنَ الكَبَائِرِ.\n(^٢) مَعَالِمُ السُّنَنِ (٤/ ٢٣٠).","vol":"1","page":626},{"text":"بَابُ مَا جَاءَ فِي الاسْتِسْقَاءِ بِالأَنْوَاءِ\nوَقَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الوَاقِعَة: ٨٢].\nوَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الفَخْرُ بِالأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ، وَالِاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ». وَقَالَ: «النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوتِهَا؛ تُقَامُ يَومَ القِيَامَةِ وَعَلَيهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).\nوَلَهُمَا عَنْ زَيدِ بْنِ خَالِدٍ ﵁؛ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقَبْلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمَ. قَالَ: «قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ؛ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالكَوكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوءِ كَذَا وَكَذَا؛ فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالكَوكَبِ» (^٢).\nوَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَعْنَاهُ، وَفِيهِ: \"قَالَ بَعْضُهُمْ: لَقَدْ صَدَقَ نَوءُ كَذَا وَكَذَا؛ فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَاتِ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ * وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الوَاقِعَة: ٧٥ - ٨٢] \" (^٣).\n_________\n(^١) مُسْلِمٌ (٩٣٤).\n(^٢) البُخَارِيُّ (٨٤٦)، وَمُسْلِمٌ (٧١).\n(^٣) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٧٣) فَقَط دُونَ البُخَارِيِّ.","vol":"1","page":627},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ الوَاقِعَةِ.\nالثَّانِيَةُ: ذِكْرُ الأَرْبَعِ الَّتِي مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ.\nالثَّالِثَةُ: ذِكْرُ الكُفْرِ فِي بَعْضِهَا.\nالرَّابِعَةُ: أَنَّ مِنَ الكُفْرِ مَا لَا يُخْرِجُ مِنَ المِلَّةِ.\nالخَامِسَةُ: قَولُهُ: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ» بِسَبَبِ نُزُولِ النِّعْمَةِ.\nالسَّادِسَةُ: التَّفَطُّنُ لِلْإِيمَانِ فِي هَذَا المَوضِعِ.\nالسَّابِعَةُ: التَّفَطُّنُ لِلْكُفْرِ فِي هَذَا المَوضِعِ.\nالثَّامِنَةُ: التَّفَطُّنُ لِقَولِهِ: (لَقَدْ صَدَقَ نَوءُ كَذَا وَكَذَا).\nالتَّاسِعَةُ: إِخْرَاجُ العَالِمِ لِلْمُتَعَلِّمِ المَسْأَلَةَ بِالِاسْتِفْهَامِ عَنْهَا، لِقَولِهِ: «أَتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟».\nالعَاشِرَةُ: وَعِيدُ النَّائِحَةِ.","vol":"1","page":628},{"text":"<span data-type='title' id=toc-261>الشَّرْحُ</span>\n- الاسْتِسْقَاءُ بِالأَنْواءِ: هُوَ نِسْبَةُ السُّقْيَا إِلَى الأَنْوَاءِ، وَالأَنْوَاءُ هِيَ النُّجُومُ، يُقَالُ لِلنَّجْمِ نَوءٌ، وَالعَرَبُ فِي الجَاهِلِيَّةِ كَانَتْ تَعْتَقِدُ أَنَّ النُّجُومَ وَالأَنْوَاءَ سَبَبٌ فِي نُزُولِ المَطَرِ (^١).\nوَنَاءَ لُغَةً: أَي: نَهَضَ وَطَلَعَ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِالنَّوءِ الغُرُوبَ، وَهُوَ مِنَ الأَضْدَادِ (^٢).\nوَالنَّوءُ: وَاحِدُ الأَنْوَاءِ، وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ مَنْزِلَةً، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَومًا تَقْرِيبًا، وَكُلُّ نَجْمٍ مِنْهَا إِذَا طَلَعَ فِي المَشْرِقِ وَقَعَ حَالَ طُلُوعِهِ آخَرُ فِي المَغْرِبِ، وَلَا يَزَالُ ذَلِكَ مُسْتَمِرًّا إِلَى أَنْ تَنْتَهِيَ الثَّمَانِيَةُ وَالعِشْرُونَ بِانْتِهَاءِ السَّنَةِ، وَكَانَتِ العَرَبُ تَزْعُمُ أَنَّ مَعَ سُقُوطِ المَنْزِلَةِ وَطُلُوعِ نَظِيرِهَا يَكُونُ مَطَرٌ، فَيَنْسِبُونَهُ إِلَيهَا فَيَقُولُونَ مُطِرْنَا بِنَوءِ كَذَا! وَإِنَّمَا سُمِّيَ نَوءًا لِأَنَّهُ إِذَا سَقَطَ السَّاقطُ مِنْهَا بِالغَرْبِ نَاءَ الطَّالِعُ بِالشَّرْقِ (^٣).\n- مُنَاسَبَةُ هَذَا البَابِ لِمَا قَبْلَهُ مِنَ الأَبْوَابِ هُوَ مِنْ عِدَّةِ أَوجُهٍ:\n١ - أَنَّ الاسْتِسْقَاءَ بِالأَنْوَاءِ نَوعٌ مِنَ التَّنْجِيمِ.\n٢ - أَنَّهُ مِنَ السِّحْرِ بِمَعْنَاهُ العَامُّ.\n٣ - أَنَّهُ مُنَافٍ لِكَمَالِ التَّوحِيدِ الوَاجِبِ، لِأَنَّهُ مِنْ كُفْرِ النِّعْمَةِ، حَيثُ نَسَبَ نِعْمَةَ اللهِ تَعَالَى إِلَى غَيرِهِ -يَعْنِي: مِنْ جِهَةِ السَّبَبِ- فَهُوَ كُفْرٌ أَصْغَرُ.\n_________\n(^١) وَمِنْهُم -وَهِيَ طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ- مَنْ يَجْعَلُ النَّوءَ أَوِ النَّجْمَ هُوَ الَّذِي يَأْتِي بِالمَطَرِ.\n(^٢) النِّهَايَةُ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ (٥/ ٢٦٠).\n(^٣) بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ مِنَ الفَتْحِ (٢/ ٥٢٤) لِابْنِ حَجَرٍ ﵀.","vol":"1","page":629},{"text":"- الاسْتِسْقَاءُ بِالأَنْوَاءِ شِرْكٌ، وَهُوَ ثَلَاثُ حَالَاتٍ:\n١ - أَنْ يَدْعُوَ الأَنْوَاءَ بِالسُّقْيَا، فَيَسْتَغِيثَ بِهَا مِنْ دُونِ اللهِ ﷿! وَهُوَ شِرْكٌ أَكْبَرُ، وَهُوَ مِنْ جَانِبِ الأُلُوهِيَّةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يُونُس: ١٠٦].\n٢ - أَنْ يَنْسِبَ حُصُولَ الأَمْطَارِ إِلَى هَذِهِ الأَنْوَاءِ عَلَى أَنَّهَا هِيَ الفَاعِلَةُ بِنَفْسِهَا دُونَ اللهِ تَعَالَى -وَلَو لَمْ يَدْعُهَا-، فَهَذَا شِرْكٌ أَكْبَرُ فِي الرُّبُوبِيَّةِ.\n٣ - أَنْ يَجْعَلَ هَذِهِ الأَنْوَاءَ سَبَبًا لِلمَطَرِ مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّ اللهَ هُوَ الخَالِقُ الفَاعِلُ؛ وَهُوَ شِرْكٌ أَصْغَرُ (^١).\n- (أَبُو مَالِكٍ): هُوَ الحَارِثُ بْنُ الحَارِثِ الشَّامِيُّ، صَحَابِيٌّ، وَفِي الصَّحَابَةِ أَبُو مَالِكٍ الأَشْعَرِيُّ اثْنَانُ غَير هَذَا.\n- قَولُهُ: «مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ» فِيهِ الإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ أَمْرَ الجَاهِلِيَّةِ كُلَّهُ مَذْمُومٌ، وَهُوَ أَمْرُ مَا قَبْلَ البَعْثَةِ، كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللهِ ثَلَاثَةٌ: مُلْحِدٌ فِي الحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةَ الجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيرِ حَقٍّ لِيُهَرِيقَ دَمَهُ» (^٢).\n- «الجَاهِلِيَّةُ» مُشْتَقَّةٌ إِمَّا مِنَ الجَهْلِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ العِلْمِ، أَو مِنَ الجَهَالَةِ الَّتِي هِيَ السَّفَهُ؛ وَهِيَ ضِدُّ الحِكْمَةِ.\n_________\n(^١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (٢/ ٥٢٤): \"فَإِنِ اعْتَقَدَ قَائِلٌ ذَلِكَ -أَنَّ لِلنَّوْءِ صُنْعًا فِي ذَلِكَ- فَكُفْرُهُ كُفْرُ تَشْرِيكٍ، وَإِنِ اعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ التَّجْرِبَةِ فَلَيسَ بِشِرْكٍ، لَكِنْ يَجُوْزُ إِطْلَاقُ الكُفْرِ عَلَيهِ وَإِرَادَةُ كُفْرِ النِّعْمَةِ\".\n(^٢) البُخَارِيُّ (٦٨٨٢).","vol":"1","page":630},{"text":"- قَولُهُ: «الفَخْرُ فِي الأَحْسَابِ» يَعْنِي عَلَى وَجْهِ التَّكَبُّرِ وَالرِّفْعَةِ.\nوَفِي الحَدِيثِ: «إِنَّ اللهَ قَدْ أذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَها بِالآبَاءِ، مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، أنْتُمْ بَنُو آدَمَ؛ وآدَمُ مِنْ تُرَابٍ. لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخرَهُمْ بِأَقْوَامٍ إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ أو لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللهِ مِنَ الجُعْلانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتَنَ» (^١).\nوَأَيضًا فِي الحَدِيثِ: انْتَسَبَ رَجُلَانِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، فَمَنْ أَنْتَ لَا أُمَّ لَكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «انْتَسَبَ رَجُلَانِ عَلَى عَهْدِ مُوسَى ﵇، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ حَتَّى عَدَّ تِسْعَةً؛ فَمَنْ أَنْتَ لَا أُمَّ لَكَ؟ قَالَ: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ ابْنُ الإِسْلَامِ. قَالَ: فَأَوحَى اللهُ إِلَى مُوسَى ﵇ أَنْ قُلْ لهَذَينِ المُنْتَسِبَينِ: أَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا المُنْتَمِي -أَوِ المُنْتَسِبُ- إِلَى تِسْعَةٍ فِي النَّارِ؛ فَأَنْتَ عَاشِرُهُمْ! وَأَمَّا أَنْتَ يَا هَذَا المُنْتَسِبُ إِلَى اثْنَينِ فِي الجَنَّةِ؛ فَأَنْتَ ثَالِثُهُمَا فِي الجَنَّةِ» (^٢).\n- قَولُهُ: «وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ» هُوَ الطَّعْنُ فِي نَسَبِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، وَالتَّكْذِيبُ بِنَسَبِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ بِغَيرِ دَلِيلٍ وَمِنْ غَيرِ حَاجَةٍ شَرْعِيَّةٍ.\nوَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ العِلْمِ قَاعِدَةً هُنَا، وَهِيَ (أَنَّ النَّاسَ مُؤْتَمَنُونَ عَلَى أَنْسَابِهِم) (^٣)، فَإِذَا كَانَ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذِكْرِ النَّسَبِ وَأَنَّ فُلَانًا يَنْتَسِبُ إِلَى آلِ فُلَانٍ أَو إِلَى القَبِيلَةِ الفُلَانِيَّةِ؛ إِذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيهِ أَثَرٌ شَرْعِيٌّ أَو مَادِّيٌّ كَإِعْطَاءِ حَقٍّ لِغَيرِ أَهْلِهِ، أَو مِيرَاثٍ\n_________\n(^١) حَسَنٌ. أَبُو دَاوُدَ (٥١١٦) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (١٧٨٧).\nوَالعُبِّيَّةُ: الفَخْرُ وَالكِبْرُ وَالنَّخْوَةُ.\n(^٢) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢١١٧٨) عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. الصَّحِيحَةُ (١٢٧٠).\n(^٣) قَالَ الحَافِظُ السَّخَاوِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ المَقَاصِدُ الحَسَنَةُ (ص ٦٨٧): \"حَدِيثُ: «المُؤْمِنُ مُؤْتَمَنٌ عَلى نَسَبِهِ» بَيَّضَ لَهُ شَيخُنَا فِي بَعْضِ أَجْوِبَتِهِ، وَهُوَ مِنْ قَولِ مَالِكٍ وَغَيرِهِ بِلَفْظِ: «النَّاسُ مُؤْتَمَنُونَ عَلَى أَنْسَابِهِم».","vol":"1","page":631},{"text":"وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ النَّاسَ مُؤْتَمَنُونَ عَلَى أَنْسَابِهِم (^١).\n- قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ فِي الحَدِيثِ: \"وَفِيهِ أَنَّ الرَّجُلَ مَعَ فَضْلِهِ وَعِلْمِهِ وَدِينِهِ قَدْ يَكُونُ فِيهِ بَعْضُ هَذِهِ الخِصَالِ المُسَمَّاةِ بِجَاهِلِيَّةٍ وَيَهُودِيَّةٍ وَنَصْرَانِيَّةٍ وَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ كُفْرَهُ وَلَا فِسْقَهُ\" (^٢).\nقُلْتُ: وَالمُرَادُ بِالخِصَالِ الجَاهِلِيَّةِ هُنَا: الخِصَالُ العَمَلِيَّةُ لَا الاعْتِقَادِيَّةُ.\n- قَولُهُ: «وَالاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ» هُوَ نِسْبَةُ السُّقْيَا إِلَى النُّجُومِ، وَيَشْمَلُ أَيضًا مَا هُوَ أَعْظَمَ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ تُطْلَبَ السُّقْيَا مِنَ النُّجُومِ، كَحَالِ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الحَوَادِثَ الأَرْضِيَّةَ تَحْصُلُ بِالنُّجُومِ نَفْسِهَا، وَهَذَا هُوَ مِنْ شِرْكِ الرُّبُوبِيَّةِ.\n- قَولُهُ: «وَالنِّيَاحَةُ» النِّيَاحَةُ مِنَ الكَبَائِرِ، وَهِيَ رَفْعُ الصَّوتِ عِنْدَ المُصِيبَةِ (^٣)، وَشَقُّ الجَيبِ وَنَحْو ذَلِكَ، وَهِيَ مُنَافِيَةٌ لِلصَّبْرِ الوَاجِبِ (^٤).\nوَإِنَّمَا كَانَتْ جَاهِلِيَّةً لِأُمُورٍ؛ مِنْهَا:\n١ - أَنَّهَا لَا تَزِيدُ النَّائِحَ إِلَّا شِدَةً وَحُزْنًا وَعَذَابًا.\n٢ - أَنَّهَا تُهَيِّجُ أَحْزَانَ غَيرِهِ.\n٣ - أَنَّهَا تَسَخُّطٌ عَلَى قَدَرِهِ تَعَالَى وَاعْتِرَاضٌ عَلَيهِ.\n_________\n(^١) أَمَّا إِذَا كَانَ لَهُ أَثَرٌ؛ فَلَا بُدَّ مِنَ الإِثْبَاتِ، خَاصَّةً إِذَا كَانَ مُخَالِفًا لِمَا هُوَ شَائِعٌ مُتَوَاتِرٌ عِنْدَ النَّاسِ.\n(^٢) اقْتِضَاءُ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ (١/ ٢٥٢).\n(^٣) قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ فِي كِتَابِهِ القَولُ المُفِيدُ (٢/ ٢٤): \"وَالنِّيَاحَةُ: رَفْعُ الصَّوتِ بِالبُكَاءِ عَلَى المَيِّتِ قَصْدًا عَلَى سَبِيلِ النَّوحِ كَنَوحِ الحَمَامِ\".\n(^٤) وَسَيَأْتِي الكَلَامُ عَلَيهِ بِأَوْسَعَ مِنْ ذَلِكَ فِي بَابِ (مِنَ الإِيمَانِ بِاللهِ الصَّبْرُ عَلَى أَقْدَارِ اللهِ) إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.","vol":"1","page":632},{"text":"٤ - أَنَّهَا لَا تَرُدُّ القَضَاءَ، وَلَا تَرْفَعُ مَا نَزَلَ.\n- قَولُهُ: «تُقَامُ يَومَ القِيَامَةِ» أَي: تُقَامُ مِنْ قَبْرِهَا.\n- قَولُهُ: «وَعَلَيهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ» السِّرْبَالُ: الثَّوبُ السَّابِغُ كَالدِّرْعِ، وَالقَطِرَانُ مَعْرُوفٌ، وَقِيلَ: إِنَّهُ النُّحَاسُ المُذَابُ.\n- قَولُهُ: «وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ» الجَرَبُ: مَرْضٌ مَعْرُوفٌ يَكُونُ فِي الجِلْدِ، يُؤَرِّقُ الإِنْسَانَ، وَرُبَّمَا يَقْتُلُ الحَيَوَانَ، وَالمَعْنَى أَنَّ كُلَّ جِلْدِهَا يَكُونُ جَرَبًا بِمَنْزِلَةِ الدِّرْعِ، وَإِذَا اجْتَمَعَ قَطِرَانٌ وَجَرَبٌ زَادَ البَلَاءُ.\nوَالحِكْمَةُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّها لَمَّا لَمْ تَتَلَبَّسْ بِلِبَاسِ الصَّبْرِ عِنْدَ المُصِيبَةِ؛ فَإِنَّهَا تُعَاقَبُ بِلِبَاسِ العَذَابِ وَهُوَ سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ، فَكَانَتِ العُقُوبَةُ مِنْ جِنْسِ العَمَلِ.\n- (الحُدَيبِيَّةُ) فِيهَا لُغَتَانِ: التَّخْفِيفُ -وَهُوَ أَكْثَرُ-، وَالتَّشْدِيدُ، وَهِيَ اسْمُ بِئْرٍ سُمِّيَ بِهَا المَكَانُ، وَهَذَا المَكَانُ قَرِيبٌ مِنْ مَكَّةَ؛ بَعْضُهُ فِي الحِلِّ وَبَعْضُهُ فِي الحَرَمِ، نَزَلَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ مِنَ الهِجْرَةِ لَمَّا قَدِمَ مُعْتَمِرًا، فَصَدَّهُ المُشْرِكونُ عَنِ البَيتِ، وَيُسَمَّى الآنَ (الشّمِيسِيُ).\n- قَولُهُ: «سَمَاءٍ» أَي: مَطَرٍ، وَأُطلقَ عَلَيهِ (سَمًا) لِكَونِهِ يَنْزِلُ مِنْ جِهَةِ السَّمَاءِ، وَكُلّ جِهَةِ عُلُوٍ تُسَمَّى سَمَاءً (^١).\n- قَولُهُ: (كَانَتْ مِنَ اللَّيلِ): (مِنْ) هُنَا لِابْتِدَاءِ الغَايَةِ، يَعْنِي ابْتَدَأَ المَطَرُ مِنَ اللَّيلِ.\n- فِي حَدِيثِ زَيدِ بْنِ خَالِدٍ بَيَانٌ لِلقَاعِدَةِ الهَامَّةِ فِي الشِّرْكِ الأَصْغَرِ، وَهِيَ: (أَنَّ\n_________\n(^١) فَتْحُ البَارِي (٢/ ٥٢٣).","vol":"1","page":633},{"text":"مَنْ نَسَبَ نِعْمَةَ اللهِ تَعَالَى -الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيهَا إِلَّا هُوَ- إِلَى غَيرِهِ؛ أَنَّهُ يَكُونُ مُشْرِكًا شِرْكًا أَصْغَر)، حَيثُ أَنَّ مَنْ نَسَبَ النِّعْمَةَ إِلَى النَّوءِ قِيلَ فِيهِ: (كَافِرٌ بِي)، وَهُوَ أَصْغَرُ لِأَنَّهُم لَمْ يَرْتَدُّوا بِذَلِكَ.\nقَالَ صَاحِبُ فَتْحِ المَجِيدِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: \"وَذَلِكَ أَنَّ القَائِلَ لِذَلِكَ نَسَبَ مَا هُوَ مِنْ فِعْلِ اللهِ تَعَالَى -الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَيهِ غَيرُهُ- إِلَى خَلْقٍ مُسَخَّرٍ لَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ، وَلَا قُدْرَةَ لهُ عَلَى شَيءٍ؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ شِرْكًا أَصْغَرَ. وَاللهُ أَعْلَمُ\" (^١).\nوَقَالَ أَيضًا ﵀: \"إِذَا اعْتَقَدَ أَنَّ لِلنَّوءِ تَأْثِيرًا فِي إِنْزَالِ المَطَرِ فَهَذَا كُفْرٌ؛ لِأَنَّهُ أَشْرَكَ فِي الرُّبُوبِيَّةِ، وَالمُشْرِكُ كَافِرٌ. وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ فَهُوَ مِنَ الشِّرْكِ الأَصْغَرِ؛ لِأَنَّهُ نَسَبَ نِعْمَةَ اللهِ إِلَى غَيرِهِ، وَلِأَنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلِ النَّوءَ سَبَبًا لِإِنْزَالِ المَطَرِ فِيهِ، وَإِنِّمَا هُوَ فَضْلٌ مِنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ يَحْبِسُهُ إِذَا شَاءَ وَيُنْزِلُهُ إِذَا شَاءَ\" (^٢).\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ يَعْنِي: وَتَجْعَلُونَ (رِزْقَكُم) بِمَعْنَى (شُكْرَكُم) أَنَّكُم تُكَذِّبُونَ، أَي: تُكَذِّبُونَ بَدَلَ الشُّكْرِ (^٣).\nوَالتَّكْذِيبُ يَشْمَلُ وَجْهَينِ: تَكْذِيبَ القُرْآنِ، وَهَذَا فِي سِيَاقِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾، وَالآخَرَ أَنَّهُم نَسَبُوا المَطَرَ إِلَى الأَنْوَاءِ؛ فَكَانَ تَكْذِيبًا\n_________\n(^١) فَتْحُ المَجِيدِ (ص ٣٢٤).\n(^٢) فَتْحُ المَجِيدِ (ص ٣٢٦).\n(^٣) وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٢٣/ ١٥٣): \"وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ الهَيثَمِ بْنِ عَدِيٍّ أَنَّ مِنْ لُغَةِ أَزْدِ شَنْوءَةَ: مَا رَزَقَ فُلَانٌ؛ بِمَعْنَى: مَا شَكَرَ فُلَانٌ\".\nقُلْتُ: وَالهَيثَمُ بْنُ عَدِيٍّ: مُؤَرِّخٌ، عَالِمٌ بِالأَدَبِ وَالنَّسَبِ، (ت ٢٠٧ هـ).","vol":"1","page":634},{"text":"بِالدِّينِ، أَي بِنِعْمَةِ اللهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ.\nوَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: (مَا مُطِرَ قَومٌ قَطُّ إِلَّا أَصْبَحَ بَعْضُهُم كَافِرًا، يَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوءِ كَذا وَكَذا. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾) (^١)، وَهَذَا الوَجْهُ هُوَ المَقْصُودُ فِي البَابِ.\nوَقَالَ الإِمَامُ القُرْطُبِيُّ ﵀ فِي تَفْسِيرِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾: \"بَيَانُ أَنَّ مَا أَصَابَ العِبَادَ مِنْ خَيرٍ؛ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَرَوهُ مِن قِبَلِ الوَسَائِطِ الَّتِي جَرَتِ العَادَةُ بِأَنْ تَكُن أَسْبَابًا! بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَرَوهُ مِنْ قِبَلِ اللهِ تَعَالَى، ثُمَّ يُقَابِلُونَه بِشُكْرٍ -إِنْ كَانَ نِعْمَةٌ-، أَو صَبْرٍ -إِنْ كَانَ مَكْرُوهًا- تَعَبُّدًا لَهُ وَتَذَلُّلًا\" (^٢).\n- (القُرْآنُ الكَرِيمُ)؛ الكَرِيمُ فِيهِ مَعْنَيَانِ:\n١ - الحَسَنُ البَهِيُّ: وَهَذَا كَمَالٌ فِي ذَاتِهِ (^٣).\n٢ - الكَثِيرُ العَطَاءِ: وَهَذَا كَمَالٌ فِي العَطَاءِ.\n- قَولُهُ: ﴿كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ (^٤): اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِي هَذَا الكِتَابِ عَلَى قَولَينِ:\nالأَوَّلُ: أَنَّهُ اللَّوحُ المَحْفُوظُ الَّذِي كَتَبَ اللهُ فِيهِ كُلَّ شَيءٍ.\nالثَّانِي: أَنَّهُ الصُّحُفُ الَّتِي فِي أَيدِي المَلَائِكَةِ.\n_________\n(^١) رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ فِي التَّفْسِيرِ (٢٣/ ١٥٤)، وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِير ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٧/ ٥٤٦): \"إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ\".\n(^٢) تَفْسِيرُ القُرْطُبِيِّ (١٧/ ٢٢٨).\n(^٣) وَمِنْهُ قَولُهُ فِي حَدِيثِ إِرْسَالِ مُعَاذٍ إِلَى اليَمَنِ: «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِم»، وَقَدْ سَبَقَ.\n(^٤) المَكْنُونُ: المَحْفُوظُ.","vol":"1","page":635},{"text":"<span data-type='title' id=toc-262>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-263> المَسْأَلَةُ الأُولَى: هَلْ يَصِحُّ قَولُ: مُطِرْنَا بِنَوءِ كَذَا، أَو بِسَعْدِ السُّعُودِ -عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهُ وَقْتٌ لِذَلِكَ</span>-؟\nالجَوَابُ:\nمِنْ جِهَةِ المَعْنَى: يَصِحُّ ذَلِكَ عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّ البَاءَ هِيَ ظَرْفِيَّةٌ؛ وَلَيسَتْ سَبَبيَّةً، فَيَكُونُ المَعْنَى مُطِرْنَا فِي وَقْتِ ظُهُورِ نَوءِ كَذَا، أَو مُطِرْنَا فِي وَقْتِ دُخُولِ سَعْدِ السُّعُودِ.\nوَلَكِنْ مِنْ جِهَةِ الاسْتِعْمَالِ: يُخْشَى عِنْدَ اسْتِعْمَالِهَا أَنْ تُفهمَ عَلَى غَيرِ هَذَا المُرَادِ، خَاصَّةً وَقَدْ شَاعَ اسْتِخْدَامُهَا عِنْدَ العَرَبِ فِي الجَاهِلِيَّةِ بِنَفْسِ اللَّفْظِ وَلَكِنْ بِالمَعْنَى الفَاسِدِ، لِذَلِكَ فَالأَولَى تَرْكُهَا مِنْ بَابِ سَدِّ الذّرَائِعِ، وَالاسْتِعَاضَةُ عَنْهَا بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ: (فِي وَقْتِ كَذَا) الدَّالِ عَلَى الظَّرْفيَّةِ بِشَكْلٍ أَصْرَحَ (^١).\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: \"وَأَعْلَى مَا وَقَفْتُ عَلَيهِ مِنْ ذَلِكَ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ، قَالَ فِي (الأُمِّ) (^٢): مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوءِ كَذَا وَكَذَا -عَلَى مَا كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الشِّرْكِ يَعْنُونَ مِنْ إِضَافَةِ المَطَرِ إِلَى أَنَّهُ مَطَرُ نَوءِ كَذَا- فَذَلِكَ كُفْرٌ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، لِأَنَّ النَّوءَ وَقْتٌ؛ وَالوَقْتَ مَخْلُوقٌ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيرِهِ شَيئًا، وَمَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوءِ كَذَا -عَلَى مَعْنَى مُطِرْنَا فِي وَقْتِ كَذَا- فَلَا يَكُونُ كُفْرًا، وَغَيرُهُ مِنَ الكَلَامِ أَحَبُّ إِلَيَّ\n_________\n(^١) هَذَا وَإِنْ كُنَّا نَنْهَى عَنِ اسْتِخْدَامِ اللَّفْظِ المُشْتَبِهِ؛ فَلَسْنَا نَغْفَلُ عَنِ التَّنْبِيهِ دَومًا إِلَى كَونِ ذَلِكَ تَقْدِيرًا وَنِعْمَةً مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَضَرُورَةِ التَّذْكِيرِ بِذَلِكَ أَمَامَ العَامَّةِ.\n(^٢) الأُمُّ (١/ ٢٨٨).","vol":"1","page":636},{"text":"مِنْهُ. يَعْنِي حَسْمًا لِلْمَادَّةِ، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ إِطْلَاقُ الحَدِيثِ: (أَي حَدِيثُ زَيدِ بْنِ خَالِدٍ) \" (^١).\nوَنَقَلَ البَيهَقِيُّ ﵀: \"قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ -يَومَ جُمُعَةٍ؛ وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ-: كَمْ بَقِيَ مِنْ نَوءِ الثُّرَيَّا؟ فَقَامَ العَبَّاسُ؛ فَقَالَ: لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيءٌ إِلَّا العَوَّاء.، فَدَعَا وَدَعَا النَّاسُ حَتَّى نَزَلَ عَنِ المِنْبَرِ، فَمُطِرَ مَطَرًا أُحْيَا النَّاسُ مِنْهُ.\nقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقَولُ عُمَرَ ﵁ هَذَا؛ يُبَيِّنُ مَا وَصَفْتُ، لأَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ: كَمْ بَقِيَ مِنْ وَقْتِ الثُّرَيَّا؟ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدَّرَ الأَمْطَارَ فِي أَوقَاتٍ -فِيمَا جَرَّبُوا- كَمَا عَلِمُوا أَنَّهُ قَدَّرَ الحَرَّ وَالبَرْدَ -فِيمَا جَرَّبُوا- فِي أَوقَاتٍ\" (^٢).\n_________\n(^١) فَتْحُ البَارِي (١٠/ ٢١٥).\n(^٢) مَعْرِفَةُ السُّنَنِ وَالآثَارِ (٧٢٢٧).","vol":"1","page":637},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-264> المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: هَلْ يَصِحُّ قَولُ مَنْ يُجِيبُ عَنْ أَمْرٍ مِنَ الأُمُورِ الكَونِيَّةِ (غَيرِ الشَّرْعِيَّةِ) بِقَولِهِ: (اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ)؟</span>\nالجَوَابُ: لَا يَصِحُّ، وَذَلِكَ لِأَمْرَينِ:\n١ - وَفَاةُ النَّبِيِّ ﷺ وَانْقِطَاعُهُ عَنْ عِلْمِ الدُّنْيَا اليَومَ (^١).\n٢ - أَنَّ مَا يَخْتَصُّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ -مِنْ جِهَةِ العِلْمِ- عَنْ سَائِرِ النَّاسِ فِي حَيَاتِهِ أَصْلًا هُوَ عِلْمُ الشَّرِيعَةِ وَلَيسَ أُمُورَ الدُّنْيَا (^٢).\n_________\n(^١) وَفِي حَدِيثِ الوُرُودِ عَلَى الحَوضِ؛ أَنَّهُ يُقَالُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: «إنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثوا بَعْدَكَ». رَوَاهُ أَبُو هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا، وَأَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (٦٥٨٦)، وَمُسْلِمٌ (٢٤٧).\nوَمِثْلُهُ قَولُهُ تَعَالَى عَنْ عَيسَى ﵊: ﴿وَكُنْتُ عَلَيهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ﴾ [المَائِدَة: ١١٧].\n(^٢) وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٢٣٦٣): بَابُ وُجُوبِ امْتِثَالِ مَا قَالَهُ شَرْعًا دُونَ مَا ذَكَرَهُ ﷺ مِنْ مَعَايِشِ الدُّنْيَا عَلَى سَبِيلِ الرَّأْي -عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا- وَفِيهِ: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ».\nوَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ أَيضًا (٢٣٦١) عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيدِ اللهِ ﵁؛ قَالَ: مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِقَومٍ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ، فَقَالَ: «مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟» فَقَالُوا: يُلَقِّحُونَهُ، يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِي الأُنْثَى فَيَلْقَحُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا أَظُنُّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيئًا!»، قَالَ: فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ فَتَرَكُوهُ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِذَلِكَ فَقَالَ: «إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ؛ فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا، فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ، وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنِ اللهِ شَيئًا فَخُذُوا بِهِ؛ فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللهِ ﷿).","vol":"1","page":638},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-265> المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي حَدِيثِ زَيدِ بْنِ خَالِدٍ؛ لِمَاذَا لَمْ يُحْمَلِ الكُفْرُ فِيهِ عَلَى الكُفْرِ الأَكْبَرِ؟</span>\nالجَوَابُ: لَمْ يُحْمَلْ عَلَى الأَكْبَرِ لِأُمُورٍ:\n١ - أَنَّهُم لَمْ يَقْصِدُوا بِذَلِكَ أَنَّ النَّوءَ خَالِقٌ لِلمَطَرِ! وَإِنَّمَا أَنَّهُ سَبَبٌ لِنُزُولِهِ، فَهُم لَمْ يُشْرِكُوا فِي الرُّبُوبِيَّةِ، وَأَيضًا هُم لَمْ يَسْتَغِيثُوا بِهِ لِإِنْزَالِ المَطَرِ! فَهُم لَمْ يُشْرِكُوا فِي الأُلُوهِيَّةِ أَيضًا، وَالعَرَبُ فِي جَاهِلِيَّتِهَا لَمْ تَكُنْ تَنْسِبُ المَطَرَ إِلَى النُّجُومِ عَلَى أَنَّهَا خَالِقَةٌ مُنَزِّلَةٌ لَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [العَنْكَبُوت: ٦٣].\n٢ - حَدِيثُ البَابِ «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي» قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُم مَا زَالُوا فِي أُمَّتِهِ ﷺ.\n٣ - أَنَّ الكُفْرَ هُنَا هُوَ كُفْرُ النِّعْمَةِ، وَهُوَ كُفْرٌ أَصْغَرُ، وَدَلَّ لِذَلِكَ بَعْضُ أَلْفَاظِ الحَدِيثِ (^١).\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ (^٢): \"وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ المُرَادُ بِهِ كُفْرَ النِّعْمَةِ، وَيُرْشِدُ إِلَيهِ قَولُهُ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عَنْ صَالِحٍ عَنْ سُفْيَانَ: «فَأَمَّا مَنْ حَمِدَنِي عَلى سُقيَايَ وَأثْنى عَلَيَّ؛ فَذَلِكَ آمَنَ بِي»،\nوَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَالإِسْمَاعِيلِيِّ نَحْوُهُ؛ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: «وَكَفَرَ بِي\n_________\n(^١) وَمِنْ أَمْثِلَةِ كُفْرِ النِّعْمَةِ مَا فِي البُخَارِيِّ (٢٩) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أُرِيتُ النَّارَ؛ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ؛ يَكْفُرْنَ»، قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: «يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَو أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ؛ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيئًا؛ قَالَتْ: مَا رَأَيتُ مِنْكَ خَيرًا قَطُّ!!»، فَالكُفْرُ فِي هَذَا الحَدِيثِ هُوَ كُفْرُ النِّعْمَةِ أَيضًا مِنْ جِهَةِ المَرْأَةِ مَعَ زَوجِهَا.\n(^٢) فَتْحُ البَارِي (٢/ ٥٢٣).","vol":"1","page":639},{"text":"أَو قَالَ: كَفَرَ نِعْمَتِيَ»، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: «قَالَ اللهُ: مَا أَنْعَمْتُ عَلَى عِبَادِي مِنْ نِعْمَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ كَافِرِينَ بِهَا» (^١)،\nوَلَهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرٌ وَمِنْهُمْ كَافِرٌ» \" (^٢).\nقُلْتُ: وَوَجْهُ الدِّلَالَةِ أَنَّ الكُفْرَ كَانَ بِالنِّعْمَةِ وَذَلِكَ فِي قَولِهِ: «كَافِرِينَ بِهَا». وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.\n٤ - أَنَّهُم لَمْ يَرْتَدُّوا بِذَلِكَ، فَلَو كَانُوا مُرْتَدِّينَ لَأَمَرَهُم بِالشَّهَادَتَينِ.\n_________\n(^١) مُسْلِمٌ (٧٢) مَرْفُوعًا.\n(^٢) مُسْلِمٌ (٧٣) مَرْفُوعًا.","vol":"1","page":640},{"text":"بَابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البَقَرَة: ١٦٥].\nوَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التَّوبَة: ٢٤].\nعَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ». أَخْرَجَاهُ (^١).\nوَلَهُمَا عَنْهُ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ؛ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الإِيمَان:؛ أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ -بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ- كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» (^٢).\nوَفِي رِوَايَةٍ: «لَا يَجِدُ أَحَدٌ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ حَتَّى …» إِلَى آخِرِهِ (^٣).\nوَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (مَنْ أَحَبَّ فِي اللهِ، وَأَبْغَضَ فِي اللهِ، وَوَالَى فِي اللهِ، وَعَادَى\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (١٤)، وَمُسْلِمٌ (٤٤).\n(^٢) البُخَارِيُّ (١٦)، وَمُسْلِمٌ (٤٣).\n(^٣) البُخَارِيُّ (٦٠٤١).","vol":"1","page":641},{"text":"فِي اللهِ؛ فَإِنَّمَا تُنَالُ وَلَايَةُ اللهِ بِذَلِكَ، وَلَنْ يَجِدَ عَبْدٌ طَعْمَ الإِيمَانِ -وَإِنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ وَصَومُهُ- حَتَّى يَكُونَ كَذَلِكَ، وَقَدْ صَارَتْ عَامَّةُ مُؤَاخَاةِ النَّاسِ عَلَى أَمْرِ الدُّنْيَا، وَذَلِكَ لَا يُجْدِي عَلَى أَهْلِهِ شَيئًا). رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ (^١).\nوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البَقَرَة: ١٦٦]، قَالَ: (المَوَدَّةُ) (^٢).\n_________\n(^١) عَزَاهُ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ) (١/ ١٢٥) -الحَدِيثُ الثَّانِي- إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ المَرْوَزِيِّ.\nوَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبْيِرِ (١٢/ ٤١٧) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَوقُوفًا، قَالَ الهَيثَمِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ مَجْمَعُ الزَّوَائِدِ (١٠/ ٩٠): \"وَفِيهِ لَيثُ بْنُ أَبِي سُلَيمٍ -وَالأَكْثَرُ عَلَى ضَعْفِهِ-\".\nوَقَرِيبٌ مِنْهُ مَا رَوَاهُ أَيضًا الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ (١١/ ٢١٥) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «أَوثَقُ عُرَى الإِيمَانِ؛ المُوَالَاةُ فِي اللهِ، وَالمُعَادَاةُ فِي اللهِ، وَالحُبُّ فِي اللهِ، وَالبُغْضُ فِي اللهِ ﷿). حَسَنٌ. الصَّحِيحَةُ (١٧٢٨).\nوَكَذَا حَدِيثُ أَبِي دَاوُد (٤٦٨١) عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ، وَأَعْطَى لِلَّهِ، وَمَنَعَ لِلَّهِ؛ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ». صَحِيحُ الجَامِعِ (٥٩٦٥).\n(^٢) رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ (٣/ ٢٩٠).","vol":"1","page":642},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ (البَقَرَةِ).\nالثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ (بَرَاءَةَ).\nالثَّالِثَةُ: وُجُوبُ مَحَبَّتِهِ ﷺ عَلَى النَّفْسِ وَالأَهْلِ وَالمَالِ.\nالرَّابِعَةُ: أَنَّ نَفْيَ الإِيمَانِ لَا يَدُلُّ عَلَى الخُرُوجِ مِنَ الإِسْلَامِ.\nالخَامِسَةُ: أَنَّ لِلْإِيمَانِ حَلَاوَةٌ قَدْ يَجِدُهَا الإِنْسَانُ وَقَدْ لَا يَجِدُهَا.\nالسَّادِسَةُ: أَعْمَالُ القَلْبِ الأَرْبَعُ الَّتِي لَا تُنَالُ وَلَايَةُ اللهِ إِلَّا بِهَا، وَلَا يَجِدُ أَحَدٌ طَعْمَ الإِيمَانِ إِلَّا بِهَا.\nالسَّابِعَةُ: فَهْمُ الصِّحَابِيِّ لِلْوَاقِعِ: أَنَّ عَامَّةَ المُؤَاخَاةِ عَلَى أَمْرِ الدُّنْيَا.\nالثَّامِنَةُ: تَفْسِيرُ ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾.\nالتَّاسِعَةُ: أَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ مَنْ يُحِبُّ اللهَ حُبًّا شَدِيدًا.\nالعَاشِرَةُ: الوَعِيدُ عَلَى مَنْ كَانَتِ الثَّمَانِيَةُ أَحَبَّ إِلَيهِ مِنْ دِينِهِ.\nالحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ مَنِ اتَّخَذَ نِدًّا تُسَاوِي مَحَبَّتُهُ مَحَبَّةَ اللهِ؛ فَهُوَ الشِّرْكُ الأَكْبَرُ.","vol":"1","page":643},{"text":"<span data-type='title' id=toc-268>الشَّرْحُ</span>\n- هَذِهِ الأَبْوَابُ القَادِمَةُ يَصْلُحُ تَسْمِيَتُهَا بِأَبْوَابِ العِبَادَاتِ القَلْبِيَّةِ، وَهَذِهِ العِبَادَاتُ عَلَى دَرَجَاتٍ، وَتَارِكُهَا وَاقِعٌ بَينَ تَرْكٍ لِأَصْلِ التَّوحِيدِ وَبَينَ تَرْكٍ لِكَمَالِ التَّوحِيدِ الوَاجِبِ.\n- المَحَبَّةُ تَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَينِ أَسَاسِيَّينِ:\nالقِسْمُ الأَوَّلُ: مَحَبَّةٌ خَاصَّةٌ: وَهِيَ مَحَبَّةُ العُبُودِيَّةِ.\nوَهِيَ الَّتِي تُوجِبُ التَذَلُّلَ وَالتَّعْظِيمَ، وَهَذِهِ خَاصَّةٌ بِاللهِ تَعَالَى، فمَنْ أَحَبَّ مَعَ اللهِ غَيرَهُ مَحَبَّةَ عِبَادَةٍ؛ فَهُوَ مُشْرِكٌ الشِّرْكَ الأَكْبَرَ، وَهَذِهِ المَحَبَّةُ مُنَافِيَةٌ لِأَصْلِ التَّوحِيدِ (^١).\nالقِسْمُ الثَّانِي: مَحَبَّةٌ عَامَّةٌ: وَهِيَ لَيسَتْ بِمَحَبَّةِ عُبُوديَّةٍ.\nوَهِيَ أَنْوَاعٌ:\n١ - مَحَبَّةٌ للهِ وَفِي اللهِ، كَمَحَبَّةِ الرُّسُلِ وَالصَّالِحِينَ، أَو أَعْمَالٍ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَ…\nوَهَذَا النَّوعُ مِنَ المَحَبَّةِ سَبَبُهُ مَحَبَّةُ اللهِ تَعَالَى، وَحَتَّى مَحَبَّةُ الرَّسُولِ مُحَمَّدٍ ﷺ تَابِعَةٌ لِمَحَبَّةِ مُرْسِلِهِ، وَتُبْنَى عَلَى هَذِهِ المَحَبَّةِ الطَّاعَةُ، فمَنْ أَحَبَّ طَاعَةَ غَيرِ اللهِ كَمَحَبَّةِ طَاعَةِ اللهِ أَو أَكْثَرَ؛ فَهُوَ مُنَافٍ لِكَمَالِ التَّوحِيدِ الوَاجِبِ، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَنْ يَتُوبَ مِنْ\n_________\n(^١) وَتَأَمَّلْ إِيرَادَ البُخَارِيِّ ﵀ لِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مَعَ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي فِي الشِّركِ، فَفِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ مِنْ صَحِيحِ البُخَارِيِّ (٤٤٩٧) -بَابُ قَولِهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البَقَرَة: ١٦٥]- عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ؛ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ كَلِمَةً وَقُلْتُ أُخْرَى. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَهْوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ نِدًّا دَخَلَ النَّارَ»، وَقُلْتُ أَنَا: (مَنْ مَاتَ وَهْوَ لَا يَدْعُو لِلَّهِ نِدًّا دَخَلَ الجَنَّةَ).","vol":"1","page":644},{"text":"ذَلِكَ وَيَرْجِعَ إِلَى تَكْمِيلِ المَحَبَّةِ الوَاجِبَةِ، وَإِنَّ جَمِيعَ المَعَاصِي تَنْشَأُ عَنْ تَقْدِيمِ هَوَى النَّفْسِ عَلَى مَحَبَّةِ اللهِ وَرَسُولِهِ (^١) (^٢).\n٢ - مَحَبَّةُ إِشْفَاقٍ وَرَحْمَةٍ، وَذَلِكَ كَمَحَبَّةِ الأَولَادِ وَالصِّغَارِ وَالضُّعَفَاءِ وَالمَسَاكِينَ.\n٣ - مَحَبَّةُ إِجْلَالٍ وَتَعْظِيمٍ وَتَوقِيرٍ، كَمَحَبَّةِ الإِنْسَانِ لِوَالِدِهِ وَلِمُعَلِّمِهِ.\n٤ - مَحَبَّةٌ طَبِيعِيَّةٌ، كَمَحَبَّةِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالمَلْبَسِ وَالمَرْكَبِ وَالمَسْكَنِ.\n_________\n(^١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ٣٩٧) -شَرْحُ حَدِيثِ رَقَم (٤١) -: \"فَجَمِيعُ المَعَاصِي تَنْشَأُ مِنْ تَقْدِيمِ هَوَى النُّفُوسِ عَلَى مَحَبَّةِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَقَدْ وَصَفَ اللهُ المُشْرِكِينَ بِاتِّبَاعِ الهَوَى فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القَصَص: ٦٤]. وَكَذَلِكَ البِدَعُ؛ إِنَّمَا تَنْشَأُ مِنْ تَقْدِيمِ الهَوَى عَلَى الشَّرْعِ، وَلِهَذَا يُسَمَّى أَهْلُهَا أَهْلَ الأَهْوَاءِ، وَكَذَلِكَ المَعَاصِي؛ إِنَّمَا تَقَعُ مِنْ تَقْدِيمِ الهَوَى عَلَى مَحَبَّةِ اللهِ وَمَحَبَّةِ مَا يُحِبُّهُ اللهُ\".\n(^٢) فَائِدَةٌ: قَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (ص ١٨٩) -عِنْدَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيهِمْ حَفِيظًا * وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النِّسَاء: ٨٠ - ٨١]-: \"أَي: كُلُّ مَنْ أَطَاعَ رَسُولَ اللهِ فِي أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ تَعَالَى لِكَونِهِ لَا يَأْمُرُ وَلَا يَنْهَى إِلَّا بِأَمْرِ اللهِ وَشَرْعِهِ وَوَحْيِهِ وَتَنْزِيلِهِ، وَفِي هَذَا عِصْمَةُ الرَّسُولِ ﷺ، لِأَنَّ اللهَ أَمَرَ بِطَاعَتِهِ مُطْلَقًا؛ فَلَولَا أَنَّهُ مَعْصُومٌ فِي كُلِّ مَا يُبَلِّغُ عَنِ اللهِ لَمْ يَأْمُرْ بِطَاعَتِهِ مُطْلَقًا وَيَمْدَحْ عَلَى ذَلِكَ! وَهَذَا مِنَ الحُقُوقِ المُشْتَرَكَةِ؛ فَإنَّ الحُقُوقَ ثَلَاثَةٌ:\nحَقٌّ للهِ تَعَالَى لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ مِنَ الخَلْقِ: وَهُوَ عِبَادَةُ اللهِ وَالرَّغْبَةُ إِلَيهِ، وَتَوَابِعُ ذَلِكَ.\nوَقِسْمٌ مُخْتَصٌّ بِالرَّسُولِ: وَهُوَ التَّعْزِيرُ وَالتَّوقِيرُ وَالنُّصْرَةُ.\nوَقِسْمٌ مُشْتَرَكٌ: وَهُوَ الإِيمَانُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَحَبَّتُهُمَا وَطَاعَتُهُمَا، كَمَا جَمَعَ اللهُ بَينَ هَذِهِ الحُقُوقِ فِي قَولِهِ: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفَتْح: ٩] \".","vol":"1","page":645},{"text":"وَأَشْرَفُ هَذِهِ الأَنْوَاعِ النَّوعُ الأَوَّلُ، وَالبَقِيَّةُ هُم مِنْ قِسْمِ المُبَاحِ؛ إِلَّا إِذَا اقْتَرَنَ بِهَا مَا يَقْتَضِي التَّعَبُّدَ فَتَصِيرُ عِبَادَةً، فَالإِنْسَانُ يُحِبُّ وَالِدَهُ مَحَبَّةَ إِجْلَالٍ وَتَعْظِيمٍ؛ فَإِذَا اقْتَرَنَ بِهَا نِيَّةُ بِرِّ الوَالِدَينِ صَارَتْ عِبَادَةً.\nوَكَذَلِكَ المَحَبَّةُ الطَّبِيعِيَّةُ -كَالأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالمَلْبَسِ وَالمَسْكَنِ- إِذَا قَصَدَ بِهَا الاسْتِعَانَةَ عَلَى عِبَادَةٍ صَارَتْ عِبَادَةً.\nوَلْيُعْلَمْ أَنَّهُ مَتَى مَا نَوَى المُؤْمِنُ بِتَنَاوُلِ شَهَوَاتِهِ المُبَاحَةِ التَّقَوِّي عَلَى الطَّاعَةِ؛ كَانَتْ شَهَوَاتُهُ لَهُ طَاعَةً يُثَابُ عَلَيهَا، كَمَا قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ﵁: (أَنَامُ أَوَّلَ اللَّيلِ فَأَقُومُ وَقَدْ قَضَيتُ جُزْئِي مِنَ النَّومِ، فَأَقْرَأُ مَا كَتَبَ اللهُ لِي؛ فَأَحْتَسِبُ نَومَتِي كَمَا أَحْتَسِبُ قَومَتِي)، يَعْنِي أَنَّهُ يَنْوِي بِنَومِهِ التَّقَوِّي عَلَى القِيَامِ فِي آخِرِ اللَّيلِ؛ فَيَحْتَسِبُ ثَوَابَ نَومِهِ كَمَا يَحْتَسِبُ ثَوَابَ قِيَامِهِ (^١).\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ﴾ نَزَلَتْ فِيمَنْ رَضِيَ بِالمُكْثِ بِمَكَّةَ وَلَمْ يُهَاجِرْ؛ مَحَبَّةً لِهَذِهِ الأَشْيَاءِ وَإِيثَارًا لَهَا عَلَى طَاعَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ وَذَمٌّ لِمَنْ قَدَّمَ كُلَّ ذَلِكَ عَلَى طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى؛ فَكَيفَ بِمَنْ قَدَّمَ أَحَدَهَا فَقَط!\nوَفِيهِ دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَنْ قَدَّمَ شَيئًا مِنْ ذَلِكَ عَلَى طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى وَطَاعَةِ رَسُولِهِ ﷺ؛ أَنَّهُ لَا يَكُونُ كَافِرًا خَارِجًا مِنَ المِلَّةِ كَحَالِ أَصْحَابِ القِسْمِ الأَوَّلِ -أَصْحَابِ مَحَبَّةِ العُبودِيَّةِ-، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ حَدِيثُ البُخَارِيِّ: أَنَّ عُمَرَ ﵁؛ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: يَا\n_________\n(^١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤٣٤١) عَنْ أَبِي بُرْدَةَ.","vol":"1","page":646},{"text":"رَسُولَ اللهِ؛ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا؛ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيكَ مِنْ نَفْسِكَ». فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الآنَ -وَاللَّهِ- لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الآنَ يَا عُمَرُ» (^١) (^٢).\n- قَولُهُ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ قَدْ فَاتَهُ الكَمَالُ الوَاجِبُ -الَّذِي يَأْثَمُ تَارِكُهُ-.\nوَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى الكَمَالِ المُسْتَحَبِّ -الَّذِي مَنْ فَاتَهُ؛ فَإِنَّه لَا يَأْثَمُ صَاحِبُهُ-! فَإِنَّ جَمِيعَ المَعَاصِي نَاشِئَةٌ عَنْ تَقْدِيمِ هَوَى النَّفْسِ عَلَى طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى وَطَاعَةِ رَسُولِهِ ﷺ (^٣).\nقَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ (^٤): \"فَمَنْ قَالَ: إنَّ المَنْفِيَّ هُوَ الكَمَالُ؛ فَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ نَفْيُ\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٦٦٣٢).\n(^٢) وَلَا يَخْفَى أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ بِإِسْلَامٍ صَحِيحٍ قَبِلَهُ مِنْهُ ﷺ، وَلَكِنَّهُ كَانَ عَلَى حَالٍ فَاتَهُ فِيهِ الكَمَالُ الوَاجِبُ؛ فَلِذَلِكَ قَالَ ﷺ: «الآنَ يَا عُمَرُ».\nوَتَأَمَّلْ أَيضًا حَدِيثَ أَنَسٍ فِي هَذَا البَابِ حَيثُ جُعِلَ مَنْ أَتَى بِالثَّلَاثِ المَذْكُورَةِ وَاجِدًا لِحَلَاوَةِ الإِيمَانِ؛ وَهُوَ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى أَصْلِ الإِيمَانِ.\nوَقَرِيبٌ مِنْهُ أَيضًا قَولُهُ تَعَالَى عَنْ بَعْضِ المُسْلِمِينَ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَينَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النِّسَاء: ٧٧]، وَالشَّاهِدُ مِنْهُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ وَلَمْ يَكُونُوا فِي تِلْكَ الحَالِ كُفَّارًا بَلْ كَانُوا مُسْلِمِينَ قَدْ فَاتَهُمُ الكَمَالُ الوَاجِبُ. وَسَيَأْتِي الكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي البَابِ التَّالِي إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.\n(^٣) كَمَا سَبَقَ عَنِ ابْنِ رَجَبٍ ﵀ فِي (الجَامِعِ).\n(^٤) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (٧/ ١٥).","vol":"1","page":647},{"text":"الكَمَالِ الوَاجِبِ -الَّذِي يُذَمُّ تَارِكُهُ وَيَتَعَرَّضُ لِلْعُقُوبَةِ-؛ فَقَدْ صَدَقَ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ نَفْيُ الكَمَالِ المُسْتَحَبِّ! فَهَذَا لَمْ يَقَعْ قَطُّ فِي كَلَامِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ، فَإِنَّ مَنْ فَعَلَ الوَاجِبَ كَمَا وَجَبَ عَلَيهِ وَلَمْ يَنْتَقِصْ مِنْ وَاجِبِهِ شَيئًا؛ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ: مَا فَعَلَهُ! لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا\" (^١).\n- حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁ فِيهِ جَوَامِعٌ مِنَ الكَلِمِ، لِأَنَّهُ قَدْ جَمَعَتْ هَذِهِ الأَلْفَاظُ اليَسِيرَةُ مَعَانٍ كَثِيرْةً، فَأَقْسَامُ المَحَبَّةِ الدُّنْيَوِيَّةِ ثَلَاثَةٌ: مَحَبَّةُ إِجْلَالٍ وَعَظَمَةٍ كَمَحَبَّةِ الوَالِدِ، وَمَحَبَّةُ شَفَقَةٍ وَرَحْمَةٍ كَمَحَبَّةِ الوَلَدِ، وَمَحبَّةُ اسْتِحْسَانٍ وَمُشاكَلَةٍ كَمَحَبَّةِ النَّاسِ، فذَكَرَ الحَدِيثُ أَصْنَافَ المَحَبَّةِ جَمِيعِهَا (^٢).\nوَأَيضًا قَولُهُ: «حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيهِ» فِيهِ ذِكْرُ المَحَبَّةِ فِي اللهِ، وَهِيَ مَحَبَّةُ الرَّسُولِ ﷺ.\n- قَولُهُ: «وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ» قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: \"قَالَ العُلَمَاءُ ﵏: مَعْنَى حَلَاوَةِ الإِيمَانِ: اسْتِلْذَاذُ الطَّاعَاتِ، وَتَحَمُّلُ المَشَقَّاتِ فِي رِضَى اللهِ ﷿ وَرَسُولِهِ ﷺ، وَإِيثَارُ ذَلِكَ عَلَى عَرَضِ الدُّنْيَا، وَمَحَبَّةُ العَبْدِ رَبَّهُ ﷾ بِفِعْلِ طَاعَتِهِ وَتَرْكِ مُخَالَفَتِهِ، وَكَذَلِكَ مَحَبَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ\" (^٣).\n_________\n(^١) وَفِي البُخَارِيِّ (١٣) وَمُسْلِمِ (٤٥) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ مَرْفُوعًا: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ».\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ (جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ) (٣٠٢) -عِنْدَ شَرْحِ حَدِيثِ رَقَم (١٣) -: \"فَإِنَّ الإِيمَانَ كَثِيرًا مَا يُنْفَى لِانْتِفَاءِ بَعْضِ أَرْكَانِهِ وَوَاجِبَاتِهِ، كَقَولِهِ ﷺ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي -حِينَ يَزْنِي- وَهُوَ مُؤْمِنٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَقَولِهِ: «وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بِوَائِقَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ\".\n(^٢) قَالَهُ ابْنُ دَقِيقٍ العَيد ﵀ فِي شَرْحِ الأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ (حَدِيث ٤١) (ص ١٣٦).\n(^٣) شَرْحُ مُسْلِمٍ (٢/ ١٣).","vol":"1","page":648},{"text":"- قَولُهُ: (فَإِنَّمَا تُنَالُ وَلَايَةُ اللهِ بِذَلِكَ): الولَايَةُ -بِفَتْحِ الوَاو-: المَحَبَّةُ وَالنُّصْرَةُ، وَبِالكَسْرِ: المُلْكُ وَالإِمَارَةُ.\nوَوَلَايَةُ اللهِ نَوعَانِ:\n١ - عَامَّةٌ: وَهِيَ الشَّامِلَةُ لِكُلِّ أَحَدٍ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [يُونُس: ٣٠]، فَجَعَلَ لِنَفْسِهِ سُبْحَانَهُ وَلَايَةً عَلَى هَؤُلَاءِ المُفْتَرِينَ؛ فَهَذِهِ وَلَايَةٌ عَامَّةٌ، فَاللهُ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى عِبَادَهُ بِالتَّدْبِيرِ وَالتَّصْرِيفِ وَالسُّلْطَانِ وَغَيرِ ذَلِكَ.\n٢ - خَاصَّةٌ: وَهِيَ أَنْ يَتَوَلَّى اللهُ العَبْدَ بِعِنَايَتِهِ وَتَوفِيقِهِ وَهِدَايَتِهِ، وَهَذِهِ لِلمُؤْمِنِينَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [مُحَمَّد: ١١]، وَهَذَا النَّوعُ هُوَ المَقْصُودُ بِقَولِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البَقَرَة: ١٦٦]: الأَسْبَابُ: أَي الوَسَائِلُ الَّتِي اتَّخَذَهَا المُشْرِكونَ لِنَيلِ شَفَاعَةِ وَنَصْرِ مَعْبُودِهِم وَآلِهَتِهِم عِنْدَ اللهِ.\nوَمِنْ هذهِ الوَسَائِلِ: المَوَدَّةُ وَالذَّبْحُ وَالدُّعَاءُ وَالتَّبَرُّكُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَينِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العَنْكَبُوت: ٢٥].","vol":"1","page":649},{"text":"<span data-type='title' id=toc-269>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-270> مَسْأَلَةٌ: لِمَاذَا حُمِلَ قَولُهُ: «لَا يُؤْمِنُ» عَلَى نَفْي الكَمَالِ، رُغْمَ أَنَّ هُنَاكَ مَحَامِلَ أُخَرَ تَقْبَلُهَا اللُّغَةُ، وَهِيَ نَفْيُ الوُجُودِ وَنَفْيُ الصِّحَّةِ؟</span>\nالجَوَابُ:\nإِنَّ الأَصْلَ -مِنْ جِهَةِ لِسَانِ العَرَبِ- هُوَ الحَمْلُ عَلَى نَفْي الوُجُودِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَقِمِ المَعْنَى حُمِلَ عَلَى نَفْي الصِّحَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَقِمِ المَعْنَى حُمِلَ عَلَى نَفْي الكَمَالِ.\nفَهُنَا الإِيمَانُ -الَّذِي هُوَ التَّصْدِيقُ لُغَةً- مَوجُودٌ، وَهُوَ أَيضًا صَحِيحٌ غَيرُ مَرْدُودٍ -وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ صِحَّتِهِ وَقَبُولِهِ-، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الأَخِيرُ؛ وَهُوَ الحَمْلُ عَلَى نَفْي الكَمَالِ.\nقَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ فِي كِتَابِهِ (القَوَاعِدُ الفِقْهِيَّةُ) (^١): \"وَالنَّفْيُ لِلوُجُودِ ثُمَّ الصِّحَّةِ … ثُمَّ الكَمَالِ فَارْعَيَنَّ الرُّتْبَةَ\" (^٢).\n_________\n(^١) القَوَاعِدُ الفِقْهِيَّةُ (ص ١١).\n(^٢) وَقَالَ أَيضًا ﵀ فِي كِتَابِهِ (الشَّرْحُ المُمْتِعُ عَلَى زَادِ المُسْتَقْنِع) (١/ ١٥٨): \"النَّفْيُ يَكُونُ أَوَّلًا لِنَفْي الوُجُودِ، ثُمَّ لِنَفْي الصِّحَةِ، ثُمَّ لِنَفْي الكَمَالِ.\nفَإِذَا جَاءَ نَصٌّ فِي الكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ فِيهِ نَفْيٌ لِشَيءٍ؛ فَالأَصْلُ أَنَّ هَذَا النَّفيَ هُوَ لِنَفْي وُجُودِ ذَلِكَ الشَيءِ، فَإِنْ كَانَ مَوجُودًا؛ فَهُوَ نَفْيُ الصِّحَّةِ، وَنَفْيُ الصِّحَّةِ نَفْيٌ لِلوُجُودِ الشَّرْعِيِّ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ بِأَنْ صَحَّتِ العِبَادَةُ مَعَ وُجُودِ ذَلِكَ الشَّيءِ؛ صَارَ النَّفْيُ لِنَفْي الكَمَالِ لَا لِنَفْي الصِّحَّةِ\".\nقُلْتُ:\nمِثَالُ نَفْي الوُجُودِ: (لَا خَالِقَ لِلكَونِ إِلَّا اللهُ).\nمِثَالُ نَفْي الصِّحَةِ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأمِّ الكِتَابِ».\nمِثَالُ نَفْي الكَمَالِ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُم حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ».","vol":"1","page":650},{"text":"بَابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عِمْرَان: ١٧٥]\nوَقَولِهِ: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التَّوبَة: ١٨].\nوَقَولِهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العَنْكَبُوت: ١٠].\nعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ مَرْفُوعًا: «إِنَّ مِنْ ضَعْفِ اليَقِينِ أَنْ تُرْضِيَ النَّاسَ بِسَخَطِ اللهِ، وَأَنْ تَحْمَدَهُمْ عَلَى رِزْقِ اللهِ، وَأَنْ تَذُمَّهُمْ عَلَى مَا لَمْ يُؤْتِكَ اللهُ، إِنَّ رِزْقَ اللهِ لَا يَجُرُّهُ حِرْصُ حَرِيصٍ، وَلَا يَرُدُّهُ كَرَاهِيَةُ كَارِهٍ» (^١).\nوَعَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ التَمَسَ رِضَى اللهِ بِسَخَطِ النَّاسِ؛ ﵁ وَأَرْضَى عَنْهُ النَّاسَ، وَمَنِ التَمَسَ رِضَى النَّاسِ بِسَخَطِ اللهِ؛ سَخِطَ اللهُ عَلَيهِ وَأَسْخَطَ عَلَيهِ النَّاسَ». رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ (^٢).\n_________\n(^١) مَوضُوعٌ. أَبُو نُعَيمٍ فِي الحِلْيَةِ (٥/ ١٠٦). الضَّعِيفَةُ (١٤٨٣).\n(^٢) صَحِيحٌ. ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ (٢٢٦). صَحِيحُ الجَامِعِ (٦٠٩٧).","vol":"1","page":651},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ (آلِ عِمْرَانَ).\nالثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ (بَرَاءَةَ).\nالثَّالِثَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ (العَنْكَبُوتِ).\nالرَّابِعَةُ: أَنَّ اليَقِينَ يَضْعُفُ وَيَقْوَى.\nالخَامِسَةُ: عَلَامَةُ ضَعْفِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ هَذِهِ الثَّلَاثُ.\nالسَّادِسَةُ: أَنَّ إِخْلَاصَ الخَوفِ لِلَّهِ مِنَ الفَرَائِضِ.\nالسَّابِعَةُ: ذِكْرُ ثَوَابِ مَنْ فَعَلَهُ.\nالثَّامِنَةُ: ذِكْرُ عِقَابِ مَنْ تَرَكَهُ.","vol":"1","page":652},{"text":"<span data-type='title' id=toc-273>الشَّرْحُ</span>\n- الخَوفُ عِبَادَةٌ لِلقَلْبِ لَا تَصْلُحُ إِلَّا للهِ تَعَالَى، فَهِيَ كَالذُّلِّ وَالمَحَبَّةِ وَالإِنَابَةِ وَالتَّوَكُّلِ وَالرَّجَاءِ وَغَيرِهَا مِنْ عِبَادَةِ القَلْبِ للهِ تَعَالَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرَّحْمَن: ٤٦].\nوَقَدْ جَاءَ بَيَانُ عَظَمَةِ هَذِهِ العِبَادَةِ فِي الحَدِيثِ الَّذِي فِي الصَّحِيحَينِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا «كَانَ رَجُلٌ يُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَمَّا حَضَرَهُ المَوتُ قَالَ لِبَنِيهِ: إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اطْحَنُونِي ثُمَّ ذرُّونِي فِي الرِّيحِ؛ فَوَ اللهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي (^١) لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا، فَلَمَّا مَاتَ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ، فَأَمَرَ اللهُ الأَرْضَ فَقَالَ: اجْمَعِي مَا فِيكِ مِنْهُ، فَفَعَلَتْ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ. فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: يَا رَبِّ خَشْيَتُكَ، فَغَفَرَ لَهُ» (^٢) (^٣).\n_________\n(^١) لِلعُلَمَاءِ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ أَقْوَالٌ:\nأ- أَنَّهَا مِنَ القُدْرَةِ وَالاسْتِطَاعَةِ، وَهُوَ كَانَ جَاهِلًا بِقُدْرَةِ اللهِ تَعَالَى عَلَى إِعَادَتِهِ.\nب- أَنَّهَا مِنَ التَّقْدِيرِ وَالقَضَاءِ، كَأَنَّ الرَّجُلَ قَالَ: لَئِنْ كَانَ سَبَقَ فِي قَدَرِ اللهِ وَقَضَائِهِ أَنْ يُعَذِّبَ كُلَّ ذِي جُرْمٍ عَلَى جُرْمِهِ؛ لَيُعَذِبنِّيَ اللهُ عَلَى إِجْرَامِي وَذُنُوبِي عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ العَالَمِينَ غَيرِي.\nجـ- أَنَّهَا مِنَ التَّقْتِيرِ وَالتَّضْيِيقِ: كَأَنَّ الرَّجُلَ قَالَ: لَئِنْ ضَيَّقَ اللهُ عَلَيَّ وَبَالَغَ فِي مُحَاسَبَتِي وَجَزَائِي عَلَى ذُنُوبِي. اُنْظُرِ الصَّحِيحَةَ (٣٠٤٨).\nقُلْتُ: وَطَلَبُ الرَّجُلِ لِحَرْقِهِ وَذَرِّهِ فِي الرِّيحِ يُومِئُ إِلَى أَنَّ القَولَ الأَوَّلَ هُوَ المَقْصُودُ، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.\n(^٢) البُخَارِيُّ (٣٤٨١)، وَمُسْلِمٌ (٢٧٥٦). وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ (٣٧٨٥) بِلَفْظِ: «إِنَّ رَجُلًا لَمْ يَعْمَلْ مِنَ الخَيرِ شَيئًا قَطُّ إِلَّا التَّوحِيدَ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ قَالَ لِأَهْلِهِ: إِذَا أَنَا مِتُّ فَخُذُونِي …». صَحِيحٌ. عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوقُوفًا. تَحْقِيقُ الشَّيخِ شُعَيبٍ الأَرْنَؤُوط.\n(^٣) فَائِدَةٌ فِي حُكْمِ مَنْ هَذِهِ حَالُهُ.\n=","vol":"1","page":653},{"text":"- مُنَاسَبَةُ البَابِ لِمَا قَبْلَهُ أَنَّ المُؤَلِّفَ ﵀ أَعْقَبَ بَابَ المَحَبَّةِ بِبَابِ الخَوفِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَرْكَانِ العِبَادَةِ، فَبِالمَحَبَّةِ يَكُونُ امْتِثَالُ الأَمْرِ، وَبِالخَوفِ يَكُونُ اجْتِنَابُ النَّهْي.\n- إِنَّ عِبَادَةَ الخَوفِ نَاشِئَةٌ فِي قَلْبِ المُسْلِمِ مِنْ مَعْرِفَتِهِ بِرُبُوبِيَّةِ اللهِ تَعَالَى وَتَصَرُّفِهِ وَمُلْكِهِ لِكُلِّ شَيءٍ سُبْحَانَه (^١).\n- الخَوفُ مِنْ غَيرِ اللهِ تَعَالَى يِنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: إِلَى مَا هُوَ شِرْكٌ؛ وَإِلى مَا هُوَ مُحَرَّمٌ؛ وَإِلى مَا هُوَ مُبَاحٌ.\n١ - الخَوفُ الشِّرْكِيُّ: وَهُوَ خَوفُ السِّرِّ (خَوفُ التَّعْظِيمِ، خَوفُ العُبُودِيَّةِ) يَعْنِي أَنْ يَخَافَ فِي دَاخِلِهِ مِنْ هَذَا المُخَوَّفِ مِنْهُ مِنْ أَنْ يَمَسَّهُ بِسُوءٍ، وَهَذَا النَّوعُ مُنَافٍ لِأَصْلِ التَّوحِيدِ.\n_________\n=\nقَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ فِي مَجْمُوعِ الفَتَاوَى (١٢/ ٥٠٠): \"وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَتَكْفِيرُ المُعَيَّنِ مِنْ هَؤُلَاءِ الجُهَّالِ وَأَمْثَالِهِمْ -بِحَيثُ يُحْكَمُ عَلَيهِ بِأَنَّهُ مِنَ الكُفَّارِ- لَا يَجُوزُ الإِقْدَامُ عَلَيهِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ تَقُومَ عَلَى أَحَدِهِمُ الحُجَّةُ الرِّسَالِيَّةُ الَّتِي يَتَبَيَّنُ بِهَا أَنَّهُمْ مُخَالِفُونَ لِلرُّسُلِ -وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ المَقَالَةُ لَا رَيبَ أَنَّهَا كُفْرٌ-، وَهَكَذَا الكَلَامُ فِي تَكْفِيرِ جَمِيعِ المُعَيَّنِينَ، مَعَ أَنَّ بَعْضَ هَذِهِ البِدْعَةِ أَشَدُّ مِنْ بَعْضٍ، وَبَعْضُ المُبْتَدِعَةِ يَكُونُ فِيهِ مِنَ الإِيمَانِ مَا لَيسَ فِي بَعْضٍ، فَلَيسَ لِأَحَدِ أَنْ يُكَفِّرَ أَحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ -وَإِنْ أَخْطَأَ وَغَلِطَ- حَتَّى تُقَامَ عَلَيهِ الحُجَّةُ وَتُبَيَّنَ لَهُ المَحَجَّةُ، وَمَنْ ثَبَتَ إيمَانُهُ بِيَقِينٍ لَمْ يَزُلْ ذَلِكَ عَنْهُ بِالشَّكِّ! بَلْ لَا يَزُولُ إِلَّا بَعْدَ إقَامَةِ الحُجَّةِ وَإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ\".\n(^١) كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدُهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنتَ فَاسْتَعِن بِاللهِ، وَاعْلَم أَنَّ الأُمّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنفَعُوكَ بِشَيءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وإِنْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيءٍ لَمْ يَضَرُّوكَ إِلَّا بشَيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ عَلَيكَ، رُفعَتِ الأَقْلامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ». صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٨٠٣)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٢٥١٦). صَحِيحُ الجَامِعِ (٧٩٥٧).","vol":"1","page":654},{"text":"وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ قَولُهُ تَعَالَى عَنْ إِبْرَاهِيم وَقَومِهِ: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَينِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأَنْعَام: ٨٠ - ٨١].\nوَأَيضًا قَولُهُ تَعَالَى عَنْ هُودٍ وَقَومِهِ: ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هُود: ٥٣ - ٥٦].\nوَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَيسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزُّمَر: ٣٦] (^١).\n٢ - الخَوفُ المُحَرَّمُ (^٢): وَهُوَ أَنْ يَخَافَ مِنْ مَخْلُوقٍ فَيُطِيعَهُ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، أَو يَتْرُكَ مَا أَوجَبَهُ اللهُ عَلَيهِ -خَوفًا مِنْ عِقَابِ ذَلِكَ المَخْلُوقِ-، بِحَيثُ أَنَّهُ إِذَا هَدَّدَهُ إِنْسَانٌ\n_________\n(^١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٧/ ١٠٠): \"وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ، يَعْنِي المُشْرِكِينَ؛ يُخَوِّفُونَ الرَّسُولَ ﷺ وَيَتَوَعَّدُونَهُ بِأَصْنَامِهِم وَآلِهَتِهِم الَّتِي يَدْعُونَهَا مِنْ دونِ اللهِ جَهْلًا مِنْهُم وَضَلَالًا، ولِهَذَا قَالَ ﷿: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾ أَي: مَنِيعِ الجَنَابِ، لَا يُضَامُ مَنِ اسْتَنَدَ إِلَى جَنَابِهِ وَلَجَأَ إِلَى بَابِهِ، فَإِنَّهُ العَزِيزُ الَّذِي لَا أَعَزَّ مِنْهُ وَلَا أَشَدَّ انْتِقَامًا مِنْهُ مِمَّنْ كَفَرَ بِهِ وَأَشْرَكَ وَعَانَدَ رَسُولَهُ ﷺ\".\n(^٢) وَالَّذِي قَبْلَهُ أَيضًا مُحَرَّمٌ -لَا رَيبَ فِي ذَلِكَ- وَلَكنَّهُ أَخَصُّ مِنْهُ، كَمَا فِي تَفْرِيقِ أَهْلِ العِلْمِ فِي الذُّنُوبِ بَينَ الشِّرْكِ وَالكَبِيرَةِ وَالمَعْصِيَةِ؛ رُغمَ أَنَّهَا كُلَّهَا هِيَ مِنْ جُمْلَةِ المَعَاصِي، وَلَكِنَّهُم يَعْنُونَ بِالأَخِيرِ عُمُومَ المَعَاصِي مِنَ الصَّغَائِرِ.","vol":"1","page":655},{"text":"وَأَمَرَهُ بِفِعْلِ مُحَرَّمٍ فَخَافَهُ -وَهُوَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْفِذَ مَا هَدَّدَهُ بِهِ- أَوْ خَوَّفَهُ بِمَا لَهُ بِهِ طَاقَةٌ؛ فَهَذَا خَوفٌ مُحَرَّمٌ، لِأَنَّه يُؤَدِّي إِلَى فِعْلٍ مُحَرَّمٍ بِلَا عُذْرٍ (^١)، وَهَذَا النَّوعُ مُنَافٍ لِكَمَالِ التَّوحِيدِ الوَاجِبِ (^٢).\n_________\n(^١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١٣/ ٥٣): \"قَالَ الطَّبَرِيُّ: اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَجِبُ مُطْلَقًا وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ رَفَعَهُ: «أَفْضَلُ الجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ»، وَبِعُمُومِ قَولِهِ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ» الحَدِيثَ.\nوَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجِبُ إِنْكَارُ المُنْكَرِ؛ لَكِنَّ شَرْطَهُ أَنْ لَا يَلْحَقَ المُنْكِرَ بَلَاءٌ لَا قِبَلَ لَهُ بِهِ مِنْ قَتْلٍ وَنَحْوِهِ، وَقَالَ آخَرُونَ: يُنْكِرُ بِقَلْبِهِ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا: «يُسْتَعْمَلُ عَلَيكُمْ أُمَرَاءُ بَعْدِي، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ» الحَدِيث. قَالَ: وَالصَّوَابُ اعْتِبَارُ الشَّرْطِ المَذْكُورِ، وَيَدُلُّ عَلَيهِ حَدِيثُ: «لَا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ» ثُمَّ فَسَّرَهُ بِأَنْ: «يَتَعَرَّضَ مِنَ البَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ». انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَقَالَ غَيرُهُ: يَجِبُ الأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيهِ وَلَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهُ ضَرَرًا\".\nقُلْتُ: وَحَدِيثُ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ صَحِيحٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٤٣٤٤). صَحِيحُ أَبِي دَاوُدَ (٤٣٤٤).\nوَأَمَّا حَدِيثُ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ» فَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤٩) عَنْ أَبي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا.\nوَأمَّا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ فَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٨٥٤) أَيضًا.\nوَأمَّا حَدِيثُ: «لَا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ» فَهُوَ صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٢٥٤) عَنْ حُذَيفَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٦١٣).\n(^٢) فَمَنْ خَشِيَ أَحَدًا أَكْثَرَ مِنْ خَشْيَتِهِ مِنَ اللهِ تَعَالَى -لَيسَ خَوفَ العُبُودِيَّةِ- فَهُوَ الخَوفُ المُحَرَّمُ، وَهُوَ كَمَنْ أَحَبَّ غَيرَ اللهِ أَكْثَرَ مِنْ مَحَبَّةِ اللهِ -وَلَكِنْ أَيضًا لَيسَ مَحَبَّةَ العُبُوديَّةِ-.\nقَالَ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٨/ ٥٤٧) عِنْدَ تَأْوِيلِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَينَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [النِّسَاء: ٧٧]: \"ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَومٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسولِ اللهِ ﷺ كَانُوا قَدْ آمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيهِمُ الجِهَادُ -وَقَدْ فُرِضَ عَلَيهِم الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ- وَكَانُوا يَسْأَلُونَ اللهَ أَنْ يَفْرِضَ عَلَيهِمُ القِتَالَ، فَلَمَّا فُرِضَ عَلَيهِمُ القِتَالُ شَقَّ عَلَيهِم ذَلِكَ وَقَالُوا مَا أَخْبَرَ اللهُ عَنْهُم فِي كِتَابِهِ\".","vol":"1","page":656},{"text":"وَفِي الحَدِيثِ: «أَلَا لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ رَهْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا رَآهُ أَو شَهِدَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يُقَرِّبُ مِنْ أَجَلٍ وَلَا يُبَاعِدُ مِنْ رِزْقٍ؛ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ أَو يُذَكِّرَ بِعَظِيمٍ» (^١)، وَكَمَا فِي وصيَّةِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَبِي ذَرٍّ: «وَأَنْ لَا أَخَافَ فِي اللهِ لَومَةَ لَائِمٍ» (^٢).\n٣ - الخَوفُ الطَّبِيعِيُّ: وَهَذَا أَمْرٌ طَبِيعِيٌّ، كَالخَوفِ مِنْ عَدُوٍّ، أَو سَبُعٍ، أَو نَارٍ، أَو مُؤْذٍ وَمُهْلِكٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعُوذُ بِاللهِ مِنَ العَجْزِ وَالكَسَلِ وَالجُبْنِ وَالبُخْلِ وَالهَرَمِ (^٣).\nوَهَذَا النَّوعُ مُبَاحٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَدْحٌ وَلَا ذَمٌّ إِلَّا إِنْ أَدَّى إِلَى مَحْظُورٍ شَرْعيٍّ.\n- يُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ الأُولَى فِي المَتْنِ أَنَّ الخَوفَ مِنَ الشَّيطَانِ وَأَولِيَائِهِ مُنَافٍ لِلإِيمَانِ، فَإِنْ كَانَ الخَوفُ يُؤَدِّي إِلَى الشِّرْكِ؛ فَهُوَ مُنَافٍ لِأَصْلِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ مُنَافٍ لِكَمَالِهِ.\n- الخَوفُ مِنَ اللهِ تَعَالَى دَرَجَاتٌ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَغْلُو فِي خَوفِهِ؛ فَيَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ؛ فَلَا يَسْتَغْفِرْهُ وَلَا يَنْتَهِي عَنْ مَعْصِيَتِهِ!\nوَمِنْهُم مَنْ يُفَرِّطُ فِيهِ؛ فَلَا يَأْبَهُ بِعَذَابِ رَبِّهِ؛ فَلَا يَنْتَهِي أَيضًا عَنْ مَعْصِيَتِهِ!\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١١٤٧٤) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (١٦٨).\n(^٢) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢١٤١٥). الصَّحِيحَةُ (٢١٦٦).\nوَتَمَامُهُ: (أَمَرَنِي خَلِيلِي ﷺ بِسَبْعٍ: أَمَرَنِي بِحُبِّ المَسَاكِينَ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي وَلَا أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوقِي، وَأَمَرَنِي أَنْ أَصِلَ الرَّحِمَ وَإِنْ أَدْبَرَتْ، وَأَمَرَنِي أَنْ لَا أَسْأَلَ أَحَدًا شَيئًا، وَأَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ بِالحَقِّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا، وَأَمَرَنِي أَنْ لَا أَخَافَ فِي اللهِ لَومَةَ لَائِمٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أُكْثِرَ مِنْ قَولِ: لَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ؛ فَإِنَّهُنَّ مِنْ كَنْزٍ تَحْت العَرْشِ).\n(^٣) كَمَا فِي البُخَارِيِّ (٦٣٦٧)، وَمُسْلِمٍ (٢٧٠٦) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ وَالكَسَلِ وَالجُبْنِ وَالهَرَمِ وَالبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَات».","vol":"1","page":657},{"text":"وَمِنْهُم مَنْ يَعْتَدِلُ فِي خَوفِهِ -وَهَذَا هُوَ الخَوفُ العَدْلُ-، وَضَابِطُهُ أَنَّهُ يَرُدَّ العَبْدَ عَنْ مَحَارِمِ اللهِ فَقَطْ وَلَا يُقَنِّطُهُ\" (^١).\nوَتَأَمَّلْ قَولَهُ ﵊ فِي الحَدِيثِ «اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ» (^٢).\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀: \"وَالقَدْرُ الوَاجِبُ مِنَ الخَوفِ؛ مَا حَمَلَ عَلَى أَدَاءِ الفَرَائِضِ وَاجْتِنَابِ المَحَارِمِ، فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ بِحَيثُ صَارَ بَاعِثًا لِلنُّفُوسِ عَلَى التَّشْمِيرِ فِي نَوَافِلِ الطَّاعَاتِ وَالانْكِفَافِ عَنْ دَقَائِقِ المَكْرُوهَاتِ وَالتَّبَسُّطِ فِي فُضُولِ المُبَاحَاتِ؛ كَانَ ذَلِكَ فَضْلًا مَحْمُودًا، فَإِنْ تَزَايَدَ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ أَورَثَ مَرَضًا أَو مَوتًا أَو هَمًّا لَازِمًا بِحَيثُ يَقْطَعُ عَنِ السَّعْي فِي اكْتِسَابِ الفَضَائِلِ المَطْلُوبَةِ المَحْبُوبَةِ للهِ ﷿؛ لَمْ يَكُنْ مَحْمُودًا\" (^٣).\n- فِي الآيَةِ الثَّانِيَةِ قَرَنَ اللهُ تَعَالَى بَينَ الإِيمَانِ بِهِ وَبَينَ الإِيمَانِ بِاليَومِ الآخِرِ -وَكَثِيرًا مَا يَقْرِنُ اللهُ تَعَالَى بَينَهُمَا-، وَسِرُّ ذَلِكَ أَنَّ الإِيمَانَ بِاليَومِ الآخِرِ يَحْمِلُ الإِنْسَانَ عَلَى الامْتِثَالِ، فَإِنَّهُ إِذَا آمَنَ أَنَّ هُنَاكَ بَعْثًا وَجَزَاءً؛ حَمَلَهُ ذَلِكَ عَلَى العَمَلِ لِذَلِكَ اليَومِ.\n_________\n(^١) القَولُ المُفِيدُ (٢/ ٦٧).\nقَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (ص ١٥٧): \" ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عِمْرَان: ١٧٥]: وَفِي هَذِهِ الآيَةِ وُجُوبُ الخَوفِ مِنَ اللهِ وَحْدَهَ، وَأَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِ الإِيمَانِ، فَعَلَى قَدْرِ إِيمَانِ العَبْدِ يَكُونُ خَوفُهُ مِنَ اللهِ، وَالخَوفُ المَحْمُودُ مَا حَجَزَ العَبْدَ عَنْ مَحَارِمِ اللهِ\".\n(^٢) صَحِيحٌ. سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ (٣٥٠٢) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (١٢٦٨).\n(^٣) التَّخْوِيفُ مِنَ النَّارِ (ص ٢٨).","vol":"1","page":658},{"text":"- قَولُهُ: (وَأَنْ تَحْمَدَهُمْ عَلَى رِزْقِ اللهِ): هَذَا الذَّمُّ لَا يَعْنِي تَرْكَ شُكْرِ النَّاسِ عَلَى مَا أَسْدَوهُ مِنْ مَعْرُوفٍ! وَذَلِكَ لِحَدِيثِ: «لَا يَشْكُرُ اللهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ» (^١)، وَإِنَّمَا المَعْنَى النَّهْيُ عَنِ التَّعَلُّقِ بِهِم فِي ذَلِكَ، وَالغَفْلَةُ عَنِ اللهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ مُسَبِّبُ تِلْكَ النِّعْمَةِ حَقِيقَةً.\n- فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ إِثْبَاتُ صِفَتَيِّ الرِّضَى وَالسَّخَطِ للهِ تَعَالَى -خِلَافًا لِلمُعَطِّلَةِ-، وَذَلِكَ لِزَعْمِهِم أَنَّ الغَضَبَ هُوَ غَلَيَانُ دَمِ القَلْبِ لِطَلَبِ الانْتِقَامِ؛ وَأَنَّ هَذَا لَا يَلِيقُ بِاللهِ تَعَالَى! وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهم شَبَّهُوا -فِي أَذْهَانِهِم- سَخَطَ اللهِ أَو غَضَبَهُ بِغَضَبِ المَخْلُوقِ؛ وَاللهُ تَعَالَى لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، فَكَذَلِكَ غَضَبُهُ يَلِيقُ بِهِ.\nوَالعَجَبُ مِنَ المُعَطِّلَةِ أَنَّهُم أَثْبَتوا بَعْضَ الصِّفَاتِ كَالإِرَادَةِ وَالسَّمْعِ وَالبَصَرِ وَلَمْ يَجْعَلُوهَا دَالَّةً عَلَى التَّمْثِيلِ بِالمَخْلُوقِ؛ مَعَ أَنَّهُ أَيضًا يُقَالُ لَهُم: الإِرَادَةُ -وَهِيَ مَيلُ النَّفْسِ إِلَى جَلْبِ مَنْفَعَةٍ أَو دَفْعِ مَضَرَّةٍ- إِنَّ الرَّبَّ ﷿ لَا يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ!! مُجَارَاةً لَهُم عَلَى قَاعِدَتِهِم، فَإِذَا قَالُوا: هَذِهِ إِرَادَةُ المَخْلُوقِ؛ نَقُولُ: وَالغَضَبُ الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ هُوَ غَضَبُ المَخْلُوقِ أَيضًا.\nوَلَا بُدَّ مِنَ العِلْمِ أَنَّ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ جِنَايَةٌ عَلَى الشَّرِيعَةِ لِأَنَّهَا تُبْطِلُ ظَوَاهِرَ نُصُوصِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِغَيرِ هُدًى مِنَ اللهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ﷺ، بَلْ هِيَ تَتَضَمَّنُ طَعْنًا فِي الرَّسُولِ ﷺ وَخُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، لِأَنَّنَا نَقُولُ: هَذِهِ المَعَانِي الَّتِي صَرَفْتُم النُّصُوصُ إِلَيهَا؛ هَلِ الرَّسُولُ ﷺ وَخُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ يَعْلَمُونَهَا أَمْ لَا؟ فَإِنْ قَالُوا: لَا يَعْلَمُونَ؛ فَقَدْ اتَّهَمُوهُم بِالقُصُورِ فِي الفَهْمِ! وَإِنْ قَالُوا: يَعْلَمُونَهَا وَلَمْ يُبَيِّنُوهَا لَنَا؛ فَقَدِ اتَّهَمُوهُم بِالتَّقْصِيرِ فِي التَّأْدِيَةِ! وَكِلَاهُمَا شَنِيعٌ (^٢).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. الأَدَبُ المُفْرَدُ (٢١٨) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٤١٦).\n(^٢) القَولُ المُفِيدُ (٢/ ٨٢).\nوَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ (مَا جَاءَ فِي أَنَّ الغُلُوَّ فِي قُبُورِ الصَّالِحِينَ يُصَيِّرُهَا أَوثَانًا تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ) ذِكْرُ مَسْأَلَةٍ فِي إِثْبَاتِ صِفَةِ الغَضَبِ للهِ تَعَالَى.","vol":"1","page":659},{"text":"- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَعَسَى﴾ (عَسَى) لُغَةً: حَرْفُ تَرَجٍّ، وَلَكِنَّهَا مِنَ اللهِ وَاجِبَةٌ لِأَنَّهَا وَعْدٌ مِنَ اللهِ ﷾؛ وَاللهُ لَا يُخْلِفُ وَعْدَهُ، وَلِهَذَا يَقُولُ العُلَمَاءُ: كُلُّ (عَسَى) مِنَ اللهِ فَهِيَ وَاجِبَةٌ، كَمَا فِي الأَثَرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (^١).\n- قَولُهُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ هُوَ قَولٌ مُجَرَّدٌ لَيسَ لَهُ حَقِيقَةٌ فِي قَلْبِهِ، ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾ أَي: إِذَا جَاءَ الامْتِحَانُ -وَكُلُّ المُؤْمِنِينَ يُمْتَحَنُونَ وَلَا يُتْرَكُونَ عَلَى قَولِ ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ فَقَطْ- ظَهَرَ الصَّادقُ فِي إِيمَانِهِ مِنَ الكَاذِبِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العَنْكَبُوت: ٢] يَعْنِي: يُخْتَبَرُونَ وَيُمْتَحَنُونَ، ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾، فَإِذَا قَالَ: (آمَنْتُ بِاللهِ) فَإِنَّه يُمْتَحَنُ بِأَنْ يُصَابَ بِالأَذَى مِنَ الكُفَّارِ وَالمُنَافِقِينَ وَالفُسَّاقِ؛ فَإِنْ صَبَرَ وَثَبَتَ عَلَى إِيمَانِهِ وَتَحَمُّلِ الأَذَى فِي سَبِيلِ اللهِ ﷿؛ فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِ إِيمَانِهِ، أمَّا إِنِ انْحَرَفَ وَذَهَبَ مَعَ الفِتْنَةِ؛ فَإِنَّ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى نِفَاقِهِ.\nوَهُوَ أَيضًا كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ يَعْنِي عَلَى طَرَفٍ ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحَجّ: ١١].\n_________\n(^١) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (١٤/ ١٦٨) عِنْدَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التَّوبَة: ١٨].","vol":"1","page":660},{"text":"<span data-type='title' id=toc-274>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-275> مَسْأَلَةٌ: مَا صِحَّةُ القَولِ الَّذِي اشْتُهِرَ عَنِ المَرْأَةِ الصَّالِحَةِ -رَابِعَةَ العَدَوِيَّةِ </span>(^١) - وَهُوَ: \"اللَّهُمَّ إِنِّي مَا عَبَدْتُكَ خَوفًا مِنْ نَارِكَ وَلَا طَمَعًا فِي جَنَّتِكَ؛ وَلَكِنْ لِأَنَّكَ رَبٌّ تَسْتَحِقُ العِبَادَةَ\"؟ (^٢)\n_________\n(^١) \"هِيَ رَابِعَةُ العَدَوِيَّةُ؛ أُمُّ عَمْرٍو بِنْتُ إِسْمَاعِيلَ؛ العَتَكِيَّةُ؛ البَصْرِيَّةُ؛ الزَّاهِدَةُ؛ العَابِدَةُ؛ الخَاشعَةُ -ت ١٨٠ هـ-. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ: أَمَّا رَابِعَةُ؛ فَقَدْ حَمَلَ النَّاسُ عَنْهَا حِكْمَةً كَثِيرَةً، وَحَكَى عَنْهَا سُفْيَانُ وَشُعْبَةُ وَغَيرُهُمَا مَا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ مَا قِيلَ عَنْهَا، وَقَدْ تَمَثَّلَتْهُ بِهَذَا: (وَلَقَدْ جَعَلْتُكَ فِي الفُؤَادِ مُحَدِّثِي … وَأَبَحْتُ جِسْمِيَ مَنْ أَرَادَ جُلُوسِي)، فَنَسَبَهَا بَعْضُهُم إِلَى الحُلُولِ بِنِصْفِ البَيتِ، وَإِلَى الإِبَاحَةِ بِتَمَامِهِ.\nقُلْتُ (الذَّهبيُّ): فَهَذَا غُلُوٌّ وَجَهْلٌ، وَلَعَلَّ مَنْ نَسَبَهَا إِلَى ذَلِكَ مُبَاحِيٌّ حُلُولِيٌّ، لِيَحْتَجَّ بِهَا عَلَى كُفْرِهِ\". بِاخْتِصَارٍ يَسِيرٍ مِنَ سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ (٨/ ٢٤١).\nوَقَالَ ﵀ أَيضًا فِي كِتَابِهِ مِيزَانُ الاعْتِدَالِ (٢/ ٦١) -عِنْدَ تَرْجَمَةِ رِيَاحِ بْنِ عَمْرٍو القَيسِيِّ-: \"قَالَ أَبُو عُبَيدٍ الآجُرِّيُّ: سَأَلْتُ أَبَا دَاوُد عَنْهُ؛ فَقَالَ: هُوَ وَأَبُو حَبِيبٍ وَحَيَّانُ الجُرَيرِيُّ وَرَابِعَةُ -رَابِعَتُهُم فِي الزَّنْدَقَةِ-\".\nوَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ البِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ (١٣/ ٦٣٣): \"وَتَكَلَّمَ فِيهَا أَبُو دَاودَ السِّجِسْتَانِيُّ؛ وَاتَّهَمَهَا بِالزَّنْدَقَةِ، فَلَعَلَّهُ بَلَغَهُ عَنْهَا أَمْرٌ\".\n(^٢) وَقَرِيبٌ مِنْهُ مَا نَقَلَهُ الأَصْبَهَانِيُّ فِي الحِلْيَةِ (٣/ ١٣٤) وَغَيرُهُ فِي تَرْجَمَةِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَينِ ﵀؛ فَقَالَ عَنْهُ -بَعْدَ ذِكْرِ الإِسْنَادِ وَبَعْضٍ مِنْ مَقَالَاتِهِ-: \"إِنَّ قَومًا عَبَدُوا اللهَ رَهْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ العَبِيدِ، وَآخَرِينَ عَبَدُوهُ رَغْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ التُّجَّارِ، وَقَومًا عَبَدُوا اللهَ شُكْرًا فَتِلْكَ عِبَادَةُ الأَحْرَارِ\".\nقُلْتُ: وَفِي الإِسْنَادِ أَحْمَدُ بْنُ الصَّلْتِ؛ قَالَ عَنْهُ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي المِيزَانِ (١/ ١٠٥): \"هَالِكٌ\".\nوَقَالَ عَنْهُ الزِّرِكْلِيُّ فِي كِتَابِهِ الأَعْلَامُ (١/ ١٣٨): \"أَحْمَدُ بْنُ الصَّلْتِ الحِمَّانِيُّ؛ مُؤرِّخٌ؛ مِنَ الأَحْنَافِ،\n=","vol":"1","page":661},{"text":"الجَوَابُ: هُوَ كَلَامٌ مَرْدُودٌ، مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ، خَارِجٌ عَنِ اعْتِقَادِ أَهْلِ الإِسْلَامِ.\nوَبَيَانُ ذَلِكَ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ -وَاللَّبِيبُ تَكْفِيهِ الإِشَارَةُ-:\n١ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى بيَّنَ مِنْ صِفَاتِ أَهْلِ الإِيمَانِ المُقَرَّبِينَ أَنَّهُم يَعْبُدُونَ اللهَ تَعَالَى طَمَعًا فِي الجَّنَّةِ وَخَوفًا مِنَ النَّارِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٩٠] (^١) (^٢).\n٢ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَرْسَلَ رَسُولَهُ ﷺ وَأَعْطَاهُ مِنَ الآيَاتِ وَالصِفَاتِ مَا يَلْزَمُ مَعَهُ إِيمَانُ النَّاسِ، وَيَصِحُّ بِهِ إِيمَانُهُم، فَوَصَفَهُ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ بِصِفَتَينِ، قَالَ تَعَالَى:\n_________\n=\nصَنَّفَ (مَنَاقِبَ الإِمَامِ الأَعْظَمِ أَبِي حَنِيفَة)، وَلِلمُؤَرِّخِينَ كَلَامٌ فِي اتِّهَامِهِ بِالوَضْعِ\".\nوَأَعْجَبُ مِنْهُ قَولُ الفَخْرِ الرَّازِي -غَفَرَ اللهُ لَهُ-: \"وَأَمَّا بَيَانُ الوُجُوهِ المُنَافِيَةِ لِلإِخْلَاصِ؛ فَهِيَ الوُجُوهُ الدَّاعِيَةِ لِلشَّرِيكِ، وَهِيَ أَقْسَامٌ؛ أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ لِلرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ فِيهِ مَدْخَلٌ، وَثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُهُ مِنَ الإِتْيَانِ بِالطَّاعَةِ الفَوزَ بِالجَنَّةِ وَالخَلَاصَ مِنَ النَّارِ\"!! تَفْسِيرُ الرَّازِي (٢٦/ ٤٢٠).\nوَقَدْ رَدَّ عَلَيهِ الإِمَامُ السُّيُوطِيُّ ﵀ بِمَا نَصُّه -مُسْتَنْبِطًا مِن قَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩]-: \"فِيهِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ ذَمَّ العِبَادَاتِ خَوفًا مِنَ النَّارِ أَوْ رَجَاءَ الجَنَّةِ -وَهُوَ الإِمَامُ الرَّازِيُّ-، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ» \". الإِكْلِيلُ فِي اسْتِنْبَاطِ التَّنْزِيلِ (ص ٢٢٤).\nوَالحَدِيثُ الأَخِيرُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (٧٩٢)، وَصَحَّحَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ فِي صَحِيحِ الجَامِعِ (٣١٦٣).\n(^١) قَالَ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (١٨/ ٥٢١): \"وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَكَانُوا يَعْبُدُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا، وَعَنَى بِالدُّعَاءِ فِي هَذَا المَوضِعِ العِبَادَةَ، كَمَا قَالَ: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مَرْيَم: ٤٨]، وَيَعْنِي بِقَولِهِ: ﴿رَغَبًا﴾ أَنَّهُم كَانُوا يَعْبُدُونَهُ رَغْبَةً مِنْهُم فِيمَا يَرْجُونَ مِنْهُ مِنْ رَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ، ﴿وَرَهَبًا﴾ يَعْنِي رَهْبَةً مِنْهُم مِنْ عَذَابِهِ وَعِقَابِهِ؛ بِتَرْكِهِم عِبَادَتَهُ ورُكُوبِهِم مَعْصِيَتَهُ\".\n(^٢) وَيُرَاجَعُ لِلتَّوَسُّعِ (تَفْسِيرُ ابْنِ بَادِيس) (ص ٢٠١).","vol":"1","page":662},{"text":"﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سَبَأ: ٢٨] (^١)؛ فَمَنْ عَمِلَ بِمُوجَبِ بِعْثَةِ الرَّسُولِ ﷺ كَيفَ يُقَالُ بِتَخْطِئَةِ مَنْهَجِهِ؟! (^٢)\nفَاللهُ تَعَالَى جَعَلَ الرِّضَا فِي الآخِرَةِ لِمَنْ خَافَ مِنَ النَّارِ الَّتِي أَعَدَّهَا اللهُ تَعَالَى لِلكفَّارِ، وَأَرْسَلَ الرَّسُولَ نَذِيرًا مِنْهَا؛ فَمَنْ خَافَ مِنْهَا فَصَدَّقَ بِهِ؛ كَيفَ يَكُونُ غَيرَ مَرْضِي الإِيمَانِ أَو نَاقِصَهُ! قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرَّحْمَن: ٤٦].\nثُمَّ إِنَّهُ جَعَلَ ﷾ عَمَلَ أَهْلِ الإِيمَانِ تِجَارَةً رَابِحَةً مَعَ اللهِ تَعَالَى، فَقَالَ ﷾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصَّف: ١٠ - ١١].\n٣ - أَنَّ هَذَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَنَقُّصُ إِيمَانِ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ تِلْكَ المَرْتَبَةَ، فَلَا شَكَّ أَنَّ مَعْرِفَةَ كَونِ اللهِ تَعَالَى يَسْتَحِقُّ العِبَادَةَ هِيَ مَنْزِلَةٌ عَالِيَةٌ، وَلَكِنَّهَا تَحْتَاجُ لِاعْتِبَارٍ وَتَأَمُّلٍ وَنَظَرٍ فِي الآيَاتِ الكَونيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ، وَإِلى أَنْ يَبْلُغَ العَبْدُ -نَاطِقُ الشَّهَادَةِ- هَذِهِ المَرْتَبَةَ لَا يَكُونُ مَذْمُومًا، بَلْ هُوَ مَمْدُوحٌ حَيثَ تَرَكَ عِبَادَةَ الطَّاغُوتِ وَوَحَّدَ اللهَ تَعَالَى كَمَا أَمَرَهُ، وَيَكُونُ\n_________\n(^١) قَالَ القُرْطُبِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (١٤/ ٣٠١): \" ﴿بَشِيرًا﴾ أَي: بِالجنَّةِ لِمَنْ أَطَاعَ. ﴿وَنَذِيرًا﴾ مِنَ النَّارِ لِمَنْ كَفَرَ\".\n(^٢) وَفِي الحَدِيثِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁؛ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ سَرِيَّةً؛ فَاسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، فَغَضِبَ فَقَالَ: أَلَيسَ أَمَرَكُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُطِيعُونِي؟! قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا؛ فَجَمَعُوا، فَقَالَ: أَوقِدُوا نَارًا؛ فَأَوقَدُوهَا، فَقَالَ: اُدْخُلُوهَا، فَهَمُّوا -وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضًا- وَيَقُولُونَ: فَرَرْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنَ النَّارِ! فَمَا زَالُوا حَتَّى خَمَدَتِ النَّارُ؛ فَسَكَنَ غَضَبُهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: «لَو دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَومِ القِيَامَةِ! الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٧١٤٥)، وَمُسْلِمٌ (١٨٤٠) مِنْ حَدِيثِ عَليٍّ مَرْفُوعًا.","vol":"1","page":663},{"text":"سَاعِيًا فِيمَا هُوَ أَعْلَى مِنْ ذَلِكَ (^١).\nوَفِي الحَدِيثِ عَنِ البَرَاءِ ﵁: (أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ مُقَنَّعٌ بِالحَدِيدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُقَاتِلُ أَو أُسْلِمُ؟ قَالَ: «أَسْلِمْ ثُمَّ قَاتِلْ». فَأَسْلَمَ ثُمَّ قَاتَلَ، فَقُتِلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «عَمِلَ قَلِيلًا وَأُجِرَ كَثِيرًا» (^٢).\nوَفِي الحَدِيثِ: (كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: «أَسْلِمْ» فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ -وَهُوَ عِنْدَهُ-، فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا القَاسِمِ ﷺ، فَأَسْلَمَ. فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ» (^٣).\nقَالَ ابْنُ القَيِّمِ ﵀: \"وَفِي قَولِهِ لِخَوَاصِّ أَوْلِيَائِهِ -وَهُمْ أَصْحَابُ نَبِيِّهِ ﷺ\n_________\n(^١) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الرُّوم: ٢٢]، وَهَؤُلَاءِ العَالِمِينَ -بِكَسْرِ اللَّامِ- لَا شَكَّ أَنَّهُم تَمَتَّعُوا بِعِلْمٍ أَكْثَرَ مِنْ غَيرِهِم -مِمَّنْ لَيسَ لَهُ سَابِقَةُ العِلْمِ الوَاسِعِ وَالنَّظَرِ البَعِيدِ-؛ فَهَلْ يُضَلَّلُ كُلُّ مَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؟!\nقَالَ العَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيق العِيد ﵀ فِي شَرْحِ الأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ (ص ٥٥): \"وَفِي قَولِهِ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ» دِلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ لِمَذْهَبِ المُحَقِّقِين وَالجَمَاهِيرِ مِنَ السَّلَفِ وَالخَلَفِ أَنَّ الإِنْسَانَ إِذَا اعْتَقَدَ دِينَ الإِسْلَامِ اعْتِقَادًا جَازِمًا لَا تَرَدُّدَ فِيهِ؛ كَفَاهُ ذَلِكَ، وَلَا يَجِبُ عَلَيهِ تَعلُّمُ أَدِلَّةِ المُتَكَلِّمِينَ وَمَعْرِفَةُ اللهِ بِهَا، خِلَافًا لِمَنْ أَوجَبَ ذَلِكَ وَجَعَلَهُ شَرْطًا فِي نَحْوِ أَهْلِ القِبْلَةِ! وَهَذَا خَطَأٌ ظَاهِرٌ؛ فَإِنَّ المُرَادَ التَّصْدِيقُ الجَازِمُ -وَقَدْ حَصَلَ-، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اكْتَفَى بِالتَّصْدِيقِ بِمَا جَاءَ بِهِ وَلَمْ يَشْتَرِطِ المَعْرِفَةَ بِالدَّلِيلِ\".\n(^٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢٨٠٨)، وَمُسْلِمٌ (١٩٠٠).\n(^٣) صَحِيحُ البُخَارِيِّ (١٣٥٦) عَنْ أَنَسٍ.","vol":"1","page":664},{"text":"وَرَضِيَ عَنْهُمْ- فِي يَوْمِ أُحُدٍ: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عِمْرَان: ١٥٢] فَقَسَمَهُمْ إِلَى هَذَينِ الْقِسْمَينِ اللَّذَينِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا. وَقَدْ غَلِطَ مَنْ قَالَ: فَأَينَ مَنْ يُرِيدُ اللَّهَ؟! فَإِنَّ إِرَادَةَ الْآخِرَةِ عِبَارَةٌ عَنْ إِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَثَوَابِه،؛ فَإِرَادَةُ الثَّوَابِ لَا تُنَافِي إِرَادَةَ اللَّهِ\" (^١).\n_________\n(^١) مَدَارِجُ السَّالِكِينَ (٢/ ٨١). وَيُنْظَرُ أَيضًا: مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (١٠/ ٦٢).","vol":"1","page":665},{"text":"بَابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المَائِدَة: ٢٣].\nوَقَولِهِ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأَنْفَال: ٢].\nوَقَولِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأَنْفَال: ٦٤].\nوَقَولِهِ: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطَّلاق: ٣].\nوِعِنْ ابْنِ عبَّاسٍ ﵄؛ قَالَ: (حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ: قالَهَا إِبْرَاهِيمُ ﷺ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وقالَهَا مُحَمَّدٌ ﷺ حِينَ قَالُوا لَهُ: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عِمْرَان: ١٧٣]). رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَالنَّسَائيُّ (^١).\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٤٥٦٣)، وَالنَّسَائيُّ فِي الكُبْرَى (١١٠١٥).","vol":"2","page":5},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: أَنَّ التَّوَكُّلَ مِنَ الفَرَائِضِ.\nالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ مِنْ شُرُوطِ الإِيمَانِ.\nالثَّالِثَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ الْأَنْفَالِ.\nالرَّابِعَةُ: تَفْسِيرُ الآيَةِ فِي آخِرِهَا.\nالخَامِسَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ الطَّلَاقِ.\nالسَّادِسَةُ: عِظَمُ شَأْنِ هَذِهِ الكَلِمَةِ، وَأَنَّهَا قَولُ إِبْرَاهِيمَ ﵊ وَمُحَمَّدٍ ﷺ فِي الشَّدَائِدِ.","vol":"2","page":6},{"text":"<span data-type='title' id=toc-278>الشَّرْحُ</span>\n- التَّوكُّلُ عَلَى اللهِ: هُوَ الاعْتِمَادُ عَلَيهِ فِي جَلْبِ المَنَافِعِ وَدَفْعِ المَضَارِّ، مَعَ الثِّقَةِ بِهِ، وَفِعْلِ الأَسْبَابِ النَّافِعَةِ. يُقَالُ وَكَلْتُ أَمْرِي إِلَى فُلَانٍ: إِذَا اعْتَمَدتُ عَلَيهِ.\nوَحَقِيقَةُ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ: أَنْ يَعْلَمَ العَبْدُ أَنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ بِيَدِ اللهِ تَعَالى؛ وَأنَّهُ مَا شَاءَ اللهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وأَنَّهُ هُوَ النَّافعُ الضَّارُّ المُعْطِي المَانِعُ، وَأَنَّهُ لَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، فَبَعْدَ هَذَا العِلْمِ يَعْتَمِدُ بقلبِهِ عَلَى رَبِّهِ فِي جَلْبِ مَصَالِحِ دِينِهِ وَدُنْيَاه، وَفِي دَفْعِ المَضَارِّ، وَيَثِقُ غَايَةَ الوُثُوقِ بِرَبِّهِ فِي حُصُولِ مَطْلُوبِهِ، وَهُوَ مَعَ هَذَا بَاذِلٌ جُهْدَهُ فِي فِعْلِ الأَسْبَابِ النَّافِعَةِ (^١).\n- فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بَيَانُ أُمُورٍ -وَبِهِ تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ البَابِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ-:\n١ - فَرَضِيَّةُ التَّوَكُّلِ، وَالأَمْرُ بِهَا، وَأَنَّهَا عِبَادَةٌ مِنَ العِبَادَاتِ العَظِيمَةِ.\n٢ - وُجُوبُ إِخْلَاصِ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ تَعَالَى، وَدَلَّ لِذَلِكَ أُسْلُوبُ الحَصْرِ فِي تَقْدِيمِ الجَارِّ وَالمَجْرُورِ ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾.\n٣ - أَنَّ التَّوَكُّلَ مِنَ الإِيمَانِ (^٢).\n٤ - أَنَّ إِخْلَاصَهُ شَرْطٌ فِي الإِيمَانِ، كَمَا فِي آيَةِ سُورَةِ يُونُس ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يُونُس: ٨٤].\n_________\n(^١) فَالتَّوَكُّلُ يَتَضَمَّنُ إِذًا: عِلْمًا ثٌمَّ عَمَلًا قَلْبِيًّا ثُمَّ عَمَلًا بَدَنِيًّا.\n(^٢) فَزِيَادَتُهُ دَلِيلُ زِيَادَةِ الإِيمَانِ؛ وَالعَكْسُ بِالعَكْسِ.","vol":"2","page":7},{"text":"- التَّوَكُّلُ عَلَى غَيرِ اللهِ تَعَالَى يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَينِ:\n١ - التَّوَكُّلُ فِي الأُمُورِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيهَا إِلَّا اللهُ -كَالَّذِينَ يَتَوَكَّلُونَ عَلَى الأَمْوَاتِ وَالطَّوَاغِيتِ فِي تَحْصِيلِ مَطَالِبِهِم مِنْ نَصْرٍ أَو حِفْظٍ أَو رِزْقٍ أَو شَفَاعَةٍ- فَهَذَا شِرْكٌ أَكْبَرُ.\n٢ - التَّوَكُّلُ فِي الأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ، كَمَنْ يَتَوَكَّلُ عَلَى أَمِيرٍ أَو سُلْطَانٍ فِيمَا أَقْدَرَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَيهِ مِنْ رِزْقٍ أَو دَفْعِ أَذًى وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَهُوَ نَوعُ شِرْكٍ أَصْغَرَ، مِثْلُ اعْتِمَادِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ عَلَى وَظِيفَتِهِم فِي حُصُولِ رِزْقِهِم، ولِهَذَا تَجِدُ الإِنْسَانَ مِنْهُم يَشْعُرُ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ مُعْتَمِدٌ عَلَى هَذَا اعْتِمَادَ افْتِقَارٍ.\n- الفَرْقُ بَينَ التَّوَكُّلِ وَالوَكَالَةِ: التَّوَكُّلُ هُوَ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ، بَينَمَا الوَكَالَةُ -وَهِيَ جَائِزَةٌ- فَهِيَ إِقَامَةُ الشَّخْصِ غَيرَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ مُطْلَقًا أَو مُقَيَّدًا (^١)، لَكِنْ لَيسَ لَهُ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَيهِ فِي حُصُولِ مَا وَكَلَهُ بِهِ اعْتِمَادًا قَلبِيًّا! بَلْ يَتَوَكَّلُ عَلَى اللهِ فِي تَيسِيرِ أَمْرِهِ الَّذِي يَطْلُبُهُ بِنَفْسِهِ أَو بِنَائِبِهِ، وَيَعُدُّ ذَلِكَ الشَّخْصَ مِنْ جُمْلَةِ الأَسْبَابِ الَّتِي يَجُوزُ فِعْلُهَا، فَيَكُونُ رَجَاؤُهُ وَدُعَاؤُهُ وَتَعَلُّقُهُ مَحْصُورًا فِي اللهِ تَعَالَى؛ بِخِلَافِ النَّوعَينِ السَّابِقَينِ.\n- فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ فِيهَا وَصْفُ المُؤْمِنِينَ حقًّا بِخَمْسَةِ مَقَامَاتٍ مِنْ مَقَامَاتِ الإِيمَانِ، وَهِيَ الوَجَلُ عِنْدَ الذِّكْرِ، وَزِيَادَةُ الإِيمَانِ عِنْدَ سَمَاعِ القُرْآنِ، وَالتَّوَكُّلُ عَلَى اللهِ وَحْدَهَ، وَإِقَامَةُ الصَّلَاةِ، وَالإِنْفَاقُ لِوَجْهِ اللهِ تَعَالَى.\n_________\n(^١) أَفَادَهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (٤/ ٤٧٩) فِي شَرْحِ كِتَابِ الوَكَالَةِ مِنْ صَحِيحِ البُخَارِيِّ.","vol":"2","page":8},{"text":"- المُرَادُ بِالإِيمَانِ هُنَا -فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ- الإِيمَانُ الكَامِلُ؛ وَإِلَّا فَإِنَّ المَرْءَ يَكُونُ مُؤْمِنًا وَإِنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ، فَهُوَ مَعَهُ مُطْلَقُ الإِيمَانِ وَلَيسَ كَمَالُهُ.\n- التَّوَكُّلُ الصَّحِيحُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَمْرَينِ:\nالأوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الاعْتِمَادُ عَلَى اللهِ اعْتِمَادًا صَادِقًا حَقِيقِيًّا.\nالثَّانِي: فِعْلُ الأَسْبَابِ المَأْذُونِ فِيهَا.\nفَلَا يَصِحُّ مِنْهُ أَنْ يَجْعَلَ تَوَكُّلَهُ عَجْزًا فَيَتْرُكَ الأَسْبَابَ! وَأَيضًا أَنْ لَا يَجْعَلَ عَجْزَهُ تَوَكُّلًا -أَي صَارَ مُدَّعِيًا لِلتَّوَكُّلِ عِنْدَمَا فَقَدَ الأَسْبَابَ-!\nومَنْ جَعَلَ أَكْثَرَ اعْتِمَادِهِ عَلَى الأَسْبَابِ؛ نَقَصَ بِذَلِكَ تَوَكُّلُهُ عَلَى اللهِ تَعَالَى، وَيَكُونُ ذَلِكَ قَدْحًا فِي كِفَايَةِ اللهِ تَعَالَى لَهُ، فَكَأَنَّهُ جَعَلَ السَّبَبَ وَحْدَهُ هُوَ العُمْدَةَ فِيمَا يَرْجُوهُ مِنْ حُصُولِ المَطْلُوبِ.\nوَأَيضًا مَنْ جَعَلَ اعْتِمَادَهُ عَلَى اللهِ مُلْغِيًا لِلأَسْبَابِ؛ فَقَدْ طَعَنَ فِي حِكْمَةِ اللهِ تَعَالَى، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ لِكُلِّ شَيءٍ سَبَبًا، وَالنَّبِيُّ ﷺ أَكْمَلُ المُتَوكِّلَينَ؛ وَمَع ذَلِكَ كَانَ يَأْخُذُ بِالأَسْبَابِ، فَكَانَ يَأْخُذُ الزَّادَ فِي السَّفَرِ، وَلَمَّا خَرَجَ إِلَى غَزْوَةِ أُحُدٍ ظَاهَرَ بَينَ دِرْعَينِ، وَلَمَّا خَرَجَ مُهَاجِرًا أَخَذَ مَنْ يَدُلُّهُ عَلَى الطَّرِيقِ.\n- فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ بَيَانُ فَضِيلَةِ التَّوَكُّلِ، حَيثُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَكْفِي عَبْدَهُ إِذَا تَوَكَّلَ عَلَيهِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «لَو أَنَّكُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ تَعَالَى حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيرَ؛ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا» (^١).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٣٧٠)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٢٣٤٤) عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٣١٠).","vol":"2","page":9},{"text":"- فَائِدَة ١: التَّوَكُّلُ هُوَ الاعْتِمَادُ، وَلَكِنَّهُ أَخَصُّ؛ فَهُوَ عِبَادَةٌ (^١).\n- فَائِدَة ٢: فِي شَرْحِ حَدِيثِ: «مَنِ اكْتَوَى أَوِ اسْتَرْقَى؛ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ التَّوَكُّلِ» (^٢).\nقَالَ المُنَاوِيُّ ﵀: \" «مَنِ اكْتَوَى أَوِ اسْتَرْقَى؛ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ التَّوَكُّلِ» لِفِعْلِهِ مَا يُسَنُّ التَّنَزُّهُ عَنْهُ مِنَ الاكْتِوَاءِ لِخَطَرِهِ، والاسْتِرْقَاءُ بِمَا لَا يُعْرَفُ مِنْ كِتَابِ اللهِ؛ لِاحْتِمَالِ كَونِهِ شِرْكًا.\nأَو هَذَا فِيمَنْ فَعَلَ مُعْتَمِدًا عَلَيهَا لَا عَلَى اللهِ؛ فَصَارَ بِذَلِكَ بَرِيئًا مِنَ التَّوَكُّلِ، فَإِنْ فُقِدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بَرِيئًا مِنْهُ، وَقَد سَبَقَ أَنَّ الكَيَّ لَا يُتْرَكُ مُطْلَقًا وَلَا يُسْتَعْمَلُ مُطْلَقًا، بَلْ عِنْدَ تَعَيُّنِهِ طَرِيقًا لِلشِّفَاءِ وَعَدَمِ قِيَامِ غَيرِهِ مَقَامَهُ -مَعَ مُصَاحَبَةِ اعْتِقَادِ أَنَّ الشِّفَاءَ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى وَالتَّوَكُّلِ عَلَيهِ- (^٣).\n_________\n(^١) أَفَادَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي أَشْرِطَةَ فَتَاوَى سِلْسِلَةِ الهُدَى وَالنُّورِ (ش ٣٢٦).\n(^٢) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٠٥٥) عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٢٤٤).\n(^٣) وَبِنَحوِهِ قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ كَمَا نَقَلَهُ البَيهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ (٢/ ٣٩٦) عَنْهُ: \"قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: وَذَلِكَ لِأَنَّهُ رَكِبَ مَا يُسْتَحَبُّ التَّنْزِيهُ عَنْهُ مِنَ الِاكْتِوَاءِ [وَالِاسْتِرْقَاءِ: كَذَا فِي المَطْبُوعِ، وَلَعَلَّهَا مُكَرَّرَةٌ كَمَا يَظْهَرُ لِلْمُتَأَمِّلِ] لِمَا فِيهِ مِنَ الخَطَرِ، وَمِنَ الِاسْتِرْقَاءِ بِمَا لَا يُعْرَفُ مِنْ كِتَابِ اللهِ ﷿ أَو ذِكْرِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ شِرْكًا، أَوِ اسْتَعْمَلَهَا مُعْتَمِدًا عَلَيهَا لَا عَلَى اللهِ تَعَالَى فِيمَا وَضَعَ فِيهِمَا مِنَ الشِّفَاءِ، فَصَارَ بِهَذَا أَو بِارْتِكَابِهِ المَكْرُوهَ بَرِيئًا مِنَ التَّوَكُّلِ.\nفَإِنْ لَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْ هَذَينِ وَغَيرِهِمَا مِنَ الأَسْبَابِ المُبَاحَةِ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهَا بَرِيئًا مِنَ التَّوَكُّلِ، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ\".\nقُلْتُ: وَقَد سَبَقَ فِي بَابِ (مَنْ حَقَّقَ التَّوحِيدَ دَخَلَ الجَنَّةَ بِغَيرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ) بَيَانُ أَنَّ مَعْنَى «يَسْتَرْقُونَ» لَيسَ يَخْتَصُّ بِالرُّقْيَةِ الشِّرْكِيَّةِ، وَإِنَّمَا بِالجَائِزَةِ، وَالنَّفْيُ هُوَ لِمُنَافَاةِ كَمَالِ التَّوحِيدِ المُسْتَحَبِّ، إِلَّا أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ حَمْلِ قَولِهِ: «فَقَدْ بَرِئَ مِنَ التَّوَكُّلِ» عَلَى نَفْي أَصْلِ الإِيمَانِ بِكَونِ الاسْتِرْقَاءِ مُخْتَصًّا بِالرُّقْيَةِ الشِّرْكِيَّةِ -كَمَا ذَهَبُوا إِلَيهِ-، وَلَكِنَّ قَولَ المُنَاوِيِّ ﵀ السَّابِقَ: \"لِفِعْلِهِ مَا يُسَنُّ التَّنَزُّهُ عَنْهُ\" يَقْصِدُ بِهِ مَا لَيسَ بِمَعْلُومٍ مِنَ الشِّرْكِ وَلَكِنَّهُ قَدْ يَحْتَمِلُ، فَهَذَا لَا رَيبَ أَنَّهُ يُسَنُّ التَّنَزُّهُ عَنْهُ (لِاحْتِمَالِ كَونِهِ شِرْكًا). وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.","vol":"2","page":10},{"text":"وَقَالَ ابْنُ قُتَيبَةَ (^١): \"الكَيُّ نَوعَان:\n١ - كَيُّ الصَّحِيحِ لِئَلَّا يَعْتَلَّ، فَهَذَا الَّذِي قِيلَ فِيهِ: (مَنْ اكْتَوَى؛ لَمْ يَتَوَكَّلْ) لِأَنَّه يُرِيدُ أَنْ يَدْفَعَ القَدَرَ، وَالقَدَرُ لَا يُدَافَعُ!\n٢ - وَالثَّانِي: كَيُّ الجُرْحِ إِذَا فَسَدَ؛ وَالعُضْوِ إِذَا قُطِعَ؛ فَهُوَ الَّذِي شُرِعَ التَّدَاوِي فِيهِ، فَإِنْ كَانَ لِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ؛ َخِلَافُ الأَولَى لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْجِيلِ التَّعْذِيبِ بِالنَّارِ لِأَمْرٍ غَيرِ مُحَقَّقٍ\" (^٢).\nوَقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الصَّحِيحَةِ عِنْدَ حَدِيثِ «مَنِ اكْتَوَى أَوِ اسْتَرْقَى؛ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ التَّوَكُّلِ»: \"قُلْتُ: وَفِيهِ كَرَاهَةُ الاكْتِوَاءِ وَالاسْتِرْقَاءِ.\nأَمَّا الأَوَّلُ؛ فِلِمَا فِيهِ مِنَ التَّعْذِيبِ بِالنَّارِ، وَأَمَّا الآخَرُ؛ فَلِمَا فِيهِ مِنَ الاحْتِيَاجِ إِلَى الغَيرِ فِيمَا الفَائِدَةُ فِيهِ مَظْنُونَةٌ غَيرُ رَاجِحَةٍ\" (^٣).\n- فَائِدَة ٣: قَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ ﵀: \"وَالتَّوَكُّلُ مِن أَقْوَى الأَسْبَابِ الَّتِي يَدْفَعُ بِهَا العَبْدُ مَا لَا يُطِيقُ مِن أَذَى الخَلْقِ وَظُلْمِهِم وَعُدْوَانِهِم، وَهُوَ مِن أَقْوَى الأَسْبَابِ فِي ذَلِكَ؛ فَإِنَّ اللهَ حَسْبُهُ أَي: كَافِيهِ، وَمَن كَانَ اللهُ كَافِيهِ وَوَاقِيهِ؛ فَلَا مَطْمَعَ فِيهِ لِعَدُوِّهِ، وَلَا يَضُرُّهُ إِلَّا أَذًى لَا بُدَّ مِنْهُ كَالحَرِّ، وَالبَرْدِ، وَالجُوعِ، وَالعَطَشِ، وَأَمَّا أَنْ يَضُرَّهُ بِمَا يَبْلُغُ مِنْهُ مُرَادَهُ! فَلَا يَكُونُ أَبَدًا، وَفَرْقٌ بَينَ الأَذَى الَّذِي هُوَ فِي الظَّاهِرِ إِيذَاءٌ لَهُ -وَهُوَ فِي الحَقِيقَةِ إِحْسَانٌ وَإِضْرَارٌ بِنَفْسِهِ- وَبَينَ الضَّرَرِ الَّذِي يُتَشَفَّى بِهِ مِنْهُ\" (^٤).\n_________\n(^١) هُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ؛ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمٍ بْنُ قُتَيبَةَ الدِّينَوَرِيُّ، قَاضِي دِينَورَ، النَّحَوِيُّ؛ اللُّغَوِيُّ؛ صَاحِبُ التَّصَانِيفِ البَدِيعَةِ المَشْهُورَةِ، (ت ٢٧٦ هـ).\n(^٢) فَيضُ القَدِيرِ (٦/ ٨٢)، تَأْوِيلُ مُخْتَلَفِ الحَدِيثِ (ص ٤٦٣).\n(^٣) الصَّحِيحَةُ (٢٤٤).\n(^٤) بَدَائِعُ الفَوَائِدِ (٢/ ٢٣٩).","vol":"2","page":11},{"text":"بَابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ٩٩].\nوَقَولِهِ: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحِجْر: ٥٦].\nوَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الكَبَائِرِ؟ فَقَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَاليَأْسُ مِنْ رَوحِ اللهِ، وَالأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللهُ» (^١).\nوَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ قَالَ: (أَكْبَرُ الكَبَائِرِ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَالأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللهِ، وَالقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، وَاليَأْسُ مِنْ رَوحِ اللهِ). رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ (^٢).\n_________\n(^١) فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ. الحَدِيثُ أَورَدَهُ الحَافِظُ الهَيثَمِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (كَشْفُ الأَسْتَارِ عَنْ زَوَائِدِ البَزَّارِ) (١/ ٧١).\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٢/ ٢٧٨): \"وَقَدْ رَوَاهُ البَزَّارُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ إِسْحَاقَ العَطَّارِ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلِ، عَنْ شَبِيبِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُول الله مَا الكَبَائِر؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَاليَأْسُ مِنْ رَوحِ اللهِ، وَالقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ ﷿)، وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ، وَالأَشْبَه أَنْ يَكُونَ مَوقُوفًا، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْن مَسْعُودٍ نَحْوَ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْن جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هُشَيمٌ، أَخْبَرَنَا مُطَرِّفٌ، عَنْ وَبَرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الطُّفَيلِ، قَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: (أَكْبَرُ الكَبَائِرِ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَاليَأْسُ مِنْ رَوحِ اللهِ، وَالقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، وَالأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللهِ). وَكَذَا رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ الأَعْمَشِ وَأَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ وَبَرَةَ، عَنْ أَبِي الطُّفَيلِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بِهِ، ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طُرُقٍ عِدَّةٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيلِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ صَحِيحٌ إِلَيهِ بِلَا شَكٍّ\".\n(^٢) صَحِيحٌ. تَفْسِيرُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ (١/ ١٥٥)، وَتَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (٨/ ٢٤٢). صَحَّحَهُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٢/ ٢٧٨). انْظُرِ الحَاشِيَةَ السَّابِقَةَ.","vol":"2","page":12},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ الأَعْرَافِ.\nالثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ الحِجْرِ.\nالثَّالِثَةُ: شِدَّةُ الوَعِيدِ فِيمَنْ أَمِنَ مَكَرَ اللهِ.\nالرَّابِعَةُ: شِدَّةُ الوَعِيدِ فِي القُنُوطِ.","vol":"2","page":13},{"text":"<span data-type='title' id=toc-281>الشَّرْحُ</span>\n- قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ٩٤ - ٩٩].\n- مُنَاسَبَةُ هَذَا البَابِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ أَنَّ الأَمْنَ مِنْ مَكْرِ اللهِ، وَالقُنُوطَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ مُنَافِيَانِ لِكَمَالِ التَّوحِيدِ الوَاجِبِ، وَقَدْ يُنَافِيَانِ أَصْلَهُ إِذَا اسْتَحْكَمَا.\n- الأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللهِ سَبَبُهُ ضَعْفُ عِبَادَةِ الخَوفِ مِنَ اللهِ تَعَالَى، أَمَّا القُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى فَسَبَبُهُ ضَعْفُ عِبَادَةِ الرَّجَاءِ بِاللهِ تَعَالَى.\nوَكِلَاهُمَا مُنَافِيَانِ لِكَمَالِ التَّوحِيدِ، وَقَدْ يُنَافِيَانَ أصْلَهُ إِنْ صَحِبَهُمَا اعْتِقَادٌ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يُوسُف: ٨٧].\n- أَورَدَ المُصَنِّفُ ﵀ هَاتَينِ العِبَادَتَينِ فِي بَابٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُمَا مُتَقَابِلَتَان، فَلَا يَصِحُّ الإِفْرَاطُ فِي رَجَاءِ المَغْفِرَةِ بِحَيثُ يَأْمَنُ عَذَابَ اللهِ! وَأَيضًا لَا يَصِحُّ الإِفْرَاطُ فِي الخَوفِ بِحَيثُ يَقْنَطُ مِنْ مَغْفِرَةِ اللهِ!\nلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: إِنَّهُمَا كَجَنَاحَي الطَّائِرِ؛ إِذَا اخْتَلَّ أَحَدُهُمَا عَنِ","vol":"2","page":14},{"text":"الآخَرِ سَقَطَ الطَّائِرُ!\nوَانْظُرْ قَولَهَ تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزُّمَر: ٩].\nوكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإِسْرَاء: ٥٧].\n- الأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللهِ: هُوَ إِقَامَةُ العَبْدِ عَلَى الذَّنْبِ يَتَمَنَّى عَلَى اللهِ المَغْفِرَةَ، وَفِي الحَدِيثِ: «إِذَا رَأَيتَ اللهَ يُعْطِي العَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ؛ فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ، ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأَنْعَام: ٤٤]» (^١).\n- مَكْرُ اللهِ تَعَالَى يَتَضَمَّنُ أَمْرَينِ:\n١ - اسْتِدْرَاجَ العَاصِي بِالنِّعَمِ.\n٢ - أَنْ يَكُونَ العَاصِي آمِنًا مِنْ كُلِّ جِهَةٍ.\n- القُنُوطُ: اسْتِبْعَادُ الفَرَجِ وَاليَأْسُ مِنْهُ، وَهُوَ مُقَابِلٌ لِلأَمْنِ مِنْ مَكْرِ اللهِ -مِنْ ِجِهَةِ المُخَالَفَةِ-.\n- قَولُهُ: «وَاليَأْسُ مِنْ رَوحِ اللهِ»، هَذَا اليَأْسُ فِيهِ مَحْذُورَانِ:\n١ - إِسَاءَةُ الظَّنِّ بِاللهِ تَعَالَى مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَيسَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ!\n٢ - الجَهْلُ بِهِ سُبْحَانَهُ مِنْ جِهَةِ سَعَةِ رَحْمَتِهِ وَجُودِهِ وَمَغْفِرَتِهِ، أَوْ مِنْ جِهَةِ\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١٧٣١١) عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٤١٣).","vol":"2","page":15},{"text":"حِكْمَتِهِ، أَوَ مِنْ جِهَةِ سُنَّتِهِ سُبْحَانَهُ فِي خَلْقِهِ مِنَ الابْتِلَاءِ وَتَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ.\n- قَولُهُ: «وَالأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللهِ»، هَذَا الأَمْنُ فِيهِ أَيضًا مَحْذُورَانِ:\n١ - الجَهْلُ بِقُدْرَةِ اللهِ تَعَالَى، وَبِإِحَاطَتِهِ سُبْحَانَهُ لِكُلِّ شَيءٍ عِلْمًا وَقُدْرَةً.\n٢ - العُجْبُ بِالنَّفْسِ؛ حَيثُ اعْتَقَدَ صَاحِبُ الأَمْنِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ عَذَابًا؛ بَلْ هُوَ أَهْلٌ لِكُلِّ خَيرٍ رُغْمَ مَعَاصِيهِ!\n- قَولُهُ: «مِنَ الكَبَائِرِ» فِيهِ بَيَانُ أَنَّ المَعَاصِي مِنْهَا الصَّغَائِرُ وَمِنْهَا الكَبَائِرُ وَبَعْضُهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْضٍ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهَا لَيسَتْ مَعْدُودَةً بِعَدَدٍ مُعَيَّنٍ، وَإنَّمَا هِيَ مَحْدُودَةٌ بِحَدٍّ مُعَيَّنٍ.\nوَضَابِطُهَا مَا قَالَهُ المُحَقِّقُونَ مِنَ العُلَمَاءِ، وَهِيَ أنَّهَا: \"كُلُّ ذَنْبٍ تُوُعِّدَ عَلَيهِ بِنَارٍ أَو لَعْنَةٍ أَو غَضَبٍ أَو عَذَابٍ أَو نَفْي إِيمَانٍ أَو نَفْيٍ مِنَ المِلَّةِ، أَو لَهُ حَدٌّ فِي الدُّنْيَا، أَو وَعِيدٍ مَخْصُوصٌ (^١) فِي الآخِرَةِ\".\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: \"وَمِنْ أَحْسَنِ التَّعَارِيفِ قَولُ القُرْطُبِيِّ فِي المُفْهِمِ: كُلُّ ذَنْبٍ أُطْلِقَ عَلَيهِ بِنَصِّ كِتَابٍ أَو سُنَّةٍ أَو إِجْمَاعٍ أَنَّهُ كَبِيرَةٌ أَو عَظِيمٌ، أَو أُخْبِرَ فِيهِ بِشِدَّةِ العِقَابِ، أَو عُلِّقَ عَلَيهِ الحَدُّ، أَو شُدِّدَ النَّكِيرُ عَلَيهِ: فَهُوَ كَبِيرَةٌ.\n_________\n(^١) قَالَ الحَافِظُ الهَيتَمِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ الزَّوَاجِرُ عَنِ اقْتِرَافِ الكَبَائِرِ (١/ ٨): \"وَخَرَجَ بِالْخُصُوصِ مَا انْدَرَجَ تَحْتَ عُمُومٍ؛ فَلَا يَكْفِي ذَلِكَ فِي كَونِهِ كَبِيرَةً بِخُصُوصِهِ\".\nوَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٢/ ٢٨٤): \"وَقَدِ اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ فِي حَدِّ الْكَبِيرَةِ، فَمِنْ قَائِلٍ: هِيَ مَا عَلَيهِ حدٌّ في الشرع، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ مَا عَلَيهِ وَعِيدٌ لِخُصُوصِهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَقِيلَ غَيرَ ذَلِكَ\".","vol":"2","page":16},{"text":"وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي تَتَبُّعُ مَا وَرَدَ فِيهِ الوَعِيدُ أَوِ اللَّعْنُ أَوِ الفِسْقُ مِنَ القُرْآنِ أَوِ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَالحَسَنَةِ، وَيُضَمُّ إِلَى مَا وَرَدَ فِيهِ التَّنْصِيصُ فِي القُرْآنِ وَالأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ وَالحِسَانِ عَلَى أَنَّهُ كَبِيرَةٌ، فَمَهْمَا بَلَغَ مَجْمُوعُ ذَلِكَ عُرِفَ مِنْهُ تَحْرِيرُ عَدَدِهَا\" (^١).\n_________\n(^١) فَتْحُ البَارِي (١٢/ ١٨٤).\nوَأَيضًا أَفَادَهُ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ فِي مَجْمُوعِ الفَتَاوَى (١١/ ٦٥٠) بِمَعْنَاهُ.\nوَقَالَ فِيهِ أَيضًا عَنِ الصَّغِيرَةِ -بِالمُقَابَلَةِ-: \"أَمْثَلُ الأَقْوَالِ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ؛ القَولُ المَأْثُورُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -وَذَكَرَهُ أَبُو عُبَيدَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيرُهُمَا- وَهُوَ: أَنَّ الصَّغِيرَةَ مَا دُونَ الحَدَّينِ: حَدِّ الدُّنْيَا وَحَدِّ الآخِرَةِ\".","vol":"2","page":17},{"text":"<span data-type='title' id=toc-282>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-283> المَسْأَلَةُ الأُولَى: قَولُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيأَسَ الرُّسُلُ </span>وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يُوسُف: ١١٠]؛ أَلَيسَ فِيهِ أَنَّ الرُّسُلَ يَئِسُوا؟\nالجَوَابُ: فِيهَا قَولَانِ.\n١ - أَنَّ هَذَا يَأْسٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ المَدْعُوِّينَ أَنَّهُم لَنْ يُؤمِنُوا بَعْدَ هَذَا الوَقْتِ، وَلَيسَ مِنْ جِهَةِ يَأْسِهِم مِنْ رَوحِ اللهِ تَعَالَى (^١).\n٢ - مَا أَفَادَهُ الإِمَامُ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ العَظِيمِ \"القَوَاعِدُ الحِسَانُ لِتَفْسِيرِ القُرْآنِ\"، فَقَالَ ﵀:\n\" القَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ وَالسِّتُّونَ: الأُمُورُ العَارِضَةُ الَّتِي لَا قَرَارَ لَهَا بِسَبَبِ المُزْعِجَاتِ أَوِ الشُّبُهَاتِ قَدْ تَرِدُ عَلَى الحَقِّ وَعَلَى الأُمُورِ اليَقِينِيَّةِ وَلَكِنْ سُرْعَانَ مَا تَضْمَحِلُّ وَتَزُولُ.\nوَهَذِهِ قَاعِدَةٌ شَرِيفَةٌ جَلِيلَةٌ قَدْ وَرَدَتْ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ مِنَ القُرْآنِ، فَمَنْ لَمْ يُحْكِمْهَا\n_________\n(^١) وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿كُذِبُوا﴾ فِيهَا قِرَاءَتَان، بِالتَّخْفِيفِ: وَيَكُونُ فِيهَا صَاحِبُ الظَّنِّ هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ وَالمَدْعُوُّونَ.\nوَالقِرَاءَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ بِالتَّشْدِيدِ ﴿كُذِّبُوا﴾: وَيَكُونُ صَاحِبُ الظَّنِّ فِيهَا هُمُ الرُّسُلُ؛ حَيثُ ظَنُّوا أَنَّ النَّاسَ قَدْ كَذَّبُوهُم. اُنْظُرْ تَفْسِيرَ الطَّبَرِيِّ ﵀ (١٦/ ٣٠٨).\nوَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٦٩): \"وَجَاءَ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَير عَن ابْنِ عَبَّاسٍ نَفْسِهِ، فَعِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَولِهِ: ﴿قَدْ كُذِبُوا﴾ قَالَ اسْتَيأَسَ الرُّسُلُ مِنْ إِيمَانِ قَومِهِمْ؛ وَظَنَّ قَومُهُمْ أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوهُمْ. وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، فَلْيَكُنْ هُوَ الْمُعْتَمد فِي تَأْوِيل مَا جَاءَ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ -وَهُوَ أَعْلَمُ بِمُرَادِ نَفْسِهِ مِنْ غَيرِهِ-\".","vol":"2","page":18},{"text":"حَصَلَ لَهُ مِنَ الغَلَطِ فِي فَهْمِ بَعْضِ الآيَاتِ مَا يُوجِبُ الخُرُوجَ عَنْ ظَاهِرِ النَّصِّ.\nوَمَنْ عَرَفَ حِكْمَةَ اللهِ تَعَالَى: فِي وُرُودِهَا عَلَى الحَقِّ الصَّرِيحِ لِأَسْبَابٍ مُزْعِجَةٍ تَدْفَعُهَا أَوْ لِشُبْهَةٍ قَوِيَّةٍ تُحْدِثُهَا ثُمَّ بَعْدَ هَذَا إِذَا رَجَعَ إِلَى اليَقِينِ وَالحَقِّ الصَّرِيحِ، وَتَقَابَلَ الحَقُّ وَالبَاطِلُ، وَوَقَعَتِ الخُصُومَةُ بَينَهُمَا فَغَلَبَ الحَقُّ البَاطِلَ، وَدَمَغَهُ فَزَهَقَ البَاطِلُ وَثَبَتَ الحَقُّ؛ حَصَلَتِ العَاقِبَةُ الحَسَنَةُ، وَزِيَادَةُ الإِيمَانِ وَاليَقِينِ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ التَّقْدِيرُ حِكَمٌ بَالِغَةٌ وَأَيَادٍ سَابِغَةٌ.\nوَلْنُمَثِّلْ لِهَذَا بِأَمْثِلَةٍ: فَمِنْهَا أَنَّ الرُّسُلَ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيهِمْ أَكْمَلُ الخَلْقِ إِيمَانًا وَيَقِينًا وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِ اللهِ وَوَعِيدِهِ، وَهَذَا أَمْرٌ يَجِبُ عَلَى الأُمَمِ أَنْ يَعْتَقِدُوهُ فِي الرُّسُلِ مِنْ أَنَّهُم قَدْ بَلَغُوا الذِّرْوَةَ فِيهِ، وَأَنَّهُم مَعْصُومُونَ مِنْ ضِدِّهِ، وَلَكِنْ ذَكَرَ اللهُ فِي بَعْضِ الآيَاتِ أَنَّهُ قَدْ يَعْرِضُ لَهُم بَعْضُ الأُمُورِ المُزْعِجَةِ -المُنَافِيَةِ حِسًّا لِمَا عُلِمَ يَقِينًا- مَا يُوجِبُ لِهَؤُلَاءِ الكُمَّلِ أَنْ يَسْتَبْطِئُوا مَعَهُ النَّصْرَ، وَيَقُولُونَ: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البَقَرَة: ٢١٤]؟! وَقَدْ يَخْطُرُ فِي هَذِهِ الحَالَةِ عَلَى القُلُوبِ شَيءٌ مِنْ عَوَارِضِ اليَأْسِ بِحَسْبِ قُوَّةِ الوَارِدَاتِ وَتَأْثِيرِهَا فِي القُلُوبِ؛ ثُمَّ فِي َأَسْرَعِ وَقْتٍ تَنْجَلِي هَذِهِ الحَالُ وَتَنْفَرِجُ الأَزْمَةُ وَيَأْتِي النَّصْرُ مِنْ قَرِيبٍ ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البَقَرَة: ٢١٤]، فَعِنْدَئِذٍ يَصِيرُ لِنَصْرِ اللهِ وَصِدْقِ مَوعُودِهِ مِنَ الوَقْعِ وَالبِشَارَةِ وَالآثَارِ العَجِيبَةِ أَمْرٌ كَبِيرٌ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ هَذِهِ الحَالَةِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يُوسُف: ١١٠] فَلِهَذَا الوَارِدِ الَّذِي لَا َقَرَارَ لَهُ، وَعِنْدَمَا حَقَّتِ الحَقَائِقُ اضْمَحَلَّ وَتَلَاشَى؛ لَا يُنْكَرُ وَيُطْلَبُ لِلْآيَاتِ تَأْوِيلَاتٌ مُخَالِفَةٌ لِظَاهِرِهَا\" (^١).\n_________\n(^١) القَوَاعِدُ الحِسَانُ (ص ١٥٥).","vol":"2","page":19},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-284> المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: كَيفَ يُوصَفُ اللهُ تَعَالَى بِالمَكْرِ مَعَ أَنَّ ظَاهِرَهُ مَذْمُومٌ؟</span>\nالجَوَابُ:\nإِنَّ المَكْرَ فِي مَحَلِّهِ المَمْدُوحِ مَمْدُوحٌ؛ فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ المَاكِرِ وَأَنَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ، وَلَا يُوصَفُ اللهُ تَعَالَى بِهِ عَلَى الإِطْلَاقِ!\nفَلَا يَجُوزُ أَنْ تَقُولَ: إنَّ اللهَ مَاكِرٌ! وَإنَّمَا تُذْكَرُ هَذِهِ الصِّفَةُ فِي مَقَامٍ يَكُونُ فِيهِ مَدْحًا، وَهَذِهِ الصِّفَةُ لَا تُنْفى عَنْهُ أَيضًا عَلَى سَبِيلِ الإِطْلَاقِ؛ وَلَكِنْ يُوصَفُ بِهَا اللهُ تَعَالَى فِي المَوضِعِ الَّذِي تَكُونُ فِيهِ مَدْحًا، فَلِذَلِكَ لَا يُسَمَّى اللهُ بِهَا؛ فَلَا يُقَالُ: إنَّ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ المَاكِرُ (^١)!\nقَالَ الشَّيخُ مُحَمَّدُ رَشِيد رِضَا ﵀: \"وَالغَالِبُ فِي عَادَاتِ البَشَرِ أَنْ يَكُونَ المَكْرُ فِيمَا يَسُوءُ وَيُذَمُّ مِن الكَذِبِ وَالحِيَلِ، وَلِذَلِكَ تَأَوَّلَ المُفَسِّرُونَ مَا أُسْنِدَ إِلَى اللهِ تَعَالَى مِنْهُ؛ فَقَالُوا فِي مِثْلِ هَاتَينِ الآيتَينِ -آيَةِ الأَنْفَالِ وَآيَةِ آلِ عِمْرَانَ-: إِنَّهُ أُسْنِدَ إِلَى اللهِ تَعَالَى مِن بَابِ المُشَاكَلَةِ بِتَسْمِيَةِ تَخْيِيبِ سَعْيِهِم فِي مَكْرِهِم أَوْ مُجَازَاتِهِم عَلَيهِ بِاسْمِهِ.\nوَالحَقُّ أَنَّ المَكْرَ مِنْهُ الخَيرُ وَالشَّرُّ، وَالحَسَنُ وَالسَّيِّءُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] \" (^٢).\nوَتَأَمَّلْ كَيفَ وَصَفَ اللهُ تَعَالَى نَفْسَهُ بِأَنَّهُ خَيرُ مَنْ مَكَرَ، حَيثُ دَفَعَ سُبْحَانَهُ كُلَّ شُبْهَةِ سُوءِ فَهْمٍ عَنْ مَكْرِهِ؛ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ\n_________\n(^١) وَذَلِكَ لِأَنَّ الاسْمِ يُفِيدُ الاسْتِغْرَاقَ دُونَ التَّفْصِيلَ، وَأَيضًا لِأَنَّ الأَسْمَاءَ تَوقِيفِيَّةٌ.\n(^٢) تَفْسِيرُ المَنَارِ (٩/ ٥٤١).","vol":"2","page":20},{"text":"يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأَنْفَال: ٣٠] (^١).\nوَأَمَّا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرَّعْدُ: ٤٢] فَمَعْنَاهُ إِحَاطَتُهُ تَعَالَى بِمَكْرِهِم عِلْمًا وَجَزَاءً وَخَلْقًا وَتَقْدِيرًا.\nقَالَ البَغَوِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٤/ ٣٢٨): \"أَي: عِنْدَ اللهِ جَزَاءُ مَكْرِهِمْ، وَقِيلَ: إِنَّ اللهَ خَالِقُ مَكْرِهِمْ جَمِيعًا؛ بِيَدِهِ الخَيرُ وَالشَّرُّ، وَإِلَيهِ النَّفْعُ وَالضُّرُّ؛ فَلَا يَضُرُّ مَكْرُ أَحَدٍ أَحَدًا إِلَّا بِإِذْنِهِ\" (^٢).\n_________\n(^١) وَمِثْلُهَا أَيضًا صِفَةُ الخِدَاعِ وَالكَيدِ؛ فَهِيَ صِفَاتٌ جَاءَتْ فِي مُقَابَلَةِ صَنِيعِ أَعْدَاءِ الرُّسُلِ، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى عِلْمِ اللهِ تَعَالَى بِصَنِيعِهِم وَقُدْرَتِهِ سُبْحَانَهُ عَلَيهِم وَإِحَاطَتِهِ بِهِم.\nأَرَأَيتَ لَو أَنَّ رَجُلًا مُحْتَالًا أَرَادَ خِدَاعَ شَخْصٍ؛ فَعَلِمَ بِذَلِكَ هَذَا الشَّخْصُ وَجَارَاهُ عَلَى خُدْعَتِهِ لِيُوقِعَ بِهِ وَلِيَرُدَّ خُدْعَتَهُ إِلَيهِ وَيُوقِعَهُ فِي شَرِّ عَمَلِهِ؛ هَلْ يَكُونُ هَذَا الخِدَاعُ وَالمَكْرُ مَذْمُومًا؟! فَمَكْرُ الرَّجُلِ الأَوَّلِ هُوَ مِنْ بَابِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فَاطِر: ٤٣]، وَأَمَّا مَكْرُ اللهِ تَعَالَى فَهُوَ فِي مُقَابَلَةِ مَكْرِهِم مِنْ حَيثُ لَا يَشْعُرُونَ؛ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى القُوَّةِ وَالعِلْمِ وَالعِزَّةِ وَالمَنَعَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النَّمْل: ٥٠].\nوَتَأَمَّلْ -بِنَحْوِهِ- قَولَهُ ﷺ: «الحَرْبُ خَدْعَةٌ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣٠٣٠)، وَمُسْلِمٌ (١٧٣٩) عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا.\n(^٢) تَفْسِيرُ البَغَوِيِّ (٤/ ٣٢٨).","vol":"2","page":21},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-285> المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إِذَا كَانَ القُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى كُفْرٌ؛ فَكَيفَ اسْتَبْعَدَ إِبْرَاهِيمُ </span>﵊ الفَرَجَ فِي قَولِهِ تَعَالَى عَنْهُ: ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾؟\nالجَوَابُ:\nإِنَّ قَولَ إِبْرَاهِيمَ ﵇ لِلمَلَائِكَةِ: ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ * قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ * قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ لَيسَ فِيهِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵇ قَنَطَ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ! وَإنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ اسْتِبْعَادِ الوُقُوعِ مِنْ جِهَةِ الأَسْبَابِ، وَلَيسَ مِنْ جِهَةِ قُدْرَةِ اللهِ تَعَالَى وَرَحْمَتِهِ، لِأَنَّ العَادَةَ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَبُرَ سِنُّهُ وَسِنُّ زَوجَتِهِ اسْتُبْعِدَ أَنْ يُولَدَ لَهُ مِنْهَا مِنْ جِهَةِ الأَسْبَابِ الكَونِيَّةِ، فَلَيسَ قَولُهُ ذَاكَ هُوَ مِنَ القُنُوطِ! فَإِنَّهُ يَعْلَمُ مِنْ قُدْرَةِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ مَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ وَأَعْظَمُ، وَلِذَلِكَ وَصَفَ هُوَ نَفْسُهُ القَانِطَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى بِالضَّلَالِ.\nوَمِثْلُهُ قَولُ زَكَرِيَّا ﵇ عِنْدَمَا بَشَّرُوُهُ بِيَحْيَى ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عِمْرَان: ٤٠] فَهُوَ نَظَرَ إِلَى الأَسْبَابِ وَتَعَجَّبَ مِنْ إِتْيَانِ الوَلَدِ بِهَا، وَلَمْ يُظْهِرْ قُنُوطًا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ!\nبَلْ لَمَّا سَمِعَ قَولَ مَرْيَمَ ﵍ عِنْدَمَا رَأَى رِزْقَ رَبِّهَا لَهَا -مِنْ غَيرِ سَعْيٍ مِنْهَا- دَعَا اللهَ بِالذُّرِّيَّةِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِيَطْلُبَ مِنْهُ تَعَالَى إِذَا كَانَ قَانِطًا مِنْ ربِّهِ! قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ * هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عِمْرَان: ٣٦ - ٣٧] فَدُعَائُهُ دَالٌّ عَلَى اعْتِقَادِهِ أَنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى رِزْقِهِ وَلَو عَدِمَ هُوَ السَّبَبَ.","vol":"2","page":22},{"text":"بَابُ مِنَ الإِيمَانِ بِاللهِ الصَّبْرُ عَلَى أَقْدَارِ اللهِ\nوَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ [التَّغَابُن: ١١]. قَالَ عَلْقَمَةُ: (هُوَ الرَّجُلُ تُصِيبُهُ المُصِيبَةُ؛ فَيَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللهِ فَيَرْضَى وَيُسَلِّمُ) (^١).\nوَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى المَيِّتِ» (^٢).\nوَلَهُمَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: «لَيسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ» (^٣).\nوَعَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ الخَيرَ؛ عَجَّلَ لَهُ بِالعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ؛ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَومَ القِيَامَةِ» (^٤).\n_________\n(^١) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (٢٣/ ٤٢١).\n(^٢) مُسْلِمٌ (٦٧).\n(^٣) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١٢٩٧)، وَمُسْلِمٌ (١٠٣).\n(^٤) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٣٩٦). الصَّحِيحَةُ (١٢٢٠).\nقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: \"عَنْ سِنَانِ بْنِ سَعْدٍ، أَو سَعْدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.\nقُلْتُ: وَسَعْدٌ هَذَا اخْتَلَفَ فِيهِ الرُّواةُ؛ فَبَعْضُهُم يَقُولُ: سَعْدُ بْنُ سِنَانٍ، وَبَعْضُهُم عَلَى القَلْبِ: سِنَانُ بْنُ سَعْدٍ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ عِنْدَ البُخَارِيِّ. قَالَ الحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ: صَدُوقٌ لهُ أَفْرَادٌ.\nوَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ الحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ مَرْفُوعًا بِهِ. أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ (٢٤٥٥) وَأَبْو نُعَيمٍ فِي أَخْبَارِ أَصْبَهَانَ (٢/ ٢٧٤) وَالبَيهَقِيُّ (ص ١٥٣ - ١٥٤) وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، لَكِنَّ الحَسَنَ -وَهُوَ البَصْرِيَّ- مُدَلِّسٌ وَقَدْ عَنْعَنَهُ. وَلِشَطْرِهِ الأَوَّلِ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا. أَخْرَجَهُ ابْنُ الجَوزِيِّ فِي (ذَمِّ الهَوَى) (ص ١٢٦) \".","vol":"2","page":23},{"text":"وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلَاءِ، وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ قَومًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ». حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ (^١).\nفِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ التَّغَابُنِ.\nالثَّانِيَةُ: أَنَّ هَذَا مِنَ الإِيمَانِ بِاللَّهِ.\nالثَّالِثَةُ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ.\nالرَّابِعَةُ: شِدَّةُ الوَعِيدِ فِيمَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ.\nالخَامِسَةُ: عَلَامَةُ إِرَادَةِ اللهِ بِعَبْدِهِ الخَيرَ.\nالسَّادِسَةُ: عَلَامَةُ إِرَادَةِ اللهِ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ.\nالسَّابِعَةُ: عَلَامَةُ حُبِّ اللهِ لِلْعَبْدِ.\nالثَّامِنَةُ: تَحْرِيمُ السُّخْطِ.\nالتَّاسِعَةُ: ثَوَابُ الرِّضَا بِالبَلَاءِ.\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٣٩٦) عَنْ سَعْدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَنَسٍ. الصَّحِيحَةُ (١٤٦).","vol":"2","page":24},{"text":"<span data-type='title' id=toc-288>الشَّرْحُ</span>\n- مُقَدِّمَةٌ فِي فَضْلِ الصَّبْرِ:\nقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيرِ حِسَابٍ﴾ [الزُّمَر: ١٠].\nوَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيرًا وَأَوسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» (^١).\nوَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الصَّبْرِ ضِيَاءٌ» (^٢).\nوَقَالَ عُمَرُ ﵁: (وَجَدْنَا خَيرَ عَيشِنَا بِالصَّبْرِ) (^٣).\n- الصَّبْرُ لُغَةً: الحَبْسُ وَالمَنْعُ، وَمِنْهُ قُتِلَ فُلَانٌ صَبْرًا: أَي: حَبْسًا.\n- مُنَاسَبَةُ الآيَةِ مَعَ البَابِ وَمَعَ كِتَابِ التَّوحِيدِ هُوَ: أَنَّ الصَّبْرَ إِيمَانٌ، وَتَرْكَهُ تَرْكٌ لِلإِيمَانِ (^٤)، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى المَيِّتِ» حَيثُ جُعِلَ تَرْكُ الصَّبْرِ -وَهُوَ النِّيَاحَةُ هُنَا- كُفْرًا.\n_________\n(^١) الحَدِيثُ بِتَمَامِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ؛ أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا عِنْدَهُ، قَالَ: «مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَإِنَّهُ مَنْ يَسْتَعِفْ يُعِفُّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيرًا وَأَوسَعَ مِنَ الصَّبْرِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١٤٦٩)، وَمُسْلِمٌ (١٠٥٣).\n(^٢) مُسْلِمٌ (٢٢٣) عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ.\n(^٣) ذَكَرَهُ البُخَارِيُّ (٨/ ٩٩) تَعْلِيقًا.\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١١/ ٣٠٣): \"وَقَدْ وَصَلَهُ أَحْمَدُ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُجاهدٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ … \".\n(^٤) حَيثُ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى الصَّبْرَ إِيمَانًا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ [التَّغَابُن: ١١].","vol":"2","page":25},{"text":"- مَوَاضِعُ الصَّبْرِ: الصَّبْرُ يَقَعُ عَلَى القَلْبِ، وَعَلَى اللِّسَانِ، وَعَلَى الجَوَارِحِ (^١).\n- أَنْوَاعُ الصَّبْرِ:\n١ - صَبْرٌ عَلَى طَاعَةِ اللهِ.\n٢ - صَبْرٌ عَنْ مَعْصِيَةِ اللهِ.\n٣ - صَبْرٌ عَلَى مَا قَدَّرَهُ اللهُ مِنَ المَصَائِبِ -وَهُوَ مَوضُوعُ البَابِ-.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ أَي: مَنْ عَلِمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ كَانَ بِقَدَرِ اللهِ، وَرَضِيَ بِذَلِكَ وَصَبَرَ؛ فَإِنَّ اللهَ يُثِيبُهُ هِدَايَةً فِي قَلْبِهِ.\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀: \"وَمَنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ فَعَلِمَ أَنَّهَا بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ فَصَبَرَ وَاحْتَسَبَ وَاسْتَسْلَمَ لِقَضَاءِ اللهِ؛ هَدَى اللهُ قَلْبَهُ، وعَوَّضَهُ عَمَّا فَاتَهُ مِنَ الدُّنْيَا هُدًى فِي قَلْبِهِ وَيَقِينًا صَادِقًا، وَقَدْ يُخْلِفُ عَلَيهِ مَا كَانَ أَخَذَ مِنْهُ أَو خَيرًا مِنْهُ\" (^٢).\n- فِي البَابِ مِنَ الفِقْهِ أَنَّ مِنَ الكُفْرِ مَا لَا يُخْرِجُ منَ المِلَّةِ، وَفِي الحَدِيثِ: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الفَخْرُ فِي الأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ، وَالاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ. وَقَالَ: النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوتِهَا؛ تُقَامُ يَومَ القِيَامَةِ وَعَلَيهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ» (^٣).\n- قَولُهُ: «هُمَا بِهِم كُفْرٌ» لِأَنَّهُمَا مِنْ أَفْعَالِ الجَاهِلِيَّةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَونِهِمَا كُفْرًا أَنْ يَكُونَ فَاعِلُهُمَا كَافِرًا (^٤)! كَمَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَونِ الزِّنْدِيقِ وَاليَهُودِيِّ وَغَيرِهِمَا مِنَ\n_________\n(^١) قُلْتُ: وَيُقَابِلُهُ السُّخَطُ؛ فَإِنَّهُ يَقَعُ عَلَى هَذِهِ الجَوَانِبِ أَيضًا.\n(^٢) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٨/ ١٣٧).\n(^٣) مُسْلِمٌ (٩٣٤) عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ مَرْفُوعًا.\n(^٤) إِلَّا إِنِ اسْتَحَلَّهَا، وَهَذَا الاسْتِحْلَالُ هُوَ الَّذِي يَجْعَلُهُ كَافِرًا كُفْرًا أَكْبَرَ مُخْرِجًا عَنِ المِلَّةِ.","vol":"2","page":26},{"text":"الكُفَّارِ؛ أَنَّه إِذَا فَعَلَ شُعْبَةً مِنْ شُعَبِ الإِيمَانِ -كَإِمَاطَةِ الأَذَى عَنِ الطَّريقِ وَالصِّدْقِ وَالصَّدَقَةِ- أَنَّهُ يَكُونُ مُؤْمِنًا! وَذَلِكَ لِأَنَّه كَافِرٌ فِي أَصْلِهِ، بِخِلَافِ مَنْ سَبَقَ الكَلَامُ عَلَيهِ؛ فَإِنَّهُ مُؤْمِنٌ فِي أَصْلِهِ.\nوَهَذَا الحَدِيثُ يَجْعَلُهُ أَهْلُ العِلْمِ مِنْ نُصُوصِ الوَعِيدِ الَّتِي يُمِرُّونَهَا كَمَا جَاءَتْ دُونَ الخَوضِ فِي تَفْسِيرِهَا، لَا لِعَدَمِ العِلْمِ بِمَعْنَاهَا وَمَآلِهَا! وَلَكِنْ كَي تَكُونَ أَوقَعَ فِي النَّفْسِ وَأَبْلغَ فِي الزَّجْرِ، وحَقِيقَةُ هَذَا الكُفْرِ أَنَّهُ مُنَافٍ لِكَمَالِ التَّوحِيدِ الوَاجِبِ؛ حَيثُ يَأْثَمُ تَارِكُهُ وَلَا يَخْرُجُ بِهِ مِنَ المِلَّةِ (^١).\n- قَولُهُ: «مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ» هَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الغَالِبِ، لَا أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِهِ، وَعَلَيهِ فَمَا كَانَ مِنَ الأَعْمَالِ بِمَعْنَاهُ فَهُوَ مِنْهُ (^٢).\n- قَولُهُ: «دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ» عَامٌّ فِي كُلِّ مَا كَانَ مِنْ أَعْمَالِ الجَاهِلِيَّةِ مِنَ الأَقْوَالِ المَذْمُومَةِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ نَدْبُ الميِّتِ، وَالدُّعَاءُ بِالوَيلِ وَالثُّبُورِ (^٣)، وَهَذَا مِنَ السَّخَطِ بِاللِّسَانِ؛ فَهُوَ مُنَافٍ لِلصَّبْرِ، وَيَدْخُلُ فِي دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ أَيضًا التَّعَصُّبُ وَدَعْوَى التَّجَمُّعِ عَلَى غَيرِ الإِسْلَامِ (^٤).\n_________\n(^١) قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (٢/ ٥٧): \"وَفِيهِ أَقْوَالٌ أَصَحُّهَا: أَنَّ مَعْنَاهُ: هُمَا مِنْ أَعمَالِ الكُفَّارِ وَأَخْلَاقِ الجَاهِلِيَّةِ. وَالثَّانِي: أَنَّه يُؤَدِّي إِلَى الكُفْرِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّه كُفْرُ النِّعْمَةِ وَالإحْسَانِ. وَالرَّابِعُ: أَنَّ ذَلِكَ فِي المُسْتَحِلِّ\".\n(^٢) قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ فِي كِتَابِهِ القَولُ المُفِيدُ (٢/ ١١٦): \"وَمِثْلُهُ هَدْمُ البُيُوتِ، وَكَسْرُ الأَوَانِي، وَتَخْرِيبُ الطَّعَامِ، وَنَحْوُهُ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ عِنْدَ المُصِيبَةِ\".\n(^٣) كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَاجَه (١٥٨٥) عَنْ أَبِي أُمَامَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ (لَعَنَ الخَامِشَةَ وَجْهَهَا، وَالشَّاقَّةَ جَيبَهَا، وَالدَّاعِيَةَ بِالوَيلِ وَالثُّبُورِ). الصَّحِيحَةُ (٢١٤٧).\n(^٤) كَمَا فِي البُخَارِيِّ (٤/ ١٨٣) -كِتَابِ المَنَاقِبِ؛ بَابِ مَا يُنْهَى مِنْ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ- عَنْ جَابِرٍ ﵁؛\n=","vol":"2","page":27},{"text":"وَفِي الحَدِيثِ: انْتَسَبَ رَجُلَانِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، فَمَنْ أَنْتَ لَا أُمَّ لَكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «انْتَسَبَ رَجُلَانِ عَلَى عَهْدِ مُوسَى ﵇، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ حَتَّى عَدَّ تِسْعَةً؛ فَمَنْ أَنْتَ لَا أُمَّ لَكَ؟ قَالَ: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ ابْنُ الإِسْلَامِ. قَالَ: فَأَوحَى اللهُ إِلَى مُوسَى ﵇ أَنْ قُلْ لهَذَينِ المُنْتَسِبَينِ: أَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا المُنْتَمِي -أَوِ المُنْتَسِبُ- إِلَى تِسْعَةٍ فِي النَّارِ! فَأَنْتَ عَاشِرُهُمْ، وَأَمَّا أَنْتَ يَا هَذَا المُنْتَسِبُ إِلَى اثْنَينِ فِي الجَنَّةِ! فَأَنْتَ ثَالِثُهُمَا فِي الجَنَّةِ» (^١).\n- قَولُهُ: «عَجَّلَ لَهُ العُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا» أَرَادَ المُصَنِّفُ ﵀ الإِرْشَادَ إِلَى أَنَّ المَصَائِبَ قَدْ يَكُونُ فِيهَا مَنْفَعَةُ العَبْدِ، فَتَكُونُ نِعْمَةً فِي حَقِّهِ، وَهَذَا مِمَّا يَحْمِلُهُ عَلَى الصَّبْرِ عَلَيهَا وَالاحْتِسَابِ وَالاسْتِرْجَاعِ؛ فَتَكُونُ المُصِيبَةُ فِي تِلْكَ الحَالِ خَيرًا لَهُ.\nوَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ صُهَيبٍ مَرْفُوعًا: «عَجَبًا لِأَمْرِ المُؤْمِنِ؛ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيرٌ -وَلَيسَ ذلِكَ لأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ-، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ؛ فَكَانَ خَيرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ؛ فَكانَ خَيرًا لَهُ» (^٢).\n_________\n=\nقالَ: غَزَونَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ ثَابَ مَعَهُ نَاسٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ حَتَّى كَثُرُوا، وَكَانَ مِنَ المُهَاجِرِينَ رَجُلٌ لَعَّابٌ، فَكَسَعَ أَنْصَارِيًّا، فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ غَضَبًا شَدِيدًا حَتَّى تَدَاعَوا، وَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ! وَقَالَ المُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ! فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «مَا بَالُ دَعْوَى أَهْلِ الجَاهِلِيَّةِ؟!!» ثُمَّ قَالَ: «مَا شَأْنُهُمْ؟» فَأُخْبِرَ بِكَسْعَةِ المُهَاجِرِيِّ الأَنْصَارِيَّ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «دَعُوهَا؛ فَإِنَّهَا خَبِيثَةٌ».\nوَ(الكَسْعُ): أَنْ تَضْرِبَ دُبُرَ الإِنْسَانِ بِيَدِكَ، أَو بِصَدْرِ قَدَمِكَ.\n(^١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢١١٧٨) عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. الصَّحِيحَةُ (١٢٧٠).\n(^٢) مُسْلِمٌ (٢٩٩٩).\nوَعِنْدَ أَحْمَدَ (١٦٨٠٦) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ: أَنَّ رَجُلًا لَقِيَ امْرَأَةً كَانَتْ بَغِيًّا فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَجَعَلَ يُلَاعِبُهَا حَتَّى بَسَطَ يَدَهُ إِلَيهَا، فَقَالَتِ المَرْأَةُ: مَهْ! فَإِنَّ اللهَ ﷿ قَدْ ذَهَبَ بِالشِّرْكِ، وَجَاءَنَا بِالإِسْلَامِ، فَوَلَّى الرَّجُلُ، فَأَصَابَ وَجْهَهُ الحَائِطُ فَشَجَّهُ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: «أَنْتَ عَبْدٌ أَرَادَ اللهُ بِكَ خَيرًا، إِذَا أَرَادَ اللهُ ﷿ بِعَبْدٍ خَيرًا عَجَّلَ لَهُ عُقُوبَةَ ذَنْبِهِ، وَإِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ شَرًّا أَمْسَكَ عَلَيهِ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَفَّى بِهِ يَومَ القِيَامَةِ». صَحِيحٌ. اُنْظُرْ تَخْرِيجَ كِتَابِ (كَلِمَةُ الإِخْلَاصِ وَتَحْقِيقُ مَعْنَاهَا لِلحَافِظِ ابْنِ رَجَب) (ص ٤٧) لِلشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ ﵀.","vol":"2","page":28},{"text":"وَكَمَا فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ أَيضًا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ -أَو أُمِّ المُسَيَّبِ- فَقَالَ: «مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ -أَو يَا أُمَّ المُسَيَّبِ- تُزَفْزِفِينَ؟» (^١) قَالَتْ: الحُمَّى، لَا بَارَكَ اللهُ فِيهَا، فَقَالَ: «لَا تَسُبِّي الحُمَّى؛ فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ» (^٢).\n- فِي حَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا قَولُهُ ﷺ: «أَرَادَ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ» مَعَ قَولِهِ أَيضًا ﷺ فِي حَدِيثٍ آخَرٍ: «وَالشَّرُّ لَيسَ إِلَيكَ» (^٣) تَفْصِيلٌ، وَهُوَ: أَنَّ الخَيرَ وَالشَّرَّ مَخْلُوقَانِ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَلَكِنَّ الشَّرَّ لَيسَ مَقْصُودًا ابْتِدَاءً، بَلْ هُوَ خَيرٌ فِي حَقِيقَتِهِ، فَيَظْهَرُ فِيهِ فَضْلُ اللهِ تَعَالَى عَلَى الصَّابِرِ، وَعَدْلُهُ مَعَ الكَافِرِ.\nوَقَالَ العُلَمَاءُ: أَفْعَالُ اللهِ تَعَالَى كُلُّهَا حِكْمَةٌ؛ تَدُورُ بَينَ العَدْلِ وَالفَضْلِ (^٤).\n_________\n(^١) قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (١٦/ ١٣١): \" «تُزَفْزِفِينَ» مَعْنَاهُ: تَتَحَرَّكِينَ حَرَكَةً شَدِيدَةً، أَي تَرْعَدِينَ\".\n(^٢) مُسْلِمٌ (٢٥٧٥).\n(^٣) وَهُوَ مِنْ حَدِيثِ عَليٍّ مَرْفُوعًا فِي مُسْلِمٍ (٧٧١).\nوَقَرِيبٌ مِنْهُ فِي ظَاهِرِ الإِشْكَالِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيرِ فِتْنَةً وَإِلَينَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٣٥].\n(^٤) قُلْتُ: وَتَأَمَّلْ قِصَّةَ مُوسَى ﵊ مَعَ الخَضِرِ وَمَا فِيهَا مِنَ الحِكَمِ، ثُمَّ تَأَمَّلْ قَولَ الخَضِرِ ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكَهْف: ٨٢].","vol":"2","page":29},{"text":"- أَوجُهُ بَيَانِ أَنَّ المَصَائِبَ نِعْمَةٌ (^١):\n١ - مُكَفِّرَاتٌ لِلذُّنُوبِ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: «عَجَّلَ لَهُ العُقُوبَةَ».\n٢ - تَدْعُو إِلَى الصَّبْرِ؛ فَيُثَابُ عَلَيهَا -كَمَا فِي آيَةِ البَابِ- (^٢) (^٣).\n٣ - تَقْتَضِي الإِنَابَةَ إِلَى اللهِ وَالذُّلَّ لَهُ، حَيثُ يَسْتَشْعِرُ العَبْدُ ضَعْفَهُ وَحَاجَتَهُ إِلَى رَبِّهِ، وَيَظْهَرُ افْتِقَارُهُ إِلَيهِ، فَتَظْهَرُ عُبُودِيَّتُهُ لَهُ سُبْحَانَهُ (^٤).\n٤ - رَفْعُ الدَّرَجَاتِ (^٥)، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «يَوَدُّ أَهْلُ العَافِيَةِ يَومَ القِيَامَةِ -حِينَ\n_________\n(^١) وَلَكِنَّهَا بِقَيدِ الحَدِيثِ السَّابِقِ: «وَلَيسَ ذَلِكَ إِلَّا لِلمُؤْمِنِ».\n(^٢) قُلْتُ: وَفِي حَدِيثِ البُخَارِيِّ (١٢٨٣)، وَمُسْلِمٍ (٩٢٦) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: «إنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى».\nقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (٦/ ٢٢٧): \"مَعْنَاهُ: الصَّبْرُ الكَامِلُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيهِ الأَجْرُ الجَزِيلُ لِكَثْرَةِ المَشَقَّةِ فِيهِ، وَأَصْلُ الصَّدْمِ الضَّرْبُ فِي شَيءٍ صُلْبٍ، ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ مَجَازًا فِي كُلِّ مَكْرُوهٍ حَصَلَ بَغْتَةً\".\n(^٣) قُلْتُ: وَقَدْ تَجْتَمِعُ الكَفَّارَةُ وَالإِثَابَةُ فِيهَا.\nقَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: \"وَلِهَذَا كَانَتِ الْمَصَائِبُ تُكَفِّرُ سَيِّئَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَبِالصَّبْرِ عَلَيهَا تَرْتَفِعُ دَرَجَاتُهُمْ\". مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (١٤/ ٢٥٥).\n(^٤) \"وَالمُؤْمِنُ إِذَا اسْتَبْطَأَ الفَرَجَ وَأَيِسَ مِنْهُ بَعْدَ كَثْرَةِ دُعَائِهِ وَتَضَرُّعِهِ وَلَمْ تَظْهَرْ لَهُ اسْتِجَابَةٌ؛ رَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ بِاللَّومِ، وَهَذَا اللَّومُ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الطَّاعَاتِ، فَإِنَّهُ يُوجِبُ انْكِسَارَ العَبْدِ لِمَولَاهُ، وَاعْتِرَافَهَ لَهُ بِأَنَّه أَهْلٌ لِمَا نَزَلَ بِهِ مِنَ البَلَاءِ، وَأَنَّهُ لَيسَ أَهْلًا لِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ، فَلِذَلِكَ تَسْرعُ إِلَيهِ حِينَئِذٍ إِجَابَةُ الدُّعَاءِ وَتَفْرِيجُ الكُرَبِ؛ فَإِنَّهُ تَعَالَى عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُم مِنْ أَجْلِهِ\". جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (١/ ٤٩٤) بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ.\n(^٥) هَذَا مَعَ بَيَانِ أَنَّ الأَصْلَ فِي المَصَائِبِ أَنَّهَا بِسَبَبِ الذُّنُوبِ، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشُّورَى: ٣٠]، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِسَبَبِ الذُّنُوبِ كَانَتْ امْتِحَانًا لِلْعَبْدِ كَي يَظْهَرَ صَبْرُهُ وَيَنَالَ الدَّرَجَاتِ العَالِيَةَ عِنْدَ رَبِّهِ، كَمَا فِي حَدِيثِ البُخَارِيِّ (٥٦٤٨) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ\n=","vol":"2","page":30},{"text":"يُعْطَى أَهْلُ البَلَاءِ الثَّوَابَ- لَو أَنَّ جُلودَهُمْ كانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالمَقَارِيضِ» (^١).\n- فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الثَّاني بَيَانُ تَفَاضُلِ الثَّوَابِ بِتَفَاضُلِ الابْتِلَاءِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «أشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسْبِ دِينِهِ؛ فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى قَدْرِ دِينِهِ، فَما يَبْرَحُ البَلَاءُ بِالعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ وَمَا عَلَيهِ خَطِيئَةٌ» (^٢).\nوَفِيهِ بَيَانُ فَضْلِ اللهِ تَعَالَى وَرَحْمَتِهِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَبْتَلِي العَبْدَ بِمَا يُطِيقُ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البَقَرَة: ٢٨٦].\n- وَلَا بُدَّ مِنَ العِلْمِ أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ المَقْصُودُ بِهِ الحَثُّ عَلَى الصَّبْرِ عَلَى البَلَاءِ بَعْدَ وُقُوعِهِ لَا التَّرْغِيبُ فِي طَلَبِهِ! وَذَلِكَ لِوُرُود النَّهْي عَنْهُ (^٣).\n- مَرَاتِبُ النَّاسِ عِنْدَ المُصِيبَةِ:\n١ - مَرْتَبَةُ السَّخَطِ عَلَى قَدَرِ اللهِ تَعَالَى: وَيَكُونُ بِالقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالجَوَارِحِ، كَمَا فِي المتَّفَقِ عَلَيهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: «لَيسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ وَشَقَّ\n_________\n=\n﵁: (أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنَّا).\nوكَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا: «إنَّ الرَّجُلَ لَيَكُونُ لَهُ المَنْزِلَةُ عِنْدَ اللهِ؛ فَما يَبْلُغُها بِعَمَلٍ! فَلَا يَزَالُ اللهُ يَبْتَلِيهِ بِمَا يَكْرَهُ حَتَّى يُبْلِّغَهُ إيَّاهَا». حَسَنٌ. ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ (٢٩٠٨). الصَّحِيحَةُ (١٥٩٩).\n(^١) حَسَنٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٤٠٢) عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٢٢٠٦).\n(^٢) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٣٩٨) عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (١٤٣).\n(^٣) أَفَادَهُ المُبَارَكْفُورِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (تُحْفَةُ الأَحْوَذِيِّ) (٧/ ٦٦).\nوَبِنَحْوِهِ قَولُهُ ﵊: «لَا تَمَنَّوا لِقَاءَ العَدُوِّ؛ فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣٠٢٦)، وَمُسْلِمٌ (١٧٤١) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.","vol":"2","page":31},{"text":"الجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ» (^١).\n٢ - مَرْتَبَةُ الصَّبْرِ: وَهُوَ الرِّضَى بِمَا قَدَّرَ اللهُ عَلَيهِ مِنَ البَلَاءِ؛ وَأنَّهُ لِحِكْمَةٍ يَعْلَمُهَا اللهُ، وَقَدْ يَتَمَنَّى العَبْدُ زَوَالَهَا، كَمِثْلِ مَنْ ابْتُلِيَ بِمَرَضٍ وَيَعْلَمُ أنَّهُ لِحِكْمَةٍ مِنْ رَبِّهِ؛ فَهُوَ رَاضٍ بِفِعْلِ رَبِّهِ (أَي بِتَقْدِيرِهِ) وَإِنْ كَانَ مُتَمَنِّيًا لِزَوَالِهِ -وَهُوَ المَقْدُورُ- (^٢).\n٣ - مَرْتَبَةُ الرِّضَا بِالمَقْدُورِ: فَهُوَ رَاضٍ بِالقَدَرِ مِنَ اللهِ تَعَالَى وَيَعْلَمُ أَنَّهُ لِحِكْمَةٍ، وَأَيضًا هُوَ رَاضٍ بِمَا حَلَّ بِهِ -أَي: مِنَ المَقْدُورِ- غَيرُ مُتَمَنٍ لِزَوَالِ مَا أَصَابَهُ.\nلَكِنَّ هَذَا لَا يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ بِأَسْبَابِ إِزَالَةِ المُؤْلِمِ! لِأَنَّ المَقْصُودَ هُوَ إِظْهَارُ مَحَبَّةِ مَا اخْتَارَهُ اللهُ لَكَ، لِأَنَّهُ نَاتِجٌ عَنْ عِلْمٍ وَحِكْمَةٍ وَرَحْمَةٍ (^٣) (^٤).\n٤ - مَرْتَبَةُ الشُّكْرِ عَلَى المُصِيبَةِ: ووَجْهُهَا أَنَّه يَحْمَدُ اللهَ تَعَالَى أَنَّه لَمْ يَجْعَلْهَا فِي\n_________\n(^١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١٢٩٧)، وَمُسْلِمٌ (١٠٣).\n(^٢) وَهَذِهِ المَرْتَبَةُ تُسَمَّى أَحْيَانًا بِمَرْتَبَةِ الرِّضَا؛ وَلَكِنْ بِالنِّسْبَةِ لِفِعْلِ اللهِ تَعَالَى -وَالَّذِي هُوَ المُقَارِنُ لِحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَعَدْلِهِ وَفَضْلِهِ-، وَأَمَّا المَرْتَبَةُ التَّالِيَةُ فَهِي الرِّضَا بِالمَقْدُورِ -وَهُوَ الَّذِي فِيهِ الخَيرُ وَالشَّرُّ-، وَهِيَ أَعْلَى مِنَ السَّابِقَةِ.\n(^٣) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: \"وَالفَرْقُ بَينَ الرِّضَا وَالصَّبْرِ: أَنَّ الصَّبْرَ كَفُّ النَّفْسِ وَحَبْسُهَا عَنِ التَّسَخُّطِ مَعَ وُجُودِ الأَلَمِ وَتَمَنِّي زَوَالِ ذَلِكَ، وَكَفُّ الجَوَارِحِ عَنِ العَمَلِ بِمُقْتَضَى الجَزَعِ.\nوَالرِّضَا: انْشِرَاحُ الصَّدْرِ وَسَعَتُهُ بِالقَضَاءِ، وَتَرْكُ تَمَنِّي زَوَالِ ذَلِكَ المُؤْلِمِ وَإِنْ وُجِدَ الإِحْسَاسُ بِالأَلَمِ، لَكِنَّ الرِّضَا يُخَفِّفُهُ لِمَا يُبَاشِرُ القَلْبَ مِنْ رُوحِ اليَقِينِ وَالمَعْرِفَةِ، وَإِذَا قَوِيَ الرِّضَا؛ فَقَدْ يُزِيلُ الإِحْسَاسَ بِالأَلَمِ بِالكُلِّيَّةِ كَمَا سَبَقَ\". جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (١/ ٤٨٨).\n(^٤) قُلْتُ: لَا سِيَّمَا إِنْ تَعَلَّقَ بِهَا مَا هُوَ خَيرٌ مِنْهَا، أَو مَا كَانَ مَذْمُومًا فِي نَفْسِهِ، فَالمَقْصُودُ هُنَا الابْتِلَاءُ بِالمُصِيبَةِ، كَمَا بَوَّبَ عَلَيهِ المُصَنِّفُ ﵀ بِقَولِهِ (بَاب مِنَ الإِيمَانِ بِاللهِ الصَّبْرُ عَلَى أَقْدَارِ اللهِ).\nوَقَالَ ابْنُ القَيِّمِ ﵀ فِي كِتَابِهِ زَادُ المَعَادِ (٤/ ٩): \"فَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ فِعْلُ التَّدَاوِي فِي نَفْسِهِ، وَالْأَمْرُ بِهِ لِمَنْ أَصَابَهُ مَرَضٌ مِنْ أَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ\".","vol":"2","page":32},{"text":"دِينِهِ (^١)، وَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَأَنَّ عَذَابَ الدُّنيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ.\nوَفِي الأَثَرِ عَن شُرَيحٍ القَاضِي: \"إِنِّي لَأُصَابُ بِالمُصِيبَةِ؛ فَأَحْمَدُ اللهَ عَلَيهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ!\nأَحْمَدُ إِذْ لَمْ يَكُنْ أَعْظَمُ مِنْهَا،\nوَأَحْمَدُ إِذْ رَزَقَنِي الصَّبْرَ عَلَيهَا،\nوَأَحْمُدُ إِذْ وَفَّقَنِي لِلاسْتِرْجَاعِ لِمَا أَرْجُو مِنَ الثَّوَابِ،\nوَأَحْمَدُ إِذْ لَمْ يَجْعَلْهَا فِي دِينِي\" (^٢).\n- مِمَّا يُعِينُ عَلَى الصَّبْرِ عِنْدَ المُصِيبَةِ أَمْرَانِ:\n١ - مُلَاحَظَةُ حِكْمَةِ اللهِ تَعَالَى فِي ابْتِلَائِهِ، وَأَنَّ أَفْعَالَهُ كُلُّهَا سُبْحَانَهُ تَدُورُ بَينَ العَدْلِ وَالفَضْلِ.\n٢ - مُلَاحَظَةُ ثَوَابِ الرِّضَى بِالقَدَرِ، وَمَا أَعَدَّهُ اللهُ تَعَالَى لِلصَّابِرِينَ، وَقَدْ دَلَّ لَهُ الحَدِيثُ: «إِنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلَاءِ» (^٣).\n_________\n(^١) كَمَا فِي الحَدِيثِ: «وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنا فِي دِينِنَا». حَسَنٌّ. التِّرْمِذِيُّ (٣٥٠٢) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (١٢٦٨).\n(^٢) سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ (٤/ ١٠٥).\n(^٣) قُلْتُ: وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ [التَّغَابُن: ١١].","vol":"2","page":33},{"text":"بَابُ مَا جَاءَ فِي الرِّيَاءِ\nوَقَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكَهْف: ١١٠].\nوَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا: «قَالَ تَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ مَعِي فِيهِ غَيرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).\nوَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ مَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيكُمْ عِنْدِي مِنَ المَسِيحِ الدَّجَّالِ؟» قَالُوا: بَلَى. قَالَ: «الشِّرْكُ الخَفِيُّ، يَقُومُ الرَّجُلُ فَيُصَلِّي؛ فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهَ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ إِلَيهِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٢).\n_________\n(^١) مُسْلِمٌ (٢٩٨٥).\n(^٢) حَسَنٌ. ابْنُ مَاجَه (٤٢٠٤)، وَأَحْمَدُ (١١٢٥٢). صَحِيحُ الجَامِعِ (٢٦٠٧).","vol":"2","page":34},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ الكَهْفِ.\nالثَّانِيَةُ: الأَمْرُ العَظِيمُ فِي رَدِّ العَمَلِ الصَّالِحِ إِذَا دَخَلَهُ شَيءٌ لِغَيرِ اللهِ.\nالثَّالِثَةُ: ذِكْرُ السَّبَبِ المُوجِبِ لِذَلِكَ وَهُوَ كَمَالُ الغِنَى.\nالرَّابِعَةُ: أَنَّ مِنَ الأَسْبَابِ؛ أَنَّهُ تَعَالَى خَيرُ الشُّرَكَاءِ.\nالخَامِسَةُ: خَوفُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أَصْحَابِهِ مِنَ الرِّيَاءِ.\nالسَّادِسَةُ: أَنَّهُ فَسَّرَ ذَلِكَ بِأَنَّ المَرْءَ يُصَلِّي لِلَّهِ؛ لَكِنْ يُزَيِّنُهَا لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ إِلَيهِ.","vol":"2","page":35},{"text":"<span data-type='title' id=toc-291>الشَّرْحُ</span>\n- الرِّيَاءُ حَقِيقَتُهُ مِنَ الرُّؤيَةِ البَصَرِيَّةِ، وَيَكُونُ أَيضًا مِنَ السَّمْعِ؛ فَيُسَمَّى سُمْعَةً، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «مَن سَمَّع سَمَّعَ اللهُ به، وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللهُ بِهِ» (^١).\n- الرِّيَاءُ هُوَ شِرْكٌ أَصْغَرُ، وَهُوَ أَيضًا شِرْكٌ خَفيٌّ، فَهُوَ أَصْغَرُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَيسَ بِأَكْبَرَ، أَي: لَيسَ فَاعِلُهُ كَافِرًا بِاللهِ تَعَالَى خَارِجًا عَنِ المِلَّةِ.\nوَهُوَ شِرْكٌ خَفِيٌّ (^٢) بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَيسَ بِظَاهِرٍ؛ لِأَنَّه يُخَالِطُ نِيَّةَ العَبْدِ وَلَيسَ عَمَلَهُ (^٣).\n- أَنْوَاعُ الرِّيَاءِ (^٤):\n١ - رِيَاءُ المُنَافِقِينَ: بِأَنْ يُظْهِرَ الإِسْلَامَ وَيُبْطِنَ الكُفْرَ، فَالرِّيَاءُ هَذَا هُوَ فِي أَصْلِ الدِّينِ.\n_________\n(^١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦٤٩٩)، وَمُسْلِمٌ (٢٩٨٦) مِنْ حَدِيثِ جُنْدُبٍ مَرْفُوعًا.\nوَفِي رِوَايَةٍ لَأَحْمَدَ (٣٨٣٩) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «مَنْ سَمَّعَ النَّاسَ بِعَمَلِهِ؛ سَمَّعَ اللهُ بِهِ سَامِعَ خَلْقِهِ»، وَالمَعْنَى: أَظْهَرَ اللهُ عَنْهُ مَا يَنطَوي عَلَيهِ مِنْ قُبْحِ السَّرَائِرِ.\n(^٢) وَعِنْدَ ابْنِ خُزَيمَةَ (٩٣٧) عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَشِرْكَ السَّرَائِرِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا شِرْكُ السَّرَائِرِ؟ قَالَ: «يَقُومُ الرَّجُلُ فَيُصَلِّي؛ فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ جَاهِدًا لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ النَّاسِ إِلَيهِ، فَذَلِكَ شِرْكُ السَّرَائِرِ». حَسَنٌ. صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (٣١).\n(^٣) وَتَأَمَّلِ الحَدِيثَ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ: انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، لَلشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ»، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَلِ الشِّرْكُ إِلَّا مَنْ جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَلشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى شَيءٍ إِذَا قُلْتَهُ ذَهَبَ عَنْكَ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ؟» قَالَ: «قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ». صَحِيحٌ. الأَدَبُ المُفْرَدُ (٧١٦). صَحِيحُ الأَدَبِ المُفْرَدِ (٥٥٤).\n(^٤) مُسْتَفَادٌ مِنَ التَّمْهِيدِ (ص ٥٢) لِلشَّيخِ صَالِحِ آلِ الشَّيخ حَفِظَهُ اللهُ.","vol":"2","page":36},{"text":"وَهَذَا مِنَافٍ لِلتَّوحِيدِ مِنْ أَصْلِهِ، وكُفْرٌ أَكْبَرُ بِاللهِ ﷻ، وَقَدْ وَصَفَ اللهُ المُنَافِقِينَ بِقَولِهِ: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النِّسَاء: ١٤٢].\n٢ - رِيَاءُ المُسْلِمِ (أَي الَّذِي قَدْ يَصْدُرُ مِنَ المُسْلِمِ): بِأَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُسْلِمًا، وَلَكِنَّهُ يُرَائِي بِبَعْضِ عَمَلِهِ، فَهَذَا شِرْكٌ خَفِيٌّ، وَهُوَ مُنافٍ لِكَمَالِ التَّوحِيدِ الوَاجِبِ، لِأَنَّه لَيسَ فِي أَصْلِ تَديُّنِهِ؛ وَعَلَيهِ حَدِيثُ البَابِ. وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ (الخَوفِ مِنَ الشِّرْكِ) بَيَانُ أَنَّهُ مِنَ الشِّرْكِ الأَصْغَرِ (^١).\n- سَبَبُ كَونِ النَّبِيِّ ﷺ يَخْشَى عَلَى أَصْحَابِهِ مِنَ الشِّركِ الخَفِيِّ أَكْثَرَ مِنَ المَسِيحِ الدَّجَّالِ رُغْمَ عِظَمِ فِتْنَتِهِ؛ هُوَ أَنَّ هَذَا النَّوعَ مِنَ الشِّرْكِ خَفيٌّ لَيسَ بِظَاهِرٍ، وَيَعْرِضُ لِلعُبَّادِ فِي عِبَادَتِهِم، أَمَّا المَسِيحُ الدَّجَّالُ؛ فَإِنَّ أَمْرَهُ ظَاهِرٌ، وَذَلِكَ لِمَا جَاءَ فِي حَقِّهِ مِنَ النُّصُوصِ، لِذَلِكَ كَانَ أَكْثَرَ شِيعَتَهِ هُمْ مِمَّن لَا عِلْمَ عِنْدَهُم.\n- إِنَّ اسْتِدْلَالَ المُصَنِّفِ هُنَا هُوَ منِ بَابِ الأَولَى، حَيثُ إِذَا كَانَ ﵊ لَمْ يَأْمَنْ عَلَى أَصْحَابِهِ مِنَ الرِّيَاءِ؛ فَغَيرُهُم -مِمَّنْ هُم أَقَلُّ عِلْمًا وَصَلَاحًا- هُمْ مِنْ بَابِ أَولَى.\n- حُكْمُ العِبَادَةِ إِذَا خَالَطَهَا الرِّيَاءُ هُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْكَالٍ (^٢):\n١ - أَنْ يَكُونَ البَاعِثَ عَلَى العِبَادَةِ مُرَاءَاةُ النَّاسِ مِنَ الأَصْلِ؛ كَمَنْ قَامَ يُصَلِّي مِنْ أَجْلِ مُرَاءَاةِ النَّاسِ، وَلَمْ يَقْصِدْ وَجْهَ اللهِ تَعَالَى! فَهَذَا شِرْكٌ وَالعِبَادَةُ بَاطِلَةٌ (^٣).\n_________\n(^١) وذَكَرْنَا هُنَاكَ أَنَّ الشِّرْكَ الأَصْغَرَ: هُوَ جَمِيعُ الأَقْوَالِ وَالأَفْعَالِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى الشِّرْكِ؛ كَالغُلوِّ فِي المَخْلُوقِ -بِحَيثُ لَا يَصِلُ هَذَا الغُلُوُّ إِلَى رُتْبَةِ العِبَادَةِ- وَكَالحَلِفِ بِغَيرِ اللهِ وَكَيَسِيرِ الرَّيَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.\n(^٢) القَولُ المُفِيدُ لِلشَّيخِ العُثَيمِين ﵀ (٢/ ١٢٥)؛ بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ.\n(^٣) قَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ ﵀: \"وَإِنْ كَانَتِ النِّيَّةُ شَرْطًا فِي سُقُوطِ الفَرْضِ وَجَبَتْ عَلَيهِ الإِعَادَةُ؛ فَإِنَّ حَقِيقَةَ الإِخْلَاصِ الَّتِي هِي شَرْطٌ فِي صِحَّةِ العَمَلِ وَالثَّوَابِ عَلَيهِ لَمْ تُوجَدْ؛ وَالحُكْمُ المُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ عَدَمٌ عِنْدَ\n=","vol":"2","page":37},{"text":"٢ - أَنْ يَكُونَ الرِّيَاءُ مُشَارِكًا لِلعِبَادَةِ فِي أَثْنَائِهَا؛ بِمَعْنَى أَنْ يَكُونَ الحَامِلَ لَهُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ الإِخْلَاصُ للهِ تَعَالَى ثُمَّ يَطْرَأُ الرِّيَاءُ فِي أَثْنَاءِ العِبَادَةِ؛ فَهُنَا نُمَيِّزُ العِبَادَةَ نَفْسَهَا؛ فَإِنْ كَانَتِ العِبَادَةُ لَا يَنْبَنِي آخِرُهَا عَلَى أوَّلِهَا -كَقِرَاءَةِ القُرْآنِ، وَالصَّدَقَةِ تِلوَ الصَّدَقَةِ- فَأَوَّلُهَا صَحِيحٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَالبَاطِلُ آخِرُهَا.\nأَمَّا إِذَا كَانَتِ العِبَادَةُ يَنْبَنِي آخِرُهَا عَلَى أَوَّلِهَا -كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ-؛ فَإِذَا دَافَعَ الرِّيَاءَ وَكَرِهَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّهُ، لِقَولِ النَّبِيِّ ﷺ: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَو تَتَكَلَّمْ» (^١).\nأمَّا إِذَا اسْتَرْسَلَ مَعَهُ ولم يُدَافِعْهُ؛ فَحِينَئِذٍ تَبْطُلُ جَمِيعُ العِبَادَةِ؛ لِأَنَّ آخِرَهَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَوَّلِهَا وَمُرْتَبِطٌ بِهَا (^٢).\n٣ - إِذَا طَرَأَ الرِّيَاءُ - وَهُوَ هُنَا مَحَبَّةُ الثَّنَاءِ وَالفَرَحُ بِهِ- بَعْدَ انْتِهَاءِ العِبَادَةِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ عَلَيهَا شَيئًا، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ عُدْوَانٌ كَالمَنِّ وَالأَذَى بِالصَّدَقَةِ؛ فَإِنَّ هَذَا العُدْوَانَ يَكُونُ إِثْمُهُ مُقَابِلًا لِأَجْرِ الصَّدَقَةِ فَيُبْطِلُهَا؛ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَومِ\n_________\n=\nعَدَمِهِ، فَإِنَّ الإِخْلَاصَ هُوَ تَجْرِيدُ القَصْدِ طَاعَةً لِلْمَعْبُودِ؛ وَلَمْ يُؤْمَرْ إِلَّا بِهَذَا. وَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ المَأْمُورُ بِهِ فَلَمْ يَأْتِ بِهِ؛ بَقِيَ فِي عُهْدَةِ الأَمْرِ\". إِعْلَامُ المُوَقِّعِين (٢/ ١٢٤).\nوَيُنْظَرُ أَيضًا: (الجَوَابُ الكَافِي) لِابْنِ القَيِّمِ (ص ١٣٢).\n(^١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٥٢٦٩)، وَمُسْلِمٌ (١٢٧) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ.\n(^٢) وَفِي بُطْلَانِهَا خِلَافٌ بَينَ أَهْلِ العِلْمِ، وَقَالَ بَعْضُهُم: إَنَّهُ يُجَازَى بِأَصْلِ نِيَّتِهِ؛ وَهُوَ قَولُ الإِمَامِ أَحْمَدَ وَابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ ﵏. اُنْظُرْ كِتَابَ (جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ) (١/ ٨٣).\nقُلْتُ: وَلَكِنْ يَشْهَدُ لِمَا أَثْبَتْنَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيرَةَ المَرْفُوعُ: «قَالَ تَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ؛ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ مَعِي فِيهِ غَيرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢٩٨٥).","vol":"2","page":38},{"text":"الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي القَومَ الكَافِرِينَ﴾ [البَقَرَة: ٢٦٤].\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾ الوَحْيُ فِي اللُّغَةِ: الإِعْلَامُ بِسُرْعَةٍ وَخَفَاءٍ، وَمِنْهُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مَرْيَم: ١١]، وَفِي الشَّرْعِ: إِعْلَامُ اللهِ بالشَّرْعِ.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ المُرَادُ بِاللِّقَاءِ هُنَا المُلَاقَاةُ الخَاصَّةُ، لِأَنَّ اللِّقَاءَ نَوعَان:\n١ - عَامٌّ لِكُلِّ إِنْسَانٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانِشْقِاق: ٦].\n٢ - خَاصٌّ بِالمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ لَقَاءُ الرِّضَى وَالنَّعِيمِ كَمَا فِي هَذِهِ الآيَةِ، وَتَتَضَمَّنُ رؤيَتَهُ ﵎.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ فِيهِ بَيَانُ صِفَةِ العَمَلِ المَقْبُولِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، وَكَمَا فِي الحَدِيثِينِ اللَّذَينِ هُمَا مِيزَانَا قَبُولِ العَمَلِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، وَهُمَا حَدِيثُ: «إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، وَحَدِيثُ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيهِ أَمْرُنَا فَهو رَدٌّ» (^١).\nوَكَمَا قَالَ الفُضَيلُ بْنُ عِيَاضٍ ﵀ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [المُلْك: ٢] قَالَ: \"أخْلَصَهُ وَأَصْوَبَهُ، فَإِنَّهُ إِذَا\n_________\n(^١) الحَدِيثُ الأَوَّلُ رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١)، وَمُسْلِمٌ (١٩٠٧) عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا، والثَّانِي رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢٦٩٧)، وَمُسْلِمٌ (١٧١٨) عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا؛ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.","vol":"2","page":39},{"text":"كَانَ خَالِصًا وَلَمْ يَكُنْ صَوَابًا لَمْ يُقْبَلْ! وَإِذَا كَانَ صَوَابًا وَلَمْ يَكُنْ خَالِصًا لَمْ يُقْبَلْ! حَتَّى يَكُونَ خَالِصًا صَوَابًا، وَالخَالِصُ إِذَا كَانَ للهِ وَالصَّوَابُ إِذَا كَانَ عَلَى السُّنَّةِ\" (^١).\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ذِكْرُ الرُّبُوبِيَّةِ هُنَا فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى العِلَّةِ فِي التَّوحِيدِ، فَكَمَا أَنَّ رَبَّكَ خَلَقَكَ وَلَا يُشَارِكُهُ أَحَدٌ فِي خَلْقِكَ؛ فَإِنَّهُ أَيضًا مَعْبُودُكَ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُشَارِكُهُ أَحَدٌ فِي العِبَادَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البَقَرَة: ٢١].\n_________\n(^١) رَوَاهُ الأَصْبَهَانِيُّ فِي الحِلْيَةِ (٨/ ٩٥).","vol":"2","page":40},{"text":"<span data-type='title' id=toc-292>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-293> مَسْأَلَةٌ: مَا حُكْمُ مَنْ خَالَطَتْ نِيَّتَهُ نِيَّةٌ غَيرُ الرِّيَاءِ؟</span>\nكَمَنْ جَاهَدَ مِنْ أَجْلِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وَأَضَافَ لِذَلِكَ المَغْنَمَ!\nوَكَمَنْ حَجَّ لِأَدَاءِ مَا أَوجَبَ اللهُ عَلَيهِ مِنْ فَرِيضَةٍ؛ وَأَضَافَ لِذَلِكَ تِجَارَةً دُنْيَوِيَّةً!\nوَكَمَنْ وَصَلَ الرَّحِمَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ؛ وَتَوسِيعًا فِي رِزْقِهِ؛ وَإِطَالَةً لِعُمُرِهِ!\nالجَوَابُ:\nإِنَّ هَذَا جَائِزٌ؛ وَلَا يَبْطُلُ عَمَلُهُ بِذَلِكَ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى رَغَّبَ المُؤْمِنِينَ فِي تَقْوَاهُ بِذِكْرِ مَنَافِعَ لَهُم فِي الدُّنْيَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطَّلَاق: ٢]. وَكَمَا فِي الحَجِّ: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البَقَرَة: ١٩٨].\nوَكَمَا فِي الصَّحِيحَينِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَه فِي رِزْقِهِ وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (^١) (^٢).\nإِلَّا أَنَّ أَجْرَهُ يَنْقُصُ بِحَسْبِ ذَلِكَ، كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا «مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُصِيبُونَ الغَنِيمَةَ؛ إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَي أَجْرِهِمْ مِنَ الأُجْرَةِ، وَيَبْقى لَهُمُ الثُّلْثُ، فَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمُ» (^٣) (^٤).\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٥٩٨٥)، وَمُسْلِمٌ (٢٥٥٧).\n(^٢) وَلَكِنَّ هَذَا أَيضًا لَا يَعْنِي جَوَازَ أَنْ تَكُونَ نيَّتُهُ خَالِصَةً لِأَمْرِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ هَذَا مَذْمُومٌ كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإِسْرَاء: ١٨]، وَكَمَا فِي الحَدِيثِ: «مَنْ غَزَا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَمْ يَنْوِ إِلَّا عِقَالًا فَلَهُ مَا نَوَى».\n(^٣) مُسْلِمٌ (١٩٠٦).\n(^٤) قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: \"التَّاجِرُ وَالمُسْتَأْجَرُ أَجْرُهُم عَلَى قَدْرِ مَا يَخْلُصُ مِنْ نيَّتِهِم فِي غَزَاتِهِم، وَلَا يَكُونُ مِثْلَ مَنْ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ لَا يَخْلِطُ بِهِ غَيرَهُ\". جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (١/ ٨٢).","vol":"2","page":41},{"text":"قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: \"التَّاجِرُ وَالمُسْتَاجَرُ أَجْرُهُم عَلَى قَدْرِ مَا يَخْلُصُ مِنْ نيَّتِهِم فِي غَزَاتِهِم؛ وَلَا يَكُونُ مِثْلَ مَنْ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ لَا يَخْلِطُ بِهِ غَيرَهُ\".\n- تَنْبِيهٌ:\nإِنَّ مَا سَبَقَ لَا يَعْنِي جَوَازَ أَنْ تَكُونَ نيَّتُهُ خَالِصَةً لِأَمْرِ الدُّنْيَا! فَإِنَّ هَذَا مَذْمُومٌ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ العَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإِسْرَاء: ١٨، ١٩].\nوَكَمَا فِي الحَدِيثِ «مَنْ غَزَا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَمْ يَنْوِ إِلَّا عِقَالًا! فَلَهُ مَا نَوَى» (^١).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. النَّسَائِيُّ (٣١٣٨) عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٦٤٠١).","vol":"2","page":42},{"text":"بَابُ مِنَ الشِّرْكِ إِرَادَةُ الإِنْسَانِ بِعَمَلِهِ الدُّنْيَا\nوَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هُود: ١٥ - ١٦].\nفي الصَّحَيحِ عَنْ أَبِي هُرَيرَة ﵁؛ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الخَمِيصَةِ، تَعِسَ عَبْدُ الخَمِيلَةِ، إنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ! تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ. طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَشْعَثَ رَأْسُهُ، مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ؛ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ؛ كَانَ فِي السَّاقَةِ، إِنْ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ! وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ!» (^١).\n_________\n(^١) صَحِيحُ البُخَارِيِّ (٢٨٨٧).\nوَأَمَّا ذِكْرُ \"الخَمِيلَةِ\" فَلَمْ أَجِدْهُ فِي شَيءٍ مِنْ أَلفَاظِ الحَدِيثِ -فَضْلًا عَنْ صَحِيحِ البُخَارِيِّ-، وَقَدْ أَورَدَهُ شَيخُ الإسْلَامِ ﵀ فِي مَجْمُوعِ الفَتَاوَى (١/ ٣٥) هَكَذَا -كَمَا ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ هُنَا-، وَعِوَضًا عَنْهُ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ قَولُهُ: «القَطِيفَةُ» بَدَلَ: «الخَمِيلَةِ». وَالقَطِيفَةُ: كِسَاءٌ لَهُ خَمْلٌ، وَهِيَ بِمَعْنَى الخَمِيلَةِ؛ كَمَا ذَكَروا فِي كُتُبِ اللُّغَةِ.","vol":"2","page":43},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: إِرَادَةُ الإِنْسَانِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الآخِرَةِ.\nالثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ هُودٍ.\nالثَّالِثَةُ: تَسْمِيَةُ الإِنْسَانِ المُسْلِمِ عَبْدَ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالخَمِيصَةِ.\nالرَّابِعَةُ: تَفْسِيرُ ذَلِكَ؛ بِأَنَّهُ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ.\nالخَامِسَةُ: قَولُهُ: «تَعِسَ وَانْتَكَسَ».\nالسَّادِسَةُ: قَولُهُ: «وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ».\nالسَّابِعَةُ: الثَّنَاءُ عَلَى المُجَاهِدِ المَوصُوفِ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ.","vol":"2","page":44},{"text":"<span data-type='title' id=toc-296>الشَّرْحُ</span>\n- مُنَاسَبَةُ هَذَا البَابِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ أَنَّهُ مُشَابِهٌ لِلبَابِ السَّابِقِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ العَامِلَ فِيهِ يُرِيدُ بِعَمَلِهِ الثَّوَابَ العَاجِلَ -كَالرِّزْقِ وَالعَافِيَةِ وَالأَمَانِ وَالذُّرِّيَّةِ-؛ وَلَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلبَابِ السَّابِقِ فِي أَنَّ العَامِلَ هُنَا عَمَلُهُ هُوَ لِوَجْهِ اللهِ وَلَيسَ رِيَاءً، وَأَمَّا البَابُ السَّابِقُ فَعَمَلُهُ هُوَ لِمُرَاءَاةِ النَّاسِ، وَاشْتَرَكوا فِي كَونِ الغَايَةِ من عَمَلِهِم هِيَ المَصْلَحَةُ العَاجِلَةُ فَقَط.\nقُلْتُ: وَأَيضًا يُمْكِنُ أَنْ يُضَافَ أَنَّ العَمَلَ هُنَاكَ حَابِطٌ لَا ثَوَابَ فِيهِ مِنَ اللهِ -لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الآخِرَةِ-، أَمَّا هُنَا؛ فَقَدْ يُثَابُ عَلَيهِ فِي الدُّنْيَا.\n- مَنْ كَانَ عَمَلُهُ كُلُّهُ لِلأَجْرِ العَاجِلِ وَالثَّوَابِ الدُّنْيَوِيِّ ولَا يَرْجُو الآخِرَةِ أَبَدًا؛ فَهَذَا هُوَ الكَافِرُ الكُفْرَ الأَكْبَرَ (^١)، وَسَبَبُ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى عَدَمِ إِيمَانِهِ بِاليَومِ الآخِرِ؛ وَأَنَّ فِيهِ الجَزَاءَ وَالثَّوَابَ وَالجنَّةَ وَالنَّارَ، وَهَذَا يُنَاقِضُ أَصْلَ التَّوحِيدِ، وَمَنْ فَعَلَ فِعْلَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ فَفِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ الكُفْرِ حتَّى يَدَعَهَا (^٢)، وَهُوَ بِذَلِكَ يُنَاقِضُ كَمَالَ التَّوحِيدِ الوَاجِبِ، فَهُوَ يُرِيدُ بِعَمَلِهِ نَفْعًا فِي الدُّنْيَا فَقَطْ وَهُوَ غَافِلٌ عَنْ ثَوَابِ الآخِرَةِ (^٣).\n_________\n(^١) وَكَذَلِكَ فِي البَابِ السَّابِقِ مَنْ كَانَ عَمَلُهُ كُلُّهُ لِغَيرِ اللهِ؛ فَهَذَا هُوَ المُنَافِقُ الأَصْلِيُّ، وَكَمَا سَبَقَ قَرِيبًا بَيَانُ أَنَّ الرِّيَاءَ نَوعَانِ: رِيَاءُ المُنَافِقِ، وَرِيَاءُ المُسْلِم.\n(^٢) كَمَا أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَكُونُ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ خِصَالِ المُنَافِقِ الخَالِصِ -كَالكَذِبِ وَالخِيَانَةِ وَالغَدْرِ وَالفُجُورِ-.\n(^٣) قَالَ العَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي التَّفْسِيرِ (ص ٣٧٨): \"يَقُولُ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ أَي: كُلُّ إِرَادَتِهِ مَقْصُورةٌ عَلَى الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَعَلَى زِينَتِهَا مِنَ النِّسَاءِ وَالبَنِينَ وَالقَنَاطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالخَيلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالحَرْثِ، قَدْ صَرَفَ رَغْبَتَهُ وَسَعْيَهُ وَعَمَلَهُ فِي هَذِهِ الأَشْيَاء وَلَمْ يَجْعَلْ لِدَارِ القَرَارِ مِنْ إِرَادَتِهِ شَيئًا! فَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا كَافِرًا، لِأَنَّهُ لَو كَانَ مُؤْمِنًا لَكَانَ مَا مَعَهُ مِنَ الإِيمَانِ يَمْنَعُهُ أَنْ تَكُونَ جَمِيعُ إِرَادَتِهِ لِلدَّارِ الدُّنْيَا، بَلْ نَفْسُ إيِمَانِهِ وَمَا تَيَسَّرَ لَهُ مِنَ الأَعْمَالِ أَثَرٌ\n=","vol":"2","page":45},{"text":"- مَنْ عَمِلَ عَمَلًا مُخْلِصًا فِيهِ للهِ رَاجِيًا بِذَلِكَ الثَّوَابَ العَاجِلَ؛ فَإِنَّهُ قَدْ يُؤْجَرُ عَلَيهِ فِي الدُّنْيَا وَلَو كَانَ كَافِرًا (^١).\nوَفِي الحَدِيثِ: «إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً؛ يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الآخِرَةِ، وَأَمَّا الكَافِرُ؛ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا» (^٢).\nفَالمُشْرِكُ -مَثَلًا- لَمَّا رَكِبَ البَحْرَ وَخَشِيَ الغَرَقَ وَدَعَا اللهَ تَعَالَى مُخْلِصًا لَهُ اسْتَجَابَ لَهُ سُبْحَانَهُ فَنَجَّاهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العَنْكَبُوتُ: ٦٥].\n_________\n=\nمِنْ آثَارِ إِرَادَتِهِ الدَّارَ الآخِرَةَ.\nوَلَكِنَّ هَذَا الشَّقِيَّ الَّذِي كَأَنَّهُ خُلِقَ لِلدُّنْيَا وَحْدِهَا: ﴿نُوَفِّ إِلَيهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ أَي: نُعْطِيهِم مَا قُسِمَ لَهُم فِي أُمِّ الكِتَابِ مِنْ ثَوَابِ الدُّنْيَا ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ أَي: لَا يُنْقَصُونَ شَيئًا مِمَّا قُدِّرَ لَهُم؛ وَلَكِنْ هَذَا مُنْتَهَى نَعِيمِهِم\".\n(^١) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُم فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأَحْقَاف: ٢٠].\nوَكَمَا فِي البُخَارِيِّ (٢٤٦٨)، وَمُسْلِمٌ (١٤٧٩) مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ ﵁؛ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: اُدْعُ اللهَ أَنْ يُوسِّعَ عَلَى أُمَّتِكِ؛ فَقَدْ وَسَّعَ عَلَى فَارِسَ وَالرُّومَ؛ وَهُمْ لَا يعْبُدُونَ اللهَ! فَاسْتَوَى جَالِسًا، ثُمَّ قَالَ: «أَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الخَطَّابِ؟! أُولَئِكَ قَومٌ عُجِّلَتْ لَهُم طَيِّبَاتُهم فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا».\n(^٢) مُسْلِمٌ (٢٨٠٨) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا.\nوَرَوَى الطَّبَرِيُّ فِي التَّفْسِيرِ (١٥/ ٢٦٤) عَنْ قَتَادَةَ قَولَهُ: \" ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ أَي: لَا يُظْلَمُونَ. يَقُولُ: مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ وَسَدَمَهُ [أَي: وَلَعَهُ] وَطِلْبَتَهُ وَنِيَّتَهُ جَازَاهُ اللهُ بِحَسَنَاتِهِ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ يُفْضِي إِلَى الآخِرَةِ وَلَيسَ لَهُ حَسَنَةٌ يُعْطَى بِهَا جَزَاءً. وَأَمَّا المُؤْمِنُ؛ فَيُجَازَى بِحَسَنَاتِهِ فِي الدُّنْيَا وَيُثَابُ عَلَيهَا فِي الآخِرَةِ ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ أَي: فِي الآخِرَةِ لَا يُظْلَمُونَ\".","vol":"2","page":46},{"text":"وَهَذَا بِخِلَافِ عَامَّةِ دُعَائِهِ الشِّرْكِيِّ؛ فَإِنَّ اللهَ يَجْعَلُهُ هَبَاءً مَنْثُورًا، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرَّعْدُ: ١٤].\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هُود: ١٦] هَذِهِ الآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإِسْرَاء: ١٨] أَي: لِمَنْ شَاءَ وبِمَا شَاءَ سُبْحَانَهُ (^١).\n- مِنَ الأَمْثِلَةِ الَّتِي تُبَيِّنُ كَيفِيَّةَ إِرَادَةِ الإِنْسَانِ بِعَمَلِهِ الدُّنْيَا:\nأَنْ يُرِيدَ المَالَ، كَمَنْ أَذَّنَ لِيَأْخُذَ رَاتِبَ المُؤَذِّنِ، أَو حَجَّ لِيَأْخُذَ المَالَ.\nأَنْ يُرِيدَ المَرْتَبَةَ، كَمَنْ تَعَلَّمَ فِي كُلِّيَّةٍ شَرْعِيَّةٍ لِيَأْخُذَ الشَّهَادَةَ؛ فَتَرْتَفِعَ مَرْتَبَتُهُ بَينَ النَّاسِ.\nأَنْ يُرِيدَ دَفْعَ المَصَائِبِ وَالأَمْرَاضِ عَنْهُ، كَمَنْ يَعْبُدُ اللهَ كَي يَجْزيَهُ اللهُ بِهَذَا فِي الدُّنْيَا بِمَحَبَّةِ الخَلْقِ لَهُ وَدَفْعِ السُّوءِ عَنْهُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.\n- «القَطِيفَةُ» كِسَاءٌ لَهُ خَمْلٌ، وَهِيَ بِمَعْنَى الخَمِيلَةِ.\n- سُمِّيَ الرَّجُلُ عَابِدًا لِلدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ لِأَنَّهَا هِيَ المَقْصُودَةُ بِعَمَلِهِ وَهِمَّتِهِ، بِعَكْسِ مَنْ كَانَتْ هِمَّتُهُ مُنْصَرِفَةً لِابْتِغَاءِ الدَّارِ الآخِرَةِ.\n- قَولُهُ: «تَعِسَ وَانْتَكَسَ» تَعِسَ: خَابَ وَهَلَكَ، وَانْتَكَسَ: انْتَكَسَتْ عَلَيهِ الأُمُورُ\n_________\n(^١) وَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشُّورَى: ٢٠] فَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ \"مِنْ\" هُنَا لِلْتَبْعِيضِ، يَعْنِي: نُؤْتِهِ مِنْ بَعْضِهَا.","vol":"2","page":47},{"text":"بِحَيثُ لَا تَتَيَسَّرُ لَهُ، فَكُلَّمَا أَرَادَ شَيئًا انْقَلَبَتْ عَلَيهِ الأُمُورُ خِلَافَ مَا يُرِيدُ.\n- قَولُهُ: «طُوبَى» مِنَ الطِّيبِ، وَهِيَ اسْمُ تَفْضِيلٍ، وَيُقَالُ: (أَطْيَبُ) لِلمُذَكَّرِ وَ(طُوبَى) لِلمُؤَنَّثِ، وَالمَعْنَى: أَطْيَبُ حَالٍ تَكُونُ لِهَذَا الرَّجُلِ، وَفِي الحَدِيثِ: «طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الجَنَّةِ مَسِيرَةَ مائَةَ عَامٍ؛ ثِيَابُ أَهْلِ الجَنَّةِ تَخْرُجُ مِنْ أَكْمَامِهَا» (^١).\n- فِي قَولِهِ: «إِنْ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ … وَإنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ» ذِكْرٌ حَسَنٌ مِنْ صِفَاتِ ذَلِكَ الرَّجُلِ، وَهِيَ:\n١ - بَيَانُ ائْتِمَارِهِ بِمَا أُمِرَ طَالَمَا أَنَّهُ فِي سَبيلِ اللهِ (^٢).\n٢ - قِيَامُهُ بِعَمَلِهِ عَلَى أَحْسِنِ وَجْهٍ.\nوَالتَّكْرَارُ فِي قَولِهِ: «إِنْ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ» أُسْلُوبٌ مِنَ أَسَالِيبِ العَرَبِ فِي بَيَانَ تَحَقُّقِ الشَّيءِ وَوُقُوعِهِ عَلَى وَجْهِهِ.\n٣ - عَدَمُ سَعْيِهِ خَلْفَ ثَنَاءِ النَّاسِ، فَالسَّاقَةُ -وَهِيَ فِي مُؤَخِّرَةُ الجَيشِ- لَا يُتَفَطَّنُ لِصَاحِبِهَا أَنَّهُ فِي جِهَادٍ؛ بِخِلَافِ مُقَدَّمِ الجَيشِ، فَهَذَا الرَّجُلُ بَعِيدٌ عَنِ الرِّيَاءِ.\n- قَولُهُ: «إِنْ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ» أَي: لَيسَ لَهُ جَاهٌ وَلَا شَرَفٌ عِنْدَ أَصْحَابِ الدُّنْيَا لِأَنَّه لَيسَ مِنْ طُلَّابِهَا، فَلَا تُقْبَلُ لَهُ شَفَاعَةٌ عِنْدَ أَحَدٍ، وَلَا يُؤْذَنُ لَهُ عِنْدَهُم، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا: «رُبَّ أشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ؛ لَو أَقْسَمَ\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١١٦٧٣) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (١٩٨٥).\n(^٢) قَالَ العَينِيُّ ﵀: \"وَالسَّاقَةُ مُؤَخِّرَةُ الجَيشِ، وَالمَعْنَى: إِيتِمَارُهُ لِمَا أُمِرَ، وَإِقَامَتُهُ حَيثُ أُقِيمَ، لَا يُفْقَدُ مِنْ مَكَانِهِ بِحَالٍ، وَإِنَّمَا ذُكِرَتِ الحِرَاسَةُ وَالسَّاقَةُ؛ لِأَنَّهُمَا أَشَدُّ مَشَقَّةً وَأَكْثَرُ آفَةً، الأَوَّلُ عِنْدَ دُخُولِهِم دَارَ الحَرْبِ، وَالآخَرُ عِنْدَ خُرُوجِهِم مِنْهَا\". عُمْدَةُ القَارِي (١٤/ ١٧٢).","vol":"2","page":48},{"text":"عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ». مُسْلِمٌ (^١).\nقِصَّةٌ فِيهَا عِبْرَةٌ:\nنَقَلَ ابْنُ الجَوزِيِّ ﵀ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ؛ قَالَ: \"كَانَتْ شَجَرَةٌ تُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ، فَجَاءَ إِلَيهَا رَجُلٌ فَقَالَ: لَأَقْطَعَنَّ هَذِهِ الشَّجَرَةَ، فَجَاءَ لِيَقْطَعَهَا -غَضَبًا للهِ-، فَلَقِيَهُ إِبْلِيسُ فِي صُورَةِ إِنْسَانٍ، فَقَالَ: مَا تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ أَقْطَعَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ الَّتِي تُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ! قَالَ: إِذَا أَنْتَ لَمْ تَعْبُدْهَا؛ فَمَا يَضُرُّكَ مَن عَبَدَهَا؟! قَالَ: لَأَقْطَعَنَّهَا. فَقَالَ لَهُ الشَّيطَانُ: هَلْ لَكَ فِيمَا هُوَ خَيرٌ لَكَ؟ لَا تَقْطَعْهَا وَلَكَ دِينَارَانِ كُلَّ يَومٍ إِذَا أَصْبَحْتَ عِنْدَ وِسَادَتِكَ. قَالَ: فَمِن أَينَ لِي ذَلِكَ؟ قَالَ: أَنَا لَكَ. فَرَجَعَ فَأَصْبَحَ؛ فَوَجَدَ دِينَارَين عِنْدَ وِسَادَتِهِ، ثُمَّ أَصْبَحَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ فَلَمْ يَجِدْ شَيئًا! فَقَامَ غَضَبًا لِيَقْطَعَهَا، فَتَمَثَّلَ لَهُ الشَّيطَانُ فِي صُورَتِهِ، وَقَالَ: مَا تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ قَطْعَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ الَّتِي تُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ: كَذَبْتَ، مَا لَكَ إِلَى ذَلِكَ مِن سَبِيلٍ! فَذَهَبَ لِيَقْطَعَهَا؛ فَضَرَبَ بِهِ الأَرْضَ وَخَنَقَهُ حَتَّى كَادَ يَقْتُلَهُ، قَالَ: أَتَدْرِي مَن أَنَا؟ أَنَا الشَّيطَانُ، جِئْتَ أَوَّلَ مَرَّةٍ غَضَبًا؛ فَلَمْ يَكُن لِي عَلَيكَ سَبِيلٌ؛ فَخَدَعْتُكَ بِالدِّينَارَينِ؛ فَتَرَكْتَهَا، فَلَمَّا جِئْتَ غَضَبًا لِلدِّينَارَينِ سُلِّطْتُ عَلَيكَ\" (^٢).\nقُلْتُ: وَهُوَ مِصْدَاقُ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإِسْرَاء: ٦٥]، وَقَولِهِ: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النَّحْل: ١٠٠] (^٣).\n_________\n(^١) مُسْلِمٌ (٢٦٢٢).\n(^٢) تَلْبِيسُ إِبْلِيسَ (ص ٣٠).\n(^٣) يُنْظَرُ: (النُّبُوَّات) لِابْنِ تَيمِيَّةَ (٢/ ١٠١٨).","vol":"2","page":49},{"text":"<span data-type='title' id=toc-297>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-298> المَسْأَلَةُ الأُولَى: مَا حُكْمُ أَخْذِ المَالِ عَلَى بَعْضِ الوَظَائِفِ الدِّينيَّةِ؛ كَإِمَامَةِ المَسْجِدِ، وَالتَّدْرِيسِ الشَّرْعِيِّ، وَتَعْلِيمِ القُرْآنِ وَمَا أَشْبَهَ؟</span>\nالجَوَابُ:\nلَا يَجُوزُ أَخْذُهُ عَلَى أَنَّهُ أَجْرٌ عَلَى العِبَادَةِ، وَلَكِنْ يَجُوزُ مِنْ بَابِ الإِعَانَةِ عَلَى الطَّاعَةِ وَالتَّعْوِيضِ لَهُ عَنِ اشْتِغَالِهِ بِالأُمُورِ النَّافِعَةِ لِلمُسْلِمِينَ حَيثُ تَعَطَّلَ عَنْ كَسْبِ القُوتِ لِأَجْلِ ذَلِكَ، وَالفَرْقُ بَينَهُمَا ظَاهِرٌ مِنْ جِهَةِ النِّيَّةِ، وَيَزِيدُ وُضُوحًا أَيضًا فِيمَا لَو لَمْ يُعْطَ الأُجْرَةَ عِنْدَ اكْتِفَائِهِ؛ فَهَلْ سَيَبْقَى عَلَى عَمَلِهِ السَّابِقِ؟\nوَفِي الحَدِيثِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ؛ قَالَ: عَلَّمْتُ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ الكِتَابَ وَالقُرْآنَ، فَأَهْدَى إِلَيَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ قَوسًا، فَقُلْتُ: لَيسَتْ بِمَالٍ؛ وَأَرْمِي عَنْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﷿، لَآتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلَأَسْأَلَنَّهُ، فَأَتَيتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ رَجُلٌ أَهْدَى إِلَيَّ قَوسًا مِمَّنْ كُنْتُ أُعَلِّمُهُ الكِتَابَ وَالقُرْآنَ -وَلَيسَتْ بِمَالٍ؛ وَأَرْمِي عَنْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ-؟ قَالَ: «إِنْ كُنْتَ تُحِبُّ أَنْ تُطَوَّقَ طَوقًا مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهَا» (^١). فَالحَدِيثُ هُنَا صَرِيحٌ فِي النَّهْي عَنْ أَخْذِ مُقَابِلٍ عَلَى تَعْلِيمِ القُرْآنِ.\nوَفِي مُسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ مَرْفُوعًا: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ، وَلَا تَغْلُوا فِيهِ، وَلَا تَجْفُوا عَنْهُ، وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ، وَلَا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ» (^٢). وَالحَدِيثُ هُنَا أَيضًا صَرِيحٌ فِي النَّهْي عَنِ التَّأَكُّلِ بالقُرْآنِ.\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٣٤١٦)، صَحِيحُ أَبِي دَاوُدَ (٣٤١٦).\n(^٢) صَحِيحٌ. مُسْنَدُ أَحْمَد (١٥٥٢٩). صَحِيحُ الجَامِعِ الصَّغِيرِ (١١٦٨).","vol":"2","page":50},{"text":"وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَرْفُوعًا: «بَشِّرْ هَذِهِ الأُمَّةَ بِالسَّنَاءِ وَالدِّينِ وَالرِّفْعَةِ وَالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ فِي الأَرْضِ؛ فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ عَمَلَ الآخِرَةِ لِلدُّنْيا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ» (^١).\nوَقَالَ البُخَارِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِهِ: \"وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لا يَشْتَرِطُ المُعَلِّمُ! إِلَّا أَنْ يُعْطَى شَيئًا فَلْيَقْبَلْهُ. وَقَالَ الحَكَمُ: لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا كَرِهَ أَجْرَ المُعَلِّمِ. وَأَعْطَى الحَسَنُ دَرَاهِمَ عَشَرَةً\" (^٢).\nوَأَورَدَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ -جَمْعًا بَينَ رِوَايَتَينِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ظَاهِرُهُمَا التَّعَارِضُ- وَجْهًا فِي الجَمْعِ: بِأَنَّ المَنْهِيَّ عَنْهُ هُوَ مَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ الشَّرْطِ لَا مَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ الهِبَةِ وَالهَدِيَّةِ، وَأَيَّدَهُ بِمَا سَلَفَ عَنِ الشَّعْبِيِّ ﵀ (^٣).\nوَقَدْ فَرَّقَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ جِهَةِ سَبَبِ أَخْذِ الأُجْرَةِ (^٤)، فَإِنْ كَانَ السَّبَبُ نَفْسَ التَّعَبُّدِ بِالقِرَاءَةِ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ هُوَ التَّعْلِيمَ وَتَقْدِيمَ المَنْفَعَةِ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ -وَكَذَا الرُّقْيَةُ-، كَمَا جَازَ فِي كَونِهِ عِوَضًا فِي قِصَّةِ الوَاهِبَةِ (^٥).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ (٤٠٥)، وَالحَاكِمُ (٤/ ٣٤٦). صَحِيحُ الجَامِعِ (٢٨٢٥).\n(^٢) البُخَارِي (٣/ ٩٢). وَلَفْظُ أَثَرِ الحَسَنِ فِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيبَةَ (٢٠٨٣٨): \"لَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى الْكِتَابَةِ أَجْرًا، وَكَرِهَ الشَّرْطَ\".\n(^٣) فَتْحُ البَارِي (٤/ ٤٥٤).\n(^٤) كَمَا ذَهَبَ إِلَيهِ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ كَمَا فِي كِتَابِهِ (الشَّرْحُ المُمْتِعُ عَلَى زَادِ المُسْتَقْنِعِ) (١٠/ ٥٤).\n(^٥) وَالحَدِيثُ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ (٥١٢١) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ؛ أَنَّ امْرَأَةً عَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ زَوِّجْنِيهَا، فَقَالَ: «مَا عِنْدَكَ؟» قَالَ: مَا عِنْدِي شَيءٌ! قَالَ: «اذْهَبْ فَالْتَمِسْ وَلَو خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ»، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا وَجَدْتُ شَيئًا وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي وَلَهَا نِصْفُهُ -قَالَ سَهْلٌ: وَمَا لَهُ رِدَاءٌ-، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَمَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ؛ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيهَا مِنْهُ شَيءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيكَ مِنْهُ شَيءٌ»! فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ، فَرَآهُ\n=","vol":"2","page":51},{"text":"قُلْتُ: وَعَلَى كُلِّ حَالٍ؛ فَالاحْتِيَاطُ فِي هَذَا البَابِ هُوَ عَدَمُ أَخْذِ الأُجْرَةِ عَلَى التَّعْلِيمِ لِعُمُومِ وَصَرَاحَةِ أَحَادِيثِ النَّهْي إِلَّا مَا كَانَ مِن بَابِ الضَّرُورَةِ وَالإِعَانَةِ (^١).\nوَفِي مَسَائِلِ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀: \"سَمِعْتُ أَحْمَدَ؛ سُئِلَ عَنْ إِمَامٍ قَالَ لِقَومٍ: أُصَلِّي بِكُمْ رَمَضَانَ بِكَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا؟ قَالَ: أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ؛ مَنْ يُصَلِّي خَلْفَ هَذَا؟! \" (^٢) (^٣).\nوَأَمَّا الجَوَابُ عَنِ الاسْتِدْلَالِ بِقِصَّةِ الوَاهِبَةِ؛ فَهُوَ مِنْ أَوجُهٍ:\n١ - أَنَّهُ خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ، كَمَا أَفَادَهُ الطَّحَاوِيُّ ﵀: \"فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ كَانَ مِمَّا خَصَّهُ اللهُ ﷿ بِهِ، مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُمَلِّكَ غَيرَهُ مَا كَانَ لَهُ تَمَلُّكُهُ بِغَيرِ صَدَاقٍ\" (^٤).\n٢ - أَنَّ هَذَا التَّعْلِيمَ كَانَ مِنْ بَابِ عَدَمِ القُدْرَةِ عَلَى غَيرِهِ فِي المَهْرِ؛ فَجَازَ فِي هَذِهِ الحَالَةِ (^٥).\n_________\n=\nالنَّبِيُّ ﷺ فَدَعَاهُ -أَو دُعِيَ لَهُ- فَقَالَ لَهُ: «مَاذَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ؟» فَقَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا -لِسُوَرٍ يُعَدِّدُهَا- فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَمْلَكْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ».\nوَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ (١٤٢٥) أَنَّهُ قَالَ: «انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا؛ فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ»، وَفِيهِ صَرَاحَةُ كَونِ هَذَا التَّعْلِيمِ عِوَضًا عَنِ المَهْرِ، إِلَّا أَنَّهُ يُمْكِنُ الجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ بِمَا سَيَأْتِي.\n(^١) انْظُرْ أَشْرِطَةَ فَتَاوَى سِلْسِلَةِ الهُدَى وَالنُّورِ لِلْأَلْبَانِيِّ (شَرِيط ١٧١).\n(^٢) مَسَائِلِ الإِمَامِ أَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيِّ (ص ٩١).\n(^٣) وَفِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ (٢٠٩) \"عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي العَاصِ؛ قَالَ: إِنَّ مِنْ آخِرِ مَا عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَنْ «اتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا». حَدِيثُ عُثْمَانَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ كَرِهُوا أَنْ يَأْخُذَ المُؤَذِّنُ عَلَى الأَذَانِ أَجْرًا، وَاسْتَحَبُّوا لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَحْتَسِبَ فِي أَذَانِهِ\". وَالحَدِيثُ صَحِيحٌ كَمَا فِي صَحِيحِ الجَامِعِ (١٤٨٠).\n(^٤) شَرْحُ مَعَانِي الآثَارِ (٣/ ١٨).\n(^٥) انْظُرِ المَنْتَقَى شَرْحُ المُوَطَّأِ (٣/ ٢٧٧) لِلبَاجِي.","vol":"2","page":52},{"text":"٣ - أَنَّهُ يُمْكِنُ القَولُ بِأَنَّ البَاءَ هُنَا سَبَبِيَّةٌ -أَو بِمَعْنَى اللَّامِ-، يَعْنِي أَنَّ الإنْكَاحَ هَذَا سَبَبُهُ لِأَجْلِ أَنَّكَ حَامِلٌ لِلقُرْآنِ، وَهَذَا وَجْهٌ فِيهِ إِظْهَارُ حُرْمَةِ القُرْآنِ؛ خِلَافًا لِمَنْ جَعَلَ البَاءَ هُنَا لِلعِوَضِ (^١).\nقُلْتُ: وَلَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَيهِ لَفْظُ مُسْلِمٍ وَفِيهِ: «انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا؛ فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ» (^٢).\nقَالَ العَلَّامَةُ مُحَمَّدُ الأَمِين الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ -فِي مَعْرِضِ ذِكْرِ أَدِلَّةِ المُجِيزِينَ-: \"فَقَالُوا: هَذَا الرَّجُلُ أَبَاحَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَجْعَلَ تَعْلِيمَهُ بَعْضَ الْقُرْآنِ لِهَذِهِ الْمَرْأَةِ عِوَضًا عَنْ صَدَاقِهَا، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْعِوَضَ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ جَائِزٌ، وَمَا رَدَّ بِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الِاسْتِدْلَالَ بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّهُ ﷺ زَوَّجَهُ إِيَّاهَا بِغَيرِ صَدَاقٍ إِكْرَامًا لَهُ لِحِفْظِهِ ذَلِكَ الْمِقْدَارَ مِنَ الْقُرْآنِ وَلَمْ يَجْعَلِ التَّعْلِيمَ صَدَاقًا لَهَا! مَرْدُودٌ بِمَا ثَبَتَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «انْطَلِقْ؛ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا؛ فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ» وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ: «عَلِّمْهَا عِشْرِينَ آيَةً وَهِيَ امْرَأَتُكَ» (^٣).\nوَاحْتَجُّوا أَيضًا بِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ الثَّابِتِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ»، قَالُوا: الْحَدِيثُ -وَإِنْ كَانَ وَارِدًا فِي الْجُعْلِ عَلَى الرُّقْيَةِ بِكِتَابِ اللَّهِ- فَالْعِبْرَةُ بِعُمُومِ الْأَلْفَاظِ لَا بِخُصُوصِ الْأَسْبَابِ، وَاحْتِمَالُ الْفَرْقِ بَينَ الجُعْلِ عَلَى الرُّقْيَةِ وَبَينَ الْأُجْرَةِ عَلَى التَّعْلِيمِ ظَاهِرٌ.\n_________\n(^١) انْظُرْ كِتَابَ (إِكْمَالُ المُعْلِمِ شَرْحُ مُسْلِمٍ) لِلقَاضِي عِيَاض ﵀ (٤/ ٥٨١).\n(^٢) صَحِيحُ مُسْلَم (١٤٢٥).\n(^٣) ضَعِيفٌ. أَبُو دَاود (٢١١٢). ضَعِيفُ الجَامِعِ (٤١١٤).","vol":"2","page":53},{"text":"قَالَ مُقَيِّدُهُ -عَفَا اللَّهُ عَنْهُ-: الَّذِي يَظْهَرُ لِي -وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ- أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا لَمْ تَدْعُهُ الْحَاجَةُ الضَّرُورِيَّةُ؛ فَالْأَوْلَى لَهُ أَلَّا يَأْخُذَ عِوَضًا عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْعَقَائِدِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ لِلْأَدِلَّةِ الْمَاضِيَةِ، وَإِنْ دَعَتْهُ الْحَاجَةُ أَخَذَ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ مِنْ بَيتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ المَأْخُوذَ مِنْ بَيتِ الْمَالِ مِنْ قَبِيلِ الْإِعَانَةِ عَلَى الْقِيَامِ بِالتَّعْلِيمِ لَا مِنْ قَبِيلِ الْأُجْرَةِ، وَالْأَوْلَى -لِمَنْ أَغْنَاهُ اللَّهُ- أَنْ يَتَعَفَّفَ عَنْ أَخْذِ شَيءٍ فِي مُقَابِلِ التَّعْلِيمِ لِلْقُرْآنِ وَالْعَقَائِدِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى\" (^١).\nقَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: \"وَبِكُلِّ حَالٍ؛ فَحَالُ الْمُحْتَاجِ إلَيهِ لَيسَتْ كَحَالِ الْمُسْتَغْنِي عَنْهُ، كَمَا قَالَ السَّلَفُ: كَسْبٌ فِيهِ بَعْضُ الدَّنَاءَةِ خَيرٌ مِنْ مَسْأَلَةِ النَّاسِ.\nوَلِهَذَا لَمَّا تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَنَحْوِهِ: كَانَ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيرِهِ، أَعْدَلُهَا أَنَّهُ يُبَاحُ لِلْمُحْتَاجِ، قَالَ أَحْمَد: أُجْرَةُ التَّعْلِيمِ خَيرٌ مِنْ جَوَائِزِ السُّلْطَانِ، وَجَوَائِزُ السُّلْطَانِ خَيرٌ مِنْ صِلَةِ الْإِخْوَانِ.\nوَأُصُولُ الشَّرِيعَةِ كُلُّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ؛ أَنَّهُ يُفَرَّقُ فِي الْمَنْهِيَّاتِ بَينَ الْمُحْتَاجِ وَغَيرِهِ كَمَا فِي الْمَأْمُورَاتِ، وَلِهَذَا أُبِيحَتِ المُحَرَّمَاتُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ لَا سِيَّمَا إذَا قُدِّرَ أَنَّهُ يَعْدِلُ عَنْ ذَلِكَ إلَى سُؤَالِ النَّاسِ؛ فَالْمَسْأَلَةُ أَشَدُّ تَحْرِيمًا! وَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ: يَجِبُ أَدَاءُ الْوَاجِبَاتِ وَإِنْ لَمْ تَحْصُلْ إلَّا بِالشُّبُهَاتِ، كَمَا ذَكَرَ أَبُو طَالِبٍ وَأَبُو حَامِدٍ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَد سَأَلَهُ رَجُلٌ قَالَ: إنَّ ابْنًا لِي مَاتَ وَعَلَيهِ دَينٌ وَلَهُ دُيُونٌ أَكْرَهُ تَقَاضِيهَا! فَقَالَ لَهُ الْإِمَامُ أَحْمَد: أَتَدَعُ ذِمَّةَ ابْنِك مُرْتَهِنَةً؟! يَقُولُ: قَضَاءُ الدَّينِ وَاجِبٌ وَتَرْكُ الشُّبْهَةِ لِأَدَاءِ الْوَاجِبِ هُوَ الْمَأْمُورُ.\n_________\n(^١) أَضْوَاءُ البَيَانِ (٢/ ١٨٢).","vol":"2","page":54},{"text":"وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُرْزَقُ الْحَاكِمُ وَأَمْثَالُهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَتَنَازَعُوا فِي الرِّزْقِ عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ، وَأَصْلُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ فِي وَلِيِّ الْيَتِيمِ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]، فَهَكَذَا يُقَالُ فِي نَظَائِرِ هَذَا؛ إذِ الشَّرِيعَةُ مَبْنَاهَا عَلَى تَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا، وَالْوَرَعُ تَرْجِيحُ خَيرِ الْخَيرَينِ بِتَفْوِيتِ أَدْنَاهُمَا؛ وَدَفْعِ شَرِّ الشَّرَّينِ وَإِنْ حَصَلَ أَدْنَاهُمَا\" (^١).\nوَأَمَّا أَخْذُ الجُعْلِ -لَا الأُجْرَة- عَلَى الرُّقْيَةِ؛ فَلَا بَأْسَ بِهِ، بِحَيثُ إِنَّهُ إِذَا شُفِيَ المَرِيضُ بِالرُّقْيَةِ؛ فَإِنَّ لِلرَّاقِي كَذَا وَكَذَا، لِمَا ثَبَتَ فِي قِصَّةِ رُقْيَةِ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ لِسَيِّدِ القَومِ، وَفِيهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟! اضْرِبُوا لِي مَعَكُم بِسَهْمٍ» (^٢).\n_________\n(^١) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (٣٠/ ١٩٢).\n(^٢) وَالحَدِيثُ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ (٥١٢١) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ؛ أَنَّ رَهْطًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْطَلَقُوا فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا، حَتَّى نَزَلُوا بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ، فَاسْتَضَافُوهُمْ؛ فَأَبَوا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الحَيِّ، فَسَعَوا لَهُ بِكُلِّ شَيءٍ لا يَنْفَعُهُ شَيءٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَو أَتَيتُمْ هَؤُلاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ قَدْ نَزَلُوا بِكُمْ؛ لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيءٌ، فَأَتَوهُمْ فَقَالُوا: يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ، إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ؛ فَسَعَينَا لَهُ بِكُلِّ شَيءٍ لا يَنْفَعُهُ شَيءٌ! فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ شَيءٌ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ، وَاللَّهِ إِنِّي لَرَاقٍ، وَلَكِنْ؛ وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا! فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا، فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنَ الغَنَمِ، فَانْطَلَقَ فَجَعَلَ يَتْفُلُ وَيَقْرَأُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] حَتَّى لَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَانْطَلَقَ يَمْشِي مَا بِهِ قَلَبَةٌ، قَالَ: فَأَوفَوهُمْ جُعْلَهُمُ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اقْسِمُوا، فَقَالَ الَّذِي رَقَى: لا تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ؛ فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا، فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ، فَقَالَ: «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟! أَصَبْتُمْ، اقْسِمُوا، وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ».\nوَقَولُهُ: «مَا بِهِ قَلَبَةٌ»: أَي: أَلَمٌ وَعِلَّةٌ. النِّهَايَةُ لِابْنِ الأَثِيرِ (٤/ ٩٨).","vol":"2","page":55},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-299> المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: هَلْ يَدْخُلُ فِي الذَّمِّ مَنْ يَتَعَلَّمُونَ فِي الكُلِّيَّاتِ أَو غَيرِهَا لِغَايَةِ شَهَادَةٍ أَو مَرْتَبَةٍ؟</span>\nالجَوَابُ:\nإِنَّهُم يَدْخُلُونَ فِي ذَلِكَ إِذَا لَمْ يُرِيدُوا غَرَضًا شَرْعِيًّا، وَلَكِنْ نَقُولُ لَهُم:\n١ - لَا تَقْصِدُوا بِذَلِكَ المَرْتَبَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ! بَلِ اتَّخِذُوا هَذِهِ الشَّهَادَاتِ وَسِيلَةً لِلعَمْلِ فِي الحُقُولِ النَّافِعَةِ لِلخَلْقِ، لِأَنَّ الأَعْمَالَ فِي الوَقْتِ الحَاضِرِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الشَّهَادَاتِ (^١)، وَالنَّاسُ لَا يَسْتَطِيعُونَ الوُصُولَ إِلَى مَنْفَعَةِ الخَلْقِ إِلَّا بِهَذِهِ الوَسِيلَةِ، وَبِذَلِكَ تَكُونُ النِّيَّةُ سَلِيمَةً.\n٢ - أَنَّ مَنْ أَرَادَ العِلْمَ لِذَاتِهِ؛ فَإِنَّه قَدْ لَا يَجِدُهُ إِلَّا فِي الكُلِّيَّاتِ، فَيَدْخُلُ الكُلِّيَّةَ أَو نَحْوَهَا لِهَذَا الغَرَضِ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلمَرْتَبَةِ؛ فَإِنَّهَا لَا تَهُمُّهُ.\n٣ - أَنَّ الإِنْسَانَ إِذَا أَرَادَ بِعَمَلِهِ الحُسْنَيِينِ -حُسْنَى الدُّنْيَا وَحُسْنَى الآخِرَةِ- فَلَا شَيءَ عَلَيهِ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]، فَرَغَّبَهُ سُبْحَانَهُ فِي التَّقْوَى بِذِكْرِ المَخْرَجِ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ وَالرِّزْقِ مِنْ حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ (^٢).\n_________\n(^١) بِاعْتِبَارِ الغَالِبِ.\n(^٢) يُنْظَرُ (القَولُ المُفِيدُ) لِابْنِ عُثَيمِينَ (٢/ ١٣٨).","vol":"2","page":56},{"text":"بَابُ مَنْ أَطَاعَ العُلَمَاءَ وَالأُمَرَاءَ فِي تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللهُ أَو تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَ اللهُ؛ فَقَدْ اتَّخَذَهُمْ أَرْبَابًا مَنْ دُونِ اللهِ\nوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (يُوشِكُ أَنْ تَنْزِلَ عَلَيكُمْ حِجَارَةٌ مِنَ السَّمَاءِ؛ أَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ؛ وَتَقُولُونَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ؟!) (^١).\nوَقَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ: عَجِبْتُ لِقَومٍ عَرَفُوا الإِسْنَادَ وَصِحَّتَهُ؛ وَيَذْهَبُونَ إِلَى رَأْيِ سُفْيَانَ!! وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النُّور: ٦٣]، أَتَدْرِي مَا الفِتْنَةُ؟ الفِتْنَةُ الشِّرْكُ، لَعَلَّهُ إِذَا رَدَّ بَعْضَ قَولِهِ أَنْ يَقَعَ فِي قَلْبِهِ شَيءٌ مِنَ الزَّيغِ فَيَهْلَكَ (^٢).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٣١٢١)، وَلَفْظُهُ: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: تَمَتَّعَ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيرِ: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنِ المُتْعَةِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا يَقُولُ عُرَيَّةُ؟ قَالَ: يَقُولُ نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنِ المُتْعَةِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُرَاهُمْ سَيَهْلِكُونَ؛ أَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ؛ وَيَقُولُ: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ). قَالَ الشَّيخُ صَالِحُ آلِ الشَّيخِ حَفِظَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ التَّمْهِيدُ (ص ٤١٧): \"بِإِسْنَادٍ صَحَيحٍ\".\nوَأَورَدَهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ العَسْقَلَانِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (المَطَالِبُ العَالِيَةُ) (٧/ ٩٦) وَقَالَ: \"قَالَ إِسْحَاقُ: نَا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيكَةَ، قَالَ: قَالَ عُرْوَةُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: وَيحَكَ أَضَلَلْتَ! تَأْمُرُنَا بِالعُمْرَةِ فِي العَشْرِ وَلَيسَ فِيهِنَّ عُمْرَةٌ! فَقَالَ: يَا عُرَيُّ؛ فَسَلْ أُمَّكَ. قَالَ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَمْ يَقُولَا ذَلِكَ؛ وَكَانَا أَعْلَمَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَتْبَعَ لَهُ مِنْكَ. فَقَالَ: مِنْ هَهُنَا تَرِدُونَ؛ نَجِيئُكُمْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَتَجِيئُونَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ. سَنَدُهُ صَحِيحٌ، وَبَعْضُهُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالعُمْرَةِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ\".\n(^٢) ذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي الفُرُوعِ (١١/ ١٠٧)، وَأَيضًا شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ فِي مَجْمُوعِ الفَتَاوَى (١٩/ ١٠٤).\n=","vol":"2","page":57},{"text":"وَعَنْ عَدِيٍّ بْنِ حَاتِمٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التَّوبَة: ٣١]، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ! قَالَ: «أَلَيسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللهُ فَتُحَرِّمُونَهُ، وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَتُحِلُّونَهُ؟»، فَقُلْتُ: بَلَى، قَالَ: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُم». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (^١).\n_________\n=\nوَرَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ ابْنُ بَطَّةَ العُكْبَرِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ الإبانَةُ الكُبْرَى (١/ ٢٦٠) عَنِ الفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ: \"سَمَعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ؛ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ يَقُولُ: نَظَرْتُ فِي المُصْحَفِ فَوَجَدْتُ فِيهِ طَاعَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي ثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ مَوضِعًا، ثُمَّ جَعَلَ يَتْلو: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النُّور: ٦٣]، وَجَعَلَ يُكَرِّرُهَا، وَيَقُولُ: ومَا الفِتْنَةُ؟ الشِّرْكُ. لَعَلَّهُ أَنْ يَقَعَ فِي قَلْبِهِ شَيءٌ مِنَ الزَّيغِ فَيَزِيغَ فيُهْلِكَهُ. وَجَعَلَ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النِّسَاء: ٦٥] \".\nقُلْتُ: وَأَمَّا سُفْيَانُ هُنَا؛ فَقَدْ ذَكَرُوا فِي شُرُوحِ كِتَابِ التَّوحِيدِ أَنَّهُ الثَّورِيُّ.\n(^١) صَحِيحٌ. الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ (١٧/ ٩٢ - ح ٢١٨) وَالتِّرْمِذِيُّ (٣٠٩٥) وَحَسَّنَهُ. الصَّحِيحَةُ (٣٢٩٣).\nوَلَفْظُهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ قَالَ: أَتَيتُ النَّبيِّ ﷺ وَفي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: «يَا عَدِيُّ؛ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الوَثَنَ»، وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيهِمْ شَيئًا حَرَّمُوهُ».\nوَلَمْ أَجِدْهُ فِي أَحْمَدَ -إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ أَصْلَ الحَدِيثِ-، وَلَمْ أَرَ مَنْ عَزَاهُ إِلَيهِ فِي تَخْرِيجِهِ أَيضًا.","vol":"2","page":58},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ النُّور.\nالثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ بَرَاءَةَ.\nالثَّالِثَةُ: التَّنْبِيهُ عَلَى مَعْنَى العِبَادَةِ الَّتِي أَنْكَرَهَا عَدِيٌّ.\nالرَّابِعَةُ: تَمْثِيلُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَتَمْثِيلُ أَحْمَدَ بِسُفْيَانَ.\nالخَامِسَةُ: تَغَيُّرُ الأَحْوَالِ إِلَى هَذِهِ الغَايَةِ، حَتَّى صَارَ عِنْدَ الأَكْثَرِ عُبَادَةُ الرُّهْبَانِ هِيَ أَفْضَلُ الأَعْمَالِ -وَتُسَمَّى الوَلَايَةُ-، وَعِبَادَةُ الأَحْبَارِ هِيَ العِلْمُ وَالفِقْهُ، ثُمَّ تَغَيَّرَتِ الأَحْوَالُ إِلَى أَنَّ عُبِدَ مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لَيسَ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَعُبِدَ بِالمَعْنَى الثَّانِيَ مَنْ هُوَ مِنَ الجَاهِلِينَ.","vol":"2","page":59},{"text":"<span data-type='title' id=toc-302>الشَّرْحُ</span>\n- مُنَاسَبَةُ البَابِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ أَنَّ تَوحِيدَ العَبْدِ لَا يَصِحُّ حَتَّى يَعْتَقِدَ العَبْدُ مَا شَرَعَ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ.\n- قَولُهُ: (العُلَمَاءَ وَالأُمَرَاءَ): هُمْ أُولُو الأَمْرِ؛ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٥٩]. وَالأَمْرُ يَشْمَلُ:\n١ - الأَمْرَ الدِّينِيَّ، وَأَصْحَابُهُ هُمُ العُلَمَاءُ.\n٢ - الأَمْرَ الدُّنْيَوِيَّ، وَأَصْحَابُهُ هُمُ الأُمَرَاءُ.\n- قَولُهُ: (أَنْ يَقَعَ فِي قَلْبِهِ شَيءٌ مِنَ الزَّيغِ فَيَهْلَكَ): أَي: إِذَا رَدَّ بَعْضَ قَولِ النَّبِيِّ ﵊ بِقَولِ أَحَدٍ؛ فَإِنَّه يُخْشَى عَلَيهِ أَنْ يُعَاقَبَ فَيُجْعَلَ فِي قَلْبِهِ الزَّيغُ، كَقَولِهِ تَعَالَى عَنِ اليَهُودِ ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصَّفُّ: ٥]، فَهُم زَاغُوا بِمَحْضِ إِرَادَتِهِم وَاخْتِيَارِهِم مَعَ بَيَانِ الحُجَجِ وَظُهُورِ الدَّلَائِلِ وَالبَرَاهِينَ، فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُم عُقُوبَةً مِنْهُ لَهُم عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ يَصِلُ ذَلِكَ إِلَى الشِّرْكِ الأَكْبَرِ إِذَا كَانَ فِي تَحْلِيلِ الحَرَامِ مَعَ العِلْمِ بِأَنَّهُ حَرَامٌ! أَو تَحْرِيمِ الحَلَالِ مَعَ العِلْمِ بأَنَّهُ حَلَالٌ!\n- قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ فِي كِتَابِهِ (الصَّارِمُ المَسْلُولُ): \"إِذَا كَانَ المُخَالِفُ عَنْ أَمْرِهِ ﷺ قَدْ حُذِّرَ مِنَ الكُفْرِ وَالشِّرْكِ أَو مِنَ العَذَابِ الأَلِيمِ؛ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مُفْضِيًا إِلَى الكُفْرِ أَوِ العَذَابِ الأَلِيمِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ إِفْضَاءَهُ إِلَى العَذَابِ هُوَ مَجُرَّدُ فِعْلِ المَعْصِيَةِ، وَإِفْضَاؤُهُ إِلَى الكُفْرِ؛ إنَّمَا هُوَ لِمَا قَد يَقْتَرِنُ بِهِ مِنْ اسْتِخْفَافٍ بِحَقِّ الأَمْرِ","vol":"2","page":60},{"text":"الشَّرْعِيِّ كَمَا فَعَلَ إِبْلِيسُ\" (^١).\n- قَولُ الإمَامِ أَحْمَدَ ﵀: (عَجِبْتُ). العَجَبُ نَوعَان:\n١ - عَجَبُ اسْتِحْسَانٍ، كَمَا فِي البُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطُهُورِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ) (^٢).\n٢ - عَجَبُ إِنْكَارٍ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصَّافَات: ١٢]، وَكَمَا فِي كَلَامِ الإِمَامِ أَحْمَدَ هُنَا.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ الأَمْرُ هُنَا هُوَ وَاحِدُ الأَوَامِرِ، وَلَيسَ مِنَ الأُمُورِ أَي (الشُّؤُونِ)، وَهُوَ مُفْرَدٌ مُضَافٌ؛ فَيَعُمُّ جَمِيعَ الأَوَامِرِ، وَعُدِّيَ فِعْلُ (يُخَالِفُونَ) بِـ (عَنْ) لِإفَادَتِهِ مَعْنَى الإِعْرَاضِ (^٣).\n- حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ الطَّائِيِّ بِتَمَامِهِ -كَمَا عَنْدَ الطَّبَرانِيِّ فِي الكَبِيرِ- قَالَ: أَتَيتُ النَّبِيَّ ﷺ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: «يَا عَدِيُّ اطْرَحْ هَذَا الوَثَنَ مِنْ عُنُقِكَ»، فَطَرَحْتُهُ، فَانْتَهَيتُ إِلَيهِ وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ بَرَاءَة، فَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التَّوبَة: ٣١] حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، فَقُلْتُ: إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ، فَقَالَ: «أَلَيسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللهُ فَتُحَرِّمُونَهُ، وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللهُ\n_________\n(^١) الصَّارِمُ المَسْلُولُ (ص ٥٧).\n(^٢) البُخَارِيُّ (١٦٨).\n(^٣) قَالَ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (١٩/ ٢٣١): \"وَقَولُهُ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أُدْخِلَتْ (عَنْ) لِأَنَّ مَعْنَى الكَلَامِ: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يَلُوذُونَ عَنْ أَمْرِهِ، وَيُدْبِرُونَ عَنْهُ مُعْرِضِينَ\".\nقُلْتُ: وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى أَيضًا عَنِ المُنَافِقِينَ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النِّسَاء: ٦١].","vol":"2","page":61},{"text":"فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟» قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ» (^١).\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (سُبْحَانَ): اسْمُ مَصْدَرٍ مِنَ التَّسْبِيحِ؛ وَهُوَ التَّنْزِيهُ، أَي: تَنْزِيهُ اللهِ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ.\n- اعْلَمْ أَنَّ اتِّبَاعَ العُلَمَاءِ أَوِ الأُمَرَاءِ فِي تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَ اللهُ أَو تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللهُ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ (^٢):\n١ - أَنْ يُتَابِعَهُم فِي ذَلِكَ رَاضِيًا بِقَولِهِم، مُقَدِّمًا لَهُ، سَاخِطًا لِحُكْمِ اللهِ! فَهُوَ كَافِرٌ،\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ (١٧/ ٩٢)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٣٠٩٥) وَحَسَّنَهُ. الصَّحِيحَةُ (٣٢٩٣).\n(^٢) أَفَادَهُ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ فِي كِتَابِهِ (القَولُ المُفِيدُ) (٢/ ١٥٧).\nوَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ تَفْسِيرِ التَّوحِيدِ نَقْلُ قَولِ شَيخِ الإِسْلَامِ ﵀، وَنُعِيدُهُ هُنَا لِتَمَامِ الفَائِدَةِ:\nقَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ فِي مَجْموعِ الفَتَاوى (٧/ ٧٠): \" وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا -حَيثُ أَطَاعُوهُمْ فِي تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَ اللهُ وَتَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللهُ- يَكُونُونَ عَلَى وَجْهَينِ:\nأَحَدِهِمَا: أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّهُمْ بَدَّلُوا دِينَ اللهِ؛ فَيَتْبَعُونَهُمْ عَلَى التَّبْدِيلِ؛ فَيَعْتَقِدُونَ تَحْلِيلَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَتَحْرِيمَ مَا أَحَلَّ اللهُ اتِّبَاعًا لِرُؤَسَائِهِمْ -مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّهُمْ خَالَفُوا دِينَ الرُّسُلِ- فَهَذَا كُفْرٌ، وَقَدْ جَعَلَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ شِرْكًا -وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا يُصَلُّونَ لَهُمْ وَيَسْجُدُونَ لَهُم-، فَكَانَ مَنِ اتَّبَعَ غَيرَهُ فِي خِلَافِ الدِّينِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ خِلَافُ الدِّينِ، وَاعْتَقَدَ مَا قَالَهُ ذَلِكَ دُونَ مَا قَالَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ: مُشْرِكًا مِثْلَ هَؤُلَاءِ.\nوَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ اعْتِقَادُهُمْ وَإِيمَانُهُمْ [بِتَحْرِيمِ الحَرَامِ وَتَحْلِيلِ الحَلَالِ] ثَابِتًا، لَكِنَّهُمْ أَطَاعُوهُمْ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ -كَمَا يَفْعَلُ المُسْلِمُ مَا يَفْعَلُهُ مِنَ المَعَاصِي الَّتِي يَعْتَقِدُ أَنَّهَا مَعَاصٍ-؛ فَهَؤُلَاءِ لَهُمْ حُكْمُ أَمْثَالِهِمْ مِنْ أَهْلِ الذُّنُوبِ؛ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ» \".\nقُلْتُ: وَهَذا الحَدِيثُ الأَخِيرُ رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٧١٤٥)، وَمُسْلِمٌ (١٨٤٠) مِنْ حَدِيثِ عَليٍّ مَرْفُوعًا.\nمُلَاحَظَةٌ: فِي الأُصُولِ (بِتَحْرِيمِ الحَلَالِ وَتَحْلِيلِ الحَرَامِ)!! وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ خَطَأٌ مِنَ النُّسَّاخِ.\nقَالَ الشَّيخُ نَاصِرُ بْنُ حَمَدٍ الفَهْدُ حَفِظَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ (صِيَانَةُ مَجْمُوعِ الفَتَاوَى مِنَ السَّقْطِ وَالتَّصْحِيفِ) (ص ٥٩): \"وَقَولُهُ هُنَا (بِتَحْرِيمِ الحَلَالِ وَتَحْلِيلِ الحَرَامِ) قَدْ أَشَارَ عَدَدٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ إِلَى أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ تَصْحِيفًا مِنَ النُّسَّاخِ، وَالأَظْهَرُ أَنَّ العِبَارَةَ هِيَ (بِتَحْرِيمِ الحَرَامِ وَتَحْلِيلِ الحَلَالِ) \".","vol":"2","page":62},{"text":"لِأَنَّهُ كَرِهَ مَا أَنْزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ اللهُ عَمَلَهُ، وَلَا تَحْبُطُ الأَعْمَالُ إِلَّا بِالكُفْرِ، فَكُلُّ مَنْ كَرِهَ مَا أَنْزَلَ اللهُ فَهُوَ كَافِرٌ.\n٢ - أَنْ يُتَابِعَهُم فِي ذَلِكَ رَاضِيًا بِحُكْمِ اللهِ وَعَالِمًا بِأَنَّهُ أَمْثَلُ وَأَصْلَحُ لِلعِبَادِ وَالبِلَادِ، وَلَكِنْ لِهَوًى فِي نَفْسِهِ اخْتَارَهُ، كَأَنْ يُرِيدَ مَثَلًا وَظِيفَةً؛ فَهَذَا لَا يَكْفُرُ، وَلَكِنَّهُ فَاسِقٌ وَلَهُ حُكْمُ غَيرِهِ مِنَ العُصَاةِ.\n٣ - أَنْ يُتَابِعَهُم جَاهِلًا؛ فَيَظُنَّ أَنَّ ذَلِكَ حُكْمُ اللهِ، فَهَذَا لَهُ حَالَانِ:\nأ- أَنْ يُمْكِنَهُ أَنْ يَعْرِفَ الحَقَّ بِنَفْسِهِ، فَهُوَ مُفَرِّطٌ أَو مُقَصِّرٌ، وَهُوَ آثِمٌ، لِأَنَّ اللهَ أَمَرَ بِسُؤَالِ أَهْلِ العِلْمِ عِنْدَ عَدَمِ العِلْمِ.\nب- أَنْ لَا يَكُونَ عَالِمًا وَلَا يُمْكِنَهُ التَّعَلُّمُ فَيُتَابِعُهُم تَقْلِيدًا، وَيَظُنُّ أَنَّ هَذَا هُوَ الحَقَّ؛ فَهَذَا لَا شَيءَ عَليهِ، لِأَنَّه فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ، وَكَانَ مَعْذُورًا بِذَلِكَ (^١).\n- قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: \"إنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ قَضَى فِي الإِبْهَامِ بِخَمْسَ عَشَرَةَ، فَلَمَّا وَجَدَ كِتَابَ آلِ عَمْرُو بْنِ حَزْمٍ؛ وَفِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: «وفي كُلِّ إِصْبَعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ» صَارُوا إِلَيهِ. قَالَ: وَلَمْ يَقْبَلُوا كِتَابَ آلِ عَمْرُو بْنِ حَزْمٍ -وَاللهُ أَعْلَمُ- حَتَّى ثَبَتَ لَهُم أَنَّهُ كِتَابُ رَسُولِ اللهِ. وَفِي هَذَا الحَدِيثِ دِلَالَتَانِ:\nإِحْدَاهُمَا: قَبُولُ الخَبَرِ.\nوَالأُخْرَى: أَنْ يُقْبَلَ الخَبَرُ فِي الوَقْتِ الَّذِي يَثْبُتُ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَمْضِ عَمَلٌ مِنْ أَحَدٍ\n_________\n(^١) وَقَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ أَيضًا فِي كِتَابِهِ (القَولُ المُفِيدُ) (١/ ٢٧٣): \"وَالعَجَبُ أَنَّهُم فِي العِرَاقِ يَقُولُونَ: عِنْدَنَا الحُسَينُ؛ فَيَطُوفُونَ قَبْرَهُ وَيَسْأَلُونَهُ! وَفِي مِصْرَ كَذَلِكَ! وَفِي سُورِيَّا كَذَلِكَ! وَهَذَا سَفَهٌ فِي العُقُولِ وَضَلَالٌ فِي الدِّينِ، وَالعَامَّةُ لَا يُلَامُونَ فِي الوَاقِعِ، لَكِنَّ الَّذِي يُلَامُ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ العُلَمَاءِ وَمِنْ غَيرِ العُلَمَاءِ\".","vol":"2","page":63},{"text":"مِنَ الأَئِمَّةِ بِمِثْلِ الخَبَرِ الَّذِي قَبِلُوا، وَدِلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَو مَضَى أَيضًا عَمَلٌ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الأَئِمَّةِ ثُمَّ وُجِدَ عَنِ النَّبِيِّ خَبَرٌ يُخَالِفُ عَمَلَهُ لَتُرِكَ عَمَلُهُ لِخَبَرِ رَسُولِ اللهِ، وَدِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ لَا بِعَمَلِ غَيرِهِ بَعْدهُ\" (^١).\n- لَيسَ كُلُّ حُكْمٍ بِغَيرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى يَكُونُ كُفْرًا مُخْرِجًا مِنَ المِلَّةِ.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المَائِدَة: ٤٤].\nقَالَ إِمَامُ المُفَسِّرِينَ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ: \"وَأَولَى هَذِهِ الأَقْوَالِ عِنْدِي بِالصَّوَابِ؛ قَولُ مَنْ قَالَ: نَزَلَتْ هذهِ الآيَاتُ فِي كُفَّارِ أَهْلِ الكِتَابِ، لِأَنَّ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الآيَاتِ فِيهِم نَزَلَتْ، وَهُمُ المَعنِيُّونَ بِهَا، وَهَذِهِ الآيَاتُ سِيَاقُ الخَبَرِ عَنْهُم؛\n_________\n(^١) أَورَدَهُ القَاسِمِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (قَوَاعِدُ التَّحَدِيثِ) (ص ٣٠٢) فِي (بَيَانِ الثَّمَرَاتِ المُجْتَنَاةِ مِنْ شَجَرةِ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ المُبَارَكَةِ) وَالنَّصُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى هُوَ فِي كِتَابِهِ الرِّسَالَةُ (ص ٤٢٤).\nوَأَمَّا الحَدِيثُ الَّذِي أَورَدَهُ فَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْهُ وَفِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ (١٧٦٩٨) وَغَيرِه، وَلَفْظُهُ -كَمَا أَورَدَهُ السُّيُوطِيُّ ﵀ فِي جَامِعِ الأَحَادِيثِ (٢/ ٤٧١) - \"عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قَالَ: قَضَى عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ فِي الإِبْهَامِ وَالتِي تَلِيهَا نِصْفَ دِيَّةِ الكَفِّ. وَفِي لَفْظٍ: قَضَى فِي الإِبْهَامِ خَمْسَ عَشَرَةَ، وَفِي السَّبَّابَةِ عَشْرًا، وَفِي الوسْطَى عَشْرًا، وَفِي البِنْصَرِ تِسْعًا، وَفِي الخِنْصَرِ سِتًّا، حَتَّى وَجَدَ كِتَابًا عِنْدَ آلِ عَمْرُو بْنِ حَزْمٍ يَزْعُمُونَ أنَّهُ مِنْ رَسولِ اللهِ ﷺ؛ فِيهِ: «وَفِي كُلِّ إِصْبَعٍ عَشْرٌ». فَأَخَذَ بِهِ وَصَارَتْ إِلَى عَشْرٍ عَشْرٍ\". قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ مُتَّصِلٌ إِلَى ابْنِ المُسيِّبِ؛ فَإِنْ كَانَ سَمِعَهُ مِنْ عُمَرَ فَذَاكَ.\nقُلْتُ: وَالتَّفْصِيلُ مِنْ عُمَرَ ﵁ يَدُورُ حَولَ الخَمْسِينَ مِنَ الإِبِلِ، لِأَنَّهَا دِيَّةُ اليَدِ إِذَا قُطِعَتْ، وَالاجْتِهَادُ مِنْهُ ﵁ هُوَ فِي دِيَّةِ كُلِّ أُصْبُعٍ لِوَحْدِهَا.","vol":"2","page":64},{"text":"فَكَونُهَا خَبَرًا عَنْهُم أَولَى.\nفَإنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَد عَمَّ بِالخَبَرِ بِذَلِكَ عَنْ جَميعِ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ! فَكَيفَ جَعَلْتَهُ خَاصًّا؟ قِيلَ: إنَّ اللهَ تَعَالَى عَمَّ بِالخَبَرِ بِذَلِكَ عَنْ قَومٍ كَانُوا بِحُكْمِ اللهِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ فِي كِتَابِهِ جَاحِدِينَ، فَأَخْبَرَ عَنْهُم أَنَّهُم بِتَرْكِهِم الحُكْمَ -عَلَى سَبِيلِ مَا تَرَكُوهُ- كَافِرُونَ. وَكَذَلِكَ القَولُ فِي كُلِّ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ جَاحِدًا بِهِ؛ هُوَ بِاللهِ كَافِرٌ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (^١)، لِأَنَّه بِجُحُودِهِ حُكْمَ اللهِ -بَعْدَ عِلْمِهِ أَنَّهُ أَنْزَلُه فِي كِتَابِهِ- نَظِيرُ جُحُودِهِ نُبُوَّةَ نَبيِّهِ -بَعْدَ عِلْمِهِ أَنَّهُ نَبيٌّ-\" (^٢).\n- قَالَ الإمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ ﵀ فِي عَقِيدَتِهِ المَشْهُورَةِ: \"وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ القِبْلَةِ بِذَنْبٍ مَا لَم يَسْتَحِلَّهُ\" (^٣).\n_________\n(^١) قَولُ ابْنِ عبَّاسٍ المَذْكُورُ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ نَفْسُهُ (١٠/ ٣٥٧)، وَلَفْظُهُ: (مَنْ جَحَدَ مَا أَنْزَلَ اللهُ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ أَقَرَّ بِهِ وَلَمْ يَحْكُمْ؛ فَهُوَ ظَالِمٌ فَاسِقٌ). وَقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الصَّحِيحَةِ (٢٥٥٢): \"جَيِّدٌ فِي الشَّوَاهِدِ\".\n(^٢) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (١٠/ ٣٥٨).\n(^٣) قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي تَخْرِيجِ الطَّحَاوِيَّةِ (ص ٥٧): \"يَعْنِي اسْتِحْلَالًا قَلْبيًّا اعْتِقَادِيًّا؛ وَإلَّا فَكُلُّ مُذْنِبٍ مُسْتَحِلٌّ لِذَنْبِهِ عَمَلِيًّا -أَي: مُرْتَكِبٌ لَهُ-، وَلِذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنَ التَّفْرِيقِ بَينَ المُسْتَحِلِّ اعْتِقَادًا؛ فَهُوَ كَافِرٌ إِجْمَاعًا، وَبَينَ المُسْتَحِلِّ عَمَلًا لَا اعْتِقَادًا؛ فَهُوَ مُذْنِبٌ يَسْتَحِقُّ العَذَابَ اللَّائِقَ بِهِ -إِلَّا أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُ- ثُمَّ يُنْجِيهِ إِيمَانُهُ، خِلَافًا لِلخَوَارِجِ وَالمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ يَحْكُمُونَ عَلَيهِ بِالخُلُودِ فِي النَّارِ وَإِنٍ اخْتَلَفُوا فِي تَسْمِيَتِهِ كَافِرًا أَو مُنَافِقًا\".\nوَقَالَ أَيضًا ﵀ فِي رِسَالَتِهِ النَّفِيسَةِ الوَجِيزَةِ (فِتْنَةُ التَّكْفِيرِ) (ص ٣٢): \"وَفِي قِصَّةِ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ الَّذِي قَاتَلَ أَحَدَ المُشْرِكِينَ؛ فَلَمَّا رَأَى هَذَا المُشْرِكُ أَنَّهُ صَارَ تَحْتَ ضَرْبَةِ سَيفِ المُسْلِمِ الصَّحَابِيِّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَمَا بَالَاهَا الصَّحَابِيُّ؛ فَقَتَلَهُ! فَلَمَّا بَلَغَ خَبَرُهُ النَّبِيَّ ﷺ أَنْكَرَ عَلَيهِ ذَلِكَ أَشَدَّ الإِنْكَارِ، فَاعْتَذَرَ الصَّحَابِيُّ بِأَنَّ المُشْرِكَ مَا قَالَهَا إِلَّا خَوفًا مِنَ القَتْلِ، وَكَانَ جَوَابُهُ ﷺ: «هَلَّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ»؟! أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيدٍ ﵁.\nإِذًا الكُفْرُ الاعْتِقَادِيُّ لَيسَ لَهُ عَلَاقَةٌ أَسَاسِيَّةٌ بِمُجَرَّدِ العَمَلِ؛ إِنَّمَا عَلَاقَتُهُ الكُبْرَى بِالقَلْبِ\".","vol":"2","page":65},{"text":"وَقَالَ العَلَّامَةُ ابْنُ القَيِّمِ ﵀: \"وَأَمَّا الحُكْمُ المُبَدَّلُ -وَهُوَ الحُكْمُ بِغَيرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ- فَلَا يَحِلُّ تَنْفِيذُهُ، ولَا العَمَلُ بِهِ، ولَا يَسُوغُ اتِّبَاعُهُ، وَصَاحِبُهُ بَينَ الكُفْرِ وَالفُسُوقِ وَالظُلْمِ\" (^١).\nوَقَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀: \"أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ وَضَعَ قَوَانِينَ تَشْرِيعِيَّةً مَع عِلْمِهِ بِحُكْمِ اللهِ، وَبِمُخَالَفَةِ هَذِهِ القَوَانِين لِحُكْمِ اللهِ؛ فَهَذَا قَد بَدَّلَ الشَّرِيعَةَ بِهَذِهِ القَوَانِين، فَهُوَ كَافِرٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يَرْغَبْ بِهَذَا القَانُونِ عَن شَرِيعَةِ اللهِ إِلَّا وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ خَيرٌ لِلعِبَادِ وَالبِلَادِ مِنْ شَرِيعَةِ اللهِ، وَعِنْدَمَا نَقُولُ بِأَنَّهُ كَافِرٌ؛ فَنَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ هَذَا الفِعْلَ يُوصِلُ إِلَى الكُفْرِ، وَلَكِنْ قَدْ يَكُونُ الوَاضِعُ لَهُ مَعْذُورًا؛ مِثْلَ أَنْ يُغَرَّرَ بِهِ، كَأَنْ يُقَالَ: إنَّ هَذَا لَا يُخَالِفُ الإِسْلَامَ! أَو هَذَا مِنَ المَصَالِحِ المُرْسَلَةِ! أَو هَذَا مِمَّا رَدَّهُ الإِسْلَامُ إِلَى النَّاسِ! فَيُوجَدُ بَعْضُ العُلَمَاءِ -وَإِنْ كَانُوا مُخْطِئِينَ- يَقُولُونَ: إنَّ مَسْأَلَةَ المُعَامَلَاتِ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالشَّرْعِ؛ بَلْ تَرْجِعُ إِلَى مَا يُصْلِحُ الاقْتِصَادَ فِي كُلِّ زَمَانٍ بِحَسْبِهِ؛ فَإِذَا اقْتَضَى الحَالُ أَنْ نَضَعَ بُنُوكًا لِلرِّبَا أَو ضَرَائِبَ عَلَى النَّاسِ، فَهَذَا لَا شَيءَ فِيهِ! \" (^٢).\n_________\n(^١) الرُّوحُ (٢٦٧).\n(^٢) القَولُ المُفِيدُ (٢/ ١٦٠).","vol":"2","page":66},{"text":"<span data-type='title' id=toc-303>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-304> المَسْأَلَةُ الأُولَى: مَا هِيَ شُرُوطُ التَّكْفِيرِ؟</span>\nالجَوَابُ:\n١ - ثُبُوتُ أَنَّ هَذَا القَولَ أَوِ الفِعْلَ أَوِ التَّرْكَ؛ كُفْرٌ بِمُقْتَضَى دِلَالَةِ الكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ.\n٢ - ثُبُوتُ قِيَامِهِ بِالمُكَلَّفِ.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحُجُرَات: ٦].\n٣ - بُلُوغُ الحُجَّةِ.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النِّسَاء: ١٦٥].\n٤ - انْتِفَاءُ مَوَانِعِ التَّكْفِيرِ فِي حَقِّهِ.\nوَمِنْ مَوَانِعِ التَّكفِيرِ: الإِكْرَاهُ.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النَّحْل: ١٠٦].\nوَعَدَمُ القَصْدِ؛ فَلَا يَدْرِي مَا يَقُولُ لِشِدَّةِ فَرَحٍ أَو حُزْنٍ أَو خَوفٍ.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأَحْزَاب: ٥].","vol":"2","page":67},{"text":"وَفِي الحَدِيثِ: (قَالَ عَلِيٌّ: بَقَرَ حَمْزَةُ خَوَاصِرَ شَارِفَيَّ، فَطَفِقَ النَّبِيُّ ﷺ يَلُومُ حَمْزَةَ، فَإِذَا حَمْزَةُ قَدْ ثَمِلَ؛ مُحْمَرَّةٌ عَينَاهُ؛ ثُمَّ قَالَ حَمْزَةُ: هَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لِأَبِي (^١)؟! فَعَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ قَدْ ثَمِلَ، فَخَرَجَ وَخَرَجْنَا مَعَهُ) (^٢). رَوَاهُ البُخَارِيِّ -وَهَذَا اللَّفْظُ مِنْهُ مُعَلَّقٌ-، وَتَرْجَمَ عَلَيهِ بِـ: \"بَابُ الطَّلَاقِ فِي الإِغْلَاقِ وَالكُرْهِ وَالسَّكْرَانِ وَالمَجْنُونِ وَأَمْرِهِمَا وَالغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ فِي الطَّلَاقِ وَالشِّرْكِ وَغَيرِهِ\" (^٣).\nقَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي مَجْمُوعِ الفَتَاوَى -فِي مَعْرِضِ الكَلَامِ عَنِ الخَوَارِجِ وَالرَّافِضَةِ-: \"وَأَمَّا تَكْفِيرُهُمْ وَتَخْلِيدُهُمْ؛ فَفِيهِ أَيضًا لِلْعُلَمَاءِ قَولَانِ مَشْهُورَانِ: وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ، وَالقَولَانِ فِي الخَوَارِجِ وَالمَارِقِينَ مِنَ الحَرُورِيَّةِ وَالرَّافِضَةِ وَنَحْوِهِمْ.\nوَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الأَقْوَالَ الَّتِي يَقُولُونَهَا -الَّتِي يُعْلَمُ أَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لَمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ- كُفْرٌ، وَكَذَلِكَ أَفْعَالُهُمُ -الَّتِي هِيَ مِنْ جِنْسِ أَفْعَالِ الكُفَّارِ بِالمُسْلِمِينَ- هِيَ كُفْرٌ أَيضًا، وَقَدْ ذَكَرْتُ دَلَائِلَ ذَلِكَ فِي غَيرِ هَذَا المَوضِعِ، لَكِنَّ تَكْفِيرَ الوَاحِدِ المُعَيَّنِ مِنْهُمْ، وَالحُكْمَ بِتَخْلِيدِهِ فِي النَّارِ مَوقُوفٌ عَلَى ثُبُوتِ شُرُوطِ التَّكْفِيرِ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ.\n_________\n(^١) قُلْتُ: وَوَجْهُ قَولِهِ: (هَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لِأَبِي)! هُوَ أَنَّ الخَمْرَ إِذَا أَخَذَتْ مَأْخَذَهَا مِنَ المَرْءِ؛ فَإِنَّهَا تُعْطِيهِ نَشْوَةً وَانْشِرَاحًا -أَعَاذَنَا اللهُ مِنْهَا- فَيَشْعُرُ نَفْسَهُ كَالمَلِكِ.\nوَقَدِ اشْتَهَرَ قَولُ حَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ -فِي الجَاهِلِيَّةِ- عَنِ الخَمْرِ: \"فَنَشْرَبُهَا فَتَتْرُكُنَا مُلُوكًا … وَأُسْدًا، مَا يُنَهْنِهُنَا اللِّقَاءُ\".\n(^٢) البُخَارِيُّ (٧/ ٤٥).\n(^٣) يُنْظَرُ: (مَجْمُوعُ فَتَاوَى الشَّيخِ ابْنِ عُثَيمِين) (٣/ ٥٢).","vol":"2","page":68},{"text":"فَإِنَّا نُطْلِقُ القَولَ بِنُصُوصِ الوَعْدِ وَالوَعِيدِ وَالتَّكْفِيرِ وَالتَّفْسِيقِ؛ وَلَا نَحْكُمُ لِلْمُعَيَّنِ بِدُخُولِهِ فِي ذَلِكَ العَامِّ حَتَّى يَقُومَ فِيهِ المُقْتَضَى الَّذِي لَا مُعَارِضَ لَهُ، وَقَدْ بَسَطْتُ هَذِهِ القَاعِدَةَ فِي (قَاعِدَةُ التَّكْفِيرِ)، وَلِهَذَا لَمْ يَحْكُمِ النَّبِيُّ ﷺ بِكُفْرِ الَّذِي قَالَ: «إذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ ذَرُّونِي فِي اليَمِّ؛ فَوَ اللهِ لَئِنْ قَدَرَ اللهُ عَلَيَّ لَيُعَذِّبَنِي عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ العَالَمِينَ» مَعَ شَكِّهِ فِي قُدْرَةِ اللهِ وَإِعَادَتِهِ! وَلِهَذَا لَا يُكَفِّرُ العُلَمَاءُ مِنِ اسْتَحَلَّ شَيئًا مِنَ المُحَرَّمَاتِ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالإِسْلَامِ أَو لِنَشْأَتِهِ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ، فَإِنَّ حُكْمَ الكُفْرِ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ بُلُوغِ الرِّسَالَةِ، وَكَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ قَدْ لَا يَكُونُ قَدْ بَلَغَتْهُ النُّصُوصُ المُخَالِفَةُ لِمَا يَرَاهُ، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّ الرَّسُولَ بُعِثَ بِذَلِكَ! فَيُطْلَقُ أَنَّ هَذَا القَولَ كُفْرٌ؛ وَيُكَفَّرُ مَتَى قَامَتْ عَلَيهِ الحُجَّةُ دُونَ غَيرِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ\" (^١).\n_________\n(^١) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (٢٨/ ٥٠٠).","vol":"2","page":69},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-305> المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا كَانَ التَّحْلِيلُ وَالتَّحْرِيمُ هُوَ مِنِ اتِّخَاذِ الأَرْبَابِ؛ فَمَا الجَوَابُ عَن تَحْرِيمِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْضَ الأَشْيَاءِ عَلَى نَفْسِه؟!</span>\nكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التَّحْرِيم: ١]!\nوَمِثْلُه قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ﴾ [المَائِدَة: ٨٧]!\nوَأَيضًا قَوْلُه تَعَالَى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ [آل عِمْرَان: ٩٣]!\nالجَوَابُ:\nإِنَّ هَذَا التَّحْرِيمَ هُنَا لَا يَدْخُلُ فِي هَذَا البَابِ، لِأَنَّهُ بِمَعْنَى مَنْعِ النَّفْسِ مِن الشَّيءِ، وَلَيسَ بِمَعْنَى جَعْلِهِ مُحَرَّمًا عَنْدَ رَبِّ العَالَمِينَ! كَمَا ذَكَرَ سُبْحَانَهُ عَنِ المُشْرِكِينَ: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النَّحْل: ١١٦].\nلِذَلِكَ فَمِثْلُ ذَلِكَ حُكْمُهُ حُكْمُ اليَمِينَ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ (^١).\nفَفِي الصَّحِيحَينِ عَنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄؛ قَالَ: (فِي الحَرَامِ يُكَفَّرُ)، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأَحْزَاب: ٢١] (^٢).\n_________\n(^١) وَذَهَبَ الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ ﵀ إِلَى أَنَّ وَصْفَهَا بِاليَمِينِ هُوَ لِكَونِ ذَاكَ التَّحْرِيمِ كَانَ مَعَ أَيمَانٍ حَلَفُوا بِهَا؛ لِذَلِكَ سُمِّيَتْ يَميِنًا وَلَزِمَتْهَا كَفَّارَةُ يَمِينٍ؛ فَاللهُ أَعْلَمُ. اُنْظُرْ تَفْسِيرَ الطَّبَرِيِّ (٢٣/ ٤٨٠)، (١٠/ ٥٢٣).\n(^٢) البُخَارِيُّ (٤٩١١)، مُسْلِم (١٤٧٣).","vol":"2","page":70},{"text":"قَالَ الإِمَامُ ابْنُ قُدَامَةَ المَقْدِسِيُّ ﵀: \"وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا قَالَ: هَذَا حَرَامٌ عَلَيَّ إنْ فَعَلْتُ؛ وَفَعَلَ، أَوْ قَالَ: مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَيَّ حَرَامٌ إنْ فَعَلْتُ؛ ثُمَّ فَعَلَ؛ فَهُوَ مُخَيَّرٌ، إنْ شَاءَ تَرَكَ مَا حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ شَاءَ كَفَّرَ.\nوَإِنْ قَالَ: هَذَا الطَّعَامُ حَرَامٌ عَلَيَّ؛ فَهُوَ كَالْحَلِفِ عَلَى تَرْكِهِ.\nوَيُرْوَى نَحْوُ هَذَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَالْحَسَنِ، وَجَابِرِ بْنِ زَيدٍ، وَقَتَادَةَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَهْلِ الْعِرَاقِ.\nوَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيرٍ -فِيمَنْ قَالَ: الْحِلُّ عَلَيَّ حَرَامٌ-: يَمِينٌ مِنَ الْأَيمَانِ؛ يُكَفِّرُهَا.\nوَقَالَ الْحَسَنُ: هِيَ يَمِينٌ؛ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ.\nوَعَنْ إبْرَاهِيمَ مِثْلُهُ، وَعَنْهُ: إنْ نَوَى طَلَاقًا؛ وَإِلَّا فَلَيسَ بِشَيءٍ.\nوَعَنِ الضَّحَّاكِ؛ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَابْنَ مَسْعُودٍ قَالُوا: (الْحَرَامُ يَمِينُ طَلَاقٍ).\nوَقَالَ طَاوُسٌ: هُوَ مَا نَوَى.\nوَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: لَيسَ بِيَمِينٍ، وَلَا شَيءَ عَلَيهِ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ تَغْيِيرَ الْمَشْرُوعِ فَلَغَا مَا قَصَدَهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: هَذِهِ رَبِيبَتِي.\nوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ﴾ سَمَّى تَحْرِيمَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ يَمِينًا، وَفَرَضَ لَهُ تَحِلَّةً؛ وَهِيَ الْكَفَّارَةُ\" (^١).\nوَقَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: \"أَفْتَى جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ -كَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَغَيرِهِمْ- أَنَّ تَحْرِيمَ الْحَلَالِ يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ: إمَّا كَفَّارَةً كُبْرَى -كَالظِّهَارِ-، وَإِمَّا كَفَّارَةً صُغْرَى -كَالْيَمِينِ بِاللَّهِ-، وَمَا زَالَ السَّلَفُ\n_________\n(^١) المُغْنِي (٩/ ٥٠٨).","vol":"2","page":71},{"text":"يُسَمُّونَ الظِّهَارَ وَنَحْوَهُ يَمِينًا\" (^١).\nوَقَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀: \"جَعَلَ اللهُ هَذَا التَّحْرِيمَ يَمِينًا وَقَالَ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ﴾، فَالإِنْسَانُ إِذَا قَالَ: هَذَا حَرَامٌ عَلَيَّ، أَوْ حَرَامٌ عَلَيَّ إِنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا -وَقَصْدُهُ بِذَلِكَ الامْتِنَاعَ عَنْ هَذَا الشَّيءِ- فَحُكْمُهُ حُكْمُ اليَمِينِ، بِمَعْنَى أَنْ نَقُولَ: كَأَنَّكَ قُلْتَ: وَاللهِ لَا أَفْعَلُ هَذَا الشَّيءَ، أَوْ وَاللهِ لَا أَلْبِسُ هَذَا الثَّوبَ، أَوْ وَاللهِ لَا آكُلُ هَذَا الطَّعَامَ. فَإِذَا حَنَثَ كَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ.\nوَقَدْ دَلَّ القُرْآنُ الكَرِيمُ عَلَى كَونِ كَفَّارَةِ التَّحْرِيمِ هِيَ كَفَّارَةُ اليَمِينِ، فَقَدْ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ كَفَّارَةَ اليَمِينِ بَعْدَ سِيَاقِ التَّحْرِيمِ\" (^٢) (^٣).\nوَكَذَا دَلَّ السِّيَاقُ بَعْدَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ حَيثُ قَالَ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المَائِدَة: ٨٩].\n_________\n(^١) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (٣٥/ ٢٧٢).\n(^٢) مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلُ العُثَيمِين (٢/ ٢٢٠).\n(^٣) يَعنِي قَولَهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ﴾.","vol":"2","page":72},{"text":"بَابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا * فَكَيفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النِّسَاء: ٦٠ - ٦١].\nوَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البَقَرَة: ١١].\nوَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأَعْرَاف: ٥٦].\nوَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المَائِدَة: ٥٠].\nوَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ». قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ: \"حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَينَاهُ فِي كِتَابِ الحُجَّةِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ\" (^١).\n_________\n(^١) الأَرْبَعُونَ النَّوَوِيَّةُ (ص ١١٣).\nوَالحَدِيثُ ضَعِيفٌ، ضَعَّفَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي ظِلَالِ الجَنَّةِ (١٥)، وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ\n=","vol":"2","page":73},{"text":"وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: \"كَانَ بَينَ رَجُلٍ مِنَ المُنَافِقِينَ وَرَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ خُصُومَةٌ، فَقَالَ اليَهُودِيُّ: نَتَحَاكَمُ إِلَى مُحَمَّدٍ -عَرَفَ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ الرِّشْوَةَ-، وَقَالَ المُنَافِقُ: نَتَحَاكَمُ إِلَى اليَهُودِ -لَعَلِمَهُ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ الرِّشْوَةَ-، فَاتَّفَقَا أَنْ يَأْتِيَا كَاهِنًا فِي جُهَينَةَ فَيَتَحَاكَمَا إِلَيهِ؛ فَنَزَلَتْ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الآيَة\" (^١).\nوَقِيلَ: \"نَزَلَتْ فِي رَجُلَينِ اخْتَصَمَا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: نَتَرَافَعُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَقَالَ الآخَرُ: إِلَى كَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ، ثُمَّ تَرَافَعَا إِلَى عُمَرَ، فَذَكَرَ لَهُ أَحَدُهُمَا القِصَّةَ، فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يَرْضَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ: أَكَذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَضَرَبَهُ بِالسَّيفِ فَقَتَلَهُ\" (^٢).\n_________\n=\n﵀ فِي كِتَابِهِ جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ٢٩٤): \"تَصْحِيحُ هَذَا الحَدِيثِ بَعِيدٌ جِدًّا مِنْ وُجُوهٍ؛ مِنْهَا: أَنَّهُ حَدِيثٌ يَتَفَرَّدُ بِهِ نُعَيمُ بْنُ حَمَّادٍ المَرْوَزِيُّ\".\nوَقَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ فِي شَرْحِ الأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ (ص ٣٩٥): \"مَعْنَى الحَدِيثِ -بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ إِسْنَادِهِ- صَحِيحٌ\".\n(^١) صَحِيحٌ.\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (٥/ ٣٧): \"رَوَى إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيهِ فِي تَفْسِيرِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: … \".\n(^٢) صَحِيحٌ.\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (٥/ ٣٧): \"وَقَدْ رَوَى الكَلْبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي رَجُلٍ مِنَ المُنَافِقِينَ كَانَ بَينَهُ وَبَينَ يَهُودِيٍّ خُصُومَةٌ؛ فَقَالَ اليَهُودِيُّ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى مُحَمَّدٍ، وَقَالَ المُنَافِقُ: بَلْ نَأْتِي كَعْبَ بْنَ الأَشْرَفِ، فَذَكَرَ القِصَّةَ، وَفِيهِ أَنَّ عُمَرَ قَتَلَ المُنَافِقَ؛ وَأَنَّ ذَلِكَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَاتِ؛ وَتَسْمِيَةِ عُمَرَ الفَارُوقَ، وَهَذَا الإِسْنَادُ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا لَكِنْ تَقَوَّى بِطَرِيقِ مُجَاهِدٍ\".","vol":"2","page":74},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ النِّسَاءِ وَمَا فِيهَا مِنَ الإِعَانَةِ عَلَى فَهْمِ الطَّاغُوتِ.\nالثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ البَقَرَةِ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾.\nالثَّالِثَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ الأَعْرَافِ ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾.\nالرَّابِعَةُ: تَفْسِيرُ ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾.\nالخَامِسَةُ: مَا قَالَ الشَّعْبِيُّ فِي سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ الأُولَى.\nالسَّادِسَةُ: تَفْسِيرُ الإِيمَانِ الصَّادِقِ وَالكَاذِبِ.\nالسَّابِعَةُ: قِصَّةُ عُمَرَ مَعَ المُنَافِقِ.\nالثَّامِنَةُ: كَونُ الإِيمَانِ لَا يَحْصُلُ لِأَحَدٍ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ.","vol":"2","page":75},{"text":"<span data-type='title' id=toc-308>الشَّرْحُ</span>\n- هَذَا البَابُ يَصْلُحُ أَنْ يُسَمَّى بِبَابِ النَّهْي عَنِ التَّحَاكُمِ إِلَى غَيرِ شَرْع ِاللهِ تَعَالَى.\n- قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا * فَكَيفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا * وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا * فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النِّسَاء: ٦٠ - ٦٥].\n- وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَينَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المَائِدَة: ٤٩ - ٥٠].\n- مُنَاسَبَةُ البَابِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ أَنَّ تَوحِيدَ العَبْدِ لَا يَكْمُلُ الكَمَالَ الوَاجِبَ حَتَّى يُحَكِّمَ شَرْعَ اللهِ تَعَالَى فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ.","vol":"2","page":76},{"text":"وَإِنَّ الحُكْمَ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فَرْضٌ، وَهُوَ مِنْ مُقْتَضَى شَهَادَةِ \"لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ\"، وَإِنَّ تَرْكَ الحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ؛ وَتَحْكِيمَ غَيرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ فِي شُؤُونِ المُتَخَاصِمِينَ؛ وَتَنْزِيَلَ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ القُرْآنِ الكَرِيمِ شِرْكٌ أَكْبَرُ وَكُفْرٌ مُخْرِجٌ عَنِ مِلَّةِ الإِسْلَامِ.\n- الحُكْمُ للهِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأَعْرَاف: ٥٤]، فَالأَمْرُ لَهُ وَحْدَهُ؛ كَمَا أَنَّهُ هُوَ الخَالِقُ وَحْدَهُ.\nوَإِنَّ تَرْكَ التَّحَاكُمِ إِلَى شَرْعِهِ تَعَالَى رَغْبَةً عَنْهُ: مُنَافٍ لِأَصلِ التَّوحِيدِ؛ لِأَنَّه فَقَدَ بَعْضَ شُرُوطِ شَهَادَةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ أَلَا وَهِيَ المَحَبَّةُ وَالانْقِيَادُ وَالقَبُولُ.\nوَأَمَّا مَنْ تَرَكَ التَّحَاكُمَ إِلَى شَرْعِهِ تَعَالَى جَهَالَةً مِنْهُ وَسَفَهًا وَإِيثَارًا لِهَوَى النَّفْسِ وَطَاعَةً لِلشَّيطَانِ -دُونَ جُحُودٍ لِذَلِكَ- معَ الاعْتِرَافِ بَالخَطَأِ وَالتَّقْصِيرِ فِي جَنَابِهِ تَعَالَى، وَمَعَ الإِقْرَارِ بِصِحَّةِ التَّنْزِيلِ وَصَلَاحِهِ لِكُلِّ عَصْرٍ؛ فَهُوَ تَارِكٌ لِكَمَالِ التَّوحِيدِ الوَاجبِ -الَّذِي يَأْثَمُ تَارِكُهُ-، وَهُوَ تَحْتَ المَشِيئَةِ. وَقَدْ سَبَقَ فِي البَابِ المَاضِي وَفِي بَابِ (تَفْسِيرِ التَّوحِيدِ) تَفْصِيلُ هَذِهِ المَسْأَلَةِ. وَالحَمْدُ للهِ (^١).\n_________\n(^١) قَالَ فِي فَتْحِ المَجِيدِ (ص ٣٩٧): \"فَإِنْ كَانَ الَّذِي تُحِبُّهُ وَتَمِيلُ إِلَيهِ وَتَعْمَلُ بِهِ تَابِعًا لِمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ -لَا يَخْرُجُ عَنْهُ إِلَى مَا يُخَالِفُهُ- فَهَذِهِ صِفَةُ أَهْلِ الإِيمَانِ المُطْلَقِ، وَإِنْ كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ أَو فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ أَو أَكْثَرِهَا؛ انْتَفَى عَنْهُ مِنَ الإِيمَانِ كَمَالُهُ الوَاجِبُ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي -حِينَ يَزْنِي- وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ» يَعْنِي: أَنَّهُ بِالمَعْصِيَةِ يَنْتَفِي عَنْهُ كَمَالُ الإِيمَانِ الوَاجِبِ، وَيَنْزِلُ عَنْهُ فِي دَرَجَةِ الإِسْلَامِ وَيَنْقُصُ إِيمَانُهُ، فَلَا يُطْلَقُ عَلَيهِ الإِيمَانُ إِلَّا بِقَيدِ المَعْصِيَةِ أَوِ الفُسُوقِ، فَيُقَالُ: مُؤْمِنٌ عَاصٍ، أَو يُقَالُ: مُؤْمِنٌ بِإِيمَانِهِ؛ فَاسِقٌ بِمَعْصِيَتِهِ، فَيَكُونُ مَعَهُ مُطْلَقُ الإِيمَانِ الَّذِي لَا يَصِحَّ إِسْلَامُهُ إِلَّا بِهِ\".\nقُلْتُ: وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيرَةَ السَّابِقِ رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢٤٧٥)، وَمُسْلِمٌ (٥٧) مَرْفُوعًا.\n=","vol":"2","page":77},{"text":"- حُكْمُ اللهِ تَعَالَى أَنْوَاعٌ:\n١ - قَدَرِيٌّ (كَونِيٌّ)، كَمَا فِي قَولِ أَخِي يُوسُفَ: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يُوسُف: ٨٠].\n٢ - شَرْعِيٌّ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشُّورَى: ١٠].\n٣ - جَزَائِيٌّ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَينَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البَقَرَة: ١١٣].\n- زَعْمُ المُنَافِقِينَ هُنَا هُوَ قَولُهُم الكَذِبَ (^١)، لِأَنَّه لَا يَجْتَمِعُ الإِيمَانُ بِالقُرْآنِ مَعَ إِرَادَةِ التَّحَاكُمِ إِلَى غَيرِهِ.\nوَالإِرَادَةُ هُنَا ضَابِطٌ مُهِمٌّ لِكَونِ فَاعِلِهِ كَافِرًا كُفْرًا أَكْبَرَ، فَهو تَارِكٌ لِلحَقِّ مُقْبِلٌ عَلَى البَاطِلِ، وَلَو كَانَ صَادِقًا فِي إِيمَانِهِ لَمْ يَكُنْ فِي قَلْبِهِ مَيلٌ لِغَيرِ شَرْعِ اللهِ تَعَالَى (^٢) (^٣).\n_________\n=\nوَقَالَ الشَّيخُ الفَوزَانُ حَفِظَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ إِعَانَةُ المُسْتَفِيدِ (٢/ ١٨٧): \"مَن اخْتارَ حُكْمَ الطَّاغُوتِ عَلَى حُكْمِ اللهِ أَو سَوَّى بَينَهُمَا وَقَالَ: هُمَا سَوَاءٌ، أَو قَالَ: تَحْكِيمُ الطَّاغُوتِ جَائِزٌ، أَو حَكَمَ بِالشَّرِيعَةِ فِي بَعْضِ الأُمُورِ دُونَ بَعْضٍ؛ فَهَذَا كَافِرٌ بِاللهِ -كَالَّذِينَ يُحَكِّمُونَ الشَّرِيعَةَ فِي الأَحْوَالِ الشَّخْصِيَّةِ فَقَط-.\nأَمَّا مَنْ حَكَمَ بِغَيرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ لِهَوىً فِي نَفْسِهِ وَهُوَ يَعْتَرِفُ وَيَعْتَقِدُ أَنَّ حُكْمَ اللهِ هُوَ الحَقُّ، وَحُكْمَ غَيرِهِ بَاطِلٌ، وَيَعْتَرِفُ أَنَّهُ مُخْطِئٌ وَمُذْنِبٌ؛ فَهَذَا يَكْفُرُ كُفْرًا أَصْغَرَ لَا يُخْرِجُ مِنَ المِلَّةِ\".\n(^١) قَالَ ابْنُ دُرَيدٍ فِي كِتَابِهِ جَمْهَرَةُ اللُّغَةِ (٢/ ٨١٦): \"وَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ الزَّعْمُ عَلَى البَاطِلِ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي التَّنْزِيلِ ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التَّغَابُن: ٧] \".\n(^٢) كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى فِي نَفْسِ الآيَاتِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾.\n(^٣) وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٥٠) -بَعْدَ حَدِيثِ البَابِ- عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ».","vol":"2","page":78},{"text":"- قَولُهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيكَ﴾ هُمُ المُنَافِقُونَ، ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ هُمُ اليَهُودُ، وَكُلٌّ قَدْ أُمِرَ فِي كِتَابِهِ بِالكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ، وَالطَّاغُوتُ هُنَا هُوَ الكَاهِنُ المَذْكُور فِيمَا سَبَقَ مِنَ الأَبْوَابِ، حَيثُ أَنَّهُم أَرَادُوا التَّحَاكُمَ إِلَيهِ.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَكَيفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ المُصِيبَةُ هُنَا تَشْمَلُ المُصِيبَةَ الشَّرْعِيَّةَ (^١)، وَالمُصِيبَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ كَالفَقْرِ وَالجَدْبِ.\n- (الصَّدُّ): الإِعْرَاضُ وَالصُّدُوفُ (^٢)، فَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿رَأَيتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ أَي: يُعْرِضُونَ إِعْرَاضًا كُلِّيًّا.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أَي: لَا تَقْبَلِ اعْتِذَارَهُم؛ لِأَنَّه اعْتِذَارٌ كَاذِبٌ، وَإِنَّمَا يُقْبَلُ الاعْتِذَارُ مِنَ النَّادِمِ وَالتَّائِبِ وَالمُخْطِئِ مِنْ غَيرِ تَعَمُّدٍ، أَمَّا الإِنْسَانُ المُتَعَمِّدُ لِلبَاطِلِ فَلَا يُقْبَلُ اعْتِذَارُهُ إِلَّا إِذَا رَجَعَ إِلَى الصَّوَابِ وَتَابَ.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ أَي: وَانْصَحْهُم فِيمَا بَينَكَ وَبَينَهُم بِكَلَامٍ بَلِيغٍ رَادِعٍ لَهُم.\n- الإِفْسَادُ فِي الأَرْضِ نَوعَان:\n١ - إِفْسَادٌ حِسِّيٌّ (مَادِّيٌّ): وَذَلِكَ كَهَدْمِ البُيُوتَ وَإِفْسَادِ الطُّرُقِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ (^٣).\n_________\n(^١) قُلْتُ: كَالقَتْلِ وَالحَبْسِ وَالهَجْرِ وَالفَضِيحَةِ.\n(^٢) لِسَانُ العَرَبِ (٣/ ٢٤٥).\n(^٣) قُلْتُ: كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الكَهْف: ٩٤].","vol":"2","page":79},{"text":"٢ - إِفْسَادٌ مَعْنَوِيٌّ: وَذَلِكَ بِالمَعَاصِي، وَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البَقَرَة: ١١].\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البَقَرَة: ١١]. فِيهِ بَيَانُ أُمُورٍ:\n١ - أَنَّ التَّحَاكُمَ إِلَى غَيرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ هُوَ مِنَ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ.\n٢ - أَنَّهُ مِنْ عَمِلِ المُنَافِقِينَ.\n٣ - التَّنْبِيهُ عَلَى عَدَمِ الاغْتِرَارِ بِأَقْوَالِ أَهْلِ الأَهْوَاءِ -وَإِنْ زَخْرَفُوهَا بِالدَّعَاوَى- كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى عَنِ المُنَافِقِينَ: ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المُنَافِقُون: ٤] (^١).\n٤ - التَّحْذيرُ مِنَ الاغْتِرَارِ بِالرَّأْي مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى صِحَّتِهِ دَلِيلٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ (^٢).\n٥ - فِيهِ بَيَانُ أَنَّ المُنَافِقَ لَا يَثِقُ بِحُكْمِ الشَّرِيعَةِ؛ لِذَلكَ أَرَادَ مَا هُوَ أَحْسنُ مِنْهَا فِي ظَنِّهِ (^٣)!\n- قَولُهُ: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أَي: لَا حُكْمَ أَحْسَنُ مِنْ حُكْمِهِ\n_________\n(^١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثير ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٨/ ١٢٦): \"أَي: كَانُوا أَشْكَالًا حَسَنَةً وَذَوِي فَصَاحَةٍ وَأَلْسِنَةٍ؛ إِذَا سَمِعَهُمُ السَّامِعُ يُصْغِي إِلَى قَولِهِمْ لِبَلَاغَتِهِمْ\".\n(^٢) قَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنِ عيَّاشٍ -مِنْ كِبَارِ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ، (ت ١٩٤ هـ) - فِي الآيَةِ: \"إنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ -وَهُم فَسَادٌ- فَأَصْلَحَهُم اللهُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ؛ فَمَنْ دَعَا إِلَى خِلَافِ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ؛ فهوَ مِنَ المُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ\". تَفْسِيرُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ (٨٦٠١).\n(^٣) وَفِي البُخَارِيِّ (٦٨٨٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «أبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللهِ ثلَاثةٌ؛ مُلْحِدٌ فِي الحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ فِي الإسْلَامِ سُنَّةَ الجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبٌ دَمَ امْرِئٍ بَغيرِ حَقَ لِيُهْرِيقَ دَمَهُ».","vol":"2","page":80},{"text":"تَعَالَى لِلمُوقِنِينَ، وكُلَّمَا زَادَ إِيمَانُ العَبْدِ وَيَقِينُهُ زَادَ حُسْنُ حُكْمِ الشَّرْعِ عِنْدَهُ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ هِيَ مِنْ آثَارِ الإِيمَانِ بِالأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَمَعْرِفَةِ حِكْمَةِ اللهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ وَأَفْعَالِهِ وَشَرْعِهِ.\n- قَولُهُ: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ﴾ هُوَ من بَابِ اسْتِعْمَالِ أَفْعُلِ التَّفْضِيلِ فِيمَا لَيسَ لَهُ فِي الطَّرَفِ الآخَرِ مُشَارِكٌ.\n- فِي النُّصُوصِ السَّابِقَةِ بَيَانُ وُجُوبِ تَحْكِيمِ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي الأُمُورِ كَافَّةٍ، وَإِنَّ مَنَاهِجَ الجَمَاعَاتِ الدَّعَوِيَّةِ هِيَ مِنْ هَذَا البَابِ أَيضًا؛ فَيَجِبُ أَنْ نُحَكِّمَ فِيهَا كِتَابَ اللهِ وُسنَّةَ رَسُولِهِ ﷺ، فَمَا كَانَ مِنْهَا مُتَمَشِّيًا مَعَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَهُوَ مَنْهَجٌ صَحِيحٌ يَجِبُ السَّيرُ عَلَيهِ، وَمَا كَانَ مُخَالِفًا لِكِتَابِ اللهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ؛ فَيَجِبُ أَنْ نَرْفُضَهُ وَأَنْ نَبْتَعِدَ عَنْهُ، وَلَا يَجُوزُ التَّعَصُّبُ لِجَمَاعَةٍ أَو لِحِزْبٍ أَو لِمَنْهَجٍ دَعَوِيٍّ عَلَى حِسَابِ تَجَاوُزِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.\nفَالَّذِي يَقْصُرُ هَذَا التَّحَاكُمَ عَلَى المَحَاكِمِ الشَّرْعِيَّةِ فَقَطْ! فَهُوَ مُخْطِئٌ، لِأَنَّ المُرَادَ التَّحَاكُمُ فِي جَمِيعِ الأُمُورِ وَجَمِيعِ المُنَازَعَاتِ وَالخُصُومَاتِ وَالحُقُوقِ المَالِيَّةِ وَغَيرِهَا، وَحَتَّى فِي أَقْوَالِ المُجْتَهِدِينَ وَالفُقَهَاءِ وَالمَنَاهِجِ الدَّعَوِيَّةِ وَالمَنَاهِجِ الجَمَاعِيَّةِ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشُّورَى: ١٠] وَ﴿شَيءٍ﴾ نَكِرةُ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ تَعُمُّ كُلَّ نِزَاعٍ وكُلَّ خِلَافٍ (^١).\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ -فِي آيَةِ البَابِ-: \"وَالآيَةُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَإِنَّهَا ذَامَّةٌ لِمَنْ عَدَلَ عَنِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَتَحَاكَمُوا إِلَى مَا سِوَاهُمَا مِنَ البَاطِلِ! وَهُوَ المُرَادُ\n_________\n(^١) يُنْظَرُ: (إِعَانَةُ المُسْتَفِيدِ) لِلْفَوزَان (٢/ ١١٩).","vol":"2","page":81},{"text":"بِالطَّاغُوتِ هَاهُنَا\" (^١).\n- سَبَبُ نُزُولِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النِّسَاء: ٦٥] هُوَ مَا فِي الصَّحِيحَينِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيرِ ﵄: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فِي شِرَاجِ الحَرَّةِ (^٢) الَّتِي يَسْقَونَ بِهَا النَّخْلَ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: سَرِّح المَاءَ يَمُرُّ، فَأَبَى عَلَيهِ، فَاخْتَصَمَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلزُّبَيرِ: «اسْقِ يَا زُبَيرُ، ثُمَّ أَرْسِلِ المَاءَ إِلَى جَارِكَ»، فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟! فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: «اسْقِ يَا زُبَيرُ، ثُمَّ احْبِسِ المَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الجَدْرِ» (^٣)، فَقَالَ الزُّبَيرُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُمْ﴾ (^٤) (^٥).\n- قَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي تَفْسِيرِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا\n_________\n(^١) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٢/ ٣٤٦).\n(^٢) (الشِّرَاجُ) بِكَسْرِ الشِّينِ: جَمْعُ شَرجَة؛ وَهِيَ مَسِيلُ المَاءِ.\n(^٣) (الجَدْرُ): الحَائِطُ؛ وَالمَعْنَى أَنْ يَحْبِسَ المَاءَ حَتَّى يَصِلَ إِلَى ارْتِفَاعِ الحَاجِزِ بَينَ الحِيَاضِ -وَهُوَ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى مُجَرَّدِ السُّقْيَا-، وَبَعْضُهُم يَرْوِي (الجَذْر): وَالمَعْنَى أَنْ يَصِلَ إِلَى تَمَامِ الشُّرْبِ.\n(^٤) البُخَارِيُّ (٢٣٥٩)، وَمُسْلِمٌ (٢٣٥٧).\n(^٥) قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ فِي كِتَابِهِ الصَّارِمُ المَسْلُولُ (ص ٥٢٨): \"وَمِنْ هَذَا البَابِ قَولُ القَائِلِ: (إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللهِ)!! وَقَولُ الآخَرِ: (اعْدِلْ؛ فَإِنَّكَ لَمْ تَعْدِلْ)!! وَقَولُ ذَلِكَ الأَنْصَارِيِّ: (أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ)!! فَإِنَّ هَذَا كُفْرٌ مَحْضٌ؛ حَيثُ زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا حَكَمَ لِلزُّبَيرِ لِأَنَّهُ ابْنُ عَمَّتِهِ! وَلِذَلِكَ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةِ، وَأَقْسَمَ أَنَّهُم لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِم حَرَجًا مِنْ حُكْمِهِ، وَإِنَّمَا عَفَا عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا عَفَا عَنِ الَّذِي قَالَ: (إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللهِ)؛ وَعَنِ الَّذِي قَالَ: (اعْدِلْ؛ فَإِنَّكَ لَمْ تَعْدِلْ) \".","vol":"2","page":82},{"text":"شَجَرَ بَينَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ \"فَالتَّحْكِيمُ فِي مَقَامِ الإِسْلَامِ، وَانْتِفَاءُ الحَرَجِ فِي مَقَامِ الإِيمَانِ، وَالتَّسْلِيمُ فِي مَقَامِ الإِحْسَانِ. فَمَنِ اسْتَكْمَلَ هَذِهِ المَرَاتِبَ وَكَمَّلَهَا؛ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ مَرَاتِبَ الدِّينِ كُلِّهَا.\nفَمَنْ تَرَكَ هَذَا التَّحْكِيمَ المَذْكُورَ غَيرَ مُلْتَزِمٍ لَهُ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ تَرَكَهُ -مَعَ التِزَامِهِ- فَلَهُ حُكْمُ أَمْثَالِهِ مِنَ العَاصِينَ\" (^١).\n- قَولُهُ: «حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ» الهَوَى -بِالقَصْرِ-: المَيلُ، وَبِالمَدِّ هُوَ: الرِّيحُ، وَالمُرَادُ الأَوَّلُ.\n- قَولُهُ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُم» هَذَا فِيهِ نَفيٌ لِكَمَالِ الإِيمَانِ الوَاجِبِ.\nوَمَعْنَى الحَدِيثِ أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا كَامِلَ الإِيمَانِ الوَاجِبِ حَتَّى تَكُونَ مَحبَّتُهُ تَابِعَةً لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ الأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي وَغَيرِهَا؛ فَيُحِبُّ مَا أَمَرَ بِهِ، وَيَكْرَهُ مَا نَهَى عَنْهُ.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأَحْزَاب: ٣٦].\nوَفِي الصَّحِيحَينِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»، فَلَا يَكُونُ المُؤْمِنُ مُؤْمِنًا حَقًّا حَتَّى يُقَدِّمَ مَحَبَّةَ الرَّسُولِ ﷺ عَلَى مَحَبَّةِ جَمِيعِ الخَلْقِ، وَمَحَبَّةُ الرَّسُولِ تَابِعَةٌ لِمَحَبَّةِ مُرْسِلِهِ (^٢) (^٣).\n_________\n(^١) تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ (ص ١٨٤).\n(^٢) البُخَارِيُّ (١٣)، وَمُسْلِمٌ (٤٥).\n(^٣) قَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: كُلُّ مَنِ ادَّعَى مَحَبَّةِ اللهِ ﷿، وَلَمْ يُوَافِقِ اللهَ فِي أَمْرِهِ، فَدَعْوُاهُ بَاطِلَةٌ، وَكُلُّ مُحِبٍّ لَيسَ يَخَافُ اللهَ، فَهُوَ مَغْرُورٌ.","vol":"2","page":83},{"text":"- قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀: \"فَجَمِيعُ المَعَاصِي تَنْشَأُ مِنْ تَقْدِيمِ هَوَى النُّفُوسِ عَلَى مَحَبَّةِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَقَدْ وَصَفَ اللهُ المُشْرِكِينَ بِاتِّبَاعِ الهَوَى فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القَصَص: ٦٤].\nوَكَذَلِكَ البِدَعُ؛ إِنَّمَا تَنْشَأُ مِنْ تَقْدِيمِ الهَوَى عَلَى الشَّرْعِ، وَلِهَذَا يُسَمَّى أَهْلُهَا أَهْلَ الأَهْوَاءِ، وَكَذَلِكَ المَعَاصِي؛ إِنَّمَا تَقَعُ مِنْ تَقْدِيمِ الهَوَى عَلَى مَحَبَّةِ اللهِ وَمَحَبَّةِ مَا يُحِبُّهُ اللهُ\" (^١).\nقُلْتُ: وَفِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القَصَص: ٥٠] بَيَانُ أَنَّ مَنْ لَمْ يُحَكِّمِ الشَّرِيعَةَ فَهُوَ صَاحِبُ هَوًى.\nقَالَ ابْنُ القَيِّمِ ﵀: \"وَجَعَلَ ﷾ الاتِّبَاعَ قِسْمَينِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا: إِمَّا مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَإِمَّا الهَوَى\" (^٢).\n- قَولُهُ: «هَوَاهُ» الهَوَى لَهُ مَعْنَيَانِ:\n١ - المَيلُ إِلَى خِلَافِ الحَقِّ، وَهُوَ المَعْنَى إِذَا أُطْلِقَ اللَّفْظُ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦].\nوَكَقَولِهِ تَعَالَى أَيضًا ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النَّازِعَات: ٤٠ - ٤١].\n_________\n(^١) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ٣٩٧) عِنْدَ شَرْحِ حَدِيثِ رَقَم (٤١) مِنَ الأَرْبَعِين النَّوَوِيَّةِ.\n(^٢) رَوضَةُ المُحِبِّينَ (١/ ٤٠٤).","vol":"2","page":84},{"text":"٢ - المَحَبَّةُ وَالمَيلُ مُطْلَقًا، فَيَدْخُلُ فِيهِ المَيلُ إِلَى الحَقِّ وَغَيرِهِ، فيُذَمُّ وَيُمْدَحُ بِحَسْبِ المَحْبُوبِ.\nوَفِي الصَّحِيحَينِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂؛ قَالَتْ: (أَمَا تَسْتَحِي المَرْأَةُ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا لِلرَّجُلِ؟! فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأَحْزَاب: ٥١] (^١)، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ) (^٢).\nوَعَلَى هَذَا النَّوعِ يُحْمَلُ حَدِيثُ البَابِ، أَي: لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُم الإِيمَانَ الوَاجِبَ حَتَّى تَكُونَ مَحَبَّتُهُ تَابِعَةً لِمَحَبَّةِ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ (^٣).\n- قَولُهُ: «وَرَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ» اليَهُودُ هُمُ المُنْتَسِبُونَ إِلَى دِينِ مُوسَى ﵇، وَسُمُّوا بِذَلِكَ إِمَّا مِنْ قَولِهِ تَعَالَى عَنْهُم: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيكَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٥٦] أَي:\n_________\n(^١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي التَّفْسِيرِ (٦/ ٤٤٥): \" ﴿تُرْجِي﴾ أَي: تُؤَخِّرُ ﴿مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ أَي: مِنَ الوَاهِبَاتِ أَنْفُسَهُنَّ، ﴿وَتُؤْوِي إِلَيكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ أَي: مَنْ شِئْتَ قَبِلْتَهَا، ومَنْ شِئْتَ رَدَدْتَهَا، وَمَنْ رَدَدْتَهَا؛ فَأَنْتَ فِيهَا أَيضًا بِالخَيَارَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ إنْ شِئْتَ عُدْتَ فِيهَا فَآوَيتَهَا، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكَ﴾).\n(^٢) البُخَارِيُّ (٥١١٣)، وَمُسْلِمٌ (١٤٦٤).\n(^٣) وَعَلَى هَذَا الوجْهِ -أَنَّ الهَوَى بِمَعْنَى المَحَبَّةِ- لَا يَبْقَى وَجْهٌ لِإِنْكَارِ مَتْنِ الحَدِيثِ -مِمَّنْ أَنْكَرَهُ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ وَالفَضْلِ- بِحُجَّةِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ لِلهَوَى أَنْ يُوَافِقَ الشَّرْعَ؛ وَأَنَّ الهَوَى مُخَالِفٌ لِلشَّرْعِ دَومًا؛ وَأَنَّ الإِيمَانَ يَكُونُ بِمُخَالَفَةِ الهَوَى بِاتِّبَاعِ الشَّرْعِ.\nوَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ الإِنْكَارِ بِالحَدِيثِ: «حُفَّتِ الجَنَّةَ بِالمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢٨٢٢) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا، وَأَيضًا بِحَدِيثِ: «وَالمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللهِ». صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٣٩٦٧) عَنْ فُضَالَةَ بْنِ عُبَيدٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٥٤٩).\nقُلْتُ: بَلْ قَدْ يَكُونُ فِي مَا يَهْوَاهُ وَيُحِبُّهُ المَرْءُ بِطَبْعِهِ مَا يُؤْجَرُ عَلَيهِ مَعَ النِّيَّةِ الصَّالِحَةِ، كَمَا فِي حَدِيثِ: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٠٠٦) عَنْ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا.","vol":"2","page":85},{"text":"رَجَعنَا، أَو نِسْبَةً إِلَى أَبِيهِم يَهُوذَا، وَلَكِنْ بَعْدَ التَّعْرِيبِ صَارَ بِالدَّالِ.\n- فِي القِصَّةِ أَنَّ المُنَافِقَ أَرَادَ التَّحَاكُمَ إِلَى اليَهُودِ لِعِلْمِهِ أَنَّهُم يَأْخُذُونَ الرِّشْوَةَ، وَهِيَ مِصْدَاقُ قَولِهِ تَعَالَى فِيهِم: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المَائِدَة: ٤٢] أَي: سَمَّاعُونَ لِلبَاطِلِ، ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ أَي الحَرَامِ، وَهُوَ الرِّشْوَةُ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيرُ وَاحِدٍ (^١).\n- كِتَابُ (الحُجَّةُ عَلَى تَارِكِ المَحَجَّةِ) لِلشَّيخِ أَبِي الفَتْحِ؛ نَصْرِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ المَقْدِسِيِّ الشَّافِعِيِّ، الفَقِيهِ الزَّاهِدِ نَزيلِ دِمَشْقَ، تَضَمَّنَ كِتَابُهُ ذِكْرَ أُصُولِ الدِّينِ عَلَى قَوَاعِدِ أَهْلِ الحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ، (ت ٤٩٠ هـ) (^٢).\n- فَائِدَةٌ: لَيسَ المَقْصُودُ مِنَ التَّحَاكُمِ إِلَى الشَّرِيعَةِ هُوَ مُجَرَّدُ تَحْقِيقِ الأَمْنِ وَالعَدَالَةِ بَينَ النَّاسِ! فَهَذَا لَا يَكْفِي، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ تَحْكِيمُ الشَّرِيعَةِ تَعَبُّدًا وَطَاعَةً للهِ تَعَالَى، وَلَا يَخْفَاكَ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْكَامِ هِيَ تَعَبُّدِيَّةٌ مَحْضَةٌ -لَا تُعْقَلُ لَدِينَا-؛ فَلَا يَجُوزُ تَعْطِيلُهَا بِحُجَّةِ أنَّنَا لَا نَعْلَمُ وَجْهَ إِفَادَتِهَا اجْتِمَاعِيًّا أَوِ اقْتِصَادِيًّا أَو كَونًا.\n_________\n(^١) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٣/ ١١٧).\n(^٢) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ٣٩٣)، وَاُنْظُرِ السِّيَرَ لِلذَّهَبِيِّ (١٩/ ١٣٦).","vol":"2","page":86},{"text":"بَابُ مَنْ جَحَدَ شَيئًا مِنَ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ\nوَقَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيهِ مَتَابِ﴾ [الرَّعْد: ٣٠].\nوَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ؛ قَالَ عَلِيٌّ: (حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ؛ أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسُولُهُ؟!) (^١).\nوَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا انْتَفَضَ لَمَّا سَمِعَ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصِّفَاتِ -اسْتِنْكَارًا لِذَلِكَ-، فَقَالَ: (مَا فَرَقُ هَؤُلَاءِ؟ يَجِدُونَ رِقَّةً عِنْدَ مُحْكَمِهِ وَيَهْلِكُونَ عِنْدَ مُتَشَابِهِهِ!) (^٢).\nوَلَمَّا سَمِعَتْ قُرَيشٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ الرَّحْمَنَ أَنْكَرُوا ذَلِكَ؛ فَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِمْ: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرَّعْد: ٣٠] (^٣).\n_________\n(^١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١٢٧) عَنْ عَلِيٍّ مَوقُوفًا، وَلَا يَصِحُّ مَرْفُوعًا، وَفِي كَشْفِ الخَفَاءِ لِلعَجْلُونِيِّ ﵀ (١/ ٤٠٥) أَنَّ المَرْفُوعَ مِنْهُ مَوضُوعٌ.\n(^٢) رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي التَّفْسِيرِ (٢/ ٢٣٩)، وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي السُّنَّةِ (٤٨٥)، وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الظِّلَالِ (٤٨٥)، وَأَيضًا صَحَّحَهُ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (٧/ ٢٣٢).\n(^٣) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ بِنَحْوهِ (١٦/ ٤٤٥).","vol":"2","page":87},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: عَدَمُ الإِيمَانِ بِجَحْدِ شَيءٍ مِنَ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ.\nالثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ الرَّعْدِ.\nالثَّالِثَةُ: تَرَكُ التَّحْدِيثِ بِمَا لَا يَفْهَمُ السَّامِعُ.\nالرَّابِعَةُ: ذِكْرُ العِلَّةِ؛ أَنَّهُ يُفْضِي إِلَى تَكْذِيبِ اللهِ وَرَسُولِهِ؛ وَلَو لَمْ يَتَعَمَّدِ المُنْكِرُ.\nالخَامِسَةُ: كَلَامُ ابْنِ عَبَّاسٍ لِمَنِ اسْتَنْكَرَ شَيئًا مِنْ ذَلِكَ؛ وَأَنَّهُ أَهْلَكَهُ.","vol":"2","page":88},{"text":"<span data-type='title' id=toc-311>الشَّرْحُ</span>\n- مُنَاسَبَةُ البَابِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ هُوَ مِنْ جِهَتَينِ:\n١ - أَنَّ جَحْدَ شَيءٍ مِنَ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ (^١) هُوَ مِنْ خِصَالِ الكُفَّارِ وَالمُشْرِكِينَ (^٢).\nوَالجُحُودُ: هُوَ الإِنْكَارُ مَعَ العِلْمِ.\n٢ - أَنَّ مِنْ بَرَاهِينِ تَوحِيدِ العِبَادَةِ تَوحِيدُ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَهُوَ أَحَدُ أَنْوَاعِ التَّوحِيدِ، وَإنَّ جَحْدَ شَيءٍ مِنْهَا مُنَافٍ لِأَصْلِ التَّوحِيدِ (^٣).\n_________\n(^١) أَي: مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ.\n(^٢) وَهَذَا الإِنْكَارُ إِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الجُحُودِ مِنْهُم وَلَيسَ الجَهْلِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ [يس: ١٥] فَصِفَةُ الرَّحْمَنِ مَعْرُوفَةٌ نِسْبَتُهَا إِلَى الرَّبِّ سُبْحَانَهُ.\nوَقَدْ وَرَدَتْ أَشْعَارٌ مِنْ أَشْعَارِ الجَاهِلِيَّةِ أَيضًا فِيهَا ذِكْرُ الرَّحْمَنِ وَالإِقْرَارِ بِهِ وتَسميَتِهِ سُبْحَانَهُ بِهِ، كَمَا فِي لِسَانِ العَرَبِ (٦/ ٢١٤) نَقْلًا عَنِ امْرِئِ القَيسِ (ت ٨٠ ق. هـ): \"تِلْكَ السَّحَابُ إِذَا الرَّحْمَنُ أَنْشَأَهَا … رَوَّى بِهَا مِنْ مَحُولِ الأَرْضِ أَنْفَاسًا\".\nوَ(المَحْلُ): الجُوعُ الشَّدِيدُ؛ كَمَا في لِسَانِ العَرَبِ (١١/ ٦١٦).\nقَالَ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي تَفْسِيرِهِ (١/ ١٣١): \"وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الغَبَاءِ أَنَّ العَرَبَ كَانَتْ لَا تَعْرِفُ (الرَّحْمَنَ)؛ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي لُغَتِهَا! \"\n(^٣) وَتَوحِيدُ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ هُوَ النَّوعُ الثَّالِثُ مِنْ أَنْوَاعِ التَّوحِيدِ، وَهُوَ فِي الحَقِيقَةِ دَاخِلٌ فِي تَوحِيدِ الرُّبُوبيَّةِ، وَمِنْ أَجْلِ هَذَا بَعْضُ العُلماءِ يُجْمِلُ وَيَجْعَلُ التَّوحِيدَ نَوعَينِ:\nتَوحِيدًا فِي المَعْرِفَةِ وَالإِثْبَاتِ؛ وَهُوَ تَوحِيدُ الرُّبُوبيَّةِ وَالأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَهُوَ التَّوحِيدُ العِلْمِيُّ الخَبَرِيُّ.\nوَتَوحِيدًا فِي الطًّلبِ وَالقَصْدِ؛ وَهُوَ التَّوحِيدُ العَمَلِيُّ الطَّلَبِيُّ، وَهُوَ تَوحِيدُ الأُلُوهِيَّةِ.\nوَلَكِنْ لَمَّا وُجِدَتْ طَوَائِفُ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ افْتَرَقَتْ عَنْ مَذْهَبِ السَّلَفِ وَصَارَ لَهَا رَأْيٌ فِي الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ تُخَالِفُ بِهِ الحَقَّ؛ جُعِلَ هَذَا قِسْمًا ثَالِثًا مِنْ أَجْلِ الرَّدِّ عَلَيهِم وَبَيَانِهِ لِلنَّاسِ.","vol":"2","page":89},{"text":"فَنَفْيُ الصِّفَاتِ تَعْطِيلٌ، وَتَمَامُ التَّعْطِيلِ نَفيُ وُجُودِ الرَّبِّ أَصْلًا! لِأَنَّ عَدَمَ الصِّفَاتِ عَدَمٌ لِلمَوصُوفِ، فَكُلُّ مَا لَا صِفَةَ لَهُ؛ عَدَمٌ.\nقَالَ نُعَيمُ بْنَ حَمَّادٍ: \"أَنَا كُنْتُ جَهْمِيًّا؛ فَلِذَلِكَ عَرَفْتُ كَلَامَهُم، فَلَمَّا طَلَبْتُ الحَدِيثَ؛ عَرَفتُ أَنَّ أَمرَهُم يَرْجِعُ إِلَى التَّعْطِيلِ\" (^١).\n- إنَّ الإِيمَانَ بِالأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَمَعْرِفَةَ آثَارِهِمَا فِي مَلَكوتِ اللهِ تَعَالَى يُقُوَيَّانِ اليَقِينَ بِهِ سُبْحَانَهُ، وَهُمَا سَبَبَانِ لِمَعْرِفَةِ اللهِ تَعَالَى وَلِمَا يَنْتُجُ عَنْهُمَا مِنَ المَحَبَّةِ وَالخَشيَةِ وَالتَّقوى وَالعَمَلِ.\n- الظَّاهِرُ مِنْ إِيرَادِ المُصَنِّفِ ﵀ لِلآيَةِ الكَرِيمَةِ هُوَ بَيَانُ أَنَّ عَدَمَ الإِقْرَارِ بِأَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ هُوَ كُفْرٌ بِاللهِ تَعَالَى، ثُمَّ أَورَدَ بَعْدَهَا أَثَرَ عَلِيٍّ ﵁ لِبَيَانِ أَنَّ\n_________\n(^١) اُنْظُرْ سِيَرَ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ (١٠/ ٥٩٧) لِلحَافِظِ الذَّهَبِيِّ ﵀ عِنْدَ تَرْجَمَةِ نُعَيمِ بْنِ حَمَّادٍ -وَهُوَ شَيخُ البُخَارِيِّ- (ت ٢٢٩ هـ).\nوَأَورَدَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ أَيضًا فِي السِّيَرِ (٢١/ ٣٧٦) -عِنْدَ تَرْجَمَةِ أَبِي الفَرَجِ ابْنِ الجَوزِيِّ، (ت ٥٩٧ هـ) - قَولَهُ ﵀: \"أَهْلُ الكَلَامِ يَقُولُونَ: مَا فِي السَّمَاءِ رَبٌّ! وَلَا فِي المُصْحَفِ قُرْآنٌ! وَلَا فِي القَبْرِ نَبِيٌّ! ثَلَاثُ عَورَاتٍ لَكُم\".\nوَقَالَ ابْنُ القَيِّمِ ﵀ فِي كِتَابِهِ الصَّوَاعِقُ المُرْسَلَةُ عَلَى الجَهْمِيَّةِ وَالمُعَطِّلَةِ (١/ ١٤٨): \"المُعَطِّلُ يَعْبُدُ عَدَمًا، وَالمُمَثِّلُ يَعْبُدُ صَنَمًا، وَالمُوَحِّدُ يَعْبُدُ رَبًّا لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ؛ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى وَالصِّفَاتُ العُلَى\".\nوَقَالَ ابْنُ خُزَيمَةَ ﵀ فِي كِتَابِهِ التَّوحِيدُ (١/ ١١): \"أَوَّلُ مَا نَبْدَأُ بِهِ مِنْ ذِكْرِ صِفَاتِ خَالِقِنَا: ذِكْرُ نَفْسِهِ؛ جَلَّ رَبُّنَا عَنْ أَنْ تَكُونَ نَفْسُهُ كَنَفْسِ خَلْقِهِ، وَعَزَّ عَنْ أَنْ يَكُونَ عَدَمًا لَا نَفْسَ لَهُ\"!\nقُلْتُ: وَهَذَا عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّ النَّفْسَ صِفَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وَلَيسَتْ نَفْسَهَا الذَّاتُ.","vol":"2","page":90},{"text":"الوَاجِبَ عَلَى الدَّاعِي أَنْ لَا يُحَدِّثَ النَّاسَ بِمَا لَا تُدْرِكُهُ عُقُولُهُم؛ لِأَنَّ بَعْضَ ذَلِكَ الكُفْرِ سَبَبُهُ تَحْدِيثُ السَّامِعِ بِمَا لَا يَعْقِلُ، ثُمَّ أَورَدَ بَعْدَهَا أَثَرَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁ لِبَيَانِ أَنَّ الوَاجِبَ عَلَى المُسْتَمِعِ أَنْ يُسَلِّمَ لِلكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَا يَرُدَّ الأَسْمَاءَ وَالصِّفَاتِ لِجَهْلِهِ بِحَقِيقَتِهَا! فَرَحِمَهُ اللهُ مَا أَفْقَهَهُ.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ المُرَادُ أَنَّهُم يَكْفُرُونَ بِهَذَا الاسْمِ لَا بالمُسَمَّى؛ فَهُم يُقرِّونَ بِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [لُقْمَان: ٢٥].\n- (الرَّحْمَنُ): اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَهُوَ ثَابِتٌ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَقَدْ جَحَدَهُ المُشْرِكُونَ وَلَمْ يُقِرُّوا بِهِ (^١)، وَقَدْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى جُحُودَهُم هَذَا فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ العَزِيزِ، قَالَ تَعَالَى:\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفُرْقَان: ٦٠].\n﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإِسْرَاء: ١١٠] (^٢).\n_________\n(^١) وَجَحْدُهُم هَذَا مُتَضَمِّنٌ لِتَكْذِيبِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ.\n(^٢) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٥/ ١٢٨): \"يَقُولُ تَعَالَى: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ المُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ صِفَةَ الرَّحْمَةِ لِلَّهِ ﷿؛ المَانِعِينَ مِنْ تَسْمِيَتِهِ بِالرَّحْمَنِ: ﴿ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ أَي: لَا فَرْقَ بَينَ دُعَائِكُمْ لَهُ بِاسْمِ (اللَّهِ) أَو بِاسْمِ (الرَّحْمَنِ) فَإِنَّهُ ذُو الأَسْمَاءِ الحُسْنَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحَشْرِ: ٢٤]. وَقَدْ رَوَى مَكْحُولٌ أَنَّ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: «يَا رَحْمَنُ يَا\n=","vol":"2","page":91},{"text":"﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [المُلْك: ٢٩].\n﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٣٦] (^١) (^٢).\n- قَالَ البَغَويُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ: \"قَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ وَابْنُ جُرَيجٍ: الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ فِي صُلْحِ الحُدَيبِيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ سُهَيلَ بْنَ عَمْرٍو لَمَّا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَكْتُبُوا كِتَابَ الصُّلْحِ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعَلِيٍّ ﵁: «اكْتُبْ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»، قَالُوا: لَا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إِلَّا صَاحِبَ اليَمَامَةِ -يَعْنُونَ مُسَيلِمَةَ الكَذَّابَ-! اكْتُبْ كَمَا كُنْتَ تَكْتُبُ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، فَهَذَا مَعْنَى قَولِهِ: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ \" (^٣).\n- إَنَّ تَأْوِيلَ المُعطِّلَةِ لِصَفَةِ الرَّحْمَةِ أَخْطَرُ مِنْ جَحْدِ المُشْرِكِينَ لِاسْمِ الرَّحْمَنِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ المُشْرِكِينَ أَنْكَرُوا الاسْمَ فَقَطْ وَلَمْ يُنْكِروا المَعْنَى؛ بِخِلَافِ المُعَطِّلَةِ فَهُم أَنْكَرُوا المَعْنَى -وَإِنْ أَثْبَتُوا الاسْمَ-، وَلَا يَخْفَى أَنَّ المَقْصُودَ مِنَ الاسْمِ مَعْنَاهُ وَلَيسَ\n_________\n=\nرَحِيمُ»، فَقَالَ: إِنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَدْعُو وَاحِدًا؛ وَهُوَ يَدْعُو اثْنَينِ! فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ. وَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَوَاهُمَا ابْنُ جَرِيرٍ\".\nقُلْتُ: وَأَثَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ عَنْهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١٣/ ٣٦٠): \"رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوِيه بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ\".\n(^١) قَالَ البَغَويُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٥/ ٣١٨): \"وَذَلِكَ أَنَّهُم كَانُوا يَقُولُونَ: لَا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إِلَّا مُسَيلِمَةَ\"!\n(^٢) وَقَدْ أَوَّلَ هَذِهِ الصِّفَةَ الأَشَاعِرَةُ وَلَمْ يُثْبِتُوا مَعْنَاهَا للهِ تَعَالَى؛ فَجَعَلُوهَا دَالَّةً عَلَى الضَّعْفِ وَاللِّينِ! وَسَيَأْتِي الكَلَامُ فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللهُ.\n(^٣) تَفْسِيرُ البَغَوِيِّ (٤/ ٣١٨).","vol":"2","page":92},{"text":"مُجَرَّدَ لَفْظِهِ! فَأَسْمَاءُ اللهِ تَعَالَى أَعْلَامٌ وَأَوصَافٌ (^١).\n- الجَحْدُ: هُوَ الإِنْكَارُ، وَالإِنْكَارُ نَوعَانِ:\n١ - إِنْكَارُ تَكْذِيبٍ: وَهَذَا كُفْرٌ مُخْرِجٌ عَنِ المِلَّةِ، فَلَو أَنَّ أَحَدًا أَنْكَرَ اسْمًا مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ أَو صِفَةً مِنْ صِفَاتِهِ الثَّابِتَةِ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: لَيسَ للهِ يَدٌ، أَو أَنَّ اللهَ لَمْ يَسْتَوِ عَلَى عَرْشِهِ، أَو لَيسَ لَهُ عَينٌ! فَهُوَ كَافِرٌ بِإِجْمَاعِ المُسْلِمِينَ.\n٢ - إِنْكَارُ تَأْوِيلٍ: وَهُوَ أَنْ لَا يُنْكِرَهَا وَلَكِنْ يَتَأَوَّلُهَا إِلَى مَعْنًى يُخَالِفُ ظَاهِرَهَا؛ فَهَذَا نَوعَانِ:\nأ- أَنْ يَكُونَ لِلتَّأْوِيلِ مُسَوِّغٌ فِي اللُّغَةِ العَرَبيَّةِ؛ فَهَذَا لَا يُوجِبُ الكُفْرَ -وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا فِي ذَلِكَ-.\nب- أَنْ لَا يَكُونَ لهُ مُسَوِّغٌ فِي اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ؛ فَهَذَا حُكْمُهُ الكُفْرُ، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مُسَوِّغٌ؛ صَارَ فِي الحَقِيقَةِ تَكْذِيبًا! مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: المُرَادُ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القَمَر: ١٤] أَي: تَجْرِي بِأَرَاضِينَا! فَهَذَا كَافِرٌ لِأَنَّه نَفَاهَا نَفْيًا مُطْلَقًا، فَهُوَ مُكَذِّبٌ.\nوَلَو قَالَ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المَائِدَة: ٦٤] المُرَادُ بِيَدَيهِ: السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ! فَهُوَ كُفْرٌ أَيضًا؛ لِأَنَّه لَا مُسَوِّغَ لَهُ فِي اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، لَكِنْ إِنْ قَالَ: المُرَادُ بِاليَدِ: النِّعْمَةُ أَوِ القُوَّةُ؛ فَلَا يَكْفُرُ، لِأَنَّ اللُّغَةَ تَحْتَمِلُهَا (^٢).\n_________\n(^١) بِتَصَرُّفٍ مِنْ شَرِحِ الشَّيخِ الغُنَيمَانِ عَلَى كِتَابِ التَّوحِيدِ مَنْ صَحِيحِ البُخَارِيِّ (١/ ٨٩).\n(^٢) القَولُ المُفِيدُ (٢/ ١٨٣).\nوَقَالَ الشَّيخُ الغُنَيمَانُ حَفِظَهُ اللهُ تَعَالَى: \"أَمَّا إِذَا وَقَعَ إِنْسَانٌ فِي شَيءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ فَأَنْكَرَ مَثَلًا أَنْ يَكُونَ اللهُ مَوصُوفًا بِالرَّحْمَةِ أَو مَوصُوفًا بِالعُلُوِّ أَو مَوصُوفًا بِأَنَّهُ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا أَو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَقَدْ يَكُونُ\n=","vol":"2","page":93},{"text":"- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِلَيهِ مَتَابِ﴾ أَي: وَإِلَيهِ مَرْجِعِي وَأَوبَتِي (^١).\nوَالتَّوبَةُ الَّتِي لَا تَكُونُ إِلَّا للهِ هِيَ تَوبَةُ العِبَادَةِ -كَمَا فِي هَذِهِ الآيَةِ-، وَأَمَّا التَّوبَةُ الَّتِي هِيَ بِمَعْنَى الرُّجُوعِ؛ فَإِنَّهَا تَكُونُ لَهُ وَلِغَيرِهِ، وَمِنْهُ قَولُ عَائِشَةَ ﵂ حِينَ جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَوَجَدَ نُمْرُقَةً (وِسَادَةً) فِيهَا صُوَرٌ؛ فَوَقَفَ بِالبَابِ وَلَمْ يَدْخُلْ، فَقَالَتْ: (أَتُوبُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ) (^٢) (^٣).\n- قَولُ عَليٍّ ﵁: (حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ)، أَي: بِمَا يُمْكِنُ أَنْ يَعْرِفُوهُ وَتَبْلُغُهُ عُقُولُهُم حَتَّى لَا يُفْتَنُوا بِهِ، كَمَا فِي الأَثَرِ الآخَرِ: (مَا أَنْتَ مُحَدِّثٌ قَومًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُم إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِم فِتْنَةً) (^٤)، وَقَدْ بَوَّبَ البُخَارِيُّ ﵀ فِي الصَّحِيحِ عَلَى أَثَرِ عَلِيٍّ ﵁ فِي كِتَابِ العِلْمِ بِقَولِهِ: \"بَابُ مَنْ خَصَّ بِالعِلْمِ قَومًا دُونَ قَومٍ كَرَاهِيَةَ أَلَّا يَفْهَمُوا\".\n_________\n=\nعِنْدَهُ شُبَهٌ، فَيَجِبُ أَنْ تُزَالَ الشُّبَهُ عَنْهُ، فَإِذَا أُزِيلَتِ الشُّبَهُ عَنْهُ وَأَصَرَّ عَلَى الإِنْكَارِ فَلَهُ حُكْمٌ آخَر، غَيرَ أًنَّنَا نَقُولُ: إنَّ فِعْلَكَ أَو قَولَكَ هَذَا كُفْرٌ، فَإِذَا تَبَيَّنَ لَهُ الحَقُّ وأَقَرَّ بِهِ يَكُونُ كَافِرًا، نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ\". مُسْتَفَادٌ مِنْ شَرْحِ الشَّيخِ الغُنَيمَانِ حَفِظَهُ اللهُ عَلَى كِتَابِ (فَتْحُ المَجِيدِ)، شَرِيطُ رَقَم (١٠٣)، شَرْحُ البَابِ.\n(^١) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (١٦/ ٤٤٥).\n(^٢) وَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ فِي البُخَارِيِّ (٥٩٥٧) عَنْ عَائِشَةَ؛ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂: أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَامَ عَلَى البَابِ فَلَمْ يَدْخُلْهُ، فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الكَرَاهِيَةَ؛ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَتُوبُ إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ؛ مَاذَا أَذْنَبْتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ؟» قُلْتُ: اشْتَرَيتُهَا لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيهَا وَتَوَسَّدَهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ أَصْحَابِ هَذِهِ الصُّوَرِ يَومَ القِيَامَةِ يُعَذَّبُونَ؛ فَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ». وَقَالَ: «إِنَّ البيتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلُهُ المَلَائِكَةُ».\n(^٣) أَي: أَرْجِعُ إِلَى مَا يُرِيدُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَمِنْ ذَلِكَ أَيضًا حِينَ يَضْرِبُ الوَالِدُ ابْنَهُ لِسُوءِ أَدَبِهِ؛ فَيَقُولُ الابْنُ: أَتُوبُ.\n(^٤) مُسْلِمٌ (١/ ١١) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوقُوفًا، بَابُ النَّهْي عَنِ الحَدِيثِ بِكُلِّ مَا سَمِعَ.","vol":"2","page":94},{"text":"وَلِهَذَا كَانَ مِنَ الحِكْمَةِ فِي الدَّعْوَةِ أَلَّا تُبَاغِتَ النَّاسَ بِمَا لَا يُمْكِنُهم إِدْرَاكُهُ! بل تَدْعُوهُم رُوَيدًا رُوَيدًا حَتَّى تَسْتَقِرَ عُقُولُهُم (^١).\nوَفِي الأَثَرِ دَلِيلٌ عَلَى مَنْعِ تَحَدِيثِ النَّاسِ بَمَا لَا تُدْرِكُهُ عُقُولُهُم، وَمِنْ ذَلِكَ التَّفَاصِيلُ وَالتَّوَسُّعُ فِي أَسْمَاءِ اللهِ وَصِفَاتِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى إِنْكَارِهَا -وَهُوَ كُفْرٌ بِهَا- وَذَلِكَ يُنَافِي تَوحِيدَ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ.\nوَدَلَّ الأَثَرُ أَيضًا عَلَى أَنَّ بَعْضَ العِلْمِ لَا يَصْلُحُ لِكُلِّ أَحَدٍ.\n- قَولُهُ: (بِمَا يَعْرِفُونَ): لَيسَ مَعْنَاهُ بِمَا يَعْرِفُونَهُ مِنْ قَبْلُ! لِأَنَّ الَّذِي يَعْرِفُونَهُ مِنْ قَبْلُ يَكُونُ التَّحَدِيثُ بِهِ مِنْ تَحْصِيلِ الحَاصِلِ، وَإِنَّمَا المَقْصُودُ بِمَا يُدْرِكُونَ بِعُقُولِهِم، لِأَنَّ السَّامِعَ لِمَا لَمْ يَفْهَمْهُ يَعْتَقدُ اسْتِحَالَتَه -جَهْلًا- فَلَا يَعْرِفُ وُجُودَهُ؛ فَيَلْزَمُ التَّكْذِيبَ.\n_________\n(^١) قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ فِي كِتَابِهِ القَولُ المُفِيدُ (٢/ ١٩٣): \"وَمِثْلُ ذَلِكَ: العَمَلُ بِالسُّنَّةِ الَّتِي لَا يَعْتَادُهَا النَّاسُ وَيَسْتَنْكِرُونَهَا، فَإِنَّنَا نَعْمَلُ بِهَا لَكِنْ بَعْدَ أَنْ نُخْبِرَهُم بِهَا، حَتَّى تَقْبَلَهَا نُفُوسُهُم وَيَطْمَئِنُّوا إِلَيهَا.\nوُيسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الأَثَرِ أَهَمِّيَّةُ الحِكْمَةِ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ ﷿؛ وَأَنَّهُ يَجْبُ عَلَى الدَّاعِيَةِ أَنْ يَنْظُرَ فِي عُقُولِ المَدْعُوِّينَ وَيُنْزِلَ كُلَّ إِنْسَانٍ مَنْزِلَتَهُ\".\nقُلْتُ: وَمِنْ نَفْسِ البَابِ أَورَدَ النَّوَوِيُّ ﵀ حَدِيثَ البُخَارِيِّ (٦٥٠٢) فِي أَرْبَعِينِيَّتِهِ وَهُوَ: «إنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبْ، وَمَا تقرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيءٍ أَحَبَّ إليَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّه، فَإِذَا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وإنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَإِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» وَلَكِنَّهُ لَيسَ بِتَمَامِهِ! وَتَمَامُهُ: «وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ المُؤْمِنِ؛ يَكْرَهُ المَوتَ وَأَنَا أَكْرْهُ مَسَاءَتَهُ»، فَلَعَلَّ اخْتِصَارَهُ لَهُ هُوَ مِنْ هَذَا البَابِ -أَي مُرَاعَاةً لِحَالِ السَّامِعِينَ- وَذَلِكَ لِكَونِ هَذِهِ الأَرْبَعِينَ هِيَ مِنَ المُتُونِ المُعَدَّةِ لِلمُبْتَدِئِينَ فِي طَلَبِ العِلْمِ. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.","vol":"2","page":95},{"text":"- وَجْهُ التَّكْذِيبِ فِي أَثَرِ عَلِيٍّ هُوَ أَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: قَالَ اللهُ وَقَالَ رَسُولُهُ: كَذَا وَكَذَا، قَالُوا هَذَا كَذِبٌ -إِذَا كَانَتْ عُقُولُهُم لَا تَبْلُغُهُ-، فَهُمْ لَا يُكَذِّبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ؛ لَكِنْ يُكَذِّبُونَكَ بِحَديثٍ تَنْسِبُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، فَيَكُونُونَ مُكَذِّبِينَ للهِ وَلِرَسُولِهِ لَا مُبَاشَرَةً لَكِنْ بِوَاسِطَةِ النَّاقِلِ.\n- مُنَاسَبَةُ هَذَا الأَثَرِ لِهَذَا البَابِ أَنَّ مِنْ أَسْبَابِ جَحْدِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ أَنْ يُحَدِّثَ المَرْءُ النَّاسَ بِمَا لَا يَعْقِلُونَهُ مِنَ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، فَالنَّاسُ عِنْدَهُم إِيمَانٌ إِجْمَالِيٌّ بِالأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ يَصِحُّ مَعَهُ تَوحِيدُهُم وَإِيمَانُهُم وَإِسْلَامُهُم، فَالدُّخُولُ فِي تَفَاصِيلِ ذَلِكَ غَيرُ مُنَاسِبٍ؛ إِلَّا إِذَا كَانَ المُخَاطَبُ يَعْقِلُ ذَلِكَ وَيَعِيه، وَهَذِهِ لَيسَتْ حَالَ أَكْثَرِ النَّاسِ.\n- ذِكْرُ تَرْجَمَةِ بَعْضِ مَنْ سَبَقَ مِنَ الأَعْلَامِ:\n(عَبْدُ الرَّزَّاقِ): هُوَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ، مِنْ صِغَارِ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ، (ت ٢١١ هـ).\n(مَعْمَرُ): هُوَ مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ الأَزْدِيُّ؛ البَصْرِيُّ؛ نَزِيلُ اليَمَنِ، من كِبَارِ أَتباعِ التَّابِعِينَ، (ت ١٥٤ هـ).\n(ابْنُ طَاوُس): هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاوُسٍ اليَمَانِيُّ، لَمْ يَلْقَ الصَّحَابَةَ، قَالَ مَعْمرٌ: \"كَانَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِالعَرَبيَّةِ\"، (ت ١٣٢ هـ).\n(طَاوُس): هُوَ طَاوُسُ بْنُ كَيسَانَ الجَنَدِيُّ -بِفَتْحِ الجِيمِ وَالنُّونِ-، الإِمَامُ العَلَمُ، مِنَ الوُسْطَى مِنَ التَّابِعِينَ، قِيلَ: اسْمُهُ ذَكوَان؛ وَطَاوُسُ لَقَبُهُ، (ت ١٠٦ هـ).\n- قَولُهُ: (مَا فَرَقُ) هِيَ عَلَى احْتِمَالَاتٍ ثَلَاثَةٍ:","vol":"2","page":96},{"text":"(فَرَقُ): بِفَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّ القَافِ؛ اسْمٌ مِنَ الفَرَقِ، أَي: الخَوفِ (^١).\n(فرَّقَ، فَرَقَ): بِفَتحِ الرَّاءِ -مُشَدَّدَةً- وفَتْحِ القَافِ، أَو بِفَتحِ الرَّاءِ -مُخَفَّفَةً- وَفَتْحِ القَافِ؛ فِعْلٌ مِنَ التَّفْرِيقِ وَالتَّمْيِيزِ.\nفَعَلى الأُولَى -ولَعَلَّهَا الأَولَى أَيضًا- تَكُونُ (مَا) اسْتِفْهَاميَّةً لِلإِنْكَارِ، أَي: مَا خَوفُ هَؤُلْاءِ مِنْ إِثْبَاتِ الصِّفَةِ الَّتِي تُلِيَتْ عَلَيهِم وَبَلَغَتْهُم؟! لِمَاذَا لَا يُثْبِتُونَهَا للهِ ﷿ كَمَا أَثْبَتَهَا اللهُ لِنَفْسِهِ وَأَثْبَتَهَا لَهُ رَسُولُه؟! وَهَذَا يَنْصَبُّ تَمَامًا عَلَى أَهْلِ التَّعْطِيلِ وَالتَّحْرِيفِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ الصِّفَاتِ، فَمَا الَّذِي يُخَوِّفُهُم مِنْ إِثْبَاتِهَا وَاللهُ تَعَالَى قَدْ أَثْبَتَهَا لِنَفْسِهِ؟! (^٢)\n- قَولُهُ: (يَجِدُونَ رِقَّةً عِنْدَ مُحْكَمِهِ): أَي: مُحْكَمِ القُرْآنِ، يَعْنِي إِذَا خُوطِبُوا بِمَا يَعْلَمُونَه وَجَدُوا فِي قُلُوبِهِم رِقَّةً لِذَلِكَ وَقَبُولًا.\n- قَولُهُ: (وَيَهُلَكُونَ عِنْدَ مُتَشَابِهِهِ): أَي: مُتَشَابِهِ القُرْآنِ، يَعْنِي إِذَا سَمِعُوا فِي الكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ شَيئًا لَا تَعْقِلُهُ عُقُولُهُم لَمْ يُسَلِّمُوا بِهِ؛ فَهَلَكُوا عِنْدَهُ وَخَافُوا وَفَرَقُوا وَأَوَّلُوا وَنَفَوا أَو جَحَدُوا! وَذَلِكَ هُوَ مِنْ أَسْبَابِ الضَّلَالِ وَالتَّهْلُكَةِ.\nوَالمُتَشَابِهُ هُنَا هُوَ حَقِيقَةُ الصِّفَةِ وَكَيفيَّتُهَا، وَهِيَ الَّتِي خَافُوا مِنْ إِثْبَاتِهَا، فَكَانَ عَلَيهِم أَنْ يَرُدُّوا مَا تَشَابَهَ عَلَيهِم إِلَى مُحْكَمِهِ، وَهُوَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشُّورَى: ١١].\n- وَجْهُ إِنْكَارِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ عَلَى الرَّجُلِ هُوَ عَدَمُ التَّسْلِيمِ لِمَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.\n_________\n(^١) كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التَّوبَة: ٥٦].\n(^٢) وَعَلَى الأُخْرَيِينِ تَكُونُ فِعْلًا مَاضِيًا.","vol":"2","page":97},{"text":"وَإِنَّ عَدَمَ إِنْكَارِهِ عَلَى التَّالِي لِلحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ النُّصُوصِ لَيسَتْ مِنَ المُتَشَابِهَاتِ الَّتِي تُتْرَكُ! وَإِنَّمَا يُسَلَّمُ بِمَعْنَاهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الفَوَائِدِ وَالعِبَرِ -مِنْ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى وَقُدْرَتِهِ وَعَظَمَتِهِ وَخَوفِ المَخْلُوقاتِ مِنْهُ (كَالنَّارِ هُنَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقِ، وَسَيَأْتِي) -، لَكِنْ تُوكَلُ كَيفِيَّةُ وَحَقِيقَةُ مَا فِيهَا مِنَ الصِفَاتِ إِلَيهِ سُبْحَانَهُ، وَهَذَا هُوَ مَنْهَجُ السَّلَفِ رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيهِم.\nفَالمُنْتَفِضُ لَمْ يُسَلِّمْ لَهَا كَمَا سَلَّمَ لِغَيرِهَا، وَالوَاجِبُ هُوَ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: \"آمَنْتُ بِاللهِ وَبِمَا جَاءَ عَنِ اللهِ؛ عَلَى مُرَادِ اللهِ، وَآمَنْتُ بِرَسُولِ اللهِ وَبِمَا جَاءِ عَنْ رَسُولِ اللهِ؛ عَلَى مُرَادِ رَسُولِ اللهِ\" (^١).\nفَالمُتَشَابِهُ هُنَا هُوَ كَيفيَّةُ وَحَقِيقَةُ هَذِهِ الصِّفَةِ، فَمَثَلًا صِفَةُ السَّمْعِ للهِ تَعَالَى ثَابِتَةٌ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَمَعْنَاهَا مَفْهُومٌ: مِنْ سَمَاعِهِ تَعَالَى لِجَمِيعِ خَلْقِه، وَلَكِنَّ كَيفِيَّةَ السَّمَاعِ مَجْهُولَةٌ لَنَا، فَالمُتَشَابِهُ هُنَا هُوَ الكَيفيَّةُ وَلَيسَتِ الصِّفَةُ!\n_________\n(^١) لُمْعَةُ الاعْتِقَادِ (١/ ٧) لِابْنِ قُدَامَةَ المَقْدِسِيِّ ﵀.\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ البِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ (١٤/ ١٣٨): \"وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ وَغَيرِ وَاحِدٍ مِنْ رُؤُوسِ أَصْحَابِهِ [أَي: الشَّافِعِيَّ] مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَمُرُّ بِآيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَحَادِيثِهَا كَمَا جَاءَتْ مِنْ غَيرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَشْبِيهٍ وَلَا تَعْطِيلٍ وَلَا تَحْرِيفٍ؛ عَلَى طَرِيقِ السَّلَفِ\".\nوَقَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ العُلُوُّ لِلعَلِيِّ الغَفَّارِ (ص ١٦٦): \"وَعَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الأَعْلَى؛ سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: للهِ تَعَالَى أَسْمَاءٌ وَصِفَاتٌ لَا يَسَعُ أَحَدًا -قَامَتْ عَلَيهِ الحُجَّةُ- رَدُّهَا\".\nوَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١٣/ ٤٠٧): \"وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ عَنْ يُونُس بْنِ عَبْدِ الأَعْلَى، سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: للهِ أَسْمَاءٌ وَصِفَاتٌ لَا يَسَعُ أَحَدًا رَدُّهَا، وَمَنْ خَالَفَ بَعْدَ ثُبُوتِ الحُجَّةِ عَلَيهِ فَقَدَ كَفَرَ، وَأَمَّا قَبْلَ قِيَامِ الحُجَّةِ فَإِنَّهُ يُعْذَرُ بِالجَهْلِ، لِأَنَّ عِلْمَ ذَلِكَ لَا يُدْرِكُ بِالعَقْلِ وَلَا الرُّؤْيَةِ وَالفِكْرِ، فَنُثْبِتُ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَنَنْفِي عَنْهُ التَّشْبِيهَ كَمَا نَفَى عَنْ نَفْسِهِ، فَقَالَ: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ \".","vol":"2","page":98},{"text":"قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: \"وَقَدْ صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أنْكَرَ عَلَى مَنْ اسْتَنْكَرَ شَيئًا مِنْ هَذِهِ النُّصُوصِ؛ وَزَعَمَ أَنَّ اللهَ مُنَزَّهٌ عَمَّا تَدُلُّ عَلَيهِ! فَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي كِتَابِهِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيه؛ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا يُحَدِّثُ ابْنَ عبَّاسٍ بحَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ: «تَحَاجَّتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ»، وَفِيهِ: «فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ» أَوْ قَالَ: «قَدَمَهُ» فِيهَا (^١)، قَالَ: فَقَامَ رَجُلٌ فَانْتَفَضَ، فَقَالَ ابْنُ عبَّاسٍ: (مَا فَرَقُ هَؤْلَاءِ؟! يَجِدُونَ رِقَّةً عِنْدَ مُحْكَمِهِ، وَيَهلَكُونَ عندَ مُتَشَابِهِهِ). وَخَرَّجَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوِيه فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَلَو كَانَ لِذَلِكَ عِنْدَهُ تَأْوِيلٌ لَذَكَرَهُ لِلنَّاسِ وَلَمْ يَسَعْهُ كِتْمَانُهُ\" (^٢) (^٣).\n- المُحْكَمُ: هُوَ مَا يُمَيِّزُ الحَقِيقَةَ المَقْصُودَةَ عَنْ غَيرِهَا. وَالمُتشَابِهُ: مَا احْتَمَل مَعنَيَينِ؛ فَيُشبِهُ هَذَا وَيُشبِهُ هَذَا.\nوَحُكْمُهُ هُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عِمْرَان: ٧].\n_________\n(^١) وَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ مَرْفُوعًا: «تَحَاجَّتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالمُتَكَبِّرِينَ وَالمُتَجَبِّرِينَ، وَقَالَتِ الجَنَّةُ: مَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ؟! قَالَ اللهُ ﵎ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي. وَقَالَ لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِلْؤُهَا. فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ؛ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ، فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ -وَلَا يَظْلِمُ اللهُ ﷿ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا- وَأَمَّا الجَنَّةُ؛ فَإِنَّ اللهَ ﷿ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤٨٥٠)، وَمُسْلِمٌ (٢٨٤٦).\n(^٢) قُلْتُ: وَقَصْدُهُ إِجْرَاءُ النُّصُوصِ عَلَى ظَاهِرِهَا دُونَ التَّعَرُّضِ لِتَفْسِيرِهَا؛ مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.\n(^٣) (فَتْحُ البَارِي) لِابْنِ رَجَب (٧/ ٢٣٢).","vol":"2","page":99},{"text":"فَابْتِغَاءُ الفِتْنَةِ هُوَ: لِيَفْتِنُوا النَّاسَ بِهِ؛ إِذْ وَضَعُوهُ عَلَى غَيرِ مَوَاضِعِهِ، ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ أَي: تَحْرِيفَهِ عَلَى مَا يُرِيدُونَ (^١).\n- القُرْآنُ كُلُّهُ مُحْكَمٌ بِاعْتِبَارٍ، وَكُلُّهُ مُتَشَابِهٌ بِاعْتِبَارٍ آخَرَ، وَمِنْهُ المُحْكَمُ وَمِنْهُ المُتَشَابِهُ بِاعْتِبَارٍ ثَالِثٍ؛ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:\nالأَوَّلُ: كُلُّهُ مُحْكَمٌ: كَمَا قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [هُود: ١ - ٢]، فَالقُرْآنُ كُلُّهُ مُحْكَمٌ؛ بِمَعْنَى أنًّ مَعْنَاهُ وَاضِحٌ مُتَعَاضِدٌ؛ وَأَنَّ اللهَ جَلَّ وَعَلَا أَحْكَمَهُ فَلَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَلَا تَبَايُنَ، وَإِنَّمَا بَعْضُهُ يُصَدِّقُ بَعْضًا كَمَا قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النِّسَاء: ٨٢].\nالثَّانِي: كُلُّهُ مُتَشَابِهٌ: بِمَعْنَى أَنَّ بَعْضَهُ يُشْبِهُ بَعْضًا، فَهَذَا الحُكْمُ وَهَذِهِ المَسْأَلَةُ تُشْبِهُ تِلْكَ لِأَنَّهَا تَسِيرُ مَعَهَا فِي قَاعِدَةٍ وَاحِدَةٍ، فَنُصُوصُ الشَّرِيعَةِ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا\n_________\n(^١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٢/ ٨): \" ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ أَي: إِنَّمَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ بِالمُتَشَابِهِ الَّذِي يُمْكِنُهُمْ أَنْ يُحَرِّفُوهُ إِلَى مَقَاصِدِهِمُ الفَاسِدَةِ، وَيُنْزِلُوهُ عَلَيهَا لِاحْتِمَالِ لَفْظِهِ لِمَا يَصْرِفُونَهُ، فَأَمَّا المُحْكَمُ فَلَا نَصِيبَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ دَامِغٌ لَهُمْ وَحُجَّةٌ عَلَيهِمْ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أَيِ: الإِضْلَالَ لِأَتْبَاعِهِمْ إِيهَامًا لَهُمْ أَنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ عَلَى بِدْعَتِهِمْ بِالقُرْآنِ! وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَيهِمْ لَا لَهُمْ، كَمَا لَوِ احْتَجَّ النَّصَارَى بِأَنَّ القُرْآنَ قَدْ نَطَقَ بِأَنَّ عِيسَى هُوَ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَتَرَكُوا الِاحْتِجَاجَ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيهِ﴾ [الزُّخْرُف: ٥٩]، وَبِقَولِهِ: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٥٩] وَغَيرِ ذَلِكَ مِنَ الآيَاتِ المُحْكَمَةِ المُصَرِّحَةِ بِأَنَّهُ خَلْقٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ، وَعَبْدٌ وَرَسُولٌ مِنْ رُسُلِ اللَّهِ. وَقَولُهُ: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ أَي: تَحْرِيفَهُ عَلَى مَا يُرِيدُون، وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالسُّدِّيُّ: يَبْتَغُونَ أَنْ يَعْلَمُوا مَا يَكُونُ، وَمَا عَوَاقِبُ الأَشْيَاءِ مِنَ القُرْآنِ\".","vol":"2","page":100},{"text":"وَيَؤُولُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَقَدْ قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزُّمَر: ٢٣]، فَقَالَ: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ فَالقُرْآنُ مُتَشَابِهٌ؛ يَعْنِي بَعْضُهُ يُشْبِهُ بَعضًا، فَهَذَا خَبَرٌ فِي الجَنَّةِ وَهَذَا خَبَرٌ فِي الجنَّةِ، وَبَعْضُ الأَخْبَارِ تُفَصِّلُ بَعْضًا، هَذِهِ قِصَّةٌ وَهَذِهِ قِصَّةٌ، هَذِهِ تُصَدِّقُ هَذِهِ، وَهَذِهِ تَزِيدُهَا تَفْصِيلًا وَأَحْكَامًا، وَهَكَذَا فِي كُلِّ مَا فِي القُرْآنِ (^١).\nالثَّالِثُ: مِنْهُ المُحْكَمُ وَمِنْهُ المُتَشَابِهُ: وَهُوَ الَّذِي جَاءَ فِي آيَةِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عِمْرَان: ٧]، فَمِنْهُ: مُحْكَمٌ؛ وَهُوَ الَّذِي اتَّضَحَ لَكَ عِلْمُهُ، وَمِنْهُ مُتَشَابِهٌ: وَهُوَ الَّذِي اشْتَبَهَ عَلَيكَ عِلْمُهُ، ومَنْهَجُ أَهْلِ الحَقِّ هُوَ رَدُّ مَا اشْتَبَهَ مِنْهُ إِلَى مُحْكَمِهِ، وَلَا يُعَارِضُونَ بَينَهُمَا! كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنِ الرَّاسِخِينَ فِي العِلْمِ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عِمْرَان: ٧] (^٢).\nوَالمُحْكَمُ مِنَ النُّصُوصِ هُوَ: الَّذِي يُفْهَمُ مَعْنَاهُ مِنْ لَفْظِهِ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ\n_________\n(^١) فَالتَّشَابُهُ هُنَا يَكُونُ مِنْ جِهَةِ المُشَابَهَةِ فِي السِّيَاقِ: كالثَّوَابِ وَالعِقَابِ، وَنَصْرِ المُؤْمِنِينَ وَعِقَابِ الكَافِرِينَ وَأَمْثَالِهَا، وَيَكُونُ أَيضًا التَّشَابُهُ مِنْ جِهَةِ التَّقْيِيدِ وَالتَّفْصِيلِ. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.\n(^٢) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٢/ ٦): \"يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ فِي القُرْآنِ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ، أَي: بَيِّنَاتٌ وَاضِحَاتُ الدِّلَالَةِ؛ لَا التِبَاسَ فِيهَا عَلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَمِنْهُ آيَاتٌ أُخَرُ فِيهَا اشْتِبَاهٌ فِي الدِّلَالَةِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ أَو بَعْضِهِمْ، فَمَنْ رَدَّ مَا اشْتَبَهَ عَلَيهِ إِلَى الوَاضِحِ مِنْهُ، وَحَكَّمَ مُحْكَمَهُ عَلَى مُتَشَابِهِهِ عِنْدَهُ؛ فَقَدِ اهْتَدَى، وَمَنْ عَكَسَ انْعَكَسَ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أَي: أَصْلُهُ الَّذِي يَرْجِعُ إِلَيهِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ أَي: تَحْتَمِلُ دِلَالَتُهَا مُوَافَقَةَ المُحْكَمِ وَقَدْ تَحْتَمِلُ شَيئًا آخَرَ مِنْ حَيثُ اللَّفْظِ وَالتَّرْكِيبِ لَا مِنْ حَيثُ المُرَادِ\".","vol":"2","page":101},{"text":"آخَرَ يُفَسِّرُهُ، وَالمُتَشَابِهُ هُوَ: الَّذِي لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ يُفَسِّرُهُ، كَالنَّاسِخِ وَالمَنْسُوخِ (^١)، وَالمُطْلَقِ وَالمُقَيَّدِ، وَالعَامِّ وَالخَاصِّ، وَالمُجْمَلِ وَالمُبَيَّنِ (^٢).\nوَعَلَامَةُ أَهْلِ البِدَعِ اتِّبَاعُ المُتَشَابِهِ وَتَرْكُ المُحْكَمِ، كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا رَأَيتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ؛ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللهُ فَاحْذَرُوهُمْ» (^٣).\n- قَالَ العَلَّامَةُ الشَّاطِبِيُّ ﵀: \"وَمَنْ نَظَرَ إِلَى طُرُقِ أَهْلِ البِدَعِ فِي الِاسْتِدْلَالِ؛ عَرَفَ أَنَّهَا لَا تَنْضَبِطُ، لِأَنَّهَا سَيَّالَةٌ لَا تَقِفُ عِنْدَ حَدٍّ، وَعَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ لِكُلِّ زَائِغٍ وَكَافِرٍ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى زَيغِهِ وَكُفْرِهِ حَتَّى يَنْسِبَ النِّحْلَةَ الَّتِي التَزَمَهَا إِلَى الشَّرِيعَةِ!\nفَقَدْ رَأَينَا وَسَمِعْنَا عَنْ بَعْضِ الكُفَّارِ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ عَلَى كُفْرِهِ بِآيَاتِ القُرْآنِ!\nكَمَا اسْتَدَلَّ بَعْضُ النَّصَارَى عَلَى تَشْرِيكِ عِيسَى بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَلِمَتُهُ\n_________\n(^١) وَالإحْكَامُ بِمَعْنَى النَّسْخِ؛ هُوَ كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحَجّ: ٥٢].\n(^٢) كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ [مُحَمَّد: ٢٠].\nقَالَ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٢٢/ ١٧٤): \" ﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ﴾ يَعْنِي: أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ بِالبَيَانِ وَالفَرَائِضِ\".\n(^٣) البُخَارِيُّ (٤٥٤٧)، وَمُسْلِمٌ (٢٦٦٥).","vol":"2","page":102},{"text":"أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النِّسَاء: ١٧١]!\nوَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ الكَفَّارَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ بِإِطْلَاقِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البَقَرَة: ٦٢] الآيَةَ!\nوَاسْتَدَلَّ بَعْضُ اليَهُودِ عَلَى تَفْضِيلِهِمْ عَلَينَا بِقَولِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البَقَرَة: ٤٧]!\nوَبَعْضُ الحُلُولِيَّةِ اسْتَدَلَّ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحِجْر: ٢٩]!\nوَالتَّنَاسُخِيُّ اسْتَدَلَّ بِقَولِهِ: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانْفِطَار: ٨]!\nوَكَذَلِكَ كُلُّ مَنِ اتَّبَعَ المُتَشَابِهَاتِ أَو حَرَّفَ المَنَاطَاتِ أَو حَمَّلَ الآيَاتِ مَا لَا تَحْتَمِلُهُ عِنْدَ السَّلَفِ الصَّالِحِ أَو تَمَسَّكَ بِالأَحَادِيثِ الوَاهِيَةِ أَو أَخَذَ الأَدِلَّةَ بِبَادِيَ الرَّأْيِ؛ (لَهُ) أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى كُلِّ فِعْلٍ أَو قَولٍ أَوِ اعْتِقَادٍ وَافَقَ غَرَضَهُ بِآيَةٍ أَو حَدِيثٍ لَا يَفُوزُ بِذَلِكَ أَصْلًا\" (^١).\n- والمُتَشَابِهُ هُنَا (في آيَةِ آلِ عِمْرَانَ) نَوعَانِ: تَشَابُهٌ نِسْبِيٌّ، وَتَشَابُهٌ مُطْلَقٌ:\n١ - فَالمُتَشَابِهُ المُطْلَقُ: يَخْفَى عَلى كُلِّ أَحَدٍ، حَتَّى عَلَى الرَّاسِخِينَ فِي العِلْمِ، وَلَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ إِلَّا اللهُ تَعَالَى.\nوَهَذِهِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ قِرَاءَةِ الوَقْفِ عِنْدَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ (^٢)،\n_________\n(^١) الاعْتِصَامُ (١/ ٣٦٣).\n(^٢) وَعَلَيهَا الجُمْهُورُ، كَمَا ذَكَرَهُ الشّنْقِيطِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ أَضْوَاءُ البَيَانِ (١/ ١٩٢).\nقَالَ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٦/ ٢٠٤): \"وَالصَّوَابُ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ أَنَّهُم مَرْفُوعُونَ بِجُمْلَةِ خَبَرِهِم بَعْدَهُم وَهُوَ (يَقُولُونَ)؛ لِمَا قَدْ بَيَّنَا قَبْلُ مِنْ أَنَّهُم لَا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ المُتَشَابِهِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ ﷿ فِي هَذِهِ الآيَةِ، وَهُوَ فِيمَا بَلَغَنِي مَعَ ذَلِكَ فِي قِرَاءَة أُبَيٍّ: (وَيَقُولُ الرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ) كَمَا ذَكَرْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُهُ، وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللهِ: (إِنْ تَأْوِيلُهُ إِلَّا عِنْدَ اللهِ. وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ) \".","vol":"2","page":103},{"text":"وَذَلِكَ مِثْلُ كَيفِيَّةِ وَحَقَائِقِ صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى، وَحَقَائِقِ مَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ مِنْ نَعِيمِ الجَنَّةِ وَعَذَابِ النَّارِ (^١)، قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي نَعِيمِ الجَنَّةِ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السَّجْدَة: ١٧]، أَي: لَا تَعْلَمُ حَقَائِقَ ذَلِكَ، مَعَ أَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْ صِفَاتِهَا عُمُومًا كَأَنْهَارِهَا وَأَشْجَارِهَا وَثَمَرَاتِهَا وَنِسَائِهَا، وكَمَا فِي الأَثَرِ: (لَيسَ فِي الجَنَّةِ شَيءٌ مِمَّا فِي الدُّنْيَا إِلَّا الأَسْمَاءَ) (^٢).\nوَهَذِهِ الحَقَائِقُ هِيَ مِمَّا لَا تَتَعَلَّقُ بِهَا ضَرُورَةٌ وَلَا حَاجَةٌ لِلنَّاسِ فِي تَدَيُّنِهِم وَسُلُوكِهِم وَعَقِيدَتِهِم؛ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا عَمَلٌ شَرْعِيٌّ، فَلَو كَانَ لِلنَّاسِ فِيهَا حَاجَةٌ لَبَيَّنَهَا اللهُ تَعَالَى وَلَمْ يَسْكُتْ عَنْهَا (^٣).\n_________\n(^١) وَمِثْلُ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأَعْرَاف: ٥٣] أَي: حَقِيقَةَ مَا أُخْبِرُوا بِهِ مِنْ أَمْرِ المَعَادِ. قَالَهُ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٢/ ١١).\n(^٢) رَوَاهُ أَبُو نُعَيمٍ فِي صِفَة الجَنَّةِ (ص ١٢٤)، وَالمَقْدِسِيُّ فِي المُخْتَارَةِ (١٦/ ١٠) مَوقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. الصَّحِيحَةُ (٢١٨٨).\n(^٣) قَالَ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٦/ ١٨٠): \"وَذَلِكَ أَنَّ جَمِيعَ مَا أَنْزَلَ اللهُ ﷿ مِنْ آي القُرْآنِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ فَإِنَّمَا أَنْزَلَهُ عَلَيهِ بَيَانًا لَهُ وَلِأُمَّتِهِ وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ، وَغَيرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَا لَا حَاجَةَ بِهِمْ إِلَيهِ، وَلَا أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَا بِهِمْ إِلَيهِ الحَاجَةُ؛ ثُمَّ لَا يَكُونُ لَهُمْ إِلَى عِلْمِ تَأْوِيلِهِ سَبِيلٌ!! فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ؛ فَكُلُّ مَا فِيهِ لِخَلْقِهِ إِلَيهِ الحَاجَةُ -وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِهِ مَا بِهِمْ عَنْ بَعْضِ مَعَانِيهِ الغِنَى؛ وَإِنِ اضْطَرَّتْهُ الحَاجَةُ إِلَيهِ فِي مَعَانٍ كَثِيرَةٍ- وَذَلِكَ كَقَولِ اللهِ ﷿: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيرًا﴾ [الأَنْعَام: ١٥٨] فَأَعْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّتَهُ أَنَّ تِلْكَ الآيَةَ الَّتِي أَخْبَرَ اللهُ جَلَّ ثناؤُهُ عِبَادَهُ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَمْ يَنْفَعْ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ: هِيَ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَالَّذِي كَانَتْ بِالعِبَادِ إِلَيهِ الحَاجَةُ مِنْ عِلْمِ ذَلِكَ هُوَ العِلْمُ مِنْهُمْ بِوَقْتِ نَفْعِ التَّوبَةِ بِصِفَتِهِ بِغَيرِ تَحْدِيدِهِ بِعَدٍّ بِالسِّنِينَ وَالشُّهُورِ وَالأَيَّامِ، فَقَدْ بَيَّنَ اللهُ ذَلِكَ لَهُمْ بِدِلَالَةِ الكِتَابِ، وَأَوضَحَهُ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُفَسَّرًا، وَالَّذِي لَا حَاجَةَ لَهُمْ إِلَى عِلْمِهِ مِنْهُ هُوَ العِلْمُ بِمِقْدَارِ المُدَّةِ الَّتِي بَينَ وَقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وَوَقْتِ حُدُوثِ تِلْكَ الآيَةِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا حَاجَةَ بِهِمْ إِلَى عِلْمِهِ فِي دِينٍ وَلَا دُنْيَا، وَذَلِكَ هُوَ العِلْمُ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِهِ دُونَ خَلْقِهِ فَحَجَبَهُ عَنْهُمْ، وَذَلِكَ وَمَا أَشْبَهَهُ هُوَ المَعْنَى الَّذِي طَلَبَتِ اليَهُودُ مَعْرِفَتَهُ فِي مُدَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَأُمَّتِهِ مِنْ قِبَلِ قَولِهِ: (الم، وَالمص، وَالر، وَالمر) وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ المُتَشَابِهَاتِ الَّتِي أَخْبَرَ اللهُ جَلَّ ثناؤُهُ أَنَّهُمْ لَا يُدْرِكُونَ تَأْوِيلَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِهِ؛ وَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ\".","vol":"2","page":104},{"text":"٢ - المُتَشَابِهُ النِّسْبِيُّ: وَهَذَا يَخْفَى عَلى أَحَدٍ دُونَ أَحَدٍ، وَهَذِهِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ قِرَاءَةِ الوَصْلِ عِنْدَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، فَيَكُونُ هَذَا المُتَشَابِهُ مَعْلُومًا أَيضًا لِلرَّاسِخِينَ فِي العِلْمِ دُونَ عُمُومِ النَّاسِ، كَمَا فِي التَّفَاسِيرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: (أَنَا مِنَ الرَّاسِخينَ فِي العِلْمِ الَّذِي يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ) (^١).\n- قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (^٢): \"وَ(الرَّحْمَن) أَي: ذُو الرَّحْمَةِ الوَاسِعَةِ؛ ولِهَذَا جَاءَتْ عَلَى وَزْنِ (فَعْلَانَ) الَّذِي يَدُلُّ عَلَى السَّعَةِ، وَ(الرَّحِيم) أَي المُوصِلُ الرَّحْمَةِ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ؛ ولِهَذَا جَاءَتْ عَلَى وَزْنِ (فَعِيلٍ) الدَّالِّ عَلَى وُقوعِ الفِعْلِ.\nفَهُنَا رَحْمَةٌ هِيَ صِفَتُهُ؛ هَذِهِ دَلَّ عَلَيهَا اسْمُ (الرَّحْمَنِ)، وَرَحْمَةٌ هِيَ فِعْلُهُ، أَي: إِيصَالَ الرَّحْمَةِ إِلَى المَرْحُومِ؛ دَلَّ عَلَيهَا اسْمُ (الرَّحِيمِ) \" (^٣).\n_________\n(^١) تَفْسِيرُ البَغَوِيِّ (٢/ ١٠).\nوَاسْتَدَلَ لِصِحَّةِ هَذَا المَعْنَى بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ حَيثُ قَالُوا: إنَّ اللهَ تَعَالَى ذَكَرَ فِي آخِرِ الآيَاتِ: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّاسِخِينَ أَصْحَابَ الأَلبَابِ هُمُ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَعَانِيهَا دُونَ سَائِر النَّاسِ.\n(^٢) تَفْسِيرُ الفَاتِحَةِ وَالبَقَرَةِ (١/ ٥).\n(^٣) قَالَ ابْنُ القَيِّمِ ﵀ فِي كِتَابِهِ مَدَارِجُ السَّالِكِينَ (١/ ٥٦): \"فَالرَّحْمَنُ: الَّذِي الرَّحْمَةُ وَصْفُهُ، وَالرَّحِيمُ:\n=","vol":"2","page":105},{"text":"<span data-type='title' id=toc-312>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-313> المِسْأَلَةُ الأُولَى: هَلْ يَصِحُّ تَأْوِيلُ صِفَةِ الرَّحْمَةِ للهِ تَعَالَى بِإِرَادَةِ الثَّوَابِ أَوِ الرِّضَى </span>(^١)؟ حَيثُ أَنَّهُم -المُعَطِّلَةُ- قَالُوا: إِنَّ الرَّحْمَةَ لِينٌ وَضَعْفٌ وَرِقَّةٌ يَتَنَزَّهُ البَارِي سُبْحَانَهُ عَنْهَا! أَمَّا الإِرَادَةُ فَهِيَ مِمَّا دَلَّ العَقْلُ عَلَيهَا!\n_________\n=\nالرَّاحِمُ لِعِبَادِهِ. وَلِهَذَا يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأَحْزَاب: ٤٣]، وكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التَّوبَة: ١١٧]، وَلَمْ يَجِئْ: رَحْمَنٌ بِعِبَادِهِ! وَلَا رَحْمَنٌ بِالمُؤْمِنِينَ! مَعَ مَا فِي اسْمِ الرَّحْمَنِ -الَّذِي هُوَ عَلَى وَزْنِ فَعْلَانَ- مِنْ سَعَةِ هَذَا الوَصْفِ وَثُبُوتِ جَمِيعِ مَعْنَاهُ المَوصُوفِ بِهِ! أَلَا تَرَى أَنَّهُم يَقُولُونَ: \"غَضْبَانُ\" لِلمُمْتَلِئِ غَضَبًا؛ وَنَدْمَانُ وَحَيرَانُ وَسَكْرَانُ وَلَهْفَانُ لِمَنْ مُلِئَ بِذَلِكَ؟! فَبِنَاءُ فَعْلَانَ لِلسَّعَةِ وَالشُّمُولِ، وَلِهَذا يُقْرَنُ اسْتِوَاءُهُ عَلَى العَرْشِ بِهَذا الاسْمِ كَثِيرًا كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طَه: ٥]، فَاسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ باسْمِ الرَّحْمَنِ، لِأَنَّ العَرْشَ مُحِيطٌ بِالمَخْلُوقَاتِ قَدْ وَسِعَهَا؛ وَالرَّحْمَةُ مُحِيطَةٌ بِالخَلْقِ وَاسِعَةٌ لَهُم كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيءٍ﴾ [الأَعْرَاف: ١٥٦] \".\n(^١) كَمَا قَالَ صَاحِبُ تَفْسِيرِ الجَلَالَينِ (١/ ٢) عِنْدَ تَفْسِيرِ سُورَةِ الفَاتِحَةِ: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ): \"أَي ذِي الرَّحْمَةِ؛ وَهِيَ إِرَادَةُ الخَيرِ لِأَهْلِهِ\".\nوَكَمَا قَالَ الشَّيخُ ابْنُ دَقِيق العِيد (ت ٧٠٢ هـ) رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى وغَفَرَ لَهُ فِي شَرْحِ البَسْمَلَةِ مِنْ مُقَدِّمَةِ النَّوَوِيِّ ﵀ عَلَى الأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ (ص ١١): \"وَالرَّحْمَنُ: العَامُّ الرَّحْمَةِ لِجَمِيعِ البَرِيَّةِ، وَالرَّحِيمُ: الخَاصُّ الرَّحْمَةِ لِلمُؤْمِنِينَ، وَأَصْلُ الرَّحْمَةِ انْعِطَافُ القَلْبِ وَالرِّقَةُ، وَهِيَ فِي حَقِّهِ ﷾ إِرَادَةُ الخَيرِ لِمَنْ يَسْتَحِقُّهَا، أَو تَرْكُ العُقُوبَةِ لِمَنْ يَسْتَوجِبُهَا\".\nوَبِمِثْلِهِ نَقَلَ النَّوَوِيُّ ﵀ في صِفَةِ المَحَبَّةِ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (١٦/ ١٨٣) عِنْدَ بَابِ إِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدًا أَمَرَ جِبْرِيلَ فَأَحَبَّهُ، وَأَحَبَّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، فَقَالَ: \"ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي الأَرْضِ، وَذَكَرَ في البُغْضِ نَحْوَهُ. قَالَ العُلَمَاءُ: مَحَبَّةُ اللهِ تَعَالَى لِعَبْدِهِ هِيَ إِرَادَتُهُ الخَيرَ لَهُ وَهِدَايَتُهُ وَإِنْعَامُهُ عَلَيهِ\"!","vol":"2","page":106},{"text":"الجَوَابُ:\nلَا يَصِحُّ، وَبَيَانُ ذَلِكَ مِنْ أَوجُهٍ:\n١ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى وَصَفَ نَفْسَهُ بِالرَّحْمَةِ، وَقَالَ عَنْ نَفْسِهِ: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ [الشُّورَى: ١١].\nفَنُثْبِتُ مَا أَثْبَتَ وَنَنْفِي عَنْه التَّمْثِيلَ، فيَكُونُ بِذَلِكَ حَالُنَا كَحَالِ مِنْ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِيهِم: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آلِ عِمْرَان: ٧].\n٢ - أَنَّ الرَّحْمَةَ الَّتِي تَسْتَلْزِمُ الضَّعْفَ وَاللَّينَ وَالرِّقَّةَ هِيَ رَحْمَةُ المَخْلُوقِ (^١) وَلَيسَتْ رَحْمَةُ الخَالِقِ تَعَالَى! فَالخَالِقُ سُبْحَانَهُ رَحْمَتُهُ مُقَارِنَةٌ لِكَمَالِ سُلْطَانِهِ وَعِزَّتِهِ وَقوَّتِهِ.\nوَتَأَمَّلْ جَمْعَ اللهِ تَعَالَى بَينَ صِفَتَينِ لَهُ في مَوضِعٍ وَاحِدٍ وَهُوَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الدُّخَان: ٤٢]، فَعِزَّتُهُ تَعَالَى غَيرُ مُنْفَكَّةٍ عَنْ رَحْمَتِهِ؛ فَلَا يَكُونُ فِيهَا ضَعْفٌ وَلِينٌ وَرِقِّةٌ وَ… مِمَّا يُنَزَّهُ اللهُ عَنْهُ! وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (^٢).\n_________\n(^١) بَلْ بَعْضُ المَخْلُوقِينَ -كَالنِّسَاءِ وَنَحْوِهِنَّ- وَلَيسَ كُلُّ المَخْلُوقِينَ.\n(^٢) وَتَأَمَّلْ كَيفَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالرَّحْمَةِ فِي قَولِهِ: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البَلَد: ١٧] مَعَ نَهْيِهِ عِبَادَهُ عَنِ الوَهَنِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آلِ عِمْرَان: ١٣٩]، وَكَذَا مَعَ وَصْفِهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ بِالشِّدَّةِ عَلَى الكَافِرِينَ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفَتْحِ: ٢٩]. وَعَلَى هَذَا؛ فَلَا تَلَازُمَ بَينَ الرَّحْمَةِ وَبَينَ الوَهَنِ وَالضَّعْفِ! وَتَرَى المَلِكَ ذُا السُّلْطَانِ العَظِيمِ يَكُونُ مِنْ أَقْوَى النَّاسِ؛ وَيَكُونُ أَيضًا مِنْ أَرْحَمِ النَّاسِ، وَهَذَا مُمْكِنٌ؛ فَلَا تَلَازُمَ بَينَ الرَّحْمَةِ وَالضَّعْفِ! وَتَرَى الرَّجُلَ الشَّدِيدَ الغَلِيظَ صَاحِبَ البَطْشِ يَكُونُ رَحِيمًا بِأَولَادِهِ عَطُوفًا عَلَيهِم دُونَ غَيرِهِم، وَتَرَى الأُنْثَى مِنَ السِّبَاعِ وَالوُحُوشِ الكَوَاسِرِ تَكُونُ رَفِيقَةً رَحِيمَةً بِأَولَادِهَا؛ وَمَعَ ذَلِكَ هِيَ قَوِيَّةٌ عَزِيزَةٌ فِي مَمْلَكَتِهَا.\n=","vol":"2","page":107},{"text":"٣ - تَأْوِيلُ الرَّحْمَةِ بِإِرَادَةِ الرِّضَى أَوِ الثَّوَابِ بِحُجَّةِ أَنَّ هَذَا تَنْزِيهٌ للهِ تَعَالَى عَنْ مُشَابَهَةِ المَخْلُوقِ يَرِدُ عَلَيهِ أُمُورٌ:\nأ- أَنَّ الإِرَادَةَ أَيضًا يَرِدُ عَلَيهَا مِثْلَمَا ذَكَرُوا فِي الرَّحْمَةِ! فَيُقَالُ لَهُم: إِنَّ الإِرَادَةَ -وَهِيَ مَيلُ النَّفْسِ إِلَى جَلْبِ مَنْفَعَةٍ أَو دَفْعِ مَضَرَّةٍ- الرَّبُّ ﷿ لَا يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ -مُجَارَاةً لَهُم عَلَى قَاعِدَتِهِم-، فَإِذَا قَالُوا: هَذِهِ إِرَادَةُ المَخْلُوقِ الضَّعِيفِ المُحْتَاجِ! أَمْكَنَ الجَوَابُ بِمِثْلِهِ فِي الرَّحْمَةِ؛ بِأَنَّ الرَّحْمَةَ المُسْتَلْزِمَةَ لِلنَّقْصِ هِيَ رَحْمَةُ المَخْلُوقِ الضَّعِيفِ.\nب- تَأْوِيلُ الرَّحْمَةِ بِمَا سَبَقَ مِنْ إِرَادَةِ الثَّوَابِ أَوِ الرِّضَى مُخَالِفٌ لَمَا جَاءَ عَنِ السَّلَفِ، فَلَو كَانَ حَقًّا لَذَكَرُوهُ وَمَا غَفِلُوا عَنْهُ كَمَا يَدَّعِي المُؤَوِّلُونَ!\nوَالصَّوَابُ الَّذِي لَا رَيبَ فِيهِ: أَنَّ مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا عَلَيهِ أَصْحَابُ النَّبِيُّ ﷺ وَمَنْ تَبِعَهُم بِإِحْسَانٍ؛ فَهُوَ عَلَى الهَدِي المُسْتَقِيمِ.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البَقَرَة: ١٣٧] (^١).\n_________\n=\nوَكَيفَ يَصِحُّ القَولُ بِذَلِكَ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ»! حَسَنٌ. الأَدَبُ المُفْرَدُ (٣٧٤) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الأَدَبِ المُفْرَدِ (٢٨٨).\nفَإِنْ اسْتَقَامَ ذَلِكَ في المَخْلُوقِ؛ أَفَلَا يَكُون البَارِي أُولَى سُبْحَانَهُ بِكَمَالِ الصِّفات؛ وَهُوَ سُبْحَانَهُ الَّذِي لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ؟! وَلَكِنْ لَمَّا كَانَتِ الرَّحْمَةُ فِي حَقِّ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ قَدْ تُقَارِنُ الضَّعْفَ وَالخَوَرَ؛ ظَنَّ مَنْ غَلِطَ في ذَلِكَ أَنَّهَا كَذِلِكَ مُطْلَقًا. وَانْظُرْ شَرْحَ الشَّيخِ الغُنَيمَانِ حَفِظَهُ اللهُ عَلَى كِتَابِ التَّوحِيدِ مِنْ صَحِيحِ البُخَارِيِّ (١/ ٦٢).\n(^١) قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ ﵀ فِي جَوَابِ مَنْ سَأَلَهُ عَنِ القَدَرِ: \"فَارْضَ لِنَفْسِكَ مَا رَضِيَ بِهِ القَومُ لأَنْفُسِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ عَلَى عِلْمٍ وَقَفُوا، وَبِبَصَرٍ نَافِذٍ كَفُّوا، وَلَهُمْ عَلَى كَشْفِ الأُمُورِ كَانُوا أَقْوَى، وَبِفَضْلِ مَا كَانُوا فِيهِ أَولَى. فَإِنْ كَانَ الهُدَى مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ؛ لَقَدْ سَبَقْتُمُوهُمْ إِلَيهِ! وَلَئِنْ قُلْتُمْ إِنَّمَا حَدَثَ بَعْدَهُمْ؛ [فَـ] مَا أَحْدَثَهُ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَ غَيرَ سَبِيلِهِمْ وَرَغِبَ بِنَفْسِهِ عَنْهُمْ! فَإِنَّهُمْ هُمُ السَّابِقُونَ، فَقَدْ تَكَلَّمُوا فِيهِ بِمَا يَكْفِي، وَوَصَفُوا مِنْهُ مَا يَشْفِي\". صَحِيحٌ مَقْطُوعٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٦١٢). صَحِيحُ أَبِي دَاوُدَ (٤٦١٤).","vol":"2","page":108},{"text":"جـ- دَعْوَى أَنَّ العَقْلَ دَلَّ عَلَى صِفَةِ الإِرَادَةِ وَلَمْ يَدُلَّ عَلَى صِفَةِ الرَّحْمَةِ! فِيهِ مُجَازَفَةٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ تَنَوُّعُ المَخْلُوقَاتِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ خَالِقَهَا مُرِيدٌ لِهَذَا التَّنَوُّعِ؛ فَأَوضَحُ مِنْهُ مَا قَامَ فِي الفِطَرِ وَنُفُوسِ النَّاسِ مِنْ حُصُولِ النِّعَمِ وَانْدِفَاعِ النِّقَمِ وَانْتِشَارِ الخَيرِ وَتَفْرِيجِ الغَمِّ وَنُزُولِ الغَيثِ مِمَّا فِيهِ بَيَانُ رَحْمَةِ مَنْ أَجْرَى تِلْكَ الأُمُورَ، وَهُوَ الَّذِي تَرَاهُ يَجْرِي عَلَى لِسَانِ العَامَّةِ مِنْهُم فَضْلًا عَنِ الخَاصَّةِ.\nوَكَمَا سَبَقَ فِي شِعْرِ امْرِئِ القَيسِ: \"تِلْكَ السَّحَابُ إِذَا الرَّحْمَنُ أَنْشَأَهَا … رَوَّى بِهَا مِنْ مَحُولِ الأَرْضِ أَنْفَاسًا\".\nوَ(المَحْلُ): الجُوعُ الشَّدِيدُ (^١).\nد- أَنَّ الرَّحْمَةَ مُغَايِرَةٌ لِلثَّوَابِ أَوِ الرِّضَى أَوِ الفَضْلِ! فَاللهُ تَعَالَى وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيءٍ، وَبِهَا يَرْحَمُ الكَافِرَ في الدُّنْيَا، وَلَكِنَّهُ لَا يُثِيبُهُ وَلَا يَرْضَى عَنْهُ -كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ قَطْعًا-!\nوَفِي الحَدِيثِ: «جَعَلَ اللهُ الرَّحْمَةَ مَائَةَ جُزْءٍ، فَأمسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ، وَأَنْزَلَ فِي الأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِن ذَلِكَ الجُزْءِ تَتَراحَمُ الخَلَائِقُ؛ حَتَّى تَرْفَعَ الدَّابَّةُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ» (^٢).\nوَكَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يُونُس: ٥٨] فَفَرَّقَ اللهُ تَعَالَى بَينَ الرَّحْمَةِ وَالفَضْلِ أَيضًا؛ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى المُغَايَرَةِ.\n_________\n(^١) لِسَانُ العَرَبِ (١١/ ٦١٦).\n(^٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦٠٠٠)، وَمُسْلِمٌ (٢٧٥٢) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.","vol":"2","page":109},{"text":"وَلَا بُدَّ مِنَ التَّنْوِيهِ إِلَى أَنَّ رَحْمَةَ اللهِ تَعَالَى هِيَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ غَيرُ مَخْلُوقَةٍ؛ وَأَنَّ مَا نُشَاهِدُهُ مِنَ الخَيرِ وَانْدِفَاعِ النِّقَمِ وَحُصُولِ النِّعَمِ هِيَ آثَارُ رَحْمَةِ اللهِ، فَنُزُولُ المَطَرِ وَنَبَاتُ الأَرْضِ وَمَا أَشْبَهَ هِيَ أَشْيَاءُ مَخْلُوقَةٌ.\nوَبِمَعْنًى آخَر؛ فَإِنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ اسْمَ مَا تَوَلَّدَ مِنَ الشَيء عَلَى الشَيءِ؛ وَأَيضًا تُطْلِقُ الصِّفَةَ عَلَى المَفْعُولِ، كَقَولِكَ عَنِ المَقْدُورِ هَذِهِ قُدْرَةُ اللهِ (^١)، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ * فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ [الرُّوم: ٤٨ - ٥٠].\nوَالخُلَاصَةُ هُنَا: أَنَّ الرَّحْمَةَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ ﷾ يَرْحَمُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ، فَهِيَ صِفَةُ ذَاتٍ وَصِفَةُ فِعْلٍ؛ لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ فِيهَا، وَإِنَّ كُلَّ مَا نُشَاهِدُهُ مِنَ النِّعَمِ وَالإِحْسَانِ إِنَّمَا هُوَ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ رَحْمَتِهِ سُبْحَانَهُ.\n_________\n(^١) وَكَقَولِكَ عَنْ إِهْلَاكِ اللهِ تَعَالَى لِلأُمَمِ الكَافِرَةِ: هَذَا عَذَابُ اللهِ، وَهَذِهِ حِكْمَةُ اللهِ، وَهَذِهِ قُدْرَتُهُ، وَهَذَا جَزَاؤُهُ، وَكَقَولِكَ عَنِ المَولُودِ الذَّكَرِ أَوِ الأُنْثَى: هَذِهِ إِرَادَةُ اللهِ، وَعَنِ المَطَرِ: هَذِهِ رَحْمَةُ اللهِ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [لُقْمَان: ١١] وَذَلِكَ بَعْدَ قَولِهِ: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [لقُمْان: ١٠]، فَالمَخْلُوقُ المَفْعُولُ عُبِّرَ عَنْهُ بِالصِّفَةِ وَهِيَ الخَلْقُ.","vol":"2","page":110},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-314> المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَا هِيَ شُرُوطُ التَّوبَةِ </span>(^١)؟\nالجَوَابُ: خَمْسَةُ شُرُوطٍ، وَهِيَ:\n١ - الإِخْلَاصُ فِيهَا: فَلَا يَحْمِلْهُ عَلَى التَّوبَةِ خَوفُهُ مِنْ أَحَدٍ، أَو تَابَ لِأَجْلِ أَنْ يُقَالَ: فُلَانٌ مُسْتَقِيمٌ! فَـ «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^٢).\n٢ - النَّدَمُ عَلَى مَا فَعَلَ، وَفِي الحَدِيثِ: «النَّدَمُ تَوبَةٌ» (^٣).\n٣ - الإِقْلَاعُ عَنِ الذَّنْبِ، لَكِنْ إِنْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ وَجَبَ أَدَاؤُهُ:\nأ- فَإِنْ كَانَ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى مِنْ جِهَةِ الأَوَامِرِ وَيُمْكِنُهُ إِدْرَاكُهُ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهِ.\nب- وَإِنْ كَانَ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى مِنْ جِهَةِ الكَفَّارَاتِ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ قَضَائِهَا.\nج- وَإِنْ كَانَ فِي حَقِّ العِبَادِ فَيَجِبُ أَدَاؤُهُ.\n٤ - العَزْمُ عَلَى عَدَمِ العَودَةِ فِي المُسْتَقْبَلِ.\nوَلَيسَ الشَّرْطُ عَدَمَ العَودَةِ! فَإِنْ عَادَ إِلَى الذَّنْبِ؛ فَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ تَوبَتَهُ الأُولَى (^٤).\n_________\n(^١) اُنْظُرْ شَرْحَ الأَرْبَعِين النَّوَوِيَّةِ (ص ٤٠١) لِلشَّيخِ ابْنِ عُثَيمِين ﵀.\n(^٢) البُخَارِيُّ (١)، وَمُسْلِمٌ (١٩٠٧).\n(^٣) صَحِيحٌ. ابْنُ مَاجَه (٤٢٥٢) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٦٨٠٢).\n(^٤) كَمَا في الصَّحِيحَين من حَدِيثِ أَبي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا: «أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي. فَقَالَ ﵎: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا؛ فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ. ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أَي: رَبِّ؛ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي. فَقَالَ ﵎: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا؛ فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ. ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أَي رَبِّ؛ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي. فَقَالَ ﵎: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا؛ فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ». البُخَارِيُّ (٧٥٠٧)، وَمُسْلِمٌ (٢٧٥٨).\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: \"وَالمَعْنَى مَا دَامَ عَلَى هَذَا الحَالِ: كُلَّمَا أَذْنَبَ اسْتَغْفَرَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ الاسْتِغْفَارُ المَقْرُونُ بِعَدَمِ الإِصْرَارِ\". جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ٤٠٩).","vol":"2","page":111},{"text":"٥ - أَنْ تَكُونَ التَّوبَةُ فِي وَقْتِ القَبُولِ، وَالوَقْتُ وَقْتَانِ:\nأ- عَامٌّ: وَهُوَ قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ.\nكَمَا فِي الحَدِيثِ: «لَا تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» (^١).\nوَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [السجدة: ٢٨ - ٢٩].\nب- خَاصٌّ لِكُلِّ فَرْدٍ: وَهُوَ قَبْلَ نَزْعِ الرُّوحِ، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النِّسَاء: ١٨] (^٢).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٢٤٧٩) عَنْ مُعَاوِيَة مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٧٤٦٩).\n(^٢) قَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (ص ١٧١): \"وَذَلِكَ أَنَّ التَّوبَةَ فِي هَذِهِ الحَالِ تَوبَةُ اِضْطِرَارٍ لَا تَنْفَعُ صَاحِبَهَا، إِنَّمَا تَنْفَعُ تَوبَةُ الاخْتِيَارِ\".","vol":"2","page":112},{"text":"<span data-type='title' id=toc-315>المُلْحَقُ السَّابِعُ عَلَى كِتَابِ التَّوحِيدِ: مُخْتَصَرُ القَوَاعِدِ المُثْلَى</span>\nالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.\nأَمَّا بَعْدُ؛ فَهَذَا مُخْتَصَرٌ مُفِيدٌ لِكِتَابِ (القَوَاعِدُ المُثْلَى فِي صِفَاتِ اللهِ وَأَسْمَائِهِ الحُسْنَى) لِلشَّيخِ ابْنِ عُثَيمِين ﵀؛ قَدْ أَحْبَبْتُ إِثْرَاءِ كِتَابِي هَذَا بِهِ تَتْمِيمًا لِمَادَّةِ الكِتَابِ مِنْ جِهَةِ تَوحِيدِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-316>قَوَاعِدُ فِي أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى:</span>\n١ - أَسْمَاءُ اللهِ تَعَالَى كُلُّهَا حُسْنَى:\nأَي: بَالِغَةٌ فِي الحُسْنِ غَايَتَهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأَعْرَاف: ١٨٠].\nمِثَالُ ذَلِكَ: (الحَيُّ) اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، مُتَضَمِّنٌ لِلحَيَاةِ الكَامِلَةِ الَّتِي لَمْ تُسْبَقْ بِعَدَمٍ، وَلَا يَلْحَقُهَا زَوَالٌ، الحَيَاةُ المُسْتَلْزِمَةُ لِكَمَالِ الصِّفَاتِ مِنَ العِلْمِ وَالقُدْرَةِ وَالسَّمْعِ وَالبَصَرِ وَغَيرِهَا.\nوَالحُسْنُ فِي أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى يَكُونُ بِاعْتِبَارِ كُلِّ اسْمٍ عَلَى انْفِرَادِهِ، وَيَكُونُ بِاعْتِبَارِ جَمْعِهِ إِلَى غَيرِهِ، فَيَحْصُلُ بِجَمْعِ الاسْمِ إِلَى الآخَرِ كَمَالٌ فَوقَ كَمَالٍ.\n_________\n(^١) وَفِيهِ تَصَرُّفٌ وَزِيَادَةٌ يَسِيرَةٌ، أَمَّا الحَاشِيَةُ فَهِيَ مِنْ خَارِجِ الكِتَابِ الأَصْلِ، أَضَفْتُهَا تَتْمِيمًا لِلفَائِدَةِ.","vol":"2","page":113},{"text":"مِثَالُ ذَلِكَ: (العَزِيزُ الحَكِيمُ)، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَجْمَعُ بَينَهُمَا فِي القُرْآنِ كَثِيرًا، فَيَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا دَالًّا عَلَى الكَمَالِ الخَاصِّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ وَهُوَ العِزَّةُ فِي العَزِيزِ، وَالحِكْمَةُ فِي الحَكِيمِ، وَالجَمْعُ بَينَهُمَا دَالٌّ عَلَى كَمَالٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ عِزَّتَهُ تَعَالَى مَقْرُونَةٌ بِالحِكْمَةِ، فَعِزَّتُهُ لَا تَقْتَضِي ظُلْمًا وَجَورًا كَسُوءِ فِعْلٍ! كَمَا قَدْ يَكُونُ مِنْ أَعِزَّاءِ المَخْلُوقِينَ، فَإِنَّ العَزِيزَ مِنْهُم قَدْ تَأْخُذُهُ العِزَّةُ بِالإِثْمِ فَيَظْلُمُ وَيَجُورُ وَيُسِيءُ التَّصَرُّفَ، وَكَذَلِكَ حُكْمُهُ تَعَالَى وَحِكْمَتُهُ مَقْرُونَانِ بِالعِزِّ الكَامِلِ بِخِلَافِ حِكْمَةِ المَخْلُوقِ فَإِنَّهَا قَدْ يَعْتَرِيهَا الذُلُّ.\n٢ - أَسْمَاءُ اللهِ تَعَالَى أَعْلَامٌ وَأَوصَافٌ:\nفَهِيَ أَعْلَامٌ بِاعْتِبَار دِلَالَتِهَا عَلَى الذَّاتِ، وَأَوصَافٌ بِاعْتِبَارِ مَا دَلَّتْ عَلَيهِ مِنَ المَعَانِي، وَهِيَ بِالاعْتِبَارِ الأَوَّلِ مُتَرَادِفَةٌ لِدِلَالَتِهَا عَلَى مُسَمًّى وَاحِدٍ وَهُوَ اللهُ ﷿، وَبِالاعْتِبَارِ الثَّانِي مُتَبَايِنَةٌ لِدِلَالَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مَعْنَاهُ الخَاصِّ، فَـ (الحَيُّ، العَلِيمُ، القَدِيرُ، السَّمِيعُ، البَصِيرُ، الرَّحْمَنُ، الرَّحِيمُ، العَزِيزُ، الحَكِيمُ) كُلُّهَا أَسْمَاءٌ لِمُسَمًّى وَاحِدٍ وَهُوَ اللهُ ﷾، لَكِنَّ مَعْنَى الحَيِّ غَيرُ مَعْنَى العَلِيمِ، وَمَعْنَى العِلِيمِ غَيرُ مَعْنَى القَدِيرِ، وَهَكَذَا.\n٣ - أَسْمَاءُ اللهِ تَعَالَى إِنْ دَلَّتْ عَلَى وَصْفٍ مُتَعَدٍّ؛ لَزِمَ إِثْبَاتُهُ، أَي: ثُبُوتُ حُكْمِهِ وَمُقْتَضَاهُ.\nمِثَالُ ذَلِكَ: (السَّمِيعُ) يَتَضَمَّنُ إِثْبَاتَ السَّمِيعِ اسْمًا للهِ تَعَالَى، وَإِثْبَاتَ السَّمْعِ صِفَةً لَهُ، وَإِثْبَاتَ حُكْمِ ذَلِكَ وَمُقْتَضَاهُ وَهُوَ أَنَّهُ يَسْمَعُ أَيضًا السِّرَّ وَالنَّجْوَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المُجَادِلَة: ١].","vol":"2","page":114},{"text":"٤ - دِلَالَةُ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى عَلَى ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ تَكُونُ بِالمُطَابَقَةِ وَبِالتَّضَمُّنِ وَبالالْتِزَامِ:\nمِثَالُ ذَلِكَ: (الخَالِقُ) يَدُلُّ عَلَى ذَاتِ اللهِ وَعَلَى صِفَةِ الخَلْقِ بِالمُطَابَقَةِ، وَيَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ وَحْدَهَا بِالتَّضَمُّنِ، وَعَلَى صِفَةِ الخَلْقِ وَحْدَهَا أَيضًا بِالتَّضَمُّنِ، وَيَدُلُّ عَلَى صِفَتَي العِلْمِ وَالقُدْرَةِ بِالالْتِزَامِ، وَلِهَذَا لَمَّا ذَكَرَ اللهُ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قَالَ: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلْمًا﴾ [الطَّلَاق: ١٢].\n٥ - أَسْمَاءُ اللهِ تَعَالَى تَوقِيفِيَّةٌ لَا مَجَالَ لِلعَقْلِ فِيهَا:\nوَعَلَى هَذَا فَيَجِبُ الوُقُوفُ فِيهَا عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، فَلَا يُزَادُ فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ؛ لِأَنَّ العَقْلَ لَا يُمْكِنُهُ إِدْرَاكُ مَا يَسْتَحِقُّهُ تَعَالَى مِنَ الأَسْمَاءِ (^١)، فَوَجَبَ الوُقُوفُ فِي ذَلِكَ عَلَى النَّصِ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإِسْرَاء: ٣٦]، وَقَولِهِ: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ٣٣].\n٦ - أَسْمَاءُ اللهِ تَعَالَى غَيرُ مَحْصُورَةٍ بِعَدَدٍ مُعَيَّنٍ.\n_________\n(^١) أَمَّا عَلَى سَبِيلِ الإِجْمَالِ؛ فَنَعَم، بِخِلَافِ التَّفْصِيلِ وَالاسْتِحْقَاقِ.\nوَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى لِقَومِ مُوسَى الَّذِينَ عَبَدُوا العِجْلَ: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [طَه: ٨٩].\nوَأَيضًا قَولُ إِبْرَاهِيمَ ﵊ لِأَبِيهِ ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيئًا﴾ [مَرْيَم: ٤٢].","vol":"2","page":115},{"text":"وَهَذَا لِقَولِهِ ﷺ فِي الحَدِيثِ: «أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ؛ سَمَّيتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَو أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوِ استَأثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الغَيبِ عِنْدَكَ: أَنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي» (^١)، وَمَا اسْتَأْثَرَ اللهُ تَعَالَى بِهِ فِي عِلْمِ الغَيبِ لَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ حَصْرُهُ وَلَا الإِحَاطَةُ بِهِ (^٢).\nوَلَمْ يَصِحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ تَعْيِينُ هَذِهِ الأَسْمَاءِ، وَالحَدِيثُ المَرْوِيُّ عَنْهُ فِي تَعْيِينِهَا ضَعِيفٌ (^٣).\n٧ - الإِلْحَادُ فِي أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى هُوَ المَيلُ بِهَا عَمَّا يَجِبُ فِيهَا. وَهُوَ أَنْوَاعٌ:\nالأوَّلُ: أَنْ يُنْكِرَ شَيئًا مِنْهَا أَو مِمَّا دَلَّتْ عَلَيهِ مِنَ الصِّفَاتِ وَالأَحْكَامِ، كَمَا فَعَلَ أَهْلُ التَّعْطِيلُ مِنَ الجَهْمِيَّةِ وَغَيرِهِم.\nوَإنَّمَا كَانَ ذَلِكَ إِلْحَادًا لِوُجُوبِ الإِيمَانِ بِهَا وَبِمَا دَلَّتْ عَلَيهِ مِنَ الأَحْكَامِ\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٣٧١٢) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (١٩٩).\n(^٢) وَأَمَّا حَدِيثُ: «إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا ....»، فَقَدْ قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (٥/ ١٧): \"وَاتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ لَيسَ فِيهِ حَصْرٌ لِأَسْمَائِهِ ﷾، فَلَيسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيسَ لهُ أَسْمَاءٌ غَيرَ هَذِهِ التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ! وَإِنَّمَا مَقْصُودُ الحَدِيثِ أَنَّ هَذِهِ التِّسْعَةَ وَالتِّسْعِينَ: مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ. فَالمُرَادُ الإِخْبَارُ عَنْ دُخُولِ الجَنَّةِ بِإِحْصَائِهَا لَا الإِخْبَارُ بِحَصْرِ الأَسْمَاءِ، ولِهَذَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ الآخَرِ: «أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَو أنْزَلتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوِ اسْتَأثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الغَيبِ عِنْدَكَ» \".\nقُلْتُ: وَكَذَا القَولُ فِي حَدِيثِ البُخَارِيِّ (٢٧٩٠) «إِنَّ فِي الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ؛ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».\nيُنْظَرُ كِتَابُ (حَادِي الأَرْوَاحِ) لِابْنِ القَيِّمِ (ص ٦٦).\n(^٣) قَالَ الحَافِظُ فِي بُلُوغِ المَرَامِ (ص ٤١٩): \"وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ سَرْدَهَا إِدْرَاجٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ\".","vol":"2","page":116},{"text":"وَالصِّفاتِ اللَّائِقَةِ بِاللهِ، فَإِنْكَارُ شَيءٍ مِنْ ذَلِكَ مَيلٌ بِهَا عَمَّا يَجِبُ فِيهَا (^١).\nالثَّانِي: أَنْ يَجْعَلَهَا دَالَّةً عَلَى صِفَاتٍ تُمَاثِلُ صِفَاتِ المَخْلُوقِينَ -كَمَا فَعَلَ أَهْلُ التَّمْثِيلِ-، وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّمْثِيلَ مَعْنَى بَاطِلٌ لَا يُمْكِنُ أَنْ تدُّلَ عَلَيهِ النُّصُوصُ، بَلْ هِيَ دَالَّةٌ عَلَى بُطْلَانِهِ، فَجَعْلُهَا دَالَّةً عَلَيهِ مَيلٌ بِهَا عَمَّا يَجِبُ فِيهَا (^٢).\nالثَّالِثُ: أَنْ يُسَمِّيَ اللهَ تَعَالَى بِمَا لَمْ يُسَمِّ بِهِ نَفْسَهُ، كَتَسْمِيَةِ النَّصَارَى لَهُ: (الأَبَ)! وَتَسْمِيَةِ الفَلَاسِفَةِ إِيَّاهُ: (العِلَّةَ الفَاعِلَةَ)! وَذَلِكَ لِأَنَّ أَسْمَاءَ اللهِ تَعَالَى تَوقِيفِيَّةٌ، فَتَسْمِيَةُ اللهِ تَعَالَى بِمَا لَمْ يُسَمِّ بِهِ نَفْسَهُ مَيلٌ بِهَا عَمَّا يَجِبُ فِيهَا، كَمَا أَنَّ هَذِهِ الأَسَمْاءَ نَفْسَهَا الَّتِي سَمَّوهُ بِهَا بَاطِلةٌ يُنَزَّهُ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا (^٣).\nالرَّابِعُ: أَنْ يَشْتَقَّ مِنْ أَسْمَائِهِ أَسْمَاءً لِلأَصْنَامِ، كَمَا فَعَلَ المُشْرِكُونَ فِي اشْتِقَاقِ العُزَّى مِنَ العَزِيزِ، وَاشْتِقَاقِ اللَّاتِ مِنَ الإِلَهِ -عَلَى أَحَدِ القَولَينِ- فَسَمَّوا بِهَا أَصْنَامَهُم؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ أَسْمَاءَ اللهِ تَعَالَى مُخْتَصَّةٌ بِهِ، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٨٠] (^٤).\n_________\n(^١) وَيَدُلُّ عَلَيهِ قَولُهُ تَعَالَى عَنِ المُشْرِكِينَ: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيهِمُ الَّذِي أَوْحَينَا إِلَيكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيهِ مَتَابِ﴾ [الرَّعْد: ٣٠].\n(^٢) وَأَشْهَرُ مَنْ نُسِبَ إِلَى التَّمْثِيلِ مِنَ الطَّوَائِفِ هُمْ قُدَمَاءُ الرَّافِضَةِ، حَيثُ جَعَلُوا اللهَ حَالًّا فِي عَلِيٍّ ﵁. اُنْظُرْ مِنْهَاجَ السُّنَّةِ (٢/ ٢٤٢) لِشَيخِ الإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.\n(^٣) قُلْتُ: وَمِثْلُهُ قَولُ المُتَصَوِّفَةِ عَنِ اللهِ تَعَالَى: (هُوَ)، (أَه)!\n(^٤) قُلْتُ: وَإِنَّ تَقْدِيمَ مَا حَقُّهُ التَّأخِيرُ يُفِيدُ الحَصْرَ، فَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ فِيهِ حَصْرُ الأَسْمَاءِ الحُسْنَى فِيهِ سُبْحَانَهُ.","vol":"2","page":117},{"text":"<span data-type='title' id=toc-317>قَوَاعِدُ فِي صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى:</span>\n١ - صِفَاتُ اللهِ تَعَالَى كُلُّهَا صِفَاتُ كَمَالٍ؛ لَا نَقْصَ فِيهَا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ: كَالحَيَاةِ وَالعِلْمِ وَالقُدْرَةِ وَالسَّمْعِ وَالبَصَرِ وَالرَّحْمَةِ وَالعِزَّةِ وَالحِكْمَةِ وَالعُلُوِّ وَالعَظَمَةِ وَغَيرِ ذَلِكَ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا السَّمْعُ (^١) وَالعَقْلُ وَالفِطْرَةُ.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النَّحْل: ٦٠)، وَالمَثَلُ الأَعْلَى هُوَ الوَصْفُ الأَعْلَى.\nوَإِذَا كَانَتِ الصِّفَةُ كَمَالًا فِي حَالٍ، وَنَقْصًا فِي حَالٍ؛ لَمْ تَكُنْ جَائِزَةً فِي حَقِّ اللهِ وَلَا مُمْتَنِعَةً عَلَى سَبِيلِ الإِطْلَاقِ، فَلَا تُثْبَتُ لَهُ إِثْبَاتًا مُطْلَقًا، وَلَا تُنْفَى عَنْهُ نَفْيًا مُطْلَقًا بَلْ لَا بُدَّ مِنَ التَّفْصِيلِ، فَتَجُوزُ فِي الحَالِ الَّتِي تَكُونُ كَمَالًا، وَتَمْتَنِعُ فِي الحَالِ الَّتِي تَكُونُ نَقْصًا، وَذَلِكَ كَالمَكْرِ وَالكَيدِ وَالخِدَاعِ وَنَحْوِهَا.\nفَهَذِهِ الصِّفَاتُ تَكُونُ كَمَالًا إِذَا كَانَتْ فِي مُقَابَلَةِ مَنْ يُعَامِلُونَ الفَاعِلَ بِمِثْلِهَا، لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ فَاعِلَهَا قَادِرٌ عَلَى مُقَابَلَةِ عَدُوِّهِ بِمِثْلِ فِعْلِهِ أَو أَشَدَّ، وَتَكُونُ نَقْصًا فِي غَيرِ هَذِهِ الحَالِ، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهَا اللهُ تَعَالَى مِنْ صِفَاتِهِ عَلَى سَبِيلِ الإِطْلَاقِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا فِي مُقَابَلَةِ مَنْ يُعَامِلُونَهُ وَرُسَلَهُ بِمِثْلِهَا، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأَنْفَال: ٣٠]، وَقَولِهِ: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيدًا * وَأَكِيدُ كَيدًا﴾ [الطّارق: ١٥ - ١٦]، وَقَولِهِ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النِّسَاء: ١٤٢]، وَقَولِهِ: ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البَقَرَة: ١٤ - ١٥] (^٢).\n_________\n(^١) أَي الدَّلِيلُ الخَبَريُّ مِنَ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ.\n(^٢) وَأَمَّا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ\n=","vol":"2","page":118},{"text":"٢ - بَابُ الصِّفَاتِ أَوسَعُ مِنْ بَابِ الأَسْمَاءِ:\nوَذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ اسْمٍ مُتَضَمِّنٌ لِصِفَةٍ -كَمَا سَبَقَ فِي القَاعِدَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ قَوَاعِدِ الأَسْمَاءِ-، وَلِأَنَّ مِنَ الصِّفَاتِ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَفْعَالِ اللهِ تَعَالَى، وَأَفْعَالُهُ لَا مُنْتَهَى لَهَا.\nوَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: أَنَّ مِنْ صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى المَجِيءَ وَالإِتْيَانَ وَالأَخْذَ وَالإِمْسَاكَ وَالبَطْشَ إِلَى غَيرِ ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي لَا تُحْصَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفَجْر: ٢٢]، وَقَالَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البَقَرَة: ٢١٠]، فَنَصِفُ اللهَ تَعَالَى بِهَذِهِ الصِّفَاتِ عَلَى الوَجْهِ الوَارِدِ -وَلَا نُسَمِّيهِ بِهَا-، فَلَا نَقُولُ: إِنَّ مِنْ أَسْمَائِهِ: الجَائِي، وَالآتِي، وَالآخِذِ، وَالمُمْسِكِ، وَالبَاطِشِ، وَالمُرِيدِ، وَالنَّازِلِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ وَإِنْ كُنَّا نُخْبِرُ بِذَلِكَ عَنْهُ وَنَصِفُهُ بِهَا (^١).\n٣ - صِفَاتُ اللهِ تَعَالَى تَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَينِ: ثُبُوتِيَّةٍ، وَسَلْبِيَّةٍ [مَنْفِيَّةٍ].\nفَالثُبُوتِيَّةُ: مَا أَثْبَتَهُ اللهُ تَعَالَى لِنَفْسِهِ فِي كِتَابِهِ، أَو عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ، وَكُلُّهَا صِفَاتُ كَمَالٍ لَا نَقْصَ فِيهَا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، كَالحَيَاةِ وَالعِلْمِ وَالقُدْرَةِ وَالاسْتِوَاءِ عَلَى العَرْشِ وَالنُّزُولِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَالوَجْهِ وَاليَدِينِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.\nوَالصِّفَاتُ السَّلْبِيَّةُ: مَا نَفَاهَا اللهُ سُبْحَانَهُ عَنْ نَفْسِهِ فِي كِتَابِهِ، أَو عَلَى لِسَانِ\n_________\n=\nحَكِيمٌ﴾ [الأَنْفَال: ٧١] فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ خَانَ مَنْ خَانَهُ! فَقَالَ: ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ وَلَمْ يَقُلْ: (فَخَانَهُم)! لِأَنَّ الخِيَانَةَ خُدْعَةٌ فِي مَقَامِ الائْتِمَانِ، وَهِيَ صِفَةُ ذمٍّ مُطْلَقًا، وَتَجِدُ بُرْهَانَ ذَلِكَ فِي الحَدِيثِ: «أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خانَكَ». صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٣٥٣٥) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٤٢٣). فَلَمْ يَجُزْ لِلمُؤْمِنِ أَنْ يُقَابِلَ مَنْ خَانَهُ أَوَّلًا بِخِيَانَةٍ مُمَاثِلَةٍ رُغْمَ أَنَّهَا مِنْ بَابِ المُقَابَلَةِ وَلَيسَ الابْتِدَاءِ، وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ صِفَةَ الخِيَانَةِ مَذْمُومَةٌ مُطْلَقًا.\n(^١) وَكَذَلِكَ بَابُ الإِخْبَارِ أَوسَعُ مِنْ بَابِ الصِّفَاتِ؛ فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَفْعَالِهِ تَعَالَى وَهِيَ لَا مُنْتَهَى لَهَا.","vol":"2","page":119},{"text":"رَسُولِهِ ﷺ، وَكُلُّهَا صِفَاتُ نَقْصٍ فِي حقِّهِ كَالمَوتِ، وَالنَّومِ، وَالجَهْلِ، وَالنِّسْيَانِ، وَالعَجْزِ، وَالتَّعَبِ.\nفَيَجِبُ نَفْيُهَا عَنِ اللهِ تَعَالَى مَعَ إِثْبَاتِ ضِدِّهَا عَلَى الوَجْهِ الأَكْمَلِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا نَفَاهُ اللهُ تَعَالَى عَنْ نَفْسِهِ فَالمُرَادُ بِهِ بَيَانُ انْتِفَائِهِ لِثُبُوتِ كَمَالِ ضِدِّهِ؛ لَا لِمُجَرَّدِ نَفْيهِ! لِأَنَّ النَّفْيَ لَيسَ بِكَمَالٍ؛ إِلَّا أَنْ يَتَضَمَّنَ مَا يَدُلُّ عَلَى الكَمَالِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّفْيَ عَدَمٌ؛ وَالعَدَمُ لَيسَ بشَيءٍ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ كَمَالًا.\nمِثَالُ ذَلِكَ: قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفُرْقَان: ٥٨]، فَنَفْيُ المَوتِ عَنْهُ يَتَضَمَّنُ كَمَالَ حَيَاتِهِ.\nمِثَالٌ ثَانٍ: قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكَهْف: ٤٩]، فَنَفْيُ الظُلْمِ عَنْهُ يَتَضَمَّنُ كَمَالَ عَدْلِهِ.\nمِثَالٌ ثَالِثٌ: قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [فَاطِر: ٤٤]، فَنَفْيُ العَجْزِ عَنْهُ يَتَضَمَّنُ كَمَالَ عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾، لِأَنَّ العَجْزَ سَببُهُ إِمَّا الجَهْلُ بِأَسْبَابِ الإِيجَادِ، وَإِمَّا قُصُورُ القُدْرَةِ عَنْهُنَّ، فَلِكَمَالِ عِلْمِ اللهِ تَعَالَى وَقُدْرَتِهِ لَمْ يَكُنْ لِيُعْجِزَهُ شَيءٌ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ (^١).\n٤ - الصِّفَاتُ الثُّبُوتِيَّةُ صِفَاتُ مَدْحٍ وَكَمَالٍ، فَكُلَّمَا كَثُرَتْ وَتَنَوَّعَتْ دِلَالَتُهَا ظَهَرَ مِنْ كَمَالِ المَوصُوفِ بِهَا مَا هُوَ أَكْثَرُ.\n_________\n(^١) فَائِدَةٌ: الصِّفَاتُ السَّلْبِيَّةُ عِنْدَ الأَشَاعِرَةِ هِيَ الَّتِي تَسْلِبُ عَنِ اللهِ تَعَالَى مَا لَا يَلِيقُ بِهِ، وَهِيَ خَمْسُ صِفَاتٍ -عَلَى اصْطِلَاحِهِم- وَهِيَ: (البَقَاءُ، القِدَمُ، مُخَالَفَتُهُ لِلحَوَادِثِ، قِيَامُهُ بِنَفْسِهِ، الوَحْدَانِيَّةُ).","vol":"2","page":120},{"text":"وَلِهَذَا كَانَتِ الصِّفَاتُ الثُّبُوتِيَّةُ الَّتِي أَخْبَرَ اللهُ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ أَكْثَرَ بِكَثِيرٍ مِنَ الصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ.\nأَمَّا الصِّفَاتُ السَّلْبِيَّةُ فَلَمْ تُذْكَرْ غَالِبًا إِلَّا فِي الأَحْوَالِ التَّالِيَةِ:\nالأُولَى: بَيَانُ عُمُومِ كَمَالِهِ تَعَالَى، كَمَا فِي قَولِهِ: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ [الشُّورَى: ١١]، وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإِخْلَاص: ٤].\nالثَّانِيَةُ: نَفْيُ مَا ادَّعَاهُ فِي حَقِّهِ الكَاذِبُونَ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مَرْيَم: ٩١ - ٩٢].\nالثَّالِثَةُ: دَفْعُ تَوَهُّمِ نَقْصٍ مِنْ كَمَالِ اللهِ تَعَالَى فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَمْرٍ مُعَيَّنٍ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الدُّخَان: ٣٨]، وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] (^١).\n٥ - الصِّفَاتُ الثُّبُوتِيَّةُ تَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَينِ، ذَاتِيَّةٍ وَفِعْلِيَّةٍ:\nفَالذَّاتِيَّةُ: هِيَ الَّتِي لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ مُتَّصِفًا بِهَا، كَالعِلْمِ وَالقُدْرَةِ وَالسَّمْعِ وَالبَصَرِ وَالعِزَّةِ وَالحِكْمَةِ وَالعُلُوِّ وَالعَظَمَةِ (^٢).\n_________\n(^١) قُلْتُ: وَالدَّلِيلُ هَذَا صَالِحٌ لِلحَالَينِ الأَخِيرَينِ، كَمَا فِي تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ (٧/ ٤٠٩) ﵀: \"وَقَالَ قَتَادَةُ: قَالَتِ اليَهُودُ -عَلَيهِم لَعَائِنُ اللهِ-: خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَرَاحَ فِي اليَومِ السَّابِعِ -وَهُوَ يَومُ السَّبْتِ-! وَهُم يُسَمُّونَهُ يَومَ الرَّاحَةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى تَكْذِيبَهُم فِيمَا قَالُوهُ\".\n(^٢) قُلْتُ: وَهُوَ تَعَالَى مُتّصِفٌ بِهَا دَومًا؛ فَهِيَ غَيرُ مُرْتَبِطَةٍ بِالمَشِيئَةِ كَالصِّفَاتِ الفِعْلِيَّةِ.\nوَهَذِهِ الصِّفَاتُ الذَّاتِيَّةُ تُقْسَمُ أَيضًا إِلَى صِفَاتٍ مَعْنَوِيَّةٍ: كَالعِلْمِ وَالرَّحْمَةِ وَالحِكْمَةِ وَالسَّمْعِ وَالبَصَرِ، وَإِلَى صِفَاٍت خَبَرِيَّةٍ: كَالوَجْهِ وَاليَدَينِ وَالعَينَينِ، وَهَذِهِ الخَبَرِيَّةُ مُسَمَّاهَا بِالنِّسْبَةِ لَنَا أَجْزَاءٌ وَأَبْعَاضٌ.\n\"وَلَا نَقُولُ: أَجْزَاءٌ وَأَبْعَاضٌ! بَلْ نَتَحَاشَا هَذَا اللَّفْظَ، لَكِنَّ مُسَمَّاهَا لَنَا أَجْزَاءٌ وَأَبْعَاضٌ، لِأَنَّ الجُزْءَ وَالبَعْضَ مَا جَازَ انْفِصَالُهُ عَنِ الكُلِّ، فَالرَّبُّ ﷿ لَا يُتَصَوَّرُ أَنَّ شَيئًا مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ الَّتِي وَصَفَ بِهَا نَفْسَهُ -كَاليَدِ- أَنْ تَزُولَ أَبَدًا، لِأَنَّهُ مَوصُوفٌ بِهَا أَزَلًا وَأَبَدًا، وَلِهَذَا لَا نَقُولُ: إِنَّهُ أَبْعَاضٌ وَأَجْزَاءٌ\". شَرْحُ الوَاسِطِيةِ لِلْعُثَيمِين (١/ ١١٨).","vol":"2","page":121},{"text":"وَالفِعْلِيَّةُ: هِيَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ تَعَالَى؛ إِنْ شَاءَ فَعَلَهَا وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْهَا، كَالاسْتِوَاءِ عَلَى العَرْشِ، وَالنُّزُولِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا.\nوَقَدْ تَكُونُ الصِّفَةُ ذَاتِيَّةً فِعْلِيَّةً (^١) بِاعْتِبَارَينِ، كَالكَلَامِ؛ فَإِنَّهُ بِاعْتِبَارِ أَصْلِهِ صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَزْلْ وَلَا يَزَالُ مُتَكَلِّمًا، وَبِاعْتِبَارِ آحَادِ الكَلَامِ صِفَةٌ فِعْلِيَّةٌ، لِأَنَّ الكَلَامَ يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ تَعَالَى يَتَكَلَّمُ مَتَى شَاءَ بِمَا شَاءَ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يَس: ٨٢]، وَكُلُّ صِفَةٍ تَعَلَّقَتْ بِمَشِيئَتِهِ تَعَالَى فَإِنَّهَا تَابِعَةٌ لِحِكْمَتِهِ، وَقَدْ تَكُونُ الحِكْمَةُ مَعْلُومَةً لَنَا وَقَدْ نَعْجَزُ عَنْ إِدْرَاكِهَا، لَكِنَّنَا نَعْلَمُ عِلْمَ اليَقِينِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَشَاءُ شَيئًا إِلَّا وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلحِكْمَةِ، كَمَا يُشِيرُ إِلَيهِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإِنْسَان: ٣٠].\n٦ - يَلْزَمُ فِي إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ التَّخَلِّي عَنْ مَحْذُورَينِ عَظِيمَينِ هُمَا: التَّمْثِيلُ، وَالتَّكْيِيفُ.\nفَالتَّمْثِيلُ: هُوَ اعْتِقَادُ المُثْبِتِ أَنَّ مَا أَثْبَتَهُ مِنْ صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى مُمَاثِلٌ لِصِفَاتِ المَخْلُوقِينَ! وَهَذَا اعْتِقَادٌ بَاطِلٌ بِدَلِيلِ السَّمْعِ وَالعَقْلِ.\nأَمَّا السَّمْعُ: فَمِنْهُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ [الشُّورَى: ١١]، وَقَولُهُ: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مَرْيَم: ٥٦]، وَقَولُهُ: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإِخْلَاص: ٤].\nوَأَمَّا العَقْلُ فَمِنْ وُجُوهٍ؛ مِنْهَا: أَنَّهُ قَدْ عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ بَينَ الخَالِقِ وَالمَخْلُوقِ\n_________\n(^١) وَتُسَمَّى أَيضًا الصِّفَاتِ الطَارِئَةَ.","vol":"2","page":122},{"text":"تَبَايُنًا فِي الذّاتِ، وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ بَينَهُمَا تَبَايُنٌ فِي الصِّفَاتِ، وَأَيضًا أَنَّنَا نُشَاهِدُ فِي المَخْلُوقَاتِ مَا يَتَّفِقُ فِي الأَسْمَاءِ وَيَخْتَلِفُ فِي الحَقِيقَةِ وَالكَيفِيَّةِ، فَنُشَاهِدُ أَنَّ لِلإِنْسَانِ يَدًا لَيسَتْ كَيَدِ الفِيلِ، وَلَهُ قُوَّةً لَيسَتْ كَقُوَّةِ الجَمَلِ، مَعَ الاتِّفَاقِ فِي الاسْمِ، فَهَذِهِ يَدٌ وَهَذِهِ يَدٌ، وَهَذِهِ قُوَّةٌ وَهَذِهِ قُوَّةٌ، وَبَينَهُمَا تَبَايُنٌ فِي الكَيفِيَّةِ وَالوَصْفِ، فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ الاتّفاقَ فِي الاسْمِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الاتِّفَاقُ فِي الحَقِيقَةِ.\nوَالتَّشْبِيهُ هُوَ كَالتَّمْثِيلِ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بَينَهُمَا بِأَنَّ التَّمْثِيلَ هُوَ التَّسْوِيَةُ فِي كُلِّ الصِّفَاتِ، وَالتَّشْبِيهَ التَّسْوِيَةُ فِي أَكْثَرِ الصِّفَاتِ، لَكِنَّ التَّعْبِيرَ بِنَفْي التَّمْثِيلِ أَولَى لِمُوَافَقَةِ القُرْآنِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ [الشُّورَى: ١١] (^١).\nوَأَمَّا التَّكْيِيفُ: وَهُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ المُثْبِتُ أَنَّ كَيفِيَّةَ صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى كَذَا وَكَذَا! وَهَذَا اعْتِقَادٌ بَاطِلٌ بِدَلِيلِ السَّمْعِ وَالعَقْلِ.\nأَمَّا السَّمْعُ: فَمِنْهُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طَه: ١١٠]، وَقَولُهُ: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإِسْرَاء: ٣٦]، وَمِنَ المَعْلُومِ أَنَّهُ لَا عِلْمَ لَنَا بِكَيفِيَّةِ صِفَاتِ رَبِّنَا، لِأَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَنَا عَنْهَا وَلَمْ يُخْبِرْنَا عَنْ كَيفِيَّتِهَا، فَيَكُونُ تَكْيِيفُنَا لَهَا قَفْوًا لِمَا لَيسَ لَنَا بِهِ عِلْمٌ، وَقولًا بِمَا لَا يُمْكِنُنَا الإِحَاطةُ بِهِ.\n_________\n(^١) وَلِأَنَّ نَفْيَ التَّشْبِيهِ مُطْلَقًا بَينَ الخَالِقِ وَالمَخْلُوقِ غَيرُ صَحِيحٌ، وَذَلِكَ لِوُجُودِ الاشْتِرَاكِ فِي أَصْلِ الصِّفَةِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الصِّفَاتِ، كَصِفَةِ السَّمْعِ وَالبَصَرِ وَالعِلْمِ وَالحَيَاةِ وَالقُدْرَةِ، وَلَكِنَّ الكَمَالَ فِيهَا هُوَ للهِ تَعَالَى، كَمَا فِي قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٨٠]، وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى أَيضًا: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النَّحْل: ٦٠]. يُنْظَرُ: تَفْسِيرُ العُثَيمِين لِسُورَةِ الشُّورَى (ص ١١٣).","vol":"2","page":123},{"text":"وَأَمَّا العَقْلُ: فَلِأَنَّ الشَّيءَ لَا تُعْرَفُ كَيفِيَّةُ صِفَاتِهِ إِلَّا بَعْدَ العِلْمِ بِأَحَدِ ثَلَاثٍ: كَيفِيَّةِ ذَاتِهِ، أَو بِنَظِيرِهِ المُسَاوِي لَهُ، أَو بِالخَبَرِ الصَّادِقِ عَنْهُ، وَكُلُّ هَذِهِ الطُّرُقِ مُنْتَفِيَةٌ فِي حَقِّ صِفَاتِ اللهِ ﷿؛ فَوَجَبَ بُطْلَانُ تَكْيِيفِهَا.\n٧ - صِفَاتُ اللهِ تَعَالَى تَوقِيفِيَّةٌ لَا مَجَالَ لِلعَقْلِ فِيهَا: فَلَا نُثْبِتُ للهِ تَعَالَى مِنَ الصِّفَاتِ إِلَّا مَا دَلَّ الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى ثُبُوتِهِ.\nقَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: \"لَا يُوصَفُ اللهُ إِلَّا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، أَو وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ، لَا يُتَجَاوَزُ القُرْآنُ وَالحَدِيثُ\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-318>قَوَاعِدُ فِي أَدِلَّةِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ:</span>\n١ - الأَدِلَّةُ الَّتِي تَثْبُتُ بِهَا أَسْمَاءُ اللهِ تَعَالَى وَصِفَاتُهُ هِيَ: كِتَابُ اللهِ تَعَالَى، وَسُنَّةُ رَسُولِهِ ﷺ، فَلَا تَثْبُتُ أَسْمَاءُ اللهِ وَصِفَاتُهُ بِغَيرِهِمَا.\nوَعَلَى هَذَا فَمَا وَرَدَ إِثْبَاتُهُ للهِ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ فِي الكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ وَجَبُ إِثْبَاتُهُ، وَمَا وَرَدَ نَفْيُهُ فِيهِمَا وَجَبَ نَفْيُهُ -مَعَ إِثْبَاتِ كَمَالِ ضِدِّهِ-، وَمَا لَمْ يَرِدْ إِثْبَاتُهُ وَلَا نَفْيُهُ فِيهِمَا وَجَبَ التَّوقُّفُ فِي لَفْظِهِ فَلَا يُثْبَتُ وَلَا يُنْفَى لِعَدَمِ وُرُودِ الإِثْبَاتِ وَالنَّفْي فِيهِ، وَأَمَّا مَعْنَاهُ فيُفَصَّلُ فِيهِ؛ فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ حَقٌّ يَلِيقُ بِالله تَعَالَى فَهُوَ مَقْبُولٌ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ مَعْنًى لَا يَلِيقُ بِاللهِ ﷿ وَجَبَ رَدُّهُ.\nوَمِمَّا لَمْ يَرِدْ إِثْبَاتُهُ وَلَا نَفْيُهُ لَفْظُ الجِهَةِ، فَلَو سَأَلَ سَائِلٌ هَلْ نُثْبِتُ للهِ تَعَالَى جِهَةً؟ قُلْنَا لَهُ: لَفْظُ الجِهَةِ لَمْ يَرِدْ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إِثْبَاتًا وَلَا نَفْيًا، وَيُغْنِي عَنْهُ مَا ثَبَتَ فِيهِمَا\n_________\n(^١) ذَكَرَهُ أَبُو عُثْمَان الصَّابُونِيُّ ﵀ (ت ٤٤٩ هـ) فِي كِتَابِهِ: (عَقِيدَةُ السَّلَفِ وَأَصْحَابِ الحَدِيثِ) (ص ٦٣).","vol":"2","page":124},{"text":"مِنْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى فِي السَّمَاءِ (^١).\n٢ - الوَاجِبُ فِي نُصُوصِ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ إِجْرَاؤُهَا عَلَى ظَاهِرِهَا دُونَ تَحْرِيفٍ، لَاسِيَّمَا نُصُوصِ الصِّفَاتِ، حَيثَ لَا مَجَالَ لِلرَّأْي فِيهَا.\nوَدَلِيلُ ذَلِكَ: السَّمْعُ، وَالعَقْلُ.\nأَمَّا السَّمْعُ: فَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشُّعَرَاء: ١٩٣ - ١٩٥]، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ فَهْمِهِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُهُ بِاللِّسَانِ العَرَبِيِّ؛ إِلَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ.\nوَقَدْ ذَمَّ اللهُ تَعَالَى اليَهُودَ عَلَى تَحْرِيفِهِم، فقَالَ تَعَالَى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَينَا﴾ [النِّسَاء: ٤٦].\nوَأَمَّا العَقْلُ: فَلِأَنَّ المُتَكَلِّمَ بِهَذِهِ النُّصُوصِ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ مِنْ غَيرِهِ، وَقَدْ خَاطَبَنَا بِاللِّسَانِ العَرَبِيِّ المُبِينِ؛ فَوَجَبَ قَبُولُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَإِلَّا لَاخْتَلَفَتِ الآرَاءُ وَتَفَرَّقَتِ الأُمَّةُ.\n٣ - ظَوَاهِرُ نُصُوصِ الصِّفَاتِ مَعْلُومةٌ لَنَا بِاعْتِبَارٍ، وَمَجْهُولَةٌ لَنَا بِاعْتِبَارٍ آخَرَ، فَبِاعْتِبَارِ المَعْنَى هِيَ مَعْلُومَةٌ، وَبِاعْتِبَارِ الكَيفِيَّةِ الَّتِي هِيَ عَلَيهَا مَجْهُولَةٌ.\n٤ - ظَاهِرُ النُّصُوصِ هُوَ مَا يَتَبَادَرُ مِنْهَا إِلَى الذّهْنِ مِنَ المَعَانِي: وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِحَسْبِ السِّيَاقِ وَمَا يُضَافُ إِلَيهِ الكَلَامُ، فَالكَلِمَةُ الوَاحِدَةُ يَكُونُ لَهَا مَعْنًى فِي سِيَاقٍ،\n_________\n(^١) قُلْتُ: وَمِثْلُهُ الكَلَامُ عَلَى المَكَانِ، فَلَفْظُهُ لَيسَ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَكِنْ نَنْظُرُ إِلَى المَقْصُودِ؛ فَإِنْ كَانَ المَقْصُودُ نَفْيُ سُؤَالِ أَينَ اللهَ؟ وَأَنَّهُ فِي السَّمَاءِ فَوقَ العَرْشِ! فَهُوَ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَإِنْ كَانَ المَقْصُودُ أَنَّهُ غَيرُ مَوجُودٍ دَاخِلَ خَلْقٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ -أَي: غَيرَ مُحَاطٍ بِالمَخْلُوقَاتِ؛ وَهِيَ الأَمَاكِنُ الَّتِي خَلقَهَا اللهُ- فَهَذَا صَحِيحٌ، فَاللهُ فَوقَ عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ خَالِقُ المَكَانِ وَالزَّمَانِ.","vol":"2","page":125},{"text":"وَمَعْنًى آخَرَ فِي سِيَاقٍ آخَرَ، وَتَرْكِيبُ الكَلَامِ يُفِيدُ مَعْنًى عَلَى وَجْهٍ وَمَعْنًى آخَرَ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ، فَلَفْظُ (القَرْيَةِ) مَثَلًا يُرَادُ بِهِ القَومُ تَارَةً وَمَسَاكِنُ القَومِ تَارَةً أُخْرَى، فَمِنَ الأَوَّلِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الإِسْرَاء: ٥٨]، وَمِنَ الثَّانِي قَولُهُ تَعَالَى عَنِ المَلَائِكَةِ ضَيفِ إِبْرَاهِيم: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ [العَنْكَبُوت: ٣٦]، وَتَقُولُ: صَنَعْتُ هَذَا بِيَدِي؛ فَلَا تَكُونُ اليَدُ كَاليَدِ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]! لِأَنَّ اليَدَ فِي المِثَالِ أُضِيفَتْ إِلَى المَخْلُوقِ فَتَكُونُ مُنَاسِبَةً لَهُ، وَفِي الآيَةِ أُضِيفَتْ إِلَى الخَالِقِ فَتَكُونُ لَائِقَةً بِهِ، فَلَا أَحَدَ -سَلِيمَ الفِطْرَةِ؛ صَحِيحَ العَقْلِ- يَعْتَقِدُ أَنَّ يَدَ الخَالِقِ كَيَدِ المَخْلُوقِ أَو بِالعَكْسِ، وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا؛ فَظَاهِرُ نُصُوصِ الصِّفَاتِ هُوَ مَا يَتَبَادَرُ مِنْهَا إِلَى الذّهْنِ مِنَ المَعَانِي.\nوَهُنَا انْقَسَمَ النَّاسُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:\nالقِسْمِ الأوَّلِ: هُمْ مَنْ جَعَلُوا الظَّاهِرَ المُتَبَادِرَ مِنْهَا مَعْنًى حَقًّا يَلِيقُ بِاللهِ ﷿، وَأَبْقَوا دِلَالَتَهَا عَلَى ذَلِكَ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ السَّلَفُ الَّذِينَ اجْتَمَعُوا عَلَى مَا كَانَ عَلَيهِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، وَالَّذِينَ لَا يَصْدُقُ لَقَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ إِلَّا عَلَيهِم، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ، كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (التَّمْهِيدُ) فَقَالَ: \"أَهْلُ السُّنَّةِ مُجْمِعُونَ عَلَى الإِقْرَارِ بِالصِّفَاتِ الوَارِدَةِ كُلِّهَا فِي القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَالإِيمَانِ بِهَا، وَحَمْلِهَا عَلَى الحَقِيقَةِ لَا عَلَى المَجَازِ، إِلَّا أَنَّهُم لَا يُكَيِّفُونَ شَيئًا مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَحُدُّونَ فِيهِ صِفَةً مَحْصُورَةً.\nوَأَمَّا أَهْلُ البِدَعِ وَالجَهْمِيَّةُ وَالمُعْتَزِلَةُ كُلُّهَا وَالخَوَارِجُ فَكُلُّهُم يُنْكِرُها وَلَا يَحْمِلُ","vol":"2","page":126},{"text":"شَيئًا مِنْهَا عَلَى الحَقِيقَةِ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ مَنْ أقرَّ بِهَا مُشَبِّهٌ، وَهُم عِنْدَ مَنْ أَثْبَتَهَا نَافُونَ لِلمَعْبُودِ!\nوَالحَقُّ فِيمَا قَالَهُ القَائِلُونَ بِمَا نَطَقَ بِهِ كِتَابُ اللهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ، وَهُمْ أَئِمَّةُ الجَمَاعَةِ. وَالحَمْدُ للهِ\" (^١).\nالقِسْمِ الثَّانِي: مَنْ جَعَلُوا الظَّاهِرَ المُتَبَادِرَ مِنْ نُصُوصِ الصِّفَاتِ مَعْنًى بَاطِلًا لَا يَلِيقُ بِاللهِ، وَهُوَ التَّشْبِيهُ، وَأَبْقَوا دِلَالَتَهَا عَلَى ذَلِكَ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ المُشَبِّهَةُ، وَمَذْهَبُهُم بَاطِلٌ مُحَرَّمٌ مِنْ عِدَّةِ أَوجُهٍ، وَيُخَالِفُ مَا فَهِمَهُ السَّلَفُ فيَكُونُ بَاطِلًا.\nالقِسْمِ الثَّالِثِ: مَنْ جَعَلُوا المَعْنَى المُتَبَادِرَ مِنْ نُصُوصِ الصِّفَاتِ مَعْنًى بَاطِلًا لَا يَلِيقُ بِالله وَهُوَ التَّشْبِيهُ، ثُمَّ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَنْكَرُوا مَا دَلَّتْ عَلَيهِ مِنَ المَعْنَى، فَهَؤُلَاءِ صَرَفُوا النُّصُوصَ عَنْ ظَاهِرِهَا إِلَى مَعَانٍ عَيَّنُوهَا بِعُقُولِهِم، وَاضْطَرَبُوا فِي تَعْيِينِهَا اضْطِرَابًا كَثِيرًا، وَسَمَّوا ذَلِكَ تَأْوِيلًا، وَهُوَ فِي الحَقِيقَةِ تَحْرِيفٌ، وَمَذْهَبُهُم بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ:\nأ- أَنَّهُ جِنَايَةٌ عَلَى النُّصُوصِ حَيثُ جَعَلُوهَا دَالَّةً عَلَى مَعْنًى بَاطِلٍ غَيرِ لَائِقٍ بِاللهِ وَلَا مُرَادٍ لَهُ.\n_________\n(^١) التَّمْهِيدُ (٧/ ١٤٥).\nقُلْتُ: وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١٣/ ٤٠٧): \"وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ عَنْ يُونُس بْنِ عَبْدِ الأَعْلَى، سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: للهِ أَسْمَاءٌ وَصِفَاتٌ لَا يَسَعُ أَحَدًا رَدُّهَا، وَمَنْ خَالَفَ بَعْدَ ثُبُوتِ الحُجَّةِ عَلَيهِ فَقَدَ كَفَرَ، وَأَمَّا قَبْلَ قِيَامِ الحُجَّةِ فَإِنَّهُ يُعْذَرُ بِالجَهْلِ، لِأَنَّ عِلْمَ ذَلِكَ لَا يُدْرِكُ بِالعَقْلِ وَلَا الرُّؤْيَةِ وَالفِكْرِ، فَنُثْبِتُ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَنَنْفِي عَنْهُ التَّشْبِيهَ كَمَا نَفَى عَنْ نَفْسِهِ، فَقَالَ: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ \".","vol":"2","page":127},{"text":"ب- أَنَّهُ صَرْفٌ لِكَلَامِ اللهِ تَعَالَى وَكَلَامِ رَسُولِهِ ﷺ عَنْ ظَاهِرِهِ، وَاللهُ تَعَالَى خَاطَبَ النَّاسَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ؛ لِيَعْقِلُوا الكَلَامَ وَيَفْهَمُوهُ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ هَذَا اللِّسَانُ العَرَبِيُّ، وَالنَّبِيُّ ﷺ خَاطَبَهُم بِأَفْصِحِ لِسَانِ البَشَرِ، فَوَجَبَ حَمْلُ كَلَامِ اللهِ وَرَسُولِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ المَفْهُومِ بِذَلِكَ اللِّسَانِ العَرَبِيِّ، غَيرَ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُصَانَ عَنِ التَّكْيِيفِ وَالتَّمْثِيلِ فِي حَقِّ اللهِ ﷿.\nجـ- أَنَّ صَرْفَ كَلَامِ اللهِ وَرَسُولِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ إِلَى مَعْنًى يُخَالِفُهُ! قَولٌ عَلَى اللهِ بِلَا عِلْمٍ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ٣].\nفَالصَّارِفُ لِكَلَامِ اللهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ إِلَى مَعْنًى يُخَالِفُهُ قَدْ قَفَا مَا لَيسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، وَقَالَ عَلَى اللهِ مَا لَا يَعْلَمُ، وَذَلِكَ مِنْ وَجْهَينِ:\nالأَوَّلُ: أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ لَيسَ المُرَادُ بِكَلَامِ اللهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ كَذَا مَعَ أَنَّهُ ظَاهِرُ الكَلَامِ!\nالثَّانِي: أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ المُرَادَ بِهِ كَذَا -لِمَعْنًى آخَرَ- لَا يَدُلُّ عَلَيهِ ظَاهِرُ الكَلَامِ.\nمِثَالُ ذَلِكَ: قَولُهُ تَعَالَى لِإِبْلِيسَ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، فَإِذَا صَرَفَ الكَلَامَ عَنْ ظَاهِرِهِ؛ وَقَالَ: لَمْ يُرِدْ بِاليَدَينِ اليَدَينِ الحَقِيقِيَّتَينِ! وَإِنَّمَا أَرَادَ كَذَا وَكَذَا! قُلْنَا لَهُ: مَا دَلِيلُكَ عَلَى مَا نَفَيتَ؟ وَمَا دَلِيلُكَ عَلَى مَا أَثْبَتَّ؟ فَإنْ أَتَى بِدَلِيلٍ -وَأَنَّى لَهُ ذَلِكَ- وَإِلَّا كَانَ قَائِلًا عَلَى اللهِ بِلَا عِلْمٍ فِي نَفْيِهِ وَإِثْبَاتِهِ.\nد- أَنَّ صَرْفَ نُصُوصِ الصِّفَاتِ عَنْ ظَاهِرِهَا مُخَالِفٌ لِمَا كَانَ عَلَيهِ النَّبِيُّ ﷺ","vol":"2","page":128},{"text":"وَأَصْحَابُهُ وَسَلَفُ الأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا؛ فيَكُونُ بَاطِلًا، لِأَنَّ الحَقَّ -بِلَا رَيبٍ- فِيمَا كَانَ عَلَيهِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ وَسَلَفُ الأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا.\nهـ- أَنْ يُقالَ لِلمُعَطِّلِ: هَلْ أَنْتَ أَعْلَمُ بِاللهِ مِنْ نَفْسِهِ؟ فَسَيَقُولُ: لَا.\nثُمَّ يُقَالُ لَهُ: هَلْ مَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ صِدْقٌ وَحَقٌّ؟ فَسَيَقُولُ: نَعَم.\nثُمَّ يُقَالُ لَهُ: هَلْ تَعْلَمُ كَلَامًا أَفْصَحَ وَأَبْيَنَ مِنْ كَلَامِ اللهِ تَعَالَى؟ فَسَيَقُولُ: لَا.\nثُمَّ يُقَالُ لَهُ: هَلْ تَظُنُّ أَنَّ اللهَ ﷾ أَرَادَ أَنْ يُعَمِّيَ الحَقَّ عَلَى الخَلْقِ فِي هَذِهِ النُّصُوصِ لِيَسْتَخْرِجُوهُ بِعُقُولِهِم؟ فَسَيَقُولُ: لَا.\nفَيُقَالُ لَهُ: يَلْزَمُ مِمَّا سَبَقَ مِنْ جَوَابِكَ أَنْ تُثْبِتَ مَا أَثْبَتَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ دُونَ تَعْطِيلٍ مِنْكَ، فَهَذَا أَقْوَمُ لَكَ فِي دِينِكَ، وَأَسْلَمُ لَكَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القَصَص: ٦٥].\nو- أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا التَّعْطِيلِ -المُسَمَّى عِنْدَهُم: تَأْوِيلًا- لَوَازِمُ بَاطِلَةٌ؛ أَهَمُّهَا: أَنَّ ظَاهِرَ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ تَشْبِيهٌ لِلخَالِقِ بِالمَخْلُوقِ! وَأَنَّ ظَاهِرَهُمَا كُفْرٌ لَا يَجُوزُ القَولُ بِهِ! وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يُبَيِّنْ لَنَا مَعَانِيهَا بَلْ أَوكَلَهَا إِلَى عُقُولِنَا المُتَضَارِبَةِ وَإلى فَهْمِ كُلِّ شَخْصٍ! وَفِيهِ مِنْ سُوءِ الظَّنِّ بِالنَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ لَنَا مَعْنَاهَا! وَفِيهِ سُوءُ الظَّنِّ بِالصَّحَابَةِ أَنَّهُم إِمَّا سَكَتُوا عَنِ القَولِ فِيهَا لِجَهْلِهِم بِمَعْنَاهَا؛ أَو عَلِمُوهَا وَكَتَمُوا بَيَانَهَا (^١)!\n_________\n(^١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٣/ ٤٢٦): \"وَأَمَّا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ فَلِلنَّاسِ فِي هَذَا المَقَامِ مَقَالَاتٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا لَيسَ هَذَا مَوضِعَ بَسْطِهَا، وَإِنَّمَا نَسْلُكُ فِي هَذَا المَقَام مَذْهَبَ السَّلَفِ الصَّالِح: مَالِكٍ وَالأَوزَاعِيّ وَالثَّورِيّ وَاللَّيثِ بْنِ سَعْدٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيهِ\n=","vol":"2","page":129},{"text":"ثُمَّ إِنَّ مِنْ أَهْلِ التَّعْطِيلِ مَنْ طَرَّدَ قَاعِدَتَهُ فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ، أَو تَعَدَّى إِلَى الأَسْمَاءِ أَيضًا، وَمِنْهُم مَنْ تَنَاقَضَ فَأَثْبَتَ بَعْضَ الصِّفَاتِ دُونَ بَعْض كَالأَشْعَرِيَّةِ وَالمَاتُرِيدِيَّةِ؛ أَثْبَتُوا مَا أَثْبَتُوهُ بِحُجَّةِ أَنَّ العَقْلَ يَدُلُّ عَلَيهِ، وَنَفَوا مَا نَفَوهُ بِحُجَّةِ أَنَّ العَقْلَ يَنْفِيهِ أَو لَا يَدُلُّ عَلَيهِ.\nفَنَقُولُ لَهُم: نَفْيُكُم لِمَا نَفَيتُمُوهُ بِحُجَّةِ أَنَّ العَقْلَ لَا يَدُلُّ عَلَيهِ؛ يُمْكِنُ إِثْبَاتُهُ بِالطَّرِيقِ العَقْلِيِّ الَّذِي أَثْبَتُّمْ بِهِ مَا أَثْبَتُّمُوهُ كَمَا هُوَ ثَابِتٌ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ.\nمِثَالُ ذَلِكَ: أَنَّهُم أَثْبَتُوا صِفَةَ الإِرَادَةِ، وَنَفَوا صِفَةَ الرَّحْمَةِ، فَأَثْبَتُوا صِفَةَ الإِرَادَةِ لِدِلَالَةِ السَّمْعِ وَالعَقْلِ عَلَيهَا.\nأَمَّا السَّمْعُ: فَمِنْهُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٥)، وَأَمَّا العَقْلُ: فَإِنَّ اخْتِلَافَ المَخْلُوقَاتِ وَتَخْصِيصَ بَعْضِهَا بِمَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ ذَاتٍ أَو وَصْفٍ دَلِيلٌ عَلَى الإِرَادَةِ.\nوَنَفَوا الرَّحْمَةَ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَلْزِمُ لِينَ الرَّاحِمِ وَرقَّتَهُ لِلمَرْحُومِ، وَهَذَا مُحَالٌ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى (^١)! وَأَوَّلُوا الأَدِلَّةَ السَّمْعِيَّةَ المُثْبِتَةَ لِلرَّحْمَةِ إِلَى الفِعْلِ أَو إِرَادَةِ الفِعْلِ،\n_________\n=\nوَغَيرِهِمْ مِنْ أَئِمَّة المُسْلِمِينَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا؛ وَهُوَ إِمْرَارهَا كَمَا جَاءَتْ مِنْ غَير تَكْيِيفٍ وَلَا تَشْبِيهٍ وَلَا تَعْطِيلٍ. وَالظَّاهِرُ المُتَبَادِرُ إِلَى أَذْهَانِ المُشَبِّهِينَ مَنْفِيٌّ عَنِ اللهِ؛ فَإِنَّ اللهَ لَا يُشْبِهُهُ شَيءٌ مِنْ خَلْقِهِ وَ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، بَلِ الأَمْرُ كَمَا قَالَ الأَئِمَّةُ مِنْهُمْ نُعَيمُ بْنُ حَمَّادٍ الخُزَاعِيُّ -شَيخُ البُخَارِيِّ- قَالَ: مَنْ شَبَّهَ اللهَ بِخَلْقِهِ كَفَرَ، وَمَنْ جَحَدَ مَا وَصَفَ الله بِهِ نَفْسَهُ فَقَدْ كَفَرَ، وَلَيسَ فِيمَا وَصَفَ اللهُ بِهِ نَفْسَهُ وَلَا رَسُولُهُ تَشْبِيهٌ، فَمَنْ أَثْبَتَ لِلَّهِ تَعَالَى مَا وَرَدَتْ بِهِ الآيَاتُ الصَّرِيحَةُ وَالأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ عَلَى الوَجْهِ الَّذِي يَلِيقُ بِجَلَالِ اللهِ وَنَفَى عَنِ اللهِ تَعَالَى النَّقَائِصَ؛ فَقَدْ سَلَكَ سَبِيلَ الهُدَى\".\n(^١) كَمَا قَالَ الشَّيخُ ابْنُ دَقِيق العِيد (ت ٧٠٢ هـ) رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى وغَفَرَ لَهُ -فِي شَرْحِ البَسْمَلَةِ مِنْ مُقَدِّمَةِ\n=","vol":"2","page":130},{"text":"فَفَسَّرُوا الرَّحِيمَ بِالمُنْعِمِ أَو مُرِيدِ الإِنْعَامِ!\nفَنَقُولُ لَهُم: الرَّحْمَةُ ثَابِتَةٌ للهِ تَعَالَى بِالأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ، وَأَدِلَّةُ ثُبُوتِهَا أَكْثَرُ عَدَدًا وَتَنَوُّعًا مِنْ أَدِلَّةِ الإِرَادَةِ، فَقَدْ وَرَدَتْ بِالاسْمِ مِثْلِ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفَاتِحَة: ١]، وَالصِّفَةِ مِثْلِ: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكَهْف: ٥٨]، وَالفِعْلِ مِثْلِ: ﴿وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العَنْكَبُوت: ٢١].\nوَيُمْكِنُ إِثْبَاتُهَا بِالعَقْلِ أَيضًا؛ فَإِنَّ النِّعَمَ الكَثِيرَةَ عَلَى العبَادِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَالنِّقَمَ الَّتِي تُدْفَعُ عَنْهُم فِي كُلِّ حِينٍ دَالَّةٌ عَلَى ثُبُوتِ الرَّحْمَةِ للهِ ﷿، وَدِلَالَتُهَا عَلَى ذَلِكَ أَبْيَنُ وَأَجْلَى مِنْ دِلَالَةِ الإِرَادَةِ لِظُهُورِ ذَلِكَ لِلخَاصَّةِ وَالعَامَّةِ، بِخِلَافِ دِلَالَةِ التَّخْصِيصِ عَلَى الإِرَادَةِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَظْهَرُ إِلَّا لِأَفْرَادٍ مِنَ النَّاسِ.\nوَأَمَّا نَفْيُهَا بِحُجَّةِ أَنَّهَا تَسْتَلْزِمُ اللِّينَ وَالرِّقَةَ؛ فَجَوَابُهُ: أَنَّ هَذِهِ الحُجَّةَ لَو كَانَتْ مُسْتَقِيمَةً لَأَمْكَنَ نَفْيُ الإِرَادَةِ بِمِثْلِهَا فَيُقَالُ: الإِرَادَةُ: مَيلُ المُرِيدِ إِلَى مَا يَرْجُو بِهِ حُصُولَ مَنْفَعَةٍ أَو دَفْعَ مَضَرَّةٍ، وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ الحَاجَةَ! وَاللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ. فَإِنْ أُجِيبَ: بِأَنَّ هَذِهِ إِرَادَةُ المَخْلُوقِ؛ أَمْكَنَ الجَوَابُ بِمِثْلِهِ فِي الرَّحْمَةِ بِأَنَّ الرَّحْمَةَ المُسْتَلْزِمَةَ لِلنَّقْصِ هِيَ رَحْمَةُ المَخْلُوقِ، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ بُطْلَانُ مَذْهَبِ أَهْلِ التَّعْطِيلِ سَوَاءً كَانَ تَعْطِيلًا عَامًّا أَو خَاصًّا.\n_________\n=\nالنَّوَوِيِّ ﵀ عَلَى الأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ- (ص ١١): \"وَالرَّحْمَنُ: العَامُّ الرَّحْمَةِ لِجَمِيعِ البَرِيَّةِ، وَالرَّحِيمُ: الخَاصُّ الرَّحْمَةِ لِلمُؤْمِنِينَ، وَأَصْلُ (الرَّحْمَةِ) انْعِطَافُ القَلْبِ وَالرِّقَةُ، وَهِيَ فِي حَقِّهِ ﷾ إِرَادَةُ الخَيرِ لِمَنْ يَسْتَحِقُّهَا، أَو تَرْكُ العُقُوبَةِ لِمَنْ يَسْتَوجِبُهَا\"!","vol":"2","page":131},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-319> شُبَهٌ وَجَوَابُهَا:</span>\nزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ صَرَفُوا بَعْضَ النُّصُوصِ عَنْ ظَاهِرِهَا! وَذَلِكَ مُلْزِمٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ بِالمُوَافَقَةِ عَلَى التَّأْوِيلِ أَوِ المُدَاهَنَةِ فِيهِ، وَقَالُوا: كَيفَ تُنْكِرُونَ عَلَينَا تَأْوِيلَ مَا أَوَّلْنَاهُ مَعَ ارْتِكَابِكُم لِمِثْلِهِ فِيمَا أَولَّتُمُوهُ؟\nالجَوَابُ هُوَ مِنْ وَجْهَينِ:\nالأَوَّلُ: جَوَابٌ مُجْمَلٌ:\nأ- لَا نُسلِّمُ أَنَّ تَفْسِيرَ السَّلَفِ لَهَا هُوَ صَرْفٌ لَهَا عَنْ ظَاهِرِهَا، فَإِنَّ ظَاهِرَ الكَلَامِ هُوَ مَا يَتَبَادَرُ مِنْهُ مِنَ المَعْنَى، وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِحَسْبِ السِّيَاقِ وَمَا يُضَافُ إِلَيهِ الكَلَامُ، فَإِنَّ الأَلْفَاظَ يَخْتَلِفُ مَعْنَاهَا بِحَسْبِ تَرْكِيبِ الكَلَامِ، وَالكَلَامُ مُرَكَّبٌ مِنْ أَلْفَاظٍ وَجُمَلٍ يَظْهَرُ مَعْنَاهَا وَيَتَعَيَّنُ بِضَمِّ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ.\nب- أَنَّنَا لَو سَلَّمْنَا أَنَّ تَفْسِيرَهُم صَرْفٌ لَهَا عَنْ ظَاهِرِهَا؛ فَإِنَّ لَهُم فِي ذَلِكَ دَلِيلًا مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ إِمَّا مُتَّصِلًا وَإِمَّا مُنْفَصِلًا، وَلَيسَ لِمُجَرَّدِ شُبُهَاتٍ يَزْعُمُهَا الصَّارِفُ بَرَاهِينَ وَقَطْعِيَّاتٍ يَتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى نَفْي مَا أَثْبَتَهُ اللهُ لِنَفْسِهِ فِي كِتَابِهِ أَو عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ!\nالثَّانِي: جَوَابٌ مُفَصَّلٌ، وَلنُمَثِّلْ بِالأَمْثِلَةِ التَّالِيَةِ:\n١ - فَنَبْدَأُ بِمَا حَكَاهُ أَبُو حَامِدٍ الغَزَالِيُّ (^١) عَنْ بَعْضِ الحَنَابِلَةِ؛ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أَحْمَدَ لَمْ يَتَأَوَّلْ إِلَّا فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: «الحَجَرُ الأَسْوَدُ يَمِينُ اللهِ فِي الأَرْضِ يُصَافِحُ بِهَا عِبَادَهُ»،\n_________\n(^١) إِحْيَاءُ عُلُومِ الدِّينِ (١/ ١٠٣).","vol":"2","page":132},{"text":"وَ«إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَينِ إِصْبَعَينِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ»، وَ«إِنِّي أَجِدُ نَفَسَ الرَّحْمَنِ مِنْ قِبَلِ اليَمَنِ».\nوَالجَوَابُ:\nأ- إِنَّ هَذِهِ الحِكَايَةَ كَذِبٌ عَلَى أَحْمَدَ ﵀، نَقَلَهَا عَنِ الغَزَالِيِّ شَيخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيمِيَّةَ مِنْ مَجْمُوعِ الفَتَاوَى، وَقَالَ: \"هَذِهِ الحِكَايَةُ كَذِبٌ عَلَى أَحْمَدَ\" (^١).\nب- حَدِيثُ: «الحَجَرُ الأَسْوَدُ يَمِينُ اللهِ فِي الأَرْضِ يُصَافِحُ بِهَا عِبَادَهُ». الحَدِيثُ مُنْكَرٌ (^٢).\nجـ) حَدِيثُ: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَينِ إصْبَعَينِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٣).\nوَالجَوَابُ عَنْهُ: قَدْ أَخَذَ السَّلَفُ أَهْلُ السُّنَّةِ بِظَاهِرِ الحَدِيثِ وَقَالُوا: إِنَّ للهِ تَعَالَى أَصَابِعَ حَقِيقَةً نُثْبِتُهَا لَهُ كَمَا أَثْبتَها لَهُ رَسُولُهُ ﷺ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَونِ قُلُوبِ بَنِي آدَمَ بَينَ إِصْبَعِينِ مِنْهَا أَنْ تَكُونَ مُمَاسَةً لَهَا حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ الحَدِيثَ مُوهِمٌ لِلحُلُولِ؛ فَيَجِبُ صَرْفُهُ عَنْ ظَاهِرِهِ! فَهَذَا السَّحَابُ مُسَخَّرٌ بَينَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَهُوَ لَا يَمَسُّ السَّمَاءَ وَلَا الأَرْضَ.\nوَيُقَالُ: بَدْرٌ بَينَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةَ رُغْمَ تَبَاعُدِ مَا بَينَهَا وَبَينَهُمَا، فَقُلُوبُ بَنِي آدَمَ كُلُّهَا\n_________\n(^١) مَجْمُوع الفَتَاوَى (٥/ ٣٩٨).\n(^٢) قَالَ المُنَاوِيُّ ﵀ مُتَعَقِّبًا عَلَى السُّيُوطِيِّ حَيثُ أَورَدَهُ فِي الجَامِعِ مِنْ رِوَايَةِ الخَطِيبِ وَابْنِ عَسَاكِرَ: \"قَالَ ابْنُ الجَوزِيِّ: حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ، وَقَالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: هَذَا حَدِيثٌ بَاطِلٌ؛ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيهِ\". فَيضُ القَدِيرِ (٣/ ٤٠٩).\n(^٣) مُسْلِمٌ (٢٦٥٤) عَنِ ابْنِ عَمْرو مَرْفُوعًا.","vol":"2","page":133},{"text":"بَينَ إِصْبَعِينِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ حَقِيقَةً، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ مُمَاسَةٌ وَلَا حُلُولٌ.\nد- حديث: «إِنِّي أَجِدُ نَفَسَ الرَّحْمَنِ مِنْ قِبَلِ اليَمَنِ» (^١).\nوَالجَوَابُ: إِنَّ هَذَا الحَدِيثَ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَالنَّفَسُ هُنَا هُوَ مِنَ التَّنْفِيسِ وَهُوَ التَّفْرِيجُ، وَلَيسَتِ النَّفْسُ بِمَعْنَى الذَّاتِ!\nقَالَ الأَزْهَرِيُّ فِي (تَهْذِيبِ اللُّغَةِ): \"النَّفَسُ فِي هَذينِ الحَدِيثَينِ اسْمٌ وُضِعَ مَوضِعَ المَصْدَرِ الحَقِيقِيِّ مِنْ (نَفَّسَ يُنَفِّسُ تَنْفِيسًا وَنَفَسًا) كَمَا يُقَالُ: فَرَّجَ يُفَرِّجُ تَفْرِيجًا وَفَرَجًا، كَأَنَّهُ قَالَ: أَجِدُ تَنْفِيسَ ربِّكُم مِنْ قِبَلِ اليَمَنِ، لِأَنَّ اللهَ جَلَّ وَعَزَّ نَصَرَهُم بِهِم وَأَيَّدَهُم بِرِجَالِهِم\" (^٢).\n٢ - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البَقَرَة: ٢٩] (^٣): إِنَّ لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي تَفْسِيرِهَا قَولَانِ:\nأ- أَنَّهَا بِمَعْنَى: ارْتَفَعَ إِلَى السَّمَاءِ، وَهُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، قَالَ ﵀ فِي تَفْسِيرِهِ -بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الخِلَافَ-: \"وَأَولَى المَعَانِي بِقَولِ اللهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ﴾ عَلَا عَلَيهِنَّ وَارْتَفَعَ؛ فَدَبَّرَهُنَّ بِقُدْرَتِهِ وَخَلَقَهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ\" (^٤).\nوَقَالَ البَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: \"هُوَ قَولُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَكْثَرِ مُفَسِّرِي السَّلَفِ، وَذَلِكَ\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ (٧/ ٥٢) عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيلٍ السَّكُونِيِّ مَرْفُوعًا، وَقَدْ ضَعَّفَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ أَوَّلًا، ثُمَّ وَجَدَ لَهُ شَاهِدًا فَصَحَّحَهُ فِي الصَّحِيحَةِ (٣٣٦٧).\n(^٢) تَهْذِيبُ اللُّغَةِ (٩/ ١٣).\n(^٣) وَالمَقْصُودُ مِنْ إِيرَادِهَا الإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ مِنَ السَّلَفِ مَنْ أَوَّلَها بِالقَصْدِ وَلَيسَ بِالعُلُوِّ.\n(^٤) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (١/ ٤٣٠).","vol":"2","page":134},{"text":"تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ لَفْظِ (اسْتَوَى)، وَتَفْوِيضًا لِعِلْمِ كَيفِيَّةِ هَذَا الارْتِفَاعِ إِلَى اللهِ ﷿\" (^١).\nب- أَنَّ الاسْتِوَاءَ هُنَا بِمَعْنَى القَصْدِ التَّامِ، وَإِلى هَذَا القَولِ ذَهَبَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ البَقَرَةِ، وَالبَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِ فُصِّلَت.\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀: \"أَي: قَصَدَ إِلَى السَّمَاءِ، وَالاسْتِوَاءُ هَاهُنَا ضُمِّنَ مَعْنَى القَصْدِ وَالإِقْبَالِ؛ لِأَنَّهُ عُدِّيَ بِإلَى\" (^٢).\nوَقَالَ البَغَوِيُّ: \"أَي: عَمَدَ إِلَى خَلْقِ السَّمَاءِ\" (^٣).\nوَهَذَا القَولُ لَيسَ صَرْفًا لِلكَلَامِ عَنْ ظَاهِرِه، وَذَلِكَ لِأَنَّ الفِعْلَ (اسْتَوَى) اقْتَرَنَ بِحَرْفٍ يَدُلُّ عَلَى الغَايَةِ وَالانْتِهَاءِ، فَانْتَقَلَ إِلَى مَعْنًى يُنَاسِبُ الحَرْفَ المُقْتِرِنَ بِهِ (^٤).\n_________\n(^١) تَفْسِيرُ البَغَوِيِّ (١/ ٧٨).\n(^٢) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (١/ ٢١٣).\n(^٣) تَفْسِيرُ البَغَوِيِّ (٧/ ١٦٥).\n(^٤) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ ﵀: \"وَأَمَّا نَزْعُ -مَنْ نَزَعَ مِنْهُمْ- بِحَدِيثٍ يَرْوِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ وَاقِدٍ الوَاسِطِيُّ عَن إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طَه: ٥]: (اسْتَولَى) عَلَى جَمِيعِ بَرِيَّتِهِ؛ فَلَا يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ! فَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا أَنَّ هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَنَقَلَتُهُ مَجْهُولُونَ ضُعَفَاءُ، فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ الْوَاسِطِيُّ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُجَاهِدٍ فَضَعِيفَانِ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ، وَهُمْ لَا يَقْبَلُونَ أَخْبَارَ الْآحَادِ الْعُدُولِ؛ فَكَيفَ يَسُوغُ لَهُمُ الِاحْتِجَاجُ بِمِثْلِ هَذَا مِنَ الْحَدِيثِ لَوْ عَقِلُوا أَوْ أَنْصَفُوا؟! أَمَا سَمِعُوا اللَّهَ ﷿ حَيثُ يَقُولُ: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧] فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مُوسَى ﵇ كَانَ يَقُولُ: \"إِلَهِي فِي السَّمَاءِ\" وَفِرْعَوْنُ يَظُنُّهُ كَاذِبًا! \". التَّمْهِيدُ (٧/ ١٣٢).\nوَرَاجِعْ إِثْبَاتَ سَقْطِ كَلِمَةِ \"اسْتَولَى\" فِي نَقْلِ ابْنِ القَيِّمِ لِنَفْسِ المَوْضِعِ مِنَ التَّمْهِيدِ فِي كِتَابِهِ (اجْتِمَاعُ الجُيُوشِ الإِسْلَامِيَّةِ) (٢/ ١٤٦)، وَكَذَا فِي كِتَابِ (العَرْشِ) لِلذَّهَبِيِّ (١/ ١٩٧).","vol":"2","page":135},{"text":"٣ - أَمَّا عَدَمُ مُنَافَاةِ العُلُوِّ لِلمَعِيَّةِ (^١) كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَينَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحَدِيد: ٤]، وَقَولِهِ: ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَينَ مَا كَانُوا﴾ [المُجَادِلَة: ٤].\nفَالجَوَابُ: أَنَّ الكَلَامَ فِي هَاتَينِ الآيَتِينِ حَقٌّ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَظَاهِرِهِ، وَلَكِنْ مَا حَقِيقَتُهُ وَظَاهِرُهُ؟\nهَلْ يُقَالُ: إِنَّ ظَاهِرَهُ وَحَقِيقَتَهُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى مَعَ خَلْقِهِ مَعِيَّةً تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مُخْتَلِطًا بِهِم! أَو حَالًّا فِي أَمْكِنَتِهِم؟!\nأَو يُقَالُ: إِنَّ ظَاهِرَهُ وَحَقِيقَتَهُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى مَعَ خَلْقِهِ مَعِيَّةً تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مُحِيطًا بِهِم عِلْمًا وَقُدْرَةً وَسَمْعًا وَبَصَرًا وَتَدْبِيرًا وَسُلْطَانًا وَغَيرَ ذَلِكَ مِنْ مَعَانِي رُبُوبيَّتِهِ مَعَ عُلُوِّهِ عَلَى عَرْشِهِ فَوقَ جَمِيعِ خَلْقِهِ؟\nلَا رَيبَ أَنَّ القَولَ الأوَّلَ لَا يَقْتَضِيهِ السِّيَاقُ، وَلَا يَدُلُّ عَلَيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ المَعِيَّةَ هُنَا أُضِيفَتْ إِلَى اللهِ ﷿ وَهُوَ أَعْظَمُ وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ يُحِيطَ بِهِ شَيءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ! وَلِأَنَّ المَعِيَّةَ فِي اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا القُرْآنُ لَا تَسْتَلْزِمُ الاخْتِلَاطَ أَوِ المُصَاحَبَةَ فِي المَكَانِ، وَإِنَّمَا تَدُلُّ عَلَى مُطْلَقِ المُصَاحَبَةِ، ثُمَّ تُفَسَّرُ فِي كُلِّ مَوضِعٍ بِحَسْبِهِ (^٢).\n_________\n(^١) عِنْدَ مَنْ يَسْتَشْكِلُ كَونَهُ سُبْحَانَهُ فِي السَّمَاءِ وَأَيضًا أَنَّهُ مَعَ عِبَادِهِ!\n(^٢) قُلْتُ: وَمِنْ أَمْثِلَةِ أَنَّ المَعِيَّةَ فِي اللُّغَةِ لَا يَلْزَمُ مِنْهَا الحُلُولُ فِي المَكَانِ قَولُكَ: سِرْتُ مَعَ القَمَر، وَأَيضًا لَا يَلْزَمُ مِنْهَا الاخْتِلَاطُ كَقَولِكَ: زَوجَتِي مَعِي.\nقَالَ الإِمَامُ؛ حَافِظُ الأَنْدَلُسِ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ ﵀: \"وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِقَوْلِهِ ﷿: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَينَ مَا كَانُوا﴾ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي ظَاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ، لِأَنَّ عُلَمَاءَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ الَّذِينَ حَمَلْتُ عَنْهُمُ التَّأْوِيلَ فِي القُرْآنِ قَالُوا فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ: هُوَ عَلَى العَرْشِ وَعِلْمُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَمَا خَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ\".\n=","vol":"2","page":136},{"text":"وَتَفْسِيرُ مَعِيَّةِ اللهِ تَعَالَى لِخَلْقِهِ بِمَا يَقْتَضِي الحُلُولَ وَالاخْتِلَاطَ بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ؛ مِنْهَا:\nأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ السَّلَفِ، فَمَا فَسَّرَهَا أَحَدٌ مِنْهُم بِذَلِكَ؛ بَلْ كَانُوا مُجْمِعِينَ عَلَى إِنْكارِهِ.\nوَأَيضًا أَنَّهُ مُنَافٍ لِعُلُوِّ اللهِ تَعَالَى الثَّابِتِ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالعَقْلِ وَالفِطْرةِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ.\nفَإِذَا تَبيَّنَ بُطْلَانُ هَذَا القَولِ تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الحَقُّ هُوَ القَولُ الثَّانِي؛ وَهُوَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى مَعَ خَلْقِهِ مَعِيَّةً تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مُحِيطًا بِهِم -عِلْمًا وَقُدْرَةً وَسَمْعًا وَبَصَرًا وَتَدْبِيرًا وَسُلْطَانًا وَغَيرَ ذَلِكَ- مِمَّا تَقْتَضِيهِ رُبُوبِيَّتُهُ مَعَ عُلُوِّهِ عَلَى عَرْشِهِ فَوقَ جَمِيعِ خَلْقِهِ، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ الآيَتِينِ بِلَا رَيبٍ.\nقَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيمِيَّةَ ﵀ فِي (الفَتْوَى الحَمَوِيَّةِ): \"ثُمَّ هَذِهِ المَعِيَّةُ تَخْتَلِفُ أَحْكَامُهَا بِحَسَبِ المَوَارِدِ، فَلَمَّا قَالَ: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ إلَى قَولِهِ: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَينَ مَا كُنْتُمْ﴾ دَلَّ ظَاهِرُ الخِطَابِ عَلَى أَنَّ حُكْمَ هَذِهِ المَعِيَّةِ وَمُقْتَضَاهَا أَنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَيكُمْ؛ شَهِيدٌ عَلَيكُمْ وَمُهَيمِنٌ عَالِمٌ بِكُمْ، وَهَذَا مَعْنَى قَولِ السَّلَفِ: إنَّهُ مَعَهُمْ بِعِلْمِهِ، وَهَذَا ظَاهِرُ الخِطَابِ وَحَقِيقَتُهُ، وَكَذَلِكَ فِي قَولِهِ: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ إلَى قَولِهِ: ﴿هُوَ مَعَهُمْ أَينَ مَا كَانُوا﴾ الآيَة، وَلَمَّا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِصَاحِبِهِ فِي الغَارِ: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ كَانَ هَذَا أَيضًا حَقًّا عَلَى ظَاهِرِهِ، وَدَلَّتِ الحَالُ عَلَى أَنَّ\n_________\n=\nالتَّمْهِيدُ (٧/ ١٣٨).\nوَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀: \"وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ البَرِّ وَغَيرُهُ إِجْمَاعَ العُلَمَاءِ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي تَأْوِيلِ قَولِهِ: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَينَ مَا كُنْتُمْ﴾ أَنَّ المُرَادَ: عِلْمُهُ، وَكُلُّ هَذَا قَصَدُوا بِهِ رَدَّ قَولِ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ تَعَالَى بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ\". فَتْحُ البَارِي لِابْنِ رَجَبٍ الحَنْبَلِيِّ (٢/ ٣٣٢).","vol":"2","page":137},{"text":"حُكْمَ هَذِهِ المَعِيَّةِ هُنَا مَعِيَّةُ الِاطِّلَاعِ وَالنَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ\" (^١).\nوَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيسَ مُقْتَضَاهَا أَنْ تَكُونَ ذَاتُ الرَّبِّ ﷿ مُخْتَلِطَةً بِالخَلْقِ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَينَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحَدِيد: ٤]. فَيَكُونُ ظَاهِرُ الآيَةِ أَنَّ مُقْتَضَى هَذِهِ المَعِيَّةِ عِلْمُهُ بِعِبَادِهِ، وَبَصَرُهُ بِأَعْمَالِهِم -مَعَ عُلُوِّهِ عَلَيهِم، وَاسْتِوَائِهِ عَلَى عَرْشِهِ-؛ لَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ مُخْتَلِطٌ بِهِم! وَلَا أَنَّهُ مَعَهُم فِي الأَرْضِ! وَإِلَّا لَكَانَ آخِرُ الآيَةِ مُنَاقِضًا لِأَوَّلِهَا الدَّالِّ عَلَى عُلُوِّهِ وَاسْتِوَائِهِ عَلَى عَرْشِهِ.\nفَإِذَا تَبَيَّنَ ذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّ مُقْتَضَى كَونِهِ تَعَالَى مَعَ عِبَادِهِ: أَنَّهُ يَعْلَمُ أَحْوَالَهُم، وَيَسْمَعُ أَقْوَالَهُم، وَيَرَى أَفْعَالَهُم، وَيُدَبِّرُ شُؤُونَهُم؛ فَيُحِيِي وُيُمِيتُ، وَيُغْنِي وَيُفْقِرُ، وَيُؤْتِي المُلْكَ مَنْ يَشَاءُ، وَيَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ يَشَاءُ، وَيُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ، وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ؛ إِلَى غَيرِ ذَلِكَ مِمَّا تَقْتَضِيهِ رُبُوبيَّتُهُ وَكَمَالُ سُلْطَانِهِ؛ لَا يَحْجُبُهُ عَنْ خَلْقِهِ شَيءٌ، ومِنْ كَانَ هَذَا شَأْنُهُ فَهُوَ مَعَ خَلْقِهِ حَقِيقَةً وَلَو كَانَ فَوقَهُم عَلَى عَرْشِهِ حَقِيقَةً.\nوَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ: لَو فُرِضَ امْتِنَاعُ اجْتِمَاعِ المَعِيَّةِ وَالعُلوِّ فِي حَقِّ المَخْلُوقِ؛ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا فِي حَقِّ الخَالِقِ الَّذِي جَمَعَ لِنَفْسِهِ بَينَهُمَا، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُمَاثِلُهُ شَيءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الذَّارِيَات: ١١] (^٢).\n_________\n(^١) الفَتْوَى الحَمَوِيَّةُ (ص ٥٢١).\n(^٢) وَلَا يَصِحُّ اسْتِدْلَالُ المُعَطِّلَةِ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى فِي كُلِّ مَكَانٍ بِالآيَةِ الكَرِيْمَةِ ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحَدِيْد: ٤] وَذَلِكَ لِأَنَّ الآيَةَ قَدْ دَلَّتْ عَلَى المَعِيَّةِ لِلأَشْخَاصِ فَقَط؛ وَلَيْسَ لِعُمُوْمِ الأَمْكِنَةِ، فَتَنَبَّهْ. وَبِاللهِ التَّوْفِيْقُ.","vol":"2","page":138},{"text":"٤ - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٦ - ١٨] حَيثُ فُسِّرَ القُرْبُ فِيهِمَا بِقُرْبِ المَلَائِكَةِ!\nوَالجَوَابُ: إِنَّ تَفْسِيرَ القُرْبِ فِيهِمَا بِقُرْبِ المَلَائِكَةِ لَيسَ صَرْفًا لِلكَلَامِ عَنْ ظَاهِرِهِ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ، فَإِنَّ القُرْبَ مُقَيَّدٌ فِيهَا بِالمَلَائِكَةِ حَيثُ قَالَ: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى﴾ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ المُرَادَ بِهِ قُرْبُ المَلَكَينِ المُتَلَقِيِينِ.\nفَإِنْ قِيلَ: لِمَاذَا أَضَافَ اللهُ القُرْبَ إِلَيهِ، وَهَلْ جَاءَ نَحْو هَذَا التَّعْبِيرِ مُرَادًا بِهِ المَلَائِكَةُ؟\nفَالجَوَابُ: أَضَافَ اللهُ تَعَالَى قُرْبَ المَلَائِكَةِ إِلَيهِ؛ لِأَنَّ قُرْبَهُم تَمَّ بِأَمْرِهِ، وَهُمْ جُنُودُهُ وَرُسُلُهُ، وَقَدْ جَاءَ نَحْو هَذَا التَّعْبِيرِ مُرَادًا بِهِ المَلَائِكَةُ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القِيَامَة: ١٨] فَإِنَّ المُرَادَ بِهِ قِرَاءَةُ جِبْرِيلَ القُرْآنَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مَعَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَضَافَ القِرَاءَةَ إِلَيهِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ جِبْرِيلُ يَقْرَأُهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى صَحَّتْ إِضَافَةُ القِرَاءَةِ إِلَيهِ تَعَالَى.\nوَكَذَلِكَ جَاءَ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هُود: ٧٤] وَإِبْرَاهِيمُ إِنَّمَا كَانَ يُجَادِلُ المَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ رُسُلُ اللهِ تَعَالَى.\n٥) قَولُهُ تَعَالَى عَنْ سَفِينَةِ نُوحٍ: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القَمَر: ١٤]، وَقَولُهُ لِمُوسَى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَينِي﴾ [طَه: ٣٩].","vol":"2","page":139},{"text":"وَالجَوَابُ: إِنَّ المَعْنَى فِي هَاتَينِ الآيَتِينِ عَلَى ظَاهِرِ الكَلَامِ وَحَقِيقَتِهِ، لَكِنْ مَا ظَاهِرُ الكَلَامِ وَحَقِيقتُهُ هُنَا؟ هَلْ يُقَالُ: إِنَّ ظَاهِرَهُ وَحَقِيقَتَهُ أَنَّ السَّفِينَةَ تَجْرِي فِي عَينِ اللهِ؛ أَو أَنَّ مُوسَى ﵊ يَرْبَى فَوقَ عَينِ اللهِ تَعَالَى؟!!\nأَو يُقَالُ: إِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ السَّفِينَةَ تَجْرِي وَعَينُ اللهِ تَرْعَاهَا وَتَكْلَؤُهَا، وَكَذَلِكَ تَرْبِيَةُ مُوسَى تَكُونُ عَلَى عَينِ اللهِ تَعَالَى يَرْعَاهُ وَيَكْلَؤُهُ بِهَا، وَلَا رَيبَ أَنَّ القَولَ الأَوَّلَ بَاطِلٌ، وَذَلِكَ مِنْ وَجْهَينِ:\nأ- أَنَّهُ لَا يَقْتَضِيهِ الكَلَامُ بِمُقْتَضَى الخِطَابِ العَرَبِيِّ، وَالقُرْآنُ إِنَّمَا نَزَلَ بِلُغَةِ العَرَبِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يُوسُف: ٢] وَلَا أَحَدَ يَفْهَمُ مِنْ قَولِ القَائِلِ: فُلَانٌ يَسِيرُ بِعَينِي أَنَّ المَعْنَى أَنَّهُ يَسِيرُ دَاخِلَ عَينِهِ، وَلَا مِنْ قَولِ القَائِلِ: فُلَانٌ تَخَرَّجَ عَلَى عَينِي؛ أَنَّ تَخَرُّجَهُ كَانَ وَهُوَ رَاكِبٌ عَلَى عَينِهِ، وَلَو ادَّعَى مُدَّعٍ أَنَّ هَذَا هُوَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ فِي هَذَا الخِطَابِ لَضَحِكَ مِنْهُ السُّفَهَاءُ فَضْلًا عَنِ العُقَلَاءِ (^١).\nب- أَنَّ هَذَا مُمْتَنِعٌ غَايَةَ الامْتِنَاعِ، وَلَا يُمْكِنُ لِمَنْ عَرَفَ اللهَ وَقَدَّرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ أَنْ يَفْهَمَهُ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ لَا يَحُلُّ فِيهِ شَيءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، وَلَا هُوَ حَالٌّ فِي شَيءٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ ﷾.\nفَإِذَا تَبَيَّنَ بُطْلَانُ هَذَا مِنَ النَّاحِيَةِ اللَّفْظِيَّةِ وَالمَعْنَوِيَّةِ تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرُ الكَلَامِ هُوَ القَولُ الثَّانِي؛ أَنَّ السَّفِينَةَ تَجْرِي وَعَينُ اللهِ تَرْعَاهَا وَتَكْلَؤُهَا، وَكَذَلِكَ تَرْبِيَةُ مُوسَى تَكُونُ عَلَى عَينِ اللهِ يَرْعَاهُ وَيَكْلَؤُهُ بِهَا، وَهَذَا مَعْنَى قَولِ بَعْضِ السَّلَفِ: بِمَرْأًى مِنِّي،\n_________\n(^١) قُلْتُ: وَمِثْلُهُ قَولُ: إِنَّكَ تَحْتَ عَينِي، وَفُلَانٌ تَخَرَّجَ مِنْ تَحْتِ يَدِي، وَفُلَانٌ يَدِي اليُمْنَى وَ… مِمَّا مَعْنَاهُ ظَاهِرٌ مَفْهُومٌ بِاللِّسَانِ العَرَبِيِّ.","vol":"2","page":140},{"text":"فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى إِذَا كَانَ يَكْلَؤُهُ بِعَينِهِ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يَرَاهُ (^١).\n٦ - قَولُهُ تَعَالَى فِي الحَدِيثِ القُدُسِيِّ: «وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لأُعطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ». صَحِيح البُخَارِيِّ (^٢).\nوَقَدْ أَخَذَ السَّلَفُ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ بِظَاهِرِ الحَدِيثِ وَأَقَرُّوهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَلَكِنْ مَا ظَاهِرُ هَذَا الحَدِيثِ؟ هَلْ يُقَالُ: إِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَكُونُ سَمْعَ الوَلِيِّ وَبَصَرَهُ وَيَدَهُ وَرِجْلَهُ؟! أَو يُقَالُ: إِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُسَدِّدُ الوَلِيَّ فِي سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَيَدِهِ وَرِجْلِهِ بِحَيثُ يَكُونُ إِدْرَاكُهُ وَعَمَلُهُ للهِ وَبِاللهِ وَفِي اللهِ؟\nوَلَا رَيبَ أَنَّ القَولَ الأَوَّلَ لَيسَ هُوَ ظَاهِرُ الكَلَامِ؛ بَلْ وَلَا يَقْتَضِيهِ الكَلَامُ لِمَنْ تَدَبَّرَ الحَدِيثَ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: «وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ؛ فَإِذَا أَحْبَبتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ …»، وَقَالَ: «وَلَئِنْ سَأَلَنِي لأُعطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ» فَأَثْبَتَ عَبْدًا وَمَعْبُودًا، وَمُتَقَرِّبًا وَمُتَقَرَّبًا إِلَيهِ، وَمُحِبًّا وَمَحْبُوبًا، وَسَائِلًا وَمَسْئُولًا، وَمُعْطِيًا وَمُعْطًى، وَمُسْتَعِيذًا وَمُسْتَعَاذًا بِهِ، فَسِيَاقُ الحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى اثْنَينِ مُتَبَايِنَينِ؛ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيرُ الآخَرِ.\nوَإِذَا تَبَيَّنَ بُطْلَانُ القَولِ الأَوَّلِ وَامْتِنَاعُهُ تَعَيَّنَ القَولُ الثَّانِي وَهُوَ ظَاهِرُ سِيَاقِ الحَدِيثِ؛ حَيثُ جُعِلَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الإِثَابَةِ وَالإِعَانَةِ، وَهُوَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُسَدِّدُ هَذَا\n_________\n(^١) قُلْتُ: وَوَجْهُ كَونِ العَينِ هِيَ الَّتِي تَرْعَاهُ دُونَ الوَجْهِ أَوِ اليَدِ أَو … هُوَ لِأَنَّ العَينَ تُفِيدُ الاطِّلَاعَ وَالمُرَاقَبَةَ وَالإِحَاطَةَ مِمَّا يُنَاسِبُ الحِفْظَ. وَاللهُ أَعْلَمُ.\n(^٢) البُخَارِيُّ (٦٥٠٢)، وَفِي الحَدِيثِ كَلَامٌ، رَاجِعِ الصَّحِيحَةَ (١٦٤٠).","vol":"2","page":141},{"text":"الوَلِيَّ فِي سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَعَمَلِهِ، وَهَذَا مَا فَسَّرَهُ بِهِ السَّلَفُ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ مُطَابِقٌ لِظَاهِرِ اللَّفْظِ وَمُوَافِقٌ لِحَقِيقَتِهِ وَمُتَعَيِّنٌ بِسِيَاقِهِ، وَلَيسَ فِيهِ تَأْوِيلٌ وَلَا صَرْفٌ لِلكَلَامِ عَنْ ظَاهِرِهِ، وَللهِ الحَمْدُ وَالمِنَّةُ (^١) (^٢).\n\n-<span data-type='title' id=toc-320> بَيَانُ أَدِلَّةِ العُلُوِّ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالعَقْلِ وَالفِطْرَةِ وَالإِجْمَاعِ:</span>\n١ - أَمَّا دِلَالَةُ الكِتَابِ، فَقَدْ تَنَوَّعَتْ دِلَالتُهُ عَلَى ذَلِكَ:\nأ- تَارَةً بِلَفْظِ العُلُوِّ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البَقَرَة: ٢٥٥]،\nوَالفَوقِيَّةِ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأَنْعَام: ١٨]،\nوَالاسْتِوَاءِ عَلَى العَرْشِ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طَه: ٥]،\n_________\n(^١) أَفَادَهُ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ فِي كِتَابِهِ (المُجَلَّى فِي شَرْحِ القَوَاعِدِ المُثْلَى) (ص ٢٨٤) بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ.\nقُلْتُ: وَمِثْلُهُ قَولُ القَائِلِ: اسْتَعْمِلْنِي عَلَى كَذَا؛ أَكُنْ يَدَكَ اليُمْنَى، فَمَا هُوَ ظاهِرُ هَذَا الكَلَامِ عَلَى الحَقِيقَةِ، وَالَّذِي يَتَبَادَرُ إِلَى ذِهْنِ العَالِمِ أَوِ العَامِيِّ؟؟.\n(^٢) وَفِي الجَوَابِ عَنِ الحَدِيث أَقْوَالٌ أُخْرُ؛ مِنْهَا: إِنَّ الإِنْسَانَ إِذَا كَانَ وَلِيًّا للهِ ﷿ حَفِظَ سَمْعَهُ وبَصَرَهُ وَ…، فَلَا يَسْتَخْدِمُهَا إِلَّا فِي طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى.\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١١/ ٣٤٤): \"وَقَالَ الطُّوفِيُّ: اتَّفَقَ العُلَمَاءُ -مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِقَولِهِم- أَنَّ هَذَا مَجَازٌ وَكِنَايَةٌ عَنْ نُصْرَةِ العَبْدِ وَتَأْيِيدِهِ وَإِعَانَتِهِ حَتَّى كَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يُنَزِّلُ نَفْسَهُ مِنْ عَبْدِهِ مَنْزِلَةَ الآلَاتِ الَّتِي يَسْتَعِينُ بِهَا\".\nقُلْتُ: وَهَذَا المَعْنَى حَقٌّ، لَكِنْ لَيسَ فِي الحَدِيثِ مَجَازٌ حَتَّى يُذْهَبَ بِهِ إِلَى مَعْنًى آخَرَ، فَالحَدِيثُ ظَاهِرُهُ هُوَ هَذَا المَعْنَى نَفْسُهُ.\nأَمَّا (الطُّوفِيُّ) هَذَا؛ فَلَعَلَّهُ هُوَ سُلَيمَانُ بْنُ عَبْدِ القَوِيِّ الطُّوفِيُّ الصَّرْصَرِيُّ؛ أَبُو الرَّبِيعِ؛ نَجْمُ الدِّينِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧١٦ هـ)، وَلَهُ شَرْحُ عَلَى الأَرْبَعِين. اُنْظُرْ كِتَابَ (ذَيلُ طَبَقَاتِ الحَنَابِلَةِ) لِلحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ ﵀ (٤/ ٤٠٤).","vol":"2","page":142},{"text":"وَكَونِهِ فِي السَّمَاءِ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [المُلْك: ١٦] (^١) (^٢).\nب- وَتَارَةً بِلَفْظِ صُعُودِ الأَشْيَاءِ وَعُرُوجِهَا وَرَفْعِهَا إِلَيهِ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَيهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فَاطِر: ١٠]، وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيهِ﴾ [المَعَارِج: ٤]، وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آلِ عِمْرَان: ٥٥].\nج- وَتَارَةً بِلَفْظِ نُزُولِ الأَشْيَاءِ مِنْهُ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [النَّحْل: ١٠٢]، وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السَّجْدَة: ٥] (^٣)\n_________\n(^١) قَالَ البَيهَقِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ الأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ (٢/ ٣٢٤): \"بَابُ قَولِ اللهِ ﷿: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [المُلْك: ١٦] قَالَ الشَّيخُ أَبُو بَكْرٍ؛ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ أَيُّوبَ الفَقِيهُ: قَدْ تَضَعُ العَرَبُ (فِي) بِمَوضِعِ (عَلَى)، قَالَ اللهُ ﷿: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ [التَّوبَة: ٢] وَقَالَ: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طَه: ٧١] وَمَعْنَاهُ: عَلَى الأَرْضِ وَعَلَى النَّخْلِ، فَكَذَلِكَ قَولُهُ: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ أَي: عَلَى العَرْشِ فَوقَ السَّمَاءِ\".\n(^٢) وَأَمَّا مَنْ جَعَلَ المَقْصُودَ فِي الآيَةِ الأَخِيرَةِ المَلَائِكَةَ! فَيُرَدُّ عَلَيهِ مِنْ وَجْهَينِ:\nأ- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ العَذَابُ مِنْ حَيثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النَّحْل: ٤٥] حَيثُ بَيَّنَ أَنَّهُ هُوَ الفَاعِلُ سُبْحَانَهُ لِلخَسْفِ وَلَيسَ المَلَائِكَةَ.\nب- أَنَّهَا عَلَى فَرْضِ كَونِ المَقْصُودِ بِهَا المَلَائِكَةُ، فَنَقُولُ قَدْ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ المَلَائِكَةَ عِنْدَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى كَونِهِ تَعَالَى فِي السَّمَاءِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ٢٠٦].\n(^٣) قُلْتُ: وَأَمَّا اعْتِرَاضُ بَعْضِهِم بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ ذَكَرَ إِنْزَالَ الحَدِيدِ وَالأَنْعَامِ وَالمَطَرِ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِثْلُ إِنْزَالِ القَرْآنِ؛ فَهِيَ لَا تَدُلُّ عَلَى العُلُوِّ!\nفَالجَوَابُ:\nإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ ذَكَرَ الإِنْزَالَ -فِي القُرْآنِ- عَلَى ثَلَاثِةِ أَشْكَالٍ:\n=","vol":"2","page":143},{"text":"(^١).\n_________\n=\nأ- إِنْزَالٍ مُطْلَقٌ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحَدِيد: ٢٥] فَأَطْلَقَ الإِنْزَالَ وَلَمْ يَذْكُرْ مَبْدأَهُ، وَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزُّمَر: ٦].\nب- الإِنْزَالِ مِنَ السَّمَاءِ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفُرْقَان: ٤٨].\nج- إِنْزَالٍ مِنْهُ سُبْحَانَهُ، كَقَولِهِ: ﴿تَنْزِيلُ الكِتَابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزُّمَر: ١]، وَقَولِهِ: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النَّحْل: ١٠٢]، وَقَالَ أَيضًا: ﴿وَالَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [الأَنْعَام: ١١٤].\nفَهَذَا الإِنْزَالُ مِنْ عِنْدِهِ خَصَّهُ اللهُ تَعَالَى بِالقُرْآنِ خِلَافًا لِمَا سَبَقَ مِنَ الأَنْوَاعِ، فَلَا تَصِحُّ مُعَارَضَتُهُ بِمَا سَبَقَ مِنَ الأَمْثِلَةِ وَالحَمْدُ للهِ. اُنْظرْ كِتَابَ (الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ فِي الأَجْوِبَةَ النَّجْدِيَّةِ) (٣/ ٣٧٧).\n(^١) قُلْتُ: وَأَيضًا هُنَاكَ أَوجُهٌ أُخَرُ، مِنْهَا:\nأ- الإِخْبَارُ عَنِ الأُمَمِ المَاضِيَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْ قَولِ فِرْعَونَ لِهَامَانَ: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غَافِر: ٣٦ - ٣٧].\nقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٢١/ ٣٨٧): \"وَقَولُهُ: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ يَقُولُ: وَإِنِّي لَأَظُنُّ مُوسَى كَاذِبًا فِيمَا يَقُولُ وَيَدَّعِي مِنْ أَنَّ لَهُ فِي السَّمَاءِ؛ رَبًّا أَرْسَلَهُ إِلَينَا\".\nقَالَ ابْنُ أَبِي العِزِّ الحَنَفِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيَّةِ (ص ٢٨٧) -بَعْدَ إِيرَادِ وَجْهِ الدِّلَالَةِ مِنَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ-: \"فَمَنْ نَفَى العُلُوَّ مِنَ الجَهْمِيَّةِ فَهُوَ فِرْعَونِيٌّ، وَمَنْ أَثْبَتَهُ فَهُوَ مُوسَوِيٌّ مُحَمَّدِيٌّ\".\nب- الإِخْبَارُ بِـ (عِنْدَ) حَيثُ عُلِمَ أَنَّ المَلَائِكَةَ فِي السَّمَاءِ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ١٩].\nوَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ٢٠٦].\nج- تَشْبِيهُ الرُّؤْيَةِ بِالرُّؤْيَةِ فِي حَدِيثِ البُخَارِيِّ (٨٠٦)، فَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁؛ أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَومَ القِيَامَةِ؟ قَالَ: «هَلْ تُمَارُونَ فِي القَمَرِ لَيلَةَ البَدْرِ لَيسَ دُونَهُ سَحَابٌ؟» قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «فَهَلْ تُمَارُونَ فِي الشَّمْسِ لَيسَ دُونَهَا سَحَابٌ، …». فَالتَّشْبِيهُ فِي الرُّؤْيَةِ فِيهِ ثَلَاثَةُ=","vol":"2","page":144},{"text":"٢ - أَمَّا السُّنَّةُ، فَقَدْ دَلَّتْ عَلَيهِ بِأَنْوَاعِهَا القَولِيَّةِ وَالفِعْلِيَّةِ وَالإِقْرَارِيَّةِ، وَفِي أَحَادِيثَ كَثِيرْةٍ تَبْلُغُ حَدَّ التَّوَاتُرِ، وَعَلَى وُجُوهٍ مُتَنَوِّعَةٍ:\nأ- قَولِيَّةٍ: كَقَولِهِ ﷺ فِي سُجُودِهِ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى» (^١)، وَقَولِهِ: «لَمَّا قَضَى اللهُ الخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ؛ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوقَ العَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي» (^٢)، وَقَولِهِ: «أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ» (^٣).\nب- فِعْلِيَّةٍ: أَنَّهُ رَفَعَ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ يَومَ عَرَفَة حِينَ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيتَ وَنَصَحْتَ. فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ» (^٤).\nج- إِقْرَارِيَّةٍ: أَنَّهُ قَالَ لِلجَارِيَةِ: «أَينَ اللهُ؟» قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ. فَأَقَرَّهَا، وَقَالَ لِسَيِّدِهَا: «اعْتِقْهَا؛ فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» (^٥) (^٦).\n_________\n=\nجَوَانِبَ هِيَ: الوُضُوحُ لِلرَّائِي (لَيسَ دُونَهَا سَحَابٌ)، العُلُوُّ لِلمَرْئِيِّ (عُلُوُّ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ)، النَّظَرُ إِلَى العُلُوِّ (النَّظَرُ إِلَى السَّمَاءِ).\n(^١) مُسْلِمٌ (٧٧٢) عَنْ حُذَيفَةَ مَرْفُوعًا.\n(^٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٧٤٠٤)، وَمُسْلِمٌ (٢٧٥١) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.\n(^٣) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤٣٥١)، وَمُسْلِمٌ (١٠٦٤) عَنْ أَبِي سَعِيد الخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا.\n(^٤) مُسْلِمٌ (١٢١٨) عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا.\n(^٥) مُسْلِمٌ (٥٧١) عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الحَكَمِ السُّلَميِّ مَرْفُوعًا.\n(^٦) وَهُوَ سُؤَالُ امْتِحَانٍ لِلإِيمَانِ.\nقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ الرِّسَالَةُ (ص ٧٥): \"فَلَو آمَنَ عَبْدٌ بِهِ وَلَمْ يُؤْمِنْ بَرَسُولِهِ لَمْ يَقَعْ عَلَيهِ اسْمُ كَمَالِ الإِيمَانِ أَبَدًا حَتَّى يُؤْمِنَ بِرَسُولِهِ مَعَهُ، وَهَكَذَا سَنَّ رَسُولُهُ فِي كُلِّ مَنْ امْتَحَنَهُ لِلإِيمَانِ.\nأَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِلَالِ بْنِ أُسَامَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الحَكَمِ قَالَ: أَتَيتُ رَسُولَ اللهِ بِجَارِيَةٍ؛ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ: عَلَيَّ رَقَبَةٌ أَفَأُعْتِقُها؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ: «أَينَ اللهُ؟» فَقَالَتْ: فِي السَّمَاءِ. فَقَالَ: «وَمَنْ أَنَا؟» قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ. قَالَ: «فَأَعْتِقْهَا» \".","vol":"2","page":145},{"text":"٣ - أَمَّا العَقْلُ: فَقَدْ دَلَّ عَلَى وُجُوبِ صِفَةِ الكَمَالِ للهِ تَعَالَى وَتَنْزِيهِهِ عَنِ النَّقْصِ، وَالعُلُوُّ صِفَةُ كَمَالٍ، وَالسُّفْلُ نَقْصٌ، فَوَجَبَ للهِ تَعَالَى صِفَةُ العُلُوِّ وَتَنْزِيهُهُ عَنْ ضِدِّهَا (^١).\n٤ - أَمَّا الفِطْرَةُ: فَقَدْ دَلَّتْ عَلَى عُلُوِّ اللهِ تَعَالَى دِلَالَةً ضَرُورِيَّةً فِطْرِيَّةً؛ فَمَا مِنْ دَاعٍ أَو خَائِفٍ فَزِعَ إِلَى ربِّه تَعَالَى إِلَّا وَجَدَ فِي قَلْبِهِ ضَرُورَةَ الاتِّجَاهِ نَحْوَ العُلُوِّ لَا يَلْتَفِتُ عَنْ ذَلِكَ يَمْنَةً وَلَا يَسْرَةً.\nوَاسْأَلِ المُصَلِّينَ؛ يَقُولُ الوَاحِدُ مِنْهُم فِي سُجُودِهِ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى» فَاُنْظُرْ أَينَ تَتَّجِهُ قُلُوبُهُم حِينَذَاكَ؟ (^٢) (^٣)\n_________\n(^١) وَتَأَمَّلِ السُّفْلَ وَالأَسْفَلَ فِي النُّصُوصِ القُرْآنيِّةِ لِتَرَى بُرْهَانَ ذَلِكَ.\n(^٢) قَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ (١٨/ ٤٧٤) -عِنْدَ تَرْجَمَةِ إِمَامِ الحَرَمَينِ أَبِي المَعَالِي الجُوَينِيِّ-: \"قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ: حَضَرَ المُحَدِّثُ أَبُو جَعْفَرٍ الهَمَذَانِيُّ فِي مَجْلِسَ وَعْظِ أَبِي المَعَالِي، فَقَالَ: كَانَ اللهُ وَلَا عَرْشَ، وَهُوَ الآنَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيهِ. فَقَالَ أَبُو جَعْفَر: أَخْبِرْنَا يَا أَسْتَاذُ عَنْ هَذِهِ الضَّرُورَةِ الَّتِي نَجِدُهَا، مَا قَالَ عَارِفٌ قَطُّ: يَا اللهُ! إِلَّا وَجَدَ مِنْ قَلْبِهِ ضَرُورَةً تَطْلُبُ العُلُوَّ! وَلَا يَلتَفِتُ يَمْنَةً وَلَا يَسْرَةً! فَكَيفَ نَدْفَعُ هَذِهِ الضَّرُورَةَ عَنْ أَنْفُسنَا؟ -أَو قَالَ: فَهَلْ عِنْدَكَ دَوَاءٌ لِدَفْعِ هَذِهِ الضَّرُورَةِ الَّتِي نَجدُهَا؟ - فَقَالَ: يَا حَبِيبِي! مَا ثَمَّ إِلَّا الحَيرَةَ، وَلَطَمَ عَلَى رَأْسِهِ، وَنَزَلَ، وَبَقِيَ وَقْتًا عَجِيب، وَقَالَ فِيمَا بَعْد: حَيَّرَنِي الهَمَذَانِيُّ\".\nقُلْتُ: وَأمَّا مَا نقَلَهُ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (٥/ ٢٤) -عَنْ بَعْضِهِم عِنْدَ شَرْحِ حَدِيثِ الجَارِيَةِ- قَولَهُ: \"لِأَنَّ السَّمَاءَ قِبْلَةُ الدَّاعِينَ، كَمَا أَنَّ الكَعْبَة قِبْلَةُ المُصَلِّينَ\" مُرِيدًا بِذَلِكَ مُعَارَضَةَ الجَوَابِ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى فِي السَّمَاءِ! فَهُوَ كَلَامٌ هَزِيلٌ مَرْدُودٌ، وَهُزَالَهُ يَأْتِي مِنْ إِخْرَاجِ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ ظَاهِرِهِ مَعَ أَنَّ المَقَامَ خَطِيرٌ جَلِيلٌ فِيهِ إِخْبَارٌ عَنِ الرَّبِّ تَعَالَى فِيمَا ظَاهِرُهُ كُفْرٌ عِنْدَهُم!! وَلَو تَسَامَحْنَا بِمِثْلِ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتَ فِي العَقِيدَةِ؛ فَمَاذَا يَسْلَمُ لَنَا مِنْ دِينِنَا؟ وَاللهُ المُوَفِّقُ وَهُوَ الهَادِي لِلصَّوَابِ.\n(^٣) وَفِي كِتَابِ التَّوحِيدِ مِنْ صَحِيحِ البُخَارِيِّ (٩/ ١٢٦)؛ قَالَ ﵀: \"بَابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيهِ﴾ وَقَولِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِلَيهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾، وَقَالَ أَبُو جَمْرَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: بَلَغَ أَبَا ذَرٍّ مَبْعَثُ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لِأَخِيهِ: اعْلَمْ لِي عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ الخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ﴾ يَرْفَعُ الكَلِمَ الطَّيِّبَ، يُقَالُ: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾ المَلَائِكَةُ تَعْرُجُ إِلَى اللهِ\".\nقَالَ الشَّيخُ الغُنَيمَانُ حَفِظَهُ اللهُ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوحِيدِ مِنْ صَحِيحِ البُخَارِيِّ (١/ ٤٤٣): \"وَمَقْصُودُهُ مِنْ ذَلِكَ بَيَانُ أَنَّ عُلُوَّ اللهِ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ أَمْرٌ مَفْطُورٌ عَلَيهِ الخَلْقُ، وَمَعْلُومٌ بِالعَقْلِ، وَالوَحْيُ جَاءَ مُؤَيِّدًا لِذَلِكَ، وَمُوَضِّحًا لَهُ\".\nقُلْتُ: وَكَانَ مِنْ أَيمَانِ العَرَبِ قَولُهُم: \"لَا وَالَّذِي يَرَانِي مِنْ فَوقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ\". أَفَادَهُ الشَّيخُ الغُنَيمَانُ حَفِظَهُ اللهُ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوحِيدِ مِنْ صَحِيحِ البُخَارِيِّ (١/ ٤٦٣)، وَعَزَاهُ هُنَاكَ إِلَى كِتَابِ (أَيمَانُ العَرَبِ) (ص ١٥) لِلنُّجِيرَمِيِّ.","vol":"2","page":146},{"text":"٥ - أَمَّا الإِجْمَاعُ: فَقَدْ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَالأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى فَوقَ سَمَاوَاتِهِ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ، وَكَلَامُهُم مَشْهُورٌ فِي ذَلِكَ نَصًّا وَظَاهِرًا، قَالَ الأَوزَاعِيُّ: \"كُنَّا وَالتَّابِعُونَ مُتَوَافِرُونُ نَقُولُ: إِنَّ اللهَ عَلَى عَرْشِهِ، وَنُؤْمِنُ بِمَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ مِنْ صِفَاتِهِ\" (^١) (^٢).\n_________\n(^١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١٣/ ٤٠٦): \"أَخْرَجَهُ البَيهَقِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ\".\n(^٢) قُلْتُ: وَلَو رُحْتَ تَسْأَلُ اليَومَ بَعْضَ الأَشَاعِرَةِ وَأَمْثَالَهُم: أَينَ اللهُ؟ فَلَعَلَّكَ لَا تَجِدُ عِنْدَهُم جَوَابًا!\nوَبَعْضُهُم يُنْكِرُ هَذَا السُّؤَالَ أَصْلًا!\nوَبَعْضُهُم يَقُولُ: نُؤْمِنُ بِأَنَّهُ مَوجُودٌ وَيَكْفِينَا!\nوَبَعْضُهُم -وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ مِنْ أَمْثَلِهِم طَرِيقَةً- يَقُولُ: \"اللهُ لَا فَوقَ وَلَا تَحْتَ، وَلَا يَمِينَ وَلَا يَسَارَ، وَلَا أَمَامَ وَلَا خَلَفَ، وَلَا دَاخِلَ العَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ\"! كَذَا فِي حَاشِيَةِ البَيجُورِيّ عَلَى (الجَوهَرَةِ) صَفْحَة (٥٨). وَيُنْظَرُ مُقَدِّمَةُ الشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ ﵀ عَلَى مُخْتَصَرِ العُلُوِّ (ص ٥٤).","vol":"2","page":147},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-321> حُكْمُ مُنْكِرِ الصِّفَاتِ:</span>\nيَجِبُ قَبْلَ الحُكْمِ عَلَى المُسْلِمِ بِكُفْرٍ أَو فِسْقٍ أَنْ يُنْظَرَ فِي أَمْرَينِ:\n١ - دِلَالَةِ الكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ هَذَا القَولَ أَوِ الفِعْلَ مُوجِبٌ لِلكُفْرِ أَوِ الفِسْقِ.\n٢ - انْطِبَاقِ هَذَا الحُكْمِ عَلَى القَائِلِ المُعَيَّنِ أَوِ الفَاعِلِ المُعَيَّنِ؛ بِحَيثُ تَتِمُ شُرُوطُ التَّكْفِيرِ أَوِ التَّفْسِيقِ فِي حَقِّهِ وَتَنْتَفِي المَوَانِعُ.\nوَمِنْ أَهَمِّ الشُّرُوطِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمُخَالَفَتِهِ الَّتِي أَوجَبَتْ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا أَو فَاسِقًا؛ وَذَلِكَ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النِّسَاء: ١١٥]، وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ [التَّوبَة: ١١٥].\nوَلِهَذَا قَالَ أَهْلُ العِلْمِ: لَا يَكْفُرُ جَاحِدُ الفَرَائِضِ إِذَا كَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ حَتَّى يُبَيَّنَ لَهُ.\nوَمِنَ المَوَانِعِ أَنْ يَقَعَ مَا يُوجِبُ الكُفْرَ أَوِ الفِسْقَ بِغَيرِ إِرَادَةٍ مِنْهُ، وَلِذَلِكَ صُوَرٌ:\nمِنْهَا: أَنْ يُكْرَهَ عَلَى ذَلِكَ؛ فَيَفْعَلَهُ لِدَاعِي الإِكْرَاهِ لَا اطْمِئْنَانًا بِهِ، فَلَا يَكْفُرُ حِينَئِذٍ؛ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النَّحْل: ١٠٦].\nوَمِنْهَا: أَنْ يُغْلَقَ عَلَيهِ فِكْرُهُ؛ فَلَا يَدْرِي مَا يَقُولُ لِشِدَّةِ فَرَحٍ أَو حُزْنٍ أَو خَوفٍ أَو","vol":"2","page":148},{"text":"نَحْوِ ذَلِكَ، كَالحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ قَولُ الرَّجُلِ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ»! رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).\nقَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ فِي مَجْمُوعِ الفَتَاوَى (^٢): \"هَذَا مَعَ أَنِّي دَائِمًا -وَمَنْ جَالَسَنِي يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنِّي- أَنِّي مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ نَهْيًا عَنْ أَنْ يُنْسَبَ مُعَيَّنٌ إلَى تَكْفِيرٍ وَتَفْسِيقٍ وَمَعْصِيَةٍ؛ إِلَّا إذَا عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ قَامَتْ عَلَيهِ الحُجَّةُ الرِّسَالِيَّةُ الَّتِي مَنْ خَالَفَهَا كَانَ كَافِرًا تَارَةً وَفَاسِقًا أُخْرَى وَعَاصِيًا أُخْرَى. وَإِنِّي أُقَرِّرُ أَنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ خَطَأَهَا، وَذَلِكَ يَعُمُّ الخَطَأَ فِي المَسَائِلِ الخَبَرِيَّةِ القَولِيَّةِ (^٣) وَالمَسَائِلِ العَمَلِيَّةِ، وَمَا زَالَ السَّلَفُ يَتَنَازَعُونَ فِي كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ المَسَائِلِ وَلَمْ يَشْهَدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى أَحَدٍ لَا بِكُفْرِ وَلَا بِفِسْقِ وَلَا مَعْصِيَةٍ\".\nوَقَالَ أَيضًا ﵀: \"وَكُنْت أُبَيِّنُ لَهُمْ أَن َّمَا نُقِلَ لَهُمْ عَنِ السَّلَفِ وَالأَئِمَّةِ مِنْ إطْلَاقِ القَولِ بِتَكْفِيرِ مَنْ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا؛ فَهُوَ أَيضًا حَقٌّ، لَكِنْ يَجِبُ التَّفْرِيقُ بَينَ الإِطْلَاقِ وَالتَّعْيِينِ.\nوَهَذِهِ أَوَّلُ مَسْأَلَةٍ تَنَازَعَتْ فِيهَا الأُمَّةُ مِنْ مَسَائِلِ الأُصُولِ الكِبَارِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ\n_________\n(^١) وَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ -وَعَلَيهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ- فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَينَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ! أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ». صَحِيحُ مُسْلِمٍ (٢٧٤٧).\n(^٢) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (٣/ ٢٢٩).\n(^٣) أَي: الاعْتِقَادِيَّة.","vol":"2","page":149},{"text":"الوَعِيدِ؛ فَإِنَّ نُصُوصَ القُرْآنِ فِي الوَعِيدِ مُطْلَقَةٌ كَقَولِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الآيَةَ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا وَرَدَ: (مَنْ فَعَلَ كَذَا فَلَهُ كَذَا)؛ فَإِنَّ هَذِهِ مُطْلَقَةٌ عَامَّةٌ، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ قَولِ مَنْ قَالَ مِنَ السَّلَفِ: (مَنْ قَالَ كَذَا؛ فَهُوَ كَذَا)، ثُمَّ الشَّخْصُ المُعَيَّنُ يَلْتَغِي حُكْمُ الوَعِيدِ فِيهِ بِتَوبَةٍ أَو حَسَنَاتٍ مَاحِيَةٍ أَو مَصَائِبَ مُكَفِّرَةٍ أَو شَفَاعَةٍ مَقْبُولَةٍ، وَالتَّكْفِيرُ هُوَ مِنَ الوَعِيدِ، فَإِنَّهُ -وَإِنْ كَانَ القَولُ تَكْذِيبًا لِمَا قَالَهُ الرَّسُولُ- لَكِنْ قَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ حَدِيثَ عَهْدٍ بِإِسْلَامِ أَو نَشَأَ بِبَادِيَةِ بَعِيدَةٍ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَكْفُرُ بِجَحْدِ مَا يَجْحَدُهُ حَتَّى تَقُومَ عَلَيهِ الحُجَّةُ، وَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ لَا يَسْمَعُ تِلْكَ النُّصُوصَ، أَو سَمِعَهَا وَلَمْ تَثْبُتْ عِنْدَهُ، أَو عَارَضَهَا عِنْدَهُ مُعَارِضٌ آخَرُ أَوجَبَ تَأْوِيلَهَا -وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا-، وَكُنْت دَائِمًا أَذْكُرُ الحَدِيثَ الَّذِي فِي الصَّحِيحَينِ فِي الرَّجُلِ الَّذِي قَالَ: «إذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اسْحَقُونِي، ثُمَّ ذَرُّونِي فِي اليَمِّ؛ فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللهُ عَلَيَّ لَيُعَذِّبَنِي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا مِنَ العَالَمِينَ. فَفَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ، فَقَالَ اللهُ لَهُ: مَا حَمَلَك عَلَى مَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: خَشْيَتُكَ. فَغَفَرَ لَهُ». فَهَذَا رَجُلٌ شَكَّ فِي قُدْرَةِ اللهِ وَفِي إعَادَتِهِ إذَا ذُرِّيَ، بَلْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ لَا يُعَادُ! وَهَذَا كُفْرٌ بِاتِّفَاقِ المُسْلِمِينَ، لَكِنْ كَانَ جَاهِلًا لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ، وَكَانَ مُؤْمِنًا يَخَافُ اللهَ أَنْ يُعَاقِبَهُ، فَغَفَرَ لَهُ بِذَلِكَ.\nوَالمُتَأَوِّلُ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ؛ الحَرِيصُ عَلَى مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ أَولَى بِالمَغْفِرَةِ مِنْ مِثْلِ هَذَا\".\nوَبِهَذَا عُلِمَ الفَرْقُ بَينَ القَولِ وَالقَائِلِ، وَبَينَ الفِعْلِ وَالفَاعِلِ، فَلَيسَ كُلُّ قَولٍ أَو فِعْلٍ -يَكُون فِسْقًا أَو كُفْرًا يُحْكَمُ عَلَى قَائِلِهِ أَو فَاعِلِهِ بِذَلِكَ، لَكِنْ مَنِ انْتَسَبَ إِلَى غَيرِ الإِسْلَامِ أُعْطِيَ أَحْكَامَ الكُفَّارِ فِي الدُّنْيَا، ومَنْ تَبَيَّنَ لَهُ الحَقُّ فَأَصَرَّ عَلَى مُخَالَفَتِهِ تَبَعًا","vol":"2","page":150},{"text":"لِاعْتِقَادٍ كَانَ يَعْتَقِدُهُ أَو مَتْبُوعٍ كَانَ يُعَظِّمُهُ أَو دُنْيَا كَانَ يُؤْثِرُهَا؛ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ مَا تَقْتَضِيهِ تِلْكَ المُخَالَفَةُ مِنْ كُفْرٍ أَو فُسُوقٍ (^١) (^٢).\n_________\n(^١) قَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ (١٤/ ٣٧٤): \"قَالَ أَبُو الوَلِيدِ؛ حَسَّانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الفَقِيهُ: سَمِعْتُ ابْنَ خُزَيمَةَ يَقُولُ: القُرْآنُ كَلَامُ اللهِ تَعَالَى، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ مَخْلُوقٌ! فَهُوَ كَافِرٌ؛ يُسْتَتَابُ؛ فَإِنْ تَابَ وَإِلاَّ قُتِلَ، وَلَا يُدفَنُ فِي مَقَابِرِ المُسْلِمِينَ. وَلابْنِ خُزَيمَةَ عَظَمَةٌ فِي النُّفُوسِ، وَجَلَالَةٌ فِي القُلُوبِ لِعِلْمِهِ وَدِينِهِ وَاتِّبَاعِهِ السُّنَّةَ، وَكِتَابُهُ فِي (التَّوحِيدِ) مُجَلَّدٌ كَبِيرٌ، وَقَدْ تَأَوَّلَ فِي ذَلِكَ حَدِيثَ الصُّورَةِ، فَلْيَعْذُرْ مَنْ تَأَوَّلَ بَعْضَ الصِّفَاتِ، وَأَمَّا السَّلَفُ فَمَا خَاضُوا فِي التَّأْوِيلِ، بَلْ آمَنُوا وَكَفُّوا، وَفَوَّضُوا عِلْمَ ذَلِكَ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ. وَلَو أَنَّ كُلَّ مَنْ أَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ -مَعَ صِحَّةِ إِيمَانِهِ وَتَوَخِّيهِ لِاتِّبَاعِ الحَقِّ- أَهْدَرْنَاهُ وَبَدَّعنَاهُ! لَقَلَّ مَنْ يَسْلَمُ مِنَ الأَئِمَّةِ مَعَنَا، رَحِمَ اللهُ الجَمِيعَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ\".\nقُلْتُ: وَمَقْصُودُهُ أَنَّ ابْنَ خُزَيمَةَ نَفْسَهُ هُوَ أَيضًا تَأَوَّلَ بَعْضَ الصِّفَاتِ؛ لِذَلِكَ فَلْيَعْذُرْ غَيرَهُ أَيضًا.\n(^٢) وَلِتَمَامِ الفَائِدَةِ انْظُرْ مَسْأَلَةَ (شُرُوطِ التَّكْفِيرِ) فِي شَرْحِ بَابِ (مَنْ أَطَاعَ العُلَمَاءَ وَالأُمَرَاءَ فِي تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللهُ أَو تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَ اللهُ؛ فَقَدْ اتَّخَذَهُمْ أَرْبَابًا مَنْ دُونِ اللهِ).","vol":"2","page":151},{"text":"بَابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النَّحْل: ١٠٧].\nقَالَ مُجَاهِدٌ مَا مَعْنَاهُ: هُوَ قَولُ الرَّجُلِ: هَذَا مَالِي، وَرِثْتُهُ عَنْ آبَائِي.\nوَقَالَ عَونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: يَقُولُونَ: لَولَا فُلَانٌ لَمْ يَكُنْ كَذَا (^١).\nوَقَالَ ابْنُ قُتَيبَةَ: يَقُولُونَ: هَذَا بِشَفَاعَةِ آلِهَتِنَا (^٢).\nوَقَالَ أَبُو العَبَّاسِ -بَعْدَ حَدِيثِ زَيدِ بْنِ خَالِدٍ الَّذِي فِيهِ: «وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ» - الحَدِيثَ وَقَدْ تَقَدَّمَ: \"وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ يَذُمُّ سُبْحَانَهُ مَنْ يُضِيفُ إِنْعَامَهُ إِلَى غَيرِهِ وَيُشْرِكُ بِهِ. قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: هُوَ كَقَولِهِمْ: كَانَتِ الرِّيحُ طَيِّبَةً، وَالمَلَّاحُ حَاذِقًا، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ جَارٍ عَلَى أَلْسِنَةٍ كَثِيرَةٍ\" (^٣).\n_________\n(^١) رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (١٧/ ٢٧٣) بِنَحْوِهِ.\n(^٢) رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (١٧/ ٢٧٣) بِنَحْوِهِ.\n(^٣) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (٨/ ٣٣).","vol":"2","page":152},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: تَفْسِيرُ مَعْرِفَةِ النِّعْمَةِ وَإِنْكَارِهَا.\nالثَّانِيَةُ: مَعْرِفَةُ أَنَّ هَذَا جَارٍ عَلَى أَلْسِنَةٍ كَثِيرَةٍ.\nالثَّالِثَةُ: تَسْمِيَةُ هَذَا الكَلَامِ إِنْكَارًا لِلنِّعْمَةِ.\nالرَّابِعَةُ: اجْتِمَاعُ الضِّدَّينِ فِي القَلْبِ.","vol":"2","page":153},{"text":"<span data-type='title' id=toc-324>الشَّرْحُ</span>\n- هَذَا البَابُ ذَكَرَهُ الشَّيخُ ﵀ بَعْدَ بَابِ (مَنْ جَحَدَ شَيئًا مِنَ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ) لِأَنَّه مِنْ جِنْسِهِ، فَفِيهِ تَنَقُّصٌ لِلرُّبُوبِيَّةِ، فَالَّذِي يَجْحَدُ الأَسْمَاءَ وَالصِّفَاتِ قَدْ تَنَقَّصَ الرُّبُوبِيَّةَ، وَكَذَلِكَ الَّذِي يُضُيفُ النِّعَمَ إِلَى غَيرِ اللهِ ﷾ فَقَدْ تَنَقَّصَ الرُّبُوبِيَّةَ.\n- هَذِهِ الآيَةُ هِيَ مِنْ سُورَةِ النَّحْلِ الَّتِي تُسَمَّى سُورَةَ النِّعَمِ، لِأَنَّ اللهَ ﷾ عَدَّدَ فِيهَا كَثِيرًا مِنْ نِعَمِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَقَالَ فِيهَا: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النَّحْل: ١٨].\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يَعْرِفُونَ﴾ أَي: يُدْرِكُونَ بِحَوَاسِّهِم أَنَّ النِّعْمَةَ مِنْ عِنْدِ اللهِ.\n- قَولُهُ: ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ مُفْرَدَةٌ مُضَافَةٌ؛ وَالمُرَادُ بِهَا الجَمْعُ، وَالقَاعِدَةُ اللُّغَوِيَّةُ: أَنَّ المُفْرَدَ المُضَافَ يَعُمُّ.\n- قَولُهُ: ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ أَي: يُنْكِرونَ إِضَافَتَهَا إِلَى اللهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُم يُضِيفُونَهَا إِلَى السَّبَبِ غَافِلِينَ عَنِ المُسَبِّبِ الَّذِي هُوَ اللهُ سُبْحَانَهُ، وَلَيسَ المَعْنَى أنَّهُم يُنْكِرُونَ هَذِهِ النِّعْمَةَ؛ مِثَلَ أَنْ يَقُولُوا: مَا جَاءَنَا مَطَرٌ أَو وَلَدٌ أَو صِحَّةٌ! وَلَكِنْ يُنْكِرُونَهَا بِإضَافَتِهَا إِلَى غَيرِ اللهِ تَعَالَى غَافِلِينَ عَنِ الَّذِي خَلَقَ السَّبَبَ فَوُجِدَتْ بِهِ النِّعْمَةُ (^١).\n- فِي هَذِهِ الآيَةِ بَيَانُ أَنَّ إِضَافَةَ النِّعَمِ إِلَى غَيرِ اللهِ نَقْصٌ فِي كَمَالِ التَّوحِيدِ، وَنَوعُ شِرْكٍ بِاللهِ جَلَّ وَعَلَا، وَالآيَةُ الكَرِيمَةُ -وَإِنْ كَانَ الرَّاجِحُ أَنَّ المَقْصُودَ بِالنِّعْمَةِ فِيهَا هُوَ بَعْثَةُ الرَّسُولِ الكَرِيمِ مُحَمَّدٍ ﷺ (^٢) - فَعُمُومُهَا صَحِيحٌ، وَيَصِحُّ القَولُ بِأَنَّ إِنْكَارَ\n_________\n(^١) وَهِيَ كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ فِي نِسْبَةِ المَطَرِ إِلَى الأَنْوَاءِ.\n(^٢) قَالَ الطَبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (١٧/ ٢٧٣): \"وَأَولَى الأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ وَأَشْبَهُهَا بِتَأْوِيلِ الآيَةِ قَولُ مَنْ قَالَ: عُنِيَ بالنِّعْمَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللهُ فِي قَولِهِ: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ النِّعْمَةَ عَلَيهِم بِإِرْسَالِ مُحَمَّدٍ ﷺ إِلَيهِم دَاعِيًا إِلَى مَا بَعَثَهُ بِدُعَائِهِم إِلَيهِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ بَينَ آيَتَينِ كِلْتَاهُمَا خَبَرٌ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعَمَّا بُعِثَ بِهِ\".","vol":"2","page":154},{"text":"النِّعَمِ هُوَ مِنْ أَفْعَالِ المُشْرِكِينَ، وَقَدْ سُمِّيَ كُفْرًا كَمَا سَبَقَ فِي بَابِ (مَا جَاءَ فِي الاسْتِسْقَاءِ بالأَنْوَاءِ)، والقَاعِدَةُ المَشْهُورَةُ فِي التَّفْسِيرِ تَقُولُ: (العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ).\n- مَنْ أَضَافَ نِعْمَةَ الخَالِقِ إِلَى غَيرِهِ؛ فَقَدْ جَعَلَ مَعَهُ شَرِيكًا فِي الرُّبُوبِيَّةِ وَالأُلُوهِيَّةِ:\n١ - فَإِضَافَتُهَا إِلَى السَّبَبِ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ؛ هَذَا إِخْلَالٌ بِتَوحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ.\n٢ - تَرْكُ القِيَامِ بِالشُّكْرِ -الَّذِي هُوَ العِبَادَةُ- هُوَ إِخْلَالٌ بِتَوحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ.\n- قَولُهُ: (هَذَا مَالِي وَرِثْتُهُ عَنْ آبَائِي)، وقَولُهُ: (يَقُولُونَ: لَولَا فُلَانٌ لَمْ يَكُنْ كَذَا)؛ ظَاهِرُ هَذِهِ الكَلِمَةِ أَنَّهُ لَا شَيءَ فِيهَا، وَلِكْن لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ النِّسْبَةُ فِي مَعْرِضِ الكَلَامِ عَنِ المُنْعِمِ كَانَ ذَلِكَ مِنَ المَحْذُورِ، أَمَّا لَو كَانَ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ بَيَانِ السَّبَبِ -دُونَ الغَفْلَةِ عَنِ اللهِ تَعَالَى- لَكَانَ جَائِزًا، لِأَنَّه خَبَرٌ مَحْضٌ.\nوَدَلَّتْ لِذَلِكَ بَعْضُ نُصُوصِ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ مِثْلُ قَولِهِ ﷺ عَنْ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ: «وَلَولَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ» (^١)، فَتَبَيَّنَ أَنَّ هُنَاكَ فَرْقًا بَينَ إِضَافَةِ النِّعْمَةِ إِلَى الإِنْسَانِ عَلَى سَبِيلِ الخَبَرِ، وَبَينَ إِضَافَتِهِ إِلَى سَبَبِهِ مُتَنَاسِيًا المُسَبِّبَ وَهُوَ اللهُ ﷿ لَاسِيَّمَا مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ ذِكْرِ النِّعْمَةِ.\n- وَأَمَّا قَولُهُم: (هَذَا بِشَفَاعَةِ آلِهَتِنَا) فَفِيهِ الشِّرْكُ الأَكْبَرُ؛ مُضَافٌ إِلِيهِ كُفْرُ النِّعْمَةِ.\n_________\n(^١) البُخَاريُّ (٣٨٨٣) عَنِ العَبَّاسِ مَرْفُوعًا.","vol":"2","page":155},{"text":"- أَقْوَالُ المُفَسِّرِينَ السَّابِقَةُ مُخْتَلِفَةٌ عَنْ بَعْضِهَا مِنْ جِهَةِ التَّنَوِّعِ وَلَيسَ مِنْ جِهَةِ اخْتِلَافِ التَّضَادِّ، لِأَنَّ الآيَةَ تَحْتَمِلُ عِدَّةَ مَعَانٍ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ المُفَسِّرينَ يَأْخُذُ مَعْنًى مِنْ هَذِهِ المَعَانِي؛ فَإِذَا جَمَعْتَهَا وَجَدْتَّ أَنَّ الآيَةَ تَتَضَمَّنُ هَذِهِ المَعَانِي الَّتِي قَالُوهَا جَمِيعًا.\n- المَلَّاحُ: هُوَ قَائِدُ السَّفِينَةِ، وَسُمِّيَ مَلَّاحًا لِمُلَازَمَتِهِ لِلمَاءِ المِلْحِ، لِأَنَّ مَاءَ البَحْرِ مَالِحٌ، وَأمَّا الحَاذِقُ: فَهُوَ الَّذِي يُجِيدُ المِهْنَةَ.\n- أَرْكَاُنُ الشُّكْرِ:\n١ - الاعْتِرَافُ بِالنِّعْمَةِ.\n٢ - نِسْبَتُهَا إِلَى المُنْعِمِ، وَذَلِكَ بِالتَّحَدُّثِ بِهَا ظَاهِرًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضُّحَى: ١١].\n٣ - صَرْفُهَا فِي طَاعَتِهِ تَعَالَى (^١).\n_________\n(^١) قَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: \"وَأَصْلُ الشُّكْرِ فِي وَضْعِ اللِّسَانِ: ظُهُورُ أَثَرِ الغِذَاءِ فِي أَبْدَانِ الحَيَوَانِ ظُهُورًا بَيِّنًا. يُقَالُ: شَكِرَتِ الدَّابَّةُ؛ تَشْكَرُ شِكَرًا -عَلَى وَزْنِ سَمِنَتْ تَسْمَنُ سِمَنًا- إِذَا ظَهَرَ عَلَيهَا أَثَرُ العَلَفِ، وَدَابَّةٌ شَكُورٌ: إِذَا ظَهَرَ عَلَيهَا مِنَ السِّمَنِ فَوقَ مَا تَأْكُلُ وَتُعْطَى مِنَ العَلَفِ.\nوَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «حَتَّى إِنَّ الدَّوَابَّ لَتَشْكَرُ مِنْ لُحُومِهِمْ»، أَي: لَتَسْمَنُ مِنْ كَثْرَةِ مَا تَأْكُلُ مِنْهَا. وَكَذَلِكَ حَقِيقَتُهُ فِي العُبُودِيَّةِ: وَهُوَ ظُهُورُ أَثَرِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى لِسَانِ عَبْدِهِ ثَنَاءً وَاعْتِرَافًا، وَعَلَى قَلْبِهِ شُهُودًا وَمَحَبَّةً، وَعَلَى جَوَارِحِهِ انْقِيَادًا وَطَاعَةً.\nوَالشُّكْرُ مَبْنِيٌ عَلَى خَمْسِ قَوَاعِدَ: خُضُوعُ الشَّاكِرِ لِلْمَشْكُورِ، وَحُبُّهُ لَهُ، وَاعْتِرَافُهُ بِنِعْمَتِهِ، وَثَنَاؤُهُ عَلَيهِ بِهَا، وَأَنْ لَا يَسْتَعْمِلَهَا فِيمَا يَكْرَهُ\". مَدَارِجُ السَّالِكِينَ (٢/ ٢٣٤).\nقُلْتُ: وَالحَدِيثُ المَذْكُورُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٣١٥٣)، وَلَمْ أَجِدْ لَفْظَهُ فِي مُسْلِمٍ -إِلَّا أنْ يَكُونَ المَقْصُودَ أَصْلُهُ-، وَأَخْرَجَهُ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ (٨٥٠١) وَقَالَ: \"هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيخَينِ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ\".\nوَالحَدِيثُ المَذْكُورُ هُوَ فِي حَقِّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ عِنْدَ مَوتِهِم؛ حَيثُ تَأْكُلُ دَوَابُّ الأَرْضِ مِنْ جُثَثِهِم.","vol":"2","page":156},{"text":"- إنَّ نِسْبَةَ النِّعْمَةِ إِلَى غَيرِ اللهِ تَعَالَى -لَفْظًا- لَهُ أَحْوَالٌ ثَلَاثَةٌ:\n١ - أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ خَفِيًّا لَا تَأْثِيرَ لَهُ إِطْلَاقًا، كَأنْ يَقُولَ: لَولَا الوَلِيُّ الفُلَانيُّ -المَيِّتُ أَوِ الغَائِبُ- مَا حَصَلَ كَذَا وَكَذَا! فَهَذَا شِرْكٌ أَكْبَرُ؛ لِأَنَّه بِهَذَا القَولِ يَعْتَقِدُ أَنَّ لِهَذَا الوَلِيِّ تَصَرُّفًا فِي الكَونِ مَعَ أَنَّهُ مَيِّتٌ أَو غَائِبٌ، فَهُوَ تَصَرُّفٌ خَفِيٌّ.\n٢ - أَنْ يُضِيفَهُ إِلَى سَبَبٍ ظَاهِرٍ؛ لَكِن لَمْ يَثْبُتْ كَونُهُ سَبَبًا لَا شَرْعًا وَلَا حِسًّا؛ فَهَذَا نَوعٌ مِنَ الشِّرْكِ الأَصْغَرِ (^١).\n٣ - أَنْ يُضِيفَهُ إِلَى سَبَبٍ صَحِيحٍ ثَابِتٍ شَرْعًا أَو حِسًّا؛ فَهَذَا جَائِزٌ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَعْتَقِدَ أَنَّ السَّبَبَ مُؤَثِرٌ بِنَفْسِهِ، وَأَنْ لَا يَتَنَاسَى المُنْعِمَ بِذلِكَ.\n- فِي بَيَانِ قُبْحِ وبُطْلَانِ مَنْ أَضَافَ النِّعْمَةَ إِلَى السَّبَبِ دُونَ الخَالِقِ:\n١ - أَنَّ الخَالِقَ لِهَذهِ الأَسْبَابِ هُوَ اللهُ تَعَالَى؛ فَكَانَ الوَاجِبُ أَنْ يُشْكَرَ وتُضَافَ النِّعْمَةُ إِلَيهِ.\n٢ - أَنَّ السَّبَبَ قَدْ لَا يُؤَثِّرُ! كَمَا فِي الحَدِيثِ: «لَيسَتِ السَّنَةُ بِأَنْ لَا تُمْطَرُوا، وَلَكِنَّ السَّنَةَ أَنْ تُمْطَرُوا وَتُمْطَرُوا وَلَا تُنْبِتُ الأَرْضُ شَيئًا» (^٢).\n٣ - أَنَّ السَّبَبَ قَدْ يَكُونُ لَهُ مَانِعٌ يَمْنَعُ مِنْ تَأْثِيرِهِ (^٣).\n_________\n(^١) وَذَلِكَ مِثْلُ التَّمَائِمِ وَالقَلَائِدِ الَّتِي يُقَالُ: إِنَّهَا تَمْنَعُ العَينَ ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ! فَكَانَ مُشَابِهًا لِلمُشْرِكِينَ فِي صَنِيعِهِم وَتَعَلُّقِهِم بِهَا.\nوَمِثْلُهُ أَيضًا زَعْمُ نُزُولِ المَطَرِ بِسَبَبِ حَرَكَاتِ النُّجُومِ وأَمْثَالِهَا، حَيثُ جَاءَ فِيهِ: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادي مُؤْمِنٌ بي وَكَافِرٌ»، وَقَدْ سَبَقَ فِي (بَابِ مَا جَاءَ فِي الاسْتِسْقَاءِ بِالأَنْوَاءِ) مِثْلُ هَذَا البَيَانِ.\n(^٢) مُسْلِمٌ (٢٩٠٤) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.\n(^٣) قَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀ -وَقَدْ سَبَقَ-: \"أَحْكَامُ الأَسْبَابِ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ:\n=","vol":"2","page":157},{"text":"- ذِكْرُ تَرْجَمَةِ بَعْضِ مَنْ سَبَقَ مِنَ الأَعْلَامِ:\n(عَونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ): هُوَ ابْنُ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الهُذَلِيُّ، أَبُو عَبْدِ اللهِ؛ الكُوفيُّ؛ الزَّاهِدُ، تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ مَاتَ قَبْلَ (١٢٠ هـ).\n(ابْنُ قُتَيبَةَ): هُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ؛ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيبَةَ الدِّينَوَرِيُّ -قَاضِي دِينَوَرَ- النَّحَوِيُّ؛ اللُّغَوِيُّ؛ صَاحِبُ التَّصَانِيفِ البَدِيعَةِ المَشْهُورَةِ، (ت ٢٧٦ هـ).\n_________\n=\n١ - أَنْ لَا يَجْعَلَ مِنْهَا سَبَبًا إِلَّا مَا ثَبَتَ أَنَّه سَبَبٌ شَرْعًا أَو قَدَرًا.\n٢ - أَنْ لَا يَعْتَمِدَ العَبْدُ عَلَيهَا، بَلْ يَعْتَمِدُ عَلَى مُسَبِّبِهَا وَمُقَدِّرِهَا، مَعَ قِيَامِهِ بِالمَشْرُوعِ مِنْهَا، وَحِرْصِهِ عَلَى النَّافِعِ مِنْهَا.\n٣ - أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الأَسْبَابَ مُرْتَبِطَةٌ بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ، وَاللهُ تَعَالَى يَتَصَرَّفُ فِيهَا كَيفَ يَشَاءُ؛ إِنْ شَاءَ أَبْقَى سَبَبِيَّتَها جَارِيَةً وَإِنْ شَاءَ غَيَّرَهَا كَيفَ يَشَاءُ، وَفِي هَذَا فَائِدَةٌ عَظِيمَةٌ لِلعِبَادِ فِي أَنْ لَا يَعْتَمِدوا عَلَيهَا، وَلِيَعْلَمُوا كَمَالَ قُدْرَتِهِ سُبْحَانَهُ\".","vol":"2","page":158},{"text":"بَابُ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البَقَرَة: ٢٢]\nوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الآيَةِ: (الأَنْدَادُ هُوَ الشِّرْكُ؛ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ عَلَى صَفَاةٍ سَودَاءَ فِي ظُلْمَةِ اللَّيلِ! وَهُوَ أَنْ تَقُولَ: وَاللَّهِ؛ وَحَيَاتِكَ يَا فُلَانُ! وَحَيَاتِي! وَتَقُولَ: لَولَا كُلَيبَةُ هَذَا؛ لَأَتَانَا اللُّصُوصُ! وَلَولَا البَطُّ فِي الدَّارِ؛ لَأَتَى اللُّصُوصُ! وَقَولُ الرَّجُلِ لِصَاحِبِهِ: مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ! وَقَولُ الرَّجُلِ: لَولَا اللهُ وَفُلَانٌ! لَا تَجْعَلْ فِيهَا فُلَانًا، هَذَا كُلُّهُ بِهِ شِرْكٌ). رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ (^١).\nوَعَنِ [ابْنِ] عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيرِ اللهِ فَقَدْ كَفَرَ أَو أَشْرَكَ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (^٢).\nوَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: (لَأَنْ أَحْلِفَ بِاللَّهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيرِهِ صَادِقًا) (^٣).\n_________\n(^١) حَسَنٌ. ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ (٢٢٩). اُنْظُرْ كِتَابَ (تَخْرِيجُ أَحَادِيثَ وَآثَارِ كِتَابِ: فِي ظِلَالِ القُرْآنِ) (ص ١٥) لِلشَّيخِ عَلَوِي السَّقَّاف.\nوَفِي كِتَابِ الإِيمَانِ لِلقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ (ص ٧٣) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁: (إِنَّ القَومَ يُشْرِكُونَ بِكَلْبِهِم! يَقُولُونَ: كَلْبُنَا يَحْرُسُنَا، وَلَوْلَا كَلْبُنَا لَسُرِقْنَا)! وَضَعَّفَ إِسْنَادَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي التَّحْقِيقِ.\n(^٢) صَحِيحٌ. الحَاكِمُ (٧٨١٤)، وَالتِّرْمِذِيُّ (١٥٣٥) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا -وَلَيسَ عَنْ عُمَرَ-. صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (٢٩٥٢).\n(^٣) صَحِيحٌ. الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ (٩/ ١٨٣)، وَابْنُ أَبِي شَيبَةَ (١٢٢٨١) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوقُوفًا. صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (٢٩٥٣).","vol":"2","page":159},{"text":"وَعَنْ حُذَيفَةَ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ فُلَانٌ! وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ (^١).\nوَجَاءَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ؛ أَنَّهُ يَكْرَهُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ وَبِكَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، قَالَ: وَيَقُولُ: لَولَا اللهُ ثُمَّ فُلَانٌ، وَلَا تَقُولُوا: لَولَا اللهُ وَفُلَانٌ (^٢).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٩٨٠) عَنْ حُذَيفَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (١٣٧).\n(^٢) مُصَنَّفُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ (١٩٨١١).","vol":"2","page":160},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ البَقَرَةِ فِي الأَنْدَادِ.\nالثَّانِيَةُ: أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ يُفَسِّرُونَ الآيَةَ النَّازِلَةَ فِي الشِّرْكِ الأَكْبَرِ أَنَّهَا تَعُمُّ الأَصْغَرَ.\nالثَّالِثَةُ: أَنَّ الحَلِفَ بِغَيرِ اللهِ شِرْكٌ.\nالرَّابِعَةُ: أَنَّهُ إِذَا حَلَفَ بِغَيرِ اللهِ صَادِقًا فَهُوَ أَكْبَرُ مِنَ اليَمِينِ الغَمُوسِ.\nالخَامِسَةُ: الفَرَقُ بَينَ (الوَاوِ) وَ(ثُمَّ) فِي اللَّفْظِ.","vol":"2","page":161},{"text":"<span data-type='title' id=toc-327>الشَّرْحُ</span>\n- الآيَةُ الَّتِي فِي التَّرْجَمَةِ يُقْصَدُ بِهَا الشِّرْكُ الأَكْبَرُ؛ بِأَنْ يَجْعَلَ للهِ نِدًّا فِي العِبَادَةِ وَالحُبِّ وَالخَوفِ وَالرَّجَاءِ وَغَيرِهَا مِنَ العِبَادَاتِ، وَلَكِنْ أَرَادَ بِهَا المُصَنِّفُ هُنَا الشِّرْكَ الأَصْغَرَ؛ كَالشِّرْكِ فِي الأَلفَاظِ وَالحَلِفِ بِغَيرِ اللهِ، وَكَالتَّشْرِيكِ بَينَ اللهِ وَبَينَ خَلْقِهِ فِي الأَلْفَاظِ كَـ: (لَولَا اللهُ وَفُلَانٌ؛ وَهَذَا بِاللهِ وَبِكَ)، وَكَإِضَافَةِ النِّعَمِ وَوُقُوعِهَا لِغَيرِ اللهِ كَـ: (لَولَا الحَارِسُ لِأَتَانَا اللُّصُوصُ، وَلَولَا الدَّوَاءُ الفُلَانِيُّ لَهَلَكْتُ، ولَولَا حِذْقُ فُلَانٍ فِي المَكْسَبِ الفُلَانِيِّ لَمَا حَصَلَ كَذَا)! فَكُلُّ هَذَا يُنَافِي كَمَالَ التَّوحِيدِ الوَاجِبِ.\nوَالوَاجِبُ أَنْ تُضَافَ الأُمُورُ وَوُقُوعُهَا وَنَفْعُ الأَسْبَابِ إِلَى إِرَادَةِ اللهِ ابْتِدَاءً؛ ثُمَّ يَذْكُرَ معَ ذَلكَ مَرْتَبَةَ السَّبَبِ وَنَفْعَهُ؛ فَيَقُولَ: (لَولَا اللهُ ثُمَّ كَذَا) لِيُعْلَمَ أَنَّ الأَسْبَابَ مُرْتَبِطَةٌ بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ، فَلَا يَتِمُّ تَوحِيدُ العَبْدِ حَتَّى لَا يَجْعَلَ للهِ نِدًّا فِي قَلبِهِ وَقَولِهِ وَفِعْلِهِ.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ الفَاءُ فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ هِيَ فَاءُ التَّعْلِيلِ، وَمَعْنَى الكَلَامِ أَنَّ مَنْ عَلِمَ كُلَّ مَا سَبَقَ عَن اللهِ تَعَالَى وَنِعَمِهِ الظَّاهِرَةِ وَالبَاطِنَةِ (^١) فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ مَعَهُ نِدًّا ﷾، وَالنِّدُّ هُوَ المَثِيلُ.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ يَشْمَلُ العِبَادَةَ؛ وَأَيضًا الأَسْمَاءَ والصِّفَاتِ.\n- قَولُهُ: (أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ عَلَى صَفَاةٍ سَودَاءَ فِي ظُلْمَةِ اللَّيلِ): الخَفَاءُ هُوَ\n_________\n(^١) وَالسِّيَاقُ هُوَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البَقَرَة: ٢٢].","vol":"2","page":162},{"text":"لِأَثَرِ الدَّبِيبِ عَلَى الصَّفَاةِ وَهُوَ الحَجَرُ الأَمْلَسُ، وَزَادَ الأَمْرَ خَفَاءً ظُلْمَةُ اللَّيلِ، وَقَدْ سَبَقَ حَدِيثُ: «أَلَا أخْبِرُكمْ بِمَا هُوَ أخْوَفُ عَلَيكُمْ عِنْدِي مِنَ المَسِيحِ الدَّجَّالِ؟ الشِّرْكُ الخَفِيُّ؛ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ فَيُصَلِّيَ؛ فَيُزَيِّنَ صَلَاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ» (^١)، وكذا في الحديث «يَا أَبَا بَكْرٍ! لَلشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ» (^٢).\n- الحَلِفُ: هُوَ تَأْكِيدُ الكَلَامِ بِذِكْرِ مُعَظَّمٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، وَيَكُونُ غَالِبًا بِالبَاءِ وَالوَاوِ وَالتَّاءِ.\n- قَولُ (وَاللَّهِ؛ وَحَيَاتِكَ يَا فُلَانُ) فِيهِ مَنهيَّانِ:\n١ - الحَلِفُ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى.\n٢ - الشِّرْكُ بِالتَّسْوِيَةِ بَينَهُمَا بِوَاوِ العَطْفِ.\n- الكَمَالُ أَنْ يُقَالَ: لَولَا اللهُ لَمْ يَكنْ كَذَا، وَيَجُوزُ قَولُ: لَولَا اللهُ ثُمَّ فُلَانٌ لَمْ يَكنْ كَذَا.\n- حَدِيثُ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيرِ اللهِ فَقَدْ كَفَرَ أَو أَشْرَكَ» هُوَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمرَ وَلَيسَ عَنْ أَبِيهِ.\n- الحَدِيثُ الَّذِي فِي الحَلِفِ هُوَ مِنَ الكُفْرِ الأَصْغَرِ إِنْ قُصِدَ بِالحَلِفِ تَعْظِيمُ المَحْلُوفِ بِهِ فَقَط، وَيَكُونُ مِنَ الأَكْبَرِ إِنْ كَانَ ذَلكَ عِنْدَهُ مُعَظَّمًا كَرَبِّ العَالَمِينَ، وَأَمَّا إِنْ حَلَفَ بِاللهِ كَاذِبًا ثُمَّ لَمْ يَرْضَ بِالحَلِفِ بِغَيرِهِ كَاذِبًا! فَهوَ مِنَ الشِّرْكِ الأَكْبَرِ،\n_________\n(^١) حَسَنٌ. أَحْمَدُ (١١٢٥٢) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٢٦٠٧).\n(^٢) صَحِيحٌ. الأَدَبُ المُفْرَدُ (٧١٦). صَحِيحُ الأَدَبِ المُفْرَدِ (٥٥٤).","vol":"2","page":163},{"text":"ويَكُونُ مِنْ شِرْكِ السَّرَائِرِ (^١).\n- قَولُ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: (لَأَنْ أَحْلِفَ بِاللَّهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيرِهِ صَادِقًا) فِيهِ بَيَانُ أَنَّ الشِّرْكَ الأَصْغَرَ أَكْبَرُ مِنَ الكَبَائِرِ، وَقَدْ سَبَقَ قَولُ المُصَنِّفِ ﵀ فِي مَسَائِلِ البَابِ السَّابِعِ: \"فِيهِ شَاهِدٌ لِكَلَامِ الصَّحَابَةِ أَنَّ الشِّرْكَ الأَصْغَرَ أَكْبَرُ مِنَ الكَبَائِرِ\"، وَفِيهِ أَيضًا عُمْقُ عِلْمِ السَّلَفِ، وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ فِيمَا لَيسَ فِي الطَّرَفِ الآخَرِ مُشَارِكٌ لَهُ.\n- قَولُهُ: «لَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ فُلَانٌ» لِأَنَّ فِيهِ تَسْوِيَةً فِي المَشِيئَةِ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَولُهُ تَعَالَى عَنِ المُشْرِكِينَ: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٦ - ٩٨] (^٢).\n- قَولُهُ: «لَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ فُلَانٌ؛ وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ» فِيهِ بَيَانُ أَنَّهُ يَنْبَغِي عَلَى مَنْ سَدَّ بَابًا مُحَرَّمًا أَنْ يَفْتَحَ لَهُم بَابًا مُبَاحًا (^٣).\n- إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدٍ النَّخَعِيُّ: هُوَ أَبُو عِمْرَانَ؛ الإِمَامُ الحَافِظُ؛ فَقِيهُ العِرَاقِ؛ النَّخَعِيُّ؛ اليَمَانِيُّ ثُمَّ الكُوفِيُّ؛ أَحَدُ الأَعْلَامِ؛ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ، (ت ٩٦ هـ).\n_________\n(^١) بِتَصَرُّفٍ يَسَيرٍ مِنْ إِعَانَةِ المُسْتَفِيدِ (٢/ ٢١٨) لِلشَّيخِ الفَوزَانِ حَفِظَهُ اللهُ.\n(^٢) وَفِي البُخَارِيِّ (٨/ ١٣٣): بَابُ (لَا يَقُولُ مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ؛ وَهَلْ يَقُولُ أَنَا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ): -ثُمَّ أَورَدَ الحَدِيثَ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ- أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ ثَلَاثَةً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ؛ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ مَلَكًا، فَأَتَى الأَبْرَصَ؛ فَقَالَ: تَقَطَّعَتْ بِيَ الحِبَالُ؛ فَلَا بَلَاغَ لِي إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ …» فَذَكَرَ الحَدِيثَ. وَسَيَأْتِي مَعَنَا إِنْ شَاءَ اللهُ.\n(^٣) كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البَقَرَة: ١٠٤].","vol":"2","page":164},{"text":"- فِي كَرَاهَةِ النَّخَعيِّ بَيَانُ أَنَّ السَّلَفَ يَسْتَخْدِمُونَ لَفْظَ الكَرَاهَةِ بِمَعْنَى التَّحْرِيمِ، وَلَكِنَّهَا بِالنِّسْبَةِ لَهُم فِيمَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ.\n- فَائِدَة ١: فِي التَّخَلُّصِ مِنَ الشِّرْكِ بِنَوعيهِ الأَكْبَرِ وَالأَصْغَرِ:\nعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ؛ فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ؛ لَلشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ»، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَلِ الشِّرْكُ إِلَّا مَنْ جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ؟! قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَلشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ. أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى شَيءٍ إِذَا قُلْتَهُ ذَهَبَ عَنْكَ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ؟» قَالَ: «قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ» (^١).\n- فَائِدَة ٢: فِي أَثَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَيَانُ أَنَّ السَّلَفَ يَسْتَدِلُّونَ بِأَدِّلَّةِ الشِّرْكِ الأَكْبَرِ عَلَى الأَصْغَرِ، كَمَا سَبَقَ فِي أَثَرِ حُذَيفَةَ فِي بَابِ (مِنَ الشِّرْكِ لُبْسُ الحَلْقَة وَالخَيطِ وَنَحْوِهِمَا لِرَفْعِ البَلَاءِ أَو دَفْعِهِ) (^٢).\n- فَائِدَة ٣: الظَّاهِرُ أَنَّ قَولَ السَّلَفِ: الشِّرْكُ الأَصْغَرُ أَكْبَرُ مِنَ الكَبَائِرِ؛ يَعْنِي مِمَّا هُوَ مِنْ جِنْسِهِ -كَالحَلِفِ هُنَا-، فَالحَلِفُ بِغَيرِ اللهِ أَكْبَرُ مِنَ الحَلِفِ بِاللهِ كَذِبًا -كَمَا فِي أَثَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ هُنَا-، وَجِنْسُ الشِّرْكِ أَكْبَرُ مِنْ جِنْسِ الكَبَائِرِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا قِيلَ فِيهِ: إِنَّهُ شِرْكٌ أَصْغَرُ؛ أَنَّهُ يَكُونُ أَكْبَرَ مِنْ كُلِّ الكَبَائِرِ! فَفِي الكَبَائِرِ مَا جَاءَ فِيهِ مِنَ التَّغلِيظِ وَالوَعِيدِ الشَّدِيدِ مَا لَمْ يَأْتِ مِثْلُهُ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ الأَصْغَرِ،\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. الأَدَبُ المُفْرَدُ (٧١٦). صَحِيحُ الأَدَبِ المُفْرَدِ (٥٥٤).\n(^٢) وَالأثَرُ لِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ فِي التَّفْسِيرِ (١٢٠٤٠) عَنْ حُذَيفَةَ ﵁: أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا فِي يَدِهِ خَيطٌ مِنَ الحُمَّى؛ فَقَطَعَهُ، وتَلَا قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يُوسُف: ١٠٦].","vol":"2","page":165},{"text":"كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَولِ الرَّجُلِ: \"مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ\". وَاللهُ أَعْلَمُ (^١) (^٢).\n_________\n(^١) أَفَادَهُ الشَّيخُ الفَاضِلُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَاصِرٍ البَرَّاكُ حَفِظَهُ اللهُ. فَتْوَى رَقَم (١٧٦١٨) تَارِيخ ٢٧/ ١٠/١٤٢٧ هـ، مِنْ مَوقِعِ (نُورِ الإِسْلَامِ) عَلَى الشَّبَكَةِ العَنْكَبُوتِيَّةِ.\n(^٢) قُلْتُ: ومِنْ أَمْثِلَةِ ذَلكَ: مَنْ جَاهَدَ رِيَاءً! فَإِنَّ إِثْمَهُ أَكْبَرُ مِمَّنْ تَرَكَ الجِهَادَ أَصْلًا.\nوَدَلِيلُ ذَلِكَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التَّوبَة: ٢٤] فَقَدْ جَاءَ التَّهْدِيدُ فِيمَنْ رَغِبَ عَنِ الجِهَادِ وَالهِجْرَةِ، أَمَّا الآخَرُ فَقَدْ جَاءَ فِيهِ وَعِيدٌ أَشَدُّ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «إِنَّ اللهَ إذَا كَانَ يَومَ القيَامَةِ يَنْزِلُ إِلَى العِبَادِ لِيَقْضِيَ بَينَهُمْ -وَكُلُّ أُمَّةٍ جَاثِيَةٌ-، فَأَوَّلُ مَنْ يَدْعُو بِهِ: رَجُلٌ جَمَعَ القُرْآنَ، وَرَجُلٌ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَرَجُلٌ كَثِيرُ المَالِ. فَيَقُولُ اللهُ لِلْقارِئِ: أَلَمْ أُعَلِّمْكَ مَا أَنْزَلْتُ عَلَى رَسُولِي؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ؟ قالَ: كُنْتُ أقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، فَيَقُولُ اللهُ لهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ لَهُ المَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيَقُولُ اللهُ لَهُ: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: فُلَانٌ قَارِئٌ! فَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ. وَيُؤْتَى بِصَاحِبِ المَالِ فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: ألَمْ أُوَسِّعْ عَلِيكَ حَتَّى لَمْ أَدَعْكَ تَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، قالَ: فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا آتَيتُكَ؟ قَالَ: كُنْتُ أَصِلُ الرَّحِمَ وَأَتَصَدَّقُ، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ المَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيَقُولُ اللهُ: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: فُلَانٌ جَوَادٌ! فَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ، وَيُؤْتَى بِالَّذِي قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَيَقُولُ اللهُ: فَبِمَاذَا قُتِلْتَ؟ فَيَقُولُ: أُمِرْتُ بِالجِهَادِ فِي سَبِيلِكَ؛ فَقاتَلْتُ حَتَّى قُتلْتُ، فَيَقُولُ اللهُ لهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ لَهُ المَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيَقُولُ اللهُ: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: فُلَانٌ جَرِيءٌ! فَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ. يَا أَبَا هُرَيرَةَ أُولَئِكَ الثَّلاثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللهِ تُسْعَرُ بِهِمُ النَّارُ يَومَ القيَامَةِ». صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٣٨٢) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (١٧١٣).","vol":"2","page":166},{"text":"<span data-type='title' id=toc-328>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-329> المَسْأَلَةُ الأُولَى: إِذَا كَانَ الحَلِفُ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى شِرْكٌ؛ فَمَا الجَوَابُ عَنْ قَسَمِ الرَّبِّ تَعَالَى بِالمَخْلُوقَاتِ؟</span> كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ [الطَّارق: ١]، وَقَولِهِ تَعَالَى أَيضًا: ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾ [الشَّمْس: ٦]، وَقولِهِ تَعَالَى أَيضًا: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النَّجْم: ١]؛ وَغَيرِهَا كَثيرٌ.\nالجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ:\n١ - أَنَّ القَسَمَ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى هُوَ شِرْكٌ؛ وَلَكِنَّهُ مِنْ جِهَةِ المَخْلُوقِ، وَلَيسَ مِنْ جِهَةِ الخَالِقِ سُبْحَانَهُ! فَهُوَ الَّذِي يَأْمُرُ ويَنْهَى؛ والعَبْدُ هُوَ المَأْمُورُ.\n٢ - أَنَّ قَسَمَ المَخْلُوقِ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى فِيهِ إِظْهَارٌ لِعَظَمَةِ المُقْسَمِ بِهِ فَقَط! بِخِلَافِ قَسَمِهِ سُبْحَانَهُ بِالمَخْلُوقَاتِ؛ فَإِنَّهُ لِبَيَانِ عَظَمَتِهِ نَفْسِهِ تَعَالَى، فَعَظَمَةُ الشَّيءِ دَلِيلٌ عَلَى عَظَمَةِ خَالِقِهِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الزُّخْرُف: ٨٢]، وَقَدْ سَبَقَ فِي السُّؤَالِ قَسَمُ اللهِ تَعَالَى بِالسَّمَاءِ وَالأَرْضِ لِبَيَانِ عَظَمَةِ خَلْقِهِمَا؛ وَهُنَا أَضَافَهُمَا إِلَى نَفْسِهِ سُبْحَانَهُ إِضَافَةَ رُبُوبِيَّةٍ مَعَ تَسْبِيحِ نَفْسِهِ سُبْحَانَهُ. وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ.\n٣ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ كَمَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٢٣].","vol":"2","page":167},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-330> المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا كَانَ الحَلِفُ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى شِرْكٌ؛ فَمَا الجَوَابُ عَنِ الحَدِيثِ الَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ </span>عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيدِ اللهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي جَوَابِ الأَعْرَابِيِّ الَّذِي سَأَلَ عَمَّا فَرَضَ اللهُ عَلَيهِ؛ وَقَالَ فِي آخِرِهِ النَّبِيُّ ﷺ: «أَفْلَحَ وَأَبِيهِ؛ إِنْ صَدَقَ» (^١)، وَأَيضًا فِي الحَدِيثِ الآخَرِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ الَّذِي سَأَلَ عَنْ أَيِّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ وَفِيهِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَمَا وَأَبِيكَ؛ لَتُنَبَّأَنَّهُ» (^٢)؟\nالجَوَابُ مِنْ عِدَّةِ أَوجُهٍ:\n١ - الحَدِيثُ الأَوَّلُ لَفْظُهُ هَذَا شَاذٌّ، وَالآخَرُ مُنْكَرٌ؛ كَمَا حَقَّقَهُ العَلَّامَةُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ (^٣).\n٢ - أَنَّ هَذَا تَصْحِيفٌ مِنَ الرُّوَاةِ حَيثُ أَنَّ أَصْلَ الكِتَابَةِ هِيَ بِدَونِ تَنْقِيطٍ؛ فَتَشَابَهَ رَسْمُ (أَبِيهِ - أَبِيكَ) مَعَ رَسْمِ (اللهِ).\n_________\n(^١) وَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، ثَائِرُ الرَّأْسِ، نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوتِهِ، وَلَا نَفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَومِ وَاللَّيلَةِ»، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيرُهُنَّ؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ، وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ»، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيرُهُ؟ فَقَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ»، وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ الزَّكَاةَ، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيرُهَا؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ». قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ، لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَفْلَحَ وَأَبِيهِ؛ إِنْ صَدَقَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١١).\n(^٢) وَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ؛ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ فَقَالَ: «أَمَا وَأَبِيكَ لَتُنَبَّأَنَّهُ. أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الفَقْرَ، وَتَأْمُلُ البَقَاءَ، وَلَا تُمْهِلَ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا! وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٠٣٢).\n(^٣) اُنْظُرِ الضَّعيفَةَ (٤٩٩٢).","vol":"2","page":168},{"text":"٣ - أَنَّ هَذَا مِمَّا يَجْرِي عَلَى أَلْسِنَةِ العَرَبِ؛ وَلَا تَقْصِدُ حَقِيقَتَهُ (^١).\n٤ - أَنَّهُ كَانَ مَسْكُوتًا عَنْهُ فِي أَوَّلِ الأَمْرِ؛ ثُمَّ نُسِخَ بِأَحَادِيثِ النَّهْي، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ فِي أَوَّلِ الإِسْلَامِ لَمْ يُنْهَ عَنْ أَشْيَاءَ مِثْلِ (مَا شَاءَ اللهُ وشَاءَ مُحَمَّدٌ) ثُمَّ نُهيَ عَنْهَا بَعْدُ، وَهِيَ مِنَ الشِّرْكِ اللَّفْظِيِّ (^٢).\n٥ - أَنَّ فِيهِ حَذْفُ مُضَافٍ مُقَدَّرٍ، وَالتَّقْدِيرُ: (أَفْلَحَ وَرَبِّ أَبِيهِ).\n_________\n(^١) أَفَادَهُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (١/ ١٦٨).\n(^٢) كَمَا فِي الحَدِيثِ: «إِنَّ طُفَيلًا رَأَى رُؤْيَا؛ فَأَخْبَرَ بِهَا مَنْ أَخْبَرَ مِنْكُمْ، وَإِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَقُولُونَ كَلِمَةً كَانَ يَمْنُعُنِي الحَيَاءُ مِنْكُمْ أَنْ أَنْهَاكُمْ عَنْهَا، لَا تَقُولُوا مَا شَاءَ اللهُ وَمَا شَاءَ مُحَمَّدٌ». صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٠٦٩٤) عَنْ طُفَيلِ بْنِ سَخْبَرَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (١٣٨).","vol":"2","page":169},{"text":"بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ لَمْ يَقْنَعْ بِالحَلِفِ بِاللَّهِ\nعَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، مَنْ حَلَفَ بِاللَّهِ فَلْيَصْدُقْ، وَمَنْ حُلِفَ لَهُ بِاللَّهِ فَلْيَرْضَ، وَمَنْ لَمْ يَرْضَ؛ فَلَيسَ مِنَ اللهِ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ حَسَنٍ (^١).\nفِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: النَّهْيُ عَنِ الحَلِفِ بِالآبَاءِ.\nالثَّانِيَةُ: الأَمْرُ لِلْمَحْلُوفِ لَهُ بِاللَّهِ أَنْ يَرْضَى.\nالثَّالِثَةُ: وَعِيدُ مَنْ لَمْ يَرْضَ.\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. ابْنُ مَاجَه (٢١٠١) عَنِ ابْنِ عمرَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٧٢٤٧).","vol":"2","page":170},{"text":"<span data-type='title' id=toc-333>الشَّرْحُ</span>\n- الرِّضَى عِنْدَ مَنْ حُلِفَ لَهُ باللهِ يَدُلُّ عَلَى تَعْظِيمِ المَحْلُوفِ بِهِ، وَفِي الصَّحِيحَينِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ قَالَ: «رَأَى عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَجُلًا يَسْرِقُ، فَقَالَ لَهُ: أَسَرَقْتَ؟! قَالَ: كَلَّا؛ وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَقَالَ عِيسَى: آمَنْتُ بِاللَّهِ وَكَذَّبْتُ عَينِي» (^١).\n- قَولُهُ: «مَنْ حُلِفَ لَهُ باللهِ فَلْيَرْضَ» لَهُ جِهَتَانِ:\n١ - مِنْ جِهَةٍ شَرعِيَّةٍ: يَجِبُ القَبُولُ؛ لِأَنَّه مِنَ الرِّضَى بالحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَخَاصَّةً عِنْدَ القَاضِي.\nوَلَعَلَّ هَذَا الوَجهَ هُوَ المَقْصُودُ مِنَ البَابِ لِقَولِهِ: (مَا جَاءَ فِيمَنْ لَمْ يَقْنَعْ بِالحَلِفِ بِاللَّهِ) فَمَطْلُوبُهُ إِظْهَارُ القَنَاعَةِ، وَهُوَ دَلِيلُ تَعْظِيمِ المَحْلُوفِ بِهِ (^٢).\n٢ - مِنْ جِهَةٍ حِسِّيَّةٍ: إِنْ كَانَ الحَالِفُ مَوضِعَ ثِقَةٍ؛ فَيَجِبُ الرِّضَى وَإلَّا فَلَا يَجِبُ، كَمَا لَو كَانَ كَافِرًا أَو مَعْرُوفًا بِكَذِبِهِ (^٣).\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٣٤٤٤)، وَمُسْلِمٌ (٢٣٦٨).\n(^٢) وَلَهُ أَنْ لَا يُصَدِّقَهُ إِنْ تَرَجَّحَ كَذِبُهُ عِنْدَهُ.\n(^٣) كَمَا فِي البُخَارِيِّ (٦٨٩٨)، وَمُسْلِمٍ (١٦٦٩) عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ؛ قَالَ: انْطَلَقَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ زَيدٍ إِلَى خَيبَرَ -وَهِيَ يَومَئِذٍ صُلْحٌ- فَتَفَرَّقَا، فَأَتَى مُحَيِّصَةُ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ سَهْلٍ وَهُوَ يَتَشَمَّطُ فِي دَمِهِ قَتِيلًا فَدَفَنَهُ، ثُمَّ قَدِمَ المَدِينَةَ فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ؛ فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ فَقَالَ: «كَبِّرْ كَبِّرْ» -وَهُوَ أَحْدَثُ القَومِ- فَسَكَتَ، فَتَكَلَّمَا فَقَالَ: «تَحْلِفُونَ؛ وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ أَو صَاحِبَكُمْ»؟ قَالُوا: وَكَيفَ نَحْلِفُ وَلَمْ نَشْهَدْ وَلَمْ نَرَ؟! قَالَ: «فَتُبْرِيكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ»، فَقَالُوا: كَيفَ نَأْخُذُ أَيمَانَ قَومٍ كُفَّارٍ؟! فَعَقَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ.\nقُلْتُ: والشَّاهِدُ أنَّهم لَمْ يَقْبَلوا بِأَيمَانِ اليَهُودِ.","vol":"2","page":171},{"text":"- قَولُهُ: «وَمَنْ لَمْ يَرْضَ؛ فَلَيسَ مِنَ اللهِ» أَي: فَقَدْ بَرِءَ اللهُ مِنْهُ، أَو فَقَدْ بَرِءَ هُوَ مِنْ كَونِهِ مِنْ حِزِبَ اللهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ هَذَا الفِعْلَ مِنَ الكَبَائِرِ (^١).\n- أَنْوَاعُ اليَمِينِ:\n١ - يَمِينُ اللَّغُوِ.\nوَهُوَ أَنْ يُقْسِمَ عَلَى شَيءٍ أَنَّهُ كَذَا وَيَكُونُ مُخْطِئًا فِيهِ؛ فَلَا يُؤَاخَذُ بِهِ، وَلَيسَ عَلَيهِ كَفَّارَةٌ.\n٢ - اليَمِينُ الغَمُوسُ.\nوَهُوَ أَنْ يُقْسِمَ عَلَى شَيءٍ أَنَّهُ كَذَا وَهُوَ كَاذِبٌ فِيهِ؛ فَهُوَ مُؤَاخَذٌ بِهِ، وَلَيسَ لَهُ كَفَّارَةٌ (^٢).\nوَفِي البُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَمْرو مَرْفُوعًا: «الكَبَائِرُ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَينِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَاليَمِينُ الغَمُوسُ» (^٣).\n٣ - اليَمِينُ المُنْعَقِدُ عَلَى فِعْلِ أَمْرٍ أَو تَرْكِهِ، وَهُوَ الَّذِي فِيهِ الكفَّارَةُ المَوصُوفَةُ بِالآيَةِ.\n_________\n(^١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ في التَّفْسِيرِ (٢/ ٣٠) عِنْدَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آلِ عِمْرَان: ٢٨]: \"نَهَى ﵎ عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ أَنْ يُوَالُوا الكَافِرِينَ؛ وَأَنْ يَتَّخِذُوهُمْ أَولِيَاءَ يُسِرُّونَ إِلَيهِمْ بِالمَوَدَّةِ مِنْ دُونِ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ تَوَعَّدَ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيءٍ﴾ أَي: وَمَنْ يَرْتَكِبْ نَهْيَ اللهِ فِي هَذَا، فَقَدْ بَرِءَ مِنَ اللهِ\".\n(^٢) وَذَلِكَ لِعِظَمِ الذَّنْبِ؛ فَلَا تَصْلُحُ فِيهِ إِلَّا التَّوبَةُ الصَّادِقَةُ.\n(^٣) البُخَارِيُّ (٦٨٧٠).","vol":"2","page":172},{"text":"قَالَ الإِمَامُ مَالِكُ ﵀ فِي (المُوَطَّإِ) -بَابُ اللَّغْوِ فِي اليَمِينِ-: \"أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي هَذَا: أَنَّ اللَّغْوَ: حَلِفُ الإِنْسَانِ عَلَى الشَّيءِ يَسْتَيقِنُ أَنَّهُ كَذَلِكَ، ثُمَّ يُوجَدُ عَلَى غَيرِ ذَلِكَ؛ فَهُوَ اللَّغْوُ (^١).\nوَعَقْدُ اليَمِينِ: أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ أَنْ لَا يَبِيعَ ثَوبَهُ بَعَشَرَةِ دَنَانِيرَ ثُمَّ يَبِيعَهُ بِذَلِكَ، أَو يَحْلِفَ لَيَضْرِبَنَّ غُلَامَهُ ثُمَّ لَا يَضْرِبُهُ، وَنَحْوَ هَذَا، فَهَذَا الَّذِي يُكَفِّرُ صَاحِبُهُ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَيسَ فِي اللَّغْوِ كَفَّارَةٌ.\nفَأَمَّا الَّذِي يَحْلِفُ عَلَى الشَّيءِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ آثِمٌ، وَيَحْلِفُ عَلَى الكَذِبِ وَهُوَ يَعْلَمُ لِيُرْضِيَ بِهِ أَحَدًا، أَو لِيَعْتَذِرَ بِهِ إِلَى مُعْتَذَرٍ إِلَيهِ، أَو لِيَقْطَعَ بِهِ مَالًا! فَهَذَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَكُونَ فِيهِ كَفَّارَةٌ\" (^٢).\n_________\n(^١) وَفِي البُخَارِيِّ (٦٦٦٣) عَنْ عَائِشَةَ ﵂: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيمَانِكُمْ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٥]؛ قَالَتْ: (أُنْزِلَتْ فِي قَولِهِ: لَا وَاللهِ، بَلَى وَاللهِ).\n(^٢) المُوَطَّأُ (٢/ ٤٧٧) مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى اللَّيثِيِّ عَنْهُ، بِحَذْفٍ يَسِيرٍ.","vol":"2","page":173},{"text":"بَابُ قَولِ: (مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ)\nعَنْ قُتَيلَةَ (^١)؛ أَنَّ يَهُودِيًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ؛ فَقَالَ: إِنَّكُمْ تُشْرِكُونَ، تَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ! وَتَقُولُونَ: وَالكَعْبَةِ! فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْلِفُوا أَنْ يَقُولُوا: «وَرَبِّ الكَعْبَةِ، وَأَنْ يَقُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ شِئْتَ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ (^٢).\nوَلَهُ أَيضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ، فَقَالَ: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟! بَلْ مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ» (^٣).\nوَلِابْنِ مَاجَه عَنِ الطُّفَيلِ -أَخِي عَائِشَةَ لِأُمِّهَا-؛ قَالَ: رَأَيتُ كَأَنِّي أَتَيتُ عَلَى نَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ؛ قُلْتُ: إِنَّكُمْ لَأَنْتُمُ القَومُ لَولَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ عُزَيرٌ ابْنُ اللهِ! قَالُوا: وَأَنْتُمْ لَأَنْتُمُ القَومُ لَولَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ! ثُمَّ مَرَرْتُ بِنَفَرٍ مِنَ النَّصَارَى، فَقُلْتُ: إِنَّكُمْ لَأَنْتُمُ القَومُ لَولَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: المَسِيحُ ابْنُ اللهِ! قَالُوا: وَإِنَّكُمْ لَأَنْتُمُ القَومُ لَولَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ! فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَخْبَرْتُ بِهَا مَنْ أَخْبَرْتُ، ثُمَّ\n_________\n(^١) قَالَ صَاحِبُ فَتْحِ المَجِيدِ ﵀ (ص ٤١٩): \"بِمُثَنَّاةٍ مُصَغَّرَةٍ؛ بِنْتُ صَيفِيّ الأَنْصَارِيَّةُ، صَحَابِيَّةٌ مُهَاجِرَةٌ\"!\nوَلَكِنْ قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الإِصَابَةِ (٨/ ٢٨٤): \"قُتَيلَةُ بِنْتُ صَيفِيّ، وَيُقَالُ: الأَنْصَارِيَّةُ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: كَانَتْ مِنَ المُهَاجِرَاتِ الأُوَّلِ، رَوَى عَنْهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَسَارٍ، وَلَمْ أَرَ مَنْ نَسَبَهَا أَنْصَارِيَّةً. وَقَولُهُ: (مِنَ المُهَاجِرَاتِ) يَأْبَى ذَلِكَ\".\n(^٢) صَحِيحٌ. النَّسَائِيُّ (٣٧٧٣). الصَّحِيحَةُ (١٣٦).\n(^٣) صَحِيحٌ. النَّسَائِيُّ فِي الكُبْرَى (١٠٧٥٩). صَحِيحُ الأَدَبِ المُفْرَدِ (٧٨٣).","vol":"2","page":174},{"text":"أَتَيتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: «هَلْ أَخْبَرْتَ بِهَا أَحَدًا؟» قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ طُفَيلًا رَأَى رُؤْيَا؛ أَخْبَرَ بِهَا مَنْ أَخْبَرَ مِنْكُمْ، وَإِنَّكُمْ قُلْتُمْ كَلِمَةً كَانَ يَمْنَعُنِي كَذَا وَكَذَا أَنْ أَنْهَاكُمْ عَنْهَا، فَلَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ، وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ» (^١).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٠٦٩٤)، وابْنُ مَاجَه (٢١١٨). الصَّحِيحَةُ (١٣٧).","vol":"2","page":175},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: مَعْرِفَةُ اليَهُودِ بِالشِّرْكِ الأَصْغَرِ.\nالثَّانِيَةُ: فَهْمُ الإِنْسَانِ إِذَا كَانَ لَهُ هَوًى.\nالثَّالِثَةُ: قَولُهُ ﷺ: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟!» فَكَيفَ بِمَنْ قَالَ: «يَا أَكْرَمَ الخَلْقِ مَا لِي مَنْ أَلُوذُ بِهِ سِوَاكَ» وَالبَيتَينِ بَعْدَهُ؟! (^١)\nالرَّابِعَةُ: أَنَّ هَذَا لَيسَ مِنَ الشِّرْكِ الأَكْبَرِ، لِقَولِهِ: «يَمْنَعُنِي كَذَا وَكَذَا».\nالخَامِسَةُ: أَنَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةَ مِنْ أَقْسَامِ الوَحْي.\nالسَّادِسَةُ: أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ سَبَبًا لِشَرْعِ بَعْضِ الأَحْكَامِ.\n_________\n(^١) وَهُمَا قَولُهُ:\n\"وَلَنْ يَضِيقَ رَسُولَ اللهِ جَاهُكَ بِي … إِذَا الكَرِيمُ تَحلَّى بِاسمِ مُنتَقِمِ\nفَإِنَّ مِنْ جُودِكَ الدُّنْيَا وَضَرَّتها … وَمِنْ عُلُومِكَ عِلْمَ اللَّوحِ وَالقَلَمِ\".\nوَسَيَأْتِي مَعَنَا مُلْحَقٌ مُخْتَصَرٌ-إِنْ شَاءَ اللهُ- فِي الرَّدِّ عَلَى أَبْيَاتٍ مِنَ البُرْدَةِ.","vol":"2","page":176},{"text":"<span data-type='title' id=toc-336>الشَّرْحُ</span>\n- هَذَا البَابُ هُوَ فِي بَيَانِ نَوعٍ مِنْ شِرْكِ الأَلفاظِ، وَأَنَّ التَّسْوِيَةَ فِي بَعْضِهَا (^١) بِالوَاوِ دُونَ -ثُمَّ- يُعَدُّ شِرْكًا لَفظِيًّا.\nقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانيُّ ﵀: \"وَفِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ أَنَّ قَولَ الرَّجُلِ لِغَيرهِ: (مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ) يُعَدُّ شِرْكًا فِي الشَّرِيعَةِ، وَهُوَ مِنْ شِرْكِ الأَلفَاظِ، لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ مَشِيئَةَ العَبْدِ فِي دَرَجَةِ مَشيئَةِ الرَّبِّ ﷾، وَسَبَبُهُ القَرْنُ بَينَ المَشِيئَتَينِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ قَولُ بَعْضِ العَامَّةِ وأَشْبَاهِهِم -مِمَّنْ يَدعي العِلْمَ-: (مَا لِي غَيرُ اللهِ وَأَنْتَ)! وَ(تَوَكَّلْنَا عَلى اللهِ وَعَلَيكَ)! وَمِثْلُهُ قَولُ بَعْضِ المُحَاضِرِينَ: (بَاسْمِ اللهِ وَالوَطَنِ)، أَو (بَاسْمِ اللهِ وَالشَّعْبِ)، وَنَحوِ ذَلِكَ مِنَ الأَلْفَاظِ الشِّرْكِيَّةِ الَّتِي يَجِبُ الانْتِهَاءُ عَنْهَا وَالتَّوبَةُ مِنْهَا أَدَبًا مَعَ اللهِ ﵎.\nوَلَقَدْ غَفَلَ عَنْ هَذا الأَدَبِ الكَرِيمِ كَثِيرٌ مِنَ العَامَّةِ وَغَيرُ قَلِيلٍ مِنَ الخَاصَّةِ الَّذِينَ يُسَوِّغُونَ النُّطْقَ بِمِثْلِ هَذهِ الشِّرْكِيَّاتِ! كَمُنَادَاتِهِم غَيرَ اللهِ فِي الشَّدَائِدِ! والاسْتِنْجَادِ بِالأَمْوَاتِ مِنَ الصَّالِحِينَ! وَالحَلِفِ بِهِم مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى! وَالإِقْسَامِ بِهِم عَلَى اللهِ ﷿! فَإِذَا مَا أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيهِم عَالِمٌ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَإِنهَّمُ بَدَلَ أَنْ يَكُونُوا عَونًا عَلَى إِنْكَارِ المُنْكَرِ، عَادُوا بِالإِنْكَارِ عَلَيهِ، وَقَالُوا: إِنَّ نِيَّةَ أُولَئِكَ -المُنَادِينَ غَيرَ اللهِ- طَيِّبَةٌ؛ وَإِنَّهَا (الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ!!) كَمَا جَاءَ فِي الحِدِيثِ.\nفَيَجْهَلُونَ أَو يَتَجَاهَلُونَ -إِرْضَاءً لِلعَامَّةِ- أَنَّ النِّيَّةَ الطَّيِّبَةَ وَإِنْ وُجِدَتْ عِنْدَ المَذْكُورِينَ؛ فَهيَ لَا تَجْعَلُ العَمَلَ السَّيِّءَ صَالِحًا! وَأَنَّ مَعْنَى الحَدِيثِ المَذْكُورِ:\n_________\n(^١) احْتِرَازًا مِنْ كُلٍّ، كَمَا سَيَأْتِي فِي المَسَائِلِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.","vol":"2","page":177},{"text":"إِنَّمَا الأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ بِالنِّيَّاتِ الخَالِصَةِ، لَا أَنَّ الأَعْمَالَ المُخَالِفَةَ لِلشَّرِيعَةِ تَنْقَلُب إِلَى أَعْمَالٍ صَالِحَةٍ مَشْرُوعَةٍ بِسَبَبِ اقْتِرَانِ النِّيَّةِ الصَّالِحَةِ بِهَا! ذَلِكَ مَا لَا يَقُولُهُ إِلَّا جَاهِلٌ أَو مُغْرِضٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَو صَلَّى تُجَاهَ القَبْرِ؛ لَكَانَ ذَلكَ مُنْكَرًا مِنَ العَمَلِ؛ لِمُخَالَفَتِهِ لِلأَحَادِيثِ وَالآثَارِ الوَارِدَةِ فِي النَّهْي عَنِ اسْتِقْبَالِ القَبْرِ بِالصَّلَاةِ، فَهَلْ يَقُولُ عَاقِلٌ: إِنَّ الَّذِي يَعُودُ إِلَى الاسْتِقْبَالِ -بَعْدَ عِلْمِهِ بِنَهي الشَّرْعِ عَنْهُ-: إِنَّ نِيَّتَهُ طَيِّبَةٌ وَعَمَلَهُ مَشْرُوعٌ؟! كَلَّا ثُمَّ كَلَّا، فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الَّذِي يَسْتَغِيثُونَ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى، وَيَنْسَونَهُ تَعَالَى فِي حَالَةٍ هُمْ أَحْوَجُ مَا يَكُونُونَ فِيهَا إِلَى عَونِهِ وَمَدَدِهِ؛ لَا يُعْقَلُ أَنْ تَكُونَ نِيَّاتُهُم طَيِّبَةً؛ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُم صَالِحًا، وَهُمْ يُصِرُّونَ عَلَى هَذا المُنْكَرِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ\" (^١).\n- قَولُهُ: «فَلَا تَقُولُوا مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ» لِأَنَّ فِيهِ تَسْوِيَةً فِي المَشِيئَةِ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَولُهُ تَعَالَى عَنِ المُشْرِكِينَ: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشُّعَرَاء: ٩٦ - ٩٨].\n- قَولُهُ: «لَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ فُلَانٌ؛ وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ» فِيهِ بَيَانُ أَنَّهُ يَنْبَغِي عَلَى مَنْ سَدَّ بَابًا مُحَرَّمًا أَنْ يَفْتَحَ لَهُم بَابًا مُبَاحًا (^٢).\n- فِي الحَدِيثِ قَبُولُ الحَقِّ أَينَمَا كَانَ، كَمَا فِي الأَثَرِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عُمَيرَةَ؛ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَالَ: (وَأُحَذِّرُكُمْ زَيغَةَ الحَكِيمِ؛ فَإِنَّ الشَّيطَانَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الضَّلَالَةِ عَلَى لِسَانِ الحَكِيمِ، وَقَدْ يَقُولُ المُنَافِقُ كَلِمَةَ الحَقِّ)، قَالَ: قُلْتُ لِمُعَاذٍ: مَا يُدْرِينِي -\n_________\n(^١) الصَّحِيحَةُ (١٣٩).\n(^٢) كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البَقَرَة: ١٠٤].","vol":"2","page":178},{"text":"رَحِمَكَ اللهُ- أَنَّ الحَكِيمَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الضَّلَالَةِ؛ وَأَنَّ المُنَافِقَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الحَقِّ؟ قَالَ: (بَلَى؛ اجْتَنِبْ مِنْ كَلَامِ الحَكِيمِ المُشْتَهِرَاتِ (^١) الَّتِي يُقَالُ لَهَا: مَا هَذِهِ؟ وَلَا يُثْنِيَنَّكَ ذَلِكَ عَنْهُ؛ فَإِنَّهُ لَعَلَّهُ أَنْ يُرَاجِعَ، وَتَلَقَّ الحَقَّ إِذَا سَمِعْتَهُ فَإِنَّ عَلَى الحَقِّ نُورًا) (^٢).\n- فِي لَفْظِ أَحْمَدَ: «كَانَ يَمْنُعُنِي الحَيَاءُ مِنْكُمْ» (^٣)، حَيَاؤُهُ ﷺ مِنْهُم لَيسَ عَلَى وَجْهِ الحَيَاءِ مِنَ الإِنْكَارِ عَلَيهِم! بَلْ كَانَ ﷺ يَكْرَهُهَا، وَلَكِنَّهُ يَستَحْيِي أَنْ يَذْكُرَهَا لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِإِنْكَارِهَا؛ فَلَمَّا جَاءَ الأَمْرُ الإِلَهِيُّ بِالرُّؤيَا الصَّالِحَةِ أَنْكَرَهَا وَلَم يَستَحْي فِي ذَلكَ.\n- هَذِهِ المَسَائِلُ لَيسَتْ مِنَ الشِّرْكِ الأَكْبَرِ وَإِنَّمَا مِنَ الأَصْغَرِ -كَمَا قَالَ المُصَنِّفُ ﵀ فِي مَسَائِلِهِ-، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَولُهُ فِي آخِرِ الحَدِيثِ: «وَإِنَّكُمْ قُلْتُمْ كَلِمَةً كَانَ يَمْنَعُنِي كَذَا وَكَذَا أَنْ أَنْهَاكُمْ عَنْهَا» وَتَحْرِيمُ الشِّرْكِ فِي الأَلْفَاظِ أَتَى بِالتَّدْرِيجِ فِي تَارِيخِ بَعْثَةِ النَّبِيِّ ﵊ وَتَبْلِيغِهِ أُمَّتِهُ بِالأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، أَمَّا الشِّرْكُ الأَكْبَرُ -الجَلِيُّ- فَقَدْ نَفَاهُ مِنْ أَوَّلِ الرِّسَالَةِ.\n_________\n(^١) قَالَ أَبُو دَاوُد ﵀ في سُنَنِهِ (٤/ ٢٠٢): \"وَقَالَ صَالِحُ بْنُ كَيسَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا (المُشَبَّهَاتِ) مَكَانَ (المُشْتَهِرَاتِ) \".\nقَالَ صَاحِبُ عَونُ المَعْبُودِ بِشَرْحِ سُنَنِ أَبِي دَاوُد (١٢/ ٢٣٨): \"أَي الكَلِمَاتِ المُشْتَهِرَاتِ بِالبُطْلَانِ، (الَّتِي يُقَالُ لَهَا: مَا هَذِهِ؟) أَي: يَقُولُ النَّاسُ إِنْكَارًا فِي شَأْنِ تِلْكَ المُشْتَهِرَاتِ: مَا هَذِهِ؟ (وَلَا يُنْئِيَنَّكَ) أَي: لَا يَصْرِفَنَّكَ عَنِ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ، (ذَلِكَ) المَذْكُورُ مِنْ مُشْتَهِرَاتِ الحَكِيمِ، (عَنْهُ) أَي: عَنِ الحَكِيمِ، (فَإِنَّهُ لَعَلَّهُ) أَي الحَكِيمُ، (أَنْ يُرَاجِعَ) أَي: يَرْجِعَ عَنِ المُشْتَهِرَاتِ\".\n(^٢) صَحِيحٌ مَوقُوفٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٦١١). صَحِيحُ أَبِي دَاوُدَ (٤٦١١).\nوَأَمَّا حَدِيثُ: «الكَلِمَةُ الحِكْمَةُ؛ ضَالَّةُ المُؤْمِنِ». فَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا. ابْنُ مَاجَه (٤١٦٩) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. ضَعِيفُ الجَامِعِ (٤٣٠١،٤٣٠٢).\n(^٣) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٠٦٩٤) عَنْ طُفَيلِ بْنِ سَخْبَرَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (١٣٨).","vol":"2","page":179},{"text":"وَهَذَا فِيهِ بَيَانٌ لِفِقْهِ الدَّعْوَةِ فِي تَبْلِيغِ الأَهَمِّ فَالأَهَمِّ، وَفِيهِ بَيَانُ فِقْهِ الدَّاعِيَةِ؛ أَنَّه يَنْبَغِي عِنْدَ تَغْيِيرِ الشَّيءِ وَالنَّهْي عَنْهُ أَنْ يُغَيِّرَ إِلَى شَيءٍ قَرِيبٍ مِنْهُ كَقَولِهِ ﵊ هُنَا (الكَعْبَة - رَبِّ الكَعْبَة) وَ(وَشِئْتَ - ثُمَّ شِئْتَ).\n- قَولُ: «مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ» أَكْمَلُ فِي الإِخْلَاصِ وَأَبْعَدُ عَنِ الشِّرْكِ مِنْ أَنْ يَقُولَ: (ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ) مَعَ أَنَّهُ جَائِزٌ أَيضًا.","vol":"2","page":180},{"text":"<span data-type='title' id=toc-337>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-338> مَسْأَلَةٌ: يُشْكِلُ جَوَازُ العَطْفِ فِي حَدِيثِ زَيدِ بْنِ خَالِدٍ -الَّذِي فِيهِ قَولُهُم: (اللهُ وَرَسُولُهُ أعلمُ) - مَعَ حَدِيثِ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبيِّ ﷺ: مَا شَاءَ اللهُ وشِئْتَ.</span> فَقَالَ: «جَعَلتَ للهِ نِدًّا؟! مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ» (^١)؟\nالجَوَابُ:\nإِنَّ إِقْرَارَهُ لِقَولِهِم: (اللهُ وَرَسُولَهُ أَعْلَمُ) الَّذِي فِيهِ العَطْفُ بِالوَاوِ؛ هُوَ لِأَنَّ عِلْمَ الرَّسُولِ هَذَا -الشَّرْعِيَّ- هُوَ مِنْ عِلْمِ اللهِ تَعَالَى، فَهُوَ الَّذِي يُعلِّمُهُ مَا لَا يُدْرِكُهُ البَشَرُ.\nوَكَذَلِكَ فِي المَسَائِلِ الشَّرْعيَّةِ الأُخْرَى يُقَالُ: (اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) لِأَنَّهُ ﷺ أَعْلَمُ الخَلْقِ بِشَرْعِ اللهِ، وَعِلْمُهُ بِهِ هُوَ مِنْ تَعْلِيمِ اللهِ تَعَالَى لَهُ، وَمَا قَالَهُ ﷺ فِي الشَّرْعِ فَهُوَ كَقَولِ اللهِ تَعَالَى، وَلَيسَ هَذَا كَقَولِهِ: (مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ)! لِأَنَّ هَذَا فِي بَابِ القَدَرِ وَالمَشِيئَةِ؛ وَمَشِيئَةُ النَّبِيِّ ﷺ مُسْتَقِلَّةٌ عَنْ مَشِيئَتِهِ تَعَالَى، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الرَّسُولُ ﷺ مَقْرُونًا مَعَ اللهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ (^٢)، بَلْ يُقَالُ: مَا شَاءَ اللهُ؛ ثُمَّ يُعْطَفُ بِـ (ثُمَّ)، فَالضَّابِطُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الأُمُورَ الشَّرْعِيَّةَ يَصِحُّ فِيهَا العَطْفُ بِالوَاوِ، وَأَمَّا الكَونِيَّةَ، فَلَا.\nقُلْتُ: وَبِمِثْلِهِ أَيضًا الجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَالَّذِي فِيهِ الهِجْرَةُ «إِلى اللهِ وَرَسُولِهِ» وَلَمْ يَقُلْ: (ثُمَّ رَسُولِهِ)، وَالجَوَابُ فِيهِ أَيضًا: أَنَّ مَا يَتَعَلَّقُ\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. الأَدَبُ المُفْرَدُ (٧٨٣) عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ. الصَّحِيحَةُ (١٣٩).\n(^٢) كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإِنْسَان: ٣٠].","vol":"2","page":181},{"text":"بِالشَّرِيعَةِ يَصِحُّ أَنْ يُعبَّرَ عَنْهُ بِالوَاوِ؛ لِأَنَّ مَا صَدَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الشَّرْعِ إِنَّمَا هُوَ بِأَمْرِ رَبِّهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النِّسَاء: ٨٠]، وَأَمَّا الأُمُورُ الكَونِيَّةُ -كَالمَشِيئَةِ مَثَلًا- فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقْرَنَ مَعَ اللهِ أَحَدٌ بِالوَاوِ أَبَدًا؛ لِأَنَّ مَشِيئَةَ العَبْدِ مُسْتَقِلَّةٌ عَنْ مَشِيئَةِ اللهِ، وَلَكِنَّهَا لَا تَقَعُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَشَاءَ اللهُ، فَكُلُّ شَيءٍ تَحْتَ إِرَادَةِ اللهِ تَعَالَى وَمَشِيئَتِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التَّكْوِير: ٢٩]، وَكَذَا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإِنْسَان: ٣٠] (^١).\n_________\n(^١) مُلَاحَظَةٌ: لِتَمَامِ الفَائِدَةِ رَاجِعْ مَسَائِلَ بَابِ (مَا جَاءَ فِي الاسْتِسْقَاءِ بِالأَنْوَاءِ).","vol":"2","page":182},{"text":"بَابُ مَنْ سَبَّ الدَّهْرَ فَقَدْ آذَى اللهَ\nوَقَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجَاثِيَة: ٢٤].\nوَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ قَالَ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ -وَأَنَا الدَّهْرُ- أُقَلِّبُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ».\nوَفِي رِوَايَةٍ: «لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ؛ فِإنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ» (^١).\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٤٨٢٦). وَفِيهِ أَيضًا (٦١٨٢) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ قَالَ: «لَا تُسَمُّوا العِنَبَ الكَرْمَ، وَلَا تَقُولُوا خَيبَةَ الدَّهْرِ؛ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ».","vol":"2","page":183},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: النَّهْيُ عَنْ سَبِّ الدَّهْرِ.\nالثَّانِيَةُ: تَسْمِيَتُهُ أَذًى للهِ.\nالثَّالِثَةُ: التَّأَمُّلُ فِي قَولِهِ: «فَإِنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ».\nالرَّابِعَةُ: أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ سَابًّا -وَلَو لَمْ يَقْصِدْهُ بِقَلْبِهِ-!","vol":"2","page":184},{"text":"<span data-type='title' id=toc-341>الشَّرْحُ</span>\n- إِنَّ سَبَّ الدَّهْرِ يُنَافي كَمَالَ التَّوحِيدِ الوَاجِبِ، وَيَعُودُ عَلَى اللهِ جَلَّ وَعَلَا بِالإِيذَاءِ؛ لِأَنَّه سَبٌّ لِمَنْ تَصَرَّفَ بِهَذَا الدَّهْرِ.\nوَفِي الحَدِيثِ: «مَنْ لَعَنَ شَيئًا لَيسَ لَهُ بِأَهْلٍ؛ رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ عَلَيهِ» (^١).\n- الآيَةُ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ نِسْبَةَ الأَشْيَاءِ إِلَى الدَّهْرِ اسْتِقْلَالًا هِيَ مِنْ خِصَالِ المُشْرِكِينَ أَعْدَاءِ التَّوحِيدِ، وَمِنْهُ قَولُ ابْنِ المُعْتَزِّ (^٢):\n\"يَا دَهْرُ وَيحَكَ مَا أَبْقَيتَ لِي أَحَدًا … وَأَنْتَ وَالِدُ سُوءٍ تَأْكُلُ الوَلَدَ\" (^٣).\nفَلَا تَصِحُّ نِسْبَةُ الإِهْلَاكِ إِلَى الدَّهْرِ لِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ مَرْبُوبٌ لَيسَ لَهُ تَصَرُّفٌ لَا فِي غَيرِهِ وَلَا فِي نَفْسِهِ أَصْلًا! بَلِ اللهُ جَلَّ وَعَلَا هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَيَقْضِي فِيهِ بِمَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ، وَلَكِنَّ الأَعْظَمَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ هُوَ عَودَةُ مَسَبَّةِ الدَّهْرِ إِلَى اللهِ تَعَالَى.\nقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: \"وَإِنَّمَا تَأْوِيلُهُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-: أَنَّ العَرَبَ كَانَ شَأْنُهَا أَنْ تَذُمَّ الدَّهْرَ وَتَسُبَّهُ عِنْدَ الْمَصَائِبِ الَّتِي تَنْزِلُ بِهِمْ مِنْ مَوتٍ أَو هَرمٍ أَو تَلَفٍ أَو غَيرِ ذَلِكَ فَيَقُولُونَ: إِنَّمَا يُهْلِكُنَا الدَّهْرُ -وَهُوَ اللَّيلُ وَالنَّهَارُ-! وَهُمَا الفَنَتَانِ (^٤) وَالجَدِيدَانِ، فَيَقُولُونَ: أَصَابَتْهُمْ قَوَارِعُ الدَّهْرِ، وَأَبَادَهُمُ الدَّهْرُ، وَأَتَى عَلَيهِمْ، فَيَجْعَلُونَ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٩٠٨) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٥٢٨).\n(^٢) هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ؛ المُعْتَزُّ بِاللهِ بْنُ المُتَوَكِّلِ بْنِ المُعْتَصِمِ بْنِ الرَّشيدِ العَبَّاسِيُّ، أَبُو العَبَّاسِ، (ت ٢٩٦ هـ).\n(^٣) اُنْظُرْ كِتَابَ البِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ (١٤/ ٧١٣) لِلحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ ﵀.\n(^٤) \"مُثَنَّى الفَنَة: السَّاعَةُ مِنَ الزَّمَانِ، وَأَيضًا: الطَّرَفُ مِنَ الدَّهْرِ كَالفَينَةِ، يَقُولُونَ: كُنْتُ بِحَالِ كَذَا وَكَذَا فَنَّةً مِنَ الدَّهَرِ\". تَاجُ العَرُوسِ (٣٥/ ٥١٩).","vol":"2","page":185},{"text":"اللَّذَينِ يَفْعَلَانِ ذَلِكَ! فَيَذُمُّونَ الدَّهْرَ بِأَنَّهُ الَّذِي يُفْنِينَا وَيَفْعَلُ بِنَا؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ» عَلَى أَنَّهُ يُفْنِيكُمْ وَالَّذِي يَفْعَلُ بِكُمْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ!! فَإِنَّكُمْ إِذَا سَبَبْتُمْ فَاعِلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَإِنَّمَا تَسُبُّون اللَّهَ ﵎؛ فَإِنَّ اللَّهَ فَاعِلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ\" (^١).\nوَقَالَ ابْنُ الجَوزِيُّ ﵀: \"وَرُبَّمَا جَعَلُوا اللهَ الدُّنْيَا، وَيَقُولُونَ: فَعَلَتْ وَصَنَعَتْ\"! وَ\"كَذَلِكَ لَعْنُ جَمِيعِ الحَيَوَانَاتِ وَالجَمَادَاتِ؛ فَكُلُّهُ مَذْمُومٌ\" (^٢).\n- إِنَّ سَبَّ الدَّهْرِ -أَو وَصْفَهُ- يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ (^٣):\n١ - أَنْ يَقْصِدَ الخَبَرَ المَحْضَ دُونَ اللَّومِ؛ فَهَذَا جَائِزٌ، ومِنْهُ قَولُ لُوطٍ ﵊: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هُود: ٧٧] (^٤).\n٢ - أَنْ يَسُبَّ الدَّهْرَ عَلَى أَنَّه هُوَ الفَاعِلُ؛ كَأَنْ يَعْتَقِدَ بِسَبِّهِ الدَّهْرَ أَنَّ الدَّهْرَ هُوَ الَّذِي يُقَلِّبُ الأُمُورَ إِلَى الخَيرِ وَالشَّرِّ! فَهَذَا شِرْكٌ أَكْبَرُ؛ لِأَنَّه اعْتَقَدَ أَنَّ مَعَ اللهِ خَالِقًا، وَلِأَنَّهُ نَسَبَ إِيجَادَ الحَوادِثِ إِلَى غَيرِ اللهِ، وَمِنْ ذَلِكَ الضَّلَالِ نِسْبَةُ الإِمَاتَةِ إِلَى الدَّهْرِ فِي قَولِ المُشْرِكِينَ: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجَاثِيَة: ٢٤].\n٣ - أَنْ يَسُبَّ الدَّهْرَ لَا لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ هُوَ الفَاعِلَ؛ بَلْ يَعْتَقِدُ أَنَّ اللهَ هُوَ الفَاعِلُ لَكِنْ يَسُبُّهُ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ لِهَذَا الأَمْرِ المَكْرُوهِ عِنْدَهُ؛ فَهَذَا مُحَرَّمٌ، وَهُوَ مَقْصُودُ المُصَنِّفِ فِي هَذَا البَابِ.\n_________\n(^١) مَعْرِفَةُ السُّنَنِ وَالآثَارِ لِلبَيهَقِيِّ (٥/ ٢٠٣).\n(^٢) صَيدُ الخَاطِرِ (ص ٤٠٧)، وَانْظُرْ (الأَذْكَارُ) (ص ٣٥٤) لِلنَّوَوِيِّ ﵀، وَ(الكَبَائِرُ) (ص ١٦٧) لِلذَّهَبِيِّ ﵀.\n(^٣) القَولُ المُفِيدُ (٢/ ٢٤٠) بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ.\n(^٤) قُلْتُ: الأَولَى فِي هَذَا النَّوعِ أَنْ يُسَمَّى وَصْفًا وَلَا يُسَمَّى سَبًّا، كَمَا قَالَ صَاحِبُ فَتْحِ المَجِيدِ ﵀ (ص ٤٢٥): \"وَلَيسَ مِنْهُ وَصْفُ السِّنِينَ بالشِّدَّةِ وَنَحوِ ذَلكَ كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ [يُوسُف: ٤٨] \".","vol":"2","page":186},{"text":"<span data-type='title' id=toc-342>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-343> المَسْأَلَةُ الأُولَى: هَلِ الدَّهْرُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى؟</span> كَمَا فِي الحَدِيثِ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ -وَأَنَا الدَّهْرُ- أُقَلِّبُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ» (^١).\nالجَوَابُ:\nالدَّهْرُ لَيسَ هُوَ نَفْسُ اللهِ، وَلَيسَ اسْمًا مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى.\nوَيَدُلُّ لِذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ:\n١ - أَنَّ سِيَاقَ الحَدِيثِ يَأْبَاهُ، بَلْ يُرْشِدُ إِلَى أَنَّ المَقْصُودَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ المُتَصَرِّفُ بِالدَّهْرِ نَفْسِهِ، كَمَا فِي قَولِهِ: «بِيَدِي الأَمْرُ؛ أُقَلِّبُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ»، وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ هُوَ الزَّمَنُ، وَهُوَ الدَّهْرُ نَفْسُهُ، فَاللهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يُقَلِّبُهُما (^٢).\n٢ - أَنَّ الزَّمَنَ مَخْلُوقٌ كَالمَكَانِ، وَاللهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [يُونُس: ٦٧]، وَقَالَ أَيضًا سُبْحَانَهُ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَينِ\n_________\n(^١) قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ فِي مَجْمُوعِ الفَتَاوَى (٢/ ٤٩٤): \"وَالقَولُ الثَّانِي: قَولُ نُعَيمِ بْنِ حَمَّادٍ وَطَائِفَةٍ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الحَدِيثِ وَالصُّوفِيَّةِ أَنَّ الدَّهْرَ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَمَعْنَاهُ القَدِيمُ الأَزَلِيُّ، وَرَوَوا فِي بَعْضِ الأَدْعِيَةِ: (يَا دَهْرُ، يَا دَيهُورُ، يَا دَيهَارُ).\nوَهَذَا المَعْنَى صَحِيحٌ، لِأَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ هُوَ الأَوَّلُ لَيسَ قَبْلَهُ شَيءٌ، وَهُوَ الآخِرُ لَيسَ بَعْدَهُ شَيءٌ، فَهَذَا المَعْنَى صَحِيحٌ؛ إنَّمَا النِّزَاعُ فِي كَونِهِ يُسَمَّى دَهْرًا\".\n(^٢) وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ المُتَبَادِرُ مِنْ سِيَاقِ الحَدِيثِ، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ مِنَ الكَلَامِ شَائِعَةُ الاسْتِخْدَامِ، كَمَا يُقَالُ عَنِ الرَّجُلِ العَظِيمِ الشَّأْنِ المُتَصَرِّفِ فِي الدَّولَةِ أَنَّهُ دَولَةٌ، وَعَنْ رَئِيسِ الشُّرْطَةِ أَنَّهُ هُوَ الشُّرْطَةُ.","vol":"2","page":187},{"text":"وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ﴾ [إِبْرَاهِيم: ٣٣].\nفَالإِخْبَارُ عَنِ الجَعْلِ -وَهُوَ الخَلْقُ هُنَا- وَالتَّسْخِيرِ دَلِيلٌ عَلَى كَونِهِ مَخْلُوقًا مِنْ جُمْلَةِ المَخْلُوقَاتِ (^١).\n٣ - أَنَّ أَسْمَاءَ اللهِ تَعَالَى كُلُّهَا حُسْنَى، أَي: بَالِغَةٌ فِي الحُسْنِ أَقْصَاهُ، وَهِيَ مُتضمِّنةٌ لِصِفَاتِ الكَمَالِ، أَمَّا الدَّهْرُ فَهُوَ اسْمٌ جَامِدٌ لَا يَتَضَمَّنُ مَعْنًى يَتَفَاضَلُ أَصْلًا! فَلَيسَ فِيهِ مَدْلُولٌ لِلحُسْنِ كَسَائِرِ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى.\n٤ - أَنَّهُ لَو كَانَ الدَّهْرُ اسْمًا مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ؛ لَمْ يَكُنْ قَولُ الكُفَّارِ: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ خَطَأً! فَتَأَمَّلْ.\n_________\n(^١) وَلَمْ نَسْتَدِلَّ بِمِثْلِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفُرْقَان: ٦٢]-كَمَا ذَهَبَ إِلَيهِ بَعْضُ الأَفَاضِلِ- وَذَلِكَ لِأَنَّها لَا تَدُلُّ صَرَاحَةً عَلَى المَقْصُودِ، ذَلِكَ أَنَّ كَلِمَةَ (جَعَلَ) إِذَا تَعَدَّتْ إِلَى مَفْعُولَينِ؛ فَإِنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَى الخَلْقِ؛ وَإنَّمَا عَلَى التَّصْيِيرِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزُّخْرُف: ٣]، بِخِلَافِ مَا إِذَا تَعَدَّتْ إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ فَقَط؛ فَإِنَّ مَعْنَاهَا (الخَلْقُ). وَالحَمْدُ للهِ.\nقَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: \"وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ لَمْ يَقُلْ: (جَعَلْنَاهُ) فَقَطْ حَتَّى يُظَنَّ أَنَّهُ بِمَعْنَى: (خَلَقْنَاهُ)! وَلَكِنْ قَالَ: ﴿جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أَي: صَيَّرْنَاهُ عَرَبِيًّا\". مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (١٢/ ٥٢٢).","vol":"2","page":188},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-344> المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: كَيفَ يَصِحُّ القَولُ بِأَنَّ ابْنَ آدَمَ يُؤْذِي اللهَ تَعَالَى؛ مَعَ أَنَّهُ هُوَ رَبُّ العَالَمِينَ؟!</span>\nالجَوَابُ:\nلَا يَلْزَمُ مِنَ الأَذِيَّةِ الضَّرَرُ! فَالإِنْسَانُ يَتَأَذَّى بِسَمَاعِ القَبِيحِ أَو مُشَاهَدَتِهِ؛ وَلَكِنَّهُ لَا يَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ، وَأَيضًا يَتَأَذَّى بِالرَّائِحَةِ الكَرِيهَةِ كَالبَصَلِ وَالثُّومِ وَلَا يَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ، وَلِهَذَا أَثْبَتَ اللهُ تَعَالَى الأَذِيَّةَ فِي القُرْآنِ وَنَفَى الضَّرَرَ عَنْ نَفْسِهِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأَحْزَاب: ٥٧]، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى قَالَ أَيضًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عِمْرَان: ١٧٧].\nوَأَيضًا أَثْبَتَ النَّبِيُّ ﷺ الأَذِيَّةَ للهِ كَمَا فِي حَدِيثِ البَابِ (^١)، وَأَخْبَرَ أَيضًا عَنْ نَفْي الضَّرَرِ عَنْهُ تَعَالَى كَمَا فِي الحَدِيثِ القُدُسيِّ: «يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي» (^٢).\nوَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عِمْرَان: ١١١] (^٣).\n_________\n(^١) وَكَحَدِيثِ: «لَيسَ أَحَدٌ -أَو لَيسَ شَيءٌ- أَصْبَرَ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللهِ؛ إِنَّهُمْ لَيَدَّعُونَ لَهُ وَلَدًا -وَإِنَّهُ لَيُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ-». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦٠٩٩)، وَمُسْلِمٌ (٢٨٠٤) عَنْ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا.\n(^٢) مُسْلِمٌ (٢٥٧٧) عَنْ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا.\n(^٣) قُلْتُ: وَكَمَا جَاءَ عَنِ الأَصْمَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيتُ أَعْرَابِيَّةً فِي الفَلَاةِ، فَقُلْتُ: كَيفَ تَصْبِرُونَ عَلَى الحَرِّ\n=","vol":"2","page":189},{"text":"قَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (^١): \"فَلَيسَ عَلَى المُؤْمِنِينَ مِنْهُم ضَرَرٌ فِي أَدْيَانِهِم وَلَا أَبْدَانِهِم، وَإنَّمَا غَايَةُ مَا يَصِلُونَ إِلَيهِ مِنَ الأَذَى؛ أَذِيَّةُ الكَلَامِ الَّتِي لَا سَبِيلَ إِلَى السَّلَامَةِ مِنْهَا مِنْ كُلِّ مُعَادِي\" (^٢).\n_________\n=\nوَالبَرْدِ؟ أَمَا يَضُرُّكُم الحَرُّ وَالبَرْدُ؟ فَقَالَتْ: لَا سَوَاءَ! أَمَّا الحَرُّ فَهُوَ أَذًى، وَإِنَّمَا الَّذِي يَضُرُّ هُوَ البَرْدُ. مُسْتَفَادٌ مِنْ شَرْحِ الشَّيخِ الغُنَيمَانِ حَفِظَهُ اللهُ عَلَى كِتَابِ فَتْحُ المَجِيدِ، شَرِيطُ رَقَم (٥٦)، شَرْحُ بَابِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾.\n(^١) تَفْسِيرُ السَّعْدِيّ (ص ١٤٣).\n(^٢) وُيُنْظَرُ كِتَابُ (الصَّارِمُ المَسْلُولُ) لِابْنِ تَيمِيَّةَ (ص ٥٨).","vol":"2","page":190},{"text":"بَابُ التَّسَمِّي بِقَاضِي القُضَاةِ وَنَحْوِهِ\nفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ قَالَ: «إِنَّ أَخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ اللهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأَمْلَاكِ؛ لَا مَالِكَ إِلَّا اللهَ».\nوَفِي رِوَايَةٍ: «أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى اللهِ يَومَ القِيَامَةِ، وَأَخْبَثُهُ» (^١).\nقَولُهُ: «أَخْنَعَ» يَعْنِي: أَوضَعَ.\nقَالَ سُفْيَانُ: مِثْلُ شَاهَانْ شَاهْ.\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٦٢٠٦)، وَمُسْلِمٌ (٢١٤٣)، وَاللَّفْظُ لَهُ.","vol":"2","page":191},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: النَّهْيُ عَنِ التَّسَمِّي بِمَلِكِ الأَمْلَاكِ.\nالثَّانِيَةُ: أَنَّ مَا فِي مَعْنَاهُ مِثْلُهُ -كَمَا قَالَ سُفْيَانُ-.\nالثَّالِثَةُ: التَّفَطُّنُ لِلتَّغْلِيظِ فِي هَذَا وَنَحْوِهِ مَعَ القَطْعِ بِأَنَّ القَلْبَ لَمْ يَقْصِدْ مَعْنَاهُ.\nالرَّابِعَةُ: التَّفَطُّنُ أَنَّ هَذَا لِأَجْلِ اللهِ سُبْحَانَهُ.","vol":"2","page":192},{"text":"<span data-type='title' id=toc-347>الشَّرْحُ</span>\n- قَولُهُ: «إِنَّ أَغْيَظَ اسْمٍ عَلَى اللهِ» الغَيظُ هُنَا لَا يَتَعَلَّقُ فَقَطْ بِالاسْمِ المُجَرَّدِ بَلْ بِمَنْ تَسَمَّى بِهِ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الأُخْرَى: «أَغْيَظَ رَجُلٍ عَلَى اللهِ».\n- قَولُهُ: «أَغْيَظَ» الغَيظُ: الغَضَبُ، أَو أشَدُّهُ (^١)، وَهِيَ من الصِفَاتِ الَّتِي تُمَرُّ كَمَا جَاءَتْ (^٢).\n- أَخَذَ المُصَنِّفُ ﵀ النَّهْيَ عَنِ التَّسْمِيَةِ بِـ (قَاضِي القُضَاةِ) وَهُوَ مِمَّا اشْتَهَرَ بَينَ النَّاسِ وَيَعْنُونَ بِهِ: أَعْلَمَ القُضَاةِ مِنْ مَعْنَى قَولِهِ: «مَلِكَ الأَمْلَاكِ»، وَحَيثُ أنَّ اللهَ هُوَ المَالِكُ الحَقِيقِيُّ وأنَّ مُلْكَهُ كَامِلٌ؛ وأَنَّ العِبَادَ مُلْكُهُم قَاصِرٌ وَلَا يَمْلِكُ أَحَدُهُم إِلَّا مَا فِي يَدِهِ؛ صَارَ من نَفْسِ المَعنى أَنَّ التَّسَمِّي بِقَاضِي القُضَاةِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ أَعْلَمَ مَنْ يَقْضِي بَينَ النَّاسِ هُوَ اللهُ تَعَالَى، فَاللهُ حُكْمُهُ حَقٌّ بِلَا شَكٍ، وَهُوَ يَقْضِي بَينَ الجَمِيعِ -بِمَنْ فِيهِم القُضَاةُ أَنْفُسُهُم-، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَينَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [النَّمْل: ٧٨]، وكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَينَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يُونُس: ٩٣]، وَالقَاضِي مِنَ البَشَرِ قَدْ يُخْطِئُ وَقَدْ يُصِيبُ، وَقَضَاؤهُ لَا يَقَعُ إِلَّا بَينَ مَنْ هُم فِي بَلَدِهِ وَتَحْتَ إِمْرَتِهِ؛ لِذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ إِطْلَاقُ قَاضِي القُضَاةِ عَلَى البَشَرِ لِأَنَّهُ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِاللهِ تَعَالَى، وَيُمْكِنُ إِطْلَاقُهَا مُقَيَّدَةً كَقَولِك: قَاضِي قُضَاةِ دِمَشْقَ.\n_________\n(^١) القَامُوسُ المُحِيطُ (ص ٦٩٧).\n(^٢) وَفِي كِتَابِ (صِفَاتُ اللهِ ﷿ لِلشَّيخِ عَلَوي السَّقَّاف (ص ٢٦٤): \"وَقَالَ قَوَّامُ السُّنَّةِ الأَصْبَهَانِيُّ فِي الحُجَّةُ فِي بَيَانِ المَحَجَّةِ (٢/ ٤٥٧): قَالَ عُلَمَاؤُنَا: يُوصَفُ اللهُ بِالغَضَبِ، وَلَا يُوصَفُ بَالغَيظِ\". فَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.","vol":"2","page":193},{"text":"- المَلِكُ وَالمَالِكُ لُغَةً: المَلِكُ مِنَ المُلْكِ؛ وَهُوَ الَّذِي يَنْفُذُ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ، أَمَّا المَالِكُ فَهُوَ فَاعِلٌ مِنَ المِلْكِ، وَمَلَكَ الشَّيءَ يَعْنِي: اقْتَنَاهُ وَصَارَ مُخْتَصًّا بِهِ (^١).\n- مَنْ قَصَدَ بِتَسْمِيَةِ نَفْسِهِ مَلِكَ الأَمْلَاكِ رِفْعَةً وَعُلُّوًّا؛ فإِنَّ اللهَ تَعَالَى يُجَازِيهِ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ وَيَجْعَلُهُ وَضِيعًا، كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ: «يُحْشَرُ المُتَكَبِّرُونَ يَومَ القِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ، يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، يُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولُسَ، تَعْلُوهُمْ نَارُ الأَنْيَارِ، يُسْقَونَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ؛ طِينَةِ الخَبَالِ» (^٢)، وَذَلِكَ مُعَامَلَةً لَهُم بِنَقيضِ قَصْدِهِم، قَالَ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القَصَص: ٨٣]، وَفِي الحَدِيثِ: «إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى اللهِ: عَبْدُ اللهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ» (^٣).\n- شَرْحُ سُفْيَانَ -وَهُوَ ابْنُ عُيَينَةَ- «مَلِكِ الأَمْلَاكِ» بِـ: (شَاهَان شَاه) إنَّمَا هُوَ لِبَيانِ أَنَّ المَنْهِيَّ لَيسَ اللَّفْظَ المُجَرَّدَ بَلِ المَعْنَى، وَ\" شَاهَان شَاه\" كَلَامٌ فَارِسِيٌّ مَعْنَاهُ مَلِكُ الأَمْلَاكِ.\n_________\n(^١) قَالَ ابْنُ الجَوزِيِّ ﵀ فِي تَفْسِير الفَاتِحَةِ: \"وَجُمْهُورُ القُرَّاءِ (مَلِكِ) -بِفَتْحِ المِيمِ مَعَ كَسْرِ اللَّامِ- وَهُوَ أَظْهَرُ فِي المَدْحِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَلِكٍ مَالِكٌ، وَلَيسَ كُلُّ مَالِكٍ مَلِكًا\". زَادُ المَسِيرِ (١/ ١٩).\n(^٢) حَسَنٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٤٩٢) عَنِ ابْنِ عَمْرو مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٨٠٤٠).\nوَالخَبَالُ: بِفَتْحِ الخَاءِ المُعْجَمَةِ؛ هُوَ الفَسَادُ.\n(^٣) مُسْلِمٌ (٢١٣٢) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا.","vol":"2","page":194},{"text":"<span data-type='title' id=toc-348>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-349> مَسْأَلَةٌ: كَيفَ الجَمْعُ بَينَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فَاطِر: ١٣] الَّتِي فِيهَا نَفيُ التَّمَلُّكِ عَنِ البَشَرِ؛ وَبَينَ غَيرِهَا مِنَ النُّ</span>صُوصِ الَّتِي فِيهَا إِثْبَاتُ التَّمَلُّكِ مِثْلَ قَولِهِ تَعَالَى عَنِ الأَكْلِ مِنَ البُيُوتِ: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النُّور: ٦١]، وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ﴾ [المُؤْمِنُون: ٦]؟\nالجَوَابُ:\nإِنَّ مِلْكَ العَبْدِ لِلشَّيءِ هُوَ مِلْكٌ قَاصِرٌ وَلَيسَ تَامًّا، وَهَذَا القُصُورُ هُوَ مِنْ عِدَّةِ جِهَاتٍ:\n١ - مِنْ جِهَةِ القَدَرِ.\nفَأَنَا لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ لِعَبْدِي المَرِيضِ: اِبْرَأْ؛ فَيَبْرَأُ! وَلَا أَسْتَطِيعُ إِرْجَاعَ دِرْهَمٍ أَنْفَقْتُهُ! وَلَا شَيئًا أَحْرَقْتُهُ!\n٢ - مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ.\nفَأَنَا لَا أَسْتَطِيعُ أَنَّ أَتَصَرَّفَ فِي مِلْكِي كَمَا أَشَاءُ -إِذَا خَالَفَ الشَّرْعَ- كَالتَّعَامُلِ بِالرِّبَا، أَوِ القِمَارِ!\n٣ - مِنْ جِهَةِ الشُّمُولِ.\nأَنَّ العَبْدَ يَمْلِكُ مَا تَحْتَ يَدِهِ، وَلَا يَمْلِكُ مَا تَحْتَ يَدِ غَيرِهِ.\n٤ - مِنْ جِهَةِ الزَّمَنِ.","vol":"2","page":195},{"text":"فَاللهُ تَعَالَى مَالِكُ كُلِّ شَيءٍ، وَهُوَ الَّذِي وَرَّثَ الشَّيءَ مِنْ شَخْصٍ لِآخَرَ، فَالعَبْدُ -وَلَو كَانَ مَالِكًا لِشَيءٍ فِي الحَاضِرِ- وَلَكِنَّهُ قَبْلَ وُصُولِهِ لِيَدِهِ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لَهُ! وَقَبْلَ خَلْقِهِ -أَي: الشَّخْصِ- لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لَهُ، وَبَعْدَ مَوتِهِ كَذَلِكَ، وَإِذَا سُرِقَ مِنْهُ كَذَلِكَ.\nفَالمِلْكُ وَالمَالُ كُلُّهُ للهِ يُورِثُهُ مَنْ يَشَاءُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النُّور: ٣٣]، وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحَدِيد: ٧] (^١).\n_________\n(^١) يُنْظَرُ: شَرْحُ العَقِيدَةِ الوَاسِطِيَّةِ لِلْعُثَيمِين (١/ ٢٣).","vol":"2","page":196},{"text":"بَابُ احْتِرَامِ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَتَغْيِيرِ الِاسْمِ لِأَجْلِ ذَلِكَ\nعَنْ أَبِي شُرَيحٍ؛ أَنَّهُ كَانَ يُكَنَّى أَبَا الحَكَمِ؛ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللهَ هُوَ الحَكَمُ، وَإِلَيهِ الحُكْمُ»، فَقَالَ: إِنَّ قَومِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيءٍ أَتَونِي؛ فَحَكَمْتُ بَينَهُمْ؛ فَرَضِيَ كِلَا الفَرِيقَينِ، فَقَالَ: «مَا أَحْسَنَ هَذَا، فَمَا لَكَ مِنَ الوَلَدِ»؟ قُلْتُ: شُرَيحٌ وَمُسْلِمٌ وَعَبْدُ اللهِ، قَالَ: «فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟» قُلْتُ: شُرَيحٌ، قَالَ: «فَأَنْتَ أَبُو شُرَيحٍ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيرُهُ (^١).\nفِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: احْتِرَامُ أَسْمَاءِ اللهِ وَصِفَاتِهِ وَلَو لَمْ يَقْصِدْ مَعْنَاهُ.\nالثَّانِيَةُ: تَغْيِيرُ الِاسْمِ لِأَجْلِ ذَلِكَ.\nالثَّالِثَةُ: اخْتِيَارُ أَكْبَرِ الأَبْنَاءِ لِلْكُنْيَةِ.\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٩٥٥). صَحِيحُ أَبِي دَاوُدَ (٤٩٥٥).","vol":"2","page":197},{"text":"<span data-type='title' id=toc-352>الشَّرْحُ</span>\n- يُوصَفُ اللهُ ﷿ بِأَنَّهُ الحَاكِمُ وَالحَكَمُ.\nوَ(الحَكَمُ): اسْمٌ لَهُ ثَابِتٌ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (^١).\n- اسْمُ (أَبِي الحَكَمِ) فِيهِ مُخَالَفَةٌ مِنْ وَجْهَينِ:\n١ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الحَكَمُ، فَفِيهِ مُنَازَعَةٌ للهِ تَعَالَى فِي اسْمِهِ وَصِفَتِهِ، كَمَا فِي قَولِهِ: «إِنَّ اللهَ هُوَ الحَكَمُ، وَإِلَيهِ الحُكْمُ»، خَاصَّةً أَنَّهَا مَقْرُونَةٌ بِأَلِّ التَّعْرِيفِ الدَّالَّةِ عَلَى الاسْتِغْراقِ (^٢).\n٢ - أَنَّ قَولَهُم: (أَبَا الحَكَمِ) هُنَا يُفِيدُ عُلُوَّ وَكَمَالَ هَذِهِ الصِّفَةِ، وَهَذَا لَا يَلِيقُ إِلَّا بِاللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ.\n- الكُنْيِةُ مَا صُدِّرَ بَأَبٍ أَو أُمٍّ أَو ابْنٍ أَو ابْنَةٍ وَنَحوِ ذَلِكَ، وَاللَّقَبُ مَا لَيسَ كَذَلِكَ،\n_________\n(^١) صِفَاتُ اللهِ ﷿، لِلشَّيخ عَلَوي السَّقَّاف (ص ١٢١).\nوَقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي أَشْرِطَةِ سِلْسِلَةِ الهُدَى وَالنُّورِ (ش ١٣): \"يُطْلَقُ عَلَى اللهِ تَعَالَى (الحَاكِمُ) عَلَى سَبِيلِ الإِخْبَارِ\".\n(^٢) قَالَ الشَّيخُ الفَاضِلُ الفَوزَانُ حَفِظَهُ اللهُ: \"فَالحَكَمُ -بِالأَلِفِ وَاللَّامِ- لَا يُطْلَقُ إِلَّا عَلَى اللهِ ﷾، أَمَّا أَنْ يُقَالَ: (حَكَمٌ) بِدُونِ تَعْرِيفٍ فَلَا بَأْسَ، فَاللهُ جَلَّ وَعَلَا يَقُولُ: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النِّسَاء: ٣٥] \". إِعَانَةُ المُسْتَفِيدِ (٢/ ٢٥٧).\nقُلْتُ: فإنَّ \"ال\" التَّعْرِيفِ هُنَا هِيَ لِلاسْتِغْرَاقِ، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا للهِ تَعَالَى، أمَّا مَا كَانَ مُجَرَّدًا مِثَلَ (حَكَم) وَلَمْ تُقَارِنْهَا الصِّفَةُ -وهيَ النِّهَايَةُ فِي الحُكْمِ؛ وَلَيسَ مُجَرَّدَ الحُكْمِ- فَهُوَ جَائِزٌ، وَأَيضًا لَو كَانَتْ مُحَلَّاةً بِـ \"ال\" التَّعْرِيفِ وَلَكِنْ مِنْ جِهَةِ العَهْدِ -الذِكْرِيِّ-، أَو مِنْ جِهَةِ العَلَمِيَّةِ فَقَط؛ فَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَينَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البَقَرَة: ١٨٨].","vol":"2","page":198},{"text":"كَزَينِ العَابِدِين وَنَحْوِهِ.\nوَتَكُونُ الكُنيَةُ لِلمَدْحِ كَمَا فِي هَذَا الحَدِيثِ، وَقَدْ تَكُونُ لِلذَّمِّ كَأَبِي جَهْلٍ، وَقَدْ تَكُونُ لِمُصَاحَبَةِ الشَّيءِ مِثْلِ أَبِي هُرَيرَةَ، وَقَدْ تَكُونُ لِمُجَرَّدِ العَلَمِيَّةِ كَأَبِي بَكْرٍ ﵁.\n- حُكْمُ اللهِ تَعَالَى أَنْوَاعٌ:\n١ - قَدَرِيٌّ (كَونِيٌّ).\nكَمَا فِي قَولِ أَخِي يُوسُفَ: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يُوسُف: ٨٠].\n٢ - شَرْعِيٌّ.\nكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشُّورَى: ١٠].\n٣ - جَزَائِيٌّ.\nكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَينَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البَقَرَة: ١١٣].\n- فِي الحَدِيثِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِأَهلِ الوَعْظِ وَالإِرْشَادِ وَالنُّصْحِ إِذَا أَغْلَقوا بَابًا مُحَرَّمًا أَنْ يُبَيِّنُوا للنَّاسِ المُبَاحَ مِنْهُ.\n- أَسْمَاءُ اللهِ تَعَالَى تَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَينِ -مِنْ حَيثُ جَوَازِ التَّسْمِيَةِ-:\n١ - مَا لَا يَصِحُّ إِلَّا للهِ؛ فَهَذَا لَا يُسَمَّى بِهِ غَيرُهُ، وَإِنْ سُمِّيَ وَجَبَ تَغْيِيرُهُ، مِثْلَ: اللهُ، الرَّحْمَنُ، رَبُّ العَالَمِين، وَمَا أَشْبَهَ ذَلكَ.","vol":"2","page":199},{"text":"٢ - مَا يَصِحُّ أَنْ يُوصَفَ بِهِ غَيرُ اللهِ، مِثْلَ: الرَّحِيمُ، السَّمِيعُ، البَصِيرُ، فَإِنْ لُوحِظَتِ الصِّفَةُ مَعَهَا مُنِعَ مِنَ التَّسَمِّي بِهَا، وَإِنْ لَمْ تُلَاحَظِ الصِّفَةُ جَازَ التَّسَمِّي بِهِ عَلَى أَنَّهُ عَلَمٌ مَحْضٌ (^١).\nوَدِلَالَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ فِي الصَّحَابَةِ مَنْ كَانَ اسْمُهُ: (الحَكَمُ، وَحَكِيمٌ) وَلَمْ يُغَيِّرْهُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا غَيَّرَ اسْمَ أَبِي الحَكَمِ! وَذَلِكَ لِأَنَّه عَلَمٌ مَحْضٌ (^٢).\n- قَالَ العَلَّامَةُ ابْنُ القَيِّمِ ﵀: \"وَأَمَّا الأَسْمَاءُ الَّتِي تُطْلَقُ عَلَيهِ وَعَلَى غَيرِهِ -كَالسَّميعِ وَالبَصِيرِ وَالرَّؤُوفِ وَالرَّحِيمِ- فَيَجُوزُ أَنْ يُخْبَرَ بِمَعَانِيهَا عَنِ المَخْلُوقِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتَسَمَّى بِهَا عَلَى الإِطْلَاقِ؛ بِحَيثُ يُطْلَقُ عَلَيهِ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الرَّبِّ تَعَالَى\" (^٣).\nوَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀: \"وَأَمَّا الرَّبُّ فَهِيَ كَلِمَةٌ -وَإِنْ كَانَتْ مُشْتَرِكَةً؛ وَتَقَعُ عَلَى غَيرِ الخَالِقِ لِقَولِهِمْ: (رَبُّ الدَّابَّةِ، وَرَبُّ الدَّارِ) وَيُرَادُ صَاحِبُهَا-؛ فَإِنَّهَا لَفْظَةٌ تَخْتَصُّ بِاللَّهِ ﷿ فِي الأَغْلَبِ وَالأَكْثَرِ، فَوَجَبَ أَلَّا تُسْتَعْمَلَ فِي المَخْلُوقِينَ؛ لِنَفْيِ اللهِ ﷿ الشَّرِكَةَ بَينَهُمْ وَبَينَ اللهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِأَحَدٍ غَيرِ اللهِ (إلَهٌ) وَلَا (رَحْمَنٌ)، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ (رَحِيمٌ) لِاخْتِصَاصِ اللهِ بِهَذِهِ الأَسْمَاءِ، فَكَذَلِكَ الرَّبُّ لَا يُقَالُ لِغَيرِ اللهِ\" (^٤).\n_________\n(^١) القَولُ المُفِيدُ (٢/ ٢٦١).\n(^٢) كالحَكَمِ بْنِ الحَارثِ السُّلَمِيِّ، وَالحَكَمِ بْنِ سَعِيدٍ بْنِ العَاصِ، وَالحَكَمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيِّ، وَكَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَحَكِيمِ بْنِ الحَارِثِ الطَّائِفِيِّ، وَحَكِيمِ بْنِ طَليقٍ الأُمَوِيِّ، وَغَيرِهِم ﵃. انْظُرِ (الإِصَابَةُ) (٢/ ٨٦) لِابْنِ حَجَرٍ ﵀.\n(^٣) تُحْفَةُ المَودُودِ (ص ١٢٧).\n(^٤) شَرْحِ البُخَارِيِّ (٧/ ٦٨).","vol":"2","page":200},{"text":"بَابُ مَنْ هَزَلَ بِشَيءٍ فِيهِ ذِكْرُ اللهِ أَوِ القُرْآنِ أَوِ الرَّسُولِ\nوَقَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التَّوبَة: ٦٥].\nوَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وَزَيدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَقَتَادَةَ -دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضِ-: أَنَّهُ قَالَ رَجُلٌ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ: مَا رَأَينَا مِثْلَ قُرَّائِنَا هَؤُلَاءِ؛ أَرْغَبَ بُطُونًا، وَلَا أَكْذَبَ أَلْسُنًا، وَلَا أَجْبَنَ عِنْدَ اللِّقَاءِ -يَعْنِي رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ القُرَّاءَ-، فَقَالَ لَهُ عَوفُ بْنُ مَالِكٍ: كَذَبْتَ؛ وَلَكِنَّكَ مُنَافِقٌ، لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَذَهَبَ عَوفٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لِيُخْبِرَهُ فَوَجَدَ القُرْآنَ قَدْ سَبَقَهُ، فَجَاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ -وَقَدِ ارْتَحَلَ وَرَكِبَ نَاقَتَهُ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَتَحَدَّثُ حَدِيثَ الرَّكْبِ؛ نَقْطَعُ بِهِ عَنَاءَ الطَّرِيقِ! قَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيهِ مُتَعَلِّقًا بِنِسْعَةِ نَاقَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَإِنَّ الحِجَارَةَ تَنْكُبُ رِجْلَيهِ وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، فَيَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التَّوبَة: ٦٥ - ٦٦] مَا يَلْتَفِتُ إِلَيهِ وَمَا يَزِيدُهُ عَلَيهِ\" (^١).\n_________\n(^١) حَسَنٌ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (١٤/ ٣٣٣) مِنْ طَرِيقِ كُلٍّ مِنَ الرُّوَاةِ المَذْكُورِين، وَأَيضًا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ (٦/ ١٨٢٩)، وَحَسَّنَهُ الشَّيخُ مُقْبِلُ الوَادِعِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (الصَّحِيحُ المُسْنَدُ مِنْ أَسْبَابِ النُّزُولِ) (ص ١٠٨).","vol":"2","page":201},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: وَهِيَ العَظِيمَةُ؛ أَنَّ مَنْ هَزَلَ بِهَذَا فَهُوَ كَافِرٌ.\nالثَّانِيَةُ: أَنَّ هَذَا تَفْسِيرُ الآيَةِ فِيمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَائِنًا مَنْ كَانَ.\nالثَّالِثَةُ: الفَرَقُ بَينَ النَّمِيمَةِ وَبَينَ النَّصِيحَةِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ.\nالرَّابِعَةُ: الفَرَقُ بَينَ العَفْوِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللهُ وَبَينَ الغِلْظَةِ عَلَى أَعْدَاءِ اللهِ.\nالخَامِسَةُ: أَنَّ مِنَ الِاعْتِذَارِ مَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْبَلَ.","vol":"2","page":202},{"text":"<span data-type='title' id=toc-355>الشَّرْحُ</span>\n- مُنَاسَبَةُ هَذَا البَابِ لِكتَابِ التَّوحِيدِ ظَاهِرَةٌ؛ وهيَ أَنَّ الهَزلَ وَالاسْتِهْزَاءَ بِاللهِ أَو بِالرَّسُولِ ﷺ أَو بِالقُرْآنِ مُنَافٍ لِأَصلِ التَّوحِيدِ وَكُفْرٌ مُخْرِجٌ مِنَ المِلَّةِ.\n- المُصَنِّفُ ﵀ لَمْ يَذْكُرِ (الدِّينَ) فِي جُمْلَةِ قَولِهِ: (اللهِ أَوِ القُرْآنِ أَوِ الرَّسُولِ) وَذَلِكَ لِأَنَّ الهَزْلَ بِالدِّينِ فِيهِ تَفْصِيلٌ، وَذَلِكَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الهَزْلَ بِالدِّينِ قَدْ يُقْصَدُ بِهِ تَدَيُّنُ الرَّجُلِ نَفْسِهِ، وَقَدْ يُقْصَدُ بِهِ المَنْهَجُ الدِّينِيُّ الَّذِي يَنْتَمِي إِلَيهِ الشَّخْصُ المَذْمُومُ، وَالحُكْمُ لَيسَ وَاحِدًا.\n- قَالَ تَعَالَى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ * الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٤ - ٦٧] (^١).\nهَذِهِ السُّوَرةُ كَانَتْ تُسَمَّى عِنْدَ الصَّحَابَةِ بِالفَاضِحَةِ؛ لِأَنَّهَا ذَكَرَتِ المُنَافِقِينَ وَعَلَامَاتِهِم وَأَقْوَالَهُم.\n_________\n(^١) قَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾ مَعْنَاهُ: أَنَّهُ تَعَالَى مُخْرِجٌ الكُفْرَ الَّذِي تَكْتُمُونَهُ وَتُظْهِرُونَ خِلَافَهُ نِفَاقًا، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَينَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ [مُحَمَّد: ٢٩ - ٣٠].","vol":"2","page":203},{"text":"- فِي البَابِ ضَرُورَةُ مُرَاقَبَةِ الإِنْسَانِ لِلِسَانَهُ، كَمَا فِي أَحَادَيثَ مِنْهَا:\n١ - «إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ -لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا- يَرْفَعُهُ اللهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ -لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا- يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ» (^١).\n٢ - «وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ -أَو قَالَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ- إِلَّا حَصَائِدُ أَلسِنَتِهِمْ» (^٢).\n- الاسْتِهْزَاءُ بِآيَاتِ اللهِ يَشْمَلُ الآيَاتِ الشَّرْعِيَّةَ كَالقُرْآنِ، وَالآيَاتِ الكَونِيَّةَ كَتَقْدِيرِ اللهِ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ وَ… الَّتِي تَدُلُّ عَلَى صُنْعِ اللهِ تَعَالَى وَتَدْبِيرِهِ وَحِكْمَتِهِ.\n- إِنَّ أَهْلَ التَّوحِيدِ لَا يَصْدُرُ مِنْهُم اسْتِهْزَاءٌ أَصْلًا، وَلَو صَدَرَ لَعَلِمْنَا أَنَّهُم غَيرُ مُعَظِّمِينَ للهِ تَعَالَى؛ وَأَنَّ تَوحِيدَهُم ذَهَبَ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الاسْتِهْزَاءَ يُنَافِي التَّعْظِيمَ (^٣).\n- لَا يَقَعُ الكُفْرُ الأَكْبَرُ عَلَى مَنْ وَقَعَ فِي شَيءٍ مِنَ الإِسَاءَةِ لِلشَّرِيعَةِ إِنْ كَانَ غَيرَ قَاصِدٍ لِمَا يَقُولُ، وَهَذِهِ أَمْثِلَةٌ:\n١ - قَالَ عَلِيٌّ: (بَقَرَ حَمْزَةُ خَوَاصِرَ شَارِفَيَّ (^٤)، فَطَفِقَ النَّبِيُّ ﷺ يَلُومُ حَمْزَةَ، فَإِذَا حَمْزَةُ قَدْ ثَمِلَ (^٥)؛ مُحْمَرَّةٌ عَينَاهُ؛ ثُمَّ قَالَ حَمْزَةُ: هَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لِأَبِي؟! فَعَرَفَ\n_________\n(^١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦٤٧٨)، وَمُسْلِمٌ (٢٩٨٨) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.\n(^٢) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٦١٦) عَنْ مُعَاذٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (١١٢٢).\n(^٣) قُلْتُ: إِنَّ الاسْتِهْزَاءَ بِشَيءٍ مِنَ الدِّينِ -حَتَّى لَو كَانَ صَاحِبُهُ مَازِحًا لَاعِبًا غَيرَ جَادٍ- هُوَ كُفْرٌ أَكْبَرُ مُخْرِجٌ عَنِ المِلَّةِ، إِلَّا إِنْ كَانَ غَيرَ فَاهِمٍ وَلَا عَاقِلٍ لِمَا يَقُولُ.\n(^٤) شَارِفَيَّ: تَثْنِيَةُ شَارِفٍ: وَهوَ المُسِنُّ مِنَ الإِبِلِ.\n(^٥) ثَمِلَ: أَي: قَد أَخَذَهُ الشَّرَابُ.","vol":"2","page":204},{"text":"النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ قَدْ ثَمِلَ، فَخَرَجَ وَخَرَجْنَا مَعَهُ) (^١).\n٢ - «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوبَةِ عَبْدِهِ -حِينَ يَتُوبُ إِلَيهِ- مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَينَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا -قَائِمَةً عِنْدَهُ- فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ -مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ-: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ! أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ» (^٢) (^٣).\n- قَولُهُ: (وَالحِجَارَةُ تَنْكُبُ رِجلَيهِ): أَي: يَمْشِي وَالحِجَارَةُ تَضْرُبُ رِجلَيهِ، وَكَأَنَّهُ يَمْشِي بِسُرْعَةٍ؛ وَلَكِنَّهُ لَا يُحِسُّ فِي تِلْكَ الحَالِ؛ لِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَعْتَذِرَ.\n- الغَضَبُ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ صَاحِبُهُ، كَمَا قَالَ ﵊: «لَا طَلَاقَ وَلَا عِتَاقَ فِي غِلَاقٍ» (^٤)، لَكِنَّ الغَضَبَ الَّذِي لَا يُؤَاخَذُ بِهِ صَاحِبُهُ هُوَ الَّذِي يَغِيبُ فِيهِ وَعْيُهُ فَلَا\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٧/ ٤٥)، وَهَذَا اللَّفْظُ مِنْهُ مُعَلَّقٌ، وَعُنْوَانُ البَابِ: \"بَابُ الطَّلَاقِ فِي الإِغْلَاقِ وَالكُرْهِ وَالسَّكْرَانِ وَالمَجْنُونِ وَأَمْرِهِمَا وَالغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ فِي الطَّلَاقِ وَالشِّرْكِ وَغَيرِهِ\".\n(^٢) صَحِيحُ (٢٧٤٧) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا.\n(^٣) قَالَ الحَافِظُ زَينُ الدِّينِ العِرَاقِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ طَرْحُ التَّثْرِيبِ (٢/ ٢٠): \"فَائِدَةٌ: مَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ إلَى كَلِمَةِ الكُفْرِ: (الثَّالِثَةُ وَالأَرْبَعُونَ) فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى بَعْضِ المَالِكِيَّةِ مِنْ أَنَّهُمْ لَا يَدِينُونَ مَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ إلَى كَلِمَةِ الكُفْرِ -إذَا ادَّعَى ذَلِكَ- وَخَالَفَهُمُ الجُمْهُورُ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِي قِصَّةِ الرَّجُلِ الَّذِي ضَلَّتْ رَاحِلَتُهُ؛ ثُمَّ وَجَدَهَا فَقَالَ -مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ-: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي، وَأَنَا رَبُّك. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ». وَالَّذِي جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الحُكَّامِ الحُذَّاقِ مِنْهُمْ اعْتِبَارُ حَالِ الوَاقِعِ مِنْهُ ذَلِكَ، فَإِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ وَعُرِفَ مِنْهُ وُقُوعُهُ فِي المُخَالَفَاتِ وَقِلَّةُ المُبَالَاةِ بِأَمْرِ الدِّينِ؛ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَى دَعْوَاهُ، وَمَنْ وَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ فَلْتَةً وَعُرِفَ بِالصِّيَانَةِ وَالتَّحَفُّظِ قَبِلُوا قَولَهُ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ تَوَسُّطٌ حَسَنٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ\".\n(^٤) حَسَنٌ. أَبُو دَاوُدَ (٢١٩٣) عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٧٥٢٥).\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: الغِلَاقُ أَظُنُّهُ فِي الغَضَبِ.","vol":"2","page":205},{"text":"يَعْلَمُ مَا يَقُولُ، أَمَّا إِنْ كَانَ الغَضَبُ قَلِيلًا يَعِي مَعَهُ صَاحِبُهُ مَا يَقُولُ فَهَذَا يُؤَاخَذُ بِعَوَاقِبِهِ (^١).\n- مَنْ سَبَّ اللهَ تَعَالَى فإِنَّهُ تُقْبَلُ تَوبَتُهُ إِنْ كَانَ صَادِقًا وَأَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالخَطَأ، وَوَصَفَ اللهَ تَعَالَى بِمَا يَسْتَحِقُّ مِنْ صِفَاتِ التَّعْظِيمِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزُّمَر: ٥٣].\nأَمَّا مَنْ سَبَّ الرَّسُولَ ﷺ فَلَهُ تَوبَةٌ أَيضًا وَلَكِنْ يَجِبُ قَتْلُهُ؛ بِخِلَافِ مَنْ سَبَّ اللهَ تَعَالَى؛ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ تَوبَتُهُ وَلَا يُقْتَلُ، وَهَذا لَيسَ لِأَنَّ حَقَّ اللهِ تَعَالَى دُونَ حَقِّ الرَّسولِ ﷺ! بَلْ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَخْبَرَنَا بِعَفْوِهِ عَنْ حَقِّهِ إِذَا تَابَ العَبْدُ إِلَيهِ؛ بِأَنَّهُ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، أَمَّا سَبُّ الرَّسُولِ ﷺ فَهُوَ رَاجِعٌ لِحَقِّهِ، وَلَكِنْ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ عَنْهُ أَنَّهُ عَفَا، لِذَلِكَ نُنْفِذُ مَا نَرَاهُ وَاجِبًا فِي حَقِّهِ، فَيُقْتَلُ السَّابُّ بَعْدَ تَوبَتِهِ عَلَى أَنَّهُ مُسْلِمٌ، فَإِذَا قُتِلَ؛ غَسَّلْنَاهُ وَكَفَّنَّاهُ وَصَلَّينَا عَلَيهِ وَدَفَنَّاهُ مَعَ المُسْلِمِينَ، وَكَذَا لَو قَذَفَهُ؛ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ وَلَا\n_________\n(^١) وَفِي فَتَاوَى (نُورٌ عَلَى الدَّرْبِ)، شَرِيطُ رَقَم (٣٧٤) للشَّيخِ ابن عُثَيمِين ﵀: \"تَقُولُ السَّائِلَةُ مِنَ الجَزَائِرِ: يَا شَيخُ، هَلْ سَبُّ الدِّينِ فِي حَالَةِ الغَضَبِ مِنَ الكُفْرِ؟ فَأَجَابَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: أَمَّا إِذَا كَانَ الغَضَبُ شَدِيدًا بِحَيثُ لَا يَمْلِكُ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ مِنَ الدِّينِ لِأَنَّهُ لَا يَعِي مَا يَقُولُ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ يَمْلِكُ نَفْسَهُ فَسَبُّ الدِّينِ كُفْرٌ وَرِدَّةٌ؛ فَيَجِبُ عَلَيهِ أَنْ يَتُوبَ إِلَى اللهِ ﷿ وَأَنْ يُجَدِّدَ إِسْلَامَهُ\".\nقلت: وَمِثْلُ هَذَا -الأَوَّلُ- يُعَزَّرُ تَأْدِيبًا وَرَدْعًا لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ.\nقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ -فِيمَنْ يَسُبُّ الدِّينَ عِنْدَ الغَضَبِ، ثُمَّ يَتَأَسَّفُ مِمَّا بَدَرَ-: \"وَلَو كَانَ هُنَاكَ حُكْمٌ أَوْ حَاكِمٌ يَحْكُمُ بِالشَّرْعِ لَاقْتَرَحْنَا بِأَنْ يُعَزَّرَ بِأَنْ يُجْلَدَ عَشْرَ أَسْوَاطٍ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الرَّسُولِ ﵇ المَعْرُوفُ\". مَوسُوعَةُ الأَلْبَانِيِّ فِي العَقِيدَةِ (٥/ ٦٢٣).","vol":"2","page":206},{"text":"يُجْلَدُ، وَذَلِكَ لِحَقِّ النُّبُوَّةِ لَا لِمُجَرَّدِ حَدِّ القَذْفِ (^١).\nوَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتْرُكُ قَتْلَ بَعْضِ المُنَافِقِينَ الَّذِينَ ظَهَرَ كُفْرُهُم لِئَلَّا يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ (^٢)، وَلَكِنَّ هَذَا فِي حَيَاتِهِ فَقَط.\nقَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ ﵀: \"وَأَمَّا تَرْكُهُ ﷺ قَتْلَ مَنْ قَدَحَ فِي عَدْلِهِ بِقَولِهِ: (اعْدِلْ؛ فَإِنَّكَ لَمْ تَعْدِلْ)! وَفِي حُكْمِهِ بِقَولِهِ: (أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟) وَفِي قَصْدِهِ بِقَولِهِ: (إنَّ هَذِهِ قِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللهِ) أَو فِي خَلْوَتِهِ بِقَولِهِ: (يَقُولُونَ: إِنَّكَ تَنْهَى عَنِ الغَيِّ وَتَسْتَخْلِي بِه)! وَغَيرِ ذَلِكَ؛ فَذَلِكَ أَنَّ الحَقَّ لَهُ؛ فَلَهُ أَنْ يَسْتَوفِيَهُ وَلَهُ أَنْ يَتْرُكَهُ، وَلَيسَ لِأُمَّتِهِ تَرْكُ اسْتِيفَاءِ حَقَّهِ ﷺ.\nوَأَيضًا؛ فَإِنَّ هَذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الأَمْرِ حَيثُ كَانَ ﷺ مَأْمُورًا بِالعَفْوِ وَالصَّفْحِ.\nوَأَيضًا؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَعْفُو عَنْ حَقَّهِ لِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيفِ وَجَمْعِ الكَلِمَةِ، وَلِئَلَّا يَنْفُرَ النَّاس عَنْهُ، وَلِئَلَّا يَتَحَدَّثُوا أَنَّهُ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ! وَكُلُّ هَذَا يَخْتَصُّ بِحَيَاتِهِ ﷺ\" (^٣).\nقُلْتُ: وَيَشْهَدُ لِوُجُوبِ قَتْلِ مَنْ سَبَّ الرَّسُولَ ﷺ مَا فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ -بَابُ الحُكْمِ فِيمَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ؛ قَالَ: أَغْلَظَ رَجُلٌ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَقُلْتُ: أَقْتُلُهُ؟ فَانْتَهَرَنِي، وَقَالَ: (لَيسَ هَذَا لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ (^٤).\nوَأَيضًا فِي الحَدِيثِ عِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّ أَعْمًى كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -\n_________\n(^١) وَفِي الحَدِيثِ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ؟ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللهَ وَرَسُولَهُ»، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣٠٣١)، وَمُسْلِمٌ (١٨٠١).\n(^٢) وَمِنْ نَفْسِ البَابِ تَرْكُهُ ﵊ قَتْلَ ذَلِكَ المُنَافِقِ الَّذِي قَالَ مَا قَالَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكٍ كَمَا فِي حَدِيثِ البَابِ.\n(^٣) زَادُ المَعَادِ (٥/ ٥٦).\n(^٤) صَحِيحٌ. النَّسَائِيُّ (٤٠٧١). صَحِيحُ النَّسَائِيِّ (٤٠٧١).","vol":"2","page":207},{"text":"وَكَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ، وَكَانَ لَهُ مِنْهَا ابْنَانِ-، وَكَانَتْ تُكْثِرُ الوَقِيعَةَ بِرَسُولِ اللهِ وَتَسُبُّهُ، فَيَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ، وَيَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي، فَلَمَّا كَانَتْ ذَاتَ لَيلَةٍ، فَذَكَرَتِ النَّبِيَّ ﷺ؛ فَوَقَعَتْ فِيهِ، قَالَ: فَلَمْ أَصْبِرْ أَنْ قُمْتُ إِلَى المِغْوَلِ فَوَضَعْتُهُ فِي بَطْنِهَا فَاتَّكَأْتُ عَلَيهِ فَقَتَلْتُهَا؛ فَأَصْبَحَتْ قَتِيلًا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ فَجَمَعَ النَّاسَ وَقَالَ: «أَنْشُدُ اللهَ رَجُلًا لِي عَلَيهِ حَقٌّ فَعَلَ مَا فَعَلَ؛ إِلَّا قَامَ»، فَأَقْبَلَ الأَعْمَى يَتَدَلْدَلُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا صَاحِبُهَا! كَانَتْ أُمَّ وَلَدِي، وَكَانَتْ بِي لَطِيفَةً رَفِيقَةً، وَلِي مِنْهَا ابْنَانِ مِثْلُ اللُّؤْلُؤَتَينِ، وَلَكِنَّهَا كَانَتْ تُكْثِرُ الوَقِيعَةَ فِيكَ، وَتَشْتُمُكَ، فَأَنْهَاهَا؛ فَلَا تَنْتَهِي، وَأَزْجُرُهَا؛ فَلَا تَنْزَجِرُ، فَلَمَّا كَانَتِ البَارِحَةَ ذَكَرَتْكَ؛ فَوَقَعَتْ فِيكَ، فَقُمْتُ إِلَى المِغْوَلِ فَوَضَعْتُهُ فِي بَطْنِهَا؛ فَاتَّكَأْتُ عَلَيهَا حَتَّى قَتَلْتُهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: «أَلَا اشْهَدُوا أَنَّ دَمَهَا هَدْرٌ» (^١).\n- ذَكَرُوا فِي التَّفَاسِيرِ أَنَّهُم كَانُوا ثَلَاثَةَ أَشْخَاصٍ، اثْنَانِ مِنْهُم يَسْتَهْزِؤُونَ وَالثَّالِثُ كَانَ يَضْحَكُ وَلَا يَخُوضُ، وَكَانَ يَمْشِي مُجَانِبًا لَهُم وَيُنْكِرُ بَعضَ مَا يَسْمَعُ -وَهوَ الَّذِي عُفيَ عَنْهُ-، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذهِ الآيةُ تَابَ مِنْ نِفَاقِهِ.\nفَهَذَا الَّذِي حَضَرَ هُوَ مِثْلُ الَّذِي اسْتَهْزَأَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النِّسَاء: ١٤٠].\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. النَّسَائِيُّ (٤٠٧٠). صَحِيحُ النَّسَائِيِّ (٤٠٧٠).\nوَ(المِغْوَلُ) -بِالغَينِ المُعْجَمَةِ-: سَيفٌ قَصِيرٌ يَشْتَمِلُ بِهِ الرَّجُلُ تَحتَ ثِيَابِهِ فَيُغَطِّيهِ، وَقِيلَ: حَدِيدَةٌ لَهَا حَدٌّ مَاضٍ. وَفِي رِوَايَةٍ: (مِعْوَلٌ) وَهِيَ آلَةٌ حَدِيدِيَّةٌ تُسْتَعْمَلُ للحَفْرِ فِي الأَرْضِ أَوِ الجَبَلِ.\nوَ(دَمَهَا هَدْرٌ): الهَدْرُ: الَّذِي لَا يُضْمَنُ بِقِصَاصٍ وِلَا دِيَةٍ وَلَا كَفَّارَةٍ.\nوَ(يَتَدَلْدَلُ): أَي: يَضْطَرِبُ فِي مَشْيِهِ.","vol":"2","page":208},{"text":"- إِنَّ تِلْكَ الصِّفَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا المُنَافِقُونَ؛ هُمْ أَولَى بِهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَالمُؤْمِنِينَ، وَهِيَ: الكَذِبُ، وَالجُبْنُ، وَالشَّرَاهَةُ فِي الأَكْلِ.\n- قَولُ المُصَنِّفِ ﵀ فِي المَسَائِلِ: (الفَرْقُ بَينَ النَّمِيمَةِ، وَالنَّصِيحَةِ للهِ وَلِرَسُولِهِ): النَّمِيمَةُ: هِيَ نَقْلُ الكَلَامِ عَلَى وَجْهِ الوِشَايَةِ وَالإِفْسَادِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «أَتَدْرُونَ مَا العَضْهُ؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «نَقْلُ الحَدِيثِ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ إِلَى بَعْضٍ؛ لِيُفْسِدُوا بَينَهُمْ» (^١)، وَأَمَّا النَّصِيحَةُ للهِ وَلِرَسُولِهِ؛ فَلَا يُقْصَدُ بِهَا ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهَا احْتِرَامُ شَعَائِرِ اللهِ ﷿، وَإِقَامَةُ حُدُودِهِ، وَحِفْظُ شَريعَتِهِ.\n- قَولُ المُصَنِّفِ ﵀ فِي المَسَائِلِ: (الفَرَقُ بَينَ العَفْوِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللهُ، وَبَينَ الغِلْظَةِ عَلَى أَعْدَاءِ اللهِ): الفَرْقُ هوَ أَنَّ العَفْوَ الَّذِي يُحِبُّهُ اللهُ هُوَ الَّذِي فِيهِ إِصْلَاحٌ، لِأَنَّ اللهَ اشْتَرَطَ ذَلِكَ فِي العَفْوِ؛ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشُّورَى: ٤٠] أَي: كَانَ عَفْوُهُ مُشْتَمِلًا عَلَى الإِصْلَاحِ، أَمَّا مَنْ كَانَ عَفْوُهُ إفِسْادًا لَا إِصْلَاحًا؛ فَإِنَّهُ آثِمٌ بِهَذَا العَفْوِ، فَإِنَّ هَذَا يَحُضُّ الظَّالِمَ عَلَى التَّمَادِي، وَإِنَّ أَعْدَاءَ اللهِ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ دِينَهُ وَيُظْهِرُونَ العَدَاوَةَ؛ الأَصْلُ فِي مُعَامَلَتِهِم الشِّدَّةُ وَالغِلْظَةُ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفَتْحِ: ٢٩]، فَلَا يَكُونُ الرِّفْقُ مَعَهُم إِلَّا فِي جَانِبِ الدَّعْوَةِ وَتَأْلِيفِ القُلُوبِ، فَالغِلْظُ وَالرِّفْقُ فِي الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنِ المُنْكَرِ رَاجِعٌ إِلَى مُنَاسَبَةِ الحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ -وَإِنْ كَانَ الأَصْلُ هُوَ الرِّفْقُ بِلَا رَيبٍ- (^٢).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. الأَدَبُ المُفْرَدُ (٢٤٥) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٨٤٥).\n(^٢) قُلْتُ: وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ\n=","vol":"2","page":209},{"text":"- فِي الحَديثِ اسْتِعْمَالُ الغِلْظَةِ فِي مَحَلِّهَا، وَإِلَّا فَالأَصْلُ أَنَّ مَنْ جَاءَ يَعْتَذِرُ فَإِنَّهُ يُرْحَمُ، لَكِنْ هُنَا فإنَّ هَذَا الهَازِلَ لَيسَ أَهْلًا للرَّحْمَةِ.\n- الاسْتِهْزَاءُ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذهِ الثَّلَاثَةِ المَذْكُورَةِ فِي الآيَةِ هوَ كُفْرٌ أَكْبَرُ مُخْرِجٌ عَنِ المِلَّةِ، أَمَّا الاسْتِهْزَاءُ بِالدِّينِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ، وَهُوَ أَنَّهُ قَد يَكُونُ المَقْصُودُ بِالدِّينِ هُوَ الإِسْلَامَ نَفْسَهُ؛ وَهَذَا يَكُونُ كُفْرًا أَكْبَرَ، أَمَّا لَو كَانَ المَقْصُودُ هوَ تَدَيُّنَ الرَّجُلِ المَسْبُوبِ وَلَيسَ شَرِيعَتَهُ الَّتِي يَنْتَمِي إِلَيهَا أَصْلًا؛ فَهَذَا لَا يَكْفُرُ؛ وَإِنَّمَا يُزْجَرُ عَنْ هَذَا اللَّفْظِ المُوهِمِ.\nوَفِي مَجْمُوعِ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ الشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ آلِ الشَّيخِ ﵀: \"سُئِلَ الشَّيخُ -مُفْتِي الدِّيَارِ السَّعَودِيَّةِ ﵀ عَنْ حُكْمِ سَبِّ دِينِ رَجُلٍ.\nمِنْ مُحَمِّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ إِلَى فَضِيلَةِ الأَخِّ المُكَرَّمِ الشَّيخِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ -رَئِيسِ عَامِّ هَيئَاتِ الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ فِي الحِجَازِ.\nالسَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحَمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، وبَعْدُ\nفَقَدِ اطَّلَعْنَا عَلَى المُعَامَلَةِ الوَارِدَةِ مِنْكُم بِرَقَم .... الخَاصَّةِ بِاعْتِرَافِ سَعْدِ بْنِ … بِسَبِّ الدِّينِ، وَالمُثْبَتِ اعْتِرَافُهُ لَدَى فَضِيلَةِ رَئِيسِ المَحْكَمَةِ الكُبْرَى بِمَكَّةَ المُكَرَّمَةَ، وَأَنَّه لَمْ يَثْبُتْ لَدَى فَضِيلَتِهِ مَا يُوجِبُ إِقَامَةَ حَدِّ الرِّدَّةِ بِقَتْلِ سَعْدٍ المَذْكُورِ، … إِذْ إنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِسَبِّ الإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا سَبِّ دِينِ ذَلِكَ الرَّجُلِ، وَهَذا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ تَدَيُّنَ\n_________\n=\nفَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحِجْر: ٨٥].\nقَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (ص ٤٣٤): \"وَقَدْ ظَهَرَ لِي مَعْنًى أَحْسَنُ مِمَّا ذَكَرْتُ هُنَا، وَهُوَ: أَنَّ المَأْمُورَ بِهِ هُوَ الصَّفْحُ الجَمِيلُ، أَي: الحَسَنُ الَّذِي قَدْ سَلِمَ مِنَ الحِقْدِ وَالأَذِيَّةِ القَولِيَّةِ وَالفِعْلِيَّةِ؛ دُونَ الصَّفْحِ الَّذِي لَيسَ بِجَمِيلٍ، وَهُوَ الصَّفْحُ فِي غَيرِ مَحَلِّهِ، فَلَا يَصْفَحُ حَيثُ اقْتَضَى المَقَامُ العُقُوبَةَ، كَعُقُوبَةِ المُعْتَدِينَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ لَا تَنْفَعُ فِيهُم إِلَّا العُقُوبَةُ\".","vol":"2","page":210},{"text":"الرَّجُلِ رَدِيٌّ، وَالحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَبِهَذَا تَكُونُ إِحَالَةُ المَذْكُورِ إِلَى القَاضِي المُسْتَعْجَلَةُ لِتَقْرِيرِ التَّعْزِيزِ اللَّازِمِ عَلَيهِ وَجِيهًا.\nأَمَّا سَجْنُهُ؛ فَإِنَّهُ يُكْتَفَى بِمَا مَضَى لَهُ فِي السِّجْنِ، وَاللهُ يَحْفَظُكُم\" (^١).\nوَفِي فَتْوى أُخْرَى أَيضًا قَالَ ﵀: \"مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ إِلَى فَضِيلَةِ مُسَاعِدِ قَاضِي مَحْكَمَةِ صَامِطَة سَلَّمَهُ اللهُ.\nالسَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَبَعْدُ\nفَقَد جَرَى اطْلَاعُنَا عَلَى خِطَابِكُم رَقَم … بِخُصُوصِ مَسْأَلَةِ مُعَوَّضِ بْنِ .... وَمَا صَدَرَ مِنْهُ مِنْ لَعْنِهِ دِينَ مُحَمَّدِ بْنِ المَهْدِيّ، وَمَا قَرَّرْتُمُوهُ فِي حَقِّهِ مِنْ جَلْدِهِ عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ تَعْزِيرًا، وَاسْتِتَابَتِهِ، ثُمَّ تَوبَتِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ، وَطَلَبِكُم مِنَّا الإِحَاطَةَ بِذَلِكَ، وَنُفِيدُكُم أَنَّ سَبَّهُ دِينَ مُحَمَّدِ بْنِ المَهْدِيِّ -وَالحَالُ أَنَّ مُحَمَّدَ المَهْدِيَّ مُسْلِمٌ- هُوَ سَبٌّ لِلدِّينِ الإِسْلَامِيِّ، وَسَبُّ الدِّينِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَيكُم ارْتِدَادٌ -وَالعِيَاذُ بِاللهِ-، وَعَلَيهِ فَيَلْزَمُكُم -علَاوَةً عَلَى مَا أَجْرَيتُم- إِحْضَارُ المَذْكُورَ، وَأَمْرُهُ بِالاغْتِسَالِ، ثُمَّ النُّطْقِ بِالشَّهَادَتَينِ، وَتَجْدِيدُهُ التَّوبَةَ بَعْدَ إِخْبَارِهِ بِشُرُوطِهَا الثَّلَاثَةِ مِنَ الإِقْلَاعِ عَنْ مُوجِبِ الإِثْمِ، وَالنَّدَمِ عَلَى صُدُورِهِ مِنْهُ، وَالعَزْمِ عَلَى عَدَمِ العَودَةِ إِلَيهِ.\n_________\n(^١) مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ الشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ آلِ الشَّيخِ ﵀ (رَقَم ٣٨٩٩).\nقُلْتُ: وحَدِيثُ: «ادْرَؤوا الحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» ضَعِيفٌ. رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي التَّارِيخِ (٢٣/ ٣٤٧)، وَهُوَ فِي الإِرْوَاءِ (٢٣١٦).\nوَلَكِنْ -فِي الجُمْلَةِ- مَعْنَاهُ صَحِيحٌ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا فِي سُنَنِ البَيهَقِيِّ الكُبْرَى (١٧٠٦٤) مَوقُوفًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: (ادْرَءُوا الجَلْدَ وَالقَتْلَ عَنِ المُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ). حَسَنٌ. اُنْظُرِ التَّعْلِيقَ عَلَى حَدِيثِ الضَّعِيفَةِ (٢١٩٨)، وَلَفْظُهُ هُنَاكَ (الحَدَّ) بَدَلَ (الجَلْدَ) بِخِلَافِ الأَصْلِ عِنْدَ البَيهَقِيِّ وَالإِرْوَاءِ (٢٣٥٥).","vol":"2","page":211},{"text":"وَنَظَرًا لِمَا ذَكَرْتَهُ عَنْهُ مِنْ أَنَّهُ جَاهِلٌ بِمَدْلُولِ مَا صَدَرَ مِنْهُ؛ فَيُكْتَفَى بِمَا قَرَّرْتُمُوهُ عَلَيهِ تَعْزِيرًا. وَفَّقَكُمُ اللهُ، وَالسَّلَامُ عَلَيكُم. مُفْتِي الدِّيَارِ السَّعَودِيَّةِ\" (^١).\n- قَالَ ابْنُ حَجَرٍ الهَيتَمِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (الزَّوَاجِرُ عَنِ اقْتِرَافِ الكَبَائِرِ) (^٢): \"الكَبِيرَةُ الأُولَى: الشِّرْكُ بِاللهِ [في سِيَاقِ الكَلَامِ عَلَى مَا يَكْفُرُ بِهِ صَاحِبُهُ، وَذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ]: .... أَو يَلْعَنُهُ أَو يَسُبُّهُ أَو يَسْتَخِفُّ أَو يَسْتَهْزِئُ بِهِ أَو بِشَيءٍ مِنْ أَفْعَالِهِ؛ كَلَحْسِ الأَصَابِعِ، أَو يُلْحِقُ بِهِ نَقْصًا فِي نَفْسِهِ أَو نَسَبِهِ أَو دِينِهِ أَو فِعْلِهِ، أَو يُعَرِّضُ بذَلِكَ، أَو يُشَبِّهُهُ بِشَيءٍ عَلَى طَرِيقِ الإِزْرَاءِ أَوِ التَّصْغِيرِ لِشَأْنِهِ أَوِ الغَضِّ مِنْهُ.\nأَو تَشَبَّهَ بِالعُلَمَاءِ أَوِ الوُعَّاظِ أَوِ المُعَلِّمِينَ -عَلَى هَيئَةٍ مُزْرِيَةٍ بِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ- حَتَّى يَضْحَكُوا، أَو يَلْعَبُوا اسْتِخْفَافًا، أَو قَالَ: قَصْعَةُ ثَرِيدٍ خَيرٌ مِنَ العِلْمِ -اسْتِخْفَافًا أَيضًا-\" (^٣).\n_________\n(^١) مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ الشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ آلِ الشَّيخِ ﵀ (رَقَم ٣٩٠٠).\n(^٢) الزَّوَاجِرُ (١/ ٤٨).\n(^٣) وَفِي رَوضَةِ الطَّالِبِين (٧/ ٢٨٧) لِلنَّوَوِيِّ ﵀: \"وَلَو حَضَرَ جَمَاعَةٌ، وَجَلَسَ أَحَدُهُم عَلَى مَكَانٍ رَفِيعٍ تَشَبُّهًا بِالمُذَكِّرِينَ، فَسَأَلوهُ المَسَائِلَ وَهُمْ يَضْحَكُونَ! ثُمَّ يَضْرِبُونَهُ بِالمِخْرَاقِ، أَو تَشَبَّهَ بِالمُعَلِّمِينَ، فَأَخَذَ خَشَبَةً، وَجَلَسَ القَومُ حَولَهُ كَالصِّبْيَانِ، وَضَحِكُوا وَاسْتَهْزَؤوا، وَقَالَ: قَصْعَةُ ثَرِيدٍ خَيرٌ مِنَ العِلْمِ! كَفَرَ. قُلْتُ [النَّوَوِيُّ]: الصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ فِي مَسْأَلَتَيِّ التَّشَبُّهِ. واللهُ أَعْلَمُ\".\nقُلْتُ: وَذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ المَقْصُودُ الاسْتِهْزَاءَ بِشَخْصِ المُدَرِّسِ نَفْسِهِ لَا بِالشَّرِيعَةِ وَأَهْلِهَا، وَلَكِنَّ هَذَا لَا يَعْنِي أَنَّ فِعْلَهُ مُبَاحٌ! كَمَا هُوَ مَفْهُومٌ مِنْ قَولِهِ: (لَا يَكْفُرْ)، وَقَدْ أَقَرَّ ﵀ كَونَ ذَلِكَ مِنَ الكَبَائِرِ. وَاللهُ أَعْلَمُ.\nوَقَالَ أَيضًا ﵀ نَقْلًا عَنِ القَاضِي عِيَاض ﵀: \"وَأَفْتَى مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي زَيدٍ فِيمَنْ قَالَ لِصَبِيٍّ: لَعَنَ اللهُ مُعَلِّمَكَ وَمَا عَلَّمَكَ! قَالَ: أَرَدْتُ سُوءَ الأَدَبِ وَلَمْ أُرِدِ القُرْآنَ. قَالَ: يُؤَدَّبُ القَائِلُ، قَالَ: وَأَمَّا مَنْ لَعَنَ المُصْحَفَ؛ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ هَذَا\". التِّبْيَانُ فِي آدَابِ حَمَلَةِ القُرْآنِ (ص ١٦٥).","vol":"2","page":212},{"text":"بَابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [فُصِّلت: ٥٠].\nقَالَ مُجَاهِدٌ: (هَذَا بِعَمَلِي، وَأَنَا مَحْقُوقٌ بِهِ) (^١).\nوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (يُرِيدُ: مِنْ عِنْدِي) (^٢).\nوَقَولِهِ: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القَصَص: ٧٨].\nقَالَ قَتَادَةُ: (عَلَى عِلْمٍ مِنِّي بِوُجُوهِ المَكَاسِبِ) (^٣).\nوَقَالَ آخَرُونَ: (عَلَى عِلْمٍ مِنَ اللهِ أَنِّي لَهُ أَهْلٌ)، وَهَذَا مَعْنَى قَولِ مُجَاهِدٍ: (أُوتِيتُهُ عَلَى شَرَفٍ) (^٤).\nوَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ ثَلَاثَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ؛ أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى، فَأَرَادَ اللهُ أَنَّ يَبْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ إِلَيهِمْ مَلَكًا، فَأَتَى الأَبْرَصَ، فَقَالَ: أَيُّ شَيءٍ أَحَبُّ إِلَيكَ؟ قَالَ: لَونٌ حَسَنٌ وَجِلْدٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذِي قَدْ قَذَرَنِي النَّاسُ بِهِ. قَالَ: فَمَسَحَهُ، فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرُهُ، فَأُعْطِيَ لَونًا حَسَنًا وَجِلْدًا حَسَنًا، قَالَ:\n_________\n(^١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦/ ١٢٧) تَعْلِيقًا، وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (٨/ ٥٦٠): \"وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ\".\n(^٢) تَفْسِيرُ القُرطُبيِّ (١٥/ ٣٧٣).\n(^٣) تَفْسِيرُ القُرطُبيِّ (١٥/ ٢٦٦).\n(^٤) الدُّرُّ المَنْثُورُ (٧/ ٢٣٤) لِلسُّيُوطِيِّ ﵀.","vol":"2","page":213},{"text":"فَأَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيكَ؟ قَالَ: الإِبِلُ أَوِ البَقَرُ -شَكَّ إِسْحَاقُ (^١) - فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ، وَقَالَ: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيهَا.\nقَالَ: فَأَتَى الأَقْرَعَ، فَقَالَ: أَيُّ شَيءٍ أَحَبُّ إِلَيكَ؟ قَالَ: شَعْرٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذِي قَدْ قَذَرَنِي النَّاسُ بِهِ. فَمَسَحَهُ، فَذَهَبَ عَنْهُ، وَأُعْطِيَ شَعْرًا حَسَنًا، فَقَالَ: أَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيكَ؟ قَالَ: البَقَرُ أَوِ الإِبِلُ، فَأُعْطِيَ بَقَرَةً حَامِلًا، قَالَ: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيهَا.\nفَأَتَى الأَعْمَى، فَقَالَ: أَيُّ شَيءٍ أَحَبُّ إِلَيكَ؟ قَالَ: أَنْ يَرُدَّ اللهُ إِلَيَّ بَصَرِي فَأُبْصِرَ بِهِ النَّاسَ، فَمَسَحَهُ، فَرَدَّ اللهُ إِلَيهِ بَصَرَهُ، قَالَ: فَأَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيكَ؟ قَالَ: الغَنَمُ، فَأُعْطِيَ شَاةً وَالِدًا.\nفَأُنْتَجَ هَذَانِ، وَوَلَّدَ هَذَا، فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنَ الإِبِلِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ البَقَرِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الغَنَمِ.\nقَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيئَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ؛ قَدْ انْقَطَعَتْ بِيَ الحِبَالُ (^٢) فِي سَفَرِي، فَلَا بَلَاغِ لِيَ اليَومَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّونَ الحَسَنَ وَالجَلْدَ الحَسَنَ وَالمَالَ؛ بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ بِهِ فِي سَفَرِي، فَقَالَ: الحُقُوقُ كَثِيرَةٌ، فَقَالَ لَهُ: كَأَنِّي أَعْرِفُكَ! أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ؟ فَقِيرًا؛ فَأَعْطَاكَ اللهُ ﷿ المَالَ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا المَالَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللهُ إِلَى مَا كُنْتَ.\n_________\n(^١) هُوَ إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ؛ تَابِعِيٌّ مِنَ الوُسْطَى؛ ثِقَةٌ حُجَّةٌ (ت ١٣٢ هـ).\n(^٢) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (٦/ ٥٠٢): \"وَلِبَعْضِ رُوَاةِ مُسْلِمٍ: الحِيَالُ -بِالمُهْمَلَةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ-، جَمْعُ حِيلَةٍ: أَي: لَمْ يَبْقَ لِي حِيلَةٌ\".","vol":"2","page":214},{"text":"قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الأَقْرَعَ فِي صُورَتِهِ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا، وَرَدَّ عَلَيهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَيهِ هَذَا، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللهُ إِلَى مَا كُنْتَ.\nقَالَ: وَأَتَى الأَعْمَى فِي صُورَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ، قَدْ انْقَطَعَتْ بِيَ الحِبَالُ فِي سَفَرِي؛ فَلَا بَلَاغَ لِيَ اليَومَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بالَّذِي رَدَّ عَلَيكَ بَصَرَكَ؛ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى؛ فَرَدَّ اللهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فَخُذْ مَا شِئْتَ، وَدَعْ مَا شِئْتَ؛ فَوَاللَّهِ لَا أَجْهَدُكَ اليَومَ بِشَيءٍ أَخَذْتَهُ لِلَّهِ، فَقَالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ؛ فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ؛ فَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنْكَ وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبَيكَ». أَخْرِجَاهُ (^١).\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٣٤٦٤)، وَمُسْلِمٌ (٢٩٦٤).","vol":"2","page":215},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: تَفْسِيرُ الآيَةِ.\nالثَّانِيَةُ: مَا مَعْنَى ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾؟\nالثَّالِثَةُ: مَا مَعْنَى قَولِهِ: ﴿أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾؟\nالرَّابِعَةُ: مَا فِي هَذِهِ القِصَّةِ العَجِيبَةِ مِنَ العِبَرِ العَظِيمَةِ.","vol":"2","page":216},{"text":"<span data-type='title' id=toc-358>الشَّرْحُ</span>\n- قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [فُصِّلَت: ٤٩ - ٥٠].\n- وقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيهِمْ وَآتَينَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القَصَص: ٧٦ - ٧٨].\n- وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النَّحْل: ٥٣].\n- وَفِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الزُّمَر: ٤٩ - ٥٠].\nقَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ: \"يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ حَالَةِ الإِنْسَانِ وَطَبِيعَتِهِ؛ أَنَّهُ حِينَ يَمَسُّهُ ضُرٌّ مِنْ مَرَضٍ أَو شِدَّةٍ أَو كَرْبٍ ﴿دَعَانَا﴾ مُلِحًّا فِي تَفْريجِ مَا نَزَلَ بِهِ","vol":"2","page":217},{"text":"﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا﴾ فَكَشَفْنَا ضُرَّهُ وَأَزَلْنَا مَشَقَّتَهُ؛ عَادَ بِرَبِّهِ كَافِرًا، وَلِمَعْرُوفِهِ مُنْكِرًا! وَ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ أَي: عِلْمٍ مِنَ اللهِ أَنِّي لَهُ أَهْلٌ، وَأَنِّي مُسْتَحِقٌّ لَهُ، لِأَنِّي كَرِيمٌ عَلَيهِ، أَو عَلَى عِلْمٍ مِنِّي بِطُرُقِ تَحْصِيلِهِ! ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ يَبْتَلِي اللهُ بِهَا عِبَادَهُ لِيَنْظُرَ مَنْ يَشْكُرُهُ مِمَّنْ يَكْفُرُهُ، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فَلِذَلِكَ يَعُدُّونَ الفِتْنَةَ مِنْحَةً، وَيَشْتَبِهُ عَلَيهِم الخَيرُ المَحْضُ بِمَا قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِلخَيرِ أَو لِلشَّرِّ، ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أَي: قَولَهُم ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ فَمَا زَالتْ مُتَوَارَثَةً عِنْدَ المُكَذِّبِينَ، لَا يُقِرُّونَ بِنِعْمَةِ رَبِّهِم، وَلَا يَرَونَ لَهُ حَقًّا، فَلَم يَزَلْ دَأْبُهُم حَتَّى أُهْلِكُوا، وَلَم يُغْنِ ﴿عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ حِينَ جَاءَهُم العَذَابُ\" (^١).\n- هَذَا البَابُ كَالأَبْوَابِ الَّتِي قَبْلَهُ فِي بَيَانِ وُجُوبِ تَعْظِيمِ اللهِ تَعَالَى فِي الأَلْفَاظِ، وَأَنَّ النِّعَمَ يَجِبُ أَنْ تُنْسَبَ إِلَيهِ، وَأَنْ يُشْكَرَ عَلَيهَا؛ فَتُعْزَى إِلَيهِ، وَيَقُولُ العَبْدُ: هَذَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ بِهِ.\nوَالكَذِبُ فِي هَذِهِ المَسَائِلِ أَو أَنْ يَتَكَلَّمَ المَرْءُ بِكَلَامٍ لَيسَ مُوَافِقًا للحَقِيقَةِ أَو هُوَ مُخَالِفٌ لِمَا يَعْلَمُهُ مِنْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَد أَنْعَمَ عَلَيهِ بِذَلِكَ؛ فَهَذَا يُؤَدِّيهِ إَلى المَهَالِكِ، وَقَد يَسْلُبُ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ النِّعْمَةَ بِسَبَبِ لَفْظِهِ.\n- دَخَلَ فِي هَذَا البَابِ نَوعَانِ مِنَ النَّاسِ:\n١ - مَنْ يَنْسِبُ النِّعْمَةَ إِلَى نَفْسِهِ أَو إِلَى أَسْبَابِهَا وَلَا يَنْسِبُهَا إِلَى اللهِ جَلَّ وَعَلَا أَصْلًا! فَهَذَا مُسِيءٌ مِنْ جَانِبِ الرُّبُوبِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ غَافِلٌ عَنِ اللهِ تَعَالَى، كَمَا فِي قَولِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (يُرِيدُ مِنْ عِنْدِي)، وَكَمَا فِي قَول قَتَادَةَ: (عَلَى عِلْمٍ مِنِّي بِوُجُوهِ المَكَاسِبِ).\n_________\n(^١) تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ (ص ٧٢٧).","vol":"2","page":218},{"text":"٢ - مَنْ يَنْسِبُ النِّعْمَةَ إِلَى نَفْسِهِ مِنْ جِهَةِ الاسْتِحْقَاقِ، وَأَنَّهُ يَرَى نَفْسَهُ مُسْتَحِقًّا لِذَلِكَ الشَّيءَ عَلَى اللهِ ﷿؛ فَهَذَا مُسِيءٌ مِنْ جَانِبِ العُبُودِيَّةِ، كَمَا فِي قَولِ مُجَاهِدٍ: (هَذَا بِعَمَلِي، وَأَنَا مَحْقُوقٌ بِهِ)، وقَولِهِ أَيضًا: (أُوتِيتُهُ عَلَى شَرَفٍ)، فَجَعَلَ تِلْكَ النِّعْمَةَ مِنَ اللهِ تَعَالَى اسْتِحْقَاقًا لَهُ وَلَيسَ تَفَضُّلًا مِنْهُ ﷾!\n- قَولُهُ: (أَبْرَصَ): البَرَصُ مَرَضٌ جِلْدِيٌّ مِنَ الأَمْرَاضِ المُسْتَعْصِيَةِ عَلَى البَشَر، لِذَلِكَ كَانَ الشِّفَاءُ مِنْهُ آيَةً عَلَى صِدْقِ المَسِيحِ ﵇، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيئَةِ الطَّيرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عِمْرَان: ٤٩].\n- قَولُهُ: (يَبْتَليَهُم): أَي: يَخْتَبِرَهُم؛ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيرِ فِتْنَةً﴾ [الأَنْبِيَاء: ٣٥]، وَقَالَ تَعَالَى عَنْ سُلَيمَانَ ﵇: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النَّمْل: ٤٠].\n- قَولُهُ: «قَذَرَنِيَ» أَي اسْتَقْذَرَنِي وَكَرِهَ النَّاسُ مُخَالَطَتي مِنْ أَجْلِهِ.\n- قَولُهُ: «بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيهَا» يُحْتَمَلُ أَنَّهُ خَبَرٌ بِمَعْنَى أَنَّهَا مُبَارَكَةٌ مِنَ اللهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ إِنْشَاءٌ؛ فَهوَ يَدْعُو لَهُ.\n- قَولُهُ: «فَأُبْصِرَ بِهِ النَّاسَ» لَمْ يَطْلُبْ بَصَرًا حَسَنًا كَمَا طَلَبَهُ صَاحِبَاهُ، وَإنَّمَا طَلَبَ بَصَرًا يُبْصِرُ بِهِ النَّاسَ فَقَط؛ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى قَنَاعَتِهِ بِالكِفَايَةِ.","vol":"2","page":219},{"text":"وَطَلَبُهُ لِلغَنَمِ دَلِيلٌ عَلَى سَكِينَتِهِ؛ لِأَنَّ «السَّكِينَةَ فِي أَهْلِ الغَنَمِ» (^١).\n- قَولُهُ: «فَأُعُطْيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ» العُشَرَاءُ: هِيَ الحَامِلُ الَّتِي تَمَّ لَهَا ثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ، وَهِيَ أَنْفَسُ الأَمْوَالِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ [التَّكْوِير: ٤] (^٢).\n- قَولُهُ: «فَأُنْتَجَ» مَعْنَاهُ: تَوَلَّى الوِلَادَةَ.\n- قَولُهُ: «في صُورَتِهِ وَهَيئَتِهِ» الصُّورَةُ فِي الجِسْمِ، وَالهَيئَةُ فِي الشَّكْلِ وَاللِّبَاسِ.\n- قَولُهُ: «ابْنُ سَبِيلٍ» أَي: مُسَافِرٌ؛ وَقَد نَفِدَ مَا مَعَهُ مِنَ الزَّادِ، وَقَد جَعَلَ اللهُ لَهُ حَقًّا فِي الزَّكَاةِ؛ وَلَو كَانَ غَنِيًّا فِي بَلَدِهِ.\nوسُمِّيَ ابْنَ سَبِيلٍ لِكَونِهِ مُلَازِمًا لِلسَّبِيلِ وَهوَ الطَّرِيقُ، كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ ابْنُ سُوقٍ، وَابْنُ مَصْلَحَةٍ.\n- قَولُهُ: «أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّونَ الحَسَنَ وَالجَلْدَ الحَسَنَ وَالمَالَ» فِيهِ التَّذْكِيرُ بِالنِّعْمَةِ وَالمُنْعِمِ؛ لِيَكُونَ أَحْرَى إِلَى الإِجَابَةِ وَلِدَفْعِ الغَفْلَةِ.\n- قَولُهُ: «الحُقُوقُ كَثِيرَةٌ» أَي: هَذَا المَالُ الَّذِي عِنْدِي مُتَعَلِّقٌ بِهِ حُقُوقٌ كَثِيرَةٌ؛ لَيسَ حَقَّكَ أَنْتَ فَقَط!\n- قَولُهُ: «لَا أَجْهَدُكَ» الجَهْدُ: المَشَقَّةُ، والمَعْنَى: لَا أَشُقُّ عَلَيكُم بِمَنْعٍ وَلَا مِنَّةٍ.\n_________\n(^١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣٣٠١)، وَمُسْلِمٌ (٥٢) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١/ ١٣٣): \"السَّكِينَةُ؛ أَي: الوَقَارُ أَوِ الرَّحْمَةُ أَوِ الطُّمَأْنِينَةُ، مَأْخُوذٌ مِنْ سُكُونِ القَلْبِ\".\n(^٢) قَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (ص ٩١٢): \"أَي: عَطَّلَ النَّاسُ حِينَئِذٍ نَفَائِسَ أَمْوَالِهِم الَّتِي كَانُوا يَهْتَمُّونَ لَهَا وَيُرَاعُونَهَا فِي جَمِيعِ الأَوقَاتِ، فَجَاءَهُم مَا يُذْهِلُهُم عَنْهَا، فَنَبَّهَ بِالعِشَارِ -وَهيَ النُّوقُ الَّتِي تَتْبَعُهَا أَولَادُهَا- وَهيَ أَنْفَسُ أَمْوَالِ العَرَبِ إِذْ ذَاكَ\".","vol":"2","page":220},{"text":"- الظَّاهِرُ أَنَّ أَمْرَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ قَدِ انْتَشَرَ وَذَلِكَ لِابْتِدَاءِ قَولِ المَلَكِ: «أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّونَ الحَسَنَ وَالجَلْدَ الحَسَنَ وَالمَالَ»، وَلِقَولِهِ: «كَأَنِّي أَعْرِفُكَ»، وَلِقَولِهِ فِيمَا بَعْدُ: «فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ».\n- الحَدِيثُ بَوَّبَ عَلَيهِ البُخَارِيُّ ﵀ فِي الصَّحِيحِ: \"بَابُ لَا يَقُولُ: مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ، وَهَلْ يَقُولُ أَنَا بِاللهِ ثُمَّ بِكَ؟ \" (^١)، وَالحَدِيثُ دلَّ عَلَى الجَوَازِ (^٢).\n- فِي الحَدِيثِ إِثْبَاتُ صِفَةِ الإِرَادَةِ للهِ تَعَالَى، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ أَنْوَاعِهَا فِي بَابِ قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سَبَأ: ٢٣].\n- فِي الحَدِيثِ أَيضًا أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَلْزَمُهُ الرِّضَى بِقَضَاءِ اللهِ -أَي: بِالمَقْضِيِّ-،\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٨/ ١٣٣).\n(^٢) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١١/ ٥٤٠): \"وَقَالَ المُهَلَّبُ: إِنَّمَا أَرَادَ البُخَارِيُّ أَنَّ قَولَهُ: «مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ شِئْتَ» جَائِزٌ مُسْتَدِلًّا بِقَولِهِ: «أَنَا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ» وَقَدْ جَاءَ هَذَا المَعْنَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَإِنَّمَا جَازَ بِدُخُولِ (ثُمَّ) لِأَنَّ مَشِيئَةَ اللهِ سَابِقَةٌ عَلَى مَشِيئَةِ خَلْقِهِ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنِ الحَدِيثُ المَذْكُورُ عَلَى شَرْطِهِ اسْتَنْبَطَ مِنَ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي عَلَى شَرْطِهِ مَا يُوَافِقُهُ.\nوَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَقُولَ: (مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ شِئْتَ) وَكَانَ يَكْرَهُ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ وَبِكَ)، وَيُجِيزُ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ ثمَّ بِكَ) وَهُوَ مُطَابِقٌ لحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيرِهِ مِمَّا أَشَرْتُ إِلَيهِ.\nتَنْبِيهٌ: مُنَاسَبَةُ إِدْخَالِ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ فِي كِتَابِ الأَيمَانِ مِنْ جِهَةِ ذِكْرِ الحَلِفِ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا ذَكَرْتُ، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ قَدْ يُتَخَيَّلُ جَوَازُ اليَمِينِ بِاللَّهِ ثُمَّ بِغَيرِهِ عَلَى وِزَانِ مَا وَقَعَ فِي قَولِهِ: «أَنَا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ» فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ النَّهْيَ ثَبَتَ عَنِ التَّشْرِيكِ، وَوَرَدَ بِصُورَةِ التَّرْتِيبِ عَلَى لِسَانِ المَلَكِ، وَذَلِكَ فِيمَا عَدَا الأَيمَانَ، أَمَّا اليَمِينُ بِغَيرِ ذَلِكَ فَثَبَتَ النَّهْيُ عَنْهَا صَرِيحًا فَلَا يُلْحَقُ بِهَا مَا وَرَدَ فِي غَيرِهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ\".","vol":"2","page":221},{"text":"لِأَنَّ هَؤلَاءِ الَّذِينَ أُصِيبُوا قَالُوا: أَحَبُّ إِلَينَا كَذَا وَكَذَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الرِّضَا.\n- وَفِيهِ أَيضًا جَوَازُ التَّمْثِيلِ لِلمَصْلَحَةِ، وهوَ أَنْ يَتَمَثَّلَ الإِنْسَانُ بِحَالٍ لَيسَ هُوَ عَلَيهَا فِي الحَقيقَةِ، مِثْلَ أَنْ يَأتيَ بِصُورَةِ مِسْكِينٍ -وَهو غَنِيٌّ- وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ إِذا كَانَتْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ؛ وَأَرَادَ أَنْ يَخْتَبِرَ إِنْسَانًا بِمِثْلِ هَذَا مَثَلًا؛ فَلَهُ ذَلِكَ (^١).\n_________\n(^١) القَولُ المُفِيدُ (٢/ ٢٩٥).","vol":"2","page":222},{"text":"بَابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٩٠].\nقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: \"اتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيمِ كُلِّ اسْمٍ مُعَبَّدٍ لِغَيرِ اللهِ؛ كَعَبْدِ عَمْرِوٍ، وَعَبْدِ الكَعْبَةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ حَاشَا عَبْدِ المُطَّلِبِ\" (^١).\nوَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: (لَمَّا تَغَشَّاهَا آدَمُ؛ حَمَلَتْ، فَأَتَاهُمَا إِبْلِيسُ، فَقَالَ: إِنِّي صَاحِبُكُمَا الَّذِي أَخْرَجَكُمَا مِنَ الجَنَّةِ، لَتُطِيعَاني أَو لَأَجْعَلَنَّ لَهُ قَرْنَي أَيِّلٍ؛ فَيَخْرُجُ مِنْ بَطْنِكِ فَيَشُقُّهُ، وَلَأَفْعَلَنَّ -يُخَوِّفُهُمَا-، سَمِّيَاهُ عَبْدَ الحَارِثِ. فَأَبَيَا أَنْ يُطِيعَاهُ، فَخَرَجَ مَيِّتًا، ثُمَّ حَمَلَتْ فَأَتَاهُمَا، فَذَكَرَ لَهُمَا، فَأَدْرَكَهُمَا حُبُّ الوَلَدِ؛ فَسَمَّيَاهُ عَبْدَ الحَارِثِ، فَذَلِكَ قَولُهُ: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾). رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ (^٢).\n_________\n(^١) مَرَاتِبُ الإِجْمَاعِ (ص ١٥٤) لابْنِ حَزْمٍ الأَنْدَلُسِيِّ ﵀.\n(^٢) تَفْسِيرُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ (٨٦٥٤).\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٣/ ٥٢٨) -فِي هَذَا الأَثَرِ عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ ﵁: \"وَكَأَنَّهُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَصْلُهُ مَأْخُوذٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَوَاهُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ -كَمَا رَوَاهُ ابْن أَبِي حَاتِمٍ-: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو الجُمَاهِرِ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ -يَعْنِي: ابْنَ بَشِيرٍ- عَنْ عُقْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: (لَمَّا حَمَلَتْ حَوَّاءُ أَتَاهَا الشَّيطَانُ، فَقَالَ لَهَا: أَتُطِيعِينَنِي؛ وَيَسْلَمُ لَكِ وَلَدُكِ؟ سَمِّيهِ عَبْدَ الحَارِثِ! فَلَمْ تَفْعَلْ، فَوَلَدَتْ؛ فَمَاتَ! ثُمَّ حَمَلَتْ، فَقَالَ لَهَا مِثْل ذَلِكَ، فَلَمْ تَفْعَلْ، ثُمَّ حَمَلَتِ الثَّالِثَةَ فَجَاءَهَا، فَقَالَ: إِنْ تُطِيعِينِي يَسْلَمُ وَإِلَّا فَإِنَّهُ يَكُونُ بَهِيمَةً، فَهَيَّبَهُمَا فَأَطَاعَا).\nوَهَذِهِ الآثَارُ يَظْهَر عَلَيهَا -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّهَا مِنْ آثَارِ أَهْل الكِتَاب، وَقَدْ صَحَّ الحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا حَدَّثَكُمْ أَهْل الكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ».\nثُمَّ أَخْبَارُهُمْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ، فَمِنْهَا مَا عَلِمْنَا صِحَّتَهُ بِمَا دَلَّ عَلَيهِ الدَّلِيلُ مِنْ كِتَابِ اللهِ أَو سُنَّةِ رَسُولِهِ، وَمِنْهَا مَا\n=","vol":"2","page":223},{"text":"وَلَهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ قَتَادَةَ؛ قَالَ: (شُرَكَاءَ فِي طَاعَتِهِ وَلَمْ يَكُنْ فِي عِبَادَتِهِ) (^١).\nوَلَهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَولِهِ: ﴿لَئِنْ آتَيتَنَا صَالِحًا﴾ قَالَ: أَشْفَقَا أَلَّا يَكُونَ إِنْسَانًا (^٢)، وَذَكَرَ مَعْنَاهُ عَنِ الحَسَنِ (^٣) وَسَعِيدٍ (^٤) وَغَيرِهِمَا (^٥).\n_________\n=\nعَلِمْنَا كَذِبَهُ بِمَا دَلَّ عَلَى خِلَافِهِ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَيضًا، وَمِنْهَا مَا هُوَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ؛ فَهُوَ المَأْذُونُ فِي رِوَايَتِهِ بِقَولِهِ ﵇: «حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ» وَهُوَ الَّذِي لَا يُصَدَّقُ وَلَا يُكَذَّبُ لِقَولِهِ: «فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ». وَهَذَا الأَثَرُ هُوَ القِسْمُ الثَّانِي أَوِ الثَّالِثُ؟ فِيهِ نَظَرٌ. فَأَمَّا مَنْ حَدَّثَ بِهِ مِنْ صَحَابِيٍّ أَو تَابِعِيٍّ؛ فَإِنَّهُ يَرَاهُ مِنَ القِسْم الثَّالِثِ، وَأَمَّا نَحْنُ فَعَلَى مَذْهَبِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ ﵀ فِي هَذَا؛ وَأَنَّهُ لَيسَ المُرَادُ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ آدَمَ وَحَوَّاءَ، وَإِنَّمَا المُرَادُ مِنْ ذَلِكَ المُشْرِكُونَ مِنْ ذُرِّيَّتهِ، وَلِهَذَا قَالَ الله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، ثُمَّ قَالَ فَذَكَرَ آدَمَ وَحَوَّاءَ أَوَّلًا كَالتَّوطِئَةِ لِمَا بَعْدَهُمَا مِنَ الوَالِدَينِ وَهُوَ كَالِاسْتِطْرَادِ مِنْ ذِكْر الشَّخْص إِلَى الجِنْس، كَقَولِهِ: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ الآيَةَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ المَصَابِيحَ -وَهِيَ النُّجُومُ الَّتِي زُيِّنَتْ بِهَا السَّمَاءُ- لَيسَتْ هِيَ الَّتِي يُرْمَى بِهَا! وَإِنَّمَا هَذَا اسْتِطْرَادٌ مِنْ شَخْصِ المَصَابِيحِ إِلَى جِنْسِهَا، وَلِهَذَا نَظَائِرُ فِي القُرْآنِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ\".\nقُلْتُ: وَأَيضًا هَذَا الأَثَرُ جَاءَ مِنْ طَريقٍ عَنِ الحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ (٣٠٧٧) وَقَالَ فِيهِ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ أَيضًا (٣/ ٥٢٦): \"وَالغَرَضُ: أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ مَعْلُولٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوجُهٍ\" وَذَكَرَهَا ﵀ فِي التَّفْسِيرِ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ أَيضًا الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الضَّعِيفَةِ (٣٤٢).\nوَقَالَ الإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ ابْنُ حَزْمٍ ﵀: \"وَهَذَا الَّذِي نَسَبُوهُ إِلَى آدَمَ ﵇ مِنْ أَنَّهُ سَمَّى ابْنَهُ عَبْدَ الحَارِثِ! خُرَافَةٌ مَوضُوعَةٌ مَكْذُوبَةٌ مِنْ تَأْلِيفِ مَنْ لَا دِينَ لَهُ وَلَا حَيَاءَ، لَمْ يَصِحَّ سَنَدُهَا قَطُّ، وَإِنَّمَا نَزَلَتْ فِي المُشْرِكِينَ عَلَى ظَاهِرِهَا، وَحَتَّى لَو صَحَّ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي آدَمَ -وَهَذَا لَا يَصِحُّ أَصْلًا- لَمَا كَانَتْ فِيهِ لِلمُخَالِفِ حُجَّةٌ، لِأَنَّهُ كَأَنْ يَكُونَ الشِّرْكُ أَو الشُّرَكَاءُ المَذْكُورونَ فِي الآيَةِ حِينَئِذٍ عَلَى غَيرِ الشِّرْكِ الَّذِي هُوَ الكُفْرُ؛ لَكِنْ بِمَعْنَى أَنَّهُمَا جَعَلَا معَ تَوَكُّلِهِمَا شِرْكَةً مِنْ حِفْظِهِ\". الفِصَلُ فِي المِلَلِ والأَهْوَاءِ والنِّحَلِ (٤/ ٤).\n(^١) تَفْسِيرُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ (٨٦٥٩)، وَتَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (١٣/ ٣١٢).\n(^٢) تَفْسِيرُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ (٨٦٤٨).\n(^٣) تَفْسِيرُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ (٨٦٥٠).\n(^٤) تَفْسِيرُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ (٨٦٥١).\n(^٥) قُلْتُ: وَلَكِنْ قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٣/ ٥٢٦): \"قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ،\n=","vol":"2","page":224},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: تَحْرِيمُ كُلِّ اسْمٍ مُعَبَّدٍ لِغَيرِ اللهِ.\nالثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ الآَيَةِ.\nالثَّالِثَةُ: أَنَّ هَذَا الشِّرْكَ فِي مُجَرَّدِ تَسْمِيَةٍ لَمْ تُقْصَدْ حَقِيقَتُهَا.\nالرَّابِعَةُ: أَنَّ هِبَةَ اللهِ لِلرَّجُلِ البِنْتَ السَّوِيَّةَ مِنَ النِّعَمِ.\nالخَامِسَةُ: ذِكْرُ السَّلَفِ الفَرْقَ بَينَ الشِّرْكِ فِي الطَّاعَةِ وَالشِّرْكِ فِي العِبَادَةِ.\n_________\n=\nحَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ الحَسَنِ: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ قَالَ: كَانَ هَذَا فِي بَعْضِ أَهْلِ المِلَلِ، وَلَمْ يَكُنْ بِآدَمَ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَورٍ، عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: قَالَ الحَسَنُ: عَنَى بِهَا ذَرِّيَّةَ آدَمَ -وَمَنْ أَشْرَكَ مِنْهُمْ بَعْدَهُ-، يَعْنِي قَولَهُ: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾. وَحَدَّثَنَا بِشْرٌ؛ حَدَّثَنَا يَزِيدُ؛ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ الحَسَنُ يَقُولُ: هُمُ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى؛ رَزَقَهُمُ اللهُ أَولَادًا؛ فَهَوَّدُوا وَنَصَّرُوا.\nوَهَذِهِ أَسَانِيدُ صَحِيحَةٌ عَنِ الحَسَنِ ﵀؛ أَنَّهُ فَسَّرَ الآيَةَ بِذَلِكَ، وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ التَّفَاسِيرِ وَأَولَى مَا حُمِلَتْ عَلَيهِ الآيَةُ، وَلَو كَانَ هَذَا الحَدِيثُ عِنْدَهُ مَحْفُوظًا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَمَا عَدَلَ عَنْهُ هُوَ وَلَا غَيرُهُ! وَلَا سِيَّمَا مَعَ تَقْوَاهُ لِلَّهِ وَوَرَعُهُ، فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّهُ مَوقُوفٌ عَلَى الصَّحَابِيِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَلَقَّاهُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الكِتَابِ -مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ- مِثْلِ: كَعْبٍ أَو وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وَغَيرِهِمَا -كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى- إِلَّا أَنَّنَا بَرِئْنَا مِنْ عُهْدَةِ المَرْفُوعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ\".","vol":"2","page":225},{"text":"<span data-type='title' id=toc-361>الشَّرْحُ</span>\n- هَذَا البَابُ مُشَابِهٌ لِلأَبْوَابِ السَّابِقَةِ فِي شُكْرِ النِّعْمَةِ، لِأَنَّ مِنْ شُكْرِ النِّعْمَةِ نِسْبَتُهَا لِلمُنْعِمِ.\n- قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأَعْرَافُ: ١٨٩ - ١٩١].\nقَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ: \"أَي: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ أَيُّهَا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ المُنْتَشِرُونَ فِي الأَرْضِ عَلَى كَثْرَتِكُم وَتَفَرُّقِكُم ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ وَهوَ آدمُ أَبُو البَشَرِ ﷺ ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ أَي: خَلَقَ مِنْ آدَمَ زَوجَتَهُ حَوَّاءَ لِأَجْلِ أَنْ يَسْكُنَ إِلَيهَا، لِأَنَّهَا إِذَا كَانَتْ مِنْهُ حَصَلَ بَينَهُمَا مِنَ المُنَاسَبَةِ وَالمُوَافَقَةِ مَا يَقْتَضِي سُكُونَ أَحَدِهِمَا إِلَى الآخَرِ، فَانْقَادَ كُلٌّ مِنْهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ بِزِمَامِ الشَّهْوَةِ ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ (^١) أَي: تَجَلَّلَهَا مُجَامِعًا لَهَا؛ قَدَّرَ البَارِي أَنْ يُوجَدَ مِنْ تِلْكَ الشَّهْوَةِ وَذَلكَ الجِمَاعِ النَّسْلَ، وَحِينَئِذٍ ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ وَذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ الحَمْلِ، لَا تَحِسُّ بِهِ الأُنْثَى، وَلَا يُثْقِلُهَا ﴿فَلَمَّا﴾ اسْتَمَرَّتْ بِهِ وَ﴿أَثْقَلَتْ﴾ بِهِ حِينَ كَبُرَ فِي بَطْنِهَا فَحِينَئِذٍ صَارَ فِي قُلُوبِهِمَا\n_________\n(^١) فِيهِ الإِرْشَادُ إِلَى الأَدَبِ فِي عَدَمِ ذِكْرِ (الجِمَاعِ) بِصَرِيحِ اسْمِهِ، وَلِأَنَّ الطِّبَاعَ السَّلِيمَةَ تَكْرَهُ أَنْ تَذْكُرَ هَذَا الشَّيءَ بِاسْمِهِ، إِلَّا إِذَا دَعَتِ الحَاجَةُ إِلَى ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ قَد يُصَرِّحُ بِهِ، كَمَا فِي قَولِهِ ﷺ لِمَاعِزٍ -وَقَد أَقَرَّ عِنْدَهُ بِالزِّنَا-: «أَنِكْتَهَا» لَا يُكَنِّي! لِأَنَّ الحَاجَةَ هُنَا دَاعِيَةٌ لِلتَّصْرِيحِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ الأَمْرُ جَلِيًّا. وَالحَدِيثُ رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦٨٢٤) عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ مَرْفُوعًا.","vol":"2","page":226},{"text":"الشَّفَقَةُ عَلَى الوَلَدِ وَعَلَى خُرُوجِهِ حَيًّا صَحِيحًا سَالِمًا لَا آفَةَ فِيهِ، فَدَعَوا ﴿اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيتَنَا﴾ (^١) وَلَدًا ﴿صَالِحًا﴾ أَي: صَالِحَ الخِلْقَةِ تَامَّهَا (^٢) لَا نَقْصَ فِيهِ ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾، ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ عَلَى وُفْقِ مَا طَلَبَا، وَتَمَّتْ عَلَيهِمَا النِّعْمَةُ فِيهِ ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ أَي: جَعَلَا للهِ شُرَكَاءَ فِي ذَلِكَ الوَلَدِ الَّذِي انْفَرَدَ اللهُ بِإِيجَادِهِ وَالنِّعْمَةِ بِهِ، وَأَقرَّ بِهِ أَعْيُنَ وَالِدَيهِ؛ فَعَبَّدَاه لِغَيرِ اللهِ (^٣)! إِمَّا أَنْ يُسَمِّيَاهُ بِعَبْدِ غَيرِ اللهِ كَـ (عَبْدِ الحَارِثِ) وَ(عَبْدِ العُزَيرِ) وَ(عَبْدِ الكَعْبَةِ) وَنَحْوِ ذَلِكَ، أَو يُشْرِكَا بِاللهِ فِي العِبَادَةِ (^٤) بَعْدَمَا مَنَّ اللهُ عَلَيهِمَا بِمَا مَنَّ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي لَا يُحْصِيهَا أَحَدٌ مِنَ العِبَادِ.\nوَهَذَا انْتِقَالٌ مِنَ النَّوعِ إِلَى الجِنْسِ؛ فَإِنَّ أَوَّلَ الكَلَامِ فِي آدَمَ وَحَوَّاءَ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الكَلَامِ فِي الجِنْسِ (^٥)، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا مَوجُودٌ فِي الذُّرِّيَّةِ كَثِيرًا؛ فَلِذَلِكَ قَرَّرَهُمُ اللهُ\n_________\n(^١) قُلْتُ: فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ بَيَانُ عِلَّةِ قُبْحِ الشِّرْكِ؛ أَنَّهُ إِشْرَاكٌ لِمَنْ لَا يَمْلِكُ مَعَ مَنْ يَمْلِكُ، وَلِمَنْ بِيَدِهِ النَّفْعُ وَالضُّرُّ مَعَ مَنْ لَا يَمْلِكُ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا؛ فَسُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ.\n(^٢) وَلَيسَ بِمُمْتَنِعٍ أَنْ يَكُونَ المَقْصُودُ أَيضًا مَعَهُ صَلَاحًا دِينِيًّا، ولَكِنَّ الأَوَّلَ أَولَى، وَذَلِكَ لِأَنَّ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بَعْدَ الوِلَادَةِ مُبَاشَرَةً؛ وَلَيسَ بَعْدَ النُّضْجِ.\n(^٣) قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي تَحْقِيقِ كِتَابِ الإِيمَانِ (ص ٨٧) لِابْنِ سَلَّام ﵀: \"وَالضَّمِيرُ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿جَعَلَا﴾ إِنَّمَا يَعُودَ إِلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى. بِذَلِكَ فَسَّرَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْهُ، وَهُوَ أَولَى مَا حُمِلَتْ عَلَيهِ الآيةُ كَمَا قَالَ الحَافِظُ ابْنْ كَثيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ\".\n(^٤) وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [التَّوبَة: ٧٥ - ٧٦].\n(^٥) وَكَذَا أَوضَحَهُ الحَافِظُ السُّيُوطِيُّ ﵀ -تَحْتَ النَّوعِ التَّاسِعِ وَالعِشْرِينَ فِي بَيَانِ المَوصُولِ لَفْظًا؛ المَفْصُولَ مَعْنًى- فَقَالَ ﵀: \"وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ تَغْيِيرُ الضَّمِيرِ إِلَى الْجَمْعِ بَعْدَ التَّثْنِيَةِ وَلَو كَانَتِ الْقِصَّةُ وَاحِدَةٌ لَقَالَ عَمَّا يُشْرِكَانِ\". الإِتْقَانُ فِي عُلُومِ القُرْآنِ (١/ ٣١٠).","vol":"2","page":227},{"text":"عَلى بُطْلَانِ الشِّرْكِ، وَأَنَّهُم فِي ذَلِكَ ظَالِمُونَ أَشَدَّ الظُلْمِ، سَوَاءً كَانَ الشِّرْكُ فِي الأَقْوَالِ أَمْ فِي الأَفْعَالِ؛ فَإِنَّ الخَالِقَ لَهُم مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ؛ الَّذِي خَلَقَ مِنْهَا زَوجَهَا وَجَعَلَ لَهُم مِنْ أَنْفُسِهِم أَزْوَاجًا، ثُمَّ جَعَلَ بَينَهُم مِنَ المَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ مَا يَسْكُنُ بَعْضُهُم إِلَى بَعْضٍ وَيَأْلَفُهُ وَيَلْتَذُّ بِهِ، ثُمَّ هَدَاهُم إِلَى مَا بِهِ تَحْصُلُ الشَّهْوَةُ وَاللَّذَّةُ وَالأَولَادُ وَالنَّسْلُ، ثُمَّ أَوجَدَ الذُّرِّيَّةَ فِي بُطُونِ الأُمَّهَاتِ وَقْتًا مَوقُوتًا تَتَشَوَّفُ إِلَيهِ نُفُوسُهُم وَيَدْعُونَ اللهَ أَنْ يُخْرِجَهُ سَوِيًّا صَحِيحًا، فَأَتَمَّ اللهُ عَلَيهِمُ النِّعْمَةَ وَأَنَالَهُم مَطْلُوبَهُم؛ أَفَلَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ فِي عِبَادَتِهِ أَحَدًا، وَيُخْلِصُوا لَهُ الدِّينَ؟! وَلَكِنَّ الأَمْرَ جَاءَ عَلَى العَكْسِ، فَأَشْرَكُوا باللهِ مَنْ لَا ﴿يَخْلُقُ شَيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ﴾ أَي: لِعَابِدِيهَا ﴿نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ \" (^١).\n- ابْنُ حَزْمٍ: هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ؛ أَبُو مُحَمَّدٍ؛ عَالِمُ الأَنْدَلُسِ فِي عَصْرِهِ، وَأَحَدُ أَئِمَّةِ الإسلَامِ، كَان فِي الأَنْدَلُسِ خَلْقٌ كَثِيرٌ يَنْتَسِبُونَ إِلَى مَذْهَبِهِ يُقَالُ لَهُم: (الحَزْمِيَّةُ)، وُلِدَ بِقُرْطُبَةَ، وَكَانَ يُقَالُ: لِسَانُ ابْنِ حَزْمٍ وَسَيفُ الحَجَّاجِ شَقِيقَانِ، (ت ٤٥٦) (^٢).\n- عبْدُ المُطَّلِبِ؛ اسْمُهُ: شَيبَةُ الحَمْدِ، وَسُمِّيَ بِعَبْدِ المُطَّلِبِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ مَعَ عَمِّهِ المُطَّلِبِ -وَقَد اسْوَدَّتْ بَشَرَتُهُ مِنَ السَّفَرِ- ظَنَّهُ النَّاسُ عَبْدًا لَهُ؛ فَنَسَبُوهُ إِلَيهِ.\n- قَولُهُ: (إِبْلِيسَ): عَلَى وَزْنِ (إِفْعِيل)، مِنْ أَبْلَسَ: إِذَا يَئِسَ، لِأَنَّهُ يَئِسَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى.\n_________\n(^١) تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ (ص ٣١١).\n(^٢) الأَعْلَامُ للزِّرِكْلِيِّ (٢/ ٢٤٥).","vol":"2","page":228},{"text":"- الأَيِّلُ: الذَّكَرُ مِنَ الأوعَالِ، والجَمِيعُ الأَيَايِلُ، وَسُمِّيَ بِذَاكَ لأَنَّهُ يَؤُولُ إِلَى الجِبَالِ يَتَحَصَّنُ بِهَا.\n- قَولُهُ: (شُرَكَاءَ فِي طَاعَتِهِ): أَي: أَطَاعَاهُ فِيمَا أَمَرَهُمَا بِهِ مِنْ جِهَةِ التَّسْمِيَةِ لَا مِنْ جِهَةِ العِبَادَةِ، وَإِنَّمَا عَبَّدَا الوَلَدَ لِغَيرِ اللهِ، وَفَرْقٌ بَينَ الطَّاعَةِ وَالعِبَادَةِ. هَذَا عَلَى فَرْضِ صِحَّةِ القِصَّةِ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ أَنَّهَا فِي حَقِّ أَهْلِ الكِتَابِ دُونَ آدَمَ وَحَوَّاءَ ﵉، عَلَى أَنَّهُ مِنْ جِهَةِ عُمُومِ اللَّفْظِ؛ فَإِنَّ هَذَا التَّشْرِيكَ يُمْكِنُ حَمْلُهُ أَيضًا عَلَى أَنَّهُ شِرْكٌ مِنْ جِهَةِ التَّعَلُّقِ بِالأَسبَابِ وَعَدَمِ نِسْبَةِ النِّعْمَةِ إِلَى المُنْعِمِ ﷾؛ حَيثُ يُضِيفُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ سَلَامَةَ المَولُودِ وَوِقَايَتَهُ إِلَى الأَطِبَّاءِ وَإِرْشَادَاتِهِم، وَإِلى القَوَابِلِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.\n- قَولُهُ: (أَشْفَقَا أَنْ لَا يَكُونَ إِنْسَانًا): أَي: خَافَا أَنْ يَكُونَ حَيَوَانًا أَو جِنِّيًّا أَو غَيرَ ذَلِكَ.\n- قَولُ المُصَنِّفِ ﵀ فِي المَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ: \"أَنَّ هِبَةَ اللهِ لِلرَّجُلِ البِنْتَ السَّوِيَّةَ مِنَ النِّعَمِ\" مَأْخُوذٌ مِنْ أَنَّ النِّعْمَةَ فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ تَمَّتْ بِحُصُولِ المَولُودِ الصَّالِحِ التَّامِّ بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ جِنْسِهِ.\n- قَولُ المُصَنِّفِ ﵀ فِي المَسْأَلَةِ الخَامِسَةِ: \"ذِكْرُ السَّلَفِ الفَرْقَ بَينَ الشِّرْكِ فِي الطَّاعَةِ وَالشِّرْكِ فِي العِبَادَةِ\" وَذَلِكَ أَنَّ طَاعَةَ اللهِ نَفْسَهَا هِيَ عِبَادَةٌ لَهُ تَعَالَى، بِخِلَافِ طَاعَةِ غَيرِهِ؛ فَلَا تَكُونُ عِبَادَةً لَهُ، لِأَنَّ الطَّاعَةَ تَكُونُ عِبَادَةً إِذَا اقْتَرَنَتْ بِالخُضُوعِ وَالتَّعْظِيمِ وَالحُبِّ وَالرَّجَاءِ وَالخَوفِ.\nفَطَاعَةُ النَّبِيِّ ﷺ مَثَلًا هِيَ عِبَادَةٌ للهِ تَعَالَى، وَلَيسَتْ لَهُ ﷺ، وَكَذَلِكَ طَاعَةُ أَهْلِ المَعَاصِي لِأَرْبَابِهِم مِنَ الفُسَّاقِ لَيسَتْ عِبَادَةً لَهُم، فَهُوَ فَرْقٌ بَينَ الشِّرْكِ الأَكْبَرِ وَبَينَ","vol":"2","page":229},{"text":"سَائِرِ المَعَاصِي؛ لِذَلِكَ حَسُنَ التَّفْرِيقُ مِنَ السَّلَفِ بَينَهُمَا دَرْءًا لِلْخَلْطِ.\n- قَولُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾؛ فِيهَا قَولَانِ:\n١ - إِنَّ المُرَادَ بِالنَّفْسِ الوَاحِدَةِ: العَينُ الوَاحِدَةُ؛ أَي: مِنْ شَخْصٍ مُعَيَّنِ وَاحِدٍ؛ وَهُوَ آدَمُ ﵇.\n٢ - إِنَّ المُرَادَ بِالنَّفْسِ: الجِنْسُ، وَجَعَلَ مِنْ هَذَا الجِنْسِ زَوجَهُ؛ وَلَمْ يَجْعَلْ زَوجَهُ مِنْ جِنْسٍ آخَرَ (^١).\n_________\n(^١) كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عِمْرَان: ١٦٤] أَي: مِنْ جِنْسِهِم.","vol":"2","page":230},{"text":"<span data-type='title' id=toc-362>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-363> المَسْأَلَةُ الأُولَى: مَا وَجْهُ التَّوفِيقِ بَينَ مَا اتَّفَقَ عَلَيهِ أَهْلُ العِلْمِ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ التَّسْمِيَةِ بِاسْمٍ مُعَبَّدٍ لِغَيرِ اللهِ تَعَالَى مَعَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ </span>مِنْ قَولِهِ ﷺ عَنْ نَفْسِهِ: «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ؛ أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ» (^١)، وَمِثْلِ قَولِهِ ﷺ فِي الحَدِيثِ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ» (^٢)؟\nالجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ:\n١ - قَولُهُ ﷺ عَنْ نَفْسِهِ: «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ؛ أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ» هَذَا لَيسَ مِنْ بَابِ إِنْشَاءِ التَّسْمِيَةِ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الإِخْبَارِ بِالاسْمِ الَّذِي عُرِفَ بِهِ المُسَمَّى دُونَ غَيرِهِ، وَالإِخْبَارُ بِمِثْلِ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ تَعْرِيفِ المُسَمَّى لَا يَحْرُمُ، فقد كَانَ الصَّحَابَةُ يُنَادُونَ بَني عَبْدِ شَمْسٍ وَبَني عَبْدِ الدَّارِ بِأَسْمَائِهِم وَلَا يُنْكِرُ عَلَيهِمُ النَّبِيُّ ﷺ، لِذَلِكَ نَقُولُ: بَابُ الإِخْبَارِ أَوسَعُ مِنْ بَابِ الإِنْشَاءِ (^٣).\n٢ - أَنَّ النِّسْبَةَ فِي قَولِهِ: «أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ» لَيسَتْ نِسْبَةَ عُبُودِيَّةٍ وَتَشْرِيكٍ بِاللهِ الخَالِقِ العَظِيمِ! وَإِنَّمَا هِيَ نِسْبَةُ رِقٍّ وَتَبَعِيَّةٍ -كَمَا سَبَقَ-.\n٣ - أَنَّ قَولَهُ ﷺ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ» لَيسَ مِنْ بَابِ التَّسْمِيَةِ، وَلَكِنْ مِنْ بَابِ\n_________\n(^١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢٨٦٤) عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ مَرْفُوعًا.\n(^٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢٨٨٧) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.\n(^٣) بَلْ وَفِي الحَدِيثِ: قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قَالَ: «يَا مَعْشَرَ قُرَيشٍ -أَو كَلِمَةً نَحْوَهَا- اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ؛ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيئًا». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤٧٧١)، وَمُسْلِمٌ (٢٠٦) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا، فَفِي هَذَا الحَدِيثِ نِدَاءُهُ إِيَّاهُم بِـ (بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ).","vol":"2","page":231},{"text":"الوَصْفِ بِمَا يُذَمُّ عَلَيهِ صَاحِبُهُ، وَمَعْنَى العُبُودِيَّةِ هُنَا أَنَّ ذَلِكَ المَوصُوفَ قَد جَعَلَ الأَجْرَ الدُّنْيَوِيَّ مُبْتَغَاهُ دُونَ الأَجْرِ الأُخْرَوِيِّ.\nتَنْبِيهٌ وَتَعْلِيقٌ عَلَى قَولِ ابْنِ حَزْمٍ ﵀: \"حَاشَا عَبْدَ المُطَّلِبِ\"!\nقَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ ﵀ -مُتَعَقِّبًا ابنَ حَزْمٍ-: \"وَلَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِ أَبِي مُحَمَّدٍ بْنِ حَزْمٍ ذَلِكَ بِعَبْدِ المْطَّلِبِ خَاصَّةً! فَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ يُسَمُّونَ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَبَنِي عَبْدِ الدَّارِ بِأَسْمَائِهِمْ وَلَا يُنْكِرُ عَلَيهِمُ النَّبِيُّ ﷺ، فَبَابُ الإِخْبَارِ أَوسَعُ مِنْ بَابِ الإِنْشَاءِ، فَيَجُوزُ مَا لَا يَجُوزُ فِي الإِنْشَاءِ\" (^١).\nوَقَدْ عَلَّقَ الشَّيخُ ابْنُ بَازٍ ﵀ عَلَى تَعْقِيبِ ابْنِ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى؛ فَقَالَ: \"فِي هَذَا التَّعْقِيبِ نَظَرٌ، لِأَنَّ مَقْصُودَ ابْنَ حَزْمٍ جَوَازُ التَّسْمِيَةِ بِعَبْدِ المُطَّلِبِ لِمَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لَمْ يُغَيِّر اسْمَ ابْنَ عَمَّهِ عَبْدِ المُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَلَيسَ مَقْصُودُهُ مَنْعَ الإِخْبَارِ بِالأَسْمَاءِ المُعَبَّدَةِ لِغَيرِ اللهِ سِوَى عَبْدِ المُطَّلِبِ! لِأَنَّ هَذَا لَا حَرَجَ فِيهِ، وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَينَ أَهْلِ العِلْمِ فِي جَوَازِهِ لِوُرُودِهِ فِي الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعَنْ أَصْحَابِهِ ﵃. وَاللهُ وَلِيُّ التَّوفِيقِ\" (^٢).\nوَقَالَ ﵀ أَيضًا: \"حَاشَا عَبْدَ المُطَّلِبِ: لِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنَ النَّهْيِ، لِأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ أَقَرَّ ذَلِكَ وَلَمْ يُغَيِّرْهُ، وَمِنَ الصَّحَابَةِ عَبْدُ المُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ، لِأَنَّ الأَصْلَ فِيهِ أَنَّهُ تَعْبِيدٌ بِالعِتْقِ وَالرِّقِّ، وَسَمَّوهُ عَبْدَ المُطَّلِبِ -وَاسْمُهُ شَيبَةُ بْنُ هَاشِمٍ-، لِأَنَّهُم ظَنُّوهُ\n_________\n(^١) تُحْفَةُ المَودُودِ (ص ١١٤).\n(^٢) أَفَادَهُ الشَّيخُ فَهْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّومِيُّ فِي تَحْقِيقِ رِسَالَةِ (تَفْسِيرُ الفَاتِحَةِ) (ص ٤٥) لِلشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ ﵀ -بِتَقْدِيمِ الشَّيخِ ابْنِ بَازٍ-.","vol":"2","page":232},{"text":"عَبْدًا لِلْمُطَّلِبِ بِسَبَبِ تَغَيُّرِ وَجْهِهِ مِنَ السَّفَرِ، وَالمُطَّلِبُ عَمُّهُ؛ فَأُقِرَّ هَذَا الاسْمُ فِي الإِسْلَامِ بِخِلَافِ غَيرِهِ مِنَ الأَسْمَاءِ\" (^١).\nقُلْتُ: قَدْ نَظَرْتُ فِي كَلَامِ ابْنِ حَزْمٍ ﵀ فِي مَوضِعِهِ (^٢) فَلَمْ أَجِدْ ذِكْرًا لِـ (عَبْدِ المُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ)، فَالأَظْهَرُ أَنْ قَصْدَ ابْنِ حَزْمٍ ﵀ هُوَ جَدُّ النَّبِيِّ ﷺ.\nقَالَ الشَّيخُ صَالِحُ آلِ الشَّيخِ حَفِظَهُ اللهُ: \"وَأَمَّا تَسْمِيَةُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ بِعَبْدِ المُطَّلِبِ! فَالمُحَقِّقُونَ مِنَ الرُّوَاةِ يَقُولُونُ: إِنَّ مَنْ سُمِّيَ بِعَبْدِ المُطَّلِبِ؛ فَالصَّحِيحُ أَنَّ اسْمَهُ المُطَّلِبُ -بِدُونِ التَّعْبِيدِ-، وَلَكِنْ نُقِلَ بِعَبْدِ المُطَّلِبِ؛ لِأَنَّهُ شَاعَتِ التَّسْمِيَةُ بِعَبْدِ المُطَّلِبِ دُونَ المُطَّلِبِ، فَوَقَعَ خَطَأٌ فِي ذَلِكَ\" (^٣).\nقُلْتُ: وَفِي المُعْجَمِ الكَبِيرِ لِلطَّبَرَانِيِّ: \"مُطَّلِبُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ الحَارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَيُقَالُ: عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، وَالصَّوَابُ: المُطَّلِبُ، وَمَاتَ بِدِمَشْقَ، وَكَانَ يَسْكُنُ بِهَا، فَتُوُفِّيَ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ\" (^٤).\nوَعَلَى كُلِّ حَالٍ: بِوُجُودِ هَذَا الاحْتِمَالِ؛ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ الاسْتِدْلَالُ عَلَى الجَوَازِ، لَا سِيَّمَا وَأَنَّهُ خِلَافُ الأَصْلِ؛ وَلَا وَجْهَ لِلاسْتِثْنَاءِ هُنَا فِي مُخَالَفَةِ الأَصْلِ! فَتَأَمَّلْ.\n_________\n(^١) التَّعْلِيقُ المُفِيدُ (ص ٢٣٤).\n(^٢) مَرَاتِبُ الإِجْمَاعِ لِابْنِ حَزْمٍ (ص ١٥٤).\n(^٣) التَّمْهِيدُ (ص ٥٠١).\n(^٤) المُعْجَمُ الكَبِيرُ لِلطَّبَرَانِيِّ (٢٠/ ٢٨٤).","vol":"2","page":233},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-364> المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَا أَوجُهُ الرَّدِّ عَلَى هَذهِ القِصَّةِ -الَّتِي فِي هَذَا البَابِ-؛ بِاخْتِصَارٍ </span>(^١)؟\nالجَوَابُ:\n١ - عَدَمُ صِحَّتِهَا مِنْ جِهَةِ الإِسْنَادِ، وَتُخَالِفُ مَا ثَبَتَ بِالأَسَانِيدِ عَنِ الحَسَنِ وَغَيرِهِ (^٢).\n٢ - أَنَّ الأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ عَنِ الشِّرْكِ بِاتِّفَاقِ العُلَمَاءِ (^٣).\n٣ - أَنَّهُ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ أَنَّ النَّاسَ يَأْتُونَ إِلَى آدَمَ يَطْلُبُونَ مِنْهَ الشَّفَاعَةَ؛ فَيَعْتَذِرُ بِأَكْلِهِ مِنَ الشَّجَرَةِ -وَهِيَ مَعْصِيَةٌ لَيسَتْ بِشِرْكٍ- وَلَو وَقَعَ مِنْهُ الشِّرْكُ لَكَانَ اعْتِذَارُهُ بِهِ أَولَى وَأَحْرَى.\n٤ - أَنَّ الشَّيطَانَ -فِي هَذِهِ القِصَّةِ- جَاءَ إِلَيهِمَا وَقَالَ: (أَنَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي أَخْرَجْتُكُمَا مِنَ الجَنَّةِ) وَهَذا لَا يَقُولُه مَنْ يُرِيدُ الإِغْوَاءَ! وَإِنَّمَا يَأْتِي بِشَيءٍ يُقَرِّبُ قَبُولَ\n_________\n(^١) القَولُ المُفِيدُ (٢/ ٣٠٩) بِاخْتِصَارٍ يَسِيرٍ.\n(^٢) قُلْتُ: خِلَافًا لِمَا قَالَهُ الشَّارِحُ الشَّيخُ سُلَيمَانُ بْنُ عَبدِ اللهِ ﵀ فِي كِتَابِهِ (تَيسِيرُ العَزِيزِ الحَمِيدِ) (ص ٦٣٠) مِنْ أَنَّ التَّفْسِيرَ بِغَيرِ ذَلِكَ -وهوَ أَنَّ المَقْصُودَ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿جَعَلَا لَهُ﴾ هُمَا آدَمُ وحوَّاءُ- أَنَّهُ مِنَ التَّفَاسِيرِ المُبْتَدَعَةِ، وَقَد ذَكَرْنَا فِيمَا سَبَقَ مِنَ النَّقْلِ عَنِ الحَسَنِ وَغَيرِهِ بِالأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ غَيرَ ذَلِكَ، وَقَد أَيَّدَهُ عُلَمَاءُ التَّفْسِيرِ كَالحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ ﵀ -وَحَسْبُكَ بِهِ عَالِمًا بِالتَّفَاسِيرِ المُبْتَدَعَةِ مِنَ الثَّابِتَةِ- حَيثُ قَالَ ﵀ (٣/ ٥٢٨): \"وَأَمَّا نَحْنُ؛ فَعَلَى مَذْهَبِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ ﵀ فِي هَذَا، وَأَنَّهُ لَيسَ المُرَادُ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ آدَمَ وَحَوَّاءَ، وَإِنَّمَا المُرَادُ مِنْ ذَلِكَ المُشْرِكُونَ مِنْ ذُرِّيَّتهِ، وَلِهَذَا قَالَ اللهُ: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ \".\nقُلْتُ: وَأَمَّا التَّثْنِيَةُ بِـ \"جَعَلَا\" فَهِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى الوَالِدَينِ عُمُومًا. وَاللهُ أَعْلَمُ.\n(^٣) قَالَ الشَّيخُ صَالِحُ آلِ الشَّيخِ حَفِظَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ التَّمْهِيدُ (ص ٤٩٨): \"وَالمَعَاصِي الصِّغَارُ جَائِزَةٌ عَلَى الأَنْبِيَاءِ -كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ-\".","vol":"2","page":234},{"text":"قَولِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى نَكَارَةِ اللَّفْظِ أَصْلًا.\n٥ - أَنَّ إِقْرَارَهُمَا فِي قَولِهِ: (لَأَجْعَلَنَّ لَهُ قَرْنَي أَيِّلٍ) هُوَ شِرْكٌ فِي الرُّبُوبِيَّةِ! لِأَنَّه لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا اللهُ؛ فَكَانَ بِذَلِكَ شِرْكًا وَكُفْرًا أَكْبَرَ، وَهَذَا مُسْتَحِيلٌ عَلَيهِمَا أَيضًا.","vol":"2","page":235},{"text":"بَابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٨٠].\nذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ يُشْرِكُونَ)، وَعَنْهُ: (سَمُّوا اللَّاتَ مِنَ الإِلَهِ، وَالعُزَّى مِنَ العَزِيزِ).\nوَعَنِ الأَعْمَشِ: (يُدْخِلُونَ فِيهَا مَا لَيسَ مِنْهَا) (^١).\nفِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: إِثْبَاتُ الأَسْمَاءِ.\nالثَّانِيَةُ: كَونُهَا حُسْنَى.\nالثَّالِثَةُ: الأَمْرُ بِدُعَائِهِ بِهَا.\nالرَّابِعَةُ: تَرَكُ مَنْ عَارَضَ مِنَ الجَاهِلِينَ المُلْحِدِينَ.\nالخَامِسَةُ: تَفْسِيرُ الإِلْحَادِ فِيهَا.\nالسَّادِسَةُ: وَعِيدُ مَنْ أَلْحَدَ.\n_________\n(^١) عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ فِي التَّفْسِيرِ (٥/ ١٦٢٣): \"قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾: التَّكْذِيبُ، وَعَنْهُ أَيضًا قَالَ: الإِلْحَادُ، المُلْحِدِينَ: أَنْ ادَّعَوا اللَّاتَ وَالعُزَّى فِي أَسْمَاءِ اللهِ ﷿. وَعَنْ قَتَادَةَ قَولُهُ: (يُلْحِدُونَ) قَالَ: يُشْرِكُونَ. وَقَالَ الأَعْمَشُ: يُدْخِلُونَ فِيهَا مَا لَيسَ مِنْهَا\". انْتَهَى بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ وَحَذْفٍ لِلأَسَانِيدِ.","vol":"2","page":236},{"text":"<span data-type='title' id=toc-367>الشَّرْحُ</span>\n- هَذَا البَابُ فِيهِ بَيَانُ الأَدَبِ الأَكْمَلِ فِي سُؤَالِ اللهِ تَعَالَى؛ وَذَلِكَ بِأَنْ يَتَوَسَّلَ إِلَيهِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَهوَ دَلِيلُ العِلْمِ بِهِ وَبِتَعْظِيمِهِ وَالتَّعَلُّقِ بِهِ سُبْحَانَهُ.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿الْحُسْنَى﴾ مُؤَنَّثُ أَحْسَن، وَهُوَ اسْمُ تَفْضِيلٍ، وَمَعنى الحُسْنَى: أَي البَالِغَةَ فِي الحُسْنِ أَكْمَلَهُ، وَاللَّامُ هُنَا لِلاسْتِحْقَاقِ.\nوَالحُسْنُ فِي الأَسْمَاءِ يَكُونُ رَاجِعًا إِلَى أَنَّ الصِفَةَ الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيهَا ذَلِكَ الاسْمُ تَكُونُ حَقًّا مَوجُودَةً فيمَنْ تَسَمَّى بِهَا، وَعَلَى الوَجْهِ الأَكْمَلِ الَّذِي لَا نَقْصَ فِيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وَالإِنْسَانُ -وَإِنْ تَسَمَّى بِاسمٍ فِيهِ مَعنًى- فَقَد لَا يَكُونُ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ المَعْنَى شَيءٌ! فَيُسَمَّى (صَالِحًا) وَقَد لَا يَكُونُ صَالِحًا! وَيُسَمَّى (خَالِدًا) وَلَا يَكُونُ خَالِدًا -عَلَى مَعْنَى طُولِ العُمُرِ-! وَيُسَمَّى (مُحَمَّدًا) وَقَد لَا يَكُونُ كَثيرَ خِصَالِ الحَمْدِ! وَهَكَذَا؛ فَإِنَّ الإِنْسَانَ قَد يُسَمَّى بِأَسْمَاءٍ كَثِيرَةٍ؛ لَكِنْ لَا تَكُونُ فِي حَقِّهِ حُسْنَى (^١).\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ اعْلَمْ أَنَّ دُعَاءَ اللهِ بِأَسْمَائِهِ لَهُ مَعْنَيَانِ:\n١ - دُعَاءُ العِبَادَةِ.\nوَذَلِكَ بِأَنْ تَتَعَبَّدَ للهِ بِمَا تَقْتَضِيهِ تِلْكَ الأَسْمَاءُ، فَمَثَلًا: اسْمُ الرَّحِيمِ يَدُلُّ عَلَى\n_________\n(^١) وَأَهْلُ العِلْمِ إِذَا فَسَّرُوا الأَسْمَاءَ الحُسْنَى؛ فَإِنَّمَا هُوَ تَقْرِيبٌ لَيَدُلُّوا النَّاسَ عَلَى أَصْلِ المَعْنَى، أَمَّا المَعْنَى بِكَمَالِهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ إِلَّا اللهُ تَعَالَى، وَلِهَذَا قَالَ ﷺ فِي دُعَائِهِ: «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيتَ عَلَى نَفْسِكَ». مُسْلِمٌ (٤٨٦) عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا.","vol":"2","page":237},{"text":"الرَّحْمَةِ؛ وَحِينَئِذٍ تَتَطَلَّعُ إِلَى أسَبْابِ الرَّحْمَةِ وَتَفْعَلُهَا.\nوَالسَّمِيعُ: يَقْتَضِي أَنْ تَتَعَبَّدَ للهِ بِمُقْتَضَى السَّمْعِ بِحَيثُ لَا تُسْمِعُ اللهَ قَولًا يُغْضِبُهُ وَلَا يَرْضَاهُ مِنْكَ.\nوَالبَصِيرُ: يَقْتَضِي أَنْ تَتَعَبَّدَ للهِ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ البَصَرِ بِحَيثُ لَا يَرَى مِنْكَ فِعْلًا يَكْرَهُهُ مِنْكَ (^١).\n٢ - دُعَاءُ المَسْأَلَةِ، وَهوَ أَنْ تُقَدِّمَ هَذِهِ الأَسْمَاءَ بَينَ يَدِي سُؤَالِكَ مُتَوَسِّلًا بِهَا إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَالأَكْمَلُ أَنْ يَسْأَلَ بِالاسِمِ المُنَاسِبِ لِلْمَطْلُوبِ.\nمَثَلًا: يَا غَفُورُ؛ يَا رَحِيمُ؛ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁؛ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، قَالَ: «قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ؛ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي؛ إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ» (^٢).\nوَالإِنْسَانُ إِذَا دَعَا وَعَلَّلَ؛ فَقَد أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ بِهَذَا الاسْمِ طَالِبًا أَنْ يَكُونَ سَبَبًا\n_________\n(^١) قَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ القُولُ السَّديدُ (ص ١٦١): \"فَمَثَلًا أَسْمَاءُ العَظَمَةِ وَالكِبْرِيَاءِ وَالمَجْدِ وَالجَلَالِ وَالهَيبَةِ تَمْلَأُ القُلُوبَ تَعْظِيمًا للهِ وَإِجْلَالًا لَهُ. وَأَسْمَاءُ الجَمَالِ وَالبِرِّ وَالإِحْسَانِ وَالرَّحْمَةِ وَالجُودِ تَمْلَأُ القَلْبَ مَحَبَّةً للهِ وَشَوقًا لَهُ وَحَمْدًا لَهُ وَشُكْرًا. وَأَسْمَاءُ العِزِّ وَالحِكْمَةِ وَالعِلْمِ وَالقُدْرَةِ تَمْلَأُ القَلْبَ خُضُوعًا للهِ وَخُشُوعًا وَانْكِسَارًا بَينَ يَدَيهِ. وَأَسْمَاءُ العِلْمِ وَالخِبْرَةِ وَالإِحَاطَةِ وَالمُرَاقَبَةِ وَالمُشَاهَدَةِ تَمْلَأُ القَلْبَ مُرَاقَبَةً للهِ فِي الحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ، وَحِرَاسَةً لِلخَوَاطِرِ عَنِ الأَفْكَارِ الرَّدِيَّةِ وَالإِرَادَاتِ الفَاسِدَةِ. وَأَسْمَاءُ الغِنَى وَاللُّطْفِ تَمْلَأُ القَلْبَ افْتِقَارًا وَاضْطِرَارًا إِلَيهِ، وَالتِفَاتًا إِلَيهِ كُلَّ وَقْتٍ؛ فِي كُلِّ حَالٍ\".\n(^٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٨٣٤)، وَمُسْلِمٌ (٢٧٠٥).","vol":"2","page":238},{"text":"لِلإِجَابَةِ، وَالتَّوَسُّلُ بِصِفَةِ المَدْعُوِّ المَحْبُوبَةِ لَهُ هُوَ سَبَبٌ آخَرُ لِلإِجَابَةِ؛ فَإنَّ الثَّنَاءَ عَلَى اللهِ بِأَسْمَائِهِ هُوَ مِنْ أَسْبَابِ الإِجَابَةِ أَيضًا.\nوَالآيَةُ هُنَا فِي البَابِ تَحْتَمِلُ المَعنَيِين.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ أَي: لَا تَسْلُكُوا مَسْلَكَهُم وَلَا طَرِيقَهُم؛ فَإِنَّهُم عَلَى ضَلَالٍ وَعُدْوَانٍ، وَلَيسَ المَعْنَى عَدَمَ مُنَاصَحَتِهِم وَبَيَانَ الحَقِّ لَهُم! إِذْ لَا يُتْرَكُ الظَّالِمُ عَلَى ظُلْمِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ المُرَادَ بِقَولِهِ: (ذَرُوا) هُوَ التَّهْدِيدُ لِلمُلْحِدِين، أَوِ الإِعْرَاضُ عَنْهُم كَمَا قَالَ المُصَنِّفُ ﵀ فِي المَسَائِلِ: \"تَرَكُ مَنْ عَارَضَ مِنَ الجَاهِلِينَ المُلْحِدِينَ\".\n- الإِلْحَادُ فِي أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى: هُوَ المَيلُ بِهَا عَمَّا يَجِبُ فِيهَا، وَهُوَ أَنْوَاعٌ سَبَقَ بَيَانُهَا (^١).\n- أَنْوَاعُ التَّوَسُّلِ المَشْرُوعِ:\n١ - التَّوَسُّلُ بَأَسْمَاءِ اللهِ وَصِفَاتِهِ.\nتَقُولُ: (يَا رَحْمَنُ ارْحَمْنِي)، (يَا غَفُورُ اغْفِرْ لِي) وَهَكَذَا، تَذْكُرُ فِي دُعَائِكَ كُلَّ اسْمٍ يُنَاسِبُ حَاجَتَكَ.\n٢ - التَّوَسُّلُ بِدُعَاءِ الصَّالِحِينَ.\nفَتَأْتِي إِلَى الرَّجُلِ الصَّالِحِ فَتَقُولُ لَهُ: (ادْعُ اللهَ لِي أَنْ يَغْفِرَ لِي)، وَكَتَوَسُّلِ عُمَرَ بِدُعَاءِ العَبَّاسِ ﵄، كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ (^٢).\n_________\n(^١) وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ ذَلِكَ فِي مُخْتَصَرِ القَوَاعِدِ المُثْلَى؛ فَلْيُرَاجَعْ.\n(^٢) البُخَارِيُّ (١٠١٠). وَسَيَأْتِي الكَلَامُ عَلَى الشُّبْهَةِ فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.","vol":"2","page":239},{"text":"٣ - التَّوَسُّلُ بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ.\nكَمَا فِي حَدِيثِ أَصْحَابِ الغَارِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ انْطَبَقَتْ عَلَيهِمُ الصَّخْرَةُ (^١).\n_________\n(^١) وَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ -كَمَا فِي البُخَارِيِّ (٥٩٧٤) - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «بَينَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَتَمَاشَونَ؛ أَخَذَهُمُ المَطَرُ، فَمَالُوا إِلَى غَارٍ فِي الجَبَلِ فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ فَأَطْبَقَتْ عَلَيهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا لِلَّهِ صَالِحَةً؛ فَادْعُوا اللهَ بِهَا لَعَلَّهُ يَفْرُجُهَا.\nفَقَالَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيخَانِ كَبِيرَانِ وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ كُنْتُ أَرْعَى عَلَيهِمْ، فَإِذَا رُحْتُ عَلَيهِمْ فَحَلَبْتُ؛ بَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ أَسْقِيهِمَا قَبْلَ وَلَدِي، وَإِنَّهُ نَاءَ بِيَ الشَّجَرُ؛ فَمَا أَتَيتُ حَتَّى أَمْسَيتُ، فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا، فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، فَجِئْتُ بِالحِلَابِ، فَقُمْتُ عِنْدَ رُؤُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَومِهِمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَبْدَأَ بِالصِّبْيَةِ قَبْلَهُمَا -وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَونَ عِنْدَ قَدَمَيَّ-، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ؛ فَافْرُجْ لَنَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَجَ اللهُ لَهُمْ فُرْجَةً حَتَّى يَرَونَ مِنْهَا السَّمَاءَ.\nوَقَالَ الثَّانِي: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَتْ لِي ابْنَةُ عَمٍّ أُحِبُّهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ، فَطَلَبْتُ إِلَيهَا نَفْسَهَا فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَسَعَيتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ، فَلَقِيتُهَا بِهَا، فَلَمَّا قَعَدْتُ بَينَ رِجْلَيهَا، قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللهِ؛ اتَّقِ اللهَ، وَلَا تَفْتَحِ الخَاتَمَ، فَقُمْتُ عَنْهَا، اللَّهُمَّ؛ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي قَدْ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ؛ فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا، فَفَرَجَ لَهُمْ فُرْجَةً.\nوَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ، فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي، فَعَرَضْتُ عَلَيهِ حَقَّهُ؛ فَتَرَكَهُ وَرَغِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيَهَا، فَجَاءَنِي؛ فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ وَلَا تَظْلِمْنِي وَأَعْطِنِي حَقِّي، فَقُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ البَقَرِ وَرَاعِيهَا، فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ وَلَا تَهْزَأْ بِي! فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَهْزَأُ بِكَ، فَخُذْ ذَلِكَ البَقَرَ وَرَاعِيَهَا، فَأَخَذَهُ فَانْطَلَقَ بِهَا؛ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ؛ فَافْرُجْ مَا بَقِيَ. فَفَرَجَ اللهُ عَنْهُمْ).\nوَقَولُهُ: (وَإِنَّهُ نَاءَ بِيَ الشَّجَرُ) أَي: اسْتَطْرَدَ مَعَ غَنَمِهِ فِي الرَّعْي إِلَى أَنْ بَعُدَ عَنْ مَكَانِهِ زِيَادَةً عَلَى العَادَةِ؛ فَلِذَلِكَ أَبْطَأَ عَنْ أَهْلِهِ.\n(يَتَضَاغَونَ): يَضِجُّونَ وَيَصِيحُونَ مِنَ الجُوعِ.\n=","vol":"2","page":240},{"text":"وَكَتَوَسُّلِ آدَمَ وَحَوَّاءَ ﵉ بِاعْتِرَافِهِم بِخَطَئِهِم وَظُلْمِهِم لِأَنْفُسِهِم ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأَعْرَاف: ٢٣].\nوَكَتَوَسُّلِ المُؤْمِنِينَ بِاتِّبَاعِهِم لِلنَّبيِّ ﷺ: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عِمْرَان: ١٩٣].\n- الأَعْمَشُ: هُوَ سُلَيمَانُ بْنُ مَهْرَانَ؛ أَبُو مُحَمَّدٍ، تَابِعِيٌّ مَشْهُورٌ، كَانَ رَأْسًا فِي العِلْمِ النَّافِعِ وَالعَمَلِ الصَّالِحِ، ثِقَةٌ حَافِظٌ؛ لَكِنَّهُ يُدَلِّسُ (ت ١٤٨ هـ) (^١).\n_________\n=\n(وَلَا تَفْتَحِ الخَاتَمَ): كِنَايَةٌ عَنِ الجِمَاعِ وَالوَطْءِ.\n(بِفَرَقِ أَرُزٍّ): الفَرَقُ: إِنَاءٌ يَسَع ثَلَاثَةَ آصُعٍ، وَالصَّاعُ مِكْيَالٌ لِأَهْلِ المَدِينَةِ يَأْخُذُ أَرْبَعَةَ أَمْدَادٍ، وَالمُدُّ مُقَدَّرٌ بِأَنْ يَمُدَّ الرَّجُلُ يَدَيهِ فَيَمْلَأَ كَفَّيهِ.\n(^١) الأَعْلَامُ لِلزِّرِكْلِيِّ (٣/ ١٣٥).","vol":"2","page":241},{"text":"<span data-type='title' id=toc-368>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-369> مَسْأَلَةٌ: قَالَ بَعْضُهُم: إِنَّ الطَّلَبَ وَالاسْتِغَاثَةَ بِالصَّالِحِينَ هُوَ مِنْ بَابِ الأَسْبَابِ،</span> وَلَا يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّهُم يَعْتَقِدُونَ فِيهِم أَنَّهُمْ يَخْلُقُونَ وَيَضُرُّونَ وَيَنْفَعُونَ! وَإِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بِهِم لِتَحْصِيلِ إِغَاثَةِ اللهِ تَعَالَى لَهُم.\nوَهَذَا مِنْ بَابِ التَّوَسُّلِ، وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المَائِدَة: ٣٥].\nوَفِي الحَدِيثِ: «تَوَسَّلُوا بِجَاهِي؛ فَإِنَّ جَاهِي عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ».\nوَكَمَا فِي حَدِيثِ تَوَسُّلِ الأَعْمَى بِالنَّبِيِّ ﷺ.\nوَقَد تَوَسَّلَ الشَّافِعِيُّ ﵀ بِأَبي حَنِيفَةَ النُّعْمَانِ -كَمَا فِي أَوَائِلِ تَارِيخِ بَغداد لِلخَطِيبِ البَغْدَادِيِّ ﵀ (^١).\nوَفِي البُخَارِيِّ -فِي مَعْرِضِ ذِكْرِ التَّوَسُّلِ بِالنَّبِيِّ ﷺ لِلاسْتِسْقَاءِ-؛ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَتَمَثَّلُ شِعْرَ أَبِي طَالِبٍ؛ وَفِيهِ: (وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الغَمَامُ بِوَجْهِهِ … ثِمَالُ اليَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ) (^٢)، فَمَا الجَوَابُ عَمَّا سَلَفَ؟\n_________\n(^١) تَارِيخُ بَغْدَادَ وَذُيُولُهُ (١/ ١٣٥).\n(^٢) البُخَارِيُّ (١٠٠٨).\nوَالثِّمَالُ: هُوَ المَلْجَأُ؛ وَالَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيهِ فِي الأُمُورِ.","vol":"2","page":242},{"text":"الجَوَابُ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ -بِحَولِ اللهِ وَقُوَّتِهِ-:\n١ - أَنَّ دَعْوَى (أَنَّ الاسْتِغَاثَةَ بِالصَّالِحِينَ سَبَبٌ لِإِجَابَةِ اللهِ تَعَالَى) كَذِبٌ عَلَى الشَّرِيعَةِ، وَإِبْطَالٌ لِلتَّوحِيدِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلِ الاسْتِغَاثَةَ بِخَلْقِهِ سَبَبًا لِلإِجَابَةِ! بَلْ هُوَ سَبَبٌ لِلمَنْعِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يُونُس: ١٠٦].\nوَتَأَمَّلْ كَيفَ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى الاسْتِغَاثَةَ بِهِ فِي بَدْرٍ سَبَبًا لِحُصُولِ النَّصْرِ -رُغْمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ مَعَهُم-! قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأَنْفَال: ٩].\nوَتَأَمَّلْ حِكْمَةَ اللهِ تَعَالَى كَيفَ خَلَّا بَينَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَينَ أَعْدَائِهِ فِي أُحُدٍ حَتَّى شَجُّوهُ وَكَسَرُوا رَبَاعِيَّتَهُ! لِيُعْلَمَ أَنَّهُ مِنَ البَشَرِ؛ يَطْرَأُ عَلَيهِ مَا يَطْرَأُ عَلَى البَشَرِ مِنَ الأَسْقَامِ وَالأَوجَاعِ، وَلِيَبْطُلَ بِذَلِكَ التَّعَلُّقُ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى وَلَو كَانَ سَيِّدَ البَشَرِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيهِ (^١).\nوَإِنَّ الاسْتِغَاثَةَ بِالمَخْلُوقِ مُنَاقِضَةٌ لِلعُبُودِيَّةِ الخَالِصَةِ للهِ تَعَالَى، حَيثُ يُجْعَلُ الذُّلُّ وَالخُضُوعُ وَالإِنَابَةُ وَالتَّعَلُّقُ لِغَيرِ اللهِ تَعَالَى! فَهَذَا مِنْ أَبْطَلِ البَاطِلِ، وَإنَّمَا يَتَعَيَّنُ عَلَى العِبَادِ جَمِيعِهِم أَنْ يَعْتَمِدُوا عَلَى خَالِقِ الأَسْبَابِ، وَيَرْغَبُوا إِلَيهِ، وَيَسْتَعِينُوا بِهِ، وَيَعْبُدُوهُ وَحْدَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (^٢).\n_________\n(^١) قَالَ القَاضِي عِيَاض ﵀: \"وَلِيُعْلَمَ أَنَّهُم مِنَ البَشَرِ؛ تُصِيبُهُم مِحَنُ الدُّنْيَا، وَيَطْرَأُ عَلَى أَجْسَامِهِم مَا يَطْرَأُ\". إِكْمَالُ المُعْلِمِ شَرْحُ مُسْلِمٍ (٦/ ٨٤).\n(^٢) وَهَذَا لَا يَعْنِي عَدَمَ جَوَازِ الاسْتِغَاثَةِ بِالعَبْدِ فِيمَا يَقْدِرُ عَلَيهِ العَبْدُ! وَلَكِنَّ المَحْذُورَ هُوَ فِي الاسْتِغَاثَةِ بِمَا كَانَ للهِ تَعَالَى خَارِجًا عَنْ قُدْرَةِ البَشَرِ أَصْلًا، وَتَأَمَّلْ قَولَ اللهِ تَعَالَى عَنِ المُشْرِكِينَ: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشُّعَرَاء: ٩٦ - ٩٨].","vol":"2","page":243},{"text":"وَتَأَمَّلْ تَفْرِيقَ النَّبِيِّ ﷺ بَينَ مَا فِي يَدِهِ وَبَينَ مَا عِنْدَ اللهِ عِنْدَمَا قَالَ لابْنَتِهِ: «يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ! سَلِينِي بِمَا شِئْتِ؛ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيئًا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ (^١).\nوَقَالَ تَعَالَى - عَنْ يَومِ القِيَامَةِ أَيضًا -: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانْفِطَار: ١٩] وَذَلِكَ لِتَفَرُّدِهِ سُبْحَانَهُ فِي ذَلِكَ اليَومِ بِالتَّصَرُّفِ وَالحُكْمِ وَالتَّدْبِيرِ، فَلَيسَ لِأَحَدٍ مَعَهُ فِي ذَلِكَ اليَومِ تَصَرُّفٌ وَلَا تَدْبِيرٌ وَلَا أَمْرٌ وَلَا نَهيٌ، بِخِلَافِ الحَالِ فِي الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ مَلَّكَ أَهْلَهَا مَا خَوَّلَهُم فِيهَا فَهُم يَتَصَرَّفُونَ فِيمَا أَعْطَاهُم بِحَسْبِ اخْتِيَارِهِم -مَعَ كَونِ المِلْكِ وَالأَمْرِ فِي الحَقِيقَةِ للهِ وَحْدَهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ-.\n٢ - أَمَّا دَعْوَى أَنَّ هَذَا مِنَ التَّوَسُّلِ! فَهَذَا خَطَأٌ كَبِيرٌ.\nلِأَنَّ التَّوَسُّلَ مَعْنَاهُ التَّقَرُّبَ.\nقَالَ فِي لِسَانِ العَرَبِ: \"الوَسِيلةُ: المَنْزِلَةُ عِنْدَ المَلِكِ، وَالوَسِيلةُ: الدَّرَجَةُ، وَالوَسِيلَةُ: القُرْبَةُ، وَوَسَّلَ فُلَانٌ إِلَى اللهِ وَسِيلَةً: إِذَا عَمِلَ عَمَلًا تَقَرَّبَ بِهِ إِلَيهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإِسْرَاء: ٥٧]، وَفِي حَدِيثِ الأَذَانِ: «اللَّهُمَّ آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ» هيَ فِي الأَصْلِ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى الشَّيءِ وَيُتَقَرَّبُ بِهِ، وَالمُرَادُ بِهِ فِي الحَدِيثِ: القُرْبُ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: هِيَ الشَّفَاعَةُ\n_________\n(^١) مُسْلِمٌ (٢٠٦).","vol":"2","page":244},{"text":"يَومَ القِيَامَةِ، وَقِيلَ: هِيَ مَنْزِلَةٌ مِنْ مَنَازِلِ الجَنَّةِ كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ\" (^١).\nوَمَفَادُ الآيَةِ هُوَ اتِّخَاذُ الوَسَائِلِ المُؤَدِيَّةِ إِلَى رِضْوَانِ اللهِ تَعَالَى، وَهَذَا بِخِلَافِ دُعَاءِ غَيرِ اللهِ تَعَالى؛ فَإِنَّ هَذَا مِنَ الأَسْبَابِ المَانِعَةِ لِرِضْوَانِ اللهِ تَعَالَى أَصْلًا! (^٢)\nوَالتَّوَسُّلُ إِلَى اللهِ تَعَالَى حَقِيقٌ بِهِ أَنْ يَكُونَ مَحَبَّةً لَهُ سُبْحَانَهُ وَرَغْبَةً إِلَيهِ وَخَوفًا مِنْهُ وَتَوَكُّلًا عَلَيهِ وَأَخْذًا بِأَسْبَابِ كُلِّ ذَلِكَ، خِلَافًا لِمَا يَزْعُمُونَ مِنْ جَعْلِ دُعَاءِ غَيرِ اللهِ تَوَسُّلًا؛ فَيَصْرِفُونَ المَحَبَّةَ وَالخَشْيَةَ وَالإِنَابَةَ وَالرَّجَاءَ إِلَى غَيرِ اللهِ تَعَالَى! وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ.\n_________\n(^١) لِسَانُ العَرَبِ (١١/ ٧٢٤).\n(^٢) وَأَمَّا قَولُ بَعْضِ مَنِ افْتَرَى عَلَى البَغَويِّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ عِنْدَ قَولِهِ: (يَنْظُرُونَ أَيُّهُم أَقْرَبُ إِلَى اللهِ؛ فَيَتَوَسَّلُونَ بِهِ) حَيثُ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ التَّوَسُّلِ بِالأَشْخَاصِ، فَهُوَ افْتِرَاءٌ عَلَيهِ ﵀، وَانْظُرْ تَمَامَ كَلَامِهِ حَيثُ تَجِدُهُ عَنَى التَّوَسُّلَ بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَلَيسِ بِالأَشْخَاصِ الصَّالِحِينَ!\nقَالَ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٥/ ١٠٥): \"وَقَولُهُ: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ مَعْنَاهُ: يَنْظُرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ إِلَى اللهِ فَيَتَوَسَّلُونَ بِهِ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيُّهُم أَقْرَبُ يَبْتَغِي الوَسِيلَةَ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَيَتَقَرَّبُ إِلَيهِ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ\".\nوَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي التَّفْسِيرِ (٣/ ١٠٣) -عِنْدَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾ -: \"قَالَ سُفْيَانُ الثَّورِيُّ: عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَي: القُرْبَةُ، وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدُ وَأَبُو وَائِلٍ وَالحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ وَالسُّدِّيُّ وَابْنُ زَيدٍ وَغَيرُ وَاحِدٍ، وَقَالَ قَتَادَةُ: أَي: تَقَرَّبُوا إِلَيهِ بِطَاعَتِهِ وَالعَمَلِ بِمَا يُرْضِيهِ، وَقَرَأَ ابْنُ زَيدٍ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هَؤُلَاءِ الأَئِمَّةُ لَا خِلَاف بَينَ المُفَسِّرِينَ فِيهِ\".\nقُلْتُ: وَتَأَمَّلْ تَصْرِيحَ الحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ بِأَنَّ هَذَا هُوَ اتِّفَاقُ المُفَسِّرِينَ عَلَى مَعْنَى الآيَةِ الكَرِيمَةِ.\nوَفِي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ (١٠/ ٢٩١): \"قَالَ ابْنُ زَيدٍ فِي قَولِهِ: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾ قَالَ: المَحَبَّةَ، تَحَبَّبُوا إِلَى اللهِ، وَقَرَأَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإِسْرَاءُ: ٥٧]).","vol":"2","page":245},{"text":"٣ - أَمَّا الحَدِيثُ المَذْكُورُ: «تَوَسَّلُوا بِجَاهِي؛ فَإِنَّ جَاهِي عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ» فَلَا أَصْلَ لَهُ (^١)، وَأَمَّا الأَحَادِيثُ الوَارِدَةُ فِي التَّوَسُّلِ بِهِ ﷺ فَتَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَينِ: صَحِيحٍ وَضَعِيفٍ.\nأَمَّا الصَّحِيحُ؛ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ البَتَّةَ عَلَى المُدَّعَى، مِثْلُ تَوَسُّلِ الصَّحَابَةِ بِهِ ﷺ فِي الاسْتِسْقَاءِ، وَتَوَسُّلِ الأَعْمَى بِهِ ﷺ؛ فَإِنَّهُ تَوَسُّلٌ بِدُعَائِهِ ﷺ لَا بِجَاهِهِ وَلَا بِذَاتِهِ -كَمَا سَيَأْتِي-.\nوَلَمَّا كَانَ التَّوَسُّلُ بِدُعَائِهِ ﷺ بَعْدَ انْتِقَالِهِ إِلَى الرَّفِيقِ الأَعْلَى غَيرَ مُمْكِنٍ كَانَ بِالتَّالِي التَّوَسُّلُ بِهِ ﷺ الآنَ غَيرَ جَائِزٍ.\nوَمِمَّا يَدُلُّكَ عَلَى هَذَا؛ أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ لَمَّا اسْتَسْقَوا فِي زَمَنِ عُمَرَ تَوَسَّلُوا بِعَمِّهِ العَبَّاسِ، وَلَمْ يَتَوَسَّلُوا بِهِ ﷺ! وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِأَنَّهُم يَعْلَمُونَ مَعْنَى التَّوَسُّلِ المَشْرُوعِ -وَهوَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ التَّوَسُّلِ بِدُعَائِهِ ﷺ، وَلِذَلِكَ تَوَسَّلُوا بَعْدَهُ بِدُعَاءِ عَمِّهِ لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ وَمَشْرُوعٌ (^٢)، وَكَذَلِكَ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ أَحَدًا مِنَ العُمْيَانِ تَوَسَّلَ بِدُعَاءِ ذَلِكَ الأَعْمَى -وَسَيَأْتِي حَدِيثُهُ قَرِيبًا-، ذَلِكَ لِأَنَّ السِّرَّ لَيسَ فِي قَولِ الأَعْمَى: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيكَ بِنَبِيِّكَ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ»! وَإِنَّمَا السِّرُّ الأَكْبَرُ هُوَ فِي دُعَائِهِ ﷺ لَهُ كَمَا\n_________\n(^١) قَالَ ابْنُ تَيمِيَّةَ وَالأَلْبَانِيُّ رَحِمَهُمَا اللهُ: \"لَا أَصْلَ لَه\". اقْتِضَاءُ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ، وَالضَّعِيفَةُ (٢٢)، وَتَتِمَّةُ التَّعْلِيقِ مُسْتَفَادٌ مِنَ الضَّعِيفَةِ (٢٢).\n(^٢) وَلَو كَانَ المُرَادُ مِنَ التَّوَسُّلِ هُوَ التَّوَسُّلُ بِالجَاهِ؛ لَكَانَ الأَمْرُ مُمْكِنًا عِنْدَهُم، وَذَلِكَ لِبَقَاءِ جَاهِ النَّبِيِّ ﷺ حَيًّا وَمَيِّتًا، بِخِلَافِ الدُّعَاءِ بَعْدَ مَوتِهِ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ مُرَادَهُمُ التَّوَسُّلُ بِالدُّعَاءِ لَا بِالجَاهِ! وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ.","vol":"2","page":246},{"text":"يَقْتَضِيهِ وَعْدُهُ ﷺ إِيَّاهُ بِالدُّعَاءِ لَهُ، ويُشْعِرُ بِهِ قَولُهُ فِي دُعَائِهِ: «اللَّهُمَّ؛ فَشَفِّعْهُ فِيَّ» أَي: اقْبَلْ شَفَاعَتَهُ -وَهُوَ دُعَاءَهُ- فِيَّ، وَقَولُهُ: «وَشَفِّعْنِي فِيهِ» أَي اقْبَلْ شَفَاعَتِي -أَي: دُعَائِي- فِي قَبُولِ دُعَائِهِ ﷺ فِيَّ، فَمَوضُوعُ الحَدِيثِ كُلُّهِ يَدُورُ حَولَ الدُّعَاءِ؛ فَلَا عَلَاقَةَ لِلحَدِيثِ بِالتَّوَسُّلِ المُبْتَدَعِ -وَهُوَ التَّوَسُّلُ بِالجَاهِ وَالذَّاتِ هُنَا- (^١).\n٤ - وَأَمَّا مَا قِيلَ مِنْ تَوَسُّلِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ بِأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى كَمَا فِي التَّارِيخِ لِلخَطِيبِ البَغْدَادِيِّ (^٢)؛ فَنَصُّهُ: \"سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: إِنِّي لَأَتَبَرَّكُ بِأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَجِيءُ إِلَى قَبْرِهِ فِي كُلِّ يَومٍ -يَعْنِي زَائِرًا- فَإِذَا عَرَضَتْ لِي حَاجَةٌ؛ صَلَّيتُ رَكْعَتَينِ، وَجِئْتُ إِلَى قَبْرِهِ، وَسَأَلْتُ اللهَ تَعَالَى الحَاجَةَ عِنْدَهُ، فَمَا تَبْعُدُ عَنِّي حَتَّى تُقْضَى\"! فهيَ رِوَايَةٌ بَاطِلَةٌ؛ فَإِنَّ فِيهَا عُمَرَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَهُوَ غَيرُ مَعْرُوفٍ، وَلَيسَ لَهُ ذِكْرٌ فِي شَيءٍ مِنْ كُتُبِ الرِّجَالِ، وَلَقَد رَأَى الشَّافِعِيُّ بِالحِجَازِ وَاليَمَنِ وَالشَّامِ وَالعِرَاقِ وَمِصْرَ مِنْ قُبُورِ الأَنْبِيَاءِ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مَنْ كَانَ أَصْحَابُهَا عِنْدَهُ -وَعِنْدَ المُسْلِمِينَ جَمِيعًا- أَفْضَلَ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَمْثَالِهِ مِنَ العُلَمَاءِ ﵏ وَرَضِيَ عَنْهُم-، وَلَم يُنْقَلْ تَوَسُّلُهُ بِأَحٍدٍ مِنْهُم!\nبَلْ قَد جَاءَ عَنِ الشَّافِعِيِّ -مَا هُوَ ثَابِتٌ فِي كِتَابِهِ الأُمِّ- مِنْ كَرَاهَةِ تَعْظِيمِ قُبُورِ\n_________\n(^١) قَالَ فِي الدُّرِّ المُخْتَارِ مَعَ حَاشِيَةِ رَدَّ المُحْتَارِ (٦/ ٣٩٦) -مِنْ كُتُبِ الحَنَفِيَّةِ-: \"وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة -مَعْزِيًّا لِلْمُنْتَقَى- عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَدْعُوَ اللهَ إِلَّا بِهِ، وَالدُّعَاءُ المَأْذُونُ فِيهِ؛ المَأْمُورُ بِهِ؛ مَا اُسْتُفِيدَ مِنْ قَوله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأَعْرَاف: ١٨٠] \".\n(^٢) عَزَا الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ الأَثَرَ إِلَى تَارِيخِ الخَطِيبِ (١/ ١٢٣)، وَجُمْلَةُ تَضْعِيفِ الأَثَرِ -مِنْ جِهَةِ الإِسْنَادِ- أَفَادَهُ الشَّيخُ ﵀ تَحْتَ حَدِيثِ الضَّعِيفَةِ (٢٢).","vol":"2","page":247},{"text":"المَخْلُوقِينَ خَشْيَةَ الفِتْنَةِ بِهَا، حَيثُ قَالَ ﵀ فِي كِتَابِهِ (الأُمُّ): \"وَأَكْرَهُ أَنْ يُبْنَى عَلَى القَبْرِ مَسْجِدٌ؛ وَأَنْ يُسَوَّى، أَو يُصَلَّى عَلَيهِ وَهُوَ غَيرُ مُسَوَّى -يَعْنِي أَنَّهُ ظَاهِرٌ مَعْرُوفٌ- أَو يُصَلَّى إِلَيهِ.\nقَالَ: وَإِنْ صَلَّى إِلَيهِ أَجْزَأَهُ؛ وَقَدْ أَسَاءَ. أَخْبَرَنَا مَالِكٌ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِم مَسَاجِدَ»، قَالَ: وَأَكْرَهُ هَذَا لِلسُّنَّةِ وَالآثَارِ. وَأنَّهُ كَرِهَ -وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ- أَنْ يُعَظَّمَ أَحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ -يَعْنِي: يُتَّخَذَ قَبْرُهُ مَسْجِدًا-؛ وَلَمْ تُؤْمَنْ فِي ذَلِكَ الفِتْنَةُ وَالضَّلَالُ\" (^١).\n٥ - وَأَمَّا تَمَثُّلُ ابْنِ عُمَرَ لِشِعْرِ أَبِي طَالِبٍ؛ فَلَيسَ فِيهِ دَلِيلٌ البَتَّةَ عَلَى التَّوَسُّلِ البِدْعِيِّ -أَي: بِالجَاهِ وَالذَّاتِ- وَذَلِكَ لِأُمُورٍ:\nأ- أَنَّ هَذَا شِعْرٌ لِأَبي طَالِبٍ؛ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ أَبَدًا، لِكَونِهِ لَيسِ بِمُسْلِمٍ أَصْلًا فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ، وَمِثْلُ هَذَا يَجْرِي مَجْرَى الشِّعْرِ الَّذِي تَتَنَاقَلُهُ العَرَبُ بِمَا فِيهِ مِنْ حُسْنٍ أَو قُبْحٍ.\nب- أًنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵁؛ إِنَّمَا تَمَثَّلَهُ حَالَ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الاسْتِسْقَاءِ، كَمَا فِي البُخَارِيِّ عَنْهُ: (رُبَّمَا ذَكَرْتُ قَولَ الشَّاعِرِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ يَسْتَسْقِي؛ فَمَا يَنْزِلُ حَتَّى يَجِيشَ كُلُّ مِيزَابٍ: وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الغَمَامُ بِوَجْهِهِ … ثِمَالُ اليَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ) (^٢)\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٤٣٧) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.\n(^٢) البُخَارِيُّ (١٠٠٨).","vol":"2","page":248},{"text":"، فَمَنْ أَرَادَ الاحْتِجَاجَ بِهِ؛ فَلْيَحْتَجَّ بِهِ كَمَا وَرَدَ -وَهُوَ التَّوَسُّلُ بِالدُّعَاءِ-.\nج- أَنَّ أَهْلَ الحَدِيثِ الَّذِينَ أَورَدُوا هَذَا الحَدِيثَ لَمْ يَحْمِلُوهُ عَلَى التَّوَسُّلِ بِالجَاهِ! وَإِنَّمَا بِالدُّعَاءِ، فَقَد بَوَّبَ عَلَيهِ:\nالبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ: بَابُ سُؤَالِ النَّاسِ الإِمَامَ الِاسْتِسْقَاءَ إِذَا قَحَطُوا (^١).\nالبَيهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الصُغْرَى: بَابُ الاسْتِسْقَاءِ بِمَنْ تُرْجَى بَرَكَةُ دُعَائِهِ (^٢).\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٢/ ٢٧).\n(^٢) البَيهقيُّ فِي السُّنَنِ الصُغْرَى (٣/ ٤٩١).","vol":"2","page":249},{"text":"<span data-type='title' id=toc-370>المُلْحَقُ الثَّامِنُ عَلَى كِتَابِ التَّوحِيدِ: مُخْتَصَرُ كِتَابِ \"التَّوَسُّلُ؛ أَنْوَاعُهُ؛ أَحْكَامُهُ\"</span>\nالحَمْدُ للهِ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ\nأَمَّا بَعْدُ؛ فَهَذَا مُخْتَصَرٌ مُفِيدٌ لِكِتَابِ (التَّوَسُّلُ؛ أَنْوَاعُهُ؛ أَحْكَامُهُ) لِشَيخِنَا المُحَدِّثِ الأَلبَانِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، وَقَدْ أَضَفْتُ إِلَيهِ بَعْضَ الفَوَائِدِ إِلَى مَتْنِهِ وإلى حَاشِيَتِهِ تَتْمِيمًا لِلفَائِدَةِ.\n\n-<span data-type='title' id=toc-371> الفَصْلُ الأَوَّلُ: التَّوَسُّلُ فِي اللُّغَةِ وَالقُرْآنِ:</span>\n١ - مَعْنَى التَّوَسُّلِ فِي لُغَةِ العَرَبِ:\nقَالَ ابْنُ الأَثِيرِ ﵀: \"مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى الشَّيءِ وَيُتَقَرَّبُ بِهِ، وَجَمْعُهَا وَسَائِلُ\" (^١).\nوَقَالَ فِي القَامُوسِ المُحِيطِ: \"وَسَلَ إِلَى اللهِ تَعَالَى تَوسِيلًا: عَمِلَ عَمَلًا تَقَرَّبَ بِهِ إِلَيهِ كَتَوَسَّلَ\" (^٢).\nوَهُنَاكَ مَعْنًى آخَرُ لِلوَسِيلَةِ؛ وهيَ المَنْزِلَةُ عِنْدَ المَلِكِ، وَالدَّرَجَةُ وَالقُرْبَةُ (^٣).\n_________\n(^١) النِّهَايَةُ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ (٥/ ٤٠٢).\n(^٢) القَامُوسُ المُحِيطُ (ص ١٠٦٨).\n(^٣) قَالَ فِي لِسَانِ العَرَبِ (١١/ ٧٢٤): \"الوَسِيلةُ: المَنْزِلَةُ عِنْدَ المَلِكِ، وَالوَسِيلةُ: الدَّرَجَةُ، وَالوَسِيلَةُ: القُرْبَةُ، وَوَسَّلَ فُلَانٌ إِلَى اللهِ وَسِيلَةً: إِذَا عَمِلَ عَمَلًا تَقَرَّبَ بِهِ إِلَيهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ\n=","vol":"2","page":250},{"text":"٢ - مَعْنَى الوَسِيلَةِ فِي القُرْآنِ:\nوَرَدَتْ لَفْظَةُ -الوَسِيلَةِ- فِي مَوضِعَينِ، وَهُمَا:\nقَولُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المَائِدَة: ٣٥]، وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإِسْرَاء: ٥٧].\nفَأَمَّا الآيَةُ الأُولَى؛ فَقَد قَالَ إِمَامُ المُفَسِّرينَ الحَافِظُ ابْنُ جَرِيرٍ ﵀ فِي تًفْسِيرِهَا: \"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللهَ وَرَسُولَهُ فِيمَا أَخْبَرَهُم وَوَعَدَ مِنَ الثَّوَابِ وَأَوعَدَ مِنَ العِقَابِ؛ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ يَقُولُ: أَجِيبُوا اللهَ فِيمَا أَمَرَكُم وَنَهَاكُم بِالطَّاعَةِ لَهُ فِي ذَلِكَ. ﴿وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾ يَقُولُ: وَاطْلُبُوا القُرْبَةَ إِلَيهِ بِالعَمَلِ بِمَا يُرْضِيهِ\" (^١).\n_________\n=\nيَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإِسْرَاء: ٥٧]، وَفِي حَدِيثِ الأَذَانِ: «اللَّهُمَّ آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ» هيَ فِي الأَصْلِ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى الشَّيءِ وَيُتَقَرَّبُ بِهِ، وَالمُرَادُ بِهِ فِي الحَدِيثِ: القُرْبُ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: هِيَ الشَّفَاعَةُ يَومَ القِيَامَةِ، وَقِيلَ: هِيَ مَنْزِلَةٌ مِنْ مَنَازِلِ الجَنَّةِ كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ\".\nوَقَدْ وَرَدَ فِي الحَدِيثِ تَسْمِيَةُ أَعْلَى مَنْزِلَةٍ فِي الجَنَّةِ بِهَا، وَهُوَ قَولُهُ ﷺ: «إِذَا سَمِعْتُمُ المُؤَذِّنَ؛ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللهُ عَلَيهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِيَ الوَسِيلَةَ؛ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِي الوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣٨٤) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو.\n(^١) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (١٠/ ٢٨٩).\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ: \" ﴿وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾ قَالَ سُفْيَانُ الثَّورِيُّ عَنْ طَلْحَةَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَي القُرْبَةَ، وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدُ وَأَبُو وَائِلٍ وَالحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ وَالسُّدِّيُّ وَابْنُ زَيدٍ وَغَيرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: أَي: تَقَرَّبُوا إِلَيهِ بِطَاعَتِهِ وَالعَمَلِ بِمَا يُرْضِيهِ، وَقَرَأَ ابْنُ زَيدٍ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هَؤُلَاءِ الأَئِمَّةُ لَا خِلَافَ بَينَ المُفَسِّرِينَ فِيهِ، وَأَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ عَلَيهِ قَولَ الشَّاعِرِ:\nإِذَا غَفَلَ الوَاشُونَ عُدْنَا لِوصْلنَا … وَعَادَ التَّصَافِي بَينَنَا وَالوَسَائِلُ\nوَالوَسِيلَة: هِيَ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى تَحْصِيلِ المَقْصُودِ، وَالوَسِيلَةُ أَيضًا: عَلَمٌ عَلَى أَعْلَى مَنْزِلَةٍ فِي الجَنَّةِ؛ وَهِيَ مَنْزِلَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَدَارُهُ فِي الجَنَّةِ، وَهِيَ أَقْرَبُ أَمْكِنَةِ الجَنَّةِ إِلَى العَرْشِ\".","vol":"2","page":251},{"text":"وَأَمَّا الآيَةُ الثَّانِيَةُ فَقَد بَيَّنَ الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ مُنَاسَبَةَ نُزُولِهَا الَّتِي تُوَضِّحُ مَعْنَاهَا؛ فَقَالَ: (نَزَلَتْ فِي نَفَرٍ مِنَ العَرَبِ كَانُوا يَعْبُدُونَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ؛ فَأَسْلَمَ الجِنِّيُّونَ -وَالإِنْسُ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهُم لَا يَشْعُرُونَ-) (^١).\nوَهيَ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ المُرَادَ بِالوَسِيلَةِ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَلِذَلِكَ قَالَ: ﴿يَبْتَغُونَ﴾ أَي: يَطْلُبُونَ مَا يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى مِنَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ.\n٣ - الأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ وَحْدَهَا هِيَ الوَسَائِلُ المُقَرِّبَةُ إِلَى اللهِ:\nقَدْ تَبَيَّنَ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَنَّ العَمَلَ حَتَّى يَكُونَ صَالِحًا مَقْبُولًا يُقَرِّبُ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَتَوَفَّرَ فِيهِ أَمْرَانِ هَامَّانِ عَظِيمَانِ، أَوَّلُهُمَا: أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهُ قَد قَصَدَ بِهَ وَجْهَ اللهِ ﷿، وَثَانِيهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِمَا شَرَعَهُ اللهُ ﵎ فِي كِتَابِهِ، أَو\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٤٧١٤).\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٩٧): \"اسْتَمَرَّ الإِنْسُ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ عَلَى عِبَادَةِ الجِنِّ -وَالجِنُّ لَا يَرْضَونَ بِذَلِكَ لِكَونِهِمْ أَسْلَمُوا-، وَهُمُ الَّذِينَ صَارُوا يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ فَزَادَ فِيهِ: (وَالإِنْسُ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ بِإِسْلَامِهِمْ) وَهَذَا هُوَ المُعْتَمَدُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ\".","vol":"2","page":252},{"text":"بَيَّنَهُ رَسُولُهُ فِي سُنَّتِهِ، فَإِذَا اخْتَلَّ وَاحِدٌ مِنْ هَذَينِ الشَّرْطَينِ لَمْ يَكُنِ العَمَلُ صَالِحًا وَلَا مَقْبُولًا.\nوَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قَولُهُ ﵎: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكَهْف: ١١٠] فَقَد أَمَرَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ العَمَلُ صَالِحًا -أَي: مُوَافِقًا لِلسُّنَّةِ-، ثُمَّ أَمَرَ أَنْ يُخْلِصَ بِهِ صَاحِبُهُ للهِ؛ لَا يَبْتَغي بِهِ سِوُاهُ.\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀: \"وَهَذَانَ رُكْنَا العَمَلِ المُتَقَبَّلِ، لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ خَالِصًا لِلَّهِ؛ صَوَابًا عَلَى شَرِيعَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ (^١) \"، وَرُوِيَ مِثْلُ هَذَا عَنِ الفُضَيلِ بْنِ عِيَاضٍ ﵀ (^٢) وَغَيرِهِ.\n_________\n(^١) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٥/ ٢٠٥).\n(^٢) رَوَاهُ الأَصْبَهَانِيُّ فِي الحِلْيَةِ (٨/ ٩٥).","vol":"2","page":253},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-372> الفَصْلُ الثَّانِي: الوَسَائِلُ الكَونِيَّةُ وَالشَّرْعِيَّةُ:</span>\n١ - الوَسِيلَةُ الكَونِيَّةُ: هيَ كُلُّ سَبَبٍ طَبِيعِيٍ يُوصِلُ إِلَى المَقْصُودِ بِخِلْقَتِهِ الَّتِي خَلَقَهَا اللهُ بِهَا، وَيُؤَدِّي إِلَى المَطْلُوبِ بِفِطْرَتِهِ الَّتِي فَطَرَهُ اللهُ عَلَيهَا، وَهيَ مُشْتَرِكَةٌ بَينَ المُؤْمِنِ وَالكَافِرِ مِنْ غَيرِ تَفْرِيقٍ، وَمِنْ أَمْثِلَتِهَا: المَاءُ؛ فَهُوَ وَسِيلَةٌ إِلَى رِيِّ الإِنْسَانِ، وَالطَّعَاُم وَسِيلَةٌ إِلَى شَبَعِهِ، وَاللِّبَاسُ وَسِيلَةٌ إِلَى حِمَايَتِهِ مِنَ الحَرِّ وَالقَرِّ، وَالسَّيَّارَةُ وَسِيلَةٌ إِلَى انْتِقَالِهِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، وَهَكَذَا.\n٢ - الوَسِيلَةُ الشَّرْعِيَّةُ: هيَ كُلُّ سَبَبٍ يُوصِلُ إِلَى المَقْصُودِ عَنْ طَرِيقِ مَا شَرَعَهُ اللهُ تَعَالَى وَبَيَّنَهُ فِي كِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ، وَهيَ خَاَّصٌة بِالمُؤْمِنِ المُتَّبِعِ أَمْرَ اللهِ وَرَسُولِهِ.\nوَمِنْ أَمْثِلَتِهَا: النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَينِ -بِإِخْلَاصٍ وَفَهْمٍ- وَسِيلَةٌ إِلَى دُخُولِ الجَنَّةِ وَالنَّجَاةِ مِنَ الخُلُودِ فِي النَّارِ، وَإِتْبَاعُ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ وَسِيلَةٌ إِلَى مَحْوِ السَّيِّئَةِ، وَقَولُ الدُّعَاءِ المَأْثُورِ بَعْدَ الأَذَانِ وَسِيلَةٌ إِلَى نَيلِ شَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَصِلَةُ الأَرْحَامِ وَسِيلَةٌ لِطُولِ العُمُرِ وَسِعَةِ الرِّزْقِ، وَهَكَذَا.\nفَهَذِهِ الأُمُورُ وَأَمْثَالُهَا إِنَّمَا عَرَفْنَا أَنَّهَا وَسَائِلُ تُحَقِّقُ تِلْكَ الغَايَاتِ وَالمَقَاصِدِ عَنْ طَرِيقِ الشَّرْعِ وَحْدَهُ؛ لَا عَنْ طَريقِ العِلْمِ أَوِ التَّجْرِبَةِ أَوِ الحَوَاسِّ، فَنَحْنُ لَمْ نَعْلَمْ أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ تُطِيلُ العُمُرَ وَتُوَسِّعُ الرِّزْقَ إِلَّا مِنْ قَولِهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيهِ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ؛ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (^١).\n٣ - كَيفَ تُعْرَفُ صِحَّةُ الوَسَائِلِ وَمَشْرُوعِيَّتُهَا:\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٥٩٨٥)، وَمُسْلِمٌ (٢٥٥٧) عَنْ أنسِ بْنِ مالكٍ مَرْفُوعًا.","vol":"2","page":254},{"text":"أَمَّا الوَسِيلَةُ الكَونِيَّةُ؛ فَلَهَا شَرْطَانِ.\nالأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا فِي الشَّرْعِ.\nوَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَد ثَبَتَ تَحْقِيقُهُ لِلمَطْلُوبِ أَو غَلَبَ ذَلِكَ عَلَى الظَّنِّ.\nوَأَمَّا الوَسِيلَةُ الشَّرْعِيَّةُ؛ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا إِلَّا ثُبُوتُهَا فِي الشَّرْعِ؛ لَيسَ غَيرُ.","vol":"2","page":255},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-373> الفَصْلُ الثَّالِثُ: التَّوَسُّلُ المَشْرُوعُ وَأَنْوَاعُهُ:</span>\n١ - التَّوَسُّلُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ الحُسْنَىَ أَو صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ العُلْيَا.\nكَأَنْ يَقُولَ المُسْلِمُ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّك أَنْتَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، اللَّطِيفُ الخَبِيرُ أَنْ تُعَافِيَنِي، أَو يَقُولَ: أَسْأَلُكَ بِرَحْمَتِكَ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيءٍ أَنْ تَرْحَمَنِي وَتَغْفِرَ لِي.\nوَمِثْلُهُ قَولُ القَائِلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحُبِّكَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَإِنَّ الحُبَّ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى، وَدَلِيلُ مَشْرُوعِيَّةِ هَذَا التَّوَسُّلَ قَولُهُ ﷿: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأَعْرَاف: ١٨٠].\nوَكَمَا فِي الحَدِيثِ: «اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الغَيبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الخَلْقِ؛ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الحَيَاةَ خَيرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الوَفَاةَ خَيرًا لِي» (^١).\nوَمِنْهَا أَنَّهُ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ فِي تَشَهُّدِهِ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ؛ يَا اللهُ؛ بِأَنَّكَ الوَاحِدُ الأَحَدُ الصَّمَدُ؛ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ؛ أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي؛ إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ)، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «قَدْ غُفِرَ لَهُ» ثَلَاثًا (^٢).\nوَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا آخَرَ يَقُولُ فِي تَشَهُّدِهِ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الحَمْدَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، الْمَنَّانُ، بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، ذَا الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ)، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَتَدْرُونَ بِمَا دَعَا؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَقَدْ دَعَا اللهَ بِاسْمِهِ العَظِيمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ،\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. النَّسَائيُّ (١٣٠٥) عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (١٣٠١).\n(^٢) صَحِيحٌ. النَّسَائيُّ (١٣٠١) عَنْ مِحْجَنِ بْنِ الأَدْرَعِ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ النَّسَائيِّ (١٣٠١).","vol":"2","page":256},{"text":"وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» (^١).\n٢ - التَّوَسُّلُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِعَمَلٍ صَالِحٍ قَامَ بِهِ الدَّاعِيُ:\nكَأَنْ يَقُولَ المُسْلِمُ: اللَّهُمَّ بِإِيمَانِي بِكَ، وَمَحَبَّتِي لَكَ، وَاتِّبَاعِي لِرَسُولِكَ؛ اغْفِرْ لي.\nأَو يَقُولَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحُبِّي لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَإِيمَانِي بِهِ؛ أَنْ تُفَرِّجَ عَنِّي.\nوَمِنْهُ أَنْ يَذْكُرَ الدَّاعِيُ عَمَلًا صَالِحًا -ذَا بَالٍ- فِيهِ خَوفُهُ مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَقْوَاهُ إِيَّاهُ وَإِيثَارُهُ رِضَاهُ تَعَالَى عَلَى كُلِّ شَيءٍ وَطَاعَتُهُ لَهُ جَلَّ شَأْنُهُ؛ ثُمَّ يَتَوَسَّلَ بِهِ إِلَى رَبِّهِ فِي دُعَائِهِ لِيَكُونَ أَرْجَى لِقَبُولِهِ وَإِجَابَتِهِ.\nوَيَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عِمْرَان: ١٦].\nوَكَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ بُرَيدةَ بْنِ الحٌصَيبِ ﵁؛ حَيثُ قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَقُولُ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ؛ الأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَم يُولَدْ، وَلَم يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدُ)، فَقَالَ: «قَدْ سَأَلَ اللهَ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ؛ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ» (^٢).\nوَمِنْ ذَلِكَ قِصَّةُ أَصْحَابِ الغَارِ الَّذِينَ أَطْبَقَتْ عَلَيهِم الصَّخْرَةُ فِي الغَارِ؛ فَسَأَلُوا اللهَ تَعَالَى بِصَالِحِ أَعْمَالِهِم؛ فَفَرَّجَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم (^٣).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١٢٦١١) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٣٤١١).\n(^٢) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١٢٦١١) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (١٦٤٠).\n(^٣) وَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ -كَمَا فِي البُخَارِيِّ (٥٩٧٤) - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «بَينَمَا\n=","vol":"2","page":257},{"text":"٣ - التَّوَسُّلُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِدُعَاءِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ:\n_________\n=\nثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَتَمَاشَونَ؛ أَخَذَهُمُ المَطَرُ، فَمَالُوا إِلَى غَارٍ فِي الجَبَلِ فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ فَأَطْبَقَتْ عَلَيهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا لِلَّهِ صَالِحَةً؛ فَادْعُوا اللهَ بِهَا لَعَلَّهُ يَفْرُجُهَا.\nفَقَالَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيخَانِ كَبِيرَانِ وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ كُنْتُ أَرْعَى عَلَيهِمْ، فَإِذَا رُحْتُ عَلَيهِمْ فَحَلَبْتُ؛ بَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ أَسْقِيهِمَا قَبْلَ وَلَدِي، وَإِنَّهُ نَاءَ بِيَ الشَّجَرُ؛ فَمَا أَتَيتُ حَتَّى أَمْسَيتُ، فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا، فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، فَجِئْتُ بِالحِلَابِ، فَقُمْتُ عِنْدَ رُؤُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَومِهِمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَبْدَأَ بِالصِّبْيَةِ قَبْلَهُمَا -وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَونَ عِنْدَ قَدَمَيَّ-، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ؛ فَافْرُجْ لَنَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَجَ اللهُ لَهُمْ فُرْجَةً حَتَّى يَرَونَ مِنْهَا السَّمَاءَ.\nوَقَالَ الثَّانِي: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَتْ لِي ابْنَةُ عَمٍّ أُحِبُّهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ، فَطَلَبْتُ إِلَيهَا نَفْسَهَا فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَسَعَيتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ، فَلَقِيتُهَا بِهَا، فَلَمَّا قَعَدْتُ بَينَ رِجْلَيهَا، قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللهِ؛ اتَّقِ اللهَ، وَلَا تَفْتَحِ الخَاتَمَ، فَقُمْتُ عَنْهَا، اللَّهُمَّ؛ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي قَدْ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ؛ فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا، فَفَرَجَ لَهُمْ فُرْجَةً.\nوَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ، فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي، فَعَرَضْتُ عَلَيهِ حَقَّهُ؛ فَتَرَكَهُ وَرَغِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيَهَا، فَجَاءَنِي؛ فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ وَلَا تَظْلِمْنِي وَأَعْطِنِي حَقِّي، فَقُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ البَقَرِ وَرَاعِيهَا، فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ وَلَا تَهْزَأْ بِي! فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَهْزَأُ بِكَ، فَخُذْ ذَلِكَ البَقَرَ وَرَاعِيَهَا، فَأَخَذَهُ فَانْطَلَقَ بِهَا؛ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ؛ فَافْرُجْ مَا بَقِيَ. فَفَرَجَ اللهُ عَنْهُمْ).\nوَقَولُهُ: (وَإِنَّهُ نَاءَ بِيَ الشَّجَرُ) أَي: اسْتَطْرَدَ مَعَ غَنَمِهِ فِي الرَّعْي إِلَى أَنْ بَعُدَ عَنْ مَكَانِهِ زِيَادَةً عَلَى العَادَةِ؛ فَلِذَلِكَ أَبْطَأَ عَنْ أَهْلِهِ.\n(يَتَضَاغَونَ): يَضِجُّونَ وَيَصِيحُونَ مِنَ الجُوعِ.\n(وَلَا تَفْتَحِ الخَاتَمَ): كِنَايَةٌ عَنِ الجِمَاعِ وَالوَطْءِ.\n(بِفَرَقِ أَرُزٍّ): الفَرَقُ: إِنَاءٌ يَسَع ثَلَاثَةَ آصُعٍ، وَالصَّاعُ مِكْيَالٌ لِأَهْلِ المَدِينَةِ يَأْخُذُ أَرْبَعَةَ أَمْدَادٍ، وَالمُدُّ مُقَدَّرٌ بِأَنْ يَمُدَّ الرَّجُلُ يَدَيهِ فَيَمْلَأَ كَفَّيهِ.","vol":"2","page":258},{"text":"كَأَنْ يَكُونَ المُسْلِمُ فِي ضِيقٍ شَدِيدٍ، أَوْ تَحُلُّ بِهِ مُصِيبَةٌ كَبِيرَةٌ -وَيَعْلَمَ مِنْ نَفْسِهِ التَّفْرِيطَ فِي جَنْبِ اللهِ ﵎؛ فَيَأْخُذَ بِسَبَبٍ قَوِيٍّ إِلَى اللهِ؛ فَيَذْهَبَ إِلَى رَجُلٍ -يَعْتَقِدُ فِيهِ الصَّلَاحَ وَالتَّقْوَى أَوِ الفَضْلَ وَالعِلْمَ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ-؛ فَيَطْلُبَ مِنْهُ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ رَبَّهُ لِيُفَرِّجَ عَنْهُ كَرْبَهُ، وَيُزِيلَ عَنْهُ هَمَّهُ.\nوَقَد وَرَدَتْ أَمْثِلَةٌ مِنْ ذَلِكَ فِي السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ، كَمَا وَقَعَتْ نَمَاذِجُ مِنْهُ مِنْ فِعْلِ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيهِم، فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ حَيثُ قَالَ: أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، فَبَينَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ فِي يَومِ جُمُعَةٍ؛ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ هَلَكَ المَالُ، وَجَاعَ العِيَالُ! فَادْعُ اللهَ لَنَا، فَرَفَعَ يَدَيهِ -وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً- فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا وَضَعَهَا حَتَّى ثَارَ السَّحَابُ أَمْثَالَ الجِبَالِ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيتُ المَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ ﷺ. فَمُطِرْنَا يَومَنَا ذَلِكَ وَمِنَ الغَدِ وَبَعْدَ الغَدِ وَالَّذِي يَلِيهِ حَتَّى الجُمُعَةِ الأُخْرَى، وَقَامَ ذَلِكَ الأَعْرَابِيُّ -أَو قَالَ: غَيرُهُ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ تَهَدَّمَ البِنَاءُ، وَغَرِقَ المَالُ! فَادْعُ اللهَ لَنَا، فَرَفَعَ يَدَيهِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ حَوَالَينَا وَلَا عَلَينَا» فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّحَابِ إِلَّا انْفَرَجَتْ وَصَارَتِ المَدِينَةُ مِثْلَ الجَوبَةِ، وَسَالَ الوَادِي -قَنَاةُ- شَهْرًا، وَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَّا حَدَّثَ بِالجَودِ (^١).\nوَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ أَيضًا: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ كَانَ\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٩٣٣)، وَمُسْلِمٌ (٨٩٧).\nوَ(القَزَعَةُ): قِطْعَةٌ مِنَ السَّحَابِ الصِّغَارِ المُتَفَرِّقِ.\nوَ(الجَوبَةُ): المَوضِعُ المُنْخَفِضُ مِنَ الأَرْضِ.\nوَ(قَنَاةُ): اسْمُ وَادٍ فِي المَدِينَةِ.","vol":"2","page":259},{"text":"إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا؛ وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا، قَالَ: فَيُسْقَونَ) (^١).\nوَمَعْنَى قَولِ عُمَرَ: (إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِنَبِيِّنَا ﷺ وَ(إِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا): أَنَّنَا كُنَّا نَقْصُدُ نَبِيَّنَا ﷺ وَنَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَدْعُوَ لَنَا؛ وَنَتَقَرَّبُ إِلَى اللهِ بِدُعَائِهِ، وَالآنَ -وَقَد انْتَقَلَ ﷺ إِلَى الرَّفِيقِ الأَعْلَى، وَلَم يَعُدْ مِنَ المُمْكِنِ أَنْ يَدْعُوَ لَنَا- فَإِنَّنَا نَتَوَجَّهُ إِلَى عَمِّ نَبِيِّنَا العَبَّاسِ، وَنَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَدْعُوَ لَنَا. وَلَيسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُم كَانُوا يَقُولُونَ فِي دُعَائِهِم: (اللَّهُمَّ بِجَاهِ نَبِيِّكَ اسْقِنَا) ثُمَّ أَصْبَحُوا يَقُولُونَ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﷺ: (اللَّهُمَّ بِجَاهِ العَبَّاسِ اسْقِنَا)!! لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا دُعَاءٌ مُبْتَدَعٌ لَيسَ لَهُ أَصْلٌ فِي الكِتَابِ وَلَا فِي السُّنَّةِ، وَلَم يَفْعَلُهُ أَحَدٌ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيهِم (^٢).\n_________\n(^١) صَحِيح البُخَارِيِّ (١٠١٠).\n(^٢) وَمِنْ ذَلِكَ أَيضًا مَا رَوَاهُ الحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي تَارِيخِهِ (٦٥/ ١١٢) بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ التَّابِعِيِّ الجَلِيلِ سُلَيمِ بْنِ عَامِرٍ الخَبَائِرِيِّ: (أَنَّ السَّمَاءَ قَحِطَتْ؛ فَخَرَجَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ -وَأَهْلُ دِمَشْقَ يَسْتَسْقُونَ- فَلَمَّا قَعَدَ مُعَاوِيَةُ عَلَى المِنْبَرِ، قَالَ: أَينَ يَزِيدُ بْنُ الأَسْوَدِ الجُرَشيُّ؟ فَنَادَاهُ النَّاسُ، فَأَقْبَلَ يَتَخَطَّى النَّاسَ، فَأَمَرَهُ مُعَاوِيَةُ؛ فَصَعِدَ عَلَى المِنْبَرِ، فَقَعَدَ عِنْدَ رِجْلَيهِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَشْفِعُ إِلَيكَ اليَومَ بِخَيرِنَا وَأَفْضَلِنَا، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَشْفِعُ إِلَيكَ اليَومَ بِيَزيدِ بْنِ الأَسْوَدِ الجُرَشِيِّ، يَا يَزِيدُ ارْفَعْ يَدَيكَ إِلَى اللهِ، فَرَفَعَ يَدَيهِ، وَرَفَعَ النَّاسُ أَيدِيَهُم؛ فَمَا كَانَ أَوشَكَ أَنْ ثَارَتْ سَحَابَةٌ فِي الغَرْبِ كَأَنَّهَا تُرْسٌ، وَهَبَّتْ لَهَا رِيحٌ، فَسَقَتْنَا حَتَّى كَادَ النَّاسُ أَنْ لَا يَبْلُغُوا مَنَازِلَهُم).\nفَهَذَا مُعَاوِيَةُ ﵁ أَيضًا لَا يَتَوَسَّلُ بِالنَّبِيِّ ﷺ لِمَا سَبَقَ بَيَانُهُ، وَإِنَّمَا يَتَوَسَّلُ بِهَذَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ يَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى؛ فَيَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَدْعُوَ اللهَ تَعَالَى لِيَسْقِيَهُم وَيُغِيثَهُم.\nوَحَدَثَ مِثْلُ هَذَا فِي وِلَايَةِ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيسٍ أَيضًا حَيثُ اسْتَسْقَى بِيَزِيدَ هَذَا أَيضًا.\nوَيَزِيدُ هَذَا هُوَ مِنْ سَادَةِ التَّابِعِينَ بِالشَّامِ، يَسْكُنُ بِالغُوطَةِ بِقَرْيَةِ زِبْدِينَ، أَسْلَمَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ.\nقَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: \"بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي العِشَاءَ الآخِرَةَ بِمَسْجِدِ دِمَشْقَ، وَيَخْرُجُ إِلَى زِبْدِينَ فَتُضِيءُ إِبْهَامُهُ اليُمْنَى، فَلَا يَزَالُ يَمْشِي فِي ضَوئِهَا إِلَى القَرْيَةِ\". تَارِيخُ دِمَشْقَ (٦٥/ ١٠٧).\nقُلْتُ: وَالضَّحَّاكُ بْنُ قَيسٍ عِدَادُهُ فِي صِغَارِ الصَّحَابَةِ، وَلَهُ أَحَادِيثُ. سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ (٣/ ٢٤١).","vol":"2","page":260},{"text":"وَأَمَّا مَا عَدَا هَذِهِ الأَنْوَاعِ مِنَ التَّوَسُّلَاتِ؛ فَفِيهَا خِلَافٌ، وَالَّذِي نَعْتَقِدُهُ وَنَدِينُ اللهَ تَعَالَى بِهِ أَنَّهُ غَيرُ جَائِزٍ وَلَا مَشْرَوعٍ، لِأَنَّه لَمْ يَرِدْ فِيهَا دَلِيلٌ تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ، وَقَد أَنْكَرَهُ العُلَمَاءُ المُحَقِّقُونَ فِي العُصُورِ الإِسْلَامِيَّةِ المُتَعَاقِبَةِ (^١)، مَعَ أَنَّهُ قَد قَالَ بِبَعْضِهِ بَعْضُ الأَئِمَّةِ، فَأَجَازَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ التَّوَسُّلَ بِالرَّسُولِ ﷺ وَحْدَهُ فَقَط، وَأَجَازَ غَيرُهُ كَالإِمَامِ الشَّوكَانِيِّ ﵀ التَّوَسُّلَ بِهِ وَبِغَيرِهِ مِنَ الأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ.\nوَلَكِنَّنا -كَشَأْنِنَا فِي جَمِيعِ الأُمُورِ الخِلَافِيَّةِ- نَدُورُ مَعَ الدَّلِيلِ حَيثُ دَارَ، وَلَا نَتَعَصَّبُ لِلرِّجَالِ، وَلَا نَنْحَازُ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلحَقِّ -كَمَا نَرَاهُ وَنَعْتَقِدُهُ-، وَقَد رَأَينَا فِي قَضِيَّةِ التَّوَسُّلِ -الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِهَا- الحَقَّ مَعَ الَّذِينَ حَظَرُوا التَّوَسُّلَ بِمَخْلُوقٍ، وَلَم نَرَ لِمُجِيزِيهِ دَلِيلًا صَحِيحًا يُعْتَدُّ بِهِ، وَنَحْنُ نُطَالِبُهُم بِأَنْ يَأْتُونَا بِنَصٍّ صَحِيحٍ صَرِيحٍ مِنَ الكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ فِيهِ التَّوَسُّلُ بِمَخْلُوقٍ، وَهَيهَاتَ أَنْ يَجِدُوا شَيئًا يُؤَيِّدُ مَا يَذْهَبُونَ إِلَيهِ، أَو يَسْنُدُ مَا يَدَّعُونَهُ، اللَّهُمَّ إِلَّا شُبَهًا وَاحْتِمَالَاتٍ؛ سَنَعْرُضُ لِلرَّدِّ عَلَيهَا بَعْدَ قَلِيلٍ.\nومِنَ الغَرِيبِ حَقًّا أَنَّكَ تَرَى هَؤُلَاءِ يُعْرِضُونَ عَنْ أَنْوَاعِ التَّوَسُّلِ المَشْرُوعَةِ\n_________\n(^١) فَلَم نَنْفَرِدْ نَحْنُ -اليَومَ- بِإِنْكَارِ تِلْكَ التَّوَسُّلَاتِ المُبْتَدَعَةِ! بَلْ سَبَقَنَا إِلَى إِنْكَارِهَا كِبَارُ الأَئِمَّةِ وَالعُلَمَاءِ، وَتَقَرَّرَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ كُتُبِ المَذَاهِبِ المُتَّبَعَةِ -كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ فَقَد جَاءَ فِي كِتَابِ الدُّرُّ المُخْتَارُ مَعَ حَاشِيَةِ رَدِّ المُحْتَارِ (٦/ ٣٩٦) -مِنْ كُتُبِ الحَنَفِيَّةِ-: \"وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة -مَعْزِيًّا لِلْمُنْتَقَى- عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَدْعُوَ اللهَ إِلَّا بِهِ، وَالدُّعَاءُ المَأْذُونُ فِيهِ المَأْمُورُ بِهِ؛ مَا اُسْتُفِيدَ مِنْ قَوله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأَعْرَاف: ١٨٠] \".","vol":"2","page":261},{"text":"السَّابِقَةِ؛ فَلَا يَكَادُونَ يَسْتَعْمِلُونَ شَيئًا مِنْهَا فِي دُعَائِهِم أَو تَعْلِيمِهِم النَّاسَ مَعَ ثُبُوتِهَا فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الأُمَّةِ عَلَيهَا؛ وَتَرَاهُم بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ يَعْمَدُونَ إِلَى أَدْعِيَةٍ اخْتَرَعُوهَا وَتَوَسُّلَاتٍ ابْتَدَعُوهَا لَمْ يَشْرَعْهَا اللهُ ﷿، وَلَم يَسْتَعْمِلْهَا رَسُولُهُ المُصْطَفَى ﷺ، وَلَم تُنْقَلْ عَنْ سَلَفِ هَذِهِ الأُمَّةِ مِنْ أَصْحَابِ القُرُونِ الثَّلَاثَةِ الفَاضِلَةِ، وَأَقَلُّ مَا يُقَالُ فِيهَا: إِنَّهَا مُخْتَلَفٌ فِيهَا!! فَمَا أَجْدَرَهُم بِقَولِهِ ﵎: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيرٌ﴾ [البَقَرَة: ٦١].","vol":"2","page":262},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-374> الفَصْلُ الرَّابِعُ: شُبُهَاتٌ وَالجَوَابُ عَلَيهَا:</span>\n-<span data-type='title' id=toc-375> الشُّبْهَةُ الأُولَى: اسْتِسْقَاءُ عُمَرَ بِالعَبَّاسِ ﵄:</span>\nرَوَى البُخَارِيُّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁؛ كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَ: (اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِنَبِيِّنَا؛ فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا)، قَالَ: فَيُسْقَونَ (^١).\nفَيَفْهَمُونَ مِنْ هَذَا الحَدِيثِ أَنَّ تَوَسُّلَ عُمَرَ ﵁ إِنَّمَا كَانَ بِجَاهِ العَبَّاسِ ﵁ وَمَكَانَتِهِ عِنْدَ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَأَنَّ تَوَسُّلَهُ هُوَ مُجَرَّدُ ذِكْرٍ مِنْهُ للعَبَّاسِ فِي دُعَائِهِ؛ وَأَنَّهُ فَقَط طَلَبٌ مِنْهُ للهِ أَنْ يَسْقِيَهُم مِنْ أَجْلِهِ ﵃، وَقَدْ أَقَرَّتْهُ الصَّحَابَةُ عَلَى ذَلِكَ! فَأَفَادَ -بِزَعْمِهِم- مَا يَدَّعُونَ.\nوَأَمَّا سَبَبُ عُدُولِ عُمَرَ ﵁ عَنِ التَّوَسُّلِ بِالرَّسُولِ ﷺ -بِزَعْمِهِم أَيضًا- وَتَوَسُّلِهِ بَدَلًا مِنْهُ بِالعَبَّاسِ ﵁؛ فَإِنَّمَا كَانَ لِبَيَانِ جَوَازِ التَّوَسُّلِ بِالمَفْضُولَ مَعَ وُجُودِ الفَاضِلِ لَيسَ إِلَّا! أَو لَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ حَدِيثُ الضَّرِيرِ! (^٢)\nوَالجَوَابُ (^٣):\nإِنَّ قَولَ عُمَرَ ﵁ السَّابِقَ: (وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا) فِيهِ تَقْدِيرٌ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ (نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِجَاهِ عَمِّ نَبِيِّنَا) وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ (نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِدُعَاءِ عَمِّ نَبِيِّنَا)، وَالصَّوَابُ قَطْعًا هُوَ الثَّانِي، وَذَلِكَ لِعِدَّةِ مُلَاحَظَاتٍ:\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (١٠١٠) عَنْ أنسٍ.\n(^٢) وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ قَرِيبًا.\n(^٣) بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ وَزِيَادَةٍ عَمَّا فِي الأَصْلِ.","vol":"2","page":263},{"text":"١ - أَنَّ النُّصُوصَ الشَّرْعِيَّةَ يُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَذَلِكَ بِكَونِ الأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ قَدْ تَضَافَرَتْ عَلَى أَنَّ التَّوَسُّلَ بِالصَّالِحِينَ كَانَ بِإِتْيَانِهِم؛ فَيَدْعُونَ لَهُم، وَيُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ قَولُهُ ﵎: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النِّسَاء: ٦٤] (^١).\n٢ - أَنَّ المُقَارَنَ بِهِ فِي التَّوَسُّلِ كَانَ (إِنَّا كُنَا نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِنَبِيِّنَا؛ فَتَسْقِينَا) فَإِذَا عُلِمَتْ صِفَةُ هَذَا التَّوَسُّلِ الأَوَّلِ عُلِمَتْ صِفَةُ الآخَرِ -وَهُوَ مَوضُوعُ النِّزَاعِ-، وَالنَّاظِرُ فِي السُّنَّةِ يَجِدُ أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ لَمَّا قَحَطَوا جَاءَ بَعْضُهُم إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَطَلَبَ مِنْهُ الدُّعَاءَ، وَلَو كَانَ المَقْصُودُ هُوَ التَّوَسُّلَ بِالجَاهِ لَبَقِيَ الطَّالِبُ فِي دَارِهِ وَتَوَسَّلَ بِهِ! -إِذْ إِنَّ الجَاهَ مَوجُودٌ فِي كِلَا الحَالَتَينِ كَمَا لَا يَخْفَى- (^٢).\n٣ - أَنَّ العَبَّاسَ ﵁ عِنْدَمَا تَوَسَّلُوا بِهِ قَامَ فَدَعَى (^٣)؛ فَبَانَ بِذَلِكَ أَنَّ التَّوَسُّلَ بِهِ هُوَ الدُّعَاءُ.\n٤ - أَنَّ عُمَرَ ﵁ عِنْدَمَا تَوَسَّلَ بِالعَبَّاسِ أَمَرَهُ بِالدُّعَاءِ، فَقَد رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (أَنَّ عُمَرَ اسْتَسْقَى بِالمُصَلَّى؛ فَقَالَ لِلْعَبَّاسِ: قُمْ فَاسْتَسْقِ. فَقَامَ\n_________\n(^١) وَلِتَمَامِ الفَائِدَةِ رَاجِعْ مَسْأَلَةَ قِصَّةِ العُتْبِيِّ فِي مُلْحَقِ (قَوَاعِدُ ومَسَائِلُ فِي التَّبَرُّكُ والبَرَكَةُ).\n(^٢) وَقَد سَبَقَ حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁ فِي إِتْيَانِ الأَعْرَابِيِّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ -وَهُوَ يَخْطُبُ- فَطَلَبَ مِنْهُ الاسْتِسْقَاءَ لَهُم.\n(^٣) نَقَلَهُ الحَافِظُ العَسْقَلَانُّي ﵀ فِي الفَتْحِ (٣/ ١٥٠) حَيثُ قَالَ: \"وَقَدْ بَيَّنَ الزُّبَيرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي الأَنْسَابِ صِفَةَ مَا دَعَا بِهِ العَبَّاسُ فِي هَذِهِ الوَاقِعَةِ وَالوَقْتَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ ذَلِكَ؛ فَأَخْرَجَ بِإِسْنَادٍ لَهُ أَنَّ العَبَّاسَ لَمَّا اسْتَسْقَى بِهِ عُمَرُ قَالَ: (اللَّهُمَّ إِنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ بَلَاءٌ إِلَّا بِذَنْبٍ وَلَمْ يُكْشَفْ إِلَّا بِتَوبَةٍ، وَقَدْ تَوَجَّهَ القَومُ بِيَ إِلَيكَ لِمَكَانِي مِنْ نَبِيِّكَ، وَهَذِهِ أَيدِينَا إِلَيكَ بِالذُّنُوبِ، وَنَوَاصِينَا إِلَيكَ بِالتَّوبَةِ؛ فَاسْقِنَا الغَيثَ)، فَأَرْخَتِ السَّمَاءُ مِثْلَ الجِبَالِ حَتَّى أَخْصَبَتِ الأَرْضُ وَعَاشَ النَّاسُ\".","vol":"2","page":264},{"text":"العَبَّاسُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ عِنْدَكَ سَحَابًا، وَإِنَّ عِنْدَكَ مَاءً؛ فَانْشُرِ السَّحَابَ، ثُمَّ أَنْزِلْ فِيهِ المَاءَ، ثُمَّ أَنْزِلْهُ عَلَينَا) فَذَكَرَ الحَدِيثَ (^١).\n٥ - أَنَّ الحَدِيثَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ جَاءَ مُصَرِّحًا بِلَفْظِ الاسْتِسْقَاءِ بِالنَّبِيِّ ﷺ عِوَضًا عَنِ التَّوَسُّلِ بِهِ، كَمَا هُوَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَالإسْمَاعِيلِيِّ (^٢)، وَالاسْتِسْقَاءُ: هُوَ طَلَبُ السُّقْيَا كَمَا لَا يَخْفَى؛ فَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى التَّوَسُّلِ هُنَا هُوَ الدُّعَاءُ (^٣).\n٦ - أَنَّ الفَارِقَ فِي قَولِ عُمَرَ بَينَ (كُنَّا) وَ(إِنَّا) -أَي الآنَ- إِنَّمَا هُوَ حَيَاةُ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المُؤْمِنُون: ١٠٠].\nوَقَد أَشَارَ إِلَى هَذِهِ الحَقِيقَةِ الصَّحَابيُّ الجَلِيلُ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ فِي قَولِهِ: (عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ -وَكَفِّي بَينَ كَفَّيهِ- التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَينَا وَعَلَى\n_________\n(^١) مُصَنَّفُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ (٤٩١٣). وَالأَثَرُ نَقَلَهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (٢/ ٤٩٥) وَسَكَتَ عَنْهُ.\n(^٢) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (٢/ ٤٩٥): \"وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ عَنْ عُمَرَ؛ فَأَشَارَ بِهِ أَيضًا -أَي: البُخَارِيُّ- إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ وَهُوَ عِنْدَ الإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ المُثَنَّى عَنِ الأَنْصَارِيِّ بِإِسْنَادِ البُخَارِيِّ إِلَى أَنَسٍ قَالَ: كَانُوا إِذَا قَحَطُوا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ اسْتَسْقَوا بِهِ؛ فَيَسْتَسْقِي لَهُمْ؛ فَيُسْقَونَ، فَلَمَّا كَانَ فِي إِمَارَةِ عُمَرَ؛ فَذَكَرَ الحَدِيثَ\".\nفَقَولُهُ: (فَيَسْتَسْقِي لَهُم) صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَطْلُبُ لَهُم السُّقْيَا مِنَ اللهِ تَعَالَى.\nقَالَ ابْنُ الأَثِيرِ ﵀: \"الاسْتِسْقَاءُ -وَهُوَ اسْتِفْعَالٌ- مِنْ طَلَبِ السُّقْيا: أَي: إنْزَالَ الغَيثِ عَلَى البِلَادِ وَالعِبَادِ. يُقَالُ: سَقَى اللهُ عِبَادَهُ الغَيثَ وَأَسْقَاهُم. وَالاسْمُ السُّقْيَا بِالضَّمِّ. واسْتَسْقَيتَ فُلَانًا: إِذَا طَلَبتَ مِنْهُ أَنْ يَسْقِيَكَ\". النِّهَايَةُ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ (٢/ ٩٦٢).\n(^٣) وَأَيضًا فَقَد تَتَابَعَ عَمَلُ السَّلَفِ عَلَى التَّوَسُّلِ بُدُعَاءِ الصَّالِحِينَ كَمَا فِي خَبَرِ مُعَاوِيَةَ وَالضَّحَّاكِ ﵄ مَعَ يَزيدَ بْنِ الأَسْوَدِ الجُرَشِيِّ، وَقَد سَبَقَ.","vol":"2","page":265},{"text":"عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ -وَهُوَ بَينَ ظَهْرَانَينَا-؛ فَلَمَّا قُبِضَ قُلْنَا: السَّلَامُ -يَعْنِي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ). رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^١) (^٢).\n٧ - أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالُ: إِنَّ مُرَادَ عُمَرَ هُوَ بَيَانُ جَوَازِ التَّوَسُّلِ بِالمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الفَاضِلِ! وَذَلِكَ لِأُمُورٍ؛ مِنْهَا:\nأ- أَنَّ هَذِهِ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيهَا، وَإِنَّمَا يَكْفِينَا القَولُ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَتَوَسَّلُوا -بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ مَعْنَى التَّوَسُّلِ- بِالنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ مَوتِهِ.\nب- أَنَّ أَحْرَجَ الأَوقَاتِ -مِنَ القَحْطِ وَالجَدْبِ وَالجُوعِ- لَا يُقْبَلُ فِيهِ تَرْكُ الفَاضِلِ وَاللُّجُوءُ إِلَى المَفْضُولِ! لَا سِّيَمَا وَأَنَّ ذَلِكَ يُمْكِنُ بَيَانُهُ بِالقَولِ، أَو أَنْ يَتَوَسَّلَ بِهِمَا جَمِيعًا (^٣) (^٤).\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٦٢٦٥).\n(^٢) وَأَمَّا فِرْيَةُ مَنْ لَم تَشْعُرْ أَفْئِدَتُهُم بِتَقْوَى اللهِ فِي المُسْلِمِينَ؛ مِنْ أَنَّ سَبَبَ قَولِ مَانِعِي التَّوَسُّلِ بِالجَاهِ والذَّاتِ هُوَ ظَنُّهُم أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَهُ أَثَرٌ ذَاتِيٌّ فِي النَّفْعِ وَالضُّرِّ قَبْلَ مَوتِهِ؛ فَلَمَّا مَاتَ لَم يَعُدْ لَهُ أَثَرٌ فِي ذَلِكَ! أَو أَنَّهُ لمَ يَعُدْ لَهُ جَاهٌ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى! وَأَنَّهُم بِذَلِكَ يَعْتَقِدُونَ -أَي: السَّلَفِيُّونَ المُنْكِرُونَ لِلتَّوَسُّلِ بِالذَّاتِ وَالجَاهِ- النَّفْعَ وَالضُّرَّ فِي ذَاتِ النَّبِيِّ ﷺ! فَهَذَا مَحْضُ افْتِرَاءٍ وَكَذِبٍ -عَلَيهِم مِنَ اللهِ مَا يَسْتَحِقُّونَ-، وَإِنَّمَا الفَارِقُ عِنْدَنَا حَقِيقَةً هُوَ إِمْكَانِيَّةُ الدُّعَاءِ مِنْهُ ﷺ، فَبَعْدَ مَوتِهِ لَمْ يَعُدْ ذَلِكَ مُمْكِنًا، بِخِلَافِ زَمَنِ حَيَاتِهِ ﷺ، وَالفَيصَلُ بَينَنَا وَبَينَهُم قَولُ عُمَرَ ﵁: (اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا؛ وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا)، وَكُلُّ خَيرٍ فِي اِتِّبَاعِ مَنْ سَلَفَ، فَنَحْنُ سَلَفِيُّونَ وَهُمْ خَلَفِيُّونَ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: \"أُولَئِكَ آبَائِي؛ فَجِئْني بمِثْلِهِم … إِذَا جَمَعَتْنَا يَا جَرِيرُ المَجَامِعُ\".\n(^٣) وَأَيضًا فَهُنَاكَ مِنَ المَفْضُولِ مَنْ هُوَ أَدْنَى مِنَ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ وَأَعْلَى مِنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَحْصُلِ التَّوَسُّلُ بِهِم؛ كَسَائِرِ الأَنْبِيَاءِ وَالمَلَائِكَةِ الكِرَامِ المُقَرَّبُونَ! وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ.\n(^٤) وَإِنَّ الانْصِرَافَ عَنِ التَّوَسُّلِ بِجَاهِ النَّبِيِّ ﷺ -لَو جَازَ- إِلَى التَّوَسُّلِ بِجَاهِ غِيرِهِ؛ مَا هُوَ إَلَّا كَالانْصِرَافِ عَنِ الاقْتِدَاءِ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ إِلَى الاقْتِدَاءِ بِغَيرِهِ -سَوَاءً بِسَوَاءٍ- إِذْ لَا مُقَارَبَةَ أَبَدًا بَينَهُ وَبَينَ غَيرِهِ.\nوَلَو أَنَّ إِنْسَانًا أُصِيبَ بِمَكْرُوهٍ فَادِحٍ؛ وَكَانَ أَمَامَهُ نَبِيٌّ وَآخَرُ غَيرُ نَبِيٍّ، وَأَرَادَ أَنْ يَطْلُبَ الدُّعَاءَ مِنْ أَحَدِهِمَا؛ لَمَا طَلَبَهُ إِلَّا مِنَ النَّبيِّ، وَلَو طَلَبَهُ مِنْ غَيرِ النَّبِيِّ وَتَرَكَ النَّبِيَّ لَعُدَّ مِنَ الجَاهِلِينَ الَّذِينَ يَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيرٌ!","vol":"2","page":266},{"text":"ج- أَنَّ التَّوَسُّلَ جَاءَ إِيضَاحُ مَعْنَاهُ بِدُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ لِلَأعرَابِيِّ، وَأَيضًا بِدُعَاءِ العَبَّاسِ -سَوَاءً كَانَ المَقْصُودُ تَعْلِيمَ الجَوَازِ أَمْ غَيرَهُ-، فَنَقُولُ: إِذًا فَلْيَتَوَسَّلُوا بِهِ ﷺ كَمَا تَوَسَّلَ بِهِ أَصْحَابُهُ، وَأَنَّى لَهُم ذَلِكَ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﷺ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزُّمَر: ٣٠]؟!\nد- تَكْرَارُ التَّوَسُّلِ بِالعَبَّاسِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وجُودِ تِلْكَ الدَّعْوَى أَصْلًا؛ لِقَولِهِ: (إِنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ كَانَ إِذَا قَحَطُوا؛ اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ) (^١) (^٢).\n٨ - وَأَمَّا دَعْوَى أَنَّ عُمَرَ تَرَكَ التَّوَسُّلَ بِذَاتِهِ ﷺ لِأَنَّهُ لَم يَبْلُغْهُ حَدِيثُ الضَّرِيرِ -وَسَيَأْتِي-! فَهُوَ جَوَابٌ بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ:\n_________\n(^١) مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ ﵄؛ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ فِي الاسْتِيعَابِ (٢/ ٨١٤).\n(^٢) وَأَمَّا رِوَايَةُ أَنَّ عُمَرَ ﵁ قَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَرَى لِلعَبَّاسِ مَا يَرَى الوَلَدُ لِلْوَالِدِ؛ فَاقْتَدُوا بِرَسُولِ اللهِ، وَاتَّخِذُوهُ [أَي: العَبَّاسَ] وَسِيلَةً إِلَى اللهِ)! فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ ضَعِيفَةٌ، فِيهَا دَاوُدُ بْنُ عَطَاءٍ المَدَنِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا فِي التَّقْرِيبِ (ص ١٩٩) لِلحَافِظِ، وَقَد تَعَقَّبَ الذَّهَبِيُّ الحَاكِمَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَائِلًا: \"دَاوُدُ: مَتْرُوكٌ\".\nوَقَد ذَكَرَ لَهَا الشَّيخُ الأَلبَانيُّ ﵀ ثَلَاثَ عِلَلٍ:\n١ - دَاودُ بْنُ عَطَاءٍ؛ ضَعِيفٌ.\n٢ - سَاعِدَةُ بْنُ عُبَيدِ اللهِ المُزَنِيُّ؛ لَمْ تُوجَدْ لَهُ تَرْجَمَةٌ.\n٣ - الاضْطِرَابُ فِي السَّنَدِ؛ فَتَارَةً عَنْ زَيدٍ عَنْ أَبِيهِ مِنْ طَرِيقِ هِشَام بْنِ سَعْدٍ، وَتَارةً عَنْهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَهِشَامُ أَقْوَى مِنْ دَاوُدَ.\nقُلْتُ: وَلَكِنْ أَيضًا هَذِهِ الرِّوَايَةُ يَكُونُ فِيهَا التَّوَسُّلُ مَحْمُولٌ عَلَى الدُّعَاءِ؛ لِوُجُودِ النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ فِي ذَلِكَ.","vol":"2","page":267},{"text":"أ- أَنَّ حَدِيثَ الضَّرِيرِ؛ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيهِ تَوَسُّلُ عُمَرَ هَذَا مِنَ التَّوَسُّلِ بِالدُّعَاءِ لَا بِالذَّاتِ -كَمَا سَيأْتِي بَيَانُهُ-.\nب- أَنَّ تَوَسُّلَ عُمَرَ لَم يَكُنْ سِرًّا! بَلْ كَانَ جَهْرًا عَلَى رُؤُوسِ الأَشْهَادِ وَفِيهِم كِبَارُ الصَّحَابَةِ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَغَيرِهِم، فَإِذَا جَازَ أَنْ يَخْفَى الحَدِيثُ عَلَى عُمَرَ؛ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَى جَمِيعِ المَوجُودِينِ مَعَ عُمَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ؟!\nج- أَنَّ عُمَرَ -كَمَا سَبَقَ- كَانَ يُكَرِّرُ هَذَا التَّوَسُّلَ كُلَّمَا نَزَلَ بِأَهْلِ المَدِينَةِ خَطَرٌ، أَو كُلَّمَا دُعِيَ لِلاسْتِسْقَاءِ -كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لَفْظُ (كَانَ) - فِي حَدِيثِ أَنَسٍ السَّابِقِ؛ وَالَّذِي فِيهِ أَنَّ عُمَرَ كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ، وَكَذَلِكَ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ -كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ فِي كِتَابِهِ (الاسْتِيعَابُ) (^١) -، فَإِذَا جَازَ أَنْ يَخْفَى ذَلِكَ عَلَيهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ؛ أَفَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَمِرَ عَلَى الجَهْلِ بِهِ كُلَّمَا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ -وَعِنْدَهُ المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ- وَهُمْ سُكُوتٌ لَا يُقَدِّمُونَ إِلَيهِ مَا عِنْدَهُم مِنَ العِلْمِ بِحَدِيثِ الضَّرِيرِ؟!\nد- أَنَّ عُمُرَ لَيسَ هُوَ وَحْدَهُ الَّذِي عَدَلَ عَنِ التَّوَسُّلِ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلَى التَّوَسُّلِ بِغَيرِهِ! بَلْ تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، فَإِنَّهُ أَيضًا عَدَلَ إِلَى التَّوَسُّلِ بِدُعَاءِ يَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ، وَلَم يَتَوَسَّلَ بِهِ ﷺ -وَعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَأَجِلَاءِ التَّابِعِينَ-، فَهَلْ يُقَالُ أَيضًا: إِنَّ مُعَاوِيَةَ -وَمَنْ مَعَهُ- لَم يَكُونُوا يَعْلَمُونَ بِحَدِيثِ الضَّرِيرِ؟! وَقُلْ نَحْوَ ذَلِكَ فِي تَوَسُّلِ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيسٍ بِيَزِيدَ هَذَا أَيضًا! (^٢)\n_________\n(^١) الاسْتِيعَابُ (٢/ ٨١٤).\n(^٢) رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرٍ فِي التَّارِيخِ (٦٥/ ١١٢)، وَصَحَّحَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ التَّوَسُّلُ (ص ٤٢).","vol":"2","page":268},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-376> الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: حَدِيثُ الضَّرِيرِ.</span>\nأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَغَيرُهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيفٍ؛ أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ البَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: اُدْعُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَني. قَالَ: «إِنْ شِئْتَ دَعَوتُ لَكَ، وَإِنْ شِئْتَ أَخَّرْتُ ذَاكَ؛ فَهوَ خَيرٌ»، وَفِي رِوَايَةٍ: «وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهوَ خَيرٌ لَكَ»، فَقَالَ: ادْعُهُ. فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ؛ فَيُصَلِّيَ رَكْعَتَين، وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحمَّدُ إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ فَتُقْضَى لِي، اللَّهُمَّ؛ فَشَفِّعْهُ فِيَّ وَشَفِّعْنِي فِيهِ»، فَفَعَلَ الرَّجُلُ فَبَرِئَ (^١).\nفَيَرَى المُخَالِفُونَ أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّوَسُّلِ فِي الدُّعَاءِ بِالجَاهِ أَوِ الذَّاتِ!\nالجَوَابُ: إِنَّ هَذَا التَّوَسُّلَ لَيسَ تَوَسُّلًا بِالذَّاتِ وَالجَاهِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَوَسُّلٌ بِالدُّعَاءِ، وَهُوَ النَّوعُ الثَّالِثُ المَشْرُوعُ، وَتَدُلُّ لِذَلِكَ أُمُورٌ:\n١ - أَنَّ الأَعْمَى إِنَّمَا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لِيَدْعُوَ لَهُ، وَذَلِكَ مِنْ قَولِهِ: «اُدْعُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَنِي»، وَلَو كَانَ قَصْدُ الأَعْمَى التَّوَسُّلَ بِذَاتِ النَّبِيِّ ﷺ أَو جَاهِهِ أَو حَقِّهِ لَمَا كَانَ ثَمَّةَ حَاجَةٍ بِهِ إِلَى أَنْ يَأْتيَ النَّبِيَّ ﷺ وَيَطْلُبَ مِنْهُ الدُّعَاءَ لَهُ! بَلْ كَانَ الأَولَى لَهُ أَنْ يَقْعُدَ فِي بَيتِهِ وَيَدْعُوَ رَبَّهُ بِهِ (^٢).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٣٥٧٨)، وَأَحْمَدُ (١٧٢٤١) عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيفٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (١٢٧٩).\n(^٢) وَلَكِنَّهُ لَم يَفْعَلْ؛ لِأَنَّهُ عَرَبِيٌّ يَفْهَمُ مَعْنَى التَّوَسُّلِ فِي لُغَةِ العَرَبِ حَقَّ الفَهْمِ، وَيَعْرِفُ أَنَّهُ لَيسَ كَلِمَةً يَقُولُهَا صَاحِبُ الحَاجَةِ يَذْكُرُ فيهَا اسْمَ مَنْ يَتَوَسَّلُ بِهِ! بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَشْتَمِلَ عَلَى المَجِيءِ إِلَى مَنْ يَعْتَقِدُ فِيهِ الصَّلَاحَ وَالعِلْمَ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَيَطْلُبُ مِنْهُ الدُّعَاءَ لَهُ.","vol":"2","page":269},{"text":"٢ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَعَدَهُ بِالدُّعَاءِ -وَذَلِكَ فِي مَعْرِضِ إِجَابَةِ طَلَبِهِ-؛ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ المَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ التَّوَسُّلِ (^١).\n٣ - قَولُ الضَّرِيرِ فِي آخِرِ دُعَائِهِ: (اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ، وَشَفِّعْنِي فِيهِ) (^٢) صَرِيحٌ فِي أَنَّ التَّوَسُّلَ كَانَ بِدُعَائِهِ ﷺ؛ إِذْ إِنَّ الشَّفَاعَةَ هيَ الدُّعَاءُ (^٣)، وَعَلَيهِ فَلَا يَصِحُّ حَمْلُ الحَدِيثِ عَلَى التَّوَسُّلِ بِذَاتِهِ ﷺ، أَو جَاهِهِ، أَو حَقِّهِ.\n٤ - أَنَّ مِمَّا عَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ الأَعْمَى أَنْ يَقُولَهُ هُوَ: «وَشَفِّعْنِي فِيهِ» (^٤) أَي: اقْبَلْ شَفَاعَتِي؛ أَي: دُعَائِي، فَلَو حُمِلَ التَّوَجُّهُ بِهِ ﷺ عَلَى الذَّاتِ وَالجَاهِ لَمَا كَانَ لِقَولِ الضَّرِيرِ هَذَا مَعْنًى! وَأَمَّا لَو حُمِلَ عَلَى الدُّعَاءِ لَكَانَ المَعْنَى وَاضِحًا مُسْتَقِيمًا؛ أَنَّهُ يَدْعُو اللهَ تَعَالَى أَنْ تُقْبَلَ شَفَاعَتُهُ ﷺ فِي أَنْ يُرَدَّ عَلَيهِ بَصَرُهُ.\n٥ - أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ ذَكَرَهُ العُلَمَاءُ فِي مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ ﷺ وَدُعَائِهِ المُسْتَجَابِ، وَلَو كَانَ المُرَادُ مِنْهُ التَّوَسُّلَ بِالذَّاتِ لَمَا أَورَدَهُ عُلَمَاءُ الحَدِيثِ فِي هَذَا البَابِ (^٥)! فَهَذَا\n_________\n(^١) وَفِيهِ أَيضًا أَنَّهُ وَجَّهَهُ إِلَى النَّوعِ الثَّانِي مِنَ التَّوَسُّلِ المَشْرُوعِ، وَهُوَ التَّوَسُّلُ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ.\n(^٢) هَذِهِ الجُمْلَةُ هيَ عَنْدَ أَحْمَدَ أَيضًا (١٧٢٤١)، وَالحَاكِمِ (١١٨٠) وَغَيرِهِمَا.\nوَفِي لَفْظٍ لِلحَاكِمِ (١٩٢٩): «اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ، وَشَفِّعْنِي فِي نَفْسِي». صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (٦٨١).\n(^٣) قَالَ فِي لِسَانِ العَرَبِ (٨/ ١٨٤): \"وَالشَّفَاعَةُ: كَلَامُ الشَّفِيعِ لِلْمَلِكِ فِي حَاجَةٍ يَسْأَلُها لِغَيرِهِ، وَشَفَعَ إِلَيهِ: فِي مَعْنَى طَلَبَ إِلَيهِ، وَالشَّافِعُ: الطَّالِبُ لِغَيرِهِ يَتَشَفَّعُ بِهِ إِلَى المَطْلُوبِ\".\n(^٤) هَذِهِ الجُمْلَةُ صَحَّتْ فِي الحَدِيثِ، أَخْرَجَهَا أَحْمَدُ (١٧٢٤١)، وَالحَاكِمُ (١١٨٠) وَصَحَّحَهُ وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ، وَهِيَ وَحْدَهَا حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ عَلَى أَنَّ حَمْلَ الحَدِيثِ عَلَى التَّوَسُّلِ بِالذَّاتِ بَاطِلٌ.\n(^٥) كَمَا فِي كِتَابِ دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ للبَيهَقِيِّ (٦/ ٨٣): \"بَابُ جِمَاعِ أَبْوَابِ دَعَوَاتِ نَبِيِّنَا ﷺ المُسْتَجَابَةِ فِي الأَطْعِمَةِ وَالأَشْرِبَةِ، وَبَرَكَاتِهِ الَّتِي ظَهَرَتْ فِيمَا دَعَا فِيهِ، وَغَيرِ ذَلِكَ مِنْ دَعَوَاتِهِ عَلَى طَرِيقِ الاخْتِصَارِ\".","vol":"2","page":270},{"text":"مِمَّا يَدُلُّ دِلَالَةً صَرِيحَةً عَلَى أَنَّ المَقْصُودَ مِنَ الحَدِيثِ بَيَانُ دُعَائِهِ ﷺ وَلَيسَ التَّوَسُّلَ بِالجَاهِ وَالذَّاتِ الَّذِي لَا يَقْتَصِرُ فَقَطْ عَلَى حَيَاتِهِ ﷺ! فَتَأَمَّلْ (^١).\n٦ - لَو كَانَ المَقْصُودُ مِنْ حَدِيثِ الضَّرِيرِ هُوَ التَّوَسُّلُ بِالذَّاتِ وَالجَاهِ لَتَوَاتَرَ عَلَيهِ عَمَلُ الصَّحَابَةِ، كَيفَ وَهُوَ مِنَ الوَسِيلَةِ المَأْمُورِ بِهَا -كَمَا يَقْصِدُ بِهِ المُبْتَدِعَةُ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾ -! وَحَيثُ أَنَّهُ لَم يَقُمْ عَلَيهِ دَلِيلٌ صَحِيحٌ مِنْ فِعْلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَإِنَّهُ يَبْدُو جَلِيًّا أَنَّ ذَلِكَ لَيسَ هُوَ المَقْصُودُ بِالَحَدِيثِ، وَالحَمْدُ للهِ.\n- فَائِدَة ١: أمَّا الزِّيَادَةُ الَّتِي وَرَدَتْ عِنْدَ ابْنِ أَبِي خَيثَمَةَ فِي تَارِيخِهِ فِي آخِرِ الحَدِيثِ وَهيَ: «وَإِنْ كَانَتْ حَاجَةٌ؛ فَافْعَلْ مِثْلَ ذَلِكَ» فَهِيَ زِيَادَةٌ شَاذَّةٌ (^٢).\nوَلَو صَحَّتْ لَمْ تَكُنْ دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ التَّوَسُّلِ بِذَاتِهِ ﷺ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَولِه: «فَافْعَلْ مِثْلَ ذَلِكَ» يَعني: مِنْ إِتْيَانِهِ ﷺ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، وَطَلَبِ الدُّعَاءِ مِنْهُ وَالتَّوَسُّلِ بِهِ وَالتَّوَضُّؤِ وَالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ الَّذِي عَلَّمَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَدْعُو بِهِ. وَاللهُ أَعْلَمُ.\n- فَائِدَة ٢: أَمَّا الزِّيَادَةُ الثَّانِيَةُ وَهيَ قِصَّةُ الرَّجُلِ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَتَوَسُّلِهِ\n_________\n(^١) كَمَا أَنَّهُ لَو كَانَ السِّرُّ فِي شِفَاءِ الأَعْمَى أَنَّهُ تَوَسَّلَ بِجَاهِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْرِهِ وَحَقِّهِ -كَمَا يَفْهَمُ عَامَّةُ المُتَأَخِّرِينَ- لَكَانَ مِنَ اللَّازِمِ أَنْ يَحْصُلَ هَذَا الشِّفَاءُ لِغَيرِهِ مِنَ العُمْيَانِ الَّذِينَ يَتَوَسَّلُونَ بِجَاهِهِ ﷺ، بَلْ وَيَضُمُّونَ إِلَيهِ أَحْيَانًا جَاهَ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ وَكُلِّ الأَولِيَاءِ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَجَاهِ كُلِّ مَنْ لَهُ جَاهٌ عِنْدَ اللهِ مِنَ المَلَائِكَةِ وَالإنْسِ وَالجِنِّ أَجْمَعِينَ!\n(^٢) وَقَد تَفَرَّدَ فِيهَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَخَالَفَ بِذَلِكَ رِوَايَةَ شُعْبَةَ -وَهُوَ أَجَلُّ مَنْ رَوَى هَذَا الحَدِيثَ-.","vol":"2","page":271},{"text":"بِهِ ﷺ بَعْدَ مَوتِهِ حَتَّى قَضَى لَهُ حَاجَتَهُ؛ فَقَدْ أَخْرَجَهَا الطَّبَرَانيُّ فِي المُعْجمِ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ (^١)، وَهِيَ قِصَّةٌ ضَعِيفَةٌ مُنْكَرَةٌ (^٢).\n_________\n(^١) المُعْجَمُ الكَبِيرُ (٩/ ٣٠)، وَالمُعْجَمُ الصَّغِيرُ (٥٠٨).\nوَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ المَكِّيِّ -شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ-، عَنْ رَوحِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الخَطْمِيِّ المَدَنِيِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيفٍ، عَنْ عَمِّهِ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيفٍ: أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَخْتَلِفُ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي حَاجَةٍ لَهُ، فَكَانَ عُثْمَانُ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيهِ وَلَا يَنْظُرُ فِي حَاجَتِهِ، فَلَقِيَ ابْنَ حُنَيفٍ؛ فَشَكَا ذَلِكَ إِلَيهِ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيفٍ: ائْتِ المِيضَأَةَ؛ فَتَوَضَّأْ، ثُمَّ ائْتِ المَسْجِدَ؛ فَصَلِّ فِيهِ رَكْعَتَينِ، ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيكَ بنبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ؛ إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّي فَتَقْضِي لِي حَاجَتِي -وَتُذَكُرُ حَاجَتَكَ-، وَرُحْ حَتَّى أَرْوَحَ مَعَكَ، فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ؛ فَصَنَعَ مَا قَالَ لَهُ، ثُمَّ أَتَى بَابَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَجَاءَ البَوَّابُ حَتَّى أَخَذَ بِيَدِهِ فَأَدْخَلَهُ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى الطِّنْفِسَةِ [البِسَاطِ]، فَقَالَ: حَاجَتُكَ؟ فَذَكَرَ حَاجَتَهُ وَقَضَاهَا لَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَا ذَكَرْتُ حَاجَتَكَ حَتَّى كَانَ السَّاعَةُ، وَقَالَ: مَا كَانَتْ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ؛ فَائتِنَا، ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ فَلَقِيَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيفٍ، فَقَالَ لَهُ: جَزَاكَ اللهُ خَيرًا مَا كَانَ يَنْظُرُ فِي حَاجَتِي وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيَّ حَتَّى كَلَّمْتَهُ فِيَّ، فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيفٍ: وَاللَّهِ مَا كَلَّمْتُهُ! وَلَكِنِّي شَهِدْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأَتَاهُ ضَرِيرٌ فَشَكَا إِلَيهِ ذَهَابَ بَصَرِهِ؛ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «فَتَصَبَّر؟» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ لَيسَ لِي قَائِدٌ، وَقَدْ شَقَّ عَلَيَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ائْتِ المِيضَأَةَ؛ فَتَوَضَّأْ، ثُمَّ صَلِّ رَكْعَتَينِ، ثُمَّ ادْعُ بِهَذِهِ الدَّعَوَاتِ»، قَالَ ابْنُ حُنَيفٍ: فَوَاللَّهِ مَا تَفَرَّقْنَا وَطَالَ بِنَا الحَدِيثُ حَتَّى دَخَلَ عَلَينَا الرَّجُلُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهِ ضُرٌّ قَطُّ! حَدَّثَنَا إِدْرِيسُ بْنُ جَعْفَرٍ العَطَّارُ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ فَارِسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الخَطْمِيِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيفٍ، عَنْ عَمِّهِ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيفٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ. وَالحَدِيثُ صَحِيحٌ [قَالَهُ الطَّبَرانيُّ ﵀].\nقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: \"قُلْتُ: لَا شَكَّ فِي صِحَّةِ الحَدِيثِ -النَّبَوِيِّ-، وَإِنَّمَا البَحْثُ الآنَ فِي هَذِهِ القِصَّةِ الَّتِي تَفَرَّدَ بِهَا شَبِيبُ بْنُ سَعِيدٍ كَمَا قَالَ الطَّبَرانِيُّ\".\n(^٢) قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: \"وَخُلَاصَةُ القَولِ: إِنَّ هَذِهِ القِصَّةَ ضَعِيفَةٌ مُنْكَرَةٌ؛ لِأُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: ضَعْفِ حِفْظِ المُتَفَرِّدِ بِهَا -شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ-، وَالاخْتِلَافِ عَلَيهِ فِيهَا، وَمُخَالَفَتِهِ لِلثِّقَاتِ الَّذِينَ لَم يَذْكُرُوهَا فِي الحَدِيثِ. وَأَمْرٌ وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمُورِ كَافٍ لِإِسْقَاطِ هَذِهِ القِصَّةَ؛ فَكَيفَ بِهَا مُجْتَمِعَةً\"؟!","vol":"2","page":272},{"text":"وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَمَنْ رَأَى أَنَّ تَوَسُّلَ الأَعْمَى كَانَ بِذَاتِهِ ﷺ؛ فَعَلَيهِ أَنْ يَقِفَ عِنْدَهُ، وَلَا يَزِيدَ عَلَيهِ، كَمَا نُقِلَ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ وَالشَّيخِ العِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ البَحْثُ العِلْمِيُّ مَعَ الإِنْصَافِ، وَاللهُ المُوَفِّقُ للصَّوَابِ.\n- فَائِدَة ٣: وَأَمَّا الخِطَابُ فِي قَولِهِ هُنَا (يَا مُحَمَّدُ) -بِالنِّدَاءِ- فَفِيهِ تَوجِيهَانِ:\n١ - أَنَّهُ كَانَ بِحَضْرَتِهِ ﷺ؛ وَعَلَيهِ فَلَا إِشْكَالَ.\nقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: \"هَذَا إِذَا افْتُرِضَ أَنَّ النّبيَّ ﷺ كَانَ بَعِيدًا أَو غَائِبًا عَنْهُ لَا يَسْمَعُهُ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي حُضُورِهِ ﷺ؛ فَلَا إِشْكَالَ\" (^١).\n٢ - قَالَ شَيخُ الإْسَلَامِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: \"هَذَا وَأَمْثَالَهُ: نِدَاءٌ يُطْلَبُ مِنْهُ اسْتِحْضَارُ المُنَادَى فِي القَلْبِ؛ فَيُخَاطَبُ المَشْهُودُ بِالقَلْبِ، كَمَا يَقُولُ المُصَلِّيُ: السَّلَامُ عَلَيكَ أيُّها النَّبِيُّ ورَحْمَةُ اللهُ وبَرَكَاتُهُ، وَالإِنْسَانُ يَقُولُ مِثْلَ هَذَا كَثِيرًا؛ يُخَاطِبُ مَنْ يَتَصَوَّرُهُ فِي نَفْسِهِ وإنْ لَمْ يكنْ فِي الخَارِجِ مَنْ يَسْمَعُ الخِطَابَ\" (^٢).\nقُلْتُ: وَتَأْكِيدًا عَلَى أَنَّ (يَا) النِّدَاء هُنَا المَقْصُودُ بِهَا اسْتِحْضَارُ صُورَةِ المُخَاطَبِ بِهَا فِي الذِّهْنِ؛ أَنَّ مَا بَعْدَهَا لَيسَ فِيهِ طَلَبٌ مِنَ المُنَادَى! وَإِلَّا لَرَأَيتَ بَعْدَهَا: يَا مُحَمَّدُ؛ اسْأَلِ اللهَ لِي!! أَو اشْفَعْ لِي!! وَنَحْوَ هَذَا.\nوَعَلَيهِ أَيضًا؛ فَإِنَّ النِّدَاءَ هُنَا لَيسَ دُعَاءً مِنْ دُونِ اللهِ -كَمَا ذَهَبَ إِلَيهِ بَعْضُ الغُلَاةِ- وَإِنَّمَا هُوَ تَوَسُّلٌ بِالدُّعَاءِ.\n- فَائِدَة ٤: فِي مُجْمَلِ أَمْرِهِ ﷺ لِلضَّرِيرِ جَمْعٌ لَطِيفٌ بَينَ أَنْوَاعِ التَّوَسُّلِ\n_________\n(^١) تَحْقِيقُ كِتَابِ (الآيَاتُ البَيِّنَاتُ) (ص ٩١).\n(^٢) اقْتِضَاءُ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ (٢/ ٣١٩).","vol":"2","page":273},{"text":"المَشْرُوعَةِ، حَيثُ أَمَرَهُ ﷺ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَيُصَلِّيَ رَكْعَتَين ثُمَّ يَدْعُوَ لِنَفْسِهِ -وَهَذِهِ الأَعْمَالُ طَاعَةٌ للهِ ﷾ يُقَدِّمُهَا بَينَ يَدي دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ، وَهيَ تَدْخُلُ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾ كَمَا سَبَقَ-، ثُمَّ أَنْ يَتَوَسَّلَ بِصِفَةِ الأُلُوهِيَّةِ للهِ تَعَالَى فِي قَولِهِ: (اللَّهُمَّ)، ثُمَّ جَاءَ دُعَاءُ الرَّجُلِ الصَّالِحِ بَعْدَهُ.","vol":"2","page":274},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-377> الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ: الأَحَادِيثُ الضَّعِيفَةُ فِي التَّوَسُّلِ، وَأَشْهَرُهَا:</span>\n١ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْريِّ مَرْفُوعًا: «مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيتِهِ إِلَى الصَّلَاةِ؛ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيكَ، وَبِحَقِّ مَمْشَايَ هذَا» (^١). وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، فِيهِ عَطِيَّةُ العَوفِيُّ؛ مُجْمَعٌ عَلَى ضَعْفِهِ (^٢).\n٢ - كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: «بِسْمِ اللهِ، آمَنْتُ باللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ، لَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، اللَّهُمَّ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيكَ، وَبِحَقِّ مَخْرَجِي هَذَا؛ فَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْهُ أَشَرًا وَلَا بَطَرًا وَلَا رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً، خَرَجْتُ ابْتِغاءَ مَرْضَاتِكَ، وَاتِّقاءَ\n_________\n(^١) رَوَاهُ أَحْمَدُ (١١١٥٦)، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَطِيَّةَ العَوفِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وَعَطِيَّةُ ضَعِيفٌ، قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي التَّقْرِيبِ (١/ ٣٩٣): \"صَدُوقٌ يُخْطِئُ كَثِيرًا، كَانَ شِيعِيًا مُدَلِّسًا\"، وَقَالَ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ المُغْنِي فِي الضُّعَفَاءِ (٢/ ٤٣٦): \"مُجْمَعٌ عَلَى ضَعْفِهِ\". وَانْظُرِ الكَلَامَ عَلَى الحَدِيثِ مُفَصَّلًا فِي الضَّعِيفَةِ (٢٤).\nوَقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: \"وَخُلَاصَةُ ذَلِكَ أَنَّ عَطِيَّةَ هَذَا كَانَ يَروي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁؛ فَلَمَّا مَاتَ جَالَسَ أَحَدَ الكَذَّابِينَ المَعْرُوفِينَ بِالكَذِبِ فِي الحَدِيثِ وَهُوَ الكَلبِيُّ، فَكَانَ عَطِيَّةُ إِذَا رَوَى عَنْهُ كَنَّاهُ أَبَا سَعِيدٍ؛ فَيَتَوَهَّمُ السَّامِعُونَ مِنْهُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ! وَهَذَا وَحْدَهُ عِنْدِي يُسْقِطُ عَدَالَةَ عَطِيَّةَ هَذَا؛ فَكَيفَ إِذَا انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ سُوءُ حِفْظِهِ! \". التَّوَسُّلِ (ص ٩٣).\nوَأَورَدَهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي رِسَالَتِهِ (طَبَقَاتُ المُدَلِّسِينَ) (ص ٥٠)، فَقَالَ: \"تَابِعِيٌّ مَعْرُوفٌ، ضَعِيفُ الحِفْظِ؛ مَشْهُورٌ بِالتّدْلِيسِ القَبِيحِ\"، ذَكَرَهُ فِي المَرْتَبَةِ الرَّابِعَةِ؛ وَهيَ الَّتِي يُورِدُ فِيهَا مَنْ اتُّفِقَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُحْتَجُّ بِشَيءٍ مِنْ حَدِيثِهِم إِلَّا ِبمَا صَرَّحُوا فِيهِ بِالسَّمَاعِ؛ لِكَثْرَةِ تَدْلِيسِهِم عَنِ الضُّعَفَاءِ وَالمَجَاهِيلَ.\n(^٢) وَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ: «مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيتِهِ إِلَى الصَّلَاةِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيكَ، وَأَسْأَلُكَ بِحَقِّ مَمْشَايَ هذَا؛ فَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشَرًا، وَلَا بَطَرًا، وَلَا رِيَاءً، وَلَا سُمْعَةً، وَخَرَجْتُ اتِّقَاءَ سَخَطِكَ، وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ؛ فَأَسْأَلُكَ أَنْ تُعِيذَنِي مِنَ النَّارِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ: أَقْبَلَ اللهُ عَلَيهِ بِوَجْهِهِ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى تَنْقَضِيَ صَلَاتُهُ».","vol":"2","page":275},{"text":"سَخَطِكَ، أَسْأَلُكَ أَنْ تُعِيذَنِي مِنَ النَّارِ وتُدْخِلَنِي الجَنَّةَ» (^١). مُنْكَرٌ، فِيهِ الوَازِعُ بْنُ نَافِعٍ العُقَيلِيُّ؛ وَهوَ مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهِ.\nوَلَكِنْ مَعَ كَونِ هَذَينِ الحَدِيثَينِ ضَعِيفَينِ؛ فَهُمَا لَا يَدُلَّانِ عَلَى التَّوَسُّلِ بِالمَخْلُوقِينَ أَبَدًا! وَإِنَّمَا يَعُودَانِ إِلَى أَحَدِ أَنْوَاعِ التَّوَسُّلِ المَشْرُوعَةِ الَّذِي تَقَدَّمَ الكَلَامُ عَنْهُ، وَهُوَ التَّوَسُّلِ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ ﷿، لِأَنَّ فِيهِمَا التَّوَسُّلَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَى اللهِ، وَبِحَقِّ مَمْشَى المُصَلِّينَ، فَمَا هُوَ حَقُّ السَّائِلِينَ عَلَى اللهِ تَعَالَى؟ لَا شَكَّ أَنَّهُ إِجَابَةُ دُعَائِهِم، وَإِجَابَةُ اللهِ دُعَاءَ عِبَادِهِ هِيَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ ﷿، وَكَذَلِكَ حَقُّ مَمْشَى المُسْلِمِ إِلَى المَسْجِدِ هُوَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُ وَيُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وَأَنْ يَجْعَلَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ حَسَنَةً وَيَمْحِي عَنْهُ سَيِّئَةً، وَمَغْفِرَةُ اللهِ تَعَالَى وَرَحْمَتُهُ وَإِدْخَالُهُ بَعْضَ خَلْقِهِ مِمَّنْ يُطِيعُهُ الجَنَّةَ؛ كُلُّ ذَلِكَ صِفَاتٌ لَهُ ﵎، وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ الَّذِي يَحْتَجُّ بِهِ المُبْتَدِعُونَ يَنْقَلِبُ عَلَيهِم.\n٣ - عَنْ أَبي أُمَامَةَ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَى دَعَا بِهَذَا الدُّعَاءِ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ أَحَقُّ مَنْ ذُكِرَ، وَأَحَقُّ مَنْ عُبَدَ، أَسْأَلُكَ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ بِكُلِّ حَقٍّ هُوَ لَكَ وَبِحَقِّ السَّائِلِينَ» (^٢).\n_________\n(^١) الحَدِيثُ أَخْرَجَهُ ابْنُ السُّنِّيِّ فِي عَمَلِ اليَومِ وَاللَّيلَةِ (١/ ٧٥) مِنْ طَريقِ الوَازِعِ بْنِ نَافِعٍ العُقَيلِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ بِلَالٍ.\nوَهَذَا سَنَدٌ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَآفَتُهُ الوَازِعُ هَذَا؛ فَإِنَّهُ لَم يَكُنْ عِنْدَهُ وَازِعٌ يَمْنَعُهُ مِنَ الكَذِبِ! كَمَا فِي الضَّعِيفَةِ (٦٢٥٢)، وَفِيهَا: \"وَلِذَلِكَ لَمَّا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الأَذْكارِ: حَدِيثٌ ضَعِيفٌ؛ أَحَدُ رُوَاتِهِ الوَازِعُ بْنُ نَافِعٍ العُقَيليُّ -وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهِ؛ وَأَنَّهُ مُنْكَرُ الحَدِيثِ- قَالَ الحَافِظُ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ: هَذَا حَدِيثٌ وَاهٍ جِدًّا، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي (الأَفْرَادِ) مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ الوَازِعُ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهِ؛ وَأَنَّهُ مُنْكَرُ الحَدِيثِ\".\n(^٢) الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ (٨/ ٢٦٤).\nوَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ: عَنْ أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَصْبَحَ وَأمْسَى دَعَا بِهَؤُلَاءِ\n=","vol":"2","page":276},{"text":"وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا. رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ، وَفِيهِ فَضَّالُ بْنُ جُبَيرٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا، اتَّهَمَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^١) (^٢).\n٤ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: لَمَّا مَاتَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدِ بْنِ هَاشِمٍ -أُمُّ عَلِيِّ بِنْ أَبِي طَالِبٍ-؛ دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أُسَامَةَ بْنَ زَيدٍ وَأَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ وَعُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ وَغُلَامًا أَسْوَدَ يَحْفُرُونَ، فَلَمَّا فَرَغَ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاضْطَجَعَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ؛ اغْفِرْ لأُمِّي فَاطِمَةَ بِنْتِ أَسَدٍ، ولَقِّنْهَا حُجَّتَها، وَوَسِّعْ عَلَيهَا مُدْخَلَهَا؛ بِحَقِّ نَبِيِّكَ وَالأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِي؛ فَإِنَّكَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» (^٣). مُنْكَرٌ. رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ فِي الكَبيرِ وَالأَوسَطِ، وَفِيهِ رَوحُ بْنُ صَلَاحٍ\n_________\n=\nالدَّعَوَاتِ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ أَحَقُّ مَنْ ذُكِرَ، وَأَحَقُّ مَنْ عُبِدَ، وَأَنْصَرُ مَنْ ابْتُغِي، وَأَرْأَفُ مَنْ مَلَكَ، وَأَجْوَدُ مَن سُئِلَ، وَأَوسَعُ مَنْ أَعْطَى، أَنْتَ المَلِكُ لَا شَرِيكَ لَكَ، وَالفَرْدُ لَا تَهْلَكُ، كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَكَ، لَنْ تُطَاعَ إِلَّا بِإذْنِكَ، وَلَنْ تُعْصَى إِلَّا بِعِلْمِكَ، تُطَاعُ فَتَشْكُرُ، وَتُعْصَى فَتَغْفِرُ، أَقْرَبُ شَهِيدٍ، وَأدْنَى حَفِيظٍ، حِلْتَ دُونَ الثُّغُورِ، وَأَخَذْتَ بِالنَّوَاصِي، وَكَتَبْتَ الآثَارَ، وَنَسَخْتَ الآجَالَ، القُلُوبُ لَكَ مُفْضِيَّةٌ، وَالسِّرُّ عِنْدَكَ عَلَانِيَّةٌ، الحَلَالُ مَا أَحْلَلَتَ، وَالحَرَامُ مَا حَرَّمْتَ، وَالدِّينُ مَا شَرَّعْتَ، وَالأَمْرُ مَا قَضَيتَ، وَالخَلْقُ خَلْقُكَ، وَالعَبْدُ عَبْدُكَ، وَأَنْتَ اللهُ الرَّؤُوفُ الرَّحِيمُ، أَسأَلُكَ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَبِكُلِّ حَقٍّ هُوَ لَكَ، وَبِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيكَ أَنْ تَقْبَلَنِي فِي هَذِهِ الغَدَاةِ أَو فِي هَذِهِ العَشِّيةِ، وَأَنْ تُجِيرَنِي مِنَ النَّارِ بِقُدْرَتِكَ».\n(^١) كِتَابُ المَجْرُوحِينَ (٢/ ٢٠٤)، وَقَالَ ابْنُ عَدِّيٍّ ﵀ فِي كِتَابِهِ الكَامِلُ (٧/ ١٣١): \"وَلِفَضَّالِ بْنِ جُبَيرٍ عَنِ أَبِي أُمَامَةَ قَدْرُ عَشَرَةِ أَحَادِيثَ؛ كُلُّهَا غَيرُ مَحْفُوظَةٍ\".\n(^٢) انْظُرِ الضَّعِيفَةَ (٦٢٥٣).\n(^٣) الطَّبَرَانيُّ فِي الكَبيرِ (٢٤/ ٣٥١) وَالمُعْجَمِ الأَوسَطِ (١٨٩).\nوَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ -كَمَا فِي المُعْجَمِ الكَبِيرِ-: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: لَمَّا مَاتَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدِ بْنِ هَاشِمٍ -أُمُّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ- دَخَلَ عَلَيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَجَلَسَ عِنْدَ رَأْسِهَا، فَقَالَ: «رَحِمَكِ اللهُ يَا\n=","vol":"2","page":277},{"text":"ضَعِيفٌ تَفَرَّدَ بِهِ (^١).\n٥ - عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أَسِيد؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْتَفْتِحُ بِصَعَالِيكِ المُهَاجِرِينَ.\nأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانيُّ فِي المُعْجَمِ الكَبِيرِ (^٢)، وَيَرَى المُخَالِفُونَ أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ يُفِيدُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَطْلُبُ مِنَ اللهِ تَعَالَى أَنْ يَنْصُرَهُ وَيَفْتَحَ عَلَيهِ بِالضُّعَفَاءِ المَسَاكِينِ مِنَ المُهَاجِرِينَ، وَهَذَا -بِزَعْمِهِم- هُوَ التَّوَسُّلُ المُخْتَلَفُ فِيهِ نَفْسُهُ.\nوَلَكِنَّ الحَدِيثَ مُرْسَلٌ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ أُمَيَّةَ لَم تَثْبُتْ لَهُ صُحْبَةٌ (^٣).\nثُمَّ يُقَالُ: إِنَّ الحَدِيثَ لَو صَحَّ فَلَا يَدُلُّ إِلَّا عَلَى مِثْلِ مَا دَلَّ عَلَيهِ حَدِيثُ عُمَرَ وَحَدِيثُ الأَعْمَى مِنَ التَّوَسُّلِ بِدُعَاءِ الصَّالِحِينَ.\nقَالَ المُنَاوِيُّ ﵀: \"كَانَ يَسْتَفْتِحُ؛ أَي: يَفْتَتِحُ القِتَالَ، مِنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ\n_________\n=\nأُمِّي، كُنْتِ أُمِّي بَعْدَ أُمِّي، وتُشْبِعِينِي وَتَعْرَينَ، وتُكْسِينِي وَتَمْنَعِينَ نَفْسَكِ طَيِّبًا، وتُطْعِمِينِي تُرِيدِينَ بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ وَالدَّارَ الآخِرَةَ»، ثُمَّ أَمَرَ أَنْ تُغَسَّلَ ثَلَاثًا، فَلَمَّا بَلَغَ المَاءَ الَّذِي فِيهِ الكَافُورُ؛ سَكَبَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ، ثُمَّ خَلَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَمِيصَهُ، فَأَلْبَسَهَا إِيَّاهُ وَكَفَّنَهَا بِبُرْدٍ فَوقَهُ، ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أُسَامَةَ بْنَ زَيدٍ وَأَبَا أَيُّوبٍ الأَنْصَارِيَّ وَعُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ وَغُلَامًا أَسْوَدَ يَحْفُرُونَ فَحَفَرُوا قَبْرَهَا، فَلَمَّا بَلَغُوا اللَّحْدَ حَفَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ، وَأَخْرَجَ تُرَابَهُ بِيَدِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاضْطَجَعَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، اغْفِرْ لأُمِّي فَاطِمَةَ بِنْتِ أَسَدٍ، وَلَقِّنْهَا حُجَّتَها، وَوَسِّعْ عَلَيهَا مُدْخَلَهَا؛ بِحَقِّ نَبِيِّكَ وَالأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِي؛ فَإِنَّكَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» وَكَبَّرَ عَلَيهَا أَرْبَعًا، وأَدْخَلُوهَا اللَّحْدَ -هُوَ وَالعَبَّاسُ وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ-.\n(^١) الضَّعِيفَةُ (٢٣).\n(^٢) الطَّبَرَانيُّ فِي المُعْجَمِ الكَبِيرِ (١/ ٢٩٢).\n(^٣) قَالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ ﵀ فِي كِتَابِهِ الاسْتِيعَابُ (١/ ١٠٧): \"لَا تَصِحُّ عِنْدِي صُحْبَتُهُ، وَالحَدِيثُ مُرْسَلٌ\".","vol":"2","page":278},{"text":"تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأَنْفَال: ١٩] ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وَيَسْتَنْصِرُ؛ أَي: يَطْلُبُ النُّصْرَةَ بِصَعَالِيكِ المُسْلِمِينَ؛ أَي: بُدُعَاءِ فُقَرَائِهِم الَّذِينَ لَا مَالَ لَهُم\" (^١).\nوَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «هَلْ تُنْصَرُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ؛ بِدَعْوَتِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ» (^٢).\n٦ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَمَّا اقْتَرَفَ آدَمُ الخَطِيئَةَ قَالَ: يَا رَبِّ؛ أَسْأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ لَمَا غَفَرْتَ لِي، فَقَالَ اللهُ: يَا آدَمُ، وَكَيفَ عَرَفْتَ مُحَمَّدًا وَلَمْ أَخْلُقْهُ؟! قَالَ: يَا رَبِّ، لِأَنَّكَ لَمَّا خَلَقْتَنِي بِيَدِكَ وَنَفَخْتَ فِيَّ مِنْ رُوحِكَ؛ رَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيتُ عَلَىَ قَوَائِمِ العَرْشِ مَكْتُوبًا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ؛ فَعَلِمْتُ أَنَّكَ لَمْ تُضِفْ إِلَى اسْمِكَ إِلَّا أَحَبَّ الخَلْقِ إِلَيكَ، فَقَالَ اللهُ: صَدَقْتَ يَا آدَمُ، إِنَّهُ لَأَحَبُّ الخَلْقِ إِلَيَّ، ادْعُنِي بِحَقِّهِ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ، وَلَولَا مُحَمَّدٌ مَا خَلَقْتُكَ». أَخْرَجَهُ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ (^٣)، وَهُوَ مَوضُوعٌ، فِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ وَاهٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمٍ الفِهْرِيُّ مُتَّهَمٌ بِوَضْعِ الحَدِيثِ (^٤).\n_________\n(^١) فَيضُ القَدِيرِ (٥/ ٢١٩).\n(^٢) صَحِيحٌ. حِلْيَةُ الأَولِيَاءِ (٨/ ٢٨٩) عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٧٠٣٤).\n(^٣) مَوضُوعٌ. الحَاكِمُ (٤٢٢٨). وَقَالَ عَقِبَهُ ﵀: \"صَحِيحُ الإِسْنَادِ؛ وَهُوَ أَوَّلُ حَدِيثٍ ذَكَرْتُهُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي هَذَا الكِتَابِ\"! فَتَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيُّ ﵀ بِقَولِهِ: \"قُلْتُ: بَلْ مَوضُوعٌ؛ وَعَبُدُ الرَّحْمَنِ وَاهٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمٍ الفِهْرِيُّ لَا أَدْري مَنْ ذَا\".\nقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: \"وَمِنْ تَنَاقُضِ الحَاكِمِ فِي المُسْتَدْرَكِ نَفْسِهِ أَنَّهُ أَورَدَ فِيهِ حَدِيثًا آخَرَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذَا وَلَم يُصَحِّحْهُ، بَلْ قَالَ: وَالشَّيخَانِ لَم يَحْتَجَّا بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيدٍ\"! قُلْتُ: انْظُرِ المُسْتَدْرَكَ (٣/ ٣٧٤).\n(^٤) وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ بَعْضِهِم بِأَنَّ الحَافِظَ العَسْقَلَانِيَّ ﵀ حَكَمَ عَلَى (عَبْدِ الرَّحْمَن ِبْنِ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ) أَنَّهُ ضَعِيفٌ فَقَط -كَمَا فِي اللِّسَانِ (٤/ ٢٩) -! فَلَا يُفِيدُهُم شَيئًا بِفَضْلِ اللهِ؛ فَإِنَّ الحَافِظَ نَفْسَهُ قَالَ عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَصْلًا أَنَّهُ خَبَرٌ بَاطِلٌ، كَمَا تَجِدُهُ فِي تَرْجَمَةِ (عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمٍ الفِهْرِيِّ) مِنْ نَفْسِ الكِتَابِ (٣/ ٣٥٩). وَالحَمْدُ للهِ.","vol":"2","page":279},{"text":"وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا ذَهَبَ إِلَيهِ العُلَمَاءُ مِنْ وَضْعِ هَذَا الحَدِيثِ وَبُطْلَانِهِ أَنَّهُ يُخَالِفُ القُرْآنَ الكَرِيمَ فِي مَوضِعَينِ مِنْهُ؛ وَهُمَا:\nأ- أَنَّهُ تَضَمَّنَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى غَفَرَ لِآدَمَ بِسَبَبِ تَوَسُّلِهِ بِهِ ﷺ؛ وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ لَهُ: «يَا آدَمُ، وَكَيفَ عَرَفْتَ مُحَمَّدًا وَلَمْ أَخْلُقْهُ؟!»، وَاللهُ ﷿ يَقولُ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البَقَرَة: ٣٧]، فَالحَقِيقَةُ أَنَّ هَذَا التَّلَقِّي لِلْكَلِمَاتِ هُوَ سَبَبُ قَبُولِ التَّوبَةِ (^١).\nب- قَولُهُ فِي آخِرِهِ: «وَلَولَا مُحَمَّدٌ مَا خَلَقْتُكَ»! مُعَارِضٌ لِمَا قَد أَخْبَرَنَا اللهُ تَعَالَى بِهِ عَنِ الحِكْمَةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا خَلَقَ آدَمَ وَذُرِّيَّتَهُ، فَقَالَ ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذَّارِيَات: ٥٦] (^٢).\n_________\n(^١) قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: \"وَقَد جَاءَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الكَلِمَاتِ عَنْ تَرْجُمَانِ القُرْآنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ بِمَا يُخَالِفُ هَذَا الحَدِيثَ، فَأَخْرَجَ الحَاكِمُ (٣/ ٥٤٥) عَنْهُ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ قَالَ: أَي رَبِّ؛ أَلَمْ تَخْلُقْنِي بِيَدِكَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: أَي رَبِّ؛ أَلَمْ تَنْفُخْ فِيَّ مِنْ رُوحِكَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: أَي رَبِّ؛ أَلَمْ تُسْكِنِّي جَنَّتَكَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: أَي رَبِّ؛ أَلَمْ تَسْبِقْ رَحْمَتُكَ غَضَبَكَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: أَرَأَيتَ إِنْ تُبْتُ وَأَصْلَحْتُ؛ أَرَاجِعِي أَنْتَ إِلَى الجَنَّةِ؟ قَالَ: بَلَى [فِي غَيرِهَا مِنَ الأُصُولِ: نَعَم. وَهُوَ الصَّوَابُ لُغَةً]. قَالَ: فَهُوَ قَولُهُ ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾. قَالَ الحَاكِمُ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ، وَهُوَ كَمَا قَالَا.\nوَقَولُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا هُوَ فِي حُكْمِ المَرْفُوعِ مِنْ وَجْهَينِ:\n١ - أَنَّهُ أَمْرٌ غَيبِيٌّ؛ لَا يُقَالُ مِنْ مُجَرَّدِ الرَّأْي.\n٢ - أَنَّهُ وَرَدَ فِي تَفْسِيرِ الآيَةِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَهوَ فِي حُكْمِ المَرْفُوعِ\".\n(^٢) وَمِثْلُهُ الحَدِيثُ المَشْهُورُ لَفْظًا: «يَا مُحَمَّدُ، لَولَاكَ مَا خَلَقْتُ الدُّنْيَا»!! وَهُوَ مَوضُوعٌ، كَمَا فِي تَلْخِيصِ كِتَابِ المَوضُوعَاتِ (ص ٨٦) لِلحَافِظِ الذَّهَبِيِّ؛ وَفِيهِ أَيضًا: \"وَقَالَ ابْنُ الجَوزِيِّ: مَوضُوعٌ بِلَا شَكٍّ، وَيَحْيَى البَصْرِيُّ تَالِفٌ كَذَّابٌ، وَالسَّنَدُ فِيهِ ظُلْمَةٌ\".","vol":"2","page":280},{"text":"وَأَمَّا زَعْمُ بَعْضِهِم أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ فَقَط -جَدَلًا-؛ وَأَنَّ الحَدِيثَ الضَّعِيفَ يُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الأَعْمَالِ اتِّفَاقًا! فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ أَيضًا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ هَذَا التَّوَسُّلِ، وَلِكَونِ الاسْتِحْبَابِ هُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ مِنَ الأَحْكَامِ الخَمْسَةِ -الَّتِي لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِنَصٍّ صَحِيحٍ تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ- فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ بِالحَدِيثِ الضَّعِيفِ، فَالأَمْرُ خَارِجٌ عَنْ مُجَرَّدِ الفَضَائِلِ (^١).\n_________\n(^١) قُلْتُ: وَمَعْنَى (فِي الفَضَائِلِ): أَي: إِيرَادُ الحَدِيثِ الضَّعِيفِ الإِسْنَادِ فِي مَعْرِضِ ذِكْرِ فَضِيلَةِ عَمَلٍ مَا ثَابِتٍ شَرْعًا، أَوِ الحَثِّ عَلَيهِ، وَلَيسَ فِي مَعْرِضِ إِثْبَاتِ حُكْمٍ بِهِ! وَدَعْوَى الاتِّفَاقِ هَذِهِ غَيرُ مُسَلَّمٍ بِهَا، وَالرَّاجِحُ عَدَمُ الجَوَازِ؛ لِأَنَّ الكُلَّ شَرْعٌ.\nوَلَكِنْ حَتَّى الَّذِينَ قَالُوا بِذَلِكَ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ قَدْ وَضَعُوا لِذَلِكَ العَمَلِ شُرُوطًا.\nقَالَ الحَافِظُ ابْن حَجَرٍ ﵀: \"وَلَكِنِ اشْتُهِرَ أَنَّ أَهْلَ العِلْمِ يَتَسَامَحُونَ فِي إِيرَادِ الأَحَادِيثِ فِي الفَضَائِلِ -وَإِنْ كَانَ فِيهَا ضَعْفٌ- مَا لَمْ تَكُنْ مَوضُوعَةً.\nوَيَنْبَغِي مَعَ ذَلِكَ اشْتِرَاطُ أَنْ يَعْتَقِدَ العَامِلُ كَونَ ذَلِكَ الحَدِيثِ ضَعِيفًا، وَأَنْ لَا يُشْهِرَ بِذَلِكَ؛ لِئَلَّا يَعْمَلَ المَرْءُ بِحَدِيثٍ ضَعِيفٍ؛ فَيُشَرِّعَ مَا لَيسَ بِشَرْعٍ! أَو يَرَاهُ بَعْضُ الجُهَّالِ؛ فَيَظُنُّ أَنَّهُ سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ! وَقَدْ صَرَّحَ بِمَعْنَى ذَلِكَ الأُسْتَاذُ أَبُو مُحَمَّدٍ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيرُهُ، وَلْيَحْذَرِ المَرْءُ مِنْ دُخُولِهِ تَحْتَ قَولِهِ ﷺ: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الكَذَّابِين» فَكَيفَ بِمَنْ عَمِلَ بِهِ؟! وَلَا فَرْقَ فِي العَمَلِ بِالحَدِيثِ فِي الأَحْكَامِ أَو فِي الفَضَائِلِ؛ إِذِ الكُلُّ شَرْعٌ\". تَبْيِينُ العَجَبِ بِمَا وَرَدَ فِي شَهْرِ رَجَب (ص ١١).\nوَقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (تَمَامُ المِنَّةِ) (ص ٣٦): \"فَهَذِهِ شُرُوطٌ ثَلَاثَةٌ مُهِمَّةٌ لِجَوَازِ العَمَلِ بِهِ:\n١ - أَنْ لَا يَكُونَ مَوضُوعًا.\n٢ - أَنْ يَعْرِفَ العَامِلُ بِهِ كَونَهُ ضَعِيفًا.\n٣ - أَنْ لَا يُشْهرَ العَمَلُ بِهِ\".\nقُلْتُ: وَيُضَافُ إِلَى ذَلِكَ أَنْ يَنْدَرِجَ العَمَلُ نَفْسُهُ تَحْتَ أَصْلٍ شَرْعِيٍّ.\n=","vol":"2","page":281},{"text":"٧ - حَدِيثُ: «تَوَسَّلُوا بِجَاهِي؛ فَإِنَّ جَاهِي عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ»، وَبَعْضُهُم يَرْوِيهِ بِلَفْظِ: «إِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ؛ فَاسْأَلُوهُ بِجَاهِي؛ فَإِنَّ جَاهِيَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ». هُوَ حَدِيثٌ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ فِي شَيءٍ مِنْ كُتُبِ الحَدِيثِ البَتَّةَ (^١).\n٨ - أَثَرُ الاسْتِسْقَاءِ بِالرَّسُولِ ﷺ بَعْدَ وَفَاتِهِ:\nقَالَ الحَافِظُ ﵀ فِي الفَتْحِ مَا نَصُّهُ: \"وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ مَالِكِ الدَّارِ وَكَانَ خَازِنَ عُمَرَ، قَالَ: أَصَابَ النَّاسَ قَحْطٌ فِي زَمَنِ عُمَرَ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى قَبْرِ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ اسْتَسْقِ لِأُمَّتِكَ؛ فَإِنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا! فَأَتَى الرَّجُلَ فِي المَنَامِ فَقِيلَ لَهُ: ائْتِ عُمَرَ .. الحَدِيثَ (^٢)، وَقَدْ رَوَى سَيفٌ فِي الفُتُوحِ أَنَّ الَّذِي رَأَى المَنَامَ المَذْكُورَ هُوَ بِلَالُ بْنُ الحَارِثِ المُزَنِيُّ أَحَدُ الصَّحَابَةِ\" (^٣).\n_________\n=\nقَالَ الشَّيخُ القَاسِمِيُّ ﵀: \"وَذَكَرَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ لَهُ ثَلَاثَةَ شُرُوطٍ:\nأَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الضَّعْفُ غَيرَ شَدِيدٍ؛ فَيَخْرُجُ مَنْ انْفَرَدَ مِنَ الكَذَّابِينَ وَالمُتَّهَمِينَ بِالكَذِبِ وَمَنْ فَحُشَ غَلَطُهُ. نَقَلَ العَلَائِيُّ الاتِّفَاقَ عَلَيهِ.\nالثَّانِي: أَنْ يَنْدَرِجَ تَحْتَ أَصْلٍ مَعْمُولٍ بِهِ.\nالثَّالِثُ: أَنْ لَا يَعْتَقِدَ عِنْدَ العَمَلِ بِهِ ثُبُوتَهُ؛ بَلْ يَعْتَقِد الاحْتِيَاطَ\". قَوَاعِدُ التَّحْدِيثِ (ص ١١٦).\n(^١) الضَّعِيفَةُ (٢٢).\nوَقَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ فِي مَجْمُوعِ الفَتَاوَى (١/ ٣٢٠): \"وَلَكِنَّ جَاهَ المَخْلُوقِ عِنْدَ الخَالِقِ تَعَالَى لَيسَ كَجَاهِ المَخْلُوقِ عِنْدَ المَخْلُوقِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَشْفَعُ عِنْدَهُ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَالمَخْلُوقُ يَشْفَعُ عِنْدَ المَخْلُوقِ بِغَيرِ إذْنِهِ؛ فَهُوَ شَرِيكٌ لَهُ فِي حُصُولِ المَطْلُوبِ؛ وَاللَّهُ تَعَالَى لَا شَرِيكَ لَهُ\". تَمَّ بِحَذْفٍ يَسِيرٍ.\n(^٢) أَي الَّذِي فِيهِ اسْتِسْقَاءُ عُمَرَ بِالعَبَّاسِ ﵄.\n(^٣) فَتْحُ البَارِي (٢/ ٤٩٥).","vol":"2","page":282},{"text":"وَالجَوَابُ عَلَيهِ هُوَ مِنْ وُجُوهٍ:\nأ- مَالِكُ الدَّارِ هَذَا غَيرُ معْرُوفِ العَدَالَةِ وَالضَّبْطِ، وَأَمَّا قَولُ الحَافِظِ ﵀: \"بِإسْنَادٍ صَحِيحٍ\" فَهوَ إِلَى مَالِكِ الدَّارِ، وَأَمَّا مَالِكُ نَفْسُهُ فَهوَ مَجْهُولٌ (^١)!\nب- أَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِمَا ثَبَتَ فِي الشَّرْعِ مِنْ اسْتِحْبَابِ إِقَامَةِ صَلَاةِ الاسْتِسْقَاءِ لِاسْتِنْزَالِ الغَيثِ مِنَ السَّمَاءِ.\nج- أَنَّ القِصَّةَ لَو صَحَّتْ -جَدَلًا- فَلَا حُجَّةَ فِيهَا؛ لِأَنَّ مَدَارَهَا عَلَى رَجُلٍ لَم يُسَمَّ؛ فَهُوَ مَجْهُولٌ أَيضًا، وَتَسْمِيَتُهُ بِلَالًا (بْنَ الحَارِثِ المُزَنِيَّ) فِي رِوَايَةِ سَيفٍ لَا تُسَاوِي شَيئًا! لِأَنَّ سَيفًا هَذَا -وَهُوَ ابْنَ عُمَرَ التَّمِيمِيَّ- مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهِ عِنْدَ المُحَدِّثِينَ (^٢).\nد- أَنَّ هَذَا الأَثَرَ لَيسَ فِيهِ التَّوَسُّلُ -مَوضُوعُ البَحْثِ- وَإِنَّمَا فِيهِ الطَّلَبُ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَهَذَا بَحْثٌ آخَرٌ؛ يَكْفِينَا القَولُ فِيهِ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يُونُس: ١٠٦] (^٣).\n٩ - حَدِيثُ الكُوَّةِ فَوقَ القَبْرِ (^٤):\nرَوَى الدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ؛ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ زَيدٍ؛ حَدَّثَنَا عَمْرو بْنُ مَالِكٍ\n_________\n(^١) وَقَد قَالَ الحَافِظُ المُنْذِرِيُّ ﵀ فِي قِصَّةٍ أُخْرَى مِنْ رِوَايَةِ مَالِكِ الدَّارِ عَنْ عُمَرَ: \"رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ فِي الكَبِيرِ، وَرُوَاتُهُ إِلَى مَالِكِ الدَّارِ ثِقَاتٌ مَشْهُورُونَ، وَمَالِكُ الدَّارِ لَا أَعْرِفُهُ\". التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ (٢/ ٢٩).\n(^٢) قَالَ ابْنُ حِبَّانَ ﵀ فِي كِتَابِهِ المَجْرُوحِينَ (١/ ٣٤٥): \"يَرْوِي المَوضُوعَاتِ عَنِ الأَثْبَاتِ\".\n(^٣) وَأَخِيرًا؛ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ الرَّدُّ مِنْ نَفْسِ الأَثَرِ؛ فَإِنَّ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ -فِي الرُّؤْيَا- لَمْ يُجِبْهُ وَإِنَّمَا أَحَالَهُ إِلَى الاسْتِسْقَاءِ بِالأَحْيَاءِ؛ فَقَالَ لَهُ: (ائْتِ عُمَرَ)!\n(^٤) وَقَدْ سَبَقَتِ المَسْأَلَةُ فِي مُلْحَقِ (قَوَاعِدُ ومَسَائِلُ فِي التَّبَرُّكُ وَالبَرَكَةِ)، وَالإِعَادَةُ لِلمُنَاسَبَةِ.","vol":"2","page":283},{"text":"النُّكْرِيُّ؛ حَدَّثَنَا أَبُو الجَوزَاءِ -أَوسُ بْنُ عَبْدِ اللهِ- قَالَ: قَحَطَ أَهْلُ المَدِينَةِ قَحْطًا شَدِيدًا، فَشَكَوا إِلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: انْظُرُوا قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ فَاجْعَلُوا مِنْهُ كُوًّا إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى لَا يَكُونَ بَينَهُ وَبَينَ السَّمَاءِ سَقْفٌ، قَالَ: فَفَعَلُوا، فَمُطِرْنَا مَطَرًا حَتَّى نَبَتَ العُشْبُ وَسَمِنَتِ الإِبِلُ حَتَّى تَفَتَّقَتْ مِنَ الشَّحْمِ؛ فَسُمِّيَ عَامَ الفَتْقِ (^١).\nفَمَا الجَوَابُ عَنْهُ؟\nالجَوَابُ من أَوجُهٍ:\n١ - أَنَّ الحَدِيثَ ضَعِيفٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ مُطْلَقًا بِسَبَبِ أُمُورٍ:\nأَوَّلِهَا: أَنَّ سَعِيدَ بْنَ زَيدٍ فِيهِ ضَعْفٌ، قَالَ فِيهِ الحَافِظُ فِي كِتَابِهِ (التَّقرِيبُ): \"صَدُوقٌ لَهُ أَوهَامٌ\" (^٢).\nوَثَانِيهَا: أَنَّ أبَا النُّعْمَانِ هَذَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ -يُعْرَفُ بِعَارِمٍ-، وَهوَ -وَإِنْ كَانَ ثِقَةً- فَقَد اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ (^٣).\n٢ - أَنَّهُ مَوقُوفٌ عَلَى عَائِشَةَ، وَلَيسَ بِمَرْفُوعٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَلَو صَحَّ؛ لَمْ تَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ، لِأَنَّه يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ الآرَاءِ الاجْتِهَادِيَّةِ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ مِمَّا يُخْطِئُونَ فِيهِ وَيُصِيبُونَ، وَلَسْنَا مُلْزَمِينَ بِالعَمَلِ بِهَا إِذَا لَمْ تُوَافِقِ السُّنَّةَ.\n٣ - مِمَّا يُبَيّنُ كَذِبَ هَذهِ الرِّوَايَةِ أَنَّه فِي مُدَّةِ حَيَاةِ عَائِشَةَ لَمْ يَكُنْ لِلبَيتِ كُوَّةٌ! بَلْ كَانَ بَاقِيًا كَمَا كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ -بَعْضُهُ مَسْقُوفٌ وَبَعْضُهُ مَكْشُوفٌ- وَكَانَتِ\n_________\n(^١) الدَّارِمِيُّ (٩٣).\n(^٢) التَّقرِيبُ (ص ٢٣٦).\n(^٣) قَالَ ابْنُ حِبَّانَ ﵀ فِي كِتَابِهِ (المَجْرُوحِينَ) (١/ ٣٤٥): \"يَرْوِي المَوضُوعَاتِ عَنِ الأَثْبَاتِ\".","vol":"2","page":284},{"text":"الشَّمْسُ تَنْزِلُ فِيهِ (^١)، وَلَم تَزَلِ الحُجْرَةُ كَذَلِكَ حَتَّى زَادَ الوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ فِي المَسْجِدِ فِي إِمَارَتِهِ لَمَّا أَدْخَلَ الحُجَرَ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ، وَمِنْ حِينِئِذٍ دَخَلَتِ الحُجْرَةُ النَّبَوِيَّةُ فِي المَسْجِدِ، ثُمَّ إِنَّه بَنَى حَولَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ الَّتِي فِيهَا القَبْرُ جِدَارًا عَالِيًا، وَبَعْدَ ذَلِكَ جُعِلَتِ الكُوَّةُ لِيَنْزِلَ مِنْهَا مَنْ يَنْزِلُ إِذَا احْتِيجَ إِلَى ذَلِكَ لِأَجْلِ كَنْسٍ أَو تَنْظِيفٍ (^٢).\n_________\n(^١) كَمَا ثَبَتَ فِي البُخَارِيِّ (٥٤٥)، وَمُسْلِمٍ (٦١١) عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلي العَصْرَ -وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا- لَمْ يَظْهَرِ الفَيءُ بَعْدُ.\n(^٢) يُنْظَرُ: (الاسْتِغَاثَةُ) لِابْنِ تَيمِيَّةَ (ص ١٠٥)، وَكِتَابَ (التَّوَسُّلُ) لِلْأَلْبَانِيِّ (ص ١٢٧).","vol":"2","page":285},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-378> الشُّبْهَةُ الرَّابِعَةُ: قِيَاسُ الخَالِقِ عَلَى المَخْلُوقِ!</span>\nحَيثُ ادَّعَى المُخَالِفُونَ أَنَّ التَّوَسُّل بِذَوَاتِ الصَّالِحِينَ وَأَقْدَارِهِم أَمْرٌ مَطْلُوبٌ وَجَائِزٌ، لِأَنَّ أَحَدَنَا إِذَا كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ عِنْدَ مَلِكٍ أَو وَزِيرٍ أَو مَسْؤُولٍ كَبِيرٍ فَإِنَّهُ لَا يَذْهَبُ إِلَيهِ مُبَاشَرَةً لِأَنَّهُ يَشْعُرُ أَنَّهُ رُبَّمَا لَا يَلْتَفِتُ إِلَيهِ -هَذَا إِذَا لَمْ يَرُدَّهُ أَصْلًا-! لِذَلِكَ كَانَ مِنَ الطَّبِيعِيِّ إِذَا أَرَدْنَا حَاجَةً مِنْ مِثْلِهِ؛ فَإِنَّنَا نَبْحَثُ عَمَّنْ يَعْرِفُهُ -وَيَكُونُ مُقَرَّبًا إِلَيهِ-، وَنَجْعَلُهُ وَاسِطَةً بَينَنَا وَبَينَهُ؛ فَإِذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ اسْتَجَابَ لَنَا، وَقُضِيَتْ حَاجَتُنَا، وَهَكَذَا الأَمْرُ نَفْسُهُ فِي عَلَاقَتَنِا بِاللهِ ﷾ -بِزَعْمِهِم-!!\nوَالجَوَابُ (^١): أَنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ عَلِيلٌ، وَهُوَ مِنَ المُنْكَرِ العَظِيمِ (^٢)، وَذَلِكَ مِنْ أَوجُهٍ:\nأ- أَنَّ اللهَ تَعَالَى سَمِيعٌ عَلِيمٌ بَصِيرٌ؛ لَيسَ كَآحَادِ خَلْقِهِ سُبْحَانَهُ، فَالمُلُوكُ وَأَشْبَاهُهُم يَحْتَاجُونَ إِلَى مَنْ يُبَلِّغُهُم أَحْوَالَ الفُقَرَاءِ وَالمُسْتَضْعَفِينَ، فَهَذَا مِنْ قِيَاسِ الخَالِقِ عَلَى المَخْلُوقِ -تَعَالَى اللهُ عَمَّا يَقُولُهُ الظَّالِمُونَ- (^٣).\n_________\n(^١) بِتَصَرُّفٍ وَزِيَادَةٍ.\n(^٢) وَالمُنْكَرُ العَظِيمُ هُوَ مِنْ جِهِةِ المِثَالِ المَذْكُورِ -لَا مِنْ جِهَةِ مَسْأَلِة التّوَسُّلِ بِجَاهِ الصَّالِحِينَ- وَعَلَيهِ أَوجُهُ الرَّدِّ.\nكَمَا يَصِحُّ الرَّدُّ بِهَذِهِ الأَوجُهِ عَلَى مَنْ اسْتَدَلَّ بِنفْسِ المِثَالِ عَلَى أَنَّ مَنِ اسْتَغَاثَ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى مِنَ الصَّالِحِينَ وَالأَولِيَاءِ بِدَعْوَى أَنَّهُم هُمُ الَّذِينَ يَرْفَعُونَ حَوَائِجَ الخَلْقِ إِلَى اللهِ تَعَالَى.\n(^٣) قَالَ الإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ ﵀: \"لَا خِلَافَ بَينَ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ وَسَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ -وَهُمْ أَهْلُ الْفِقْهِ وَالحَدِيثِ- فِي نَفْيِ الْقِيَاسِ فِي التَّوحِيدِ؛ وَإِثْبَاتِهِ فِي الْأَحْكَامِ؛ إِلَّا دَاوُدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍ الأَصْفَهَانِيَّ ثُمَّ الْبَغْدَادِيَّ وَمَنْ قَالَ بِقَولِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ نَفَوَا القِيَاسَ فِي التَّوحِيدِ وَالأَحْكَامِ جَمِيعًا، وَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ فَعَلَى قَولَينِ فِي هَذَا الْبَابِ سِوَى القَولَينِ المَذْكُورَينِ، مِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَ الْقِيَاسَ فِي التَّوحِيدِ وَالْأَحْكَامِ جَمِيعًا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَهُ فِي التَّوحِيدِ وَنَفَاهُ فِي الْأَحْكَامِ\". جَامِعُ بَيَانِ العِلْمِ وَفَضْلِهِ (٢/ ٨٨٧).","vol":"2","page":286},{"text":"ب- أَنَّ اللهَ تَعَالَى رَحْمَنُ رَحِيمٌ رَؤُوفٌ؛ لَيسَ كَآحَادِ خَلْقِهِ سُبْحَانَهُ، فَالخَلْقُ رَحْمَتُهُم تُنَاسِبُ قَدْرَهُم، فَهيَ لَا تَسَعُ جَمِيعَ الخَلْقِ! وَأَمَّا اللهُ تَعَالَى فَرَحْمَتُهُ وَاسِعَةٌ؛ لَا يَحْتَاجُ ﷾ إِلَى أَنْ يُذْكَرَ عِنْدَهُ اسْمُ مَنْ تُسْتَجْلَبُ بِهِ الرَّحْمَةُ إِلَى الخَلْقِ (^١)! بِخِلَافِ مُلُوكِ الدُّنْيَا، وَهَذَا مِنْ قِيَاسِ الخَالِقِ عَلَى المَخْلُوقِ!\nج- أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ شِرْكَ المُشْرِكِينَ كَانَ بِاتِّخَاذِ الشُّفَعَاءِ مِنَ الصَّالِحِينَ بَينَهُم وَبَينَ اللهِ تَعَالَى، وَفَتْحُ بَابِ التَّوَسُّل بِذَوَاتِ الصَّالِحِينَ قَدْ يُفْضِي إَلَى ذَلِكَ (^٢).\nقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ\n_________\n(^١) وَفِي الحَدِيثِ: «جَعَلَ اللهُ ﷿ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَأَنْزَلَ فِي الأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الخَلْقُ حَتَّى تَرفعَ الفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ». صَحِيحٌ. الأَدَبُ المُفْرَدُ (١٠٠) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الأَدَبِ المُفْرَدِ (٧٣).\n(^٢) قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: \"إِنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي يَحْمِلُ بَعْضَ العُلَمَاءِ وَالمُحَقِّقِينَ عَلَى المُبَالَغَةِ فِي إِنْكَارِ التَّوَسُّل بِذَوَاتِ الأَنْبِيَاءِ وَاعْتِبَارِهِ شِرْكًا -وَإِنْ كَانَ هُوَ نَفْسُهُ لَيسَ شِرْكًا عِنْدَنَا- بَلْ يُخْشَى أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَى الشِّرْكِ\". التَّوَسُّلُ (ص ١٣٣).\nوَقَالَ الشَّيخُ عَبْدُ اللهِ الغُنَيمَانُ حَفِظَهُ اللهُ: \"أَمَّا دَعْوَةُ اللهِ بِهِمْ؛ كَأَنْ يَقُولَ: يَا رَبِّ! أَسْأَلُكَ بِوَلِيِّكَ الفُلَانِيِّ، أَو أَسْأَلُكَ بِنَبِيِّكَ، أَو أَسْأَلُكَ بِجِبْرِيلَ، أَو أَسْأَلُكَ بِفُلَانٍ وَفُلَانٍ؛ فَهَذَا -وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شِرْكًا- إِلَّا أَنَّهُ مِنَ البِدَعِ الَّتِي تَكُونُ طَرِيقًا إِلَى الشِّرْكِ\". شَرْحُ بَابِ (مَا جَاءَ فِي المُصَوِّرِين) مِنْ شَرْحِهِ عَلَى كِتَابِ (فَتْحُ المَجِيدِ) شَرِيطُ رَقَم (١٢٨).\nقُلْتُ: فَهُوَ مِنْ بِدَعِ الدُّعَاءِ، وَقَد جَاءَ النَّهْيُ عَنِ الاعْتِدَاءِ فِي الدُّعَاءِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ قَومٌ يَعْتَدُونَ فِي الطُّهُورِ وَالدُّعَاءِ». صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٩٦) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٢٣٩٦).","vol":"2","page":287},{"text":"شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يُونُس: ١٨].\nوقَالَ تَعَالَى أَيضًا: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ * فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النَّحْل: ٧٣ - ٧٤] (^١).\nد- أَنَّ صَلَاحَ الصَّالِحِينَ هُوَ أَمْرٌ يَتَعَلَّقُ بِهِم وَحْدَهُم، فَكَيفَ يَتَوَسَّلُ -المُجِيزُونَ- بِعَمَلٍ لَيسَ مِنْ عَمَلِهِم؟! فَإِنَّمَا صَلَاحُ الصَّالِحِينَ رَاجِعٌ إِلَيهِم، وَهَذَا بِخِلَافِ التَّوَسُّلِ المَشْرُوعِ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ كَمَا سَبَقَ (^٢).\n_________\n(^١) قَالَ الإِمَامُ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي رِسَالَةِ الوَاسِطَةُ (ص ٥): \"وَمَنْ أَثْبَتَ الأَنْبِيَاءَ وَسِوَاهُم مِنَ مَشَايخِ العِلْمِ وَالدِّينِ وَسَائِطَ بَينَ اللهِ وَبَينَ خَلْقِهِ كَالحُجَّابِ الَّذِينَ بَينَ المَلِكِ وَرَعِيَّتِهِ بِحَيثُ يَكُونُونُ هُم يَرْفَعُونَ إِلَى اللهِ تَعَالَى حَوَائِجَ خَلْقِهِ؛ وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى إِنَّمَا يَهْدِي عِبَادَهُ وَيَرْزُقَهُم وَيَنْصُرَهُم بِتَوَسُّطِهِم؛ بِمَعْنَى أَنَّ الخَلْقَ يَسْأَلُونَهُم وَهُم يَسْأَلُونَ اللهَ كَمَا أَنَّ الوَسَائِطَ عِنْدَ المُلُوكِ يَسْأَلونَ المَلِكَ حَوَائِجَ النَّاسِ لِقُرْبِهِم مِنْهُم وَالنَّاسُ يَسْأَلونَهُم أَدَبًا مِنْهُم أَنْ يُبَاشِرُوا سُؤَالَ المَلِكِ؛ وَلِأَنَّ طَلَبَهُم مِنَ الوَسَائِطِ أَنْفَعُ لَهُم مِنْ طَلَبِهِم مِنَ المَلِكِ لِكَونِهِم أَقْرَبَ إِلَى المَلِكِ مِنَ [الطَّالِبِ]! فَمَنْ أَثْبَتَهُم وَسَائِطَ عَلَى هَذِهِ الوُجُوهِ؛ فَهُوَ كَافِرٌ مُشْرِكٌ، يَجِبُ أَنْ يُسْتَتَابَ؛ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، وَهَؤُلَاءِ مُشَبِّهُونَ للهِ، شَبَّهُوا الخَالِقَ بِالمَخْلُوقِ، وَجَعَلُوا للهِ أَنْدَادًا\". مُسْتَفَادٌ مِنْ كِتَابِ (التَّوَسُّلُ) (ص ١٣٣) لِلشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ ﵀.\n(^٢) وَأَمَّا التَّوَسُّلُ بِأَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ؛ فَقَد دَلَّتْ عَلَيهِ الشَّرِيعَةُ، وَفِيهِ بَيَانُ فَضْلِ اللهِ تَعَالَى الرَّحْمَن ِالرَّحِيمِ عَلَى خَلْقِهِ بِأَنْ جَعَلَ لَهُم مِنَ الأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ مَا يُقَرِّبُ إِجَابَةَ دُعَائِهِم مِنْهُ ﷾.\nوَأَمَّا التَّوَسُّلُ بِدُعَاءِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ؛ فَصَحِيحٌ أَنَّ صَلَاحَهُم أَيضًا يَتَعَلَّقُ بِهِم وَحْدَهُم مِنْ حَيثُ الأَجْرِ وَالثَّوَابِ، وَلَكِنَّهُ مِنْ حَيثُ الثَّمَرَةِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِم وَحْدَهُم! لِأَنَّهُ عَمَلٌ صَالِحٌ مُتَعَدٍّ إِلَى الغَيرِ، فَهُوَ -مِنْ جِهَةِ تَعَدِّي ثَمَرَةِ الصَّلَاحِ إِلَى الغَيرِ- هُوَ كَحُسْنِ الجِوَارِ، وَإِمَاطَةِ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَإِطْعَامِ الفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينَ، فَهَذَا كُلُّهُ -مِنْ جِهَةِ الثَّمَرَةِ- مُخَالِفٌ لِمَسْأَلَةِ جَاهِهِم وَشَرَفِهِم، لِأَنَّ الأَخِيرَ مُخْتَصٌّ بِهِم، وَلَكِنَّهُ إِنْ تَحَلَّى بِالدُّعَاءِ فَهُوَ حَرِيٌّ بِالإِجَابَةِ، فَلَو أَنَّ رَجُلًا تَوَسَّلَ إِلَيكَ بِجَاهِ مَحْبُوبٍ عِنْدَكَ؛ هَلْ يَكُونُ\n=","vol":"2","page":288},{"text":"وَفِي الصَّحِيحَينِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا: «يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ: سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيئًا» (^١).\nقَالَ العَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ ﵀: \"فَهَؤُلَاءِ قَدْ تَرَكُوا مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ مِن الإِخْلَاصِ وَتَجَرَّأُوا عَلَى أَعْظَمِ المُحَرَّمَاتِ -وَهُوَ الشِّرْكُ-، وَقَاسُوا الَّذِي لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ -المَلِكَ العَظِيمَ-، بِالمُلُوكِ! وَزَعَمُوا بِعُقُولِهِمُ الفَاسِدَةِ وَرَأْيهِمُ السَّقِيمِ أَنَّ المُلُوكَ -كَمَا أَنَّهُ لَا يُوصَلُ إِلَيهِمُ إِلَّا بِوُجَهَاءَ وَشُفَعَاءَ وَوُزَرَاءَ يَرْفَعُون إِلَيهِم حَوَائِجَ رَعَايَاهُم، وَيَسْتَعْطِفُونَهُم عَلَيهِم، وَيُمَهِّدُونَ لَهُمُ الأَمْرَ فِي ذَلِكَ- أَنَّ اللهَ تَعَالَى كَذَلِكَ! وَهَذَا القِيَاسُ مِن أَفْسَدِ الأَقْيسَةِ، وَهُوَ يَتَضَمَّنُ التَّسْوِيَةَ بَينِ الخَالِقِ وَالمَخْلُوقِ -مَعَ ثُبُوتِ الفَرْقِ العَظِيمِ عَقْلًا وَنَقْلًا وَفِطْرَةً-؛ فَإِنَّ المُلُوكَ إِنَّمَا احْتَاجُوا للوَسَاطَةِ بَينَهُم وَبَينَ رَعَايَاهُم لِأَنَّهُم لَا يَعْلَمُونَ أَحْوالَهُم؛ فَيَحْتَاجُ مَن يُعْلِمُهُم بِأَحْوَالِهِم، وَرُبَّمَا لَا يَكُونُ فِي قُلُوبِهِم رَحْمَةٌ لِصَاحِبِ الحَاجَةِ فَيُحْتَاجُ مَن يُعَطِّفُهُم عَلَيهِ وَيَسْتَرْحِمُهُ لَهُم، وَيَحْتَاجُونَ إِلَى الشُّفَعَاءِ وَالوُزَرَاءِ، وَيَخَافُونَ مِنْهُم فَيَقْضُونَ حَوَائِجَ مَن تَوَسَّطُوا لَهُم مُرَاعًَاة لَهُم، وَمُدَارَاةً لِخَوَاطِرِهِم، وَهُم أَيضًا فُقَرَاءُ قَدْ يَمْنَعُونَ لِمَا يَخْشَونَ مِن الفَقْرِ! وَأَمَّا الرَّبُّ تَعَالى؛ فَهُوَ الَّذِي أَحَاطَ عِلْمُهُ بِظَوَاهِرِ الأُمُورِ وَبَوَاطِنِها؛ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ مَن يُخْبِرُهُ بِأَحْوَالِ رَعِيَّتِهِ وَعِبَادِهِ، وَهُوَ تَعَالَى أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، وَأَجْوَدُ الأَجْوَدِينَ؛ لَا يَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ مِن خَلْقِهِ يَجْعَلُهُ رَاحِمًا لِعِبَادِهِ، بَلْ هُوَ أَرْحَمُ بِهِم مِن أَنْفُسِهِم\n_________\n=\nلَهُ نَفْسُ الأَثَرِ كَمَا لَو أَنَّ ذَلِكَ المَحْبُوبَ هُوَ الَّذِي كَلَّمَكَ بِشَأْنِهِ؟! فَالأَوَّلُ غَائِبٌ؛ وَأَمَّا الثَّانِي فَشَافِعٌ، وَفيهِ أَيضًا بَيَانُ فَضْلِ اللهِ تَعَالَى بِاسْتِجَابَةِ دُعَاءِ الصَّالِحِينَ -إِنْ شَاءَ-؛ فَهِيَ فَضِيلَةٌ لِلدَّاعِي وَرَحْمَةٌ لِلمَدْعُوِّ. فَظَهَرَ الفَرْقُ وَالحَمْدُ للهِ.\n(^١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤٧٧١)، وَمُسْلِمٌ (٢٠٦).","vol":"2","page":289},{"text":"وَوَالِدِيهِم، وَهُوَ الَّذِي يَحُثُّهُم وَيَدْعُوهُم إِلَى الأَسْبَابِ الَّتِي يَنَالُونَ بِهَا رَحْمَتَهُ، وَهُوَ يُرِيدُ مِن مَصَالِحِهِم مَا لَا يُرِيدُونَهُ لِأَنْفُسِهِم، وَهُوَ الغَنِيُّ الَّذِي لَهُ الغِنَى التَّامُّ المُطْلَقُ؛ الَّذِي لَوِ اجْتَمَعَ الخَلْقُ مِن أَوَّلِهِم وَآخِرِهِم فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُوهُ فَأَعْطَى كُلًّا مِنْهُم مَا سَأَلَ وَتَمَنَّى لَمْ يُنْقِصُوا مِن غِنَاهُ شَيئًا، وَلَمْ يُنْقِصُوا مِمَّا عِنْدَهُ؛ إِلَّا كَمَا يُنْقِصُ البَحْرُ إِذَا غُمِسَ فِيهِ المِخْيَطُ.\nوَجَمِيعُ الشُّفَعَاءِ يَخَافُونَهُ؛ فَلَا يَشْفَعُ مِنْهُم أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَهُ الشَّفَاعَةُ كُلُّهَا.\nفَبِهَذِهِ الفُرُوقِ يُعْلَمُ جَهْلُ المُشْرِكِينَ بِهِ، وَسَفَهُهُم العَظِيمُ، وَشِدَّةُ جَرَاءَتِهِم عَلَيهِ، وَيُعْلَمُ أَيضًا الحِكْمَةُ فِي كَونِ الشِّرْكِ لَا يَغْفِرُهُ اللهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ القَدْحَ فِي اللهِ تَعَالَى، وَلِهَذَا قَالَ حَاكِمًا بَينَ الفَرِيقَينِ المُخْلِصِينَ وَالمُشْرِكِينَ -وَفِي ضِمْنِهِ التَّهْدِيدُ لِلْمُشْرِكِينَ-: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَينَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزُّمَر: ٣] \" (^١).\n_________\n(^١) تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ (ص ٧١٨).","vol":"2","page":290},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-379> الشُّبْهَةُ الخَامِسَةُ: هَلْ هُنَاكَ مَانِعٌ مِنَ التَّوَسُّلِ المُبْتَدَعِ عَلَى وَجْهِ الإِبَاحَةِ؛ لَا الاسْتِحْبَابِ؟</span>\nالجَوَابُ: هُوَ مَمْنُوعٌ.\nوَالمَانِعُ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ (^١):\n- أَنَّ التَّوَسُّلَ أَصْلًا هُوَ اتِّخَاذُ الوَسِيلَةِ المُقَرِّبَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى؛ فَإِذَا لَم تَدُلَّ عَلَيهِ الشَّرِيعَةُ فَلَيسَ هُوَ بِتَوَسُّلٍ أَصْلًا!\n٢ - أَنَّ الشَّرِيعَةَ قَد دَلَّتْ عَلَى أَنَّ هَيئَةَ الدُّعَاءِ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مُوَافِقَةً لِمَا شُرِعَ، وَلَا يَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى مَا وَرَدَ فِيهَا، وَفي الحَدِيثِ: «إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ قَومٌ يَعْتَدُونَ فِي الطُّهُورِ وَالدُّعَاءِ» (^٢).\n٣ - أَنَّ الشَّرِيعَةَ قَد دَلَّتْ عَلَى المَشْرُوعِ مِنَ التَّوَسُّلِ؛ فَلَا يَصِحُّ بَعْدَ ذَلِكَ اسْتِبْدَالُ مَا هُوَ أَعْلى بِمَا هُوَ أَدْنَى، وَفي الحَدِيثِ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (^٣).\n_________\n(^١) بِتَصَرُّفٍ وَحَذْفٍ.\n(^٢) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٩٦) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ. صَحِيحُ الجَامِعِ (٢٣٩٦).\n(^٣) مُسْلِمٌ (١٧١٨) عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا.","vol":"2","page":291},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-380> الشُّبْهَةُ السَّادِسَةُ: قِيَاسُ التَّوَسُّلِ بِالذَّاتِ عَلَى التَّوَسُّلِ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ!</span>\nالجَوَابُ: هُوَ مِنْ أَوجُهٍ (^١):\n١ - أَنَّ هَذَا قِيَاسٌ؛ وَالقِيَاسُ فِي العِبَادَاتِ -كَالاسْتِحْبَابِ هُنَا- بَاطِلٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَفي الحَدِيثِ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (^٢).\n٢ - أَنَّ هَذَا القِيَاسَ لَا وَجْهَ لَهُ! فَقَدْ عُلِمَ فِي أُصُولِ الفِقْهِ أَنَّ القِيَاسِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ عِلَّةٍ، فَمَا هِيَ عِلَّةُ القِيَاسِ هُنَا (^٣)؟! فَعَمَلُ العَبْدِ المُتَوَسِّلِ بِعَمَلِ نَفْسِهِ رَاجِعٌ لَهُ؛ بِخِلَافِ ذَوَاتِ الصَّالِحِينَ وَجَاهِهِم؛ فَإِنَّهُ شَيءٌ يَتْبَعُ صَلَاحَهُم؛ فَأَينَ وَجْهُ القِيَاسِ؟!\n٣ - أَنَّ القِيَاسَ إِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ فُقْدَانِ النَّصِّ، أَمَا وَالتَّوَسُّلُ قَد دَلَّتِ الشَّرِيعَةُ عَلَى أَشْكَالِهِ؛ فَأَينَ سَبَبُ القِيَاسِ؟!\n_________\n(^١) بِتَصَرُّفٍ وَزِيَادَةٍ.\n(^٢) مُسْلِمٌ (١٧١٨) عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا.\n(^٣) أَي: وَجْهُ الجَمْعِ بَينَهُمَا.","vol":"2","page":292},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-381> الشُّبْهَةُ السَّابِعَةُ: قِيَاسُ التَّوَسُّلِ بِذِكْرِ ذَاتِ النَّبِيِّ ﷺ وَجَاهِهِ عَلَى التَّبَرُّكِ بِآثَارِهِ!</span>\nالجَوَابُ (^١):\nإِنَّ هَذَا القِيَاسَ لَا يَقُولُ بِهِ عَالِمٌ! لِأَنَّ التَّبَرُّكَ بِالذَّاتِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ تَتْبَعُ ذَاتَهُ ﷺ، وَهَذَا قَد انْقَطَعَ بِمَوتِهِ ﷺ إِلَّا مَا بَقِيَ يَقِينًا مِنْ آثَارِهِ ﷺ، وَأَينَ ذَلِكَ مِنَ التَّوَسُّلِ بِذَاتِهِ وَجَاهِهِ -أَي سُؤَالِ اللهِ تَعَالَى بِهِ-؟! وَفَرْقٌ كَبِيرٌ لُغَةً وَشَرْعًا بَينَ التَّوَسُّلِ -عَلَى مَا بَيَّنَاهُ سَابِقًا- وَبَينَ التَّبَرُّكِ.\nفَالتَّبَرُّكُ هُوَ التِمَاسُ مَنْ حَازَ أَثَرًا مِنْ آثَارِ النَّبِيِّ ﷺ حُصُولَ خَيرٍ بِهِ، فهيَ خُصُوصِيَّةٌ لَهُ ﷺ (^٢)، وَأَمَّا التَّوَسُّل فَهُوَ إِرْفَاقُ دُعَاءِ اللهِ تَعَالَى بِشَيءٍ مِنَ الوَسَائِلِ الَّتِي شَرَعَهَا اللهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ، كَأَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحُبِّي لِنَبِيِّكَ ﷺ أَنْ تَغْفِرَ لي، وَنَحْوَ ذَلِكَ.\nفَالتَّبَرُّكُ يُرْجَى بِهِ شَيءٌ مِنَ الخَيرِ الدُّنْيَويِّ فَحَسْب، بِخِلَافِ التَّوَسُّلِ الَّذِي يُرْجَى بِهِ أَيُّ شَيءٍ مِنَ الخَيرِ الدُنْيَوِيِّ وَالأُخْرَوِيِّ، وَهُوَ عِبَادَةٌ فِي نَفْسِهِ لِمَا يُرَافِقُهُ مِنَ الدُّعَاءِ.\nوَإِنَّ الشَّرِيعَةَ قَدْ دَلَّتْ عَلَى جَوَازِ التَّبَرُّكِ بِالآثَارِ؛ وَلَمْ تَدُلَّ عَلَى التَّوَسُّلِ بِالذَّاتِ وَالجَاهِ! وَلَو كَانَ خَيرًا لَعَمِلَ بِهِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ.\nوَقَولُ القَائِلِ -مِنْ بَابِ القِيَاسِ-: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِثَوبِ نَبِيِّكَ أَو نَعْلِهِ أَو … \"! لَا رَيبَ أَنَّهُ يُعَرِّضُ نَفْسَهُ لِيَشُكَّ النَّاسُ فِي عَقْلِهِ وَفَهْمِهِ فَضْلًا عَنْ عَقِيدَتِهِ وَدِينِهِ.\n_________\n(^١) بِتَصَرُّفٍ.\n(^٢) وَفِي صَحيحِ مُسْلِمٍ (٢٠٦٩) عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ تُخْبِرُ عَنْ جُبَّةٍ كَانَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَتْ: (هَذِهِ كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂ حَتَّى قُبِضَتْ، فَلَمَّا قُبِضَتْ قَبَضْتُهَا -وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَلْبَسُهَا- فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى)، فَأَينَ هَذَا مِنَ التّوَسُّلِ بِالذَّاتِ وَالجَاهِ؟!!","vol":"2","page":293},{"text":"بَابُ لَا يُقَالُ: السَّلَامُ عَلَى اللهِ\nفِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁؛ قَالَ: كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ؛ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى اللهِ مِنْ عِبَادِهِ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا تَقُولُوا: السَّلَامُ عَلَى اللهِ؛ فَإِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ» (^١).\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٨٣٥).","vol":"2","page":294},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: تَفْسِيرُ السَّلَامِ.\nالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ تَحِيَّةٌ.\nالثَّالِثَةُ: أَنَّهَا لَا تَصْلُحُ لِلَّهِ.\nالرَّابِعَةُ: العِلَّةُ فِي ذَلِكَ.\nالخَامِسَةُ: تَعْلِيمُهُمُ التَّحِيَّةَ الَّتِي تَصْلُحُ لِلَّهِ.","vol":"2","page":295},{"text":"<span data-type='title' id=toc-384>الشَّرْحُ</span>\n- قَولُ: (السَّلَامُ عَلَى اللهِ) يُوهِمُ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ قَد يَلْحَقُهُ النَّقْصُ وَالضَّرَرُ وَالمَرَضُ؛ لِذَلِكَ نَحْنُ نَدْعُو لَهُ بِالسَّلَامَةِ! وَهَذَا يُنَافي كَمَالَ صِفَاتِهِ تَعَالَى؛ فَاللهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي يُسَلِّمُ غَيرَهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فَاطِر: ١٥].\n- مُنَاسَبَةُ هَذَا البَابِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ هُوَ اجْتِنَابُ الأَلْفَاظِ المُوهِمَةِ لِلنَّقْصِ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى.\n- أَورَدَ المُصَنِّفُ ﵀ هَذَا البَابِ بَعْدَ بَابِ الأَسْمَاءِ الحُسْنَى لِبَيَانِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ فِي شَيءٍ مَنْ صِفَاتِ كَمَالِهِ.\n- السَّلَامُ هُوَ اسْمُ اللهِ تَعَالَى، وَمَعْنَاهُ المُتَّصِفُ بِالسَّلَامَةِ الكَامِلَةِ مِنْ كُلِّ نَقْصٍ وَعَيبٍ، وَهُوَ الَّذِي يُعْطِي السَّلَامَةَ لِلْخَلْقِ، وَقَولُ المُسْلِمِ لِأَخِيهِ: \"السَّلَامُ عَلَيكُم\" هُوَ مِنْ بَابِ التَّوَسُّلِ بِاسْمِ اللهِ فِي الدُعَاءِ بِمَا يُنَاسِبُ المَطْلُوبَ.\n- فِي الحَدِيثِ التَّنْبِيهُ عَلَى مَعْرِفَةِ مَعْنَى الكَلَامِ قَبْلَ التَّلَفُّظِ بِهِ؛ فَقَد يَكُونُ الكَلَامُ مُحَرَّمًا وَلَو قَصَدَ بِهِ صَاحِبُهُ مَعْنًى حَسَنًا! فَالصَّحَابَةُ ﵃ قَصَدُوا بِذَلِكَ التَّحِيَّةَ عَلَى اللهِ تَعَالَى؛ وَلَكِنْ لَمَّا تَضَمَّنَ اللَّفْظُ مَعْنًى لَا يَلِيقُ بِاللهِ تَعَالَى نَهَاهُم النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ.\n- فِيهِ مِنْ حُسْنِ التَّعْلِيمِ النَّهْيُ عَنِ المُحَرَّمِ بِبَيَانِ عِلَّتِهِ -إِنْ عُلِمَتْ-، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ:\n١ - أَوعَى لِلفَهْمِ وَأَثْبَتُ للذِّهْنِ.\n٢ - أَدْعَى لِلاسْتِجَابَةِ.","vol":"2","page":296},{"text":"٣ - يُبَيِّنُ سُمُوَّ الشَّرِيعَةِ وَكَونَهَا مَبْنِيَّةً عَلَى الحِكْمَةِ، وَاللهُ تَعَالَى مِنْ أَسْمَائِهِ (الحَكِيمُ).\n٤ - فِيهِ طُمَأْنِينَةُ النَّفْسِ لِلحُكْمِ.\n٥ - القِيَاسُ عَلَى مَا شَابَهَ الأَمْرَ فِي العِلَّةِ.\n- فِيهِ مِنْ حُسْنِ التَّعلِيمِ إِعْطَاءُ البَديلِ المُبَاحِ عِنْدَ النَّهْي عَنِ المُحَرَّمِ.\n- (السَّلَامُ) اسْمٌ ثُبُوتِيٌّ سَلْبِيٌّ، فَهُوَ ثُبُوتِيٌّ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ اسْمًا للهِ تَعَالَى، وَسَلٍبِيٌّ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ سَلْبِيٌّ، فَهُوَ يَنْفِي النَّقْصَ عَنِ اللهِ تَعَالَى، وَهُوَ مِثْلُ اسْمِ القُدُّوسِ للهِ تَعَالَى.\n- قَولُ القَائِلِ: \"السَّلَامُ عَلَيكُم\" يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ أَرْبَعَةَ أَشْيَاء:\n١ - ذِكْرُ اسْمِ اللهِ تَعَالَى، وَالتَّبَرُّكُ بِهِ.\n٢ - إِعْلَامُ المُسَلَّمِ عَلَيهِ؛ أَنَّهُ مُسَالِمٌ لَهُ لَا يَنَالُهُ مِنْهُ أَذَى.\n٣ - طَلَبُ السَّلَامَةِ وَالخَيرِ لَهُ.\n٤ - التَّوَسُّلُ بِاسْمِهِ تَعَالَى (السَّلَام) بِمَا يُنَاسِبُ السَّلَامَةَ.\n- فَائِدَةٌ: فِي تَشَهُّدِ الصَّلَاةِ يَقُولُ المُصَلِّي: (السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ) خِلَافًا لِلمَشْهُورِ: (السَّلَامُ عَلَيكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ)، وَذَلِكَ لِعَمَلِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيهِم، وَالحَدِيثُ مَوضُوعُ البَابِ جَاءَ فِي أَحَدِ ألفَاظِهِ -كَمَا فِي البُخَارِيِّ- عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ -وَكَفِّي بَينَ كَفَّيهِ- التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ: «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ؛ السَّلَامُ عَلَيكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَينَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» -وَهُوَ بَينَ ظَهْرَانَينَا- فَلَمَّا قُبِضَ قُلْنَا (^١): السَّلَامُ: يَعْنِي\n_________\n(^١) وَهَذِهِ صِيغَةُ جَمْعٍ تُفيدُ عَمَلَ الصَّحَابَةِ مَعَهُ.","vol":"2","page":297},{"text":"عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (^١) (^٢).\nوَقَد عَمِلَ بِهَا الصَّحَابَةُ الكِرَامُ ﵃، كَمَا فِي مُسْتَخْرَجِ أَبِي عَوَانَةَ وَصَحَّحَ الرِّوَايَةَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ الفَتْحِ (^٣)، وَكَذَا نُقِلَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا هَكَذَا كَانَتْ تُعَلِّمُهُ (^٤)، وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بِتَوقِيفٍ مِنْهُ لَهُم ﷺ؛ وَلَيسَ اجْتِهَادًا\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٦٢٦٥).\n(^٢) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (٢/ ٣١٤): \"كَذَا وَقَعَ فِي البُخَارِيِّ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالسَّرَّاجُ وَالجَوزَقِيُّ وَأَبُو نُعَيمٍ الأَصْبَهَانِيُّ وَالبَيهَقِيُّ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ إِلَى أَبِي نُعَيمٍ شَيخِ البُخَارِيِّ فِيهِ بِلَفْظِ: (فَلَمَّا قُبِضَ؛ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ) بِحَذْفِ لَفْظِ (يَعْنِي) وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ عَنْ أَبِي نُعَيمٍ. قَالَ السُّبْكِيُّ فِي شَرْحِ المِنْهَاجِ -بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ مِنْ عِنْدِ أَبِي عَوَانَةَ وَحْدَهُ-: إِنْ صَحَّ هَذَا عَنِ الصَّحَابَةِ؛ دَلَّ عَلَى أَنَّ الخِطَابَ فِي السَّلَامِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ غَيرُ وَاجِبٍ؛ فَيُقَالُ: السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ. قُلْتُ: قَدْ صَحَّ بِلَا رَيبٍ، وَقَدْ وَجَدْتُ لَهُ مُتَابِعًا قَوِيًّا، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ: أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَقُولُونَ -وَالنَّبِيُّ ﷺ حَيٌّ- السَّلَامُ عَلَيكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ؛ فَلَمَّا مَاتَ قَالُوا: السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ. وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ. وَأَمَّا مَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيدَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُمُ التَّشَهُّد؛ فَذَكَرَهُ، قَالَ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (إِنَّمَا كُنَّا نَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ -إِذْ كَانَ حَيًّا! -) فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: (هَكَذَا عُلِّمْنَا! وَهَكَذَا نُعَلِّمُ)، فَظَاهِرٌ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَه بَحْثًا وَأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ لَمْ يَرْجِعْ إِلَيهِ، لَكِنَّ رِوَايَةَ أَبِي مَعْمَرٍ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ أَبَا عُبَيدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ؛ وَالإِسْنَادُ إِلَيهِ مَعَ ذَلِكَ ضَعِيفٌ\".\n(^٣) فَتْحُ البَارِي (٢/ ٣١٤).\n(^٤) قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الإِرْوَاءِ (٣١٢): \"قُلْتُ: وَقَد وَجَدْتُ لَهُ شَاهِدَينِ صَحِيحَينِ:\nالأَوَّلُ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ: (أَنَّهُ كَانَ يَتَشَهَّدُ فَيَقُولُ: … السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ) أَخْرَجَهُ مَالِكُ فِي المُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ عَنْهُ، وَهَذَا سَنَدٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيخَينِ.\nالثَّاني: عَنْ عَاثِشَةَ: (أَنَّهَا كَانَتْ تُعَلِّمُهُم التَّشَهُّدَ فِي الصَّلَاةِ؛ السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ). رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيبَةَ فِي المُصَنَّفِ وَالسِّرَاجُ فِي مُسْنَدِهِ وَالمُخَلِّصُ فِي الفَوَائِدِ بِسَنَدَينِ صَحِيحَينِ عَنْهَا.\nوَلَا شَكَّ أَنَّ عُدُولَ الصَّحَابَةِ ﵃ مِنْ لَفْظِ الخِطَابِ (عَلَيكَ) إِلَى لَفْظِ الغيبَةِ (عَلَى النَّبِيِّ) إِنَّمَا بِتَوقِيفٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّه أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ مَحْضٌ لَا مَجَالَ للرَّأيِ وَالاجْتِهَادِ فِيهِ. وَاللهُ أَعْلَمُ\".","vol":"2","page":298},{"text":"مِنَ الصَّحَابِيِّ فَحَسْبُ! (^١)\n- مِنْ فِقْهِ خَدِيجَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: \"وِلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ؛ قَالَ: (قَالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ يُقْرِئُ خَدِيجَةَ السَّلَامَ -يَعْنِي: فَأَخْبِرْهَا-، فَقَالَتْ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، وَعَلَى جِبْرِيلَ السَّلَامُ، وَعَلَيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ)، زَادَ ابْنُ السُّنِّيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: (وَعَلَى مَنْ سَمِعَ السَّلَامَ إِلَّا الشَّيطَانَ). قَالَ الْعُلَمَاءُ: فِي هَذَهِ الْقِصَّةِ دَلِيلٌ عَلَى وُفُورِ فِقْهِهَا، لِأَنَّهَا لَمْ تَقُلْ: وَعَلَيهِ السَّلَامُ -كَمَا وَقَعَ لِبَعْضِ الصَّحَابَة- حَيثُ كَانُوا يَقُولُونَ فِي التَّشَهُّدِ: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ؛ فَقُولُوا التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ»، فَعَرَفَتْ خَدِيجَةُ -لِصِحَّةِ فَهْمِهَا- أَنَّ اللَّهَ لَا يُرَدُّ ﵇ كَمَا يُرَدُّ عَلَى الْمَخْلُوقِينَ، لِأَنَّ السَّلَامَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، وَهُوَ أَيضًا دُعَاءٌ بِالسَّلَامَةِ، وَكِلَاهُمَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يُرَدَّ بِهِ عَلَى اللَّهِ، فَكَأَنَّهَا قَالَتْ: كَيفَ أَقُولُ: ﵇؛ وَالسَّلَامُ اسْمُهُ وَمِنْهُ يُطْلَبُ وَمِنْهُ يَحْصُلُ؟! فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِاللَّهِ إِلَّا الثَّنَاءُ عَلَيهِ، فَجَعَلَتْ مَكَانَ رَدِّ السَّلَامِ عَلَيهِ الثَّنَاءَ عَلَيهِ، ثُمَّ غَايَرَتْ بَينَ مَا يَلِيقُ بِاللَّهِ وَمَا يَلِيقُ بِغَيرِهِ؛ فَقَالَتْ: وَعَلَى جِبْرِيلَ السَّلَامُ، ثُمَّ قَالَتْ: وَعَلَيكَ السَّلَامُ\" (^٢).\n_________\n(^١) وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ بَعْضِ الأَفَاضِلِ بِأَنَّ مِنَ الصَّحَابَةِ مَنْ عَلَّمَ التَّشَهُّدَ عَلَى المَلَإِ بِلَفْظِ الخِطَابِ؛ فَهُوَ غَيرُ قَادِحٍ فِيمَا ذَكَرْنَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّشَهُّدَ هَكَذَا سَمِعُوهُ؛ فَنَقَلُوهُ كَمَا سَمِعُوهُ، وَأَمَّا فِي مَعْرِضِ العَمَلِ بِهِ؛ فَهُوَ كَمَا رَأَيتَ بِلَفْظِ الغيبَةِ، وَهَذَا التَّوجِيهُ أَقْرَبُ لِجَمْعِ النُّصُوصِ عَنِ الصَّحَابَةِ مِنْ أَخْذِ بَعْضٍ وَإِهْمَالِ بَعْضٍ، وَالحَمْدُ للهِ.\n(^٢) فَتْحُ البَارِي (٧/ ١٣٩).","vol":"2","page":299},{"text":"بَابُ قَولِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ.\nفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُم: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ! اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ! لِيَعْزِمِ المَسْأَلَةَ؛ فَإِنَّ اللهَ لَا مُكْرِهَ لَهُ».\nوَلِمُسْلِمٍ: «وَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ؛ فَإِنَّ اللهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيءٌ أَعْطَاهُ» (^١).\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٦٣٣٩)، وَمُسْلِمٌ (٢٦٧٩). وَفِي لَفْظٍ لِلبُخَارِيِّ (٧٤٧٧): «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: ارْزُقْنِي إِنْ شِئْتَ».","vol":"2","page":300},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: النَّهْيُ عَنِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الدُّعَاءِ.\nالثَّانِيَةُ: بَيَانُ العِلَّةِ فِي ذَلِكَ.\nالثَّالِثَةُ: قَولُهُ: «لِيَعْزِمِ المَسْأَلَةَ».\nالرَّابِعَةُ: إِعْظَامُ الرَّغْبَةِ.\nالخَامِسَةُ: التَّعْلِيلُ لِهَذَا الأَمْرِ.","vol":"2","page":301},{"text":"<span data-type='title' id=toc-387>الشَّرْحُ</span>\n- هَذَا البَابُ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الأَبْوَابِ الَّتِي فِيهَا بَيَانُ الأَدَبِ فِي دُعَاءِ اللهِ تَعَالَى؛ وَذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِكَمَالِ التَّوحِيدِ الوَاجِبِ.\n- قَولُهُ: «اللَّهُمَّ» مَعْنَاهُ: يَا اللهُ، لَكِنْ لِكَثْرَةِ الاسْتِعْمَالِ حُذِفَتْ (يَا) النِّدَاءِ، وَعُوِّضَ عَنْهَا بِالمِيمِ، وَجُعِلَ العِوَضُ فِي الآخِرِ تَيَمُّنًا بِالابْتِدَاءِ بِذِكْرِ اللهِ تَعَالَى.\n- قَولُهُ: «اغْفِرْ لِي» المَغْفِرَةُ: سَتْرُ الذَّنْبِ مَعَ التَّجَاوُزِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنَ الغَفْرِ: وَهُوَ السَّتْرُ، وَالمِغْفَرُ: هُوَ مَا يُسْتَرُ بِهِ الرَّأْسُ لِلوِقَايَةِ مِنَ السِّهَامِ فِي الحَرْبِ، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا بِشَيءٍ سَاتِرٍ وَاقٍ (^١).\n- العَزْمُ: هُوَ الجَزْمُ فِي الطَّلَبِ مِنْ غَيرِ تَرَدُّدٍ وَلَا ضَعْفٍ.\n- النَّهيُ فِي هَذَا التَّعْلِيقِ هُوَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوجُهٍ:\n١ - أنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَهُ مُكْرِهٌ عَلَى الشَّيءِ، وَأَنَّهُ قَد يُعْطي العَطَاءَ وَهُوَ مُكْرَهٌ! «فَإِنَّ اللهَ لَا مُكْرِهَ لَهُ»، وَفِيهِ الدِّلَالَةُ عَلَى كَمَالِ عِزَّتِهِ.\n٢ - أنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّ هَذَا الأَمْرَ عَظِيمٌ عَلَى اللهِ وَيَصْعُبُ عَلَيهِ أَنْ يُعْطِيَهُ لِلعَبْدِ؛ لِذَلِكَ فَهُوَ يَرْبِطُهُ بِالمَشِيئَةِ وَلَا يُرِيدُ أَنْ يُصَعِّبَ عَلَيهِ! «فَإِنَّ اللهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيءٌ أَعْطَاُه»، وَفِيهِ\n_________\n(^١) وَفِي الحَدِيثِ: «يُدْنَى المُؤْمِنُ يَومَ القِيَامَةِ مِنْ رَبِّهِ ﷿ حَتَّى يَضَعَ عَلَيهِ كَنَفَهُ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُ؟ فَيَقُولُ: أَي: رَبِّ أَعْرِفُ، قَالَ: فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيكَ فِي الدُّنْيَا، وَإِنِّي أَغْفِرُهَا لَكَ اليَومَ، فَيُعْطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الكُفَّارُ وَالمُنَافِقُونَ؛ فَيُنَادَى بِهِمْ عَلَى رُؤُوسِ الخَلَائِقِ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ». رَوَاهُ مُسْلِمُ (٢٧٦٨) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا.\nوَالشَّاهِدُ مِنْهُ أَنَّهُ فِي الآخِرَةِ يَسْتُرُهُ فـ «يَضَعُ كَنَفَهُ» وَيَتَجَاوَزُ عَنْ ذُنُوبِهِ.","vol":"2","page":302},{"text":"الدِّلَالَةُ عَلَى كَمَالِ مُلْكِهِ وَغِنَاهُ، وَهَذَا وَمَا قَبْلَهُ نَقْصٌ فِي جَانِبِ تَعْظِيمِ الرُّبُوبيَّةِ.\n٣ - أنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّ الدَّاعِيَ مُسْتَغْنٍ عَنِ اللهِ تَعَالَى؛ كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنْ شِئْتَ فَافْعَلْ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَفْعَلْ لَا يَهُمُّنِي! وَهَذَا نَقْصٌ فِي جَانِبِ العُبُودِيَّةِ، فَهُوَ مُظْهِرٌ لِضَعْفِ عِبَادَةِ الرَّجَاءِ إِلَى اللهِ تَعَالَى (^١).\nوَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ قَالَ: «بَينَمَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا خَرَّ عَلَيهِ رِجْلُ جَرَادٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ يَحْثِي فِي ثَوبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا أَيُّوبُ؛ ألَمْ أَكُنْ أَغْنَيتُكَ عَمَّا تَرَى؟! قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، وَلَكِنْ لَا غِنَى لِي عَنْ بَرَكَتِكَ» (^٢).\n_________\n(^١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١١/ ١٤٠): \"وَالمُرَادُ: أَنَّ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى التَّعْلِيقِ بِالمَشِيئَةِ مَا إِذَا كَانَ المَطْلُوبُ مِنْهُ يَتَأَتَّى إِكْرَاهُهُ عَلَى الشَّيءِ فَيُخَفِّفُ الأَمْرَ عَلَيهِ، وَيَعْلَمُ بِأَنَّهُ لَا يَطْلُبُ مِنْهُ ذَلِكَ الشَّيءَ إِلَّا بِرِضَاهُ، وَأَمَّا اللهُ سُبْحَانَهُ فَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ فَلَيسَ لِلتَّعْلِيقِ فَائِدَةٌ، وَقِيلَ: المَعْنَى أَنَّ فِيهِ صُورَةَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنِ المَطْلُوبِ وَالمَطْلُوبِ مِنْهُ\".\n(^٢) صَحِيحُ البُخَارِيِّ (٣٣٩١).\nوَقَولُهُ «رِجْلُ جَرَادٍ» أَي: طَائِفَةُ جَرَادٍ.","vol":"2","page":303},{"text":"<span data-type='title' id=toc-388>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-389> المَسْأَلَةُ الأُولَى: مَا الجَوَابُ عَنِ بَعْضِ النُّصُوصِ التَّالِيَةِ الَّتِي فِيهَا التَّعْلِيقُ بِالمَشِيئَةِ عِنْدَ الدُّعَاءِ:</span>\n١ - حَدِيثُ البُخَارِيِّ عِنْدَمُا زَارَ النَّبِيُّ ﷺ أَعْرَابِيًّا مَرِيضًا فَقَالَ لَهُ: «طَهُورٌ؛ إِنْ شَاءَ اللهُ» (^١).\n٢ - حَدِيثُ: «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا؛ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الحَيَاةُ خَيرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيرًا لِي» (^٢)، فَإِنَّهُ لَيسَ فِيهِ جَزْمٌ بِالمَطْلُوبِ!\n٣ - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكَهْف: ٦٩]؟\nالجَوَابُ:\n١ - إِنَّ الاسْتِثْنَاءَ إِنْ كَانَ عَلَى جِهَةِ الخِطَابِ فَلَا يَجُوزُ لِحَدِيثِ البَابِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى سَبِيلِ الخَبَرِ وَالتَّبَرُّكِ؛ فَلَا بَأْسَ بِهِ، فَفي الحَدِيثِ الأَوَّلِ يَكُونُ المَعْنَى: إِنَّ هَذَا المَرَضُ هُوَ طُهْرٌ لَكَ إِنْ شَاءَ اللهُ ذَلِكَ؛ تَحَاشِيًا لِلجَزْمِ عَلَى اللهِ بِكَونِهِ صَنَعَ ذَلِكَ بِهِ، فَهُوَ خَبَرٌ، وَكَذَا فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ الخَبَرِ وَالتَّبَرُّكِ لَا الدَّعَاءِ (^٣).\n٢ - أَنَّ الدُّعَاءَ فِي الحَدِيثِ الثَّانِي؛ صَحِيحٌ أَنَّهُ دُعَاءٌ بِصِيغَةِ الخِطَابِ وَلَيسَ فِيهِ\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٧٤٧٠) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا.\n(^٢) البُخَارِيُّ (٥٦٧١)، وَمُسْلِمٌ (٢٦٨٠) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ مَرْفُوعًا.\n(^٣) وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى -أَيضًا- عَنْ إِسْمَاعِيلَ ﵊: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصَّافّات: ١٠٢].","vol":"2","page":304},{"text":"جَزْمٌ؛ وَلِكنَّ مَعْنَاهُ خَالٍ مِنْ عِلَّةِ النَّهْي -وَهيَ المَحْذُورَاتُ الثَّلَاثُ الَّتِي سَبَقَ بَيَانُهَا-، وَوَجْهُ عَدَمِ الجَزْمِ فِي الدُّعَاءِ فِيهِ أَنَّ المَطْلُوبَ غَيرُ مُحَقَّقِ النَّفْعِ وَالخَيرِيَّةِ بِخِلَافِ النَّفْعِ وَالخَيرِ المَحْضِ كَالمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، فَيَكُونُ المَعْنَى: اللَّهُمَّ إِنْ عَلِمْتَ أَنَّ هَذَا فِيهِ خَيرٌ لِي فَأَعْطِنِي إِيَّاهُ، فَهَذَا التَّعْلِيلُ خَارِجٌ عَنِ الأَوجُهِ الثَّلَاثِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، فَهُوَ تَعْلِيقٌ مِنْ جِهَةِ العِلْمِ وَلَيسَ مِنْ جِهَةِ المَشِيئَةِ، وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ.","vol":"2","page":305},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-390> المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا كَانَ الجَزْمُ بِالدُّعَاءِ وَاجِبًا؛ فَهَلِ الجَزْمُ بِحُصُولِ الإِجَابَةِ وَاجِبٌ أَيضًا؟</span>\nالجَوَابُ: فِيهِ تَفْصِيلٌ.\nإِنْ كَانَ المَقْصُودُ هُوَ مِنْ جِهَةِ قُدْرَةِ اللهِ تَعَالَى عَلَى الإِجَابَةِ؛ وَصِدْقِ مَا أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ رَبْطِ النَّتِيجَةِ بِالأَسْبَابِ؛ فَالجَوَابُ أَنَّهُ يَجْزِمُ بِهِ، وَذَلِكَ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غَافِر: ٦٠].\nوَإِنْ كَانَ المَقْصُودُ مُطْلَقًا؛ فَلَا يَصِحُّ الجَزْمُ، وَذَلِكَ لِتَعَلُّقِ الإِجَابَةِ بِأُمُورٍ أُخْرَى مِنْهَا:\n١ - أَنَّ الإِجَابَةَ لَهَا شُرُوطٌ وَمَوَانِعُ.\n٢ - أَنَّ الإِجَابَةَ قَد تَتَخَلَّفُ بِاعْتِبَارِ المَطْلُوبِ وَلَيسِ بِاعْتِبَارِ قَبُولِهَا مِنَ اللهِ تَعَالَى، فَقَد تَكُونُ لِلعَبْدِ مَصْلَحَةٌ أَعْلَى مِنْ جِهَةِ عَدَمِ إِجَابَةِ نَفْسِ الطَّلَبِ، وَفِي الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُفَّ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ بِمِثْلِهَا، قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: اللهُ أَكْثَرُ» (^١).\nوَتَتْمِيمًا لِلْفَائِدَةِ نَذْكُرُ جُمْلَةً شُرُوطِ وَمَوَانِعِ قَبُولِ الدُّعَاءِ\nمِنْ جُمْلَةِ الشُّرُوطِ: حُضُورُ القَلْبِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «اُدْعُوا اللهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. الأَدَبُ المُفْرَدُ (٧١٠) -بَابُ مَا يُدَّخرُ لِلدَّاعِي مِنَ الأَجْرِ وَالثَّوَابِ- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الأَدَبِ المُفْرَدِ (٥٥٠).","vol":"2","page":306},{"text":"بِالإِجَابَةِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ» (^١).\nوَأَيضًا الرَّجَاءُ مَعَ الدُّعَاءِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ القُدُسِيِّ: «يَا ابْنَ آَدَمَ؛ إِنَّكَ مَا دَعَوتَنِي وَرَجَوتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ وَلَا أُبَالِي» (^٢).\nوَأَيضًا الكَسْبُ الحَلَالُ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ المُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المُؤْمِنُون: ٥١]، وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البَقَرَة: ١٧٢]، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالحَرَامِ؛ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لَهُ؟!» (^٣).\nوَمِنْ جُمْلَةِ المَوَانِعِ: أَنْ لَا يَكُونَ الدُّعَاءُ فِيهِ إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيسَ فِيهَا إِثْمٌ، وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُفَّ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ بِمِثْلِهَا، قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: اللهُ أَكْثَرُ» (^٤).\nوَأَيضًا أَنْ لَا يَسْتَعجِلَ الإِجَابَةَ؛ فَيُؤَدِّي بِهِ لِتَرْكِ الدُّعَاءِ! كَمَا فِي الحَدِيثِ أَيضًا: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِلَّهِ -يَسْأَلُهُ مَسْأَلَةً- إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهَا؛ إِمَّا عَجَّلَهَا لَهُ فِي الدُّنْيَا\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٣٤٧٩) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٥٩٤).\n(^٢) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٣٥٤٠) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (١٢٧).\n(^٣) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٠١٥).\n(^٤) صَحِيحٌ. الأَدَبُ المُفْرَدُ (٧١٠) بَابُ مَا يُدَّخَرُ لِلدَّاعِي مِنَ الأَجْرِ وَالثَّوَابِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الأَدَبِ المُفْرَدِ (٥٥٠).","vol":"2","page":307},{"text":"وَإِمَّا ادَّخَرَهَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: قَدْ دَعَوتُ وَدَعَوتُ فَلَا أَرَاهُ يُسْتَجَابُ!!» (^١).\nأَو أَنْ يَكُونَ الدُّعَاءُ فِيهِ اعْتِدَاءٌ، كَطَلَبِ مَا لَا يَجُوزُ شَرْعًا، أَو مَا لَا يُقْبَلُ قَدَرًا كَمُخَالَفَةِ سُنَّةِ اللهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ، وَفِي الحَدِيثِ عَنِ ابْنٍ لِسَعْدٍ أَنَّهُ قَالَ: (سَمِعَنِي أَبِي وَأَنَا أَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الجَنَّةَ وَنَعِيمَهَا وَبَهْجَتَهَا وَكَذَا وكَذَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَسَلَاسِلِهَا وَأَغْلَالِهَا وَكَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: يَا بُنيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «سَيَكُونُ قَومٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ»؛ فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ. إِنْ أُعْطِيتَ الجَنَّةَ؛ أُعْطِيتَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الخَيرِ، وَإِنْ أُعِذْتَ مِنَ النَّارِ؛ أُعِذْتَ مِنْهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الشَّرِّ) (^٢).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. الأَدَبُ المُفْرَدُ (٧١١) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الأَدَبِ المُفْرَدِ (٥٥١).\n(^٢) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (١٤٨٠). صَحِيحُ الجَامِعِ (٢٣٩٧).","vol":"2","page":308},{"text":"بَابُ لَا يَقُولُ: عَبْدِي وَأَمَتِي\nفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ! وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي وَمَولَايَ، وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي وَأَمَتِي! وَلْيَقُلْ: فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلَامِي» (^١).\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٢٥٥٢)، وَمُسْلِمٌ (٢٢٤٩).","vol":"2","page":309},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: النَّهْيُ عَنْ قَولِ: عَبْدِي وَأَمَتِي.\nالثَّانِيَةُ: لَا يَقُولُ العَبْدُ: رَبِّي، وَلَا يُقَالُ لَهُ: أَطْعِمْ رَبَّكَ.\nالثَّالِثَةُ: تَعْلِيمُ الأَوَّلِ قَولَ: فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلَامِي.\nالرَّابِعَةُ: تَعْلِيمُ الثَّانِي قَولَ: سَيِّدِي وَمَولَايَ.\nالخَامِسَةُ: التَّنْبِيهُ لِلْمُرَادِ؛ وَهُوَ تَحْقِيقُ التَّوحِيدِ حَتَّى فِي الأَلْفَاظِ.","vol":"2","page":310},{"text":"<span data-type='title' id=toc-393>الشَّرْحُ</span>\n- هَذَا البَابُ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الأَبْوَابِ السَّابِقَةِ فِي بَيَانِ مُكَمِّلَاتِ التَّوحِيدِ، وَبَيَانِ الأَدَبِ الأَكْمَلِ مَعَ الله ِتَعَالَى، وَذَلِكَ بِعَدَمِ اسْتِعْمَالِ الأَلْفَاظِ الَّتِي يَكُونُ الأَولَى فِيهَا إِطْلَاقَهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، فَيَكُونُ نَهْيًا عَنِ التَّطَاوُلِ فِي الأَلْفَاظِ، كَمَا فِي لَفْظِ مُسْلِمٍ: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي وَأَمَتِي! كُلُّكُمْ عَبِيدُ اللهِ، وَكُلُّ نِسَائِكُمْ إِمَاءُ اللهِ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: غُلَامِي وَجَارِيَتِي وَفَتَايَ وَفَتَاتِي».\n- النَّهْيُ فِي هَذَا الحَدِيثِ هُوَ لِلكَرَاهَةِ وَلَيسَ لِلتَّحْرِيمِ، وَقَد أَورَدَهُ البُخَارِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِهِ وَأَرْفَقَ مَعَهُ فِي التَّبْوِيبَ مَا يَدُلُّ عَلَى الكَرَاهَةِ فَقَط (^١).\n- فِي الحَدِيثِ الإِرْشَادُ إِلَى إِطْلَاقِ لَفْظِ (سَيِّدِكَ) وَ(سَيِّدِي) وَ(مَولَايَ) عِوَضًا عَنْ (رَبِّكَ) وَ(رَبِّي) لِلمَالِكِ رُغْمَ أَنَّ المَقْصُودَ وَاحِدٌ! وَلَكِنْ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِ لَفْظَةِ (الرَّبِّ) عَلَى اللهِ وَحْدَهُ؛ كَانَ الأَولَى عَدَمَ إِطْلَاقِهَا عَلَى الخَلْقِ.\nوَالنَّهيُ هُنَا -كَمَا سَيَأْتِي- هُوَ لِلكَرَاهَةِ، وَلَكِنَّ إِطْلَاقَ لَفْظِ (الرَّبِّ) عَلَى البَشَرِ هَكَذَا مُفْرَدًا دَونَ إِضَافَةٍ هُوَ لِلتَّحْرِيمِ، لِأَنَّهُ إِذَا أُطْلِقَ فَإِنَّهُ يُقْصَدُ بِهِ الرَّبُّ أَصْلًا، فَـ (الـ)\n_________\n(^١) البُخَارِيِّ (٣/ ١٣٩): بَابُ كَرَاهِيَةِ التَّطَاوُلِ عَلَى الرَّقِيقِ، وَقَولِهِ: عَبْدِي أَو أَمَتِي، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النُّور: ٣٢]، وَقَالَ: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ [النَّحْل: ٧٥]، وَ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يُوسُف: ٢٥]، وَقَالَ: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النِّسَاء: ٢٥]، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ» وَ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يُوسُف: ٤٢] عِنْدَ سَيِّدِكَ، وَ«مَنْ سَيِّدُكُمْ؟».\nحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ؛ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيدِ اللهِ؛ حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ قَالَ: «إِذَا نَصَحَ العَبْدُ سَيِّدَهُ وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ؛ كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَينِ».","vol":"2","page":311},{"text":"التَّعْرِيفِ هُنَا مَحْمُولَةٌ عَلَى الاسْتِغْرَاقِ، وَهَذَا لَا يُنَاسِبُ إِلَّا جَنَابَ اللهِ تَعَالَى.\nقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: \"قَالَ العُلَمَاءُ: لَا يُطْلَقُ الرَّبُّ -بِالأَلِفِ وَاللَّامِ- إِلَاّ عَلَى اللهِ تَعَالَى خَاصَّةً، فَأَمَّا مَعَ الإِضَافَةِ فَيُقَالُ: رَبُّ المَالِ، وَرَبُّ الدَّارِ، وَغَيرُ ذَلِكَ. وَمِنْهُ قَولُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي ضَالَّةِ الإِبِلِ: «دَعْهَا حتَّى يَلْقاهَا رَبُّهَا» \" (^١).\n- وَأَيضًا فِي الحَدِيثِ الإِرْشَادُ إِلَى إِطْلَاقِ لَفْظِ (غُلَامِي) وَ(فَتَايَ) عِوَضًا عَنْ (عَبْدِي) وَ(أَمَتِي) لِلمَمْلُوكِ رُغْمَ أَنَّ المَقْصُودَ وَاحِدٌ! وَلَكِنْ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِ لَفْظَةِ العُبُودِيَّةِ عَلَى التَّأَلُّهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى؛ كَانَ الأَولَى عَدَمَ إِطْلَاقِهَا إِلَّا بِقَصْدِ التَّعَبُّدِ للهِ تَعَالَى.\n- قَولُهُ: «سَيِّدِي» السِّيَادَةُ فِي الأَصْلِ عُلُوُّ المَنْزِلَةِ، لِأَنَّهَا مِنَ السُّؤْدُدِ وَالشَّرَفِ وَالجَاهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَالسَّيِّدُ يُطْلَقُ عَلَى مَعَانٍ؛ مِنْهَا: المَالِكُ، وَالزَّوجُ، وَالشَّرِيفُ المُطَاعُ.\n- قَد ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ إِلَى أَنَّ النَّهيَ هُنَا لِلتَّحْرِيمِ وَلَيسِ لِلكَرَاهَةِ، وَأَجَابُوا عَنِ الأَدِلَّةِ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الرَّبِّ مُضَافًا إِلَى المَخْلُوقِ -وَالعُبُودِيَّةِ مُضَافَةً إِلَى الغُلَامِ-؛ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي شَرْعِ مَنْ قَبْلِنَا، وَأَمَّا فِي شَرْعِنَا فَقَد نُهِيَ عَنْهُ، وَعَلَيهِ يَكُونُ النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ.\nقَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: \"فَإِنْ قِيلَ: لَا رَيبَ أَنَّ يُوسُفَ سَمَّى السَّيِّدَ رَبًّا فِي قَولِهِ: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ وَ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذَا كَانَ جَائِزًا فِي\n_________\n(^١) الأَذْكَارُ (ص ٣٦٣).\nقُلْتُ: وَالحَدِيثُ الأَخِيرُ رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٩١)، وَمُسْلِمٌ (١٧٢٢) عَنْ زَيدِ بْنِ خَالِدٍ مَرْفُوعًا.","vol":"2","page":312},{"text":"شَرْعِهِ، كَمَا جَازَ فِي شَرْعِهِ أَنْ يَسْجُدَ لَهُ أَبَوَاهُ وَإِخْوَتُهُ! وَكَمَا جَازَ فِي شَرْعِهِ أَنْ يُؤْخَذَ السَّارِقُ عَبْدًا! وَإِنْ كَانَ هَذَا مَنْسُوخًا فِي شَرْعِ مُحَمَّدٍ ﷺ\" (^١).\nقُلْتُ: وَهُوَ جَوَابٌ مُتَوَجِّهٌ لَولَا أَنَّ فِي شَرْعِنَا مَا دَلَّ عَلَى مِثْلِ مَا جَاءَ فِي شَرْعِ مَنْ قَبْلِنَا، وَمِنْهُ قَولُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي ضَالَّةِ الإِبِلِ: «دَعْهَا حتَّى يَلْقاهَا رَبُّهَا» (^٢)؛ فَوَجَبَ الحَمْلُ عَلَى الجَوَازِ مَعَ الكَرَاهَةِ، أَو جَاءَ النَّهْيُ لِتَحْقِيقِ كَمَالِ التَّوحِيدِ المُسْتَحَبِّ فِي الأَلْفَاظِ. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (^٣) (^٤).\n- إِنَّ ذِكْرَ السَّقْيِ وَالإِطْعَامِ وَالوُضُوءِ هُوَ مِنْ بَابِ التَّمْثِيلِ لَا الحَصْرِ، وَالمَقْصُودُ النَّهْيُ عَنِ اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الرَّبِّ، وَإِنَّمَا ذُكِرَتْ هَذِهِ الأُمُورُ لِغَلَبَةِ اسْتِعْمَالِهَا فِي الخِطَابِ.\n- فِي الحَدِيثِ بَيَانُ أَنَّهُ يَنْبَغِي عَلَى مَنْ سَدَّ بَابًا مُحَرَّمًا أَنْ يَفْتَحَ لَهُم بَابًا مُبَاحًا.\n- العُبُودِيَّةُ نَوعَانِ:\n١ - عَامَّةٌ: كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مَرْيَم: ٩٣].\n_________\n(^١) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (١٥/ ١١٨).\n(^٢) البُخَارِيُّ (٩١)، وَمُسْلِمٌ (١٧٢٢) عَنْ زَيدِ بْنِ خَالِدٍ مَرْفُوعًا.\n(^٣) قَالَ المُصَنِّفُ ﵀ فِي المَسَائِلِ: \"التَّنْبِيهُ لِلْمُرَادِ؛ وَهُوَ تَحْقِيقُ التَّوحِيدِ حَتَّى فِي الأَلْفَاظِ\".\n(^٤) قَالَ الحَافِظِ العِرَاقِيِّ ﵀: \"هَذَا النَّهْيُ عَلَى التَّنْزِيهِ دُونَ التَّحْرِيمِ، وَقَدْ حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ جَمِيعُ العُلَمَاءِ حَتَّى أَهْلُ الظَّاهِرِ، وَأَشَارَ إلَى ذَلِكَ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فَبَوَّبَ: بَابُ كَرَاهِيَةِ التَّطَاوُلِ عَلَى الرَّقِيقِ\". طَرْحُ التَّثْرِيبِ (٦/ ٢٢٣).\nقُلْتُ: وَأَيضًا حَمَلَ بَعْضُ أَهْلِ الِعِلْمِ النَّهْيَ عَلَى مَا كَانَ بِلَفْظِ الخِطَابِ، وَأَجَازَ مَا كَانَ بِلَفْظِ الغَيبَةِ، وَلَكِنْ مَا أَثْبَتْنَاهُ أَولَى مِنْ جِهَةِ الجَمْعِ. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.","vol":"2","page":313},{"text":"٢ - خَاصَّةٌ: كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفُرْقَان: ٦٣].\n- قَولُهُ: (مَولَايَ): الوَلَايَةُ -بِفَتْحِ الوَاوِ-: المَحَبَّةُ وَالنُّصْرَةُ، وَبِالكَسْرِ: المُلْكُ وَالإِمَارَةُ.\n- الوَلَايَةُ تَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَينِ:\n١ - وَلَايَةٌ مُطْلَقَةٌ، وَهَذِهِ للهِ ﷿، لَا تَصْلُحُ لِغَيرِهِ كَالسِّيَادَةِ المُطْلَقَةِ.\nوَوَلَايَةُ اللهِ لِعِبَادِهِ أَيضًا نَوعَان:\nأ- عَامَّةٌ: وَهِيَ الشَّامِلَةُ لِكُلِّ أَحَدٍ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [يُونُس: ٣٠]، فجَعَلَ سُبْحَانَهُ لِنَفْسِهِ وَلَايَةً عَلَى هَؤُلَاءِ المُفْتَرِينَ؛ فَهَذِهِ وَلَايَةٌ عَامَّةٌ، فاللهُ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى عِبَادَهُ بِالتَّدْبِيرِ وَالتَّصْرِيفِ وَالسُّلْطَانِ وَغَيرِ ذَلِكَ.\nب- خَاصَّةٌ: وَهِيَ أَنْ يَتَوَلَّى اللهُ العَبْدَ بِعِنَايَتِهِ وَتَوفِيقِهِ وَهِدَايَتِهِ، وَهَذِهِ خَاصَّةٌ بِالمُؤْمِنِينَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [مُحَمَّد: ١١].\n٢ - وَلَايَةٌ مُقَيَّدَةٌ مُضَافَةٌ: وَهَذِهِ يَجُوزُ أَنْ تُطْلَقَ لِغَيرِ اللهِ تَعَالَى، وَلَهَا فِي اللُّغَةِ مَعَانٍ كَثِيرَةٌ؛ مِنْهَا: النَّاصِرُ، وَالمُتَوَلِّي لِلأُمُورِ، وَالسَّيِّدُ، وَالعَتِيقُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التَّحْرِيم: ٤].\nقَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀: \"وَعَلَيهِ يُعْرَفُ أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِاسْتِنْكَارِ بَعْضِ النَّاسِ لِمَنْ خَاطَبَ مَلِكًا بِقَولِهِ: (مَولَايَ) لِأَنَّ المُرَادَ بِمَولَايَ أَي: مُتَوَلِّي أَمْرِي، وَلَا","vol":"2","page":314},{"text":"شَكَّ أَنَّ رَئِيسَ الدَّولَةِ يَتَوَلَّى أُمُورَهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٥٩] \" (^١).\nقُلْتُ: وَقَدْ سَبَقَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التَّحْرِيم: ٤].\n- فَائِدَةٌ ١: اسْمُ (السَّيِّدِ) هُوَ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى (^٢)، وَدَلَّ لِذَلِكَ الحَدِيثُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ؛ قَالَ: انْطَلَقْتُ فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ فَقُلْنَا: أَنْتَ سَيِّدُنَا. فَقَالَ: «السَّيِّدُ اللهُ ﵎)، قُلْنَا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا، وَأَعْظَمُنَا طَولًا. فَقَالَ: «قُولُوا بِقَولِكُمْ أَو بَعْضِ قَولِكُمْ وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيطَانُ» (^٣).\nوجَازَ إِطْلَاقُهُ عَلَى المَخْلُوقِ لِأَنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ عُمُومًا إِلَّا مَا يُنَاسِبُ المَخْلُوقَ، وَقَد انْتَشَرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي حَقِّ المَخْلُوقِ بِخِلَافِ لَفْظِ (الرَّبِّ).\nقَالَ أَبُو العَبَّاسِ القُرْطُبِيُّ ﵀: \"إنَّمَا فُرِّقَ بَينَ الرَّبِّ وَالسَّيِّدِ؛ لِأَنَّ الرَّبَّ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى بِالِاتِّفَاقِ، وَاخْتُلِفَ فِي السَّيِّدِ؛ هَلْ هُوَ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى أَمْ لَا؟ فَإِذَا قُلْنَا: لَيسَ مِنْ أَسْمَائِهِ؛ فَالفَرْقُ وَاضِحٌ إذْ لَا التِبَاسَ وَلَا إشْكَالَ يَلْزَمُ مِنْ إطْلَاقِهِ كَمَا يَلْزَمُ مِنْ إطْلَاقِ الرَّبِّ، وَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ مِنْ أَسْمَائِهِ؛ فَلَيسَ فِي الشُّهْرَةِ وَالِاسْتِعْمَالِ كَلَفْظِ الرَّبِّ؛ فَيَحْصُلُ الفَرْقُ بِذَلِكَ\" (^٤).\n_________\n(^١) القَولُ المُفِيدُ (٢/ ٣٤٣).\n(^٢) انْظُرْ كِتَابَ (القَوَاعِدُ المُثْلَى) (ص ١٦) لِلشَّيخِ ابْنِ عُثَيمِين رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، وَكِتَابَ (صِفَاتُ اللهِ الوَارِدَةُ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ) (ص ٢٠٨) لِلشَّيخِ عَلَوِي السَّقَّاف حَفِظَهُ اللهُ.\n(^٣) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١٦٣٠٧)، وَأَبُو دَاوُدَ (٤٨٠٦). صَحِيحُ الجَامِعِ (٣٧٠٠).\n(^٤) المُفْهِمُ لِمَا أَشْكَلَ مِنْ تَلْخِيصِ كِتَابِ مُسْلِمٍ (٥/ ٥٥٤).","vol":"2","page":315},{"text":"وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀: \"وَأَمَّا الرَّبُّ فَهِيَ كَلِمَةٌ -وَإِنْ كَانَتْ مُشْتَرِكَةً؛ وَتَقَعُ عَلَى غَيرِ الخَالِقِ؛ لِقَولِهِمْ: (رَبُّ الدَّابَّةِ، وَرَبُّ الدَّارِ) وَيُرَادُ صَاحِبُهَا؛ فَإِنَّهَا لَفْظَةٌ تَخْتَصُّ بِاللَّهِ ﷿ فِي الأَغْلَبِ وَالأَكْثَرِ؛ فَوَجَبَ أَلَّا يُسْتَعْمَلَ فِي المَخْلُوقِينَ لِنَفْيِ اللهِ ﷿ الشَّرِكَةَ بَينَهُمْ وَبَينَ اللهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِأَحَدٍ -غَيرِ اللهِ- إلَهٌ وَلَا رَحْمَنٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: رَحِيمٌ؛ لِاخْتِصَاصِ اللهِ بِهَذِهِ الأَسْمَاءِ؛ فَكَذَلِكَ الرَّبُّ لَا يُقَالُ لِغَيرِ اللهِ\" (^١).\nوَنَقَلَ القَاضِي عِيَاضٌ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ الدُّعَاءَ بِسَيِّدِي (^٢)، قُلْتُ: وَهَذَا وَجْهُهُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ عُمُومِ اطْلَاقِ اسْمِ السَّيِّدِ عَلَى غَيرِ حَقِّ اللهِ تَعَالَى عِنْدَ العَامَّةِ.\nوَلَكِنْ إِذَا كَانَ السِّيَاقُ سِيَاقَ غُلُوٍّ؛ فَإِنَّهُ يُنْهَى عَنْ إِطْلَاقِهِ عَلَى البَشَرِ؛ لِدِلَالَةِ صَرِيحِ الحَدِيثِ السَّابِقِ (^٣).\n- فَائِدَةٌ ٢: فِي أَحَدِ أَلْفَاظِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ جَاءَ النَّهْيُ عَنْ أَنْ يَقُولَ: (مَولَايَ)، فَقَالَ فِيهِ: «لَا تَقُولُوا مَولَايَ؛ فَإِنَّ مَولَاكُمُ اللهُ ﷿) مَعَ أَنَّهُ وَرَدَ جَوَازُهُ عِنْدَهُ فِي لَفْظٍ آخَر! وَهَذَا اللَّفْظُ -لَفْظُ النَّهْي- أَعَلَّهُ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ بِأَنَّهُ نُقِلَ بِالمَعْنَى؛ فَهُوَ شَاذٌّ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ، وَمُعَارِضٌ لِهَذَا الحَدِيثِ الَّذِي هُوَ نَصٌّ فِي إِجَازَةِ ذَلِكَ، فَالصَّحِيحُ جَوَازُ إِطْلَاقِ لِفْظِ (مَولَايَ) (^٤).\n_________\n(^١) شَرْحُ البُخَاريِّ (٧/ ٦٨).\n(^٢) طَرْحُ التَّثرِيبِ (٦/ ٢٢٢) لِلحَافِظِ العِرَاقِيِّ.\n(^٣) اُنْظُرْ كِتَابَ (إِعَانَةُ المُسْتَفِيدِ) (٢/ ٤٣٢) للشَّيخِ الفَوزَان حَفِظَهُ اللهُ.\n(^٤) انْظُرْ (طَرْحُ التَّثرِيبِ) (٦/ ٢٢٢) لِلحَافِظِ العِرَاقِيِّ ﵀.","vol":"2","page":316},{"text":"بَابُ لَا يُرَدُّ مَنْ سَأَلَ بِاللَّهِ\nعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ سَأَلَ بِاللَّهِ؛ فَأَعْطُوهُ، وَمَنِ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ؛ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ دَعَاكُمْ؛ فَأَجِيبُوهُ، وَمَنْ صَنَعَ إِلَيكُمْ مَعْرُوفًا؛ فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ (^١).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (١٦٧٢)، وَالنَّسَائِيُّ (٢٥٦٧). الصَّحِيحَةُ (٢٥٤).","vol":"2","page":317},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: إِعَاذَةُ مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ.\nالثَّانِيَةُ: إِعْطَاءُ مَنْ سَأَلَ بِاللَّهِ.\nالثَّالِثَةُ: إِجَابَةُ الدَّعْوَةِ.\nالرَّابِعَة: المُكَافَأَةُ عَلَى الصَّنِيعَةِ.\nالخَامِسَةُ: أَنَّ الدُّعَاءَ مُكَافَأَةٌ لِمَنْ لَمْ يَقْدِرْ إِلَّا عَلَيهِ.\nالسَّادِسَةُ: قَولُهُ: «حَتَّى تَرَوا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ».","vol":"2","page":318},{"text":"<span data-type='title' id=toc-396>الشَّرْحُ</span>\n- مُنَاسَبَةُ البَابِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ أَنَّ مِنْ إِظْهَارِ تَعْظِيمِ اللهِ ﷿ أَنْ لَا يُرَدَّ مَنْ سَأَلَ بِهِ، وَفي رَدِّهِ إِسَاءَةٌ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى وَنقْصٌ فِي التَّوحِيدِ، وَفي إِعْطَائِهِ احْتِرَامٌ لِحَقِّ اللهِ تَعَالَى وَتَكْمِيلٌ لِلتَّوحِيدِ (^١).\n- إِنَّ إِجَابَةَ مَنْ سَأَلَ بِاللهِ يَكُونُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ (^٢):\n١ - حَالٌ يَحْرُمُ فيهَا رَدُّ السَّائِلِ؛ وَهِيَ إِذَا تَحَقَّقَتْ فيها قُيُودٌ:\nأ- إِذَا تَوَجَّهَ لِمُعَيَّنٍ فِي أَمْرٍ مُعَيَّنٍ؛ خَصَّكَ بِهَذَا التَّوَجُّهَ.\nب- سَأَلَكَ بِاللهِ أَنْ تُعِينَهُ.\nج- القُدْرَةُ عَلَى المَعُونَةِ.\n٢ - حَالٌ يُكْرَهُ فِيهَا رَدُّ السَّائِلِ: إِذَا كَانَ التَّوَجُّهُ لَيسَ لِمُعَيَّنٍ؛ كَأَنْ يَسْأَلَ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا.\n٣ - حَالٌ يُبَاحُ: فِيمَا إِذَا كَانَ مَنْ سَأَلَ بِاللهِ يُعْرَفُ مِنْهُ الكَذِبُ.\nقَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀: \"لَكِنْ لَو سَأَلَ إِثْمًا، أَو كَانَ فِي إِجَابَتِهِ ضَرَرٌ عَلَى المَسْئُولِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُجَابُ\" (^٣).\n_________\n(^١) وَكَذَلِكَ إِعَاذَةُ مَنْ اسْتَعَاذَ بِاللهِ.\n(^٢) أَفَادَهُ الشَّيخُ صَالِحُ آلِ الشَّيخِ حَفِظَهُ اللهُ في كِتَابِهِ (التَّمْهِيدُ) (ص ٥٢٤) بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ.\n(^٣) القَولُ المُفِيدُ (٢/ ٣٤٩).","vol":"2","page":319},{"text":"وَقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: \"وَوُجُوبُ الإِعْطَاءِ إِنَّمَا هُوَ إِذَا كَانَ المَسْؤُولُ قَادِرًا عَلَى الإِعْطَاءِ وَلَا يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ بِهِ أَو بِأَهْلِهِ؛ وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ عَلَيهِ. وَاللهُ أَعْلَمُ\" (^١).\n- إِنَّ سُؤَالَ النَّاسِ مِنْ غَيرٍ حَاجَةٍ أَو ضَرُورَةٍ مَكْرُوهٌ أَو مُحَرَّمٌ، وَلِهَذَا كَانَ مِمَّا بَايَعَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ عَلَيهِ أَنْ لَا يَسْأَلُوا النَّاسَ شَيئًا، حَتَّى إِنَّ سَوطَ أَحَدِهِم لَيَسْقُطُ مِنْهُ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ؛ فَلَا يَقُولُ لِأَحَدٍ: نَاوِلْنِيه! بَلْ يَنْزِلُ وَيَأْخُذُهُ بِنَفْسِهِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ عَوفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ؛ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ تِسْعَةً أَو ثَمَانِيَةً أَو سَبْعَةً؛ فَقَالَ: «أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟» وَكُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيعَةٍ، قُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ! حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَبَسَطْنَا أَيدِيَنَا فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ! فَعَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: «أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا، وَتُصَلُّوا الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ، وَتَسْمَعُوا وَتُطِيعُوا» وَأَسَرَّ كَلِمَةً خُفْيَةً؛ قَالَ: «وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيئًا». قَالَ: فَلَقَدْ كَانَ بَعْضُ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوطُهُ؛ فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا أَنْ يُنَاوِلَهُ إِيَّاهُ (^٢).\nوَفِي الحَدِيثِ: «مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَومَ القِيَامَةِ لَيسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ» (^٣)، وَظَاهِرُهُ يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ إِلَّا لِلضَّرُورَةِ.\n- قَولُهُ: «مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللهِ؛ فَأَعِيذُوهُ» أَي: قَالَ: (أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ) فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيكَ أَنْ تُعِيذَهُ، لِأَنَّهُ اسْتَعَاذَ بِعَظِيمٍ، وَلِهَذَا لَمَّا قَالَتِ ابْنَةُ الجَونِ لِلرَّسُولِ ﷺ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ! قَالَ لَهَا: «لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمٍ؛ الْحَقِي بِأَهْلِكِ» (^٤).\n_________\n(^١) الصَّحِيحَةُ (٢٥٥).\n(^٢) مُسْلِمٌ (١٠٤٣).\n(^٣) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١٤٧٤)، وَمُسْلِمٌ (١٠٤٠) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا.\n(^٤) البُخَارِيُّ (٥٢٥٤) عَنْ عَائِشَةَ ﵂.","vol":"2","page":320},{"text":"فَإِعَاذَةُ مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللهِ هُوَ دَلِيلُ تَعْظِيمٍ للهِ تَعَالَى، وَهِيَ مِنْ خِصَالِ المُتَّقِينَ، كَمَا قَالَتْ مَرْيَمُ ﵍ عِنْدَمَا جَاءَهَا جِبْرِيلُ: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مَرْيَم: ١٨].\nوَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَوِ اسْتَعَاذَ مِنْ أَمْرٍ وَاجِبٍ عَلَيهِ؛ أَو أَلْزَمْتَهُ بِالإِقْلَاعِ عَنْ أَمْرٍ مُحَرَّمٍ؛ فَاسْتَعَاذَ بِاللهِ مِنْكَ! فَإِنَّكَ لَا تُعِيذُهُ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّعَاوُنِ عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ، وَلِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُعِيذُ عَاصِيًا! بَلِ العَاصِي يَسْتَحِقُّ العُقُوبَةَ لَا الانْتِصَارَ لَهُ وَإِعَانَتَهُ! فَإِعْطَاءُ مَنْ سَأَلَ بِاللهِ هُوَ مِنْ نَفْسِ بَابِ عَدَمِ الإِعَانَةِ عَلَى مَعْصِيَةِ اللهِ؛ لِأَنَّ الجَمِيعَ مِنْ بَابِ تَعْظِيمِ اللهِ تَعَالَى.\n- قَولُهُ: «وَمَنْ دَعَاكُم فَأَجِيبُوهُ» جُمْهُورُ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي وَلِيمَةِ العُرْسِ فَقَط، لِقَولِهِ ﷺ فِيهَا: «بِئْسَ الطَّعَامُ طَعَامُ الوَلِيمَةِ؛ يُدْعَى إِلَيهِ الأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ المَسَاكِينُ! فَمَنْ لَمْ يَأْتِ الدَّعْوَةَ؛ فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ» (^١).\nوَهُنَا يُشْتَرَطُ عَدَمُ وُجُودِ المُنْكَرِ فِيهَا إِلَّا إِنْ أَمْكَنَ التَّغييِرُ، كَمَا أَنَّهَا لَا تَجِبُ إِنْ كَانَ الدَّاعِي غَيرَ مُسْلِمٍ؛ لِحَدِيث: «حَقُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ العَاطِسِ» (^٢)، وَأَيضًا أَنْ لَا يَلْزَمَ مِنَ الحُضُورِ إِسْقَاطُ وَاجِبٍ، وَأَنْ لَا تَتَضَمَّنَ ضَرَرًا عَلَى المُجِيبِ (^٣).\n- إِنَّ إِجَابَةَ الدَّعْوَةِ حَقٌّ لِلدَّاعِي وَلَيسَتْ حَقًّا للهِ تَعَالَى؛ لِذَا إِذَا أَقَالَكَ الدَّاعِي فَلَا إِثْمَ عَلَيكَ، كَمَا سَبَقَ فِي الحَدِيثِ: «حَقُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ».\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٥١٧٧)، وَمُسْلِمٌ (١٤٣٢) عَنِ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.\n(^٢) البُخَارِيُّ (١٢٤٠)، وَمُسْلِمٌ (٢١٦٢) عَنِ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.\n(^٣) اُنْظُرْ تَمَامَ شُرُوطِ الإِجَابَةِ فِي الفَتْحِ (٩/ ٢٤٢) لِابْنِ حَجَرٍ ﵀.","vol":"2","page":321},{"text":"- قَولُهُ: «حَتَّى تَرَوا» بِفَتْحِ التَّاءِ بِمَعْنَى: تَعْلَمُوا، وَيَجُوزُ الضَّمُّ؛ وَالمَعْنَى حَتَّى تُظْهِرُوا أَنَّكُم قَدْ كَافَأْتُمُوهُ.\n- فِي المُكَافَأَةِ فَائِدَتَانِ:\n١ - تَشْجِيعُ ذَوِي المَعْرُوفِ عَلَى فِعْلِ المَعْرُوفِ.\n٢ - أَنَّ الإِنْسَانَ يَكْسِرُ بِهَا الذُّلَّ الحَاصِلَ لَهُ بِصُنْعِ المَعْرُوفِ إِلَيهِ، فَإِذَا رَدَدْتَ إِلَيهِ مَعْرُوفَهُ زَالَ عَنْكَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ فِي قَلْبِكِ شُعُورٌ بِالمِنَّةِ لِأَحِدٍ سِوَى رَبِّ العَالَمِينَ.\n- مِنَ المُكَافَأَةِ مَا جَاءَ فِي الحَديثِ: «مَنْ صُنِعَ إِلَيهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ الله خَيرًا؛ فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ» (^١).\nقُلْتُ: وَوَجْهُ الإِحَالَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى فِي الجَزَاءِ هُوَ لِعَجْزِهِ عَنْ جَزَاءِهِ بَنَفْسِهِ؛ فَأَحَالَهُ إِلَى الغَنِيِّ الَّذِي لَا يَعْدِلُ جَزَاءَهُ جَزَاءٌ. وَاللهُ أَعْلَمُ.\n- فَائِدَةٌ ١: فِي الأَمْرِ بِالمُكَافَأَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهَا مِنْ جِنْسِ المَعْرُوفِ السَّابِقِ.\n- فَائِدَةٌ ٢: أَولَى فِي المَنْعِ مِنَ الإِعْطَاءِ: مَنْ جَعَلَ التَّسَوُّلَ مِهْنَةً لَهُ؛ فَيَسْأَلُ مَعَ هَذَا بِاللهِ تَعَالَى أَنْ تُعْطِيَهُ! فَهَؤُلَاءِ حَقِيقَتُهُم عَلَى العَكْسِ مِنَ المُرَادِ النَّبَوِيِّ فِي حَدِيثِ البَابِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُم لَا يُعَظِّمُونَ اسْمَ اللهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُم لَو عَظَّمُوهُ مَا جَعَلُوهُ عُرْضَةً لِأَنْ يَسْأَلوا بِاسْمِهِ أَيَّ شَيءٍ مِمَّا تُحْتَقَرُ قِيمَتُهُ عِنْدَ النَّاسِ!\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٠٣٥) عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيدٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٦٣٦٨).","vol":"2","page":322},{"text":"بَابُ لَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللهِ إِلَّا الجَنَّةُ\nعَنْ جَابِرٍ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللهِ إِلَّا الجَنَّةُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١).\nفِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: النَّهْيُ عَنْ أَنْ يُسْأَلَ بِوَجْهِ اللهِ إِلَّا غَايَةُ المَطَالِبِ.\nالثَّانِيَةُ: إِثْبَاتُ صِفَةِ الوَجْهِ.\n_________\n(^١) ضَعِيفٌ. أَبُو دَاوُدَ (١٦٧١). ضَعِيفُ أَبِي دَاوُدَ (الأُمّ) (٢٩٨).\nوَقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِيهِ: \"إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ لِسُوءِ حِفْظِ سُلَيمَان، وَهُوَ ابْنُ قَرْمِ بْنِ مُعَاذٍ، يُنْسَبُ إِلَى جَدِّهِ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ الجُمْهُورُ\".","vol":"2","page":323},{"text":"<span data-type='title' id=toc-399>الشَّرْحُ</span>\n- إِنَّ التَّوَسُّلَ بِالأَمْرِ العَظِيمِ فِي الشَّيءِ الحَقِيرِ هُوَ تَقْلِيلٌ لِشَأْنِهِ! فَلَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللهِ تَعْظِيمًا لَهُ إِلَّا أَعْلَى المَطَالِبِ ألَا وَهِيَ الجَنَّةُ، فَفِي هَذَا البَابِ مُمَاثَلَةٌ لِمَا سَبَقَ مِنَ الأَبْوَابِ فِي الآدَابِ اللَّفْظِيَّةِ فِي تَعْظِيمِ جَنَابِ اللهِ تَعَالَى.\n- إِنَّ النُّصُوصَ الشَّرْعِيَّةَ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ عُمُومًا دَلَّتْ عَلَى:\n١ - وُجُوبِ إِجَابَةِ مَنْ سُئِلَ بِاللهِ -وَقَدْ سَبَقَ فِي البَابِ المَاضِي بَيَانُهُ-.\n٢ - جَوَازُ أَنْ يَسْأَلَ العَبْدُ العَبْدَ بِاللهِ أَمْرًا مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، كَمَا فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيكُمْ رَقِيبًا﴾ [النِّسَاء: ١]، وَحَدِيثِ المَلَكِ وَالثَّلَاثَةِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِي سَبَقَ.\n٣ - تَحْرِيمُ سُؤَالِ العَبْدِ لِلعَبْدِ بِوَجْهِ اللهِ أَمْرًا مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، كَمَا سَيَأْتِي فِي الحَدِيثِ.\n٤ - مَنْعُ سُؤَالِ اللهِ بَوَجْهِهِ إِلَّا الجَنَّةَ، كَمَا فِي حَدِيثِ البَابِ وَغَيرِهِ، وَسَيَأْتِي عَنْ عَطَاءَ ﵀ مَا يُؤَيِّدُهُ، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.\n- البَابُ المَاضِي كَانَ الحُكْمُ فِيهِ مُتَوَجِّهًا إِلَى المَسْئُولِ، وُهُنَا الحُكْمُ مُتَوَجِّهٌ إِلَى السَّائِلِ.\n- قَولُهُ: «لَا يُسْأَلُ» هَذَا نَفْيٌ، وَالنَّفْيُ هُنَا مُتَضَمِّنٌ للنَّهْي.\n- الحَدِيثُ ضَعِيفُ الإِسْنَادِ، وَلَكِنَّ النَّهيَ عَنِ السُؤَالِ بِوَجْهِ اللهِ أَمْرًا مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا صَحِيحٌ، لحَدِيثِ: «مَلْعُونٌ مَنْ سَأَلَ بِوَجْهِ اللهِ، وَمَلْعُونٌ مَنْ سُئِلَ بِوَجْهِ الله ثُمَّ مَنَعَ","vol":"2","page":324},{"text":"سَائِلَهُ؛ مَا لَمْ يَسْأَلْ هُجْرًا» (^١) (^٢).\nقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: \"فَائِدَةٌ: فِي الحَدِيثِ (^٣) تَحْرِيمُ سُؤَالِ شَيءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا بِوَجْهِ اللهِ تَعَالَى، وَتَحْرِيمِ عَدَمِ إِعْطَاءِ مَنْ سَأَلَ بِهِ تَعَالَى.\nقَالَ السِّنْدِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى النَّسَائِيِّ: (الذِي يَسْأَلُ بِاللهِ) عَلَى بِنَاءِ الفَاعِلِ، أَي: الَّذِي يَجْمَعُ بَينَ القُبْحَتَينِ، أَحَدِهِمَا: السُّؤَالُ بِاللهِ، وَالثَّانِي: عَدَمُ الإِعْطَاءِ لِمَنْ يُسْأَلُ بِهِ تَعَالَى، فَمَا يُرَاعِي حُرْمَةَ اسْمِهِ تَعَالَى فِي الوَقْتَينِ جَمِيعًا.\nوَأَمَّا جَعْلُهُ مَبْنِيًّا لِلمَفْعُولِ فَبَعِيدٌ؛ إِذْ لَا صُنْعَ للعَبْدِ فِي أَنْ يَسْأَلَهُ السَّائِلُ بِاللهِ، فَلَا وَجْهَ لِلجَمْعِ بَينَهُ وَبَينَ تَرْكِ الإِعْطَاءِ فِي هَذَا المَحَلِّ.\nقُلْتُ [الأَلْبَانِيُّ]: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ عَدَمِ الإِعْطَاءِ لِمَنْ يَسْأَلُ بِهِ تَعَالَى حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ المُتَقَدِّمَين: «وَمَنْ سَأَلَكُم بِاللهِ فَأَعْطُوهُ»، وَيَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ السُّؤَالِ بِهِ تَعَالَى حَدِيثُ: «لَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللهَ إِلَّا الجَنَّةَ» وَلَكِنَّهُ ضَعِيفُ الإِسْنَادِ كَمَا بَيَّنَهُ المُنْذِرِيُّ وَغَيرُهُ، وَلَكِنَّ النَّظَرَ الصَّحِيحَ يَشْهَدُ لَهُ (^٤)، فَإِنَّهُ إِذَا ثَبَتَ\n_________\n(^١) حَسَنٌ. تَارِيخُ ابْنِ عَسَاكِر (٥٨/ ٢٦) عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٢٢٩٠).\n(^٢) قَالَ الحَافِظُ السَّخَاوِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ المَقَاصِدُ الحَسَنَةُ (ص ٣٧٠): \"يَعْنِي: شَيئًا قَبِيحًا لَا يَلِيقُ، أَو يَكُونُ سُؤَالُهُ بِلَفْظٍ قَبِيحٍ\".\n(^٣) وَهُوَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيرِ النَّاسِ مَنْزِلًا؟». قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «رَجُلٌ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ ﷿ حَتَّى يَمُوتَ أَو يُقْتَلَ. وَأُخْبِرُكُمْ بِالَّذِي يَلِيهِ؟». قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي شِعْبٍ؛ يُقِيمُ الصَّلَاةَ وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ وَيَعْتَزِلُ شُرُورَ النَّاسِ. وَأُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ؟». قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «الَّذِي يُسْأَلُ بِاللَّهِ ﷿ وَلَا يُعْطِي بِهِ». صَحِيحٌ. النَّسَائيُّ (٢٥٦٩). الصَّحِيحَةُ (٢٥٥).\n(^٤) أَي: يَشْهَدُ لِمَنْعِ السُّؤَالِ -كَمَا تَجِدُهُ مِنَ السِّيَاقِ-.","vol":"2","page":325},{"text":"وُجُوبُ الإِعْطَاءِ لِمَنْ سَأَلَ بِهِ تَعَالَى -كَمَا تَقَدَّمَ- فَسُؤَالُ السَّائِلِ بِهِ؛ قَدْ يُعَرِّضُ المَسْؤُولَ لِلوُقُوعِ فِي المُخَالَفَةِ وَهِيَ عَدَمُ إِعْطَائِهِ إِيَّاهُ مَا سَأَلَ وَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا أَدَّى إِلَى مُحَرَّمٍ فَهُوَ مُحَرَّمٌ؛ فَتَأَمَّلْ.\nوَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُسْأَلَ بِوَجْهِ اللهِ أَو بِالقُرْآنِ شَيءٌ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، وَوُجُوبُ الإِعْطَاءِ إِنَّمَا هُوَ إِذَا كَانَ المَسْؤُولُ قَادِرًا عَلَى الإِعْطَاءِ وَلَا يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ بِهِ أَو بِأَهْلِهِ، وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ عَلَيهِ. وَاللهُ أَعْلَمُ\" (^١).\n- قُلْتُ: يَشْهَدُ لِعُمُومِ المَنْعِ مِنَ سُؤَالِ المَخْلُوقِ بِوَجْهِ اللهِ حَدِيثُ: «مَلْعُونٌ مَنْ سَأَلَ بِوَجْهِ اللهِ، وَمَلْعُونٌ مَنْ سُئِلَ بِوَجْهِ اللهِ ثُمَّ مَنَعَ سَائِلَهُ؛ مَا لَمْ يَسْأَلْ هُجْرًا» -وَقَدْ سَبَقَ-.\nوَيَشْهَدُ لِاسْتِثْنَاءِ سُؤَالِ الخَالِقِ بِوَجْهِهِ فِي أَمْرِ الدِّينِ -وَمَا يُؤَدِّي إِلَيهِ مِنَ أَمْرِ الدُّنْيَا- حَدِيثُ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأَنْعَام: ٦٥] قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ»، قَالَ: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قَالَ: «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ»، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «هَذَا أَهْوَنُ؛ أَو هَذَا أَيسَرُ» (^٢).\nفَحَدِيثُ البَابِ صَحِيحُ المَعْنَى؛ إِلَّا أَنَّهُ يَزِيدُ قَيدًا وَهُوَ: أَنْ لَا يُسْأَلَ بِوَجْهِ اللهِ إِلَّا الجَنَّةَ، وَهَذَا الحَصْرُ يُوَافِقُ مَا سَبَقَ مِنْ لَفْظِ الحَدِيثِ: «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ» فِي دَفْعِ العَذَابِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ فِيهِ طَلَبَ ضِدِّهِ وَهُوَ طَلَبُ النَّجَاةِ إِلَى الجَنَّةِ بِسَلَامٍ.\n_________\n(^١) الصَّحِيحَةُ (٢٥٥).\n(^٢) البُخَاريُّ (٤٦٢٨) عَنْ جَابِرٍ.","vol":"2","page":326},{"text":"- فَائِدَة ١: رَوَى ابْنُ أَبِي شَيبَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَطَاءٍ: أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُسْأَلَ بِوَجْهِ اللهِ أَو بِالقُرْآنِ شَيءٌ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا (^١).\n- فَائِدَة ٢: للهِ تَعَالَى صِفَةُ الوَجْهِ -كَمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَكَمَالِهِ-، وَلَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ فِيهِ.\nقَالَ إِمَامُ الأَئِمَّةِ ابْنُ خُزَيمَةَ ﵀: \"فَنَحْنُ -وَجَمِيعُ عُلَمَائِنَا مِنْ أَهْلِ الحِجَازِ وَتِهَامَةَ وَاليَمَنِ وَالعِرَاقِ وَالشَّامِ وَمِصْرَ- مَذْهَبُنَا: أَنَّا نُثْبِتُ لِلَّهِ مَا أَثْبَتَهُ اللهُ لِنَفْسِهِ، نُقِرُّ بِذَلِكَ بِأَلْسِنَتِنَا، وَنُصَدِّقُ ذَلِكَ بِقُلُوبِنَا؛ مِنْ غَيرِ أَنْ نُشَبِّهَ وَجْهَ خَالِقِنَا بِوَجْهِ أَحَدٍ مِنَ المَخْلُوقِينَ، عَزَّ رَبُّنَا عَنْ أَنْ يُشَبَّهَ بِالمَخْلُوقِينَ! وَجَلَّ رَبُّنَا عَنْ مَقَالَةِ المُعَطِّلِينَ! وَعَزَّ عَنْ أَنْ يَكُونَ عَدَمًا كَمَا قَالَهُ المُبْطِلُونَ! لأَنَّ مَا لَا صِفَةَ لَهُ عَدَمٌ، تَعَالَى اللهُ عَمَّا يَقُولُ الجَهْمِيُّونَ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ صِفَاتِ خَالِقِنَا الَّذِي وَصَفَ بِهَا نَفْسَهُ فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ\" (^٢).\n_________\n(^١) مُصَنَّفُ ابْنِ أَبِي شَيبَةَ (١٠٧٩٤). الصَّحِيحَةُ (٢٥٣).\n(^٢) التَّوحِيدُ (١/ ٢٦) لِابْنِ خُزَيمَةَ.","vol":"2","page":327},{"text":"<span data-type='title' id=toc-400>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-401> المَسْأَلَةُ الأُولَى: قَالَ بَعْضُهُم: وَجْهُ اللهِ؛ المُرَادُ بِهِ القِبْلَةُ (^١) أَوِ الجِهَةُ أَوِ الثَّوَابُ كَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ </span>(^٢)، وَلَيسَ للهِ تَعَالَى وَجْهٌ حَقِيقِيٌّ! فَمَا الجَوَابُ؟\nالجَوَابُ:\nالصَّوَابُ أنَّهُ وَجْهٌ للهِ حَقِيقِيٌّ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرَّحْمَن: ٢٧)، فَإِذَا كَانَ الوَجْهُ مَوصُوفًا بِالجَلَالِ وَالإِكْرَامِ؛ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الثَّوَابُ أَوِ الجِهَةُ!\nقُلْتُ: إِلَّا أَنَّ هَذَا لَا يَعْني أَنَّهُ قَد لَا يَأْتِي بِمَعْنَى الثَّوَابِ فِي بَعْضِ المَوَاضِعِ!\nقَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ فِي مَعْرِضِ ذِكْرِ رَدِّهِ فِي مَجْلِسِ مُنَاظَرَةٍ: \"فَأَحْضَرَ بَعْضُ أَكَابِرِهِمْ كِتَابَ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ لِلبَيهَقِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى؛ فَقَالَ: هَذَا فِيهِ تَأْوِيلُ الوَجْهِ عَنِ السَّلَفِ، فَقُلْتُ: لَعَلَّك تَعْنِي قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البَقَرَة: ١١٥) فَقَالَ: نَعَمْ. قَدْ قَالَ مُجَاهِدٌ وَالشَّافِعِيُّ -يَعْنِي قِبْلَةَ اللهِ-!\n_________\n(^١) كَمَا نَقَلَهُ البَيهَقِيُّ فِي كِتَابِهِ (الأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ) عَنِ الشَّافِعِيِّ وَمُجَاهِدٍ ﵏.\nفَأَمَّا أَثَرُ الشَّافِعِيِّ ﵀ هَذَا؛ فَقَد أَورَدَهُ البَيهَقِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (أَحْكَامُ القُرْآنِ لِلشَّافِعِيِّ) (١/ ٦٤) قَالَ: \"قَرَأْتُ فِي كِتَابِ المُخْتَصَرِ الكَبِيرِ فِيمَا رَوَاهُ أَبو إِبْرَاهِيمَ المُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ … \" فَهُوَ وِجَادَةٌ غَيرُ مُتَّصِلٍ. اُنْظُرْ تَحْقِيقَ كِتَابِ (الأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ) للبَيهَقِيِّ (٤/ ٢٣٩) طَبْعَةَ دَارِ الرِّسَالَةِ ناشِرُون لِلأَخِ سَعْدِ بِنِ نَجْدَت آل عُمَر.\nوَأَمَّا أَثَرُ مُجَاهِدٍ؛ فَقَد رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٥/ ٥٦) وَالطَّبَرِيُّ فِي التَّفْسِيرِ (٢/ ٥٣٦).\n(^٢) أَي: كُلُّ عَمَلٍ هُوَ بَاطِلٌ إِلَّا مَا ابْتُغِيَ بِهِ اللهُ وَحْدَهُ؛ وَهُوَ المَقْصُودُ بِـ (وَجْهِ اللهِ).","vol":"2","page":328},{"text":"فَقُلْتُ: نَعَمْ: هَذَا صَحِيحٌ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيرِهِمَا، وَهَذَا حَقٌّ، وَلَيسَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِنْ آيَاتِ الصِّفَاتِ! وَمَنْ عَدَّهَا فِي الصِّفَاتِ فَقَدْ غَلِطَ كَمَا فَعَلَ طَائِفَةٌ؛ فَإِنَّ سِيَاقَ الكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى المُرَادِ حَيثُ قَالَ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ وَالمَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ الجِهَاتُ، وَالوَجْهُ هُوَ الجِهَةُ، يُقَالُ: أَيُّ وَجْهٍ تُرِيدُهُ؟ أَي: أَيُّ جِهَةٍ، وَأَنَا أُرِيدُ هَذَا الوَجْهَ؛ أَي: هَذِهِ الجِهَةَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البَقَرَة: ١٤٨] وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ أَي: تَسْتَقْبِلُوا وَتَتَوَجَّهُوا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ\" (^١).\n_________\n(^١) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (٣/ ١٩٣).","vol":"2","page":329},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-402> المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ إِلَى أَنَّ عَدَمَ إِجَابَةِ مَنْ سَأَلَ بِاللهِ هُوَ مَكْرُوهٌ فَقَط وَلَيسَ لِلتَّحْرِيمِ!</span> اسْتِدْلَالًا بِحَدِيثِ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللهِ؛ لَتُحَدِّثَنِّي بِالَّذِي أَخْطَأْتُ. قَالَ: «لَا تُقْسِمْ» (^١)، فَفِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُجِبْ طَلَبَهُ! فَمَا الجَوَابُ؟\nالجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ:\n١ - إِنَّ الحَدِيثَ السَّابِقَ لَيسَ فِيهِ السُّؤَالُ بِاللهِ أَصْلًا! وَإِنَّمَا فِيهِ القَسَمُ بِاللهِ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ مِنْ جِهَةِ إِظْهَارِ التَّعْظِيمِ بِإِبْرَارِهِ وَلَكِنْ فَرْقٌ بَينَهُمَا (^٢).\n_________\n(^١) وَالحَدِيثُ رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٧٠٤٦)، وَمُسْلِمٌ (٢٢٦٩).\nوَهُوَ بِتَمَامِهِ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: إِنِّي رَأَيتُ اللَّيلَةَ فِي المَنَامِ ظُلَّةً تَنْطُفُ السَّمْنَ وَالعَسَلَ، فَأَرَى النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَ مِنْهَا؛ فَالمُسْتَكْثِرُ وَالمُسْتَقِلُّ، وَإِذَا سَبَبٌ وَاصِلٌ مِنَ الأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ، فَأَرَاكَ أَخَذْتَ بِهِ فَعَلَوتَ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا بِهِ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا بِهِ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَانْقَطَعَ، ثُمَّ وُصِلَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ بِأَبِي أَنْتَ وَاللَّهِ! لَتَدَعَنِّي فَأَعْبُرُهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اعْبُرْهَا»، قَالَ: أَمَّا الظُّلَّةُ؛ فَالإِسْلَامُ، وَأَمَّا الَّذِي يَنْطُفُ مِنَ العَسَلِ وَالسَّمْنِ؛ فَالقُرْآنُ؛ حَلَاوَتُهُ تَنْطُفُ، فَالمُسْتَكْثِرُ مِنَ القُرْآنِ وَالمُسْتَقِلُّ، وَأَمَّا السَّبَبُ الوَاصِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ؛ فَالحَقُّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيهِ؛ تَأْخُذُ بِهِ فَيُعْلِيكَ اللهُ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُ رَجُلٌ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ بِهِ ثُمَّ يُوَصَّلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ، فَأَخْبِرْنِي يَا رَسُولَ اللهِ -بِأَبِي أَنْتَ- أَصَبْتُ أَمْ أَخْطَأْتُ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا»، قَالَ: فَوَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللهِ؛ لَتُحَدِّثَنِّي بِالَّذِي أَخْطَأْتُ. قَالَ: «لَا تُقْسِمْ».\n(^٢) وَلَا يَخْفَى الفَرْقُ بَينَ السُّؤَالِ بِالرَّحِمِ -وَهُوَ جَائِزٌ- وَبَينَ سُؤَالِ الرَّحِمِ نَفْسِهَا -وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ-! قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النِّسَاء: ١].\nقَالَ القُرْطُبِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٤/ ٥): \"ثُمَّ النَّهْيُ إِنَّمَا جَاءَ فِي الْحَلِفِ بِغَيرِ اللَّهِ، وَهَذَا تَوَسُّلٌ إِلَى الْغَيرِ بِحَقِّ الرَّحِمِ؛ فَلَا نَهْيَ فِيهِ\".","vol":"2","page":330},{"text":"٢ - أَنَّ امْتِنَاعَ النَّبِيِّ ﷺ قَد يَكُونُ لِضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ؛ أَو فِيهَا مَا لَا يَنْبَغِي تَفْسِيرُهُ وَذِكْرُهُ.\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي فَوَائِدِ الحَدِيثِ: \"وَأَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ إِبْرَارُ الْقَسَمِ إِذَا كَانَ فِيهِ مَفْسَدَةٌ\" (^١).\nوَكَمَا فِي الحَدِيثِ: «إِنَّ الرُّؤْيَا تَقَعُ عَلَى مَا تُعَبَّرُ، وَمَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ رَفَعَ رِجْلَهُ فَهُوَ يَنْتَظِرُ مَتَى يَضَعُهَا، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ رُؤْيَا فَلَا يُحَدِّثْ بِهَا إِلَّا نَاصِحًا أَو عَالِمًا» (^٢).\n٣ - قَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ الثَّلَاثَةِ -الأَقْرَعِ وَالأَبْرَصِ وَالأَعْمَى- بَيَانُ أَنَّ السَّخَطَ وَقَعَ عَلَى مَنْ لَمْ يُجِبْ سُؤَالَ المَلَكِ بِاللهِ، وَالَّذِي فِيهِ: «أَسْأَلُكَ بِالَّذِي» فَمِثْلُهُ يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَيسَ فَقَط لِلكَرَاهَةِ. وَاللهُ أَعْلَمُ (^٣).\n٤ - أَنَّ أَلْفَاظَ أَحَادِيثِ النَّهْي هُنَا لَا تَقْبَلُ الحَمْلَ عَلَى الكَرَاهَةِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «وَأُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ؟» قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «الَّذِي يُسْأَلُ بِاللَّهِ ﷿ وَلَا يُعْطِي بِهِ» (^٤)، وَكَمَا فِي مَنْ مَنَعَ مَنْ سَأَلَ بِوَجْهِ اللهَ؛ فَقَالَ فِي حَقِّهِ ﵊: «مَلْعُونٌ مَنْ سُئِلَ بِوَجْهِ اللهِ ثُمَّ مَنَعَ سَائِلَهُ»، وَقَدْ سَبَقَ.\n_________\n(^١) فَتْحُ البَارِي (١٢/ ٤٣٧).\n(^٢) صَحِيحٌ. الحَاكِمُ (٨١٧٧) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (١٢٠).\n(^٣) عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: إِنَّ السَّخَطَ فِي الحَدِيثِ كَانَ مُرَتَّبًا عَلَى أَمْرَينِ مَعًا -وَلَيسَ عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ- وَهُمَا: الاضْطِرَارُ وَالسُّؤَالُ بِاللهِ.\n(^٤) صَحِيحٌ. النَّسَائيُّ (٢٥٦٩). الصَّحِيحَةُ (٢٥٥).","vol":"2","page":331},{"text":"بَابُ مَا جَاءَ فِي الـ (لَو)\nوَقَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عِمْرَان: ١٥٤].\nوَقَولِهِ: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عِمْرَان: ١٦٨].\nوَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزَنْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيءٌ؛ فَلَا تَقُلْ: لَو أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا؛ لَكَانَ كَذَا وَكَذَا! وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللهُ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ؛ فَإِنَّ \"لَو\" تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيطَانِ» (^١).\n_________\n(^١) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢٦٦٤) دُونَ البُخَاريِّ.","vol":"2","page":332},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: تَفْسِيرُ الآيَتَينِ فِي آلِ عِمْرَانَ.\nالثَّانِيَةُ: النَّهْيُ الصَّرِيحُ عَنْ قَولٍ: (لَو) إِذَا أَصَابَكَ شَيءٌ.\nالثَّالِثَةُ: تَعْلِيلُ المَسْأَلَةِ بِأَنَّ ذَلِكَ يَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيطَانِ.\nالرَّابِعَةُ: الإِرْشَادُ إِلَى الكَلَامِ الحَسَنِ.\nالخَامِسَةُ: الأَمْرُ بِالحِرْصِ عَلَى مَا يَنْفَعُ مَعَ الِاسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ.\nالسَّادِسَةُ: النَّهْيُ عَنْ ضِدِّ ذَلِكَ؛ وَهُوَ العَجْزُ.","vol":"2","page":333},{"text":"<span data-type='title' id=toc-405>الشَّرْحُ</span>\n- مُنَاسَبَةُ البَابِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ هُوَ وُجُوبُ الاسْتِسْلَامِ لِلقَضَاءِ وَالقَدَرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ كَمَالِ التَّوحِيدِ الوَاجِبِ.\n- لَمْ يَجْزِمِ المُصَنِّفُ بِحُكْمِ قَولِ: (لَو) لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِحَسْبِ الحَامِلِ عَلَيهَا.\n- قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ * الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عِمْرَان: ١٦٦ - ١٦٨].\n- وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عِمْرَان: ١٥٤].\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ أَي: لَو كَانَ لَنَا فِي هَذِهِ الوَاقِعَةِ رَأْيٌ وَمَشُورَةٌ ﴿مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ وَهَذَا إِنْكَارٌ مِنْهُم وَتَكْذِيبٌ بِقَدَرِ اللهِ! وَتَسْفِيهٌ مِنْهُم لِرَأْي رَسُولِ اللهِ ﷺ وَرَأْي أَصْحَابِهِ! وَتَزْكِيَةٌ مِنْهُم لِأَنْفُسِهِم! فَرَدَّ اللهُ عَلَيهِم بِقَولِهِ: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ الَّتِي هِيَ أبَعْدُ شَيءٍ عَنْ مَظَانِّ القَتْلِ ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ","vol":"2","page":334},{"text":"كُتِبَ عَلَيهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾.\n- قَولُهُ: ﴿لِإِخْوَانِهِمْ﴾ قِيلَ: فِي النَّسَبِ لَا فِي الدِّينِ، وَقِيلَ: فِي الدِّينِ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّ المُنَافِقِينَ يَتَظَاهَرُونَ بِالإِسْلَامِ، وَلَو قِيلَ: إِنَّهُ شَامِلٌ لِلأَمْرَينِ؛ لَكَانَ صَحِيحًا.\n- حَدِيثُ البَابِ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ قَولِ: (لَو) أَو (لَيتَ) وَمَا شَابَهَهُمَا عَلَى سَبِيلِ التَّحَسُّرِ وَالنِّقْمَةِ عَلَى القَدَرِ، وَأَمَّا اسْتِخْدَامُهَا فِي عُمُومِ الإِخْبَارِ وَالتَّمَنِّي أَوِ الحَدِيثِ عَنِ المُسْتَقْبَلِ فَيَجُوزُ لِأَنَّهُ لَيسَ فِيهِ اعْتِرَاضٌ عَلَى القَدَرِ، وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللهُ.\nقَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀: \"فَاسْتِعْمَالُ (لَو) يَكُونُ بِحَسْبِ الحَالِ الحَامِلِ عَلَيهَا، فَإِنْ حَمَلَ عَلَيهَا الضَّجَرُ وَالحُزْنُ وَضَعْفُ الإِيمَانِ بِالقَضَاءِ وَالقَدَرِ أَو تَمَنِّي الشَّرِّ كَانَ مَذْمُومًا، وَإِنْ حَمَلَ عَلَيهَا الرَّغْبَةُ فِي الخَيرِ وَالإِرْشَادِ وَالتَّعْلِيمِ كَانَ مَحْمُودًا، وَلِهَذَا جَعَلَ المُصَنِّفُ التَّرْجَمَةَ مُحْتَمِلَةً لِلأَمْرَينِ\" (^١).\n- الوَاجِبُ عَلَى المُسْلِمِ إِذَا أَصَابَهُ شَيءٌ أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ؛ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيرٌ -وَلَيسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ-: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ؛ فَكَانَ خَيرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ؛ فَكَانَ خَيرًا لَهُ» (^٢).\n- حَدِيثُ البَابِ أَوَّلُهُ هُوَ: «المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيرٌ»، وَالقَوِيُّ هُنَا: أَي: فِي إِيمَانِهِ وَمَا يَقْتَضِيهِ إِيمَانُهُ (^٣): مِنَ العَمَلِ الصَّالِحِ، وَالجِهَادِ، وَالأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ، وَالنَّهْي عَنِ المُنْكَرِ، وَالحَزْمِ فِي العِبَادَاتِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.\n_________\n(^١) القَولُ السَّدِيدُ (ص ١٧٢).\n(^٢) مُسْلِمٌ (٢٩٩٩) عَنْ صُهَيبٍ مَرْفُوعًا.\n(^٣) وَبِنَحْوِهِ قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (١٦/ ٢١٥).","vol":"2","page":335},{"text":"- قَولُهُ: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ» فِيهِ إِرْشَادٌ كَرِيمٌ إِلَى الاهْتِمَامِ بِمَا يَنْفَعُ، وَمِثْلُهُ قَولُهُ ﵊: «فَلْيَقُلْ خَيرًا أَو لِيَصْمُتْ» (^١)، وَكَقَولِهِ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» (^٢)، وَكُلَّمَا كَانَ النَّفْعُ أَكْبَرَ كَانَ الحِرْصُ أَكْثَرَ.\n- قَولُهُ: «وَلَا تَعْجَزَنْ» العَجْزُ هُنَا مَعْنَاهُ التَّعَاجُرُ وَالكَسَلُ وَالإِهْمَالُ، وَلَيسَ العَجْزَ الجِسْمِيَّ! فَإِنَّ الإِنْسَانَ إِذَا عَجَزَ عَجْزًا جِسْمِيًّا لَا يُؤَاخَذُ بِهِ لِأَنَّهُ لَيسَ بِاخْتِيَارِهِ، وَفي الحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْتَعِيذُ بِاللهِ تَعَالَى مِنَ العَجْزِ وَالكَسَلِ (^٣).\n- قَولُهُ: «وَإِنْ أَصَابَكَ شَيءٌ» فِيهِ إِرْشَادٌ إِلَى الاحْتِجَاجِ بِالقَدَرِ عِنْدَ المَصَائِبِ (^٤) الَّتِي لَا سَعْيَ لِلعَبْدِ فِيهَا.\nكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحَدِيد: ٢٢]،\nوَأَيضًا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ [التَّغَابُن: ١١].\nخِلَافًا لِلْمَعَائِبِ وَالمَعَاصِي (^٥).\n_________\n(^١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦٣٦٩)، وَمُسْلِمٌ (٢٧٠٦) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا.\n(^٢) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٣١٧) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٥٩١١).\n(^٣) كَمَا فِي البُخَارِيِّ (٦٣٦٧)، وَمُسْلِمٍ (٢٧٠٦) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ وَالكَسَلِ وَالجُبْنِ وَالهَرَمِ وَالبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَات».\n(^٤) كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحَدِيد: ٢٢]، وَأَيضًا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ [التَّغَابُن: ١١].\n(^٥) كَمَا يَصِحُّ الاحْتِجَاجُ بِالقَدَرِ بَعْدَ التَّوبَةِ مِنَ المَعْصِيَةِ -كَمَا ذَهَبَ إِلَيهِ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ- وَسَيَأْتِي قَرِيبًا ذِكْرُ وَجْهِ ذَلِكَ؛ إِنْ شَاءَ اللهُ.","vol":"2","page":336},{"text":"- قَولُهُ: «فَإِنَّ \"لَو\" تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيطَانِ» عَمَلُ الشَّيطَانِ هُنَا هُوَ مَا يُلْقِيهِ فِي قَلْبِ الإِنْسَانِ مِنَ الحَسْرَةِ وَالنَّدَمِ وَالحُزْنِ.\nكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيسَ بِضَارِّهِمْ شَيئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المُجَادِلَة: ١٠]، وَحَتَّى فِي المَنَامِ يُرِيهِ أَحْلَامًا مُخِيفَةً لِيُحْزِنَهُ وَيُخَوِّفَهُ!\nوَأَسْوَأُ مِنْهُ مَا يُلْقِيهِ فِي نَفْسِ العَبْدِ مِنْ مُدَافَعَةٍ للقَدَرِ بِالظُّنُونِ وَالأَوهَامِ، وَإِنْكَارِ أَنْ يَكُونَ مَا تَمَّ هُوَ بِقَدَرٍ سَابِقٍ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَإِنْكَارِ حِكْمَةِ اللهِ تَعَالَى فِي أَفْعَالِهِ!\n- فِي الحَدِيثِ بَيَانُ أَرْبَعِ خُطُوَاتٍ عِنْدَ السَّعْي لِلحُصُولِ عَلَى المَطْلُوبِ؛ وَهِيَ:\n١ - الحِرْصُ عَلَى مَا يَنْفَعُ.\n٢ - الاسْتِعَانَةُ بِاللهِ.\n٣ - المُضِيُّ فِي الأَمْرِ، وَالاسْتِمَرَارُ فِيهِ، وَعَدَمُ التَّعَاجُزِ، وَهُوَ التَّهَاوُنُ وَالكَسَلُ.\nوَهَذِهِ المَرَاتِبُ السَّابِقَةُ كُلُّهَا مَطْلُوبَةٌ مِنَ العَبْدِ مِنْ جِهَةِ سَعْيِهِ.\n٤ - وَإِذَا حَصَلَ خِلَافُ المَقْصُودِ؛ فَهَذِهِ لَيسَتْ إِلَيكَ، وَإِنَّمَا تَعْزُوهَا إِلَى قَدَرِ اللهِ تَعَالَى، وَلِهَذَا قَالَ: «وَإِنْ أَصَابَكَ» فَفَوَّضَ الأَمْرَ إلِى اللهِ تَعَالَى، وَأَمَرَهُ بِقَولِ: «قَدَّرَ اللهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ».\n- فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [آلِ عِمْرَان: ١٦٧] دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ العَبْدَ قَدْ يَكُونُ فِيهِ خَصْلَةُ كُفْرٍ وَخَصْلَةُ إِيمَانٍ، وَقَدْ يَكُونُ إِلَى أَحَدِهِمَا","vol":"2","page":337},{"text":"أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى الأُخْرَى؛ وَلَا يَكُونُ بَعْدُ كَافِرًا خَارِجًا مِنَ الإِسْلَامِ!\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثيرٍ ﵀: \"اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى أَنَّ الشَّخْصَ قَدْ تَتَقَلَّبُ بِهِ الْأَحْوَالُ فَيَكُونُ فِي حَالٍ أَقْرَبَ إِلَى الْكُفْرِ، وَفِي حَالٍ أَقْرَبَ إِلَى الْإِيمَانِ\" (^١).\n- ذِكْرُ أَوجُهٍ في اسْتِعْمَالِ (لَو) -مِنْ حَيثُ عُمُومِ الاسْتِعْمَالِ- (^٢):\n١ - فِي الاعْتِرَاضِ عَلَى الشَّرْعِ!\nوَهَذَا مُحَرَّمٌ، حَيثُ اعْتَرَضَ المُنَافِقُونَ عَلَى أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عِمْرَان: ١٦٨].\n٢ - فِي الاعْتِرَاضِ عَلَى القَدَرِ!\nوَهَذَا مُحَرَّمٌ أَيضًا، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى عَنِ المُنَافِقِينَ: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عِمْرَان: ١٥٤]، أَي: قَالُوا: لَو أَنَّهُم لَمْ يَخْرُجُوا لَمَا تَعَرَّضُوا لِلقَتْلِ! فَهُم يَعْتَرِضُونَ عَلَى قَدَرِ اللهِ.\n٣ - أَنْ تُسْتَعْمَلَ للنَّدَمِ وَالتَّحَسُّرِ.\nوَهَذَا مُحَرَّمٌ أَيضًا، وَيَدُلُّ عَلَيهِ الحَدِيثُ فِي البَابِ، وَلِأَنَّ كُلَّ شَيءٍ يَفْتَحُ النَّدَمَ عَلَيكَ؛ فَإِنَّهُ مَنْهِيٌ عَنْهُ، لِأَنَّ النَّدَمَ يُكْسِبُ النَّفْسَ حُزْنًا وَانْقِبَاضًا، وَاللهُ يُرِيدُ مِنَّا أَنْ نَكُونَ فِي انْشِرَاحٍ وَانْبِسَاطٍ وَاسْتِبْشَارٍ، كَمَا سَبَقَ فِي الكَلَامِ عَلَى الفَأْلِ الحَسَنِ فِي بَابِ: مَا جَاءَ فِي الطِّيَرَةِ.\n٤ - أَنْ تُسْتَعْمَلَ فِي الاحْتِجَاجِ بِالقَدَرِ عَلَى المَعْصِيَةِ!\n_________\n(^١) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِير (٢/ ١٦٠). وَانْظُرِ تَفْسِيرَ السَّعْدِيِّ (ص ١٥٦)، وَبِنَحْوِهِ أَفَادَ ابْنُ القَيِّمِ ﵀ فِي كِتَابِهِ (مَدَارِجُ السَّالِكِينَ) (١/ ٢٩٣).\n(^٢) انْظُرِ كِتَابَ (القَولُ المُفِيدُ) (٢/ ٣٦١) لِلشَّيخِ ابْنِ عُثَيمِين ﵀.","vol":"2","page":338},{"text":"وَهَذَا مُحَرَّمٌ أَيضًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النَّحْل: ٣٥] (^١).\n٥ - أَنْ تُسْتَعْمَلَ فِي التَّمَنِّي.\nوَحُكْمُهُ بِحَسْبِ مَا تَمَنَّى؛ فَإِنْ كَانَ خَيرًا فَخَيرٌ، وَإِنْ كَانَ شَرًّا فَشَرٌّ.\nوَفي الحَدِيثِ فِي قِصَّةِ النَّفَرِ الأَرْبَعَةِ؛ قَالَ أَحَدُهُم: «لَو أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ» أَي مِنَ الخَيرِ «فَهُوَ بِنِيَّتِهِ؛ فأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ» فَهَذَا تَمَنَّى خَيرًا، وَقَالَ الثَّانِي: «لَو أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ» أَي مِنَ الشَّرِّ «فَهُوَ بِنِيَّتِهِ؛ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ» (^٢) (^٣).\n_________\n(^١) وَأَيضًا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأَنْعَام: ١٤٨].\n(^٢) وَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ: (ثَلَاثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيهِنَّ، وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ، قَالَ: مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلِمَةً فَصَبَرَ عَلَيهَا إِلَّا زَادَهُ اللهُ عِزًّا، وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيهِ بَابَ فَقْرٍ -أَو كَلِمَةً نَحْوَهَا-، وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ، قَالَ: إِنَّمَا الدُّنْيَا لأَرْبَعَةِ نَفَرٍ.\nعَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَفْضَلِ المَنَازِلِ.\nوَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ: لَو أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ؛ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ؛ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ.\nوَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا؛ فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيرِ عِلْمٍ لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا؛ فَهَذَا بِأَخْبَثِ المَنَازِلِ.\nوَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ: لَو أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ». صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٣٢٥) عَنْ أَبي كَبْشَةَ الأَنَّمَارِيِّ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٣٠٢٤).\n(^٣) قُلْتُ: وَفي البُخَاريِّ (٩/ ٨٥) بَابُ: مَا يَجُوزُ مِنَ اللَّو، وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ [هُود: ٨٠].","vol":"2","page":339},{"text":"٦ - أَنْ تُسْتَعْمَلَ عَلَى سَبِيلِ الإِخْبَارِ فَقَط.\nوَهَذَا جَائِزٌ، مِثْلُ: لَو حَضَرْتَ الدَّرْسَ لَاسْتَفَدْتَ عِلْمًا، وَمِنْهُ قَولُهُ ﷺ: «لَو اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيتُ، وَلَولَا أَنَّ مَعِي الهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ» (^١).\nقُلْتُ: وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ عُمُومِ اللُّغَةِ فَلَهَا أَوْجُهٌ عِدَّةٌ (^٢).\n- تَنْبِيهٌ: (لَو): لَيسَتْ اسْمًا؛ وَإِنَّمَا هِيَ حَرْفٌ، وَأُضِيفَتْ إِلَيهَا (الـ) التَّعْرِيفِ الخَاصَّةِ بِالأَسْمَاءِ -فِي عُنْوَانِ البَابِ- مِنْ أَجْلِ مُعَامَلَتِهَا أَثْنَاءَ الكَلَامِ كَالأَسْمَاءِ.\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (١٦٥١)، وَمُسْلِمٌ (١٢١٦) مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا.\nوَحَقِيقَةُ قَولِ -لَو- هُنَا؛ هُوَ الإِخْبَارُ عَنِ الأَفْضَلِ لِلمُسْتَقْبَلِ، وَلَيسَ فِيهَا تَحَسُّرٌ وَنَدَمٌ وَجَزَعٌ عَلَى مَا فَاتَ.\n(^٢) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١٣/ ٢٢٦): \"قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: (لَو) تَدُلُّ عِنْدَ العَرَبِ عَلَى امْتِنَاعِ الشَّيءِ لِامْتِنَاعِ غَيرِهِ، تَقُولُ: لَو جَاءَنِي زَيدٌ لَأَكْرَمْتُكَ؛ مَعْنَاهُ: إِنِّي امْتَنَعْتُ مِنْ إِكْرَامِكَ لِامْتِنَاعِ مَجِيءِ زَيدٍ، وَعَلَى هَذَا جَرَى أَكْثَرُ المُتَقَدِّمِينَ، وَقَدْ تَجِيءُ بِمَعْنَى (إِنْ) الشَّرْطِيَّةِ نَحْوَ: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١] أَي: وَإِنْ أَعْجَبَتْكُمْ، وَتَرِدُ لِلتَّقْلِيلِ نَحْوَ: (التَمِسْ وَلَو خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ)، وَمِثْلَ: (فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَو بِشِقِّ تَمْرَة)، وَتَرِدُ لِلْعَرْضِ نَحْوَ: (لَو تَنْزِلُ عِنْدَنَا فَتُصِيبَ خَيرًا)، وَلِلْحَضِّ نَحْوَ: (لَو فَعَلْتَ كَذَا) بِمَعْنَى افْعَلْ، وَالأَوَّلُ طَلَبٌ بِأَدَبٍ وَلِينٍ، وَالثَّانِي طَلَبٌ بِقُوَّة وَشِدَّةٍ، وَتَأْتِي بِمَعْنَى التَّمَنِّي نَحْوَ: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ [الشعراء: ١٠٢] أَي: فَلَيتَ لَنَا\". تَمَّ بِحَذْفٍ يَسِيرٍ.","vol":"2","page":340},{"text":"بَابُ النَّهْي عَنْ سَبِّ الرِّيحِ\nعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ، فَإِذَا رَأَيتُمْ مَا تَكْرَهُونَ؛ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيرِ هَذِهِ الرِّيحِ وَخَيرِ مَا فِيهَا وَخَيرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ الرِّيحِ وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُمِرَتْ بِهِ». صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (^١).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٢٥٢). الصَّحِيحَةُ (٢٧٥٦).\nوَفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٨٩٩) عَنْ عَائِشَةَ ﵂: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيرَهَا وَخَيرَ مَا فِيهَا وَخَيرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ».","vol":"2","page":341},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: النَّهْيُ عَنْ سَبِّ الرِّيحِ.\nالثَّانِيَةُ: الإِرْشَادُ إِلَى الكَلَامِ النَّافِعِ إِذَا رَأَى الإِنْسَانُ مَا يَكْرَهُ.\nالثَّالِثَةُ: الإِرْشَادُ إِلَى أَنَّهَا مَأْمُورَةٌ.\nالرَّابِعَةُ: أَنَّهَا قَدْ تُؤْمَرُ بِخَيرٍ وَقَدْ تُؤْمَرُ بِشَرٍّ.","vol":"2","page":342},{"text":"<span data-type='title' id=toc-408>الشَّرْحُ</span>\n- سَبَبُ النَّهْي عَنْ سَبِّ الرِّيحِ هُوَ أَنَّ مَسَبَّتَهَا مَسَبَّةٌ لِلآمِرِ لَهَا؛ وَهُوَ اللهُ ﷾! حَيثُ إنَّهَا مَأْمُورَةٌ مِنْ قِبَلِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي النَّهْي عَنْ سَبِّ الدَّهْرِ، وهَذَا قَدْحٌ فِي التَّوحِيدِ، وَفِي الحَدِيثِ: إِنَّ رَجُلًا نَازَعَتْهُ الرِّيحُ رِدَاءَهُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَعَنَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا تَلْعَنْهَا؛ فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ، وَإِنَّهُ مَنْ لَعَنَ شَيئًا لَيسَ لَهُ بِأَهْلٍ رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ عَلَيهِ» (^١).\nقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: \"وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَسُبَّ الرِّيحَ؛ فَإِنَّهَا خَلْقٌ للهِ مُطِيعٌ وَجُنْدٌ مِنْ أَجْنَادِهِ يَجْعَلُهَا رَحْمَةً وَنَقْمَةً إِذَا شَاءَ\" (^٢).\nوَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَينَ يَدَي رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النَّمْل: ٦٣].\nوَأَيضًا قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ * إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [الشُّورَى: ٣٢ - ٣٣].\n- إِنَّ الرِّيحَ لَا تُسَبُّ وَلَا تُمْدَحُ، فَهِيَ لَا تُسَبُّ لِأَنَّهَا مَأْمُورَةٌ، وَأَيضًا لَا تُمْدَحُ - أَي: مِنْ جِهَةِ نِسْبَةِ النِّعْمَةِ إِلَيهَا، وَلَيسَ مِنْ جِهَةِ عُمُومِ الإِخْبَارِ وَالوَصْفِ- لِأَنَّ فِي هَذَا تَنَقُّصًا لِلهِ ﷿؛ وِإِسْنَادًا لِلأُمُورِ إِلَى غَيرِهِ سُبْحَانَهُ، وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ قَولِ اللهِ تَعَالَى:\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٩٠٨) عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٥٢٨).\n(^٢) ذَكَرَهُ البَيهَقِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (مَعْرِفَةُ السُّنَنِ وَالآثَارِ) (٧٢٥٠) بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثٍ مُنْقَطِعٍ -أَعَلَّهُ بِذَلِكَ المُنَاوِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ فَيضُ القَدِيرِ (٦/ ٣٩٩) - وَفِيهِ: شَكَا رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ الفَقْرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَعَلَّكَ تَسُبُّ الرِّيحَ»؟!","vol":"2","page":343},{"text":"﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النَّحْل: ١٠٧] ذِكْرُ قَولِ بَعْضِ السَّلَفِ: \"هُوَ كَقَولِهِمْ: كَانَتِ الرِّيحُ طَيِّبَةً، وَالمَلَّاحُ حَاذِقًا\".\nقُلْتُ: وَلَيسَ مِنْ هَذَا وَصْفُ الرِّيحِ بِمَا فِيهَا مِنْ صِفَاتٍ -أَي: مِنْ جِهَةِ الشِّدَّةِ وَاللُّطْفِ وَالتَّدْمِيرِ مَثَلًا-، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَينَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يُونُس: ٢٢]، وَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحَاقَّة: ٦]، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ نَظِيرِ ذَلِكَ فِي بَابِ: مَنْ سَبَّ الدَّهْرَ فَقَدْ آذَى اللهَ (^١).\n- قَولُهُ: «مِنْ خَيرِ هَذِهِ الرِّيحِ» الرِّيحُ نَفْسُهَا فِيهَا خَيرٌ وَفِيهَا شَرٌّ، فَقَدْ تَكُونُ عَاصِفَةً تَقْلَعُ الأَشْجَارَ، وَتَهْدِمُ الدِّيَارَ، وَتُفِيضُ البِحَارَ وَالأَنْهَارِ، وَقَدْ تَكُونُ هَادِئَةً تُبْرِدُ الجَوَّ وَتُكْسِبُ النَّشَاطَ.\n- قَولُهُ: «وَخِيرِ مَا فِيهَا» أَي: مَا تَحْمِلُهُ، لِأَنَّهَا قَدْ تَحْمِلُ خَيرًا؛ كَتَلْقِيحِ النَّبَاتِ، وَقَدْ تَحْمِلُ رَائِحَةً طَيِّبَةَ الشَّمِّ، وَقَدْ تَحْمِلُ شَرًّا، كَإِزَالَةِ لِقَاحِ النَّبَاتِ، وَأَمْرَاضٍ تَضُرُّ الإِنْسَانَ وَالبَهَائِمَ.\n- قَولُهُ: «وَخَيرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ» أَي: مِنْ جِهَةِ عُمُومِ الأَمْرِ الرَّبَّانِيِّ لَهَا.\nقُلْتُ: فِي تَوجِيهِ الفَرْقِ بَينَ الجُمْلَةِ الأُولَى وَالثَّالِثَةِ: أَنَّ الخَيرَ فِي الجُمْلَةِ الأُولَى هُوَ بِاعْتِبَارِ مَا تَقُومُ بِهِ الرِّيحُ فِي الظَّاهِرِ، وَأَمَّا فِي الجُمْلَةِ الثَّالِثَةِ فَهُوَ بِاعْتِبَارِ الخَيرِ فِيهَا مَآلًا. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.\n_________\n(^١) قُلْتُ: وَلَكِنَّ الفَرْقَ بَينَ الدَّهْرِ وَالرِّيحِ؛ هُوَ أَنَّ الرَّيحَ عَبْدٌ مَأْمُورٌ مُطِيعٌ للهِ تَعَالَى لَهُ اخْتِيَارٌ بِنَفْسِهِ مِنْ جِهَةِ الطَّاعَةِ، أَمَّا الدَّهْرُ فَهُوَ ظَرْفٌ لِمَا يَحَلُّ فِيهِ مِنَ الحَوَادِثِ؛ فَهُوَ لَيسَ عَينًا! وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.","vol":"2","page":344},{"text":"- الرِّيحُ مَأْمُورَةٌ؛ قَدْ تُؤْمَرُ بِخَيرٍ وَقَدْ تُؤْمَرُ بِشَرٍ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ؛ فَإِنَّهَا مِنْ رَوحِ اللهِ، تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَالعَذَابِ، وَلَكِنْ سَلُوا اللهَ مِنْ خَيرِهَا وَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا» (^١):\n١ - فَالخَيرُ هَوَ كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَينَ يَدَي رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ﴾ [الأَعْرَاف: ٥٧].\nوَكَقَولِهِ تَعَالَى أَيضًا: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَينَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحِجْر: ٢٢].\n٢ - وَالشَّرُّ هُوَ كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى عَنْهَا: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِنْ شَيءٍ أَتَتْ عَلَيهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذَّارِيَات: ٤١ - ٤٢] (^٢).\nوَكَقَولِهِ تَعَالَى أَيضًا: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ * تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القَمَر: ١٩ - ٢٠] (^٣).\nوَفِي الصَّحِيحَينِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ضَاحِكًا حَتَّى\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. ابْنُ مَاجَه (٣٧٢٧) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٧٣١٦).\n(^٢) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٧/ ٤٢٣): \" (العَقِيمَ) أَيِ: المُفْسِدَةَ الَّتِي لَا تَنْتِجُ شَيئًا. قَالَهُ الضَّحَّاكُ وَقَتَادَةُ وَغَيرُهُمَا، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيءٍ أَتَتْ عَلَيهِ﴾ أَي: مِمَّا تُفْسِدُهُ الرِّيحُ ﴿إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ أَي: كَالشَّيءِ الهَالِكِ البَالِي\".\n(^٣) قَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (ص ٨٢٦): \" ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾ أَي: شَدِيدَةً جِدًّا، ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ أَي: شَدِيدِ العَذَابِ وَالشَّقَاءِ عَلَيهِم، ﴿مُسْتَمِرٍّ﴾ عَلَيهِم سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا، ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ﴾ مِنْ شِدَّتِهَا فَتَرْفَعُهُم إِلَى جَوِّ السَّمَاءِ ثُمَّ تَدْفَعُهُم بِالأَرْضِ فَتُهْلِكُهُم، فَيُصْبِحُونَ ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ أَي: كَأَنَّ جُثَثَهُم بَعْدَ هَلَاكِهِم مِثْلُ جُذُوعِ النَّخْلِ الخَاوي الَّذِي اقْتَلَعَتْهُ الرِّيحُ فَسَقَطَ عَلَى الأَرْضِ، فَمَا أَهْوَنَ الخَلْقَ عَلَى اللهِ إِذَا عَصَوا أَمْرَهُ\".","vol":"2","page":345},{"text":"أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ (^١)! إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ، قَالَتْ: وَكَانَ إِذَا رَأَى غَيمًا أَو رِيحًا عُرِفَ فِي وَجْهِهِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوا الغَيمَ فَرِحُوا رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ المَطَرُ، وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيتَهُ عُرِفَ فِي وَجْهِكَ الكَرَاهِيَةُ! فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ مَا يُؤْمِنِّي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ؟ عُذِّبَ قَومٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَومٌ العَذَابَ فَقَالُوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأَحْقَاف: ٢٤]» (^٢) (^٣).\nوَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَلَمَّا كَانَ قُرْبَ المَدِينَةِ هَاجَتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ تَكَادُ أَنْ تَدْفِنَ الرَّاكِبَ، فَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «بُعِثَتْ هَذِهِ الرِّيحُ لِمَوتِ مُنَافِقٍ»، فَلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ؛ فَإِذَا مُنَافِقٌ عَظِيمٌ مِنَ المُنَافِقِينَ قَدْ مَاتَ (^٤).\n_________\n(^١) قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀: \"يَعْنِي لَيسَ يَضْحَكُ ضَحِكًا فَاحِشًا بِقَهْقَهَةٍ: يَفْتَحُ فَمَهُ حَتَّى تَبْدُو لُهَاتُهُ! وَلَكِنَّهُ ﷺ كَانَ يَبَتَسَّمُ أَو يَضْحَكُ حَتَّى تَبْدُو نَوَاجِذُهُ أَو تَبْدُو أَنْيَابُهُ\". شَرْحُ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ (٤/ ٩٢).\n(^٢) البُخَارِيُّ (٤٨٢٨)، وَمُسْلِمٌ (٨٩٩).\n(^٣) قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأَحْقَاف: ٢٤ - ٢٥].\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٧/ ٢٨٦): \"أَي: لَمَّا رَأَوُا العَذَابَ مُسْتَقْبِلَهُمْ؛ اعْتَقَدُوا أَنَّهُ عَارِضٌ مُمْطِرٌ، فَفَرِحُوا وَاسْتَبْشَرُوا بِهِ، وَقَدْ كَانُوا مُمْحِلِينَ مُحْتَاجِينَ إِلَى المَطَرِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أَي: هُوَ العَذَابُ الَّذِي قُلْتُمْ: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، ﴿تُدَمِّرُ﴾ أَي: تُخَرِّبُ ﴿كُلَّ شَيءٍ﴾ مِنْ بِلَادِهِمْ مِمَّا مِنْ شَأْنِهِ الخَرَابُ ﴿بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ أَي: بِإِذْنِ اللهِ لَهَا فِي ذَلِكَ، كَقَولِهِ: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيءٍ أَتَتْ عَلَيهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذَّارِيَات: ٤٢] أَي: كَالشَّيءِ البَالِي، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ أَي: قَدْ بَادُوا كُلُّهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ وَلَمْ تَبْقَ لَهُمْ بَاقِيَةٌ، ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ أَي: هَذَا حُكْمُنَا فِيمَنْ كَذَّبَ رُسُلَنَا وَخَالَفَ أَمْرَنَا\".\n(^٤) مُسْلِمٌ (٢٧٨٢).","vol":"2","page":346},{"text":"- فِي الحَدِيثِ بَيَانُ الذِّكْرِ المَشْرُوعِ عِنْدَ رُؤْيَةِ مَا يُكْرَهُ مِنَ الرِّيحِ، وَأَيضًا مَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ: كَانَ إِذَا اشْتَدَّتِ الرِّيحُ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ لَاقِحًا؛ لَا عَقِيمًا» (^١) (^٢).\nوَفِي الحَدِيثِ أَيضًا عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَبْصَرْنَا شَيئًا فِي السَّمَاءِ -تَعْنِي السَّحَابَ- تَرَكَ عَمَلَهُ وَاسْتَقْبَلَهُ، قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِيهِ»، فَإِنْ كَشَفَهُ اللهُ حَمِدَ اللهَ، وَإِنْ مَطَرَتْ؛ قَالَ: «اللَّهُمَّ سَقْيًا نَافِعًا» (^٣).\n- فَائِدَةٌ: \"فِي الحَدِيثِ دِلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى أَنَّ الرِّيحَ قَدْ تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ، وَقَدْ تَأْتِي بِالعَذَابِ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَينَهُمَا إِلَّا بِالرَّحْمَةِ وَالعَذَابِ، وَأَنَّهَا رِيحٌ وَاحِدَةٌ لَا رِيَاحٌ، فَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الطَّبَرَانِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِيَاحًا وَلَا تَجْعَلْهَا رِيحًا» (^٤) فَهُوَ بَاطِلٌ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: لَا أَصْلَ لَهُ\" (^٥).\nقَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِينَ ﵀ عِنْدَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَينَ يَدَي رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفُرْقَان: ٤٨]: \"هَذِهِ الآيةُ فِيهَا عِدَّةُ قِرَاءَاتٍ: أَوَّلًا: (الرِّيَاحُ) فِيهَا قِرَاءَتَانِ سَبْعِيَّتَانِ، وَالدَّلِيلُ أَنَّ المُفَسِّرَ ﵀ (^٦) إِذَا قَالَ: (وَفِي قِرَاءَةٍ) فَهِيَ سَبْعِيَّةٌ، وَإِذَا قَالَ: (وَقُرِئَ) فَهِيَ شَاذَّةٌ، فَفِيهَا قِرَاءَتَانِ: (الرِّيَاحُ)\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. الأَدَبُ المُفْرَدُ (٧١٨) عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٢٠٥٨).\n(^٢) أَي: حَامِلًا لِلمَاءِ كَاللقْحَةِ مِنَ الإِبْلِ، وَ(العَقِيمُ) الَّتِي لَا مَاءَ فِيهَا، كَالعَقِيمِ مِنَ الحَيَوَانِ لَا وَلَدَ فِيهَا، وَكَمَا سَبَقَ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِنْ شَيءٍ أَتَتْ عَلَيهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذَّارِيَات: ٤١ - ٤٢].\n(^٣) صَحِيحٌ. السُّنَنُ الكُبْرَى لِلبَيهَقِيِّ (٦٤٦٩). مِشْكَاةُ المَصَابِيحِ (١٥٢٠).\n(^٤) بَاطِلٌ. الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ (١١/ ٢١٣). الضَّعِيفَةُ (٥٦٠٠).\n(^٥) قَالَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الصَّحِيحَةِ (٢٧٥٦).\n(^٦) يُرِيدُ تَفْسِيرَ الجَلَالَينِ.","vol":"2","page":347},{"text":"وَ(الرِّيحُ)، وَبِهَذَا نَعْرِفُ أَنَّ مَا اشْتُهِرَ مِن قَوْلِهِم: إِنَّ (الرِّيحَ) لَا تَكُونُ إِلَّا فِي العَذَابِ؛ وَ(الرِّيَاحُ) تَكُونُ فِي الرَّحْمَةِ! لَيسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، وَأَنَّهُ قَدْ يُؤْتَى بِالرِّيحِ مُفْرَدًا فِي رِيحِ الرَّحْمَةِ؛ لَكِنَّهُ لَهُ قَرِينَةٌ، فَهُنَا لَمَّا قَالَ: ﴿بَينَ يَدَي رَحْمَتِهِ﴾ عَرَفْنَا أَنَّهَا رِيحُ رَحْمَةٍ، وَكَذَلِكَ قَولُهُ ﷾: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَينَ بِهِمْ بِرِيحٍ﴾ [يونس: ٢٢] مَاذَا بَعْدَهَا؟ ﴿طَيِّبَةٍ﴾ هَذِهِ رِيحُ رَحْمَةٍ؛ لَكِنَّهَا وُصِفَتْ، فَأَمَّا عِنْدَ الإِطْلَاقِ؛ فَالغَالِبُ أَنَّ الرِّيحَ لِلْعَذَابِ\" (^١).\n_________\n(^١) تَفْسِيرُ سُورَةِ الفُرْقَانِ لِابْنِ عُثَيمِينَ (ص ٢٠٣).","vol":"2","page":348},{"text":"بَابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيءٍ﴾ [آل عِمْرَان: ١٥٤].\nوَقَولِهِ: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [الفَتْحِ: ٦].\nقَالَ ابْنُ القَيِّمِ فِي الآيَةِ الأُولَى: \"فُسِّرَ هَذَا الظَّنُّ بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَنْصُرُ رَسُولَهُ، وَأَنَّ أَمْرَهُ سَيَضْمَحِلُّ! وَفُسِّرَ بِأَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ بِقَدَرِ اللهِ وَحِكْمَتِهِ!\nفَفُسِّرَ بِإِنْكَارِ الحِكْمَةِ وَإِنْكَارِ القَدَرِ وَإِنْكَارٍ أَنْ يُتِمَّ أَمْرَ رَسُولِهِ ﷺ وَأَنْ يُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَهَذَا هُوَ ظَنُّ السَّوءِ الَّذِي ظَنَّهُ المُنَافِقُونَ وَالمُشْرِكُونَ فِي سُورَةِ الفَتْحِ.\nوَإِنَّمَا كَانَ هَذَا ظَنَّ السَّوء؛ لِأَنَّهُ ظَنُّ غَيرِ مَا يَلِيقُ بِهِ سُبْحَانَهُ وَمَا يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ وَحَمْدِهِ وَوَعْدِهِ الصَّادِقِ.\nفَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يُدِيلُ البَاطِلَ عَلَى الحَقِّ إِدَالَةً مُسْتَقِرَّةً يَضْمَحِلُّ مَعَهَا الحَقُّ! أَو أَنْكَرَ أَنَّ مَا جَرَى بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ! أَو أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ قَدَرُهُ لِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ يَسْتَحِقُّ عَلَيهَا الحَمْدَ؛ بَلْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ لِمَشِيئَةٍ مُجَرَّدَةٍ! فَـ ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧].\nوَأَكْثَرُ النَّاسِ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوءِ فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِمْ وَفِيمَا يَفْعَلُهُ بِغَيرِهِمْ! وَلَا يَسْلَمُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ عَرَفَ اللهَ وَأَسْمَاءَهُ وَصِفَاتِهِ وَمُوجَبَ (^١) حِكْمَتِهِ وَحَمْدِهِ.\n_________\n(^١) بِالفَتْحِ: هُوَ المُسَبَّبُ النَاتِجُ عَنِ السَّبَبِ بِمَعْنَى المُقْتَضَى.","vol":"2","page":349},{"text":"فَلْيَعْتَنِ اللَّبِيبُ النَّاصِحُ لِنَفْسِهِ بِهَذَا، وَلْيَتُبْ إِلَى اللهِ، وَلْيَسْتَغْفِرْهُ مِنْ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ ظَنَّ السَّوءِ.\nوَلَو فَتَّشْتَ مَنْ فَتَّشْتَّ لَرَأَيتَ عِنْدَهُ تَعَنُّتًا عَلَى القَدَرِ وَمَلَامَةً لَهُ! وَأَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَا وَكَذَا! فَمُسْتَقِلٌّ وَمُسْتَكْثِرٌ، وَفَتِّشْ نَفْسَكَ هَلْ أَنْتَ سَالِمٌ؟\nفَإِنْ تَنْجُ مِنْهَا تَنْجُ مِنْ ذِي عَظِيمَةٍ .... وَإِلَّا فَإِنِّي لَا إِخَالُكَ (^١) نَاجِيًا\".\n_________\n(^١) أَي: أَظُنُّكَ.","vol":"2","page":350},{"text":"<span data-type='title' id=toc-411>الشَّرْحُ</span>\n- هَذَا البَابُ يَصْلُحُ أَنْ يُسَمَّى بِبَابِ (النَّهْيُ عَنْ ظَنِّ السُّوءِ بِاللهِ تَعَالَى).\n- مُنَاسَبَةُ هَذَا البَابِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ: أَنَّ حُسْنَ الظَّنِّ بِاللهِ ﷾ هُوَ مِنْ وَاجِبَاتِ التَّوحِيدِ، وَسُوءَ الظَّنِّ بِاللهِ ﷿ يُنَافِي التَّوحِيدَ (^١)، وَفي الحَدِيثِ: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ ﷿) (^٢).\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ فُسِّرَ هَذَا الظَّنُّ كَمَا فِي سُورَةِ الفَتْحِ: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفَتْح: ١٢]، وَهَكَذَا هَؤُلَاءِ اعْتَقَدُوا أَنَّ المُشْرِكِينَ لَمَّا ظَهَرُوا تِلْكَ السَّاعَةِ ظَنُّوا أَنَّهَا الفَيصَلَةُ، وَأَنَّ الإِسْلَامَ قَدْ بَادَ وَأَهْلَهُ.\n- إِنَّ ظَنَّ السَّوءِ الَّذِي ظَنَّهُ المُنَافِقُونَ هُوَ مِنْ ثَلَاثِ جِهَاتٍ:\n١ - أَنَّ اللهَ لَا يَنْصُرُ رَسُولَهُ، وَإِنَّ أَمْرَهُ سَيَضْمَحِلُّ!\nوَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ إِرْسَالَ الرَّسُولِ ﵊ عَبَثٌ وَسَفَهٌ! فَمَا الفَائِدَةُ مِنْ أَنْ يُرْسَلَ رَسُولٌ وَيُؤْمَرَ بِالقِتَالِ وَإِتْلَافِ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ؛ ثُمَّ تَكُونَ النَّتِيجَةُ أَنْ يَضْمَحِلَ أَمْرُهُ وَيُنْسَى؟! فَهَذَا ظَنُّ سَوءٍ بِاللهِ تَعَالَى، وَلَا سِيَّمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الَّذِي هُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ بِأَنَّ شَرِيعَتَهُ سَوفَ تَبْقَى إِلَى يَومِ القِيَامَةِ.\n_________\n(^١) يُنَافِي أَصْلَهُ إِذَا زَادَ وَكَثُرَ وَاسْتَمَرَّ وَصَرَّحَ بِهِ، أَو يُنَافِي كَمَالَهُ الوَاجِبَ إِذَا كَانَ شَيئًا عَارِضًا أَو شَيئًا خَفِيفًا أَو خَاطِرًا فِي النَّفْسِ فَقَطْ -لَا يَقْصُدُ حَقِيقَتَهُ-، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مِنْ أَعْمَالِ القُلُوبِ مَا يُؤَاخَذُ بِهِ صَاحِبُهُ؛ خِلَافًا لِحَدِيثِ النَّفْسِ.\n(^٢) مُسْلِمٌ (٢٨٧٧) عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا.","vol":"2","page":351},{"text":"قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصَّف: ٩]، وَهَذَا الظَّنُّ أَيضًا تَكْذِيبٌ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غَافِر: ٥١]، وَلَا رَيبَ أَنَّ التَّكْذِيبَ لِوَعْدِ اللهِ كُفْرٌ.\n٢ - أَنَّ مَا أَصَابَهُم لَمْ يَكُنْ بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ! فَهُوَ إِنْكَارٌ لِلقَدَرِ، وَهَذَا رَدٌّ لِرُكْنِ الإِيمَانِ السَّادِسِ.\n٣ - إِنْكَارُهُم لِلحِكْمَةِ! وَهَذَا أَيضًا كُفْرٌ بِاللهِ وَضَلَالٌ، فَمَنْ أَنْكَرَهَا كَفَرَ بِاسْمِ اللهِ الحَكِيمِ، وَمَنْ أَوَّلَهَا فَقَدْ ضَلَّ.\n- لَا يَسْلَمُ مِنْ ظَنِّ السَّوءِ بِاللهِ إِلَّا مَنْ عَرَفَ اللهَ وَأَسْمَاءَهُ وَصِفَاتِهِ.\nوَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ؛ تَأَمُّلُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى: «يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَأَمَّا الدِّينَ فَإِنَّهُ لَا يُعْطِيهِ إِلَّا لِمَنْ يُحِبُّ» (^١)، فَلَيسَ حُصُولُ الخَيرَاتِ أَوِ المَصَائِبِ دَلِيلًا عَلَى المَحَبَّةِ أَو عَلَى البُغْضِ وَالكَرَاهَةِ! وَإنَّمَا هُوَ ابْتِلَاءٌ وَامْتِحَانٌ، فَقَدْ يَبْتَلِي اللهُ مَنْ يُحِبُّهُ بما يَسُوءُهُ، وَقَدْ يُنْعِمُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُهُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عِمْرَان: ١٧٨].\nوَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ [الفَجْر: ١٥ - ١٧].\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٣٦٧٢) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٢٧١٤).","vol":"2","page":352},{"text":"وَكَمَا فِي الأَثَرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: كُنْتُ مَعَ سَلْمَانَ -وعَادَ مَرِيضًا فِي كِنْدَةَ-، فلمَّا دَخلَ عَليهِ قَال: (أَبشِر فِإنَّ مَرَضَ المُؤْمِنِ يَجَعَلُهُ اللهُ لَه كَفَّارَةً وَمُسْتَعْتَبًا، وإِنَّ مَرَضَ الفَاجِرِ كَالبَعِيرِ! عَقَلَهُ أَهْلُهُ ثُم أَرْسَلُوهُ؛ فَلَا يَدْرِي لِمَ عُقِلَ وَلِمَ أُرْسِلَ؟) (^١).\nقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (^٢):\n\"فَلَا تَجْزَعْ وَإِنْ أَعْسَرْتَ يَومًا … فَقَدْ أَيسَرْتَ فِي الزَّمَنِ الطَّوِيلِ\nوَلَا تَيأَسْ؛ فَإِنَّ اليَأْسَ كُفْرٌ … لَعَلَّ اللهَ يُغْنِي عَنْ قَلِيلِ\nوَلَا تَظْنُنْ بِرَبِّكَ ظَنَّ سَوءٍ … فَإِنَّ اللهَ أَولَى بِالجَمِيلِ\" (^٣).\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ (^٤): يَعْنِي: أَنَّ دَائِرَةَ العَذَابِ تَدُورُ عَلَيهِم، وَأَنَّ السُّوءَ مُحِيطٌ بِهِم جَمِيعًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ كَمَا تُحِيطُ الدَّائِرَةُ بِمَا فِي جَوفِهَا.\n- اسْمُ اللهِ تَعَالَى (الحَكِيمُ) مُشْتَمِلٌ عَلَى عِدَّةِ مَعَانٍ؛ فَإِنَّهُ تَعَالَى:\n١ - حَكِيمٌ بِمَعْنَى حَاكِمٌ.\n٢ - حَكيمٌ بِمَعْنَى مُحْكِمٌ لِلأُمُورِ.\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. الأَدَبُ المُفْرَدُ (٤٩٣). صَحِيحُ الأَدَبِ المُفْرَدِ (٣٧٩).\n(^٢) هُوَ ابْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَينِ ﵃.\n(^٣) شُعَبُ الإِيمَانِ (١٢/ ٣٦٣).\n(^٤) قَالَ القُرْطُبيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٨/ ٢٣٤): \" ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ قَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرو بِضَمِّ السِّينِ، وَفَتَحَهَا البَاقُونَ\". وَقَالَ أَيضًا ﵀: \"أَجْمَعُوا عَلَى فَتْحِ السِّينِ فِي قَولِهِ: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾ [مَرْيَم: ٢٨] \".","vol":"2","page":353},{"text":"٣ - حَكِيمٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ ذُو الحِكْمَةِ البَالِغَةِ، وَكُلُّ فِعْلٍ يَفْعَلُهُ اللهُ تَعَالَى فَهُوَ لِحِكْمَةٍ، وَنَحْنُ قَدْ نَعْلَمُهَا وَقَدْ لَا نَعْلَمُهَا.\n- الأَصْلُ فِي الظَّنِّ: أَنَّهُ الاحْتِمَالُ الرَّاجِحُ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى اليَقِينِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيهِ رَاجِعُونَ﴾ [البَقَرَة: ٤٦] أَي: يَتَيَقَّنُونَ، وَضِدُّ الرَّاجِحِ: المَرْجُوحُ، وَيُسَمَّى وَهْمًا (^١).\nوَظَنُّ المَنَافِقِينَ هُوَ ظَنُّ الجَاهِلِيَّةِ، لِأَنَّهَا لَا تَعْرِفُ قَدْرَ اللهِ وَعَظَمَتَهُ، فَهُوَ ظَنٌّ بَاطِلٌ مبْنِيٌّ عَلَى الجَهْلِ.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عِمْرَان: ١٥٤]: الكِتَابَةُ مِنَ اللهِ تَعَالَى نَوعَانِ: شَرْعِيَّةٌ وَكَونِيَّةٌ، وَالفَرْقُ بَينَهُمَا أَنَّ الكَونِيَّةَ وَاقِعَةٌ لَا مَحَالَةَ، وَقَدْ يُحِبُّهَا اللهُ تَعَالَى وَقَدْ لَا يُحِبُّهَا -وَعَلَيهَا تُحْمَلُ الكِتَابَةُ هُنَا-.\nأَمَّا الشَّرْعِيَّةُ فَقَدْ تَقَعُ وَقَدْ لَا تَقَعُ، وَهِيَ مَحْبُوبَةٌ دَومًا مِنَ اللهِ تَعَالَى (^٢).\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ أَي: يَخْتَبِرَ مَا فِي صُدُورِكُم\n_________\n(^١) قَالَ الجُرْجَانِيُّ النَّحَوِيُّ (ت ٨١٦ هـ) ﵀: \"الظَّنُّ: هُوَ الاعْتِقَادُ الرَّاجِحُ مَعَ احْتِمَالِ النَّقِيضِ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي اليَقِينِ وَالشَّكِّ، وَقِيلَ: الظَّنُّ أَحَدُ طَرَفَيِّ الشَّكِّ بِصِفَةِ الرَّجَحَانِ\". التَّعْرِيفَاتُ (١/ ١٤٤).\n(^٢) وَمِثَالُ الكِتَابَةِ الشَّرْعِيَّةِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البَقَرَة: ١٨٣].\nوَمِثَالُ الكِتَابَةِ الكَونِيَّةِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المُجَادِلَة: ٢١]، وَقَولُهُ تَعَالَى أَيضًا: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ١٠٥].","vol":"2","page":354},{"text":"مِنَ الإِيمَانِ بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ وَالإِيمَانِ بِحِكْمَتِهِ، فَيَخْتَبِرَ مَا فِي قَلْبِ العَبْدِ بِمَا يُقَدِّرُهُ عَلَيهِ مِنَ الأُمُورِ المَكْرُوهَةِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مَنْ اسْتَسْلَمَ لِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ وَحِكْمَتِهِ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أَي: إِذَا حَصَلَ الابْتِلَاءُ فَقُوبِلَ بِالصَّبْرِ صَارَ فِي ذَلِكَ تَمْحِيصٌ لِمَا فِي القَلْبِ، أَي: تَطْهِيرٌ لَهُ وَإِزَالَةٌ لِمَا يَكُونُ قَدْ عَلقَ بِهِ مِنْ بَعْضِ الأُمُورِ الَّتِي لَا تَنْبَغِي.\nوَقَدْ حَصَلَ الابْتِلَاءُ وَالتَّمْحِيصُ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا نَدَبَهُم الرَّسُولُ ﷺ لِلخُرُوجِ حِينَ قِيلَ لَهُ: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عِمْرَان: ١٧٢] خَرَجُوا إِلَى (حَمْرَاءَ الأَسَدِ) وَلَمْ يَجِدُوا غَزْوًا فَرَجَعُوا، ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عِمْرَان: ١٧٤].\n- (ابْنُ القَيِّمِ): هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبي بَكْرِ بْنِ أَيُّوبَ بْنِ سَعْدٍ الزَّرْعِيُّ؛ الدِّمَشْقِيُّ؛ أَبْو عَبْدِ اللهِ؛ شَمْسُ الدِّينِ؛ مِنْ أَرْكَانِ الإِصْلَاحِ الإِسْلَامِيِّ؛ وَأَحَدُ كِبَارِ العُلَمَاءِ، تَتَلْمَذَ عَلَى شَيخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيمِيَّةَ حَتَّى كَانَ لَا يَخْرُجُ عَنْ شَيءٍ مِنْ أَقْوَالِهِ، بَلْ يَنْتَصِرُ لَهُ فِي جَمِيعِ مَا يَصْدُرُ عَنْهُ، وَسُجِنَ مَعَهُ فِي قَلْعَةِ دِمَشْقَ، وَأُهِينَ وَعُذِّبَ بِسَبَبِهِ، وَكَانَ حَسَنَ الخُلُقِ مَحْبُوبًا عِنْدَ النَّاسِ، (ت ٧٥١) (^١).\n- قَولُهُ: \"فَإِنْ تَنْجُ مِنْهَا تَنْجُ مِنْ ذِي عَظِيمَةٍ وَإِلَّا فَإِنِّي لَا إِخَالُكَ\" البَيتُ مَنْسُوبٌ لِلْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ التَّمِيمِيِّ؛ صَاحِبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ (^٢).\n_________\n(^١) الأَعْلَامُ لِلزِّرِكْلِيِّ (٦/ ٥٦).\n(^٢) البَيَانُ وَالتَّبِيينُ (١/ ٢٩٣) لِلْجَاحِظِ.","vol":"2","page":355},{"text":"- فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ: \"عَلَى قَدْرِ حُسْنِ ظَنِّكَ بِرَبِّكَ وَرَجَائِكَ لَهُ؛ يَكُونُ تَوَكُّلُكَ عَلَيهِ، وَلِذَلِكَ فَسَّرَ بَعْضُهُمُ التَّوَكُّلَ بِحُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ.\nوَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ حُسْنَ الظَّنِّ بِهِ يَدْعُوهُ إِلَى التَّوَكُّلِ عَلَيهِ؛ إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ التَّوَكُّلُ عَلَى مَنْ سَاءَ ظَنُّكَ بِهِ، وَلَا التَّوَكُّلُ عَلَى مَنْ لَا تَرْجُوهُ! \" (^١).\n- وَلِتَمَامِ الفَائِدَةِ نَنْقُلُ تَتِمَّةَ كَلَامِ الإِمَامِ ابْنِ القَيِّمِ ﵀، فَقَالَ: \"وَمَنْ ظَنَّ بِهِ أَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ بِمَا ظَاهِرُهُ بَاطِلٌ وَتَشْبِيهٌ وَتَمْثِيلٌ؛ وَتَرْكَ الحَقَّ لَمْ يُخْبِرْ بِهِ؛ وَإِنَّمَا رَمَزَ إلَيهِ رُمُوزًا بَعِيدَةً؛ وَأَشَارَ إلَيهِ إِشَارَاتٍ مُلْغزَةً لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ، وَصَرَّحَ دَائِمًا بِالتّشْبِيهِ وَالتّمْثِيلِ وَالبَاطِلِ؛ وَأَرَادَ مِنْ خَلْقِهِ أَنْ يُتْعِبُوا أَذْهَانَهُمْ وَقُوَاهُمْ وَأَفْكَارَهُمْ فِي تَحْرِيفِ كَلَامِهِ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَتَأْوِيلِهِ عَلَى غَيرِ تَأْوِيلِهِ؛ وَيَتَطّلَبُوا لَهُ وُجُوهَ الِاحْتِمَالَاتِ المُسْتَكْرَهَةِ وَالتَّأْوِيلَاتِ -الَّتِي هِيَ بِالأَلْغَازِ وَالأَحَاجِي أَشْبَهُ مِنْهَا بِالكَشْفِ وَالبَيَانِ- وَأَحَالَهُمْ فِي مَعْرِفَةِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ عَلَى عُقُولِهِمْ وَآرَائِهِمْ لَا عَلَى كِتَابِهِ؛ بَلْ أَرَادَ مِنْهُمْ أَنْ لَا يَحْمِلُوا كَلَامَهُ عَلَى مَا يَعْرِفُونَ مِنْ خِطَابِهِمْ وَلُغَتِهِمْ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى أَنْ يُصَرِّحَ لَهُمْ بِالحَقِّ الَّذِي يَنْبَغِي التّصْرِيحُ بِهِ وَيُرِيحَهُمْ مِنَ الأَلْفَاظِ الَّتِي تُوقِعُهُمْ فِي اعْتِقَادِ البَاطِلِ؛ فَلَمْ يَفْعَلْ! بَلْ سَلَكَ بِهِمْ خِلَافَ طَرِيقِ الهُدَى وَالبَيَانِ! فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السّوءِ.\nفَإِنَّهُ إنْ قَالَ: إنّهُ غَيرُ قَادِرٍ عَلَى التَّعْبِيرِ عَنِ الحَقِّ بِاللّفْظِ الصَّرِيحَ -الَّذِي عَبّرَ بِهِ هُوَ وَسَلَفُهُ-! فَقَدْ ظَنَّ بِقُدْرَتِهِ العَجْزَ،\nوَإِنْ قَالَ: إنَّهُ قَادِرٌ وَلَمْ يُبَيِّنْ؛ وَعَدَلَ عَنِ البَيَانِ وَعَنِ التَّصْرِيحِ بِالحَقِّ إلَى مَا يُوهِمُ بَلْ يُوقِعُ فِي البَاطِلِ المُحَالِ وَالِاعْتِقَادِ الفَاسِدِ! فَقَدْ ظَنَّ بِحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ ظَنَّ\n_________\n(^١) مَدَارِجُ السَّالِكِينَ (٢/ ١٢١).","vol":"2","page":356},{"text":"السَّوءِ، وَظَنَّ أَنَّهُ هُوَ وَسَلَفُهُ عَبَّرُوا عَنِ الحَقِّ بِصَرِيحِهِ دُونَ اللهِ وَرَسُولِهِ؛ وَأَنَّ الهُدَى وَالحَقَّ فِي كَلَامِهِمْ وَعِبَارَاتِهِمْ؛ وَأَمّا كَلَامُ اللهِ فَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ ظَاهِرِهِ التّشْبِيهُ وَالتّمْثِيلُ وَالضَّلَالُ وَظَاهِرُ كَلَامِ المُتَهَوِّكِينَ! ظَنَّ السَّوءِ، وَمِنَ الظَّانِّينَ بِهِ غَيرَ الحَقِّ ظَنَّ الجَاهِلِيَّةِ\" (^١).\n_________\n(^١) زَادُ المَعَادِ (٣/ ٢٠٧).","vol":"2","page":357},{"text":"<span data-type='title' id=toc-412>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-413> المَسْأَلَةُ الأُولَى: إِذَا كَانَ ظَنُّ السَّوءِ بِاللهِ بِهَذِهِ المَثَابَةِ وَالخُطُورَةِ؛ فَمَا الجَوَابُ عَنْ مِثْلِ قَولِهِ تَعَالَى:</span>\n﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يُوسُف: ١١٠]!\nوَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البَقَرَةث: ٢١٤]!\nوَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأَحْزَابُ: ١٠]؟!\nالجَوَابُ:\nإِنَّ خَيرَ مَنْ أَفَادَنَا بِبَيَانِهِ هُوَ الإِمَامُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ العَظِيمِ (القَوَاعِدُ الحِسَانُ لِتَفْسِيرِ القُرْآنِ)، وَأَنْقُلُ هُنَا هَذِهِ القاَعِدَةَ الجَلِيلَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا ﵀ وَفِي ضِمْنِهَا جَوَابُ السُّؤَالِ.\nقَالَ ﵀:\n\"القَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ وَالسِّتُّونَ: الأُمُورُ العَارِضَةُ الَّتِي لَا قَرَارَ لَهَا بِسَبَبِ المُزْعِجَاتِ أَوِ الشُّبُهَاتِ قَدْ تَرِدُ عَلَى الحَقِّ وَعَلَى الأُمُورِ اليَقِينِيَّةِ وَلَكِنْ سُرْعَانَ مَا تَضْمَحِلُّ وَتَزُولُ.\nوَهَذِهِ قَاعِدَةٌ شَرِيفَةٌ جَلِيلَةٌ قَدْ وَرَدَتْ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ مِنِ القُرْآنِ، فَمَنْ لَمْ","vol":"2","page":358},{"text":"يُحْكِمْهَا حَصَلَ لَهُ مِنِ الغَلَطِ فِي فَهْمِ بَعْضِ الآيَاتِ مَا يُوجِبُ الخُرُوجَ عَنْ ظَاهِرِ النَّصِّ، وَمِنْ عَرَفَ حِكْمَةَ اللَّهِ تَعَالَى فِي وُرُودِهَا عَلَى الحَقِّ الصَّرِيحِ لِأَسْبَابٍ مُزْعِجَةٍ تَدْفَعُهَا أَو لِشُبْهَةٍ قَوِيَّةٍ تُحْدِثُهَا ثُمَّ بَعْدَ هَذَا إِذَا رَجَعَ إِلَى اليَقِينِ وَالحَقِّ الصَّرِيحِ، وَتَقَابَلَ الحَقُّ وَالبَاطِلُ، وَوَقَعَتِ الخُصُومَةُ بَينَهُمَا، فَغَلَبَ الحَقُّ البَاطِلَ، وَدَمَغَهُ فَزَهَقَ البَاطِلُ وَثَبَتَ الحَقُّ؛ حَصَلَتِ العَاقِبَةُ الحَسَنَةُ، وَزِيَادَةُ الإِيمَانِ وَاليَقِينِ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ التَّقْدِيرِ حِكَمٌ بَالِغَةٌ، وَأَيَادٍ سَابِغَةٌ.\nوَلْنُمَثَّلْ لِهَذَا بِأَمْثِلَةٍ، فَمِنْهَا:\nأَنَّ الرُّسُلَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيهِمْ أَكْمَلَ الخَلْقِ إِيمَانًا وَيَقِينًا وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِ اللَّهِ وَوَعِيدِهِ -وَهَذَا أَمْرٌ يَجِبُ عَلَى الأُمَمِ أَنْ يَعْتَقِدُوا فِي الرُّسُلِ مِنْ أَنَّهُمْ قَدْ بَلَغُوا الذُّرْوَةَ فِيهِ، وَأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ ضِدِّهِ- وَلَكِنْ ذَكَرَ اللَّهُ فِي بَعْضِ الآيَاتِ أَنَّهُ قَدْ يَعْرِضُ لَهُمْ بَعْضُ الأُمُورِ المُزْعِجَةِ المُنَافِيَةِ حِسًّا لِمَا عُلِمَ يَقِينًا: مَا يُوجِبُ لِهَؤُلَاءِ الكُمَّلِ أَنَّ يَسْتَبْطِئُوا مَعَهُ النَّصْرَ، وَيَقُولُونَ: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البَقَرَةُ: ٢١٤]! وَقَدْ يَخْطُرُ فِي هَذِهِ الحَالَةِ عَلَى القُلُوبِ شَيءٌ مِنْ عَوَارِضِ اليَأْسِ بِحَسَبِ قُوَّةِ الوَارِدَاتِ وَتَأْثِيرِهَا فِي القُلُوبِ ثُمَّ فِي أَسْرَعِ وَقْتٍ تَنْجَلِي هَذِهِ الحَالُ وَتَنْفَرِجُ الأَزْمَةُ وَيَأْتِي النَّصْرُ مِنْ قَرِيبٍ ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البَقَرَةُ: ٢١٤]، فَعِنْدئِذٍ يَصِيرُ لِنَصْرِ اللَّهِ وَصِدْقِ مَوعُودِهِ مِنِ الوَقْعِ وَالبِشَارَةِ وَالآثَارِ العَجِيبَةِ أَمْرٌ كَبِيرٌ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ هَذِهِ الحَالَةِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يُوسُف: ١١٠] فَلِهَذَا الوَارِدِ الَّذِي لَا قَرَارَ لَهُ، وَعِنْدَمَا حَقَّتِ الحَقَائِقُ اِضْمَحَلَّ وَتَلَاشَى، لَا يُنْكَرُ وَيُطْلَبُ لِلْآيَاتِ تَأْوِيلَاتٌ مُخَالِفَةٌ لِظَاهِرِهَا! \" إِلَى أَنْ قَالَ ﵀:","vol":"2","page":359},{"text":"\"فَمَنْ أَنْكَرَ وُقُوعَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الرُّسُلَ لَا رَيبَ وَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ، وَظَنَّ أَنَّ هَذَا يُنَافِي العِصْمَةَ! فَقَدَ غَلَطَ أَكْبَرَ غَلَطٍ، وَلَو فَهِمَ أَنَّ الأُمُورَ العَارِضَةَ لَا تُؤَثِّرُ فِي الأُمُورِ الثَّابِتَةِ لَمْ يَقِلِ قَولًا يُخَالِفُ فِيهِ الوَاقِعُ وَيُخَالِفُ بَعْضَ الآيَاتِ وَيَطْلُبُ التَّأْوِيلَاتِ المُسْتَبْعَدَاتِ!\nوَمِنْ هَذَا -عَلَى أَحَدِ قَولِي المُفَسِّرِينَ- قَولُهُ تَعَالَى عَنْ يُونُسَ: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأَنْبِيَاءُ: ٨٧]، وَأَنَّهُ ظَنٌّ عَرَضَ فِي الحَالِ ثُمَّ زَالَ، نَظِيرُ الوَسَاوِسِ العَارِضَةِ فِي أَصْلِ الإِيمَانِ الَّتِي يَكْرَهُهَا العَبْدُ حِينَ تَرِدُ عَلَى قَلْبِهِ، وَلَكِنَّ إِيمَانَهُ وَيَقِينَهُ يُزِيلُهَا وَيُذْهِبُهَا، وَلِهَذَا قَالَ ﷺ عِنْدَمَا شَكَا إِلَيهِ أَصْحَابُهُ هَذِهِ الحَالَ الَّتِي أَقْلَقَتْهُمْ مُبَشِّرًا لَهُمْ: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيدَهُ إِلَى الوَسْوَسَةِ» (^١)، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ هَذَا صَرِيحُ الإِيمَانِ.\nوَيُشْبِهَ هَذَا: العَوَارِضُ الَّتِي تَعْرِضُ فِي إِرَادَاتِ الإِيمَانِ لِقُوَّةِ وَارِدٍ مِنْ شَهْوَةٍ أَو غَضَبٍ، وَأَنَّ المُؤَمَّنَ الكَامِلَ الإِيمَانِ قَدْ يَقَعُ فِي قَلْبِهِ هَمٌّ وَإِرَادَةٌ لِفِعْلِ بَعْضِ المَعَاصِي الَّتِي تُنَافِي الوَاجِبَ ثُمَّ يَأْتِي بُرْهَانُ الإِيمَانِ، وَقُوَّةُ مَا مَعَ العَبْدِ مِنِ الإِنَابَةِ التَّامَّةِ فَيَدْفَعُ هَذَا العَارِضَ.\nوَمِنْ هَذَا: قَولُهُ تَعَالَى عَنْ يُوسُفَ ﵊: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يُوسُف: ٢٤]، وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ إِلَى مَا مَعَهُ مِنِ الإِيمَانِ وَمُرَاقَبَةِ اللَّهِ وَخَوفِهِ وَخَشْيَتِهِ وَرَجَائِهِ دَفَعَ عَنْهُ هَذَا الهَمَّ وَمُوجِبَهُ وَاضْمَحَلَّ، وَصَارَتْ إِرَادَتُهُ التَّامَّةُ فِيمَا يُرْضِي رَبَّهُ، وَلِهَذَا فَازَ بِمَرْتَبَةِ الصِّدِّيقِيَّةِ لِقُوَّةِ إِخْلَاصِهِ وَإِيمَانِهِ بِآيَاتِ رَبِّهِ، وَانْتَصَرَ\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٠٩٧) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا. وَصَحَّحَهُ الشَّيخُ أَحْمَدُ شَاكِر ﵀ فِي تَحْقِيقِ المُسْنَدِ.","vol":"2","page":360},{"text":"بَعْدَ المُعَالَجَةِ الشَّدِيدَةِ مِنِ النِّسْوَةِ الَّتِي لَا يَصْبِرُ عَلَيهَا إِلَّا سَادَاتُ الخَلْقِ حَتَّى دَعَا رَبَّهُ أَنْ يُبْعِدَهُ عَنْ مُوَاطِنِ الفِتَنِ فَقَالَ: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يُوسُف: ٣٣]! وَكَانَ كُلُّ مَنْ يَتَشَبَّهُ بِهِ وَيَقِفُ أَحَدَ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمِ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوم لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ، «وَرَجُلٌ دَعَتْهُ اِمْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ؛ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافَ اللَّهَ» (^١).\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأَعْرَافُ: ٢٠١] يَشْمَلُ الطَّائِفَ الَّذِي يَعْرِضُ فِي أَصْلِ الإِيمَانِ وَالَّذِي يَعْرِضُ فِي إِرَادَتِهِ، فَإِذَا مَسَّهُمْ تَذَكَّرُوا مَا يَدْعُو إِلَى الإِيمَانِ وَوَاجِبَاتِهِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَسُنَنِهِ وَحِكْمَتِهِ وَأَحْكَامِهِ فَأَبْصَرُوا؛ فَانْدَفَعَتِ الشُّبُهَاتُ وَالشَّهَوَاتُ فَرَجَعَ الشَّيطَانُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ\" (^٢).\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (١٣٥٧)، وَمُسْلِمٌ (١٠٣١) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.\n(^٢) القَوَاعِدُ الحِسَانُ (ص ١٥٥).","vol":"2","page":361},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-414> المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: زَعَمَتِ المُعَطِّلَةُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِالحِكْمَةِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الأَغْرَاضِ!</span> وَقَالُوا: إِنَّ فِعْلَهُ لِغَرَضٍ مَا يَدُلُّ عَلَى حَاجَتِهِ وَافْتِقَارِهِ إِلَيهِ! فَمَا الجَوَابُ؟\nالجَوَابُ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ:\n١ - أَنَّ الحِكْمَةَ لَا يَلْزَمُ مِنْهَا الحَاجَةُ وَالافْتِقَارُ! فَالحِكْمَةُ هِيَ وَضْعُ الشَّيءِ فِي مَوضِعِهِ المُنَاسِبِ لِلْغَايَةِ المَحْمُودَةِ، فَهِيَ صِفَةُ كَمَالٍ لَا نَقْصَ فِيهَا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.\n٢ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَثْبَتَ لِنَفْسِهِ الحِكْمَةَ فِي غَيرِ مَوضِعٍ، وَأَثْبَتَ كَمَالَ غِنَاهُ وَعِزَّتَهُ؛ فَنُثْبِتُ الحِكْمَةَ وَنَنْفِي عَنْهُ النَّقْصَ وَالحَاجَةَ وَالافْتِقَارَ.\n٣ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُرِيدُ بِأَفْعَالِهِ مَنْفَعَةَ نَفْسِهِ! وَإِنَّمَا مَنْفَعَةَ عبِادِهِ، فَظَهَرَتْ بِذَلِكَ حِكْمَتُهُ مَعَ رَحْمَتِهِ ﷾ عَنْ تَعْطِيلِ الجَاهِلِينَ-.\nوَتَأَمَّلْ فِي ذَلِكَ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النِّسَاء: ٢٨)، وَقَولَهُ أَيضًا: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البَقَرَة: ١٨٥].","vol":"2","page":362},{"text":"بَابُ مَا جَاءَ فِي مُنْكِرِي القَدَرِ\nوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَالَّذِي نَفْسُ ابْنِ عُمَرَ بِيَدِهِ؛ لَو كَانَ لِأَحَدِهِمْ مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا ثُمَّ أَنْفَقَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ مَا قَبِلَهُ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالقَدَرِ. ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِقَولِ النَّبِيِّ ﷺ: «الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَومِ الآخِرِ؛ وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).\n_________\n(^١) مُسْلِمٌ (٨).\nوَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ: عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي القَدَرِ بِالبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الجُهَنِيُّ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحِمْيَرِيُّ حَاجَّينِ أَو مُعْتَمِرَينِ، فَقُلْنَا: لَو لَقِينَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ فِي القَدَرِ، فَوُفِّقَ لَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ دَاخِلًا المَسْجِدَ، فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي -أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ وَالآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ-، فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الكَلَامَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ يَقْرَءُونَ القُرْآنَ وَيَتَقَفَّرُونَ العِلْمَ -وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ- وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَرَ، وَأَنَّ الأَمْرَ أُنُفٌ! قَالَ: فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي. وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ؛ لَو أَنَّ لأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ؛ مَا قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالقَدَرِ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ؛ قَالَ: بَينَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَومٍ؛ إِذْ طَلَعَ عَلَينَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيهِ أَثَرُ السَّفَرِ ..) ثُمَّ تَابَعَ الحَدِيثَ المَعْرُوفَ.\nقَالَ ابْنُ الجَوزِيِّ ﵀: \"قَولُهُ: (يَتَقَفَّرُونَ العِلْمَ): أَي: يَطْلُبُونَهُ وَيَتَّبِعُونَ أَثَرَهُ، يُقَالُ: فُلَانٌ يَتَقَفَّرُ الشَّيءَ إِذَا طَلَبَهُ وَاجْتَهَدَ فِي البَحْثِ عَنْهُ. وَقَولُهُ: (يَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَرَ): أَي: أَنَّ الأَشْيَاءَ لَمْ يَسْبِقْ تَقْدِيرُهَا. وَقَولُهُ: (أَنَّ الأَمْرَ أُنُفٌ): أَي: مُسْتَأْنَفٌ؛ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهِ قَدَرٌ وَلَا مَشِيئَةٌ! يُقَالُ: رَوضَةٌ أُنُفٌ؛ إِذَا كَانَتْ وَافِيَةَ الكَلَأ لَمْ يُرْعَ مِنْهَا شَيءٌ، وَيَعْنُونَ أَنَّ مَا نَعْمَلُهُ لَمْ يُقَدَّرْ\". كَشْفُ المُشْكِلِ مِنْ حَدِيثِ الصَّحِيحَينِ (١/ ١٣٠).","vol":"2","page":363},{"text":"وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ؛ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ الإِيمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ؛ وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ القَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اُكْتُبْ. فَقَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اُكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ». يَا بُنَيَّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ مَاتَ عَلَى غَيرِ هَذَا فَلَيسَ مِنِّي» (^١).\nوَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ تَعَالَى القَلَمَ فَقَالَ لَهُ: اُكْتُبْ. فَجَرَى فِي تِلْكَ السَّاعَةِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ» (^٢).\nوَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ وَهْبٍ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ أَحْرَقَهُ اللهُ بِالنَّارِ» (^٣).\nوَفِي المُسْنَدِ والسُّنَنِ عَنِ ابْنِ الدَّيلَمِيِّ، قَالَ: أَتَيتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي شَيءٌ مِنَ القَدَرِ؛ فَحَدِّثْنِي بِشَيءٍ لَعَلَّ اللهَ يُذْهِبُهُ مِنْ قَلْبِي، فَقَالَ: (لَو أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا؛ مَا قَبِلَهُ اللهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالقَدَرِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَلَو مِتَّ عَلَى غَيرِ هَذَا لَكُنْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ). قَالَ: فَأَتَيتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ وَحُذَيفَةَ بْنَ اليَمَانِ وَزَيدَ بْنَ ثَابِتٍ؛ فَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِي بِمِثْلِ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ الحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ (^٤).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٧٠٠)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٢١٥٥). صَحِيحُ الجَامِعِ (٢٠١٨).\n(^٢) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٢٧٠٥). قَالَ الشَّيخُ شُعَيبُ الأَرْنَؤُوطُ فِي تَحْقِيقِ المُسْنَدِ: \"حَدِيثٌ صَحِيحٌ؛ وَهَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ\".\n(^٣) كِتَابُ (القَدَرُ) (١/ ١٢١) لِابْنِ وَهْبٍ.\n(^٤) صَحِيحٌ. السُّنَّةُ (٢٤٥) لِابْنِ أَبي عَاصِمٍ، وَأَحْمَدُ (٢١٥٨٩)، وَابْنُ حَبَّانَ (٧٢٧). ظِلَالُ الجَنَّةِ (٢٤٥).\nمُلَاحَظَةٌ: لَمْ أَجِدِ الحَدِيثَ عِنْدَ الحَاكِمِ -لَا لَفْظًا وَلَا أَصْلًا-.","vol":"2","page":364},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: بَيَانُ فَرْضِ الإِيمَانِ بِالقَدَرِ.\nالثَّانِيَةُ: بَيَانُ كَيفَيَّةِ الإِيمَانِ.\nالثَّالِثَةُ: إِحْبَاطُ عَمَلِ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ.\nالرَّابِعَةُ: الإِخْبَارُ أَنَّ أَحَدًا لَا يَجِدُ طَعْمَ الإِيمَانِ حَتَّى يُؤْمِنَ بِهِ.\nالخَامِسَةُ: ذِكْرُ أَوَّلِ مَا خَلَقَ اللهُ.\nالسَّادِسَةُ: أَنَّهُ جَرَى بِالمَقَادِيرِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ.\nالسَّابِعَةُ: بَرَاءَتُهُ ﷺ مِمَّنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ.\nالثَّامِنَةُ: عَادَةُ السَّلَفِ فِي إِزَالَةِ الشُّبْهَةِ بِسُؤَالِ العُلَمَاءِ.\nالتَّاسِعَةُ: أَنَّ العُلَمَاءَ أَجَابُوهُ بِمَا يُزِيلُ شُبْهَتَهُ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ نَسَبُوا الكَلَامَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَطْ.","vol":"2","page":365},{"text":"<span data-type='title' id=toc-417>الشَّرْحُ</span>\n- قَولُهُ: (مُنْكِرِي): أَصْلُهُ مُنْكِرِينَ، وَلَكِنْ حُذِفَتِ النُّونُ لِلإِضَافَةِ.\n- قَولُهُ: (القَدَر) (^١): هُوَ تَقْدِيرُ اللهِ ﷿ لِلكَائِنَاتِ، وَهُوَ سِرُّ مَكْتُومٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ أَو مَنْ شَاءَ اللهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ مِنْ خَلْقِهِ (^٢).\nوَالقَدَرُ يُطْلَقُ عَلَى مَعْنَيَينِ (^٣):\n١ - التَّقْدِيرِ؛ أَي: إِرَادَةُ اللهِ ﷿ الشَّيءَ.\n٢ - المُقَدَّرِ؛ أَي: مَا قَدَّرَهُ اللهُ ﷿ أَنْ يَكُونَ.\n- مُنَاسَبَةُ البَابِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ أَنَّ الإِيمَانَ بِالقَدَرِ مُتَعَلِّقٌ بِتَوحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ وَبِتَوحِيدِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَلَا يَصِحُّ إِيمَانُ عَبْدٍ أَصْلًا حَتَّى يُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ، وَالإِيمَانُ بِالقَدَرِ هُوَ إِيمَانٌ بِكَمَالِ صِفَاتِ اللهَ تَعَالَى.\nقَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: \"القَدَرُ قُدْرةُ اللهِ ﷿ عَلَى العِبَادِ\" (^٤).\n_________\n(^١) القَدَرُ لُغَةً: هُوَ القَضَاءُ وَالحُكْمُ؛ وَمِنْهُ لَيلَةُ القَدْرِ: أَي: لَيلَةُ التَّقْدِيرِ؛ وَيُمْكِنُ أَيضًا: اللَّيلَةُ ذَاتُ الشَّأْنِ.\n(^٢) كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى عَنِ الخَضِرِ ﵇ بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ عِلَّةَ أَفْعَالِهِ: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكَهْف: ٨٢].\n(^٣) وَهَذَا لِكَونِ العَرَبِ تُطْلِقُ الاسْمَ عَلَى الفِعْلِ وَعَلَى المَفْعُولِ. وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ لِهَذَا إِنْ شَاءَ اللهُ.\n(^٤) أَخْرَجَهُ الخَلَّالُ فِي كِتَابِ السُّنَّةُ (٣/ ٥٤٤)، وَتَمَامُهُ \"أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللهِ سُئِلَ عَنِ القَدَرِ؛ فَقَالَ: القَدَرُ قُدْرَةُ اللهِ ﷿ عَلَى العِبَادِ، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنْ زَنَى فَبِقَدَرٍ؛ وَإِنْ سَرَقَ فَبِقَدَرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، اللهُ قَدَّرَهُ عَلَيهِ\".\nقُلْتُ: وَالمُرَادُ بِهَذَا بَيَانُ كَمَالِ رُبُوبِيَّةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ شَيءٌ عَنْ مَشِيئَتِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ؛ لَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَرَادَ مِنْهُ شَرْعًا ذَلِكَ! وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ خَالِقُ إِرَادَةِ العَبْدِ وَهُوَ خَالِقُ آلَاتِهِ، وَبِهِمَا يَقَعُ الفِعْلُ مِنَ العَبْدِ، وَلَو شَاءَ اللهُ لَصَرَفَ نِيَّتَهُ وَإِرَادَتَهُ، ولَمَنَعَهُ العَمَلَ أَصْلًا، وَلَكِنْ قَضَتْ حِكْمَةُ اللهِ فِي ذَلِكَ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]. وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ لِهَذَا إِنْ شَاءَ اللهُ.","vol":"2","page":366},{"text":"- حُكْمُ مُنْكِرِ القَدَرِ: قَالَ الإِمَامُ اللَّالكَائِيُّ ﵀ في كِتَابِهِ (اعْتِقَادُ أَهْلِ السُّنَّةِ): \"رُوِيَ عِنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَالأَوزَاعِيِّ، وَعُبَيدِ اللهِ بْنِ الحَسَنِ العَنْبَرِيِّ (^١): يُسْتَتَابُونَ؛ فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا قُتِلُوا.\nوَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ: القَدَرِيَّةُ يَهُودٌ.\nوَعَنِ الشَّعْبِيِّ: القَدَرِيَّةُ نَصَارَى.\nوَعَنْ نَافِعٍ مَولَى ابْنِ عُمَرَ: القَدَرِيَّةُ يُقْتَلُونَ.\nوَحَكَى المُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ كَفَّرَهُم.\nوَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ (^٢): القَدَرِيَّةُ كُفَّارٌ.\nوَعَنْ أَحْمِد بْنِ حَنْبَلٍ مِثَلُ قَولِ مَالِكٍ\" (^٣).\n- النَّاسُ فِي القَدَرِ ثَلَاثُ طَوَائِفَ:\n١ - الجَبْرِيَّةُ الجَهْمِيَّةُ: أَثْبَتُوا قَدَرَ اللهِ تَعَالَى وَغَلَوا فِي إِثْبَاتِهِ حَتَّى سَلَبُوا العَبْدَ اخْتِيَارَهُ وَقُدْرَتَهُ، وَقَالُوا: لَيسَ لِلعَبْدِ اخْتِيَارٌ وَلَا قُدْرَةٌ فِي مَا يَفْعَلُهُ أَو يَتْرُكَهُ!\n٢ - القَدَرِيَّةُ المُعْتَزِلَةُ: أَثْبَتُوا لِلعَبْدِ اخْتِيَارًا وَقُدْرَةً فِي عَمَلِهِ وَغَلَوا فِي ذَلِكَ حَتَّى نَفَوا أَنْ تَكُونَ للهِ تَعَالَى فِي عَمَلِ العَبْدِ مَشِيئَةٌ أَو خَلْقٌ! وَنَفَى غُلَاتُهُم عِلْمَ اللهِ بِهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ.\n_________\n(^١) قَاضٍ مِنَ الفُقَهَاءِ العُلَمَاءِ بِالحَدِيثِ، مِنْ أَهْلِ البَصْرَةِ، (مِنْ كِبَارِ أَتْبَاعِ التَّابِعِين)، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: مِنْ سَادَاتِهَا فِقْهًا وَعِلْمًا، (ت ١٦٨ هـ). الأَعْلَامُ لِلزِّرِكْلِيِّ (٤/ ١٩٢).\n(^٢) حَافِظٌ؛ مِنْ كِبَارِهِم فِي خُرَاسَانَ، (مِنْ كِبَارِ أَتْبَاعِ التَّابِعِين)، (ت ١٦٨ هـ). الأَعْلَامُ لِلزِّرِكْلِيِّ (١/ ٤٤).\n(^٣) اعْتِقَادُ أَهْلِ السُّنَّةِ (٤/ ٧٨١).","vol":"2","page":367},{"text":"٣ - أَهْلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ: وَهُمُ الطَّائِفَةُ الوَسَطُ الَّذِينَ جَمَعُوا بَينَ الأَدِلَّةِ وَسَلَكُوا فِي طَرِيقِهِم خَيرَ مِلَّةٍ؛ فَآمَنُوا بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ، وَبِأَنَّ لِلعَبْدِ اخْتِيَارًا وَقُدْرَةً وَمَشِيئَةً؛ لَكِنَّ مَشِيئَتَهُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التَّكْوِير: ٢٨ - ٢٩].\n- إِنَّ حُكْمَ ابْنِ عُمَرَ عَلَى مُنْكِرِي القَدَرِ بِأَنَّ نَفَقَاتِهِم غُيرُ مَقْبُولَةٍ يَسْتَوجِبُ تَكْفِيرَهُم عِنْدَهُ؛ وَذَلِكَ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التَّوبَة: ٥٤]، وَإِيرَادُ ابْنِ عُمَرَ ﵁ لِحَدِيثِ جِبْرِيلَ يُرِيدُ بِهِ أَنَّ الإِيمَانَ لَا يُقْبَلُ حَتَّى يُؤْمِنَ العَبْدُ بِالقَدَرِ (^١).\nوَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: (جَاءَ مُشْرِكُو قُرَيشٍ يُخَاصِمُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي القَدَرِ؛ فَنَزَلَتْ ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القَمَر: ٤٨ - ٤٩]) (^٢).\nوَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العَاصِ: (نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القَمَر: ٤٧] فِي أَهْلِ القَدَرِ\" (^٣).\n_________\n(^١) وَعَنْهُ ﵁ أَيضًا؛ أَنَّهُ كَانَ لَهُ صَدِيقٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ يُكَاتِبُهُ، فَكَتَبَ إِلَيهِ مَرَّةً عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَكَلَّمْتَ فِي شَيءٍ مِنَ القَدَرِ! فَإِيَّاكَ أَنْ تَكْتُبَ إِلَيَّ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ يُكَذِّبُونَ بِالقَدَرِ». صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٥٦٣٩). صَحِيحُ الجَامِعِ (٣٦٦٩).\nوَفي لَفْظٍ لِابْنِ مَاجَه (٤٠٦١): «يَكُونُ فِي أُمَّتِي -أَو فِي هَذِهِ الأُمَّةِ- مَسْخٌ وَخَسْفٌ وَقَذْفٌ؛ وَذَلِكَ فِي أَهْلِ القَدَرِ». صَحِيحٌ. الصَّحِيحَةُ (١٧٨٧).\n(^٢) مُسْلِمٌ (٢٦٥٦).\n(^٣) قَالَ السُّيُوطِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ الدُّرُّ المَنْثُورُ (٧/ ٦٨٣): \"وَأَخْرَجَ البَزَّارُ وَابْنُ المُنْذِرِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ مِنْ طَرِيقِ عَمْرو بْنِ شُعَيبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: .... \"، وَأَورَدَهُ البُخَارِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ خَلْقُ أَفْعَالِ العِبَادِ (ص ٤٩)، وَقَالَ: \"وَيُرْوَى فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ ﵃\".","vol":"2","page":368},{"text":"- وَمِمَّا يَنْبَغِي مَعْرِفَتُهُ هُنَا أَنَّ \"العَرَبَ كَانَتْ فِي جَاهِلِيَّتِهَا تُقِرُّ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ. قَالَ ابْنُ قُتَيبَةَ وَغَيرُهُ: مَا زَالَتِ الْعَرَبُ فِي جَاهِلِيَّتِهَا وَإِسْلَامِهَا مُقِرَّةً بِالْقَدَرِ. وَقَدْ قَالَ عَنْتَرَةُ: يَا عَبْلُ؛ أَينَ مِنَ المَنِيَّةِ مَهْرَبٌ … إِنْ كَانَ رَبِّي فِي السَّمَاءِ قَضَاهَا\" (^١).\n- قَولُهُ: «تُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ» الخَيرُ وَالشَّرَّ هُنَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِمَا يَجِدُهُ الإِنْسَانُ، أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِفِعْلِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا فَاللهُ تَعَالَى أَفْعَالُهُ كُلُّهَا خَيرٌ، لِأَنَّهَا مُوَافِقَةٌ لِحِكْمَتِهِ، وَفي الحَدِيثِ: «والشَّرُّ لَيسَ إِلَيكَ» (^٢)، وَمِن مِثَالِهِ مَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الرُّوم: ٤١].\nوَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النُّور: ١١].\nوَكَذَا قَولَهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيرِ فِتْنَةً وَإِلَينَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٣٥].\nوَقَدْ سَبَقَ فِي شَرْحِ بَابِ (مِنَ الإِيمَانِ بِاللهِ الصَّبْرُ عَلَى أَقْدَارِ اللهِ) حَدِيثُ أَنَسٍ؛ وَفِيهِ قَولُهُ ﷺ: «أَرَادَ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ» مَعَ قَولِهِ أَيضًا ﷺ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: «والشَّرُّ لَيسَ إِلَيكَ»؛ وَأَنَّ جَوَابَ ذَلِكَ هُوَ أَنَّ الخَيرَ وَالشَّرَّ مَخْلُوقَانِ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَلَكِنَّ الشَّرَّ لَيسَ مَقْصُودًا ابْتِدَاءً! بَلْ هُوَ خَيرٌ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَآلِهِ؛ فَيَظْهُرُ فِيهِ فَضْلُ اللهِ تَعَالَى عَلَى\n_________\n(^١) مِنْهَاجُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ (٥/ ١٨٣) لِابْنِ تَيمِيَّةَ.\n(^٢) وَهُوَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٧٧١).","vol":"2","page":369},{"text":"الصَّابِرِ، وَعَدْلُهُ مَعَ الكَافِرِ، قَالَ العُلَمَاءُ: أَفْعَالُ اللهِ تَعَالَى كُلُّهَا حِكْمَةٌ؛ تَدُورُ بينَ العَدْلِ وَالفَضْلِ.\nوَتَأَمَّلْ قِصَّةَ مُوسَى ﵊ مَعَ الخَضِرِ وَمَا فِيهَا مِنَ الحِكَمِ، ثُمَّ تَأَمَّلْ قَولَ الخَضِرِ: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكَهْف: ٨٢].\n- قَولُهُ: «خَيرِهِ وَشَرِّهِ» مَفَادُهُ التَّأْكِيدُ عَلَى أَنَّ الخَيرَ وَالشَّرَّ كِلَاهُمَا مَخْلُوقَانِ مُقَدَّرَانِ مِنَ اللهِ تَعَالَى.\n- قَولُهُ: «حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ» أَي: أَنَّ مَا قَدَّرَ اللهُ أَنْ يُصِيبَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ مَهْمَا عَمِلْتَ مِنْ أَسْبَابٍ؛ فَإِنَّ قَدَرَ اللهِ تَعَالَى وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ.\n- قَولُهُ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ القَلَم» القَلَمُ بِالرَّفْعِ (^١)، وَرُويَ بِالنَّصْبِ (^٢).\nوَعَلَى رِوَايَةِ الرَّفْعِ يَكُونُ المَعْنَى: أَنَّ أَوَّلَ مَخْلُوقٍ هُوَ القَلَمُ، وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ النَّصْبِ يَكُونُ المَعْنَى: إِنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ القَلَمَ أَنْ يَكْتُبَ عِنْدَ أَوَّلِ خَلْقِهِ لَهُ.\nوَقَولُ المُصِنِّفِ ﵀ فِي المَسَائِلِ: (ذِكْرُ أَوَّلِ مَا خَلَقَ اللهُ): ظَاهِرُهُ المَيلُ إِلَى أَنَّ القَلَمَ هُوَ أَوُّلُ مَخْلُوقَاتِ اللهِ، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا بَحْثٌ يَسِيرٌ فِي ذَلِكَ.\n- قَولُهُ: «إلى يَومِ القِيَامَةِ» هُوَ يَومُ البَعْثِ، وَسُمِّيَ يَومَ القِيَامَةِ؛ لِقِيَامِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ فِيهِ:\n١ - قِيَامِ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِم لِرَبِّ العَالَمِينَ.\n_________\n(^١) عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهُ خَبَرُ إِنَّ؛ وَيَكُونُ بِذَلِكَ نَصًّا فِي أَنَّهُ أَوَّلُ مَخْلُوقٍ.\n(^٢) عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلِ (خَلَقَ)، وَيَكُونُ خَبَرُ (إِنَّ) هُوَ جُمْلَةُ: (فَقَالَ لَهُ: اُكْتُبْ)، وَعَلَى هَذَا تَكُونُ الأَوَّلِيَّةُ فِي الحَدِيثِ بِاعْتِبَارِ خَلْقِ القَلَمِ، وَلَيسِ لِعُمُومِ الخَلْقِ.","vol":"2","page":370},{"text":"كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المُطَفِّفِين: ٥ - ٦].\n٢ - قِيَامِ الأَشْهَادِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لِلرُّسُلِ وَعَلَى الأُمَمِ.\nكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غَافِر: ٥١].\n٣ - قِيَامِ العَدْلِ.\nكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٤٧].\n- (ابْنُ الدَّيلَمِيِّ): هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ فَيرُوز الدَّيلَمِيُّ؛ ثِقَةٌ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَأَبُوهُ فَيرُوزُ هُوَ قَاتِلُ الأَسْوَدِ العَنَسِيِّ الكَذَّابِ.\n- قَولُهُ: (وَلَو مِتَّ عَلَى غَيرِ هَذَا؛ لَكُنْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ): جَزَمَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ﵁ بِأَنَّهُ إِذَا مَاتَ عَلَى غَيرِ هَذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؛ لَأَنَّ مَنْ أَنْكَرَ القَدَرَ فَهُوَ كَافِرٌ، وَالكَافِرُ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أهْلُهَا المُخَلَّدُونَ فِيهَا.\nوَلَكِنْ هَلْ هَذَا الدَّوَاءُ يُفِيدُ مَنْ أَشْكَلَ عَلَيهِ أَمْرُ القَدَرِ؟\nالجَوَابُ: نَعَمْ يُفِيدُ، وَالإِفَادَةُ هِي مِنْ جِهَتَينِ:\n١ - أَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ بِاللهِ إِذَا عَلِمَ أَنَّ مُنْتَهَى مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالقَدَرِ -عَلَى نَحْوِ مَا وُصِفَ- هُوَ هَذَا؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يَرْتَدِعَ، وَلَا بُدَّ أَنْ يُؤْمِنَ بِالقَدَرِ عَلَى مَا جَاءَ فِي كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ، وَإِذَا نُسِبَ الأَمْرُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ؛ زَالَتِ الشُّبْهَةُ تَمَامًا، لَكِنْ تَزُولُ عَنِ المُؤْمِنِ، أَمَّا غَيرُ المَؤْمِنِ فَلَا تَنْفَعُهُ؛ فَاللهُ ﷿ يَقُولُ: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يُونُس: ١٠١] (^١).\n_________\n(^١) القَولُ المُفِيدُ (٢/ ٤٣٣).","vol":"2","page":371},{"text":"٢ - أَنَّ أَمْرَ القَدَرِ هُوَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ ﷾، وَاللهُ تَعَالَى لَا نَعْلَمُ عَنْهُ إِلَّا وُفْقَ مَا أَخْبَرَ بِهِ؛ وَعَلَيهِ فَلَا يَلْزَمُ حُصُولُ اسْتِشْكَالٍ عَلَى شَيءٍ فِيهِ؛ فَالإِيمَانُ هُنَا هُوَ تَعَلُّمٌ وَلَيسَ فَهْمٌ!\n- فِي حَدِيثِ ابْنِ الدَّيلَمِيِّ بَيَانُ جَوَازِ سُؤَالِ أَكْثَرِ مِنْ عَالِمٍ لِلتَّثَبُّتِ، أَمَّا سُؤَالُ أَكْثَرِ مِنْ عَالِمٍ لِتَتَبُّعِ الرُّخَصِ! فَهَذَا لَا يَجُوزُ.\nقَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ ﵀: \"وَمَنْ تَتَبَّعَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ العُلَمَاءُ وَأَخَذَ بِالرُّخَصِ مِنْ أَقَاوِيلِهِم تَزَنْدَقَ، أَو كَادَ\" (^١).\n- قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ﵁ فِي حَدِيثِ ابْنِ الدَّيلَمِيِّ-وَاللَّفْظُ لِأَحْمَدَ-: (لَو أَنَّ اللهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ؛ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَو رَحِمَهُمْ؛ كَانَتْ رَحْمَتُهُ لَهُمْ خَيرًا مِنْ أَعْمَالِهِمْ) (^٢)، وَالمَعْنَى أَنَّ أَهْلَ السَّمَوَاتِ وَأَهْلَ الأَرْضِ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَقُومُوا بِحُقُوقِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا الوَاجِبَةِ لَهُ؛ فَلَو عَذَّبَهُم لَعَذَّبَهُم عَلَى تَرْكِ الحَقِّ، وَلَو رَحِمَهُم لَكَانَتْ رَحْمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ اسْتِحْقَاقِهِم لَهَا، فَاللهُ تَعَالَى جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ حَقًا لَهُم؛ وَلَكِنَّهُ حَقُّ تَفَضُّلٍ وَلَيسَ حَقَ مُقَابَلَةٍ (^٣).\n- قَولُ المُصِنِّفِ ﵀ فِي المَسَائِلِ: (بَيَانُ كَيفِيَّةِ الإِيمَانِ): أَي: بِالقَدَرِ، وَهُوَ أَنْ تُؤْمِنَ بِأَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ.\n_________\n(^١) إِغَاثَةُ اللهْفَانِ (١/ ٢٢٨).\n(^٢) أَحْمَدُ (٢١٦١١) عَنْهُ مَرْفُوعًا، وَصَحَّحَهُ الشَّيخُ شُعَيبُ الأَرْنَؤُوط فِي تَحْقِيقِ المُسْنَدِ.\n(^٣) كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى عَنْ جَزَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾ [النَّبَأ: ٣٦].\nوَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النِّسَاء: ١٧٣].","vol":"2","page":372},{"text":"- مَرَاتِبُ الإِيمَانِ بِالقَدَرِ:\n١ - العِلْمُ.\nوَذَلِكَ بِأَنْ تُؤْمِنَ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى عَلِمَ كُلَّ شَيءٍ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا؛ فَعَلِمَ مَا كَانَ وَمَا سَيَكُونُ (^١).\n٢ - الكِتَابَةُ.\nوَذَلِكَ بِأَنْ تُؤْمِنَ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى كَتَبَ عِنْدَهُ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيءٍ مُنْذُ خَلَقَ القَلَمَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ (^٢).\nوَدَلِيلُ المَرْتَبَتَينِ السَّابِقَتَينِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأَنْعَام: ٥٩]،\n_________\n(^١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: \"وَأَمَّا مَنْ أَنْكَرَ العِلْمَ القَدِيمَ؛ فَنَصَّ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ عَلَى تَكْفِيرِهِ، وَكَذَلِكَ غَيرُهُمَا مِنْ أَئِمَّةِ الإِسْلَامِ\". جَامِعُ العُلومِ وَالحِكَمِ (١/ ١٠٤).\n(^٢) وَتَأَمَّلْ كَيفَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الأُمُورِ قَبْلَ وُقُوعِهَا، كَإِخْبَارِهِ بِهَزِيمَةِ الفُرْسِ أَمَامَ الرُّومِ فِي بِضْعِ سِنِينَ، وَكَإِخْبَارِهِ عَنْ قَولِ المُنَافِقِينَ المُسْتَهْزِئِينَ وَمَا كَانَ جَوَابُهُم، وَغَيرُهُ كَثِيرٌ، وَكُلُّ ذَلِكَ فِي القُرْآنِ وَهُوَ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّوحِ المَحْفُوظِ؛ مَكْتُوبٌ مِنْ قَبْلِ تَنْزِيلِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الوَاقِعَة: ٧٧ - ٧٨].\nوَفِي الأَثَرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁؛ قَالَ: (فُصِلَ الْقُرْآنُ مِنَ الذِّكْرِ؛ فَوُضِعَ فِي بَيتِ الْعِزَّةِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَجَعَلَ جِبْرِيلُ ﵇ يُنْزِلُهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَيُرَتِّلُهُ تَرْتِيلًا). رَوَاهُ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ (٢٨٨١) وَصَحَّحَهُ، وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ. وَحُكْمُهُ الرَّفْعُ بِلَا شَكٍّ كَمَا أَفَادَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀. انْظُرْ أَشْرِطَةَ فَتَاوَى سِلْسِلَةِ الهُدَى وَالنُّورِ (شَرِيط: ٤١٠).","vol":"2","page":373},{"text":"وَأَيضًا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحَجّ: ٧٠] (^١).\n٣ - المَشِيئَةُ.\nوَذَلِكَ بِأَنْ تُؤْمِنَ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَكُونُ مِنْ شَيءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا بِإِرَادَتِهِ تَعَالَى، فَلَا يَكُونُ فِي مُلْكِهِ مَا لَا يُرِيدُ أَبَدًا! سَوَاءً كَانَ ذَلِكَ فِيمَا يَفْعَلُهُ بِنَفْسِهِ أَو مَا يِفْعَلُهُ المَخْلُوقُ.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يَس: ٨٢]،\nوَأَيضًا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأَنْعَام: ١١٢]،\nوَأَيضًا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [البَقَرَة: ٢٥٣].\n٤ - الخَلْقُ.\nوَذَلِكَ بِأَنْ تُؤْمِنَ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى مَا مِنْ شَيءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا هُوَ خَالِقُهُ وَمَالِكُهُ وَمُدَبِّرُهُ وَذُو سُلْطَانِهِ.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ﴾ [الزُّمَر: ٦٢] (^٢).\n_________\n(^١) وَهَاتَانِ المَرْتَبَتَانِ سَابِقَتَانِ لِوُقُوعِ الأَمْرِ، وَإِنْكَارُهُمَا مُنَافٍ لِأَصْلِ التَّوحِيدِ. قَالَهُ الشَّيخُ صَالِحُ آلِ الشَّيخِ حَفِظَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ (التَّمْهِيدُ) (ص ٥٥١).\n(^٢) وَهَاتَانِ المَرْتَبَتَانِ الأَخِيرَتَانِ مُقَارِنَتَانِ لِوُقُوعِ الأَمْرِ، وَإِنْكَارُهُمَا مُنَافٍ لِكَمَالِ التَّوحِيدِ الوَاجِبِ. قَالَهُ الشَّيخُ صَالِحُ آلِ الشَّيخِ حَفِظَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ (التَّمْهِيدُ) (ص ٥٥١).\nقُلْتُ: وَوَجْهُ عَدَمِ كَونِ إِنْكَارِهِمَا مُنَافٍ لِأَصْلِ التَّوحِيدِ هُوَ أَنَّهُم لَا يُصَرِّحُونَ بِوُجُودِ خَالِقٍ مَعَ اللهِ تَعَالَى، فَهُمْ يَنْفُونَ أَنْ تَكُونَ المَعَاصِي وَاقِعَةً بِمَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى، وَهَذَا مِنْ بَابِ حُسْنِ ظَنِّهِم بِاللهِ تَعَالَى -بِحَسْبِ زَعْمِهِم-، وَلَكِنَّهُم أَخْطَأُوا وَوَقَعُوا فِي الضَّلَالِ المُبِينِ. مُسْتَفَادٌ مِنْ شَرْحِ الشَّيخِ الغُنَيمَانِ حَفِظَهُ اللهُ عَلَى كِتَابِ (فَتْحُ المَجِيدِ)، شَرِيطُ رَقَم (١٢٧) فِي شَرْحُ البَابِ.","vol":"2","page":374},{"text":"- اللهُ تَعَالَى خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ، وَهَذَا العُمُومُ لَا مُخَصِّصَ لَهُ، حَتَّى فِعْلَ المَخْلُوقِ مَخْلُوقٌ للهِ تَعَالَى، لِأَنّ فِعْلَ المَخْلُوقِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ، وَهُو وَصِفَاتُهُ مَخْلُوقَانِ، وَلِأَنَّ فِعْلَهُ نَاتِجٌ عَنْ إِرَادَةٍ وَقُدْرَةٍ، وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي خَلَقَ فِي الإِنْسَانِ الإِرَادَةَ الجَازِمَةَ وَالقُدْرَةَ التَّامَّةَ.\nفَفِعْلُ العَبْدِ مُرْتَبِطٌ بِشَيئَينِ:\n١ - خَلْقٍ: وَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِاللهِ تَعَالَى.\n٢ - مُبَاشَرَةٍ: وَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِالعَبْدِ وَيُنْسَبُ إِلَيهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الوَاقِعَة: ٢٤]، وَقَالَ تَعَالَى أَيضًا: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النَّحْل: ٣٢]، وَلَولَا نِسْبَةُ الفِعْلِ إِلَى العَبْدِ مَا كَانَ لِلثَّنَاءِ عَلَى المُؤْمِنِ المُطِيعِ وَإِثَابَتِهِ وَجْهٌ وَلَا فَائِدَةٌ! وَكَذَلِكَ عُقُوبَةُ العَاصِي وَتَوبِيخُهُ.\n- أَنْوَاعُ التَّقْدِيرَاتِ (الكِتَابَةِ):\n١ - التَّقْدِيرُ العَامُّ فِي اللَّوحِ المَحْفُوظِ.\nكَمَا فِي الحَدِيثِ: «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَعَرْشُهُ عَلَى المَاءِ» (^١) (^٢).\n_________\n(^١) مُسْلِمٌ (٢٦٥٣) عَنِ ابْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا.\n(^٢) وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأَنْعَام: ٣٨]، قَالَ البَغَوِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٣/ ١٤٢): \"هُوَ اللَّوحُ المَحْفُوظُ\".","vol":"2","page":375},{"text":"٢ - التَّقْدِيرُ العُمُرِيُّ.\nكَمَا فِي الحَدِيثِ: «إنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَومًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إلَيهِ المَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَمْ سَعِيدٍ. فَوَ اللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيرُهُ إنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَينَهُ وَبَينَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ؛ فَيَسْبِقُ عَلَيهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا. وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَينَهُ وَبَينَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ؛ فَيَسْبِقُ عَلَيهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا» (^١).\n٣ - التَّقْدِيرُ الحَولِيُّ.\nوَهُوَ الَّذِي يَكُونُ فِي لَيلَةِ القَدْرِ؛ فَيُكْتَبُ فِيهَا مَا يَكُونُ فِي السَّنَةِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدُّخَان: ٤].\n٤ - التَّقْدِيرُ اليَومِيُّ.\nكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرَّحْمَن: ٢٩] (^٢).\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٣٣٣٢)، وَمُسْلِمٌ (٢٦٤٣) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا.\n(^٢) مُلَاحَظَةٌ: ذَكَرَ ابْنُ القَيِّمِ ﵀ نَوعًا آخَرَ بَعْدَ الأَوَّلِ وَهُوَ التَّقْدِيرُ قَبْلَ خَلْقِ العِبَادِ، وَهُوَ مِنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٧٢].","vol":"2","page":376},{"text":"- مِنْ فَوَائِدِ الإِيمَانِ بِالقَدَرِ:\n١ - أَنَّهُ مِنْ تَمَامِ تَوحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ.\n٢ - يُوجِبُ صِدْقَ الاعْتِمَادِ عَلَى اللهِ ﷿، لِأَنَّك إِذَا عَلِمْتَ أَنَّ كُلَّ شَيءٍ بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ صَدَقَ اعْتِمَادُكَ عَلَى اللهِ.\n٣ - أَنَّهُ يُوجِبُ لِلقَلْبِ الطُّمَأْنِينَةَ، حَيثُ تَعْلَمُ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ.\n٤ - مَنْعُ إِعْجَابِ المَرْءِ بِعَمَلِهِ إَذَا عَمِلَ عَمَلًا يُشْكَرُ عَلَيهِ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي مَنَّ عَلَيهِ وَقَدَّرَهُ لَهُ.\n٥ - عَدَمُ حُزْنِهِ عَلَى مَا أَصَابَهُ، لِأَنَّه مِنْ رَبِّهِ؛ فَهُوَ صَادِرٌ عَنْ عِلْمٍ وَرَحْمَةٍ وَحِكْمَةٍ (^١).\nقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحَدِيد: ٢٢ - ٢٣] (^٢).\n_________\n(^١) وَفي الحَدِيثِ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ؛ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ؛ أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانُ بِاللَّهِ وَتَصْدِيقٌ بِهِ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ»، قَالَ: أُرِيدُ أَهْوَنَ مِنْ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «السَّمَاحَةُ وَالصَّبْرُ». قَالَ: أُرِيدُ أَهْوَنَ مِنْ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «لَا تَتَّهِمِ اللهَ ﵎ فِي شَيءٍ قَضَى لَكَ بِهِ». صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٢٧١٧) عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٣٣٣٤).\n(^٢) أَي: فَرَحَ بَطَرٍ وَإِعْجَابٍ بِالنَّفْسِ.","vol":"2","page":377},{"text":"- أَنْوَاعُ القَدَرِيَّةِ -مِمَّنْ نُصَّ عَلَيهِم-:\n\"القَدَرِيَّةُ المَذْمُومُونَ فِي السُّنَّةِ وَعَلَى لِسَانِ السَّلَفِ هُمْ هَؤُلَاءِ الفِرَقُ الثَّلَاثُ:\n١ - نُفَاتُهُ: وُهُمُ القَدَرِيَّةُ المَجُوسِيَّةُ.\n٢ - وَالمُعَارِضُونَ بِهِ لِلشَّرِيعَةِ الَّذِينَ قَالُوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأَنْعَام: ١٤٨] وَهُمُ القَدَرِيَّةُ الشِّرْكِيَّةُ.\n٣ - وَالمُخَاصِمُونَ بِهِ لِلرَّبِّ سُبْحَانَهُ، وَهُمْ أَعْدَاءُ اللهِ وَخُصُومُهُ، وَهُمُ القَدَرِيَّةُ الإِبْلِيسِيَّةُ، وَشَيخُهُم إِبْلِيسُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنِ احْتَجَّ عَلَى اللهِ بِالقَدَرِ فَقَالَ: ﴿بِمَا أَغْوَيتَنِي﴾ [الحِجْر: ٣٩] \" (^١) (^٢).\n- فَائِدَة ١: لَا يَجُوزُ الخَوضُ فِي مَسَائِلِ القَدَرِ إِلَّا بِقَدْرِ ذِكْرِ مَا جَاءَ فِيهَا مِنَ الشَّرْعِ وَلَو حَسُنَتْ نِيَّةُ الخَائِضِ، فَقَدْ جَاءَ فِي الحَدِيثِ النَّهْيُ عَنِ التَّوَسُّعِ والتَّعَمُّقِ فِيهِ (^٣)، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا، وَإِذَا ذُكِرَتِ النُّجُومُ فأَمْسِكُوا، وَإِذَا ذُكِرَ القَدَرُ فأمْسِكُوا» (^٤).\nوَأَيضًا فِي الحَدِيثِ: «لَا يَزَالُ أَمْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ مُوَاتِيًا -أَو مُقَارِبًا- مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا فِي الوِلْدَانِ وَالقَدَرِ» (^٥).\n_________\n(^١) طَرِيقُ الهِجْرَتَينِ لِابْنِ القَيِّمِ (ص ٨٦).\n(^٢) مَقْصُودُ ابْنِ القَيِّمِ هُوَ مَن نُصَّ عَلَيهِ، وَإِلَّا فَالجَبْرِيَّةُ أَيضًا يُوصَوفُون بِأَنَّهُم قَدَرِيَّةٌ أَيضًا! إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُنَصَّ عَلَيهِم. يُنْظَرُ: (جَامِعُ المَسَائِلِ لِابْنِ تَيمِيَّةَ - المَجْمُوعَةُ السَّابِعَةُ) (١/ ٣٨٣).\n(^٣) انْظُرْ تَعْلِيقَ الشَّيخِ الأَلبَانيِّ ﵀ عَلَى مَتْنِ الطَّحَاوِيَّةِ (ص ٤٢).\n(^٤) صَحِيحٌ. الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ (١٠/ ١٩٨) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٣٤).\n(^٥) صَحِيحٌ. ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ (٦٧٢٤) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (١٥١٥).\nوَالمَقْصُودُ بِالكَلَامِ عَلَى الوِلْدَانِ: وِلْدَانُ المُشْرِكِينَ، وَهُوَ الخَوضُ فِي كَونِهِم مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ أَوِ النَّارِ لِمَنْ مَاتَ مِنْهُم قَبْلَ البُلُوغِ، وَأَيضًا الخَوضُ فِي ذَلِكَ بِلَا دَلِيلٍ.","vol":"2","page":378},{"text":"- فَائِدَة ٢: قُلْتُ: القَدَرُ أَصْلًا الكَلَامُ فِيهِ بِغَيرِ مَا أَثْبَتَهُ الشَّرْعُ هُوَ مَوضُعِ امْتِحَانٍ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ: «إِذَا ذُكِرَ القَدَرُ فأمْسِكُوا»، وَلِحَدِيثِ الإِيمَانِ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ، وَلِحَدِيثِ: «القَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ» (^١)، وَلِحَدِيثِ اسْتِشْكَالِ الأَعْرَابِيِّ بِقَولِهِ: (فَفِيمَ العَمَلُ؟!) (^٢).\nفَكُلُّ ذَلِكَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ القَدَرَ أَصْلُ عَرْضِهِ مُشْكِلٌ لِلبَشَرِ فِي عُقُولِهِم، لِذَلِكَ كَانَ المَطْلُوبُ هُوَ التَّسْلِيمُ بِهِ وُفْقَ مَا دَلَّتْ عَلَيهِ الشَّرِيعَةُ.\n- فَائِدَة ٣: لَقَدْ جَاءَ الإِرْشَادُ النَّبَوُيُّ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالقَدَرِ عَلَى عِدَّةِ جَوَانِبَ مَأْمُورٍ بِهَا، وَهِيَ وَاجِبُنَا فِي مَسَائِلِ القَدَرِ:\n١ - الأَمْرُ بِإِثْبَاتِ القَدَرِ؛ خَيرِهِ وَشَرِّهِ.\n٢ - عَدَمُ التَّعَمُّقِ فِيهِ، وَتَرْكُ الخَوضَ فِيمَا لَا يَشْهَدُ لَهُ النَّصُّ (^٣).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٦٩١) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٤٤٤٢).\n(^٢) وَهُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٢٦٤٨) عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ بْنِ جُعْشُمٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ بَيِّنْ لَنَا دِينَنَا كَأَنَّا خُلِقْنَا الآنَ، فِيمَ العَمَلُ اليَومَ؟ أَفِيمَا جَفَّتْ بِهِ الأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ المَقَادِيرُ أَمْ فِيمَا نَسْتَقْبِلُ؟ قَالَ: «لَا؛ بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ المَقَادِيرُ». قَالَ: فَفِيمَ العَمَلُ؟! قَالَ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ».\n(^٣) وَفِي الحَدِيثِ: خَرَجَ عَلَينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ -وَنَحْنُ نَتَنَازَعُ فِي القَدَرِ- فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ؛ حَتَّى كَأَنَّمَا فُقِئَ فِي وَجْنَتَيهِ الرُّمَّانُ! فَقَالَ: «أَبِهَذَا أُمِرْتُمْ؟! أَمْ بِهَذَا أُرْسِلْتُ إِلَيكُمْ؟! إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حِينَ تَنَازَعُوا فِي هَذَا الأَمْرِ، عَزَمْتُ عَلَيكُمْ أَلاَّ تَتَنَازَعُوا فِيهِ». حَسَنٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢١٣٣) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ التِّرْمِذِيِّ (٢١٣٣).","vol":"2","page":379},{"text":"٣ - الأَمْرُ بِالعَمَلِ وَعَدَمِ الاتِّكَالِ عَلَى مَا سَبَقَ فِي القَدَرِ.\n٤ - جَعْلُ دُخُولِ الجَنَّةِ مُرَتَّبًا عَلَى العَمَلِ.\n٥ - جَعْلُ الاحْتِجَاجِ بِالقَدَرِ عَلَى المَعْصِيَةِ مِنْ قَولِ الكُفَّارِ.\n٦ - جَوَازُ الاحْتِجَاجِ بِالقَدَرِ عَلَى المَصَائِبِ، كَمَا فِي سُورَةِ التَّغَابُنِ وَسُورَةِ الحَدِيدِ (^١)، وَكَمَا فِي حَدِيثِ: «وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ» (^٢).\n- فَائِدَة ٤: فِي الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «كُلُّ شَيءٍ بِقَدَرٍ؛ حَتَّى العَجْزِ وَالكَيسِ» (^٣)، وَعَلَيهِ فَإِنَّهُ لَا يُلَامُ العَاجِزُ؛ وَإِنَّمَا المُقَصِّرُ.\nوَالمَعْنَى أَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ لِهُ طَاقَتُهُ وَقُدْرَتُهُ الَّتِي تُنَاسِبُهُ؛ فَمَنْ رَامَ تَكْلِيفَهُ مَا لَا يُطِيقُ -وَإِنْ كَانَ غَيرُهُ يُطِيقُهُ- فَعَجَزَ عَنْهُ وَقَصُرَ؛ فَإِنَّهُ لَا يُلَامُ! وَإِنَّمَا يُلَامُ الَّذِي كَلَّفَهُ أَكْثَرَ مِنْ طَاقَتِهِ، وَمَفَادُ ذَلِكَ أَنَّ العَجْزَ وَالضَّعْفَ كَمَا أَنَّهُ يَكُونُ فِي الخَلْقِ وَالقُوَّةِ وَالطُّولِ وَمَا أَشْبَهَهُ؛ فَهُوَ أَيضًا يَكُونُ فِي الفِكْرِ وَالنَّظَرِ وَالحِفْظِ وَالاجْتِهَادِ؛ فَكُلُّهُ مُقَدَّرٌ مِنْهُ سُبْحَانَهُ، وَتَبَارَكَ اللهُ رَبُّنَا القَائِلُ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البَقَرَة: ٢٨٦].\n- فَائِدَة ٥: الأَجَلُ وَالرِّزْقُ بِقَدَرٍ؛ مَقَادِيرُهُا وَأَسْبَابُهَا -حَلَالًا كَانَتْ أَوْ حَرَامًا-.\nقَالَ الإِمَامُ أَبُو الحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ ﵀: \"وَأَنَّ مَنْ مَاتَ مَاتَ بِأَجَلِهِ، وَكَذَلِكَ\n_________\n(^١) أَمَّا الأُولَى؛ فَهِيَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ [التَّغَابُن: ١١].\nوَأَمَّا الثَّانِيَةُ؛ فَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحَدِيد: ٢٢].\n(^٢) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢٦٦٤) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.\n(^٣) مُسْلِم (٢٦٥٥).","vol":"2","page":380},{"text":"مَنْ قُتِلَ قُتِلَ بِأَجَلِهِ، وَأَنَّ الأَرْزَاقَ مِنْ قِبَلِ اللهِ سُبْحَانَهُ؛ يَرْزُقُهَا عِبَادَهُ -حَلَالًا كَانَتْ أَمْ حَرَامًا\" (^١).\n- فَائِدَة ٦: مُنَاقَشَةٌ حَولَ أَوَّلِ خَلْقِ اللهِ؛ بَينَ القَلَمِ وَالعَرْشِ\nقَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀: \"وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ خِلَافُهُ، وَأَنَّ القَلَمَ لَيسَ أَوَّلَ مَخْلُوقَاتِ اللهِ! لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ البُخَاريِّ: «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى المَاءِ» (^٢) وَهَذَا وَاضِحٌ فِي التَّرْتِيبِ، وَلِهَذَا كَانَ الصَّوَابُ بِلَا شَكٍّ أَنَّ خَلْقَ القَلَمِ بَعْدَ خَلْقِ العَرْشِ\" (^٣).\nوَفِي المَنْظُومَةِ النُّونِيَّةِ لِابْنِ القَيِّمِ ﵀:\n\"وَالنَّاسُ مُخْتَلِفُونَ فِي القَلَمِ الَّذِي … كُتِبَ القَضَاءُ بِهِ مِنَ الدَّيَّانِ\nهلْ كَانَ قَبْلَ العَرْشِ أَو هُوَ بَعْدَهُ … قَولَانِ عِنْدَ أَبِي العَلَا الهَمَذَانِي\nوَالحَقُّ أنَ العرْشَ قَبْلُ لأَنَّهُ … قَبْلَ الكِتَابَةِ كَانَ ذَا أرْكَانِ\".\nقُلْتُ: عَلَى هَذَا التَّوجِيهِ صَحِيحٌ أَنَّ العَرْشَ يَكُونُ سَابِقًا لِلقَلَمِ، وَلَكِنَّهُ لَا يَعْنِي أَنَّهُ سَبْقٌ مُطْلَقٌ؛ بِأَنْ يَكُونَ هُوَ أَوَّلُ مَخْلُوقٍ مُطْلَقًا!\nوَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ تَحْتَ حَدِيثِ «إِنَّ أَوَّلَ شَيءٍ خَلَقَهُ اللهُ تَعَالَى القَلَمُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَكْتُبَ كُلَّ شَيءٍ يَكُونُ»: \"فِي الحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى رَدِّ\n_________\n(^١) مَقَالَاتُ الإِسْلَامِييَن (١/ ٢٢٩).\n(^٢) مُسْلِمٌ (٢٦٥٣) عَنِ ابْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا.\n(^٣) القَولُ المُفِيدُ (٢/ ٤٣١).","vol":"2","page":381},{"text":"مَا يَتَنَاقَلُهُ النَّاسُ -حَتَّى صَارَ ذَلِكَ عَقِيدَةً رَاسِخَةً فِي قُلُوبِ كَثِيرٍ مِنْهُم- وَهُوَ أَنَّ النُّورَ المُحَمَّدِيَّ هُوَ أَولُ مَا خَلَقَ اللهُ ﵎! وَلَيسَ لِذَلِكَ أَسَاسٌ مِنَ الصِّحَّةِ، وَحَدِيثُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ غَيرُ مَعْرُوفٍ إِسْنَادُهُ، وَلَعَلَّنَا نُفْرِدُهُ بِالكَلَامِ في الأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.\nوَفِيهِ رَدُّ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ العَرْشَ هُوَ أَوَّلُ مَخْلُوقٍ! وَلَا نَصَّ فِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﵌، وَإِنَّمَا يَقُولُ بِهِ مَنْ قَالَهُ كَابْنِ تَيمِيَّةَ وَغَيرِهِ اسْتِنْبَاطًا وَاجْتِهَادًا، فَالأَخْذُ بِهَذَا الحَدِيثِ -وَفِي مَعْنَاهُ أَحَادِيثُ أُخْرَى- أَولَى لِأَنَّهُ نَصٌّ فِي المَسْأَلَةِ، وَلَا اجْتِهَادَ فِي مَورِدِ النَّصِّ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ.\nوَتَأْويلُهُ بِأَنَّ القَلَمَ مَخْلُوقٌ بَعْدَ العَرْشِ بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ يَصِحُّ مِثْلُ هَذَا التَّأْويلِ لَو كَانَ هُنَاكَ نَصٌّ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ العَرْشَ أَوَّلُ المَخْلُوقَاتِ كُلِّهَا -وَمِنْهَا القَلَمُ-، أَمَا وَمِثْلُ هَذَا النَّصِّ مَفْقُودٌ، فَلَا يَجُوزُ هَذَا التَّأْوِيلُ\" (^١).\nقُلْتُ: وَعَلَى هَذَا الكَلَامِ الأَخِيرِ تَكُونُ جُمْلَةُ «وَعَرْشُهُ عَلَى المَاءِ» اسْتِئْنَافِيَّةً، فِيهَا عَطْفُ إِخْبَارٍ وَلَيسَ عَطْفُ زَمَانٍ.\nوَهَذَا لَهُ نَظَائِرُ فِي اللُّغَةِ، وَمِنْهُ قَولُ اللهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ السَّجْدَةِ: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السَّجْدَة: ٧ - ٩]، فَهُنَا أَخَّرَ ذِكْرَ نَفْخِ الرُّوحِ مَعَ أَنَّهُ بَينَهُمَا؛ لِأَجْلِ أَنْ يَتَنَاسَبَ ذِكْرُ الأَطْوَارِ الَّتِي يَمُرُّ بِهَا الإِنْسَانُ فِي تَكْوِينِهِ، وَهِيَ الطَّينُ ثُمَّ المَاءُ. وَاللهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.\n_________\n(^١) الصَّحِيحَةُ (١٣٣).","vol":"2","page":382},{"text":"- فَائِدَة ٧: فِي بَيَانِ وَجْهِ كَونِ القَدَرِيَّةِ مَجُوسًا!\nقَالَ البَيهَقِيُّ ﵀: \"إِنَّمَا سَمَّاهُمْ مَجُوسًا لِمُضَاهَاةِ بَعْضِ مَا يَذْهَبُونَ إِلَيهِ مَذَاهِبَ المَجُوسِ فِي قَولِهِمْ بِالأَصْلَينِ وَهُمَا النُّورُ وَالظُّلْمَةُ، يَزْعُمُونَ أَنَّ الخَيرَ مِنْ فِعْلِ النُّورِ وَأَنَّ الشَّرَّ مِنْ فِعْلِ الظُّلْمَةِ! فَصَارُوا ثَنَوِيَّةً، كَذَلِكَ القَدَرِيَّةُ يُضِيفُونَ الخَيرَ إِلَى اللهِ وَالشَّرَّ إِلَى غَيرِهِ! وَاللَّهُ تَعَالَى خَالِقُ الخَيرِ وَالشَّرِّ، وَالأَمْرَانِ مَعًا مُضَافَانِ إِلَيهِ خَلْقًا وَإِيجَادًا، وَإِلَى الفَاعِلِينَ لَهُمَا مِنْ عِبَادِهِ فِعْلًا وَاكْتِسَابًا. هَذَا قَولُ أَبِي سُلَيمَانَ الخَطَابِيِّ ﵀\" (^١).\nقُلْتُ: وَهُمْ فِي الحَقِيقةِ فَاقُوا المَجُوسَ فِي هَذِهِ البِدْعَةِ لِأَنَّهُم أَثْبَتُوا خَالِقِينَ كُثُرَ بِعَدَدِ الفَاعِلِينَ مِنَ المَخْلُوقَاتِ!\n_________\n(^١) السُّنَنُ الكُبْرَى (١٠/ ٣٤٩).","vol":"2","page":383},{"text":"<span data-type='title' id=toc-418>المُلْحَقُ التَّاسِعُ عَلَى كِتَابِ التَّوحِيدِ: مَسَائِلُ فِي الإِيمَانِ بِالقَدَرِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-419> المَسْأَلَةُ الأُولَى: هَلْ مِنْ مَعْنَى الإِيمَانِ بِالقَدَرِ تَرْكُ العَمَلِ وَالاتِّكَالُ عَلَى مَا كُتِبَ فِي اللَّوحِ المَحْفُوظِ؟ وَهَلْ فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ لِلعَاصِي عَلَى مَعْصِيَتِهِ؟</span>\nالجَوَابُ: لَا، وَذَلِكَ لِسَبَبَينِ:\n١ - دَلِيلٌ أَثَرِيٌ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِالعَمَلِ رُغْمَ وُجُودِ الكِتَابَةِ وَفِي نَفْسِ الحَدِيثِ.\nوَهُوَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁؛ قَالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الغَرْقَدِ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَولَهُ وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ (^١)، ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، وَمَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلَّا قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَو سَعِيدَةً»، قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ العَمَلَ؛ فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ؟ قَالَ: «أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ؛ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ؛ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاءِ» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ الآيَةَ [اللَّيل: ٥ - ٧]. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^٢).\nفَالحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي الأَمْرِ بِالعَمَلِ رُغْمَ وُجُودِ الكِتَابَةِ، وَلَكِنْ يَكُونُ العَمَلُ\n_________\n(^١) المِخْصَرَةُ: مَا يُتَوَكَّأُ عَلَيهِ مِنْ عَصَا وَغَيرِهَا.\n(^٢) البُخَارِيُّ (٤٩٤٨)، وَمُسْلِمٌ (٢٦٤٧).","vol":"2","page":384},{"text":"نَفْسُهُ سَبَبًا لِلجَنَّةِ أَو لِلنَّارِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزُّخْرُف: ٧٢].\nوَأَيضًا فِي الحَدِيثِ عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «إِنَّ اللهَ ﷿ خَلَقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ، وَبِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ؛ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ». فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ فَفِيمَ العَمَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ ﷿ إِذَا خَلَقَ العَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيُدْخِلَهُ بِهِ الجَنَّةَ، وَإِذَا خَلَقَ العَبْدَ لِلنَّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ فَيُدْخِلَهُ بِهِ النَّارَ» (^١).\n٢ - دَلِيلٌ نَظَرِيٌّ: أَنَّهُ يُقَالُ لِهَذَا الرَّجُلِ العَاصِي: مَا الَّذِي أَعْلَمَكَ أَنَّ اللهَ كَتَبَكَ مُسِيئًا؟ هَلْ تَعْلَمُ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَعْمَلَ الإِسَاءَةَ؟ فَجَوَابُهُ حَتْمًا هُوَ النَّفْيُ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَقُولَ إِنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ اخْتَارَ ذَلِكَ.\nوَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى عَنِ المُشْرِكِينَ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأَنْعَام: ١٤٨ - ١٤٩]\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. سُنَنُ أَبِي دَاوُدَ (٤٧٠٣).\nقُلْتُ: وَجُمْلَةُ: «مَسْحِ الظَّهْرِ» ضَعَّفَهَا الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ قَدِيمًا؛ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى تَصْحِيحِهَا بَعْدَ أَنْ تَنَبَّهَ إِلَى شَوَاهِدَ لَهَا. تَخْرِيجُ الطَّحَاوِيَّةِ (ص ٢٦٦ - ط ٢).","vol":"2","page":385},{"text":"حَيثُ جَعَلَ تَعَالَى عَدَمَ عِلْمِهِم بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ حُجَّةً بِالِغَةً عَلَيهِم.\nوَقَالَ تَعَالَى أَيضًا عَنْهُم: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ٢٠] (^١).\n_________\n(^١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٧/ ٢٢٤): \" ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ أَي: بِصِحَّةِ مَا قَالُوهُ وَاحْتَجُّوا بِهِ، ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ أَي: يَكْذِبُونَ وَيَتَقَوَّلُونَ\".","vol":"2","page":386},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-420> المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَا الجَوَابُ عَنْ أَدِلَّةِ الفِرْقَتَينِ الضَّالَّتَينِ فِي مَسَائِلِ القَدَرِ؟</span>\nحَيثُ كَانَتْ أَدِلَّةُ الفِرْقَةِ الأُولَى (الجَبْرِيَّةِ) -بِإِيجَازٍ-:\nقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصَّافَّات: ٩٦] (^١).\nوَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا رَمَيتَ إِذْ رَمَيتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأَنْفَال: ١٧]، فَنَفَى اللهُ الرَّمْيَ عَنْ نَبِيِّهِ حِينَ رَمَى وَأَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ!\nوَكَانَتْ أَدِلَّةُ الفِرْقَةِ الثَّانِيَةِ (المُعْتَزِلَةِ القَدَرِيَّةِ) -بِإِيجَازٍ-:\nقَولُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عِمْرَان: ١٥٢]، وَكَقَولِهِ تَعَالَى أَيضًا: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التَّكْوِير: ٢٨]، وَكَقَولِهِ تَعَالَى أَيضًا: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فُصِّلَت: ٤٦] وَنَحْوِهَا مِنَ النُّصُوصِ القُرْآنِيَّةِ وَالنَّبَوِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ لِلعَبْدِ إِرَادَةً وَمَشِيئَةً خَاصَّةً بِهِ، وَأَنَّهُ هُوَ العَامِلُ الكَاسِبُ الرَّاكِعُ السَّاجِدُ وَنَحْو ذَلِكَ.\nوَقَالُوا أَيضًا: إِنَّ هَذَا فِيهِ نِسْبَةَ الفَحْشَاءِ -بِزَعْمِهِم- إِلَى اللهِ تَعَالَى! فَمَعْصِيَةُ العَبْدِ لَا يَجُوزُ أَنْ تُنْسَبَ إِلَيهِ تَعَالَى!\nالجَوَابُ عَلَى اسْتِدْلَالِ الفِرْقَةِ الأُولَى:\n١ - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ هُوَ حُجَّةُ عَلَيهِم، لِأَنَّهُ تَعَالَى أَضَافَ العَمَلَ إِلَيهِم، وَأَمَّا كَونُ اللهِ تَعَالَى خَالِقُهُ؛ فَلِأَنَّ عَمَلَ العَبْدِ حَاصِلٌ بِإِرَادَتِهِ الجَازِمَةِ وَقُدْرَتِهِ التَّامَّةِ، وَالإِرَادَةُ وَالقُدْرَةُ مَخْلُوقَتَانِ للهِ ﷿؛ فَكَانَ بِهِمَا الفِعْلُ مَخْلُوقًا أَيضًا للهِ تَعَالَى.\n_________\n(^١) وَهُوَ عَلَى تَوجِيهِ أَنَّ العَمَلَ هُنَا هُوَ صِفَةُ العَبْدِ القَائِمَةِ بِهِ؛ وَلَيسَ المَعْمُولَ؛ أَي: الأَصْنَامَ.","vol":"2","page":387},{"text":"٢ - وَأَمَّا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا رَمَيتَ إِذْ رَمَيتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيهِم أَيضًا؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَضَافَ الرَّمْيَ إِلَى نَبِيِّهِ ﷺ، لَكِنَّ الرَّمْيَ فِي الآيَةِ لَهُ مَعْنَيَانِ:\nأ- رَمْيُ الشَّيءِ المَرْمِيِّ؛ وَهُوَ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي أَضَافَهُ اللهُ إِلَيهِ.\nب- إِيصَالُ المَرْمِيِّ إِلَى أَعْيُنِ الكُفَّارِ الَّذِينَ رَمَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالتُّرَابِ يَومُ بَدْرٍ فَأَصَابَ عَينَ كُلِّ وَاحِدٍ مَنْهُم، وَهَذَا مِنْ فَعْلِ اللهِ، إِذْ لَيسَ بِمَقْدُورِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُوصِلَ التُّرَابَ إِلَى عَينِ كُلِّ وَاحِدٍ مَنْهُم (^١) (^٢).\n_________\n(^١) قَالَ الإِمَامُ البَيهَقِيُّ ﵀: \"بَابٌ: القَولُ فِي خَلْقِ الأَفْعَالِ، قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ﴾ [غافر: ٦٢] فَدَخَلَ فِيهِ الأَعْيَانُ وَالأَفْعَالُ مِنَ الخَيرِ وَالشَّرِّ\" ثُمَّ أَورَدَ مَجْمُوعَةً مِنَ الأَدِلَّةِ إِلَى أَنْ قَالَ: \"فَثَبَتَ أَنَّ الأَفْعَالَ كُلَّهَا -خَيرَهَا وَشَرَّهَا- صَادِرَةٌ عَنْ خَلْقِهِ وَإِحْدَاثِهِ إِيَّاهَا؛ وَلِأَنَّهُ قَالَ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيتَ إِذْ رَمَيتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأَنْفَال: ١٧]، وَقَالَ: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الوَاقِعَة: ٦٤] فَسَلَبَ عَنْهُمْ فِعْلَ القَتْلِ وَالرَّمْيِ وَالزَّرْعِ مَعَ مُبَاشَرَتِهِمْ إِيَّاهُ، وَأَثْبَتَ فِعْلَهَا لِنَفْسِهِ لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ المَعْنَى المُؤَثِّرَ فِي وُجُودِهَا بَعْدَ عَدَمِهَا هُوَ إِيجَادُهُ وَخَلْقُهُ، وَإِنَّمَا وُجِدَتْ مِنْ عِبَادِهِ مُبَاشَرَةُ تِلْكَ الأَفْعَالِ بِقُدْرَةٍ حَادِثَةٍ أَحْدَثَهَا خَالِقُنَا ﷿ عَلَى مَا أَرَادَ، فَهِيَ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ خَلْقٌ -عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي اخْتَرَعَهَا بِقُدْرَتِهِ القَدِيمَةِ- وَهِيَ مِنْ عِبَادِهِ كَسْبٌ -عَلَى مَعْنَى تَعَلُّقِ قُدْرَةٍ حَادِثَةٍ بِمُبَاشَرَتِهِمُ الَّتِي هِيَ أَكْسَابُهُمْ-\". الاعْتِقَادُ (ص ١٤٢).\n(^٢) قُلْتُ: وَمِنْ هَذَا البَابِ مَا يُتَنَاقَلُ عَلَى لِسَانِ العَامَّةِ فَضْلًا عَنِ الخَاصَّةِ مِنْ أَنَّهُم يَنْسِبُونَ أَفْعَالًا قَامَتْ بِالعِبَادِ إِلَى اللهِ تَعَالَى كَقَولِ المَرِيضِ: (شَفَانِي اللهُ تَعَالَى) بَعْدَ أَنْ يَكُونَ قَدْ تَعَاطَى عِلَاجَ الطَّبِيبِ، وَمِثْلُ أَنْ يَقُولَ: (أَعْطَانِي اللهُ هَذَا المَالَ) مَعَ أَنَّهُ وَرِثَهُ أَو كَسِبَهُ مِنْ عَمَلٍ أَو تِجَارَةٍ وَنَحْو ذَلِكَ، فَهَذَا كُلُّهُ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ فِي سِيَاقِ إِظْهَارِ نِعْمَةِ المُنْعِمِ بِذَلِكَ وَهُوَ اللهُ ﵎، وَلَا يَخْفَى أَنَّ عِلَاجَ الطَّبِيبِ إِنَّمَا أَخَذَ أَثَرَهُ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى، بَلْ طِبُّ الطَّبِيبِ إِنَّمَا كَانَ بِتَعْلِيمِ اللهِ تَعَالَى لَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النَّحْل: ٧٨]، وَأَيضًا هِبَةُ المَالِ أَو كَسْبُهُ فِي التِّجَارَةِ إِنَّمَا تَمَّ بِتَعْلِيمِ وَتَيسِيرِ اللهِ لِهَذَا المَالِ إَلَى أَنْ يَقَعَ فِي يَدِ ذَلِكَ التَّاجِرِ أَوِ الوَارِثِ أَوِ الكَاسِبِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النُّور: ٣٣].","vol":"2","page":388},{"text":"٣ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَبْطَلَ حُجَّةَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ اسْتَدَلُّوا بِالقَدَرِ عَلَى مَعَاصِيهِم وَزَعَمُوا أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي شَاءَ ذَلِكَ، بِمَعْنَى أَنَّهُم لَيسَ لَهُم اخْتِيَارٌ يُلَامُونَ عَلَيهِ! فَقَالَ تَعَالَى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأَنْعَام: ١٤٨].\n٤ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ لِلعَبْدِ مَشِيئَةً مُسْتَقِلَّةً -مِنْ جِهَةِ اخْتِيَارِهِ-، وَلَكِنَّهَا خَاضِعَةٌ لِمَشِيئَتِهِ تَعَالَى؛ فَلَا يَقَعُ إِلَّا مَا شَاءَهُ اللهُ تَعَالَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التَّكْوِير: ٢٨ - ٢٩] (^١).\n٥ - أَنَّ القَولَ بِسَلْبِ مَشِيئَةِ وَاخْتِيَارِ العَبْدِ يُبْطِلُ الثَّوَابَ وَالعِقَابَ! وَلَولَا نِسْبَةُ الفِعْلِ إِلَى العَبْدِ مَا كَانَ لِلثَّنَاءِ عَلَى المُؤْمِنِ المُطِيعِ وَإِثَابَتِهِ فَائِدَةٌ، وَكَذَلِكَ عُقُوبَةُ العَاصِي وَتَوبِيخُهُ، وَهَذَا قَادِحٌ فِي الإِيمَانِ بِاليَومِ الآخِرِ، وَقَادِحٌ فِي عَدْلِهِ تَعَالَى.\nبَلْ إِنَّهُ \"إِذَا كَانَ الْعُقَلَاءُ مُتَّفِقِينَ عَلَى أَنَّ حَقَّ الْمَخْلُوقِ لَا يَجُوزُ إسْقَاطُهُ احْتِجَاجًا بِالْقَدَرِ؛ فَكَيفَ يَجُوزُ إسْقَاطُ حَقِّ الْخَالِقِ احْتِجَاجًا بِالْقَدَرِ؟! وَهُوَ سُبْحَانَهُ الْحَكَمُ الْعَدْلُ الَّذِي لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْه أَجْرًا عَظِيمًا\" (^٢).\n_________\n(^١) وَفِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيهَا﴾ [الإسراء: ١٥] بَعْدَ قَولِه سُبْحَانَه: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ أَنَّ \"الأَفْعَالَ جَارِيَةٌ مِن فَاعِلِيهَا عَلَى مَا سَبَقَ مِن القَضَاءِ عَلَيهِم فِيهَا، وَإِنَّ مَن نَسَبَ الفِعْلَ إِلَيهِم وَالقَضَاءَ إِلَيهِ سُبْحَانَهُ؛ فَقَد قَالَ بِجَمِيعِ المَعْنَيَين وَاسْتَقَامَ قَولُهُ\". يُنْظَرُ: النُّكَتُ الدَّالَّةُ عَلَى البَيَانِ، لِلقَصَّابِ (٢/ ١٠٩).\n(^٢) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (١٤/ ٣١٤).","vol":"2","page":389},{"text":"وَفي الحَدِيثِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ ﵍ -بِنْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ لَهُمْ: «أَلَا تُصَلُّونَ؟» فَقَالَ عَلِيٌّ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللهِ؛ فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا. فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ قَالَ لَهُ ذَلِكَ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيهِ شَيئًا، ثُمَّ سَمِعَهُ -وَهُوَ مُدْبِرٌ يَضْرِبُ فَخِذَهُ- وَهُوَ يَقُولُ: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيءٍ جَدَلًا﴾ [الكَهْف: ٥٤] (^١).\n\"فِي هَذَا الحَدِيثِ بَيَانُ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي مُعَارَضَةُ الأَمْرِ بِالقَدَرِ، فَإِنَّ قَولَهُ: (إِنَّمَا نُفُوسُنَا بِيَدِ اللهِ) إِلَى آخِرِهِ، اسْتِنَادٌ إِلَى القَدَرِ فِي تَرْكِ امْتِثَالِ الأَمْرِ، وَهَذَا القَولُ فِي نَفْسِهِ حَقٌّ، وَلَكِنْ لَا يَصْلُحُ لِمُعَارَضَةِ الأَمْرِ، بَلْ مُعَارَضَةُ الأَمْرِ بِهَذَا مِنْ بَابِ الجَدَلِ المَذْمُومِ الَّذِي قَالَ اللهُ فِيهِ: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيءٍ جَدَلًا﴾، وَلِهَذَا انْصَرَفَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ كَارِهًا لِمَقَالَتِهِ، وَتَلَا قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيءٍ جَدَلًا﴾، وَضَرْبُهُ فَخِذَهُ يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ أَيضًا، وَتَعَجُّبِهِ مِنْ عَلِيٍّ كَيفَ يُعَارِضُ قَولَهُ لَهُ: «أَلَا تُصَلُّونَ؟» بِتِلْكَ المَقَالَةِ؟! وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ شَيءٍ بِمَشِيئَةِ اللهِ، فَلَو أَنَّ كُلَّ مَنْ أُمِرَ بِأَمْرٍ قَالَ: إِذَا شَاءَ اللهُ فَعَلْتُهُ وَإِذَا شَاءَ لَمْ أَفْعَلْهُ! لَتَعَطَّلَتِ الأَوَامِرُ كُلُّهَا، وَسَادَ هَوَى النُّفُوسِ\" (^٢).\nوَأَمَّا الجَوَابُ عَلَى اسْتِدْلَالِ الفِرْقَةِ الثَّانِيَةِ فَهُوَ:\n١ - أَنَّ إِثْبَاتِ مَشِيئَةِ العَبْدِ لَا يَعْنِي اسْتِقْلَالَهَا -مِنْ جِهَةِ الوُقُوعِ-! وَلَكِنَّهَا تَحْتَ مَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التَّكْوِير: ٢٨ - ٢٩].\n٢ - أَنَّ إِثْبَاتَ وُجُودِ شَيءٍ فِي الكَونِ بِغَيرِ مَشِيئَةِ اللهِ هُوَ نَوعُ إِشْرَاكٍ بِهِ مِنْ جِهَةِ\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٧٣٤٧)، وَمُسْلِمٌ (٧٧٥).\n(^٢) شَرْحُ كِتَابِ التَّوحِيدِ مِنْ صَحِيحِ البُخَارِيِّ (٢/ ٢٥٩) لِلغُنَيمَانُ حَفِظَهُ اللهُ.","vol":"2","page":390},{"text":"تَوحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَلِهَذَا سَمَّى النَّبِيُّ ﷺ القَدَرِيَّةَ مَجُوسَ هَذِهِ الأُمَّةِ (^١).\n٣ - أَنَّ عِلْمَ اللهِ بِكُلِّ شَيءٍ وَبِمَا سَيَكُونُ فِي المُسْتَقْبَلِ يَدُلُّ عَلَى أنَّهُ أَرَادَهُ كَونًا؛ وَهَذِهِ هِيَ المَشِيئَةُ.\n٤ - أَنَّ فِعْلَ العَبْدِ مِنْ طَاعَةٍ أَو مَعْصِيَةٍ يُنْسَبُ إِلَيهِ مُبَاشَرَةً لِأَنَّ فِيهِ اخْتِيَارًا مِنْهُ، وَهُوَ أَيضًا يُنْسَبُ إِلَى اللهِ تَعَالَى خَلْقًا وَمَشِيئَةً، وَمَفَادُهُ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ شَيءٌ عَنْ مُلْكِهِ وَإِذْنِهِ سُبْحَانَهُ، فَهُوَ دَلِيلُ عَظَمَةِ الرَّبِّ تَعَالَى وَكَمَالِ سُلْطَانِهِ، وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البَقَرَة: ٢٥٣] (^٢) (^٣).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. وَهُوَ لَفْظُ الحَدِيثِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ (٤٦٩١) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٤٤٤٢).\nقَالَ البَيهَقِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ السُّنَنُ الكُبْرَى (١٠/ ٣٤٩): \"إِنَّمَا سَمَّاهُمْ مَجُوسًا لِمُضَاهَاةِ بَعْضِ مَا يَذْهَبُونَ إِلَيهِ مَذَاهِبَ المَجُوسِ فِي قَولِهِمْ بِالأَصْلَينِ -وَهُمَا النُّورُ وَالظُّلْمَةُ-، يَزْعُمُونَ أَنَّ الخَيرَ مِنْ فِعْلِ النُّورِ وَأَنَّ الشَّرَّ مِنْ فِعْلِ الظُّلْمَةِ! فَصَارُوا ثَنَوِيَّةً، كَذَلِكَ القَدَرِيَّةُ يُضِيفُونَ الخَيرَ إِلَى اللهِ وَالشَّرَّ إِلَى غَيرِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى خَالِقُ الخَيرِ وَالشَّرِّ، وَالأَمْرَانِ مَعًا مُضَافَانِ إِلَيهِ خَلْقًا وَإِيجَادًا وَإِلَى الفَاعِلِينَ لَهُمَا مِنْ عِبَادِهِ فِعْلًا وَاكْتِسَابًا، هَذَا قَولُ أَبِي سُلَيمَانَ الخَطَابِيِّ ﵀\".\nقُلْتُ: وَهُمْ فِي الحَقِيقةِ فَاقُوا المَجُوسَ فِي هَذِهِ البِدْعَةِ لِأَنَّهُم أَثْبَتُوا خَالِقَينِ كُثُر بِعَدَدِ العِبَادِ.\n(^٢) قَالَ الشَّيخُ الغُنَيمَانُ حَفِظَهُ اللهُ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوحِيدِ مِنْ صَحِيحِ البُخَارِيِّ (٢/ ٤٩٢): \"فَأَفْعَالُ العِبَادِ مَخْلُوقَةٌ للهِ كَسَائِرِ مَخْلُوقَاتِهِ، وَمَفْعُولَةٌ لَهُ، وَهِيَ فِعْلُ العِبَادِ حَقِيقَةً، وَقَائِمَةٌ بِهِم حَقِيقَةً. فَالكُفْرُ وَالكَذِبُ وَالظُّلْمُ وَنَحْو ذَلِكَ مِنَ القَبَائِحِ؛ يَتَّصِفُ بِهَا مَنْ قَامَتْ بِهِ وَفَعَلَهَا، وَلَا يَتَّصِفُ بِهَا مَنْ خَلَقَهَا وَجَعَلَهَا صِفَةً لِغَيرِهِ! فَكَمَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَكُونُ مُتَّصِفًا بِمَا خَلَقَهُ فِي خَلْقِهِ مِنَ الأَلْوَانِ وَالرَّوَائِحِ وَالطُّعُومِ! فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ مُتَّصِفًا بِالفِعْلِ الَّذِي خَلَقَهُ فِي عِبَادِهِ وَجَعَلَهُ وَصْفًا لَهُم.\nوَبِهَذَا تَزُولُ شُبْهَةُ المُعْتَزِلَةِ وَمَنْ وَافَقَهُم فَي نَفْيِهِمُ الأَفْعَالَ القَبِيحَةَ أَنْ تَدْخُلَ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللهِ وَخَلْقِهِ مُحْتَجِّينَ بِأَنَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ القَبِيحِ. وَاللهُ أَعْلَمُ\".\n(^٣) وَيُقَالُ: \"إِنَّ بَعْضَ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ أُحْضِرَ لِلْمُنَاظَرَةِ مَعَ بَعْضِ أَئِمَّةِ المُعْتَزِلَةِ، فَلَمَّا جَلَسَ المُعْتَزِلِيُّ قَالَ:\n=","vol":"2","page":391},{"text":"وَيَزِيدُ هَذَا بَيَانًا مَعْرِفَةُ أَنَّ إِرَادَةَ اللهِ تَعَالَى نَوعَانِ؛ شَرْعِيَّةٌ وَكَونِيَّةٌ؛ وَالفَرْقُ بَينَهُمَا:\nأ- مِنْ حَيثُ المَحَبَّةِ؛ الشَّرْعيَّةُ تَتَعَلَّقُ بِمَا يُحِبُّهُ اللهُ، وَأَمَّا الكَونِيَّةُ فَقَدْ يُحِبُّهَا اللهُ وَقَدْ لَا يُحِبُّهَا.\nب- مِنْ حَيثُ الوُقُوعِ؛ الشَّرْعِيَّةُ قَدْ تَقَعُ وَقَدْ لَا تَقَعُ، بِخِلَافِ الكَونِيَّةِ فَهِيَ وَاقِعَةٌ لَا مَحَالَةَ، وَكِلَا النَّوعَينِ مَقُرُونٌ بِالحِكْمَةِ.\nوَمِثَالُ الكَونِيَّةِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البُرُوج: ١٦)، وَالإِرَادَةُ الكَونِيَّةُ هِيَ نَفْسُهَا المَشِيئَةُ؛ فَمَا شَاءَ اللهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشأْ لَمْ يَكُنْ.\nوَمِثَالُ الشَّرْعِيَّةِ: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢٧]\n_________\n=\nسُبْحَانَ مَنْ تَنَزَّهَ عَنِ الفَحْشَاءِ. فَقَالَ السُّنِّيُّ: سُبْحَانَ مَنْ لَا يَقَعُ فِي مُلْكِهِ إِلَّا مَا يَشَاءُ. فَقَالَ المُعْتَزِلِيُّ: أَيَشَاءُ رَبُّنَا أَنْ يُعْصَى؟! فَقَالَ السُّنِّيُّ: أَفَيُعْصَى رَبُّنَا قَهْرًا؟! فَقَالَ المُعْتَزِلِيُّ: أَرَأَيتَ إِنْ مَنَعَنِي الهُدَى وَقَضَى عَلَيَّ بِالرَّدَى؛ أَحْسَنَ إِلَيَّ أَو أَسَاءَ؟ فَقَالَ السُّنِّيُّ: إِنْ كَانَ مَنَعَكَ مَا هُوَ لَكَ؛ فَقَدْ أَسَاءَ، وَإِنْ كَانَ مَنَعَكَ مَا هُوَ لَهُ؛ فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ. فَانْقَطَعَ\". فَتْحُ البَارِي (١٣/ ٤٥١).","vol":"2","page":392},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-421> المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: كَيفَ الجَمْعُ بَينَ حَدِيثِ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أثَرِهِ؛ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (^١) مَعَ الأَحَادِيثِ الكَثِيرَةِ الصَّرِيحَةِ الَّتِي فِيهَا كِتَابَةُ أَجَلِ الإِنْسَانِ عَ</span>لَيهِ، وَمِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ المَرْفُوعُ فِي الصَّحِيحَينِ (^٢) وَالَّذِي فِيهِ: «إنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَومًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إلَيهِ المَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَمْ سَعِيدٍ» وَذَلِكَ فِي كَونِ الأَجَلِ مَكْتُوبًا، وَفِي الحَدِيثِ الأَوَّلِ بَيَّنَ أَنَّهُ قَابِلٌ لِلزِّيَادَةِ؟ (^٣)\nوَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يُونُس: ٤٩]؟\nالجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ:\n١ - أَنَّ هَذَا أَمْرٌ غَيبِيٌّ لَا يُعْلَمُ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الشَّرِيعَةِ، فَيَجِبُ إِثْبَاتُ كِلَا الأَمْرَينِ، فَنَقُولُ: العُمْرُ مَكْتُوبٌ؛ وَأَيضًا هُوَ قَابِلٌ لِلزِّيَادَةِ بِسَبَبِ هَذِهِ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ.\n٢ - أَنَّ الشَّرِيعَةَ قَدْ دَلَّتْ أَصْلًا عَلَى إِمْكَانِيَّةِ حُصُولِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ أَوِ النُّقْصَانِ فِي الأَعْمَارِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فَاطِر: ١١] (^٤).\n_________\n(^١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٥٩٨٥)، وَمُسْلِمٌ (٢٥٥٧) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا.\n(^٢) البُخَارِيُّ (٣٣٣٢)، وَمُسْلِمٌ (٢٦٤٣).\n(^٣) وَإِذَا كَانَ قَابِلًا لِلزِّيَادَةِ فَهُوَ أَيضًا قَابِلٌ لِلنَّقْصِ.\n(^٤) وَفي شَرْحِ هَذَا التَّعْمِيرِ وَالنَّقْصِ أَقْوَالٌ؛ أَشْهَرُهَا أَرْبَعَةٌ، وَهِيَ -بِاخْتِصَارٍ وَتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ مِنْ تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ (١٤/ ٣٣٣) -:\n=","vol":"2","page":393},{"text":"٣ - أَنَّ هَذِهِ الكِتَابَةَ لَا تُنَافِي وُجُودَ الزِّيَادَةِ أَصْلًا فِي الأَعْمَارِ تَبَعًا لِهَذَهِ الأَسْبَابِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ الكِتَابَةَ مَقْطُوعٌ بِهَا بِاعْتِبَارِ الخَاتِمَةِ وَالنِّهَايَةِ؛ فَلَا يَمْنَعُ أَصْلًا أَنْ تَكُونَ مُعْتَبَرَةً ضِمْنَ هَذِهِ الكِتَابَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فَاطِر: ١١] (^١).\n_________\n=\nالأَوَّلُ: أَنَّ التَّعْمِيرَ هُوَ كِتَابَةُ كَمْ يَكُونُ لَهُ مِنَ العُمُرِ، كَمْ سَنَةً وَكَمَ شَهْرًا وَكَمْ يَومًا وَكَمْ سَاعَةً، وَالإِنْقَاصُ هُوَ كِتَابَةُ تَنَاقُصِ عُمُرِهِ البَاقِي حَتَّى يَسْتَوفيَ أَجَلَهُ. كَمَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيرٍ: يُكْتَبُ عُمُرُهُ كَذَا وَكَذَا سَنَةً، ثُمَّ يُكْتَبُ فِي أَسْفَلِ ذَلِكَ: ذَهَبَ يَومٌ، ذَهَبَ يَومَانِ، حَتَّى يَأْتيَ عَلَى آخِرِهِ.\nوَالضَّمِيرُ فِي قَولِهِ: ﴿مِنْ عُمُرِهِ﴾ يَعُودُ إِلَى نَفْسِ الشَّخْصِ.\nالثَّاني: أَنَّ المُعَمَّرَ مَنْ بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً، وَالمَنْقُوصَ مِنْ عُمُرِهِ مَنْ يَمُوتُ قَبْلَ سِتِّينَ سَنَةً، فَالتَّقْصِيرُ لَهُ هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ كَانَ عُمُرُهُ أَطْوَلَ مِنْهُ.\nوَالضَّمِيرُ فِي قَولِهِ: ﴿مِنْ عُمُرِهِ﴾ يَعُودُ إِلَى غَيرِ الأَوَّلِ.\nالثَّالِثُ: أَنَّ اللهَ كَتَبَ عُمُرَ الإِنْسَانِ مِائَةَ سَنَةٍ مَثَلًا إِنْ أَطَاعَ، وَتِسْعِينَ إِنْ عَصَى، فَأيُّهُمَا بَلَغَ فَهُوَ فِي كِتَابٍ. أَي: أَنَّهُ يُكْتَبُ فِي اللَّوحِ المَحْفُوظِ: عُمُرُ فُلَانٍ كَذَا سَنَةً، فَإِنْ وَصَلَ رَحِمَهُ زِيدَ فِي عُمُرِهِ كَذَا سَنَةً، فَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي مَوضِعٍ آخَرَ مِنَ اللَّوحِ المَحْفُوظِ إنَّهُ سَيَصِلُ رَحِمَهُ، فَمَنْ اطَّلَعَ عَلَى الأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي ظَنَّ أَنَّهُ زِيَادَةٌ أَو نُقْصَانٌ.\nوَالضَّمِيرُ فِي قَولِهِ: ﴿مِنْ عُمُرِهِ﴾ يَعُودُ إِلَى نَفْسِ الشَّخْصِ.\nالرَّابِعُ: أَنَّ النَّقْصَ هُوَ النَّقْصُ مِنَ العُمُرِ المَكْتُوبِ، كَمَا يُرَادُ بِالزِّيَادَةِ الزِّيَادَةُ فِي العُمُرِ المَكْتُوبِ. وَالتَّغْيِيرُ يَكُونُ فِي صُحُفِ المَلَائِكَةِ دُونَ مَا فِي عِلْمِ اللهِ تَعَالَى.\nوَالضَّمِيرُ فِي قَولِهِ: ﴿مِنْ عُمُرِهِ﴾ يَعُودُ إِلَى نَفْسِ الشَّخْصِ.\nوَالقَولُ الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ قَرِيبَانِ، وَالرَّابِعُ أَرْجَحُ عِنْدِي لِمُوَافَقَتِهِ صَرِيحَ الحَدِيثِ وَكَلَامَ السَّلفِ كَعُمَرَ ﵁؛ كَمَا سَيَأْتِي.\n(^١) وَفِي صَحيحِ مُسْلِمِ (٢٦٤٧) عَنْ حُذَيفَةَ بْنِ أَسِيدٍ مَرْفُوعًا: «يَدْخُلُ المَلَكُ عَلَى النُّطْفَةِ بَعْدَمَا تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحِمِ بِأَرْبَعِينَ لَيلَةً، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ مَاذَا؟ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقُولُ اللهُ فَيُكْتَبَانِ، وَيُكْتَبُ عَمَلُهُ وَأَثَرُهُ وَمُصِيبَتُهُ وَرِزْقُهُ وَأَجَلُهُ، ثُمَّ تُطْوَى الصَّحِيفَةُ فَلَا يُزَادُ عَلَى مَا فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ» فَهُوَ يُبَيِّنُ عَدَمَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ؛ وَلَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى عَدَمِ التَّبْدِيلِ مِنْ جِهَةِ المَلَكِ، كَمَا فِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: «فَلَا يَزِيدُ عَلَى مَا أُمِرَ وَلَا يُنْقِصُ».","vol":"2","page":394},{"text":"وَأَيضًا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرَّعْد: ٣٩] (^١).\n٤ - أَنَّ التَّبْدِيلَ هُوَ حَاصِلٌ بِدِلَالَةِ صَرِيحِ الحَدِيثِ لَكِنَّهُ يَكُونُ فِي صُحُفِ المَلَائِكَةِ؛ بِخِلَافِ مَا هُوَ فِي عِلْمِ اللهِ تَعَالَى أَوِ اللَّوحِ المَحْفُوظِ فَهُوَ لَا يَتَغَيَّرُ.\nكَمَا ثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ -وَهُوَ يَطُوفُ بِالبَيتِ وَيَبْكِي-: (اللَّهُمَّ! إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَ عَلَيَّ شِقْوَةً أَو ذَنْبًا؛ فَامْحُهُ؛ فَإِنَّكَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ وَعِنْدَكَ أُمُّ الكِتَابِ، فَاجْعَلْهُ سَعَادَةً وَمَغْفِرَةً) (^٢).\nقَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: \"وَالجَوَابُ المُحَقَّقُ: أَنَّ اللهَ يَكْتُبُ لِلْعَبْدِ أَجَلًا فِي صُحُفِ المَلَائِكَةِ؛ فَإِذَا وَصَلَ رَحِمَهُ زَادَ فِي ذَلِكَ المَكْتُوبِ، وَإِنْ عَمِلَ مَا يُوجِبُ النَّقْصَ نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ المَكْتُوبِ.\nوَنَظِيرُ هَذَا مَا فِي التِّرْمِذِيِّ وَغَيرِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّ آدَمَ لَمَّا طَلَبَ مِنَ اللهِ أَنْ يُرِيَهُ صُورَةَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ؛ فَأَرَاهُ إيَّاهُمْ، فَرَأَى فِيهِمْ رَجُلًا لَهُ بَصِيصٌ؛ فَقَالَ: مَنْ هَذَا يَا\n_________\n(^١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٤/ ٤٦٩) بَعْدَ إِيرَادِهِ عِدَّةَ أَقْوَالٍ: \"وَمَعْنَى هَذِهِ الأَقْوَالِ: أَنَّ الأَقْدَارَ يَنْسَخُ اللهُ مَا يَشَاءُ مِنْهَا، وَيُثْبِتُ مِنْهَا مَا يَشَاءُ، وَقَدْ يُسْتَأْنَسُ لِهَذَا القَولِ بِمَا رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ (٢٢٣٨٦) عَنْ ثَوبَانَ مَرْفُوعًا: «إِنَّ الرَّجُلُ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ، وَلَا يَرُدُّ القَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ، ولَا يَزِيدُ فِي العُمُرِ إِلَّا البِرُّ» \".\nقُلْتُ: وَالشَّطْرُ الأَوَّلُ مِنَ الحَدِيثِ لَمْ يَصِحَّ، كَمَا فِي الصَّحِيحَةِ (١٥٤).\n(^٢) صَحِيحٌ. الطَّبَرِيُّ فِي التَّفْسِيرِ (١٦/ ٤٨١). اُنْظُرِ التَّعْلِيقَ عَلَى حَدِيثِ الضَّعِيفَةِ (٥٤٤٨).","vol":"2","page":395},{"text":"رَبِّ؟ فَقَالَ: (ابْنُكَ دَاوُد). قَالَ: فَكَمْ عُمُرُهُ؟ قَالَ: (أَرْبَعُونَ سَنَةً). قَالَ: وَكَمْ عُمْرِي؟ قَالَ: (أَلْفُ سَنَةٍ). قَالَ: فَقَدْ وَهَبْتُ لَهُ مِنْ عُمْرِي سِتِّينَ سَنَةً. فَكَتَبَ عَلَيهِ كِتَابًا وَشَهِدَتْ عَلَيهِ المَلَائِكَةُ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ قَالَ: قَدْ بَقِيَ مِنْ عُمْرِي سِتُّونَ سَنَةً! قَالُوا: وَهَبْتَهَا لِابْنِك دَاوُد. فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، فَأَخْرَجُوا الكِتَابَ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَنَسِيَ آدَمُ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَجَحَدَ آدَمُ فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ». وَرُوِيَ أَنَّهُ كَمَّلَ لِآدَمَ عُمُرَهُ وَلِدَاوُدَ عُمُرَهُ. فَهَذَا دَاوُدُ كَانَ عُمُرُهُ المَكْتُوبُ أَرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ جَعَلَهُ سِتِّينَ. وَهَذَا مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: (اللَّهُمَّ إنْ كُنْت كَتَبَتْنِي شَقِيًّا فَامْحُنِي وَاكْتُبْنِي سَعِيدًا؛ فَإِنَّكَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ). وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ عَالِمٌ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَمَا لَمْ يَكُنْ لَو كَانَ كَيفَ كَانَ يَكُونُ، فَهُوَ يَعْلَمُ مَا كَتَبَهُ لَهُ وَمَا يَزِيدُهُ إيَّاهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَالمَلَائِكَةُ لَا عِلْمَ لَهُمْ إِلَّا مَا عَلَّمَهُمُ اللهُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ الأَشْيَاءَ قَبْلَ كَونِهَا وَبَعْدَ كَونِهَا؛ فَلِهَذَا قَالَ العُلَمَاءُ: إنَّ المَحْوَ وَالإِثْبَاتَ فِي صُحُفِ المَلَائِكَةِ، وَأَمَّا عِلْمُ اللهِ سُبْحَانَهُ فَلَا يَخْتَلِفُ وَلَا يَبْدُو لَهُ مَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهِ، فَلَا مَحْوَ فِيهِ وَلَا إثْبَاتَ، وَأَمَّا اللَّوحُ المَحْفُوظُ فَهَلْ فِيهِ مَحْوٌ وَإِثْبَاتٌ عَلَى قَولَينِ. وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ\" (^١).\nوَقَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀: \" ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ مِنَ الأَقْدَارِ ﴿وَيُثْبِتُ﴾ مَا يَشَاءُ مِنْهَا، وَهَذَا المَحْو وَالتَّغْيِيرُ فِي غَيرِ مَا سَبَقَ بِهِ عِلْمُهُ وَكَتَبَهُ قَلَمُهُ؛ فَإِنَّ هَذَا لَا يَقَعُ فِيهِ تَبْدِيلٌ وَلَا تَغْيِيرٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ مُحَالٌ عَلَى اللهِ أَنْ يَقَعَ فِي عِلْمِهِ نَقْصٌ أَو خَلَلٌ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أَي اللَّوحُ المَحْفُوظُ الَّذِي تَرْجِعُ إِلَيهِ سَائِرُ الأَشْيَاءِ؛ فَهُوَ\n_________\n(^١) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (١٤/ ٤٩١).\nقُلْتُ: وَحَدِيثُ آدَمَ وَدَاوُدَ ﵉ صَحِيحٌ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٣٣٦٨) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٥٢٠٨).","vol":"2","page":396},{"text":"أَصْلُهَا وَهِيَ فُرُوعٌ لَهُ وَشُعَبٌ.\nفَالتَّغْيِيرُ وَالتَّبْدِيلُ يَقَعُ فِي الفُرُوعِ وَالشُّعَبِ كَأَعْمَالِ اليَومِ وَاللَّيلَةِ الَّتِي تَكتُبُهَا المَلَائِكَةُ (^١)، وَيَجْعَلُ اللهُ لِثُبُوتِهَا أَسْبَابًا وَلِمَحْوِهَا أَسْبَابًا، لَا تَتَعَدَّى تِلْكَ الأَسْبَابُ مَا رُسِمَ فِي اللَّوحِ المَحْفُوظِ، كَمَا جَعَلَ اللهُ البِرَّ وَالصِّلَةَ وَالإِحْسَانَ مِنْ أَسْبَابِ طُولِ العُمُرِ وَسِعَةِ الرِّزْقِ، وَكَمَا جَعَلَ المَعَاصِي سَبَبًا لِمَحقِ بَرَكَةِ الرِّزْقِ وَالعُمُرِ، وَكَمَا جَعَلَ أَسْبَابَ النَّجَاةِ مِنَ المَهَالِكِ وَالمَعَاطِبِ سَبَبًا لِلسَّلَامَةِ، وَجَعَلَ التَّعَرُّضَ لِذَلِكَ سَبَبًا لِلعَطَبِ، فَهُوَ الَّذِي يُدَبِّرُ الأُمُورَ بِحَسْبِ قُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ، وَمَا يُدَبِّرُهُ مِنْهَا لَا يُخَالِفُ مَا قَدْ عَلِمَهُ وَكَتَبَهُ فِي اللَّوحِ المَحْفُوظِ\" (^٢) (^٣).\n_________\n(^١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١١/ ٤٨٨): \"وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَتَعَلَّقَ ذَلِكَ بِمَا فِي عِلْمِ الحَفَظَةِ وَالمُوَكَّلِينَ بِالآدَمِيِّ؛ فَيَقَعُ فِيهِ المَحْو وَالإِثْبَاتُ كَالزِّيَادَةِ فِي العُمُرِ وَالنَّقْصِ، وَأَمَّا مَا فِي عِلْمِ اللهِ فَلَا مَحْوَ فِيهِ وَلَا إِثْبَاتَ. وَالعِلْمُ عِنْدَ اللهِ\".\n(^٢) تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ (ص ٤١٩).\n(^٣) وَهُنَاكَ وَجْهٌ خَامِسٌ أَورَدَهُ بَعْضُهُم، وَهُوَ أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي العُمُرِ هِيَ بِمَعْنَى البَرَكَةِ، وَهَذَا الوَجْهُ بَعِيدٌ عَنِ الصِّحَّةِ، وَالرَّاجِحُ مَا أَثْبَتْنَاهُ.\nقَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ فِي مَجْمُوعِ الفَتَاوَى (١٤/ ٤٩٠): \"وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إنَّ المُرَادَ بِهِ البَرَكَةُ فِي العُمْرِ؛ بِأَنْ يَعْمَلَ فِي الزَّمَنِ القَصِيرِ مَا لَا يَعْمَلُهُ غَيرُهُ إِلَّا فِي الكَثِيرِ، قَالُوا: لِأَنَّ الرِّزْقَ وَالأَجَلَ مُقَدَّرَانِ مَكْتُوبَانِ. فَيُقَالُ لِهَؤُلَاءِ: تِلْكَ البَرَكَةُ -وَهِيَ الزِّيَادَةُ فِي العَمَلِ وَالنَّفْعِ- هِيَ أَيضًا مُقَدَّرَةٌ مَكْتُوبَةٌ وَتَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الأَشْيَاءِ\".\nوَفَرَّقَ بَعْضُهُم بَينَ العُمْرِ وَالأَجَلِ؛ فَجَعَلَ العُمْرَ قَابِلًا لِلزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ بِدِلَالَةِ النُّصُوصِ، وَجَعَلَ الأَجَلَ غَيرَ قَابِلٍ لِلزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ أَيضًا بِدِلَالَةِ النُّصُوصِ!\nقُلْتُ: وَلَكِنَّ التَّفْرِيقَ يَحْتَاجُ لِدَلِيلٍ أَصْرَحَ، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.","vol":"2","page":397},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-422> المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: إِذَا كَانَ العَبْدُ قَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِهِ تَعَالَى وَكَتَبَ ذَلِكَ عِنْدَهُ؛ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ أَو مِنْ أَهْلِ النَّارِ؛ فَلِمَاذَا العَمَلُ؟</span>\nالجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ:\n١ - أَنَّ عِلْمَ اللهِ تَعَالَى هُوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ رُبُوبِيَّتِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى عَظَمَتِهِ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الثَّوَابُ وَالعِقَابُ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ الثَّوَابُ وَالعِقَابُ بِعَمَلِ العَبْدِ، فَاللهُ تَعَالَى عَلِمَ مَا سَيَكُونُ وَكَتَبَ عِنْدَهُ، وَأَمَّا جَزَاؤُهُ فَمُتَعَلِّقٌ بِعَمَلِ العَبْدِ، وَهَذَا عِلْمٌ آخَرُ غَيرُ العِلْمِ الأَوَّلِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عِمْرَان: ١٤٢]، فَالعَبْدُ مَأْمُورٌ بِالعَمَلِ لِتَكُونَ لَهُ حُجَّتُهُ عِنْدَ رَبِّهِ (^١).\nوَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يُونُس: ٢] كَيفَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ الإِيمَانَ سَبَبًا لِمَا سَبَقَ عِنْدَهُ مِنْ عِلْمِهِ بِدُخُولِهِمُ الجَنَّةَ.\n٢ - أَنَّ العَبْدَ وَإِنْ كَانَ مَكْتُوبًا اسْمُهُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ أَوِ السَّعَادَةِ؛ فَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ أَيِّ الفَرِيقَينِ! وَلَكِنَّ عَمَلَهُ يَكُونُ دَالًّا عَلَى ذَلِكَ، كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ؛ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ بَيِّنْ لَنَا دِينَنَا كَأَنَّا خُلِقْنَا الآنَ، فِيمَ العَمَلُ اليَومَ، أَفِيمَا جَفَّتْ بِهِ الأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ المَقَادِيرُ أَمْ فِيمَا نَسْتَقْبِلُ؟ قَالَ: «لَا، بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ المَقَادِيرُ».\n_________\n(^١) قَالَ السُّيُوطِيُّ ﵀: \"فِي غَرِيبِ سُورَةِ يُونُس: فَقَالَ: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يُونُس: ٢]: سَبَقَ لَهُمُ السَّعَادَةُ فِي الذِّكْرِ الْأَوَّلِ\". الإِتْقَانُ فِي عُلُومِ القُرْآنِ (٢/ ١٨) تَحْتَ النَّوعِ السَّادِسِ وَالثَّلَاثِينَ: فِي مَعْرِفَةِ غَرِيبِهِ.","vol":"2","page":398},{"text":"قَالَ: فَفِيمَ العَمَلُ؟ قَالَ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ» (^١)، فَعَمَلُ العَبْدِ هُوَ الشَّاهِدُ لَهُ وَهُوَ الدَّلِيلُ عَلَيهِ (^٢).\nوَفي الصَّحِيحَينِ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، وَمَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلَّا قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَو سَعِيدَةً»، قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ العَمَلَ؛ فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ؟ قَالَ: «أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاءِ» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ الآيَةَ [اللَّيل: ٥ - ٧] (^٣).\nفَتَأَمَّلْ رَحِمَكَ اللهُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ -كَمَا فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ- أَنَّ مَنْ بَادَرَ بِالطَّاعَةِ وَالتَّصْدِيقِ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى سَيُيَسِّرُهُ لِلحُسْنَى الَّتِي هِيَ الجَنَّةُ، والعَكْسُ بِالعَكْسِ (^٤).\nقَالَ ابْنُ بَطَّال ﵀ فِي شَرْحِ البُخَاريِّ: \"وَقَولُهُ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ\n_________\n(^١) مُسْلِمٌ (٢٥٤٨).\n(^٢) وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ (٣٣٧) فِي آخِرِ الحَدِيثِ: قَالَ سُرَاقَةُ: (فَلَا أَكُونُ أَبَدًا أَشَدَّ اجْتِهَادًا فِي الْعَمَلِ مِنِّي الْآنَ). التَّعْلِيقَاتُ الحِسَانُ (٣٣٨).\n(^٣) البُخَارِيُّ (١٣٦٢)، وَمُسْلِمٌ (٢٦٤٧).\n(^٤) وَقَدْ سَأَلَ أَحَدُ إِخْوَانِنَا الشَّيخَ حَمْدِي بْنَ عَبْدِ المَجِيدِ السَّلَفِيَّ حَفِظَهُ اللهُ عَنْ أَحَدِ مَشَايخِ السُّوءِ الَّذِي ادَّعَى أَنَّ فُلَانًا -مِنْ أَكَابِرِ مُجْرِمِيهَا- أَنهُّ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ!! فَأَجَابَ الشَّيخُ الفَاضِلُ بِقَولِهِ: \"صَحِيحٌ أَنِّي لَا أَعْرِفُ عَنْ فُلَانٍ -مِثْلَ مَا يَقُولُ ذَلِكَ الشَّيخُ- أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ! وَلَكِنِّي أَعْرِفُ صِفَاتِ كُلِّ أَهْلِ الجَنَّةِ؛ وَلَيسِ فَرْدًا وَاحِدًا\".","vol":"2","page":399},{"text":"لَهُ» فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إِبْطَالِ قَولِ أَهْلِ الجَبْرِ، لِأَنَّ التَّيسِيرَ غَيرُ الجَبْرِ! وَاليُسْرَى: العَمَلُ بِالطَّاعَةِ، وَالعُسْرَى: العَمَلُ بِالمَعْصِيَةِ.\nقَالَ الطَّبَرِيُّ -فِي حَدِيثِ عَليٍّ-: إِنَّ اللهَ لَمْ يَزَلْ عَالِمًا بِمَنْ يُطِيعُهُ فَيُدْخِلُهُ الجَنَّةَ، وَبِمَنْ يَعْصِيهِ فَيُدْخِلُهُ النَّارَ، وَلَمْ يَكُنِ اسْتِحْقَاقُ مِنْ يَسْتَحِقُّ الجَنَّةَ مِنْهُم بِعِلْمِهِ السَّابِقِ فِيهِم؛ وَلَا اسْتِحْقَاقِهِ النَّارَ لِعِلْمِهِ السَّابِقِ فِيهِم! وَلَا اضْطَرَّ أَحَدًا مِنْهُم عِلْمُهُ السَّابِقُ إِلَى طَاعَةٍ أَو مَعْصِيَةٍ! وَلَكِنَّهُ تَعَالَى نَفَذَ عِلْمُهُ فِيهِم قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُم وَمَا هُمْ عَامِلُونَ وَإِلى مَا هُمْ صَائِرُونَ، إِذْ كَانَ لَا تَخْفَى عَلَيهِ خَافِيَةٌ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُم وَلَا بَعْدَ مَا خَلَقَهُم، وَلِذَلِكَ وَصَفَ أَهْلَ الجَنَّةِ فَقَالَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الوَاقِعَة: ١٣ - ١٤]، إِلَى قَولِهِ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ * جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الوَاقِعَة: ٢٢ - ٢٤]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السَّجْدَة: ١٧].\nوَكَذَلِكَ قَالَ فِي أَهْلِ النَّارِ: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فُصِّلت: ٢٨]، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ أَثَابَ أَهْلَ طَاعَتِهِ جَنَّتَهُ بِطَاعَتِهِ، وَجَازَى أَهْلَ مَعْصِيَتِهِ النَّارَ بِمَعْصِيَتِهِم إِيَّاهُ، وَلَم يُخْبِرْنَا أنَّهُ أَدْخَلَ مَنْ أَدْخَلَ مِنْهُم النَّارَ وَالجَنَّةَ لِسَابِقِ عِلْمِهِ فِيهِم! وَلَكِنَّهُ سَبَقَ فِي عِلْمِهِ أَنَّ هَذَا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَالجَنَّةِ وَأَنَّهُ يَعْمَلُ بِطَاعَتِهِ؛ وَفِي هَذَا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ وَأَنَّهُ يَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا بِمَعْصِيَتِهِ، فَلِذَلِكَ أَمَرَ تَعَالَى وَنَهَى، لِيُطِيعَهُ المُطِيعُ مِنْهُم فَيَسْتَوجِبَ بِطَاعَتِهِ الجَنَّةَ، وَيَسْتَحِقَّ العِقَابَ مِنْهُم بِمَعْصِيَتِهِ العَاصِي فَيَدْخُلَ بِهَا النَّارَ، وَلِتَتِمَّ حُجَّةُ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ.\nفَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا مَعْنَى قَولِهِ ﷺ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» إِنْ كَانَ الأَمْرُ كَمَا وُصِفَ مِنْ أَنَّ الَّذِي سَبَقَ لِأَهْلِ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاءِ لَمْ يَضْطَرَّ وَاحِدًا مِنَ الفَرِيقَينِ إِلَى الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ وَيُمَهِّدُ لِنَفْسِهِ فِي الدُّنْيَا وَلَمْ يُجْبِرْهُ عَلَى ذَلِكَ؟","vol":"2","page":400},{"text":"قِيلَ: هُوَ أَنَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِنْ هَذِينِ مُسَهَّلٌ لَهُ العَمَلُ الَّذِي اخْتَارَهُ لِنَفْسِهِ؛ مُزَيَّنٌ ذَلِكَ لَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحُجُرَات: ٧] الآيَةُ (^١).\nوَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاءِ؛ فَإِنَّهُ زَيَّنَ لَهُم سُوءَ أَعْمَالِهِم لِإِيثَارِهِم لَهَا عَلَى الهُدَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ [النَّمْل: ٤]، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فَاطِر: ٨]، وَهَذَا يُصَحِّحُ مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ عِلْمَ اللهِ النَّافِذَ فِي خَلْقِهِ بِمَا هُمْ بِهِ عَامِلُونَ؛ وَكِتَابَهُ الَّذِي كَتَبَهُ قَبْلَ خَلْقِهِ إِيَّاهُم بِأَعْمَالِهِم: لَمْ يَضْطَرَّ أَحَدًا مِنْهُم إِلَى عَمَلِهِ ذَلِكَ! بَلْ هُوَ أَنَّ المُضْطَرَّ إِلَى الشَّيءِ لَا شَكَّ أَنَّهُ مُكْرَهٌ عَلَيهِ لَا مُحِبٌّ لَهُ! بَلْ هُوَ لَهُ كَارِهٌ وَمِنْهُ هَارِبٌ، وَالكَافِرُ يُقَاتِلُ دُونَ كُفْرِهِ أَهْلَ الإِيمَانِ! وَالفَاسِقُ يُنَاصِبُ دُونَ فِسْقِهِ الأَبْرَارَ! مُحَامَاةً مِنْ هَذَا عَنْ كُفْرِهِ الَّذِي اخْتَارَهُ عَلَى الإِيمَانِ، وَإِيثَارًا مِنْ هَذَا لِفِسْقِهِ عَلَى الطَّاعَةِ، وَكَذَلِكَ المُؤْمِنُ يَبْذُلُ مُهْجَتَهُ دُونَ إِيمَانِهِ، وَيُؤْثِرُ العَنَاءَ وَالنَّصَبَ دُونَ مَلَاذِّهِ وَشَهَوَاتِهِ حُبًّا لِمَا هُوَ لَهُ مُخْتَارٌ مِنْ طَاعَةِ رَبِّهِ عَلَى مَعَاصِيهِ، وَأَنَّى يَكُونُ مُضْطَرًّا إِلَى مَا يَعْمَلُهُ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَاتُهُ؟ فَبَانَ أَنَّ مَعْنَى قَولِهِ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» هُوَ أَنَّ كُلَّ فرِيقَي السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ مُسَهَّلٌ لَهُ العَمْلُ الَّذِي اخْتَارَهُ؛ مُزَيَّنٌ ذَلِكَ لَهُ\" (^٢).\n_________\n(^١) وَعَلَيهِ تَكُونُ عَلَامَةُ هِدَايَةِ اللهِ تَعَالَى لِلْعَبْدِ هِيَ أَنْ يُحِبَّ العَبْدُ مَا يُحِبُّ اللهُ تَعَالَى، وَأَنْ يَكْرَهَ العَبْدُ مَا يَكْرَهُهُ اللهُ تَعَالَى، وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأَنْعَام: ١٢٥].\n(^٢) شَرْحُ البُخَارِيِّ (١٠/ ٣٠٣).","vol":"2","page":401},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-423> المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: مَا الجَوَابُ عَنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيءٍ مِنَ الصَّيدِ تَنَالُهُ أَيدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ </span>مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المَائِدَة: ٩٤] وَالَّذِي فِيهِ الإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُ تَعَالَى لَا يَعْلَمُ مَا سَيَكُونُ مِنْ عِبَادِهِ إِلَّا بَعْدَ الوُقُوعِ؟ (^١)\nالجَوَابُ:\nإِنَّ هَذَا العِلْمَ عِلْمٌ آخَرُ غَيرُ العِلْمِ السَّابِقِ، فَهُوَ عِلْمُ مُشَاهَدَةٍ وَظُهُورٍ، أَمَّا العِلْمُ السَّابِقُ لَهُ سُبْحَانَهُ فَهُوَ عِلْمٌ أَزَلِيٌّ بِمَا كَانَ وَمَا سَيَكُونُ -كَمَا سَبَقَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَدِلَّةِ-، وَلَكِنَّ الفَرْقَ بَينَهُمَا أَنَّ العِلْمَ المُضَارِعَ للعَمَلِ هُوَ الَّذِي يُبْنَى عَلَيهِ الثَّوَابُ وَالعِقَابُ، وَذَلِكَ كَي لَا يَكُونَ لِلعَاصِي حُجَّةٌ عَلَى مَعْصِيَتِهِ (^٢).\nقَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: \"وَأَمَّا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيهِ﴾ [البَقَرَة: ١٤٣]، وَقَوْلُهُ: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَينِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الكهف: ١٢] وَنَحْوُ ذَلِكَ؛ فَهَذَا هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْلُومِ بَعْدَ وُجُودِهِ، وَهُوَ الْعِلْمُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيهِ الْمَدْحُ وَالذَّمُّ، وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْعِلْمُ بِأَنَّهُ سَيَكُونُ، وَمُجَرَّدُ ذَلِكَ الْعِلْمِ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيهِ مَدْحٌ وَلَا ذَمٌّ، وَلَا ثَوَابٌ وَلَا عِقَابٌ؛ فَإِنَّ هَذَا إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ وُجُودِ الْأَفْعَالِ.\nوَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذَا: (لِنَرَى). وَكَذَلِكَ الْمُفَسِّرُونَ قَالُوا:\n_________\n(^١) وَمِثْلُهُ أَيضًا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عِمْرَان: ١٤٢].\n(^٢) قُلْتُ: وَأَمَّا لَو اسْتَنْفَدَ العَاصيُ فُرْصَتَهُ فِي العَمَلِ؛ فَإِنَّ عِلْمَ اللهِ تَعَالَى السَّابِقَ حَاكِمٌ عَلَيهِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأَنْعَام: ٢٨].","vol":"2","page":402},{"text":"لِنَعْلَمَهُ مَوْجُودًا بَعْدَ أَنْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَكُونُ\" (^١).\nوَقَالَ الشَّيخُ العَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ ﵀ -فِي القَوَاعِدِ الحِسَانِ-: \"القَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ وَالأَرْبَعُونَ: مَتَى عَلَّقَ اللهُ عِلْمَهُ بِالأُمُورِ بَعْدَ وُجُودِهَا؛ كَانَ المُرَادُ بِذَلِكَ العِلْمَ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيهِ الجَزَاءُ\" (^٢).\n_________\n(^١) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (٨/ ٤٩٦).\n(^٢) القَوَاعِدُ الحِسَانُ (ص ١٢٣).","vol":"2","page":403},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-424> المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: إِذَا كَانَتِ الهِدَايَةُ مِنَ اللهِ تَعَالَى؛ فَكَيفَ يَكُونُ لِلعَبْدِ أَصْلًا سَعْيٌ فِيهَا، وَمَا الَّذِي يُمَيِّزُ العَاصِي عَنِ الطَّائِعِ؟</span>\nالجَوَابُ:\nإنَّ اللهَ تَعَالَى يَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِ كُلِّ عَبْدٍ، فَإِذَا عَلِمَ مِنْهُ صِدْقَ الطَّلَبِ لِلهِدَايَةِ، وَالإِنْصَافَ فِي سَمَاعِ الحَقِّ وَتَمْيِيزَهُ، وَحِرْصَهُ عَلَى ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ تَعَالَى يَهْدِيه كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأَنْفَال: ٢٣]، وَهَذِهِ الهِدَايَةُ هِيَ فَضْلٌ وَرَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللهُ تَعَالَى عَلَى نَفْسِهِ.\nوَأَمَّا المُعْرِضُ عَنْ سَمَاعِ وَتَدَبُّرِ الآيَاتِ؛ المُسْتَكْبِرُ عَنِ الحَقِّ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَطْمِسُ عَلَى قَلْبِهِ فَلَا يَشْرَحُ صَدْرَهُ لِلِإسْلَامِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يُونُس: ١٠٠)، فَلَا يَجِدُ المُعْرِضُ مَا يَجِدُ المُؤْمِنُ مِنْ حَلَاوَةِ الطَّاعَاتِ وَمَحَبَّةِ العِبَادَةِ وَالتَّعَلُّقِ بِاللهِ تَعَالَى وَالفَرَحِ بِذِكْرِ اللهِ وَالاطْمِئْنَانِ إِلَى السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَالانْشِرَاحِ إِلَيهَا (^١).\n_________\n(^١) وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصَّف: ٥].\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٨/ ١٠٩): \"وَقَولُهُ: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾: أَي: فَلَمَّا عَدَلُوا عَنِ اتِّبَاعِ الحَقِّ مَعَ عِلْمِهِمْ بِهِ؛ أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ عَنِ الهُدَى، وَأَسْكَنَهَا الشَّكَّ وَالحَيرَةَ وَالخُذْلَانَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأَنْعَامِ: ١١٠]، وَقَالَ: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النِّسَاءِ: ١١٥] وَلِهَذَا قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ \".","vol":"2","page":404},{"text":"وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأَنْعَام: ١٢٥].","vol":"2","page":405},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-425> المَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: مَا هُوَ حَدِيثُ الكِتَابَينِ، وَأَينَ هُمَا الآنَ؟</span>\nالجَوَابُ:\nالحَدِيثُ هُوَ: خَرَجَ عَلَينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَفِي يَدِهِ كِتَابَانِ، فَقَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا هَذَانِ الكِتَابَانِ؟» فَقُلْنَا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِلَّا أَنْ تُخْبِرَنَا، فَقَالَ لِلَّذِي فِي يَدِهِ اليُمْنَى: «هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ العَالَمِينَ؛ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الجَنَّةِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ، ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا»، ثُمَّ قَالَ لِلَّذِي فِي شِمَالِهِ: «هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ العَالَمِينَ؛ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ النَّارِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ، ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ (^١)؛ فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا»، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: فَفِيمَ العَمَلُ يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ كَانَ أَمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ؟ فَقَالَ: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا؛ فَإِنَّ صَاحِبَ الجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ، وَإِنَّ صَاحِبَ النَّارِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدَيهِ فَنَبَذَهُمَا، ثُمَّ قَالَ: «فَرَغَ رَبُّكُمْ مِنَ العِبَادِ؛ فَرِيقٌ فِي الجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ» (^٢).\nوَأَمَّا نَفْسُ الكِتَابَينِ؛ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا تَمْثِيلٌ وَتَقْرِيبٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَيسَ هُمَا كِتَابَينِ حَقِيقَةً (^٣)، وَبَيَانُ ذَلِكَ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ:\nأ- أَنَّ اللَّوحَ المَحْفُوظَ الَّذِي فِيهِ تِلْكَ الأَسْمَاءُ هُوَ مَحْفُوظٌ أَصْلًا مَنْ أَنْ يَمَسَّهُ أَحَدٌ.\n_________\n(^١) قَالَ فِي لِسَانِ العَرَبِ (١١/ ١٢٨): \"أَجْمَلْتُ الحِسَابَ: إِذَا جَمَعْتُ آحَادَهُ وَكَمَّلْتُ أَفْرَادَهُ، أَي: أُحْصُوا وَجُمِعُوا؛ فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ\".\n(^٢) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢١٤١) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو بْنِ العَاصِ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٨٤٨).\n(^٣) وَذَهَبَ المُبَارَكْفُورِي ﵀ فِي كِتَابِهِ (مِرْعَاةُ المَفَاتِيحِ) (١/ ١٨٥) إِلَى حَقِيقَةِ الكِتَابَينِ.\nقُلْتُ: وَمَا أَثْبَتْنَاهُ أَولَى لِمَا سَتَرَى مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ. وَاللهُ أَعْلَمُ.","vol":"2","page":406},{"text":"ب- أَنَّهُ لَو كَانَ المَقْصُودُ حَقِيقَتَهُ؛ لَتَوَاتَرَتِ الأَخْبَارُ عَنْهُمَا وَعَنْ مَصِيرِهِمَا؛ فَشَأْنُهُمَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَخْفَيَانِ عَلَى أَحَدٍ.\nج- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَبَذَهُمَا بِيَدِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا لَيسَا بِمُحْتَرَمَينِ أَصْلًا مِنْ جِهَةِ حَقِيقَتِهِمَا.\nقَالَ الشَّيخُ الغُنَيمَانُ حَفِظَهُ اللهُ: \"وَهَذَانِ الكِتَابَانِ اللَّذَانِ أَخَذَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيسَا هُمَا الكِتَابَانِ اللَّذَانِ كَتَبَ اللهُ فِيهِمَا أَسْمَاءَ أَهْلِ الجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ تَمْثِيلٌ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ وَتَقْرِيبٌ إِلَى أَفْهَامِ النَّاسِ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى عَلِمَ كُلَّ شَيءٍ مِمَّا سَيَكُونُ وَمَا يَصِيرُ إِلَيهِ العِبَادُ، وَكَتَبَهُ تَأْكِيدًا لِعِلْمِهِ تَعَالَى فَلَا يَتَغَيَّرُ وَلَا يَتَبَدَّلُ\" (^١).\n_________\n(^١) شَرْحُ كِتَابِ التَّوحِيدِ مِنْ صَحِيحِ البُخَارِيِّ (٢/ ٦٢٨).","vol":"2","page":407},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-426> المَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: إِذَا كَانَ لَا يَجُوزُ الاحْتِجَاجُ بِالقَدَرِ عَلَى المَعْصِيَةِ؛ فَكَيفَ احْتَجَّ آدَمُ ﵊ بِالقَدَرِ عَلَى مَعْصِيَتِهِ؟</span> (^١)\nالجَوَابُ هُوَ مِنْ أَحَدِ وَجْهَينِ:\n١ - أَنَّ لَومَ مُوسَى ﵊ لِآدَمَ لَيسَ هُوَ عَلَى المَعْصِيَةِ؛ وَإِنَّمَا عَلَى الخُرُوجِ مِنَ الجَنَّةِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَجَابَ عَنْهُ آدَمُ ﵊ بِكَونِهِ مَكْتُوبًا عَلَيهِ وَعَلَى ذُرِّيَّتِهِ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَ المَعْصِيَةَ، فَهُوَ اسْتِدْلَالٌ بِالقَدَرِ عَلَى الخُرُوجِ مِنَ الجَنَّةِ وَلَيسَ عَلَى المَعْصِيَةِ نَفْسِهَا، فَالمَعْصِيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِآدَمَ وَحْدَهُ، بِخِلَافِ الهُبُوطِ مِنَ الجَنَّةِ فَهُو مُتَعَلِّقٌ بِكُلِّ بَني آدَمَ، وَهَذَا الَّذِي لَامَ عَلَيهِ مُوسَى ﵊.\nوَعَلَيهِ؛ فَإِنَّ آدَمَ لَمْ يَحْتَجَّ بِالقَدَرِ عَلَى المَعْصِيَةِ! وَإِنَّمَا عَلَى الهُبُوطِ بِشَأْنِ الذُّرِّيَّةِ، وَهُوَ شَيءٌ مُخْتَلِفٌ عَنِ المَعْصِيَةِ.\nقَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: \"الصَّوَابُ فِي قِصَّةِ آدَمَ وَمُوسَى أَنَّ مُوسَى لَمْ يَلُمْ آدَمَ إلَّا مِنْ جِهَةِ المُصِيبَةِ الَّتِي أَصَابَتْهُ وَذُرِّيَّتَهُ بِمَا فَعَلَ لَا لِأَجْلِ أَنَّ تَارِكَ الْأَمْرِ مُذْنِبٌ عَاصٍ! وَلِهَذَا قَالَ: لِمَاذَا أَخْرَجْتنَا وَنَفْسَك مِنَ الجَنَّةِ؟ لَمْ يَقُلْ: لِمَاذَا خَالَفْت الْأَمْرَ وَلِمَاذَا عَصَيْت؟ وَالنَّاسُ مَأْمُورُونَ عِنْدَ المَصَائِبِ الَّتِي تُصِيبُهُمْ بِأَفْعَالِ النَّاسِ أَوْ بِغَيْرِ أَفْعَالِهِمْ بِالتَّسْلِيمِ لِلْقَدَرِ وَشُهُودِ الرُّبُوبِيَّةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إلَّا\n_________\n(^١) وَالحَدِيثُ هُوَ: «التَقَى آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ مُوسَى لِآدَمَ: أنْتَ الَّذِي أَشْقَيتَ النَّاسَ وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الجَنَّةِ؟! قَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللهُ بِرِسَالَتِهِ، وَاصْطَفَاكَ لِنَفْسِهِ، وَأَنْزَلَ عَلَيكَ التَّورَاةَ؟! قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَوَجَدْتَهَا كُتِبَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي؟ قَالَ: نَعَمْ. فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى». البُخَارِيُّ (٤٧٣٦)، وَمُسْلِمٌ (٢٦٥٢) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.\nوَمَعْنَى (فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى): أَي: غَلَبَهُ بِالحُجَّةِ.","vol":"2","page":408},{"text":"بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَوْ غَيْرُهُ: هُوَ الرَّجُلُ تُصِيبُهُ المُصِيبَةُ فَيَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَيَرْضَى وَيُسَلِّمُ\" (^١).\n٢ - أَنَّ احْتِجَاجَ آدَمَ ﵊ لَوْ كَانَ بِالقَدَرِ عَلَى وُقُوعِ المَعْصِيَةِ؛ فَإِنَّهُ لَا حَرَجَ فِيهِ هُنَا لِأَنَّهُ احْتِجَاجٌ بَعْدَ التَّوبَةِ مِنْهَا وَلَيسَ مَعَ المَعْصِيَةِ! وَعَلِيهِ فَلَا إِشْكَالَ فِي الاحْتِجَاجِ بِالقَدَرِ لِأَنَّه لَا يُبَرِّرُ مُحَرَّمًا وَلَا يَمْنَعُ وَاجِبًا، وَهُوَ دَلِيلُ ضَعْفِ العَبْدِ وَافْتِقَارِهِ إِلَى رَبِّهِ فِي كُلِّ أَمْرِهِ حَتَّى فِي حِفْظِهِ مِنْ شَرِّ نَفْسِهِ. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.\nقَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ ﵀: \"وَقَدْ يَتَوَجَّهُ جَوَابٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الاحْتِجَاجَ بِالقَدَرِ عَلَى الذَّنْبِ يَنْفَعُ فِي مَوضِعٍ وَيَضُرُّ فِي مَوضِعٍ، فَيَنْفَعُ إِذَا احْتُجَّ بِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ وَالتَّوبَةِ مِنْهُ وَتَرْكِ مُعَاوَدَتِهِ -كَمَا فَعَلَ آدَمُ-، فَيَكُونُ فِي ذِكْرِ القَدَرِ إِذْ ذَاكَ مِنَ التَّوحِيدِ وَمَعْرِفَةِ أَسْمَاءِ الرَّبِّ وَصِفَاتِهِ وَذِكْرِهَا مَا يَنْتَفِعُ بِهِ الذَّاكِرُ وَالسَّامِعُ، لِأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ بِالقَدَرِ أَمْرًا وَلَا نَهْيًا وَلَا يُبْطِلُ بِهِ شَرِيعَةً! بَلْ يُخْبِرُ بِالحَقِّ المَحْضِ عَلَى وَجْهِ التَّوحِيدِ وَالبَرَاءَةِ مِنَ الحَولِ وَالقُوَّةِ\" (^٢).\n_________\n(^١) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (٨/ ٣١٩).\nقُلْتُ: وَأَمَّا الأَثَرُ الأَخِيرُ؛ فَفِي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ (٢٣/ ١٢) عَنْ عَلْقَمَةَ.\n(^٢) شِفَاءُ العَلِيلِ (ص ١٨).","vol":"2","page":409},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-427> المَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: إِذَا كَانَ الشَّرُّ لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى اللهِ تَعَالَى؛ فَمَا الجَوَابُ عَنِ الحَدِيثِ المَعْرُوفِ: «وَتَؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ»؟</span>\nالجَوَابُ:\nإِنَّ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ إِلَيهِ تَعَالَى هُوَ الشَّرُّ الَّذِي هُوَ مِنْ جِهَةِ الأَفْعَالِ -أَي: نَفْسِ فِعْلِهِ تَعَالَى-، وَفي الحَدِيثِ: «والشَّرُّ لَيسَ إِلَيكَ» (^١)، وَلَكِنَّهُ يُنْسَبُ إِلَيهِ تَعَالَى خَلْقًا وَمَشِيئَةً؛ إِذْ لَا يَحْصُلُ فِي مُلْكِهِ تَعَالَى إِلَّا مَا شَاءَ وَأَذِنَ بِهِ سُبْحَانَهُ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ الحَكِيمُ (^٢)، وَلَهُ فِي ذَلِكَ الحِكْمَةُ البَالِغَةُ، وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيرِ فِتْنَةً وَإِلَينَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٣٥] فَظَاهِرٌ مِنَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أَنَّ الإِنْسَانَ مَخْلُوقٌ لِلابْتِلَاءِ بِالشَّرِّ وَالخَيرِ، وَلَكِنَّهُ رَاجِعٌ لَا مَحَالَةَ إِلَى اللهِ تَعَالَى فَمُجَازِيهِ عَلَى مَا عَمِلَ فِي ابْتِلَائِهِ.\nوَأَمَّا قَولُهُ ﵊ فِي الحَدِيثِ: «وَتَؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ» فَيُقْصَدُ بِهِ المَقْدُورُ أَوِ القَضَاءُ الَّذِي هُوَ المَخْلُوقُ وَلَيسَ نَفْسَ تَقْدِيرِ اللهِ تَعَالَى، فَهُوَ كُلُّهُ خَيرٌ، وَالقَدَرُ وَالقَضَاءُ هُمَا مِنَ الأَلْفَاظِ المُشْتَرَكَةِ الَّتِي إِذَا اجْتَمَعَتْ افْتَرَقَتْ؛ وَإِذَا افْتَرَقَتْ اجْتَمَعَتْ (^٣)\n_________\n(^١) وَهُوَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٧٧١).\n(^٢) قَالَ الإِمَامُ أَبُو الحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ ﵀: \"وَيَقُولُونَ: إِنَّ اللهَ لَمْ يَأْمُرْ بِالشَّرِّ، بَلْ نَهَى عَنْهُ وَأَمَرَ بِالَخيرِ، وَلَمْ يَرْضَ بِالشَّرِّ وَإِنْ كَانَ مُرِيدًا لَهُ\". مَقَالَاتُ الإِسْلَامِييَن (١/ ٢٢٨).\n(^٣) قَالَ فِي لِسَانِ العَرَبِ (١٥/ ١٨٦): \"وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: القَضَاءُ فِي اللُّغَةِ عَلَى وُجُوهٍ مَرْجِعُهَا إِلَى انْقِطَاعِ الشَّيءِ وَتَمَامِهِ. وَكُلُّ مَا أُحْكِمَ عَمَلُهُ أَو أُتِمَّ أَو خُتِمَ أَو أُدِّيَ أَدَاءً أَو أُوجِبَ أَو أُعْلِمَ أَو أُنْفِذَ أَو أُمْضِيَ فَقَدْ قُضِيَ. قَالَ: وَقَدْ جَاءَتْ هَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّهَا فِي الحَدِيثِ، وَمِنْهُ القَضَاءُ المَقْرُونُ بِالقَدَرِ، وَالمُرَادُ بِالقَدَرِ\n=","vol":"2","page":410},{"text":"_________\n=\nالتَّقْدِيرُ، وَبِالقَضَاءِ الخَلْقُ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ أَي: خَلَقَهُنَّ، فَالقَضَاءُ وَالقَدَرُ أَمْرَانِ مُتَلَازِمَانِ لَا يَنْفَكُّ أَحَدُهُمَا عَنِ الآخَرِ، لِأَنَّ أَحَدَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الأَسَاسِ وَهُوَ القَدَرُ، وَالآخَرُ بِمَنْزِلَةِ البِنَاءِ وَهُوَ القَضَاءُ، فَمَنْ رَامَ الفَصْلَ بَينَهُمَا فَقَدْ رَامَ هَدْمَ البِنَاءِ وَنَقْضَهُ\".\nوَقَالَ الشَّيخُ عَبْدُ الرَّحْمَن ِبْنِ حَسَن آلِ الشَّيخِ ﵀ فِي كِتَابِ الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ فِي الأَجْوِبَةِ النَّجْدِيَّةِ (٣/ ٢١٣): \"وَأَمَّا سُؤَالُهُ عَنِ الفَرْقِ بَينَ القَضَاءِ وَالقَدَرِ؟ فَالقَدَرُ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الإِيمَانِ، كَمَا فِي سُؤَالِ جِبْرِيلَ ﵇، وَمَا أَجَابَهُ بِهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ سَأَلَهُ، قَالَ: «الإِيمَانُ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاليَومِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرَّهِ»، وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ القَلَم، فَقَالَ لَهُ: اُكْتُبْ، فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ» أَي: جَرَى بِمَا يَكُونُ مِمَّا يَعْلَمُ اللهُ تَعَالَى، فَإِنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ، وَمَا لَمْ يَكُنْ؛ لَو كَانَ كَيفَ يَكُونُ، ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سَبَأ: ٣].\nوَأَمَّا القَضَاءُ: فَيُطْلَقُ فِي القُرْآنِ وَيُرَادُ بِهِ إِيجَادُ المُقَدَّرِ، كَقَولِهِ: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَينِ﴾ [فُصِّلَت: ١٢]، وَقَولِهِ: ﴿فَلَمَّا قَضَينَا عَلَيهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ [سَبَأ: ١٤].\nوَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الإِخْبَارُ بِمَا سَيَقَعُ مِمَّا قَدَّرَ، كَقَولِهِ: ﴿وَقَضَينَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [الإِسْرَاءُ: ٤]، أَخْبَرَهُم فِي كِتَابِهِم أَنَّهُم يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ مَرَّتَينِ.\nوَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الأَمْرُ وَالوَصِيَّةُ، كَمَا قَالَ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإِسْرَاء: ٢٣ - أَي: أَمَرَ وَوَصَّى.\nوَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الحُكْمُ، كَقَولِهِ: ﴿وَقُضِيَ بَينَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الزُّمَر: ٦٩).\nوَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ القَدَرُ، وَنَحْو ذَلِكَ\".\nوَقَالَ الشَّيخُ العَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ فِي كِتَابِهِ شرْحُ العَقِيدَةِ الوَاسِطِيَّةِ (٢/ ١٨٧): \"وَلِهَذَا نَقُولُ: إِنَّ القَضَاءَ وَالقَدَرَ مُتَبَايِنَانِ إِنْ اجْتَمَعَا، وَمُتَرَادِفَانِ إِنْ تَفَرَّقَا؛ عَلَى حَدِّ قَولِ العُلَمَاءِ: هُمَا كَلِمَتَانِ إِنْ اجْتَمَعَتَا افْتَرَقَتَا، وَإِنْ افْتَرَقَتَا اجْتَمَعَتَا. فَإِذَا قِيلَ: هَذَا قَدَرُ اللهِ؛ فَهُوَ شَامِلٌ لِلقَضَاءِ، أَمَّا إِذَا ذُكِرَا جَمِيعًا؛ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعْنًى.\nفَالتَّقْدِيرُ: هُوَ مَا قَدَّرَهُ اللهُ تَعَالَى فِي الأَزَلِ أَنْ يَكُونَ فِي خَلْقِهِ، وَأَمَّا القَضَاءُ: فَهُوَ مَا قَضَى بِهِ اللهُ ﷾ فِي خَلْقِهِ مِنْ إِيجَادٍ أَو إِعْدَامٍ أَو تَغْيِيرٍ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّقْدِيرُ سَابِقًا\".\n=","vol":"2","page":4110},{"text":". . . . . (^١).\nوَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ اسْمَ مَا تَوَلَّدَ مِنَ الشَيءِ عَلَى الشَيءِ، وَتُطْلِقُ الصِّفَةَ عَلَى المَفْعُولِ، كَقَولِكَ عَنِ المَقْدُورِ: هَذِهِ قُدْرَةُ اللهِ، فَمِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ يُمْكِنُ\n_________\n=\nوَقَالَ الشَّيخُ صَالِحُ آلِ الشَّيخِ حَفِظَهُ اللهُ فِي شَرْحِ العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ -شَرِيط رَقَم (٣١) -: \"قَالَ: «وَالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ، وَحُلْوِهِ وَمُرِّهِ مِنَ اللهِ تَعَالَى» وَالخَيرُ وَالشَّرُّ وَالحُلْوُ وَالمُرُّ فِي القَدَرْ: المَقْصُودُ بِهِ مَا يُضَافُ لِلعَبْدِ مِنَ القَدَرِ -يَعْنِي: المَقْدُور- فَالقَدَرُ لَهُ جِهَتَانِ:\nأ- جِهَةٌ صِفَةُ اللهِ وَفِعْلُ اللهِ: وَهَذِهِ مُرْتَبِطَةٌ بِعَدَدٍ مِنْ صِفَاتِ الرَّبِّ: أَوَّلُهَا: العِلْمُ، وَالثَّانِي: الكِتَابَةُ وَالمَشِيئَةُ وَالخَلْقُ وَالحِكْمَةُ وَهِيَ وَضْعُ الأُمُورِ مَوَاضِعَهَا اللَّائِقَةَ بِهَا المُوَافِقَةَ لِلغَايَاتِ المَحْمُودَةِ مِنْهَا، وَالعَدْلُ فِي حُكْمِهِ تَعَالَى القَدَرِيِّ؛ وَهُوَ وَضْعُ الأُمُورِ وَالمَقَادِيرِ فِي مَوَاضِعِهَا، هَذِهِ جِهَةٌ تَتَعَلَّقُ بِاللهِ تَعَالَى.\nب- جِهَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالعَبْدِ: وَهِيَ المَقْدُورُ: وُقُوعُ المَقْدُورِ؛ وُقُوعُ المُقَدَّرِ عَلَيهِ؛ وُقُوعُ القَدَرِ عَلَيهِ؛ أَو حُصُولُ القَدَرِ، وَهَذِهِ تُسَمَّى المَقْدُورَ، وَتُسَمَّى القَضَاءَ كَمَا أَسْلَفْنَا لَكُم فِي الفَرْقِ مَا بَينَ القَدَرِ وَالقَضَاءِ. هَذَا المُقَدَّرُ هُوَ الَّذِي يَنْقَسِمُ إِلَى خَيرٍ وَشَرٍّ وَإِلى حُلْوٍ وَمُرٍّ\".\n(^١) قُلْتُ: وَعَلَيهِ؛ فَإِنَّ مَا اشْتُهِرَ فِي دُعَاءِ القُنُوتِ عِنْدَ العَامَّةِ بِقَولِهِم: (وَقِنِا شَرَّ وَسُوءَ مَا قَدَّرْتَ وَقَضَيتَ) يَكُونُ مُنْكَرًا؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الشَّرَّ وَالسُّوءَ فِي تَقْدِيرِ اللهِ نَفْسِهِ الَّذِي هُوَ فِعْلُهُ تَعَالَى -وَفِعْلُهُ كُلُّهُ خَيرٌ كَمَا سَلَفَ-، وَأَمَّا جَعْلُهُ فِي القَضَاءِ أَيضًا -الَّذِي هُوَ المَقْدُورُ-؛ فَهَذَا صَحِيحٌ لَا رَيبَ فِيهِ، فَالمَحْظُورُ وَقَعَ هُنَا عِنْدَمَا جُمِعَ بَينَ القَضَاءِ وَالقَدَرِ فِي مَوطِنٍ وَاحِدٍ مَعَ نِسْبَةِ السُّوءِ وَالشَّرِّ إِلَيهِمَا جَمِيعًا.\nوَأَمَّا الدُّعَاءُ المَسْنُونُ فَهُوَ بِلَفْظِ: «وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيتَ» فَقَط؛ كَمَا تَجِدُهُ فِي سُنَنِ أَبي دَاوُدَ (١٤٢٥)؛ فَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّهِ الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى، وَصَدَقَ الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ حِينَ قَالَ: (الاقْتِصَادُ فِي السُّنَّةِ خَيرٌ مِنَ الاجْتِهَادِ فِي البِدْعَةِ). رَوَاهُ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ (٣٥٢)، وَصَحَّحَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى حَدِيثِ الضَّعِيفَةِ (٣٩١٧).\nوَقَرِيبٌ مِنَ الدُّعَاءِ السَّابِقِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيرَةَ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جَهْدِ البَلاءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ القَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ». البُخَارِيُّ (٦٦١٦).","vol":"2","page":412},{"text":"التَّعْبِيرُ عَنِ المَفْعُولِ بِالصِّفَةِ لِأَنَّهُ نَاجِمٌ عَنْهَا، فَالقَدَرُ يُطْلَقُ عَلَى نَفْسِ تَقْدِيرِ اللهِ تَعَالَى -وَهَذَا مُلَازِمٌ لِحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَعِلْمِهِ سُبْحَانَهُ- وَهَذَا كُلُّهُ خَيرٌ؛ لَيسَ فِيهِ شَرٌّ مُطْلَقًا، وَأَيضًا يُطْلَقُ القَدَرُ عَلَى المَقْدُورِ، وَهُوَ المُفْعُولِ مِنْهُ ﷾ فِي خَلْقِهِ -وَهَذَا هُوَ الَّذِي فِيهِ الخَيرُ وَالشَّرُّ-، لِأَنَّهُ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ ابْتِلَاءِ اللهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ بِالخَيرِ وَالشَّرِّ، كَمَا سَبَقَ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيرِ فِتْنَةً وَإِلَينَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٣٥]، فَيَظْهَرُ فِيهِ -مَآلًا- فَضْلُهُ تَعَالَى مَعَ المُطِيعِ، وَعَدْلُهُ مَعَ العَاصِي، وَكُلُّ ذَلِكَ خَيرٌ فِي حَقِيقَتِهِ (^١).\nوَقَدْ أَشَارَ البُخَارِيُّ ﵀ إِلَى نَحْوِ ذَلِكَ في صَحِيحِهِ فَقَالَ: \"بَابُ مَا جَاءَ فِي تَخْلِيقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَغَيرِهَا مِنَ الخَلَائِقِ، وَهُوَ فِعْلُ الرَّبِّ ﵎ وَأَمْرُهُ، فَالرَّبُّ بِصِفَاتِهِ وَفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ وَكَلَامِهِ؛ وَهُوَ الخَالِقُ المُكَوِّنُ: غَيرُ مَخْلُوقٍ، وَمَا كَانَ بِفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ وَتَخْلِيقِهِ وَتَكْوِينِهِ فَهُوَ مَفْعُولٌ مَخْلُوقٌ مُكَوَّنٌ) (^٢).\n_________\n(^١) وَلِتَمَامِ الفَائِدَةِ فِي بَيَانِ أَنَّ الصِّفَةَ تُطْلَقُ عَلَى المَفْعُولِ؛ رَاجِعِ الفَوَائِدَ فِي شَرْحِ بَابِ (فَضْلِ التَّوحِيدِ وَمَا يُكَفَّرُ مِنَ الذُّنُوبِ) مِنْ كِتَابِنَا هَذَا.\n(^٢) البُخَارِيُّ (٩/ ١٣٤).","vol":"2","page":413},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-428> المَسْأَلَةُ العَاشِرَةُ: أَلَيسَ فِي قَولِهِ ﵊: «اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانوا عَامِلِينَ بِه»</span> (^١)، وَقَولِهِ أَيضًا: «إنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَينَهُ وَبَينَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ؛ فَيَسْبِقُ عَلَيهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ؛ فَيَدْخُلُهَا» (^٢) دِلَالَةٌ عَلَى الاحْتِجَاجِ بِالقَدَرِ عَلَى الأَعْمَالِ؟!\nالجَوَابُ: لَا، وَبَيَانُ ذَلِكَ:\n١ - أَنَّ مَقْصُودَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الحَدِيثِ الأَوَّلِ هُوَ أَنْ لَا تَحْكُمُوا عَلَيهِم بِالنَّارِ بِسَبَبِ كُفْرِ آبَائِهِم إِذْ لَمْ يَبْلُغُوا فَيَكْفُرُوا، وَلَا تَحْكُمُوا عَلَيهِم بِمِيثَاقِ الفِطْرَةِ الَّتِي وُلِدُوا عَلَيهَا؛ لِأَنَّهُم لَمْ يَبْلُغُوا فَيُؤْمِنُوا (^٣).\n_________\n(^١) وَالحَدِيثُ هُوَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَولَادِ المُشْرِكِينَ؛ فَقَالَ: «اللَّهُ إِذْ خَلَقَهُمْ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ». البُخَارِيُّ (٦٥٩٧)، وَمُسْلِمٌ (٢٦٥٩) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا.\nوَمِثْلُهُ مَا رَوَاهُ أَيضًا البُخَارِيُّ (٦٥٩٩) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا: «مَا مِنْ مَولُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ، كَمَا تُنْتِجُونَ البَهِيمَةَ؛ هَلْ تَجِدُونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟! حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَفَرَأَيتَ مَنْ يَمُوتُ -وَهُوَ صَغِيرٌ- قَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ».\n(^٢) وَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: «إنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَومًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إلَيهِ المَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَمْ سَعِيدٍ؛ فَوَ اللهِ الَّذِي لَا إلَهَ غَيرُهُ إنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَينَهُ وَبَينَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ؛ فَيَسْبِقُ عَلَيهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا! وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَينَهُ وَبَينَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ؛ فَيَسْبِقُ عَلَيهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣٣٣٢)، وَمُسْلِمٌ (٢٦٤٣).\n(^٣) أَفَادَهُ ابْنُ قُتَيبَةَ ﵀ كَمَا فِي كَشْفُ المُشْكِلِ مِنْ حَدِيثِ الصَّحِيحَينِ (٢/ ٣٦٦) لِابْنِ الجَوزِيِّ ﵀.\nقُلْتُ: وَيَزِيدُهُ تَأْكِيدًا حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يُؤْتَى بِأَرْبَعَةٍ يَومَ القِيَامَةِ: بِالمَولُودِ، وَبِالمَعْتُوهِ، وَبِمَنْ مَاتَ فِي الفَتْرَةِ، وَالشَّيخِ الفَانِي: كُلُّهُمْ يَتَكَلَّمُ بِحُجَّتِهِ، فَيَقُولُ الرَّبُّ ﵎ لِعُنُقٍ مِنَ النَّارِ: ابْرُزْ. فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنِّي كُنْتُ أَبْعَثُ إِلَى عِبَادِي رُسُلًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ؛ وَإِنِّي رَسُولُ نَفْسِي إِلَيكُمْ، ادْخُلُوا هَذِهِ،\n=","vol":"2","page":414},{"text":"وَأَمَّا حَدِيثُ: وَسُئِلَ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ يُبَيَّتُونَ -مِنَ المُشْرِكِينَ- فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ؛ قَالَ: «هُمْ مِنْهُمْ» (^١) فَالمَقْصٌودٌ بِهِ أَنَّهُم فِي الدُّنْيَا يُعَامَلُونَ مُعَامَلَةَ آبَائِهِم الكُفَّارِ.\n٢ - أَنَّ قَولَهُ فِي الحَدِيثِ الثَّانِي: «فَيَسْبِقُ عَلَيهِ الكِتَابُ» لَا يَعني أنَّهُ أُجْبِرَ عَلَى عَمَلِ أَهْلِ النَّارِ! وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ تَحَوُّلِ عَمَلِ الرَّجُلِ نَفْسِهِ، وَلَكِنَّ عِلْمَ اللهَ تَعَالَى سَابِقٌ لِعَمَلِ الرَّجُلِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «لَا عَلَيكُمْ أَنْ لَا تَعْجَبُوا بِأَحَدٍ حَتَّى تَنْظُرُوا بِمَ يُخْتَمُ لَهُ؛ فَإِنَّ العَامِلَ يَعْمَلُ زَمَانًا مِنْ عُمْرِهِ أَو بُرْهَةً مِنْ دَهْرِهِ بِعَمَلٍ صَالِحٍ لَو مَاتَ عَلَيهِ دَخَلَ الجَنَّةَ؛ ثُمَّ يَتَحَوَّلُ فَيَعْمَلُ عَمَلًا سَيِّئًا! وَإِنَّ العَبْدَ لَيَعْمَلُ البُرْهَةَ مِنْ دَهْرِهِ بِعَمَلٍ سَيِّءٍ لَو مَاتَ عَلَيهِ دَخَلَ النَّارَ؛ ثُمَّ يَتَحَوَّلُ فَيَعْمَلُ عَمَلًا صَالِحًا! وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدٍ خَيرًا اسْتَعْمَلَهُ قَبْلَ مَوتِهِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيفَ يَسْتَعْمِلُهُ؟ قَالَ: «يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ ثُمَّ يَقْبِضُهُ عَلَيهِ» (^٢).\n_________\n=\nفَيَقُولُ مَنْ كُتِبَ عَلَيهِ الشَّقَاءُ: يَا رَبِّ؛ أَينَ نَدْخُلُهَا وَمِنْهَا كُنَّا نَفِرُّ؟! قَالَ: وَمَنْ كُتِبَتْ عَلَيهِ السَّعَادَةُ يَمْضِي، فَيَتَقَحَّمُ فِيهَا مُسْرِعًا، قَالَ: فَيَقُولُ ﵎: أَنْتُمْ لِرُسُلِي أَشَدُّ تَكْذِيبًا وَمَعْصِيَةً، فَيُدْخِلُ هَؤُلَاءِ الجَنَّةَ، وَهَؤُلَاءِ النَّارَ». صَحِيحٌ. مُسْنَدُ أَبِي يَعْلَى (٤٢٢٤). الصَّحِيحَةُ (٢٤٦٨).\n(^١) البُخَارِيُّ (٣٠١٣)، وَمُسْلِمٌ (١٧٤٥) عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ مَرْفُوعًا.\n(^٢) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١٢٢١٤) عَنْ أَنَس مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (١٣٣٤).","vol":"2","page":415},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-429> المَسْأَلَةُ الحَادِيَةَ عَشَرَةَ: قَولُهُ تَعَالَى فِي الحَدِيثِ القُدُسِيِّ: «كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيتُهُ» (^١) يُشْكِلُ مَعَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ المَرْفُوعِ:</span> «كُلُّ مَولُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ فأَبَوَاه يُهَوِّدَانِهِ، أَو يُنَصِّرَانِهِ، أَو يُمَجِّسَانِهِ» (^٢) مِنْ جِهَةِ حُصُولِ الهِدَايَةِ ابْتِدَاءً؛ فَمَا الجَوَابُ؟\nالجَوَابُ هُوَ مِنْ وَجْهَينِ:\n١ - أَنَّ الخِطَابَ فِي الحَدِيثِ الأَوَّلِ هُوَ عَنِ المُكَلَّفِينَ الَّذِينَ تَبَيَّنَ سَعْيُهُم، وَاخْتَارُوا طَرِيقَهُم، بَينَمَا الحَدِيثُ الآخَرُ: الكَلَامُ فِيهِ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُكَلَّفُوا بَعْدُ.\n٢ - أَنَّ مَعْنَى الفِطْرَةِ فِي هَذَا الحَدِيثِ الثَّانِي هُوَ الاسْتِعْدَادُ لِقَبُولِ الإِسْلَامِ؛ وَلَيسَ هُوَ نَفْسَ الإِسْلَامِ.\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: \"قَدْ ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مُعَارِضٌ لِحَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «يَقُولُ اللهُ ﷿: خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ -وَفِي رِوَايَةٍ: مُسْلِمِينَ- فَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ» وَلَيسَ كَذَلِكَ! فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ بَنِي آدَمَ، وَفَطَرَهُمْ عَلَى قَبُولِ الإِسْلَامِ، وَالمَيلِ إِلَيهِ دُونَ غَيرِهِ، وَالتَّهَيُّؤِ لِذَلِكَ، وَالِاسْتِعْدَادِ لَهُ بِالقُوَّةِ، لَكِنْ لَا بُدَّ لِلْعَبْدِ مِنْ تَعْلِيمِ الإِسْلَامِ بِالفِعْلِ؛ فَإِنَّهُ قَبْلَ التَّعْلِيمِ جَاهِلٌ لَا يَعْلَمُ شَيئًا، كَمَا قَالَ ﷿: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيئًا﴾ [النَّحْل: ٧٨]، وَقَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضُّحَى: ٧]، وَالمُرَادُ: وَجَدَكَ غَيرَ عَالِمٍ بِمَا عَلَّمَكَ مِنَ الكِتَابِ وَالحِكْمَةِ\" (^٣).\n_________\n(^١) رَوَاهُ أَبُو ذَرٍّ مَرْفُوعًا، وَهُوَ قُدُسِيٌّ. صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٢٥٧٧).\n(^٢) البُخَارِيُّ (١٣٥٨)، وَمُسْلِمٌ (٢٦٥٨).\n(^٣) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ٣٩).\nقُلْتُ: وَحَدِيثُ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ هُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٢٨٦٥) مَرْفُوعًا.","vol":"2","page":416},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-430> المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشَرَةَ: مَا حُكْمُ قَولِ القَائِلِ: \"حَصَلَ هَذَا الأَمْرُ الفُلَانِيُّ صُدْفَةً\"؟</span>\nالجَوَابُ:\nحُكْمُهُ يَخْتَلِفُ بِحَسْبِ مَنْ يُنْسَبُ إِلَيهِ العَمَلُ، فَإِنْ كَانَ فِي حَقِّ العَبْدِ فَهُوَ صَحِيحٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ العَبْدَ لَا يَعْلَمُ الغَيبَ، وَإِنَّمَا يُجْرِي سَائِرَ أَعْمَالِهِ وُفْقَ ظَنِّهِ فِيهَا، فَهُوَ مِنْ جِهَةِ الوَاقِعِ يُصَادِفُ أَشْيَاءَ بِغَيرِ حُسْبَانٍ لَهَا.\nوَيَشْهَدُ لِذَلِكَ لَفْظُ حَدِيثِ البُخَارِيِّ عَنْ عَلِيٍّ (أَنَّ فَاطِمَةَ ﵂ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ تَشْكُو إِلَيهِ مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنَ الرَّحَى -وَبَلَغَهَا أَنَّهُ جَاءَهُ رَقِيقٌ- فَلَمْ تُصَادِفْهُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ …) إِلَى آخِرِ قِصَّةِ الحَدِيثِ (^١).\nأَمَّا إِنْ كَانَ الأَمْرُ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى كُلّ شَيءٍ عِنْدَهُ مَعْلُومٌ وَهُوَ بِقَدَرٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القَمَر: ٤٩].\n_________\n(^١) صَحِيحُ البُخَارِيِّ (٥٣٦١).","vol":"2","page":417},{"text":"<span data-type='title' id=toc-431>المُلْحَقُ العَاشِرُ عَلَى كِتَابِ التَّوحِيدِ: لَمْحَةٌ عَنِ الفِرَقِ الضَّالَّةِ فِي العَقِيدَةِ </span>(^١)\n<span data-type='title' id=toc-432>مُقَدِّمَةٌ:</span>\nعَنْ حُذَيفَةَ بْنِ اليَمَانِ؛ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الخَيرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللهُ بِهَذَا الخَيرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الخَيرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: «نَعَمْ». قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيرٍ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ». قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: «قَومٌ يَهْدُونَ بِغَيرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ». قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الخَيرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيهَا قَذَفُوهُ فِيهَا». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ صِفْهُمْ لَنَا. فَقَالَ: «هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا». قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: «تَلْزَمُ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ». قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟ قَالَ: «فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّهَا وَلَو أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ المَوتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^٢) (^٣).\n_________\n(^١) وَهِيَ عَلَى سَبِيلِ الاخْتِصَارِ وَالإِجْمَالِ إِثْرَاءً لِشَرْحِ كِتَابِ التَّوحِيدِ.\n(^٢) البُخَارِيُّ (٧٠٨٤).\nوَفِي رِوَايَةٍ: «فَإِنْ لَمْ تَرَ خَلِيفَةً؛ فَاهْرُبْ فِي الأَرْضِ حَتَّى يُدْرِكَكَ المَوتُ وَأَنْتَ عَاضٌّ عَلَى جِذْلِ شَجَرَةٍ». رَوَاهُ أَبْو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ (٤٤٤). الصَّحِيحَةُ (٢٧٣٩).\n(^٣) قَالَ ابْنُ بَطَّال ﵀ -عِنْدَ بَابِ: كَيفَ الأَمْرُ إِذَا لَمْ تَكُنْ جَمَاعَةٌ-: \"مُرَادُ البَابِ الحَضُّ عَلَى الاعْتِصَامِ\n=","vol":"2","page":418},{"text":"إِنَّ مَعْرِفَةَ الفِرَقِ وَمَذَاهِبِهَا وَشُبُهَاتِهَا؛ وَمَعْرِفَةَ الفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ -أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ- وَمَا هِيَ عَلَيهِ؛ هُوَ أَمْرٌ ضَرِورِيٌّ لِلمُسْلِمِ، لِأَنَّ هَذِهِ الفِرَقَ الضَّالَّةَ عِنْدَهَا شُبُهَاتٌ ومُغْرَيَاتُ تَضْلِيلٍ؛ قَدْ يَغْتَرُّ الجَاهِلُ بِهَا وَيَنْخَدِعُ؛ فَيَنْتَمِي إِلَيهَا!\nوَقَدْ حَذَّرَنَا النَّبِيُّ ﷺ مِنْهَا، فَعَنِ العِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ؛ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَومٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَينَا فَوَعَظَنَا مَوعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا العُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا القُلُوبُ. فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ كَأَنَّ هَذِهِ مَوعِظَةُ مُوَدِّعٍ! فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَينَا؟ فَقَالَ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا؛ فَعَلَيكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ المَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ\n_________\n=\nبِالجَمَاعَةِ، … وَالمُرَادُ: بِالجَمَاعَةِ أَهْلُ الحَلِّ وَالعَقْدِ مِنْ كُلِّ عَصْرٍ\". اُنْظُرْ كِتَابَ فَتْحُ البَارِي (١٣/ ٣١٦) لِلحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ ﵀.\nوَقَالَ الكِرْمَانِيُّ ﵀: \"مَقْتَضَى الأَمْرِ بِلُزُومِ الجَمَاعَةِ أَنَّهُ يَلْزَمُ المُكَلَّفَ المُتَابَعَةُ لِمَا أَجْمَعَ عَلَيهِ المُجْتَهِدُونَ، وَهُمُ المُرَادُ بِقَولِهِ: وَهُمْ أَهْلُ العِلْمِ\". فَتْحُ البَارِي (١٣/ ٣١٦).\nوَقَالَ التِّرْمِذِيُّ ﵀ فِي سُنَنِهِ (٤/ ٣٧): \"وَتَفْسِيرُ الجَمَاعَةِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ هُمْ: أَهْلُ الفِقْهِ وَالعِلْمِ وَالحَدِيثِ\".\nوَقَالَ البُخَارِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِهِ (٦/ ٢١): \"بَابُ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ وَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِلُزُومِ الجَمَاعَةِ؛ وَهُمْ أَهْلُ العِلْمِ\".\nوَقَالَ أَيضًا ﵀ (٩/ ١٠١): \"بَابُ قَولِ النَّبِيِّ ﷺ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ يُقَاتِلُونَ»؛ وَهُمْ أَهْلُ العِلْمِ\".\nوَبَوَّبَ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٣/ ١٤٧٥): \"بَابُ الأَمْرِ بِلُزُومِ الجَمَاعَةِ عِنْدَ ظُهُورِ الفِتَنِ، وَتَحْذِيرِ الدُّعَاةِ إِلَى الكُفْرِ\".","vol":"2","page":419},{"text":"مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (^١).\nوَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى مِنْ عَلَامَاتِ رِضَاهُ عَنْ عِبَادِهِ اتِّبَاعَ الصَّحَابَةِ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التَّوبَة: ١٠٠].\nوَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو بْنِ العَاصِ مَرْفُوعًا: «وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً؛ كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً»، قَالُوا: وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «مَا أَنَا عَلَيهِ وَأَصْحَابِي» (^٢).\nوَإِنَّ أُصُولَ البِدَعِ أَرْبَعُ طَوَائِفَ، وَسَائِرُ الثِّنْتَينِ وَالسَّبْعِينَ فِرْقَةً عَنْ هَؤْلَاءِ تَفَرَّقُوا، وَهُمُ: القَدَرِيَّةُ، وَالخَوَارِجُ، وَالرَّوَافِضُ، وَالمُرْجِئَةُ (^٣)، وَسَنَعْرُضُ أَشْهَرَهَا.\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٦٧٦). صَحِيحُ الجَامِعِ (٢٥٤٩).\n(^٢) حَسَنٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٦٤١). صَحِيحُ الجَامِعِ (٩٤٧٤).\n(^٣) انْظُرْ كِتَابَ (الاعْتِصَامُ) (٢/ ٧٢٠) لِلشَّاطِبِيِّ، وَكِتَابَ (فَتْحُ البَارِي) (١٣/ ٣٤٤) لِلحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ رَحِمَهُمَا اللهُ.","vol":"2","page":420},{"text":"<span data-type='title' id=toc-433>الفِرْقَةُ الأُولَى: القَدَرِيَّةُ</span>\n١ - تَعْرِيفُهَا:\nهُمُ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ القَدَرَ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ مَا يَجْرِي فِي هَذَا الكَونِ لَيسَ بِقَدَرٍ وَقَضَاءٍ مِنَ اللهِ تَعَالَى؛ وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ يَحْدُثُ بِفِعْلِ العَبْدِ بُدُونِ سَابِقِ عِلْمٍ وَتَقْدِيرٍ مِنَ اللهِ تَعَالَى (^١)!\nوَقَدْ وَصَفَهُم النَّبِيُّ ﷺ بِمَجُوسِ هَذِهِ الأُمَّةِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «القَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ» (^٢).\nوَأَبْرَزُ دُعَاتِهَا هُمْ دُعَاةُ الاعْتِزَالِ أَنْفُسُهُم؛ لِأَنَّ المُعْتَزِلَةَ قَدَرِيَّةٌ.\n٢ - نَشْأَتُهَا:\n\"رُوِيَ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ ابْتَدَعَهُ بِالعِرَاقِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ البَصْرَةِ يُقَالُ لَهُ: (سِيسَوَيه) مِنْ أَبْنَاءِ المَجُوسِ، وَتَلَقَّاهُ عَنْهُ مَعْبَدٌ الجُهَنِّيُّ. وَيُقَالُ: أَوَّلُ مَا حَدَثَ فِي الحِجَازِ لَمَّا احْتَرَقَتِ الكَعْبَةُ؛ فَقَالَ رَجُلٌ: احْتَرَقَتْ بِقَدَرِ اللهِ تَعَالَى، فَقَالَ آخَرُ: لَمْ يُقَدِّرِ اللهُ هَذَا!\nوَلَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَحَدٌ يُنْكِرُ القَدَرَ، فَلَمَّا ابْتَدَعَ هَؤُلَاءِ\n_________\n(^١) وَقَابَلَتْهُم فِرْقَةُ الجَبْرِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ العَبْدَ مَجْبُورٌ عَلَى فِعْلِهِ، وَلَيسَ لَهُ فِعْلٌ وَلَا اخْتِيَارٌ؛ وَإِنَّمَا هُوَ كَالرِّيشَةِ الَّتِي تُحَرِّكُهَا الرِّيحُ بِغَيرِ اخْتِيَارِهَا!\nقَالَ ابْنُ أَبِي العِزِّ الحَنَفِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ (ص ١١٣): \"وَسُمُّوا قَدَرِيَّةً لِإِنْكَارِهِمُ القَدَرَ، وَكَذَلِكَ تُسَمَّى الجَبْرِيَّةُ المُحْتَجُّونَ بِالقَدَرِ قَدَرِيَّةً أَيضًا، وَالتَّسْمِيَةُ عَلَى الطَّائِفَةِ الأُولَى أَغْلَبُ\".\n(^٢) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٦٩١) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٤٤٤٢).\nوَفِي الحَدِيثِ أَيضًا: «صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَا يَرِدَانِ عَلَيَّ الحَوْضَ: القَدَرِيَّةُ، وَالْمُرْجِئَةِ». السُّنَّةُ لِابْنِ أَبِي عَاصِمٍ (٢/ ٤٦٢)، وَهُوَ صَحِيحٌ. رَاجِعِ الصَّحِيحَةَ (٢٧٤٨).","vol":"2","page":421},{"text":"التَّكْذِيبَ بِالقَدَرِ رَدَّهُ عَلَيهِمْ مَنْ بَقِيَ مِنَ الصَّحَابَةِ كَعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَوَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ\" (^١).\n٣ - أَبْرَزُ بِدَعِهَا:\nأ- أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يُقَدِّرْ عِنْدَهُ مَا هُوَ كَائِنٌ؛ فَلَمْ يَعْلَمْ وَلَمْ يَكْتُبْ عِنْدَهُ -سُبْحَانَهُ- مَا سَيَكُونُ مِنْ أَفْعَالِ العِبَادِ!\nب- أَنَّ مَا يَقَعُ مِنْ مَعَاصِي العِبَادِ لَيسَ بِمَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى!\nجـ- أَنَّ العَبْدَ يَخْلُقُ فِعْلَهُ!\nقَالَ البَيهَقِيُّ ﵀: \"إِنَّمَا سَمَّاهُمْ مَجُوسًا لِمُضَاهَاةِ بَعْضِ مَا يَذْهَبُونَ إِلَيهِ مَذَاهِبَ المَجُوسِ فِي قَولِهِمْ بِالأَصْلَينِ وَهُمَا النُّورُ وَالظُّلْمَةُ، يَزْعُمُونَ أَنَّ الخَيرَ مِنْ فِعْلِ النُّورِ وَأَنَّ الشَّرَّ مِنْ فِعْلِ الظُّلْمَةِ! فَصَارُوا ثَنَوِيَّةً، كَذَلِكَ القَدَرِيَّةُ يُضِيفُونَ الخَيرَ إِلَى اللهِ وَالشَّرَّ إِلَى غَيرِهِ! وَاللَّهُ تَعَالَى خَالِقُ الخَيرِ وَالشَّرِّ، وَالأَمْرَانِ مَعًا مُضَافَانِ إِلَيهِ خَلْقًا وَإِيجَادًا، وَإِلَى الفَاعِلِينَ لَهُمَا مِنْ عِبَادِهِ فِعْلًا وَاكْتِسَابًا. هَذَا قَولُ أَبِي سُلَيمَانَ الخَطَابِيِّ ﵀\" (^٢).\nقُلْتُ: وَهُمْ فِي الحَقِيقةِ فَاقُوا المَجُوسَ فِي هَذِهِ البِدْعَةِ لِأَنَّهُم أَثْبَتُوا خَالِقِينَ كُثُرَ بِعَدَدِ الفَاعِلِينَ مِنَ المَخْلُوقَاتِ!\n_________\n(^١) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (٧/ ٣٨٤).\n(^٢) السُّنَنُ الكُبْرَى (١٠/ ٣٤٩).","vol":"2","page":422},{"text":"<span data-type='title' id=toc-434>الفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ: الخَوَارِجُ</span>\n١ - تَعْرِيفُهَا:\nهُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا عَلَى وَلِيِّ الأَمْرِ فِي آخِرِ عَهْدِ عُثْمَانَ ﵁؛ ونتَجَ عَنْ خُرُوجِهِم قَتْلُ عُثْمَانَ، ثُمَّ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ ﵁ زَادَ شَرُّهُم، وَانْشَقُّوا عَلَيهِ، وَكَفَّرُوهُ (^١)، وَكَفَّرُوا الصَّحَابَةَ لِأَنَّهُم لَمْ يُوَافِقُوهُم عَلَى مَذْهَبِهِم، وَهُمْ يَحْكُمُونَ عَلَى مَنْ خَالَفَهُم فِي مَذْهَبِهِم أَنَّهُ كَافِرٌ.\nوَأَبْرَزُ دُعَاتِهَا هُمْ دُعَاةُ التَّكْفِيرِ بِالكَبِيرَةِ؛ وَالخُرُوجِ عَلَى الوُلَاةِ (^٢) فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ.\n_________\n(^١) كَمَا أَنْشَدَ عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ الخَارِجِيُّ فِي قَاتِل عَلِيٍّ، فَقَالَ:\n\"يَا ضَرْبَةً مِنْ تَقِيٍّ مَا أَرَادَ بهَا … إِلَّا لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي العَرْشِ رِضْوَانًا،\nإِنِّي لَأَذْكُرُهُ حِينًا فَأَحْسِبُهُ … أَوفَى البَريَّةِ عِنْدَ اللهِ مِيزَانًا\".\nأَفَادَهُ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي السِّيَرِ (٤/ ٢١٥) عِنْدَ تَرْجَمَةِ عِمْرَانَ بْنِ حِطَّانَ.\nثُمَّ قَالَ ﵀:\n\"قُلْتُ: وَقَدْ رَدَّ هَذِهِ الأَبْيَاتَ بَعْضُهُم، فَقَالَ:\n\"يَا ضَرْبَةً مِنْ شَقِيٍّ لَمْ يَزَلْ أَبْدًا … بِهَا عَلَيهِ إِلَهُ الخَلْقِ غَضْبَانًا،\nإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّ اللهَ جَاعِلُهُ … أَوفَى البَرِيَّةِ عِنْدَ اللهِ خُسْرَانًا\".\nوَقَالَ غَيرُهُ:\n\"يَا ضَرْبَةً مِنْ شَقِيٍّ مَا أَرَادَ بِهَا … إِلَّا لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي العَرْشِ خُسْرَانًا،\nإِنِّي لَأَذْكُرُهُ حِينًا فَألْعَنُهُ … لَعْنًا وَأَلْعَنُ عِمْرَانَ بْنَ حِطَّانًا\".\n(^٢) بِسَبَبِ مُجَرَّدِ الفِسْقِ.","vol":"2","page":423},{"text":"٢ - نَشْأَتُهَا:\n\"أَوَّلُ البِدَعِ ظُهُورًا فِي الإِسْلَامِ؛ وَأَظْهَرُهَا ذَمًّا فِي السُّنَّةِ وَالآثَارِ: بِدْعَةُ الحَرُورِيَّةِ المَارِقَةِ، فَإِنَّ أَوَّلَهُمْ (^١) قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي وَجْهِهِ: اعْدِلْ يَا مُحَمَّدُ؛ فَإِنَّكَ لَمْ تَعْدِلْ، وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَتْلِهِمْ وَقِتَالِهِمْ، وَقَاتَلَهُمْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ\" (^٢).\n٣ - أَبْرَزُ بِدَعِهَا:\nأ- عَدَمُ التِزَامِ جَمَاعَةِ المُسْلِمينَ.\nب- الخُرُوجُ عَلَى وَلِي الأَمْرِ، وَعَدَمُ طَاعَتِهِ.\nجـ- التَّكْفِيرُ بِالكَبَائِرِ؛ وَأَنَّ صَاحِبَهَا مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ (^٣).\nقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: \"وَأَمَّا الخُرُوجُ عَلَيهِم وَقِتَالُهُم [أَي وُلَاةُ الأُمُورِ] فَحَرَامٌ بِإِجْمَاعِ المُسْلِمِينَ -وَإِنْ كَانُوا فَسَقَةً ظَالِمِينَ-! وَقَدْ تَظَاهَرَتِ الأَحَادِيثُ بِمَعْنَى مَا ذَكَرْتُهُ، وَأَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ أنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ السُّلْطَانُ بِالفِسْقِ\" (^٤).\n_________\n(^١) وَهُوَ ذُو الخُوَيصِرَةِ التَّمِيمِيُّ. كَمَا أَفَادَهُ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ فِي مَجْمُوعِ الفَتَاوَى (٢٨/ ٤٩٦).\n(^٢) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (١٩/ ٧١).\n(^٣) فِي حِينِ أَنَّ أَهْلَ السَّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ يَرَونَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ نَاقِصُ الإِيمَانِ، وَأَنَّهُ لَو دَخَلَ النَّارَ فَهُوَ لَا يَخْلُدُ فِيهَا بِسَبَبِ مَا عِنْدَهُ مِنَ التَّوحِيدِ.\nقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: (مَنْ جَحَدَ مَا أَنْزَلَ اللهُ فَقَدْ كَفَرَ. وَمَنْ أَقَرَّ بِهِ وَلَمْ يَحْكُمْ؛ فَهُوَ ظَالِمٌ فَاسِقٌ). أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ فِي التَّفْسِيرِ (١٠/ ٣٥٧)، وَقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الصَّحِيحَةِ (٢٥٥٢): \"جَيِّدٌ فِي الشَّوَاهِدِ\".\n(^٤) شَرْحُ مُسْلِمٍ (١٢/ ٢٢٩).","vol":"2","page":424},{"text":"قُلْتُ: وَأَمَّا الحَاكِمُ الكَافِرُ؛ فَإِنَّهُ يُطَاعُ فِيمَا هُوَ مِنَ المَعْرُوفِ، كَأَنْظِمَةِ المُرُورِ وَقَوَانِينِ المُؤَسَّسَاتِ العَامَّةِ وَ.... مِمَّا هُوَ ظَاهِرُ فِي المَعْرُوفِ وَالمَصْلَحَةِ العَامَّةِ مِنْ غَيرِ مَعْصِيَةٍ.\nوَفِي فَتَاوَى الشَّيخِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ بَازٍ ﵀:\n\"سُؤَالٌ: مَا حُكْمُ سَنِّ القَوَانِينِ الوَضْعِيَّةِ؟ وَهَلْ يَجُوزُ العَمَلُ بِهَا؟ وَهَلْ يَكْفُرُ الحَاكِمُ بِسَنِّهِ هَذِهِ القَوَانِينَ؟\nجَوَابٌ: إِذَا كَانَ القَانُونُ يُوَافِقُ الشَّرْعَ؛ فَلَا بَأْسَ بِهِ، مِثْلَ أَنْ يَسُنَّ قَانُونًا لِلطُّرُقِ يَنْفَعُ المُسْلِمِينَ وَغَيرَ ذَلِكَ مِنَ الأَشْيَاءِ الَّتِي تَنْفَعُ المُسْلِمِينَ -وَلَيسَ فِيهَا مُخَالَفَةٌ لِلشَّرْعِ- وَلَكِنْ لِتَسْهِيلِ أُمُورِ المُسْلِمِينَ؛ فَلَا بَأْسَ بِهَا.\nأَمَّا القَوَانِينُ الَّتِي تُخَالِفُ الشَّرْعَ؛ فَلَا يَجُوزُ سَنُّهَا، فَإِذَا سَنَّ قَانُونًا يَتَضَمَّنُ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى الزَّانِي، أَو لَا حَدَّ عَلَى السَّارِقِ، أَو لَا حَدَّ عَلَى شَارِبِ الخَمْرِ؛ فَهَذَا قَاُنونٌ بَاطِلٌ، وَإِذَا اسْتَحَلَّهُ الوَالِي كَفَرَ لِكِونِهِ اسْتَحَلَّ مَا يُخَالِفُ النَّصَّ وَالإِجْمَاعَ، وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ اسْتَحَلَّ مَا حَرَّمَ اللهُ مِنَ المُحَرَّمَاتِ المُجْمَعِ عَلَيهَا فَهُوَ يَكْفُرُ بِذَلِكَ.\nسُؤَالٌ: كَيفَ نَتَعَامَلُ مَعَ هَذَا الوَالِي؟\nجَوَابٌ: نُطِيعُهُ فِي المَعْرُوفِ وَلَيسَ فِي المَعْصِيَةِ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِالبَدِيلِ\" (^١).\n_________\n(^١) فَتَاوَى الشَّيخِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ بَازٍ ﵀ (٧/ ١١٩).","vol":"2","page":425},{"text":"<span data-type='title' id=toc-435>الفِرْقَةُ الثَّالِثَةُ: الشِّيعَةُ (الرَّافِضَةُ)</span>\n١ - تَعْرِيفُهَا:\nهُمُ الَّذِينَ يَتَشَيَّعُونَ لِأَهْلِ بَيتِ النَّبِيِّ ﷺ.\nوَالتَّشَيُّعُ فِي الأَصْلِ: الاتِّبَاعُ وَالمُنَاصَرَةُ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الصَّافَّات: ٨٣].\nوَتَفَرَّقَتِ الشِّيعَةُ إِلَى فِرَقٍ كَثِيرَةٍ بَعْضُهَا أَشَدُّ ضَلَالًا مِنْ بَعْضٍ، مِنْهُم: الزَّيدِيَّةُ (^١)، وَالرَّافِضَةُ الإِثْنَا عَشَرِيَّة (^٢)، وَالإِسْمَاعِيلِيَّةُ (^٣)، وَالفَاطِمِيَّةُ (^٤)، وَالقَرَامِطَةُ (^٥)، وَالنُّصَيرِيَّةُ (^٦)؛\n_________\n(^١) فِرْقَةٌ مِنَ الشِّيعَةِ تُنْسَبُ إِلَى زَيدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَينِ ﵃، وَمَذْهَبُهُم هُوَ السَّائِدُ فِي اليَمَنِ، وَهُوَ حَصْرُ الإِمَامَةِ فِي أَولَادِ عَلِيٍ مِنْ فَاطِمَة. المُعْجَمُ الوَسِيطُ (١/ ٤٠٩).\nإِلَّا أَنَّ المَذْهَبَ الزَّيدِيَّ فِي الفُرُوعِ لَا يَخْرُجُ عَنْ إِطَارِ مَدَارِسِ الفِقْهِ الإِسْلَامِيِّ وَمَذَاهِبِهِ، وَمَوَاطِنُ الاخْتِلَافِ بَينَ الزَّيدِيَّةِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ فِي مَسَائِلِ الفُرُوعِ لَا تَكَادُ تُذْكَرُ، وَلَكِنَّهُم افْتَرَقُوا عَنِ الشَّيعَةِ الإِمَامِيَّةِ بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ أَهَمُّهَا: أَنَّهُم يُقِرُّونَ بِخِلَافَةِ أَبي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ وَلَا يَلْعَنُونَهُمَا كَمَا تَفْعَلُ فِرَقُ الشِّيعَةِ! وَيُخَالِفُونَ الشِّيعَةَ فِي زَوَاجِ المُتْعَةِ وَيَسْتَنْكِرُونَهُ، وَلَا يَقُولُونَ بِالغُلُوِّ فِي الأَئِمَّةِ.\n(^٢) يَقُولُونَ بِاثْنَي عَشَرَ إِمَامًا أَوَّلُهُم عَلِيُّ بْنُ أَبي طَالِبٍ وَآخِرُهُم الإِمَامُ المُنْتَظَرُ. المُعْجَمُ الوَسِيطُ (١/ ١٠١).\nوَمِنْ جُمْلَةِ بِدَعِهِم: الإِمَامَةُ، وَالعِصْمَةُ، وَالعِلْمُ اللَّدُنِّيُّ، وَالغَيبَةُ، والرَّجْعَةُ، وَالتَّقِيَّةُ، وَالمُتْعَةُ، وَالبَرَاءَةُ، وَنَقْصُ المُصْحَفِ، وَالنِّيَاحَةُ وَالعَزَاءُ فِي عَاشُورَاء.\n(^٣) فِرْقَةٌ مِنَ البَاطِنِيَّةِ مَنْسُوبَةٌ لِاسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ، يَعْتَقِدُونَ بِإِسْقَاطِ التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ! وَأَنَّ ذَاتَ اللهِ لَا تَقُومُ بِهَا صِفَاتٌ! مُعْجَمُ لُغَةِ الفُقَهَاءِ لِلقَلْعَجِيِّ (ص ١٨).\nوَ(الدَّرْزِيَّةُ): طَائِفَةٌ مِنَ الإِسْمَاعِيلِيَّةِ يُقَدِّسُونَ الحَاكِمَ بِأَمْرِ اللهِ الفَاطِمِيِّ، يُنْسَبُونَ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ؛ عَبْدِ اللهِ الدَّرْزِيِّ. المُعْجَمُ الوَسِيطُ (١/ ٢٧٩).\n(^٤) الدَّولَةُ الفَاطِمِيَّةُ: دَولَةٌ يَزْعُمُ خُلَفَاؤُهَا أَنَّهُم يَنْتَسِبُونَ إِلَى السَّيِّدَةِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ.\n(^٥) نَشَأَتْ بِالعِرَاقِ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمائَتَينِ لِلهِجْرَةِ، وَمِنْ مَبَادِئِهَا: الإِبَاحِيَّةُ. مُعْجَمُ لُغَةِ الفُقَهَاءِ لِلقَلْعَجِيِّ (ص ٣٦٠).\n(^٦) فِرْقَةٌ مِنْ غُلَاةِ الشِّيعَةِ، يَقُولُونَ بِأُلُوهِيَّةِ عَلِيِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ! وَبِتَنَاسُخِ الأَرْوَاحِ! وَبِإِنْكَارِ اليَومِ الآخِرِ! وَيُعْرَفُونَ اليَومَ بِاسْمِ (العَلَوِيِّينَ)، وُهُوَ الاسْمُ الَّذِي أَطْلَقُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِم إِبَّانَ الحُكْمِ الفَرَنْسِيِّ لِسُورِيَّا فِي النِّصْفِ الأَوَّلِ مِنَ القَرْنِ العِشْرِين، وَيَسْكُنُونَ الجُزْءَ الشَّمَالِيَّ الغَرْبِيَّ مِنْ سُورِيَّا. مُعْجَمُ لُغَةِ الفُقَهَاءِ لِلقَلْعَجِيِّ (ص ٤٨١).","vol":"2","page":426},{"text":"عَدَدٌ كَبِيرٌ، وَفِرَقٌ كَثِيرَةٌ.\n٢ - نَشْأَتُهَا:\n\"أَصْلُ الرَّفْضِ إِنَّمَا أَحْدَثَهُ مُنَافِقٌ زِنْدِيقٌ، قَصْدُهُ إِبْطَالُ دِينِ الإِسْلَامِ وَالقَدْحُ فِي الرَّسُولِ ﷺ! كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ العُلَمَاءُ، فَإِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَبَأٍ لَمَّا أَظْهَرَ الإِسْلَامَ أَرَادَ أَنْ يُفْسِدَ دِينَ الإِسْلَامِ بِمَكْرِهِ وَخُبْثِهِ كَمَا فَعَلَ بُولِسُ بِدِينِ النَّصْرَانِيَّةِ، فَأَظْهَرَ التَّنَسُّكَ، ثُمَّ أَظْهَرَ الأَمْرَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ، حَتَّى سَعَى فِي فِتْنَةِ عُثْمَانَ وَقَتْلِهِ، ثُمَّ لَمَّا قَدِمَ عَلى الكُوفَةِ أَظْهَرَ الغُلُوَّ فِي عَلِيٍّ وَالنَّصْرَ لَهُ لِيَتَمَكَّنَ بِذَلِكَ مِنْ أَغْرَاضِهِ، وَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَطَلَبَ قَتْلَهُ، فَهَرَبَ مِنْهُ\" (^١).\n٣ - أَبْرَزُ بِدَعِ الرَّافِضَةِ الإِمَامِيَّةِ:\nأ- أَنَّ عَلِيًّا هُوَ الوَصِيُ بَعْدَ الرَّسُولِ ﷺ عَلَى الخِلَافَةِ؛ وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَالصَّحَابَةَ؛ ظَلَمُوا عَلِيًّا، وَاغْتَصَبُوا الخِلَافَةَ مِنْهُ!\nب- كُفْرُ الصَّحَابَةِ إِلَّا عَدَدًا قَلِيلًا مِنْهُم! وَصَارُوا يَلْعَنُونَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَيُلَقِّبُونَهُمَا بِصَنَمَي قُرَيشٍ!\nجـ- الغُلُوُّ فِي آلِ البَيتِ (^٢)، وَإِعْطَائُهُم حَقَّ التَّشْرِيعِ وَالنَّسْخِ!\n_________\n(^١) شَرْحُ العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ لِابْنِ أَبي العِزِّ الحَنَفِيِّ (ص ٤٩٠).\n(^٢) وَكَثِيرٌ مِنْهُم يُقَدِّمُونَ لَهُم الوَانًا مِنَ العِبَادَاتِ كَالطَّوَافِ بِقُبُورِهِم، وَالاسْتِغَاثَةِ بِهِم؛ بَل وَالسُّجُودِ لَهُم عِنْدَ قُبُورِهِم.","vol":"2","page":427},{"text":"<span data-type='title' id=toc-436>الفِرْقَةُ الرَّابِعَةُ: الجَهْمِيَّةُ</span>\n١ - تَعْرِيفُهَا:\n\"هُمْ نُفَاةُ صِفَاتِ اللهِ؛ المُتَّبِعُونَ لِلصَّابِئَةِ الضَّالَّةِ\" (^١).\n٢ - نَشْأَتُهَا:\n\"إِنَّ أَوَّلَ مَنْ حُفِظَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ هَذِهِ المَقَالَةَ فِي الإِسْلَامِ -أَعْنِي أَنَّ اللهَ ﷾ لَيسَ عَلَى العَرْشِ حَقِيقَةً وَأَنَّ مَعْنَى اسْتَوَى بِمَعْنَى: اسْتَولَى وَنَحْوَ ذَلِكَ- هُوَ الجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ (^٢)،\n_________\n(^١) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (١٢/ ٣٥٨).\nوَقَالَ فِي المُعْجَمُ الوَسِيطُ (١/ ١٤٤): \"الجَهْمِيَّةُ: طَائِفَةٌ مِنَ الخَوَارِجِ مِنَ المُرْجِئَةِ\".\nوَقَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ تَذْكِرَةُ الحُفَّاظِ (١/ ١٩١): \"وَفي هَذَا الزَّمَانِ [أَي: الطَّبَقَةَ الثَّالِثَةَ مِنَ التَّابِعِينَ] ظَهَرَ بِالبَصْرَةِ عَمْرو بْنُ عُبَيدٍ العَابِدُ، وَوَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ الغَزَّالُ، وَدَعَوا النَّاسَ إِلَى الاعْتِزَالِ وَالقَولِ بِالقَدَرِ، وَظَهَرَ بِخُرَاسَان الجَهْمُ بْنُ صَفْوَان وَدَعَا إِلَى تَعْطِيلِ الرَّبِّ ﷿؛ وَخَلْقِ القُرْآنِ\".\n(^٢) قَالَ ابْنُ أَبِي العِزِّ الحَنَفِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ (ص ٥٢٢): \"وَالجَهْمِيَّةُ: هُمُ المُنْتَسِبُونَ إِلَى جَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ السَّمَرْقَنْدِيِّ، وَهُوَ الَّذِي أَظْهَرَ نَفْيَ الصِّفَاتِ وَالتَّعْطِيلَ، وَهُوَ أَخَذَ ذَلِكَ عَنِ الجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ الَّذِي ضَحَّى بِهِ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ القَسْرِيُّ بِوَاسِطَ؛ فَإِنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ فِي يَومِ عِيدِ الأَضْحَى، وَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، ضَحُّوا تَقَبَّلَ اللهُ ضَحَايَاكُمْ؛ فَإِنِّي مُضَحٍّ بِالجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ، إِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللهَ لَمْ يَتَّخِذْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَلَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا! تَعَالَى اللهُ عَمَّا يَقُولُ الجَعْدُ عُلُوًّا كَبِيرًا، ثُمَّ نَزَلَ فَذَبَحَهُ. وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ اسْتِفْتَاءِ عُلَمَاءِ زَمَانِهِ، وَهُمُ السَّلَفُ الصَّالِحُ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى.\nوَكَانَ الجَهْمُ بَعْدَهُ بِخُرَاسَانَ؛ فَأَظْهَرَ مَقَالَتَهُ هُنَاكَ، وَتَبِعَهُ عَلَيهَا نَاسٌ؛ بَعْدَ أَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ أَرْبَعِينَ يَومًا شَكًّا فِي رَبِّهِ! وَكَانَ ذَلِكَ لِمُنَاظَرَتِهِ قَومًا مِنَ المُشْرِكِينَ، يُقَالُ لَهُمُ السُّمَنِيَّةُ -مِنْ فَلَاسِفَةِ الهِنْدِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ مِنَ العِلْمِ مَا سِوَى الحِسِّيَّاتِ-، قَالُوا لَهُ: هَذَا رَبُّكَ الَّذِي تَعْبُدُهُ؛ هَلْ يُرَى أَو يُشَمُّ أَو يُذَاقُ أَو يُلْمَسُ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَالُوا: هُوَ مَعْدُومٌ!! فَبَقِيَ أَرْبَعِينَ يَومًا لَا يَعْبُدُ شَيئًا، ثُمَّ لَمَّا خَلَا قَلْبُهُ مِنْ مَعْبُودٍ يُؤَلِّهُهُ، نَقَشَ الشَّيطَانُ اعْتِقَادًا نَحَتَهُ فِكْرُهُ؛ فَقَالَ: إِنَّهُ الوُجُودُ المُطْلَقُ! وَنَفَى جَمِيعَ الصِّفَاتِ، وَاتَّصَلَ بِالجَعْدِ\".","vol":"2","page":428},{"text":"وَأَخَذَهَا عَنْهُ الجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ، وَأَظْهَرَهَا؛ فَنُسِبَتْ مُقَالَةُ الجَهْمِيَّةِ إلَيهِ\" (^١).\nوَانْشَقَّ عَنْهَا مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ وَمَذْهَبُ الأَشَاعِرَةِ وَمَذْهَبُ المَاتُرِيدِيَّةِ.\nوَ\"المُعْتَزِلَةُ: مِنَ القَدَرِيَّةِ، زَعَمُوا أَنَّهُم اعْتَزَلوا فِئَتَيِ الضَّلَالَةِ عِنْدَهُم: أَهْلَ السُّنَّةِ، وَالخَوَارِجَ. أَو سَمَّاهُم بِهِ الحَسَنُ (البَصْرِيُّ) لَمَّا اعْتَزَلَهُ وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أُسْطُوَانَةٍ مِنْ أُسْطُوَانَاتِ المَسْجِدِ، وَشَرَعَ يُقَرِّرُ القَولَ بِالمَنْزِلَةِ بَينَ المَنْزِلَتَينِ، وَأَنَّ صَاحِبَ الكَبِيرَةِ لَا مُؤْمِنٌ مُطْلَقٌ وَلَا كَافِرٌ مُطْلَقٌ؛ بَلْ بَينَ المَنْزِلَتَينِ\" (^٢).\n_________\n(^١) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (٥/ ٢٠).\nوَتَتِمَّةُ كَلَامِهِ ﵀: \"وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الجَعْدَ أَخَذَ مَقَالَتَهُ عَنْ أَبَانَ بْنِ سَمْعَانَ، وَأَخَذَهَا أَبَانُ عَنْ طَالُوتَ ابْنِ أُخْتِ لَبِيدِ بْنِ الأَعْصَمِ، وَأَخَذَهَا طَالُوتُ مِنْ لَبِيدِ بْنِ الأَعْصَمِ اليَهُودِيِّ السَّاحِرِ الَّذِي سَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ، وَكَانَ الجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ هَذَا -فِيمَا قِيلَ- مِنْ أَهْلِ حَرَّانَ وَكَانَ فِيهِمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الصَّابِئَةِ وَالفَلَاسِفَةِ بَقَايَا أَهْلِ دِينِ نُمْرُودَ وَالكَنْعَانِيِّينَ الَّذِينَ صَنَّفَ بَعْضُ المُتَأَخِّرِينَ فِي سِحْرِهِمْ، وَنُمْرُودُ هُوَ مَلِكُ الصَّابِئَةِ الكَلْدَانِيِّينَ المُشْرِكِينَ، كَمَا أَنَّ كِسْرَى مَلِكُ الفُرْسِ وَالمَجُوسِ، وَفِرْعَونَ مَلِكُ مِصْرَ، وَالنَّجَاشِيَّ مَلِكُ الحَبَشَةِ، وَبَطْلَيمُوسَ مَلِكُ اليُونَانِ، وَقَيصَرَ مَلِكُ الرُّومِ، فَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ لَا اسْمَ عَلَمٍ، فَكَانَتِ الصَّابِئَةُ -إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ- إذْ ذَاكَ عَلَى الشِّرْكِ وَعُلَمَاؤُهُمْ هُمُ الفَلَاسِفَةُ، وَإِنْ كَانَ الصَّابِئُ قَدْ لَا يَكُونُ مُشْرِكًا؛ بَلْ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البَقَرَة: ٦٢]، وَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [المَائِدَة: ٦٩]. لَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ أَو أَكْثَرَهُمْ كَانُوا كُفَّارًا أَو مُشْرِكِينَ؛ كَمَا أَنَّ كَثِيرًا مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى بَدَّلُوا وَحَرَّفُوا وَصَارُوا كُفَّارًا أَو مُشْرِكِينَ، فَأُولَئِكَ الصَّابِئُونَ -الَّذِينَ كَانُوا إذْ ذَاكَ- كَانُوا كُفَّارًا أَو مُشْرِكِينَ وَكَانُوا يَعْبُدُونَ الكَوَاكِبَ وَيَبْنُونَ لَهَا الهَيَاكِلَ\".\n(^٢) القَامُوسُ المُحِيطُ (ص ١٠٣١).","vol":"2","page":429},{"text":"وَهُمْ يُثْبِتُونَ أَسْمَاءَ اللهِ تَعَالَى مُجَرَّدَةً عَنِ الصِّفَاتِ وَالمَعَانِي، فَيَجْعَلُونَهَا أَعْلَامًا مَحْضَةً.\n٣ - أَبْرَزُ بِدَعِ الجَهْمِيَّةِ:\nأ- نَفيُ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ عَنِ اللهِ تَعَالَى (^١).\nب- أَنَّ العَبْدَ لَيسَ لَهُ مَشِيئَةٌ، وَلَيسَ لَهُ اخْتِيَارٌ؛ وَإِنَّمَا هُوَ مُجْبَرٌ عَلَى أَفْعَالِهِ!\nجـ- أَنَّ القُرْآنَ مَخْلُوقٌ.\nد- أَنَّ العَمَلَ لَيسَ مِنَ الإِيمَانِ؛ فَهُمْ مُرْجِئَةٌ (^٢).\n\n٤ -<span data-type='title' id=toc-437> أُصُولُ المُعْتَزِلَةِ خَمْسَةٌ؛ هِيَ:</span>\nأ- التَّوحِيدُ.\nوَهُوَ عِنْدَهُم نَفْيُ المُمَاثَلَةِ عَنِ اللهِ تَعَالَى، وَعَلَيهِ فَتُنْفى الصِّفَاتُ عَنِ اللهِ تَعَالَى!! فَالصِّفَاتُ الإِلَهِيَّةُ المَقْصُودُ بِهَا عِنْدَهُم نَفْسُ اللهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ تَعَدُّدَ الصِّفَاتِ يَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدِ الذَّاتِ عِنْدَهُم!!\n_________\n(^١) لِأَنَّ إِثْبَاتَ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ -بِزَعْمِهِم- يَقْتَضِي الشِّرْكَ وَتَعَدُّدَ الآلِهَةِ! وَيَقتَضِي أَيضًا التَّشْبِيهَ! لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ يُوجَدُ مِثْلُهَا فِي المَخْلُوقَاتِ.\n(^٢) قَالَ ابْنُ أَبي العِزِّ الحَنَفِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ (ص ٣٣٢): \"ذَهَبَ الجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ وَأَبُو الحَسَنِ الصَّالِحِيُّ -أَحَدُ رُؤُوسِ القَدَرِيَّةِ- إِلَى أَنَّ الإِيمَانَ هُوَ المَعْرِفَةُ بِالقَلْبِ! وَهَذَا القَولُ أَظْهَرُ فَسَادًا مِمَّا قَبْلَهُ! فَإِنَّ لَازِمَهُ أَنَّ فِرْعَونَ وَقَومَهُ كَانُوا مُؤْمِنِينَ! فَإِنَّهُم عَرَفُوا صِدْقَ مُوسَى وَهَارُونَ ﵉ وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِمَا، وَلِهَذَا قَالَ مُوسَى لِفِرْعَونَ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإِسْرَاء: ١٠٢]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ [النَّمْل: ١٤] \".","vol":"2","page":430},{"text":"ب- العَدْلُ.\nيَقُولُونَ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُحِبُّ الفَسَادَ -وَهُوَ صَحِيحٌ بِهَذَا القَدْرِ-؛ لَكِنَّهُم يَبْنُونَ عَلَيهِ أَنَّهُ لَا يَخْلُقُ أَفْعَالَ عِبَادِهِ! بَلْ جَعَلَ لَهُم قُدْرَةً يَخْلِقُونَ بِهَا أَفْعَالَهُم.\nج- إِنْفَاذُ الوَعِيدِ.\nبِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَوعَدَ المُرْتَكِبَ لِلكَبِيرَةِ بِالنَّارِ؛ فَسَيَخْلُدُ فِيهَا حَتْمًا وَلَا يَجْعَلُونَ عِقَابَهُ تَحْتَ المَشِيئَةِ! فَلَا يُغْفَرُ لَهُ عِنْدَهُم إِلَّا إِنْ تَابَ مِنْهَا (^١).\nد- المَنْزِلَةُ بَينَ المَنْزِلَتَينِ.\nوَتَعْنِي أَنَّ مُرْتَكِبَ الكَبِيرَةِ فِي مَنْزِلَةٍ بَينَ الإِيمَانِ وَالكُفْرِ؛ فَلَيسَ بِمُؤْمِنٍ وَلَا كَافِرٍ.\nهـ- الأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ.\nفَيَقُولُونَ بِوُجُوبِ الخُرُوجِ عَلَى الحَاكِمِ إِذَا خَالَفَ وَانْحَرَفَ عَنِ الحَقِّ.\nقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: \"وَأَمَّا الخُرُوجُ عَلَيهِم وَقِتَالُهُم [أَي وُلَاةُ الأُمُورِ] فَحَرَامٌ بِإِجْمَاعِ المُسْلِمِينَ -وَإِنْ كَانُوا فَسَقَةً ظَالِمِينَ-! وَقَدْ تَظَاهَرَتِ الأَحَادِيثُ بِمَعْنَى مَا ذَكَرْتُهُ، وَأَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ أنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ السُّلْطَانُ بِالفِسْقِ\" (^٢).\n\n٥ -<span data-type='title' id=toc-438> وَأَمَّا الأَشَاعِرَةُ </span>(^٣): فَيُنْسَبُونَ إِلَى أَبِي الحَسَنِ الأَشْعَرِيِّ ﵀، وَكَانَ مُعْتَزِلِيًّا\n_________\n(^١) قُلْتُ: وَفِي الحَدِيثِ: «مَنْ وَعَدَهُ اللهُ ﷿ عَلَى عَمَلٍ ثَوَابًا، فَهُوَ مُنْجِزُهُ لَهُ، وَمَنْ وَعَدَهُ عَلَى عَمَلٍ عِقَابًا؛ فَهُوَ فِيهِ بِالخِيَارِ». صَحِيحٌ. أَبُو يَعْلَى (٣٣١٦) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٢٤٦٣).\n(^٢) شَرْحُ مُسْلِمٍ (١٢/ ٢٢٩).\n(^٣) وَقَرِيبٌ مِنْهَا المَاتُرِيدِيَّةُ؛ المَنْسُوبُونَ إِلَى أَبي مَنْصُورٍ المَاتُرِيدِيِّ الحَنَفيِّ (ت ٣٣٣ هـ).","vol":"2","page":431},{"text":"ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ بُطْلَانُ مَذْهَبِهِم وَصَارَ إِلَى مَذْهَبِ الكُلاَّبِيَّةِ -أَتْبَاعِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدٍ بْنِ كُلاَّب، وَالَّذِي كَانَ يُثبِتُ سَبْعَ صِفَاتٍ وَيَنْفِي مَا عَدَاهَا (^١) -، ثُمَّ إِنَّ اللهَ تَعَالَى مَنَّ عَلَى أَبِي الحَسَنِ الأَشْعَرِيِّ وَتَرَكَ مَذْهَبَ الكُلاَّبِيَّةِ وَرَجَعَ إِلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ وَقَولِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَل ﵀.\nقَالَ الحَافٍظُ الذَّهَبِيُّ ﵀: \"عَلِيُّ بنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ: العَلاَّمَةُ؛ إِمَامُ المُتَكَلِّمِين؛ .. وَلَمَّا بَرَعَ فِي مَعْرِفَةِ الاعْتِزَالِ كَرِهَهُ وَتبرَّأَ مِنْهُ، وَصَعِدَ لِلنَّاسِ فتَابَ إِلَى اللهِ تَعَالَى مِنْهُ، ثُمَّ أَخَذَ يَرُدُّ عَلَى المُعْتَزِلَة، وَيَهْتِكُ عِوَارَهُم. قَالَ الفَقِيهُ أَبُو بَكْرٍ الصَّيرَفِيُّ: كَانَتِ المُعْتَزِلَةُ قَدْ رَفَعُوا رُؤُوسَهُم؛ حَتَّى نَشَأَ الأَشْعَرِيُّ فَحَجَرَهُم فِي أَقمَاع السِّمْسِمِ.\nوَعَنِ ابْنِ البَاقلَانِيِّ قَالَ: أَفْضَلُ أَحْوَالِي أَنْ أَفهَمَ كَلَامَ الأَشْعَرِيِّ.\nقُلْتُ: رَأَيتُ لأَبِي الحَسَنَ أَرْبَعَةَ توَالِيفَ فِي الأُصُولِ؛ يَذْكُرُ فِيهَا قوَاعِدَ مَذْهَبِ السَّلَفِ فِي الصِّفَاتِ، وَقَالَ فِيهَا: (تُمَرُّ كَمَا جَاءَتْ). ثُمَّ قَالَ: (وَبِذَلِكَ أَقُولُ، وَبِهِ أَدِينُ، وَلَا تُؤوَّلُ) \" (^٢).\nقُلْتُ: وَلِكنَّ مُدَّعِي اتِّبَاعِهِ بَقَوا عَلَى مَذْهَبِ الكُلَّابيَّةِ! فَغَالِبُهُم لَا يَزَالُونَ عَلَى مَذْهَبِهِ الثَّانِي، وَلِذَلِكَ يُسَمَّونَ بِالأَشْعَرِيَّةِ؛ نِسْبَةً إِلَى الأَشْعَرِيِّ فِي مَذْهَبِهِ الثَّانِي -قَبْلَ انْتِقَالِهِ إِلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ-، بَلْ غَالِبُهُم اليَومَ يُنْكِرُونَ أَنَّهُ تَرَكَ مَذْهَبَ الكَلَّابِيَّةِ أَصْلًا!\n_________\n(^١) بِدَعْوَى أَنَّ العَقْلَ لَا يَدُلُّ إِلَا عَلَى سَبْعِ صِفَاتٍ فَقَط! وَهِيَ: العِلْمُ وَالقُدْرَةُ وَالإِرَادَةُ وَالسَّمْعُ وَالبَصَرُ وَالكَلَامُ [النَّفْسِيُّ] وَالحَيَاةُ.\n(^٢) سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ (١٥/ ٨٥).\nقُلْتُ: تُوفِيَّ سَنَةَ ٣٢٤ هـ.","vol":"2","page":432},{"text":"قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ طَبَقَاتُ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ: \"ذَكَرُوا لِلشَّيخِ أَبِي الحَسَنِ الأَشْعَرِيِّ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ:\nأَوَّلِهَا: حَالُ الاعْتِزَالِ الَّتِي رَجَعَ عَنْهَا لَا مَحَالَةَ.\nوَالحَالِ الثَّانِي: إِثْبَاتُ الصِّفَاتِ العَقْلِيَّةِ السَّبْعَةِ، وَهِيَ: الحَيَاةُ وَالعِلْمُ وَالقُدْرَةُ وَالإِرَادَةُ وَالسَّمْعُ وَالبَصَرُ وَالكَلَامُ [وَهُوَ النَّفْسِيُّ]، وَتَأْوِيلُ الخَبَرِيَّةِ كَالوَجْهِ وَاليَدِينِ وَالقَدَمِ وَالسَّاقِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.\nوَالحَالُ الثَّالِثُ: إِثْبَاتُ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ غَيرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَشْبِيهٍ، جَرْيًا عَلَى مِنْوَالِ السَّلَفِ، وَهِيَ طَرِيقَتُهُ فِي الإِبَانَةِ الَّتِي صَنَّفَهَا آخِرًا؛ وَشَرَحَهَا القَاضِي البَاقِلَّانِيُّ، وَنَقَلَهَا الحَافِظُ أَبُو القَاسِمِ بْنُ عَسَاكِر، وَهِيَ الَّتِي مَالَ إِلَيهَا البَاقِلَّانِيُّ وَإِمَامُ الحَرَمَينِ وَغَيرِهِمَا مِنْ أَئِمَّةِ أَصْحَابِهِ المُتَقَدِّمِينَ فِي أَوَاخِرِ قَولِهِم. وَاللهُ أَعْلَمُ\" (^١).\n_________\n(^١) طَبَقَاتُ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ (١/ ٢١٠).","vol":"2","page":433},{"text":"بَابُ مَا جَاءَ فِي المُصَوِّرِينَ\nعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي؟! فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَو لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَو لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً». أَخْرَجَاهُ (^١).\nوَلَهُمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَومَ القِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ بِخَلْقِ اللهِ» (^٢).\nوَلَهُمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ؛ يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسٌ يُعَذَّبُ بِهَا فِي جَهَنَّمَ» (^٣).\nوَلَهُمَا عَنْهُ مَرْفُوعًا: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا؛ كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيسَ بِنَافِخٍ» (^٤).\nوَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الهَيَّاجِ؛ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيٌّ: (أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ أَلَّا تَدَعَ صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا؛ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيتَهُ) (^٥).\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٥٩٥٣)، وَمُسْلِمٌ (٢١١١).\n(^٢) البُخَارِيُّ (٥٩٥٤)، وَمُسْلِمٌ (٢١٠٧).\n(^٣) البُخَارِيُّ (٢٢٢٥) بِلَفْظٍ قَرِيبٍ، وَمُسْلِمٌ (٢١١٠). وَالحَدِيثُ فِي مُسْلِمٍ بِلَفْظِ البِنَاءِ لِلفَاعِلِ: «يَجْعَلُ لَهُ»، وَأَمَّا بِلَفْظِ المُصَنِّفِ؛ فَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ (٢٨١٠).\n(^٤) البُخَارِيُّ (٢٢٢٥)، وَمُسْلِمٌ (٢١١٠).\n(^٥) مُسْلِمٌ (٩٦٩).","vol":"2","page":434},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: التَّغْلِيظُ الشَّدِيدُ فِي المُصَوِّرِينَ.\nالثَّانِيَةُ: التَّنْبِيهُ عَلَى العِلَّةِ، وَهُوَ تَرْكُ الأَدَبِ مَعَ اللهِ؛ لِقَولِهِ: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي».\nالثَّالِثَةُ: التَّنْبِيهُ عَلَى قُدْرَتِهِ وَعَجْزِهِمْ؛ لِقَولِهِ: «فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أَو شَعِيرَةً».\nالرَّابِعَةُ: التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُمْ أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا.\nالخَامِسَةُ: أَنَّ اللهَ يَخْلُقُ بِعَدَدِ كُلِّ صُورَةٍ نَفْسًا يُعَذَّبُ بِهَا المُصَوِّرُ فِي جَهَنَّمَ.\nالسَّادِسَةُ: أَنَّهُ يُكَلَّفُ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ.\nالسَّابِعَةُ: الأَمْرُ بِطَمْسِهَا إِذَا وُجِدَتْ.","vol":"2","page":435},{"text":"<span data-type='title' id=toc-441>الشَّرْحُ</span>\n- مُنَاسَبَةُ البَابِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ هُوَ مِنْ جِهَتَينِ:\n١ - أَنَّ التَّصْوِيرَ فِيهِ تَرْكٌ لِلأَدَبِ مَعَ اللهِ تَعَالَى.\nحَيثُ جَعَلَ المُصَوِّرُ نَفْسَهُ مُضَاهِيًا للهِ تَعَالَى فِي صِفَةِ الخَلْقِ، كَمَا فِي قَولِ المُصَنِّفِ ﵀ فِي المَسَائِلِ: \"التَّنْبِيهُ عَلَى العِلَّةِ؛ وَهُوَ تَرْكُ الأَدَبِ مَعَ اللهِ؛ لِقَولِهِ: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي» \".\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ: \"قَالَ عِكْرِمَةُ فِي قَولِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأَحْزَاب: ٥٨]: نَزَلَتْ فِي المُصَوِّرِينَ\" (^١).\n٢ - أَنَّ التَّصْوِيرَ هُوَ مِنْ ذَرَائِعِ الشِّرْكِ.\nكَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ كَنِيسَةً رَأَتْهَا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ وَمَا فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ، فَقَالَ: «أُولَئِكَ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوِ العَبْدُ الصَّالِحُ؛ بَنَوا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ؛ أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ» (^٢).\n- قَولُهُ: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي» (مَنْ): اسْمُ اسْتِفْهَامٍ؛ وَالمُرَادُ بِهِ النَّفْيُ؛ أَي: لَا أَحَدَ أَظْلَمُ، وَهُوَ أَبْلَغُ مِنَ النَّهْي المَحْضِ.\n- قَولُهُ: «يَخْلُقُ كَخَلْقِي» الخَلْقُ: يُقْصَدُ بِهِ أَحَدُ مَعْنَيَينِ: التَّقْدِيرُ، وَالفِعْلُ.\n_________\n(^١) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٦/ ٤٨٠).\n(^٢) البُخَارِيُّ (٤٣٤).","vol":"2","page":436},{"text":"وَالأَخِيرُ هُوَ المَقْصُودُ هُنَا.\n- قَولُهُ: «فَلْيَخْلُقُوا» اللَّامُ لِلأَمْرِ، وَلَكِنَّ المُرَادَ بِهِ التَّحَدِّي وَالتَّعْجِيزُ.\n- قَولُهُ: «فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً» الذَّرَّةُ: وَاحِدَةُ الذَّرِّ، وَهِيَ النَّمْلُ الصِّغَارُ.\n- قَولُهُ: «أَو لِيَخْلُقُوا حَبَّةً» (أَو) لِلتَّنْوِيعِ، حَيثُ انْتَقَلَ مِنَ التَّحَدِّي بِخَلْقِ الحَيَوَانِ ذِي الرُّوحِ إِلَى خَلْقِ الحَبَّةِ الَّتِي لَيسَ لَهَا رَوحٌ.\n- قَولُهُ: «الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ بِخَلْقِ اللهِ» (يُضَاهِئُونَ) أَي: يُشَابِهُونَ اللهَ فِي خَلْقِهِ وَفِعْلِهِ، يَعْنِي: أَنَّهُم يُصَوِّرُونَ الصُّوَرَ الَّتِي خَلَقَهَا اللهُ جَلَّ وَعَلَا -وَلَيسَ للهِ مَثِيلٌ فِي الخَلْقِ، وَلَيسَ لَهُ نَظِيرٌ يَخْلُقُ كَخَلْقِهِ-، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُم أَسَاءُوا الأَدَبَ مِعَ اللهِ تَعَالَى، وَجَعَلُوا أَنْفُسَهُم بِمَنْزِلَةِ المُشَارِكِ للهِ جَلَّ وَعَلَا فِي صِفَةِ الخَلْقِ والتَّصْوِيرِ -تَعَالَى اللهُ وَتَقَدَّسَ-.\n- قَولُهُ: «يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسٌ يُعَذَّبُ بِهَا فِي جَهَنَّمَ» أَي أَنَّ عَذَابَهُ يَتَضَاعَفُ بِعَدَدِ الصُّوَرِ الَّتِي صَوَّرَهَا.\n- قَولُهُ: «كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيسَ بِنَافِخٍ» أي أنه يُكَلَّفُ أَنْ يَنْفُخَ الرُّوحَ فِي كُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا حَتَّى تَكُونَ حَيَّةً، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ، وَتَكْلِيفُهُ لَا يَنْقَطِعُ؛ فَيَسْتَمِرُّ عَذَابُهُ.\n- فِي قَولِهِ: «يَخْلُقُ كَخَلْقِي» جَوَازُ إِطْلَاقِ صِفَةِ الخَلْقِ عَلَى غَيرِ اللهِ، وَلَكِنَّ الخَلْقَ مِنَ العَبْدِ هُوَ بِمَعْنَى التَّصْيِيرِ وَلَيسَ بَمَعْنَى الإِيجَادِ مِنَ العَدَمِ! هَذَا مَعَ الفَارِقِ بَينَ أَنَّ خَلْقَ اللهِ تَامٌّ؛ وَخَلْقَ العَبْدِ وَتَصْوِيرَهُ نَاقِصٌ، فَهُوَ خَالٍ مِنَ الحَيَاةِ؛ سَوَاءً كَانَ المُصَوَّرُ ذَا رَوحٌ أَو لَا، وَقَد جَعَلَهُمُ اللهُ تَعَالَى قَادِرِينَ عَلَى هَذَا التَّصْيِيرِ (^١).\n_________\n(^١) قَالَ الشَّيخُ الغُنَيمَانُ حَفِظَهُ اللهُ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوحِيدِ مِنْ صَحِيحِ البُخَاريِّ (٢/ ٦٩٢): \"وَمُرَادُ\n=","vol":"2","page":437},{"text":"- قَولُهُ: «أَلَّا تَدَعَ صُورَة إِلَّا طَمَسْتَهَا» الصُورَةُ هُنَا نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْي فَتَعُمُّ، وَجُمْهُورُ أَهْلِ العِلْمِ -وَهُوَ الصَّوَابُ- عَلَى أَنَّ المُحَرَّمَ هُوَ صُوَرُ الحَيَوَانِ فَقَط دُونَ الشَّجَرِ وَالجَمَادِ، لِمَا وَرَدَ فِي الحَدِيثِ: «فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ الَّذِي فِي البَيتِ يُقْطَعُ؛ فَيَصِيرُ كَهَيئَةِ الشَّجَرَةِ» (^١).\n- هَذَا الطَّمْسُ يَخْتَلِفُ بِحَسْبِ الصُورَةِ، فَمَا كَانَ بِالتَّلْوِينِ وَالرَّسْمِ وَلَيسَ لَهُ ظِلٌّ؛ فَطَمْسُهُ يَكُونُ بِوَضْعِ لَونٍ آخَرَ عَلَيهِ، وَمَا كَانَ مَنْحُوتًا بِالنَّقْشِ فَيَكُونُ بِالنَّحْتِ فَوقَهُ، وَمَا كَانَ مُجَسَّمًا لَهُ ظِلٌّ؛ فَإِنَّهُ يُكْسَرُ رَأْسُهُ.\nوَمِمَّا يَجْدُرُ التَّنْبِيهُ إِلَيهِ أَنَّهُ \"لَيسَ مَعْنَى طَمْسِ الصُورَةِ -كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الجُهَّالِ أَوِ المُتَحَيِّلِينَ- أَنَّهُ يَجْعَلُ خَطًّا فِي عُنُقِ الصُورَةِ فَيُصْبِحَ كَالطَّوقِ! لِأَنَّ الطَّمْسَ أَنْ تُزِيلَ الرَّأْسَ إِمَّا بِقَطْعِهِ، وَإِمَّا بِتَلْطِيخِهِ وَإِخْفَائِهِ تَمَامًا\" (^٢).\n- لَمْ يُفَرِّقِ الحَدِيثُ بَينَ مَا كَانَ يُعْبَدُ مَنْ دُونِ اللهِ وَبَينَ غَيرِهِ، وَلَا بَينَ مَا كَانَ لَهُ ظِلٌّ وَمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ، وَلَا بَينَ مَا كَانَ مُمْتَهَنًا وَبَينَ غِيرِهِ، وَلَا يَقَعُ الاسْتِثْنَاءُ مِنَ النَّهْي إِلَّا\n_________\n=\nالبُخَارِيِّ ﵀ نِسْبَةُ الخَلْقِ إِلَيهِم فِعْلًا لَهُمْ حَقِيقَةً مَعَ أَنَّهُم مَخْلُوقُونَ للهِ تَعَالَى، فَاللهُ خَالِقُهُم وَخَالِقُ أَفْعَالِهِم، وَلَكِنَّهُ جَعَلَهُم فَاعِلِينَ قَادِرِينَ عَلَى فِعْلِهِم بِاخْتِيَارِهِم وَقُدْرَتِهِم الَّتِي خَلَقَهَا اللهُ فِيهِم، وَلِهَذَا عَذَّبَهُم عَلَى ذَلِكَ، وَلَو لَمْ يَكُنْ فِعْلًا لَهُمْ حَقِيقَةً مَا عُذِّبُوا عَلَيهِ\".\n(^١) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤١٥٨) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوْعًا. الصَّحِيحَةُ (٣٥٦).\nوَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ لِي: أَتَيتُكَ البَارِحَةَ؛ فَلَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَكُوْنَ دَخَلْتُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ عَلَى البَابِ تَمَاثِيلُ، وَكَانَ فِي البَيتِ قِرَامَي سِتْرٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ، وَكَانَ فِي البَيتِ كَلْبٌ، فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ الَّذِي فِي البَيتِ يُقْطَعُ فَيَصِيرُ كَهَيئَةِ الشَّجَرَةِ، وَمُرْ بِالسِّتْرِ فَلْيُقْطَعْ؛ فَلْيُجْعَلْ مِنْهُ وِسَادَتَينِ مَنْبُوذَتَينِ تُوْطَآنِ، وَمُرْ بِالكَلْبِ فَلْيُخْرَجْ».\n(^٢) إِعَانَةُ المُسْتَفِيدِ (٢/ ٣٧٣).","vol":"2","page":438},{"text":"وُفْقَ مَا اسْتَثْنَاهُ الحَدِيثُ (^١).\n- قَولُهُ: «وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيتَهُ» أَي: سَوَّيتَهُ بِمَا حَولَهُ مِنَ القُبُورِ، أَو جَعَلْتَهُ حَسَنًا عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ الشَّرِيعَةُ، وَلَيسَ المَعْنَى أَنْ تُسَوِّيَهُ بِالأَرْضِ! لِأَنَّ هَذَا خِلَافُ السُّنَّةِ (^٢).\n- مُنَاسَبَةُ ذِكْرِ القَبْرِ المُشْرِفِ مَعَ الصُّوَرِ أَنَّ كِلَيهِمَا قدْ يُتَّخَذُ وَسِيلَةً إِلَى الشِّرْكِ؛ فَإِنَّ أَصْلَ الشِّرْكِ فِي قَومِ نُوحٍ أَنَّهُم صَوَّرُوا صُوَرَ رِجَالٍ صَالِحِينَ؛ فَلَمَّا طَالَ عَلَيهِمُ الأَمَدُ عَبَدُوهَا! وَكَذَلِكَ القُبُورُ المُشْرِفَةُ قَدْ يَزْدَادُ فِيهَا الغُلُوُّ حَتَّى تُجْعَلَ أَوثَانًا تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ!\n- أَبُو الهَيَّاجِ: هُوَ حَيَّانُ بْنُ حُصَينٍ؛ الأَسَدِيُّ الكُوفِيُّ، ثِقَةٌ مِنَ الطَّبَقَةِ الوُسْطَى مِنَ التَّابِعِينَ، (ت ٨٠ هـ).\n- حُكْمُ التَصْوِير\nهُوَ كَبِيرَةٌ مِنَ الكَبَائِرِ، وَقَدْ يَكُونُ كُفْرًا أَكْبَرَ مُخْرِجًا مِنَ المِلَّةِ، فَهُمَا حَالَتَانِ\n_________\n(^١) كَتَصْوِيرِ مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ، وَمَا لَيسَ لَهُ رَوحٌ، وَمَا كَانَ مُمْتَهَنًا -عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ-، وَسَيَأْتِي فِي المُلْحَقِ التَّالِي لِلبَابِ ذِكْرُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.\n(^٢) كَمَا فِي البُخَارِيِّ (٢/ ١٠٢): بَابُ مَا جَاءَ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄: عَنْ سُفْيَانَ التَّمَّارِ: (أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ مُسَنَّمًا). وَسُفْيَانُ هَذَا هُوَ مِنْ كِبَارِ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ؛ كَمَا فِي الفَتْحِ (٣/ ٢٥٧).\nوَأَيضًا كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ الحِدَ لَهُ لَحْدٌ، وَنُصِبَ اللَّبِنُ نَصْبًا، وَرُفِعَ قَبْرُهُ مِنَ الأَرْضِ نَحْوًا مِنْ شِبْرٍ). رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ (٦٦٣٥)، وَالبَيهَقِيُّ فِي الكُبْرَى (٣/ ٥٧٦) وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. أَحْكَامُ الجَنَائِزِ (ص ١٥٣).\nوَفِي التِّرْمِذِيِّ (٢/ ٣٥٨) عَقِبَ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁: «ولَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيتَهُ» قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: \"أَكْرَهُ أَنْ يُرْفَعَ القَبْرُ إِلَّا بِقَدْرِ مَا نَعْرِفُ أَنَّه قَبْرٌ، لِكَي لَا يُوطَأَ وَلَا يُجْلَسَ عَلَيهِ\".","vol":"2","page":439},{"text":"ذَكَرَهُمَا الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ.\nقَالَ ﵀: \"قَولُهُ: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا» قِيلَ: هِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ فَعَلَ الصُورَةَ لِتُعْبَدَ، وَهُوَ صَانِعُ الأَصْنَامِ وَنَحْوِهَا؛ فَهَذَا كَافِرٌ، وَهُوَ أَشَدُّ عَذَابًا، وَقِيلَ: هِيَ فِيمَنْ قَصَدَ المَعْنَى الَّذِي فِي الحَدِيثِ مِنْ مُضَاهَاةِ خَلْقِ اللهِ تَعَالَى، وَاعْتَقَدَ ذَلِكَ؛ فَهَذَا كَافِرٌ، لَهُ مِنْ أَشَدّ العَذَابِ مَا لِلْكُفَّارِ، وَيَزِيدُ عَذَابُهُ بِزِيَادَةِ قُبْحِ كُفْرِهِ.\nفَأَمَّا مَنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا العِبَادَةَ وَلَا المُضَاهَاةَ؛ فَهُوَ فَاسِقٌ صَاحِبُ ذَنْبٍ كَبِيرٍ، وَلَا يَكْفُرُ كَسَائِرِ المَعَاصِي\" (^١).\nقَالَ الحَافِظُ الهَيتَمِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (تُحْفَةُ المُحْتَاجِ فِي شَرْحِ المِنْهَاجِ) مِنْ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ: \"بَابٌ فِي شِرْطِ الشَّاهِدِ: أَمَّا ذُو حِرْفَةٍ مُحَرَّمَةٍ كَمُنَجِّمٍ وَمُصَوِّرٍ؛ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ مُطْلَقًا\" (^٢).\n- عُقُوبَةُ المُصَوِّرِ:\n١ - أَنَّهُ أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا.\n٢ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَجْعَلُ لَهُ فِي كُلِّ صُورَة نَفْسًا يُعَذَّبُ بِهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ.\n٣ - أَنَّهُ يُكَلَّفُ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ؛ وَلَيسَ بِنَافِخٍ!\n٤ - أَنَّهُ فِي النَّارِ.\nكَمَا فِي الحَدِيثِ: «يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ يَومَ القِيَامَةِ؛ لَهُ عَينَانِ تُبْصِرَانِ، وَأُذُنَانِ تَسْمَعَانِ، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ يَقُولُ: إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ: بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وَبِكُلِّ مَنْ دَعَا مَعَ اللهِ\n_________\n(^١) شَرْحُ مُسْلِمٍ (١٤/ ٩١).\n(^٢) تُحْفَةُ المُحْتَاجِ (١٠/ ٢٢٦).","vol":"2","page":440},{"text":"إِلَهًا آخَرَ، وَبِالمُصَوِّرِينَ» (^١).\n٥ - أَنَّهُ مَلْعُونٌ.\nكَمَا فِي البُخَارِيِّ عَنْ أَبِي جُحَيفَةَ: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ وَثَمَنِ الكَلْبِ وَكَسْبِ البَغِيِّ، وَلَعَنَ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَالوَاشِمَةَ وَالمُسْتَوشِمَةَ وَالمُصَوِّرَ) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-442>جُمْلَةٌ مِنَ الفَوَائِدِ المُتَعَلِّقَةِ بِالبَابِ</span>\n- فَائِدَة ١: فِي الحَدِيثِ: «الصُورَةُ الرَّأْسُ؛ فَإِذَا قُطِعَ الرَّأْسُ فَلَا صُورَةَ» (^٣).\nوَمِمَّا \"يَشْهَدُ لَهُ قَولُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ …» الحَدِيثُ، وَفِيهِ: «فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ الَّذِي فِي البَيتِ يُقْطَعُ فَيَصِيرُ كَهَيئَةِ الشَّجَرَةِ …» فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ قَطْعَ رَأْسِ الصُّورَةِ -أَي: التِّمْثَالَ المُجَسَّمَ- يَجْعَلُهُ كَـ لَا صُورَةٍ» \" (^٤).\nوَعَلَيهِ فَلَو صُوِّرَ شَيءٌ مِنَ الجَسَدِ بِلَا رَأْسٍ جَازَ، بِخِلَافِ تَصْوِيرِ الرَّأْسِ وَحْدَهُ دُونَ جَسَدٍ؛ فَإِنَّهُ يَبْقَى مَنْهِيًّا عَنْهُ لِدِلَالَةِ الحَدِيثِ.\nوَفِي مَجْمُوعِ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ الشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ آلِ الشَّيخِ ﵀: \"التَّصْوِيرُ النِّصْفِيُّ لَا إِشْكَالَ عِنْدِي فِي أَنَّهُ مُحَرَّمٌ؛ وَإِنْ كَانَ ذَهَبَ نَزْرٌ قَلِيلٌ إِلَى القَولِ بِعَدَمِ التَّحْرِيمِ، وَرُبَّمَا يَكُونُ أَخَفَّ مِنَ الكَامِلِ لِأَجْلِ هَذَا القَولِ، وَأَمَّا أَنَا؛ فَلَا إِشْكَالَ\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٥٧٤) عَنْ أَبي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٥١٢).\n(^٢) البُخَارِيُّ (٥٩٦٢).\n(^٣) صَحِيحٌ. الإسْمَاعِيلِيُّ فِي مُعْجَمِهِ (٢/ ٦٦٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (١٩٢١).\n(^٤) الصَّحِيحَةُ (٤/ ٥٥٤).","vol":"2","page":441},{"text":"عِنْدِي فِيهِ، لِأَنَّ الوَجْهَ هُوَ المَقْصُودُ\" (^١).\nوَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: \"وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ عَنِ الجُمْهُورِ أَنَّ الصُورَةَ إِذَا قُطِعَ رَأْسُهَا ارْتَفَعَ المَانِعُ\" (^٢).\nعِلْمًا أَنَّهُ يُقْصَدُ أَحْيَانًا بِالصُورَةِ: الوَجْهُ، كَمَا فِي البُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ تُعْلَّمَ الصُورَةُ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُضْرَبَ» (^٣).\n- فَائِدَة ٢: قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ فِيمَنْ \"يَقْتَنِي الصُّوَرَ لَا لِرَغْبَةٍ فِيهَا إِطْلَاقًا؛ وَلَكِنَّهَا تَأْتِي تَبَعًا لِغَيرِهَا كَالتِي تَكُونُ فِي المَجَلَّاتِ وَالصُّحُفِ وَلَا يَقْصِدُهَا المُقْتَنِي، وَإِنَّمَا يَقْصُدُ مَا فِي هَذِهِ المَجَلَّاتِ وَالصُّحُفِ مِنَ الأَخْبَارِ وَالبُحُوثِ العِلْمِيَّةِ وَنَحْو ذَلِكَ؛ فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا لَا بَأْسَ بِهِ، لِأَنَّ الصُّوَرَ فِيهَا غَيرُ مَقْصُودَةٍ، لَكِنْ إِنْ أَمْكَنَ طَمْسُهَا بِلَا حَرَجٍ وَلَا مَشَقَّةٍ؛ فَهُوَ أَولَى\" (^٤).\n- فَائِدَة ٣: يَجُوزُ الانْتِفَاعُ بِالبِسَاطِ أَوِ الثَّوبِ الَّذِي فِيهِ الصُورَةُ بِشَرْطِ طَمْسِ الوَجْهِ فِيهَا، أَو تَقْطِيعِهِ بِمَا تَذْهَبُ بِهِ مَعَالِمُ الصُورَةِ -لَاسِيَّمَا الرَّأْسَ-، وَلَا يَكْفِي كَونُهُ مُمْتَهَنًا!\nوَدَلَّ لِذَلِكَ حَدِيثُ جِبْرِيلَ وَفِيهِ: (أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَعَرَفَ صَوتَهُ فَقَالَ: «ادْخُلْ»، فَقَالَ: إِنَّ فِي البَيتِ سِتْرًا فِي الحَائِطِ فِيهِ تَمَاثِيلُ! فَاقْطَعُوا\n_________\n(^١) مَجْمُوعِ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ الشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ (١/ ١٩٠).\n(^٢) الفَتْحُ (١٠/ ٣٨٨).\n(^٣) البُخَارِيُّ (٥٥٤١)، وَلْفُظُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ (٥٩٩١): (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ ضَرْبِ الوَجْهِ).\n(^٤) القَولُ المُفِيدُ (٢/ ٤٥٠).","vol":"2","page":442},{"text":"رُؤُوسَهَا فَاجْعَلُوهَا بِسَاطًا أَو وَسَائِدَ فَاوطَئُوهُ؛ فَإِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيتًا فِيهِ تَمَاثِيلُ) (^١).\n- فَائِدَة ٤: نَفْسُ التَّصْوِيرِ أَشَدُّ تَحْرِيمًا مِنْ اقْتِنَاءِ الصُورَةِ، وَذَلِكَ لِمَا جَاءَ فِيهِ مِنْ نُصُوصِ الوَعِيدِ (^٢).\nقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: \"قَالَ أَصْحَابنَا وَغَيرُهُمْ مِنَ العُلَمَاءِ: تَصْوِيرُ صُورَةِ الحَيَوَانِ حَرَامٌ شَدِيدُ التَّحْرِيمِ، وَهُوَ مِنَ الكَبَائِرِ، لِأَنَّهُ مُتَوَعَّدٌ عَلَيهِ بِهَذَا الوَعِيدِ الشَّدِيدِ المَذْكُورِ فِي الأَحَادِيثِ، وَسَوَاءً صَنَعَهُ بِمَا يُمْتَهَنُ أَو بِغَيرِهِ؛ فَصَنْعَتُهُ حَرَامٌ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ فِيهِ مُضَاهَاةً لِخَلْقِ اللهِ تَعَالَى، وَسَوَاءً مَا كَانَ فِي ثَوبٍ أَو بِسَاطٍ أَو دِرْهَمٍ أَو دِينَارٍ أَو فَلْسٍ أَو إِنَاءٍ أَو حَائِطٍ أَو غَيرهَا.\nوَأَمَّا تَصْوِيرُ صُورَةِ الشَّجَرِ وَرِحَالِ الإِبِلِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِمَّا لَيسَ فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ؛ فَلَيسَ بِحِرَامٍ، هَذَا حُكْمُ نَفْسِ التَصْوِيرِ.\nوَأَمَّا اتِّخَاذُ المُصَوَّرِ فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ؛ فَإِنْ كَانَ مُعَلَّقًا عَلَى حَائِطٍ أَو ثَوبًا مَلْبُوسًا\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٨٠٧٩) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. الصَّحِيحَةُ (٣٥٦).\n(^٢) أَمَّا التَّحْنِيطُ فَلَيسَ فِيهِ مَحْذُورٌ، وَيَجُوزُ اقْتِنَاءُ المُحَنَّطِ وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ مِنْ اقْتِنَاءِ الصُّوَرِ.\nفِي فَتَاوَى سِلْسِلَةِ الهُدَى وَالنُّورِ -شَرِيط (ب/١٢) - مِنْ فَتَاوَى الشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\n\"السُؤَالُ: مَا هُوَ حُكْمُ تَحْنِيطِ الحَيَوَانَاتِ كَالأَفْعَى وَغَيرِهَا؟\nالجَوَابُ: كَثُرَ السُّؤَالُ عَنْ هَذَا، وَالجَوَابُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ التَّحْنِيطُ لِلحَيَوَانِ -وَهُوَ حَيٌّ- فَفِيهِ تَعْذِيبٌ؛ فَلَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ المَوتِ؛ فَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ فِيمَا نَعْلَمُ.\nالسَّائِلُ: وَالمُحَنَّطُ هَلْ يُوضَعُ فِي البَيتِ؟\nالشَّيخُ: مَا فِي مَانِع، لِأَنَّ هَذَا لَيسَ صُورَةٌ\".\nقُلْتُ: وَقَصْدُ الشَّيخِ ﵀ أَنَّهَا لَيسَتِ الصُّورَةَ الَّتِي صَوَّرَهَا العَبْدُ -وَالَّتِي جَاءَ فِيهَا النَّهْيُ- وَإِنَّمَا هِيَ الصُّورَةُ الَّتِي صَوَّرَهَا الرَّحْمَنُ تَعَالَى. وَاللهُ أَعْلَمُ.","vol":"2","page":443},{"text":"أَو عِمَامَةً وَنَحْو ذَلِكَ مِمَّا لَا يُعَدّ مُمْتَهَنًا؛ فَهُوَ حَرَامٌ، وَإِنْ كَانَ فِي بِسَاطٍ يُدَاسُ وَمِخَدَّةٍ وَوِسَادَةٍ وَنَحْوِهَا -مِمَّا يُمْتَهَنُ- فَلَيسَ بِحِرَامٍ (^١) \" (^٢).\n- فَائِدَة ٥: بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ حُكْمِ التَصْوِيرِ أَو حُكْمِ اقْتِنَاءِ الصُّوَرِ؛ فَإِنَّ مَا عَمَّ اليَومَ مِنْ دُخُولِ جِهَازِ التِّلْفَازِ وَ\"الدِّشِّ\" هُوَ مِنْ أَكْثَرِ الأَخْطَارِ الَّتِي تُهَدِّدُ سَلَامَةَ البُيُوتِ، وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَا فِيهَا مِنَ الفِتَنِ -رُغْمَ مَا فِيهَا مِنَ الحَسَنَاتِ بِدَرَجَةٍ أَقَلَّ-، وَذَلِكَ لِتَنَوُّعِ وَسَائِلِ الإِغْرَاءِ فِيهِ لِلرَّجُلِ وَلِلمَرْأَةِ وَلِلطِّفْلِ مِنْ مَشَاهِدَ وَمَعَازِفَ، وَمَا فِيهَا مِنْ أَفْكَارٍ قَبِيحَةٍ مُسْتَورَدَةٍ مِنْ بِلَادِ الكُفْرِ، وَأَيضًا لِسُرْعَةِ الافْتِتَانِ بِهِ لِسُهْولَةِ تَولِيفِهِ لِلصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ (^٣)، لِذَلِكَ فَالأَولَى التَّخَلُّصُ مِنْهُ وَعَدَمُ احْتِوَاءِهِ أَصْلًا (^٤).\nقَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀: \"كَمَا أَنَّنِي -بِالمُنَاسَبَةِ- أُحَذِّرُ صَاحِبَ كُلِّ بَيتٍ مِنْ أَنْ يَضَعَ فِي بَيتِهِ مِثْلَ هَذَا \"الدِّشِّ\" لِأَنَّهُ سَوفَ يَخْلُفُهُ بَعْدَ مَوتِهِ، فَيَكُونُ وَبَالًا عَلَيهِ\n_________\n(^١) قُلْتُ: وَأَمَّا هَذِهِ الأَخِيرَةُ؛ فَالرَّاجِحُ فِيهَا -وَاللهُ أَعْلَمُ- أَنَّهَا مَشْمُولَةٌ بِالنَّهِي، وَسَيَأْتِي الكَلَامُ عَلَيهَا فِي المَسَائِلِ إِنْ شَاءَ اللهُ.\n(^٢) شَرْحُ مُسْلِمٍ (١٤/ ٨١).\n(^٣) وَيَنْدُرُ أَنْ تَجِدَ بَيتًا فِيهِ أَجْهِزَةُ التِّلْفَازِ وَ\"الدِّشِّ\" وَأَهْلُهَا يُصَلُّونَ صَلَاةَ الفَجْرِ فِي وَقْتِهَا! وَذَلِكَ لِبَقَائِهِم أَمَامَهَا إِلَى مَا بَعْدِ مُنْتَصَفِ اللَّيلِ.\n(^٤) أَقُولُ: وَمَنْ عَجَزَ عَنْ إِزَالَتِهِ أَو صَعُبَ عَلَيهِ؛ فَلَا أَقَلَّ مِنْ ضَبْطِهِ عَلَى القَنَوَاتِ الخَالِيَةِ مِنَ المَعَاصِي مِنْ أَفْلَامٍ وَتَمْثِيلِيَّاتٍ وَأَغَانِي وَغَيرِهَا ضِمْنَ خِطَّةِ إِزَالَتِهِ بَعْدَ مُدَّةٍ، مَعَ مُحَاوَلَةِ تَأْمِينِ البَدِيلِ النَّظِيفِ -كَأَجْهِزَةِ الحَاسُوبِ- وَالتِي تَخْتَلِفُ عَنِ \"الدِّشِّ\" بِكَونِهَا لَا تَعْرِضُ إِلَّا مَا تَضَعُ أَنْتَ فِيهَا، أَمَّا مَا كَانَ فِيهِ مِنْ مَعْصِيَةٍ فَيَحْتَاجُ إِلَى زَمَنٍ أَطْوَلَ لِلوصُولِ إِلَيهِ وَالبَحْثِ عَنْهُ، عَدَا عَنْ كَونِهِ أَصْلًا هُوَ جِهَازٌ تَفَاعُلِيٌّ مُعَدٌّ لِلتَّعْلِيمِ وَالعَمَلِ وَغَيرِهِمَا مِنَ الأَشْيَاءِ المُفِيدَةِ؛ وَإِلَّا صَارَ مِثْلَ الأَوَّلِ فِي الحَظْرِ!","vol":"2","page":444},{"text":"فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ، وَإِنِّي أَسْأَلُ وَاضِعَ \"الدِّشِّ\" فِي بَيتِهِ وَهُوَ يَرَى هَذِهِ المُنْكَرَاتِ الَّتِي تُبَثُّ مِنْهُ؛ هَلْ هُوَ بِهَذَا نَاصِحٌ لِأَهْلِ بَيتِهِ أَو غَاشٌّ لَهُمْ؟ وَالجَوَابُ وَلَا بُدَّ: إِنَّهُ غَاشُّ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ طَبَعَ اللهُ عَلَى قَلْبِهِ؛ فَلَا يَحِسُّ! لَكِنْ سَيَقُولُ: إَنَّهُ غَاشٌّ، فَأَقُولُ لَهُ: اذْكُرْ قَولَ الرَّسُولِ ﷺ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً؛ يَمُوتُ يَومَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الجَنَّةَ» (^١).\nفَأَنْتَ الآنَ إِذَا مِتَّ وَقَدْ وَضَعْتَ لِأَهْلِكَ هَذَا \"الدِّشَّ\" الَّذِي لَا يَشُكُّ أَحَدٌ أَنَّهُ غِشٌّ فِي البَيتِ، لِأَنَّ البَيتَ فِيهِ نِسَاءٌ، وَفِيهِ سُفَهَاءٌ صِغَارٌ؛ لَا يَتَحَاشَونَ الشَّيءَ المُحَرَّمِ! فَأَنْتَ بِهَذَا: مَنْ يَمُوتُ وَهُوَ غَاٌّش لِرَعِيَّتِهِ! فَتَكُونُ أَهْلًا لِلوَعِيدِ الشَّدِيدِ الَّذِي جَاءَ فِي الحَدِيثِ؛ وَإِلَّا فَكَيفَ يَلِيقُ بِالإِنْسَانِ أَنْ يُدَمِّرَ أَخْلَاقَهُ وَأَخْلَاقَ أَهْلِهِ؟! \" (^٢).\n- فَائِدَة ٦: اشْتُهِرَ فِي هَذَا الزَّمَنِ مَا يُسَمَّى بِالرَّسْمِ الهَزَلِيِّ \"الكَارِيكَاتُورِيِّ\"، وَهَذَا النَّوعُ أَشَدُّ قُبْحًا وَتَحْرِيمًا مِنْ غَيرِهِ، لِأَنَّهُ يَزِيدُ عَلَى حُرْمَةِ التَّصْوِيرِ بِكَونِهِ يَتَضَمَّنُ السِّخْرِيَةَ بِخَلْقِ اللهِ تَعَالَى بِتَشْوِيهِ الخِلْقَةِ لِيَكُونَ مُضْحِكًا!\nوَفِي الحَدِيثِ: «وَيلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ القَومَ، وَيلٌ لَهُ، وَيلٌ لَهُ» (^٣).\n- فَائِدَة ٧: تَحْرِيمُ بَيعِ الصُّوَرِ فَرْعٌ عَنْ تَحْرِيمِ نَفْسِ التَّصْوِيرِ.\nفَفِي الأَثَرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ؛ إِنِّي إِنْسَانٌ إِنَّمَا\n_________\n(^١) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٤٢) عَنْ مَعْقِل بْنِ يَسَارٍ مَرْفُوعًا.\n(^٢) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى وَالرَّسَائِلِ لِلشَّيخِ ابْنِ عُثَيمِين ﵀ (١٥/ ٣٠).\n(^٣) حَسَنٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٩٩٠) عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيدَةَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٧١٣٦).","vol":"2","page":445},{"text":"مَعِيشَتِي مِنْ صَنْعَةِ يَدِي، وَإِنِّي أَصْنَعُ هَذِهِ التَّصَاوِيرَ! فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً؛ فَإِنَّ اللهَ مُعَذِّبُهُ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أَبَدًا» فَرَبَا الرَّجُلُ رَبْوَةً شَدِيدَةً وَاصْفَرَّ وَجْهُهُ. فَقَالَ: وَيحَكَ! إِنْ أَبَيتَ إِلَّا أَنْ تَصْنَعَ؛ فَعَلَيكَ بِهَذَا الشَّجَرِ؛ كُلِّ شَيءٍ لَيسَ فِيهِ رُوحٌ (^١).\nفَفِيهِ دَلِيلٌ أَيضًا عَلَى تَحْرِيمِ بَيعِ صُوَرِ ذَوَاتِ الرُّوحِ عُمُومًا.\nقَالَ البُخَارِيُّ ﵀ -فِي تَبْوِيبِهِ عَلَى الحَدِيثِ السَّابِقِ-: \"بَابُ بَيعِ التَّصَاوِيرِ الَّتِي لَيسَ فِيهَا رُوحٌ، وَمَا يُكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ\" (^٢).\n- فَائِدَة ٨: تَأَمَّلْ كَيفَ أَنَّ رَسُولَنَا الكَرِيمَ ﷺ لَا تَجِدُ لَهُ صُورَةً وَاحِدَةً لَا مَرْسُومَةً عَلى وَرَقٍ! وَلَا مَنْقُوشَةً عَلَى حَائِطٍ! وَلَا مَنْحُوتَةً مِنْ حَجَرٍ! بَلْ وَلَا لِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ﵃! بَلْ وَلَا عَنِ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ! وَلَكِنَّكَ تَجِدُ رُسُومًا وَنُقُوشًا لِلفَرَاعِنَةِ وَغَيرِهِم وَهُمْ قَبْلَهُم بِآلَافِ السَّنَوَاتِ! إِلَّا أَنَّ جَوَابَ ذَلِكَ هُوَ بِسَبَبِ الإِسْلَامِ وَمَا هُوَ مَعْلُومٌ قَطْعًا مِنْ حُكْمِ الإِسْلَامِ فِي التَّصْوِيرِ، وَمَعْرِفَةِ مَا كَانَتْ عَلَيهِ الأُمَمُ المَاضِيَةُ مِنَ الشِّرْكِ بِسَبَبِ التَّصْوِيرِ.\n- فَائِدَة ٩: فِي البُخَارِيِّ عَنْ أَبي طَلْحَةَ مَرْفُوعًا: «إِنَّ المَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيتًا فِيهِ صُورَةٌ» (^٣)، وَلَكِنَّ المَلَائِكَةَ الَّتِي لَا تَدْخُلُ إِنَّمَا هِيَ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَالتَّبْرِيكِ وَلَيسَتِ\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٢٢٢٥)، وَمُسْلِمٌ (٢١١٠).\n(^٢) البُخَارِيُّ (٣/ ٨٢).\n(^٣) البُخَارِيُّ (٥٩٥٨).","vol":"2","page":446},{"text":"المَلَائِكَةَ الحَفَظَةَ! وَأَيضًا إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِمَا يَحْرُمُ مِنَ الاقْتِنَاءِ لَا لِمَا اسْتُثْنِيَ.\nقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: \"وَأَمَّا هَؤُلَاءِ المَلَائِكَةُ الَّذِينَ لَا يَدْخُلُونَ بَيتًا فِيهِ كَلْبٌ أَو صُورَةٌ؛ فَهُمْ مَلَائِكَةٌ يَطُوفُونَ بِالرَّحْمَةِ وَالتَّبْرِيكِ وَالِاسْتِغْفَارِ، وَأَمَّا الحَفَظَةُ فَيَدْخُلُونَ فِي كُلّ بَيتٍ، وَلَا يُفَارِقُونَ بَنِي آدَمَ فِي كُلِّ حَالٍ، لِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِإِحْصَاءِ أَعْمَالِهِمْ وَكِتَابَتهَا.\nقَالَ الخَطَّابِيُّ: وَإِنَّمَا لَا تَدْخُلُ المَلَائِكَةُ بَيتًا فِيهِ كَلْبٌ أَو صُورَةٌ مِمَّا يَحْرُمُ اقْتِنَاؤُهُ مِنَ الكِلَابِ وَالصُّوَرِ، فَأَمَّا مَا لَيسَ بِحِرَامٍ مِنْ كَلْبِ الصَّيدِ وَالزَّرْعِ وَالمَاشِيَةِ وَالصُورَةِ الَّتِي تُمْتَهَنُ فِي البِسَاطِ وَالوِسَادَةِ وَغَيرِهِمَا؛ فَلَا يَمْتَنِع دُخُولُ المَلَائِكَةِ بِسَبَبِهِ (^١).\nوَأَشَارَ القَاضِي إِلَى نَحْوِ مَا قَالَهُ الخَطَّابِيُّ، وَالأَظْهَر أَنَّهُ عَامٌّ فِي كُلِّ كَلْبٍ، وَكُلِّ صُورَةٍ، وَأَنَّهُمْ يَمْتَنِعُونَ مِنَ الجَمِيعِ لِإِطْلَاقِ الأَحَادِيثِ، وَلِأَنَّ الجِرْوَ الَّذِي كَانَ فِي بَيتِ النَّبِيِّ ﷺ تَحْتَ السَّرِيرِ كَانَ لَهُ فِيهِ عُذْرٌ ظَاهِرٌ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَعْلَم بِهِ، وَمَعَ هَذَا امْتَنَعَ جِبْرِيلُ ﷺ مِنْ دُخُولِ البَيتِ وَعَلَّلَ بِالجِرْوِ! فَلَو كَانَ العُذْرُ فِي وُجُودِ الصُورَةِ وَالكَلْبِ لَا يَمْنَعهُمْ لَمْ يَمْتَنِعْ جِبْرِيلُ. وَالله أَعْلَمُ\" (^٢).\nقُلْتُ: وَكَمَا فِي الحَدِيثِ: «إِنَّ للهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الأَرْضِ فُضُلًا عَنْ كُتَّابِ النَّاسِ؛ فَإِذَا وَجَدُوا قَومًا يَذْكُرُونَ اللهَ تَنَادَوا: هَلُمُّوا إِلَى بُغْيَتِكُمْ، فَيَجِيئُونَ، فَيَحُفُّونَ بِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» (^٣).\n_________\n(^١) وَسَيَأْتِي مَعَنَا قَرِيبًا فِي المُلْحَقِ التَّالِي مَسْأَلَةٌ فِي حُكْمِ الصُّوَرِ المُمْتَهَنَةِ.\n(^٢) شَرْحُ مُسْلِمٍ (١٤/ ٨٤).\n(^٣) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٧٤٢٤)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٣٦٠٠) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٣٥٤٠)، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَينِ أَيضًا.","vol":"2","page":447},{"text":"وَأَيضًا -تَعْلِيقًا عَلَى تَوجِيهِ النَّوَوِيِّ ﵀ الأَخِيرِ-: وَلَكِنْ فِي الحَدِيثِ: «مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا -إِلَّا كَلْبًا ضَارِيًا لِصَيدٍ أَو كَلْبَ مَاشِيَةٍ-؛ فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَومٍ قِيرَاطَانِ» (^١).\nقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: \"السَّادِسُ: تَحْرِيمُ اقْتِنَاءِ الكَلْبِ لِأَنَّهُ أَيضًا سَبَبٌ يَمْنَعُ مِنْ دُخُولِ المَلَائِكَةِ، وَهَلْ يَمْنَعُ لَو كَانَ كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَو صَيدٍ؟ الظَّاهِرُ: لَا؛ لِأَنَّهُ يُبَاحُ اقْتِنَاؤُهُ. وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الصُّورَةَ إِذَا كَانَتْ مُبَاحَةً لَا تَمْنَعُ أَيضًا مِنْ دُخُولِ المَلَائِكَةِ بِدَلِيلِ أَنَّ السَّيِّدَةَ عَائِشَةَ ﵂ كَانَتْ تَقْتَنِي لُعَبَ البَنَاتِ، وَتَلْعَبُ بِهَا هِيَ وَرَفِيقَاتُهَا عَلَى مَرْآةٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَا يُنْكِرُهَا عَلَيهَا كَمَا ثَبَتَ فِي البُخَارِيِّ وَغَيرِهِ، فَلَو كَانَ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ دُخُولِ المَلَائِكَةِ لَمَا أَقَرَّهَا ﷺ عَلَيهِ. وَاللهُ أَعْلَمُ\" (^٢).\nقُلْتُ: وَلَكِنَّ إِطْلَاقَ الإِمَامِ النَّوَوِيِّ ﵀ فِي مَنْعِ دُخُولِ المَلَائِكَةِ قَدْ يَكُونُ مُتَّجِهًا وَصَحِيحًا بِالنِّسْبَةِ لِكَلْبِ الصَّيدِ وَالمَاشِيَةِ فِي البَيتِ، لِأَنَّ مِثْلَ هَؤُلَاءِ إِنَّمَا أُبِيحُوا وُفْقَ وَجْهِ اسْتِعْمَالِهِم، بِمَعْنَى أَنَّ كَلْبَ المَاشِيَةِ لَا يَلْزَمُ مِنِ اقْتِنَائِهِ إِدْخَالُهُ البَيتَ! وَكَذَا كَلْبُ الزَّرْعِ؛ فَكُلٌّ مَكَانُهُ فِي المَزْرَعَةِ أَو فِي البَرِّ حَيثُ الصِّيدِ لَا فِي البَيتِ! وَاللهُ أَعْلَمُ.\n_________\n(^١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٥٤٨١)، وَمُسْلِمٌ (١٥٧٤) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا.\n(^٢) الصَّحِيحَةُ (٣٥٦).","vol":"2","page":448},{"text":"<span data-type='title' id=toc-443>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-444> مَسْأَلَةٌ: كَيفَ الجَمْعُ بَينَ حَدِيثِ: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي»</span> وَبَينَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البَقَرَة: ١١٤]، وَقَولِهِ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأَنْعَام: ٢١] وَغَيرِ ذَلِكَ مِنَ النُّصُوصِ الَّتِي تُبَيِّنُ أَنَّ فِعْلًا مَا هُوَ الأَظْلَمُ؟\nالجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ:\n١ - أَنَّهَا جَمِيعَهَا مَرَدُّهَا إِلَى شَيءٍ وَاحِدٍ؛ وَهُوَ الشِّرْكُ بِاللهِ تَعَالَى (^١).\n٢ - أَنَّهَا مُشْتَرِكَةٌ فِي الأَظْلَمِيَّةِ، أَي أَنَّهَا فِي مُسْتَوًى وَاحِدٍ فِي كَونِهَا فِي قِمَّةِ الظُّلْمِ.\n٣ - أَنَّ الأَظْلَمِيَّةَ فِي النُّصُوصِ نِسْبِيَّةٌ. أَي: لَا أَحَدَ أَظْلَمُ مِمَّنْ فَعَلَ كَذَا بِالنِّسْبَةِ لِنَوعِ هَذَا العَمَلِ لَا فِي كُلِّ شَيءٍ.\nفَيُقَالُ مَثَلًا: وَمَنْ أَظْلَمُ -فِي مُشَابَهَةِ أَحَدٍ فِي صُنْعِهِ- مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِ اللهِ؟\nوَمَنْ أَظْلَمُ -فِي مَنْعِ حَقٍّ- مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ؟\nوَمَنْ أَظْلَمُ -فِي افْتِرَاءِ كَذِبٍ- مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا؟ (^٢)\n_________\n(^١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١٠/ ٣٨٣): \"وَقَدِ اسْتُشْكِلَ كَونُ المُصَوِّرِ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا مَعَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ﴾ [غَافِر: ٤٦]؛ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ المُصَوِّرُ أَشَدَّ عَذَابًا مِنْ آلِ فِرْعَونَ! وَأَجَابَ الطَّبَرِيُّ بِأَنَّ المُرَادَ هُنَا مَنْ يُصَوِّرُ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ -وَهُوَ عَارِفٌ بِذَلِكَ قَاصِدٌ لَهُ- فَإِنَّهُ يَكْفُرُ بِذَلِكَ؛ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُدْخَلَ مُدْخَلَ آلِ فِرْعَونَ، وَأَمَّا مَنْ لَا يَقْصِدُ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ عَاصِيًا بِتَصْوِيرهِ فَقَطْ\".\n(^٢) يُنْظَرُ: (العَذْبُ النَّمِير) لِلشّنْقِيطِي (٣/ ٢٠٩).","vol":"2","page":449},{"text":"<span data-type='title' id=toc-445>المُلْحَقُ الحَادِي عَشَرَ: مَسَائِلُ فِي أَحْكَامِ الصُّوَرِ وَالتَصْوِيرِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-446> المَسْأَلَةُ الأُولَى: مَا أَوجُهُ النَّهْي عَنِ التَصْوِيرِ؟</span>\nالجَوَابُ:\n١ - مُضَاهَاةُ خَلْقِ اللهِ.\nحَيثُ جَعَلَ المُصَوِّرُ نَفْسَهُ نِدًّا للهِ تَعَالَى فِي الخَلْقِ وَالتَصْوِيرِ، وَاللهُ تَعَالَى مِنْ أَسْمَائِهِ المُصَوِّرُ، وَفي الحَدِيثِ: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي» (^١).\nوَفِي الحَدِيثِ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيدٍ؛ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الكَعْبَةِ وَرَأَى صُوَرًا، قَالَ: فَدَعَا بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ، فَأَتَيتُهُ بِهِ، فَجَعَلَ يَمْحُوهَا وَيَقُولُ: «قَاتَلَ اللَّهُ قَومًا يُصَوِّرُونَ مَا لَا يَخْلُقُونَ» (^٢).\n٢ - أَنَّ التَّصْوِيرَ هُوَ مِنْ ذَرَائِعِ الشِّرْكِ.\nكَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الهَيَّاجِ الأَسَدِيِّ؛ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيٌّ: (أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ أَلَّا تَدَعَ صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيتَهُ) (^٣).\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٥٩٥٣)، وَمُسْلِمٌ (٢١١١) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ.\n(^٢) صَحِيحٌ. الطَّيَالِسِيُّ (٦٥٧). الصَّحِيحَةُ (٩٩٦).\n(^٣) مُسْلِمٌ (٩٦٩).","vol":"2","page":450},{"text":"وَتَأَمَّلْ أَكْثَرَ شِرْكِ الأُمَمِ تَجِدُهُ كَانَ بِتَصْوِيرِ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى.\nفَقَومُ نُوحٍ ﵊ نَصَبُوا أَنْصَابًا ثُمَّ عَبَدُوهَا.\nكَمَا فِي البُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾ [نُوح: ٢٣ - ٢٤]، قَالَ: (هَذِهِ أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَومٍ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا؛ أَوحَى الشَّيطَانُ إِلَى قَومِهِم أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ فِيهَا أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا وَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ، وَنُسِيَ العِلْمُ عُبِدَتْ) (^١).\nوَقَومُ إِبْرَاهِيمَ ﵊ عَبَدُوا مَا نَحَتُوا.\nكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيهِ يَزِفُّونَ * قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٤ - ٩٦].\nوَقَومُ مُوسَى ﵊ أَخْرَجَ لَهُمُ السَّامِرِيُّ عِجْلًا جَسَدًا.\nكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٤٨].\nوَقَومُ عِيسَى ﵊ صَوَّرُوا الصَّالِحِينَ فِي مَسَاجِدِهِم.\nكَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ﵄ ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ كَنِيسَةً رَأَتْهَا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ، وَمَا فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ؛ فَقَالَ: «أُولَئِكَ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوِ العَبْدُ الصَّالِحُ بَنَوا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ؛ أُولَئِكَ\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٤٩٢٠).","vol":"2","page":451},{"text":"شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ» (^١) (^٢).\nوَمُشْرِكُو قُرَيشٍ جَعَلُوا أَصْنَامَهُم كَذَلِكَ.\nكَمَا قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀: \"وَقَولُهُ: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٩٨]: إِنَّمَا قَالَ: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيكَ﴾ أَي: يُقَابِلُونَكَ بِعُيُونٍ مُصُورَة كَأَنَّهَا نَاظِرَةٌ -وَهِيَ جَمَادٌ-، وَلِهَذَا عَامَلَهُم مُعَامَلَةَ مَنْ يَعْقِلُ لِأَنَّهَا عَلَى صُوَرٍ مُصُورَةٍ كَالإِنْسَانِ، فَقَالَ: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيكَ﴾ فَعبَّرَ عَنْهَا بِضَمِيرِ مَنْ يَعْقِلُ\" (^٣).\n٣ - تَشَبُّهٌ بِالمُشْرِكِينَ.\nكَمَا فِي الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ فِي ذِكْرِ تَصْوِيرِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى لِصُوَرِ الصَّالِحِينَ فِي كَنَائِسِهِم، وَقَدْ سَبَقَ (^٤).\n\"قَالَ القُرْطُبِيُّ فِي المُفْهِمِ: إِنَّمَا لَمْ تَدْخُلِ المَلَائِكَةُ البَيتَ الَّذِي فِيهِ الصُورَةُ لِأَنَّ مُتَّخِذَهَا قَدْ تَشَبَّهَ بِالكُفَّارِ لِأَنَّهُمْ يَتَّخِذُونَ الصُّوَرَ فِي بُيُوتِهِمْ وَيُعَظِّمُونَهَا؛ فَكَرِهَتِ المَلَائِكَةُ ذَلِكَ فَلَمْ تَدْخُلْ بَيتَهُ هَجْرًا لَهُ لِذَلِكَ\" (^٥).\nوَيَظْهَرُ مِنَ النَّهْي فِي الحَدِيثِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مُحَرَّمًا فِي الأُمَمِ المَاضِيَةِ أَيضًا.\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٤٣٤).\n(^٢) قُلْتُ: وَكَثيرٌ مِنْ مُتَصَوِّفَةِ زَمَنِنَا صَوَّرُوا مَشَائِخَهُم بِـ (الكَامِيرَا) لِيَسْتَحْضِرُوا صُوَرَهُمْ فِي الذِّكْرِ المُسَمَّى بِـ (الرَّابِطَةِ الشَّرِيفَةِ)! فَكَانُوا أَبْعَدَ مَا يَكُونُ عَنْ قَولِهِ ﵊ فِي مَقَامِ الإِحْسَانِ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ» فصارت: (كأنك ترى الشيخ)!! وَالحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٨) عَنْ عُمَرَ ﵁.\n(^٣) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِير (٣/ ٥٣٠).\n(^٤) البُخَارِيُّ (٤٣٤)، وَمُسْلِمٌ (٥٢٨).\n(^٥) فَتْحُ البَارِي (١٠/ ٣٩٢).","vol":"2","page":452},{"text":"قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: \"وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الكَنِيسَةِ الَّتِي كَانَتْ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ وَمَا فِيهَا مِنَ التَّصَاوِيرِ؛ وَأَنَّهُ ﷺ قَالَ: «كَانُوا إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ؛ أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ» فَإِنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَو كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي ذَلِكَ الشَّرْعِ مَا أَطْلَقَ عَلَيهِ ﷺ أَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ شَرُّ الخَلْقِ! فَدَلَّ عَلَى أَنَّ فِعْلَ صُوَرِ الحَيَوَانِ فِعْلٌ مُحْدَثٌ أَحْدَثَهُ عُبَّادُ الصُّوَرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ\" (^١).\n٤ - أَنَّ المَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيتًا فِيهِ تَصَاوِيرُ.\nكَمَا فِي البُخَارِيِّ عَنْ أَبي طَلْحَةَ مَرْفُوعًا: «إِنَّ المَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيتًا فِيهِ صُورَةٌ» (^٢).\n_________\n(^١) فَتْحُ البَارِي (١٠/ ٣٨٢).\n(^٢) البُخَارِيُّ (٥٩٥٨).","vol":"2","page":453},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-447> المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَلَا يَدُلُّ حَدِيثُ أَبِي هُرَيرَةَ الَّذِي فِيهِ: «فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَو لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَو لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً» أَنَّ النَّهْيَ لَا يَخْتَصُّ بِذَوَاتِ الأَرْوَاحِ </span>(^١)؟\nالجَوَابُ:\nظَاهِرُهُ يَدُلُّ، وَلَكِنَّهُ حَقِيقَةً لَيسَ بِمَقْصُودٍ بِالنَّهْي، وَبَيَانُ ذَلِكَ مِنْ عِدَّةِ أَوجُهٍ:\n١ - أَنَّ ذِكْرَ الذَّرَّةِ وَالحَبَّةِ وَالشَّعِيرَةِ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّحَدِّي وَذَلِكَ بِعَجْزِ المُصَوِّرِينَ عَنِ الخَلْقِ مُطْلَقًا، وَهُوَ الإِيجَادُ مِنَ العَدَمِ حَتَّى لِأَحْقَرِ الأَشْيَاءِ، فَخَلْقُهُم هُوَ مُجَرَّدُ تَغْيِيرٍ مِنْ شَكْلٍ إِلَى شَكْلٍ، فَمَهْمَا صَوَّرُوا فَتَصْوِيرُهُم نَاقِصٌ قَاصِرٌ.\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: \"وَالحَقُّ: أَنَّهُ خِطَابُ تَعْجِيزٍ لَا تَكْلِيفٍ\" (^٢).\n٢ - دِلَالَةُ أَحَادِيثِ النَّهْي الأُخْرَى عَلَى تَعْذِيبِ مَنْ صَوَّرَ ذَاتَ الرُّوحِ مِثْلَ: «مَنْ صَوَّرَ صُورَة فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيسِ بِنَافِخٍ»، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ، يَجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسًا يُعَذَّبُ بِهَا فِي جَهَنَّمَ» (^٣).\n٣ - حَدِيثُ جِبْرِيلَ وَفِيهِ: «فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ الَّذِي فِي البَيتِ يُقْطَعُ؛ فَيَصِيرُ كَهَيئَةِ الشَّجَرَةِ» (^٤) مِمَّا يَدُلُّ أَنَّهُ إِذَا صَارَ التِّمْثَالُ عَلَى هَيئَةِ شَجَرَةٍ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ (^٥).\n_________\n(^١) وَإِلى ذَلِكَ ذَهَبَ مُجَاهِدٌ وَحْدَهُ ﵀، كَمَا نَقَلَهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١٠/ ٣٩٥) عَنِ القَاضِي عِيَاضٍ ﵀.\nوَالأَثَرُ مُخَرَّجٌ في مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيبَةَ (٢٥٢٩٣) عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: (أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُصَوَّرَ الشَّجَرُ المُثْمِرُ).\nقُلْتُ: وَقَدْ يَكُونُ لَهُ مُتَّجَهٌ عَنْهُ ﵀ مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ. وَاللهُ أَعْلَمُ.\n(^٢) فَتْحُ البَارِي (١٠/ ٣٩٤).\n(^٣) البُخَارِيُّ (٢٢٢٥)، وَمُسْلِمٌ (٢١١٠).\n(^٤) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤١٥٨) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٣٥٦).\n(^٥) وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ (أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ زَوجَهَا فِي بَعْضِ المَغَازِي، فَاسْتَأْذَنَتْهُ أَنْ تُصَوِّرَ فِي بَيتِهَا نَخْلَةً؛ فَمَنَعَهَا، أَو نَهَاهَا) فَهُوَ ضَعِيفٌ. ابْنُ مَاجَه (٣٦٥٢). ضَعِيفُ سُنَنِ ابْنِ مَاجَه (٣٦٥٢).","vol":"2","page":454},{"text":"٤ - فَتْوَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ فِي تَجْوِيزِ مَا لَيسَ لَهُ رَوحٌ، وَهُوَ رَاوِي أَحَادِيثِ النَّهِي، وَالرَّاوِي أَدْرَى بِمَرْوِيِّهِ- كَمَا عُلِمَ فِي الأُصُولِ-.\nفَفِي الأَثَرِ؛ أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ؛ إِنِّي إِنْسَانٌ إِنَّمَا مَعِيشَتِي مِنْ صَنْعَةِ يَدِي، وَإِنِّي أَصْنَعُ هَذِهِ التَّصَاوِيرَ! فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً؛ فَإِنَّ اللهَ مُعَذِّبُهُ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أَبَدًا» فَرَبَا الرَّجُلُ رَبْوَةً شَدِيدَةً وَاصْفَرَّ وَجْهُهُ. فَقَالَ: وَيحَكَ! إِنْ أَبَيتَ إِلَّا أَنْ تَصْنَعَ؛ فَعَلَيكَ بِهَذَا الشَّجَرِ؛ كُلِّ شَيءٍ لَيسَ فِيهِ رُوحٌ (^١).\n٥ - أَنَّ الصُورَةَ المَنْهِيَّ عَنْهَا هِيَ الصُورَةُ ذَاتُ الرَّأْسِ؛ لِحَدِيثِ: «الصُورَةُ الرَّأْسُ؛ فَإِذَا قُطِعَ الرَّأْسُ فَلَا صُورَةَ» (^٢).\nعِلْمًا أَنَّهُ يُقْصَدُ أَحْيَانًا بِالصُورَةِ: الوَجْهُ، كَمَا فِي البُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ تُعْلَّمَ الصُورَةُ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُضْرَبَ» (^٣).\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٢٢٢٥)، وَمُسْلِمٌ (٢١١٠).\n(^٢) صَحِيحٌ. الإسْمَاعِيلِيُّ فِي مُعْجَمِهِ (٢/ ٦٦٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (١٩٢١).\n(^٣) البُخَارِيُّ (٥٥٤١)، وَلْفُظُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ (٥٩٩١): (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ ضَرْبِ الوَجْهِ).","vol":"2","page":455},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-448> المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: هَلْ يُلْحَقُ بِالتَّصْوِيرِ المَنْهِيِّ عَنْهُ التَّصْوِيرُ الشَّمْسِيُّ (الفُوتُوغَرَافِيُّ)؟ وَذَلِكَ لِاخْتِلَافِهِ عَنِ التَّصْوِيرِ اليَدَوِيِّ بِأُمُورٍ هِيَ:</span>\n١ - أَنَّهُ مُجَرَّدُ حَبْسٍ لِلظِّلِّ، وَلَيسَ تَصْوِيرًا!\n٢ - أَنَّ أَصْلَ الصُورَةِ هَذِهِ هِيَ تَصْوِيرُ اللهِ تَعَالَى، وَالعَبْدُ إِنَّمَا هُوَ نَاسِخٌ فَقَطْ!\n٣ - أَنَّ التَّصْوِيرَ الفُوتُوغَرَافِيَّ لَيسَ فِيهِ مُضَاهَاةٌ لِخَلْقِ اللهِ تَعَالَى؛ وَإِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ (كَبْسَةِ زِرٍّ)! بِخِلَافِ الرَّسْمِ اليَدَوِيِّ فَهُوَ الَّذِي يَقُومُ صَاحِبُهُ بِبَذْلِ جُهْدِهِ فِيهِ وَتَقَصُّدِ المُضَاهَاةِ.\n٤ - أَنَّ قِيَاسَهُ عَلَى صُورَة المِرْآةِ وَالانْعِكَاسِ عَلَى وَجْهِ المَاءِ السَّاكِنِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ، وَإِلَّا لَزِمَ مِنْهُ تَحْرِيمَ هَذَا المَقِيسِ عَلَيهِ! وَلَا قَائِلَ بِهِ.\nالجَوَابُ:\nنَعَمْ؛ يُلْحَقُ بِهِ، بَلْ إِنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَولَى مِنْهُ فِي التَّحْرِيمِ، وَالرَّدُّ عَلَى مَا سَبَقَ هُوَ أَيضًا مِنْ أَوجُهٍ:\n١ - عُمُومُ النَّهْي فِي الحَدِيثِ: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً»، فَقَولُهُ: «صُورَةً» نَكِرَةٌ تَعُمُّ كُلَّ الصُّوَرِ؛ فَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ.\n٢ - أَنَّ النَّهْيَ لَيسَ سَبَبَهُ المُضَاهَاةُ فَقَط! وَلَكِنَّهُ أَيضًا ذَرِيعَةٌ إِلَى الشِّرْكِ (^١)، وَأَيضًا لِكَونِهِ مَانِعًا لِدُخُولِ المَلَائِكَةِ إِلَى البُيُوتِ (^٢)، وَأَيضًا تَشَبُّهٌ بِالمُشْرِكِينَ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ أَوجُهِ النَّهْي عَنِ التَّصْوِيرِ (^٣).\n_________\n(^١) كَمَا فِي مُسْلِمٍ (٩٦٩) عَنْ أَبِي الهَيَّاجِ قَالَ: (قَالَ لِي عَلِيٌّ: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ أَلَّا تَدَعَ صُورَة إِلَّا طَمَسْتَهَا؛ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيتَهُ).\n(^٢) كَمَا فِي البُخَارِيِّ (٥٩٥٨) عَنْ أَبي طَلْحَةَ مَرْفُوعًا: «إِنَّ المَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيتًا فِيهِ صُورَةٌ».\n(^٣) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١٠/ ٣٨٢): \"وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ\n=","vol":"2","page":456},{"text":"وَعَلَيهِ إِذَا انْتَفَتْ عِلَّةُ المُضَاهَاةِ -جَدَلًا- فَمَا زَالَتْ هُنَاكَ عِلَلٌ أُخْرَى لِلنَّهْي بَاقِيَةٌ.\n٣ - دَعْوَى أَنَّهُ مُجَرَّدُ حَبْسٍ لِلظِّلِّ! فُيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ تَغْيِيرَ اللَّفْظِ لَا يُغَيِّرُ حَقِيقَةَ المَعْنَى، فَإِذَا كَانَ حَبْسُ الظِّلِّ تَنْتُجُ عَنْهُ الصُورَةُ؛ فَهُوَ إِذًا تَصْوِيرٌ، وَهُوَ كَقَولِنَا عَنِ الرَّسْمِ اليَدِوِيِّ أَنَّهُ مُجَرَّدُ نَقْلٌ مِنَ الوَاقِعِ -أَوِ الخَيَالِ- إِلَى الوَرَقِ، أَو مُجَرَّدُ شَفٍّ لِلصُورَةِ المَخْلُوقَةِ إِلَى الوَرَقِ، أَو مُجَرَّدُ تَحْرِيكٍ لِلفُرْشَاةِ عَلَى اللَّوحَةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا مَفَادُهُ تَغْيِيرُ الأَلْفَاظِ لِلخُرُوجِ مِنَ الأَحْكَامِ!\n٤ - أَنَّ كَونَ أَصْلِ الصُورَةِ المُصَوِّرَةِ هِيَ خَلْقُ اللهِ تَعَالَى أَو صُنْعُهُ المُبَاشَرُ؛ لَا يُخْرِجُ الفَاعِلَ عَنْ كَونِهِ قَدْ أَخْرِجَ صُورَةً! فَإِنْ سُمِّيَ نَاسِخًا أَو مُصَوِّرًا فَلَا فَرْقَ، وَإِلَّا فَمَا وَجْهُ النَّهْي عَنِ التَّصْوِيرِ عُمُومًا فِي الأَحَادِيثِ -كَحَدِيثِ «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي» - وَقَدْ عُلِمَ أَصْلًا أَنَّ المُصَوِّرَ إِنَّمَا يُقَلِّدُ الصُّورَةَ المَخْلُوقَةَ للهِ تَعَالَى؟! فَإِنْ أَخْرَجَهَا بِيَدِهِ رَسْمًا أَوْ بِالآلَةِ؛ فَكِلَاهُمَا يَنْقُلُ عَنْ أَصْلٍ مَخْلُوقٍ مَوجُودٍ.\nوَعَلى كُلِّ حَالٍ؛ فَالصُورَةُ هِيَ فِعْلُ المُصَوِّرِ لُغَةً وَشَرْعًا وَعُرْفًا،\nأَمَّا مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ فَالصُورَةُ فِعْلُ المُصَوِّرِ (^١)،\nوَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ؛ فَقَدْ سَبَقَ فِي الحَدِيثِ: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ\n_________\n=\nالكَنِيسَةِ الَّتِي كَانَتْ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ وَمَا فِيهَا مِنَ التَّصَاوِيرِ؛ وَأَنَّهُ ﷺ قَالَ: «كَانُوا إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ؛ أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ» فَإِنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَو كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي ذَلِكَ الشَّرْعِ مَا أَطْلَقَ عَلَيهِ ﷺ أَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ شَرُّ الخَلْقِ! فَدَلَّ عَلَى أَنَّ فِعْلَ صُوَرِ الحَيَوَانِ فِعْلٌ مُحْدَثٌ أَحْدَثَهُ عُبَّادُ الصُّوَرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ\".\n(^١) قَالَ فِي المُعْجَمِ الوَسِيطِ (١/ ٥٢٨): \"التَصْوِيرُ: نَقْشُ صُورَةِ الأَشْيَاءِ أَوِ الأَشْخَاصِ عَلَى لَوحٍ أَو حَائِطٍ أَو نَحْوِهِمَا بِالقَلَمِ أَو بِالفُرْجُونِ أَو بِآلَةِ التَصْوِير، وَالتَّصْوِيُر الشَّمْسِيُّ: أَخْذُ صُورَةِ الأَشْيَاءِ بِالمُصَوِّرَةِ الشَّمْسِيَّةِ\".\nقُلْتُ: وَالفُرْجُونُ هُوَ المِحَسَّةُ: وَهُوَ مِشْطٌ لَهُ أَسْنَانٌ لِلتَنْظِيفِ، وَهُوَ بِمَعْنَى فُرْشَاةِ الرَّسْمِ هُنَا، وَاللهُ أَعْلَمُ.","vol":"2","page":457},{"text":"أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيسَ بِنَافِخٍ»،\nوَأَمَّا عُرْفًا فَصَاحِبُ دُكَّانِ التَّصْوِيرِ الشَّمْسِيِّ يُسَمَّى مُصَوِّرًا.\n٥ - \"التَّفْرِيقُ بَينَ التَّصْوِيرِ اليَدَوِيِّ وَالتَّصْوِيرِ الفُوتُوغِرَافِيِّ؛ فَيَحْرُمُ الأَوَّلُ دَونَ الثَّانِي! ظَاهِرِيَّةٌ عَصْرِيَّةٌ وَجُمُودٌ لَا يُحْمَدُ\" (^١).\nوَأَمَّا دَعْوَى أَنَّ التَّصْوِيرَ الفُوتُوغَرَافِيَّ لَيسَ فِيهِ مُضَاهَاٌة لِخَلْقِ اللهِ تَعَالَى؛ وَإِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ (كَبْسَةِ زِرٍّ)!! فَهُوَ عَجَبٌ مِنَ الكَلَامِ وَاللهِ! وَذَلِكَ لِأُمُورٍ:\nأ- أَنَّ كَبْسَةَ الزِّرِّ هَذِهِ هِيَ عَمَلٌ لَا رَيبَ أَنَّهُ صَادِرٌ عَنْ قَصْدٍ وَإِرَادَةٍ وَسَعْيٍ، فَكَمَا أَنَّ الكَلِمَةَ قَدْ تَكُونُ سَبَبًا فِي الهَوِيِّ فِي النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا؛ فَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِثْلَهَا مِنَ العَمَلِ وَالقَصْدِ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا (^٢).\nب- أَنَّ هَذِهِ الكَبْسَةَ لَيسَتْ مُجَرَّدَةً! فَهِيَ مَسْبُوقَةٌ بِأَعْمَالٍ ضِمْنَ عَشَرَاتِ السِّنِينَ مِنَ السَّعْي وَالجُهْدِ فِي طَرِيقِ الوُصُولِ إِلَى مَا هِيَ عَلَيهِ الآنَ، وَمُخْتَتَمَةٌ أَيضًا بِأَعْمَالِ إِخْرَاجٍ -مِنْ تَحْمِيضٍ وَطِبَاعَةٍ وَتَلْوِينٍ- فَهِيَ لَيسَتْ مُجَرَّدَ كَبْسَةِ زِرٍّ!\nج- أَنَّ هَذَا المُصَوِّرَ مِنْهُ المُحْتَرِفُ وَمِنْهُ المُبْتَدِئُ، وَلَكِنْ كِلَاهُمَا -مَهْمَا قِيلَ فِي يُسْرِ عَمَلِهِ- فَهُوَ بِلَا شَكٍّ حَرِيصٌ عَلَى أَنْ تَكُونَ صُورَتُهُ فِي أَفْضَلِ حَالٍ مِنَ المُضَاهَاةِ حَتْمًا، لِذَلْكَ تَرَاهُ يَتَمَايَلُ يَمِينًا وَشِمَالًا، إِلَى أَعْلَى وَأَسْفَل، مُشَدِّدًا الإِضَاءَةَ وَمُضَعِّفَهَا، مُنْتَقِيًا لِأَحْسَنِ الآلَاتِ المُصَوِّرَةِ -بِحَسْبِ قُدْرَتِهِ-، فَهَلْ مِثْلُ هَذَا يُقَالُ عَنْهُ: إِنَّهُ لَا يَقْصِدُ المُضَاهَاةِ؟!\n_________\n(^١) الصَّحِيحَةِ (٣٥٦).\n(^٢) كَمَا فِي البُخَارِيِّ (٦٤٧٨)، وَمُسْلِمٍ (٢٩٨٨) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا: «إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ».","vol":"2","page":458},{"text":"د- إِذَا كَانَتِ المُضَاهَاةُ هِيَ عِلَّةَ النَّهْي فِي الرَّسْمِ اليَدَوِيِّ -وَهِيَ أَحَدُ أَوجُهِ النَّهْي- فَلَا رَيبَ أَنَّ التَّصْوِيرَ الشَّمْسِيَّ أَعْلَى مُضَاهَاةً مِنْ جِهَةِ النَّتِيجَةِ؛ وَعَلَيهِ فَالعِلَّةُ فِيهِ هِيَ مِنْ بَابِ أَولَى (^١).\n٦ - أَنَّ قِيَاسَهُ عَلَى صُورَةِ المِرْآةِ وَالانْعِكَاسِ عَلَى وَجْهِ المَاءِ السَّاكِنِ لَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ، وَذَلِكَ مِنْ أَوجُهٍ:\nأ- أَنَّ القَائِمَ قُبَالَةَ المِرْآةِ أَو وَجْهِ المَاءِ لَا يُسَمَّى مُصَوِّرًا لَا لُغَةً وَلَا عُرْفًا وَلَا شَرْعًا.\nب- أَنَّ الصُورَةَ فِي المِرْآةِ وَعَلَى وَجْهِ المَاءِ لَيسَتْ مُسْتَقِرَّةً؛ فَلَا يَكُونُ صَاحِبُهَا قَدْ خَرَجَ بِصُورَة! بَلْ هَذِهِ الصُورَة تَزُولُ بِزَوَالِ المُقَابِلِ لَهَا (^٢).\nج- أَنَّ الصُورَةَ القَائِمَةَ فِي المِرْآةِ أَو عَلَى وَجْهِ المَاءِ تَحْصُلُ بِدُونِ أَيِّ سَعْيٍ أَو عَمَلٍ مِنَ المَرْءِ، بِخِلَافِ صَاحِبِ (كَبْسَةِ الزِّرِّ) (^٣)!\n_________\n(^١) وَلِبَيَانِ شَيءٍ مِنَ الوَاقِعِ؛ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ العِلْمِ بِأَنَّ التَّصْوِيرَ الشَّمْسِيَّ حَقِيقَةً هُوَ كَاليَدَوِيِّ مِنْ حَيثُ تَدَرُّجِ الدِّقَّةِ فِي الالْتِقَاطِ وَالعَرْضِ، فَهُنَاكَ مَا يُسَمَّى بِدَرَجَةِ الـ (بِكْسِلْ) وَهِي دَرَجَةٌ تُعَبِّرُ عَنْ دِقَّةِ الالْتِقَاطِ وَالعَرْضِ، فَمُنْذُ سَنَوَاتٍ كُنْتَ تَجِدُ أَنَّ هُنَاكَ مِنَ الصُّوَرِ الشَّمْسِيَّةِ إِذَا أَعْمَلْتَ فِيهَا العَدَسَةَ المُكَبِّرَةَ قَلِيلًا رَأَيتَهَا تَنْقَسِمُ إِلَى مُرَبَّعَاتٍ لَوْنِيَّةٍ؛ حَيثُ تَفْقِدُ الصُوْرَةُ فِي هَذِهِ الدَّرَجَةِ مِنَ التَّكْبِيرِ دِقَّتَهَا وَوُضُوْحَهَا، وَمَعَ تَقَدُّمِ التّقَنِيَّةِ تَزْدَادُ هَذِهِ الدِّقَّةُ، فَهَلْ يُقَالُ بَعْدُ مَعَ هَذَا: إِنَّ المُصَوَّرَ هُوَ نَفْسُ تَصْوِيرِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ؟! وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوْفِيقِهِ.\n(^٢) وَعَلَيهِ فَلَا مَحْذُورَ فِي اسْتِخْدَامِ آلَاتِ المُرَاقَبَةِ فِي المُنْشَآتِ وَالمَتَاجِرِ وَأَشْبَاهِهَا لِأَنَّ الصُورَةَ لَيسَتْ مَحْفُوظَةً أَصْلًا، وَإِنَّمَا حَقِيقَتُهَا انْعِكَاسُ الصُّوَرِ فِي المَرَايَا، وَهِيَ أَيضًا لَو حُفِظَتْ؛ فَلَا حَرَجَ إِنْ شَاءَ اللهُ لِأَنَّهَا مِمَّا تَسْتَدْعِيهِ المَصْلَحَةُ وَالحَاجَةُ المُلِحَّةُ.\n(^٣) قَالَ الشَّيخُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ﵀ فِي مَجْمُوعِ الفَتَاوَى وَالرَسَائِلِ (١/ ١٨٧): \"وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ مُجِيزِي التَّصْوِيرِ الشَّمْسِيِّ أَنَّهُ نَظِيرُ ظُهُورِ الوَجْهِ فِي المِرْآةِ وَنَحْوِهَا مِنَ الصَّقِيلَاتِ! وَهَذَا فَاسِدٌ؛ فَإِنَّ ظُهُورَ الوَجْهِ فِي المِرْآةِ وَنَحْوِهَا شَيءٌ غَيرُ مُسْتَقِرٍ، وَإِنَّمَا يُرَى بِشَرْطِ بَقَاءِ المُقَابَلَةِ؛ فَإِذَا فُقِدَتِ المُقَابَلَةُ\n=","vol":"2","page":459},{"text":"٧ - لِيَكُنْ إلْحَاقُ التَّصْوِيرِ الشَّمْسِيِّ \"الفُوتُوغَرَافِيِّ\" بَعِيدًا عَنْ كَونِهِ تَصْوِيرًا مُحَرَّمًا؛ فَهُنَا تَرِدُ مُلَاحَظَاتٌ:\nأ- مَا هُوَ وَاجِبُ المُسْلِمِ إِذَا اشْتَبَهَ عَلَيهِ الحُكْمُ مِنْ جِهَةِ الحِلِّ أَوِ التَّحْرِيمِ؟\nالجَوَابُ: هُوَ فِي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ: «إِنَّ الحَلالَ بَيِّنٌ وَإنَّ الحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَينَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ؛ فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الحَرَامِ» (^١).\nب- مَا هُوَ الحَاصِلُ مِنْ إِبَاحَةِ هَذَا النَّوعِ مِنَ التَصْوِيرِ؟ هَلْ هُوَ لِتَصْوِيرِ مَا يَلْزَمُ مِنَ الأَورَاقِ الرَّسْمِيَّةِ الحُكُومِيَّةِ لِلأَشْخَاصِ؟ أَمْ لِتَصْوِيرِ صُوَرِ الذِّكْرَيَاتِ وَتَنَاقُلِهَا وَتَعْلِيقِهَا بِمَا لَا يُمْكِنُ أَبَدًا ضَبْطُهُ! عِلْمًا أَنَّ حُكْمَ التَّصْوِيرِ نَفْسَهُ مُفَارِقٌ عَنْ حُكْمِ اقْتِنَاءِ الصُّوَرِ وَتَعْلِيقِهَا؛ فَهَذِهِ الأَخِيرَةُ مَشْمُولَةٌ بِنُصُوصٍ أُخْرَى مِنْ مَنْعِ دُخُولِ المَلَائِكَةِ وَغَيرِهَا؛ فَتَنَبَّهْ.\nج- هَلْ فَتْحُ هَذَا البَابِ أَسْلَمُ لِحَيَاةِ المُجْتَمَعِ المُسْلِمِ أَمْ إِغْلَاقُهُ؟ وَالوَاقِعُ يَشْهَدُ بِأَوْلَوِيَّةِ الإِغْلَاقِ.\n_________\n=\nفُقِدَ ظُهُورُ الصُورَةِ فِي المِرْآةِ وَنَحْوِهَا، بِخِلَافِ الصُورَةِ الشَّمْسِيَّةِ؛ فَإِنَّهَا بَاقِيَةٌ فِي الأَورَاقِ وَنَحْوِهَا مُسْتَقِرَّةٌ، فَإِلْحَاقُهَا بِالصُّوَرِ المَنْقُوشَةِ بِاليَدِ أَظْهَرُ وَأَوضَحُ وَأَصَحُّ مِنْ إلْحَاقِهَا بِظُهُورِ الصُورَةِ فِي المِرْآةِ وَنَحْوِهَا؛ فَإِنَّ الصُورَةَ الشَّمْسِيَّةَ وَبُدُوَّ الصُورَةِ فِي الأَجْرَامِ الصَّقِيلَةِ وَنَحْوِهَا يَفْتَرِقَانِ فِي أَمْرَينِ:\n١ - الاسْتِقْرَارِ وَالبَقَاءِ.\n٢ - حُصُولِ الصُورَةِ عَنْ عَمَلٍ وَمُعَالَجَةٍ، فَلَا يُطْلَقُ -لَا لُغَةً، وَلَا عَقْلًا، وَلَا شَرْعًا- عَلَى مُقَابِلِ المِرْآةِ وَنَحْوِهَا أَنَّهُ صَوَّرَ ذَلِكَ! وَمُصَوِّرُ الصُّوَرِ الشَّمْسِيَّةِ مُصَوِّرٌ لُغَةً وَعَقْلًا وَشَرْعًا، فَالمُسَوِّي بَينَهُمَا مُسَوٍّ بَينَ مَا فَرَّقَ اللهُ بَينَهُ، وَالمَانِعُونَ مِنْهُ قَدْ سَوَّوا بَينَ مَا سَوَّى اللهُ بَينَهُ، وَفَرَّقُوا بَينَ مَا فَرَّقَ اللهُ بَينَهُ؛ فَكَانُوا بِالصَّوَابِ أَسْعَدَ؛ وَعَنْ فَتْحِ أَبْوَابِ المَعَاصِي وَالفِتَنِ أَنْفَرَ وَأَبْعَدَ\".\n(^١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٥٢)، وَمُسْلِمٌ (١٥٩٩) عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مَرْفُوعًا.","vol":"2","page":460},{"text":"قَالَ الشَّيخُ العَلَّامَةُ ابْنُ بَازٍ ﵀: \"أَمَّا إِنْ كَانَ لَا ظِلَّ لَهُ كَالتَّصْوِيرِ الشَّمْسِيِّ فِي القِرْطَاسِ وَنَحْوِهِ؛ هَذَا أَيضًا مُحَرَّمٌ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ العِلْمِ لِعُمُومِ الأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ، فَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَعَاطَى شَيئًا مِن ذَلِكَ، وَلَيسَ مَعَ مَنْ أَجَازَ التَّصْوِيرَ الشَّمْسِيَّ حُجَّةٌ، بَلْ هُوَ قَولٌ بَاطِلٌ لَا وَجْهَ لَهُ، فَالتَّصْوِيرُ كُلُّهُ مَمْنُوعٌ؛ فِي القِرْطَاسِ أَوْ فِي الأَلْوَاحِ أَوْ فِي المَلَابِسِ أَوْ فِي الجُدْرَانِ أَوْ غَيرِ ذَلِكَ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ غَيرِ ذَلِكَ.\nوَالوَاجِبُ طَمْسُ الصُّوَرِ إِذَا وُجِدَتْ بِقَطْعِ رُؤُوسِهَا أَوْ مَحْوِهَا بِالكُلِّيَّةِ، لِقَولِهِ ﷺ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِعَلِيٍّ ﵁: «لَا تَدَعْ صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا»، وَلِأَنَّهُ ﷺ لَمَّا دَخَلَ الكَعْبَةَ عَامَ الفَتْحِ مَحَا جَمِيعَ الصُّوَرِ الَّتِي فِي الكَعْبَةِ، وَكَسَرَ الأَصْنَامَ، وَأَخَذَ مَاءً وَثَوبًا فَمَسَحَ بِهِ مَا بِجُدْرَانِ الكَعْبَةِ مِنَ الصُّوَرِ.\nلَكِنْ إِذَا أُكْرِهَ الإِنْسَانُ عَلَى الصُّورَةِ لِأَخْذِ التَّابِعِيَّةِ -الحَفِيظَةِ- مَثَلًا أَوْ لِأَسْبَابٍ أُخْرَى لَيسَ لَهُ فِيهَا اخْتِيَارٌ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى ذَلِكَ كَالتَّابِعِيَّةِ وَالشَّهَادَةِ العِلْمِيَّةِ وَقِيَادَةِ السَّيَّارَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُلْزَمُ بِهِ وَلَيسَ لَهُ مَنْدُوحَةٌ عَنْهُ؛ فَلَا حَرَجَ عَلَيهِ إِذَا أَخَذَ ذَلِكَ مِن أَجْلِ الضَّرُورَةِ وَهُوَ لَا يُحِبُّ ذَلِكَ وَلَا يَرْضَى ذَلِكَ؛ لَكِنْ لِأَجْلِ الحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ إِلَى هَذَا الشَّيءِ. وَاللهُ وَلِيُّ التَّوفِيقِ\" (^١).\nتَنْبِيهٌ:\nوَأَمَّا مَا نُسِبَ إِلَى الشَّيخِ الفَاضِلِ ابْنِ عُثَيمِينَ ﵀ مِنْ إِبَاحَةِ التَّصْوِيرِ الفُوتُوغَرَافِيِّ مُطْلَقًا! فَهُوَ كَذِبٌ وَزُورٌ عَلَيهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ صَحِيحٌ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْهُ مِنْ جُمْلَةِ\n_________\n(^١) فَتَاوَى نُورٌ عَلَى الدَّرْبِ (شريط: ٨٥٧).","vol":"2","page":461},{"text":"التَّصْوِير المُحَرَّمِ، وَلَكِنَّهُ أَجَازَهُ فَقَط لِمِثْلِ مَا أَجَزْنَاهُ مِنَ التَّصْوِير لِلحَاجَةِ وَالمَصْلَحَةِ، أَمَّا التَّصْوِيرُ لِلذِّكْرَى وَالحَنِينِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَقَدْ نَهَى عَنْهُ ﵀.\nقَالَ ﵀: \"وَلَكِنْ يَبْقَى النَّظَرُ: هَلْ يَحِلُّ هَذَا الفِعْلُ أَو لَا؟\nوَالجَوَابُ: إِذَا كَانَ لِغَرَضٍ مُحَرَّمٍ صَارَ حَرَامًا، وَإِذَا كَانَ لِغَرَضٍ مُبَاحٍ صَارَ مُبَاحًا؛ لِأَنَّ الوَسَائِلَ لَهَا أَحْكَامُ المَقَاصِدِ، وَعَلَى هَذَا؛ فَلَو أَنَّ شَخْصًا صَوَّرَ إِنْسَانًا لِمَا يُسَمُّونَهُ بِالذِّكْرَى -سَوَاءً كَانَتْ هَذِهِ الذِّكْرَى لِلتَّمَتُّعِ بِالنَّظَرِ إِلَيهِ أَوِ التَّلَذُّذِ بِهِ أَو مِنْ أَجْلِ الحَنَانِ وَالشَّوقِ إِلَيهِ-؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ وَلَا يَجُوزُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ اقْتِنَاءِ الصُّوَرِ، لِأَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ صُورَةً وَلَا أَحَدَ يُنْكِرُ ذَلِكَ.\nوَإِذَا كَانَ لِغَرَضٍ مُبَاحٍ كَمَا يُوجَدُ فِي التَّابِعِيَّةِ وَالرُّخْصَةِ وَالجَوَازِ وَمَا أَشْبَهَهُ؛ فَهَذَا يَكُونُ مُبَاحًا، فَإِذَا ذَهَبَ الإِنْسَانُ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى رُخْصَةٍ إِلَى هَذَا المُصَوِّرِ الَّذِي تَخْرُجُ مِنْهُ الصُورَةُ فَورِيَّةً بِدُونِ عَمَلٍ -لَا تَحْمِيضٍ وَلَا غَيرِهِ- وَقَالَ: صَوِّرْنِي، فَصَوَّرَهُ؛ فَإِنَّ هَذَا المُصَوِّرَ لَا نَقُولُ: إِنَّهُ دَاخِلٌ فِي الحَدِيثِ -أَي: حَدِيثِ الوَعِيدِ عَلَى التَصْوِيرِ-، أَمَّا إِذَا قَالَ: صَوِّرْنِي لِغَرَضٍ آخَرَ غَيرِ مُبَاحٍ؛ صَارَ مِنْ بَابِ الإِعَانَةِ عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ\" (^١).\n_________\n(^١) القَولُ المُفِيدُ (٢/ ٤٣٩).","vol":"2","page":462},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-449> المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: هَلِ النَّهْيُ هُوَ عَنِ التَّمَاثِيلِ المُجَسَّمَةِ (ذَاتِ الظِّلِّ) أَمْ عَنْ عُمُومِ الصُّوَرِ؟</span>\nالجَوَابُ: بَلْ عَنْ عُمُومِ الصُّوَرِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ هُوَ مِنْ جِهَتَينِ:\n١ - مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ: أَنَّ الصُورَةَ تُطْلَقُ عَلَى التِّمْثَالِ، وَالعَكْسُ بِالعَكْسِ.\nقَالَ فِي لِسَانِ العَرَبِ: \"التِّمْثَالُ: الصُورَةُ\" (^١).\nوَفِي الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَومَ القِيَامَةِ رَجُلٌ قَتَلَهُ نَبِيٌّ أَو قَتَلَ نَبِيًّا، وَإِمَامُ ضَلَالَةٍ، وَمُمَثِّلٌ مِنَ المُمَثِّلِينَ» (^٢).\n٢ - مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ: جَاءَ فِي الحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ وُجُودِ الصُّوَرِ عَلَى السَّتَائِرِ وَغِيرِهَا؛ وَهِيَ بِلَا شَكٍّ لَيسَتْ مُجَسَّمَةً!\nكَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَدْ سَتَرْتُ سَهْوَةً (^٣) لِي بِقِرَامٍ (^٤) فِيهِ تَمَاثِيلُ (^٥)، فَلَمَّا رَآهُ هَتَكَهُ، وَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ، وَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ! أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللهِ يَومَ القِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللهِ»، قَالَتْ عَائِشَةُ:\n_________\n(^١) لِسَانُ العَرَبِ (١١/ ٦١٣).\n(^٢) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٣٨٦٨). الصَّحِيحَةُ (٢٨١).\nقَالَ فِي لِسَانِ العَرَبِ (١١/ ٦١٣): \"وَفِي الحَدِيثِ: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا مُمَثِّلٌ مِنَ المُمَثِّلِينَ» أَي: مُصَوِّرٌ\"، وَكَذَا فِي النِّهَايَةِ لِابْنِ الأَثِيرِ ﵀.\n(^٣) قَالَ ابْنُ الأَثِيرِ ﵀ فِي كِتَابِهِ (النِّهَايَةُ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ) (٢/ ١٠٤٧): \"السَّهْوَةُ: بَيتٌ صَغِيرٌ مُنْحَدِرٌ فِي الأَرْضِ قَلِيلًا؛ شَبِيهٌ بِالمُخْدَعِ وَالخِزَانةِ\".\n(^٤) القِرَامُ: بِكَسْرِ القَافِ: السِّتْرُ.\n(^٥) وَفِي لَفْظٍ لَهُ أَيضًا: (فِيهِ الخَيلُ ذَوَاتُ الأَجْنِحَةِ).","vol":"2","page":463},{"text":"فَقَطَعْنَاهُ؛ فَجَعَلْنَا مِنْهُ وِسَادَةً أَو وِسَادَتَينِ (^١).\nقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: \"وَلَا فَرْق فِي هَذَا كُلِّهِ بَينِ مَا لَهُ ظِلٌّ وَمَا لَا ظِلَّ لَهُ، هَذَا تَلْخِيصُ مَذْهَبِنَا فِي المَسْأَلَةِ، وَبِمَعْنَاهُ قَالَ جَمَاهِيرُ العُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَهُوَ مَذْهَبُ الثَّورِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيرِهِمْ، وَقَالَ بَعْض السَّلَفِ: إِنَّمَا يُنْهَى عَمَّا كَانَ لَهُ ظِلٌّ، وَلَا بَأْس بِالصُّوَرِ الَّتِي لَيسَ لَهَا ظِلٌّ، وَهَذَا مَذْهَبٌ بَاطِلٌ؛ فَإِنَّ السِّتْرَ الَّذِي أَنْكَرَ النَّبِيُّ ﷺ الصُورَةَ فِيهِ؛ لَا يَشُكُّ أَحَدٌ أَنَّهُ مَذْمُومٌ، وَلَيسَ لِصُورَتِهِ ظِلٌّ! مَعَ بَاقِي الأَحَادِيثِ المُطْلَقَةِ فِي كُلّ صُورَة.\nوَقَالَ الزُّهْرِيُّ: النَّهْيُ فِي الصُورَةِ عَلَى العُمُومِ، وَكَذَلِكَ اسْتِعْمَالُ مَا هِيَ فِيهِ، وَدُخُولُ البَيتِ الَّذِي هِيَ فِيهِ؛ سَوَاءً كَانَتْ رَقْمًا فِي ثَوبٍ أَو غَيرَ رَقْمٍ، وَسَوَاء ًكَانَتْ فِي حَائِطٍ أَو ثَوبٍ أَو بِسَاط ٍمُمْتَهَنٍ أَو غَيرِ مُمْتَهَنٍ؛ عَمَلًا بِظَاهِرِ الأَحَادِيثِ، لَا سِيَّمَا حَدِيثِ (النُّمْرُقَةِ) الَّذِي ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ. وَهَذَا مَذْهَبٌ قَوِيٌّ\" (^٢).\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٥٩٥٤)، وَمُسْلِمٌ (٢١٠٧).\n(^٢) شَرْحُ مُسْلِمٍ (١٤/ ٨١).","vol":"2","page":464},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-450> المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: هَلْ يَخْرُجُ مِنَ النَّهْي صُوَرُ مَا لَهُ رَأْسٌ إِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَعِيشُ حَقِيقَةً فِي الخَارِجِ؛ كَالصُّوَرِ الخَيَالِيَّةِ وَالصُّوَرِ النِّصْفِيَّةِ؟</span>\nالجَوَابُ: إِنَّ هَذَا التَّفْرِيقَ لَا دَلِيلَ عَلَيهِ، بَلْ يَبْقى مَا سَلَفَ مَشْمُولًا بِالنَّهْي، وَبَيَانُ ذَلِكَ هُوَ مِنْ وَجْهَينِ:\n١ - أَنَّ الأَصْلَ فِي تَحْرِيمِ الصُورَةِ بَقَاءُ الرَّأْسِ، فَحَتَّى لَو كَانَتِ الصُورَةُ مِمَّا لَا يَعِيشُ حَقِيقَةً أَو صُورَةً نِصْفِيَّةً -كَأَعْلَى البَدَنِ، أَوِ الوَجْهِ- فَهُوَ مُحَرَّمٌ، وَدَلَّ لِذَلِكَ الحَدِيثُ: «الصُورَةُ الرَّأْسُ؛ فَإِذَا قُطِعَ الرَّأْسُ فَلَا صُورَةَ» (^١).\n٢ - أَنَّهُ قَدْ جَاءَ تَحْرِيمُ بَعْضٍ مِمَّا سَلَفَ مِنَ الأَمْثِلَةِ، كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: (قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ سَفَرٍ وَقَدْ سَتَّرْتُ عَلَى بَابِي دُرْنُوكًا (^٢) فِيهِ الخَيلُ ذَوَاتُ الأَجْنِحَةِ؛ فَأَمَرَنِي فَنَزَعْتُهُ) (^٣)، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيسَ فِي الطَّبِيعَةِ المَحْسُوسَةِ عِنْدَنَا خَيلٌ بِجَنَاحَينِ (^٤)!\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. الإسْمَاعِيلِيُّ فِي مُعْجَمِهِ (٢/ ٦٦٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (١٩٢١).\nوَكَحَدِيثِ: «فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ الَّذِي فِي البَيتِ يُقْطَعُ؛ فَيَصِيرُ كَهَيئَةِ الشَّجَرَةِ» وَقَدْ سَبَقَ. صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤١٥٨) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٣٥٦).\n(^٢) قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (١٤/ ٨٧): \"الدُّرْنُوكُ: سِتْرٌ لَهُ خَمْلٌ\".\n(^٣) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٥٩٥٥)، وَمُسْلِمٌ (٢١٠٧) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.\n(^٤) وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ؛ فَإنَّهُ فِي الحَدِيثِ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ أَعْرَابِيٌ؛ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنّي أُحِبُّ الخَيلَ! أَفِي الجَنَّةِ خَيلٌ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنْ أُدْخِلْتَ الجَنَّةَ؛ أُتِيتَ بِفَرَسٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ لَهُ جَنَاحَانِ فَحُمِلْتَ عَلَيهِ، ثُمْ طَارَ بِكَ حَيثُ شِئْتَ». صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٥٤٤) عَنْ أَبي أَيُّوبٍ. الصَّحِيحَةُ (٣٠٠١).\nوَكَذَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂؛ قَالَتْ: (قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَو خَيبَرَ وَفِي سَهْوَتِهَا\n=","vol":"2","page":465},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-451> المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: هَلْ يَخْرُجُ مِنَ النَّهْي الصُورُ المُمْتَهَنَةُ كَالفُرُشِ وَالبُسُطِ وَالوَسَائِدِ؟</span> كَمَا دَلَّ لِذَلِكَ أَمْرُ جِبْرِيلَ ﵇ بِأَنْ تُجْعَلَ الصُورَةُ وِسَادَتَينِ تُوطَئَانِ (^١)، وَكَحَدِيثِ: «إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوبٍ» (^٢)، وَكَحَدِيثِ الاتِّكَاءِ عَلَى مِرْفَقَةٍ فِيهَا صُورَةٌ (^٣).\nالجَوَابُ: الرَّاجِحُ أَنَّ الامْتِهَانَ -وَإِنْ كَانَ أَهْوَنَ مِنْ عَدَمِهِ-؛ فَهُوَ لَا يُخْرِجُ الصُورَةَ مِنْ حُكْمِ المَنْعِ.\n_________\n=\nسِتْرٌ؛ فَهَبَّتْ رِيحٌ فَكَشَفَتْ نَاحِيَةَ السِّتْرِ عَنْ بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ لُعَبٍ، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟» قَالَتْ: بَنَاتِي. وَرَأَى بَينَهُنَّ فَرَسًا لَهُ جَنَاحَانِ مِنْ رِقَاعٍ، فَقَالَ: «مَا هَذَا الَّذِي أَرَى وَسْطَهُنَّ؟» قَالَتْ: فَرَسٌ. قَالَ: «وَمَا هَذَا الَّذِي عَلَيهِ». قَالَتْ: جَنَاحَانِ. قَالَ: «فَرَسٌ لَهُ جَنَاحَانِ!». قَالَتْ: أَمَا سَمِعْتَ أَنَّ لِسُلَيمَانَ خَيلًا لَهَا أَجْنِحَةٌ؟ قَالَتْ: فَضَحِكَ حَتَّى رَأَيتُ نَوَاجِذَهُ). صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٩٣٢). صَحِيحُ أَبِي دَاوُدَ (٤٩٣٢).\n(^١) وَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇، فَقَالَ لِي: أَتَيتُكَ البَارِحَةَ؛ فَلَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَكُونَ دَخَلْتُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ عَلَى البَابِ تَمَاثِيلُ، وَكَانَ فِي البَيتِ قِرَامَي سِتْرٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ، وَكَانَ فِي البَيتِ كَلْبٌ، فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ الَّذِي فِي البَيتِ يُقْطَعُ فَيَصِيرُ كَهَيئَةِ الشَّجَرَةِ، وَمُرْ بِالسِّتْرِ فَلْيُقْطَعْ فَلْيُجْعَلْ مِنْهُ وِسَادَتَينِ مَنْبُوذَتَينِ تُوطَآنِ، وَمُرْ بِالكَلْبِ فَلْيُخْرَجْ». صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤١٥٨) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٣٥٦).\n(^٢) البُخَارِيُّ (٥٦١٣)، وَمُسْلِمٌ (٢١٠٦).\nوَلَفْظُهُ: \"عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ -صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ المَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيتًا فِيهِ صُورَةٌ»، قَالَ بُسْرٌ: ثُمَّ اشْتَكَى زَيْدٌ فَعُدْنَاهُ، فَإِذَا عَلَى بابهِ سِتْرٌ فِيهِ صُورَةٌ! فَقُلْتُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ -رَبِيبِ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ: أَلَمْ يُخْبِرْنَا زَيْدٌ عَنِ الصُّوَرِ يَوْمَ الأَوَّلِ؟! فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: أَلَمْ تَسْمَعْهُ حِينَ قَالَ: (إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوْبٍ) \".\n(^٣) وَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ قَالَتْ: (قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ سَفَرٍ -وَقَدْ اشْتَرَيتُ نَمَطًا فِيهِ صُورَةٌ- فَسَتَرْتُهُ عَلَى سَهْوَةِ بَيتِي، فَلَمَّا دَخَلَ كَرِهَ مَا صَنَعْتُ وَقَالَ: «أَتَسْتُرِينَ الجُدُرَ يَا عَائِشَةُ؟!» فَطَرَحْتُهُ فَقَطَعْتُهُ مِرْفَقَتَينِ؛ فَقَدْ رَأَيتُهُ مُتَّكِئًا عَلَى إِحْدَاهُمَا وَفِيهَا صُورَةٌ). صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٦١٠٣). آدَابُ الزِّفَافِ (ص ١٨٥). وَ(النَّمَطُ): بِسَاطٌ لَهُ خَمْلٌ رَقِيقٌ.","vol":"2","page":466},{"text":"وَبَيَانُ ذَلِكَ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ:\n١ - أَنَّ نَفْسَ الحَدِيثِ مَوضِعِ الاسْتِدْلَالِ جَاءَ بِلَفْظٍ يُشْعِرُ بالامْتِهَانِ؛ وَلَكِنْ بَعْدَ قَطْعِ الرُؤُوسِ مِنَ الصُورَةِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَفْسَ الامْتِهَانِ لَا يَكْفِي، وَاللَّفْظُ هُوَ: أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ؛ فَعَرَفَ صَوتَهُ فَقَالَ: «ادْخُلْ»، فَقَالَ: إِنَّ فِي البَيتِ سِتْرًا فِي الحَائِطِ فِيهِ تَمَاثِيلُ! فَاقْطَعُوا رُءُوسَهَا فَاجْعَلُوهَا بِسَاطًا أَو وَسَائِدَ فَاوطَئُوهُ؛ فَإِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيتًا فِيهِ تَمَاثِيلُ (^١).\nفَإِنْ قِيلَ: فَمَا وَجْهُ ذِكْرِ الوَسَائِدِ المَوطُوءَةِ إِذًا؟!\nفَالجَوَابُ عَلَيهِ: أَنَّ هَذَا يَكُونُ إِرْشَادًا إِلَى عَدَمِ إِتْلَافِهِ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا تَغْيِيرُهُ بِطَرِيقَةٍ تُمَكِّنُ مِنَ الانْتِفَاعِ بِهِ كَالوَسَائِدِ؛ فَهُوَ مِنْ بَابِ ضَرْبِ المِثَالِ لَا الحَصْرِ، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٨٠٧٩) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. الصَّحِيحَةُ (٣٥٦).\nوَأَمَّا لَفْظُ النَّسَائِيِّ (٥٣٦٥) الَّذِي فِيهِ التَخْيِيرُ وَهُوَ: (فَإِمَّا أَنْ تُقْطَعَ رُءُوسُهَا أَو تُجْعَلَ بِسَاطًا يُوطَأُ) فَهُوَ مَرْجُوحٌ مِنْ وَجْهَينِ:\nمِنْ جِهَةِ الإِسْنَادِ؛ قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الصَّحِيحَةِ (٣٥٦): \"قُلْتُ: وَقَدْ تَابَعَهُ أَبُو إِسْحَاقَ [أي لِيُونُسَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ وَهُوَ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ]، فَقَالَ أَحْمَدُ (٢/ ٣٠٨): حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنْبَأَنَا مَعْمَرُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ مُجَاهِدٍ بِهِ مُخْتَصَرًا بِالرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ. وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيخَينِ لَولَا أَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ -وَهُوَ السَّبِيعِيَّ؛ وَالِدَ يُونُسَ- كَانَ تَغَيَّرَ فِي آخِرِهِ، وَقَدْ اخْتُلِفَ عَلَيهِ فِي لَفْظِهِ؛ فَرَوَاهُ عَنْهُ مَعْمَرُ هَكَذَا، وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ عَنْهُ بِهِ نَحْوَهُ بِلَفْظِ: «فَإِمَّا أَنْ تُقْطَعَ رُءُوسُهَا أَو تُجْعَلَ بِسَاطًا يُوطَأُ» أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ (٢/ ٣٠٢) وَالأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّ مَعْمَرًا حَفِظَهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ ابْنُ عَيَّاشٍ الكُوفِيُّ، قَالَ الحَافِظُ: ثِقَةٌ عَابِدٌ؛ إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَبُرَ سَاءَ حِفْظُهُ، وَكِتَابُهُ صَحِيحٌ\".\nب- مِنْ جِهَةِ الفِقْهِ: أَنَّهُ قَدْ جَاءَ امْتِنَاعُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ دُخُولِ البَيتِ -وَفِيهِ النُمْرُقَةُ (الوِسَادَةُ) الَّتِي عَلَيهَا صُورَةٌ- وَهِيَ مُمْتَهَنَةٌ بِلَا رَيبٍ. وَقَدْ سَبَقَ الحَدِيثُ فِي ذَلِكَ.","vol":"2","page":467},{"text":"قُلْتُ: وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيرَةَ رَفَعَهُ: (رَخَّصَ فِيمَا كَانَ يُوطَأُ، وَكَرِهَ مَا كَانَ مَنْصُوبًا) فَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا (^١).\n٢ - قَدْ جَاءَ تَحْرِيمُ بَعْضٍ مِمَّا سَلَفَ مِنَ الأَمْثِلَةِ الَّتِي فِيهَا الامْتِهَانُ وَلَمْ يُقِرَّهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ!\nكَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً (^٢) فِيهَا تَصَاوِيرٌ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بِالبَابِ فَلَمْ يَدْخُلْ، فَقُلْتُ: أَتُوبُ إِلَى اللهِ مِمَّا أَذْنَبْتُ، قَالَ: «مَا هَذِهِ النُّمْرُقَةُ؟» قُلْتُ: لِتَجْلِسَ عَلَيهَا وَتَوَسَّدَهَا، قَالَ: «إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَومَ القِيَامَةِ يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ! وَإِنَّ المَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيتًا فِيهِ الصُورَةُ» (^٣).\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: \"وَظَاهِرُ حَدِيثَي عَائِشَةَ -هَذَا وَالَّذِي قَبْلَهُ- التَّعَارُضُ، لِأَنَّ الَّذِي قَبْلَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ اسْتَعْمَلَ السِّتْرَ الَّذِي فِيهِ الصُورَةُ بَعْدَ أَنْ قُطِعَ وَعُمِلَتْ مِنْهُ الوِسَادَةُ؛ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ أَصْلًا! وَقَدْ أَشَارَ المُصَنِّفُ إِلَى الجَمْعِ بَينَهُمَا بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ اتِّخَاذِ مَا يُوطَأُ مِنَ الصُّوَرِ جَوَازُ القُعُودِ عَلَى الصُورَةِ! فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتَعْمَلَ مِنَ الوِسَادَةِ مَا لَا صُورَة فِيهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَأَى التَّفْرِقَةَ بَينَ القُعُودِ وَالِاتِّكَاءِ وَهُوَ بَعِيدٌ، وَيُحْتَمَلُ أَيضًا أَنْ يُجْمَعَ بَينَ الحَدِيثَينِ بِأَنَّهَا لَمَّا قَطَعَتِ السِّتْرَ وَقَعَ القَطْعُ فِي وَسْطِ الصُورَةِ مَثَلًا؛ فَخَرَجَتْ عَنْ هَيئَتِهَا؛ فَلِهَذَا صَارَ يَرْتَفِقُ بِهَا، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الجَمْعَ الحَدِيثُ الَّذِي فِي البَابِ قَبْلَهُ فِي نَقْضِ الصُّوَرِ\" (^٤).\n_________\n(^١) ضَعِيفٌ جِدًّا. الطَّبَرَانِيُّ فِي الأَوسَطِ (٥٧٠٣). الضَّعِيفَةُ (٥٩٩٨).\n(^٢) وَهِيَ الوِسَادَةُ.\n(^٣) البُخَارِيُّ (٥٩٥٧).\n(^٤) فَتْحُ البَارِي (١٠/ ٣٩٠).","vol":"2","page":468},{"text":"قُلْتُ: وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ الحَدِيثِ بِلَفْظٍ آخَرَ وَهُوَ: «فَاقْطَعُوا رُؤوسَهَا؛ فَاجْعَلُوهَا بِسَاطًا أَو وَسَائِدَ فَاوطَئُوهُ» (^١)، فَفِيهِ بَيَانُ النَّصِّ عَلَى وُفْقِ مَا وَجَّهَهُ الحَافِظُ؛ وَمَا أَشَارَ إِلَيهِ البُخَارِيُّ رَحِمَهُمَا اللهُ.\nوَقَالَ أَيضًا ﵀ -عِنْدَ شَرْحِ بَابِ نَقْضِ الصُّوَرِ (^٢) -: \"وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ اسْتَنْبَطَ مِنْ نَقْضِ الصَّلِيبِ نَقْضَ الصُورَةِ الَّتِي تَشْتَرِكُ مَعَ الصَّلِيبِ فِي المَعْنَى وَهُوَ عِبَادَتُهُمَا مِنْ دُونِ اللهِ؛ فَيَكُونُ المُرَادُ بِالصُّوَرِ فِي التَّرْجَمَةِ خُصُوصَ مَا يَكُونُ مِنْ ذَوَاتِ الأَرْوَاحِ؛ بَلْ أَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ\" (^٣).\n٣ - أَمَّا حَدِيثُ: «إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوبٍ» فَفِيهِ مَسَالِكُ:\nالأَوَّلُ: مَعْنَى الرَّقْمِ لَغْةً:\nقَالَ فِي تَاجِ العَرُوسِ: \"رَقَمَ الثَّوبَ رَقْمًا: وَشَاهُ\" (^٤).\nوَقَالَ فِي جَمْهَرَةِ اللُّغَةِ: \"الرَّقْمُ: رَقْمُ الثَّوبِ، وَكُلُّ ثَوبٍ وُشِّيَ فَهُوَ مَرْقُومٌ\" (^٥).\nوَالوَشْيُ مَعْرُوفٌ أَنَّهُ مِنْ خَلْطِ الأَلْوَانِ، فَهُوَ بِمَعْنَى التَّعْلِيمِ، قَالَ فِي لِسَانِ\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٨٠٧٩) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. الصَّحِيحَةُ (٣٥٦).\n(^٢) وَفِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَتْرُكُ فِي بَيتِهِ شَيئًا فِيهِ تَصَالِيبُ إِلَّا نَقَضَهُ). البُخَارِيُّ (٥٩٥٢).\n(^٣) فَتْحُ البَارِي (١٠/ ٣٨٥).\n(^٤) تَاجُ العَرُوسِ (٣٢/ ٢٧٢).\n(^٥) جَمْهَرَةُ اللُّغَةِ (٢/ ٧٩٠).\nوَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ فِي مُعْجَمِ مَقَايِيسِ اللُّغَةِ (٢/ ٤٢٥): \" (رَقَمَ) الرَّاءُ وَالقَافُ وَالمِيمُ: أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى خَطٍّ وَكِتَابَةٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. فَالرَّقْمُ: الخَطُّ، وَكُلُّ ثَوبٍ وُشِيَ فَهُوَ رَقْمٌ\".","vol":"2","page":469},{"text":"العَرَبِ: \"الوَشْيُ مَعْرُوفٌ؛ وَهُوَ يَكُونُ مِنْ كُلِّ لَونٍ\" (^١).\nوَقَالَ ابْنُ الأَثِيرِ ﵀: \" (رَقَمَ): فِيهِ: أَتَى فَاطِمَةَ فَوَجَدَ عَلَى بَابِهَا سِتْرًا مُوشّى، فَقَالَ: «مَا أَنَا وَالدُّنْيَا وَالرَّقْمَ؟!» (^٢)؛ يُريدُ النَّقْشَ وَالوَشْيَ، وَالأَصْلُ فِيهِ الكِتَابَةُ\" (^٣).\nقَالَ العَينِيُّ ﵀: \"قَالَ الخَطَّابِيُّ ﵀: المُصَوِّرُ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُ أَشْكَالَ الحَيَوَانِ، وَالنَّقَّاشُ الَّذِي يَنْقُشُ أَشْكَالَ الشَّجَرِ وَنَحْوِهَا؛ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ لَا يَدْخُلَ فِي هَذَا الوَعِيدِ؛ وَإِنْ كَانَ جُمْلَةُ هَذَا البَابِ مَكْرُوهًا وَدَاخِلًا فِيمَا يُشْغِلُ القَلْبَ بِمَا لَا يِنْبَغِي\" (^٤).\nوَعَلَى مَا سَبَقَ؛ فَإِنَّ الرَّقْمَ لَيسَ مِنْ بَابِ صُوَرِ ذَوَاتِ الأَرْوَاحِ! فَلَا تَعَارُضَ بِحَمْدِ اللهِ.\nالثَّانِي: جَمْعُ النُّصُوصِ: الاسْتِثْنَاءُ هُنَا يَكُونُ بِحَمْلِ الرَّقْمِ عَلَى مَا يَحِلُّ كَصُوَرِ الشَّجَرِ وَالجَمَادِ، أَوِ الصُورَةِ المُقَطَّعَةِ وَالَّتِي لَا رَأْسَ فِيهَا، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَنَّ أَحَادِيثَ النَّهْي قَدْ تَنَاوَلَتْ عِدَّةَ أَنْوَاعٍ مِنَ الثِّيَابِ نُهِيَ عَنِ الصُّوَرِ فِيهَا كَالسِّتْرِ وَالقِرَامِ وَالوِسَادَةِ، وَهذا الجَمْعُ هُوَ مِنْ بَابِ حَمْلِ المُتَشَابِهِ عَلَى المُحْكَمِ (^٥).\nقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (^٦): \"هَذَا يَحْتَجّ بِهِ مَنْ يَقُول بِإِبَاحَةِ مَا\n_________\n(^١) لِسَانُ العَرَبِ (١٥/ ٣٩٢).\n(^٢) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤١٤٩) عَنِ ابْنِ عُمَرَ. الصَّحِيحَةُ (٢٤٢١).\n(^٣) النِّهَايَةُ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ (٢/ ٦١٨).\n(^٤) عُمْدَةُ القَارِي (٢٢/ ٧٤).\n(^٥) أَفَادَهُ الشَّيخُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ﵀ فِي مَجْمُوعِ الفَتَاوَى وَالرَسَائِلِ (١/ ١٨٠).\n(^٦) شَرْحُ مُسْلِمٍ (١٤/ ٨٥).","vol":"2","page":470},{"text":"كَانَ رَقْمًا مُطْلَقًا كَمَا سَبَقَ! وَجَوَابُنَا وَجَوَابُ الجُمْهُور عَنْهُ: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى رَقْمٍ عَلَى صُورَةِ الشَّجَرِ وَغَيرِهِ مِمَّا لَيسَ بِحَيَوَانٍ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ هَذَا جَائِزٌ عِنْدَنَا\" (^١).\nالثَّالِثُ: يُمْكِنُ القَولُ أَيضًا بِمَا أَورَدَهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (^٢): \"وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ النَّهْي كَمَا يَدُلُّ عَلَيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيرَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَسَأَذْكُرُهُ فِي البَاب الَّذِي يَلِيهِ\" (^٣).\nالرَّابِعُ: أَنَّ الرَّقْمَ -هُنَا- لَو حُمِلَ عَلَى كَونِهِ صُورَةَ ذِي رُوحٍ كَامِلَةٍ -جَدَلًا- فَالظَّاهِرُ\n_________\n(^١) وَقَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ فِي كِتَابِهِ القَولُ المُفِيدُ (٢/ ٤٣٩): \"المُرَادُ بِالاسْتِثْنَاءِ: مَا يَحِلُ تَصْوِيرُهُ مِنَ الأَشْجَارِ وَنَحْوِهَا\".\n(^٢) فَتْحُ البَارِي (١٠/ ٣٩١).\n(^٣) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١٠/ ٣٩٢) -عَنْدَ بَابِ: لَا تَدْخُلُ المَلَائِكَةُ بَيتًا فِيهِ صُورَةٌ-: \"وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيرَةَ فِي السُّنَنِ -وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ- أَتَمُّ سِيَاقًا مِنْهُ؛ وَلَفْظُهُ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: أَتَيتُكَ البَارِحَةَ فَلَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَكُونَ دَخَلْتُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ عَلَى البَابِ تَمَاثِيلُ، وَكَانَ فِي البَيتِ قِرَامُ سِتْرٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ، وَكَانَ فِي البَيتِ كَلْبٌ؛ فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ الَّذِي عَلَى بَابِ البَيتِ يُقْطَعْ فَيَصِيرُ كَهَيئَةِ الشَّجَرَةِ، وَمُرْ بِالسِّتْرِ فَلْيُقْطَعْ فَلْيُجْعَلْ مِنْهُ وِسَادَتَانِ مَنْبُوذَتَانِ تُوطَآنِ، وَمُرْ بِالكَلْبِ فَلْيُخْرَجْ؛ فَفَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ)، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: «إِمَّا أَنْ تُقْطَعَ رُؤوسُهَا أَو تُجْعَلَ بُسُطًا تُوطَأُ»، وَفِي هَذَا الحَدِيثِ تَرْجِيحُ قَولِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الصُورَةَ الَّتِي تَمْتَنِعُ المَلَائِكَةُ مِنْ دُخُولِ المَكَانِ الَّتِي تَكُونُ فِيهِ بَاقِيَةٌ عَلَى هَيئَتِهَا مُرْتَفِعَةٌ غَيرُ مُمْتَهَنَةٍ؛ فَأَمَّا لَو كَانَتْ مُمْتَهَنَةً، أَو غَيرَ مُمْتَهَنَةٍ لَكِنَّهَا غُيِّرَتْ مِنْ هَيئَتِهَا إِمَّا بِقَطْعِهَا مِنْ نِصْفِهَا أَو بِقَطْعِ رَأْسِهَا؛ فَلَا امْتِنَاعَ.\nوَقَالَ القُرْطُبِيُّ: ظَاهِرُ حَدِيثِ زَيدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ المَاضِي قِيلَ: إِنَّ المَلَائِكَةَ لَا تَمْتَنِعُ مِنْ دُخُولِ البَيتِ الَّذِي فِيهِ صُورَةٌ إِنْ كَانَتْ رَقْمًا فِي الثَّوبِ؛ وَظَاهِرُ حَدِيثِ عَائِشَةَ المَنْعُ، وَيُجْمَعُ بَينَهُمَا بِأَنْ يُحْمَلَ حَدِيثُ عَائِشَةَ عَلَى الكَرَاهَةِ وَحَدِيثُ أَبِي طَلْحَةَ عَلَى مُطْلَقِ الجَوَازِ، وَهُوَ لَا يُنَافِي الكَرَاهَةَ.\nقُلْتُ: وَهُوَ جَمْعٌ حَسَنٌ؛ لَكِنَّ الجَمْعَ الَّذِي دَلَّ عَلَيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيرَةَ أَولَى مِنْهُ. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ\".\nقُلْتُ: وَقَدْ قَدَّمْنَا فِيمَا سَبَقَ أَنَّ رِوَايَةَ النَّسَائِيِّ المَذْكُورَةَ مَرْجُوحَةٌ مِنْ جِهَةِ التَّخْيِيرِ.","vol":"2","page":471},{"text":"أَنَّ الجَائِزَ مِنْهَا مَا كَانَ مُمْتَهَنًا، وَدَلَّ لِذَلِكَ أَصْلُ الحَدِيثِ عَنِ الصَّحَابِيِّ الرَّاوِي ﵁ حَيثُ كَانَ الكَلَامُ عَنْ نَمَطٍ جَلَسَ عَلَيهِ، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ مَالِكٌ ﵀ وَغَيرُهُ \"عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي طَلْحَةَ الأَنْصَارِيِّ يَعُودُهُ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ، فَدَعَا أَبُو طَلْحَةَ إِنْسَانًا يَنْزِعُ نَمَطًا تَحْتَهُ، فَقَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ: لِمَ تَنْزِعُهُ؟ قَالَ: لأَنَّ فِيهِ تَصَاوِيرَ؛ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ فِيهَا مَا قَدْ عَلِمْتَ، قَالَ سَهْلٌ: أَوَ لَمْ يَقُلْ: «إِلَّا مَا كَانَ رَقْمًا فِي ثَوْبٍ»؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنَّهُ أَطْيَبُ لِنَفْسِي\" (^١).\n٤ - وَأَمَّا الحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ الاتِّكَاءُ عَلَى الصُورَةِ؛ فَالجَوَابُ عَلَيهِ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ:\nأ- قَولُهَا: (وَفِيهَا صُورَةٌ) مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ فِيهَا أَجْزَاءً مِنَ الصُورَةِ الَّتِي قُطِعَتْ وَلَيسَ كَامِلَ الصُورَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهَا ﵂ أَخْبَرَتْ عَنْ نَمَطِهَا أَنَّ فِيهِ صُورَةً -بِلَفْظِ الإِفْرَادِ- وَأَنَّهَا جَعَلَتْ مِنْهُ مِرْفَقَتَينِ اثْنَتَين (^٢) مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصُورَةَ -مَوضِعَ النَّهْيَ- قَدْ صَارَتْ شِقَّينِ وَلَمْ تَبْقَ عَلَى حَالِهَا؛ فَتَأَمَّلْ، وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ.\nب- أَنَّهُ قَدْ سَبَقَ فِي الحَدِيثِ أَنَّهُ ﵊ لَمْ يُقِرَّهَا عَلَى النُّمْرُقَةِ (الوِسَادَةِ) الَّتِي فِيهَا صُورَةٌ؛ فَلَا بُدَّ إِذًا مِنَ الحَمْلِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَعَارَضُ مَعَ غَيرِهِ، وَهُوَ إِمَّا أَنَّ الصُورَةَ مُقَطَّعَةٌ، أَو أَنَّهَا صُورَةُ مَا لَيسَ بِذِي رَوحٍ. وَقَدْ سَبَقَ التَّعْلِيقُ بِنَحْوِ هَذَا الكَلَامِ.\nج- أَنَّهُ يُمْكِنُ القَولُ أَيضًا أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ النَّهْي، وَذَلِكَ أَنَّ سَبَبَ إِنْكَارِ النَّبِيِّ ﷺ هُوَ سَتْرُ الجِدَارِ أَصْلًا (^٣) وَلَيسَ وجُودَ الصُورَةِ نَفْسِهَا! كَمَا هُوَ فِي لَفْظِ مُسْنَدِ أَحْمَدَ -وَقَدْ سَبَقَ-؛ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصُورَةَ لَمْ تَكُنْ أَصْلًا مَنْهِيًّا عَنْهَا. وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ.\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. المُوَطَّأ (٢/ ٩٦٦). غَايَةُ المَرَامِ (١٣٤).\n(^٢) صَحِيحُ مُسْلِمٍ (٢١٠٧).\n(^٣) وَلَفْظُ مُسْلِمِ (٢١٠٧): «إِنَّ اللهَ لَمْ يَأْمُرْنَا أَنْ نَكْسُوَ الحِجَارَةَ وَالطِّينَ».","vol":"2","page":472},{"text":"فَمِثْلُ هَذَا الحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ جَائِزًا، وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵁ قَالَتْ: كَانَ لَنَا سِتْرٌ فِيهِ تِمْثَالُ طَائِرٍ؛ وَكَانَ الدَّاخِلُ إِذَا دَخَلَ اسْتَقْبَلَهُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: «حَوِّلِي هَذَا؛ فَإِنِّي كُلَّمَا دَخَلْتُ فَرَأَيتُهُ؛ ذَكَرْتُ الدُّنْيَا» (^١).\nقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: \"هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ اتِّخَاذِ مَا فِيهِ صُورَةٌ؛ فَلِهَذَا كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَدْخُلُ وَيَرَاهُ وَلَا يُنْكِرُهُ قَبْل هَذِهِ المَرَّة الأَخِيرَةِ\" (^٢).\nنَقْلٌ عَنِ الحَافِظِ وَتَعْلِيقٌ:\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: \"قَالَ النَّوَوِيُّ: وَذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ إِلَى أَنَّ المَمْنُوعَ مَا كَانَ لَهُ ظِلٌّ، وَأَمَّا مَا لَا ظِلَّ لَهُ؛ فَلَا بَأْسَ بِاتِّخَاذِهِ مُطْلَقًا (^٣)! وَهُوَ مَذْهَبٌ بَاطِلٌ؛ فَإِنَّ السِّتْرَ الَّذِي أَنْكَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَانَتِ الصُّورَةُ فِيهِ بِلَا ظِلٍّ بِغَيرِ شَكٍّ؛ وَمَعَ ذَلِكَ فَأَمَرَ بِنَزْعِهِ!\nقُلْتُ: المَذْهَبُ المَذْكُورُ نَقَلَهُ ابن أَبِي شَيبَةَ عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ بِسَنَدٍ صَحِيح، وَلَفظه عَن ابن عَوْنٍ؛ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى القَاسِمِ -وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّةَ فِي بَيتِهِ- فَرَأَيتُ فِي بَيتِهِ حَجَلَةً [مَقْصُورَةٌ] فِيهَا تَصَاوِيرُ القُنْدُسِ وَالْعَنْقَاءِ. فَفِي إِطْلَاقِ كَوْنِهِ مَذْهَبًا بَاطِلًا نَظَرٌ؛ إِذْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَمَسَّكَ فِي ذَلِكَ بِعُمُومِ قَوْلِهِ: «إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوْبٍ» فَإِنَّهُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّقًا أَوْ مَفْرُوشًا، وَكَأَنَّهُ جَعَلَ إِنْكَارِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ تَعْلِيقَ السِّتْرِ المَذْكُورِ مُرَكَّبًا مِنْ كَوْنِهِ مُصَوَّرًا وَمِنْ كَوْنِهِ سَاتِرًا لِلْجِدَارِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ زَيدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ قَالَ: (دَخَلْتُ عَلَى\n_________\n(^١) صَحِيحُ مُسْلِمٍ (٢١٠٧).\n(^٢) شَرْحُ مُسْلِمٍ (١٤/ ٨٧).\n(^٣) وَالكَلَامُ هُنَا هُوَ عَلَى حُكْمِ الاقْتِنَاءِ وَلَيسَ عَلَى حُكْمِ التَّصْوِيرِ؛ فَتَنَبَّهْ، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ.","vol":"2","page":473},{"text":"عَائِشَةَ) فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ البَابِ لَكِنْ قَالَ: (فَجَذَبَهُ حَتَّى هَتَكَهُ، وَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنَا أَنْ نَكْسُوَ الحِجَارَةَ وَالطِّينَ»! قَالَ: فَقَطَعْنَا مِنْهُ وِسَادَتَينِ) الحَدِيثَ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَرِهَ سَتْرَ الجِدَارِ بِالثَّوْبِ المُصَوَّرِ؛ فَلَا يُسَاوِيهِ الثَّوْبُ المُمْتَهَنُ وَلَوْ كَانَتْ فِيهِ صُورَةٌ، وَكَذَلِكَ الثَّوْبُ الَّذِي لَا يُسْتَرُ بِهِ الجِدَارُ! وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَحَدُ فُقَهَاءِ المَدِينَةِ، وَكَانَ مِنْ أَفْضَلِ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَهُوَ الَّذِي رَوَى حَدِيثَ النُّمْرُقَةِ؛ فَلَوْلَا أَنَّهُ فَهِمَ الرُّخْصَةَ فِي مِثْلِ الحَجَلَةِ مَا اسْتَجَازَ اسْتِعْمَالَهَا! لَكِنَّ الجَمْعَ بَينَ الأَحَادِيثِ الوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ؛ وَأَنَّ الَّذِي رُخِّصَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ مَا يُمْتَهَنُ لَا مَا كَانَ مَنْصُوبًا، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ فِي التَّصَاوِيرِ فِي البُسُطِ وَالْوَسَائِدِ الَّتِي تُوطَأُ: ذُلٌّ لَهَا، وَمِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: كَانُوا يَكْرَهُونَ مَا نُصِبَ مِنَ التَّمَاثِيلِ نَصْبًا وَلَا يَرَوْنَ بَأْسًا بِمَا وَطِئَتْهُ الأَقْدَامُ، وَمِن طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ فرقهم (^١) أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا بَأْس بِالصُّورَةِ إِذَا كَانَتْ تُوطَأُ، وَمِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ أَنَّهُ كَانَ يَتَّكِئُ عَلَى المَرَافِقِ فِيهَا التَّمَاثِيلُ الطَّيرُ وَالرِّجَالُ\" (^٢).\nقُلْتُ: وَلَنَا عَلَى كَلَامِهِ ﵀ تَعْلِيقَاتٌ:\n١ - أَمَّا قَولُهُ ﵀: \"فَفِي إِطْلَاقِ كَوْنِهِ مَذْهَبًا بَاطِلًا نَظَرٌ؛ إِذْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَمَسَّكَ فِي ذَلِكَ بِعُمُومِ قَوْلِهِ: «إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوْبٍ» فَإِنَّهُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّقًا أَوْ مَفْرُوشًا\" لَا يُخْرِجُهُ عَن كَونِهِ مَذْهَبًا بَاطِلًا! لِأَنَّ كَلَامَ النَّوَوِيِّ ﵀ إِنَّمَا كَانَ عَن مَن فَرَّقَ فِي حُكْمِ الصُّورَةِ بَينَ مَا لَهَا ظِلٌّ وَمَا لَيسَ لَهَا ظِلٌّ دَونَ ذِكْرِ سَتْرِ الجَدَارِ مِن عَدَمِهِ!\n_________\n(^١) لَمْ يَظْهَرْ لِي مَعْنَاهَا.\n(^٢) فَتْحُ البَارِي (١٠/ ٣٨٨).","vol":"2","page":474},{"text":"٢ - وَأَمَّا قَولُهُ عَنِ القَاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ ﵀: \"وَهُوَ الَّذِي رَوَى حَدِيثَ النُّمْرُقَةِ\" فَهَذَا يُقْبَلُ لَو أَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ مَرْوِيَّهُ! وَالمُعْتَمَدُ عِنْدَ مُخَالَفَةِ الرَّاوِي لِمَرْوِيِّهِ إِنَّمَا هُوَ رِوَايَتُهُ، وَذَلِكَ لِاحْتِمَالِ وَقْعِ النِّسْيَانِ، أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَتَفَطَّنْ لِوَجْهِ الدِّلَالَةِ فِي ذَلِكَ (^١).\n٣ - وَأَمَّا قَولُهُ: \"وَأَنَّ الَّذِي رُخِّصَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ مَا يُمْتَهَنُ لَا مَا كَانَ مَنْصُوبًا\" فَهُوَ مَرْدُودٌ بِصَرَاحَةِ حَدِيثِ البُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ؛ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂ وفيه: (أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَامَ عَلَى البَابِ فَلَمْ يَدْخُلْهُ، فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الكَرَاهِيَةَ؛ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَتُوبُ إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ؛ مَاذَا أَذْنَبْتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ؟) قُلْتُ: اشْتَرَيتُهَا لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيهَا وَتَوَسَّدَهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (إِنَّ أَصْحَابِ هَذِهِ الصُّوَرِ يَومَ القِيَامَةِ يُعَذَّبُونَ؛ فَيُقَالُ: لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ). وَقَالَ: (إِنَّ البيتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلُهُ المَلَائِكَةُ» (^٢)، فَهُوَ حَاسِمٌ لِمَادَّةِ النِّزَاعِ أَصْلًا فِي كَونِ الصُّورَةِ حَتَّى لَو كَانَتْ مُمْتَهَنَةً فَإِنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي النَّهْي.\nوَسَبَقَ أَيضًا فِي حَدِيثِ أَحْمَدَ: أَنَّ جِبْرِيلَ قَالَ: (إِنَّ فِي البَيتِ سِتْرًا فِي الحَائِطِ فِيهِ تَمَاثِيلُ؛ فَاقْطَعُوا رُؤوسَهَا فَاجْعَلُوهَا بِسَاطًا أَو وَسَائِدَ فَاوطَئُوهُ) فَلَمْ يَكْتَفِ جِبْرِيلُ بِكَونِهَا وَسَائِدَ مَوْطُوءَةً مَنْبُوذَةً! حَتَّى أَضَافَ لِذَلِكَ قَطْعَ الرُّؤُوسِ، وَهَذَا كُلُّهُ عُمُومًا خَارِجٌ عَنْ كَونِ العِلَّةِ سَتْرَ الجُدُرِ! فَتَنَبَّهْ.\n٤ - سَبَقَ النَّقْلُ عَنِ الحَافِظِ ﵀ بِمَا يَشْهَدُ لِلْمَطْلُوبِ، وَهُوَ قَولُهُ: \"وَيُحْتَمَلُ أَيضًا أَنْ يُجْمَعَ بَينَ الحَدِيثَينِ بِأَنَّهَا لَمَّا قَطَعَتِ السِّتْرَ وَقَعَ القَطْعُ فِي وَسْطِ الصُورَةِ مَثَلًا؛ فَخَرَجَتْ عَنْ هَيئَتِهَا؛ فَلِهَذَا صَارَ يَرْتَفِقُ بِهَا، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الجَمْعَ الحَدِيثُ الَّذِي فِي\n_________\n(^١) وَلْيُرَاجَعْ فِي هَذَا البَابِ إِجْمَالًا كَتَابَ شَيخِ الإِسْلَامِ ﵀ \"رَفْعُ المَلَامِ عَنِ الأَئِمَّةِ الأَعْلَامِ\".\n(^٢) صَحِيحُ البُخَارِيِّ (٥٩٥٧).","vol":"2","page":475},{"text":"البَابِ قَبْلَهُ فِي نَقْضِ الصُّوَرِ\" (^١).\n٥ - أَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِن إِبَاحَةِ مَا كَانَ مُمْتَهَنًا؛ فَجَوَابُهُ مِن جِهَتِين:\nأ- أنَّ العِبْرَةَ بِجُمْلَةِ مَا وَرَدَتْ بِهِ النُّصُوصُ النَّبَوِيَّةُ الصَّحِيحَةُ؛ وَفِيهَا النَّهْيُ عَنِ الصُّورَةِ حَتَّى لَو كَانَتْ نُمْرُقَةً يَتَوَسَّدُهَا المُسْلِمُ!\nب- أَنَّهُ مَدْفُوعٌ بِكَلَامِ غَيرِهِم مِنَ السَّلَفِ مِمَّن لَمْ يُبِيحُوَها حَتَّى لَو كَانَتْ مُمْتَهَنَةً، وَهَاكَ بَعْضُها:\nعَن مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: (أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ التَّصَاوِيرَ؛ مَا نُصِبَ مِنْهَا وَمَا بُسِطَ) (^٢).\nوَعَنْ شُعْبَةَ: (أَنَّ المِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ دَخَلَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَعُودُهُ مِنْ وَجَعٍ، وَعَلَيهِ بُرْدٌ إِسْتَبْرَقٌ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ؛ مَا هَذَا الثَّوْبُ؟ قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: هَذَا الإِسْتَبْرَقُ! قَالَ: وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ بِهِ! وَمَا أَظُنُّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ هَذَا حِينَ نَهَى عَنْهُ إِلَّا لِلتَّجَبُّرِ وَالتَّكَبُّرِ، وَلَسْنَا بِحَمْدِ اللَّهِ كَذَلِكَ. قَالَ: فَمَا هَذِهِ التَّصَاوِيرُ فِي الكَانُونِ [المَوقِد]؟ قَالَ: أَلَا تَرَى قَدْ أَحْرَقْنَاهَا بِالنَّارِ؟! فَلَمَّا خَرَجَ المِسْوَرُ، قَالَ: انْزَعُوا هَذَا الثَّوْبَ عَنِّي، وَاقْطَعُوا رُؤوسَ هَذِهِ التَّمَاثِيلِ. قَالُوا: يَا أَبَا عَبَّاسٍ؛ لَوْ ذَهَبْتَ بِهَا إِلَى السُّوقِ كَانَ أَنْفَقَ لَهَا مَعَ الرَّأْسِ! قَالَ: لَا. فَأَمَرَ بِقَطْعِ رُءُوسِهَا) (^٣).\nوَعَنِ ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ: كَانَ فِي مَجْلِسِ مُحَمَّدٍ وَسَائِدُ فِيهَا تَمَاثِيلُ عَصَافِيرَ؛ فَكَانَ أُنَاسٌ يَقُولُونَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ: (إِنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ أَكْثَرُوا؛ فَلَوْ حَوَّلْتُمُوهَا) (^٤).\n_________\n(^١) فَتْحُ البَارِي (١٠/ ٣٩٠).\n(^٢) مُصَنَّفُ ابْنِ أَبِي شَيبَةَ (٢٥٢٩٨).\n(^٣) مُسْنَدُ أَحْمَد (٢٩٣٤)، وَحَسَّنَهُ الشَّيخُ أَحْمَدُ شَاكِر ﵀ فِي تَحْقِيقِ المُسْنَدِ.\n(^٤) مُصَنَّفُ ابْنِ أَبِي شَيبَةَ (٢٥٢٩٤).","vol":"2","page":476},{"text":"تَنْبِيهٌ هَامٌّ فِي التَّفْرِيقُ بَينَ صُنْعِ الصُّورَةِ وَبَينَ اقْتِنَائِهَا\nإِنَّ مَا سَبَقَ مِن الخِلَافِ إِنَّمَا هُوَ فِي اتِّخَاذِ الصُّوَرِ فِي البَيتِ، وَلَيسَ فِي حُكْمِ صِنَاعَتِهَا! فَلَا يُفْهَمُ مِن قَولِ بَعْضِ مَن جَوَّزَ الاقْتِنَاءَ فِي البَيتِ -بِحُجَّةِ الامْتِهَانِ أَوْ غَيرِهِ- أَنَّهُ يُجَوِّزُ الصُّنْعَ!\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ أَبِي شَيبَةَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيلٍ، عَنْ لَيثٍ، قَالَ: رَأَيتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ مُتَّكِئًا عَلَى وِسَادَةٍ حَمْرَاءَ فِيهَا تَمَاثِيلُ فَقُلْتُ لَهُ؛ فَقَالَ: (إِنَّمَا يُكْرَهُ هَذَا لِمَنْ يَنْصِبُهُ، وَيَصْنَعُهُ) (^١).\nوَهَذَا ظَاهِرٌ أَنَّهُ حَمَلَ مَا جَاءَ فِي النَّهْي عَلَى غَيرِ المُمْتَهَنِ -عَلَى مَذْهَبِ مَن يَرَى ذلك-، وَأَيضًا حَمَلَهُ عَلَى الصَّانِعِ لِلصُّوَرِ؛ فَلَا يُقَالُ هُنَا: \"كُلُّ مَا جَازَ اقْتِنَاؤُهُ جَازَ صُنْعُهُ\"!!\nقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: \"قَالَ أَصْحَابنَا وَغَيرُهُمْ مِنَ العُلَمَاءِ: تَصْوِيرُ صُورَةِ الحَيَوَانِ حَرَامٌ شَدِيدُ التَّحْرِيمِ، وَهُوَ مِنَ الكَبَائِرِ، لِأَنَّهُ مُتَوَعَّدٌ عَلَيهِ بِهَذَا الوَعِيدِ الشَّدِيدِ المَذْكُورِ فِي الأَحَادِيثِ، وَسَوَاءً صَنَعَهُ بِمَا يُمْتَهَنُ أَو بِغَيرِهِ؛ فَصَنْعَتُهُ حَرَامٌ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ فِيهِ مُضَاهَاةً لِخَلْقِ اللهِ تَعَالَى، وَسَوَاءً مَا كَانَ فِي ثَوبٍ أَو بِسَاطٍ أَو دِرْهَمٍ أَو دِينَارٍ أَو فَلْسٍ أَو إِنَاءٍ أَو حَائِطٍ أَو غَيرهَا.\nوَأَمَّا تَصْوِيرُ صُورَةِ الشَّجَرِ وَرِحَالِ الإِبِلِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِمَّا لَيسَ فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ؛\n_________\n(^١) مُصَنَّفُ ابْنِ أَبِي شَيبَةَ (٢٥٢٨٧).","vol":"2","page":477},{"text":"فَلَيسَ بِحِرَامٍ، هَذَا حُكْمُ نَفْسِ التَصْوِيرِ.\nوَأَمَّا اتِّخَاذُ المُصَوَّرِ فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ؛ فَإِنْ كَانَ مُعَلَّقًا عَلَى حَائِطٍ أَو ثَوبًا مَلْبُوسًا أَو عِمَامَةً وَنَحْو ذَلِكَ مِمَّا لَا يُعَدّ مُمْتَهَنًا؛ فَهُوَ حَرَامٌ، وَإِنْ كَانَ فِي بِسَاطٍ يُدَاسُ وَمِخَدَّةٍ وَوِسَادَةٍ وَنَحْوِهَا -مِمَّا يُمْتَهَنُ- فَلَيسَ بِحِرَامٍ (^١) \" (^٢).\nوقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ -وَقَد سَبَقَ عَنْهُ النَّقْلُ فِي مَوضُوعِ الامْتِهَانِ-: \"وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الكَنِيسَةِ الَّتِي كَانَتْ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ وَمَا فِيهَا مِنَ التَّصَاوِيرِ؛ وَأَنَّهُ ﷺ قَالَ: «كَانُوا إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ؛ أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ» فَإِنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَو كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي ذَلِكَ الشَّرْعِ مَا أَطْلَقَ عَلَيهِ ﷺ أَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ شَرُّ الخَلْقِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ فِعْلَ صُوَرِ الحَيَوَانِ فِعْلٌ مُحْدَثٌ أَحْدَثَهُ عُبَّادُ الصُّوَرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ\" (^٣).\n_________\n(^١) قُلْتُ: وَأَمَّا هَذِهِ الأَخِيرَةُ؛ فَالرَّاجِحُ فِيهَا -وَاللهُ أَعْلَمُ- أَنَّهَا مَشْمُولَةٌ بِالنَّهِي، وَسَبَقَ الكَلَامُ عَلَيهَا فِي المَسَائِلِ.\n(^٢) شَرْحُ مُسْلِمٍ (١٤/ ٨١).\n(^٣) فَتْحُ البَارِي (١٠/ ٣٨٢).","vol":"2","page":478},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-452> المَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: إِذَا كَانَ التَّصْوِيرُ وَاقْتِنَاءُ الصُّوَرِ مُحَرَّمًا، فَمَا الجَوَابُ عَنْ شُبْهَةِ جَوَازِ صُنْعِ التَّمَاثِيلِ فِي قَولِهِ تَعَالَى عَنْ سُلَيمَانَ </span>﵊: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سَبَأ: ١٣]؟ (^١)\nالجَوَابُ هُوَ مِنْ وَجْهَينِ:\n١ - أَنَّ التِّمْثَالَ لَا يَعْنِي بِالضَّرُورَةِ أَنْ يَكُونَ عَلَى صُورَةِ ذِي رَوحٍ، فَقَدْ يَكُونُ عَلَى صُورَةِ شَيءٍ مُبَاحٍ كَالشَّجَرِ وَمَا لَا رَوحَ فِيهِ.\n٢ - أَنَّ التَّمَاثِيلَ لَو كَانَتْ لِذَوَاتِ الأَرْوَاحِ؛ فَهِيَ كَانَتْ جَائِزَةً فِي شَرْعِ مَنْ قَبْلِنَا، وَقِد اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي العَمَلِ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا إِذَا لَمْ يُخَالِفْ شَرْعَنَا؛ فَكَيفَ إِذَا خَالَفَ شَرْعَنَا! فَشَرْعُنَا أَتَمُّ مِنْ شَرْعِ مَنْ قَبْلِنَا كَمَا لَا يَخْفَى، وَقَدْ جَاءَ بِسَدِّ الذَّرَائِعِ -وَالَّذِي هُوَ أَصْلًا سَبَبُ النَّهِي عَنِ التَصْوِيرِ- (^٢). وَالحَمْدُ للهِ.\n_________\n(^١) ﴿مَحَارِيبَ﴾: أَي: المَسَاجِدَ وَالأَبْنِيَةَ المُرْتَفِعَةِ، ﴿وَجِفَانٍ﴾: قِصَاعٍ، ﴿كَالْجَوَابِ﴾: كَالحِيَاضِ الَّتِي يُجْبَى فِيهَا المَاءُ، ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾: ثَابِتَاتٍ لَهَا قَوَائِمُ؛ لَا يُحَرَّكْنَ عَنْ أَمَاكِنِهَا لِعَظْمِهِنَّ. يُنْظَرُ: (اللُّبَابُ) لِابْنِ عَادِلٍ (١٦/ ٢٧).\n(^٢) قَالَ البَغَوِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٦/ ٣٩١): \"قَولُهُ ﷿: ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾ أَي: كَانُوا يَعْمَلُونَ لَهُ تَمَاثِيلَ، أَي: صُوَرًا مِنْ نُحَاسٍ وَصُفْرٍ وَشَبَّةٍ وَزُجَاجٍ وَرُخَامٍ. وَقِيلَ: كَانُوا يُصَوِّرُونَ السِّبَاعَ وَالطُّيُورَ. وَقِيلَ: كَانُوا يَتَّخِذُونَ صُوَرَ المَلَائِكَةِ وَالأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ فِي المَسَاجِدِ لِيَرَاهَا النَّاسُ فَيَزْدَادُوا عِبَادَةً، وَلَعَلَّهَا كَانَتْ مُبَاحَةً فِي شَرِيعَتِهِمْ؛ كَمَا أَنَّ عِيسَى كَانَ يَتَّخِذُ صُوَرًا مِنَ الطِّينِ فَيَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيرًا بِإِذْنِ اللهِ\".\nقُلْتُ: أَمَّا عَن تَصْوِيرِ عِيسَى ﷺ؛ فَلَا دَاعِيَ لِإِدْرَاجِهِ هُنَا أَصْلًا! لِأَنَّ هَذَا التَّصْوِيرَ قَدْ أَذِنَ اللهُ بِهِ، لَاسِيَّمَا وَأَنَّهُ فِي مَقَامِ مَصْلَحَةٍ عُظْمَى وَهِيَ إِقَامَةُ الحُجَّةِ الرِّسَالِيَّةِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ. يُنْظَرُ: (الجَوَابُ الصَّحِيحُ) لِابْنِ تَيمِيَّةَ (٤/ ٤٦).","vol":"2","page":479},{"text":"قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: \"وَقَدِ اسْتَشْكَلَ كَونُ المَلَائِكَةِ لَا تَدْخُلُ المَكَانَ الَّذِي فِيهِ التَّصَاوِيرُ مَعَ قَولِهِ ﷾ عِنْدَ ذِكْرِ سُلَيمَانَ ﵇: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾، وَقَدْ قَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَتْ صُوَرًا مِنْ نُحَاسٍ. أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَتْ مِنْ خَشَبٍ وَمِنْ زُجَاجٍ. أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ.\nوَالجَوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ كَانَ جَائِزًا فِي تِلْكَ الشَّرِيعَةِ، وَكَانُوا يَعْمَلُونَ أَشْكَالَ الأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ مِنْهُمْ عَلَى هَيئَتِهِمْ فِي العِبَادَةِ لِيَتَعَبَّدُوا كَعِبَادَتِهِمْ، وَقَدْ قَالَ أَبُو العَالِيَةِ (^١): لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي شَرِيعَتِهِمْ حَرَامًا ثُمَّ جَاءَ شَرْعُنَا بِالنَّهْي عَنْهُ.\nوَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ التَّمَاثِيلَ كَانَتْ عَلَى صُورَةِ النُّقُوشِ لِغَيرِ ذَوَاتِ الأَرْوَاحِ. وَإِذَا كَانَ اللَّفْظُ مُحْتَمَلًا؛ لَمْ يَتَعَيَّنِ الحَمْلُ عَلَى المَعْنَى المُشْكِلِ\" (^٢).\n_________\n(^١) (أَبُو العَالِيَةِ): هُوَ الإِمَامُ المُقْرِئُ الحَافِظُ المُفَسِّرُ؛ أَبُو العَالِيَةِ؛ رُفَيعُ بْنُ مِهْرَانَ الرِّيَاحِيُّ؛ البَصْرِيُّ؛ أَحَدُ الأَعْلَامِ؛ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَفَاتُهُ قُرَابَةُ التِّسْعِينَ. يُنْظُرُ: (سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ) لِلذَّهَبِيِّ (٤/ ٢٠٧).\n(^٢) فَتْحُ البَارِي (١٠/ ٣٨٢).","vol":"2","page":480},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-453> المَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: إِذَا كَانَ التَّصْوِيرُ وَاقْتِنَاءُ الصُّوَرِ مُحَرَّمًا؛ فَمَا الجَوَابُ عَنِ الأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا وجُودُ بَعْضِ التَّمَاثِيلِ فِي بَيتِ النَّبِيِّ </span>ﷺ كَبَنَاتِ عَائِشَةَ (^١)، وَالفَرَسِ الَّذِي لَهُ جَنَاحَانِ (^٢)؟\nوَكَذَا صُنْعُ الصَّحَابِةِ لِلُعَبِ العِهْنِ لِلأَولَادِ فِي رَمَضَانَ (^٣)!\nوَعَدَمُ التَّحَرُّزِ مِنَ التَّعَامُلِ بِالدَّرَاهِمِ الفَارِسِيَّةِ وَالدَّنَانِيرِ الرُّومِيَّةِ الَّتِي عَلَيهَا صُوَرُ مُلُوكِهِم!\nالجَوَابُ:\n١ - إِنَّ الأَحَادِيثَ الَّتِي فِيهَا وُجُودُ بَعْضِ اللُّعَبِ فِي بَيتِ النَّبِيِّ ﷺ هِيَ لُعَبٌ لِلْبَنَاتِ، وَهِيَ مِمَّا دَلَّتِ النُّصُوصُ عَلَى جَوَازِهَا؛ فَيَكُونُ مُسْتَثْنًى مِنَ الأَصْلِ.\nوَلِتَمَامِ الفَائِدَةِ نَقُولُ: إِنَّ تَحْرِيمَ التَّصْوِيرِ وَوجُودِ الصُّوَرِ مَشْمُولٌ بِقَاعِدَةِ (مَا\n_________\n(^١) وَالحَدِيثُ رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦١٣٠) وَمُسْلِمٌ (٨١) عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ قَالَتْ: (كُنْتُ العَبُ بِالبَنَاتِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ.\n(^٢) وَالحَدِيثُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَو خَيبَرَ وَفِي سَهْوَتِهَا سِتْرٌ؛ فَهَبَّتْ رِيحٌ فَكَشَفَتْ نَاحِيَةَ السِّتْرِ عَنْ بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ لُعَبٍ، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟» قَالَتْ: بَنَاتِي. وَرَأَى بَينَهُنَّ فَرَسًا لَهُ جَنَاحَانِ مِنْ رِقَاعٍ، فَقَالَ: «مَا هَذَا الَّذِي أَرَى وَسْطَهُنَّ؟» قَالَتْ: فَرَسٌ. قَالَ: «وَمَا هَذَا الَّذِي عَلَيهِ؟». قَالَتْ: جَنَاحَانِ. قَالَ: «فَرَسٌ لَهُ جَنَاحَانِ!». قَالَتْ: أَمَا سَمِعْتَ أَنَّ لِسُلَيمَانَ خَيلًا لَهَا أَجْنِحَةٌ؟! قَالَتْ: فَضَحِكَ حَتَّى رَأَيتُ نَوَاجِذَهُ. صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٩٣٢). صَحِيحُ أَبِي دَاوُدَ (٤٩٣٢).\n(^٣) وَالحَدِيثُ عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ فِي صَومِ عَاشُورَاءَ؛ قَالَتْ: أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ: «مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا؛ فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَومِهِ، وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا؛ فَليَصُمْ». قَالَتْ: فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ العِهْنِ؛ فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَينَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِفْطَارِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١٩٦٠)، وَمُسْلِمٌ (١١٣٦).","vol":"2","page":481},{"text":"حُرِّمَ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ؛ فَإِنَّهُ يُبَاحُ لِلمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ) (^١)، فَلُعَبُ البَنَاتِ مَثَلًا تُسَاعِدُ عَلَى تَعْلِيمِهِم مَا يُسَمَّى اليَومَ بِالتَّدْبِيرِ المَنْزِلِيِّ (^٢).\n_________\n(^١) وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ القَاعِدَةَ ابْنُ القيَّمِ ﵀ فِي كِتَابِهِ (إِعْلَامُ المُوَقِّعِينَ) (٢/ ١٠٨).\n(^٢) وَالتَّخْصِيصُ مِنَ العُمُومِ هُوَ مَذْهَبُ الجُمْهُورِ، وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ إِلَى أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِأَحَادِيثِ النَّهْي، وَلَكِنَّ هَذَا مَرْجُوحٌ لِإِمْكَانِيَّةِ الجَمْعِ بَينَهُمَا بِالتَّخْصِيصِ المَذْكُورِ، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١٠/ ٥٢٧): \"وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ صُوَرِ البَنَاتِ وَاللُّعَبِ مِنْ أَجْلِ لَعِبِ البَنَاتِ بِهِنَّ، وَخُصَّ ذَلِكَ مِنْ عُمُومِ النَّهْيِ عَنِ اتِّخَاذِ الصُّوَرِ، وَبِهِ جَزَمَ عِيَاضٌ وَنَقَلَهُ عَنِ الجُمْهُورِ؛ وَأَنَّهُمْ أَجَازُوا بَيعَ اللُّعَبِ لِلْبَنَاتِ لِتَدْرِيبِهِنَّ مِنْ صِغَرِهِنَّ عَلَى أَمْرِ بُيُوتِهِنَّ وَأَولَادِهِنَّ. قَالَ: وَذَهَبَ بَعْضُهُم إِلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَإِلَيهِ مَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، وَحَكَى عَن ابْنِ أَبِي زَيدٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ لِابْنَتِهِ الصُّوَرَ، وَمِنْ ثَمَّ رَجَّحَ الدَّاودِيُّ أَنه مَنْسُوخٌ.\nوَقَدْ ترْجَمَ ابْنُ حِبَّانَ الإِبَاحَةَ لِصِغَارِ النِّسَاءِ اللَّعِبَ بِاللُّعَبِ، وَتَرْجَمَ لَهُ النَّسَائِيُّ: إِبَاحَةُ الرَّجُلِ لِزَوجَتِهِ اللَّعِبَ بِالبَنَاتِ؛ فَلَمْ يُقَيَّدْ بِالصِّغَرِ! وَفِيهِ نَظَرٌ.\nقَالَ البَيهَقِيُّ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ: ثَبَتَ النَّهْيُ عَنِ اتِّخَاذِ الصُّوَرِ؛ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الرُّخْصَةَ لِعَائِشَةَ فِي ذَلِكَ كَانَتْ قَبْلَ التَّحْرِيمِ. وَبِه جَزَمَ ابْنُ الجَوزِيِّ، وَقَالَ المُنْذِرِيُّ: إِنْ كَانَتِ اللُّعَبُ كَالصُورَةِ؛ فَهُوَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، وَإِلَّا فَقَدْ يُسَمَّى مَا لَيسَ بِصُورَةٍ لُعْبَةً، وَبِهَذَا جَزَمَ الحَلِيمِيُّ، فَقَالَ: إِنْ كَانَتْ صُورَةً كَالوَثَنِ لَمْ يَجُزْ وَإِلَّا جَازَ. وَقِيلَ مَعْنَى الحَدِيثِ: اللَّعِبُ مَعَ البَنَاتِ أَيِ الجَوَارِي، وَالبَاءُ هُنَا بِمَعْنَى مَعَ. حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ عَنِ الدَّاوُدِيِّ وَرَدَّهُ.\nقُلْتُ: وَيَرُدُّهُ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ عُيَينَةَ فِي الجَامِعِ مِنْ رِوَايَةَ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المَخْزُومِيِّ عَنْهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فِي هَذَا الحَدِيثِ: (وَكُنَّ جِوَارِي يَأْتِينَ فَيَلْعَبْنَ بِهَا مَعِيَ) وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ عَنْ هِشَامٍ: (كُنْتُ العَبُ بِالبَنَاتِ -وَهُنَّ اللُّعَبُ-). أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ وَغَيرُهُ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: (قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَو خَيبَرَ) فَذَكَرَ الحَدِيثَ فِي هَتْكِهِ السِّتْرَ الَّذِي نَصَبَتْهُ عَلَى بَابِهَا، قَالَتْ: (فَكَشَفَ نَاحِيَةَ السِّتْرِ عَلَى بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ لُعَبٍ، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟» قَالَتْ: بَنَاتِي، قَالَتْ: وَرَأَى فِيهَا فَرَسًا مَرْبُوطًا لَهُ جَنَاحَانِ فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» قُلْتُ: فَرَسٌ، قَالَ: «فَرَسٌ لَهُ جَنَاحَانِ!» قُلْتُ: أَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّهُ كَانَ لِسُلَيمَانَ خَيلٌ لَهَا أَجْنِحَةٌ؟! فَضَحِكَ). فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ المُرَادَ بِاللُّعَبِ غَيرُ الآدَمِيَّاتِ.\n=","vol":"2","page":482},{"text":"وَمِثْلُهُ الفَرَسُ ذُو الجَنَاحَينِ؛ فَهُوَ مِمَّا يُشَجِّعُ الفُرُوسِيَّةَ وَيَبْعَثُ الهِمَّةَ عَلَى فُنُونِ الجِهَادِ، وَقَدْ أَقْسَمَ اللهُ بِالعَادِيَاتِ، وَقَالَ ﷺ: «الخَيلُ فِي نَوَاصِيهَا الخَيرُ إِلَى يَومِ القِيَامَة» (^١).\nوَأَيضًا صُنْعُ اللُّعَبِ مِنَ العِهْنِ لِلأَطْفَالِ فِي رَمَضَانَ؛ فَهُوَ لِتَحْقِيقِ فَائِدَةِ تَصْبِيرِهِم عَلَى الصِّيَامِ حَتَّى يَحِينَ مَوعِدُ الإِفْطَارِ.\n٢ - أَمَّا عَدَمُ التَّحَرُّزِ مِنَ التَّعَامُلِ بِالدَّرَاهِمِ الفَارِسِيَّةِ وَالدَّنَانِيرِ الرُّومِيَّةِ الَّتِي عَلَيهَا صُوَرُ مُلُوكِهِم؛ فَهُوَ مِنْ بَابِ دَفْعِ الحَرَجِ فِي ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحَجّ: ٧٨] (^٢).\n_________\n=\nقَالَ الخَطَّابِيُّ: فِي هَذَا الحَدِيثِ أَنَّ اللَّعِبَ بِالبَنَاتِ لَيسَ كَالتَّلَهِّي بِسَائِرِ الصُّوَرِ الَّتِي جَاءَ فِيهَا الوَعِيدُ، وَإِنَّمَا أَرْخَصَ لِعَائِشَةَ فِيهَا لِأَنَّهَا إِذْ ذَاكَ كَانَتْ غَيرَ بَالِغٍ.\nقُلْتُ: وَفِي الجَزْمِ بِهِ نَظَرٌ، لَكِنَّهُ مُحْتَمَلٌ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ فِي غَزْوَةِ خَيبَرَ بِنْتَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً -إِمَّا أَكْمَلَتْهَا أَو جَاوَزَتْهَا أَو قَارَبَتْهَا-، وَأَمَّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَكَانَتْ قَدْ بَلَغَتْ قَطْعًا؛ فَيَتَرَجَّحُ رِوَايَةُ مَنْ قَالَ فِي خَيبَرَ، وَيُجْمَعُ بِمَا قَالَ الخَطَّابِيُّ لِأَنَّ ذَلِكَ أَولَى مِنَ التَّعَارُض\".\n(^١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢٨٤٩).\n(^٢) وَقَدْ ذهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّ اسْتِعْمَالَهَا كَانَ مِنْ بَابِ الامْتِهَانِ، وَهَذَا بَعِيدٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ الكُفَّارَ مَا وَضَعُوا صُوَرَ مُلُوكِهِم عَلَيهَا إِلَّا لِلتَّعْظِيمِ وَالتَّخْلِيدِ لِذِكْرَاهُم.\nقَالَ الحَافِظُ الهَيتَمِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (تُحْفَةُ المُحْتَاجِ فِي شَرْحِ المِنْهَاجِ) -مِنْ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ- (٧/ ٤٣٣): \"لَا يُؤَثِّرُ حَمْلُ النَّقْدِ الَّذِي عَلَيهِ صُورَةٌ كَامِلَةٌ؛ لِأَنَّهُ لِلْحَاجَةِ، وَلِأَنَّهَا مُمْتَهَنَةٌ بِالمُعَامَلَةِ بِهَا، وَلِأَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَتَعَامَلُونَ بِهَا مِنْ غَيرِ نَكِيرٍ، وَمِنْ لَازِمِ ذَلِكَ عَادَةً حَمْلُهمْ لَهَا، وَأَمَّا الدَّرَاهِمُ الإِسْلَامِيَّةُ فَلَمْ تَحْدُثْ إِلَّا فِي زَمَنِ عَبْدِ المَلِكِ، وَكَانَ مَكْتُوبًا عَلَيهَا اسْمُ اللهِ وَاسْمُ رَسُولِهِ ﷺ\".","vol":"2","page":483},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-454> المَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: هَلِ النَّهْيُ عَنِ التَّصْوِيرِ أَو اقْتِنَاءِ الصُّوَرِ خَاصٌّ بِمَا كَانَ عَلَى صُورَةِ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى فَقَط؟</span>\nالجَوَابُ: بَلْ هُوَ نَهْيٌ عَامٌّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أُمُورٌ:\n١ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَمَّ بِالنَّهِي كُلَّ المُصَوِّرِينَ؛ فَلَا دَلِيلَ عَلَى التَّخْصِيصِ.\nوَأَمَّا قَولُ بَعْضِهِم أَنَّ وَصْفَهُ لِلمُصَوِّرِ بِـ «وَمَنْ أَظْلَمُ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّ المَقْصُودَ هُوَ الشِّرْكُ الأَكْبَرُ؛ وَأَنَّ هَذَا يَتَعَلَّقُ بِمَا يُعْبَدُ! فَصَحِيحٌ إِنْ كَانَ التَّصْوِيرُ لِهَذَا القَصْدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ القَصْدِ؛ فَهُوَ مُشَابِهٌ لَهُ وَمُرْتَكِبٌ لِلكَبِيرَةِ؛ وَهِيَ ذَرِيعَةُ الشِّرْكِ (^١)، وَلَا يَكُونُ كَمَا فِي لَفْظِ الحَدِيثِ: «وَمَنْ أَظْلَمُ»، وَلَا يَخْفَى أَنَّ النَّهْيَ فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّصُوصِ السَّابِقَةِ قَدْ جَاءَ مُرَتَّبًا عَلَى نَفْسِ التَّصْوِيرِ وَلَيسَ عَلَى الشِّرْكِ (^٢).\n٢ - أَنَّ النَّهْيَ فِي الأَحَادِيثِ لَمْ يَقَعْ فَقَطْ عَلَى جَانِبِ الشَّرْكِ وَذَرَائِعِهِ، وَإِنَّمَا أَيضًا عَلَى جَانِبِ المُضَاهَاةِ، وَهَذَهِ عِلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ عَنِ العِلَّةِ المَذْكُورَةِ، كَمَا سَبَقَ فِي\n_________\n(^١) وَمِثْلُهُ اتِّخَاذُ القُبُورِ مَسَاجِدَ؛ فَهُوَ مِنَ الكَبَائِرِ وَلَيسَ شِرْكًا؛ إِلَّا إِنْ صَحِبَهَا قَصْدُ التَّعْظِيمِ وَالتَّقَرُّبِ بِالمَقْبُورِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَفِيهِ الحَدِيثُ: «إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَالَّذِينَ يَتَّخِذُونَ القُبُورَ مَسَاجِدَ». صَحِيحٌ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٣٨٤٤) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا. تَحْذِيرُ السَّاجِدِ (ص ٢٣).\n(^٢) قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (١٤/ ٩١): \"قَولُهُ: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا» قِيلَ: هِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ فَعَلَ الصُورَةَ لِتُعْبَدَ -وَهُوَ صَانِعُ الأَصْنَامِ وَنَحْوِهَا- فَهَذَا كَافِرٌ، وَهُوَ أَشَدُّ عَذَابًا، وَقِيلَ: هِيَ فِيمَنْ قَصَدَ المَعْنَى الَّذِي فِي الحَدِيثِ مِنْ مُضَاهَاةِ خَلْقِ اللهِ تَعَالَى وَاعْتَقَدَ ذَلِكَ، فَهَذَا كَافِرٌ؛ لَهُ مِنْ أَشَدّ العَذَابِ مَا لِلْكُفَّارِ، وَيَزِيدُ عَذَابُهُ بِزِيَادَةِ قُبْحِ كُفْرِهِ.\nفَأَمَّا مَنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا العِبَادَةَ وَلَا المُضَاهَاةَ؛ فَهُوَ فَاسِقٌ صَاحِبُ ذَنْب كَبِيرٍ، وَلَا يَكْفُر كَسَائِرِ المَعَاصِي\".","vol":"2","page":484},{"text":"الصَّحِيحَينِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَومَ القِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ بِخَلْقِ اللهِ» (^١).\n٣ - أَنَّ النَّهْيَ لَو كَانَ خَاصًّا بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى؛ لَكَانَ الامْتِهَانُ كَافِيًا فِي جَوَاز مِثْلِ هَذِهِ الصُّوَرِ، وَهَذَا يَرُدُّهُ عَمَلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الوِسَادَتَينِ اللَّتَينِ كَانَ فِيهِمَا تَصَاوِيرٌ، كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً (^٢) فِيهَا تَصَاوِيرٌ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بِالبَابِ؛ فَلَمْ يَدْخُلْ، فَقُلْتُ: أَتُوبُ إِلَى اللهِ مِمَّا أَذْنَبْتُ، قَالَ: «مَا هَذِهِ النُّمْرُقَةُ؟» قُلْتُ: لِتَجْلِسَ عَلَيهَا وَتَوَسَّدَهَا، قَالَ: «إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَومَ القِيَامَةِ يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ! وَإِنَّ المَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيتًا فِيهِ الصُورَةُ» (^٣).\n٤ - أَنَّ النُّصُوصَ الَّتِي فِيهَا وجُودُ بَعْضِ الصُّوَرِ أَوِ التَّمَاثِيلِ فِي بَيتِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ جَاءَ النَّهْيُ عَنْهَا؛ هَلْ يَقَعُ فِي ظَنِّ أَحَدٍ أَنَّهَا كَانَتْ لِمَعْبُودَاتٍ مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى! فَكَانَتْ أَوَّلًا مُبَاحَةً ثُمَّ نُهِيَ عَنْهَا لِمَا فيهَا مِنْ إِظْهَارِ عِبَادَةِ غَيرِ اللهِ تَعَالَى!! وَلَا يَخْفَى أَنَّ أَصْلَ دَعْوَةِ الرُّسُلِ هُوَ نَبْذُ الشِّرْكِ؛ فَهُوَ أَوَّلُ مَطْلُوبٍ.\n_________\n(^١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٥٩٥٤)، وَمُسْلِمٌ (٢١٠٧).\n(^٢) وَهِيَ الوِسَادَةُ.\n(^٣) البُخَارِيُّ (٥٩٥٧).","vol":"2","page":485},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-455> المَسْأَلَةُ العَاشِرَةُ: أَلَا يَكُونُ إِبْقَاءُ التَّمَاثِيلِ الَّتِي هِيَ عَلَى هَيئَةِ ذِي رَوحٍ جَائِزًا مِنْ بَابِ حِمَايَةِ الآثَارِ التَّارِيخِيَّةِ وَالتُّرَاثِ الإِنْسَانِيِّ؟!</span>\nوَأَلَمْ يَتْرِكِ الصَّحَابَةُ ﵃ أَهْرَامَاتِ الفَرَاعِنَةَ وَفِيهَا تَمَاثِيلُ الأَشْخَاصِ كَـ (أَبِي الهَولِ)؟\nالجَوَابُ: لَا؛ لَيسَ بِجَائِزٍ، وَذَلِكَ مِنْ أَوجُهٍ:\n١ - عُمُومُ قَولِهِ ﷺ لِعَلِيٍّ ﵁: «لَا تَدَعَ صُورَة إِلَّا طَمَسْتَهَا؛ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيتَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).\nقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: \"وَأَجْمَعُوا عَلَى مَنْعِ مَا كَانَ لَهُ ظِلٌّ، وَوُجُوبِ تَغْيِيرِهِ\" (^٢).\n٢ - أَنَّهُ عَلَى فَرْضِ أَهَمِّيَّةِ هَذِهِ الآثَارِ؛ فَإِنَّ سَدَّ ذَرَائِعِ الشِّرْكِ أَولَى، لَا سِيَّمَا وَالحَالُ اليَومَ ظَاهِرٌ فِي بُعْدِ المُسْلِمِينَ عَنْ دِينِهِم (^٣).\n٣ - وَأَمَّا التَّعْلِيلُ بِكَونِ هَذِهِ التَّمَاثِيلِ مِنَ التُّرَاثِ الإِنْسَانِيِّ! فَهَذَا كَلَامٌ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيهِ؛ فَإِنَّ اللَّاتَ وَالعُزَّى وَهُبَلَ وَمَنَاةَ وَغَيرَهَا مِنَ الأَصْنَامِ كَانَتْ تُرَاثًا لِمَنْ يَعْبُدُهَا مِنَ العَرَبِ مِنْ أَهْلِ قُرَيشٍ وَالجَزِيرَةِ، وَهُوَ تُرَاثٌ، لَكِنَّهُ تُرَاثٌ مُحَرَّمٌ يَجِبُ إِزَالَتُهُ، فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللهِ وَرَسُولِهِ فَالمُؤْمِنُ يُبَادِرُ إِلَى الامْتِثَالِ وَلَا يَرُدُّ أَمْرَ اللهِ وَرَسُولِهِ بِمِثْلِ هَذِهِ الحُجَجِ الوَاهِيَةِ! قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَولَ المُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَينَهُمْ أَن يَقُولُوا\n_________\n(^١) مُسْلِمٌ (٩٦٩).\n(^٢) شَرْحُ مُسْلِمٍ (١٤/ ٨٢).\n(^٣) وَلَا يَخْفَى أَنَّ الأَصْنَامَ اليَومَ مَا زَالَتْ تُعْبَدُ مِنْ قِبَلِ كَثِيرٍ مِنَ الأُمَمِ، وَاسْأَلْ -إِنْ شِئْتَ- عَنْ مَعْبُودَاتِ أَهْلِ الهِنْدِ وَاليَابَانِ وَغَيرِهَا اليَومَ مِنَ الأُمَمِ المُتَحَضِّرَةِ -زَعَمُوا-.","vol":"2","page":486},{"text":"سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [النُّوُر: ٥١].\nوَعَلَى هَذَا كَانَ هَدْيُ الخَلِيفَةِ الرَّاشِدِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁، فقد قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ: \"وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ أَنَّهُ لَمَّا وَجَدَ قَبْرَ دَانْيَال -فِي زَمَانِهِ بِالعِرَاقِ- أَمَرَ أَنْ يُخْفَى عَنِ النَّاسِ\" (^١).\n٤ - أَنَّ هَذِهِ التَّمَاثِيلَ -كَأَبِي الهَولِ مَثَلًا- لَيسَ هُنَاكَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مُشَاهَدَةً مَعْلُومَةً مِنْ قِبَلِ الصَّحَابَةِ!\nوَقَدْ سُئِلَ المُؤَرِّخُ الزِّرِكْلِيُّ عَنِ الأَهْرَامِ وَأَبِي الهَولِ وَنَحْوِهَا: هَلْ رَآهُ الصَّحَابَةُ الَّذِينَ دَخَلُوا مِصْرَ؟ فَقَالَ: \"كَانَ أَكْثَرُهَا مَغْمُورًا بِالرِّمَالِ، وَلَا سِيَّمَا أَبَا الهَولِ\" (^٢).\n٥ - عَلَى فَرْضِ أَنَّهَا كَانَتْ مَعْلُومَةً مُشَاهَدَةً مِنْ قِبَلِهِم؛ فَهَلْ يَسْتَطِيعُونَ إِزَالَتَهَا وَهَدْمَهَا؟! فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ بَطُّوطَة فِي رِحْلَتِهِ (^٣) أَنَّ الخَلِيفَةَ المَأْمُونَ حَاوَلَ تَدْمِيرَ الأَهْرَامِ وَضَرَبَهَا بِالمنْجَنِيقِ وَلَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ إِلَّا فِي إِحْدَاثِ ثُلْمٍ فِيهَا (^٤).\n_________\n(^١) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٥/ ١٤٧).\nوَالأَثَرُ صَحِيحٌ. أَورَدَهُ الرَّبَعِيُّ ﵀ فِي كِتَابِ فَضَائِلِ الشَّامِ، اُنْظُرْ تَخْرِيجَ كِتَابِ فَضَائِلِ الشَّامِ (ص ٥١)، وَصَحَّحَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي أَشْرِطَةَ فَتَاوَى سِلْسِلَةِ الهُدَى وَالنُّورِ (ش ٣٠٤).\n(^٢) كِتَابُ (شِبْهُ جَزِيرَةِ العَرَبِ) (٤/ ١١٨٨).\n(^٣) رِحْلَةُ ابْنِ بَطُّوطَة (١/ ١٧).\n(^٤) بَلْ إِنَّهُ يُوجَدُ جَدْعٌ فِي أَنْفِ التِّمْثَالِ نَتِيجَةَ إِطْلَاقِ المَدَافِعِ عَلَيهِ إِبَّانَ الحَمْلَةِ الفَرَنْسِيَّةِ عَلَى مِصْرَ عَام (١٧٩٨ م)، وَلَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِيهِ.","vol":"2","page":487},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-456> المَسْأَلَةُ الحَادِيَةَ عَشَرَةَ: مَا الأُمُورُ الَّتِي يَنْبَغِي مُرَاعَاتُهَا فِي اسْتِخْدَامِ لُعَبِ الأَطْفَالِ -ذَاتِ الرُّوحِ</span>-؟\nقُلْتُ: لِيُعْلَمْ أَوَّلًا أَنَّ الأَصْلَ فِي التَّصْوِيرِ وَاقْتِنَاءِ الصُّوَرِ التَّحْرِيمُ؛ وَأَنَّ مَا أَجَازَتْهُ الأَدِلَّةُ لَا يَعْنِي نَسْخَ التَّحْرِيمِ وَالخُرُوجَ مِنْ هَذَا الأَصْلِ مُطْلَقًا!\nبَلْ يَبْقَى الجَوَازُ مُقَيَّدًا وُفْقَ مَا جَاءَتْ بِهِ الأَدِلَّةُ، فَالتَّصْوِيرُ كَبْيرَةٌ مِنَ الكَبَائِرِ (^١) -كَمَا سَبَقَ عَنِ النَّوَوِيِّ ﵀، فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِ الجَوَازِ بِظُرُوفِ النُّصُوصِ المُبِيحَةِ خَوفًا مِنَ التَّوَسُّعِ الغَيرِ مَحْمُودِ وَالتَّفَلُّتِ مِنْ أَصْلِ التَّحْرِيمِ.\nثُمَّ نَقُولُ: قَدْ جَاءَتْ أَدِلَّةُ جَوَازِ لُعَبِ الأَطْفَالِ بِالقُيُودِ التَّالِيَةِ -فَهْمًا وَلَيسَتْ نَصًّا- مُرَتَّبَةً مِنَ الأَعْلَى إِلَى الأَدْنَى:\n١ - أَنْ تُحَقِّقَ مَصْلَحَةً لِلطِّفْلِ (^٢):\nأ- إِمَّا تَرْبَوِيَّةً وَتَعْلِيمِيَّةً.\nكَبَنَاتِ عَائِشَةَ ﵂، وَهِيَ مِمَّا يُسَاعِدُ عَلَى أُمُورِ الأُسْرَةِ وَمَا يُسَمَّى بِالتَّدْبِيرِ المَنْزِلِيِّ اليَومَ، كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ قَالَتْ: (كُنْتُ العَبُ بِالبَنَاتِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ (^٣).\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: \"وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ صُوَرِ البَنَاتِ وَاللُّعَبِ مِنْ أَجْلِ لَعِبِ البَنَاتِ بِهِنَّ، وَخُصَّ ذَلِكَ مِنْ عُمُومِ النَّهْيِ عَنِ اتِّخَاذِ الصُّوَرِ، وَبِهِ جَزَمَ عِيَاضٌ وَنَقَلَهُ عَنِ الجُمْهُورِ؛ وَأَنَّهُمْ أَجَازُوا بَيعَ اللُّعَبِ لِلْبَنَاتِ\n_________\n(^١) وَلَا يُقَيَّدُ ذَلِكَ بِالامْتِهَانِ؛ وَإِنَّمَا الَّذِي قَيَّدَهُ بِالامْتِهَانِ -بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ- هُوَ المُصَوَّرُ نَفْسُهُ، وَلَيسَ التَّصْوِيرَ -الَّذِي هُوَ صُنْعُ الصُّورَةِ-.\n(^٢) وَهُنَا أُورِدُ تَقْسِيمَاتٍ لِلتَّمْثِيلِ فَقَط؛ ولَيسَتْ لِلحَصْرِ.\n(^٣) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦١٣٠)، وَمُسْلِمٌ (٨١).","vol":"2","page":488},{"text":"لِتَدْرِيبِهِنَّ مِنْ صِغَرِهِنَّ عَلَى أَمْرِ بُيُوتِهِنَّ وَأَولَادِهِنَّ\" (^١).\nب- أَو شَرْعِيَّةً.\nكَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَو خَيبَرَ وَفِي سَهْوَتِهَا سِتْرٌ؛ فَهَبَّتْ رِيحٌ فَكَشَفَتْ نَاحِيَةَ السِّتْرِ عَنْ بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ لُعَبٍ، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟» قَالَتْ: بَنَاتِي، وَرَأَى بَينَهُنَّ فَرَسًا لَهُ جَنَاحَانِ مِنْ رِقَاعٍ؛ فَقَالَ: «مَا هَذَا الَّذِي أَرَى وَسْطَهُنَّ؟» قَالَتْ: فَرَسٌ. قَالَ: «وَمَا هَذَا الَّذِي عَلَيهِ». قَالَتْ: جَنَاحَانِ. قَالَ: «فَرَسٌ لَهُ جَنَاحَانِ!». قَالَتْ: أَمَا سَمِعْتَ أَنَّ لِسُلَيمَانَ خَيلًا لَهَا أَجْنِحَةٌ؟ قَالَتْ: فَضَحِكَ حَتَّى رَأَيتُ نَوَاجِذَهُ (^٢). فَهُوَ مِمَّا يُشَجِّعُ الفُرُوسِيَّةَ وَيَبْعَثُ الهِمَّةَ عَلَى فُنُونِ الجِهَادِ، كَمَا أَنَّهُ قَدْ يُحَقِّقُ مَصْلَحَةً آنِيَّةً كَمَا فِي الفَقَرَةِ التَّالِيَةِ.\nج- أَو آنِيَّةً.\nكَتَعْوِيدِهِم عَلَى الصَّبْرِ، حَيثُ تُلْهِي هَذِهِ اللُّعَبُ الأَطْفَالَ بُرْهَةً مِنَ الزَّمَنِ بِمَا يُحَقِّقُ مَصْلَحَةً مَا (^٣).\nفَفِي الصَّحِيحَينِ عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ؛ قَالَتْ: أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ: «مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا؛ فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَومِهِ، وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا؛\n_________\n(^١) فَتْحُ البَارِي (١٠/ ٥٢٧).\n(^٢) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٩٣٢). صَحِيحُ أَبِي دَاوُدَ (٤٩٣٢).\n(^٣) وَأَمَّا بَعْضُ اللُّعَبِ الَّتِي لَا طَائِلَ مِنْ وَرَائِهَا كَلُعْبَةِ الدُّبِّ (الأَحْمَرِ) مَثَلًا! فَهِيَ حَتْمًا لَيسَتْ مِنْ هَذَا البَابِ، وَإِنْ كَانَ لِلأَسَفِ كَثِيرٌ مِمَّنْ يَقْتَنِيهَا لَيسوا مِنَ الصِّغَارِ سِنًّا؛ وَلَكِنَّهُم مِنَ الصِّغَارِ عَقْلًا! عَدَا عَنْ مَا فِيهَا مِنْ مُخَالَفَةِ الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ في الأُنْسِ بِالوُحُوشِ.","vol":"2","page":489},{"text":"فَليَصُمْ»، قَالَتْ: فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ العِهْنِ؛ فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَينَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِفْطَارِ (^١) (^٢).\n٢ - أَنْ يَكُونَ عَدَدُهَا وَتَنَوُّعُهَا بِقَدْرِ الحَاجَةِ وَالمَصْلَحَةِ، لِأَنَّ الأَصْلَ فِيهَا الحُرْمَةُ (^٣).\n٣ - أَنْ تَكُونَ مَسْتُورَةً مَخْفِيَّةً غَالِبًا، وَتُخْرَجَ وَقْتَ الحَاجَةِ عِنْدَ اللَّعِبِ بِهَا، لِأَنَّ الإِبَاحَةَ جَاءَتْ بِقَيدِ اللَّعِبِ؛ بِخِلَافِ مَنْ يَجْعَلُهَا ضِمْنَ خِزَانَةِ العَرْضِ الزُّجَاجِيَّةِ مَثَلًا! فَهِيَ -وَإِنْ كَانَتْ لُعْبَةَ أَطْفَالٍ- فَمَكَانُهَا هُنَاكَ لَيسَ مَكَانَ اللَّعِبِ بِهَا! بَلْ مَكَانُهَا المَطْلُوبُ هُوَ أَمَامَ الطِّفْلِ وَبَينَ يَدِيهِ.\nوَتَأَمَّلْ حَدَيثَ الرُّبَيِّعِ السَّابِقَ تَجِدْهُ مِنْ هَذَا البَابِ، حَيثُ أَنَّ إِعْطَاءَ اللُّعَبِ كَانَ إِذَا بَكَى الصَبِيُّ عَلَى الطَّعَامِ، وَإِلَّا فَهِيَ لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ أَصْلًا (^٤).\n٤ - أَنْ تَكُونَ مَنْزِلِيَّةَ الصُّنْعِ؛ وَلَا تُشْتَرَى مِنْ خَارِجِ البَيتِ، وَذَلِكَ لِأَسْبَابٍ:\n_________\n(^١) قُلْتُ: إِنْ أَمْكَنَ الاسْتِغْنَاءُ عَنْ لُعَبِ البَنَاتِ بِمَا يُمَاثِلُهَا مِنَ الأَلْعَابِ الَّتِي تُحَقِّقُ الفَائِدَةَ دُونَ أَنْ تَكُونَ صُورَةً فَهُوَ أَمْرٌ حَسَنٌ، كَمِثْلِ لُعَبِ أَدَوَاتِ المَطْبَخِ وَالخِيَاطَةِ وَ....، وَلَا بُدَّ لِلأُسْرَةِ المُسْلِمَةِ مِنَ السَّعْي بِاتَّجَاهِ ذَلِكَ، وَيَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ حَدِيثُ لُعَبِ عَائِشَةَ السَّابِقِ مَحْمُولًا عَلَى ظَاهِرِهِ مُجَرَّدًا عَنْ مَعْنَاهُ وَفَائِدَتِهِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهِ أُبِيحَتْ هَذِهِ الصُّوَرُ، وَلَا سِيَّمَا حَدِيثُ الرُّبَيِّعِ ﵂ فِي تَعْوِيدِ الصِّغَارِ عَلَى الصِّيَامِ، فَهُوَ الآنَ يَتَحَقَّقُ بِكَثيرٍ مِنَ الأَشْيَاءِ وَالأَلْعَابِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَوجُودَةً سَابِقًا، خَاصَّةً وَأَنَّ المَقْصُودَ مِنْهَا مَعْقُولُ المَعْنَى. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.\n(^٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١٩٦٠)، وَمُسْلِمٌ (١١٣٦).\n(^٣) وَلَيسَ كَبَعْضِ بُيُوتِ المُتْرَفِينَ -بَلِ الجَاهِلِينَ- يَجْعَلُونَ غُرْفَةَ الطِّفْلِ مَدِينَةً لِلصُّوَرِ وَالتَّمَاثِيلِ! فَهَلْ مِثْلُ هَذَا هُوَ الَّذِي أَبَاحَهُ النَّبِيُّ ﷺ؟!\n(^٤) وَتَأَمَّلْ أَيضًا حَدِيثَ بَنَاتِ عَائِشَةَ -فِيمَا سَبَقَ- تَجِدُهُ مِنْ هَذَا القَبِيلِ وَفِيهِ: (فَهَبَّتْ رِيحٌ فَكَشَفَتْ نَاحِيَةَ السِّتْرِ عَنْ بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ لُعَبٍ).","vol":"2","page":490},{"text":"أ- أَنَّ المَقْصُودَ مِنْهَا: الفَائِدَةُ أَوِ التَّلْهِيَةُ وَلَيسَ المُضَاهَاةَ! كَمَا هُوَ عِنْدَ الشِّرَاءِ مِنَ خَارِجِ البَيتِ، لِأَنَّهَا تَكُونُ حِينَئِذٍ حِرْفَةً تُقْصَدُ فِيهَا المُضَاهَاةُ، فَلَا بُدَّ إِذًا أَنْ تَكُونَ بَسِيطَةَ الهَيئَةِ وَالصُّنْعِ (^١).\nوَالمُتَأَمِّلُ فِي النُّصُوصِ المُبِيحَةِ يَجِدُ أَنَّ هَذِهِ اللُّعَبَ لَمْ تَكُنْ وَاضِحَةَ المَعَالِمِ أَصْلًا! كَمَا يَدُلُّ عَلَيه مَثَلًا حَدِيثُ الفَرَسِ ذِي الجَنَاحَينِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الفَرَسَ كَانَ عَلَى نَحْوِ لُعَبِ صِبْيَانِ العَرَبِ -مِنَ السَّذَاجَةِ وَبَسَاطَةِ الصُّورَةِ- وَلَمْ يَكُنْ صُورَةً حَقِيقَةً، لذلك فالنَّبِيُّ ﷺ لَمّا رَآهُ سَأَلَ عَائِشَةَ ﵂: «مَا هَذَا الَّذِي أَرَى وَسْطَهُنَّ؟»، فَقَالَتْ: فَرَسٌ، فَلَو كَانَتْ صُورَةً وَاضِحَةَ المَعَالِمِ لَعَرَفَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى سُؤَالِ عَائِشَةَ\n_________\n(^١) وَفِي مَجْمُوعِ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ الشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ آلِ الشَّيخِ ﵀ (١/ ١٨١) -جَوَابًا عَلَى سُؤَالٍ حَولَ (عَرَائِسِ البَنَاتِ) - قَالَ: \"نَعَمْ؛ يَخْتَلِفُ حُكْمُ هَذِهِ الحَادِثَةِ الجَدِيدَةِ عَنْ حُكْمِ لُعَبِ أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ لِمَا فِي هَذِهِ الجَدِيدَةِ الحَادِثَةِ مِنْ حَقِيقَةِ التَّمْثِيلِ وَالمُضَاهَاةِ وَالمُشَابَهَةِ بِخَلْقِ اللهِ تَعَالَى لِكَونِهَا صُوَرًا تَامَّةً بِكُلِّ اعْتِبَارٍ، وَلَهَا مِنَ المَنْظَرِ الأَنِيقِ وَالصُّنْعِ الدَّقِيقِ وَالرَّونَقِ الرَّائِعِ مَا لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ وَلَا قَرِيبٌ مِنْهُ فِي الصُّوَرِ الَّتِي حَرَّمَتْهَا الشَّرِيعَةُ المُطَهَّرَةُ، وَتَسْمِيَتُهَا لُعَبًا؛ وَصِغَرُ أَجْسَامِهَا؛ لَا يُخْرِجُهَا عَنْ أَنْ تَكُونَ صُوَرًا! إِذِ العِبْرَةُ فِي الأَشْيَاءِ بِحَقَائِقِهَا لَا بِأَسْمَائِهَا. فَكَمَا أَنَّ الشِّرْكَ شِرْكٌ وَإنْ سَمَّاهُ صَاحِبُهُ اسْتِشْفَاعًا وَتَوَسُّلًا، وَالخَمْرَ خَمْرٌ وَإِنْ سَمَّاهَا صَاحِبُهَا نَبِيذًا! فَهَذِهِ صُوَرٌ حَقِيقِيَّةٌ وَإِنْ سَمَّاهَا صَانِعُوهَا وَالمُتَاجِرُونَ فِيهَا وَالمَفْتُونُونَ بِالصُّوَرِ: لُعَبَ أَطْفَالٍ! وَفِي الحَدِيثِ: «يَجِيءُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَقوامٌ يَسْتحِلُّونَ الخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيرِ اسْمِهَا».\nوَمَنْ زعَمَ أَنَّ لُعَبَ عَائِشَةَ صُوَرٌ حَقِيقِيَّةٌ لِذَوَاتِ الأَرْوَاحِ! فَعَلِيهِ إِقَامَةٌ الدَّلِيلِ، وَلَنْ يَجِدَ إِلَى ذَلِكَ سَبْيلًا، فَإِنَّهَا لَيسَتْ مَنْقُوشَةً وَلَا مَنْحُوتَةً وَلَا مَطْبُوعَةً مِنَ المَعَادِنِ المُنْطَبِعَةِ وَلَا نَحْو ذَلِكَ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهَا مِنْ عِهْنٍ أَو قُطْنٍ أَو خِرَقٍ أَو قَصَبَةٍ أَو عَظْمٍ مَرْبُوطٍ فِي عَرْضِهِ عُودٌ مُعْتَرِضًا بِشَكْلٍ يُشْبِهُ المَوجُودَ مِنَ اللُّعَبِ فِي أَيدِي البَنَاتِ الآنَ فِي البُلْدَانِ العَرَبِيَّةِ البَعِيدَةِ عَنِ التَّمَدُّنِ وَالحَضَارَةِ مِمَّا لَا تُشْبِهُ الصُورَةَ المُحَرَّمَةَ إِلَّا بِنِسْبَةٍ بَعِيدَةٍ جِدًّا، لِمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ مِنْ أَنَّ الصَّحَابَةَ يُصَوِّمُونَ أَولَادَهُم؛ فَإِذَا طَلَبُوا الطَّعَامَ أَعْطَوهُم اللُّعَبَ مِنَ العِهْنِ يُعَلِّلُونَهُم بِذَلِكَ، وَلِمَا فِي سُنَنِ أَبي دَاوُدَ وَشَرْحِهَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ مِنْ ذِكْرِ الفَرَسِ ذِي أَرْبَعَةِ الأَجْنِحَةِ مِنْ رِقَاعٍ -يَعْنِي مِنْ خِرَقٍ-؛ وَلِمَا عُلِمَ عَنْ حَالِ العَرَبِ مِنَ الخُشُونَةِ غَالِبًا فِي أَوَانِيهِم وَمَرَاكِبِهِم وَآلَاتِهِم آلَاتِ اللَّعِبِ وَغَيرِهَا. وَفِيمَا ذَكَرْتُ هَا هُنَا مَقْنَعٌ لِمُرِيدِ الحَقِّ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى\".","vol":"2","page":491},{"text":"عَنْهُ! وَكَذَا الجَنَاحَان اللَّذَانِ عَلَى الفَرَسِ حَيثُ قَالَ فِيهِ: «وَمَا هَذَا الَّذِي عَلَيهِ؟» (^١).\nبَلْ إِنَّ مِنَ الأَئِمَّةِ مَن لَمْ يُجَوِّزْ ذَلِكَ كُلَّهُ بِسَبَبِ مَا فِي الصُّورَةِ مِنَ المَعَالِمِ، فَقَدْ (قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ [يَعْنِي: الإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلَ]؛ تَرَى لِلرَّجُلِ الوَصِيِّ تَسْأَلُهُ الصَّبِيَّةُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهَا لُعْبَةً؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَتْ صُورَةً؛ فَلا، وَذَكَرَ فِيهِ شَيئًا، قُلْتُ: الصُّورَةُ إِذَا كَانَتْ يَدًا أَو رِجْلًا!! فَقَالَ: عِكْرِمَةُ يَقُولُ: كُلُّ شَيءٍ لَهُ رَأْسٌ فَهُوَ صُورَةٌ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: فَقَدْ يُصَيِّرُونَ لَهَا صَدْرًا وَعَينًا وَأَنْفًا وَأَسْنَانًا!! قُلْتُ: فَأَحَبُّ إِلَيكَ أَنْ يَجْتَنِبَ شِرَاءَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ) (^٢).\nب- أَنَّ غَالِبَ الدُّمَى اليَومَ -مِنْ جِهَةِ الوَاقِعِ- تُعَبِّرُ عَنْ عَادَاتِ مُجْتَمَعَاتِهَا، وَغَالِبُهَا مُسْتَورَدٌ مِنْ مُجْتَمَعَاتِ الكُفَّارِ، كَمَا فِي الدُّمْيَةِ المَشْهُورَةِ المُسَمَّاةِ بِـ (بَارْبِي) وَالتِي إِنْ كَانَ اقْتِنَاءُ الصُّوَرِ -جَدَلًا- حَلَالًا مُطْلَقًا؛ فَهِي وَحْدَهَا تُسْتَثْنَى لِتَكُونَ حَرَامًا لِمَا فِيهَا مِنْ نَقْلِ هَيئَةِ الكُفَّارِ فِي لِبَاسِهِم إِلَى مُجْتَمَعِنَا المُسْلِمِ، وَضِمْنَ سِيَاقِ تَعْوِيدِ البَنَاتِ لِتَكُونَ هَذِهِ الدُّمْيَةُ قُدْوَةً لَهُنَّ فِي لِبَاسِهِنَّ وَفِسْقِهِنَّ (^٣)!\nوَقَدْ أَفْتَى الشَّيخُ الأَلبَانِيُّ ﵀ بِجَوَازِ اللُّعَبِ المَصْنُوعَةِ مَنْزِلِيًّا؛ دُونَ الشِّرَاءِ مِنَ الخَارِجِ (^٤).\nوَبِهَذَا تَمَّتِ هَذِهِ القُيُودُ بِحَسْبِ مَا ظَهَرَ لِي فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ، فَإِنْ أَصَبْتُ؛ فَمِنَ اللهِ، وَإِنْ أَخْطَأْتُ؛ فَمِنْ قُصُورِي وَضَعْفِ فَهْمِي. وَالحَمْدُ للهِ أَولًا وَآخِرًا.\n_________\n(^١) يُنْظَرُ: (إِعْلَانُ النَّكِيرِ عَلَى المَفْتُونِينَ بِالتَّصْوِيرِ) لِحُمُود التّوِيجري (ص ١٠١).\n(^٢) يُنْظَرُ: (الوَرَعُ لِأَحْمَدَ) بِرِوَايَةِ المَرْوَزِيّ (ص ١٥٤) بَابُ: كَرَاهِيَةُ شِرَاءِ اللُّعَبِ وَمَا فِي الصُّوَرِ.\n(^٣) وَلَيسَتْ أَيضًا دُمْيَةُ (فُلَّة) بِالخَالِيَةِ مِنَ العُيُوبِ -وَإِنْ كَانَتْ أَهْوَنَ مِنَ السَّابِقَةِ- وَذَلِكَ لِوُجُودِ بَعْضِ المُخَالَفَاتِ فِيهَا لِلمُتَأَمِّلِ مِنْ (أَحْمَرِ الشِّفَاهِ، وَالكُمِّ الوَاسِعِ، وَ…).\n(^٤) أَشْرِطَةُ فَتَاوَى جَدَّة (١٤/ب).","vol":"2","page":492},{"text":"بَابُ مَا جَاءَ فِي كَثْرَةِ الحَلِفِ\nوَقَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيمَانَكُمْ﴾ [المَائِدَة: ٨٩].\nعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁؛ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «الحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ» أَخْرَجَاهُ (^١).\nوَعَنْ سَلْمَانَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: أُشَيمِطٌ زَانٍ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ، وَرَجُلٌ جَعَلَ اللهَ بِضَاعَتَهُ؛ لَا يَشْتَرِي إِلَّا بِيَمِينِهِ، وَلَا يَبِيعُ إِلَّا بِيَمِينِهِ». رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ (^٢).\nوَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ ﵁؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خَيرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ -قَالَ عِمْرَانُ: فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ مَرَّتَينِ أَو ثَلَاثًا؟ - ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَومًا يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ» (^٣).\nوَفِيهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «خَيرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ قَومٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ». وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ كَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالعَهْدِ وَنَحْنُ صِغَارٌ (^٤).\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٢٠٨٧)، وَمُسْلِمٌ (١٦٠٦)، وَابْنُ حِبَّانَ (٤٩٠٦).\n(^٢) صَحِيحٌ. الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ (٦/ ٢٤٦). صَحِيحُ الجَامِعِ (٣٠٧٢).\n(^٣) البُخَاريُّ (٢٦٥١).\n(^٤) البُخَاريُّ (٢٦٥٢). وَقَولُ إِبْرَاهِيمَ هَذَا هُوَ تَتِمَّةُ الحَدِيثِ نَفْسِهِ.","vol":"2","page":493},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: الوَصِيَّةُ بِحِفْظِ الأَيمَانِ.\nالثَّانِيَةُ: الإِخْبَارُ بِأَنَّ الحَلِفَ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْبَرَكَةِ.\nالثَّالِثَةُ: الوَعِيدُ الشَّدِيدُ فِيمَنْ لَا يَبِيعُ إِلَّا بِيَمِينِهِ وَلَا يَشْتَرِي إِلَّا بِيَمِينِهِ.\nالرَّابِعَةُ: التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ الذَّنْبَ يَعْظُمُ مَعَ قِلَّةِ الدَّاعِي.\nالخَامِسَةُ: ذَمُّ الَّذِينَ يَحْلِفُونَ وَلَا يُسْتَحْلَفُونَ.\nالسَّادِسَةُ: ثَنَاؤُهُ ﷺ عَلَى القُرُونِ الثَّلَاثَةِ أَوِ الأَرْبَعَةِ، وَذِكْرُ مَا يَحْدُثُ بَعْدَهُمْ.\nالسَّابِعَةُ: ذَمُّ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ.\nالثَّامِنَةُ: كَونُ السَّلَفِ يَضْرِبُونَ الصِّغَارَ عَلَى الشَّهَادَةِ وَالعَهْدِ.","vol":"2","page":494},{"text":"<span data-type='title' id=toc-459>الشَّرْحُ</span>\n- قَولُهُ: (بَابُ مَا جَاءَ فِي كَثْرَةِ الحَلِفِ): أَي: مِنَ النَّهْي عَنْهُ وَالوَعِيدِ، وَالمَقْصُودُ كَثْرَةُ الحَلِفِ بِاللهِ تَعَالَى.\n- كَثْرَةُ الحَلِفِ هُوَ مَظِنَّةُ تَقْلِيلِ شَأْنِ المَحْلُوفِ بِهِ وَالاسْتِخْفَافِ بِهِ، وَهُوَ يُنَافِي كَمَالَ التَّوحِيدِ الوَاجِبِ؛ وَيُفْضِي إِلَى الحَلِفِ كَذِبًا بِهِ، فَإِنَّمَا شُرِعَتِ اليَمِينُ لِتَأْكِيدِ الأَمْرِ المَحْلُوفِ عَلَيهِ، وَتَعْظِيمًا لِلخَالِقِ.\nقَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀: \"قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ [القَلَم: ١٠] أَي: كَثِيرِ الحَلِفِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ إِلَّا وَهُوَ كَذَّابٌ، وَلَا يَكَونُ كَذَّابًا إِلَّا وَهُوَ ﴿مَهِينٍ﴾ أَي: خَسِيسُ النَّفْسِ\" (^١).\n- تَمَامُ الآيَةِ الَّتِي فِي المَتْنِ هُوَ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المَائِدَة: ٨٩] (^٢).\n- فِي الحَلِفِ جَاءَتْ أَحَادِيثُ مُتَنَوِّعَةٌ، وَفِيمَا يَرْتَبِطُ بِالبَابِ نَذْكُرُ مِنْهَا:\n١ - حَدِيثُ البَابِ: «الحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ؛ مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ».\n٢ - حَدِيثُ البَابِ، وَفِيهِ: «وَرَجُلٌ جَعَلَ اللهَ بِضَاعَتَهُ؛ لَا يَشْتَرِي إِلَّا بِيَمِينِهِ، وَلَا\n_________\n(^١) تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ (ص ٨٩٧).\n(^٢) وَالكِسْوَةُ: هِيَ قَدْرُ مَا يُجْزِئُ فِي الصَّلَاةِ. تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ (ص ٢٤٢).","vol":"2","page":495},{"text":"يَبِيعُ إِلَّا بِيَمِينِهِ».\n٣ - حَدِيثُ: «إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الحَلِفِ فِي البَيعِ؛ فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ ثُمَّ يَمْحَقُ» (^١).\n٤ - حَدِيثُ: «اليَمِينُ الكَاذِبَةُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ؛ مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ» (^٢).\n٥) حَدِيثُ: «احْلِفُوا بِاللهِ وَبِرُّوا وَاصْدُقُوا؛ فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ يُحْلَفَ بِهِ» (^٣).\nوَعَلَيهِ يَكُونُ:\n١ - الحَلِفُ وَكَثْرَةُ الحَلِفِ مَنْهِيٌّ عَنْهُمَا؛ إِلَّا لِحَاجَةٍ أَو طَاعَةٍ.\n٢ - الحَلِفُ فِي البَيعِ مَكْرُوهٌ مُطْلَقًا.\n٣ - أَنَّ الحَلِفَ الكَاذِبَ فِيهِ يَزِيدُهُ حُرْمَةً.\n٤ - أَنَّ الحَلِفَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِاللهِ، وَإِلَّا كَانَ مَعْصِيَةً وَشِرْكًا.\nقَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵀: \"وَأَكْرَهُ الأَيمَانَ بِاللهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ إِلَّا فِيمَا كَانَ للهِ طَاعَةً؛ مِثْلَ البَيعَةِ عَلَى الجِهَادِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ\" (^٤).\nوَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ عِنْدَ شَرْحِ حَدِيثِ البُخَارِيِّ؛ وَفِيهِ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّكُمْ لَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ» أي الأَنْصَارُ: \"وَفِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ جَوَازُ الحَلِفِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ قَومٌ: يُكْرَهُ، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيمَانِكُمْ﴾، وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا عَجَزَ عَنِ الوَفَاءِ بِهَا. وَيُحْمَلُ مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَا إِذَا كَانَ فِي طَاعَةٍ أَو دَعَتْ إِلَيهَا\n_________\n(^١) مُسْلِمٌ (١٦٠٧) عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ مَرْفُوعًا.\n(^٢) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٧٢٠٧) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٣٣٦٣).\n(^٣) صَحِيحٌ. الحِلْيَةُ (٧/ ٢٦٧) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (١١١٩).\n(^٤) الأُمُّ (٧/ ٦٤).","vol":"2","page":496},{"text":"حَاجَةٌ، كَتَأْكِيدِ أَمْرٍ أَو تَعْظِيمِ مَنْ يَسْتَحِقُّ التَّعْظِيمَ أَو كَانَ فِي دَعْوَى عِنْدَ الحَاكِمِ وَكَانَ صَادِقًا\" (^١).\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيمَانَكُمْ﴾ فِيهِ ثَلَاثُ مَرَاتِبَ:\n١ - النَّهْيُ عَنْ كَثْرَةِ الحَلِفِ.\n٢ - أَنَّ مَنْ حَلَفَ؛ فَلْيُوَفِّ وَلَا يَحْنُثْ فِيهَا.\n٣ - أَنَّ مَنْ حَنَثَ فِيهَا؛ فَلَا يَتْرُكْهَا دُونَ تَكْفِيرٍ.\nوَالمُصَنِّفُ ﵀ أَرَادَ مِنَ الآيَةِ المَعْنَى الأَوَّلَ -وَإِنْ كَانَ الجَمِيعُ مَشْمُولًا بِالآيَةِ-، وَذَلِكَ لِأَنَّ حَاصِلَ المَعَانِي الثَّلَاثَةِ تَعْظِيمُ اللهِ تَعَالَى.\n- الأَفْضَلُ فِي مَنْ حَلَفَ عَدَمُ الحِنْثِ بِاليَمِينِ إِلَّا لِمَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ: كَأَنْ يَكُونَ حَلَفَ عَلَى أَمْرٍ مُحَرَّمٍ أَو مَكْرُوهٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَينَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٤].\nأَو أَنْ يَأْتِيَ مَا هُوَ خَيرٌ مِنْهُ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «وَاللَّهِ -إِنْ شَاءَ اللهُ- لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيتُ الَّذِي هُوَ خَيرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا» (^٢).\n- قَولُهُ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُم وَلَا …» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الكَبَائِرِ.\n- قَولُهُ: «لَا يُكَلِّمُهُم» المُرَادُ بِنَفي الكَلَامِ هُنَا كَلَامُ الرِّضَا، أَمَّا كَلَامُ العَرْضِ وَالتَّوبِيخِ وَالحِسَابِ؛ فَإِنَّ هَذَا الحَدِيثَ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ، وَفِي الحَدِيثِ: «مَا مِنْكُمْ\n_________\n(^١) فَتْحُ البَارِي (١١/ ٥٢٩).\n(^٢) البُخَارِيُّ (٣١٣٣)، وَمُسْلِمٌ (١٦٤٩) عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا.","vol":"2","page":497},{"text":"مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ اللهُ -لَيسَ بَينَهُ وَبَينَهُ تُرْجُمَانٌ- فَيَنْظُرُ أَيمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَينَ يَدَيهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَو بِشِقِّ تَمْرَةٍ» (^١) (^٢).\n- قَولُهُ: «لَايُزَكِّيهِم» أَي: لَا يُوَثِّقُهُم، وَلَا يَشْهَدُ لَهُم بِالإِيمَانِ (^٣).\n- قَولُهُ: «أُشَيمِطٌ» الأُشَيمِطُ: تَصْغِيرُ (أَشْمَط)، وَالأَشْمَطُ: هُوَ الَّذِي بَدَأَهُ الشَّيبُ، وَصَغَّرَهُ تَحْقِيرًا لِشَأْنِهِ (^٤).\n- قَولُهُ: «عَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ» الاسْتِكْبَارُ يَكُونُ لِلذَّاتِ -كَهَذَا الحَدِيثِ-، وَيَكُونُ لِلصِّفَاتِ كَمَنْ لَدِيهِ جَاهٌ وَمَالٌ وَحَسَبٌ يَدْفَعُهُ لِذَلِكَ.\n- قَولُهُ: «زَانٍ» وَ«مُسْتَكْبِرٌ» يَدُلُّ عَلَى خُبْثِ الطَّبْعِ، فَمَنْ كَبُرَ سِنُّهُ ضَعُفَتْ شَهْوَتُهُ؛ وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ فَقِيرًا ذُو حَاجَةٍ؛ فَإِنَّهُ لَيسَ لَدِيهِ مَا يَفْتِنُهُ وَيَدْفَعُهُ إِلَى الكِبْرِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الخُبْثَ هُوَ فِي أَصْلِ طِبَاعِهِم، بِخِلَافِ مَنْ كَانَ شَابًّا؛ فَشَهْوَتُهُ العَارِمَةُ تَقُودُهُ، أَو مَنْ كَانَ غَنِيًّا ذَا مَالٍ وَجَاهٍ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُغْرِيهِ بِالكِبْرِ، لِذَلِكَ قَالَ المُصَنِّفُ ﵀ فِي المَسَائِلِ: \"التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ الذَّنْبَ يَعْظُمُ مَعَ قِلَّةِ الدَّاعِي\".\nقَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: \"وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إلَيهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٧٥١٢)، وَمُسْلِمٌ (١٠١٦) عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ مَرْفُوعًا.\n(^٢) وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا العَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأَحْقَاف: ٣٤].\n(^٣) وَأَيضًا لَا يُطَهِّرُهُم مِنَ الأَخْلَاقِ الرَّذِيلَةِ؛ وَهَذَا عَلَى مَعْنَى أَنَّ الزَّكَاةَ هِيَ التَّطْهِيرُ.\n(^٤) قَالَ فِي القَامُوسِ المُحِيطِ (ص ٦٧٤): \"الشَّمَطُ: بَيَاضُ الرَّأْسِ يُخالِطُ سَوَادَهُ\".","vol":"2","page":498},{"text":"مُسْتَكْبِرٌ» (^١) فَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ اشْتَرَكُوا فِي هَذَا الوَعِيدِ، وَاشْتَرَكُوا فِي فِعْلِ هَذِهِ الذُّنُوبِ مَعَ ضَعْفِ دَوَاعِيهِمْ! فَإِنَّ دَاعِيَةَ الزِّنَا فِي الشَّيخِ ضَعِيفَةٌ، وَكَذَلِكَ دَاعِيَةُ الكَذِبِ فِي المَلِكِ ضَعِيفَةٌ -لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ-، وَكَذَلِكَ دَاعِيَةُ الكِبْرِ فِي الفَقِيرِ؛ فَإِذَا أَتَوْا بِهَذِهِ الذُّنُوبِ -مَعَ ضَعْفِ الدَّاعِي- دَلَّ عَلَى أَنَّ فِي نُفُوسِهِمْ مِنَ الشَّرِّ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَ بِهِ مَنَ الوَعِيدِ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ غَيرُهُمْ\" (^٢).\n- قَولُهُ: «جَعَلَ اللهَ بِضَاعَتَهُ» وَذَلِكَ لِمُلَازَمَتِهِ لَهُ وَغَلَبَتِهِ عَلَيهِ؛ فَهُوَ يُكْثِرُ مِنَ الحَلِفِ تَهَاونًا.\n- قَولُهُ: «خَيرُ النَّاسِ قَرْنِي» يَدُلُّ عَلَى تَفْضِيلِهِم مُقَارَنَةً مَعَ كُلِّ الأَزْمِنَةِ، فَصَحَابَتُهُ ﷺ أَفْضَلُ مِنَ الحَوَارِيِّينَ الَّذِينَ هُمْ أَنْصَارُ عِيسَى ﷺ، وَأَفْضَلُ مِنَ النُّقَبَاءِ السَّبْعِينَ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ مُوسَى ﷺ لِمِيقَاتِ رَبِّهِ (^٣) (^٤).\n- قَولُهُ: «قَرْنِي» القَرْنُ مُعْتَبَرٌ بِمُعْظَمِ النَّاسِ، فَإِذَا كَانَ مُعْظَمُ النَّاسِ الصَّحَابَةُ؛\n_________\n(^١) صَحِيحُ مُسْلِمٍ (١٠٧) مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا.\n(^٢) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (١٨/ ١٤).\n(^٣) كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾ [الأَعْرَاف: ١٥٥].\n(^٤) قَالَ البُخَارِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِهِ (٣٦٤٩): بَاب فَضَائِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، وَمَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ أَو رَآهُ مِنَ المُسْلِمِينَ فَهُوَ مِنْ أَصْحَابِهِ.\nحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ؛ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيَقُولُونَ: فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ رَسُولَ اللهِ ﷺ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ. ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ؛ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ. ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ؛ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ».","vol":"2","page":499},{"text":"فَالقَرْنُ قَرْنُهُم، وَإِذَا كَانَ مُعْظَمُ النَّاسِ التَّابِعِينَ؛ فَالقَرْنُ قَرْنُهُم، وَهَكَذَا (^١).\nوَلَكِنَّ هَذِهِ الأَفْضَلِيَّةَ أَفْضَلِيَّةٌ مِنْ حَيثُ العُمُومِ وَالجِنْسِ؛ لَا مِنْ حَيثُ الأَفْرَادِ مُطْلَقًا، فَلَا يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي تَابِعِي التَّابِعِين مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنَ بَعْضِ التَّابِعِينَ، أَو أَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي التَّابِعِينَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، أَمَّا فَضْلُ الصُّحْبَةِ؛ فَلَا يَنَالُهُ أَحَدٌ غَيرُ الصَّحَابَةِ، وَلَا أَحَدَ يَسْبِقُهُم فِيهِ، وَأَمَّا العِلْمُ وَالعِبَادَةُ؛ فَقَدْ يَكُونُ فِيمَنْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ مَنْ هُوَ أَكْثَرُ مِنْ بَعْضِهِم عِلْمًا وَعِبَادَةً.\n- قَولُهُ: «وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ» هِيَ مِنْ عَلَامَاتِ وُقُوعِ الفِتَنِ كَمَا فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ، مِنْهَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ مَوقُوفًا: (كَيفَ أَنْتُمْ إِذَا لَبِسَتْكُمْ فِتْنَةٌ: يَهْرَمُ فِيهَا الكَبِيرُ، وَيَرْبُو فِيهَا الصَّغِيرُ، وَيَتَّخِذُهَا النَّاسُ سُنَّةً؛ فَإِذَا غُيِّرَتْ قَالُوا: غُيِّرَتِ السُّنَّةُ!\nقَالُوا: وَمَتَى ذَلِكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: إِذَا كَثُرَتْ قُرَّاؤُكُمْ، وَقَلَّتْ فُقَهَاؤُكُمْ، وَكَثُرَتْ أُمَرَاؤُكُمْ، وَقَلَّتْ أُمَنَاؤُكُمْ، وَالتُمِسَتِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الآخِرَةِ) (^٢).\n- قَولُهُ: «وَيَظْهَرُ فِيهِم السِّمَنُ» لِرَغْبَتِهِم فِي الدُّنْيَا، وَنَيلِ شَهَوَاتِهِم وَالتَّنَعُّمِ بِهَا، وَغَفْلَتِهِم عَنِ الدَّارِ الآخِرَةِ وَالعَمَلِ لَهَا.\n_________\n(^١) قَالَ صَاحِبُ عَونِ المَعْبُودِ (١٢/ ٢٦٧): \"وَالقَرْنُ: أَهْلُ كُلِّ زَمَانٍ، وَهُوَ مِقْدَارُ التَّوَسُّطِ فِي أَعْمَارِ أَهْلِ كُلِّ زَمَانٍ، وَقِيلَ: القَرْنُ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَقِيلَ ثَمَانُونَ، وَقِيلَ مِائَةُ سَنَةٍ.\nقَالَ السُّيُوطِيُّ: وَالأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَنْضَبِطُ بِمُدَّةٍ، فَقَرْنُهُ ﷺ هُمُ الصَّحَابَةُ، وَكَانَتْ مُدَّتُهُمْ مِنَ المَبْعَثِ إِلَى آخِرِ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَقَرْنُ التَّابِعِينَ مِنْ مِائَةِ سَنَةٍ إِلَى نَحْوِ [مِائَة وَ] سَبْعِينَ، وَقَرْنُ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ مِنْ ثَمَّ إِلَى نَحْوِ العِشْرِينَ وَمِائَتَينِ، وَفِي هَذَا الوَقْتِ ظَهَرَتِ البِدَعُ ظُهُورًا فَاشِيًا، وَأَطْلَقَتِ المُعْتَزِلَةُ أَلْسِنَتَهَا\".\n(^٢) صَحِيحٌ. الدَّارِمِيُّ (١٩١). صَحَّحَهُ الشَّيخُ حُسَين سَلِيم أَسَد ﵀.","vol":"2","page":500},{"text":"- قَولُهُ: (كَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالعَهْدِ وَنَحْنُ صِغَارٌ): قَالَ أَبُو عُمَر ابْنُ عَبْدِ البَرِّ ﵀: \"مَعْنَاهُ عِنْدَهُم: النَّهْيُ عَنْ مُبَادَرَةِ الرَّجُلِ بِقَولِهِ: (أَشْهَدُ بِاللهِ) وَ(عَلَى عَهْدِ اللهِ لَقَدْ كَانَ كَذَا) وَنحْوِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَضْرِبُونَهُم عَلَى ذَلِكَ حَتَّى لَا يَصِيرَ لَهُمْ بِهِ عَادَةٌ فَيَحْلِفُونَ فِي كُلِّ مَا يَصْلُحُ وَمَا لَا يَصْلُحُ\" (^١).\n- الضَّرْبُ مُبَاحٌ شَرْعًا فِي سِيَاقِ التَّأْدِيبِ وَالتَّرْبِيَةِ وَعِلَاجِ النُّشُوزِ؛ كَمَا فِي قَولِ النَّخَعِيِّ هُنَا، وَكَمَا فِي حَدِيثِ: «مُرُوا الصَّبِيَّ بِالصَّلَاةِ إِذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ، وَإِذَا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ فَاضْرِبُوهُ عَلَيهَا» (^٢)، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى فِي عِلَاجِ نُشُوزِ المَرْأَةِ: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النِّسَاء: ٣٤] (^٣).\n- فَائِدَةٌ: يُشْتَرَطُ لِجَوَازِ ضَرْبِ الصَّغِيرِ -تَأْدِيبًا- أُمُورٌ؛ مِنْهَا:\n١ - أَنْ يَكُونَ الصَّغِيرُ قَابِلًا لِلتَّأْدِيبِ؛ فَلَا يُضْرَبُ مَنْ لَا يَعْرِفُ المُرَادَ مِنَ الضَّرْبِ! (^٤)\n٢ - أَنْ يَكُونَ التَّأْدِيبُ مِمَّنْ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَيهِ.\n_________\n(^١) (عُمْدَةُ القَارِي) لِلعَينِيِّ (١٣/ ٢١٤).\n(^٢) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٩٥) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو مَرْفُوعًا. الإِرْوَاء (٢٩٨).\n(^٣) وَقالَ البُخَارِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِهِ (٧/ ٣٢): \"بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ ضَرْبِ النِّسَاءِ، وَقَولِ اللهِ ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ أَي: ضَرْبًا غَيرَ مُبَرِّحٍ\".\nقَالَ القُرْطُبُيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٥/ ١٧٢): \"وَالضَّرْبُ فِي هَذِهِ الآيَةِ هُوَ ضَرْبُ الأَدَبِ غَيرُ المُبَرِّحِ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَكْسِرُ عَظْمًا وَلَا يَشِينُ جَارِحَةً؛ كَاللَّكْزَةِ وَنَحْوِهَا، فَإِنَّ المَقْصُودَ مِنْهُ الصَّلَاحُ لَا غَيرَ، فَلَا جَرَمَ إِذَا أَدَّى إِلَى الهَلَاكِ وَجَبَ الضَّمَانُ، وَكَذَلِكَ القَولُ فِي ضَرْبِ المُؤَدِّبِ غُلَامَهُ لِتَعْلِيمِ القُرْآنِ وَالأَدَبِ\".\n(^٤) وَحَدَّهُ الشَّيخُ الأَلبَانِيُّ ﵀ بِمَا بَعْدَ العَشْرِ سِنِينَ إِلَى البُلُوغِ كَمَا فِي أَشْرِطَةِ سِلْسِلَةِ الهُدَى وَالنُّورِ (٣٠٦).","vol":"2","page":501},{"text":"٣ - أَنْ لَا يُسْرِفَ فِي ذَلِكَ كَمًّا أَو نَوعًا.\n٤ - أَنْ يَقَعَ مِنَ الصَّغِيرِ مَا يَسْتَحِقُّ التَّأْدِيبَ عَلَيهِ.\n٥ - أَنْ يَقْصِدَ تَأْدِيبَهُ؛ لَا الانْتِقَامَ لِنَفْسِهِ! فَإِنْ قَصَدَ الانْتِقَامَ لَمْ يَكُنْ مُؤَدِّبًا بَلْ مُنْتَصِرًا.\nوَسُئِلَ أَحْمَدُ ﵀ عَنْ ضَرْبِ المُعَلِّمِ الصِّبْيَانَ؛ فَقَالَ: \"عَلَى قَدْرِ ذُنُوبِهِم، وَيَتَوَقَّى بِجُهْدِهِ الضَّرْبَ، وَإِذَا كَانَ صَغِيرًا لَا يَعْقِلُ؛ فَلَا يَضْرِبْهُ\" (^١).\nوَاليَتِيمُ يَجُوزُ لِكَافِلِهِ أَنْ يَضْرِبَهُ، لِحَدِيثِ شُمَيسَةَ العَتَكِيَّةِ؛ قَالَتْ: ذُكِرَ أَدَبُ اليَتِيمِ عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂، فَقَالَتْ: (إِنِّي لأَضْرِبُ اليَتِيمَ حَتَّى يَنْبَسِطَ) (^٢).\nوَلَا يَزِيدُ المُرَبِّي فِي ضَرْبِهِ عَنْ عَشْرِ ضَرْبَاتٍ، لِمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ أَبِي بُرْدةَ ﵁ مَرْفُوعًا: «لَا يُجْلَدُ فَوقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ» (^٣).\n_________\n(^١) المُغْنِي (٥/ ٣٩٧).\n(^٢) صَحِيحٌ. الأَدَبُ المُفْرَدُ (١٤٢). صَحِيحُ الأَدَبِ المُفْرَدِ (١٠٥).\nوَمَعْنَى (حَتَّى يَنْبَسِطَ) أَي: حَتَّى يَمْتَدَّ وَيَنْبَطِحَ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الاسْتِيَاءِ، وَهَذَا الضَّرْبُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الإِحْسَانِ إِلَيهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّرْبِيَةِ وَالأَدَبِ.\n(^٣) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦٨٤٨)، وَمُسْلِمٌ (١٧٠٨).","vol":"2","page":502},{"text":"<span data-type='title' id=toc-460>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-461> المَسْأَلَةُ الأُولَى: قَولُهُ: «يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ» يُشْكِلُ مَعَ حَدِيثِ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيرِ الشُّهَدَاءِ؟ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا»</span> (^١)! فَمَا الجَوَابُ؟\nالجَوَابُ:\nإِنَّ المَقْصُودَ بِحَدِيثِ البَابِ تَعْظِيمُ جَنَابِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنْ لَا يُكْثِرَ مِنَ الحَلِفِ بِاللهِ، فَهَؤُلَاءِ يَشْهَدُونَ دُونَ أَنْ تُطْلَبَ مِنْهُمُ الشَّهَادَةُ، بَلْ يُبَادِرُونَ إِلَيهَا، فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى اسْتِخْفَافِهِم بِالشَّهَادَةِ وَعَلَى مُسَارَعَتِهِم إِلَيهَا لِقِلَّةِ دِينِهِم وَقِلَّةِ أَمَانَتِهِم، وَأَمَّا الحَدِيثُ الآخَرُ فَمَعْنَاهُ هُوَ مَدْحُ مَنْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ لِإِنْسَانٍ بِحَقٍ لَا يَعْلَمُ بِهِ إِلَّا هُوَ؛ فَيَأْتِي إِلَيهِ فَيُخْبِرُهُ بِهَا (^٢).\n_________\n(^١) مُسْلِمٌ (١٧١٩) عَنْ زَيدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ مَرْفُوعًا.\n(^٢) قُلْتُ: فَمَعْنَاهُ حِرْصُهُ عَلَى حُقُوقِ المُسْلِمِينَ.","vol":"2","page":503},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-462> المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي حَدِيثِ البُخَارِيِّ: «خَيرُ النَّاسِ قَرْنِي»، قَدْ وَرَدَ فِي نُصُوصٍ أُخَرَ صَحِيحَةٍ قَولُهُ: «إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ زَمَانَ صَبْرٍ؛ للمُتَمَسِّكِ فِيهِ أَجْرُ خَمْسِينَ شَهِيدًا»،</span> فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مِنَّا أَو مِنْهُمْ؟ قَالَ: «مِنْكُمْ» (^١). فَمَا التَّوفِيقُ؟\nالجَوَابُ هُوَ مِنْ وَجْهَينِ:\n١ - أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ زِيَادَةِ الأَجْرِ فِي العَمَلِ زِيَادَةُ الفَضْلِ، أَي: أَنَّ الفَضْلَ الأَكْبَرَ هُوَ قَطْعًا لِلصَّحَابَةِ، وَلَكِنْ مِنَ النَّاسِ مَنْ قَدْ يُؤْجَرُ عَلَى فِعْلٍ مَا أَكْثَرَ مِمَّا يُؤْجَرُونَ هُمْ عَلَى نَفْسِ الفِعْلِ، كَالحَدِيثِ السَّابِقِ.\n٢ - أَنَّ هَذَا الأَجْرَ لَيسَ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا هُوَ مُقيَّدٌ بِأُمُورٍ هِيَ: (ذَلِكَ الزَّمَنُ، وَذَلِكَ الصَّبْرُ، وَتِلْكَ الشِّدَّةُ)، بَينَمَا فَضْلُ الصَّحَابَةِ دَائِمٌ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ.\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ (١٠/ ١٨٢) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا. اُنْظُرِ التَّعْلِيقَ عَلَى حَدِيثِ الصَّحِيحَةِ (٤٩٤).","vol":"2","page":504},{"text":"بَابُ مَا جَاءَ فِي ذِمَّةِ اللهِ وَذِمَّةِ نَبِيِّهِ\nوَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الأَيمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النَّحْل: ٩١].\nعَنْ بُرَيدَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيشٍ أَو سَرِيَّةٍ أَوصَاهُ بِتَقْوَى اللهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ خَيرًا؛ فَقَالَ: «اُغْزُوَا بِسْمِ اللهِ، فِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ.\nاُغْزُوَا، وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا.\nوَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ؛ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ أَو خِلَالٍ، فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ.\nثُمَّ اُدْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ (^١)؛ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، ثُمَّ اُدْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ المُهَاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ؛ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيهِمْ مَا عَلَى المُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا؛ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ المُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيهِمْ حُكْمُ اللهِ تَعَالَى وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الغَنِيمَةِ وَالفَيءِ شَيءٌ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ المُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوا؛ فَاسْأَلْهُمُ الجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكَفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوا؛ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ.\nوَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ؛ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ؛ فَلَا تَجْعَلْ\n_________\n(^١) وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَه (٢٨٥٨) بِحَذْفِ (ثُمَّ)، وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ (١٦١٧) (الوَاوُ) بَدَلَ (ثُمَّ).","vol":"2","page":505},{"text":"لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ؛ فَإِنَّكُمْ أَنْ تَخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تَخْفِرُوا ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ.\nوَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ؛ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ؛ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ فِيهِمْ حُكْمَ اللهِ أَمْ لَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).\n_________\n(^١) مُسْلِمٌ (١٧٣١).","vol":"2","page":506},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: الفَرْقُ بَينَ ذِمَّةِ اللهِ وَذِمَّةِ نَبِيِّهِ؛ وَذِمَّةِ المُسْلِمِينَ.\nالثَّانِيَةُ: الإِرْشَادُ إِلَى أَقَلِّ الأَمْرَينِ خَطَرًا.\nالثَّالِثَةُ: قَولُهُ: «اُغْزُوَا بِسْمِ اللهِ، فِي سَبِيلِ اللهِ».\nالرَّابِعَةُ: قَولُهُ: «قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ».\nالخَامِسَةُ: قَولُهُ: «اسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ».\nالسَّادِسَةُ: الفَرْقُ بَينَ حُكْمِ اللهِ وَحُكْمِ العُلَمَاءِ.\nالسَّابِعَةُ: فِي كَونِ الصَّحَابِيِّ يَحْكُمُ عِنْدَ الحَاجَةِ بِحُكْمٍ لَا يَدْرِي أَيُوَافِقُ حُكْمَ اللهِ أَمْ لَا؟","vol":"2","page":507},{"text":"<span data-type='title' id=toc-465>الشَّرْحُ</span>\n- العَهْدُ هُنَا هُوَ إِبْرَامُ العَقْدِ مَعَ اليَمِينِ، وَالمُسْلِمُ مَأْمُورٌ بِعَدَمِ نَقْضِهِ.\n- وَجْهُ مُنَاسَبَةِ البَابِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ هُوَ مِنْ جِهَتَينِ:\n١ - أَنَّ نَقْضَ العَهْدِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ تَعْظِيمِ مَنْ جُعِلَ العَهْدُ مَنُوطًا بِهِ، فَكَمَا أَنَّ كَثْرَةَ الحَلِفِ تَدُلُّ عَلَى عَدِمِ التَّعْظِيمِ؛ فَكَذَلِكَ نَقْضُ مَنْ جُعِلَ عَهْدُهُ بِاللهِ يَدُلُّ عَلَى عَدِمِ التَّعْظِيمِ، فَهُوَ مُشَابِهٌ لِلبَابِ المَاضِي مِنْ هَذِهِ الجِهَةِ.\nوَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى فِيهَا: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيكُمْ كَفِيلًا﴾ لِأَنَّ مَنْ أَعْطَى اليَمِينَ بِاللهِ؛ فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَكَّدَ وَفَاءَهُ بِهَذَا الشَّيءِ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ؛ فَكَانَ لِهُ بِمَثَابَةِ الكَفِيلِ، فَنَقْضُهُ لِلعَهْدِ هَذَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِهَانَتِهِ بِهِ.\n٢ - أًنَّ نَقْضَ العَهْدِ هُوَ مِنْ خِصَالِ المُنَافِقِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ» (^١).\n- الذِّمَّةُ: هِيَ العَهْدُ؛ وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُلْتَزَمُ بِهَا كَمَا يَلْتَزِمُ صَاحِبُ الدَّينِ بِدَينِهِ فِي ذِمَّتِهِ، وَأُضِيفَ العَهْدُ هُنَا إِلَى اللهِ لِتَشْرِيفِهِ.\n- السَّرِيَّةُ: هِيَ الخَيلُ تَبْلُغُ أَرْبَعمَائَةٍ وَنَحْوَهَا، وَسُمِّيَتْ سَرِيَّةً لِأَنَّهَا تَسْرِي بِالليلِ (^٢).\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٣٤)، وَمُسْلِمٌ (٥٨) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَمْرو مَرْفُوعًا.\n(^٢) قَالَ الثَّعَالِبِيُّ ﵀: \"أَقلُّ العَسَاكِرِ:\nالجَرِيدَةُ: وهي قِطْعَة جُرِّدَتْ مِنْ سَائِرِهَا لِوَجْهٍ،\nثُمَّ السَّرِيَّةُ: وَهِيَ مِنْ خَمْسِينَ إِلَى أَرْبَعْمائةٍ،\n=","vol":"2","page":508},{"text":"- قَولُهُ: «أَوصَاهُ بِتَقْوَى اللهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ خَيرًا» فِيهِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ تَوَلَّى أَمْرًا مِنْ أُمُورِ المُسْلِمِينَ أَنْ يَسْلُكَ بِهِم الأَخْيَرَ؛ بِخِلَافِ عَمَلِ الإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ.\n- قَولُهُ: «اُغْزُوَا بِسْمِ اللهِ، فِي سَبِيلِ اللهِ» أَي اشْرَعُوا فِي فِعْلِ الغَزْوِ مُسْتَعِينِينَ بِاللهِ مُخْلِصِينَ لَهُ، فَالبَاءُ فِي «بِسْمِ اللهِ» هُنَا لِلاسْتِعَانَةِ.\n- قَولُهُ: «قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ» هَذَا العُمُومُ يَشْمَلُ جَمِيعَ أَهْلِ الكُفْرِ المُحَارِبِينَ، عَدَا مَنْ لَهُ عَهْدٌ وَأَيضًا الرُّهْبَانَ وَالنِّسْوَانَ، وَمَنْ لَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ، وَالشُّيُوخَ؛ إِلَّا مَنْ كَانَ لَهُ مِنْهُم رَأْيٌ وَتَدْبِيرٌ (^١).\n- قَولُهُ: «وَلَا تَغُلُّوا» الغُلُولُ: أَنْ يَكْتُمَ المُجَاهِدُ شَيئًا مِنَ الغَنِيمَةِ فَيَخْتَصَّ بِهِ، وَهُوَ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ [آل عِمْرَان: ١٦١] أَي: مُعَذَّبًا بِهِ.\n- قَولُهُ: «وَلَا تَغْدِرُوا» وَهَذَا إِذَا عَاهَدَنَا، أَمَّا الغَدْرُ بِلَا عَهْدٍ فَجَائِزُ؛ لِأَنَّ «الحَرْبَ خَدْعَةٌ» كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ (^٢).\n- قَولُهُ: «وَلَا تُمَثِّلُوا» التَّمْثِيلُ هُوَ التَّشْوِيهُ بِقَطْعِ بَعْضِ الأَعْضَاءِ، وَلَا يَجُوزُ إِلَّا\n_________\n=\nثُمَّ الكَتِيبَةُ: وهِيَ مِن أرْبَعِمَائَةٍ إِلَى الأَلْفِ،\nثُمَّ الجَيشُ: وهُوَ مِنْ ألْفٍ إِلَى أرْبَعَةِ آلَافٍ، وَكَذَلِكَ الفَيلَقُ والجَحْفَلُ،\nثُمَّ الخَمِيسُ: وهوَ مِنْ أرْبَعَةِ آلَافٍ إِلَى اثْنَي عَشَرَ الفًا، والعَسْكَرُ يَجمَعُهَا\". فِقْهُ اللُّغَةِ (ص ١٥٦).\n(^١) وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ وُجُوبُ قِتَالِ الكُفَّارِ؛ وَأَنَّ عِلَّةَ قِتَالِهِم الكُفْرُ، وَلَيسَ المَعْنَى أَنَّهُ لَا يُقَاتَلُ إِلَّا مَنْ كَفَرَ! بَلِ الكُفْرُ سَبَبٌ لِلقِتَالِ، وَمَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ أَيضًا يُقَاتَلُ، وَإِذَا تَرَكَ أَهْلُ بَلَدٍ شَعَائِرَ الإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ كَصَلَاةِ العِيدِ مَثَلًا قُوتِلُوا، وَكَذَا مَنْ تَرَكَ الأَذَانَ وَالإِقَامَةَ -مَعَ أَنَّهُم لَا يَكْفُرُونَ بِذَلِكَ-، وَأَيضًا إِذَا اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ وَأَبَتْ إِحْدَاهُمَا أَنْ تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ؛ قُوتِلَتْ، فَالقِتَالُ لَهُ أَسْبَابٌ مُتَعَدِّدَةٌ غَيرُ الكُفْرِ.\n(^٢) البُخَارِيُّ (٣٠٣٠)، وَمُسْلِمٌ (١٧٣٩) عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا.","vol":"2","page":509},{"text":"إِنْ مَثَّلَ المُشْرِكُونَ بِالمُسْلِمِينَ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ حَدِيثُ العُرَنِيِّينَ (^١).\nوَهَذَا يَكُونُ مِنْ بَابِ المُعَاقَبَةِ بِالمِثْلِ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى قُوَّةٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الشَّهْرُ الحَرَامُ بِالشَّهْرِ الحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ [البَقَرَة: ١٩٤].\n- قَولُهُ: «ثُمَّ اُدْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ» أَكْثَرُ نُسَخِ مُسْلِمٍ عَلَى إِثْبَاتِ (ثُمَّ)؛ وَالصَّوَابُ إِسْقَاطُهَا كَمَا فِي غَيرِهَا مِنَ الرِّوَايَاتِ، وَلِأَنَّ الدَّعْوَةَ هِيَ إِحْدَى الخِصَالِ الثَّلَاثِ (^٢).\n- قَولُهُ: «إِلى دَارِ المُهَاجِرِينَ» المُرَادُ بِهِ تَحَوُّلُ أَهْلِ البَوَادِي الَّذِينَ أَسْلَمُوا إِلَى دَارِ الإِسْلَامِ، وَفِي ذَلِكَ الوَقْتِ كَانَتِ الدَّارُ هِيَ المَدِينَةُ النَّبَوِيَّةُ.\n- قَولُهُ: «فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيهِمْ مَا عَلَى المُهَاجِرِينَ» فَلَهُمْ مَا لِلمُهَاجِرِينَ مِنَ الغَنِيمَةِ وَالفَيءِ، وَعَلَيهِم مَا عَلَيهِم مِنَ الجِهَادِ وَالنُّصْرَةِ.\n- قَولُهُ: «وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الغَنِيمَةِ وَالفَيءِ شَيءٌ» الغَنِيمَةُ: مِا أُخِذَ مِنْ أَمْوَالِ\n_________\n(^١) وَلَفْظُهُ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَينَةَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ المَدِينَةَ، فَاجْتَوَوهَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَخْرُجُوا إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَتَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا»، فَفَعَلُوا، فَصَحُّوا، ثُمَّ مَالُوا عَلَى الرِّعَاءِ، فَقَتَلُوهُمْ وَارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلَامِ، وَسَاقُوا ذَودَ رَسُولِ اللهِ ﷺ! فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ؛ فَبَعَثَ فِي أَثَرِهِمْ فَأُتِيَ بِهِمْ، فَقَطَعَ أَيدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ، وَتَرَكَهُمْ فِي الحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢٣٣)، وَمُسْلِمٌ (١٦٧١).\nوَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ؛ قَالَ أَنَسُ: (إِنَّمَا سَمَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَعْيُنَ أُولَئِكَ لِأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ).\nوَ(عُرَينَةُ): حَيٌّ مِنْ بُجَيلَةَ مِنْ قَحْطَانَ.\nوَ(فَاجْتَوَوهَا): مَعْنَاهُ اسْتَوخَمُوهَا؛ وَلَمْ تُوَافِقْهُم لِسَقَمٍ أَصَابَهُم.\nوَ(سَمَلَ أَعْيُنَهُم): فَقَأَهَا.\n(^٢) المُفْهِمُ بِشَرْحِ مُسْلِمٍ (٣/ ٥١٣).","vol":"2","page":510},{"text":"الكُفَّارِ بِقِتَالٍ، أَمَّا الفَيءُ فَهُوَ مَا أُخِذَ مِنْ أَمْوَالِ الكُفَّارِ بِغَيرِ قِتَالٍ (^١).\n- قَولُهُ: «الجِزْيَة» هو مِنْ جَزَى يَجْزِي، وَظَاهِرُهَا أَنَّها مُكَافَأَةٌ عَلَى شِيءٍ، وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ مَالٍ مَدْفُوعٍ مِنْ غَيرِ المُسْلِمِ عِوَضًا عَنْ حِمَايَتِهِ وَإِقَامَتِهِ بِدَارِنَا، وَالذِّمِّيُّ مَعْصُومٌ مَالُهُ وَدَمُّهُ وَذُرِّيَّتُهُ مُقَابِلَ الجِزْيَةِ.\nوَأَمَّا صِفَةُ أَدَاءِ الجِزْيَةِ؛ فَهِيَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التَّوبَة: ٢٩] أَي: يُسَلِّمُوهَا بِأَيدِيهِم؛ فَلَا يُقْبَلُ أَنْ يُرْسِلَ بِهَا الذِّمِّيُّ خَادِمَهُ أَو ابْنَهُ! بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا هُوَ نَفْسُهُ بِهَا.\n- قَولُهُ: «اسْتَعِنْ بِاللهِ» دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الاسْتِعَانَةِ بِاللهِ تَعَالَى وَعَدَمِ الاغْتِرَارِ بِالقُوَّةِ أَوِ الكَثْرَةِ، فَالاعْتِمَادُ عَلَيهَا سَبَبٌ لِلهَزِيمَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ حُنَينٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيئًا وَضَاقَتْ عَلَيكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التَّوبَة: ٢٥].\n- قَولُهُ: «فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ» وَذَلِكَ خَشْيَةَ نَقْضِ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ حَقَّ الوَفَاءِ بِالعَهْدِ مِنَ المُسْلِمِينَ -كَجُمْلَةِ الأَعْرَابِ مَثَلًا-، أَو لِعَارِضٍ خَارِجٍ عَنْ طَاقَتِهِ؛ فَيَقَعُ النَّقْضُ!\nوَالمَعْنَى العَامُّ: أَنَّهُ إِنْ وَقَعَ نَقْضٌ؛ فَنَقْضُ عَهْدِ الخَلْقِ أَهْوَنُ مِنْ نَقْضِ عَهْدِ اللهِ تَعَالَى، كَمَا فِي قَولِ المُصَنِّفِ ﵀ فِي المَسَائِلِ: \"الإِرْشَادُ إِلَى أَقَلِّ الأَمْرَينِ خَطَرًا\".\n- قَولُهُ: «وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ» هَذَا فِيمَا لَيسَ عِنْدَهُ فِيهِ نَصٌّ لِأَنَّهُ مَوضِعُ اجْتِهَادٍ، وَبَيَانُهُ فِي تَتِمَّةِ قَولِهِ: «فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ فِيهِمْ حُكْمَ اللهِ أَمْ لَا».\n_________\n(^١) وَعَلَيهِ أَكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ، أَفَادَهُ الشَّنْقِيطِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (أَضْوَاءُ البَيَانِ) (٢/ ٥٤).","vol":"2","page":511},{"text":"- لِلمُشْرِكِينَ مَعَ المُسْلِمِينَ ثَلَاثُ حَالَاتٍ (^١):\n١ - أَنْ لَا يَكُونَ بَينَنَا وَبَينَهُم عَهْدٌ؛ فَيَجِبُ قِتَالُهُم بَعْدَ دَعْوَتِهِم إِلَى الإِسْلَامِ وِإِبَائِهِم عَنْهُ وَعَنْ بَذْلِ الجِزْيَةِ، وَلَكِنْ بِشَرْطِ قُدْرَتِنَا عَلَى ذَلِكَ.\n٢ - أَنْ يَكُونَ بَينَنَا وَبَينَهُم عَهْدٌ مَحْفُوظٌ يَسْتَقِيمُونَ فِيهِ (^٢)؛ فَهُنَا يَجِبُ الوَفَاءُ لَهُمْ بِعَهْدِهِم، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ [التَّوبَة: ٧]، وَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ [التَّوبَة: ٤].\n٣ - أَنْ يَكُونَ بَينَنَا وَبَينَهُم عَهْدٌ نَخَافُ خِيَانَتَهُم فِيهِ؛ فَهُنَا يَجِبُ أَنْ نَنْبِذَ إِلَيهِم العَهْدَ وَنُخْبِرَهُمْ أنَّهُ لَا عَهْدَ بَينَنَا، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾ [الأَنْفَال: ٥٨] (^٣).\n- قَولُهُ: «أَنْ تَخْفِرُوا» أَي: تَغْدِرُوا وَتَنْقُضُوا.\n- الهِجْرَةُ الشَّرْعِيَّةُ تُطْلَقُ عَلَى الانْتِقَالِ مِنْ بِلَادِ الكُفْرِ إِلَى بِلَادِ المُسْلِمِينَ مِنْ أَجْلِ حِفْظِ الدَّينِ (^٤).\nوَالهِجْرَةُ بَاقِيَةٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «لَا تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ حَتَّى\n_________\n(^١) القَولُ المُفِيدُ (٢/ ٤٨٠).\n(^٢) أَي: يُحَافِظُونَ عَلِيهِ.\n(^٣) قَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (ص ٣٢٤): \" ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ أَي: حَتَّى يَسْتَوِي عِلْمُكَ وَعِلْمُهُم بِذَلِكَ، وَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَغْدِرَهُم أَو تَسْعَى فِي شَيءٍ مِمَّا مَنَعَهُ مُوجِبُ العَهْدِ حَتَّى تُخْبِرَهُم بِذَلِكَ\"\n(^٤) وَإِنْ كَانَتْ أَيضًا قَدْ تَقَعُ مِنْ بِلَادِ الكُفْرِ إِلَى بِلَادِ الكُفْرِ أَيضًا؛ وَلَكِنْ بِفَارِقِ الأَمْنِ -إِذَا عُدِمَتْ بِلَادُ الإِسْلَامِ- كَمَا فِي هِجْرَةِ الحَبَشَةِ.","vol":"2","page":512},{"text":"تَنْقَطِعَ التَّوبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» (^١).\nوَأَمَّا قَولُهُ ﷺ: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ؛ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ» (^٢) فَالمُرَادُ بِهِ: الهِجْرَةُ مِنْ مَكَّةَ، لِأَنَّهَا بَعْدَ الفَتْحِ صَارَتْ دَارَ إِسْلَامٍ، وَأَمَّا الهِجْرَةُ مِنْ بِلَادِ الكُفْرِ إِلَى بِلَادِ الإِسْلَامِ فَهِي بَاقِيَةٌ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، وَإِذَا كَانَتِ البِلَادُ بِلَادًا إِسْلَامِيَّةً فَالانْتِقَالُ مِنْهَا إِلَى بَلَدٍ أَفْضَلَ مِنْهَا مُسْتَحَبٌّ (^٣).\n- قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِينَ ﵀ مُعَلِّقًا عَلَى قَولِ المُصَنِّفِ ﵀: (الفَرْقُ بَينَ ذِمَّةِ اللهِ وَذِمَّةِ نَبِيِّهِ وَذِمَّةِ المُسْلِمِينَ): \"لَو قَالَ: الفَرْقُ بَينَ ذِمَّةِ اللهِ وَذِمَّةِ نَبِيِّهِ وَبَينَ ذِمَّةِ المُسْلِمِينَ؛ لَكَانَ أَوْضَحَ، لِأَنَّكَ عِنْدَمَا تَقْرَأُ كَلَامَهُ تَظُنُّ أَنَّ الفُرُوقَ بَينَ الثَّلَاثَةِ كُلِّهَا، وَلَيسَ كَذَلِكَ! فَإِنَّ ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ وَاحِدَةٌ، وَإِنَّمَا الفَرْقُ بَينَهُمَا وَبَينَ ذِمَّةِ المُسْلِمِينَ.\nوَالفَّرْقُ أَنَّ جَعْلَ ذِمَّةِ اللهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ لِلْمُحَاصِرِينَ مُحَرَّمَةٌ، وَجَعْلَ ذِمَّةِ المُحَاصِرِينَ -بِكَسْرِ الصَّادِ- ذِمَّةٌ جَائِزَةٌ\" (^٤).\n- فَائِدَةٌ: ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ ﵀ -وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى- إِلَى أَنَّ أَخْذَ الجِزْيَةِ خَاصٌّ بِأَهْلِ الكِتَابِ وَبِالمَجُوسِ فَقَط مِنَ العَرَبِ وَمِنَ العَجَمِ، وَأَمَّا مَنْ عَدَاهُم مِنَ المُشْرِكِينَ فَلَا تُقْبَلُ مِنْهُم جِزْيَةٌ، وَبَعْضُهُم كَالإِمَامِ مَالِكٍ تَوَسَّعَ فَجَعَلَهَا مِنْ كُلِّ المُشْرِكِينَ (^٥).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٢٤٧٩) عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٧٤٦٩).\n(^٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢٧٨٣)، وَمُسْلِمٌ (١٣٥٣) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا.\n(^٣) إِعَانَةُ المُسْتَفِيدِ (٢/ ٤١٠).\n(^٤) القَولُ المُفِيدُ (٢/ ٤٩٤).\n(^٥) رَاجِعْ تَفْسِيرَ ابْنِ كَثِيرٍ (٤/ ١٣٢).\n=","vol":"2","page":513},{"text":"<span data-type='title' id=toc-466>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-467> مَسْأَلَةٌ: مَا الجَوَابُ عَنْ ظَاهِرِ التَّعَارُضِ بَينَ الآيَةِ فِي البَابِ، وَبَينَ النُّصُوصِ الَّتِي فِيهَا إِبَاحَةُ نَقْضِ اليَمِينِ مَعَ الكَفَّارَةِ!</span> كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَينَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٤] (^١)، وَكَقَولِهِ تَعَالَى أَيضًا: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المَائِدَة: ٨٩]، وَكَقَولِهِ ﵊: «وَاللَّهِ -إِنْ شَاءَ اللهُ- لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا؛ إِلَّا أَتَيتُ الَّذِي هُوَ خَيرٌ، وَتَحَلَّلْتُهَا» (^٢)؟\nالجَوَابُ: لَا تَعَارُضَ؛ وَذَلِكَ مِنْ وَجْهَينِ:\n١ - أَنَّ هَذِهِ الأَيمَانَ الَّتِي لَا يَجُوزُ نَقْضُهَا هِيَ الأَيمَانُ الدَّاخِلَةُ فِي العُهُودِ وَالمَوَاثِيقِ، لَا الأَيمَانَ الوَارِدَةَ عَلَى حَثٍّ أَو مَنْعٍ؛ فَالَّذِي نَهَى عَنْ نَقْضِ الأَوَّلِ هُوَ الَّذِي حَضَّ عَلَى نَقْضِ الثَّانِي.\n_________\n=\nقُلْتُ: وَلَعَلَّ الأَوَّلَ هُوَ الأَرْجَحُ، وَيُشِيرُ لِذَلِكَ حَدِيثُ البُخَارِيِّ (٣١٥٦) عَنْ بَجَالَةَ وَفِيهِ: (وَلَمْ يَكُنْ عُمَرُ أَخَذَ الجِزْيَةَ مِنَ المَجُوسِ حَتَّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوفٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ) فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى التَّخْصِيصِ وَعَدَمِ العُمُومِ أَصْلًا.\nقَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ ﵀: \"فَأَجْمَعَ الفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِن أَهْلِ الكِتَابِ وَمِنَ المَجُوسِ\". أَحْكَامُ أَهْلِ الذِّمَّةِ (١/ ٧٩).\n(^١) قَالَ العَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀: \"أَي: لَا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ عَلَى فِعْلِ الخَيرِ؛ فَإِذَا قِيلَ لَكُمُ: اتَّقُوا وَبَرُّوا، وَأَصْلِحُوا بَينَ النَّاسِ؛ قُلْتُمْ: حَلَفْنَا بِاللَّهِ لَا نَفْعَلُ ذَلِكَ؛ فَتَجْعَلُوا الحَلِفَ بِاللَّهِ سَبَبًا لِلِامْتِنَاعِ مِنْ فِعْلِ الخَيرِ! \". أَضْوَاءُ البَيَانِ (٥/ ٤٨٧).\n(^٢) البُخَارِيُّ (٣١٣٣)، وَمُسْلِمٌ (١٦٤٩) عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا.","vol":"2","page":514},{"text":"٢ - أَنَّ النَّقْضَ فِي الأَوَّلِ فِيهِ إِشَارَةٌ لِلْتَهَاوُنِ فِي حَقِّ اللهِ؛ وَأَمَّا النَّقْضُ فِي الثَّانِي فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَزِيدٍ مِنَ التَّعْظِيمِ، لِأَنَّ سَبَبَهُ هُوَ الانْتِقَالُ إِلَى مَا كَانَ خَيرًا مِنَ الأَوَّلِ. وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ.","vol":"2","page":515},{"text":"بَابُ مَا جَاءَ فِي الإِقْسَامِ عَلَى اللهِ\nعَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «قَالَ رَجُلٌ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللهُ لِفُلَانٍ، فَقَالَ اللهُ ﷿: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ؟! إِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).\nوَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ القَائِلَ رَجُلٌ عَابِدٌ، قَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: (تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ) (^٢).\n_________\n(^١) مُسْلِمٌ (٢٦٢١).\n(^٢) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٤٩٠١). صَحِيحُ الجَامِعِ (٤٤٥٥).\nوَتَمَامُ الحَدِيثِ: «كَانَ رَجُلَانِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مُتَآخِيَينِ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا يُذْنِبُ وَالآخَرُ مُجْتَهِدٌ فِي العِبَادَةِ، فَكَانَ لَا يَزَالُ المُجْتَهِدُ يَرَى الآخَرَ عَلَى الذَّنْبِ فَيَقُولُ: أَقْصِرْ، فَوَجَدَهُ يَومًا عَلَى ذَنْبٍ؛ فَقَالَ لَهُ: أَقْصِرْ. فَقَالَ: خَلِّنِي وَرَبِّي؛ أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيبًا؟! فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللهُ لَكَ -أَو لَا يُدْخِلُكَ اللهُ الجَنَّةَ-. فَقَبَضَ أَرْوَاحَهُمَا، فَاجْتَمَعَا عِنْدَ رَبِّ العَالَمِينَ، فَقَالَ لِهَذَا المُجْتَهِدِ: أَكُنْتَ بِي عَالِمًا؟ أَو كُنْتَ عَلَى مَا فِي يَدِي قَادِرًا؟ وَقَالَ لِلْمُذْنِبِ: اذْهَبْ؛ فَادْخُلِ الجَنَّةَ بِرَحْمَتِي. وَقَالَ لِلآخَرِ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ». قَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ.","vol":"2","page":516},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأَولَى: التَّحْذِيرُ مِنَ التَّأَلِّي عَلَى اللهِ.\nالثَّانِيَةُ: كَونُ النَّارِ أَقْرَبَ إِلَى أَحَدِنَا مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ.\nالثَّالِثَةُ: أَنَّ الجَنَّةَ مِثْلُ ذَلِكَ.\nالرَّابِعَةُ: فِيهِ شَاهِدٌ لِقَولِهِ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ» إِلَى آخِرِهِ.\nالخَامِسَةُ: أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يُغْفَرُ لَهُ بِسَبَبٍ هُوَ مِنْ أَكْرَهِ الأُمُورِ إِلَيهِ!","vol":"2","page":517},{"text":"<span data-type='title' id=toc-470>الشَّرْحُ</span>\n- الإِقْسَامُ عَلَى اللهِ: هُوَ الحَلَفِ عَلَى اللهِ، وَيَتَأَلَّى أَي: يَحْلِفُ (^١)، وَمِنْهُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٦] (^٢).\n- مُنَاسَبَةُ التَّرْجَمَةِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ: أَنَّ مَنْ تَأَلَّى عَلَى اللهِ ﷿؛ فَقَدْ أَسَاءَ الأَدَبَ مَعَهُ، وَتَجَرَّأَ عَلَيهِ، وَزَعَمَ التَّحَكُّمَ فِي أَفْعَالِهِ تَعَالَى! فَالتَّأَلِّي عَلَى العَظِيمٌ تَنَقُّصٌ لِعَظَمَتِهِ.\nوَيَزْدَادُ الأَمْرُ سُوءًا إِذَا انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ مُخَالَفَةُ مَا عُلِمَ مِنْ صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى وَأَفْعَالِهِ، وَفِي الحَدِيثِ هُنَا جَاءَ التَّأَلِّي عَلَى اللهِ مُضَافًا إِلَيهِ حَجْرُ فَضْلِهِ تَعَالَى، وَتَقْنِيطُ عِبَادِهِ مِنْ رَحْمَتِهِ!\n- القَسَمُ عَلَى اللهِ تَعَالَى ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ (^٣):\n١ - أَنْ يُقْسِمَ عَلَى مَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ مِنْ نَفْي أَو إِثْبَاتٍ؛ فَهَذَا جَائِزٌ، وَهُوَ\n_________\n(^١) قَالَ فِي القَامُوسِ المُحِيطِ (ص ١٢٦٠): \"آلَى وَائْتَلَى وَتَأَلَّى: أَقْسَمَ\".\n(^٢) قَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (ص ١٠١): \"وَهَذَا مِنَ الأَيمَانِ الخَاصَّةِ بِالزَّوجَةِ فِي أَمْرٍ خَاصٍّ، وَهُوَ حَلِفُ الزَّوجِ عَلَى تِرْكِ وَطْءِ زَوجَتِهِ\".\nوَفِي الآيَةِ تَعْدِيَةُ الإِيلَاءِ بِـ (مِنْ) لِتَضَمُّنِ مَعْنَى البُعْدِ، فَصَارَ بِمَعْنَى: يَبْعُدُونَ مِنْ نِسَائِهِم مُؤْلِينَ أَو مُقْسِمِينَ.\n(^٣) القَولُ المُفِيدُ (٢/ ٤٩٧).","vol":"2","page":518},{"text":"دَلِيلٌ عَلَى يِقَينِهِ بِمَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، كَقَولِ القَائِلِ: \"وَاللهِ؛ لَيُشَفِّعَنَّ اللهُ نَبِيَّهُ فِي الخَلْقِ يَومَ القِيَامَةِ\"، وَكَقَولِ: \"وَاللهِ؛ لَا يَغْفِرُ اللهُ لِمَنْ أَشْرَكَ بِهِ\" (^١).\n٢ - أَنْ يُقْسِمَ عَلَى رَبِّهِ لِقُوَّةِ رَجَائِهِ وَحُسْنِ ظَنِّهِ بِهِ؛ فَهَذَا جَائِزٌ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَو أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ» (^٢) (^٣).\n٣ - أَنْ يَكُونَ الحَامِلَ لَهُ هُوَ الإِعْجَابُ بِالنَّفْسِ، وَحَجْرُ فَضْلِ اللهِ ﷿، وَسُوءُ الظَّنِّ بِهِ تَعَالَى! فَهَذَا مُحَرَّمٌ، وَهُوَ وَشِيكٌ بِأَنْ يُحْبِطَ اللهُ عَمَلَ هَذَا المُقْسِمِ.\n_________\n(^١) قُلْتُ: وَمِصْدَاقُهُ فِي عِلَّةِ النَّهْي فِي حَدِيثِ البَابِ: «أَكُنْتَ بِي عَالِمًا»؟!\n(^٢) وَتَمَامُ الحَدِيثِ كَمَا فِي البُخَارِيِّ (٢٧٠٣)، وَمُسْلِمٍ (١٦٣٥) عَنْ أَنَسِ بْنِ النَّضْرِ: أَنَّ الرُّبَيِّعَ -وَهِيَ ابْنَةُ النَّضْرِ- كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ، فَطَلَبُوا الأَرْشَ وَطَلَبُوا العَفْوَ؛ فَأَبَوا، فَأَتَوا النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَهُمْ بِالقصَاصِ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ يَا رَسُولَ اللهِ؟! لَا؛ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا. فَقَالَ: «يَا أَنَسُ؛ كِتَابُ اللهِ القِصَاصُ»، فَرَضِيَ القَومُ وَعَفَوا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَو أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ».\nوَالأَرْشُ: هُوَ دِيَّةُ الجِرَاحَةِ.\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١١/ ٥٤٣): \"وَقَولُهُ: «لَو أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ» أَي: لَو حَلَفَ يَمِينًا عَلَى شَيءٍ أَنْ يَقَعَ -طَمَعًا فِي كَرَمِ اللهِ بِإِبْرَارِهِ- لَأَبَرَّهُ وَأَوقَعَهُ لِأَجْلِهِ\".\n(^٣) وَالحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ رَجَاءِ المُقْسِمِ بِاللهِ تَعَالَى، وَعَلَى حُسْنِ ظَنَّهِ بِرَبِّهِ؛ أَنَّهُ تَعَالَى سَيُنْجِزُ لَهُ مَا طَلَبَهُ مِنْهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا اشْتُهِرَ عَنِ بَعْضِ المُتَصَوِّفَةِ مِنْ قَولِهِم عَنِ الأَولِيَاءِ الصَّالِحِينَ: \"إِنَّ للهِ عِبَادًا؛ إِذَا أَرَادُوا أَرَادَ\"!! فَهَذَا فِيهِ قِلَّةُ أَدَبٍ مَعَ اللهِ تَعَالَى -إِنْ لَمْ يَكُنْ كُفْرًا-، وَذَلِكَ لِجَعْلِ إِرَادَةِ اللهِ تَعَالَى تَابِعَةً وَمَحْكُومَةً لِإِرَادَةِ المَخْلُوقِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإِنْسَان: ٣٠].\nفَهَذَا الوَجْهُ جَازَ بِسَبَبِ مَعْرِفَةِ العَبْدِ بِمَا أَرْشَدَتْ إِلَيهِ عُمُومُ الشَّرِيعَةِ مِن صِفَاتِ اللهِ، وَجَزَاءِ مَن رَجَا وَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ، وَنَصْرِهِ لِأَوْلِيَائِهِ، وَخِذْلَانِهِ لِأَعْدَائِهِ.","vol":"2","page":519},{"text":"وَهَذَا النَّوعُ الأَخِيرُ هُوَ الَّذِي سَاقَ المُؤَلِّفُ الحَدَيثَ مِنْ أَجْلِهِ (^١).\n- فِي الحَدِيثِ دِلَالَةٌ عَلَى وُجُوبِ التَّحَفُّظِ -عِنْدَ إِنْكَارِ المُنْكَرِ- مِنَ الكَلَامِ الَّذِي يَكُونَ وَبَالًا عَلَى صَاحِبِهِ، لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ عِنْدَ إِنْكَارِهِ المُنْكَرَ قَدْ تَحْمِلُهُ الغَيرَةُ فَيَتَكَلَّمُ عَلَى العُصَاةِ وَالمُخَالِفِينَ بِكَلَامٍ لَا يَصِحُّ شَرْعًا؛ فَيُؤَاخَذُ بِهِ.\n- قَولُ المُصَنِّفِ ﵀ فِي المَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ: \"كَونُ النَّارِ أَقْرَبَ إِلَى أَحَدِنَا مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَأَنَّ الجَنَّةَ مِثْلُ ذَلِكَ\" يَقْصِدُ حَدِيثَ: «الجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ» (^٢).\n- قَولُ المُصَنِّفِ ﵀ فِي المَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ: \"فِيهِ شَاهِدٌ لِقَولِهِ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ» إِلَى آخِرِهِ\" يَقْصِدُ حَدِيثَ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ -لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا- يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ» (^٣).\n- قَولُ المُصَنِّفِ ﵀ فِي المَسْأَلَةِ الخَامِسَةِ: \"أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يُغْفَرُ لَهُ بِسَبَبٍ هُوَ مِنْ أَكْرَهِ الأُمُورِ إِلَيهِ\" يُرِيدُ أَنَّهُ بِسَبَبِ إِنْكَارِ ذَلِكَ العَابِدِ عَلَيهِ، وَالحَقِيقَةُ أَنَّ المَغْفِرَةَ حَصَلَتْ بِسَبَبِ رَحْمَةِ اللهِ لَهُ وَلَكِنْ جُعِلَ ذَلِكَ سَبَبًا مُبَاشِرًا في حُصُولِهَا.\nلَكِنَّ هَذِهِ المَسْأَلَةَ صَحِيحَةٌ مِنْ حَيثُ الجُمْلَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ القِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البَقَرَة: ٢١٦].\n_________\n(^١) وَبَوَّبَ عَلَيهِ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٤/ ٢٠٢٣): \"بَابُ النَّهْي عَنْ تَقْنِيطِ الإِنْسَانِ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ\".\n(^٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦٤٨٨) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا.\n(^٣) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٣١٤) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (١٦١٨).","vol":"2","page":520},{"text":"- فَائِدَةٌ: قَولُ الرَّجُلِ: \"مَا أَظُنُّ اللهَ ﷿ يَدَعُ فُلَانًا مِنَ العُقُوبَةِ\" هَذَا القَولُ لَا يَجُوزُ، وَيُخْشَى عَلَيهِ أَنْ يَكُونَ مِنَ المُتَأَلِّينَ عَلَى اللهِ تَعَالَى.\nقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ تَعْلِيقًا عَلَى حَدِيثِ البَابِ: \"وَفِيهِ دَلَالَةٌ لِمَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي غُفْرَانِ الذُّنُوبِ بِلَا تَوْبَةٍ إِذَا شَاءَ اللَّهُ غُفْرَانَهَا\" (^١).\n_________\n(^١) شَرْحُ النَّوَوِيِّ عَلَى مُسْلِمٍ (١٦/ ١٧٤).","vol":"2","page":521},{"text":"<span data-type='title' id=toc-471>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-472> المَسْأَلَةُ الأُولَى: مَا الأُمُورُ الَّتِي يَجِبُ مُرَاعَاتُهَا عِنْدَ الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ، أَو إِنْكَارِ المُنْكَرِ؟</span>\nالجَوَابُ:\n١ - العِلْمُ: وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ هَذَا الأَمْرُ مُنْكَرًا وَاضِحًا يَتَّفِقُ عَلَيهِ الجَمِيعُ، أَو فِيهِ خِلَافٌ ضَعِيفٌ غَيرُ مُعْتَبَرٍ (^١).\n٢ - القُدْرَةُ عَلَى تَغْيِيرِهِ: وَكُلُّ بِحَسْبِ طَاقَتِهِ وَوِلَايَتِهِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «مَا مِنْ قَومٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالمَعَاصِي؛ ثُمَّ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا ثُمَّ لَا يُغَيِّرُوا! إِلَّا يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ مِنْهُ بِعِقَابٍ» (^٢).\nوَلَكِنْ تُلَاحَظُ فِيهِ القُدْرَةُ عَلَى تَحَمُّلِ الأَذَى، وَكُلٌّ بِحَسْبِ طَاقَتِهِ، وَفِي الحَدِيثِ: «لَا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ! يَتَعَرَّضُ مِنَ البَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ» (^٣).\n_________\n(^١) وَأَيضًا أَنْ يَسْتَبِينَ كَونُ الأَمْرِ مُنْكَرًا فِي حَقِّ المُنْكَرِ عَلِيهِ بِدُونِ التِبَاسٍ، كَالإِنْكَارُ عَلَى امْرَأَةٍ تَأْكُلُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ لِعِلَّةِ حَيضِهَا؛ وَهُوَ أَمْرٌ خَفِيٌّ، أَوِ الإِنْكَارُ عَلَى رَجُلٍ يَأْكُلُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ لِعِلَّةِ سَفَرِهِ أَوْ مَرَضِهِ المُزْمِنِ كَالسُّكَّرِيِّ؛ وَهُوَ أَيضًا أَمْرٌ خَفِيٌّ؛ فَوَجَبَ الاحْتِيَاطُ وَالتَّثَبُّتُ.\n(^٢) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٣٣٨) عَنْ جَرِيرٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٣٣٥٣).\n(^٣) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٢٥٤) عَنْ حُذَيفَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٦١٣).\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ٢٥١): \"فَأَمَّا حَدِيثُ: «لَا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ» فَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُطِيقُ الأَذَى وَلَا يَصْبِرُ عَلَيهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَرَّضُ حِينَئِذٍ لِلأَمْرِ -وَهَذَا حَقٌّ-، وَإنَّمَا الكَلَامُ فِيمَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الصَّبْرَ، كَذَلِكَ قَالَهُ الأَئِمَّةُ؛ كَسُفْيَانَ وَأَحْمَدَ وَالفُضِيلِ بْنِ عِيَاضٍ وَغَيرِهِم\".\n=","vol":"2","page":522},{"text":"٣ - عَدَمُ الانْتِقَالِ إِلَى مُنْكَرٍ آخَرَ -مِثْلِهِ أَو أَشَدَّ-: وَلَكِنْ إِلَى مَعْرُوفٍ، أَو تَرْكٍ لِلمُنْكَرِ، أَو أَدْنَى مِنْهُ.\n٤ - الرِّفقُ: كَمَا فِي الحَدِيثِ: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيءٍ إِلَّا شَانَهُ» (^١).\n_________\n=\nوَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١٣/ ٥٣): \"قَالَ الطَّبَرِيُّ: اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ؛ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَجِبُ مُطْلَقًا، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ رَفَعَهُ: «أَفْضَلُ الجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ»، وَبِعُمُومِ قَولِهِ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا؛ فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ» الحَدِيثَ.\nوَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجِبُ إِنْكَارُ المُنْكَرِ؛ لَكِنَّ شَرْطَهُ أَنْ لَا يَلْحَقَ المُنْكِرَ بَلَاءٌ لَا قِبَلَ لَهُ بِهِ مِنْ قَتْلٍ وَنَحْوِهِ.\nوَقَالَ آخَرُونَ: يُنْكِرُ بِقَلْبِهِ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا: «يُسْتَعْمَلُ عَلَيكُمْ أُمَرَاءُ بَعْدِي؛ فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ …» الحَدِيث.\nقَالَ: وَالصَّوَابُ اعْتِبَارُ الشَّرْطِ المَذْكُورِ، وَيَدُلُّ عَلَيهِ حَدِيثُ: «لَا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ» ثُمَّ فَسَّرَهُ بِأَنْ «يَتَعَرَّضَ مِنَ البَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ». انْتَهَى مُلَخَّصًا.\nوَقَالَ غَيرُهُ: يَجِبُ الأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيهِ وَلَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهُ ضَرَرًا\".\nقُلْتُ: وَأَمَّا حَدِيثُ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ؛ فَهُوَ صَحِيحٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٤٣٤٤). صَحِيحُ أَبِي دَاوُدَ (٤٣٤٤).\nوَأَمَّا حَدِيثُ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا؛ فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ» فَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤٩) عَنْ أَبي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا.\nوَأمَّا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ؛ فَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٨٥٤) أَيضًا.\nوَأمَّا حَدِيثُ: «لَا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ» فَهُوَ صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٢٥٤) عَنْ حُذَيفَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٦١٣).\n(^١) مُسْلِمٌ (٢٥٩٤) عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا.\nقُلْتُ: وَالأَصْلُ فِي الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنِ المُنْكَرِ هُوَ الرِّفْقُ، لَكِنْ قَدْ تَكُونُ الشِّدَّةُ هِيَ الأَفْضَلُ فِي بَعْضِ الَحالاتِ، كَمَا سَبَقَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي بَابِ \"مَنْ هَزَلَ بِشَيءٍ فِيهِ ذِكْرُ اللهِ أَوِ القُرْآنِ أَوِ الرَّسُولِ\".\nقَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: \"مَنْ وَعَظَ أَخَاهُ سِرًّا فَقَدْ نَصَحَهُ وَزَانَهُ، وَمَنْ وَعَظَهُ عَلَانِيَةً فَقَدْ فَضَحَهُ وَشَانَهُ\". شَرْحُ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ (٢/ ٢٤).","vol":"2","page":523},{"text":"٥ - ظَنُّ الانْتِفَاعِ (^١).\nوَلْتُرَاجَعِ الحَوَاشِي عَلَى هَذِهِ المَسْأَلَةِ جَيِّدًا؛ فَإِنَّ فِيهَا فَوَائِدَ هَامَّةً.\n_________\n(^١) وَالجُمْهُورُ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهِ، وَاسْتُدِلَ لِعَدَمِ اعْتِبَارِهِ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَينَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٤ - ١٦٥]، وَالشَّاهِدُ فِيهِ أَنَّ النَّجَاةَ كَانَتْ لِمَنْ كَانَ يَنْهَى عَنِ السُّوءِ.\nوَرُدَّ عَلَى الاسْتِدْلَالِ السَّابِقِ بِتَمَامِ الآيَةِ وَفِيهَا: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٦٥] وَالشَّاهِدُ هُوَ أَخْذُ الظَّالِمِينَ فَقَط بِالعَذَابِ.","vol":"2","page":524},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-473> المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: احْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِحَدِيثِ البَابِ عَلَى إِحْبَاطِ الأَعْمَالِ بِالْمَعَاصِي الكَبَائِرِ خِلَافًا لِمَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ! فَمَا الجَوَابُ؟</span>\nالجَوَابُ مَحْمُولٌ عَلَى أَوْجًهٍ:\n١ - أَنَّ الإِحْبَاطَ هُوَ لِكَامِلِ عَمَلِهِ، وَذَلِكَ لِكَونِهِ قَدْ تَعَلَّقَ بِعَمَلِ نَفْسِهِ، وَظَنَّ أَنَّ لَهُ بِذَلِكَ إِدْلَالًا (^١)، وَتَحَكُّمًا عَلَى اللهِ تَعَالَى فِي رَحْمَتِهِ؛ فَكَانَ هَذَا سَبَبًا لِإِبْطَالِ كُلِّ مَا سَبَقَ مِنْ عَمَلِهِ حَيثُ فَقَدَ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ العِبَادَةِ وَهُوَ رُكْنُ الذُّلِّ وَالخُضُوعِ للهِ تَعَالَى.\n٢ - أَنَّ الإِحْبَاطَ هُوَ لِنَوعِ العَمَلِ الَّذِي كَانَ مُتَقَدِّمًا فِيهِ عَلَى ذَلِكَ العَاصِي -الَّذِي قَصَّرَ فِيهِ هَذَا الأَخِيرُ-، فَيَكُونُ الإِحْبَاطُ جُزْئِيًّا مِنْ بَابِ العُقُوبَةِ عَلَى ذَلِكَ التَّأَلِّي.\n٣ - أَنَّ هَذَا الحُكْمَ كَانَ فِي شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا؛ وَجَاءَ شَرْعُنَا بِخِلَافِهِ (^٢).\nوَفِي الحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَهْطٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يَضْحَكُونَ وَيَتَحَدَّثُونَ، فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيتُمْ كَثِيرًا»، ثُمَّ انْصَرَفَ وَأَبْكَى القَوْمَ، وَأَوْحَى اللَّهُ ﷿ إِلَيهِ: «يَا مُحَمَّدُ؛ لِمَ تُقَنِّطُ عِبَادِي؟!»، فَرَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «أَبْشِرُوا، وَسَدِّدُوا، وَقَارِبُوا» (^٣).\n_________\n(^١) قَالَ فِي تَاجِ العَرُوسِ (٢٨/ ٥٠٢): \"الأَدَلُّ: المَنَّانُ بعَمَلِهِ\".\n(^٢) يُنْظَرُ: شَرْحُ النَّوَوِيِّ عَلَى مُسْلِمٍ (١٦/ ١٧٤)، والقَولُ المُفِيدُ (٢/ ٥٠١).\n(^٣) صَحِيحٌ. الأَدَبِ المُفْرَدِ لِلْبُخَارِيِّ (٢٥٤). الصَّحِيحَةُ (٣١٩٤).","vol":"2","page":525},{"text":"بَابُ لَا يُسْتَشْفَعُ بِاللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ\nعَنْ جُبَيرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁؛ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! نُهِكَتِ الأَنْفُسُ، وَجَاعَ العِيَالُ، وَهَلَكَتِ الأَمْوَالُ؛ فَاسْتَسْقِ لَنَا رَبَّكَ؛ فَإِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِاللَّهِ عَلَيكَ، وَبِكَ عَلَى اللهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «سُبْحَانَ اللهِ! سُبْحَانَ اللهِ!»، فَمَا زَالَ يُسَبِّحُ حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَيحَكَ! أَتَدْرِي مَا اللهُ؟ إِنَّ شَأْنَ اللهِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، إِنَّهُ لَا يُسْتَشْفَعُ بِاللَّهِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ»، وَذَكَرَ الحَدِيثَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^١).\n\nفِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: إِنْكَارُهُ عَلَى مَنْ قَالَ: (نَسْتَشْفِعُ بِاللَّهِ عَلَيكَ).\nالثَّانِيَةُ: تَغَيُّرُهُ تَغَيُّرًا عُرِفَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ مِنْ هَذِهِ الكَلِمَةِ.\nالثَّالِثَةُ: أَنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيهِ قَولَهُ: (نَسْتَشْفِعُ بِكَ عَلَى اللهِ).\nالرَّابِعَةُ: التَّنْبِيهُ عَلَى تَفْسِيرِ (سُبْحَانَ اللهِ).\nالخَامِسَةُ: أَنَّ المُسْلِمِينَ يَسْأَلُونَهُ ﷺ الاسْتِسْقَاءَ.\n_________\n(^١) ضَعِيفٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٧٢٦). ظِلَالُ الجَنَّةِ (٥٧٥).","vol":"2","page":526},{"text":"<span data-type='title' id=toc-476>الشَّرْحُ</span>\n- الشَّفَاعَةُ لُغَةً: مِنَ الشَّفْعِ وَهُوَ الزَّوجُ، وَهُوَ خِلَافُ الوَتْرِ (^١)، وَاصْطِلَاحًا: التَّوَسُّطُ لِلغَيرِ بِجَلْبِ مَنْفَعَةٍ أَو دَفْعِ مَضَرَّةٍ.\n- مُنَاسَبَةُ البَابِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ أَنَّ المُسْلِمَ يَتَحَرَّزُ مِنَ الأَلْفَاظِ الَّتِي فِيهَا سُوءُ أَدَبٍ مَعَ اللهِ تَعَالَى وَتَنَقُّصٌ لِمَقَامِ الرُّبُوبِيَّةِ للهِ ﷻ.\nفَالنَّبِيُّ ﷺ أَنْكَرَ عَلَى الأَعْرَابِيِّ لِأَنَّ سُؤَالَهُ يُوهِمُ أَنَّ اللهَ مُفْتَقِرٌ لِمَا فِي يَدِ عَبْدِهِ المَشْفُوعِ عِنْدَهُ! وَالحَقُّ أَنَّ الكُلَّ مُفْتَقِرٌ إِلَى اللهِ تَعَالَى، كَمَا فِي قَولِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحِجْر: ٢١]، وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [فَاطِر: ١٥].\n- إِنَّ تَسْبِيحَ النَّبِيِّ ﷺ يَدُلُّ عَلَى تَنْزِيهِهِ للهِ تَعَالَى مِمَّا نُسِبَ إِلَيهِ مِنَ السُّوءِ.\n- حَدِيثُ البَابِ ضَعَّفَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ (^٢)، وَقَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀: \"لَكِنَّهُ صَحِيحُ المَعْنَى\" (^٣).\n- قَولُهُ: «وَيحَكَ» (وَيح) كَلِمَةٌ يُرَادُ بِهَا الزَّجْرُ وَالعِتَابُ، وَيُرَادُ بِهَا الشَّفَقَةُ أَحْيَانًا.\n_________\n(^١) قَالَ فِي لِسَانِ العَرَبِ (٨/ ١٨٤): \"وَالشَّفَاعَةُ: كَلَامُ الشَّفِيعِ لِلْمَلِكِ فِي حَاجَةٍ يَسْأَلُهَا لِغَيرِهِ، وَشَفَعَ إِلَيهِ: فِي مَعْنَى طَلَبَ إِلَيهِ، وَالشَّافِعُ: الطَّالِبُ لِغَيرِهِ يَتَشَفَّعُ بِهِ إِلَى المَطْلُوبِ\".\n(^٢) ظِلَالُ الجَنَّةِ (٥٧٥).\n(^٣) القَولُ المُفِيدُ (٢/ ٥١١).","vol":"2","page":527},{"text":"- قَولُهُ: «إِنَّ شَأْنَ اللهِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ» أَي: إِنَّ شَأْنَ اللهِ أَعْظَمُ مِمَّا تَصَوَّرْتَ حَيثُ جِئْتَ بِهَذَا اللَّفْظِ.\n- قَولُهُ: «إِنَّهُ لَا يُسْتَشْفَعُ بِاللهِ عَلَى أَحَدٍ» أَي: لَا يُطْلَبُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ شَفِيعًا إِلَى أَحًدٍ، وَذَلِكَ لِكَمَالِ عَظَمَتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ.\n- فِي الحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ التَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ عِنْدَ حُصُولِ أَمْرٍ مُنْكَرٍ أَو أَمْرٍ عَجِيبٍ.","vol":"2","page":528},{"text":"<span data-type='title' id=toc-477>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-478> مَسْأَلَةٌ: إِذَا كَانَ الاسْتِشْفَاعُ بِاللهِ تَعَالَى عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ عِبَادِهِ غَيرَ مَشْرُوعٍ؛ فَكَيفَ جَازَ السُّؤَالُ بِاللهِ فِي الحَدِيثِ: «مَنْ سَأَلَ بِاللهِ فَأَعْطُوهُ»</span> (^١)؟! وَكَحَدِيثِ الصَّحِيحَينِ فِي قَولِ المَلَكِ: «أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللونَ الحَسَنَ» (^٢)!\nالجَوَابُ: لَا تَعَارُضَ أَبَدًا بَينَهُمَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ حَدِيثَ البَابِ -كَمَا سَبَقَ- يَدُلُّ عَلَى أَنَّ شَأْنَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللهِ أَعْظَمُ -أَو مُقَارِبٌ- لِشَأْنِ اللهِ سُبْحَانَهُ! فَهُوَ تَنَقُّصٌ لِمَقَامِ الرُّبُوبِيَّةِ، بِخِلَافِ الأَحَادِيثِ الأُخْرَى فَهِيَ تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ إِعْطَاءِ مَنْ سَأَلَ بِاللهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى تَعْظِيمِ المَسْئُولِ بِهِ -وَهُوَ اللهُ تَعَالَى- عِنْدَ السَّائِلِ؛ وَأَيضًا عِنْدَ المَسْئُولِ إِذَا أَجَابَهُ سُؤَالَهُ (^٣).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (١٦٧٢) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٢٥٤).\n(^٢) البُخَارِيُّ (٣٤٦٤)، وَمُسْلِمٌ (٢٩٦٤). وَقَدْ سَبَقَ.\n(^٣) وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ (لَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللهِ إِلَّا الجَنَّةُ) الكَلَامُ عَنْ حُكْمِ السُّؤَالِ بِاللهِ، وَبِوَجْهِ الله؛ فَلْيُنْظَرْ.","vol":"2","page":529},{"text":"بَابُ مَا جَاءَ فِي حِمَايَةِ النَّبِيِّ ﷺ حِمَى التَّوحِيدِ وَسَدِّهِ طُرُقَ الشِّرْكِ\nعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ ﵁؛ قَالَ: انْطَلَقْتُ فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ فَقُلْنَا: أَنْتَ سَيِّدُنَا، فَقَالَ: «السَّيِّدُ اللهُ ﵎)، قُلْنَا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا، وَأَعْظَمُنَا طَولًا، فَقَالَ: «قُولُوا بِقَولِكُمْ أَو بَعْضِ قَولِكُمْ، وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيطَانُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ (^١).\nوَعَنْ أَنَسٍ ﵁؛ أَنَّ نَاسًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! يَا خَيرَنَا وَابْنَ خَيرِنَا، وَسَيِّدَنَا وَابْنَ سَيِّدِنَا! فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! قُولُوا بِقَولِكُمْ، وَلَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ الشَّيطَانُ، أَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، مَا أُحِبُّ أَنْ تَرْفَعُونِي فَوقَ مَنْزِلَتِي الَّتِي أَنْزَلَنِي اللهُ ﷿). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ (^٢).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٨٠٦). صَحِيحُ أَبِي دَاوُدَ (٤٨٠٦).\n(^٢) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١٢٥٥١)، وَالنَّسَائِيُّ فِي الكُبْرَى (١٠٠٠٧). غَايَةُ المَرَامِ (١٢٧).","vol":"2","page":530},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: تَحْذِيرُ النَّاسِ مِنَ َالغُلُوِّ.\nالثَّانِيَةُ: مَا يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ مَنْ قِيلَ لَهُ: (أَنْتَ سَيِّدُنَا).\nالثَّالِثَةُ: قَولُهُ: «لَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيطَانُ» مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا إِلَّا الحَقَّ.\nالرَّابِعَةُ: قَولُهُ: «مَا أُحِبُّ أَنْ تَرْفَعُونِي فَوقَ مَنْزِلَتِي».","vol":"2","page":531},{"text":"<span data-type='title' id=toc-481>الشَّرْحُ</span>\n- مُنَاسَبَةُ البَابِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ هُوَ سَدُّ النَّبِيِّ ﷺ ذَرَائِعَ الشِّرْكِ مِنْ جِهَةِ التَّمَادِي فِي الأَلْفَاظِ.\n- سَبَقَ مَعَنَا بَابٌ مُشَابِهٌ وَهُوَ بَابُ (مَا جَاءَ فِي حِمَايَةِ المُصْطَفَى جَنَابَ التَّوحِيدِ وَسَدِّهِ كُلَّ طَرِيقٍ يُوَصِّلُ إِلَى الشِّرْكِ)، وَالفَرْقُ بَينَ البَابَينِ أَنَّ الأَوَّلَ فِيهِ حِمَايَةُ التَّوحِيدِ مِنْ جِهَةِ الأَفْعَالِ، وَهَذَا البَابُ فِيهِ حِمَايَتُهُ مِنْ جِهَةِ الأَقْوَالِ.\n- قَولُهُ: «السَّيِّدُ» هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَمَعْنَاهُ: ذُو السُّؤْدُدِ وَالشَّرَفِ، وَالسُّؤْدُدُ مَعْنَاهُ: العَظَمَةُ وَالفَخْرُ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَهُوَ مِنْ مَعَانِي اسْمِ الصَّمَدِ.\n- المَقْصُودُ بِقَولِهِ: «السَّيِّدُ اللهُ ﵎) أَنَّ السَّيِّدَ الحَقِيقِيَّ المَالِكَ لِكُلِّ شَيءٍ هُوَ اللهُ تَعَالَى، وَالنَّبِيُّ ﷺ هُوَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمِ كَمَا فِي الحَدِيثِ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَومَ القِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ القَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ» (^١)، وَلَكِنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لَمَّا خَافَ مِنَ الغُلُوِّ حَيثُ لَاحَظَ الإِطْرَاءَ وَالمَدْحَ فِي كَلَامِهِم فَأَرْشَدَهُم إِلَى السَّيِّدِ الحَقِيقِيِّ وَهُوَ اللهُ تَعَالَى، وَفِي ذَلِكَ تَوَاضُعٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ (^٢)، وَقَدْ أَخْبَرَتْ أُمُّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ ﵂ عَنْ\n_________\n(^١) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢٢٧٨) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.\n(^٢) قَالَ الحَافِظُ البَيهَقِيُّ ﵀: \"عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: يَا خَيرَ البَرِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ ﵇). رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢٣٦٩) فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي كُرَيبٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ.\nوَذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذَا أَيضًا مَذْهَبَ التَّوَاضُعِ، وَكَانَ يُشِيرُ إِلَى النَّهْي عَنِ المُبَالَغَةِ فِي الثَّنَاءِ عَلَيهِ فِي وَجْهِهِ تَوَاضُعًا لِرَبِّهِ ﷿، فَقَالَ لِوَفْدِ بَنِي عَامِرٍ حِينَ قَالُوا لَهُ: أَنْتَ سَيِّدُنَا وَذُو الطَّولِ عَلَينَا، فَقَالَ: «مَهْ مَهْ، قُولُوا بِقَولِكُم، وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيطَانُ، السَّيِّدُ اللهُ ﷿)، وَقَالَ ﷺ فِي حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ؛ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ» \". دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ (٥/ ٤٩٧).","vol":"2","page":532},{"text":"شَيءٍ مِنْ تَوَاضُعِهِ ﵊ فَقَالَتْ: (كَانَ يَفْلِي ثَوبَهُ، وَيَحْلُبُ شَاتَهُ، وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ) (^١).\nوَأَيضًا فِي الأَحَادِيثِ نَهْيٌ عَنِ الغُلُوِّ فِيهِ ﷺ بِرَفْعِهِ فَوقَ مَنْزِلَتِهِ؛ كَمَا هُوَ صَرِيحُ الحَدِيثِ (^٢).\n- قَولُهُ: (وَأَعْظَمُنَا طَولًا): أَي: عَطَاءً لِلأَحِبَّاءِ وَعُلَوًّا عَلَى الأَعْدَاءِ (^٣)، وَالطَّولُ أَيضًا الشَّرَفُ والغِنَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ المُؤْمِنَاتِ﴾ [النِّسَاء: ٢٥]، وَيَكُونُ بِمَعْنَى العَظَمَةِ أَيضًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ [غَافِر: ٣]، أَي: ذِي العَظَمَةِ وَالغِنَى.\n- قَولُهُم: (وَابْن خَيرِنَا): أَي: فِي النَّسَبِ لَا فِي المَقَامِ وَالحَالِ (^٤)، وَكَذَلِكَ يُقَالُ فِي قَولِهِ: (وَابْنَ سَيِّدِنَا).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٦١٩٤) عَنْ عَائِشَةَ مَوقُوفًا. الصَّحِيحَةُ (٦٧١).\n(^٢) قَالَ القُرْطُبِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٥/ ٢٤٧): \"وَأَمَّا قَولُهُ ﷺ فِي صَحِيحِ الحَدِيثِ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عَيسَى بْنَ مَرْيَمَ، وَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ» فَمَعْنَاهُ: لَا تَصِفُونِي بِمَا لَيسَ فِيَّ مِنَ الصِّفَاتِ -تَلْتَمِسُونَ بِذَلِكَ مَدْحِي- كَمَا وَصَفَتِ النَّصَارَى عِيسَى بِمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ، فَنَسَبُوهُ إِلَى أَنَّهُ ابْنُ اللهِ فَكَفَرُوا بِذَلِكَ وَضَلُّوا.\nوَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ رَفَعَ امْرَأً فَوقَ حَدِّهِ وَتَجَاوَزَ مِقْدَارَهُ بِمَا لَيسَ فِيهِ فَمُعْتَدٍ آثِمٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَو جَازَ فِي أَحَدٍ لَكَانَ أَولَى الخَلْقِ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ\".\n(^٣) عَونُ المَعْبُودِ (١٣/ ١١٣).\n(^٤) كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٢٠٣) عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَينَ أَبِي؟ قَالَ: «فِي النَّارِ». فَلَمَّا قَفَّى دَعَاهُ فَقَالَ: «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ».","vol":"2","page":533},{"text":"- قَولُهُ: «قُولُوا بِقَولِكُمْ» \"أَي: قُولُوا بِقَولِ أَهْلِ دِينِكُمْ وَمِلَّتِكُمْ؛ وَادْعُونِي نَبِيًّا وَرَسُولًا كَمَا سَمَّانِي اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ، وَلَا تُسَمُّونِي سَيِّدًا كَمَا تُسَمُّونَ رُؤَسَاءَكُمْ وَعُظَمَاءَكُمْ، وَلَا تَجْعَلُونِي مِثْلَهُم فَإِنِّي لَسْتُ كَأَحَدِهِمْ؛ إِذْ كَانُوا لَيَسُودُونَكُم فِي أَسْبَابِ الدُّنْيَا؛ وَأَنَا أَسُودُكُمْ بِالنُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ فَسَمُّونِي نَبِيًّا وَرَسُولًا\" (^١).\n- قَولُهُ: «أَو بَعْضِ قَولِكُمْ» فِيهِ حَذْفٌ وَاخْتِصَارٌ؛ وَمَعْنَاهُ: دَعُوا بَعْضَ قَولِكُمْ وَاتْرُكُوهُ وَاقْتَصَدُوا فِيهِ بِلَا إِفْرَاطٍ، أَو دَعُوا: (سَيِّدًا) وَقُولُوا: (نَبِيًّا وَرَسُولًا).\n- قَولُهُ: «وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيطَانُ» اسْتَجْرَاهُ بِمَعْنَى: جَذَبَهُ وَجَعَلَهُ يَجْرِي مَعَهُ، أَي: لَا يَسْتَمِيلَنَّكُمُ الشَّيطَانُ وَيَجْذِبَنَّكُم إِلَى أَنْ تَقُولُوا قَولًا مُنْكَرًا، وَمِثْلُهُ أَيضًا: (وَلَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ الشَّيطَانُ) هُوَ مِنَ الهَوَى: أَي المَحَبَّةِ وَالمَيلِ، وَقِيلَ مِنَ الهُوِيِّ: وَهُوَ الوَقُوعُ.\n- فَائِدَة ١: مَدْحُ الرَّجُلِ فِي وَجْهِهِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ (^٢)، إِلَّا إِنْ كَانَ مِمَّنْ تُؤْمَنُ عَلَيهِ\n_________\n(^١) عَونُ المَعْبُودِ (١٣/ ١١٢).\nوَقَالَ ابْنُ الأَثِيرِ ﵀ فِي كِتَابِهِ (النِّهَايَةُ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ) (١/ ٧٣٩): \"يُرِيدُ: تَكَلَّمُوا بِمَا يَحْضُرُكُم مِنَ القَولِ، وَلَا تَتَكَلَّفُوهُ كَأَنَّكُم وُكَلَاءُ الشَّيطَانِ وَرُسُلُهُ تَنْطقُونَ عَنْ لِسَانِهِ\"!\n(^٢) بَوَّبَ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٤/ ٢٢٩٧): (بَابُ النَّهْي عَنِ المَدْحِ إِذَا كَانَ فِيهِ إِفْرَاطٌ وَخِيفَ مِنْهُ فِتْنَةٌ عَلَى المَمْدُوحِ)، وَفِيهِ: عَنْ أَبِىِ مَعْمَرٍ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ يُثْنِي عَلَى أَمِيرٍ مِنَ الأُمَرَاءِ؛ فَجَعَلَ المِقْدَادُ يَحْثِي عَلَيهِ التُّرَابَ، وَقَالَ: (أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَحْثِيَ فِي وُجُوهِ المَدَّاحِينَ التُّرَابَ).\nوَفِي الأَدَبِ المُفْرَدِ (٣٣٧) لِلبُخَارِيِّ ﵀: (بَابُ مَنْ أَثْنَى عَلَى صَاحِبِهِ إِنْ كَانَ آمِنًا بِهِ)، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «نِعْمَ الرَّجُلُ أَبُو بَكْرٍ، نِعْمَ الرَّجُلُ عُمَرُ، نِعْمَ الرَّجُلُ أَبُو عُبَيدَةَ، نِعْمَ الرَّجُلُ أُسَيدُ بْنُ حُضَيرٍ، نِعْمَ الرَّجُلُ ثَابِتُ بْنُ قَيسِ بْنِ شَمَّاسٍ، نِعْمَ الرَّجُلُ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ، نِعْمَ الرَّجُلُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ»، قَالَ: «وَبِئْسَ الرَّجُلُ فُلَانٌ، وَبِئْسَ الرَّجُلُ فُلَانٌ حَتَّى عَدَّ سَبْعَةً». صَحِيحٌ. صَحِيحُ الأَدَبِ المُفْرَدِ (٢٧٥).","vol":"2","page":534},{"text":"الفِتْنَةُ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «الحَسَنُ وَالحُسَينُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَأَبُوهُمَا خَيرٌ مِنْهُمَا» (^١).\n- فَائِدَة ٢: لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِلمُنَافِقِ سَيِّدٌ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ: سَيِّدُنَا! فَإِنَّهُ إِنْ يَكُنْ سَيِّدًا فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ» (^٢)، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَكُونُ تَعْظِيمًا لَهُ وَهُوَ مِمَّنْ لَا يَسْتَحِقُّ التَّوقِيرِ وَالتَّعْظِيمِ مُطْلَقًا.\n- فَائِدَة ٣: لَا يُشْرَعُ زِيَادَةُ لَفْظِ (سَيِّدِنَا) فِي تَشَهُّدِ الصَّلَاةِ لِعَدَمِ وُرُودِهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ صَحَابَتِهِ رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيهِم أَجْمَعِينَ.\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ العَسْقَلَانِيُّ ﵀: \"اتِّبَاعُ الأَلْفَاظِ المَأْثُورَةِ أَرْجَحُ، وَلَا يُقَالُ: لَعَلَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ تَوَاضُعًا مِنْهُ ﷺ؛ كَمَا لَمْ يَكُنْ يَقُولُ عِنْدَ ذِكْرِهِ ﷺ: ﷺ، وَأُمَّتُهُ مَنْدُوبَةٌ إِلَى أَنْ تَقُولَ ذَلِكَ كُلَّمَا ذُكِرَ!! لِأَنَّا نَقُولُ: لَو كَانَ ذَلِكَ رَاجِحًا [يَعْنِي: وَصْفَهُ بِالسِّيَادَةِ فِي الصَّلَاةِ] لَجَاءَ عَنِ الصَّحَابَةِ ثُمَّ عَنِ التَّابِعِينَ، وَلَمْ نَقِفْ عَلَى شَيءٍ مِنَ الآثَارِ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ لَهُمْ مَعَ كَثْرَةِ مَا وَرَدَ عَنْهُم مِنْ ذَلِكَ\" (^٣).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. ابْنُ مَاجَه (١١٨) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٣١٨٢).\n(^٢) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٩٧٧) عَنْ بُرَيدَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٣٧١).\n(^٣) انْظُرْ كِتَابَ (أَصْلِ صِفَةِ الصَّلَاةِ) لِلشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ ﵀ (الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ ص ٩٣٨) مِنْ طَرِيقِ الحَافِظِ الغَرَابِيلِيِّ عَنِ الحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ ﵀.","vol":"2","page":535},{"text":"<span data-type='title' id=toc-482>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-483> المَسْأَلَةُ الأُولَى: إِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ هُوَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ -كَمَا ثَبَتَ فِي الحَدِيثِ- فَمَا الجَوَابُ عَنِ الأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا النَّهْيُ عَنْ تَفْضِيلِهِ عَلَى غَيرِهِ مِنَ الأَنْبِيَاءِ؟</span>\nالجَوَابُ: إِنَّ سَبَبَ النَّهْي عَن التَّفْضِيلِ بَينَ الأَنْبِيَاءِ -وَهُمْ مُفَضَّلُونَ عَلَى بِعْضٍ شَرْعًا- أَنَّ هَذَا التَّفْضِيلَ إِذَا خَاضَ النَّاسُ فِيهِ؛ فَإِنَّهُ سَيُفْضِي إِلَى تَنَقُّصِ أَحَدٍ مِنْهُم عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؛ وَهَذَا كُفْرٌ، لِذَلِكَ جَاءَ الأَمْرُ بِسَدِّ هَذَا البَابِ.\nقَالَ الحَافِظُ البَيهَقِيُّ ﵀: \"وَقَولُ اللهِ ﷿: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البَقَرَة: ٢٥٣] يَدُلُّ عَلَى تَفْضِيلِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَقَولُ النَّبِيِّ ﷺ: «لَا تُفَضِّلُوا بَينَ أَنْبِيَاءِ اللهِ»، وَقَولُهُ: «لَا تُخَيِّرُوا بَينَ الأنْبِيَاءِ» إِنَّمَا هُوَ فِي مُجَادَلَةِ أَهْلِ الكِتَابِ عَلَى مَعْنَى الإِزْرَاءِ بِبَعْضِهِمْ؛ فَإِنَّهُ رُبَّمَا أَدَّى ذَلِكَ إِلَى فَسَادِ الِاعْتِقَادِ فِيهِمْ وَالإخلَالِ بالوَاجِبِ مِنْ حُقُوقِهِمْ، أَمَّا إِذَا كَانَتِ المُخَايَرَةُ مِنْ مُسْلِمٍ يُرِيدُ الوُقُوفَ عَلَى الأَفْضَلِ مِنْهُمْ؛ فَلَيسَ هَذَا بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ. وَاللهُ أَعْلَمُ\" (^١).\nوَتَأَمَّلْ قَولَهُ ﷺ عَنْ يُونُسَ ﵊: «لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى» (^٢)، فَقَدْ خَصَّ يُونُسَ ﵊ بِهَذَا القَولِ لِمَا يُخْشَى عَلَى مَنْ سَمِعَ قِصَّتَهُ أَنْ يَقَعَ فِي نَفْسِهِ تَنَقُّصٌ لَهُ، فَبَالَغَ ﷺ فِي ذِكْرِ فَضْلِهِ لِسَدِّ هَذِهِ الذَّرِيعَةِ (^٣).\n_________\n(^١) دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ (٣/ ٧٧).\n(^٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣٣٩٥) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا.\n(^٣) وَمِثْلُهُ حَدِيثُ: «المِرَاءُ فِي القَرْآنِ كُفْرٌ». صَحِيحٌ، أَبُو دَاوُدَ (٤٦٠٣) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٦٦٨٧).\n=","vol":"2","page":536},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-484> المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: لِمَاذَا قَالَ ﵊ فِي الحَدِيثِ: «السَّيِّدُ اللهُ» وَلَمْ يَقُلْ: (اللهُ سَيِّدُكُم) مِنْ بَابِ المُقَابَلَةِ؟</span>\nالجَوَابُ هُوَ مِنْ وَجْهَينِ (^١):\n١ - لِإِفَادَةِ العُمُومِ مِنْ (ال) التَّعْرِيفِ المُفِيدَةِ لِلِاسْتِغْرَاقِ، بِخِلَافِ الإِضَافَةِ؛ فَهِيَ أَقَلُّ شُمُولًا.\n٢ - لِئَلَّا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ المُضَافِ إِلَيهِ؛ لِأَنَّ سَيِّدَ كُلِّ شَيءٍ هُوَ مِنْ جِنْسِهِ.\n_________\n=\nقَالَ أَبُو حَاتِمٍ (ابْنُ حِبَّانَ) (٤/ ٣٢٤): \"إِذَا مَارَى المَرْءُ فِي القُرْآنِ أَدَّاهُ ذَلِكَ -إِنْ لَمْ يَعْصِمْهُ اللهُ- إِلَى أَنْ يَرْتَابَ فِي الآي المُتَشَابِهِ مِنْهُ، وَإِذَا ارْتَابَ فِي بَعْضِهِ أَدَّاهُ ذَلِكَ إِلَى الجَحْدِ، فَأَطْلَقَ ﷺ اسْمَ الكُفْرِ الَّذِي هُوَ الجَحْدُ عَلَى بِدَايَةِ سَبَبِهِ الَّذِي هُوَ المِرَاءُ\".\n(^١) القَولُ المُفِيدُ (٢/ ٥١٨).","vol":"2","page":537},{"text":"بَابُ مَا جَاءَ فِي قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزُّمَر: ٦٧]\nعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁؛ قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اللهَ يَجْعَلُ السَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالمَاءَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ (^١)، وَسَائِرَ الخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، فَيَقُولُ: أَنَا المَلِكُ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَصْدِيقًا لِقَولِ الحَبْرِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «وَالجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ فَيَقُولُ: أَنَا المَلِكُ، أَنَا اللهُ».\nوَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «وَيَجْعَلُ السَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ» أَخْرِجَاهُ (^٢).\nوَلِمُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «يَطْوِي اللهُ السَّمَاوَاتِ يَومَ القِيَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ اليُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ، أَينَ الجَبَّارُونَ؟ أَينَ المُتَكَبِّرُونَ؟ ثُمَّ يَطْوِي\n_________\n(^١) الَّذِي فِي صَحِيحِ البُخَاريِّ هُوَ: «وَالمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ»، وَفِي ألْفَاظٍ أُخَرَ لَهُ: «وَالجِبَالَ عَلَى إِصْبَعٍ» وَ: «وَالشَّجَرَ وَالأَنْهَارَ عَلَى إِصْبَعٍ».\n(^٢) البُخَارِيُّ (٤٨١١)، وَمُسْلِمٌ (٢٧٨٦).","vol":"2","page":538},{"text":"الأَرْضِينَ السَّبْعَ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ، أَينَ الجَبَّارُونَ؟ أَينَ المُتَكَبِّرُونَ؟» (^١).\nوَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: (مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُونَ السَّبْعُ فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ إِلَّا كَخَرْدَلَةٍ فِي يَدِ أَحَدِكُمْ) (^٢).\nوَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيدٍ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ فِي الكُرْسِيِّ إِلَّا كَدَرَاهِمَ\n_________\n(^١) مُسْلِمٌ (٢٧٨٦).\nقَالَ الحَافِظُ البَيهَقِيُّ ﵀: \"رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيبَةَ هَكَذَا، وَذِكْرُ الشِّمَالِ فِيهِ تَفَرَّدَ بِهِ عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ عَنْ سَالِمٍ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الحَدِيثَ نَافِعٌ، وَعُبَيدُ اللهِ بْنُ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ لَمْ يَذْكُرَا فِيهِ الشِّمَالَ، وَرَوَاهُ أَبُو هُرَيرَةَ ﵁ وَغَيرُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَحَدٌ مِنْهُمُ الشِّمَالَ، وَرُوِيَ ذِكْرُ الشِّمَالِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ فِي غَيرِ هَذِهِ القِصَّةِ إِلَّا أَنَّهُ ضَعِيفٌ بِمَرَّةٍ تَفَرَّدَ بِأَحَدِهِمَا جَعْفَرُ بْنُ الزُّبَيرِ، وَبِالآخَرِ يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ -وَهُمَا مَتْرُوكَانِ- وَكَيفَ يَصِحُّ ذَلِكَ؟! وَصَحِيحٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سَمَّى كِلْتَي يَدَيهِ يَمِينًا، وَكَأَنَّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ أَرْسَلَهُ مِنْ لَفْظِهِ عَلَى مَا وَقَعَ لَهُ، أَو عَلَى عَادَةِ العَرَبِ فِي ذِكْرِ الشِّمَالِ فِي مُقَابَلَةِ اليَمِينِ\". الأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ (٢/ ١٣٩).\nوَقَدْ حَكَمَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ بِالنَّكَارَةِ -وَلَيسَ فَقَط بِالشُّذُوذِ- لِضَعْفِ (عُمَرَ بْنِ حَمْزَةَ) المَذْكُورِ آنِفًا، اُنْظُرِ التَّعْلِيقَ عَلَى حَدِيثِ الصَّحِيحَةِ (٣١٣٦).\n(^٢) أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٢١/ ٣٢٤) مَوقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ؛ وَبِلَفْظِ: (فِي يَدِ اللهِ).\nقَالَ الشَّيخُ نَاصِرُ بْنُ حَمَدٍ الفَهَد فِي كِتَابِهِ (تَنْبِيهَاتٌ عَلَى كُتُبِ تَخْرِيجِ كِتَابِ التَّوحِيدِ) (ص ٩٤): \"الحَدِيثُ حَسَنٌ عَلَى أَقَلِّ الأَحْوَالِ\".\nقُلْتُ: انْظُرْ -لِزَامًا- سَبَبَ تَحْسِينِهِ لِلحَدِيثِ، وَرَدَّهُ عَلَى مَنْ ضَعَّفَ الحَدِيثَ بِسَبَبِ أَحَدِ رُوَاتِهِ (عَمْرو بْنِ مَالِكٍ النُّكْرِيِّ) فَقَدْ أَتَى بِمَا يَجْدُرُ تَأَمُّلُهُ، وَلَيسَ هَذَا مَوضِعُ تَفْصِيلِهِ.","vol":"2","page":539},{"text":"سَبْعَةٍ القِيَتْ فِي تُرْسٍ» (^١).\nقَالَ: وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ ﵁: سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا الكُرْسِيِّ فِي العَرْشِ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ بَينَ ظَهْرَي فَلَاةٍ مِنَ الأَرْضِ» (^٢).\nوَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ قَالَ: (بَينَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَالَّتِي تَلِيهَا خَمْسُمَائَةِ عَامٍ، وَبَينَ كُلِّ سَمَاءٍ وَسَمَاءٍ خَمْسُمَائَةِ عَامٍ، وَبَينَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالكُرْسِيِّ خَمْسُمَائَةِ عَامٍ، وَبَينَ الكُرْسِيِّ وَالمَاءِ خَمْسُمَائَةِ عَامٍ، وَالعَرْشُ فَوقَ المَاءِ، وَاللَّهُ فَوقَ العَرْشِ؛ لَا يَخْفَى عَلَيهِ شَيءٌ مِنْ أَعْمَالِكُمْ). أَخْرَجَهُ ابْنُ مَهْدِيّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ زِرٍّ عَنْ عَبْدِ اللهِ، وَرَوَاهُ بِنَحْوِهِ المَسْعُودِيُّ عَنْ عَاصِمٍ عَنِ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ (^٣). قَالَهُ\n_________\n(^١) ضَعِيفٌ. تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (٥٧٩٤). قَالَ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ العُلُوُّ لِلعَلِيِّ الغَفَّارِ (ص ١٠٠): \"هَذَا مُرْسَلٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ضَعِيفٌ\". وَانْظُرْ أَيضًا الضَّعِيفَةَ (٦١١٨).\n(^٢) صَحِيحٌ. تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (٥٧٩٤). رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيبَةَ فِي كِتَابِهِ (العَرْشُ) (٤٣٢). الصَّحِيحَةُ (١٠٩).\nوَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ المَرْفُوعُ الَّذِي عِنْدَ أَبِي الشَّيخِ فِي (العَظَمَةِ) (٢/ ٥٨٧) بِلَفْظِ: (الكُرْسِيُّ مَوضِعُ القَدَمَينِ) فَهُوَ ضَعِيفٌ. الضَّعِيفَةُ (٦١١٨).\nقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي التَّعْلِيقِ عَلَى الطَّحَاوِيَّةِ (ص ٥٤): \"وَأَمَّا الكُرْسِيُّ فَفِيهِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وَالكُرْسِيُّ هُوَ الَّذِي بَينَ يَدَي العَرْشِ، وَقَدْ صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوقُوفًا عَلِيهِ مِنْ قَولِهِ: (الكُرْسِيُّ مَوضِعُ القَدَمَينِ، وَالعَرْشُ لَا يُقَدِّرُ قَدْرَهُ إِلَّا اللهُ تَعَالَى). وَهُوَ مُخَرَّجٌ فِي كِتَابِي (مُخْتَصَرُ العُلُوِّ لِلذَّهَبِيِّ) وَلَمْ يَصِحَّ فِيهِ مَرْفُوعًا سِوَى قَولِهِ ﵊: «مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ فِي الكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، وَفَضْلُ العَرْشِ عَلَى الكُرْسِيِّ كَفَضْلِ تِلْكَ الفَلَاةِ عَلَى تِلْكَ الحَلْقَةِ». وَذَلِكَ مِمَّا يُبْطِلُ أَيضًا تَأْوِيلَ الكُرْسِيِّ بِالعِلْمِ، وَلَمْ يَصِحَّ هَذَا التَّأْوِيلُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي الصَّحِيحَةِ (١٠٩) \".\n(^٣) إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. (التَّوحِيدُ) (١/ ٢٤٤) (٢/ ٨٨٥) لِابْنِ خُزَيمَةَ. اُنْظُرْ كِتَابَ (مُخْتَصَرُ العُلُوِّ) لِلشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ ﵀ (ص ١٠٣).","vol":"2","page":540},{"text":"الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، قَالَ: \"وَلَهُ طُرُقٌ\" (^١).\nوَعَنِ العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «هَلْ تَدْرُونَ كَمْ بَينَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ؟» قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «بَينَهُمَا مَسِيرَةُ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ، وَمِنْ كُلِّ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، مَسِيرَةُ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ، وَكِثَفُ كُلِّ سَمَاءٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، وَبَينَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالعَرْشِ بَحْرٌ بَينَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلَاهُ كَمَا بَينَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَاللَّهُ ﷾ فَوقَ ذَلِكَ وَلَيسَ يَخْفَى عَلَيهِ شَيءٌ مِنْ أَعْمَالِ بَنِي آدَمَ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيرُهُ (^٢).\n_________\n(^١) العُلُوُّ (ص ٤٥) لِلذَّهَبِيِّ.\n(^٢) ضَعِيفٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٤٧٢٣)، وَانْظُرْ أَوجُهَ التَّضْعِيفِ وَالرَّدَّ عَلَى مَنْ صَحَّحَهُ فِي الضَّعِيفَةِ (١٢٤٧).","vol":"2","page":541},{"text":"فِيهِ مَسَائِلُ:\nالأُولَى: تَفْسِيرُ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ﴾.\nالثَّانِيَةُ: أَنَّ هَذِهِ العُلُومَ وَأَمْثَالَهَا بَاقِيَةٌ عِنْدَ اليَهُودِ الَّذِينَ فِي زَمَنِهِ ﷺ لَمْ يُنْكِرُوهَا وَلَمْ يَتَأَوَّلُوهَا!\nالثَّالِثَةُ: أَنَّ الحَبْرَ لَمَّا ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ صَدَّقَهُ، وَنَزَلَ القُرْآنُ بِتَقْرِيرِ ذَلِكَ.\nالرَّابِعَةُ: وُقُوعُ الضَّحِكُ مِنْهُ ﷺ لَمَّا ذَكَرَ الحَبْرُ هَذَا العِلْمَ العَظِيمَ.\nالخَامِسَةُ: التَّصْرِيحُ بِذِكْرِ اليَدَينِ، وَأَنَّ السَّمَاوَاتِ فِي اليَدِ اليُمْنَى، وَالأَرَضِينَ فِي اليَدِ الأُخْرَى.\nالسَّادِسَةُ: التَّصْرِيحُ بِتَسْمِيَتِهَا: الشِّمَالُ.\nالسَّابِعَةُ: ذِكْرُ الجَبَّارِينَ وَالمُتَكَبِّرِينَ عِنْدَ ذَلِكَ.\nالثَّامِنَةُ: قَولُهُ: «كَخَرْدَلَةٍ فِي كَفِّ أَحَدِكُمْ».\nالتَّاسِعَةُ: عِظَمُ الكُرْسِيِّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى السَّمَوَاتِ.\nالعَاشِرَةُ: عِظَمُ العَرْشِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الكُرْسِيِّ.\nالحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ العَرْشَ غَيرُ الكُرْسِيِّ وَالمَاءِ.\nالثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: كَمْ بَينَ كُلِّ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ.\nالثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: كَمْ بَينَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالكُرْسِيِّ.\nالرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: كَمْ بَينَ الكُرْسِيِّ وَالمَاءِ.\nالخَامِسَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ العَرْشَ فَوقَ المَاءِ.","vol":"2","page":542},{"text":"السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ اللهَ فَوقَ العَرْشِ.\nالسَّابِعَةَ عَشْرَةَ: كَمْ بَينَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ.\nالثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: كِثَفُ كُلِّ سَمَاءٍ خَمْسُمَائَةِ سَنَةٍ.\nالتَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ البَحْرَ الَّذِي فَوقَ السَّمَاوَاتِ؛ بَينَ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمَائَةِ سَنَةٍ.\nوَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.\nوَالحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.\n\n- إِلَى هُنَا تَمَّ بِحَمْدِ اللهِ كِتَابُ التَّوحِيدِ الأَصْلُ -","vol":"2","page":543},{"text":"<span data-type='title' id=toc-487>الشَّرْحُ</span>\n- مُنَاسَبَةُ هَذَا البَابِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ هُوَ أَنَّ هَذَا البَابَ فِيهِ خُلَاصَةٌ جَامِعَةٌ لِمُجْمَلِ الكِتَابِ، وَذَلِكَ أَنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ فِي أَوَّلِ البَابِ دَلَّ أَوَّلُهَا عَلَى عَظَمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَهَذَا فِيهِ إِظْهَارُ الرُّبُوبِيَّةِ لَهُ ﷾، وَدَلَّ آخِرُهَا عَلَى تَنْزِيهِهِ عَنِ الشِّرْكِ بِهِ، وَهَذَا فِيهِ إِظْهَارٌ لِتَوحِيدِهِ بِالعُبُودِيَّةِ، فَصَارَتْ مِنْ جِهَةِ الدِّلَالَةِ كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البَقَرَة: ٢٢]. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا﴾ أَي المُشْرِكِينَ، وَ﴿قَدَرُوا﴾ أَي: عَظَّمُوا، وَالمَعْنَى: مَا عَظَّمُوا اللهَ حَقَّ تَعْظِيمِهِ حَيثُ أَشْرَكُوا مَعَهُ فِي عِبَادَتِهِ.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ فِيهِ بَيَانُ عَظَمَةِ اللهِ ﷿.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا﴾ جَمِيعًا: حَالٌ، وَهِي دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ المُرَادَ بِالأَرْضِ الأَرْضُونَ كُلُّهَا، وَلِأَنَّ المَوضِعَ مَوضِعُ تَفْخِيمٍ.\n- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فِيهِ اسْتِدْلَالٌ بِالرُّبُوبِيَّةِ عَلَى تَوحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ.\n- قَولُهُ: (حَبْرٌ): الحَبْرُ: هُوَ العَالِمُ الكَثِيرُ العِلْمِ، وَلَفْظُ (الحَبْرِ) يُشَابِهُ لَفْظَ (البَحْرِ) فِي تَرْكِيبِ الحُرُوفِ وَالاسْتِخْدَامِ، وَلِهَذَا كَانَ العَالِمُ أَحْيَانًا يُسَمَّى بِالحَبْرِ وَأَحْيَانًا بِالبَحْرِ.\n- قَولُهُ: (إِنَّا نَجِدُ): أَي: فِي التَّورَاةِ.","vol":"2","page":544},{"text":"- قَولُهُ: (عَلَى إِصْبَعٍ) (^١): فِيهِ إِثْبَاتُ صِفَةِ الأَصَابِعِ للهِ تَعَالَى كَمَا يَلِيقُ بِهِ سُبْحَانَهُ، مِنْ غَيرِ تَمْثِيلٍ وَلَا تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ.\n- قَولُهُ: (فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ تَصْدِيقًا لِقَولِ الحَبْرِ، ثُمَّ تَلَا قَولَهُ تَعَالَى) فِيهِ تَأْكِيدُ صِحَّةِ مَا ذُكِرَ، وَذَلِكَ مِنْ أَوجُهٍ، وَهِيَ:\n١ - ضَحِكُهُ ﷺ.\n٢ - فَهْمُ الصَّحَابِيِّ.\n٣ - تَأْكِيدُهُ ﷺ لِتِلْكَ الصِّفَاتِ بِمَثِيلَتِهَا مِنَ القُرْآنِ (^٢).\n- قَولُهُ: «يَطْوِي الأَرَضِينَ السَّبْعَ» إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الأَرَضِينَ سَبْعٌ كَالسَّمَوَاتِ، وَشَاهِدُهُ فِي القُرْآنِ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطَّلَاق: ١٢].\n- قَولُهُ: «ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِشِمَالِهِ» لَفْظَةُ (شِمَالِهِ) فِيهَا اخْتِلَافٌ بَينَ الرُّوَاةِ، فَمِنْهُم مَنْ أَورَدَهَا هَكَذَا وَمِنْهُم مَنْ أَورَدَهَا بِلَفْظِ: «بِيَدِهِ الأُخْرَى»، وَعَلَى كُلٍّ إِنْ كَانَتْ ثَابِتَةً -بِاللَّفْظِ الأَوَّلِ- مِنْ جِهَةِ الحَدِيثِ (^٣) فَلَيسِ فِيهَا تَعَارُضٌ مَعَ حَدِيثِ: «وَكِلْتَا يَدِي رَبِّي يَمِينٌ» (^٤) وَذَلِكَ مِنْ وَجْهَينِ:\n_________\n(^١) (الإِصْبَع): مُثَلَّثَةُ الأَوَّلِ وَالثَّالِثِ.\n(^٢) وَفِي البَابِ مَسْأَلَةٌ خَاصَّةٌ فِي رَدِّ شُبُهَاتِ المُعَطِّلَةِ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ؛ سَتَأْتِي إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.\n(^٣) قَدْ حَكَمَ عَلَيهَا الحَافِظُ البَيهَقِيُّ ﵀ بِالشُّذُوذِ فِي كِتَابِهِ (الأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ) (٢/ ١٣٩)، وَعَدَّهَا الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ مُنْكَرَةً. الصَّحِيحَةُ (٣١٣٦). وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي الحَاشِيَةِ قَبْلَ قَلِيلٍ.\n(^٤) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٣٣٦٨) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٥٢٠٩).\nوَهُوَ بِتَمَامِهِ: «لَمَّا خَلَقَ اللهُ آدَمَ وَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ؛ عَطَسَ فَقَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَحَمِدَ اللهَ بِإِذْنِهِ، فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ:\n=","vol":"2","page":545},{"text":"١ - أَنَّ الإِشْكَالَ بَينَ كَونِهَا يَمِينًا أَو شِمَالًا هُوَ بِاعِتَبارِ المَخْلُوقِ، أَمَّا اللهُ تَعَالَى فَلَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ، فَمَا صَحَّ أَنْ يَكُونَ مُشْكِلًا فِي حَقِّ المَخْلُوقِ؛ لَا يَلْزَمُ عَلَيهِ أَنْ يَكُونَ مُشْكِلًا فِي حَقِّ الخَالِقِ تَعَالَى (^١).\n_________\n=\nرَحِمَكَ اللهُ يَا آدَمُ، اذْهَبْ إِلَى أُولَئِكَ المَلَائِكَةِ -إِلَى مَلَإٍ مِنْهُمْ جُلُوسٍ- فَقُلْ: السَّلَامُ عَلَيكُمْ. قَالُوا: وَعَلَيكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى رَبِّهِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ بَنِيكَ بَينَهُمْ. فَقَالَ اللهُ لَهُ -وَيَدَاهُ مَقْبُوضَتَانِ-: اخْتَرْ أَيَّهُمَا شِئْتَ، قَالَ: اخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِّي، وَكِلْتَا يَدَي رَبِّي يَمِينٌ مُبَارَكَةٌ، ثُمَّ بَسَطَهَا فَإِذَا فِيهَا آدَمُ وَذُرِّيَّتُهُ، فَقَالَ: أَي رَبِّ؛ مَا هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ ذُرِّيَّتُكَ. فَإِذَا كُلُّ إِنْسَانٍ مَكْتُوبٌ عُمْرُهُ بَينَ عَينَيهِ-، فَإِذَا فِيهِمْ رَجُلٌ أَضْوَؤُهُمْ -أَو مِنْ أَضْوَئِهِمْ- قَالَ: يَا رَبِّ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا ابْنُكَ دَاوُدُ؛ قَدْ كَتَبْتُ لَهُ عُمْرَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، قَالَ: يَا رَبِّ زِدْهُ فِي عُمْرِهِ. قَالَ: ذَاكَ الَّذِي كُتِبَ لَهُ، قَالَ: أَي: رَبِّ؛ فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُ لَهُ مِنْ عُمْرِي سِتِّينَ سَنَةً، قَالَ: أَنْتَ وَذَاكَ. قَالَ: ثُمَّ أُسْكِنَ الجَنَّةَ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أُهْبِطَ مِنْهَا، فَكَانَ آدَمُ يَعُدُّ لِنَفْسِهِ، قَالَ: فَأَتَاهُ مَلَكُ المَوتِ، فَقَالَ لَهُ آدَمُ: قَدْ عَجَّلْتَ! قَدْ كُتِبَ لِي ألْفُ سَنَةٍ، قَالَ: بَلَى، وَلَكِنَّكَ جَعَلْتَ لابْنِكِ دَاوُدَ سِتِّينَ سَنَةً، فَجَحَدَ؛ فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَنَسِيَ؛ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ. قَالَ: فَمِنْ يَومِئِذٍ أُمِرَ بِالكِتَابِ وَالشُّهُودِ».\n(^١) وَسُئِلَ الشَّيخُّ الأَلْبَانِيُّ ﵀: \"كَيفَ نُوَفِّقُ بَينَ رِوَايَةِ (بِشِمَالِهِ) الوَارِدَةِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ؛ وَقَولِهِ ﷺ: «وَكِلْتَا يَدِيهِ يَمِينٌ»؟\nالجَوَابُ: لَا تَعَارُضَ بَينَ الحَدِيثَينِ بَادِئ بِدْءٍ؛ فَقَولُهُ ﷺ: «وَكِلْتَا يَدِيهِ يَمِينٌ» تَأْكَيدٌ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾، فَهَذَا الوَصْفُ الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَأْكِيدٌ لِلتَّنْزِيهِ، فَيَدُ اللهِ لَيسَتْ كَيَدِ البَشَرِ (شِمَالٌ وَيَمِينٌ) وَلَكِنْ كِلْتَا يَدِيهِ سُبْحَانَهُ يَمِينٌ.\nوَأَمْرٌ آخَرٌ؛ أَنَّ رِوَايَةَ: (بِشِمَالِهِ) شَاذَّةٌ؛ كَمَا بيَّنْتُهَا فِي (تَخْرِيجِ المُصْطَلَحَاتِ الأَرْبَعَةِ الوَارِدَةِ فِي القُرْآنِ) (رَقَم ١) لِلمَودُودِيِّ.\nوَيُؤَكِّدُ هَذَا أَنَّ أَبَا دَاوُدَ رَوَاهُ وَقَالَ: «بِيَدِهِ الأُخْرَى» - بَدَلَ: (بِشِمَالِهِ) - وَهُوَ المُوَافِقُ لِقَولِهِ ﷺ: «وَكِلْتَا يَدِيهِ يَمِينٌ»، وَاللهُ أَعْلَمُ\". مَجَلَّةِ الأَصَالَةِ (ع ٤، ص ٦٨).\nقُلْتُ: وَاُنْظُرْ كِتَابَ (صِفَاتُ اللهِ ﷿ الوَارِدَةُ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ) (ص ٣٨٥) لِلشَّيخِ عَلَوِيِّ السَّقَّافِّ.","vol":"2","page":546},{"text":"٢ - أَنَّ قَولَهُ: «وَكِلْتَا يَدَي رَبِّي يَمِينٌ» مَعْنَاهُ أَنَّ شِمَالَهُ سُبْحَانَهُ لَيسَتْ بِأَنْقَصَ مَنْ يَمِينِهِ -كَحَالِ البَشَرِ-، فَهِيَ لَا تَعْنِي أَنَّهَا لَيسَتْ شِمَالًا، وَدِلَالَةُ ذَلِكَ سِيَاقُ الحَدِيثِ وَفِيهِ: «فَقَالَ اللهُ لَهُ [أَي: لِآدَمَ]-وَيَدَاهُ مَقْبُوضَتَانِ-: اخْتَرْ أَيَّهُمَا شِئْتَ، قَالَ: اخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِّي؛ وَكِلْتَا يَدَي رَبِّي يَمِينٌ مُبَارَكَةٌ» (^١).\nوَالأَقْرَبُ -وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ- هُوَ التَّوَقُّفُ فِيهَا لِعَدَمِ ثُبُوتِهَا مِنْ جِهَةِ صَنْعَةِ الحَدِيثِ (^٢).\n- قَولُهُ: «ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ» أَي: هَزًّا حَقِيقِيًّا، فَيَظْهَرُ فِيهِ لِلعِبَادِ فِي ذَلِكَ المَوقِفِ عَظَمَتُهُ تَعَالَى وَقُدْرَتُهُ.\nوَفِي الحَدِيثِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ -وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ- يَقُولُ: «يَأْخُذُ الجَبَّارُ سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضَهُ بِيَدِهِ -وَقَبَضَ بِيَدِهِ فَجَعَلَ يَقْبِضُهَا وَيَبْسُطُهَا- ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الجَبَّارُ، أَينَ الجَبَّارُونَ؟ أَينَ المُتَكَبِّرُونَ؟» قَالَ: وَيَتَمَيَّلُ\n_________\n(^١) أَفَادَهُ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ فِي كِتَابِهِ (القَولُ المُفِيدُ) (٢/ ٥٣٤).\n(^٢) وَجَاءَ فِي كِتَابِ (صِفَاتُ اللهِ ﷿ الوَارِدَةُ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ) للشَّيخِ عَلَوِيُّ السَّقَّافُ (٣٧٩):\n\"أَوَّلًا: القَائِلُونَ بِإِثْبَاتِ صِفَةِ الشِّمَالِ أَوِ اليَسَارِ، وَمِنْهُم: الإِمَامُ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، وَأَبُو يَعْلَى الفَرَّاءُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، وَصِدِّيقُ حَسَن خَان، وَمُحَمَّدُ خَلَيل الهَرَّاسُ، وَعَبْدُ اللهِ الغُنَيمَانُ، وَإِلَيكَ أَدِلَّتَهُم وَأَقْوَالَهُم: … (وَسَاقَهَا).\nثَانِيًا: القَائِلُونَ بِأَنَّ كِلْتَا يَدِي اللهِ يَمِينٌ -لَا شِمَالَ وَلَا يَسَارَ فِيهِمَا- مِنْهُمْ: الإِمَامُ ابْنُ خُزَيمَةَ فِي (كِتَابِ التَّوحِيدِ)، وَالإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالبَيهَقِيُّ، وَالأَلْبَانِيُّ، وَإِلَيكَ أَدِلَّتَهُم وَأَقْوَالَهُم: … (وَسَاقَهَا).\nالتَّرْجِيحُ: إِنَّ تَعْلِيلَ القَائِلِينَ بِأَنَّ إِحْدَى يَدَي اللهِ ﷿ يَمِينٌ وَالأُخْرَى شِمَالٌ؛ وَأَنَّنَا إِنَّمَا نَقُولُ كِلْتَاهُمَا يَمِينٌ؛ تَأَدُّبًا وَتَعْظِيمًا؛ إِذِ الشِّمَالُ مِنْ صِفَاتِ النَّقْصِ وَالضَّعْفِ؛ قَولٌ قَوِيٌّ، وَلَهُ حَظٌّ مِنَ النَّظَرِ؛ إِلَّا أَنَّنَا نَقُولُ: إِنَّ صِفَاتِ اللهِ تَوقِيفِيَّةٌ، وَمَا لَمْ يَأْتِ دَلِيلٌ صَحِيحٌ صَرِيحٌ فِي وَصْفِ إِحْدَى يَدِي اللهِ ﷿ بِالشِّمَالِ أَوِ اليَسَارِ؛ فَإِنَّنَا لَا نَتَعَدَّى قَولَ النَّبِيِّ ﷺ: «كِلْتَاهُمَا يَمِينٌ». وَاللهُ أَعْلَمُ\". تَمَّ بِحَذْفٍ دُونَ تَصَرُّفٍ.","vol":"2","page":547},{"text":"رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى المِنْبَرِ يَتَحَرَّكُ مِنْ أَسْفَلِ شَيءٍ مِنْهُ؛ حَتَّى إِنِّي أَقُولُ: أَسَاقِطٌ هُوَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ؟ (^١)\n- قَولُهُ: «أَنَا المَلِكُ» أَي أَنَّهُ فِي ذَلِكَ اليَومِ لَا مُلْكَ لِأَحَدٍ سِوَى اللهِ ﷿، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيءٌ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ﴾ [غَافِر: ١٦]، وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَقَدْ جَعَلَ اللهُ مِنَ النَّاسِ مُلُوكًا عَلَى مَا اسْتَخْلَفَهُم فِيهِ (^٢)، وَمُلْكُهُم قَاصِرٌ وَلَا رَيبَ (^٣)، وَأَمَّا مُلْكُ اللهِ تَعَالَى تَامٌّ، وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى فِي الآخِرَةِ يَحْشُرُ النَّاسَ جَمِيعًا حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا (^٤)؛ فَيَظْهَرُ فِيهِ بِشَكْلٍ بَيِّنٍ -لَا خَفَاءَ فِيهِ عَلَى أَحَدٍ وَلَا اسْتِكْبَارَ- كَمَالُ مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ تَعَالَى.\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ في التَّفْسِيرِ (١/ ١٣٤): \"وَتَخْصِيصُ المُلْكِ بِيَومِ الدِّينِ لَا يَنْفِيهِ عَمَّا عَدَاهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ الإِخْبَارُ بِأَنَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ، وَذَلِكَ عَامٌّ فِي الدُّنْيَا\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. ابْنُ مَاجَه (١٩٨). صَحِيحُ ابْنِ مَاجَه (١٩٨)، وَهُوَ فِي مُسْلِمٍ أَيضًا (٢٧٨٨)؛ وَلَكِنْ لَيسَ فِيهِ ذِكْرُ المَيلُ.\nقَالَ الشَّيخُ الغُنَيمَانُ حَفِظَهُ اللهُ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوحِيدِ مِنْ صَحِيحِ البُخَارِيِّ (١/ ٣٣٠): \"وَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ جَعَلَ يَقْبِضُ يَدَيهِ وَيَبْسُطُهُمَا -تَحْقِيقًا لِلصِّفَةِ- لَا تَشْبِيهًا لَهَا، كَمَا أَنَّهُ ﷺ لَمَّا قَرَأَ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النِّسْاء: ١٣٤] وَضَعَ إِصْبِعَهُ عَلَى عَينِهِ وَالأُخْرَى عَلَى أُذُنِهِ؛ تَحْقِيقًا لِصِفَةِ السَّمْعِ وَالبَصَرِ\".\nقُلْتُ: وَالحَدِيثُ الأَخِيرُ صَحِيحٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (٤٧٢٨). صَحِيحُ أَبِي دَاوُد (٤٧٢٨).\n(^٢) كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحَدِيد: ٧].\n(^٣) وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ بَيَانُ نَوَاحِي هَذَا القُصُورِ.\n(^٤) (غُرْلًا): أَي: غَيرُ مَخْتُونِينَ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأَنْبِيَاء: ١٠٤].","vol":"2","page":548},{"text":"وَالآخِرَةِ، وَإِنَّمَا أُضِيفَ إِلَى يَومِ الدِّينِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي أَحَدٌ هُنَالِكَ شَيئًا، وَلَا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، كَمَا قَالَ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النَّبَأ: ٣٨]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طَه: ١٠٨]، وَقَالَ: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هُود: ١٠٥] \" (^١).\n- قَولُهُ: «أَينَ الجَبَّارُونَ؟» الاسْتِفْهَامُ هُنَا لِلتَّحَدِّي وَالتَّوبِيخِ؛ فَيَقُولُ: أَينَ المُلُوكُ الَّذِينَ كَانُوا فِي الدُّنْيَا لَهُم السُّلْطَةُ وَالتَّجَبُّرُ وَالتَّكَبُّرُ عَلَى عِبَادِ اللهِ؟ وَفِي ذَلِكَ الوَقْتِ يُحْشَرُ أُولَئِكَ أَمْثَالَ الذَّرِّ يَطَؤُهُمُ النَّاسُ بِأَقْدَامِهِم، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «يُحْشَرُ المُتَكَبِّرُونَ يَومَ القِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ في صُوَرِ الرِّجَالِ؛ يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، يُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ في جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولُسَ، تَعْلُوهُمْ نَارُ الأَنْيَارِ، يُسْقَونَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ؛ طِينَةِ الخَبَالِ» (^٢)، وذَلكَ مُقَابَلَةً لَهُم مِنْ جِنْسِ عَمَلِهِم.\n- قَولُهُ: «فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ» هَكَذَا سَاقَهُ المُؤَلِّفُ؛ وَلَكِنَّ الَّذِي فِي تَفْسِيرِ ابْنِ جَرِيرٍ هُوَ بِلَفْظِ: «فِي يَدِ اللهِ»، إِلَّا أَنَّ صِفَةَ الكَفِّ للهِ تَعَالَى ثَابِتَةٌ فِي أَحَادِيثَ أُخْرَ صَحِيحَةٍ (^٣).\n- قَولُهُ: «كَخَرْدَلَةٍ» هِيَ حَبَّةُ نَبَاتٍ صَغِيرَةٍ جِدًّا؛ يُضْرَبُ بِهَا المَثَلُ فِي الصِّغَرِ وَالقِلَّةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى عَظَمَتِهِ سُبْحَانَهُ، وَأَنَّهُ تَعَالَى لَا يُحِيطُ بِهِ شَيءٌ، وَالأَمْرُ أَعْظَمُ مِنْ\n_________\n(^١) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (١/ ١٣٤).\n(^٢) حَسَنٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٤٩٢) عَنِ ابْنِ عَمْرُو مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٨٠٤٠).\n(^٣) كَمَا فِي الحَدِيثِ: «مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ -وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ- إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ -وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً- فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الجَبَلِ؛ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَو فَصِيلَهُ». مُسْلِمٌ (١٠١٤) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.","vol":"2","page":549},{"text":"هَذَا التَّمْثِيلِ التَّقْرِيبِيِّ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ، وَلَا تُحِيطُ بِهِ الأَفْهَامُ.\n- فَي الآثَارِ السَّابِقَةِ بَيَانُ مَذْهَبِ السَّلَفِ فِي إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ وَإِمْرَارِهَا كَمَا جَاءَتْ مِنْ غَيرِ تَأْوِيلٍ وَلَا تَعْطِيلٍ (^١).\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثيرٍ ﵀ في التَّفْسِيرِ -عِنْدَ آيَةِ البَابِ-: \"وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، وَالطَّرِيقُ فِيهَا وَفِي أَمْثَالِهَا مَذْهَبُ السَّلَفِ، وَهُوَ إِمْرَارُهَا كَمَا جَاءَتْ مِنْ غَيرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَحْرِيفٍ\" (^٢).\nوَقَالَ أَيضًا ﵀ فِي كِتَابِهِ (البِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ): \"وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ وَغَيرِ وَاحِدٍ مِنْ رُؤُوسِ أَصْحَابِهِ [أَي: الشَّافِعِيِّ] مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَمُرُّ بِآيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَحَادِيثِهَا كَمَا جَاءَتْ مِنْ غَيرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَشْبِيهٍ وَلَا تَعْطِيلٍ وَلَا تَحْرِيفٍ؛ عَلَى طَرِيقِ السَّلَفِ\" (^٣).\nوَقَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ في كِتَابِهِ (العُلُوُّ لِلعَليِّ الغَفَّارِ): \"وَعَنْ يُونُسَ بْنِ\n_________\n(^١) وَمِنَ التَّأْوِيلِ المَذْمُومِ -وَالَّذِي لَمْ يَقُمْ عَلَيهِ دَلِيلٌ صَحِيحٌ صَرِيحٌ شَرْعِيٌّ- مَا فِي تَفْسِيرِ الجَلَالَينِ (ص ١٧٧) عِنْدَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، فَقَالَ ﵀: \"مَا عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، أَو مَا عَظَّمُوهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ حِينَ أَشْرَكُوا بِهِ غَيرَهُ، ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا﴾ حَالٌ؛ أَي: السَّبْعُ؛ ﴿قَبْضَتُهُ﴾ أَي: مَقْبُوضَةٌ لَهُ: أَي: فِي مُلْكِهِ وَتَصَرًّفِهِ!!! ﴿يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ﴾ مَجْمُوعَاتٌ؛ ﴿بِيَمِينِهِ﴾ بِقُدْرَتِهِ!!! ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ مَعَهُ\".\nقُلْتُ: عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ (أَوِ التَّأْوِيلِ) تَرِدُ أَسْئِلَةٌ مُخْتَصَرَةٌ، وَفِي تَأَمُّلِهَا الإِجَابَةُ:\nأ- مَنْ فَسَّرَ (القَبْضَةَ) بِالمُلْكِ، وَ(اليَمِينَ) بِالقُدْرَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي هَذِهِ الآيَةِ؟\nب- مَا وَجْهُ جَعْلِ الأَرْضِ يَومَ القِيَامَةِ -دُونَ السَّمَوَاتِ؛ فِي هَذَا التَّفْسِيرِ- مَخْصُوصَةً بِالمُلْكِ وَالتَّصَرُّفِ؛ رُغْمَ أَنَّ كُلَّ شَيءٍ هُوَ أَصْلًا فِي مُلْكِهِ وَتَصَرُّفِهِ تَعَالَى؛ سَوَاءً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؟\n(^٢) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِير (٧/ ١١٣).\n(^٣) البِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ (١٤/ ١٣٨).","vol":"2","page":550},{"text":"عَبْدِ الأَعْلَى؛ سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: للهِ تَعَالَى أَسْمَاءٌ وَصِفَاتٌ لَا يَسَعُ أَحَدًا -قَامَتْ عَلَيهِ الحُجَّةُ- رَدُّهَا\" (^١).\nوَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي): \"وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الأَعْلَى؛ سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: للهِ أَسْمَاءٌ وَصِفَاتٌ لَا يَسَعُ أَحَدًا رَدُّهَا، وَمَنْ خَالَفَ بَعْدَ ثُبُوتِ الحُجَّةِ عَلَيهِ فَقَدَ كَفَرَ، وَأَمَّا قَبْلَ قِيَامِ الحُجَّةِ فَإِنَّهُ يُعْذَرُ بِالجَهْلِ، لِأَنَّ عِلْمَ ذَلِكَ لَا يُدْرِكُ بِالعَقْلِ وَلَا الرُّؤْيَةِ وَالفِكْرِ، فَنُثْبِتُ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَنَنْفِي عَنْهُ التَّشْبِيهَ كَمَا نَفَى عَنْ نَفْسِهِ، فَقَالَ: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ \" (^٢).\n- قَولُهُ: «مَا الكُرْسِيِّ فِي العَرْشِ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ بَينَ ظَهْرَي فَلَاةٍ مِنَ الأَرْضِ» فِيهِ بَيَانُ عَظَمَةِ العَرْشِ، وَعَظَمَتُهُ تَدُلُّ عَلَى عَظَمَةِ صَاحِبِهِ وَخَالِقِهِ ﵎.\n- قَولُ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: (وَاللَّهُ فَوقَ العَرْشِ؛ لَا يَخْفَى عَلَيهِ شَيءٌ مِنْ أَعْمَالِكُمْ) فِيهِ بَيَانُ عُلُوِّهِ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ فَوقَ جَمِيعِ مَخْلُوقَاتِهِ؛ وَأَنَّ عُلُوَّهُ مُلَازِمٌ لِعِلْمِهِ تَعَالَى لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ؛ خِلَافًا لِحَالِ المَخْلُوقِ.\nوَفِي الحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: (تَبَارَكَ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ كُلَّ شَيءٍ! إِنِّي لَأَسْمَعُ كَلَامَ خَولَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ -وَيَخْفَى عَلَيَّ بَعْضُهُ- وَهِيَ تَشْتَكِي زَوجَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ وَهِيَ تَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَكَلَ شَبَابِي! وَنَثَرْتُ لَهُ بَطْنِي! حَتَّى إِذَا كَبِرَتْ سِنِّي وَانْقَطَعَ وَلَدِي ظَاهَرَ مِنِّي!! اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيكَ، فَمَا بَرِحَتْ حَتَّى نَزَلَ جِبْرَائِيلُ بِهَؤُلَاءِ\n_________\n(^١) العُلُوُّ لِلعَليِّ الغَفَّارِ (ص ١٦٦).\n(^٢) فَتْحُ البَارِي (١٣/ ٤٠٧).","vol":"2","page":551},{"text":"الآيَاتِ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المُجَادِلَة: ١]) (^١).\n- فَائِدَةٌ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُول اللهِ ﷺ عَنْ قَولِهِ: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ فَأَينَ النَّاسُ يَومَئِذٍ يَا رَسُول اللهِ ﷺ؟ قَالَ: «هُمْ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ» (^٢).\n- قَولُ المُصَنِّفِ ﵀ فِي المَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ (أَنَّ هَذِهِ العُلُومَ وَأَمْثَالَهَا بَاقِيَةٌ عِنْدَ اليَهُودِ الَّذِينَ فِي زَمَنِهِ ﷺ لَمْ يُنْكِرُوهَا وَلَمْ يَتَأَوَّلُوهَا): كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ اليَهُودَ خَيرٌ -مِنْ هَذِهِ الجِهَةِ- مِنْ أُولَئِكَ المُعَطِّلَةِ لِلصِّفَاتِ؛ المُحَرِّفِينَ لَهَا، لِأَنَّهُم لَمْ يُكَذِّبُوهَا وَلَمْ يَتَأَوَّلُوهَا.\n- ذِكْرُ تَرْجَمَةِ بَعْضِ مَنْ سَبَقَ مِنَ الأَعْلَامِ:\nابْنُ جَرِيرٍ: هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ بْنِ يَزِيدَ بْنِ كَثِيرٍ الطَّبَرِيُّ الآمِلِيُّ؛ أَبُو جَعْفَرٍ، صَاحِبُ التَّفْسِيرِ المَشْهُورِ، إِمَامٌ مُجْتَهِدٌ؛ عَالِمُ عَصْرِهِ، (ت ٣١٠ هـ) (^٣).\nوَيُونُسُ: هُوَ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى المَصْرِيُّ، ثِقَةٌ فَقِيهٌ، (ت ٢٦٤ هـ).\nوَابْنُ مَهْدِي: هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِي بْنِ حَسَّانِ العَنْبَرِيُّ، إِمَامٌ ثِقَةٌ، (ت ١٩٨ هـ).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. صَحِيحُ ابْنِ مَاجَه (٢٠٦٣).\nوَرَوَاهُ البُخَارِيُّ (٩/ ١١٧) تَعْلِيقًا، وَقَالَ: (بَابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ وَقَالَ الأَعْمَشُ: عَنْ تَمِيمٍ؛ عَنْ عُرْوَةَ؛ عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الأَصْوَاتَ؛ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾).\n(^٢) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٤٨٥٦) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٥٦١).\n(^٣) وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ رُسْتُمَ؛ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ (أَيضًا)؛ فَهُوَ مِنَ الرَّوَافِضِ. انْظُرِ السِّيَرَ (١٤/ ٢٦٧) وَ(١٤/ ٢٨٢) لِلذَّهَبِيِّ ﵀.","vol":"2","page":552},{"text":"وَابْنُ وَهْبٍ: هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبِ بْنِ مُسْلِمٍ القُرَشِيُّ، ثِقَةٌ حَافِظٌ، (ت ١٩٧ هـ).\nوَابْنُ زَيدٍ: هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ القُرَشِيُّ، ضَعِيفٌ، (ت ١٨٢ هـ)، وَأَبُوهُ فَقِيهٌ عَالِمٌ (ت ١٣٦ هـ).\nوَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ: هُوَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ دِينَارٍ البَصْرِيُّ، ثِقَةٌ عَابِدٌ، (ت ١٦٧ هـ).\nوَالمَسْعُودِيُّ: هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، صَدُوقٌ، (ت ١٦٠ هـ).\nوَعَاصِمُ: هُوَ عَاصِمُ بْنُ أَبِي النَّجُودِ -ابْنُ بَهْدَلَةَ- الأَسَدِيُّ، ثِقَةٌ، (ت ١٢٨ هـ).\nوَزِرُّ: هُوَ زِرُّ بْنُ حُبَيشِ بْنِ حُبَاشَةَ بْنِ أَوسٍ الأَسَدِيُّ، ثِقَةٌ جَلِيلٌ، (ت ٨١ هـ).\nوَأَبُو وَائِل: هُوَ شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ الأَسَدِيُّ الكُوفِيُّ، مُخَضْرَمٌ ثِقَةٌ، (ت ٧٩ هـ).","vol":"2","page":553},{"text":"<span data-type='title' id=toc-488>مَسَائِلُ عَلَى البَابِ</span>\n-<span data-type='title' id=toc-489> المَسْأَلَةُ الأُولَى: هَلْ للهِ تَعَالَى صِفَةُ الأَصَابِعِ حَقِيقَةً؟</span>\nأَمْ أَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ مَعْنَى المُلْكِ وَالتَّصَرُّفِ، لِأَنَّ إِثْبَاتَ الأَصَابِعِ للهِ تَعَالَى يَدُلُّ عَلَى التَّجْسِيمِ! وَقَدْ جَاءَ فِي البُخَارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَحِكَ مِنْ قَولِ اليَهُودِيِّ لَمَّا سَمِعَهُ يَقُولُ ذَلِكَ، وَهَذَا أَيضًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّها مِنْ وَصْفِ اليَهُودِ المُجَسِّمَةِ للهِ تَعَالَى! (^١)\n_________\n(^١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: \"وَقَالَ الخَطَّابِيُّ: لَمْ يَقَعْ ذِكْرُ الإِصْبَعِ فِي القُرْآنِ وَلَا فِي حَدِيثٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ اليَدَ لَيسَتْ بِجَارِحَةٍ حَتَّى يُتَوَهَّمَ مِنْ ثُبُوتِهَا ثُبُوتُ الأَصَابِعِ، بَلْ هُوَ تَوقِيفٌ أَطْلَقَهُ الشَّارِعُ فَلَا يُكَيَّفُ وَلَا يُشَبَّهُ، وَلَعَلَّ ذِكْرَ الأَصَابِعِ مِنْ تَخْلِيطِ اليَهُودِيِّ! فَإِنَّ اليَهُودَ مُشَبِّهَةٌ، وَفِيمَا يَدَّعُونَهُ مِنَ التَّورَاةِ أَلْفَاظٌ تَدْخُلُ فِي بَابِ التَّشْبِيهِ وَلَا تَدْخُلُ فِي مَذَاهِبِ المُسْلِمِينَ، وَأَمَّا ضَحِكُهُ ﷺ مِنْ قَولِ الحَبْرِ فَيَحْتَمِلُ الرِّضَى وَالإِنْكَارَ، وَأَمَّا قَولُ الرَّاوِي: (تَصْدِيقًا لَهُ) فَظَنٌّ مِنْهُ وَحُسْبَانٌ، وَقَدْ جَاءَ الحَدِيثُ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ لَيسَ فِيهَا هَذِهِ الزِّيَادَةُ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهَا فَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِحُمْرَةِ الوَجْهِ عَلَى الخَجَلِ، وَبِصُفْرَتِهِ عَلَى الوَجَلِ، وَيَكُونُ الأَمْرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، فَقَدْ تَكُونُ الحُمْرَةُ لِأَمْرٍ حَدَثَ فِي البَدَنِ كَثَوَرَانِ الدَّمِ، وَالصُّفْرَةُ لِثَوَرَانٍ خَلْطٍ مِنْ مِرَارٍ وَغَيرِهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَحْفُوظًا فَهُوَ مَحْمُولٌ على تَأْوِيلِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ أَي: قُدْرَتُهُ عَلَى طَيِّهَا، وَسُهُولَةُ الأَمْرِ عَلَيهِ فِي جَمْعِهَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ جَمَعَ شَيئًا فِي كَفِّهِ وَاسْتَقَلَّ بِحَمْلِهِ مِنْ غَيرِ أَنْ يَجْمَعَ كَفَّهُ عَلَيهِ، بَلْ يُقِلُّهُ بِبَعْضِ أَصَابِعِهِ، وَقَدْ جَرَى فِي أَمْثَالِهِمْ: فُلَانٌ يُقِلُّ كَذَا بِإِصْبَعِهِ وَيَعْمَلُهُ بِخِنْصَرِهِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.\nوَقَدْ تَعَقَّبَ بَعْضُهُمْ إِنْكَارَ وُرُودِ الأَصَابِعِ لِوُرُودِهِ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ كَالحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ: «إِنَّ قَلْبَ بَنِي آدَمَ بَينَ إِصْبَعَينِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ» وَلَا يَرِدُ عَلَيهِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا نَفَى القَطْعَ.\nوَقَالَ القُرْطُبِيُّ فِي المُفْهِمِ: \"قَولُهُ: «إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ ..» إِلَى آخِرِ الحَدِيثِ، هَذَا كُلُّهُ قَولُ اليَهُودِيِّ وَهُمْ يَعْتَقِدُونَ التَّجْسِيمَ وَأَنَّ اللهَ شَخْصٌ ذُو جَوَارِحَ! كَمَا يَعْتَقِدُهُ غُلَاةُ المُشَبِّهَةِ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَضَحِكُ النَّبِيُّ ﷺ إِنَّمَا هُوَ لِلتَّعَجُّبِ مِنْ جَهْلِ اليَهُودِيِّ، وَلِهَذَا قَرَأَ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أَي: مَا عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ وَلَا عَظَّمُوهُ حَقَّ تَعْظِيمِهِ، فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الصَّحِيحَةُ المُحَقَّقَةُ، وَأَمَّا مَنْ زَادَ: (تَصْدِيقًا لَهُ) فَلَيسَتْ بِشَيءٍ؛ فَإِنَّهَا مِنْ قَولِ الرَّاوِي وَهِيَ بَاطِلَةٌ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يُصَدِّقُ المُحَالَ، وَهَذِهِ الأَوصَافُ\n=","vol":"2","page":554},{"text":"_________\n=\nفِي حَقِّ اللهِ مُحَالٌ؛ إِذْ لَو كَانَ ذَا يَدٍ وَأَصَابِعَ وَجَوَارِحَ كَانَ كَوَاحِدٍ مِنَّا؛ فَكَانَ يَجِبُ لَهُ مِنَ الِافْتِقَارِ وَالحُدُوثِ وَالنَّقْصِ وَالعَجْزِ مَا يَجِبُ لَنَا، وَلَو كَانَ كَذَلِكَ لَاسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ إِلَهًا؛ إِذْ لَو جَازَتِ الإِلَهِيَّةُ لِمَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ لَصَحَّتْ لِلدَّجَّالِ وَهُوَ مُحَالٌ، فَالمُفْضِي إِلَيهِ كَذِبٌ، فَقَولُ اليَهُودِيِّ كَذِبٌ وَمُحَالٌ، وَلِذَلِكَ أَنْزَلَ اللهُ فِي الرَّدِّ عَلَيهِ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، وَإِنَّمَا تَعَجَّبَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ جَهْلِهِ؛ فَظَنَّ الرَّاوِي أَنَّ ذَلِكَ التَّعَجُّبَ تَصْدِيقٌ وَلَيسَ كَذَلِكَ.\nفَإِنْ قِيلَ قَدْ صَحَّ حَدِيثُ: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ بَينَ إِصْبَعَينِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ».\nفَالجَوَابُ: أَنَّهُ إِذَا جَاءَنَا مِثْلُ هَذَا فِي الكَلَامِ الصَّادِقِ تَأَوَّلْنَاهُ أَو تَوَقَّفْنَا فِيهِ إِلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ وَجْهُهُ -مَعَ القَطْعِ بِاسْتِحَالَةِ ظَاهِرِهِ لِضَرُورَةِ صِدْقِ مَنْ دَلَّتِ المُعْجِزَةُ عَلَى صِدْقِهِ-، وَأَمَّا إِذَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ مَنْ يَجُوزُ عَلَيهِ الكَذِبُ بَلْ عَلَى لِسَانِ مَنْ أَخْبَرَ الصَّادِقُ عَنْ نَوعِهِ بِالكَذِبِ وَالتَّحْرِيفِ كَذَّبْنَاهُ وَقَبَّحْنَاهُ، ثُمَّ لَو سَلَّمْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَرَّحَ بِتَصْدِيقِهِ؛ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَصْدِيقًا لَهُ فِي المَعْنَى! بَلْ فِي اللَّفْظِ الَّذِي نَقَلَهُ مِنْ كِتَابِهِ عَنْ نَبِيِّهِ وَنَقْطَعُ بِأَنَّ ظَاهِرَهُ غَيرُ مُرَادٍ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.\nوَهَذَا الَّذِي نَحَا إِلَيهِ أَخِيرًا أَولَى مِمَّا ابْتَدَأَ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الطَّعْنِ عَلَى ثِقَاتِ الرُّوَاةِ وَرَدِّ الأَخْبَارِ الثَّابِتَةِ، وَلَو كَانَ الأَمْرُ عَلَى خِلَافِ مَا فَهِمَهُ الرَّاوِي بِالظَّنِّ لَلَزِمَ مِنْهُ تَقْرِيرُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى البَاطِلِ وَسُكُوتُهُ عَنِ الإِنْكَارِ؛ وَحَاشَا لِلَّهِ مِنْ ذَلِكَ.\nوَقد اشْتَدَّ إِنْكَارُ ابْنِ خُزَيمَةَ عَلَى مَنِ ادَّعَى أَنَّ الضَّحِكَ المَذْكُورَ كَانَ عَلَى سَبِيلِ الإِنْكَارِ؛ فَقَالَ بَعْدَ أَنْ أَورَدَ هَذَا الحَدِيثَ فِي كِتَابِ التَّوحِيدِ مِنْ صَحِيحِهِ بِطَرِيقِهِ: (قَدْ أَجَلَّ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ عَنْ أَنْ يُوصَفَ رَبُّهُ بِحَضْرَتِهِ بِمَا لَيسَ هُوَ مِنْ صِفَاتِهِ؛ فَيَجْعَلَ بَدَلَ الإِنْكَارِ وَالغَضَبِ عَلَى الوَاصِفِ ضَحِكًا! بَلْ لَا يَصِفُ النَّبِيَّ ﷺ بِهَذَا الوَصْفِ مَنْ يُؤْمِنُ بِنُبُوَّتِهِ).\nوَقَدْ وَقَعَ الحَدِيثُ المَاضِي فِي الرِّقَاقِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَفَعَهُ: «تَكُونُ الأَرْضُ يَومَ القِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً يَتَكَفَّؤُهَا الجَبَّارُ بِيَدِهِ كَمَا يَتَكَفَّؤُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ» الحَدِيثَ، وَفِيهِ أَنَّ يَهُودِيًّا دَخَلَ فَأَخْبَرَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَصْحَابه ثُمَّ ضَحِكَ\". فَتْحُ البَارِي (١٣/ ٣٩٨).\nقُلْتُ: وَقَولُ الحَافِظِ ﵀ عَنْ قَولِ ابْنِ خُزَيمَةَ السَّابِقِ إِنَّمَا هُوَ فِي كِتَابِهِ (التَّوحِيدُ) (١/ ١٧٨)، وَلَيسَ فِي صَحِيحِهِ أَصْلًا -لَا الحَدِيثَ وَلَا البَيَانَ-، وَالحَمْدُ للهِ.\nوَمَعْنَى الحَدِيثِ الأَخِيرِ الَّذِي أَورَدَهُ الحَافِظُ هُوَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَجْعَلُ الأَرْضَ كَالرَّغِيفِ العَظِيمِ؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ طَعَامًا لِأَهْلِ الجَنَّةِ.\n=","vol":"2","page":555},{"text":"_________\n=\nوَكُلُّ مَا سَبَقَ مِنَ الشُّبَهِ -بِحَمْدِ اللهِ- مَرْدُودٌ عَلَيهَا فِي الجَوَابِ؛ عَدَا جُمْلَةِ القُرْطُبِيِّ -عَفَا اللهُ عَنْهُ- وَهُوَ \"إِذْ لَو جَازَتِ الإِلَهِيَّةُ لِمَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ لَصَحَّتْ لِلدَّجَّالِ\"!!\nوَالجَوَابُ: هَلِ الأُلُوهِيَّةُ تُنْفَى بِإِثْبَاتِ الصِّفَاتِ؟! فَعَلَى هَذَا تُنْفَى بَاقِي الصِّفَاتِ السَّبْعَةِ -عَلَى مَذْهَبِ الأَشَاعِرَةِ- أَيضًا عَنِ اللهِ تَعَالَى!!\nفَإِذَا قِيلَ: هَذِهِ الصِّفَاتُ السَّبْعَةُ هِيَ كَمَا يَلِيقُ بِهِ سُبْحَانَهُ؛ فَنَقُولُ: وَتِلْكَ الَّتِي أَثْبَتَهَا الشَّرْعُ أَيضًا هِيَ كَمَا يَلِيقُ بِهِ سُبْحَانَهُ.\nثُمَّ لَو كَانَتْ صِفَاتُ المَسِيحِ الدَّجَّالِ الجَسَدِيَّةُ هِيَ عِلَّةُ إِنْكَارِ رُبُوبِيَّتِهِ -كَمَا سَيَدَّعِيهِ هُوَ فِي وَقْتِهِ- لَمْ يَكُنْ لِإِخْبَارِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ أَوجُهِ مَعْرِفَتِهِ سَبَبٌ أَبَدًا، حَيثُ أَخْبَرَ ﵊ عَنْهُ بِعِدَّةِ صِفَاتٍ -غَيرِ جَسَدِيَّةٍ- لِمَعْرِفَةِ كَذِبِهِ، فَلَمْ تَكُنْ صِفَاتُهُ الجَسَدِيَّةُ هِيَ وَجْهُ بَيَانِ ضَلَالِهِ، وَإِنَّمَا جَاءَ بَيَانُ وَجْهِ الضَّلَالَةِ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ ﵊ عَنْهُ مِنْ أَنَّهُ يَأْتِي وَمَعَهُ جَنَّةٌ وَنَارٌ، وَأَنَّهُ يُحْيِي المَيِّتَ -بِإِذْنِ اللهِ الكَونِيِّ- وَأَنَّهُ مَكْتُوبٌ بَينَ عَينَيهِ كَافِرٌ وَ…، هَذَا كُلُّهُ مَعَ ضَرُورَةِ مَعْرِفَةِ أَنَّهُ لَا تَلَازُمَ أَبَدًا فِي حَقِيقَةِ الصِّفَةِ بَينَ الخَالِقِ وَالمَخْلُوقِ، فَكَمَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى حَيٌّ -وَهَذَا لَا يَعْنِي أَنَّ حَيَاتَهُ مُمَاثِلَةٌ لِحَيَاةِ البَشَرِ-! فَكَذَلِكَ أَصَابِعُهُ سُبْحَانَهُ لَيسَتْ كَأَصَابِعِ البَشَرِ، لِأَنَّ الكَلَامَ فِي الصِّفَاتِ فَرْعٌ عَنِ الكَلَامِ عَلَى الذَّاتِ.\nفَدَلَّ هَذَا البَيَانُ -بِفَضْلِ اللهِ- عَلَى خَطَأِ تَوجِيهِ القُرْطُبِيِّ ﵀ فِي قَولِهِ: \"إِذْ لَو جَازَتِ الإِلَهِيَّةُ لِمَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ لَصَحَّتْ لِلدَّجَّالِ\". وَبَاقِي الرَّدِّ تَجِدُهُ فِي تَمَامِ الجَوَابِ. وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ.\nقُلْتُ: وَأَمَّا قَولُ الخَطَّابِيِّ -فِي نَقْلِ الحَافِظِ-: \"وَقَدْ جَاءَ الحَدِيثُ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ لَيسَ فِيهَا هَذِهِ الزِّيَادَةُ\"! يَعْنِي قَولَهُ: (تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الحَبْرِ) فَرَدَّهُ الحَافِظُ البَيهَقِيُّ عَلَيهِ بِقَولِهِ: \"قَدْ رُوِّينَا مُتَابَعَةَ عَلْقَمَةَ إِيَّاهُ فِي ذَلِكَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ\". (الأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ) لِلْبَيهَقِيِّ (٢/ ١٦٩).\nوَأَيضًا مِمَّا يَنْبَغِي الإِشَارَةُ إِلَيهِ أَنَّ الإِمَامَ الخَطَّابِيَّ ﵀ رَجَعَ عَن مَذْهَبِهِ ذَاكَ -بِفَضْلِ اللهِ تَعَالَى-.\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀: \"وَقَدْ ذَكَرَ الأَشْعَرِيُّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ أَنَّ طَرِيقَةَ المُتَكَلِّمِينَ فِي الاسْتِدْلَالِ عَلَى قِدَمِ الصَّانِعِ وَحُدُوثِ العَالَمِ بِالجَوَاهِرِ وَالأَجْسَامِ وَالأَعْرَاضِ مُحَرَّمَةٌ عِنْدَ عُلَمَاءِ المُسْلِمِينَ.\nوَقَدْ رُوِيَ ذَمُّ ذَلِكَ وَإِنْكَارُهُ وَنِسْبَتُهُ إِلَى الفَلَاسِفَةِ عَن أَبِي حَنِيفَةَ.\nوَقَالَ ابْنُ سَرَيجٍ: تَوْحِيدُ أَهْلِ العِلْمِ وَجَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ: الشَّهَادَتَانِ، وَتوْحِيدُ أَهْلِ البَاطِنِ مِن المُسْلِمِينَ: الخَوْضُ فِي الأَعْرَاضِ وَالأَجْسَامِ، وَإِنَّمَا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ بِإِنْكَارِ ذَلِكَ. خَرَّجَهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَن ِالسُّلَمِيِّ.\n=","vol":"2","page":556},{"text":"الجَوَابُ: للهِ تَعَالَى صِفَةُ الأَصَابِعِ، وَهِيَ غَيرُ صِفَةِ المُلْكِ، وَلَيسَ فِي إِثْبَاتِ ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّجْسِيمِ للهِ تَعَالَى! فَنُثْبِتُ مَا أَثْبَتَهُ اللهُ تَعَالَى لِنَفْسِهِ وَنَنْفِي عَنْهُ مَا نَفَى سُبْحَانَهُ عَنْ نَفْسِهِ.\nوَلَئِنْ كَانَتْ صِفَةُ السَّمْعِ وَالبَصَرِ وَالإِرَادَةِ لَا تَدُلُّ عَلَى التَّمْثِيلِ -رُغْمَ أَنَّ أَغْلَبَ المَخْلُوقَاتِ الحَيَوَانِيَّةِ لَهُم مِنْ جِنْسِ هَذِهِ الصِّفاتِ-؛ فَإِنَّ صِفَةَ الأَصَابِعِ للهِ تَعَالَى أَيضًا لَا تَدُلُّ عَلَى التَّمْثِيلِ وَلَا عَلَى التَّجْسِيمِ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ القَومَ شَبَّهُوا أَوَّلًا فنَفَرُوا، فعَطَّلُوا ثَانِيًا فَكَفَرُوا.\nأَمَّا مَا ذُكِرَ فِي بَيَانِ مَعْنَى الحَدِيثِ الَّذِي فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ -وَالَّذِي فِيهِ إِثْبَاتُ صِفَةِ الأَصَابِعِ، فَنَحْنُ نُورِدُهُ وَنُلَخِّصُ مِنْهُ أَوجُهًا فِي بَيَانِ المَطْلُوبِ- إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.\nفَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اللهَ يَجْعَلُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الخَلَائِقِ عَلَى إِصْبَعٍ، فَيَقُولُ: أَنَا المَلِكُ. فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَصْدِيقًا لِقَولِ الحَبْرِ. ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزُّمَرْ: ٦٧] (^١).\n_________\n=\nوَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ الخَطَّابِيُّ فِي رِسَالَتِهِ فِي (الغُنْيَةُ عَنِ الكَلَامِ وَأَهْلِهِ)، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا يُؤْخَذُ مِن كَلَامِهِ فِي كَثِيرٍ مِن كُتُبِهِ -مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ، وَيُوَافِقُ طَرِيقَةَ المُتَكَلِّمِينَ- فَقَدْ رَجَعَ عَنْهُ؛ فَإِنَّ نَفيَ كَثِيرٍ مِن الصِّفَاتِ إِنَّمَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى ثُبُوتِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ\". فَتْحُ البَارِي لِابْنِ رَجَبٍ (٧/ ٢٣٦).\n(^١) البُخَارِيُّ (٤٨١١)، وَمُسْلِمٌ (٢٧٨٦).","vol":"2","page":557},{"text":"وَهُنَا وَقَفَاتٌ:\n١ - لَا يَلْزَمُ مِنْ كَونِ اللهِ تَعَالَى قَدْ وُصِفَ بِصِفَةٍ عِنْدَ اليَهُودِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَطَأً مُطْلَقًا! بَلْ مَا وَافَقَ شَرْعَنَا مِنْهُ يَكُونُ مَقْبُولًا، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «مَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ؛ فَإِنْ كَانَ حَقًّا لَمْ تُكَذِّبُوهُمْ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا لَمْ تُصَدِّقُوهُمْ» (^١).\nوَعَلَيهِ فَإِثْبَاتُ أَهْلِ الكِتَابِ لِلْنُبُوَّاتِ وَالمَعَادِ؛ يَلْزَمُ مِنْهُ إِنْكَارُنَا لِذَلِكَ!!\n٢ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ وضَحِكَ، وَلَا يُقَالُ هُنَا: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَحِكَ اسْتِهْزَاءً وَتَعَجُّبًا مِنْ تَجْسِيمِ اليَهُودِيِّ!! وَذَلِكَ لِأُمُورٍ:\nأ- أَنَّ الضَّحِكَ لَا يُعْرَفُ فِي اللُّغَةِ أَنَّهُ يَكُونُ إِنْكَارًا! لَا سِيَّمَا مَعَ السُّكُوتِ وَعَدَمِ البَيَانِ.\nقَالَ إِمَامُ الأَئِمَّةِ ابْنُ خُزَيمَةَ ﵀ فِي كِتَابِ التَّوحِيدِ (١/ ١٧٨): \"بَابُ ذِكْرِ إِمْسَاكِ اللهِ ﵎ اسْمُهُ وَجَلَّ ثَنَاؤُهُ- السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا عَلَيهَا عَلَى أَصَابِعِهِ، جَلَّ ربُّنَا عَنْ أَنْ تَكُونَ أَصَابِعُهُ كَأَصابِعِ خَلْقِهِ، وَعَنْ أَنْ يُشْبِهَ شَيءٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ صِفَاتِ خَلْقِهِ، وَقَدْ أَجَلَّ اللهُ قَدْرَ نَبِيِّهِ ﷺ عَنْ أَنْ يُوصَفَ الخَالِقُ البَارِئُ بِحَضْرَتِهِ بِمَا لَيسَ مِنْ صِفَاتِهِ؛ فَيَسْمَعُهُ فَيَضْحَكُ عِنْدَهُ؛ وَيَجْعَلُ بَدَلَ وُجُوبِ النَّكِيرِ وَالغَضَبِ عَلَى المُتَكَلِّمِ بِهِ ضَحِكًا تَبْدُو نَوَاجِذُهُ تَصْدِيقًا وَتَعَجُّبًا لِقَائِلِهِ! لَا يَصِفُ النَّبِيَّ ﷺ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مُؤْمِنٌ مُصَدِّقٌ برِسَالَتِهِ\" (^٢).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ (١٤٨٧)، وَأَحَمْدُ (١٧٢٢٥) عَنْ أَبِي نَمْلَةَ الأَنْصَارِيِّ. الصَّحِيحَةُ (٢٨٠٠).\n(^٢) كِتَابِ التَّوحِيدِ (١/ ١٧٨).\nوَقَالَ المُبَارَكْفُورِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ تُحْفَةُ الأَحْوَذِيِّ بِشَرْحِ جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ (٩/ ٨١): \"قُلْتُ: قَولُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الضَّحِكَ المَذْكُورَ كَانَ عَلَى سَبِيلِ الإِنْكَارِ! لَا شَكَّ عِنْدِي أَنَّهُ يَسْتَأْهِلُ أَنْ يُنْكَرَ عَلَيهِ أَشَدَّ الإِنْكَارِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ\".","vol":"2","page":558},{"text":"ب- قَدْ ثَبَتَتْ صِفَةُ الأَصَابِعِ للهِ تَعَالَى فِي أَحَادِيثَ أُخَرَ -خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ غَيرَ ذَلِكَ- كَحَدِيثِ: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَينِ إِصْبَعَينِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفهُ حَيثُ شَاءَ» (^١).\nج- أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ أَخْبَرَ أَنَّ هَذَا الضَّحِكَ هُوَ مِنْ بَابِ التَّصْدِيقِ.\nوَأَمَّا قَولُ بَعْضِهِم أَنَّ هَذَا كَانَ بِاعْتِبَارِ مَا فَهِمَ الصَّحَابِيُّ! فَمَرْدُودٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ يَعْلَمُونَ عَنِ اللهِ تَعَالَى أَكْثَرَ مِمَّا نَعْلَمُ بِلَا رَيبٍ، وَأَيضًا هَذَا يَقْتَضِي وَصْفَ ابْنِ مَسْعُودٍ وَسَائِر الصَّحَابَةِ الكِرَامِ بِالتَّجْسِيمِ -عَلَى حَدِّ زَعْمِهِم-!\nوَأَيضًا كَيفَ تَصِحُّ تَخْطِئَتُهُ بِلَا دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ؛ وَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى الإِيمَانَ يَقَعُ صَحِيحًا إِذَا كَانَ عَلَى مِثْلِ إِيمَانِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [البَقَرَة: ١٣٧].\nوَأَيضًا فَإِنَّ مِنْ قَوَاعِدِ عِلْمِ الحَدِيثِ (الرَّاوِي أَدْرَى بِمَرْوِيِّهِ).\n٣ - أَنَّ سُكُوتَ النَّبِيِّ ﷺ بعْدَ هَذَا الوَصْفِ دُونَ أَنْ يُتْبِعَهُ بِبَيَانٍ هُوَ إِقْرَارٌ لَهُ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ عُلِمَ أَيضًا فِي الأُصُولِ أَنَّ (تَأْخِيرَ البَيَانِ عَنْ وَقْتِ الحَاجَةِ لَا يَجُوزُ).\nوَفِي زَعْمِ هَؤُلَاءِ أَنَّ البَيَانَ تأَخَّرَ عَنْ وَقْتِ الحَاجَةِ حَتَّى وَقَعَ المَحْظُورُ، فَفَهِمَ الصَّحَابةُ التَّجْسِيمَ -وَهُوَ الكُفْرُ المَحْضُ عِنْدَ المُعَطِّلَةِ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ وَلَمْ يَفْهَمُوا\n_________\n(^١) مُسْلِمٌ (٢٦٥٤) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمْرو مَرْفُوعًا.","vol":"2","page":559},{"text":"قَصْدَهُ ﵊ مِنْ إِيرَادِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ!!\n٤ - أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ اسْتَدَلَّ بِالقُرْآنِ عَلَى صِحَّةِ مَا قَالَهُ الحَبْرُ عِنْدَمَا تَلَا الآيَةَ الكَرِيمَةَ، حَيثُ ذَكَرَ فِيهَا قَبْضَةَ اللهِ تَعَالَى؛ وَبِمِثْلِ مَا جَاءَ الكَلَامُ عَنِ اليَهُودِيِّ فِي قَبْضِ الأَرْضِ وَطَيِّ السَّمَاءِ.\n٥ - عَلَى تَقْدِيرِ خَطَأ جَعْلِ الأَصَابِعِ صِفَةً للهِ تَعَالَى حَيثُ جَاءَتْ فِي الحَدِيثِ؛ فَهَلْ يُقرُّونَ بِصِفَةِ القَبْضَةِ للهِ تَعَالَى الَّتِي جَاءَتْ فِي الآيَةِ الكَرِيمَة؟ ِ! فَإِنْ كَانُوا كَذَلِكَ -وَلَابُدَّ؛ وَلَو مَعَ التَّأْوِيلِ عِنْدَهُم- فَصِفَةُ الأَصَابِعِ لَيسَتْ بِأَعْجَبَ مِنْ صِفَةِ القَبْضَةِ! فَمَا سَلَّمُوا بِهِ هُنَا يَصْلُحُ أَنْ يُسَلِّمُوا بِمِثْلِهِ هُنَاكَ. وَالحَمْدُ للهِ.\n٦ - أَنَّ المُتَأَمَّلَ فِي سِيَاقِ الحَدِيثِ وَمَا ذُكِرَ فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ بَعْدَهَا يَجِدُ دِلَالَةً ظَاهِرَةً لِمَا ذَكَرْنَاهُ، حَيثُ لَو كَانَ المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ تَنْزِيهَ اللهِ تَعَالَى عَنِ التَّجْسِيمِ وَالصِّفَاتِ القَبِيحَةِ -عَلَى حَدِّ زَعْمِ المُعَطِّلةِ- لَكَانَ اللَّفْظُ المُوَافِقُ لِلسِّيَاقِ هُوَ كَمَا فِي آيَاتٍ أُخَرَ؛ كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأَنْعَام: ١٠٠]، وَإِنَّمَا جَاءَ الكَلَامُ هُنَا مِنْ لَدُنِ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ حَيثُ جَاءَ فِي أَوَّلِ الآيَةِ ذِكْرُ صِفَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ وَالعَظَمَةِ ثُمَّ أُتْبِعَتْ بِالأَمْرِ بِتَوحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ -كَمَا لَا يَخْفَى مِنَ الأُسْلُوبِ القُرْآنِيِّ فِي ذَلِكَ-، فَلَمْ يَذُمَّ اللهُ تَعَالَى مَا ذُكِرَ مِنَ الوَصْفِ!\nوَبِمَعْنًى آخَرَ: إِنَّ الآيَةَ ذمَّتِ المُشْرِكِينَ -وَمِنْهُم اليَهُودُ- عَلَى مَا جَاءُوا بِهِ مِنَ الشِّرْكِ وَلَيسَ مِنَ الوَصْفِ، فَهِيَ كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البَقَرَة: ٢٢].","vol":"2","page":560},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-490> المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: لَمْ يُذْكَرْ فِي الحَدِيثِ أَنَّهُ ﷺ اسْتَعَاذَ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ عِنْدَ تِلَاوَةِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ،</span> وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النَّحْل: ٩٨]! فَمَا الجَوَابُ؟\nالجَوَابُ:\nقَدْ دَلَّتْ سُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ العَمَلِيَّةُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ تَأْمُرُ بِالاسْتِعَاذَةِ فِي حَالِ التِّلَاوَةِ وَلَيسَ فِي حَالِ الاسْتِشْهَادِ وَالاسْتِدْلَالِ، وَكُتُبُ الحَدِيثِ -مِنْ جِهَةِ الهَدْي النَّبَوِيِّ- تَشْهَدُ عَلَى ذَلِكَ.\nقَالَ الحَافِظُ السُّيُوطِيُّ ﵀ فِي رِسَالَتِهِ (القُذَاذَةُ فِي تَحْقِيقِ مَحَلِّ الِاسْتِعَاذَةِ): \"الَّذِي ظَهَرَ لِي مِنْ حَيثُ النَّقْلِ وَالِاسْتِدْلَالِ أَنَّ الصَّوَابَ أَنْ يَقُولَ: قَالَ اللهُ تَعَالَى؛ وَيَذْكُرَ الآيَةَ، وَلَا يَذْكُرَ الِاسْتِعَاذَةَ. فَهَذَا هُوَ الثَّابِتُ فِي الأَحَادِيثِ وَالآثَارِ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ\" (^١).\n_________\n(^١) الحَاوِي لِلفَتَاوِي (١/ ٢٩٧).","vol":"2","page":561},{"text":"<span data-type='title' id=toc-491>المُلْحَقُ الثَّانِي عَشَرَ: مُخْتَصَرٌ فِي الرَّدِّ عَلَى أَبْيَاتٍ مِنَ البُرْدَةِ لِلبُوصِيرِي</span>\n<span data-type='title' id=toc-492>مُقَدِّمَةٌ</span>\nالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ خَاتَمِ المُرْسَلِينَ.\nأَمَّا بَعْدُ؛ فَهَذَا مُلْحَقٌ مُتَمِّمٌ لِكِتَابِي هَذَا قَدِ اسْتَحْسَنْتُ إِيرَادَهُ تَتْمِيمًا لِفَائِدَةِ هَذَا الكِتَابِ المُبَارَكِ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَقَدْ جَعَلْتُهُ خَاصًّا فِي التَّعْلِيقِ والرَّدِّ عَلَى أَبْيَاتٍ مُعَيَّنَةٍ مِن قَصِيدَةِ البُرْدَةِ (^١) المَعْرُوفَةِ لِلبُوصِيرِي (^٢)، وَقَدْ جَمَعْتُ فِيهِ أُصُولًا فِي الرَّدِّ\n_________\n(^١) وَقَدْ أُطْلِقَ عَلَى هَذِهِ القَصِيدَةِ اسْمَ (البُرْدَةُ) مِنْ بَابِ المُحَاكَاةِ وَالمُشَاكَلَةِ لِلقَصِيدَةِ الشَّهِيرَةِ لِكَعْبِ بْنِ زُهَيرٍ ﵁ فِي مَدْحِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَدِ اشْتُهِرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَى كَعْبًا بُرْدَتَهُ حِينَ أَنْشَدَ القَصِيدَةَ -إِنْ صَحَّ ذَلِكَ-؛ لِأَنَّ ابْنَ كَثِيرٍ ﵀ قَالَ: \"قُلْتُ: وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْطَاهُ بُرْدَتَهُ حِينَ أَنْشَدَهُ القَصِيدَةَ، وَقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ الصَّرْصَرِيُّ فِي بَعْضِ مَدَائِحِهِ، وَهَكَذَا ذَكَرَ ذَلِكَ الحَافِظُ أَبُو الحَسَنِ ابْنُ الأَثِيرِ فِي الغَابَةِ قَالَ: وَهِيَ البُرْدَةُ الَّتِي عِنْدَ الخُلَفَاءِ. قُلْتُ: وَهَذَا مِنَ الأُمُورِ المَشْهُورَةِ جِدًّا، وَلَكِنْ لَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيءٍ مِنْ هَذِهِ الكُتُبِ المَشْهُورَةِ بِإِسْنَادٍ أَرْتَضِيهِ؛ فَاللَّهُ أَعْلَمُ\". البِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ (٤/ ٤٢٩).\nكَمَا أَنَّ لِهَذِهِ البُرْدَةِ اسْمًا آخَرَ هُوَ \"البُرْأَةُ\"، وَذَلِكَ لِأَنَّ البُوصِيرِي -كَمَا يَزْعُمُونَ- شُفِيَ بِهَا مِنْ عِلَّتِهِ، وَقَدْ سُمِّيَتْ كَذَلِكَ بِقَصِيدَةِ الشَّدَائِدِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا -فِي زَعْمِهِم- تُقْرَأُ لِتَفْرِيجِ الشَّدَائِدِ وَتَيسِيرِ كُلِّ أَمْرٍ عَسِيرٍ.\nوَبَعْضُهُم يَكْتُبُهَا بِالزَّعْفَرَانِ عَلَى الوَرَقِ ثُمَّ يَحُلُّ الوَرَقَ فِي المَاءِ وَيَشْرَبُهُ بِنِيَّةِ قَضَاءِ الحَاجَاتِ وَالشِّفَاءِ مِنَ الأَمْرَاضِ!\n(^٢) \"مُحَمَّدُ البُوصِيرِي (٦٠٨ - ٦٩٤ هـ): مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ حَمَّادِ بْنِ مُحْسِنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الصَنْهَاجِيُّ؛\n=","vol":"2","page":562},{"text":"عَلَى طَرِيقَةِ أَهْلِ البِدَعِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا البَابِ، وَقَدْ جَمَعْتُهَا مِنْ كَلَامِ أَهْلِ العِلْمِ -مُؤَلِّفًا بَينَهَا- مَعَ بَعْضِ الفَوَائِدِ الَّتِي اسْتَحْسَنْتُ إِيرَادَهَا، وَالحَمْدُ للهِ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَفِي المُلْحَقِ التَّالِي لِهَذَا وَهُوَ \"ردُّ شُبُهَاتِ المُشْرِكِينَ\" مَزِيدُ فَائِدَةٍ عَلَى مَا فِي هَذَا المُلْحَقِ مِنْ وُجُوهٍ أُخَر.\n\n-<span data-type='title' id=toc-493> قَولُهُ: (وقَدَّمَتْكَ جَمِيعُ الأَنْبِيَاءِ بِهَا (^١) … والرُّسْلِ تَقْدِيمَ مَخْدُومٍ عَلَى خَدَمِ)</span>\nالتَّعْلِيقُ: هُوَ خَطَأٌ لَا شَكَّ فِيهِ، وَقِلَّةُ أَدَبٍ مَعَ مَقَامِ النُّبُوَّةِ، لِأَنَّ الأَنْبِيَاءَ بَعْضُهُم مَعَ بَعْضٍ لَيسَ فِيهِم خَادِمٌ وَمَخْدُومٌ، وَلَيسَ تَفْضِيلُ بَعْضِهِم عَلَى بَعْضٍ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ المَفْضُولُ خَادِمًا لِلفَاضِلِ، بَلْ هُمْ سَوَاءٌ فِي النُّبُوَّةِ.\nوَفِي الحَدِيثِ: «لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى» (^٢).\n\n-<span data-type='title' id=toc-494> قَولُهُ: (وَكَيفَ تَدْعُو إلَى الدُّنْيَا ضَرُورَةُ مَنْ … لَولَاهُ لَمْ تَخْرُجِ الدُّنْيَا مِنَ العَدَمِ)</span> (^٣)\nالتَّعْلِيقُ: هُوَ كَذِبٌ عَلَى الشَّرِيعَةِ؛ فَقَدْ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ سَبَبَ خَلْقِ الجِنِّ\n_________\n=\nالدَّلَاصِيُّ؛ البُوصِيرِيُّ؛ (شَرَفُ الدِّينِ؛ أَبُو عَبْدِ اللهِ) صُوفِيٌّ مِنْ أَهْلِ الطُّرُقِ؛ نَاظِمٌ. وُلِدَ بِدِلَاص فِي أَوَّلِ شَوَّال، وَنَشَأَ فِي (أَبُو صِير)، وَتُوُفِّيَ بِالإِسْكَنْدَرِيَّةِ، مِنْ آثَارِهِ: قَصِيدَةُ الكَوَاكِبِ الدُّرِّيَّةِ فِي مَدْحِ خَيرِ البَرِيَّةِ؛ المَعْرُوفَةُ بِالبُرْدَةِ\". مُعْجَمُ المُؤَلِّفِينَ (١٠/ ٢٨) لِعُمَر كَحَّالَة.\n(^١) وَهِيَ مَنْزِلَتُهُ ﷺ، حَيثُ قَالَ فِي البَيتِ السَّابِقِ: (وَبِتَّ تَرْقَى إلَى أنْ نِلْتَ مَنْزِلَةً … مِنْ قَابِ قَوسِينِ لَمْ تُدْرَكْ وَلَمْ تُرَمِ).\n(^٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣٣٩٥) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا.\n(^٣) وَالمَعْنَى: وَكَيفُ يُمْكِنُ لِفَقْرِهِ أَنْ يُغْرِيَهُ بِشَيءٍ مِنْ زَخَارِفِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا؛ وَهُوَ الَّذِي لَمْ تُخْلَقِ الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا إِلَّا لِأَجْلِهِ.","vol":"2","page":563},{"text":"وَالإِنْسِ هُوَ لِعِبَادَتِهِ تَعَالَى، قَالَ ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذَّارِيَات: ٥٦].\nوَبَيَّنَ أَيضًا سُبْحَانَهُ أَنَّهُ خَلَقَ مَا فِي الأَرْضِ لِأَجْلِنَا كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ [البَقَرَة: ٢٩].\nوَأَمَّا الحَدِيثُ المَشْهُورَ عَلَى الأَلْسِنَةِ: «يَا مُحَمَّدُ، لَولَاكَ مَا خَلَقْتُ الدُّنْيَا» فَهوَ مَوضُوعٌ (^١).\nبَلْ إِنَّهُ يُمْكِنُ القَولُ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُبْعَثُ أَصْلًا إِلَّا مِنْ أَجْلِ العَالَمِينَ -رَحْمَةً مِنَ اللهِ بِهِم-، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ١٠٧].\n\n-<span data-type='title' id=toc-495> قَولُهُ: (فَاقَ النَّبِيِّينَ في خَلْقٍ وفي خُلُقٍ … وَلَمْ يُدَانُوهُ في عِلْمٍ وَلَا كَرَمِ\nوَكُلُّهُم مِنْ رَسُولِ اللهِ مُلتَمِسٌ … غَرْفًا مِنَ البَحْرِ أَو رَشفًا مِنَ الدِّيمِ)</span> (^٢)\nالتَّعْلِيقُ: مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ السَّابِقِينَ قَدْ نَالُوا وَأَخَذُوا مِنَ الرَسُولَ اللَّاحِقِ!\nوَيَكْفِي فِي رَدِّهِ أَنَّهُ قَولٌ بِلَا دَلِيلٍ، وَغُلُوٌّ فَاضِحٌ، وَانْظُرْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأَنْعَام: ٩٠].\n_________\n(^١) كَمَا فِي تَلْخِيصِ كِتَابِ المَوضُوعَاتِ (ص ٨٦) لِلحَافِظِ الذَّهَبِيِّ؛ وَفِيهِ أَيضًا: \"وَقَالَ ابْنُ الجَوزِيِّ: مَوضُوعٌ بِلَا شَكٍّ، وَيَحْيَى البَصْرِيُّ تَالِفٌ كَذَّابٌ، وَالسَّنَدُ فِيهِ ظُلْمَةٌ\".\n(^٢) (الدِّيمُ): جَمْعُ دِيمَة: وَهُوَ المَطَرُ لَيسَ فِيهِ رَعْدٌ وَلَا بَرْقٌ. لِسَانُ العَرَبِ (١٢/ ٢١٩).","vol":"2","page":564},{"text":"قَالَ الإِمَامُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ ﵀: \"يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَبَالْعَمَلِ الَّذِي عَمِلُوا وَالمِنْهَاجِ الَّذِي سَلَكُوا؛ وَبِالهُدَى الَّذِي هَدَينَاهُم؛ وَالتَّوفِيقَ الَّذِي وَفَّقْنَاهُم؛ ﴿اقْتَدِهْ﴾ يَا مُحَمَّدُ، أَي: فَاعْمَلْ، وَخُذْ بِهِ وَاسْلُكْهُ؛ فَإِنَّهُ عَمَلٌ للهِ فِيهِ رِضًا، وَمِنْهَاجٌ مَنْ سَلَكَهُ اهْتَدَى\" (^١).\nوَأَيضًا تَأَمَّلْ قَولَ نَبِيِّنَا ﷺ عَنْ أَخِيهِ مُوسَى ﵊ فِي شَرْحِ قِصَّتِهِ مَعَ الخَضِرِ: «يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى لَوَدِدْنَا لَو صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَينَا مِنْ أَمْرِهِمَا» (^٢).\n\n-<span data-type='title' id=toc-496> قَولُهُ: (دَعْ مَا ادَّعَتهُ النَّصَارَى في نَبِيِّهِمُ (^٣) … وَاحْكُمْ بِمَا شِئْتَ مَدْحًا فِيهِ وَاحْتَكِمِ\nوَانْسُبْ إِلَى ذَاتِهِ مَا شِئْتَ مِنْ شَرَفٍ … وَانْسُبْ إلى قَدْرِهِ ما شِئْتَ منْ عِظَمِ)</span> (^٤)\nالتَّعْلِيقُ: قَدْ جَرَى المُؤَلِّفُ في هَذَا البَيتِ -بِزَعْمِهِ- إِلَى الخُلُوصِ مِنَ الشِّرْكِ، حَيثُ ظَنَّ أَنَّ النَّهيَ فِي قَولِهِ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ» أَنَّهُ نَهْيٌ عَنْ مِثْلِ إِطْرَاءِ النَّصَارَى لِعِيسَى ﵇ فَقَط، يَعْنِي: لَا تُطْرُونِي بِمِثْلِ مَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَم، فَيَكُونُ المَنْهيُّ عَنْهُ هُوَ -فَقَط- أَنْ يُدَّعَى أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ابْنٌ للهِ تَعَالَى، فَالنَّهْيُ عَنِ الإِطْرَاءِ لَيسَ عَلَى عُمُومِهِ!\n_________\n(^١) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (٣/ ٢٢٩).\n(^٢) البُخَارِيُّ (١٢٢) عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَرْفُوعًا.\n(^٣) وَقَدْ جَعَلَ بَعْضُهُم هَذَا الشَّطْرَ قَرِينَةً لِصَرْفِ أَيِّ بَيتٍ دَلَّ عَلَى الشِّرْكِ فِي بَاقِي أَبْيَاتِ البُرْدَةِ بِغَضِّ النَّظَرِ عَنِ المَدْلُولِ!!\n(^٤) وَقَدْ سَبَقَتْ نَفْسُ المَسْأَلَةِ فِي بَابِ (مَا جَاءَ أَنَّ سَبَبَ كُفْرِ بَنِي آدَمَ وَتَرْكِهِمْ دِينَهُمْ هُوَ الغُلُوُّ فِي الصَّالِحِينَ) وَالإِعَادَةُ هُنَا لِلمُنَاسَبَةِ.","vol":"2","page":565},{"text":"وَالجَوَابُ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ:\n١ - أَنَّ الكَافَ هُنَا فِي قَولِهِ: «كَمَا» هِيَ كَافُ التَّشْبِيهِ (القِيَاسِ)، وَالفَرْقُ بَينَ التَّمْثِيلِ وَالتَّشْبيهِ: أنَّ التَّمْثِيلَ يَعْنِي المُطَابَقَةَ، بَينَمَا التَّشْبِيهُ يَعْنِي الاشْتِرَاكَ فِي أَصْلِ الشَّيءِ -كَالعِلَّةِ فِي الحُكْمِ-، فَيَكُونُ المَنْهيُّ عَنْهُ هُوَ أَصْلُ الإِطْرَاءِ.\nوَيَدُلُّ لِذَلِكَ سِيَاقُ الحَدِيثِ؛ فَقَد أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقُولُوا: «عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ»، وَهَذَا هُوَ المَآلُ مِنَ النَّهْيِّ عَنِ الإِطْرَاءِ، بِخِلَافِ مَا لَو كَانَ النَّهْيُ هُوَ عَنْ ادِّعَاءِ أَنَّهُ ابْنٌ للهِ تَعَالَى فَقَط -وَالَّذِي يَنْبَنِي عَلِيهِ جَوَازُ ادِّعَاءِ صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى عَلَى عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ! وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا هُوَ مِنْ شِرْكِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النَّحْل: ٦٠] (^١).\nوَلَا يَخْفَى إِنْ شَاءَ اللهُ أنَّ أَنْوَاعَ الشِّرْكِ كَثِيرْةٌ وَلَيسَتْ مَحْصُورَةً فَقَط بِشِرْكِ النَّصَارى بِاتِّخَاذِ الوَلَدِ! بَلْ إِنَّ أَصْلَ شِرْكِ المُشْرِكِينَ هُوَ ادِّعَاءُ أَنَّ للهِ تَعَالَى شُفَعَاءَ مِنَ الصَّالِحِينَ يَشْفَعُونَ عِنْدَهُ بِغَيرِ إِذْنِهِ لَهُم وَبِغَيرِ رِضَاهُ عَنِ المَشْفُوعِ فِيهِم.\nقَالَ القُرْطُبِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ: \"وَأَمَّا قَولُهُ ﷺ فِي صَحِيحِ الحَدِيثِ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عَيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، وَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ» فَمَعْنَاهُ: لَا تَصِفُونِي بِمَا لَيسَ فِيَّ مِنَ الصِّفَاتِ تَلْتَمِسُونَ بِذَلِكَ مَدْحِي، كَمَا وَصَفَتِ النَّصَارَى عِيسَى بِمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ، فَنَسَبُوهُ إِلَى أَنَّهُ ابْنُ اللهِ فَكَفَرُوا بِذَلِكَ وَضَلُّوا.\nوَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ رَفَعَ امْرَأً فَوقَ حَدِّهِ، وَتَجَاوَزَ مِقْدَارَهُ بِمَا لَيسَ فِيهِ؛ فَمُعْتَدٍ\n_________\n(^١) وَتَقْدِيمُ الجَارِّ وَالمَجْرُورِ فِي قَولِهِ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ يُفِيدُ الحَصَرَ.","vol":"2","page":566},{"text":"آثِمٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَو جَازَ فِي أَحَدٍ لَكَانَ أَولَى الخَلْقِ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ\" (^١).\n٢ - أنَّ قَولَهُ ﷺ: «فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ» هُوَ مِنْ أَسَالِيبِ اللُّغَةِ فِي الحَصْرِ، أَي: مَا هُوَ إِلَّا عَبْدٌ رَسُولٌ، وَجَاءَ هَذَا الحَصْرُ بَعْدَ فَاءِ التَّعْلِيلِ لِبَيَانِ أَنَّ العِلَّةَ فِي عَدَمِ الإطْرَاءِ هُوَ لِكَونِهِ فَقَط عَبْدٌ رَسُولٌ، فَهُوَ عَبْدٌ لَا يُعبْدُ، وَرَسُولٌ لَا يُكَذَّبُ.\n٣ - قَدْ دَلَّتِ النُّصُوصُ الكَثِيرَةُ مِنَ السُّنَّةِ عَلَى النَّهْي عَنِ الغُلوِّ مُطْلَقًا وَعَنْ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ جَاءَتْ فِي سِيَاقِ المَدْحِ، وَلَكِنْ نُهِيَ عَنْهَا خَوفًا مِمَّا تَكُونُ ذَرِيعَةً إِلَيهِ.\nوَتَأَمَّلِ الأَحَادِيثَ الآتِيَةَ عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ:\nأ- عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: يَا سَيِّدَنَا وَابْنَ سَيِّدِنَا، وَيَا خَيرَنَا وَابْنَ خَيرِنَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا بِقَولِكُمْ وَلَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ الشَّيطَانُ! أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَرَسُولُ اللهِ. وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنْ تَرْفَعُونِي فَوقَ مَا رَفَعَنِي اللهُ ﷿) (^٢).\nب- عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ الشِّخِّيرِ؛ قَالَ: انْطَلَقْتُ فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقُلْنَا: أَنْتَ سَيِّدُنَا. فَقَالَ: «السَّيِّدُ اللهُ ﵎). قُلْنَا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا، وَأَعْظَمُنَا طَولًا. فَقَالَ: «قُولُوا بِقَولِكُمْ أَو بَعْضِ قَولِكُمْ؛ وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيطَانُ» (^٣) (^٤).\n_________\n(^١) تَفْسِيرُ القُرْطُبِيِّ (٥/ ٢٤٧).\n(^٢) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١٣٥٢٩)، وَالنَّسَائِيُّ فِي الكُبْرَى (١٠٠٠٧). غَايَةُ المَرَامِ (١٢٧).\n(^٣) أَي: لَا يَتَّخِذَنَّكُم الشَّيطَانُ جَرِيًّا لَهُ.\nوَقَالَ ابْنُ الأثير ﵀ فِي كِتَابِهِ النِّهَايَةُ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ (١/ ٧٣٩): \"يُرِيدُ: تَكَلَّمُوا بِمَا يَحْضُرُكُم مِنَ القَولِ، وَلَا تَتَكَلَّفُوهُ كَأَنَّكُم وُكَلَاءُ الشَّيطَانِ وَرُسُلُهُ تَنْطقُونَ عَنْ لِسَانِهِ\".\n(^٤) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٨٠٦). صَحِيحُ أَبِي دَاوُدَ (٤٨٠٦).","vol":"2","page":567},{"text":"ج- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁؛ قَالَ: جاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا خَيرَ البَرِيَّةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ ﵇). رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١) (^٢).\n- فَائِدَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ: إِنَّ تَعْظِيمَ النَّبِيِّ ﷺ غَيرَ المَشْرُوعِ نَوعَان:\nالأَوَّلُ: كُفْرٌ؛ وَهُوَ مَا كَانَ مُخْتَصًّا بِاللهِ تَعَالَى، كَدُعَائِهِ ﷺ وَالاسْتِغَاثَةِ بِهِ فِي الشَّدَائِدِ، وَوَصْفِهِ بِمَا لَا يَتَّصِفُ بِهِ إِلَّا اللهُ.\nالثَّانِي: مَعْصِيَةٌ وَذَرِيعَةٌ إِلَى الشِّرْكِ؛ كَالكَذِبِ عَلَيهِ فِي صِفَاتِهِ، وَاخْتِرَاعِ الآيَاتِ وَالمُعْجِزَاتِ غَيرِ المَرْويَّةِ بِالأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ.\nوَهَذَا الوَجْهُ هُوَ أَقَلُّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيهِ قَولُ البُوصِيرِي: (وَانْسُبْ إِلَى ذَاتِهِ مَا شِئْتَ مِنْ شَرَفٍ) يَعْنِي مَا شِئْتَ أَنْتَ وَلَيسَ مَا هُوَ مِنْ جِهَةِ الحَقِيقَةِ وَالوَاقِعِ! وَسَبَقَ كَلَامُ القُرْطُبِيِّ فِي مِثْلِ هَذَا؛ وَأَنَّ صَاحِبَهُ مُعْتَدٍ آثِمٌ.\n\n-<span data-type='title' id=toc-497> قَولُهُ: (لَو نَاسَبَتْ قَدْرَهُ آيَاتُهُ عِظَمًا … أَحْيَا اسْمُهُ حِينَ يُدْعَى دَارِسَ الرِّمَمِ)</span>\nالتَّعْلِيقُ: يَعْنِي أَنَّ آيَاتِهِ (مُعْجِزَاتِهِ) ﷺ هِيَ أَقْلُ مِنْ قَدْرِهِ، وَلَو كَانَتْ تُنَاسِبُهُ\n_________\n(^١) مُسْلِمٌ (٢٣٦٩).\n(^٢) وَقَدْ حَكَمَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ بِالشُّذُوذِ لِجُمْلَةِ (قَولِ خَيرِ البَرِيَّةِ) الَّتِي فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ -فِي غَيرِ هَذَا السِّيَاقِ- وَجَرَى عَلَيهَا بَعْضُ الشُّرَّاحِ! وَبَيَّنَ ﵀ أَنَّ صَوَابَهَا (مِنْ خَيرِ قَولِ البَرِيَّةِ) -وَلَا يَخْفَى الفَرْقُ بَينَهُمَا- وَأَنَّ الصَّوَابَ المَحْفُوظَ هُوَ كَمَا فِي أَلْفَاظِ الصَّحِيحَينِ.\nوَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ فِي البُخَارِيِّ (٣٦١١) عَنْ عَلِيٍّ ﵁ مَرْفُوعًا: «يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَومٌ، حُدَثَاءُ الأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحْلامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيرِ قَولِ البَرِيَّةِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، فَأَينَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَومَ القِيَامَةِ».","vol":"2","page":568},{"text":"لَكَانَ اسْمُهُ -إِذَا دَعَاهُ الدَّاعِي- يُحْيِي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ! وَهَذَا غُلُوٌّ قَبِيحٌ، وَشِرْكٌ بِاللهِ تَعَالَى؛ فَإِنَّ مِنْ آيَاتِهِ وَمُعْجِزَاتِهِ ﷺ القُرْآنُ العَظِيمُ، وكَيفَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَقُولُ: إِنَّ القُرْآنَ لَا يُنَاسِبُ قَدْرَ النَّبِيِّ ﷺ (^١)!! فَهُنَا قَدْ جَمَعَ المُؤَلِّفُ بَينَ فِرْيَتَينِ عَظِيمَتَينِ:\nالأُولَى: أَنَّ آيَاتِهِ لَمْ تُنَاسِبْ قَدْرَهُ! وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ أَعْظَمَ آيَاتِهِ ﷺ هُوَ القُرْآنُ\n_________\n(^١) وَلَكِنَّهُ -لِلأَسَفِ- مُسْتَقِيمٌ عَلَى مَذْهَبِ الأَشَاعِرَةِ؛ حَيثُ جَعَلُوا القُرْآنَ الكَرِيمَ -الَّذِي نَتْلُوهُ فِي صَلَاتِنَا- لَيسَ كَلَامَ اللهِ تَعَالَى حَقِيقَةً! لِأَنَّ كَلَامَ اللهِ تَعَالَى عِنْدَهُم هُوَ كَلَامُهُ القَائِمُ بِنَفْسِهِ -الَّذِي لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ-! بِخِلَافِ المَتْلُوِّ؛ وَعَلَيهِ فَلَا حَرَجَ في ذَلِكَ البَيتِ قَطُّ!!\nوَانْظُرْ كَلَامَ البَاجُورِيِّ في شَرْحِ ذَلِكَ البَيتِ مِنَ البُرْدَةِ حَيثُ قَالَ فِي ذَلِكَ: \"لِأَنَّ الوَاقِعَ أَنَّ قَدْرَهُ ﷺ أَعْظَمُ مِنْ آيَاتِهِ -حَتَّى مِنَ القُرْآنِ المَتْلُوِّ- بِخِلَافِ القُرْآنِ غَيرِ المَتْلُوِّ، وَهُوَ المَعْنَى القَائِمِ بِذَاتِهِ تَعَالَى؛ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ مِنْهُ، لِأَنَّ القَدِيمَ أَفْضَلُ مِنَ الحَادِثِ، وَمَا شَاعَ عَلَى الأَلْسِنَةِ مِنْ أنَّ كُلَّ حَرْفٍ مِنَ القُرْآنِ أَفْضَلُ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ! فَكَلَامٌ بَاطِلٌ. وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى القُرْآنِ القَدِيمِ؛ لِأَنَّهُ لَيسَ بِحَرْفٍ وَلَا صَوتٍ، خِلَافًا لِمَنْ زعَمَ ذَلِكَ\". (شَرْحُ البَاجُورِيِّ عَلَى البُرْدَةِ) طَبْعَةُ دَارِ مَكْتَبَةِ الآدَابِ (ص ٥١).\nقُلْتُ: وَقَصْدُهُ بِـ (القُرْآنِ القَدِيمِ) أَي: كَلَامُ اللهِ النَّفْسِيُّ؛ خِلَافًا لِمَا بَينَ أَيدِينَا فِي المُصْحَفِ المَتْلُوِّ.\nقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (التِّبْيَانُ فِي آدَابِ حَمَلَةِ القُرْآنِ): (ص ١٦٤): \"وَقَدْ أَجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ القُرْآنَ المَتْلُوَّ فِي الأَقْطَارِ؛ المَكْتُوبَ فِي الصُّحُفِ؛ الَّذِي بِأَيدِي المُسْلِمِينَ؛ مِمَّا جَمَعَتْهُ الدَّفَّتَانِ؛ مِنْ أَوَّلِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ إِلَى آخِرِ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾: كَلَامُ اللهِ وَوَحْيُهُ المُنَزَّلُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ\".\nفَتَأَمَّلْ بَيَانَهُ ﵀ لِتِلْكَ الفِرْيَةِ حَيثُ وَضَّحَ المَطْلُوبَ فَقَالَ: (المَتْلُوَّ) خِلَافًا لِأَهْلِ الضَّلَالِ المُفَرِّقِينَ بَينَ المَتْلُوِّ وَبَينَ غَيرِ المَتْلُوِّ.\nقَالَ ابْنُ الجَوزِيِّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (صَيدُ الخَاطِرِ) (ص ٢٨٤): \"وَكَذَلِكَ عَظَّمَ أَمْرَ القُرْآنِ وَنَهَى المُحْدِثَ أَنْ يَمَسَّ المُصْحَفَ؛ فَآلَ الأَمْرُ لِقَومٍ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ إِلَى أَنْ أَجَازُوا الاسْتِنْجَاءَ بِهِ\"! وَهَذَا مُتَوَقَّعٌ مِنْ جَرَّاءِ تِلْكَ الفَلْسَفَةِ الكُفْرِيَّةِ فِي التَّفْرِيقِ بَينَ القُرْآنِ المَتْلُوِّ وَغَيرِ المَتْلُوِّ!","vol":"2","page":569},{"text":"الكَرِيمُ؛ فَهَذَا كُفْرٌ بِاللهِ تَعَالَى شَنِيعٌ، فَالقُرْآنُ كَلَامُ اللهِ تَعَالَى وَصِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ؛ بَلْ وَيُحْلَفُ بِهِ، لَا يُقَارَنُ بشَيءٍ مِنْ خَلْقِ اللهِ تَعَالَى؛ فكَيفَ إِذَا جُعِلَ أَدْنَى مِنْ مَقَامِ مَخْلُوقٍ! بَلْ قَدْ جَعَلَ النَّاظِمُ أَيضًا إِحْيَاءَ المَوتَى أَعْظَمَ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ.\nوَقَدْ أَشَارَتِ السُّنَّةُ إِلَى أَنَّ آيَةَ إِنْزَالِ القُرْآنِ الكَرِيمِ أَعْظَمُ مِنْ آيَاتِ إِحْيَاءِ المَوتَى، حَيثُ أَنَّ الَّذِي أُوتِيَهُ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ أَعْظَمُ مِنْ آيَةِ سَيِّدِنَا عِيسَى ﵊ وَالَّتِي مِنْهَا إِحْيَاءُ المَوتَى بِإِذْنِ اللهِ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ المَرْفُوعِ المُتَّفَقِ عَلَيهِ: «مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مَا مِثْلَهُ آمَنَ عَلَيهِ البَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوحَاهُ اللهُ إِلَيَّ؛ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَومَ القِيَامَةِ» (^١).\nالثَّانِيَةُ: أَنَّ المُنَاسَبَةَ بَينَ قَدْرِهِ ﵊ وَآيَاتِهِ لَو تَمَّتْ؛ لَكَانَ دُعَاءُهُ يُحْيي المَيِّتَ، وَهَذَا كَذِبٌ وَشِرْكٌ بِالله تَعَالَى، فَمِنْ أَينَ لَهُ أَنَّ آيَاتِهِ لَمْ تُنَاسِبْ قَدْرَهُ؟! وَمِنْ أَينَ لَهُ أَنَّ دُعَائَهُ لَو نَاسَبَ قَدْرَهُ؛ فَإِنَّهُ يُحْيي المَيِّتَ؟! وَاللهُ تَعَالَى هُوَ وَحْدَهُ الَّذِي يُحْيي المَوتَى، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ عَنْ نَفْسِهِ: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يُونُس: ٣١].\n\n-<span data-type='title' id=toc-498> قَولُهُ: (لَا طِيبَ يَعْدِلُ تُرْبًا ضَمَّ أَعْظُمَهُ … طُوبَى لِمُنْتَشِقٍ مِنْهُ وَمُلْتَثِمِ)</span>\nالتَّعْلِيقُ: هَذَا البَيتُ جَمَعَ أَنْوَاعًا مِنَ المُخَالَفَاتِ، مِنْهَا:\nأ- دَعْوَى أَنَّهُ لَا طِيبَ يَعْدِلُ تُرْبَةَ قَبْرِهِ ﷺ، وَالصَّوَابُ هُوَ كَمَا قَالَ ﷺ:\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٤٩٨١)، وَمُسْلِمٌ (١٥٢).","vol":"2","page":570},{"text":"«أَحَبُّ البِلَادِ إِلَى اللهِ تَعَالَى مَسَاجِدُهَا» (^١)، وَأَحَبُّ هَذِهِ المَسَاجِدِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ المَسْجِدُ الحَرَامُ.\nب- دَعْوَى نَيلِ الجَنَّةِ فِي قَولِهِ \"طُوبَى\" لِمَنْ قَبَّلَ تِلْكَ التُّرْبَةَ وَانْتَشَقَ مِنْ رِيحِهَا! هَذَا كَذِبٌ عَلَى الشَّرِيعَةِ؛ فَلَمْ يَجْعَلِ اللهُ تَعَالَى ذَلِكَ سَبَبًا لِدُخُولِ الجَنَّةِ، وَلَا نَقُولُ: إِنَّ ذَلِكَ عَلَامَةٌ عَلَى المَحَبَّةِ؛ فيَكُونَ سَبَبًا لِدُخُولِ الجَنَّةِ! لِأَنَّ المَحَبَّةَ وَحْدَهَا لَا تَكْفِي دُونَ العَمَلِ الصَّالِحِ عَلَى مَنْهَجِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَدُونَ الإِخْلَاصِ فِي العِبَادَاتِ للهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكَهْف: ١١٠].\nج- دَعْوَى جَوَازِ التَّمَسُّحِ بِالقَبْرِ الشَّرِيفِ!! هَذَا الشَّكْلُ مِنَ التَّبَرُّكِ لَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْي الصَّحَابَةِ ﵃، عَدَا عَنْ مَا فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ.\nقَالَ المُنَاوِيُّ ﵀ عِنْدَ حَدِيثِ: «فَزُورُوا القُبُورَ؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الآخِرَةَ»: \"أَي: بِشَرْطِ أَنْ لَا يَقْتَرِنَ بِذَلِكَ تَمَسُّحٌ بِالقَبْرِ أَو تَقْبِيلٌ أَو سُجُودٌ عَلَيهِ أَو نَحْو ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ السُّبكْيُّ: بِدْعَةٌ مُنْكَرَةٌ؛ إِنَّمَا يَفْعَلُهَا الجُهَّالُ\" (^٢).\n\n-<span data-type='title' id=toc-499> قَولُهُ: (فَإِنَّ لِي ذِمَّةً مِنْهُ بتَسْمِيَتِي … مُحمَّدًا وَهُوَ أَوفَى الخَلْقِ بِالذِّمَمِ)</span>\nالتَّعْلِيقُ: هَذَا كَذِبٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى وَعَلَى رَسُولِهِ ﷺ؛ فَلَيسَ بَينَهُ ﵊ وَبَينَ من اسْمِهُ مُحَمَّدٌ ذِمَّةٌ إِلَّا بِالطَّاعَةِ؛ لَا بِمُجَرَّدِ الاشْتِرَاكِ فِي الاسْم!\n_________\n(^١) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٦٧١) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.\n(^٢) فَيضُ القَدِيرِ (٥/ ٥٥).","vol":"2","page":571},{"text":"وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الأَسْلَمِيِّ؛ قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَتَيتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَقَالَ لِي: «سَلْ». فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الجَنَّةِ، قَالَ: «أَوَ غَيرَ ذَلِكَ»؟! قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» (^١).\nوَلَعَلَّ مَا اشْتُهِرَ مِنَ الأَحَادِيثِ البَاطِلَةِ هُوَ سَبَبُ قَولِهِ ذَاكَ، كَمِثْل حَدِيثِ: «مَنْ وُلِدَ لَهُ مَولُودٌ؛ فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا -تَبَرُّكًا بِهِ- كَانَ هُوَ وَمَولُودُهُ فِي الجَنَّةِ» وَهُوَ مَوضُوعٌ (^٢).\n\n-<span data-type='title' id=toc-500> قَولُهُ: (مَا سَامَنِي الدَّهْرُ ضَيمًا وَاسْتَجَرْتُ بِهِ … إِلَّا وَنِلْتُ جِوَارًا مِنْهُ لَمْ يُضَمِ)</span>\nالتَّعْلِيقُ: هَذَا البَيتُ فِيهِ اسْتِغَاثَةٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ مَوتِهِ، وَهُوَ مِنَ الشَّرْكِ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ لِلأَمْوَاتِ.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأَحْقَاف: ٥ - ٦].\nوَفِي البَيتِ أَيضًا نِسْبَةُ الأَفْعَالِ (الضَّيمِ) إِلَى الدَّهْرِ، وَهَذَا لَيسَ مِنْ سُلُوكِ أَهْلِ الإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا مِنْ سُلُوكِ أَهْلِ الإِلْحَادِ الدَّهْرِيِّينَ، قَالَ تَعَالَى عَنِ المُشْرِكِينَ:\n_________\n(^١) مُسْلِمٌ (٤٨٩).\n(^٢) اُنْظُرِ المَوضُوعَاتُ (١/ ١٥٧) لِابْنِ الجَوزِيِّ. وَاُنْظُرِ الضَّعِيفَةَ (١٧١).","vol":"2","page":572},{"text":"﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجَاثِيَة: ٢٤] (^١).\n\n-<span data-type='title' id=toc-501> قَولُهُ: (أَقْسَمْتُ بِالقَمَرِ المُنْشَقِّ: إِنَّ لَهُ … مِنْ قَلْبِهِ نِسْبَةً مَبْرُورَةَ القَسَمِ)</span>\nالتَّعْلِيقُ: القَسَمُ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى شِرْكٌ، أَجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلَى عَدَمِ مَشْرُوعِيَّتِهِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيرِ اللهِ فَقَدْ كَفَرَ أَو أَشْرَكَ» (^٢).\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ عَبْدُ البَّرِّ ﵀: \"أَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ اليَمِينَ بِغَيرِ اللهِ مَكْرُوهَةٌ مَنْهِيٌّ عَنْهَا، لَا يَجُوزُ الحَلِفَ بِهَا لِأَحَدٍ\" (^٣).\n\n-<span data-type='title' id=toc-502> قَولُهُ: (يَا أَكْرَمَ الرُّسُلِ (^٤) مَا لِي مَن أَلُوذُ بِهِ … سِوَاكَ عِنْدَ حُلُولِ الحَادِثِ العَمِمِ)</span>\nالتَّعْلِيقُ: فِي هَذَا البَيتِ دُعَاءٌ لِغَيرِ اللهِ تَعَالَى، وَهَذَا شِرْكٌ بِاللهِ -وَإِنْ قُصِدَتْ بِهِ الشَّفَاعَةُ- لِأَنَّ طَلَبَ الشَّفَاعَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ شِرْكٌ بِدَلِيلِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يُونُس: ١٨]،\n_________\n(^١) قَالَ صَاحِبُ فَتْحِ المَجِيدِ ﵀ (ص ٤٢٥): \"وَلَيسَ مِنْهُ وَصْفُ السِّنِينَ بالشِّدَّةِ وَنَحوِ ذَلكَ كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ [يُوسُف: ٤٨] \".\nوَقَدْ سَبَقَ الكَلَامُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ (مَنْ سَبَّ الدَّهْرَ فَقَدْ آذَى اللهَ).\n(^٢) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (١٥٣٥) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (٢٩٥٢).\n(^٣) التَّمْهِيدُ (١٤/ ٣٦٧).\n(^٤) وَبَعْضُهُم يَرْوِي البَيتَ بِلَفْظِ (الخَلْقِ) عِوَضًا عَنِ (الرُّسُلِ).","vol":"2","page":573},{"text":"فَسَمَّى اللهُ تَعَالَى اتِّخَاذَ الشُّفَعَاءِ عِنْدَهُ شِرْكًا، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى لِلشَّفَاعَةِ شُرُوطًا مِنْهَا رِضَاهُ عَنِ المَشْفُوعِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٢٨]، فَيَكُونَ مِنْ أَسْبَابِ هَذِهِ الشَّفَاعَةِ طَلَبُ الرِّضَى مِنَ اللهِ تَعَالَى.\nوَأَيضًا فَاللهُ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ مِنْ أَسْبَابِ حُصُولِ هَذِهِ الشَّفَاعَةِ أَنْ تُطْلَبَ مِنْ غَيرِهِ تَعَالَى! بَلْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ شِرْكَ المُشْرِكِينَ الأَوَائِلَ كَانَ فِي طَلَبِ الشَّفَاعَةِ مِنَ الأَولِيَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يُونُس: ١٨]، وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُ ﷺ أَيضًا أَنَّ الدُّعَاءَ هُوَ العِبَادَةُ.\nكَمَا فِي الحَدِيثِ: «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ» ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غَافِر: ٦٠] (^١).\nأَمَّا إِنْ كَانَ المَقْصُودُ بِذَلِكَ يَومَ القِيَامَةِ عِنْدَ مَوقِفِ الشَّفَاعَةِ الكُبْرَى لِنَبِيِّنَا ﵊ فَيَصِحُّ ذَلِكَ؛ وَلَكِنْ بِقُيُودٍ؛ مِنْهَا:\nأ- تَصْحِيحُ ذَلِكَ البَيتِ لِيَكُونَ المَقْصُودُ بِهِ يَومَ القِيَامَةِ، وَفِي الحَدِيثِ: «إِيَّاكَ وَكُلَّ أَمْرٍ يُعْتَذرُ مِنْهُ» (^٢).\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١٨٣٥٢) عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٣٤٠٧).\n(^٢) صَحِيحٌ. الضِّيَاءُ المَقْدِسِيُّ فِي المُخْتَارَةِ (٦/ ١٨٨) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٣٥٤).","vol":"2","page":574},{"text":"ب- نَفْيُ الحَصْرِ فِي قَولِهِ (مَا لِي مَنْ أَلُوذُ بِهِ سِوَاكَ) فَيُجْعَلُ فِيهِ التَّرْتِيبُ بِـ (اللهِ تَعَالَى) ثُمَّ (أَنْتَ).\nج- مَعْرِفَةُ أَنَّ شَفَاعَتَهُ ﷺ لَهَا أَسْبَابٌ وَلَا تَنَالُ مَنْ يَدْعُو غَيرَ اللهِ تَعَالَى.\nد- أَنَّ الشَّفَاعَةَ لَهَا شَرْطَان هُمَا: رِضَى اللهِ تَعَالَى عَنِ المَشْفُوعِ، وَإِذْنُهُ لِلشَّافِعِ فِي أَنْ يَشْفَعَ (^١).\nهـ- أَنَّ ذَلِكَ بِهَذِهِ القُيُودِ يَصِحُّ لِكَونِهِ مِنْ بَابِ سُؤَالِ الحَيِّ الحَاضِرِ القَادِرِ؛ بِخِلَافِ مَنْ يَدْعُو النَّبِيَّ ﵊ اليَومَ.\nفَسُؤَالُ النَّاسِ لِلأَنْبِيَاءِ يَومَ القِيَامَةِ فِي مَوقِفِ الشَّفَاعَةِ الكُبْرَى صَحِيحٌ لِأَنَّهُم أَحْيَاءٌ حِينَهَا وَقَادِرُونَ عَلَى الإِجَابَةِ، أَمَّا الآنَ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا فَهُم أَمْوَاتٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزُّمَر: ٣٠].\nقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي سِيَاقِ الكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ الكُبْرَى: \"وَلَيسَ فِيهِ جَوَازُ الاسْتِغَاثَةِ بِالأَمْوَاتِ -كَمَا يَتَوَهَّمُ كَثِيرٌ مِنَ المُبْتَدِعَةِ الأَمْوَاتِ-! بَلْ\n_________\n(^١) فَشُرُوطُ الشَّفَاعَةِ:\nأ- إِذْنُ اللهِ تَعَالَى لِلشَّافِعِ بِأَنْ يَشْفَعَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٥٥].\nب- رِضَاهُ عَنِ المَشْفُوعِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٢٦ - ٢٨]، وَاللهُ تَعَالَى لَا يَرْضَى مِنَ العَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ خَالِصًا لَهُ؛ مُوَافِقًا لِشَرْعِهِ.\nوَهَذَانِ النَّوعَانِ مَجْمُوعَانِ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النَّجْم: ٢٦].","vol":"2","page":575},{"text":"هُوَ مِنْ بَابِ الاسْتِغَاثَةِ بِالحَيِّ فِيمَا يَقْدِرُ عَلَيهِ\" (^١).\nوَفِي مَجْمُوعِ الفَتَاوَى ذَكَرَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ أَنْوَاعَ التَّوَسُّلِ، وَذَكَرَ فِي النَّوعِ الثَّانِي مَا نَصُّهُ: \"التَّوَسُّلُ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ، وَهَذَا كَانَ فِي حَيَاتِهِ، وَيَكُونُ يَومَ القِيَامَةِ؛ يَتَوَسَّلُونَ بِشَفَاعَتِهِ\" (^٢).\nوَفِي الحَدِيثِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَشْفَعَ لِي يَومَ القِيَامَةِ، فَقَالَ: «أَنَا فَاعِلٌ»، قَالَ: قُلْتْ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ فَأَينَ أَطْلُبُكَ؟ قَالَ: «اُطْلُبْنِي -أَوَّلَ مَا تَطْلُبُنِي- عَلَى الصِّرَاطِ»، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عَلَى الصِّرَاطِ؟ قَالَ: «فَاطْلُبْنِي عِنْدَ المِيزَانِ»، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عِنْد المِيزَانِ؟ قَالَ: «فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الحَوضِ؛ فَإِنِّي لَا أُخْطِئُ هَذِهِ الثَّلَاثَ المَوَاطِنِ» (^٣) (^٤).\n\n-<span data-type='title' id=toc-503> قَولُهُ: (وَلَنْ يَضِيقَ -رَسُولَ اللهِ- جَاهُكَ بِي … إِذَا الكَرِيمُ تَحلَّى بِاسمِ مُنتَقِمِ)</span>\nالتَّعْلِيقُ: فِي هَذَا البَيتِ غُلُوٌّ فِيهِ ﵊، وَأَيضًا تَنَقُّصٌ لِرُبُوبِيَّةِ اللهِ تَعَالَى، وَالرَّدُّ عَلَيهِ هُوَ مِنْ جَوَانِبَ عِدَّةٍ:\nأ- أَنَّ اللهُ تَعَالَى قَالَ لِلنَّبِيِّ ﵊: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيءٌ﴾ فَبَطَلَ بِذَلِكَ\n_________\n(^١) الصَّحِيحَةُ (٥/ ٤٥٩).\n(^٢) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (١/ ٢٠٢).\n(^٣) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٤٣٣). الصَّحِيحَةُ (٢٦٣٠).\n(^٤) وَمِنْ بَابِ إِبْطَالِ حُجَّتِهِم بِلَازِمِهَا؛ أَنَّهُم يُجَوِّزُونَ بِهَذَا: الاسْتِشْفَاعَ بِغَيرِ النَّبِيِّ ﵊! وَهَذَا قَدْ مُنِعَ مِنْهُ أَشْرَفُ النَّاسِ بَعْدَ النَّبِيِّ فِي ذَلِكَ المَوقِفِ وَهُمُ الأَنْبِيَاءُ؛ فَفِي هَذَا إِبْطَالُ احْتِجَاجِهِم بِهِ عَلَى جَوَازِ الاسْتِغَاثَةِ بِالأَولِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ -بَلْ وَالأَنْبِيَاءِ عُمُومًا- إِذْ قَدْ مُنِعَ مِنْهُ غَيرُهُ ﷺ! وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ","vol":"2","page":576},{"text":"التَّعَلُّقُ بِهِ ﷺ فِي جَلْبِ النَّفْعِ وَدَفْعِ الضُّرِّ، وَهُوَ أَيضًا مِصْدَاقُ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الغَيبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٨٨].\nوَأَيضًا فِي قَولِهِ ﷺ لِابْنَتِهِ فَاطْمَةَ ﵂: «سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي؛ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيئًا» (^١) بَيَانُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ النَّفْعَ لِغَيرِهِ -وَهِيَ ﵂ مِنْ أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيهِ- فكَيفَ بِغَيرِهَا؟!\nب- أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ يَومَ القِيَامَةِ لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ لِأَحَدٍ شَيئًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانْفِطَار: ١٩]، وَتَأَمَّلْ كَونَ النَّفْسِ فِي الآيَةِ جَاءَتْ نَكِرَةً فِي حَقِّ الشَّافِعِ والمَشْفُوعِ وَجِهَةِ الشَّفَاعَةِ؛ الأَمْرَ الَّذِي يَعْنِي أَنَّهُ أَيًّا كَانَ الشَّافِعُ، وَأَيًّا كَانَ المَشْفُوعُ فِيهِ، وَأَيًّا كَانَ وَجْهُ الشَّفَاعَةِ؛ فَلَا يَمْلِكُ أَحَدٌ لِأَحَدٍ شَيئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى، وَعَلَيهِ فَيَجِبُ التَّعَلُّقُ بِاللهِ تَعَالَى لِتَحْصِيلِ المَطْلُوبِ.\nجـ- زَعْمُ النَّاظِمِ أَنَّ جَاهَ النَّبِيِّ ﷺ يَنْفَعُ (إِذَا الكَرِيمُ تَحلَّى بِاسمِ مُنتَقِمِ)! مَرْدُودٌ، وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى إِذَا تَحَلَّى -كَمَا زَعَمَ النَّاظِمُ- بِاسْمِ مُنْتَقِمٍ؛ فَإِنَّهُ تَعَالَى لَا يَقُومُ لِغَضَبِهِ شَيءٌ؛ إِلَّا مَا أَذِنَ بِهِ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ مَقْبُولٍ (^٢)؛ أَو شَفَاعَةٍ مَقْبُولَةٍ مَأْذُونٍ فِيهَا (^٣)، وَأَمَّا عَلَى سَبِيلِ هَذَا الإِطْلَاقِ وَبِمَعْنَى المُقَابَلَةِ! فَلَيسَ بِصَحِيحٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيهِ كَلِمَةُ العَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزُّمَر: ١٩].\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٤٧٧١)، وَمُسْلِمٌ (٢٠٦) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.\n(^٢) كَمَا فِي الحَدِيثِ: «صَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ». صَحِيحٌ. البَيهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ (٣١٦٨) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (١٩٠٨).\n(^٣) كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طَه: ١٠٩].","vol":"2","page":577},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-504> قَولُهُ: (فَإِنَّ مِنْ جُودِكَ الدُّنْيَا وَضَرَّتها … وَمِنْ عُلُومِكَ عِلْمَ اللَّوحِ وَالقَلَمِ)</span>\nالتَّعْلِيقُ: هَذَا البَيتُ فِيهِ غُلُوٌّ شَدِيدٌ، وَلَا سِيَّمَا مَعَ (مِنْ) التَّبْعِيضِيَّةِ هَذِهِ، بَلْ كُفْرٌ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وَذَلِكَ مِنْ أَوجُهٍ:\nأ- أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ رِزْقَ العِبَادِ فِي أَيدِي النَّاسِ اسْتِقْلَالًا! وَلَمْ يَجْعَلْ طَلَبَ الرِّزْقِ إِلَّا مِنْهُ تَعَالَى حَصْرًا! قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العَنْكَبُوت: ١٧].\nفَالمِلْكُ وَالمَالُ كُلُّهُ للهِ يُورِثُهُ مَنْ يَشَاءُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النُّور: ٣٣]، وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحَدِيد: ٧].\nب- أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ مِلْكٌ لَهُ وَحْدَهُ سُبْحَانَهُ كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالأُولَى﴾ [اللَّيل: ١٣]،\nوَكَقَولِهِ تَعَالَى أَيضًا: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الغَيبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأَنْعَام: ٥٠]، فَظَهَرَ بِذَلِكَ كَذِبُ قَولِهِ: (فَإِنَّ مِنْ جُودِكَ الدُّنْيَا وَضَرَّتَهَا).\nج- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَفْسَهُ قَدْ بَيَّنَ أَنَّهُ لَا يُعْطِي وَلَا يَمْنَعُ مِنْ عِنْدَ نَفْسِهِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «مَا أُعْطِيكُمْ وَلَا أَمْنَعُكُمْ؛ إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيثُ أُمِرْتُ» (^١)، فَبَطَلَ بِذَلِكَ\n_________\n(^١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣١١٧) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.","vol":"2","page":578},{"text":"التَّعَلُّقُ بِهِ صَلَوَاتُ اللهِ تَعَالَى وَسَلَامُهُ عَلَيهِ مِنْ جِهَةِ الأَسْبَابِ أَيضًا.\nد- مَنْ زَعَمَ أَنَّ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ خُلِقَتَا لِأَجْلِهِ ﷺ! وَهُوَ يَجُودُ بِهَا عَلَى مَنْ أَرَادَ! فَهَذَا بَاطِلٌ أَيضًا، وَفِيهِ حَدِيثٌ مَوضُوعٌ (^١)، فَاللهُ ﷾ قَدْ أَعْلَمَنَا بِالحِكْمَةِ مِنْ خَلْقِهِمَا كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ [البَقَرَة: ٢٩]،\nوَقَالَ تَعَالَى أَيضًا: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هُود: ٧].\nهـ- وَأَمَّا دَعْوَى أَنَّ مِنْ عِلْمِهِ ﵊ عِلْمُ اللَّوحِ المَحْفُوظِ! فَهُوَ كَذِبٌ عَلَى الشَّرِيعَةِ، فَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ عَنْ نَبِيِّهِ: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الغَيبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيرِ﴾ [الأَعْرَاف: ١٨٨].\n\nتَمَّ إِلَى هُنَا التَّعْلِيقُ عَلَى نُبْذَةٍ مِنْ أَبْيَاتِ البُوصِيرِي بِمَا يُحَقِّقُ المَطْلُوبَ، وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ.\n_________\n(^١) وَالحَدِيثُ المَشْهُورُ لَفْظًا: «يَا مُحَمَّدُ، لَولَاكَ مَا خَلَقْتُ الدُّنْيَا» فَهوَ مَوضُوعٌ. كَمَا فِي تَلْخِيصِ كِتَابِ المَوضُوعَاتِ (ص ٨٦) لِلحَافِظِ الذَّهَبِيِّ؛ وَفِيهِ أَيضًا: \"وَقَالَ ابْنُ الجَوزِيِّ: مَوضُوعٌ بِلَا شَكٍّ، وَيَحْيَى البَصْرِيُّ تَالِفٌ كَذَّابٌ، وَالسَّنَدُ فِيهِ ظُلْمَةٌ\".","vol":"2","page":579},{"text":"<span data-type='title' id=toc-505>المُلْحَقُ الثَّالِثَ عَشَرَ: ردُّ شُبُهَاتِ المُشْرِكِينَ</span>\n<span data-type='title' id=toc-506>مُقَدِّمَةٌ:</span>\nالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.\nأَمَّا بَعْدُ؛ فَهَذِهِ أَجْوِبَةٌ قَدَّرُ اللهُ تَعَالَى لِي أَنْ أَجْمَعَهَا فِي بَيَانِ الرَّدِّ عَلَى بَعْضِ الشُّبُهَاتِ فِي مَسَائِلِ عِلْمِ التَّوحِيدِ مِمَّا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ تَتْمِيمًا لِفَوَائِدِ هَذَا الكِتَابِ المُبَارَكِ إِنْ شَاءُ اللهُ تَعَالَى (^١).\n\n-<span data-type='title' id=toc-507> الشُّبْهَةُ الأُولَى: إِنَّ قَولَ صَاحِبِ البُرْدَةِ (وَمِنْ عُلُومِكَ عِلْمَ اللَّوحِ وَالقَلَمِ) لَيسَ فِيهِ مَحْظُورٌ! لِأَنَّ اللَّوحَ غَيرُ أُمِّ الكِتَابِ،</span> وَهَذَا الأَخِيرُ هُوَ الَّذِي فِيهِ الخَمْسُ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللهُ؛ الَّتِي فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لُقْمَان: ٣٤]، وَأَمَّا اللَّوحُ فَشَيءٌ آخَرُ، وَعَلَيهِ فَلَا مَانِعَ مِنْ\n_________\n(^١) أُصُولُ مَادَّةِ هَذَا الرَّدِّ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ رِسَالَةِ (تَأْسِيسُ التَّقْدِيسِ فِي كَشْفِ تَلْبِيسِ دَاوُدَ بْنِ جَرْجِيس) لِلشَّيخِ عَبْدِ اللهِ أَبَا بطين تِلْمِيذِ الشَّيخِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَّهَّابِ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى.\nوَفِي هَذَا المُلْحَقِ اشْتِرَاكٌ فِي بَعْضِ جَوَانِبِ الرَّدِّ مَعَ المُلْحَقِ السَّابِقِ (مُخْتَصَرٌ فِي الرَّدِّ عَلَى أَبْيَاتٍ مِنَ البُرْدَةِ لِلبُوصِيرِيِّ)، وَلَكِنَّهُ أَوسَعُ مِنْ جِهَةِ الشُّبُهَاتِ وَمِنْ جِهَةِ الجَوَابِ.","vol":"2","page":580},{"text":"كَونِهِ شَيئًا مِنْ عِلْمِ النَّبِيِّ ﷺ!\nالجَوَابُ:\nإِنَّ هَذِهِ فِرْيَةٌ لَا دَلِيلَ عَلَيهَا، لِأَنَّ اللَّوحَ المَحْفُوظَ هُوَ نَفْسُهُ أُمُّ الكِتَابِ.\nوَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى فِي سِيَاقِ الكَلَامِ عَنِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزُّخْرُف: ٣، ٤]، وَقَالَ عَنِ اللَّوحِ: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البُرُوج: ٢١، ٢٢] فَأَخْبَرَ عَنِ القُرْآنِ فِي الأَوَّلِ أَنَّهُ فِي أُمِّ الكِتَابِ وَأَخْبَرَ فِي الثَّانِي أَنَّهُ فِي لَوحٍ. وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ.\nقَالَ البَيضَاوِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ: \" ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتَابِ﴾ أَصْلُ الكُتُبِ وَهُوَ اللَّوحُ المَحْفُوظُ؛ إِذْ مَا مِنْ كَائِنٍ إِلَّا وَهُوَ مَكْتُوبٌ فِيهِ\" (^١)، وَبِمِثْلِهِ قَالَ النَّسَفِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (^٢).\n_________\n(^١) تَفْسِيرُ البَيضَاوِيِّ (٣/ ١٩٠).\nوَقَالَ أَيضًا فِي قَولِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الكِتَابِ﴾: \"فِي اللَّوحِ المَحْفُوظِ؛ فَإِنَّهُ أَصْلُ الكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ\". تَفْسِيرُ البَيضَاوِيِّ (٥/ ٨٦).\n(^٢) تَفْسِيرُ النَّسَفِيِّ (٢/ ١٥٨).","vol":"2","page":581},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-508> الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: قَولُ صَاحِبِ البُرْدَةِ فِي هَمْزِيَّتِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: (وَلَيسَ يَخْفَى عَلَيكَ فِي القَلْبِ دَاءٌ) لَيسَ فِيهِ مَحْظُورٌ!</span> لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَعْطَى لِنَبِيِّهِ ﷺ عِلْمَ مَعْرِفَةِ القُلُوبِ!!\nالجَوَابُ:\n١ - إِنَّ هَذَا كَذِبٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى، وَكَذِبٌ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ؛ فَإِنَّ هَذَا هُوَ مِمَّا اخْتَصَّ بِهِ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ، فَقَالَ عَنْ نَفْسِهِ: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طَهَ: ٧].\nوَقَالَ أَيضًا سُبْحَانَهُ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٥].\nوَقَالَ أَيضًا سُبْحَانَهُ: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التَّوبَة: ١٠١] (^١).\nوَقَالَ أَيضًا سُبْحَانَهُ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأَنْفَال: ٦٠].\nوَفِي الحَدِيثِ: «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ الحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ؛ فَمَنْ قَضَيتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيئًا بِقَولِهِ؛ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا» (^٢)،\n_________\n(^١) قَالَ السَّعْدِيُّ ﵀ في التَّفْسِيرِ (ص ٣٥٠): \" ﴿مَرَدُوا﴾ أَي: تَمَرَّنُوا عَلَيهِ، وَاسْتَمَرُّوا وَازْدَادُوا فِيهِ طُغْيَانًا\".\n(^٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢٦٨٠) عَنْ أمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا.\nقَالَ القَاضِي عِيَاضٌ ﵀: \"وَيُجْرِي أَحْكَامَهُ ﷺ عَلَى الظَّاهِرِ وَمُوجِبِ غَلَبَاتِ الظَّنِّ؛ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدَينِ، وَيَمِينِ الحَالِفِ، وَمُرَاعَاةِ الأَشْبَهِ، وَمَعْرِفَةِ العِفَاصِ [الوِعَاءُ] وَالوِكَاءِ [مَا يُرْبَطُ بِهِ] مَعَ مُقْتَضَى حِكْمَةِ اللهِ فِي ذَلِكَ.\n=","vol":"2","page":582},{"text":"فَفِيهِ عَدَمُ مَعْرِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَا فِي القُلُوبِ مِنْ حَقٍّ أَوْ بَاطِلٍ.\nوَفِي الحَدِيثِ أَيضًا: «أَلَا إِنَّهُ يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ؛ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي! فَيُقَالُ: لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ» (^١).\nوَكَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ فِي رَدِّهَا عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ؛ حَيثُ قَالَتْ ﵂: (وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ؛ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾، وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ كَتَمَ؛ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ﴾) (^٢).\n٢ - أَمَّا مَا يُخْبِرُ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أُمُورِ المُغَيَّبَاتِ؛ فَهُوَ بِإِطْلَاعِ اللهِ تَعَالَى لَهُ عَلَيهِ وَلَيسَ اسْتِقْلَالًا!\nقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الرَّعْد: ٣٨].\nوَلِذَلِكَ أَثْبَتَ اللهُ تَعَالَى الإِظْهَارَ مِنْهُ إِلَى نَبِيِّهِ، وَنَفَى عَنْهُ العِلْمَ.\n_________\n=\nفَإِنَّهُ تَعَالَى -لَو شَاءَ- لَأَطْلَعَهُ عَلَى سَرَائِرِ عِبَادِهِ وَمُخَبَّئَاتِ ضَمَائِرِ أُمَّتِهِ؛ فَتَوَلَّى الحُكْمَ بَينَهُمْ بِمُجَرَّدِ يَقِينِهِ وَعِلْمِهِ دُونَ حَاجَةٍ إِلَى اعْتِرَافٍ أَو بَيِّنَةٍ أَو يَمِينٍ أَو شُبْهَةٍ! وَلَكِنْ لَمَّا أَمَرَ اللهُ أُمَّتَهُ بِاتِّبَاعِهِ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي أَفْعَالِهِ وَأَحْوَالِهِ وَقَضَايَاهُ وَسِيَرِهِ، وَكَانَ هَذَا -لَو كَانَ- مِمَّا يُخَصُّ بِعِلْمِهِ وَيُؤْثِرُهُ اللهُ بِهِ؛ لَمْ يَكُنْ لِلْأُمَّةِ سَبِيلٌ إِلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي شَيءٍ مِنْ ذَلِكَ! وَلَا قَامَتْ حُجَّةٌ بِقَضِيَّةٍ مِنْ قَضَايَاهُ لِأَحَدٍ فِي شَرِيعَتِهِ؛ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ مَا أُطْلِعَ عَلَيهِ هُوَ فِي تِلْكَ القَضِيَّةِ بِحُكْمِهِ هُوَ إِذْنٌ فِي ذَلِكَ بِالمَكْنُونِ مِنْ إِعْلَامِ اللهِ لَهُ بِمَا أَطْلَعَهُ عَلَيهِ مِنْ سَرَائِرِهِمْ، وَهَذَا مَا لَا تَعْلَمُهُ الأُمَّةُ! فَأَجْرَى اللهُ تَعَالَى أَحْكَامَهُ عَلَى ظَوَاهِرِهِمُ الَّتِي يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ هُوَ وَغَيرُهُ مِنَ البَشَرِ لِيَتِمَّ اقْتِدَاءُ أُمَّتِهِ بِهِ فِي تَعْيِينِ قَضَايَاهُ وَتَنْزِيلِ أَحْكَامِهِ\". الشِّفَا بِتَعْرِيفِ حُقُوقِ المُصْطَفَى (٢/ ٢٤١).\n(^١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤٧٤٠) عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ مَرْفُوعًا.\n(^٢) البُخَارِيُّ (٤٨٥٥)، وَمُسْلِمٌ (١٧٧).","vol":"2","page":583},{"text":"قَالَ تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الغَيبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجِن: ٢٦ - ٢٧] (^١)، وَقَالَ أَيضًا سُبْحَانَهُ فِي النَّفْي: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الغَيبَ﴾ [الأَنْعَام: ٥٠].\n_________\n(^١) قَالَ أَبُو حَيَّانَ الأَنْدَلُسِيُّ ﵀: \"فَاطِّلَاعُ الرَّسُولِ عَلَى الغَيبِ هُوَ بِإِطْلَاعِ اللهِ تَعَالَى بِوَحْيٍ إِلَيهِ، فَيُخْبَرُ بِأَنَّ فِي الغَيبِ كَذَا مِنْ نِفَاقِ هَذَا وَإِخْلَاصِ هَذَا؛ فَهُوَ عَالِمٌ بِذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الوَحِي لَا مِنْ جِهَةِ اطِّلَاعِهِ نَفْسِهِ مِنْ غَيرِ وَاسِطَةِ وَحْيٍ عَلَى المُغَيَّبَاتِ\"! البَحْرُ المُحِيطُ (٣/ ١٣٢).","vol":"2","page":584},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-509> الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَعْلَمُ الغَيبَ! وَالمَلَائِكَةُ أَيضًا! فَعِلْمُ الغَيبِ لَيسَ مَحْصُورًا بِاللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ!</span> حَتَّى الخَمْسَ المَذْكُورَةَ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لُقْمَان: ٣٤]!\nوَهَاكَ أَمْثِلَةً مِنَ النُّصُوصِ عَلَى ذَلِكَ:\nقَولُهُ ﷾: ﴿عَالِمُ الغَيبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجِنّ: ٢٦ - ٢٧].\nوَقَولُهُ سُبْحَانَهُ أَيضًا: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغَيبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آلِ عِمْرَان: ١٧٩].\nوَقَدْ أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى مَصَارِعِ القَتْلَى يَومَ بَدْرٍ، وَكُلٌّ مِنْهُم صُرِعَ فِي ذَلِكَ المَكَانِ؛ فَقَدْ عَلِمَ أَنَّ هَذِهِ الأَنْفُسَ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ وَهِيَ مِنَ الخَمْسِ!\nوَقَولُ اللهِ تَعَالَى عَنِ المَسِيحِ ﵇: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آلِ عِمْرَان: ٤٩] وَهِيَ أَيضًا مِنَ الخَمْسِ!\nوَقَولُهُ تَعَالَى لِلمَلَكِ الَّذِي يَكْتُبُ عَلَى النُّطْفَةِ رِزْقَهَا وَأَجَلَهَا وَعَمَلَهَا وَشَقِيٌّ صَاحِبُهَا أَمْ سَعِيدٌ؛ فَهُوَ عَلِمَ الغَيبِ، وَهَذِهِ أَيضًا مِنَ الخَمْسِ!\nوَقَولُهُ ﵊ فِي حَدِيثِ اخْتِصَامِ المَلَأِ الأَعْلَى: «فَعَلِمْتُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ» (^١) فَيَشْمَلُ عِلْمَ السَّاعَةِ وَغَيرِهَا!\n_________\n(^١) حَسَنٌ. التِّرْمِذِيُّ (٣٢٣٤) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ التِّرْمِذِيِّ (٣٢٣٤).\n=","vol":"2","page":585},{"text":"وَحَدِيثُ حُذَيفَةَ؛ وَفِيهِ: (قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مَقَامًا مَا تَرَكَ شَيئًا يَكُونُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا حَدَّثَ بِهِ) (^١).\nوَحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ؛ وَفِيهِ: (تَرَكَنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَمَا طَائِرٌ يُقَلِّبُ جَنَاحَيهِ فِي الهَوَاءِ إِلَّا وَهُوَ يُذَكِّرُنَا مِنْهُ عِلْمًا) (^٢).\nالجَوَابُ مِنْ عِدَّةِ جِهَاتٍ:\n١ - لَيسَ في ذَلِكَ حُجَّةٌ لِذَلِكَ! بَلْ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى ذَلِكَ، فَمَعْنَى الآيَتَينِ عِنْدَ أَهْلِ التَّفْسِيرِ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يُطْلِعُ رُسُلَهُ عَلَى مَا يَشَاءُ مِنَ الغَيبِ آيَةً لَهُم وَمُعْجِزَةً، وَهَذَا يَشْمَلُ مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ، وَحَتَّى مَا ذُكِرَ عَنْ عِيسَى ﵊، وَيَشْمَلُ أَيضًا المَلَائِكَةَ\n_________\n=\nوَتَمَامُهُ: «أَتَانِي رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قُلْتُ: لَبَّيكَ رَبِّي وَسَعْدَيكَ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: رَبِّ لَا أَدْرِي، فَوَضَعَ يَدَهُ بَينَ كَتِفَيَّ فَوَجَدْتُ بَرْدَهَا بَينَ ثَدْيَيَّ فَعَلِمْتُ مَا بَينَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ. فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَقُلْتُ: لَبَّيكَ وَسَعْدَيكَ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: فِي الدَّرَجَاتِ، وَالكَفَّارَاتِ، وَفِي نَقْلِ الأَقْدَامِ إِلَى الجَمَاعَاتِ، وَإِسْبَاغِ الوُضُوءِ فِي المَكْرُوهَاتِ، وَانْتِظَارِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَمَنْ يُحَافِظْ عَلَيهِنَّ عَاشَ بِخَيرٍ وَمَاتَ بِخَيرٍ، وَكَانَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَومِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ».\nوَبِنَحْوِهِ أَيضًا فِي التِّرْمِذِيِّ (٣٢٣٥) مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ، قَالَ عَنْهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ ﵀: \"هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ [البُخَارِيَّ] عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ\".\n(^١) البُخَارِيُّ (٦٦٠٤)، وَمُسْلِمٌ (٢٨٩١) عَنْ حُذَيفَةَ مَرْفُوعًا.\nوَهُوَ بِتَمَامِهِ في مُسْلِمٍ عَنْ حُذَيفَةَ قَالَ: (قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مَقَامًا مَا تَرَكَ شَيئًا يَكُونُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا حَدَّثَ بِهِ -حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ-، قَدْ عَلِمَهُ أَصْحَابِي هَؤُلَاءِ، وَإِنَّهُ لَيَكُونُ مِنْهُ الشَّيءُ قَدْ نَسِيتُهُ فَأَرَاهُ فَأَذْكُرُهُ كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ).\n(^٢) صَحِيحٌ. الطَّبَرَانِيُّ فِي المُعْجَمِ الكَبِيرِ (٢/ ١٥٥). الصَّحِيحَةُ (١٨٠٣).","vol":"2","page":586},{"text":"فَهُم رُسُلُ اللهِ تَعَالَى أَيضًا.\nقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀: \"وَقَولُهُ: ﴿عَالِمُ الغَيبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ هَذِهِ كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٥] وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: إِنَّهُ يَعْلَمُ الغَيبَ وَالشَّهَادَةَ، وَإِنَّهُ لَا يَطَّلِعُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ عَلَى شَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا مِمَّا أَطْلَعَهُ تَعَالَى عَلَيهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ وَهَذَا يَعُمُّ الرَّسُولَ المَلَكِيَّ وَالبَشَرِيَّ\" (^١).\nوَأَمَّا عِلْمُ المَلَكِ وَكِتَابَتُهُ فِي الرَّحِمِ عَنِ النُّطْفَةِ فِي رِزْقِهَا وَأَجَلِهَا وَعَمَلِهَا وَالشِّقَاوَةِ وَالسَّعَادَةِ؛ فَهُوَ أَيضًا مِنْ تَعْلِيمِ اللهِ تَعَالَى لَهُ.\nوَأَمَّا عِلْمُهُ بِكَونِهِ ذَكَرًا أَو أُنْثَى مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ عَلِمَ مَا فِي الأَرْحَامِ؛ وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى خَصَّ نَفْسَهُ سُبْحَانَهُ بِعِلْمِ خَمْسَةٍ مِنْ عِلْمِ الغَيبِ وَمِنْهَا ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ [لُقْمَان: ٣٤] فَهُوَ كَمَا قَالَ طَائِفَةٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ أَنَّهُ بَعْدَ الاثْنَتَينِ وَالأَرْبَعِينَ -وُفْقًا لِحَدِيثٍ فِي كِتَابَةِ ذَلِكَ عَنْ حُذَيفَةَ بْنِ أَسِيدٍ مَرْفُوعًا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ- فَإِنَّهُ يَخْرُجُ عِلْمُ نَوعِ الجَنِينِ مِنْ كَونِهِ ذَكَرًا أَو أُنْثَى عَنِ اخْتِصَاصِ اللهِ تَعَالَى بِهِ، وَعَلَيهِ فَلَا يَكُونُ غَيبًا مُطْلَقًا!\nوَمِثْلُهُ مَعْرِفَةُ الأَطِبَّاءِ -غَالِبًا- بِمَا فِي الرَّحِمِ بَعْدَ أَشْهُرٍ مِنْ تَكْوِينِهِ؛ فَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ اللهَ مَكَّنَهُم مِنْ ذَلِكَ، وَلَيسَ مَحْضَ عِلْمٍ بِالغَيبِ مِنْهُم!\nوَقَدْ نَقَلَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ عَنِ القُرْطُبِيِّ ﵀ \"أَنَّ هَذِهِ الخَمْسَ لَا سَبِيلَ لِمَخْلُوقٍ عَلَى عِلْمٍ بِهَا قَاطِعٍ، وَأَمَّا الظَّنُّ بِشَيءٍ مِنْهَا بِأَمَارَةٍ قَدْ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ؛ فَلَيسَ\n_________\n(^١) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٨/ ٢٤٧).","vol":"2","page":587},{"text":"ذَلِكَ بِمُمْتَنِعٍ، وَلَا نَفْيُهُ مُرَادٌ مِنْ هَذِهِ النُّصُوصِ\" (^١).\n٢ - كَونُ النَّبِيِّ ﷺ أُطْلِعَ عَلَى شَيءٍ مِنَ الغَيبِ لَا يَعْنِي أَنَّهُ يَعْلَمُهُ بِنَفْسِهِ عِلْمًا ذَاتِيًا -كَمَا يَزْعُمُ بَعْضُهُم-! وَقَدْ سَبَقَ فِي رَدِّ الشُّبُهَاتِ السَّابِقَةِ بَيَانُ أَمْثِلَةٍ مِنْ ذَلِكَ كَحَدِيثِ: «إِنَّكُم تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ»، وَحَدِيثِ: «مَتَى السَّاعَةُ» (^٢)، وَكَحَدِيثِ: «إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ»، وَ…\n٣ - هَذِهِ الأَشْيَاءُ الَّتِي أُطْلِعَ عَلَيهَا النَّبِيُّ ﷺ هِيَ مِنْ بَابِ إِظْهَارِ الآيَاتِ عَلَى صِدْقِهِ وَعَلَى تَأْيِيدِ رَبِّهِ لَهُ، وَلَا يَمْلِكُ ﷺ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا اسْتِقْلَالًا (^٣)! بَلْ هِيَ مَقْرُونَةٌ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى، وَلَهُ الحِكْمَةُ البَالِغَةُ فِي اطْلَاعِهِ عَلَيهَا مَتَى شَاءَ وَأَينَمَا شَاءَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الرَّعْد: ٣٨].\nوَقَالَ تَعَالَى أَيضًا ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [إِبْرَاهِيم: ١١].\n٤ - أَمَّا بِخُصُوصِ حَدِيثِ الاخْتِصَامِ؛ فَمَعْنَاهُ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ كَشَفَ لَهُ عَنِ الأَعْيَانِ المَوجُودَةِ إِذْ ذَاكَ (^٤)، فَلَيسَ فِيهِ مَعْنَى كَشْفِ وَقْتِ السَّاعَةِ! وَلَا عِلْمَ مَا\n_________\n(^١) فَتْحُ البَارِي لِابْنِ رَجَبٍ (١/ ٢١٦).\n(^٢) وَقَدْ أَورَدَ بَعْضُ أَهْلِ الضَّلَالِ هَاهُنَا شَرْحًا عَجِيبًا لِذَلِكَ فَقَالُوا: «مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ» أَنَّ المَعْنَى: أَنَا وَأَنْتَ فِي العِلْمِ بِهَا سَوَاءٌ؛ فَكَمَا تَعْلَمُهَا أَنْتَ؛ أَعْلَمُهَا أَنَا!!\nقُلْتُ: وَيَرُدُّهُ آخِرُ الحَدِيثِ؛ وَفِيهِ قَولُهُ ﷺ: «فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللهُ، ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ [لُقْمَان: ٣٤]».\n(^٣) أَي: لَيسَ لَهُ فِيهَا اخْتِيَارٌ وَلَا قَصْدٌ؛ وَإِلَّا فَكُلُّ شَيءٍ مَقْرُونٌ بِحَولِ اللهِ تَعَالَى وَمَشِيئَتِهِ؛ فَلَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ.\n(^٤) وَكَذَلِكَ حَدِيثُ حُذَيفَةَ الآتِي.","vol":"2","page":588},{"text":"سَيَكُونُ كُلِّيًّا! وَإِلَّا تَعَارَضَ الحَدِيثُ مَعَ النُّصُوصِ الكَثِيرَةِ المُتَوَاتِرَةِ مِنْ جِهَةِ الدِّلَالَةِ الَّتِي فِيهَا عَدَمُ عِلْمِهِ ﵊ بِالغَيبِ وَبِمَا فِي الصُّدُورِ!\nوَاُنْظُرْ سِيَاقَ الحَدِيثِ حَيثُ كَانَ السُّؤَالُ عَنِ اخْتِصَامِ المَلَأِ الأَعْلَى؛ فَأَجَابَ ﷺ بِعَدَمِ العِلْمِ، ثُمَّ بَعْدَ أَنْ عُلِّمَ أَجَابَ عَنِ الدَّرَجَاتِ وَالكَفَّارَاتِ؛ فَهَذَا السُّؤَالُ كَانَ عَمَّا هُوَ مَوجُودٌ مِنْ ذَلِكَ الاخْتِصَامِ؛ وَالتَّعْلِيمُ أَيضًا كَانَ عَمَّا هُوَ مَوجُودٌ مِنْهُ. وَبِاللهِ التَّوفِيق.\n٥ - أَيضًا عَلَى فَرْضِ حَمْلِ حَدِيثِ الاخْتِصَامِ عَلَى الغَيبِ المُسْتَقْبَلِيِّ؛ فَمَا أُطْلِعَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَمْرِ مَا سَيَكُونُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ هُوَ عَلَى سَبِيلِ الإِجْمَالِ وَلَيسَ التَّفْصِيلِ! (^١) لِذَلِكَ تَجِدُ بَيَانَ عَائِشَةَ ﵂ فِي رَدِّهَا عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍّ؛ حَيثُ قَالَتْ ﵂: (وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ؛ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾، وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ كَتَمَ؛ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ﴾). مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^٢).\n٦ - أَمَّا بِخُصُوصِ حَدِيثِ حُذَيفَةَ؛ فَالخَطْبُ فِيهِ أَسْهَلُ، لِأَنَّهُ خَاصٌّ بِمَا سَيَكُونُ مِنْ فِتَنٍ وَمَلَاحِمَ، كَذَا بَيَّنَهُ أَحَدُ الفَاظِ الحَدِيثِ الَّذِي فِي مُسْلِمٍ، حَيثُ قَالَ حُذَيفَةُ بْنُ اليَمَانِ ﵁: وَاللهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ النَّاسِ بِكُلِّ فِتْنَةٍ هِيَ كَائِنَةٌ فِيمَا بَينِي وَبَينَ السَّاعَةِ، وَمَا بِي إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَسَرَّ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ شَيئًا لَمْ يُحَدِّثْهُ غَيرِي! وَلَكِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٤٨٥٥)، وَمُسْلِمٌ (١٧٧).\n(^٢) وَفِي لَفْظٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ (٤٢٤٣)؛ قَالَ حُذَيفَةُ: (وَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَصْحَابِي أَمْ تَنَاسَوا؟ وَاللَّهِ مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ قَائِدِ فِتْنَةٍ إِلَى أَنْ تَنْقَضِيَ الدُّنْيَا يَبْلُغُ مَنْ مَعَهُ ثَلَاثَمِائَةٍ فَصَاعِدًا؛ إِلَّا قَدْ سَمَّاهُ لَنَا بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَاسْمِ قَبِيلَتِهِ). وَهُوَ ضَعِيفٌ. المِشْكَاةُ (٥٣٩٣).","vol":"2","page":589},{"text":"قَالَ -وَهُوَ يُحَدِّثُ مَجْلِسًا أَنَا فِيهِ عَنِ الفِتَنِ- فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَعُدُّ الفِتَنَ: «مِنْهُنَّ ثَلَاثٌ لَا يَكَدْنَ يَذَرْنَ شَيئًا، وَمِنْهُنَّ فِتَنٌ كَرِيَاحِ الصَّيفِ؛ مِنْهَا صِغَارٌ وَمِنْهَا كِبَارٌ»، قَالَ حُذَيفَةُ: فَذَهَبَ أُولَئِكَ الرَّهْطُ كُلُّهُمْ غَيرِي (^١).\nوَقَدْ أَورَدَهُ أَهْلُ الحَدِيثِ -وَهُمُ العَالِمُونَ بِالآثَارِ وَمَعَانِيهَا وَمَوَاضِعِهَا- فِي ذِكْرِ أَحَادِيثِ الفِتَنِ مِنْ سُنَنِهِم، وَهَاكَ أَمْثِلَةً:\nفِي أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: بَابُ ذِكْرِ الفِتَنِ وَدَلَائِلِهَا (^٢).\nوَفِي المُسْتَدْرَكِ قَالَ: كِتَابُ الفِتَنِ وَالمَلَاحِمِ (^٣).\nوَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ قَالَ: بَابُ إِخْبَارِهِ ﷺ عَمَّا يَكُونُ فِي أُمَّتِهِ مِنَ الفِتَنِ وَالحَوَادِثِ (^٤).\nوَأَورَدَهُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي تَبْوِيبِ مُسْلِمٍ ضِمْنَ كِتَابِ الفِتَنِ (^٥) (^٦).\n٧ - أَمَّا بِخُصُوصِ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ﵁ فَقَولُهُ: (إِلَّا وَهُوَ يُذَكِّرُنَا مِنْهُ عِلْمًا) فِيهِ أَنَّ \"مِنْ\" هُنَا لِلتَّبْعِيضِ؛ فَزَالَتِ الشُّبْهَةُ أَصْلًا، وَانْدَرَجَتْ مَعَ أَخَوَاتِهَا فِي ذِكْرِ الإِجْمَالِ.\n_________\n(^١) صَحِيحُ مُسْلِمٍ (٤/ ٢٢٠٧).\n(^٢) سنن أَبِي دَاوُدَ (٤/ ٩٤).\n(^٣) المُسْتَدْرَكِ (٤/ ٤٦٥).\n(^٤) صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ (٥/ ١٥).\n(^٥) النَّوَوِيُّ ﵀ فِي تَبْوِيبِ مُسْلِمٍ (٤/ ٢٢٠٧).\n(^٦) وَمِثْلُ حَدِيثِ حُذَيفَةَ فِي الدِّلَالَةِ مَا أَورَدَهُ مُسْلِمٌ (٢٨٩٢) أَيضًا فِي كِتَابِ الفِتَنِ -عَقِبَ حَدِيثِ حُذَيفَةَ ﵁ السَّابِقِ- عَنْ عَمْرَو بْنِ أَخْطَبَ؛ قَالَ: (صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الفَجْرَ، وَصَعِدَ المِنْبَرَ؛ فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ فَنَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ المِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ العَصْرُ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى ثُمَّ صَعِدَ المِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأَخْبَرَنَا بِمَا كَانَ وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ؛ فَأَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا).","vol":"2","page":590},{"text":"٨ - أَنَّ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ أَصْلًا يَتَنَاوَلُ أُمُورَ الشَّرِيعَةِ، وَعَلَى هَذَا المَعْنَى؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَتْرُكْ شَيئًا إِلَّا بَيَّنَهُ مِنْ أُمُورِ الشَّرِيعَةِ، وَالحَمْدُ للهِ.\nوَدَلَّ لِذَلِكَ نَفْسُ الحَدِيثِ؛ حَيثُ إِنَّ الحَدِيثَ بِتَمَامِهِ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ ﵁: تَرَكْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ -وَمَا طَائِرٌ يُقَلِّبُ جَنَاحَيهِ فِي الهَوَاءِ- إِلَّا وَهُوَ يُذَكِّرُنَا مِنْهُ عِلْمًا، قَالَ: فَقَالَ ﷺ: «مَا بَقِيَ شَيءٌ يُقَرِّبُ مِنَ الجَنَّةِ، ويُبَاعِدُ مِنَ النَّارِ؛ إِلَّا وَقَدْ بُيِّنَ لَكُمْ».\nقَالَ ابْنُ حِبَّانَ -عَقِبَ ذِكْرِ الحَدِيثِ-: \"مَعْنَى (عِنْدَنَا مِنْهُ) يَعْنِي بِأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ وَأَخْبَارِهِ وَأَفْعَالِهِ وَإِبَاحَاتِهِ ﷺ\" (^١).\n_________\n(^١) صَحِيحُ ابْنِ حِبَّانَ (١/ ٢٦٧).","vol":"2","page":591},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-510> الشُّبْهَةُ الرَّابِعَةُ: قَولُ صَاحِبِ البُرْدَةِ: (فَإِنَّ مِنْ جُودِكَ الدُّنْيَا وَضَرَّتَهَا) لَيسَ فِيهِ مَحْذُورٌ!</span> لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَعْطَى نَبِيَّهُ فِعْلًا مَزِيَّةِ إِنْقَاذِ النَّاسِ مِنَ النَّارِ، كَمَا فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ؛ أَنَّهُ يُقَالُ لَهُ: (أَخْرِجْ مَنْ فِي قَلْبِهِ كَذَا وَكَذَا مِنْ إِيمَانٍ)!\nالجَوَابُ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ:\n١ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى لم يُمَلِّكِ الشَّفَاعَةَ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ!\nقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزُّمَر: ٤٣ - ٤٤].\nوَتَأَمَّلْ كَونَ المَلَائِكَةِ وَعُزَيرًا وَعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ كَيفَ أَنَّهُم آلِهَةٌ عِنْدَ المُشْرِكِينَ؛ وَقَدْ نَفَى اللهُ مُلْكَهُم لِلشَّفَاعَةِ وَدُعَاءَهُم بِقَصْدِهَا؛ مَعَ أَنَّ الأَنْبِيَاءَ وَالمَلَائِكَةَ لَهُم شَفَاعَةٌ يَومَ القِيَامَةِ! كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنِ المَلَائِكَةِ: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٢٨].\nوَفِي الحَدِيثِ: «مَا أُعْطِيكُمْ وَلَا أَمْنَعُكُمْ! إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ؛ أَضَعُ حَيثُ أُمِرْتُ» (^١).\nوَكَونُهُ تَعَالَى أَعْطَاهُ الشَّفَاعَةَ؛ فَهُوَ مِنْ بَابِ إِكْرَامِهِ وَإِظْهَارِ شَرَفِهِ عَلَى غَيرِهِ؛ وَلَيسَ مِنْ بَابِ تَمَلُّكِهَا اسْتِقْلَالًا! لِذَلِكَ لَمْ تَنْفَعْ شَفَاعَتُهُ ﷺ لِأُمِّهِ كَمَا فِي الحَدِيثِ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي ﷿ فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا؛ فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي» (^٢).\n_________\n(^١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣١١٧) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.\n(^٢) وَالحَدِيثُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٩٧٦) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَالَ: زَارَ رَسُولُ اللهِ قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَولَهُ، وَقَالَ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي ﷿ فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا؛ فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي؛ فَزُورُوا القُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ المَوتَ».","vol":"2","page":592},{"text":"كَمَا لَمْ تَنْفَعْ أَيضًا شَفَاعَةُ إِبْرَاهِيمَ ﷺ لِأَبِيهِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِيَنِيَ يَومَ يُبْعَثُونَ؛ فَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الأَبْعَدِ؟! فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: إِنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلَى الكَافِرِينَ» (^١).\nكَمَا لَمْ تَنْفَعْ أَيضًا شَفَاعَةُ نُوحٍ ﵊ فِي ابْنِهِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٥ - ٤٦].\nوَبِنَاءً عَلَى مَا سَبَقَ؛ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ طَلَبُهَا مِنَ العَبْدِ، بل تُطْلَبُ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ بِأَنْ يُشفِّعَ النَّبِيَّ ﷺ فِيهِ، كَمَا فِي حَدِيثِ دُعَاءِ الضَّرِيرِ: «اللَّهُمَّ؛ فَشَفِّعْهُ فِيَّ» (^٢).\n_________\n(^١) وَالحَدِيثُ فِي البُخَارِيِّ (٣٣٥٠) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا: «يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَومَ القِيَامَةِ وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ لَا تَعْصِنِي؟! فَيَقُولُ أَبُوهُ: فَاليَومَ لَا أَعْصِيكَ. فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِيَنِيَ يَومَ يُبْعَثُونَ؛ فَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الأَبْعَدِ؟! فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: إِنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلَى الكَافِرِينَ. ثُمَّ يُقَالُ: يَا إِبْرَاهِيمُ؛ مَا تَحْتَ رِجْلَيكَ؟ فَيَنْظُرُ؛ فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُلْتَطِخٍ! فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ».\nوَ(الذِّيخُ): ذَكَرُ الضَّبْعِ الكَثِيرُ الشَّعْرِ، حَيثُ أُرِيَ إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ عَلَى غَيرِ هَيئَتِهِ وَمَنْظَرِهِ لِيَسْرُعْ إِلَى التَّبَرُّؤِ مِنْهُ. وَقَولُهُ (مُلْتَطِخٌ): أَي: مُتَلَوّثٌ بِالدَّمِ وَنَحْوِهِ.\n(^٢) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٣٥٧٨)، وَأَحْمَدُ (١٧٢٤١) عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيفٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (١٢٧٩).\nوَتَمَامُهُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيفٍ: أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ البَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: اُدْعُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَني، قَالَ: «إِنْ شِئْتَ دَعَوتُ لَكَ، وَإِنْ شِئْتَ أَخَّرْتُ ذَاكَ؛ فَهوَ خَيرٌ» -وَفِي رِوَايَةٍ «وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ؛ فَهوَ خَيرٌ لَكَ» -، فَقَالَ: ادْعُهُ. فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ؛ فَيُصَلِّيَ رَكْعَتَين، وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحمَّدُ؛ إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ فَتُقْضَى لِي، اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ وَشَفِّعْنِي فِيهِ»، فَفَعَلَ الرَّجُلُ فَبَرِئَ.","vol":"2","page":593},{"text":"تَنْبِيهٌ:\nوَهَذَا الإِتْيَانُ مِنَ الضَّرِيرِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مَقْرُونٌ بِحَيَاتِهِ فَقَط، أَمَّا بَعْدَ مَمَاتِهِ؛ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ دُعَاءِ الأَمْوَاتِ، وَهوَ شِرْكٌ بِاللهِ تَعَالَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النَّحْل: ٢٠ - ٢١].\nوَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأَحْقَاف: ٥].\nوَأَمَّا يَومُ القِيَامَةِ؛ فَيَطْلُبُ النَّاسُ مِنْهُ ﷺ أَنْ يَشْفَعَ لَهُم عِنْدَ رَبِّهِم لِأَنَّهُ حَيٌّ حَاضِرٌ قَادِرٌ، وَلَكِنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ لَا يَشْفَعُ حَتَّى يُؤْذَنَ لَهُ، وَلَا تُقْبَلُ شَفَاعَتُهُ إِلَّا فِيمَنْ أَذِنَ اللهُ لَهُم حَيثُ يُجْعَلُ لَهُ حَدٌّ في كُلِّ مَرَّةٍ فَيُدْخِلُهُم الجَنَّةَ.\n٢ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي حَدَّ لَهُ مَنْ سَيَدْخُلُ الجَنَّةَ، وَلَيسَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ! كَمَا فِي نَفْسِ الحَدِيثِ: «فَيَأْتُونِي، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنُ لِي، فَإِذَا أَنَا رَأَيتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ؛ ارْفَعْ رَأْسَكَ، قُلْ تُسْمَعْ، سَلْ تُعْطَهْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَأَرْفَعُ رَأْسِي؛ فَأَحْمَدُ رَبِّي بِتَحْمِيدٍ -يُعَلِّمُنِيهِ رَبيَّ- ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١) (^٢).\n_________\n(^١) مُسْلِمٌ (١٩٣).\n(^٢) وَمِنْ بَابَ التَّقْرِيبِ لِلأَذْهَانِ: أَرَأَيتَ لَو أَنَّ رَجُلًا أَهْدَى هَدِيَّةً إِلَى صَدِيقِهِ وَأَرْسَلَهَا مَعَ عَامِلِهِ؛ فَهَلْ يَكُونُ فِيهَا الفَضْلُ لِلعَامِلِ أَمْ لِمَنْ أَرْسَلَهُ؟! وَمَا رَأْيُكَ بِمَنْ شَكَرَ هَذَا العَامِلَ وَتَعَلَّقَ بِهِ وَطَلَبَ مِنْهُ المَزِيدَ؟ هَلْ يَكُونُ إِلَّا جَاحِدًا مُنْكِرًا لِإِحْسَانِ صَاحِبِهِ؛ بِحَيثُ يَقُولُ لَهُ: إِنَّ العَامِلَ هُوَ الَّذِي أَهْدَانِي وَلَيسَ أَنْتَ لِأَنِّي رَأَيتُهَا في يَدِهِ؟! فَقَارِنْ بَينَ هَذَا وَبَينَ قَولِ النَّاظِمِ لِلبُرْدَةِ:\n(يَا أَكْرَمَ الخَلْقِ مَا لِي مَنْ أَلُوذُ بِهِ … سِوَاكَ عِنْدَ حُلُولِ الحَادِثِ العَمَمِ\nإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي مَعَادِي آخِذًا بِيَدِي … فَضْلًا وَإِلَّا فَقُلْ يَا زَلَّةَ القَدَمِ)!!!","vol":"2","page":594},{"text":"٣ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ لِلشَّفَاعَةِ شُرُوطًا مِنْهَا: رِضَى اللهِ تَعَالَى عَنِ المَشْفُوعِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٢٨]، فيَكُونُ مِنْ أَسْبَابِ حُصُولِ هَذِهِ الشَّفَاعَةِ طَلَبُ الرِّضَى مِنَ اللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ وَلَيسَ مِنْ غَيرِهِ! فاللهُ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ مِنْ أَسْبَابِ حُصُولِ الشَّفَاعَةِ أَنْ تُطْلَبَ مِنْ غَيرِهِ تَعَالَى، بَلْ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ شِرْكَ المُشْرِكِينَ الأَوَائِلِ كَانَ فِي طَلَبِ الشَّفَاعَةِ مِنَ الأَولِيَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يُونُس: ١٨]، وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الدُّعَاءَ هُوَ العِبَادَةُ (^١).\n٤ - أَنَّ يَومَ القِيَامَةِ يَكُونُ المُلْكُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ هُوَ للهِ وَحْدَهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾؛ فَلَا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ تَعَالَى (^٢).\n_________\n(^١) وَالحَدِيثِ هُوَ «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ» ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غَافِر: ٦٠]. صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٩٦٩) عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٣٤٠٧).\n(^٢) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ في التَّفْسِيرِ (١/ ١٣٤): \"وَتَخْصِيصُ المُلْكِ بِيَومِ الدِّينِ لَا يَنْفِيهِ عَمَّا عَدَاهُ، لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ الإِخْبَارُ بِأَنَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ، وَذَلِكَ عَامٌّ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَإِنَّمَا أُضِيفَ إِلَى يَومِ الدِّينِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي أَحَدٌ هُنَالِكَ شَيئًا، وَلَا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، كَمَا قَالَ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النَّبَأ: ٣٨]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طَه: ١٠٨]، وَقَالَ: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هُود: ١٠٥] \".","vol":"2","page":595},{"text":"- الشُّبْهَةُ الخَامِسَةُ: إِنَّ الكُفَّارَ لَمْ تَنْفَعْهُمُ الشَّفَاعَةُ -كَمَا فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا وَلَا يُنْقِذُونِ﴾ [يَس: ٢٣]- لِكَونِهِم يَرْجُونَهَا مِنَ الأَصْنَامِ، وَهَلْ هِيَ إِلَّا حِجَارَةٌ صَمَّاءُ عَمْيَاءُ؟!\nفَكَيفَ يُقَاسُ سَيِّدُ الأَنَامِ بِهَذِهِ الأَصْنَامِ؛ فَيُقَالُ: إَنَّهُ لَا يَمْلِكُ لِأُمَّتِهِ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا!\nأَلَيسَ هَذَا إِنْكَارًا لِلشَّفَاعَةِ؟! لِأَنَّ الشَّفَاعَةَ فِيهَا إِثْبَاتُ النَّفْعِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ.\nفَظَهَرَ بِذَلِكَ بُطْلَانُ حَشْرِهِمُ الأَنْبِيَاءَ وَالصَّالِحِينَ مَعَ زُمْرَةِ الأَصْنَامِ فِي عَدَمِ جَوَازِ الاسْتِشْفَاعِ بِهِم.\nالجَوَابُ مِنْ أُوجُهٍ:\n١ - إِنَّ هَذَا الإِيرَادَ فِيهِ حَقٌّ وَفِيهِ بَاطِلٌ، لِأَنَّ الآيَةَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَا دُعِيَ مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى؛ فَإِنَّ الأَصْنَامَ -وَهِيَ حِجَارَةٌ صَمَّاءُ بِلَا رَيبٍ- لَمْ تُعْبَدْ عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهَا حِجَارَةٌ صَمَّاءُ! بَلْ عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهَا تَرْمُزُ إِلَى أَصْحَابِهَا مِنَ الأَولِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَالمَلَائِكَةِ حَيثُ جَعَلَهَا المُشْرِكُونَ شُفَعَاءَ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى (^١)، فَلَمْ يَعْتَقِدُوا أَصْلًا فِيهِمُ\n_________\n(^١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي تَفْسِيرِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيهِ اللَّيلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأَنْعَام: ٧٦]: \"وَالحَقُّ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵊ كَانَ فِي هَذَا المَقَام مُنَاظِرًا لِقَومِهِ؛ مُبَيِّنًا لَهُمْ بُطْلَانَ مَا كَانُوا عَلَيهِ مِنْ عِبَادَة الهَيَاكِلِ وَالأَصْنَامِ، فَبَيَّنَ فِي المَقَامِ الأَوَّلِ مَعَ أَبِيهِ خَطَأَهُمْ فِي عِبَادَة الأَصْنَامِ الأَرْضِيَّةِ الَّتِي هِيَ عَلَى صُوَرِ المَلَائِكَةِ السَّمَاوِيَّةِ لِيَشْفَعُوا لَهُمْ إِلَى الخَالِقِ العَظِيمِ الَّذِينَ هُمْ عِنْد أَنْفُسِهِمْ أَحْقَرُ مِنْ أَنْ يَعْبُدُوهُ! وَإِنَّمَا يَتَوَسَّلُونَ إِلَيهِ بِعِبَادَةِ مَلَائِكَتِهِ لِيَشْفَعُوا لَهُمْ عِنْدَه فِي الرِّزْقِ وَالنَّصْرِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيهِ\". تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٣/ ٢٩٢).","vol":"2","page":596},{"text":"الخَلْقَ أَوِ الضُّرَّ أَوِ النَّفْعَ! قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العَنْكَبُوت: ٦١].\nوَتَأَمَّلِ التَّعْبِيرَ بِـ (مَنْ) الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ المَدْعُوَّ مِنْ دُونِ اللهِ عَاقِلٌ وَلَيسَ بِجَمَادٍ أَصَمَّ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأَحْقَاف: ٥].\n٢ - إِنَّ شِرْكَ المُشْرِكِينَ أَصْلًا هُوَ فِي دُعَاءِ الصَّالِحِينَ وَالاسْتِغَاثَةِ وَالاسْتِشْفَاعِ بِهِم عِنْدَ رَبِّهِم، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يُونُس: ١٨].\n٣ - إِنَّ إِثْبَاتَ الشَّفَاعَةِ لَا يَعْنِي إِثْبَاتَ النَّفْعِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لِلنَّاسِ -مِنْ جِهَةِ أَمْرِ الجَنَّةِ وَالنَّارِ طَبْعًا؛ وَمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيهِ إِلَّا اللهُ-! وَإِنَّمَا هُوَ سَبَبٌ جَعَلَهُ اللهُ لِرَحْمَةِ مَنْ رَضِيَ عَنْهُ، وَتَأَمَّلْ قَولَ النَّبِيِّ ﷺ لِابْنَتِهِ: «يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ: سَلِينِي بِمَا شِئْتِ؛ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيئًا» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^١).\nوَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النَّجْم: ٢٦]، وَكَقَولِهِ تَعَالَى أَيضًا: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيءٌ﴾ [آلِ عِمْرَان: ١٢٨].\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٤٧٧١)، وَمُسْلِمٌ (٢٠٦).","vol":"2","page":597},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-512> الشُّبْهَةُ السَّادِسَةُ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى بَشَّرَ نَبِيَّهُ ﷺ بِأَنَّهُ لَنْ يُخْزِيَهِ فِي أُمَّتِهِ</span>؛ فَقَالَ لَهُ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضُّحَى: ٥]، فَهَلْ يَرْضَى النَّبِيُّ ﷺ بِعَذَابِ أُمَّتِهِ؟! أَو أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ مِنْهُم قَدْ أَخْطَأَ السَّبِيلَ فَاسْتَغَاثَ بِهِ -عَلَى فَرْضِ خَطَئِهِ- أَنْ يَكُونَ فِي النَّارِ؟! فَشَفَاعَتُهُ ﷺ إِذًا نَائِلَةٌ جَمِيعَ أُمَّتِهِ بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ أَخْطَائِهِم!\nالجَوَابُ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ:\n١ - إِنَّ الَّذِي بَشَّرَهُ بِـ ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ هُوَ الَّذِي أَخْبَرَ عَنْهُ بِأَنَّهُ ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيءٌ﴾ [آلِ عِمْرَان: ١٢٨] فَلَا تَعَارُضَ بَينَهُمَا، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَا يَرْضَى مَا لَا يَرْضَى اللهُ تَعَالَى عَنْهُ.\nفَنَقُولُ: هَلْ يَرْضَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُدْعَى مَعَ اللهِ؟! أَلَيسَ هُوَ الَّذِي قَالَ لِابْنِ عَمَّهِ مُعَلِّمًا إِيَّاهُ كَلِمَاتٍ جَامِعَاتٍ نَافِعَاتٍ: «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ» (^١).\nقَالَ ابْنُ القَيِّمِ ﵀: \"وَمِنْهُمْ مَنْ يَغْتَرُّ بِفَهْمٍ فَاسِدٍ فَهِمَهُ -هُوَ وَأَضْرَابُهُ- مِنْ نُصُوصِ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فَاتَّكَلُوا عَلَيهِ! كَاتِّكَالِ بَعْضِهِمْ عَلَى قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضُّحَى: ٥٥] قَالَ: وَهُوَ لَا يَرْضَى أَنْ يَكُونَ فِي النَّارِ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِهِ!!\nوَهَذَا مِنْ أَقْبَحِ الجَهْلِ وَأَبْيَنِ الكَذِبِ عَلَيهِ؛ فَإِنَّهُ يَرْضَى بِمَا يَرْضَى بِهِ رَبُّهُ ﷿، وَاللَّهُ تَعَالَى يُرْضِيهِ تَعْذِيبُ الظَّلَمَةِ وَالفَسَقَةِ وَالخَوَنَةِ وَالمُصِرِّينَ عَلَى الكَبَائِرِ، فَحَاشَا رَسُولَهُ أَنْ يَرْضَى بِمَا لَا يَرْضَى بِهِ رَبُّهُ ﵎! \" (^٢).\n٢ - إِنَّ مَنْ بَدَّلَ فِي دِينِهِ وَغَيَّرَ وَحَرَّفَ، وَاسْتَبْدَلَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيرٌ مِنْ\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٨٠٣)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٢٥١٦). صَحِيحُ التِّرْمِذِيِّ (٢٥١٦).\n(^٢) الجَوَابُ الَكَافِي (ص ٢٣).","vol":"2","page":598},{"text":"أُمَّتِهِ ﷺ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يَرْضَى عَنْهُ بَلْ يُبَاعِدُهُ عَنْ نَفْسِهِ، كَمَا فِي حَدِيثِ ذَودِ بَعْضِ مَن يَرِدُ عَلَى الحَوضِ الشَّرِيفِ «فَأَقُولُ: إِنَّهُمْ مِنِّي! فَيُقَالُ: إِنَّكَ لا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي»، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سُحْقًا: بُعْدًا (^١).\n٣ - إِنَّ الرِّضا المقصُودَ في الآيةِ مَعناهُ أنْ تَدْخُلَ أُمَّتُهُ كُلُّهَا الجنَّةَ وَلا يُخَلَّدَ أَحدٌ مِنْ أُمَّتِهِ ﷺ فِي النَّارِ؛ وَلَيسَ عَدَمَ الدُّخُولِ أصَلًْا! فَقَدْ دَلَّتْ أَحاديثُ الشَّفاعَةِ عَلى دُخُولِ طَوائِفَ مِنْهُم بِذُنُوبهم.\nقَالَ الإِمَامُ القُرْطُبِيُّ ﵀: \"قَالَ بَعْضُهُم: أَرْجَى آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا يَرْضَى بِبَقَاءِ أَحَدٍ مِنْ أُمَّتِهِ فِي النَّارِ\" (^٢).\n\"وَأَخْرَجَ البَيهَقِيُّ فِي شُعَبِ الإِيمَانِ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ قَالَ: رِضَاهُ أَنْ تَدْخُلَ أُمَّتُهُ الجنَّةَ كُلُّهُم.\nوَأَخْرَجَ الخَطِيبُ فِي (تَلْخِيصِ المُتَشَابِهِ) مِن وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ قَالَ: لَا يَرْضَى مُحَمَّدٌ وَأَحَدٌ مِن أُمَّتِهِ فِي النَّارِ\" (^٣).\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٦٥٨٤)، وَمُسْلِمٌ (٢٦) مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا.\n(^٢) تَفْسِيرُ القُرْطُبِي (١٢/ ٢٠٩).\n(^٣) الدُّرُّ المَنْثُورُ (٨/ ٥٤٢).","vol":"2","page":599},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-513> الشُّبْهَةُ السَّابِعَةُ: مَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ مِنْ كَونِهِ ﷺ لَا يَمْلِكُ لِأَهْلِهِ وَلِلنَّاسِ شَيئًا؛ لَا يَعْنِي عَدَمَ نَفْعِهِ لَهُم فِي الآخِرَةِ!</span> لِأَنَّ مَنْ نُفِيَ عَنْهُم النَّفْعُ هُمُ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَصْلًا، فَالمَقْصُودُ بِالحَدِيثِ هُوَ لَا أُغْنِي عَنْكُم مِنَ اللهِ شَيئًا إِذَا لَمْ تُؤْمِنُوا؛ أَمَّا إِذَا آمَنْتُم؛ فَإِنِّي أُغْنِي عَنْكُم!\nالجَوَابُ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ:\n١ - إِنَّ هَذَا تَلْفِيقٌ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ وَاسْتِدْرَاكٌ عَلَيهِ! فَلَمْ يَقُلْهُ ﵊، بَلْ يَبْقَى الحَدِيثُ عَلَى عُمُومِهِ؛ لَا سِيَّمَا وَهُوَ مُؤَكَّدٌ بِقَولِهِ: (شَيءٌ) فَهِيَ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْي تُفِيدُ عُمُومَ عَدَمِ نَفْعِهِ ﷺ لَهُم شَيئًا مِنْ دُونِ إِذْنِ رَبِّهِ (^١).\n٢ - إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ يَومَ القِيَامَةِ لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ لِأَحَدٍ شَيئًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانْفِطَار: ١٩]، وَتَأَمَّلْ كَونَ النَّفْسِ فِي الآيَةِ جَاءَتْ نَكِرَةً فِي حَقِّ الشَّافِعِ والمَشْفُوعِ وَجِهَةِ الشَّفَاعَةِ؛ الأَمْرَ الَّذِي يَعْنِي أَنَّهُ أَيًّا كَانَ الشَّافِعُ، وَأَيًّا كَانَ المَشْفُوعُ فِيهِ، وَأَيًّا كَانَ وَجْهُ الشَّفَاعَةِ؛ فَلَا يَمْلِكُ أَحَدٌ لِأَحَدٍ شَيئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى، وَعَلَيهِ فَيَجِبُ التَّعَلُّقُ بِاللهِ تَعَالَى لِتَحْصِيلِ المَطْلُوبِ.\n٣ - إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ بيَّنَ فِي بَعْضِ أَحَادِيثِهِ الشَّرِيفَةِ أَنَّهُ لَا يُغْنِي عَنْ أُمَّتِهِ نَفْسِهَا شَيئًا إِذَا جَاءُوهُ بِالمَعَاصِي -وَلَيسَ بِالكُفْرِ فَقَط-، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «إِنَّ أَولِيَائِي يَومَ القِيَامَةِ المُتَّقُونَ -وَإِنْ كَانَ نَسَبٌ أَقْرَبَ مِنْ نَسَبٍ-؛ فَلَا يَأْتِينِي النَّاسُ بِالأَعْمَالِ وَتَأْتُونَ بِالدُّنْيَا تَحْمِلُونَهَا عَلَى رِقَابِكُمْ، فَتَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ! فَأَقُولُ: هَكَذَا وَهَكَذَا؛ لَا» وَأَعْرَضَ فِي كِلَا عِطْفَيهِ (^٢)، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَا يُغْنِي عَنْهُم مِنْ جِهَةِ\n_________\n(^١) وَلَا يَخْفَى إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ الشَّفَاعَةَ نَافِعَةٌ، وَلَكِنَّهَا مَقْرُونَةٌ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى لَهُ وَرِضَاهُ عَنْهُم.\n(^٢) حَسَنٌ. الأَدَبُ المُفْرَدُ (٨٩٧) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. الصَّحِيحَةُ (٧٦٥).","vol":"2","page":600},{"text":"عِصْيَانِهِم؛ وَلَيسَ مِنْ جِهَةِ شِرْكِهِم فَقَطْ!\nوَلَا يَخْفَى عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ الأَحَادِيثُ الكَثِيرَةُ المَشْهُورَةُ الَّتِي تُثْبِتُ دُخُولَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ التَّوحِيدِ النَّارَ -مِمَّنْ لَهُم مَعَاصٍ لَمْ يَتُوبُوا مِنْهَا؛ وَلَمْ يُغْفَرْ لَهُم ابْتِدَاءً- ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا بِإِذْنِ اللهِ.\nوَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البَقَرَة: ٢٥٤] (^١)، وَالشَّاهِدُ مِنْهُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ أَهْلَ الإِيمَانِ بِالنَّفَقَةِ مُحَذِّرًا إِيَّاهُم مِنْ إِتْيَانِ يَومٍ لَا تَنْفَعُهُم فِيهِ شَفَاعَةٌ؛ الأَمْرُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّفَاعَةَ لَيسَتْ مِنْ بَابِ تَحْصِيلِ الحَاصِلِ لِأَهْلِ المِلَّةِ! بَلْ هِيَ مَقْرُونَةٌ بِرِضَى الرَّبِّ ﷾ عَنِ المَشْفُوعِينَ وَإِذْنِهِ لِلشَّافِعِينَ بِالشَّفَاعَةِ، هَذَا كُلُّهُ عَدَا عَنْ كَونِهَا دَرَجَاتٍ فِي حَقِيقَتِهَا.\n٤ - إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ بَيَّنَ فِي بَعْضِ أَحَادِيثِهِ الشَّرِيفَةِ أَنَّ شَفَاعَتَهُ تُنَالُ بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ -وَلَيسَ بِالدَّعَوَاتِ الفَارِغَةِ مِنَ المَضْمُونِ- وَأَهَمُّ هَذِهِ الأَعْمَالِ التَّوحِيدُ، كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَومَ القِيَامَةِ؟ فَقَالَ: «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلَ مِنْكَ لِمَا رَأَيتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَومَ القِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ خَالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ» (^٢).\n_________\n(^١) وَمِثْلُهَا قَولُ اللهِ ﷿: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأَنْعَام: ٥١]؛ حَيثُ كَانَ الإِنْذَارُ لِمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ؛ وَأَنَّ العِلْمَ بِذَلِكَ هُوَ سَبَبُ التَّقْوَى.\n(^٢) البُخَارِيُّ (٩٩).","vol":"2","page":601},{"text":"وَتَأَمَّلِ الحَدِيثَ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الأَسْلَمِيِّ؛ قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَتَيتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَقَالَ لِي: «سَلْ»، فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الجَنَّةِ، قَالَ: «أَوَ غَيرَ ذَلِكَ»؟! قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» (^١).\n_________\n(^١) صَحِيحُ مُسْلِمٍ (٤٨٩).","vol":"2","page":602},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-514> الشُّبْهَةُ الثَّامِنَةُ: الطَّلَبُ مِنَ الأَمْوَاتِ وَالغَائِبِينَ لَا يُسَمَّى دُعَاءً بَلْ هُوَ نِدَاءٌ، وَالنَّهْيُ إِنَّمَا هُوَ عَنْ دُعَاءِ الأَمْوَاتِ فَقَط؛ وَلَيسَ عَنْ نِدَائِهِم!</span>\nالجَوَابُ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ:\n١ - إِنَّ هَذَا كَذِبٌ عَلَى اللُّغَةِ؛ فَالنِّدَاءُ هُوَ الدُّعَاءُ، وَلَكِنَّ الفَرْقَ بَينَهُمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ رَفْعِ الصَّوتَ وَخَفْضِهِ، وَلَيسَ مِنْ جِهَةِ حَقِيقَةِ المَعْنَى!\nقَالَ أَبُو الهِلَالِ العَسْكَرِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (مُعْجَمُ الفُرُوقِ اللُّغَوِيَّةِ): \"الفَرْقُ بَينَ النِّدَاءِ وَالدُّعَاءِ: أَنَّ النِّدَاءَ هُوَ رَفْعُ الصَّوتِ بِمَا لَهُ مَعْنًى، وَالعَرَبِيُّ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: نَادِ مَعَي؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَنْدَى لِصَوتِنَا، أَي: أَبْعَدَ لَهُ، وَالدُّعَاءُ يَكُونُ بِرَفْعِ الصَّوتِ وَخَفْضِهِ، يُقَالُ: دَعَوتُهُ مِنْ بَعِيدٍ وَدَعَوتُ اللهَ فِي نَفْسِي، وَلَا يُقَالَ: نَادَيتُهُ فِي نَفْسِي\" (^١).\n٢ - إِنَّ هَذَا كَذِبٌ عَلَى الشَّرِيعَةِ؛ فَقَدْ سَمّى اللهُ تَعَالَى النِّدَاءَ دُعَاءً فِي كَثِيرٍ مِنَ المَوَاضِعِ، وَإِلَيكَ بَعْضَهَا:\nقَالَ تَعَالَى عَنْ نَوحٍ ﵊: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القَمَر: ١٠]، وَقَالَ أَيضًا: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّينَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٧٦].\nوَقَالَ عَنْ زكَرِيَّا ﵊: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مَرْيَم: ٣]، وَقَالَ أَيضًا: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ [آلِ عِمْرَان: ٣٨].\nوَقَالَ عَنْ يُونُسَ ﵊: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ\n_________\n(^١) مُعْجَمُ الفُرُوقِ اللُّغَوِيَّةِ (ص ٣٨).","vol":"2","page":603},{"text":"عَلَيهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٨٧]، وَقَالَ ﷺ: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ -إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ-: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللهُ لَهُ» (^١).\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَينَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكَهْف: ٥٢] فَسَمَّى اللهُ تَعَالَى النِّدَاءَ مِنْهُم دُعَاءً.\n٣ - إِنَّ هَذَا ضَلَالٌ مِنْ جِهَةِ المَعْنَى؛ فَمَا الغَايَةُ مِنْ نِدَائِهِم وَقَدْ فَرَّقَ اللهُ تَعَالَى بَينَ الحَيِّ وَالمَيِّتِ، وَجَعَلَ الاسْتِجَابَةَ لِلحَيِّ دُونَ المَيِّتِ، فَنِدَاؤُهُ هُوَ كَنِدَاءِ الجِدَارِ الأَصَمِّ، وَالحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا، وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَولَا أَنْ هَدَانَا اللهُ.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلَا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي القُبُورِ﴾ [فَاطِر: ٢٢]، وَقَالَ تَعَالَى أَيضًا: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأَحْقَاف: ٥] (^٢).\n٤ - إِنَّ الطَّلَبَ مِنَ الحَيِّ -سَوَاءً سُمِّيَ نِدَاءً أَو دُعَاءً- يَجُوزُ فِي الأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي أَقْدَرُ اللهُ تَعَالَى البَشَرَ عَلَيهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأَنْفَال: ٧٢]، أَمَّا مَا كَانَ مُخْتَصًّا بِاللهِ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ مِنَ الإِحْيَاءِ وَالإِمَاتَةِ وَالفَلَاحِ فِي الدُّنْيَا وَالفَوزِ بِالآخِرَةِ وَكَشْفِ الكُرُبَاتِ وَمَعْرِفَةِ مَا فِي الضَّمِيرِ\n_________\n(^١) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٣٥٠٥) عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٥٦٩٥).\n(^٢) وَتَأَمَّلِ التَّعْبِيرَ بِـ (مَنْ) الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ المَدْعُوَّ مِنْ دُونِ اللهِ عَاقِلٌ وَلَيسَ بِجَمَادٍ أَصَمٍّ! فَهُم كَانُوا يَعْبُدُونَ الصَّالِحِينَ وَالمَلَائِكَةَ طَمَعًا فِي شَفَاعَتِهِم.","vol":"2","page":604},{"text":"وَالرِّزْقِ بِالبَنِين وَالإِمْدَادِ بِالأَمْوَالِ مِنَ الغَيبِ وَكُلِّ مَا كَانَ خَارِجًا عَنْ طَاقَةِ البَشَرِ؛ فَلَا يَجُوزُ، وَهُوَ مِنَ الشِّرْكِ بِاللهِ تَعَالَى مِنْ جِهَةِ الرُّبُوبِيَّةِ فَضْلًا عَنْ جِهَةِ العُبُودِيَّةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٩٤].\nوَأَيضًا الطَّلَبُ مِنَ الغَائِبِ مِنَ البَشَرِ -وَإِنْ كَانَ حَيًّا- لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ هَذَا المَدْعُوَ بَشَرٌ لَا يَسْمَعُ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْمَعُهُ البَشَر،؛ فَدَعْوَى سَمَاعِهِ وَحُضُورِهِ هُوَ إِشْرَاكٌ بِهِ مَعَ اللهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ مَعَنَا أَينَمَا كُنَّا، فَيَكُونُ ذَلِكَ شِرْكًا فِي المَعِيَّةِ وَالعِلْمِ وَالإِحَاطَةِ.\nوَقَدْ سَبَقَ أَيضًا أَنَّ نِدَاءَ الأَمْوَاتِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ أَعْمَالِ الكُفَّارِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النَّحْل: ٢١].\nوَأَخِيرًا؛ أَقُولُ: بَلْ لَو كَانَ المَيِّتُ يَقْضِي حَوَائِجَ المُسْلِمِينَ؛ لَكَانَ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ عَمَلِهِ الصَّالِحِ الجاري بَعْدَ مَوتِهِ الَّذِي يُؤْجَرُ عَلَيهِ؛ فَمَا الجَمْعُ مَعَ الحَدِيثِ الَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَو وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (^١)؟! وَلَكِنَّ الأَمْرَ هُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يُونُس: ٣٢].\nوَيُقَالُ أَيضًا لِهَذَا المُسَاوِي بَينَ الحَيِّ وَالمَيِّتِ أَنَّهُ لَو أَعْطَى إِنْسَانٌ إِنْسَانًا مَالًا وَقَالَ: أَودِعْهُ عِنْدَ ثِقَةٍ، فَذَهَبَ بِهِ الوَكِيلُ وَأَودَعَهُ عِنْدَ قَبْرِ رَجُلٍ صَالِحٍ أَوْ\n_________\n(^١) صَحِيحُ مُسْلِمٍ (١٦٣١).","vol":"2","page":605},{"text":"وَلِيٍّ، وَقَالَ: هَذَا وَدِيعَةٌ عِنْدَكَ لِفُلَانٍ، وَاسْتَحْفَظَهُ إِيَّاهُ؛ فَضَاعَ! لَعَدَّهُ النَّاسُ مَجْنُونًا وَلَأَلْزَمُوهُ الضَّمَانَ.\nوَكَمَا لَو أَنَّ مُغَسِّلًا -يُغَسِّلُ مَيِّتًا- ذَهَبَ يَسْتَأْذِنُهُ فِي أَنْ يُغَسِّلَهُ بِمَاءٍ بَارِدٍ أَو حَارٍّ؛ أَلَا يَكُونُ عِنْدَ جَمِيعِ النَّاسِ أَحْمَقًا؟! فَكَيفَ إِذَا طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَقْضِيَ حَاجَتَهُ وَهُوَ فِي هَذِهِ الحَالِ مَيِّتٌ بَينَ يَدِي مُغَسِّلٍ!","vol":"2","page":606},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-515> الشُّبْهَةُ التَّاسِعَةُ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُمَلِّكُ الشَّفَاعَةَ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ، وَأَولَى النَّاسِ بِذَلِكَ هُمُ الصَّالِحُونَ،</span> وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مَرْيَم: ٨٧]، وَقَولُهُ: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزُّخْرُف: ٨٦]، فَطَلَبُ الشَّفَاعَةِ مِنْهُم صَحِيحٌ إِذًا؛ مُوَافِقٌ لِلأُصُولِ!!\nالجَوَابُ:\n١ - إِنَّ الشَّفَاعَةَ لَا يَمْلُكُهَا أَحَدٌ إِلَّا اللهُ تَعَالَى كَمَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ تَعَالَى، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزُّمَر: ٤٤].\nوَأَمَّا مَا يُمْكِنُ قَولُهُ فِي هَذَا المَقَامِ (^١) أَنَّ تَمَلُّكَ المُؤْمِنِينَ لِلشَّفَاعَةِ هُوَ بِقَيدِ أَنْ يَرْضَى اللهُ تَعَالَى عَنِ المَشْفُوعِ فِيهِ، لِأَنَّ الشَّفَاعَةَ المُثْبَتَةَ فِي الشَّرِيعَةِ لَهَا شَرْطَانِ هُمَا: الإِذْنُ لِلشَّافِعِ وَقَدْ تَحَقَّقَ هُنَا -جَدَلًا-، وَالثَّانِي هُوَ الرِّضَى عَنِ المَشْفُوعِ كَمَا قَالَ\n_________\n(^١) عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ فِي الآيَتَينِ مُتَّصِلٌ -عَلَى أَحَدِ قَولَي المُفَسِّرِينَ-؛ وَإِلَّا فَإِنَّ الحَافِظَ ابْنَ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ فِي الآيَةِ مُنْقَطِعٌ، قَالَ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٧/ ٢٤٣): \" ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أَي: مِنَ الأَصْنَامِ وَالأَوثَانِ (الشَّفَاعَةَ) أَي: لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الشَّفَاعَة لَهُمْ ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ هَذَا اسْتِثْنَاء مُنْقَطِع، أَي: لَكِنْ مَنْ شَهِدَ بِالحَقِّ عَلَى بَصِيرَةٍ وَعِلْمٍ؛ فَإِنَّهُ تَنْفَعُ شَفَاعَتُهُ عِنْدَهُ بِإِذْنِهِ لَهُ\".\nقُلْتُ: وَمَعْنَى الانْقِطَاعِ فِي الاسْتِثْنَاءِ أَنَّ المُسْتَثْنَى لَيسَ جُزْءًا مِنَ المُسْتَثْنَى مِنْهُ، أَمَّا المُتَّصِلُ فَمَفَادُهُ هُنَا أَنَّ الَّذِينَ يُدْعَونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كَانُوا مُوَحِّدِينَ؛ فَإِنَّهُم يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ لِغَيرِهِم بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى لَهُم، وَفِيمَنْ ﵃.","vol":"2","page":607},{"text":"تَعَالَى عَنِ الشُّفَعَاءِ: ﴿يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٢٨].\n٢ - إِنَّ إِثْبَاتَ مِلْكِ الشَّفَاعَةِ لِلصَّالِحِينَ لَا يَعْنِي طَلَبَهَا مِنْهُم! لِأَنَّ هَذَا هُوَ شِرْكُ المُشْرِكِينَ، حَيثُ أَنَّ عِيسَى وَمَرْيَمَ وَالعُزَيرَ هُمْ مِنْ سَادَاتِ الأَولِيَاءِ مِنَ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ هُمْ أَولَى مِنْ غَيرِهِم بِتَمَلُّكِ الشَّفَاعَةِ -عَلَى القَولِ بِالتَّمَلُّكِ- ومع هَذَا فَقَدْ جَاءَ بَيَانُ أَنَّ مَنْ دَعَاهُم كَانَ مُشْرِكًا مَذْمُومًا شَرْعًا، قَالَ تَعَالَى فِي مَعْرِضِ تَحَدِّي المُشْرِكِينَ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإِسْرَاء: ٥٦ - ٥٧].\nقَالَ البَغَوِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ: \"قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: وَهُمْ عِيسَى وَأُمُّهُ وَعُزَيرٌ وَالمَلَائِكَةُ وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ وَالنُّجُومُ، (يَبْتَغُونَ) أَي: يَطْلُبُونَ إِلَى رَبِّهِمُ (الوَسِيلَةَ) أَيِ القُرْبَةَ. وَقِيلَ: الوَسِيلَةُ الدَّرَجَةُ العُلْيَا، أَي: يَتَضَرَّعُونَ إِلَى اللهِ فِي طَلَبِ الدَّرَجَةِ العُلْيَا\" (^١)، فَبَيَّنَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ هَؤُلَاءِ المَعْبُودَاتِ أَنْفُسِهَا هُمْ أَصْلًا يَدْعُونَ اللهَ تَعَالَى وَيَتَقَرَّبُونَ إِلَيهِ.\n٣ - إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَيِّدُ البَشَرِ لَمْ يَمْلِكْ لِأَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيهِ شَيئًا مِنْ دُونِ اللهِ، كَمَا فِي قَولِهِ ﷺ لِابْنَتِهِ فَاطْمَةَ ﵂: «سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي؛ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيئًا» (^٢).\n_________\n(^١) تَفْسِيرُ البَغَوِيِّ (٥/ ١٠١).\n(^٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤٧٧١)، وَمُسْلِمٌ (٢٠٦) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.","vol":"2","page":608},{"text":"٤ - إِنَّ الشَّفَاعَةَ لَو كَانَتْ مِلْكًا -جَدَلًا- لِلصَّالِحِينَ؛ فَالأَحْيَاءُ مِنْهُم يَمْلِكُونَ الدُّعَاءَ لِمَنْ طَلَبَ مِنْهُم، وَأَمَّا الأَمْوَاتُ مِنْهُم فَهُم فِي البَرْزَخِ، وَلَا يَدْرُونَ عَنِ الَّذِينَ يَدْعُونَهُم شَيئًا؛ فَضْلًا عَنِ الاسْتِجَابَةِ لَهُم، قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ المُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فَاطِر: ١٣ - ١٤].","vol":"2","page":609},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-516> الشُّبْهَةُ العَاشِرَةُ: إِنَّ الأَنْبِيَاءَ وَالصَّالِحِينَ أَحْيَاءٌ يُجِيبُونَ مَنْ دَعَاهُم -وَمِثْلُهُمُ الشُّهَدَاءُ- لِذَلِكَ يَجُوزُ دُعَاؤُهُم وَالاسْتِغَاثَةُ بِهِم بِخِلَافِ الأَصْنَامِ فَهِيَ حِجَارَةٌ لَا تَسْمَعُ وَلَا تَعْقِلُ!</span> وَهَاكَ الأَدِلَّةَ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى حَيَاتِهِم:\n١ - قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [البَقَرَة: ١٥٤].\n٢ - قَولُ المُصَلِّي فِي التَّشَهُّدِ -بِلَفْظِ الخِطَابِ- «السَّلَامُ عَلَيكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^١)، وَحَدِيثُ: «الأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِم يُصَلُّونَ» (^٢).\n٣ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: «إِذَا انْفَلَتَتْ دَابَّةُ أَحَدِكُم بِأَرْضٍ فَلَاةٍ؛ فَلْيُنَادِ: يَا عِبَادَ اللهِ احْبِسُوا؛ يَا عِبَادَ اللهِ احْبِسُوا، فَإِنَّ للهِ حَاضِرًا فِي الأَرْضِ سَيَحْبِسُهُ». رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ (^٣).\n٤ - عَنْ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَان مَرْفُوعًا: «إِذَا أَضَلَّ أَحَدُكُم شَيئًا أو أَرَادَ غَوثًا -وهُوَ بِأرْضٍ لَيسَ بِها أَنِيسٌ- فَلْيَقُلْ يَا عِبَادَ اللهِ أغِيثُونِي؛ يَا عِبَادَ اللهِ أغِيثُونِي؛ فَإِنَّ للهِ تَعَالَى عِبَادًا لَا نَرَاهُمْ». رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ (^٤).\n٥ - رَوَى ابْنُ أَبِي شَيبَةَ عَنْ مَالِكِ الدَّارِ -وَكَانَ خَازِنَ عُمَرَ- قَالَ: أَصَابَ النَّاسَ قَحْطٌ فِي زَمَنِ عُمَرَ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى قَبْرِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ اسْتَسْقِ لِأُمَّتِكَ؛\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (١٢٠٢)، وَمُسْلِمٌ (٤٠٢).\n(^٢) صَحِيحٌ. أَبُو يَعْلَى (٦٨٨٨) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٦٢١).\n(^٣) ضَعِيفٌ (وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ). الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ (١٠/ ٢١٧)، وَأَبُو يَعْلَى (٥٢٦٩).\n(^٤) ضَعِيفٌ. الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ (١٧/ ١١٧). الضَّعِيفَةُ (٦٥٦).","vol":"2","page":610},{"text":"فَإِنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا، فَأَتَى الرَّجُلَ فِي المَنَامِ؛ فَقِيلَ لَهُ: ائْتِ عُمَرَ فَأَقْرِئْهُ السَّلامَ، وَأَخْبِرْهُ أَنَّكُمْ مُسْتَقِيونَ، وَقُلْ لَهُ: عَلَيكَ الكَيسُ، عَلَيك الكَيسُ، فَأَتَى عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ فَبَكَى عُمَرُ، ثُمَّ قَالَ: (يَا رَبِّ لَا آلُو إلاَّ مَا عَجَزْتُ عَنْهُ) (^١).\nالجَوَابُ:\n١ - إِنَّ إِثْبَاتَ الحَيَاةِ لِلأَنْبِيَاءِ وَالشُّهَدَاءِ وَلِلنَّبِيِّ ﷺ لَيسَ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ الَّتِي يُوهِمُهَا أَهْلُ البِدَعِ! فَكَونُ النَّبِيِّ ﷺ حَيٌّ فِي قَبْرِهِ -كَمَا أَنَّ الشُّهَدَاءَ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِم- لَا يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّ لَهُم اتِّصَالًا بِالدُّنْيَا! كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [البَقَرَة: ١٥٤]، وَكَمَا قَالَ أَيضًا: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [آلِ عِمْرَان: ١٦٩]، فَصِفَةُ الحَيَاةِ لَهُم هِيَ فِي البَرْزَخِ وَلَيسَتْ فِي الدُّنْيَا.\nوَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزُّمَر: ٣٠]، وَأَيضًا حَدِيثَ: «وَلَيُذَادَنَّ بِأَقْوَامٍ مِنْ أُمَّتِي عَنِ الحَوضِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي! فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^٢).\nوَفِي حَدِيثِ قَبْضِ الرُّوحِ أَنَّ أَرْوَاحَ المُؤْمِنِينَ تَسْأَلُ الرُّوحَ المَقْبُوضَةَ حَدِيثًا عَنْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَأَحْوَالِهِم مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُم مَعْزُولُونَ عَنْهُم تَمَامًا إِلَّا مِنْ جِهَةِ مَا يُخْبَرُونَ بِهِ عَنْهُم (^٣).\n_________\n(^١) ضَعِيفٌ. مُصَنَّفُ ابْنِ أَبِي شَيبَةَ (٣٢٠٠٢). اُنْظُرْ كِتَابَ (التَّوَسُّلُ) لِلشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ ﵀ (ص ١١٨).\nوَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (٢/ ٤٩٥): \"وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ مَالِكِ الدَّارِ … \".\nقُلْتُ: وَلَكِنَّ (مَالِكَ الدَّارِ) هَذَا مَجْهُولُ الحَالِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ.\n(^٢) البُخَارِيُّ (٦٥٧٦)، وَمُسْلِمٌ (٢٢٩٧) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا.\n(^٣) وَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا حُضِرَ المُؤْمِنُ؛ أَتَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ بِحَرِيرَةٍ\n=","vol":"2","page":611},{"text":"وَنَقُولُ -مِنْ بَابِ الإِفْحَامِ- لِمَنْ لَمْ يَقْنَعْ بِكَونِ النَّبِيِّ ﷺ الآنَ مَيِّتٌ: كَمْ عُمُرُهُ الآنَ ﵊؟ وَفِي الجَوَابِ مَقْنَعٌ لِمُرِيدِ الهِدَايَةِ، وَالحَمْدُ للهِ.\n٢ - إِنَّ المَقْصُودَ مِنْ حَيَاةِ الشُّهَدَاءِ هُوَ تَنَعُّمُهُم فِي البَرْزَخ وَلَيسَ أَنَّهُم مَا زَالَوا أَحْيَاءَ فِي الدُّنْيَا! وَإِلَّا فَكَيفَ يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم أَنَّهُم قُتِلُوا أَصْلًا؟! كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُم: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آلِ عِمْرَان: ١٦٩].\nقَالَ البَغَوِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (^١): \" ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ نَزَلَتْ فِي قَتْلَى بَدْرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَكَانُوا أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، سِتَّةٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَثَمَانِيَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ؛ كَانَ النَّاسُ يَقُولُونَ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ: مَاتَ فُلَانٌ، وَذَهَبَ عَنْهُ نَعِيمُ الدُّنْيَا وَلَذَّتُهَا! فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ كَمَا قَالَ فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آلِ عِمْرَان: ١٦٩]، قَالَ الحَسَنُ: إِنَّ الشُّهَدَاءَ أَحْيَاءٌ\n_________\n=\nبَيضَاءَ، فَيَقُولُونَ: اخْرُجِي رَاضِيَةً مَرْضِيًّا عَنْكِ إِلَى رَوحِ اللَّهِ وَرَيحَانٍ، وَرَبٍّ غَيرِ غَضْبَانَ، فَتَخْرُجُ كَأَطْيَبِ رِيحِ المِسْكِ، حَتَّى أَنَّهُ لَيُنَاوِلُهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ بَابَ السَّمَاءِ، فَيَقُولُونَ: مَا أَطْيَبَ هَذِهِ الرِّيحَ الَّتِي جَاءَتْكُمْ مِنَ الأَرْضِ! فَيَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ المُؤْمِنِينَ. فَلَهُمْ أَشَدُّ فَرَحًا بِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِغَائِبِهِ يَقْدَمُ عَلَيهِ، فَيَسْأَلُونَهُ: مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ فَيَقُولُونَ: دَعُوهُ؛ فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَمِّ الدُّنْيَا، فَإِذَا قَالَ: أَمَا أَتَاكُمْ؟ قَالُوا: ذُهِبَ بِهِ إِلَى أُمِّهِ الهَاوِيَةِ. وَإِنَّ الكَافِرَ إِذَا احْتُضِرَ؛ أَتَتْهُ مَلَائِكَةُ العَذَابِ بِمِسْحٍ، فَيَقُولُونَ: اخْرُجِي سَاخِطَةً مَسْخُوطًا عَلَيكِ إِلَى عَذَابِ اللَّهِ ﷿، فَتَخْرُجُ كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ، حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ بَابَ الأَرْضِ، فَيَقُولُونَ: مَا أَنْتَنَ هَذِهِ الرِّيحَ! حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الكُفَّارِ». صَحِيحٌ. النَّسَائِيُّ (١٨٣٣). الصَّحِيحَةُ (١٣٠٩).\n(^١) تَفْسِيرُ البَغَوِيِّ (١/ ١٦٨).","vol":"2","page":612},{"text":"عِنْدَ اللهِ تَعَالَى: تُعْرَضُ أَرْزَاقُهُمْ عَلَى أَرْوَاحِهِمْ فَيَصِلُ إِلَيهِمُ الرَّوحُ وَالفَرَحُ، كَمَا تُعْرَضُ النَّارُ عَلَى أَرْوَاحِ آلِ فِرْعَونَ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً فَيَصِلُ إِلَيهِمُ الوَجَعُ\" (^١).\n٣ - كَونُهُم أَحْيَاءً فِي قُبُورِهِم لَا يَعْنِي سَمَاعَهُم لِمَنْ يَسْتَغِيثُ بِهِم! لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ المَوْتَى﴾ [النَّمْل: ٨٠] (^٢).\n٤ - إِنَّ الاسْتِغَاثَةَ وَالتَّعَلُّقَ بِهِم فِي تَفْرِيجِ الكُرُبَاتِ شِرْكٌ، بَلْ أَصْلُ شِرْكِ العَالَمِينَ هُوَ التَّعَلُّقُ بِالصَّالِحِينَ وَجَعْلُهُم وَسَائِطَ بَينَ النَّاسِ وَبَينَ اللهِ تَعَالَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأَحْقَاف: ٥].\n٥ - إِنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ بَلْ وَرَدَ عَنِ السَّلَفِ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ.\nعَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَينِ ﵁؛ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَجِيءُ إِلَى فُرْجَةٍ كَانَتْ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَيَدْخُلُ فِيهَا فَيَدْعُو، فَنَهَاهُ، فَقَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ قَالَ: «لا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا، وَلَا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا؛ فَإِنَّ تَسْلِيمَكُمْ يَبْلُغُنِي أَينَمَا كُنْتُمْ» (^٣).\n_________\n(^١) وَمِنْ لَطَائِفِ مَا يُذْكَرُ مِنَ القَصَصِ هُنَا: مَا حُكِيَ أَنَّ رَجُلًا يُنْسَبُ إِلَى عِلْمٍ! قَالَ لِرَجُلٍ عَامِّيٍّ: أَنْتُم مَا لِلأَولِيَاءِ عِنْدَكُم قَدْرٌ! وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ فِي الشُّهَدَاءِ: إِنَّهُم أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِم يُرْزَقُونَ. قَالَ لَهُ العَامِّيُّ: هَلْ قَالَ: يَرْزُقُونَ؟ -يَعْنِي: بِفَتْحِ اليَاءِ- أَو قَالَ يُرْزَقُونَ؟ -يَعْنِي بِالضَّمِّ-؛ فَإِنْ كَانَ بِالفَتْحِ؛ فَأَنَا أَطْلُبُ مِنْهُم، وَإِنْ كَانَ بِالضَّمِّ فَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الَّذِي يَرْزُقُهُم، فَأُفْحِمَ الأَوَّلُ وَسَكَتَ.\n(^٢) وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ عَدَمِ سَمَاعِ الأَمْوَاتِ فِي مُلْحَقِ (مُخْتَصَرُ الآيَاتِ البَيِّنَاتِ فِي عَدَمِ سَمَاعِ الأَمْوَاتِ) مِنْ هَذَا الكِتَابِ المُبَارَكِ إِنْ شَاءَ اللهُ.\n(^٣) صَحِيحٌ لِغَيرِهِ. الضِّيَاءُ المَقْدِسِيُّ فِي المُخْتَارَةِ (٢/ ٤٩)، وَقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ تَخْرِيجُ أَحَادِيثِ فَضَائِلِ الشَّامِ (ص ٥٢): \"صَحِيحٌ بِطُرُقِهِ وشَوَاهِدِهِ\".","vol":"2","page":613},{"text":"٦ - أَمَّا بِخُصُوصِ دُعَاءِ التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ؛ فَهُوَ أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ لَفْظِ الخِطَابِ أَنْ يَكُونَ ﷺ سَامِعًا لِمَنْ خَاطَبَهُ أَصْلًا، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى المَطْلُوبِ لِكُلِّ مَا يُطْلَبُ مِنْهُ!\nفَلَفْظَ الخِطَابِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَبَدًا أَنْ يَكُونَ المُخَاطَبُ سَامِعًا لِلنِّدَاءِ، بَلْ إِنَّ الجَمَادَاتِ قَدْ تُنَادَى، كَمَا فِي مُخَاطَبَةِ عُمَرَ ﵁ لِلحَجَرِ الأَسْوَدِ فِي قَولِهِ: (إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ) (^١).\nوَمِثْلُهُ قَولُ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَمَا هَاجَرَ فَخَاطَبَ مَكَّةَ قَائِلًا: «وَاللهِ؛ إِنَّكِ لَخَيرُ أَرْضِ اللهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللهِ إِلَيَّ، وَلَولَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ» (^٢).\nوَكَمُخَاطَبَةِ الصَّحَابَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي حَيَاتِهِ فِي تَشَهُّدِ الصَّلَاةِ بِقَولِهِم: (السَّلَامُ عَلَيكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ) وَهُم فِي جَمِيعِ المَسَاجِدِ؛ وَلَمْ يَكُنْ يَسْمَعُهُم وَيَرُدُّ ﵈ -وَرَدُّ السَّلَامِ وَاجِبٌ كَمَا لَا يَخْفَى-؛ وَلَكِنَّهَا عِبَادَةٌ يُتعَبَّدُ اللهُ تَعَالَى بِهَا -أَي: دُعَاءُ دُخُولِ المَقَابِرِ، وَالتَّشَهُّدُ-.\nوِمِثْلُهُ حَدِيثُ: «مَنْ رَأَى مُبْتَلى، فَقَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا؛ لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ البَلَاءُ» (^٣).\nقَالَ المُنَاوِيُّ ﵀: \"قَالَ العُلَمَاءُ: يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ هَذَا الذِّكْرَ سِرًّا بِحَيثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَلَا يُسْمِعْهُ المُبْتَلَى؛ إِلَّا أَنْ تَكُونَ بَلِيَّتُهُ مَعْصِيَةً فَيُسْمِعُهُ -إِنْ لَمْ يَخَفْ مَفْسَدَةً-\" (^٤)!\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (١٥٩٧).\n(^٢) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٣٩٢٥) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الحَمْرَاءِ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٧٠٨٩).\n(^٣) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٣٤٣٢) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٦٠٢).\n(^٤) فَيضُ القَدِيرِ (٦/ ١٣٠).","vol":"2","page":614},{"text":"بَلْ قَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ النَّبِيُّ ﷺ الفَرْقَ بَينَ حَيَاتِهِ وَمَوتِهِ فِي نَفْسِ هَذَا التَّشَهُّدِ، وَقَد أَشَارَ إِلَى هَذِهِ الحَقِيقَةِ الصَّحَابيُّ الجَلِيلُ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ فِي قَولِهِ: (عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ -وَكَفِّي بَينَ كَفَّيهِ- التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ: «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَينَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» وَهُوَ بَينَ ظَهْرَانَينَا؛ فَلَمَّا قُبِضَ قُلْنَا: السَّلَامُ -يَعْنِي: عَلَى النَّبِيِّ ﷺ) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^١) (^٢)، وَكَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ شَأْنُهُ أَيضًا: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المُؤْمِنُون: ١٠٠].\n٧ - وَأَمَّا حَدِيثُ: «إِذَا انْفَلَتَتْ دَابَّةُ أَحَدِكُم بِأَرْضٍ فَلَاةٍ؛ فَلْيُنَادِ: يَا عِبَادَ اللهِ احْبِسُوا؛ يَا عِبَادَ اللهِ احْبِسُوا، فَإِنَّ للهِ حَاضِرًا فِي الأَرْضِ سَيَحْبِسُهُ» فَهُوَ ضَعِيفٌ.\n_________\n(^١) البُخَارِيُّ (٦٢٦٥).\n(^٢) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (٢/ ٣١٤): \"كَذَا وَقَعَ فِي البُخَارِيِّ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالسَّرَّاجُ وَالجَوزَقِيُّ وَأَبُو نُعَيمٍ الأَصْبَهَانِيُّ وَالبَيهَقِيُّ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ إِلَى أَبِي نُعَيمٍ شَيخِ البُخَارِيِّ فِيهِ بِلَفْظِ: (فَلَمَّا قُبِضَ؛ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ) بِحَذْفِ لَفْظِ (يَعْنِي) وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ عَنْ أَبِي نُعَيمٍ.\nقَالَ السُّبْكِيُّ فِي شَرْحِ المِنْهَاجِ -بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ مِنْ عِنْدِ أَبِي عَوَانَةَ وَحْدَهُ-: إِنْ صَحَّ هَذَا عَنِ الصَّحَابَةِ؛ دَلَّ عَلَى أَنَّ الخِطَابَ فِي السَّلَامِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ غَيرُ وَاجِبٍ؛ فَيُقَالُ: السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ.\nقُلْتُ: قَدْ صَحَّ بِلَا رَيبٍ، وَقَدْ وَجَدْتُ لَهُ مُتَابِعًا قَوِيًّا، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ: أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَقُولُونَ -وَالنَّبِيُّ ﷺ حَيٌّ- السَّلَامُ عَلَيكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ؛ فَلَمَّا مَاتَ قَالُوا: السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ. وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ. وَأَمَّا مَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيدَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُمُ التَّشَهُّد؛ فَذَكَرَهُ، قَالَ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (إِنَّمَا كُنَّا نَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ -إِذْ كَانَ حَيًّا! -) فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: (هَكَذَا عُلِّمْنَا! وَهَكَذَا نُعَلِّمُ)، فَظَاهِرٌ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَه بَحْثًا وَأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ لَمْ يَرْجِعْ إِلَيهِ، لَكِنَّ رِوَايَةَ أَبِي مَعْمَرٍ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ أَبَا عُبَيدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ؛ وَالإِسْنَادُ إِلَيهِ مَعَ ذَلِكَ ضَعِيفٌ\".","vol":"2","page":615},{"text":"قَالَ الحَافِظُ الهَيثَمِيُّ ﵀: \"رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيُّ وَزَادَ (سَيَحْبِسُهُ عَلَيكُم). وَفِيهِ مَعْرُوفُ بْنُ حَسَّان وَهُوَ ضَعِيفٌ\" (^١).\nوَأَيضًا؛ فَإِنَّ الحَدِيثَ الآخَرَ -حَدِيثَ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَان- هُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَمِنْ أَوجُهِ ضَعْفِهِ أَنَّ فِيهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ شَرِيكٍ -وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ القَاضِي- وَأَبَاهُ؛ كِلَاهُمَا ضَعِيفَانِ، قَالَ الحَافِظُ فِي الأَوَّلِ مِنْهُمَا: \"صَدُوقٌ يُخْطِئُ\"، وَقَالَ فِي أَبِيهِ: \"صَدُوقٌ يُخْطِئُ كَثِيرًا\"، وَذَكَرَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ غَيرَ ذَلِكَ مِنَ العِلَلِ أَيضًا (^٢).\nوَأَجْوَدُ مَا يُمْكِنُ إِيرَادُهُ (^٣) فِي هَذَا المَقَامِ -مِنْ جِهَةِ الإِسْنَادِ- الأَثَرُ عَنِ ابْنِ\n_________\n(^١) مَجْمَعُ الزَّوَائِدِ (١٧١٠٠).\nوَقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الضَّعِيفَةِ (٦٥٥) -بَعْدَ ذِكْرِهِ العِلَّةَ الأُولَى-: \"العِلَّةُ الثَّانِيَةُ: الانْقِطَاعُ، وَبِهِ أَعَلَّهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ، فَقَالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ، أَخْرَجَهُ ابْنُ السُّنِّيِّ وَالطَّبَرَانِيُّ، وَفِي السَّنَدِ انْقِطَاعٌ بَينَ ابْنِ برَيدَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ. نَقَلَهُ ابْنُ علَّانَ فِي (شَرْحُ الأَذْكَارِ) (٥/ ١٥٠).\nوَقَالَ الحَافِظُ السَّخَاوِيُّ فِي (الابْتِهَاجُ بِأَذْكَارِ المُسَافِرِ وَالحَاجِّ) (ص ٣٩): وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ. لَكِنْ قَالَ النَّوَوِيُّ: إِنَّهُ جَرَّبَهُ هُوَ وَبَعْضُ أَكَابِرِ شُيُوخِهِ!\nقُلْتُ [الأَلْبَانِيُّ]: العِبَادَاتُ لَا تُؤْخَذُ مِنَ التَّجَارِبِ! سِيَّمَا مَا كَانَ مِنْهَا فِي أَمْرٍ غَيبِيٍّ كَهَذَا الحَدِيثِ، فَلَا يَجُوزُ المَيلُ إِلَى تصَحِيحِهِ بِالتَّجْرِبَةِ!\nكَيفَ وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ بَعْضُهُم فِي جَوَازِ الاسْتِغَاثَةِ بِالمَوتَى عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَهُوَ شِرْكٌ خَالِصٌ! وَاللهُ المُسْتَعَانُ.\nوَمَا أَحْسَنَ مَا رَوَى الهَرَوِيُّ فِي (ذَمِّ الكَلَامِ) (٤/ ٦٨/١) أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ المُبَارَكِ ضَلَّ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فِي طَرِيقٍ وَكَانَ قَدْ بَلَغَهُ أَنَّ مَنِ اضْطُرَّ -كَذَا الأَصْلُ، وَلَعَلَّ الصَّوَابَ: ضَلَّ- فِي مَفَازَةٍ فَنَادَى: عِبَادَ اللهِ أَعِينُونِي! أُعِينَ. قَالَ: فَجَعَلْتُ أَطْلُبُ الجُزْءَ أَنْظُرُ إِسْنَادَهُ. قَالَ الهَرَوِيُّ: فَلَمْ يَسْتَجِزْ أَنْ يَدْعُوَ بِدُعَاءٍ لَا يَرَى إِسْنَادَهُ. قُلْتُ: فَهَكَذَا؛ فَلَيكُنِ الاتِّبَاعُ\".\n(^٢) الضَّعِيفَةُ (٦٥٦).\n(^٣) وَهُوَ مِنْ بَابِ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يَذْكُرُونَ مَا لَهُم وَمَا عَلَيهِم، وَلَيسَ فِي شَيء مِنْ ذَلِكَ مَا يُحَابَى عَلَى حِسَابِ الحَقِّ وَالشَّرِيعَةِ! فَاللَّهُمَّ؛ اهْدِنَا لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِكَ؛ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.","vol":"2","page":616},{"text":"عَبَّاسٍ: «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً فَضْلًا -سِوَى الحَفَظَةِ- يَكْتُبُونَ مَا سَقَطَ مِنْ وَرَقِ الشَّجَرِ؛ فَإِذَا أَصَابَتْ أَحَدَكُمْ عَرْجَةٌ فِي سَفَرٍ؛ فَلِيُنَادِ: أَعِينُوا عِبَادَ اللهِ؛ رَحِمَكُمُ اللهُ» (^١).\nوَلَنَا فِيهِ -بِتَوفِيقِ اللهِ- كَلِمَاتٌ:\nأَوَّلًا: أَنَّ الصَّوَابَ وَقْفُهُ وَلَيسَ رَفْعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ! فَإِنَّ الحَدِيثَ جَاءَ مَرْفُوعًا عِنْدَ البَزَّارِ، وَمَوقُوفًا عِنْدَ البَيهَقِيِّ فِي الشُّعَبِ، وَالرُّوَاةُ فِيهِ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيدٍ (^٢) مُخْتَلِفُونَ فِي الوَقْفِ وَالرَّفْعِ، وَلَكِنَّ جَعْفَرَ بْنَ عَونٍ (الرَّاوِي لِرِوَايَةِ الوَقْفِ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيدٍ فِي الشُّعَبِ) أَوثَقُ مِنْ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ (وَهُوَ الرَّاوِي لِرِوَايَةِ الرَّفْعِ عَنْ أُسَامَةَ عِنْدَ البَزَّارِ) (^٣).\nثَانِيًا: أَنَّ كَونَهُ مَوقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ لَا يَعْنِي كَونَهُ حُجَّةً فِي هَذَا البَابِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عَبَّاسٍ تَلَقَّاهُ مِنْ مُسْلِمَةِ أَهْلِ الكِتَابِ. وَاللهُ أَعْلَمُ.\nثَالِثًا: أَنَّهُ إِنْ قِيلَ بِحُجِّيَّتِهِ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِأُمُورٍ أَهَمِّهَا:\nأ- تَقْيِيدُهُ بِكَونِ المُسْتَغَاثِ بِهِ هُمُ المَلَائِكَةُ.\nوَهَذَا لَهُ مَخْرَجٌ صَحِيحٌ مِنْ جِهَةِ أُصُولِ عِلْمِ التَّوحِيدِ، وَذَلِكَ لِكَونِ المُسْتَغَاثِ بِهِ حَيًّا؛ وَحَاضِرًا -كَمَا بَيَّنَهُ نَفْسُ الحَدِيثِ بِقَولِهِ (حَاضِرًا) -، وَقَادِرًا -كَمَا بَيَّنَهُ نَفْسُ الحَدِيثِ بِكَونِ اللهِ تَعَالَى جَعَلَهُم لِهَذِهِ المُهِمَّةِ-، وَهَذَا يُبْطِلُ اسْتِدْلَالَهُم بِالحَدِيثِ عَلَى الأَمْوَاتِ وَالأَولِيَاءِ وَالغَائِبِينَ، وَالحَمْدُ للهِ.\n_________\n(^١) الحَدِيثُ وَرَدَ مَرْفُوعًا وَمَوقُوفًا، وَهُوَ صَحِيحٌ مَوقُوفًا، رَوَاهُ البَزَّارُ (١١/ ١٨١) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، وَالبَيهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ (١٦٥) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوقُوفًا. الصَّحِيحَةَ (٦٥٦).\n(^٢) وَأُسَامَةُ بْنُ زَيدٍ هَذَا؛ هُوَ اللَّيثِيُّ؛ مِنْ كِبَارِ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ (ت ١٥٣ هـ)؛ وَلَيسَ هُوَ أُسَامَةَ بْنَ زَيدِ بْنِ حَارِثَةَ؛ الصَّحَابِيُّ!\n(^٣) اُنْظُرِ الصَّحِيحَةَ (٦٥٦).","vol":"2","page":617},{"text":"قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: \"فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُلْحَقَ بِهِمُ المُسْلِمُونَ مِنَ الجِنِّ أَوِ الإِنْسِ مِمَّنْ يُسَمُّونَهُم بِرِجَالِ الغَيبِ مِنَ الأَولِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، سَوَاءً كَانُوا أَحْيَاءً أَو أَمْوَاتًا! فَإِنَّ الاسْتِغَاثَةَ بِهِم وَطَلَبَ العَونِ مِنْهُم شِرْكٌ بَيِّنٌ، لِأَنَّهُم لَا يَسْمَعُونَ الدُّعَاءَ، وَلَو سَمِعُوا لَمَا اسْتَطَاعُوا الإِجَابَةَ وَتَحْقِيقَ الرَّغْبَةِ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي آيَاتٍ كَثِيرْةٍ، مِنْهَا قَولُهُ ﵎: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فَاطِر: ١٤] \" (^١).\nب- تَقْيِيدُهُ بِمَنْ أَصَابَتْهُ عَرْجَةٌ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ؛ فَيُدَلُّ إِلَى الطَّرِيقِ، كَمَا جَاءَ فِي نَفْسِ الحَدِيثِ، وَلَيسَ عُمُومَ النَّصْرِ وَالإِغَاثَةِ وَالرِّزْقِ وَالشَّفَاعَةِ (^٢)!\nرَابِعًا: أَنَّ الشَّرْعَ دَلَّ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ -جَدَلًا- وَلَمْ يَدُلَّ عَلَى دُعَاءِ الأَمْوَاتِ وَالغَائِبِينَ! فَالوُقُوفُ مَعَ النَّصِّ هُوَ الصَّوَابُ -إِثْبَاتًا وَنَفْيًا-.\nخَامِسًا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ جَعْلُ هَذَا الأَثَرِ -عَلَى القَولِ بِحُجَّتِهِ- نَصًّا لِهَدْمِ النُّصُوصِ العَامَّةِ الَّتِي تَمْنَعُ مِنْ دُعَاءِ الأَمْوَاتِ وَالغَائِبِينَ وَمَنْ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ -فَضْلًا عَنْ غَيرِهِ- ضَرًّا وَلَا نَفْعًا!\n_________\n(^١) الصَّحِيحَةُ (٦٥٦).\n(^٢) وَقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ أَيضًا فِي الصَّحِيحَةِ (٦٥٦): \"وَيَبْدُو أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ -الَّذِي حَسَّنَهُ الحَافِظُ- كَانَ الإِمَامُ أَحْمَدُ يُقَوِّيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَمِلَ بِهِ، فَقَالَ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ فِي (المَسَائِلِ) (٢١٧): سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: حَجَجْتُ خَمْسَ حُجَجٍّ؛ مِنْهَا اثْنَتَين رَاكِبًا، وَثَلَاثَةً مَاشِيًا، أَوِ اثْنَتَين مَاشِيًا، وَثَلَاثَةً رَاكِبًا؛ فَضَلَلْتُ الطَّرِيقَ فِي حَجَّةٍ -وَكُنْتُ مَاشِيًا-، فَجَعَلْتُ أَقُولُ: يَا عِبَادَ اللهِ دُلُّونَا عَلَى الطَّرِيقِ! فَلَمْ أَزَلْ أَقُولُ ذَلِكَ حَتَّى وَقَعْتُ عَلَى الطَّرِيقِ.\nقُلْتُ: وَقَدْ أَورَدَ ابْنُ القَيِّمِ ﵀ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ السَّابِقَ فِي كِتَابِهِ (الوَابِلُ الصَّيِّبُ) فِي الفَصْلِ السَّابِعِ وَالثَّلَاثُينَ (ص ١٢٥): فِي (الدَّابَةُ إِذَا انْفَلَتَتْ وَمَا يُذْكَرُ عِنْدَ ذَلِكَ).","vol":"2","page":618},{"text":"٨ - أَمَّا حَدِيثُ الرَّجُلِ الَّذِي أَتَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ لِيَسْتَسْقِي لَهُ ثُمَّ أَتَى عُمَرَ …؛ فَهُوَ ضَعِيفٌ، وَلَا يُفِيدُ تَصْحِيحُ الحَافِظِ لِإِسْنَادِهِ! لِأَنَّهُ إِنَّمَا صَحَّحَهُ إِلَى مَالِكِ الدَّارِ فَقَط، وَمَالِكُ هَذَا مَجْهُولُ الحَالِ، أَي: مَجْهُولُ العَدَالَةِ وَالضَّبْط وَلَيسَ لَهُ تَوثِيقٌ فِي شَيءٍ مِنْ كُتُبِ الرِّجَالِ (^١)، عَدَا عَنْ مُخَالَفَةِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ لِمَا سَنَّهُ النَّبِيُ ﷺ لِأُمَّتِهِ مِنْ دُعَاءِ وَصَلَاةِ الاسْتِسْقَاءِ.\n_________\n(^١) وَقَدْ رَوَى لَهُ الحَافِظُ الهَيثَمِيُّ ﵀ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ (٤٦٨٨) أَثَرًا عَنْ عُمَرَ فِي -بَابٌ فِي الإِنْفَاقِ- وَقَالَ فِي آخِرِ حَدِيثهِ: \"وَمَالِكُ الدَّارِ لَمْ أَعْرِفْهُ، وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ\".","vol":"2","page":619},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-517> الشُّبُهْةُ الحَادِيَةَ عَشَرَةَ: أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَسْتَغِيثُونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ مَوتِهِ،</span> فَابْنُ عُمَرَ كَانَ يَسْتَغِيثُ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِذَا أَلَمَّ بِهِ مَكْرُوهٌ، بَلْ حَتَّى إِذَا خَدِرَتْ رِجْلُهُ فَقَط!\nفَفِي الحَدِيثِ عَنِ الهَيثَمِ بْنِ حَنَشٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، فَخَدِرَتْ رِجْلُهُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: اُذْكُرْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيكَ، فَذَكَرَ مُحَمَّدًا؛ فَكَأَنَّما نَشِطَ مِنْ عِقَالٍ! (^١)\nوَأَيضًا مَا جَاءَ فِي الأَحَادِيثِ مِنْ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانَ شِعَارُهُم فِي الحَرْبِ (يَا مُحَمَّدُ)!\nالجَوَابُ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ:\n١ - أَنَّ حَدِيثَ الخَدَرِ ضَعِيفٌ.\n٢ - أَنَّ الحَدِيثَ مَعَ ذَلِكَ لَيسَ فِيهِ مُتَمَسَّكٌ لِلاسْتِغَاثَةِ بِغَيرِ اللهِ، لِأَنَّهُ لَيسَ فِيهِ اسْتِغَاثَةٌ أَصْلًا! بَلْ هُوَ عِلَاجٌ قَدِيمٌ مَعْرُوفٌ لِلخَدَرِ؛ حَيثُ يَذْكُرُ صَاحِبُهُ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيهِ فَيَزُولُ الخَدَرُ (^٢).\nوَهَذَا الدَّوَاءُ التَّجْرِيبِيُّ لِلخَدَرِ كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ الجَاهِلِيِّينَ قَبْلَ الإِسْلَامِ، وَجُرَّبَ فَنَفَعَ بِإِذْنِ اللهِ، وَلَيسَ فِيهِ إِلَّا ذِكْرُ المَحْبُوبِ، وَقِيلَ فِي تَفْسِيرِ ذَلِكَ: إِنَّ ذِكْرَهُ لِمَحْبُوبِهِ يَجْعَلُ الحَرَارَةَ الغَرِيزِيَّةَ تَتَحَرَّكُ فِي بَدَنِهِ فَيَجْرِي الدَّمُ فِي عُرُوقِهِ فَتَتَحَرَّكُ أَعْصَابُ الرِّجْلِ؛ فَيَذْهَبُ الخَدَرُ، وَجَاءَتِ الأَشْعَارُ بِهَذَا كَثِيرَةً فِي الجَاهِلِيَّةِ وَالإِسْلَامِ، فَمِنْهَا مَا فِي:\nدِيوَانِ عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ:\n\"إِذَا خَدِرَتْ رِجْلِي أَبُوحُ بِذِكْرِهَا … لِيَذْهَبَ عَنْ رِجْليَ الخُدُورُ؛ فَيَذهَبُ\"\n_________\n(^١) ضَعِيفٌ. عَمَلُ اليَومِ وَاللَّيلَةِ لِابْنِ السُّنِّيِّ (١/ ١٤١). تَحْقِيقُ الكَلِمِ الطَّيِّبِ لِلشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ ﵀ (٢٣٦).\n(^٢) قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: \" (يُسْتَحَبُّ) وَإِذَا خَدِرَتْ رِجْلُهُ؛ ذِكْرُ مَنْ يُحِبُّهُ\". المَجْمُوعُ (٤/ ٦٥٢).\nقُلْتُ: فَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالنَّبِيِّ ﷺ أَصْلًا!","vol":"2","page":620},{"text":"وَفِي دِيوَانِ جَمِيلِ بُثَينَةَ:\n\"وَأَنْتِ لِعَينِي قُرَّةٌ حِينَ نَلْتَقِي … وَذِكْرُكِ يَشْفِينِي إِذَا خَدِرَتْ رِجْلِي\"\n٣ - أَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ كَونِ (يَا مُحَمَّد) شِعَارُهُم فِي الحَرْبِ؛ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الاسْتِغَاثَةِ بِهِ! فَحَمْلُهُ عَلَى هَذَا الوَجْهِ مَرْدُودٌ، لِأَنَّ الشِّعَارَ فِي الحَرْبِ هُوَ مَا يُمَيِّزُ بِهِ المُحَارِبُونَ أَنْفُسَهُم عَنْ عَدُوِّهِم عِنْدَ الاخْتِلَاطِ، وَهُوَ يُشْبِهُ مَا يُعْرَفُ اليَومَ بِـ \"كَلِمَةِ السِّرِّ\".\nقَالَ الرَّازِي فِي كِتَابِهِ (مُخْتَارُ الصِّحَاحِ): \"شِعَارُ القَومِ فِي الحَرْبِ: عَلَامَتُهُم؛ لِيَعْرِفَ بَعْضُهُم بَعْضًا\" (^١).\nوَفِي الحَدِيثِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ؛ قَالَ: (غَزَونَا مَعَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ شِعَارُنَا: أَمِتْ؛ أَمِتْ) (^٢) (^٣).\nوَمِثْلُهُ عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ مَرْفُوعًا: «إنْ بُيِّتُّمْ؛ فَلْيَكُنْ شِعارُكُم: حَم، لَا يُنْصَرُونَ» (^٤).\n٤ - أَنَّ حَمْلَ الأَثَرَينِ عَلَى الاسْتِغَاثَةِ بِهِ ﵊ لِيَزُولَ الضُّرُّ بِذِكْرِهِ غَيرُ مَشْرُوعٍ! لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ -وَغَيرَهُ مِنْ بَابِ أَولَى- لَا يَمْلِكُ كَشْفَ الضُّرِّ أَصْلًا! قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ [الجِنّ: ٢١].\n_________\n(^١) مُخْتَارُ الصِّحَاحِ (ص ١٦٥).\n(^٢) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٢٥٩٦) بَابٌ فِي الرَّجُلِ يُنَادِي بِالشِّعَارِ. صَحِيحُ أَبِي دَاوُدَ (٢٥٩٦).\nوَرَوَاهُ البَغَوِيُّ (١١/ ٥٢) بَابُ الشِّعَارِ فِي الحَرْبِ.\n(^٣) قَالَ ابْنُ الأَثِيرِ ﵀: \"هُوَ أَمْرٌ بِالمَوتِ، وَالمُرَادُ بِهِ التَّفَاؤُلُ بِالنَّصْرِ بَعْدَ الأَمْرِ بِالإِمَاتَةِ مَعَ حُصُولِ الغَرَضِ لِلشِّعَارِ؛ فَإِنَّهُمْ جَعَلُوا هَذِهِ الكَلِمَةَ عَلَامَةً بَينَهُمْ يَتَعَارَفُونَ بِهَا لِأَجْلِ ظُلْمَةِ اللَّيلِ\". النِّهَايَةُ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ (٤/ ٨٠٩).\n(^٤) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٢٥٩٧) عَنِ المُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ عَنْ أَحَدِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ. الصَّحِيحَةُ (٣٠٦٦).","vol":"2","page":621},{"text":"-<span data-type='title' id=toc-518> الشُّبُهْةُ الثَّانِيَةَ عَشَرَةَ: أَلَيسَ قَدِ اسْتَقَرَّ عِنْدَ الخَاصَّةِ وَكَثِيرٍ مِنَ العَامَّةِ مَا يُسَمَّى بِـ (الأَبْدَالِ)؟!</span>\nوَأَلَمْ يَرِدْ فِي الشَّرْعِ مَا يَشْهَدُ لِوُجُودِهِم؟!\nفَعَلَيهِ؛ تَصِحُّ الاسْتِغَاثَةُ بِهِم لِقَضَاءِ حَوَائِجِ النَّاسِ وَكَشْفِ الضُّرِّ وَإِنْزَالِ الرَّحْمَةِ!!\nالجَوَابُ:\n١ - أَمَّا مَا يُسَمَّونَ بِـ (الأَبْدَالِ) فَلَا يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ شَيءٌ فِي خَبَرِهِم (^١)، وَأَعْلَى مَا يَصِحُّ فِي ذَلِكَ هُوَ أَثَرٌ مَوقُوفٌ عَلَى عَلِيٍّ ﵁ (^٢).\n_________\n(^١) قَالَ ابْنُ الجَوزِيِّ ﵀: \"وَقَدْ رُوِيَ ذِكْرُ عَدَدِ الأَولِيَاءِ فِي أَحَادِيثَ لا تَصِحُّ\". التَّبْصِرَةُ (٢/ ١١٣).\nوَقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الضَّعِيفَةِ (٩٣٥): \"وَاعْلَمْ أَنَّ أَحَادِيثَ الأَبْدَالِ لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيءٌ، وَكُلُّهَا مَعْلُولَةٌ، وَبَعْضُهَا أَشَدُّ ضَعْفًا مِنْ بَعْضٍ\".\nوَقَالَ أَيضًا ﵀ فِي الضَّعِيفَةِ (١٤٧٩): \" (فَائِدَةٌ): نَقَلْتُ أَكْثَرَ أَسَانِيدِ الأَحَادِيثِ المُتَقَدِّمَةِ مِنْ رِسَالَةِ السُّيُوطِيِّ (الخَبَرُ الدَّالُّ عَلَى وُجُودِ القُطْبِ وَالأَوتَادِ وَالنُّجَبَاءِ وَالأَبْدَالِ)، وَقَدْ حَشَاهَا بِالأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ وَالآثَارِ الوَاهِيَةِ، وَبَعْضُهَا أَشَدُّ ضَعْفًا مِنْ بَعْضٍ كَمَا يَدُلُّكَ هَذَا التَّخْرِيجُ، وَمِنْ عَجِيبِ أَمْرِهِ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا وَلَا حَدِيثًا وَاحِدًا فِي القُطْبِ المَزْعُومِ، وَيُسِمِّيهِ تَبَعًا لِلصُّوفِيَّةِ بِالغَوثِ أَيضًا! وَكَذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ فِي الأَوتَادِ وَالنُّجَبَاءِ أَيَّ حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ! وَإِنَّمَا هِيَ كُلُّهَا أَسْمَاءٌ مُخْتَرَعَةٌ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ لَا تُعْرَفُ عِنْدَ السَّلَفِ؛ اللَّهُمَّ إِلَّا اسْمَ \"البَدَلِ\" فَهُوَ مَشْهُورٌ عِنْدَهُم كَمَا تَقَدَّمَ. وَاللهُ أَعْلَمُ.\nثُمَّ نَقَلَ السُّيُوطِيُّ عَنِ اليَافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ العَارِفِينَ: وَالقُطْبُ هُوَ الوَاحِدُ المَذْكُورُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ عَلَى قَلْبِ إِسْرَافِيلَ! فَنَقُولُ: أَثْبِتِ العَرْشَ ثُمَّ انْقُشْ، فَالحَدِيثُ كَذِبٌ كَمَا سَمِعْتَ عَنِ الذَّهَبِيِّ وَالعَسْقَلَانِيِّ، فَالعَجَبُ مِنَ السُّيُوطِيِّ -لَا اليَافِعِيِّ- أَنْ يَخْفَى ذَلِكَ عَلَيهِ\".\n(^٢) قَالَ الحَافِظُ السَّخَاوِيُّ ﵀: \"وَمِمَّا يَتَقَوَّى بِهِ هَذَا الحَدِيثُ [حَدِيثٌ فِيهِ ذِكْرُ الأَبْدَالِ] وَيَدُلُّ لِانْتِشَارِهِ بَينَ الأَئِمَّةِ قَولُ إِمَامِنَا الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي بَعْضِهِم: (كُنَّا نَعُدُّهُ مِنَ الأَبْدَالِ)، وَقَولُ البُخَارِيِّ فِي غَيرِهِ: (كَانُوا لَا يَشُكُّونَ أَنَّهُ مِنَ الأَبْدَالِ)، وَكَذَا وَصْفُ غَيرِهِمَا -مِنَ النُّقَّادِ وَالحُفاَّظِ وَالأَئِمَّةِ- غَيرَ وَاحِدٍ بِأَنَّهُم مِنَ الأَبْدَالِ\". المَقَاصِدُ الحَسَنَةُ (ص ٤٥).","vol":"2","page":622},{"text":"قَالَ الشَّيخُ مُلَّا عَلِي القَارِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (الأَسْرَارُ المَرْفُوعَةُ فِي الأَخْبَارِ المَوضُوعَةِ): \"وَمِنْ ذَلِكَ أَحَادِيثُ الأَبْدَالِ وَالأَقْطَابِ وَالأَغْوَاثِ وَالنُّقَبَاءِ وَالنُّجَبَاءِ وَالأَوتَادِ؛ كُلُّهَا بَاطِلَةٌ عَن رَسُولِ اللهِ، وَأَقْرَبُ مَا فِيهَا: (لَا تَسُبُّوا أَهْلَ الشَّامِ؛ فَإِنَّ فِيهِمِ البُدَلَاءَ، كُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَبْدَلَ اللهُ مَكَانَهُ رَجُلًا آخَرَ). ذَكَرَهُ أَحْمَدُ، وَلَا يَصِحُّ أَيضًا؛ فَإِنَّهُ مُنْقَطِعٌ (^١).\nقُلْتُ [مُلَّا عَلِي القَارِي ﵀]: وَقَدْ وَرَدَتِ الأَحَادِيثُ وَالآثَارُ مَرْفُوعَةً وَمَوقُوفَةً عَلَى الصَّحَابَةِ الأَبْرَارِ وَالتَّابِعِينَ الأَخْيَارِ، وَقَدْ جَمَعَهَا السُّيُوطِيُّ فِي رِسَالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ سَمَّاهَا (الخَبَرُ الدَّالُ عَلَى وُجُودِ القُطُبِ وَالأَوتَادِ وَالنُّجَبَاءِ وَالأَبْدَالِ) \" (^٢).\nأَمَّا أَثَرُ عَلِيٍّ ﵁ المَوقُوفُ -الصَّحِيحُ- فَهُوَ: قَامَ رَجُلٌ يَومَ صِفِّينَ؛ فَقَالَ: اللَّهُمَّ الْعَنْ أَهْلَ الشَّامِ. فَقَالَ عَلِيٌّ: (مَهْ، لَا تَسُبَّ أَهْلَ الشَّامِ جَمًّا غَفِيرًا؛ فَإِنَّ فِيهِمُ الأَبْدَالَ) (^٣).\n٢ - أَمَّا مَعْنَى الأَبْدَالِ فَهُوَ مِنَ الإِبْدَالِ، وَعَلَى وُفْقِ مَا أَشَارَتْ إِلَيهِ النُّصُوصُ -وَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ كَمَا سَبَقَ- هُوَ عَلَى عِدَّةِ مَعَانٍ، مِنْهَا:\nأ- أَنَّهُ كُلَّمَا مَاتَ مِنْهُم وَاحِدٌ أَبْدَلَ اللهُ مَكَانَهُ وَاحِدًا آخَرَ (^٤).\n_________\n(^١) هَذَا النَّقْلُ هُوَ مِنْ كَلَامِ الإِمَامِ ابْنِ القَيِّمِ ﵀ -كَمَا فِي كِتَابِهِ (المَنَارُ المُنِيفُ) (ص ١٣٦) - نَقَلَهُ الشَّيخُ مُلَّا عَلِي القَارِي رَحِمَهُمَا اللهُ.\n(^٢) الأَسْرَارُ المَرْفُوعَةُ فِي الأَخْبَارِ المَوضُوعَةِ (ص ٤٩١).\n(^٣) صَحِيحٌ مَوقُوفٌ. المُخْتَارَةُ (٢/ ١١١)، وَقَالَ الضِّيَاءُ المَقْدِسِيُّ: \"وَهُوَ أَولَى مِنَ المَرْفُوعِ\". اُنْظُرِ التَّعْلِيقَ عَلَى حَدِيثِ الضَّعِيفَةِ (٢٩٩٤).\n(^٤) كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خِيَارُ أُمَّتِي فِي كُلِّ قَرْنٍ خَمْسُمِائَةٍ، وَالأَبْدَالُ أَرْبَعُونَ؛ فَلَا الخَمْسُمِائَةَ يَنْقُصُونَ وَلَا الأَرْبَعُونَ، كُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ أَبْدَلَ اللهُ ﷿ مِنَ الخَمْسِمِائَةِ مَكَانَهُ، وَأَدْخَلَ مِنَ الأَرْبَعِينَ مَكَانَهُمْ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ دُلَّنَا عَلَى أَعْمَالِهِمْ. قَالَ: «يَعْفُونَ عَمَّنْ ظَلَمَهُمْ، وَيُحْسِنُونَ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيهِمْ، وَيَتَوَاسُونَ فِيمَا آتَاهُمُ اللهُ ﷿). مَوضُوعٌ. الحِلْيَةُ (١/ ٨). المَوضُوعَاتُ لِابْنِ الجَوزِيِّ (٣/ ١٥١)، وَالضَّعِيفَةُ (٩٣٥).","vol":"2","page":623},{"text":"ب- أَنَّهُم أَبْدَلُوا السَّيِّئَاتِ مِنْ أَخْلَاقِهِم وَأَعْمَالِهِم وَعَقَائِدِهِم بِحَسَنَاتٍ؛ فَهُم أَصْلَحُ النَّاسِ فِي كُلِّ زَمَنٍ (^١).\nج- أَنَّهُم أَبْدَالُ الأَنْبِيَاءِ.\n٣ - أَمَّا مِنْ جِهَةِ جَوَازِ الاسْتِغَاثَةِ بِهِم فِي مَا سَبَقَ مِنَ الكَلَامِ؛ فَيَصِحُّ إِنْ كَانُوا أَحْيَاءً حَاضِرِينَ قَادِرِينَ؛ يَقُومُونَ بِأَسْبَابِ النَّفْعِ الدُّنْيَوِيَّةِ -مِنْ سَعْيٍ وَإِنْفَاقٍ وَنُصْحٍ وَإِرْشَادٍ-، أَو يَقُومُونَ بِأَسْبَابِ نَفْعٍ دِينِيَّةٍ -مِنْ دُعَاءٍ للهِ وَتَضَرُّعٍ وَتَعْلِيمٍ لِلشَّرِيعَةِ- فَيَصِحُّ أَيضًا عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهُم أَسْبَابٌ (^٢).\nوَأَمَّا الاسْتِغَاثَةُ بِهِم -وَهُم أَمْوَاتٌ-؛ وَالتَّعَلُّقِ بِهِم فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيهِ البَشَرُ مِنْ كَشْفِ الكُرَبِ وَالنَّصْرِ العَامِّ وَشِفَاءِ المَرْضَى وَإِنْزَالِ الغَيثِ وَالنَّصْرِ عَلَى الأَعْدَاءِ وَمَا أَشْبَهَ؛ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ شِرْكِ المُشْرِكِينَ حَيثُ ادَّعَوا فِي شُفَعَائِهِم وَأَولِيَائِهِم الصَّالِحِينَ\n_________\n(^١) وَقَدْ سَبَقَ فِي الحَاشِيَةِ المَاضِيَةِ بَيَانُ شَيءٍ مِنْ وَصْفِهِم.\nوَقَالَ العَجْلُونِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (كَشْفُ الخَفَاءِ) (١/ ٣٥): \"فَائِدَةٌ: لِلأَبْدَالِ عَلَامَاتٌ؛ مِنْهَا مَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَهُوَ مِنَ الأَبْدَالِ: الرِّضَى بِالقَضَاءِ، وَالصَّبْرُ عَنِ المَحَارِمِ، وَالغَضَبُ للهِ». مَوضُوعٌ. الدَّيلَمِيُّ فِي الفِرْدَوسِ (٢/ ٨٤) عَنْ مُعَاذٍ مَرْفُوعًا. الضَّعِيفَةُ (١٤٧٤).\n(^٢) كَمَا فِي أَثَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، وَهُوَ: قِيلَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: كَيفَ بِهِمْ يُحْيِي وَيُمِيتُ؟ قَالَ: (لِأَنَّهُمْ يَسْأَلُونَ اللهَ ﷿ إِكْثَارَ الأُمَمِ فَيَكْثُرُونَ، وَيَدْعُونَ عَلَى الجَبَابِرَةِ فَيُقْصَمُونَ، وَيَسْتَسْقَونَ فَيُسْقَونَ، وَيَسْأَلُونَ فَتُنْبِتُ لَهُمُ الأَرْضُ، وَيَدْعُونَ فَيُدْفَعُ بِهِمْ أَنْوَاعَ البَلَاءِ). مَوضُوعٌ. الحِلْيَةُ (١/ ٩). الضَّعِيفَةُ (١٤٧٩).\nوَقَالَ الحَافِظُ السُّيُوطِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (اللَّآلِئُ المَصْنُوعَةُ فِي الأَحَادِيثِ المَوضُوعَةُ) (٢/ ٢٧٩): \"فِيهِ مَجَاهِيلٌ\".\nوَقَالَ الحَافِظُ السَّخَاوِيُّ ﵀ فِي (كِتَابِهِ المَقَاصِدُ الحَسَنَةُ) (ص ٤٦): \"وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ: الأَبْدَالُ: هُمْ أَهْلُ العِلْمِ. وَقَالُ الإِمَامُ أَحْمَدُ: إِنْ لَمْ يَكُونُوا أَصْحَابَ الحَدِيثِ؛ فَمَنْ هُمْ؟! \".","vol":"2","page":624},{"text":"أَنَّهُم إِذَا دَعَوهُم؛ فَإِنَّهُم سَيَدْعُونَ اللهَ لَهُم وَيَتَوَسَّطُونَ لَهُم عِنْدَ اللهِ! وَهَذَا شِرْكٌ فِي الأُلُوهِيَّةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يُونُس: ١٠٦ - ١٠٧] (^١).\nقَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ فِي مَجْمُوعِ الفَتَاوَى وَقَد سُئِلَ ﵀ عَنْ الحَدِيثِ المَرْوِيِّ فِي (الأَبْدَالِ) هَلْ هُوَ صَحِيحٌ أَمْ مَقْطُوعٌ؟ وَهَلِ (الأَبْدَالُ) مَخْصُوصُونَ بِالشَّامِ؟ أَمْ حَيثُ تَكُونُ شَعَائِرُ الإِسْلَامِ قَائِمَةً بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يَكُونُ بِهَا الأَبْدَالُ بِالشَّامِ وَغَيرِهِ مِنَ الأَقَالِيمِ؟\nوَهَلْ صَحِيحٌ أَنَّ الوَلِيَّ يَكُونُ قَاعِدًا فِي جَمَاعَةٍ وَيَغِيبُ جَسَدُهُ؟\nوَمَا قَولُ السَّادَةِ العُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الأَسْمَاءِ الَّتِي تَسَمَّى بِهَا أَقْوَامٌ مِنَ المَنْسُوبِينَ إلَى الدِّينِ وَالفَضِيلَةِ وَيَقُولُونَ: هَذَا غَوثُ الأَغْوَاثِ، وَهَذَا قُطْبُ الأَقْطَابِ، وَهَذَا قُطْبُ العَالَمِ، وَهَذَا القُطْبُ الكَبِيرُ، وَهَذَا خَاتَمُ الأَولِيَاءِ؟\nفَأَجَابَ:\n\"أَمَّا الأَسْمَاءُ الدَّائِرَةُ عَلَى ألْسِنَةِ كَثِيرٍ مِنَ النُّسَّاكِ وَالعَامَّةِ مِثْلُ (الغَوثِ) الَّذِي بِمَكَّةَ وَ(الأَوتَادِ الأَرْبَعَةِ) وَ(الأَقْطَابِ السَّبْعَةِ) وَ(الأَبْدَالِ الأَرْبَعِينَ) وَ(النُّجَبَاءِ الثَّلَاثِمِائَةِ)؛ فَهَذِهِ أَسْمَاءٌ لَيسَتْ مَوجُودَةً فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى؛ وَلَا هِيَ أَيضًا مَأْثُورَةٌ عَنْ\n_________\n(^١) وَقَدِ اسْتَطَالَ الشِّرْكُ بِبَعْضِهِم حَتَّى جَعَلُوا لِلأَبْدَالِ هَؤُلَاءِ مِنْ صِفَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ وَمِنَ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ مَا لَا يَكُونُ إِلَّا للهِ تَعَالَى، كَقَولِ بَعْضِ المُنْشِدِينَ -قَاتَلَهُمُ اللهُ-: \"شَيخ رَسْلَان! يَا حَامِي البَرِّ وَالشَّامِ\"، وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٩٤].","vol":"2","page":625},{"text":"النَّبِيِّ ﷺ بِإِسْنَادِ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ يُحْمَلُ عَلَيهِ ألْفَاظُ الأَبْدَالِ.\nفَقَدْ رُوِيَ فِيهِمْ حَدِيثٌ شَامِيٌّ مُنْقَطِعُ الإِسْنَادِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ فِيهِمْ -يَعْنِي أَهْلَ الشَّامِ- الأَبْدَالَ الأَرْبَعِينَ رَجُلًا، كُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ أَبْدَلَ اللهُ تَعَالَى مَكَانَهُ رَجُلًا» وَلَا تُوجَدُ هَذِهِ الأَسْمَاءُ فِي كَلَامِ السَّلَفِ كَمَا هِيَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ، وَلَا هِيَ مَأْثُورَةٌ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ وَالمَعَانِي عَنْ المَشَايِخِ المَقْبُولِينَ عِنْدَ الأُمَّةِ قَبُولًا عَامًّا، وَإِنَّمَا تُوجَدُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ عَنْ بَعْضِ المُتَوَسِّطِينَ مِنَ المَشَايِخِ، وَقَدْ قَالَهَا إمَّا آثِرًا لَهَا عَنْ غَيرِهِ أَو ذَاكِرًا.\nوَهَذَا الجِنْسُ وَنَحْوُهُ مِنْ عِلْمِ الدِّينِ قَدِ الْتَبَسَ عِنْدَ أَكْثَرِ المُتَأَخِّرِينَ حَقُّهُ بِبَاطِلِهِ، فَصَارَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ مَا يُوجِبُ قَبُولَهُ وَمِنْ البَاطِلِ مَا يُوجِبُ رَدَّهُ، وَصَارَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ عَلَى طَرَفَي نَقِيضٍ، قَومٌ كَذَّبُوا بِهِ كُلَّهُ لِمَا وَجَدُوا فِيهِ مِنَ البَاطِلِ، وَقَومٌ صَدَّقُوا بِهِ كُلَّهُ لِمَا وَجَدُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ، وَإِنَّمَا الصَّوَابُ التَّصْدِيقُ بِالحَقِّ وَالتَّكْذِيبُ بِالبَاطِلِ، وَهَذَا تَحْقِيقٌ لِمَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﵇ عَنْ رُكُوبِ هَذِهِ الأُمَّةِ سُنَنَ مَنْ قَبْلَهَا حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ؛ فَإِنَّ أَهْلَ الكِتَابَينِ لَبَّسُوا الحَقَّ بِالبَاطِلِ وَهَذَا هُوَ التَّبْدِيلُ وَالتَّحْرِيفُ الَّذِي وَقَعَ فِي دِينِهِمْ؛ …\nفَأَمَّا لَفْظُ (الغَوثِ) وَ(الغِيَاثِ) فَلَا يَسْتَحِقُّهُ إِلَّا اللهُ؛ فَهُوَ غِيَاثُ المُسْتَغِيثِينَ، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِ الِاسْتِغَاثَةُ بِغَيرِهِ؛ لَا بِمَلَكٍ مُقَرَّبٍ وَلَا نَبِيٍّ مُرْسَلٍ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ أَهْلَ الأَرْضِ يَرْفَعُونَ حَوَائِجَهُمْ -الَّتِي يَطْلُبُونَ بِهَا كَشْفَ الضُّرِّ عَنْهُمْ وَنُزُولَ الرَّحْمَةِ إلَى الثَّلَاثِمِائَةِ؛ وَالثَّلَاثمِائَة إلَى السَّبْعِينَ، وَالسَّبْعُونَ إلَى الأَرْبَعِينَ، وَالأَرْبَعُونَ إلَى السَّبْعَةِ، وَالسَّبْعَةُ إلَى الأَرْبَعَةِ، وَالأَرْبَعَةُ إلَى الغَوثِ- فَهُوَ كَاذِبٌ ضَالٌّ مُشْرِكٌ، فَقَدْ كَانَ المُشْرِكُونَ كَمَا أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ بِقَولِهِ: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي البَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ","vol":"2","page":626},{"text":"إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإِسْرَاء: ٦٧]، وَقَالَ ﷾: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النَّمْل: ٦٢]، فَكَيفَ يَكُونُ المُؤْمِنُونَ يَرْفَعُونَ إلَيهِ حَوَائِجَهُمْ بَعْدَهُ بِوَسَائِطَ مِنَ الحُجَّابِ وَهُوَ القَائِلُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البَقَرَة: ١٨٦]؟!\nوَقَدْ عَلِمَ المُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَامَّةُ المُسْلِمِينَ وَلَا مَشَايِخُهُمُ المَعْرُوفُونَ يَرْفَعُونَ إلَى اللهِ حَوَائِجَهُمْ لَا ظَاهِرًا وَلَا بَاطِنًا بِهَذِهِ الوَسَائِطِ وَالحُجَّابِ، فَتَعَالَى اللهُ عَنْ تَشْبِيهِهِ بِالمَخْلُوقِينَ مِنَ المُلُوكِ وَسَائِرِ مَا يَقُولُهُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَهَذَا مِنْ جِنْسِ دَعْوَى الرَّافِضَةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي كُلِّ زَمَانٍ مِنْ إمَامٍ مَعْصُومٍ يَكُونُ حُجَّةَ اللهِ عَلَى المُكَلَّفِينَ؛ لَا يَتِمُّ الإِيمَانُ إِلَّا بِهِ! ثُمَّ مَعَ هَذَا يَقُولُونَ إنَّهُ كَانَ صَبِيًّا دَخَلَ السِّرْدَابَ مِنْ أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعِمِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَة؛ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ عَينٌ وَلَا أَثَرٌ وَلَا يُدْرَكُ لَهُ حِسٌّ وَلَا خَبَرٌ، وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ هَذِهِ المَرَاتِبَ فِيهِمْ مُضَاهَاةٌ لِلرَّافِضَةِ مِنْ بَعْضِ الوُجُوهِ …\nوَأَمَّا الأَوتَادُ؛ فَقَدْ يُوجَدُ فِي كَلَامِ البَعْضِ أَنَّهُ يَقُولُ: فُلَانٌ مِنَ الأَوتَادِ؛ يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُثَبِّتُ بِهِ الإِيمَانَ وَالدِّينَ فِي قُلُوبِ مَنْ يَهْدِيهِمُ اللهُ بِهِ كَمَا يُثَبِّتُ الأَرْضَ بِأَوتَادِهَا، وَهَذَا المَعْنَى ثَابِتٌ لِكُلِّ مَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ العُلَمَاءِ، فَكُلُّ مَنْ حَصَلَ بِهِ تَثْبِيتُ العِلْمِ وَالإِيمَانِ فِي جُمْهُورِ النَّاسِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الأَوتَادِ العَظِيمَةِ وَالجِبَالِ الكَبِيرَةِ .....\nوَأَمَّا القُطْبُ؛ فَيُوجَدُ أَيضًا فِي كَلَامِهِمْ: فُلَانٌ مِنَ الأَقْطَابِ، أَو فُلَانٌ قُطْبٌ، فَكُلُّ مَنْ دَارَ عَلَيهِ أَمْرٌ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ أَوِ الدُّنْيَا بَاطِنًا أَو ظَاهِرًا فَهُوَ قُطْبُ ذَلِكَ الأَمْرِ وَمَدَارُهُ؛ سَوَاءً كَانَ الدَّائِرُ عَلَيهِ أَمْرَ دَارِهِ أَو دَرْبِهِ أَو قَرْيَتِهِ أَو مَدِينَتِهِ؛ أَمْرَ دِينِهَا أَو دُنْيَاهَا؛ بَاطِنًا أَو ظَاهِرًا، وَلَا اخْتِصَاصَ لِهَذَا المَعْنَى بِسَبْعَةٍ وَلَا أَقَلَّ وَلَا أَكْثَرَ، لَكِنَّ المَمْدُوحَ مِنْ ذَلِكَ","vol":"2","page":627},{"text":"مَنْ كَانَ مَدَارًا لِصَلَاحِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ دُونَ مُجَرَّدِ صَلَاحِ الدُّنْيَا، فَهَذَا هُوَ القُطْبُ فِي عُرْفِهِمْ، فَقَدْ يَتَّفِقُ فِي بَعْضِ الأَعْصَارِ أَنْ يَكُونَ شَخْصٌ أَفْضَلَ أَهْلِ عَصْرِهِ، وَقَدْ يَتَّفِقُ فِي عَصْرٍ آخَرَ أَنْ يَتَكَافَأَ اثْنَانِ أَو ثَلَاثَةٌ فِي الفَضْلِ عِنْدَ اللهِ سَوَاءٌ، وَلَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ زَمَانٍ شَخْصٌ وَاحِدٌ هُوَ أَفْضَلُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ مُطْلَقًا!\nوَكَذَلِكَ لَفْظُ (البَدَلِ)؛ جَاءَ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ، فَأَمَّا الحَدِيثُ المَرْفُوعُ فَالأَشْبَهُ أَنَّهُ لَيسَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﵇، فَإِنَّ الإِيمَانَ كَانَ بِالحِجَازِ وَبِاليَمَنِ قَبْلَ فُتُوحِ الشَّامِ وَكَانَتِ الشَّامُ وَالعِرَاقُ دَارَ كُفْرٍ ....\nوَالَّذِينَ تَكَلَّمُوا بِاسْمِ البَدَلِ فَسَّرُوهُ بِمَعَانٍ مِنْهَا: أَنَّهُمْ أَبْدَالُ الأَنْبِيَاءِ، وَمِنْهَا أَنَّهُ كُلَّمَا مَاتَ مِنْهُمْ رَجُلٌ أَبْدَلَ اللهُ تَعَالَى مَكَانَهُ رَجُلًا، وَمِنْهَا أَنَّهُمْ أُبْدِلُوا السَّيِّئَاتِ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ وَعَقَائِدِهِمْ بِحَسَنَاتٍ، وَهَذِهِ الصِّفَاتُ كُلُّهَا لَا تَخْتَصُّ بِأَرْبَعِينَ وَلَا بِأَقَلَّ وَلَا بِأَكْثَرَ، وَلَا تُحْصَرُ بِأَهْلِ بُقْعَةٍ مِنَ الأَرْضِ، وَبِهَذَا التَّحْرِيرِ يَظْهَرُ المَعْنَى فِي اسْمِ (النُّجَبَاءِ).\nفَالغَرَضُ أَنَّ هَذِهِ الأَسْمَاءَ تَارَةً تُفَسَّرُ بِمَعَانٍ بَاطِلَةٍ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ مِثْلِ تَفْسِيرِ بَعْضِهِمْ (الغَوثَ) هُوَ الَّذِي يُغِيثُ اللهُ بِهِ أَهْلَ الأَرْضِ فِي رِزْقِهِمْ وَنَصْرِهِمْ! فَإِنَّ هَذَا نَظِيرُ مَا تَقُولُهُ النَّصَارَى ....\nوَكَذَلِكَ مَنْ فَسَّرَ (الأَرْبَعِينَ الأَبْدَالَ) بِأَنَّ النَّاسَ إنَّمَا يُنْصَرُونَ وَيُرْزَقُونَ بِهِمْ؛ فَذَلِكَ بَاطِلٌ؛ بَلِ النَّصْرُ وَالرِّزْقُ يَحْصُلُ بِأَسْبَابِ مِنْ آكَدِهَا دُعَاءُ المُؤْمِنِينَ وَصِلَاتُهُمْ وَإِخْلَاصُهُمْ، وَلَا يَتَقَيَّدُ ذَلِكَ لَا بِأَرْبَعِينَ وَلَا بِأَقَلَّ وَلَا بِأَكْثَرَ ....\nوَلَيسَ فِي أَولِيَاءِ اللهِ المُتَّقِينَ وَلَا عُبَّادِ اللهِ المُخْلِصِينَ الصَّالِحِينَ وَلَا أَنْبِيَائِهِ المُرْسَلِينَ مَنْ كَانَ غَائِبَ الجَسَدِ دَائِمًا عَنْ أَبْصَارِ النَّاسِ! بَلْ هَذَا مِنْ جِنْسِ قَولِ","vol":"2","page":628},{"text":"القَائِلِينَ: إنَّ عَلِيًّا فِي السَّحَابِ! وَإِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الحَنَفِيَّةِ فِي جِبَالِ رَضْوَى! وَإِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الحَسَنِ بِسِرْدَابٍ سَامِرِيٍّ! وَإِنَّ الحَاكِمَ بِجَبَلِ مِصْرَ! وَإِنَّ الأَبْدَالَ الأَرْبَعِينَ -رِجَالَ الغَيبِ- بِجَبَلِ لُبْنَانَ! فَكُلُّ هَذَا وَنَحْوُهُ مِنْ قَولِ أَهْلِ الإِفْكِ وَالبُهْتَانِ.\nنَعَمْ؛ قَدْ تُخْرَقُ العَادَةُ فِي حَقِّ الشَّخْصِ فَيَغِيبُ تَارَةً عَنْ أَبْصَارِ النَّاسِ إمَّا لِدَفْعِ عَدُوٍّ عَنْهُ وَإِمَّا لِغَيرِ ذَلِكَ؛ وَأَمَّا أَنَّهُ يَكُونُ هَكَذَا طُولَ عُمْرِهِ! فَبَاطِلٌ ....\nوَكَذَا لَفْظُ (خَاتَمِ الأَولِيَاءِ) لَفْظٌ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ، وَأَوَّلُ مَنْ ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ؛ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَدِ انْتَحَلَهُ طَائِفَةٌ كُلٌّ مِنْهُمْ يَدَّعِي أَنَّهُ خَاتَمُ الأَولِيَاءِ؛ كَابْنِ حَموية وَابْنِ عَرَبِيٍّ وَبَعْضِ الشُّيُوخِ الضَّالِّينَ بِدِمَشْقَ وَغَيرِهَا، وَكُلٌّ مِنْهُمْ يَدَّعِي أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنَ النَّبِيِّ ﵇ مِنْ بَعْضِ الوُجُوهِ؛ إلَى غَيرِ ذَلِكَ مِنَ الكُفْرِ وَالبُهْتَانِ، وَكُلُّ ذَلِكَ طَمَعًا فِي رِيَاسَةِ خَاتَمِ الأَولِيَاءِ لَمَّا فَاتَتْهُمْ رِيَاسَةُ خَاتَمِ الأَنْبِيَاءِ! وَقَدْ غَلِطُوا (^١)، فَإِنَّ خَاتَمَ الأَنْبِيَاءِ إنَّمَا كَانَ أَفْضَلَهُمْ لِلْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَيسَ كَذَلِكَ خَاتَمُ الأَولِيَاءِ! فَإِنَّ أَفْضَلَ أَولِيَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ السَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَخَيرُ هَذِهِ الأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ ﵁ ثُمَّ عُمَرُ ﵁ ثُمَّ عُثْمَانُ ﵁ ثُمَّ عَلِيٌّ ﵁، وَخَيرُ قُرُونِهَا\n_________\n(^١) وَتَأَمَّلْ عَجَبًا مَا نَقَلَهُ المُنَاوِيُّ ﵀ وَغَفَرَ لَهُ عِنْدَ شَرْحِ حَدِيثِ (الأَبْدَالُ مِنَ المَوَالِي) وَلَا يَصِحُّ أَيضًا: \" (خَاتِمَةٌ) قَالَ ابْنُ عَرَبِي: الأَوتَادُ الَّذِينَ يَحْفَظُ اللهُ بِهِمُ العَالَمَ أَرْبَعَةٌ فَقَط، وَهُم أَخَصُّ مِنَ الأَبْدَالِ، وَالإِمَامَانِ أَخَصُّ مِنْهُم، وَالقُطْبُ أَخَصُّ الجَمَاعَةِ، وَالأَبْدَالُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ يُطْلِقُونَهُ عَلَى مَنْ تَبَدَّلَتْ أَوصَافُهُ المَذْمُومَةُ بِمَحْمُودَةٍ، وَيُطْلِقُونِهُ عَلَى عَدَدٍ خَاصٍّ وَهُمْ أَرْبَعُونَ، وَقِيلَ: ثَلَاثُونَ، وَقِيلَ: سَبْعَةٌ، وَلِكُلِّ وَتَدٍ مِنَ الأَوتَادِ الأَرْبَعَةِ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ البَيتِ.\nوَيَكُونُ عَلَى قَلْبِ عِيسَى؛ لَهُ اليَمَانِيُّ، وَالَّذِي عَلَى قَلْبِ نَبِيٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَالَّذِي عَلَى قَلْبِ آدَمَ لَهُ الرُّكْنُ الشَّامِيُّ، وَالَّذِي عَلَى قَلْبِ إِبْرَاهِيمَ لَهُ العِرَاقِيُّ، وَالَّذِي عَلَى قَلْبِ مُحَمَّدٍ لَهُ رُكْنُ الحَجَرِ الأَسْوَدِ؛ وَهُوَ لَنَا بِحَمْدِ اللهِ\"!! فَيضُ القَدِيرِ (٣/ ١٧٠).","vol":"2","page":629},{"text":"القَرْنُ الَّذِي بُعِثَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، وَخَاتَمُ الأَولِيَاءِ فِي الحَقِيقَةِ آخِرُ مُؤْمِنٍ تَقِيٍّ يَكُونُ فِي النَّاسِ، وَلَيسَ ذَلِكَ بِخَيرِ الأَولِيَاءِ وَلَا أَفْضَلِهِمْ! بَلْ خَيرُهُمْ وَأَفْضَلُهُمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ ثُمَّ عُمَرُ اللَّذَانِ مَا طَلَعَتْ شَمْسٌ وَلَا غَرَبَتْ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ النَّبِيِّينَ وَالمُرْسَلِينَ أَفْضَلَ مِنْهُمَا\" (^١).\n\nتَمَّ الكِتَابُ بِحَولِهِ تَعَالَى وَقُوَّتِهِ وَفَضْلِهِ.\nوَأَخِيرًا أَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى إِجَابَتِي دَعْوَةً كَدَعْوَةِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ ﵊ ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسَابُ﴾\nوَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.\nوَكَتَبَهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ؛ خُلْدُونُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ نَغَوِي آل حَقُوي\n_________\n(^١) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (١١/ ٤٣٣) بِحَذْفٍ يَسِيرٍ دَرْءًا لِلإِطَالَةِ.","vol":"2","page":630},{"text":"<span data-type='title' id=toc-519>فِهْرِسُ المَصَادِرِ وَالمَرَاجِعِ:</span>\n- اقْتِضَاءُ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ، لِشَيخِ الإِسْلَامِ؛ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الحَلِيمِ بْنِ تَيمِيَّةَ الحَرَّانِيِّ؛ أَبِي العَبَّاسِ؛ تَقِي الدِّينِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٢٨ هـ)، دَارُ عَالَمِ الكُتُبِ، بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ نَاصِر عَبْدِ الكَرِيمِ العَقل.\n- الإِتْقَانُ فِي عُلُومِ القُرْآنِ، لِلحَافِظِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْر؛ جَلَالِ الدِّينِ السُّيُوطِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٩١١ هـ)، الهَيئَةُ المِصْرِيَّةُ العَامَّةُ لِلكِتَابِ، بِتَحْقِيقِ مُحَمَّد أَبِي الفَضْلِ إِبْرَاهِيم.\n- الإِجَابَةُ لِإِيرَادِ مَا اسْتَدْرَكَتْهُ عَائِشَةُ عَلَى الصَّحَابَةِ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَهَادِر الزَّرْكَشِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ اللهِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٩٤ هـ)، المَكْتَبُ الإِسْلَامِيُّ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ د. عِصْمَتِ اللهِ.\n- الأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ الكُبْرَى، لِلإِمَامِ عَبْدِ الحَقِّ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الإِشْبِيلِيِّ؛ المَعْرُوفِ بِابْنِ الخَرَّاطِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٥٨١ هـ)، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاض، بِتَحْقِيقِ حُسَينِ بْنِ عُكَاشَة.\n- الاسْتِذْكَارُ، لِلإِمَامِ الحَافِظِ يُوسُف بنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ البَرِّ؛ القُرْطُبِيِّ؛ أَبِي عُمَرَ، المَالِكِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٤٦٣ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ سَالِم مُحَمَّد عَطَا، وُمُحَمَّد عَلِي مُعَوَّض.\n- الاسْتِيعَابُ فِي مَعْرِفَةِ الأَصْحَابِ، لِلإِمَامِ الحَافِظِ يُوسُف بنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ البَرِّ؛ القُرْطُبِيِّ؛ أَبِي عُمَرَ، المَالِكِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٤٦٣ هـ)، دَارُ الجِيلِ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ عَلِي البجاوي.","vol":"2","page":631},{"text":"- الاعْتِصَامُ، لِلإِمَامِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ اللَّخْمِيِّ الغِرْنَاطِيِّ، الشَّهِيرِ بِالشَّاطِبِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٩٠ هـ)، دَارُ ابْنِ عَفَّانَ، المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السّعُودِيَّةُ، بِتَحْقِيقِ سَلِيمِ بْنِ عِيدٍ الهِلَالِيِّ.\n- الاعْتِقَادُ، لِلإِمَامِ الحَافِظِ أَحْمَدَ بْنِ الحُسَينِ بْنِ عَلِيٍّ الخُرَاسَانِيِّ، أَبِي بَكْرٍ البَيهَقِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٤٥٨ هـ)، دَارُ الآفَاقِ الجَدِيدَةِ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ أَحْمَد عِصَام الكَاتِب.\n- الإِبَانَةُ الكُبْرَى، لِلإِمَامِ عُبَيدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّد العُكْبَريِّ؛ أَبِي عَبْدِ اللهِ - المَعْرُوفِ بِابْنِ بَطَّةَ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣٨٧ هـ)، دَارُ الرَّايَةِ - الرِّيَاض، بِتَحْقِيقِ مَجْمُوعَةٍ مِنَ المُحَقِّقِين.\n- الإِصَابَةُ فِي تَمْيِيزِ الصَّحَابَةِ، لِلإِمَامِ الحَافِظِ أَحْمَدِ بْنِ عَلِيّ بْنِ حَجَرٍ؛ أَبِي الفَضْلِ العَسْقَلَانِيِّ الشَّافِعِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٨٥٢ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ عَادِل عَبْدِ المَوجُود، وَعَلِي معَوَّض.\n- الإِيضَاحُ فِي مَنَاسِكِ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ، لِلإِمَامِ يَحْيَى بْنِ شَرَفِ بْنِ مَرِيِّ النَّوَوِيِّ؛ أَبِي زَكَرِيَّا، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٦٧٦ هـ)، دَارُ البَشَائِرِ الإِسْلَامِيَّةِ، بَيرُوت.\n- الأَحَادِيثُ المُخْتَارَةُ، لِلحَافِظِ ضِيَاءِ الدِّينِ؛ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَاحِدِ المَقْدِسِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ اللهِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٦٤٣ هـ)، دَارُ خضر - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ دهيش.\n- الأَدَبُ المُفْرَدُ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الجعْفِيِّ البُخَارِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ اللهِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٢٥٦ هـ)، دَارُ البَشَائِرِ الإِسْلَامِيَّةِ، بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ مُحَمَّد فُؤَاد عَبْدِ البَاقِي.\n- الأَذْكَارُ، لِلإِمَامِ يَحْيَى بْنِ شَرَفِ بْنِ مَرِيِّ النَّوَوِيِّ؛ أَبِي زَكَرِيَّا، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٦٧٦ هـ)، دَارُ الفِكْرِ لِلطِّبَاعَةِ وَالنَّشْرِ وَالتَّوزِيعِ، بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ الشَّيخِ الفَاضِلِ عَبْدِ القَادِرِ الأَرْنَؤُوطِ.","vol":"2","page":632},{"text":"- الأَرْبَعُونَ النَّوَوِيَّةُ، لِلإِمَامِ يَحْيَى بْنِ شَرَفِ بْنِ مَرِيِّ النَّوَوِيِّ؛ أَبِي زَكَرِيَّا، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٦٧٦ هـ)، دَارُ المِنْهَاجِ لِلنَّشْرِ وَالتَّوزِيعِ، لُبْنَان - بَيرُوت.\n- الإِسْرَاءُ وَالمِعْرَاجُ وَذِكْرُ أَحَادِيثِهِمَا وَتَخْرِيجِهَا وَبَيانِ صَحِيحِهَا، لِلمُحَدِّثِ الإِمَامِ مُحَمَّد نَاصِرِ الدِّينِ الأَلْبَانِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢٠ هـ)، المَكْتَبَةُ الإِسْلَامِيَّةُ - عَمَّان.\n- الأَسْرَارُ المَرْفُوعَةُ فِي الأَخْبَارِ المَوضُوعَةِ، لِلشَّيخِ الفَقِيهِ مُلَّا عَلِيِّ الهَرَوِيِّ القَارِيّ، أَبِي الحَسَنِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١١٠٤ هـ)، دَارُ الرِّسَالَة - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ مُحَمَّدِ الصَّبَّاغِ.\n- الأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ، لِلإِمَامِ الحَافِظِ أَحْمَدَ بْنِ الحُسَينِ بْنِ عَلِيٍّ الخُرَاسَانِيِّ، أَبِي بَكْرٍ البَيهَقِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٤٥٨ هـ)، مَكْتَبَةُ السوادي، جِدَّة - المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السّعُودِيَّةُ، بِتَحْقِيقِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ الحَاشِدِيِّ.\n- الأَعْلَامُ، تَأْلِيفُ خَيرِ الدِّينِ بْنِ مَحْمُودٍ الزِّرِكْلِيِّ الدِّمَشْقِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٣٩٦ هـ)، دَارُ العِلْمِ لِلمَلَايِينِ.\n- الأَوسَطُ فِي السُّنَنِ وَالإِجْمَاعِ وَالاخْتِلَافِ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ المُنْذِرِ النَّيسَابُورِيِّ؛ أَبِي بَكْر، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣١٥ هـ)، دَارُ طَيبَةَ - الرِّيَاض، بِتَحْقِيقِ أَبِي حَمَّادٍ؛ صغير أحمد بن محمد حنيف.\n- الأُمُّ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ اللهِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٢٠٤ هـ)، دَارُ المَعْرِفَةِ - بَيرُوت.\n- الآثَارُ، لِلإمَامِ الحَافِظِ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ الشَّيبَانِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ اللهِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٨٩ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ أَبِي الوَفَا الأَفَغَانِيِّ.\n- الآيَاتُ البَيِّنَاتُ فِي عَدَمِ سَمَاعِ الأَمْوَاتِ عَلَى مَذْهَبِ الحَنَفِيَّةِ السَّادَاتِ، لِلشَّيخِ","vol":"2","page":633},{"text":"نُعْمَانِ بْنِ مَحْمُود بِنْ عَبْدِ اللهِ؛ أَبِي البَرَكَاتِ؛ خَيرِ الدِّين؛ الآلُوسِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٣١٧ هـ)، المَكْتَبُ الإِسْلَامِيُّ، بِتَحْقِيقِ الشَّيخِ المُحَدِّثِ مُحَمَّد نَاصِر الدِّين الأَلْبَانِيِّ.\n- البُرْهَانُ فِي عُلُومِ القُرْآنِ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَهَادِر الزَّرْكَشِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ اللهِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٩٤ هـ)، دَارُ إِحْيَاءِ الكُتُبِ العَرَبِيَّةِ، دَارُ المَعْرِفَةِ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ مُحَمَّد أَبِي الفَضْلِ إِبْرَاهِيم.\n- البِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ، لِلحَافِظِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيِّ الدِّمَشْقِيِّ؛ أَبِي الفِدَاءِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٧٤ هـ)، دَارُ هجر، بِتَحْقِيقِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ المُحْسِنِ التّركيّ.\n- البِنَاءُ عَلَى القُبُورِ، لِلشَّيخِ المُحَدِّثِ عَبْدِ الرَّحْمَن بْنِ يَحْيَى المُعَلِّمِي اليَمَانِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٣٨٦ هـ)، دَارُ أَطْلَس - الرِّيَاض، بِتَحْقِيقِ حَاكِم بْنِ عبيسَان المطِيرِي.\n- التَّبَرُّكُ، لِلشَّيخِ نَاصِرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن الجدْيع، (مُعَاصِرٌ)، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ لِلنَّشْرِ وَالتَّوزِيعِ - الرِّيَاض.\n- التَّبْصِرَةُ، لِلإِمَامِ عَبْدِ الرَّحْمَن بْنِ عَلِيّ بْنِ مُحَمَّدِ الجَوزِيِّ؛ أَبِي الفَرَجِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٥٧٩ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ - بَيرُوت.\n- التَّخْوِيفُ مِنَ النَّارِ وَالتَّعْرِيفُ بِحَالِ دَارِ البَوَارِ، لِلإِمَامِ الحَافِظِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ رَجَبٍ البَغْدَادِيِّ الحَنْبَلِيِّ (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٩٥ هـ)، دَارُ البَيَانِ - دِمَشْقَ، بِتَحْقِيقِ بَشِير مُحَمَّد عُيُون.\n- التَّذْكِرَةُ بِأَحْوَالِ المَوتَى وَأُمُورِ الآخِرَةِ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي بَكْرٍ؛ شَمْسِ الدِّينِ القُرْطُبِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ اللهِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٦٧١ هـ)، مَكْتَبَةُ دَارِ المِنْهَاجِ - الرِّيَاض، بِتَحْقِيقِ الصَّادِقِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ.\n- التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ، لِلإِمَامِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الفَضْلِ الأَصْبَهَانِيِّ؛ أَبِي","vol":"2","page":634},{"text":"القَاسِمِ، المُلَقَّبِ بِقَوَّامِ السُّنَّةِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٥٣٥ هـ)، دَارُ الحَدِيثِ - القَاهِرَةُ، بِتَحْقِيقِ أَيمَن بْنِ صَالِحِ بْنِ شَعْبَانَ.\n- التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ، لِلحَافِظِ عَبْدِ العَظِيمِ بْنِ عَبْدِ القَوِيِّ المُنْذِرِيّ؛ زَكِيّ الدِّين، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٦٥٦ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ إِبْرَاهِيم شَمْسِ الدِّين.\n- التَّفْسِيرُ الكَبِيرُ (مَفَاتِيحُ الغَيبِ)، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الرَّازِي؛ أَبِي عَبْدِ اللهِ؛ المُلَقَّبِ بِفَخْرِ الدِّينِ الرَّازِي، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٦٠٦ هـ)، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ العَرَبِيِّ - بَيرُوت.\n- التَّمْهِيدُ لِشَرْحِ كِتَابِ التَّوحِيدِ، لِلشَّيخِ العَلَّامَةِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ آلِ الشَّيخِ، (مُعَاصِرٌ)، دَارُ التَّوحِيدِ.\n- التَّمْهِيدُ لِمَا فِي المُوَطَّأِ مِنَ المَعَانِي وَالأَسَانِيدِ، لِلإِمَامِ الحَافِظِ يُوسُف بنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ البَرِّ؛ القُرْطُبِيِّ؛ أَبِي عُمَرَ، المَالِكِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٤٦٣ هـ)، وِزَارَةُ عُمُومِ الأَوقَافِ وَالشُّؤُونِ الإِسْلَامِيَّةِ - المَغْرِب، بِتَحْقِيقِ مُصْطَفَى بْنِ أَحْمَد العَلَوِيِّ، وَمُحَمَّد عَبْدِ الكَبِير البَكْرِيِّ.\n- التَّنْكِيلُ بِمَا فِي تَأْنِيبِ الكَوثَرِيِّ مِنَ الأَبَاطِيل، لِلشَّيخِ المُحَدِّثِ عَبْدِ الرَّحْمَن بْنِ يَحْيَى المُعَلِّمِي اليَمَانِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٣٨٦ هـ)، المَكْتَبُ الإِسْلَامِيُّ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ الشَّيخِ المُحَدِّثِ مُحَمَّد نَاصِر الدِّين الأَلْبَانِيِّ.\n- التَّوَسُّلُ؛ أَنْوَاعُهُ وَأَحْكَامُهُ، لِلمُحَدِّثِ الإِمَامِ مُحَمَّدِ نَاصِرِ الدِّينِ الأَلْبَانِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢٠ هـ)، مَكْتَبَةُ المَعَارِفِ لِلنَّشْرِ وَالتَّوزِيعِ، الرِّيَاض، بِتَحْقِيقِ مُحَمَّد عِيد العَبَّاسِي.\n- التَّوضِيحُ لِشَرْحِ الجَامِعِ الصَّحِيحِ، لِلإِمَامِ ابْنِ المُلَقِّنِ؛ أَبِي حَفْصٍ؛ عُمَرَ بْنِ عَلِيّ بْنِ أَحْمَدَ الشَّافِعِيِّ المِصْرِيِّ؛ سِرَاجِ الدِّينِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٨٠٤ هـ)، دَارُ النَّوَادِرِ - دِمَشْقَ،","vol":"2","page":635},{"text":"بِتَحْقِيقِ دَارِ الفَلَاحِ لِلبَحْثِ العِلْمِيِّ.\n- التَّوقِيفُ علَى مُهِمَّاتِ التَّعَارِيفِ، لِلشَّيخِ عَبْدِ الرَّؤُوفِ المُنَاوِيِّ؛ زَينِ الدِّينِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٠٣١ هـ)، عَالَمُ الكُتُبِ - القَاهِرَةُ.\n- التِّبْيَانُ فِي آدَابِ حَمَلَةِ القُرْآنِ، لِلإِمَامِ يَحْيَى بْنِ شَرَفِ بْنِ مَرِيِّ النَّوَوِيِّ؛ أَبِي زَكَرِيَّا، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٦٧٦ هـ)، دَارُ ابْنِ حَزْمٍ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ مُحَمَّدِ الحَجَّارِ.\n- الثَّمَرُ المُسْتَطَابُ فِي فِقْهِ السُّنَّةِ وَالكِتَابِ، لِلمُحَدِّثِ الإِمَامِ مُحَمَّد نَاصِرِ الدِّينِ الأَلْبَانِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢٠ هـ)، مَكْتَبَةُ غِرَاس لِلنَّشْرِ وَالتَّوزِيعِ.\n- الثِّقَاتُ، لِلحَافِظِ مُحَمَّدِ بْنِ حِبَّانَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حِبَّانَ؛ أَبِي حَاتِمٍ البُسْتِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣٥٤ هـ)، دَائِرَةُ المَعَارِفِ العُثْمَانِيَّةِ - حَيدَر آبَاد.\n- الجَامِعُ لِأَحْكَامِ القُرْآنِ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي بَكْرٍ؛ شَمْسِ الدِّينِ القُرْطُبِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ اللهِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٦٧١ هـ)، دَارُ الكُتُبِ المَصْرِيَّةِ - القَاهِرَة، بِتَحْقِيقِ أَحْمَد البردوني وإبراهيم أطفيش.\n- الجَدِيدُ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوحِيدِ، لِلإِمَامِ مُحَمَّد بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ السُّلَيمَان القَرْعَاوِيِّ، مَكْتَبَةُ السَّوَادِي - جَدَّة، بِتَحْقِيقِ مُحَمَّد بْنِ أَحْمَد سَيِّد أَحْمَد.\n- الجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ؛ لِلْإِمَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ؛ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الرَّازِي؛ ابْنُ أَبِي حَاتِم (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣٢٧ هـ)، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ العَرَبِي - بَيرُوت.\n- الجَوَابُ الصَّحِيحُ لِمَنْ بَدَّلَ دِينَ المَسِيحِ، لِشَيخِ الإِسْلَامِ؛ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الحَلِيمِ بْنِ تَيمِيَّةَ الحَرَّانِيِّ؛ أَبِي العَبَّاسِ؛ تَقِي الدِّينِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٢٨ هـ)، دَارُ العَاصِمَةِ - الرِّيَاض، بِتَحْقِيقِ عَلِي بْنِ حَسَن - عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ - حَمْدَان بْنِ مُحَمَّد.\n- الجَوَابُ الكَافِي لِمَنْ سَأَلَ عَنِ الدَّوَاءِ الشَّافِي (الدَّاءُ وَالدَّوَاءُ)، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ","vol":"2","page":636},{"text":"أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيَّوبَ، ابْنِ قَيِّمِ الجَوزِيَّةِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٥١ هـ)، دَارُ المَعْرِفَةِ - المَغْرِب.\n- الحَاوِي الكَبِيرُ فِي فِقْهِ مَذْهَبِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ شَرْحُ مُخْتَصَرِ المُزَنِيِّ، لِأَبِي الحَسَنِ؛ عَلِيّ بْنِ مُحَمَّد البَصْرِيِّ البَغْدَادِيِّ؛ الشَّهِيرِ بِالمَاوَرْدِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٤٥٠ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ الشَّيخِ عَلِيّ مُحَمَّد مُعَوَّض - الشَّيخ عَادِل أَحْمَد عَبْدِ المَوجُودِ.\n- الحَاوِي لِلفَتَاوَى، لِلحَافِظِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْر؛ جَلَالِ الدِّينِ السُّيُوطِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٩١١ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ - بَيرُوت.\n- الحُجَّةُ فِي بَيَانِ المَحَجَّةِ، لِلإِمَامِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الفَضْلِ الأَصْبَهَانِيِّ؛ أَبِي القَاسِمِ، المُلَقَّبِ بِقَوَّامِ السُّنَّةِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٥٣٥ هـ)، دَارُ الرَّايَةِ، بِتَحْقِيقِ الشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ رَبِيعٍ المَدْخَلِيِّ.\n- الدَّرَارِي المَضِيَّةُ شَرْحُ الدُّرَرِ البَهِيَّةِ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّوكَانِيِّ اليَمَنِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٢٥٠ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ.\n- الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ فِي الأَجْوِبَةِ النَّجْدِيَّةِ، تَأْلِيفُ عُلَمَاءِ نَجْدٍ الأَعْلَامِ - الطَّبْعَةُ السَّادِسَةُ - بِتَحْقِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قَاسِمٍ.\n- الدُّرُّ المَنْثُورُ، لِلحَافِظِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْر؛ جَلَالِ الدِّينِ السُّيُوطِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٩١١ هـ)، دَارُ الفِكْرِ - بَيرُوت.\n- الدِّرَايَةُ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الهِدَايَةِ، لِلإِمَامِ الحَافِظِ أَحْمَدِ بْنِ عَلِيّ بْنِ حَجَرٍ؛ أَبِي الفَضْلِ العَسْقَلَانِيِّ الشَّافِعِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٨٥٢ هـ)، دَارُ المَعْرِفَةِ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ السَّيِّد عَبْدِ اللهِ هَاشِم اليَمَانِيِّ المَدَنِيِّ.\n- الرُّوحُ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيَّوبَ، ابْنِ قَيِّمِ الجَوزِيَّةِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ","vol":"2","page":637},{"text":"٧٥١ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ - بَيرُوت.\n- الرِّسَالَةُ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ اللهِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٢٠٤ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ - بَيرُوت.\n- الزَّوَاجِرُ عَنِ اقْتِرَافِ الكَبَائِرِ، لِلإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّد بْنِ حَجَرٍ الهَيتَمِيِّ؛ أَبِي العَبَّاسِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٩٧٤ هـ)، دَارُ الفِكْرِ.\n- الزُّهْدُ، لِلإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلَ بْنِ هِلَالِ بْنِ أَسَدٍ الشَّيبَانِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ اللهِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٢٤١ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ - بَيرُوت.\n- السُّنَنُ الكُبْرَى، لِلإِمَامِ الحَافِظِ أَحْمَدَ بْنِ الحُسَينِ بْنِ عَلِيٍّ الخُرَاسَانِيِّ، أَبِي بَكْرٍ البَيهَقِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٤٥٨ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ مُحَمَّد عَبْدِ القَادِرِ عَطَا.\n- السُّنَّةُ، لِلشَّيخِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُون الخَلَّالِ الحَنْبَلِيِّ؛ أَبِي بَكْرٍ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣١١ هـ)، دَارُ الرَّايَةِ - الرِّيَاض، بِتَحْقِيقِ عَطِيَّةَ الزَّهْرَانِيِّ.\n- السِّيرَةُ النَّبَوِيَّةُ، لِلحَافِظِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيِّ الدِّمَشْقِيِّ؛ أَبِي الفِدَاءِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٧٤ هـ)، دَارُ المَعْرِفَةِ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ مُصْطَفَى عَبْدِ الوَاحِدِ.\n- الشَّرْحُ المُمْتِعُ عَلَى زَادِ المُسْتَقْنِعِ، لِلشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثِيمِين، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢١ هـ)، دَارُ ابْنِ الجُوزِيِّ لِلنَّشْرِ وَالتَّوزِيعِ، المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ.\n- الشِّفَا بِتَعْرِيفِ حُقُوقِ المُصْطَفَى، لِلقَاضِي عِيَاضِ بْنِ مُوسَى بْنِ عِيَاضِ اليَحْصُبِيِّ؛ أَبِي الفَضْلِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٥٤٤ هـ)، دَارُ الفَيحَاء - عَمان.\n- الصَّارِمُ المَسْلُولُ عَلَى شَاتِمِ الرَّسُولِ، لِشَيخِ الإِسْلَامِ؛ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الحَلِيمِ بْنِ تَيمِيَّةَ الحَرَّانِيِّ؛ أَبِي العَبَّاسِ؛ تَقِي الدِّينِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٢٨ هـ)، النَّاشِرُ: الحَرَسُ الوَطَنِيُّ","vol":"2","page":638},{"text":"السُّعُودِيُّ، المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ، بِتَحْقِيقِ مُحَمَّد مُحْي الدِّينِ عَبْدِ الحَمِيدِ.\n- الصَّارِمُ المُنْكِي فِي الرَّدِّ عَلَى السُّبْكِيِّ، لِلحَافِظِ شَمْسِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الهَادِي الحَنْبَلِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٤٤ هـ)، مُؤَسَّسَةُ الرَّيَّان، بَيرُوت - لُبْنَان، بِتَحْقِيقِ عَقِيلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيدٍ المقطري.\n- الصَّحِيحُ المُسْنَدُ مِنْ أَسْبَابِ النُّزُولِ، لِلشَّيخِ المُحَدِّثِ مُقْبِلِ بْنِ هَادِي الوَادِعِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢٢ هـ)، مَكْتَبَةُ ابْنِ تَيمِيَّةَ - القَاهِرَة.\n- الصَّلَاةُ وَحُكْمُ تَارِكِهَا، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيَّوبَ، ابْنِ قَيِّمِ الجَوزِيَّةِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٥١ هـ)، مَكْتَبَةُ الثَّقَافَةِ بِالمَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ.\n- الصَّوَاعِقُ المُرْسَلَةُ فِي الرَّدِّ عَلَى الجَهْمِيَّةِ وَالمُعَطِّلَةِ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيَّوبَ، ابْنِ قَيِّمِ الجَوزِيَّةِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٥١ هـ)، دَارُ العَاصِمَةِ، الرِّيَاض، المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ، بِتَحْقِيقِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ الدَّخِيل الله.\n- الصِّحَاحُ، لِلإِمَامِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ حَمَّادٍ الجَوهَرِيِّ الفَارَابِيِّ؛ أَبِي نَصْرٍ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣٩٣ هـ)، دَارُ العِلْمِ لِلمَلَايِين - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ أَحْمَد عَبْدِ الغَفُورِ عَطَّار.\n- الطَّبَقَاتُ الكُبْرَى، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ؛ أَبِي عَبْدِ اللهِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٢٣٠ هـ)، دَارُ صَادِر - َبيرُوت، بِتَحْقِيقِ إِحْسَان عَبَّاس.\n- العَرْشُ وَمَا رُوِي فِيهِ، لِلحَافِظِ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيبَةَ العَبْسِيِّ؛ أَبِي جَعْفَرٍ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٢٩٧ هـ)، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاض، بِتَحْقِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ بْنِ عَلِيٍّ التَّمِيمِيِّ.\n- العُرْفُ الشَّذِيُّ شَرْحُ سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ، لِلشَّيخِ مُحَمَّد أَنْوَر شَاه بْنِ مُعَظَّم شَاه الكَشْمِيرِيُّ الهِنْدِيُّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٣٥٣ هـ)، دَارُ التُّرَاثِ العَرَبِيِّ - بَيرُوت، بِتَصْحِيحِ الشَّيخِ مَحْمُود شَاكِر.","vol":"2","page":639},{"text":"- العَظَمَةُ، لِلحَافِظِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ؛ أَبِي مُحَمَّدٍ؛ المَعْرُوفِ بِأَبِي الشَّيخِ الأَصْبَهَانِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣٦٩ هـ)، دَارُ العَاصِمَةِ - الرِّيَاض، بِتَحْقِيقِ رِضَاءِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ إِدْرِيس المُبَارَكْفُورِي.\n- العُلُوِّ لِلعَلِيِّ الغَفَّارِ، لِلحَافِظِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ قَايمازَ الذَّهَبِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ اللهِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٤٨ هـ)، مَكْتَبَةُ أَضْوَاءِ السَّلَفِ - الرِّيَاض، بِتَحْقِيقِ أَشْرَف بْنِ عَبْدِ المَقْصُودِ.\n- العِلَلُ المُتَنَاهِيَةُ فِي الأَحَادِيثِ الوَاهِيَةِ، لِلإِمَامِ عَبْدِ الرَّحْمَن بْنِ عَلِيّ بْنِ مُحَمَّدِ الجَوزِيِّ؛ أَبِي الفَرَجِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٥٧٩ هـ)، إِدَارَةُ العُلُومِ الأَثَرِيَّةِ، بَاكِسْتَان، بِتَحْقِيقِ إِرْشَادِ الحَقِّ الأَثَرِيِّ.\n- الفَتَاوَى الكُبْرَى، لِشَيخِ الإِسْلَامِ؛ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الحَلِيمِ بْنِ تَيمِيَّةَ الحَرَّانِيِّ؛ أَبِي العَبَّاسِ؛ تَقِيِّ الدِّينِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٢٨ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ - بَيرُوت.\n- الفَتْوَى الحَمَوِيَّةُ الكُبْرَى، لِشَيخِ الإِسْلَامِ؛ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الحَلِيمِ بْنِ تَيمِيَّةَ الحَرَّانِيِّ؛ أَبِي العَبَّاسِ؛ تَقِي الدِّينِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٢٨ هـ)، دَارُ الصّميعي - الرِّيَاض، بِتَحْقِيقِ حَمَدِ بْنِ عَبْدِ المُحْسِنِ التُّوُيجري.\n- الفَوَائِدُ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيَّوبَ، ابْنِ قَيِّمِ الجَوزِيَّةِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٥١ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ - بَيرُوت.\n- الفُرُوقُ اللُّغَوِيَّةُ، لِلحَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَهْلٍ العَسْكَرِيِّ؛ أَبِي الهِلَالِ، (المُتَوَفَّى بَعْدَ سَنَةِ ٣٩٥ هـ)، دَارُ العِلْمِ وَالثَّقَافَةِ لِلنَّشْرِ وَالتَّوزِيعِ - القَاهِرَةُ، بِتَحْقِيقِ مُحَمَّد إِبْرَاهِيم سَلِيم.\n- الفِرْدَوسُ بِمَأْثُورِ الخِطَابِ، لِلحَافِظِ شِيرَوَيه بنِ شَهْردَارِ؛ أَبِي شُجَاعٍ الدَّيلَمِيِّ","vol":"2","page":640},{"text":"الهَمَذَانِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٥٠٩ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ السَّعِيدِ بْنِ بَسْيِونِي زَغْلُول.\n- الفِصَلُ فِي المِلَلِ وَالأَهْوَاءِ وَالنِّحَلِ، لِلإِمَامِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَزْمٍ الأَنْدَلُسِيِّ؛ أَبِي مُحَمَّد، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٤٥٦ هـ)، مَكْتَبَةُ الخَانجي - القَاهِرَة.\n- الفِقْهُ الإِسْلَامِيُّ وَأَدِلَّتُهُ، لِلشَّيخِ وَهْبَة بْنِ مُصْطَفَى الزُّحَيلِيِّ، دَارُ الفِكْرِ - دِمَشق.\n- الفِقْهُ عَلَى المَذَاهِبِ الأَرْبَعَةِ، لِلشَّيخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّد عَوَض الجزيريِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٣٦٠ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ - بَيرُوت.\n- القَامُوسُ المُحِيطُ، لِمُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الفَيرُوزآبَادِي؛ أَبِي طَاهِرٍ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٨١٧ هـ)، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ مَكْتَبِ تَحْقِيقِ التُّرَاثِ فِي مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَةِ.\n- القَدَرُ وَمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنَ الآثَارِ، لِلإِمَامِ عَبْدِ اللهِ بْنِ وَهْبِ بْنِ مُسْلِمٍ المِصْرِيِّ القُرَشِيِّ؛ أَبِي مُحَمَّد، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٩٧ هـ)، دَارُ السُّلْطَانِ - مَكَّة المُكَرَّمَة، بِتَحْقِيقِ عَبْدِ العَزِيزِ عَبْدِ الرَّحْمَن العثيم.\n- القَوَاعِدُ الحِسَانُ فِي تَفْسِيرِ القُرْآنِ، لِلشَّيخِ العَلَّامَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَاصِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ السَّعْدِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٣٧٦ هـ)، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ لِلنَّشْرِ وَالتَّوزِيعِ - الرِّيَاض.\n- القَوَاعِدُ الفِقْهِيَّةُ، لِلشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثِيمِين، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢١ هـ)، دَارُ البَصِيرَةِ - الإسْكَنْدَرِيَّة.\n- القَوَاعِدُ المُثْلَى فِي صِفَاتِ اللهِ وَأَسْمَائِهِ الحُسْنَى، لِلشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثِيمِين، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢١ هـ)، الجَامِعَةُ الإِسْلَامِيَّةُ، المَدِينَةُ المُنَوَّرَةُ.\n- القَولُ السَّدِيدُ فِي مَقَاصِدِ التَّوحِيدِ، لِلشَّيخِ العَلَّامَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَاصِرِ بْنِ","vol":"2","page":641},{"text":"عَبْدِ اللهِ السَّعْدِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٣٧٦ هـ)، مَجْمُوعَةُ التُّحَفِ النَّفَائِسِ الدُّوَلِيَّةِ، بِتَحْقِيقِ المُرْتَضَى الزَّين أَحْمَد.\n- القَولُ المُفِيدُ عَلَى كِتَابِ التَّوحِيدِ، لِلشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثِيمِين، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢١ هـ)، دَارُ ابْنِ الجَوزِيِّ - المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السّعُودِيَّةُ.\n- الكَافِي فِي فِقْهِ الإِمَامِ أَحْمَد، لِلإمَامِ الفَقِيهِ مُوَفَّق الدِّين؛ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّد بْنِ قُدَامَةَ المَقْدِسِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٦٢٠ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ، بَيرُوت.\n- الكَامِلُ فِي ضُعَفَاءِ الرِّجَالِ، لِلحَافِظِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَدِيٍّ الجُرْجَانِيِّ؛ أَبِي أَحْمَدَ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣٦٥ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ عَادِل أَحْمَد عَبْدِ المَوجُود، وَعَلِي مُحَمَّد مُعَوَّض، وَعَبْدِ الفَتَّاحِ أَبُو سنة.\n- الكَبَائِرُ، لِلحَافِظِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ قَايمازَ الذَّهَبِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ اللهِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٤٨ هـ)، دَارُ النَّدْوَةِ الجَدِيدَةِ - بَيرُوت.\n- الكِتَابُ المُصَنَّفُ فِي الأَحَادِيثِ وَالآثَارِ، لِلحَافِظِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيبَةَ العَبْسِيِّ؛ أَبِي بَكْرٍ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٢٣٥ هـ)، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاض، بِتَحْقِيقِ كَمَال يُوسُف الحُوت.\n- الكَشَّافُ عَنْ حَقَائِقِ غَوَامِضِ التَّنْزِيلِ، لِلشَّيخِ مَحْمُودِ بْنِ عَمْرو الزَّمَخْشَرِيِّ؛ أَبِي القَاسِمِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٥٣٨ هـ)، دَارُ الكِتَابِ العَرَبِيِّ - بَيرُوت.\n- الكَلِمُ الطَّيِّبُ، لِشَيخِ الإِسْلَامِ؛ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الحَلِيمِ بْنِ تَيمِيَّةَ الحَرَّانِيِّ؛ أَبِي العَبَّاسِ؛ تَقِي الدِّينِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٢٨ هـ)، مَكْتَبَةُ المَعَارِفِ لِلنَّشْرِ وَالتَّوزِيعِ، الرِّيَاض، بِتَحْقِيقِ الشَّيخِ المُحَدِّثِ مُحَمَّد نَاصِرِ الدِّينِ الأَلْبَانِيِّ ﵀.\n- الكُلِّيَّاتُ، لِمُؤَلِّفِهِ أَيُّوب بْنِ مُوسَى الحُسَينِي الكَفَوِيّ؛ أَبُو البَقَاءِ الحَنَفِيِّ (المُتَوَفَّ","vol":"2","page":642},{"text":"سَنَةَ ١٠٩٤ هـ)، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ - بَيرُوت -، بِتَحْقِيقِ عَدْنَان دُرْوُيش - مُحَمَّد المِصْرِي.\n- المَجْرُوحِينَ مِنَ المُحَدِّثِينَ وَالضُّعَفَاءِ وَالمَتْرُوكِينَ، لِلحَافِظِ مُحَمَّدِ بْنِ حِبَّانَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حِبَّانَ؛ أَبِي حَاتِمٍ البُسْتِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣٥٤ هـ)، دَارُ الوَعي - حَلَب، بِتَحْقِيقِ مَحْمُود إِبْرَاهِيم زَايد.\n- المَجْمُوعُ شَرْحُ المُهَذَّبِ، لِلإِمَامِ يَحْيَى بْنِ شَرَفِ بْنِ مَرِيِّ النَّوَوِيِّ؛ أَبِي زَكَرِيَّا، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٦٧٦ هـ)، دَارُ الفِكْرِ.\n- المَدْخَلُ إِلَى مَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَل، لِلشَّيخِ عَبْدِ القَادِرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّد بَدْرَان، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٣٤٦ هـ)، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ المُحْسِنِ التُّرْكِيِّ.\n- المَطَالِبُ العَالِيَةُ بِزَوَائِدِ المَسَانِيدِ الثَّمَانِيَةِ، لِلإِمَامِ الحَافِظِ أَحْمَدِ بْنِ عَلِيّ بْنِ حَجَرٍ؛ أَبِي الفَضْلِ العَسْقَلَانِيِّ الشَّافِعِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٨٥٢ هـ)، دَارُ العَاصِمَةِ - الرِّيَاض- بِتَنْسِيقِ سَعْدِ بْنِ نَاصِرٍ الشَّثْرِيِّ.\n- المَقَاصِدُ الحَسَنَةُ فِي بَيَانِ كَثِيرٍ مِنَ الأَحَادِيثِ المُشْتَهِرَةِ عَلَى الأَلْسِنَةِ، لِلحَافِظِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّد السَّخَاوِيِّ الشَّافِعِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٩٠٢ هـ)، دَارُ الكِتَابِ العَرَبِيِّ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ مُحَمَّد عُثْمَان الخشت.\n- المَنَارُ المُنِيفُ فِي الصَّحِيحِ وَالضَّعِيفِ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيَّوبَ، ابْنِ قَيِّمِ الجَوزِيَّةِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٥١ هـ)، مَكْتَبَةُ المَطْبُوعَاتِ الإِسْلَامِيَّةِ، حَلَب، بِتَحْقِيقِ عَبْدِ الفَتَّاحِ أَبُو غُدَّة.\n- المَوضُوعَاتُ، لِلإِمَامِ الحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ الصَّغَانِيِّ الحَنَفِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٦٥٠ هـ)، دَارُ المَأْمُونِ لِلتُّرَاثِ - دِمَشْق، بِتَحْقِيقِ نَجْمِ عَبْدِ الرَّحْمَن خَلَف.","vol":"2","page":643},{"text":"- المَوضُوعَاتُ، لِلإِمَامِ عَبْدِ الرَّحْمَن بْنِ عَلِيّ بْنِ مُحَمَّدِ الجَوزِيِّ؛ أَبِي الفَرَجِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٥٧٩ هـ)، المَكْتَبَةُ السَّلَفِيَّةُ - المَدِينَةُ المُنَوَّرَةُ، بِتَحْقِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَن مُحَمَّد عُثْمَان.\n- المُجَلَّى فِي شَرْحِ القَوَاعِدِ المُثْلَى، لِلشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثِيمِين، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢١ هـ)، دَارُ ابْنِ حَزْمٍ، تَأْلِيفُ كَامِلَة الكَوَارِي.\n- المُسْتَدْرَكُ عَلَى الصَّحِيحَينِ، لِلحَافِظِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدٍ النَيسَابُورِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ اللهِ الحَاكِمِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٤٠٥ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ مُصْطَفَى عَبْدِ القَادِرِ عَطَا.\n- المُعْجَمُ الأَوسَطُ، لِلحَافِظِ سُلَيمَانَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَيُّوبَ؛ أَبِي القَاسِمِ الطَّبَرَانِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣٦٠ هـ)، دَارُ الحَرَمَينِ - القَاهِرَة، بِتَحْقِيقِ طَارِقِ بْنِ عَوَض اللهِ بْنِ مُحَمَّد، وَعَبْدِ المُحْسِنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الحُسَينِيِّ.\n- مُعْجَمُ البُلْدَانِ، لِشِهَابِ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللهِ؛ يَاقُوتِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الرُّومِيِّ الحَمَوِيِّ (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٦٢٦ هـ)، دَارُ صَادِر، بَيرُوت.\n- المُعْجَمُ الصَّغِيرُ، لِلحَافِظِ سُلَيمَانَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَيُّوبَ؛ أَبِي القَاسِمِ الطَّبَرَانِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣٦٠ هـ)، المَكْتَبُ الإِسْلَامِيُّ، دَارُ عَمَّار - بَيرُوت، عَمَّان، بِتَحْقِيقِ مُحَمَّد شَكُور مَحْمُود الحَاج أمرير.\n- المُعْجَمُ الكَبِيرُ، لِلحَافِظِ سُلَيمَانَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَيُّوبَ؛ أَبِي القَاسِمِ الطَّبَرَانِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣٦٠ هـ)، مَكْتَبَةُ ابْنِ تَيمِيَّةَ - القَاهِرَة، بِتَحْقِيقِ حَمْدِي بْنِ عَبْدِ المَجِيدِ السَّلَفِيِّ.\n- المُعْجَمُ الوَسِيطُ، إِعْدَادُ مَجْمَعِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ بِالقَاهِرَةِ، دَارُ الدَّعْوَةِ - مِصْر.","vol":"2","page":644},{"text":"- المُعْجَمُ فِي أَسَامِي شُيُوخِ أَبِي بَكْرٍ الإِسْمَاعِيلِيِّ، لِلحَافِظِ أَحْمَد بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مِرْدَاسٍ الإِسْمَاعِيلِيِّ الجُرْجَانِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣٧١ هـ)، مَكْتَبَةُ العُلُومِ وَالحِكَمِ - المَدِينَةُ المُنَوَّرَةُ، بِتَحْقِيقِ زِيَاد مُحَمَّد مَنْصُور.\n- المُغْنِي عَنْ حَمْلِ الأَسْفَارِ فِي الأَسْفَارِ، لِلحَافِظِ زَينِ الدِّينِ؛ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ الحُسَينِ العِرَاقِيِّ؛ أَبِي الفَضْلِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٨٠٦ هـ)، دَارُ طَبَريَّة - الرِّيَاض، بِتَحْقِيقِ أَشْرَف عَبْدِ المَقْصُودِ.\n- المُغْنِي فِي الضُّعَفَاءِ، لِلحَافِظِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ قَايمازَ الذَّهَبِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ اللهِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٤٨ هـ)، إِدَارَةُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ الإِسْلَامِيِّ - قَطَر، بِتَحْقِيقِ نُورِ الدِّين عِتِر.\n- المُغْنِي، لِلإمَامِ الفَقِيهِ مُوَفَّق الدِّين؛ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّد بْنِ قُدَامَةَ المَقْدِسِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٦٢٠ هـ)، مَكْتَبَةُ القَاهِرَةِ.\n- المُفْهِمُ لِمَا أَشْكَلَ مِنْ تَلْخِيصِ كِتَابِ مُسْلِمٍ، لِلإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ القُرْطُبِيِّ؛ أَبِي العَبَّاسِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٦٥٦ هـ)، دَارُ ابْنِ كَثِيرٍ - دِمَشْق، بِتَحْقِيقِ مُحْيي الدِّين مستو، وَآخَرِين.\n- المُنْتَقَى شَرْحُ المُوَطَّإِ، لِلإِمَامِ سُلَيمَان بْنِ خَلَف البَاجِي الأَنْدَلُسِيِّ؛ أَبِي سُلَيمَان، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٤٧٤ هـ)، مَطْبَعَةُ السَّعَادَةِ - مِصْر.\n- المُوَافَقَاتُ، لِلإِمَامِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ اللَّخْمِيِّ الغِرْنَاطِيِّ، الشَّهِيرِ بِالشَّاطِبِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٩٠ هـ)، دَارُ ابْنِ عَفَّانَ، بِتَحْقِيقِ الشَّيخِ الفَاضِلِ مَشْهُور بْنِ حَسَن آل سَلْمَان.\n- المُوَطَّأ، لِلإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ الأَصْبَحِيِّ المَدَنِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٧٩ هـ)، دَارُ","vol":"2","page":645},{"text":"إِحْيَاءِ التُّرَاثِ العَرَبِيِّ - بَيرُوت، بِتَرْقِيمِ وَتَعْلِيقِ مُحَمَّدِ فُؤَادِ عَبْدِ البَاقِي.\n- المُوَطَّأ، لِلإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ الأَصْبَحِيِّ المَدَنِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٧٩ هـ)، دَارِ الفَجْرِ لِلتُّرَاثِ - القَاهِرَة، بِتَحْقِيقِ حَامِد مُحَمَّد طَاهِر.\n- النُّكَتُ عَلَى كِتَابِ ابْنِ الصَّلَاحِ، لِلإِمَامِ الحَافِظِ أَحْمَدِ بْنِ عَلِيّ بْنِ حَجَرٍ؛ أَبِي الفَضْلِ العَسْقَلَانِيِّ الشَّافِعِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٨٥٢ هـ)، دَارُ الرَّايَةِ لِلنَّشْرِ وَالتَّوزِيعِ، بِتَحْقِيقِ الشَّيخِ الفَاضِلِ رَبِيعِ بْنِ هَادِي عمير حَفِظَهُ اللهُ.\n- النِّهَايَةُ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ، لِلمُبَارَكِ بْنِ مُحَمَّدِ الجَزَرِيِّ؛ أَبِي السَّعَادَاتِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٦٠٦ هـ)، مُؤَسَّسَةُ التَّارِيخِ العَرَبِيِّ، بِتَحْقِيقِ طَاهِر أَحْمَد الزَّاوِي وَمَحْمُود مُحَمَّد الطَنَاحِيّ.\n- النَّهْرُ الفَائِقُ شَرْحُ كَنْزِ الدَّقَائِقِ، لِلشَّيخِ عُمْرَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الحَنَفِيِّ؛ سِرَاجِ الدِّينِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٠٠٥ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ، بِتَحْقِيقِ أَحْمَد عزّو عِنَايَة.\n- الوَابِلُ الصَّيِّبُ مِنَ الكَلِمِ الطَّيِّبِ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيَّوبَ، ابْنِ قَيِّمِ الجَوزِيَّةِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٥١ هـ)، دَارُ الحَدِيثِ - القَاهِرَة، بِتَحْقِيقِ سَيِّد إِبْرَاهِيم.\n- الوَجِيزُ فِي فِقْهِ السُّنَّةِ وَالكِتَابِ العَزِيزِ، لِلشَّيخِ الفَاضِلِ عَبْدِ العَظِيمِ بْنِ بَدَوِي، (مُعَاصِرٌ)، دَارُ ابْنِ رَجَبٍ.\n- الوُجُوهُ وَالنَّظَائِرُ، لِلحَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَهْلٍ العَسْكَرِيِّ؛ أَبِي الهِلَالِ، (المُتَوَفَّى بَعْدَ سَنَةِ ٣٩٥ هـ)، مَكْتَبَةُ الثَّقَافَةِ الدِّينِيَّةِ - القَاهِرَة، بِتَحْقِيقِ مُحَمَّد عُثْمَان.\n- الوَرَعُ، لِلإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلَ بْنِ هِلَالِ بْنِ أَسَدٍ الشَّيبَانِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ اللهِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٢٤١ هـ)، بِرِوَايَةِ المرَوزَيّ (المُتَوَفّى سَنَةَ ٢٧٥ هـ)، دَارُ الصُّمَيعِي - الرِّيَاض، بِتَحْقِيقِ سَمِير الزُّهَيرِي.","vol":"2","page":646},{"text":"- إِحْيَاءُ عُلُومِ الدِّينِ، لِلشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الغَزَالِيِّ الطُوسِيِّ، أَبِي حَامِدٍ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٥٠٥ هـ)، دَارُ المَعْرِفَةِ - بَيرُوت.\n- إِرْوَاءُ الغَلِيلِ، لِلمُحَدِّثِ الإِمَامِ مُحَمَّدِ نَاصِرِ الدِّينِ الأَلْبَانِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢٠ هـ)، المَكْتَبُ الإِسْلَامِيُّ - بَيرُوت.\n- إِعَانَةُ المُسْتَفِيدِ بِشَرْحِ كِتَابِ التَّوحِيدِ، لِلشَّيخِ العَلَّامَةِ صَالِحِ بْنِ فَوزَان بْنِ عَبْدِ اللهِ الفَوزَان، (مُعَاصِرٌ)، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، نَاشِرُون.\n- إِعْلَامُ المُوَقِّعِينَ عَنْ رَبِّ العَالَمِينَ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيَّوبَ، ابْنِ قَيِّمِ الجَوزِيَّةِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٥١ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ مُحَمَّد عَبْدِ السَّلَام إِبْرَاهِيم.\n- إِعْلَانُ النَّكِيرِ عَلَى المَفْتُونِينَ بِالتَّصْوِيرِ، لِلشَّيخ ِحُمُود التّوِيجري، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤١٣ هـ)، دَارُ الهِجْرَةِ لِلطِّبَاعَةِ وَالنَّشْرِ - الدَّمَّام -.\n- إِغَاثَةُ اللَّهْفَانِ مِنْ مَصَايِدِ الشَّيطَانِ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيَّوبَ، ابْنِ قَيِّمِ الجَوزِيَّةِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٥١ هـ)، مَكْتَبَةُ المَعَارِفِ - المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السّعُودِيَّةُ، بِتَحْقِيقِ مُحَمَّد حَامِدِ الفَقي.\n- إِكْمَالُ المُعْلِمِ، لِلقَاضِي عِيَاضِ بْنِ مُوسَى بْنِ عِيَاضِ اليَحْصُبِيِّ؛ أَبِي الفَضْلِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٥٤٤ هـ)، دَارُ الوَفَاءِ - المَنْصُورَة، بِتَحْقِيقِ يَحْيَى إِسْمَاعِيل.\n- أَحْكَامُ الجَنَائِزِ، لِلمُحَدِّثِ الإِمَامِ مُحَمَّدِ نَاصِرِ الدِّينِ الأَلْبَانِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢٠ هـ)، المَكْتَبُ الإِسْلَامِيُّ.\n- أَحْكَامُ القُرْآنِ لِلشَّافِعِيِّ، لِلإِمَامِ الحَافِظِ أَحْمَدَ بْنِ الحُسَينِ بْنِ عَلِيٍّ الخُرَاسَانِيِّ،","vol":"2","page":647},{"text":"أَبِي بَكْرٍ البَيهَقِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٤٥٨ هـ)، مَكْتَبَةُ الخانجي - القَاهِرَة، بِتَحْقِيقِ مُحَمَّد زَاهِد الكَوثَرِيِّ.\n- أَشْرِطَةُ سِلْسِلَةِ الهُدَى وَالنُّورِ، لِلمُحَدِّثِ الإِمَامِ مُحَمَّد نَاصِرِ الدِّينِ الأَلْبَانِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢٠ هـ)، البَرْنَامِجُ الحَاسُوبِيُّ: أَهْلُ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ.\n- أَشْرِطَةُ شَرْحِ العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ، لِلشَّيخِ العَلَّامَةِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ آلِ الشَّيخِ، (مُعَاصِرٌ)، البَرْنَامِجُ الحَاسُوبِيُّ: أَهْلُ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ.\n- أَشْرِطَةُ شَرْحِ العَقِيدَةِ الوَاسِطِيَّةِ، لِلشَّيخِ العَلَّامَةِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ آلِ الشَّيخِ، (مُعَاصِرٌ)، مَوقِعُ (طَرِيقِ الإِسْلَامِ) عَلَى الشَّبَكَةِ العَنْكَبُوتِيَّةِ.\n- أَشْرِطَةُ شَرْحِ سُنَنِ أَبِي دَاوُد، لِلشَّيخِ الإِمَامِ عَبْدِ المُحْسِنِ العَبَّادِ، (مُعَاصِرٌ)، البَرْنَامِجُ الحَاسُوبِيُّ: أَهْلُ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ.\n- أَشْرِطَةُ شَرْحِ صَحِيحِ البُخَارِيِّ، لِلشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثِيمِين، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢١ هـ)، البَرْنَامِجُ الحَاسُوبِيُّ: أَهْلُ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ.\n- أَشْرِطَةُ شَرْحِ كِتَابِ (فَتْحُ المَجِيدِ)، لِلشَّيخِ العَلَّامَةِ عَبْدِ اللهِ الغُنَيمَان، (مُعَاصِرٌ)، مَوقِعُ (طَرِيقِ الإِسْلَامِ) عَلَى الشَّبَكَةِ العَنْكَبُوتِيَّةِ.\n- أَشْرِطَةُ شَرْحِ كِتَابِ (قُرَّةُ عُيُونِ المُوَحِّدِينَ)، لِلشَّيخِ العَلَّامَةِ صَالِحِ الفَوزَان، (مُعَاصِرٌ)، البَرْنَامِجُ الحَاسُوبِيُّ: أَهْلُ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ.\n- أَشْرِطَةُ فَتَاوَى (نُورُ عَلَى الدَّرْبِ)، لِلشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثِيمِين، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢١ هـ)، البَرْنَامِجُ الحَاسُوبِيُّ: أَهْلُ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ.\n- أَضْوَاءُ البَيَانِ فِي إِيضَاحِ القُرْآنِ بِالقُرْآنِ، لِلإِمَامِ مُحَمَّد الأَمِين بْنِ مُحَمَّد المُخْتَارِ الشَّنْقِيطِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٣٩٣ هـ)، دَارُ الفِكْرِ لِلطِّبَاعَةِ وَالنَّشْرِ وَالتَّوزِيعِ - بَيرُوت.","vol":"2","page":648},{"text":"- آدَابُ الزَّفَافِ فِي السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ، لِلمُحَدِّثِ الإِمَامِ مُحَمَّد نَاصِرِ الدِّينِ الأَلْبَانِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢٠ هـ)، دَارُ السَّلَامِ.\n- بَدَائِعُ الفَوَائِدِ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيَّوبَ، ابْنِ قَيِّمِ الجَوزِيَّةِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٥١ هـ)، دَارُ عَالَمِ الفَوَائِدِ، بِتَحْقِيقِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّد العِمْرَانَ.\n- بُلُوغُ المَرَامِ مِنْ أَدِلَّةِ الأَحْكَامِ، لِلإِمَامِ الحَافِظِ أَحْمَدِ بْنِ عَلِيّ بْنِ حَجَرٍ؛ أَبِي الفَضْلِ العَسْقَلَانِيِّ الشَّافِعِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٨٥٢ هـ)، دَارُ الفَلَقِ - الرِّيَاض، بِتَحْقِيقِ سَمِيرِ بْنِ أَمِين الزهري.\n- تَاجُ العَرُوسِ مِنْ جَوَاهِرِ القَامُوسِ، لِلسَّيِّدِ مُحَمَّد مُرْتَضَى الحُسَينِي الزُّبَيدِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٢٠٥ هـ)، مَطْبَعَةُ حُكُومَةِ الكُوَيتِ، بِتَحْقِيقِ عَبْدِ السّتَّارِ أَحْمَد فَراج.\n- تَارِيخُ الإِسْلَامِ وَوَفِيَّاتُ المَشَاهِيرِ وَالأَعْلَامِ، لِلحَافِظِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ قَايمازَ الذَّهَبِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ اللهِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٤٨ هـ)، دَارُ الكِتَابِ العَرَبِيِّ، بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ عُمَر عَبْدِ السَّلَامِ التَّدْمُرِيِّ.\n- تَارِيخُ دِمَشْقَ، لِلحَافِظِ عَلِيِّ بْنِ الحَسَنِ بْنِ هِبَةِ اللهِ؛ المَعْرُوفِ بِابْنِ عَسَاكِر؛ أَبِي القَاسِمِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٥٧١ هـ)، دَارُ الفِكْرِ، بتحقيق عَمْرو بْنِ غرامة العمروي.\n- تَأْسِيسُ التَّقْدِيسِ فِي كَشْفِ تَلْبِيسِ دَاوُد بْنِ جَرْجِيس، لِلشَّيخِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ؛ المُلَقَّبِ بِـ (أبا بطين)، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٢٨٢ هـ)، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، بِتَحْقِيقِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ بَرْجَس العَبْدِ الكَرِيمِ.\n- تَحْذِيرُ السَّاجِدِ مِنِ اتِّخَاذِ القُبُورِ مَسَاجِدَ، لِلمُحَدِّثِ الإِمَامِ مُحَمَّدِ نَاصِرِ الدِّينِ الأَلْبَانِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢٠ هـ)، المَكْتَبُ الإِسْلَامِيُّ - بَيرُوت.\n- تَخْرِيجُ العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ (الطَّبْعَةُ الثَّانِيَةُ)، لِلمُحَدِّثِ الإِمَامِ مُحَمَّد نَاصِرِ الدِّينِ","vol":"2","page":649},{"text":"الأَلْبَانِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢٠ هـ)، المَكْتَبُ الإِسْلَامِيُّ - بَيرُوت.\n- تَخْرِيجُ أَحَادِيثَ وَآثَارِ كِتَابِ فِي ظِلَالِ القُرْآنِ، لِلشَّيخِ عَلَوِي بْنِ عَبْدِ القَادِرِ السَّقَّافِ، (مُعَاصِرٌ)، دَارُ الهِجْرَةِ لِلنَّشْرِ وَالتَّوزِيعِ.\n- تَخْرِيجُ أَحَادِيثِ فَضَائِلِ الشَّامِ وَدِمَشْقَ لِلرَّبَعِيِّ، لِلمُحَدِّثِ الإِمَامِ مُحَمَّد نَاصِرِ الدِّينِ الأَلْبَانِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢٠ هـ)، مَكْتَبَةُ المَعَارِفِ لِلنَّشْرِ وَالتَّوزِيعِ، الرِّيَاض.\n- تَذْكِرَةُ الحُفَّاظِ، لِلحَافِظِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ قَايمازَ الذَّهَبِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ اللهِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٤٨ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ - بَيرُوت.\n- تَعْرِيفُ أَهْلِ التَّقْدِيسِ بِمَرَاتِبِ المَوصُوفِينَ بِالتَّدْلِيسِ، لِلإِمَامِ الحَافِظِ أَحْمَدِ بْنِ عَلِيّ بْنِ حَجَرٍ؛ أَبِي الفَضْلِ العَسْقَلَانِيِّ الشَّافِعِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٨٥٢ هـ)، مَكْتَبَةُ المَنَارِ - عَمَّان، بِتَحْقِيقِ عَاصِم القَرْيُوتِي.\n- تَغْلِيقُ التَّعْلِيقِ عَلَى صَحِيحِ البُخَارِيِّ، لِلإِمَامِ الحَافِظِ أَحْمَدِ بْنِ عَلِيّ بْنِ حَجَرٍ؛ أَبِي الفَضْلِ العَسْقَلَانِيِّ الشَّافِعِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٨٥٢ هـ)، دَارُ عَمَّار - عَمَّان، بِتَحْقِيقِ سَعِيدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُوسَى القزقي.\n- تَفْسِيرُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ، لِلإِمَامِ الحَافِظِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حَاتِم ٍالرَّازِي؛ أَبِي مُحَمَّد، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣٢٧ هـ)، المَكْتَبَةُ العَصْرِيَّةُ، صيدَا - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ أَسْعَد مُحَمَّد الطَّيِّبْ.\n- تَفْسِيرُ ابْنِ بَادِيس، لِلعَلَّامَةِ عَبْدِ الحَمِيدِ؛ مُحَمَّدِ بْنِ بَادِيس الصَّنْهَاجِيّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٣٥٩ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ - بَيرُوت، عَلَّقَ عَلَيهِ وَخَرَّجَ آيَاتِهِ وَأَحَادِيثِهِ أَحْمَدُ شَمْسُ الدِّينِ.","vol":"2","page":650},{"text":"- تَفْسِيرُ البَحْرِ المُحِيطِ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُف؛ أَبِي حَيَّان الأَنْدَلُسِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٤٥ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ - لُبْنَان، بِتَحْقِيقِ مَجْمُوعَةٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ.\n- تَفْسِيرُ البَيضَاوِيِّ، لِلقَاضِي عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدَ الشِّيرَازِيِّ؛ نَاصِرِ الدِّينِ البَيضَاوِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٦٨٥ هـ)، دَارُ الفِكْرِ، بَيرُوت.\n- تَفْسِيرُ الجَلَالَين، لِلإِمَامَين جَلَالِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ المَحَلِّي (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٨٦٤ هـ)، وَجَلالَ الدِّينِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيِّ (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٩١١ هـ)، دَارُ الحَدِيثِ - القَاهِرَة.\n- تَفْسِيرُ الفَاتِحَةِ وَالبَقَرَةِ، لِلشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثِيمِين، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢١ هـ)، دَارُ ابْنِ الجُوزِيِّ لِلنَّشْرِ وَالتَّوزِيعِ، المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ.\n- تَفْسِيرُ القُرْآنِ العَظِيمِ، لِلحَافِظِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيِّ الدِّمَشْقِيِّ؛ أَبِي الفِدَاءِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٧٤ هـ)، دَارُ طيبَة، بِتَحْقِيقِ سَامِي مُحَمَّد سَلَامَة.\n- تَفْسِيرُ النَّسَفِيِّ (مَدَارِكُ التَّنْزِيلِ وَحَقَائِقُ التَّأْوِيلِ)، لِلشَّيخِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَحْمَدَ النَّسَفِيِّ؛ أَبِي البَرَكَاتِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧١٠ هـ)، دَارُ الكَلِمِ الطَّيِّبِ، بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ يُوسُف عَلِي بديوي.\n- تَفْسِيرُ سُورَةِ الزُّمَر، لِلشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثِيمِين، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢١ هـ)، مُؤَسَّسَةُ الشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثَيمِين الخَيرِيَّةِ، المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ.\n- تَفْسِيرُ سُورَةِ الكَهْفِ، لِلشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثِيمِين، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢١ هـ)، دَارُ ابْنِ الجُوزِيِّ لِلنَّشْرِ وَالتَّوزِيعِ، المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ.\n- تَفْسِيرُ سُورَةِ فَاطِر، لِلشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثِيمِين، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢١ هـ)، مُؤَسَّسَةُ الشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثَيمِين الخَيرِيَّةِ، المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ.","vol":"2","page":651},{"text":"- تَفْسِيرُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، لِلحَافِظِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ هَمَّام الصَّنْعَانِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٢١١ هـ)، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاض، بِتَحْقِيقِ مُصْطَفَى مُسْلِم مُحَمَّد.\n- تَقْرِيبُ التَّهْذِيبِ، لِلإِمَامِ الحَافِظِ أَحْمَدِ بْنِ عَلِيّ بْنِ حَجَرٍ؛ أَبِي الفَضْلِ العَسْقَلَانِيِّ الشَّافِعِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٨٥٢ هـ)، دَارُ الرَّشِيدِ - سُورِيَّا، بِتَحْقِيقِ مُحَمَّد عَوَّامَة.\n- تَلْخِيصُ كِتَابِ الاسْتِغَاثَةِ، لِشَيخِ الإِسْلَامِ؛ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الحَلِيمِ بْنِ تَيمِيَّةَ الحَرَّانِيِّ؛ أَبِي العَبَّاسِ؛ تَقِي الدِّينِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٢٨ هـ)، مَكْتَبَةُ الغُرَبَاءِ الأَثَرِيَّةِ، بِتَحْقِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيّ عَجَّال.\n- تَلْخِيصُ كِتَابِ المَوضُوعَاتِ لِابْنِ الجَوزِيِّ، لِلحَافِظِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ قَايمازَ الذَّهَبِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ اللهِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٤٨ هـ)، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاض، بِتَحْقِيقِ يَاسِر بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّد.\n- تَمَامُ المِنَّةِ فِي التَّعْلِيقِ عَلَى فِقْهِ السُّنَّةِ، لِلمُحَدِّثِ الإِمَامِ مُحَمَّدِ نَاصِرِ الدِّينِ الأَلْبَانِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢٠ هـ)، دَارُ الرَّايَةِ، الرِّيَاض.\n- تَنْبِيهَاتٌ علَى كُتُبِ تَخْرِيجِ كِتَابِ التَّوحِيدِ، لِمُؤَلِّفِهِ نَاصِرِ بْنِ حَمَدٍ الفَهَد، (مُعَاصِرٌ)، دَارُ البَرَاءِ لِلنَّشْرِ وَالتَّوزِيعِ - الرِّيَاض.\n- تَهْذِيبُ الآثَارِ، لِلإمَامِ المُفَسِّرِ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرِ الآمِلِي الطَّبَرِيِّ؛ أَبِي جَعْفَر، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣١٠ هـ)، مَطْبَعَةُ المَدَنِيّ - القَاهِرَة، بِتَحْقِيقِ مَحْمُود مُحَمَّد شَاكِر.\n- تَهْذِيبُ الأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ، لِلإِمَامِ يَحْيَى بْنِ شَرَفِ بْنِ مَرِيِّ النَّوَوِيِّ؛ أَبِي زَكَرِيَّا، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٦٧٦ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ، بَيرُوت.\n- تَهْذِيبُ اللُّغَةِ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَد بْنِ الأَزْهَرِ الأَزْهَرِيِّ الهَرَوِيِّ؛ أَبِي","vol":"2","page":652},{"text":"مَنْصُورٍ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣٧٠ هـ)، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ العَرَبِيِّ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ مُحَمَّد عَوَض مُرْعِب.\n- تَوضِيحُ الأَفْكَارِ لِمَعَانِي تَنْقِيحِ الأَنْظَارِ، لِلإِمَامِ الفَقِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الصَّنْعَانِيِّ؛ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١١٨٢ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ صَلَاحِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُوَيضَة.\n- تَيسِيرُ العَزِيزِ الحَمِيدِ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوحِيدِ، لِلشَّيخِ سُلَيمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٢٣٣ هـ)، المَكْتَبُ الإِسْلَامِيُّ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ زُهَير الشَّاوِيش.\n- تَيسِيرُ الكَرِيمِ الرَّحْمَنِ فِي تَفْسِيرِ كَلَامِ المَنَّانِ - المُسَمَّى بِتَفْسِيرِ السَّعْدِيِّ -، لِلشَّيخِ العَلَّامَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَاصِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ السَّعْدِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٣٧٦ هـ)، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، بِتَحْقِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ معَلَّا اللَّويحق.\n- تُحْفَةُ الأَحْوَذِيِّ شَرْحُ سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ، لِلإِمَامِ الفَقِيهِ مُحَمَّد عَبْدِ الرَّحْمَن بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ المُبَارَكْفُورِي؛ أَبِي العِلَا، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٣٥٣ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ - بَيرُوت.\n- تُحْفَةُ المَودُودِ بِأَحْكَامِ المَولُودِ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيَّوبَ، ابْنِ قَيِّمِ الجَوزِيَّةِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٥١ هـ)، مَكْتَبَةُ دَارِ البَيَانِ - دِمَشْق، بِتَحْقِيقِ الشَّيخِ عَبْدِ القَادِرِ الأَرْنَاؤُوطِ.\n- تُحْفَةُ المُحْتَاجِ فِي شَرْحِ المِنْهَاجِ، لِلإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّد بْنِ حَجَرٍ الهَيتَمِيِّ؛ أَبِي العَبَّاسِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٩٧٤ هـ)، المَكْتَبَةُ التِّجَارِيَّةُ الكُبْرَى - مِصْر.\n- جَامِعُ الأَحَادِيثِ، لِلحَافِظِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْر؛ جَلَالِ الدِّينِ السُّيُوطِيِّ،","vol":"2","page":653},{"text":" (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٩١١ هـ)، دَارُ الفِكْرِ - بَيرُوت، جَمْعُ وَتَرْتِيبُ عَبَّاس أَحْمَد صَقر، وَأَحْمَد عَبْدِ الجَوَّادِ.\n- جَامِعُ البَيَانِ فِي تَأْوِيلِ القُرْآنِ، لِلإمَامِ المُفَسِّرِ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرِ الآمِلِي الطَّبَرِيِّ؛ أَبِي جَعْفَر، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣١٠ هـ)، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، بِتَحْقِيقِ المُحَدِّثِ أَحْمَد شَاكِر.\n- جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ فِي شَرْحِ خَمْسِينَ حَدِيثًا مِنْ جَوَامِعِ الكَلِمِ، لِلإِمَامِ الحَافِظِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ رَجَبٍ البَغْدَادِيِّ الحَنْبَلِيِّ (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٩٥ هـ)، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ شُعَيبِ الأَرْنَؤُوطِ - إِبْرَاهِيم باجس.\n- جَامِعُ بَيَانِ العِلْمِ وَفَضْلِهِ، لِلإِمَامِ الحَافِظِ يُوسُف بنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ البَرِّ؛ القُرْطُبِيِّ؛ أَبِي عُمَرَ، المَالِكِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٤٦٣ هـ)، دَارُ ابْنِ الجَوزِيِّ - المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السّعُودِيَّةُ، بِتَحْقِيقِ أَبِي الأَشْبَالِ الزّهيري.\n- جَمْهَرَةُ اللُّغَةِ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ بْنِ دُرَيدٍ الأَزْدِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣٢١ هـ)، دَارُ العِلْمِ لِلمَلَايِين - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ رَمْزِي مُنِير بَعَلْبَكِي.\n- حَادِي الأَرْوَاحِ إِلَى بِلَادِ الأَفْرَاحِ،، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيَّوبَ، ابْنِ قَيِّمِ الجَوزِيَّةِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٥١ هـ)، مَطْبَعَةُ المَدَنِيِّ، القَاهِرَة.\n- حَاشِيَةُ السِّنْدِيِّ عَلَى سُنَنِ النَّسَائِيِّ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الهَادِي التتوي السِّنْدِيِّ؛ أبِي الحَسَنِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١١٣٨ هـ)، مَكْتَبُ المَطْبُوعَاتِ الإِسْلَامِيَّةِ - حَلَب.\n- حُسْنُ الأُسْوَةِ بِمَا ثَبَتَ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ فِي النِّسْوَةِ، لِلإِمَامِ مُحَمَّد صِدِّيق خَان؛ البُخَارِيِّ القَنُّوجِيِّ؛ أَبِي الطَّيِّب، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٣٠٧ هـ)، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ مُصْطَفَى الخِنِّ، وَمُحْي الدِّين مِسْتُو.\n- حِلْيَةُ الأَولِيَاءِ، لِلإِمَامِ الحَافِظِ أَبِي نُعَيمٍ؛ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَحْمَدَ الأَصْبَهَانِيِّ،","vol":"2","page":654},{"text":" (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٤٣٠ هـ)، دَارُ السَّعَادَةِ - مِصْر.\n- خَلْقُ أَفْعَالِ العِبَادِ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الجعْفِيِّ البُخَارِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ اللهِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٢٥٦ هـ)، دَارُ المَعَارِفِ - الرِّيَاض، بِتَحْقِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَن عَمِيرَة.\n- دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ، لِلإِمَامِ الحَافِظِ أَحْمَدَ بْنِ الحُسَينِ بْنِ عَلِيٍّ الخُرَاسَانِيِّ، أَبِي بَكْرٍ البَيهَقِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٤٥٨ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ عَبْدِ المُعْطِي قَلْعَجِي.\n- دِيوَانُ ابْنِ الرُّومِيِّ، لِعَلِيِّ بْنِ العَبَّاسِ بْنِ جُرَيجٍ، أَبِي الحَسَنِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣٨٣ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ - بَيرُوت، بِشَرْحِ أَحْمَد حَسَن بَسَج.\n- ذَيلُ طَبَقَاتِ الحَنَابِلَةِ، لِلإِمَامِ الحَافِظِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ رَجَبٍ البَغْدَادِيِّ الحَنْبَلِيِّ (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٩٥ هـ)، مَكْتَبُ العُبَيكَان - الرِّيَاض، بِتَحْقِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَن بْنِ سُلَيمَان العُثَيمِين.\n- رَدُّ المُحْتَارِ عَلَى الدُّرِّ المُخْتَارِ، لِمُؤَلِّفِهِ مُحَمَّد أَمِين بْنِ عُمَرَ عَابْدِين الدِّمَشْقِيِّ الحَنَفِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٢٥٢ هـ)، دَارُ الفِكْرِ- بَيرُوت.\n- رَوضَةُ الطَّالِبِينَ وَعُمْدَةُ المُفْتِينَ، لِلإِمَامِ يَحْيَى بْنِ شَرَفِ بْنِ مَرِيِّ النَّوَوِيِّ؛ أَبِي زَكَرِيَّا، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٦٧٦ هـ)، دَارُ عَالَمِ الكُتُبِ - المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ، بِتَحْقِيقِ عَادِل عَبْدِ المَوجُود، وَعَلِي معَوَّض.\n- رَوضَةُ المُحِبِّينَ وَنُزْهَةُ المُشْتَاقِينَ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيَّوبَ، ابْنِ قَيِّمِ الجَوزِيَّةِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٥١ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ - بَيرُوت.\n- رُوحُ المَعَانِي، لِلشَّيخِ مَحْمُودِ بِنِ عَبْدِ اللهِ؛ شهاب الدِّين؛ الآلُوسِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٢٧٠ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ عَلِي عَبْدِ البَارِي عَطِيَّة.","vol":"2","page":655},{"text":"- رِسَالَةُ السِّجْزِيِّ إِلَى أَهْلِ زبيد فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ الحَرْفَ وَالصَّوتَ، لِلإِمَامِ عُبَيدِ اللهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَاتِمٍ السِّجْزِيِّ البَكْرِيِّ؛ أَبِي نَصْرٍ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٤٤٤ هـ)، عَمَادَةُ البَحْثِ العِلْمِيِّ بِالجَامِعَةِ الإِسْلَامِيَّةِ، المَدِينَةُ المُنَوَّرَةُ، بِتَحْقِيقِ مُحَمَّد بَا كَرِيم بَا عَبْدِ اللهِ.\n- رِيَاضُ الصَّالِحِينَ، لِلإِمَامِ يَحْيَى بْنِ شَرَفِ بْنِ مَرِيِّ النَّوَوِيِّ؛ أَبِي زَكَرِيَّا، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٦٧٦ هـ)، المَكْتَبُ الإِسْلَامِيُّ، بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ الشَّيخِ مُحَمَّد نَاصِرِ الدِّينِ الأَلْبَانِيِّ ﵀.\n- زَادُ المَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ، لِلإِمَامِ عَبْدِ الرَّحْمَن بْنِ عَلِيّ بْنِ مُحَمَّدِ الجَوزِيِّ؛ أَبِي الفَرَجِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٥٧٩ هـ)، دَارُ الكِتَابِ العَرَبِيِّ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مَهْدِي.\n- زَادُ المَعَادِ فِي هَدْي خَيرِ العِبَادِ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيَّوبَ، ابْنِ قَيِّمِ الجَوزِيَّةِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٥١ هـ)، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ - بَيرُوت.\n- سُبُلُ السَّلَامِ، لِلإِمَامِ الفَقِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الصَّنْعَانِيِّ؛ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١١٨٢ هـ)، دَارُ الحَدِيثِ.\n- سُنَنُ الدَّارَقُطْنِيِّ، لِلحَافِظِ عَلِيِّ بْنِ عُمَرَ؛ أَبِي الحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣٨٥ هـ)، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ الشَّيخِ شُعَيبٍ الأَرْنَؤُوط وَغَيرِهِ.\n- سُنُنُ ابْنِ مَاجَه، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدٍ القُزْوِينِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ اللهِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٢٧٣ هـ)، دَارُ إِحْيَاءِ الكُتُبِ العَرَبِيَّةِ، بِتَحْقِيقِ مُحَمَّد فُؤَاد عَبْدِ البَاقِي.\n- سُنُنُ التِّرْمِذِيِّ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ سَورةَ التِّرْمِذِيِّ؛ أَبِي عِيسَى، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٢٧٩ هـ)، دَارُ الغَرْبِ الإِسْلَامِيِّ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ بَشَّار عَوَّاد مَعْرُوف.\n- سُنُنُ النَّسَائِيِّ (المُجْتَبَى)، لِلإِمَامِ أَحْمَدِ بْنِ شُعَيبِ بْنِ عَلِيٍّ الخُرَاسَانِيِّ النَّسَائِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣٠٣ هـ)، مَكْتَبُ المَطْبُوعَاتِ الإِسْلَامِيَّةِ - حَلَب،","vol":"2","page":656},{"text":"بِتَحْقِيقِ عَبْدِ الفَتَّاحِ أَبِي غُدَّة.\n- سُنُنُ النَّسَائِيِّ الكُبْرَى، لِلإِمَامِ أَحْمَدِ بْنِ شُعَيبِ بْنِ عَلِيٍّ الخُرَاسَانِيِّ النَّسَائِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣٠٣ هـ)، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ - بَيرُوت، حَسَن عَبْدُ المُنْعِمِ شَلَبِي.\n- سُنُنُ أَبِي دَاوُد، لِلإِمَامِ سُلَيمَانَ بْنِ الأَشْعَثِ الأَزْدِيِّ السَّجِسْتَانِيِّ؛ أَبِي دَاوُد، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٢٧٥ هـ)، المَكْتَبَةُ العَصْرِيَّةُ، صيدَا - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ مُحَمَّدِ مُحْيي الدِّينِ عَبْدِ الحَمِيدِ.\n- سِلْسِلَةُ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَشَيءٌ مِنْ فِقْهِهَا وَفَوَائِدِهَا، لِلمُحَدِّثِ الإِمَامِ مُحَمَّد نَاصِرِ الدِّينِ الأَلْبَانِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢٠ هـ)، مَكْتَبَةُ المَعَارِفِ لِلنَّشْرِ وَالتَّوزِيعِ، الرِّيَاض.\n- سِلْسِلَةُ الأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ، لِلمُحَدِّثِ الإِمَامِ مُحَمَّدِ نَاصِرِ الدِّينِ الأَلْبَانِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢٠ هـ)، مَكْتَبَةُ المَعَارِفِ لِلنَّشْرِ وَالتَّوزِيعِ، الرِّيَاض.\n- سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ، لِلحَافِظِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ قَايمازَ الذَّهَبِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ اللهِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٤٨ هـ)، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، بِتَحْقِيقِ مَجْمُوعَةٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ.\n- سِيرَةُ ابْنِ إِسْحَاقَ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَار، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٥١ هـ)، دَارُ الفِكْرِ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ سُهِيل زَكَّار.\n- شَذَرَاتٌ مِنْ كُتُبٍ مَفْقُودَةٍ فِي التَّارِيخِ، اسْتَخْرَجَهَا وَحَقَّقَهَا الدُّكْتُور إِحْسَان عَبَّاس، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢٤ هـ)، دَارُ الغَرْبِ الإِسْلَامِيِّ - بَيرُوت.\n- شَرْحُ الأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ، لِلشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثِيمِين، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢١ هـ)، دَارُ الثُّرَيَّا لِلنَّشْرِ.\n- شَرْحُ الأَرْبَعِينَ حَدِيثًا النَّوَوِيَّةَ، لِلإِمَامِ العَلَّامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ بْنِ دَقِيق العِيد؛ أَبِي","vol":"2","page":657},{"text":"الفَتْحِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٠٢ هـ)، مُؤَسَّسَةُ الرَّيَّانِ، بَيرُوت.\n- شَرْحُ البَاجُورِيِّ عَلَى البُرْدَةِ، لِمُؤَلِّفِهِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ البَاجُورِيِّ الشَّافِعِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٢٧٧ هـ)، طَبْعَةُ دَارِ مَكْتَبَةِ الآدَابِ.\n- شَرْحُ الزَّرْقَانِيِّ عَلَى مُوَطَّإِ الإِمَامِ مَالِك، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ البَاقِي بْنِ يُوسُفَ الزَّرْقَانِيِّ المِصْرِيِّ الأَزْهَرِيِّ، ِ (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١١٢٢ هـ)، مَكْتَبَةُ الثَّقَافَةِ الدِّينِيَّةِ - القَاهِرَة، بِتَحْقِيقِ طَهَ عَبْدِ الرَّؤُوفِ سَعْد.\n- شَرْحُ السُّنَّةِ، لِلإِمَامِ مُحْيِي السُّنَّةِ؛ الحُسَينِ بْنِ مَسْعُودٍ؛ أَبِي مُحَمَّدِ البَغَوِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٥١٦ هـ)، المَكْتَبُ الإِسْلَامِيُّ - دِمَشْق، بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ شُعَيب الأَرْنَؤُوط وَمُحَمَّد زُهَير الشَّاوِيش.\n- شَرْحُ العَقِيدَةِ الأَصْفَهَانِيَّةِ، لِشَيخِ الإِسْلَامِ؛ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الحَلِيمِ بْنِ تَيمِيَّةَ الحَرَّانِيِّ؛ أَبِي العَبَّاسِ؛ تَقِي الدِّينِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٢٨ هـ)، المَكْتَبَةُ العَصْرِيَّةُ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ رِيَاض الأَحْمَد.\n- شَرْحُ العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ، لِلشَّيخِ الفَقِيهِ عَلِيِّ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي العِزِّ الحَنَفِيِّ الدِّمَشْقِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٩٢ هـ)، دَارُ السَّلَامِ- مِصْرَ، بِتَحْقِيقِ المُحَدِّثِ الإِمَامِ مُحَمَّد نَاصِرِ الدِّينِ الأَلْبَانِيِّ.\n- شَرْحُ العَقِيدَةِ الوَاسِطِيَّةِ، لِلشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثِيمِين، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢١ هـ)، دَارُ ابْنِ الجُوزِيِّ لِلنَّشْرِ وَالتَّوزِيعِ، المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ.\n- شَرْحُ أُصُولِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، لِلإِمَامِ هِبَةِ اللهِ بْنِ الحَسَنِ بْنِ مَنْصُورٍ الطَبَرِيِّ الرَّازِيِّ اللَّالكَائِيِّ؛ أَبِي القَاسِمِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٤١٨ هـ)، دَارُ طَيبَة - المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السّعُودِيَّةُ، بِتَحْقِيقِ أَحْمَدَ بْنِ سَعْدِ بْنِ حَمْدَانَ الغَامِدِيِّ.","vol":"2","page":658},{"text":"- شَرْحُ رِيَاضِ الصَّالِحِين، لِلشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثِيمِين، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢١ هـ)، دَارُ الوَطَنِ لِلنَّشْرِ- الرِّيَاض.\n- شَرْحُ صَحِيحِ البُخَارِيِّ، لِلإِمَامِ عَلِيِّ بْنِ خَلَف بْنِ عَبْدِ المَلِكِ؛ أَبِي الحَسَنِ بْنِ بَطَّال، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٤٤٩ هـ)، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السّعُودِيَّةُ، بِتَحْقِيقِ أَبِي تَمِيم؛ يَاسِر بْنِ إِبْرَاهِيم.\n- شَرْحُ صَحِيحِ مُسْلِمٍ، لِلإِمَامِ يَحْيَى بْنِ شَرَفِ بْنِ مَرِيِّ النَّوَوِيِّ؛ أَبِي زَكَرِيَّا، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٦٧٦ هـ)، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ العَرَبِيِّ - بَيرُوت.\n- شَرْحُ كِتَابِ التَّوحِيدِ، لِلعَلَّامَةِ الإِمَامِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَاز، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢٠ هـ)، دَارُ الضِّيَاءِ - طَنْطَا، بِتَحْقِيقِ وَتَخْرِيجِ مُحَمَّدِ العَلَّاوِيِّ.\n- شَرْحُ كِتَابِ التَّوحِيدِ مِنْ صَحِيحِ البُخَارِيِّ، لِلشَّيخِ الفَاضِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ الغُنَيمَانِ حَفِظَهُ اللهُ، مَكْتَبَةُ الدَّارِ، المَدِينَةُ المُنَوَّرَةُ.\n- شَرْحُ مُشْكِلِ الآثَارِ، لِلإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامَةَ الأَزْدِيِّ الحَجْرِيِّ المِصْرِيِّ؛ المَعْرُوفِ بِالطَّحَاوِيِّ؛ أَبِي جَعْفَر، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣٢١ هـ)، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، بِتَحْقِيقِ شُعَيبِ الأَرْنَؤُوطِ.\n- شَرْحُ مَعَانِي الآثَارِ، لِلإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامَةَ الأَزْدِيِّ الحَجْرِيِّ المِصْرِيِّ؛ المَعْرُوفِ بِالطَّحَاوِيِّ؛ أَبِي جَعْفَر، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣٢١ هـ)، عَالَمُ الكُتُبِ، بِاعْتِنَاءِ د. يُوسُف عَبْد الرَّحْمَن المرعشلي.\n- شُعَبُ الإِيمَانِ، لِلإِمَامِ الحَافِظِ أَحْمَدَ بْنِ الحُسَينِ بْنِ عَلِيٍّ الخُرَاسَانِيِّ، أَبِي بَكْرٍ البَيهَقِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٤٥٨ هـ)، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاض، بِتَحْقِيقِ عَبْدِ العَلِيِّ عَبْدِ الحَمِيدِ حَامِد.","vol":"2","page":659},{"text":"- شِفَاءُ العَلِيلِ فِي مَسَائِلِ القَضَاءِ وَالقَدَرِ وَالحِكْمَةِ وَالتَّعْلِيلِ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيَّوبَ، ابْنِ قَيِّمِ الجَوزِيَّةِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٥١ هـ)، دَارُ المَعْرِفَةِ، بَيرُوت.\n- صَحِيحُ ابْنِ حِبَّانَ بِتَرْتِيبِ ابْنِ بَلْبان، لِلحَافِظِ مُحَمَّدِ بْنِ حِبَّانَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حِبَّانَ؛ أَبِي حَاتِمٍ البُسْتِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣٥٤ هـ)، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ الشَّيخِ شُعَيبٍ الأَرْنَؤُوط.\n- صَحِيحُ ابْنِ خُزَيمَةَ، لِلحَافِظِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيمَةِ؛ أَبِي بَكْرٍ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣١١ هـ)، المَكْتَبُ الإِسْلَامِيُّ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ مُحَمَّد مُصْطَفَى الأَعْظَمِيِّ.\n- صَحِيحُ الأَدَبِ المُفْرَدِ، لِلمُحَدِّثِ الإِمَامِ مُحَمَّدِ نَاصِرِ الدِّينِ الأَلْبَانِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢٠ هـ)، دَارُ الصِّدِّيقِ لِلنَّشْرِ وَالتَّوزِيعِ.\n- صَحِيحُ البُخَارِيِّ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الجعْفِيِّ البُخَارِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ اللهِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٢٥٦ هـ)، دَارُ طَوقِ النَّجَاةِ (مُصَوَّرَةٌ عَنْ السُّلْطَانِيَّةِ بِإِضَافَةِ تَرْقِيمِ مُحَمَّد فُؤَاد عَبْدِ البَاقِي)، بِتَحْقِيقِ مُحَمَّد زُهَير بْنِ نَاصِر النَّاصِر.\n- صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، لِلمُحَدِّثِ الإِمَامِ مُحَمَّدِ نَاصِرِ الدِّينِ الأَلْبَانِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢٠ هـ)، مَكْتَبَةُ المَعَارِفِ لِلنَّشْرِ وَالتَّوزِيعِ، الرِّيَاض.\n- صَحِيحُ الجَامِعِ الصَّغِيرِ وَزِيَادَاتِهِ، لِلمُحَدِّثِ الإِمَامِ مُحَمَّد نَاصِرِ الدِّينِ الأَلْبَانِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢٠ هـ)، المَكْتَبُ الإِسْلَامِيُّ.\n- صَحِيحُ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، لِلمُحَدِّثِ الإِمَامِ مُحَمَّد نَاصِرِ الدِّينِ الأَلْبَانِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢٠ هـ)، المَكْتَبَةُ الإِسْلَامِيَّةُ - عَمَّان.\n- صَحِيحُ سُنَنِ ابْنِ مَاجَه، لِلمُحَدِّثِ الإِمَامِ مُحَمَّد نَاصِرِ الدِّينِ الأَلْبَانِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢٠ هـ)، مَكْتَبَةُ المَعَارِفِ لِلنَّشْرِ وَالتَّوزِيعِ، الرِّيَاض.","vol":"2","page":660},{"text":"- صَحِيحُ سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ، لِلمُحَدِّثِ الإِمَامِ مُحَمَّد نَاصِرِ الدِّينِ الأَلْبَانِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢٠ هـ)، مَكْتَبَةُ المَعَارِفِ لِلنَّشْرِ وَالتَّوزِيعِ، الرِّيَاض.\n- صَحِيحُ سُنَنِ النَّسَائِيِّ، لِلمُحَدِّثِ الإِمَامِ مُحَمَّد نَاصِرِ الدِّينِ الأَلْبَانِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢٠ هـ)، مَكْتَبَةُ المَعَارِفِ لِلنَّشْرِ وَالتَّوزِيعِ، الرِّيَاض.\n- صَحِيحُ سُنَنِ أَبِي دَاوُد، لِلمُحَدِّثِ الإِمَامِ مُحَمَّد نَاصِرِ الدِّينِ الأَلْبَانِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢٠ هـ)، مَكْتَبَةُ المَعَارِفِ لِلنَّشْرِ وَالتَّوزِيعِ، الرِّيَاض.\n- صَحِيحُ مُسْلِمٍ، لِلإِمَامِ مُسْلِمِ بْنِ الحَجَّاجِ القُشَيرِيِّ النَّيسَابُورِيِّ؛ أَبِي الحَسَنِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٢٦١ هـ)، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ العَرَبِيِّ، بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ مُحَمَّد فُؤَاد عَبْدِ البَاقِي.\n- صِفَاتُ اللهِ ﷿ الوَارِدَةُ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، لِلشَّيخِ عَلَوِي بْنِ عَبْدِ القَادِرِ السَّقَّافِ، (مُعَاصِرٌ)، دَارُ الهِجْرَةِ لِلنَّشْرِ وَالتَّوزِيعِ.\n- صِفَةُ الجَنَّةِ، لِلإِمَامِ الحَافِظِ أَبِي نُعَيمٍ؛ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَحْمَدَ الأَصْبَهَانِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٤٣٠ هـ)، دَارُ المَأْمُونِ لِلتُّرَاثِ - دِمَشْق، بِتَحْقِيقِ عَلِي رِضَا عَبْد اللهِ.\n- صِيَانَةُ مَجْمُوعِ الفَتَاوَى مِنَ السَّقْطِ وَالتَّصْحِيفِ، لِلشَّيخِ نَاصِرِ بْنِ حَمَدٍ الفَهْدِ حَفِظَهُ اللهُ، مَكْتَبَةُ أَضْوَاءِ السَّلَفِ - الرِّيَاض.\n- صَيدُ الخَاطِرِ، لِلإِمَامِ عَبْدِ الرَّحْمَن بْنِ عَلِيّ بْنِ مُحَمَّدِ الجَوزِيِّ؛ أَبِي الفَرَجِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٥٧٩ هـ)، دَارُ القَلَم - دِمَشْق، بِعِنَايَةِ حَسَن السَمَاحِي سُوَيدَان.\n- ضَعِيفُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، لِلمُحَدِّثِ الإِمَامِ مُحَمَّدِ نَاصِرِ الدِّينِ الأَلْبَانِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢٠ هـ)، مَكْتَبَةُ المَعَارِفِ لِلنَّشْرِ وَالتَّوزِيعِ، الرِّيَاض.\n- ضَعِيفُ سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ، لِلمُحَدِّثِ الإِمَامِ مُحَمَّد نَاصِرِ الدِّينِ الأَلْبَانِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢٠ هـ)، مَكْتَبَةُ المَعَارِفِ لِلنَّشْرِ وَالتَّوزِيعِ، الرِّيَاض.","vol":"2","page":661},{"text":"- ضَعِيفُ سُنَنِ أَبِي دَاوُد، لِلمُحَدِّثِ الإِمَامِ مُحَمَّد نَاصِرِ الدِّينِ الأَلْبَانِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢٠ هـ)، مَكْتَبَةُ المَعَارِفِ لِلنَّشْرِ وَالتَّوزِيعِ، الرِّيَاض.\n- طَبَقَاتُ الحُفَّاظِ، لِلحَافِظِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْر؛ جَلَالِ الدِّينِ السُّيُوطِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٩١١ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ - بَيرُوت.\n- طَبَقَاتُ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ، لِلحَافِظِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيِّ الدِّمَشْقِيِّ؛ أَبِي الفِدَاءِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٧٤ هـ)، مَكْتَبَةُ الثَّقَافَةِ الدِّينِيَّةِ - بُورسَعِيد، بِتَحْقِيقِ أَحْمَد عَمْرو هَاشِم، وَمُحَمَّد زِينهُم مُحَمَّد عزب.\n- طَرْحُ التَّثْرِيبِ فِي شَرْحِ التَّقْرِيبِ، لِلحَافِظِ زَينِ الدِّينِ؛ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ الحُسَينِ العِرَاقِيِّ؛ أَبِي الفَضْلِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٨٠٦ هـ)، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ العَرَبِيِّ.\n- عَقِيدَةُ السَّلَفِ وَأَصْحَابِ الحَدِيثِ، لِشَيخِ الإِسْلَامِ إِسْمَاعِيل بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن الصَّابُونِيِّ النَّيسَابُورِيِّ؛ أَبِي عُثْمَان، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٤٤٩ هـ)، دَارُ العَاصِمَةِ - الرِّيَاض، بِتَحْقِيقِ نَاصِر الجْديع.\n- عَمَلُ اليَومُ وَاللَّيلَةِ، لِلحَافِظِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الدّينَوَريِّ؛ المَعْرُوفِ بِـ (ابْنِ السُّنِّيِّ)، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣٦٤ هـ)، دَارُ القِبْلَةِ لِلثَّقَافَةِ الإِسْلَامِيَّةِ وَمُؤَسَّسَةُ عُلُومِ القُرْآنِ - جِدَّة، بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ كَوثَر البرني.\n- عَونُ المَعْبُودِ شَرْحُ سُنَنِ أَبِي دَاوُد، لِلإِمَامِ الفَقِيهِ مُحَمَّدِ أَشْرَف بْنِ أَمِيرٍ؛ شَمْسِ الحَقِّ العَظِيمِ آبَادِي؛ أَبِي الطَّيِّبِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٣٢٩ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ - بَيرُوت.\n- عُمْدَةُ القَارِي شَرْحُ صَحِيحِ البُخَارِيِّ، لِلإِمَامِ المُحَدِّثِ مَحْمُودِ بْنِ أَحْمَدَ؛ بَدْرِ الدِّينِ العَينِيِّ الحَنَفِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٨٥٥ هـ)، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ العَرَبِيِّ - بَيرُوت.\n- عِلْمُ الغَيبِ فِي الشَّرِيعَةِ الإِسْلَامِيَّةِ، لِلشَّيخِ أَحْمَدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الغُنَيمَانِ،","vol":"2","page":662},{"text":" (مُعَاصِرٌ)، مَكْتَبَةُ العُلُومِ وَالحِكَمِ - المَدِينَةُ المُنَوَّرَةُ.\n- غَايَةُ المَرَامِ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الحَلَالِ وَالحَرَامِ، لِلمُحَدِّثِ الإِمَامِ مُحَمَّد نَاصِرِ الدِّينِ الأَلْبَانِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢٠ هـ)، المَكْتَبُ الإِسْلَامِيُّ - بَيرُوت.\n- فَتَاوَى وَرَسَائِلُ سَمَاحَةِ الشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّطِيفِ آلِ الشَّيخِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٣٨٩ هـ)، مَطْبَعَةُ الحُكُومَةِ بِمَكَّةَ المُكَرَّمَةَ، بِاعْتِنَاءِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن بْنِ قَاسِم.\n- فَتْحُ البَارِي شَرْحُ صَحِيحِ البُخَارِيِّ، لِلإِمَامِ الحَافِظِ أَحْمَدِ بْنِ عَلِيّ بْنِ حَجَرٍ؛ أَبِي الفَضْلِ العَسْقَلَانِيِّ الشَّافِعِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٨٥٢ هـ)، دَارُ المَعْرِفَةِ - بَيرُوت.\n- فَتْحُ البَارِي شَرْحُ صَحِيحِ البُخَارِيِّ، لِلإِمَامِ الحَافِظِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ رَجَبٍ البَغْدَادِيِّ الحَنْبَلِيِّ (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٩٥ هـ)، مَكْتَبُ تَحْقِيقِ دَارِ الحَرَمَينِ - القَاهِرَةُ، مَجْمُوعَةٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ.\n- فَتْحُ المَجِيدِ شَرْحُ كِتَابِ التَّوحِيدِ، لِلشَّيخِ العَلَّامَةِ عَبْدِ الرَّحْمَن بْنِ حَسَن آلِ الشَّيخِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٢٨٥ هـ)، مَطْبَعَةُ السُّنَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ، القَاهِرَة، بِتَحْقِيقِ مُحَمَّد حَامِدِ الفَقي.\n- فَضَائِلُ القُرْآنِ، لِلإِمَامِ القَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ الهَرَوِيِّ البَغْدَادِيِّ؛ أَبِي عُبَيدٍ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٢٢٤ هـ)، دَارُ ابْنِ كَثِيرٍ - دِمَشْق، بِتَحْقِيقِ مَرْوَان العَطِيَّة، وَمُحْسِن خرابة، وَوَفَاء تَقِيّ الدِّين.\n- فَيضُ البَارِي عَلَى صَحِيحِ البُخَارِيِّ، لِلشَّيخِ مُحَمَّد أَنْوَر شَاه؛ الكَشْمِيرِي الهِنْدِيّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٣٥٣ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ مُحَمّد بَدر عَالِم الميرتهي.\n- فَيضُ القَدِيرِ شَرْحُ الجَامِعِ الصَّغِيرِ، لِلشَّيخِ عَبْدِ الرَّؤُوفِ المُنَاوِيِّ؛ زَينِ الدِّينِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٠٣١ هـ)، المَكْتَبَةُ التِّجَارِيَّةُ الكُبْرَى - مِصْر.\n- فِتْنَةُ التَّكْفِيرِ، لِلمُحَدِّثِ الإِمَامِ مُحَمَّد نَاصِرِ الدِّينِ الأَلْبَانِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ،","vol":"2","page":663},{"text":" (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢٠ هـ)، دَارُ ابْنِ خُزَيمَةَ - الرِّيَاض، بِإِعْدَادِ عَلِيِّ بْنِ حُسَين أَبُو لَوز.\n- فِقْهُ اللُّغَةِ وَسِرُّ العَرَبِيَّةِ، لِمُؤَلِفِهِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الثَّعَالِبِيِّ؛ أَبِي مَنْصُورٍ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٤٢٩ هـ)، إِحْيَاءُ التُّرَاثِ العَرَبِيِّ، بِتَحْقِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ المَهْدِيِّ.\n- قِصَّةُ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، لِلْمُؤَرِّخِ رَاغِبِ السّرْجَانِي، (مُعَاصِرٌ)، مُؤَسَّسَةُ اِقْرَأ.\n- قَوَاعِدُ التَّحْدِيثِ مِنْ فُنُونِ مُصْطَلَحِ الحَدِيثِ، لِلشَّيخِ مُحَمَّدُ جَمَال الدِّين القَاسِمِيُّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٣٣٢ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ - بَيرُوت.\n- كَشْفُ الأَسْتَارِ عَنْ زَوَائِدِ البَزَّارِ، لِلإِمَامِ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي بَكْر بْنِ سُلَيمَانَ الهَيثَمِيِّ؛ أَبِي الحَسَنِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٨٠٧ هـ)، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، بِتَحْقِيقِ حَبِيبِ الرَّحْمَن الأَعْظَمِيِّ.\n- كَشْفُ الخَفَاءِ وَمُزِيلُ الإِلْبَاسِ، لِلشَّيخِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدَ بْنِ عَبْدِ الهَادِي الجَرَّاحِيِّ العَجْلُونِيِّ؛ أَبِي الفِدَاءِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١١٦٢ هـ)، المَكْتَبَةُ العَصْرِيَّةُ، بِتَحْقِيقِ عَبْدِ الحَمِيدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ هنداوي.\n- كَشْفُ المُشْكِلِ مِنْ حَدِيثِ الصَّحِيحَين، لِلإِمَامِ عَبْدِ الرَّحْمَن بْنِ عَلِيّ بْنِ مُحَمَّدِ الجَوزِيِّ؛ أَبِي الفَرَجِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٥٧٩ هـ)، دَارُ الوَطَنِ - الرِّيَاض، بِتَحْقِيقِ عَلِي حُسَين البَوَّاب.\n- كَلِمَةُ الإِخْلَاصِ وَتَحْقِيقُ مَعْنَاهَا، لِلإِمَامِ الحَافِظِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ رَجَبٍ البَغْدَادِيِّ الحَنْبَلِيِّ (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٩٥ هـ)، المَكْتَبُ الإِسْلَامِيُّ - بَيرُوت.\n- كِتَابُ الإِيمَانِ، لِلإِمَامِ القَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ الهَرَوِيِّ البَغْدَادِيِّ؛ أَبِي عُبَيدٍ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٢٢٤ هـ)، بِتَحْقِيقِ الإِمَامِ مُحَمَّدِ نَاصِرِ الدِّينِ الأَلْبَانِيِّ، مَكْتَبَةُ المَعَارِفِ لِلنَّشْرِ وَالتَّوزِيعِ، الرِّيَاض.","vol":"2","page":664},{"text":"- كِتَابُ التَّعْرِيفَاتِ، لِمُؤَلِّفِهِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الجُرْجَانِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٨١٦ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ - بَيرُوت.\n- كِتَابُ التَّوحِيدِ وَإِثْبَاتِ صِفَاتِ الرَّبِّ ﷿، لِلحَافِظِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيمَةِ؛ أَبِي بَكْرٍ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣١١ هـ)، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ لِلنَّشْرِ وَالتَّوزِيعِ، الرِّيَاض، بِتَحْقِيقِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الشَّهْوَان.\n- كِتَابُ السُّنَّةِ (وَمَعَهُ ظِلَالُ الجَنَّةِ فِي تَخْرِيجِ السُّنَّةِ بِقَلَمِ مُحَمَّدِ نَاصِرِ الدِّينِ الأَلْبَانِيِّ)، لِلحَافِظِ أَحْمَدِ بْنِ عَمْرو بْنِ أَبِي عَاصِمٍ؛ الضَّحَّاكِ بْنِ مَخْلَدٍ الشَّيبَانِيِّ؛ أَبِي بَكْر، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٢٨٧ هـ)، المَكْتَبُ الإِسْلَامِيُّ.\n- كِتَابُ الشَّفَاعَةُ، لِلشَّيخِ المُحَدِّثِ مُقْبِلِ بْنِ هَادِي الوَادِعِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢٢ هـ)، دَارُ الآثَارِ - صَنْعَاء.\n- كِتَابُ الفُرُوعِ (وَمَعَهُ تَصْحِيحُ الفُرُوعِ لِعَلَاءِ الدِّينِ المَرْدَاوِيِّ)، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ مُفْلِحٍ المَقْدِسِيِّ الحَنْبَلِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ اللهِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٣٦ هـ)، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ المُحْسِنِ التُّرْكِيِّ.\n- لُمْعَةُ الاعْتِقَادِ، لِلإمَامِ الفَقِيهِ مُوَفَّق الدِّين؛ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّد بْنِ قُدَامَةَ المَقْدِسِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٦٢٠ هـ)، وَزَارَةُ الشُّؤُونِ الإِسْلَامِيَّةِ وَالأَوقَافِ وَالدَّعْوَةِ وَالإِرْشَادِ - المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ.\n- لِسَانُ العَرَبِ، لِمُحَمَّدِ بْنِ مُكرَّم بْنِ مَنْظُور؛ أَبِي الفَضْلِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧١١ هـ)، دَارُ صَادِر - بَيرُوت.\n- لِسَانُ المِيزَانِ، لِلإِمَامِ الحَافِظِ أَحْمَدِ بْنِ عَلِيّ بْنِ حَجَرٍ؛ أَبِي الفَضْلِ العَسْقَلَانِيِّ الشَّافِعِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٨٥٢ هـ)، مُؤَسَّسَةُ الأَعْلَمِيِّ لِلمَطْبُوعَاتِ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ دَائِرَةُ","vol":"2","page":665},{"text":"المَعَارِفِ النظامية - الهِنْد.\n- مَجْمَعُ الزَّوَائِدِ وَمَنْبَعُ الفَوَائِدِ، لِلإِمَامِ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي بَكْر بْنِ سُلَيمَانَ الهَيثَمِيِّ؛ أَبِي الحَسَنِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٨٠٧ هـ)، مَكْتَبَةُ القُدْسِيِّ، القَاهِرَةَ، بِتَحْقِيقِ حُسَامِ الدِّينِ القُدْسِيِّ.\n- مَجْمُوعَةُ التَّوحِيدِ، لِلشَّيخَين (أَحْمَدِ بْنِ تَيمِيَّةَ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٢٨ هـ)، ومُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٢٠٥ هـ»، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ.\n- مَجْمُوعَةِ التَّوحِيدِ النَّجْدِيَّةِ، لِلشَّيخِ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٢٠٥ هـ)؛ (وَبَعْضٍ مِنْ أَحْفَادِهِ)، مَطْبَعَةُ المَنَارِ - مِصْر، بِإِشْرَافِ السَّيِّدِ مُحَمَّد رَشِيد رِضَا.\n- مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، لِشَيخِ الإِسْلَامِ؛ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الحَلِيمِ بْنِ تَيمِيَّةَ الحَرَّانِيِّ؛ أَبِي العَبَّاسِ؛ تَقِي الدِّينِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٢٨ هـ)، مُجَمَّعُ المَلِكِ فَهْدٍ لِطِبَاعَةِ المُصْحَفِ الشَّرِيفِ، المَدِينَةُ النَّبَوِيَّةُ، المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ، بِاعْتِنَاءِ عَبْدِ الرَّحْمَن بْنِ مُحَمَّد بْنِ قَاسِمٍ.\n- مَجْمُوعُ فَتَاوَى ابْنِ بَاز، لِلعَلَّامَةِ الإِمَامِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَاز، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢٠ هـ)، دَارُ القَاسِمِ - الرِّيَاض، بِإِشْرَافِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ الشويعر.\n- مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ فَضِيلَةِ الشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثَيمِين، لِلشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثِيمِين، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢١ هـ)، دَارُ الوَطَنِ، دَارُ الثُّرَيَّا، بِإِعْدَادِ فَهْدِ بْنِ نَاصِرِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ السُّلَيمَان.\n- مُحَاضَرَاتُ الأُدَبَاءُ وَمُحَاوَرَاتُ الشُّعَرَاءُ وَالبُلَغَاءُ، لِمُؤَلِّفِهِ الحُسَين بْنِ مُحَمَّد؛ أَبِي القَاسِمِ؛ المَعْرُوفِ بِالرَّاغِبِ الأَصْفَهَانِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٥٠٢ هـ)، دَارُ الأَرْقَمِ بْنِ أَبِي الأَرْقَمِ - بَيرُوت.\n- مُخْتَارُ الصِّحَاحِ، لِمُؤَلِّفِهِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ القَادِرِ الرَّازِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ اللهِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٦٦٦ هـ)، المَكْتَبَةُ العَصْرِيَّةُ - الدَّارُ النَّمُوذَجِيَّةُ، بَيرُوت - صَيدَا،","vol":"2","page":666},{"text":"بِتَحْقِيقِ يُوسُف الشَّيخ مُحَمَّد.\n- مُخْتَصَرُ العُلُوِّ لِلعَلِيِّ العَظِيمِ، لِلمُحَدِّثِ الإِمَامِ مُحَمَّد نَاصِرِ الدِّينِ الأَلْبَانِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٢٠ هـ)، المَكْتَبُ الإِسْلَامِيُّ، حَقَّقَهُ وَاخْتَصَرَهُ الشَّيخُ المُحَدِّثُ مُحَمَّد نَاصِر الدِّين الأَلْبَانِيُّ.\n- مَدَارِجُ السَّالِكِينَ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيَّوبَ، ابْنِ قَيِّمِ الجَوزِيَّةِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٥١ هـ)، دَارُ الكِتَابِ العَرَبِيِّ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ مُحَمَّد المُعْتَصِمِ بِاللهِ البَغْدَادِيِّ.\n- مَرَاتِبُ الإِجْمَاعِ فِي العِبَادَاتِ وَالمُعَامَلَاتِ وَالاعْتِقَادَاتِ، لِلإِمَامِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَزْمٍ الأَنْدَلُسِيِّ؛ أَبِي مُحَمَّد، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٤٥٦ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ - بَيرُوت.\n- مِرْعَاةُ المَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ المَصَابِيحِ، لِلإِمَامِ عُبَيدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ الرَّحْمَانِيِّ المُبَارَكْفُورِيِّ؛ أَبِي الحَسَنِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤١٤ هـ)، نَشْرُ إِدَارَةِ البُحُوثِ العِلْمِيَّةِ وَالدَّعْوَةِ وَالإِفْتَاءِ - الجَامِعَةُ السَّلَفِيَّةُ - بَنَارِس الهِنْد.\n- مِرْقَاةُ المَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ المَصَابِيحِ، لِلشَّيخِ الفَقِيهِ مُلَّا عَلِيِّ الهَرَوِيِّ القَارِيّ، أَبِي الحَسَنِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١١٠٤ هـ)، دَارُ الفِكْرِ- بَيرُوت.\n- مَسَائِلُ الإِمَامِ أَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، لِلإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلَ بْنِ هِلَالِ بْنِ أَسَدٍ الشَّيبَانِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ اللهِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٢٤١ هـ)، مَكْتَبَةُ ابْنِ تِيمِيَةَ - مِصْرَ، بِتَحْقِيقِ طَارِق بْنِ عَوض الله بْنِ مُحَمَّد.\n- مُسْنَدُ الإِمَامِ أَحْمَدَ، لِلإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلَ بْنِ هِلَالِ بْنِ أَسَدٍ الشَّيبَانِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ اللهِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٢٤١ هـ)، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، بِتَحْقِيقِ شُعَيبِ الأَرْنَؤُوطِ - عَادِل مرشد، وَآخَرُونَ.\n- مُسْنَدُ البَزَّارِ (البَحْرُ الزَّخَّارُ)، لِلحَافِظِ أَحْمَدَ بْنِ عَمْرو بْنِ عَبْدِ الخَالِقِ العَتَكِيِّ،","vol":"2","page":667},{"text":"المَعْرُوفِ بِالبَزَّارِ؛ أَبِي بَكْرٍ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٢٩٢ هـ)، مَكْتَبَةُ العُلُومِ وَالحِكَمِ - المَدِينَةُ المُنَوَّرَةُ، مَجْمُوعَةٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ.\n- مُسْنَدُ الدَّارِمِيِّ، لِلإِمَامِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيِّ؛ أَبِي مُحَمَّدٍ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٢٥٥ هـ)، دَارُ المُغْنِي لِلنَّشْرِ وَالتَّوزِيعِ، المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السّعُودِيَّةُ، بِتَحْقِيقِ حُسَين سَلِيم أَسَد الدَّارَانِيِّ.\n- مُسْنَدُ الشَّامِيِّين، لِلحَافِظِ سُلَيمَانَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَيُّوبَ؛ أَبِي القَاسِمِ الطَّبَرَانِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣٦٠ هـ)، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ حَمْدِي بْنِ عَبْدِ المَجِيدِ السَّلَفِيِّ.\n- مُسْنَدُ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، لِلحَافِظِ سُلَيمَانَ بْنِ دَاوُدَ بْنِ الجَارُودِ الطَّيَالِسِيِّ البَصْرِيِّ؛ أَبِي دَاوُدَ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٢٠٤ هـ)، دَارُ هجر، بِتَحْقِيقِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ المُحْسِنِ التّركيّ.\n- مُسْنَدُ أَبِي يَعْلَى، لِلإِمَامِ الحَافِظِ أَبِي يَعْلَى؛ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيّ بْنِ المثُنى التَّمِيمِيِّ المَوصِلِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣٠٧ هـ)، دَارُ المَأْمُونِ لِلتُّرَاثِ - دِمَشْقَ، بِتَحْقِيقِ حُسَين سَلِيم أَسَد الدَّارَانِيِّ.\n- مِشْكَاةُ المَصَابِيحِ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الخَطِيبِ التِّبْرِيزِيِّ، أَبِي عَبْدِ اللهِ؛ (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٤١ هـ)، المَكْتَبُ الإِسْلَامِيُّ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ الشَّيخِ مُحَمَّد نَاصِرِ الدِّينِ الأَلْبَانِيِّ ﵀.\n- مُصَنَّفُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، لِلحَافِظِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ هَمَّام الصَّنْعَانِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٢١١ هـ)، المَكْتَبُ الإِسْلَامِيُّ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ حَبِيبِ الرَّحْمَن الأَعْظَمِيِّ.\n- مَعَالِمُ التَّنْزِيلِ فِي تَفْسِيرِ القُرْآنِ (تَفْسِيرُ البَغَوِيِّ)، لِلإِمَامِ مُحْيِي السُّنَّةِ؛ الحُسَينِ بْنِ مَسْعُودٍ؛ أَبِي مُحَمَّدِ البَغَوِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٥١٦ هـ)، دَارُ طِيبَةَ لِلنَّشْرِ وَالتَّوزِيعِ، بِتَحْقِيقِ النمر وضميرية والحرش.","vol":"2","page":668},{"text":"- مَعَالِمُ السُّنَنِ، لِلإِمَامِ الفَقِيهِ حَمَدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الخَطَّابِ البُسْتِيِّ؛ المَعْرُوفِ بِالخَطَّابِيِّ؛ أَبِي سُلَيمَان، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣٨٨ هـ)، المَطْبَعَةُ العِلْمِيَّةُ - حَلَب.\n- مَعَانِي القُرْآنِ، لِلإِمَامِ يَحْيَى بْنِ زِيَادٍ الدَّيلَمِيِّ الفَرَّاءِ؛ أَبِي زَكَرِيَّا، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٢٠٧ هـ)، دَارُ المَصْرِيَّةِ لِلتَّأْلِيفِ وَالتَّرْجَمَةِ - مِصْر، بِتَحْقِيقِ أَحْمَد يُوسُف النَّجَاتِي، وَمُحَمَّد عَلِي النَّجَّار، وَعَبْدِ الفَتَّاحِ إِسْمَاعِيل الشَّلَبِيِّ.\n- مُعْتَقَدِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي أَبَوَي الرَّسُولِ ﵊، لِلشَّيخِ الفَقِيهِ مُلَّا عَلِيِّ الهَرَوِيِّ القَارِيّ، أَبِي الحَسَنِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١١٠٤ هـ)، دَارُ الفِكْرِ- بَيرُوت.\n- مُعْجَمُ المُؤَلِّفِين، لِعُمَر بْنِ رِضَا كَحَّالَة الدِمَشْقِي، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٤٠٨ هـ)، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ العَرَبِيِّ - بَيرُوت.\n- مُعْجَمُ مَقَايِيسِ اللُّغَةِ، لِمُؤَلِّفِهِ أَحْمَدَ بْنِ فَارِس بْنِ زَكَرِيَّا؛ أَبِي الحَسَنِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣٩٥ هـ)، دَارُ الفِكْرِ، بِتَحْقِيقِ عَبْدِ السَّلَامِ مُحَمَّد هَارُون.\n- مَعْرِفَةُ السُّنَنِ وَالآثَارِ، لِلإِمَامِ الحَافِظِ أَحْمَدَ بْنِ الحُسَينِ بْنِ عَلِيٍّ الخُرَاسَانِيِّ، أَبِي بَكْرٍ البَيهَقِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٤٥٨ هـ)، دَارُ قُتَيبَة- بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ عَبْدِ المُعْطِي قَلْعَجِي.\n- مَعْرِفَةُ عُلُومِ الحَدِيثِ، لِلحَافِظِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدٍ النَيسَابُورِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ اللهِ الحَاكِمِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٤٠٥ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ - بَيرُوت، بِتَحْقِيقِ السَّيِّد معظم حُسين.\n- مِفْتَاحُ دَارِ السَّعَادَةِ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيَّوبَ، ابْنِ قَيِّمِ الجَوزِيَّةِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٥١ هـ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ - بَيرُوت.\n- مَقَالَاتُ الإِسْلَامِيِّينَ وَاخْتِلَافُ المُصَلِّينَ، لِلْإِمَامِ أَبِي الحَسَنِ؛ عَلِي بْنِ إِسْمَاعِيلَ الأَشْعَرِيُّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣٢٤ هـ)، المَكْتَبَةُ العَصْرِيَّةُ، بِتَحْقِيقِ نعَيم زَرْزُور.","vol":"2","page":669},{"text":"- مِنْهَاجُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ فِي نَقْضِ كَلَامِ الشِّيعَةِ القَدَرِيَّةِ، لِشَيخِ الإِسْلَامِ؛ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الحَلِيمِ بْنِ تَيمِيَّةَ الحَرَّانِيِّ؛ أَبِي العَبَّاسِ؛ تَقِي الدِّينِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٢٨ هـ)، جَامِعَةُ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ سُعُودٍ الإِسْلَامِيَّةِ، بِتَحْقِيقِ مُحَمَّد رَشَاد سَالِم.\n- مَوسُوعَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي نَقْدِ أُصُولِ فِرْقَةِ الأَحْبَاشِ وَمَنْ وَافَقَهُم فِي أُصُولِهِم، لِلشَّيخِ الفَاضِلِ عَبْدِ الرَّحْمَن بْنِ مُحَمَّد سَعِيد دِمَشْقِيَّة، مَكْتَبَةُ الشَّقَرِي.\n- مِيزَانُ الاعْتِدَالِ فِي نَقْدِ الرِّجَالِ، لِلحَافِظِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ قَايمازَ الذَّهَبِيِّ؛ أَبِي عَبْدِ اللهِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٤٨ هـ)، دَارُ المَعْرِفَةِ لِلطِّبَاعَةِ وَالنَّشْرِ، بَيرُوت - لُبْنَان، بِتَحْقِيقِ عَلِي مُحَمَّد البجاوي.\n- نَيلُ الأَوطَارِ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّوكَانِيِّ اليَمَنِيِّ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٢٥٠ هـ)، دَارُ الحَدِيثِ - مِصْر، بِتَحْقِيقِ عِصَامِ الدِّينِ الصَّبَابطي.\n- هَذِهِ مَفَاهِيمُنَا، لِلشَّيخِ العَلَّامَةِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ آلِ الشَّيخِ، (مُعَاصِرٌ)، إِدَارَةُ المَسَاجِدِ وَالمَشَارِيعِ الخَيرِيَّةِ - الرِّيَاض.","vol":"2","page":670}]}